أمالي المرتضى
للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي
الجزء الأول
تحقيق
محمد أبو الفضل إبراهيم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة
١ - الشريف المرتضى(١)
كانت بغداد في القرن الرابع الهجري موئل العلم، ومثابة العلماء، وملتقى الكتّاب والشعراء والأدباء، فيها غنيت ساحات الخلفاء والملوك والرؤساء بفنون المناظرة والمساجلة والجدل، وعمرت المكتبات بألوف الكتب المؤلفة والمترجمة، المطوّلة والمختصرة؛ وغصّت دور العلماء وحلقات الدروس بطلاّب الأدب، وروّاد العلم والمعرفة من شتى الجهات.
وكان للكثير من ملوك بني بويه من لطافة الحسّ، وركانة الطبع، ورهافة الذوق،
____________________
(١) مصادر الترجمة: دمية القصر ٧٥ - ٧٦.
أمل الآمل ٤٨٦ - ٤٨٧. الرجال لأبي العباس النجاشي ١٩٢ - ١٩٣.
إنباه الرواة ٢: ٢٤٩ - ٢٥٠. روضات الجنات ٣٧٤ - ٣٧٨.
بغية الوعاة ٣٣٥ - ٣٣٦. سير النبلاء للذهبي ج ١١ قسم ١ ص ١٣١.
تاريخ ابن الأثير ٨: ٤٠ - ٤١. شذرات الذهب ٣: ٢٥٦ - ٢٥٨.
تاريخ الإسلام للذهبي (وفيات ٤٣٦). الفهرست لأبي جعفر الطوسي ٩٧ - ١٠٠.
تاريخ بغداد ١١: ٤٠٢ - ٤٠٣. لسان الميزان ٤: ٢٢٣ - ٢٢٤.
تاريخ أبي الفداء ٢: ١٦٧. مرآة الجنان ٣: ٥٥ - ٥٧.
تاريخ ابن كثير ١٢: ٥٣. معالم العلماء لابن شهراشوب ٦٠ - ٦٣.
تتمة اليتيمة ١: ٥٣ - ٥٦. معجم الأدباء ١٣ - ١٤٦ - ١٥٧.
جمهرة الأنساب لابن حزم ٥٦ - ٥٧. المنتظم (وفيات ٤٣٦).
ابن خلكان ١: ٣٣٦ - ٣٣٨. النجوم الزاهرة ٥: ٣٩.
ورجاحة العقل ما هيّأ لهم أن يكونوا كتّابا أو شعراء؛ وما دفع بعضهم للمشاركة في العلوم، والأخذ بنصيب من أطراف الفنون؛ فحدبوا على العلماء، وأغدقوا على الشعراء؛ وعرفوا للأدباء أقدارهم؛ فولّوهم الوزارة والإمارة والقضاء في كثير من الأحايين.
وكانوا أيضا من شيعة عليّ، وعلى هوى أحفاده من أبناء الحسن والحسين، فخصّوهم بالتكرمة، ومنحوهم أرفع المناصب، وأدنوهم من نفوسهم، وقرّبوهم في مجالسهم، وظاهروهم في المناظرة، ودفعوهم إلى الجهر بالرأي والإدلاء بالحجة؛ وكانوا لهم ردءا حين يحتدم الجدل، ويشتد اللّداد بينهم وبين أهل السّنة؛ ومن يشدّ أزرهم من الأتراك وخلفاء بني العباس.
في هذه الحقبة النادرة في تاريخ العلوم، وفي هذا العصر الحالي بأزاهير الفنون والآداب، وفي تلك الدولة التي قام في أكنافها العلماء والشعراء والأدباء؛ عاش الشريف المرتضى عليّ ابن الحسين، وأخوه الشريف الرّضي محمد بن الحسين، واتخذا مكانهما بين ذوي المثالة، وأعيان الشرف والفضل من الأعلام؛ فكان المرتضى عالما فقيها متكلّما، خبيرا بقرض الشعر، بصيرا بمذاهب الكلام، وكان الرّضي شاعرا مطبوعا متصرّفا، وكاتبا بارعا رائق الديباجة صافي الأسلوب، مشاركا في التأليف والتصنيف؛ وقضيا حياتهما مرعيّي الجانب؛ رفيعي المنزلة؛ مرموقي المحلّ عظيمي الخطر والجاه عند خلفاء بني العباس، والملوك من بني بويه على السواء.
***
وكانا ينزعان إلى أعرق المناصب، وأطيب النّجار، نجلهما أبو أحمد الحسين بن موسى ابن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ وأنجبتهما فاطمة بنت الحسين بن الحسن الناصر الأطروش، صاحب الديلم، وشيخ الطالبيّين وعالمهم وشاعرهم.
وكان أبو أحمد من ذوي النباهة والصيت عند بني بويه، ولقّبه بهاء الدولة أبو نصر ابن بويه بالطاهر الأوحد؛ كما كان من ذوي القدر والجاه عند بني العباس؛ وولّوه النظر في المظالم ونقابة الطالبيّين مرات؛ كان يقوم بالسفارة بينهم وبين آل بويه أحيانا، وبين الحمدانيّين أحيانا، فمحض النصح، وبصّر بمناهج الرشد، وأبدى الرأي الأصيل؛ وظفر بالمكانة منهم جميعا. ومات في سنة ٤٠٠. وقد رثاه أبو العلاء المعرّي بقصيدته المشهورة:
أودى فليت الحادثات كفاف |
مال المسيف وعنبر المستاف(١) |
||||
الطّاهر الآباء والأبناء والآ |
راب والأثواب والألاّف |
||||
رغت الرّعود وتلك هدّة واجب |
جبل هوى من آل عبد مناف(٢) |
||||
بخلت فلما كان ليلة فقده |
سمح الغمام بدمعه الذرّاف |
||||
ويقال إن البحر غاض وإنها |
ستعود سيفا لجّة الرّجّاف(٣) |
||||
ويحقّ في رزء الحسين تغيّر الحرسين، بله الدرّ في الأصداف(٤)
وفيها يذكر الشريفين ويعزيهما:
ولقيت ربّك فاستردّ لك الهدى |
ما نالت الأيام بالإتلاف |
|
وسقاك أمواه الحياة مخلّدا |
وكساك شرخ شبابك الأفواف |
|
أبقيت فينا كوكبين سناهما |
في الصّبح والظّلماء ليس بخاف |
|
متأنّقين وفي المكارم ارتعا |
متألّقين بسؤدد وعفاف |
|
قدرين في الإرداء، بل مطرين في الـ |
إجداء، بل قمرين في الإسداف |
____________________
(١) سقط الزند ١٢٦٤ - ١٣٢٠. كفاف، أي ليت الحوادث كفت الأذى. والمسيف: من ذهب ماله. والمستاف: الشّام.
(٢) الهدة: صوت الشيء الساقط، والواجب: الساقط؛ ويقال إن المرثى مات في ذات ليلة برق ورعد ومطر.
(٣) السيف: الساحل. والرجاف: من نعوت البحر.
(٤) الحرسان: اسم الليل والنهار.
رزقا العلاء فأهل نجد كلّما |
نطقا الفصاحة مثل أهل دياف(١) |
|
ساوى الرّضي المرتضى وتقاسما |
خطط العلى بتناصف وتصاف |
وفي آخرها يقول:
يامالكي سرح القريض أتتكما |
منّي حمولة مسنتين عجاف(٢) |
|
لا تعرف الورق اللّجين وإن تسل |
تخبر عن القلاّم والخذراف(٣) |
|
وأنا الّذي أهدى أقلّ بهارة |
حسنا لأحسن روضة مئناف(٤) |
وبعد موته انتقلت وظائفه إلى الشريف الرضي، ولما مات آلت إلى الشريف المرتضى.
***
وكان مولد الشريف المرتضى ببغداد في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة(٥) ، وفيها تلقّى العلم وشغل به في جميع أدوار حياته؛ وكان أول عهده بالمدارسة والتأدب على الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد، ذهبت به أمه إليه مع أخيه الرضي؛ وهما في سن الحداثة، وقبل أن يجاوزا حدّ الصغر؛ فأخذا عنه، وتخرّجا عليه. ثم صحب المرتضى غيره من العلماء، وورد شرعتهم، وحمل عنهم؛ مثل سهل بن أحمد الديباجي، وأبي عبيد الله المرزباني، وأبي الحسن الجندي، وأحمد بن محمد بن عمران الكاتب، وغيرهم.
ويبدو من تقصّي أخباره؛ ومطالعة ما وصل إلينا من كتبه ورسائله أن أعظم الشيوخ الذين تأدب بهم وأفاد منهم هما الشيخ المفيد وأبو عبد الله المرزباني.
____________________
(١) دياف: موضع فيه نبط لا فصاحة لهم.
(٢) السرح في الأصل: المال الراعي، والمسنت: الّذي أصابته السنة؛ أي القحط. والعجاف: المهازيل.
(٣) اللجين: ورق الشجر يخلط بالنوى المرضوض، ويلجن بعضه ببعض، وهو من علف أهل الأمصار. والقلام والحذراف: من الحمض؛ وهو علف أهل البادية.
(٤) الروضة المئناف: التي لم ترع بعد.
(٥) الفهرست لأبي جعفر الطوسي ١٠٠.
فأما الشيخ المفيد فقد كان رأسا من رءوس الشيعة؛ وعلما من أعلامهم؛ لا يدرك شأوه فيهم؛ وإليه انتهت رئاسة الإمامية في عصره، وفي كتبه حفظت أقوالهم وآراؤهم وشروحهم وتأويلاتهم؛ وعنه تلقى السيد المرتضى الفقه والأصول والتفسير وعلم الكلام؛ ثم استقل بالرأي فيما بعد؛ ووضع في ذلك الكثير من الكتب والرسائل والمقالات.
وأما المرزباني فقد كان إماما من أئمة الأدب؛ وشيخا من شيوخ المعتزلة، وعلما من أعلام الرواية؛ وكانت داره مقصد العلماء والمتأدبين؛ مهيّأة بالكتب والورق والمداد؛ معدّة للطعام والراحة والنوم؛ فكان يأخذ عمّن يزوره من العلماء؛ ويقرأ لمن يجلس إليه من الطلاب، وفيما بين ذلك يؤلف الكتب ويصنفها؛ ومعظم ما رواه السيد المرتضى في كتاب الغرر من الشعر واللغة والأخبار ممّا تلقاه عليه، ورواه عنه.
ولما علت به السنّ، وخلع عن منكبه رداء الشباب عكف في منزله مخلدا إلى القراءة والدرس؛ واستنزف أيامه في التحصيل والتأليف، مؤثرا مجالسة العلماء والمستفيدين على مخالطة الرؤساء وذوي السلطان؛ بل إنه زهد فيما ورّث أبوه من نقابة الطالبيين، والنظر في المظالم، وآثر بها أخاه الرضي - وكان أصغر منه - ليرضى ما كانت تنزع إليه همة أخيه من الرغبة في سني المطالب وبلوغ الأقدار؛ ويقضي حاجة نفسه من الانقطاع إلى العلم، والخلوة إلى القراءة والدرس؛ ولم يتولّ شيئا من هذه المناصب إلا بعد وفاة أخيه.
وأعانه على ما يبغي ما تهيأ له من مكتبة عريضة واسعة؛ تحوي ما عرف من الكتب في حياته؛ ذكر الثعالبي أنها قوّمت بعد وفاته بثلاثين ألف دينار، وقدرت بثمانين ألف مجلد، بعد أن أهدى منها ما أهدى إلى الرؤساء والوزراء.
وكان السيد المرتضى في نعمة سابغة، وخير كثير، وثروة قلّ أن تتهيأ لمثله من العلماء؛ روي أنه كانت له ثمانون قرية بين بغداد وكربلاء، يشقها نهر ينتهي إلى الفرات؛ وكانت السفن تسير فيه غادية رائحة، تحمل السّفر والزوار؛ وخاصة في موسم الحجيج؛ وكان لهم فيما يساقط
من ثمار الأشجار العاطفة على النهر؛ فاكهة موقوفة عليهم، ولغيرهم ممن تحمل السفن؛ وقدّروا ما تغلّه هذه القرى بأربعة وعشرين ألف دينار في العام.
وقد تمكّن بفضل هذه الثروة من أن يعيش في داره مكفول الرّزق، مقضي الحاجات، لا يشغله ما يشغل غيره من شئون الدنيا ومطالب الحياة؛ ولا يصرفه شيء عن القراءة والدرس والتصنيف والفتيا؛ بل إنه تمكن من أن يقضي حاجة قلبه من البرّ بالناس، ومواصلتهم، والعطف عليهم؛ وخاصة من كان يمت إلى العلم بصلة، أو يدلي إليه برحم ماسّة، فكان منزله دارا للضيافة، ومدرسة للتعلم والمدارسة، ينقطع فيه التلاميذ والطلاب والمريدون، ويستروح في رحابه الوافدون من شتى الجهات، بعد أن يكون قد أدماهم السير وأكلّهم السّرى؛ بل إنه جعل للكثير من تلاميذه مرتبات منظمة؛ وحبوسا موقوفة عليهم؛ كان أبو جعفر الطوسي(١) من تلاميذه المنقطعين إليه، فأجرى عليه اثنى عشر دينارا في كل شهر، في ثلاثة وعشرين عاما قضاها في صحبته إلى أن مات، وكذلك رتب للقاضي عبد العزيز بن البراج(٢) ثمانية عشر دينارا في الشهر؛ وغيرهما كثير. ووقف قرية كاملة؛ يجري خيرها على كاغذ للفقهاء خاصة؛ رغبة في النفع، وبثّ العلم في الناس.
وروي أنه أصاب الناس قحط شديد فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوت يحفظ نفسه ففزع إليه؛ وشفاعته الرغبة في العلم. واستأذنه أن يقرأ عليه شيئا من علم النجوم؛ فأذن له، وأمر بجائزة تجري عليه في كل يوم، فقرأ عليه برهة ثم أسلم.
ومن هذه البابة أيضا ما حكاه ابن خلكان عن أبي زكريا التبريزي أن أبا الحسن على ابن أحمد بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد في غاية الجودة)
____________________
(١) هو محمد بن علي بن جعفر الطوسي، ولد سنة ٣٨٥، ولزم الشيخ المفيد وتخرج عليه ولما مات سنة ٤١٣؛ لزم السيد المرتضى إلى أن مات، ثم استقل بالإمامة بعده، وتوفي سنة ٤٠٦.
(٢) هو عبد العزيز بن نحرير بن البراج؛ ولد بمصر ونشأ بها؛ ورحل إلى طرابلس وولي قضاءها مدة، وتوفي سنة ٤٨١.
فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى بستين دينارا، وتصفحها فوجد بها أبياتا بخط بائعها أبي الحسين الفالي؛ وهي:
أنست بها عشرين حولا وبعتها |
لقد طال وجدي بعدها وحنيني |
|
وما كان ظني أنني سأبيعها |
ولو خلّدتني في السجون ديوني |
|
ولكن لضعف وافتقار وصبية |
صغار عليهم تستهلّ شئوني |
|
فقلت ولم أملك سوابق عبرة |
مقالة مكوي الفؤاد حزين |
|
(وقد تخرج الحاجات ياأم مالك |
كرائم من ربّ بهن ضنين) |
فأرجع إليه النسخة؛ وترك الدنانير؛ جريا على عادته من صلته أهل العلم، وبره بهم.
***
وقد اجتمع إليه من فنون العلوم وضروب الآداب ما قلّ أن يجتمع لسواه؛ وضرب فيها جميعها بسهم وافر؛ فكان فقيها انتهت إليه رئاسة الإمامية في عصره؛ بعد أن درس الأصول، ومحّض الحقائق، واستخرج المسائل، ونصب نفسه بعد ذلك للفتيا، فشدّت إليه الرحال، ووفدت إليه الناس من كل صقع، ووضع لكلّ كتابا؛ فهذه المسائل الديلمية، وتلك المسائل الطوسية، وهذه المسائل المصرية والموصلية وهكذا. وحذق علم الكلام وأصول الجدل، فحاجّ النظراء والمتكلمين، وناظر المخالفين؛ وكتابه الشافي حجة على طول باعه في الجدل. وله في تفسير القرآن وتأويل الكتاب ما كشف به عن بحر لا يسبر غوره؛ ولا ينال دركه؛ وقد حفظ من أخبار العرب وأشعارهم ولغتهم ما جعله في الرعيل الأول من الرواة والحفاظ والأدباء؛ وبكل هذا كان إمام عصره غير مدافع؛ قال ابن بسام: (كان هذا الشريف إمام أئمة العراق، بين الاختلاف والاتفاق؛ إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها؛ مما سارت أخباره، وعرفت أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره؛ إلى تواليفه في الدين، وتصانيفه في أحكام المسلمين، ممن يشهد أنه قرع
تلك الأصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل(١) ).
وكان بعد هذا شاعرا، وله ديوان شعر؛ قال ابن شهراشوب: إنه يربى على عشرين ألف بيت، وذكر بروكلمان أن هناك نسخة منه من مكتبة مشهد. وقد أورد المرتضى طائفة منه في كتاب الغرر، والشهاب، وطيف الخيال، وذكر الثّعالبي فى تتمة اليتيمة، والباخرزي في دمية القصر قدرا منه، فمن قوله:
أحبّ ثرى نجد، ونجد بعيدة |
ألا حبذا نجد وإن لم تفد قربا!(٢) |
|
يقولون: نجد لست من شعب أهلها |
وقد صدقوا لكنني منهم حبا |
|
كأني وقد فارقت نجدا شقاوة |
فتى ضلّ عنه قلبه ينشد القلبا |
ومنه:
ياخليلي من ذؤابة قيس |
في التصابي رياضة الأخلاق(٣) |
|
عللاني بذكرهم تطرباني |
واسقياني دمعي بكأس دهاق |
|
وخذا النوم من جفوني فإني |
قد خلعت الكرى على العشاق(٤) |
ومنه في الرثاء:
كأني لما صك سمعي نعيّه |
صككت بمسنون الغرارين قاضب |
|
طواه الردى طي الرداء وعطّلت |
مغاني الحجا عنه وغر المناقب |
|
ولما بلوت الأصدقاء وودّهم |
خلصت إليه من خلال التجارب |
وسئل إجازة بيت أبي دهبل الجمحي:
وأبرزتها من بطن مكة عند ما |
أصات المنادي بالصلاة فأعتما(٥) |
____________________
(١) ابن خلكان: ٣٣٦.
(٢) تتمة اليتيمة ١: ٥٤.
(٣) تتمة اليتيمة ١: ٥٥، وابن خلكان ١: ٣٣٧.
(٤) روى ابن خلكان أنه لما وصلت هذه الأبيات إلى البصري الشاعر قال: (المرتضى قد خلع ما لا يملك على من لا يقبل).
(٥) الغرر ١: ١١٥.
فقال:
فطيّب سراها المقام وضوّأت |
بإشراقها بين الحطيم وزمزما |
|
فيا رب إن لقّيت وجها تحيّة |
فحي وجوها بالمدينة سهّما |
|
تجافين عن مسّ الدهان وطالما |
عصمن عن الحناء كفّا ومعصما |
|
وكم من جليد لا يخامره الهوى |
شننّ عليه الوجد حتى تتيّما |
|
أهان لهن النّفس وهي كريمة |
وألقى إليهنّ الحديث المكتّما |
|
تسفهت لما أن مررت بدارها |
وعوجلت دون الحلم أن تتحلّما |
|
فعجت تقرّى دارسا متنكرا |
وتسأل مصروفا عن النطق أعجما |
|
ويوم وقفنا للوداع وكلّنا |
يعدّ مطيع الشوق من كان أحزما |
|
نصرت بقلب لا يعنّف في الهوى |
وعين متى استمطرتها قطرت دما |
وتوفي الشريف المرتضى في ربيع الأول سنة ٤٣٦، وصلى عليه ابنه، ودفن فى داره، ثم نقل إلى المشهد الحسيني بكربلاء.
٢ - مؤلّفاته(١)
١ - (إبطال القياس)؛ ذكره الذهبي في سير النبلاء.
٢ - (الانتصار في الفقه)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب، وسمياه (الانفرادات في الفقه)، وطبع ضمن مجموعة الجوامع الفقهية لمحمد بن باقر بطهران سنة ١٢٧٦، وطبع منفردا سنة ١٣١٥.
٣ - (إنقاذ البشر من القضاء والقدر)، ذكره ابن شهراشوب، وطبع في النجف ١٩٣٥، وطهران ١٣٥٠.
٤ - (البرق)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب، وسماه (المرموق في أوصاف البروق).
٥ - (تتبع الأبيات التي تكلم عنها ابن جني في إثبات المعاني للمتنبي). ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٦ - (تتمة أنواع الأعراض من جمع أبي رشيد النيسابوري)(١) ، ذكره ابن شهراشوب.
٧ - (تفسير الخطبة الشقشقية)، نقله صاحب روضات الجنات عن كتاب رياض العلماء.
٨ - (تفسير قصيدة السيد الحميري) المعروفة بالقصيدة المذهبة، وهي القصيدة البائية في مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وتبلغ ١٧ بيتا، مطلعها:
____________________
(١) اقتصرت في سرد كتب المرتضى هنا على ما ذكر أبو العباس النجاشي في كتاب الرجال، وأبو جعفر الطوسي في كتاب الفهرست، وابن شهراشوب في كتاب معالم العلماء، وما لم يذكره واحد من هؤلاء ذكرته منسوبا إلى مصدره.
هلاّ وقفت على المكان المعشب |
بين الطويلع فاللّوى من كبكب |
ذكرها أبو جعفر الطوسي، والنجاشي، وابن شهراشوب. وطبعت مع الشرح بمصر سنة ١٣١٣ بعنوان: (القصيدة الذهبية).
٩ - (تفسير قوله تعالى:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ) )، ذكره النجاشي.
١٠ - (تفسير قوله تعالى:( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ ) )، ذكره النجاشي.
١١ - (تفسير سورة الحمد، وقطعة من سورة للبقرة)، ذكره النجاشي.
١٢ - (تقريب الأصول)، ذكره النجاشي.
١٣ - (تكملة الغرر والدرر)، ذكره ابن شهراشوب.
١٤ - (تنزيه الأنبياء)، ذكره أبو جعفر الطوسي وابن شهراشوب. وطبع بالمطبعة الحيدرية في النجف سنة ١٣٥٢.
١٥ - (جمل العلم والعمل)، ذكره أبو جعفر الطوسي، والنجاشي، وابن شهراشوب.
١٦ - (جواب الملحدة في قدم العالم من أقوال المنجمين)، ذكره ابن شهراشوب.
١٧ - (الحدود والحقائق) ذكره ابن شهراشوب.
١٨ - (الخطبة المقمصة)، ذكره ابن شهراشوب.
١٩ - (الخلاف في أصول الفقه)، ذكره النجاشي، وابن شهراشوب.
٢٠ - (ديوان شعره)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب على ما ذكره بروكلمان أنه منه نسخة مخطوطة في مكتبة مشهد.
٢١ - (الذخيرة في الأصول)، ذكره أبو جعفر الطوسي، والنجاشي، وابن شهراشوب.
٢٢ - (الذريعة في أصول الفقه)، ذكره أبو جعفر الطوسي، والنجاشي، وابن شهراشوب.
٢٣ - (الرد على يحيى بن عدي في اعتراض دليل الموجد في حدث الأجسام)، ذكره النجاشي، وابن شهراشوب.
٢٤ - (الرد على يحيى بن عدي في مسألة سماها طبيعة المسلمين)؛ ذكره النجاشي.
٢٥ - (الرسالة الباهرة في العثرة الطاهرة) ذكره ابن شهراشوب.
٢٦ - (رسالة في المحكم والمتشابه)، منقول من تفسير النعماني؛ ذكره ابن شهراشوب.
٢٧ - (الشافي في الإمامة والنقض على كتاب المغني للقاضي عبد الجبار بن أحمد)، ذكره أبو جعفر الطوسي وقال: (إنه لم يؤلف مثله في الإمامة)، وذكره أيضا النجاشي، وابن شهراشوب. وقد اختصره أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠، وطبع الكتاب والمختصر في العجم سنة ١٣٠١ في جزءين.
٢٨ - (شرح مسائل الخلاف)، ذكره النجاشي.
٢٩ - (الشهاب في الشيب والشباب)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب، وطبع بمطبعة الجوائب سنة ١٣٠٢.
٣٠ - (طيف الخيال)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب، ومنه نسخة مصورة بدار الكتب المصرية رقم ١٠٣١٣ ز، عن النسخة المحفوظة بمكتبة الأسكوريال.
٣١ - (غرر الفوائد ودرر القلائد)، ذكره أبو جعفر الطوسي، والنجاشي، وابن شهراشوب، وقد اختصره عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم العلائقي، وسماه (غرر الغرر، ودرر الدرر)، وأكمل هذا المختصر في سنة ٧١٦، ومنه نسخة خطية في مكتبة طهران؛ ذكره بروكلمان.
٣٢ - (الفرائض في نصر الرواية، وابطال القول بالعدد)، ذكره ابن شهراشوب.
٣٣ - (الفقه الملكي)، ذكره ابن شهراشوب.
٣٤ - (الكلام على من تعلق بقوله:( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ) )، ذكره النجاشي.
٣٥ - (ما تفرد به الإمامية)، ذكره النجاشي، وابن شهراشوب.
٣٦ - (مسائل آيات)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٣٧ - (مسائل أهل مصر الأولى والأخيرة)، ذكره أبو جعفر الطوسي، والنجاشي.
٣٨ - (مسائل البادريات) ذكره النجاشي.
٣٩ - (المسائل التبانيات)، ذكره النجاشي، وابن شهراشوب.
٤٠ - (المسائل الجرجانية)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٤١ - (المسائل الحلبية الأولى والأخيرة)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٤٢ - (مسائل الخلاف في الفقه)، لم يتمه؛ ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب؛ وذكر بروكلمان أن منه نسخة في مكتبة مشهد (ضمن مجموعة).
٤٣ - (المسائل الرازية) ١٤ مسألة، ذكره ابن شهراشوب.
٤٤ - (المسائل الرمليات)، ذكره النجاشي.
٤٥ - (المسائل السلارية)، ذكره ابن شهراشوب؛ وذكر بروكلمان أن منه نسخة مخطوطة في مكتبة مشهد (ضمن مجموعة).
٤٦ - (المسائل الصيداوية)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٤٧ - (المسائل الطبرية)، ذكر بروكلمان أن منه نسخة في مكتبة مشهد، وذكره أيضا الكنتوري في كشف الحجب.
٤٨ - (المسائل الطرابلسية الأولى والأخيرة)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٤٩ - (المسائل الطوسية)، لم يتم. ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٥٠ - (المسائل المحمديات)، ذكره النجاشي.
٥١ - (مسائل مفردات من أصول الفقه) ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٥٢ - (مسائل مفردات)، نحو مائة مسألة في فنون شتى، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٥٣ - (المسائل الموصلية الثلاثة)، ذكره أبو جعفر الطوسي، والنجاشي، وابن شهراشوب.
وذكر بروكلمان أن منها نسخة مخطوطة في مكتبة مشهد (ضمن مجموعة).
٥٤ - (مسائل ميافارقين)، ذكره ابن شهراشوب، وذكر بروكلمان أن منه نسخة مخطوطة في النجف، في مكتبة خاصة، وأخرى في مكتبة مشهد (ضمن مجموعة).
٥٥ - (المسائل الناصرية في الفقه)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
وقد طبع هذا الكتاب مع كتاب) الجوامع الفقهية) لمحمد بن باقر في طهران ١٢٧٦.
٥٦ - (مسألة في الإرادة)، ذكره النجاشي.
٥٧ - (مسألة في دليل الخطاب)، ذكره النجاشي.
٥٨ - (مسألة في التأكيد)، ذكره النجاشي.
٥٩ - (مسألة في التوبة)، ذكره النجاشي.
٦٠ - (مسألة في قتل السلطان) ذكره النجاشي.
٦١ - (مسألة في كونه تعالى عالما)، ذكره النجاشي.
٦٢ - (مسألة في المتعة)، ذكره النجاشي.
٦٣ - (المصباح في أصول الفقه)، لم يتمه ذكره أبو جعفر الطوسي والنجاشي، وابن شهراشوب.
٦٤ - (المقنع في الغيبة)، ذكره أبو جعفر الطوسي، والنجاشي، وابن شهراشوب.
٦٥ - (الملخص في الأصول)، ذكره أبو جعفر الطوسي، والنجاشي، وابن شهراشوب.
٦٦ - (المنع في تفضيل الملائكة على الأنبياء)، ذكره ابن شهراشوب.
٦٧ - (الموضح عن وجه إعجاز القرآن)، ذكره أبو جعفر الطوسي، والنجاشي، وسمياه (كتاب الصرفة)، وذكره أيضا ابن شهراشوب.
٦٨ - (نقض الرواية، وإبطال القول بالعدد)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وذكره أيضا ابن شهراشوب، وسماه (مختصر الفرائض في قصر الرواية وإبطال القول بالعدد) وذكر بروكلمان أن منه نسخة مخطوطة في مكتبة مشهد (ضمن مجموعة).
٦٩ - (النقض على ابن جني في الحكاية والمحكي)، ذكره أبو جعفر الطوسي، وابن شهراشوب.
٧٠ - (نكاح أمير المؤمنين ابنته من عمر)، ذكره ابن شهراشوب.
٧١ - (الوعيد)، ذكره النجاشي.
٣ - أمالي المرتضى
وحيثما يستعرض الباحث كتب العربية النفيسة التي حوت ألوان المعارف، وزخرت بأشتات الطرائف، وحفظت بين دفتيها نتاج القرائح، وحقائق السير والتاريخ والأخبار، ونصوص الشعر واللغة والغريب فإنه بلا مراء يعد منها كتاب أمالي المرتضى - أو كما يسميه مؤلفه غرر الفوائد ودرر القلائد - وينظمه في العقد الّذي يضم كتاب الكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والعقد لابن عبد ربه، والأغاني لأبي الفرج، وغيرها من الكتب التي حلّقت في سماء الآداب العربية كالنجوم، وأرست قواعدها كالأطواد، وعمرت بها مجالس العلماء وسوامر الأدباء؛ وتدارسها المتأدبون جيلا بعد جيل؛ وتداولها النساخ، وعدّت في مكتبات الدارسين من أكرم الذخائر وأنفس الأعلاق.
وهي مجالس مختلفة، أملاها في أزمان متعاقبة؛ تنقل فيها من موضوع إلى موضوع، ومن غرض إلى آخر؛ اختار بعض آي القرآن الكريم؛ مما يغمّ تأويله على الخاصة، بله العامة؛ ويدور حولها السؤال، ويثار الاستشكال؛ وعالج تأويلها وتوجيهها على طريقة أصحابه من المعتزلة، أو أصحاب العدل كما كان يسميهم؛ وحاول جهده أن يوفّق بين تأويل الآيات المتشابهة، وما دار على ألسنة العرب من نصوص الشعر واللغة؛ وفي هذا أبدى تفوقا عجيبا؛ وأبان عن ذهن وقّاد، وذكاء متلهب، وبصر نافذ؛ وأعانه فيما فسّر وأوّل ووجّه وفرة محفوظه من الشعر واللغة ومأثور الكلام. وكان الطابع الّذي يغلب عليه عرض الوجوه المختلفة؛ والآراء المحتملة، مجوّزا في ذلك إمكان الأخذ بالآراء جميعا.
وترجع قيمة ما عرض له الشريف في هذه المجالس من تأويل الآيات إلى أنها تعدّ صورة لتفسير القرآن الكريم عند علماء المعتزلة؛ مما لم يصل إلينا من كتبهم إلا القليل النادر.
واختار أيضا طائفة من الأحاديث التي يختلف العلماء في تأويلها؛ ويبدو التعارض فيما
بينها وحاول تفسيرها وتأويلها؛ بالمنهج الّذي عالج به تأويل آي القرآن؛ مستعينا بشواهد الشعر واللغة؛ موضحا مذهب أصحابه من أهل العدل؛ مدليا بحجتهم على من خالف تأويلهم من جماعة أهل السنة، أو أهل الجبر كما كان يسميهم؛ وناقش ابن قتيبة وأبا عبيد القاسم بن سلام وابن الأنباري في ذلك على الخصوص.
ثم عرض لمسائل في علم الكلام مما اشتجر فيها الرأي، ودار حولها الجدل؛ واصطرعت الأقلام، وأقيمت المناظرات؛ مثل القول برؤية الله، وخلق أفعال العباد؛ وإرادة الله للقبائح، والقول بوجوب الأصلح، وقرر رأي أصحابه؛ وحاجّ عنهم، واحتج على خصومهم؛ وكان فيما جادل وناقش رفيقا في الجدل عفيفا في المقال.
وأودع في الكتاب بجانب ما بسط من تأويل الآيات والأحاديث وعرض المسائل مختارات من المصطفى المنخول من الشعر وحرّ الكلام؛ تناولها بالشرح والنقد والموازنة، وذكر صدرا من تراجم الشعراء والعلماء والأدباء وأصحاب الأهواء والآراء الخاصة؛ وأورد طائفة من أشعارهم وأقوالهم ونوادرهم، ثم استروح بذكر فيض من الطرائف النادرة، والأجوبة الحاضرة المسكتة، والأفاكيه الرفيعة؛ معتمدا فيما أورده على ما وصل إليه من كتب الجاحظ وابن قتيبة والمبرد وأبي حاتم والآمدي وغيرهم، أو ما رواه عن شيوخه، وأبي عبيد الله المرزباني على الخصوص.
واختار أيضا بعض الموضوعات التي كانت مقاصد شعراء العربية في الجاهلية وصدر الإسلام؛ كالمدائح والأهاجي والمراثي والسير ووصف الشيب والطيف وغيرها، وأورد ما قاله الشعراء فيها؛ ووازن بين الكثير منها، وتناولها بالنقد في كثير من الأحيان.
وبهذه الفنون المتنوعة؛ والفصول المختلفة؛ والمباحث الجليلة اجتمع للكتاب ميزة كبرى بين الكتب العربية؛ وعدّ مصدرا ينقل عنه العلماء، ويحتج به الأدباء؛ ويرد شرعته القارءون على ممرّ الأجيال.
***
ويبدو أن هذه المجالس أملاها الشريف في داره على تلاميذه ومريديه؛ في أزمنة مختلفة متعاقبة؛ لم يصل العلم إلى التاريخ الّذي بدأها فيه؛ ولكن الثابت أنه فرغ من إملائها يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة؛ كما ذكره الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري في آخر نسخته.
أما الزيادات التي في آخر الكتاب؛ وهي التي عرفت بتكملة الغرر فهي طائفة أخرى من المسائل التي اختارها فيما كان يعرض له في مجالسه فيما بعد؛ وأشار بأن تضاف إلى الكتاب، للتشابه بينهما في المنهج والمنحى؛ وبهذه التكملة يتم الكتاب.
٤ - نسخ الكتاب
١ - نسخة كتبت في سنة ٥٦٧، ووقعت في ملك الحسين بن أبي عبد الله بن إبراهيم الخومجاني، وقرأها على فضل الله بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن الحسين، وأجاز له روايتها بتاريخ ٥٦٨ عنه، عن شيخه عبد الرحيم بن أحمد بن الإخوة البغدادي عن أبي غانم العصمي عن السيد المرتضى، وعنه أيضا عن النقيب حمزة بن أبي الأعز الحسيني عن أبي المعالي أحمد بن قدامة عن السيد المرتضى، وعنه أيضا عن السيد المرتضى بن الداعي الحسني عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الدوريستي. وعلى النسخة حواش كثيرة، هي مما أملاه فضل الله على تلميذه الحسين بن أبي عبد الله الخومجاني، أو مما نقله من نسخته، مقرونة برموز أصحابها، أو غير مقرونة وعلى الصفحة الأولى من هذه النسخة رموز النسخ التي قابل فضل الله بن علي نسخته عليها، وأسماء أصحابها، كتبت على النحو الآتي:
خ خ س: علامة نسخة مولانا الصدر الكبير العلامة ضياء الدين تاج الإسلام، سلطان العلماء، أبي الرضا فضل الله بن علي الحسني الراونديّ قدس الله روحه
***
خ خ ص: علامة نسخة أبي الصلاح التقي نجم الدين الحلبي، رحمه الله، وكان سمع هذا الكتاب علي السيد علم الهدىرضياللهعنه بقراءة غيره
***
خ خ ش: علامة نسخة السيد أبي السعادات هبة الله بن علي بن عبد الله بن حمزة العلوي الشجري، وكانت نسخته بخطهرضياللهعنه
***
خ خ ج: علامة نسخة الشريف أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري رحمه الله، وكان خليفة الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثيرضياللهعنه والجالس مكانه، وكتب بخطه في آخر نسخته من هذا الكتاب: هذا آخر مجلس أملاه سيدنا أدام الله علوه ثم تشاغل عنة بأمور الحج، ووقع الفراغ منه يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة
***
وتبدأ هذه النسخة بصفحة فيها مقدمة الفهرست، وبها التعريفات والرموز الخاصة التي قابل عليها صاحب النسخة واستفاد منها، ثم يلي ذلك الفهرست، وفيه عنوانات المجالس وموضوعاتها، ثم صفحتان بهما نقول وأشعار ثم دعاء كتب في سنة ٧٦١، ثم يلي ذلك صحيفة العنوان، وهو مكتوب بالخط الكوفي الجميل المزخرف بحلية على شكل زهور، تحتها اسم المؤلف، داخل إطار، بالخط النسخي الجميل، ثم تحته إطار أكبر، به نصّ إجازة فضل الله ابن علي، وفي حواشي الصحيفة بعض التملكات وإثبات قراءة كمال الدين المرتضى المرعشي علي الحسين بن أبي عبد الله الخومجاني من أول الكتاب إلى المجلس الحادي والثلاثين، وإجازته بتاريخ ٥٨٤. ثم يلي ذلك أبواب الكتاب، وعنوانات المجالس في وسط السطر بخط كبير واضح.
وفي آخر النسخة: (وافق الفراغ من نسخه في محرم سنة سبع وستين وخمسمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير).
وهي مكتوبة بقلم معتاد واضح مضبوط أكثره بالشكل، وتقع في ٣١٧ ورقة، وعدد سطور الصفحة عشرون سطرا، وأصلها المخطوط بمكتبة الإسكوريال برقم ١٤٥.
وإلى صديقي العلامة الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي يرجع الفضل في إعانتي على تصوير نسخة منها.
وقد رمزت إلى هذه النسخة بكلمة (الأصل) وأثبت جميع ما فيها من الحواشي.
***
(٢) نسخة بخط محمد بن أبي طاهر بن أبي الحسين الوراق، فرغ من كتابتها في منتصف رجب سنة ٥٨٦ برسم مرشد الدين أبي الحسن علي بن الحسين بن أبي الحسن الواراني، وعليها قراءة للواراني على شيخه الحسن بن الحسين بن علي الدوريستي بتاريخ سنة ٥٨٧، بروايته عن فضل الله بن علي بن الحسين الراوندي عن الإمام عبد الرحيم بن الإخوة عن أبي غانم العصمي عن السيد المرتضى؛ وكتب ذلك الدوريستي بخطه.
وفي آخر هذه النسخة الزيادات التي رأى السيد المرتضى إضافتها إلى الكتاب؛ مما لم يذكر في نسخة الأصل؛ وهي أيضا بخط محمد بن أبي طاهر بن أبي الحسين الوراق، كتبها برسم مرشد الدين أبي الحسن الوراني المذكور في شعبان من السنة نفسها وعلى هذه النسخة ما يثبت أن الحسن بن الحسن بن الحسين انتسخ منها ومن الزيادات نسخة له.
وفيها حواش كثيرة؛ ومنها ما يوافق ما في حواشي نسخة الأصل.
وقد فقد منها صفحة العنوان الخارجي؛ ولعلّه يكون قد ألصقت بها ورقة بيضاء، وبظهرها فاتحة الكتاب، وبرأسها حلية بالألوان وعنوانات المجالس مميزة بخط كبير واضح، وفي آخرها اسم ناسخها وتاريخ النسخ؛ مرة بعد المجالس ومرة بعد الزيادات. وهي مكتوبة بقلم معتاد، مضبوطة بالشكل الكامل المتقن؛ وعدد أوراقها ٢٤٥ ورقة وفي كل صفحة ٢٢ سطرا.
وأصل هذه النسخة مخطوط محفوظ بمكتبة فيض الله بإستانبول برقم ١٤٨٥؛ وهي مما
صوّره معهد إحياء المخطوطات العربية بالقاهرة. وقد رمزت إليها بالحرف (ف).
***
٣ - نسخة كتبت لحيدر بن محمد بن زيد بن محمد بن زيد بن عبد الله الحسيني، وعليها سماع لأبي البركات علي بن نصر بن علي بن الأعز الحسيني علي حيدر المذكور مؤرخ سنة ٦١٩.
والموجود منها مجلد واحد ينتهي بآخر المجلس الرابع والثلاثين، وليس بآخره اسم الناسخ أو تاريخ النسخ، ومن المؤكد أنها كتبت قبل سنة ٦١٩، وهو تاريخ السماع الموجود بالصفحة الأولى.
وبآخر المجلد سماع لحيدر بن محمد صاحب النسخة المذكور، بقراءة علي ابن الأعز وبحضور آخرين ذكرت أسماؤهم، بتاريخ سنة ٦٢٤.
وقد عورضت هذه النسخة بنسخ أخرى، أشير إلى خلافها في الحاشية بهذا الرمز (خ).
وبها حواش يوافق الكثير منها الحواشي التي ذكرت في الأصل. ويلاحظ أن بعض هذه الحواشي نقلت عن نسخة ابن الشجري، ويسبقها رمزها المعروف: (ش) أحيانا، وأحيانا بلفظ (ابن الشجري).
وقد كتبت بالخط النسخ الجلي الواضح، وضبطت بالشكل الكامل، وعدد أوراقها ٢٨٥ ورقة وعدد سطور كل صفحة ١٣ سطرا، وهي محفوظة بدار الكتب المصرية برقم ١٨٣ أدب تيمور.
وقد رمزت إليها بالحرف (ت).
***
٤ - نسخة بخط هاشم بن الحسين الحسيني، فرغ من كتابتها في العاشر من شعبان
سنة ١٠٦٧، وذكر في آخرها أنه قابلها على الأصل الّذي كتبت عنه، وانتهى من ذلك في السادس عشر من شعبان المذكور.
وهي أربعة أجزاء في مجلد واحد. وتقع في ١٨٢ ورقة، وفي كل صفحة ٢٣ سطرا؛ كتبت بخط دقيق.
وقد رمزت إليها بالحرف (د)
***
٥ - نسخة طبعت في طهران سنة ١٢٧٣، ومعها التكملة، وعليها حواش، يوافق بعضها ما في نسختي الأصل، وف. ولم يذكر فيها ما يشير إلى الأصل الّذي طبعت عليه؛ إلا أنه ذكر في حاشية ص ٢٠٠ عند آخر المجلس الرابع والعشرين: (هذا آخر المجلدة الأولى من أصل الجعفري - رحمه الله). ويؤخذ من هذا أن لها علاقة بنسخة أبي يعلى محمد بن لحسن بن حمزة الجعفري؛ وهي إحدى النسخ التي قوبلت بها نسخة (الأصل).
وقد رمزت إلى هذه النسخة بالحرف (ط)
٦ - نسخة طبعت في مصر بمطبعة السعادة سنة ١٣٢٥؛ على نفقة السيد أمين الخانجي وأحمد ناجي الجمالي، وعليها شروح وتعليقات للسيد محمد بدر الدين النعساني الحلبي، ثم السيد أحمد أمين الشنقيطي.
ولم يذكر فيها ما يشير إلى الأصل الّذي طبعت عليه. والعنوان الّذي وضع على هذه الطبعة: (أمالي السيد المرتضى)، وبه عرف الكتاب.
وقد أشرت إلى هذه النسخة بالحرف (م)
وقد اتخذت نسخة الإسكوريال أصلا للعمل، وأثبت نصها، ووضعت فروق النسخ
المخطوطة الأخرى، أما النسختان المطبوعتان، فإني لم أذكر منهما إلا ما انفردا فيه برواية، وهو قليل.
وقد أثبت جميع حواشي الأصل، وبعض حواشي نسختي ت، ف. ووضعت هذه الحواشي بين أقواس تمييزا لها عما وضعت من الشرح والتعليق.
وقد بذلت ما وسع الجهد والطاقة؛ ومن الله ألتمس الجزاء فيما قصدت؛ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
مصر الجديدة ٨ شعبان سنة ١٣٧٣ ١٢ إبريل سنة ١٩٥٤
محمد أبو الفضل إبراهيم
أمالي المرتضى
غرر الفوائد ودرر القلائد
للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي
٣٥٥ - ٤٣٦ هـ
بسم الله الرّحمن الرّحيم
[١]
المجلس [الأول]
تأويل آية( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها )
قال الشريف المرتضى قدّس الله روحه: إن(١) سأل سائل عن قول الله تعالى(١) :
( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) . [الإسراء: ١٦].
في هذه(٢) الآية وجوه من التأويل؛ كلّ منها يبطل الشبهة الدّاخلة على المبطلين فيها؛ حتى عدلوا بتأويلها عن وجهه، وصرفوه عن بابه.
أولها: أنّ الإهلاك قد يكون حسنا، وقد يكون قبيحا؛ فإذا كان مستحقّا أو على سبيل الامتحان كان حسنا، وإنما يكون قبيحا إذا كان ظلما؛ فتعلّق الإرادة به لا يقتضي تعلّقها به على الوجه القبيح، ولا ظاهر للآية(٣) يقتضي ذلك؛ وإذا علمنا بالأدلّة تنزّه القديم تعالى عن القبائح علمنا أنّ الإرادة لم تتعلّق إلا بالإهلاك الحسن؛ وقوله تعالى:( أَمَرْنا مُتْرَفِيها ) المأمور به محذوف؛ وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق، وإن وقع بعده الفسق؛ ويجري هذا مجرى(٤) قول القائل: أمرته فعصى، ودعوته فأبى.
والمراد أنني أمرته بالطّاعة، ودعوته إلى الإجابة والقبول.
ويمكن أن يقال على هذا الوجه: ليس موضع الشبهة ما تكلّمتم عليه؛ وإنما موضعها أن يقال: أي معنى لتقدّم الإرادة؟ فإن كانت متعلّقة بإهلاك مستحقّ بغير الفسق المذكور في الآية فلا معنى لقوله تعالى:( وَإِذا أَرَدْنا أَمَرْنا ) ؛ لأن أمره بما يأمر به لا يحسّن إرادته
____________________
(١) ت، د، ف: (قال الله جل من قائل).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (لهذه).
(٣) ش: (ولا ظاهر الآية).
(٤) ت، د، حاشية الأصل (من نسخة): (وإنما يجري)، وفي حاشية الأصل أيضا (من نسخة أخرى): (وإنما هذا يجري).
للعقاب المستحقّ بما تقدّم من الأفعال، وإن كانت الإرادة متعلّقة بالإهلاك المستحقّ بمخالفة الأمر المذكور في الآية فهذا الّذي تأبونه، لأنه يقتضي أنه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحقّ العقاب.
والجواب عن ذلك أنه تعالى لم يعلّق الإرادة إلاّ بالإهلاك(١) المستحقّ بما تقدّم من الذنوب؛ والّذي حسّن قوله تعالى: وإذا أردنا أمرنا هو أنّ في تكرار الأمر بالطاعة والإيمان إعذارا إلى العصاة، وإنذارا لهم، وإيجابا وإثباتا(٢) للحجّة عليهم؛ حتى يكونوا متى خالفوا وأقاموا على العصيان والطّغيان بعد تكرار(٣) الوعيد والوعظ والإنذار ممّن يحقّ عليه القول، وتجب عليه(٤) الحجّة؛ ويشهد بصحة(٥) هذا التأويل قوله تعالى قبل هذه الآية:( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) . [الإسراء: ١٥].
والوجه الثاني في تأويل الآية أن يكون قوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها من صفة القرية وصلتها، ولا يكون جوابا لقوله تعالى:( وَإِذا أَرَدْنا ) ، ويكون تقدير الكلام:
وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنّا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها(٦) ، وتكون (إذا) على هذا الجواب لم يأت لها جواب ظاهر في الآية، للاستغناء عنه بما في الكلام من الدّلالة عليه(٧) ؛ ونظير هذا قوله تعالى في صفة الجنة:( حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ
____________________
(١) ت، ف: (بإهلاك مستحق).
(٢) ساقطة من ت، د، ف.
(٣) ت، د: (تكرر).
(٤) ساقطة من ف.
(٥) ت، ف: (لصحة).
(٦) في ت، وحاشية الأصل: (ويكون كأنه قال تعالى:( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ) مأمورا مترفوها كررنا القول عليهم، وأعدنا الوعظ لهم، وأمرناهم ثانيا( فَفَسَقُوا فِيها، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) . والله أعلم بالمراد)
(٧) في ت، ق، حاشية الأصل،: (يمكن أن يتمحل (لإذا) في الآية جواب، وهو أن تجعل الفاء في قوله تعالى:( فَدَمَّرْناها ) زائدة، وتجعل (دمرنا) جوابا لإذا، ولا خلاف في مورد الفاء زائدة في كلام العرب؛ حكى ابن جني عن أبي علي قال: حكى أبو الحسن عنهم: (أخوك فوجد) بمعنى أخوك وجد. ومن ذلك قولهم: زيدا فاضربه، وعمرا فأكرم، وعلى هذا قوله تعالى:( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) ، ويكون معنى الآية على هذا إخبارا عن عزة الله تعالى وقدرته على جميع ما أراد تعالى. وحجة الفاء زائدة، في بيت الكتاب:
لا تجزعي إن منفسا أهلكته |
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي |
الفاء في (فاجزعي) زائدة).
لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) .
[الزمر: ٧٣ - ٧٤]، ولم يأت (لإذا) جواب في طول الكلام للاستغناء عنه(١) .
ويشهد أيضا بصحة(٢) هذا الجواب قول الهذلي:
حتّى إذا أسلكوهم(٣) في قتائدة |
شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا(٤) |
فحذف جواب إذا، ولم يأت به، لأن هذا البيت آخر القصيدة(٥) .
والوجه الثالث: أن يكون ذكر الإرادة في الآية مجازا أو اتساعا وتنبيها على المعلوم من حال القوم وعاقبة أمرهم، وأنهم متى أمروا فسقوا وخالفوا؛ وذكر الإرادة يجري هاهنا مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل جهة، وجاءه الخسران من كل طريق، وقولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلّط في مآكله، وتسرّع إلى كل ما تتوق
____________________
(١) حاشية الأصل: (كأن التقدير: إذا جاءوها حضروها وفتحت؛ أوهموا بدخولها، وما أشبه ذلك، والله أعلم).
(٢) كذا في الأصل، حاشية ت (من نسخة)؛ وفي ت، ف: (لصحة).
(٣) د، ف، حاشية ت (من نسخة): (سلكوهم).
وسلك لغة في أسلك، وأورده صاحب الكشاف بهذه الرواية عند تفسير قوله تعالى:( فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) .
(٤) حواشي الأصل، ت، د، ف: (البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي؛ في آخر قصيدته التي أولها:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما |
لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا |
قتائدة: موضع، والجمالة: أصحاب الجمال، كالبغالة والحمارة، وانتصاب (شلا) على المصدر، ودل على فعل مضمر يحصل بظهوره جواب (حتى إذا سلكوهم) المنتظر، وتلخيصه: حتى إذا أسلكوهم هذا الموضع شلوهم شلا، يشبه طرد الشرد من الجمال إذا تزاحمت على الماء؛ وهذا كما يقال: طردوهم طرد غرائب الإبل. ومعنى أسلكوهم جعلوا لهم مسلكا، والسلك: إدخال شيء في شيء تسلكه فيه، ومنه ما سَلَكَكُمْ. وروى أبو عبيدة: (الشرد) (بفتح الشين والراء)، وقال: تقول: إبل شرد وجلب وطرد).
وانظر الكلام على هذا البيت في (ديوان الهذليين ٢: ٤٢، وأدب الكاتب ٤٢٤، والاقتضاب ٤٠٢).
(٥) حاشية الأصل: (جواب الشرط جزء لا يتم المشروط دونه؛ فإذا حذف كان أهول للكلام، كقوله تعالى:( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ... ) الآية، وكقول القائل:
لو رأيت عليا بصفين، وكقولهم: لو ذات سوار لطمتني).
إليه نفسه؛ ومعلوم أن التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا، ولا العليل(١) أيضا، لكن لما كان المعلوم من حال هذا الخسران، ومن حال هذا الهلاك حسن هذا الكلام، واستعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه(٢) . وكلام العرب وحي وإشارات واستعارات ومجازات(٣) . ولهذه الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة؛ فإنّ الكلام متى خلا من الاستعارة(٤) ، وجرى كلّه على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة، بريّا من البلاغة، وكلام الله تعالى أفصح الكلام.
والوجه الرابع: أن تحمل الآية على التّقديم والتأخير؛ فيكون تلخيصها: إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا واستحقوا العقاب أردنا إهلاكهم؛ والتقديم والتأخير في الشعر وكلام العرب كثير. ومما يمكن أن يكون شاهدا لصحة هذا التأويل من القرآن قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) [المائدة: ٦]، والطهارة إنّما تجب قبل القيام إلى الصلاة، وقوله تعالى:( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ) [النساء: ١٠٢]، وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة؛ لأن إقامتها هي(٥) الإتيان بجميعها على الكمال.
فأما قراءة من قرأ الآية بالتّشديد فقال: أَمْرِنا(٦) ، وقراءة من قرأها بالمدّ
____________________
(١) كذا في الأصل، د، وحاشية ت (من نسخة)، وفي ت، ف: (المريض).
(٢) في حاشيتي الأصل، ت: (تصوير المجاز في الآية على أن التقدير: إذا قرب هلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا؛ وكذلك قولهم: إذ أراد المريض التقدير: إذا قرب موت المريض خلط، وكذلك التاجر إذا قرب افتقاره أتته النوائب؛ وهذا كقوله تعالى:( فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ ) ؛ أي يقرب أن ينقض؛ وإنما كنى بالإرادة عن القرب في هذه المواضع لأن المريد للشيء، المخلى بينه وبينه - ولا مانع هناك - ما أقرب ما يقع مراده، والله أعلم).
(٣) حاشية الأصل: (الإرادة قد تستعمل في الجماد فضلا عن العقلاء؛ كقوله تعالى:( جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ ) ؛ وكقول الراعي النميري:
في مهمه قلقت به هاماتها |
قلق الفئوس إذا أردن نصولا |
(٤) كذا في الأصل، وحاشية ت (من نسخة)، وفي ت: (وإن كان الكلام متى خلا من الاستعارة)، وفي ف: (فإن كان الكلام متى خلا من الاستعارات).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (هو الإتيان).
(٦) هي قراءة شاذة، عن أبي عثمان النهدي، والليث عن أبي عمرو، وأبان عن عاصم. (وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه ٧٥).
والتخفيف فقال: أَمَرْنا(١) فلن يخرج معنى قراءتيهما عن الوجوه التي ذكرناها(٢) ؛ إلا الوجه الأول؛ فإنّ معناه لا يليق إلا بأن يكون ما تضمنته الآية هو الأمر الّذي يستدعي به الفعل(٣) .
تأويل خبر [من تعلّم القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم]
روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: (من تعلّم القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم).
قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم(٤) مفسّرا لهذا الحديث في كتابه غريب الحديث: الأجذم:
المقطوع اليد، واستشهد بقول المتلمّس(٥) :
وما كنت إلا مثل قاطع كفّه |
بكفّ له أخرى فأصبح أجذما |
وقد خطّأ عبد الله بن مسلم بن قتيبة(٦) أبا عبيد في تأويله هذا الخبر وقال: الأجذم وإن
____________________
(١) هي قراءة شاذة أيضا، عن خارجة عن نافع؛ (وانظر المصدر السابق).
(٢) حاشية الأصل: (قوله أمرنا، بالتشديد: كثرنا، وآمرنا، بالتخفيف: جعلناهم أمراء؛ وإن شئت فالعكس من ذلك، والصحيح العكس).
(٣) ت، د، حاشية الأصل (من نسخة): (يستدعي به إلى الفعل).
(٤) هو أبو عبيد القاسم بن سلام، اللغوي الفقيه المحدث، ولد بهراة، ثم ذهب إلى بغداد، ودرس بها الأدب والحديث والفقه، وولي القضاء بطرسوس؛ وخرج منها إلى مكة، وسكنها حتى مات سنة ٢٢٤.
وكتابه غريب الحديث جمع فيه ما في كتب أبي عبيدة وقطرب والأخفش والنضر بن شميل، وذكر أحاديث كل رجل من الصحابة على حدة. قال ابن الأثير: (جمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار، الّذي صار أولا؛ وإن كان أخيرا؛ لما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة والمعاني اللطيفة والفوائد الجمة؛ فصار فيه القدوة في هذا الشأن، أفنى فيه عمره؛ حتى إنه قال فيما يروى: إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وهو كان خلاصة عمري). ومنه نسخة مصورة بدار الكتب المصرية منقولة عن نسخة مخطوطة بمكتبة كبرى لي بالآستانة. (وانظر إنباه الرواة ٣: ١٢ - ٢٣، والنهاية لابن الأثير ١: ٤ - ٥.
وكشف الظنون ١٢٠٤).
(٥) هو جرير بن عبد المسيح الضبعي، والبيت من قصيدة له أولها:
يعيّرني أمّي رجال ولا أرى |
أخا كرم إلاّ بأن يتكرّما |
وهي في (ديوانه ١٦٩، والأصمعيات ٦٤ - ٦٥، ومختارات ابن الشجري ٢٨ - ١٩)؛ وخبر القصيدة في (الخزانة ٤: ٢١٥ - ٢١٦).
(٦) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ولد ببغداد ونشأ -
كان المقطوع اليد؛ فإنّ هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع. قال: لأنّ العقوبات من الله تعالى لا تكون إلا وفقا للذّنوب وبحسبها، واليد لا مدخل لها في نسيان القرآن، فكيف تعاقب فيه! واستشهد بقوله تعالى:( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ ) [البقرة: ٢٧٥]، وزعم أن تأويل الآية أن الرّبا إذا أكلوه ثقل في بطونهم، وربا في أجوافهم؛ فجعل قيامهم مثل قيام(١) من يتخبّطه الشيطان تعتّرا وتخبّلا. واستشهد أيضا بما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (رأيت ليلة أسري بي قوما تقرض شفاههم، وكلّما قرضت وفت، فقال لي جبريل: هؤلاء خطباء أمّتك، تقرض(٢) شفاههم؛ لأنهم يقولون ما لا يفعلون). قال:
والأجذم في الخبر إنما هو المجذوم؛ وإنما جاز أن يسمّى المجذوم أجذم؛ لأن الجذام يقطّع أعضاءه ويشذّ بها؛ والجذم هو القطع.
قال الشريف المرتضىرضياللهعنه : قد أخطأ الرجلان جميعا، وذهبا عن الصواب ذهابا بعيدا، وإن كان غلط ابن قتيبة أفحش وأقبح؛ لأنه علّل غلطه، فأخرجه إلى أغاليط كثيرة؛ ونحن نبيّن معنى الخبر ثم نتكلّم على ما أورداه.
أما معنى الخبر فهو ظاهر لمن كان له أدنى معرفة بمذاهب العرب في كلامها؛ وإنما أرادعليهالسلام بقوله: يحشر أجذم؛ المبالغة في وصفه بالنقصان عن الكمال، وفقد ما كان عليه بالقرآن من الزينة والجمال. والتشبيه له بالأجذم من حسن التشبيه وعجيبه؛ لأن اليد من الأعضاء الشريفة التي لا يتمّ كثير من التصرّف ولا يوصل إلى كثير من المنافع إلا بها؛ ففاقدها
____________________
بها، وأقام بالدينور مدة فنسب إليها، وحدت ببغداد عن إسحاق بن راهويه وطبقته، وروى عنه ولده أحمد وابن درستويه؛ توفي سنة ٢٧٦؛ وكتابه في غريب الحديث ذكره ابن الأثير فقال: (فصنف كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار؛ حذا فيه حذو أبي عبيد، ولم يودعه شيئا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد؛ إلا ما دعت إليه حاجة من شرح وبيان واستدراك، فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر). (وانظر إنباه الرواة ٢: ١٤٣ - ١٤٧، والنهاية لابن الأثير ١ - ٥، وكشف الظنون ١٢٠٤).
(١) ساقطة من ف.
(٢) كذا ضبطت بالقلم في الأصل، وفي ت، ش: (تقرض) بضم التاء وفتح القاف وتشديد الراء المفتوحة.
يفقد ما كان عليه من الكمال، وتفوته المنافع والمرافق التي كان يجعل يده ذريعة إلى تناولها؛ وهذه حال ناسي القرآن ومضيّعه(١) بعد حفظه، لأنه يفقد ما كان لا بسا له من الجمال، ومستحقا له من الثواب، وهذه عادة للعرب في كلامهم معروفة؛ يقولون فيمن فقد ناصره ومعينه(٢) :
فلان بعد فلان أجدع، وقد بقي بعده أجذم؛ قال الفرزدق يرثي مالك بن مسمع(٣) :
تضعضع طودا وائل بعد مالك |
وأصبح منها معطس العزّ أجدعا(٤) |
وإنما أراد المعنى الّذي ذكرناه. وللعرب ملاحن في كلامها(٥) ، وإشارات إلى الأغراض، وتلويحات بالمعاني، متى لم يفهمها ويسرع إلى الفطنة بها من تعاطي تفسير كلامهم، وتأويل خطابهم كان ظالما نفسه، متعديا طوره.
ونعود إلى الكلام على ما ذكره الرجلان؛ أما أبو عبيد فإن خطأه من حيث لم يفطن للغرض في الخبر، وضلّ عن وجهه، وإلا فالأجذم هو الأقطع لا محالة كما قال؛ إلاّ أنه لا يليق بهذا الموضع، وإذا حمل عليه لم يفد شيئا؛ وإن كانت(٦) شبهته التي أوقعته في هذا التأويل ظنّه أن ذلك يكون على سبيل العقوبة له على نسيان القرآن فليس كما ظن، لأنّ الجذم(٧) أولا ليس بعقوبة؛ لأن الله تعالى قد يجذم(٨) أولياءه والصالحين من عباده، ويقطّع أعضاءهم بالأمراض، وقد يبتدئ خلق من هو ناقص الأعضاء؛ فليس بلازم في الجذم أن يكون عقوبة. ثم لو كان يستحقّ ناسي القرآن عقوبة على نسيانه لكان حفظ القرآن بأسره فرضا واجبا وحتما لازما(٩) ؛ لأن العقوبة لا تستحق بترك ما ليس بواجب، وليس
____________________
(١) كذا ضبطت بالقلم في الأصل، ت، وفي ش: (ومضيعه)، بكسر الضاد وبعدها ياء ساكنة.
(٢) في نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (ومغيثه).
(٣) هو ملك بن مسمع الجحدري؛ من بكر بن وائل، كان سيد ربيعة في زمانه، وتوفي سنة ٧٣.
(المعارف: ١٨٤، وجمهرة الأنساب: ٣٠١، والإصابة ٦: ١٦٤).
(٤) ديوانه: ٤١٤.
(٥) حاشية ف (من نسخة): (كلامهم).
(٦) ت: (وإن كان).
(٧) حاشية ت (من نسخة): (الجذام).
(٨) نسخة أبي السعادات الشجري: (يجذّم) يضم الياء وفتح الجيم وتشديد الذال المكسورة؛ وضبطت في ت بالوجهين معا، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (الجذم القطع، وقد جذم (بكسر الذال) يجذم جذما فهو أجذم، أي مقطوع اليد).
(٩) حاشية الأصل: (الملازمة ممنوعة).
حفظ جميع القرآن كذلك.
وأما ابن قتيبة فإنه غلط من حيث لم يفطن للوجه في الخبر الّذي ذكرناه؛ من حيث ظنّ أن العقوبة لا تكون إلا في محلّ الذّنب، وهذا القول يوجب عليه ألاّ يجلد ظهر الزاني، وتختص العقوبة بفرجه، وكذلك القاذف كان يجب أن يعاقب في لسانه دون سائر أعضائه؛ والخبر الّذي استشهد به حجّة عليه، لأنا نعلم أنّ اللسان أقوى خطأ في باب الكلام من الشّفة، فلم لم يخصّ بالعقوبة(١) وحلّت بالشفاء دونه؟ ثم غلطه في تأويل الآية التي أوردها أقبح من كل ما تقدّم؛ لأنه توهّم أنّ ما تضمنته الآية من تخبّط آكل الربا وتعثّره عند القيام إنما هو في الدنيا من حيث يثقل ما أكله في معدته فيمنعه من النّهوض؛ ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك، ونجد كثيرا من آكلي الربا أخفّ نهوضا، وأسرع قياما وتصرّفا من غيرهم؛ ممّن لم يأكل الربا قطّ؛ والمعنى في الآية ما ذكره المفسّرون من أنّ ما وصفهم الله تعالى به يكون عند قيامهم من قبورهم، فيلحقهم العثار والزّلل والتّخبّل على سبيل العقوبة لهم، وليكون ذلك أيضا أمارة لمن يعاقبهم(٢) من الملائكة والخزنة على الفرق بين الولي والعدوّ، ومستحقّ الجنة ومستحقّ النار. وليس بمعروف ولا ظاهر أن الأجذم هو المجذوم؛ وردّ ابن قتيبة معناه واشتقاقه إلى الجذم الّذي هو القطع يوجب عليه أن يكون كلّ داء يقطّع الجسد ويفرّق أوصاله؛ كالجدري والأكلة(٣) وغيرهما يسمّى جذاما، ويسمى من كان عليه أجذم، وهذا باطل.
وأما قول الشاعر(٤) :
حرّق قيس عليّ البلا |
د حتّى إذا اضطرمت أجذما |
فليس من هذا الباب؛ بل هو من الإجذام الّذي هو الإسراع؛ فكأنه قال: لما اضطرمت
____________________
(١) ف: (فلم لم تختص العقوبة به).
(٢) ف، وحاشية ت (من نسخة): (ويعاينهم)
(٣) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (الأكلة، بالكسر: الحكة، والأكلة، بالضم:
اللقمة).
(٤) هو الربيع بن زياد العبسي، من أبيات في (الحماسة بشرح التبريزي ٢: ٦١ - ٦٣)، واللسان (جذم).
أسرع عني، وتباعد مني. والإجذام، بالذال المعجمة والدال غير المعجمة جميعا: الإسراع؛ فأما قول عنترة في وصف الذّباب(١) :
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه |
قدح المكبّ على الزّناد الأجذم |
الأجذم من صفة المكبّ(٢) لا من صفة الزّناد؛ فكأنه(٣) قال: قدح المكبّ الأجذم على الزّناد، وهذا من حسن التشبيه وواقعه(٤) .
مسألة [في القول بوجوب الأصلح عليه تعالى]
قال الشريف المرتضى قدّس الله روحه: كان بعض الشّيوخ المتقدمين(٥) يقول: ليس بممتنع أن يمكّن الله تعالى من الظّلم من يعلم من حاله أنه يرد القيامة غير مستحقّ لشيء من الأعواض، أو لما يوازي القدر المستحقّ عليه منها؛ فإذا أراد الانتصاف منه تفضّل عليه بما ينقله إلى مستحقّ العوض، ويقول: ليس هذا ببعيد ولا مستحيل، لأن العوض ليس يختص بصفة تمنع من التفضّل بمثله، ولا يجري في ذلك مجرى الثواب.
____________________
(١) من المعلقة بشرح التبريزي ص ١٨٠، وقبله:
وخلا الذّباب بها فليس ببارح |
غردا كفعل الشّارب المترنّم |
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (هذا من باب إجراء الصفة على غير من هي له، كقولنا: مررت برجل حسن غلامه.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (كأنه).
(٤) د، م: (من أحسن التشبيه وأوقعه)؛ وفي حواشي الأصل، ب، ف: (كثر القال والقيل في هذا الحديث، فقال بعضهم: الأجذم:
المقطوع اليد، وقال آخرون: هو المجذوم. وفي معنى هذا الحديث سر، ومعناه يتضح بالحديث الآخر الّذي روي عنهعليهالسلام : إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض.. الحديث فلما شبه الكتاب بالحبل الّذي يتعلق به، ويجعل سببا للتوقي من الهلاك عبر عن تاركه والغافل عنه بالأجذم، وإنما عبر بكلمة الأجذم الشنعة، واللفظ المستكره لأنه إذا انقطع الحبل لم يمكن أن يمسك، وإذا كانت اليد جذماء أيضا لم يمكن الإمساك، فأراد بذلك أن الإمساك غير حاصل، لأمر يرجع إلى اليد الممسكة لا إلى الحبل لأن الحبل باق بحاله؛ فهذا أحسن، والله أعلم. ومعنى النسيان هو ترك أحكامه، والأخذ بمحارمه وحدوده؛ ولا يريد ذهاب الحفظ).
(٥) حاشية الأصل: (أبو القاسم البلخي).
وهو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، أحد شيوخ المعتزلة، ورأس طائفة منهم يقال لهم: الكعبية، توفي سنة ٣١٧. (ابن خلكان ١: ٢٥٢).
والمستقرّ من مذاهب الشّيوخ - وهو الصحيح - أن الانتصاف لا يجوز أن يكون موقوفا على ما يتفضّل به؛ لأنّ الانتصاف واجب على الله تعالى من حيث خلّى بين عباده وبين الظلم، فلا يجوز أن يتعلّق إلا بأمر واجب، والتفضّل لفاعله ألاّ يفعله، فتئول الحال إلى تعذّر الانتصاف. وقالوا: من يعلم الله تعالى أنه يرد القيامة - ولا أعواض له - يمنعه من الظلم، ولا يمكّنه منه لهذه العلة. ويجيزون(١) أن يمكّن من الظلم من يكون في الحال غير مستحقّ للعوض، أو غير مستحق للقدر الّذي يوازي الظلم من العوض، بعد أن يكون المعلوم من حاله أنه يرد القيامة وقد استحقّ من الأعواض ما يوازي ما عليه منها.
قال المرتضى: وهذا القول - نعني تجويز تمكين الظالم من الظلم، وهو في الحال غير مستحق للعوض - يبطل بالعلّة التي أبطلنا بها قول من أجاز الانتصاف بالتفضّل؛ لأنّا نعلم أن تبقية المكلّف وغير المكلّف لا تجب، وللقديم تعالى ألاّ يفعلها، فلو لم يفعلها واخترم هذا الظالم بعد حال ظلمه لكان الانتصاف منه غير ممكن. وقد تعلّق الانتصاف على هذا القول بما ليس بواجب؛ كما علّقه من قدمنا حكاية قوله بما ليس بواجب. وليس لهم أن يقولوا ذلك يحسن؛ لأن الله تعالى يعلم أنّه يبقيه فيستحقّ(٢) أعواضا؛ لأن عليهم مثل ذلك إذا قيل لهم: فأجيزوا أيضا أن يرد القيامة وهو لا يستحقّ العوض؛ ويعلم الله تعالى أنه يتفضّل عليه بما يقع به الانتصاف.
فإذا قالوا: علم الله تعالى بأنه يتفضّل، لا يخرج التفضّل من أن يكون غير واجب؛ وقيل لهم: وعلم الله تعالى بأنه يبقى من لا عوض له ليستحقّ العوض، لا يخرج التبقية من أن تكون غير واجبة، فاستوى الأمران.
والصحيح أن يقال: إنّه تعالى لا يمكّن من الظلم من لا عوض له في الحال؛ ليستقيم الكلام ويطّرد.
____________________
(١) حاشية الأصل: (أبو هاشم وأصحابه).
وهو أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي، كان هو وأبوه من كبار أئمة المعتزلة؛ ولهما مقالات على مذهب الاعتزال؛ وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما، توفي سنة ٣٢١، (ابن خلكان ١: ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٢) ت، وحاشية ف (من نسخة): (ليستحق).
[٢]
مجلس آخر(*) [المجلس الثاني]
تأويل آية( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ )
قال الله تعالى(١) :( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً ) [الإسراء: ٨٥].
وقد ظنّ قوم من غفلة الملحدين وجهّالهم أن الجواب عمّا سئل عنه في هذه الآية لم يحصل، وأن الامتناع منه إنما هو لفقد العلم به، وأن قوله تعالى:( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً ) تبكيت وتقريع لم يقعا موقعهما؛ وإنما هو(٢) على سبيل المحاجزة والمدافعة عن الجواب.
وفي هذه الآية وجوه من التّأويل تبطل ما ظنّوه، وتدلّ على ما جهلوه؛ أولها:
أنّه تعالى إنما عدل عن جوابهم لعلمه بأنّ ذلك ادعى لهم إلى الصلاح في الدّين، وأن الجواب لو صدر منه إليهم لازدادوا فسادا وعنادا؛ إذ كانوا بسؤالهم متعنّتين(٣) لا مستفيدين؛ وليس هذا بمنكر؛ لأنّا نعلم في كثير من الأحوال ممن(٤) يسألنا عن الشّيء أنّ العدول عن جوابه أولى وأصلح في تدبيره.
وقد قيل إن اليهود قالت لكفار قريش: سلوا محمدا؛ عن الرّوح فإن أجابكم فليس بنبي؛ وإن لم يجبكم فهو نبي؛ فإنّا نجد في كتبنا(٥) ذلك؛ فأمره الله بالعدول عن ذلك ليكون علما له ودلالة على صدقه، وتكذيبا لليهود الرادّين عليه؛ وهذا جواب أبي عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبّائي(٦) .
____________________
* ف: (مجلس ثان)، وفي حاشيتي الأصل، ف: (هذا المجلس مما افتتح به الكتاب، على ما وجد في بعض النسخ).
(١) ف: (إن سأل سائل عن قوله تعالى).
(٢) ف: (هما).
(٣) في ت، حاشية الأصل (من نسخة): (معنتين)، وفي حاشية ف: (أعنت: أتى بالعنت).
(٤) في ت، حاشية الأصل (من نسخة): (فيمن).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (كتابنا).
(٦) حاشية ف: (أبو علي من قرية يقال -
وثانيها أن القوم إنما سألوه عن الرّوح: هل هي محدثة مخلوقة أو ليست(١) كذلك؟
فأجابهم إنها من أمر ربي، وهو جوابهم عما سألوه(٢) عنه بعينه؛ لأنّه لا فرق بين أن يقول في الجواب: إنها محدثة مخلوقة، وبين قوله إنها من أمر ربّي؛ لأنه إنما أراد أنها من فعله وخلقه، وسواء على هذا الجواب أن تكون الرّوح التي سألوا عنها هي التي بها قوام الجسد أم عيسىعليهالسلام ، أم جبرئيل صلى الله عليه. وقد سمّى الله تعالى جبرئيل روحا، وعيسى أيضا مسمّى بذلك في القرآن.
وثالثها أنهم سألوا عن الرّوح الّذي هو القرآن، وقد سمّى الله القرآن روحا في مواضع من الكتاب؛ وإذا كان السؤال عن القرآن فقد وقع الجواب موقعه، لأنه قال لهم:
الروح(٣) الّذي هو القرآن من أمر ربّي، ومما(٤) أنزله على نبيه صلى الله عليه؛ ليجعله دلالة وعلما على صدقه، وليس من فعل المخلوقين، ولا ممّن يدخل في إمكانهم؛ وهذا جواب الحسن البصري.
ويقويه قوله تعالى بعد هذه الآية:( وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ) . [الإسراء: ٨٦]. فكأنّه قال تعالى: إن القرآن من أمري وفعلي(٥) وممّا أنزلته علما على نبوّة رسولي، ولو شئت لرفعته وأزلته وتصرّفت فيه؛ كما يتصرّف الفاعل فيما يفعله.
____________________
- لها جباء؛ وهي من رستاق كارور من ناحية الأهواز، ويقال لأهل هذه الناحية الربعيون؛ لأنهم كانوا استنفروا ليقاتلوا الحسينعليهالسلام ، فجاءوا وقد فرغ من أمره، فطلبوا الأجرة، فقال ابن زياد: إنكم لم تبلوا بلاء، وأعطى كل واحد منهم ربع دينار. قال دامت أيامه: أخبرني بذلك العراقي العلوي البصري).
وكانت وفاة أبي علي هذا في سنة ٣٠٦. (وانظر ترجمته في ابن خلكان: ٤٨٠ - ٤٨١).
(١) ف، حاشية الأصل (من نسخة): (أم ليست).
(٢) ت، ف: (سألوا عنه).
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (إن الروح).
(٤) ش: (وما أنزله).
(٥) حاشية الأصل: (ليس في الآية دليل على قوله:" وفعلي"؛ كتب هذا الشيخ عبد الرحيم البغدادي رحمه الله على حواشي نسخة السيد الإمام).
فصل [تأويل قوله تعالى:( وَالأرْضَ مَدَدْناها ... ) ]
قال الشّريف المرتضىرضياللهعنه : قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني(١) في قوله تعالى:( وَالأرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) . [الحجر: ١٩]؛ قال: إنما خصّ الموزون دون المكيل بالذّكر لوجهين:
أحدهما أن غاية المكيل تنتهي إلى الوزن لأن سائر المكيلات إذا صارت طعاما دخلت في باب الوزن وخرجت عن باب الكيل؛ فكأنّ الوزن أعمّ من الكيل.
والوجه الآخر أن في الوزن معنى الكيل؛ لأن الوزن هو طلب مساواة الشيء بالشيء.
ومقايسته إليه، وتعديله به؛ وهذا المعنى ثابت في الكيل، فخصّ الوزن بالذّكر لاشتماله على معنى الكيل.
هذا قول أبي مسلم، ووجه الآية وما يشهد له ظاهر لفظها غير ما سلكه أبو مسلم، وإنما أراد تعالى بالموزون المقدّر الواقع بحسب الحاجة؛ فلا يكون ناقصا عنها، ولا زائدا عليها زيادة مضرّة أو داخلة في باب العبث. ونظير ذلك من كلامهم(٢) قولهم: كلام فلان(٣) موزون، وأفعاله مقدّرة موزونة؛ وإنما يراد ما أشرنا إليه، وعلى هذا المعنى تأوّل المفسرون ذكر الموازين في القرآن على أحد التأويلين، وأنها التعديل والمساواة بين الثّواب والعقاب، قال الشاعر(٤) :
لها بشر مثل الحرير ومنطق |
رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر |
والهراء: الكثير، والنزر: القليل؛ فكأنه قال: إن حديثها لا يقلّ عن الحاجة
____________________
(١) كان أبو مسلم الأصبهاني على مذهب المعتزلة؛ وصنف التفسير على طريقتهم، وتوفي سنة ٣٧٠.
(لسان الميزان ٥: ٨٩).
(٢) ش: (في كلامهم).
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (زيد).
(٤) في م، وحاشيتي الأصل، ف: (وهو ذو الرمة)؛ والبيت في ديوانه: ٢١٢.
ولا يزيد عليها؛ وهذا يجرى مجرى أن تقول: هو موزون. وقال مالك بن أسماء ابن خارجة الفزاري(١) :
وحديث ألذّه هو ممّا |
ينعت الناعتون يوزن وزنا(٢) |
|
منطق صائب وتلحن أحيا |
نا وخير الحديث ما كان لحنا |
وهذا الوجه الّذي ذكرناه أشبه بمراد الله تعالى في الآية، وأليق بفصاحة القرآن وبلاغته الموفيتين(٣) على فصاحة سائر الفصحاء وبلاغتهم؛ فأمّا قول الشاعر الّذي استشهدنا بشعره: (وتلحن أحيانا) فلم يرد اللّحن في الإعراب الّذي هو ضد الصواب(٤) ؛ وإنما أراد الكناية عن الشيء والتعريض بذكره والعدول عن الإفصاح عنه؛ على معنى قوله تعالى:( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) . [محمد: ٣٠]، وقول الشاعر(٥) :
ولقد وحيت لكم لكيما تفطنوا |
ولحنت لحنا ليس بالمرتاب(٦) |
وقد قيل: إن اللحن الّذي عني في البيت هو الفطنة وسرعة الفهم؛ على ما روي عن
____________________
(١) هو مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري؛ شاعر إسلامي غزل. (الشعر والشعراء ٧٥٦ - ٧٥٨).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (حديث معطوف على كلام قبله؛ أي لها وجه، ولها حياء، ولها حديث، أو مثل ذلك. وقوله: (ألذه)، أي أستلذه؛ يقال: لذذت به ولذذته، وقوله: (مما ينعت الناعتون)، أي مما ينعته الناعتون. وقوله: (مما يوزن وزنا)، أي موزونا، فهو في موضع الحال).
(٣) حاشية الأصل: (الموفيتين: المشرفتين).
(٤) حواشي الأصل، ت، وف: (المسألة محتملة لأنه يريد باللحن ضد صواب الإعراب؛ لأن مقابل المنطق الصائب الملحون، واللحن من الغواني والفتيات غير مستكره ولا منكر، بل قد يستحب ذلك منهن؛ لأنه بالتأنيث أشبه، وللشهوة ادعى، ومع الغزل أحرى؛ والإعراب جد، وليس الجد من التعشق والتغزل بشيء، ثم ما الموجب لأن يتمحل للبيت وجه يسلبه حسن الطباق؟ ولو أراد به الملاحنة التي هي الفطانة لكان ملغيا بذكر اللحن؛ لأن اللحن في هذا المعنى صائب، فيذهب الاتساق بذهاب الطباق؛ فبان لك أن المعنى هو اللحن الّذي يضاد صواب الإعراب وإقامته؛ وإن كان كذلك المعنى الثاني محتملا).
(٥) هو القتال الكلابي؛ والبيت في (الأمالي ١: ٥، واللسان - لحن)، وقبله:
هل من معاشر غيركم أدعوهم |
فلقد سئمت دعاء يالكلاب! |
(٦) حاشية الأصل: (الوحي: الإشارة والرسالة والكلام الخفي؛ يقال: وحيت إليه في الكلام، -
[تفسير معنى (اللحن) عند العرب:]
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته) أي أفطن لها، وأغوص عليها.
ومما يشهد بما ذكرناه ما أخبرنا به أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني(١) قال حدّثنا أحمد بن عبد الله العسكري قال حدثنا العنزي قال حدثنا علي بن إسماعيل اليزيدي قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: تكلّمت هند بنت أسماء بن خارجة فلحنت، وهي عند الحجاج، فقال لها: أتلحنين وأنت شريفة في بيت قيس؟! فقالت: أما سمعت قول أخي مالك لامرأته الأنصارية؟ قال: وما هو؟ قالت: قال(٢) :
منطق صائب وتلحن أحيا |
نا وخير الحديث ما كان لحنا |
فقال لها الحجاج: إنما عنى أخوك اللحن في القول؛ إذا كنّى المحدّث عمّا يريد، ولم يعن اللحن في العربية(٣) ، فأصلحي لسانك.
وقد ظنّ عمرو بن بحر الجاحظ مثل هذا بعينه وقال: إن اللّحن مستحسن(٤) في النساء الغرائر(٥) ، وليس بمستحبّ منهن كلّ الصواب والتشبّه بفحول الرجال، واستشهد بأبيات مالك بعينها، وظن أنه أراد باللحن ما يخالف الصواب(٦) . وتبعه على هذا الغلط عبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدينوري، فذكر في كتابه المعروف بعيون الأخبار(٧) أبيات الفزاري، واعتذر بها من لحن إن أصيب في كتابه.
قال الشريف المرتضىرضياللهعنه : وأخبرنا المرزباني قال أخبرني محمد بن يحيى
____________________
- وأوحيت بمعنى؛ وقوله: المرتاب، يجوز أن يكون المرتاب مصدرا كالارتياب، ويجوز أن يكون مفعولا، والتقدير: ليس بالمرتاب فيه).
(١) هو أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني الكاتب صاحب كتاب الموشح ومعجم الشعراء وغيرهما من المصنفات؛ روى عن ابن دريد وطبقته، وكان مائلا إلى التشيع، وهو أحد شيوخ الشريف المرتضى؛ توفي سنة ٣٨٤. (ابن خلكان ١: ٥٠٧ - ٥٠٨).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (قوله).
(٣) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (الإعراب).
(٤) في ت، ونسخة بحاشية الأصل: (من النساء).
(٥) حاشية الأصل: (جمع غريرة؛ وهي التي لم تجرب الأمور).
(٦) الخبر في (البيان والتبيين ١: ١٤٧).
(٧) عيون الأخبار ٢: ١٦١.
الصّولي قال حدثني يحيى بن علي المنجّم قال حدثني أبي قال: قلت للجاحظ: مثلك في عقلك وعلمك بالأدب ينشد قول الفزاري ويفسّره على أنه أراد اللحن في الإعراب! وإنما أراد وصفها بالظّرف والفطنة وأنها تورّى(١) بما قصدت له وتتنكّب التصريح به، فقال له:
قد فطنت لذلك بعد، فقلت(٢) : فغيّره من كتابك، فقال: فكيف بما سارت به الركبان! قال الصّولي: فهو في كتابه على خطئه.
***
[خبر أسير بني العنبر في بكر بن وائل ورسالته إلى قومه وشرح ما فيه من كنايات]
ومن حسن اللحن الّذي هو التعريض والكناية ما أخبرنا به أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أنّ رجلا من بني العنبر حصل أسيرا في بكر بن وائل، فسألهم رسولا إلى قومه فقالوا: لا ترسل إلا بحضرتنا؛ لأنهم كانوا عزموا على غزو قومه، فخافوا أن ينذرهم؛ فجيء بعبد أسود، فقال له: أتعقل؟ قال: نعم؛ إني لعاقل، قال: ما أراك عاقلا، وأشار بيده إلى الليل فقال: ما هذا؟ فقال: هذا الليل، قال:
أراك عاقلا، ثم ملأ كفّيه من الرّمل فقال: كم؟ فقال: لا أدري وإنّه لكثير. فقال:
أيّما أكثر؟ النجوم أم النيران(٣) ؟ فقال: كلّ كثير، فقال: أبلغ قومي التحية، وقل لهم:
ليكرموا فلانا - يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر - فإنّ قومه لي مكرمون، وقل لهم:
إن العرفج قد أدبي(٤) ، وشكت النساء؛ وأمرهم(٥) أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب(٦) ، بآية ما أكلت معكم حيسا، واسألوا عن خبري أخي الحارث.
فلما أدّى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملا أصهب، ثم سرّحوا العبد، ودعوا الحارث فقصّوا عليه القصّة، فقال: قد أنذركم،
____________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (تورى عما قصدت).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (قلت).
(٣) م: (أم التراب).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (العرفج:
جنس من الشوك، وأدبي الرمث إذا أشبه ما يخرج من ورقه الدبا، والدبا: صغار الجراد؛ وحينئذ يصلح أن يؤكل، والرمث: من مراعي الإبل؛ وهو من الحمض).
(٥) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (ومرهم).
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (الأصهب: ما اختلط البياض بحمرته).
أمّا قوله: (أدبي العرفج) يريد أن الرجال قد استلأموا ولبسوا السلاح، وقوله: (شكت النساء)؛ أي اتخذن الشّكاء(١) للسّفر، وقوله: (الناقة الحمراء)، أي ارتحلوا عن الدّهناء. واركبوا الصّمّان(٢) ؛ وهو الجمل الأصهب(٣) . وقوله: (أكلت معكم حيسا) يريد أخلاطا من الناس قد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط. فامتثلوا ما قال، وعرفوا لحن كلامه.
تأويل خبر (*) [ (من أحبّنا أهل البيت؛ فليستعدّ للفقر جلبابا، أو تجفافا]
روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه غريب الحديث، عن أمير المؤمنينعليهالسلام (٤) أنه قال: (من أحبّنا أهل البيت؛ فليستعدّ(٥) للفقر جلبابا، أو تجفافا(٦) ).
قال أبو عبيد: قد تأوّل بعض الناس هذا الخبر على أنه أراد به الفقر في الدّنيا، قال:
وليس ذلك كذلك؛ لأنّا نرى فيمن يحبّهم مثل ما نرى في سائر الناس، من الغنى والفقر، ولا تمييز(٧) بينهما، قال: والصّحيح أنه أراد الفقر في يوم القيامة، وأخرج الكلام مخرج الموعظة والنصيحة والحثّ على الطاعات، فكأنه أراد: من أحبنا فليعدّ لفقره يوم القيامة ما يجبره(٨) من الثّواب، والقرب إلى الله تعالى، والزّلف(٩) عنده.
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (جمع شكوة، وهي السقاء الصغيرة).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (الدهناء: هي أرض في بلاد تميم، يمد ويقصر. والصمان: أصله الأرض الغليظة، والصمان: موضع إلى جنب رمل عالج؛ وقال:
حتى أتى علم الدّهنا يواعسه |
والله أعلم بالصّمّان ما جشموا |
قوله: (يواعسه)، من الوعساء، وهي الرمل، وهو في موضع الحال، أي مواعسا آخذا في اللين من الأرض، وقوله: (ما جشموا) يجوز أن تكون (ما) استفهامية، ويجوز أن تكون بمعنى الّذي؛ وفي كلا الوجهين يكون نصبا لما دل عليه (أعلم) من الفعل).
(٣) حاشية ف: (أراد بالصمان الأرض؛ وكنى عنها بالجمل الأصهب).
* ف: قبل هذا العنوان: (مجلس آخر).
(٤) ت: (صلوات الله عليه).
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (فليعد).
(٦) التجفاف؛ بكسر الباء وفتحها: ما يجلل به الفرس من سلاح وآلة تقيه الجراح، وقد يلبسه الإنسان أيضا.
(٧) ت: (ولا نميز)، وفي ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (ولا تميز).
(٨) في ف، ونسخة بحاشيتي الأصل، ت: (ما يجيره).
(٩) حاشية ت (من نسخة): (الزافي).
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: وجه الحديث خلاف ما قاله أبو عبيد، ولم يرد إلا الفقر في الدّنيا؛ ومعنى الخبر أن من أحبّنا فليصبر على التقلّل من الدنيا والتقنّع فيها، وليأخذ نفسه بالكفّ عن أحوال الدنيا وأعراضها؛ وشبّه الصبر على الفقر بالتّجفاف أو الجلباب؛ لأنه يستر الفقر كما يستر الجلباب أو التّجفاف البدن. قال: ويشهد لصحة هذا التأويل ما روي عنهعليهالسلام أنه رأى قوما على بابه، فقال: ياقنبر، من هؤلاء؟ فقال له قنبر: هؤلاء شيعتك، فقال: ما لي لا أرى فيهم سيما(١) الشيعة؟ قال:
وما سيما الشّيعة؟ قال: خمص البطون من الطّوى، يبس الشفاه من الظّما، عمش العيون من البكاء؛ هذا كله قول ابن قتيبة.
والوجهان جميعا في الخبر(٢) حسنان؛ وإن كان الوجه الّذي ذكره ابن قتيبة أحسن وأنصع(٣) .
ويمكن أن يكون في الخبر وجه ثالث تشهد بصحته اللّغة؛ وهو أن أحد وجوه معنى لفظة الفقر أن يحزّ أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو قريب منه، ثم يلوى عليه حبل، يذلّل بذلك الصّعب، يقال: فقره يفقره فقرا إذا فعل ذلك به، وبعير مفقور وبه فقرة، وكلّ شيء حززته وأثّرت فيه فقد فقّرته تفقيرا؛ ومنه سمّيت الفاقرة(٤) ، وقيل سيف مفقّر(٥) ؛ فيحمل(٦) القول على أنهعليهالسلام أراد(٦) : من أحبّنا فليزمّ نفسه وليخطمها وليقدها إلى الطاعات، ويصرفها عمّا تميل طباعها إليه من الشّهوات، وليذللها على الصّبر عما كره منها، ومشقة ما أريد منها(٧) ؛ كما يفعل ذلك بالبعير الصّعب؛ وهذا وجه في الخبر ثالث لم يذكر، وليس يجب أن يستبعد حمل الكلام على بعض ما يحتمله إذا كان له شاهد
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (سيمياء)، وفي حاشية الأصل: (سيما وسيمياء بمعنى).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (في هذا الخبر).
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (نصع الخضاب، أي لمع وصار سواده براقا ناصعا).
(٤) حاشية الأصل: (الفاقرة: الداهية؛ وإنما سميت بذلك لأنها كاسرة فقار الظهر، من قولهم فقره، إذا أصاب فقار ظهره).
(٥) في حاشيتي الأصل، ف: (السيف المفقر: الّذي في متنه حزوز أي خطوط منقورة).
(٦ - ٦) ت: (فيحتمل القول أن يكونعليهالسلام أراد).
(٧) ط، م: (بها)
من اللغة وكلام العرب؛ لأن الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشّعر أن يذكر كلّ ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني؛ فيجوز(١) أن يكون أراد المخاطب كلّ واحد منها منفردا، وليس عليه العلم بمراده بعينه؛ فإن مراده مغيّب عنه، وأكثر ما يلزمه ما ذكرناه من ذكر وجوه احتمال الكلام.
فصل [ذكر بعض أخبار الشعراء المتقدمين ممن كان على مذاهب أهل العدل]
قال الشريف المرتضىرضياللهعنه : وممّن كان من مشهوري الشعراء ومتقدّميهم على مذاهب أهل العدل ذو الرّمة؛ واسمه غيلان بن عقبة، وكنيته أبو الحارث، وذو الرّمة لقب لقّب به لبيت قاله، وهو قوله في صفة الوتد:
* أشعث(٢) باقي رمّة التّقليد*
والرّمة: القطعة البالية من الحبل؛ يقال: حبل أرمام؛ إذا كان ضعيفا باليا؛ وقيل إنه إنما لقّب بذي الرّمة لأنه كان - وهو غلام - يتفزّع، فجاءته أمّه بمن كتب له كتابا وعلّقته عليه برمّة من حبل؛ فسمّي ذا الرّمة.
ويشهد بمذهبه في العدل ما أخبرنا به أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال حدّثنا ابن دريد قال حدثنا أبو عثمان الأشنانداني عن التّوزيّ عن أبي عبيدة قال:
اختصم رؤبة وذو الرّمّة عند بلال بن أبي بردة، فقال رؤبة: والله ما فحص طائر أفحوصا، ولا تقرمص سبع قرموصا(٣) إلاّ بقضاء من الله وقدر؛ فقال له ذو الرّمة: والله ما قدّر الله على الذّئب أن يأكل حلوبة(٤) عيائل(٥) ضرائك؛ فقال رؤبة: أفبقدرته أكلها؟ هذا كذب
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (ويجوز).
(٢) حاشية الأصل: (بكسر الثاء؛ لأن قبله:
* وغير مشجوج القفا موتود* أشعث ...
وفي حاشية ف: (رمة التقليد؛ أي الرمة التي يجيء منها تقليد الوتد بها)، والبيت في ديوانه:
١٥٥.
(٣) في حاشيتي الأصل، ف (تقرمص؛ أي اتخذ قرموصا، وهو الموضع الّذي يأوي إليه).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (الحلوبة: التي بها لبن يحلب؛ وأكثر ذلك في النوق، وقد تستعمل في غيرها).
(٥) في حاشيتي ت، ف: (عيال الرجل: من يعوله، وواحد العيال عيل، مثل جيد وجياد وجيائد. والضريك: الضرير البائس الفقير؛ ولا يصرف له فعل، ولا يقال: ضركه بمعنى ضره؛ والجمع ضرائك وضركاء).
على الذئب ثان(١) ، فقال ذو الرّمّة: الكذب على الذّئب خير من الكذب على ربّ الذّئب.
وهذا الخبر صريح في قوله بالعدل واحتجاجه عليه، وبصيرته فيه؛ فأما العيائل فهو جمع عيّل، وهو ذو العيال. والضرائك: جمع ضريك وهو الفقير.
قال الشريف المرتضىرضياللهعنه : وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدّثنا أحمد ابن محمد المكي عن أبي العيناء عن الأصمعي عن إسحاق بن سويد قال: أنشدني ذو الرّمة:
وعينان قال الله كونا فكانتا |
فعولان بالألباب ما تفعل الخمر(٢) |
فقلت له: (فعولين) خبر الكون، فقال لي: لو سبّحت ربحت، إنما قلت: (وعينان فعولان) وصفتهما بذلك. وإنما تحرّز ذو الرّمة بهذا الكلام من القول بخلاف العدل.
وقد روى هذا الخبر على خلاف هذا الوجه(٣) ؛ أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني أحمد بن خالد النحاس(٤) قال حدّثني(٥) محمد بن القاسم أبو العيناء قال حدّثنا الأصمعي قال: لما أنشد ذو الرّمة قوله:
وعينان قال الله كونا فكانتا |
فعولين بالألباب ما تفعل الخمر |
- وهو يريد: كونا فكانتا فعولين حيث كانتا(٦) - قال له عمرو بن عبيد(٧) : ويحك! قلت عظيما، فقل: (فعولان بالألباب)، فقال له ذو الرّمة، ما أبالي: أقلت هذا أم سبّحت، فلما علم بما ذهب إليه عمرو قال: سبحان الله! لو عنيت ما ظننت كنت جاهلا.
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (قوله (ثان) لا يعني أنه كذب على الذئب مرتين؛ وإنما المعنى: إنك كاذب على الخلق في أن أفعالهم ليست بفضاء من الله وقدر؛ لأنه وإن ذكر الطائر والسبع؛ فإنه يعني به الخلق؛ ثم لما ذكر ذو الرمة الذئب قال رؤبة: هذا كذب على الذئب ثان لذلك الكذب الأول الّذي استشهدت عليه بالطائر والسبع).
(٢) ديوانه: ٢١٣.
(٣) الخبر في (الأغاني ١٦: ١١٧)، وفيه: (لو قلت: سبحان الله، والحمد للّه، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ كان خيرا لك).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (النخاس).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (حدثنا).
(٦) ت (خبر كانتا)، ولعله تحريف.
(٧) حاشية الأصل: (كان معتزليا عدليا).
قال الشريف المرتضىرضياللهعنه : وممّن روى أنه كان على مذاهب أهل العدل من شعراء الطبقة الأولى أعشى(١) قيس بن ثعلبة، واستشهد بقوله:
استأثر الله بالوفاء وبال |
عدل وولّى الملامة الرّجلا(٢) |
[ذكر بعض أخبار الشعراء المتقدمين ممن كان على مذهب أهل الجبر]
وممّن قيل إنه كان على مذاهب أهل الجبر من المشهورين أيضا لبيد بن ربيعة العامري، واستدلّ بقوله:
إنّ تقوى ربّنا خير نفل |
وبإذن الله ريثي وعجل(٣) |
|
من هداه سبل الخير اهتدى |
ناعم البال ومن شاء أضلّ |
وإن كان لا طريق(٤) إلى نسب الجبر إلى مذهب لبيد إلا هذان البيتان فليس فيهما دلالة على ذلك، أما قوله:
* وبإذن الله ريثي وعجل*
فيحتمل أن يريد: بعلمه؛ كما يتأول عليه قوله تعالى: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ الله [البقرة: ١٠٢]؛ أي بعلمه، وإن قيل في هذه الآية، إنه أراد: بتخليته وتمكينه، وإن كان لا شاهد لذلك في اللغة أمكن مثله في قول لبيد؛ فأما قوله: (من هداه اهتدى ومن شاء أضل) فيحتمل أن يكون مصروفا إلى بعض الوجوه التي يتأول عليها الضّلال والهدى المذكوران في القرآن؛ مما يليق بالعدل ولا يقتضي الإجبار؛ اللهم إلا أن يكون مذهب لبيد في الإجبار معروفا بغير هذه الأبيات؛ فلا يتأوّل له هذا التأويل؛ بل يحمل مراده على موافقة المعروف من مذهبه.
____________________
(١) حاشية الأصل: (قبيلة الأعشى).
(٢) ديوانه ١٥٥؛ وفي حاشيتي الأصل، ف: (استأثر الله؛ تستعمل مع الباء؛ يقال: استأثر الله به).
(٣) ديوانه: ٣٩.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (لا سبيل).
مسألة [في الاستدلال على نفي الرؤية بالأبصار]
قال الشّريف المرتضىرضياللهعنه : اعلم أن أصحابنا لما استدلّوا على نفي الرؤية بالأبصار عن الله تعالى بقوله:( لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [الأنعام: ١٠٣]، وبينوا أنه تعالى تمدّح بنفي الإدراك(١) الّذي هو رؤية البصر عن نفسه على وجه يرجع إلى ذاته؛ فيجب أن يكون في ثبوت الرؤية له في وقت من الأوقات نقص وذمّ. قال لهم مخالفوهم: كيف يتمدّح بأنه لا يرى، وقد يشاركه في نفي الرؤية ما ليس بممدوح؛ كالمعدومات والإرادات والاعتقادات؟ فقالوا لهم: لم يتمدّح تعالى بنفي الرؤية فقط، وإنما تمدّح بنفي الرؤية عنه وإثباتها له، فتمدّحه بمجموع(٢) الأمرين؛ وليس يشاركه في هاتين الصفتين مشارك؛ لأن الموجودات المحدثات على ضروب؛ منها ما لا يرى ولا يرى كالإرادات والاعتقادات، ومنها ما يرى ولا يرى كالألوان، ومنها ما يرى ويرى كالإنسان وضروب الأحياء؛ وليس فيها ما يرى ولا يرى؛ فثبتت المدحة للّه تعالى بمتضمّن الآية.
فقال لهم المخالفون: وكيف يجوز أن تكون صفة لا تقتضي المدحة بانفرادها، ثم تصير تقتضيها مع غيرها! ولئن جاز هذا ليجوزنّ أن يتمدّح متمدح بأنه شيء عالم، أو موجود قادر؛ فإذا كان لا مدحة في وصف الذات بأنها شيء وموجودة(٣) ، وإن انضمّت إلى صفة مدح من حيث كانت بانفرادها لا تقتضي مدحا، فكذلك لا مدحة في نفي الرؤية عمّن ثبتت(٤) له، من حيث كانت بانفرادها لا تقتضي مدحا.
فأجاب أصحابنا عن هذا الكلام بأن قالوا: ليس يمتنع في الصّفة أن تكون لا تقتضي مدحا إذا انفردت، وتقتضيه إذا انضمت إلى غيرها، ومثّلوا ذلك بقوله تعالى:( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ) [البقرة: ٢٥٥]. وإنّ نفي السّنة والنّوم هاهنا إنما يكون مدحا إذا انتفى عمّن هو بصفة الأحياء، وإن كان بانفراده لا يقتضي مدحا لمشاركة ذوات كثيرة غير
____________________
(١) ت: (بنفي إدراك البصر).
(٢) ت: (جميع)؛ وفي حاشيتها (من نسخة): (فتمدح بمجموع الأمرين).
(٣) د، ونسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (بأنها شيء موجود).
(٤) ش: (تثبت).
ممدوحة فيه، وفصلوا بين الوصف بالشيء والوجود، وبين ما ذكروا من حيث لا تأثير لهاتينك(١) الصّفتين في المدح.
واعلم أنّ صفات المدح المتضمنة للإثبات ما تكاد(٢) تفتقر إلى شرط في كونها مدحا.
وصفات النفي إذا كانت مدحا فلا بدّ فيها من شرط؛ وإنما افترق الأمران من حيث كان النّفي أعمّ من الإثبات؛ فيدخل تحته الممدوح وغير الممدوح، والإثبات أشدّ اختصاصا؛ ألا ترى أنّ ما ليس بعالم من الذّوات وليس بموجود أكثر مما ثبت له العلم والوجود منها؟
لأنّ الأول لا يكون إلا غير متناه، والثاني لا بدّ أن يكون متناهيا، فلما شملت صفات النفي الممدوح وغير الممدوح احتاجت إلى شرط يخصّصها.
وأنت إذا اعتبرت سائر صفات النّفي التي يتمدّح بها وجدتها مفتقرة إلى الشروط؛ ألا ترى أنّ من ليس بجاهل إنما يكون ممدوحا بهذا النفي إذا كان حيّا ذاكرا، ومن ليس بعاجز إنما يكون ممدوحا إذا كان أيضا موجودا حيا، ومن ليس بظالم إنما يكون ممدوحا إذا كان قادرا على الظلم وله دواع إليه، ولا بدّ في الشرط الّذي يحتاج إليه في صفات النفي حتى تكون مدحا من أن يكون أيضا إثباتا أو جاريا مجرى الإثبات، ولا يكون نفيا لأنه إن(٣) كان نفيا لم يتخصص، وساوى(٤) فيه الممدوح ما ليس بممدوح؛ مثال ذلك أنا إذا مدحنا غيرنا بأنه لا يظلم، وشرطنا في هذه المدحة أنه لم يدعه داع(٥) إلى الظلم لم تحصل المدحة، لأنه قد يشاركه في نفي الظلم ونفي الدواعي إليه ما ليس بممدوح، فلا بدّ من شرط يجري مجرى الإثبات؛ وهو أن تقول: وهو ممّن تدعوه الدواعي إلى الأفعال ويتصرّف فيها بحسب حاجته ودواعيه. فإذا صحّت هذه الجملة فالوجه أن نقول: إن المدحة في الآية إنما تتعلّق بنفي الإدراك عن القديم تعالى، لكن بشرط أن يكون مدركا، ولا نجعل(٦) كلّ
____________________
(١) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (لتينك)، وفي حاشية ت أيضا (من نسخة أخرى): (لهاتين).
(٢) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (لا تكاد).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (إذا).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (وشارك).
(٥) ت: (لم يدعه الداعي).
(٦) في الأصل: (ونجعل)، وصححت في الحاشية، وفي حاشيتي الأصل، ف: (في النسخة المقروءة على السيدرضياللهعنه : (ولا نجعل)؛ كذا كان بخط الشجري، وفي نسخة ص أيضا).
واحدة من الصفتين تقتضي المدح مجتمعا؛ مع أنّ كل واحدة لا تقتضيه على سبيل الانفراد.
وليس بمنكر أن يقتضي الشيء غيره بشرط متى وجد حصل المقتضي، وإذا لم يحصل(١) لم يحصل مقتضاه، ونفي السّنة والنوم والظلم عن الله تعالى إنما كان مدحا بشروط معروفة على نحو ما ذكرناه؛ وهذا التلخيص في هذا الموضع أولى وأحسم للشّبه(٢) مما تقدّم ذكره.
____________________
(١) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (لم يوجد).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (للشبهة).
[٣]
مجلس آخر(*) [المجلس الثالث:]
تأويل آية( فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ )
إن سأل سائل فقال: ما تقولون في قوله تعالى حكاية عن موسىعليهالسلام :( فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ) [الشعراء: ٣٢]، وقال في موضع آخر:( وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ) (١) [القصص: ٣١].
والثّعبان هو الحيّة العظيمة الخلقة، والجانّ الصغير من الحيّات، فكيف اختلف الوصفان والقصة واحدة؟ وكيف يجوز أن تكون العصا في حالة واحدة من صفة ما عظم خلقه من الحيّات، وبصفة ما صغر منها؟ وبأي شيء تزيلون التناقض عن هذا الكلام؟.
الجواب: أول ما نقوله(٢) : إن الّذي ظنه السائل من كون الآيتين خبرا عن قصة واحدة باطل؛ بل الحالتان مختلفتان؛ فالحال(٣) التي أخبر عن العصا فيها بصفة الجان(٣) كانت في ابتداء النبوّة، وقبل مصير موسىعليهالسلام إلى فرعون، والحال التي صارت العصا فيها ثعبانا كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة؛ والتلاوة تدلّ على ذلك؛ وإذا اختلفت القصّتان فلا مسألة.
على أن قوما من المفسّرين قد تعاطوا الجواب عن هذا السؤال؛ إمّا لظنّهم أن القصة واحدة، أو لاعتقادهم أن العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب في حالتين: تارة إلى صفة الجانّ،
____________________
* كذا في ت، وفي الأصل، ف: (مجلس آخر ثالث).
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (لم يعقب: لم يرجع؛ وقيل لم يلتفت، وقيل لم يعطف ولم ينتظر؛ يقال: كر على القوم وما عقب. ويرى أهل النظر أنه مأخوذ من العقب؛ وروي عن سفيان: لم يعقب:
لم يمكث، ويقال: عقب في الأمر إذا تردد في طلبه مجدا؛ وقوله تعالى:( لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) ؛ أي لا يحكم بعد حكمه حاكم، والمعقب: الّذي بكر على الشيء، وقوله تعالى:( لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ) ، أي للإنسان ملائكة يعقب بعضهم بعضا. وقال الفراء: ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار؛ يعني أنهم يتعاقبون ليلا ونهارا).
(٢) ت، د: (أول ما نقوله في هذا).
(٣) ت: (فالحال التي أخبر أن العصا صارت فيها بصفة الجان ).
وتارة إلى صفة الثعبان؛ أو على سبيل الاستظهار في الحجة، وأن الحال لو كانت واحدة على ما ظنّ لم يكن بين الآيتين تناقض؛ وهذا الوجه أحسن ما تكلّفوا الجواب لأجله؛ لأن الأولين لا يكونان إلا عن غلط أو غفلة، وذكروا وجهين تزول بكل واحد منهما الشبهة في تأويلها:
أحدهما أنه تعالى إنما شبّهها بالثعبان في إحدى الآيتين لعظم خلقها، وكبر جسمها، وهول منظرها؛ وشبّهها في الآية الأخرى بالجانّ لسرعة حركتها ونشاطها وخفّتها؛ فاجتمع لها مع أنها في جسم الثعبان وكبر خلقه نشاط الجان، وسرعة حركته؛ وهذا أبهر في باب الإعجاز، وأبلغ في خرق العادة؛ ولا(١) تناقض معه بين الآيتين؛ وليس يجب إذا شبّهها بالثعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان، ولا إذا شبّهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته، وقد قال الله تعالى:( وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ) . قوارير من فضّة [الدهر: ١٥، ١٦]. ولم يرد تعالى أنّ الفضّة قوارير على الحقيقة؛ وإنما وصفها بذلك لأنه اجتمع لها صفاء القوارير وشفوفها ورقّتها؛ مع أنها من فضة؛ وقد تشبّه العرب الشيء بغيره في بعض وجوهه؛ فيشبّهون المرأة بالظّبية والبقرة(٢) ونحن نعلم أن في الظباء والبقر من الصّفات ما لا يستحسن أن يكون في النساء، وإنما وقع التشبيه في صفة دون صفة، ومن وجه دون وجه(٣) .
والجواب الثاني أنه تعالى لم يرد بذكر الجانّ في الآية الأخرى الحيّة؛ وإنما أراد أحد الجنّ؛ فكأنه تعالى خبّر(٤) بأن العصا صارت ثعبانا في الخلقة وعظم الجسم؛ وكانت مع ذلك كأحد الجن في هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها؛ ولهذا قال تعالى:( فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ) .
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (فلا).
(٢) ت: (وبالبقرة).
(٣) ت: (دون آخر).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (أخبر).
ويمكن أن يكون في الآية تأويل آخر استخرجناه؛ إن لم يزد على الوجهين الأوّلين لم ينقص عنهما؛ والوجه في تكلّفنا له ما بيّناه من الاستظهار في الحجّة، وأنّ التناقض الّذي توهّم زائل على كل وجه(١) ؛ وهو أنّ العصا لما انقلبت حيّة صارت أولا بصفة الجانّ وعلى صورته؛ ثم صارت بصفة الثّعبان؛ على تدريج؛ ولم تصر كذلك ضربة واحدة؛ فتتّفق الآيتان على هذا التأويل، ولا يختلف حكمهما، وتكون الآية الأولى التي تتضمن ذكر الثعبان إخبارا عن غاية حال العصا، وتكون الآية الثانية تتضمّن ذكر الحال التي ولى موسى فيها هاربا؛ وهي حال انقلاب العصا إلى خلقة الجان؛ وإن كانت بعد ذلك الحال انتهت إلى صورة الثعبان.
فإن قيل على هذا الوجه: كيف يصح ما ذكرتموه مع قوله تعالى:( فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ) ؛ وهذا يقتضي أنها صارت ثعبانا بعد الإلقاء بلا فصل؟ قلنا: تفيد(٢) الآية ما ظنّ؛ وإنما فائدة قوله تعالى:( فَإِذا هِيَ ) الإخبار) عن قرب الحال التي صارت فيها بتلك الصّفة؛ وأنّه لم يطل الزّمان في مصيرها كذلك، ويجري هذا مجرى قوله تعالى:( أَوَلَمْ يَرَ الآنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) [يس: ٧٧]؛ مع تباعد ما بين كونه نطفة وكونه خصيما مبينا، وقولهم: ركب فلان من منزله فإذا هو في ضيعته، وسقط من أعلى الحائط فإذا هو في الأرض؛ ونحن نعلم أنّ بين خروجه من منزله وبلوغه ضيعته زمانا، وأنّه لم يصل إليها إلا على تدريج؛ وكذلك الهابط من الحائط؛ وإنما فائدة الكلام الإخبار عن تقارب الزّمان؛ وأنه لم يطل ولم يمتدّ.
____________________
(١) ت: (على كل حال).
(٢) ت (من نسخة): (تقدير).
تأويل آية أخرى( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ )
قال الشريف المرتضىرضياللهعنه : قال الله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
وقد ظنّ بعض من لا بصيرة له، ولا فطنة عنده أن تأويل هذه الآية أنّ الله تعالى استخرج من ظهر آدمعليهالسلام جميع ذريته، وهم في خلق الذّرّ، فقرّرهم بمعرفته، وأشهدهم على أنفسهم.
وهذا التأويل - مع أنّ العقل يبطله ويحيله - مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه؛ لأن الله تعالى قال:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ) ، ولم يقل: من آدم، وقال:( مِنْ ظُهُورِهِمْ ) ، ولم يقل: من ظهره، وقال:( ذُرِّيَّتَهُمْ ) ، ولم يقل: ذرّيته؛ ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة: إنهم كانوا عن ذلك غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم، وأنّهم نشئوا على دينهم وسنّتهم؛ وهذا يقتضي أنّ الآية لم تتناول ولد آدمعليهالسلام لصلبه؛ وأنها إنما(١) تناولت من كان له آباء مشركون؛ وهذا يدلّ على اختصاصها ببعض ذرّية(٢) بني آدم؛ فهذه شهادة الظّاهر ببطلان تأويلهم، فأما شهادة العقول(٣) فمن حيث لا تخلو هذه الذّرّية التي استخرجت من ظهر آدمعليهالسلام فخوطبت وقرّرت من أن تكون كاملة العقول، مستوفية لشروط التكليف؛ أو لا تكون كذلك(٤) .
فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم، وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال، وما قرّروا به، واستشهدوا عليه؛ لأنّ العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى، وإن بعد العهد وطال الزمان؛ ولهذا لا يجوز أن يتصرّف أحدنا في بلد من البلدان وهو عاقل كامل فينسى مع بعد العهد جميع تصرّفه المتقدّم وسائر أحواله.
____________________
(١) ساقطة من ت، ف.
(٢) ت: (ولد آدم).
(٣) ت: (العقل).
(٤) ت: (أو لا تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف).
وليس أيضا لتخلّل الموت بين الحالين تأثير؛ لأنه لو كان تخلّل الموت يزيل الذكر لكان تخلّل النوم والسّكر والجنون والإغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم؛ لأنّ سائر ما عددناه مما ينفي العلوم يجري مجرى الموت في هذا الباب. وليس لهم أن يقولوا:
إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه في حال الطفوليّة جاز ما ذكرناه؛ وذلك أنّا إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادّعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى لهم(١) وهم كاملو العقول، ولو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه.
على أن تجويز النّسيان عليهم ينقض الغرض في الآية، وذلك أنّ الله تعالى أخبر بأنه إنما قرّرهم وأشهدهم لئلا يدّعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك، وسقوط الحجّة عنهم(٢) فيه؛ فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة وزوالها، وإن كانوا على الصّفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم، وصار ذلك عبثا قبيحا؛ يتعالى الله عنه.
فإن قيل: قد أبطلتم تأويل(٣) مخالفيكم، فما تأويلها الصحيح عندكم؟ قلنا في هذه الآية وجهان:
أحدهما أن يكون تعالى إنما عنى جماعة من ذرّية بني آدم خلقهم وبلّغهم وأكمل عقولهم، وقرّرهم على ألسن(٤) رسلهعليهمالسلام بمعرفته وما يجب(٥) من طاعته، فأقرّوا بذلك، وأشهدهم على أنفسهم به؛ لئلا يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم. وإنما أتى من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظنّ أنّ اسم الذرية لا يقع إلاّ على من لم يكن كاملا عاقلا؛ وليس الأمر كما ظنّ؛ لأنّا نسمّي جميع البشر بأنهم ذرية آدم؛ وإن دخل فيهم العقلاء الكاملون، وقد قال الله تعالى:( رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة)، ت، ف: (عليهم).
(٢) ت، حاشية الأصل (من نسخة) (عليهم).
(٣) م: (قول).
(٤) ت، د، حاشية ف (من نسخة): (لسان).
(٥) د، ت: (وما يجب عليهم).
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) [غافر: ٨].
ولفظ الصالح لا يطلق إلا على من كان كاملا عاقلا؛ فإن استبعدوا تأويلنا وحملنا الآية على البالغين المكلّفين؛ فهذا جوابهم.
والجواب الثاني أنّه تعالى لما خلقهم وركّبهم تركيبا يدلّ على معرفته ويشهد بقدرته ووجوب عبادته، وأراهم العبر والآيات والدّلائل في أنفسهم وفي غيرهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم، وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته وظهوره فيهم على الوجه الّذي أراده تعالى، وتعذّر امتناعهم منه، وانفكاكهم من دلالته بمنزلة المقرّ المعترف؛ وإن لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى:( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) [فصلت: ١١]، وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة، ولا منهما جواب، ومثله قوله تعالى:( شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) [التوبة: ١٧]. ونحن نعلم أنّ الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم؛ وإنما(١) لما ظهر منهم ظهورا لا يتمكّنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به؛ ومثل هذا قولهم: جوارحي تشهد بنعمتك، وحالي معترفة بإحسانك. وما روي عن بعض الخطباء(٢) من قوله: سل(٣) الأرض: من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا.
وهذا باب كبير، وله نظائر كثيرة في النظم والنثر؛ يغني عن ذكر جميعها القدر الّذي ذكرناه منها.
____________________
(١) د، ونسخة بحاشيتي الأصل، ف: (وإنما ذلك).
(٢) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (الحكماء).
(٣) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (هذا من كلام الفضل بن عيسى بن أبان، ذكره في قصصه).
تأويل خبر [ (ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن) ]
قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم فيما يروى عن النبي صلى عليه وآله: (ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن). قال: أراد: يستغني به، واحتجّ بقولهم: تغنّيت تغنيا، وتغانيت تغانيا، وأنشد بيت الأعشى:
و
كنت امرأ زمنا بالعراق |
عفيف المناخ طويل التّغنّ(١) |
وقول الآخر:
كلانا غني عن أخيه حياته |
ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا(٢) |
واحتجّ أيضا بقول ابن مسعود: (من قرأ سورة آل عمران فهو غني)، أي مستغن، وبالحديث الآخر: (نعم كنز الصّعلوك سورة آل عمران يقوم بها(٣) في آخر الليل)؛ والصّعلوك الفقير، واحتجّ بحديث آخر يروى عن النبيصلىاللهعليهوآله وسلم هو أنه قال: (لا ينبغي لحامل القرآن أن يظنّ أنّ أحدا أعطي أفضل مما أعطي، لأنّه لو ملك الدنيا بأسرها لكان القرآن أفضل ممّا ملكه). واحتجّ أيضا بخبر يرفعه(٤) عن عبد الله بن نهيك أنه دخل على سعد(٥) بيته(٦) ، فإذا مثال رثّ، ومتاع رثّ، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن).
قال أبو عبيد: فذكره المتاع الرثّ، والمثال الرثّ يدلّ على أن التغنّي بالقرآن الاستغناء به
____________________
(١) ديوانه: ٢٢، واللسان (غنى).
(٢) نسبه صاحب اللسان في (غنى) إلى المغيرة بن حبناء التميمي؛ وذكره المبرد في (الكامل ٣: ١٤ - بشرح المرصفي) ضمن أبيات لعبد الله ابن معاوية، أولها:
رأيت فضيلا كان شيئا ملفّفا |
فكشّفه التّمحيص حتّى بدا ليا |
وقبله:
فعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة |
ولكنّ عين السّخط تبدى المساويا |
(٣) حاشية الأصل: (بقراءتها).
(٤) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (يرويه).
(٥) حاشية الأصل: (هو سعد بن أبي وقاص).
(٦) كذا في الأصل، وحاشية ف؛ وفي د، ف، وحاشية ت (من نسخة): (في بيته).
عن الكثير من المال والمثال هو الفراش، قال الشاعر(١) :
بكلّ طوال السّاعد بن كأنّما |
يرى بسرى اللّيل المثال الممهّدا(٢) |
- يعني الفراش. قال أبو عبيد: ولو كان معناه الترجيع لعظمت المحنة علينا بذلك؛ إذ كان من لم يرجّع بالقرآن فليس(٣) منهعليهالسلام .
وذكر غير(٤) أبي عبيد جوابا آخر، وهو أنهعليهالسلام أراد: من لم يحسّن صوته بالقرآن.
ولم يرجّع(٥) فيه. واحتجّ صاحب هذا الجواب بحديث عبد الرحمن بن السائب قال: أتيت سعدا - وقد كفّ بصره - فسلمت عليه، فقال: من أنت؟ فأخبرته. فقال: مرحبا ياابن(٦) أخي، بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، وقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: (إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منا). فقوله: (فابكوا أو تباكوا) دليل على أن التغنّي التحنين والترجيع. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (لا يأذن الله لشيء من أهل الأرض إلا لأصوات المؤذّنين، والصوت الحسن بالقرآن). ومعنى قوله: (يأذن) يستمع له؛ يقال: أذنت للشيء آذن أذنا إذا استمعت له؛ قال الشاعر(٧) :
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به |
وإن ذكرت بسوء(٨) عندهم أذنوا |
____________________
(١) نسبه صاحب اللسان في (مثل) إلى الأعشى.
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (أي بدل سرى الليل؛ كقولك شربت بالخمر ماء، أي بدل الخمر).
(٣) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (ليس).
(٤) د، وحاشية الأصل (من نسخة): (وذكر عن غير أبي عبيد جواب).
(٥) ت، د، ف: (ويرجع).
(٦) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (بابن).
(٧) هو قعنب بن ضمرة؛ أحد شعراء الدولة الأموية، من أبيات في (الحماسة - بشرح التبريزي ٤ - ١٢٤، والاقتضاب ٢٩٢، وشواهد المغني ٣٢٦)، وقبله:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا |
عنّي وما سمعوا من صالح دفنوا |
(٨) ف: (بشر).
وقال عدي بن زيد العبادي(١) :
أيّها القلب تعلّل بددن |
إنّ همّي في سماع وأذن(٢) |
والأذن هو السّماع، وإنما حسّن(٣) تكرير المعنى اختلاف اللفظ. وللعرب في هذا مذهب معروف، ومثله:
* وهند أتى من دونها النّأى والبعد*
فأما الدّدن فهو اللهو واللعب، وفيه لغات ثلاث: دد على مثال دم، وددا على مثال فتى، وددن على مثال حزن؛ ومنه قول النبيعليهالسلام : (ما أنا من دد ولا الدّد منّي(٤) ).
فإن قيل: كيف يحمل قوله: (لا يأذن الله لشيء كإذنه لكذا وكذا) على معنى الإسماع، وهو تعالى سامع لكلّ شيء مسموع، فأي معنى للاختصاص؟ قلنا: ليس المراد هاهنا بالإسماع مجرد الإدراك، وإنما المراد به القبول، فكأنّهعليهالسلام قال:
إنّ الله تعالى لا يتقبّل أو يثيب على شيء من أهل الأرض كتقبّله وثوابه على كذا وكذا، ومن هذا قولهم: هذا كلام لا أسمعه، وخاطبت فلانا بكلام فلم يسمعه(٥) ، وإنما يريد نفي القبول لا الإدراك، والبيت الّذي أنشدناه يشهد بذلك، لأنه قال:
* وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا*
ونحن نعلم أنّهم يستمعون الذّكر بالخير والشر معا من حيث الإدراك؛ فوجه الاختصاص ما ذكرناه.
____________________
(١) حاشية ت: (العباد قوم كانوا يخدمون النعمان فسماهم العباد وكان عدي هذا منهم)؛ وحاشية ف: (قوم اقتطعهم النعمان بخدمته؛ فكان يقال لهم عباد النعمان، فنسب عدي إليهم، (وكان نصرانيا).
(٢) حاشية الأصل: (البعد أقرب من النأي).
(٣) ش، ف: (وإنما حسن تكرير المعنى لاختلاف اللفظ).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (قولهعليهالسلام : (منيه) هذه الهاء للاستراحة، وهي تدل على تأكد امتناعه من اللهو). وفي ج، وحاشيتي ت، ف (من نسخة): (مني).
(٥) في حاشيتي ت، ف: (ومن هذا الباب قوله: دعوت الله حتى خفت ألا يكون الله يسمع ما أقول؛ أي يجيب).
وقد ذكر أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري وجها ثالثا في الخبر، قال: أرادعليهالسلام :(١) من لم يتلذّذ بالقرآن، ويستحله، ويستعذب(١) تلاوته كاستحلاء أصحاب الطّرب للغناء والتذاذهم به. وسمّى ذلك تغنّيا من حيث يفعل عنده ما يفعل عند التغنّي بالغناء، وذكر أنّ ذلك نظير قولهم: العمائم تيجان العرب، والحباء(٢) حيطان العرب، والشمس حمّامات العرب(٣) ؛ وأنشد بيت النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلا |
مفجّعة على فنن تغنّي(٤) |
فشبّه صوتها لما أطرب إطراب الغناء بالغناء، وجعلوا العمائم لما قامت مقام التّيجان تيجانا؛ وكذلك القول في الحباء والشمس.
وجواب أبي عبيد أحسن الأجوبة وأسلمها، وجواب أبي بكر أبعدها؛ لأن التلذّذ لا يكون إلا في المشتهيات، وكذلك الاستحلاء والاستعذاب. وتلاوة القرآن وتفهّم معانيه من الأفعال الشاقة، فكيف يكون ملذّا مشتهى(٥) ؟! فإن عاد إلى أن يقول: قد تستحلى التّلاوة من الصوت الحزين(٦) ، قلنا: هذا رجوع إلى الجواب الثاني الّذي رغبت عنه، وانفردت عند نفسك بما يخالفه.
ويمكن أن يكون في الخبر وجه رابع خطر لنا، وهو أن يكون قولهعليهالسلام :
(من لم يتغنّ) من غني الرجل بالمكان إذا طال مقامه به، ومنه قيل: المغنى والمغاني، قال الله تعالى:( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) [الأعراف: ٩٢]، أي لم يقيموا بها، وقال
____________________
(١ - ١) ف: (من لم يتلذذ بالقرآن ولم يستحله ولم يستعذب).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (جمع حبوة (بكسر الحاء وضمها معا)، والأصل فيه الاحتباء بالسيف، والاحتباء: شد اليدين أمام الركبتين، والاسم الحبوة).
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (أي يتنزل منزلة هذه الأشياء).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (الهديل: صوت الحمام وفرخها، ويحتمل المعنيين؛ أي تدعو دعاء، صوتها)؛ والبيت في ديوانه ٧٩.
(٥) في حاشيتي الأصل (من نسخة)، ف (عن ش): (شيء ملذ؛ أي يحمل على الالتذاذ به، ويقال: لذذت بالشيء، ولذذته، أو وجدته لذيذا، أو عددته كذلك).
(٦) تحت هذه الكلمة في الأصل: (من نسخة الشجري)، وفي نسخة بحاشيتي الأصل، ت (الحسن).
الأسود بن يعفر(١) الإيادي:
ولقد غنوا فيها بأنعم غنية |
في ظلّ ملك ثابت الأوتاد(٢) |
وقول(٣) الأعشى الّذي أنشده أبو عبيد وهو:
وكنت امرأ زمنا بالعراق |
عفيف المناخ طويل التّغنّ |
بطول المقام أشبه منه بالاستغناء، لأن المقام يوصف بالطول ولا يوصف الاستغناء بذلك، فكأنّ الأعشى أراد: إنّني كنت ملازما لوطني، مقيما بين أهلي، لا أسافر للانتجاع والطّلب؛ ويجري قوله هذا مجرى قول حسّان بن ثابت الأنصاري:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم |
قبر ابن مارية الكريم المفضل(٤) |
أراد بقوله: (حول قبر أبيهم) أنهم ملوك لا ينتجعون(٥) ، ولا يفارقون محالّهم وأوطانهم؛ فيكون معنى الخبر على هذا الوجه: من لم يقم على القرآن؛ فلا يتجاوزه(٦) إلى غيره، ولا يتعدّاه إلى سواه، ويتخذه مغنى ومنزلا ومقاما فليس منا.
فإن قيل: أليس قد يتعدّى القرآن إلى السّنّة والإجماع وسائر أدلّة الشرع؟ فكيف يحظر علينا تعدّيه؟ قلنا: ليس في ذلك تعدّ للقرآن، لأنّ القرآن دالّ على وجوب اتّباع السنّة وغيرها من أدلّة الشرع، فمن اعتمد بعضها في شيء من الأحكام لا يكون متجاوزا للقرآن، ولا متعديا؛ فأمّا قولهعليهالسلام : (ليس منّا) فقد قيل فيه: إنه لا يكون على أخلاقنا، واستشهد ببيت النابغة:
____________________
(١) في حاشيتي الأصل: (ويعفر (بضم الياء والفاء)، ويعفر أيضا (بضم الياء وكسر الفاء).
ويعفر (بضم الياء والفاء) ينصرف لزوال شبه الفعل عنه).
(٢) البيت من قصيدة في المفضليات ٢١٧، وفي د، ف، وحاشية الأصل (من نسخة)، والمفضليات (عيشة).
(٣) ت: (وبيت).
(٤) ديوانه: ٨٠، وأولاد جفنة: ملوك غسان.
(٥) في حاشيتي الأصل، ف: أي لا يحتاجون إلى الانتجاع؛ فهم مقيمون في مكانهم).
(٦) حاشية ف: (ويتجاوزه ويتخذه)، وفي حاشية الأصل: (قال السيد: في هذا الكلام اضطراب، والصحيح: (فيتجاوزه ويتعداه)؛ إلا أن تكون (لا) زائدة؛ والمعنى: من لم يقم على القرآن بحيث لا يتجاوزه إلى غيره، ويتعداه إلى سواه؛ ولم يتخذه مغنى، ويكون قوله (يتخذ) معطوفا على (يقم).
إذا حاولت في أسد فجورا |
فإنّي لست منك ولست منّي(١) |
وقيل إنه أراد: ليس على ديننا، وهذا الوجه لا يليق إلاّ بجوابنا الّذي اخترناه، وهو بعده بجواب أبي عبيد أليق، لأنه محال أن يخرج عن دين النبي صلى الله عليه وملّته من لم يحسّن صوته بالقرآن، ويرجّع فيه، أو من لم يتلذّذ بتلاوته ويستحليها.
مسألة: [الكلام على قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) ]
اعلم أنّ أصحابنا قد اعتمدوا في إبطال ما ظنّه أصحاب الرؤية في قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) [القيامة ٢٢ - ٢٣]، على وجوه معروفة، لأنهم بيّنوا أنّ النظر ليس يفيد الرؤية، ولا الرؤية من أحد محتملاته، ودلّوا على أنّ النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة؛ منها تقليب الحدقة الصحيحة حيال(٢) المرئي طلبا لرؤيته؛ ومنها النظر الّذي هو الانتظار؛ ومنها النّظر الّذي هو التعطّف والرّحمة؛ ومنها النظر الّذي هو الفكر والتأمّل، وقالوا: إذا لم يكن في أقسام النظر الرّؤية لم يكن للقوم بظاهرها تعلّق(٣) ، واحتجنا(٤) جميعا إلى طلب تأويل للآية من غير جهة الرؤية. وتأوّلها بعضهم على الانتظار للثواب، وإن كان المنتظر في الحقيقة محذوفا، والمنتظر منه مذكورا على عادة للعرب معروفة.
وسلّم بعضهم أن النظر يكون الرؤية بالبصر، وحمل الآية على رؤية أهل الجنة لنعم الله تعالى عليهم؛ على سبيل حذف المرئي في الحقيقة. وهذا كلام(٥) مشروح في مواضعه، وقد بيّنا ما يورد عليه، وما يجاب به عن الشّبهة المعترضة في مواضع كثيرة.
وهاهنا وجه غريب في الآية حكي عن بعض المتأخرين(٦) : لا يفتقر معتمده إلى العدول عن الظاهر، أو إلى تقدير محذوف، ولا يحتاج إلى منازعتهم في أنّ النظر يحتمل الرؤية،
____________________
(١) ديوانه: ٧٩.
(٢) ت، حاشية ف (من نسخة): (في جهة المرئي).
(٣) ف: (التعلق).
(٤) ت، حاشية الأصل (من نسخة): (واحتاج جميعنا).
(٥) ت، ف: (وهذا الكلام).
(٦) في حاشيتي ت، ف: (يعني به الصاحب بن عباد رحمه الله).
أو لا يحتملها؛ بل يصح الاعتماد عليه؛ سواء كان النظر المذكور في الآية هو الانتظار بالقلب، أو(١) الرؤية بالعين، وهو أن يحمل قوله تعالى:( إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) على أنه أراد به نعمة ربّها، لأن الآلاء النّعم، وفي واحدها أربع لغات: ألاّ مثل قفا، وألى مثل رمى، وإلى مثل معى، وإلى مثل حسى؛ قال أعشى بكر بن وائل:
أبيض لا يرهب الهزال ولا |
يقطع رحما ولا يخون إلا(٢) |
أراد أنه لا يخون نعمة، فأراد (بإلى ربّها) نعمة ربّها، وأسقط التنوين للإضافة.
فإن قيل: فأي فرق بين هذا الوجه وبين تأويل من حمل الآية على أنّه أريد بها(٣) إلى ثواب ربها ناظرة، بمعنى رائية لنعمه وثوابه؟ قلنا: ذلك الوجه يفتقر إلى محذوف، لأنه إذا جعل (إلى) حرفا ولم يعلّقها بالربّ تعالى، فلا بد من تقدير محذوف، وفي الجواب الّذي ذكرناه لا يفتقر إلى تقدير محذوف، لأن (إلى) فيه اسم يتعلق به الرؤية ولا يحتاج إلى تقدير غيره(٤) .
____________________
(١) ت. (أم)
(٢) ديوانه: ١٥٥، واللسان (إلى) وفي حاشيتي الأصل، ف: (أبيض: كريم، والهزال كناية عن قلة ذات اليد، وخيانة النعمة أن يبخل بها).
(٣) ف: (به).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (الوجه الأول أحسن، وبمجارى كلام العرب أشبه، وفي الفصاحة أعرق؛ وذلك أن وجه الصاحب وإن كان له محمل في العربية؛ فإن إعمال اسم الفاعل فيما قبله على هذا الوجه مما يحوج الإنسان إليه مضايق الشعر؛ والقرآن موضع فساحة، ومحل فصاحة، فالأولى غير هذا الوجه؛ والله أعلم).
[٤]
مجلس آخر [المجلس الرابع:]
تأويل آية( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ الله )
إن قال قائل: ما تأويل قوله تعالى:( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ الله وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) [يونس: ١٠٠].
وظاهر هذا الكلام يدلّ على أن الإيمان إنما كان لهم فعله بإذنه وأمره، وليس هذا مذهبكم؛ وإن حمل الإذن هاهنا على الإرادة اقتضى أنّ من لم يقع منه الإيمان لم يرده الله منه، وهذا أيضا بخلاف قولكم. ثم جعل الرّجس الّذي هو العذاب على الذين لا يعقلون؛ ومن كان فاقدا عقله لا يكون مكلّفا، فكيف يستحقّ العذاب؟ وهذا بالضد من الخبر المروي عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (أكثر أهل الجنة البله).
الجواب، يقال له في قوله تعالى: إِلاّ بِإِذْنِ الله وجوه:
منها أن يكون الإذن الأمر، ويكون معنى الكلام: إن الإيمان لا يقع إلا بعد أن يأذن الله فيه، ويأمر به، ولا يكون معناه ما ظنّه السائل من أنه لا يكون للفاعل فعله إلا بإذنه، ويجري هذا مجرى قوله تعالى:( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ الله ) [آل عمران: ١٤٥].
ومعلوم أنّ معنى قوله: ليس لها في هذه الآية هو ما ذكرناه، وإن كان الأشبه في هذه الآية التي فيها ذكر الموت أن يكون المراد بالإذن العلم.
ومنها أن يكون الإذن هو التوفيق(١) والتيسير والتسهيل، ولا شبهة في أن الله يوفق لفعل الإيمان ويلطف فيه، ويسهّل السبيل إليه.
ومنها أن يكون الإذن العلم من قولهم: أذنت لكذا وكذا إذا سمعته وعلمته، وآذنت فلانا بكذا إذا أعلمته؛ فتكون فائدة الآية الإخبار عن علمه تعالى بسائر الكائنات، فإنه ممن
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (في هذه).
لا يخفى عليه الخفيّات.. وقد أنكر بعض من لا بصيرة له أن يكون الإذن (بكسر الألف وتسكين الذال) عبارة عن العلم، وزعم أن الّذي هو العلم الأذن (بالتحريك)، واستشهد بقول الشاعر(١) :
* إنّ همّي في سماع وأذن*
وليس الأمر على ما توهّمه هذا المتوهّم، لأن الأذن هو المصدر، والإذن هو اسم الفعل(٢) ؛ فيجري مجرى الحذر في أنه مصدر؛ والحذر (بالتسكين) الاسم على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الأذن (بالتحريك) لجاز التسكين، مثل مثل ومثل وشبه وشبه ونظائر ذلك كثيرة.
ومنها: أن يكون الإذن العلم، ومعناه إعلام الله المكلّفين بفضل الإيمان وما يدعو إلى فعله، ويكون معنى الآية: وما كان لنفس أن تؤمن إلاّ بإعلام الله لها بما يبعثها على الإيمان، وما يدعوها إلى فعله.
فأمّا ظنّ السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل؛ لأنّ الإذن لا يحتمل الإرادة في اللّغة، ولو احتملها أيضا لم يجب ما توهّمه، لأنه إذا قال: إنّ الإيمان لا يقع(٣) إلا وأنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع، وليس في صريح الكلام ولا دلالته(٤) شيء من ذلك.
وأما قوله تعالى:( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) فلم يعن بذلك الناقصي العقول، وإنما أراد الّذين لم يعقلوا ويعلموا(٥) ما وجب عليهم علمه من معرفة الله خالقهم، والاعتراف بنبوّة رسله والانقياد إلى طاعتهم، ووصفهم تعالى بأنّهم لا يعقلون تشبيها؛
____________________
(١) هو عدي بن زيد العبادي؛ وقد تقدم البيت بتمامه منسوبا إليه في ص ٣٣.
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (ومن هذا الباب الصرم؛ فإنه مصدر صرم، والصرم؛ بالضم اسم ذلك الفعل الّذي هو القطع؛ لا المصدر).
(٣) د، ف، حاشية ت (من نسخة): (لم يقع).
(٤) ف، حاشية ت (من نسخة): (ولا في دليله).
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (ولم يعلموا).
كما قال تعالى:( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) [البقرة: ١٨]، وكما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور، أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون وفقد العقل.
فأما الحديث الّذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل إنه عليه وآله السلام(١) لم يرد بالبله ذوي الغفلة والنقص والجنون، وإنما أراد البله عن الشرّ والقبيح، وسمّاهم بلها عن ذلك من حيث لا يستعملونه ولا يعتادونه، لا من حيث فقدوا العلم به. ووجه تشبيه من هذه حاله بالأبله ظاهر، فإنّ الأبله عن الشيء هو الّذي لا يعرض له ولا يقصد إليه، فإذا كان المتنزّه عن الشر معرضا عنه، هاجرا لفعله جاز أن يوصف بالبله للفائدة التي ذكرناها؛ ويشهد بصحة هذا التأويل قول الشاعر:
ولقد لهوت بطفلة ميّادة |
بلهاء تطلعني على أسرارها(٢) |
أراد أنها بلهاء عن الشر والريبة؛ وإن كانت فطنة لغيرهما؛ وقال أبو النّجم العجلي:
من كل عجزاء سقوط البرقع(٣) |
بلهاء لم تحفظ ولم تضيّع |
أراد بالبلهاء ما ذكرناه. فأما قوله: (سقوط البرقع) فأراد أنها تبرز وجهها ولا تستره، ثقة(٤) بحسنه وإدلالا بجماله(٤) ، وقوله: (لم تحفظ) أراد أن استقامة طرائقها تغني عن حفظها، وأنها لعفافها(٥) ونزاهتها غير محتاجة إلى مسدّد وموقّف؛ وقوله: (لم تضيّع) أراد أنّها لم تهمل في أغذيتها(٦) وتنعيمها وترفيهها فتشقى، ومثل قوله: (سقوط البرقع) قول الشاعر(٧) :
____________________
(١) ت: (إن النبيصلىاللهعليهوآله )، ف: (إنهصلىاللهعليهوآله ).
(٢) الأضداد ص ٢٠٢، واللسان (بله) - بلا عزو. والطفلة: الناعمة؛ وفي ت، د، ف: (ميالة).
(٣) اللسان (بله).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (بحسنها وإدلالا بجمالها).
(٥) ش: (لعفافتها)، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (عف يعف عفا وعفة وعفافة).
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (الأولى في معنى لم تضيع أنها لا تخلو من خدم يختصون بها؛ ليكون هذا التضييع مطابقا لذلك الحفظ). وفي حاشية ت (من نسخة): (في تغذيتها).
(٧) هو عمر بن أبي ربيعة، والبيت في ديوانه ٣٣.
فلمّا تواقفنا وسلّمت أقبلت |
وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا(١) |
ومثله أيضا:
بها شرق من زعفران وعنبر |
أطارت من الحسن الرّداء المحبّرا(٢) |
أي رمت به عنها ثقة بالجمال والكمال(٣) ، ومثله - وهو مليح(٤) :
لهونا بمنجول البراقع حقبة |
فما بال دهر لزّنا بالوصاوص(٥) |
أراد بمنجول البراقع اللاتي يوسعن عيون براقعهنّ ثقة بحسنهن، ومنه الطعنة النّجلاء، والعين النّجلاء؛ ثم قال: ما بال دهر أحوجنا واضطرنا إلى القباح، اللواتي يضيّقن عيون براقعهن لقبحهنّ، والوصاوص: هي النّقب الصّغار للبراقع؛ ومما يشهد للمعنى الأول الّذي هو الوصف بالبله لا بمعنى الغفلة قول ابن الدّمينة:
بمالي وأهلي من إذا عرضوا له |
ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب(٦) |
- ويروى بنفسي وأهلي -
ولم يعتذر عذر البري ولم تزل |
به ضعفة(٧) حتّى يقال مريب(٨) |
ومثله:
أحبّ اللّواتي في صباهنّ غرّة |
وفيهنّ عن أزواجهنّ طماح(٩) |
____________________
(١) في الديوان: (أشرقت) وفي حاشية ت (من نسخة): (أسفرت)، وفي حاشية الأصل (من نسخة): (تتبرقعا).
(٢) البيت للشماخ، ديوانه: ٢٩. وفي حواشي الأصل، ت، ف: (الشرق: أثر الطيب؛ يقال: يده من الطيب شرقة. وشرقت الشمس: اصفرت من الغروب؛ ومنه أحمر شرق: شديد الحمرة، وشرق الثوب بالصبغ، ولحم شرق: لا دسم فيه). والمحبر: المنقش.
(٣) حاشية ت (من نسخة): (ثقة بجمالها وكمالها).
(٤) في نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (حسن).
(٥) حاشية الأصل: (لزنا: أحوجنا).
(٦) الشعر والشعراء ٤٥٩. وفي ت: (بأهلي ومالي).
(٧) ف، حاشية الأصل (من نسخة): (سكنة).
(٨) مريب: أتى بريبة. وفي حاشية الأصل. (أصل العذر أن تتعقب ذنبا، والبريء: لا ذنب له؛ إلا أن تنصله قائم مقام العذر للمجرم؛ فكأنه عذر مجازا).
(٩) البيتان في مصارع العشاق ٣٤٧، وعزاهما إلى بعض الأعراب، ورواية البيت الأول فيه:
أحبّ اللواتي هنّ من ورق الصّبا |
ومنهنّ عن أزواجهنّ طماح |
ويقال: طمح ببصره؛ إذا رمى به، وفي حاشية الأصل: (طماح: شماس).
مسرّات حبّ مظهرات عداوة |
تراهنّ كالمرضى وهنّ صحاح |
ومثله:
يكتبين الينجوج في كبد المش |
تى وبله أحلامهنّ وسام(١) |
أما قوله: (يكتبين) فمأخوذ من لفظ الكباء، وهو العود، أراد يتبخّرن به، والينجوج هو العود، وفيه ست لغات: ينجوج، وأنجوج، ويلنجوج، وألنجوج، وألنجج، ويلنجج.
فأما كبد المشتى، فهو ضيقته(٢) وشدّته، ومنه قوله تعالى:( لَقَدْ خَلَقْنَا الآنْسانَ فِي كَبَدٍ ) [البلد: ٤]؛ وقد روي: (في كبّة المشتى) والمعنى متقارب، لأن الكبّة هي الصدمة والحملة، مأخوذ من كبّة(٣) الخيل؛ وأما الوسام فهنّ(٤) الحسان من الوسامة، وهي الحسن.
ويمكن أن يكون في البله جواب آخر، وهو أن يحمل على معنى البله الّذي هو الغفلة والنقصان في الحقيقة، ويكون معنى الخبر أنّ أكثر أهل الجنة الذين كانوا بلها في الدنيا، فعندنا أن الله ينعّم الأطفال في الجنة والمجانين والبهائم، وإنما لم نجعلهم بلها في الجنة وإن كان ما يصل إليهم من النعيم على سبيل العوض أو التفضّل(٥) لا يفتقر إلى كمال العقل، لأنّ الخبر ورد بأن الأطفال والبهائم إذا دخلوا الجنّة لم يدخلوها إلا وهم على أفضل الحالات وأكملها، ولهذا صرفنا البله عنهم في الجنة، ورددناه إلى أحوال الدنيا، وإلاّ فالعقل لا يمنع من ذلك كمنعه إياه في باب الثواب والعقاب.
____________________
(١) البيت لأبي دؤاد الإيادي، وهو في الأصمعيات ٦٨، وفي حاشية الأصل: (أي عقولهن بله، وهن وسام، وواحد الوسام وسيم).
(٢) ت: (ضيقة)، ش: (ضيقته)، بكسر الضاد وفي حاشيتي ت، ف: (الضيقة: الضر والبؤس؛ وهو الضيق أيضا).
(٣) في نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (فهي).
(٤) حاشية الأصل: (وهو ازدحامهما).
(٥) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (فإن التفضل). د: (والتفضل).
تأويل آية أخرى( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ )
قال الله تعالى مخبرا عن يوم القيامة:( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ ) [هود: ١٠٣ - ١٠٥]. وقال في موضع آخر:( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) [المرسلات: ٣٥، ٣٦]. وفي موضع آخر:( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) [الصافات: ٢٧، والطور: ٢٥].
وظاهر هذه الآيات ظاهر الاختلاف، لأن بعضها ينبئ عن أنّ النطق لا يقع منهم في ذلك اليوم، ولا يؤذن لهم فيه، وبعضها ينبئ عن خلافه. وقد قال قوم من المفسّرين في تأويل(١) هذه الآيات: إن يوم القيامة يوم طويل ممتدّ، فقد يجوز أن يمنع النّطق في بعضه، ويؤذن لهم في بعض آخر(٢) ؛ وهذا الجواب يضعّف، لأن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله، فكيف يجوز أن تجعل الحالات فيه مختلفة؛ وعلى هذا التأويل يجب أن يكون قوله تعالى:( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ) في بعضه، والظاهر بخلاف ذلك.
والجواب السديد عن هذا أن يقال: إنما أراد الله تعالى نفي النّطق المسموع المقبول الّذي ينتفعون به، ويكون لهم في مثله عذر أو حجّة، ولم ينف النطق الّذي ليست هذه حاله، ويجري هذا مجرى قولهم: خرس فلان عن حجّته، وحضرنا فلانا يناظر فلانا فلم يقل شيئا، وإن كان الّذي وصف بالخرس عن الحجّة، والّذي نفى عنه القول قد تكلّم بكلام كثير غزير، إلاّ أنّه من حيث لم يكن فيه حجّة، ولا به منفعة جاز إطلاق القول الّذي حكيناه عليه؛ ومثل هذا قول الشاعر(٣) :
____________________
(١) ت: (تأويلات).
(٢) ف: (في موضع آخر).
(٣) هو مسكين الدارمي؛ وهو ربيعة بن عامر بن أنيف؛ والبيتان في (معجم الأدباء ١١: ١٣٢).
وفي حاشية الأصل: (قبلهما):
ما ضرّ جارا لي أجاوره |
ألاّ يكون لبابه ستر |
أعمى إذا ما جارتي خرجت |
حتّى يواري جارتي الخدر |
|
ويصمّ عمّا كان بينهما |
سمعي وما بي غيره وقر(١) |
وقال الآخر:
لقد طال كتمانيك(٢) حتّى كأنّني |
بردّ جواب السّائلي عنك أعجم(٣) |
وعلى هذا التأويل قد زال الاختلاف، لأنّ التساؤل والتلاؤم لا حجّة فيه.. وأما قوله تعالى:( وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) ، فقد قيل: إنهم غير مأمورين بالاعتذار، فكيف يعتذرون؟ ويجاب بحمل الإذن على الأمر؛ وإنّما لم يؤمروا به من حيث كانت تلك الحال لا تكليف فيها، والعباد ملجئون عند مشاهدة أحوالهم إلى الاعتراف والإقرار. وأحسن من هذا التأويل أن يحمل لِيُؤْذَنَ، على معنى أنه لا يستمع لهم، ولا يقبل عذرهم، والعلة في امتناع قبول عذرهم هي التي ذكرناها(٤) .
____________________
(١) حاشية الأصل: (يريد به؛ أي بقوله (بينهما) جاره وجارته؛ لأنه ذكر الجار قبل الجارة في قوله: ما ضر جارا البيت)، وفي حاشية ف: (بينهما، أي بين الجار وبين من تخاطبه؛ والكلام يدل على متخاطبين).
(٢) حاشية الأصل: (كتماني أمرك وعشقك).
(٣) في حاشيتي ت، ف: (بعده:
لأسلم من قول الوشاة وتسلمي |
سلمت وهل حي على الناس يسلم |
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (قوله تعالى:( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) ؛ التقدير: لا ينطقون بنطق ينفعهم، ولا يعتذرون بعذر ينفعهم، فيكون يعتذرون داخلا في حيز النفي، ولا يمكن حمله على الإيجاب إلا إذا كان المعنى على أنهم ينطقون بنطق ينفعهم؛ لأنه إن حمل على الظاهر كان في الكلام تناقض؛ لأن التقدير إذا: هذا يوم لا ينطقون فيعتذرون؛ وهذا تناقض، لأن الاعتذار نطق، وإن شئت كان التقدير: لا ينطقون بحال، ولا يعتذرون؛ لأن هناك مواقف؛ فيكون هذا في موقف؛ ومثله قراءة الحسن والثقفي:( لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ) ، فقوله:( يَمُوتُونَ ) معطوف على( لا يُقْضى ) أي لا يقضى عليهم فلا يموتون؛ كذلك لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون؛ أي فلا يعتذرون؛ وهذا أحسن، والله أعلم).
تأويل خبر [: (لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر هو الله).]
روي عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر(١) هو الله).
وقد ذكر قوم في تأويل هذا الخبر أنّ المراد به لا تسبّوا الدهر، فإنه لا فعل له، وإنّ الله مصرّفه ومدبّره، فحذف من الكلام ذكر المصرّف والمدبّر وقال: (هو الدهر).
وفي هذا الخبر وجه هو أحسن من ذلك الّذي حكيناه، وهو أنّ الملحدين، ومن نفى الصانع من العرب كانوا ينسبون ما ينزل بهم من أفعال الله تعالى كالمرض والعافية، والجدب والخصب، والبقاء والفناء إلى الدّهر، جهلا منهم بالصّانع جلّت عظمته، ويذمّون الدهر ويسبّونه في كثير من الأحوال، من حيث اعتقدوا أنه الفاعل بهم هذه الأفعال، فنهاهم النبيصلىاللهعليهوآله عن ذلك وقال لهم: لا تسبّوا من فعل بكم هذه الأفعال ممّن تعتقدون أنه هو الدّهر، فإن الله تعالى هو الفاعل لها. وإنما قال: إنّ الله هو الدهر من حيث نسبوا إلى الدّهر أفعال الله؛ وقد حكى الله تعالى عنهم قولهم:( ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاّ الدَّهْرُ ) [الجائية: ٢٤]. وقال لبيد:
في قروم سادة من قومه |
نظر الدّهر إليهم فابتهل(٢) |
أي دعا عليهم. وقال عمرو بن قمئة(٣) :
كأنّي وقد جاوزت تسعين(٤) حجّة |
خلعت بها عنّي عذار لجامي(٥) |
|
على الرّاحتين مرّة وعلى العصا |
أنوء ثلاثا(٦) بعدهنّ قيامي |
|
رمتني بنات الدّهر(٧) من حيث لا أرى |
فكيف بمن يرمي وليس برامي |
____________________
(١) كذا في الأصل، ج، د، ش. وفي ت، ف: (فإن الله هو الدهر).
(٢) ديوانه: ٨٠. وفي حاشية الأصل: (قروم: جمع قرم؛ وهو سيد وشريف وكريم؛ وابتهل؛ من المباهلة، أي تضرع وذل).
(٣) الأبيات في المعمرين ٦٢، وحماسة البحتري ٣٢١.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (سبعين).
(٥) في حاشيتي الأصل، ف: يقول: (إن تسعين تركنني لا أضبط أمرا؛ فكأني مخلوع العذار). والضمير في بها يعود إلى تسعين.
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (أي ثلاث دفعات).
(٧) في حاشيتي الأصل، ف: (بنات الدهر: بلا ياء وحوادثه).
فلو أنّها نبل إذا لأتقيتها |
ولكنّني أرمي بغير سهام |
|
إذا ما رآني النّاس قالوا ألم تكن |
جليدا حديد الطّرف غير كهام |
|
وأفني وما أفني من الدّهر ليلة |
ولم يغن ما أفنيت سلك نظام(١) |
|
وأهلكني تأميل يوم وليلة |
وتأميل عام بعد ذاك وعام |
وقال الأصمعي: ذمّ أعرابي رجلا فقال: هو أكثر ذنوبا من الدهر؛ وأنشد الفراء(٢) :
حنتني حانيات الدّهر حتّى |
كأنّي خاتل أدنو لصيد(٣) |
|
قصير الخطو يحسب من رآني |
ولست مقيّدا أنّى بقيد |
وقال كثيّر(٤) :
وكنت كذى رجلين رجل صحيحة |
ورجل(٥) رمى فيها الزّمان فشلّت |
وقال آخر(٦) :
فاستأثر الدّهر الغداة بهم |
والدّهر يرميني وما أرمى |
|
يادهر قد أكثرت فجعتنا |
بسراتنا(٧) ووقرت في العظم |
أما قوله: وقرت في العظم، أراد به: اتّخذت فيه وقرا، أو وقيرة، والوقر هو الحفيرة العظيمة تكون في الصّفا يستنقع فيها ماء المطر، والوقب أيضا كذلك، والوقيرة أيضا الحفيرة إلا أنّها دون الأوليين في الكبر.
وكل هؤلاء الذين روينا أشعارهم نسبوا أفعال الله التي لا يشاركه فيها غيره إلى الدهر، فحسن وجه التأويل الّذي ذكرناه.
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (أي لم يغن ما أفنيت من العمر بشيء حتى بخيط).
(٢) البيتان في حماسة البحتري ٣٢٣.
(٣) ت، ف: (حابل):
(٤) أمالي القالي ١: ١٠٩، من تائيته المشهورة.
(٥) ف، حاشية ت (من نسخة): (وأخرى)
(٦) هو الأعشى، والبيتان في ملحقات ديوانه ٢٥٨، وثانيهما في اللسان (وقر) وفي حاشية الأصل: بعدهما:
وسلبتنا ما لست تعقبنا |
يادهر ما أنصفت في الحكم |
(٧) حاشية الأصل: (جمع السري، ورجل سرى، والقوم سراة).
مسألة [في ذكر المنافع التي عرض الله الإحياء لها]
اعلم أن المنافع التي عرّض الله تبارك وتعالى الأحياء لها ثلاث: منفعة تفضّل، ومنفعة عوض، ومنفعة ثواب، فأمّا المنفعة على سبيل التفضّل فهي الواقعة ابتداء من غير سبب استحقاق،، ولفاعلها أن يفعلها، وله ألاّ يفعلها، وأما منفعة العوض فهي المنفعة المستحقة من غير مقارنة شيء من التعظيم والتبجيل لها، وأمّا منفعة الثواب فهي المستحقة على وجه التعظيم والتبجيل فمنفعة العوض تبين من التفضل بالاستحقاق، والثواب يبين من العوض بالتعظيم والتبجيل، المصاحبين له؛ فكأنّ التفضل أصل لسائر المنافع من حيث يجب تقدمه وتأخر ما عداه؛ لأنه لا سبيل للمنتفع أن ينتفع بشيء دون أن يكون حيّا له شهوة(١) ، والابتداء بخلق الحياة والشهوة تفضّل، فقد صحّ(٢) أنه لا سبيل إلى النفع بمنفعة العوض والثواب إلا بعد تقدّم التفضّل. فأمّا المنفعة بالثواب فهي الأصل للمنفعة بالعوض؛ لأنّ الآلام وما جرى مجرى الآلام(٣) مما يستحقّ به العوض متى لم يكن فيها اعتبار يفضي إلى الثواب، ويستحق به لم يحسن فعلها، وجرى عندنا مجرى العبث، ولهذا نقول: إن الله تعالى لو لم يكلّف أحدا من المكلّفين ما كان يحسن منه أن يبتدئ بالآلام(٤) ، وإن عوّض عليها.
والأحياء على ضروب فمنهم من عرّض للمنافع الثلاث. ومنهم من عرّض لاثنتين، ومنهم من عرّض لواحدة، والمكلّف المعرّض للثواب لا بدّ أن يكون منفوعا بالتفضّل من الوجه الّذي قلنا؛ لأنه إذا خلق حيّا وفعل له القدرة والشهوة والعقل وضروب التمكين، فقد نفع بالتفضّل، وليس يجب فيمن هذه حاله أن يكون منفوعا بالعوض؛ لأنّه لا يمتنع أن يخلو المكلّف منّا من ألم يحدثه(٥) الله به؛ فلا يكون معرّضا للعوض؛ فمتى عرّض له فقد تكاملت فيه المنافع؛ فصار المكلّف مقطوعا على تعريضه لاثنتين من المنافع؛ ومجوّزا تكامل الثلاث له؛ فأما من ليس بمكلّف فمقطوع فيه على إحدى المنافع، وهي التفضّل من حيث
____________________
(١) ش، ومن نسخة بحاشية ت: (ذا شهوة).
(٢) ش، ومن نسخة بحاشية ت: (وضح).
(٣) في حاشيتي ت، ف: (الجاري مجرى الآلام كنقص الأموال والأولاد).
(٤) في حاشية ت (من نسخة): (بآلام).
(٥) ت (يبتدئه).
خلق حيا، ومسكّن من كثير من المنافع، ومشكوك في تعريضه للعوض من الوجه الّذي بيّنا.
وكما قطعنا على إحدى المنافع فيه، فنحن قاطعون أيضا على نفي التعريض للثواب عنه، لفقد ما يوصّل(١) إليه وهو التكليف، ولا بد في كل حي محدث أن يكون معرّضا لإحدى هذه المنافع، أو لجميعها؛ وإنما أوجبنا(٢) ذلك من جهة حكمة القديم تعالى؛ لا من جهة أنه يستحيل(٣) في نفسه، وإنما قلنا إنه ليس يستحيل(٣) ؛ لأن كونه حيا وعاقلا وذا شهوة وقدرة ليس منفعة بنفسه، وإنما يكون منفعة ونعمة إذا فعل تعريضا للنفع؛ فأما إذا فعل تعريضا للضرر أو لأوجه من الوجوه، فإنه لا يكون نعمة ولا منفعة، وأوجبناه من جهة حكمة القديم تعالى، لأنه إذا جعل الحي بهذه الصفات، فلا يخلو من أن يكون أراد بها نفعه أو ضرّه، أو لم يرد بها شيئا، فإن كان الأول فهو الّذي أوجبناه، وإن كان الثاني أو الثالث فالقديم تعالى متنزه(٤) عنهما، لأنّ الثاني يجري مجرى الظلم، والثالث هو العبث بعينه، وقد يشارك القديم تعالى في النفع بالتفضّل والعوض الفاعلون المحدثون، ولا يصح أن يشاركوه في النفع بالثواب، لأن الصفة التي يستحق المكلّف لكونه عليها الثواب، وهي كون الفعل شاقّا عليه لا يكون إلاّ من قبله تعالى، وليس لأحد أن يظن فيمن يهدى إلى الدين ويرشد إلى الإيمان، وما يستحقّ به الثواب أنه معرّض للثواب، وذلك أن(٥) المكلّف قد يكون معرّضا للثواب، ويصح أن يستحقه من دون كل هداية وإرشاد يقع منّا، ولولا الصفة التي جعله الله تعالى عليها لم يصحّ(٦) أن يستحقّه، فبان الفصل بين الأمرين؛ على أنّ أحدنا وإن نفع غيره بالتفضل وبالتعريض للعوض فهذه المنافع منسوبة إلى الله تعالى، ومضافة إليه من قبل أنه لولا نعمه ومنافعه لم تكن هذه منافع ولا نعما؛ ألا ترى أنه لو لم يخلق الحياة والشهوة لم يكن ما يوصل إليهما مما ذكرنا منفعة ولا نعمة، ولو لم يخلق المشتهى الملذوذ لم يكن سبيل لنا إلى النفع والإنعام؛ فبان بهذه الجملة ما قصدناه.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (يوصله).
(٢) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (وجب).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (مستحيل)، وحاشية ف (من نسخة): (بمستحيل).
(٤) ت، وحاشية ف (من نسخة): (متنزه).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (لأن).
(٦) ساقطة من ت.
[٥]
مجلس آخر [المجلس الخامس:]
تأويل آية:( كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ )
إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تبارك وتعالى مخبرا عن مهلك قوم فرعون وتوريثه نعمهم:( كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ. فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ) ؛ [الدخان: ٢٨، ٢٩].
وكيف يجوز أن يضيف البكاء إليهما، وهو لا يجوز في الحقيقة عليهما؟.
الجواب، يقال له في هذه الآية وجوه أربعة من التأويل:
أوّلها أنه تعالى أراد أهل السماء والأرض فحذف كما حذف في قوله:( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) ؛ [يوسف: ٨٢]؛ وفي قوله تعالى( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ) ؛ [محمد: ٤] وأراد أهل القرية، وأصحاب الحرب، ويجري ذلك مجرى قولهم: السخاء حاتم، يريدون: السخاء سخاء حاتم؛ قال الحطيئة(١) :
وشرّ المنايا ميّت وسط أهله |
كهلك الفتى قد أسلم الحي حاضره(٢) |
أراد شر المنايا ميتة(٣) ميّت؛ وقال الآخر:
____________________
(١) البيت في طبقات الشعراء لابن سلام ص ٩٥؛ ضمن أبيات أربعة للحطيئة لم تذكر في ديوانه.
وفي حاشيتي الأصل، ف: (قال السيد الإمامعليهالسلام : طلبت هذا البيت في شعر الحطيئة فلم أجده فيه).
(٢) في حواشي الأصل، ت، ف: (قوله: (شر المنايا) تقديره شر المنايا موت ميت فيما بين عشيرته؛ كهلك هذا الفتى في حال أن أسلم الحي حاضر هذا الفتى؛ أي أن حضاره أسلموا الحي، ولم ينصروه، ولم يمنعوا ذمارهم).
(٣) ف، ونسخة بحاشيتي الأصل، ت: (منية).
قليل عيبه والعيب جمّ |
ولكنّ الغنى ربّ غفور(١) |
أراد: غنى ربّ غفور؛ وقال ذو الرّمة:
لهم مجلس صهب السّبال أذلّة |
سواسية أحرارها وعبيدها(٢) |
أراد أهل مجلس، وأما قوله: (صهب السّبال) فإنما أراد به الأعداء، والعرب تصف الأعداء بذلك، وإن لم يكونوا صهب الأسبلة، وقوله: (سواسية) يريد أنهم مستوون متشابهون؛ ولا يقال هذا إلا في الذم.
وثانيها أنه أراد تعالى المبالغة في وصف القوم بصغر القدر، وسقوط المنزلة؛ لأنّ العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك(٣) قالت: كسفت الشمس لفقده، وأظلم القمر، وبكاء
____________________
(١) البيت لعروة بن الورد، وهو في ملحقات ديوانه: ١٩٨، وهو في شرح المقامات ٢: ١٩٢، والبيان ١: ٩٥، والعقد ١: ٢١٢، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (قال مولانا الإمام: كان السيدرضياللهعنه وهم في معنى هذا البيت. ومعنى البيت: أن الشاعر وصف إنسانا بكثرة العيوب؛ إلا أن ماله وغناه يستران عليه عيوبه، فكأنه قال: قليل عيبه، يعني يقل ظهور عيبه مع كثرة عيوبه؛ إلا أن الغنى يسترها عليه؛ كأنه رب غفور ستار للعيوب. ومعنى البيت على ما يوافق استشهاد السيدرضياللهعنه أنه يمدح إنسانا ويقول:
قليل عيب هذا الممدوح مع كثرة العيب في الناس؛ ولكن الغنى عما يجر المعايب هو غنى الله تعالى.
والأشبه بالبيت أن يكون هجوا؛ كأنه يهجو إنسانا ويقول: يرى عيبه قليلا مع كثرة العيوب فيه، والّذي يقلل عيبه غناه كأنه رب غفور، وأول القطعة:
ذريني للغنى أسعى فإنّي |
رأيت النّاس شرّهم الفقير |
|
وأبعدهم وأهونهم عليهم |
وإن أمسى له حسب وخير |
|
يباعده الندي وتزدريه |
حليلته وينهره الصغير |
|
وتلقى ذا الغنى وله جلال |
يكاد فؤاد صاحبه يطير |
قليل عيبه ...
(٢) ديوانه ١٥٧ وفي حاشيتي الأصل، ف: (العرب إنما تسمى الأعداء صهب السبال؛ لأن أعداءهم كانوا من الروم؛ والروم صهب الأسبلة، ثم اتسعوا فسموا كل عدو صهب السبال؛ وإن لم يكن من الروم، والقريب من هذا يصفون الأعداء بالزرق العيون).
(٣) ف، ت (من نسخة): (بالهلك).
الليل والنهار والسماء والأرض، يريدون بذلك المبالغة في عظم الأمر وشمول ضرره؛ قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز(١) :
____________________
(١) حاشية ف: (حدث إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي قال: حدثنا عبد الله ابن أخت أبي الوزير عن أبي محمد الشامي: كنت غلاما في خلافة عمر بن عبد العزيز؛ فلما أخذ عمر في رد المظالم غلظ ذلك على أهل بيته، وعلى جميع قريش، فكتب إليهم عبد الرحمن بن الحكم بن هشام:
فقل لهشام والّذين تجمّعوا |
بدابق موتوا لا سلمتم يد الدّهر |
|
فأنتم أخذتم حتفكم بأكفّكم |
كباحثة عن مدية وهي لا ندري |
|
عشيّة بايعتم إماما مخالفا |
له شجن بين المدينة والحجر |
فأجابه بعض ولد مروان عن هشام بن عبد الملك:
لئن كان ما تدعو إليه هو الرّدى |
فما أنت فيه ذا غناء ولا وفر |
|
فأنت من الرّيش الذّنابى ولم تكن |
من الجزلة الأولى ولا وسط الظّهر |
|
ونحن كفيناك الأمور كما كفى |
أبونا أباك الأمر في سالف الدّهر |
قال القاضي: قول عبد الرحمن بن عبد الحكم في شعره هذا: (بدابق)، فلم يصرفه، وفي صرفه وترك صرفه وجهان معروفان في كلام العرب، والعرب تذكره وتؤنثه؛ فمن ذكره صرفه؛ كما قال الشاعر:
* بدابق وأين منّي دابق*
ومن أنثه لم يصرف؛ كما قال الآخر:
لقد خاب قوم قلّدوك أمورهم |
بدابق إذ قيل العدوّ قريب |
وقوله:
* كباحثة عن حتفها وهي لا تدري*
هذا مثل يضرب للذي يثير بجهله ما يؤديه إلى هلاكه، أو الإضرار به، وأصله أن ناسا أخذوا شاة ليست لهم، فأرادوا أكلها فلم يجدوا ما يذبحونها به؛ فهموا بتخليتها فاضطربت عليهم، ولم تزل تثير الأرض وتبعثرها بقوائمها؛ فظهر لهم فيما احتفرته مدية فذبحوها بها، وصارت هذه القصة مثلا سائرا. وقول المرواني: (وأنت من الريش الذنابى) يقال: ذنب الفرس وغيره، وذنابى الطائر، وذنابى الوادي وذنابته، ومذنب النهر).
الشّمس طالعة ليست بكاسفة |
تبكي عليك نجوم الليل والقمرا(١) |
وقال يزيد بن مفرّغ الحميري:
الرّيح تبكي شجوها |
والبرق يلمع(٢) في الغمامة(٣) |
وهذا صنيعهم في وصف كل أمر جلّ خطبه، وعظم موقعه؛ فيصفون النهار بالظلام، وأن الكواكب طلعت نهارا لفقد نور الشمس وضوئها؛ قال النابغة:
تبدو كواكبه والشّمس طالعة |
لا النّور نور ولا الإظلام إظلام(٤) |
وقال طرفة:
إن تنوّله فقد تمنعه |
وتريه النجم يجري بالظهر(٥) |
ومن هذا قولهم: لأرينّك الكواكب بالنهار، ومعناه أورد عليك ما يظلم له في عينك النهار، فتظنّه ليلا ذا كواكب.
فأما بيت جرير فقد قيل في انتصاب النجوم والقمر(٦) وجوه ثلاثة: أحدهما أنه أراد أن الشمس طالعة وليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل والقمر، لأن عظم الرزء قد سلبها ضوءها؛ فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب. والوجه الثاني أن يكون انتصاب ذلك كما ينتصب في قولهم: لا أكلمك الأبد، والدهر، وطوال المسند(٧) ، وما جرى مجرى ذلك، فكأنه أخبر
____________________
(١) ديوانه ٣٠٤.
(٢) حاشية ت (من نسخة): (يضحك).
(٣) البيت من قصيدة له مطلعها:
أصرمت حبلك من أمامه |
من بعد أيام برامه |
قال ابن قتيبة: (وهي أجود شعره)؛ وهي في الأغاني ١٧: ٥٤ - ٥٥، والخزانة ٢: ٢١٣ - ٢١٤، ٥١٦، ٥٢٠).
(٤) ديوانه: ٧٢.
(٥) ديوانه: ٦٥. وفي حواشي الأصل، ت، ف: (يقول: إن تنوله هذه المرأة مرة نوالا فقد تمنعه أحيانا، وتريه النجم ظهرا؛ وهذا مثل للأمر الصعب).
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (عظم الشيء: معظمه، وعظمه: كبره).
(٧) حاشية الأصل: (المسند: الزمان؛ يقال: لا أكلمه أبد المسند).
بأنّ الشمس تبكيه ما طلعت النجوم وظهر القمر(١) . والوجه الثالث أن يكون القمر ونجوم الليل باكين الشمس على هذا المرثي المفقود، فبكتهن؛ أي غلبتهنّ بالبكاء؛ كما تقول: باكاني عبد الله فبكيته، وكاثرني فكثرته، أي غلبته وفضلت عليه.
وثالثها أن يكون معنى الآية الأخبار عن أنه لا أحد أخذ بثأرهم ولا انتصر لهم، لأن العرب كانت لا تبكي على قتيل إلا بعد الأخذ بثأره، وقتل من كان بواء به من عشيرة القاتل، فكنّى تعالى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار، والأخذ بالثأر؛ على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن.
ورابعها أن يكون ذلك كناية عن أنه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع منها إلى السماء.
ويطابق هذا التأويل ما روي عن ابن عباس رحمة الله عليه في قوله تعالى:( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأرْضُ ) قيل له: أو تبكيان على أحد؟ فقال: نعم، مصلاّه في الأرض، ومصعد عمله في السماء. وروي أنس بن مالك عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (ما من مؤمن إلاّ وله باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه)، ومعنى البكاء هاهنا الإخبار عن الاختلال بعده كما يقال: بكى منزل فلان بعده، قال ابن مقبل:
لعمر أبيك لقد شاقني |
مكان حزنت له أو حزن |
وقال مزاحم العقيلي:
بكت دارهم من أجلهم وتهلّلت |
دموعي فأي الجازعين ألوم(٢) |
|
أمستعبرا يبكي من الهون والبلى |
وآخر يبكي شجوه ويئيم(٣) |
____________________
(١) حاشية الأصل: (قال مولاناعليهالسلام : أراد هذه الصورة: الشمس طالعة ليست بكاسفة؛ ولكنها مع ذلك تبكي عليك، وستبكي مدة طلوع النجوم والقمر).
(٢) ديوانه ١٥ - ١٦.
(٣) حاشية ف: (المستعبر: الّذي يأتي بالعبرة، وهي سين الطلب، و (مستعبرا)، بدل الجازعين.
ويهيم، أي يصير هائما، قال الله تعالى:( فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ) .
فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر الله عن بوارهم مقام صالح في الأرض، ولا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال: فما بكت عليهم السماء والأرض.
ويمكن في الآية وجه خامس، وهو أن يكون البكاء فيها كناية عن المطر والسّقيا؛ لأن العرب تشبّه المطر بالبكاء، ويكون معنى الآية أنّ السماء لم تسق قبورهم، ولم تجد عليهم بالقطر؛ على مذهب العرب المعروف في ذلك؛ لأنهم كانوا يستسقون السحائب لقبور من فقدوه من أعزّائهم، ويستنبتون لمواقع حفرهم الزّهر والرّياض؛ قال النابغة:
فلا زال قبر بين تبنى وجاسم |
عليه من الوسمي طلّ ووابل(١) |
|
فينبت حوذانا وعوفا منوّرا |
سأتبعه من خير ما قال قائل(٢) |
وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام(٣) ، ومسألة الله تعالى لهم الرضوان، والفعل الّذي أضيف إلى السماء - وإن كان لا يجوز إضافته إلى الأرض - فقد يصح عطف الأرض على السماء بأن يقدر لها فعل يصح نسبه إليها، والعرب تفعل مثل هذا؛ قال الشاعر:
ياليت زوجك في الوغى |
متقلّدا سيفا ورمجا(٤) |
____________________
(١) ديوانه ٦٢. والرواية فيه:
سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم |
بغيث من الوسمي قطر ووابل |
وتبنى وجاسم: موضوعان بالشام. وفي حاشيتي الأصل، ف: (الوسمي: أول المطر، وهو الّذي يأتي في الخريف، والخريف عند العرب ربيع، والربيع صيف، والصيف قيظ).
(٢) حاشية ف: (فينبت، النصب في جواب التمني، والحوذان: نبت، يقال له بالفارسية مشكك، وعوف:
نبت أيضا، ومنورا: أخرج النور).
وقال البطليوسي شارح الديوان: (الحوذان والعوف نباتان؛ إلا أن الحوذان أطيب رائحة؛ وأنشد سيبويه هذا البيت بالرفع؛ ولم يجعله جوابا؛ أراد: وذاك ينبت حوذانا، أي ينبت الحوذان على كل حال).
(٣) حاشية الأصل: (قال مولاناعليهالسلام عن ابن الأعرابي: إن العرب إنما تستسقى القبور لأنها إذا سقيت وعم القطر أعشب المكان؛ فحضره القوم للرعي، وترحموا على الموتى).
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (روي: (قد غدا متقلدا)؛ وإذا روي (في الوغى) كان (متقلدا) نصبا على الحال. وقوله: (في الوغى) خبر ليت).
فعطف الرمح على السيف، وإن كان التقلّد لا يجوز فيه، لكنه أراد حاملا رمحا، ومثل هذا يقدّر في الآية، فيقال: إنه تعالى أراد أن السماء لم تسق قبورهم، وأن الأرض لم تعشب عليها(١) ؛ وكلّ هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله تعالى ورضوانه.
تأويل خبر [عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (إنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجل أدومها وإن قلّ]
روى أبو هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (إنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجل أدومها(٢) وإن قلّ؛ فعليكم من الأعمال بما تطيقون؛ فإنّ الله لا يملّ حتّى تملوا).
وفي وصفه(٣) -عليهالسلام - الله تعالى بالملل وجوه أربعة:
أوّلها أنه أراد نفي الملل عنه، وأنه لا يملّ أبدا، فعلّقه بما لا يقع على سبيل التبعيد كما قال الله تعالى:( وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ) ؛ [الأعراف ٤٠].
وقال الشاعر:
فإنّك سوف تحلم أو تناهى(٤) |
إذا ما شبت أو شاب الغراب(٥) |
____________________
(١) د، ف، وحاشية ت (من نسخة): (عليهم).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (كان في الأصل المقروء على المصنف (أدومها) [بضم الواو] والمعروف أدومها [بفتح الواو]).
(٣) ف، وحاشية ت (من نسخة): (في صفته).
(٤) حاشية الأصل: (تناهى: تبلغ الشيخوخة).
(٥) حواشي الأصل، ت، ف: (البيت للنابغة الذبياني، وقبله:
فإنّ يك عامر قد قال جهلا |
فإنّ مطيّة الجهل الشّباب |
يهجو عامر بن الطفيل، يقول: هو معذور فإنه شاب، ثم قال: سوف تحكم إذا شخت؛ أو لعلك لا تحكم أبدا؛ حتى يشيب الغراب، وذلك لا يكون أبدا) وتحكم، أي تصير حكيما، وفعل، بضم العين:
يجيء لما يدخل على الإنسان فيصير كالطبع؛ كقولك: سفه يسفه سفاهة، ولم يكن سفيها فسفه. وتحكم من حكم يحكم [بضم الكاف] حكمة؛ إذا صار حكيما).
وانظر الديوان: ١٤ - ١٥.
أراد أنك لا تحكم أبدا. فإن قيل: ومن أين قلتم: إن ما علقه به لا يقع حتى حكمتم بأنه أراد نفي الملل على سبيل التأبيد؟ قلنا: معلوم أنّ الملل لا يشمل البشر في جميع آرابهم(١) وأوطارهم، وأنهم لا يعرون من حرص ورغبة وأمل وطمع، فلهذا جاز أن يعلّق ما علم تعالى أنه لا يكون بمللهم.
والوجه الثاني أن يكون المعنى أنه لا يغضب عليكم ويطرحكم حتى تتركوا العمل له، وتعرضوا عن سؤاله، والرغبة في حاجتكم إلى جوده؛ فسمّى الفعلين مللا؛ وإن لم يكونا على الحقيقة كذلك؛ على مذهب العرب في تسميتها الشيء باسم غيره إذا وافق معناه في بعض الوجوه، قال عدي بن زيد العبادي:
ثمّ أضحوا لعب الدّهر بهم |
وكذاك الدّهر يؤدى بالرّجال(٢) |
وقال عبيد بن الأبرص الأسدي:
سائل بنا حجر ابن أمّ قطام إذ |
ظلّت به السّمر الذّوابل تلعب(٣) |
فنسبا اللّعب إلى الدهر والقنا تشبيها؛ وقال ذو الرّمة:
وأبيض موشي القميص نصبته |
على خصر مقلات سفيه جديلها(٤) |
فسمّى اضطراب زمامها، وشدة تحركه سفها؛ لأن السفه في الأصل هو الطيش وسرعة الاضطراب والحركة، وإنما وصف ناقته بالذكاء والنشاط. فأما قوله: (وأبيض موشي القميص) فإنما عنى به سيفه، وقميصه: جفنه، والمقلات: الناقة التي لا يعيش لها ولد.
والوجه الثالث أن يكون المعنى أنه تعالى لا يقطع عنكم فضله وإحسانه حتى تملّوا من سؤاله، ففعلهم ملل على الحقيقة، وسمّى فعله تعالى مللا، وليس بملل على الحقيقة للازدواج
____________________
(١) حاشية الأصل: (آرابهم: جمع أرب؛ وهو الحاجة).
(٢) البيت في (الأغاني ٢: ٣٣)؛ وفي حاشية الأصل: (أودى، إذا هلك).
(٣) ديوانه: ٦؛ والرواية فيه: (السمر النواهل).
(٤) ديوانه ٥٥٣، وفي حاشيتي الأصل، ف: (الجديل: زمام من الأديم).
ومشاكلة اللفظين(١) في الصورة، وإن اختلفا في المعنى، ومثل هذا قوله تعالى:( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) ؛ [البقرة: ١٩٤]،( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) ؛ [الشورى: ٤٠]. ومثله قول الشاعر - وهو عمرو بن كلثوم التغلبي.
ألا لا يجهلن أحد علينا |
فنجهل فوق جهل الجاهلينا(٢) |
وإنما أراد المجازاة على الجهل، لأن العاقل لا يفخر بالجهل ولا يتمدّح به.
والوجه الرابع أن يكون الراوي وهم وغلط من الضمّ(٣) إلى الفتح: وأن يكون قوله (يملّ) بالضمّ لا بالفتح، وعلى هذا يكون له معنيان: أحدهما أنه لا يعاقبكم بالنار حتى تملوا عبادته(٤) وتعرضوا عن طاعته، لأن الملّة هي مشتوى الخبز؛ يقال: ملّ الرجل الخبزة(٥) وغيرها يملّها ملاّ إذا اشتواها في الملّة. وقيل: إنّ الجمر لا يقال له ملّة حتى يخالطه رماد؛ والمعنى الثاني أن يكون أراد أنّه لا يسرع إلى عقابكم(٦) ، بل يحلم عنكم ويتأنّى بكم حتى تملّوا حلمه، وتستعجلوا عذابه، بركوبكم المحارم وتتايعكم(٧) في المآثم(٨) .
***
____________________
(١) ت، وحاشية ف (من نسخة): (اللفظتين).
(٢) من المعلقة ص ٢٣٨ بشرح التبريزي.
(٣) في الأصل: (في الفتح إلى الضم)، وفي ت، د، ف: (من الفتح إلى الضم)، والتصويب من حواشي الأصل، ت، ف.
(٤) ت، د، ف: (من عبادته).
(٥) الخبزة: العجينة توضع في الملة حتى تنضج، وفي حاشية الأصل (من نسخة): (الخبز).
(٦) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (رفقا بكم).
(٧) في حاشيتي الأصل، ف: (التتابع: التمادي في الشر؛ يقال: تتابع في الخير، وتتابع في الشر).
(٨) حاشية ف: (قيل في هذا الخبر إن معناه أن الله لا يمل وإن تملوا؛ ومثله قول الراجز:
نحن بني ضبّة لا نفرّ |
حتى نرى جماجما تخرّ |
يريد: لا نفر وإن خرت جماجمنا؛ أي لا نفر أصلا. وقول الشاعر في بعض الروايات:
ولم تشاركك عندي بعد غانية |
لا والّذي أصبحت عندي له نعم |
|
حتى أمرّ على الشّقراء معتسفا |
خلّ النقا بمروح لحمه زيم |
فسر ذلك على أنه لم يشاركك لا وهو حتى أمرّ على الشقراء، ولا يريد أنه إذا حل ذلك الموضع شاركتك غانية).
[خبر حسد الفرزدق لليلى الأخيلية على أبيات قالتها]
[قال المرتضىرضياللهعنه ]: روي أنه قيل للفرزدق: هل حسدت أحدا على شيء من الشعر؟ فقال: لا، لم أحسد على شيء منه إلاّ ليلى الأخيلية في قولها(١) :
ومخرّق عنه القميص تخاله |
بين البيوت من الحياء سقيما(٢) |
|
حتى إذا برز اللّواء رأيته |
تحت اللّواء على الخميس زعيما(٣) |
|
لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف |
لا ظالما أبدا ولا مظلوما(٤) |
- ويروى: (إن ظالما أبدا وإن مظلوما) -
على أنني قد قلت:
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم |
لها ترة من جذبها بالعصائب(٥) |
|
سروا يخبطون اللّيل وهي تلفّهم |
إلى شعب الأكوار من كلّ جانب(٦) |
|
إذا أبصروا نارا يقولون ليتها |
وقد خصرت أيديهم نار غالب(٧) |
وليس أبيات الفرزدق بدون أبيات ليلى، بل هي أجزل ألفاظا، وأشدّ أسرا، إلا أن أبيات ليلى أطبع وأنصع؛ وقد كان الفرزدق مشهورا بالحسد على الشعر والاستكثار لقليله والإفراط في استحسان مستحسنه.
____________________
- والبيتان في الحماسة بشرح التبريزي ٣: ١٣٣، من قصيدة لزياد بن حمل؛ ويعني بالشقراء فرسه.
والاعتساف: الأخذ في السير على غير هداية ولا دراية. والخل: الطريق في الرمل، والنقا: الرمل.
والمروح: النشيط، والزيم: المكتنز اللحم).
(١) من أبيات في (الحماسة - بشرح التبريزي ٤: ١٥٥ - ١٥٧)؛ مطلعها:
ياأيّها السّدم الملوّي رأسه |
ليقود من أهل الحجاز بريما |
(٢) حاشية (من نسخة): (وسط البيوت)، وهي رواية الحماسة.
(٣) م: (رفع اللواء)، وهي رواية الحماسة. والخميس: الجيش، سمي بذلك لأنه يكون خمس كتائب، أو خمسة صفوف: المقدمة، والميمنة، والميسرة، والقلب، والساق.
(٤) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (لا تغزون الدهر)؛ وهي رواية الحماسة. وفي حاشية الأصل: (لا ظالما أبدا؛ لأنهم لا يحتملون ظلمك، ولا مظلوما لأنك لا تقدر أن تنتصر منهم).
(٥) ديوانه ١: ٣٠، والترة: الثأر، والعصائب: جمع عصابة؛ وهي العمامة تعصب على الرأس.
(٦) حاشية الأصل: (الشعب: جمع شعبة، أي جوانب الأكوار، والأكوار: جمع كور؛ وهو الرحل).
(٧) حاشية ت (من نسخة): (آنسوا نارا). خصرت: بردت، وغالب أبو الفرزدق.
[خبره مع الكميت حين عرض عليه أبياتا له من قصيدة]
وقد روي أن الكميت بن زيد الأسدي لما عرض على الفرزدق أبياتا من قصيدته التي أولها:
أتصرم الحبل حبل البيض أم تصل |
وكيف والشّيب في فوديك مشتعل |
|
لما عبأت لقوس المجد أسهمها |
حيث الجدود على الأحساب تنتضل(١) |
|
أحرزت من عشرها تسعا وواحدة |
فلا العمى لك من رام ولا الشّلل(٢) |
|
الشّمس أدّتك إلاّ أنّها امرأة |
والبدر أدّاك إلاّ أنه رجل(٣) |
حسده الفرزدق، فقال له: أنت خطيب، وإنما سلّم له الخطابة ليخرجه عن أسلوب الشعر. ولما بهره من حسن الأبيات وأفرط بها إعجابه، ولم يتمكن من دفع فضلها جملة عدل في وصفها إلى معنى الخطابة(٤) .
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (عبأت: هيأت، والجدود، جمع الجد؛ وهو البخت، وتنتضل:
تناضل وترامي).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (يقال للرامي المصيب: لا عمى ولا شلل).
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (يعني أن أباك البدر وأمك الشمس، وإلا تقرير).
(٤) حاشية ف: (حدث إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي عن عبد الله بن إسحاق بن سلام قال:
أتى الكميت باب مجلس يزيد بن المهلب يمتدحه، فصادف على بابه أربعين شاعرا؛ فقال للآذن: استأذن لي على الأمير؛ فاستأذن له عليه، فأذن له، فقال: كم رأيت بالباب من شاعر؟ قال: أربعين شاعرا قال: فأنت جالب التمر إلى هجر، فقال: إنهم جلبوا دقلا، وجلبت أزاذا، فقال: هات أزاذك، فأنشده:
هلاّ سألت منازلا بالأبرق |
درست وكيف سؤال من لم ينطق! |
|
لعبت بها ريحان: ريح عجاجة |
بالسّافيات من التّراب المعنق |
|
والهيف رائحة لها ينتاحها |
طفل العشي بذي حناتم شرّق |
|
تصل اللّقاح إلى النتاج مربّة |
لخفوق كوكبها وإن لم يخفق |
|
غيّرن عهدك بالدّيار وما يكن |
رهن الحوادث من جديد يخلق |
|
إلاّ خوالد في المحلّة بيتها |
كالطّيلسان من الرّماد الأورق |
|
ومشجّحا ترك الولائد رأسه |
مثل السّواك ودمنة كالمهرق |
-
وحسد الفرزدق على الشعر وإعجابه بجيده من أدلّ دليل على حسن نقده له وقوة بصيرته فيه، وأنّه كان يطرب للجيّد منه فضل طرب، ويعجب منه فضل عجب. ويدلّ أيضا على إنصافه فيه، وأنه مستقلّ للكثير الصادر من جهته، فإن كثيرا من الناس قد يبلغ بهم الهوى في الإعجاب والاستحسان لما يظهر منهم في شعر أو فضل إلى أن يعموا عن محاسن غيرهم فيستقلّوا منهم الكثير، ويستصغروا الكبير.
[خبره عند سليمان بن عبد الملك]
ولأبيات الفرزدق التي ذكرناها خبر مشهور متداول، أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة عن يونس قال:
دخل الفرزدق على سليمان(١) بن عبد الملك وعنده نصيب الشاعر، فقال له سليمان أنشدني، فأنشده الأبيات التي تقدم ذكرها، فاسودّ وجه سليمان وغاظه فعله، وكان يظن أنه ينشده مديحا له، فلمّا رأى نصيب ذلك قال: ألا أنشدك؟ فأنشده:
____________________
-
دار التي تركتك غير ملومة |
دنفا فإن لم ترع قلبك فاشفق |
|
قد كنت قبل تتوق من هجرانها |
فاليوم إذ شحط المزار بها تق |
|
والحبّ فيه حرارة ومرارة |
سائل بذلك من تطعّم أو زقي |
|
ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها |
فيما مضى أحد إذا لم يعشق |
حتى بلغ إلى قوله:
من قال بت أخا الهموم ومن يبت |
غرض الهموم ونصبهنّ يؤرّق |
|
بشّرت نفسي إذ رأيتك بالغنى |
ووثقت حين سمعت قولك لي ثق |
فأمر بالخلع عليه حتى استغاث؛ فقال: أتاك الغوث، ارفعوا عنه).
(١) حاشية ف: (قيل: بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام إذ أتي بحجر منقوش، فطلب من يقرؤه، فأتي بوهب بن منبه؛ فقرأه فإذا فيه: ابن آدم إنك لو أبصرت قليل ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك؛ ولقصرت عن حرصك وحيلك؛ وإنما يلقاك غدا ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك؛ فبان منك الولد القريب، ورفضك الوالد والنسيب؛ فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حياتك ذائد، فاعمل ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة فبكى سليمان).
أقول لركب قافلين لقيتهم |
قفا ذات أوشال ومولاك قارب(١) |
|
قفوا خبّروني عن سليمان إنني |
لمعروفه من أهل ودّان طالب(٢) |
|
فعاجوا فأثنوا بالذّي أنت أهله |
ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب(٣) |
فقال له سليمان: أنت أشعر أهل جلدتك(٤) ؛ وفي بعض الأخبار أنّ الفرزدق قال ذلك في نصيب حين سأله عنه سليمان.
وروي أيضا أنه لما أنشد نصيب أبياته قال له سليمان: أحسنت، ووصله(٥) ولم يصل الفرزدق فخرج الفرزدق وهو يقول:
____________________
(١) قفا ذات أوشال: خلف هذا الموضع؛ والأوشال: جمع وشل، بالتحريك؛ وهو الماء القليل يتخلف من جبل أو صخر. وفي حاشيتي الأصل، ف: (في ديوانه: ذات أوشان؛ بالنون).
وفي معجم ما استعجم للبكري: ٢١٢: (ذات أوشال: موضع بين الحجاز والشام) وذكر البيت.
وأراد بالمولى نفسه؛ والقارب: طالب الماء ليلا.
(٢) ودان، بفتح الواو: قرية بين مكة والمدينة، قريبة من الجحفة؛ وفي حاشيتي الأصل، ت: (يعني أنا من أهل ودان، وهي أرض للعرب).
(٣) وبعده:
فقالوا تركناه وفي كلّ ليلة |
يطيف به من طالبي العرف راكب |
|
ولو كان فوق النّاس حي فعاله |
كفعلك أو للفعل منك مقارب |
|
لقلنا له شبه ولكن تعذّرت |
سواك عن المستشفعين المطالب |
|
هو البدر والنّاس الكواكب حوله |
ولا يشبه البدر المنير الكواكب |
(٤) الخبر في (الكامل - بشرح المرصفي ٢: ٢١٧ - ٢١٨، والشعر والشعراء ٣٧٢ - ٣٧٣، واللآلي ٢٩١ - ٢٩٢)، والأبيات في (البيان والتبيين ١: ٨٣، وأمالي القالي ١: ٩٤، ومعجم البلدان ٨: ٤٠٥؛ ولكنه لم يذكر (ذات أوشال) في موضعها).
(٥) حاشية ف: (حدث محمد بن أحمد عن محمد بن عبد الله عن معاذ صاحب الهروي قال: (دخلت مسجد الكوفة، فرأيت رجلا لم أر قط أنقى ثيابا منه، ولا أشد سوادا، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا نصيب، فقلت: أخبرني عنك وعن أصحابك، فقال: جميل إمامنا، وعمر أوصفنا لربات الحجال، وكثير أبكانا على الأطلال والدمن، وقد قلت ما سمعت، قلت: فإن الناس يزعمون أنك لا تحسن أن تهجو، قال:
فأقروا لي أني أحسن المدح؟ قلت: بلى، قال: ولكني رأيت الناس رجلين: رجلا لم أسأله فلا ينبغي أن أهجوه، ورجلا سألته فمنعني، فكانت نفسي أحق بالهجا؛ إذ سولت لي أن أطلب منه).
وخير الشّعر أكرمه رجالا |
وشرّ الشّعر ما قال العبيد(١) |
ولا شبهة في أنّ أبيات الفرزدق مقدمة في الجزالة والرّصانة على أبيات نصيب؛ وإن كان نصيب قد غرّب(٢) وأبدع في قوله:
* ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب*
إلاّ أنّ أبيات نصيب وقعت موقعها، ووردت في حال تليق بها، وأبيات الفرزدق جاءت في غير وقتها وعلى غير وجهها؛ فلهذا قدّمت أبيات نصيب.
والفرزدق مع تقدّمه في الشعر وبلوغه فيه إلى الذّروة العليا، والغاية القصوى شريف الآباء، كريم البيت، له ولآبائه مآثر لا تدفع، ومفاخر لا تجحد. والفرزدق لقب لقّب به، وليس باسمه، وإنما لقّب بذلك لجهامة وجهه، وغلظه؛ لأنّ الفرزدقة هي القطعة الضخمة من العجين، وقيل: إنها الخبزة الغليظة التي يتّخذ منها النساء الفتوت(٣) ، واسمه همام بن غالب، وكنيته أبو فراس، وقيل إنّه كان يكنى في شبابه بأبي مكّية(٤) وهي أغرب كنيته(٥) .
وكان شيعيّا(٦) مائلا إلى بني هاشم، ونزع في آخر عمره عما كان عليه من القذف(٧)
____________________
(١) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (أشرفه فحولا)، وفي حاشيتي الأصل، ف: (يعني أن نصيبا حديثي مملوك).
(٢) ل، ونسخة في حاشيتي ت، ف: (أغرب).
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (الفتوت والفتيت بمعنى).
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (كان يكنى أبا مكية، ومكية بنته، وذكر ذلك في شعر له فقال:
شاهد إذا ما كنت ذا محميّه |
بدارمي أمّه ضبّيّه |
صمحمح مثل أبي مكّيّه
- الصمحمح: العظيم الرأس، وأبو مكية يعني نفسه).
(٥) ش: (أعرف كنيتة).
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (النسبة إلى الشيعة شيعي، بكسرة صحيحة على الشين؛ كما تنسب إلى الجيزة جيزي، والجيزة محلة بمصر؛ منها أبو الربيع الجيزي).
(٧) حاشية ت (من نسخة): (من القرف)، والقرف: الرمي بالسوء.
والفسق، وراجع طريقة الدين، على أنه لم يكن في خلال(١) فسقه منسلخا من الدّين جملة، ولا مهملا لأمره أصلا.
[خبر تنسّكه في آخر عمره وما قاله من شعر في ذلك]
ومما يشهد لذلك ما أخبرنا به عليّ بن محمد الكاتب عن أبي بكر محمد بن يحيى الصولي عن أبي حفص الفلاّس عن عبد الله بن سوّار عن معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال:
دخلت على الفرزدق، فجعلت أحادثه، فسمعت صوت حديد يتقعقع، فتأملت الأمر، فإذا هو مقيّد الرّجل(٢) ، فسألته عن السبب في ذلك، فقال: إني آليت على نفسي ألاّ أنزع القيد من رجلي، حتى أحفظ القرآن.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانيّ قال أخبرني أبو ذرّ القراطيسي قال حدثنا ابن أبي الدّنيا قال حدّثني الرّياشي عن الأصمعي عن سلام بن مسكين قال: قيل للفرزدق؛ علام تقذف المحصنات؟ فقال: والله، للّه أحبّ إلى من عيني هاتين، أفتراه يعذّبني بعدها(٣) !.
وروي أنّه تعلّق بأستار الكعبة، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللّذين كان ارتكبهما، وقال:
ألم ترني عاهدت ربّي وإنّني |
لبين وتاج قائما ومقام(٤) |
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (حال).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (الرجلين).
(٣) حاشية ف: (ذكر المبرد في كتابه قال: دخل لبطة بن الفرزدق على أبيه وهو محبوس في سجن مالك بن المنذر بن الجارود؛ ومالك عامل على البصرة لخالد بن عبد الله القسري؛ فقال له: ياأبت؛ هذا عمر بن يزيد الأزدي ضرب آنفا ألف سوط ومات، فشد على حمار، فقال الفرزدق: كأنك والله بمثل هذا الحديث قد تحدثت به عن أبيك - والحسن إذ ذاك محبوس عنده - فقال له: ياأبا فراس، فما عندك إن كان ذلك؟ فقال: والله ياأبا سعيد، للّه أحب إلى من سمعي وبصري، ومن مالي وولدي، ومن أهلي وعشيرتي؛ أفتراه يخذلني! فقال الحسن: كلا والله ياأبا فراس).
وانظر الخبر في (الكامل - بشرح المرصفي ٢: ٧٦ - ٧٧).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (الرتاج: الباب المغلق، والباب العظيم أيضا قائما، حال بما يدل عليه لبين) وفي ت، د: (قائم).
على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما |
ولا خارجا من في زور كلام(١) |
|
أطعتك ياإبليس سبعين حجة |
فلمّا انقضى عمري وتمّ تمامي(٢) |
|
فزعت إلى ربّي وأيقنت أنّني |
ملاق لأيّام الحتوف حمامي(٣) |
وروى الصّولي عن الحسين بن الفيّاض عن إدريس بن عمران قال: جاءني الفرزدق، فتذاكرنا رحمة الله وسعتها؛ فكان أوثقنا بالله، فقال له رجل: ألك هذا الرجاء والمذهب وأنت تقذف المحصنات، وتفعل ما تفعل! فقال: أترونني لو أذنبت إلى أبوي، أكانا يقذفاني
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (قال مولانا السيد: خارجا، تقديره: ولا يخرج خروجا؛ وذهب عيسى بن عمر إلى أنه في موضع الحال؛ لأن قوله: لا أشتم نصب على الحال؛ كأنه قال: عاهدت لا شاتما ولا خارجا. وقال أبو سعيد: تقديره: عاهدت على أن أحلف لا شاتما ولا خارجا؛ وهو حال من التاء في عاهدت، أو المحذوف من المصدر؛ وهو الفاعل. وسيبويه يجعل لا أشتم جواب القسم؛ ولا موضع له من الإعراب، والقسم عاهدت. فقوله: ولا خارجا، أى لا يخرج خروجا؛ وهو معطوف على لا أشتم).
وفي حاشية ف أيضا: (ذكر المبرد في كتابه الكامل في قوله:
* ولا خارجا من في زور كلام*
إنما وضع اسم الفاعل موضع المصدر، أراد: لا أشتم الدهر مسلما، ولا يخرج خروجا من في زور كلام؛ لأنه على هذا أقسم، والمصدر يقع في موضع اسم الفاعل؛ يقال: ماء غور، أي غائر؛ كما قال الله تعالى:( إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً ) ؛ ويقال: رجل عدل، أي عادل، فعلى هذا جاء المصدر على فاعل؛ كما جاء اسم الفاعل على المصدر؛ يقال: قم قائما؛ فيوضع موضع قولك: قم قياما؛ قال: وكان عيسى بن عمر يقول: إنما قوله لا أشتم حال، فأراد: عاهدت ربي في هذه الحال، وأنا غير شاتم ولا خارج من في ولم يذكر الّذي عاهد عليه).
وانظر (الكامل - بشرح المرصفي ٢: ٨١ - ٨٣).
(٢) د، ومن نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (تسعين)، وفي حاشية الأصل، ف: (أي بلغت غايتي؛ ونسبة التمام إلى التمام ترد على معنى التأكيد كما قال الشاعر: (فجن جنونها)، والجنون لا يجن، وإنما المرء يجن؛ وكما قال:
جنونك مجنون ولست بواجد |
طبيبا يداوي من جنون جنوني |
(٣) ش، ف: (فررت)، والأبيات في (ديوانه ٢: ٧٧٠).
في تنوّر، وتطيب أنفسهما بذلك؟ قلنا: لا، بل كانا يرحمانك، قال: فأنا والله برحمة ربّي أوثق مني برحمتهما.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثنا محمد بن إبراهيم(١) قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد(٢) الورّاق قال حدّثني محمد بن محمد بن سليمان الطّفاوي(٣) قال: حدثني أبي عن جدي قال: شهدت الحسن البصري في جنازة النّوار (امرأة الفرزدق) - وكان الفرزدق حاضرا - فقال له الحسن وهو عند القبر: ياأبا فراس، ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة، فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطّنب!. وفي رواية أخرى أنه قال له: نعم ما أعددت، ثم قال الفرزدق في الحال:
أخاف وراء القبر - إن لم يعافني - |
أشدّ من الموت التهابا وأضيقا(٤) |
|
إذا جاءني يوم القيامة قائد |
عنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا |
|
لقد خاب من أولاد آدم من مشى |
إلى النّار مغلول القلادة أزرقا(٥) |
|
يقاد إلى نار الجحيم مسربلا |
سرابيل قطران لباسا محرّقا |
قال: فرأيت الحسن يدخل بعضه في بعض، ثم قال: حسبك. ويقال إن رجلا رأى الفرزدق بعد موته في منامه، فقال له ما فعل بك ربّك؟ فقال: عفا عني بتلك الأبيات(٦) .
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (محمد بن محمد بن إبراهيم).
(٢) د، ونسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (سعيد).
(٣) حاشية الأصل: (الطفاوي: منسوب إلى طفاوة؛ وهم قوم).
(٤) الأبيات في ديوانه ٢: ٥٧٨، مع اختلاف في الرواية وترتيب الأبيات؛ وفي نسخة بحواشي الأصل، ف، ت: (أشد من القبر)؛ وهي رواية الديوان.
(٥) ف: (مشدود الفلائد)، وهي رواية الديوان.
(٦) حاشية ف: (زعم بعض النميمية أن الفرزدق رئي في النوم فقيل له: ما صنع ربك؟ فقال:
غفر لي؛ قيل له: بأي شيء؟ قال: بالكلمة التي نازعنيها الحسن البصري على شفير القبر). وفيها أيضا: (في الكامل، كان الفرزدق يخرج من منزله فيرى بني تميم والمصاحف في حجورهم فيسر بذلك ويجذل له -
[عود إلى خبره مع الكميت]
وأما ما يدلّ على تشيّعه وميله إلى بني هاشم ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني عمر بن داود العماني قال حدثنا محمد بن زكريا(١) الغلابي قال حدثنا مهدي بن سابق قال حدثنا أبو لبيد قال: جاء الكميت إلى الفرزدق فقال: ياعمّ إني قد قلت قصيدة أريد أن أعرضها عليك، فقال له: قل، فأنشده:
* طربت وما شوقا إلى البيض أطرب*
فقال له الفرزدق: إلى من طربت، ثكلتك أمّك! فقال:
* ولا لعبا منّي وذو الشّيب يلعب*
ولم تلهني دار ولا رسم منزل |
ولم يتطرّبني بنان مخضّب |
____________________
- ويقول: إيه فدى لكم أبي وأمي! كذا والله كان آباؤكم، قال: ونظر أبو هريرة الدوسي إلى الفرزدق فقال: مهما فعلت فقنطك الناس عليه، فلا تقنط من رحمة الله، ثم نظر إلى قدميه فقال: إني أرى لك قدمين لطيفين؛ فابتغ لهما موقفا صالحا يوم القيامة).
و (انظر الكامل - بشرح المرصفي ٢: ٧٩).
(١) حواشي الأصل، ف، ت: (الغلابي: منسوب إلى غلاب، اسم امرأة؛ وكان شيعيا).
وفي حاشية ف أيضا: (حدث الغلابي عن محمد بن عبد الله عن علي بن محمد قال: قال أنوشروان لبزرجمهر لما أراد قتله: إني قاتلك؛ فتكلم بشيء تذكر به؛ فقال: أيها الملك، إن الدنيا حديث حسن وقبيح؛ فإذا استطعت أن تكون حديثا حسنا فكنه، قال ابن عبد الله: وذكر هذا الكلام لابن عائشة فقال:
صدق، هو والله من قوله تعالى:( وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) ، وأنشد ابن عائشة:
ألم تر أنّ النّاس تخلد بعدهم |
أحاديثهم والمرء ليس بخالد |
وقال أيضا:
وإذا الفتى لاقى الحمام رأيته |
لولا الثّناء كأنّه لم يولد |
وروى محمد بن زكريا الغلابي: كان مريد يكنى أبا إسحاق، وكانت له نوادر؛ فبينا هو ذات يوم جالس إذ جاءه أصحابه فقالوا: ياأبا إسحاق، هل لك في الخروج بنا إلى العقيق، وإلى قباء، وإلى أحد؛ ناحية قبور الشهداء؛ فإن هذا يوم كما ترى طيب؛ فقال: اليوم يوم الأربعاء، ولست أبرح من منزلي، فقالوا له: ما تكره من يوم الأربعاء وفيه ولد يونس بن متى؟ فقال: بأبي وأميصلىاللهعليهوآله ! وفيه التقمة الحوت، فقالوا: يوم نصر فيه يوم الأحزاب، فقال: أجل!، ولكن بعد إذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر).
فقال له: إلى من طربت؟ فقال:
ولا أنا ممّن يزجر الطّير؛ همّه: |
أصاح غراب أم تعرّض ثعلب(١) |
|
ولا السانحات البارحات عشيّة |
أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب(٢) |
|
ولكن إلى أهل الفضائل والنّهى |
وخير بني حوّاء، والخير يطلب |
فقال له الفرزدق: هؤلاء بنو دارم، فقال الكميت:
إلى النّفر البيض الّذين بحبّهم |
إلى الله فيما نابني أتقرّب |
فقال الفرزدق: هؤلاء بنو هاشم، فقال الكميت:
بني هاشم رهط النبي فإنّني |
بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب(٣) |
فقال له الفرزدق: والله لو جزتهم إلى سواهم لذهب قولك باطلا.
[خبر مديحه لعلي بن الحسين بن علي]
ومما يشهد لذلك ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزباني قال حدثنا الحسن بن محمد قال حدّثني جدّي يحيى بن الحسن العلوي قال حدّثنا الحسين بن محمد بن طالب قال: حدّثني غير واحد من أهل الأدب أن عليّ بن الحسينعليهماالسلام حجّ فاستجهر(٤) الناس جماله، وتشوّفوا له، وجعلوا يقولون: من هذا؟ فقال الفرزدق:
____________________
(١) ت، د، حاشية الأصل (من نسخة): (في المتن، قال المرتضىرضياللهعنه : يجب الوقوف على الطير)، ثم يبدأ (بهمه) ليعلم الغرض). والزجر هنا: التيمن أو التشاؤم بالطير وغيره.
(٢) السانح من الطير: ما مر من مياسرك إلى ميامنك، والبارح عكسه، وكان العرب يتيامنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح، والأعضب: مكسور القرن، وفي ت، ف بعد هذا البيت: (فقال: إلى من طربت لا أم لك! فقال الكميت )
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (أعني بني هاشم، أو إلى بني هاشم).
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (يقال: جهرت الرجل واستجهرته؛ إذا رأيته عظيم المرآة، وما أحسن جهر فلان! أي ما يجتهر من هيئته وحسن منظره؛ وقيل: اجتهر؛ أي حملهم بجماله على أن يجهروهعليهالسلام ، أي يدركوا جهره).
هذا ابن خير عباد الله كلّهم |
هذا التّقي النّقيّ الطّاهر العلم |
|
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته |
والبيت يعرفه والحلّ والحرم(١) |
|
إذا رأته قريش قال قائلها |
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم |
|
يكاد يمسكه عرفان راحته |
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم(٢) |
|
يغضي حياء ويغضى من مهابته |
فما يكلّم إلاّ حين يبتسم(٣) |
|
أي القبائل ليست في رقابهم |
لأوّليّة هذا أو له نعم |
|
من يعرف الله يعرف أوّليّة ذا |
فالدّين من بيت هذا ناله الأمم(٤) |
____________________
(١) البطحاء: أرض مكة المنبطحة، والحل، بالكسر: خارج المواقيت من البلاد، والحرم: ما بين المواقيت المعروفة؛ وأراد بهما أهل الحل والحرم.
(٢) الحطيم: الجدار الّذي عليه ميزاب الكعبة، وانتصب (عرفان) على أنه مفعول له، أي يكاد يمسكه ركن الحطيم؛ لأنه عرف راحته. ويستلم، بمعنى يلمس الحجر الأسود.
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: روى أبو الفرج في كتاب الأغاني الكبير هذا البيت: يغضي ...
وبيتا آخر وهو:
بكفّه خيزران ريحها عبق |
من كفّ أروع في عرنينه شمم |
للحزين الكناني، قال: مدح بهما الحزين عبد الله بن عبد الملك، وقد حج، وكان أبوه عبد الملك قد وصاه بألا يحجب الحزين لخبث لسانه، ووصفه له بهيئته، فدخل عليه وأنشده البيتين. قال أبو الفرج:
والناس يروون هذين البيتين في أبيات الفرزدق التي مدح بها زين العابدينعليهالسلام ).
وقد ذكر أبو تمام في (الحماسة - بشرح التبريزي ٤ - ١٦٧ - ١٦٩) الأبيات منسوبة إلى الحزين الليثي. وانظر تفصيل الخبر وتحقيق نسبة الأبيات في (الأغاني ١٤: ٧٤ - ٧٧).
(٤) حاشية ف: (روي أنه كان عبد الملك بن مروان لما سمع هذا من الفرزدق قال له: (أو رافضي أيضا أنت! فقال الفرزدق: إن كان حب آل محمد رفضا فأنا هذاك، فقال عبد الملك: قل في مثل ما قلته فيه، وعليّ أن أضعف عطاءك، فقال الفرزدق: وتجيئني بأب مثل أبيه وأم بمثل أمه؛ حتى أقول فيك مثل ما قلته فيه؛ أتقول هذا ولا تستحي من الله عز وجل! مر حتى تسقط اسمي من الديوان جملة، فأسقط عطاءه.
فبلغ ذلك علي بن الحسينعليهماالسلام ، فبعث إليه، فلما أتاه قال: ياأبا فراس؛ خذ مني جميع ما أملكه، ولك الفضل بعد ذلك؛ وما كافأتك بعد! فقال: ياابن رسول الله، ما قلته فيك لرجاء مثوبة؛ وإن ثوابي على الله، وما أؤمله فيكم عند الله عز وجل أحب إلى من ملك عبد الملك؛ فقال: فكم كان عطاؤه الّذي حرمته؟ قال: ألف ومائتان في السنة، فوزن له ثمانية وأربعين ألفا، عطاء أربعين سنة، فأخذها وانصرف).
وفي رواية الغلابي أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة عبد الملك - أو الوليد - وهو حديث(١) السن، فأراد أن يستلم الحجر، فلم يتمكن من ذلك لتزاحم الناس عليه، فجلس ينتظر خلوة؛ فأقبل علي بن الحسينعليهماالسلام ، وعليه إزار ورداء، وهو من أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا، بين عينيه سجّادة، كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت، فإذا بلغ الحجر تنحّى الناس له حتى يستلمه، هيبة له وإجلالا. فغاظ ذلك هشاما، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الّذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه - لئلا يرغّب فيه أهل الشام. فقال الفرزدق - وكان هناك حاضرا -: لكني أعرفه، وذكر الأبيات، وهي أكثر مما رويناه؛ وإنما تركناها(٢) لأنها معروفة.
قال: فغضب هشام، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكّة والمدينة، وبلغ ذلك عليّ بن الحسينعليهماالسلام ، فبعث إلى الفرزدق باثنى عشر ألف درهم وقال: اعذرنا ياأبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر منها لوصلناك به، فردّها الفرزدق وقال: ياابن رسول الله، ما قلت الّذي قلت إلا غضبا للّه ورسوله، وما كنت لأرزأ(٣) عليه شيئا؛ فردها إليه وأقسم عليه في قبولها وقال له: قد رأى الله مكانك، وعلم نيّتك، وشكر لك، ونحن أهل بيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه؛ فقبلها، وجعل الفرزدق يهجو هشاما وهو في الحبس؛ فمما هجاه به قوله:
تحبّسني بين المدينة والّتي |
إليها رقاب النّاس يهوى منيبها(٤) |
|
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّد |
وعينا له حولاء باد عيوبها |
____________________
(١) د، ف، حاشية ت (من نسخة): (حدث السن).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (تركنا أكثرها).
(٣) ت: (لأرزأك). وفي حاشية ف: (يقال: ما رزأته شيئا؛ أي لم آخذ منه شيئا).
(٤) ديوانه ١: ١ ه، وفي حاشية الأصل (من نسخة): (يحبسني)، وحاشية ف (من نسخة): (قلوب الناس يهوى)؛ وهي رواية الديوان.
[٦]
مجلس آخر [المجلس السادس:]
تأويل آية( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً )
إن سأل سائل فقال: ما عندكم في تأويل قوله تعالى:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) ؛ [هود: ١١٨، ١١٩].
وظاهر هذه الآية يقتضي أنّه تعالى ما شاء أن يكونوا أمة واحدة وأن يجتمعوا على الإيمان والهدى؛ وهذا بخلاف ما تذهبون إليه؛ ثم قال:( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) فلا يخلو من أن يكون عنى أنّه للاختلاف خلقهم، أو للرحمة؛ ولا يجوز أن يعني الرحمة؛ لأن الكناية عن الرحمة لا تكون بلفظة (ذلك)؛ ولو أرادها لقال: ولتلك خلقهم، فلما قال( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) كان رجوعه إلى الاختلاف أولى. وليس يبطل حمل الآية على الاختلاف من حيث لم يكن مذكورا فيها؛ لأن الرحمة أيضا غير مذكورة فيها، وإذا جعلتم قوله تعالى:( إِلاّ مَنْ رَحِمَ ) دالاّ على الرحمة فكذلك قوله:( مُخْتَلِفِينَ ) دالّ على الاختلاف؛ على أن الرحمة هي رقة القلب والشفقة؛ وذلك لا يجوز على الله تعالى، ومتى تعدّى بها ما ذكرناه، لم يعن بها إلا العفو وإسقاط الضرر، وما جرى مجراه(١) عن مستحقّه، وهذا مما لا يجوز أن يكونوا مخلوقين له على مذهبكم، لأنه لو خلقهم للعفو لما حسن منه عقاب المذنبين ومؤاخذة المستحقين.
الجواب، يقال له: أما قوله تعالى:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ) فإنما عنى به المشيئة التي ينضمّ إليها الإلجاء، ولم يعن المشيئة على سبيل الاختيار، وإنما أراد تعالى أن يخبرنا عن قدرته، وأنه ممّن لا يغالب، ولا يعصى مقهورا؛ من حيث كان قادرا على إلجاء العبيد، وإكراههم على ما أراد منهم.
فأما لفظة (ذلك) فى الآية فحملها على الرحمة أولى من حملها على الاختلاف؛ لدليل
____________________
(١) د، حاشية ت (من نسخة): (مجراهما).
العقل وشهادة اللفظ، فأما دليل العقل فمن حيث علمنا أنّه تعالى كره الاختلاف، والذّهاب عن الدين، ونهى عنه، وتوعّد عليه، فكيف يجوز أن يكون شائيا له، ومجريا(١) بخلق العباد إليه.
وأما شهادة اللفظ فلأنّ الرحمة أقرب الى هذه الكناية من الاختلاف، وحمل اللفظ على أقرب المذكورين إليها أولى في لسان العرب.
فأما ما طعن به السائل، وتعلّق به من تذكير الكناية، وأنّ الكناية عن الرحمة لا تكون إلا مؤنثة فباطل، لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، وإذا كني عنها بلفظ التذكير كانت الكناية على المعنى، لأن معناها هو الفضل والإنعام؛ كما قالوا: سرّني كلمتك، يريدون سرّني كلامك، وقال الله تعالى:( هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) ؛ [الكهف: ٩٨]؛ ولم يقل (هذه)، وإنما أراد هذا فضل من ربي؛ وقالت الخنساء:
فذلك ياهند الرّزيّة فاعلمي |
ونيران حرب حين شبّ وقودها(٢) |
أرادت الرّزء؛ وقال امرؤ القيس:
برهرهة رؤدة رخصة |
كخرعوبة البانة المنفطر(٣) |
فقال: (المنفطر) ولم يقل المنفطرة، لأنه ذهب إلى الغصن؛ وقال الآخر:
هنيئا لسعد ما اقتضى بعد وقعتي(٤) |
بناقة سعد والعشيّة بارد |
فذكّر الوصف: لأنه ذهب إلى العشي؛ وقال الآخر:
قامت تبكّيه على قبره |
من لي من بعدك ياعامر(٥) |
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (الإجراء يستعمل في المنكر المذموم؛ يقال: أجرى عليه فعله، ولا يقال إلا في الشر).
(٢) ديوانها: ٥٩.
(٣) ديوانه: ٨. البرهرهة: الرقيقة الجلد، والرؤدة: الرخصة الناعمة، والخرعوبة: القضيب الغض، والمنفطر: المنشق.
(٤) حاشية ت (من نسخة): (وقفتي).
(٥) البيتان في العقد ٣: ٢٥٩، و٥: ٣٩٠؛ ونسبهما لأعرابية على قبر ابن لها يقال له عامر.
تركتني في الدّار ذا غربة(١) |
قد ذلّ من ليس له ناصر |
فقال: (ذا غربة) ولم يقل ذات غربة، لأنه أراد شخصا ذا غربة؛ وقال زياد الأعجم:
إنّ الشّجاعة والسّماحة ضمّنا |
قبرا بمرو على الطّريق الواضح(٢) |
فقال: (ضمنّا) ولم يقل ضمّنتا؛ قال الفرّاء: لأنه ذهب إلى أنّ السماحة والشجاعة مصدران، والعرب تقول: قصارة الثوب يعجبني؛ لأن تأنيث المصادر يرجع إلى الفعل، وهو مذكر.
وقال الفرزدق:
تجوب بنا الفلاة إلى سعيد |
إذا ما الشّاة في الأرطاة قالا(٣) |
فذكّر الوصف، لأنه أراد التيس؛ فأما الأرطاة فهي واحدة الأرطى، وهي(٤) شجر ينبت في الرمل تستظل بظلاله الظباء من الحرّ، وتأوي إليه، قال الشماخ:
إذا الأرطى توسّد أبرديه |
خدود جوازىءٍ بالرّمل عين(٥) |
____________________
(١) في العقد: (لي وحشة).
(٢) اللآلي ٩٢١؛ وبعده:
فإذا مررت بقبره فاعقر به |
كوم الجلاد وكلّ طرف سابح |
وفي ت، ونسخة بحاشيتي الأصل، ف: (إن السماحة والشجاعة).
(٣) ديوانه ٢: ٦١٧، وروايته: (فروحت القلوص إلى سعيد).
(٤) في نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (وهو).
(٥) ديوانه ٩٤، وفي حاشية ت (من نسخة): (توسط أبرديه)، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (قبله:
إليك بعثت راحلتي تشكّى |
هزالا بعد مقحدها السّمين |
|
إذ بركت على شرف وألقت |
عسيب جرانها كعصا الهجين |
إذا الأرطى ...
المقحد: أصل السنام، والشرف: النجد من الأرض، وعسيب جرانها: صفحة العنق، والهجين:
الراعي، والجوازئ: التي اكتفت بالرطب عن الماء، وأبردا الأرطى: الغداة والعشي؛ وقال خالد بن كلثوم: أبرداه: ظلاه؛ الظل بالغداة والفيء بالعشي؛ وقال ابن دريد: معناه أن البقرة تتوسد بالغداة الأرطى الّذي يلي المغرب، فإذا دارت الشمس دارت معها إلى ناحية المشرق تتوسد الغصون التي مالت عنها الشمس). والعين: جمع عيناء؛ وهي الواسعة العين.
وقوله: (قالا) من القيلولة لا من القول، على أن قوله تعالى:( إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) كما يدلّ على الرحمة يدلّ أيضا على (أن يرحم)، فإذا جعلنا الكناية بلفظة (ذلك) عن أن يرحم كان التذكير في موضعه؛ لأن الفعل مذكر، ويجوز أيضا أن يكون قوله تعالى( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) كناية عن اجتماعهم على الإيمان، وكونهم فيه أمة واحدة؛ ولا محالة أنّه لهذا خلقهم؛ ويطابق هذه الآية قوله تعالى:( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) ؛ [الذاريات: ٥٦].
وقد قال قوم في قوله تعالى:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ) معناه أنه لو شاء أن يدخلهم أجمعين الجنة، فيكونوا في وصول جميعهم إلى النعيم أمة واحدة، وأجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى:( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) ؛ [السجدة: ١٣].
في أنه أراد: هداها إلى طريق الجنة، فعلى هذا التأويل أيضا يمكن أن ترجع لفظة (ذلك) إلى إدخالهم أجمعين إلى الجنة، لأنه إنما خلقهم للمصير إليها والوصول إلى نعيمها.
فأما قوله تعالى:( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) فمعناه الاختلاف في الدين والذهاب عن الحق فيه بالهوى والشبهات.
وذكر أبو مسلم ابن بحر في قوله:( مُخْتَلِفِينَ ) وجها غريبا وهو أن يكون معناه أن خلف هؤلاء الكافرين يخلف سلفهم في الكفر، لأنه سواء قولك: خلف بعضهم بعضا، وقولك: اختلفوا(١) ، وسواء قولك: قتل بعضهم بعضا، واقتتلوا؛ ومنه قولهم: لا أفعل كذا ما اختلف العصران والجديدان، أي جاء كلّ واحد منهما بعد الآخر.
فأمّا الرحمة فليست رقة القلب كما ظنه السائل، لكنها فعل النّعم والإحسان، يدلّ على ذلك أنّ من أحسن إلى غيره، وأنعم عليه يوصف بأنه رحيم به، وإن لم يعلم منه رقة قلب عليه، بل وصفهم بالرحمة من لا يعهدون منه رقّة القلب أقوى من وصفهم الرقيق القلب بذلك؛ لأنّ مشقة النعمة والفضل والإحسان على من لا رقّة عنده أكبر منها على الرقيق القلب، وقد علمنا أنّ من رقّ قلبه لو امتنع من الإفضال والإحسان لم يوصف بالرحمة، وإذا أنعم
____________________
(١) حاشية الأصل: (سمي الاختلاف اختلافا لأن الكلام يخلف بعضه بعضا).
وصف بذلك، فوجب أن يكون معناها ما ذكرناه؛ على أنه لا يمتنع أن يكون معنى الرحمة في الأصل ما ذكرتم(١) ، ثم انتقل بالتعارف إلى ما ذكرناه كنظائره. وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه هدى ورحمة من حيث كان نعمة، ولا يتأتّى في القرآن ما ظنوه(٢) ؛ وإنما وصفت رقة القلب بأنها رحمة؛ لأنّها ممّا تجاوره الرحمة التي هي النعمة في الأكثر، وتوجد عنده، فحلّ محلّ وصف الشهوة بأنّها محبة لما كانت توجد عندها المحبة في الأكثر؛ وليست الرحمة مختصة بالعفو؛ بل تستعمل في ضروب النّعم، وصنوف الإحسان؛ ألا ترى أنّا نصف المنعم على غيره، المحسن إليه بالرحمة، وإن لم يسقط عنه ضررا، ولا تجاوز له عن زلّة؛ وإنما سمي العفو عن الضرر وما جرى مجراه رحمة من حيث كان نعمة؛ لأنّ النعمة بإسقاط الضرر تجري مجرى النعمة بإيصال النفع، فقد بان بهذه الجملة معنى الآية، وبطلان ما ضمنه السائل سؤاله.
فإن قيل: إذا كانت الرحمة هي النعمة، وعندكم أن نعم الله تعالى شاملة للخلق أجمعين، فأي معنى لاستثناء( مَنْ رَحِمَ ) من جملة المختلفين إن كانت الرحمة هي النعمة؟ وكيف يصحّ اختصاصها بقوم دون قوم وهي عندكم شاملة عامّة؟
قلنا: لا شبهة في أنّ نعم الله شاملة للخلق أجمعين؛ غير أنّ في نعمه أيضا ما يختصّ بها بعض العباد(٣) ، إما لاستحقاق، أو لسبب يقتضي الاختصاص فإذا حملنا قوله تعالى:( إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) على النعمة بالثواب، فالاختصاص ظاهر، لأن النعمة به لا تكون إلا مستحقّة، فمن استحقّ الثواب بأعماله وصل إلى هذه النعمة، ومن لم يستحقّه لم يصل إليها.
وإن حملنا الرحمة في الآية على النعمة بالتوفيق للايمان واللطف الّذي وقع بعده فعل الإيمان كانت هذه النعمة أيضا مختصّة، لأنّه تعالى إنما لم ينعم على سائر المكلّفين بها؛ من حيث
____________________
(١) ت، حاشية الأصل (من نسخة): ما ذكر.
(٢) س: (قالوه).
(٣) ت: (الخلق).
لم يكن في معلومه تعالى أنّ لهم توفيقا، وأنّ في الأفعال ما يختارون عنده الإيمان؛ فاختصاص هذه النعم ببعض العباد لا يمنع من شمول نعم أخر لهم؛ كما أن شمول تلك النعم لا يمنع من اختصاص هذه.
تأويل خبر [ (ممّا أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت).]
روى أبو مسعود البدري عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (ممّا أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى إذا لم تستحي فاصنع(١) ما شئت).
وفي هذا الخبر وجوه من التأويل ثلاثة:
أحدها أن يكون معناه: إذا عملت العمل للّه جلّ وعزّ وأنت لا تستحيي من الناظرين إليك، ولا تتخوّفهم(٢) أن ينسبوك فيه إلى الرياء صنعت ما شئت، لأن فكرك فيهم، ومراقبتك لهم يقطعانك عن استيفاء شروط عملك، ويمنعانك من القيام بحدوده وحقوقه؛ وإذا اطّرحت الفكر توفّرت على استيفاء عملك.
والوجه الثاني أنّ من لم يستحي من المعاير والمخازي والفضائح صنع ما شاء، والظاهر(٣) ظاهر أمر، والمعنى معنى تغليظ وإنكار؛ مثل قوله تعالى:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) ؛ [فصلت: ٤٠]، وقوله عز وجل:( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) ؛ [الكهف: ٢٩]؛ وهذا نهاية التغليظ والزجر والإخبار عن كبر(٤) الذنب في اطّراح الحياء؛ ويجري مجرى قولهم: بعد أن فعل فلان كذا فليفعل ما يشاء، وبعد أن أقدم على كذا فليقدم على ما شاء؛ والمعنى المبالغة في عظم ما ارتكبه، وقبح(٥) ما اقترفه.
والوجه الثالث أن يكون معنى الخبر إذا لم تفعل ما تستحيي منه فافعل ما شئت؛
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (فافعل).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (خاف وتخوف بمعنى).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (فالظاهر).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (عظم الذنب).
(٥) ت، د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): (وقبيح).
فكأنّ معنى(١) الخبر إذا لم تفعل قبيحا فافعل ما شئت، لأنه لا قبيح(٢) من ضروب القبائح إلا والحياء يصاحبه، ومن شأن فاعله إذا قرّع به أن يستحيي منه، فمتى جانب الإنسان ما يستحي منه من أفعاله فقد جانب سائر القبائح، وما عدا القبيح من الأفعال فهو حسن.
ويجري هذا مجرى خبر يروى فيما أظن عن نبيناعليهالسلام أنّ رجلا جاءه(٣) فاسترشده إلى خصلة يكون فيها جماع الخير، فقال لهعليهالسلام : (أشترط عليك ألاّ تكذبني، ولن أسألك(٤) ما وراء ذلك)، فهان على الرجل ترك الكذب خاصّة، والمعاهدة على اجتنابه دون سائر القبائح، وشرط على نفسه ذلك، فلمّا انصرف جعل كلّما همّ بقبيح يفكّر(٥) ويقول: أرأيت لو سألني عنه النبيصلىاللهعليهوآله ما كنت قائلا له، لأنني إن صدقته افتضحت، وإن كذبته نقضت العهد بيني وبينه؛ فكان ذلك سببا لاجتنابه لسائر القبائح(٦) ، وهكذا معنى الخبر الّذي تأوّلناه؛ لأن في اجتناب ما يستحي منه اجتنابا لسائر القبائح.
____________________
(١) م: (المعنى).
(٢) م: (لا ضرب).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (أتاه).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (عما).
(٥) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (يفكر)؛ بإسكان الفاء وكسر الكاف.
(٦) حاشية ف: (قال السيد الإمام ضياء الدين: وفي رواية أخرى أن رحلا أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأسلم ثم قال: أنا أؤاخذ من الذنوب بما ظهر، وأنا أستسر بخلال أربع: الزنا والسرقة وشرب الخمر والكذب؛ فأيتهن أحببت تركت، قال: دع الكذب؛ فلما تولى من عند النبيصلىاللهعليهوآله هم بالزنا؛ فقال: يسألني رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فإن جحدت تقضت ما جعلت، وإن أقررت حددت، ثم هم بالسرقة ثم يشرب الخمر؛ فتفكر في مثل ذلك، فرجع إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال: يارسول الله، تركتهن أجمع. قال السيد: إنما كتبت هذه الرواية هاهنا؛ لأن هذه مفصلة، وتلك مجملة، ولأني رأيت السيد غير محقق فيما أورده).
تأويل خبر آخر [خبر علي بن أبي طالب ومارية القبطية، وتفسير ما ورد فيه من غريب]
روى محمد بن الحنفيّة رحمة الله عليه عن أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام قال: كان قد كثّر على مارية القبطيّة أم إبراهيم في ابن عم لها قبطي كان يزورها، ويختلف إليها، فقال لي النبيصلىاللهعليهوآله : (خذ هذا السيف وانطلق، فإن وجدته عندها فاقتله). قلت:
يارسول الله، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسّكّة(١) المحمّاة، أمضي لما أمرتني، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال لي النبيصلىاللهعليهوآله : (بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب). فأقبلت متوشّحا(٢) بالسيف، فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلما أقبلت نحوه عرف أني أريده، فأتى نخلة فرقى إليها، ثم رمى بنفسه على قفاه، وشغر برجليه، فإذا إنه أجبّ أمسح، ماله ممّا للرجال قليل ولا كثير، قال: فغمدت السيف ورجعت إلى النبيصلىاللهعليهوآله فأخبرته، فقال: (الحمد للّه الّذي يصرف(٣) عنّا أهل البيت).
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: فى هذا الخبر أحكام وغريب، ونحن نبدأ بأحكامه، ثم نتلوها بغريبه.
فأول ما فيه أن لقائل أن يقول: كيف يجوز أن يأمر الرسولعليهالسلام بقتل رجل على التّهمة(٤) بغير بينة ولا ما يجري مجراها؟ والجواب عن ذلك أن القبطي جائز أن يكون من أهل العهد الذين أخذ عليهم أن تجري فيهم(٥) أحكام المسلمين، وأن يكون الرسولعليهالسلام تقدم إليه بالانتهاء عن الدخول إلى مارية، فخالف وأقام على ذلك، وهذا نقض للعهد، وناقض
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (السكة: الحديدة التي تكون على طرف آلة الفدان، والفدان آلة الأكرة).
(٢) توشحت بالسيف؛ إذا تقلدته.
(٣) حاشية ت من نسخة: (صرف)، ود: (صرف عنا الرجس أهل البيت)، وط، م: (يصرف عنا الرجس أهل البيت).
(٤) في حواشي الأصل، ت، ف: (التهمة؛ بالتحريك هو الصحيح).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (عليهم).
العهد من أهل الكفر مؤذن بالمحاربة؛ والمؤذن بها مستحقّ للقتل.
فأما قوله: (بل(١) الشاهد يرى ما لا يرى الغائب(١) ) فإنما عني به رؤية العلم لا رؤية البصر لأنه لا معنى في هذا الموضع لرؤية البصر، فكأنه عليه وآله السلام قال: بل الشاهد يعلم؛ ويصحّ له من وجه الرأي والتدبير ما لا يصحّ للغائب؛ ولو لم يقل ذلك لوجب قتل الرجل على كل حال، وإنما جاز منه عليه الصلاة والسلام أن يخيّر بين قتله والكفّ عنه، ويفوض الأمر في ذلك إلى أمير المؤمنينعليهالسلام من حيث لم يكن قتله من الحدود والحقوق، التي لا يجوز العفو عنها، ولا يسع إلا إقامتها، لأن ناقض العهد ممّن إلى الإمام القائم بأمر(٢) المسلمين إذا قدر عليه قبل التوبة أن يقتله، أو أن يمنّ عليه.
ومما فيه أيضا من الأحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسولصلىاللهعليهوآله لا يقتضي الوجوب، لأنه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ولا استفهامه؛ وفي حسنها ووقوعها موقعها دلالة(٣) على أنها لا تقتضي ذلك.
ومما فيه أيضا من الأحكام دلالته على أنه لا بأس بالنظر إلى عورة الرجل عند الأمر ينزل فلا يوجد من النظر إليها بدّ إمّا لحدّ يقام، أو لعقوبة تسقط، لأن العلم بأنه أمسح أجبّ لم يكن إلا عن تأمّل ونظر، وإنما جاز التأمل والنظر لتبيين: هل هو ممّن يكون منه ما قرف به أولا، والواجب على الإمام فيمن شهد عليه بالزنا، وادّعى أنه مجبوب أن يأمر بالنظر إليه، وتبيين أمره، وبمثله أمر النبيصلىاللهعليهوآله في قتل مقاتلة بني قريظة، لأنه أمر أن ينظروا إلى مؤتزر، وكلّ من أشكل عليهم أمره، فمن وجدوه قد أنبت قتلوه، ولولا جواز النظر إلى العورة عند الضرورة لما قامت شهادة الزنا؛ لأن من رأى رجلا مع امرأة واقعا عليها متى لم يتأمل أمرهما حقّ التأمل لم تصحّ شهادته، ولهذا قال النبي
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (بل لا يرى الشاهد ما يرى الغائب).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (بأمور).
(٣) ط: (وفي حسنها ووقعها دلالة.. )، م: (وفي حسنها ووقعها موقعها).
صلىاللهعليهوآله لسعد بن عبادة، وقد سأله عمّن وجد مع امرأته رجلا، أيقتله؟ فقالصلىاللهعليهوآله : لا، حتى يأتي بأربعة شهداء، ولو لم يكن للشهداء إذا حضروا تعمّد النظر إلى عورتيهما لإقامة الشهادة كان حضورهم كغيبتهم، ولم تقم شهادة الزّنا؛ لأن من شرطها مشاهدة العضو في العضو كالميل في المكحلة.
فإن قيل: كيف جاز لأمير المؤمنين الكفّ عن القتل، ومن أي جهة آثره لما وجده أجبّ، وأي تأثير لكونه أجبّ فيما استحقّ به القتل وهو نقض العهد؟ قلنا: إنهعليهالسلام لما فوّض إليه الأمر في القتل والكفّ كان له أن يقتله على كلّ حال، وإن وجده أجبّ؛ لأنّ كونه بهذه الصفة لا يخرجه من نقض العهد، وإنما آثر الكفّ الّذي كان إليه، ومفوّضا إلى رأيه، لإزالة التهمة والشك الواقعين في أمر مارية، ولأنه أشفق من أن يقتله، فيتحقّق الظنّ ويلحق بذلك العار، فرأىعليهالسلام أن الكفّ أولى لما ذكرناه.
فأمّا غريب الحديث(١) فقوله: (شغر(٢) برجليه) يريد رفعهما(٢) ، وأصله في وصف الكلب إذا رفع رجله للبول، فأما نكاح الشّغار(٣) - وقد قيل الشّغار بالفتح - فهو أن يزوّج الرجل من هو ولي لها من بنت أو أخت غيره، على أن يزوجه بنته أو أخته بغير مهر. وكان أحد العرب في الجاهلية يقول للآخر: شاغرني؛ أي زوّجني حتى أزوّجك؛ وأظنه مأخوذا من الشّغر الّذي هو رفع الرجل، لأن النكاح فيه معنى الشّغر، فسمّى هذا العقد شغارا ومشاغرة، لإفضائه في كل واحد من المزوّجين(٤) إلى معنى الشّغر، وصار اسما لهذا النكاح كما قيل في الزنا سفاح، لأن الزانيين يتسافحان الماء، أي يسكبانه، والماء هو النّطفة، ويمكن أن يكون أيضا الماء الّذي يغتسلان به، فكنّى بذلك عن الزناء(٥) ثم صار اسما له وعلما عليه.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (الخبر).
(٢ - ٢) حاشية ت (من نسخة): (برجليه يريد رفعهما).
(٣) ت، ف: (الشغار، بالكسر).
(٤) ت، ف: (المتزوجين).
(٥) حاشية ف: (الزنا والزناء كلاهما صحيح).
ومن الشّغر الّذي هو رفع الرجل قول زياد لابنة معاوية، وكانت عند ابنه، فافتخرت يوما عليه، وتطاولت، فشكاها إلى أبيه زياد، فدخل عليها بالدّرّة يضربها، ويقول لها أشغرا وفخرا! وأما قول الفرزدق:
شغّارة تقذ الفصيل برجلها |
فطّارة لقوادم الأبكار(١) |
فإنه من غريب شعره، وفسره قال: معنى (شغارة) أنها ترفع رجلها للبول، وقوله: (تقذ الفصيل برجلها)، أي تركله وتدفعه عن الدنوّ إلى الرّضاع، ليتوفّر اللبن على الحلّب، وأراد (بتقذه)(٢) ، أي تبالغ في إيلامه وضربه، ومنه الموقوذة(٣) ؛ فأما قوله: (فطّارة لقوادم الأبكار)، فالفطر هو الحلب بثلاث أصابع، والقوادم هي الأخلاف، وإنما خصّ الأبكار بذلك؛ لأنّ صغر أخلافها يمنع من حلبها ضبّا(٤) ، والضبّ هو الحلب بالأصابع الأربع(٥) ؛ فكأنه لا يمكن فيها لقصر أخلافها إلا الفطر؛ ومعنى البيت تعييره نساء جرير بأنهنّ راعيات، وذلك مما تعيّر به العرب النساء؛ ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت:
كم عمّة لك ياجرير وخالة |
فدعاء قد حلبت عليّ عشاري(٦) |
|
كنا نحاذر أن تضيع لقاحنا |
ولها إذا سمعت دعاء يسار(٧) |
ثم تلا ذلك بقوله: شغارة ...
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوه: وعندي أن قوله (شغّارة) كناية عن رفع رجلها للزنا، وهو أشبه بأن يكون مراده في هذا الموضع، ألا ترى أنه قد وصفها بالوله، وترك
____________________
(١) ديوانه ٢: ٤٥٢.
(٢) ف حاشية ت (من نسخة): (تقذ).
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (الموقوذة: الشاة التي يرميها الراغي بالعصا فتموت).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (ضفا؛ والضعف هو الحلب).
(٥) م: (الأربع كلها).
(٦) في حاشيتي الأصل، ف. (الفدع: اعوجاج في الزند، وعلى تتعلق بمحذوف، كأنه قال:
متخففة عليّ، أو قائمة عليّ)، والعشار: جمع عشراء؛ وهي الناقة التي أتى عليها من وضعها عشرة أشهر).
(٧) في حاشيتي الأصل، ف: (اللقاح: جمع لقحة؛ وهي الناقة الحديثة العهد بالنتاج).
حفظ اللّقاح عند سماعها دعاء يسار؛ ويسار اسم لراع؛ فكأنه قد وصفها بالوله إلى الزّنا والإسراع إليه، وترك حفظ ما استحفظته من اللّقاح؛ فالأشبه أن يكون قوله: (شغّارة) - مع كونه عقيب البيت الّذي ذكرناه - محمولا على ما أشرنا إليه.
فأما قولهم: ذهبوا شغر بغر فليس من هذا في شيء وإنما يراد به أنهم ذهبوا متفرّقين متشتتين، ومثله ذهبوا عباديد وعبابيد، وشعاليل وشعارير وأيادي(١) سبا؛ كلّ ذلك بمعنى واحد.
وأما قوله: (فإذا أنه أجبّ)، فيعني به المقطوع الذكر؛ لأن الجبّ هو القطع؛ ومنه بعير أجبّ إذا كان مقطوع السّنام: وقد ظن بعض من تأول هذا الخبر أن الأمسح هاهنا هو القليل لحم الألية، كالأرصع والأرسح والأزلّ(٢) ، وهذا غلط، لأن الوصف بذلك لا معنى له في الخبر، وإنما أراد تأكيد الوصف له بأنه أجبّ، والمبالغة فيه، لأن قوله: (أمسح) يفيد أنه مصطلم(٣) الذّكر، ويزيد على معنى أجبّ زيادة ظاهرة.
***
[ما قالته العرب في أحوال القمر، وتفسير ما ورد في ذلك من الغريب]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني القاسم بن الحسين الورّاق قال حدثنا سليمان ابن داود الطّوسي قال حدّثنا سوّار بن عبد الله القاضي عن الأصمعي قال: دخلت على
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (أيادي، يجوز أن تكون نصبا على الحال، وعلى المصدر أيضا؛ فإذا كان حالا كان التقدير: تفرقوا أمثال أيادي سبا، وإذا كان مصدرا فالتقدير: تفرقوا تفرق أولاد سبا). وفي حواشي الأصل، ت، ف أيضا: (يقال تفرقوا أيادي سبا، وفي معناه قولان: أحدهما أنه سبأ بن يشجب، والأيادي: الأولاد، وفيه إنه من السبي، ووزنه فعل؛ وحينئذ ينصرف، وإنما صار الأولاد أيادي؛ لأنه يستعان بهم كما يستعان بالأيادي، والأيادي جمع الجمع، يد وأيد وأياد).
(٢) حاشية ف: (الأرصع والأرسح والأزل: قليل لحم الورك).
(٣) حاشية ف. (مصطلم: مقطوع الذكر).
الرشيد(١) في الليل، فتذاكرنا أحوال القمر، فقلت: العرب تقول للقمر إذا كان ابن ليلة: ما أنت ابن ليلة(٢) ؟ قال: رضاع سخيلة، حلّ أهلها برميلة. قيل له: ما أنت(٣) ابن ليلتين؟
قال: حديث أمتين، بكذب ومين. قيل له: ما أنت ابن ثلاث؟ قال: قليل اللّباث - وقيل أيضا: حديث فتيات، غير جدّ مؤتلفات - قيل له: فما أنت ابن أربع؟ قال: عتمة أمّ ربع - وقيل: عتمة أم الرّبع(٤) - غير جائع ولا مرضع. قيل له: فما أنت(٥) ابن خمس؟
قال: عشاء خلفات قعس - ويقال: حديث وأنس، ويقال: سر ومسّ(٦) - قيل له:
ما أنت(٧) ابن ست؟ قال سر وبت - وقيل: تحدّث(٨) وبت - قيل له: ما أنت(٩) ابن
____________________
(١) حاشية ف: (حدث عبيد الله بن محمد التيمي قال: أراد الرشيد سفرا؛ وأمر الناس أن يتأهبوا لذلك، وأعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع؛ فمضى الأسوع ولم يخرج، فاجتمعوا إلى المأمون يسألونه أن يستعلم ذلك؛ ولم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر؛ فكتب إليه المأمون:
ياخير من خبّت المطي به |
ومن تقدّى بسرجه فرس |
|
هل غاية في المسير نعرفها |
أم أمرنا في المسير ملتبس |
|
ما علم هذا إلاّ إلى ملك |
من نوره في الظّلام يقتبس |
|
إن سرت سار الرّشاد متّبعا |
وإن تقف بالرّشاد يحتبس |
فقرأها الرشيد وسرّ بها، ووقع فيها: يابنيّ، ما أنت والشعر! أما علمت أن الشعر أرفع حالات الدنى، وأقل حالات السرى! والمسير إلى ثلاث إن شاء الله.
- قول المأمون في شعره: (ومن تقدى بسرجه فرس)، تقدى أي استمر؛ كما قال ابن قيس الرقيات:
تقدّت بي الشّهباء نحو ابن جعفر |
سواء عليها ليلها ونهارها |
أي استمرت وجرت قاصدة إليك).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (أي أستفهمك عن نفسك في حال كونك ابن ليلة).
(٣) ط، م: (فما أنت).
(٤) د، حاشية ف (من نسخة): (أم ربع).
(٥) ت، د: (ما أنت).
(٦) في حاشيتي ت، ف: (مس، أي ليكن سيرك مساء للضوء).
(٧) ط، م: (فما أنت).
(٨) ف، حاشية الأصل (من نسخة): (حدث).
(٩) د، ت، ف: (قيل: ما أنت). ط، م: (قيل فما أنت).
سبع؟ قال دلجة(١) ضبع(٢) - وقيل هدى لأنس(٣) ذي الجمع، وقيل: حديث جمع، وقيل:
يضفر في النّسع(٤) ، وقيل: يلتقط في الجزع - قيل: ما أنت ابن ثمان؟ قال: قمر إضحيان(٥) .
قيل: له: ما أنت ابن تسع؟ قال منقطع الشّسع - وقيل يلتقط في الجزع، وقيل:
الودع(٦) ، وقيل عشيّة أهل جمع - قيل له: ما أنت ابن عشر؟ قال: ثلث الشهر، - وقيل: مخنّق الفجر، وقيل: أؤدّيك إلى الفجر، وقيل: أبادر الفجر - قيل له: ما أنت ابن إحدى عشرة(٧) ؟ قال: أطلع عشاء، وأرى بكرة - وقيل: أغيب بسحرة - قيل:
له ما أنت ابن اثنتى عشرة؟ قال: مؤنق للبشر(٨) ، بالبدو والحضر. قيل: ما أنت ابن ثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر، يعشى له الناظر؛ قيل له: ما أنت ابن أربع عشرة؟ قال: مقتبل الشباب، أضيء مد جنات(٩) السّحاب - وقيل مضيء(١٠) للسحاب - قيل له: ما أنت ابن خمس عشرة؟ قال: تمّ الشّباب، وانتصف الحساب.
____________________
(١) س: (بضم الدال)، ت: (بضم الدال وفتحها معا).
(٢) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (الضبع).
(٣) ج، ص: (لأنس ذي الجمع)، بتنوين السين.
(٤) النسع: سير مضفور مثل الأعنة.
(٥) ت، ص: (قمر إضحيان)، بالإضافة؛ وفي حاشية الأصل (من نسخة): (قمر أضحيان)، بضم الهمزة. وفي حواشي الأصل، ت، ف: (قمر إضحيان وليلة ضحيانة، بالكسر؛ هو المعروف الصحيح).
(٦) الودع: خرز أبيض يخرج من البحر؛ معروف.
(٧) في حاشيتي ت، ف: (يقال: إن ما بعد العشر موضوع لم يرو عن قدماء العرب).
(٨) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (موفق البشر).
(٩) حاشية ف: (أضيء مدجنات السحاب؛ التقدير: السحاب المدجنات؛ وهذا من باب ما يقال له إضافة الصفة إلى الموصوف في الظاهر؛ كقول: مررت بحسان النساء، وجسام الرجال؛ أي النساء الحسان والرجال الجسام).
(١٠) ت، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (مضيء السحاب).
قيل له: ما أنت(١) ابن ست عشرة؟ قال: نقص(٢) الخلق، بالغرب والشرق. قيل له:
ما أنت ابن سبع عشرة؟ قال: أمكنت المقتفر القفرة(٣) . قيل له ما أنت ابن ثماني عشرة(٤) ؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء. قيل له: ما أنت ابن تسع عشرة؟ قال: بطيء الطلوع بيّن الخشوع. قيل: ما أنت ابن عشرين؟ قال: أطلع بسحرة، وأضيء بالبهرة(٥) - وقيل: ثم أهجّر(٦) بالبهرة - قيل: ما أنت ابن إحدى وعشرين؟
قال: كالقبس؛ يرى بالغلس. قيل: ما أنت ابن اثنين وعشرين؟ قال:
لا أطلع إلا ريثما أرى. قيل: ما أنت ابن ثلاث وعشرين، قال: أطلع في قتمة، ولا أجلو الظّلمة. قيل له: ما أنت ابن أربع وعشرين؟ قال: لا قمر ولا هلال. قيل: ما أنت ابن خمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل. قيل: ما أنت ابن ست وعشرين؟
قال: دنا ما دنا؛ فلا يرى منّي إلا شفا. قيل: ما أنت ابن سبع وعشرين؟ قال: أطلع بكرا، ولا أرى ظهرا. قيل: ما أنت ابن ثمان وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس. قيل:
ما أنت ابن تسع وعشرين؟ قال: ضئيل صغير، فلا يراني إلا البصير. قيل: ما أنت ابن ثلاثين؟ قال: هلال مستنير(٧) .
قال الأصمعي: ثم قلت للرشيد: يقال إنه لا يحفظ هذا الحديث من الرجال إلا عاقل،
____________________
(١) ت، ف: (قيل ما أنت).
(٢) م: (ناقص الخلق).
(٣) حاشية ف (من نسخة): (المقفرة).
(٤) في نسخة حاشيتي الأصل، ف: (ثمان عشرة).
(٥) في حاشيتي الأصل، ف (البهرة: نصف الليل؛ يقال ابهار الليل؛ إذا انتصف، وبهرة كل شيء وسطه). ص: (البهرة البهرة: الوسط من كل شيء، وكأنه إشارة إلى نصف النهار؛ ويدل عليه ذكر التهجير؛ والله أعلم).
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (معنى قوله: (أهجر بالبهرة)، أي أطلع نصف الليل، واستعمل الهجير؛ وهو نصف النهار في الليل استعارة).
(٧) ف، وحاشية ت (من نسخة): (مستسر)، وفي نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (مستسر)، وفي حاشية ف: (مستسر، من السرار؛ وهو آخر الشهر). وفي حاشية الأصل أيضا (من نسخة): (مستبين).
فقال: خذه عليّ، قلت: هات، فأعاده حتّى بلغ: (قيل له: ما أنت ابن ثمان؟ قال:
قمر أضحيان).
أما قوله: (رضاع سخيلة) أراد تصغير سخلة، والمعنى أنّ القمر يبقى بقدر ما ينزل قوم، فتضع شاتهم سخلة، ثم ترضعها ويرتحلون، فبقاؤه بالأفق بمقدار هذا الزمان. وقوله: (حلّ أهلها برميلة) أظنّ أنّ المعنى فيه الإخبار عن قلة اللّباث وسرعة الانتقال؛ لأن الرّمل ليس بمنزل مقام للقوم؛ لأنهم كانوا يختارون في منازلهم جلد(١) الأرض وهضبها والأماكن التي لا تستولي السيول عليها، فخصّ الرّميلة لهذا المعنى. وقوله (حديث أمتين، بكذب ومين) يريد أن بقاءه قليل بمقدار ما تلقى الأمة الأمة، فتكذب لها حديثا ثم تفترقان. وقوله: (حديث فتيات، غير جدّ مؤتلفات)، أراد أنه يبقى بقاء فتيات اجتمعن على غير ميعاد، فتحادثن ساعة ثم انصرفن غير مؤتلفات. وقوله (عتمة أم ربع(٢) )، يقال: عتّمت إبله إذا تأخرت عن العشاء، ومن هذا سميّت صلاة العتمة؛ لأنها آخر الوقت في العشاء، وقوله (أم ربع) يعني الناقة، وهو تأخير حلبها؛ يريد أن بقاءه بمقدار ما تحلب(٣) ناقة لها ولد ولدته في أول الربيع؛ وهو أول النّتاج، والولد في هذا الوقت يسمّى ربعا، إذا كان ذكرا، فإن كان أنثى قيل ربعة، فإن كان في آخر النّتاج قيل هبع للذكر وللأنثى هبعة. وقوله: (عشاء خلفات قعس)؛ فالخلفات اللّواتي قد استبان حملهن، واحدتها خلفة، وهي المخاض؛ ولا واحد للمخاض من لفظها(٤) ، وإنما قال: (عشاء خلفات)؛ لأنها لا تعشّى إلى أن يغيب القمر في هذه الليلة، والقعساء الداخلة الظّهر الخارجة البطن. وقوله: (سر وبت) يريد أنه لا يبقى إلا بقدر(٥) ما يبيت الإنسان ثم يسير(٥) ، يريد أنه يبقى بقدر ما يسير الإنسان ثم يبيت،
____________________
(١) الجلد من الأرض: الصلب المستوى.
(٢) ط، م: (أم الربع).
(٣) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (حلب ناقة).
(٤) كذا في ش، وفي ج: (لفظه).
(٥ - ٥) من نسخة بحاشيتي الأصل، في (ما يسير الإنسان ثم يبيت).
فقلب المعنى لأنه يسير في الضوء.
وقوله: (قمر إضحيان)؛ أي ضاح وبارز، ويقال: (قمر إضحيان) بالتنوين فيهما جميعا، و (قمر إضحيان) بالإضافة، ومنه قيل: ليلة إضحيانة، إذا كانت نقيّة البياض.
وقوله: (منقطع الشّسع)، أراد أنه يبقى بقدر ما تبقّى شسع من قد يمشي به حتى ينقطع.
وقوله: (يلتقط في الجزع)، أي أنه مضيء أبلج، لو انقطعت مخنقة فتاة فيها شذور مفصّلة بجزع ما ضاع منها شيء لضيائه ونقائه. وقوله: (أضيء بالبهرة)، يعني به وسط الليل، لأن بهرة الشيء وسطه. وقوله: (أمكنت المقتفر القفرة)؛ فالمقتفر الّذي يتبع الآثار، ومقتفراته مواضعه التي يقصدها(١) .
____________________
(١) في نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (وقفرته: موضعه الّذي يقصده).
[٧]
مجلس آخر [المجلس السابع:]
تأويل آية( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى ... )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) ؛ [الإسراء: ٧٢] فقال: كيف يجوز أن يكونوا في الآخرة عميا، وقد تظاهر الخبر عن الرسول عليه وآله السلام بأنّ الخلق يحشرون كما بدئوا سالمين من الآفات والعاهات، قال الله تعالى:( كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ؛ [الأعراف: ٢٩]، وقال عزّ وجل:( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) ؛ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال جلّ وعلا:( فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ؛ [ق: ٢٢].
الجواب، يقال في هذه الآية أربعة أجوبة(١) :
أحدها أن يكون العمى الأول إنما هو عن تأمّل الآيات، والنظر في الدّلالات والعبر التي أراها الله المكلّفين في أنفسهم وفيما يشاهدون، ويكون العمى الثاني هو عن الإيمان بالآخرة، والإقرار بما يجازي به المكلّفون فيها من ثواب أو عقاب، وقد قال قوم:
إن الآية متعلّقة بما قبلها من قوله تعالى:( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) ؛ [الإسراء: ٦٦] إلى قوله تعالى:( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً ) ؛ [الإسراء: ٧٠]، ثم قال بعد ذلك:( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) ؛ يعني(٢) في هذه النعم، وعن هذه العبر، فهو في الآخرة أعمى؛ أي هو عمّا غيّب عنه من أمر الآخرة أعمى، ويكون قوله: فِي هذِهِ كناية عن النّعم لا عن الدنيا ويقال: إن ابن عباس رحمة الله عليه سأله سائل عن هذه الآية فقال له: اتل ما قبلها، ونبّهه على التأويل الّذي ذكرناه.
____________________
(١) م: (أوجه).
(٢) د، ف، حاشية ت (من نسخة): (يعني عن هذه النعم).
والجواب الثاني:( مَنْ كانَ فِي هذِهِ ) يعني الدنيا أَعْمى عن الإيمان بالله والمعرفة بما أوجب عليه المعرفة به؛ فهو في الآخرة أعمى عن الجنة والثواب؛ بمعنى أنه لا يهتدي إلى طريقيهما(١) ، ولا يوصل إليهما، أو عن الحجة(٢) إذا سوئل(٣) وو وقف، ومعلوم أن من ضلّ عن معرفة الله تعالى والإيمان به يكون في القيامة منقطع الحجة، مفقود المعاذير.
والجواب الثالث: أن يكون العمى الأول عن المعرفة والإيمان، والثاني بمعنى المبالغة في الإخبار عن عظم ما يناله(٤) هؤلاء الكفار الجهال من الخوف والغم والحزن الّذي أزاله الله عن المؤمنين العارفين بقوله:( لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ؛ [يونس: ٦٢]، ومن عادة العرب أن تسمّى من اشتد همّه وقوى حزنه أعمى سخين العين، ويصفون المسرور بأنّه قرير(٥) العين، قال الله تعالى:( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) ؛ [السجدة: ١٧].
والجواب الرابع: أن العمى الأول يكون(٦) عن الإيمان، والثاني هو الآفة في العين على سبيل العقوبة؛ كما قال الله تعالى:( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى. قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ) ؛ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. ومن يجيب بهذا الجواب يتأول قوله تعالى:( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) على أن المعنى فيه الإخبار عن الاقتدار وعدم المشقّة في الإعادة؛ كما أنها معدومة في الابتداء، ويجعل ذلك نظيرا لقوله تعالى:( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) (٧) ؛ [الروم: ٢٧]، ويتأول قوله تعالى( فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) على أن معناه الإخبار عن قوة المعرفة، وأن الجاهل بالله في الدنيا يكون عارفا به في الآخرة؛ والعرب
____________________
(١) ت، ف: (طريقهما).
(٢) ت، ف: (يفقد الحجة). حاشية الأصل من نسخة: (لفقد الحجة).
(٣) ت، حاشية ف (من نسخة): (سئل ووقف).
(٤) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (ما ينال).
(٥) ت، د، ف: (أنه).
(٦) ساقطة من ف.
(٧) حاشية ف: (أهون هاهنا بمعنى الهين، وإن حمل على المبالغة فهو على مجاز كلام العرب).
تقول: فلان بصير بهذا الأمر؛ وزيد أبصر بكذا من عمرو، ولا يريدون إبصار العين، بل العلم والمعرفة؛ ويشهد بهذا التأويل قوله تعالى:( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ، أي: كنت غافلا عمّا أنت الآن عارف به، فلما أن كشفنا عنك الغطاء بأن أعلمناك وفعلنا في قلبك المعرفة عرفت وعلمت.
فأما الخبر الّذي تدّعى روايته فهو خبر واحد، ولا حجة(١) في مثله؛ وإذا عرف لفظه ربما أمكن تأوله على ما يطابق هذا الجواب، ومن(٢) ذهب إلى الأجوبة الأول يجعل العمى الأول والثاني معا غير الآفة في العين، فإن عورض بقوله تعالى:( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) (٣) تأوّله على العمى عن الثواب أو عن الحجة، وقال في قوله تعالى:( لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ) إن معناه: كنت بصيرا في اعتقادي وظنّي، من حيث كنت أرجو الهداية إلى الثواب وطريق الجنة.
والمحصّل من هذه الجملة أنه لا يجوز أن يراد بالعمى الأول والثاني جميعا الآفة في العين؛ لأنه يؤدي إلى أن كلّ من كان مئوف(٤) البصر في الدنيا؛ من مؤمن وكافر وطائع وعاص يكون كذلك في الآخرة، وهذا باطل وبمثله يبطل أن يراد بلفظة الأعْمى الثانية المبالغة بمعنى أفضل من فلان، ويبطله أيضا أن العمى الّذي هو الخلقة لا يتعجب منه بلفظة (أفعل) وإنما يقال: ما أشدّ عماه! ولا يجوز أن يراد بالعمى الأول العين(٥) والثاني العمى عن الثواب والجنة أو الحجة، لأنا نعلم أنّ فيمن(٦) عميت عينه في الدنيا من يستحق الثواب، ويوصل إليه، ولا يجوز أن يراد بالأول والثاني العمى عن المعرفة والإيمان، لا على طريقة(٧) المبالغة والتعجب ولا على غير ذلك؛ لأنا نعلم أنّ الجهال بالله تعالى، المعرضين في الدنيا عن معرفته
____________________
(١) ت، وحاشية ف (من نسخة): (واحد لا حجة).
(٢) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (يذهب).
(٣) في حاشيتي ت، ف: (روى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله: يحشر الناس يوم القيامة كما ولدتهم أمهاتهم حفاة عراة. وفي حديث آخر: غرلا؛ والأغرل: الأكلف؛ ورواه غيره: أن ناسي القرآن يحشر يوم القيامة أعمى).
(٤) المئوف: الّذي أصابته الآفة، وفي م: (مكفوف).
(٥) ف، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (عمى العين).
(٦) ت، حاشية ف (من نسخة): (ممن).
(٧) حاشية ت (من نسخة): (طريق).
لا يجوز أن يكونوا في الآخرة كذلك؛ فضلا أن يكونوا على أبلغ من هذه الحالة لأن المعارف في الآخرة ضرورية، يشترك فيها جميع الناس، فلم يبق بعد الّذي أبطلناه إلا ما دخل في الأجوبة. وعلى الأجوبة الثلاثة الأول إذا أريد بأعمى الثانية المبالغة والتعجب كان في موضعه؛ لأن عمى القلب وضلاله يتعجب منه بلفظة (أفعل) وإن لم يجز ذلك في عمى الجارحة.
ولمن أجاب بالجواب الرابع ألاّ يجعل قوله تعالى:( فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى ) لفظة تعجب، بل يجعله إخبارا عن عماه من غير تعجّب، وإن عطف عليه بقوله تعالى:( وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) ويكون تقدير الكلام: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وهو أضل سبيلا(١) .
فإن قيل: ولم أنكرتم التعجب من الخلق بلفظة (أفعل)؟. قلنا: قد قال النحويون في ذلك: إن الألوان والعيوب لا يتعجّب منها بلفظ التعجّب وإنما يعدل فيها إلى أشدّ وأظهر وما جرى مجراهما؛ قالوا: لأن العيوب والألوان قد ضارعت الأسماء، وصارت خلقة كاليد والرّجل ونحو ذلك؛ فلا يقال: ما أسوده وما أعوره، كما لا يقال: ما أيداه(٢) وما أرجله؛ ويقال: ما أشدّ سواده! كما يقال: ما أشدّ يده ورجله! واعتلوا بعلة أخرى، قالوا: إن الفعل من الألوان والعيوب على (افعلّ) و (افعالّ)، نحو احمرّ واعورّ واحولّ واحوالّ، والتعجب لا يدخل فيما(٣) زاد على ثلاثة أحرف من الأفعال؛ ألا ترى أنه لا يدخل في انطلق واستخرج ودحرج لزيادته على ثلاثة أحرف(٤) ؟
____________________
(١) حاشية ت، ف: (لو ذكر رحمه الله المبالغة في الموضعين لكان صوابا، لأن أفعل في التعجيب فعل؛ وهو هاهنا اسم كالمبالغة؛ أو لا ترى أنا نقول في التعجب (ما أحسن) والتقدير: شيء أحسنه).
(٢) في حاشيتي ت، ف: (إنما يبنى التعجب من الأفعال دون الأسماء واليد والرجل أسماء).
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (على ما زاد).
(٤) حاشية ف: (إنما امتنعت صورة التعجب في الرباعي؛ لأن فعل التعجب يكون أبدا أربعة أحرف؛ أحدها الف النقل والثاني الفعل؛ فإذا أدخلت على الرباعي لم يكن بد من طرح أحد الحروف، ولا يمكن ذلك لأن كلها أصول فعلها؛ إذ التعجب يختص الثلاثي فحسب).
فإن قيل لهم فقد قالوا: عورت عينه وحولت، قالوا: هذا منقول من (افعلّ) وهو في الحكم زائد على ثلاثة أحرف، يدلّ على ذلك صحة الواو فيه؛ كما صحت في اسودّ وابيضّ ولولا أنه منقول منه لا عتلت الواو، فقلت: عارت وحالت، كما قيل: خاف وهاب.
وحكي عن الفرّاء في ذلك جوابان: أحدهما أنّ (أفعل) في التعجب فيه زيادة على وصف قبله إذا قال القائل أفضل وأجمل، فهو أزيد في الوصف من جميل وفاضل، فلم يقولوا: ما أبيض زيدا! لئلا يسقط التزيد(١) ، ولا يكون قبل أبيض وصف يزيد أبيض عليه، يخالف لفظه لفظه؛ كما خالف أفضل وأجمل فاضلا وجميلا، فلما فاتهم في أبيض وأحمر علم التزيد(٢) أدخلوا عليه ما تبين الزيادة فيه، وقالوا: ما أظهر حمرة زيد: وما أشد سواد عمرو! لأن (أظهر) يزيد على ظاهر، و (أشد) يزيد على شديد(٣) .
والجواب الآخر أنّ التعجب مبني على زيادة فصلح أن يتقدّمها نقص وتقصير عن بلوغ التناهي، فقالوا: ما أعلم زيدا! ليدلّوا على زيادة علمه؛ لأنهم في قولهم: عالم وعليم لم يبلغوا في التناهي مبلغ (أعلم)، ولم يقولوا: ما أبيض زيدا! لأن البياض لا تأتي(٤) منه زيادة بعد نقص، فعدلوا إلى التعجب بأشدّ وأبين وما جرى مجراهما، وهذا الجواب ليس بسديد؛ لأنّ الألوان قد تتأتّى فيها الزيادة بعد نقص، وقد تدخل فيها المفاضلة، ألا ترى أنّ ما حلّه قليل أجزاء البياض يكون أنقص حالا في البياض مما حلّه الكثير من الأجزاء!
والجواب الأول الّذي حكيناه عن الفراء أصوب، وإن كان ما قدمناه عن البصريين هو المعتمد(٥) وقد أنشد بعضهم معترضا على ما ذكرناه قول الشاعر:
____________________
(١) في نسخة بحاشيتي ت، ف: (التزايد).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (المزيد).
(٣) في حاشيتي ت، ف: (متقرر في علم الأصول أن السواد لا يكون أزيد في كونه سوادا من سواد آخر؛ وإنما تتكاثر الأجزاء، فيقال: هذا أشد سواد من ذلك).
(٤) في نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (لا تتأتى).
(٥) حاشية ف: (قال ابن الشجري: هذان الوجهان متقاربان، والسيد يفضل الأول، ولا أدري ما بينهما، إلا أن الأول اعتبار باللفظ والثاني اعتبار بالمعنى)، وفي حاشية ت: (الجواب الأول مشتمل على نفي المبالغة في أبيض، والعلة ألا يسقط التزيد، والجواب الثاني مشتمل على طرف من ذلك الجواب؛ إلا أنه يقول إنما لا يقال أبيض على طريق المبالغة؛ لأن التزايد في البياض لا يتأتى).
ياليتني مثلك في البياض |
أبيض من أخت بني إباض(١) |
وأنشدوا أيضا قول الشاعر(٢) :
أمّا الملوك فأنت اليوم ألأمهم |
لؤما وأبيضهم سربال طبّاخ |
فأما البيت الأول فإن أبا العباس المبرّد حمله على الشذوذ، وقال: إنّ الشاذّ النادر لا يطعن في المعمول عليه، والمتفق على صحته، ويجوز أيضا أن يقال في البيت الثاني مثل ذلك، وقد قيل في البيت الثاني إنّ أبيض فيه ليس هو الّذي للمفاضلة، وإنما هو أفعل الّذي مؤنثه فعلاء، كقولك أبيض وبيضاء؛ ويجري ذلك مجرى قولهم هو حسن(٣) القوم وجها، وشريفهم(٣) خلقا؛ فكأنّ الشاعر قال:(٤) ومبيضّهم، فلما أضافه انتصب ما بعده لتمام الاسم، وهذا أحسن من حمله على الشذوذ(٥) .
ويمكن فيه وجه آخر وهو أنّ أبيض في البيت وإن كان في الظاهر عبارة عن اللون فهو في المعنى كناية عن اللؤم والبخل، فحمل لفظ التعجب على المعنى دون اللفظ،
____________________
(١) البيت في اللسان (بيض)، وروايته فيه:
جارية في درعها الفضفاض |
أبيض من أخت بني إباض |
وفي حاشية ف: (أبيض، بالرفع على تقدير: أنت أبيض، وبالفتح على أنه حال من أنا أو أنت.
وإباض: اسم رجل).
(٢) في حاشيتي ت؛ (قال السيد المرتضىرضياللهعنه : هو لطرفة؛ وإنما أراد ذمه بقلة القرى في بيته) فطباخه نقي الثوب).
والبيت في ديوانه: ١٥، وروايته فيه:
إن قلت نصر فنصر كان شرّ فتى |
قدما وأبيضهم سربال طبّاخ |
وهو أيضا في اللسان (بيض)، وروايته فيه:
إذا الرجال استووا واشتدّ أكلهم |
فأنت أبيضهم سربال طبّاخ |
(٣ - ٣) حاشية ت (من نسخة): (هو أحسن القوم وجها وأشرفهم خلقا).
(٤) حاشية ف: (مبيضهم؛ أي أبيضهم، لا بمعنى المبالغة).
(٥) حاشية ف: (تحقيق ما قدره السيد أن يكون أبيضهم سربال طباخ) ليس معناه التعجب، والمعنى مبيضهم سربال طباخ، ويؤول المعنى إلى أن سربال طباخه أبيض فحسب ولا يعني أنه أشد بياضا من سربال غيره).
ولو أراد بأبيضهم بياض الثوب ونقاءه على الحقيقة لما جاز أن يتعجب بلفظة (أفعل)، فالذي جوّز تعجّبه بهذه اللفظة ما ذكرناه.
فأما قول المتنبي:
ابعد بعدت بياضا لا بياض له |
لأنت أسود في عيني من الظّلم(١) |
فقد قيل فيه إن قوله: (لأنت أسود في عيني) كلام تام، ثم قال: (من الظلم) أي من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرار(٢) ، ولئيم من لئام؛ أي من جملتهم، وقال الشاعر(٣) :
وأبيض من ماء الحديد كأنّه |
شهاب بدا واللّيل داج عساكره |
كأنه قال: وأبيض كائن من ماء الحديد، وقوله: (من ماء الحديد) وصف لأبيض، وليس يتّصل به كاتصال (من) بأفضل في قولك: هو أفضل من زيد، ولفظة (من) في بيت المتنبي مرفوعة الموضع، لأنها وصف لأسود؛ وإذا أريد المفاضلة والتعجب كانت منصوبة الموضع بأسود(٤) كما تقول زيد خير منك، فمنك في موضع نصب بخير، كأنه قال: قد خارك يخيرك، أي فضلك في الخير؛ وهذا التأويل المذكور في بيت المتنبي يمكن أن يقال في قول الشاعر:
* أبيض من أخت بني إباض*
ويحمل على أنه أراد من جملتها ومن قومها، ولم يرد التعجب وتأوّله على هذا الوجه أولى من حمله على الشذوذ، فأما قول المتنبّي:
* ابعد بعدت بياضا لا بياض له*
____________________
(١) ديوانه ٤: ٣٥؛ وهو يخاطب الشيب، وقبله
ضيف ألمّ برأسي غير محتشم |
والسّيف أصدق فعلا منه باللّمم |
(٢) ش، ف، وحاشية ت (من نسخة): (حر من الأحرار ولئيم من اللئام).
(٣) البيت في شرح العكبري لبيت المتنبي، أورده من غير عزو.
(٤) حاشية ف: (إذا قلت زيد أضرب من عمرو كان الجار مع المجرور في موضع النصب على المعهود من حال الجار والمجرور؛ لأنه على تقدير: غالب زيد عمرا في الضرب فغلبه؛ فيكون إذا (من عمرو) في موضع النصب؛ لأنه في معنى المفعول على ما ذكرنا).
فالمعنى الظاهر للناس فيه أنه أراد: لا ضياء له ولا نور ولا إشراق، من حيث كان حلوله محزنا مؤذنا بتقضّي الأجل؛ وهذا لعمري معنى ظاهر؛ إلا أنه يمكن فيه معنى آخر؛ وهو أنّه يريد إنك بياض لا لون بعده، لأن البياض آخر ألوان الشعر، فجعل قوله: (لا بياض له) بمنزلة قوله: لا لون بعده، وإنما سوّغ ذلك له أنّ البياض هو الآتي بعد السّواد، فلما نفى أن يكون للشيب بياض كان نفيا لأن يكون بعده لون.
وقد اختلف القراء في فتح الميم وكسرها من قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى، فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو بفتح الميمين معا، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي بكسر الميم فيهما معا(١) ، وفي رواية حفص عن عاصم:
لا يكسر هما، وكسر أبو عمرو الأولى وفتح الأخيرة: ولكل وجه، أما من ترك إمالة الجميع؛ فإن قوله حسن، لأن كثيرا من العرب لا يميلون هذه الفتحة، وأما من أمال الجميع فوجه قوله أن ينحو بالألف نحو الياء، ليعلم أنها تنقلب إلى الياء(٢) ، وأما قراءة أبي عمرو بإمالة الأولى وفتح الثانية فوجه قوله أنّه جعل الثانية أفعل من كذا مثل أفضل من فلان، وإذا جعلها كذلك لم تقع الألف في آخر الكلمة؛ لأنّ آخرها إنما هو من كذا، وإنما تحسن الإمالة في الأواخر، وقد حذف من (أفعل) الّذي هو للتفضيل الجارّ والمجرور جميعا، وهما مرادان في المعنى مع الحذف، وذلك نحو قوله تعالى:( فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ) ؛ [طه: ٧]؛ المعنى وأخفى من السر، فكذلك قوله تعالى:( فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى ) ، أي أعمى منه في الدنيا، أو أعمى من غيره، ويقوى هذه الطريقة ما عطف عليه من قوله تعالى:( وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) ، فكما أن هذا لا يكون إلا على (أفعل من كذا) كذلك المعطوف عليه.
____________________
(١) ت، ونسخة بحاشيتي ت، ف: (جميعا).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (على هذا الوجه لا تميل بحال؛ إلا إذا كانت الكلمة من بنات الياء؛ فأما إذا لم تكن من بنات الياء فلا تميل، والأعمى أصله عمى، فهو إذا من بنات الياء).
تأويل خبر [تقيئ الأرض أفلاذ كبدها مثل الأسطوان]
روى أبو هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (تقيئ الأرض أفلاذ كبدها مثل الأسطوان من الذّهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول في مثل هذا: قتلت، ويجيء القاطع الرّحم(١) فيقول في مثل هذا: قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في مثل هذا:
قطعت يدي، ثم يتركونه ولا يأخذون منه شيئا).
معنى (تقيئ) أي تخرج ما فيها من الذهب والفضة، وذلك من علامات قرب الساعة، وقوله: (تقيئ) تشبيه واستعارة من حيث كان إخراجا وإظهارا؛ وكذلك تسميته(٢) ما في الأرض من الكنوز (كبدا) تشبيها(٣) بالكبد التي في بطن البعير وغيره؛ وللعرب في هذا مذهب معروف؛ قال مرّة بن محكان(٤) السّعدي يصف قدرا نصبها للأضياف:
لها أزيز يزيل اللحم أزمله |
عن العظام إذا ما استحمشت غضبا(٥) |
|
ترمى الصّلاة بنبل غير طائشة |
وفقا إذا آنست من تحتها لهبا(٦) |
فوصفها بالغضب تشبيها واستعارة، فأما الأزيز فهو الغليان، والعرب تقول: لجوفه أزيز مثل أزيز المرجل، والأزمل: الصوت، واستحمشت، أي غضبت؛ يقال: حمشه أي أغضبه، وقال النابغة الجعدي في معنى الاستعارة:
____________________
(١) ف، ونسخة بحاشيتي الأصل، ت: (للرحم).
(٢) د، وحاشية ت (من نسخة): (تسمية).
(٣) ش، ونسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (تشبيه).
(٤) ضبط بالقلم في ت بفتح الميم، وفي ف بالفتح والكسر معا.
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (استحمشت)، بالبناء للمجهول وفي حاشيتي ت، ف (أحمشت الرجل وحمشته؛ أي أغضبته فاحتمش واستحمش، والحمشة الاسم كالحشمة؛ واحتمش الديكان: اقتتلا).
وفي حواشي الأصل، ت، ف: (قبله:
نصبت قدري لهم والأرض قد لبست |
من الصّقيع ملاء جدّة قشبا |
- ملاء: جمع ملاءة، قشبا: جمع قشيب؛ وهو الجديد).
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (الصلاة: جمع صال. غير طائشة: غير مخطئة. وفقا، أي رميا وفقا؛ شبه ما ترمى به النار من نفيانها بالنبل؛ أي كلما اشتدت النار تحت القدر اشتد غليها بقدر اشتداد النار تحتها).
سألتني عن أناس هلكوا |
شرب الدّهر عليهم وأكل(١) |
فوصف الدهر بالأكل والشرب تشبيها واستعارة. وقال قوم: معنى البيت شرب أهل الدهر بعدهم وأكلوا.
واختلف أهل اللغة في الأفلاذ، فقال يعقوب بن السّكّيت: الفلذ لا يكون إلاّ للبعير، وهو قطعة من كبده(٢) ، ولا يقال فلذ الشاة، ولا فلذ البقرة، ويقال: أعطني فلذا من الكبد، وفلذة من الكبد، قال أعشى باهلة:
تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بها |
من الشّواء ويروي شربه الغمر(٣) |
الغمر: القدح الصغير؛ وقال يعقوب: ولا يقال: أعطني حزّة من سنام ولا من لحم، وإنما الحزّة في الكبد خاصة؛ فإذا أرادوا ذلك من السّنام واللحم قالوا: أعطني(٤) حذية من لحم؛ وهي القطعة الصغيرة، وفلقة من سنام، وقال الطّوسي(٥) عن أبي عبيد عن الأصمعي قال: يقال: أعطني حذية(٦) من لحم، وحزّة من لحم؛ إذا كانت مقطوعة طولا، فإذا كانت مجتمعة قلت: أعطني بضعة من لحم، وهبرة من لحم، ووذرة من لحم.
ومثل هذا الحديث قوله:( وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقالَها ) ؛ [الزلزال: ٢]. معناه أخرجت ما فيها من الكنوز، وقال قوم: عنى به الموتى، وأنها أخرجت موتاها، فسمى
____________________
(١) ت، د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): (بأناس).
(٢) حاشية الأصل: (ذكر ابن الشجري: الفلذ كبد البعير خاصة؛ وليس بقطعة من الكبد؛ وكذا ذكره ابن السكيت).
(٣) من قصيدة له يرثي بها المنتشر بن وهب الوائلي، أولها:
إني أتيت بشيء لا أسرّ به |
من علولا عجب فيه ولا سخر |
وهي في (أمالي اليزيدي ١٣ - ١٨، وجمهرة الشعر ٢٨٠ - ٢٨٣، والأصمعيات ٣٢، ٣٥، والكامل - بشرح المرصفي ٨: ٢١١ - ٢١٢) ويذكرها المؤلف فيما بعد.
(٤) ش، ص: (حذية)؛ بضم الحاء وكسرها.
(٥) حاشية ت: (أبو الحسن علي بن عبد الله الطوسي).
(٦) كذا ضبط بالقلم في الأصل، ت، ف، وفي الحواشي: (المعروف: الحذية، بالكسر؛ وهي القطعة من اللحم على الطول. والحذوة (مثلثة الحاء): العطية).
تعالى الموتى ثقلا(١) تشبيها بالحمل الّذي يكون في البطن، لأن الحمل يسمى ثقلا، قال تعالى:( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ) ؛ [الأعراف: ١٨٩]. والعرب تقول: إن للسيد الشجاع ثقلا على الأرض، فإذا مات سقط عنها بموته ثقل، قالت الخنساء ترثي أخاها صخرا:
أبعد ابن عمرو من آل الشري |
د حلّت به الأرض أثقالها(٢) |
معناه أنه لما مات حلّ عنها بموته ثقل لسؤدده(٣) وشرفه، وقال قوم: معنى (حلّت) زينت موتاها به، وهو مأخوذ من الحلية؛ وقال الشّمردل اليربوعي يرثي أخاه:
وحلّت به أثقالها الأرض وانتهى |
لمثواه منها وهو عفّ شمائله(٤) |
وروى هشام بن المنذر(٥) قال: قال زهير بن أبي سلمى المزني بيتا ثم أكدى، ومرّ به النابغة الذّبياني فقال له: ياأبا أمامة، أجز، قال: ماذا؟ قال:
تزال الأرض إمّا متّ خفّا |
وتحيا ما حييت بها ثقيلا(٦) |
|
نزلت بمستقرّ العزّ منها |
... ... ... ... ... ... ..... |
فماذا قال؟ فأكدى والله النابغة أيضا، وأقبل كعب بن زهير وهو غلام، فقال له
____________________
(١) في نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (أثقالا).
(٢) ديوانها ٢٠١.
(٣) ت، ج، ف: (بسؤدده).
(٤) البيت من قصيدة مذكورة (في أمالي اليزيدي ٣٢ - ٣٤، والأغاني ١٢: ١١٣ - ١١٤، وأبيات منها في ابن أبي الحديد ٤: ٣٨٣، وحماسة ابن الشجري ٨٣) وفي حاشيتي الأصل، ف:
شمائله: أخلاقه، والواحد شمال، بالكسر، قال الشاعر:
* وما لومي أخي من شماليا*
(٥) في حاشيتي الأصل، ف: (نسخة ابن قدامة: وروى أبو المنذر همام بن محمد بن السائب قال قال زهير). والّذي في الأصل يوافق ش، ص. وفي م: (أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب).
(٦) ت، د، ونسخة بحاشيتي الأصل، ت: (تراك)، وفي حاشيتي الأصل، ت: (يقول:
إن مت صارت الأرض خفيفة بموتك، وإن تحيا بقيت ثقيلة).
أبوه: أجز يابنيّ، فقال: ماذا؟ فأنشده البيت الأول، ومن الثاني قوله: (بمستقرّ العزّ منها)؛ فقال كعب:
* فتمنع جانبيها أن يزولا*
فقال زهير: أنت والله ابني.
وإنما خصّ الكبد من بين ما يشتمل عليه البطن، لأنه من أطائب الجزور، والعرب تقول: أطائب الجزور: السّنام، والملحاء(١) ، والكبد.
***
[أبيات للخنساء في مدح أخيها، ثم استطراد لذكر أبيات تشبهها]
قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى، أدام الله علوّه: وإني لأستحسن قول الخنساء(٢) ، وقد قيل لها: ما مدحت أخاك حتّى هجّنت(٣) أباك، فقالت:
جارى أباه فأقبلا وهما |
يتعاوران ملاءة الحضر(٤) |
|
حتّى إذا نزت القلوب وقد |
لزّت هناك العذر بالعذر(٥) |
|
وعلا هتاف الناس: أيّهما؟ |
قال المجيب هناك: لا أدري |
|
برزت صفيحة وجه والده |
ومضى على غلوائه يجري |
|
أولى فأولى أن يساويه |
لولا جلال السّنّ والكبر |
|
وهما كأنّهما وقد برزا |
صقران قد حطّا إلى وكر |
____________________
(١) الملحاء: وسط الظهر؛ ما بين الكاهل إلى العجز.
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (كانت الخنساء كثيرة المدح لأخيها، فقيل لها: قد فضلته على أبيك، فقالت هذه الأبيات). وهي في (زهر الآداب، ٤: ٦٧ وحماسة ابن الشجري ١٠٤، والبيت الأول في خزانة الأدب ٣: ٢٧٧).
(٣) ف، ونسخة بحاشيتي ت، الأصل: (هجوت)، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (وروى: ما أبنت أخاك حتى هجنت أباك).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (بارى أباه، تعني أخاها، ويتعاوران: يتداولان، والحضر العدو).
(٥) في حاشيتي الأصل، ف: (نزت: ارتفعت، ولزت: لصقت، يعني؛ حتى تحرك قلوب النظارة، والعذر: جمع العذار؛ يعني عذارى فرسيهما في التسابق؛ وهو استعارة).
ويقال: إنه قيل لأبي عبيدة: ليس هذه الأبيات في مجموع شعر الخنساء، فقال أبو عبيدة: العامّة أسقط من أن يجاد عليها بمثل ذلك.
ولعمري إنها قد بلغت في مدح أخيها من غير إزراء على أبيها النهاية، لأنها جعلت تقدّم أبيه له عن قدرة منه على المساواة، وعن غير تقصير منه، وإنما(١) أفرج له عن السبق معرفة بحقه، وتسليما لكبره وسنه، وكأنّ الخنساء نظرت في هذا المعنى إلى قول زهير يصف حمار وحش(٢) :
فشجّ بها الأماعز فهي تهوي |
هوي(٣) الدّلو أسلمها الرّشاء(٤) |
|
فليس لحاقه كلحاق إلف |
ولا كنجائها منه نجاء(٥) |
|
يقدّمه إذا احتفلت عليها |
تمام السّنّ منه والذّكاء(٦) |
ويشبه أن يكون الكميت أخذ من الخنساء قوله في مخلد بن يزيد بن المهلّب:
ما إن أرى كأبيك أدرك شأوه |
أحد ومثلك طالبا لم يلحق |
|
تتجاذبان؛ له فضيلة سنّه |
وتلوت بعد مصلّيا لم تسبق(٧) |
____________________
(١) ت: (وإنه).
(٢) الأبيات في ديوانه: ٦٧ - ٦٩.
(٣) ضبطت في ت بضم الهاء وفتحها معا.
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (أي شج الحمار بالأتن الأماعز، أي علا الأماعز بهن، والأمعز: الأرض الصلبة، وكذلك المعزاء، والهوي: السقوط إلى أسفل، وكذلك الهوي في السير.
وبعد هوى من الليل؛ أي هزيع؛ وقيل: الهوى [بالضم] الارتفاع).
(٥) في حاشيتي الأصل، ف: (يقول: ليس يلحق شيء في السرعة كما يلحق الحمار في سرعته، والمراد بالإلف صاحبه. ولا كنجائها؛ أي ليس شيء ينجو كنجائها، أي ليس شيء ينجو كنجاء الأتان؛ أي لا يهرب هارب كهربها، ولا يلحق لاحق كلحوقه).
(٦) احتفلت: اجتهدت وتأهبت؛ ورواية الديوان:
يفضّله إذا اجتهدت عليه |
تمام السّنّ منه والذّكاء |
(٧) د، ش، ونسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (تتجاريان)؛ وفي حاشيتي الأصل، ف: (قوله تتجاذبان، في موضع الحال من قوله: (ما إن أرى كأبيك)، ومثلك، أي ما رأيت مثلك ومثل أبيك في حال مجاذبتهما ومجاراتهما في المجد والشرف. وقوله: (له فضيلة سنه) جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر؛ المعنى يقول: إن سبقك أبوك فلا غرو، فإنه لم يسبق قط، وإن سبقته فأنت جدير بالسبق).
إن تنزعا وله فضيلة سبقه |
فبمثل شأو أبيك لم يتعلّق |
|
ولئن لحقت به على ما قد مضى |
من بعد غايته فأحج وأخلق |
ويشبه هذا المعنى قول المؤمّل بن أميل الكوفي المحاربي يمدح المهدي في حياة المنصور:
لئن فتّ الملوك وقد توافوا |
إليك من السّهولة والوعور(١) |
|
لقد فات الملوك أبوك حتّى |
بقوا من بين كأب أو حسير(٢) |
|
وجئت وراءه تجري حثيثا |
وما بك حيث تجري من فتور |
____________________
(١) خبر هذه الأبيات في أمالي الزجاجي: ٦٠ - ٦٢: (وفد المؤمل بن أميل على المهدي بالري فامتدحه، فأمر له بعشرين ألف درهم؛ فاتصل الخبر بالمنصور؛ فكتب إليه يعذله ويقول: إنما كانت سبيلك أن تأمر للشاعر بعد أن يقوم ببابك سنة بأربعة آلاف درهم؛ وكتب إلى كاتبه بإنفاذ الشاعر إليه، فسأل عنه فقيل له: قد شخص إلى مدينة السلام، فكتب إلى المنصور بخبره، فأنفذ المنصور قائدا من قواده إلى النهروان يتصفح وجوه الناس؛ حتى وقع بيده المؤمل، فأتى به المنصور، فقال له: أتيت غلاما غرا فخدعته! قال: نعم ياأمير المؤمنين! أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع لي؛ فكأن ذلك أعجبه، فقال له: أنشدني ما قلت فيه؛ فأنشده:
هو المهدي إلاّ أنّ فيه |
مشابه صورة القمر المنير |
|
تشابه ذا وذا فهما إذا ما |
أنارا مشكلان على البصير |
|
فهذا في الظّلام سراج نار |
وهذا في النّهار سراج نور |
|
ولكن فضّل الرّحمن هذا |
على ذا بالمنابر والسّرير |
|
وبالملك العزيز فذا أمير |
وماذا بالأمير ولا الوزير |
|
ونقص الشّهر يخمد ذا وهذا |
منير عند نقصان الشّهور |
|
فيا ابن خليفة الله المصفّى |
به تعلو مفاخرة الفخور |
لئن فت الملوك ...
فقال: أحسنت، ولكن لا يساوي عشرين ألف درهم، ثم قال: أين المال؟ فقال: ها هو ذا، قال ياربيع: أعطه منه أربعة آلاف درهم، وخذ الباقي، ففعل؛ فلما صارت الخلافة إلى المهدي رفع المؤمل إليه يذكر قصته، فضحك، وأمر برد المال إليه، فرد).
(٢) الكابي: المتغير اللون، والحسير: المعي.
فقال النّاس ما من ذين إلاّ |
بمنزلة الخليق من الجدير(١) |
|
فإن سبق الكبير فأهل سبق |
له فضل الكبير على الصّغير |
|
وإن بلغ الصّغير مدى كبير |
فقد خلق الصّغير من الكبير |
ومن هذا المعنى قول الشاعر:
جياد جرت في حلبة فتفاضلت |
على قدر الأسنان والعرق واحد(٢) |
وممّا له بهذا المعنى بعض الشّبه، وإن لم يذكر فيه السّن وتفضيل الكبر قول زهير:
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما |
على تكاليفه فمثله لحقا(٣) |
|
أو يسبقاه على ما كان من مهل |
فمثل ما قدّما من صالح سبقا |
وروي أنه عرضت على جعفر(٤) بن يحيى بن خالد البرمكيّ جارية شاعرة، فأراد أن يبلوها فقال لها: قولي في معنى بيتي زهير اللذين ذكرناهما، فقالت:
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (أي لم يكن بينك وبين أبيك من الفرق والتفاوت إلا مثل ما بين الخليق والجدير، ومعناهما واحد).
(٢) حاشية الأصل: (أي على الكبر والطعن في السن. والعرق: الأصل).
(٣) البيتان في ديوانه: ٥١ - ٥٢؛ وقبلهما:
يطلب شأو امرأين قدّما حسنا |
نالا الملوك وبذّا هذه السّوقا |
والشأو: الغاية، وأراد بالمرأين أباه وجده.
(٤) حاشية ف (قيل: لما قتل جعفر بن يحيى وصلب بباب الجسر، رأسه في ناحية، وجسده في ناحية مرت به امرأة على حمار فاره، فوقفت عليه ثم نظرت إلى الناس فقالت بلسان فصيح: والله لئن صرت اليوم آية؛ لقد كنت في المكارم غاية؛ ثم أنشأت تقول:
ولما رأيت السّيف خالط جعفرا |
ونادى مناد للخليفة في يحيى |
|
بكيت على يحيى وأيقنت أنّما |
قصارى الفتى يوما مفارقة الدّنيا |
|
وما هي إلاّ دولة بعد دولة |
تخوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى |
|
إذا أنزلت هذا منازل رفعة |
من الملك حطّت ذا إلى غاية سفلى |
ثم حركت الحمار؛ فكأنها كانت ريحا لم تعرف).
بلغت - أو كدت - يحيى أو لحقت به |
فنلتما خالدا في شأو مستبق |
|
لكن مضى وتلا يحيى فأنت له |
تال تعلّلت دون الرّكض بالعنق(١) |
ومن أحسن ما قيل في المساواة والمقاربة - وهو داخل في هذا المعنى، مناسب له - قول عبّاد ابن شبل:
إذا اخترت من قوم خيار خيارهم |
فكلّ بني عبد المدان خيار |
|
جروا بعنان واحد فضل بينهم |
بأن قيل قد فات العذار عذار(٢) |
وقول الكميت بن زيد:
مصلّ أباه له سابق |
بأن قيل فات العذار العذارا(٣) |
ومثله قول العتّابي - وهو مليح(٤) جدا:
كما تقاذف جرد في أعنّتها |
سبقا بآذانها مرّا وبالعذر(٥) |
وأول من سبق إلى هذا المعنى زهير في قوله يصف مطايرة البازي القطاة(٦) ومقاربته لها:
دون السّماء وفوق الأرض قدرهما |
عند الذّنابى فلا فوت ولا درك(٧) |
وقد لحظ أبو نواس هذا المعنى في قوله يمدح الفضل بن الربيع، ويذكر مقاربته لأبيه في الفضل(٨) والسؤدد:
____________________
(١) ش، وحاشية ت (من نسخة): (تعلل). وفي حاشيتي الأصل، ف: (العنق دون الركض، أي أنك تتعلل بالعنق إبقاء وحشمة لأبيك وجدك، ولو سرت ركضا لسبقتهما).
(٢) العذار من اللجام: ما سال على خد الفرس.
(٣) المصلى: الثاني من خيول السبق.
(٤) حاشية ت (من نسخة): (حسن).
(٥) ج، ونسخة بحاشيتي الأصل، ت: (تقاذف)، بفتح الفاء. وفي حاشيتي الأصل، ف: (تقاذف، أي تتسابق في عنان واحد، على حد واحد؛ لا تسبق إحداها على الأخرى إلا بأذن أو بعنان).
وفرس أجرد؛ قصير الشعر رقيقه.
(٦) د، حاشية ت (من نسخة): (للقطاة).
(٧) ديوانه: ١٧٤، الذنابى: الذنب، وفي حاشيتي ت، ف: (عند الذنابى مستأنف، أي الصقر عند ذنابى القطاة).
(٨) ف، ونسخة بحاشية ت: (المجد).
ثمّ جرى الفضل فانثنى قدما |
دون مداه من غير ترهيق(١) |
|
فقيل رشا سهما يراد به ال |
غاية والنّصل سابق الفوق(٢) |
ويشاكل ذلك قول البحتري في ابن أبي سعيد الثّغري:
جدّ كجدّ أبي سعيد إنّه |
ترك السّماك كأنه لم يشرف(٣) |
|
قاسمته أخلاقه وهي الرّدى |
للمعتدي، وهي النّدى للمعتفي |
|
فإذا جرى من غاية وجريت من |
أخرى التقى شأوا كما فى المنصف |
ويشبهه أيضا قوله:
وإذا رأيت شمائل ابني صاعد |
أدّت إليك شمائل ابني مخلد(٤) |
|
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر |
لم يعل موضع فرقد عن فرقد |
فأما قول الخنساء: (يتعاوران ملاءة الحضر)، فهي تعني بالملاءة الغبار، وإنّ عدي بن الرّقاع كأنه نظر إليها في قوله يصف حمارا وأتانا:
يتعاوران من الغبار ملاءة |
بيضاء محدثة هما نسجاها(٥) |
____________________
(١) ديوانه: ٩١، وفي حاشيتي الأصل، ت: (أي من غير مداناة أو لحوق).
(٢) راش السهم: وضع عليه الريش، والنصل: حديدة السهم، والفوق: موضع الوتر من السهم.
(٣) ديوانه ٢: ١٢٢، وفي حاشيتي الأصل، ف: (أي جد كجد أبي سعيد مذكور، أي جعل السماك غير عال؛ كأنه قد علاه وفاقه).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (يسوى بين ابني صاعد وابني مخلد)، والبيتان في ديوانه ١:
١٧٣، وروايته: ( شمائل ابن محمد).
(٥) البيتان من قصيدته التي مطلعها:
ما هاج شوقك من مغاني دمنة |
ومنازل شغف الفؤاد بلاها |
وهي في الطرائف الأدبية: ٩٢ - ٩٧، والبيتان في (معاني العسكري ٢: ٣١، وحماسة ابن الشجري:
٢٧٦ - ٢٧٧، ومعجم المرزباني ٢٥٣، وشرح المختار من شعر بشار ٣١٧، وزهر الآداب ٤: ٦٨.
ومجموعة المعاني: ٢٠٣). ويتعاوران؛ أي تصير الغبرة للعير مرة، وللأتان مرة.
تطوى إذا وطئا مكانا جاسيا |
وإذا السّنابك أسهلت نشراها(١) |
وهذا المعنى، وإن كان هو معنى الخنساء بعينه فقد زاد في استيفائه عليها زيادة ظاهرة، صار من أجلها بالمعنى أحقّ منها. وقد ابتدأ بهذا المعنى رجل من بني عقيل فقال من قصيدة(٢) :
يثيران من نسج التّراب عليهما |
قميصين أسمالا ويرتديان |
____________________
(١) الجاسي: الغليظ من الأرض، وأسهلت: صارت إلى سهولة الأرض.
(٢) أبيات منها في الخزانة ٣: ٢٧٦، منسوبة إلى ابن مقبل، وفي زهر الآداب ٤: ٦٨ منسوبة لأعرابي من بني عقيل.
وقبله:
قفار مرورات يحار بها القطا |
ويضحى بها الجأبان يفترقان |
المروراة: المفازة التي لا شيء فيها، والجأبان: مثنى جأب؛ وهو الحمار الغليظ من حمر الوحش، وأراد بالجأبين الذكر والأنثى.
[٨]
مجلس آخر [المجلس الثامن:]
تأويل آية(*) ( وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ )
إن سأل سائل عن قوله تبارك وتعالى:( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) ؛ [يوسف ١٨].
فقال: كيف وصف الدم بأنه كذب، والكذب من صفات الأقوال لا من صفات الأجسام؟
وأي معنى لوصفه الصبر بأنّه جميل؟ ومعلوم أنّ صبر يعقوبعليهالسلام على فقد ابنه يوسف لا يكون إلا جميلا؟ ولم ارتفع الصبر؟ وما المقتضى لرفعه؟
والجواب، يقال له: أمّا الْكَذِبَ فمعناه أنه مكذوب فيه وعليه، مثل قولهم: هذا ماء سكب وشراب صبّ؛ يريدون مصبوبا ومسكوبا؛ ومثله: ماء غور، ورجل صوم، وامرأة نوح(١) ، قال الشاعر:
تظلّ جيادهم نوحا عليهم |
مقلّدة أعنّتها صفونا(٢) |
أراد بقوله: (نوحا) أي نائحة عليهم، ومثله: ما لفلان معقول؛ يريدون عقلا، وما له على هذا الأمر مجلود، يريدون جلدا(٣) ، قال الشاعر:
____________________
* ورد هذا العنوان في ت، ف، ولم يرد في سائر الأصول.
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (الوصف بالمصدر يفيد قوة ذلك الفعل؛ كقولهم: رجل صوم؛ يعني أنه لكثرة صومه كأنه صار بكليته صوما، ومن ذلك: ماء سكب وصب).
(٢) صفونا: جمع صافن؛ والصافن من الخيل: القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، والبيت لعمرو بن كلثوم، من المعلقة، وروايته فيها:
تركنا الخيل عاكفة عليه |
مقلّدة أعنّتها صفونا |
(وانظر المعلقات - بشرح التبريزي: ٢١٧).
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (بين السيدرضياللهعنه أنه كما يكون بمعنى المفعول؛ فقد يكون المفعول بمعنى المصدر؛ وهما متداخلان في هذا المعنى؛ فإذا كان المفعول بلفظ المصدر فلأن المفعول الحقيقي هو المصدر، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت زيدا ففعلك على الحقيقة هو الضرب لا زيدا، وإذا جاء المصدر بمعنى الفاعل فلأنه سبب له؛ والفعل له طرفان: أحدهما إلى المفعول، والآخر إلى الفاعل).
حتّى إذا لم يتركوا لعظامه |
لحما ولا لفؤاده معقولا |
وأنشد أبو العباس ثعلب:
قد والّذي سمك السّماء بقدرة |
بلغ العزاء وأدرك المجلود |
وقال الفرّاء وغيره: يجوز في النحو: (بدم كذبا) بالنصب على المصدر؛ لأنّ جاؤُ فيه معنى كذبوا كذبا، كما قال تعالى:( وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ) [العاديات: ١] فنصب ضبحا(١) على المصدر؛ لأن العاديات بمعنى الضابحات، وإنما كان دما مكذوبا فيه؛ لأن إخوة يوسف(٢) ذبحوا سخلة، ولطخوا قميص يوسف بدمها، وجاءوا أباهم بالقميص، وادّعوا أكل الذئب له، فقال لهم يعقوب(٢) : يابنيّ، لقد كان هذا الذئب رفيقا حين أكل ابني، ولم يخرّق قميصه؛ قالوا: بل قتله اللصوص، قال: فكيف قتلوه وتركوا قميصه، وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله!. وقد قيل: إنه كان في قميص يوسف ثلاث آيات: حين قدّ قميصه من دبر، وحين ألقى على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا عليه بدم كذب؛ فتنبه أبوه على أنّ الذئب لو أكله لخرّق قميصه(٣) .
ووأما وصف الصبر بأنه جميل، فلأن الصبر قد يكون جميلا وغير جميل، وإنما يكون جميلا إذا قصد به وجه الله، وفعل للوجه الّذي وجب، فلما كان في هذا الموضع واقعا على الوجه المحمود صحّ وصفه بذلك. وقد قيل إنه أراد صبرا لا شكوى فيه ولا جزع، ولو لم يصفه بذلك لظنّ مصاحبة الشكوى أو الجزع له. وأما ارتفاع قوله:( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) فقد قيل إن المعنى: فشأني صبر جميل، أو الّذي أعتقده صبر جميل(٤) . وقال قطرب: معناه فصبري صبر جميل؛ وأنشدوا:
____________________
(١) الضبح: صوت يسمع من جوف الفرس حال العدو.
(٢) ت: (يوسفعليهالسلام ).
(٣) في حاشيتي ت، ف: (قال السيد المرتضىرضياللهعنه : وقد قرئ:( بِدَمٍ كَذِبٍ ) وهو الدم المسفوح).
(٤) في حاشيتي ت، ف: (يجوز أن يكون (صبر) مبتدأ وخبره محذوف، ويحتمل أن يكون (صبر) مبتدأ و (جميل) خبره)، وفي حاشية ف أيضا: (وهو وإن كان نكرة يقوم مقام المعرفة؛ وذلك أن أي صبر كان فهو المراد).
شكا إليّ جملي طول السّرى |
ياجملي ليس إليّ المشتكى |
|
الدّرهمان كلّفاني ما ترى(١) |
صبر جميل فكلانا مبتلى |
معناه: فليكن منك صبر جميل. وقد روي أن في قراءة أبي:( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) بالنصب، وذلك يكون على الإغراء(٢) ، والمعنى فاصبري يانفس صبرا جميلا، قال ذو الرّمة:
ألا إنما مي - فصبرا - بليّة |
وقد يبتلى الحرّ الكريم فيصبر(٣) |
وقال الآخر:
أبى الله أن تبقى لحي بشاشة |
فصبرا على ما شاءه الله لي صبرا |
تأويل خبر [قيس بن عاصم حين وفد على الرسولعليهالسلام وشرح ما ورد في ذلك من الغريب]
في الحديث أن قيس بن عاصم قال: أتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: (هذا سيّد أهل الوبر)؛ فقلت: يارسول الله، ما المال الّذي ليست عليّ فيه تبعة من طالب ولا ضيف؟ فقالعليهالسلام : (نعم المال أربعون، والكثر ستون، وويل لأصحاب المئين! إلا من أعطى الكريمة، ومنح الغزيرة(٤) ، ونحر السّمينة، فأكل وأطعم القانع والمعترّ) - وفي رواية أخرى: (إلا من أعطى من رسلها، وأطرق فحلها، وأفقر ظهرها، ومنح غزيرتها، وأطعم القانع والمعترّ)؛ قلت: يارسول الله: ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها! إنه لا يحلّ بالوادي الّذي فيه إبلي من كثرتها. فقال: (فكيف(٥) تصنع في العظيمة)(٦) ؟
قلت: أعطي البكر، وأعطي الناب. قال: (فكيف تصنع في المنحة؟)، قلت: إني لأمنح المائة. قال: (فكيف(٥) تعطي الطّروقة؟)، قلت: يغدو الناس بإبلهم فلا يورّع
____________________
(١) هذا البيت ورد في ت، وحاشية ف.
(٢) حاشية ف: (معنى الإغراء أن يغريه القائل بالتزام الّذي أشار إليه؛ كقولهم: عليك به).
(٣) ديوانه: ٢٢٥.
(٤) الغزيرة كثيرة اللبن.
(٥) ت، د، حاشية ف (من نسخة): (كيف).
(٦) ف، حاشية الأصل (من نسخة) (العطية).
رجل عن جمل يخطمه(١) فيمسكه ما بدا له، حتى يكون هو الّذي يردّه. وفي الرواية الأخرى قال: (فكيف تصنع في الإطراق؟)، قلت: يغدو الناس فمن شاء أن يأخذ برأس بعير ذهب به.
قال: (فكيف تصنع في الإفقار؟)، قلت: إني لأفقر الناب المدبرة والضّرع(٢) الصغيرة، قال: (فكيف تصنع في المنيحة؟) قلت: إني لأمنح في السنة المائة، قال: (فمالك أحبّ إليك أم مال مواليك؟)(٣) ، قلت: لا، بل مالي، قال: (فإنّ مالك ما أكلت فأفنيت، وأعطيت فأمضيت). وفي الرواية الأخرى: (ولبست فأبليت، وسائره لمواليك)، قلت:
لا جرم! والله لئن رجعت لأقلّنّ عددها. فلما حضره الموت جمع بنيه فقال: يابنيّ خذوا عني، فإنكم لن تأخذوا عن أحد هو أنصح لكم مني، لا تنوحوا عليّ فإن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة، وكفّنوني في ثيابي التي كنت أصلّي فيها، وسوّدوا أكابركم، فإنكم إذا سوّدتم أكابركم لم يزل لأبيكم فيكم خليفة، وإذا سوّدتم أصاغركم هان أكابركم على الناس، وزهدوا فيكم، وأصلحوا من(٤) عيشكم؛ فإن فيه غنى عن طلب إلى الناس، وإياكم والمسألة؛ فإنها آخر(٥) كسب المرء، وإذا دفنتموني فأخفوا قبري عن بكر بن وائل، فقد كانت بيننا خماشات في الجاهلية، فلا آمن سفيها منهم أن يأتي أمرا يدخل عليكم عيبا(٦) في أبيكم(٧) .
____________________
(١) ت، وحاشية ف (من نسخة): (يختطمه.
(٢) رواية ابن الأثير في النهاية (ضرع): إني لأفقر البكر الضرع، والناب المدبر، أي أعيرهما للركوب؛ يعني الجمل الضعيف، والناقة الهرمة).
(٣) حاشية ف: (المولى من يليك؛ من ابن العم والمعتق؛ ويليك؛ أي يقريك، وأصل الولي القرى.
(٤) م: (وأصلحوا عيشكم)، وحاشية ف (من نسخة): (وأصلحوا من أمر عيشكم).
(٥) ف، ونسخة بحاشيتي الأصل، ت (أخس).
(٦) من نسخة بحاشيتي ت، ف: (عيثا).
(٧) الخبر بهذه الرواية في (الفائق ٣: ١٣٥)، وفي رواية أخرى فيه أيضا: (وإذا مت فغيبوا قبري من بكر بن وائل، فإني كنت أناوشهم في الجاهلية - وروي: أهاوشهم - وروي أغاولهم).
فأما قوله: (الكثر ستّون) فمعناه الكثير، تقول العرب: نسأل الله الكثر، ونعوذ به من القلّ؛ أي نسأله الكثير، ونعوذ به من القليل؛ وقال الشاعر:
فإنّ الكثر أعياني قديما |
ولم أقتر لدن أنّي غلام(١) |
وقال الآخر:
وقد يقصر القلّ الفتى دون همّه |
وقد كان لولا القلّ طلاّع أنجد(٢) |
والكريمة، يعني بها كرائم ماله. و (أمنح الغزيرة)، أي أعطيها من يحلبها ويردّها، ومن ذلك الحديث: (العارية مؤدّاة، والمنحة(٣) مردودة، والزعيم(٤) غارم، والدّين مقضي(٤) ) فالمنحة الناقة أو الشاة يدفعها الرجل إلى من يحلبها وينتفع بلبنها ثم يردها عليه، والزعيم:
الكفيل، ويقال له أيضا القبيل(٥) والصّبير والحميل، ومنه قوله تعالى: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ؛ [يوسف: ٧٢]، قال الشاعر:
فلست بآمر فيها بسلم |
ولكنّي على نفسي زعيم(٦) |
وقال آخر:
قلت كفّي لك رهن بالرّضا |
فازعمي ياهند قالت قد وجب(٧) |
معناه اكفلي، ويروى: (فاقبلي)، من القبيل الّذي هو الكفيل أيضا.
____________________
(١) البيت في اللسان (كثر)، ونسبه إلى رجل من ربيعة، وفي حاشيتي ت، ف: (أي لم أكن قبل مكثرا ولا مقترا، يصف حاله بالتوسط، والإقتار: الفقر).
(٢) البيت في اللسان (قلل، ونسبه إلى خالد بن علقمة الدارمي، وأنشد قبله:
ويل أمّ لذّات الشّباب معيشه |
مع الكثر يعطاه الفتى المتلف النّدى |
(٣) حاشية ت (من نسخة): (المنيحة)، وهي والمنحة بمعنى.
(٤ - ٤) حاشية ت (من نسخة): (والدين مقضي، والزعيم غارم).
(٥) القبيل: الكفيل والعريف، وقد قبل يقبل قبالة؛ أي يكفل.
(٦) حاشية ف: (معناه لا أملك إلا نفسي).
(٧) البيت لعمر بن أبي ربيعة؛ وهو في ديوانه ٣٧٨، وفي حاشية ف: (أي ضمنت وحلفت على نفسي ألا أجاوز رضاك، فافعلي مثله).
وقال الفرّاء: القانع هو الّذي يأتيك فيسألك؛ فإن أعطيته قبل، والمعترّ: الّذي يجلس عند الذبيحة، ويمسك عن السؤال، كأنّه يعرّض في المسألة ولا يصرّح بها، يقال قنع الرجل قناعة إذا رضي، وقنع قنوعا إذا سأل.
فأما قوله: (لا جرم) فقال قوم: معنى جرم كسب، وقالوا في قوله تعالى:( لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ) [النحل: ٦٢]، أنّ (لا) ردّ على الكفار، ثم ابتدأ فقال: جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ بمعنى كسب قولهم أنّ لهم النار، وقال الشاعر:
نصبنا رأسه في رأس جذع |
بما جرمت يداه وما اعتدينا(١) |
أي: بما كسبت. وقال آخرون: معنى (جرم) حقّ، وتأول الآية بمعنى حقّق قولهم أن لهم النار؛ وأنشدوا:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة |
جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا(١) |
أراد: حقّقت فزارة، وروى الفرّاء (فزارة)، بالنصب على معنى كسبت(٢) الطعنة فزارة الغضب، وقال الفراء: لا جرم في الأصل مثل لا بدّ، ولا محالة، ثم استعملته العرب في معنى حقا، وجاءت فيه بجواب الأيمان، فقالوا: لا جرم لأقومنّ؛ كما قالوا: والله لأقومنّ، وفيها لغات، يقال: لا جرم، ولا جرم، بضم الجيم وتسكين الراء، ولا جر، بحذف الميم، ولا ذا جرم؛ قال الشاعر:
إنّ كلابا والدي لا ذا جرم(٣) |
لأهدرنّ اليوم هدرا في النّعم(٤) |
* هدر المعنّى(٥) ذي الشّقاشيق اللهم(٦) *
____________________
(١) البيت في اللسان (جرم)، ونسبه إلى أبي أسماء بن الضريبة.
(٢) د: (أكسبت).
(٣) البيت في اللسان (جرم) من غير عزو.
(٤) لأهدرن: لأصوتن؛ من الهدير، وهو تردد صوت البعير في حنجرته.
(٥) حاشية ت (من نسخة): (المغنى).
(٦) حواشي الأصل، ت، ف: المعنى: الّذي يدخل العنة من الإبل؛ وهي الحظيرة؛ وذلك أن الفحل اللئيم إذا هاج حبس حتى لا يضرب في النوق الكرام، ومنه قول الوليد بن عقبة:
قطعت الدهر كالسّدم المعنّى |
تهدّر في دمشق فلا تريم |
والناب: الناقة الهرمة، وجمعها نيب، ومثلها الشارف، قال الشاعر:
لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعة |
ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى بلد(١) |
ويقال للبعير أيضا إذا كبر عوذ، وللأنثى عودة، قال الشاعر:
عود على عود من القدم الأول |
يموت بالتّرك ويحيا بالعمل(٢) |
وهذا من أبيات المعاني، ومعناه بعير عود على طريق متقادم، وسمّي الطريق بأنه عود لتقادمه تشبيها بالبعير، وقوله:
* يموت بالترك ويحيا بالعمل*
أراد أنه إذ سلك وطرق ظهرت أعلامه، ووضحت طرقه، واهتدى سالكه لسلوكه، ولم يضلّ عن قصده، فكان هذا كالحياة له، وإذا لم يسلك طمست آثاره، وامّحت(٣) معالمه، فلم يهتد فيه راكب لقصد، وكان ذلك كالموت له.
فأما (الخماشات) فهي الجنايات والجراحات،: قال ذو الرّمة يذكر الحمار والأتن:
رباع لها مذ أورق العود عنده |
خماشات ذحل ما يراد امتثالها(٤) |
____________________
وأصله (المعنن)؛ فقلبت إحدى النونات ياء، كقولك: تغنيت، وفي التنزيل:( وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) ، والشقاشق: جمع شقشقة؛ وهي كالرئة تخرج من فم البعير إذا هاج واغتلم، واللهم: الّذي يلتهم كل شيء؛ أي يبتلع، وفرس لهم: سريع؛ كأنه يلتهم الأرض.
(١) في حاشيتي الأصل، ف: لا أفتأ؛ أي لا أزال أبكيهم بأربعة؛ أي بأربعة شئون؛ وهي مجاري الدمع من الدماغ؛ ومثله قول الآخر:
* جودي بأربعة على الجرّاح*
وقيل بأربعة آماق من موق العين، واجترت: إذا أكلت الجرة). والجرة: ما يخرجه البعير من بطنه ليبتلعه.
(٢) البيتان في اللسان (عود)، ونسبهما إلى بشير بن النكث.
(٣) من نسخة بحاشيتي ت، ف: (أنهجت)؛ أي بليت.
(٤) ديوانه: ٥٣٣؛ وفي حاشيتي ت، ف: (الرباع من الغنم ماله أربع سنين، ومن الحافر ماله خمس سنين، ومن الخف ماله سبع سنين والجمع ربع، وقد أربع).
يريد بقوله: (ما يراد امتثالها)، أي ما يراد اقتصاصها، يقال: أمثلني من هذا الرجل، وأقدني وأقصّني بمعنى واحد.
فأما قوله: (لا يورّع)، أي لا يحبس، ولا يمنع، يقال ورّعت الرجل توريعا إذا منعته وكففته، والورع هو المتحرج(١) المانع نفسه مما تدعوه إليه، يقال ورع ورعا ورعة؛ قال لبيد:
أكلّ يوم هامتي مقزّعه(٢) |
لا يمنع الفتيان من حسن الرّعة(٣) |
ويقال: ما ورّع أن فعل كذا وكذا، أي ما كذب(٤) ، فأما الورع بالفتح فهو الجبان.
وأما الطّروقة فهي التي قد حان لها أن تطرق، وهي الحقّة. وقوله في الرواية الأخرى (إلا من أعطي من رسلها) فالرّسل اللبن. والإفقار: هو أن يركبها الناس، ويحملهم على ظهورها، مأخوذ من فقر الظهر، والإطراق: للفحول هو أن يبذلها لمن ينزيها على إناث إبله. وذكر الإطراق في هذه الرواية أحبّ إلى من الطّروقة لأنه قد تقدم من قوله: (إنه يعطي الناب والبكر والضرع والمائة) فلا معنى لإعادة ذكر الطّروقة. وقوله في الجواب (يغدو الناس فلا يورّع رجل عن جمل يخطمه فيمسكه قائدا له(٥) ثم يردّه) لا يحتمل غير الإطراق، ولا يليق بمعنى الطّروقة.
***
[بعض أخبار قيس بن عاصم]
وكان قيس بن عاصم شريفا في قومه، حليما ويكنى أبا علي، وكان الأحنف بن قيس يقول:
____________________
(١) ت: (هو الرجل المنحرج).
(٢) من أرجوزة في ديوانه ٧ - ٨، وفي حاشيتي الأصل، ف: (المعنى: أكل يوم أحارب وألبس المغفر حتى ذهب شعر مقدم رأسي، والأقزع: الأصلع؛ إلا أن الأقزع الّذي أدى صلعه إلى وسط رأسه).
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (يمكن أن يكون المعنى إن هامته المقزعة التي قزعتها أعداؤه تركت الفتيان من قبيلته على حسن الرعة والتحرج. وهذا الحديث خارج مخرج التذمم).
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (قوله: ما كذب [بالتخفيف] أي ما لبث أن فعل كذا، وما كذب [بالتشديد]، أي ما جبن، وحمل فلان فما كذب [بالتشديد] أيضا، أي صدق الحملة في الحرب).
(٥) ت، د، ف، حاشية الأصل من نسخة: (ما بدا له).
إنما تعلمت الحلم من قيس بن عاصم؛ أتى بقاتل ابنه فقال: رعبتم الفتى، وأقبل عليه فقال:
يابنيّ لقد نقصت عددك، وأوهنت ركنك، وفتتّ في عضدك، وأشمت عدوّك، وأسأت بقومك؛ خلّوا سبيله؛ وما حلّ حبوته، ولا تغيّر وجهه.
وقال ابن الأعرابي: قيل القيس: بماذا سدت؟ فقال بثلاث: بذل الندى، وكفّ الأذى، ونصر المولى.
وذكر المدائني قال: كان قيس بن عاصم يقول لبنيه: إياكم والبغي، فما بغى(١) قوم قط إلاّ قلّوا وذلوا. وكان الرجل من بنيه يظلمه بعض قومه فينهى إخوته أن ينصروه.
وقيس بن عاصم هو الّذي حفز الحوفزان(٢) بن شريك الشيباني بطعنة في يوم جدود(٣) ، فسمي الحارث الحوفزان؛ وقال سوّار بن حيّان(٤) المنقري(٥) :
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة |
سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا(٦) |
|
وحمران قسرا أنزلته رماحنا |
فعالج غلاّ في ذراعيه مثقلا(٧) |
____________________
(١) ف، حاشية الأصل (من نسخة): (فإنه ما بغى).
(٢) حفزه، أي طعنه من خلفه، وفي اللسان عن التهذيب أن الحوفزان لقب لجرار من جراري العرب؛ وكانت العرب تقول للرجل إذا قاد ألفا جرارا.
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (جدود: موضع فيه ماء يسمى بالكلاب، وكانت فيه وقعة مرتين؛ ويقال للكلاب الأول يوم جدود؛ وهو لتغلب على بكر بن وائل).
(وانظر خبر يوم جدود في العقد ٥: ١٩٩ - ٢٠١، وابن الأثير ١: ٣٧٢).
(٤) كذا ضبط بالقلم في جميع الأصول، وضبطه ابن السيد في الاقتضاب ص ١٣٩: (بحاء مكسورة غير معجمة وباء معجمة بواحدة)، والبيتان في (الأغاني ١٢: ١٤٧، وابن الأثير ١: ٣٧٢، واللآلي ٢٥٦، واللسان - حفز، شكل).
(٥) م: ( المنقري في ذلك).
(٦) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (كسته نجيعا)، والشكلة: حمرة يخالطها بياض؛ ويسمى الدم أشكل للحمرة والبياس المختلطين فيه.
(٧) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (مقفلا)؛ وهو حمران بن عمرو بن بشر بن عمرو؛ وكان على شيبان وذهل واللهازم؛ حينما خرجوا لقتال بني يربوع.
وفي يوم جدود يقول قيس بن عاصم:
جزى الله يربوعا بأسوإ سعيها |
إذا ذكرت في النّائبات أمورها(١) |
|
ويوم جدود قد فضحتم ذماركم |
وسالمتم والخيل تدمى نحورها |
|
ستحطم سعد والرّباب أنوفكم |
كما حزّ في أنف القضيب جريرها |
- القضيب: الناقة المقتضبة الصعبة؛ وفي قيس يقول عبدة بن الطبيب:
عليك سلام الله قيس بن عاصم |
ورحمته ما شاء أن يترحّما(٢) |
|
سلام امرئ جلّلته منك نعمة(٣) |
إذا زار عن شحط بلادك سلّما |
|
فما كان قيس هلكه هلك واحد |
ولكنّه بنيان قوم تهدّما(٤) |
***
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: ذاكرني بعض الأصدقاء بقول أبي دهبل الجمحي وهو يعني ناقته:
____________________
(١) الأبيات في (الأغاني ١٢: ١٤٧).
(٢) الأبيات في (الأغاني ١٢: ١٤٨، والحماسة - بشرح التبريزي ٢: ٢٨٥ - ٢٨٦).
(٣) رواية التبريزي:
* تحيّة من غادرته غرض الرّدى*
(٤) قال التبريزي في شرحه لهذا البيت: (يجوز أن يروى (هلك) بالنصب وبالرفع؛ فإذا نصبته كان هلكه في موضع البدل من قيس، وهلك ينتصب على أنه خبر كان؛ كأنه قال: فما كان هلك قيس هلك واحد من الناس؛ بل مات لموته خلق كثير؛ وإذا رفعته كان هلكه في موضع المبتدأ وهلك واحد في موضع الخبر، والجملة في موضع النصب على أنه خبر كان، ويشبه هذا البيت قول امرئ القيس:
فلو أنّها نفس تموت سويّة |
ولكنّها نفس تساقط أنفسا |
إذا رويت (تساقط) بضم التاء).
وأبرزتها من بطن مكّة عند ما |
أصات المنادي بالصّلاة فأعتما(١) |
[قصيدة للمؤلف أجاز بها بيت أبي دهبل:
وأبرزتها من بطن مكّة عند ما |
أصات المنادي بالصلاة فأعتما |
]
وسألني إجازة هذا البيت بأبيات تنضم إليه وأجعل الكناية فيه كأنها كناية عن امرأة لا عن ناقة، فقلت في الحال:
فطيّب مسراها المقام وضوّأت |
بإشراقها بين الحطيم وزمزما(٢) |
|
فيا ربّ إن لقّيت وجها تحيّة |
فحي وجوها بالمدينة سهّما(٣) |
|
تجافين عن مسّ الدّهان وطالما |
عصمن عن الحنّاء كفّا ومعصما |
|
وكم من جليد لا يخامره الهوى |
شننّ عليه الوجد حتّى تتيّما(٤) |
|
أهان لهنّ النّفس وهي كريمة |
وألقى إليهنّ الحديث المكتّما |
|
تسفّهت لما أن مررت بدارها |
وعوجلت دون الحلم أن تتحلّما(٥) |
____________________
(١) أصات: نادى، وأعتم: دخل في العتمة؛ والبيت من قصيدة جيدة؛ ذكر منها أبو الفرج هذه الأبيات:
ألا علق القلب المتيّم كلثما |
لجاجا ولم يلزم من الحب ملزما |
|
خرجت بها من بطن مكة بعد ما |
أصات المنادي بالصلاة فأعتما |
|
فما نام من راع ولا ارتدّ سامر |
من الحي حتى جاوزت بي يلملما |
|
ومرت ببطن الليث تهوي كأنما |
تبادر بالإدلاج نهبا مقسّما |
|
وجازت على البزواء والليل كاسر |
جناحين بالبزواء وردا وأدهما |
|
فما ذرّ قرن الشمس حتى تبينت |
بعليب نخلا مشرفا أو مخيّما |
|
ومرّت على أشطان رونق بالضّحا |
فما خزّرت للماء عينا ولا فما |
|
وما شربت حتى ثنيت زمامها |
وخفت عليها أن تخرّ وتكلما |
|
فقلت لها قد بنت غير ذميمة |
وأصبح وادي البرك غيثا مديّما |
(وانظر الأغاني ٦: ١٦٣، ومعجم البلدان ٦: ٢١٢ - ٢١٣، والشعر والشعراء ٥٩٧).
(٢) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (فطيب رياها). وضوأت: أضاءت.
(٣) سهما: جمع ساهم؛ وهو المتغير الوجه.
(٤) شنن: صببن.
(٥) م: (وقفت بدارها).
فعجت تقرّى دارسا متنكرا |
وتسأل مصروفا عن النّطق أعجما(١) |
|
ويوم وقفنا للوداع وكلّنا |
يعدّ مطيع الشّوق من كان أحزما |
|
نصرت بقلب لا يعنّف في الهوى |
وعين متى استمطرتها قطرت دما(٢) |
[نسب أبي دهبل وذكر بعض أشعاره]
وكان أبو دهبل(٣) من شعراء قريش، وممن جمع إلى الطبع التجويد، واسمه وهب بن زمعة بن أسيد(٤) بن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، واسمه تيم ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب، وكان اسم جمح تيما، واسم أخيه زيدا؛ وهما ابنا عمرو بن هصيص، فاستبقا إلى غاية، فمضى تيم عن الغاية، فقيل جمح تيم فسمي جمح، ووقف عليها زيد فقيل سهم(٥) زيد، فسمي سهما(٦) ؛ فأما كنيته فهي مشتقة من الدّهبلة، وهي المشي الثقيل، يقال دهبل الرجل دهبلة إذا مشى ثقيلا.
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني قال حدثني محمد بن إبراهيم قال:
حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال: قيل لأبي عمرو بن العلاء ما يعجبك من شعر أبي دهبل الجمحي؟ فقال قوله:
ياعمر حمّ فراقكم عمرا |
وعزمت منّا النّأي والهجرا(٧) |
|
ياعمر شيخك وهو ذو شرف |
يرعى الذّمار ويكرم الصّهرا(٨) |
|
والله ما أحببت حبّكم |
لا ثيّبا خلقت ولا بكرا(٩) |
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: تقرى: (تتبع؛ أراد تقرى؛ وهو تتفعل من قولك: قروت الأرض والشيء؛ إذا تتبعته).
(٢) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (مطرت دما).
(٣) وانظر ترجمة أبي دهبل في (الشعر والشعراء ٥٩٦ - ٥٩٩، والاشتقاق ٨١، والمؤتلف والمختلف للآمدي ١١٧، والأغاني ٦: ١٤٩ - ١٦٥).
(٤) في ص: (أسيد)، بفتح الهمزة وكسر السين.
(٥) (سهم، بالفتح: تغير وجهه، وسهم، بالبناء للمجهول: غلب؛ وضبط في ت: بهما معا.
(٦) حاشية ف: سهم: (قبيلة من باهلة، ومن قريش أيضا).
(٧) الأبيات في (الأغاني ٦: ١٥٣)، وفي حاشية الأصل (من نسخة) (وعزمت مني).
(٨) شيخك؛ يعني أباها
(٩) حاشية ف: (تقدير البيت: ما أحببت ثيبا ولا بكرا كحبي إياكم).
إن كان هذا السّحر منك فلا |
ترعي عليّ وجدّدي السّحرا(١) |
|
إحدى بني أود كلفت بها |
حملت بلا ترة لنا وترا |
|
وترى لها دلاّ إذا نطقت |
تركت بنات فؤاده صعرا(٢) |
|
كتساقط الرّطب الجني من ال |
أقناء لا نثرا ولا نزرا(٣) |
|
ومقالة فيكم عركت لها |
جنبي أريد بها لك العذرا |
|
ومريد سرّكم عدلت به |
عمّا يحاول معدلا وعرا |
|
قالت يقيم لنا لنجزيه |
يوما فخيّم عندها شهرا |
|
ما إن أقيم لحاجة عرضت |
إلا لأبلي فيكم عذرا |
|
وإذا هممت برحلة جزعت |
وإذا أقمنا لم تفد نقرا(٤) |
|
إني لأرضى ما رضيت به |
وأرى لحسن حديثكم شكرا |
وروى أبو عمرو الشيباني لأبي دهبل:
ياليت من يمنع المعروف يمنعه |
حتى يذوق رجال غبّ ما صنعوا(٥) |
|
وليت رزق رجال مثل نائلهم |
قوت كقوت ووسع كالذي وسعوا(٦) |
- ويروى: (ضيق كضيق ووسع كالذي اتسعوا).
وليت للنّاس خطّا في وجوههم |
تبين أخلاقهم فيه إذا اجتمعوا |
|
وليت ذا الفحش لاقى فاحشا أبدا |
ووافق الحلم أهل الحلم فاتّدعوا(٧) |
____________________
(١) الإرعاء: الإبقاء؛ كذا ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت.
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (أي أسراره مائلة إليها).
(٣) الأقناء: جمع قنو؛ وهو غصن الخل.
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (نقرا؛ أي قليلا؛ وهو صويت يسمع من وقع الإبهام على الوسطى؛ يقال: ما أعطاه نقرا ونقرة؛ أي شيئا؛ ولا يستعمل إلا في النفي).
(٥) الأبيات في المؤتلف والمختلف ١١٧.
(٦) حاشية ف: (يجوز أن يكون (قوت) خبر المبتدأ؛ أي هو قوت؛ ويجوز أن يكون بدلا من مثل نائلهم).
(٧) حاشية ف: (فاتّدعوا: فاستراحوا).
ولأبي دهبل في قتل الحسين بن علي صلوات الله عليهما:
تبيت النّشاوى من أميّة نوّما |
وبالطّفّ قتلى ما ينام حميمها(١) |
|
وما ضيّع الإسلام إلاّ عصابة |
تأمّر نوكاها ودام نعيمها(٢) |
|
وصارت قناة الدّين في كفّ ظالم |
إذا مال منها جانب لا يقيمها |
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى قال:
روى أبو عمرو الشيباني لأبي دهبل قال - ويقال إنها للمجنون:
أأترك ليلى ليس بيني وبينها |
سوى ليلة إني إذا لصبور(٣) |
|
هبوني امرأ منكم أضلّ بعيره |
له ذمّة إنّ الذّمام كبير |
|
ولصاحب المتروك أعظم حرمة |
على صاحب من أن يضلّ بعير(٤) |
|
عفا الله عن ليلى الغداة فإنّها |
إذا وليت حكما عليّ تجور |
وروى أبو عمرو الشيباني لأبي دهبل - وقد رواه أبو تمام في الحماسة له(٥) :
أقول والرّكب قد مالت عمائمهم |
وقد سقى القوم كأس النّشوة السّهر(٦) |
|
ياليت أني بأثوابي وراحلتي |
عبد لأهلك طول الدّهر مؤتجر(٧) |
|
إن كان ذا قدر يعطيك نافلة |
منّا ويحرمنا ما أنصف القدر!(٨) |
____________________
(١) الأبيات في (الأغاني ٦: ١٦٢، ومعجم البلدان ٦: ٥٢)، والطف: أرض في ضاحية الكوفة، كان فيها مقتل الحسين بن عليرضياللهعنه ، وحميمها: أقرباؤها.
(٢) في الأغاني ومعجم البلدان: (وما أفسد الإسلام ).
(٣) الأبيات في الأغاني (٦: ١٦٤، وديوان الحماسة - بشرح التبريزي ٣: ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٤) حاشية ف: (أضللت بعيري إذا شذ عنك وذهب، وضللت الطريق إذا شذذت عنه وذهبت).
(٥) الحماسة - بشرح التبريزي ٣: ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٦) الحماسة: (كأس النشوة).
(٧) حاشية الأصل (من نسخة): (هذا الشهر مؤتجر)، وهي رواية الحماسة.
(٨) وورد بعد هذا البيت في الحماسة:
جنّيّة أو لها جنّ يعلّمها |
رمى القلوب بقوس ما لها وتر |
وأخبرنا المرزباني قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: مثل قول أبي دهبل:
ولو تركونا لا هدى الله أمرهم |
فلم يلحموا قولا من الشّرّ ينسج(١) |
|
لأوشك صرف الدّهر تفريق بيننا |
وهل يستقيم الدّهر والدّهر أعوج! |
قول العجّاج لرؤبة ابنه يشكوه لما استطال عمره، وتمنى موته:
لما رآني أرعشت أطرافي(٢) |
استعجل الدهر وفيه كاف |
يخترم الإلف عن الألاّف
قال ومثله:
عدمت ابن عمّ لا يزال كأنّه |
وإن لم أتره منطو لي على وتر |
|
يعين عليّ الدّهر والدّهر مكتف |
وإن استعنه لا يعنّي على الدّهر |
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه ومثل الجميع قول أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر:
إلى كم يكون العتب في كلّ ساعة |
وكم لا تملّين القطيعة والهجرا |
|
رويدك إنّ الدهر فيه كفاية |
لتفريق ذات البين فانتظري الدّهرا |
____________________
(١) من قصيدة في (الأغاني ٦: ١٥١ - ١٥٢، والشعر والشعراء ٥٩٨ - ٥٩٩)، مطلعها:
تطاول هذا اللّيل ما يتبلّج |
وأعيت غواشي الهمّ ما تتفرّج |
(٢) ديوانه: ٣٩.
[٩]
مجلس آخر المجلس التاسع:
تأويل آية(*) ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ )
إن سأل سائل فقال: ما وجه التّكرار في سورة الكافرين، وما الّذي حسّن إعادة النفي لكونه عابدا ما يعبدون؛ وكونهم عابدين ما يعبد، وذكر ذلك مرة واحدة يغني. وما وجه التكرار أيضا في سورة الرحمن لقوله تعالى:( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) ؛ [سورة الرحمن]، الجواب، يقال له: قد ذكر ابن قتيبة في معنى التّكرار في سورة الكافرين وجها، وهو أن قال: القرآن لم ينزل دفعة واحدة؛ وإنما كان نزوله شيئا بعد شيء، والأمر في ذلك ظاهر، فكأن المشركين أتوا النبيصلىاللهعليهوآله فقالوا له: استلم(١) بعض أصنامنا حتى نؤمن بك؛ ونصدّق بنبوتك، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم:( لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ) ، ثم غبروا مدة من الزمان وجاءوه فقالوا له: اعبد بعض آلهتنا، واستلم بعض أصنامنا يوما أو شهرا أو حولا، لنفعل مثل ذلك بإلهك، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم:
( وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ) ؛ أي إن كنتم لا تعبدون إلهي إلا بهذا الشرط فإنكم لا تعبدونه أبدا.
وقد طعن بعض الناس على هذا التأويل بأن قال: إنه يقتضي شرطا وحذفا لا يدل عليه ظاهر الكلام، وهو شرطه في قوله:( وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ) ؛ وإذا كان ما نفاه عن نفسه من عبادته ما يعبدون مطلقا غير مشروط، فكذلك ما عطفه عليه. وهذا الطعن غير صحيح، لأنه لا يمتنع إثبات شرط بدليل، وإن لم يكن في ظاهر الكلام، ولا يمتنع عطف المشروط على المطلق بحسب قيام الدلالة.
وعن هذا السؤال ثلاثة أجوبة؛ كلّ واحد منها أوضح مما ذكره ابن قتيبة.
____________________
* لم يذكر في الأصل، وأثبته عن ت.
(١) حاشية ف: (من استلام الحجر، وهو التمسح، ويقال: استلأم الحجر، والأصل ترك الهمز) لأنه من السلمة؛ وهي الحجر؛ إلا أن استلأم الحجر جرى في كلامهم مهموزا).
أولها ما حكى عن أبي العباس ثعلب أنه قال: إنما حسن التكرار؛ لأن تحت كلّ لفظة معنى ليس هو تحت الأخرى، وتلخيص الكلام:( قل يا أيها الكافرون: لا أعبد ما تعبدون ) الساعة وفي هذه الحال،( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) في هذه الحال أيضا، فاختصّ الفعلان منه ومنهم بالحال، وقال من بعد:( ولا أنا عابد ما عبدتم ) في المستقبل،( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) فيما تستقبلون، فاختلف(١) المعاني وحسن التكرار لاختلافها، ويجب أن تكون السورة على هذا الجواب(٢) مختصة بمن المعلوم من حاله(٣) أنه لا يؤمن. وقد ذكر مقاتل وغيره أنها نزلت في أبي جهل والمستهزئين، ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد؛ والمستهزءون هم: العاص ابن وائل السّهمي، والوليد بن المغيرة، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وعدي ابن قيس.
والجواب الثاني وهو جواب الفراء أن يكون التكرار للتأكيد؛ كقول المجيب مؤكدا:
بلى بلى، والممتنع مؤكدا: لا لا؛ ومثله قول الله تعالى:( كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ؛ [التكاثر: ٢، ٣]، وأنشد الفراء:
وكائن وكم عندي لهم من صنيعة |
أيادي ثنّوها عليّ وأوجبوا |
وأنشد أيضا:
كم نعمة كانت لكم كم كم وكم
وقال آخر:
نغق الغراب ببين لبنى غدوة |
كم كم وكم بفراق لبنى ينغق |
[٤] وقال آخر:
____________________
(١) ط: (فاختلفت المعاني).
(٢) ساقطة من ط، م.
(٣) ساقطة من ت، م.
أردت لنفسي بعض الأمور |
فأولى لنفسي أولى لها!(١) |
والجواب الثالث - وهو أغربها - أنني لا أعبد الأصنام التي تعبدونها،( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) ؛ أي: أنتم غير عابدين الله الّذي أنا عابده إذ أشركتم به، واتخذتم الأصنام وغيرها معبودة من دونه أو معه، وإنما يكون يكون عابدا له من أخلص له العبادة دون غيره، وأفرده بها؛ وقوله:( وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ) ؛ أي لست أعبد عبادتكم، وما في قوله:( ما عَبَدْتُّمْ ) في موضع المصدر كما قال تعالى:( وَالأرْضِ وَما طَحاها: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ) ؛ [الشمس: ٦، ٧]، أراد: وطحيه إياها وتسويته لها، وقوله تعالى:( ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ) ؛ [غافر: ٧٥]، يريد: بفرحكم ومرحكم؛ قال الشاعر:
ياربع سلاّمة بالمنحنى |
بخيف سلع جادك الوابل(٢) |
|
إن تمس وحشا فبما قد ترى |
وأنت معمور بها آهل(٣) |
أراد فبرؤيتك معمورا آهلا، ومعنى قوله:( وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ) ، أي لستم عابدين عبادتي على نحو ما ذكرناه، فلم يتكرر الكلام إلا لاختلاف المعاني.
وتلخيص ذلك أن النبيصلىاللهعليهوآله قال للكفار لا أعبد آلهتكم، ومن تدعونه من دون الله،( ولا أنتم عابدون ) إلهي، فإن زعمتم أنكم عابدون إلهي فأنتم كاذبون، إذ كنتم من غير الجهة التي أمركم بها تعبدونه، فأنا لا أعبد مثل عبادتكم، ولا أنتم ما دمتم على ما أنتم عليه تعبدون مثل عبادتي.
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (أولى لك: كلمة تحذير، قال الأصمعي: معناه قاربك ما تكره، والولي: القرب، وقد وليه يليه. وقال ثعلب: أصح ما ذكر فى (أولى) قول الأصمعي، وقد قيل فيه غير ذلك، وكان محمد بن الحنفيةعليهالسلام إذا مات جار له يقول: أولى لي! كدت أكون السواد المخترم).
(٢) المنحنى: حيث ينحني السيل؛ أي يميل. والخيف: ما انحدر عن الجبل وارتفع عن المسيل، وبه سمي خيف منى. وسلع: يطلق على جملة مواضع في ديار باهلة وأسد.
(٣) وحشا: خاليا، وبما ترى؛ أي بما كنت قد ترى، وآهل: ذو أهل؛ وفي حاشية ف: (وأنت معمور بها، يجوز أن يتعلق (بها) بمعمور وبآهل جميعا). وفي د، م: (به آهل).
فإن قيل: أما اختلاف المعبودين فلا شبهة فيه، فما الوجه في اختلاف العبادة؟ قلنا:
إنهصلىاللهعليهوآله كان يعبد من يخلص له العبادة ولا يشرك به شيئا، وهم يشركون، فاختلفت عباداتهما(١) ، ولأنه أيضا كان يتقرّب إلى معبوده بالأفعال الشرعية التي تقع على وجه العبادة، وهم لا يفعلون تلك الأفعال، ويتقربون بأفعال غيرها، يعتقدون جهلا أنها عبادة وقربة.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى:( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) ، وظاهر هذا الكلام يقتضي إباحتهم المقام على أديانهم؟ قلنا في هذا ثلاثة أجوبة: أولها أن ظاهر الكلام وإن كان ظاهره إباحة فهو وعيد ومبالغة في النهي والزجر؛ كما قال تعالى:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) ؛ [فصلت: ٤٠]. وثانيها أنه أراد لكم جزاء دينكم، ولي جزاء ديني، فحذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، وثالثها أنه أراد لكم جزاؤكم ولي جزائي؛ لأن نفس الدين هو الجزاء؛ قال الشاعر:
إذا ما لقونا لقيناهم |
ودنّاهم مثل ما يقرضونا |
فأما التكرار في سورة الرحمن فإنما حسن للتقرير بالنّعم المختلفة المعدّدة، فكلما ذكر نعمة أنعم بها قرّر عليها(٢) ، ووبّخ على التكذيب بها؛ كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خولتك الأموال! ألم أحسن إليك بأن خلّصتك من المكاره! ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا! فيحسن منه التكرير(٣) لاختلاف ما يقرره به، وهذا كثير في كلام العرب وأشعارهم
[إيراد طائفة من شعر العرب مما وقع فيه التكرار]
قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبا(٤) :
____________________
(١) ف، حاشية ت (من نسخة): (عبادتاهما).
(٢) ت، ف: (بها.
(٣) حاشية ت (من نسخة): (التكرار).
(٤) من قصيدة مشهورة، مطلعها:
أليلتنا بذي حسم أنيري |
إذا أنت انقضيت فلا تحوري |
وهي في (أمالي القالي ٢: ١٢٩ - ١٣٣) وفي حواشي الأصل، ت، ف: (قبل هذا البيت:
وهمّام بن مرّة قد تركنا |
عليه القشعمان من النّسور |
على أن ليس عدلا من كليب |
إذا طرد(١) اليتيم عن الجزور(١) |
|
على أن ليس عدلا من كليب |
إذا ما ضيم جيران المجير |
|
على أن ليس عدلا من كليب |
إذا رجف العضاه من الدّبور(٢) |
|
على أن ليس عدلا من كليب |
إذا خرجت مخبّأة الخدور |
|
على أن ليس عدلا من كليب |
إذا ما أعلنت نجوى الأمور |
|
على أن ليس عدلا من كليب |
إذا خيف المخوف من الثّغور |
|
على أن ليس عدلا من كليب |
غداة تلاتل الأمر الكبير(٣) |
|
على أن ليس عدلا من كليب |
إذا ما خام جار المستجير(٤) |
وقالت ليلى الأخيليّة ترثي توبة بن الحميّر:
لنعم الفتى ياتوب كنت إذا التقت |
صدور الأعالي واستشال الأسافل(٥) |
|
ونعم الفتى يانوب كنت ولم تكن |
لتسبق يوما كنت فيه تحاول(٦) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (اللئيم).
وفي حواشي الأصل، ت، ف: (قال مهلهل في هذه القطعة قبل هذا البيت مرثية أخيه؛ وهو الّذي ثارت لأجله حرب البسوس؛ وكان سبب تلك الحرب أن كليبا رمى ضرع ناقة البسوس، فانتظم ضرعها، فقتل كليب، وبقيت الحرب فيهم أربعين سنة، وكان في أواخر تلك الحروب يوم التحلاق، وعلى أن ليس عدلا؛ يعني: ليس همام عدلا من كليب؛ ويقال: عندي غلام عدل غلامك [بكسر العين] وهذا المال عدل غلامك [بالفتح]؛ أي قيمته؛ قال الفراء: العدل [بالفتح]: ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل [بالكسر] المثل).
(٢) رجف: تحرك حركة شديدة، والعضاه: كل شجر له شوك؛ وفي حاشية الأصل: (أي كان الزمان شتاء).
(٣) التلاتل: الشدائد، وفي ت، ف: (بلابل)، وفي الأصل ذكر الوجهان معا، وفي الحاشية: (البلابل: الفتن، والتلاتل: الشدائد، وفي شعره بالناء).
(٤) خام: جبن، وفي نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (خار).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (في ديوانها: (العوالي)، وهي رواية ف أيضا.
(٦) ف، ونسخة بحاشيتي الأصل، ت: (تجاول)، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (في نسخة شعرها:
ونعم الفتى ياتوب كنت قديمة |
على الخيل تمريها ونعم المنازل |
وقديمة؛ أي مدة قديمة، ويجوز أن تكون قديمة بمعنى مقدامة. وتمريها، تحلبها الجرية.
ونعم الفتى ياتوب كنت لخائف |
أتاك لكي يحمى ونعم المجامل(١) |
|
ونعم الفتى ياتوب جارا وصاحبا |
ونعم الفتى ياتوب حين تفاضل(٢) |
|
لعمري لأنت المرء أبكي لفقده |
بجدّ ولو لامت عليه العواذل |
|
[لعمري لأنت المرء أبكي لفقده |
ويكثر تسهيدي له لا أوائل](٣) |
|
لعمري لأنت المرء أبكي لفقده |
ولو لام فيه ناقص الرائي جاهل(٤) |
|
لعمري لأنت المرء أبكي لفقده |
إذا كثرت بالملحمين التلاتل(٥) |
|
أبى لك ذمّ الناس ياتوب كلما |
ذكرت أمور محكمات كوامل |
|
أبى لك ذمّ الناس ياتوب كلّما |
ذكرت سماح حين تأوي الأرامل |
|
فلا يبعدنك الله ياتوب إنّما |
لقيت حمام الموت والموت عاجل |
|
ولا يبعدنك الله ياتوب إنها |
كذاك المنايا عاجلات وآجل |
|
ولا يبعدنك الله ياتوب والتقت |
عليك الغوادي المدجنات الهواطل(٦) |
فخرجت في هذه الأبيات من تكرار إلى تكرار لاختلاف المعاني التي عددناها على نحو ما ذكرناه(٧) .
____________________
(١) كذا في الأصل، ف؛ وفي ت: (المحامل)، وفي حاشيتها: (المحامل؛ من الحمالة؛ وهي الدية).
(٢) ف، وحاشية ت (من نسخة): (تناضل)، وحاشية الأصل (من نسخة): تقاتل).
(٣) زيادة من م وحاشيتي ط، ف.
(٤) م: (ناقص العقل).
(٥) ت: (البلابل)، وفي حاشية ف: (الملتحم: الّذي أشرف على القتل؛ فكأنه جعل لحما، والتلاتل: جمع تلتلة، وهي مضاعف من الرباعي، يقال: تلة وتلتلة؛ كما يقال: كبة وكبكبة؛ قال تعالى:
( فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ) ، والتلاتل: الأمور العظام).
(٦) المدجنات: السحائب المظلمة، والهطلان: تتابع المطر والدمع.
(٧) حاشية ف: (في الجليس والأنيس: من أعجب ما روي في قصتهما أن ليلى الأخيلية بعد موت توبة تزوجت، ثم إن زوجها بعد ذلك مرّ بقبر توبة وليلى معه، فقال لها: يا ليلى؛ هل تعرفين هذا القبر؟
فقالت: لا، فقال: هذا قبر توبة فسلمي عليه، فقالت: امض لشأنك؛ فما تريد من توبة وقد بليت عظامه؟ -
وقال الحارث بن عباد -:
قرّبا مربط النّعامة منّي |
لقحت حرب وائل عن حيال(١) |
ثم كرر قوله: (قرّبا مربط النعامة) في أبيات كثيرة من القصيدة للمعنى الّذي ذكرناه.
وقالت ابنة عم للنعمان بن بشير ترثي زوجها:
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا |
أقام ونادى صحبه برحيل |
|
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا |
ضروب بنصل السّيف غير نكول |
|
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا |
جواد بما في الرّحل غير بخيل |
|
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا |
خفيف على الحدّاث غير ثقيل |
|
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا |
صروم كماضي الشّفرتين صقيل |
وهذا المعنى أكثر من أن نحصيه. وهذا هو الجواب عن التكرار في سورة المرسلات بقوله تعالى:( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) .
____________________
قال: أريد تكذيبه؛ أليس هو الّذي يقول:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت |
عليّ ودوني تربة وصفائح |
|
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا |
إليها صدى من جانب القبر صائح |
فو الله، لابرحت أو تسلمي عليه؛ فقالت: (السلام عليك ياتوبة ورحمك الله، وبارك لك فيما صرت إليه؛ فإذا طائر قد خرج من القبر حتى ضرب صدرها، فشهقت شهقة فماتت، فدفنت إلى جانب قبره، فنبتت على قبره شجرة، وعلى قبرها شجرة، فطالتا والتفتا).
(١) مربط؛ ضبطت بالقلم في الأصل، بالفتح والكسر معا، وفي حاشية ف: (ما كان على فعل يفعل، بالضم فالمصدر والموضع منه مفعل بالفتح، وما كان على فعل يفعل بالكسر فالمصدر مفعل، بالفتح، والموضع مفعل، بالكسر، وما كان على يفعل بالفتح فكلاهما فيه بالفتح). وفي حاشية الأصل: (الحيال: ألا تحمل الناقة أو الفرس؛ يعني أن الحرب لقحت بعد أن كانت لا تحمل).
وقد ورد هذا البيت في (أمالي القالي ٣: ٢٦)، وبعده:
لم أكن من جناتها علم اللّ |
ه وإنّي بحرّها اليوم صال |
|
قربا مربط النعامة مني |
إن بيع الكرام بالشّسع غال |
فإن قيل: إذا كان الّذي حسّن التكرار في سورة الرحمن ما عدّده من آلائه، ونعمه فقد عدّد في جملة ذلك ما ليس بنعمة، وهو قوله:( يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ) [آية: ٣٥]، وقوله:( هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) (١) [آية: ٤٣، ٤٤]. فكيف يحسن أن يقول بعقب هذا:( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) وليس هذا من الآلاء والنعم؟ قلنا: الوجه في ذلك أن فعل العقاب وإن لم يكن نعمة فذكره ووصفه والإنذار به من أكبر النعم، لأن في ذلك زجرا عمّا يستحقّ به العقاب وبعثا على ما يستحق به الثواب، فإنما أشار بقوله تعالى:( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) ، بعد ذكر جهنم والعذاب فيها إلى نعمته بوصفها والإنذار بعقابها، وهذا مما لا شبهة(٢) في كونه نعمة.
فصل [في أخبار الدهريين والزنادقة المتهتكين ممن كانوا في صدر الإسلام]
قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى ذو المجدين أدام الله علوّه: وكما أنه كان في الجاهلية وقبل الإسلام وفي ابتدائه قوم يقولون بالدهر، وينفون الصانع، وآخرون مشركون يعبدون غير خالقهم، ويستنزلون الرزق من غير رازقهم أخبر الله تعالى عنهم في كتابه، وضرب لهم الأمثال، وكرّر عليهم البينات والأعلام، فقد نشأ بعد هؤلاء جماعة ممن يتستّر بإظهار الإسلام ويحقن بإظهار شعاره والدخول في جملة أهله دمه وماله زنادقة ملحدون، وكفار مشركون؛ فمنعهم(٣) عزّ الإسلام عن المظاهرة والمجاهرة، وألجأهم خوف القتل إلى المساترة؛ وبلية هؤلاء على الإسلام وأهله أعظم وأغلظ، لأنهم يدغلون في الدين، ويموّهون على المستضعفين، بجأش رابط، ورأي جامع؛ فعل من قد أمن الوحشة، ووثق بالأنسة، بما يظهره(٤) من لباس الدين، الّذي هو منه على الحقيقة عار، وبأثوابه غير متوار، كما يحكى أنّ عبد الكريم بن أبي العوجاء قال لما قبض عليه محمد بن سليمان، وهو والي الكوفة من قبل
____________________
(١) حاشية ف: (الحميم: الماء الحار، والآني: الّذي بلغ نهايته).
(٢) ش: (وهذا لا شبهة).
(٣) ش: (فقمعهم).
(٤) ش: (فيما يظهره).
المنصور، وأحضره للقتل، وأيقن بمفارقة الحياة(١) : لئن قتلتموني لقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة(٢) .
والمشهورون من هؤلاء الوليد بن يزيد بن عبد الملك، والحمادون: حمّاد الراوية، وحمّاد ابن الزّبرقان، وحمّاد عجرد؛ وعبد الله بن المقفع، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، وبشار بن برد، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد الحارثي، وصالح بن عبد القدوس الأزدي، وعليّ بن خليل الشّيباني، وغير هؤلاء ممن لم نذكره؛ وهم وإن كان عددهم كثيرا فقد أقلهم الله وأذلهم(٣) بما شهدت به دلائله الواضحة، وحججه اللائحة على عقولهم من الضعف، وآرائهم من السّخف.
ونحن نذكر من أخبار كلّ واحد ممن ذكرناه وتهمته في دينه نبذة(٤) ، ونومئ فيها إلى جملة(٥) . والّذي دعانا إلى التشاغل بذلك - وإن كانت عنايتنا بغيره أقوى - مسئلة من نرى إجابته، ونؤثر موافقته، فتكلفناه له ومن أجله، مع أنه غير خال من فائدة ينفع علمها، ويتأدب بروايتها وحفظها.
***
[أخبار الوليد بن يزيد بن عبد الملك]
أما الوليد(٦) فكان مشهورا بالإلحاد، متظاهرا بالعناد، غير محتشم في اطّراح الدين أحدا،
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (الدنيا).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (موضوعة).
(٣) في ت، د: (وأذلهم وأرذلهم).
(٤) نبذة، بفتح النون وضمها.
(٥) في ت، د: (جملة كافية).
(٦) حواشي الأصل، ت، ف: (هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان؛ ويكنى أبا العباس، قتله يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان المتولي لذلك عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، وكانت ولايته الملعونة سنة وشهرين ونيفا وعشرين ليلة، وقتل وقد بلغ من السن اثنتين وأربعين سنة، وقتل معه ولداه الحكم وعثمان، وكان يقال لهما الجملان). وانظر أخبار الوليد في (الأغاني ٦: ٩٨ - ١٣٧، والعقد ٤: ٤٥٢ - ٤٦٣).
ولا مراقب فيه بشرا؛ وفي الحديث أنه ولد لأخي أم سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآله غلام فسمّوه الوليد، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : (سمّيتموه بأسماء فراعنتكم! ليكوننّ في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، لهو شرّ على هذه الأمة من فرعون على قومه). قال الأوزاعي:
فسألت الزّهري عنه فقال: إن استخلف الوليد بن يزيد، وإلاّ هو الوليد بن عبد الملك.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال: حدّثني محمد بن إبراهيم قال: حدّثنا محمد بن يزيد النحوي قال: كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك قد عزم على أن يبني فوق البيت الحرام قبّة يشرب عليها الخمور، ويشرف على الطّواف، فقال بعض الحجبة(١) : لقد رأيت المجوسي البنّاء فوق الكعبة؛ وهو يقدّر مواضع أركان القبة، فلم تمس(٢) تلك الليلة حتى وافى الخبر بقتل الوليد.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرني عبد الله بن يحيى العسكري عن أبي إسحاق الطّلحي قال أخبرني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي العالية عن بعض أهل العلم قال:
قال يزيد بن الوليد - وهو الملقّب بالناقص(٣) لما ولي: نشدت الله رجلا سمع شيئا من الوليد إلا أخبر به! فقام ثور بن يزيد فقال: أشهد لسمعته(٤) وهو يقول:
اسقياني وابن حرب |
واسترانا بإزار |
|
واتركا من طلب الجنّة |
يسعى في خسار |
|
سأسوس النّاس حتى |
يركبوا دين الحمار(٥) |
وأخبرنا المرزباني قال: أخبرني أحمد بن خالد النخّاس قال: حدثنا محمد بن مكحول قال:
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (بعض الطواف).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (فلم تمض).
(٣) ش: (الملقب الناقص)، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (قيل له الناقص لأنه كان نقص أعطياتهم).
(٤) ش: (لقد سمعته).
(٥) في حاشيتي الأصل، ف: (أي حتى ينزو بعضهم على بعض كما تتنازى الحمير).
نشر الوليد بن يزيد يوما المصحف، وكان خطّه كأنّه أصابع، وجعل يرميه بالسهام وهو يقول(١) :
تذكّرني الحساب ولست أدري |
أحقّا ما تقول من الحساب |
|
فقل للّه يمنعني طعامي |
وقل للّه يمنعني شرابي |
قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى أدام الله علوه: ويله من هذه الجرأة على الله ويلا طويلا! وما أقدر الله أن يمنعه طعامه وشرابه وحياته! وما أولاه اللعين بأليم العذاب وشديد العقاب! لولا ما تتمّ به المحنة، وينتظم به التكليف؛ من تأخير المستحق من الثواب والعقاب، وتبعيدهما من أحوال الطاعات والمعاصي.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال: حدثني أحمد بن كامل قال: كان الوليد بن يزيد زنديقا وإنه فتح(٢) المصحف يوما فرأى فيه:( وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) ؛ [إبراهيم: ١٥]، فاتخذ المصحف غرضا ورماه بالنّبل حتى مزّقه؛ وهو يقول:
أتوعد كلّ جبّار عنيد |
فها أنا ذاك جبّار عنيد |
|
فإن لاقيت ربّك يوم حشر |
فقل ياربّ خرّقني الوليد(٣) |
***
____________________
(١) ت: (وهو يقول).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (افتتح).
(٣) حاشية ف: (أخبر أبو حاتم عن العتبي قال: كان الوليد بن يزيد قد نظر إلى جارية من أهيإ النساء يقال لها: سفرى، فجن بها، وجعل يراسلها وتأبى عليه؛ حتى بلغه أن عيدا للنصارى قد قرب، وأنها ستخرج فيه، وكان في موضع العيد بستان حسن، وكان النساء يدخلنه، فصانع الوليد صاحب البستان أن يدخله فينظر إليها؛ فنابعه، وحضر الوليد وقد تقشف وغير حليته، ودخلت سفرى البستان، فجعلت تمشي حتى انتهت إليه، فقالت لصاحب البستان: من هذا؟ قال لها: رجل مصاب، فجعلت تمازحه وتضاحكه حتى اشتفى من النظر إليها ومن حديثها؛ فقيل لها: ويلك! أتدرين من ذلك الرجل؟ قالت: لا، -
[أخبار حماد الراوية]
وأما حمّاد الرواية فكان منسلخا من الدين، زاريا على أهله، مدمنا لشرب الخمور وارتكاب الفجور.
وقال عمرو بن بحر الجاحظ: كان منقذ بن زياد الهلالي، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، وحفص بن أبي ودّة(١) ، وقاسم بن زنقطة، وابن المقفّع، ويونس بن أبي فروة، وحمّاد عجرد وعليّ بن الخليل، وحمّاد بن أبي ليلى الرواية، وحمّاد بن الزّبرقان، ووالبة بن الحباب، وعمارة بن حمزة بن ميمون، ويزيد بن الفيض، وجميل بن محفوظ المهلّبي، وبشار ابن برد المرعّث، وأبان اللاّحقي؛ يجتمعون على الشّرب وقول الشعر، ويهجو بعضهم بعضا، وكلّ منهم متّهم في دينه(٢) .
____________________
فقيل لها: الوليد بن يزيد؛ وإنما تقشف حتى ينظر إليك؛ فجنت بعد ذلك، وكانت عليه أحر منه عليها، فقال الوليد في ذلك:
أضحى فؤادك ياوليد عميدا |
صبّا قديما للحسان صيودا |
|
من حبّ واضحة العوارض طفلة |
برزت لنا نحو الكنيسة عيدا |
|
ما زلت أرمقها بعيني وامق |
حتى بصرت بها تقبّل عودا |
|
عود الصّليب، فويح نفسي من رأى |
منكم صليبا مثله معبودا! |
|
فسألت ربّي أن أكون مكانه |
وأكون في لهب الجحيم وقودا |
قال القاضي: لم يبلغ مدرك الشيباني هذا الحد من الخلاعة؛ إذ قال في عمرو النصراني:
ياليتني كنت له صليبا |
فكنت معه أبدا قريبا |
|
أبصر حسنا وأشمّ طيبا |
لا واشيا أخشى ولا رقيبا |
فلما ظهر أمره وعلمه الناس قال:
ألا حبّذا سفرى وإن قيل إنّني |
كلفت بنصرانيّة تشرب الخمرا |
|
يهون عليّ أن تظلّ نهارها |
إلى اللّيل لا أولى نصلّي ولا عصرا |
(١) ش: (ودة)، بفتح الواو، وضبط في الأصل بالفتح والضم معا.
(٢) حاشية ف: (حدث أبو الحسن بن راهويه قال: صلى يحيى بن معلى الكاتب - وكان في مجلس فيه أبو نواس، ووالبة بن الحباب، وعلي بن الخليل، والحسين بن الخليع - صلاة، فقرأ فيها -
وعمل يونس بن أبى فروة كتابا في مثالب العرب وعيوب الإسلام بزعمه، وصار به إلى ملك الروم، فأخذ منه مالا. وقال أحمد بن يحيى النحوي قال رجل يهجو حمّاد الراوية:
نعم الفتى لو كان يعرف ربّه |
ويقيم وقت صلاته حمّاد |
|
بسطت مشافره الشّمول فأنفه |
مثل القدوم يسنّها الحدّاد |
|
وابيضّ من شرب المدامة وجهه |
فبياضه يوم الحساب سواد |
|
لا يعجبنّك بزّه ولسانه |
إنّ المجوس يرى لها أسباد(١) |
وكان حمّاد مشهورا بالكذب في الرواية وعمل الشعر، وإضافته إلى الشعراء المتقدمين ودسّه في أشعارهم؛ حتى إن كثيرا من الرواة قالوا: قد أفسد حمّاد الشعر، لأنه كان رجلا يقدر على صنعته فيدس في شعر كل رجل منهم(٢) ما يشاكل طريقته، فاختلط لذلك الصحيح بالسقيم؛ وهذا الفعل منه، وإن لم يكن دالاّ على الإلحاد فهو فسق وتهاون بالكذب في الرواية(٣) .
***
[أخبار حمّاد بن الزّبرقان]
وأما حمّاد بن الزّبرقان فهذه طريقته في التخرّم(٤) والتهتك؛ أخبرنا أبو الحسن عليّ
____________________
- قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ فغلط، فلما سلم، فقال أبو نواس:
أكثر يحيى غلطا |
في (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ) |
فقال والبة:
قام طويلا ساكتا |
حتّى إذا أعيا سجد |
فقال علي بن الخليل:
يزحر في محرابه |
زحير حبلى للولد |
فقال الحسين بن الخليع:
كأنّما لسانه |
شدّ بحبل من مسد |
(١) حاشية الأصل: (جمع سبد؛ وهو المال، وهاهنا كناية عن الثياب واللباس).
(٢) ساقطة من م.
(٣) توفي حماد الراوية سنة ١٥٥. (وانظر ترجمته في ابن خلكان ١: ١٦٤ - ١٦٥).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (الفجور)، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (التخرم:
التهتك، وهو أيضا التدين بدين الخرمية؛ وهم أهل التناسخ).
ابن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا الأشنانداني قال: دعا حمّاد بن الزبرقان(١) أبا الغول النّهشلي إلى منزله وكانا يتقارضان(٢) ، فانتهره أبو الغول، فلم يزل المفضّل به حتى أجابه، وانطلق معه، فلما رجع إلى المفضّل قال: ما صنعت أنت وحماد؟ قال: اصطلحنا على ألاّ آمره بالصلاة، ولا يدعوني إلى شرب الخمر، وأنشد المفضّل قوله:
* نعم الفتى لو كان يعرف ربّه*
وذكر الأبيات التي تقدّمت في الرواية الأخرى منسوبة إلى هجاء حماد الرواية.
***
[أخبار حمّاد عجرد]
فأما حمّاد عجرد فشهرته في الضّلالة كشهرة الحمّادين، وكان يرمى مع ذلك بالتّثنية.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني عليّ بن عبد الله الفارسي قال أخبرني أبي قال حدّثني ابن مهرويه(٣) قال حدثني عليّ بن عبد الله بن سعد قال حدّثني السّري بن الصّباح الكوفي قال: دخلت على بشّار بالبصرة، فقال لي: ياأبا عليّ، أما إنّي قد أوجعت صاحبكم، وبلغت منه - يعني حمّاد عجرد - فقلت: بماذا ياأبا معاذ؟ فقال: بقولي فيه:
ياابن نهيا رأس عليّ ثقيل |
واحتمال الرّأسين خطب جليل |
|
فادع غيري إلى عبادة ربّين |
فإني بواحد مشغول |
فقلت لم(٤) أدعه في عماه؟ ثم قلت له: قد بلغ حمادا هذا الشعر، وهو يرويه على خلاف هذا قال: فما يقول؟ قلت يقول:
فادع غيري إلى عبادة ربّين |
فإني عن واحد مشغول |
قال فلما سمعه أطرق وقال: أحسن والله ابن الفاعلة! ثم قال: إنني لا أحتشمك، فلا تنشد أحدا هذين البيتين؛ وكان إذا سئل عنهما بعد ذلك قال: ما هما لي!
____________________
(١) انظر ترجمته ومراجعها في (إنباه الرواة ١: ٣٣٠ - ٣٣٢).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (يتقارضان: يتجازيان؛ ويقال ذلك في الخير والشر جميعا، أي يقرض بعضهم بعضا الهجاء).
(٣) ص: (مهرويه)، بفتح الميم وسكون الهاء وضم الراء وبعدها واو ساكنة وياء مفتوحة).
(٤) م: (لن أدعه).
وأخبرنا المرزباني قال أخبرني عليّ بن هارون عن عمه يحيى بن عليّ عن عمر بن شبّة قال حدّثني خلاّد الأرقط قال قال بشار: بلغني أن رجلا كان يقرأ القرآن وحمّاد ينشد الشعر، فاجتمع الناس على القارئ فقال حمّاد: علام تجتمعون؟ فو الله ما أقول(١) أحسن مما يقول! فمقته الناس على هذا.
وروى ابن شبّة عن أبي عبيدة قال: كان حمّاد عجرد يعيّر بشارا بالقبح؛ لأنه كان عظيم الجسم، مجدورا، طويلا، جاحظ العينين، قد تغشّاهما لحم أحمر؛ فلما قال حماد فيه:
والله ما الخنزير في نتنه |
بربعه في النّتن أو خمسه |
|
بل ريحه أطيب من ريحه |
ومسّه ألين من مسّه |
|
ووجهه أحسن من وجهه |
ونفسه أفضل من نفسه |
|
وعوده أكرم من عوده |
وجنسه أكرم من جنسه |
فقال بشار: ويلي على الزّنديق! لقد نفث بما في صدره، قيل: وكيف ذاك؟ قال:
ما أراد الزّنديق إلا قول الله تعالى:( لَقَدْ خَلَقْنَا الآنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) ؛ [التين: ٤]، فأخرج الجحود بها مخرج هجائي، وهذا خبث من بشار وتغلغل شديد لطيف.
وأول من جعل نفي الإلحاد تأكيدا للوصف به، وأخرج ذلك مخرج المبالغة مساور الوراق في حمّاد عجرد فقال:
لو أنّ ماني وديصانا وعصبتهم |
جاءوا إليك لما قلناك زنديق |
|
أنت العبادة والتّوحيد مذ خلقا |
وذا التّزندق نيرنج مخاريق(٢) |
[أخبار ابن المقفع، وإيراد بعض كلامه]
فأما ابن المقفع(٣) فإنّ جعفر بن سليمان روى عن المهدي أنه قال: ما وجدت كتاب
____________________
(١) ش: (لما أقول).
(٢) توفي حماد عجرد سنة ١٦١؛ (وانظر ترجمته في ابن خلكان ١: ١٦٥ - ١٦٦)
(٣) حاشية ف: (هو الّذي يقول:
قد سلم السّاكت الصّموت |
كلام راعي الكلام قوت |
|
لا تفش سرّا إلى جدار |
فربّما نمّت البيوت |
|
وا عجبا لامرئ ضحوك! |
مستيقن أنّه يموت |
زندقة قط إلاّ وأصله ابن المقفع. روى ابن شبّة قال: حدّثني من سمع ابن المقفع وقد مر ببيت نار المجوس(١) بعد أن أسلم، فلمحه وتمثّل:
يابيت عاتكة الّذي أتعزّل |
حذر العدا وبه الفؤاد موكّل(٢) |
|
إنّي لأمنحك الصّدود وإنني |
قسما إليك مع الصّدود لأميل(٣) |
وروى أحمد بن يحيى ثعلب قال: قال ابن المقفع يرثي يحيى بن زياد - وقال الأخفش:
والصحيح أنه يرثي بها ابن أبي العوجاء:
رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله |
فلله ريب الحادثات بمن وقع! |
|
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا |
ذوي خلّة ما في انسداد لها طمع |
|
لقد جرّ نفعا فقدنا لك أنّنا |
أمنّا على كلّ الرّزايا من الجزع |
قال ثعلب: البيت الأخير يدلّ على مذهبهم في أن الخير ممزوج بالشر، والشرّ ممزوج بالخير.
وأخبرني عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدّثني المغيرة بن محمد المهلّبي من حفظه قال حدثنا خالد بن خداش قال: كان الخليل بن أحمد يحب أن يرى
____________________
(١) ش: (نار) للمجوس.
(٢) حاشية الأصل: (هذان البيتان للأحوص بن محمد بن عاصم بن أبي الأفلح حمي الدبر، وكان حمي الدبر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبلى ذات يوم بلاء حسنا فاضطغن المشركون عليه، ولما قتل أراد المشركون أن يمثلوا بجثته، وكان قبل المحاربة، قد رفع يديه وقال: اللهم احفظ جثتي من المشركين، فلما قتل رحمه الله بعث الله جماعة من النحل، فلم تزل عنده تحميه حتى هجم عليه الليل، فجاء سيل فاحتمله، فلم ير المشركون جثته).
والبيتان من قصيدة له يمدح فيهما عمر بن عبد العزيز؛ وهي في (الأغاني ١٨: ١٩٦ - ١٩٧) وأبيات منها في الخزانة (١: ٢٤٨)؛ وهي عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية. وأنعزل:
أتجنب وأكون بمعزل، والعدا: جمع عدو؛ يقال بالضم والكسر.
(٣) أمنحك: أعطيك؛ والبيت من شواهد الكافية، على أن (قسما) تأكيد للقسم المفهوم من قوله: (إني لأمنحك الصدود).
عبد الله بن المقفّع، وكان ابن المقفّع يحب ذلك، فجمعهما عبّاد بن عبّاد المهلبي فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهنّ، فقيل للخليل: كيف رأيت عبد الله؟ قال: ما رأيت مثله، وعلمه أكبر من عقله، وقيل لابن المقفّع: كيف رأيت الخليل؟ قال: ما رأيت مثله، وعقله أكبر من علمه. قال المغيرة: فصدقا، أدّى(١) عقل الخليل الخليل إلى أن مات أزهد الناس(١) ، وجهل ابن المقفّع أدّاه إلى أن كتب أمانا لعبد الله بن عليّ فقال فيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبد الله فنساؤه طوالق؛ ودوابّه حبس(٢) ، وعبيده أحرار، والمسلمون في حلّ من بيعته. فاشتد ذلك على المنصور جدّا وخاصة أمر البيعة، وكتب إلى سفيان بن معاوية المهلّبي وهو أمير البصرة من قبله بقتله، فقتله.
وكان ابن المقفع مع قلّة دينه جيّد الكلام، فصيح العبارة، له حكم وأمثال مستفادة؛ من ذلك ما روي من أن يحيى بن زياد الحارثي كتب إليه يلتمس معاقدة الإخاء والاجتماع على المودّة والصفاء، فأخّر جوابه، فكتب إليه كتابا آخر يسترثيه، فكتب إليه عبد الله:
إنّ الإخاء رقّ؛ فكرهت أن أملّكك رقّي قبل أن أعرف حسن ملكتك.
وكان يقول: (ذلّل نفسك بالصبر على الجار السوء، والعشير السوء، والجليس السوء، فإنّ ذلك لا يكاد يخطئك).
وكان يقول: (إذا نزل بك أمر مهمّ فانظر؛ فإن كان ممّا له حيلة فلا تعجز، وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع).
ودعاه عيسى بن عليّ إلى الغداء فقال: (أعزّ الله الأمير! لست يومي هذا للكرام بأكيل)، قال: ولم؟ قال: (لأنّي مزكوم والزّكمة قبيحة الجوار، مانعة من عشرة الأحرار).
وكتب إلى بعض إخوانه: (أمّا بعد، فتعلّم العلم ممّن هو أعلم به منك، وعلّمه من
____________________
(١ - ١) حاشية الأصل (من نسخة): (فإن عقل الخليل أداه إلى أن مات أزهد الناس).
(٢) الحبس، بالضم: ما وقف؛ وهو جمع الحبيس؛ وفي الحديث: (ذلك حبيس في سبيل الله)، أي موقوف على الغزاة، يركبونه في الجهاد.
أنت أعلم به منه، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت).
وقال لبعض الكتّاب: (إياك والتتبّع لوحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك هو العي الأكبر).
وقال لآخر: (عليك بما سهل من الألفاظ؛ مع التجنّب لألفاظ السّفلة).
وقيل له: ما البلاغة؟ فقال: (التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنه يحسن مثلها).
وقال: (لا تحدّث من تخاف تكذيبه، ولا تسأل من تخاف منعه، ولا تعد بما لا تقدر على(١) إنجازه، ولا تضمن ما لا تثق بالقدرة عليه، ولا ترج ما تعنّف برجائه، ولا تقدم(٢) على ما تخاف العجز عنه).
وقال لبعض إخوانه: (إذا صاحبت ملكا فاعلم أنّهم قد ينسبون إلى قلة الوفاء، فلا تشعرنّ قلبك استبطاءه، فإنه لم يشعر أحد قلبه إلاّ ظهر على لسانه إن كان سخيفا(٣) ، وعلى وجهه إن كان حليما).
وكان يقول: (إنّ مما سخّى بنفس العالم عن الدنيا علمه بأن الأرزاق لم تقسم فيها على قدر الأخطار)(٤) .
***
[أخبار ابن أبي العوجاء]
فأما ابن أبي العوجاء فقد ذكرنا ما روى من اعترافه بدسّه في أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله أحاديث مكذوبة. وروي أنه رأى عدلا قد كتب عليه آية الكرسي فقال لصاحبه:
لم كتبت هذا عليه؟ فقال: لئلا يسرق، فقال: قد رأينا مصحفا سرق!.
ولبشّار فيه:
قل لعبد الكريم ياابن أبي العو |
جاء بعت الإسلام بالكفر موقا(٥) |
____________________
(١) ش: (ولا تعد ما لا تقدر عليه).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (لا تتقدم).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (سفيها).
(٤) توفي ابن المقفع سنة ١٤٢، وانظر ترجمته وأخباره في كتاب أمراء البيان (١: ٩٩ - ١٢٩).
(٥) الأبيات في الأغاني (٣: ٢٥)، والموق: الحمق في غباوة.
لا تصلّي ولا تصوم فإن صم |
ت فبعض النّهار صوما رقيقا(١) |
|
لا تبالي إذا أصبت من الخم |
ر عتيقا ألاّ تكون عتيقا |
|
ليت شعري غداة حلّيت في الجن |
د حنيفا حلّيت أم زنديقا(٢) |
***
[أخبار بشّار بن برد]
فأمّا بشّار بن برد فروى المازني قال: قال رجل لبشّار: أتأكل اللحم وهو مباين لديانتك؟ - يذهب إلى أنّه ثنوي(٣) - فقال بشار: إنّ هذا اللحم يدفع عنّي شرّ هذه الظلمة.
قال المبرّد: ويروى أنّ بشارا كان يتعصّب للنار على الأرض، ويصوّب رأي إبليس في الامتناع عن السجود، وروي له:
النّار مشرقة والأرض مظلمة |
والنّار معبودة مذ كانت النّار |
وروى بعض أصحابه قال: كنا إذا حضرت الصلاة نقوم إليها، ويقعد بشار، فنجعل حول ثيابه(٤) ترابا؛ لننظر: هل يصلّي، فنعود والتراب بحاله ولم يقم إلى الصّلاة.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدّثني علي بن عبد الله الفارسي قال: أخبرني أبي قال: حدّثني ابن مهرويه عن أحمد بن خلاّد قال: حدثني أبي قال: كنت أكلّم بشارا وأردّ عليه سوء مذهبه بميله إلى الإلحاد، فكان يقول: لا أعرف إلا ما عاينت أو عاينه معاين؛ وكان الكلام يطول بيننا، فقال لي: ما أظنّ الأمر(٥) ياأبا مخلد إلا كما يقال: إنه خذلان؛ ولذلك أقول:
____________________
(١): ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (رفيقا).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (المحلى: العارض للجيش، أي أن العارض إذا كتب اسمه كتبه مسلما أو زنديقا).
(٣) الثنوية: فرقة من الكفرة تزعم باثنينية الإله؛ إله للخير وهو النور، وإله للشر وهو الظلمة، وانظر (الملل والنحل للشهرستاني ١٤٣، وكشاف اصطلاحات الفنون ١: ١٩٨ - ١٩٩).
(٤) ت، وحاشية الأصل (من نسخة) (حوالي ثوبه).
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (ما أظن ما الأمر ).
طبعت على ما في غير مخيّر |
هواي ولو خيّرت كنت المهذّبا |
|
أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد |
وغيّب عنّي أن أنال المغيّبا |
|
وأصرف عن قصدي وعلمي مبصر |
فأمسي وما أعقبت إلاّ التّعجّبا |
قال الجاحظ: كان بشّار صديقا لواصل بن عطاء الغزّال قبل أن يظهر مذاهبه المكروهة، وكان بشّار مدح واصل بن عطاء، وذكر خطبته التي نزع منها الراء(١) ، وكانت على البديهة فقال:
تكلّف القول والأقوام قد حفلوا |
وحبّروا خطبا ناهيك من خطب! |
|
فقام مرتجلا تغلي بداهته |
كمرجل القين لما حفّ باللهب(٢) |
|
وجانب الرّاء لم يشعر به أحد |
قبل التّصفّح والإغراق في الطّلب |
ومثل ذلك قول بعضهم في واصل بن عطاء:
ويجعل البرّ قمحا في تكلّمه |
وجانب الرّاء حتّى احتال للشّعر |
|
ولم يقل مطرا والقول يعجله |
فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر |
فلما أظهر بشار مذاهبه هتف(٣) به واصل، وقام بذكره وتكفيره وقعد، فقال بشار فيه:
ما لي أشايع غزّالا له عنق |
كنقنق الدّوّ إن ولى وإن مثلا(٤) |
|
عنق الزّرافة ما بالي وبالكم |
تكفّرون رجالا أكفروا رجلا(٥) |
____________________
(١) نشرها الأستاذ عبد السلام هارون في المجموعة الثانية من نوادر المخطوطات.
(٢) حاشية الأصل: (من نسخة): (فقال مرتجلا)؛ والقين في الأصل: الحداد؛ ثم قيل لكل عامل بالنار: قين، وأراد بالقين هاهنا الصباغ).
(٣) هتف به: فضحه، والهتاف في الأصل الصياح.
(٤) النقنق بكسر النونين: ذكر النعام، والدو والدوية والداوية: الفلاة.
(٥) حواشي الأصل، ت، ف: (عنق، نصب على الذم؛ شبه واصلا بالزرافة، والزرافة: الحيوان المعروف، وعنقه أصحابه؛ يقال: هم إليه عنق؛ أي متتابعون).
فلما تتابع على واصل ما يشهد بإلحاده قال عند ذلك: أما لهذا الأعمى الملحد! أما لهذا المشنّف المكتنى(١) بأبي معاذ من يقتله! أما والله لولا أنّ الغيلة سجية من سجايا الغالية لدسست إليه من ييعج بطنه في جوف منزله على مضجعه، أو في يوم حفله، ثم كان لا يتولّى ذلك إلاّ عقيلي أو سدوسي، فعدل واصل بن عطاء من الضّرير إلى الأعمى، ومن الكافر إلى الملحد، ومن المرعّث إلى المشنّف، ومن بشّار إلى أبي معاذ، ومن الفراش إلى المضجع وزاد قوم فقالوا: ومن أرسلت إلى دسست، ومن يبقر إلى يبعج، ومن داره إلى منزله، ومن المغيريّة(٢) إلى الغالية، والأول أشبه بأن يكون مقصودا، وما ذكرت(٣) ثانيا قد يتّفق استعماله من غير عدول عن استعمال الراء.
فأما قوله: (لا يتولّى ذلك إلا عقيلي(٤) أو سدوسي)(٤) فلأن بشارا كان مولى لهم، وذكره بني سدوس لأن بشارا كان ينزل فيهم. فأما لقب بشّار بالمرعّث فقد قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه لقّب بذلك لبيت قاله وهو:
قال ريم مرعّث |
فاتر الطّرف والنّظر |
|
لست والله قاتلي(٥) |
قلت أو يغلب القدر |
والقول الثاني أنّه كان لبشّار ثوب له جيبان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فكان إذا أراد لبسه يضمّه عليه ضمّا، من غير أن يدخل رأسه فيه، فشبّه استرسال الجيبين وتدلّيهما بالرّعاث، وهي القرطة، فقيل: المرعّث، وقال أبو عبيدة: إنّما سمّي المرعّث لأنه كان يلبس في صباه رعاثا، وهذا هو القول الثالث.
وكان بشّار مقدما في الشعر جدا حتى إن كثيرا من الرّواة يلحقه بمن تقدّم عصره عليه
____________________
(١) ت، د، حاشية الأصل (من نسخة): (المكنى).
(٢) المغيرية: فرقة من غلاة الشيعة، أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي، وكان مولى لخالد بن عبد الله القسري، وادعى النبوة لنفسه. (وانظر مفاتيح العلوم ٢٠، والفرق بين الفرق ٢٢٩).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (وما ذكر).
(٤ - ٤) ساقط من م.
(٥) ت، ج، ش: (نائلي).
من المجوّدين. وأخبرنا المرزباني عن محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا محمد بن الحسين اليشكريّ(١) قال: قيل لأبي حاتم: من أشعر الناس؟ قال الّذي يقول:
ولها مبسم كغرّ الأقاحي |
وحديث كالوشي وشي البرود |
|
نزلت في السّواد من حبّة القل |
ب ونالت زيادة المستزيد |
|
عندها الصّبر عن لقائي وعندي |
زفرات يأكلن صبر الجليد |
- يعني بشارا؛ قال: وكان يقدّمه على جميع الناس، ولما قال بشار:
بني أميّة هبّوا طال نومكم |
إنّ الخليفة يعقوب بن داود(٢) |
|
ضاعت خلافتكم ياقوم فالتمسوا |
خليفة الله بين الزّقّ والعود(٣) |
فبلغ ذلك المهدي فوجد عليه، وكان ذلك سبب قتله(٤) .
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي ت، ف: (محمد الحسن السكري).
(٢) هو أبو عبد الله يعقوب بن داود وزير المهدي، (وانظر أخباره وتفصيل أسباب قتله، في الفخري ١٦٠ - ١٦٣).
(٣) ت، ج، د، ف: (الناي والعود).
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (كان حماد عجرد قال في بشار:
له مقلة عمياء واست بصيرة |
إلى الأير من تحت الثّياب تشير |
فقال بشار: - وكتب بها إلى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان حماد يعلم ولده:
ياأبا الفضل لا تنم |
وقع الذّئب في الغنم |
|
إنّ حمّاد عجرد |
إن رأى سوءة هجم |
|
بين فخذيه حربة |
في غلاف من الأدم |
|
كلّما غبت ساعة |
مجمج الميم بالقلم |
فقال العباس: ما لي ولبشار! اصرفوا حمادا عني، فقال حماد: لقد فرق بيني وبين رزقي بشعره، وسوف أفرق بينه وبين حياته بشعر أقوله، فقال:
بني أميّة هبّوا طال نومكم |
إنّ الخليفة يعقوب بن داود |
|
ضاعت خلافتكم ياقوم فالتمسوا |
خليفة الله بين الزّقّ والعود |
ونسبهما إلى بشار، فبلغ ذلك المهدي فقتله (وكان مقتل بشار سنة ١٦٧. (وانظر ترجمته ومراجعها في الشعر والشعراء: ٧٣٣ - ٧٣٦).
[١٠]
مجلس آخر [المجلس العاشر:]
[أخبار مطيع بن إياس:]
فأما مطيع بن إياس الكناني(١) فأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني عن عليّ بن هارون عن عمه يحيى بن عليّ عن أبي أيوب المدني عن أحمد بن إبراهيم الكاتب قال أخبرني أبي قال: رأيت بنتا لمطيع بن إياس قد أتى بها في أول أيام الرشيد، فأقرّت بالزّندقة وقراءتها وتابت، وقالت: هذا شيء علمنيه أبي، فقبل الرشيد توبتها، وردها إلى أهلها.
وقال محمد بن داود بن الجراح في أخبار مطيع بن إياس أنه كان يرمى بالزّندقة، وروي أنه لما حضرته الوفاة أحاط به أهل بيته، فأقبلوا يقولون له: قل يامطيع: لا إله إلا الله، فلا يقول حتى إذا صارت نفسه في(٢) ثغرته كرّ يتنفس(٢) ، ثم أهوى إلى الكلام، فقالوا له:
قل لا إله إلا الله، فتكلم كلاما ضعيفا فتسمّعوا له، فإذا هو يقول:
لهف نفسي على الزّمان وفي |
أي زمان دهتني الأزمان |
|
حين جاء الرّبيع واستقبل الصّي |
ف وطاب الطّلاء والريحان(٣) |
قال المرزباني: وهذا الحديث يرويه(٤) الهيثم بن عدي ليحيى بن زياد.
***
[أخبار يحيى بن زياد الحارثي:]
فأما يحيى بن زياد الحارثي(٥) فهو يحيى بن زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان
____________________
(١) انظر مطيع بن إياس وأخباره في (الأغاني ١٢ - ٧٥ - ١٠٥).
(٢) ت، د، ف: (ثغرته تنفس)، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (في ثغرة نحره تنفس). ط: (في ثغراته تنفس).
(٣) الطلاء: الخمر.
(٤) حاشية ت (من نسخة): (رواه).
(٥) انظر يحيى بن زياد في (معجم الشعراء للمرزباني ٤٩٧ - ٤٩٨).
ابن الديان الحارثي الكوفي. وزياد بن عبيد الله هو خال أبي العباس السّفاح، ويكنى يحيى أبا الفضل، وكان يعرف بالزّنديق: وكانوا إذا وصفوا إنسانا بالظّرف قالوا: هو أظرف من الزّنديق - يعنون يحيى - لأنه كان ظريفا، وهذا المعنى قصد أبو نواس بقوله:
* تيه مغنّ وظرف زنديق*(١)
قال الصولي: وإنما قال ذلك لأن الزّنديق لا يرع عن شيء(٢) ولا يمتنع ممّن يدعى(٣) إليه، فنسبه إلى الظّرف لمساعدته على كل شيء، وقلة خلافه.
وروي أنه قيل ليحيى بن زياد - وهو يجود بنفسه - قل: لا إله إلا الله، فقال:
* لم يبق إلاّ الغبط والجلاجل(٤) *
ثم أغمى عليه، فلما أفاق أعيد عليه القول فقال:
* وبازل تغلي به المراجل*(٥)
وروى محمد بن يزيد قال: قال مطيع بن إياس يرثي يحيى بن زياد - وكانا جميعا مرميّين بالخروج عن الملة:
يا أهل بكّوا لقلبي القرح |
وللدّموع الهوامل السّفح(٦) |
|
راحوا بيحيى إلى مغيّبة |
في القبر بين التّراب والصّفح(٧) |
____________________
(١) ديوانه: ٨٩، وصدره:
* وصيف كأس محدّثه ملك*
(٢) في حاشيتي ت، ف: (يقال: ورع يرع ورعا، ورعة، فهو ورع؛ أي تقي).
(٣) م: (لا يدع شيئا).
(٤) ت، ش، ف: (والخلاخل)، د: (القرط والخلاخل). والغبيط: الرحل؛ وهو للنساء يشد على الهودج. وفي حاشيتي الأصل: (الغبيط: قنب يأخذ جميع ظهر البعير).
(٥) البازل: البعير إذا كان في التاسعة؛ سمي بذلك لأنه يبزل نابه؛ أي ينشق.
(٦) ت، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (السواكب).
(٧) الصفح: جمع صفيحة؛ وهي الحجارة العراض.
راحوا بيحيى ولو تساعدني ال |
أقدار لم يبتكر ولم يرح(١) |
|
ياخير من يحسن البكاء له ال |
يوم ومن كان أمس للمدح |
|
قد ظفر الحزن بالسّرور وقد |
أديل مكروهنا من الفرح |
ولمطيع يرثيه:
انظر إلى الموت كيف بادهه |
والموت مقدامة على البهم(٢) |
|
لو قد تدبّرت ما صنعت به |
قرعت سنّا عليه من ندم |
|
فاذهب بمن شئت إذ ذهبت به |
ما بعد يحيى للرّزء من ألم |
***
[أخبار صالح بن عبد القدّوس:]
وأمّا صالح بن عبد القدّوس فكان متظاهرا بمذاهب الثّنوية، ويقال إن أبا الهذيل العلاّف ناظره فقطعه، ثم قال له: على أي شيء تعزم ياصالح؟ فقال: أستخير الله وأقول بالاثنين، فقال أبو الهذيل: فأيهما استخرت لا أمّ لك!!
وروي أنّ أبا الهذيل ناظره في مسألة مشهورة في الامتزاج الّذي ادّعوه بين النور والظلمة فأقام عليه الحجة فانقطع، وأنشأ يقول:
أبا الهذيل هداك الله يارجل |
فأنت حقّا لعمري معضل جدل |
وروي أنّه رؤي يصلي صلاة تامة الرّكوع والسجود، فقيل له: ما هذا ومذهبك معروف! قال: سنّة البلد، وعادة الجسد، وسلامة الأهل والولد.
ويقال إنّه لما أراد المهدي قتله على الزندقة دحا إليه بكتاب وقال له: اقرأ هذا، قال:
وما هو؟ قال: كتاب الزّندقة، قال صالح: أو تعرفه أنت ياأمير المؤمنين إذا قرأته؟ قال:
لا، قال: أفتقتلني على ما لا تعرف! قال: فإني أعرفه، قال صالح: فقد عرفته ولست بزنديق؛ وكذلك أقرؤه ولست بزنديق
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (لم تبتكر ولم ترح).
(٢) البهم: جمع بهمة؛ وهو الشجاع.
وذكر محمد بن يزيد المبرّد قال: ذكر بعض الرواة أنّ صالحا لما نوظر فيما قذف به من الزندقة بحضرة المهدي قال له المهدي: ألست القائل في حفظك ما أنت عليه:
ربّ سرّ كتمته فكأنّي |
أخرس أو ثنى لساني خبل |
|
ولو أنّي أبديت للنّاس علمي |
لم يكن لي في غير حبسي أكل |
قال صالح: فإني أتوب وأرجع، فقال له المهدي: هيهات! ألست القائل:
والشّيخ لا يترك أخلاقه |
حتّى يوارى في ثرى رمسه |
|
إذا ارعوى عاوده جهله(١) |
كذي الضّنى عاد إلى نكسه(٢) |
ثم قدّم فقتل، ويقال إنه صلبه على الجسر ببغداذ.
ومن شعره(٣) وهو في الحبس:
خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها |
فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى |
|
إذا دخل السّجّان يوما لحاجة |
عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا |
|
ونفرح بالرّؤيا فجلّ حديثنا |
إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرّؤيا(٤) |
____________________
(١) ف، حاشية ت (من نسخة): (عاد إلى جهله).
(٢) حاشية الأصل: (عاد إلى نكسه؛ أي عاد إلى غيه رجوع الناقة من المرض).
(٣) وردت هذه المقطوعة في إنباه الرواة ١: ٦٢، ومعجم الأدباء ٣: ١٥٥، منسوبة إلى صالح ابن عبد القدوس، وفي المحاسن والأضداد ٤٥ - ٤٦ منسوبة إلى عبد الله بن معاوية، وفي عيون الأخبار ١: ٨١ - ٨٢، من غير عزو، وورد منها البيت الأول والثاني في رسالة الغفران ١٤٢ منسوبين لولد صالح، وفي مقدمة اللزوميات: ٢٧ منسوبين لرجل كان في السجن على عهد ملوك بني العباس، يقال إنه من ولد صالح بن عبد القدوس، ومطلعها:
إلى الله أشكو إنّه موضع الشّكوى |
وفي يده كشف المضرّة والبلوى |
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (هذا المعنى للأحنف العكبري وإن كان قريب اللفظ:
وأعلم في المنام بكلّ خير |
فأصبح لا أراه ولا يراني |
|
وإن أبصرت شرّا في منامي |
لقيت الشّرّ من قبل الأذان |
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت |
وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى |
|
طوى دوننا الأخبار سجن ممنّع |
له حارس تهدا العيون ولا يهدا |
|
قبرنا ولم ندفن فنحن بمعزل |
من النّاس لا نخشى، فنغشى ولا نغشى |
|
ألا أحد يأوي لأهل محلّة |
مقيمين في الدّنيا وقد فارقوا الدّنيا |
قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين أدام الله علوّه: وأظنّ أن ابن الجهم لحظ قول صالح: (فنغشى ولا نغشى(١) ) في قوله يصف الحبس:
بيت يجدّد للكريم كرامة |
ويزار فيه ولا يزور ويحفد(٢) |
***
[أخبار علي بن الخليل:]
وأما عليّ بن الخليل فذكر محمد بن داود قال: كان عليّ بن الخليل - وهو مولى يزيد بن مزيد الشّيباني، ويكنى أبا الحسن، وهو كوفي - متّهما بالزّندقة، فطلبه الرشيد عند قتله الزنادقة، فاستتر طويلا، ثم قصد الرّقة(٣) وبها الرشيد، فمدحه ومدح الفضل بن الربيع.
وروي(٤) أنّه لما قعد الرشيد للمظالم بالرّقة حضر شيخ حسن الهيئة، حسن الخضاب، معه قصيدة، فأشار بها، فأمر الرشيد بأخذها منه، فقال: ياأمير المؤمنين، أنا أحسن قراءة لها من غيري، فأذن لي في قراءتها، ففعل، فقال: إني شيخ كبير، ولا آمن
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (حمله السيدرضياللهعنه على أن قوله: (فغشى ) كلام مستأنف، وأن الغشيان واقع، والبيت الّذي ذكر أنه نظر إليه يدل على ذلك؛ ومراد الشاعر غير هذا والله أعلم؛ وهو أن يكون (تغشى) منصوبا بإضمار أن بعد الفاء التي تجيء بعد النفي، ويكون غشيان الناس إياهم منفيا).
(٢) يحفد: يخدم، وفي م: (يحمد)، والبيت من قصيدة قالها في الحبس حين حبسه المتوكل؛ وهي في ديوانه ص ٤٥، والمحاسن والأضداد ٤٣، وأولها:
قالت حبست فقلت ليس بضائري |
حبسي وأي مهنّد لا يغمد |
(٣) الرقة: مدينة مشهورة على الجانب الأيسر للفرات بولاية حلب؛ وهي وطن ربيعة الرقي الشاعر المشهور.
(٤) الخبر في (الأغاني ١٣: ١٣ - ١٤).
الاضطراب إذا قمت، فإن رأيت أن تأذن لي في الجلوس فعلت، فقال: اجلس، فجلس، ثم أنشأ يقول:
ياخير من وخدت بأرحله |
نجب الرّكاب بمهمه جلس(١) |
|
تطوى السّباسب في أزمّتها |
طي التّجار عمائم البرس(٢) |
|
لما رأتك الشّمس طالعة |
سجدت لوجهك طلعة الشّمس |
|
خير الخلائف(٣) أنت كلّهم |
في يومك الماضي وفي أمس |
|
وكذاك لا تنفكّ خيرهم |
تمسي وتصبح فوق ما تمسي |
|
من عصبة طابت أرومتها |
أهل العفاف ومنتهى القدس |
|
فوق النّجوم فروع نبعتهم |
ومع الحضيض منابت الغرس |
|
إنّي رحلت إليك من فزع |
كان التّوكّل عنده ترسي |
|
ما ذاك إلاّ أنّني رجل |
أصبو إلى بقر من الإنس |
|
بقر أوانس لا قرون لها |
يقتلن بالتّطويل والحبس |
|
وأجاذب الفتيان بينهم |
صهباء مثل مجاجة الورس |
|
للماء في حافاتها حبب |
نظم كطي صحائف الفرس(٤) |
|
والله يعلم في بنيّته |
ما إن أضعت إقامة الخمس |
فقال له هارون: من أنت؟ قال: عليّ بن الخليل الّذي يقال إنه زنديق، قال: أنت آمن، وكتب إلى حمدويه ألاّ يعرض له.
ومن تركنا ذكره من هؤلاء أكثر ممن ذكرناه، وإنما اعتمدنا من كان بهذه البليّة
____________________
(١) وخدت: أسرعت، ونجب: جمع نجيب، وهو وصف للناقة الخفيفة السريعة، والمهمّة: البلد الفقر، والجلس: الغليظ من الأرض.
(٢) السباسب: جمع سبسب؛ وهي الفلاة، والتجار: جمع تجر، وتجر: جمع تاجر؛ كقولهم:
صاحب وصحب وصحاب، والبرس: القطن.
(٣) م: (الخلائق).
(٤) حاشية الأصل: (ذكر س: الحباب طرائق الماء، والحبب ما يعلو المائعات من النفاخات).
أشهر، وأمره فيها أظهر، وأوردنا مع ذلك قليلا من كثير، وجملة من تفصيل.
***
[الكلام على أن أصول مذهب أهل العدل مأخوذة من كلام علي بن أبي طالب:]
وإذ قد ذكرنا جملة من أخبار أهل الضلالة، والمنقادين للجهالة، حسب ما سئلنا، فنحن نتبعها بشيء من أخبار أهل التوحيد والعدل، وملح حكاياتهم، ومستحسن ألفاظهم، ليعلم الفرق بين من ربحت بيعته، وبين من خسرت صفقته، فقد سألنا أيضا ذلك.
اعلم أن أصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - وخطبه، فإنها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه، ومن تأمل المأثور في ذلك من كلامه علم أنّ جميع ما أسهب المتكلمون من بعد في تصنيفه وجمعه، إنما هو تفصيل لتلك الجمل، وشرح لتلك الأصول، وروي عن الأئمة من أبنائهعليهمالسلام من ذلك ما يكاد لا يحاط به كثرة، ومن أحب الوقوف عليه، وطلبه من مظانه أصاب منه الكثير الغزير، الّذي في بعضه شفاء للصدور السقيمة، ونتاج للعقول العقيمة؛ ونحن نقدّم على ما نريد ذكره شيئا مما روي عنهم في هذا الباب.
[فقر من كلام علي بن أبي طالب والأئمة من أبنائه]
فمن ذلك ما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام (١) وهو يصف الله تعالى: (بمضادّته(٢) بين الأشياء علم أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأمور علم أن لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة، والخشونة باللين، واليبوسة بالبلل، والصّرد(٣) بالحرور؛ مؤلّف بين متعادياتها(٤) ، مفرّق بين متدانياتها).
____________________
(١) ت: (عليهالسلام أنه قال وهو يصف ).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (أي بنصب المضادة بين الضدين يستدل على أن لا ضد له؛ لأن من يقدر على ذلك لا بد أن يكون متوحدا بصفات الجلال، التي تحيل أن يكون للموصوف بها ضد).
(٣) في حاشيتي ت، ف: (الصرد: البرد؛ وهو فارسي معرب، يقال: يوم صرد وصرد [بسكون الراء وفتحها]، وصرد الرجل [بكسر الراء] يصرد صردا [بفتحها]).
(٤) ف، ونسخة بحاشيتي الأصل، ف: (متباعداتها).
وروي عنهعليهالسلام أنه سئل: بم عرفت ربك؟ فقال: بما عرّفني به، قيل: وكيف عرّفك؟ فقال: (لا تشبهه صورة، ولا يحسّ بالحواسّ الخمس، ولا يقاس بقياس الناس). وقيل لهعليهالسلام : كيف يحاسب الله الخلق؟ فقال: كما يرزقهم، فقيل: كيف يحاسبهم ولا يرونه؟
فقال؛ كما يرزقهم ولا يرونه.
وسأله رجل فقال: أين كان ربّك قبل أن يخلق السماء والأرض؟ فقالعليهالسلام :
أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان.
وروي عن أبي عبد الله الصّادق(١) عليهالسلام أنه سأله محمد الحلبي فقال له: هل رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ربّه؟ قال: نعم رآه بقلبه، فأما ربّنا جلّ جلاله فلا تدركه أبصار الناظرين، ولا تحيط به أسماع السامعين.
وروى صفوان بن يحيى قال: دخل أبو قرّة المحدّث على أبي الحسن الرّضا(٢) عليهالسلام فسأله(٣) عن أشياء من الحلال والحرام والأحكام والفرائض، حتى بلغ إلى التوحيد، فقال له أبو قرّة: إنا روينا أن الله تعالى قسم الكلام والرؤية، فقسم لموسى الكلام، ولمحمدصلىاللهعليهوآله الرؤية، فقال الرّضاعليهالسلام : فمن المبلّغ عن الله تعالى إلى الثّقلين: الجنّ والإنس أنه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء؟ أليس محمدعليهالسلام نبيا صادقا؟
قال: بلى، قال: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله تعالى يدعوهم إليه بأمره، ويقول: لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء، ثم يقول:
____________________
(١) هو الإمام ابو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمه فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، ولد بالمدينة سنة ٨٠، وروى عن أبيه وجده القاسم وطبقتهما، وقد ألف تلميذه جابر بن حيات الصوفي كتابا في ألف ورقة يتضمن رسائله؛ وتوفي سنة ١٤٨، ودفن بالبقيع؛ (شذرات الذهب ١: ٢٢٠).
(٢) هو الإمام أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، ثامن الأئمة الاثنى عشر، توفي بطوس سنة ٢٠٤، وصلى عليه المأمون؛ ودفن بجانب الرشيد. (شذرات الذهب ٢: ٦).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (فساء له).
سأراه بعيني وأحيط به علما؛ أما تستحيون ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله تعالى بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر! قال أبو قرّة: فإنه يقول:( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ) ؛ [النجم: ١٣، ١٤]، فقالعليهالسلام : ما بعد هذه الآية يدلّ على ما رأى؛ حيث يقول:( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ) ؛ [النجم: ١١]، يقول ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى، فقال:( لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ) ؛ [النجم: ١٨]، وآيات الله غير الله، وقد قال الله تعالى:( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ؛ [طه: ١١٠]، فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم. فقال أبو قرّة: فأكذّب بالرؤية؟ فقال الرضاعليهالسلام : إذن القرآن كذّبها، وما أجمع عليه المسلمون أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء.
وأتى أعرابي أبا جعفر محمد بن عليّعليهماالسلام (١) فقال له: هل رأيت ربّك حين(٢) عبدته؟ فقال: لم أكن لأعبد شيئا لم أره، فقال: كيف رأيته؟ فقال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، بل رأته القلوب بحقائق الإيمان؛ لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالنّاس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجور في قضيّته؛ هو الله الّذي لا إله إلا هو. فقال الأعرابي: الله أعلم حيث يجعل رسالاته!
وروي أنّ شيخا حضر صفّين مع أمير المؤمنينعليهالسلام فقال له: أخبرنا ياأمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء من الله تعالى وقدر؟ قال له: نعم ياأخا أهل الشام، والّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، ما وطئنا موطئنا، ولا هبطنا واديا، ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدر، فقال الشامي: عند الله أحتسب عنائي ياأمير المؤمنين، وما أظنّ أن لي أجرا في سعيي إذ كان الله قضاه عليّ وقدّره! فقال لهعليهالسلام : إن الله قد أعظم
____________________
(١) هو الإمام أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم؛ أحد الأئمة الاثنى عشر؛ توفي ببغداد سنة ٢٢٠؛ (شذرات الذهب ٢: ٤٨).
(٢) ش: (حتى).
لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليها مضطرين، ولا عليها مجبرين.
فقال الشامي: وكيف ذاك والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟
فقال لهعليهالسلام : ياأخا أهل الشام، لعلّك ظننت قضاء لازما، وقدرا حتما؛ لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من الله والنهي، وما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء، والمسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن؛ تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وقدريّة هذه الأمة ومجوسها؛ إنّ الله أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلّف يسيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا، ولم يكلّف عسيرا، ولم يرسل الأنبياء لعبا، ولم ينزّل الكتب إلى عباده عبثا، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا؛ ذلك ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار!
قال الشامي: فما القضاء والقدر الّذي كان مسيرنا بهما وعنهما؟ قال: الأمر من الله بذلك والحكم، ثم تلا:( وَكانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَقْدُوراً ) ؛ [الأحزاب: ٣٨]، فقام الشامي فرحا مسرورا لما سمع هذا المقال، وقال: فرّجت عني فرّج الله عنك ياأمير المؤمنين، وأنشأ يقول:
أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته |
يوم الحساب من الرّحمن غفرانا(١) |
|
أوضحت من أمرنا(٢) ما كان ملتبسا |
جزاك ربّك بالإحسان إحسانا(٣) |
وروي أنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت قال: دخلت المدينة، فرأيت أبا عبد الله [جعفر ابن عليّ](٤) عليهالسلام ، فسلّمت عليه، وخرجت من عنده، فرأيت(٥) ابنه موسى(٦) عليهالسلام
____________________
(١) حاشية ف: (في رواية* يوم النشور من الرحمن رضوانا*).
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (أوضحت من ديننا).
(٣) حاشية ف: (في رواية:* جزاك ربك عنا فيه إحسانا*).
(٤) تكملة من ت.
(٥) ت، ش: (فأتيت).
(٦) هو المعروف بموسى الكاظم، أحد الأئمة الاثنى عشر؛ توفي سنة ١٨٣؛ (شذرات الذهب ١: ٣٠٤)
في دهليزه، قاعدا في مكتبه، وهو صغير السن فقلت له: أين يحدث(١) الغريب إذا كان(٢) عندكم وأراد ذلك؟ فنظر إليّ ثم قال: يتجنّب شطوط الأنهار، ومساقط(٣) الثمار، وأفنية الدور، والطرق النافذة، والمساجد، ويضع ويرفع بعد ذلك حيث شاء. قال: فلما سمعت هذا القول نبل في عيني، وعظم في قلبي. فقلت له: جعلت فداك! فممّن المعصية؟ فنظر إلي ثم قال:
اجلس حتى أخبرك، فجلست، فقال: إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد أو من ربه، أو منهما جميعا؛ فإن كانت من الله تعالى فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده، ويأخذه بما لم يفعله، وإن كان منهما فهو شريكه؛ والقوي أولى بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر، وإليه توجّه النهي، وله حق الثواب والعقاب، ووجبت الجنة والنار، قال:
فلما سمعت ذلك قلت:( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ؛ [آل عمران: ٣٤]، وقد نظم هذا المعنى شعرا فقيل:
لم تخل أفعالنا اللاّتي نذمّ لها |
إحدى ثلاث خلال حين نأتيها |
|
إمّا تفرّد بارينا بصنعتها |
فيسقط اللّوم عنّا حين ننشيها |
|
أو كان يشركنا فيها فيلحقه |
ما سوف يلحقنا من لائم فيها |
|
أو لم يكن لإلهي في جنايتها |
ذنب فما الذّنب إلاّ ذنب جانيها(٤) |
***
[أخبار الحسن بن أبي الحسن البصري وشيء من كلامه:]
وأحد من تظاهر من المتقدمين بالقول بالعدل، الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار، من أهل ميسان، مولى لبعض الأنصار، وكان اسم أمه خيرة، مملوكة لأمّ سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويقال إن أمّ سلمة كانت تأخذ الحسن إذا بكى فتسكّته بثديها،
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (يضع).
(٢) م: (الرجل).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (ومسقط).
(٤) في حواشي الأصل، ت، ف: (زيادة في آخر هذه القطعة:
سيعلمون إذا الميزان شال بهم |
أهم جنوها أم الرّحمن جانيها |
- من الجني -).
فكان يدرّ عليه، فيقال إنّ الحكمة التي أوتيها الحسن من ذلك، وبلغ الحسن من السن تسعا وثمانين سنة.
فمن تصريحه بالعدل ما رواه عليّ بن الجعد(١) قال: سمعت الحسن يقول: من زعم أن المعاصي من الله عز وجلّ جاء يوم القيامة مسودّا وجهه، ثم قرأ:( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ) ؛ [الزمر: ٦٠]. وقال داود بن أبي هند:
سمعت الحسن يقول: كلّ شيء بقضاء وقدر(٢) إلا المعاصي.
وكان الحسن بارع الفصاحة، بليغ المواعظ، كثير العلم. وجميع كلامه في الوعظ وذم الدنيا أو جلّه مأخوذ لفظا ومعنى، أو معنى دون لفظ؛ من كلام أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالبعليهالسلام ، فهو القدوة والغاية(٣) .
فمن ذلك قولهعليهالسلام : (شيئان أحدهما مأخوذ من الآخر، أحدهما أكثر شيء في الدنيا، والآخر أقلّ شيء في الدنيا: العبر والاعتبار).
وقولهعليهالسلام : (مثل الدنيا والآخرة، مثل المشرق والمغرب، متى ازددت من أحدهما قربا، ازددت من الآخر بعدا).
وقوله: (شتّان بين عملين: عمل تذهب لذّته، وتبقى تبعته، وعمل تذهب مئونته ويبقى أجره).
وقوله في وصف الدنيا: (ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من صحّ فيها أمن(٤) ، ومن فرّط فيها ندم، ومن استغنى
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (علي بن الجعد لم يلق الحسن؛ فإن عليا مات سنة ثلاثين ومائتين، والحسن مات سنة عشر ومائة، وولد عليّ بن الجعد سنة أربع وثلاثين ومائة. قال القتيبي: علي بن الجعد مولى أم سلمة المخزومية، امرأة أبي العباس أمير المؤمنين، وولد سنة ست وثلاثين ومائة، ومات ببغداد سنة ثلاثين ومائتين، وفيها مات عبد الله بن طاهر).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (بقضاء الله وقدره).
(٣) ت: (فهو في ذلك القدوة والغاية).
(٤) حاشية ف: (قوله: من صح فيها أمن، يعني أن الإنسان إذا صح جسمه أمن الأهوال الدنيوية والأخروية، وإذا مرض ندم على التقصير).
فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن).
وقوله في كلام له: (فيا أيها الذّامّ للدنيا، والمعتلّ(١) بغرورها، متى استذمّت(٢) إليك؟
بل متى غرّتك؟ أبمضاجع آبائك من الثّرى؟ أم بمنازل أمّهاتك من البلى؟ كم مرّضت بكفّيك؟ وكم عالجت بيديك؟ تبتغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطبّاء؛ مثّلت لك بهم الدنيا نفسك، وبمصرعهم مصرعك).
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: وهذا باب إن ولجناه اغترفنا من ثبج(٣) بحر زاخر، أو شؤبوب(٤) غمام ماطر؛ وكلّ قول في هذا الباب لقائل إذا أضيف إليه، أو قويس به كان كإضافة القطرة إلى الغمرة(٥) ، أو الحصاة إلى الحرّة(٦) ، وإنما أشرنا إليه إشارة، وأومأنا إليه إيماء، ثم نعود إلى ما كنا فيه.
روي أن أعرابيا سمع كلام الحسن البصري فقال: المؤمن فصيح إذا لفظ، نصيح إذا وعظ.
وروي أن الحسن تلا يوما:( إِنَّا عَرَضْنَا الأمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأرْضِ وَالْجِبالِ ) ؛ [الأحزاب: ٧٢]، ثم قال: (إنّ قوما غدوا في المطارف(٧) العتاق، والعمائم الرّقاق، يطلبون الإمارات، ويضيّعون الأمانات، يتعرّضون للبلاء وهم منه في عافية؛ حتى إذا أخافوا من فوقهم من أهل العفّة، وظلموا من تحتهم من أهل الذمّة أهزلوا(٨) دينهم، وأسمنوا براذينهم، ووسّعوا دورهم، وضيّقوا قبورهم؛ ألم ترهم قد جدّدوا الثياب،
____________________
(١) ت، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (المغتر).
(٢) حاشية الأصل: (قولهعليهالسلام استذمت، أي فعلت ما تلام عليه).
(٣) ثبج البحر: وسطه أو معظمه.
(٤) الشؤبوب: الدفعة من المطر.
(٥) الغمرة: الماء الكثير الّذي يغمر من خاض فيه.
(٦) الحرة: أرض سوداء ذات حصى.
(٧) المطارف: جمع مطرف؛ وهو كساء من خز ذو أعلام.
(٨) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (هزلوا).
وأخلقوا الدين، يتّكي أحدهم على شماله، فيأكل من غير ماله؛ طعامه غصب، وخدمه سخرة؛ يدعو بحلو بعد حامض، وبحارّ بعد بارد، ورطب(١) بعد يابس؛ حتى إذا أخذته الكظّة، تجشّأ من البشم، ثم قال: ياجارية، هاتي حاطوما (يعني هاضوما) يهضم الطّعام؛ ياأحيمق! لا والله لن تهضم إلا دينك، أين جارك! أين يتيمك! أين مسكينك! أين ما أوصاك الله عزّ وجلّ به!).
وذكر يوما الحجاج فقال: (أتانا أعيمش أخيفش، له جميمة يرجّلها، وأخرج إلينا بنانا قصارا، والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله، فقال: بايعوني، فبايعناه، ثم رقى هذه الأعواد ينظر إلينا بالتصغير، وننظر إليه بالتعظيم؛ يأمرنا بالمعروف ويجتنبه، وينهانا عن المنكر ويرتكبه).
وروى عيسى بن عمر قال: قال الحسن: (إنّ هذه القلوب طلعة(٢) فاقدعوها، فإنّكم إن تطيعوها تنزع بكم إلى شرّ غاية، وحادثوا هذه النفوس، فإنها سريعة الدّثور).
قال عيسى بن عمر: فحدثت بذلك أبا عمرو بن العلاء، فعجب من فصاحته.
وكان يقول في بعض كلامه: (ما يشاء أن ترى أحدهم أبيّض بضّا، يملخ في الباطل ملخا، ينفض مذرويه ويقول: ها أنا ذا فاعرفوني).
قال: فالبضّ، هو الرّخص اللّحم، وليس هو من البياض على ما يظنّه قوم؛ لأنه قد تكون الرّخاصة مع الأدمة. وأما قوله (يملخ) فإن الملخ هو التّثنّي والتكسّر، يقال ملخ الفرس إذا لعب(٣) ؛ قال رؤبة يصف الحمار:
* معتزم التّجليح ملاّخ الملق(٤) *
____________________
(١) ف، ونسخة بحاشيتي ت، ف: (وبرطب).
(٢) الطلعة: الكثيرة التطلع إلى الشيء؛ أي أنها كثيرة الميل إلى هواها تشتهيه حتى تهلك صاحبها، قال في اللسان: (وبعضهم يرويه بفتح الطاء وكسر اللام، وهو بمعناه، والمعروف الأول).
(٣) في اللسان (ملخ) وحاشيتي ت، ف: (يملخ في الباطل ملخا؛ أي يمر فيه مرا سريعا).
(٤) الاعتزام: المضي على جهة واحدة، والتجليح: شدة الإقدام، والملق: ما استوى من الأرض. -
والمذروان(١) : فرعا الأليتين: قال عنترة:
أحولي(٢) تنفض استك مذرويها |
لتقتلني فها أنا ذا عمارا |
هذا قول أبي عبيد؛ وقال ابن قتيبة ردّا عليه: ليس المذروان فرعي الأليتين حسب؛ بل هما الجانبان من كل شيء؛ تقول العرب: جاء فلان يضرب أصدريه، ويضرب عطفيه، وينفض مذرويه، وهما منكباه. وذكر أنه سمع رجلا من فصحاء العرب يقول: قنّع الشيب مذرويه، يريد جانبي رأسه، وهما فوداه، وإنما سمّي بذلك، لأنّهما يذريان؛ أي
____________________
وفي حواشي الأصل، ت، ف: وقبله:
* إذا تتلاّهنّ صلصال الصّعق*
- أي تلا الحمار الأتن، والصلصال: المصوت، والصعق: شدة الصوت؛ وحمار صعق: شديد الصوت) وبعده:
* يرمي الجلاميد بجلمود مدق*
والبيت من أرجوزته التي مطلعها:
* وقاتم الأعماق خاوي المخترق*
وهي في (ديوانه ١٠٤ - ١٠٨)، وأبيات منها مشروحة في (الخزانة ١: ٣٨ - ٤٤).
(١) حاشية ف: (قوله المذروان؛ أي أطراف الأليتين، وليس بمثنى على واحد هو مذرى، خلافا لما يقوله أبو عبيد؛ إذ لو كان ذلك كذلك لكان مذريان؛ لأن الواو إذا وقعت رابعة فصاعدا قلبت ياء قياسا؟؟؟ ألا ترى إلى المذرى الّذي يميز به الطعام إذا ثني يقال (مذريان)؛ فقوله: (مذروان؟؟؟
الأليتين، كذا ورد عنهم في صورة التثنية، وإن لم يكن تثنية لواحد مذكور).
(٢) ت، د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): (أنحوى)، وهو يخاطب عمارة بن زياد العبسي وكان بلغه أنه يقول لقومه: قد أكثرتم ذكر هذا العبد؛ وددت أني لقيته خاليا حتى يعلم أنه عبد؛ وبعده:
متى ما تلقني فردين ترجف |
روانف أليتيك وتستطارا |
والروانف أعلى الأليتين؛ والبيتان من قطعة في (حماسة ابن الشجري: ٨، واللآلئ ٤٨٣، والخزانة ٣: ٣٦٢).
يشيبان، والذّرى والذّروة(١) الشيب، قال: وهذا أصل الحرف، ثم استعير للمنكبين، والأليتين، والطرفين من كل شيء، قال أمية بن أبي عائذ الهذلي يذكر قوسا:
على عجس هتّافة المذروي |
ن زوراء مضجعة في الشّمال(٢) |
أراد قوسا ينبض(٣) طرفاها. قال: فلا معنى لوصف الرجل الّذي ذكره الحسن بأنه يحرك أليتيه؛ ولا من شأن من يبذخ(٤) ويتيه على نفسه ويقول: ها أنا ذا فاعرفوني أن يحرّك أليتيه؛ وإنما أراد أنه يضرب عطفيه، وهذا مما يوصف به المرح المختال، وربما قالوا: جاءنا ينفض مذرويه، إذا تهدّد وتوعّد، لأنه إذ تكلم وحرّك رأسه نفض قرون فوديه، وهما مذ رواه.
قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أدام الله علوّه: ليس الّذي ذكره أبو عبيد ببعيد، لأن من شأن المختال الّذي يزهى بنفسه أن يهتزّ ويتثنى، فتتحرك أعطافه وأعضاؤه؛ ومذ رواه من جملة ما يهتزّ ويتحرّك، لأنّهما بارزان من جسمه، فيظهر فيهما الاهتزاز، وإنما خصّ المذروان(٥) بالذّكر مع أن غيرهما يتحرك أيضا، على طريق التقبيح على هذا المختال والتهجين لفعله. وقول ابن قتيبة ليس من شأن من يبذخ أن يحرّك أليتيه ليس بشيء، لأن الأغلب من شأن المختال البذّاخ الاهتزاز وتحريك الأعطاف؛ على أن هذا يلزمه فيما قاله، لأنه ليس
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: العجب من ابن قتيبة كيف خلط المهموز بالمعتل، وإنما هو الذرأ بالهمز شيب مقدم الرأس، وقد ذرئ يذرأ، ورجل أذرأ وامرأة ذرآء؛ وهي الذرءة، وأعجب من ذلك أنه ذكره في إصلاح غلط أبي عبيد). وفي حاشية ف أيضا: (الذرأ: هو شيب مقدم الرأس؛ وهو مهموز لا غير، وأصل المذروين ينبغي أن يكون من ذرو الريح، وقد صح أنه إذا كان بمعنى الشيب كان ذرأ، مهموزا، فلو كان من الذرءة التي هي الشيب لكان مذرأين).
(٢) ديوان الهذليين ٢: ١٨٥. والعجس: مقبض القوس، وهتافة المذروين؛ أي لطرفيها صوت نبض، وزوراء: معوجة.
(٣) الإنباض: التصويت.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (يتبذخ).
(٥) ش: (خص المذروين).
من شأن كل متوعّد أن يحرّك رأسه، وينفض مذرويه؛ فإذا قال: إن ذلك في الأكثر قيل له مثله.
وكان الحسن يقول: (ياابن آدم، جمعا جمعا، سرطا سرطا(١) ، جمعا في وعاء، وشدّا في وكاء، وركوب الذّلول، ولبس اللّيّن؛ حتى قيل مات، فأفضى والله إلى الآخرة، فطال حسابه).
وكان يقول: (مسكين(٢) ابن آدم، مكتوم الأجل، مكنون العلل؛ أسير جوع، صريع شبع، إنّ من تؤلمه البقّة، وتقتله الشّرقة، لبادي الضّعف، فريسة الحتف).
وكان يقول: (ما أطال أحد الأمل، إلا أساء العمل).
وكتب إلى عمر بن عبد العزيز: (أما بعد، فإن طول البقاء إلى فناء، فخذ من فنائك الّذي لا يبقى، لبقائك الّذي لا يفنى، والسلام).
وكان يقول: (إذا رأيت رجلا ينافس في الدنيا فنافسه في الآخرة). وسأله رجل:
ما حالك؟ فقال: بأشدّ حال، ما حال من أصبح وأمسى ينتظر الموت، ولا يدري ما يفعل الله به!!.
وكان يقول: (ياابن آدم، بسطت لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، يكتبان عملك فأملل ما شئت، وأكثر وأقلل). وفي خبر آخر: (وكّل بك ملكان كريمان، ريقك مدادهما، ولسانك قلمهما).
روى أبو بكر الهذلي قال: لما وفد(٣) عمر بن هبيرة واليا على العراق نزل واسطا، فبعث
____________________
(١) السرط: البلع.
(٢) حواشي الأصل، ت. ف: يجوز: (مسكين ابن آدم)، ويكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ من باب قوله تعالى:( قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ ) ، وقول الشاعر:
عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه |
ورجال مكّة مسنتون عجاف |
(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (قدم).
إلى الشعبي وإلى الحسن البصري، فقال لهما: إن يزيد بن عبد الملك عبد أخذ الله ميثاقه، وانتجبه لخلافته، وقد أخذ بنواصينا، وأعطيناه عهودنا ومواثيقنا وصفقة أيدينا، فوجب علينا السمع والطاعة، وإنه بعثني إلى عراقكم غير سائل إياه، إلا أنه لا يزال يبعث إلينا في القوم نقتلهم، وفي الضّياع نقبضها، أو في الدور نهدمها، فنولّيه من ذلك ما ولاّه الله، فما تريان؟
فأما الشّعبي فقال قولا فيه بعض اللين؛ وأما الحسن فإنه قال له: ياعمر، إني أنهاك عن الله أن تتعرض له، فإن الله مانعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله؛ إنه يوشك أن ينزل إليك(١) ملك من السماء، فيستنزلك من سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك؛ ثم لا يوسّعه عليك إلا عملك، إنّ هذا السلطان إنما جعل ناصرا لدين الله، فلا تركبوا دين الله وعباد الله بسلطان الله تذلّونهم به، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق جل وعزّ.
وذكر عن الشعبي أنه قال: كان والله الحسن أكرمنا عليه.
وروى أبو بكر بن عياش قال: قال مسلمة بن عبد الملك للحسن: عظني فقال: إذا نزلت عن المنبر فاعمل بما تكلمت به، فقال: عظني، فقال: أولّيت قط؟ فقال: نعم، قال:
فما كنت تحب أن يؤتى إليك فأته إلى من وليته.
وعن ثابت البناني قال: قال رجل للحسن: آخذ عطائي أم أدعه حتى آخذه من حسناتهم يوم القيامة؟ فقال له: قم ويحك خذ عطاءك! فإن القوم مفاليس من الحسنات يوم القيامة.
وولد للحسن غلام، فهنأه بعض أصحابه، فقال الحسن: (نحمد الله على هبته، ونستزيده من نعمه، ولا مرحبا بمن إن كنت غنيا أذهلني، وإن كنت فقيرا أتعبني؛ لا أرضى بسعي له سعيا، ولا بكدّي له في الحياة كدّا، أشفق عليه من الفاقة بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصل إلى من همّه حزن، ولا من فرحه سرور).
وكان الحسن يقول: (لو لم يكن من شؤم الشّراب إلا أنه جاء إلى أحبّ خلق الله إلى الله فأفسده، لكان ينبغي للعاقل أن يتركه) - يعني العقل.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (أن يرسل عليك ملكا).
وعزّى جارا له يهوديا فقال: (جزاك الله عن مصيبتك بأعظم ما جازى به أحدا من أهل ملّتك). وهذا تخلّص منه مليح، لأنه لم يدع له بالثواب الّذي لا يستحقه الكفّار، وأراد بالجزاء العوض الّذي يستحقه الكافر مع استحقاق العقاب.
وكان الحسن يقول: (ليس للفاسق المعلن بالفسق غيبة، ولا لأهل الأهواء والبدع غيبة، ولا للسلطان الجائر غيبة).
وقال في قوله تعالى:( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال العلم، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ) ؛ [البقرة: ٢٠١] قال: الجنة.
وخرج الحسن في جنازة معها نوائح، فقال له رجل: أما ترى ياأبا سعيد هذا؟ وهمّ الرّجل بالرجوع، فقال له الحسن: إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك في دينك.
وذكرت عنده الدنيا فقال:
أحلام نوم أو كظلّ زائل |
إنّ اللّبيب بمثلها لا يخدع |
وكان يتمثّل:
اليوم عندك دلّها وحديثها |
وغدا لغيرك كفّها والمعصم(١) |
وعن أبي عبيدة قال: لما فرغ الحجّاج من خضراء(٢) واسط نادى في الناس أن يخرجوا فيدعوا له بالبركة، فخرج الناس، وخرج الحسن، فاجتمع عليه الناس، فخاف أهل الشام على نفسه أن يقتلوه، فرجع وهو يقول: قد نظرنا ياأخبث الأخبثين، وأفسق الفاسقين،
____________________
(١) حاشية ف: (قبله:
لا تأمنن أنثى حياتك واعلمن |
أن النّساء وما لهنّ مقسّم |
وبعده:
كالبيت يصبح خاليا من أهله |
ويحلّ بعدك فيه من لا تعلم |
(٢) حاشية الأصل: (خضراء واسط: بنية كان ابتناها الحجاج)، وفي م: (قصر واسط).
فأما أهل السماء فمقتوك، وأما أهل الأرض فغرّوك، ثم قال: أبي الله تعالى للميثاق الّذي أخذه على أهل العلم ليبيّننّه للناس ولا يكتمونه. ثم انصرف وبلغ الحجاج ذلك فقال: ياأهل الشام - وهم حوله: الله(١) ليقومنّ(٢) عبيد من عبيد أهل البصرة، ويتكلم في بما يتكلم، ولا يكون عند أحد منكم تغيير ولا نكير! قالوا: ومن ذاك أصلحك الله! اسقنا دمه، فقال: عليّ به، وأمر بالنّطع والسيف فأحضرا، ووجّه إليه، فلما دنا الحسن من الباب، حرّك شفتيه والحاجب ينظر إليه، فلما دخل قال له الحجاج: هاهنا، وأجلسه قريبا من فرشه، وقال له: ما تقول في عليّ وعثمان؟ قال: أقول قول من هو خير مني عند من هو شرّ منك، قال موسىعليهالسلام لفرعون إذ قال له:( فَما بالُ الْقُرُونِ الأولى. قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ) ؛ [طه: ٥١ - ٥٢]؛ علم عليّ وعثمان عند الله تعالى، فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء ياأبا سعيد، ثم دعا بغالية فغلّل بها لحيته، فلما خرج الحسن اتّبعه الحاجب، فقال: ياأبا سعيد، لقد دعاك لغير ما فعل بك، ولقد أحضر السيف والنّطع، فلما أقبلت رأيتك قد حرّكت شفتيك بشيء، فما قلت؟ قال: قلت ياعدّتي عند كربتي، ويا صاحبي عند شدتي، ويا ولي نعمتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ارزقني مودّته، واصرف عني أذاه ومعرّته؛ ففعل ربي عز وجل ذلك.
وكان الحسن يقول: ما زال النفاق مقموعا حتى عمّم هذا عمامة؛ وقلّد سيفا.
- يعني الحجاج.
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (هم كثيرا ما يتصرفون في القسم؛ وذلك لكثرة تردده في كلامهم فتارة يحذفون الفعل، كقولك بالله، وأخرى يحذفون خبر المبتدأ، كقولك لعمري، وتارة يحذفون حرف القسم من غير عوض، كقولك: الله لأفعلن؛ بالنصب، والله لأفعلن بالجر، وتارة يحذف الحرف عن عوض، كقولك الله، وهالله).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (لا بد من النون في صحبة اللام في جواب القسم؛ وحذفها ضعيف؛ ومع ضعفه جائز؛ كقولك: والله ليقوم زيد، والفصيح بالنون؛ وإنما تحرى ذلك فيه لأن الغرض بالقسم التوكيد؛ فينبغي أن يكون مؤكدا).
وروى أبو بكر الهذلي أنّ رجلا قال للحسن: ياأبا سعيد، إن الشيعة تزعم أنّك تبغض عليّاعليهالسلام ، فأكبّ يبكي طويلا، ثم رفع رأسه فقال: لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما من مرامي ربّنا عز وجل على عدوّه، ربّاني هذه الأمة، ذو شرفها وفضلها، وذو قرابة من النبيصلىاللهعليهوآله قريبة، لم يكن بالنومة عن أمر الله، ولا بالغافل عن حق الله، ولا بالسّروقة من مال الله، أعطى القرآن عزائمه فيما له وعليه، فأشرف منها على رياض مونقة، وأعلام بينة، ذلك ابن أبي طالب يالكع! وكان الحسن إذا أراد أن يحدّث في زمن بني أمية عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: قال أبو زينب.
وشهد الحسن جنازة فقال: إنّ أمرا هذا(١) آخره لينبغي أن يزهد فيه، وإن أمرا هذا أوّله لينبغي أن يحذر منه(١) . وعن حميد الطويل قال: خطب رجل إلى الحسن ابنته، وكنت السّفير بينهما - فرضيه، وأراد أن يزوجه فأثنيت عليه ذات يوم وقلت: وأزيدك ياأبا سعيد، إنّ له خمسين ألفا، قال: أقلت له خمسون ألفا! ما اجتمعت من حلال - قلت: ياأبا سعيد، إنه والله ما علمت لورع مسلم، فقال: إن كان جمعها من حلال، لقد ضنّ بها عن حقّ! لا يجري بيني وبينه صهر أبدا.
وقيل لعلي بن الحسينعليهماالسلام : قال الحسن البصري ليس العجب ممّن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا! فقالعليهالسلام : أنا أقول: ليس العجب ممّن نجا كيف نجا؛ إنما العجب ممن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله!
وأتىعليهالسلام يوما الحسن البصري وهو يقصّ عند الحجر فقال: أترضى ياحسن نفسك للموت؟ قال: لا، قال: فعملك للحساب؟ قال: لا؛ قال: فثمّ دار للعمل غير هذه الدار؟ قال: لا، قال: فلله في أرضه معاذ غير هذا البيت؟ قال: لا، قال: فلم تشغل الناس عن التّطواف(٢) .
____________________
(١ - ١) م: (إن امرأ هذا أوله لينبغي أن يحذر منه، وإن امرأ هذا آخره لينبغي أن يزهد فيه).
(٢) كذا في الأصل، ت، ج، ش، ف، وفي نسخة بحاشيتي ت، ف: (الطواف).
وكانت وفاة الحسن البصري سنة ١١٠؛ (وانظر ترجمته في ابن خلكان ١: ١٢٨ - ١٢٩).
[١١]
مجلس آخر [المجلس الحادي عشر:]
[أخبار واصل بن عطاء:]
وممّن تظاهر بالعدل واشتهر به واصل بن عطاء الغزّال، ويكنى أبا حذيفة، وقيل: إنه مولى بني ضبّة، وقيل: مولى بني مخزوم، وقيل: مولى بني هاشم.
وروي أنه لم يكن غزّالا، وإنما لقّب بذلك، لأنه كان يكثر الجلوس في الغزّالين، وقيل: إنه كان يجلس في الغزالين عند رضيع له يعرف بأبي عبد الله الغزّال. وذكر المبرّد:
أنّ(١) واصلا كان يلزم الغزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيصرف صدقته إليهن(٢) ، ولقّب بذلك كما لقّب أبو سلمة حفص بن سليمان بالخلاّل، وهو وزير أبي العباس(٣) السفّاح، ولم يكن خلاّلا، وإنما كان منزله بالكوفة بقرب الخلاّلين، وكان يجلس عندهم فسمي خلاّلا، ومثله أبو عليّ الحرمازي(٤) ، وهو مولى لبني هاشم، وإنما لقّب بذلك لأنه كان ينزل في بني الحرماز، وإبراهيم بن يزيد الخوزي، وليس بخوزي، ولكنه كان ينزل(٥) بمكة بشعب الخوز، وأبو سعيد المقبري، لأنه نزل(٦) المقابر.
وكان واصل ألثغ في الراء، قبيح اللّثغة؛(٧) فكان يخلّص من كلامه الراء(٧) ، يعدل عنها في سائر محاوراته، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في أخبار بشار بن برد(٨) .
____________________
(١) انظر الكامل بشرح المرصفي ٧: ١١٤.
(٢) في الكامل: (فيجعل صدقه لهن).
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال هو الّذي قيل فيه:
إن الوزير وزير آل محمد |
أودى فمن يشناك كان وزيرا |
|
إن السّلامة قد تبين وربما |
كان السّرور بما كرهت جديرا |
وكان يميل إلى أهل البيتعليهمالسلام ). وانظر أخباره في الفخري: ١٣٣.
(٤) هو أبو علي الحسن بن علي الحرمازي؛ أعرابي راوية، وكان أيضا شاعرا، والحرماز: أبو حي من تمم؛ وهو الحارث بن مالك بن عمرو بن تميم؛ (وانظر الفهرست: ٤٨).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (منزله).
(٦) حاشية ت (من نسخة): (ينزل بالمقابر).
(٧ - ٧) حاشية ت (من نسخة): (فكان يخلص كلامه من الراء).
(٨) انظر ص ١٣٩ - ١٤٠ من هذا الجزء.
وذكر أبو الحسن البرذعي المتكلم أن إنسانا سأل عمرو بن عبيد أو غيره عن شيء في القدر بحضرة واصل بن عطاء، فتكلّم السائل بشيء أغضب عمرا، فأجابه عمرو بجواب لم يرضه واصل، فقال له واصل: إياك وأجوبة الغضب فإنها مندمة، والشيطان يكون معها، وله في تضاعيفها همزة(١) ، وقد أوجب الله جلّ وعز على نبيهعليهالسلام أن يستعيذ من همزات الشيطان، وأن يكونوا معه بقوله: أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ؛ [المؤمنون: ٩٧]؛ إلى خاتمة الآية،(٢) وقلّما شاهدت أحدا أجاب فتثبت في جوابه(٢) ،(٣) وما يطلق به لسانه(٣) فلحقه لوم.
قال البرذعي: انظر إلى واصل كيف كلّم عمرا، فأخرج الرّاء من كلامه، فقال في موضع (والشيطان يحضرها): (يكون معها). وقال: (قد أوجب الله على نبيه)، ولم يقل: (أمره). وقال: (وأن يكونوا معه) بدلا من قوله. (ويحضروه) ثم قال: (إلى خاتمة الآية) ولم يقل: (إلى آخر الآية).
قال سيدنا الشريف المرتضى أيّده الله: ومما لم يذكره البرذعي أنه عدل عن افتتاح الآية من أجل الراء أيضا، لأن أولها:( وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ) ؛ ولولا قصده إلى العدول لكان ذكرها واجبا من ابتدائها(٤) ؛ لا سيما وفي ابتدائها تعليم وتوقيف على كيفية دعائه والاستعاذة به.
وقيل إن رجلا قال له: كيف تقول أسرج الفرس؟ قال: ألبد الجواد.
وقال له آخر: كيف تقول: ركب فرسه، وجرّ رمحه، قال: استوى على جواده، وسحب عامله.
وذكر أبو الحسين الخياط أن واصلا كان من أهل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وآله، ومولده سنة ثمانين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (همز الشيطان وسوسته وغلبته على العقل).
(٢ - ٢) نسخة بحاشية ت: (وقلما شاهدت أحدا أجاب فتثبت في جوابه).
(٣ - ٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (وما ينطلق به لسانه).
(٤) ش: (من حيث ابتدأ بها).
وكان واصل ممّن لقي أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفيّة وصحبه، وأخذ عنه، وقال قوم: إنه لقي أباه محمداعليهالسلام ، وذلك غلط؛ لأن محمدا توفي سنة ثمانين أو إحدى وثمانين، وواصل ولد في سنة ثمانين.
وواصل هو أول من أظهر المنزلة بين المنزلتين؛ لأن الناس كانوا في أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة على أقوال؛ كانت الخوارج تسمّيهم بالكفر والشرك، والمرجئة تسمّيهم بالإيمان، وكان الحسن وأصحابه يسمّونهم بالنفاق، فأظهر واصل القول بأنّهم فسّاق غير مؤمنين، ولا كفار، ولا منافقين.
[مناظرة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد في القول بالمنزلة بين المنزلتين]
وكان عمرو بن عبيد من أصحاب الحسن وتلاميذه، فجمع بينه وبين واصل ليناظره فيما أظهر من القول بالمنزلة بين المنزلتين، فلما ووقفوا على الاجتماع ذكر أن واصلا أقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى حلقة الحسن، وفيها عمرو بن عبيد جالس، فلما نظر إلى واصل، وكان في عنقه طول واعوجاج قال: أرى عنقا لا يفلح صاحبها! فسمع ذلك واصل فلما سلّم عليه قال له:
ياابن أخي، إن من عاب الصنعة عاب الصانع، للتعلق الّذي بين الصانع والمصنوع(١) ؛ فقال له عمرو بن عبيد: ياأبا حذيفة، قد وعظت فأحسنت، ولن أعود إلى مثل الّذي كان مني.
وجلس واصل في الحلقة، وسئل أن يكلّم عمرا فقال واصل لعمرو: لم قلت إنّ من أتى كبيرة من أهل الصلاة استحق اسم النفاق؟ فقال عمرو: لقول الله تعالى:( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) ؛ [النور: ٤]، ثم قال في موضع آخر:( إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) ؛ [التوبة: ٦٧]، فكان كلّ فاسق منافقا؛ إذ كانت ألف ولام المعرفة موجودتين في الفاسق؛ فقال له واصل: أليس قد وجدت الله تعالى يقول:( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ؛ [المائدة: ٤٥]، وأجمع أهل العلم على أنّ صاحب
____________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (بين الصنعة والصانع). ومن نسخة بحاشية ت أيضا: (بين الصنيعة والصانع).
الكبيرة يستحق اسم ظالم؛ كما يستحق اسم فاسق؛ فألاّ كفّرت صاحب الكبيرة من أهل الصلاة بقول الله تعالى:( وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ؛ [البقرة: ٢٥٤]، فعرّف بألف ولام التعريف اللتين في قوله:( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ، كما قال في القاذف:( وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) ، فسمّيته منافقا لقوله تعالى:( إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) ! فأمسك عمرو، ثم قال له واصل: ياأبا عثمان؛ أيّما أولى أن يستعمل في أسماء المحدثين من أمّتنا؟ ما اتفق عليه أهل الفرق من أهل القبلة، أو ما اختلف فيه؟ فقال عمرو:
بل ما اتفقوا عليه أولى، فقال له واصل: ألست تجد أهل الفرق على اختلافهم يسمّون صاحب الكبيرة فاسقا، ويختلفون فيما عدا ذلك من أسمائه؛ لأن الخوارج تسميه مشركا فاسقا، والشيعة تسميه كافر نعمة فاسقا! - قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: يعني بالشيعة الزّيدية(١) - والحسن يسميه منافقا فاسقا، والمرجئة(٢) تسميه مؤمنا فاسقا؟ فاجتمعوا على تسميته بالفسق، واختلفوا فيما عدا ذلك من أسمائه، فالواجب أن يسمّى بالاسم الّذي اتّفق عليه وهو الفسق؛ لاتفاق المختلفين عليه، ولا يسمى بما عدا ذلك من الأسماء التي اختلف فيها، فيكون صاحب الكبيرة فاسقا، ولا يقال فيه إنه مؤمن ولا منافق، ولا مشرك ولا كافر نعمة(٣) ، فهذا أشبه بأهل الدين.
فقال له عمرو بن عبيد: ما بيني وبين الحق عداوة، والقول قولك، فليشهد عليّ من حضر أني تارك المذهب الّذي كنت أذهب إليه؛ من نفاق صاحب الكبيرة من أهل الصلاة،
____________________
(١) الزيدية: ثلاث فرق؛ الجارودية والسليمانية، والأبترية؛ يجمعها القول بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ في أيام خروجه في زمان هشام بن عبد الملك؛ (وانظر الفرق بين الفرق: ١٦، والملل والنحل للشهرستاني ٨٧، ومفاتيح العلوم ٢١).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (المرجئة في القديم غير الذين لا يؤيدون العقاب؛ بل هم الذين كان يؤخرون علياعليهالسلام عن غيره من الصحابة؛ والإرجاء: التأخير). وانظر (الفرق بين الفرق ١٩، والملل والنحل للشهرستاني ٧٨، ومفاتيح العلوم ٢٠، وكشاف اصطلاحات الفنون ٥٧٨).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (ولا كافر).
قائل يقول أبي حذيفة في ذلك، وأنّي قد اعتزلت مذهب الحسن في هذا الباب. فاستحسن الناس هذا من عمرو.
وقيل إنّ اسم الاعتزال إنما اختصّت به(١) هذه الفرقة لاعتزالهم مذهب الحسن بن أبي الحسن في تسمية مرتكب الكبيرة من أهل الصلاة بالنفاق؛ وحكي غير ذلك.
وقيل إن قتادة بعد موت الحسن البصري كان جلس مجلسه، وكان هو وعمرو بن عبيد جميعا رئيسين متقدّمين(٢) في أصحاب الحسن، فجرت بينهما نفرة، فاعتزل عمرو مجلس قتادة، واجتمع عليه جماعة من أصحاب الحسن، فكان قتادة إذا جلس مجلسه سأل عن عمرو وأصحابه فيقول: ما فعلت المعتزلة؟ فسمّوا بذلك.
قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين أدام الله علوه: أما ما ألزمه واصل بن عطاء(٣) لعمرو بن عبيد أولا فسديد لازم(٤) ، وأما ما كلّمه به ثانيا فغير واجب ولا لازم؛ لأن الإجماع وإن لم يوجد في تسمية صاحب الكبيرة بالنفاق أو غيره من الأسماء كما وجد في تسميته بالفسق فغير ممتنع أن يسمّى بذلك لدليل غير الإجماع، ووجود الإجماع في الشيء وإن كان دليلا على صحته، فليس فقده دليلا على فساده؛ وواصل إنما ألزم عمرا أن يعدل عن التسمية بالنفاق للاختلاف فيه، ويقتصر على التسمية بالفسق للاتفاق عليه، وهذا باطل، ولو لزم ما ذكره للزمه أن يقال: قد انفق أهل الصلاة على استحقاق صاحب الكبيرة من أهل القبلة الذمّ والعقاب، ولم يتفقوا على استحقاقه التخليد في العقاب، أو نقول إنهم اجمعوا على استحقاقه العقاب، ولم يجمعوا على فعل المستحق به، فيجب القول بما اتفقوا عليه، ونفي ما اختلفوا فيه.
فإذا قيل استحقاقه(٥) للخلود، أو فعل المستحق به من العقاب، وإن لم يجمعوا عليه،
____________________
(١) ت: (إنما اختص).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (مقدمين).
(٣) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (عمرو بن عبيد).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (واجب).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (استحقاق الخلود).
فقد علم بدليل غير الإجماع؛ قيل له مثل ذلك فيما عوّل عليه، وبطل على كل حال أن يكون الاختلاف في القول دليلا على وجوب الامتناع منه، وهذا ينتقض بمسائل كثيرة ذكرها يطول.
على أنّ المقدمة التي قدمها لا تشبه ما ألزم عليها، لأن الإجماع أولى من الاختلاف فيما يتعارض ويتقابل، والإجماع والاختلاف في الموضع الّذي كلم عليه واصل عمرا في مكانين؛ لأن الإجماع هو على تسميته بالفسق، والاختلاف هو في تسميته بما عداه من الأسماء، فلا تعارض بينهما؛ وله أن يأخذ بالإجماع في موضعه، ويعوّل فيما الاختلاف فيه على دلالة غير الإجماع، لأن فقد الإجماع من القول لا يوجب بطلانه.
وحكي أن واصلا كان يقول: أراد الله من العباد أن يعرفوه ثم يعملوا، ثم يعلّموا، قال الله تعالى:( يا مُوسى إِنِّي أَنَا الله ) ، فعرّفه نفسه، ثم قال:( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ) ؛ [طه: ١٢]، فبعد أن عرّفه نفسه أمره بالعمل. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى:( وَالْعَصْرِ. إِنَّ الآنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا - يعني صدقوا -وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ. وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) . علموا وعملوا وعلّموا.
وروى المبرّد قال: حدّثت أن واصل بن عطاء أقبل في رفقة فأحسّوا بالخوارج، وكانوا قد أشرفوا على العطب، فقال واصل لأهل الرفقة: إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني وإياهم، فقالوا: شأنك، فقال الخوارج له: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله، ويقيموا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم؛ قال: فعلّمونا أحكامه، فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معي، قالوا: فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا؛ قال لهم: ليس ذلك لكم؛ قال الله تعالى:( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) ؛ [التوبة: ٦]، فأبلغونا مأمننا، فساروا بأجمعهم حتى بلغوا الأمن(١) .
____________________
(١) الكامل - بشرح المرصفي ٧: ٧٩.
وحكي أنّ محمدا وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن كانا ممّن دعاهما(١) واصل إلى القول بالعدل، فاستجابا له، وذلك لما حجّ واصل، ودعا الناس بمكة والمدينة(٢) .
وحكى أبو القاسم البلخي أن عبد الله قال لابنه محمد: كلّ خصالك محمودة يابنيّ إلا قولك بالقدر، قال: ياأبه، أفشيء أقدر على تركه(٣) أولا أقدر على تركه(٣) ؟ فورد الكلام على رجل عاقل فقال: لا عاتبتك عليه أبدا. قال أبو القاسم: يقول إن كنت أقدر على تركه فهو قولي، وإن كنت لا أقدر فلم تعاتبني على شيء لا أقدر عليه.
***
[أخبار عمرو بن عبيد:]
فأما عمرو بن عبيد فيكنى أبا عثمان، مولى لبني العدوية، من بني تميم، قال الجاحظ: هو عمرو بن عبيد بن باب. وباب نفسه من سبي كابل؛ من سبي عبد الرحمن بن سمرة، وكان باب مولى لبني العدويّة قال: وكان أبوه عبيد شرطيا، وكان عمرو متزهدا، فكانا إذا اجتازا معا على الناس قالوا: هذا شرّ الناس أبو خير الناس، فيقول عبيد: صدقتم؛ هذا إبراهيم، وأنا تارخ.
قال عليّ بن الجعد: وهو عبيد بن باب، وكان بوّابا للحكم بن أيوب، قال: وكان باب مكاريا، له دكّان معروف يقال له دكّان باب، وكان فارسيا، وللفرزدق معه خبر مشهور تركنا ذكره لشهرته وفحش فيه.
وذكر أبو الحسين الخيّاط أن مولد عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء جميعا في سنة ثمانين، قال: ومات عمرو بن عبيد في سنة مائة وأربع وأربعين؛ وهو ابن أربع وستين سنة.
روي أنّ عمرا استأذن على المنصور، فدخل عليه الربيع(٤) فقال له: بالباب رجل
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (ممن دعاهم).
(٢) وانظر ترجمة واصل في (معجم الأدباء ١٩: ٢٤٦ - ٢٤٧، وابن خلكان ٢: ١٧٠، وفوات الوفيات ٢: ٣٩٥ - ٣٩٦، ولسان الميزان ٦: ٢١٤ - ٢١٥، وعيون التواريخ وشذرات الذهب - وفيات سنة ١٣١).
(٣ - ٣) ساقط من م.
(٤) هو الربيع بن يونس بن محمد، حاجب أبي جعفر المنصور، ووزيره بعد أبي أيوب المورياني.
توفي سنة ١٧٠، (وانظر ترجمته وأخباره في ابن خلكان ١: ١٨٥ - ١٨٦).
قال: إني عمرو بن عبيد، وكانت على المنصور جبّة يمانية محقّقة(١) ؛ فقال: ويلك ياربيع! عمرو بالباب؟ قال: نعم، قال: هات لي قميصا أبيض، فأتاه به، فألقاه عليه، ثم قال: در من خلفي؛ فغط الجبة وازرر عليّ - قال الربيع: ولم أكن أرى أحدا يوقّره المنصور حتى رأيت عمرو بن عبيد - فدخل عليه رجل آدم مربوع الكدنة(٢) ، بين عينيه أثر السجود، حسن الأدب، حسن اللسان؛ كأنه لم يزل مع الملوك في توقيره للخليفة، وإعظامه إياه، قال:
فسلّم، فاجتذبه المنصور ليجلس معه فأبى، وطرح نفسه بين يديه، فساء له واحتفى(٣) به، فلما أراد عمرو القيام قال له: عظني ياأبا عثمان وأوجز، قال له: إنّ ما في يدك لست بوارثه عن أحد، وإنما هو شيء صار إليك، وقد كان في يد غيرك قبلك، ولو دام لك لبقي في يد الأول، والسلام. وروى الأصمعي قال: قال مطر الوراق لعمرو بن عبيد: إني لأرحمك مما يقول الناس فيك، فقال عمرو: أتسمعني(٤) أقول فيهم شيئا؟ قال: لا، قال: فإياهم فارحم!
وقال خالد بن صفوان لعمرو بن عبيد: لم لا تأخذ منّي فتقضي دينا إن كان عليك، وتصل رحمك؟ فقال له عمرو: أما دين فليس عليّ، وأما صلة رحمي فلا يجب عليّ، وليس عندي. قال: فما يمنعك أن تأخذ منّي؟ قال: يمنعني أنه لم يأخذ أحد من أحد شيئا إلاّ ذلّ له، وأنا والله أكره أن أذلّ لك.
ويقال إن ابن لهيعة أتى عمرو بن عبيد في المسجد الحرام، فسلّم عليه، وجلس إليه، وقال له ياأبا عثمان ما تقول في قوله تعالى:( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) ؛ [النساء: ١٢٩]؟ فقال: ذلك في محبّة القلوب التي لا يستطيعها العبد ولم يكلّفها(٥) ، فأما العدل بينهن في القسمة من النفس والكسوة والنفقة فهو مطيق لذلك، وقد كلّفه بقوله
____________________
(١) حاشية الأصل: (محققة، يعني أن نسبتها إلى اليمن صحيحة). وفي م: (محققة).
(٢) الكدنة: غلظ اللحم على الجسم.
(٣) حاشية ت (من نسخة): (وأحفى به).
(٤) ت: (أفسمعتني).
(٥) ت: (ولا تكلفها).
تعالى:( فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فيما تطيقون فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) ؛ بمنزلة من ليست أيّما، ولا ذات زوج. فقال ابن لهيعة: هذا والله هو الحق.
ويقال إن عمرو بن عبيد أتى يونس بن عبيد يعزّيه عن ابن له، فقال له: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرأ ذهب أصله وفرعه لحري أن يقلّ بقاؤه. وقيل إن عبد الله بن عبد الأعلى أخذ هذا المعنى فقال:
صحبتك قبل الرّوح إذ أنا نطفة |
تصان فما يبدو لعين مصونها |
|
أرى المرء دينا للمنايا وما لها |
مطال إذا حلّت بنفس ديونها |
|
فماذا بقاء الفرع من بعد أصله |
ستلقى الّذي لاقى الأصول غصونها |
وأول من سبق إلى هذا المعنى امرؤ القيس في قوله:
فبعض اللّوم عاذلتي فإني |
ستغنيني التّجارب وانتسابي(١) |
|
إلى عرق الثّرى وشجت عروقي |
وهذا الموت يسلبني شبابي |
وأخذ ذلك لبيد في قوله:
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب |
لعلّك تهديك القرون الأوائل(٢) |
|
فإن لم تجد من دون عدنان والدا |
ودون معدّ فلنزعك العواذل(٣) |
وأخذه أيضا في قوله:
تودّ ابنتاي أن يعيش أبوهما |
وهل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر!(٤) |
ونظر إليه محمود الوارق وإبراهيم بن العباس الصولي؛ أما محمود ففي قوله:
إذا ما انتسبت إلى آدم |
فلم يك بينكما من أب |
|
وجازت سنوك بك الأربعين |
وصرت إلى الجانب الأجنب |
____________________
(١) ديوانه: ١٣٣.
(٢) ديوانه: ٨٨.
(٣) حاشية الأصل: (وجد بخط ابن السكيت رحمه الله: فلتزعك، ولتزعك (بضم الزاي في الثانية وفتحها في الأولى)؛ وهو من زاع يزوع بمعنى وزع، وفلترعك من الروع، ووزع من الكف).
(٤) ديوانه: ١: ٢٨.
ودبّ البياض خلال السّواد |
فأصبحت في شية الأشهب |
|
وكيف تؤمّل طول الحياة |
إذا كان حلمك لم يعزب |
وأما إبراهيم ففي قوله:
نعى نفسي إلى أبي |
وخبّر أين منقلبي(١) |
|
لموعظة رآها في |
أبيه كما رأيت أبي |
وكأن أبا نواس لحظ هذا المعنى في قوله:
وما النّاس إلاّ هالك وابن هالك |
وذو نسب في الهالكين عريق(٢) |
|
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت |
له عن عدوّ في ثياب صديق |
____________________
(١) ديوانه ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) ديوانه: ١٩٢.
[١٢]
مجلس آخر [المجلس الثاني عشر:]
قال: روي أنّ عمرو بن عبيد دخل على معاوية بن عمرو الغلابي وهو يجود بنفسه فقال له:
إنّ الله تعبّدك في حال الصحة بالعمل بجوارحك وقلبك، ووضع عنك في هذه الحال عمل الجوارح، ولم يكلفك إلا العمل بقلبك، فأعطه بقلبك ما يجب له عليك.
وروي أنّ قوما اجتمعوا إلى عمرو بن عبيد، فتذاكروا السّخاء فأكثروا في وصفه، وعمرو ساكت، فسألوه عمّا عنده فقال: ما أصبتم صفته؛ إنّ السخي من جاد بماله تبرّعا، وكفّ عن أموال الناس تورّعا.
[عمرو بن عبيد وأبو جعفر المنصور:]
وذكر إسحاق بن الفضل الهاشميّ قال: إني لعلى باب المنصور يوما، وإلى جنبي عمارة(١) بن حمزة، إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره، ثم دفع(٢) البساط برجله وجلس دونه، فالتفت إلى عمارة فقال: لا تزال بصرتكم ترمينا منها بأحمق؛ فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع وهو يقول: أبو عثمان عمرو بن عبيد! قال:
فو الله ما دلّ على نفسه حتى أرشد إليه، فأتكأه(٣) يده، ثم قال له: أجب أمير المؤمنين جعلت فداك! فمرّ متوكّئا(٤) عليه؛ فالتفت إلى عمارة فقلت: إنّ الرجل الّذي استحمقت(٥)
____________________
(١) هو عمارة بن حمزة بن ميمون، من ولد عكرمة مولى عبد الله بن العباس؛ أحد الكتاب البلغاء، وكان سخيا جوادا، وله أخبار مأثورة في الكرم والجود والتيه، قلده أبو العباس السفاح ضياع آل مروان، وقلده أبو جعفر المنصور ديوان خراج البصرة ونواحيها. (وانظر ترجمته وأخباره في كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري: ٩٠، ١١٠، ١٢٥، ١٣٣، ١٤٧، وتاريخ بغداد ١٢: ٢٨٠ - ٢٨٠).
(٢) ش، وحاشية ت (من نسخة): (رفع).
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (أتكأه يده؛ كأنه جعله متكئا عليها، وأصل التاء في هذه الكلمة بالواو؛ يقال: أوكأت فلانا إذا جعلت له متكئا).
(٤) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (متكئا).
(٥) ف، وحاشية ت (من نسخة): (استحمقته).
قد أدخل وتركنا، فقال: كثيرا ما يكون ذلك، فأطال اللّبث، ثم خرج الربيع وهو متوكّئ عليه، والربيع يقول: ياغلام، حمار أبي عثمان، فما برح حتى أتى بالحمار، فأقرّه على سرجه؛ وضمّ إليه نشر(١) ثوبه، واستودعه الله.
فأقبل عمارة على الربيع فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل ما لو فعلتموه بوليّ عهدكم لقضيتم ذمامه. قال: فما غاب عنك ممّا فعل به أكثر وأعجب، قال عمارة: فإن اتّسع لك الحديث فحدّثنا.
فقال الربيع: ما هو إلاّ أن سمع الخليفة بمكانه، فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا، ثم انتقل إليه والمهدي معه عليه سواده وسيفه؛ ثم أذن له، فلما دخل عليه سلّم بالخلافة، فردّ عليه وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه وتحفّى به، ثم سأله عن نفسه وعن عياله، يسمّيهم رجلا رجلا، وامرأة امرأة، ثم قال: ياأبا عثمان، عظنا فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم(٢) بسم الله الرحمن الرحيم(٢) :( وَالْفَجْرِ. وَلَيالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ) ؛ [الفجر: ١ - ٣]، ومرّ فيها إلى آخرها، وقال: إنّ ربك ياأبا جعفر لبالمرصاد، قال: فبكى بكاء شديدا؛ كأنه لم يسمع تلك الآيات إلاّ تلك الساعة، ثم قال: زدني، فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه يبعضها، واعلم أن هذا الأمر الّذي صار إليك إنما كان في يد من كان قبلك، ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وإني أحذّرك ليلة تمخّض(٣) صبيحتها عن يوم القيامة. قال: فبكى أشدّ من بكائه الأول حتى رجف جنباه.
وفي رواية أخرى أنه لما انتهى إلى آخر السورة قال: إنّ ربّك لبالمرصاد لمن عمل مثل عملهم، أن ينزل به مثل ما نزل بهم، فاتّق الله، فإنّ من وراء بابك نيرانا تأجّج من الجور،
____________________
(١) النشر، بالتحريك: المنتشر من كل شيء.
(٢ - ٢) ساقط من ط، ف، م.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (تتمخض).
ما يعمل فيها بكتاب الله ولا بسنّة رسول الله(١) . فقال: ياأبا عثمان؛ إنا لنكتب إليهم في الطّوامير(٢) ، نأمرهم بالعمل بالكتاب والسنّة، فإن لم يفعلوا فما عسى أن نصنع! فقال له:
مثل أذن الفأرة يجزيك من الطّوامير، الله تكتب إليهم في حاجة نفسك فينفذونها، وتكتب إليهم في حاجة الله فلا ينفذونها؛ إنّك والله لو لم ترض من عمّالك إلا بالعدل إذا لتقرب إليك به من لانيّة له فيه.
قال سيدنا أدام الله علوّه: رجعنا إلى نسق الحديث، فقال له سليمان بن مجالد: رفقا بأمير المؤمنين، فقد أتعبته منذ اليوم، فقال له: بمثلك ضاع الامر وانتشر، لا أبالك! وماذا خفت على أمير المؤمنين أن بكى من خشية الله!.
وفي رواية أخرى أنّ سليمان بن مجالد لما قال له ذلك رفع عمرو رأسه فقال له: من أنت؟
فقال أبو جعفر: أولا تعرفه ياأبا عثمان؟ قال: لا، ولا أبالي ألاّ أعرفه! فقال: هذا أخوك سليمان بن مجالد، فقال: هذا أخو الشيطان، ويلك ياابن أم مجالد! خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد نصيحته! ياأمير المؤمنين؛ إنّ هؤلاء اتخذوك سلّما لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب، فاتّق الله فإنك ميت وحدك، ومحاسب وحدك، ومبعوث وحدك، ولن يغني عنك هؤلاء من ربك شيئا! فقال له المنصور: ياأبا عثمان؛ أعنّي بأصحابك أستعن بهم، فقال له: أظهر الحق يتّبعك أهله، قال: بلغني أن محمد بن عبد الله ابن الحسن(٣) كتب إليك كتابا، قال: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه، قال: فبماذا أجبته؟ قال: أو لست قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا؟ وإني لا أراه، قال: أجل! ولكن تحلف لي ليطمئن قلبي! قال: لئن كذبتك تقيّة لأحلفنّ لك تقيّة، قال له: أنت الصادق البارّ، وقد أمرت لك بعشرة آلاف درهم، تستعين بها على زمانك؛
____________________
(١) م: (رسوله).
(٢) الطوامير: جمع طومار؛ وهو الصحيفة.
(٣) هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب؛ الملقب بالنفس الزكية؛ وكان من أفضل أهل بيته؛ علما وفقها وشجاعة وجودا؛ قتله أبو جعفر المنصور سنة ١٤٥؛ (وانظر ترجمته وأخباره في مقاتل الطالبيين ٢٣٢ - ٢٩٩).
فقال: لا حاجة لي فيها، قال المنصور والله لتأخذنّها، قال: والله لا أخذتها، فقال له المهدي:
يحلف أمير المؤمنين وتحلف! فترك المهدي وأقبل على المنصور وقال: من هذا الفتى؟ فقال:
هذا ابني محمد، وهو المهدي وهو ولي العهد، فقال:(١) والله لقد سميته أسماء ما استحقها بعمل(١) ، وألبسته لبوسا ما هو من لبوس الأبرار ولقد مهّدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل(٢) ما تكون عنه! ثم التفت إلى المهدي فقال: نعم ياابن أخي، إذا حلف أبوك حلف عمّك؛ لأن أباك أقدر على الكفّارة من عمك؛ قال المنصور: ياأبا عثمان، هل من حاجة؟
قال: نعم، قال ما هي؟ قال: ألا تبعث إلي حتى آتيك؛ قال: إذا(٣) لا نلتقي، قال: عن حاجتي سألتني، ثم ودّعه ونهض؛ فلما ولى أتبعه بصره وأنشأ يقول:
كلّكم طالب صيد |
كلّكم ماش رويد(٤) |
غير عمرو بن عبيد
[عمرو بن عبيد وهشام بن الحكم:]
وروي أن هشام بن الحكم قدم البصرة فأتى حلقة عمرو بن عبيد فجلس فيها وعمرو لا يعرفه، فقال لعمرو: أليس قد جعل الله لك عينين؟ قال: بلى، قال: ولم؟ قال: لأنظر بهما في ملكوت السموات والأرض فأعتبر، قال: وجعل لك فما؟ قال: نعم، قال: ولم؟
قال: لأذوق الطعوم(٥) ، وأجيب الداعي؛ ثم عدّد عليه الحواس كلها، ثم قال: وجعل لك قلبا؟ قال: نعم: قال: ولم؟ قال: لتؤدي إليه الحواسّ ما أدركته، فيميز بينها، قال:
____________________
(١) ت: (والله لقد سميته اسما ما استحقه بعمل).
(٢) في حاشيتي الأصل، ت: (قوله: (أمتع) مبتدأ، و (أشغل) نصب على الحال؛ وهو ساد مسد خبر المبتدأ كقولك: أخطب ما يكون الأمير قائما).
(٣) في حاشيتي الأصل، ت: (إذا انتصب (إذا) لم يكن الفعل الّذي بعدها معتمدا على ما قبلها؛ يقول لك القائل: أنا أكرمك؛ فنقول: إذا أحبك؛ فإن قلت: أنا إذا أحبك رفعت؛ لاعتماده على الابتداء الّذي هو أنا؛ وكذلك: إن تكرمني [بالجزم] إذا أكرمك، وإذا وقعت على فعل الحال ألغيت أيضا؛ تقول لمن يتحدث بحديث: إذا أظنك كاذبا؛ فنخبر عن حال الظن).
(٤) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (يمشي رويد).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (المطعوم).
فأنت لم يرض لك ربّك تعالى إذ خلق لك خمس حواس حتى جعل لها إماما ترجع إليه؛ أترضى(١) لهذا الخلق الذين(٢) جشأ بهم العالم ألاّ يجعل لهم إماما يرجعون إليه؟ فقال له عمرو:
ارتفع حتى ننظر في مسألتك، وعرفه؛ ثم دار هشام في حلق البصرة فما أمسى حتى اختلفوا.
[عمرو بن عبيد وسليمان بن علي:]
وروى أبو عبيدة قال: دخل عمرو بن عبيد علي سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس بالبصرة فقال له سليمان: أخبرني عن صاحبك - يعني الحسن - حين يزعم أن علياعليهالسلام قال: (إني وددت أني كنت آكل الحشف بالمدينة ولم أشهد مشهدي هذا) يعني:
يوم صفّين، فقال له عمرو بن عبيد: لم يقل هذا؛ لأنه ظنّ أن أمير المؤمنينعليهالسلام شك، ولكنه يقول: ودّ أنه كان يأكل الحشف بالمدينة، ولم تكن هذه الفتنة؛ فقال: فقوله في عبد الله بن العباس: (يفتينا في القملة والقميلة، وطار بأموالنا في ليلة)؟ فقال له: وكيف يقول هذا، وابن عباس رحمة الله عليهما لم يفارق عليا حتى قتل وشهد صلح الحسن؟ وأي مال يجتمع في بيت المال بالبصرة مع حاجة عليّعليهالسلام إلى الأموال وهو يفرّغ بيت مال الكوفة في كل خميس ويرشّه؟ قالوا: إنه كان يقيل فيه، فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة؟
وهذا باطل.
[كلام عمرو بن عبيد على القدر:]
قال الجاحظ: نازع رجل عمرو بن عبيد في القدر فقال له عمرو: إن الله تعالى قال في كتابه ما يزيل الشّكّ عن قلوب المؤمنين في القضاء والقدر قال تعالى:( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) ؛ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، ولم يقل: لنسألنهم عما قضيت عليهم أو قدرته فيهم، أو أردته منهم، أو شئته لهم؛ وليس بعد هذا الأمر إلاّ الإقرار بالعدل أو السكوت عن الجور الّذي لا يجوز على الله تعالى.
____________________
(١) ت: (فكيف يرضى ).
(٢) ت: (والّذي).
قال خلاد الأرقط: حدّثني زميل عمرو بن عبيد قال: سمعته في الليلة التي مات(١) فيها يقول: اللهم إن كنت تعلم أنه لم يعرض لي أمران قطّ؛ أحدهما لك فيه رضا، والآخر لي فيه هوى إلاّ قدمت رضاك على هواي فاغفر لي.
ومرّ أبو جعفر المنصور على قبره بمرّان - وهو موضع على ليال من مكة على طريق البصرة - فأنشأ يقول:
صلّى الإله عليك من متوسّد |
قبرا مررت به على مرّان |
|
قبرا تضمّن مؤمنا متخشّعا |
عبد الإله ودان بالفرقان(٢) |
|
وإذا الرّجال تنازعوا في شبهة |
فصل الخطاب بحكمة وبيان |
|
فلو انّ هذا الدّهر أبقى صالحا |
أبقى لنا عمرا أبا عثمان |
***
[أخبار أبي الهذيل العلاف وأخباره]
فأما أبو الهذيل العلاّف فهو محمد بن الهذيل بن عبيد(٣) الله بن مكحول العبدي وقال أبو القاسم البلخي: هو من موالي عبد القيس، وولد في سنة أربع وثلاثين ومائة، وقال أبو الحسين الخياط: ولد سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: إنه توفي في أول أيام المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين وسنّه مائة سنة.
قال البرذعي: لحق أبا الهذيل في آخر عمره خرف؛ إلاّ أنه لم يكن يذهب عليه معرفة المذهب والقيام(٤) بحجته، وكفّ بصره قبل وفاته؛ وأخذ أبو الهذيل الكلام عن عثمان الطويل صاحب واصل بن عطاء.
وقيل إنّ أبا الهذيل في حداثته بلغه أن رجلا يهوديا قدم البصرة، وقطع جماعة من متكلميها، فقال لعمه: ياعمّ، امض بي إلى هذا اليهودي حتى أكلّمه، فقال له عمه: يابنيّ،
____________________
(١) توفي عمرو بن عبيد سنة ١٤٤، وانظر ترجمته أيضا في (ابن خلكان ١: ٣٨٤ - ٣٨٥، والمعارف ٢١٢، وتاريخ بغداد ١٢: ١٦٦ - ١٨٨).
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (بالقرآن).
(٣) ت: (ابن عبد الله).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (ولا القيام).
كيف تكلمه وقد عرفت خبره، وأنه قطع مشايخ المتكلمين! فقال: لا بدّ من أن تمضي بي إليه، فمضى به قال: فوجدته يقرّر الناس على نبوّة موسىعليهالسلام ، فإذا اعترفوا له بها قال: نحن على ما اتفقنا عليه إلى أن نجمع على ما تدّعونه؛ فتقدّمت إليه، فقلت: أسألك أم تسألني؟ فقال: بل أسألك، فقلت: ذاك إليك، فقال لي: أتعترف بأنّ موسى نبي صادق، أم تنكر ذلك فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن كان موسى الّذي تسألني عنه هو الّذي بشّر بنبيّعليهالسلام ، وشهد بنبوّته، وصدّقه فهو نبي صادق، وإن كان غير من وصفت؛ فذلك شيطان لا أعترف بنبوّته؛ فورد عليه ما لم يكن في حسابه. ثم قال لي: أنقول إن التوراة حق؟ فقلت:
هذه المسألة تجري مجرى الأولى، إن كانت هذه التوراة التي تسألني عنها هي التي تتضمن البشارة بنبيّعليهالسلام فتلك حق، وإن لم تكن كذلك فليست بحقّ، ولا أقرّ بها.
فبهت وأفحم ولم يدر ما يقول، ثم قال لي: أحتاج أن أقول لك شيئا بيني وبينك، فظننت أنه يقول شيئا من الخير، فتقدمت إليه فسارّني فقال لي: أمّك كذا وكذا، وأمّ من علّمك - لا يكنى، وقدّر أني أثب به، فيقول: وثبوا بي، وشغّبوا عليّ، فأقبلت على من كان في المجلس فقلت: أعزكم الله! ألستم قد وقفتم على سؤاله(١) إياي، وعلى جوابي إياه؟ قالوا: بلى! قلت: أفليس عليه أن يردّ جوابي أيضا؟ قالوا: بلى، قلت لهم: فإنه لما سارّني شتمني بالشتم الّذي يوجب الحدّ، وشتم من علّمني، وإنما قدّر أنني أثب عليه، فيدّعي أننا وأثبناه، وشغّبنا عليه، وقد عرّفتكم شأنه بعد الانقطاع، فانصروني، فأخذته الأيدي من كل جهة، فخرج هاربا من البصرة.
وعن أبي العيناء قال: قال لي أبو الهذيل: ما معنى الخسف؟ فقلت: أن تنقلب الأرض؛ أعلاها أسفلها، فقال: إلاّ يكن هذا اليوم بالأرض فإنه لبالنّاس.
وقال أبو الهذيل: قال لي المعذّل بن غيلان العبدي، وكان من سادات عبد القيس، وكان يجتمع إليه أهل النظر: ياأبا الهذيل، إنّ في نفسي شيئا من قول القوم في الاستطاعة،
____________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (مسألته).
فبيّن لي ما يذهب بالرّيب عني، فقال: خبّرني عن قول الله تعالى:( وَسَيَحْلِفُونَ بِالله لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَالله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) ؛ [التوبة: ٤٢]، هل يخلو من أن يكون أكذبهم لأنّهم مستطيعون الخروج(١) (٢) وهم تاركون له، فاستطاعة الخروج فيهم وليس يخرجون، فقال:( إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) أي هم يستطيعون الخروج(٢) وهم يكذبون فيقولون: لسنا نستطيع، ولو استطعنا لخرجنا، فأكذبهم الله على هذا الوجه، أو يكون على وجه آخر: يقول:( إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) أي إن أعطيتهم الاستطاعة لم يخرجوا؛ فتكون معهم الاستطاعة على الخروج ولا يخرجون؛ وعلى كلّ حال؛ قد كانت الاستطاعة على الخروج ولا يكون الخروج، ولا يعقل للآية معنى ثالث غير الوجهين اللذين وصفنا(٣) .
وحكى سليمان الرّقي أنّ أبا الهذيل لما ورد سرّ من رأى نزل في غرفة إلى أن يطلب له دار تصلح له، قال: فمررت به فقلت له: ياأبا الهذيل، أتنزل في مثل هذا المنزل! فأنشدني:
يقولون زين المرء يامي رحله |
ألا إنّ زين الرّحل يامي راكبه |
وعن مجالد(٤) قال: رأيت رجلا، وقد سأل أبا الهذيل وهو في الورّاقين بقصر وضّاح فقال له: من جمع بين الزانيين؟ فقال له: ياابن أخي، أمّا بالبصرة فإنهم يقولون:
القوادون؛ ولا أحسب أهل بغداد يخالفونهم على هذا القول، فما تقول أنت! قال: فخجل الرجل وسكت.
وقال أبو الهذيل: قلت لرجل ممّن ينفي الحركة - ولم يسمّه، وزعم قوم أنه الأصمّ -:
خبّرني عن قول الله تعالى:( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) ؛ [النور: ٢]، وذكر القاذف فقال: فاجلدوه ثمانين جلدة(٥) ، فأيّهما أكثر؟ فقال: حدّ(٦)
____________________
(١) ت: (للخروج)
(٢ - ٢) ساقط من م.
(٣) ت، ج، ش: (اللذين ذكرنا).
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (عن أبي مجالد).
(٥) يشير إلى قوله تعالى:( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ) ؛ [النور: ٤].
(٦) حاشية ت (من نسخة): (جلد الزاني).
الزّاني، قلت: بكم، قال: بعشرين، قلت: فحدّثني(١) عن الجلد، أهو يد الجلاّد؟ قال:
لا، قلت: أفهو السّوط؟ قال: لا، قلت: فهو ظهر المجلود؟ قال: لا، قلت: أفهو الانفراج الّذي بين السّوط وظهر المجلود؟ قال: لا، قلت: أفثمّ شيء غير هذا هو الجلد؟ قال: لا، قلت: فإنما تقول أنّ لا شيء أكثر من لا شيء بعشرين! فانقطع.
وقال أبو الهذيل: قلت لمجوسي: ما تقول في النار؟ قال: بنت الله، قلت: فالبقر؟ قال:
ملائكة الله؛ قصّ أجنحتها، وحطّها إلى الأرض يحرث عليها، فقلت: فالماء، قال: نور الله، قلت: فما الجوع والعطش؟ قال: فقر الشيطان وفاقته، قلت: فمن يحمل الأرض؟
قال: بهمن الملك، قلت: فما في الدنيا شرّ من المجوس، أخذوا ملائكة الله فذبحوها، ثم غسلوها بنور الله، ثم شووها ببنت الله، ثم دفعوها إلى فقر الشيطان وفاقته، ثم سلحوها على رأس بهمن الملك أعزّ ملائكة الله! فانقطع المجوسي، وخجل مما لزمه.
ودخل أبو الهذيل يوما على الحسن بن سهل بفم الصّلح(٢) ، وعنده فتى قد رفع مجلسه، فقال أبو الهذيل: من هذا الفتى الّذي قد رفعه الأمير، لنوفّيه بمعرفته حقّه؟ قال: رجل من أهل النجوم، قال: من أهل صناعة الحساب أم الأحكام؟ قال: الأحكام، قال: ذلك عمل يبطل، أفأسأله؟ قال: سل فأخذ أبو الهذيل تفاحة من بين يديه وقال: آكل هذه التفاحة أم لا؟ قال: تأكلها، فوضعها أبو الهذيل وقال: لست آكلها، قال: فتعيدها إلى يدك وأعيد النظر، فوضعها وأخذ غيرها، فقال له الحسن: لم أخذت غيرها؟ قال: لئلا يقول لي: لا تأكلها فآكلها خلافا عليه فيقول لي: قد أصبت في المسألة الأولى.
وقال النعمان المناني يوما لأبي الهذيل: دلّ على حدوث العالم بغير الحركة والسكون، فقال له أبو الهذيل: مثلك مثل رجل قال لخصمه: احضر معي إلى القاضي ولا تحضر بيّنتك.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (فخبرني).
(٢) في حاشيتي الأصل، ت: (فم الصلح:
موضع قريب من واسط).
وذكر محمد بن الجهم(١) صاحب الفرّاء قال: رأيت أبا الهذيل وقد جاء إلى الديوان في أيام المأمون فسأل سهل بن هارون بن راهبون أن يكتب له كتابا في حاجة له إلى حفصويه صاحب الجيش، ونهض أبو الهذيل؛ فأملى عليّ سهل بن هارون:
إنّ الضّمير إذا سألتك حاجة |
لأبي الهذيل خلاف ما أبدي |
|
فإذا أتاك لحاجة فامدد له |
حبل الرّجاء بمخلف الوعد |
|
وألن له كنفا ليحسن ظنّه |
في غير منفعة ولا رفد |
|
حتى إذا طالت شقاوة جدّه |
ورجا الغنى فاجبهه بالرّدّ |
|
وإن استطعت له المضرّة فاجتهد |
فيما يضرّ بأبلغ الجهد |
|
وانظر كلامي فيه فارم به |
خلف الثّريّا منك في البعد(٢) |
|
وكذاك فافعل غير محتشم |
إن جئت أسأل في أبي الهندي(٣) |
قال سيدنا المرتضى أدام الله تأييده: ويشبه هذا المعنى ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزباني قال: حدثني محمد بن أبي الأزهر قال: حدثنا أبو العيناء قال: كان لي صديق فجاءني يوما فقال لي: أريد الخروج إلى فلان العامل، وأحببت أن تكون معي إليه وسيلة، وقد سألت من صديقه، فقيل لي: أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، فأحب أن تأخذ لي كتابه إليه بالعناية، قال: فصرت إلى الجاحظ، فقال لي: في أي شيء جاء أبو عبد الله؟ فقلت: مسلّما وقاضيا الحقّ، وفي حاجة لبعض أصدقائي وهي كذا وكذا، فقال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة، فإني في غد أوجّه إليك بالكتاب، فلما كان من الغد وجّه إلى بالكتاب مختوما فقلت لابني: وجّه هذا الكتاب إلى فلان، ففيه حاجته، فقال لي: إنّ أبا عثمان بعيد الغور فينبغي أن تفضّه وتنظر ما فيه، ففعل فإذا في الكتاب: (كتابي إليك مع من لا أعرفه،
____________________
(١) حاشية الأصل: (محمد بن الجهم السمري).
(٢) في حاشيتي الأصل، ت: (أي أخف كلامي هذا).
(٣) حاشية ت: (أبو الهندي اسم رجل كان خاصا به وملازما له).
وقد كلمني فيه من لا أوجب حقّه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذممك).
فلما قرأت الكتاب مضيت من فوري إلى الجاحظ، فقال: ياأبا عبد الله، قد علمت أنّك أنكرت ما في الكتاب، فقلت: أو ليس موضع نكرة! فقال: لا، هذه علامة بيني وبين الرجل فيمن اعتني به، فقلت: لا والله، ما رأيت رجلا أعلم بطبعك وما جبلت عليه من هذا الرجل! - أعني صاحب الحاجة - أعلمت أنّه لما قرأ الكتاب قال: أمّ الجاحظ عشرة آلاف، وأمّ من يسأله فقلت: ياهذا؟ أتشتم صديقنا؟ فقال: هذه علامتي فيمن أشكره!
وفي رواية أخرى أنّ أبا العيناء سلّم الكتاب إلى صاحب الحاجة وقال له: فضّ الكتاب، فقال: إنه مختوم فقال: طينة أهون من ظنّة.
***
[خبر طرفة بن العبد والمتلمس الضبعي وحديث الصحيفة:]
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وأظن أن أبا العيناء تنبّه على فضّ الكتاب وقراءته بخبر طرفة بن العبد والمتلمّس الضّبعي(١) ، وذاك أنهما وفدا على عمرو بن هند ونادماه، واحتظيا به، ثم أفضى الأمر إلى أن هجاه كلّ واحد منهما وعرض به بالشعر المشهور(٢) فحنق عليهما، وهمّ بقتلهما، ثم أشفق من ذلك، وأراد قتلهما بيد غيره، وكان على طرفة أحنق، فعلم أنه إن قتله هجاه المتلمّس: فكتب لهما كتابا إلى البحرين، وقال لهما: إني قد كتبت لكما بصلة، فاشخصا لقبضها؛ فخرجا من عنده، والكتابان في أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق، متكشّفا يتبرز، ومعه كسرة خبز يأكل منها، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه، فقال أحدهما لصاحبه: ما رأيت أعجب من هذا الشيخ! فسمع الشيخ مقالته فقال: وما ترى من عجبي(٣) ! أدخل طيّبا، وأخرج خبيثا، وأقتل عدوا، وإنّ أعجب مني لمن يحمل حتفه بيده، وهو لا يدري! فأوجس المتلمّس في
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ت: (هو من بني ضبيعة بن ربيعة، واسمه جرير بن عبد العزى، وقيل ابن عبد المسيح).
(٢) انظر تفصيل الخبر وأبيات الهجاء في (الأغاني ٢١: ١٢٧، والشعر والشعراء ١٣١ - ١٣٢، و١٣٧ - ١٣٨، ومعجم البلدان ٧: ٢٠٨، والخزانة ١: ٤١٢ - ٤١٧.
٤٤٦، و٣: ٧٣ ومجمع الأمثال ١: ٣٥٠ - ٣٥٢ وديوان طرفة: ٥ - ٦، وديوان المتلمس ١٧٢ - ١٧٦).
(٣) م: (عجب).
نفسه خيفة، وارتاب بكتابه، ولقيه غلام من أهل الحيرة، فقال له: أتقرأ ياغلام؟ قال:
نعم، ففضّ خاتم كتابه، ودفعه إلى الغلام فقرأه، فإذا فيه: (إذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه، واصلبه حيا).
فأقبل على طرفة فقال له: تعلّمن(١) والله لقد كتب فيك بمثل هذا، فادفع كتابك إلى الغلام يقرؤه عليك، فقال: كلاّ، ما كان ليجسر على قومي بمثل هذا، ولم يلتفت إلى قول المتلمّس، فألقى المتلمّس كتابه في نهر الحيرة، وقال:
قذفت بها بالثّني من جنب كافر |
كذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل(٢) |
|
رضيت لها بالماء لما رأيتها |
يجول بها التيار في كلّ جدول |
كافر: نهر بالحيرة، وأقنو: اقتنى، والقطّ: الكتاب: والتيّار: معظم الماء وكثرته.
وقال المتلمّس أيضا:
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم |
نبأ فتصدقهم بذاك الأنفس(٣) |
|
أودى الّذي علق الصّحيفة منهما |
ونجا حذار حبائه المتلمّس |
|
ألقى صحيفته ونجّت كوره |
وجناء مجمرة المناسم عرمس(٤) |
|
عيرانة طبخ الهواجر لحمها |
فكأنّ نقبتها أديم أملس(٥) |
|
أطريفة بن العبد إنّك حائن |
أبساحة الملك الهمام تمرّس! |
|
ألق الصّحيفة لا أبا لك إنّه |
يخشى عليك من الحباء النّقرس |
____________________
(١) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (تعلم).
(٢) ديوانه: ١٧٦.
(٣) الأبيات في ديوانه ١٩١ - ١٩٢، والخزانة ٣: ٧٣ والأغاني ٢١: ١٢٧ وأخواهم: طرفة والملمس.
(٤) الوجناء: الناقة الصلبة؛ مشتقة من الوجين؛ وهي الأرض الصلبة، ومجمرة: مجتمعة، والمناسم: جمع منسم، ومنسما خف البعير كالظفرين في مقدمه؛ بهما يستبان أثر البعير الضال. والعرمس في الأصل: الصخرة؛ شبهت بها الناقة؛ ورواية الديوان:
ألقى صحيفته ونجّت كوره |
عنس مداخلة الفقارة عرمس |
(٥) العيرانة: الناقة الصلبة التي تشبه عير الوحش لقوتها، والنقبة هاهنا: اللون.
النقرس هاهنا: الداهية، ومضى طرفة بكتابه إلى البحرين، فأمر به المعلّى بن حنش(١) العبدي فقتل؛ فقال المتلمس(٢) :
عصانا(٣) فما لاقى رشادا وإنّما |
تبيّن(٤) في أمر الغوي عواقبه |
|
فأصبح محمولا على ظهر آلة |
تمجّ نجيع الجوف منه ترائبه |
|
فإلاّ تجلّلها يعالوك فوقها |
وكيف توقّى(٥) ظهر ما أنت راكبه! |
ولحق المتلمّس ببلاد الشام، وهجا عمرا، وبلغه أن عمرا يقول: لئن وجده بالعراق ليقتلنّه، فقال:
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه |
والحبّ يأكله بالقرية السّوس(٦) |
وجرى المثل بصحيفة المتلمّس، فقال الفرزدق يذكر الشعراء الذين أورثوه أشعارهم(٧) :
وهب القصائد لي النّوابغ إذ(٨) مضوا |
وأبو يزيد وذو القروح وجرول |
|
وأخو بني قيس وهنّ قتلنه |
ومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل |
يعني بالنوابغ: النابغة الذّبياني والجعدي، ونابغة بني شيبان، ويعني: بأبي يزيد المخبّل السعدي، وجرول هو الحطيئة، وذو القروح امرؤ القيس، وأخو بني قيس هو طرفة. ومعنى قوله: (وهن قتلنه)، يعني: القصائد التي هجا بها عمرو بن هند، ويقال إن صاحب المتلمس وطرفة في هذه القصة هو النعمان بن المنذر، وذلك أشبه بقول طرفة:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي |
ولم أعطكم في الطّوع مالي ولا عرضي(٩) |
|
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا |
حنانيك(١٠) بعض الشّرّ أهون من بعض |
وأبو منذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة النعمان فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصّة مع النعمان.
____________________
(١) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (حنيش.
(٢) ديوانه: ١٩٣ - ١٩٤. (٣) حاشية ت (من نسخة): (عصاني).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (يبين). (٥) ش: (توقي)، بكسر القاف المشددة.
(٦) ديوانه: ١٨٠؛ و (حب)، منصوب على نزع الخافض؛ والبيت من شواهد (الكتاب ١: ١٧)، ومن نسخة بحاشيتي الأصل: (في القرية).
(٧) ديوانه ٢: ٧٢٠.
(٨) حاشية الأصل: (من نسخة): (كلهم).
(٩) ديوانه: ٤٨.
(١٠) حاشية الأصل: (حنانيك؛ أي تحننا بعد تحنن).
[١٣]
مجلس آخر [المجلس الثالث عشر:]
[أخبار بشر بن المعتمد وإيراد بعض أشعاره:]
وكان أبو سهل بشر(١) بن المعتمر من وجوه أهل الكلام، ويقال إن جميع معتزلة بغداد كانوا من مستجيبيه.
وقال أبو القاسم البلخي: إنه من أهل بغداذ، وقيل: من أهل الكوفة، وذكر الجاحظ أنّه كان أبرص.
وحكي أنّه كان يوما في مجلسه، وعنده أصحابه ومعه مجبر يسألهم ويقول: أنتم تحمدون الله على إيمانكم؟ وهم يقولون: نعم، فيقول لهم: فكأنّه يحبّ أن يحمد على ما لم يفعل، وقد ذمّ ذلك في كتابه، فيقولون له: إنما ذمّ من أحب أن يحمد على ما لم يفعل؛ ممّن لم يعن عليه، ولم يدع إليه؛ وهو يشغّب إذ أقبل ثمامة(٢) بن أشرس، فقال بشر للمجبر:
قد سألت القوم وأجابوك، وهذا أبو معن فاسأله عن المسألة فقال له: هل يجب عليك أن تحمد الله على الإيمان؟ قال: لا، بل هو يحمدني عليه، لأنه أمرني به ففعلته، وأنا أحمده على الأمر به، والتقوية عليه، والدعاء إليه؛ فانقطع المجبر. فقال بشر: شنعت فسهلت.
قال الجاحظ: وكان بشر يقع في أبي الهذيل، وينسبه إلى النفاق، فقال وهو يصفه:
أبو الهذيل لأن يكون لا يعلم، وهو عند الناس يعلم أحب إليه من أن يعلم، ويكون عند الناس لا يعلم، ولأن يكون من السّفلة، وهو عند الناس من العلية أحبّ إليه من أن يكون من العلية، وهو عند الناس من السّفلة، ولأن يكون نبيل المنظر، سخيف المخبر أحبّ إليه من أن يكون نبيل المخبر، سخيف المنظر؛ وهو بالنفاق أشدّ عجبا منه بالإخلاص، ولباطل مقبول أحبّ إليه من حق مدفوع.
____________________
(١) بشر بن المعتمر؛ انتهت إليه رئاسة المعتزلة ببغداد؛ وتوفي سنة ٢١٠. (لسان الميزان ٢: ٣٣).
(٢) ثمامة بن الأشرس النميري؛ مولى بني نمير؛ كان زعيم القدرية في زمن المأمون والمعتصم والواثق، وهو الّذي دعا المأمون إلى الاعتزال؛ توفي سنة ٢١٣؛ (لسان الميزان ٢: ٨٣، والفرق بين الفرق ١٥٧).
ولبشر أشعار كثيرة، يحتج فيها على أهل المقالات. وذكر الجاحظ أنّه لم ير أحدا أقوى(١) على المخمّس والمزدوج(٢) على ما قوى عليه بشر، وأنه كان أكثر في ذلك وأقدر من أبان اللاحقي(٣) ، وهو القائل:
إن كنت تعلم ما أقو |
ل وما تقول فأنت عالم |
|
أو كنت تجهل ذا وذا |
ك فكن لأهل العلم لازم |
|
أهل الرّئاسة من ين |
ازعهم رياستهم فظالم |
|
سهرت عيونهم وأن |
ت عن الّذي قاسوه حالم |
|
لا تطلبنّ رئاسة |
بالجهل أنت لها مخاصم |
|
لولا مقامهم رأي |
ت الدّين مضطرب الدّعائم |
***
[أخبار إبراهيم بن إسحاق النظام وبعض أشعاره:]
فأما أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام؛ فإنه كان مقدّما في العلم بالكلام، حسن الخاطر، شديد التدقيق والغوص على المعاني؛ وإنما أدّاه إلى المذاهب الباطلة التي تفرّد بها واستشنعت منه تدقيقه وتغلغله. وقيل: إنه مولى الزياديين من ولد العبيد، وإن الرّقّ جرى على أحد آبائه.
وقيل للنظّام(٤) : ما الاختصار؟ فقال: الّذي اختصاره فساد. وقال لرجل: أتعرف فلانا المجوسي؟ فقال: نعم، ذاك الّذي حلق وسط رأسه، كما يفعل اليهودي، فقال النظّام:
لا مجوسي عرفت، ولا يهودي وصفت.
قال الجاحظ وذكر عبد الوهاب الثقفي فقال: هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم،
____________________
(١) حاشية الأصل: (من نسخة): (قوى).
(٢) حاشية الأصل: (المخمس من الشعر: ما كان خمسة مصارع مقفاة، يخالفها الخامس أو يوافقها، والمزدوج: هو المثنوي).
(٣) هو أبان بن عبد الحميد بن لاحق؛ شاعر مكثر؛ وأكثر شعره مزدوج ومسمط؛ (وانظر الفهرست ١٦٣).
(٤) هو أبو إسحاق بن سيار النظام البصري، شيخ الجاحظ، وأحد رءوس المعتزلة؛ وإليه تنسب الفرقة النظامية؛ (وانظر آراءه في الفرق بين الفرق ١١٣).
وخصب بعد جدب، وغنى بعد فقر، وطاعة المحبوب، وفرج المكروب، ومن الوصل(١) الدائم، مع الشباب الناعم؛ وللنظّام شعر كثير صالح، فمنه:
ياتاركي جسدا بغير فؤاد |
أسرفت في الهجران والإبعاد |
|
إن كان يمنعك الزّيارة أعين |
فادخل عليّ بعلّة العوّاد |
|
كيما أراك وتلك أعظم نعمة |
ملكت يداك بها منيع قيادي |
|
إنّ العيون على القلوب إذا جنت |
كانت بليّتها على الأجساد |
وله:
توهّمه(٢) طرفي فآلم خدّه |
فكان(٣) مكان الوهم من نظري أثر |
|
وصافحه قلبي فآلم كفّه |
فمن صفح قلبي في أنامله عقر |
|
ومرّ بقلبي خاطرا فجرحته |
ولم أر خلقا(٤) قطّ يجرحه الفكر |
|
يمرّ فمن لين وحسن تعطّف |
يقال به سكر وليس به سكر |
ويقال إن أبا العتاهية، قال: أنشدت النظام شعرا:
إذا همّ النّديم له بلحظ |
تمشّت في محاسنه الكلوم |
فقال: ينبغي أن ينادم هذا أعمى.
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وأبيات النظام تتضمّن معنى بيت أبي العتاهية، ولسنا ندري أيّهما أخذ من صاحبه، والنظّام يكرر هذا المعنى كثيرا في شعره، فمن ذلك قوله:
رقّ فلو بزّت سرابيله |
علّقه الجوّ من اللّطف(٥) |
|
يجرحه اللّحظ بتكراره |
ويشتكي الإيماء بالطّرف |
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (الوصال).
(٢) ف، ونسخة بحاشيتي الأصل، ت: (تأمله).
(٣) من نسخة بحاشية ت: (فصار).
(٤) من نسخة بحاشية الأصل: (جسما).
(٥) حاشية ت: (يعني أن في سرابيله ثفلا واعتمادا باقيا، فلو بزت لعلقه الجو).
وحكى أن أبا النظام(١) جاء به وهو حدث إلى الخليل بن أحمد، ليعلّمه، فقال له الخليل يوما يمتحنه، وفي يده قدح زجاج: يابنيّ، صف لي هذه الزجاجة، فقال: أبمدح أم بذم؟
قال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى، لا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء؛ قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء(٢) جبرها، قال: فصف هذه النخلة، وأومأ إلى نخلة في داره، فقال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها؛ قال: فذمّها قال: هي صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى؛ فقال الخليل:
يابنيّ، نحن إلى التعلّم منك أحوج.
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وهذه بلاغة من النظّام حسنة، لأن البلاغة هي وصف الشيء ذمّا أو مدحا بأقصى ما يقال فيه.
***
[اختبار لبيد بهجائه للبقلة وخبره مع الربيع بن زياد عند النعمان:]
وشيبه بهذا المعنى خبر لبيد(٣) المشهور في هجائه(٤) البقلة، التي امتحن بهجائها، واختبر بذمها، فقال فيها أبلغ ما يقال في مثلها، وذلك أن عمارة وأنسا وقيسا والربيع بني زياد العبسيين وفدوا على النعمان بن المنذر، ووفد عليه العامريون بنو أم البنين(٥) ، وعليهم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو ملاعب الأسنّة، وكان العامريون ثلاثين رجلا،
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (كان النظام شاعرا فصار متكلما، وبالعكس منه أبو نواس).
(٢) من نسخة بحاشية ت: (بعيد).
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (كان لبيد صحابيا مخضرما، وبقي بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله زمانا، وكان مستبصرا حسن الطريقة، وكان لا يقول الشعر بعد إسلامه ويقول: عوضي الله البقرة وآل عمران والمخضرم: الّذي أدرك الجاهلية والإسلام).
وانظر الخبر ضمن ترجمة لبيد وذكر نسبه وأخباره في (الأغاني ١٤ - ٩٠ - ٩٨، والخزانة ٤: ١١٧، ومجالس ثعلب ٤٤٩ - ٤٥٠، وشعراء النصرانية ٧٩٠، والعمدة ١: ٢٧، والحيوان ٥: ١٧٣).
(٤) من نسخة بحاشية ت: (وهجائه).
(٥) هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية؛ إحدى المنجبات من العرب؛ وكان يقال لبنيها الكملة؛ روي أن عبد الله بن جدعان لقيها وهي تطوف بالكعبة؛ فقال لها: نشدتك الله برب هذه البنية! أي بنيك أفضل؟ قالت: الربيع؛ لا بل عمارة؛ لا بل أنس؛ ثكلتهم إن كنت أدري أيهم أفضل)، (وانظر الأغاني ١٦: ١٩).
وفيهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان الربيع ابن زياد العبسي ينادم النعمان، ويكثر عنده، ويتقدم على من سواه، وكان يدعى الكامل، لشطاطه(١) وبياضه وكماله.
فضرب النعمان قبّة على أبي براء، وأجرى عليه وعلى من كان معه النّزل، فكانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فافتخروا يوما بحضرته، فكاد العبسيون يغلبون العامريين، وكان الربيع إذا خلا بالنعمان طعن فيهم، وذكر معايبهم؛ ففعل ذلك مرارا لعداوته لبني جعفر؛ لأنهم كانوا أسروه، فصدّ النعمان عنهم حتى نزع القبة عن أبي براء، وقطع النّزل، ودخلوا عليه يوما فرأوا منه جفاء، وقد كان قبل ذلك يكرمهم، ويقدّم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضابا، وهمّوا بالانصراف، ولبيد فى رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم فيرعاها، فإذا أمسى انصرف بها.
فأتاهم تلك الليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: ما كنتم(٢) تتناجون؟ فكتموه، وقالوا له: إليك عنا، فقال: أخبروني، فلعلّ لكم عندي فرجا، فزجروه، فقال: والله لا أحفظ لكم متاعا، ولا أسرح لكم بعيرا(٣) أو تخبروني؟ وكانت أم لبيد عبسية في حجر الربيع، فقالوا له: خالك قد غلبنا على الملك، وصدّ(٤) عنا وجهه، فقال: هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه غدا حين يقعد الملك فأرجز به رجزا ممضّا مؤلما، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدا؟ قالوا له: وهل عندك ذلك؟ قال: نعم، قالوا: فإنّا نبلوك بشتم(٥) هذه البقلة - وقدامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تدعى التّربة - فاقتلعها من الأرض وأخذها بيده، وقال: (هذه البقلة التّربة التّفلة الرذلة، التي لا تذكي نارا، ولا تؤهل دارا، ولا تستر جارا، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قليل، بلدها شاسع ونبتها خاشع، وآكلها
____________________
(١) حاشية الأصل: (الشطاط هو استواء القامة وحسنها، والشطط: الخلاف والجدل).
(٢) حاشية الأصل: (مالكم).
(٣) من نسخة بحاشيتي ت: (إبلا).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (وأصدعنا).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (فاشتم).
جائع، والمقيم عليها قانع؛ أقصر البقول فرعا، وأخبثها مرعى وأشدها قلعا، فحربا(١) لجارها وجدعا! ألقوا بي(٢) أخا بني عبس، أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس). فقالوا له: نصبح ونرى فيك رأينا.
فقال لهم عامر: انظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء، إنما تكلّم بما جرى على لسانه، وإن رأيتموه ساهرا فهو صاحبكم، فرمقوه بأبصارهم، فوجدوه قد ركب رحلا يكدم واسطته؛ حتى أصبح فلما أصبحوا، قالوا: أنت والله صاحبه، فحلقوا رأسه، وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلّة، وغدوا به معهم، فدخلوا على النعمان فوجدوه يتغدّى ومعه الربيع، ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة، بالوفد فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، والربيع إلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد: وقد دهن أحد شقّي رأسه، وأرخى إزاره، وانتعل نعلا واحدة - وكذلك كانت الشعراء تفعل في الجاهلية إذا أرادت الهجاء - فمثل بين يديه، ثم قال:
ياربّ هيجا هي خير من دعه(٣) |
إذ لا تزال هامتي مقزّعه |
|
نحن بني أمّ البنين الأربعة |
ونحن خير عامر بن صعصعه |
|
المطعمون الجفنة المدعدعة(٤) |
والضّاربون إلهام تحت الخيضعة |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (فحربا) [بفتح الراء]، وفي حاشية ت (من نسخة): (فخزيا).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (فألقوا).
(٣) الأرجوزة في ديوانه ١: ٧ - ٨، وقبل هذا البيت في رواية ثعلب:
* لا تزجر الفتيان عن سوء الرّعة*
والرعة: حالة الأحمق التي رضي بها.
(٤) كذا في ت، وفي الأصل، د ف: (المذعذعة) بالذال المعجمة. وفي حاشية الأصل: (حقه (المدعدعة) بالدال غير المعجمة؛ وهي المملوءة، والدعدعة تحريك المكيال ونحوه ليسع الشيء، ودعدعت الشيء ملأته، وجفنة مدعدعة أي مملوءة، قال لبيد أيضا يصف ماءين ألقيا من السيل:
فدعدعا سرّة الرّكاء كما |
دعدع ساقي الأعاجم الغربا |
- والركاء: واد معروف، أما الذعدعة؛ فهو التفريق؛ ولم يسمع في معنى المل ء بالذال، والله أعلم).
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه |
إنّ استه من برص ملمّعه |
|
وإنه يدخل فيها إصبعه |
يدخلها حتّى يواري أشجعه |
كأنه يطلب شيئا ضيّعه
فلما فرغ لبيد التفت النعمان إلى الربيع يرمقه شزرا، وقال: كذلك أنت؟ قال: كذب والله ابن الحمق اللئيم! فقال النعمان: أفّ لهذا الطعام، لقد خبّث عليّ طعامي! فقال الربيع: أبيت اللعن! أما إني قد فعلت بأمه - لا يكني، وكانت في حجره - فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أما إنها من نسوة غير فعل، وأنت المرء قال هذا في يتيمته(١) .
قال سيدنا أدام الله علوّه: وجدت في رواية أخرى: أما إنها من نسوة فعل، وإنما قال ذلك لأنها كانت من قوم الربيع، فنسبها إلى القبيح، وصدّقه عليه تهجينا له ولقومه.
فأمر الملك بهم جميعا فأخرجوا، وأعاد على أبي براء القبة، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله، فكتب إليه: وأني قد تخوّفت أن يكون قد وقع في صدرك ما قال لبيد، ولست برائم حتى تبعث إلي من يجردني، ليعلم من حضرك من الناس إني لست كما قال، فأرسل إليه: إنك لست صانعا بانتفائك مما قال لبيد شيئا، ولا قادرا على ردّ ما زلّت به الألسن، فالحق بأهلك؛ ثم كتب إليه النعمان في جملة أبيات جوابا عن أبيات(٢) كتبها إليه الربيع مشهورة:
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (ربيبته).
(٢) الأبيات برواية صاحب الأغاني:
لئن رحلت جمالي إنّ لي سعة |
ما مثلها سعة عرضا ولا طولا |
|
بحيث لو وزنت لخم بأجمعها |
لم يعدلوا ريشة من ريش سمويلا |
|
ترعى الروائم أحرار البقول بها |
لا مثل رعيكم ملحا وغسويلا |
|
فابرق بأرضك يانعمان متّكئا |
مع النّطاسي يوما وابن توفيلا |
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا |
فما اعتذارك من شيء إذا قيلا!(١) |
وأخبرنا بهذا الخبر أبو عبيد الله المرزباني قال حدّثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، وأخبرنا به أيضا المرزباني قال حدثني محمد بن أحمد الكاتب قال:
حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي قال: أخبرنا محمد بن زياد بن زبّان عن الكلبي عن عبد الله بن مسلم البكّاوي(٢) - وكان قد أدرك الجاهلية. - وفي حديث كل واحد زيادة على الآخر، ولم نأت بجميع الخبر على وجهه، بل أسقطنا منه ما لم نحتج إليه، وأوردنا ما أوردنا منه بألفاظه.
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: أما قوله: (نحن بني أم البنين) فإنه نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذم جميعا. وأم البنين هي بنت عمرو بن عامر بن ربيعة ابن صعصعة، وكانت تحت مالك بن جعفر بن كلاب، فولدت له منه عامر بن مالك ملاعب الأسنّة، وطفيل بن مالك فارس قرزل، وهو أبو عامر بن الطّفيل، وقرزل فرس كانت له، وربيعة بن مالك أبا لبيد، وهو ربيع المقترين، ومعاوية بن مالك معوّد الحكّام، وإنما سمي معوّد الحكام بقوله:
أعوّد مثلها الحكّام بعدي |
إذا ما الحقّ في الأشياع نابا |
____________________
(١) البيت من مقطوعة ذكرها صاحب الأغاني؛ وهي:
شرّد برحلك عني حيث شئت ولا |
تكثر عليّ ودع عنك الأباطيلا |
|
فقد ذكرت بشيء لست ناسيه |
ما جاورت مصر أهل الشام والنيلا |
|
فما اتقاؤك منه بعد ما جزعت |
هوج المطي به نحو ابن سمويلا |
|
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا |
فما اعتذارك من قول إذا قيلا! |
|
فالحق بحيث رأيت الأرض واسعة |
وانشربها الطرف إن عرضا وإن طولا |
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (البكائي).
وولدت عبيدة الوضّاح؛ فهؤلاء خمسة، وقال لبيد: (أربعة)، لأن الشعر لم يمكّنه من ذلك(١) .
وأما الجفنة المدعدعة(٢) فهي المملوءة. وأما الخيضعة، فإن الأصمعي يذكر أن لبيدا قال: (تحت الخضعة)؛ يعني الجلبة، فسوّته الرواة. وقيل: إن الخيضعة أصوات وقع السيوف، والخيضعة أيضا البيضة التي تلبس على الرأس، والخيضعة الغبار، والقول يحتمل كلّ ذلك.
وأما: (أبيت اللعن)، فإن أبا حاتم قال: سألت الأصمعي عنه فقال: معناه أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه.
وأما: (الأشاجع)؛ فهي العروق والعصب الّذي على ظهر الكفّ.
وقد روي:* أكل يوم هامتي مقزّعة*
والقزع: تساقط بعض الشعر والصوف وبقاء بعضه، يقال: كبش أقزع ونعجة قزعاء.
***
[أخبار الجاحظ ونتف من كلامه:]
فأما الجاحظ فهو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب، مولى لأبي القلمّس عمرو بن قلع الكناني ثم الفقيمي. وذكر المبرّد أنه ما رأى أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ، والفتح بن خاقان، وإسماعيل بن إسحاق القاضي؛ فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع في يده كتاب قرأه من أوله إلى آخره، أي كتاب كان. وأما الفتح بن خاقان(٣) فإنه كان يحمل الكتاب في خفّه، فإذا قام بين يدي المتوكل للبول أو للصلاة أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي حتى يبلغ الموضع الّذي يريده، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ
____________________
(١) قال صاحب الخزانة (٤: ١٧٤): قول السيد المرتضى: إن لبيدا إنما قال أربعة وهم خمسة لضرورة الشعر؛ هذا قول الفراء؛ وهو قول فارغ؛ والصواب كما قال ابن عصفور في الضرائر: لم يقل إلا أربعة وهم خمسة على جهة الغلط؛ وإنما قال ذلك لأن أباه كان قد مات وبقي أعمامه وهم أربعة).
(٢) في الأصل: (المذعذعة)، وصوابه من ت؛ وانظر الحاشية رقم ٢ ص ١٩١، من هذا الجزء
(٣) هو الفتح بن خاقان وزير المتوكل؛ قتل معه سنة ٢٧٤؛ (النجوم الزاهرة ٢: ٣٢٥).
مجلسه. وأما إسماعيل بن(١) إسحاق فإني ما دخلت عليه قطّ إلاّ وفي يده كتاب ينظر فيه، أو يقلّب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه.
قال البلخي: تفرّد الجاحظ بالقول بأن المعرفة طباع، وهي مع ذلك فعل للعباد على الحقيقة، وكان يقول في سائر الأفعال إنها تنسب إلى العباد على أنها وقعت منهم طباعا، وأنها وجبت بإرادتهم، وليس بجائز أن يبلغ أحد فلا يعرف الله تعالى؛ والكفار عنده بين معاند، وبين عارف قد استغرقه حبّه لمذهبه وشغفه به وإلفه وعصبيته؛ فهو لا يشعر بما عنده من المعرفة بخلافه.
وكان الجاحظ ملازما لمحمد بن عبد الملك الزيات(٢) ، وكان منحرفا عن أحمد بن أبي دؤاد، للعداوة التي كانت بين أحمد ومحمّد، فلما قبض على محمد بن عبد الملك الزيات هرب الجاحظ، فقيل له: لم هربت؟ فقال: خفت أن أكون ثاني اثنين إذ هما في التنّور! يريد: ما صنع بمحمد بن عبد الملك من إدخاله تنورا فيه مسامير، كان هو صنعه ليعذّب الناس فيه، فعذب به حتى مات.
وروي انه أتى بالجاحظ بعد موت ابن الزيات وفي عنقه سلسلة، وهو مقيّد في قميص سمل، فلما نظر إليه ابن أبي دؤاد قال: والله ما علمتك إلاّ متناسيا للنعمة، كفورا للصنيعة، معدنا للمساوئ، وما فتّني باستصلاحي(٣) لك، ولكنّ الأيام لا تصلح منك لفساد طويّتك، ورداءة دخيلتك(٤) ، وسوء اختيارك، وغالب طبعك؛ فقال الجاحظ: خفّض عليك أيدك الله! فو الله لأن يكون لك الأمر عليّ خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن أحسن في الأحدوثة عنك من أن أحسن فتسيء، ولأن تعفو عني في حال قدرتك
____________________
(١) هو إسماعيل بن إسحاق القاضي البصري الفقيه المالكي؛ صنف في القراءات والفقه؛ وكان إماما في العربية؛ قال المبرد: هو أعلم بالتصريف مني؛ وتوفي سنة ٢٨٢؛ (شذرات الذهب ٢: ١٧٨).
(٢) هو محمد بن عبد الملك بن أبان، المعروف بابن الزيات؛ كان وزير المعتصم، وله شعر سائر جيد، وديوان رسائل، وتوفي سنة ٢٣٣؛ (ابن خلكان ٢: ٥٤).
(٣) حاشية الأصل: (أي ما فوتني استصلاحك، والباء للتعدية).
(٤) ت: (داخلتك).
أجمل بك من الانتقام مني، فقال ابن أبي دؤاد: قبحك الله! فو الله ما علمتك إلاّ كثير تزويق اللسان، وقد جعلت بيانك أمام قلبك، ثم اضطغنت فيه النفاق والكفر؛ ياغلام صر به إلى الحمام، وأمط عنه الأذى. فأخذت عند السلسلة والقيد، وأدخل الحمام، وأميط عنه الأذى، وحمل إليه تخت من ثياب وطويلة وخفّ، فلبس ذلك، ثم أتاه فصدّره في مجلسه، ثم أقبل عليه، وقال: هات الآن حديثك ياأبا عثمان!
وقال المبرّد: سمعت الجاحظ يقول: احذر من تأمن؛ فإنك على حذر ممن تخاف.
وقال الجاحظ: قلت لأبي يعقوب الخريمي الشاعر: من خلق المعاصي؟ قال: الله، قلت:
فمن عذّب عليها؟ قال: الله، قلت: فلم؟ قال: لا أدري والله!
وكان الجاحظ يقول: ينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي الكلام، عذب ينابيعه، إذا حاور سدّد سهم الصواب إلى غرض المعنى.
وقال: لا تكلّم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة.
وقال سوّار بن أبي شراعة: كنت عند الجاحظ، فرآني أكتب خطا رديئا في ورق رديء متقارب السطور، فقال لي: ما أحسبك تحبّ ورثتك، فقلت: وكيف ذاك؟ قال:
لأني أراك تسيء بهم فيما تخلّفه!
وذكر أبو العباس المبرّد قال: سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه: أنت والله أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر.
وقال المبرّد قال لي الجاحظ يوما: أتعرف مثل قول إسماعيل بن القاسم.
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه |
على نائبات الدّهر حين تنوب |
فقلت: نعم، قول كثيّر، ومنه أخذ:
فقلت لها ياعزّ كلّ مصيبة |
إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت |
وروى يموت بن المزرّع لخاله عمرو بن بحر الجاحظ في الجمّاز(١) يهجوه:
نسب الجمّاز مقصور إليه منتهاه |
تنتهي الأحساب بالنّاس ولا تعدو قفاه |
|
يتحاجى من أبو الجمّاز فيه كاتباه |
ليس يدري من أبو الجمّاز إلاّ من يراه |
أخبرنا المرزباني قال: أخبرنا عليّ بن هارون قال أنشدني وكيع قال أنشدني أبو العيناء قال أنشدني الجاحظ لنفسه في الخضاب:
زرت فتاة من بني هلال |
فاستعجلت إلى بالسّؤال |
|
ما لي أراك قانئ السّبال |
كأنّما كرعت في جريال(٢) |
|
ما يبتغي مثلك من أمثالي |
تنحّ قدّامي ومن حيالي |
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: قوله: (كأنما كرعت في جريال) مليح قوي، ولا يشبه شعر الجاحظ للينه وضعف كلامه.
وذكر أبو العيناء قال حدثني إبراهيم بن رياح قال أنشدني الجاحظ يمدحني:
بدا حين أثرى بإخوانه |
ففلّل عنهم شباة العدم |
|
وذكّره الحزم ريب الزّمان |
فبادر بالعرف قبل النّدم |
قال إبراهيم: فذاكرت بهما أحمد بن أبي دؤاد فقال: قد أنشدنيهما يمدحني بهما، ثم لقيت محمد بن الجهم فقال: قد أنشدنيهما يمدحني بهما، وقال يموت بن المزرّع: سمعت خالي الجاحظ يقول: لا أعرف شعرا يفضل قول أبي نواس:
____________________
(١) الجماز؛ لقب له؛ ومعناه الوثاب؛ واسمه محمد بن عمرو بن عطاء؛ شاعر أديب بصري؛ وكان ماجنا خبيث اللسان ذا نادرة؛ وكان أكبر سنا من أبي نواس؛ دخل بغداد في أيام المتوكل؛ وقد أعجب به المتوكل يوما فأمر له بعشرة آلاف درهم؛ فأخذها وانحدر، فمات فرحا بها؛ (تاريخ بغداد ٣: ١٢٥ - ١٢٦).
(٢) الكرع: أن يشرب الرجل بقية من النهر، والجريال: صفوة الخمر.
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا |
بها أثر منهم جديد ودارس(١) |
|
مساحيب من جرّ الزّقاق على الثّرى |
وأضغاث ريحان: جني ويا بس |
|
حبست بها صحبي فجدّدت عهدهم |
وإني على أمثال تلك لحابس |
|
ولم أدر من هم غير ما شهدت به |
بشرقي ساباط الدّيار البسابس(٢) |
|
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا |
ويوما له يوم التّرحّل خامس |
|
تدار علينا الرّاح في عسجديّة |
حبتها بأنواع التّصاوير فارس |
|
قرارتها كسرى وفي جنباتها |
مها تدريها بالقسي الفوارس(٣) |
|
فللخمر ما زرّت عليه جيوبها |
وللماء ما دارت عليه القلانس |
قال الجاحظ: فأنشدتها أبا شعيب القلاّل(٤) فقال: ياأبا عثمان، لو نقر هذا الشعر لطنّ! قلت: ويلك! ما تفارق الجرار والخزف حيث كنت!.
قال سيدنا أيده الله: أخذ أبو نواس قوله:
ولم أدر من هم غير ما شهدت به |
بشرقي ساباط الدّيار البسابس |
من قول أبي خراش الهذلي:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه |
سوى(٥) أنّه قد سلّ عن ماجد محض(٦) |
ويقال إن أبا خراش أوّل من مدح من لا يعرفه، وذاك أن خراش بن أبي خراش أسر هو وعروة بن مرة، فطرح رجل من القوم رداءه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة ونجّاه. فلما تفرغوا له قال: أفلت منّي، ويقال: بل رآه في الأسر رجل من بني عمه، فألقى عليه رداءه ليجيره به، وقال له: النجاء ويلك! فقال أبو خراش في ذلك:
حمدت الإله(٧) بعد عروة إذ نجا |
خراش وبعض الشّرّ أهون من بعض |
____________________
(١) ديوانه: ٢٩٥، والكامل - بشرح المرصفي ٧: ٥٤.
(٢) البسابس: الخوالي، وساباط: موضع ببلاد فارس.
(٣) تدريها: تختلها.
(٤) حاشية ت: (أبو شعيب هذا صقر بن عبد الرحمن الفلال).
(٥) ت: (ولكنه).
(٦) الأبيات من قصيدة في (ديوان الهذليين ٢: ١٥٧ - ١٥٨، وأمالي القالي ١: ٢٧١، ديوان الحماسة ٢: ٢٨٠ - ٢٨٤، والشعر والشعراء ٦٤٧ - ٦٤٨).
(٧) من نسخة بحاشية ت: (إلهي).
فأقسمت لا أنسى قتيلا رزئته |
بجانب قوسي(١) ما مشيت على الأرض |
|
على أنّها تعفو الكلوم وإنّما |
نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي |
|
ولم أدر من ألقى عليه رداءه |
سوى أنّه قد سلّ عن ماجد محض |
وأخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال حدثني إبراهيم بن محمد بن شهاب قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمر البرذعي المتكلم قال: صرت إلى منزل الجاحظ في أول ما قدمت من بلدي، وقد اعتل علته التي فلج فيها، فاستأذنت عليه، فخرج إلى خارج من منزله، فقال لي: يقول لك: وما تصنع بشقّ مائل، ولعاب سائل! فانصرفت عنه.
وذكر يموت بن المزرّع قال: وجّه المتوكل في السنة التي قتل فيها أن يحمل إليه الجاحظ من البصرة، وسأله الفتح ذلك، فوجده لا فضل فيه(٢) ، فقال لمن أراد حمله: وما تصنع بامرئ ليس بطائل، ذي شقّ مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل زائل، ولون حائل!.
وذكر المبرد قال: سمعت الجاحظ يقول: أنا من جانبي الأيسر مفلوج، فلو قرض بالمقاريض ما علمت، ومن جانبي الأيمن منقرس، فلو مرّ به الذباب لألمت، وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها، وأشد ما عليّ ست وتسعون!
وقال يوما لمتطبب يشكو إليه علته: قد اصطلحت الاضداد إلى جسدي، إن أكلت باردا أخذ برجلي، وإن أكلت حارا أخذ برأسي. وتوفي في سنة خمس وخمسين ومائتين.
____________________
(١) كذا ضبط في ت؛ بضم القاف وفتح السين؛ وضبط في معجم البلدان بفتح القاف وسكون الواو؛ وزان (سكرى)، وهي بلد بالسراة.
(٢) حاشية الأصل: (من نسخة): (لا فضل عنده).
[١٤]
مجلس آخر [المجلس الرابع عشر:]
تأويل آية: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ، وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ؛ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ؛ [البقرة: ١٧٧].
فقال: كيف ينفي كون تولية الوجوه إلى الجهات من البرّ، وإنما يفعل ذلك في الصلاة، وهي برّ لا محالة؟ وكيف خبّر عن البرّ (بمن) والبرّ كالمصدر، و (من) اسم محض؟ وعن أي شيء كنّى بالهاء في قوله تعالى:( وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ) ؟ وما المخصوص بأنها كناية عنه وقد تقدمت أشياء كثيرة؟ وعلى أي شيء ارتفع الْمُوفُونَ؟ وكيف نصب الصَّابِرِينَ، وهم معطوفون على الموفين؟ وكيف وحّد الكناية في مواضع وجمعها في أخر؟ فقال:( مَنْ آمَنَ وآتَى الْمالَ وأَقامَ الصَّلاةَ ) ، ثم قال:
( وَالْمُوفُونَ، والصَّابِرِينَ ) ؟.
يقال له: فيما ذكرته أوّلا جوابان:
أحدهما أنّه أراد تعالى: ليس الصّلاة هي البرّ كلّه؛ لكنه ما عدّد في الآية من ضروب الطاعات وصنوف الواجبات، فلا تظنوا أنكم إذا توجّهتم إلى الجهات بصلاتكم، فقد أحرزتم البرّ بأسره، وحزتموه بكماله، بل يبقى عليكم بعد ذلك معظمه وأكثره.
والجواب الثاني أن النّصارى لما توجّهوا إلى المشرق، واليهود إلى بيت المقدس، واتخذوا
هاتين الجهتين قبلتين، واعتقدوا في الصلاة إليهما أنهما برّ وطاعة خلافا على الرسولصلىاللهعليهوآله أكذبهم الله تعالى في ذلك، وبيّن أن ذلك ليس من البر، إذ كان منسوخا بشريعة النبيصلىاللهعليهوآله ؛ التي تلزم الأسود والأبيض، والعربي والعجمي، وأن البرّ هو ما تضمنته الآية.
فأما إخباره (بمن) ففيه وجوه ثلاثة:
أولها أن يكون معنى (البرّ) هاهنا البارّ وذا البرّ، وجعل أحدهما في مكان الآخر؛ والتقدير:
ولكنّ البارّ من آمن بالله؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً ) ؛ [الملك: ٣٠]، يريد غائرا، ومثل قول الشاعر:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت |
فإنما هي إقبال وإدبار(١) |
أراد أنها مقبلة مدبرة، ومثله:
تظلّ جيادهم نوحا عليهم |
مقلّدة أعنّتها صفونا(٢) |
أراد نائحة عليهم، ومثله قول الشاعر:
هريقي من دموعهما سجاما |
ضباع(٣) وجاوبي نوحا قياما |
والوجه الثاني أن العرب قد تخبر عن الاسم بالمصدر والفعل، وعن المصدر بالاسم، فأمّا إخبارهم عن المصدر بالاسم فقوله تعالى:( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله ) ، وقول العرب: إنما البرّ الّذي يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، وأما إخبارهم عن الاسم بالمصدر والفعل فمثل قول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى |
ولكنّما الفتيان كلّ فتى ند(٤) |
____________________
(١) البيت الخنساء؛ ديوانها: ٧٨، والكامل - بشرح المرصفي ٨: ١٧٦، واللسان ١٩:
١٣٥، وتاج العروس ٨: ٧٣، وخزانة الأدب ١: ١٣٨، وهو في وصف بقرة وحشية، وقبله:
فما عجول على بو تطيف به |
لها حنينان إصغار وإكبار |
(٢) البيت لعمرو بن كلثوم؛ من المعلقة - بشرح التبريزي: ٢١٧؛ وانظر ص ١٠٥ من هذا الجزء.
(٣) ضباع: اسم امرأة؛ وأصله: (ضباعة).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (مقرر -
فجعل (أن تنبت) وهو مصدر خبرا عن الفتيان.
والوجه الثالث أن يكون المعنى: ولكن البرّ برّ من آمن؛ فحذف البرّ الثاني، وأقام (من) مقامه؛ كقوله تعالى:( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) ؛ [البقرة: ٩٣]، أراد:
حبّ العجل، قال الشاعر:
وكيف تواصل من أصبحت |
خلالته كأبي مرحب(١) |
أراد: كخلالة أبي مرحب؛ وقال النابغة:
وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي |
على وعل في ذي المطارة عاقل(٢) |
أراد على مخافة وعل. وتقول العرب: بنو فلان يطؤهم الطريق، أي أهل الطريق.
وحكي عن بعضهم: أطيب النّاس الزّبد، أي أطيب ما يأكل(٣) الناس الزّبد، وكذلك قولهم: حسبت صباحي زيدا، أي صباح زيد، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى:
( لَيْسَ عَلَى الأعْمى حَرَجٌ ) ؛ [النور: ٦١]، أي ليس على من أكل مع الأعمى حرج، وفي قوله تعالى:( رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ) ، [الكهف: ٢٢]، وذكروا أنه كان راعيا تبعهم.
فأما من كنى عنه بالهاء في قوله تعالى:( وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى ) ففيه وجوه أربعة:
____________________
- في الصناعة أن يكون المبتدأ والخبر هو هو؛ أو ما يقوم مقام ذلك ويجري مجراه؛ وهو احتراز من قولك مثلا: أبو يوسف أبو حنيفة؛ يعني يقوم مقامه؛ فإذا كان كذلك فالواجب أن يكون الجزءان من المبتدأ والخبر جثتين أو حدثين؛ حتى لا ينخرم هذا الأصل الّذي أصلوه؛ فإذا وجدت شيئا من ذلك قد اختلف فإنما هو على ضرب من الاحتمال والمجاز؛ كقولك: الهلال الليلة؛ لأن التقدير حدوث الهلال الليلة؛ كأن التقدير: حدوث الهلال وقع الليلة؛ فالواقع هو الحدوث، والحدوث هو الواقع. والبيت المستشهد به، التقدير فيه: لعمرك ما فتوة الفتيان، فخذف المضاف وأقام المضاف مقامه، والتقدير: ما فتوة الفتيان نبتة اللحى).
(١) خلالته: مودته، وأبو مرحب كناية عن الظل، والبيت للنابغة الجعدي، وقبله:
وبعض الأخلاّء عند البلا |
ء والرّزء أروغ من ثعلب |
وانظر اللسان (رحب).
(٢) ديوانه: ٦٤، ومعجم البلدان ٨: ٨٤. وذو المطارة:
اسم جبل؛ وعاقل: متحصن، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (يمكن أن تجعل (ما) في البيت زيادة، والتقدير: حتى تزيد: ويمكن أن يكون على القلب؛ أي ما تزيد مخافة وعل على مخافتي؛ وهو كثير، والوعل: الضأن الوحشي).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (ما أكل الناس).
أولها: أن تكون الهاء راجعة على المال الّذي تقدم ذكره، ويكون المعنى: وآتى المال على حبّ المال، وأضيف الحب إلى المفعول، ولم يذكر الفاعل: كما يقول للقائل: اشتريت طعامي كاشتراء طعامك، والمعنى كاشترائك طعامك.
والوجه الثاني أن تكون الهاء راجعة إلى مَنْ آمَنَ بِالله، فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل، ولم يذكر المفعول لظهور المعنى ووضوحه.
والوجه الثالث أن ترجع الهاء إلى الإيتاء الّذي دلّ آتَى عليه، والمعنى: وأعطى المال على حبّ الإعطاء، ويجري ذلك مجرى قول القطامي:
هم الملوك وأبناء الملوك لهم(١) |
والآخذون به والسّاسة الأول(٢) |
فكنّى بالهاء عن الملك، لدلالة قوله: (الملوك) عليه، ومثله قول الشاعر:
إذا نهي السّفيه جرى إليه |
وخالف والسّفيه إلى خلاف(٣) |
أراد: جرى إلى السّفه الّذي دلّ ذكر السفيه عليه.
والوجه الرابع: أن تكون الهاء ترجع إلى الله تعالى؛ لأن ذكره تعالى قد تقدم، فيكون المعنى: وآتى المال على حبّ الله ذوي القربى واليتامى. فإن قيل: فأي فائدة في ذلك، وقد علمنا الفائدة في إيتاء المال مع محبته والضّنّ به، وأن العطية تكون أشرف وأمدح، فما الفائدة فيما ذكرتموه؟ وما معنى محبة الله، والمحبة عندكم هي الإرادة، والقديم تعالى لا يصح أن يراد؟.
قلنا: أما المحبة عندنا فهي الإرادة، إلاّ أنهم يستعملونها كثيرا مع حذف متعلّقها مجازا وتوسعا، فيقولون: فلان يحب زيدا، إذا أراد منافعه، ولا يقولون: زيد يريد عمرا؛ بمعنى
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (هم).
(٢) جمهرة الأشعار: ٣١٦؛ وهو آخر قصيدته التي مطلعها:
إنا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل |
وإن بليت وإن طالت بك الطّول |
(٣) حاشية ت (من نسخة): (الخلاف). وحاشية الأصل (من نسخة): (اختلاف).
أنه يريد منافعه، لأن التعارف جرى في استعمال الحذف والاختصار في المحبة دون الإرادة، وإن كان المعنى واحدا.
وقد ذكر أن لقولهم: زيد يحب عمرا مزية على قولهم: يريد منافعه، لأن اللفظ الأول ينبئ عن أنه لا يريد إلا منافعه، وأنه لا يريد شيئا من مضاره، والثاني لا يدلّ على ذلك، فحصلت له مزية؛ وعلى هذا المعنى نصف الله تعالى بأنه يحب أولياءه والمؤمنين من عباده؛ والمعنى فيه أنه يريد لهم ضروب الخير، من التعظيم والإجلال والنعم؛ فأما وصف أحدنا بأنه يحب الله تعالى فالمعنى فيه أنه يريد تعظيمه وعبادته والقيام بطاعته، ولا يصحّ المعنى الّذي ذكرناه في محبة العباد بعضهم بعضا؛ لاستحالة المنافع عليه. ومن جوّز عليه تعالى الانتفاع لا يصحّ أيضا أن يكون محبّا له على هذا المعنى، لأنه باعتقاده ذلك قد خرج من أن يكون عارفا به، فمحبته في الحقيقة لا تتعلّق به ولا تتوجه إليه؛ كما تقول في أصحاب التشبيه: إنّهم إذا عبدوا من اعتقدوه إلها فقد عبدوا غير الله تعالى.
فأما الفائدة في إعطاء المال مع محبة الله تعالى فهي ظاهرة؛ لأن إعطاء المال متى قارنته إرادة وجه الله وعبادته وطاعته استحقّ به الثواب، ومتى لم يقترن به ذلك لم يستحق الفاعل به ثوابا، وكان ضائعا. وتأثير ما ذكرناه أبلغ من تأثير حبّ المال والضّنّ به؛ لأن المحبّ للمال الضنين به متى بذله وأعطاه، ولم يقصد به الطاعة والعبادة والقربة لم يستحق به شيئا من الثواب؛ وإنما يؤثّر حبّه للمال في زيادة الثواب؛ متى حصل ما ذكرناه من قصد القربة والعبادة، ولو تقرب بالعطية، وهو غير ضنين بالمال، ولا محبّ له لاستحقّ الثواب. وهذا الوجه لم نسبق(١) إليه في هذه الآية، وهو أحسن ما قيل فيها.
وقد ذكر وجه آخر؛ وهو أن تكون الهاء راجعة إلى مَنْ آمَنَ أيضا، وينتصب ذوي القربى بالحبّ، ولا يجعل (لآتى) منصوبا لوضوح المعنى، ويكون تقدير الكلام:
وأعطى المال في حال(٢) حبه ذوي القربى واليتامى، على محبّته إياهم؛ وهذا الوجه ليس فيه
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (لم يسبق).
(٢) ت (على حبه)، وفي حاشية ت أيضا (من نسخة): (على حال حبه).
مزية في باب رجوع الهاء التي وقع عنها(١) السؤال، وإنما يتبين مما تقدم بتقدير انتصاب ذوي القربى بالحب، وذلك غير ما وقع السؤال عنه؛ والأجوبة الأول أقوى وأولى.
فأما قوله: وَالْمُوفُونَ، ففي رفعه وجهان:
أحدهما أن يكون مرفوعا على المدح؛ لأنّ النعت إذا طال وكثر رفع بعضه، ونصب بعضه على المدح؛ ويكون المعنى: وهم الموفون بعهدهم، قال الزجّاج: وهذا أجود الوجهين.
والوجه الآخر أن يكون معطوفا على مَنْ آمَنَ، ويكون المعنى: ولكنّ ذا البرّ وذوي البرّ المؤمنون والموفون بعهدهم.
فأما نصب الصَّابِرِينَ ففيه وجهان:
أحدهما المدح، لأن مذهبهم في الصفات والنعوت إذا طالت أن يعترضوا بينها(٢) بالمدح أو الذم، ليميّزوا الممدوح أو المذموم ويفردوه، فيكون غير متبع لأول الكلام؛ من ذلك قول الخرنق بنت بدر بن هفّان:
لا يبعدن قومي الّذين هم |
سمّ العداة وآفة الجزر(٣) |
|
النّازلين بكلّ معترك |
والطّيّبين معاقد الأزر |
فنصبت ذلك على المدح، وربما رفعوهما جميعا، على أن يتبع آخر الكلام أوله؛ ومنهم من ينصب (النازلين) ويرفع (الطيبين)، وآخرون يرفعون (النازلين) وينصبون (الطيبين)؛ والوجه في النصب والرفع ما ذكرناه، ومن ذلك قول الشاعر، أنشده الفراء:
إلى الملك القرم وابن الهمام |
وليث الكتيبة في المزدحم |
|
وذا الرّأي حين تغمّ الأمور |
بذات الصّليل وذات اللّجم |
فنصب (ليث الكتيبة وذا الرأي) على المدح. وأنشد الفرّاء أيضا:
____________________
(١) ت وحاشية الأصل (من نسخة): (عنها).
(٢) ش، حاشية ت (من نسخة): (فيها).
(٣) ديوانها: ١٢، واللآلئ ٥٤٨، ونوادر أبي زيد ١٠٨، والكامل - بشرح المرصفي ٦: ١٥٨.
فليت التي فيها النّجوم تواضعت |
على كلّ غثّ منهم وسمين |
|
غيوث الحيا في كلّ محل ولزبة |
أسود الشّرى يحمين كلّ عربن(١) |
ومما نصب على الذم قوله:
سقوني الخمر ثمّ تكنّفوني |
عداة الله من كذب وزور(٢) |
والوجه الآخر في نصب: الصَّابِرِينَ أن يكون معطوفا على ذوي القربى، ويكون المعنى: وآتى المال على حبّه ذوي القربى والصابرين؛ قال الزجّاج: وهذا لا يصلح إلاّ أن يكون وَالْمُوفُونَ رفع(٣) على المدح للمضمرين، لأن ما في الصلة لا يعطف عليه بعد العطف على الموصول، وكان يقوي الوجه الأول.
وأما توحيد الذّكر في موضع وجمعه في آخر؛ فلأن مَنْ آمَنَ لفظه لفظ الوحدة، وإن كان في المعنى للجميع(٤) فالذّكر الّذي أتى بعده موحّدا أجرى على اللفظ، وما جاء من الوصف بعد ذلك على سبيل الجمع مثل قوله تعالى: وَالْمُوفُونَ، وَالصَّابِرِينَ فعلى المعنى.
وقد اختلفت قراءة القرّاء(٥) السبعة في رفع الراء ونصبها من قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ، فقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الراء، وروى هبيرة عن حفص عن عاصم أنه كان يقرأ بالنصب والرفع، وقرأ الباقون بالرفع، والوجهان جميعا حسنان؛ لأنّ كلّ واحد من الاسمين: اسم ليس وخبرها معرفة، فإذا اجتمعا في التعريف
____________________
(١) اللزبة: الشدة، والشرى: مأسدة بناحية الفرات.
(٢) البيت لعروة بن الورد، ديوانه: ٤٨؛ وهو في (الكتاب ١: ٢٥٢)؛ من أبيات يصف فيها ما كان من فعل قوم امرأته حين احتالوا عليه وسقوه الخمر؛ حتى أجابهم إلى مفاداتها؛ وكانت سبية عنده؛ (وانظر الخبر والأبيات في الأغاني ٣: ٧٥ - ٧٧ - طبعة دار الكتب المصرية).
(٣) ش، وحاشية ت (من نسخة): (رفعا).
(٤) من نسخة بحاشيتي ت، الأصل: (للجمع).
(٥) ت: (القراءة).
تكافئا في جواز كون أحدهما اسما والآخر خبرا؛ كما تتكافأ النكرات(١) .
وحجة من رفع (البرّ) أنه: لأن يكون (البرّ)(٢) الفاعل أولى؛ لأنّه ليس يشبه الفعل، وكون الفاعل بعد الفعل أولى من كون المفعول بعده؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: قام زيد، فإن الاسم يلي الفعل. وتقول: ضرب غلامه زيد، فيكون التقدير في الغلام التأخير، فلولا أن الفاعل أخصّ بهذا الموضع لم يجز هذا؛ كما لم يجز في الفاعل: ضرب غلامه زيدا، حيث لم يجز في الفاعل تقدير التأخير؛ كما جاز في المفعول به، لوقوع الفاعل موقعه المختص به.
وحجة من نصب (البرّ) أن يقول: كون الاسم أن وصلتها أولى لشبهها بالمضمر في أنها لا توصف، كما لا يوصف المضمر؛ فكأنه اجتمع مضمر ومظهر؛ والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر.
***
[خبر قيس بن زهير العبسي مع النّمر بن قاسط:]
حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا الدقاق قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحد الحكيمي الكاتب قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي ثعلب قال أخبرنا ابن الأعرابي قال قال ابن الكلبي: لما كان بعد يوم الهباءة جاور قيس ابن زهير النّمر بن قاسط فقال لهم: إني قد جاورتكم واخترتكم، فزوّجوني امرأة قد أدّبها الغنى، وأذلّها الفقر، فى حسب وجمال؛ فزوّجوه ظبية بنت الكيّس النّمري. وقال لهم: إنّ فيّ خلالا ثلاثا؛ إني غيور، وإني فخور، وإني أنف، ولست أفخر حتى أبدأ، ولا أغار حتى أرى، ولا آنف حتى أظلم.
فأقام فيهم حتى ولد له، فلما أراد الرحيل عنهم قال: إني موصيكم بخصال، وناهيكم عن خصال؛ عليكم بالأناة، فإن بها تنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، وعليكم بالوفاء؛ فإنّ به يعيش الناس، وبإعطاء من تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع من تريدون
____________________
(١) حاشية ت: (لا يجوز أن يكون اسم ليس وخبرها نكرتين؛ فلا أدري كيف يتكافئان! ولعله يريد التكافؤ في غير هذا الموضع).
(٢) ت: (الاسم).
منعه قبل الإلحاح، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس المنازل عن بيوت الأيامى(١) ، وخلط الضّيف بالعيال؛ وأنهاكم عن الرّهان؛ فإنّ(٢) به ثكلت مالكا أخي، والبغي، فإنّه قتل زهيرا أبي، وعن الإعطاء في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وعن الإسراف في الدّماء، فإنّ يوم الهباءة ألزمني العار حقّه، ومنع(٣) الحرم إلاّ من الأكفاء؛ فإن لم تصيبوا لها(٤) الأكفاء فإن خير مناكحها القبور، أو خير منازلها؛ واعلموا أني كنت ظالما مظلوما؛ ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا أخي، وظلمتهم بأن قتلت من لا ذنب له.
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: أما قوله: (أنهاكم عن الرّهان) فأراد المراهنة في سباق الخيل، وذلك أنّ قيس بن زهير راهن حذيفة بن بدر الفزاري على فرسيه: داحس والغبراء، وفرسي حذيفة: الخطّار والحنفاء - وقال بعض بني فزارة: بل قرزل والحنفاء - وكان قيس كارها لذلك؛ وإنما هاجه بينهما بعض بني عبد الله بن غطفان - وقيل: بل رجل من بني عبس - والخبر في شرح ذلك مشهور(٥) ؛ ثم وقع الاتفاق على السّباق، وجعلوا الغاية من واردات(٦) إلى ذات الإصاد(٧) ، وجعلوا القصبة(٨) في يد رجل من بني ثعلبة بن سعد، يقال له حصين، وبيد رجل من بني العشراء من بني فزارة، وملئوا البركة ماء، وجعلوا السابق أوّل الخيل يكرع فيها. ثم إن حذيفة بن بدر وقيس بن زهير أتيا المدى الّذي أرسلت الخيل منه(٩) ينظران إليها وإلى خروجها؛ فلما أرسلت عارضاها، فقال حذيفة: خدعتك
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (اليتامى).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (فإني).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (وعليكم بمنع الحرم).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (لهن).
(٥) هو خبر الحرب المعروفة بحرب داحس والغبراء؛ وهي تشمل يوم المريقب، ويوم ذي حسا، ويوم اليعمرية، ويوم الهباءة، ويوم الفروق، ويوم قطن، ويوم غدير قلهى، وانظر تفصيل الخبر وما قيل فيه من الشعر في (العقد ٥: ١٥٠ - ١٦٠، والأغاني ١٦: ٢٣ - ٣٢، وسيرة ابن هشام ١: ٣٠٦ - ٣٠٨، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ١ - ٣٩٧ - ٣٩٨، ٣: ٣٤ - ٤٢، وابن الأثير ١:
٣٤٣ - ٣٥٥، ومجمع الأمثال ٢: ٥١ - ٦١، وسرح العيون ٨٩ - ٩١ ومعجم البلدان - إصاد، هباءة، وشرح النقائض ٨٣ - ١٠٨).
(٦) واردات: موضع عن يسار طريق مكة.
(٧) ذات الإصاد: ردهة في ديار عبس.
(٨) حاشية ت (من نسخة): (القضية) وهو تحريف
(٩) حاشية الأصل (من نسخة): (فيه).
ياقيس، فقال قيس: (ترك الخداع من أجرى من مائة)؛ يعني من مائة غلوة، فأرسلها مثلا، ثم ركضا ساعة، فجعلت خيل حذيفة تتقدّم خيل قيس، فقال حذيفة: سبقت ياقيس؛ فقال قيس: (جري المذكّيات غلاب)، فأرسلها مثلا - والمذكّيات: المسانّ من الخيل(١) - وروي: (غلاء) كما يتغالى(٢) بالنّبل. ثم ركضا ساعة، فقال حذيفة: إنّك لا تركض مركضا، سبقت خيلك؛ فقال قيس: (رويد يعلون الجدد)، فأرسلها مثلا وروي: (يعدون الجدد)، أي يتعدّين الجدد إلى الوعث(٣) .
[خير يوم داحس والغبراء وتفسير ما ورد في ذلك من الأمثال:]
وقد كان بنو فزارة أكمنوا بالثّنيّة كمينا لينظروا؛ فإن جاء داحس سابقا أمسكوه وصدّوه عن الغاية؛ فجاء داحس سابقا، فأمسكوه، ولم يعرفوا الغبراء وهي خلفه مصلّية حتى مضت الخيل، وأسهلت من الثّنيّة، ثم أرسلوه فتمطّر(٤) في آثارها، فجعل يبدرها(٥) فرسا فرسا، حتى انتهى إلى الغاية مصلّيا(٦) ، وقد طرح الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية سبقها(٧) . فاستقبلتها بنو فزارة فلطموها، ثم حلّئوها(٨) عن البركة، ثم لطموا داحسا، وقد جاءا متواليين، ثم جاء حذيفة وقيس في آخر الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم، ولطموا فرسيهم(٩) ، وجرى من الخلف في أخذ السبق ما قد شرحته الرواة.
وقد قيل في بعض الروايات: إن الرهان والسّبق(١٠) كان بين حمل بن بدر وبين قيس، وفي ذلك يقول قيس:
____________________
(١) أي أن المذكي يغالب مجاريه فيغلبه لقوته، وفي مجمع الأمثال (١: ١٤٤): (يجوز أن يراد أن ثاني جريه أبدا أكثر من باديه وثالثه أكثر من ثانيه؛ فكأنه يغالب بالثاني الأول وبالثالث الثاني؛ فجريه أيدا غلاب).
(٢) حاشية الأصل: (المعالاة: الرمي في الهواء).
(٣) الجدد: الأرض الصلبة، والوعث: السهلة.
(٤) يقال: تمطرت الخيل إذا ذهبت مسرعة.
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (يندرها)، أي يسقطها.
(٦) المصلى من الخيل: التالي للسابق.
(٧) ت: (لسبقها).
(٨) حلئوها عن البركة؛ أي منعوها من ورد الماء.
(٩) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (فرسيهما).
(١٠) ش، ونسخة بحاشية الأصل: (السباق).
كما لاقيت من حمل بن بدر |
وإخوته على ذات الإصاد |
|
هم فخروا عليّ بغير فخر |
وردّوا دون غايته جوادي |
|
وقد دلفوا إلى بفعل سوء |
فألفوني لهم صعب القياد(١) |
|
وكنت إذا منيت بخصم سوء |
دلفت له بداهية نآد(٢) |
ثم إن قيسا أغار على عوف بن بدر فقتله وأخذ إبله، فبلغ ذلك بني فزارة فهمّوا بالقتال، فحمل الربيع بن زياد العبسي دية عوف، مائة عشراء متلية(٣) .
ويقال إن قيسا قتل ابنا لحذيفة، يقال له مالك، وأن حذيفة كان أرسله إليه يطلب منه السّبق(٤) ، فطعنه فدقّ صلبه، وإن الربيع بن زياد حمل ديته مائة عشراء، فسكن الناس عن القتال.
ثم إن مالك بن زهير نزل موضعا يقال له اللّقّاطة(٥) قريبا من الحاجر، ونكح امرأة يقال لها مليكة بنت حارثة، من بني غراب من فزارة، فبلغ ذلك حذيفة بن بدر، فدسّ إليه فرسانا فقتلوه، وكان الربيع بن زياد العبسي مجاورا لحذيفة بن بدر، وكانت تحت الربيع معاذة بنت بدر، فلما وقف على الخبر قال:
نام الخلي وما أغمّض(٦) حار |
من سيّئ النّبإ الجليل السّاري |
|
من مثله تمسي النّساء حواسرا |
وتقوم معولة مع الأسحار(٧) |
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (الدلوف: تقارب الخطو؛ مثل مشي الشيوخ؛ ولا يستعمل إلا في الذم).
(٢) نآد: صعبة.
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (العشراء: الناقة التي يأتي على حملها عشرة أشهر؛ فتكون أقوى بولدها؛ وجمعها: عشار. ومتلية؛ أي تتلوها أولادها).
(٤) السبق: المال المخاطر عليه.
(٥) اللّقّاطة: موضع قريب من الحاجر؛ من منازل بني فزارة ذكره ياقوت؛ وقال إنه قتل فيه مالك بن زهير.
(٦) رواية الحماسة: (لم أغمض)، والغماض: النوم بعينه.
(٧) م: (تمشي)؛ قال التبريزي: (وتمسي أجود؛ لأن طبقه: (وتقوم معولة مع الأسحار)، فكأنه قال: (تمسي حواسر وتصبح بواكي)، (وحواسرا)؛ أي يأتي عليهن المساء وقد طرحن خمرهن؛ فعل النساء يصبن بكبار قومهن.
من كان مسرورا بمقتل مالك |
فليأت نسوتنا بوجه نهار(١) |
|
يجد النّساء حواسرا يندبنه |
يضربن أوجههنّ بالأحجار(٢) |
|
قد كنّ يخبأن الوجوه تستّرا |
فاليوم حين بدون للنّظّار(٣) |
|
أفبعد مقتل مالك بن زهير |
ترجو النّساء عواقب الأطهار(٤) |
|
ما إن أرى في قتله لذوي الحجى |
إلاّ المطي تشدّ بالأكوار(٥) |
|
ومجنّبات ما يذقن عذوفة |
يقذفن بالمهرات والأمهار(٦) |
|
ومساعرا صدأ الحديد عليهم |
فكأنّما طلى الوجوه بقار(٧) |
***
[مقتل زهير بن جذيمة العبسي:]
فأما مقتل زهير بن جذيمة العبسي أبي قيس، فاختلفت الرواة في سببه، فيقال إن هوازن
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (نقد عليه ذكر الإتيان مع النسوة)؛ ورواية المرزوقي في الحماسة: (فليأت ساحتنا)، قال: وأكثر من رأيناه يروي: (فليأت نسوتنا)؛ ورأيت الأستاذ الرئيس أبا الفضل بن العميد يقول: إني لأتعجب من أبي تمام مع تكلفه رم جوانب ما يختاره من الأبيات، وغسله من درن الألفاظ، كيف ترك تأمل قوله: (فليأت نسوتنا)؛ وهذه لفظة شنيعة): ووجه النهار:
صدره.
(٢) ت: (بالأسحار)، وهي رواية الحماسة، وفي ونسخة بحاشية الأصل: (بالأسيار).
(٣) ف، ونسخة بحاشيتي الأصل، ت: (برزن)؛ وهي رواية الحماسة. ت: (قد أبرزن).
(٤) المراد بعواقب الأطهار مراجعة الأزواج إلى أزواجهن بعقب أطهارهن؛ وفي حواشي الأصل، ت، ف، تعليقا على قوله: (زهير)، بإسكان الياء: (جعل عروض الضرب الثاني من الكامل مقطوعة، وردها من متفاعلن إلى فعلاتن)؛ وهذا الحذف يسميه المتأخرون القطع، وسماه الخليل الإقعاد؛ وسماه ابن قتيبة الإقواء؛ لأنه نقص من عروضه قوة، (وانظر العمدة ١: ٩٤، والشعر والشعراء ٤٣، وشروح سقط الزند ١١٤٦).
(٥) رواية الحماسة - بشرح التبريزي: (لذوي النهى).
وتشد بالأكوار، أي تشد عليها الأكوار.
(٦) المجنبات هنا: الخيل تجنب إلى الإبل في الغزو.
والعذوف والعذوفة أدنى ما يؤكل، ورواية الحماسة: (عذوفا)، والمهرات: جمع مهرة؛ قال التبريزي في معنى البيتين: (ما أرى في قتل مالك بن زهير رأيا لذوي العقول؛ إلا أن تركب الإبل وتجنب الخيل، ويسار بها سيرا عنيفا؛ حتى ترمي أجنتها، فتبلغ بنا إلى عدونا، فنغير عليهم، ونسفك دماءهم).
(٧) المساعر: جمع مسعر، والمسعر: هو الشجاع؛ كأنه آلة في إسعار الحرب وإيقادها؛ وصدأ الحديد آت من اتصالهم بالدروع ولبسها.
ابن منصور كانت تؤتى الإتاوة زهير بن جذيمة، ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد، فهم أذلّ من يد في رحم، فأتت عجوز من هوازن زهير بن جذيمة بسمن في نحى، واعتذرت إليه، وشكت السنين اللّواتي تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعّها - أي دفعها - بقوس في يده عطل(١) ، في صدرها، فسقطت فبدت عورتها، فغضبت من ذلك هوازن، وحقدته إلى ما كان في صدرها(٢) من الغيظ، وكانت يومئذ قد أمرت بنو عامر بن صعصعة - أي كثرت - فآلى جعفر بن كلاب فقال: والله لأجعلنّ ذراعي هذه وراء عنقه(٣) حتى أقتل أو يقتل(٤) ؛ وفي ذلك يقول خالد بن جعفر:
أريغوني إراغتكم فإني |
وحذفة كالشجى تحت الوريد(٥) |
|
مقرّبة أواسيها بنفسي |
وألحفها ردائي في الجليد |
|
لعلّ الله يمكنني عليها |
جهارا من زهير أو أسيد |
|
فإمّا تثقفوني فاقتلوني |
فمن أثقف فليس إلى خلود(٦) |
ويقال بل كان السبب في ذلك أن زهير بن جذيمة لما قتل في غني من قتل بابنه شأس وافى عكاظ، فلقيه خالد بن جعفر بن كلاب - وكان حدثا - فقال: يازهير، أما آن لك أن تشتفي وتكف! - يعني مما قتل بشاس - فأغلظ له زهير وحقره، فقال خالد: اللهم أمكن يدي هذه الشعراء القصيرة من عنق زهير بن جذيمة، ثم أعنّي عليه، فقال زهير: اللهم أمكن يدي هذه البيضاء(٧) الطويلة من عنق خالد، ثم خلّ بيننا، فقالت قريش: هلكت
____________________
(١) قوس عطل: لا وتر عليها.
(٢) حاشية ت (من نسخة): (صدورها).
(٣) حاشية ت (من نسخه): (من وراء).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (أو أقتله).
(٥) أريغوني؛ أي اطلبوا إلي، والشجا:
ما اعترض في الحلق من عظم وغيره وفي حاشيتي ت، ف: (حذفة: اسم فرس خالد؛ وذكره الجوهري في صحاح اللغة، ويتخبل للناظر فيه أن يكون معنى حذفة حذيفة بن بدر وقوله: (كالشجى تحت الوريد) شبه نفسه بالشجا، وجعل حذفة كالوريد؛ و (مقربة) في البيت الثاني مفعول (اريغوني) فرسا مقربة، والله أعلم).
(٦) إما تثقفوني؛ أي إما تصادفوني؛ وفي اللسان: ثقفته ثقفا؛ أي صادفته؛ وأنشد:
فإمّا تثقفوني فاقتلوني |
فإن أثقف فسوف ترون بالي |
(٧) ت: (الشماء).
والله يازهير، قال: أنتم والله الذين لا علم لهم. ثم أجمع خالد بن جعفر على قصد زهير وقتله.
واتّفق نزول زهير بالقرب من أرض بني عامر، وكانت تماضر بنت عمرو بن الشّريد امرأة زهير بن جذيمة وأم ولده، فمرّ به أخوها الحارث بن عمرو بن الشريد، فقال زهير لبنيه: إنّ هذا الحمار لطليعة عليكم فأوثقوه، فقالت أخته لبنيها: أيزوركم خالكم فتوثقونه؟ وقالت تماضر لأخيها الحارث بن عمرو بن الشريد: إنه(١) ليريبني اكبئنانك وقروتك - والاكبئنان الغمّ، والقروت(٢) السكوت - فلا يأخذنّ فيك ما قال زهير، فإنه رجل بيذارة غيذارة شنوءة.
- قال الأثرم: البيذارة: الكثير الكلام، والغيذارة: السّيئ الخلق - ثم حلبوا له وطبا، وأخذوا عليه يمينا ألاّ يجير(٣) عليهم، ولا ينذر بهم أحدا؛ فخرج الحارث حتى أتى بني عامر، فقعد إلى شجرة يجتمع إليها بنو عامر، وألقى الوطب تحتها والقوم ينظرون، ثم قال: أيتها الشجرة الذليلة، اشربي من هذا اللبن، وانظري ما طعمه. فقال قوم: هذا رجل مأخوذ عليه، وهو يخبركم خبرا، فذاقوا اللبن فإذا هو حلو لم يقرص بعد، فقالوا: إنه يخبرنا أن مطلبنا قريب، فركب خالد بن جعفر بن كلاب ومعه جماعة، وكان راكبا فرسه حذفة، فلقوا زهيرا، فاعتنق خالد زهيرا، وخرّا عن فرسيهما، ووقع خالد فوق زهير ونادى:
يابني عامر، اقتلوني والرجل، واستغاث زهير ببنيه، فأقبل إليه ورقاء بن زهير يشدّ(٤) بسيفه، فضرب خالدا ثلاث ضربات، فلم تغن شيئا، وكان على خالد درعان قد ظاهر بينهما، ثم ضرب حندج رأس زهير فقتله، ففي ذلك يقول ورقاء بن زهير:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد |
فأقبلت أسعى كالعجول أبادر(٥) |
|
[إلى بطلين ينهضان كلاهما |
يريدان نصل السّيف والسيف داثر](٦) |
____________________
(١) ت: (إني).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (قرت الدم يقرت قروتا إذا مات تحت الجلد؛ وقرت إذا تغير من حزن يصيبه، والقروت: السكون).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (ألا يخبر عنهم).
(٤) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (يشدّ).
(٥) العجول من النساء والإبل: الواله التي فقدت ولدها.
(٦) تكملة من ت، والأغاني، والعقد.
فشلّت يميني يوم أضرب خالدا |
ويستره منّي الحديد المظاهر(١) |
|
فيا ليت أني قبل(٢) ضربة خالد |
ويوم زهير لم تلدني تماضر! |
***
[خبر يوم الهباءة:]
فأما خبر الهباءة فإن بني عبس وبني فزارة لما التقوا إلى جنب جفر الهباءة(٣) في يوم قائظ، فاقتتلوا - ولخبرهم شرح طويل معروف - استجار حذيفة ومن معه بجفر الهباءة ليتبرد(٤) فيه، فهجم عليه القوم، فقال حذيفة يابني عبس، فأين العود(٥) ؟ وأين الأحلام؟ فضرب حمل بن بدر بين كنفيه وقال: (اتق مأثور القول بعد اليوم)، فأرسلها مثلا، وقتل قرواش ابن هي حذيفة بن بدر، وقتل الحارث بن زهير حملا، وأخذ منه ذا النون، سيف مالك بن زهير أخيه، وكان حمل بن بدر أخذه من مالك بن زهير يوم قتل، فقال قيس في ذلك:
تعلّم أنّ خير النّاس ميت |
على جفر الهباءة لا بريم |
|
ولولا ظلمه ما زلت أبكى |
عليه الدهر ما طلع النّجوم |
|
ولكنّ الفتى حمل بن بدر |
بغى والبغي مرتعه وخيم(٦) |
|
أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي |
وقد يستجهل الرّجل الحليم |
|
ومارست الرّجال ومارسوني |
فمعوجّ عليّ ومستقيم |
وقال قيس أيضا:
شفيت النفس من حمل بن بدر |
وسيفي من حذيفة قد شفاني |
|
فإن أك قد بردت بهم غليلي |
فلم أقطع بهم إلاّ بناني(٧) |
____________________
(١) العقد، ونسخة بحواشي الأصل، ت، ف،: (ويمنعه). ويراد بالحديد هنا الدرع؛ ويقال:
ظاهر الدرع؛ إذا لأم بعضها على بعض.
(٢) حاشية ت (من نسخة): (يوم ضربة خالد).
(٣) الهباءة: أرض في بلاد عطفان؛ وجفر الهباءة: مستنقع فيها.
(٤) حاشية ت (من نسخة): (ليبترد).
(٥) حاشية الأصل: (يقال سودد عود، أي قديم).
(٦) حاشية الأصل (من نسخة): (مصرعه خيم).
(٧) حاشية ت من نسخه: (شفيت بهم)، وروى ياقوت بعد هذا البيت:
فلا كانت الغبراء ولا كان داحس |
ولا كان ذاك اليوم يوم دهاني |
[١٥]
مجلس آخر [المجلس الخامس عشر:]
تأويل آية:( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ... )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ؛ [البقرة: ١٧١].
فقال: أي وجه لتشبيه الذين كفروا بالصائح(١) بالغنم، والكلام يدلّ على ذمّهم ووصفهم بالغفلة وقلّة التأمل والتمييز، والنّاعق بالغنم قد يكون مميّزا متأمّلا محصّلا؟
يقال له في هذه الآية خمسة أجوبة:
أولها أن يكون المعنى: مثل واعظ الذين كفروا والداعي لهم إلى الإيمان والطاعة كمثل الراعي الّذي ينعق بالغنم وهي لا تعقل معنى دعائه، وإنما تسمع صوته ولا تفهم غرضه؛ والذين كفروا بهذه الصّفة لأنهم يسمعون وعظ النبيصلىاللهعليهوآله ودعاءه وإنذاره فينصرفون(٢) عن قبول ذلك، ويعرضون عن تأمّله، فيكونون بمنزلة من لم يعقله ولم يفهمه؛ لاشتراكهما في عدم الانتفاع به. وجائز أن يقوم قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا مقام الواعظ والداعي لهم؛ كما تقول العرب: فلان يخافك خوف الأسد؛ والمعنى كخوفه(٣) الأسد، فأضاف الخوف إلى الأسد وهو في المعنى مضاف إلى الرجل، قال الشاعر:
فلست مسلّما ما دمت حيّا |
على زيد بتسليم الأمير |
أراد بتسليمي على الأمير، ونظائر ذلك كثيرة.
والجواب الثاني أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا كمثل الغنم التي لا تفهم نداء الناعق، فأضاف الله تعالى المثل الثاني إلى الناعق؛ وهو في المعنى مضاف إلى المنعوق به،
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (الناعق)، وفي ت: (الصائح: الناعق).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (فيضربون).
(٣) م: (كخوفه من الأسد).
على مذهب العرب في قولها: طلعت الشّعرى، وانتصب العود على الحرباء(١) ، والمعنى وانتصب الحرباء على العود؛ وجاز التقديم والتأخير لوضوح المعنى؛ وأنشد الفرّاء:
إنّ سراجا لكريم مفخره |
تحلى به العين إذا ما تجهره(٢) |
معناه يحلى بالعين؛ فقدّم وأخّر. وأنشد الفراء أيضا:
كانت فريضة ما تقول كما |
كان الزّنا فريضة الرّجم |
المعنى كما كان الرّجم فريضة الزنا، وأنشد أيضا:
وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي |
على وعل في ذي المطارة عاقل(٣) |
أراد ما تزيد مخافة وعل على مخافتي، ومثله:
* كأنّ لون أرضه سماؤه(٤) *
أراد كأنّ لون سمائه أرضه، ومثله:
ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه |
وسائره باد إلى الشّمس أجمع(٥) |
أراد مدخل رأسه الظلّ، وقال الراعي:
فصبّحته كلاب الغوث يؤسدها |
مستوضحون يرون العين كالأثر(٦) |
يريد أنهم يرون الأثر كالعين؛ وقال أبو النجم:
____________________
(١) الحرباء: حيوان كالعضاءة؛ يدور مع الشمس.
(٢) يقال حلي فلان بعيني وفي عيني إذا أعجبك؛ والبيتان في اللسان (حلا)، وفي م: (تجلى)، تصحيف.
(٣) البيت للنابغة، وقد مر ذكره ص ٢٠٢، وانظر ما سبق في تفسيره.
(٤) الرجز لرؤبة، وقبله:
* ومهمه مغبرة أرجاؤه*
(٥) البيت من شواهد (الكتاب ١: ٩٢)؛ قال الأعلم: (الشاهد فيه إضافة مدخل إلى الظل، ونصب الرأس به على الاتساع والقلب، وكان الوجه أن يقول: مدخل رأسه الظل؛ لأن الرأس هو الداخل في الظل، والظل المدخل فيه؛ وهو وصف هاجرة قد ألجأت النيران إلى كنسها، فترى الثور مدخلا لرأسه في ظل كناسه لما يجد من شدة الحر، وسائره بارز للشمس).
(٦) يذكر ثورا، والغوث: قبيلة من طيئ، ويوسدها: يغريها؛ ومستوضحون:
صيادون ينظرون: هل يرون شيئا؛ يقال استوضح الرجل، إذا نظر ليرى شبحا أو أثرا، يريد أن أثر الصيد عندهم إذا رآه يكون بمنزلة الصيد نفسه لا يخفى عليهم. (وانظر معاني الشعر لابن قتيبة ٧٤٢، ١١٩٣).
* قبل دنوّ الأفق من جوزائه*
فقلب، وقال العباس بن مرداس:
فديت بنفسه نفسي ومالي |
ولا آلوه إلاّ ما يطيق |
أراد فديت بنفسي نفسه، وقال ابن مقبل:
ولا تهيّبني الموماة أركبها |
إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر(١) |
أراد لا أتهيّب الموماة؛ وهذا كثير جدّا(٢) .
والجواب الثالث أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا ومثلنا، أو مثلهم ومثلك يامحمد كمثل الّذي ينعق؛ أي مثلهم في الإعراض ومثلنا(٣) في الدعاء والتنبيه والإرشاد كمثل الناعق بالغنم، فحذف المثل الثاني اكتفاء بالأول؛ ومثله قوله تعالى:( وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ) ؛ [النحل: ٨١]، أراد الحر والبرد، فاكتفى بذكر الحر من البرد، وقال أبو ذؤيب:
عصيت إليها القلب إني لأمرها |
مطيع فما أدري أرشد طلابها(٤) |
أراد أرشد أم غي، فاكتفى بذكر الرشد لوضوح الأمر.
والجواب الرابع أن يكون المراد: ومثل الذين كفروا في دعائهم للأصنام التي يعبدونها من دون الله وهي لا تعقل ولا تفهم، ولا تضرّ ولا تنفع كمثل الّذي ينعق دعاء ونداء بما
____________________
(١) معاني ابن قتيبة ١٢٦٤، واللسان - هيب؛ يقال: تهببني الشيء بمعنى تهببته أنا؛ كذا ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت. والموماة: المفازة؛ والأصداء: جمع صدى؛ وهو البوم.
(٢) حاشية ت: (ومن المقلوب قوله تعالى:( ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ ) ، وإنما هو:
تنوء العصبة بها، وقوله سبحانه:( وَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ) ؛ يريد مخلف رسله وعده؛ وإنما جرى القلب في كلام العرب اتساعا في الظاهر؛ لأن المعنى فيه لا يشكل).
(٣) د، حاشية ت (من نسخة): (ومثلك).
(٤) ديوان الهذليين ١: ٧١؛ والرواية فيه:
عصاني إليها القلب إنّي لأمره |
سميع فما أدري أرشد طلابها |
لا يسمع صوته جملة، والدعاء والنداء على هذا الجواب ينتصبان بينعق، وإلاّ توكيد للكلام؛ ومعناها الإلغاء؛ قال الفرزدق:
هم القوم إلاّ حيث سلّوا سيوفهم |
وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم(١) |
والمعنى: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم.
والجواب الخامس أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام(٢) وعبادتهم لها واسترزاقهم إياها كمثل الرّاعي الّذي ينعق بالغنم ويناديها؛ فهي تسمع دعاءه ونداءه ولا تفهم معنى كلامه، فشبّه من يدعوه الكفار من المعبودات دون الله جلّ اسمه بالغنم، من حيث لا تعقل الخطاب ولا تفهمه، ولا نفع عندها فيه ولا مضرّة.
وهذا الجواب يقارب الّذي قبله، وإن كانت بينهما مزيّة ظاهرة؛ لأن الأول يقتضي ضرب المثل بما لا يسمع الدعاء ولا النداء جملة، ويجب أن يكون مصروفا إلى غير الغنم وما أشبهها مما يسمع وإن لم يفهم. وهذا الجواب يقتضي ضرب المثل بما يسمع الدعاء والنداء وإن لم يفهمهما، والأصنام من حيث كانت لا تسمع النداء(٣) جملة يجب أن يكون داعيها ومناديها أسوأ حالا من منادي الغنم. ويصحّ أن يصرف إلى الغنم وما أشبهها مما يشارك في السماع، ويخالف في الفهم والتمييز.
وقد اختلف الناس في يَنْعِقُ فقال أكثرهم: لا يقال نعق ينعق إلاّ في الصيّاح بالغنم وحدها؛ وقال بعضهم نعق ينعق بالغنم والإبل والبقر؛ والأول أظهر في كلام العرب؛ قال الأخطل:
فانعق بضأنك ياجرير فإنّما |
منّتك نفسك في الخلاء ضلالا(٤) |
____________________
(١) ديوانه ٢: ٧٦٠، وفي ت، ونسخة بحاشيتي الأصل، ف: (حين)، وفي حاشية الأصل أيضا: (نظير هذا في مورد (إلا) للتوكيد دون الاستثناء قولهم: (أسألك إلا غفرت لي).
(٢) م: (للأصنام).
(٣) ت: (الدعاء والداء)، ف: (الدعاء).
(٤) ديوانه: ٥٠.
ويقال أيضا: نعق الغراب ونغق؛ بالغين المعجمة؛ إذا صلح من غير أن يمدّ عنقه ويحركها؛ فإذا مدها وحرّكها ثم صاح قيل: نعب، ويقال أيضا: نعب الفرس ينعب وينعب نعبا ونعيبا ونعبانا، وهو صوته؛ ويقال: فرس منعب، أي جواد، وناقة نعّابة؛ إذا كانت سريعة.
تأويل خبر [خبر النبيعليهالسلام حين دعي إلى مأدبة ومعه الحسين وهو صبي، وتأويل ما ورد من الغريب في ذلك:]
روي أن النبيصلىاللهعليهوآله خرج مع أصحابه إلى طعام دعوا إليه(١) ؛ فإذا(٢) بالحسينعليهالسلام ، وهو صبي يلعب مع صبية في السّكّة، فاستنتل رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمام القوم، فطفق الصبي يفرّ مرّة هاهنا، ومرّة هاهنا، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يضاحكه،(٣) ثم أخذه(٣) ، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى تحت فأس رأسه، وأقنعه فقبّله، وقال: (أنا من حسين وحسين منّي، أحبّ الله من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط).
قال الشريف أدام الله علوّه: معنى استنتل تقدّم، يقال: استنتل الرجل استنتالا، وابرنتى ابرنتاء(٤) ، وابرنذع ابرنذاعا؛ إذا تقدم، هكذا ذكره ابن الأنباري.
ووجدت بعض المتقدمين في علم اللغة يحكي في كتاب له قال: تقول: خ خ استنتلت الأمر استنتالا إذا استعددت له، واستنتل الرجل تفرّد من القوم، ويقال: استنتل أشرف. والمعاني تتقارب، والخبر يليق بكل واحد منها. وحكى هذا الرجل الّذي ذكرناه في كتابه في ابرنثأ وابرنذع أيضا أنه من الاستعداد.
فأما السّكة، فهي المنازل المصطفّة، والنخل المصطف.
____________________
(١) ت، د: (له).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (تقول خرجت فإذا زيد على الطريق؛ إذا بمعنى الوقت؛ والتقدير: خرجت والوقت وقت حضور زيد على الطريق؛ وكذلك أكرمك إذ أنت صديقي؛ ليست إذ لما مضى من الزمان؛ بل هي تعليلية، والتقدير: أكرمك لأنك صديقي).
(٣ - ٣) ساقط من م.
(٤) ص: (ابرنثأ).
ومعنى طفق ما زال، قال الشاعر:
طفقت تبكي وأسعدها |
فكلانا ظاهر الكمد(١) |
وفأس الرأس: طرف القمحدوة(٢) المشرف على القفا.
ومعنى (أقنعه) رفعه، هكذا ذكر ابن الأنباري. وقال غيره: يقال أقنع ظهره إقناعا إذا طأطأه ثم رفعه برفق.
فأما الأسباط فأصلها في ولد إسحاقعليهالسلام كالقبائل في بني إسماعيلعليهالسلام ؛ وقال ابن الأنباري: هم الصّبية والصّبوة، بالياء والواو معا.
***
[من كلام ابنة الخسّ وتأويل ما ورد في ذلك من الغريب:]
حدثنا أبو القاسم عبد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا قال أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن أحمد الحكيمي قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال أخبرنا ابن الأعرابي أنه قيل لابنة الخسّ: ما مائة من المعز؟ قالت: (مويل يشفّ الفقر من ورائه، مال الضعيف، وحرفة العاجز). قيل لها: فما مائة من الضأن؟ قالت: (قرية لا حمى بها).
قيل: فما مائة من الإبل؟ قالت: (بخّ(٣) ! جمال ومال، ومنى الرجال)، قيل لها: فما مائة من الخيل؟ قالت: (طغى عند من كانت، ولا توجد). قيل: فما مائة من الحمر؟ قالت: (عازبة الليل، وخزى المجلس، لا لبن فيحلب، ولا صوف فيجزّ(٤) ، إن ربط عيرها دلّى(٥) ، وإن أرسل ولى(٦) ).
وبهذا الإسناد عن ابن الأعرابي قال: قيل لابنة الخسّ - والخصّ والخسف، قال: كل ذلك يقال -: ما أحسن شيء؟ قالت: (غادية، في أثر سارية، في نبخاء قاوية) - قال: نبخاء:
أرض مرتفعة، لأن النبات في موضع مشرف أحسن - وقالوا أيضا: (نفخاء)، أي رابية،
____________________
(١) ت: (الجلد).
(٢) القمحدوة: الهنة الناشرة فوق القفا وأعلى القذال خلف الأذنين.
(٣) (ت، ج: (بخ بخ)، بتنوين الخاء.
(٤) د: (فيجز).
(٥) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (أدلى).
(٦) ت: (وإن أرسلته)، والخبر في المزهر ٢: ٥٤٥.
ليس بها رمل ولا حجارة، قال: والجمع النّفاخى(١) ، ونبت الرابية أحسن من نبت الأودية، لأن السيل يصرع الشجر فيقذفه في الأودية، ثم يلقي عليه الدّمن(٢) .
قال الشريف أدام الله علوّه: ومما يدل أن نبت الرابية أحسن قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة |
خضراء جاد عليها مسبل هطل(٣) |
وقال كثيّر:
فما روضة بالحزن طيّبة الثرى |
يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها(٤) |
____________________
(١) في حاشيتي ت، ف: (قال الجوهري: النبخاء: الأكمة، والنفخاء من الأرض مثل النبخاء، وأقوت الدار وقويت؛ أي خلت).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (الدمن: جمع دمنة؛ وهو ما يتلبد من التراب والقش وكسار العيدان؛ والخبر في (مجالس ثعلب ٣٤٣، والمخصص ١٠: ١٤٣، واللسان - نبخ، نفخ).
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (بعده:
يضاحك الشمس منها كوكب شرق |
مؤزّر بعميم النّبت مكتهل |
|
يوما بأطيب منها نشر رائحة |
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل |
- كوكب الشيء: معظمه، والنبت إذا عم وكثر قيل اكتهل، وقوله: (إذا دنا الأصل)، يعني أن الزهر إذا كان في الأصيل كان أحسن للبعد عن برد الغداة). والأبيات في ديوانه: ٤٣.
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (الجثجاث والعرار: نبتان، وبعده:
بأطيب من أردان عزّة موهنا |
وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها |
وللبيتين قصة؛ وهي أن كثيرا أقبل ذات وم راكبا، فاعترضت له في الطريق عجوز قد أوقدت في روثة، فتضجر عليها كثير، وتأفف في وجهها؛ فقالت: أنت القائل:
فما روضة بالحزن طيّبة الثّرى |
يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها |
|
بأطيب من أردان عزّة موهنا |
وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها |
قال: نعم؛ قالت: والله لو أوقد بالمندل على هذه الروثة لطابت! هلا قلت كما قال سيدك ومولاك امرؤ القيس:
ألم ترياني كلّما جئت طارقا |
وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب! |
فانكسر كثير وخجل. وقيل إنه أعطاها مطرفا كان معه وقال: (استريه علي)؛ (وانظر ديوان امرئ القيس ٧٣، وديوان كثير ١: ٩٣).
فخصّا الحزن للمعنى الّذي ذكرنا.
***
[تأويل قول العرب: (جاءنا بطعام لا ينادى وليده):]
وبهذا الإسناد عن ابن الأعرابي قال: العرب تقول جاءنا بطعام لا ينادى وليده؛ إذا جاء بطعام كثير لا يراد فيه زيادة، ووقع في أمر لا ينادى وليده؛ يقول لا يدعى إليه الصبيان، ولا يستعان إلا بكبار الرجال فيه.
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوه: وفي ذلك قولان آخران؛ أحدهما عن الأصمعي قال: أصله من الشدة تصيب القوم حتى تذهل المرأة عن ولدها فلا تناديه لما هي فيه، ثم صار مثلا لكل شدة، ولكل أمر عظيم. والقول الآخر عن الكلابي قال:
أصله من الكثرة والسّعة، فإذا أهوى الوليد إلى شيءلم يزجر عنه حذر الإفساد، لسعة ما هم فيه، ثم صار مثلا لكل كثرة؛ قال الفرّاء: وهذا القول يستعان به في كل موضع يراد به الغاية، وأنشد:
لقد شرعت كفّا يزيد بن مزيد |
شرائع جود لا ينادى وليدها |
***
[أخبار معن بن زائدة:]
وبالإسناد الّذي تقدم عن ابن الأعرابي قال: دخل ودفة(١) الأسدي على معن بن زائدة الشّيباني فقال: إن رأيت أكرمك الله أن تضعني من نفسك بحيث وضعت نفسى من رجائك؛ فإنك قد بلغت حالا لو أعتقني الله فيها بكرمك من تنصّف(٢) الرجال بعدك لم يكن كثيرا، وإنّي قد قدّمت الرجاء، وأحسنت الثناء، ولزمت الحفاظ، ثم أنشأ يقول:
يامعن إنك لم تنعم على أحد |
فشاب نعماك تنغيص ولا كدر |
|
فانظر إلى بطرف غير ذي مرض |
فربّما صحّ لي من طرفك النّظر |
|
أيّام وجهك لي طلق يخبّرني |
إذا سكتّ بما تخفي وتضطمر |
|
ومن هواك شفيع ليس يغفلني |
وإن نأيت وإن قلّت بي الذّكر |
____________________
(١) ودفة؛ بالفاء، وضبط في الأصل، ت بفتح الدال وإسكانها معا.
(٢) حاشية ت، ف: (التنصف: الخدمة؛ يقال تنصفه إذا خدمه، والنصيف: الخادم).
قد كنت أثّرت عندي مرّة أثرا |
فقد تقارب يعفو ذلك الأثر |
|
فاجبر بفضلك عظما كنت تجبره |
واجمع بفعلك ما قد كاد ينتشر(١) |
|
ما نازع العسر في اليسر مذ علقت |
كفّي بحبلك إلاّ ظفّر اليسر |
|
وقد خشيت وهذا الدّهر ذو غير |
بأن يدال لطول الجفوة العسر(٢) |
|
وأيّما(٣) كان من عسر وميسرة |
فإنّ حظّك فيه الحمد والشّكر |
فقال معن: أو ما كنّا أعطيناك شيئا؟ قال: لا، قال: أمّا الذهب والفضّة فليسا عندنا، ولكن هات تختا(٤) من ثيابي ياغلام؛ فدفعه إليه، وقد كان تحمّل عليه(٥) بابن عيّاش وحبيب بن بديل، فأعطاهما معه تختين، وقال: غرّمتني ياودفة تختي ثياب!.
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وكان معن بن زائدة جوادا شجاعا شاعرا، ويكنّى أبا الوليد، وهو معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن مطر، وهو أخو الحوفزان بن شريك، وكان معن من أصحاب ابن هبيرة(٦) ، فلما قتل رثاه معن فقال:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط |
عليك بجاري دمعها لجمود(٧) |
|
عشيّة قام النائحات وشقّقت |
جيوب بأيدي مأتم وخدود(٨) |
|
فإن تمس(٩) مهجور الفناء فطالما(٩) |
أقام به بعد الوفود وفود |
|
فإنك لم تبعد على متعهّد |
بلى كلّ من تحت التّراب بعيد(١٠) |
____________________
(١) ت: (بفضلك).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (بطول الجفوة).
(٣) م: (وإن ما).
(٤) التخت: وعاء تصان فيه الثياب:
(٥) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (إليه)، وتحمل إليه؛ أي تشفع.
(٦) حواشي الأصل، ت ف: (قتل ابن هبيرة السفاح).
(٧) حواشي الأصل، ت، ف: (روى أبو تمام هذه القطعة في الحماسة لأبي عطاء السندي). (وانظر ديوان الحماسة - بشرح التبريزي ٢: ٢٩٥ - ٢٩٦).
(٨) حاشية الأصل: (المأتم: جماعة النساء للعزاء).
(٩ - ٩) م: (مهجور الجناب فطالما)، ورواية الحماسة: (مهجور الجناب فربما)؛ قال التبريزي:
والرواية المختارة: (وربما) بالواو؛ وذلك أن جواب الشرط من قوله: (فإن تمس مهجور الفناء) (فإنك لم تبعد على متعهد)، ويصبر: (ربما أقام) بيان الحال فيما تقدم من رئاسته).
(١٠) أي على متعهد يتعهدك بالذكر والبكاء.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرني يوسف بن يحيى المنجّم عن أبيه قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبو زيد بن الحكم بن موسى قال حدثني أبي قال: كان معن بن زائدة من أصحاب يزيد بن عمر بن هبيرة، وكان مستترا، حتى كان يوم الهاشمية(١) ، فإنه حضر وهو معتمّ متلثّم، فلما نظر إلى القوم وقد وثبوا على المنصور تقدّم فأخذ بلجام بغلته، ثم جعل يضربهم بالسيف قدّامه، فلما أفرجوا له وتفرّقوا عنه قال له: من أنت ويحك! قال: أنا طلبتك معن بن زائدة. فلما انصرف المنصور حباه وكساه ورتّبه، ثم قلّده اليمن، فلما قدم عليه من اليمن قال له: هيه يامعن! تعطي مروان بن أبي حفصة مائة ألف درهم على أن قال لك:
معن بن زائدة الّذي زيدت به |
شرفا على شرف بنو شيبان |
|
إن عدّ أيّام الفعال فإنما |
يوماه: يوم ندى ويوم طعان |
فقال: كلاّ ياأمير المؤمنين، ولكن أعطيته على قوله:
ما زلت يوم الهاشمية معلنا |
بالسّيف دون خليفة الرّحمن |
|
فمنعت حوزته، وكنت وقاءه |
من وقع كلّ مهنّد وسنان |
فقال له: أحسنت يامعن!
وفي خبر آخر أنّه دخل على المنصور، فقال له: ويلك(٢) ! ما أظنّ ما يقال فيك من ظلمك لأهل اليمن واعتسافك إياهم إلاّ حقّا! قال: وكيف ذاك ياأمير المؤمنين؟ قال: بلغني أنك أعطيت شاعرا كان يلزمك ألفي دينار، وهذا من السرف الّذي لا شيء مثله، فقال:
ياأمير المؤمنين، إنما أعطيته من فضول مالي وغلاّت ضياعي وفضلات(٣) رزقي، وكففته عن عرضي، وقضيت الواجب من حقّه عليّ وقصده إلى وملازمته لي، قال:
فجعل أبو جعفر ينكت بقضيب في يده الأرض ولم يعاوده القول.
____________________
(١) الهاشمية: مدينة بناها السفاح بالقرب من الكوفة، والخبر في (ابن خلكان ٢: ١٠٩).
(٢) ت: (ويلك يامعن!).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (وفضالات).
وأخبرنا المرزباني قال أخبرني عليّ بن يحيى عن عبد الله بن أبي سعد الورّاق عن خالد ابن يزيد بن وهب بن جرير عن عبد الله(١) بن محمد المعروف بمنقار من أهل خراسان - وكان من ولاة الرشيد - قال: حدّثني معن بن زائدة قال: كنا في الصّحابة سبعمائة رجل، فكنا ندخل على المنصور في كلّ يوم، قال: فقلت للربيع: اجعلني في آخر من يدخل عليه، فقال لي:
لست بأشرفهم فتكون في أولهم، ولا بأخسّهم نسبا فتكون في آخرهم، وإن مرتبتك لتشبه(٢) نسبك. قال: فدخلت على المنصور ذات يوم، وعليّ درّاعة فضفاضة، وسيف حنفي(٣) أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد أسدلتها من قدامي وخلفي، فسلّمت عليه وخرجت، فلما صرت عند السّتر صاح بي: يامعن! صيحة أنكرتها، فلبيته فقال: إلي، فدنوت منه، فإذا به قد نزل عن فراشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستلّ عمودا من بين فراشين، واستحال لونه، ودرّت أوداجه، وقال: إنك لصاحبي يوم واسط، لا نجوت إن نجوت مني! قال:
قلت: ياأمير المؤمنين، تلك نصرتي لباطلهم، فكيف نصرتي لحقك؟ قال: فقال لي: كيف قلت؟
فأعدت عليه القول، فما زال يستعيدني حتى ردّ العمود إلى مستقره، واستوى متربعا، وأسفر لونه وقال: يامعن، إن باليمن هنات، قلت: ياأمير المؤمنين، (ليس لمكتوم رأي) - وهو أول من أرسلها مثلا - فقال: أنت صاحبي، فاجلس، قال: فجلست، وأمر الربيع بإخراج كل من كان في الدار، وخرج الربيع، فقال لي: إنّ صاحب اليمن قد همّ بالمعصية، وإني أريد أن آخذه أسيرا، ولا يفوتني شيء من ماله، قلت: ولّني اليمن وأظهر أنك قد ضممتني إليه، ومر الربيع أن يزيح علّتي في كل ما أحتاج إليه، ويخرجني في يومي هذا لئلا ينتشر الخبر، قال: فاستلّ عهدا من بين فراشين، فوقّع فيه اسمي وناولنيه، ثم دعا الربيع فقال:
ياربيع، إنا قد ضممنا معنا إلى صاحب اليمن، فأزح علّته فيما يحتاج إليه من السلاح
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (عبيد الله).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (كنسبة نسبك).
(٣) السيوف الحنفية: نوع منها ينسب إلى الأحنف بن قيس؛ لأنه أول من أمر باتخاذها، والقياس أحنفية؛ (القاموس).
والكراع، ولا يمسي إلاّ وهو راحل، قال: ثم ودّعني فودعته، وخرجت إلى الدّهليز، فلقيني أبو الوالي فقال: يامعن؛ أعزز عليّ أن تضمّ إلى ابن أخيك! قال: فقلت له: إنّه لا غضاضة على الرجل يضمّه سلطانه إلى ابن أخيه. وخرجت إلى اليمن، فأتيت الرجل، فأخذته أسيرا، وقرأت عليه العهد، وقعدت في مجلسه.
وروى عمر بن شبّة قال: اجتمع عند معن بن زائدة ابن أبي عاصية وابن أبي حفصة والضّمري، فقال: لينشدني كلّ واحد منكم أمدح بيت قاله في، فأنشده ابن أبي حفصة:
مسحت ربيعة وجه معن سابقا |
لما جرى وجرى ذوو الأحساب |
فقال له معن: الجواد يعثر فيمسح وجهه من العثار والغبار وغيرهما.
وأنشده الضّمري:
أنت امرؤ همّك المعالي |
ودلو معروفك الرّبيع |
- ويروى: (ودون معروفك الربيع) -
وشأنك الحمد تشتريه |
يشيعه عنك ما يشيع(١) |
فقال له: ما أحسن ما قلت! إلاّ أنك لم تسمّني ولم تذكرني، فمن شاء انتحله، وأنشده ابن أبي عاصية:
إن زال معن بني زياد(٢) لم يزل |
لندى إلى بلد بعير مسافر(٣) |
ففضّله عليهم.
وروي أنّه أتى معن بن زائدة بثلاثمائة أسير، فأمر بضرب أعناقهم، فقال له شاب منهم: ياأخا شيبان(٤) ، نناشدك الله أن تقتلنا عطاشا! فقال: اسقوهم ماء، فلما
____________________
(١) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (من يشيع).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (شريك).
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (التقدير:
إن زال معن بني زياد لم يزل لندى بعير مسافر إليه؛ يعني أن عفاته بعد زواله يتودعون ولا يسافرون لعدم من يقصد).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (ياأخا بني شيبان).
شربوا قال: ياأخا شيبان، نناشدك الله أن تقتل أضيافك! فقال: أطلقوهم.
وذكر أحمد بن كامل أن الخوارج قتلت معن بن زائدة بسجستان في سنة إحدى وخمسين ومائة(١) .
وروى أن عبد الله بن طاهر كان يوما عند المأمون، فقال له: ياأبا العباس، من أشعر من قال الشعر في خلافة بني هاشم؟ قال: أمير المؤمنين أعرف بهذا مني، قال: قل على كلّ حال، قال عبد الله: أشعرهم الّذي يقول في معن بن زائدة:
أيا قبر معن كنت أوّل حفرة |
من الأرض خطّت للسّماحة مضجعا(٢) |
|
أيا قبر معن كيف واريت جوده |
وقد كان منه البرّ والبحر مترعا |
|
بلى قد وسعت الجود والجود ميّت |
ولو كان حيّا ضقت حتّى تصدّعا |
والأبيات للحسين بن مطير الأسدي، وهي تزيد على هذا المقدار، وأولها:
ألما بمعن(٣) ثمّ قولا لقبره |
سقتك الغوادي مربعا ثمّ مربعا |
وفيها:
فتى عيش في معروفه بعد موته |
كما كان بعد السّيل مجراه مرتعا |
|
ولما مضى معن مضى الجود وانقضى |
وأصبح عرنين المكارم أجدعا |
____________________
(١) وانظر ترجمة معن وأخباره في (تاريخ بغداد ١٣: ٢٣٥ - ٢٤٤، وابن خلكان ٢: ١٠٨ - ١١٢).
(٢) الأبيات في (ديوان الحماسة - بشرح التبريزي ٢: ٣٩٠ - ٣٩٢)، وهي أيضا في تاريخ بغداد وابن خلكان.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (ألما على معن).
[١٦]
مجلس آخر [المجلس السادس عشر:]
تأويل آية:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ )
قال سيدنا الشريف الأجلّ ذو المجدين أطال الله بقاءه: إن سأل سائل فقال: ما الوجه في قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ ) ؛ [آل عمران: ٢١]، وفي موضع آخر:( وَقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ ) ؛ [النساء: ١٥٥]؛ وظاهر هذا القول يقتضي أنّ قتلهم قد يكون بحقّ. وقوله تعالى:( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ) ؛ [المؤمنون: ١١٧]. وقوله:( الله الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) ؛ [الرعد: ٢]، وقوله:( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) ؛ [البقرة: ٤١]، وقوله تعالى:( لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) ؛ [البقرة: ٢٧٣]؛ والسؤال عن هذه الآيات كلّها من وجه واحد وهو الّذي تقدم.
الجواب، أنّ للعرب فيما جرى هذا المجرى من الكلام عادة معروفة، ومذهبا مشهورا، عند من تصفّح كلامهم وفهم عنهم. ومرادهم بذلك المبالغة في النفي وتأكيده؛ فمن ذلك قولهم: فلان لا يرجى خيره؛ ليس يريدون أنّ فيه خيرا لا يرجى، وإنما غرضهم أنّه لا خير عنده على وجه من الوجوه؛ ومثله: قلّما رأيت مثل هذا الرجل، وإنما يريدون أنّ مثله لم ير لا قليلا ولا كثيرا؛ وقال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره(١) |
إذا سافه العود الدّيافي جرجرا(٢) |
يصف طريقا؛ وأراد بقوله: (لا يهتدى بمناره) أنه لا منار له فيهتدى بها.
____________________
(١) من نسخة بحاشية الأصل: (بمنارة).
(٢) ديوانه: ١٠١، واللاحب: الطريق المنقاد الّذي لا ينقطع. والمنار: جمع منارة؛ وهي العلامة التي تجعل بين الحدين؛ ورواية الديوان: (النباطي).
والعود: المسنّ من الإبل، والدّيافي: منسوب إلى دياف، قرية بالشام معروفة(١) .
وسافه: شمّه(٢) ، والجرجرة مثل الهدير؛ وإنّما أراد أنّ العود إذا شمّه عرفه فاستبعده، وذكر ما يلحقه فيه من المشقّة، فجرجر لذلك؛ وقال ابن أحمر:
لا تفزع الأرنب أهوالها |
ولا ترى الضّبّ بها ينجحر |
أراد: ليست بها أهوال فتفزع الأرنب؛ وقال النّابغة:
يحفّه جانبا نيق وتتبعه |
مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد(٣) |
أراد: ليس بها رمد فتكحل له؛ وقال امرؤ القيس أيضا(٤) :
وصمّ حوام ما يقين من الوجى |
كأنّ مكان الرّدف منه على رال |
يصف حوافر فرسه. وقوله: (ما يقين من الوجى) فالوجى هو الحفا، و (يقين)؛ أي يتوقّين، يقال: وقى الفرس إذا هاب المشي، فأراد أنه لا وجى بحوافره فيتهيبن الأرض من أجله، والرأل: فرخ النعام، وشبّه إشراف عجزه بعجز الرّأل؛ وقال الآخر(٥) :
____________________
(١) ت: (وهي قرية)، وفي معجم البلدان: (وقيل من قرى الجزيرة، وأهلها نبط الشام).
(٢) م: (شمه وعرفه).
(٣) حاشية ت: (الهاء في يحفه للحمام، والنيق: أرفع موضع في الجبل، ومثل الزجاجة عين المرأة التي وصفها)، وفي حاشية الأصل: (وقبله:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت |
إلى حمام سراع وارد الثّمد |
|
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا |
إلى حمامتنا ونصفه فقد |
- والثمد: الماء القليل).
وفتاة الحي: هي بنت الخس، عن الأصمعي، وعن أبي عبيدة: زرقاء اليمامة. وذكر أبو حاتم أنه كان لها قطاة، ومر بها سرب من القطا بين جبلين؛ فقالت: ليت هذا الحمام لي، ونصفه إلى حمامتي فيتم لي مائة؛ فنظروا فإذا هي كما قالت، وأرادت بالحمام القطا، وكانت جملة الحمام ستا وستين). وانظر الأبيات وشرحها في ديوان النابغة - بشرح البطليوسي ٢٣، ٢٤.
(٤) ت، وحاشيتي الأصل، ف (يصف فرسا، وقبله:
سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّسا |
له حجبات مشرفات على الفالي |
- الشظا: عظم مستدق لاصق بعظم الذراع. والحجبة على الورك، وهما حجبتان مشرفتان على الخاصرتين فجمعهما بما حواليهما. والفالي يعني به القائل؛ فقلبه، والقائل: لحم على خربة الورك؛ وانظر الديوان: ٦٥.
(٥) هو أعشى باهلة؛ من قصيدة يرثي بها المنتشر بن وهب.
لا يغمز السّاق من أين ولا وصب |
ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر(١) |
أراد: ليس بساقه أين ولا وصب فيغمزهما من أجلهما؛ وقال سويد بن أبي كاهل:
من أناس ليس من أخلاقهم |
عاجل الفحش ولا سوء الجزع(٢) |
ولم يرد أنّ في أخلاقهم فحشا آجلا(٣) ولا جزعا(٤) ؛ وإنما أراد نفي الفحش والجزع عن أخلاقهم. ومثل ذلك قولهم: فلان غير سريع إلى الخنا، وهم يريدون أنّه لا يقرب الخنا، لا نفي الإسراع حسب. وقال الفرزدق وهو يهجو ابني جعفر بن كلاب، ويعيّرهم بقتلي منهم أصيبوا في حروبهم، فحملت النساء هؤلاء القتلى حتى أتين بهم الحي(٥) :
ولم تأت عير أهلها بالذّي(٦) أتت |
به جعفرا يوم الهضيبات عيرها(٧) |
|
أتتهم بعير لم تكن هجرية |
ولا حنطة الشام المزيت خميرها |
يعني أنّ العير إنما تحمل التمر أو الطعام إلى الحي، فحملت عير هؤلاء القوم القتلى، وقوله: (لم تكن هجرية)؛ أي لم تحمل التمر، وذلك لكثرة التمر بهجر، ثم قال: (ولا حنطة الشام المزيت خميرها)، ولم يرد أن هناك حنطة ليس في خميرها زيت؛ لكنه أراد أنها لم لم تحمل تمرا ولا حنطة، ثم وصف الحنطة وما يجعل في خميرها من الزيت.
____________________
(١) كذا في جميع الأصول؛ وهو يوافق ما في اللآلئ: ٧٥، والكامل - بشرح المرصفي ٨: ٢١٢؛ ورواية جمهرة الأشعار ٢٨٢؛ وفي ملحقات ديوان الأعشى ٢٦٨:
لا يتأرّى لما في القدر يرقبه |
ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر |
|
لا يغمز السّاق من أين ولا وصب |
ولا يزال أمام القوم يقتفر |
وهي توافق رواية المؤلف فيما بعد. والتأري: التحبس والمكث، والصفر: حية في البطن تعض الشرسوف إذا جاع صاحبه. ولا يغمز الساق: لا يحنيها والاقتفار: أن يؤكل الخبز قفارا.
(٢) المفضليات: ١٩٥.
(٣) ت، د: (فحشا عاجلا ولا آجلا).
(٤) ت، د، ف: (ولا جزعا غير سيئ).
(٥) ديوانه ٢: ٤٥٩.
(٦) ت، د، ونسخة بحاشيتي الأصل، ف: (كالذي).
(٧) الهضيبات: موضع كان فيه يوم من أيام العرب؛ هو يوم طخفة؛ ذكره البكري في معجم ما استعجم: ١٣٥٤، وأورد البيت.
وعلى هذا يقع تأويل(١) الآيات التي وقع السؤال عنها، لأنه تعالى لما قال:( وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ ) دلّ على أن قتلهم لا يكون إلاّ بغير حق، ثم وصف(٢) القتل بما لا بد أن يكون عليه من الصفة، وهي وقوعه على خلاف الحقّ؛ وكذلك:( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ) ، إنما(٣) هو وصف لهذا الدعاء، وأنه لا يكون إلا عن غير برهان(٣) . وقوله تعالى:( الله الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) وجهه أيضا أنه لو كان هناك عمد لرأيتموه، فإذا نفى رؤية العمد نفى وجود العمد؛ كما قال: (لا يهتدي بمناره)، أي لا منار له من حيث علم أنه لو كان له منار لاهتدى به، فصار نفي الاهتداء بالمنار نفيا لوجود المنار. وقوله تعالى:( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ) تغليظ وتأكيد في تحذيرهم الكفر، وهو أبلغ من أن يقول: (ولا تكفروا به)، ويجري مجرى قولهم:
فلان لا يسرع إلى الخنا؛ وقلّما رأيت مثله إذا أرادوا به تأكيد نفي الخنا ونفي رؤية مثل المذكور. وكذلك قوله:( لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) ، معناه لا مسألة تقع منهم، ومثل الأول:( وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) ؛ والفائدة أن كل ثمن لها لا يكون إلا قليلا، فصار نفي الثمن القليل نفيا لكل ثمن، وهذا واضح بحمد الله ومنّه.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (تأول).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (وإنما وصف).
(٣ - ٣) ساقط من م.
باب في ذكر شيء من أخبار المعمّرين وأشعارهم ومستحسن كلامهم
[أخبار الحارث بن كعب المذحجي ووصيته حين الموت وشرح ما ورد في ذلك:]
أحد المعمّرين الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد(١) بن مالك بن أدد(٢) المذحجي، ومذحج(٣) هي أم مالك بن أدد، نسب ولد مالك إليها، وإنما سمّيت مذحجا(٤) لأنها ولدت على أكمة تسمى مذحجا، واسمها مدلّة بنت ذي منجشان(٥) .
قال أبو حاتم السجستاني: جمع الحارث(٦) بن كعب بنيه لما حضرته الوفاة فقال: (يابني، قد أتى عليّ ستون ومائة سنة، ما صافحت بيميني(٧) يمين غادر، ولا قنّعت(٨) نفسي بخلّة فاجر، ولا صبوت بابنة عمّ ولا كنّة، ولا طرحت عندي مومسة قناعها، ولا بحت لصديقي بسرّ، وإني لعلى دين شعيب النبيعليهالسلام ، وما عليه أحد من العرب غيري، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مرّة، فاحفظوا وصيّتي، وموتوا على شريعتي: إلهكم فاتقوه يكفكم المهمّ من أموركم، ويصلح لكم أعمالكم؛ وإياكم ومعصيته(٩) ، لا يحلّ بكم الدّمار، ويوحش منكم الدّيار. يابنيّ، كونوا جميعا ولا تفرقوا فتكونوا شيعا، وإنّ موتا في عزّ خير من حياة في ذلّ وعجز، وكلّ ما هو كائن كائن، وكلّ جميع إلى تباين.
الدهر(١٠) صرفان: فصرف رخاء، وصرف بلاء(١٠) ، واليوم يومان: فيوم حبرة، ويوم
____________________
(١) كذا في جميع الأصول، وفي حاشية الأصل: (ذكر س: هذا سهو، وهو كعب بن عمرو ابن علبة بن جلد بن مالك. وو علة وخالد تصحيف وغلط).
(٢) في حاشية الأصل، ت: (صرفت العرب (أددا)، ولم يجعلوه من باب عمر وزفر).
(٣) حاشية الأصل: (ذكر س: قال أبو جعفر محمد بن حبيب: مذحج هي أخت مدلة، واسمها مدلة بنت منجشان بن كلة بن زدمان، من حمير).
(٤) حاشية ت: (بخط ش: الصواب ألا تصرف مذحج للتأنيث والتعريف).
(٥) س: (مهجشان)، ت: (همنجشان).
(٦) لم يذكر فيما طبع من أخبار المعمرين لأبي حاتم.
(٧) حاشية ت (من نسخة): (ما صافحت يميني).
(٨) حاشية ت (من نسخة): (قعت)، بإسكان التاء.
(٩) ت: (ومعصية الله).
(١٠ - ١٠) ش: (والدهر ضربان: فضرب رخاء، وضرب بلاء).
عبرة، والناس رجلان: فرجل معك ورجل عليك، وتزوّجوا الأكفاء، وليستعملن في طيبهن الماء، وتجنّبوا الحمقاء؛ فإن ولدها إلى أفن ما يكون، إلا أنه لا راحة لقاطع القرابة، وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم منهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة؛ والتفضّل بالحسنة يقي السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها. العمل السوء يزيل النّعماء، وقطيعة الرّحم تورث الهمّ، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النّكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد، والنصيحة تجر الفضيحة، والحقد يمنع الرّفد، ولزوم الخطيئة يعقب البلية، وسوء الرّعة يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين)؛ ثم أنشأ يقول:
أكلت شبابي فأفنيته |
وأفنيت بعد دهور دهورا |
|
ثلاثة أهلين صاحبتهم |
فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا |
|
قليل الطّعام عسير القيام |
قد ترك الدّهر خطوي قصيرا |
|
أبيت أراعي نجوم السّماء |
أقلّب أمري بطونا ظهورا |
قوله: (ولا صبوت بابنة عم ولا كنّة)، الصّبوة هي رقّة الحبّ،(١) والكنّة. امرأة أخي الرجل وامرأة ابن أخيه(١) .
فأما المومسة، فهي الفاجرة البغي، وأراد بقوله: (إنها لم تطرح عنده قناعها) أي لم تتبذّل(٢) عنده وتتبسّط، كما تفعل مع من يريد الفجور بها.
وقوله: (فيوم حبرة ويوم عبرة)، فالحبرة: الفرح والسرور، والعبرة تكون من ضدّ ذلك؛ لأنّ العبرة لا تكون إلاّ من أمر محزن مؤلم.
وأما الأفن، فهو الحمق؛ يقال: رجل أفين؛ إذا كان أحمق؛ ومثل من أمثالهم: (وجدان الرقين؛ يغطّي على أفن الأفين)، أي وجدان المال يغطّي على حمق الاحمق، وواحد الرّقين رقة، وهي الفضة.
____________________
(١ - ١) حاشية الأصل (من نسخة) (والكنة هي امرأة ابن الرجل وامرأة أخيه).
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (لم تبتذل).
فأما قوله: (النصيحة تجر الفضيحة)، فيشبه أن يكون معناه أنّ النّصيح إذا نصح لمن لا يقبل نصيحته، ولا يصغي إلى موعظته فقد افتضح عنده؛ لأنه أفضى إليه بسرّه، وباح بمكنون صدره.
فأما (سوء الرّعة)، فإنه يقال: فلان حسن الرّعة والتورّع، أي حسن الطريقة.
***
[أخبار عمرو بن ربيعة المستوغر وإيراد بعض أشعاره:]
ومن المعمّرين المستوغر، وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ابن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر.
وإنما سمّي المستوغر ببيت قاله، وهو:
ينشّ الماء في الرّبلات منها |
نشيش الرّضف في اللّبن الوغير(١) |
الرّبلات: واحدتها، ربلة، وربلة، بفتح الباء وإسكانها، وهي كلّ لحمة غليظة؛ هكذا ذكر ابن دريد.
والرّضف: الحجارة المحماة، وفي الحديث: (كأنه على الرّضف)؛ واللبن الوغير: لبن تلقي فيه حجارة محماة ثم يشرب، أخذ من وغرة الظهيرة، وهي أشدّ ما يكون من الحرّ؛ ومنه: وغير صدر فلان يوغر وغرا، إذا التهب من غضب أو حقد.
وقال أصحاب الأنساب: عاش المستوغر ثلاثمائة سنة وعشرين، وأدرك الإسلام أو كاد يدرك أوّله.
وقال ابن سلام: خ خ كان(٢) المستوغر قديما، وبقي بقاء طويلا حتى قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها |
وعمرت(٣) من عدد السّنين مئينا |
|
مائة أتت من بعدها مائتان لي |
وازددت من عدد الشّهور سنينا |
|
هل ما بقى(٤) إلاّ كما قد فاتنا |
يوم يكرّ وليلة تحدونا |
____________________
(١) ت: (ذي الربلات)، د: (بالربلات) والبيت في اللسان (وغر)، والمعمرين ٩ - ١٠.
(٢) طبقات الشعراء: ٢٩٠ - ٣٠.
(٣) في الطبقات: (وازددت).
(٤) بقي؛ بالألف، يريد بقي، بالياء: لغة طائية.
وهو القائل:
إذا(١) ما المرء صمّ فلم يكلّم(٢) |
وأودى سمعه إلاّ ندايا(٣) |
|
ولاعب بالعشي بني بنيه |
كفعل الهرّ يحترش العظايا |
|
يلاعبهم وودّوا لو سقوه |
من الذّيفان مترعة ملايا(٤) |
|
فلا ذاق النّعيم ولا شرابا |
ولا يشفى من المرض الشّفايا |
أراد بقوله: (صمّ فلم يكلم)، أي لم يسمع ما يكلّم به، فاختصر؛ ويجوز أن يريد أنّه لم يكلّم لليأس من استماعه فأعرض عن خطابه لذلك. وقوله: (وأودى سمعه إلاّ ندايا) أراد أنّ سمعه هلك؛ إلاّ أنه يسمع الصوت العالي الّذي ينادى به.
وأما قوله: (ولاعب بالعشي بني بنيه)، فإنّه مبالغة في وصفه بالهرم والخرف، وأنه قد تناهى إلى ملاعبة الصبيان وأنسهم به. ويشبه أن يكون خصّ العشي بذلك لأنّه وقت رواح الصبيان إلى بيوتهم واستقرارهم فيها.
وقوله: (يحترش العظايا) أي يصيدها، والاحتراش أن يقصد الرجل إلى جحر الضّب فيضربه بكفّه ليحسبه الضب أفعى، فيخرج إليه فيأخذه، يقال: حرشت الضّبّ، واحترشته؛ ومن أمثالهم: (هذا أجلّ من الحرش)، يضرب عند الأمر يستعظم، ويتكلم بذلك على لسان الضب. قال ابن دريد: قال الضب لابنه: اتّق الحرش، قال:
وما الحرش؟ قال: إذا سمعت حركة بباب الجحر فلا تخرج؛ فسمع يوما وقع المحفار فقال:
ياأبه، أهذا الحرش؟ فقال: (هذا أجلّ من الحرش)؛ فجعل مثلا للرجل إذا سمع الشيء الّذي هو أشدّ مما كان يتوقّعه.
____________________
(١) الأبيات في طبقات الشعراء: ٣٠، وحماسة البحتري ٣٢٤ (ورواها همزية)، ومعجم الشعراء:
٢١٣، وفي حاشية الأصل: (ذكر سر قال: (قرأت س قال: قرأت بخط عبد السلام البصري رحمه الله أن هذه القطعة: إذا ما المرء لعثكلان بن ذي كواهن الحميري).
(٢) في الطبقات ومعجم الشعراء (فلم يناجي).
(٣) في حاشية الأصل، ت: (إنما قلب الهمزة في ندايا وشفايا وغيرهما ياء لأنه لو قال: شفاء لكانت تحصل همزة يكتنفها ألفان، والألف قريب من الهمزة، فإذا اجتمع ألفان مع همزة صار كأنه قد حصل قريب من الهمزتين؛ فلما كان كذلك أبدل من الهمزة ياء).
والذّيفان: السّم. والعظايا: جمع عظاية، وهي دويبّة صغيرة معروفة(١) .
***
[أخبار دريد بن زيد بن نهد وشرح ما أورده من كلامه:]
وأحد المعمّرين دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن ليث بن سود(٢) بن أسلم(٣) بن ألحاف(٤) ابن قضاعة بن مالك بن مرة بن مالك بن حمير.
قال أبو حاتم: خ خ عاش دويد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة قال ابن دريد:
لما حضرت دويد بن زيد الوفاة - وكان من المعمّرين، قال: ولا تعدّ العرب معمّرا إلا من عاش مائة وعشرين(٥) سنة فصاعدا - قال لبنيه: (أوصيكم بالناس شرا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوهم(٦) عثرة، قصّروا الأعنّة، وطوّلوا(٧) الأسنّة، واطعنوا(٨) شزرا، واضربوا هبرا؛ وإذا أردتم المحاجزة، فقبل المناجزة، والمرء يعجز لا المحالة، بالجدّ لا بالكدّ. التجلّد ولا التبلّد، والمنية ولا الدّنية. لا تأسوا على فائت وإن عزّ فقده، ولا تحنّوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطمعوا فتطبعوا، ولا تهنوا فتخرعوا، ولا يكون(٩) لكم المثل السوء؛ إنّ الموصّين بنو سهوان. إذا متّ فارحبوا(١٠) خطّ مضجعي، ولا تضنّوا عليّ برحب الأرض، وما ذلك بمؤدّ إلي روحا(١١) ؛ ولكن راحة نفس(١٢) خامرها الإشفاق). ثم مات.
قال أبو بكر بن دريد في حديث آخر إنه قال:
____________________
(١) وانظر أخبار المستوغر في المعمرين: ٩، وطبقات الشعراء: ٢٩ - ٣٠، ومعجم الشعراء: ٢١٣ - ٢١٤
(٢) حاشية ت (من نسخة): (سويد).
(٣) حاشية الأصل: (بضم اللام).
(٤) حاشية الأصل: (ألحاف، يقطع الألف كأنه جمع لحف؛ كذا وجدته مضبوطا في النسخة المقروءة على ابن خرزاذ النجيرمي؛ وهو الصحيح، والحاف موصولا أيضا يقال).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (مائة وستا وعشرين).
(٦) ت: (ولا تقبلوا لهم).
(٧) ت: (وأطولوا).
(٨) حاشية ت: طعن بالرمح يطعن [بضم العين]، وباللسان يطعن [بفتح العين].
(٩) ش: (ولا يكن).
(١٠) حاشية ت: (بخط ش: (فأرحبوا)، بالقطع وكسر الحاء.
(١١) حاشية ت (من نسخة): (نفعا).
(١٢) حاشية الأصل (من نسخة): (حاجة نفس).
اليوم يبنى(١) لدويد بيته |
ياربّ نهب(٢) صالح حويته |
|
وربّ قرن(٣) بطل أرديته |
وربّ غيل حسن لويته |
|
ومعصم مخضّب ثنيته |
لو كان للدّهر بلى أبليته |
أو كان قرني واحدا كفيته
ومن قوله أيضا:
ألقى عليّ الدهر رجلا ويدا |
والدّهر ما أصلح يوما أفسدا |
يفسد ما أصلحه اليوم غدا
قوله: (اطعنوا شزرا، واضربوا هبرا)، معنى الشّزر أن يطعنه من إحدى ناحيتيه، يقال: فتل الحبل شزرا إذا فتله على الشمال، والنظر الشّزر: نظر بمؤخر العين؛ وقال الأصمعي:
نظر إلي شزرا إذا نظر إليه من عن يمينه وشماله، وطعنه شزرا كذلك.
وقوله: (هبرا)، قال ابن دريد: يقال هبرت اللحم أهبره هبرا إذا قطعته قطعا كبارا، والاسم الهبرة والهبرة، وسيف هبّار وهابر، واللحم هبير ومهبور. والمحالة:
الحيلة(٤) .
وقوله: (بالجدلا بالكدّ)؛ أي يدرك الرجل حاجته وطلبته بالجدّ، وهو الحظ والبخت، ومنه رجل مجدود، فإذا كسرت الجيم فهو الانكماش في الأمر والمبالغة فيه.
وقوله: (التجلد ولا التبلد)؛ أي تجلّدوا ولا تتبلّدوا.
وقوله: (فتطبعوا)، أي تدنسوا، والطّبع الدنس، ويقال طبع السيف يطبع طبعا، إذا ركبه الصّدأ؛ قال ثابت قطنة(٥) العتكي:
لا خير في طمع يدني إلى طبع |
وغفّة من قوام العيش تكفيني(٦) |
____________________
(١) حاشية ف (من نسخة): (يدني).
(٢) النهب: الغنيمة تنتهب.
(٣) القرن: الّذي يلقاك ليقاومك.
(٤) في حاشيتي الأصل، ت: (قد قيل إن المحالة يعني بها الآلة التي يستقي عليها، وهي مثل البكرة).
(٥) حاشية ت: (ويقال: قطبة).
(٦) الغفة: البلغة من العيش؛ كذا ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت.
وقوله: (ولا تهنوا فتخرعوا)؛ فالوهن الضّعف، والخرع والخراعة: اللين، ومنه سميت الشجرة الخروع للينها، وقوله: (إنّ الموصّين بنو سهوان)؛ فالموصون جمع موصّى، وبنو سهوان ضربه مثلا، أي لا تكونوا ممن تقدّم إليهم فسهوا وأعرضوا عن الوصية، وقالوا: إنه يضرب هذا المثل للرجل الموثوق به ذمة؛ ومعناه أن الذين يحتاجون أن يوصّوا بحوائج إخوانهم هم الذين يسهون عنه لقلة عنايتهم؛ وأنت غير غافل ولا ساه عن حاجتي.
وقوله: (فارحبوا)؛ أي أوسعوا، والرّحب السعة، والرّوح: الراحة.
وقوله في الشعر: (ورب غيل)؛ فالغيل الساعد الممتلئ. والمعصم: موضع السّوار من اليد(١) .
***
[أخبار زهير بن جناب وإيراد بعض أشعاره:]
ومن المعمّرين زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير.
قال أبو حاتم: خ خ عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة، وأوقع مائتي وقعة، وكان سيدا مطاعا شريفا في قومه، ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم - والطّبّ في ذلك الزمان شرف - وحازى قومه - والحزاة الكهّان - وكان فارس قومه، وله البيت فيهم، والعدد منهم.
وأوصى بنيه فقال: (يابني، قد كبرت سنّي، وبلغت حرسا من دهري، فأحكمتني التجارب، والأمور تجربة واحتيال؛ فاحفظوا عني ما أقول وعوه، إياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإنّ ذلك داعية للغمّ، وشماتة للعدو، وسوء ظن بالرّب.
____________________
(١) وانظر ترجمة دويد وأشعاره في (طبقات الشعراء ٢٧ - ٢٨، والمعمرين ٢٠ - ٢١، والمختلف والمؤتلف من الشعراء ١١٤ - ١١٥، والاشتقاق ٣٢١، والشعر والشعراء لابن قتيبة ٥١، والقاموس - دود).
وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه ما سخر قوم قطّ إلاّ ابتلوا، ولكن توقّعوها، فإنما الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرّماة، فمقصّر دونه ومجاوز لموضعه، وواقع عن يمينه وشماله؛ ثم لا بدّ أنّه مصيبه).
قوله: (حرسا من دهري)، يريد طويلا منه، والحرس من الدّهر: الطويل، قال الراجز:
* في سنبة عشنا بذاك حرسا*
السّنبة: المدة من الدهر. والتواكل: أن يكل القوم أمرهم إلى غيرهم، من قولهم:
رجل وكل، إذا كان لا يكفي نفسه، ويكل أمره إلى غيره؛ ويقال: رجل وكلة تكلة.
والغرض: كلّ ما نصبته للرمي. وتعاوره، أي تداوله.
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وقد ضمّن ابن الرومي(١) معنى قول زهير بن جناب: (الإنسان في الدهر غرض تعاوره الرماة، فمقصّر دونه ومجاوز له، وواقع عن يمينه وشماله، ولا بدّ أن يصيبه) أبياتا، فأحسن كلّ الإحسان؛ والأبيات:
كفى بسراج الشّيب في الرّأس هاديا |
لمن قد أضلّته(٢) المنايا لياليا |
|
أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي |
لرامي المنايا تحسبيني ناجيا |
|
غدا الدّهر يرميني فتدنو سهامه |
لشخصي(٣) أخلق أن يصبن سواديا |
|
وكان كرامي اللّيل يرمي ولا يرى |
فلمّا أضاء الشّيب شخصي رمانيا |
أما البيت الأخير، فإنه أبدع فيه وغرّب(٤) ، وما علمت أنّه سبق إلى معناه؛ لأنّه جعل الشباب كالليل الساتر على الإنسان، الحاجز بينه وبين من أراد رميه لظلمته
____________________
(١) حاشية الأصل: (كان ابن الرومي متشيعا، وكان مغلقا في الشعر واللغة؛ بحيث يقول لتلامذته:
اعرضوا شعري، ثعلب، فما أنكر من نحوه فخذوه، وما أنكر من لغته فلا تلفتوا إليه؛ فإني أعلم منه باللغة).
(٢) ش: (إلى من أضلته). حاشية ت (من نسخة): (له من أضلته).
(٣) ت، ونسخة بحاشية الأصل: (لشخصي وأخلق).
(٤) ت: (وأغرب).
والشيب مبديا لمقاتله، هاديا إلى إصابته لضوئه وبياضه، وهذا في نهاية حسن المعنى.
وأراد بقوله: (رماني) أي أصابني؛ ومثله قول الشاعر:
فلمّا رمى شخصي رميت سواده |
ولا بدّ أن يرمي سواد الّذي يرمي |
وكان زهير بن جناب على عهد كليب وائل، ولم يكن في العرب أنطق من زهير ولا أوجه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يسمى كاهنا، ولم تجمع قضاعة إلاّ عليه وعلى رزاح ابن ربيعة.
وسمع زهير بعض نسائه تتكلّم بما لا ينبغي لمرأة تتكلم(١) به عند زوجها، فنهاها فقالت له: اسكت عني وإلاّ ضربتك بهذا العمود، فو الله ما كنت أراك تسمع شيئا ولا تعقله، فقال عند ذلك:
ألا لقوم لا أرى النّجم طالعا |
ولا الشّمس إلاّ حاجتي بيميني |
|
معزّبتي عند القفا بعمودها |
يكون نكيري أن أقول ذريني |
|
أمينا على سرّ النّساء وربّما |
أكون على الأسرار غير أمين |
|
فللموت خير من حداج(٢) موطّأ |
مع الظّعن لا يأتي المحلّ لحيني |
وهو القائل:
أبنيّ إن أهلك فقد |
أورثتكم مجدا بنيّة |
|
وتركتكم أرباب سا |
دات زنادكم وريّه |
|
من كلّ ما نال الفتى |
قد نلته إلاّ التّحيّة |
|
ولقد رحلت البازل ال |
كوماء ليس لها وليّه |
|
وخطبت خطبة حازم |
غير الضّعيف(٣) ولا العييّة |
____________________
(١) ت: (أن تتكلمه).
(٢) في حاشيتي الأصل، ت: (الحدج: مركب من مراكب النساء؛ كالمحفة؛ وجمعه أحداج وحدوج؛ والحداجة لغة فيه؛ عن يعقوب، والجمع الحدائج).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (لا بالضعيف).
فالموت خير للفتى |
فليهلكن وبه بقيّه |
|
من أن يرى الشّيخ البجا |
ل وقد يهادي بالعشيّه |
وهو القائل:
ليت شعري والدهر ذو حدثان |
أي حين منيّتي تلقاني! |
|
أسبات على الفراش خفات |
أم بكفّي مفجّع حرّان(١) ! |
وقال حين مضت له مائتا سنة من عمره:
لقد عمّرت حتى ما أبالي |
أحتفي في صباحي أم مسائي! |
|
وحقّ لمن أتت مائتان عاما |
عليه أن يملّ من الثّواء |
قوله: (معزيتي) يعني امرأته، يقال: معزّبة الرجل وطلّته وحنّته؛ كل ذلك امرأته.
وقوله: (أمينا على سرّ النساء)، السرّ: خلاف العلانية، والسرّ أيضا: النكاح، قال الحطيئة:
ويحرم سرّ جارهم عليهم |
ويأكل جارهم أنف القصاع(٢) |
وقال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني |
كبرت وألاّ يحسن السّرّ أمثالي(٣) |
____________________
(١) حاشية الأصل: (السبات، أصله النوم، ويريد به الموت، وقد قيل: النوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل؛ يقول: ليت شعري: ألموت حتف أنفي على فراشي، أم يقتلني متأثر عطشان إلى دمي!).
(٢) ديوانه: ٩٣؛ وفي حاشية الأصل: (أنف القصاع أول ما يعرف من القدر فيكون أدسم)، وفي شرح الديوان: (يقول: يؤثرون جارهم بالطعام على أنفسهم، فيأكل صفوة طعامهم قبلهم، وأنف كل شيء أوله.
(٣) ديوانه: ٥٣، وقد ضبط قوله: (لا يحسن)، بالضمة والفتحة معا، في الأصل، ت، وفي حاشيتيهما: (الرفع على إضمار الهاء، والنصب على اللفظ)، وفي حاشية الأصل (من نسخة): (وألا يشهد).
وكلاء زهير يحتمل الوجهين جميعا، لأنه إذا كبر وهرم لم تهيّبه النساء أن(١) يتحدّثن بحضرته بأسرارهن(١) ، تهاونا به، أو تعويلا على ثقل سمعه، وكذلك هرمه وكبره يوجبان كونه أمينا على نكاح النساء لعجزه عنه.
وقوله: (حداج موطّأ)، الحداج(٢) : مركب من مراكب النساء، والجمع أحداج وحدوج.
والظعن والأظعان: الهوادج، والظعينة المرأة في الهودج؛ ولا تسمّى ظعينة حتى تكون في هودج، والجمع ظعائن؛ وإنما خبّر عن هرمه، وأن موته خير من كونه مع الظّعن في جملة النساء.
وقوله: (زنادكم وريّه)؛ الزّناد: جمع زند وزندة، وهما عودان يقدح بهما النار، وفي أحدهما فروض، وهي ثقب؛ فالتي فيها الفروض هي الأنثى، والّذي يقدح بطرفه هو الذّكر، ويسمى الزّند الأب، والزّندة الأم. وكنّى (بزنادكم وريّه) عن بلوغهم مأربهم؛ تقول العرب: وريت بك زنادي؛ أي نلت بك ما أحب من النّجح والنجاة، ويقال للرجل الكريم: وارى الزّناد.
فأما التحية، فهي الملك، فكأنه قال: من كلّ ما نال الفتى قد نلته إلا الملك؛ وقيل التحية هاهنا: الخلود والبقاء.
والبازل: النّاقة التي بلغت تسع سنين، فهي أشدّ ما تكون، ولفظ البازل في الناقة والجمل سواء.
والكوماء: العظيمة السّنام. والوليّة: برذعة تطرح على ظهر البعير تلي جلده.
والبجال: الّذي يبجّله قومه ويعظّمونه. وقوله: (يهادي بالعشية)، أي يماشيه الرجال فيسندونه لضعفه. والتهادي: المشي الضعيف.
____________________
(١ - ١) ت: (تتحدث بحضرته بأسرارها).
(٢) في حاشيتي الأصل، ت: (القياس حدج [بضمتين] في جمع حداج؛ إلا أن يكون نادرا؛ كظروف في جمع ظريف).
وقوله: (أسبات)، فالسّبات: سكون الحركة، ورجل مسبوت، والخفات: الضعف أيضا، يقال: خفت(١) الرجل إذا أصابه ضعف من مرض أو جوع.
والمفجّع: الّذي فجع بولد له أو قرابة. والحرّان: العطشان الملتهب(٢) ، وهو هاهنا المحزون على قتلاه.
ومما يروى لزهير بن جناب:
إذا ما شئت أن تسلى حبيبا |
فأكثر دونه عدد اللّيالي |
|
فما سلّى حبيبك مثل نأي |
وما أبلى جديدك كابتذال(٣) |
____________________
(١) ش: (خفت)؛ بالبناء للمجهول.
(٢) ش: (المحترق).
(٣) وانظر ترجمة زهير بن جناب وأشعاره وأخباره في (أخبار المعمرين ٢٤ - ٢٩، والمؤتلف والمختلف من أسماء الشعراء ١٣٠، وطبقات الشعراء: ٣٠، والأغاني ٢١: ٦٣ - ٦٨، والشعر والشعراء ٣٣٩ - ٣٤٢، وتاريخ ابن الاثير ١: ٢٩٩ - ٣٠١).
[١٧]
مجلس آخر [المجلس السابع عشر:]
[أخبار ذي الإصبع العدواني وحديثه مع بناته الأربع:]
ومن المعمّرين ذو الإصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرّث بن الحارث بن ربيعة ابن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عياذ(١) بن يشكر بن عدوان. وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر(٢) .
وإنما سمي الحارث عدوان، لأنه عدا على أخيه؛ فهمّ(٣) بقتله، وقيل: بل فقأ عينه، وقيل: إن اسم ذو الإصبع محرّث بن حرثان، وقيل: حرثان بن حويرث، وقيل: حرثان ابن حارثة، ويكنّى أبا عدوان.
وسبب لقبه بذي الإصبع أنّ حية نهشته على إصبعه فشلّت، فسمى بذلك. ويقال:
إنه عاش مائة وسبعين سنة. وقال أبو حاتم: إنه عاش ثلاثمائة سنة.
وهو أحد حكّام العرب في الجاهلية. وذكر الجاحظ أنه كان أثرم(٤) وروي عنه:
لا يبعدن عهد الشباب ولا |
لذّاته ونباته النضر(٥) |
|
لولا أولئك ما حفلت متى |
عوليت في حرج(٦) إلى قبري |
____________________
(١) ش: (عباد بن يشكر).
(٢) حاشية الأصل: (قال ش: هو قيس عيلان؛ وليس بقيس بن عيلان، وهو لقب للناس بن مضر، والياس أخو إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وقيل: عيلان اسم فرسه فنسب إليه، وقيل: بل عيلان لقب مضر بن نزار، لأنه يقال قيس بن عيلان؛ قال زفر بن الحارث:
ألا إنّما قيس بن عيلان بقّة |
إذا وجدت ريح العصير تغنّت |
(٣) ش: (فهم فقتله).
(٤) حاشية الأصل: (الأثرم: الّذي سقطت مقاديم أسنانه).
(٥) في حاشية الأصل، ت: (إن جررت النضر بدلا من الهاء في (نباته) تخلصت من الإقواء؛ ولك أن تقول: (النضري) منسوبا كقوله: (والدهر بالإنسان دواري)، ويجوز أن يعطف على الشباب).
(٦) حاشية ت (من نسخة): (حرجي) والحرج: سرير الموتى.
هزئت أثيلة أن رأت هرمي |
وأن انحنى لتقادم ظهري |
وكان(١) لذي الإصبع بنات أربع، فعرض عليهنّ أن يزوّجهنّ فأبين وقلن: خدمتك وقربك أحبّ إلينا. ثم أشرف عليهنّ يوما من حيث لا يرينه، فقلن: لتقل كلّ واحدة منّا ما في نفسها، فقالت الكبرى:
ألا هل أراها مرّة وضجيعها |
أشمّ كنصل السّيف عين مهنّد(٢) |
|
عليم بأدواء النّساء وأصله |
إذا ما انتمى من سرّ أهلي ومحتدي(٣) |
ويروى (من أهل سرّي، ومن أصل سرّي ومحتدي).
فقلن لها: أنت تريدين ذا قرابة قد عرفته. ثم قالت الثانية:
ألا ليت زوجي من أناس أولي عدى(٤) |
حديث الشّباب طيّب الثّوب(٥) والعطر |
ويروى: (أولي غنى).
لصوق بأكباد النّساء كأنّه |
خليفة جان لا ينام على وتر(٦) |
ويروى: (لا ينام على هجري).
فقلن لها: أنت تريدين فتى ليس من أهلك. ثم قالت الثالثة:
____________________
(١) الخبر في الأغاني ٣: ٩٤ - ٩٦ (طبع دار الكتب المصرية)، ومع شرحه في الكامل - بشرح المرصفي ٥: ٩٤ - ١١١، مع اختلاف في الرواية ونسبة الأبيات
(٢) حاشية ت (من نسخة):
ألا هل أراها ليلة وضجيعها |
أغرّ كنصل السّيف غير المهنّد |
ورواية الأغاني:
ألا هل أراها ليلة وضجيعها |
أشمّ كنصل السّيف غير مبلّد |
(٣) رواية الأغاني: (طبيب بأدواء النساء)، ورواية الكامل: (بأدواء النساء كانه).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (ذوي غنى)، وهي رواية الأغاني والكامل.
(٥) رواية الكامل: (طيب النشر)، ورواية الأغاني: (طيب الريح).
(٦) حاشية ت (من نسخة): (خليفة جان).
ألا ليته يكسى الجمال نديّه(١) |
له جفنة تشقى بها المعز(٢) والجزر |
|
له حكمات الدّهر من غير كبرة |
تشين؛ فلا فان ولا ضرع غمر |
فقلن لها: أنت تريدين سيدا شريفا.
وقلن للرابعة: قولي، فقالت: لا أقول شيئا، فقلن لها: ياعدوة الله، علمت ما في أنفسنا ولا تعلميننا ما في نفسك! فقالت: (زوج من عود خير من قعود)؛ فمضت مثلا.
فزوجهنّ أربعهن، وتركهن حولا، ثم أتى الكبرى فقال: يابنيّة، كيف ترين زوجك؟
قالت: خير زوج، يكرم الحليلة، ويعطي الوسيلة. قال: فما مالكم؟ قالت: خير مال، الإبل نشرب ألبانها جزعا - ويروى: (جرعا)، بالراء غير المعجمة - ونأكل لحمانها مزعا، وتحملنا وضعيفنا(٣) معا؛ فقال: يابنيّة، زوج كريم، ومال عميم.
ثم أتى الثانية فقال: يابنيّة، كيف زوجك؟ قالت: خير زوج؛ يكرم أهله، وينسى فضله، قال: وما مالكم؟ قالت: البقر تألف الفناء، وتملأ الإناء، وتودك(٤) السقاء، ونساء مع النساء(٥) ، فقال لها: حظيت وبظيت(٦) .
ثم أتى الثالثة فقال: يابنية، كيف زوجك؟ قالت: لا سمح بذر(٧) ، ولا بخيل حكر(٨)
____________________
(١) رواية الأغاني:
* ألا ليته يملأ الجفان لضيفه*
ورواية الكامل:
* ألا ليته يعطى الجمال بديئة*
(٢) في الأغاني: (النيب).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (وضعفتنا).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (تودك)، بتشديد الدال مكسورة؛ وكذا ضبطت بالقلم في الكامل.
(٥) ش: (مع نساء)، وهي رواية الأغاني والكامل.
(٦) حاشية ت (من نسخة): (رضيت).
(٧) بذر: يبسط ماله بالبذر؛ وهو وصف للمبالغة.
(٨) حكر: هو الّذي لا يزال يحبس سلعته حتى يبيع بالكثير من شدة حكره.
قال: فما مالكم؟ قلت: المعزى، قال: وما هي؟ قالت: لو كنّا نولّدها فطما، ونسلخها أدما - ويروى: (أدما) بالفتح - لم نبغ بها نعما. فقال لها: جذوة(١) مغنية - ويروى:
جدوى(٢) مغنية.
ثم أتى الصغرى فقال: كيف زوجك؟ قالت: شرّ زوج؛ يكرم نفسه، ويهين عرسه؛ قال: فما مالكم؟ قالت: شرّ مال، قال: وما هو؟ قالت: الضأن، جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصمّ لا يسمعن، وأمر مغويتهن يتبعن. فقال أبوها: (أشبه امرؤ(٣) بعض بزّه)، فمضت مثلا.
أمّا قول إحدى بناته في الشعر: (أشمّ)، فالشمم هو ارتفاع أرنبة الأنف وورودها؛ يقال: رجل أشمّ،، وامرأة شماء، وقوم شمّ، قال حسان بن ثابت:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم |
شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل(٤) |
والشّمم: الارتفاع في كلّ شيء؛ فيحتمل أن يكون حسّان أراد بشمّ الأنوف ما ذكرناه من ورود الأرنبة؛ لأن ذلك عندهم دليل العتق والنجابة. ويجوز أن يريد بذلك الكناية عن نزاهتهم وتباعدهم عن دنايا الأمور ورذائلها؛ وخصّ الأنوف بذلك؛ لأن الحميّة والغضب والأنف(٥) فيها؛ ولم يرد طول أنفهم؛ وهذا أشبه بأن يكون مراده؛ لأنه قال: (بيض الوجوه) ولم يرد بياض اللون في الحقيقة، وإنما كنى بذلك عن نقاء أعراضهم، وجميل أخلاقهم وأفعالهم؛ كما يقول القائل: جاءني فلان بوجه أبيض، وقد بيّض فلان وجهه بكذا وكذا، وإنما يعني ما ذكرناه. وقول المرأة: (أشمّ كنصل السيف) يحتمل الوجهين أيضا. وقول حسان (من الطراز الأول)، أي أفعالهم أفعال آبائهم وسلفهم، وأنّهم لم يحدثوا أخلاقا مذمومة لا تشبه نجارهم وأصولهم. وقولها: (عين مهنّد)؛ أي هو المهنّد بعينه، كما يقال: هذا هو بعينه، وعين
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (حذوة).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (حذوى).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (أشبه امرأ بعض بزه)، والبز في الأصل: مناع البيت من الثياب خاصة؛ كنى به عن الضأن؛ وهي متاع؛ والمثل يضرب للمتشابهين أخلاقا.
(٤) ديوانه: ٨٠.
(٥) حاشية ت (من نسخة): (والأنعة).
الشيء نفسه. وعلى الرواية الأخرى: (غير مهنّد) أي ليس هو السيف المنسوب إلى الهند في الحقيقة، وإنما هو يشبهه في مضائه. وقولها: (من سرّ أهلي)، أي من أكرمهم وأخلصهم، يقال: فلان في سرّ قومه، أي في صميمهم وشرفهم، وسرّ الوادي: أطيبه ترابا.
والمحتد: الأصل.
وقول الثانية: (أولي عدى) فإنّما معناه أن يكون لهم أعداء، لأنّ من لا عدوّ له هو الفسل الرذل الّذي لا خير عنده، والكريم الفاضل من الناس هو المحسّد المعادي(١) .
وقولها: (لصوق بأكباد النساء) تعني في المضاجعة، ويحتمل أن تكون أرادت في المحبة والمودّة، وكنّت بذلك عن شدّة محبتهن له، وميلهن إليه، وهو أشبه. وقولها: (كأنه خليفة جان) أي كأنه حيّة للصوقه، والجان: جنس من الحيات(٢) ، فخفّفت لضرورة الشعر.
وقول الثالثة: (يكسي الجمال نديّه) فالندي هو المجلس. وقولها: (له حكمات الدهر) تقول: قد أحكمته التجارب، وجعلته حكيما. فأما الضّرع فهو الضعيف. والغمر:
الّذي لم يجرب الأمور.
وقول الكبرى: (ويكرم الحليلة، ويعطي الوسيلة)، فالحليلة هي امرأة الرجل، والوسيلة الحاجة. وقولها: (نشرب ألبانها جزعا) فالجزع جمع جزعة، وهو الماء القليل يبقي في الإناء، وقولها: (مزعا)، المزعة: البقية من دسم، ويقال: ماله جزعة ولا مزعة، هكذا ذكر ابن دريد، الضمّ في جزعة، ووجدت غيره يكسرها فيقول جزعة، وإذا كسرت فينبغي
____________________
(١) حاشية ت: (الأولى أن يكون العدى هاهنا الغرباء؛ لما تقدم من: استدلالهن؛ وهو قولهن (فتى ليس من أهلك).
(٢) في حاشيتي الأصل، ت: لأن يكون من الجناية أحسن وأقرب إلى الصواب، ويكون من باب قوله:
* إذا لم أجن كنت مجنّ جان*
أن يكون (نشرب ألبانها جزعا) وتكسر المزعة أيضا ليزدوج الكلام، فتقول: (ونأكل لحمانها مزعا)، قال: المزعة، بالكسر: هي القطعة من الشحم، والمزعة بالكسر أيضا من الرّيش والقطن وغير ذلك، كالمزقة من الخرق، والتّمزيع: التقطيع والتشقيق؛ يقال إنه ليكاد يتمزّع من الغيظ، ومزع الظّبي في عدوه يمزع مزعا؛ إذا أسرع، وقوله: (مال عميم):، أي كثير.
وقول الثانية: (تودك السّقاء)، من الودك الّذي هو(١) الدّسم.
وقول الثالثة: (نولّدها فطما)، الفطم: جمع فطيم، وهو المقطوع من الرّضاع. وقولها: (نسلخها أدما)، فالأدم: جمع إدام، وهو الّذي يؤكل؛ تقول: لو أنا فطمناها عند الولادة وسلخناها للأدم من الحاجة لم نبغ بها نعما. وعلى الرواية الأخرى: أدما، من الأديم.
وقوله: (جذوة مغنية)، فالجذوة: القطعة.
وقول الصغرى: (جوف لا يشبعن)، الجوف: جمع جوفاء، وهي العظيمة الجوف.
والهيم: العطاش، ولا ينقعن؛ أي لا يروين، ومعنى قولها: (وأمر مغويتهنّ يتبعن)، لأنّ القطيع من الضأن يمر على قنطرة فتزلّ واحدة فتقع في الماء، فيقعن كلّهنّ اتباعا لها، والضأن يوصف بالبلادة.
[خبر عبد الملك بن مروان مع سعيد بن خالد الجدلي:]
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس. قال ابن دريد وأخبرنا به العكلي عن أبي خالد(٢) عن الهيثم بن عدي عن مسعر بن كدام قال حدثني سعيد بن خالد الجدلي قال: لما(٣) قدم عبد الملك ابن مروان الكوفة بعد قتل مصعب، دعا الناس على فرائضهم(٤) ، فأتيناه فقال:
____________________
(١) حاشية الأصل: (بخط ابن الشجري على الحاشية: وجدت في بعض الروايات: (تودل السقاء) باللام مأخوذ من الأدل؛ وهو اللبن الحامض).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (عن أبي خالد).
(٣) الخبر في الأغاني ٣ - ٩١ - ٩٢؛ (طبع دار الكتب المصرية).
(٤) ت: (إلى فرائضهم)، والفرائض: العطايا.
(١) من القوم؟ فقلنا: جديلة(١) ، فقال: جديلة عدوان؟ قلنا: نعم، فتمثّل عبد الملك:
عذير الحي من عدوا |
ن كانوا حيّة الأرض(٢) |
|
بغى بعضهم بعضا |
فلم يرعوا على بعض |
|
ومنهم كانت السادا |
ت والموفون بالقرض |
|
ومنهم حكم يقضي |
فلا ينقض ما يقضي |
|
ومنهم من يجيز النا |
س في السّنّة والفرض(٣) |
ثم أقبل على رجل كنّا قدّمناه أمامنا جسيم وسيم، فقال: أيّكم يقول هذا الشعر؟
فقال: لا أدري، فقلت أنا من خلفه: يقوله ذو الإصبع، فتركني وأقبل على ذاك الجسيم فقال: وما كان اسم ذي الإصبع؟ فقال: لا أدري، فقلت أنا من خلفه: حرثان، فأقبل عليه وتركني، فقال: لم سمّي ذا الإصبع؟ فقال: لا أدري، فقلت: أنا من خلفه نهشته حيّة في إصبعه، فأقبل عليه وتركني فقال: من أيّكم كان؟ فقال: لا أدري، فقلت أنا من خلفه من بني ناج، فأقبل على الجسيم فقال: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة(٤) ، ثم أقبل عليّ فقال:
كم عطاؤك؟ قلت: أربعمائة(٥) فقال: ياابن الزّعيزعة، حطّ من عطاء هذا ثلاثمائة، وزدها في عطاء هذا، فرحت وعطائي سبعمائة وعطاؤه أربعمائة.
وفي رواية أخرى أنه قال له: من أيّكم كان؟ فقال: لا أدري، فقلت أنا من خلفه:
من بني ناج، الّذي يقول فيهم الشاعر:
وأما بنو ناج فلا تذكرنّهم ولا تتبعن عينيك من كان هالكا(٦) إذا قلت معروفا لتصلح بينهم(٦) يقول وهيب لا أسالم(٧) ذلكا
____________________
(١) ت: (ممن القوم؟ فقلنا: من جديلة).
(٢) حاشية الأصل: (عذير: مصدر يقوم مقام الاستفهام؛ والتقدير: من يعذرهم؟).
(٣) قال أبو الفرج: (قوله (ومنهم من يجيز الناس)؛ فإن إجازة الحج كانت لخزاعة، فأخذتها منهم عدوان)، وانظر القصيدة في الأغاني مع اختلاف الرواية وعدد الأبيات.
(٤) حاشية ت (من نسخة): (سبعمائة درهم).
(٥) حاشية ت (من نسخة) (أربعمائة درهم).
(٦ - ٦) حاشية ت: (إذا قلت معروفا لأصلح بينهم)، وهي توافق رواية الأغاني.
(٧) م: (لا أسلم).
ويروى (لا أحاول ذلكا).
فأضحى كظهر العود(١) جبّ سنامه |
تحوم عليه الطير أحدب باركا |
[إيراد شعر لذي الإصبع وشرج ما ورد فى ذلك من الغريب:]
وقد رويت هذه الأبيات لذي الإصبع أيضا:
ومن أبيات ذي الإصبع السائرة قوله:
أكاشر ذا الضّغن المبيّن منهم |
وأضحك حتّى يبدو النّاب أجمع(٢) |
|
وأهدنه بالقول هدنا ولو يرى |
سريرة ما أخفي لبات يفزّع |
ومعنى (أهدنه) أسكّنه.
ومن قوله أيضا:
إذا ما الدّهر جرّ على أناس |
شراشره أناخ بآخرينا(٣) |
|
فقل للشّامتين بنا أفيقوا |
سيلقى الشّامتون كما لقينا |
ومعنى (الشراشر) هاهنا الثّقل، يقال ألقى عليه شراشره وجراميزه، أي ثقله.
ومن قوله:
ذهب الّذين إذا رأوني مقبلا |
هشّوا إلي ورحّبوا بالمقبل |
|
وهم الّذين إذا حملت حمالة(٤) |
ولقيتهم فكأنّني لم أحمل |
ومن قوله وهي مشهورة(٥) :
____________________
(١) العود هنا: المسن من الإبل، ورواية للأغاني: (الفحل). ورواية أخرى: (فأضحوا كظهر العود)، وبعده:
فإن تك عدوان بن عمرو تفرّقت |
فقد غنيت دهرا ملوكا هنالكا |
(٢) البيتان في حماسة البحتري ١٤٠، ونسبهما إلى معن بن أوس.
(٣) نسب البيتان في الشعر والشعراء: ٤٥٠، والحماسة ٣: ١٩١، وعيون الأخبار ٣: ١١٤، للفرزدق؛ وفي حماسة البحتري: ١٤٩ نسبا إلى مالك بن عمرو الأسدي.
(٤) الحمالة: الدية.
(٥) القصيدة في المفضليات - بشرح ابن الأنباري ٣٢١ - ٣٢٧، والأمالي ١: ٢٥٤ - ٢٥٧، والخزانة ٣: ٢٢٦ - ٢٢٨، وشرح شواهد المغني: ١٤٧ - ١٤٨، وأبيات منها في الشعر والشعراء ٦٨٩؛ مع اختلاف في الرواية وعدد الأبيات.
لي ابن عمّ على ما كان من خلق |
مختلفان فأقليه ويقليني(١) |
|
أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنا |
فخالني دونه بل خلته(٢) دوني |
|
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب |
عنّي ولا أنت دياني فتخزوني(٣) |
|
إني لعمرك ما بابي بذي غلق |
عن الضيوف ولا خيري بممنون(٤) |
|
ولا لساني على الأدنى بمنطلق |
بالفاحشات ولا أغضي على الهون |
|
ماذا عليّ وإن كنتم ذوي رحمي(٥) |
ألاّ أحبّكم إذ(٦) لم تحبّوني |
|
ياعمرو إلاّ تدع(٧) شتمي ومنقصتي |
أضربك حيث(٨) تقول الهامة اسقوني |
|
وأنتم معشر زيد(٩) على مائة |
فأجمعوا أمركم طرّا فكيدوني |
|
لا يخرج القسر مني غير مأبية |
ولا ألين لمن لا يبتغي ليني(١٠) |
قوله (شالت نعامتنا)، معناه تنافرنا(١١) ، فضرب النعام مثلا؛ أي لا أطمئن إليه(١١) ، ولا يطمئن إلي، يقال: شالت نعامة القوم إذا جلوا(١٢) عن الموضع.
وقوله: (لاه ابن عمك)؛ قال قوم: أراد للّه ابن عمك. وقال ابن دريد: أقسم وأراد الله ابن عمك. وقوله: (عنّي) أي عليّ(١٣) ، والدّيّان: الّذي يلي أمره. ومعنى: (فتخزوني) أي تسوسوني. والهون: الهوان.
____________________
(١) حاشية الأصل: (أي نحن مختلفان).
(٢) ت، حاشية الأصل (من نسخة): (وخلته)؛ وهي رواية الأمالي وأزرى بنا: قصر بنا.
(٣) لا أفضلت؛ أي ما جئت بفضل.
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (عن الصديق)، وممنون: منقطع؛ أي لا أقطع عنه فضلي.
(٥) حاشية ت (من نسخة): (رحم).
(٦) ش: (إن)
(٧) حاشية الأصل (من نسخة): (إن لم تدع).
(٨) م: (حتى).
(٩) زيد: زيادة.
(١٠) حاشية الأصل (من نسخة) بعد هذا البيت:
كلّ امرئ صائر يوما لشيمته |
وإن تخلّق أخلاقا إلى حين |
(١١ - ١١) ت: (فصرت لا أطمئن إليه).
(١٢) حاشية ت (من نسخة): (أجلوا).
(١٣) في حاشيتي الأصل، ت: (الأحسن أن يقدر هاهنا قبل يتعلق (عن) به؛ هكذا هو عند المحققين).
وقوله: (أضربك حيث تقول الهامة اسقوني)، قال الأصمعي: العطش في الهامة، فأراد أضربك في ذلك الموضع، أي على الهامة حتى تعطش. وقال آخرون: العرب تقول:
إن الرجل إذا قتل خرجت من رأسه هامة تدور حول قبره، وتقول: اسقوني، اسقوني! فلا تزال كذلك حتى يؤخذ بثأره؛ وهذا باطل؛ ويجوز أن يعنيه ذو الإصبع على مذاهب العرب.
وقوله: (لا يخرج القسر منّي غير مأبية)، فالقمر: القهر، أي إن أخذت قسرا لم أزدد إلاّ إباء(١) .
***
[ذكر معديكرب الحميري وبعض شعره:]
ومن المعمّرين معديكرب الحميري؛ من آل ذي رعين (قال ابن سلاّم: خ خ وقال معديكرب(٢) الجميري - وقد طال عمره:
أراني كلّما أفنيت يوما |
أتاني بعده يوم جديد |
|
يعود بياضه(٣) في كلّ فجر |
ويأبى لي شبابي ما يعود |
***
[أخبار الربيع بن ضبع الفزاري:]
ومن المعمّرين الربيع بن ضبع(٤) الفزاري، ويقال إنه بقي إلى أيام بني أمية. وروي أنّه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: ياربيع، أخبرني عمّا أدركت من العمر والمدى، ورأيت من الخطوب الماضية، قال: أنا الّذي أقول:
ها أنا ذا آمل الخلود وقد |
أدرك عقلي ومولدي حجرا(٥) |
فقال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبي، قال: وأنا القائل:
____________________
(١) وانظر ترجمة ذي الإصبع وأخباره وأشعاره في (الاشتقاق ١٦٣، والمعمرين ٩٠، والأغاني ٣: ٢ - ١١، واللآلئ ٢٨٩ - ٢٩٠، والخزانة ٢: ٤٠٦ - ٤٠٩ والشعر والشعراء ٦٨٨ - ٦٩٠).
(٢) حاشية الأصل: (معديكرب، بالفتح، ويكون معدي مضافا إلى كرب).
(٣) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (ضياؤه).
(٤) ت: (ضبع، بالتنوين، وفي حاشية الأصل: (في نسخة مقروءة من كتاب سيبويه - وقد قرئ على أبي علي الفارسي رحمه الله - وفي أخرى مقروءة على ابن أخنه أبي الحسين: الربيع بن ضبع، منونا بآخره).
(٥) حاشية الأصل: (حجر أبو امرئ القيس).
إذا عاش الفتى مائتين عاما |
فقد ذهب اللّذاذة والفتاء(١) |
قال: قد رويت هذا من شعرك وأنا غلام، وأبيك ياربيع، لقد طلبك(٢) جدّ غير عاثر، ففصّل لي عمرك، قال: عشت مائتي سنة في فترة عيسىعليهالسلام ، وعشرين ومائة في الجاهلية، وستين سنة في الإسلام. قال: أخبرني عن فتية من قريش متواطئي الأسماء، قال: سل عن أيّهم شئت، قال: أخبرني عن عبد الله بن العباس، قال: فهم وعلم، وعطاء جذم(٣) ، ومقرى ضخم. قال: فأخبرني عن عبد الله بن عمر قال: حلم وعلم، وطول كظم، وبعد من الظّلم. قال: فأخبرني عن عبد الله بن جعفر، قال: ريحانة طيّب ريحها، ليّن مسّها، قليل على المسلمين ضرّها. قال: فأخبرني عن عبد الله بن الزّبير، قال: جبل وعر، ينحدر(٤) منه الصّخر. قال: للّه درّك ياربيع! ما أعرفك بهم! قال: قرب جواري، وكثر استخباري.
قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى أدام الله علوّه: إن كان هذا الخبر صحيحا فيشبه أن يكون سؤال عبد الملك له إنما كان في أيام معاوية، لا في أيام ولايته، لأن الربيع يقول في الخبر: (عشت في الإسلام ستين سنة)(٥) ، وعبد الملك ولي في سنة خمس وستين من الهجرة، فإن كان صحيحا فلا بد مما ذكرناه؛ فقد روي أن الرّبيع أدرك أيام معاوية؛ ويقال: إن الربيع لما بلغ مائتي سنة قال:
____________________
(١) البيت من شواهد الرضي على الكافية، وهو في (الخزانة ٣: ٣٠٦)، أورده شاهدا على أنه قد يفرد مميز المائة وينصب؛ وأورده سيبويه في موضعين: الأول في باب الصفة المشبهة بالفاعل وذكر أسماء العدد وعملها في الأسماء؛ (الكتاب ١: ١٠٦)، والثاني في باب كم (١: ٣٠٦).
وأورده ابن قتيبة في (أدب الكاتب: ٢٩٥)، في باب (أسماء يتفق لفظها وتخلف معانيها)، قال: (والفتاء من السن ممدود، وروى البيت، وذكره البطليوسي في الاقتضاب: ٣٦٩، وأورد بيتين بعده.
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (لقد طار بك).
(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (حذم)، بالحاء، وأصل الحذم الإسراع.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (يتحدر منه)، وفي حاشية ت (من نسخة): (ينحدر عنه.
(٥) ت: (حجة).
ألا أبلغ بنيّ بني ربيع |
فأشرار البنين لكم فداء(١) |
|
بأنّي قد كبرت ودقّ عظمي |
فلا تشغلكم عنّي النّساء |
|
وإنّ كنائني لنساء صدق |
وما آلى بنيّ ولا أساءوا(٢) |
|
إذا كان(٣) الشّتاء فأدفئوني |
فإنّ الشيخ يهدمه الشّتاء |
|
وأمّا حين يذهب كلّ قرّ |
فسربال خفيف أو رداء |
|
إذا عاش الفتى مائتين عاما |
فقد ذهب اللّذاذة(٤) والفتاء |
وقال حين بلغ مائتين وأربعين سنة:
أصبح منّي الشّباب قد حسرا(٥) |
إن ينا(٦) عنّي فقد ثوى عصرا |
|
ودّعنا قبل أن نودّعه |
لما قضى من جماعنا وطرا |
|
ها أنا ذا آمل الخلود وقد |
أدرك عقلي(٧) ومولدي حجرا |
|
أبا امرئ القيس هل سمعت به! |
هيهات هيهات طال ذا عمرا |
|
أصبحت لا أحمل السّلاح ولا |
أملك رأس البعير إن نفرا |
____________________
(١) المقطوعة في (شرح أدب الكاتب للجواليقي ٢٦٦، والمعمرين ٦ - ٧، وذيل الأمالي: ٢١٤، والخزانة ٣: ٣٠٦). قال الجواليقي: (قوله: (فأشرار البنين لكم فداء)، وصفهم بالبر)، وفي الخزانة: (أنذال البنين).
(٢) الكائن: جمع كنة؛ بالفتح والتشديد؛ وهي امرأة الابن والأخ؛ يريد أنهن نعم النساء، وفي حاشية ت (من نسخة): (ألى)، بتشديد اللام قال: (وهو الصحيح؛ ومعنى (ألى)، قصر في قول بعضهم، واللغة الأخرى (ألا)، مخففا؛ يقال: ألا الرجل يألو؛ إذا قصر وفتر؛ فأما (آلى) في البيت فلا وجه له؛ لأنه بمعنى حلف، ولا معنى له هاهنا).
وفي المعمرين لأبي حاتم: (ويروى: (وما ألى)، والتألية: التقصير، ومن قال: (وما آلى) فالمعنى ما أقسموا ألا يبروني)، وروي عن أبى عمرو الشيباني قال: سألني القاسم بن معن عن قوله:
* وما ألّى بنيّ وما أساءوا*
قلت: أبطئوا، قال: ما تدع شيئا! وانظر اللسان (ألا).
(٣) كان هاهنا تامة، لا اسم لها ولا خبر، وفي المعمرين: (جاء).
(٤) في الاقتضاب: (النخيل)، وقال في شرحه: النخيل:
الخيلاء، ويروى: (المسرة)، ويروى: (المروءة)،
(٥) في حاشيتي الأصل، ت: (يقال:
حسر البعير يحسر إذا أعبا، وتحسر واستحسر كذلك، وحسرته أنا، يتعدى ولا يتعدى).
(٦) ت: (بان عني).
(٧) ش: (سني)، وفي م: (عقلي).
والذّئب أخشاه إن مررت به |
وحدي وأخشى الرّياح والمطرا |
|
من بعد ما قوّة أسرّ(١) بها |
أصبحت شيخا أعالج الكبرا(٢) |
قوله: (عطاء جذم) أي سريع، وكلّ شيء تسرّعت فيه فقد جذمته، وفي الحديث: (إذا أذّنت فترسّل، وإذا أقمت فاجذم)، أي أسرع. والمقرى: الإناء الّذي يقرى فيه.
وقوله: (فما آلى بنيّ ولا أساءوا)، أي لم يقصّروا، والآلى: المقصّر(٣) .
____________________
(١) حاشية ت من نسخة: (أنوء).
(٢) وردت هذه الأبيات في حماسة البحتري: ٣٢٢، ونوادر أبي زيد ١٥٨؛ ونقل صاحب الخزانة (٣: ٣٠٩) عن ابن السيد في شرح الجمل قال: (روى الرواة أن الربيع بن ضبع عاش حتى أدرك الإسلام، وأنه قدم الشام على معاوية بن أبي سفيان ومعه حفدته، ودخل حفيده على معاوية فقال له: اقعد ياشيخ؛ فقال له: وكيف يقعد من جده بالباب؟ فقال له معاوية:
لعلك من ولد الربيع بن ضبع، فقال: أجل؛ فأمره بالدخول، فلما دخل سأله معاوية عن سنه فقال:
أقفر من ميّة الجريب إلى الزّ |
جين إلاّ الظباء والبقرا |
|
كأنّها درّة منعّمة |
من نسوة كنّ قبلها دررا |
|
أصبح منّي الشباب مبتكرا |
إن ينأ عني فقد ثوى عصرا |
إلى آخر الأبيات المتقدمة؛ فقرأ معاوية،( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ) .
(٣) وانظر ترجمة الربيع بن ضبع وأخباره وأشعاره في (المعمرين ٦ - ٧، واللآلئ ٨٠٢، والخزانة ٣: ٣٠٦ - ٣٠٩، والإصابة، ٢: ٢٠٩).
[١٨]
مجلس آخر [المجلس الثامن عشر:]
[أخبار أبي الطمحان القيني وإيراد طائفة من شعره:]
ومن المعمّرين أبو الطّمحان القيني، واسمه حنظلة بن الشّرقي، من بني(١) كنانة ابن القين؛ قال أبو حاتم: خ خ عاش مائتي سنة، فقال في ذلك:
حنتني حانيات الدّهر حتّى |
كأني خاتل(٢) أدنو لصيد |
|
قصير الخطو يحسب من رآني |
- ولست مقيّدا - أنّى بقيد |
ويروى: (قريب الخطو).
قال أبو حاتم: خ خ حدثني عدّة من أصحابنا أنهم سمعوا يونس بن حبيب ينشد هذين البيتين، وينشد أيضا:
تقارب خطو رجلك ياسويد(٣) |
وقيّدك الزّمان بشرّ قيد |
وهو القائل:
وإنّي من القوم الذين هم هم |
إذا مات منهم ميّت قام صاحبه(٤) |
|
نجوم سماء كلّما غاب كوكب |
بدا كوكب تأوي إليه كواكبه |
|
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم |
دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبه |
|
وما زال منهم حيث كان مسوّد(٥) |
تسير المنايا حيث سارت كتائبه(٦) |
ومعنى البيتين الأوّلين يشبه قول أوس بن حجر:
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (من كنانة).
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (حابل).
(٣) ت، ش: (يادويد).
(٤) ش: (منهم سيد).
(٥) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (حيث كانوا متوج).
(٦) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (ركائبه).
إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابه |
تخمّط فينا ناب آخر مقرم(١) |
ولطفيل الغنوي مثل هذا، وهو:
كواكب دجن كلّما انقضّ كوكب |
بدا وانجلت عنه الدّجنّة كوكب(٢) |
وقد أخذ الخريمي هذا المعنى فقال:
إذا قمر منّا تغوّر أو خبا |
بدا قمر في جانب الأفق يلمع |
ومثل ذلك:
خلافة أهل الأرض فينا وراثة |
إذا مات منا سيّد قام صاحبه |
ومثله:
إذا سيّد منا مضى لسبيله |
أقام عمود الملك(٣) آخر سيّد |
وكأنّ مزاحما العقيلي نظر إلى قول أبي الطمحان:
* أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم*
في قوله:
وجوه لو أنّ المدلجين اعتشوا بها |
صدعن الدّجى حتّى ترى الليل ينجلي(٤) |
ويقارب ذلك قول حجيّة بن المضرّب الكندي:
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت |
لنورهم الشّمس المضيئة والبدر(٥) |
وأنشد محمد بن يحيى الصولي في معنى بيتي أبي الطّمحان:
____________________
(١) ديوانه: ٢٧، واللسان (خمط) وفي حاشيتي الأصل، ت: (ذرا الشيء: سقط، وذروته:
طيرته. وتخمط الفحل؛ إذا انتفخ عند الهيام).
(٢) ديوانه: ١٩
(٣) حاشية ت (من نسخة) (الدين).
(٤) ديوانه: ٦، مجالس ثعلب: ٢٧٧.
(٥) من أبيات ذكرها القالي في (الأمالي ١: ٥٣ - ٥٤)، وقال: (يمدح فيها يعفر بن زرعة، أحد الأملوك أملوك ردمان)؛ وأولها:
إذا كنت سائلا عن المجد والعلى |
وأين العطاء الجزل والنّائل الغمر |
|
فنقّب عن الأملوك واهتف لحمير |
وعش جار ظلّ لا يغالبه الدّهر |
والأملوك: قبيلة من حمير، وردمان: مدينة باليمن).
من البيض الوجوه بني سنان |
لو أنّك تستضيء بهم أضاءوا(١) |
|
هم حلّوا من الشّرف المعلّى |
ومن كرم العشيرة حيث شاءوا(٢) |
|
فلو أنّ السّماء دنت لمجد |
ومكرمة دنت لهم السّماء(٣) |
وأبو الطمحان القائل:
إذا كان في صدر ابن عمّك إحنة |
فلا تستثرها سوف يبدو دفينها(٤) |
وهو القائل:
إذا شاء راعيها استقى من وقيعة |
كعين الغراب صفوها لم يكدّر(٥) |
ويروى: (صفيّه لم يكدّر)، والوقيعة: المستنقع في الصخرة للماء، ويقال للماء إذا زل(٦) من صخرة فوقع في بطن أخرى ماء الوقائع، وأنشدوا لذي الرّمة:
ونلنا سقاطا من حديث كأنه |
جنى النّحل ممزوجا بماء الوقائع(٧) |
ويقال للماء الّذي يجري على الصخر ماء الحشرج، وللماء الّذي يجري بين الحصى والرمل ماء المفاصل، وأنشدوا لأبي ذؤيب:
____________________
(١) من أبيات ثمانية، نسبها أبو تمام إلى أبي البرج القاسم بن حنبل المري؛ يقولها في زفر بن أبي هاشم ابن مسعود بن سنان؛ وأولها:
أرى الخلاّن بعد أبي حبيب |
وحجر في جنابهم جفاء |
وهي في الحماسة - بشرح التبريزي ١: ١٩٧ - ١٩٨، وأبيات منها في الحيوان ٢: ١ - ٢، والمؤتلف والمختلف ٦٢، ومعجم المرزباني ٣٢٣.
(٢) في الحماسة: (حسب العشيرة).
(٣) في الحماسة: (لكم السماء).
(٤) البيت في اللسان (أحن)، نسبه إلى الأقيبل القيني؛ وذكر قبله:
متى ما يسؤ ظنّ امرئ بصديقه |
يصدّق بلاغات يجئه يقينها |
وهو أيضا بهذه النسبة في المؤتلف والمختلف: ٢٣؛ وفي الفائق ١: ١٦؛ من غير عزو.
(٥) ت: (كعين العذاب)، قال: وذكر فوقها: (وهو اسم موضع) وعين الغراب يضرب بها المثل في الصفاء.
(٦) ت: (عن صخرة).
(٧) ديوانه: ٣٥٨.
مطافيل أبكار حديث نتاجها |
يشاب بماء مثل ماء المفاصل(١) |
وأنشد أبو محلّم السعدي لأبي الطّمحان:
بنيّ إذا ما سامك الذّلّ قاهر |
عزيز فبعض الذّلّ أبقى وأحرز(٢) |
|
ولا تحم(٣) من بعض الأمور تعزّزا |
فقد يورث الذّلّ الطويل التّعزّز |
وهذان البيتان يرويان لعبد الله بن معاوية الجعفري.
وروي لأبي الطّمحان أيضا في مثل هذا المعنى:
ياربّ مظلمة(٤) يوما لطيت لها |
تمضي عليّ إذا ما غاب نصّاري(٥) |
|
حتّى إذا ما انجلت عنّي غيابتها |
وثبت فيها وثوب المخدر الضّاري(٦) |
***
[أخبار عبد المسيح بن بقيلة الغساني:]
ومن المعمّرين عبد المسيح بن بقيلة الغسّاني، وهو عبد المسيح بن عمرو بن قيس ابن حيان بن بقيلة، وبقيلة اسمه ثعلبة، وقيل الحارث؛ وإنما سمّي بقيلة لانه خرج في بردين أخضرين على قومه، فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة، فسمي لذلك.
وذكر الكلبي وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وكان نصرانيّا.
وروي أن خالد بن الوليد لما نزل على الحيرة، وتحصّن منه أهلها أرسل إليهم: ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم، وذوي أسنانكم(٧) . فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي
____________________
(١) حاشية الأصل: (قبله:
وإنّ حديثا منك لو تبذلينه جنى النّحل في ألبان عوذ مطافل (مطافيل أبكار)، بدل من قوله: (عوذ مطافل)، ومطافل: جمع مطفل؛ وهي التي معها ولدها).
وانظر ديوان الهذليين ١: ١٤٠.
(٢) حاشية ت (من نسخة): (أتقى وأحرز). (٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (ولا تجن).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (مظلمة)، بضم الميم. (٥) ش: (أنصاري).
(٦) الغياية: كل ما أظل الإنسان فوق رأسه. وانظر ترجمة أبي الطمحان وأخباره وأشعاره في (الشعر والشعراء ٣٤٨ - ٣٤٩، والمعمرين ٥٧، والاشتقاق ٣١٧، والمؤتلف والمختلف ١٤٩ - ١٥٠، والأغاني ١١: ١٢٥ - ١٢٨، واللآلي ٣٣٢، والإصابة ٢: ٦٦، والخزانة ٣: ٤٢٦).
(٧) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (أنسابكم).
حتى دنا من خالد، فقال له: انعم صباحا أيها الملك! قال: قد أغنانا الله عن تحيّتك هذه، فمن أين أقصي أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت؟ قال من بطن أمي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال:
أتعقل - لا عقلت؟ قال: إي والله وأقيّد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ، إني أسأله عن الشيء(١) وينحو في غيره(١) ، قال: ما أجبتك إلاّ عما سألت، فسل عمّا بدا لك.
قال: أعرب أنتم أم نبيط(٢) ؟ قال: عرب استنبطنا، ونبيط استعربنا، قال: أفحرب أنتم أم سلم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذي الحصون؟ قال: بنيناها للسّفيه(٣) نحذر منه حتّى يجيء الحليم فينهاه، قال: كم أني لك؟ قال: ستون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟
قال: أدركت سفن البحر ترفأ(٤) في هذا الجرف، ورأيت المرأة تخرج من الحيرة، وتضع مكتلها على رأسها، لا تزوّد إلاّ رغيفا واحدا حتى تأتي الشام، ثم قد أصبحت خرابا يبابا، وذلك دأب الله في البلاد والعباد.
قال - ومعه سمّ ساعة يقلّبه في كفّه -: فقال له خالد: ما هذا في كفّك؟ قال: هذا السّم، قال: ما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته، وإن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلاّ وبلاء، أشربه فأستريح من الدنيا، فإنما بقي من عمري اليسير، قال خالد: هاته، فأخذه ثم قال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء، الّذي لا يضر مع اسمه شيء، ثم أكله، فتجللته غشية، ثم ضرب بذقنه في صدره طويلا، ثم عرق فأفاق، كأنما أنشط من عقال.
فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان، أكل سمّ ساعة فلم يضرّه،
____________________
(١ - ١) حاشية ت (من نسخة): (وينحو بي إلى غيره).
(٢) ش: (نبط)، وهو بمعنى النبيط: (وفي حاشية الأصل: (أصل النبط قوم كانوا يستنبطون الماء ويحتفرون الآبار للعرب؛ فقيل لأهل السواد النبيط).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (لسفيه).
(٤) في حاشية الأصل، ت: (أرفأت السفينة: قربتها من الشط، وذلك الموضع مرفأ).
صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم، فإن هذا أمر مصنوع(١) لهم، فصالحوهم(٢) على مائة ألف درهم، وأنشأ ابن بقيلة يقول:
أبعد المنذرين أرى سواما |
تروّح بالخورنق والسّدير!(٣) |
|
[أبعد فوارس النّعمان أرعى |
مراعي نهر مرّه فالحفير!](٤) |
|
تحاماه فوارس كلّ قوم |
مخافة ضيغم عالي الزّئير |
|
وصرنا بعد هلك أبي قبيس |
كمثل الشّاء في اليوم المطير |
- يريد أبا قابوس، فصغر، ويروى (كمثل المعز) -
تقسّمنا القبائل من معدّ |
علانية كأيسار الجزور(٥) |
|
نؤدّي الخرج بعد خراج كسرى |
وخرج من قريظة والنّضير |
|
كذاك الدّهر دولته سجال |
فيوم من مساة(٦) أو سرور |
ويقال إن عبد المسيح لما بنى بالحيرة قصره المعروف بقصر بني بقيلة قال:
لقد بنّيت للحدثان حصنا |
لو أنّ المرء تنفعه الحصون |
|
طويل الرّأس أقعس مشمخرّا |
لأنواع الرّياح به حنين(٧) |
ومما يروى لعبد المسيح بن بقيلة:
والنّاس أبناء علاّت فمن علموا |
أن قد أقلّ فمجفوّ ومهجور(٨) |
|
وهم بنون لأمّ إن رأوا نشبا |
فذاك بالغيب محفوظ ومخفور |
وهذا يشبه قول أوس بن حجر:
____________________
(١) حاشية الأصل: (أي كأن الله صنعه لهم).
(٢) ت، د: (فصانعوهم).
(٣) الأبيات في معجم البلدان: ٣: ٤٨٥، وفي حاشية ت (من نسخة) (تروح)، بفتح الحاء، والخورنق والسدير: موضعان بالحيرة.
(٤) تكملة من ت.
(٥) معجم البلدان: (كأنا بعض أجزاء الجزور).
(٦) حاشية الأصل (من نسخة): (من مساءة أو سرور).
(٧) م: (أنين).
(٨) قال في اللسان (علل): (أبناء علات، يستعمل في الجماعة المختلفين)، واستشهد بالبيتين؛ وأصله في الأولاد تختلف أمهاتهن. وفي حاشية الأصل: (بنو العلات: بنو الضرائر)، وفي م: (فمجفوّ ومحقور)؛ وهي رواية اللسان.
بني أمّ ذي المال الكثير يرونه |
- وإن كان عبدا - سيّد الأمر جحفلا(١) |
|
وهم لمقلّ المال أولاد علّة |
وإن كان محضا في العمومة مخولا |
وذكر أنّ بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها يختط ديرا(٢) ، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت(٣) ، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام(٤) ، وعند رأسه كتابة: (أنا عبد المسيح بن بقيلة.
حلبت الدهر أشطره حياتي |
ونلت من المنى بلغ المزيد(٥) |
|
وكافحت الأمور وكافحتني |
فلم أحفل بمعضلة كئود |
|
وكدت أنال في الشّرف الثّريّا |
ولكن لا سبيل إلى الخلود(٦) |
***
[أخبار النابغة الجعدي وإيراد طائفة من أشعاره:]
ومن المعمّرين النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويكنى أبا ليلى.
وروى أبو حاتم السجستاني قال: خ خ كان النابغة الجعدي أسنّ من النابغة الذّبياني، والدليل على ذلك قوله:
تذكّرت والذّكرى نهيج على الهوى |
ومن حاجة المحزون أن يتذكّرا(٧) |
|
نداماي عند المنذر بن محرّق |
أرى اليوم منهم ظاهر الأرض أقفرا |
|
كهول وفتيان كأنّ وجوههم |
دنانير ممّا شيف في أرض قيصرا |
____________________
(١) ديوانه: ٢٢، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (سيد الملك). ويقال: رجل جحفل؛ أي سيد عظيم القدر؛ ذكره صاحب اللسان، واستشهد بالبيت. وفي حاشيتي الأصل، ت: (قبله:
وإني وجدت الناس إلاّ أقلّهم |
خفاف العهود يكثرون التنقّلا |
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (دارا).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (الكهف).
(٤) ش: (زجاج).
(٥) حاشية الأصل: (أي البلغ من المزيد).
(٦) وانظر ترجمة عبد المسيح بن بقيلة أيضا في المعمرين ٣٧ - ٣٨.
(٧) من قصيدة طويلة، ٧٦ بيتا، ذكرها صاحب جمهرة الأشعار في ٣٠١ - ٣٠٧.
فهذا يدلّ على أنه كان مع المنذر بن محرّق، والنابغة الذّبياني كان مع النعمان بن المنذر ابن محرق.
قوله: (شيف) يعني جليّ، والمشوف المجلوّ.
ويقال: إن النابغة غبر ثلاثين سنة لا يتكلّم(١) ، ثم تكلم بالشعر ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة بأصبهان، وكان ديوانه بها، وهو الّذي يقول:
فمن يك سائلا عنّي فإني |
من الفتيان أيام الخنان |
- وأيام الخنان: أيام كانت للعرب قديمة، هاج بها فيهم مرض في أنوفهم وحلوقهم -
مضت مائة لعام ولدت فيه |
وعشر بعد ذاك وحجّتان(٢) |
|
فأبقى الدّهر والأيام منّي |
كما أبقى من السّيف اليماني |
|
تفلّل وهو مأثور جراز |
إذا جمعت بقائمه اليدان(٣) |
وقال أيضا في طول عمره:
لبست أناسا فأفنيتهم |
وأفنيت بعد أناس أناسا |
|
ثلاثة أهلين أفنيتهم |
وكان الإله هو المستآسا |
____________________
(١) حاشية الأصل: (أي لا يتكلم بالشعر، وسميت القصيدة كلمة).
(٢) في حاشيتي الأصل، ت: (ذكر المبرد في قول النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصّبا |
وقلت ألما أصح والشيب وازع |
أنه يجوز في (حين) النصب والجر. وذكر بعض المتأخرين أنه إذا أضيف الظرف إلى المبني لم يجز فيه إلا النصب، وإنما يجوز الجر إذا أضيف إلى المعرب؛ كقوله تعالى:( هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، وهذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ) ، وقول النابغة: (لعام ولدت فيه) لا يحتاج إلى (فيه) بل هو كالزيادة المستغنى عنها؛ لأنه إذا أضيف (العام) إلى (ولدت) كان المضاف إليه مع المضاف في حكم الشيء الواحد؛ فلا يحتاج إلى العائد؛ بخلاف أن تكون الجملة صفة؛ كقوله تعالى:( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ) ؛ وكأنه للبيان والتحقيق، على تقدير: (لعام ولدت)، ثم أضمر: (ولدت)، أخرى، والجار والمجرور يتعلق بولدت المضمر). وانظر الكامل - بشرح المرصفي ٢: ٢٢٠
(٣) مأثور: باق أثره. والجراز: الماضي النافذ في الضريبة، وانظر طبقات الشعراء: ١٠٤
معنى المستآس: المعتاض(١) .
وروي عن هشام بن محمد الكلبي أنه عاش مائة وثمانين سنة.
وروى ابن دريد عن أبي حاتم في موضع آخر أن النابغة الجعدي عاش مائتي سنة، وأدرك الإسلام، وروي له:
قالت أمامة كم عمرت زمانة |
وذبحت من عتر على الأوثان! |
- العتيرة(٢) : شاة تذبح لأصنامهم في رجب في الجاهلية -
ولقد شهدت عكاظ قبل محلّها |
عنها وكنت أعدّ مل فتيان(٣) |
|
والمنذر بن محرّق في ملكه |
وشهدت يوم هجائن النّعمان(٤) |
____________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (المستعاض)، وهو من العوض.
(٢) حاشية الأصل: (العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة).
(٣) ش: (فيها)، وفي حاشية الأصل: (محلها فيها؛ أي نزولها في عكاظ، ومحلها عنها، أي نزولها فيما عدا عكاظ، و (عن) لما عدا الشيء وجاوزه).
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (هو المنذر بن امرئ القيس بن عمرو ابن عدي بن ربيعة بن نصر اللخمي. وعمرو بن عدي هو ابن أخت جذيمة بن مالك الأبرش؛ وقيل له الأبرش والوضاح لبرص به؛ وكان يقال لامرئ القيس أبي المنذر محرق؛ وفيهم يقول الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرّق |
- تركوا منازلهم - وبعد إياد |
والنعمان بن امرئ القيس هو النعمان الأكبر؛ ويقال إن أنوشروان بن قباذ هو الّذي ملكه؛ وقيل ملكه قباذ. والنعمان هذا هو الّذي بني الخورنق؛ وهو الّذي لبس المسوح وتزهد وساح في الأرض، ثم ملك أخوه المنذر بن امرئ القيس؛ ملكه أنوشروان، وأمه من النمر بن قاسط؛ ويقال لها ماء السماء لجمالها، وأبوها عوف بن جشم. ومن الأزد رجل يقال له ماء السماء أيضا؛ وهو عامر أبو عمرو بن عامر، وعمرو هو الّذي يقال له مزيقياء ثم ملك المنذر بن المنذر بن امرئ القيس، ثم ملك عمرو بن هند مضرط الحجارة؛ وهو محرق أيضا لأنه أحرق من بني دارم ثمانية وتسعين رجلا، وكملهم مائة برجل من البراجم وبامرأة نهشلية؛ ولذلك قيل: (إن الشقي وافد البراجم). ثم ملك بعده النعمان بن المنذر بن المنذر ابن امرئ القيس؛ وكان يكنى أبا قابوس؛ وهو صاحب النابغة الذبياني؛ وكان له يومان: يوم نعيم ويوم بؤس، ومحرق أيضا لقب الحارث بن عمرو، ملك الشام من آل جفنة؛ وهو أول من حرق العرب في ديارهم. وامرأة هجان؛ أي حرة كريمة لم يعرفها الإماء، من نسوة هجان؛ قال أبو زيد: والهجان من الإبل: البيض؛ يوصف به الواحد والجمع؛ فإذا كان واحدا فهو مثل كتاب، وإذا كان جمعا فهو مثل كلاب؛ ويقال ناقة هجان وبعير هجان، والجمع على هجائن أيضا. وهجائن النعمان معروفة؛ وهي نجائبه؛ -
وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى |
وقوارع تتلى من القرآن(١) |
|
ولبست مل إسلام ثوبا واسعا |
من سيب لا حرم ولا منّان(٢) |
وله أيضا في طول عمره:
المرء يهوى أن يعيش وطول عيش ما يضرّه(٣) |
تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مرّه |
|
وتتابع الأيام حتّى لا يرى شيئا يسرّه |
كم شامت بي إن هلكت وقائل للّه درّه! |
ويروى أن النابغة الجعدي كان يفتخر ويقول: أتيت النبيصلىاللهعليهوآله وسلم فأنشدته:
بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا |
وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا |
فقالصلىاللهعليهوآله وسلم: (أين المظهر ياأبا ليلى؟) قلت: الجنة يارسول الله، فقال: (أجل إن شاء الله)، ثم أنشدته:
فلا خير في حلم إذا لم تكن له |
بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا |
|
ولا خير في جهل إذا لم يكن له |
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا |
فقالصلىاللهعليهوآله : (لا يفضض الله فاك!)، وفي رواية أخرى: (لا يفضض فوك!) فيقال: إن النابغة عاش عشرين ومائة سنة، لم تسقط له سنّ ولا ضرس. وفي رواية أخرى عن بعضهم قال: فرأيته وقد بلغ الثمانين ترفّ غروبه، وكان كلّما سقطت له ثنيّة نبتت له أخرى مكانها، وهو أحسن الناس ثغرا.
معنى ترفّ تبرق، وكأن الماء يقطر منها.
____________________
- وكان يقال لها عصافير النعمان لحقتها في سيرها. وفي كلام حسان بن ثابت: فما حسدت أحدا حسدي النابغة حين أمر له النعمان بن المنذر بمائة ناقة بريشها من نوق عصافيره، وجام وآنية من فضة، وكانوا إذا حبا الملك بعضهم بنوق يغمزون في أسنمتها ريش النعام؛ ليعلم أنها حباء الملك).
(١) القوارع من القرآن: آيات الوعد والوعيد.
(٢) الرجل الحرم: المانع.
(٣) ش: (قد يضره).
قال المرتضى أدام الله علوّه: ومما يشاكل قوله: (إلى الجنة) في جواب قول النبيصلىاللهعليهوآله : (أين المظهر ياأبا ليلى) - وإن كان يتضمّن العكس من معناه - ما روي من دخول الأخطل على عبد الملك بن مروان، مستغيثا من فعل الجحّاف السّلمي، وأنه أنشده:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة |
إلى الله منها المشتكى والمعوّل(١) |
|
فإن لم تغيّرها قريش بملكها |
يكن عن قريش مستماز ومزحل(٢) |
فقال عبد الملك له: إلى أين ياابن اللّخناء؟ فقال: إلى النار، قال: لو قلت غيرها لقطعت لسانك.
فقوله: (النار) تخلّص مليح على البديهة، كما تخلّص الجعدي بقوله: (إلى الجنة).
وأول قصيدة الجعدي الّذي ذكرنا منها الأبيات:
خليلي غضّا ساعة وتهجّرا(٣) |
ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا |
|
ولا تسألا، إنّ الحياة قصيرة |
فطيرا لروعات الحوادث أوقرا |
|
وإن كان أمر لا تطيقان دفعه |
فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا |
|
ألم تعلما أنّ الملامة نفعها |
قليل إذا ما الشّيء ولى فأدبرا(٤) |
|
لوى الله علم الغيب عمّن سواءه |
ويعلم منه ما مضى وتأخّرا |
وفيها يقول:
وجاهدت حتّى ما أحسّ ومن معي |
سهيلا إذا ما لاح ثمّ تغوّرا |
- يريد: إني كنت بالشام، وسهيل لا يكاد يرى هناك، وهذا بيت معنى - وفيها يقول:
ونحن أناس لا نعوّد خيلنا |
إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا |
____________________
(١) ديوانه: ١٠ والطبقات: ٤١٢، والبشر: جبل بالجريرة، يمتد من عرض الفرات إلى أرض الشام، وهو الجحاف بن حكيم السلمي، وانظر خبره وقصة يوم البشر في الأغاني ١١: ٥٥ - ٦٠.
(٢) يقال: امتاز القوم إذا تنحى عصابة منهم ناحية، وكذلك استماز؛ ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت. والمزحل: الموضع: الّذي ينزحل إليه؛ أي يتنحى ويتباعد. وانظر اللسان (ميز - زحل).
(٣) التهجر: السير في الهاجرة.
(٤) حاشية ت: (بعده:
يهيج اللحاء والملامة ثم ما |
يقرّب منّا غير ما كان قدّرا |
وننكر(١) يوم الرّوع ألوان خيلنا |
من الطّعن حتّى تحسب(٢) الجون أشقرا |
|
وليس بمعروف لنا أن نردّها |
صحاحا ولا مستنكر(٣) أن تعقّرا |
وأخبرنا المرزباني قال أنشدنا عليّ بن سليمان الأخفش قال أنشدنا أحمد بن يحيى قال:
أنشدنا محمد بن سلاّم وغيره للنابغة الجعدي:
تلوم على هلك البعير ظعينتي |
وكنت على لوم العواذل زاريا(٤) |
|
ألم تعلمي أني رزئت محاربا(٥) |
فمالك منه اليوم شيء ولا ليا |
|
ومن قبله ما قد رزئت بوحوح(٦) |
وكان ابن أمّي والخليل المصافيا |
|
فتى كملت أخلاقه غير أنه |
جواد فما يبقي من المال باقيا(٧) |
|
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه |
على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا |
- ويروى: (فتى كان فيه ما يسرّ) -
أشمّ طويل(٨) السّاعدين سميدع |
إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا |
السميدع: السيد.
ومما يروى للنابغة الجعدي:
عقيليّة أو من هلال بن عامر |
بذي الرّمث من وادي المنار خيامها(٩) |
|
إذا ابتسمت في اللّيل واللّيل دونها |
أضاء دجى الليل البهيم ابتسامها |
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (وتنكر)، بالبناء للمجهول.
(٢) حاشية ت (من نسخة) (ويحسب الجون)، بالبناء للمجهول.
(٣) حاشية ت (من نسخة): (ولا مستنكرا) بالعطف على المعنى.
(٤) من أبيات يرثي فيها أخاه لأمه، وقد ذكرت متفرقة في ديوان الحماسة ٣: ١٩، والخزانة ٢: ١٢ - ١٣، وشرح شواهد المغني: ٢٠٩ والأمالي ٢: ٢، واللآلئ: ٦٣٧).
(٥) هو محارب بن قيس بن عدس؛ كان من أشراف قومه.
(٦) هو وحوح بن عبد الله؛ قال أبو عبيد البكري: (هو أخو النابغة لأمه).
(٧) رواية البيت في ت:
فتى كملت أخلاقه غير أنّه |
جواد فما بقي من المال باقيا |
(٨) حاشية ت (من نسخة): (طوال الساعدين).
(٩) ش: (وادي المياه).
وذكر الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: سئل الفرزدق بن غالب عن الجعدي فقال:
صاحب خلقان؛ يكون عنده مطرف بألف دينار، وخمار بواف(١) .
قال الأصمعي: وصدق الفرزدق، بينا(٢) النابغة في كلام أسهل من الزلال وأشد من الصخر إذ لان فذهب، ثم أنشد له:
سما لك همّ ولم تطرب |
وبتّ ببثّ ولم تنصب |
|
وقالت سليمى أرى رأسه |
كناصية الفرس الأشهب |
|
وذلك من وقعات المنون |
ففيئي إليك ولا تعجبي |
|
أتين على إخوتي سبعة(٣) |
وعدن على ربعي الأقرب |
ثم يقول فيها بعدها:
فأدخلك الله برد الجنا |
ن جذلان في مدخل طيّب |
فلان كلامه؛ حتى لو كان أبو الشمقمق قال هذا البيت كان رديئا ضعيفا.
قال الأصمعي: وطريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان، ألا ترى أنّ حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام، فلما أدخل شعره في باب الخير من مراثي النبيصلىاللهعليهوآله وحمزة وجعفر(٥) عليهماالسلام وغيرهما لان شعره(٤) !
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (من كلامهم: مطرف بآلاف، وخمار بواف؛ أي بدرهم واف).
(٢) حاشية ت: (بينا وبينما يتلقيان بالفعل؛ ولا يتلقيان بإذا؛ هذا هو الفصيح العالي، كقوله:
* فبيناه يشري رحله قال قائل*
وكقوله:
بينما نحن بالبلاكث فالقا |
ع سراعا والعيس تهوي هويّا |
|
خطرت خطرة على القلب من ذكراك |
وهنا فما استطعت مضيا |
(٣) ش: (إخوة سبعة)، بالجر والتنوين فيهما.
(٤) ش: (فيها).
(٥) وانظر ترجمة النابغة الجعدي وأخباره وأشعاره في (الشعر والشعراء ٢٤٧ - ٢٥٥، والاستيعاب ٣٢٠ - ٣٢٥، وأسد الغابة ٥: - ٢ - ٤، والإصابة ٦: ٢١٨ - ٢٢١، والمعمرين ٦٤ - ٦٦، والأغاني ٤: ١٢٧ - ١٣٩، والخزانة ١: ٥٩ - ٥١٥، والمؤتلف والمختلف: ١٩١، ومعجم الشعراء: ٣٢١، واللآلئ: ٢٤٧).
١٩
مجلس آخر [المجلس التاسع عشر:]
مسألة [تتضمن الرد على منكري تطاول الأعمار وامتدادها:]
تتعلق بما ذكرناه. إن سأل سائل فقال: كيف يصحّ ما أوردتموه، من تطاول الأعمار وامتدادها، وقد علمتم أنّ كثيرا من الناس ينكر ذلك ويحيله ويقول: إنه لا قدرة عليه، ولا سبيل إليه؛ وفيهم(١) من ينزل في إنكاره درجة فيقول: إنه - وإن كان جائزا من طريق القدرة والإمكان - فإنه مما يقطع على انتفائه؛ لكونه خارقا للعادات؛ وإنّ العادات(٢) إذا وثّق الدليل بأنّها لا تنخرق إلاّ على سبيل الآية(٣) والدّلالة على صدق نبي من الأنبياءعليهمالسلام علم أن ما روي من زيادة الأعمار على العادة باطل مصنوع لا يلتفت إلى مثله.
الجواب، قيل له: أما من أبطل تطاول الأعمار من حيث الإحالة، أو أخرجه عن(٤) باب الإمكان فقوله ظاهر الفساد، لأنه لو علم ما العمر في الحقيقة، وما المقتضي لدوامه إذا دام، وانقطاعه إذا(٥) انقطع لعلم من جواز امتداده ما علمناه. والعمر هو استمرار كون من يجوز أن يكون حيّا وغير حي حيا. وإن شئت أن تقول: هو استمرار كون الحي الّذي لكونه على هذه الصفة(٦) ابتداء حيا.
وإنما شرطنا الاستمرار؛ لأنه يبعد أن يوصف من كان حالة واحدة حيّا بأنّ له عمرا؛ بل لا بدّ من أن يراعوا في ذلك ضربا من الامتداد والاستمرار، وإن قلّ.
وشرطنا أن يكون ممّن يجوز أن يكون غير حي، أو يكون لكونه حيا ابتداء لئلا(٧) يلزم عليه القديم(٨) تعالى؛ لأنه تعالى جلّت عظمته ممن لا يوصف بالعمر؛ وإن استمر كونه
____________________
(١) ت: (منهم).
(٢) ت: (ولأن العادات).
(٣) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (الإبانة)،
(٤) ت: (جميع ما روى).
(٥) م: (من باب الإمكان).
(٦) ت: (متى انقطع).
(٧) م: (الصفات).
(٨) حاشية ت (من نسخة): (احترازا من أن يلزم عليه القديم تعالى).
حيّا؛ وقد علمنا أن المختصّ بفعل الحياة هو القديم تعالى، وفيما تحتاج إليه الحياة من البنية والمعاني ما يختص به عز وجل، ولا يدخل إلاّ تحت مقدوره؛ كالرّطوبة وما يجري مجراها؛ فمتى فعل القديم تعالى الحياة وما تحتاج إليه من البنية - وهي مما يجوز عليه البقاء - وكذلك ما تحتاج إليه فليست(١) تنتفي إلا بضد يطرأ عليها، أو بضدّ ينفي ما تحتاج إليه؛ والأقوى أنه لا ضدّ لها في الحقيقة(٢) ؛ وإنما ادّعى قوم أنّه ما يحتاج إليه، ولو كان للحياة ضدّ على الحقيقة لم يخلّ بما نقصده في هذا الباب.
فمهما لم يفعل القديم تعالى ضدّها، أو ضدّ ما تحتاج إليه، ولا نقض ناقض بنية الحي استمرّ كون الحي حيا. ولو كانت الحياة لا تبقى على مذهب من رأى ذلك لكان ما قصدناه صحيحا، لأنه تعالى قادر على أن يفعلها حالا فحالا، ويوالي بين فعلها وفعل ما تحتاج إليه، فيستمرّ كون الحي حيا.
فأما ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان وعلوّ السن وتناقص بنية الإنسان، فليس مما لا بدّ منه، وإنما أجرى الله تعالى العادة بأن يفعل ذلك عند تطاول الزمان ولا إيجاب هناك، ولا تأثير للزمان على وجه من الوجوه، وهو تعالى قادر على أن يفعل ما أجرى العادة بفعله، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أنّ تطاول العمر ممكن غير مستحيل، وإنما أتى من أحال ذلك من حيث اعتقد أنّ استمرار كون الحي حيّا موجب عن طبيعة وقوّة لهما مبلغ من المادة، متى انتهتا إليه(٣) انقطعتا، واستحال أن تدوما(٣) . ولو أضافوا ذلك إلى فاعل مختار متصرّف لخرج عندهم من باب الإحالة.
فأما الكلام في(٤) دخول ذلك في العادة أو خروجه عنها، فلا شكّ في أن العادة قد جرت في الأعمار بأقدار متقاربة يعدّ الزائد عليها خارقا للعادة؛ إلاّ أنّه قد ثبت أنّ العادة قد تختلف في الأوقات وفي الأماكن أيضا، ويجب أن يراعي في العادة إضافتها إلى من هي عادة له في المكان والوقت.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (فليس ينتقي).
(٢) ت: (وربما).
(٣ - ٣) ت: (بطل واستحال أن تدوما).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (على ذلك).
وليس يمتنع أن يقلّ ما كانت العادة جارية به على تدريج؛ حتى يصير حدوثه خارقا للعادة بغير خلاف، ولا يكثر(١) الخارق للعادة، حتى يصير حدوثه غير خارق لها على خلاف فيه.
وإذا صح ذلك لم يمتنع أن تكون العادات في الزمان الغابر كانت جارية بتطاول الأعمار وامتدادها، ثم تناقص ذلك على تدريج، حتى صارت عادتنا الآن جارية بخلافه، وصار ما بلغ مبلغ تلك الأعمار خارقا للعادة؛ وهذه جملة فيما أردناه كافية.
____________________
(١) ش: (وأن يكثر).
باب في الجوابات الحاضرة المستحسنة التي يسمّيها قوم المسكتة
اعلم أنّ أجوبة المحاورة والمناظرة إنّما تستحسن وتؤثر إذا جمعت مع الصواب سرعة الحضور؛ فكم من جواب أتى بعد لأي، وورد بعد تقاعس، فلم يكن له في النفوس وقع، ولا حلّ من القلوب محل الحاضر السريع؛ وإن كان المتثاقل أعرق في نسب الإصابة، وآخذ بأطراف الحجّة، ولهذا قيل: أحسن النّاس جوابا وأحضرهم قريش، ثم العرب، وإنّ الموالي تأتي أجوبتها بعد فكرة ورويّة.
وقد مدح الجواب الحاضر بكل لسان، فقال صحار العبدي لمعاوية بن أبي سفيان - وقد سأله عن البلاغة - فقال: أن تصيب فلا تخطئ، وتسرع ولا تبطئ، ثم اختصر ذلك فقال: لا تخطئ ولا تبطئ.
ولطول الفكرة والإغراق في الرويّة مذهب وأوان لا يحمد فيهما(١) التسرّع والتعجل، كما لا يحمد في أوان السرعة التثاقل والتأيّد؛ وإنما تحمد السرعة في أجوبة المحاورة والمناظرة، وتراد الفكرة والرويّة للآراء المستخرجة والأمور المستنبطة؛ التي على الإنسان فيها مهلة، وله في تأملها فسحة، ولا عيب عليه معها في إطالة التأمل، وإعادة التصفّح؛ ولهذا قال الأحنف ابن قيس بصفّين: أغبّوا الرأي، فإن ذلك يكشف لكم عن محضه.
وقال عبد الله بن وهب الراسبي لما أراده الخوارج على الكلام حين عقدوا له: لا خير في الرأي الفطير، والكلام القضيب.
وشوور ابن التوءم الرّقاشي(٢) فأمسك عن الجواب وقال: ما أحبّ الخبز إلاّ بائتا.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (فيه).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (الرؤاسي).
فأما قولهم: ثلاث يعرفن في الأحمق: سرعة الجواب، وكثرة الالتفات، والثّقة بكل أحد؛ فمحمول على إسراعه بالجواب عند الرأي والمشاورة، والأحوال التي يستحب فيها التأيّد والتثبّت، أو على الإسراع من غير تحصيل ولا ضبط؛ وذلك مذموم لا إشكال فيه.
ثم نعود إلى ما قصدناه.
روي أنّ بعض أزواج النبيصلىاللهعليهوآله سألته: متى يعرف الإنسان ربّه فقال: (إذا عرف نفسه). وقال لهصلىاللهعليهوآله رجل: إني أكره الموت، فقال: (ألك مال؟)، قال: نعم، قال: (قدّم مالك؛ فإن قلب كلّ امرئ عند ماله).
وقال يهودي لأمير المؤمنينعليهالسلام : ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم فيه، فقالعليهالسلام : إنا اختلفنا عنه، لا فيه(١) ؛ ولكنكم ما جفّت أقدامكم من البحر حتى قلتم لنبيكم:
اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون.
وروي أنه لما فرغعليهالسلام من دفن الرسول صلوات الله عليه وآله، سأل عن خبر السّقيفة فقيل له: إنّ الأنصار قالت: منّا أمير ومنكم أمير، فقالعليهالسلام : فهلاّ ذكرت الأنصار قول النبيصلىاللهعليهوآله : (نقبل من محسنهم، ونتجاوز عن مسيئهم)! فكيف يكون الأمر فيهم والوصاة بهم!
وقال لهعليهالسلام ابن الكوّاء: ياأمير المؤمنين، كم بين السماء والأرض؟ فقال:
دعوة مستجابة. وقيل له: ما طعم الماء؟ فقال: طعم الحياة. وقيل له: كم بين المشرق والمغرب؟ فقال: مسيرة يوم للشمس. وأثنى عليه رجل - وكان له متّهما - فقال: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك. وكانعليهالسلام إذا أطراه رجل قال: اللهم إنك أعلم بي منه، وأنا أعلم منه بنفسي، فاغفر لي ما لا يعلم.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال: حدّثني عبد الواحد بن محمد الخصيبي قال: حدّثني
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة) (ولم تختلف فيه).
أبو عليّ أحمد بن إسماعيل قال: حدثني أيوب بن الحسين الهاشميّ قال: قدم على الرشيد رجل من الأنصار، يقال له نفيع - وكان عرّيضا - قال: فحضر باب الرشيد، ومعه عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفرعليهماالسلام على حمار له، فتلقّاه الحاجب بالبرّ(١) والإكرام، وأعظمه من كان هناك، وعجّل له الإذن، فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ؟ قال: أو ما تعرفه؟ قال: لا، قال: هذا شيخ آل أبي طالب، هذا موسى بن جعفر، قال: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم! يفعلون هذا برجل(٢) يقدّر أن يزيلهم(٢) عن السّرير! أما لئن خرج لأسوءنّه، فقال له عبد العزيز: لا تفعل، فإن هؤلاء أهل بيت قلّما تعرّض لهم أحد في خطاب إلاّ وسموه بالجواب(٣) سمة يبقى عارها(٣) عليه مدى الدهر.
قال: وخرج موسى بن جعفرعليهماالسلام ، فقام إليه نفيع الأنصاري، فأخذ بلجام حماره ثم قال له: من أنت؟ فقال له: ياهذا، إن كنت تريد النّسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد، فهو الّذي فرض الله على المسلمين وعليك - إن كنت منهم - الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة، فو الله ما رضي مشركو قومي(٤) مسلمي قومك أكفاء لهم حتى قالوا: يامحمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش(٥) ؛ خلّ عن الحمار، قال: فخلّى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزي، فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك!.
ويقال إن معاوية استشار الأحنف بن قيس في عقد البيعة لابنه يزيد، فقال له: أنت أعلم بليله ونهاره.
وقال أحمد بن يوسف لأبي يعقوب الخريمي: مدحك لمحمد بن منصور أجود من مراثيك
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (بالبشر).
(٢ - ٢) حاشية ت (من نسخة): يقدر أن يزيلهم).
(٣ - ٣) حاشية ت (من نسخة): (وسماً يبقى عاره).
(٤) حاشية ط: (يعني يقوله: (مشركو قومي) شيبة وعتبة وعمرو بن عبد ود.
(٥) ورد بعد هذه العبارة في م، ومن نسخة بحاشيتي ت، ف: (وإن كنت تريد الصيت والاسم فنحن الذين أمر الله تعالى بالصلاة علينا في الصلوات المفروضة بقوله: اللهم صل على محمد وآل محمد، فنحن آل محمد).
فيه، فقال: كنّا نعمل للرّجاء، واليوم للوفاء، وبينهما بون.
ودخل مطيع بن إياس على الهادي في حياة المهدي فدهش وقال: السلام عليك ياأمير المؤمنين، فقيل له: مه! فقال: بعد أمير المؤمنين.
وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب - وكان جيّد الجواب حاضره -: أنا خير لك من أخيك، فقال عقيل: إن أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك؛ فأخي خير لنفسه منك، وأنت خير لي منه. وقال له يوما: إنّ فيكم لشبقا يابني هاشم، فقال:
هو منّا في الرّجال، ومنكم في النساء. وقال له يوما وقد دخل عليه: هذا عقيل، عمّه أبو لهب، فقال عقيل: هذا معاوية، عمّته حمّالة الحطب. وعمة معاوية أمّ جميل(١) بنت حرب بن أميّة، وكانت امرأة أبي لهب. وقال له يوما: ياأبا يزيد، أين ترى عمّك أبا لهب؟ فقال له عقيل:
إذا دخلت النار فانظر عن يسارك تجده مفترشا عمّتك، فانظر أيّهما أسوأ حالا، الناكح أم المنكوح! وقال له ليلة الهرير بصفّين: ياأبا يزيد، أنت معنا الليلة، قال:
ويوم بدر كنت معكم.
وقيل لسعيد بن المسيّب - وقد كفّ بصره: ألا تقدح(٢) عينك؟ قال: حتى أفتحها على من!
ودخل معن بن زائدة على المنصور فقال له: كبرت يامعن، قال: في طاعتك، قال: وإنك لتتجلّد، قال: على أعدائك، قال: وإنّ فيك لبقية، قال: هي لك.
وقال عبيد الله بن زياد لمسلم بن عقيل: والله لأقتلنك قتلة يتحدّث بها بعدك، فقال مسلم: أشهد أنّك لا تدع سوء القتلة ولؤم القدرة لأحد أولى بهما منك.
وقال رجل لعمرو بن العاص: لأتفرّغنّ لك، قال: إذا وقعت(٣) في الشّغل.
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (أم جميل هي ابنة حرب، أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (ألا تفتح عينك؟).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (إذا تقع).
وقال معاوية لعمرو بن سعيد بن العاص الملقّب بالأشدق: إلى من أوصى بك أبوك؟
فقال: إنّ أبي أوصى إلي ولم يوص بي.
وقال عبيد الله بن زياد بن ظبيان لابنه وقد حضرته الوفاة: قد أوصيت بك فلانا فالقه بعدي، فقال: ياأبه، إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت، فالحي هو الميت.
وقال الوليد بن يزيد لابن الرّقاع العاملي: أنشدني بعض قولك في الخمر، فأنشده:
كميت إذا شجّت وفي الكأس وردة |
لها في عظام الشّاربين دبيب |
فقال له: شربتها وربّ الكعبة! فقال ابن الرّقاع: لئن كان نعتي لها بذلك رابك، لقد رابني معرفتك بها.
ولما أتى معاوية نعي الحسن بن عليّعليهماالسلام بعث إلى ابن عبّاسرضياللهعنه - وهو لا يعلم الخبر - فقال له: هل عندك خبر من المدينة(١) ؟ قال: لا، قال: أتانا(٢) نعي الحسن - وأظهر سرورا - فقال ابن عباس: إذا لا ينسأ(٣) في أجلك، ولا تسدّ حفرتك، قال: أحسبه قد ترك صبية صغارا، قال: كلّنا كان صغيرا وكبر، قال: وأحسبه قد كان بلغ سنّا، قال: مثل مولده لا يجهل، قال معاوية: وقال قائل إنك أصبحت سيّد قومك، قال: أما وأبو عبد الله الحسين بن عليّ حي فلا؛ فلما كان من غد أتى يزيد بن معاوية ابن عباس، وهو في المسجد يعزّى(٤) ، فجلس بين يديه جلسة المعزّي، وأظهر حزنا(٥) وغمّا، فلما انصرف أتبعه ابن عباس بصره وقال: إذا ذهب آل حرب ذهب حلم قريش.
وروي أنّ وفودا دخلت على عمر بن عبد العزيز، فأراد فتى منهم الكلام، فقال عمر:
ليتكلم أكبركم، فقال الفتى: إنّ قريشا لترى فيها من هو أسنّ منك، فقال له:
تكلّم يافتى.
____________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (ما جاءك من المدينة خبر؟).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (أتى ناعي الحسن).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (إذا لا ينسئ أجلك).
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (كان ذلك بالشام؛ وروي أن ابن عباسرضياللهعنه عقد بالشام عزاء على الحسن صلوات الله عليه).
(٥) ت: (تحزنا).
وروى محمد بن سلاّم الجمحي قال: خ خ أنشد(١) كثيّر عبد الملك بن مروان شعرا:
على ابن أبي العاصي دلاص حصينة |
أجاد المسدّي نسجها فأذالها(٢) |
فقال له: هلاّ قلت كما قال الأعشى:
وإذا تكون كتيبة ملمومة |
شهباء يخشى الذّائدون نهالها(٣) |
|
كنت المقدّم غير لابس جنّة |
بالسّيف تضرب معلما أبطالها(٤) |
فقال له: إنّه وصفه بالخرق ووصفتك بالحزم(٥) .
ويشبه ذلك ما روي(٦) عن أبي عمرو بن العلاء أنه لقي ذا الرّمة، فقال له: أنشدني قصيدتك:
* ما بال عينك منها الماء ينسكب(٧) *
____________________
(١) طبقات الشعراء ٤٥٨ - ٤٥٩؛ ورواه المرزباني في الموشح: ١٤٥؛ مع اختلاف في الرواية.
(٢) ابن أبي العاصي هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية، ودلاص: وصف للدرع اللينة. والحصينة: المحكمة المتدانية الحلق؛ يكون صاحبها في حصن مما يصيبه. وسدى الدرع:
نسجها. ويقال أذال الدرع؛ إذا أطال ذيلها وأطرافها.
(٣) ديوانه: ٢٧. الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش، وكتيبة ملمومة: مجتمعة مضموم بعضها إلى بعض: وشهباء: بيضاء صافية الحديد. والذائد: الّذي يحمي الحرم ويذود عنها، والنهال: العطاش.
(٤) المقدم: شديد الإقدام على العدو. والجنة هنا: الدرع تستر لابسها. والمعلم: من يعلم مكانه في الحرب بعلامة أعلم بها نفسه.
(٥) رواية المرزباني: (فقال: ياأمير المؤمنين؛ وصف الأعشى صاحبه بالطيش والخرق والتغرير؛ ووصفتك بالحزم والعزم، فأرضاه)؛ وقد فاضل المرزباني بين هذين الشعرين فقال: (رأيت أهل العلم بالشعر يفضلون قول الأعشى في هذا المعنى على قول كثير؛ لأن المبالغة أحسن عندهم من الاقتصار على الأمر الأوسط؛ والأعشى بالغ في وصف الشجاعة حتى جعل الشجاع شديد الإقدام بغير جنة؛ على أنه وإن كان لبس الجنة أولى بالحزم وأحق بالصواب؛ ففي وصف الأعشى دليل قوي على شدة شجاعة صاحبه).
(٦) الخبر في الموشح ١٧٤ - ١٧٥، والشعر والشعراء ٥١٧ - ٥١٨، والأغاني ١٦: ١١٨؛ واللآلئ: ٨٩٨؛ مع اختلاف في الرواية والشعر.
(٧) بقيته:
* كأنّه من كلى مفريّة سرب*
والكلى: جمع كلية؛ وهي رقعة تكون في أصل عروة المزادة ومفرية: مقطوعة. وسرب:
سائل؛ والقصيدة في ديوانه ١ - ٣٥.
فأنشده إياها، فلما بلغ إلى قوله:
تصغي إذا شدّها بالكور جانحة |
حتّى إذا ما استوى في غرزها تثب |
فقال له أبو عمرو بن العلاء: قول الراعي أحسن مما قلت
تراها إذا قام في غرزها |
كمثل السّفينة أو أوقر |
|
ولا تعجل المرء عند الورو |
ك وهي بركبته أبصر(١) |
فقال ذو الرّمة: إنّ الراعي وصف ناقة ملك، وأنا وصفت ناقة سوقة.
وحكى الصّولي أنه سمع أعرابيا ينشد بيته الّذي حكيناه، فقال: سقط والله الرجل.
فأما الغرز فهو للناقة مثل الرّكاب للدابة، وهو نسع مضفور. وقوله: (تصغي) يريد تميل رأسها، كأنها تسمع، لأنها ليست بنفور، بل مؤدّبة مقوّمة. والكور: الرحل.
وقد أخذ هذا المعنى أبو نواس فأحسن نهاية الإحسان، فقال يصف الناقة في مدحه الخصيب بن عبد الحميد:
فكأنّها مصغ لتسمعه |
بعض الحديث، بأذنه وقر |
فلم يرض بأن وصفها بالإصغاء حتى وصفها بالوقر، وهو الثّقل في الأذن، لأن الثّقيل السمع يكون إصغاؤه وميله إلى جهة الحديث أشدّ وأكدّ(٢) .
***
[قصيدة لأبي نواس وشرح ما ورد فيها من الغريب:]
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وإني لأستحسن القصيدة التي من جملتها البيت الّذي أوردناه لأبي نواس؛ لأنها دون العشرين بيتا، وقد نسب في أولها، ثم وصف النّاقة بأحسن وصف، ثم مدح الرجل الّذي قصد مدحه واقتضاه حاجته؛ كلّ ذلك بطبع يتدفّق، ورونق يترقرق، وسهولة مع جزالة؛ والقصيدة(٣) :
____________________
(١) البيتان في اللآلئ: ٨٩٨. الوروك: أن يثني الرجل إحدى وركيه لينزل من فوق السرج، والبيت الثاني في اللسان (ورك)، وفي ت: (الركوب)، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (النزول).
(٢) من نسخة بحاشية ت: (وأوكد).
(٣) ديوانه: ١٠١.
يامنّة امتنّها السّكر |
ما ينقضي منّي لها الشّكر |
|
أعطتك فوق مناك من قبل |
قد كنّ قبل، مرامها وعر |
|
يثني إليك بها سوالفه |
رشأ صناعة عينه السّحر |
|
ظلّت حميّا الكأس تبسطنا(١) |
حتّى تهتّك بيننا السّتر |
|
في مجلس ضحك السّرور به |
عن ناجذيه وحلّت الخمر |
أما قوله: (حلّت الخمر) فيحتمل أن يريد به أنّ ما وصفه من طيب الموضع وتكامل السرور به وحضور(٢) المأمول فيه صار مقتضيا لشرب الخمر، وملجئا إلى تناولها، ورافعا للحرج فيها؛ على مذهب الشعراء في المبالغة؛ وتكون فائدة وصفها بأنها (حلّت) المبالغة في وصف الحال بالحسن والطّيب. ويحتمل أن يكون عقد على نفسه، وآلى ألاّ يتناول الخمر إلاّ بعد الاجتماع مع محبوبه، وكان الاجتماع معه مخرجا له عن يمينه، على مذهب العرب في تحريم الخمر على نفوسهم، إلى أن يأخذوا بثأرهم؛ ويجري ذلك مجرى قول الشّنفرى:
حلّت الخمر وكانت حراما |
وبلأي ما ألمت تحلّ(٣) |
ويحتمل أن يريد (بحلّت) نزلت وأقامت؛ من الحلول الّذي هو المقام؛ لا من الحلال؛ فكأنه وصف بلوغ جميع آرابه وحضور فنون لذّاته، وأنها تكاملت بحلول الخمر؛ التي فيها جميع اللذات؛ وهذا الوجه وإن لم يشر إليه أحد ممّن تقدم في تفسير هذا البيت؛ فالقول يحتمله، ولا مانع من أن يكون مرادا. وقد قيل إنه أراد استحللنا الخمر لسكرنا، وفقدنا العقول التي كنا نمتنع لها من الحرام؛ والوجوه المتقدمة أشبه وأقرب إلى الصواب.
____________________
(١) د: (تنشطنا).
(٢) د، ف: (وحصول).
(٣) من قصيدة مطلعها:
إنّ بالشّعب الّذي دون سلع |
لقتيلا دمه ما يطلّ |
وفي نسبتها خلاف كبير؛ نسبها أبو تمام في الحماسة ٢: ٣١٣ - ٣١٩ إلى تأبط شرا، وقال التبريزي: (إنها لخلف الأحمر؛ وقيل إنها لابن أخت تأبط شرا)؛ ونسبها ابن قتيبة في الشعر والشعراء إلى خلف؛ وقال: (إنه نحلها ابن أخت تأبط شرا؛ وكان يقول الشعر وينحله المتقدمين)، وممن نسبها إلى الشنفرى صاحب الأغاني (٥: ١٦٢).
ولقد تجوب بي الفلاة إذا |
صام النّهار وقالت العفر |
أراد (بصام)، وقف، وذلك وصف له بالامتداد والطول. والعفر: الظّباء اللواتي(١) في ألوانهنّ حمرة يخالطها كدرة(٢) . و (قالت) من القائلة، وهي وقت نصف النهار؛ لا من القول.
شدنيّة رعت الحمى فأتت |
مل ء الحبال كأنّها قصر |
شدنيّة: منسوبة إلى شدن، وهو موضع باليمن؛ يقال لملكه: ذو شدن.
تثني على الحاذين ذا خصل |
تعماله الشّذران والخطر |
الحاذ: مؤخّر الفخذ. والشّذران: رفع الناقة ذنبها من المرح(٣) . والخطران، معروف من خطر يخطر. وتعماله، أي عمله.
أمّا إذا رفعته شامذة |
فتقول رنّق فوقها نسر |
يعني بشامذة، أي مبالغة في رفع ذنبها. ويقال، رنّق الطائر؛ إذا نشر جناحه(٤) طائرا من غير تحريك.
أمّا إذا وضعته خافضة |
فتقول أرخى خلفها ستر |
|
وتسفّ أحيانا فتحسبها |
مترسّما يقتاده أثر(٥) |
معنى (تسفّ)، أي تدني رأسها من الأرض. والمترسّم: الّذي يتتبع الرّسم ويتأمّله؛ ومعنى (يقتاده أثر)، أي هو معنى بطلب الأثر وموكّل بتتبّعه. ويقال: أثر وأثر وإثر؛
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (التي).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (كدورة).
(٣) في حواشي الأصل، ت، ف: (في كتاب ابن فارس: تشذرت الناقة إذا رفعت رأسها من النشاط).
(٤) ت، ش، ف: (جناحيه).
(٥) في حاشيتي الأصل، ت: (الأثر [بضم الهمزة والثاء]، والأثر [بفتح الهمزة والثاء] سواء؛ قال امرؤ القيس:
وإن أدبرت قلت أثفيّة |
ململمة ليس فيها أثر |
ثلاث لغات؛ وقد وهم الصّولي في تفسير هذا البيت؛ لأنّه قال: إن أبا نواس جمع الأثر آثارا، ثم جمع الآثار أثرا، ثم خفّف فقال: (أثر). وليس يحتاج إلى ما ذكره مع ما أوردناه؛ وإنما ذهب عليه أنه يقال في الأثر: أثر.
فإذا قصرت لها الزّمام سما |
فوق المقادم ملطم حرّ(١) |
|
فكأنّها مصغ لتسمعه |
بعض الحديث، بأذنه وقر |
|
تبري لأنقاض أضرّ بها |
جذب البرى فخدودها صعر |
معنى تبري، تنبري، أي تعرض لهذه الأنقاض، والأنقاض: جمع نقض؛ وهو البعير الّذي قد هزله السفر والكدّ. والبري: جمع برة؛ وهي الحلقة التي تكون في أنف البعير يذلّل بها.
يرمي إليك بها بنو أمل |
عتبوا فأعتبهم(٢) بك الدّهر |
|
أنت الخصيب وهذه مصر |
فتدفّقا فكلاكما بحر |
|
لا تقعدا بي عن مدى أملي |
شيئا فما لكما به عذر |
|
ويحقّ لي إذ صرت بينكما |
ألاّ يحلّ بساحتي فقر(٣) |
____________________
(١) الملطم: صفحة العنق.
(٢) أعتبهم: أرضاهم.
(٣) حاشية ت (من نسخة): (الفقر).
[٢٠]
مجلس آخر [المجلس العشرون:]
[عود إلى ذكر الجوابات المستحسنة:]
قال سيدنا أدام الله علوّه: ثم نعود إلى ما كنّا آخذين فيه من ذكر مستحسن الجوابات.
روي أن رجلا نظر إلى كثيّر الشاعر راكبا وأبو جعفر محمد بن عليّعليهماالسلام يمشي، فقيل له: أتركب وأبو جعفر يمشي! فقال: هو أمرني بذلك، وأنا بطاعته في الركوب أفضل مني في عصياني إياه بالمشي(١) .
وروي أن دعاة خراسان صاروا إلى أبي عبد الله الصادق عليه(٢) السلام فقالوا له: أردنا ولد محمد بن عليّ(٣) ، فقال: أولئك بالسّراة ولست بصاحبكم، فقالوا له: لو أراد الله بنا خيرا كنت صاحبنا، فقال المنصور بعد ذلك لأبي عبد الله: أردت الخروج علينا، فقال: نحن ندلّ عليكم في دولة غيركم، فكيف نخرج عليكم في دولتكم!
وقال عبد الملك بن مروان لنصيب: هل لك في الشراب؟ فقال له نصيب: الشعر مفلفل، واللون مرمّد(٤) ، وإنما قرّبني إليك عقلي، فهبه لي.
وقال مروان الملقّب بالحمار لحاجبه - وقد ولى منهزما -: كرّ عليهم بالسيف، فقال:
لا طاقة لي بذلك، فقال: والله لئن لم تفعل لأسوءنّك، فقال: وددت أنك تقدر على ذلك.
وقال يحيى بن خالد لشريك: علّمنا مما علّمك الله ياأبا عبد الله، فقال له شريك: إذا عملتم بما تعلمون، علّمناكم ما تجهلون.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (في المشي).
(٢) ت: (أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ).
(٣) هو محمد بن علي بن عبد الله بن العباس؛ جد الخلفاء العباسيين؛ وهو الّذي ابتدأت الدعوة على يديه؛ وكان ذلك في حياة أبيه؛ (وانظر تاريخ ابن الأثير حوادث سنة ١١٨).
(٤) الرمدة: لون إلى الغبرة؛ ومن نسخة بحاشيتي ت، ف: (مربد).
وقال المأمون لمحمد بن عمران: بلغني أنك بخيل، فقال: ما أجمد في حقّ، ولا أذوب في باطل(١) .
وقيل لأبي دؤاد الإيادي - ونظر إلى بنته تسوس فرسه: أهنتها ياأبا دؤاد! فقال:
أهنتها بكرامتي، كما أكرمتها بهواني؛ ومثل ذلك قول أعرابي لحقه ذلّ على باب السلطان:
أهين لهم نفسى لأكرمها بهم |
ولن تكرم النّفس التي لا تهينها |
ودخل عمارة بن حمزة على المنصور، فجلس مجلسه الّذي كان يجلس فيه، فقام رجل إلى المنصور فقال: مظلوم ياأمير المؤمنين، فقال: من ظلمك؟ فقال: عمارة غصبني ضيعتي، فقال المنصور: قم ياعمارة، فاقعد مع خصمك، فقال عمارة: ما هو لي بخصم؛ فقال له: كيف؟
قال: إن كانت الضيعة له فلست أنازعه فيها؛ وإن كانت لي فهي له، ولا أقوم من مجلس شرّفني به أمير المؤمنين لأقعد في أدنى منه بسبب ضيعة.
وقال هشام بن عبد الملك لرجل في الكعبة: سلني حاجتك، فقال: لا أسأل في بيت الله غير الله.
وهرب سليمان بن عبد الملك من الطّاعون فقيل له: إن الله تعالى يقول:( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً ) ؛ [الأحزاب: ١٦]، فقال: ذلك القليل نطلب.
وقيل إنّ الجعد بن درهم جعل في قارورة ترابا وماء، فاستحال دودا وهوامّ، فقال لأصحابه:
أنا خلقت ذلك، لأني كنت سبب كونه. فبلغ ذلك جعفر بن محمدعليهماالسلام ، فقال: إن كان خلقه فليقل: كم هو؟ وكم الذّكران منه والإناث؟ وكم وزن كل واحدة منهن؟ وليأمر الّذي يسعى إلى هذا الوجه أن يرجع إلى غيره. فانقطع وهرب.
____________________
(١) حاشية ف: (في كتاب آخر: (ولا أتدفق في باطل).
وقال المأمون للفضل بن سهل: إني أخاف عليك أقواما يعادونك، فلا تركب إلي إلاّ في جيش، فقال الفضل: ما أخاف غيرك، فإن أمّنتني من(١) نفسك لم يضرّني إنسان.
وقيل لأبي ثور: ما تقول في حمّاد بن زيد بن درهم، وحمّاد بن سلمة بن دينار؟ فقال:
بينهما في العلم كقيمة ما بين أبويهما في الصرف.
وأراد المأمون تقبيل السّواد(٢) ، وجلس يناظر العمّال على ذلك، فقام إليه رجل من الدّهاقين فقال: ياأمير المؤمنين، إنّ الله عز وجل ولاّك علينا بالأمانة، فلا تقبّلنا، فأضرب عن ذلك.
وقال رجل لابن عبّاس: زوّجني من فلانة(٣) - وكانت يتيمة في حجره - فقال:
لا أرضاها لك، لأنها تتشرّف، فقال الرجل: قد رضيت أنا، فقال ابن عباس: الآن لا أرضاك لها.(٤) ويشبه هذا الخبر من وجه ما رواه(٤) المدائني قال: أرسل عمر بن عبد العزيز رجلا من أهل الشام وأمره أن يجمع بين إياس بن معاوية المزنيّ(٥) وبين القاسم بن ربيعة الحوشي(٦) من بني عبد الله بن غطفان، فيولّي القضاء أقدمهما(٧) ، فقدم الرجل البصرة، فجمع بينهما، فقال إياس للشامي:
أيّها الرجل، سل عنّي وعن القاسم فقيهي المصر: الحسن وابن سيرين، فمن أشارا عليك
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي ت، ف: (فإن أمنتني نفسك).
(٢) السواد؛ يراد به رستاق العراق وضياعها مما افتتحه المسلمون؛ سمى بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار والتقبيل؛ من القبالة؛ وهي الكفالة، قال في اللسان: (يقال قبلت العامل تقبيلا؛ والاسم القبالة؛ وفي حديث ابن عباس: (إياكم والقبالات؛ فإنها صغار وفضلها ربا؛ وهو أن يتقبل بخراج أو جباية أكثر مما أعطى؛ فذلك الفضل ربا؛ فإن تقبل وزرع فلا بأس).
(٣) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (زوجني فلانة).
(٤ - ٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (ويشبه هذا الخبر من وجه بخبر رواه).
(٥) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (المزني) وفي حاشية الأصل أيضا: (وهم، هو إياس بن معاوية بن قرة المزني).
(٦) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (الجوشني).
(٧) حاشية ت (من نسخة): (أنفذهما).
بتوليته فولّه؛ وكان القاسم يأتي الحسن وابن سيرين، ولم يكن إياس يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال للشامي: لا تسل عنّي ولا عنه، فو الّذي لا إله إلا هو إن إياسا أفضل مني وأفقه، وأعلم بالقضاء، فإن كنت عندك ممّن يصدّق إنه لينبغي أن تقبل مني، وإن كنت كاذبا فما يحلّ لك أن تولّيني وأنا كاذب؛ فقال إياس للشامي: إنك جئت برجل فأقمته على شفير جهنّم، فافتدى نفسه من النار(١) أن تقذفه فيها بيمين حلفها كذب فيها، يستغفر الله منها، وينجو مما يخاف. فقال الشامي: أما إذ فطنت لهذا، فإني أوّليك، فاستقضاه.
ولما أمضى معاوية بيعة يزيد جعل الناس يقرّظونه، فقال يزيد لأبيه: ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا؟ فقال معاوية: يابنيّ، من خدعته فتخادع لك ليخدعك فقد خدعته.
وسمع عبد الملك بن مروان ليلة قبض وهو يجود بنفسه - وقد سمع صوت قصّار - يقول:
ليتني كنت غسالا أعيش بما أكسب يوما بيوم، فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد للّه الّذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه، ولا نتمنّى في الحياة ما هم فيه.
وقال الواثق للجاحظ: يامنّاني(٢) ، فقال: لو كان الّذي أضفتني إليه عبدك ما قدرت على بيعه لكثرة عيوبه؛ فكيف أكون على دينه(٣) !.
وقال ابن عباسرضياللهعنه للخوارج - وقد أرسله أمير المؤمنينعليهالسلام إليهم:
نشدتكم الله، أيّما أعلم بالتنزيل والتأويل: عليّ أم أنتم؟ قالوا: عليّ، قال: أليس تدرون، لعلّ الّذي حكم به فيكم بفضل علمه على ما تعلمون! فرجع أكثرهم.
____________________
(١) حاشية ف: (بدل اشتمال من (نفسه)، أي افتدى قذف نفسه).
(٢) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (ياماني)؛ وماني: منسوب إلى ماني؛ وهو ماني ابن فاتك الحكيم؛ وأتباعه يعرفون بالمانوية؛ وهم يزعمون أن العالم مركب من أصلين قديمين: نور وظلمة؛ وهما أزليان، (وانظر تفصيل مذهبهم في الملل والنحل للشهرستاني ١٤٣ - ١٤٦).
(٣) ت: (على ذلك).
وقال عتبة بن أبي سفيان لعبد الله بن عباس: ما منع عليّ بن أبي طالب أن يجعلك أحد الحكمين؟ فقال: أما والله لو بعثني لاعترضت مدارج(١) أنفاسه، أطير إذا أسفّ وأسفّ(٢) إذا طار، ولعقدت له عقدا لا تنتقض مريرته، ولا يدرك طرفاه؛ ولكنه سبق قدر، ومضى أجل، والآخرة خير لأمير المؤمنين من الدنيا.
وقال أبو جعفر محمد بن عليّعليهماالسلام لكثيّر: امتدحت عبد الملك بن مروان؟
فقال: لم أقل له ياإمام الهدى، إنما قلت: ياشجاع، والشجاع حيّة، ويا أسد، والأسد كلب، ويا غيث، والغيث موات! فتبسم أبو جعفرعليهالسلام .
وقالت بنت عبد الله بن مطيع لزوجها يحيى بن طلحة: ما رأيت ألأم من أصحابك، إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك! فقال: هذا من كرمهم؛ يأتوننا في حال القوة منّا عليهم، ويفارقوننا في حال الضعف منّا عنهم.
وقيل لإبراهيم النّخعي: متى كنت؟ قال: حيث احتيج إلي.
ورئي رجل يصلي صلاة خفيفة، فقيل له: ما هذه الصلاة؟ فقال: صلاة ليس فيها رياء.
[خبر قتيبة بن مسلم مع الحصين بن المنذر الرقاشي:]
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدّثني محمد بن أبي الأزهر قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: تزعم الرواة أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند(٣) أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وآلات لم يسمع بمثلها، فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح، ويعرّفهم أقدار(٤) القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت، وفي صحنها قدور يرتقي إليها بسلاليم، وإذا الحصين بن المنذر بن الحارث(٥) بن وعلة الرّقاشي قد أقبل، والناس جلوس على مراتبهم، والحصين شيخ كبير، فلما رآه عبد الله بن مسلم أخو قتيبة قال لقتيبة: أتأذن لي في معاتبته؟
____________________
(١) المدارج هنا: جمع مدرجة؛ وهي ممر النفس.
(٢) يقال: أسف الطائر؛ إذا دنا من الأرض في طيرانه.
(٣) سمرقند: من أكبر مدن ما وراء النهر وحاضرة الصغد؛ فتحها قتيبة بن مسلم الباهلي سنة ٩٣.
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل؛ ف: (مقدار).
(٥) ت: (المنذر بن الحباب).
قال: لا تردّه، فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلاّ أن يأذن له - وكان عبد الله يضعّف - وكان قد تسوّر حائطا إلى امرأة قبل ذلك - فأقبل على الحصين وقال: أمن الباب دخلت ياأبا ساسان؟ فقال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان، قال: رأيت هذه القدور؟ قال:
هي أعظم من ألاّ ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها، قال: أجل، ولا عيلان(١) ، ولو رآها سمّي شبعان، ولم يسمّ عيلان، فقال له: ياأبا ساسان، أتعرف الّذي يقول(٢) :
عزلنا وأمّرنا وبكر بن وائل |
تجرّ خصاها تبتغي من تحالف |
قال: أعرفه وأعرف الّذي يقول:
وخيبة من يخيب على غني |
وباهلة بن يعصر والرّباب |
قال: أتعرف الّذي يقول(٢) :
كأنّ فقاح الأزد حول ابن مسمع |
وقد عرقت أفواه بكر بن وائل(٣) |
قال: أعرفه، وأعرف الّذي يقول:
قوم قتيبة أمّهم وأبوهم |
لولا قتيبة أصبحوا في مجهل |
قال: أمّا الشعر، فأراك ترويه، ولكن هل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: نعم، أقرأ منه الكثير الطيب:( هَلْ أَتى عَلَى الآنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) ؛ [الإنسان: ٤١]، فأغضبه فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحصين حملت إليه وهي حبلى من غيره، قال: فما تحرّك الشيخ من هيئته الأولى. ثم قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاما على فراشى فيقال: ابن الحصين، كما يقال عبد الله بن مسلم؛ فأقبل قتيبة على عبد الله فقال. لا يبعد الله غيرك.
____________________
(١) حاشية ف: (عيلان، بالرفع على أن يكون مبتدأ؛ أي ولا عيلان أدركها؛ والنصب على أن يكون عطفا على بكر بن وائل). وفي حاشية الأصل: (عيلان: قبيلة عبد الله بن مسلم).
(٢) ف: (س الّذي يقول؟).
(٣) حاشية ف: (قوله: (وقد عرفت)، الواو للحال؛ شبه أدبار الأزد في حال ما عرقت بأفواه بكر بن وائل).
ولقي شريك(١) النّميري رجلا من بني تميم، فقال له التّميمي: يعجبني من الجوارح البازي، فقال له شريك: وخاصّة إذا صاد القطا؛ أراد التميمي بقول البازي قول جرير:
أنا البازي المطلّ على نمير |
أتيح من السّماء لها انصبابا(٢) |
وأراد شريك بقوله: (إذا صاد القطا) قول الطّرمّاح:
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا |
ولو سلكت سبل المكارم ضلّت(٣) |
وساير(٤) شريك النّميري عمر بن هبيرة الفزاري على بغلة، فجاوزت بغلته برذون عمر، فقال له عمر: اغضض من لجامها، فقال شريك: إنها مكتوبة، فقال عمر: ما أردت ذاك، قال شريك ولا أنا أردته؛ ظن شريك أنّ عمر أراد بقوله: (اغضض من لجامها) قول جرير:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير |
فلا كعبا بلغت ولا كلابا(٥) |
وعنى شريك بقوله: (مكتوبة) قوله(٦) :
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به |
على قلوصك واكتبها(٧) بأسيار |
يعني: ب (اكتبها) شدّها.
وأنشد أبو تمام الطائي أحمد بن المعتصم قصيدته(٨) السينية التي يمدحه فيها، فلما بلغ إلى قوله:
____________________
(١) الخبر في اللآلئ ٨٦٢ - ٨٦٣؛ مع اختلاف في الرواية.
(٢) ديوانه: ٧٢، وروايته: (المدل على نمير).
(٣) ديوانه: ١٣٢، وفي حاشية ت (من نسخة): (طرق المكارم).
(٤) الخبر في الفاضل والمفضول: ٥٠، واللآلئ: ٨٦١ - ٨٦٢، والاقتضاب: ٥٠، وكنايات الجرجاني: ٧٤.
(٥) ديوانه: ٧٥.
(٦) هو سالم بن دارة، من قصيدة هجا بها زميل ابن أبير الفزاري، وأبيات منها في الخزانة ١: ٥٥٧.
(٧) ت: (معنى اكتبها: اشددها).
(٨) القصيدة في ديوانه ١٧٣ - ١٧٥، ومطلعها:
ما في وقوفك ساعة من بأس |
نقضي ذمام الأربع الأدراس |
في حلم أحنف في شجاعة عامر |
في جود حاتم في ذكاء إياس(١) |
فقال له الكندي - وكان حاضرا -: ما صنعت شيئا، قال: وكيف؟ قال: لأنّ شعراء دهرنا قد تجاوزوا بالممدوح من كان قبله، ألا ترى إلى قول أبي العكوّك(٢) في أبي دلف:
رجل أبرّ على شجاعة عامر |
بأسا وغبّر في محيّا حاتم |
فأطرق الطائي ثم رفع رأسه وأنشد:
لا تنكروا ضربي له من دونه |
مثلا شرودا في النّدى والباس |
|
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره |
مثلا من المشكاة والنّبراس |
وقال ابن هبيرة لأبي دلامة - وكان مولى لبني أمية لما ظهرت المسوّدة(٣) : لأتخذنّ لك منهم عبدا صالحا يخدمك، فلما علت كلمتهم، وفشت دعوتهم قال أبو دلامة: ليت الله قيّض لي منهم مولى صالحا أخدمه.
وقال يحيى بن خالد لعبد الملك بن صالح الهاشميّ: إنّ خصالك كاملة سوى حقد فيك، فقال: أنا خزانة تحفظ الخير والشر. وقد نظر ابن الرومى إلى هذا المعنى فى قوله:
وما الحقد إلاّ توأم الشّكر في الفتى |
وبعض السّجايا ينتسبن إلى بعض(٤) |
|
فحيث ترى حقدا على ذي إساءة |
فثمّ ترى شكرا على حسن القرض |
|
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع |
من البذر فيها فهي ناهيك من أرض |
وقال الحجاج للحطيط الخارجي: ما تقول في عبد الملك بن مروان؟ قال: ما أقول في رجل أنت خطيئة من خطاياه! قال: فهل هممت بي قطّ! قال: نعم، ولكن حال بيننا
____________________
(١) رواية الديوان:
إقدام عمرو في سماحة حاتم |
في حلم أحنف في ذكاء إياس |
(٢) كذا في الأصول؛ وفي الأغاني ونكت الهميان وابن خلكان: (العكوك)؛ وفي حاشيتي الأصل، ت: (العكوك في الأصل: القصير السمين مع صلابة)، وهو علي بن جبلة الضرير، توفي سنة ٢١٣.
(٣) حاشية الأصل: (المسودة؛ يعني بني العباس أصحاب الرايات السود).
(٤) ديوانه: الورقة ١٥٤.
بين وقدر، وقد أعطيت الله عهدا إن سألتني لأصدقنّك، ولئن خلّيت عني لأطلبنّك، ولئن عذبتني لأصبرن لك؛ فأمر بقتله.
وأما (البين) فهي الأرض الواسعة، قال ابن مقبل(١) :
بسرو حمير أبوال البغال به |
أنّى تسدّيت وهنا ذلك البينا(٢) |
وقيل لأبي العتاهية لما قال:
عتب(٣) ما للخيال |
خبّريني وما لي |
خرجت من العروض، فقال: أنا أكبر من العروض(٤) .
وقال عبد الملك بن مروان للهيثم بن الأسود: ما مالك؟ قال: قوام من العيش، وغنى من الناس. فقيل له: لم لم تخبر به؟ فقال: إن كان كثيرا حسدني، وإن كان قليلا ازدراني.
واغتاب الأعمش رجلا من أصحابه، فطلع الرجل على هيئة ذلك، فقال له رجل من أصحابه:
قل له ما قلته حتى لا يكون غيبة؛ فقال له: قل له أنت حتى لا تكون نميمة.
وقال معاوية لعمرو بن العاص: هل غششتني مذ نصحتني؟ قال: لا، قال: بلى يوم أشرت عليّ بمبارزة عليّ، وأنت تعلم من هو! فقال عمرو: دعاك رجل عظيم الخطر إلى المبارزة، فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين؛ إمّا إن قتلته فقد قتلت قتّال الأقران، وازددت شرفا إلى شرفك، وخلوت بملكك، وإمّا إن قتلك فتتعجّل مرافقة الشهداء والصديقين
____________________
(١) من قصيدة في جمهرة الأشعار: ٣٣١ - ٣٣٥، مطلعها:
طاف الخيال بنا ركبا يمانينا |
ودون ليلى عواد لو تعدّينا |
(٢) سرو حمير؛ من منازلهم باليمن. وأبوال البغال يريدون به السراب؛ قال الأصمعي: يقال لنطف البغال أبوال البغال؛ ومنه قيل للسراب أبوال البغال على التشبيه؛ وإنما شبه بأبوال البغال؛ لأن بول البغال كاذب لا يلقح، والسراب كذلك. وتسديت؛ يخاطب الطيف، ويجوز أن يقرأ: (تسديت) بكسر التاء يخاطب الحبيبة (وانظر المقاييس ١: ١، ٣، واللسان - يبن).
(٣) على الترخيم.
(٤) حاشية ت: (يريد أن عمل الشعر قبل عمل الخليل للعروض).
والصالحين؛ قال معاوية: لهذه أشد عليّ من الأولى، فقال عمرو: أفكنت من جهادك في شك فتكون منه الساعة! قال: دعني منك الآن.
وقيل للأحنف بن قيس - وقد رأى مسيلمة الكذّاب: كيف هو؟ فقال: ما هو بنبي صادق، ولا بمتنبئ حاذق.
[بعض ما يروى من أجوبة أبي الأسود الدؤلي الحاضرة:]
وروى المبرّد قال: قال زياد لأبي الأسود الدّؤليّ: لولا أنّك قد كبرت لاستعنّا بك في بعض أمورنا، قال: إن كنت تريدني للصّراع فليس عندي، وإن كنت تريد عقلي ورأيي فهما أوفر ما كانا.
وكان أبو الأسود حاضر الجواب جيّد الكلام مليح النادرة. وروي عن الشّعبي أنّه قال: قاتل الله أبا الأسود! ما كان أعفّ أطرافه، وأحضر جوابه! دخل على معاوية بالنّخيلة، فقال له معاوية: أكنت ذكرت للحكومة؟ قال: نعم، قال: فماذا كنت صانعا؟ قال:
كنت أجمع ألفا من المهاجرين وأبنائهم، وألفا من الأنصار وأبنائهم، ثم أقول: يامعشر من حضر؛ أرجل من المهاجرين أحقّ أم رجل من الطلقاء؟ فلعنه معاوية، وقال: الحمد للّه الّذي كفاناك.
وقد روي أنّ أبا الأسود طلب بأن يكون في الحكومة، وقال لأمير المؤمنينعليهالسلام في وقت الحكمين: ياأمير المؤمنين، لا ترض بأبي موسى، فإني قد عجمت الرجل وبلوته، فحلبت أشطره؛ فوجدته قريب القعر، مع أنه يمان، وما أدري ما يبلغ نصحه! فابعثني فإنه لا يحلّ عقدة إلاّ عقدت له أشدّ منها، وإنهم قد رموك بحجر الأرض، فإن قيل: إنه لا صحبة لي، فاجعلني ثاني اثنين، فليس صاحبهم إلاّ من تقرّب، وكان في الخلاف عليهم كالنّجم؛ فأبىعليهالسلام .
وروى محمد بن يزيد النحوي أنّ أبا الأسود كان(١) نازلا في بني قشير؛ وكانوا يخالفونه في المذهب لأن أبا الأسود كان(١) شيعيا، فكانوا يرمونه بالليل، فإذا أصبح شكا ذلك،
____________________
(١ - ١) ساقط من م.
فشكامرة، فقالوا: ما نحن نرميك؛ ولكنّ الله يرميك، فقال: كذبتم، لو كان الله يرميني ما أخطأني.
وقال لهم يوما: يابني(١) قشير، ما في العرب أحد أحبّ إلى طول بقاء منكم، قالوا:
ولم ذاك؟ قال: لأنكم إذا ركبتم أمرا علمت أنه غي فأجتنبه، وإذا اجتنبتم أمرا علمت أنه رشد، فاتبعته فنازعوه الكلام، فأنشأ يقول:
يقول الأرذلون بنو قشير |
طوال الدّهر لا تنسى عليّا |
|
أحبّ محمّدا حبّا شديدا |
وعبّاسا وحمزة والوصيّا |
|
أحبّهم لحبّ الله حتّى |
أجئ إذا بعثت على هويّا |
|
فإن يك حبّهم رشدا أصبه |
ولست بمخطئ إن كان غيّا |
فقالوا له: أشككت ياأبا الأسود، فقال: ألم تسمعوا الله تعالى يقول:( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ، أفترون الله شكّ!
أما قوله: (هويّا) فإنه لغة هذيل؛ يقولون ذلك في كل مقصور(٢) ؛ مثل الهوى والعصا والتقى والقفا. قال أبو ذؤيب الهذلي:
سبقوا هوي وأعنقوا لسبيلهم |
فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع(٣) |
وروي أن أبا الأسود دخل على معاوية فقال له: أصبحت جميلا ياأبا الأسود؛ فلو علّقت تميمة تدفع العين عنك! فقال أبو الأسود:
أفنى الشّباب الّذي ولى وبهجته(٤) |
كرّ الجديدين من آت ومنطلق |
|
لم يتركا لي في طول اختلافهما |
شيئا أخاف عليه لذعة الحدق |
____________________
(١) الخبر مع الأبيات ورد في الأغاني ١١: ١١٣، ونزهة الألباء ٦ - ٧، وأخبار النحوين للسيرافي ١٤ - ٢١٥، وإنباه الرواة ١: ١٧، يزيد وينقص في بعض الروايات، ويختلف في بعض الألفاظ وترتيب الأبيات.
(٢) وذلك إذا أضيف إلى ياء المتكلم؛ فيقولون: هوي؛ أي هواي، وعصي؛ أي عصاي؛ وهكذا.
(٣) ديوان الهذليين ١: ٢، والرواية فيه: (لهواهم).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (فارقت بهجته).
وروي أنه دخل يوما السوق يشتري ثوبا فقال له رجل: هلمّ أقاربك في هذا الثوب؛ فقال: إن لم تقاربني باعدتك، ثم قال له: بكم هو؟ قال: قد أعطيت به كذا كذا، قال:
إنما تخبّرني عما فاتك.
وروي أنّه كان ماشيا في طريق، فقال له راكب: الطريق الطريق، فقال له: عن الطريق تعدلني!
ومرض أبو الأسود فقيل له: هو أمر الله، فقال: ذاك أشدّ له!
وقيل إن امرأة أبي الأسود خاصمته إلى زياد في ولدها، فقالت: أيها الأمير، إن هذا يغلبني على ولدي، وقد كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له فناء، فقال أبو الأسود:(١) أبهذا تريدين أن تغلبيني على ابني(١) ! فو الله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه، فقالت: ولا سواء، إنك حملته خفّا، وحملته ثقلا، ووضعته شهوة، ووضعته كرها، فقال له زياد: إنها امرأة عاقلة ياأبا الأسود، فادفع ابنها إليها، فأخلق أن تحسن أدبه.
وقال رجل لأبي الأسود: أنت والله ظريف لفظ، وظرف(٢) علم، ووعاء حلم، غير أنّك بخيل؛ فقال: وما خير ظرف لا يمسك ما فيه!
وسلم عليه أعرابي يوما، فقال أبو الأسود: كلمة مقولة، فقال: أتأذن في الدخول؟
قال: وراءك أوسع لك! قال: فهل عندك شيء؟ قال: نعم، قال: أطعمني، قال: عيالي أحقّ منك، قال: ما رأيت ألأم منك، قال: نسيت نفسك.
وسأله رجل شيئا فمنعه قال: ما أصبحت حاتميّا(٣) قال: بلى، قد أصبحت حاتمكم من حيث لا تدري، أليس حاتم الّذي يقول:
أماوي إمّا مانع فمبيّن |
وإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر(٤) |
____________________
(١ - ١) ت: (إنها لتريد أن تغلبني على ابني).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (ظريف)، بالبناء للمجهول.
(٣) ت: (حاتمنا).
(٤) ديوانه: ١١٨.
[٢١]
مجلس آخر [المجلس الحادي والعشرون:]
[خبر سليمان بن عبد الملك مع يزيد بن أبي مسلم:]
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال: أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي قال: لما ولي سليمان بن عبد الملك أتى بيزيد بن أبي مسلم مولى الحجّاج في جامعة - وكان رجلا دميما تقتحمه(١) العين - فلما رآه سليمان قال: لعن الله من أجرّك رسنك، وولى مثلك! فقال: ياأمير المؤمنين، رأيتني والأمر عني مدبر، ولو رأيتني وهو عليّ مقبل لاستعظمت ما استصغرت، ولاستجللت ما استحقرت، فقال له سليمان: أين ترى الحجاج؟
أيهوى في النار؛ أم قد استقرّ! فقال: ياأمير المؤمنين، لا تقل كذا، فإن الحجاج قمع لكم الأعداء، ووطّأ لكم المنابر، وزرع لكم الهيبة في قلوب الناس، وبعد، فإنه يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك عبد الملك، وشمال أخيك الوليد، فضعه حيث شئت.
[خبر صفوان بن الأهتم مع رجل من بني عبد الدار:]
وروي أن خالد بن صفوان فاخر رجلا من بني عبد الدار، الذين يسكنون اليمامة، فقال له العبدري: من أنت؟ فقال: أنا خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال له العبدري: أنت خالد( كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ ) ؛ [محمد: ١٥]، وأنت ابن صفوان، وقال الله عزّ وجل( كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ ) ؛ [البقرة: ٢٦٤]، وأنت ابن الأهتم، والصحيح خير من الأهتم. فقال له خالد بن صفوان ياأخا بني عبد الدار، أتتكلم وقد هشمتك هاشم، وأمّتك بنو أميّة، وخزمتك بنو مخزوم، وجمحتك(٢) بنو جمح، فأنت عبد دارهم؛ تفتح إذا دخلوا، وتغلق إذا خرجوا؛ فقام العبدري محموما.
وتقدم الأشعث بن قيس إلى شريح فقال له الأشعث: أتعلمني بك ياابن أمّ شريح! لقد
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (تزدريه).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (يجوز أن يكون أصله: (جمحت بك)؛ فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل؛ ذكره ابن دريد في كتاب الاشتقاق، ويجوز أن يكون من جامحته فجمحته).
عهدتك وإنّ شأنك لشؤين، فقال له شريح: انت امرؤ تعرف النعمة في غيرك، وتنساها في نفسك.
[ما دار بين الفرزدق والحطيئة عند سعيد بن العاص:]
وروى أبو العيناء عن العتبي قال: دخل الفرزدق إلى سعيد بن العاص، وعنده الحطيئة، فلما مثل بين يديه قال:
إليك فررت منك ومن زياد |
ولم أحسب دمي لكما حلالا(١) |
|
فإن يكن الهجاء أحلّ قتلي |
فقد قلنا لشاعركم وقالا(٢) |
|
ترى الغرّ الجحاجح من قريش |
إذا ما الأمر في الحدثان عالا(٣) |
|
قياما ينظرون إلى سعيد |
كأنّهم يرون به هلالا(٤) |
فقال له الحطيئة: هذا والله أيها الأمير الشّعر، لا ما كنّا نعلّل(٥) به منذ اليوم، ياغلام أقدمت أمك الحجاز؟ فقال: لا، ولكن قدمه أبي.
أراد الحطيئة بقوله: إن كانت قدمت أمّك الحجاز، فقد وقعت بها(٦) ، وكنت منّي، وأراد الفرزدق بقوله: (ولكن قدمه أبي) أي وقع بأمك فكنت أنت(٧) .
ويشبه ذلك ما روي أنّ الفرزدق كان ينشد شعره يوما، والناس حوله، إذ مرّ به الكميت بن زيد، فقال له الفرزدق: كيف ترى شعري؟ فقال الكميت: حسن بسن، فقال له الفرزدق:
أيسرّك أني أبوك، قال: أمّا أبي فلا أريد به بدلا(٨) ، ولكن يسرّني أن لو كنت أمي! فقال له
____________________
(١) ديوانه: ٦١٧، وبعده:
ولكنّي هجوت وقد هجتني |
معاشر قد رضخت لهم سجالا |
(٢) بعده:
وإن تك في الهجاء تريد قتلي |
فلم تدرك لمنتصر مقالا |
(٣) عال: فدح وأثقل؛ وبعده:
بني عمّ الرسول ورهط عمرو |
وعثمان الذين علوا فعالا |
(٤) حاشية ت (من نسخة): (الهلالا).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (ما كنت تعلل).
(٦) حاشية ت (من نسخة): (وقعت عليها).
(٧) ابن الشجري: (فكنت أنت أخي).
(٨) حاشية ت (من نسخة): (بديلا).
الفرزدق: اكتم هذه على عمك ياابن أخي فما مرّ بي مثلها.
وقيل إنّ عبد الملك بن مروان ظفر برجل من بني مخزوم زبيري الرأي، فقال له لما حضر مجلسه: أليس قد ردّك الله على عقبيك! فقال الرجل: أو من ردّ عليك ياأمير المؤمنين فقد ردّ على عقبيه! فوجم عبد الملك،
وقال موسى بن عيسى بن موسى لشريك: ياأبا عبد الله، عزلوك عن القضاء، وما رأينا قاضيا عزل! فقال شريك: هم الملوك يعزلون ويخلعون - يعرّض أن أباه خلع من ولاية العهد.
وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن المفضّل الضبي الرواية وهب لبعض جبرانه أيام الأضحى أضحيّة، فلما لقيه قال: كيف وجدت أضحيّتك؟ قال: ما وجدت لها دما، يعرّض بقول الشاعر:
ولو ذبح الضبّي بالسّيف لم تجد |
من اللّؤم للضّبّي لحما ولا دما |
وروي عن المأمون أنه قال: ما أعياني جواب أحد قطّ مثل جواب ثلاثة: أحدهم أمّ الفضل بن سهل، فإني عزّيتها عن ابنها وقلت: لئن جزعت على الفضل لأنه ولدك، فها أنا ذا ابنك مكانه، فقالت: وكيف لا أجزع على من جعل مثلك لي ولدا. والثاني رجل أحضرته يزعم أنّه نبي الله موسىعليهالسلام ، فقلت له: إن الله تعالى أخبرنا عن موسى أنّه يدخل يده في جيبه فيخرجها بيضاء من غير سوء، فقال: متى فعل ذلك موسى؟
أليس بعد أن لقي فرعون! فاعمل كما عمل فرعون، حتى أعمل كما عمل موسى. والثالث أن جماعة من أهل الكوفة اجتمعوا إلي يشكون عاملها، فقلت: ارضوا بواحد أسمع منه، فرضوا برجل منهم، فقال في العامل وأكثر؛ فقلت له: كذبت! بل هو العفيف الورع العدل؛ فذهب أصحابه يتكلمون فسكّتهم ثم قال: صدقت ياأمير المؤمنين، هو كما ذكرت، فواس بين رعيتك في العدل، فصرفته عنهم.
ودخل عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي على معاوية، فقال له معاوية: ما فعل الطّرفات؟
يعني طريفا(١) وطرافا وطرفة، قال: قتلوا مع عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فقال له:
ما أنصفك ابن أبي طالب، قدّم بنيك، وأخّر بنيه، فقال عدي: ما أنصفته(٢) أنا، أن قتل(٣) وبقيت.
وكتب رجل إلى صديق له يقترض منه شيئا، فأجابه يشكو ضيق حاله، فكتب إليه: (إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت صادقا فجعلك الله كاذبا، وإن كنت معذورا فجعلك الله ملوما، وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا).
وسمع الأحنف رجلا يقول: ما أحلم معاوية! فقال: لو كان حليما ما سفه الحقّ.
ووصفه رجل عند الشعبي بالحلم، فقال الشّعبي: ويحك! وهل أغمد سيفه وفي قلبه على أحد شيء!
وقال زياد لرجل حضره: أين منزلك؟ فقال: وسط البصرة، قال: فما لك من الولد؟
قال: تسعة، فقيل لزياد إن داره أقصى البصرة عند المقابر، وله ابن واحد، فقال الرجل:
داري بين أهل الدنيا والآخرة، فهي وسط البصرة، وكان لي عشر بنين فقدّمت تسعة، فهم لي، وبقي واحد لا أدري؛ أهو لي أم أنا له!
وقال رجل لابن سيرين: إنّي وقعت فيك فاجعلني في حلّ، فقال: ما أحبّ أن أحلّك ممّا حرّم الله عليك.
وخطب الحجاج يوم جمعة فأطال، فقال له رجل: إنّ الصلاة لا تنتظرك، وإن الله لا يعذرك، فأمر به فحبس، فجاءه أهله فشهدوا أنّه مجنون، فقال: إن أقرّ بالجنون أطلقته، فقيل له: اعترف بذلك وتخلّص، فقال: والله لا أقول إنّه ابتلاني وقد عافاني.
وحدّث الحسن البصري بحديث فقال له رجل: ياأبا سعيد، عمّن؟ فقال: وما تصنع بـ (عمّن)؟ أما أنت فقد نالتك عظته، وقامت عليك حجته.
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (طريفا)، بفتح أوله وكسر ثانيه.
(٢) حاشية ت (من نسخة): (بل ما أنصفته).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (إذ قتل).
وقيل لعبد الله بن جعفر - ونظر إليه يماكس في درهم - فقيل له: أتماكس في درهم وأنت تجود بما تجود به! فقال: ذاك مالي جدت به، وهذا عقلي بخلت به.
[من أجوبة أبي العيناء المسكتة:]
وروي أنّ أبا العيناء محمد بن القاسم اليمامي حدّث بعض الزبيريين(١) بفضائل أهله(٢) فقال له: الزّبيري(٣) : أتجلب التمر إلى هجر(٤) ! فقال له أبو العيناء: نعم، إذا أجدبت أرضها، وعاوم(٥) نخلها؛ وكان أبو العيناء من أحضر الناس جوابا، وأجودهم بديهة، وأملحهم نادرة.
وروى(٦) الصولي عن أبي العيناء قال: لما دخلت(٧) على المتوكل دعوت له، وكلّمته، فاستحسن خطابي، وقال لي: يامحمد، بلغني أنّ فيك شرّا، فقلت: ياأمير المؤمنين، إن يكن الشرّ ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكّى الله تعالى وذم، فقال في التزكية:( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) ؛ [ص: ٣٠، ٤٤]، وقال في الذم:( هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) ؛ [القلم: ١١ - ١٣]، فذمّه الله تعالى حتى قذفه(٨) ، وقد قال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أثن دائبا |
ولم أذمم الجبس اللّئيم المذمّما(٩) |
|
ففيم عرفت الخير والشّرّ باسمه |
وشقّ لي الله المسامع والفما! |
وإن كان الشرّ كفعل العقرب يلسع النبي والذّمي بطبع لا يتميز؛ فقد صان الله عبدك عن ذلك.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (الزهريين).
(٢) ت: (بحديث في فضائل أهله.
(٣) حاشية ت (من نسخة): (الزهري).
(٤) هجر: مدينة واقعة على جبال العارض ببلاد العرب؛ وكانت قاعدة البحرين.
(٥) المعاومة: أن تحمل النخلة سنة ولا تحمل أخرى.
(٦) ت: (فحكى عن الصولي).
(٧) حاشية (من نسخة): (أدخلت).
(٨) ت: (قرفه)، والقذف والقرف: ذكر المرء بالسوء.
(٩) البيتان في أمالي القالي ٢: ١٥٩؛ رواهما عن أبي العالية الرياحي.
(١) وروي أنه قال له يوما: إلى كم تمدح الناس وتذمّهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساءوا(١) .
وروي أن المتوكّل قال له يوما: إنّي لأفرق من لسانك، فقال له: إنّ الشريف فروقة ذو إحجام، وإن اللئيم ذو أمنة وإقدام.
وقال له يوما - وقد دخل عليه: اشتقتك والله ياأبا العيناء، فقال له ياسيّدي؛ إنّما يشتد الشوق على العبد لأنه لا يصل إلى مولاه، فأمّا السّيّد فمتى أراد عبده دعاه.
وروي أنه قال له يوما: ما بقي أحد في مجلسي إلا اغتابك وذمّك - عند ما جرى من(٢) ذكرك - غيري، فقال أبو العيناء:
إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي |
فلا زال غضبانا عليّ لئامها |
وذكر أبو العيناء قال: قال لي المتوكل: كيف ترى داري هذه؟ فقلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدنيا، وأمير المؤمنين جعل الدّنيا في داره.
وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل: من أسخى من رأيت؟ ومن أبخل من رأيت؟
فقلت: ما رأيت أسخى من أحمد بن أبى دؤاد، ولا أبخل من موسى بن عبد الملك؛ قال: وكيف وقفت على بخله؟ فقلت: رأيته يحرم القريب كما يحرم البعيد، ويعتذر من الإحسان(٣) ؛ كما يعتذر من الإساءة؛ فقال: أجئت إلى من اطّرحته فسخيته، وإلى من أمسكته فبخّلته! فقلت: ياأمير المؤمنين، إنّ الصدق ما هو في موضع من المواضع أنفق منه بحضرتك، والناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى السخاء؛ فإذا نسب الناس السخاء إلى البرامكة، فإنما ذاك من سخاء أمير المؤمنين الرشيد، وإذا نسب الناس الحسن ابن سهل، والفضل بن سهل إلى السخاء، فإنما ذاك سخاء أمير المؤمنين المأمون، وإذا نسبوا أحمد بن أبي دؤاد إلى السخاء فذاك سخاء أمير المؤمنين المعتصم، وإذا نسبوا الفتح بن خاقان
____________________
(١) ساقط من م.
(٢) ف: (عند ما جرى ذكرك).
(٣) حاشية ت: (يعني أن إحسانه يكون ساقطا يحتاج إلى العذر).
وعبيد الله بن يحيى إلى السخاء فإنما هو سخاؤك؛ وإلاّ فما بال هؤلاء القوم لم ينسبوا إلى السخاء قبل صحبتهم الخلفاء(١) ! فقال لي: صدقت، وسرّى(٢) عنه.
وقال له المتوكل: ما أشدّ عليك من ذهاب البصر؟ فقال له: فقد رؤيتك؛ مع إجماع الناس على جمالك.
وقال له يوما: أريدك لمجالستي، قال: لا أطيق ذاك، وما أقول هذا جهلا بما لي في هذا المجلس من الشرف، ولكن أنا رجل محجوب، والمحجوب تختلف إشارته، ويخفى عليه إيماؤه، ويجوز عليّ أن أتكلّم بكلام غضبان ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميّز بين هاتين(٣) هلكت؛ فقال: صدقت.
وروي أنه قال له: لولا أنّك ضرير لنادمتك، فقال: إن أعفيتني من رؤية الأهلّة، وقراءة نقش الخواتيم فإني أصلح.
وقال المتوكل: ما تقول في ابن مكرم والعباس بن رستم؟ فقال: هما الخمر والميسر، وإثمهما أكبر من نفعهما، فقال: بلغني أنك تودّهما، فقال: لقد ابتعت الضّلال بالهدى، والعذاب بالمغفرة.
وقال له يوما: بلغني أن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) ؛ [المطففين: ٢٩] وقال أبو العيناء: قال لي المنصور:
ما أحسن(٤) الجواب؟ فقلت: ما أسكت المبطل، وحيّر المحق.
وقيل لأبي العيناء: إبراهيم بن نوح النصراني عليك عاتب، فقال:( وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ؛ [البقرة: ١٢٠]. ورآه زرقان وهو يضاحك
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (للخلفاء).
(٢) حاشية ف: (قوله: سرى عنه؛ من قولهم: سروت عني الدرع، أي كشفتها، وسرى عنه الثوب: كشفه، وانسرى عنه الهم، وسرى عنه الهم).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (هذين).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (خير الجواب)
نصرانيا فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ ) ؛ [المائدة: ٥١]، فقال أبو العيناء( لا يَنْهاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ) ؛ [الممتحنة: ٨].
وأخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال أخبرنا أبو العيناء قال: كان سبب اتصالي بأحمد بن أبي دؤاد أنّ قوما من أهل البصرة عادوني وادّعوا عليّ دعاوى كثيرة؛ منها أنّي رافضي، فاحتجت إلى أن خرجت عن البصرة إلى سرّ من رأى، وألقيت نفسي على ابن أبي دؤاد - وكنت نازلا في داره، أجالسه كلّ يوم - وبلغ القوم خبري، فشخصوا نحوي إلى سرّ من رأى، فقلت له: إنّ القوم قد قدموا من البصرة يدا عليّ، فقال:( يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) ، فقلت: إنّ لهم مكرا، فقال:( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ ) ؛ [الأنفال: ٣٠]، فقلت: هم كثيرون قال:
( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله ) ؛ [البقرة: ٢٤٩]، فقلت: للّه درّ القاضي! هو والله كما قال الصّموت الكلابي:
للّه درّك أي جنّة خائف |
ومتاع دنيا أنت للحدثان(١) |
|
متخمّط تطأ الرّجال غلبة |
وطء الفنيق دوارج القردان(٢) |
|
وتركتهم حتّى كأنّ رءوسهم |
مأمومة تنحطّ للغربان(٣) |
|
وتفرّج الباب الشّديد رتاجه |
حتّى يصير كأنّه بابان |
وقال لابنه الوليد: اكتب هذه الأبيات، فكتبها بين يديه.
- قال الصولي: حفظي من أبي العيناء الصّموت الكلابي على أنه رجل، وقال وكيع؛ حفظي أنها للصّموت الكلابية على أنها امرأة -
ودخل أبو العيناء على الحسن بن سهل، فأثنى عليه، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال:
____________________
(١) ديوان المعاني ١: ٦٨.
(٢) التخمط: الأخذ والقهر بغلبة؛ وغلبة مصدر غلب كثير الغلبة، والفنيق الجمل الفحل، ودوارج: جمع دارج.
(٣) د، ف حاشية ت (من نسخة): (وتكبهم) والمأمومة: المشجوجة.
والله ما أستكثر كثيرك أيها الأمير، ولا أستقلّ قليلك، قال: وكيف ذاك؟ قال: لا أستكثر كثيرك لأنك أكثر منه، ولا أستقل قليلك لأنه أكثر من كثير غيرك(١) .
وقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان يوما: اعذرني فإني مشغول(٢) ، فقال: إذا فرغت لم أحتج إليك. وقال له يوما: قد تبينت فيك الغضب ياأبا عبد الله، فقال له: قد أجلّ الله قدرك من غضبي، إنما يغضب الرجل على من دونه؛ فأما من فوقه فلا، ولكن أحزنني تقصيرك؛ فسمّيت حزني غضبا.
ويقال إن صاعد بن مخلد كان من أحسن من أسلم دينا، وأكثرهم صلاة وصدقة، فصار إلى بابه أبو العيناء مرات كثيرة بعقب إسلامه فحجب وقيل له: هو مشغول في صلاته، فقال أبو العيناء: لكل جديد لذة.
ودخل يوما إلى أبي الصقر إسماعيل بن بلبل في وزارته، فقال له: ياأبا عبد الله،(٣) ما أخّرك عنّا(٣) ؟ فقال: سرق حماري، فقال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع الّذي سرقه فأخبر بما كان، قال له: هلاّ اكتريت أو استعرت أو اشتريت؟ قال: قعد بي عن الشراء نشبي(٤) ، وكرهت منّة العواري، وذلّة المكاري، فوهب له حمارا ووصله. وأدناه أبو الصّقر يوما ورفعه فقال: تدنيني حتّى كأني بعضك، وتبعدني حتى كأني ضدّك.
وقال يوما لعبيد الله بن سليمان أيضا - وقد رفعه: إلى كم ترفعني ولا ترفع بي رأسا! وقال له يوما - وقد سأله عن حاله: أنا معك(٥) مغبوط الظاهر، محروم الباطن.
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (نظم البحتري هذا المعنى فقال
كثير نوالك في جنب ما |
جبلت عليه من الجود نزر |
|
ونزر نوالك في جنب ما |
يجود به سائر النّاس غمر |
(٢) ت: (فإني عنك مشغول).
(٣ - ٣) حاشية ت (من نسخة): (ياأبا عيناء ما أخرك بالله؟).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (عدمي).
(٥) ت: (أنابك).
ويقال: إن أبا عليّ البصير قال لأبي العيناء - وكانت بينهما ملاحاة معروفة: في أي وقت ولدت؟ فقال له: قبل طلوع الشمس، فقال أبو عليّ: لذلك خرجت شحاذا سائلا، لأنه الوقت الّذي ينتشر فيه السؤال.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني أبو العيناء قال: ما رأيت قطّ أحسن شاهدا عند حاجة من ابن عائشة! قلت له: يوما كان أبو عمرو المخزومي يقصدك ثم جفاك، فقال:
فإن تنأ عنّا لا تضرنا وإن تعد |
تجدنا على العهد الّذي كنت تعلم |
وقال: والله لا أدري لمن هذا البيت، فقلت: إنّ ابن سلاّم روى عن يونس أن الفرزدق لما قال:
تصرّم مني ودّ بكر بن وائل |
وما خلت دهري ودّهم يتصرّم(١) |
|
قوارص تأتيني فيحتقرونها |
وقد يملأ القطر الإناء فيفعم(٢) |
وكان قد نزل عليهم حين هرب من زياد، فقال جرير بن خرقاء العجلي(٣) يحييه:
لقد بوّأتك الدّار بكر بن وائل |
وردّت لك الأحشاء إذ أنت مجرم(٤) |
____________________
(١) ديوانه: ٧٥٦، وطبقات الشعراء ٣٠٢، والكامل - بشرح المرصفي، ١: ١٢٧، والمؤتلف والمختلف: ٧١ وتصرم الشيء: تقطع.
(٢) قوارص: جمع قارصة؛ وهي الكلمة المؤذية.
فعم الإناء يفعمه فعما: ملأه وبالغ في ملئه.
(٣) ذكره ابن سلام في ص ٢٥٩ بنسبة (البكري)، وفي ص ٣٠٣ بكنية (أبي العطاف).
(٤) في الطبقات: (لقد وسطتك)، وقبله:
لعمري لئن كان الفرزدق عاتبا |
وأحدث صرما، للفرزدق أظلم |
وفي حاشية الأصل: (يعني كنت خائفا غاية الخوف فأمنوك)، ورواية الطبقات:
لقد وسّطتك الدّار بكر بن وائل |
وضمتك للأحشاء إذ أنت مجرم |
ليال تمنّى أن تكون حمامة |
بمكّة يغشاها السّتار المحرّم(١) |
|
فإن تنأ عنّا لا تضرنا وإن تعد |
تجدنا على العهد الّذي كنت تعلم |
فقال ابن عائشة: أنت والله يابنيّ ممن ستصدق في العلم مخائله، وتكثر عليه دلائله.
وقال أبو العيناء يوما لأبي الصقر بن بلبل وهو زائر: أنت والله تقرب منا إذا احتجنا إليك، وتبعد منا إذا احتجت إلينا.
[موازنة بين شعر لإبراهيم بن العباس الصولي وأوس بن حجر:]
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وهذا يشبه قول إبراهيم بن العباس الصولي:
ولكنّ الجواد أبا هشام |
وفي العهد مأمون المغيب(٢) |
|
بطيء عنك ما استغنيت عنه |
وطلاّع عليك مع الخطوب |
ولعلّه مأخوذ منه، فليس ينكر ذلك، لأنّهما وإن اجتمعا في زمان واحد في بعض الأوقات؛ فإن أبا العيناء بقي بعد إبراهيم زمانا طويلا؛ لأن إبراهيم توفّي في سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وأبا العيناء سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائتين، وما حكيناه عنه من الكلام قاله لأبي الصقر في وزارته، وكانت بعد وفاة إبراهيم بن العباس الصولي بزمان طويل.
ويوشك بيتا إبراهيم أن يكونا مأخوذين من قول أوس بن حجر:
وليس أخوك الدّائم العهد بالذي |
يذمّك إن ولى ويرضيك مقبلا(٣) |
|
ولكنّه النّائي إذا كنت آمنا |
وصاحبك الأدنى إذا الخطب أعضلا |
ولإبراهيم بن العباس ما يقارب هذا المعنى أيضا، وهو:
أسد ضار إذا هيّجته |
وأب برّ إذا ما قدرا(٤) |
|
يعلم الأبعد إن أثرى ولا |
يعلم الأدنى إذا ما اقترا(٥) |
____________________
(١) الستار المحرم: هو ستار الكعبة.
(٢) ديوانه: ١٢٩ (ضمن مجموعة الطرائف).
(٣) ديوانه: ٢٢
(٤) ديوانه: ١٣٣؛ (ضمن مجموعة الطرائف).
(٥) ت: (افتقرا)؛ وهي رواية الديوان.
ويشبه أن يكون هذا مأخوذا من قول المرّار الفقعسيّ:
إذا افتقر المرّار لم ير فقره |
وإن أيسر المرّار أيسر صاحبه(١) |
ومما يشبه قول المرّار بعينه قول إبراهيم بن العباس أيضا:
فتى غير محجوب عن العين عرضه |
ولا مظهر البلوى إذا النّعل زلّت(٢) |
|
رأى خلّة من حيث يخفى مكانها |
فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت |
[أبيات للمتنخل الهذلي وشرح ما ورد فيها من الغريب:]
أو من قول المتنخّل الهذلي:
أبو مالك قاصر فقره |
على نفسه ومشيع غناه(٣) |
وهذا البيت الّذي رويناه للهذلي من جملة أبيات يرثي بها المتنخّل أباه - وقيل يرثي أخاه، وأولها:
لعمرك ما إن أبو مالك |
بوان ولا بضعيف قواه(٤) |
|
ولا بألدّ له نازع |
يغاري أخاه إذا ما نهاه(٥) |
- فمعنى (له نازع) أي خلق سوء ينزعه. ويغاري، أي يلاحي ويشارّ -.
ولكنّه هيّن ليّن |
كعالية الرّمح عرد نساه |
- العرد: الشديد؛ يقال: وتر عردّ وعرند، وعرندد بالنون، أي شديد. والنّسا:
عرق معروف -
إذا سدته سدت مطواعة |
ومهما وكلت إليه كفاه |
معنى (سدته) من المساودة، التي هي المسارّة، والسّواد هو السّرار أيضا، كأنه قال:
____________________
(١) معجم الشعراء: ٤٠٨.
(٢) ديوانه: ١٣٠؛ وانظر تخريج البيتين في الحواشي.
(٣) ديوان الهذليين ٢: ٢٩ - ٣٩.
(٤) شرح ديوان الهذليين: (ويروى: بواه ولا بضعيف)، وهو الأجود عند أبي العباس.
(٥) ألد: شديد الخصومة، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (غاريت بين الشيئين؛ إذا واليت بينهما، قال كثير:
إذا قلت أسلو فاضت العين بالبكا |
غراء ومدّتها مدامع حفّل |
قال أبو عبيد: هو من غري بالشيء يغرى به).
إذا ساررته طاوعك وساعدك. وقال قوم: إنّه من السيادة، وكأنه أراد: إذا كنت فوقه سيدا له أطاعك ولم يحسدك، وإن وكلت إليه شيئا كفاك، وقوم ينشدونه:
* إذا سسته سست مطواعة*
- ولم أجد ذلك في رواية -
ألا من ينادي أبا مالك |
أفي أمرنا هو أم في سواه؟ |
|
أبو مالك قاصر فقره |
على نفسه ومشيع غناه |
[٢٢]
مجلس آخر [المجلس الثاني والعشرون:]
تأويل آية:( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً؛ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) ؛ [الأعراف: ١٤٦].
فقال: ما تأويل هذه الآية على ما يطابق العدل؟ فإنّ ظاهرها كأنه مخالف له.
الجواب، قيل له: في هذه الآية وجوه؛ منها ما ابتدأناه فيها، ومنها ما سبقنا به فحرّرناه، واحترزنا فيه من المطاعن، وأجبنا عمّا لعله يعترض(١) فيه من الشّبه.
أولها أن يكون تعالى عني بذلك صرفهم عن ثواب النظر في الآيات، وعن العزّ والكرامة اللذين يستحقّهما من أدّى الواجب عليه في آيات الله تعالى وأدلّته، وتمسّك بها.
والآيات على هذا التأويل يحتمل أن تكون سائر الأدلة، ويحتمل أن تكون معجزات الأنبياءعليهمالسلام خاصة؛ وهذا التأويل يطابقه الظاهر؛ لأنه تعالى قال:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) ؛ فبيّن أنّ صرفهم عن الآيات مستحقّ(٢) بتكذيبهم، ولا يليق ذلك إلاّ بما ذكرناه.
وثانيها أن يصرفهم(٣) تعالى عن زيادة المعجزات التي يظهرها(٤) الأنبياءعليهمالسلام
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة) (يعرض).
(٢) ف: (يستحق).
(٣) ت: (أنه أراد صرفهم).
(٤) ت، ف، حاشية الأصل (من نسخة): (يظهرها على الأنبياء).
بعد قيام الحجة بما تقدّم من آياتهم ومعجزاتهم؛ لأنّه تعالى إنما يظهر هذا الضرب من المعجزات إذا علم أنّه يؤمن عنده من لم يؤمن بما تقدم من الآيات، فإذا علم خلاف ذلك لم يظهرها، وصرف الذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون عنها، ويكون الصّرف على أحد وجهين: إمّا بألاّ يظهرها جملة، أو بأن يصرفهم عن مشاهدتها، ويظهرها بحيث ينتفع بها غيرهم.
فإذا قيل: وما الفرق فيما ذكرتموه بين ابتداء المعجزات، وبين زيادتها؟ قلنا: الفرق بينهما أن المعجز الأوّل يجب إظهاره لإزاحة العلّة في التكليف؛ ولأنّا به نعلم صدق الرسول المؤدّى إلينا ما فيه لطفنا ومصلحتنا.
فإذا كان التكليف يوجب تعريف(١) المصالح والألطاف لتنزاح العلّة، وكان لا سبيل إلى معرفتها على الوجه الّذي تكون عليه لطفا إلاّ من قبل الرسول، وكان لا سبيل إلى العلم بكونه رسولا إلاّ من جهة المعجز وجبت بعثة الرسول وتحميله ما فيه مصلحتنا من الشرائع، وإظهار المعجز على يده لتعلّق هذه الأمور بعضها ببعض، ولا فرق في هذا الموضع بين أن يعلم أنّ المبعوث إليهم الرسول، أو بعضهم يطيعون ويؤمنون، وبين ألاّ يعلم ذلك في وجوب البعثة، وما يجب بوجوبها، لأنّ تعريف المصالح مما يقتضيه التكليف العقلي الّذي لا فرق في حسنه بين أن يقع عنده الإيمان أو لا يقع؛ وليس هذه سبيل ما يظهر من المعجزات بعد قيام الحجة بما تقدم منها؛ لأنّه متى لم ينتفع بها منتفع، ويؤمن عندها من لم يؤمن لم يكن في إظهارها فائدة، وكانت عبثا؛ فافترق الأمران.
فإن قيل: كيف يطابق هذا التأويل قوله:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) ، ومن المعلوم أنّ صرفهم عن الآيات لا يكون مستحقا بذلك؟ قلنا: يمكن أن يكون قوله تعالى:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) لم يرد به تعليل قوله:( سَأَصْرِفُ ) ، بل يكون كالتعليل لما هو أقرب إليه في ترتيب الكلام،
____________________
(١) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (تعريفنا).
وهو قوله تعالى:( وَإِنْ يَرَوْا كُلَ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) ، لأنّ من كذب بآيات الله جل وعزّ؛ وغفل عن تأمّلها والاهتداء بنورها ركب الغي، واتخذه سبيلا، وحاد عن الرشد وضل ضلالا بعيدا. ورجوع لفظة ذلِكَ إلى ما ذكرناه أشبه بالظاهر من رجوعها إلى قوله: سَأَصْرِفُ؛ لأنّ رجوع اللفظ(١) في اللغة إلى أقرب المذكورين إليه أولى.
ويمكن أن يكون قوله تعالى:( كَذَّبُوا ) وإن كان بلفظ الماضي المراد به الاستقبال، ويكون وجهه أن التكذيب لما كان معلوما منهم لو أظهرت لهم الآيات جعل ذلك كأنه(٢) واقع، فبني الخطاب عليه؛ ولهذا نظائر في اللغة كثيرة. أو يكون جوابا لمحذوف؛ كأنه(٢) قال:
ذلك بأنه متى ما أظهرنا لهم آياتنا كذبوا بها. ويجري ما ذكرناه(٣) أولا مجرى قوله تعالى:
( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ ) في أنه بلفظ الماضي والمعنى الاستقبال.
وثالثها أن يكون معنى( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ ) ، أي لا أوتيها(٤) من هذه صفته، وإذا(٥) صرفهم عنها فقد صرفها عنهم(٥) ، وكلا اللّفظين(٦) يفيد معنى واحدا. وليس لأحد أن يقول هلاّ قال: (سأصرف آياتي عن الذين يتكبرون)؛ والآيات هاهنا هي المعجزات التي تختص بها الأنبياء.
فإن قيل: فأي فائدة في قوله على سبيل التعليل(٧) :( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) وأي معنى لتخصيصه الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وهو لا يؤتي الآيات والمعجزات إلاّ الأنبياء دون غيرهم، وإن كان ممن لا يتكبر؟ قلنا: لخروج الكلام مخرج التعليل على هذا التأويل وجه صحيح؛ لأن من كذّب بآيات الله لا يؤتي معجزاته(٨) لتكذيبه وكفره،
____________________
(١) ت، وحاشية ف (من نسخة): (اللفظة).
(٢ - ٢) ساقط من م.
(٣) ت: (ويجري ذلك).
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (لا أريها).
(٥ - ٥) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (وإذا صرفتهم عنها فقد صرفتها عنهم).
(٦) من نسخة بحواشي الأصل، ت. ف: (كلتا اللفظتين).
(٧) حاشية الأصل (من نسخة): (التحصيص).
(٨) ت، ف (لا يؤتي آياته ومعجزاته).
وإن كان قد يكون غير مكذّب، ويمنع من إتيانه الآيات علّة أخرى(١) ؛ فالتكبر والبغي بغير الحق مانع من إيتاء الآيات، وإن منع غيره. ويجري هذا مجرى قول القائل: أنا لا أودّ فلانا لغدره، ولا يلزم إذا لم يكن غادرا أن يودّه، لأنه ربما خلا من الغدر وحصل على صفة أخرى تمنع من مودته.
ويجوز أيضا أن تكون الآية خرجت على ما يجري مجرى السبب، وأن يكون بعض الجهال في ذلك العصر اعتقد جواز ظهور المعجزات على يد الكفار المتكبرين(٢) ، فأكذبهم الله تعالى بذلك.
ورابعها أن يكون المراد بالآيات العلامات التي يجعلها الله تعالى في قلوب المؤمنين؛ ليدلّ بها الملائكة على الفرق بين المؤمن والكافر، فيفعلوا بكل واحد منهما ما يستحقه من التعظيم أو الاستخفاف، كما تأول أهل الحق الطبع والختم اللذين ورد بهما القرآن على أن المراد بهما العلامة المميّزة بين الكافر والمؤمن؛ فيكون معنى سأصرفهم عنها، أي أعدل بها عنهم(٣) ، وأخصّ بها المؤمنين المصدقين بآياتي وأنبيائي(٤) . وهذا التأويل يشهد له أيضا قوله تعالى:
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) ؛ لأنّ صرفهم عن هذه الآيات كالمستحقّ لتكذيبهم وإعراضهم عن آياته تعالى.
وخامسها أن يريد تعالى: أني أصرف من رام المنع من أداء آياتي وتبليغها؛ لأنّ من الواجب على الله تعالى أن يحول من بين رام ذلك وبينه؛ ولا يمكّن منه؛ لأنه ينقض الغرض في البعثة. ويجري ذلك مجرى قوله تعالى:( وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ؛ فتكون الآيات هاهنا القرآن وما جرى مجراه من كتب الله تعالى التي تحمّلتها(٥) الرسل.
والصرف وإن كان متعلقا في الآية بنفس الآيات فقد يجوز أن يكون المعنى متعلّقا(٦) في الآية بنفس الآيات، فقد يجوز أن يكون المعنى متعلقا بغيرها(٦) مما هو متعلق بها. فإذا ساغ
____________________
(١) في حاشيتي ت، ف: (يعني وإن كان غير التكذيب أيضا مانعا).
(٢) ت: (المذكورين)، ومن نسخة بحاشية ت: (المكذبين).
(٣) ف، ونسخة بحاشية ت: (أي أعدل بهم عنها).
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (وبيناتي).
(٥) ت، وحاشية ف (من نسخة): (تحملها).
(٦ - ٦) ساقط من م.
أن نعلقه بالثواب والكرامة المستحقين على التمسك بالآيات ساغ أن نعلّقه بما يمنع من تبليغها وأدائها وإقامة الحجة بها. وعلى هذا التأويل لا نجعل قوله تعالى:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) راجعا إلى سَأَصْرِفُ بل نردّه إلى ما هو قبله بلا فصل؛ من قوله تعالى:
( وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) على ما بينّاه في الوجه الثاني، من تأويل هذه الآية.
وسادسها أن يكون الصرف هاهنا الحكم والتسمية والشهادة، ومعلوم أن من شهد على غيره بالانصراف عن شيء جائز(١) أن يقال: صرفه عنه، كما يقال:(٢) أكفره وكذّبه وفسّقه(٢) ؛ وكما قال جلّ من قائل:( ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ الله قُلُوبَهُمْ ) ؛ أي شهد عليها بالانصراف عن الحق والهدى، وكقوله تعالى:( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ الله قُلُوبَهُمْ ) ؛ وهذا التأويل طابقه قوله تعالى:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) ؛ لأنّ الحكم عليهم(٣) بما ذكرنا من التسمية موجب تكذيبهم وغفلتهم(٣) عن آيات الله وإعراضهم عنها.
وسابعها أنه تعالى لما علم أن الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق سينصرفون عن النظر في آياته، والإيمان بها إذا أظهرها على أيدي رسلهعليهمالسلام جاز أن يقول:
( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ ) فيريد سأظهر ما ينصرفون بسوء اختيارهم عنه. ويجري ذلك مجرى قولهم: سأبخّل فلانا وأخطّئه، أي أسأله ما يبخل، ببذله وأمتحنه بما يخطئ فيه، ولا يكون المعنى: سأفعل(٤) فيه البخل والخطأ. والآيات على هذا الوجه جائز أن تكون المعجزات دون سائر الأدلة الدالة على الله تعالى، وجائز أن تكون جميع الأدلة؛ ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) غير راجع إلى قوله تعالى:
( سَأَصْرِفُ ) ؛ بل إلى ما قدمنا ذكره لتصح الفائدة.
____________________
(١) ف: (جاز).
(٢ - ٢) ت: (كفره وكذبه وفسقه)؛ بالتشديد.
(٣ - ٣) ت، ف: (والتسمية من موجب تكذيبهم وغفلتهم).
(٤) ت، وحاشية ف (من نسخة): (أني أفعل فيه).
وثامنها أن يكون الصّرف هاهنا معناه المنع من إبطال الآيات والحجج، والقدح فيها بما يخرجها عن أن تكون أدلّة وحججا، فيكون تقدير الكلام: إني بما أؤيّده من حججي، وأحكمه من آياتي وبيناتي؛ صارف للمبطلين والمكذبين عن القدح في الآيات والدّلالات، ومانع لهم ممّا كانوا لولا هذا الإحكام والتأييد يفترضونه ويغتنمونه من تمويههم الحق ولبسه بالباطل. ويجري هذا مجرى قول أحدنا(١) : قد منع فلان أعداءه بأفعاله الكريمة،(٢) وطرائقه المهذّبة، وصرفهم عن ذمّه(٢) ، وأخرس ألسنتهم عن الطعن عليه؛ وإنما يريد المعنى الّذي ذكرناه.
فإن قيل: أليس في المبطلين من طعن على آيات الله تعالى وأورد الشبهة فيها مع ذلك؟
قلنا: لم يرد الله تعالى الصرف عن الطعن الّذي لا يؤثر ولا يشتبه على من أحسن النظر، وإنما أراد ما قدمناه، وقد يكون الشيء في نفسه مطعونا عليه، وإن لم يطعن عليه طاعن؛ كما قد يكون بريئا من الطعن، وإن طعن فيه بما لم يؤثر؛ ألا ترى أن قولهم: فلان قد أخرس أعداءه عن ذمّه ليس يراد به أنه منعهم عن التلفظ بالذم، وإنما المعنى فيه أنه لم يجعل للذم عليه طريقا ومجالا؛ ويجب على هذا الوجه(٣) أن يكون قوله تعالى:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا ) يرجع إلى ما قبله بلا فصل، ولا يرجع إلى قوله:( سَأَصْرِفُ ) (٤) .
وتاسعها أن الله تعالى لما وعد موسىعليهالسلام وأمّته إهلاك عدوهم قال:( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ ) ، وأراد جل وعزّ أنه يهلكهم ويصطلمهم ويجتاحهم على طريق العقوبة لهم؛ بما كان منهم من التكذيب بآيات الله تعالى، والردّ لحججه، والمروق عن طاعته، وبشّر من وعده بهذه الحال من المؤمنين بالوفاء
____________________
(١) ت: (القائل).
(٢ - ٢) ت، ش: (وطرائقه الممدوحة، وأخلاقه المهذبة من عيبه، وصرفهم عن ذمه).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (التأويل).
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (قريب منه قوله تعالى: وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ؛ ويعترض الآية بأن الحسينعليهالسلام جند الله ومع ذلك فقد غلبوا؛ والجواب: إنهم وإن غلبوا في صورة فإنهم الغالبون حقيقة).
بها، وهو تعالى إذا أهلك هؤلاء الجبّارين المتكبرين، واصطلمهم فقد صرفهم عن آياته، من حيث اقتطعهم عن مشاهدتها، والنظر فيها بانقطاع التكليف عنهم، وخروجهم عن صفات أهله.
وهذا الوجه يمكن أن يقال فيه: إن العقوبة لا تكون إلاّ مضادّة للاستخفاف والإهانة، كما أن الثواب لا بدّ أن يكون مقترنا بالتعظيم والتبجيل والإجلال(١) ؛ وإماتة الله تعالى الأمم وما يفعله من بوار وإهلاك لا يقترن إليه ما لا بدّ أن يكون مقترنا إلى العقاب من الاستخفاف، ولا يخالف ما يفعله تعالى بأوليائه على سبيل الامتحان والاختبار؛ فكيف يصح ما ذكرتموه!.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يضمّ الله تعالى إلى ما يفعله بهؤلاء الكفار المكذّبين(٢) من الإهلاك والبوار اللعن والذم والاستخفاف(٢) ، ويأمرنا(٣) أن نفعل ذلك بهم، فيكون ما يقع بهم من الإيلام على وجه العقوبة وبشروطها، ولا يمتنع أن يكون الله تعالى يتعبّد ويأمر بإهلاكهم(٣) ، وقتلهم على وجه الاستخفاف والنّكال، ويضيف الله تعالى ذلك إليه من حيث وقع بأمره وعن أذنه.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى:( يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ ) ؛ كأنّ في التكبّر ما يكون بالحق!
قلنا في هذا وجهان: أحدهما أن يكون ذلك على سبيل التأكيد والتغليظ والبيان عن أنّ التّكبر لا يكون إلا بغير الحق، وأن هذه صفة له لازمة غير مفارقة؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى:( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ) ؛ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله تعالى:( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ الله وَقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ ) ؛ [النساء: ١٥٥]، ولم يرد تعالى إلا المعنى الّذي ذكرناه. ومثله قوله تعالى:( وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) ؛ [البقرة: ٤١]، ولم يرد النهي عن الثمن القليل دون الكثير، بل
____________________
(١) ساقطة من ت.
(٢) ت، حاشيتي الأصل، ف: (المكذبين المستحقين للبوار اللعن والذم).
(٣ - ٣) ساقط من م.
أراد تأكيد القول بأن كلّ ثمن يؤخذ عنها يكون قليلا بالإضافة إليها، ويكون المتعوّض به عنها مغبونا مبخوسا خاسر الصفقة.
والوجه الآخر أنّ في التكبر ما يكون ممدوحا لأنّ من تكبر وتنزّه عن الفواحش والدنايا وتباعد من فعلها، وتجنب أهلها يكون مستحقا للمدح، سالكا لطريق الحقّ؛ وإنما التكبّر المذموم هو الواقع على وجه النّخوة والبغي والاستطالة على ذوي الضّعف والفخر عليهم، والمباهاة لهم، ومن كان بهذه الصفة فهو مجانب للتواضع الّذي ندب الله تعالى إليه، وأرشد إلى الثواب المستحقّ عليه، ويستحق بذلك الذمّ والمقت، فلهذا شرط تعالى أن يكون التكبر بغير الحق. وقوله تعالى في هذه السورة:( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالآثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِ ) ؛ [الأعراف: ٣٣]، يحتمل أيضا هذين الوجهين اللّذين ذكرناهما.
فإن أريد به البغي المكروه الّذي هو الظلم وما أشبهه، كان قوله:( بِغَيْرِ الْحَقِ ) تأكيدا وإخبارا عن أن هذه صفته، وإن أريد بالبغي الطلب - وذلك هو أصله في اللغة - كان الشرط في موضعه؛ لأنّ الطلب قد يكون بالحقّ وبغير الحقّ.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى:( وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) وهل الرؤية هاهنا العلم والإدراك بالبصر؟ وهب أنها يمكن أن تكون في قوله تعالى:( وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ) محمولة على رؤية البصر، لأن الآيات والأدلة مما يشاهد كيف تحمل الرؤية الثانية على العلم، وسبيل الرشد إنما هي طريقه، ولا يصحّ أن يرجع بها إلى المذاهب والاعتقادات التي لا تجوز عليها رؤية البصر، فلا بد إذا من أن يكون المراد به رؤية العلم؛ ومن علم طريق الرّشد لا يجوز أن ينصرف عنه إلى طريق الغي؛ لأن العقلاء لا يختارون مثل ذلك.
قلنا: الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المراد بالرؤية الثانية رؤية البصر، ويكون السبيل المذكورة في الآية هي الأدلة؛ لأنها مما يدرك بالبصر، وتسمّى بأنها سبيل إلى
الرشد، من حيث كانت وصلة إلى الرّشد، وذريعة إلى حصوله، ويكون سبيل الغي هي الشبهات والمخاريق التي ينصبها المبطلون والمدغلون في الدين؛ ليوقعوا بها الشبهة على أهل الإيمان، وتسمّى سبيل الغي، وإن كان النظر فيها لا يوجب حصول الغي من حيث كان المعلوم ممّن تشاغل بها، واغترّ بأهلها أنه يصير إلى الغي.
والوجه الثاني أن يكون المراد بالرؤية العلم؛ إلا أن العلم لم يتناول كونها سبيلا للرّشد، وكونها سبيلا للغي؛ بل يتناولها لا من هذا الوجه؛ ألا ترى أن كثيرا من المبطلين يعلمون مذاهب أهل الحق واعتقاداتهم وحججهم؛ إلا أنهم يجهلون كونها صحيحة مفضية إلى الحق، فيجتنبونها؛ وكذلك يعلمون مذاهب المبطلين واعتقاداتهم الباطلة الفاسدة، إلا أنهم يجهلون كونها باطلة، ويعتقدون صحتها بالشبهة فيصيرون إليها؟ وعلى هذا الوجه لا يجب أن يكون تعالى وصفهم بالعناد وترك الحق مع العلم به.
والوجه الثالث أن يكونوا عالمين بسبيل الرشد والغي، ومميزين بينهما؛ إلا أنهم للميل إلى أعراض الدنيا، والذّهاب مع الهوى والشهوات يعدلون عن الرشد إلى الغي، ويجحدون ما يعلمون، كما أخبر بها عن كثير من أهل الكتاب بأنهم يجحدون الحقّ وهم يعلمونه ويستيقنونه.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) ، والتكذيب لا يكون في الحقيقة إلا في الأخبار دون غيرها؟
قلنا: التكذيب قد يطلق في الأخبار وغيرها؛ ألا ترى أنهم يقولون: فلان يكذّب بكذا إذا كان يعتقد بطلانه، كما يقولون: يصدّق بكذا إذا كان يعتقد صحته؟ ولو صرفنا التكذيب هاهنا إلى أخبار الله تعالى التي تضمنتها كتبه الواردة على أيدي رسلهعليهمالسلام جاز؛ وتكون الآيات هاهنا هي الكتب المنزلة دون سائر المعجزات.
فإن قيل: فما معنى ذمّه تعالى لهم بأنهم كانوا عن الآيات غافلين، والغفلة على مذاهبكم
من فعله، لأنها السهو أو ما جرى مجراه مما ينافي العلوم الضرورية، ولا تكليف على الساهي فكيف يذمّ بذلك؟.
قلنا: المراد هاهنا بالغفلة التشبيه لا الحقيقة، ووجه التشبيه أنهم لما أعرضوا عن تأمّل آيات الله تعالى، والانتفاع بها أشبهت حالهم حال من كان ساهيا غافلا عنها، فأطلق عليهم هذا القول كما قال تعالى:( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) ؛ [البقرة: ١٨]، على هذا المعنى، وكما يقول أحدنا لمن يستبطئه ويصفه بالإعراض عن التأمل والتبيّن: أنت ميّت وراقد، ولا تسمع، ولا تبصر، وما أشبه ذلك، وكل هذا واضح بحمد الله.
تأويل خبر [: (إنّ قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرّحمن]
إن سأل سائل عن الخبر المروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول: (إنّ قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرّحمن، يصرّفها كيف شاء)(١) ثم يقول: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله عند ذلك: (اللهم مصرّف القلوب، صرّف(٢) قلوبنا إلى طاعتك). وعما يرويه أنس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (ما من قلب آدميّ إلاّ وهو بين إصبعين من أصابع الله تعالى، فإذا شاء أن يثبّته ثبّته، وإن شاء أن يقلّبه قلّبه). وعمّا يرويه ابن حوشب قال: قيل(٣) لأم سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآله :
ما كان أكثر دعاء النبيصلىاللهعليهوآله ؟ قالت: كان أكثر دعائه: (يامقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك)، قالت: قلت: يارسول الله، ما أكثر دعاءك(٤) : (يامقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك)! فقال: (ياأمّ سلمة، ليس من آدميّ إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، ما شاء أقام، وما شاء أزاغ).
فقال: ما تأويل هذه الأخبار على ما يطابق التوحيد وينفي التشبيه؟ أو ليس من مذهبكم أنّ الأخبار التي يخالف ظاهرها الأصول، ولا تطابق العقول لا يجب ردّها، والقطع على كذب رواتها(٥) إلاّ بعد ألاّ يكون لها في اللغة مخرج ولا تأويل؟ وإن كان لها ذلك فباستكراه أو تعسّف، ولستم ممّن يقول ذلك في مثل هذه الأخبار، فما تأويلها؟.
الجواب، إنّ الّذي يعوّل عليه من تكلّم في تأويل هذه الأخبار هو أن يقول: إن الإصبع في كلام العرب وإن كانت الجارحة المخصوصة فهي أيضا الأثر الحسن؛ يقال: لفلان على ماله وإبله إصبع حسنة؛ أي قيام وأثر حسن؛ قال الراعي يصف راعيا حسن القيام على إبله:
____________________
(١) ف، حاشية ت (من نسخة): (يشاء).
(٢) ت، ف، حاشية الأصل (من نسخة) (اصرف).
(٣) ت، ف: (قلت لأم سلمة).
(٤) ت، د، ف: (أكثر دعائك).
(٥) ج، ش: (كذب راويها)، ت، ف (كذبها).
ضعيف العصا بادي العروق ترى له |
عليها إذا ما أجدب النّاس إصبعا(١) |
وقال طفيل الغنوي يصف فحلا:
كميت كركن الباب أحيا بناته |
مقاليتها واستحمشتهنّ إصبع(٢) |
وقال لبيد بن ربيعة:
من يبسط الله عليه إصبعا(٣) |
بالخير والشّرّ بأي أولعا |
يملأ له منه ذنوبا مترعا
وقال حميد بن ثور:
أغرّ كلون البدر في كلّ منكب |
من النّاس نعمى يحتذيها وإصبع |
وقال آخر:
وأرزنات ليس فيهنّ أبن |
ذو إصبع في مسّها وذو فطن |
وقال آخر:
أكرم نزارا واسقه المشعشعا |
فإنّ فيه خصلات أربعا |
حدّا وجودا وندى وإصبعا(٤)
والإصبع في كلّ ما أوردناه المراد بها الأثر الحسن والنّعمة، فيكون المعنى: ما من آدميّ إلا وقلبه بين نعمتين للّه جليلتين حسنتين.
فإن قيل: هذا قد ذكر كما حكيتم؛ إلاّ أنه لم يفصّل: ما النعمتان؟ وما وجه التثنية هاهنا ونعم الله تعالى على عباده كثيرة لا تحصى؟
____________________
(١) البيت في اللآلئ ٥٠، ٧٦٤، واللسان (عصا)؛ وضعيف العصا كناية عن الرفق بما يرعاه، والعرب تعيب الرعاء بضرب الإبل؛ لأن ذلك عنف بها وقلة رفق.
(٢) ديوانه: ٥٢، وفي حاشية ت (من نسخة): (واستحشمتهن)، وفي حواشي الأصل، ت، ف أيضا: (الحمش: الجمع، وقد حمش [بفتحتين]؛ فيمكن أن يكون (استحمش) في البيت من هذا، واستحمش، أي غضب، غير متعد) وفي حاشية الأصل أيضا: (استحمشتهن: أصلحتهن؛ من قولهم: حمشت الدابة إذا صلحت؛ عن النضر بن شميل).
(٣) ديوانه ٢: ٨.
(٤) حاشية ف: (قوله: (حدا)، قيل به أراد البأس، وقيل: المنع)، وفي حاشية الأصل (من نسخة): (جدا).
قلنا: يحتمل أن يكون الوجه في ذلك نعم الدنيا ونعم الآخرة، وثناهما لأنهما كالجنسين أو كالنوعين، وإن كان كل قبيل منهما في نفسه ذا عدد كثير؛ لأن الله تعالى قد أنعم على عباده بأن عرّفهم بأدلته وبراهينه ما أنعم به عليهم، من نعم الدنيا والآخرة، وعرّفهم ما لهم في الاعتراف بذلك والشكر عليه والثناء به من الثواب الجزيل، والبقاء في النعيم الطويل.
ويمكن أن يكون الوجه في تسميتهم للأثر الحسن بالإصبع هو من حيث يشار إليه بالإصبع إعجابا به، وتنبيها عليه؛ وهذه عادتهم في تسمية الشيء بما يقع عنده، وبما له به علقة، وقد قال قوم في بيتي طفيل والراعي: إنهما أرادا أن يقولا (يدا) في مكان (إصبع)؛ لأن اليد النعمة، فلم يمكنهما، فعدلا عن اليد إلى الإصبع، لأنها من اليد.
وفي الإصبع الجارحة ثمان لغات: إصبع بفتح الألف والباء، وإصبع، بفتح الألف وكسر الباء، وإصبع بضم الألف والباء، وإصبع بضم الألف وفتح الباء، وأصبوع، بضم الألف مع الواو، وإصبع، بكسر الألف والباء، وإصبع، بكسر الألف وفتح الباء، وإصبع بكسر الألف وضم الباء.
وفي هذه الأخبار وجه آخر؛ هو أوضح مما ذكر، وأشبه بمذاهب العرب في ملاحن كلامها، وتصرّف كناياتها؛ وهو أن يكون المعنى في ذكر الأصابع الإخبار عن تيسّر تصريف القلوب وتقليبها، والفعل فيها عليه جلّت عظمته، ودخول ذلك تحت قدرته. ألا ترى أنهم يقولون: هذا الشيء في خنصري وإصبعي، وفي يدي وقبضتي؛ كلّ ذلك إذا أرادوا تسهّله وتيسّره وارتفاع المشقة فيه، والمئونة(١) .
وعلى هذا المعنى يتأوّل المحققون قوله تعالى:( وَالأرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) ، [الزمر: ٦٨]؛ فكأنهصلىاللهعليهوآله لما أراد المبالغة
____________________
(١) ت: (المئونة).
في وصفه بالقدرة على تقليب القلوب وتصريفها بغير مشقّة ولا كلفة - وإن كان غيره تعالى يعجز عن ذلك، ولا يتمكّن منه - قال: إنها بين أصابعه؛ كناية عن هذا المعنى، واختصارا للّفظ الطويل، وجريا على مذهب العرب في إخبارهم عن مثل هذا المعنى بمثل هذا اللفظ؛ وهذا الوجه يجب أن يكون مقدّما على الوجه الأول ومعتمدا؛ لأنه واضح جلي.
ويمكن أن يكون في الخبر وجه آخر على تسليم ما يقترحه المخالفون، من أنّ الإصبعين هما المخلوقتان من اللّحم والدم؛ استظهارا في الحجّة، وإقامة لها على كل وجه:
وهو أنه لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الإصبعين، يحرّكه الله تعالى بهما، ويقلّبه بالفعل فيهما؛ ويكون وجه تسميتهما بالأصابع من حيث كانا(١) على شكلهما. والوجه في إضافتهما إلى الله تعالى - وإن كانت جميع أفعاله تضاف إليه بمعنى الملك والقدرة - أنّه(٢) لا يقدر على الفعل فيهما وتحريكهما منفردين عما(٣) جاورهما غيره تعالى؛ فقيل إنهما إصبعان له؛ من حيث اختصّ بالفعل فيهما على هذا الوجه؛ لأنّ غيره إنما يقدر على تحريك القلب، وما هو مجاور للقلب من الأعضاء بتحريك جملة الجسم، ولا يقدر على تحريكه وتصريفه منفردا ممّا يجاوره غيره تعالى؛ فمن أين للمبطلين المتأوّلين هذه الأخبار بأهوائهم وضعف آرائهم أنّ الأصابع هاهنا إذا كانت لحما ودما فهي جوارح للّه تعالى! وما هذا الوجه الّذي ذكرناه ببعيد؛ وعلى المتأوّل أن يورد كلّ ما يحتمله الكلام؛ ممّا لا تدفعه حجّة، وإن ترتّب بعضه على بعض في القوة والوضوح.
ونحن نعود إلى تفسير ما لعلّه أن يشتبه من الأبيات التي استشهدنا بها.
أما قوله:
* حدّا(٤) وجودا وندى وإصبعا*
فمعنى الحدّ: المضاء والنّفاذ.
____________________
(١) ت: (من حيث كانتا).
(٢) ت: (فإنه).
(٣) ف، حاشية (من نسخة): (مما).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (جدا).
وقول الآخر:
* وأرزنات ليس فيهنّ أبن*
فالأرزنات العصي، والابن العقد.
فأما قول حميد بن ثور: (في كل منكب من الناس)، فالمنكب: الجماعة، والمنكب:
الناحية.
وأما معنى أبيات(١) لبيد، فإنه أراد: من يسق الله إليه خيرا، أو يصرف عنه شرّا أيّهما فعل ذلك به أسبغ له حتى ينتهي منتهاه.
فأما بيت طفيل الغنوي، فمعناه أنّ هذا الفحل الّذي وصفه بأنه كميت، وأنه كركن الباب لتمامه وشدّته لما ضرب في الإبل التي وصفها عاشت أولادها التي هي بناته بعد أن كنّ مقاليت، والمقاليت: التي لا يعيش لهنّ ولد، فكان هذا منه أثرا جميلا عليها.
فأما بيت الراعي فمعنى قوله: (ضعيف العصا) يريد أنّه قليل الضّرب لها؛ إما لأنّهن لا يحوجنه سدادا وتأدبا، أو لشفقته عليهن؛ وهذه كناية في نهاية الحسن، واختصار شديد؛ لأنّه قد يجوز أن يكون ضعيف العصا على الحقيقة من حيث لا يحتاج إلى استعمالها في الضرب، فيختارها قوية، ويجوز أن يكون حذف، وأراد ضعيف فعل العصا.
وقوله: (بادي العروق) يعني عروق رجله لفسادها من السعي في أثر هذه الإبل. وأراد (بالإصبع) أنّ له عليها في جدب الناس أثرا جميلا لحسن قيامه وتعهده.
وقد قيل إنه إنما سمّي الراعي لبيت قاله في هذه القصيدة بعد بيتين من البيت الّذي أنشدناه، وهو:
لها أمرها حتّى إذا ما تبوّأت |
بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا(٢) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (بيت لبيد).
(٢) اللآلئ: ٧٦٤؛ والرواية هناك: (لأخفافها).
وهذا قول الأصمعي. وقال السّكّري: سمّي بذلك لقوله في هذه القصيدة أيضا:
هدان أخو وطب وصاحب علبة |
يرى المجد أن يلقى خلاء ومرتعا(١) |
وروي عن بعض بني نمير أنه قال: إنما سمّي بذلك لقوله:
بنيت مرافقهنّ فوق مزلّة |
لا يستطيع بها القراد مقيلا(٢) |
فقال بعض بني نمير لما سمع هذا البيت: والله ما هو إلاّ راعي إبل، فبقيت عليه.
وقال محمد بن سلاّم: خ خ إنما(٣) سمّي الراعي لكثرة وصفه الإبل وحسن نعته لها؛ واسمه عبيد ابن حصين بن جندل، وكنيته أبو جندل، وقيل أبو نوح.
____________________
(١) الهدان: الأحمق الثقيل، والعلبة: محلب من جلد.
(٢) جمهرة الأشعار: ٣٥٣، واللسان (زلل)، والمزلة: موضع الزلل والانزلاق.
(٣) طبقات الشعراء: ٢٥٠.
[٢٣]
مجلس آخر [المجلس الثالث والعشرون:]
تأويل آية:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ) ؛ [المائدة: ١١٦].
فقال: ما المراد بالنفس في هذه الآية؟ وهل المعنى فيها كالمعنى في قوله:( وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ) ؛ [آل عمران: ٢٨] أو يخالفه؟ وهل يطابق معنى الآيتين والمراد بالنفس فيهما ما رواه أبو هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: قال الله تعالى: (إذا أحبّ العبد لقائي أحببت لقاءه، وإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإذا تقرّب إلى شبرا تقرّبت إليه ذراعا، وإذا تقرّب إلى ذراعا تقربت إليه باعا)، أو لا يطابقه؟
الجواب، قلنا: النفس في اللغة لها معان مختلفة، ووجوه في التصرّف متباينة؛ فالنفس نفس الإنسان وغيره من الحيوان، وهي التي إذا فقدها خرج عن كونه حيّا، ومنه قوله تعالى:( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) ؛ [آل عمران: ١٨٥].
والنّفس ذات الشيء الّذي يخبر عنه كقولهم: فعل ذلك فلان نفسه؛ إذا تولّى فعله.
والنفس: الأنفة، من قولهم ليس لفلان نفس، أي لا أنفة له.
والنفس الإرادة، من قولهم نفس فلان في كذا، أي إرادته؛ قال الشاعر:
فنفساي نفس قالت ايت ابن بحدل |
تجد فرجا من كلّ غمّى تهابها(١) |
|
ونفس تقول اجهد نجاءك لا تكن |
كخاضبة لم يغن شيئا خضابها(٢) |
____________________
(١) البيتان في اللسان (نفس).
(٢) ت: (عنها خضابها)، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (لم يغن يوما).
ومنه أن رجلا قال للحسن: ياأبا سعيد، لم أحجج قطّ، فنفس تقول لي: حجّ، ونفس تقول لي: تزوّج، فقال الحسن: إنّما النفس واحدة، ولكن لك همّ يقول حجّ، وهمّ يقول: تزوّج، وأمره بالحج.
وقال الممزّق(١) العبدي - وتروى لمعقّر بن حمار البارقي:
ألا من لعين قد نآها حميمها |
وأرّقني بعد المنام همومها |
|
فباتت لها نفسان شتّى همومها |
فنفس تعزّيها ونفس تلومها |
وقال النّمر بن تولب العكلي:
أمّا خليلي فإني لست معجله |
حتى يؤامر نفسيه كما زعما |
|
نفس له من نفوس القوم صالحة |
تعطي الجزيل ونفس ترضع الغنما(٢) |
أراد أنّه بين نفسين: نفس تأمره بالجود، وأخرى تأمره بالبخل، وكنّى برضاع الغنم عن البخل، لأنّ اللّئيم يرضع اللبن من الشّاة ولا يحلبها؛ لئلا يسمع الضيف صوت الشّخب فيهتدي إليه، ومنه قيل: لئيم راضع؛ وقال كثيّر:
فأصبحت ذا نفسين نفس مريضة |
من اليأس ما ينفكّ همّ يعودها(٣) |
|
ونفس ترجّي وصلها بعد صرمها |
تجمّل كي يزداد غيظا حسودها |
والنفس العين التي تصيب الإنسان، يقال: أصابت فلانا نفس، أي عين. وروي
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (الممزّق، بكسر الزاي وفتحها، كلاهما جائز؛ الكسر لأنه أتى بذكر التمزيق في شعره، والممزق بالفتح؛ لأنه قال: (لما أمزق)، وقال أبو القاسم الآمدي: الممزق، بفتح الزاي هو شأس بن نهار العبدي، الّذي قال: (ولما أمزق)، والممزق، بكسرها هو الممزق الحضرمي، متأخر، وولده الممزّق بن الممزق، ذكره في المختلف والمؤتلف.
وانظر ص ١٨٥ - ١٨٦؛ والبيت الّذي يشير إليه هو بتمامه:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل |
وإلاّ فأدركني ولما أمزّق |
من قصيدة يخاطب فيها عمرو بن المنذر بن عمرو بن النعمان، وكان هم بغزو عبد القيس.
(٢) البيتان في الأغاني ١٩: ١٦١.
(٣) ديوانه: ١: ٧٥.
أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يرقي فيقول: (بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كلّ داء هو فيك؛ من عين عائن، ونفس نافس، وحسد حاسد).
وقال ابن الأعرابي: النّفوس الّذي يصيب الناس بالعين. وذكر رجلا فقال: كان والله حسودا نفوسا كذوبا. وقال عبيد الله بن قيس الرّقيّات(١) :
يتّقي أهلها النّفوس عليها |
فعلى نحرها الرّقى والتّميم |
وقال مضرّس بن ربعي الفقعسيّ:
وإذا نموا صعدا فليس عليهم |
منّا الخبال ولا نفوس الحسّد(٢) |
وقال ابن هرمة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك:
فاسلم سلمت من المكاره والرّدى |
وعثارها ووقيت نفس الحسّد |
والنفس أيضا من الدّباغ بمقدار الدّبغة؛ تقول: أعطني نفسا من دباغ، أي قدر ما أدبغ به مرة.
والنفس الغيب، يقول القائل: إنّي لأعلم نفس فلان، أي غيبه؛ وعلى هذا تأويل قوله تعالى:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ) ، أي تعلم غيبي وما عندي، ولا أعلم غيبك.
وقيل: إنّ النفس أيضا العقوبة، من قولهم: أحذّرك نفسي؛ أي عقوبتي؛ وبعض المفسّرين حمل قوله تعالى:( وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ) على هذا المعنى؛ كأنه يحذّركم عقوبته.
وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرون؛ قالوا: معنى الآية ويحذركم الله إياه. وقد روي عن الحسن ومجاهد في قوله تعالى:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ) ما ذكرناه من التأويل بعينه.
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (قيل له ابن قيس الرقيات؛ لأنه كان يشبب بجماعة كل واحدة منهن اسمها رقية؛ وقيل: كانت له جدات؛ اسم كل واحدة منهن رقية).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (يقال هذا نبات ينمى صعدا؛ أي يزداد طولا).
فإن قيل: ما وجه تسمية الغيب بأنه نفس؟ قلنا: لا يمتنع أن يكون الوجه في ذلك أنّ نفس الإنسان لما كانت خفيّة الموضع نزّل ما يكتمه ويجتهد في ستره منزلتها، وسمّي باسمها، فقيل فيه إنه نفسه، مبالغة في وصفه بالكتمان والخفاء؛ وإنما حسن أن يقول تعالى مخبرا عن نبيه:( وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ) من حيث تقدم قوله:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ) ؛ ليزدوج الكلام، ولهذا لا يحسن ابتداء أن يقول: أنا لا أعلم ما في نفس الله تعالى، وإن حسن على الوجه الأول؛ ولهذا نظائر في الاستعمال مشهورة مذكورة.
فأما الخبر الّذي ذكره السائل فتأويله ظاهر، وهو خارج على مذهب للعرب في مثل هذا الباب معروف؛ ومعناه أنّ من ذكرني في نفسه جازيته على ذكره لي، وإذا تقرّب إلي شبرا جازيته على تقرّبه إلي؛ وكذلك الخبر إلى آخره، فسمّى المجازاة على الشيء باسمه اتساعا، كما قال تعالى:( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) ، [الشورى: ٤٠]؛( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله ) ؛ [الأنفال: ٤٠]،( الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) ، [البقرة: ١٥]؛ وكما قال الشاعر(١) :
ألا لا يجهلن أحد علينا |
فنجهل فوق جهل الجاهلينا |
ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب. ولما أراد تعالى المبالغة في وصف ما يفعله به من الثواب والمجازاة على تقرّبه بالكثرة والزيادة؛ كنّى عن ذلك بذكر المسافة المتضاعفة فقال: (باعا وذراعا)، إشارة إلى المعنى من أبلغ الوجوه وأحسنها.
____________________
(١) هو عمرو بن كلثوم؛ والبيت من المعلقة ص ٢٣٨ - بشرح التبريزي.
[٢٤]
مجلس آخر [المجلس الرابع والعشرون:]
تأويل آية:( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ )
إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى:( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الأبْصارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا ) ؛ [الأحزاب: ١٠].
وكيف يجوز أن تبلغ القلوب الحناجر مع كونهم أحياء، ومعلوم أنّ القلب إذا زال عن موضعه المخلوق فيه مات صاحبه؟ وعن أي شيء زاغت الأبصار؟ وبأي شيء تعلّقت ظنونهم بالله تعالى؟.
الجواب، قيل له في هذه الآية وجوه:
منها أن يكون المراد بذلك أنهم جبنوا وفزع أكثرهم لما أشرف المشركون عليهم، وخافوا من بوائقهم وبوادرهم، ومن شأن الجبان عند العرب إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، ولهذا يقولون للجبان: انتفخ سحره، أي رئته، وليس يمتنع أن تكون الرئة إذا انتفخت رفعت القلب، ونهضت به إلى نحو الحنجرة. وهذا التأويل قد ذكره الفرّاء وغيره، ورواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
ومنها أنّ القلوب توصف بالوجيب والاضطراب في أحوال الجزع والهلع؛ قال الشاعر:
كأنّ قلوب أدلاّئها |
معلقة بقرون الظّباء(١) |
____________________
(١) الأدلاء: جمع دليل؛ والبيت في وصف فلاة مخيفة، ذكره ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص ٤٨٨، ونسبه إلى المرار، وقال في شرحه: (يريد أن القلوب تنزو وتجب؛ فكأنها معلقة بقرون الظباء؛ لأن الظباء لا تستقر؛ وما كان على قرونها فهو كذلك).
وقال امرؤ القيس:
ولا مثل يوم في قداران ظلته |
كأني وأصحابي على قرن أعفرا(١) |
ويروى: (في قدار ظللته)؛ أراد المبالغة في وصف نفسه وأصحابه بالقلق والاضطراب ومفارقة السّكون والاستقرار؛ وإنما خصّ الظّبي؛ لأن قرنه أكثر تحركا واضطرابا؛ لنشاطه ومرحه وسرعته.
وقد قال بعض الناس: إن امرأ القيس لم يصف شدّة أصابته في هذا البيت فيليق قوله: (على قرن أعفرا) بالتأويل المذكور؛ بل وصف أماكن كان فيها مسرورا متنعما؛ ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت بلا فصل:
ألا ربّ يوم صالح قد شهدته |
بتاذف ذات التلّ من فوق طرطرا(٢) |
فيكون معنى قوله: (على قرن اعفرا) على هذا الوجه أنه كان على مكان عال مشرف؛ شبّهه لارتفاعه وطوله بقرن الظبي؛ وهذا القول لابن الأعرابي والأول(٣) للأصمعي؛ فأما قول الآخر:
ألا قلّ خير الشّام(٤) كيف تغيّرا |
فأصبح يرمي النّاس عن قرن أعفرا |
فلا يحتمل إلاّ الشدة والحال المذمومة، ويجوز أن يريد أن الناس فيه غير مطمئنين بل هم منزعجون قلقون؛ كأنهم على قرن ظبي، ويحتمل أنه يريد أن يطعنهم بقرن ظبي، كقولك:
رماه بداهية، ويكون معنى (عن) هاهنا معنى الباء، فقال: (عن قرن أعفرا) وهو يريد بقرن أعفرا، وقد ذكر في هذا البيت الوجهان معا، فيكون معنى الآية على هذا التأويل أن القلوب لما اتصل وجيبها واضطرابها بلغت الحناجر لشدة القلق.
____________________
(١) ديوانه: ١٠٦. قداران: قرية بالشام؛ وأعفر؛ أراد قرن ظبي أعفر. وفي حواشي الأصل، ت، ف: (في نسخة الوزير الكامل أبي القاسم المغربي رحمه الله: (قذاران)، بالذال المعجمة وفتح القاف، وضب عليه).
(٢) في حاشية ت: (طرطر: قرية بالشام بمنبج، ولها نهر يقال له نهر طرطر). وفي شرح الديوان: تاذف وطرطر: موضعان فيهما أوقع بعدوه).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (والآخر).
(٤) ت، ف: (الشأن).
ومنها أن يكون المعنى: كادت القلوب من شدة الرّعب والخوف تبلغ الحناجر، وإن لم تبلغ في الحقيقة، فألغى ذكر (كادت) لوضوح الأمر فيها، ولفظة (كادت) هاهنا للمقاربة؛ مثل قول قيس بن الخطيم:
أتعرف رسما كاطّراد المذاهب |
لعمرة وحشا غير موقف راكب(١) |
|
ديار الّتي كادت ونحن على مني |
تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب |
معناه: قاربت أن تحلّ بنا، وإن لم تحلل في الحقيقة.
وقوله: (غير موقف راكب) فيه وجهان: أحدهما أنه ليس بموضع يقف فيه راكب لخلوّه من الناس ووحشته، والآخر أن يكون أراد أنّه وحش؛ إلاّ أن راكبا واقف به؛ يعني نفسه.
وقال نصيب:
وقد كدت يوم الحزن لما ترنّمت |
هتوف الضّحى محزونة بالترنّم |
|
أموت لمبكاها أسى إنّ لوعتي(٢) |
ووجدي بسعدى شجوه غير منجم(٣) |
معنى المنجم: المقلع.
وقال ذو الرّمة:
وقفت على ربع لميّة ناقتي |
فما زلت أبكي عنده وأخاطبه(٤) |
|
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه(٥) |
تكلّمني أحجاره وملاعبه |
____________________
(١) ديوانه: ١٠٠، والرسم: ما شخص من آثار الديار بعد البلى، والمذاهب: جمع مذهب؛ وهي جلود تجعل فيها خطوط فيرى بعضها في إثر بعض، واطرادها: تتابعها.
(٢) ف، حاشية ت (من نسخة): (لوعتي).
(٣) في حواشي الأصل، ت، ف: (في ديوانه:
* ووجدي بسعدى قاتل لي فاعلمي*
وبعده:
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة |
بسعدى شفيت النّفس قبل التّندّم |
|
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكا |
بكاها، فقلت: الفضل للمتقدّم |
(٤) ديوانه: ٣٥.
(٥) في حواشي الأصل، ت، ف: (يقال بثثته السر وأبثثته).
وكل هذا معنى (كاد) فيه المقاربة.
ومتى أدخلت العرب على (كاد) جحدا، فقالوا: ما كاد عبد الله يقوم، ولم يكد عبد الله يقوم؛ كان فيه وجهان:
أجودهما: قام عبد الله بعد إبطاء ولأي، ومثله قوله تعالى:( فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ) ؛ [البقرة: ٧١]، أي ذبحوها بعد إبطاء وتأخير، لأنّ وجدان البقرة عسر عليهم.
وروي أنهم أصابوها ليتيم لا مال له غيرها، فاشتروها من وليّه بمل ء جلدها ذهبا، فقال تعالى:( وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ) ، إما لأنهم لم يقفوا عليها، أو لغلائها وكثرة ثمنها.
والوجه الآخر في قولهم: ما يكاد عبد الله يقوم، أي ما يقوم عبد الله، وتكون لفظة يكاد على هذا المعنى مطّرحة لا حكم لها، وعلى هذا يحمل أكثر المفسرين قوله تعالى:
( إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ) ، أي لم يرها أصلا؛ لأنه جل وعز لما قال:( أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ) ؛ [النور: ٤٠]، كأنّ بعض هذه الظلمات يحول بين العين وبين النظر إلى اليد وسائر المناظر؛ ف يَكَدْ على هذا التأويل زيدت للتوكيد، والمعنى: إذا أخرج يده لم يرها.
وقال قوم: معنى الآية: إذا أخرج يده رآها بعد إبطاء وعسر؛ لتكاثف الظلمة(١) ، وترادف الموانع من الرؤية؛ ف يَكَدْ على هذا الجواب ليست بزائدة.
وقال آخرون: معنى الآية إذا أخرج يده لم يرد أن يراها، لأن الّذي شاهده من تكاثف الظلمات أيأسه(٢) من تأمل يده، وقرّر في نفسه أنه لا يدركها ببصره. وحكي عن العرب:
أولئك أصحابي الذين أكاد أنزل عليهم، أي أريد أن أنزل عليهم؛ قال الشاعر:
كادت وكدت وتلك خير إرادة |
لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى(٣) |
أي أرادت وأردت، وقال الأفوه الأودي:
____________________
(١) ف: (الظلمات)، حاشية ت (من نسخة): (الظلم).
(٢) ت، حاشية ف (من نسخة): (آيه).
(٣) ديوانه: ١٠ (ضمن مجموعة الطرائف).
(٣) البيت في اللسان (كيد).
فإن تجمّع أوتاد وأعمدة |
وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا |
أي أرادوا.
وقال بعضهم: معنى قوله تعالى:( كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ) ؛ [يوسف: ٧٦]، أي أردنا ليوسف.
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: معناه كذلك صنعنا ليوسف.
ومما يشهد لمن جعل لفظة يَكَدْ زائدة في الآية قول الشاعر:
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه |
فما إن يكاد قرنه يتنفّس |
أي فما إن يتنفس قرنه، و (يكاد) مزيدة للتوكيد، وقال حسان:
وتكاد تكسل أن تجئ فراشها |
في جسم خرعبة وحسن قوام |
معناه وتكسل أن تجئ فراشها، وقال الآخر:
وألاّ ألوم النّفس فيما أصابني |
وألاّ أكاد بالذي نلت أنجح |
أي لا أنجح بالذي نلت؛ ولو لم يكن الأمر على هذا لم يكن البيت مدحا.
وروى عبد الصمد بن المعذّل بن غيلان عن أبيه عن جدّه غيلان(١) قال: قدم علينا ذو الرّمة الكوفة، فأنشدنا بالكناسة - وهو على راحلته - قصيدته الحائية؛ التي يقول فيها:
إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد |
رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح(٢) |
فقال له عبد الله بن شبرمة(٣) : قد برح ياذا الرّمة، ففكّر ساعة ثم قال:
إذ غيّر النّأي المحبّين لم أجد |
رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح |
قال: فأخبرت أبي بما كان من قول ذي الرّمة واعتراض ابن شبرمة عليه، فقال:
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (عيلان)، وفيها: (وفي نسختين صحيحتين من ديوانه: غيلان)
(٢) ديوانه: ٧٨.
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (هو شبرمة بن الطفيل) بكسر الطاء وسكون الفاء، الّذي يقول:
ويوم كظلّ الرّمح قصّر طوله |
دم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر |
والبيت من أبيات ثلاثة، ذكرها أبو تمام في الحماسة - بشرح التبريزي ٣: ٢٣٦.
أخطأ ذو الرّمة في رجوعه عن قوله الأوّل، وأخطأ ابن شبرمة في اعتراضه عليه؛ هذا كقوله عز وجل:( إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ) ، أي لم يرها.
فأما قوله عز وجل:( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها ) ؛ [طه: - ١٥]، فيحتمل أن يكون المعنى: أريد أخفيها لكي تجزى كلّ نفس بما تسعى. ويجوز أن تكون زائدة ويكون المعنى إنّ الساعة آتية أخفيها لتجزى كلّ نفس. وقد قيل فيه وجه آخر؛ وهو أن يتم الكلام عند قوله تعالى:( آتِيَةٌ أَكادُ ) ، ويكون المعنى: أكاد آتي بها، ويقع الابتداء بقوله( أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ ) ؛ ومما يشهد لهذا الوجه قول ضابئ البرجمي:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني |
تركت على عثمان تبكي حلائله(١) |
أراد: وكدت أقتله، فحذف الفعل لبيان معناه.
وروي عن سعيد بن جبير أنّه كان يقرأ:( أَكادُ أُخْفِيها ) ، فمعنى أخفيها على هذا الوجه أظهرها؛ قال عبدة بن الطبيب يصف ثورا:
يخفي التّراب بأظلاف ثمانية |
في أربع مسّهنّ الأرض تحليل(٢) |
أراد أنه يظهر التراب ويستخرجه بأظلافه، وقال امرؤ القيس:
فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه |
وإن تبعثوا الحرب لا نقعد(٣) |
أي لا نظهره؛ وقال النابغة:
تخفي بأظلافها حتّى إذا بلغت |
يبس الكثيب تداعى التّرب فانهدما(٤) |
____________________
(١) الشعر والشعراء: ٣١٠.
(٢) من قصيدة مفضلية ٢٦٨ - ٢٩٣ بشرح ابن الأنباري.
وفي حاشية الأصل: (يصف شدة عدو الثور، وأنه يثير الغبار بأظلاف ثمانية وأربع قوائم؛ مقدار مسهن الأرض تحليل، أي قول الرجل في يمينه إن شاء الله). وفي حواشي، ت، ف أيضا: (التحليل ضد التحريم؛ يقال: حللته تحليلا وتحلة؛ وتقول: لم أفعل ذلك إلا تحلة القسم؛ أي القدر الّذي لا أحنث معه، ولم أبالغ فيه؛ ثم توسع فيه؛ فقيل لكل شيء لم يبالغ فيه تحليل؛ يقال: ضربته تحليلا).
(٣) مختار الشعر الجاهلي: ١٣١.
(٤) البيت ليس في ديوانه، وفي حاشية ت: (ولامرئ القيس يصف فرسا أخرج اليرابيع من حجرتها بعدوه:
خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما |
خفاهنّ ودق من سحاب مركّب |
وانظر ديوانه ٨٦.
وقد روى أهل العربية: أخفيت الشيء يعني(١) سترته، وأخفيته بمعنى أظهرته، وكأنّ القراءة بالضم تحتمل الأمرين: الإظهار والستر، والقراءة بالفتح لا تحتمل غير الإظهار؛ وإذا كانت بمعنى الإظهار كان الكلام في (كاد) واحتمالها للوجوه الثلاثة التي ذكرناها كالكلام فيها إذا كانت بمعنى الستر والتغطية.
فإن قيل: فأي معنى لقوله: إني أسترها لتجزى كلّ نفس بما تسعى، أو أظهرها على الوجهين جميعا؟ وأي فائدة في ذلك؟
قلنا: الوجه في هذا ظاهر، لأنه تعالى إذا ستر عنّا وقت الساعة كانت دواعينا إلى فعل الحسن والقبيح مترددة، وإذا عرّفنا وقتها بعينه كنا ملجئين إلى التوبة، بعد مقارفة الذنوب ونقض ذلك الغرض بالتكليف واستحقاق الثواب به، فصار ما أريد من المجازاة للمكلّفين بسعيهم، وإيصال ثواب أعمالهم يمنع من اطلاعهم على وقت انقطاع التكليف عنهم.
فأما إذا كانت لفظة أُخْفِيها بمعنى الإظهار فوجهه أيضا واضح؛ لأنه تعالى إنما يقيم القيامة، ويقطع التكليف ليجازي كلاّ باستحقاقه، ويوفّي مستحقّ الثواب ثوابه، ويعاقب المسيء باستحقاقه، فوضح وجه قوله تعالى:( أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ) على المعنيين جميعا.
قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أطال الله بقاءه: وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنباري يطعن على جواب من أجاب في قوله:( وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ) بأنّ معناه كادت تبلغ الحناجر، ويقول: (كاد) لا تضمر، ولا بدّ من أن يكون منطوقا بها، ولو جاز ضميرها لجاز: قام عبد الله بمعنى كاد عبد الله يقوم، فيكون تأويل قام عبد الله لم يقم عبد الله؛ لأن معنى كاد عبد الله يقوم لم يقم، وهذا الّذي ذكره غير صحيح. ونظنّ أن الّذي حمله على الطّعن في هذا الوجه حكايته له عن ابن قتيبة، لأنّ من شأنه أن يردّ كل ما يأتي به ابن
____________________
(١) حاشية ت: (أخفيته إذا كان بمعنى أظهرته كانت الألف للسلب، والمعنى: سلبته الخفاء؛ مثل شكاني فأشكيته).
قتيبة، وإن تعسّف في الطعن عليه. والّذي استبعده غير بعيد؛ لأنّ (كاد) قد تضمر في مواضع يقتضيها بعض الكلام وإن لم تكن في صريحه؛ ألا ترى أنهم يقولون: أوردت على فلان من العتاب والتوبيخ والتقريع ما مات عنده، وخرجت نفسه، ولما رأى فلان فلانا لم يبق فيه روح، وما أشبه ذلك. ومعنى جميع ما ذكرناه المقاربة، ولا بد من إضمار (كاد) فيه، وقال جرير:
إنّ العيون التي في طرفها مرض |
قتلنا ثمّ لم يحيين قتلانا(١) |
وإنما المعنى أنهن كدن يقتلننا؛ وهذا أكثر في الشعر والكلام من أن نذكره.
فأما قوله: (يحيين قتلانا) فالأظهر في معناه أنهن لم يزلن ما قاربنا عنده الموت والقتل من الصدود والهجر وما أشبه ذلك، وسمّى هذه الأمور حياة كما سمى أضدادها قتلا، وقد قيل إن معنى (يحيين قتلانا) أنهن لم يدين قتلانا، من الدّية، لأنّ دية القتيل عند العرب كالحياة له، وقد روي: (ثم لم يجننّ قتلانا)، وهذه رواية شاذة لم تسمع من عالم ولا محصّل ومعناها ركيك ضعيف؛ وإذا كان الأمر على ما ذكرناه لم يمتنع أن يقال: قام فلان بمعنى كاد يقوم، إذا دلّت الحال على ذلك؛ كما يقال: مات بمعنى كاد يموت.
فأما قوله: (فيكون تأويل قوله: قام عبد الله، لم يقم عبد الله) فخطأ؛ لأنه ليس معنى كاد يقوم إنه لم يقم كما ظنّ بل معنا. أنه قارب القيام ودنا منه، فمن قال: قام عبد الله وأراد كاد يقوم؛ فقد أفاد ما لا يفيده لم يقم.
____________________
(١) ديوانه: ٥٩٥؛ وفي حواشي الأصل، ت، ف: (روي أنه وقع الخلاف بين هارون الرشيد وزبيدة فى هذا البيت؛ فكان هارون يقول: (يحيين)، وزبيدة تقول: هو: (يجنن)، بالجيم والنون؛ فتخاطرا على ذلك بألفي دينار، ودعوا مسرورا الخادم، وأعطياه على أن يخرج فيسأل أفضل من ببغداد من أهل العلم؛ فإن صوب قول هارون أعطاه ألفا، وإن صوب قول زبيدة فألفها، فخرج مسرور بالشموع يطلب من يفتيه في ذلك؛ فدل على الكسائي؛ وكان قريب عهد القدوم من الكوفة إلى بغداد؛ وكان يأوي إلى مسجد؛ فدخل مسرور عليه بخيله وحشمه؛ فتحفز له الكسائي؛ فقال: لا بأس؛ إنه بيت قد أشكل علينا، واستفتاه في الكلمتين فصوبهما جميعا؛ فأعطاه الألفين؛ فأصبح وقد استفاد بكلمة أوضحها ما أغناه؛ وهذا دليل على حسن تأتيه ولطافة أدبه).
وأما قوله تعالى: زاغَتِ الأبْصارُ فمعناه زاغت عن النظر إلى كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها، ويجوز أن يكون المراد ب زاغَتِ، أي جارت(١) ومالت عن القصد في النظر دهشا وتحيرا.
فأما قوله تعالى:( وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا ) ، معناه أنكم تظنون مرة أنكم تنصرون وتظهرون على عدوّكم، ومرة أنكم تبتلون وتمتحنون بالتخلية بينكم وبينهم.
ويجوز أيضا أن يريد الله تعالى أن ظنونكم اختلفت، فظنّ المنافقون منكم خلاف ما وعدكم الله تعالى به من النصر، وشكّوا في خبره عز وجل كما قال تعالى حكاية عنهم:( ما وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً ) ، فظنّ المؤمنون ما طابق وعد الله تعالى لهم كما حكى عز وجل عنهم في قوله:( هذا ما وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ ) .
وكل ما ذكرناه واضح في تأويل الآية وما تعلّق بها.
____________________
(١) ت وحاشية الأصل (من نسخة): (حادت)، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (حارت).
[٢٥]
مجلس آخر [المجلس الخامس والعشرون:]
تأويل آية:( وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ) ؛ [النبأ: ٩].
فقال: إذا كان السّبات هو النوم؛ فكأنه قال: وجعلنا نومكم نوما، وهذا مما لا فائدة فيه.
الجواب، قيل له في هذه الآية وجوه:
منها أن يكون المراد بالسّبات الراحة والدّعة، وقد قال قوم: إنّ اجتماع الخلق كان في يوم الجمعة، والفراغ منه في يوم السبت، فسمّي اليوم بالسبت للفراغ الّذي كان فيه؛ ولأن الله تعالى أمر بني إسرائيل فيه بالاستراحة من الأعمال؛ قيل: وأصل السّبات التمدّد؛ يقال:
سبتت المرأة شعرها إذا حلّته من العقص وأرسلته، قال الشاعر:
وإن سبتته مال جثلا كأنّه |
سدى واهلات من نواسج خثعما(١) |
أراد: إن أرسلته.
ومنها أن يكون المراد بذلك القطع؛ لأن السبت القطع، والسبت أيضا الحلق؛ يقال:
سبت شعره سبتا إذا حلقه، وهو يرجع إلى معنى القطع، والنعال السّبتيّة التي لا شعر عليها؛ قال عنترة:
بطل كأنّ ثيابه في سرحة، |
يحذى نعال السّبت، ليس بتوأم(٢) |
____________________
(١) الجثل من الشعر: ما كشف واسود، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (شبه شعرها في وقت الإرسال بسدى ثياب مسترخيات مرسلات. والنواسج: جمع ناسجة، وخثعم: قبيلة).
(٢) المعلقة: ١٩٩ - بشرح التبريزي، وفي حاشيتي الأصل، ف: (السرحة: شجرة طويلة، يصفه بالطول. وأراد بقوله: (يحذى نعال السبت) أنه من الملوك؛ لأن نعال السبت نعال الملوك. والسبت:
شيء يشبه القرظ، تدبغ به النعال؛ ووصفه بالشدة والقوة في قوله: (ليس بتوأم)، لأنه إذا لم يكن معه توأم كان أقوى وأتم لخلقه).
ويقال لكل أرض مرتفعة منقطعة ممّا حولها: سبتاء، وجمعها سباتى، فيكون المعنى على هذا الجواب: جعلنا نومكم سباتا، أي قطعا لأعمالكم وتصرّفكم. ومن أجاب بهذا الجواب يقول: إنما سمّي يوم السبت بذلك لأنّ بدء الخلق كان يوم الأحد؛ وجمع يوم الجمعة، وقطع يوم السبت، فترجع التسمية إلى معنى القطع.
وقد اختلف الناس في ابتداء الخلق فقال أهل التوراة: إنّ الله تعالى ابتدأه في يوم الأحد، فكان الخلق في يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، ثم فرغ في يوم السبت؛ وهذا قول أهل التوراة.
وقال آخرون: إن الابتداء كان في يوم الاثنين إلى السبت، وفرغ في يوم الأحد؛ وهذا قول أهل الإنجيل.
فأما قول أهل الإسلام فهو أن ابتداء الخلق كان في يوم السبت، واتصل إلى الخميس، وجعلت الجمعة عيدا؛ فعلى هذا القول الأخير يمكن أن يسمّى اليوم بالسبت، من حيث قطع فيه بعض خلق الأرض، فقد روى أبو هريرة عن النبيعليهالسلام أنه قال: (إن الله تعالى خلق التّربة(١) في يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد).
ومنها أن يكون المراد بذلك أنّا جعلنا نومكم سباتا ليس بموت؛ لأن النائم قد يفقد من علومه وقصوده وأحواله أشياء كثيرة يفقدها الميت؛ فأراد تعالى أن يمتنّ علينا بأن جعل نومنا الّذي تضاهى فيه بعض أحوالنا أحوال الميت ليس بموت على الحقيقة، ولا بمخرج لنا عن الحياة والإدراك؛ فجعل التأكيد بذكر المصدر قائما مقام نفي الموت، وسادّا مسدّ قوله:
( وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ ) ليس بموت.
ويمكن أن يكون في الآية وجه آخر لم يذكر فيها، وهو أن السّبات ليس هو كلّ نوم، وإنما هو من صفات النوم إذا وقع على بعض الوجوه، والسّبات هو النوم الممتد الطويل
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي ت، ف: (البرية).
السكون(١) ، ولهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم إنه مسبوت، وبه سبات؛ ولا يقال ذلك في كلّ نائم، وإذا كان الأمر على هذا لم يجر قوله:( وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ) مجرى أن يقول: وجعلنا نومكم نوما.
والوجه في الامتنان علينا بأن جعل نومنا ممتدا طويلا - ظاهر، وهو لما في ذلك لنا من المنفعة والراحة؛ لأن التهويم والنوم الغرار لا يكسبان(٢) شيئا من الراحة؛ بل يصحبهما في الأكثر القلق والانزعاج، والهموم هي التي تقلّل النوم وتنزّره، وفراغ القلب ورخاء البال يكون معهما غزارة النوم وامتداده؛ وهذا واضح.
قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أدام الله علوّه: وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنباري يطعن على الجواب الّذي ذكرناه أوّلا، ويقول: إن ابن قتيبة أخطأ في اعتماده؛ لأنّ الراحة لا يقال لها: سبات، ولا يقال: سبت(٣) الرجل بمعنى استراح وأراح، ويعتمد على الجواب الّذي ثنّينا بذكره، ويقول فيما استشهد به ابن قتيبة من قولهم سبتت المرأة شعرها: إن معناه أيضا القطع، لأن ذلك إنما يكون بإزالة الشّداد الّذي كان مجموعا به وقطعه.
والمقدار الّذي ذكره ابن الأنباري لا يقدح في جواب ابن قتيبة؛ لأنه لا ينكر أن يكون السبات هو الراحة والدّعة إذا كانتا عن نوم، وإن لم توصف كل راحة بأنها سبات، ويكون هذا الاسم يخصّ(٤) الراحة إذا كانت على هذا الوجه؛ ولهذا نظائر كثيرة في الأسماء، وإذا أمكن ذلك لم يكن في امتناع قولهم: سبت الرجل بمعنى استراح في كل موضع دلالة على أنّ السّبات لا يكون اسما للراحة عند النوم؛ والّذي يبقى على ابن قتيبة أن يبيّن أن السبات هو الراحة والدّعة، ويستشهد على ذلك بشعر أو لغة، فإن البيت الّذي ذكره يمكن أن يكون المراد به القطع دون التمدّد والاسترسال.
____________________
(١) حاشية ف (من نسخة): (السكوت).
(٢) ت، ف: (لا يكسبان)، بضم الياء.
(٣) حاشية ت (من نسخة): (سبت)، بالبناء للمجهول.
(٤) من نسخة بحاشيتي ت، ف: (يختص بالراحة).
فإن قيل: فما الفرق بين جواب ابن قتيبة وجوابكم الّذي ذكرتموه أخيرا؟ قلنا: الفرق بينهما بيّن، لأنّ ابن قتيبة جعل السّبات نفسه راحة، وجعله عبارة عنها، وأخذ يستشهد على ذلك بالتمدّد وغيره، ونحن جعلنا السّبات من صفات النوم، والراحة واقعة عنده للامتداد وطول السكون فيه؛ فلا يلزمنا أن يقال: سبت الرجل بمعنى استراح؛ لأنّ الشيء لا يسمّى بما يقع عنده حقيقة، والاستراحة تقع على جوابنا عند السّبات(١) ، وليس السبات إياها بعينها؛ على أن في الجواب الّذي اختاره ابن الأنباري ضربا من الكلام؛ لأن السّبت وإن كان القطع على ذكره فلم يسمع فيه البناء الّذي ذكره وهو السّبات، ويحتاج في إثبات مثل هذا البناء إلى سمع(٢) عن أهل اللغة، وقد كان يجب أن يورد من أي وجه؛ إذا كان السبت هو القطع جاز أن يقال سبات على هذا المعنى؛ ولم نره فعل ذلك.
تأويل خبر [ (إنّ الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه):]
إن قال قائل: ما تأويل الخبر الّذي روي عن النبيصلىاللهعليهوآله : (إنّ الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه)، وفي رواية أخرى: (إن الميت يعذّب في قبره بالنّياحة عليه)، وقد روي هذا المعنى المغيرة بن شعبة أيضا فقال: سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول: (من نيح عليه فإنّه يعذّب بما نيح عليه).
الجواب، إنّا إذا كنا قد علمنا بأدلة العقل التي لا يدخلها الاحتمال ولا الاتساع والمجاز قبح مؤاخذة أحد يذنب غيره، وعلمنا أيضا ذلك بأدلة السمع مثل قوله تعالى:( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) ؛ [الأنعام: ١٦٤]، فلا بدّ أن نصرف ما ظاهره بخلاف هذه الأدلة إلى ما يطابقها.
والمعنى في الأخبار التي سئلنا عنها - إن صحّت روايتها - أنه إذا أوصى موص بأن يناح
____________________
(١) في حواشي الأصل، ت، ف: (قال ابن دريد: السبات: السكون؛ والرجل مسبوت؛ وقال الجوهري: السبت والسبات: السكون والراحة؛ وقد سبت يسبت، بالضم).
(٢) ت، د، حاشية ف (من نسخة): (سماع).
عليه ففعل ذلك بأمره وعن إذنه فإنّه يعذّب بالنياحة عليه؛ وليس معنى يعذّب بها أنه يؤاخذ بفعل النّواح، وإنما معناه أن يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها، وإنما قالصلىاللهعليهوآله ذلك لأنّ الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم والنوح فيأمرون به، ويؤكدون الوصية بفعله وهذا مشهور عنهم؛ قال طرفة بن العبد:
فإن متّ فانعيني بما أنا أهله |
وشقّي عليّ الجيب ياأمّ معبد(١) |
وقال بشر بن أبي خازم لابنته عميرة(٢) :
فمن يك سائلا عن بيت بشر |
فإنّ له بجنب الرّدة بابا(٣) |
|
ثوى في ملحد لا بدّ منه |
كفى بالموت نأيا واغترابا(٤) |
|
رهين بلى وكلّ فتى سيبلى |
فأذري الدّمع وانتحبي انتحابا |
وقد روي عن ابن عباس في هذا الخبر أنه قال: وهل(٥) ابن عمر، إنما مرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله على يهودي فقال: (إنّكم لتبكون عليه، وإنه ليعذّب في قبره).
وقد روي إنكار هذا الخبر أيضا عن بعض أزواج النبيصلىاللهعليهوآله ، وأنها قالت لما أخبرت بروايته: وهل أبو عبد الرحمن كما وهل يوم قليب بدر، إنما قالعليهالسلام : (إن أهل الميت ليبكون عليه، وإنه ليعذب بجرمه)
____________________
(١) المعلقة ٩٦ - بشرح التبريزي. والرواية فيها:
* وشقّي عليّ الجيب ياابنة معبد*
(٢) مختارات ابن الشجري ٢: ٣٢؛ من قصيدة قالها وهو يجود بنفسه بعد أن طعنه غلام من بني وائلة بسهم فأثخنه، ومطلعها:
أسائلة عميرة عن أبيها |
خلال الجيش تعترف الرّكابا |
(٣) الرده: جمع ردهة؛ وهي نقرة في صخرة يستنقع فيها الماء.
(٤) في مختارات ابن الشجري: (هوى في ملحد).
(٥) في حواشي الأصل، ت، ف: (قال أبو زيد: وهلت [بكسر الهاء] في الشيء وعنه أوهل وهلا [بفتحتين] إذا غلطت فيه، ووهلت [بفتح الهاء] إلى الشيء أهل وهلا [بسكون الهاء] إذا ذهب وهمك إليه، ووهلت [بكسر الهاء] أوهل وهلا [بفتحتين]: فزعت).
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: معنى (وهل) أي ذهب وهمه إلى غير الصواب، يقال وهلت إلى الشيء فأنا أهل وهلا إذا ذهب وهمك إليه، ووهلت عنه أهل وهلا، أي نسيته وغلطت فيه، ووهل الرجل يوهل وهلا إذا فزع، والوهل: الفزع.
فأما (القليب) فهي البئر، والجمع القلب، قال حسان بن ثابت يذكر قتلى بدر من المشركين:
يناديهم رسول الله لما |
قذفناهم كباكب في القليب(١) |
|
ألم تجدوا حديثي كان حقّا |
وأمر الله يأخذ بالقلوب |
وقال آخر يبكي على قتلى بدر من المشركين:
فماذا بالقليب قليب بدر |
من القينات والشّرب الكرام(٢) |
|
وماذا بالقليب قليب بدر |
من الشّيزى يكلّل بالسّنام(٣) |
ومعنى وهله في ذكر القليب أنه روي أن النبيصلىاللهعليهوآله وقف على قليب بدر فقال: (هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا)؟ ثم قال: (إنهم ليسمعون ما أقول)، فأنكر ذلك عليه؛ وقيل إنما قالعليهالسلام : (إنهم الآن ليعلمون أنّ الّذي كنت أقول لهم هو الحق)، واستشهد بقول الله تعالى:( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ) ؛ [النمل: ٨٠]. وأهل القليب جماعة من قريش؛ منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وغيرهم.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: بينما رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذات يوم قائما يصلّي بمكة وأناس من قريش في حلقة، فيهم أبو جهل بن هشام، فقال: ما يمنع أحدكم أن يأتي الجزور التي نحرها آل فلان، فيأخذ سلاها ثم يأتي به حتى إذا سجد وضعه على ظهره؟
قال عبد الله: فانبعث أشقى القوم - وأنا أنظر إليه - فجاوبه حتى وضعه على ظهره، قال عبد الله: فلو كانت لي يومئذ منعة لمنعته. وجاءت فاطمةعليهاالسلام عليه، وهي يومئذ صبية حتى أماطته عن ظهر أبيها ثم جاءت حتى قامت على رءوسهم فأوسعتهم شتما، قال:
فو الله لقد رأيت بعضهم يضحك، حتى إنّه ليطرح نفسه على صاحبه من الضحك، فلما
____________________
(١) ديوانه: ١١ - ١٢. الكباكب: الجماعات.
(٢) ت، د، حاشية ف (من نسخة): (من الفتيان).
(٣) الشيزى: شجر عظيم يتخذ منه الجفان، وهو الآبنوس.
سلّم النبيصلىاللهعليهوآله أقبل على القوم فقال: (اللهمّ عليك بفلان وفلان)، فلما رأوا النبيصلىاللهعليهوآله قد دعا عليهم أسقط في أيديهم، فو الله الّذي لا إله غيره ما سمّى النبيصلىاللهعليهوآله يومئذ أحدا إلاّ وقد رأيته يوم بدر، وقد أخذ برجله يجرّ إلى القليب مقتولا.
وقوله: (فيأخذ سلاها) أي جلدتها التي فيها ولدها ما دام في بطنها، والجميع(١) الأسلاء؛ وقال ابن حبيب(٢) : الأسلاء التي فيها الأولاد، قال الأخطل:
ويطرحن بالثّغر السّخال كأنّما |
يشقّقن بالأسلاء أردية العصب(٣) |
وقال الشّماخ:
والعيس ذامية المناسم ضمّر |
يقذفن بالأسلاء تحت الأركب(٤) |
قال الفرّاء. سقط في أيديهم من الندامة، وأسقط لغتان، وهي بغير ألف أكثر وأجود.
ويمكن أن يكون في قوله: (يعذّب ببكاء أهله عليه) وجه آخر؛ وهو أن يكون المعنى أن الله تعالى إذا أعلمه ببكاء أهله وأعزّائه عليه وما لحقهم بعده من الحزن والهمّ تألم بذلك؛ فكان عذابا له؛ والعذاب ليس بجار مجرى العقاب الّذي لا يكون إلاّ على ذنب متقدّم؛ بل قد يستعمل كثيرا بحيث يستعمل الألم والضرر؛ ألا ترى أنّ القائل قد يقول لمن ابتدأه بالضرر والألم: قد عذّبتني بكذا وكذا؛ كما يقول: أضررت بي وآلمتني؛ وإنما لم يستعمل العقاب حقيقة في الآلام المبتدأة من حيث كان اشتقاق لفظه من المعاقبة، التي لا بد من تقدم سبب لها، وليس هذا في العذاب.
____________________
(١) ف: (الجمع).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (محمد بن حبيب اللغوي، وحبيب أمه؛ وكان ولد ملاعنة فلا ينسب إلى أبيه).
(٣) ديوانه: ٢٠، وفي حاشيتي الأصل، ف:
الثغر: موضع المخافة؛ ويمكن أن يريد به هاهنا موضعا بعينه؛ يصف الإبل بالكد والجهد؛ حتى طرحت أولادها وأسلاءها مشقوقة؛ وشبه الأسلاء في حال انشقاقها عن السخال بأردية من برود اليمن).
(٤) لم يرد البيت في ديوانه وفي حاشيتي الأصل، ف: (العيس: الإبل البيض. والمناسم: مقدمة الخف. والأركب: جمع ركب، والركب: جمع ركبة؛ ويمكن أن تكون الأركب بمعنى الركبان).
تأويل خبر آخر [: (ما من أحد يدخله عمله الجنة، وينجيه من النار) ]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه أبو هريرة عن النبيعليهالسلام أنه قال: (ما من أحد يدخله عمله الجنة، وينجيه من النار)، قيل: ولا أنت يارسول الله؟ قال: (ولا أنا؛ إلاّ أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل)، يقولها ثلاثا.
فقال: أو ليس في هذا دلالة على أنّ الله تعالى يتفضّل بالثواب، وأنه غير مستحق عليه؟
ومذهبكم بخلاف ذلك.
الجواب، قلنا: فائدة الخبر ومعناه بيان فقر المكلّفين إلى الله تعالى، وحاجتهم إلى ألطافه وتوفيقاته ومعوناته، وأنّ العبد لو أخرج إلى نفسه، وقطع الله تعالى موادّ المعونة واللطف عنه لم يدخل بعمله الجنة، ولا نجا من النار؛ فكأنهعليهالسلام أراد أنّ أحدا لا يدخل الجنة بعمله الّذي لم يعنه الله تعالى عليه، ولا لطف له فيه، ولا أرشده إليه؛ وهذا هو الحق الّذي لا شبهة فيه؛ فأما الثواب فما نأبى القول بأنه تفضّل؛ بمعنى أنّ الله تعالى تفضّل بسببه الّذي هو التكليف، ولهذا نقول: إنه لا يجب على الله تعالى شيء ابتداء، وإنما يجب عليه ما أوجبه على نفسه، فالثواب مما كان أوجبه على نفسه بالتكليف؛ وكذلك التمكين والإلطاف، وكل ما يجلبه ويوجبه التكليف، ولولا إيجابه له على نفسه بالتكليف لما وجب.
فإن قيل: فقد سمى الرسول ما يفعل به فضلا فقال: (إلاّ أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل)، قلنا هذا يطابق ما ذكرناه، لأنّ الرحمة النعمة والثواب نعمة، وهو يفضّل من الوجه الّذي ذكرناه، وإن حملنا قولهعليهالسلام : (برحمة منه وفضل) على ما يفعل به من الألطاف والمعونات فهي أيضا فضل وتفضّل لأنّ سببها غير واجب.
فأما قوله عليه الصلاة والسلام: (يتغمدني) فمعناه يسترني، يقال غمدت السيف في غمده إذا سترته، قال الشاعر:
نصبنا رماحا فوقها جدّ عامر |
كظلّ السّماء، كلّ أرض تغمّدا |
فالجدّ هاهنا: الحظ، وشبّه ما قسم لعامر من الغلبة والظفر بظلّ السماء الّذي يستر كلّ شيء، ويظهر عليه.
***
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمي قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوي قال أخبرنا ابن الأعرابي قال: يقال للقوم إذا دعوت عليهم: بهرهم الله، والمبهور هو المكروب، وأنشدنا:
أبرزوها مثل المهاة تهادى |
بين خمس كواعب أتراب(١) |
|
ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا |
عدد الرّمل والحصى والتّراب(٢) |
قال سيدنا أدام الله أيامه: وقد قيل في معنى قوله: (بهرا) غير هذا الوجه.
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا القاسم بن إسماعيل قال حدثنا التّوزي عن أبي عمرو الأسدي قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: عمر ابن أبي ربيعة حجّة في العربية، وما أخذ عليه شيء إلا قوله:
* ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا*
وله فيه عذر إن أراد الخبر لا الاستفهام، كأنهم قالوا: أنت تحبها؛ على وجه الإخبار منهم لا الاستفهام، فوكّد هو إخبارهم بجوابه، فهذا حسن. و (بهرا) يجوز أن يكون أراد:
نعم حبّا بهرني بهرا، ويكون أيضا بمعنى (عقرا وتعسا)، دعاء عليهم إذ جهلوا من حبّه لها ما لا يجهل مثله، وأنشد أبو عمرو:
____________________
(١) من قصيدة في الديوان، مطلعها:
قال لي صاحبي ليعلم ما بي: |
أتحب القتول أخت الرباب؟ |
(٢) ف، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (عدد القطر)، وفي الديوان: (عدد النجم). و (بهرا):
مصدر بمعنى الغلبة؛ وكأنه قال: غلبني حبها واستولى عليّ.
لحا الله قومي إذ يبيعون مهجتي |
بجارية، بهرا لهم بعدها بهرا(١) |
قال أبو عمرو: ويكون (بهرا) بمعنى (ظاهرا)؛ يريد حبّا ظاهرا، من قولهم: قمر باهر، وقد روى بعض الرواة أنه قال:
* قيل لي: هل تحبها؟ قلت: بهرا*
والرواية الأولى هي المشهورة، ولعلّ من روى ذلك فرّ بهذه الرواية من اللّحن.
[أبيات لعمر بن أبي ربيعة يقولها في الثريا بنت عبد الله:]
وهذان البيتان لعمر بن أبي ربيعة المخزومي، من جملة أبيات منها:
من رسولي إلى الثّريّا بأني |
ضقت ذرعا بهجرها والكتاب(٢) |
|
وهي مكنونة تحيّر منها |
في أديم الخدّين ماء الشّباب |
|
سلبتني مجاجة المسك عقلي |
فسلوها بما يحلّ اغتصابي |
|
أرهقت(٣) أمّ نوفل إذ دعتها |
مهجتي، ما لقاتلي من متاب |
|
حين قالت لها: أجيبي، فقالت: |
من دعاني؟ قالت: أبو الخطّاب |
|
أبرزوها مثل المهاة تهادى |
بين خمس كواعب أتراب |
|
ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا |
عدد القطر والحصى والتّراب |
والثريّا هي التي عناها عمر أمويّة، وقد اختلف في نسبها، فقيل: إنها الثريّا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر. أبو عبد شمس، وقيل: إنها الثريّا بنت عليّ بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر. وذكر الزبير بن بكّار أن الثريا هي بنت عبد الله بن محمد
____________________
(١) البيت لابن ميادة، وهو في اللسان (بهر)، والرواية فيه:
* تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي*
وفي حواشي الأصل، ت، ف: (قوله: (بهرا لهم بعدها بهرا) يجوز أن يكون الضمير في (بعدها) للجارية؛ ويكون قد كرر (بهرا)، ويجوز أن يكون الضمير (لبهرا) الأولى؛ أي بهرا لهم بعدها بهرا؛ وإنما أنت لأنها كلمة، وتكون الجملة التي هي (بعدها بهرا) في موضع الصفة لبهرا الأولى، ويجوز أن يكون الضمير للفعلة؛ أي البيعة).
(٢) في حاشيتي ت، ف: (أي امتناعها من الكتاب إلى، وقيل: هو يحلف بالمصحف).
(٣) ت، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (أزهقت).
ابن عبد الله بن الحارث بن أميّة الأصغر، وأنها أخت محمد بن عبد الله المعروف بأبي جراب العبلي(١) الّذي قتله داود بن عليّ.
[خبر عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق والثريا بنت عبد الله:]
وأخبرنا أبو عبيد الله قال حدثني محمد بن عبد الله(٢) قال حدثنا أحمد بن يحيى عن الزّبير بن بكّار قال حدثني موسى بن عمر بن الأفلح قال: أخبرني بلال، مولى ابن أبي عتيق في حديث طويل لعمر بن أبي ربيعة مع الثريّا اختصرناه وأوردنا بعضه قال: لما سمع ابن أبي عتيق قول عمر:
* من رسولي إلى الثريّا بأنّي*
قال: إياي أراد: وبي نوّه، لا جرم! والله لا أذوق أكالا حتى أشخص إليه لأصلح بينهما، فنهض ونهضت معه، فجاء قوما من بني الدّيل بن بكر، لم تكن النجائب تفارقهم يكرونها فاكترى منهم راحلتين، وأعلى لهم بهما، فقلت له: استوضعهم شيئا، أو دعني أماكسهم فقد اشتطّوا، فقال لي: ويحك! أما علمت أن المكاس ليس من خلق الكرام! وركب إحداهما، وركبت الأخرى، فسار سيرا شديدا، فقلت له. ارفق على نفسك، فإنّ ما تريد لا يفوتك، فقال: ويحك!
* أبادر حبل الود أن يتقضّبا*
وما ملح الدنيا إن يتمّ الصّدع بين عمر والثّريا! فقدمنا مكة ليلا غير محرمين، فدق على عمر بابه، فخرج إليه فسلّم عليه، فما نزل ابن أبي عتيق عن راحلته، وقال لعمر: اركب أصلح بينك وبين الثريّا، فأنا رسولك الّذي سألت عنه، فركب معه، فقدمنا الطائف، فقال ابن أبي عتيق للثريّا: هذا عمر، قد جشّمني إليك سفر المدينة، فجئتك به، معترفا بذنب لم يجنه، معتذرا من إساءتك إليه، فدعيني من التّعداد والتّرداد، فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون؛ فصالحته أحسن صلح، وكررنا راجعين إلى المدينة، ولم يقم ابن أبي عتيق بمكة ساعة واحدة.
____________________
(١) في حاشيتي ت، ف: (عبلة: اسم جارية؛ وأمية الصغرى، وهم حي من قريش؛ يقال لهم:
العبلات؛ بالتحريك، والنسبة إليهم عبلي [بسكون الباء] ردا إلى الواحد لأن أمهم عبلة).
(٢) ت: (محمد بن إبراهيم)؛ وهو من رواة المرزباني أيضا، وانظر الموشح: ٤٥.
وفي الثريا يقول عمر أيضا لما تزوّجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف؛ المكتني بأبي الأبيض، وقيل بل تزوّجها سهيل بن عبد العزيز بن مروان:
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا |
عمرك الله كيف يلتقيان!(١) |
|
هي شاميّة إذا ما استقلّت |
وسهيل إذا استقلّ يماني |
____________________
(١) ديوانه: ٤٩٥.
[٢٦]
مجلس آخر [المجلس السادس والعشرون:]
تأويل آية:( فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ) ؛ [طه: ٧٨].
فقال: ما الفائدة في قوله:( ما غَشِيَهُمْ ) ، وقوله:( غَشِيَهُمْ ) يدل عليه، ويستغني به عنه، لأن( غَشِيَهُمْ ) لا يكون إلاّ الّذي غشيهم، وما الوجه في ذلك؟
قلنا: قد ذكر في هذا أجوبة:
أحدها أن يكون المعنى: فغشيهم من اليمّ البعض الّذي غشيهم، لأنه لم يغشهم جميع مائه، بل غشيهم بعضه، فقال تعالى:( ما غَشِيَهُمْ ) ؛ ليدل على أنّ الّذي غرّقهم بعض الماء، وأنّهم لم يغرقوا بجميعه؛ وهذا الوجه حكي عن الفرّاء، وذكره أبو بكر الأنباري، واعتمده، وغيره أوضح منه.
واليم هو البحر، قال الشاعر:
وبني تبّع على اليمّ قصرا |
عاليا مشرفا على البنيان |
وثانيها أن يكون المعنى: فغشيهم من اليم ما غشى موسى وأصحابه؛ وذلك أن موسىعليهالسلام وأصحابه، وفرعون وأصحابه سلكوا جميعا البحر، وغشيهم كلّهم؛ إلاّ أنّ فرعون وقومه لما غشيهم غرّقهم، وموسىعليهالسلام وقومه جعل لهم في البحر طريق يبس، فقال تعالى:
فغشي فرعون وقومه من ماء اليم ما غشى موسى وقومه، فنجا هؤلاء، وهلك هؤلاء.
وعلى هذا الوجه والتأويل تكون الهاء في قوله:( ما غَشِيَهُمْ ) كناية عن غير من كنّي عنه بقوله:( فَغَشِيَهُمْ ) ؛ لأن الأولى كناية عن فرعون وقومه، والثانية كناية عن موسى وقومه.
وثالثها أنه غشيهم من عذاب اليمّ وإهلاكه لهم ما غشي الأمم السالفة من العذاب
والهلاك عند تكذيبهم أنبياءهم، وإقامتهم على ردّ أقوالهم والعدول عن إرشادهم، والأمم السالفة؛ وإن لم يغشهم العذاب والإهلاك من قبل البحر، فقد غشيهم عذاب وإهلاك استحقوهما بكفرهم وتكذيبهم أنبياءهم، فشبّه بينه وبين هؤلاء من حيث اشتمال العذاب على جميعهم عقوبة على التكذيب.
ورابعها أن يكون المعنى: فغشيهم من قبل اليم ما غشيهم من العطب والهلاك؛ فتكون لفظة( غَشِيَهُمْ ) الأولى للبحر والثانية للهلاك والعطب اللذين لحقاهم من قبل البحر.
ويمكن في الآية وجه آخر لم يذكر فيها، يليق بمذاهب العرب في استعمال مثل هذا اللفظ، وهو أن تكون الفائدة في قوله تعالى:( ما غَشِيَهُمْ ) تعظيم الأمر وتفخيمه؛ كما يقول القائل:
فعل فلان ما فعل، وأقدم على ما أقدم، إذا أراد التفخيم وكما قال تعالى:( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ) ؛ [الشعراء: ١٩]، وما يجري هذا المجرى؛ ويدخل في هذا الباب قولهم للرجل: هذا هذا، وأنت أنت. وفي القوم: هم هم؛ قال الهذلي(١) :
رفوني وقالوا: ياخويلد لا ترع |
فقلت، وأنكرت الوجوه: هم هم(٢) |
وقال أبو النجم:
* أنا أبو النّجم، وشعري شعري(٣) *
كل ذلك أرادوا تعظيم الأمر وتكبيره:
____________________
(١) هو أبو خراش الهذلي.
(٢) ديوان الهذليين ٢: ١٤٤. ورفوني: سكنوني، وأصلها: (رفئوني)، بالهمز.
(٣) معاهد التنصيص، وبعده:
* للّه درّي ما يجنّ صدري*
تأويل آية أخرى:( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) ؛ [النحل: ٢٦]
فقال: ما الفائدة في قوله:( مِنْ فَوْقِهِمْ ) ؛ وهو لا يفيد إلا ما يفيده قوله:( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ ) ؛ لأنّ مع الاقتصار على القول الأول لا يذهب وهم أحد إلى أن السقف يخرّ من تحتهم؟
الجواب، قيل له في ذلك أجوبة:
أولها: أن يكون (على) بمعنى (عن)، فيكون المعنى: فخرّ عنهم السقف من فوقهم؛ أي خرّ عن كفرهم وجحودهم بالله تعالى وآياته، كما يقول القائل: اشتكى فلان عن دواء شربه، وعلى دواء شربه، فيكون (على) و (عن) بمعنى من أجل الدّواء؛ كذلك يكون معنى الآية فخرّ من أجل كفرهم السّقف من فوقهم؛ قال الشاعر:
أرمي عليها وهي فرع أجمع |
وهي ثلاث أذرع وإصبع |
أراد: أرمي عنها؛ لأن كلام العرب: رميت عن القوس، فأقام (على) مقام (عن)، ولو أنه قال تعالى على هذا المعنى:( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ ) ، ولم يقل( مِنْ فَوْقِهِمْ ) جاز أن يتوهم متوهم أن السقف خرّ وليس هم تحته.
وثانيها: أن يكون (على) بمعنى اللام؛ والمراد: فخر لهم السقف؛ فإن (على) قد تقام مقام اللام؛ وحكي عن العرب: ما أغيظك عليّ! وما أغمّك عليّ! يريدون: ما أغيظك، وما أغمّك لي!، قال الطّرمّاح يصف ناقة:
كأنّ مخوّاها على ثفناتها |
معرّس خمس وقّعت للجناجن(١) |
____________________
(١) ديوانه: ١٦٨. يقال: خوى البعير؛ إذا تجافى في بروكه ومكن لثفناته، والثفنات: جمع ثفنة؛ وهو من البعير ركبته، وما مس الأرض من كركرته وأصول أفخاذه، والمعرس: محل التعريس، وهو النزول -
أراد: وقّعت على الجناجن؛ وهي عظام الصدر، فأقام اللام مقام (على).
وقد يقول القائل أيضا: تداعت على فلان داره، واستهدم عليه حائطه، ولا يريد أنه كان تحته؛ فأخبر تعالى بقوله:( مِنْ فَوْقِهِمْ ) عن فائدة؛ لولاه ما فهمت. ولا جاز أن يتوهّم متوهّم في قوله تعالى:( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ ) ما يتوهمه من قوله: خرب عليه ربعه، ووقفت عليه دابته، وأشباه ذلك.
وللعرب في هذا مذهب ظريف لطيف؛ لأنهم لا يستعملون لفظة (على) في مثل هذا الموضع إلا في الشرّ والأمر المكروه الضارّ، ويستعملون اللام وغيرها في خلاف ذلك؛ ألا ترى أنهم لا يقولون: عمرت على فلان ضيعته، بدلا من قولهم: خربت عليه ضيعته، ولا ولدت عليه جاريته؛ بل يقولون: عمرت له ضيعته، وولدت له جاريته؛ وهكذا من شأنهم إذا قالوا: (قال عليّ)؛ و (روى عليّ)؛ فإنه يقال في الشرّ والكذب، وفي الخير والحق؛ يقولون: (قال عنّي) و (روي عنّي)؛ ومثل ذلك قوله تعالى:( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) ؛ [البقرة: ١٠٢]، لأنهم لما أضافوا الشّرّ والكفر إلى ملك سليمان حسن أن يقال: (يتلون عليه)، ولو كان خيرا لقيل عنه، ومثله( وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ؛ [آل عمران: ٧٥]، وقوله:( أَتَقُولُونَ عَلَى الله ما لا تَعْلَمُونَ ) ، [يونس: ٦٨]؛ وقال الشاعر(١) :
عرضت نصيحة منّي ليحيى |
فقال: غششتني، والنّصح(٢) مرّ |
|
وما بي أن أكون أعيب يحيى |
ويحيى طاهر الأخلاق برّ |
____________________
- آخر الليل. وفي حاشية الأصل: (يعني كأن تجاوف أعضائها المتجافية عند البروك معرس لخمس أنوق)؛ والبيت برواية القالي (الأمالي ٣: ١٦٥):
لها تفرات تحتها وقصارها |
على مشرة لم تعتلق بالمحاجن |
(١) فى حواشى الأصل، ت، ف: (كان رجل من بني حنيفة يقال له يحيى، يجيء إلى امرأة يقال لها بقعاء في قرية من قرى اليمامة، فنهاه ابن أرطاة الأعرجي عنها، فلم يقبل إلى أن رصد فجرح، فقال الأعرجي: عرضت الأبيات).
(٢) الأبيات في الكامل ١: ١٥٨ - بشرح المرصفي.
ولكن قد أتاني أنّ يحيى |
يقال عليه في بقعاء شرّ(١) |
|
فقلت له: تجنّب كلّ شيء |
يعاب عليك، إنّ الحرّ حرّ |
ومثله قول الفرزدق في عنبسة بن معدان المعروف بعنبسة الفيل - وقد كان يتتبّع شعره ويخطّئه ويلحّنه:
لقد كان في معدان والفيل زاجر |
لعنبسة الراوي عليّ القصائدا |
فقال: (عليّ) ولم يقل: (عنّي) للمعنى الّذي ذكرناه.
وثالث الوجوه أن يكون( مِنْ فَوْقِهِمْ ) تأكيدا للكلام وزيادة في البيان، كما قال تعالى:
( وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ؛ [الحج: ٤٦]، والقلب لا يكون إلاّ في الصدر؛ ونظائر ذلك في الكتاب وكلام العرب كثيرة(٢) .
________________________________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (بقعاء في البيت: اسم امرأة. وبقعاء: ماء بالبادية، قالت امرأة من العرب:
ومن يهد لي من ماء بقعاء شربة |
فإنّ له من ماء لينة أربعا |
|
لقد زادني حبّا لبقعاء أنّني |
رأيت مطايانا بلينة ظلّعا |
|
فمن مبلغ أختي بالرّمل أنّني |
بكيت فلم أترك بعيني مدمعا! |
- بقعاء ماؤها زعاق، وماء لينة عذب، وإنما تشكو لينة؛ لأن زوجها حملها إليها وهو عنين، فذلك قولها:
* رأيت مطايانا بلينة ظلّعا*
ومثله:
تظلّ المطايا حائدات عن الهدى |
إذا ما المطايا لم تجد من يقيمها |
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (من ذلك قوله تعالى:( وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ) ، وقوله عز من قائل:( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ) .
تأويل خبر [: (إنّ هذا القرآن مأدبة الله ]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه نافع عن أبي إسحاق الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال: (إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فتعلّموا مأدبته ما استطعتم؛ وإنّ أصفر البيوت لجوف(١) أصفر من كتاب الله تعالى)
فقال: ما تأويله؟ وكيف بيان غريبه؟.
الجواب؛ قلنا: المأدبة في كلام العرب هي الطعام، يصنعه(٢) الرجل ويدعو الناس إليه؛ فشبه النبيصلىاللهعليهوآله ما يكتسبه الإنسان من خير القرآن ونفعه وعائدته عليه إذا قرأه وحفظه؛ بما يناله المدعوّ من طعام الداعي وانتفاعه به؛ يقال: قد أدب الرجل يأدب فهو آدب؛ إذا دعا الناس إلى طعامه. ويقال للمأدبة المدعاة؛ وذكر الأحمر أنه يقال فيها أيضا:
مأدبة، بفتح الدال؛ قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى |
لا ترى الآدب فينا ينتقر(٣) |
ومعنى (الجفلى) أنه عمّ بدعوته ولم يخصّ بها قوما دون قوم، والنّقرى إذا خصّ بها بعضا دون بعض، ومعنى (ينتقر) من النّقرى؛ قال بعض هذيل:
وليلة يصطلى بالفرث جازرها |
يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها(٤) |
|
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة |
عند الصّباح ولا تسري أفاعيها |
معنى (يصطلي بالفرث جازرها) أن الجازر إذا شقّ فيها الكرش أدخل يده لشدّة البرد في الفرث مستدفئا به. ومعنى: (يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها)؛ أنه يخصّ بدعائه إلى طعامه الأغنياء الذين يطمع من جهتهم في المكافأة، وقال الآخر:
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (لبيت).
(٢) ت: (يضعه).
(٣) ديوانه: ٦٨
(٤) البيتان من مقطوعة في (ديوان الهذليين ٣: ١٢٦)، منسوبة إلى جنوب في رثاء أخيها عمرو ذي الكلب.
قالوا ثلاثاؤه خصب ومأدبة |
فكلّ أيّامه يوم الثّلاثاء |
وقال الهذلي(١) يصف عقابا:
كأنّ قلوب الطّير في جوف وكرها |
نوى القسب يلقى عند بعض المآدب(٢) |
أراد جمع مأدبة.
وقد روي هذا الحديث بفتح الدال (مأدبة)، وقال الأحمر: المراد بهذه اللفظة مع الفتح هو المراد بها مع الضمّ.
وقال غيره: المأدبة، بفتح الدال (مفعلة) من الأدب؛ معناه أنّ الله تعالى أنزل القرآن أدبا للخلق، وتقويما لهم، وإنما دخلت الهاء في مأدبة ومأدبة، والقرآن مذكّر، لمعنى المبالغة؛ كما قالوا: هذا شراب مطيبة للنفس؛ وكما قال عنترة:
* والكفر مخبثة لنفس المنعم(٣) *
وجرى ذلك مجرى قولهم: رجل علاّمة ونسّابة في باب المدح على جهة التشبيه بالداهية، ورجل هلباجة(٤) في باب الذم على جهة التشبيه بالبهيمة.
[ذكر أنواع المآدب وأسمائها وما ورد في ذلك من الشعر:]
ويقال لطعام الإملاك: وليمة، ولطعام الختان: العذيرة، ولطعام الزّفاف: العرس، ولطعام بناء الدار: الوكيرة، ولطعام حلق(٥) الشعر: العقيقة، ولطعام القادم من السفر: النّقيعة، ولطعام النّفاس: الخرس، والّذي تطعمه النّفساء: الخرسة، قال الشاعر:
إذا النّفساء لم تخرّس ببكرها |
غلاما ولم يسكت بحتر فطيمها(٦) |
الحتر: الشيء القليل، وقال آخر:
____________________
(١) هو صخر الغي.
(٢) ديوان الهذليين ٢: ٥٥، والقسب: التمر اليابس يتفتت في الفم.
(٣) من المعلقة، ص ٢٠١ - بشرح التبريزي؛ وصدره:
* نبّئت عمرا غير شاكر نعمتي*
(٤) الهلباجة: الفدم الضخم الأكول.
(٥) حاشية ت (من نسخة): (حلق الرأس).
(٦) ت: (بختر) والبيت للأعلم الهذلي؛ كما في اللسان (خرس - حتر)، وهو أيضا في المقاييس ٢: ١٦٧، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (كأنه يصف سنة، وأن النفساء المنفوسة بالبكر الغلام لا تخرس، ولا يسكت فطيمها بأدنى شيء).
كلّ الطّعام تشتهي ربيعه |
الخرس والإعذار والنّقيعه(١) |
ويروى: (العرس). وينشد أيضا في النقيعة قول الشاعر:
إنّا لنضرب بالسّيوف رءوسهم |
ضرب القدار نقيعة القدّام(٢) |
والقدار: الجزّار. والقدّام: جمع قادم.
وقال أبو زيد: يقال لطعام الإملاك: النّقيعة، ولطعام بناء الدار: الوكيرة، ولطعام الختان: الإعذار والعذيرة.
وقال الفرّاء: الشّندخي(٣) : طعام الإملاك، والوليمة: طعام العرس.
وقال أبو زيد: يقال من النّقيعة نقعت. وقال الفراء: منها أنقعت.
وقال ابن السّكّيت: يقال للطعام الّذي يتعلّل به قدّام الغداء؛ السّلفة واللهنة؛ يقال:
الأصمعي: فلان لهّنوا ضيفكم، أي أطعموه اللهنة، قال الشاعر:
عجيّز عارضها منفلّ |
طعامها اللهنة أو أقلّ(٤) |
وقال ابن السّكّيت: يقال فلان يأكل الوزمة إذا كان يأكل أكلة في اليوم. وقال يأكل الوجبة، إذا كان يأكل في اليوم والليلة أكلة، قال بشار:
فاستغن بالوجبات عن ذهب |
لم يبق فيه لامرئ ذهبه |
وقال ابن السّكّيت: قال الأصمعي لرجل أسرع في سيره: كيف كان سيرك؟ فقال:
____________________
(١) البيتان في اللسان (خرس).
(٢) البيت في اللسان (قدر)، ونسبه إلى المهلهل، وفي حاشية الأصل: (هذا من باب تسمية الشيء بما يئول إليه؛ أي اللحم الّذي يصير نقيعا؛ كقوله تعالى:( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) .
(٣) ت: (الشندخي)، بضم الشين وفتح الدال، وفي د، وحاشية ت (من نسخة): (الشندخي)، بضم الشين مع الألف المقصورة، وفي ج، ش: الشندخي)، بفتح الشين وضم الدال. وفي حواشي الأصل، ت، ف: (رواه الأزهري الهروي عن الفراء (الشنداخي)، وهو الصحيح، وقال: هو طعام البناء).
(٤) البيتان في اللسان (فلل)؛ والثاني في اللسان أيضا (لهن)، ونسبه إلى عطية الديبري. العارض: السن التي في عرض الفم، وانفل: تكسر.
كنت آكل الوجبة، وأنجو الوقعة، وأعرّس إذا أفجرت، وأرتحل إذا أسفرت، وأسير الوضع، وأجتنب الملع، فجئتكم لمسي سبع.
قوله: (أنجو الوقعة)، معناه أقضي حاجتي مرة في اليوم، وهو من النّجو.
وقوله: (أسير الوضع)، فالوضع: سير فيه بعض الإسراع، والملع: سير أشدّ منه، فأراد أنه يجتنب الشديد من السير؛ كراهة أن يقف ظهره قبل أن يبلغ الأرض التي يقصد لها؛ ويقال: شرّ السّير الحقحقة، أي السير الحديد(١) الّذي يقطع صاحبه عن بلوغ بغيته، قال الشاعر:
إذ ما أردت الأرض ثمّ تباعدت |
عليك فضع رحل المطيّة وانزل |
أي استرح حتى تقوى على السير، فإن جهدت نفسك لم تقطع أرضا، ولم تبق ظهرا؛ وهذا من أبيات المعاني التي يسأل عنها، والّذي قيل فيه ما ذكرناه. ويمكن أن يكون معنى البيت: إذا بعدت عليك أرض فدعها واسل عنها؛ كما يقال: دواء ما عزّ مطلبه الصّبر؛ وما جرى مجرى ذلك من ألفاظ التسلية؛ والأمر بالعدول عن تتبّع ما صعب من الأمور(٢) .
وقال الآخر في معنى البيت الأول:
نقطّع بالنّزول الأرض عنّا |
وبعد الأرض يقطعه النّزول |
وقوله: (لمسي سبع)، معناه لمساء سبع ليال.
ويقال للذي يحضر طعام القوم من غير أن يدعوه إليه: الوارش والوروش.
وقول العامة: طفيلي مولّد لا يوجد في العتيق من كلام العرب، وأصل ذلك أن رجلا يقال له طفيل، كان بالكوفة لا يفقد من وليمة من غير أن يدعى إليها، فقيل للوارش: طفيلي؛ تشبيها بطفيل هذا في وقته.
____________________
(١) ت، د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): (الشديد).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (مثله: أرخص ما يكون النفط إذا غلا؛ يعني أنه لا يشرى فيكون رخيصا).
ويقال للذي يحضر شراب القوم من غير أن يدعى إليه واغل؛ قال امرؤ القيس:
فاليوم فاشرب غير مستحقب |
إثما من الله ولا واغل(١) |
ويقال لما يشربه الواغل: الوغل، قال الشاعر:
إن أك مسكرا فلا أشرب ال |
وغل ولا يسلم منّي البعير(٢) |
وقولهصلىاللهعليهوآله : (إنّ أصفر البيوت لجوف أصفر من كتاب الله)، معناه:
أخلى البيوت؛ والصّفر عند العرب: الخالي؛ من الآنية وغيرها. ويمكن في قوله: (مأدبة) وجه آخر؛ وهو أن يكون وجه التشبيه للقرآن بالمأدبة وتسميته بها من حيث دعا الخلق إليه، وأمرهم بالاجتماع عليه، فسماهعليهالسلام (مأدبة) لهذا الوجه، لأن المأدبة هي التي يدعى الناس إليها، ويجتمعون عليها؛ وهذا الوجه يخالف الأول، لأن الأول تضمّن أنّ وجه التشبيه من حيث النفع العائد على الحافظ للقرآن كما ينتفع المدعوّ إلى المأدبة بما يصيبه من الطّعام. وهذا الوجه الآخر تضمّن أن التشبيه وقع لاجتماع الناس في الدعاء إليه، والإرشاد إلى إصابته. وليس يبعد أن يريدعليهالسلام بالخبر المعنيين معا، فلا تنافي بينهما(٣) .
***
[أخبار متفرقة عن الأصمعي وحضور ذهنه عند إنشاء الشعر:]
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال:
____________________
(١) ديوانه: ١٥٠، والرواية فيه:
* فاليوم أسقى غير مستحقب*
وفي حاشية ت (من نسخة):
* فاليوم أشرب غير مستحقب*
(٢) اللسان (وغل)، ونسبه لعمرو بن قميئة.
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (ويمكن أن يكون في معنى الخبر وجه آخر، وهو أنهعليهالسلام إنما شبه القرآن بالمأدبة لما اشتملت عليه المأدبة من أنواع الأطعمة، من الحلو والحامض والمالح وغير ذلك مما لا يكون في غير المآدب، فكذلك القرآن يشتمل على أنواع من العلوم لا توجد في غيره، كما قال تعالى:( وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) ، وهذا وجه عن الشيخ الإمام جمال الدين أبي الفتوح الرازي رحمه الله في أثناء الدرس، وهو أقرب وأشبه من الوجهين المذكورين).
كنّا في مجلس الأصمعي إذ أقبل أعرابي فقال: أين عميدكم؟ فأشرنا إلى الأصمعي، فقال له:
ما معنى قول الشاعر:
لا مال إلاّ العطاف تؤزره |
أمّ ثلاثين وابنة الجبل(١) |
|
لا يرتقي النزّ في ذلاذله |
ولا يعدّي نعليه من بلل(٢) |
فقال الأصمعي:
عصرته نطفة تضمّنها |
لصب تلقّي مواضع السّبل |
|
أو وجبة من جناة أشكلة |
إن لم يرغها بالقوس لم تنل(٣) |
قال: فأدبر الأعرابي وهو يقول: لم أر كاليوم عضلة(٤) .
قال ابن دريد: إنما وصف رجلا خائفا في رأس جبل؛ يقول: لا مال له إلاّ العطاف - وهو السّيف - تؤزره أمّ ثلاثين؛ يعني كنانة فيها ثلاثون سهما. وابنة الجبل؛ يعني القوس، لأنها تعمل من شجر الجبال مثل النّبع وغيره.
وقوله: (لا يرتقي النّزّ في ذلاذله)، لأنه في رأس جبل؛ فلا نزّ هناك يتعلق بما يفضل من ثيابه، ولا بلل يعدّي نعليه عنهما.
والعصرة: الملجأ. والنّطفة: الماء المجتمع في صخر أو غيره من بقيّة ماء المطر. واللّصب:
الشّق في الجبل أضيق من اللهب(٥) وأوسع من الشّعب. والسّبل: المطر.
والوجبة: أن يأكل كلّ يوم مرة. والأشكل: السّدر الجبلي، واحده أشكلة؛ يقول:
____________________
(١) الأبيات في اللسان (عطف)، وروي عن ثعلب أنها في وصف صعلوك. وفي حواشي الأصل، ت، ف: (أصل العطاف الرداء؛ فشبه به السيف)، وتؤزره: تعينه.
(٢) النز: الماء الّذي يتحلب من الأرض والذلاذل: أسافل القميص الطويل.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (يرغها) بفتح الياء وضم الراء، وفيها: (أراغ معناه طلب، وراغ: مال؛ يقال:
راغ إليه؛ فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل؛ ومن ذلك قوله تعالى:( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) .
(٤) العضلة: الداهية؛ يقال: فلان عضلة وعضل، أي شديد داهية.
(٥) اللهب: الطريق بين الجبلين.
فهذه النطفة والوجبة من الأشكلة عصرتاه. وقوله: (إن لم يرغها بالقوس)؛ يعني أنها لا تنال باليد حتى تحرّك بالقوس.
قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنما جعل الأصمعي إنشاد باقي الأبيات دلالة على معرفة معناها؛ لأنه يبعد أن يعرفها ولا يعرف معناها، والأعرابي إنما سأل عن المعنى، فأقام إنشاده لها مقام تفسيرها، واستغنى الأعرابي بذلك وعلم بإتمامه للأبيات معرفته بمعانيها.
وكان الأصمعي كثيرا إذا أنشد شيئا من الشعر ينشد في معناه في الحال، فمن ذلك أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنشده يوما لنفسه:
إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي |
وقام بنصري خازم وابن خازم |
|
عطست بأنف شامخ وتناولت |
يداي الثّريّا قاعدا غير قائم |
قال: فلما فرغت من إنشادهما أنشد بعقب ذلك:
ألا أيّها السائلي جاهلا |
ليعرفني، أنا أنف الكرم |
|
نمت في الكرام بني عامر(١) |
فروعي وأصلي قريش العجم(٢) |
قال: فجاء والله بالشّعر الّذي نحوته وعملت بيتي عليه.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا عون بن محمد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: ما أنشدت الأصمعي شيئا قط إلا أنشدني مثله؛ كأنه أعدّه لي، فأنشدته يوما للأعشى:
علّقتها عرضا وعلّقت رجلا |
غيري وعلّق أخرى غيرها الرّجل(٣) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة):
* نمت في الكرام بنو عامر*
(٢) حاشية الأصل: (يقول: أصلي قريش الذين يسكنون بلاد العجم وفرعي بنو عامر؛ كأن أباه قرشي وأمه عامرية).
(٣) ديوانه: ٤٣، وفي حاشية الأصل: (أي عشقتها اعتراضا لا قصدا واعتزاما، ومثله:
جننت بليلي وهي جنّت بغيرنا |
وأخرى بنا مجنونة لا نريدها |
فأنشدني من وقته:
قتلتك أخت بني لؤي إذ رمت |
وأصاب نبلك إذ رميت سواها(١) |
|
وأعارها الحدثان منك مودّة |
وأعار غيرك ودّها وهواها |
وذكر أبو العيناء قال: كان الأصمعي إذا سمع إنسانا ينشد شعرا في معنى أنشد في ذلك المعنى من غير أن يريه أنه أراده، فأنشده رجل قول القطامي:
والناس من يلق خيرا قائلون له |
ما يشتهي، ولأمّ المخطئ الهبل(٢) |
فأنشد هو قول قعنب الفزاري:
فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره |
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما(٣) |
وروى ميمون بن هارون قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: أنشدت الأصمعي قول الأعشى، طلبا أن ينشدني مثله - وكان مع بخله بالعلم لا يضنّ بمثل هذا:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا |
أو تنزلون فإنّا معشر نزل(٤) |
فأنشدني لربيعة بن مقروم الضبي.
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها |
بسليم أو ظفة القوائم هيكل(٥) |
|
فدعوا نزال، فكنت أوّل نازل |
وعلام أركبه إذا لم أنزل! |
وروي عن إسحاق بن إبراهيم أيضا أنه قال: دخل يوما إلى الأصمعي، وعندي أخ
____________________
(١) البيتان لعدي بن الرقاع؛ وهما في مجموعة الطرائف ٩٢، ومعجم البلدان ٨: ٢٠٤.
(٢) جمهرة الأشعار: ٣٠٣؛ وفي حاشية الأصل: (يقول: من أصاب مالا قيل له ما يشتهي ولا يخالف، ومن تجاوزه المال خولف في كل شيء ولعن).
(٣) كذا ذكره المؤلف؛ ونسبه المفضل الضبي إلى المرقش الأصغر، وانظر المفضليات: ٢٤٧ (طبعة المعارف).
(٤) ديوانه: ٤٨، وروايته:
* قالوا الرّكوب فقلنا تلك عادتنا*
(٥) خزانة الأدب ٣: ٥٦٥. الأوظفة: جمع وظيف، وهو مستدق الذراع والساق من الخيل.
والهيكل: الضخم المشرف.
للعماني الراجز، حافظ رواية، فلما دخل عبث به أخو العماني(١) ، فقال له: من هذا؟ قال: هو الباهلي الّذي يقول(١) :
فما صحفة مأدومة بإهالة |
بأطيب من فيها ولا أقط رطب(٢) |
فقال له قبل أن يستتم كلامه: هو على كلّ حال أصلح من قول أخيك العماني:
ياربّ جارية حوراء ناعمة |
كأنّها عومة في جوف راقود(٣) |
قال إسحاق: فقلت له: أكنت أعددت هذا الجواب؟ قال: لا، ولكن ما مرّ بي شيء إلا وأنا أعرف منه طرفا.
____________________
(١ - ١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (فقال: من هذا الباهلي الّذي يقول).
(٢) الصحفة: قصعة دون الجفنة والإهالة: الشحم المذاب. والأقط: شيء يتخذ من المخيض الغنمي.
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (العومة: دويبة تسبح في الماء، كأنها فص أسود مدملك.
والعومة: ضرب من السمك معروف). والراقود: دن كبير.
[٢٧]
مجلس آخر [المجلس السابع والعشرون:]
تأويل آية:( وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) ؛ [التوبة: ٣٠].
فقال: أي معنى لقوله:( بِأَفْواهِهِمْ ) ومعلوم أنّ القول لا يكون إلا بالأفواه؟.
الجواب، قلنا: المقول يحتمل معنيين في لغة العرب: أحدهما القول باللّسان، والآخر بالقلب، فالقول الّذي يضاف إلى القلب هو الظّنّ والاعتقاد، ولهذا المعنى ذهبت العرب بالقول مذهب الظّن فقالوا: أتقول عبد الله خارجا؟ ومتى تقول محمدا منطلقا؟ يريدون: متى تظن؟
قال الشاعر:
أما الرّحيل فدون بعد غد |
فمتى تقول الدّار تجمعنا!(١) |
أراد: فمتى تظن الدار! وقال الآخر:
أجهّالا تقول بني لؤي |
لعمر أبيك أم متجاهلينا!(٢) |
أراد: تظن بني لؤي، وقال توبة بن الحميّر:
ألا ياصفي النّفس كيف تقولها |
لو أنّ طريدا خائفا يستجيرها(٣) |
____________________
(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة، ديوانه: ٣٩٤.
(٢) البيت للكميت بن زيد الأسدي؛ وهو من (شواهد ابن عقيل على الألفية ١: ٣٩٧)، وفي حاشية الأصل: (لا يجوز أن تنصب جهالا بتقول إذا جعلته على معنى القول، لأن القول لا يتعدى إلى ما كان مما لا يندرج تحت السمع، والجهال جثت، فلا يتأنى ذلك فيها، فلا بد أن يكون قال بمعنى ظن، ولهذا يصح أن تقول: سمعت زيدا يقرأ ويقول ويتكلم ويشعر، ولا تقول: سمعت زيدا يضرب؛ لأن السمع يقع على ما يسمع).
(٣) البيتان من قصيدة طويلة؛ ذكرت بتمامها في تزيين الأسواق ٩٦ - ٩٨.
تخبّر إن شطّت بها غربة النّوى |
ستنعم ليلى أو يفكّ أسيرها(١) |
أراد: كيف تظنها؟ فلما كان القول يستعمل في الأمرين معا أفاد قوله تعالى:( بِأَفْواهِهِمْ ) قصر المعنى على ما يكون باللسان دون القلب، ولو أطلق القول، ولم يأت بذكر الأفواه لجاز أن يتوهّم المعنى الآخر:
ومما يشهد لذلك قوله تعالى:( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَالله يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) ؛ [المنافقون: ١]، فلم يكذّب الله تعالى قول ألسنتهم: لأنهم لم يخبروا بأفواههم إلاّ بالحق، بل كذّب ما يرجع إلى قلوبهم من الاعتقادات.
ووجه آخر وهو أن تكون الفائدة في قوله تعالى:( بِأَفْواهِهِمْ ) أنّ القول لا برهان عليه، وأنه باطل كذب لا يرجع فيه إلاّ إلى مجرّد القول باللسان؛ لأن الإنسان قد يقول بلسانه الحقّ والباطل، وإنما يكون قوله حقّا إذا كان راجعا إلى قلبه، فتكون إضافة القول إلى اللسان تقتضي ما ذكرناه من الفائدة، وهذا كما يقول القائل لمن يشكّ في قوله أو يكذبه:
هكذا تقول بلسانك، وليس الشأن فيما تقوله وتتفوّه به وتقلّب به لسانك؛ فكأنّهم أرادوا أن يقولوا: هذا قول لا برهان عليه، فأقاموا قولهم: هكذا تقول بلسانك، وإنما يقولون كذا بأفواههم مقام ذلك؛ والمعنى أنه قول لا تعضده حجّة ولا برهان، ولا يرجع فيه إلا إلى اللسان.
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (في ديوانه: (تجير وإن شطت)، يخاطب الشاعر صديقا له فيقول: ياصفي نفسي، كيف تظن ليلى الأخيلية لو استجار بها مستجير! ثم استأنف فقال: هي تجير وإن كانت قد عذبتنا بالفراق، ثم قال: ستنعم ليلى أو يفادى أسيرها، ويعني بالأسير نفسه، أي ستجود يوما أو أفتدي نفسي منها، هذا إذا روي: (تجير وإن شطت)، وكذلك هو في ديوانه، وأما وجه ما رواه السيد: (تخبر)، فمعناه: تخبرني أنت ياصفي نفسي إن تناءت أنها ستنعم، وإن رويت: (أن شطت) بالفتح كان المعنى: لأن تناءت. وعلى ما ذكره السيدرضياللهعنه يمكن أن يذكر للبيت وجه آخر؛ وهو أنه يقول ويخاطب صديقا له: كيف تظنها لو أني استجرت بها! كنى عن نفسه بالخائف المستجير ثم يقول:
تخبر ياخليلي، يعني أني أعلم أنك تقول: هي إما أن تنعم بالوصال أو أنا أسلو؛ وهذا معنى: (يفك أسيرها)، لأنه إذا سلا فقد فك أسره؛ وهذا الوجه الأخير مستفاد من ملك النحاة).
ووجه آخر، وهو أن تكون الفائدة في ذلك التأكيد، فقد جرت به عادة العرب في كلامها، وما تقدم من الوجهين أولى؛ لأنّ حمل كلامه تعالى على الفائدة أولى من حمله على ما تسقط معه الفائدة.
تأويل آية أخرى:( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاّ الله جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ) ؛ [إبراهيم: ٩].
فقال: أي معنى لردّ الأيدي في الأفواه؟ وأي مدخل لذلك في التكذيب بالرسلعليهمالسلام ؟
الجواب، قلنا في ذلك وجوه:
أولها أن يكون إخبارا عن القوم بأنّهم ردّوا أيديهم في أفواههم، عاضّين عليها غيظا وحنقا على الأنبياء، كما يفعل المتوعّد لغيره، المبالغ في معاندته ومكايدته؛ وهذه عادة معروفة في المغيظ المحنق أنّه يعضّ على أصابعه، ويفرك أنامله، ويضرب بإحدى يديه على الأخرى؛ وما شاكل ذلك من الأفعال.
وثانيها أن تكون الهاء في الأيدي للكفار المكذّبين، والهاء التي في الأفواه للرسلعليهمالسلام ؛ فكأنّهم لما سمعوا وعظ الرسل ودعاءهم وإنذارهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل، مانعين لهم عن الكلام كما يفعل المسكّت منّا لصاحبه، الرّادّ لقوله.
وثالثها أن تكون الهاء في الأيدي والتي في الأفواه معا للرسل؛ والمعنى أنهم كانوا يأخذون أيدي الرسل فيضعونها على أفواههم ليسكتوهم، ويقطعوا كلامهم.
ورابعها أن تكون الهاءان جميعا يرجعان إلى الكفار(١) لا إلى الرسل؛ فيكون المعنى أنّهم إذا سمعوا وعظهم وإنذارهم وضعوا أيدي أنفسهم على أفواههم؛ مشيرين لهم بذلك إلى الكفّ عن الكلام والإمساك عنه؛ كما يفعل من يريد منّا أن يسكّت غيره، ومنعه من الكلام، من وضع إصبعه على في نفسه.
وخامسها أن يكون المعنى: فردّوا القول بأيدي أنفسهم إلى أفواه الرّسل، أي أنّهم كذّبوهم، ولم يصغوا إلى أقوالهم، فالهاء الأولى للقوم، والثانية للرسل؛ والأيدي إنما ذكرت مثلا وتأكيدا؛ كما يقول القائل: أهلك فلان نفسه بيده، أي وقع الهلاك به من جهته، لا من جهة غيره.
وسادسها أن المراد بالأيدي النعم وفِي محمولة على الباء، والهاء الثانية للقوم المكذبين والتي قبلها للرّسل، والتقدير: فردّوا بأفواههم نعم الرّسل؛ أي ردّوا وعظهم وإنذارهم وتنبيههم على مصالحهم الّذي لو قبلوه لكان نعما عليهم.
ويجوز أيضا أن تكون الهاء التي في الأيدي للقوم الكفار، لأنها نعم من الله تعالى عليهم، فيجوز إضافتها إليهم وحمل لفظة فِي على معنى الباء جائز لقيام بعض الصّفات مقام بعض؛ يقولون: رضيت عنك، ورضيت عليك وحكي في لغة طيئ: أدخلك الله بالجنة، يريدون في الجنة، فيعبرون بالباء عن معنى (في)؛ كذلك أيضا يصح أن يعبروا بفي عن الباء؛ قال الشاعر:
وأرغب فيها عن لقيط ورهطه |
ولكنّني عن سنبس لست أرغب |
أراد: وأرغب بها فحمل (في) على الباء.
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (يمكن أن يجعل الضميران جميعا للرسلعليهمالسلام ، على معنى أنهم لما لم يقبلوا وعظهم وإنذارهم رد الرسل بأيديهم إلى أفواه أنفسهم، إشارة إلى أنا قد سكتنا، فافعلوا ما شئتم تهديدا وتهويلا).
وسابعها - وهو جواب اختاره أبو مسلم بن بحر، وزعم أنّه أولى من غيره - قال خ خ المضمرون في قوله: أَيْدِيهِمْ الرسل، وكذلك المضمرون في أَفْواهِهِمْ، والمراد باليد هاهنا ما نطق به الرسل من الحجج والبيّنات التي ذكر الله تعالى أنهم جاءوا بها قومهم؛ واليد في كلام العرب قد تقع على النعمة وعلى السلطان أيضا، وعلى الملك، وعلى العهد والعقد؛ ولكل ذلك شاهد من كلامهم؛ والّذي أتى به الأنبياء قومهم هو الحجة والسلطان، وهو النعمة، وهو العهد، وكلّ ذلك يقع عليه اسم اليد. ولمّا كان ما يعظ به الأنبياء قومهم وينذرونهم به إنما يخرج من أفواههم، فردوه وكذبوه قيل: إنهم ردّوا أيديهم في أفواههم، أي أنهم ردّوا القول من حيث جاء قال: ولا يجوز أن يكون الضمير في ذلك للمرسل إليهم كما تأوله بعض المفسرين، وذكر أن معناه أنهم عضّوا عليهم أناملهم غيظا؛ لأن رافع يده إلى فيه، والعاضّ عليها لا يسمّى رادّا ليده إلى فيه، إلا إذا كانت يده في فيه فيخرجها ثم يردّها.
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وليس ما استنكره أبو مسلم من رد الأيدي إلى الأفواه بمستنكر ولا بعيد، لأنه قد يقال: ردّ يده إلى فيه، وإلى وجهه، وعاد فلان يقول كذا، ورجع يفعل كذا؛ وإن لم يتقدم ذلك الفعل منه. ولو لم يسغ هذا القول تحقيقا؛ لساغ تجوّزا واتساعا؛ وليس يجب أن تؤخذ العرب بالتحقيق في كلامها؛ فإن تجوّزها واستعاراتها أكثر، على أنه يمكن أن يكون المراد بذلك أنهم فعلوا ذلك الفعل شيئا بعد شيء، وتكرّر منهم، فلهذا جاز أن يقول: ردّوا أيديهم في أفواههم، لأنه قد تقدم منهم مثل هذا الفعل، فلما تكرّر جازت العبارة عنه بالرّد، وهذا يبطل استضعافه للجواب إذا صرنا إلى مراده.
تأويل خبر [: خبر النبيعليهالسلام حين سمع رجلا ينشد شعرا لسويد بن عامر وتأويل ما ورد فيه الغريب]
روي أن مسلما الخزاعي ثم المصطلقي قال: شهدت رسول اللهصلىاللهعليهوآله - وقد أنشده منشد قول سويد بن عامر المصطلقي(١) :
لا تأمننّ وإن أمسيت في حرم |
إنّ المنايا بكفّي كلّ إنسان(٢) |
|
واسلك طريقك تمشي غير مختشع(٣) |
حتّى تبيّن ما يمنى لك الماني |
|
فكلّ ذي صاحب يوما يفارقه(٤) |
وكلّ زاد وإن أبقيته فان |
|
والخير والشّرّ مقرونان في قرن(٥) |
بكلّ ذلك يأتيك الجديدان |
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (لو أدركته لأسلم)، فبكى مسلم، فقال له ابنه:
ياأبه، ما يبكيك من مشرك مات في الجاهلية! فقال: يابنيّ، لا تفعل فما رأيت مشركة تلقّفت من مشرك خيرا من سويد.
قوله: (ما يمني لك الماني) معناه ما يقدّر لك القادر؛ قال الفرّاء: يقال: مني الله عليه الموت؛ أي قدّر الله عليه الموت. وقال يعقوب: مناك الله بما يسرّك، أي قدّر الله لك ما يسرّك، وأنشد:
____________________
(١) نسب البيت الأول والثاني والرابع إلى أبي قلادة الهذلي، من قصيدة أولها:
يادار أعرفها وحشا منازلها |
بين القوائم من رهط فألبان |
مع اختلاف في روايتها وترتيبها، وانظر ديوان الهذليين ٣: ٣٦ - ٣٩، واللسان (مني).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (المعروف (بجنبي)، هذا هو الصحيح)، وهي أيضا رواية ديوان الهذليين؛ يقول: لا تأمنن أن تأتيك منيتك وإن كنت بالحرم حيث يأمن الطير).
(٣) رواية اللسان:
* واسلك طريقك فيها غير محتشم*
ورواية ديوان الهذليين:
* ولا تقولن لشيء سوف أفعله*
(٤) حاشية ت (من نسخة): (مفارقه).
(٥) رواية ديوان الهذليين:
* إنّ الرّشاد وإنّ الغي في قرن*
لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنى |
إلى جدث يوزى له بالأهاضب(١) |
وقال ابن الأعرابي: ساقه المنى، أي ساقه القدر؛ وأنشد ابن الأعرابي:
منت لك أن تلاقيني المنايا |
أحاد أحاد في الشّهر الحلال(٢) |
معناه قدّرت لك.
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى:( مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ) ؛ [النجم: ٤٦]، معناه إذا تخلق وتقدّر.
وقال بعض أهل اللغة: إنّما سمي (منّي) لما يمنى فيه من ثواب الله تعالى؛ أي يقدّر فيه؛ وقيل أيضا بما يمنى فيه من الدّم(٣) ؛ وقيل: إنما سمي بذلك لأن إبراهيمعليهالسلام لما انتهى إليه قال له الملك: تمنّ، قال: أتمنّى الجنة، فسمي منى لذلك. ومنى يذكر ويؤنث، والتذكير أجود، قال الشاعر في التذكير:
سقى منى ثم روّاه وساكنه |
ومن ثوى فيه واهي الودق منبعق(٤) |
وقال آخر في التأنيث:
ليومنا بمنى إذ نحن ننزلها |
أسرّ من يومنا بالعرج أو ملل(٥) |
____________________
(١) البيت مطلع قصيدة لصخر الغي، يرثي أخاه أبا عمرو بن عبد الله، وقد نهشته حية فمات؛ (ديوان الهذليين ٢: ٥١ - ٥٧). وفي حواشي الأصل، ت، ف: (يؤزى، من الإزاء، والإزاء: مصب الماء في الحوض، يقال: أزيت الحوض [بالتضعيف]، وآزيته، والإزاء للقبر في الحقيقة؛ إلا أنه على الاستعارة.
ويجوز أن يكون الضمير في (له) للمرثى؛ أي يهيأ له؛ هذا إذا همزت (يؤزى)؛ وهو قول الأصمعي، فأما إذا لم تهمزه فمعنى يؤزى ينصب ويشخص؛ يقال: أوزى ظهره إلى الحائط؛ أي أسنده ويقال: هضبة وهضبات وهضاب وأهضاب وأهاضب وأهاضيب).
(٢) اللسان (منى)، وفي حاشية الأصل: (أي قدرت المنايا ملاقاتها إياي لأجلك).
(٣) المراد بيمنى هاهنا: يراق.
(٤) الودق: المطر، والواهي: المندفع بالماء، وكذلك المنبعق، وفي حاشيتي الأصل، ف: (جعل للسحاب سقاء، ثم جعله واهي العقد، فهو أشد إرسالا، وهذا مثل).
(٥) العرج: موضع قريب من الطائف، وإليه ينسب العرجي الشاعر، وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. وملل: موضع في طريق مكة.
فأما قوله:
* والخير والشّرّ مقرونان في قرن*
فالقرن الحبل؛ وأراد أنهما مجموعان لا يفترقان؛ من حيث لا يكاد يصيب الإنسان في الدنيا خير صرف لا شرّ فيه؛ فلهذا قال إنهما مقرونان. ويجوز أيضا أن يريد أنّ لسرعة تقلّب الدنيا وإبدالها الخير بالشر كأن الخير والشرّ مقرونان مجموعان معا، لتقارب ما بينهما.
فأما الجديدان، فهما اللّيل والنهار، وهما أيضا الأجدّان، والملوان، والفتيان، والرّدفان، والعصران؛ قال الشاعر:
إنّ الجديدين في طول اختلافهما |
لا يفسدان ولكن يفسد النّاس(١) |
وقال آخر:
وأمطله العصرين حتّى يملّني |
ويرضى بنصف الدّين والأنف راغم(٢) |
وقال أبو عبيدة: ويقال الليل والنهار ابنا سبات، وأنشد ابن الأعرابي:
وكنّا وهم كابني سبات تفرّقا |
سوى ثمّ كانا منجدا وتهاميا(٣) |
ويقال للغداة والعشي: القرّتان(٤) ، والبردان، والصّرعان(٥) .
***
[أبيات لرفيع الوالبي:]
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمي قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوي قال: أنشدنا ابن الأعرابي لرفيع الوالبي:
كذبتك ما وعدتك أمس صلاح |
وعسى يكون لما وعدت نجاح(٦) |
____________________
(١) البيت للخنساء، ديوانها: ١٥٥.
(٢) الحيوان ٣: ٢٤٩، وإصلاح المنطق: ٤٣٧، من غير عزو.
(٣) اللسان (سبت)، ونسبه إلى ابن أحمر، وفيه عن ابن حبيب: (أن ابني سبات رجلان، رأى أحدهما صاحبه في المنام ثم انتبه، وأحدهما بنجد والآخر بتهامة)
(٤) ت: (القرنان).
(٥) حاشية الأصل: (أصل الصرع الّذي يصارعك).
(٦) صلاح: اسم امرأة، وفي حاشية الأصل: (كأنها وعدته بالوصال الّذي يبرئ سقمه).
برء من السّقم الطّويل ضمانه |
لا يستوي سقم بكم وصحاح |
|
إصلاح إنّك قد رميت نوافذا |
وجوائفا ليست لهنّ جراح(١) |
|
ولقد رأيتك بالقوادم لمحة |
وعليّ من سدف العشي رياح(٢) |
- معنى رياح هاهنا، أي عليّ وقت من العشي، ومثله رواح؛ وقوم يروونه بالكسر وليس بشيء -
ما كان أبصرني بغرّات الصّبا |
فاليوم قد شفعت لي الأشباح(٣) |
|
ومشى بجنب الشّخص شخص مثله |
والأرض نائية الشّخوص براح(٤) |
|
حلق الحوادث لمّتي فتركن لي |
رأسا يصلّ كأنّه جمّاح |
|
وذكا بأصداغي وقرن ذؤابتي |
قبس المشيب كأنّه مصباح |
قال: كأنّه جمّاح من امّلاسه، وجمّاح: سهم أو قصبة يجعل عليه طين، ثم يرمى به الطير.
وبهذا الإسناد لبعضهم:
أرى النّاس للصّعلوك حربا ولا أرى |
لذي نشب إلاّ خليلا مصافيا |
|
أرى المال يغشى ذا الوصوم فلا ترى |
ويدعى من الأشراف من كان غانيا(٥) |
الصعلوك: الفقير، وهو أيضا القرضوب، والسّبروت. والوصوم: العيوب.
[أخبار عقيل بن علّفة وإيراد طائفة من شعره:]
وبهذا الإسناد لعقيل بن علّفة:
إني ليحمدني الخليل إذا اجتدى |
مالي ويكرهني ذوو الأضغان |
|
وأبيت تخلجني الهموم كأنّني |
دلو السّقاة تمدّ بالأشطان(٦) |
____________________
(١) نوافذ؛ أي سهاما نافذة، وجوائف، أي تبلغ الجوف.
(٢) البيت في اللسان (روح)، ورواه: (رياح) بالكسر. والقوادم: أوائل النظر. والسدف: جمع سدفة؛ وهي الظلمة.
(٣) شفعت: صارت شفعا، أي أصبح يرى الشيء شيئين كما يراه الأحول؛ يصف ضعف بصره.
(٤) حاشية ت (من نسخة): (نابية).
(٥) حاشية ت: (غانيا؛ أي غنيا؛ ومعناه ذا غنى، كلابن وتامر).
(٦) تخلجني: تشغلني؛ كذا ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت. والأشطان. الحبال.
وأعيش بالبلل القليل وقد أرى |
أنّ الرّموس مصارع الفتيان(١) |
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال: حدثني عليّ بن منصور قال: أخبرني محمد بن موسى عن دعبل بن عليّ قال قال عقيل بن علّفة: - وذكر الأبيات الثلاثة، وزاد فيها:
ولقد علمت لئن هلكت ليذكرن |
قومي إذا علن النّجي مكاني(٢) |
***
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله تأييده: وكان عقيل بن علّفة مع قوّة شعره جيّد الكلام حكيم الألفاظ. وروى المدائنى قال: قال عبد الملك بن مروان لعقيل بن علّفة المرّيّ:
ما أحسن(٣) أموالكم؟ فقال: ما ناله أحدنا عن أصحابه تفضّلا، قال: ثم أيّها؟ قال:
مواريثنا، قال: فأيّها أشرف؟ قال: ما استفدناه بوقعة خوّلت نعما، وأفادت عزّا، قال:
فما مبلغ عزّكم؟ قال: ما لم يطمع فينا، ولم نؤمن، قال: فما مبلغ جودكم؟ قال: ما عقدنا به مننا، وأبقينا به ذكرا، قال: فما مبلغ حفاظكم؟ قال: يدفع كل رجل منّا عن المستجير به كدفاعه عن نفسه؛ قال عبد الملك: هكذا فليصف الرجل قومه.
وروي أنه قيل لعقيل بن علّفة: قد عنّست(٤) بناتك، أفما تخشى عليهنّ الفساد؟ قال:
كلاّ، إني خلّفت عندهن الحافظين، قيل: وما هما؟ قال: الجوع والعري، أجيعهن فلا يأشرن، وأعرّيهنّ(٥) فلا يظهرن.
وقال له عبد الله يوما: ما لك تهجو قومك؟ قال: لأنهم أشباه الغنم، إذا صيح بها رفعت، وإذا سكت عنها رتعت، قال: إنّما تقول البيت والبيتين، قال: حسبي من القلادة ما أحاط بالعنق.
____________________
(١) البلل في الأصل: ما بل الحلق من ماء أو لبن أو غيره.
(٢) حاشية الأصل: (يصف نفسه بحفظ الأسرار؛ يقول: إذا مت والناس يناجون غيري فيفشي أسرارهم؛ يذكرونني عند ذلك ويذكرون مكاني).
(٣) من نسخة بحواشي الاصل، ت، ف: (ما أخس).
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (عنست بناتك؛ بتاء الخطاب؛ أي أخرتهن عن التزويج).
(٥) حواشي الأصل، ت، ف: (في معناه الحديث: (اعروا النساء يلزمن الحجال)).
فأما معنى (علّفة) اسم أبيه، فإن ابن الأعرابي قال: العلّفة مثل الباقلاّء الرّطبة تكون تحت الزهرة من البقل وغيره. وقال أبو سعيد السّكّري: العلّفة ضرب من أوعية بزر بعض النبات مثل قشرة الباقلاّء. واللّوبيا؛ وهو الغلاف الّذي يجمع عدّة حبّ.
وقيل: إن عقيلا كان يكنى بأبي الوليد، وكان رجلا غيورا موصوفا بشدة الغيرة، وروى أبو عمرو بن العلاء أنّه حمل يوما ابنة له وأنشأ يقول:
إني وإن سيق إلي المهر |
ألف وعبدان وذود عشر(١) |
أحبّ أصهاري إليّ القبر
وذكر الأصمعي أن عقيلا كان لغيرته إذا رأى الرجل يتحدث إلى النساء أخذه، ودهن أرفاغه(٢) ومغابنه بزبد وربطه وطرحه في قرية النمل، فلا يعود إلى محادثتهنّ.
وروى الأصمعي قال: كان(٣) عقيل بن علّفة في بعض سفره، ومعه ابنه العملّس وابنته الجرباء، فأنشأ يقول:
قضت وطرا من دير سعد وربّما |
على عجل ناطحنه بالجماجم(٤) |
ثم أقبل على ابنه فقال: أجزيا عملّس، فقال:
وأصبحن بالموماة يحملن فتية |
نشاوى من الإدلاج ميل العمائم(٥) |
____________________
(١) الذود: القطيع من الإبل.
(٢) الأرفاغ: جمع رفع؛ وهو أصل الفخذ، والمغابن: جمع مغبن، كمنزل وهو الإبط.
(٣) الخبر في الأغاني ١٢: ٢٥٦ - ٢٥٧ (طبع دار الكتب المصرية).
(٤) دير سعد: بين بلاد غطفان والشام، وبعده في رواية الأغاني:
إذا هبطت أرضا يموت غرابها |
بها عطشا أعطينهم بالخزائم |
والخزائم: جمع خزامة، وهي حلقة من شعر تجعل في أحد جاني منخري البعير لينقاد بها.
(٥) الموماة: المفازة الواسعة. نشاوى: سكارى. الإدلاج: السير من أول الليل، وبعده في رواية الأغاني:
إذا علم غادرنه بتنوفة |
تذارعن بالأيدي لآخر طاسم |
- والعلم: شيء ينصب في الفلوات تهتدي به الضالة. التنوفة: المفازة. تذارعن: سرن، وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا إذا سار على قدر سعة خطوه. رسم طاسم: دارس.
ثم أقبل على ابنته، فقال: أجيزي ياجرباء، فقالت:
كأنّ الكرى سقّاهم صرخديّة |
عقارا تمشّت في المطا والقوائم(١) |
قال: فأقبل على ابنته يضربها ويقول: والله ما وصفتها بهذه الصفة حتى شربتها، فوثب عليه إخوتها فقاتلوه دونها، ثم رماه أحدهم بسهم فانتظم فخذيه، فقال عقيل:
إنّ بنيّ زمّلوني بالدّم(٢) |
من يلق أبطال الرّجال يكلم(٣) |
|
ومن يكن ذا أود يقوّم |
شنشنة أعرفها من أخزم |
الشنشنة: الطبيعة والسجية. وقيل الشبه، وهذا مثل اجتلبه عقيل(٤) ، وقد قيل قبله؛ ولعقيل:
وللدّهر أثواب فكن في لباسه |
كلبسته يوما أجدّ وأخلقا(٥) |
|
وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم |
وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا |
____________________
(١) الصرخدية: منسوبة إلى صرخد، وهو بلد ملاصق لبلاد حوران من أعمال دمشق. العقار:
الخمر. المطا: الظهر.
(٢) رواية الأغاني: (سربلوني)،
(٣) رواية اللسان (شنن): (آساد الرجال).
(٤) حاشية الأصل: (قال س: قرأت في أمالي ابن الجبان الأصبهاني: شنشنة [بالفتح]، وشنشنة [بالكسر]، ونشنشة [بالفتح]، ونشنشة [بالكسر]، قال: قد فسروها بالطبيعة وبالمضغة من اللحم وبالمجامعة. ضارب هذا المثل حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أخزم الطائي حين نشأ حاتم، وتقيل أخلاق جده أخزم في الجود فقال: (شنشنة أعرفها من أخزم)، وتمثل به عقيل ابن علفة) وفي اللسان عن ابن بري: (كان أخزم عاقا لأبيه، فمات وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وأدموه، فقال ذلك).
وانظر ترجمة عقيل وأخباره وأشعاره في (الأغاني ١١: ٨١ - ٨٩).
(٥) حاشية ف: (المعنى: فالبس مع الدهر لبوسه؛ إن لبس الجديد فالبس أيضا أنت الجديد، وبالعكس).
[٢٨]
مجلس آخر [المجلس الثامن والعشرون:]
تأويل آية:( وَإِلَى الله تُرْجَعُ الآمُورُ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَإِلَى الله تُرْجَعُ الآمُورُ ) ؛ [البقرة: ٢١٠] فقال: كيف يصحّ القول بأنّها رجعت عليه وهي لم تخرج عن يده؟.
الجواب، قلنا قد ذكر في ذلك وجوه:
أولها أنّ الناس في دار المحنة والتكليف قد يغترّ بعضهم ببعض، ويعتقدون فيهم أنهم يملكون جرّ المنافع إليهم وصرف المضارّ عنهم، وقد تدخل عليهم الشّبه لتقصيرهم في النظر، وعدولهم عن وجهه وطريقه، فيعبد قوم الأصنام وغيرها من المعبودات الجامدة الهامدة التي لا تسمع ولا تبصر، ويعبد آخرون البشر، ويجعلونهم شركاء للّه تعالى في استحقاق العبادة؛ ويضيف كلّ هؤلاء أفعال الله عز وجل فيهم إلى غيره، فإذا جاءت الآخرة، وانكشف الغطاء واضطرّوا إلى المعارف زال ما كانوا عليه في الدنيا من الضلال واعتقاد الباطل، وأيقن الكلّ أنّه لا خالق ولا رازق ولا ضارّ ولا نافع غير الله تعالى فردوا إليه أمورهم، وانقطعت آمالهم من غيره، وعلموا أنّ الّذي كانوا عليه من عبادة غيره، وتأميله للضّرّ والنفع غرور وزور، فقال الله تعالى:( وَإِلَى الله تُرْجَعُ الآمُورُ ) لهذا المعنى.
والوجه الثاني أن يكون معنى الآية في الأمور أنّ الأمور كلّها للّه تعالى، وفي يده وقبضته من غير خروج ورجوع حقيقي؛ وقد تقول العرب: قد رجع عليّ من فلان مكروه، بمعنى صار إلي منه؛ ولم يكن سبق إلى قبل هذا الوقت، وكذلك يقولون: قد عاد عليّ من زيد كذا وكذا وإن وقع منه على سبيل الابتداء قال الشاعر:
وإن تكن الأيّام أحسن مرّة |
إلي فقد عادت لهنّ ذنوب |
أي صارت لها ذنوب لم تكن من قبل؛ بل كان قبلها إحسان فحمل الآية على هذا المعنى شائع جائز تشهد له اللغة.
والوجه الثالث أنّا قد علمنا أنّ الله تعالى قد ملّك العباد في دار التكليف أمورا تنقطع بانقطاع التكليف، وإفضاء الأمر إلى الدار الآخرة، مثل ما ملّكه الموالي من العبيد، وما ملّكه الحكام من الحكم وعير ذلك؛ فيجوز أن يريد تعالى برجوع الأمر إليه انتهاء ما ذكرناه من الأمور التي يملكها غيره بتمليكه إلى أن يكون هو وحده مالكها ومدبّرها.
ويمكن في الآية وجه آخر؛ وهو أن يكون المراد بها أنّ الأمر ينتهي إلى ألاّ يكون موجود قادر غيره، ويفضي الأمر في الانتهاء إلى ما كان عليه في الابتداء، لأن قبل إنشاء الخلق هكذا كانت الصورة، وبعد إفنائهم هكذا تصير وتكون الكناية برجوع الأمر إليه عن هذا المعنى، وهو رجوع حقيقي، لأنه عاد إلى ما كان عليه متقدما.
ويحتمل أيضا أنّ المراد بذلك أنّ إلى قدرته تعود المقدورات، لأن ما أفناه من مقدوراته الباقية كالجواهر والأعراض ترجع إلى قدرته، ويصحّ منه تعالى إيجاده لعوده إلى ما كان عليه، وإن كان ذلك لا يصحّ في مقدورات البشر، وإن كانت باقية لما دلّ عليه الدليل، من اختصاص مقدور القدر باستحالة العود إليها، من حيث لم يجز فيها التقديم والتأخير، وهذا أيضا حكم، هو تعالى المتفرد به دون غيره من سائر القادرين، والله أعلم بما أراد.
تأويل آية أخرى:( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) ، [البقرة: ١٨٩].
فقال: أي معنى لذكر البيوت وظهورها وأبوابها؟ وهل المراد بذلك البيوت المسكونة
على الحقيقة، أو كنّى بهذه اللفظة عن غيرها؟ فإن كان الأول فما الفائدة في إتيانها من أبوابها دون ظهورها؟ وإن كانت كناية فبيّنوا وجهها ومعناها.
الجواب قيل له في الآية وجوه.
أولها ما ذكر من أنّ الرجل من العرب كان إذا قصد حاجة فلم تقض له، ولم ينجح فيها رجع فدخل من مؤخّر البيت، ولم يدخل من بابه تطيّرا، فدلّهم الله تعالى على أنّ هذا من فعلهم لا برّ فيه، وأمرهم من التّقى بما ينفعهم ويقرّبهم إليه، وقد نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن التطيّر وقال: ( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر)؛ أي لا يعدي شيء شيئا. وقالعليهالسلام : (لا يورد ذو عاهة على مصحّ)؛ ومعنى هذا الكلام أنّ من لحقت إبله آفة أو مرض فلا ينبغي أن يوردها على إبل لغيره صحاح، لأنّه متى لحق الصّحاح مثل هذه العاهة اتفاقا، لا لأجل العدوى لم يؤمن من صاحب الصّحاح أن يقول إنما لحق إبلي هذه الآفة من تلك الإبل، وهي أعدت إبلي، فنهى النبيصلىاللهعليهوآله عن هذا، ليزول المأثم بين الفريقين والظّنّ القبيح.
وثانيها أن العرب إلاّ قريشا ومن ولدته قريش كانوا إذا أحرموا في غير الأشهر الحرم لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، ودخلوها من ظهورها إذا كانوا من أهل الوبر، وإذا كانوا من أهل المدر نقبوا في بيوتهم ما يدخلون ويخرجون منه، ولم يدخلوا ولم يخرجوا من أبواب البيوت؛ فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأعلمهم أنه لا معنى له، وأنه ليس من البرّ وأن البرّ غيره.
وثالثها - وهو جواب أبي عبيدة معمر بن المثنى - أن المعنى ليس البرّ بأن تطلبوا الخير من غير أهله، وتلتمسوه من غير بابه،( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) ، معناه: واطلبوا الخير من وجهه، ومن عند أهله.
ورابعها - وهو جواب أبي عليّ الجبّائي - أن تكون الفائدة في هذا الكلام ضرب المثل،
وأراد: ليس البرّ أن يأتي الرجل الشيء من خلاف جهته؛ لأن إتيانه من خلاف جهته يخرج الفعل عن حد الصواب والبرّ إلى الإثم والخطأ، وبيّن البرّ والتقوى، وأمر بإتيان الأمور من وجوهها، وأن تفعل على الوجوه التي لها وجبت وحسنت، وجعل تعالى ذكر البيوت وظهورها وأبوابها مثلا؛ لأن العادل في الأمر عن وجهه كالعادل في البيت عن بابه.
وخامسها أن تكون البيوت كناية عن النساء، ويكون المعنى: وأتوا النساء من حيث أمركم الله، والعرب تسمّي المرأة بيتا؛ قال الشاعر:
ما لي إذا أنزعها صأيت |
أكبر غيّرني أم بيت(١) |
أراد بالبيت: المرأة.
ومما يمكن أن يكون شاهدا للجواب الّذي حكيناه عن أبي عليّ الجبّائي، والجواب عن أبي عبيدة أيضا ما أخبرنا به أبو القاسم عبيد الله عثمان بن يحيى قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمي قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال: أنشدنا ابن الأعرابي(٢) :
إني عجبت لأمّ العمر إذ هزئت |
من شيب رأسي وما بالشّيب من عار(٣) |
|
ما شقوة المرء بالإقتار يقتره |
ولا سعادته يوما بإكثار |
|
إنّ الشّقي الّذي في النّار منزله |
والفوز فوز الّذي ينجو من النّار |
|
أعوذ بالله من أمر يزيّن لي |
شتم العشيرة أو يدني من العار |
|
وخير دنيا ينسّي أمر آخرة |
وسوف يبدي لي الجبّار أسراري(٤) |
____________________
(١) البيان في اللسان (صأى) وفي حاشية الأصل: (هذا مستق يستقي الماء من البئر وينزع الدلو.
والهاء في قوله: (أنزعها) راجعة إلى الدلو؛ وقيل الضمير للقوس؛ يقال: (صأى يصأى، مثل صعى يصعى؛ إذا صوت).
(٢) أبيات منها في الكامل ٢: ٥١ - ٥٢ - بشرح المرصفي؛ عن ابن الأعرابي، ونسبها إلى أحد ابني حبناء، قال: (وأحسبه صخرا).
(٣) حاشية الأصل: (ويروى: (لأم الغمر - بالغين المعجمة)، ورواية الكامل:
إنّي هزئت من أمّ الغمر إذ هزئت |
بشيب رأسي، وما بالشّيب من عار |
(٤) د:
* وسوف تبدو إلى الجبّار أسراري*
لا أدخل البيت أحبو من مؤخّره |
ولا أكسّر في ابن العمّ أظفاري |
فقوله:
* لا أدخل البيت أحبو من مؤخّره*
يحتمل أن يريد به: إنني لا آتي الأمور من غير وجهها، على أحد الأجوبة في الآية، ويحتمل أيضا أني لا أطلب الخير إلا من أهله على جواب أبي عبيدة، ويحتمل وجها آخر(١) ؛ وهو أن يريد أنني لا أقصد البيت للرّيبة والفساد، لأنّ من شأن من يسعى إلى إفساد الحرم، ويقصد البيوت للريبة أن يعدل عن أبوابها طلبا لإخفاء أمره، فكأنه نفى عن نفسه بهذا القول القبيح، وتنزّه عنه؛ كما تنزه بقوله:
* ولا أكسّر في ابن العمّ أظفاري*
عن مثله، وأراد أنه لا يندى(٢) ابن العمّ مني السوء، ولا يتألم بشيء من جهتي، فأكون كأنني قد جرحته بأظفاري، وكسرتها في لحمه؛ وهذه كنايات بليغة مشهورة للعرب.
***
[أبيات لهلال بن خثعم وشرح ما ورد فيها من الغريب:]
ويجري مجرى هذه الأبيات ويقاربها في المعنى وحسن الكناية قول هلال بن خثعم:
وإني لعفّ عن زيارة جارتي |
وإني لمشنوء إلي اغتيابها |
|
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها |
زءورا ولم تنبح عليّ كلابها(٣) |
|
وما أنا بالدّاري أحاديث بيتها |
ولا عالم من أي حوك ثيابها |
|
وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤه |
ويكفيك عورات الأمور اجتنابها(٤) |
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (ووجه آخر).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (من حر كلامهم: ما ينداك مني سوء، أي ما يصيبك، ويقال: ما نديت بهذا الأمر ولا نطقت به، ولا بللت به، أي ما علمته ولا أصبته، قال النابغة:
ولا نديت بشيء أنت تكرهه |
إذا فلا رفعت سوطي إليّ يدي |
(٣) يقال رجل زوار وزءور، كذا ذكره صاحب اللسان واستشهد بالبيت.
(٤) حاشية الأصل: (القراب: ما دون المل ء أو قريب منه).
قال سيدنا أدام الله علوّه: وقد جمعت هذه الأبيات فقرا عجيبة، وكنايات بليغة، لأنه نفى عن نفسه زيارة جارته عند غيبة بعلها، وخصّ حال الغيبة لأنها أدنى إلى الرّيبة وأخصّ بالتهمة فقال: (ولم تنبح عليّ كلابها)، أراد: إني لا أطرقها ليلا مستخفيا متنكّرا فتنكرني كلابها، وتنبحني، وهذه الكناية تجري مجرى قول الشاعر المتقدم:
* لا أدخل البيت أحبو من مؤخّره*
وقد روي: (ولم تأنس إلى كلابها) وهذا معنى آخر، كأنه أراد أنه ليس يكثر الطروق لها والغشيان لمنزلها، فتأنس به كلابها لأن الأنس لا يكون إلاّ مع المواصلة والمواترة.
وقوله:
* وما أنا بالدّاري أحاديث بيتها*
أراد به أيضا التأكيد في نفي زيارتها وطروقها عن نفسه؛ لأنه إذا أدمن الزيارة عرف أحاديث بيتها، فإذا لم يزرها وصارمها لم يعرف، ويحتمل أن يريد: إنني لا أسأل عن أحوالها وأحاديثها كما يفعل أهل الفضول؛ فنزّه نفسه عن ذلك.
وقوله:
* ولا عالم من أي حوك ثيابها*
كناية مليحة عن أنّه لا يجتمع معها، ولا يقرب منها؛ فيعرف صفة ثيابها.
***
[إيراد مقطعات مختلفة لحارثة بن بدر الغداني:]
وبالإسناد المتقدّم لحارثة بن بدر الغداني(١) .
إذا الهمّ أمسى وهو داء فأمضه |
ولست بممضيه وأنت تعادله |
|
ولا تنزلن أمر الشّديدة بامرئ |
إذا همّ أمرا عوّقته عواذله(٢) |
____________________
(١) هو حارثة بن بدر بن حصين بن قطن بن غدانة؛ من بني يربوع. كان من فرسان بني تميم ووجوهها وسادتها، ولم يكن معدودا في فحول الشعراء، ولكنه كان يعارض نظراءه في الشعر. (وانظر أخباره وأشعاره في الأغاني ٢١: ١٣ - ٣١)
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (سوفته عواذله).
فما كلّ ما حاولته الموت دونه، |
ولا دونه أرصاده وحبائله |
|
وما الفتك ما آمرت فيه ولا الّذي |
تحدّث من لاقيت أنّك فاعله(١) |
|
وما الفتك إلاّ لامرئ ذي حفيظة |
إذا صال لم ترعد إليه خصائله(٢) |
|
ولا تجعلن سرّا إلى غير أهله |
فتقعد إن أفشى عليك تجادله |
|
ولا تسأل المال البخيل ترى له |
غنى بعد ضرّ أورثته أوائله(٣) |
|
أرى المال أفياء الظّلال فتارة |
يئوب، وأخرى يختل المال خاتله |
معنى (آمرت) شاورت. والخصائل: كل لحم مجتمع.
وقد روينا في هذه الأبيات زيادة على القدر الّذي ذكرناه:
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني الحسن بن عليّ قال حدثنا محمد بن العباس قال حدّثني الفضل بن محمد عن أبي المنهال المهلّبي قال: من الأبيات السائرة قول حارثة ابن بدر الغداني:
لعمرك ما أبقى لي الدّهر من أخ |
حفي ولا ذي خلّة لي أواصله(٤) |
|
ولا من خليل ليس فيه غوائل |
فشرّ الأخلاّء الكثير غوائله |
|
وقل لفؤاد إن نزا بك نزوة |
من الرّوع أفرخ، أكثر الرّوع باطله(٥) |
معنى (أفرخ) أي اسكن، يقال: أفرخ روعه إذا سكن.
وما كلّ ما حاولته، الموت دونه |
... ... ... ... ... ... .... |
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (ولا الفتك). وآمرت: شاورت.
(٢) من نسخة بحاشية الأصل: (لم ترعد إليه) وفيها: (الخصائل: جمع خصلة، وهي كل لحم مجتمع، مثل الساقين والفخذين).
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (يجوز أن يكون ضمير المال أو البخل).
(٤) الحفي: الّذي يكرم خليله ويبالغ في إكرامه، مع إظهار المسرة والفرح.
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (إنما نكر الفؤاد على اعتبار أن له فؤادين، أحدهما يشجعه والآخر يجبنه، فقال: لا تطع المجبن؛ وإنما جعل لنفسه فؤادين ينقسمان للخوف والأمن، لكيلا يكون في حال من الأحوال جبانا مطلقا، بل يكون مترنحا بينهما). وفي حاشية ت (من نسخة): (للفؤاد).
وذكر البيتين اللذين بعده، وزاد:
وكن أنت ترعى سرّ نفسك واعلمن |
بأنّ أقلّ النّاس للنّاس حامله(١) |
|
إذا ما قتلت الشّيء علما فبح به(٢) |
ولا تقل الشّيء الّذي أنت جاهله |
ومما يستحسن لحارثة بن بدر قوله:
لنا نبعة كانت تقينا فروعها |
وقد بلغت إلاّ قليلا عروقها(٣) |
|
وإنّا لتستحلى المنايا نفوسنا |
ونترك أخرى مرّة لا تذوقها(٤) |
|
وشيّب رأسي قبل حين مشيبه |
رعود المنايا بيننا وبروقها |
قوله:
* لنا نبعة كانت تقينا فروعها*
مثل ضربه، وإنما أراد عشيرته وأهل بيته.
وقد روى هذه الأبيات عليّ بن سليمان الأخفش عن أبي العباس ثعلب، وزاد فيها:
رأيت المنايا باديات وعوّدا |
إلى دارنا سهلا إلينا طريقها |
|
وقد قسمت نفسي فريقين منهما: |
فريق مع الموتى، وعندي فريقها |
|
وبينا نرجّي النّفس ما هو نازح |
من الأمر لاقت دونها ما يعوقها |
وروى أبو العيناء قال: أنشد الشعبي عبد الله بن جعفر الأبيات الثلاثة الأول،
____________________
(١) د: (للسر)، وفي حاشية ت: (نسخة الشجري: (أقل الناس للسر حامله)، كأنه أقلهم لحمله.
(٢) قلت الشيء علما، أي علمته علما تاما، ومن نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (فقل به.
(٣) النبع: شجر ينبت في قلة الجبل، تتخذ منه العسى.
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (مرة لا نذوقها)، وفي حاشية ف: مثله (قول السموءل ابن عاديا اليهودي:
يقرّب حبّ الموت آجالنا |
وتكرهه آجالهم فتطول |
أي حبنا الموت؛ ويجوز أن يكون أضاف الحبّ من قوله: (حبّ الموت) إلى الفاعل؛ فيكون المعنى:
يقرب حب الموت لنا آجالنا؛ ويكون هذا كقول طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي |
عقيلة مال الفاحش المتشدّد |
فقال عبد الله: لمن هذا ياشعبي؟ فقال: لحارثة بن بدر، فقال: نحن أحقّ بهذا، ثم أمر للشّعبي بأربعمائة دينار.
[طرف من أخبار حارثة بن بدر وبعض نوادره:]
ومن مستحسن قول حارثة:
ولقد وليت إمارة فرجعتها |
في المال سالمة ولم أتموّل(١) |
|
ولقد منعت النّصح من متقبّل |
ولقد رفدت النّصح من لم يقبل |
|
فبأي لمسة لامس لم ألتمس |
وبأي حيلة حائل لم أحتل(٢) |
|
يا طالب الحاجات يرجو نجحها |
ليس النجاح مع الأخفّ الأعجل |
|
فاصدق إذا حدّثت تكتب صادقا |
وإذا حلفت مماريا فتحلّل(٣) |
- معنى (تكتب صادقا)، أي تكون عند الله صادقا. وقوله: (فتحلّل) أي استثن -
وإذا رأيت الباهشين إلى العلى |
غبرا أكفّهم بريث فاعجل |
- معنى الباهشين: المادّين أيديهم إلى الشيء المهتشّين(٤) له -
واحذر مكان السّوء لا تحلل به(٥) |
وإذا نبا بك منزل فتحوّل |
|
وإذا ابن عمّك لجّ بعض لجاجة |
فانظر به عدة ولا تستعجل |
|
وإذا افتقرت فلا تكن متخشّعا |
ترجو الفواضل عند غير المفضل |
|
واستغن ما أغناك ربّك بالغنى |
وإذا تكون خصاصة فتجمّل |
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدّثنا محمد بن أبي الأزهر قال حدثنا محمد بن يزيد
____________________
(١) عجز البيت الخامس والبيت ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠ نسبت إلى عبد قيس بن خفاف البرجمي في قصيدة مفضلية. ٧٥ - ٧٥٣ مطلعها:
أجبيل إنّ أباك كارب يومه |
فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل |
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل ف: (ختلة خاتل لم أختل).
(٣) مماريا: مجادلا.
(٤) ف، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (المشتهين).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (لا تنزل به).
النحوي قال: كان(١) حارثة بن بدر الغداني رجل تميم في وقته، وكان قد غلب على زياد، وكان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك، وهو مستهتر(٢) بالشراب؛ فقال زياد: كيف باطّراح رجل هو يسايرني مذ دخلت العراق، لم يصكك ركابي ركاباه(٣) ، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخّر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ عليّ الشمس في شتاء قط، ولا الرّوح(٤) في صيف قطّ، ولا سألته عن علم إلا ظننته لا يحسن غيره! فلما مات زياد جفاه ابنه عبيد الله، فقال له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة(٥) ! فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة قد كان برع بروعا لا يلحقه معه عيب، وأنا حدث، وإنما أنسب إلى من يغلب عليّ، وأنت رجل تديم الشّراب، فمتى قرّبتك وظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظنّ بي، فدع الشراب، وكن أول داخل عليّ، وآخر خارج، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرّي ونفعي، أفدعه للحال عندك! قال: فاختر من عملي ما شئت. قال: توليني رامهرمز(٦) ، فإنها أرض عذاة(٧) ، وسرّق(٨) ؛ فإن بها شرابا وصف لي. فولاّه إياها، فلما شيّعه الناس قال أنس بن أبي أنيس(٩) - وقيل: ابن أبي إياس الدّيلي:
أحار بن بدر قد وليت إمارة |
فكن جرذا فيها تخون وتسرق(١٠) |
|
ولا تحقرن ياحار شيئا وجدته |
فحظّك من ملك العراقين سرّق |
____________________
(١) الخبر في الكامل - بشرح المرصفي ٣ - ١٩١ - ١٩٢.
(٢) مستهتر بالشراب: مولع به؛ من استهتر بكذا، مبنيا لما لم يسم فاعله: أولع به لا يفعل غيره، ولا يتحدث إلا به.
(٣) من نسخة بحاشيتي ف، ت: (يصطك ركابي ركابه).
(٤) الروح: برد النسيم.
(٥) أبو المغيرة: كنية زياد.
(٦) رامهرمز: مدينة مشهورة بنواحي خوزستان من بلاد الفرس.
(٧) الأرض العذاة: الطيبة التربة، البعيدة من الأنهار والنجود والسباخ.
(٨) سرق: إحدى كور الأهواز.
(٩) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (ابن أبي أنس). وفي الشعر والشعراء: ٧١٤: (أنس بن أبي أناس)، من كنانة، من الدؤل، رهط أبي الأسود الدؤلي.
(١٠) الأبيات في الشعر والشعراء: ٧١٥.
وباه تميما بالغنى إنّ للغنى |
لسانا به العي الهيوبة ينطق(١) |
|
فإنّ جميع النّاس؛ إمّا مكذّب |
يقول بما يهوى، وإما مصدّق(٢) |
|
يقولون أقوالا ولا يعلمونها |
فإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا |
وهذه الأبيات تروى لأبي الأسود الدّؤليّ، وأنه كتب بها إلى حارثة لما ردّت إليه سرّق، ويزاد فيها:
وكن حازما في اليوم إنّ الّذي به |
يجئ غد يوم على الناس مطبق(٣) |
|
ولا تعجزن فالعجز أوطأ مركب |
وما كلّ من يدعو إلى الخير يرزق |
|
إذا ما دعاك القوم عدّوك آكلا |
وكل حار أوجع؛ لست ممّن يحمّق |
ويقال إن حارثة بن بدر أجاب عن هذه الأبيات بقوله:
جزاك إله الناس خير جزائه |
فقد قلت معروفا وأوصيت كافيا |
|
أشرت بأمر لو أشرت بغيره |
لألفيتني فيه لرأيك عاصيا(٤) |
ويقال إن حارثة بن بدر والأحنف بن قيس دخلا على ابن زياد، فقال لحارثة: أي الشراب أطيب؟ وكان يتّهم(٥) ، فقال: برّة طاسارية، وأقطة غنويّة، وسمنة عنبريّة، وسكّرة سوسية، ونطفة مسرقانيّة(٦) . فقال للأحنف: ياأبا بحر، ما أطيب الشراب؟ قال:
____________________
(١) الهيوية: الّذي يهاب الناس؛ والهاء فيه لتأكيد المبالغة.
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (تهوى).
(٣) حاشية الأصل: (يقال غمام مطبق؛ أي ذو طبق؛ وقد أطبقت السماء).
(٤) البيتان في الأغاني ٢١: ٢٣، وبعدهما:
ستلقى أخا يصفيك بالودّ حاضرا |
ويوليك حفظ الغيب إن كنت نائيا |
(٥) ت، ومن نسخة بحاشية الأصل: (وكان بينهم).
(٦) حواشي الأصل، ت، ف: (ذكره يزيد بن مفرغ الحميري:
سقى هزم الأوساط منبجس العرا |
منازلها من مسرقان فسرّقا |
- هزم الأسواط؛ أي مجلجل بالرعد، وهزيم الرعد: صوته، وأوساطه؛ أي أوساط السحاب).
الخمر، قال: وما يدريك ولست من أهلها؟ قال: رأيت فيها خصلتين عرفت أنها أطيب الشراب بهما، قال: وما هما؟ قال: رأيت من أحلّت له لا يتعدّاها إلى غيرها، ومن حرّمت عليه يتناولها، فعرفت أنها أطيب الشراب.
ولحارثة بن بدر يخاطب عبيد الله بن زياد لما تغيّر عليه بعد اختصاصه كان بأبيه(١) :
أهان وأقصى ثمّ تنتصحونني |
وأي امرئ يعطى نصيحته قسرا! |
|
رأيت الأكفّ المصلتين عليكم |
ملاء، وكفّي من عطاياكم صفرا |
|
وإني مع السّاعي إليكم بسيفه |
إذا أحدث الأيّام في عظمكم كسرا |
|
متى تسألوني ما عليّ وتمنعوا ال |
لذي لي لا أسطع على ذلكم صبرا |
وقال يعاتبه:
وكم من أمير قد تجبّر بعد ما |
مريت له الدّنيا بسيفي فدرّت |
|
إذا زبنته عن فواق أتت به |
دعاني ولا ادعى إذا ما أقرّت |
|
إذا ما هي احلولت محا حقّ مقسمي |
ويقسم لي منها إذا ما أمرّت |
زبنته: أي دفعته عن أن يحلبها. والفواق: اجتماع اللّبن في الضّرع بين الحلبتين.
ومعنى أقرت: تركته يحلبها.
ويشبه أبيات حارثة هذه قول عبد الله بن الزّبير الأسدي يعاتب معاوية ومروان وأهل بيته؛ من جملة قصيدة، وهي أبيات قوية جدّا:
عطاؤكم للضّاربين رقابكم |
وندعى إذا ما كان حزّ الكراكر(٢) |
|
أنحن أخوكم في المضيق وسهمنا |
إذا ما قسمتم في الحظاء الأصاغر |
- الحظاء: سهام صغار -.
____________________
(١) الخبر مبسوط في (الأغاني ٢١: ١٥)، والأبيات فيه منسوبة إلى أنس بن زنيم الليثيّ.
(٢) الكراكر: جمع كركرة؛ وهي صدر البعير. وفي حاشية الأصل: (مثله:
وإذا تكون كريهة ادعى لها |
وإذا يحاس الحيس يدعى جندب |
وثديكم الأدنى إذا ما سألتم |
ونلقى بثدي حين نسأل باسر(١) |
|
وإن كان فينا الذّنب في الناس مثله |
أخذنا به من قبل ناه وآمر(٢) |
- معنى (من قبل ناه وآمر)، أي من قبل أن ننهى عنه أو نؤمر به، أي باجتنابه -
وإن جاءكم منّا غريب بأرضكم |
لويتم له يوما جنوب المناخر |
|
فهل يفعل الأعداء إلاّ كفعلكم |
هوان السّراة وابتغاء العواثر(٣) |
|
وغيّر نفسي عنكم ما فعلتم |
وذكر هوان منكم متظاهر |
|
جفاؤكم من عالج الحرب عنكم |
وأعداؤكم من بين جاب وعاشر(٤) |
|
فلا تسألوني عن هواي وودّكم |
وقل في فؤاد قد توجّه نافر(٥) |
ولحارثة يرثي زيادا:
لهفي عليك للهفة من خائف |
يبغي جوارك حين ليس مجير |
|
أمّا القبور فإنّهنّ أوانس |
بجوار قبرك والدّيار قبور |
|
عمّت فواضله فعمّ مصابه |
فالنّاس فيه كلّهم مأجور |
|
ردّت صنائعه إليه حياته |
فكأنّه من نشرها منشور |
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: وأظن أبا تمام الطائي نظر إلى قول حارثة ابن بدر (ردت صنائعه إليه حياته) في قوله:
ألم تمت ياشقيق النّفس مذ زمن؟ |
فقال لي: لم يمت من لم يمت كرمه(٦) |
وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال: أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: مرّ حارثة بن بدر الغداني، ومعه كعب مولاه، فجعل لا يمرّ
____________________
(١) باسر: قليل اللبن.
(٢) حاشية ت: (أي إن أذنبنا الذنب الّذي يذنب الناس مثله أخذنا به من قبل أن ننهى عنه أو نؤمر بالانكفاف عنه).
(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (هوان) بضم النون.
(٤) الجابي: الّذي يأخذ الجباية، والعاشر الّذي يأخذ العشر.
(٥) حاشية الأصل: (أي توجه إلى غيركم ونفر عنكم). وفي ت وحاشية الأصل (من نسخة): (قد توجد).
(٦) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (ياشقيق الجود).
بمجلس من مجالس تميم إلاّ قالوا: مرحبا بسيدنا. فقال كعب: ما سمعت كلاما قطّ هو أقرّ لعيني، وألذّ في سمعي مما سمعته اليوم! فقال حارثة: ولكنّي ما سمعت كلاما قطّ هو أكره إلي منه، ثم قال:
ذهب الرّجال فسدت غير مدافع |
ومن الشّقاء تفرّدي بالسّؤدد(١) |
وهذا البيت يقال إنه لحارثة، لا أنه تمثّل به.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني عبد الله بن جعفر قال حدثنا محمد بن يزيد قال قال الكناني: مرّ حارثة بن بدر بالأحنف بن قيس فقال: لولا أنّك مستعجل لشاورتك، قال له: أجل، كانوا يكرهون أن يشاور الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى ينقع، والمضلّ(٢) حتى يجد، والغضبان حتى يرضى، والمحزون حتى يفيق.
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (غير مسود).
(٢) المضل: الّذي ذهب بعيره.
[٢٩]
مجلس آخر [المجلس التاسع والعشرون:]
تأويل آية:( أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَالله سَرِيعُ الْحِسابِ ) ؛ [البقرة: ٢٠٢].
فقال: أي تمدّح في سرعة الحساب، وليس بظاهر وجه المدحة فيه؟.
الجواب، قلنا في ذلك وجوه:
أولها أن يكون المعنى أنّه سريع المجازاة(١) للعباد على أعمالهم، وأنّ وقت الجزاء قريب وإن تأخر، ويجري مجرى قوله تعالى:( وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) ؛ [النحل: ٧٧].
وإنما جاز أن يعبّر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب؛ لأنّ ما يجازى به العبد هو كفء لفعله ولمقداره، فهو حساب له إذا كان مماثلا مكافئا.
وممّا يشهد بأنّ في الحساب معنى الكفاية والمكافأة قوله تعالى:( جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ) ؛ [النبأ: ٣٦]، أي عطاء كافيا، ويقال: أحسبني الطعام يحسبني إحسابا إذا كفاني، قال الشاعر:
وإذ لا ترى في النّاس حسنا يفوتها وفي النّاس حسن لو تأمّلت محسب(٢) معناه كاف.
____________________
(١) ت: (الحساب).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (يصف امرأة بالحسن ويبالغ في وصفها؛ يقول: ما رأينا حسنا فات هذه المرأة وتعداها مع أن ما في الناس كفاية حسن).
وثانيها أن يكون المراد أنّه عزّ وجل يحاسب الخلق جميعا في أوقات يسيرة، ويقال:
إنّ مقدار ذلك مقدار حلب شاة؛ لأنه تعالى لا يشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره(١) ؛ بل يكلّمهم جميعا ويحاسبهم كلّهم على أعمالهم في وقت واحد؛ وهذا أحد ما يدلّ على أنّه تعالى ليس بجسم، وأنّه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة؛ لأنه لو كان بهذه الصفات - تعالى عنها - لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين؛ ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره، ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة؛ كما أنّ جميع ذلك واجب في المحدثين الذين يفتقرون في الكلام إلى الآلات.
وثالثها ما ذكره بعضهم من أنّ المراد بالآية أنه سريع العلم بكل محسوب، وأنّه لما كانت عادة بني الدنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء في أكثر أمورهم؛ أعلمهم الله تعالى أنّه يعلم ما يحسبون بغير حساب؛ وإنما سمّي العلم حسابا لأنّ الحساب إنما يراد به العلم؛ وهذا جواب ضعيف؛ لأن العلم بالحساب أو المحسوب لا يسمّى حسابا، ولو سمّي بذلك لما جاز أيضا أن يقال إنه سريع العلم بكذا؛ لأنّ علمه بالأشياء مما لا يتجدّد فيوصف بالسرعة.
ورابعها أنّ الله تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم؛ وذلك أنّه يسأل في وقت واحد سؤالات مختلفة من أمور الدنيا والآخرة، فيجزى كلّ عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحد ومقدار؛ فلو كان الأمر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب، فأعلمنا تعالى أنّه سريع الحساب، أي سريع القبول للدعاء بغير إحساس وبحث عن المقدار الّذي يستحقّه الداعي؛ كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء؛ وهذا الجواب مبني أيضا على دعوى أنّ قبول الدعاء لا يسمّى حسابا في لغة ولا عرف ولا شرع. وقد كان يجب على من أجاب بهذا الجواب أن يستشهد على ذلك بما يكون حجة فيه، وإلاّ فلا طائل فيما ذكره.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (بعض).
ويمكن في الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة وموافقتهم عليها، وتكون الفائدة في الإخبار بسرعته الإخبار عن قرب الساعة؛ كما قال تعالى:( سَرِيعُ الْعِقابِ ) .
وليس لأحد أن يقول: فهذا هو الجواب الأول الّذي حكيتموه؛ وذلك أن بينهما فرقا؛ لأن الأول مبني على أن الحساب في الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال، وفي هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه وعن معنى المحاسبة، والمقابلة بالأعمال وترجيحها، وذلك غير الجزاء الّذي يفضي الحساب إليه.
وقد طعن بعضهم في الجواب الثاني معترضا على أبي عليّ الجبّائي في اعتماده إياه(١) بأن قال(١) : مخرج الكلام في الآية على وجه الوعيد، وليس في خفّة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضي زجرا، ولا هو مما يتوعد بمثله؛ فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة والمجازاة على الأعمال.
وهذا الجواب ليس أبو عليّ هو المبتدئ به، بل قد حكي عن الحسن البصري، واعتمده أيضا قطرب بن المستنير النحوي: وذكره المفضّل بن سلمة، وليس الطّعن الّذي حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له، لأنه اعتمد على أنّ مخرج الآية مخرج الوعيد، وليس كذلك، لأنه تعالى قال:( فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَالله سَرِيعُ الْحِسابِ ) ؛ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]، فالأشبه بالظاهر أن يكون الكلام وعدا بالثواب، وراجعا إلى الذين يقولون:( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ) ، أو يكون راجعا إلى الجميع، فيكون المعنى:
إن للجميع نصيبا مما كسبوا؛ فلا يكون وعيدا خالصا؛ بل إما أن يكون وعدا خالصا أو وعدا ووعيدا، على أنه لو كان وعيدا خالصا على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى:
____________________
(١) ت: (فقال).
( وَالله سَرِيعُ الْحِسابِ ) ، على تأويل من أراد قصر الزمان، وسرعة الموافقة وجه وتعلّق بالوعد والوعيد؛ لأن الكلام على كل حال متضمّن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد، والإحاطة بخيرها وشرّها؛ وإن وصف الحساب مع ذلك بالسرعة؛ وفي هذا ترغيب وترهيب لا محالة، لأن من علم أنه يحاسب بأعماله، ويواقف(١) على جميلها وقبيحها انزجر عن القبيح ورغب في فعل الواجب.
فبهذا ينصر الجواب، وإن كنا لا ندفع أن في حمل الحساب على قرب المجازاة، أو قرب المحاسبة على الأعمال ترغيبا في الطاعات وزجرا عن المقبّحات؛ فالتأويل الأول أشبه بالظاهر ونسق الآية، إلا أن التأويل الآخر غير مدفوع أيضا ولا مرذول(٢) .
تأويل آية أخرى:( وَالله يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَالله يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) ؛ [البقرة: ٢١٢].
فقال: أي تمدّح في الإعطاء بغير حساب، وقد يكون المعطي بحساب أجزل عطية من المعطي بغير حساب؟.
الجواب، قلنا في هذه الآية وجوه:
أولها أن تكون الفائدة أنه تعالى يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق ولا احتساب منه، فالحساب هاهنا راجع إلى المرزوق لا إليه تعالى؛ كما يقول القائل: ما كان كذا وكذا في حسابي، أي لم أؤمله، ولم أقدّر أنه يكون؛ وهذا وصف للرزق بأحسن الأوصاف؛ لأن الرزق إذا لم يكن محتسبا كان أهنأ له وأحلى؛ وقد روي عن ابن عباسرضياللهعنه في تفسير هذه الآية أنه قال: عنى بها أموال بني قريظة والنّضير، وأنّها تصير إليكم بغير حساب ولا قتال، على أسهل الأمور وأقربها وأيسرها.
____________________
(١) ط: (ويوقف).
(٢) د: (مردود).
وثانيها أن الله تعالى يرزق من يشاء رزقا غير مضيّق ولا مقتّر؛ بل يزيد في السّعة والكثرة على كل عطاء المخلوقين(١) ، فيكون نفي الحساب فيه نفيا(٢) للتّضييق، ومبالغة في وصفه بالسّعة، والعرب تسمّى العطاء القليل محسوبا، قال قيس بن الخطيم:
أنّى سربت وكنت غير سروب! |
وتقرّب الأحلام غير قريب(٣) |
|
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه |
في النّوم غير مصرّد محسوب(٤) |
وثالثها أن يكون المعنى أنه يرزق من يشاء، أي من غير طلب للمكافأة أو إراغة لفائدة تعود إليه، أو منفعة ترجع عليه، لأنّ من شأن أهل الدنيا أن يعطوا ليكافئوا ولينتفعوا، ولهذا يقال فيمن يقصد بالعطية إلى هذه الأمور: فلان يحاسب الناس فيما يعطيهم، ويناقشهم فيما يوصّله إليهم، وما أشبه ذلك، فلما انتفت هذه الأمور من عطاياه سبحانه جاز أن يقول إنه يرزق بغير حساب.
ورابعها ما أجاب به قطرب، قال: معنى الآية يعطى العدد الكثير لا ممّا(٥) يضبطه الحساب، أو يأتي(٦) عليه العدد، لأن مقدوره تعالى لا يتناهى، وما في خزائنه لا ينحصر، ولا يصحّ عليه النفاد؛ وليس كالمعطي منّا الألف من الألفين، والعشرة من المائة؛ لأن مقدار ما يتّبع له ويتمكّن منه محدود متناه، ولا تناهي ولا انقطاع لما يقدّر سبحانه عليه.
وخامسها أنه يعطي عباده في الجنة من النعيم واللذات أكثر مما استحقوا، وأزيد مما وجب لهم، بمحاسبته إياهم على طاعتهم كما قال تعالى:( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً
____________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (عطاء للمخلوقين).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة) (نقيضا).
(٣) ديوانه: ٥، وأمالي العالي ٢: ٢٧٣، وحماسة ابن الشجري: ١٨٩، واللآلئ: ٥٢٤. وفي حاشية الأصل: (يخاطب خيال امرأت رآها في المنام؛ يتعجب من سير خيالها إليه وكانت غير معتادة للسير، والسروب: الساري، وقيل: السرب سير النهار). وفي حاشية ت: (أني سريت ).
(٤) المصرّد: المقطع؛ وفي حاشية ت: (وبعده:
كان المنى بلقائها فلقيتها |
فلهوت من لهو امرئ مكذوب |
(٥) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (مما لا يضبطه الحساب).
(٦) ت: (إذ يأتي عليه العدد).
حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) ؛ [البقرة: ٢٤٥] وكما قال عز وجل:( إِنْ تُقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) ؛ [التغابن: ١٧]، وكما قال تعالى:( لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) ؛ [فاطر: ٣٠].
وسادسها أن يكون المعطي منّا غيره شيئا والرازق سواه رزقا قد يكون له ذلك، فيكون فعله حسنا لا يسأل عنه، ولا يؤاخذ به، ولا يحاسب عليه؛ وربما لم يكن له ذلك، فيكون فعله قبيحا يؤاخذ به، ويحاسب عليه، فنفى الله تعالى عن نفسه أن يفعل من الرزق القبيح، وما ليس له أن يفعله بنفي الحساب عنه، وأنبأ أنه لا يرزق ولا يعطي إلا على أفضل الوجوه وأحسنها وأبعدها من الذمّ؛ وتجري الآية مجرى قوله تعالى:( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) ؛ [الأنبياء: ٢٣]، وإنما أراد أنه تعالى من حيث وقعت أفعاله كلّها حسنة غير قبيحة لم يجز أن يسأل عنها وإن سئل العباد عن أفعالهم، لأنهم يفعلون الحسن والقبيح معا.
وسابعها أنّ الله تعالى إذا رزق العبد وأعطاه من فضله كان الحساب عن العبد ساقطا من جهة الناس، فليس لأحد أن يقول له: لم رزقت؟ ولا يقول لربه: لم رزقته؟
ولا يسأله ربّه عن الرزق، وإنما يسأله عن إنفاقه في الوجوه التي ينفقه فيها، فيسقط(١) الحساب من هذه الوجوه عمّا يرزقه الله تعالى، ولذلك قال تعالى:( بِغَيْرِ حِسابٍ ) .
وثامنها أن يكون المراد ب مَنْ يَشاءُ أن يرزقه من أهل الجنة، لأنه يرزقهم رزقا لا يصحّ أن يتناول جميعه الحساب، ولا العدد والإحصاء من حيث لا نهاية له ولا انقطاع للمستحقّ منه؛ ويطابق هذه الآية قوله تعالى في موضع آخر:( فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ) ؛ [غافر: ٤٠].
____________________
(١) ت: (فسقط).
تأويل خبر [ (توضّئوا ممّا غيّرت النار) ]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي يروى عن زيد بن ثابت عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: (توضّئوا ممّا غيّرت النار)، فقال: ما المراد بالوضوء هاهنا ومذهبكم أن مسّ ما غيّرته النار لا يوجب وضوءا؟
الجواب، إن معنى (توضئوا) أي نظّفوا أيديكم من الزّهومة، لأنه روي أنّ جماعة من الأعراب كانوا لا يغسلون أيديهم من الزّهومة ويقولون: فقدها أشدّ علينا من ريحها، فأمرعليهالسلام بتنظيف الأيدي لذلك(١) .
فإن قيل: كيف يصحّ أن تحملوا الخبر على اللفظ اللغوي، مع انتقاله بالعرف الشرعي إلى الأفعال المخصوصة، بدلالة أنّ من غسل يده أو وجهه لا يقول بالإطلاق: (توضأت)، ومتى سلم لكم أن الوضوء أصله من النظافة لم ينفعكم مع الانتقال الّذي ذكرناه، وكلامهعليهالسلام أخصّ بالعرف الشرعي، وحمله عليه أولى من حمله على اللغة.
قلنا: ليس ينكر(٢) أن يكون إطلاق الوضوء هو المنتقل من اللغة إلى عرف الشرع، والمختصّ بالأفعال المعيّنة، وكذلك المضاف منه إلى الحدث أو الصلاة وما أشبههما(٣) . فأما المضاف إلى الطعام وما جرى مجراه فباق على أصله؛ ألا ترى أنّهم لو قالوا: توضأت من الطعام، ومن الغمر(٤) ، أو توضأت للطعام لم يفهم منه إلاّ الغسل والتنظيف، وإذا قالوا:
توضأت إطلاقا، أو توضأت من الحدث أو للصلاة فهم منه الأفعال الشرعية؛ فليس ينكر ما ذكرناه من اختصاص النّقل، لأنه كما يجوز انتقال اللفظة من فائدة في اللغة إلى فائدة في الشرع على كلّ وجه، كذلك يجوز أن تنتقل على وجه دون وجه، وتبقى من الوجه الّذي لم تنتقل منه على ما كان عليه في اللغة.
وقد ذهب كثير من الناس إلى أنّ إطلاق لفظة (مؤمن) منتقل من اللغة إلى عرف
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (عن ذلك).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (ليس ننكر).
(٣) في حاشيتي ت (من نسخة): (وما أشبهها).
(٤) الغمر، بالتحريك: زنخ اللحم.
الدين ومختصّ باستحقاق الثواب، وإن كان مقيّدها باقيا على ما كان عليه في اللغة.
ويبيّن ذلك أيضا ما روي عن الحسن أنه قال: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللّمم)؛ وإنما أراد غسل اليدين بغير شك. وروي عن قتادة أنه قال: (غسل اليد وضوء) وروى عكراش(١) أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أكل(٢) وغسل يده ومسح ببلل يده وجهه(٢) وذراعيه ورأسه(٣) ، وقال: (هكذا الوضوء ممّا مست النار)، على أنه لو كانت هذه اللفظة منتقلة على كلّ حال إلى الأفعال الشرعية المخصوصة لصحّ أن نحمله(٤) في الخبر على خلاف ذلك، ونردّها إلى أصلها بالأدلّة، وإن كان الأولى لولا الأدلة أن تحمل على مقتضى الشرع(٥) .
فمن الأدلة على ما ذكرناه ما رواه ابن عباس أن النبيصلىاللهعليهوآله أكل كتف شاة، وقام فصلّى ولم يتوضأ. وروى عطاء عن أمّ سلمة قالت: قرّبت جنبا مشويا إلى النبيصلىاللهعليهوآله ، فأكل منه، وصلّى ولم يتوضأ. وروى محمد بن المنكدر عن جابر أنه قال: كان آخر الأمرين من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ترك الوضوء ممّا مسّت النار(٦) .
وكلّ هذه الأخبار توجب العدول عن ظاهر الخبر الأول لو كان له ظاهر، فكيف وقد بيّنا أنّه لا ظاهر له!
فأما اشتقاق الوضوء فهو من الوضاءة التي هي الحسن، فلما كان من غسل يده ونظفها قد حسّنها قيل وضّأها؛ ويقال: فلان وضيء الوجه وقوم وضاء، قال الشاعر:
____________________
(١) هو عكراش بن ذؤيب بن حرقوس، وفي ت، ف: (عكرمة عن أنس).
(٢ - ٢) حاشية ت (من نسخة): (وغسل يديه، ومسح ببلل يديه).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (وببلل ذراعيه رأسه).
(٤) ت، د، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (نحملها).
(٥) حواشي الأصل، ت، ف: (إنما نحمل اللفظة على العرف الشرعي فيما يتعلق بالأحكام الشرعية فحسب).
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (كان في الأول يتوضأ مما مسته النار ثم ترك).
مساميح الفعال ذوو أناة |
مراجيح وأوجههم وضاء(١) |
والوضوء، بضم الواو: المصدر، وكذلك أيضا التّوضؤ والوضوء، بفتح الواو: اسم ما يتوضأ به، وكذلك الوقود اسم لما توقد به النار: والوقود، بالضم: المصدر، ومثله التوقّد، وقد يجوز أن يكون الوقود، بفتح الواو: المصدر، وكذلك الوضوء بفتح الواو؛ كما قالوا:
حسن القبول، فجعلوا القبول مصدرا، وهو مفتوح الأول، ولا يجوز في الوقود والوضوء بالضم إلا معنى المصدر وحده، قال جرير.
أهوى أراك برامتين وقودا |
أم بالجنينة من مدافع أودا(٢) |
وقال آخر:
إذا سهيل لاح كالوقود |
فردا كشاة البقر المطرود |
وقال آخر:
وأجّجنا بكلّ يفاع أرض |
وقود النّار للمتنوّرينا(٣) |
***
[بعض أخبار عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وطائفة من شعره:]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدّثني محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثني إبراهيم بن محمد عن عبد العزيز ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن ابن شهاب قال: أتيت عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود(٤) يوما في منزله، فإذا هو مغيظ(٥) ينفخ، فقلت له: ما لي أراك هكذا! قال: دخل عليّ(٦) عاملكم هذا - يعني عمر بن عبد العزيز - ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان
____________________
(١) حاشية ف: (السمح: الجواد والجمع سمحاء؛ ومساميح؛ كأنه جمع مسماح. والمراجيح:
الحلماء).
(٢) ديوانه ١٦٩. ورامة والجنينة وأود: مواضع. والمدافع: جمع مدفع؛ وهو مسيل الماء إلى الوادي وفي حاشيتي الأصل، ف: (يقول: الّذي يريك وقود النار بهذه المواضع عشق هذا).
(٣) اليفاع: المرتفع من الأرض؛ والمتنور: من ينظر إلى النار من بعيد؛ قال امرؤ القيس:
تنوّرتها من أذرعات وأهلها |
بيثرب أدنى دارها نظر عال |
(٤) أحد الفقهاء السبعة بالمدينة توفي سنة ٩٨؛ وكان ضريرا؛ ذكره الصفدي في نكت الهميان:
١٩٧ - ١٩٨، وانظر ترجمته وأشعاره في الأغاني ٨: ٨٨ - ٩٥.
(٥) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (متغيظ).
(٦) ت: (دخلت على عاملكم.
فسلّمت، فلم يردّا عليّ السلام، فقلت(١) :
ألا أبلغا عنّي عراك بن مالك |
فإن أنت لم تفعل فأبلغ أبا بكر(٢) |
|
فقد جعلت تبدو شواكل منكما |
فإنّكما بي موقران من الصّخر(٣) |
|
وطاوعتما بي غادرا ذا معاكة |
لعمري لقد أورى وما مثله يوري(٤) |
- يقال: معك به وسدل به(٥) إذا تعرّض له بشرّ(٥) -
فلولا اتّقاء الله اتّقائي فيكما |
للمتكما لوما أحرّ من الجمر(٦) |
|
فمسّا تراب الأرض، منها خلقتما |
وفيها المعاد والمقام إلى الحشر |
|
ولا تأنفا أن تغشيا فتكلّما |
فما حشي الأقوام شرّا من الكبر(٧) |
|
ولو شئت أدلي فيكما غير واحد |
علانية أو قال عندي في السّرّ(٨) |
- معناه: لو شئت اغتابكما عندي غير واحد -
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما |
ضحكت له حتّى يلجّ ويستشري(٩) |
|
وكيف تريدان ابن سبعين حجّة |
على ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر(١٠) |
____________________
(١) الخبر بروايته عن ابن شهاب في (الأغاني ٨: ٩١ - ٩٢)، وفيه رواية أخرى أيضا ص ٩١ عن ابن اديس: (كان عراك بن مالك وأبو بكر بن حزم وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة يتجالسون بالمدينة زمانا؛ ثم إن ابن حزم ولي إمرتها، وولي عراك القضاء، وكانا يمران بعبيد الله فلا يسلمان عليه ولا يقفان - وكان ضريرا - فأخبر بذلك فأنشأ يقول )، وأورد الأبيات.
(٢) حاشية ت (من نسخة): (ألا أبلغن)
(٣) الشواكل: جمع شاكلة؛ وهي الخاصرة، وأراد بها هاهنا أمورا ينكرها. وبي؛ أي بمكاني
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (قوله: (وطاوعتماني) في حيز التشبيه؛ يقول: كأنكما موقران، وكأنكما إذ طاوعتماني طاوعتما غادرا عريضا. ثم قال: لعمري لقد أورى هذا الفعل منكما؛ أي فسد؛ من ورى جوفه؛ أو أوقد - يعني شرا، أي أثر وكنت لا أتأثر بمثل ذلك).
(٥ - ٥) ت: (إذا تعرض به لشر).
(٦) حاشية ف: (أي لولا اتقائي بتقى الله للمتكما؛ وهو مثل؛ ويجوز أن يكون قوله: (اتقائي) مفعولا له؛ أي للاتقاء.
(٧) ت، حاشية الأصل (من نسخة): (تكلما)، بكسر اللام المشددة وفي حاشية الأصل أيضا (من نسخة): (أن ترجعا فتسلما).
(٨) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (عندي في سر). يقال: أدلى فلان في فلان إذا قال فيه قولا قبيحا.
(٩) الضمير في (له) يعود إلى المغتاب، واستشرى في الأمر: لج فيه؛ أي يجترئ ويظهر؛ وأصل الكلمة الاستخراج.
(١٠) يريد أن يقول: كيف تريد اثني على ما امتنعت عنه وأنا صبي!
لقد علقت دلوا كما دلو حوّل |
من القوم لا رخو المراس ولا نزر(١) |
قال ابن شهاب: فقلت له: مثلك يرحمك الله مع نسكك وفضلك وفهمك(٢) يقول الشعر! فقال: إن المصدور إذا نفث برئ.
وإنما ذكر عراك بن مالك وأبا بكر بن عمرو بن حزم - وكانا صديقيه - كناية بذكرهما عن ذكر غيرهما.
وقد جاءت رواية أخرى أن أبا بكر بن عمر(٣) بن حزم وعراك بن مالك كانا يجتازان على عبيد الله فلا يسلّمان عليه، فقال الأبيات يخاطبهما بها.
وروى محمد بن سلاّم لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
إذا كان لي سرّ فحدّثته العدى |
وضاق به صدري، فللنّاس أعذر(٤) |
|
هو السّرّ ما استودعته وكتمته |
وليس بسرّ حين يفشو ويظهر(٥) |
وانشد مصعب الزبيري لعبيد الله بن عتبة بن مسعود:
أواخي رجالا لست مطلع بعضهم |
على سرّ بعض إنّ صدري واسعه |
|
إذا هي حلّت وسط عوذ ابن غالب |
فذلك ودّ نازح لا أطالعه(٦) |
|
تلاقت حيازيمي على قلب حازم |
كتوم لما ضمّت عليه أضالعه(٧) |
|
بنى لي عبد الله في سورة العلى |
وعتبة مجدا لا تنال مصانعه(٨) |
والبيت الأول يشبه قول مسكين الدارمي:
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم |
على سرّ بعض غير أني جماعها(٩) |
____________________
(١) حول: شديد الاحتيال؛ أي أنكما، وقعتما على من لا تطيقان دفعه عن أنفسكما.
(٢) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (وفقهك).
(٣) حاشية (من نسخة): (عمرو).
(٤) العدى بالكسر: الأجانب، وبالضم الأعداء.
(٥) حاشية ت (من نسخة): (وحفظته).
(٦) الضمير يعود على المودة، وعوذ: جمع عائذ، وهي الحديثة النتاج من الإبل وغيرها.
(٧) في الأغاني: (شددت حيازيمي). والحيزوم: وسط الصدر. ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (ضمت)، بالبناء للمعلوم.
(٨) المصانع: الأبنية.
(٩) الحماسة - بشرح التبريزي ٣: ١٢٦.
ومما يستحسن لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة قوله:
تغلغل حبّ عثمة في فؤادي |
فباديه مع الخافي يسير(١) |
|
تغلغل حيث لم يبلغ شراب |
ولا حزن ولم يبلغ سرور |
|
شققت القلب ثمّ ذررت فيه |
هواك فليم فالتأم الفطور(٢) |
|
أكاد إذا ذكرت العهد منها |
أطير لو أنّ إنسانا يطير |
|
غني النّفس أن أزداد حبّا |
ولكنّي إلى وصل فقير(٣) |
وأخذ هذا المعنى أبو نواس فقال:
أحللت في قلبي هواك محلّة |
ما حلّها المشروب والمأكول(٤) |
وأخذه المتنبي في قوله:
وللسّرّ مني موضع لا يناله |
نديم ولا يفضي إليه شراب(٥) |
وكأنّ العباس بن الأحنف ألمّ به في قوله:
لو شقّ عن قلبي قري وسطه |
اسمك والتوحيد في سطر |
وقال الصاحب اسماعيل بن عباد:
لو شقّ قلبي لرأوا وسطه |
سطر بن قد خطّا بلا كاتب |
|
العدل والتّوحيد في جانب |
وحبّ أهل البيت في جانب |
وقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحسن من الجميع وبعده بيت المتنبي.
ولعبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
لعمر أبي المحصين أيّام نلتقي |
لما لا نلاقيها من الدّهر أكثر |
____________________
(١) الأبيات في أمالي القالي ٣: ٢١٧، وذكر صاحب الأغاني أن عثمة زوجه.
(٢) الفطور: الشقوق.
(٣) حاشية ت: (يعني أنه يستغني عن ازدياد حب إلى حبه، لأنه قد تناهى. وأن أزداد، يعني: عن أن ازداد).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (المأكول المشروب).
(٥) ديوانه: ١٩٢.
يعدّون يوما واحدا إن أتيتها |
وينسون ما كانت على الدّهر تهجر |
|
فإن يكن الواشون أغروا بهجرنا(١) |
فإنّا بتجديد المودّة أجدر |
ومن مستحسن قوله:
لعمري لئن شطّت بعثمة دارها |
لقد كنت في وشك الفراق أليح(٢) |
|
أروح بهمّ ثمّ أغدو بمثله |
ويحسب أنّي في الثّياب صحيح |
أخذ هذا المعنى بشار، فقصّر عنه في قوله:
يصبح محزونا ويمسي به |
وليس يدري ماله عندك |
____________________
(١) م: (بهجرها).
(٢) ت، وحاشية الأصل من نسخة: (من وشك الفراق).
وأليح: أشفق.
[٣٠]
مجلس آخر [المجلس الثلاثون:]
تأويل آية:( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن شعيبعليهالسلام :( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله رَبُّنا ) ؛ [الأعراف: ٨٩].
فقال: أليس هذا تصريحا منه بأنّ الله تعالى يجوز أن يشاء الكفر والقبيح؛ لأن ملّة قومه كانت كفرا وضلالا، وقد أخبر أنّه لا يعود فيها إلاّ أن يشاء الله؟
الجواب، قيل له في هذه الآية وجوه:
أولها أن تكون الملّة التي عناها الله إنما هي العبادات الشرعيات؛ التي كان قوم شعيب متمسكين بها؛ وهي منسوخة عنهم، ولم يعن بها ما يرجع إلى الاعتقادات في الله وصفاته؛ مما لا يجوز أن تختلف(١) العبادة فيه، والشرعيات يجوز فيها اختلاف العبادة؛ من حيث تبعت(٢) المصالح والألطاف والمعلوم من أحوال المكلّفين؛ فكأنّه قال: إنّ ملتكم لا نعود فيها؛ مع علمنا بأنّ الله تعالى قد نسخها وأزال حكمها، إلاّ أن يشاء الله أن يتعبّدنا بمثلها فنعود إليها؛ وتلك الأفعال التي كانوا متمسّكين بها؛ مع نسخها عنهم ونهيهم عنها - وإن كانت ضلالا وكفرا - فقد كان يجوز فيما هو مثلها أن يكون إيمانا وهدى؛ بل فيها أنفسها قد كان يجوز ذلك؛ وليس تجري هذه الأفعال مجرى الجهل بالله تعالى، الّذي لا يجوز أن يكون إلاّ قبيحا.
وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: كيف يجوز أن يتعبّدهم الله تعالى بتلك الملّة مع قوله:( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْها ) ؟
____________________
(١) ت: (اختلاف العبادة).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (تتبع).
فيقال له: لم ينف عودهم إليها على كل وجه؛ وإنما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيّا عنها؛ والّذي علّقه بمشيئة الله تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها، ويتعبّد بمثلها، والجواب مستقيم لا خلل فيه.
وثانيها أنّه أراد أنّ ذلك لا يكون أبدا من حيث علّقه بمشيئة الله تعالى لما كان معلوما أنّه لا يشاؤه؛ وكلّ أمر علّق بما لا يكون فقد نفى كونه على أبعد الوجوه؛ وتجري الآية مجرى قوله تعالى:( لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ) ؛ [الأعراف: ٤٠] وكما يقول القائل: أنا لا أفعل كذا حتى يبيضّ القار؛ أو يشيب الغراب؛ وكما قال الشاعر:
وحتّى يئوب القارظان كلاهما |
وينشر في القتلى كليب لوائل(١) |
والقارظان لا يئوبان أبدا، وكليب لا ينشر أبدا؛ فكأنه قال: إنّ هذا لا يكون أبدا.
وثالثها ما ذكره قطرب بن المستنير من أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا، وأنّ الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب؛ فكأنه تعالى قال حاكيا عن الكفار:( لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا ) ؛ [الأعراف: ٨٨]، إلاّ أن يشاء الله أن تعود في ملّتنا؛ ثم قال تعالى حاكيا عن شعيب:( وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها ) على كل حال.
ورابعها أن تعود الهاء التي في قوله: فِيها إلى القرية لا إلى الملّة؛ لأن ذكر القرية قد تقدّم كما تقدم ذكر الملّة؛ ويكون تلخيص الكلام: إنّا سنخرج من قريتكم، ولا نعود فيها إلاّ أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد في الإظهار عليكم، والظّفر بكم، فنعود إليها.
وخامسها أن يكون المعنى: إلاّ أن يشاء الله أن يردّكم إلى الحق، فنكون جميعا على
____________________
(١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، ديوان الهذليين ١: ١٤٥. والقارظان هما رجلان من عنزة؛ خرجا ينتحيان القرظ ويجتنيانه، فلم يرجعا؛ فضرب بهما المثل؛ وانظر اللسان (قرظ)، وشرح ديوان الهذليين.
ملة واحدة غير مختلفة؛ لأنّه لما قال تعالى حاكيا عنهم:( أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) كان معناه: أو لنكوننّ على ملة واحدة غير مختلفة، فحسن أن يقول من بعد: إلاّ أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة.
فإن قيل: الاستثناء بالمشيئة إنما كان بعد قوله:( وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها ) ؛ فكأنه قال: ليس نعود فيها إلاّ أن يشاء الله، فكيف يصحّ هذا الجواب؟
قلنا: هو كذلك؛ إلاّ أنه لما كان معنى أَنْ نَعُودَ فِيها، هو أن تصير ملتنا واحدة غير مختلفة جاز أن يوقع الاستثناء على المعنى فيقول:( إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله ) أن نتّفق في الملة بأن ترجعوا أنتم إلى الحق.
فإن قيل: فكأنّ الله تعالى ما شاء أن يرجع الكفار إلى الحق!
قلنا: بلى قد شاء ذلك، إلاّ أنه ما شاءه على كل حال، بل من وجه دون وجه، وهو أن يؤمنوا ويصيروا إلى الحق مختارين؛ ليستحقّوا الثواب الّذي أجري(١) بالتكليف إليه، ولو شاءه على كل حال لما جاز ألاّ يقع منهم؛ فكأن شعيباعليهالسلام قال: إن ملّتنا لا تكون واحدة أبدا؛ إلا أن يشاء الله أن يلجئكم إلى الاجتماع معنا على ديننا وموافقتنا في ملتنا؛ والفائدة في ذلك واضحة؛ لأنه لو أطلق أنّا لا نتفق أبدا، ولا تصير ملتنا واحدة لتوهّم متوهّم أنّ ذلك مما لا يمكن على حال من الأحوال؛ فأفاد بتعليقه(٢) له بالمشيئة هذا الوجه؛ ويجري قوله تعالى:( إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله ) مجرى قوله تعالى:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) ؛ [يونس: ٩٩].
وسادسها أن يكون المعنى: إلاّ أن يشاء الله أن يمكّنكم من إكراهنا، ويخلّي بينكم وبينه، فنعود إلى(٣) إظهارها مكرهين؛ ويقوّي هذا الوجه قوله تعالى:( أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ) ؛ [الأعراف: ٨٨].
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (الّذي أجرى) بالألف.
(٢) حاشية ت (من نسخة): (فأفاد تعليقه).
(٣) حاشية ت (من نسخة): (فنعود في إظهارها).
وسابعها أن يكون المعنى إلاّ أن يشاء الله أن يتعبّدنا بإظهار ملّتكم مع الإكراه؛ لأنّ إظهار كلمة الكفر قد تحسن في بعض الأحوال إذا تعبّد الله تعالى بإظهارها؛ وقوله:
( أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ) يقوّي هذا الوجه أيضا.
فإن قيل: فكيف يجوز من نبي من أنبياء الله تعالى أن يتعبّد بإظهار الكفر وخلاف ما جاء به من الشّرع؟
قلنا: يجوز أن يكون لم يرد بالاستثناء نفسه بل قومه؛ فكأنه قال: وما يكون لي ولا لأمّتي أن نعود فيها إلاّ أن يشاء الله أن يتعبّد أمتي بإظهار ملّتكم على سبيل الإكراه؛ وهذا جائز غير ممتنع.
تأويل خبر [: (خير الصّدقة ما أبقت غنى) ]
روى أبو هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (خير الصّدقة ما أبقت غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول).
وقد قيل في قوله: (خير الصّدقة ما أبقت غنى): قولان:
أحدهما أنّ خير ما تصدّقت به ما فضل عن(١) قوت عيالك وكفايتهم، فإذا خرجت صدقتك عنك إلى من أعطيت خرجت عن استغناء منك ومن عيالك عنها؛ ومثله في الحديث الآخر: (إنما الصّدقة عن ظهر غنى). وقال ابن عباس رحمة الله عليه في قوله تعالى:
( وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) ؛ [البقرة: ٢١٩]؛ قال: ما فضل عن أهلك.
والجواب الآخر، أن يكون أراد: خير الصّدقة ما أغنيت به من أعطيت عن المسألة، أي تجزل له في العطيّة، فيستغني بها ويكفّ عن المسألة؛ وذلك مثل أن يريد الرجل أن يتصدق بمائة درهم، فيدفعها إلى رجل واحد محتاج، فيستغني بها ويكفّ عن المسألة، فذلك أفضل من أن يدفعها إلى مائة رجل لا تبين عليهم.
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (ما فضل من قوت عيالك).
والتأويل الأوّل يشهد له آخر الخبر وهو قوله: (وابدأ بمن تعول)، ويشهد له الحديث الآخر أيضا: (إنّما الصدقة عن ظهر غنى).
وقوله: (اليد العليا خير من اليد السّفلى)، قال قوم: يريد أنّ اليد المعطية خير من الآخذة، وقال آخرون: إنّ العليا هي الآخذة، والسفلى هي المعطية.
وقال ابن قتيبة: ولا أرى هؤلاء إلاّ قوما استطابوا السؤال؛ فهم يحتجّون للدناءة؛ ولو كان هذا يجوز لقيل: إن المولى من فوق هو الّذي أعتق، والمولى من أسفل هو الّذي أعتق، والناس إنّما يعلون بالعطايا لا بالسؤال.
قال سيدنا أدام الله علوّه: وعندي أن معنى قولهعليهالسلام : (اليد العليا خير من اليد السّفلى) غير ما ذكر من الوجهين جميعا؛ وهو أن تكون اليد هاهنا هي العطية والنعمة؛ لأنّ النعمة قد تسمّى يدا في مذهب أهل اللسان بغير شكّ؛ فكأنهصلىاللهعليهوآله أراد أنّ العطية الجزيلة خير من العطية القليلة. وهذا حث منهصلىاللهعليهوآله على المكارم، وتحضيض على اصطناع المعروف بأوجز الكلام وأحسنه مخرجا.
ويشهد لهذا التأويل أحد التأويلين(١) المتقدمين في قوله: (ما أبقت غنى)، وهذا أشبه وأولى من أن تحمل اليد على الجارحة؛ لأنّ من ذهب إلى ذلك وجعل المعطية خيرا من الآخذة لا يستمرّ قوله؛ لأنّ فيمن يأخذ من هو خير عند الله تعالى ممّن يعطي؛ ولفظة (خير) لا تحمل إلاّ على الفضل في الدين واستحقاق الثواب؛ فأمّا من جعل الآخذة خيرا من المعطية فيدخل عليه هذا الطعن أيضا؛ مع أنّه قد قال قولا شنعا(٢) ، وعكس الأمر على ما ذكر(٣) ابن قتيبة.
فإن قيل: كيف يصحّ تأويلكم مع قولهعليهالسلام : (خير الصّدقة ما أبقت غنى) وهي(٤) لا تبقي غنى إلاّ بعد أن تنقص من غيرها؟ وإذا كانت العطية التي هي أجزل
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (أحد الخبرين).
(٢) م: (شنيعا).
(٣) م: (ما قال).
(٤) ت: (فهي).
أفضل فتلك لا تبقي غنى، والتي تبقي غنى ليست الجزيلة، وهذا تناقض.
قلنا: أما تأويلنا فمطابق(١) للوجهين المذكورين في قوله: (ما بقّت(٢) غنى)؛ لأنّ من تأوّل ذلك على أنّ المراد بها المعطى، وأنّ خير العطية ما أغنته عن المسألة فالمطابقة ظاهرة، ومن تأوّله على الوجه الآخر، وحمل ما أبقى الغنى على المعطي وأهله وأقاربه؛ فتأويلنا أيضا مطابق له، لأنه قد يكون في العطايا التي يبقى بعدها الغنى على الأهل والأقارب جزيل وغير جزيل، فقالعليهالسلام : (خير الصدقة ما بقّت(٢) غنى) بعد إخراجها؛ والعطية الجزيلة التي تبقي بعدها غنى خير من القليلة، فمدحعليهالسلام بعد إبقاء الغنى جزيل العطية، وحثّ على الكرم والفضل.
***
[ذكر أبيات تروى لثابت قطنة وعروة بن أذينة:]
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا قال أخبرنا أبو عبد الله الحكيمي قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال: أنشدنا ابن الأعرابي لثابت قطنة العتكي(٣) :
ياهند كيف بنصب بات يبكيني |
وعائر في سواد العين يؤذيني(٤) |
|
كأنّ ليلي والأصداء هاجدة |
ليل السّليم وأعيا من يداويني |
|
لما حنى الدّهر من قوسي وعذّرني |
شيبي وقاسيت أمر الغلظ واللّين(٥) |
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (فيطابق الوجهين).
(٢) ت: (ما أبقت).
(٣) هو أبو العلاء ثابت بن كعب، شاعر فارس؛ من شعراء الدولة الأموية، وكان في صحابة يزيد بن المهلب، ولقب قطنة؛ لأن سهما أصابه في عينه في بعض حروب الترك. وانظر ترجمته وأخباره وأشعاره في (الأغاني ١٣: ٤٧ - ٥٤، والخزانة ٤: ١٨٥ - ١٨٧، والشعر والشعراء ٦١٢ - ٦١٣).
(٤) القصيدة في رثاء المفضل بن المهلب؛ وهند هي بنت المفضل؛ دخل عليها ثابت، والناس حولها جلوس يعزونها؛ فلما أنشدها هذه القصيدة قالت: ليست المصيبة في قتل من استشهد ذابا عن دينه، مطيعا لربه؛ وإنما المصيبة فيمن قلت بصيرته، وخمل ذكره بعد موته؛ وأرجو ألا يكون المفضل عند الله خاملا).
والقصيدة في (أمالي الزجاجي ١٣٠ - ١٣١، وأبيات منها في الأغاني ١٣: ٥١ - ٥٢). النصب: البلاء والعذاب. والعائر: القذى والرمد، وكذلك العوّار.
(٥) عذرني شيبي؛ أي شيبني من جانبي وجهي؛ من العذارين.
إذا ذكرت أبا غسّان أرّقني |
همّ إذا عرض السّارون يشجيني(١) |
|
كان المفضّل عزّا في ذوي يمن |
وعصمة وثمالا للمساكين(٢) |
|
غيثا لدى أزمة غبراء شاتية |
من السّنين ومأوى كلّ مسكين(٣) |
|
إني تذكّرت قتلى لو شهدتهم |
في حومة الحرب لم يصلوا بها دوني |
|
لا خير في العيش إذ لم نجن بعدهم |
حربا تنيئ بهم قتلى فتشفيني |
|
لا خير في طمع يدني إلى طبع، |
وغفّة من قوام العيش تكفيني(٤) |
|
[أنظر في الأمر يعنيني الجواب به |
ولست أنظر فيما ليس يعنيني](٥) |
|
لا أركب الأمر تزري بي عواقبه |
ولا يعاب به عرضي ولا ديني |
|
لا يغلب الجهل حلمي عند مقدرة |
ولا العضيهة من ذي الضّغن تكبيني(٦) |
|
كم من عدوّ رماني لو قصدت له |
لم يأخذ النّصف منّي حين يرميني(٧) |
قال سيدنا أدام الله علوّه: وهذه الأبيات يروى بعضها لعروة بن أذينة(٨) وتداخل أبياتا على هذا الوزن؛ وهي التي يقول فيها:
لقد علمت وما الإشراف من خلقي |
أنّ الّذي هو رزقي سوف يأتيني |
|
أسعى له فيعنّيني تطلّبه |
ولو قعدت أتاني لا يعنّيني |
____________________
(١) ت: (إذا غرض)، م: (إذا عرّس).
(٢) في ذوي يمن، أي في اليمانين، وفي حاشية الأصل (من نسخة): (في ذرى يمن)، جمع ذروة. وثمال المساكين: غياث لهم، من ثملهم ثملا إذا أطعمهم وسقاهم وقام بأمرهم.
(٣) من نسخة بحواشي الاصل، ت، ف: (لذي أزمة). والأزمة: القحط.
ويقال: شتا القوم إذا أجدبوا في الشتاء خاصة، وقال الأزهري: العرب تسمي القحط شتاء، لأن المجاعات أكثر ما تصيبهم في الشتاء البارد.
(٤) الغفة: البلغة من العيش. وفي أمالي الزجاجي: (من قليل العيش).
(٥) تكملة من ت، ف، د، وأمالي الزجاجي ومن نسخة بحاشيتي ت، ف: (وانظر الأمر).
(٦) العضيهة: الإفك والبهتان، أي لا أكبر إذا عضهني ذو الضغن.
(٧) النصف: الانتصاف.
(٨) هو عروة بن أذينة بن مالك، من بني الليث. شاعر غزل مقدم من شعراء أهل المدينة، وهو معدود أيضا في الفقهاء والمحدثين. وانظر ترجمته وأشعاره وأخباره في (الأغاني ٢١: ١٠٥ - ١١١، والشعر والشعراء ٥٦٠ - ٥٦٢).
كم قد أفدت وكم أتلفت من نشب |
ومن معاريض رزق غير ممنون |
|
فما أشرت على يسر وما ضرعت |
نفسي لخلّة عسر جاء يبلوني(١) |
|
خيمي كريم ونفسي لا تحدّثني |
أنّ الإله بلا رزق يخلّيني |
|
ولا اشتريت بمالي قطّ مكرمة |
إلاّ تيقّنت أنّي غير مغبون |
|
ولا دعيت إلى مجد ومحمدة(٢) |
إلاّ أجبت إليه من يناديني |
|
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي(٣) |
ولا ألين لمن لا يبتغي ليني |
|
إني سيعرفني من لست أعرفه |
ولو كرهت، وأبدو حين يخفيني |
|
فغطّني جاهدا واجهد عليّ إذا |
لاقيت قومك فانظر هل تغطّيني(٤) |
- وقوم يخطئون(٥) فيروون قوله:
* لقد علمت وما الإسراف من خلقي*
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (يقال: ضرع يضرع [بالفتح] ضراعة، وضرع [بالكسر] يضرع ضرعا [بالفتح]، فهو ضارع.
(٢) ت: (مكرمة)، وفي حواشي الأصل ت، ف: (يقال: محمدة، بفتح الميم، مثل مذمة، والفصيح: المحمدة، بكسر الميم، وهو المسموع).
(٣) حاشية الأصل: (من نسخة): (مصارمتي).
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (روي أن عروة هذا وفد على هشام بن عبد الملك في جماعة من الشعراء، فلما دخلوا عليه عرف عروة فقال له: ألست القائل:
لقد علمت وما الإشراف من خلقي |
أنّ الّذي هو رزقي سوف يأتيني |
|
أسعى له فيعنّيني تطلّبه |
ولو قعدت أتاني لا يعنّيني |
وأراك قد جئت تضرب من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق! فقال له: لقد وعظت ياأمير المؤمنين وبالغت في الوعظ، وأذكرت بما أنسانيه الدهر. وخرج من فوره إلى راحلته فركبها، ثم سار راجعا نحو الحجاز؛ فمكث هشام يومه غافلا عنه، فلما كان في الليل تعارّ على فراشه فذكره وقال في نفسه: رجل من قريش قال حكمة، ووفد إلي فجبهته ورددته عن حاجته، وهو مع هذا شاعر لا آمن ما يقول! فلما أصبح سأل عنه فأخبر بانصرافه، فقال: لا جرم! ليعلمن أن الرزق سيأتيه، ودعا مولى له وأعطاه ألفي دينار، وقال له: الحق ابن أذينة، فأعطه إياها، قال: فلم أدركه إلا قد دخل بيته، فقرعت الباب عليه، فخرج فأعطيته المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام؛ وقل له: كيف رأيت قولي! سعيت فأكديت، ورجعت إلى بيتي فأتاني فيه الرزق).
(٥) د، ومن نسخة بحواشي الأصل، ت، ف (يخبطون).
بالسين غير معجمة(١) ، وذلك خطأ، وإنما أراد بالإشراف أني لا أستشرف وأتطلّع(٢) إلى ما فاتني من أمور الدنيا ومكاسبها، ولا تتبعها نفسي(٣) .
***
[أبيات للسيد المرتضى في معنى أبيات ثابت قطنة وعروة بن أذينة المذكورة:]
قال سيدنا أدام الله تأييده: ولي أبيات في معنى بعض أبيات ثابت قطنة، وعروة بن أذينة التي تقدمت، وهي من جملة قصيدة طويلة خرجت عنّي منذ اثنتي عشرة سنة؛ والأبيات:
تعاقبني بؤس الزّمان وخفضه |
وأدّبني حرب الزّمان وسلمه |
|
وقد علم المغرور بالدّهر أنّه |
وراء سرور المرء في الدّهر غمّه |
|
وما المرء إلاّ نهب يوم وليلة |
تخبّ به شهب الفناء ودهمه(٤) |
|
يعلّله برد الحياة يمسّه |
ويغترّه روح النّسيم يشمّه(٥) |
|
وكان بعيدا عن منازعة الرّدى |
فألقته في كفّ المنيّة أمّه(٦) |
|
ألا إنّ خير الزّاد ما سدّ فاقة |
وخير تلادي الّذي لا أجمّه(٧) |
|
وإنّ الطّوى بالعزّ أحسن بالفتى |
إذا كان من كسب المذلّة طعمه(٨) |
|
وإني لأنهى النّفس عن كلّ لذّة |
إذا ما ارتقى منها إلى العرض وصمه |
|
وأعرض عن نيل الثّريّا إذا بدا |
وفي نيله سوء المقال وذمّه |
|
أعفّ وما الفحشاء عنّي بعيدة |
وحسبي في صدّ عن الأمر إثمه(٩) |
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (المعجمة).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (وأطلع).
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (العجب من تخطئة السيدرضياللهعنه رواية من روى بالسين المهملة؛ وهو أكثر الروايات، ومعناه واضح).
(٤) حاشية الأصل: (دهمه؛ جمع أدهم؛ وهو كناية عن الليل والنهار).
(٥) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (برد النسيم).
(٦) ت، حاشية الأصل (من نسخة) (من منازعة الردى).
(٧) حواشي الأصل، ت، ف: (أي لا أتركه يجم ويكثر، من جم الماء يجم جموما؛ إذا كثر واجتمع، ولا يبعد أن يكون من أجممت الفرس، أي أرحته).
(٨) ت: (كسب المنية).
(٩) حاشية الاصل: (ذكر الفحشاء دليل على شبابه، وكناية عنه).
وما العفّ من ولى عن الضّرب سيفه |
ولكنّ من ولى عن السّوء حزمه |
ولى في معنى قوله: (وما الإشراف من خلقي):
ما خامر الرّزق قلبي قبل فجأته |
ولا بسطت له في النّائبات يدي |
|
كم قد ترادف لم أحفل زيادته |
ولو تجاوزني ما فتّ من عضدي |
|
إن أسخط الأمر أدرك عنه مضطربا |
وإن أرد بدلا من مذهب أجد(١) |
ومعنى (ما خامر الرّزق قلبي) أي لم أتمنّه، ولا تطلّعت إلى حضوره، ولا خطر لي ببال تنزّها وتقنعا؛ والوجه في تخصيص نفي بسط اليد بالنوائب، لأن النوائب(٢) يضرع عندها في الأكثر المتنزّه، ويطلب المتعفّف؛ فمن لزم النزاهة مع الحاجة وشدّة الضرورة فهو الكامل المروءة.
ومعنى البيت الثاني ظاهر.
فأما الثالث فالمراد به أنني ممّن إذا كره شيئا تمكّن من مفارقته والنزوع عنه، ولست ممّن تضيق حيلته، وتقصر قدرته عن استدراك ما يحب بما يكره. وفيه فائدة أخرى، وهي أنني ممن لا تملكه العادات، وتقتاده الأهواء؛ بل متى أردت مفارقة خلق إلى غيره، وعادة إلى سواها لم يكن ذلك عليّ متعذّرا؛ من حيث كان لرأيي على هواي السلطان والرجحان.
***
[خبر عروة بن عبيد الله عن عروة بن أذينة وروايته أبياتا له:]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال أخبرنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير قال: كان عروة ابن أذينة نازلا مع أبي في قصر عروة بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه:
إنّ الّتي زعمت فؤادك ملّها |
خلقت هواك كما خلقت هوى لها(٣) |
____________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (إن أسخط الرزق).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (أن النوائب).
(٣) الأبيات في زهر الآداب: ١٦٦ (طبعة الحلبي)، وبعضها في أمالي القالي ١: ١٥٦، والموشح: ٢٣٠، وحماسة أبي تمام - بشرح التبريزي ٣: ٢١ - ٢١٣. ونسب ابن قتيبة في الشعراء: ٥٥٤ أبياتا منها للمجنون. والهوى، بمعنى المهوي.
فبك الّذي زعمت لها، وكلاكما |
أبدى لصاحبه الصّبابة كلّها |
|
ولعمرها لو كان حبّك فوقها |
يوما وقد ضحيت إذا لأظلّها |
|
وإذا وجدت لها وساوس سلوة |
شفع الضّمير إلى الفؤاد فسلّها |
|
بيضاء باكرها النّعيم فصاغها |
بلباقة فأدقّها وأجلّها(١) |
|
لما عرضت مسلّما لي حاجة |
أخشى صعوبتها، وأرجو ذلّها(٢) |
|
منعت تحيّنها، فقلت لصاحبي: |
ما كان أكثرها لنا وأقلّها! |
|
فدنا، فقال: لعلّها معذورة |
في بعض رقبتنا، فقلت: لعلّها! |
قال عروة بن عبيد الله: فجاءني أبو السائب المخزومي يوما فسلّم وجلس إلي، فقلت له بعد الرّحب به: ألك حاجة ياأبا السائب؟ فقال: أو كما تكون الحاجة! أبيات لعروة ابن أذينة؛ بلغني أنك سمعتها منه، قلت: أي أبيات؟ قال: وهل يخفى القمر!.
* إنّ الّتي زعمت فؤادك ملّها*
فأنشدته فقال: ما يروي هذا إلاّ أهل المعرفة والفضل، هذا والله الصادق الودّ، الدائم العهد، لا الهذلي الّذي يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبة |
عنّي فأهلي بي أضنّ وأرغب |
لقد عدا الأعرابي طوره! وإني لأرجو أن يغفر الله لابن أذينة في حسن الظّنّ بها، وطلب العذر لها. فدعوت له بطعام، فقال: لا والله حتى أروي هذه الأبيات، فلمّا رواها وثب، فقلت له: كما أنت يغفر الله لك، حتى تأكل، فقال: والله ما كنت لأخلط بمحبتي لها وأخذي إياها غيرها(٣) .
____________________
(١) حاشية الأصل: (أي أدق منها ما ينبغي أن يكون دقيقا، وأجل منها ما ينبغي أن يكون جليلا) وقال ابن الأعرابي: ومعنى قوله: (فأدقها وأجلها) دق منها حاجباها وأنفها وخصرها، وجل عضداها وساقاها وبوصها؛ وهذا كما قال آخر:
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت |
فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت |
(٢) الذل هنا، بالضم ويكسر: ضد الصعوبة.
(٣) وانظر الخبر أيضا في زهر الآداب (طبعة الحلبي): ١٦٧، والموشح: ٢٣٠.
قال سيدنا أدام الله علوّه: والهذلي الّذي عابه وأنشد له هذا البيت هو عبد الله بن مسلم ابن جندب الهذلي.
وقول عروة: (باكرها النعيم) أراد أنها لم تعش إلاّ في النعيم، ولم تعرف إلا الخفض، وأنها لم تلاق بؤسا فتخشع وتضرع، فيؤثّر ذلك في جمالها وتمامها، والبكور هو التقدّم في كل وقت.
[عروة بن أذينة وسكينة بنت الحسين:]
وكان عروة بن أذينة مع تغزّله يوصف بالعفاف والنزاهة،(١) وروي أن سكينة بنت الحسينعليهماالسلام مرّت به فقالت: ياأبا عامر، أنت الّذي تقول:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي |
أقبلت نحو سقاء القوم أبترد |
|
هبني بردت ببرد الماء ظاهره |
فمن لنار على الأحشاء تتّقد! |
وأنت القائل:
قالت وأبثثتها وجدي فبحت به |
قد كنت عندي تحب السّتر، فاستتر |
|
ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها: |
غطّى هواك وما ألقى على بصري(٢) |
قال: نعم، قالت: هنّ حرائر - وأشارت إلى جواريها - إن كان هذا خرج من قلب سليم!
[أبيات لعروة بن أذينة في الغزل:]
وأنشد أبو الحسن أحمد بن يحيى(٣) لعروة:
كأنّ خزامى طلّة صابها النّدى |
وفأرة مسك ضمّنتها ثيابها(٤) |
|
وكدت لذكراها أطير صبابة |
وغالبت نفسا زاد شوقا غلابها |
____________________
(١) الخبر في مصارع العشاق: ٣١٣ - ٣١٤، وابن خلكان ١: ٢١١.
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (بما ألقى على بصري).
(٣) كذا في الأصول، وفي حاشيتي الأصل، ت (من نسخة): (أبو الحسن علي بن أحمد)، ومن نسخة أخرى: (أبو الحسن عن أحمد بن يحيى).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (ضافها الندى)؛ الخزامى: نبت زهره أطيب الأزهار رائحة، والطلة: الروضة بالها الطل؛ وهو المطر الخفيف. وفأرة المسك: وعاؤه؛ ويريد به هنا المسك.
إذا اقتربت سعدى لهجت بهجرها |
وإن تغترب يوما يرعك اغترابها |
|
ففي أي هذا راحة لك عندها! |
سواء لعمري نأيها واقترابها |
|
وعاد الهوى فيها كظلّ سحابة |
ألاحت ببرق ثمّ مرّ سحابها(١) |
قال سيدنا أدام الله علوّه: وهيهات هذا البيت الأخير من قول كثيّر:
وإني وتهيامي بعزّة بعد ما |
تخلّيت ممّا بيننا وتخلّت(٢) |
|
لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّما |
تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت |
|
كأنّي وإيّاها سحابة ممحل |
رجاها فلمّا جاوزته استهلّت |
[موازنة بين ما قاله الكميت بن زيد وعروة بن أذينة ونصر بن سيار في الحسد:]
وروى يحيى بن عليّ قال حدثنا أبو هفّان قال: أشعر أبيات قيلت في الحسدة والدعاء لهم بالكثرة أربعة، فأولها قول الكميت بن زيد(٣) :
إن يحسدوني فإني لا ألومهم |
قبلي من النّاس أهل الفضل قد حسدوا(٤) |
|
فدام بي وبهم ما لي وما لهم |
ومات أكثرنا غيظا بما يجد |
|
أنا الّذي يجدوني في حلوقهم |
لا أرتقي صدرا منها ولا أرد |
|
لا ينقص الله حسّادي فإنّهم |
أسرّ عندي من اللاّئي له الودد(٥) |
وقال عروة بن أذينة:
لا يبعد الله حسادي وزادهم |
حتّى يموتوا بداء في مكنون |
|
إنّي رأيتهم في كلّ منزلة |
أجلّ قدرا من اللاّئي يحبّوني |
وقال نصر بن سيّار:
إن يحسدوني على ما بي وما بهم |
فمثل ما بي لعمري جرّ لي الحسدا |
____________________
(١) ألاحت: لوحت.
(٢) أمالي القالي ٢: ١٠٩.
(٣) في حاشيتي الأصل، ت: (الكميت بن معروف الأسدي).
(٤) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (غير لائمهم)، والأبيات الثلاثة الأول وردت في معجم الشعراء: ٣٤٧، منسوبة إلى الكميت بن معروف، ووردت في عيون الأخبار ٢: ١٠ - ١١، وأمالي القالي ٢: ١٩٨ من غير عزو.
(٥) ت: (هم الودد)، ومن نسخة بحاشية الأصل: (لهم ودد).
وقال معن بن زائدة:
إني حسدت فزاد الله في حسدي |
لا عاش من عاش يوما غير محسود |
|
ما يحسد المرء إلاّ من فضائله |
بالعلم والظرف أو بالبأس والجود |
قال سيدنا أدام الله علوّه: وقد لحظ البحتري بهذا(١) المعنى في قوله:
محسّد بخلال فيه فاضلة |
وليس تفترق النّعماء والحسد(٢) |
وأظن أبا العتاهية أخذ قوله:
كم عائب لك لم أسمع مقالته |
ولم يزدك لدينا غير تزيين |
|
كأنّ عائبكم يبدي محاسنكم |
وصفا فيمدحكم عندي ويغريني |
|
ما فوق حبّك حبّا لست أعلمه |
فلا يضرّك ألاّ تستزيديني |
من قول عروة بن أذينة:
لا بعد سعدى مريحي من جوى سقم |
يوما ولا قربها إن حمّ يشفيني |
|
إذا الوشاة لحوا فيها عصيتهم |
وخلت أنّ بسعدى اليوم يغريني |
وقد أخذ أبو نواس هذا المعنى في قوله:
ما حطّك الواشون من رتبة |
عندي ولا ضرّك مغتاب |
|
كأنّهم أثنوا ولم يعلموا |
عليك عندي بالذي عابوا |
ولعروة بن أذينة:
تروّعنا الجنائز مقبلات |
ونلهو حين تخفى ذاهبات(٣) |
|
كروعة ثلّة لمغار ذئب |
فلما غاب عادت راتعات |
الثّلّة: القطعة من الضأن؛ وهذا المعنى قد سبق إليه بعض الأعراب فقال:
ونحدث روعات لدى كلّ فزعة |
ونسرع نسيانا وما جاءنا أمن |
____________________
(١) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (هذا).
(٢) ديوانه ١: ١٤٠، وفي ت، من نسخة: (فيه ظاهرة).
(٣) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (ونسهو). والشعر في الحيوان ٦: ٥٠٧ وعيون الأخبار ٣: ٦٢، والبيان ٣: ٢٠١
وإنا - ولا كفران للّه ربّنا - |
لكالبدن، لا تدري متى يومها البدن! |
أخذه أبو العتاهية في قوله:
إذا ما رأيتم ميّتين جزعتم |
وإن غيّبوا ملتم إلى صبواتها |
وأخذ عروة قوله:
إنّ الفتى مثل الهلال له |
نور ليالي ثمّ يمتحق(١) |
|
يبلى وتفنيه الدّهور كما |
يبلى وينضوا لجدّة الخلق(٢) |
من قول لبعض شعراء طيئ:
مهما يكن ريب الزّمان فإنني |
أرى قمر اللّيل المعذّب كالفتى(٣) |
|
يهلّ صغيرا، ثمّ يعظم ضوءه |
وصورته حتّى إذا ما هوى استوى |
|
تقارب يخبو ضوءه وشعاعه |
ويمصح حتّى يستسرّ فلا يرى(٤) |
|
كذلك زيد المرء ثمّ انتقاصه |
يعود إلى مثل الّذي كان قد بدا(٥) |
أخذه محمد بن يزيد الكاتب فقال:
المرء مثل هلال عند مطلعه |
يبدو ضئيلا ضعيفا ثمّ يتّسق |
|
يزداد حتّى إذا ما ثمّ أعقبه |
كرّ الجديدين نقصانا فيمتحق(٦) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (امحق)، وفيها: (يمحق وامتحق وامحق بمعنى).
(٢) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (وينضى الحبرة). وفي حاشية الأصل أيضا: (أنضيت الثوب: أبليته وكذلك انتضيته، ونضوته: خلعته).
(٣) معجم البلدان ٤: ١٣٤؛ من أبيات نسبها إلى حنظلة بن أبي عفراء الطائي؛ وكان قد نسك في الجاهلية وتنصر، وبني ديرا عرف باسمه.
(٤) حاشية الأصل: (يقال: مصح النبات إذا ولى لون زهره).
(٥) رواية عجز البيت في معجم البلدان:
* وتكراره في إثره بعد ما مضى*
(٦) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (فيمحق).
[٣١]
مجلس آخر [المجلس الحادي والثلاثون:]
تأويل آية:( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ... )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ الله وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) ؛ [البقرة: ١٠٢].
فقال: كيف ينزل الله السّحر على الملائكة؟ أم كيف تعلّم الملائكة الناس السّحر والتفريق بين المرء وزوجه؟ وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى أنّه بإذنه، وهو تعالى قد نهى عنه، وحذّر من فعله؟ وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم، بقوله:( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ، ثم قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) ؟.
الجواب، قلنا: في الآية وجوه؛ كلّ منها يزيل الشبهة الداخلة على من لا ينعم النّظر فيها:
أوّلها أن يكون ما في قوله:( وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) بمعنى الّذي، فكأنه تعالى أخبر عن طائفة من أهل الكتاب، بأنهم اتّبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان، وتضيفه إليه من السّحر؛ فبرأه الله تعالى من قرفهم، وأكذبهم في قولهم، فقال:
( وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ) باستعمال السّحر والتمويه على الناس، ثم قال:( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) ، وأراد أنهم يعلّمونهم السّحر
والّذي أنزل على الملكين، وإنّما أنزل على الملكين وصف السحر وماهيّته وكيفية الاحتيال فيه؛ ليعرفا ذلك ويعرّفاه للناس فيجتنبوه ويحذروا منه، كما أنّه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي، ووصف لنا أحوال القبائح لنجتنبها لا لنوقعها؛ لأنّ الشياطين كانوا إذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه، وأقدموا على فعله؛ وإن كان غيرهم من المؤمنين لما عرفه اجتنبه وحاذره وانتفع باطّلاعه على كيفيته، ثم قال:( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ) يعني الملكين، ومعنى( يُعَلِّمانِ ) يعلمان، والعرب تستعمل لفظة علّمه بمعنى أعلمه، قال القطامي:
تعلّم أنّ بعد الغي رشدا |
وأنّ لتانك الغبر انقشاعا(١) |
وقال كعب بن زهير:
تعلّم رسول الله أنّك مدركي |
وأنّ وعيدا منك كالأخذ باليد(٢) |
ومعنى (تعلّم) في البيتين معنى (اعلم)(٣) ؛ والّذي يدلّ على أنّ المراد هاهنا الإعلام لا التعليم قوله:( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) ، أي أنهما لا يعرّفان صفات السحر وكيفيته إلاّ بعد أن يقولا إنما نحن محنة، لأن الفتنة بمعنى المحنة؛ وإنما كانا محنة، من حيث ألقيا إلى المكلّفين أمرا لينزجروا عنه، وليمتنعوا من مواقعته، وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه، فقالا لمن يطلعانه على ذلك: لا تكفر باستعماله، ولا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا إليك، فإنه إنّما ألقى إليك، وأطلعت عليه لتجتنبه؛ لا لتفعله، ثم قال:( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) ، أي فيعرفون من جهتهما ما يستعلمونه في هذا الباب؛ وإن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك؛ ولهذا قال:( وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ) ؛ لأنّهم
____________________
(١) ديوانه: ٤٠؛ ومن نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (لهذه الغمر)، وهي رواية الديوان والغمر: جمع غمرة، وهي الشدة.
(٢) ملحقات ديوانه: ٢٥٨ (عن الغرر).
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (قال ابن السكيت رحمه الله: يقال: تعلمت أن فلانا خارج يعني علمت، وإذا قال لك: اعلم أن زيدا خارج قلت: قد علمت، وإذا قال: تعلم أن زيدا خارج لم تقل:
قد تعلمت؛ يعني أنه يقتصر على ما ورد عنهم، ولا يتجاوز إلى غيره).
لمّا قصدوا بتعلّمه أن يفعلوه ويرتكبوه، لا أن يجتنبوه صار ذلك لسوء اختيارهم ضررا عليهم.
وثانيها أن يكون ما أُنْزِلَ موضعه موضع جرّ؛ فيكون معطوفا بالواو على مُلْكِ سُلَيْمانَ؛ والمعنى: واتبعوا ما كذب به الشياطين على ملك سليمان، وعلى ما أنزل على الملكين؛ ومعنى( ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) أي معهما، وعلى ألسنتهما؛ كما قال تعالى:
( رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ) ؛ [آل عمران: ١٩٤]، أي على ألسنتهم ومعهم.
وليس بمنكر أن يكون( ما أُنْزِلَ ) معطوفا على( مُلْكِ سُلَيْمانَ ) وإن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض؛ لأن ردّ الشيء إلى نظيره، وعطفه على ما هو أولى هو الواجب، وإن اعترض بينهما ما ليس منهما؛ ولهذا نظائر في القرآن وكلام العرب كثيرة، قال الله تعالى:
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً ) ؛ [الكهف: ١، ٢] و (قيّم) من صفات الكتاب حال منه، لا من صفة (عوج)، وإن تباعد ما بينهما، ومثله قوله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ الله وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) ؛ [البقرة: ٢١٧]، فالمسجد هاهنا معطوف به على الشهر الحرام، أي يسألونك عن القتال في الشهر الحرام وعن المسجد الحرام.
وحكي عن بعض علماء أهل اللغة أنه قال: العرب تلفّ الخبرين المختلفين، ثم ترمي بتفسيرهما جملة؛ ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كلّ خبره؛ كقوله تعالى:( وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) ؛ [يونس: ٦٧]، وهذا واضح في مذهب العرب، كثير النظائر.
ثم قال:( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ) ، والمعنى أنهما لا يعلّمان أحدا، بل ينهيان عنه، ويبلغ من نهيهما عنه وصدّهما عن فعله واستعماله أن يقولا:( إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) باستعمال السحر والإقدام على فعله، وهذا كما يقول الرجل: ما أمرت فلانا بكذا، ولقد بالغت في نهيه حتى قلت له: إنك إن فعلته أصابك كذا وكذا؛ وهذا
هو نهاية البلاغة في الكلام؛ والاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعاني الكثيرة؛ لأنه استغنى بقوله تعالى:( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ) عن بسط الكلام الّذي ذكرناه؛ ولذلك نظائر في القرآن، قال الله تعالى:( مَا اتَّخَذَ الله مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ) ؛ [المؤمنون: ٩١]، فلولا الاختصار لكان مع شرح الكلام يقول: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، ولو كان معه إله إذا لذهب كل إله بما خلق؛ ومثله قوله تعالى:( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) ؛ [آل عمران: ١٠٦]، أي: فيقال للذين اسودت وجوههم:
( أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ) ؛ وأمثاله أكثر من أن تورد.
ثم قال تعالى:( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) ، وليس يجوز أن يرجع الضمير على هذا الجواب إلى الملكين؛ وكيف يرجع إليهما وقد نفى عنهما التعليم! بل يرجع إلى الكفر والسحر، وقد تقدم ذكر السحر، وتقدم أيضا ذكر ما يدلّ على الكفر ويقتضيه في قوله:( وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ) ؛ فدل كَفَرُوا على الكفر، والعطف عليه مع السحر جائز، وإن كان التصريح قد وقع بذكر السحر دونه؛ ومثل ذلك قوله تعالى:
( سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى. وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى ) ؛ [الأعلى: ١٠ - ١١، أي يتجنّب الذكرى الأشقى، ولم يتقدم تصريح بالذّكرى، لكن دلّ عليها قوله:( سَيَذَّكَّرُ ) .
ويجوز أيضا أن يكون معنى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما، أي بدلا مما علّمهم الملكان، ويكون المعنى أنهم يعدلون عمّا علّمهم ووقفهم عليه الملكان من النهي عن السحر إلى تعلمه واستعماله؛ كما يقول القائل: ليت لنا من كذا وكذا كذا(١) ! أي بدلا منه، وكما قال الشاعر:
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (من هذا الباب قوله:
فليت لنا من ماء زمزم شربة |
مبرّدة باتت على الطّهيان |
- الطهيان: اسم جبل).
جمعت من الخيرات وطبا وغلبة |
وصرّ الأخلاف المزمّمة البزل(١) |
|
ومن كلّ أخلاق الكرام نميمة |
وسعيا على الجار المجاور بالمحل(٢) |
يريد جمعت مكان الخيرات، ومكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة.
وقوله:( ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) فيه وجهان:
أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين، ويحملونه على الكفر والشرك بالله تعالى، فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، فيفرّق بينهما اختلاف النّحلة والملّة.
والوجه الآخر أن يسعوا بين الزّوجين بالنميمة والوشاية والإغراء والتمويه بالباطل؛ حتى يئول أمرهما إلى الفرقة والمباينة.
وثالث الوجوه في الآية أن يحمل ما في قوله:( وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) على الجحد والنفي، فكأنه تعالى قال:( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ) ، ولا أنزل الله السّحر على الملكين،( وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ ) ويكون قوله:( بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ ) من المؤخّر الّذي معناه التقديم، ويكون - على هذا التأويل - هاروت وماروت رجلين من جملة الناس، هذان اسماهما؛ وإنما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا وتبيينا، ويكون الملكان المذكوران اللذان
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (الوطب: زق اللبن، والعلبة: ما يحلب فيه. والصر: شد الضرع.
والأخلاف: جمع خلف؛ وهو للناقة كالثدي للمرأة والمزممة: النوق التي علقت الأزمة عليها، والبزل:
جمع بازل؛ وهي التامة السن). وفي د، م: (المزهمة)، وهي السمان الكثيرة الشحم.
(٢) المحل: الكذب والخداع.
نفي عنهما السحر جبرائيل وميكائيلعليهماالسلام ؛(١) لأن سحرة اليهود - فيما ذكر - كانت تدّعي أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبرائيل وميكائيل(١) إلى سليمان بن داودعليهماالسلام ، فأكذبهما الله تعالى بذلك.
ويجوز أن يكون هاروت وماروت يرجعان إلى الشياطين، كأنه قال: ولكن الشياطين:
هاروت وماروت كفروا؛ ويسوغ ذلك كما ساغ في قوله تعالى:( وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ) ؛ [الأنبياء: ٧٨]، يعني حكم داود وسليمانعليهماالسلام .
ويكون قوله تعالى على هذا التأويل:( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ) راجعا إلى هاروت وماروت اللذين هما من الشياطين، أو من الإنس المتعلمين للسحر من الشياطين والعاملين به. ومعنى قولهما:( إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) يكون على طريق الاستهزاء والتماجن والتخالع، كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحا أو قال باطلا: هذا فعل من لا يفلح، وقول من لا ينجب، والله ما حصلت إلا على الخسران؛ وليس ذلك منه على سبيل النّصح للناس وتحذيرهم من مثل فعله، بل على وجه المجون والتهالك.
ويجوز أيضا على هذا التأويل الّذي يتضمّن النفي والجحد أن يكون هاروت وماروت اسمين لملكين، ونفي عنهما إنزال السحر بقوله:( وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ ) ويكون قوله:( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ) يرجع إلى قبيلتين من الجنّ أو إلى شياطين الجنّ والإنس، فتحسن التثنية لهذا.
وقد روي هذا التأويل الأخير في حمل ما على النفي عن ابن عباس وغيره من المفسرين.
وروي عنه أيضا أنه كان يقرأ:( وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) بكسر اللام، ويقول:
متى كان العلجان ملكين! إنما كانا ملكين؛(١) وعلى هذه القراءة لا ينكر أن يرجع قوله:
( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ) إليهما(١) .
____________________
(١ - ١) ساقط من م.
وعلى(١) هذه القراءة في الآية وجه آخر وإن لم يحمل قوله:( وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) على الجحد والنفي، وهو أن يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتّبعوا ما تتلوا الشياطين وتدّعيه على ملك سليمان، واتبعوا ما أنزل على هذين الملكين من السحر، ولا يكون الإنزال مضافا إلى الله تعالى، وإن أطلق؛ لأنه جلّ وعز لا ينزل السحر؛ بل يكون منزله إليهما بعض الضّلاّل العصاة، ويكون معنى أُنْزِلَ - وإن كان من الأرض - حمل إليهما لا من السماء أنه أتى به به من نجود الأرض وأعاليها؛ فإنّ من هبط من نجد البلاد إلى غورها يقال: نزل وهبط، وما جرى هذا المجرى.
فأما قوله تعالى:( وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ الله ) فيحتمل وجوها:
منها أن يريد بالإذن العلم، من قولهم: آذنت فلانا بكذا إذا أعلمته، وأذنت لكذا إذا استمعته وعلمته، قال الشاعر:
في سماع يأذن الشّيخ له |
وحديث مثل ماذي مشار(٢) |
ومنها أن تكون إِلاّ زائدة، فيكون المعنى: وما هم بضارين به من أحد بإذن الله، ويجري مجرى قول أحدنا: لقيت زيدا إلا أني أكرمته، أي لقيت زيدا فأكرمته.
ومنها أن يكون أراد بالإذن التخلية وترك المنع، فكأنه أفاد بذلك أنّ العباد لن يعجزوه، وما هم بضارين أحدا إلا بأن يخلّي الله تعالى بينهم وبينه، ولو شاء لمنعهم بالقهر والقسر، زائدا على منعهم بالزجر والنهي.
ومنها أن يكون الضرر الّذي عني أنه لا يكون إلا بإذنه، وأضافه إليه هو ما يلحق المسحور من الأدوية والأغذية التي يطعمه إياها السّحرة ويدّعون أنها موجبة لما يقصدونه فيه من الأمور؛ ومعلوم أن الضرر الحاصل عن ذلك من فعل الله تعالى بالعادة؛ لأنّ الأغذية لا توجب ضرّا ولا نفعا، وإن كان المعرّض للضرر من حيث كان كالفاعل له هو المستحق للذم، وعليه يجب العوض.
____________________
(١) ت: (ويمكن على هذه القراءة ).
(٢) البيت في اللسان (أذن)، ونسبه إلى عدي ابن زيد الماذي: العسل الأبيض. والمشار: المجنى، ويقال: شرت العسل واشترته وأشرته، إذا جنيته.
ومنها أن يكون الضرر المذكور إنما هو ما يحصل عن التفريق بين الأزواج؛ لأنه أقرب إليه في ترتيب الكلام؛ والمعنى أنهم إذا أغووا أحد الزوجين، وكفر فبانت منه زوجته، فاستضرّ بذلك كانوا ضارّين له بما حسّنوه له من الكفر، إلاّ أنّ الفرقة لم تكن إلاّ بإذن الله وحكمه؛ لأنه تعالى هو الّذي حكم وأمر بالتفريق بين المختلفي الأديان؛ فلهذا قال:( وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ الله ) ؛ والمعنى أنه لولا حكم الله وإذنه في الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملّة لم يكونوا ضارين له هذا الضّرب من الضرر الحاصل عند الفرقة؛ ويقوّي هذا الوجه ما روي أنه كان من دين سليمان؛ أنه من(١) سحر بانت منه امرأته.
فأما قوله تعالى:( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) ، ثم قال:
( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) ففيه وجوه:
أوّلها أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا، ويكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبّر عنهم بأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، والذين لم يعلموا هم الذين تعلّموا السحر، وشروا به أنفسهم.
وثانيها أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا؛ إلا أنهم علموا شيئا ولم يعلموا غيره، فكأنه تعالى وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصيب لمن اشترى ذلك ورضيه لنفسه على الجملة، ولم يعلموا كنه ما يصير إليه من عقاب الله الّذي لا نفاد له ولا انقطاع.
وثالثها أن تكون الفائدة في نفي العلم بعد إثباته أنهم لم يعملوا بما علموا، فكأنهم لم يعلموا، وهذا كما يقول أحدنا لغيره: ما أدعوك إليه خير لك وأعود عليك؛ لو كنت تعقل وتنظر في العواقب، وهو يعقل وينظر في العواقب، إلا أنه لا يعمل بموجب علمه، فحسن أن يقال له مثل هذا القول؛ قال كعب بن زهير يصف ذئبا وغرابا تبعاه؛ ليصيبا من زاده:
إذا حضراني قلت: لو تعلمانه |
ألم تعلما أني من الزاد مرمل(٢) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (أن من).
(٢) ديوانه: ٥١. المرمل: الّذي نفد زاده.
فنفى عنهما العلم، ثم أثبته بقوله: (ألم تعلما)، وإنما المعنى في نفيه العلم عنهما أنهما لم يعملا بما علماه فكأنهما لم يعلماه.
ورابعها أن يكون المعنى أنّ هؤلاء القوم الذين قد علموا أن الآخرة لا حظّ لهم فيها مع عملهم القبيح، إلا أنهم ارتكبوه طمعا في حطام الدنيا وزخرفها فقال تعالى:( وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) أن الّذي آثروه وجعلوه عوضا من الآخرة لا يتمّ لهم، ولا يبقى عليهم، وأنه منقطع زائل، ومضمحلّ باطل، وأن المال إلى المستحق في الآخرة؛ وكل ذلك واضح بحمد الله.
[٣٢]
مجلس آخر [المجلس الثاني والثلاثون:]
تأويل خبر: [لو كان القرآن في إهاب ما مسّته النار]
روى عقبة بن عامر عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (لو كان القرآن في إهاب ما مسّته النار).
وقد ذكر متأوّلو حديث النبيصلىاللهعليهوآله في هذا الخبر وجوها كثيرة، كلّها غير صحيح ولا شاف، وأنا أذكر ما اعتمدوه(١) ، وأبيّن ما فيه، ثم أذكر الوجه الصحيح.
قال ابن قتيبة: ذهب الأصمعي إلى أنّ من تعلّم القرآن من المسلمين لو ألقي في النار لم تحرقه، فكنّى بالإهاب - وهو الجلد - عن الشخص والجسم؛ واحتجّ على تأويله هذا(٢) الحديث بما روى عن سليمان(٢) بن محمد قال: سمعت أبا أمامة يقول: اقرءوا القرآن ولا تغرّنكم هذه المصاحف المعلّقة(٣) ؛ فإن الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن.
قال ابن قتيبة: وفي الحديث تأويل آخر، وهو أنّ القرآن لو كتب في جلد، ثم ألقي في النار على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم تحرقه النار؛ على وجه الدّلالة على صحة أمر النبي عليه وآله السلام، ثم انقطع ذلك بعده، قال: وجرى هذا مجرى كلام الذئب وشكاية البعير وغير ذلك من آياتهعليهالسلام .
قال: وفيه تأويل ثالث؛ وهو أن يكون الإحراق(٤) إنما نفى عن القرآن لا عن الإهاب؛ ويكون معنى الحديث: لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق القرآن؛
____________________
(١) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (ما ذكروه).
(٢ - ٢) ت: (بالحديث عن سليمان).
(٣) حواشي الأصل، ت، ف: (المعلقة؛ يجوز أن يكون معناها الكتب؛ لأن التعليق الكتب).
(٤) حاشية ف (من نسخة): (الاحتراق).
فكأن النار تحرق الجلد والمداد ولا تحرق القرآن؛ لأنّ الله تعالى ينسخه ويرفعه من الجلد، صيانة له عن الإحراق.
وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري ردا على ابن قتيبة، ومعترضا عليه: اعتبرت ما قاله ابن قتيبة من ذلك كلّه، فما وجدت فيه شيئا صحيحا.
أما قوله الأول فيردّه ما روي عنهعليهالسلام من قوله: يخرج من النار قوم بعد ما يحرقون(١) فيها فيقال: هؤلاء الجهنّميون طلقاء الله عز وجل). قال: وقد روى أبو سعيد عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (إذ دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قال الله عز وجل: انظروا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان(٢) فأخرجوه منها)؛ قال أبو بكر: وكيف يصحّ قول ابن قتيبة في زعمه أن النار لا تحرق من قرأ القرآن؛ ولا خلاف بين المسلمين أنّ الخوارج وغيرهم ممّن يلحد في دين الله تعالى ويقرأ القرآن أن تحرقهم النار بغير شكّ؛ واحتجاجه بخبر أبي أمامة: (إنّ الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن) معناه:
قرأ القرآن وعمل به؛ فأما من حفظ ألفاظه وضيّع حدوده؛ فإنه غير واع له.
قال: فأما قوله إنه من دلائل النبوّة التي انقطعت بعده، فما روى هذا الحديث أحد أنه كان في دلائلهعليهالسلام ؛ ولو أراد ذلك دليلا لكانصلىاللهعليهوآله يجعل القرآن في إهاب ثم يلقيه في النار فلا يحترق قال: وقول ابن قتيبة الثالث: (لاحترق الجلد والمداد، ولم يحترق القرآن) غير صحيح؛ لأن الّذي يصحّح هذا القول يوجب أنّ القرآن غير المكتوب؛ وهذا محال؛ لأن المكتوب في المصحف هو القرآن. والدليل على هذا قوله تعالى:( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ ) ؛ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، ومنه الحديث: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو)؛ وإنما يريد المصحف.
قال أبو بكر: والقول عندنا في تأويل هذا الحديث أنه أراد: لو كان القرآن في جلد
____________________
(١) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (يحترقون).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (إيمانا).
ثم ألقي في النار ما أبطلته؛ لأنها وإن أحرقته فإنها لا تدرسه؛ إذ كان الله قد ضمّنه قلوب الأخيار من عباده؛ والدليل على هذا قول الله تعالى للنبيصلىاللهعليهوآله فيما روي عنه:
إني منزّل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان؛ فلم يرد تعالى أن القرآن لو كتب في شيء ثم غسل بالماء لم ينغسل؛ وإنما أراد أنّ الماء لا يبطله ولا يدرسه إذا كانت القلوب تعيه وتحفظه.
قال: ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى وفي لغة العرب؛ قال الله تعالى:( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ) ؛ [النساء: ٤٢]، فهم قد كتموا الله تعالى لما قالوا:( وَالله رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) [الأنعام: ٢٣]، وإنما أراد تعالى؛ ولا يكتمون الله حديثا في حقيقة الأمر؛ لأنهم وإن كتموه في الظاهر فالذي كتموه غير مستتر عنه.
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: والوجه الصحيح في تأويل الخبر غير ما توهّمه ابن قتيبة وابن الأنباري جميعا، وهو أن هذا من كلام النبيصلىاللهعليهوآله على طريق المثل والمبالغة في تعظيم شأن القرآن والإخبار عن جلالة قدره وعظم خطره، والمعنى أنه لو كتب في إهاب، وألقي في النار وكانت النار مما لا تحرق شيئا لعلوّ شأنه وجلالة قدره لم تحرقه النار.
ولهذا نظائر في القرآن وكلام العرب وأمثالهم كثيرة ظاهرة على من له أدنى أنس بمذاهبهم، وتصرّف كلامهم.
فمن ذلك قوله تعالى:( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) ؛ [الحشر: ٢١].
ومعنى الكلام: إنّنا لو أنزلنا القرآن على جبل، وكان الجبل مما يتصدّع إشفاقا من شيء؛ أو خشية لأمر لتصدّع مع صلابته وقوّته؛ فكيف بكم يامعاشر المكلّفين، مع ضعفكم وقلّتكم! وأنتم أولى بالخشية والإشفاق؛ وقد صرح الله تعالى بأنّ الكلام خرج مخرج
المثل بقوله:( وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) ؛ ومثله قوله تعالى:
( تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ) ؛ [مريم: ٩٠].
ومثله قول الشاعر:
أما وجلال الله لو تذكرينني |
كذكراك ما نهنهت للعين مدمعا |
|
فقالت: بلى والله ذكرا لو انّه |
تضمّنه صمّ الصّفا لتصدّعا(١) |
ومثله:
فلو أنّ ما بي بالحصى فلق الحصى |
وبالرّيح لم يسمع لهنّ هبوب(٢) |
ومثله:
وقفت على ربع لميّة ناقتي |
فما زلت أبكي عنده وأخاطبه(٣) |
|
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه |
تكلّمني أحجاره وملاعبه(٤) |
وهذه طريقة للعرب مشهورة في المبالغة؛ يقولون: هذا كلام يفلّق الصّخر، ويهدّ الجبال ويصرع الطير، ويستنزل الوعول؛ وليس ذلك بكذب منهم؛ بل المعنى أنّه لحسنه وحلاوته وبلاغته يفعل مثل هذه الأمور لو تأتت؛ ولو كانت مما يسهل(٥) ويتيسر لشيء من الأشياء لتسهّلت به من أجله.
فأما الجواب الأوّل المحكي عن ابن قتيبة فالذي يفسده(٦) زائدا على ما ردّه ابن الأنباري أنه لو كان الامر على ما ذكره ابن قتيبة وحكاه عن الأصمعي لكان النبيصلىاللهعليهوآله قد أغرانا بالذّنوب؛ لأنه إذا أمن حافظ القرآن ومتعلّمه من النار والعذاب فيها ركن(٧)
____________________
(١) الصفا: جمع الصفاة؛ وهو الحجر الصلد الضخم لا ينبت.
(٢) ت: قلق الحصى.
(٣) ديوانه: ٣٨.
(٤) أسقيه: أدعو له بالسقيا.
(٥) من نسخة بحاشيتي ت، الأصل: (يتسهل).
(٦) ت: (يبطله).
(٧) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: يقال: ركن [بفتح الكاف] يركن، [بكسرها]. وركن [بكسر الكاف] يركن [بفتح الكاف]؛ لغتان إلا أنهم أخذوا الماضي من هذا والمضارع من ذاك، فقالوا: (ركن يركن) بالفتح فيهما.
المكلّفون إلى تعلّم القرآن والإقدام على القبائح آمنين غير خائفين؛ وهذا لا يجوز عليهصلىاللهعليهوآله والمعنى في قول أبي أمامة أن الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن على نحو ما ذكره ابن الأنباري.
فأما جواب ابن قتيبة الثاني، فمن أين له أن ذلك مختص بزمانهصلىاللهعليهوآله ، وليس في اللفظ ولا في غيره دلالة عليه! وأقوى ما يبطله أنّه لو كان كما ذكر لما جاز أن يخفى على جماعة المسلمين الذين رووا جميع معجزاته عليه وآله السلام وضبطوها. وفي وجداننا من روى ذلك وجمعه وعنى به غير عارف بهذه الدّلالة والآية إبطال لما توهمه.
فأما جوابه الثالث فباطل؛ لأنّ القرآن في الحقيقة ليس يحلّ الجلد، ولا يكون فيه حتى ينسب الاحتراق إلى الجلد دونه؛ وإذا كان الأمر على هذا لم يكن في قوله: إن الإهاب هو المحترق دون القرآن فائدة؛ لأنّ هذه سبيل كلّ كلام كتب في إهاب أو غيره إذا احترق الإهاب لم يضف الاحتراق إلى الكلام لاستحالة هذه القضيّة(١) عليه.
ومن عجيب الأمور قول ابن الأنباري: (وهذا يوجب أنّ القرآن غير المكتوب)؛ لأنّ كلام ابن قتيبة ليس يوجب ما ظنّه؛ بل يوجب ضده من أن المكتوب هو القرآن؛ ولهذا علّق الإحراق(٢) بالكتابة والجلد دون المكتوب؛ الّذي هو القرآن؛ وإذا كان المكتوب في المصحف هو القرآن على ما اقترح ابن الأنباري، فما المانع من قول ابن قتيبة أنّ الجلد يحترق دونه؟ لأن أحدا لا يقول إن الجلد هو القرآن؛ وإنما يقول قوم إنه مكتوب فيه؛ وإذا كان غيره لم يمتنع إضافة الاحتراق إلى أحدهما دون الآخر؛ وهذا كله تخليط من الرجلين؛ لأن القرآن غير حالّ في الجلد على الحقيقة؛ وليست الكتابة غير المكتوب؛ وإنما الكتابة أمارة للحروف؛ فأمّا أن تكون هي الكلام على الحقيقة أو يوجد معها الكلام مكتوبا فمحال.
فأما استشهاده على ذلك بالآية وبقوله: (لا تسافروا بالقرآن) فذلك تجوّز وتوسّع،
____________________
(١) ت، ف: (القصة).
(٢) ت: (الاحتراق).
وليس يجب أن يجعل إطلاق الألفاظ المحتملة دليلا على إثبات الأحكام والمعاني، ومعترضة على أدلّة العقول؛ وقد تجوّز القوم بأكثر من هذا فقالوا: في هذا الكتاب شعر امرئ القيس وعلم الشافعي وفقه فلان، ولم يقتض ذلك أن يكون العلم والكلام على الحقيقة موجودين في الدفتر. وقد بيّن الكلام، في هذا الباب في مواضع هي أولى به.
فأما جواب ابن الأنباري الّذي ارتضاه لنفسه، فلا طائل أيضا فيه، لأنه لا مزيّة للقرآن فيما ذكره على كل كلام وشعر فى العالم، لأنّا نعلم أنّ الشعر والكلام المحفوظ فى صدور الرجال إذا كتب فى جلد ثم أحرق أو غسل لم يذهب ما فى الصدور. منه؛ بل يكون ثابتا بحاله، فأي مزيّة للقرآن فى هذا على غيره؟ وأي فضيلة؟ فإن قال: وجه المزيّة أنّ غير القرآن من الشعر وغيره يمكن أن يندرس ويبطل بإحراق النار؛ والقرآن إذا كان هو تعالى هو المتولّي لإيداعه الصدور لا يتم ذلك فيه؟
قلنا: الكل سواء لأن غير القرآن إنما يبطل باحتراق الإهاب المكتوب فيه متى لم يكن محفوظا مودعا للصدور، ومتى كان بهذا الصفة لم يبطل باحتراق الجلد؛ وهكذا القرآن لو لم يحفظ في الصدور لبطل بالاحتراق؛ ولكنه لا يبطل بهذا الشرط؛ فصار الشرط في بطلان غير القرآن وثباته كالشّرط في بطلان القرآن وإثباته، فلا مزيّة على هذا الجواب للقرآن فيما خصّ به من أنّ النار لا تمسّه، وهذا يبيّن أنه لا وجه غير ما ذكرناه في الخبر؛ وهو أشبه بمذاهب العرب وأولى بتفضيل القرآن وتعظيمه.
***
[من شعر الحسين بن مطير الأسدي:]
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أنشدنا أبو حاتم قال ابن دريد وأنشدنا عبد الرحمن - يعني ابن أخي الأصمعي - عن عمه للحسين بن مطير الأسدي(١) - وقال عبد الرحمن قال عمّي: لو كان شعر العرب هكذا ما أثم منشده -:
____________________
(١) هو الحسين بن مطير بن مكمل؛ مولى لبني سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد؛ شاعر متقدم من شعراء الدولتين؛ ومذهبه في الشعر يشبه كلام الأعراب ومذاهبهم؛ (وانظر ترجمته وأخباره وأشعاره في الأغاني ١٤: ١١٠ - ١١٤، والخزانة ٢: ٤٨٥ - ٤٨٨).
ألا حبّ(١) بالبيت الّذي أنت هاجره |
وأنت بتلماح من الطّرف ناظره(٢) |
|
لأنّك من بيت لعيني معجب(٣) |
وأملح في عيني من البيت عامره |
|
أصدّ حياء أن يلجّ بي الهوى |
وفيك المنى لولا عدوّ أحاذره(٤) |
|
وفيك حبيب النّفس لو تستطيعه(٥) |
لمات الهوى والشّوق حين تجاوره(٦) |
|
فإن آته لم أنج إلا بظنّة |
وإن يأته غيري تنط بي جرائره |
|
وكان حبيب النّفس للقلب واترا |
وكيف يحبّ القلب من هو واتره! |
|
وإن تكن الأعداء أحموا كلامه |
علينا فلن تحمى علينا مناظره |
|
أحبّك ياسلمى على غير ريبة |
ولا بأس في حبّ تعفّ سرائره |
|
ويا عاذلي لولا نفاسة حبّها |
عليك لما باليت أنك خابره |
|
بنفسي من لا بدّ أنّي هاجره |
ومن أنا في الميسور والعسر ذاكره |
|
ومن قد لحاه النّاس حتّى اتّقاهم |
ببغضي إلاّ ما تجنّ ضمائره |
|
أحبك حبّا لن أعنّف بعده |
محبّا ولكنّي إذا ليم عاذره |
|
لقد مات قبلي أوّل الحبّ فانقضى |
ولو متّ أضحى الحبّ قد مات آخره(٧) |
|
كلامك ياسلمى وإن قلّ نافعي |
ولا تحسبي أنّي وإن قلّ حاقره(٨) |
|
ألا لا أبالي أي حي تحمّلوا |
إذا ثمد البرقاء لم يجل حاضره(٩) |
____________________
(١) وردت هذه المقطوعة في أمالي القالي ١: ٧٨، وأمالي ابن الشجري: ١٥٠ مع اختلاف في الرواية وعدد الأبيات.
(٢) ت: (زائره).
(٣) ف: (إلى لمعجب).
(٤) م: (أن يلجّ بي الهوى).
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (نستطيعه).
(٦) ت: (نجاوره)، وحاشية الأصل (من نسخة): (تحاوره).
(٧) في حاشيتي الأصل، ت: (بهذا يدعي أنه أحيا الحب، وأن الحب كان قبله ميتا، وسيموت بعده).
(٨) الحقر: التحقير.
(٩) تحملوا: ارتحلوا؛ والثمد: الماء القليل. والبرقاء: موضع بالجزيرة.
ولم يجل؛ من جلاء القوم عن منازلهم.
وأنشد ابن الأعرابي لابن مطير:
لعمرك للبيت الّذي لا نطوره |
أحبّ إلينا من بلاد نطورها(١) |
|
تقلّبت في الإخوان حتى عرفتهم |
ولا يعرف الإخوان إلاّ خبيرها |
|
فلا أصرم الخلاّن حتى يصارموا |
وحتى يسيروا سيرة لا أسيرها |
|
فإنك بعد الشّرّ ما أنت واجد |
خليلا مديما شيمة لا يديرها |
- معنى يديرها، يقلّبها مرة هاهنا، ومرة هاهنا -
وإنك في غير الأخلاّء عالم |
بأنّ الّذي يخفى عليك ضميرها(٢) |
|
فلا تك مغرورا بمسحة صاحب |
من الودّ لا تدري علام مصيرها(٣) |
|
وما الجود عن فقر الرّجال ولا الغنى |
ولكنّه خيم الرّجال وخيرها |
|
وقد تغدر الدّنيا فيضحى غنيّها |
فقيرا ويغنى بعد بؤس فقيرها |
|
وكائن ترى من حال دنيا تغيّرت |
وحال صفا بعد اكدرار غديرها |
|
ومن طامع في حاجة لن ينالها |
ومن يائس منها أتاه بشيرها |
|
ومن يتّبع ما يعجب النفس لا يزل |
مطيعا لها في فعل شيء يضيرها(٤) |
|
فنفسك أكرم عن أمور كثيرة |
فمالك نفس بعدها تستعيرها |
[أبيات للسيد المرتضى في معنى بيت للحسين بن مطير الأسدي:]
قال سيدنا أدام الله علوّه: ولي في معنى قول ابن مطير: (وقد تغدر الدنيا)، والبيت الّذي بعده من جملة قصيدة:
وكيف آنس بالدّنيا ولست أرى |
إلاّ امرأ قد تعرّى من عواريها(٥) |
____________________
(١) حماسة ابن الشجري: ١٦٣. ونطورها: نقربها.
(٢) ف، حاشية ت (من نسخة) (في عين الأخلاء).
(٣) المسحة: الأثر الظاهر؛ ونقل صاحب اللسان عن شمر: أن العرب تقول: هذا رجل عليه مسحة جمال، ومسحة عتق وكرم؛ ولا يقال ذلك إلا في المدح. وفي ت: (مسحة)، بكسر الميم.
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (في كل شيء).
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (وكيف أنفس بالدنيا).
نصبو إليها بآمال مخيّبة |
كأنّنا ما نرى عقبى أمانيها |
|
في وحشة الدّار ممّن كان يسكنها |
كلّ اعتبار لمن قد ظلّ يأويها |
|
لا تكذبنّ فما قلبي لها وطنا |
وقد رأيت طلولا من مغانيها |
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أنشدنا عليّ بن سليمان الأخفش قال أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب للحسين بن مطير:
لقد كنت جلدا قبل أن يوقد الهوى |
على كبدي نارا بطيئا خمودها(١) |
|
ولو تركت نار الهوى لتضرّمت |
ولكنّ شوقا كلّ يوم يزيدها(٢) |
|
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي |
إذا قدمت أحزانها وعهودها(٣) |
|
فقد جعلت في حبّة القلب والحشا |
عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها(٤) |
|
بمرتجّة الأرداف هيف خصورها |
عذاب ثناياها عجاف قيودها(٥) |
- يعني أنها عجاف اللّثات وأصول الأسنان، وهي قيودها. قال أبو العباس ثعلب: (عجاف)، بالخفض لحن، لأنه ليس من صفة النساء، وسبيله أن يكون نصبا؛ لأنه حال من الثنايا(٦) -.
____________________
(١) أبيات منها في أمالي الزجاجي: ١٢٤ - ١٢٥، وأمالي القالي ١: ١٦٥، والحماسة بشرح التبريزي ٣: ٢٠٦ - ٢٠٧ وفي م: (توقد النوى).
(٢) حواشي الأصل، ت، ف: (أي لو تركت نار الهوى ولم يزد فيها الشوق لكانت كافية؛ فكيف والشوق كل يوم يزيدها ويذكيها!).
(٣) ت، د، ف: (أيامها وعهودها).
(٤) العهاد: جمع عهدة؛ وهو المطر الأول، والولى:
المطر الثاني، شبه أول الشوق بالعهاد، وما وليه بالولى؛ فأول المطر إذا لحقه المطر الثاني كثر الربيع والخصب.
(٥) هيف: جمع هيفاء؛ وهو الدقيقة الخصر، الضامرة البطن وفي حاشية الأصل (من نسخة): (عجافا).
(٦) حواشي الأصل، ت، ف: (إنما قال ثعلب ذلك لأن الضمير في (قيودها) للثنايا). وفيها أيضا: (هذا الّذي ذكره أحمد بن يحيى عجب، وباب جريان الصفة على غير من هوله واسع. وقوله: (مرتجة الأرداف)، وإن كان لا يحتمل أن يريد به جماعة النساء فإنه يحتمل أن يريد به واحدة، وتكون (خصورها) جمعا بما يقارب الخصر، ويكون قوله: (هيف) دون (هيفاء) من باب قوله:
فيا ليلة خرس الدّجاج طويلة |
ببغداد ما كادت عن الصّبح تنجلي |
وإنما جمع الخرس، لأنها في الحقيقة صفة الدجاج، لا الليل، فكذلك هاهنا).
مخصّرة الأوساط زانت عقودها |
بأحسن ممّا زيّنتها عقودها |
|
وصفر تراقيها وحمر أكفّها |
وسود نواصيها وبيض خدودها |
- وصف التّراقي بالصّفرة(١) من الطّيب، وحمرة أكفها من الخضاب -
يمنّيننا حتّى ترفّ قلوبنا |
رفيف الخزامى بات طلّ يجودها(٢) |
أخذ قوله: (مخصّرة الأوساط زانت )، البيت من قول مالك بن أسماء بن خارجة:
وتزيدين أطيب الطّيب طيبا |
- إن تمسّيه - أين مثلك أينا! |
|
وإذا الدّرّ زان حسن وجوه |
كان للدّرّ حسن وجهك زينا |
[عود إلى شعر الحسين بن مطير الأسدي:]
وروى أبو تمام الطائي في الحماسة بعض الأبيات الّذي ذكرناها للحسين بن مطير.
وروى له أيضا(٣) - ويشبه أن يكون الجميع من قصيدة واحدة:
وكنت أذود العين أن ترد البكا |
فقد وردت ما كنت عنه أذودها |
|
خليلي ما بالعيش عيب لو أنّنا |
وجدنا لأيّام الصّبا من يعيدها |
وروى أبو تمام أيضا لغيره(٤) ، وبعض الرواة يرويها لابن مطير:
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى |
كنظرة ثكلى قد أصيب وليدها |
|
هل الله عاف عن ذنوب تسلّفت! |
أم الله إن لم يعف عنها معيدها!(٥) |
وأنشد أبو محلّم لابن مطير:
قضى الله ياأسماء أن لست بارحا |
أحبّك حتّى يغمض العين مغمض(٦) |
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (قد ذكر في صفرة التراقي أنها من الحلى).
(٢) حاشية الأصل: (يقال: رف النبت إذا مطر فاهتز بالندى).
(٣) الحماسة بشرح التبريزي ٣: ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٤) الّذي في ديوان الحماسة بشرح التبريزي أن الأبيات الأربعة منسوبة للحسين بن مطير.
(٥) حاشية الأصل: (الضمير للمرأة التي يجوى لها).
(٦) الزهرة: ٢٤؛ وفي حاشية الأصل: (أغمض وغمض [بالتضعيف] بمعنى واحد، أي يغمض عينه وليه بعد الموت).
وحبّك بلوى غير ألاّ يسرّني |
وإن كان بلوى أنني لك مبغض(١) |
|
إذا أنا رضت النّفس في حبّ غيرها |
أتى حبّها من دونها يتعرّض |
|
فيا ليتني أقرضت جلدا(٢) صبابتي |
وأقرضني صبرا على الشّوق مقرض |
ويشبه أن يكون أخذ قوله:
* إذا أنا رضت النفس في حبّ غيرها*
من قول رجل من فزارة:
وأعرض حتّى يحسب النّاس أنما |
بي الهجر لاها للّه ما بي لك الهجر |
|
ولكن أروض النّفس أنظر هل لها |
- إذا فارقت يوما أحبّتها - صبر! |
أو من قول نصيب:
وإنّي لأستحيي كثيرا وأتّقي |
عيونا(٣) واستبقي المودّة بالهجر |
|
وأنذر بالهجران نفسي أروضها |
لتعلم عند الهجر هل لي من صبر! |
ويشبه أن يكون أخذ قوله:
* فيا ليتني أقرضت جلدا صبابتي * البيت
من قول بعض العرب:
رمى قلبه البرق الملألئ رمية |
بحنب الحمى وهنا فكاد يهيم(٤) |
|
فهل من معير طرف عين خليّة |
فإنسان عين العامري كليم |
وللحسين في هذا المعنى ما رواه المبرّد:
ولي كبد مقروحة من يبيعني |
بها كبدا ليست بذات قروح(٥) |
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (وإن كان دائي).
(٢) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (غيري).
(٣) ف: (غيورا)، م: (عدوا).
(٤) حاشية ت (من نسخة): (البرق الملالي رمية).
(٥) حواشي الأصل، ت، ف: (رواهما غير المبرد لابن الدمينة، وقبلهما:
ألا ياحمى وادي المياه قتلتني |
أباحك لي قبل الممات مبيح |
-
فهل من معير طرف عين خليّة |
فإنسان عين العامري كليم |
|
أبي النّاس، ويب الناس! لا يشترونها |
ومن يشتري ذا عرّة بصحيح!(١) |
وأخذ العباس بن الأحنف هذا المعنى فقال:
فهل من معير طرف عين خليّة |
فإنسان عين العامري كليم |
|
من ذا يعيرك عينه تبكي بها! |
أرأيت عينا للبكاء تعار!(٢) |
***
وأخبرنا المرزباني قال حدثنا أبو عبد الله الحكيمي قال حدثني يموت بن المزرّع قال حدثنا محمد بن حميد قال: كنا عند الأصمعي؛ فأنشده رجل أبيات دعبل:
أين الشّباب وأيّة سلكا! |
لا، أين يطلب ضلّ بل هلكا!(٣) |
|
لا تعجبي ياسلم من رجل |
ضحك المشيب برأسه فبكى |
|
ياسلم ما بالشّيب منقصة |
لا سوقة يبقي ولا ملكا |
|
قصر الغواية عن هوى قمر |
وجد السّبيل إليه مشتركا |
|
ياليت شعري كيف نومكما |
ياصاحبي إذا دمي سفكا! |
|
لا تأخذا بظلامتي أحدا |
قلبي وطرفي في دمي اشتركا |
قال: فاستحسنها كلّ من في المجلس، وأكثروا التعجب من قوله:
* ضحك المشيب برأسه فبكى*
____________________
- وبعدهما:
أئنّ من الشّوق الّذي في جوانحي |
أنين عضيض بالسّلاح جريح) |
وفي معجم البلدان ٨: ٣٧٧ أبيات خمسة نسبها إلى ابن الدمينة، يتفق البيت الأول والرابع والخامس مع هذه الأبيات، والبيت الثاني والثالث هناك:
رأيتك غضّ النّبت مرتبط الثّرى |
يحوطك شجاع عليك شحيح |
|
كأنّ مدوف الزّعفران بجنبه |
دم من ظباء الواديين ذبيح |
(١) حاشية ت (من نسخة): (ذا علة).
(٢) حاشية الأصل: قبله:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر |
عينا لغيرك دمعها مدرار |
والبيتان في ديوانه: ٦٨.
(٣) الأبيات في العقد ٥: ٣٧٥ والخزانة ٣: ٤٨٧.
فقال الأصمعي: إنما أخذ قوله هذا من ابن مطير الأسدي في قوله:
أين أهل القباب بالدّهناء! |
أين جيراننا على الأحساء!(١) |
|
جاورونا والأرض ملبسة |
نور الأقاحي تجاد بالأنواء |
|
كلّ يوم عن أقحوان جديد |
تضحك الأرض من بكاء السّماء(٢) |
وقد أخذه مسلم صريع الغواني في قوله:
مستعبر يبكي على دمنة |
ورأسه يضحك فيه المشيب(٣) |
قال سيدنا أدام الله علوّه: ولأبي الحجناء نصيب الأصغر مثل هذا المعنى، وهو قوله:
يبكي الغمام به فأصبح روضه |
جذلان يضحك بالجميم ويزهر(٤) |
ولابن المعتز مثله:
ألحّت عليه كلّ طخياء ديمة |
إذا ما بكت أجفانها ضحك الزّهر(٥) |
ولابن دريد مثله:
تبسّم المزن وانهلّت مدامعه |
فأضحك الرّوض جفن الضّاحك الباكي(٦) |
|
وغازل الشّمس نور ظلّ يلحقها(٧) |
بعين مستعبر بالدّمع ضحّاك |
وروي عن أبي العباس المبرد أنه قال: أخذ ابن مطير قوله:
* تضحك الأرض من بكاء السّماء*
من قول دكين الراجز:
جنّ النّبات في ذراها وزكا(٨) |
وضحك المزن به حتّى بكى |
____________________
(١) الخزانة ٢: ٤٨٧، عن الغرر. وفي حاشية الأصل: (الأحساء: جمع حسى، وهو الموضع الّذي استنقع فيه الماء). والدهناء: أرض من منازل تميم بنجد.
(٢) ت حاشية الأصل (من نسخة): (بأقحوان).
(٣) ديوانه: ٣٦٧، الوساطة: ٤٤
(٤) ت: (يبكي الغمام). الجميم: الكلأ الكثير.
(٥) ديوانه: ١: ٣٣
(٦) ديوانه: ٩٨، والخزانة ٢: ٤٨٧ - ٤٨٨ وكلاهما عن الغرر. وفي حاشية ت (من نسخة) (دمع الضاحك الباكي).
(٧) ت: (يلحظها).
(٨) الخزانة ٢: ٤٨٨، عن الغرر.
[٣٣]
مجلس آخر [المجلس الثالث والثلاثون:]
تأويل آية:( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الألْبابِ ) ؛ [آل عمران: ٧].
الجواب، قلنا: ذكر في هذه الآية وجهان مطابقان للحقّ:
أحدهما أن يكون الراسخون في العلم معطوفين على اسم الله تعالى؛ فكأنه قال: وما يعلم تأويله إلا الله وإلاّ الراسخون في العلم، وإنهم مع علمهم به( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) ؛ فوقع قوله:
( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) في موقع الحال؛ والمعنى أنهم يعلمونه قائلين:( آمَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) وهذا غاية المدحة لهم؛ لأنهم إذا علموا ذلك بقلوبهم، وأظهروا التصديق به على ألسنتهم فقد تكاملت مدحتهم ووصفهم بأداء الواجب عليهم.
والحجة - لمن ذهب إلى ما بيّناه، والردّ على من استبعد عطفه على الأول وتقديره أن يكون قوله:( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) على هذا التأويل لا ابتداء له، - قوله:( ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) ؛ إلى قوله:( شَدِيدُ الْعِقابِ ) ؛ [الحشر: ٧]، فذكر جملة، ثم تلاها بالتفصيل، وتسمية من يستحق هذا الفيء فقال:
( لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْواناً ) ، إلى قوله:( الصَّادِقُونَ ) ؛ [الحشر: ٨]. وقال في الذين تبوء والدار والإيمان - وهم الأنصار:( يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ) ؛ [الحشر: ٩]. وقال فيمن جاء بعدهم:( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا
وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالآيمانِ ) ؛ [الحشر: ١٠]، فهذه الآيات تدلّ على أنه لا ينكر في آية (الراسخين في العلم) أن يكون قوله:( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) حالا لهم؛ مع العلم بتأويل المتشابه؛ ولو أشكل شيء من ذلك لما أشكل قوله:( وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ) في أنه موافق لقوله:( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) وأن الصورتين واحدة.
ومما يستشهد به على ذلك من الشعر قول يزيد بن(١) مفرّغ في عبد له كان يسمّى بردا باعه ثم ندم عليه:
وشربت بردا ليتني |
من بعد برد كنت هامه(٢) |
|
هامة تدعو صدى |
بين المشقّر فاليمامة(٣) |
|
الرّيح تبكي شجوه |
والبرق يلمع في الغمامة(٤) |
فعطف البرق على الريح، ثم أتبعه بقوله: (يلمع)؛ كأنه قال: والبرق أيضا يبكيه لامعا في غمامه؛ أي في حال لمعانه؛ ولو لم يكن البرق معطوفا على الريح في البكاء لم يكن للكلام معنى ولا فائدة.
ويمكن أيضا على هذا الوجه مع عطف (الراسخين) على ما تقدّم، وإثبات العلم بالمتشابه لهم أن يكون قوله:( يَقُولُونَ آمَنَّا ) استئناف جملة، واستغنى فيه عن حرف العطف؛ كما استغنى في قوله تعالى:( سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ) ؛ [الكهف: ٢٢]، ونحو ذلك مما للجملة الثانية فيه التباس بالجملة الأولى، فيستغنى به عن حرف العطف، ولو عطف بحرف العطف كان حسنا، ينزّل المتلبّس منزلة غير المتلبّس.
والوجه الثاني في الآية أن يكون قوله:( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) مستأنفا غير معطوف
____________________
(١) هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ؛ وخبر بيعه بردا، مع الأبيات في الأغاني ١٧: ٥٣ - ٥٥.
(٢) شريت: بعت، والهامة والصدى، كلاهما كناية عما تزعم العرب أنه يطير من رأس الميت.
(٣) المشقر: حصن بين البحرين ونجران.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (في غمامة).
على ما تقدّم، ثم أخبر عنهم بأنهم:( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) ، ويكون المراد بالتأويل على هذا الجواب المتأوّل، لأنه قد يسمّى تأويلا، قال تعالى:( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ) ، [الأعراف: ٥٣] والمراد بذلك لا محالة المتأوّل، والمتأوّل الّذي لا يعلمه العلماء؛ وإن كان الله عز وجلّ عالما به، كنحو وقت قيام الساعة، ومقادير الثواب والعقاب، وصفة الحساب، وتعيين الصغائر؛ إلى غير ذلك؛ فكأنه قال: وما يعلم تأويل جميعه. على المعنى الّذي ذكرناه إلا الله؛ والعلماء يقولون آمنّا به.
وقد اختار أبو عليّ الجبائي هذا الوجه، وقوّاه، وضعّف الأول بأن قال: قول الراسخين في العلم( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) دلالة على استسلامهم؛ لأنهم لا يعرفون تأويل المتشابه، كما يعرفون تأويل المحكم، ولأن ما ذكرناه من وقت القيامة، ومن التمييز بين الصغائر والكبائر هو من تأويل القرآن؛ إذا كان داخلا في خبر الله؛ والراسخون في العلم لا يعلمون ذلك.
وليس الّذي ذكره بشيء؛ لأنه لا يمتنع أن يقول العلماء مع علمهم بالمتشابه:( آمَنَّا بِهِ ) على الوجه الّذي قدمنا ذكره؛ فكيف يظنّ أنهم لا يقولون ذلك إلا مع فقد العلم به! وما المنكر من أن يظهر الإنسان بلسانه الإيمان بما يعلمه ويتحققه! فأما قوله: (ولأن ما ذكرناه من تأويل القرآن) فذلك إنما يكون تأويلا للقرآن إذا حملت هذه اللفظة على المتأوّل، لا على الفائدة والمعنى.
وأما إذا حملت على أنه: وما يعلم معنى المتشابه وفائدته إلاّ الله، فلا بدّ من دخول العلماء فيه.
وليس يمكنه أن يقول: إنّ حمل التأويل على المتأوّل أظهر من حمله على المعنى والفائدة؛ لأن الأمر بالعكس من ذلك؛ بل حمله على المعنى أظهر وأكثر في الاستعمال، وأشبه بالحقيقة؛ على أنه لو قيل: إنّ الجواب الأول أقوى من الثاني لكان أولى من قوله من قبل: إنه لو كان المراد بالتأويل المتأوّل لا الفائدة والمعنى لم يكن لتخصيص المتشابه بذلك دون المحكم معنى؛ لأن في متأوّل المحكم؛ كإخباره عن الثواب والعقاب والحساب؛ ممّا لا شبهة في كونه
محكما ما لا يعرف تفصيله وكنهه إلا الله تعالى؛ فأي معنى لتخصيص المتشابه بذلك والكلام يقتضي توجّهه نحو المتشابه! ألا ترى إلى قوله تعالى:( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) ! فخصّ المتشابه بالذكر.
والأولى أيضا أن يكون المراد بلفظة تَأْوِيلِهِ الثانية هو المراد بلفظة تَأْوِيلِهِ الأولى، وقد علمنا أن الذين في قلوبهم زيغ إنما اتّبعوا تأويله على خلاف معناه ولم يطلبوا تأويله الّذي هو متأوّله؛ فالوجه الأول أقوى وأرجح.
ويمكن في الآية وجه ثالث لم نجدهم ذكروه، على أن يكون قوله:( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) مستأنفا غير معطوف، ويكون المعنى: وما يعلم تأويل المتشابه بعينه وعلى سبيل التفصيل إلا الله؛ وهذا صحيح لأنّ أكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحق، الموافقة لأدلة العقول؛ فيذكر المتأوّل جميعها، ولا يقطع على مراد الله منها بعينه، لأنّ الّذي يلزم مثل ذلك أن يعلم في الجملة أنه لم يرد من المعنى ما يخالف الأدلة؛ وأنه قد أراد بعض الوجوه المذكورة المتساوية في الجواز، والموافقة للحق. وليس من تكليفنا أن نعلم المراد بعينه؛ وهذا مثل الضلال والهدى اللّذين نبين احتمالهما لوجوه كثيرة؛ منها ما يخالف الحقّ فيقطع على أنه تعالى لم يرده، ومنها وجوه تطابق الحق، فيعلم في الجملة أنه قد أراد أحدها، ولا يعلم المراد منها بعينه وغير هذا من الآي المتشابهة؛ فإن أكثرها يحتمل وجوها، والقليل منها يختص بوجه واحد صحيح لا يحتمل سواه؛ ويكون قوله تعالى من بعد:( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) ، أي صدّقنا بما نعلمه مفصّلا ومجملا من المحكم والمتشابه؛ وأنّ الكلّ من عند ربنا؛ وهذا وجه واضح.
***
[إيراد طائفة من محاسن شعر أبي حية النميري وتفسير ما فيها من الغريب:]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرنا محمد بن أبي الأزهر قال أنشدنا محمد بن يزيد لأبي حيّة(١) النّميري - وهي أبيات مختارة:
____________________
(١) هو أبو حية الهيثم بن الربيع بن زرارة، ينتهي نسبه إلى مضر بن نزار. من مخضرمي الدولتين، -
وخبّرك الواشون ألاّ أحبّكم |
بلى وستور الله(١) ذات المحارم(٢) |
|
أصدّ، وما الصّدّ الّذي تعرفينه |
عزاء بنا إلاّ اجتراع العلاقم(٣) |
|
حياء وبقيا أن تشيع نميمة |
بنا وبكم؛ أفّ لأهل النّمائم!(٤) |
|
وإنّ دما لو تعلمين جنيته |
على الحي، جاني مثله غير سالم(٥) |
|
أما إنّه لو كان غيرك أرقلت |
صعاد القنا بالرّاعفات اللهازم(٦) |
|
ولكنه والله ما طلّ مسلما |
كبيض الثّنايا واضحات الملاغم |
- قال ثعلب: الملاغم، ما حول الفم، وقال المبرّد: (واضحات الملاغم)، يريد العوارض، وقوله: (ما طلّ مسلما)، أي أبطل دمه -
إذا هنّ ساقطن الحديث حسبته(٧) |
سقوط حصى المرجان من سلك ناظم |
- ويروى: (ساقطن الأحاديث للفتى). ويروى أيضا: (ساقطن الحديث كأنّه) -
رمين فأقصدن القلوب فلا ترى |
دما مائرا إلاّ جوى في الحيازم(٨) |
____________________
- من ساكني البصرة، وكان شاعرا راجزا مقصدا، (وانظر ترجمته وأخباره في الأغاني ١٥: ٦١ - ٦٢ والشعر والشعراء ٧٤٩ - ٧٥٠، والخزانة ٤: ٢٨٣ - ٢٨٥).
(١) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (ستور البيت).
(٢) الكامل - بشرح المرصفي ١: ٢٣١ - ٢٣٥، وأمالي القالي ٢: ٢٨٠، ومختارات ابن الشجري ١٥٣.
(٣) اجتراع: مصدر اجترع الماء إذا ابتلعه. والعلاقم: واحدها العلقم، جمع العلقمة، وهي القطعة من كل شيء مر.
(٤) حاشية ت (من نسخة): (لهذي التمائم).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (غير نادم).
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (الإرقال:
ضرب من السير السريع؛ وهو هنا استعارة، والصعاد: جمع صعدة، والراعفات: الأسنة التي يرعفن، واللهازم: جمع لهذم؛ وهن القواطع).
(٧) ت، حاشية الأصل (من نسخة): (كأنه)؛ وهي رواية الكامل، وفي حاشية ت (من نسخة): (ساقطن الأحاديث بيننا).
(٨) أقصدن القلوب: رمينها؛ من قولهم؛ قصدت الرجل إذا طعنته أو رميته؛ فلم تخطئ مقاتله.
والدم المائر: السائل. والحيازم: الحيازيم؛ وهي ضلع الفؤاد وما اكتنف الحلقوم من جانب الصدر.
وفي حاشية الأصل (من نسخة): (فأصمن القلوب).
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما مضى في هذه القصيدة قوله:
كأن لم أبرّح بالغيور وأقتتل |
بتفتير أبصار الصّحاح السّقائم(١) |
|
ولم أله بالحدث الألفّ الّذي له |
غدائر لم يحرمن فار اللّطائم(٢) |
|
إذا اللهو يطبيني وإذ أستميله |
بمحلولك الفودين وحف المقادم(٣) |
|
وإذ أنا منقاد لكلّ مقوّد |
إلى اللهو حلاّف البطالات آثم |
- وروى ابن حبيب: (مقوّد). ومعنى (حلاّف البطالات)، أي حلاّف في البطالات -
مهين المطايا متلف غير أنّني |
على هلك ما أتلفته غير نادم(٤) |
|
أرى خير يومي الخسيس وإن غلا |
بي اللّوم لم أحفل ملامة لائم |
- معنى (خير يومي الخسيس)، أي أحبّ يومي إلي الّذي هو أخسّ عند أهل الرأي والعقل.
وأنشد أبو إسحاق إبراهيم بن سيف بن الزّيادي لأبي حيّة - واسمه هيثم بن الربيع:
ترحّل بالشّباب الشّيب عنّا |
فليت الشّيب كان به الرّحيل |
|
وقد كان الشّباب لنا خليلا |
فقد قضى مآربه الخليل |
|
لعمر أبي، الشّباب لقد تولّى |
حميدا ما يراد به بديل |
____________________
(١) حواشي الأصل، ت، ف: (أي كأن لم أعذب بعذاب شديد؛ ويعني بالغيور زوجها أو أخاها. ومعنى أقتتل أقتل. والأعرف في الحب أن يقال: اقتتله الحب؛ قال ذو الرمة:
إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه |
بلا إحنة بين النّفوس ولا زحل |
(٢) الحدث: المحادث. والألف: عظيم الفخذ؛ ويقال: امرأة لفاء؛ إذا كانت ضخمة الفخذين مكتنزة باللحم. والفار: نافجة المسك. واللطائم: جمع لطيمة؛ وهي القافلة التي يكون فيها المسك.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (إذا أستميله). طباه: دعاه. والمحلولك: الحالك الأسود.
والفودان: مثنى فود؛ وهو معظم شعر الرأس مما يلي الأذن وناحية الرأس. والوحف: الشعر الكثير الأسود. والمقادم: مقدمات الرأس.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (على ردما أتلفنه) (أي على اكتساب؛ والتقدير: غير أني غير نادم؛ مع أني قادر على رد ما أتلفت واكتساب مثله).
إذ الأيّام مقبلة علينا |
وظلّ أراكة الدّنيا ظليل |
وأنشد المبرّد، قال أنشدنا أبو عثمان المازني لأبي حيّة:
زمان الصّبا ليت أيّامنا |
رجعن لنا الصّالحات القصارا(١) |
|
زمان عليّ غراب غداف |
فطيّره الدهر عني فطارا |
|
فلا يبعد الله ذاك الغراب |
وإن هو لم يبق إلاّ ادّكارا |
|
كأنّ الشّباب ولذّاته |
وريق الصّبا كان يوما معارا(٢) |
- ريّق الصبا وريقه ورونقه: أوّله -
وهازئة أن رأت لـمتي |
تلفّع شيب بها فاستدارا(٣) |
|
وقلّدني منه بعد الخطام |
عذارا فما أستطيع اعتذارا(٤) |
|
أجارتنا إنّ ريب الزّمان |
قبلي نال الرّجال الخيارا(٥) |
|
فإمّا تري لـمتي هكذا |
فأسرعت فيها لشيبي النّفارا(٦) |
|
فقد ارتدي وحفة طلّة |
وقد أبرز الفتيات الخفارا |
أما قوله: (عليّ غراب غداف) فأراد به الشّباب والشّعر الأسود، ويشبه أن يكون مأخوذا من قول الأعشى:
وما طلابك شيئا لست تدركه |
إن كان عنك غراب الجهل قد وقعا!(٧) |
ولأبي حيّة من قصيدة أولها:
* ألا يااسلمي أطلال خنساء وانعمي(٨) *
____________________
(١) حاشية ت: (يحتمل أن تكون (الصالحات) مفعول (رجعن، ويحتمل أن يكون نصبا على المدح.
(٢) ت، حاشية الأصل (من نسخة): (ثوبا معارا.
(٣) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (أهازئة). وتلفع الشيب به، أي شمله.
(٤) حاشية ت: (جعل ظهور الشيب في شاربه وعنفقته خطاما، وشيب ما على لحييه من الشعر عذارا؛ وهذا من حسن التشبيه).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (غال الرجال).
(٦) حاشية الأصل (من نسخة): (منها لشيبي). ومن نسخة أخرى: (فأسرعت مني). وفي حاشية ت (من نسخة): (لشيب نفارا).
(٧) ديوانه: ٧٣.
(٨) أبيات منها في زهر الآداب: ١٩٠ (طبعه الحلبي) والحماسة - بشرح التبريزي ٣: ٣٠٨ - ٣١٠.
وخنساء مخماص الوشاحين مشيها |
إلى الرّوح أفنان خطا المتجشّم(١) |
|
ألمّا بسلمى قبل أن ترمي النّوى |
بنافذة نبض الفؤاد المتيّم |
|
يقف عاشقا لم يبق من روح نفسه |
ولا عقله المسلوب غير التّوهّم |
|
فقلن لها سرّا: فديناك! لا يرح |
صحيحا، فإن لم تقتليه فألممي(٢) |
|
فألقت قناعا دونه الشّمس واتّقت |
بأحسن موصولين: كفّ ومعصم |
وهذا البيت الأخير مأخوذ من قول النابغة:
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه |
فتناولته واتّقتنا باليد(٣) |
ولقوله: (وقلن لها سرّا فديناك لا يرح) خبر، وهو ما أخبرنا به أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال حدّثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الباقطاني قال: اتصل بعبيد الله بن سليمان بن وهب أمر عليّ بن العباس الرومي وكثرة مجالسته لأبي الحسين القاسم ابنه، وسمع شيئا من أهاجيه، فقال لأبي الحسين: قد أحببت أن أرى ابن روميّك هذا؛ فدخل يوما عبيد الله إلى أبي الحسين وابن الرومي عنده، فاستنشده من شعره فأنشده، وخاطبه، فرآه مضطرب العقل جاهلا، فقال لأبي الحسين - بينه وبينه -: إنّ لسان هذا أطول من عقله، ومن هذه صورته لا تؤمن عقاربه عند أول عتب، ولا يفكّر في عاقبة، فأخرجه عنك، فقال: أخاف حينئذ أن يعلن ما يكتمه في دولتنا، ويذيعه في تمكّننا، فقال: يابنيّ لم أرد بإخراجك له طرده، فاستعمل فيه بيت أبي حيّه النّميري:
فقلنا: لها سرّا فديناك! لا يرح |
صحيحا، فإن لم تقتليه فألممي |
____________________
(١) مخماس الوشاحين، كناية عن أنها هيفاء. والوشاح: أديم عريض ترصعه المرأة بالجواهر وتشده على عاتقيها. ومشيها إلى الروح؛ أي حين تخرج من خبائها تطلب الروح. وأفنان: جمع فن؛ أي أنواع؛ وفي ت: (إقتار خطا المتجشم).
(٢) ألممي: اشرعي في مبادئ قتله.
(٣) ديوانه: ٣٠؛ والنصيف:
الخمار، أو نصفه.
فحدّث القاسم بن فراس بما جرى، وكان أعدى النّاس لابن الرومي؛ وقد هجاه بأهاج(١) قبيحة، فقال له الوزير أعزّه الله: أشار بأن يغتال حتى يستراح منه وأنا أكفيك ذلك قال: فسمّه في الخشكنانج، فمات.
قال الباقطاني: والناس يقولون ما قتله ابن فراس، وإنما قتله عبيد الله(٢) .
وذكر محمد بن يزيد المبرّد قال: خ خ مما يفضّل(٣) لتخلّصه من التكلّف، وسلامته من التزيد وبعده من الاستعانة قول أبي حيّة:
رمتني - وستر الله بيني وبينها - |
عشيّة آرام الكناس رميم(٣) |
|
ألا ربّ يوم لو رمتني رميتها، |
ولكنّ عهدي بالنّضال قديم(٤) |
قال سيدنا أدام الله علوّه: وقد روي هذان البيتان لنصيب في غير رواية المبرّد. قال المبرّد يقول: خ خ رمتني وأصابتني بمحاسنها، ولو كنت شابا لرميت كما رميت، وفتنت كما فتنت؛ ولكن عهدي قد تطاول بالشباب، وهذا كلام واضح؛ خ خ وأما الاستعانة فهي أن يدخل في الكلام ما لا حاجة بالمستمع إليه ليصحّح نظما أو وزنا(٥) .
ومما يختار من قول أبي حيّة أيضا:
____________________
(١) حاشية الأصل: (يقال بينهم أهجوة وأهجية، والجمع الأهاجي، وقد يخفف كالأثافي).
(٢) في ت: (قال ابن الرومي لما رجع، وقد دب السم في أعضائه:
أشرب الماء إذا ما التهبت |
نار أحشائي لإطفاء اللهب |
|
فأراه زائدا في حرقتي |
فكأن الماء للنّار حطب |
(٣) الكامل - بشرح المرصفي ١: ١٢٩ - ١٣٠، وهما أيضا في الحماسة - بشرح التبريزي ٣:
٢٦٩ - ٢٧٠ وآرام: جمع إرم، مثل عنب؛ وهي الحجارة تنصب علما في المفازة يهتدي بها. رميم: اسم امرأة. وستر الله: الإسلام، وقيل الشيب؛ وقيل ما حرم الله عليهما.
(٤) ومن زيادات الكامل بعد هذا البيت:
يرى الناس أنّي قد سلوت وإنني |
لمرمي أحناء الضلوع سقيم |
(٥) بقية عبارة المبرد: (..، إن كان في شعر، أو ليتذكر به ما بعده إن كان في كلام منثور).
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا |
لبسن البلى ممّا لبسن اللّياليا(١) |
|
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة |
تقاضاه شيء لا يملّ التّقاضيا |
ويقال: إن أحسن ما وصف به المسواك قول أبي حيّة:
لقد طالما عنّيت راحلة الصّبا |
وعلّلت شيطان الغوي المشوّق(٢) |
|
وداويت قرح القلب منهنّ بالمنى |
وباللحظ - لو يبذلنه - المتسرّق |
|
وساقينني كأس الهوى وسقيتها |
رقاق الثّنايا عذبة المتريّق(٣) |
|
وخمصانة تفترّ عن متنضّد |
كنور الأقاحي طيّب المتذوّق |
- ويروى: (عن متنسّق)، يعني ثغرا على نسق واحد لا اختلاف فيه -
إذا مضغت بعد امتناع من الضّحى |
أنابيب من عود الأراك المخلّق |
- الامتتاع: الارتفاع، يقال متع النهار وأمتع إذا طال - والمخلّق: الّذي علق به الخلوق والطيب من يدها؛ وقال بعضهم: عني بالمخلّق المملّس -
سقت شعث المسواك ماء غمامة |
فضيضا بخرطوم المدام المروّق(٤) |
- والفضيض: الّذي حين سال من الغمامة، أي كما فضّ(٥) ، والخرطوم: سلاف الخمر، وهو أول ما يخرج من غير عصر ولا دوس -
وإن ذقت فاها بعد ما سقط النّدى |
بعطفي بخنداة رداح المنطّق |
- البنخنداة: الضخمة. والرّداح: العظيمة الأرداف.
شممت العرار الطّلّ غبّ هميمة |
ونور الخزامى في النّدى المترقرق(٦) |
____________________
(١) الكامل - بشرح المرصفي ٣: ٢٥.
(٢) زهر الآداب: ٢٢٧ (طبعة الحلي)، شرح المختار من شعر بشار: ٢٣٨.
(٣) حاشية ت: (راق السراب يريق ريقا، وتريق، إذا لمع؛ كأنه قال: عذبة موضع التريق.
ويجوز أن يكون مشتقا من الريق الّذي هو الرضاب؛ أي عذبة مترشف الريق).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (بخرطوم المدام المروق).
(٥) كما فض؛ أي كما تفرق من السحابة؛ ولم تصل إليه غبرة.
(٦) حاشية الأصل (من نسخة): (ونور الأقاحي).
- العرار: بهار البرّ، والطّل: الغضّ الطري، والهميمة: مطر ليّن(١) :
وأخبرنا المرزباني قال حدثني عليّ بن هارون بن عليّ قال: سمعت أبي - وقد ذكر قول أبي حيّة:
نظرت كأنّي من وراء زجاجة |
إلى الدّار من فرط الصّبابة أنظر(٢) |
|
بعينين طورا تغرقان من البكا |
فأعشى، وطورا تحسران فأبصر(٣) |
فقال: لو اعترضني مملّك تجب طاعته، ويلزم الانقياد لأمره فقال: أي شعر أجود وأولى بأن يستحسن؟ ولم يفسح لي في أن أميّز المدح من الفخر، والهجاء من التشبيب، وسائر أصناف الشعر ومذاهب الشعراء فيه لما عدلت عن هذين البيتين.
ويقال إن أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أجاز بيتي أبي حية هذين بقوله:
فلا مقلتي من غامر الماء تنجلي |
ولا دمعتي من مكمد الوجد تقطر(٤) |
ولأبي حية:
من المبكيات الجلد حتّى كأنما |
تسحّ بعينيه الدّموع شعيب |
- الشّعيب: مزادة من أديمين، يشعب(٥) أحدهما بالآخر -
____________________
(١) حاشية الأصل: (في نسخة س: أخبرنا البارع أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البغدادي رحمه الله قال: أخبرني الرئيس الحسن بن علي بن محمد بن باري الواسطي رحمه الله قال: كنا عند الملك العزيز في مجلس أنسه، وأنشد منشد بيتي أبي حية: (إذا مضغت )، والّذي يليه، فسألني الملك العزيز أن أجيزهما فقلت:
هنيئا على رغمي لعود أراكة |
تسوك به الذّلفاء مبسمها العذبا |
|
لئن شفيت منه لقد زان ثغرها |
أراكا يبيسا، وانثني مندلا رطبا |
(٢) أمالي القالي ١: ٢٠٨ بلا عزو. وفي ت: (من ماء الصبابة).
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (فعيناي طورا). وتحسران، أي تنقشعان وتنكشفان.
(٤) حاشية ت من نسخة): (من مكمد الشوق تقطر)، وفي حاشيتي الأصل، ف: (في الأصل: بين البيت والبيتين بعيد).
(٥) يشعب: يخاط. ويسح: يصب
ليالي أهلانا جميعا وحولنا(١) |
سوائم منها رائح وغريب |
|
وإذ يتجنّين الذّنوب وما لنا |
إليهنّ(٢) إلاّ ودّهنّ ذنوب(٢) |
ولأبي حيّة:
أصدّ عن البيت الحبيب وإنّني |
لأصغي إلى البيت الّذي أتجنّب |
|
أزور بيوتا غيره ولأهله |
على ما عدا عنهم أعزّ وأقرب |
|
وقطّع أسباب المودّة معشر |
غضابى، وهل في أحسن القول مغضب(٣) ! |
|
وألاّ تني ياأمّ عمرو نميمة(٤) |
تدبّ بها بيني وبينك عقرب |
|
وما بيننا لو أنّه كان عالما |
بذاك الألى يولون ما يترتّب(٥) |
|
حديث إذا لم تخش عينا كأنّه |
إذا ساقطته الشّهد، بل هو أطيب |
|
لو انّك تستشفي به بعد سكرة |
من الموت كانت سكرة الموت تذهب(٦) |
|
وقلت لها: ما تأمرين؟ فإنّني |
أرى البين أدنى روعة تترقب(٧) |
قال محمد بن يحيى الصولي: ولا أحسبه في قوله:
* لو انّك تستشفي به بعد سكرة*
إلاّ تبع قول توبة بن الحميّر:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت |
عليّ، ودوني جندل وصفائح(٨) |
|
لسلّمت تسليم البشاشة، أو زقا |
إليها صدى من جانب القبر صائح |
____________________
(١) حاشية ت (من نسخة): (أهلانا جميع)،
(٢ - ٢) من نسخة بحواشي الأصل، ت، ف: (لولا ودهن ذنوب).
(٣) من نسخة بحاشيتي ت، الأصل: (يقطع أسباب المودة)، وفي د (غضاب).
(٤) حاشية ت: (قوله: (وألا تني: عطف على معشر).
(٥) حاشية ت: (يولون:
يحلقون علينا) ومن نسخة بحاشية الأصل: (يؤذون).
(٦) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (كادت سكرة الموت).
(٧) في حاشيتي الأصل، ت (من نسخة): (ما تأمريني).
(٨) ديوان الحماسة - بشرح التبريزي ٣: ٢١٧. الصفائح: الحجارة العراض تكون على القبور.
قال سيدنا أدام الله علوّه: وأوّل من سبق إلى هذا المعنى فأحسن الأعشى في قوله:
عهدي بها في الحي قد درّعت |
صفراء مثل المهرة الضّامر(١) |
|
لو أسندت ميتا إلى نحرها |
عاش ولم ينقل إلى قابر |
|
حتّى يقول النّاس ممّا رأوا |
ياعجبا للميّت النّاشر! |
ومعنى الناشر: المنشور، يقال: نشر الله الميت فنشر، وهو ناشر بمعنى منشور؛ مثل ماء دافق فهو مدفوق.
وقال بعض أصحاب المعاني: إنّ الجارية التي وصفها أيضا هي ميتة بمعنى أنها ستموت، فيكون المعنى: إن الناس عجبوا من أن يكون من يموت ينشر الموتى، ومن قال هذا أجاز: نشر الله الموتى بمعنى أنشر؛ والقول الأول أظهر، وما نظن الأعشى عنى غيره.
____________________
(١) ديوانه ١٠٤ - ١٠٥، وفي حاشية الأصل: (من نسخة): (قد روعت)، وفي حاشية ت (من نسخة): (قد أبرزت)، وفي الديوان: (قد سربلت).
[٣٤]
مجلس آخر(*) [المجلس الرابع والثلاثون:]
تأويل قوله تعالى:( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) ؛ [يوسف: ٩٢]، حاكيا عن يوسفعليهالسلام .
فقال: لم خصّ (اليوم) بالقول، وإنما أراد العفو عنهم في جميع مستقبل أوقاتهم؟
الجواب، قلنا: في هذه الآية وجوه أربعة:
أولها أنه لما كان هذا الوقت الّذي أشار إليه(١) هو أوّل أوقاته التي كشف فيها نفسه، وأطلعهم على ما كان يستره(٢) عنهم من أمره؛ أشار إلى الوقت الّذي لو أراد الانتقام لابتدأ به فيه؛ والّذي متى عفا فيه عنهم(٣) لم يراجع الانتقام.
وثانيها أنّ يوسفعليهالسلام لما قدّم توبيخهم، وعدّد عليهم قبيح ما فعلوه، وعظيم ما ارتكبوه؛ وهو مع ذلك يستر عليهم(٤) نفسه، ولا يفصح لهم بحاله قال لهم عند تبين أمرهم:( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ) ؛ أي قد انقطع عنكم توبيخي، ومضى عذلي ولائمتي عند اعترافكم بالذنب، وكان ذكر (اليوم) دلالة على انقطاع المعاقبة والتوبيخ؛ وعلى أنّ الأوقات المتصلة باليوم تجري مجراه في زوال الغضب، وتمام العفو، وسقوط المواقفة لهم على ما سلف منهم.
وثالثها أنّ ذكر (اليوم) المراد به الزمان والحين، فوضع (اليوم) موضع الزّمان كلّه، المشتمل على الليالي والأيام والشهور والسنين؛ كما يقول العربي لغيره: قد كنت تستحسن شرب الخمر فاليوم قد وفّقت لتركها ومقتها؛ يريد في هذا الزمان، ولا يريد يوما واحدا بعينه؛ ومثله:
____________________
* في الأصل: (هذا المجلس نصف الكتاب).
(١) ت: (أشار الله إليه).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (ستره).
(٣) ساقطة من ت.
(٤) ت: (عنهم).
قد كنت تقصّر في الجواب عن فنون العلم فاليوم ما تعجزك مسألة، ولا تتوقّف عن مشكلة؛ يريد باليوم باقي الزمان كله، وقال امرؤ القيس:
حلّت لى الخمر وكنت امرأ |
عن شربها في شغل شاغل(١) |
|
فاليوم فاشرب غير مستحقب |
إثما من الله ولا واغل(٢) |
لم يقصد يوما بعينه؛ ومثله:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا |
واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا |
وقال لبيد:
وما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها |
بها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع(٣) |
كل ذلك لا يراد بذكر اليوم أو الغد فيه إلا جميع الأوقات المستقبلة.
ورابعها أن يكون المراد: لا تثريب عليكم البتّة، ثم قال:( الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ ) ؛ فتعلّق (اليوم) بالغفران، وكان المعنى غفر الله لكم اليوم(٤) .
وقد ضعّف قوم هذا الجواب من جهة أن الدعاء لا ينصب ما قبله.
فأما التثريب فإن أبا عبيدة قال: معناه لا شغب ولا معاقبة ولا إفساد(٥) .
وقال الشاعر:
فعفوت عنهم عفو غير مثرّب |
وتركتهم لعقاب يوم سرمد |
____________________
(١) ديوانه: ١٥٠. وفي شرح الديوان: (كان حلف ألا يشرب خمرا، ولا يأكل لحما، ولا يغسل رأسا؛ حتى يدرك بثأر أبيه؛ وكذلك كانت العرب تفعل؛ فلما أخذ بثأر أبيه شربها فبرت يمينه).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (أشرب) بسكون الباء؛ ورواية الديوان:
* فاليوم أسقى غير مستحقب*
المستحقب: المكتسب للإثم الحامل له. والواغل: الّذي يدخل على القوم وهم يشربون فيشرب معهم من غير دعوة.
(٣) ديوانه ٢: ٢٢.
(٤) حواشي الأصل، ت، ف: (لم لا يكون إخبارا محضا بالغفران حتى لا يعترض بذلك! وله وجه آخر وهو أن المعنى: اليوم أقول لكم هذا القول الّذي هو يغفر الله لكم فاختصر).
(٥) حاشية ت (من نسخة): (فساد).
وقال أبو العباس ثعلب: يقال: ثرّب فلان على فلان إذا عدّد عليه ذنوبه. وقال بعضهم(١) :
التثريب مأخوذ من لفظ الثّرب، وهو شحم الجوف، فكأنّه موضوع للمبالغة في اللوم والتعنيف والتقصّي إلى أبعد غايتهما(٢) .
تأويل خبر [: تأويل ما ورد في حديث نهي النبيعليهالسلام عن كسب الزمارة]
روى أبو عبيد القاسم بن سلاّم عن حجّاج عن حماد بن سلمة عن هشام بن حسان، وحبيب بن الشّهيد عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبيصلىاللهعليهوآله نهى عن كسب الزّمّارة.
وقال أبو عبيد: قال حجّاج: الزّمّارة الزانية، وقال: هذا مثل حديثه الآخر أنه نهى عن كسب البغي.
وقال أبو عبيد: وقال غير حجّاج: هي الرّمازة، بتقديم الراء، قال: وقول حجّاج أثبت عندنا؛ لأنهم كانوا يكرهون إماءهم على البغاء، فأنزل الله تعالى:( وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) [النور: ٣٣]، قال: فالعرض هو كسب البغي الّذي نهى النبيصلىاللهعليهوآله عنه.
قال أبو عبيد: ولا أعلم ممّ أخذت (الزّمارة)؛ غير أني وجدتها مفسّرة في الحديث.
وقال ابن قتيبة: الأمر على ما ذكر أبو عبيد، إلا ما أنكره على من زعم أنها الرّمازة؛ لأن الرّمازة هي الفاجرة، سميّت بذلك لأنها ترمز، أي تومئ بعينيها وحاجبيها وشفتيها.
قال الفرّاء: وأكثر الرّمز بالشّفتين، ومنه قوله تعالى:( آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاّ رَمْزاً ) [آل عمران: ٤١]، فالرّمازة صفة من صفات الفاجرة، ثم صار اسما لها أو كالاسم؛ ولذلك قيل لها: هلوك؛ لأنها تتهالك على الفراش، أو على الرجل، ثم صار اسما لها دون غيرها من النساء، وإن تهالكت على زوجها، وقيل لها خريع،
____________________
(١) م: (وهو ابن مسلم).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (غاياتها).
للينها وتثنّيها، ثم صار ذلك اسما لها دون غيرها من النساء؛ وإن لانت وتثنّت؛ ونحوه قولهم للبعير: أعلم؛ للشّقّ في مشفره الأعلى ثم صار كالاسم له؛ وكذلك قولهم للذئب: أزلّ أرسح(١) ، ثم صار كالاسم له، والمريبة لا تكاد تعلن بالكلام، إنما تومض(٢) أو ترمز أو تصفر، قال الشاعر:
رمزت إلى مخافة من بعلها |
من غير أن يبدو هناك كلامها |
وقال الأخطل:
أحاديث سدّاها ابن حدراء فرقد |
ورمّازة مالت لمن يستميلها(٣) |
وقال الراجز:
يومئن بالأعين والحواجب |
إيماض برق في عماء ناضب(٤) |
- والعماء: السحاب، والناضب: البعيد -
وقال بعضهم: إنما قيل للفاجرة قحبة، من القحاب وهو السّعال؛ قال: وأحسبه أراد أنها تتنحنح أو تسعل ترمز بذلك.
قال: وبلغني عن المفضّل أنه كان يقول في قول الناس: (أجبن من صافر)(٥) أنه الرجل يصفر للفاجرة، فهو يخاف كل شيء.
وأما الأصمعي فإنه كان يقول: الصافر ما يصفر من الطير، وإنما وصف بالجبن لأنه ليس من الجوارح.
قال ابن قتيبة: ولا أرى القول إلا قول المفضّل، والدليل على ذلك قول الكميت بن زيد الأسدي:
____________________
(١) الأزل: الحفيف الوركين. والأرسح: القليل لحم العجز.
(٢) تومض، أي تعرض نفسها
(٣) ديوانه: ٢٤١، واللسان (رمز) والحدراء: الممتلئة الفخذ والعجز.
(٤) البيتان في اللسان (زمر)، والرواية فيه: (يومضن بالأعين ).
(٥) المثل في مجمع الأمثال للميداني ١: ١٦٨؛ وروي عن ابن حبيب أن الصافر طائر يتعلق من الشجر برجليه، وينكس رأسه، خوفا من أن ينام فيؤخذ فيصفر منكوسا طول ليلته.
أرجو لكم أن تكونوا في إخائكم |
كلبا كورهاء تقلى كلّ صفّار(١) |
|
لما أجابت صفيرا كان آيتها |
من قابس شيّط الوجعاء بالنّار(٢) |
وهذه امرأة كان يصفر لها رجل فتجيبه، فتمثّل زوجها به وصفر لها، فأتته فشيّطها بميسم، فلما أعاد الصّفر(٣) قالت: (قد قلينا كلّ صفّار(٤) )، تريد أنا قد عففنا(٥) واطّرحنا كلّ فاجر.
قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: والاختيار عندي: (الزّمارة) معجمة الزاي على ما قال أبو عبيد، لحجج ثلاث:
إحداهنّ إجماع أهل الحديث على الزّمارة.
والحجة الثانية أن الفاجرة سميت زمارة، لأنها تحسّن نفسها وكلامها، والزمر عند العرب الحسن، قال عمرو بن أحمر الباهلي يصف شرابا وغناء:
دنّان حنّانان بينهما |
رجل أجشّ غناؤه زمر(٦) |
قال الأصمعي: معناه غناؤه حسن؛ كأنه من مزامير داود.
والحجة الثالثة أنهم سمّوا الفاجرة زمّارة، لمهانتها وقلة ما فيها من الخير؛ من قول العرب(٧) :
نعجة زمرة؛ إذا كانت قليلة الصوف، ويقال: رجل زمر المروءة، إذا كان قليلها، قال ابن أحمر:
مطلنفئا لون الحصى لونه |
يحجز عنه الذّرّ ريش زمر(٨) |
____________________
(١) البيتان في مجمع الأمثال ٢: ٤٠، والثاني في اللسان (شيط). الورهاء: الحمفاء.
(٢) شيط: أحرق. والوجعاء: الدبر.
(٣) ت: (الصفير).
(٤) المثل في مجمع الأمثال ٢: ٤٠، والرواية فيه: (قد قلينا صفيركم).
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (عققنا).
(٦) البيت في اللسان (زمر)، وفي ت، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (زجل). والزجل: عود أو معزفة.
(٧) م: (من قولهم).
(٨) حواشي الأصل، ت، ف: (يصف فرخ القطاة؛ وقبله:
تروي لقى ألقي في مهمه |
تصهره الشّمس فما ينصهر |
المطلنفئ: اللاصق بالأرض، والذرّ: النمل، والزّمر: القليل، فسمّي البغي(١) زمّارة، على وجه الذم لها والتصغير لشأنها؛ كما قيل لها: فاجرة لميلها عن القصد، يقال: فجر الرجل إذا مال، قال لبيد:
فإن تتقدّم تغش منها مقدّما |
غليظا، وإن أخّرت فالكفل فاجر(٢) |
أي مائل، والكفل: كساء يوضع على ظهر البعير يوقّى من العرق.
قال سيدنا أدام الله علوّه: ولا أرى لإحدى الروايتين على الأخرى رجحانا؛ لأنّ كلّ واحدة منهما قد أتت من جهة من يسكن إلى قوله، ولكلّ منهما مخرج في اللغة، وتأويل يرجع إلى معنى واحد؛ لأن الرّمازة، بالراء غير معجمة يرجع معناها على ما ذكر ابن قتيبة إلى معنى الفجور، ومن رواها بالزاي المعجمة فالمرجع في معناها إلى ذلك أيضا على الوجهين اللذين ذكرهما ابن الأنباري، والأولى أن يثبتا(٣) متساويين، ويكون الراوي مخيّرا فيهما.
***
[أبيات للمضرّب بن كعب بن زهير:]
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال أنشدني محمد بن أحمد الكاتب قال أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي للمضرّب(٤) ؛ وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى:
____________________
(١) ف، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (فسميت البغي).
(٢) ديوانه ١: ٥، ومن نسخة في حواشي الأصل، ت، ف: (أخرت): بالبناء للمجهول.
وفيها أيضا: (قبله:
فأصبحت أنّى تأتها تبتئس بها |
كلا مركبيها تحت رحلك شاجر |
تأتها، أي تأت هذه الخصلة والحالة، وقال الجوهري: (الكفل هو ما اكتفل به الراكب، وهو أن يدار الكساء حول سنام البعير ثم يركب؛ ومنه قول إبراهيم: لا تشربوا من ثلمة الإناء ولا من عروته؛ فإنه كفل الشيطان؛ وإبراهيم هو التيمي).
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (أن يكونا).
(٤) ذكره المرزباني في المؤتلف والمختلف: ٢٨١؛ وضبطه صاحب تاج العروس في مستدرك -
وما زلت أرجو نفع سلمى وودّها |
وتبعد؛ حتّى ابيضّ مني المسائح(١) |
|
وحتّى رأيت الشّخص يزداد مثله(٢) |
إليه؛ وحتّى نصف رأسي واضح |
|
علا حاجبي الشّيب حتى كأنّه |
ظباء جرت منها سنيح وبارح(٣) |
|
وهزّة أظعان عليهنّ بهجة |
طلبت، وريعان الصّبا بي جامح(٤) |
|
فلمّا قضينا من مني كلّ حاجة |
ومسّح بالأركان من هو ماسح |
|
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا |
وسالت بأعناق المطي الأباطح(٥) |
|
وشدّت على حدب المهارى رحالها |
ولا ينظر الغادي الّذي هو رائح(٦) |
|
قفلنا على الخوص المراسيل، وارتمت |
بهنّ الصّحارى والصّفاح الصّحاصح(٧) |
***
____________________
- (ضرب) أنه بوزن (محدث)، (معظم)، وضبط في اللسان بالكسر فقط، وفي الأصل: بالفتح؛ وهو الأولى لما رواه ابن قتيبة في الشعراء: ٩٢ أنه (كان لكعب ابن يقال له عقبة بن كعب، شاعر، ولقبه المضرب؛ وذلك أنه شبب بامرأة من بني أسد فقال:
ولا عيب فيها غير أنّك واجد |
ملاقيها قد ديّثت بركوب |
فضربه أخوها مائة ضربة بالسيف، فلم يمت، وأخذ الدية، فسمي المضرب).
(١) ورد البيت الخامس والسادس والسابع من هذه الأبيات في معاهد التنصيص ٢: ١٣٤؛ وقال: (وقيل الأبيات لابن الطثرية، وهي مع بيتين تاليين في زهر الآداب ٢: ٥٦ ووردت أيضا في الشعر والشعراء ١١، والصناعتين ٥٩، وأسرار البلاغة ١٥، وورد الخامس والسادس في الخصائص ١: ٢٨، ٢١٨، وأمالي القالي ٣: ١٦٦؛ وفيها جميعا من غير عزو مع اختلاف في الترتيب. ونقلها أيضا صاحب المعاهد بنسبتها وروايتها عن الغرر؛ وهي ضمن ١٨ بيتا في ديوان كثير: ٧٧ - ٨٤ والمسامح: شعر جوانب الرأس.
(٢) ت، وحاشية الأصل (من نسخة): (مثله)، بفتح اللام.
(٣) السنيح والسانح: ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك، والبارح: ما أتاك من ذلك عن يسارك. والسانح: أحسن حالا عندهم في التيمن من البارح.
(٤) يعني: ورب ظعائن طلبت اهتزازهن وارتياحهن للهو معهن.
(٥) أطراف الأحاديث: ما يستطرف منها ويؤثر. والأباطح: جمع أبطح؛ وهو المسيل الواسع، فيه دقاق الحصى.
(٦) المهارى: جمع مهرية؛ وهي المنسوبة إلى مهرة من حيوان؛ وهي قبيلة تكثر فيها النجائب. ولا ينظر: لا ينتظر.
(٧) الخوص: الإبل الغائرة العيون. والمراسيل: المسرعات.
والصفاح: جمع صفح؛ وهو مضطجع الجبل، والصحاصح: جمع صحح، وهو المكان المستوي الواسع.
وأنشد ابن الأعرابي:
فصدّت بعيني شادن وتبسّمت |
بحمّاء عن غرّ لهنّ غروب(١) |
|
جرى الإسحل الأحوى عليهنّ أو جرى |
عليهنّ من فرع الأراك قضيب(٢) |
***
[موازنة بين قول الرشيد: (قلب العاشق عليه مع معشوقه)، وقول طائفة من الشعراء]
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا محمد بن الحسن البلغي قال حدثنا أبو حاتم قال: سمعت الأصمعي يقول: سمعت الرشيد يقول: قلب العاشق عليه مع معشوقه، فقلت له: هذا والله ياأمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام العذري لعفراء:
أراني تعروني لذكراك روعة |
لها بين جلدي والعظام دبيب(٣) |
|
وما هو إلاّ أن أراها فجاءة |
فأبهت حتى لا أكاد أجيب(٤) |
|
وأصرف عن داري الّذي كنت أرتئي(٥) |
ويعزب عنّي علمه ويغيب |
|
ويضمر قلبي غدرها ويعينها |
عليّ، فما لي في الفؤاد نصيب |
فقال الرشيد: من قال هذا وهما فإني أقوله علما، وللّه درّك ياأصمعيّ! فإني أجد عندك ما تضلّ عنه العلماء.
قال الصولي: فأخذه العباس بن الأحنف فقال:
يهيم بحرّان الجزيرة قلبه |
وفيها غزال فاتر الطّرف ساحره(٦) |
|
يؤازره قلبي عليّ وليس لي |
يدان بمن قلبي عليّ يؤازره |
____________________
(١) ف، ومن نسخة بحاشية ت: (تصدت).
(٢) الإسحل: شجر تتخذ منه أعواد السواك. والأحوى: الأسمر.
(٣) ديوانه: ٤٣ (مخطوطة الشنقيطي بدار الكتب المصرية، والشعر والشعراء ٦٠، وخزانة الأدب ١: ٥٣٤، و٣: ٦١٥ - ٦١٧ وفي م: (وإني لتعروني).
(٤) البيت من (شواهد سيبويه ١: ٤٣٠)، على جواز الرفع والنصب في (أبهت)، فالنصب محمول على (أن)، والرفع على القطع والاستئناف.
(٥) م: (عارفا).
(٦) حران: قصبة ديار مضر بالجزيرة، بين الرها والرقة. ومن نسخة بحاشية الأصل: (ساحر الطرف فاتره).
وأشار إليه أيضا في قوله:
قلبي إلى ما ضرّني داعي |
يكثر أحزاني وأوجاعي(١) |
|
كيف احتراسي من عدوّي إذا |
كان عدوّي بين أضلاعي(٢) |
وأخذه سهل بن هارون الكاتب فقال:
أعان طرفي على جسمي وأعضائي |
بنظرة وقفت جسمي على دائي |
|
وكنت غرّا بما تجني عليّ يدي |
لا علم لي أنّ بعضي بعض أعدائي |
وقال البحتري:
ولست أعجب من عصيان قلبك لي |
يوما إذا كان قلبي فيك يعصيني(٣) |
***
[أحسن ما قيل من الشعر في صفة امرأة عجزاء خميصة، عن الأصمعي:]
وروى أبو عكرمة الضّبي عن مسعود بن بشر المازني قال: قال لنا الأصمعي يوما:
ما أحسن ما قيل في صفة امرأة عجزاء خميصة(٤) فأنشد قول الأعشى:
صفر الوشاحين ملء الدّرع بهكنة |
إذا تأتّى يكاد الخصر ينخزل(٥) |
وأنشد قول علقمة بن عبدة:
صفر الوشاحين مل ء الدّرع خرعبة |
كأنها رشأ في البيت ملزوم(٦) |
____________________
(١) ديوانه: ١٠١، وبعده:
وقلّما أبقى على ما أرى |
يوشك أن ينعى بي الناعي |
|
أسلمني للوجد أشياعي |
لما سعى به عندهم الساعي |
(٢) بعده؛ كما في الديوان:
ما أقتل اليأس لأهل الهوى |
لا سيّما من بعد أطماع |
(٣) ديوانه: ٢: ٢٩٥، وفي حواشي الأصل، ت، ف: (مثله):
أتطمع أن يطيعك قلب سعدى |
وتزعم أن قلبك قد عصاكا |
(٤) م: (خمصانة)، والخميصة والخمصانة: الضامرة البطن.
(٥) ديوانه: ٤٢. والمعلقات - بشرح التبريزي: ٢٧٤. صفر الوشاحين؛ يعني أنها خميصة البطن دقيقة الخصر، فوشاحها يعلن عنها والبهكنة: الكبيرة الخلق، وتأتي: ترفق في المشي.
(٦) ديوانه: ١٣٠. الخرعبة: الناعمة. الرشأ:
الظبي الصغير. ملزوم: مربي في البيوت؛ وهو أحسن له.
وأنشد قول ذي الرّمة:
ترى خلفها نصفا قناة قويمة |
ونصفا نقا يرتجّ أو يتمرمر(١) |
فقال: أحسن ما قيل فيه قول أبي وجزة السّعدي:
أدماء في وضح يكاد إزارها(٢) |
يقوى(٣) ويشبع ما أحبّ إزارها(٤) |
قال أبو عكرمة: ومثله قول الحارث بن خالد المخزومي:
غرثان، سمط وشاحها قلق |
ريّان من أردافها المرط |
***
[خبر جعفر بن سليمان وحزنه على موت أخيه محمد، واسترواحه لشعر ابن أراكة الثقفي:]
وأخبرنا المرزباني قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو العيناء قال حدثني الأصمعي قال:
لما مات محمد بن سلمان بن عليّ الهاشميّ دخلت على أخيه جعفر بن سليمان، وقد حزن عليه حزنا شديدا ولم يطعم ثلاثا، فأنشدته لابن أراكة الثّقفي(٥) :
لعمري لئن أتبعت عينك(٦) ما مضى |
من(٧) الدّهر أو ساق الحمام إلى القبر |
|
لتستنفدن ماء الشّئون بأسره |
ولو كنت تمريهنّ من ثبج البحر |
|
فقلت لعبد الله إذ خنّ(٨) باكيا |
تعزّ، وماء العين منهمر يجري |
|
تبيّن فإن كان البكا ردّ هالكا |
على أحد فاجهد بكاك على عمرو |
|
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه(٩) |
عليّ وعبّاس وآل أبي بكر |
____________________
(١) ديوانه: ٢٢٦ يتمرمر: يتحرك وهو تحرك دون الارتجاج. وفي د، م: (يترمرم).
(٢) ت، ش: (رداؤها) والأدمة هنا: لون أشرب بياضا. والوضح: البياض. وفي م: (أدماء عيطلة).
(٣) الإقواء في الأصل: نفاد الزاد؛ ويريد هنا دقة خصرها وفي س: (لعله: يقوى وشاحها):
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ت: (ما أجن إزارها)، وفيهما أيضا: (أحب، فعل الإزار؛ أي يشبع إزارها ما أحب، أي ما شاء).
(٥) الخبر والأبيات في حماسة ابن الشجري: ١٣٨ - ١٣٩، بروايته عن ابن قدامة عن المرتضى؛ مع اختلاف في ترتيب الأبيات؛ وهي أيضا في أمالي الزجاجي: ٧.
(٦) حاشية ت (من نسخة) (عينك)؛ وهي رواية ابن الشجري.
(٧) ت: (به الدهر)؛ وهي رواية ابن الشجري.
(٨) ت: (حن)، ومن نسخة بحاشيتها: (خر). (٩) ت: (أجنه).
قال: فأمر فجيء بالطعام فأكل من ساعته.
قوله: (خن باكيا) معناه رفع صوته بالبكاء، وقال قوم: الخنين، بالخاء معجمة من الأنف، والحنين من الصّدر، وهو صوت يخرج من كلّ واحد منهما.
***
[لطف الأصمعي بإنشاده شعر ابن هرمة عند إسماعيل بن جعفر، وقضاء حاجته عنده بسبب ذلك:]
وأخبرنا المرزباني قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال:
سمعت التّوزيّ يقول: دخلنا مع الأصمعي إلى إسماعيل بن جعفر ليلة في حاجة، فأنشده الأصمعي أبيات ابن هرمة:
أتيناك نزجى حاجة ووسيلة |
إليك، وقد تحظى لديك الوسائل(١) |
|
ونذكر ودّا شدّه الله بيننا |
على الدّهر لم تدبب إليه الغوائل(٢) |
|
فأقسم ما أكبى زنادك قادح |
ولا أكذبت فيك الرّجاء القوابل(٣) |
|
ولا رجعت ذا حاجة عنك علّة |
ولا عاق خيرا عاجلا منك آجل(٤) |
|
ولا لام فيك الباذل الوجه نفسه |
ولا احتكمت في الجود منك المباخل(٥) |
لم يزد على هذه الأبيات، فقضى حاجته وأجاب مسألته.
قال سيدنا أدام الله علوّه: ويشبه أن يكون ابن هرمة أخذ قوله:
* ولا كذبت فيك الرّجاء القوابل*
من قول الحزين الكناني في زيد بن عليّ بن الحسينعليهمالسلام :
فلما(٦) تردّى بالحمائل وانثنى |
يصول بأطراف القني الذّوابل(٧) |
|
تبيّنت الأعداء أنّ سنانه |
يطيل حنين الأمّهات الثّواكل |
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (نرجو حاجة).
(٢) حاشية ت (من نسخة): (العواذل).
(٣) ما أكبى زنادك، أي ما وجد كابيا.
(٤) حاشية ت (من نسخة: (عنك آجل).
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (عنك المباخل).
(٦) حاشية ت (من نسخة): (إذا ما تردى).
(٧) وفي م: (القنا والذوابل).
تبيّن فيه ميسم العزّ والتّقى |
وليدا يفدّى بين أيدي القوابل |
***
[أبيات لبشر بن خازم في الاعتذار، رواها الأصمعي للرشيد:]
وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن الحسن البلغي قال حدثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال الرشيد يوما: ياأصمعيّ، أتعرف للعرب اعتذارا وندما؟ ودع النابغة فإنه يحتج ويعتذر، فقلت: ما أعرف ذلك إلاّ لبشر بن أبي خازم الأسدي؛ فإنه هجا أوس بن حارثة بن لأم، فأسره بعد ذلك وأراد قتله، فقالت له أمه - وكانت ذات رأي -: والله لا محا هجاءه لك إلاّ مدحه إياك، فعفا عنه، فقال بشر(١) :
إني على ما كان مني لنادم |
وإني إلى أوس بن لأم لتائب |
|
وإني إلى أوس ليقبل توبتي |
ويعرف ودّي ما حييت لراغب |
|
فهب لي حياتي فالحياة لقائم |
يسرّك فيها خير ما أنت واهب |
|
سأمحو بمدحي(٢) فيك إذ أنا صادق |
كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب |
فقال الرشيد للأصمعي: إن دولتي لتحسن ببقائك فيها.
***
وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن أخي الأصمعي - عن عمه قال: سمعت بيتين لم أحفل بهما، ثم قال: قلت: هما على كلّ حال خير من موضعهما من الكتاب، قال: فإني عند الرشيد يوما وعنده عيسى بن جعفر، فأقبل عليّ مسرور الكبير، فقال: يامسرور، كم في بيت مال السرور؟ فقال: ما فيه شيء، قال عيسى: هذا بيت مال الحزن، فاغتمّ لذلك الرشيد، وأقبل على عيسى فقال: والله لتعطينّ الأصمعي سلفا على بيت مال السرور ألف دينار، فوجم عيسى وانكسر، فقلت في نفسي:
جاء موقع(٣) البيتين، وأنشدت الرشيد:
____________________
(١) تنسب إلى الأعشى؛ وهي في ملحقات ديوانه: ٢٣٦.
(٢) ت، ف، ونسخة بحاشية الأصل: (بمدح).
(٣) ف، ونسخة بحاشيتي الأصل: ت: (موضع).
إذا شئت أن تلقى أخاك معبّسا |
وجدّاه في الماضين كعب وحاتم |
|
فكشّفه عمّا في يديه فإنما |
تكشّف أخبار الرّجال الدّراهم(١) |
قال: فتجلّى عن الرشيد وقال لمسرور: أعطه على بيت مال السرور ألفي دينار، فأخذت بالبيتين ألفي دينار، وما كانا يساويان عندي درهمين(٢) !
____________________
(١) من نسخة بحواشي الاصل، ت، ف: (احوال الرجال).
(٢) بهذا المجلس ينتهي الجزء الأول - وهو ما لدينا من نسخة ت - وجاء في آخره: (تم نصف الكتاب بحمد الله ومنه وفضله وحوله وطوله، ويتلوه في الجزء الثاني أوله: مجلس آخر، تأويل آية؛ إن سأل سائل عن قوله تعالى:( خُلِقَ الآنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ) ، إن شاء الله والحمد للّه رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله والطاهرين وسلم).
[٣٥]
مجلس آخر [المجلس الخامس والثلاثون:]
تأويل آية:( خُلِقَ الآنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ )
إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى:( خُلِقَ الآنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ) ؛ [الأنبياء: ٢٧].
الجواب، قيل له: قد ذكر في هذه الآية وجوه من التأويل نحن نذكرها، ونرجّح الأرجح منها:
أوّلها أن يكون معنى القول المبالغة في وصف الإنسان بكثرة العجلة، وأنه شديد الاستعجال لما يؤثره من الأمور، لهج باستدناء ما يحلب(١) إليه نفعا، أو يدفع عنه ضررا؛ ولهم عادة في استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة؛ كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم: ما خلقت إلاّ من نوم، وما خلق فلان إلاّ من شر؛ إذا أرادوا كثرة وقوع الشرّ منه؛ وربما قالوا: ما أنت إلاّ أكل وشرب، وما أشبه ذلك، قالت الخنساء تصف بقرة(٢) :
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت |
فإنما هي إقبال وإدبار(٣) |
وإنما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الإقبال والإدبار منها.
ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى في موضع آخر:( وَكانَ الآنْسانُ عَجُولاً ) ، [الإسراء: ١١]، ويطابقه أيضا قوله تعالى:( فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ) ؛ لأنه وصفهم بكثرة العجلة وأنّ من شأنهم فعلها، توبيخا لهم وتقريعا، ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من
____________________
(١) حاشية ف (من نسخة): (ماجر).
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (نافة).
(٣) ديوانها: ٣٨، واللسان (سوا)؛ وفي ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (ما رتعت)؛ وهي رواية الديوان.
حيث كانوا متمكّنين من مفارقة طريقتهم في الاستعجال، وقادرين على التثبّت والتأيّد.
وثانيها ما أجاب به أبو عبيدة وقطرب بن المستنير وغيرهما من أنّ في الكلام قلبا، والمعنى: خلق العجل من الإنسان، واستشهد على ذلك بقوله تعالى:( وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ) ؛ [آل عمران: ٤٠]، أي قد بلغت الكبر، وبقوله تعالى:( ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ ) ؛ [القصص: ٧٦]، والمعنى: إن العصبة تنوء بها، وتقول العرب: عرضت الناقة على الحوض، وإنما هو عرضت الحوض على الناقة، وقولهم: إذا طلعت الشّعرى استوى العود على الحرباء؛ يريدون استوى الحرباء على العود؛ وبقول الأعشى:
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته |
وأن تعلمي أنّ المعان موفّق(١) |
يريد أن الموفّق معان.
وبقول الآخر:
على العيارات هدّاجون قد بلغت |
نجران، أو بلغت سوءاتهم هجر(٢) |
والمعنى: أنّ السوءات هي التي بلغت هجر.
وبقول خداش بن زهير:
ونركب خيلا لا هوادة بينها |
وتشقى الرّماح بالضياطرة الحمر(٣) |
____________________
(١) ديوانه: ١٤٩، وفي حاشيتي الأصل، ف: (قبله:
وإن امرأ أهداك بيني وبينه |
فياف: تنوفات ويهماء خيفق |
لمحقوقة البيت؛ يخاطب ناقة أهديت له، فيقول لها: أنت محقوقة بأن تستجيبي لصوته. تنوفات:
جمع تنوفة؛ وهي المفازة، وخيفق، يخفق فيها الآل).
(٢) البيت للأخطل، ديوانه ١٠، والهدج: مشي في ارتعاش.
(٣) جمهرة الأشعار: ١٩٣، واللسان (ضطر). والضياطرة: الضخام الذين لا غناء عندهم؛ وفي اللسان: (قال ابن سيده: يجوز أن يكون عنى أن الرماح تشقى بهم؛ أي أنهم لا يحسنون حملها ولا الطعن بها، ويجوز أن يكون على القلب، أي تشقى الضياطرة الحمر بالرماح؛ يعني أنهم يقتلون بها والهوادة:
المصالحة والموادعة).
يريد تشقى الضّياطرة بالرماح.
وبقول الآخر:
تمشي به عوذ النّعاج كأنّها |
عذارى ملوك في بياض ثياب(١) |
يريد في ثياب بيض.
وبقول الآخر:
حسرت كفّي عن السّربال آخذه(٢) |
فردا يحزّ على أيدي المفيضينا(٣) |
يريد حسرت السّربال عن كفّي.
وبقول ابن أحمر:
وجرد طار باطلها نسيلا |
وأحدث قمؤها شعرا قصارا(٤) |
أراد طار نسيلها باطلا.
وبقول الآخر:
وقسورة أكتافهم في قسّيهم |
إذا ما مشوا لا يغمزون من النّسا(٥) |
أي قسيّهم في أكتافهم.
وبقول الآخر:
* وهنّ من الإخلاف والولعان(٦) *
أي الإخلاف والولعان منهن.
____________________
(١) العوذ: جمع عائذ؛ وهي الحديثة التاج؛ والنعجة هنا: البقرة الوحشية.
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (آخذة).
(٣) حاشية الأصل: (فردا، يعني القدح). يقال أفاض بالقداح: ضرب بها والبيت لابن مقبل في الميسر والقداح ١٤١.
(٤) اللسان (قمأ).
النسيل: ما ينسل من شعرها وقمؤها: سمنها.
(٥) القسورة: الرماة من الصيادين والغمز: الظلع.
(٦) البيت في اللسان (ولع)، وصدره:
* لخلاّبة العينين كذّابة المنى*
قال في اللسان: (أي من أهل الخلف والكذب، وجعلهن من الأخلاف لملازمتهن له).
ويبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال له:
وما المعنى والفائدة في قوله تعالى: (خلق العجل من الإنسان) أتريدون(١) بذلك أنّ الله تعالى خلق في إنسان العجلة؟ وهذا لا يجوز؛ لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره! ولو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول:
( سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ) ، لأنه لا ينهاهم عمّا خلقه فيهم.
فإن قالوا: لم يرد أنه تعالى خلقها؛ لكنه أراد كثرة فعل الإنسان لها؛ وأنه لا يزال يستعملها.
قيل لهم: هذا هو الجواب الّذي قدّمناه من غير حاجة إلى القلب والتقديم والتأخير؛ وإذا كان هذا المعنى يتمّ وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه.
وقد ذكر أبو القاسم البلخي هذا الجواب في تفسيره، واختاره وقوّاه، وسأل نفسه عليه فقال: كيف جاز أن يقول:( فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ) ، وهو خلق العجلة فيهم! وأجاب بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طباعهم وكفّها، وقد يكون الإنسان مطبوعا عليها وهو مع ذلك مأمور بالتثبت، قادر على أن يجانب العجلة، وذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح، وأمره في كثير من الأوقات بالامتناع منه.
وهذا الّذي ذكره البلخي تصريح بأن المراد بالعجل غيره، وهو الطبع الداعي إليه، والشهوة المتناولة له، ويجب أيضا أن يكون المراد ب (من) هاهنا (في)؛ لأن شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الإنسان، وإنما تكون فيه. وهذا تجوّز على تجوّز، وتوسّع على توسّع، لأن القلب أوّلا مجاز، ثم هو من بعيد المجاز؛ وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر، وإقامة (من) مقام (في) كذلك؛ على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله:( فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ) أي معنى لتقديم قوله: إني خلقت شهوة العجلة فيهم، أو الطبع الداعي إليها؛ على ما عبّر به البلخي. وهذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم؛ وأيسر
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (أيريد).
الأحوال ألاّ يكون عذرا ولا احتجاجا، فلا يكون لتقديمه معنى.
وفي الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذّم والتوبيخ والتقريع من غير إضافة له إليه عز وجل؛ فالجواب الأول أوضح وأصحّ.
وثالثها جواب روى عن الحسن، قال: يعني بقوله:( مِنْ عَجَلٍ ) ، أي من ضعف، وهي النّطفة المهينة الضّعيفة، وهذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل يكون عبارة عن الضّعف أو معناه.
ورابعها ما حكي أنّ أبا الحسن الأخفش أجاب به، وهو: أن يكون المراد أنّ الإنسان خلق من تعجيل من الأمر؛ لأنه تعالى قال:( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ، [النحل: ٤٠].
فإن قيل: كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد:( فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ) ؟
قلنا: يمكن أن يكون وجه المطابقة أنهم لما استعجلوا بالآيات واستبطئوها أعلمهم تعالى أنه ممن لا يعجزه شيء إذا أراده، ولا يمتنع عليه؛ وأنّ من خلق الإنسان بلا كلفة ولا مئونة بأن قال له: كن فكان، مع ما فيه من بدائع الصنعة، وعجائب الحكمة التي يعجز عنها كلّ قادر، ويحار فيها كل ناظر، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات.
وخامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين، فكأنه تعالى قال: خلق الإنسان من طين، كما قال تعالى في موضع آخر:( وَبَدَأَ خَلْقَ الآنْسانِ مِنْ طِينٍ ) ؛ [السجدة: ٧]، واستشهد بقول الشاعر:
والنّبع ينبت بين الصّخر ضاحية |
والنخل ينبت بين الماء والعجل(١) |
ووجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب، ويقولون: ليس بمعروف أن العجل هو الطين، وقد حكى صاحب كتاب العين عن بعضهم أن العجل الحمأة، ولم يستشهد عليه، إلاّ أن
____________________
(١) البيت في اللسان (عجل).
البيت الّذي حكيناه يمكن أن يكون شاهدا له، وقد رواه ثعلب عن ابن الأعرابي، وخالف في شيء من ألفاظه فرواه:
والنّبع في الصّخرة الصّماء منبته |
والنّخل ينبت بين الماء والعجل |
وإذا صحّ هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك وبين قوله تعالى:( فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ) على نحو ما ذكرناه، وهو أنّ من خلق الإنسان - مع الحكم الظاهرة فيه - من الطين، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات؛ أو يكون المعنى أنه لا يجب لمن خلق من الطين المهين، وكان أصله هذا الأصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله وآياته وشرائعه؛ لأنه تعالى قال قبل هذه الآية:( وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً، أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) ؛ [الأنبياء: ٣٦].
وسادسها أن يكون المراد بالإنسان آدمعليهالسلام ، ومعنى( مِنْ عَجَلٍ ) أي في سرعة(١) من خلقه، لأنه لم يخلقه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة كما خلق غيره، وإنما ابتدأه الله تعالى ابتداء، وأنشأه إنشاء، فكأنّه تعالى نبّه بذلك على الآية العجيبة في خلقه له، وأنه عزّ وجل يرى عباده من آياته وبيناته أوّلا أولا ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه أحوالهم.
وسابعها ما روي عن مجاهد وغيره أنّ الله تعالى خلق آدم بعد خلق كل شيء آخر، نهار يوم الجمعة على سرعة، معاجلا به غروب الشمس.
وروي أن آدمعليهالسلام لما نفخت فيه الروح وبلغت إلى أعالي جسده، ولم تبلغ أسافله قال: يارب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.
وثامنها ما روي عن ابن عباس والسّدّيّ أن آدمعليهالسلام لما خلق وجعلت الروح في أكثر جسده وثب عجلان مبادرا إلى أثمار الجنة - وقال قوم بل همّ بالوثوب - فهذا معنى قوله تعالى:( خُلِقَ الآنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ) .
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة: (من سرعة).
وهذه الأجوبة المتأخّرة مبنية على أنّ المراد بالإنسان فيها آدمعليهالسلام دون غيره.
***
[طائفة من شعر مسكين الدارمي وذكر بعض أخباره:]
قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإني لأستحسن لمسكين الدارمي قوله(١) :
ربّ أمور قد بريت لحاءها |
وقوّمت من أصلابها ثمّ زعتها(٢) |
|
أقيم بدار الحرب(٣) ما لم أهن بها |
فإن خفت من دار هوانا تركتها |
|
وأصلح جلّ المال حتى تخالني(٤) |
شحيحا وإن حقّ عراني أهنتها |
|
ولست بولاّج البيوت لفاقة |
ولكن إذا استغنيت عنها ولجتها |
|
أبيت عن الإدلاج في الحي نائما |
وأرض بإدلاج وهمّ(٥) قطعتها |
|
ألا أيّها الجاري سنيحا وبارحا |
تعرّض نفسا لو أشاء قتلتها |
|
تعارض فخر الفاخرين بعصبة |
ولو وضعت لي في إناء أكلتها |
|
وإنّ لنا ربعيّة المجد كلّها |
موارث آباء كرام ورثتها(٦) |
|
إذا قصرت أيدي الرّجال عن العلى |
مددت يدي باعا عليهم فنلتها |
|
وداع دعاني للعلا فأجبته |
ودعوة داع في الصّديق خذلتها |
|
ومكرمة كانت رعاية والدي |
فعلّمنيها والدي ففعلتها(٧) |
____________________
(١) هو ربيعة بن عامر بن أنيف، ينتهي نسبه إلى مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر شريف من سادات قومه (وانظر ترجمته وأخباره وأشعاره في الأغاني ١٨: ٦٨ - ٧٢، ومعجم الأدباء ١١: ١٢٦ - ١٣٢، والشعر والشعراء ٥٢٩ - ٥٣٠، والخزانة ١: ٤٦٥ - ٤٧٠، واللآلئ ١٨٦ - ١٨٧)
(٢) ديوان المعاني ١: ٧٩. ف، حاشية الأصل (من نسخة)، ديوان المعاني: (رشتها) وفي حاشية الأصل (من نسخة أخرى): (رعتها). وفي حاشيتي الأصل، ف: (في الصحاح:
زاع بعيره أي حركه إلى قدام يستزيد سيره؛ قال ذو الرمة:
وخافق الرّأس فوق الرّحل قلت له |
زع بالزّمام وجوز اللّيل مركوم |
ومن رواه (زع)، [بفتح الزاي] فقد أخطأ؛ لأنه لا يأمره بالكف).
(٣) د؛ (الحزن)، ف، وديوان المعاني: (الحزم).
(٤) ديوان المعاني: (حسبتني).
(٥) هم؛ أي همة.
(٦) حاشية الأصل: (ربعية المجد: أوله وأجوده؛ كربعية النتاج خيره) ومن نسخة بحاشية الأصل: (مواريث آباء).
(٧) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (فعملتها).
وعوراء من قيل امرئ ذي قرابة |
تصاممت عنها بعد ما قد سمعتها(١) |
|
رجاة غد(٢) أن يعطف الرّحم بيننا |
ومظلمة منه بجنبي عركتها |
|
إذا ما أمور الناس رثّت وضيّعت |
وجدت أموري كلّها قد رممتها(٣) |
|
وإني سألقى الله لم أرم حرّة |
ولم تتمنّى(٤) يوم سرّ فخنتها |
|
ولا قاذف نفسي ونفسي بريئة |
وكيف اعتذاري بعد ما قد قذفتها |
***
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرنا أبو ذرّ القراطيسي قال حدثنا عبيد الله بن محمد ابن أبي الدنيا قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي أنّ رجلا من الأنصار حدثه قال قال مسكين الدّارمي:
ولست إذا ما سرّني الدّهر ضاحكا |
ولا خاشعا ما عشت من حادث الدّهر(٥) |
|
ولا جاعلا عرضي لمالي وقاية |
ولكن أقي عرضي فيحرزه وفري |
|
أعفّ لدى عسري وأبدي تجمّلا |
ولا خير فيمن لا يعفّ لدى العسر |
|
وإني لأستحيي إذا كنت معسرا |
صديقي وإخواني بأن يعلموا فقري |
|
وأقطع إخوانى وما حال عهدهم |
حياء وإعراضا، وما بي من كبر |
|
فإن يك عارا ما أتيت فربما |
أتى المرء يوم السّوء من حيث لا يدرى |
|
ومن يفتقر يعلم مكان صديقه |
ومن يحيى لا يعدم بلاء من الدّهر(٦) |
ومن مستحسن قوله:
إن أدع مسكينا فما قصرت |
قدري بيوت الحي والجدر |
____________________
(١) العوراء هنا: الكلمة القبيحة.
(٢) د، ف، وحاشية الأصل، وديوان المعاني: (رجاء غد).
(٣) رممتها: أصلحتها.
(٤) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): (لم تأتمني).
(٥) أبيات منها في معجم الأدباء ١١: ١٢٩، واللآلئ: ١٨٦، وكنايات الجرجاني: ١٠، ٥٧
(٦) حاشية الأصل: (من نسخة): (ومن يغن).
وقيل: إن مسكينا ليس باسمه، وإنما اسمه ربيعة، وإنما سمّي بذلك لقوله:
وسمّيت مسكينا وكانت لجاجة |
وإني لمسكين إلى الله راغب(١) |
- ومعنى: قصرت قدري، أي: سترت، يريد أنها بارزة لا تحجبها السواتر والحيطان -
ما مسّ رحلي العنكبوت ولا |
جدياته من وضعه غبر |
وهذه كناية مليحة عن مواصلة السير وهجر الوطن، لأن العنكبوت إنما تنسج على ما لا تناله الأيدي ولا يكثر استعماله، والجديات: جمع جدية، وهي باطن دفّة الرحل.
لا آخذ الصّبيان ألثمهم |
والأمر قد يغري(٢) به الأمر |
- يقول: لا أقبّل الصبي؛ وأنا أريد التعريض بأمه.
ومثله لغيره:
ولا ألقي لذي الودعات سوطي(٣) |
ألاعبه(٤) وريبته(٥) أريد |
وأنشد ابن الأعرابي مثله:
إذا رأيت صبي القوم يلثمه |
ضخم المناكب لا عمّ ولا خال |
|
فاحفظ صبيّك منه أن يدنّسه |
ولا يغرّنك يوما قلّة المال(٦) |
- رجع إلى تمام القصيدة -
ولربّ يوم قد تركت وما |
بيني وبين لقائه ستر |
|
ومخاصم(٧) قاومت في كبد |
مثل الدّهان فكان لي العذر(٨) |
____________________
(١) الشعر والشعراء: ٥٢٩.
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (يعزي).
(٣) م: (صوتى).
(٤) د: (لألثمه)، ومن نسخة بحاشية ف: (لألهيه).
(٥) د، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (وربته)، أي أمه التي تربه. والودعات:
الخرزات.
(٦) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (كثرة المال).
(٧) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (ومقادم).
(٨) في حاشيتي الأصل، ف: (إنما يكون العذر إذا كان ثم ظلم، فيقول: إنما أقاوم وأخاصم مظلوما متعدي عليه، وإذا كان كذلك، فيجب الاعتذار على الظالم؛ ويكون العذر لي، كقوله:
فإن كان سحرا فاعذريني على الهوى |
وإن كان داء غيره فلك العذر |
- ويروى: (القمر)، والكبد: المنزلة التي لا تثبت فيها الأرجل، والدهان:
الأديم الأحمر -
ما علّتي(١) ! قومي بنو عدس |
وهم الملوك وخالي البشر(٢) |
|
عمّي زرارة غير منتحل |
وأبي الّذي حدّثته عمرو |
|
في المجد غرّتنا مبيّنة |
للنّاظرين كأنّها البدر |
|
لا يرهب الجيران غدرتنا |
حتّى يواري ذكرنا القبر |
|
لسنا كأقوام إذا كلحت |
إحدى السّنين فجارهم تمر |
- أي يستحلى الغدر به كما يستحلى التمر -
مولاهم لحم على وضم |
تنتابه العقبان والنّسر |
|
ناري ونار الجار واحدة |
وإليه قبلي تنزل القدر |
يقال: إنه كان له امرأة تماظّه، فلما قال ذلك قالت له: أجل؛ إنما ناره ونارك واحدة، لأنه أوقد ولم توقد، والقدر تنزل إليه قبلك؛ لأنه طبخ ولم تطبخ، وأنت تستطعمه.
ما ضرّ جاري إذ أجاوره |
أن لا يكون لبيته ستر |
- قال: ويقال إنها قالت له في هذا البيت أيضا: أجل إن كان له ستر هتكته -
أعمى إذا ما جارتي خرجت |
حتّى يواري جارتي الخدر |
|
ويصمّ عمّا كان بينهما |
سمعي وما بي غيره وقر |
وأنشد عمر بن شبّة لمسكين أيضا:
لا تجعلنّي كأقوام علمتهم(٣) |
لم يظلموا لبّة يوما ولا ودجا(٤) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (ما عابني).
(٢) من نسخة في حاشيتي الأصل، ف: (هو مسكين بن عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم؛ فهذا عدس وعدس أبو زرارة، مثل قثم؛ وقال ابن دريد: يقال عدس وعدس)، بضم الدال وفتحها.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (لا تجعليني كأقوام علمتهم).
(٤) حاشية الأصل: (أي لم ينحروا للأضياف فيطعنوا في لبة أو ودج).
إني لأغلاهم باللّحم قد علموا |
نيئا، وأرخصهم باللّحم إذ نضجا |
|
أنا ابن قاتل جوع القوم قد علموا |
إذا السّماء كست آفاقها رهجا(١) |
|
ياربّ أمرين قد فرّجت بينهما |
إذا هما نشبا في الصّدر واعتلجا(٢) |
|
أديم خلقي لمن دامت خليقته |
وأمزج الحلو أحيانا لمن مزجا |
|
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية |
إذا الكواكب كانت في الدّجى سرجا(٣) |
|
ما أنزل الله من أمر فأكرهه |
إلاّ سيجعل لي من بعده فرجا |
|
ما مدّ قوم بأيديهم إلى شرف |
إلاّ رأونا قياما فوقهم درجا |
وأنشد أبو العباس ثعلب له:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله |
ولم يلهني عنه غزال مقنّع |
|
أحدّثه إن الحديث من القرى |
وتعلم نفسي أنه سوف يهجع |
ومثله لغيره:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله |
ويخصب عندي والمكان جديب |
|
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى |
ولكنّما وجه الكريم خصيب |
ومعنى:
* أحدّثه إنّ الحديث من القرى*
أي أصبر على حديثه، وأعلم أنه سوف ينام، ولا أعرّض بمحادثته فأكون قد محقت قراي؛ والحديث الحسن من تمام القرى.
وقال الأصمعي: أحسن ما قيل في الغيرة قول مسكين الدارمي:
ألا أيّها الغائر المستشيط |
علام تغار إذا لم تغر |
____________________
(١) الرهج: الغبار.
(٢) اعتلج. اضطرب.
(٣) الحزن: المفازة الواسعة، والخرقاء: الناقة السريعة.
فما خير عرس إذا خفتها |
وما خير بيت إذا لم يزر(١) |
|
تغار على النّاس أن ينظروا |
وهل يفتن الصّالحات النّظر |
|
فإني سأخلي لها بيتها |
فتحفظ لي نفسها أو تذر |
|
إذا الله لم يعطه ودّها |
فلن يعطي الودّ سوط ممرّ |
|
ومن ذا يراعي له عرسه |
إذا ضمّه والمطي السّفر! |
قال المرتضىرضياللهعنه : وكان مسكين كثير اللهج بالقول في هذا المعنى، فمن ذلك قوله:
وإني امرؤ لا آلف البيت قاعدا |
إلى جنب عرسي لا أفرّطها شبرا |
|
ولا مقسم لا أبرح الدّهر بيتها |
لأجعله قبل الممات لها قبرا |
|
إذا هي لم تحصن أمام فنائها |
فليس بمنجيها بنائي لها قصرا |
|
ولا حاملي ظنّي ولا قيل قائل(٢) |
على غيرة حتّى أحيط بها خبرا |
|
فهبني امرأ راعيت ما دمت شاهدا |
فكيف إذا ما سرت من بيتها شهرا |
وأنشد أبو العبّاس(٣) عن أبي العالية لمسكين:
ما أحسن الغيرة في حينها |
وأقبح الغيرة في كلّ حين(٤) |
|
من لم يزل متّهما عرسه |
مناصبا فيها لوهم الظّنون |
|
يوشك أن يغريها بالذي |
يخاف، أو ينصبها للعيون |
|
حسبك من تحصينها ضمّها |
منك إلى خلق كريم ودين |
|
لا تظهرن منك على عورة |
فيتبع المقرون حبل القرين(٥) |
____________________
(١) حاشية الأصل: (للسؤال).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (وإن قال قائل).
(٣) ف: (أبو العيناء).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (غير حين).
(٥) حاشية الأصل: (أي إياك أن تطلع المرأة منك على زنا وريبة؛ فإنها أيضا تزني أو تفعل كما فعلت).
[٣٦]
مجلس آخر [المجلس السادس والثلاثون:]
تأويل آية:( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها )
إن سأل سائل عن قوله تعالى في قصة يوسفعليهالسلام :( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) ؛ [يوسف: ٢٤].
فقال: هل يسوغ ما تأوّل بعضهم هذه الآية عليه من أن يوسفعليهالسلام عزم على المعصية وأرادها، وأنه جلس مجلس الرجل من المرأة، ثم انصرف عن ذلك بأن رأى صورة أبيه يعقوبعليهالسلام عاضّا على إصبعه، متوعّدا له على مواقعة المعصية، أو بأن نودي له بالنهي والزّجر في الحال على ما ورد به الحديث؟
الجواب، قلنا: إذا ثبت بأدلّة العقول التي لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات أنّ المعاصي لا تجوز على الأنبياءعليهمالسلام صرفنا كل ما ورد ظاهره بخلاف ذلك من كتاب أو سنة إلى ما يطابق الأدلة ويوافقها، كما نفعل مثل ذلك فيما يرد ظاهره مخالفا لما تدل عليه العقول من صفاته تعالى، وما يجوز عليه أو لا يجوز.
ولهذه الآية وجوه من التأويل؛ كلّ واحد منها يقتضي نزاهة نبي الله تعالى من العزم على الفاحشة وإرادة المعصية.
أوّلها أنّ الهمّ في ظاهر الآية متعلّق بما لا يصح أن يعلّق به العزم أو الإرادة على الحقيقة؛ لأنه تعالى قال:( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ) ، فعلّق الهمّ بهما، وذاتاهما لا يجوز أن يراد أو يعزم عليهما؛ لأنّ الموجود الباقي لا يصحّ ذلك فيه، فلا بدّ من تقدير محذوف يتعلّق العزم به؛ وقد يمكن أن يكون ما تعلّق به همّه إنما هو ضربها أو دفعها عن نفسه، كما
يقول القائل: كنت هممت بفلان، وقد همّ فلان بفلان؛ أي بأن يوقع به ضربا أو مكروها.
فإن قيل: فأي معنى لقوله تعالى:( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها؟
قلنا: يمكن أن يكون الوجه في ذلك أنه لما همّ بدفعها وضربها أراه الله برهانا على أنه إن أقدم على ما همّ به أهلكه أهلها وقتلوه، أو أنها تدّعي عليه المراودة على القبيح وتقذفه بأنه دعاها إليه، وأنّ ضربه؟؟؟؟؟ لامتناعها، فيظنّ به ذلك من لا تأمّل له، ولا علم بأنّ مثله لا يجوز عليه، فأخبر الله تعالى بأنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء، ويعني بذلك القتل والمكروه اللّذين كانا يوقعان به، لأنهما يستحقان الوصف بذلك من حيث القبح، أو يعني بالسوء والفحشاء ظنّهم به ذلك.
فإن قيل: هذا الجواب يقتضي أنّ جواب فَلَوْ لا يتقدّمها، ويكون التقدير: لولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بضربها ودفعها، وتقدّم جواب فَلَوْ لا قبيح غير مستعمل، أو يقتضي أن تكون فَلَوْ لا بغير جواب.
قلنا: أما تقدّم جواب فَلَوْ لا فجائز، وسنذكر ما فيه عند الجواب المختص بذلك، غير أنّا لا نحتاج إليه في هذا الجواب، لأنّ الهمّ بالضرب قد وقع، إلا أنه انصرف عنه بالبرهان؛ والتقدير: ولقد همت به وهمّ بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك، فالجواب في الحقيقة محذوف، والكلام يقتضيه، كما حذف الجواب في قوله تعالى:( وَلَوْ لا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) ؛ [النور: ٢٠]، معناه: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم، ومثله:( كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) ؛ [التكاثر: ٥، ٦]، معناه: لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا في الدنيا، وتفاخروا بها؛ وقال امرؤ القيس:
فلو أنّها نفس تموت سويّة |
ولكنها نفس تساقط أنفسا(١) |
أراد: فلو أنّها نفس تموت سويّة لانقضت وفنيت، فحذف الجواب؛ على أنّ من تأوّل هذه الآية على الوجه الّذي لا يليق بنبي الله تعالى، وأضاف العزم على المعصية إليه لا بد له من تقدير جواب محذوف، ويكون التقدير عنده: ولقد همّت بالزّنا وهمّ به؛ لولا أن رأى برهان ربه لفعله.
فإن قيل قوله: هَمَّ بِها كقوله:( هَمَّتْ بِهِ ) فلم جعلتم همّها به متعلّقا بالقبيح وهمّه بها متعلقا بما ذكرتم من الضرب وغيره؟
قلنا: أما الظاهر فلا يدلّ على ما تعلق به الهم والعزم فيهما جميعا، وإنما أثبتنا همّها به متعلّقا بالقبيح، لشهادة الكتاب والآثار؛ وهي ممن يجوز عليه فعل القبيح، ولم يؤمن دليل من امتناعه عليها؛ كما أمن ذلك فيهعليهالسلام .
والموضع الّذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى:( وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ إلى قوله: إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ، [يوسف: ٣٠]، وقوله تعالى:( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ) [يوسف: ٢٣]، وقوله تعالى:( الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ (٢) وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) [يوسف: ٥١]، وفي موضع آخر:( قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) [يوسف: ٣٢].
____________________
(١) ديوانه: ١٤٠، وروايته: (تموت جميعة). وفي حاشية الأصل: (ويروى: (تساقط) [بضم التاء]، وساقط بوزن فاعل متعد؛ ويكون (أنفسا) مفعولا؛ وإذا روي: (تساقط) [بفتح التاء] جاز أن يكون (تفاعل) متعديا؛ والمعنى: أسقط. ويجوز أن يكون غير متعد أيضا؛ و (أنفسا) نصبت على الحال، كقوله تعالى:( تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) ، أي تساقط عليك ثمر النخلة رطبا، وقال الفراء: هو تمييز، وكلاهما حسن. ويجوز إذا كان حالا أن يفيد كثرة الرطب على الجذع فكأنها إذا تساقط رطبا).
(٢) حاشية الأصل: (معنى( راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ) ؛ أي طلبت منه أن ينزل عن نفسه فيسلمها منى؛ هذا هو هو حقيقة هذه الكلمة؛ فاختصر).
والآثار واردة بإطباق مفسّري القرآن ومتأوّليه على أنها همت بالفاحشة والمعصية.
والوجه الثاني في تأويل الآية أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير، ويكون تلخيصه:
ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها؛ ويجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لولا أني تداركتك، وقتلت لولا أني خلّصتك، والمعنى: لولا تداركي لهلكت، ولولا تخليصي لقتلت، وإن لم يكن وقع هلاك ولا قتل؛ قال الشاعر:
فلا يدعني قومي صريحا لحرّة |
لئن كنت مقتولا، ويسلم عامر(١) |
وقال آخر:
فلا يدعني قومي صريحا لحرة |
لئن لم أعجّل طعنة أو أعجّل(٢) |
فقدم جواب فَلَوْ لا في البيتين جميعا، وقد استشهد عليه أيضا بقوله تعالى:( وَلَوْ لا فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ ) ، والهمّ لم يقع لمكان فضل الله ورحمته.
ومما يشهد لهذا التأويل أنّ في الكلام شرطا، وهو قوله تعالى:( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) ؛ فكيف يحمل على الإطلاق، مع حصول الشرط؟ وليس لهم أن يجعلوا جواب لَوْ لا محذوفا مقدّرا لأن جعل جوابها موجودا أولى.
وقد استبعد قوم تقديم جواب لَوْ لا عليها، قالوا: ولو جاز ذلك لجاز: (قام زيد لولا عمرو)، و (قصدتك لولا بكر) وقد بيّنّا بما أوردناه من الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لَوْ لا، والّذي ذكروه لا يشبه ما أجزناه.
وقد يجوز أن يقول القائل: (قد كان زيد قام لولا كذا وكذا)، و (قد كنت قصدتك لولا أن صدّنى فلان)، وإن لم يقع قيام ولا قصد؛ وهذا هو الّذي يشبه الآية؛ وليس تقديم
____________________
(١) صريحا: خالص النسب.
(٢) م:
فلا يدعني قومي ليوم كريهة |
لئن لم أعجّل ضربة أو أعجل |
وفي حاشية الأصل: (في نسخة س البيت الثاني مقدم على الأول).
جواب لَوْ لا بأبعد من حذف جواب لَوْ لا جملة من الكلام. وإذا جاز عندهم الحذف - لئلا يلزمهم تقديم الجواب - جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لا يلزم الحذف.
والجواب الثالث ما اختاره أبو عليّ الجبّائي - وإن كان غيره قد تقدمه إلى معناه - وهو أن يكون معنى هَمَّ بِها اشتهاها، ومال طبعه إلى ما دعته إليه. وقد يجوز أن تسمّى الشهوة في مجاز اللغة همّاً؛ كما يقول القائل فيما لا يشتهيه: ليس هذا من همّي، وهذا أهمّ الأشياء إلي؛ ولا قبح في الشهوة لأنها من فعل الله تعالى فيه؛ وإنما يتعلق القبح بتناول المشتهي.
وقد روي هذا التأويل عن الحسن البصري قال: أما همّها فكان أخبث الهم، وأما همّه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء، ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى:( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) ، متعلق بمحذوف؛ كأنه قال: لولا أن رأى برهان ربه لعزم أو فعل.
والجواب الرابع، أنّ من عادة العرب أن يسمّوا الشيء باسم ما يقع عنده في الأكثر، وعلى هذا لا ينكر أن يكون المراد ب هَمَّ بِها خطر بباله أمرها(١) ، ووسوس إليه الشيطان بالدعاء إليها؛ من غير أن يكون هناك همّ أو عزم، فسمّي الخطور بالبال همّا من حيث كان الهمّ يقع في الأكثر عنده، والعزم في الأغلب يتبعه.
وإنما أنكرنا ما ادّعاه جهلة المفسرين ومخرّفو القصّاص، وقرفوا به نبي اللهعليهالسلام ، لما في العقول من الأدلة على أن مثل ذلك لا يجوز على الأنبياءعليهمالسلام ؛ من حيث كان منفّرا عنهم، وقادحا في الغرض المجرى إليه بإرسالهم؛ والقصّة تشهد بذلك؛ لأنه تعالى قال:( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ) ؛ ومن أكبر السوء والفحشاء العزم على الزنا، ثم الأخذ فيه، والشروع في مقدماته؛ وقوله تعالى أيضا:( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) يقتضي تنزيهه
____________________
(١) س: (ما أخطر بباله أمرها).
عن الهمّ بالزّنا، والعزم عليه. وحكايته عن النسوة قولهن:( حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) ؛ [يوسف: ٥١]، تدل أيضا على براءته من القبيح.
فأما البرهان الّذي رآه فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله له به في تلك الحال أو قبلها، اختار عنده الانصراف عن المعاصي، والتنزه عنها.
ويحتمل أيضا ما ذكره أبو عليّ، وهو أن يكون البرهان دلالة الله تعالى له على تحريم ذلك عليه، وعلى أنّ من فعله يستحق العقاب. وليس يجوز أن يكون البرهان ما ظنّه الجهّال من رؤية صورة أبيه يعقوبعليهالسلام متوعّدا له، أو النداء له بالزجر والتخويف، لأنّ ذلك ينافي المحنة، وينقض الغرض بالتكليف، ويقتضي ألاّ يستحق على امتناعه وانزجاره مدحا ولا ثوابا؛ وهذا سوء ثناء على الأنبياء، وإقدام على قرفهم بما لم يكن منهم، ونحمد الله على حسن التوفيق.
***
[أخبار متفرقة لإبراهيم بن العباس الصولي وذكر طائفة من شعره:]
روى أحمد بن عبد الله بن العباس الصولي الملقب بطماس قال: كنت يوما عند عمّي إبراهيم بن العباس(١) ، فدخل عليه رجل فرفعه حتى جلس إلى جانبه، أو قريبا من ذلك، ثم حادثه إلى أن قال عمي: ياأبا تمام؛ ومن بقي ممن يعتصم به ويلجأ إليه؟ قال: أنت لا عدمت - وكان إبراهيم طويلا - أنت والله كما قيل:
يمدّ نجاد السّيف حتّى كأنّه |
بأعلى سنامي فالج يتطوّح |
|
ويدلج في حاجات من هو نائم |
ويوري كريمات النّدى حين يقدح |
|
إذا اعتمّ بالبرد اليماني خلته |
هلالا بدا في جانب الأفق يلمح |
|
يزيد على فضل الرّجال فضيلة |
ويقصر عنه مدح من يتمدّح |
____________________
(١) هو أبو إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول، شاعر مجيد؛ توفي سنة ٢٤٣، وله ديوان شعر، نشره الأستاذ عبد العزيز الميمني؛ ضمن مجموعة الطرائف سنة ١٩٣٧ م (وانظر ترجمته في الأغاني (٢٠٩ - ٣٣، وابن خلكان ١: ٩ - ١١، ومعجم الأدباء، ١: ١٦٤ - ١٩٨، وتاريخ بغداد ٦: ١١٧).
فقال له إبراهيم: أنت تحسن قائلا، وراويا، ومتمثلا؛ فلما خرج تبعته وقلت له: اكتبني الأبيات، فقال: هي لأبي الجويرية العبدي(١) فخذها من شعره.
***
وروي عن يحيى بن البحتري قال: رأيت أبي يذاكر جماعة من أمراء أهل الشام بمعان من الشعر، فمرّ فيها ذكر قلة نوم العاشق وما قيل فيه، فأنشدوا إنشادات كثيرة، فقال لهم أبي: قد فرغ من هذا كاتب كان بالعراق فقال:
أحسب النوم حكاكا |
إذ رأى منك جفاكا(٢) |
|
منّي الصّبر ومنك ال |
هجر فابلغ بي مداكا |
|
بعدت همّة عين |
طمعت في أن تراكا |
|
أو ما خطّ لعيني |
أن ترى من قد رآكا |
|
ليت حظّي منك أن تع |
لم ما بي من هواكا |
قال أبي: إنه تصرّف في معان من الشعر في هذه الأبيات، قال: وكتبها عنه جماعة من حضر؛ والأبيات لإبراهيم بن العباس الصولي.
***
وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال: لما بايع المأمون لعلي ابن موسى الرّضاعليهماالسلام بالعهد، وأمر الناس بلبس الخضرة صار إليه دعبل(٣) بن علي
____________________
(١) اسمه عيسى بن أوس بن عصبة؛ أبو جويرية العبدي؛ شاعر محسن متمكن؛ ذكره الآمدي في المؤتلف والمختلف: ٧٩، والمرزباني في المعجم: ٢٥٨.
(٢) ديوان إبراهيم بن العباس: ١٤٨.
(٣) هو دعبل بن علي الخزاعي، شاعر مطبوع؛ كان هجاء خبيث اللسان؛ ولم يسلم من لسانه أحد ممن عاصره من الخلفاء والوزراء ولا من أولادهم وأولاد أولادهم؛ ولا ذو نباهة؛ أحسن إليه أو لم يحسن، وكان من مشاهير الشيعة؛ قال ياقوت (وقصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر وأسنى المدائح، قصد بها علي بن موسى الرضا بخراسان، فأعطاه عشرة آلاف درهم، وخلع عليه بردة من ثيابه، فأعطاه بها أهل قمّ ثلاثين ألف درهم فلم يبعها؛ فقطعوا عليه الطريق ليأخذوها فقال لهم: إنها تراد للّه -
وإبراهيم بن العباس الصولي - وكانا صديقين لا يفترقان، فأنشده دعبل:
مدارس آيات خلت من تلاوة |
ومنزل وحي مقفر العرصات(١) |
وأنشده إبراهيم بن العباس على مذهبها قصيدة، أولها:
أزالت عزاء القلب بعد التّجلّد |
مصارع أولاد النّبيّ محمّد |
قال: فوهب لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التي عليها اسمه، وكان المأمون أمر بضربها في ذلك الوقت؛ فأما دعبل بن عليّ فصار بالشّطر منها إلى قمّ، فاشترى أهلها منه كلّ درهم بعشرة، فباع حصته بمائة ألف درهم.
____________________
- عز وجل؛ وهي محرمة عليكم؛ فدفعوا له ثلاثين ألف درهم، فحلف ألا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه، فأعطوه كما واحدا؛ فكان في أكفانه؛ ويقال: إنه كتب القصيدة في ثوب وأحرم فيه؛ وأوصى بأن يكون في أكفانه، ونسخ هذه القصيدة مختلفة، في بعضها زيادات؛ يظن أنها مصنوعة)، وتوفي دعبل سنة ٢٤٦.
(وانظر ترجمته في معجم الأدباء ١١: ١٩: ١١٢، وابن خلكان ١: ١٧٩ - ١٨٠، والأغاني ١٨: ٢٩ - ٣٢، وتاريخ بغداد ٨: ٣٨٢).
(١) القصيدة في معجم الأدباء، وتنوير الأبصار: ١٤١، ١٤٢؛ ومطلعها فيه:
ذكرت محلّ الرّبع من عرفات |
وأجريت دمع العين بالعبرات |
|
وفكّ عرى صبري وهاجت صبابتي |
رسوم ديار أقفرت وعرات |
مدارس آيات ...
وفيها يقول:
ألم تر أني من ثلاثين حجة |
أروح وأغدو دائم الحسرات |
|
أرى فيئهم في غيرهم متقسّما |
وأيديهم من فيئهم صفرات |
|
فآل رسول الله نحف جسومهم |
وآل زياد حفّل القصرات |
|
بنات زياد في القصور مصونة |
وآل رسول الله في الفلوات |
|
إذا وتروا مدّوا إلى أهل وترهم |
أكفّا عن الأوتار منقبضات |
|
فلولا الّذي أرجوه في اليوم أو غد |
لقطّع قلبي إثرهم حسرات |
وأما إبراهيم بن العباس فلم يزل عنده بعضها حتى مات؛ قال الصولي: ولم أقف من قصيدة إبراهيم على غير هذا البيت.
قال: وكان السبب في ذهاب هذا الفن من شعره ما حدّثني به أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات والحسين بن عليّ الباقطاني(١) قالا: كان إبراهيم بن العباس صديقا لإسحاق بن إبراهيم أخي زيدان الكاتب المعروف بالزّمن، فأنسخه شعره في عليّ بن موسى الرّضاعليهماالسلام ، وقد انصرف من خراسان، ودفع إليه شيئا بخطّه منه، وكانت النّسخة عنده إلى أن ولي المتوكل، وولي إبراهيم بن العباس ديوان الضّياع، وقد كان تباعد ما بينه وبين أخي زيدان، فعزله عن ضياع كانت في يده بحلوان وغيرها وطالبه بمال وألحّ عليه، وأساء مطالبته، فدعا إسحاق بعض من يثق به من إخوانه، وقال له: امض إلى إبراهيم بن العباس، فأعلمه أنّ شعره في عليّ بن موسى بخطّه عندي، وبغير خطّه، والله لئن استمرّ على ظلمي(٢) ، ولم يزل عنّي المطالبة لأوصلنّ الشعر إلى المتوكل؛ قال: فصار الرجل إلى إبراهيم بن العباس، فأخبره بذلك، فاضطرب اضطرابا شديدا، وجعل الأمر في ذلك إلى الواسطة في ذلك حتى أسقط جميع ما كان طالبه به، وأخذ الشعر منه، وأحلفه أنه لم يبق عنده منه شيء، فلما حصل عنده أحرقه بحضرته.
وذكر أبو أحمد يحيى بن عليّ المنجم أنّ أباه عليّ بن يحيى كان الواسطة بينهما.
قال الصولي: وما عرفت من شعر إبراهيم في هذا المعنى شيئا إلاّ أبياتا؛ وجدتها بخط أبي قال: أنشدني أخي لعمه في عليّ بن موسى من قصيدة:
كفى بفعال امرئ عالم |
على أهله عادلا شاهدا(٣) |
|
أرى لهم طارفا مونقا |
ولا يشبه الطّارف التالدا |
|
يمنّ عليكم بأموالكم |
وتعطون من مائة واحدا |
____________________
(١) حاشية الأصل: الباقطان: قرية بالعراق، والنسبة إليها باقطاني؛ وثم أيضا قرية يقال لها باقطينا؛ والنسبة إليها باقطيني.
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (ظلمه).
(٣) ديوانه: ١٧٢، ومن نسخة بحاشية الأصل: (على قومه عادلا).
فلا حمد الله مستنصرا(١) |
يكون لأعدائكم حامدا |
|
فضلت قسيمك في قعدد(٢) |
كما فضل الوالد الوالدا |
قال الصولي: فنظرت في قوله:
* فضلت قسيمك في قعدد*
فوجدت عليّ بن موسىعليهماالسلام والمأمون متساويين في قعدد النسب، وهاشم التاسع من آبائهما جميعا.
وروى الصولي أنّ منشدا أنشد إبراهيم بن العباس وهو في مجلسه في ديوان الضّياع:
ربّما تكره النفوس من الأمـ |
ر له فرجة كحلّ العقال(٣) |
قال: فنكت بقلمه ساعة ثم قال:
ولربّ نازلة يضيق بها الفتى |
ذرعا وعند الله منها مخرج(٤) |
|
كملت فلما استحكمت حلقاتها |
فرجت وكان يظنّها لا تفرج |
فعجب من جودة بديهته.
وأخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني القاسم بن إسماعيل أبو ذكوان الراوية قال: كنت بالأهواز أيام الواثق، وإبراهيم بن العباس يلي معونتها وخراجها، فوصفت له بالأدب فأمر بإحضاري، فلما دخلت عليه قرّب مجلسي وقال: تسلّف(٥) أنس المطاولة؛ فإن الاستمتاع لا يتمّ إلاّ به، فانبسطت وتساءلنا عن الأشعار، فما رأيت أحدا قطّ أعلم بالشعر منه، فقال لي: ما عندك في قول النابغة:
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة):* فلا حمد الله مستبصر*
(٢) حاشية الأصل: (في قعدد) تتعلق بقسيمك، والقعدد: الأقرب إلى الأب الأكبر، وفلان أقعد من فلان نسبا إذا كان أقرب إلى الأب الأكبر.
(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت؛ وهو في شعراء النصرانية: ٢٠٣، واللسان (فرج). والفرجة؛ بالفتح مصدر؛ وبالضم اسم، والرواية بالفتح.
(٤) ديوانه: ١٧١.
(٥) حاشية الأصل: تسلف؛ أي خذه سلفا؛ يعني أنك ستنبسط إلى بعد المطاولة؛ فخذ ذلك سلفا وانبسط).
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة |
ترى كلّ ملك دونها يتذبذب(١) |
|
فإنك شمس والملوك كواكب |
إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب |
فقلت: أراد تفضيله على الملوك، فقال: صدقت، ولكن في الشعر خب ء(٢) ، وهو أنه اعتذر إلى النعمان من ذهابه إلى آل جفنة إلى الشام، ومدحه لهم، وقال: إنما فعلت هذا لجفائك بي، فإذا صلحت لي لم أرد غيرك، كما أنّ من أضاءت له الشمس لم يحتج إلى ضوء الكواكب؛ فأتى بمعنيين: بهذا، وبتفضيله، قال: فاستحسنت ذلك منه.
وكان إبراهيم بن العباس من أصدق الناس لأحمد بن أبي دؤاد، فعتب على ابنه أبي الوليد من شيء قدّمه، ومدح أباه وأحسن في التخلّص كلّ الإحسان فقال:
عفّت مساو تبدّت منك واضحة |
على محاسن بقّاها أبوك لكا(٣) |
|
لئن تقدّم أبناء الكرام به |
لقد تقدّم أبناء اللّئام بكا |
ولإبراهيم:
تمرّ الصّبا صفحا بساكن ذي الغضا |
ويصدع قلبي أن يهبّ هبوبها(٤) |
|
قريبة عهد بالحبيب وإنما |
هوى كلّ نفس حيث كان حبيبها |
|
تطلّع من نفسي إليك نوازع |
عوارف أنّ اليأس منك نصيبها |
وأخذ هذا من قول ذي الرّمة:
إذا هبّت الأرواح من نحو جانب |
به آل مي هاج شوقي هبوبها(٥) |
|
هوى تذرف العينان منه، وإنما |
هوى كلّ نفس حيث كان حبيبها |
ولإبراهيم:
دنت بأناس عن تناء زيارة |
وشطّ بليلى عن دنوّ مزارها(٦) |
|
وإنّ مقيمات بمنقطع اللّوى |
لأقرب من ليلى وهاتيك دارها |
____________________
(١) ديوانه: ١٣.
(٢) الخبء: ما خبىء واستتر، كالخبيء.
(٣) ديوانه: ١٦٢.
(٤) ديوانه: ١٣٩.
(٥) ديوانه: ٦٥ - ٦٦.
(٦) ديوانه: ١٤٥، وفي حاشية الأصل: (يروى البيتان لمحمد بن عبد الملك الزيات).
وأخذ ذلك من قول النظار الفقعسيّ:
يقولون هذي أم عمرو قريبة |
دنت بك أرض نحوها وسماء |
|
ألا إنّما بعد الحبيب وقربه |
إذا هو لم يوصل إليه سواء |
ووجدت بعض أهل الأدب يظنّ أن إبراهيم بن العباس سبق إلى هذا المعنى في قوله:
كن كيف شئت وأنّى تشا |
وأبرق يمينا وأرعد شمالا(١) |
|
نجا بك لؤمك منجى الذّباب |
حمته مقاذيره أن ينالا(٢) |
حتى رأيت مسلم بن الوليد قد سبق إلى هذا المعنى، فأحسن غاية الإحسان فقال:
أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه |
والمدح عنك كما علمت جليل(٣) |
|
فاذهب فأنت طليق عرضك إنّه |
عرض عززت به وأنت ذليل |
____________________
(١) ديوانه: ١٦٣.
(٢) من نسخة بحاشية الأصل: (مقاذره).
(٣) ملحقات ديوانه: ٢٤٢.
[٣٧]
مجلس آخر [المجلس السابع والثلاثون:]
تأويل آية:( قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن يوسفعليهالسلام :( قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) ، [يوسف: ٣٣].
فقال: إذا كانت المحبة عندكم هي الإرادة، فهذا تصريح من يوسفعليهالسلام بإرادة المعصية؛ لأن حبسه في السجن، وقطعه عن التصرف معصية من فاعله؛ وقبيح من المقدم عليه؛ وهو في القبح يجري مجرى ما دعى إليه من الزنا. وقوله من بعد:( وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ ) يدل على أنّ امتناعه من القبيح(١) مشروط بمنعهنّ وصرفهنّ(١) عن كيده؛ وهذا بخلاف مذهبكم، لأنكم تذهبون إلى أنّ ذلك لا يقع منه؛ صرف النّسوة عن كيده، أو لم يصرفهنّ.
الجواب، قلنا: أما قوله:( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) ففيه وجهان من التأويل:
أولهما أنّ المحبّة متعلقة في ظاهر الكلام بما لا يصحّ في الحقيقة أن يكون محبوبا مرادا؛ لأنّ السجن إنما هو الجسم، والأجسام لا يجوز أن يريدها؛ وإنما يريد الفعل فيها، أو المتعلّق بها؛ والسجن نفسه(٢) ليس بطاعة ولا معصية، وإنما الأفعال فيه قد تكون طاعات ومعاصي بحسب الوجوه التي يقع عليها؛ وإدخال القوم يوسفعليهالسلام الحبس، أو إكراههم له على دخوله معصية منهم؛ وكونه فيه وصبره على ملازمته، والمشاقّ التي تناله باستيطانه طاعة منه وقربة، وقد علمنا أنّ ظالما لو أكره مؤمنا على ملازمة بعض المواضع، وترك
____________________
(١ - ١) د، ف: (مشروط بمنعهم وصرفهم).
(٢) حاشية ف (من نسخة): (وحده).
التصرّف في غيره لكان فعل المكره حسنا، وإن كان فعل المكره قبيحا. وهذه الجملة تبيّن ألاّ ظاهر في الآية(١) يقتضي ما عنده؛ وأنه لا بدّ من تقدير محذوف يتعلق بالسّجن؛ وليس لهم أن يقدّروا ما يرجع إلى الحابس من الأفعال؛ إلاّ ولنا أن نقدّر ما يرجع إلى المحبوس؛ وإذا احتمل الكلام الأمرين، ودلّ الدليل على أنّ النبيعليهالسلام لا يجوز أن يريد المعاصي والقبائح اختصّ المحذوف المقدّر بما يرجع إليه مما ذكرناه، وذلك طاعة لا لوم على مريده ومحبّه.
فإن قيل: كيف يجوز أن يقول:( السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) ، وهو لا يحبّ ما دعوه جملة؛ ومن شأن هذه اللفظة أن تدخل بين ما وقع(٢) فيه اشتراك في معناها؛ وإن فضّل البعض على البعض؟
قلنا: قد تستعمل هذه اللفظة في مثل هذا الموضع؛ وإن لم يكن في معناها اشتراك على الحقيقة، ألا ترى أنّ من خيّر بين ما يحبه وما يكرهه جائز أن يقول: هذا أحبّ إلي من هذا، وإن لم يجز مبتدئا أن يقول من غير أن يخيّر: هذا أحبّ إلي من هذا، إذا كان لا يحبّ أحدهما جملة!
وإنما يسوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر؛ من حيث كان المخيّر بين الشيئين لا يخيّر بينهما إلاّ وهما مرادان له، أو مما يصحّ أن يريدهما، فموضوع التخيير يقتضي ذلك، وإن حصل فيما ليس هذه صفته، والمجيب على(٣) هذا متى قال: كذا أحبّ إلي من كذا كان مجيبا على ما يقتضيه موضوع التخيير، وإن لم يكن الأمران يشتركان في تناول محبته.
وما يقارب ذلك قوله تعالى:( قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ ) ؛ [الفرقان: ١٥]، ونحن نعلم ألاّ خير في العقاب؛ وإنما حسن ذلك لوقوعه موقع التوبيخ والتقريع على اختيار
____________________
(١) حاشية ف (من نسخة): (للآية).
(٢) حاشية ف (من نسخة): (يقع).
(٣) حاشية ف (من نسخة): (عن هذا).
المعاصي على الطاعات، وأنهم ما ركبوا المعاصي وآثروها على الطاعات إلاّ لاعتقادهم(١) أنّ فيها خيرا ونفعا، فقيل: أذلك خير على ما تظنونه وتعتقدونه، أم كذا وكذا؟
وقد قال قوم في قوله تعالى:( أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ ) إنما حسن ذلك لاشتراك الحالين في باب المنزلة، وإن لم يشتركا في الخير والنفع، كما قال تعالى:( خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) ؛ [الفرقان: ٢٤]، ومثل هذا يتأتّى في قوله تعالى:( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَ ) لأنّ الأمرين - يعني المعصية ودخول السجن - مشتركان في أنّ لكل منهما داعيا، وعليه باعثا، وإن لم يشتركا في تناول المحبة، فجعل اشتراكهما في داعي المحبة اشتراكا في المحبة نفسها وأجرى اللّفظ على ذلك.
ومن قرأ هذه الآية بفتح السين فالتأويل أيضا ما ذكرناه؛ لأن (السّجن) المصدر، فيحتمل أن يريد: أنّ سجني لهم نفسي، وصبري على حبسهم أحبّ إلي من مواقعة المعصية؛ ولا يرجع بالسجن إلى فعلهم بل إلى فعله.
والوجه الثاني أن يكون معنى( أَحَبُّ إِلي ) أي أهون عندي وأسهل عليّ؛ وهذا كما يقال لأحدنا في الأمرين يكرههما معا: إن فعلت كذا وإلا فعل بك كذا وكذا؛ فيقول: بل كذا أحبّ إلي، أي بمعنى أسهل وأخفّ، وإن كان لا يريد واحدا منهما؛ وعلى هذا الجواب لا يمتنع أن يكون إنما عنى فعلهم به دون فعله، لأنه لم يخبر عن نفسه بالمحبة التي هي الإرادة؛ وإنما وضع أَحَبُ موضع أخف، والمعصية قد تكون أهون وأخفّ من أخرى.
وأما قوله:( وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ ) فليس المعنى فيه على ما ظنّه السائل؛ بل المراد: متى لم تلطف لي ممّا يدعوني إلى مجانبة المعصية، ويثنيني إلى تركها ومفارقتها صبوت؛ وهذا منهعليهالسلام على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، والتسليم لأمره، وأنه لولا معونته ولطفه ما نجا من كيدهنّ؛ ولا شبهة في أن النبيعليهالسلام إنما يكون
____________________
(١) حاشية ف (من نسخة): (لاعتقادتهم).
معصوما من القبائح بعصمة الله تعالى له وبلطفه وتوفيقه.
فإن قيل: الظاهر خلاف ذلك لأنه قال:( وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَ ) فيجب أن يكون المراد ما يمنعهم من الكيد ويرفعه؛ والّذي ذكرتموه من انصرافه عن المعصية لا يقتضي ارتفاع الكيد والانصراف عنه.
قلنا: معنى الكلام: وإلا تصرف عنى ضرر كيدهنّ والغرض به؛ لأنهنّ إنما أجرين بكيدهنّ إلى مساعدته لهنّ على المعصية، فإذا عصم منها ولطف له في الانصراف عنها؛ فكأنّ الكيد قد انصرف عنه ولم يقع به، من حيث لم يقع ضرره وما أجرى به إليه، ولهذا يقال لمن أجرى بكلامه إلى غرض لم يقع: ما قلت شيئا، ولمن فعل ما لا تأثير له: ما فعلت شيئا، وهذا بيّن بحمد الله ومنّه.
تأويل خبر [: (من يتّبع المشمعة يشمّع الله به) ]
إن سأل سائل عن تأويل الخبر الّذي يرويه عقبة بن عامر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال في خطبة طويلة خطبها: (من يتّبع المشمعة يشمّع الله به).
والجواب، إن المشمعة هي الضّحك والمزاح واللعب، يقال: شمع الرّجل يشمع شموعا، وامرأة شموع إذا كانت كثيرة المزاح والضّحك: قال أبو ذؤيب يصف الحمير:
بقرار قيعان سقاها وابل |
واه فأثجم برهة لا يقلع(١) |
|
فلبثن حينا يعتلجن بروضة |
فيجدّ حينا في العلاج ويشمع(٢) |
أراد أنّ هذا الحمار الّذي وصف حاله مع الأتن، وأنه معهنّ في بعض القيعان يعارك هذه الأتن.
____________________
(١) ديوان الهذليين ١: ٥ القرار: مستقر الماء. والقيعان: مناقع الماء في حر الطين؛ وفي حاشيتي الأصل، ف: (سقاها، أي سقى القيعان واه؛ أي سحاب كثير المطر؛ وهذه استعارة؛ أي كأن هذا السحاب ضعيف فينهل عنه الماء انهلالا. وأثجم: أقام برهة؛ أي مدة من الزمان لا يقلع ولا يذهب).
(٢) حاشية الأصل: (يروى، (بروضه)، والضمير للعير الّذي يصفه، أو للقرار، أو للوابل).
ومعنى (يعتلجن) يعاضّ بعضها بعضا، ويترامحن من النشاط فيجدّ الفحل معهنّ مرّة، وأخرى يأخذ معهنّ في اللعب فيشمع، وفي يجدّ لغتان: يجد ويجدّ، والمفتوح لغة هذيل؛ ويقال فلان جادّ مجدّ على اللغتين معا.
وقيل إن معنى يشمع الحمار أنه يتشمّع، ثم يرفع رأسه فيكشّر عن أسنانه، فجعل ذلك بمنزلة الضحك، قال الشّماخ:
ولو أنّي أشاء كننت نفسي |
إلى لبّات بهكنة شموع(١) |
وقال المتنخل الهذلي:
ولا والله نادى الحي ضيفي |
هدوءا بالمساءة والعلاط(٢) |
|
سأبدؤهم بمشمعة وأثني |
بجهدي من طعام أو بساط |
أراد بقوله (نادى الحي ضيفي) أي لا ينادونه، من النداء بالسوء والمكروه ولا يتلقونه بما لا يؤثر. والعلاط: من أعلطه واعتلط به؛ إذا خاصمه وشاغبه ووسمه بالشر؛ وأصله من علاط البعير، وهو وسم في عنقه.
وقيل إن معنى (نادى الحي) من النادي؛ أي لا يجالسونه بالمكروه والسوء.
ومعنى (سأبدؤهم بمشمعة) أي بلعب وضحك، لأن ذلك من علامات الكرم والسرور بالضيف، والقصد إلى إيناسه وبسطه، ومنه قول الآخر:
وربّ ضيف طرق الحي سرى |
صادف زادا وحديثا ما اشتهى |
إنّ الحديث جانب من القرى(٣)
وروى الأصمعي عن خلف الأحمر قال: سنّة الأعراب أنهم إذا حدّثوا الرجل الغريب
____________________
(١) ديوانه: ١٧؛ وروايته: (هيكلة)؛ وهي الضخمة. وكننت نفسي: سترتها. ولبات:
جمع لبة؛ هي موضع القلادة؛ والبهكنة: الغضة الحسنة الخلق.
(٢) ديوان الهذليين ٢: ٢١.
(٣) الأبيات للشماخ يقولها في عبد الله بن جعفر، وقبلها:
إنّك ياابن جعفر نعم الفتى |
ونعم مأوى طارق إذا أتى |
وانظر الأغاني ٩: ١٦٨ (طبع دار الكتب المصرية).
وهشّوا إليه ومازحوه أيقن بالقرى، وإذا أعرضوا عنه عرف الحرمان.
ومعنى: (أثنى* بجهدى من طعام أو بساط)، أي أتبع ذلك بهذا.
ومعنى الخبر على هذا أنّ من كان من شأنه العبث بالناس والاستهزاء بهم، والضحك منهم أصاره الله تعالى إلى حالة يعبث به فيها، ويستهزئ أمنه.
ويقارب هذا الحديث من وجه حديث آخر؛ وهو ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآله : (من يسمّع الناس بعمله يسمّع الله به)؛ والمعنى: من يرائي(١) بأعماله ويظهرها تقربا إلى الناس واتخاذا للمنازل عندهم؛ يشهره(٢) الله بالرياء ويفضحه ويهتكه.
ويمكن أيضا في الخبر الأول وجه آخر لم يذكر فيه؛ وهو أن من عادة العرب أن يسمّوا الجزاء على الشيء باسمه؛ ولذلك نظائر في القرآن وأشعار العرب كثيرة مشهورة، فلا ينكر أن يكون المعنى: من يتّبع اللهو بالناس، والاستهزاء بهم يعاقبه الله تعالى على ذلك ويجازيه؛ فسمى الجزاء على الفعل باسمه؛ وهذا الوجه أيضا ممكن في الخبر الثاني.
***
[خبر الأصمعي مع عجوز في سوق ضريّة حينما أنشدها شعر بشر بن عبد الرحمن:]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال: إني لفي سوق ضريّة(٣) ، وقد نزلت على رجل من بني كلاب كان متزوجا بالبصرة، وكان له ابن بضريّة، إذ أقبلت عجوز على ناقة لها، حسنة البزّة، فيها بقايا جمال، فأناخت وعقلت ناقتها، وأقبلت تتوكّأ على محجن(٤) لها فجلست قريبا منّا، وقالت: هل من منشد؟ فقلت للكلابي: أيحضرك شيء؟ قال: لا، قال: فأنشدتها شعر البشر بن عبد الرحمن الأنصاري:
وقصيرة الأيام ودّ جليسها |
لو باع مجلسها بفقد حميم(٥) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (من يراء).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (يشهره)، بالجزم.
(٣) ضرية: قرية بنجد في طريق مكة من البصرة.
(٤) المحجن: عصا معوجة معقفة الرأس؛ في رأسها حديدة كالمعلاق.
(٥) الأبيات في الحماسة - بشرح التبريزي ٣: ٣٠١، وأمالي القالي. ١: ٢٠٣، من غير عزو مع اختلاف في الترتيب. والبيت الأول منها في اللسان (ردع) منسوب إلى قيس بن معاذ مجنون بني عامر. وفي الحماسة: (لو نال مجلسها)، وفي أمالي القالي: (لو دام مجلسها).
(١) من محذيات أخي الهوى غصص الجوى(١) |
بدلال غانية ومقلة ريم |
|
صفراء من بقر الجواء كأنما |
خفر الحياء بها رداع سقيم(٢) |
قال: فجثت على ركبتيها وأقبلت تحرش(٣) الأرض بمحجنها، وأنشأت تقول(٤) :
قفي ياأميم القلب(٥) نقرأ تحيّة |
ونشك الهوى، ثم افعلي ما بدا لك(٦) |
|
فلو قلت: طأ في النار أعلم أنّه(٧) |
هوى لك، أو مدن لنا من وصالك |
|
لقدّمت رجلي نحوها فوطئتها |
(٨) هدى منك لي، أو ضلّة من ضلالك(٨) (٩) |
|
سلي البانة العليا من الأجرع(٩) الّذي |
به البان:(١٠) هل حيّيت أطلال دارك(١٠) |
|
وهل قمت في أطلالهنّ عشيّة |
(١١) مقام سقيم القلب(١١) ، واخترت ذلك |
____________________
(١ - ١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف:
* من محذيات أخي الأسى غصص الهوى*
(٢) الجواء: موضع بعمان.
(٣) تحرش: تضرب عليها؛ من حرش الضب، والحرش كالخرش وهو الخدش.
(٤) الأبيات لابن الدمينة؛ ديوانه: ١٥، وأمالي الزجاجي ١١٠ عن ابن الأعرابي، وأمالي القالي ٢: ٣٣ عن ابن دريد، ومعاهد التنصيص ١: ١٥٩؛ وهي أيضا في الحماسة - بشرح التبريزي ٣: ٢٦٣، من غير عزو.
(٥) حاشية الأصل: (أضافها إلى القلب كرامة لها وإعجابا بها).
(٦) في حاشيتي الأصل ف: (الأحسن أن يقال: (بدا لك) بكسر اللام لتتوازن القوافي، والعلة فيه مجاورة كسرة الكاف كقراءة من قرأ:( مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ ) ، وكقوله تعالى:( عِتِيًّا، وصِلِيًّا ) .
(٧) حاشية الأصل (من نسخة): (أنها).
(٨ - ٨) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف:
* سرورا لأني قد خطرت ببالك*
(٩ - ٩) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (سلي البانة الغيناء بالأجرع)، وهي رواية الحماسة. والغيناء: الشجرة العظيمة الواسعة الظل. والأجرع: السهل المختلط بالرمل.
(١٠ - ١٠) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (هل حييت أظلال ضالك)، والضال: شجر.
(١١ - ١١) من نسخة بحاشية الأصل، ف: (قيام سقيم البال).
ليهنئك(١) إمساكي بكفّي على الحشا |
ورقراق عيني(٢) رهبة من زيالك(٣) |
قال الأصمعي: فأظلمت والله عليّ الدنيا بحلاوة منطقها، وفصاحة لهجتها؛ فدنوت منها فقلت: نشدتك الله لما زوّدتني(٤) من هذا! فرأيت الضحك في عينها، وأنشدت:
ومستخفيات ليس يخفين زرننا |
يسحّبن(٥) أذيال الصّبابة والشّكل(٦) |
|
جمعن(٧) الهوى حتّى إذا ما ملكنه |
نزعن، وقد أكثرن فينا من القتل |
مريضات رجع القول(٨) خرس عن الخنا
تألّفن أهواء القلوب بلا بذل
موارق من ختل المحبّ، عواطف |
بختل ذوي الألباب بالجدّ والهزل(٩) |
|
يعنّفني العذّال فيهنّ، والهوى |
يحذّرني من أن أطيع ذوي العذل |
أما قول الأنصاري (وقصيرة الأيام) فأراد بذلك أنّ السرور يتكامل بحضورها لحسنها وطيب حديثها فتقصر أيام جليسها، لأن أيام السرور وموصوفة بالقصر.
ويمكن أن يريد بقصيرة الأيام أيضا حداثة سنّها وقرب عهد مولدها؛ وإن كان الأول أشبه بما أتى في آخر البيت.
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (ليهنك)؛ وهي رواية الحماسة.
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (ورقراق دمع).
(٣) بعد هذا البيت في ف:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة |
لقد سرني أنّي خطرت ببالك |
وهو أيضا في حاشية الأصل.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (زودتيني) ومن نسخة أخرى. (زدتني).
(٥) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (ويسحبن).
(٦) الأبيات في أمالي القالي ٢: ٢٨٧ غير منسوبة
(٧) من نسخة بحاشيتي. الأصل: (بلغن).
(٨) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (الطرف).
(٩) في حاشيتي الأصل، ف: (أي لا يختلهن المحب، بل يختلن ذوي الألباب).
ومعنى:
* لو باع مجلسها بفقد حميم*
أي ابتاعه، وهذا اللفظ من الأضداد؛ لأنه يستعمل في البائع والمشتري معا، قال الفراء:
سمعت أعرابيا يقول: بع لي تمرا بدرهم، أي اشتر لي تمرا بدرهم، وقال الشاعر:
فيا عزّ ليت النأي إذ حال بيننا |
وبينك باع الودّ لي منك تاجر(١) |
أي ابتاع.
وقوله: (من محذيات أخي الهوى) أي من معطيات، يقال: أحذيت الرجل من العطية(٢) والغنيمة أحذيه إذا أعطيته، والاسم الحذيّة والحذوة والحذيا؛ كل ذلك العطية.
وقوله:
* كأنما خفر الحياء بها رداع سقيم*
فالرّداع هو الوجع في الجسد؛ فكأنه أراد أنها منقبضة منكسرة من الحياء كالسقيم، أو يريد تغيّر لونها وصفرتها(٣) كما يتغير لون السقيم؛ ويجري ذلك مجرى قول ليلى الأخيلية:
ومخرّق عنه القميص تخاله |
بين البيوت من الحياء سقيما(٤) |
***
أخبرنا المرزباني قال حدّثنا أبو عبد الله الحكيمي قال حدثني ميمون بن هارون الكاتب قال: حدثنا ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: لقيت أعرابيا بالبادية فاسترشدته إلى مكان، فأرشدني وأنشدني:
____________________
(١) البيت لكثير؛ وهي ق ديوانه ١: ٩١.
(٢) ساقطة من م.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (صفرته).
(٤) من أبيات في الحماسة - يشرح التبريزي ٤: ١٥٥؛ والعيني ٢: ٤٧، وأمالي القالي ١: ٢٤٨ وفي م بعد هذا البيت:
حتّى إذا خفق اللواء رأيته |
تحت اللواء على الخميس زعيما |
حتّى إذا خفق اللواء رأيته |
تحت اللواء على الخميس زعيما |
|
ليس العمى طول السّؤال وإنما |
تمام العمى طول السّكوت على الجهل |
ثم رجعت إلى البصرة فمكثت بها حينا، ثم قدمت البادية، فإذا بالأعرابي جالسا بين ظهراني قوم؛ وهو يقضي بينهم، فما رأيت قضية أخطأت قضية الصالحين من قضيّته؛ فجلست إليه، فقلت: يرحمك! الله أما من رشوة؟ أما من هدية؟ أما من صلة؟ فقال: لا إذا جاء هذا ذهب التوفيق؛ فشكوت إليه ما ألقى من عذل حليلة لي إياي في طلب المعيشة، فقال: لست فيها بأوحد، وإني لشريكك، ولقد قلت في ذلك شعرا، فقلت: أنشدنيه، فأنشدني:
باتت تعيّرني الإقتار والعدما |
لمّا رأت لأخيها المال والخدما |
|
عنف لرأيك! ما الأرزاق من جلد، |
ولا من العجز؛ بل مقسومة قسما |
|
يا أمة الله إنّي لم أدع طلبا |
للرّزق - قد تعلمين - الشّرق والشأما |
|
وكلّ(١) ذلك بالإجمال في طلب |
لم أرد عرضا، ولم أسفك لذاك دما |
|
لو كان من جلد ذا المال أو أدب |
لكنت أكثر من نمل القرى نعما |
|
ارضى من العيش ما لم تحوجي معه |
أن تفتحي لسؤال الأغنياء فما |
|
واستشعري الصّبر علّ الله خالقنا |
يوما سيكشف عنّا الفقر والعدما(٢) |
|
لا تحوجيني(٣) إلى ما لو بذلت له |
نفسي لأعقبك التّهمام والنّدما |
|
بالله سرّك أنّ الله خوّلني |
ما كان خوّله الأعراب والعجما |
|
ما سرّني أنّني خوّلت ذاك ولا |
ألاّ أقول لباغي حاجة نعما |
|
وأنني لم أحز(٤) عقلا ولا أدبا |
ولم أرث والدي مجدا ولا كرما |
|
فعسرة المرء(٥) أحرى في معاشك من |
أمر يجرّ عليك الهمّ والألما |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (فكل).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (الضر والعدما).
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (لا تحوجني) مع نون التوكيد
(٤) حاشيتي الأصل (من نسخة): (لم أفد عقلا).
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (فعسرة المال).
قال: فو الله ما أنشدتها حتى حلفت ألاّ تعذلني أبدا.
***
[خبر الأصمعي مع شاب بدوي فصيح من بني عامر واستنشاده الشعر:]
حدثنا عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال: رأيت بقباء شابا من بني عامر؛ فما رأيت بدويا أفصح منه، ولا أظرف؛ فو الله لكأنه شواظ يتلظّى، فاستنشدته فأنشدني:
فلم أنسكم يوم اللّوى إذ تعرّضت |
لنا أمّ طفل خاذلا قد تخلّت(١) |
|
وقالت سأنسيك العشيّة ما مضى |
وأصرف منك النّفس عمّا أجنّت(٢) |
|
فما(٣) فعلت - لا والّذي أنا عبده - |
على ما بدا من حسنها إذ أدلّت |
|
أبت سابقات الحبّ إلاّ مقرّها |
إليك، وما تثنى إذا ما استقرّت |
|
هواك الّذي في النّفس أمسى دخيلها |
عليه انطوت أحشاؤها واستمرّت |
وأنشدني أيضا:
ديار للّتي طرقتك وهنا |
بريّا روضة وذكاء رند(٤) |
|
تسائلني وأصحابي هجود |
وتثني عطفها من غير صدّ |
|
فلمّا أن شكوت الحبّ قالت: |
فإنّي فوق وجدك كان وجدي |
|
ولكن حال دونك ذو شذاة |
أسرّ بفقده ويهرّ فقدي(٥) |
***
[خبر الأصمعي مع إسماعيل بن عمار الأعرابي:]
وبهذا الإسناد عن الأصمعي قال: قعدت إلى أعرابي يقال له إسماعيل بن عمار، وإذا هو يفتل أصابعه ويتلهف، فقلت له: علام تتلهف؟ فأنشأ يقول:
عيناي مشئومتان ويحهما! |
والقلب حيران(٦) مبتلى بهما |
____________________
(١) الخاذل من الظباء: التي تتخلف عن صواحبها.
(٢) حاشية الأصل: (أي أصرف نفسي عنك عما أجنته). (٣) حاشية الأصل (من نسخة): (فلا فعلت).
(٤) الدهن: الليل ساعة يدبر. والرند: شجر طيب الرائحة.
(٥) الشذاة: الحدة، ويهر: يكره. (٦) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (حران).
عرّفتاه الهوى بظلمهما |
ياليتني قبلها عدمتهما |
|
هما إلى الحين قادتا وهما |
دلّ على ما أجنّ دمعهما |
|
سأعذر القلب في هواه فما |
سبّب هذا البلاء غيرهما |
***
[خبر الأصمعي حين سافر إلى البصرة؛ وسماعه لشعر استحسنه ورواه:]
وبهذا(١) الإسناد عن الأصمعي قال: نزلت ذات ليلة في وادي بني العنبر، وهو إذ ذاك معان(٢) بأهله - أي آهل - فإذا فتية يريدون البصرة؛ فأحببت صحبتهم، فأقمت ليلتي تلك عليهم؛ وإنّي لوصب محموم؛ أخاف ألاّ أستمسك على راحلتي؛ فلمّا أقاموا ليرحلوا أيقظوني؛ فلما رأوا حالي رحلوا وحملوني؛ وركب أحدهم ورائي يمسكني؛ فلما أمعن السير تنادوا ألا فتى يحدو بنا أو ينشدنا! فإذا منشد في سواد الليل بصوت ند حزين ينشد:
لعمرك إنّي يوم بانوا فلم أمت |
خفاتا على آثارهم لصبور |
|
غداة المنقّى إذ رميت بنظرة |
ونحن على متن الطّريق نسير(٣) |
|
فقلت لقلبي حين خفّ به الهوى |
وكاد من الوجد المُئنّ يطير(٤) |
|
فهذا ولما تمض للبين ليلة |
فكيف إذا مرّت عليه شهور |
|
وأصبح أعلام الأحبة دونها |
من الأرض غول نازح ومسير |
|
وأصبحت نجدي الهوى متهم الثوى |
أزيد اشتياقا أن يحنّ بعير |
|
عسى الله بعد النأي أن يسعف النّوى |
ويجمع شمل بعدها وسرور |
قال: فسكنت والله الحمّى عنّي، حتى ما أحسّ بها، فقلت لرفيقي: انزل رحمك الله إلى راحلتك، فإني متماسك؛ وجزاك الله عن حسن الصّحبة خيرا.
***
____________________
(١) الخبر والأبيات في حماسة ابن الشجري ١٦١ - ١٦٢ بروايته عن ابن قدامة عن المرتضى، وهو أيضا في أمالي القالي ٢: ٢٦٧ بروايته عن ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه.
(٢) في ابن الشجري: (مغان آهلة).
(٣) المنقى: موضع بين أحد والمدينة.
(٤) المُئنّ: اللازم المقيم، وفي س: (المبر).
[خبر الأصمعي مع أحد الطفيليين وما ورد في ذلك من الشعر:]
أخبرنا المرزباني قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال حدّثني بعض أصحابنا عن الأصمعي قال: كان(١) بالبصرة أعرابي من بني تميم؛ يتطفّل على الناس، فعاتبته على ذلك فقال: والله ما بنيت المنازل إلاّ لتدخل، ولا وضع الطعام إلاّ ليؤكل؛ وما قدّمت هدية فأتوقّع رسولا؛ وما أكره أن أكون ثقلا ثقيلا على من أراه شحيحا بخيلا؛ أتقحم عليه مستأنسا، فأضحك إن رأيته عابسا، فآكل برغمه، وأدعه بغمّه؛ وما اخترق اللهوات طعام أطيب من طعام لا ينفق فيه درهم، ولا يعنّى إليه خادم، ثمّ أنشد:
كلّ يوم أدور في عرصة الحـ |
ـي أشمّ القتار شمّ الذّئاب(٢) |
|
فإذا ما رأيت آثار عرس |
أو ختان أو مجمع الأصحاب(٣) |
|
لم أروّع دون التّقحّم لا أر |
هب دفعا ولكزة البوّاب(٤) |
|
مستهينا بما هجمت عليه |
غير مستأذن، ولا هيّاب |
|
فتراني ألفّ بالرغم منهم |
كلّ ما قدموه لفّ العقاب(٥) |
|
ذاك أدني من التّكلّف والغر |
م وغيظ البقّال والقصّاب(٦) |
____________________
(١) الخبر في التطفيل للخطيب البغدادي ٧٣ - ٧٤ يرويه عن الحسن بن أبي القاسم عن أبي الفرج عن جعفر بن قدامة عن أبي هفان.
(٢) في التطفيل: (عرصة الباب)، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (شم الذباب).
(٣) في التطفيل: (أو دعوة لصحاب).
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (لم أورع)، ورواية الخطيب في هذا البيت وتاليه:
لم أعرّج دون التقحّم فيها |
غير مستأذن ولا هيّاب |
|
مستخفّا بمن دخلت عليه |
لست أخشى تجهّم البواب |
(٥) رواية البيت في حاشيتي الأصل (من نسخة):
فتراني ألفّ ما قدّم القو |
م على رغمهم كلف العقاب |
(٦) زاد الخطيب بعد هذا البيت:
قابل إن جرى عليّ امتهان |
في سبيل الحلواء والجوذاب |
[٣٨]
مجلس آخر [المجلس الثامن والثلاثون:]
تأويل آية:( وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ. قالَ يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) ؛ [هود: ٤٥، ٤٦].
فقال: ظاهر قوله تعالى:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) يقتضي تكذيب قوله:( إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) والنبي لا يجوز عليه الكذب، فما الوجه في ذلك؟ وكيف يصحّ أن يخبر عن ابنه بأنه( عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) ؟ وما المراد به؟
الجواب، قلنا: في هذه الآية وجوه:
أولها أن نفيه لأن يكون من أهله لم يتناول نفي النّسب، وإنما نفى أن يكون من أهله الذين وعده الله بنجاتهم؛ لأنه عزّ وجل كان وعد نوحاعليهالسلام بأن ينجّي أهله، ألا ترى إلى قوله:( قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) [هود: ٤٠]، فاستثنى تعالى من أهله من أراد إهلاكه بالغرق! ويدل عليه أيضا قول نوح:
( إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ ) ، وعلى هذا الوجه يتطابق الأمران(١) ولا يتنافيان؛ وقد روي هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين.
والجواب الثاني، أن يكون المراد بقوله تعالى:( لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) أي أنه ليس على دينك؛ وأراد تعالى أنه كان كافرا مخالفا لأبيه؛ فكأنّ كفره أخرجه عن أن يكون له أحكام
____________________
(١) حاشية ف (من نسخة): (الخبران).
أهله؛ ويشهد لهذا التأويل قوله عزّ وجل على طريق التعليل:( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) ، فبيّن أنه إنما خرج عن أحكام أهله لكفره وسيّئ عمله، وقد روى هذا التأويل أيضا عن جماعة من المفسرين؛ وحكي عن ابن جريج أنه سئل عن ابن نوح فسبّح طويلا ثم قال لا إله إلا الله! يقول الله:( وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ) ؛ وتقول: ليس منه! ولكنه خالفه في العمل فليس منه من لم يؤمن.
وروي عن عكرمة أنه قال: كان ابنه ولكن كان مخالفا له في النية والعمل؛ فمن ثمّ قيل:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) .
والوجه الثالث أنه لم يكن ابنه على الحقيقة؛ وإنما ولد على فراشه، فقالعليهالسلام :
إنه ابني على ظاهر الأمر؛ فأعلمه الله أن الأمر بخلاف الظاهر، ونبهه على خيانة امرأته؛ وليس في ذلك تكذيب لخبره، لأنه إنما أخبر عن ظنه، وعمّا يقتضيه الحكم الشرعي، فأخبره الله تعالى بالغيب الّذي لا يعلمه غيره؛ وقد روي هذا الوجه عن الحسن وغيره.
وروى قتادة عن الحسن قال: كنت عنده؛ فقال: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ لعمر الله ما هو ابنه، قال: فقلت: ياأبا سعيد؛ يقول الله: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وتقول: ليس بابنه!
قال: أفرأيت قوله: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ؟ قال: قلت معناه: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه، فقال: أهل الكتاب يكذبون؛ وروي عن مجاهد وابن جريج مثل ذلك.
وهذا الوجه يبعد إذ فيه منافاة للقرآن؛ لأنه تعالى قال: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ، فأطلق عليه اسم البنوّة؛ ولأنه أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى:( وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ) ؛ ولأنّ الأنبياءعليهمالسلام يجب أن ينزّهوا عن مثل هذه الحال؛ لأنّها تعرّ وتشين وتغضّ من القدر؛ وقد جنّب الله تعالى أنبياءهعليهمالسلام ما هو دون ذلك؛ تعظيما لهم وتوقيرا، ونفيا لكل ما ينفّر عن القبول منهم؛ وقد حمل ابن عباس ظهور ما ذكرناه من الدّلالة على أنّ تأوّل قوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط: فَخانَتاهُما على أن الخيانة
لم تكن منهما بالزّنا، بل كانت إحداهما تخبر الناس بأنه مجنون؛ والأخرى تدل على الأضياف؛ والمعتمد في تأويل الآية هو الوجهان المتقدمان.
فأما قوله تعالى:( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) فالقراءة المشهورة بالرفع، وقد روي عن جماعة من المتقدمين أنهم قرءوا:( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) بنصب اللام وكسر الميم ونصب (غير)؛ ولكل وجه.
فأما الوجه في الرفع فيكون على تقدير أن ابنك ذو عمل غير صالح؛ وصاحب عمل غير صالح؛ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه؛ وقد استشهد على ذلك بقول الخنساء:
ما أمّ سقب على بوّ تطيف به |
قد ساعدتها على التّحنان أظآر(١) |
|
ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت |
فإنما هي إقبال وإدبار(٢) |
أرادت إنما هي ذات إقبال وإدبار.
وقال قوم: إن المعنى أصل ابنك هذا الّذي ولد عل فراشك وليس بابنك في الحقيقة(٣) عمل غير صالح، يعني الخيانة من امرأته، وهذا جواب من ذهب إلى أنه لم يكن ابنه على الحقيقة(٣) والّذي اخترناه خلاف ذلك.
وقال آخرون إن الهاء في قوله:( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) راجعة إلى السؤال؛ والمعنى:
____________________
(١) ديوانها: ٧٨؛ وروايته:
فما عجول على برّ تطيف به |
لها حنينان: إصغار وإكبار |
والسقب: الذكر من ولد الناقة. والبو: أن ينحر ولد الناقة ويؤخذ جلده فيحشى ويدنى من أمه فتر أمه والتحنان: الحنين. والأظئار: جمع ظئر؛ وهي التي تعطف على ولد غيرها.
(٢) بعدهما:
لا تسمن الدّهر في أرض وإن ربعت |
فإنما هي تحنان وتسجار |
|
يوما بأوجد منّي يوم فارقني |
صخر، وللدّهر إحلاء وإمرار |
(٣ - ٣) ساقط من م.
إن سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح لأنه قد وقع من نوح دليل(١) السؤال والرغبة في قوله:( إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ ) ومعنى ذلك أي نجّه كما نجيتهم، ومن يجيب بهذا الجواب يقول: إن ذلك صغيرة من النبي؛ لأن الصغائر تجوز عليهم، ومن يمنع أن يقع(٢) من الأنبياء شيء من القبائح يدفع هذا الجواب؛ ولا يجعل الهاء راجعة إلى السؤال بل إلى الابن، ويكون تقدير الكلام ما تقدم.
فإذا قيل له: فلم قال:( فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) ؟ وكيف قال نوحعليهالسلام من بعد:( رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) ؟.
قال: لا يمتنع أن يكون نهى عن سؤال ما ليس له به علم؛ وإن لم يقع منه وأن يكون تعوّد من ذلك وإن لم يوافقه؛ ألا ترى أن الله قد نهى نبيه عن الشّرك والكفر؛ وإن لم يكن ذلك قد وقع منه؛ فقال:( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) ؛ [الزمر: ٥٦]، وكذلك لا يمتنع أن يكون نهاه في هذا الموضع عمّا لم يقع منه، ويكونعليهالسلام إنما سأله نجاة ابنه باشتراط المصلحة لا على سبيل القطع؛ وهكذا يجب في مثل هذا الدعاء.
فأما القراءة بنصب اللام فقد ضعّفها قوم وقالوا: كان يجب أن يقال: إنه عمل عملا غير صالح؛ لأن العرب لا تكاد تقول هو يعمل غير حسن، حتى يقولوا: عملا غير حسن، وليس وجهها بضعيف في العربية؛ لأنّ من مذهبهم الظاهر إقامة الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى وزوال اللبس؛ فيقول القائل: قد فعلت صوابا، وقلت حسنا، بمعنى فعلت فعلا صوابا وقلت قولا حسنا؛ وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
أيّها القائل غير الصواب |
أخّر النّصح وأقلل عتابي(٣) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (دليل في السؤال)، وحاشية ف من نسخة: (دليل على السؤال).
(٢) ف: (على الأنبياء).
(٣) ديوانه: ٤٢٥.
وقال أيضا:
وكم من قتيل ما يباء به دم |
ومن غلق رهن إذا لفّه منى(١) |
|
ومن مالئ عينيه من شيء غيره |
إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى(٢) |
أراد: وكم إنسان قتيل! وأنشد أبو عبيدة لرجل من بجيلة:
كم من ضعيف العقل منتكث القوى |
ما إن له نقض ولا إبرام |
|
مالت له الدّنيا عليه بأسرها |
فعليه من رزق الإله ركام |
|
ومشيّع جلد أمين حازم |
مرس له فيما يروم مرام |
|
أعمى عليه سبيله(٣) فكأنّه |
فيما يحاوله عليه حرام |
أراد: كم من إنسان ضعيف القوى.
***
[من أفاكيه الأصمعي:]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا ميمون بن هارون قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: كان محمد بن منصور بن زياد الملقّب بفتى العسكر يميل إلى الأصمعي ويفضّله، ويقوم بأمره قال: فجئته يوما بعد موت محمد، وعنده عبد كان لمحمد أسود، وقد ترك الناس، وأقبل عليه وساءله وتحفّى به وحادثه، فلما خرج لمته على ذلك وقلت: من هذا حتى أفنيت عمر يومك به؟ فقال: هذا غلام ابن منصور، ثم أنشدني:
وقالوا ياجميل أتى أخوها |
فقلت: أتى الحبيب أخو الحبيب(٤) |
____________________
(١) ديوانه: ٤٥١ لا يباء به دم، أي ليس من يكافئه فيقتل به. وغلق الرهن إذا صار لا سبيل إلى فكاكه، وفي حاشية ف (من نسخة): (ومن غلق رهنا إذا ضمه).
(٢) حاشية ف (من نسخة):
* إذا راح نحو الحيرة البيض كالدّمى*
(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (سبيله) بضم اللام.
(٤) حاشية ف: (صفة الحبيب)، أي الّذي هو أخو الحبيب.
أحبّك والقريب بنا بعيد |
لأن ناسبت بثنة من قريب |
فقلت له - وكنت أفعل هذا كثيرا به لأستجرّ كلامه وعلمه -: ياأبا سعيد، ذاك أخوها، وهذا غلامها(١) فضحك، وقال: أنشد أبو عمرو - أو قال غيره:
أرى كلّ أرض(٢) أوطنتها وإن خلت |
لها حجج تندى بمسك ترابها |
|
وأقسم لو أنّي أرى تبعا لها(٣) |
ذئاب الغضى حبّت إلي ذئابها |
قال: فجعلت أعجب من قرب لسانه من قلبه وإجادة حفظه له متى أراده.
***
[تأويل الأصمعي لبيت من شعر امرئ القيس:]
وبهذا الإسناد عن إسحاق الموصلي قال قرأت على الأصمعي شعر امرئ القيس، فلما بلغت إلى هذا البيت:
أمن أجل أعرابية حلّ أهلها |
بروض الشّرى عيناك تبتدران!(٤) |
فقال لي أتعرف في هذا البيت خبئا باطنا غير ظاهر؟ قلت: لا، فسكت عنّي، فقلت:
إن كان فيه شيء فأفدنيه، فقال: نعم، أما يدلّك البيت على أنه لفظ ملك مستهين ذي قدرة على ما يريد؟ قال إسحاق: وما رأيت قطّ مثل الأصمعي بالعلم بالشعر.
____________________
(١) من نسخة بحاشية الأصل: (غلامة).
(٢) ف: (كل دار).
(٣) حاشية الأصل من نسخة: (حلفت لو أني)، ومن نسخة أخرى: (حلفت إلهي)، ومن نسخة أخرى:
* حلفت بأني لو أرى تبعا لها*
(٤) ديوانه: ١٢٤؛ وروايته:
أمن ذكر نبهانيّة حلّ أهلها |
بجزع الملا عيناك تبتدران! |
قال شارحه: (نبهانية: امرأة من نبهان، ونبهان من طيئ، وكان امرؤ القيس نازلا فيهم ثم ارتحل عنهم، والجزع: منعطف الوادي، والملا: ما استوى من الأرض؛ ومعنى تبتدران تستبقان بالدمع؛ أي أنه لما أبدع به الشوق وغلبه البكاء لام نفسه على ذلك. وفي حاشية الأصل: (قبله:
فدمعهما سحّ وسكب وديمة |
ورشّ وتوكاف وتنهملان |
وروي عن إسحاق أيضا أنه قال: قال لي الأصمعي: ما يعني امرؤ القيس بقوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع |
فألهيتها عن ذي تمائم محول(١) |
فقلت: تخبرني، فقال: كان مفرّكا(٢) فيقول: ألهيت هؤلاء عن كراهتهنّ للرجال، فكيف أنا عند المحبات لهم.
***
[نقد الأصمعي لرواية ابن الأعرابي أبياتا روّاها ولد سعيد بن سلم:]
وروي أنّ السبب الّذي هاج التنافر بين الأصمعي وابن الأعرابي أنّ الأصمعي دخل ذات يوم على سعيد بن سلم وابن الأعرابي حينئذ يؤدب ولده - فقال لبعضهم: أنشد أبا سعيد، فأنشد الغلام أبياتا لرجل من بني كلاب، روّاه إياها ابن الأعرابي، وهي:
رأت نضو أسفار أميمة قاعدا |
على نضو أسفار فجنّ جنونها(٣) |
|
فقالت: من اي الناس أنت ومن تكن؟ |
فإنّك راعي صرمة لا يزينها(٤) |
|
فقلت لها: ليس الشّحوب على الفتى |
بعار، ولا خير الرّجال سمينها |
|
عليك براعي ثلّة مسلحبّة |
يروح عليها محضها وحقينها(٥) |
____________________
(١) ديوانه: ٢٤. وفي حاشية الأصل. (روي أن النبيصلىاللهعليهوآله استنشد هذه القصيدة، فلما سمع البيت الّذي قبله هذا قال: لا تنشد البيت الّذي بعده، وهذا دليل على أنهعليهالسلام كان يعرف الشعر. ولما سمع قوله:
* قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل*
قال: وقف واستوقف، وبكى وأبكى، وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت؛ فقالوا: يارسول الله؛ فديناك! أنت في هذا النقد أشعر منه).
(٢) المفرك: الّذي تبغضه النساء.
(٣) الخبر بتمامه في اللسان (ضحا)، والمزهر ٢: ٣٧٩، والمجالس المذكورة للعلماء ٩، وإنباه الرواة ٣: ١٣٣ - ١٣٤؛ والأبيات وردت متفرقة في اللسان (ضحا، جنن، حقن، نعم).
النضو: الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها. وفي اللسان: (أميمة شاحبا).
(٤) الصرمة: القطعة من الإبل؛ ما بين العشرين إلى الثلاثين. ورواية اللسان:
* فإنّك مولى أسرة لا يدينها*
(٥) الثلة، بالفتح: جماعة الغنم. والمسلحبّة: الممتدة؛ وأصله في الطريق. والمحض: اللبن الخالص، والحقين: اللبن الحبيس في الوطب؛ وقد ورد البيت في اللسان (حقن) ونسبه للمخبل، والرواية فيه:
وفي إبل ستّين حسب ظعينة |
يروح عليها محضها وحقينها |
وفي حاشية الأصل: (أي لست بالراعي فاطلبي غيري لو كنت تطلبين راعيا).
سمين الضّواحي لم تؤرّقه ليلة |
وأنعم أبكار الهموم وعونها |
ورفع (ليلة) فقال الأصمعي: من روّاك هذا؟ فقال مؤدبي؛ فأحضره فاستنشده فأنشده، ورفع (ليلة)، فأخذ ذلك عليه؛ وفسر البيت فقال: إنما أراد: لم تؤرّقه ليلة أبكار الهموم وعونها، وأنعم، أي زاد على هذه الصفة.
وقوله: (سمين الضواحي) أي ما ظهر منه وبدا سمين، ثم قال الأصمعي لابن سلم:
من لم يحسن هذا المقدار فليس موضعا لتأديب ولد الملوك.
***
[حديث الأصمعي عن بشار بن برد:]
وأخبرنا المرزباني قال: حدثنا أحمد بن المكي قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا الأصمعي قال: ولد بشّار بن برد أكمه لم ينظر إلى الدنيا قطّ - وكان ذا فطنة - فقلت له يوما: من أين لك هذا الذكاء؟ قال: من قدم العمى؛ وعدم النواظر يمنع من كثير من الخواطر المذهلة فيكسب فراغ الذهن؛ وصحة الذكاء، وأنشد لنفسه يفخر بالعمى:
عميت جنينا والذكاء من العمى |
فجئت عجيب الظّنّ للعلم موئلا(١) |
|
وغاض ضياء العين للعقل رافدا |
بقلب إذا ما ضيّع الناس حصّلا |
|
وشعر كنور الرّوض لا أمت بينه |
بقول إذا ما أحزن الشّعر أسهلا |
***
[نقد بشار لشعر سمعه:]
وأخبرنا المرزباني قال أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا الأصمعي قال: أنشد رجل وأنا حاضر بشارا قول الشاعر:
وقد جعل الأعداء ينتقصوننا |
وتطمع فينا ألسن وعيون(٢) |
|
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة |
إذا غمزوها بالأكفّ تلين |
فقال بشار: والله لو جعلها عصا مخ أو زبد لما كان إلاّ مخطئا مع ذكر العصا! ألا قال كما قلت:
____________________
(١) الأغاني ٣: ٢٣.
(٢) الخبر والأبيات في أمالي الزجاجي: ١٣٦.
وحوراء المدامع من معدّ |
كأنّ حديثها قطع الجنان |
|
إذا قامت لسبحتها تثنّت |
كأنّ قوامها من خيزران |
|
ينسّيك المنى نظر إليها |
ويصرف وجهها وجه الزمان |
***
[أبيات لبشار يمدح فيها سليمان بن هشام بن عبد الملك:]
وأخبرنا المرزباني قال حدثنا عليّ بن أبي عبد الله الفارسي قال حدثني أبي عن عمر بن شبة قال قال لي أبو عبيدة: رحل بشار إلى الشام، فمدح سليمان بن هشام بن عبد الملك، وكان مقيما بحرّان،؛ فقال قصيدة طويلة أوّلها:
نأتك على طول التّجاور زينب |
وما علمت أنّ النّوى سوف يشعب(١) |
وكان سليمان بخيلا فأعطاه خمسة آلاف درهم، ولم يصب غيرها بعد أن طال مقامه، فقال:
إن أمس منشنج اليدين عن النّدى |
وعن العدوّ محبّس الشّيطان(٢) |
|
فلقد أروح على اللّئام مسلّطا |
ثلج المقيل(٣) منعّم النّدمان |
|
في ظلّ عيش عشيرة محمودة |
تندى يدي، ويخاف فرط لساني |
|
أزمان سربال الشّباب مذيّل |
وإذ الأمير عليّ من جيراني |
|
رئم بأحوية العراق إذا بدا |
برقت عليه أكلة المرجان(٤) |
|
فاكحل بعبدة مقلتيك من القذى |
وبوشك رؤيتها من الهملان |
|
فلقرب من تهوى وأنت متيّم |
أشفى لدائك من بني مروان |
فلما رجع إلى العراق برّه ابن هبيرة ووصله، وكان ابن هبيرة يقدّمه ويؤثره لمدحه قيسا وافتخاره بها، فلما جاءت دولة خراسان عظم شأنه.
____________________
(١) الأغاني ٣: ٥٦؛ ويشعب: يفرق، وبعده:
يرى الناس ما تلقى بزينب إذ نأت |
عجيبا، وما تخفي بزينب أعجب |
(٢) الخبر والشعر في الأغاني ٣: ٥٦. ومن نسخة بحاشية الأصل: (مخيس الشيطان).
(٣) م: (ثلج المقام).
(٤) أحوية جمع حواء؛ والحواء: جماعة البيوت المتدانية.
والأكلة: جمع إكليل؛ وهو التاج؛ أو شبه عصابة تزين بالجواهر.
[أبيات مختلفة في وصف الثغر واللون والعيون والنجيب والظليم والاعتذار، رواها الأصمعي:]
وأخبرني المرزباني قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوي قال قال الأصمعي: ما وصف أحد الثّغر إلاّ احتاج إلى قول بشر بن أبي خازم:
يفلّجن الشّفاه عن اقحوان |
جلاه غبّ سارية قطار |
ولا وصف أحد اللون بأحسن من قول عمر بن أبي ربيعة:
وهي مكنونة تحيّر منها |
في أديم الخدّين ماء الشّباب(١) |
|
شفّ منها محقّق جندي |
فهي كالشّمس من خلال السّحاب(٢) |
ولا وصف أحد عيني امرأة إلا احتاج إلى قول عدي بن الرّقاع:
لولا الحياء وأنّ رأسي قد بدا |
فيه المشيب لزرت أمّ القاسم(٣) |
|
وكأنّها وسط النّساء أعارها |
عينيه أحور من جآذر جاسم(٤) |
|
وسنان أفصده النّعاس فرتّقت |
في عينه سنة وليس بنائم(٥) |
ولا وصف أحد نجيبا إلا احتاج إلى قول حميد بن ثور:
محلّى بأطواق عتاق يبينها |
على الضّرّ راعي الضّأن لو يتقوّف(٦) |
ولا وصف أحد ظليما إلا احتاج إلى قول علقمة بن عبدة:
____________________
(١) ديوانه: ٤٢٣.
(٢) ثوب محقق محكم النسج، وجند: بلد باليمن.
(٣) الشعر والشعراء ٦٠٢، واللآلئ ٥٢١، وفي حاشية الأصل (من نسخة): (قد فشا)، ومن نسخة أخرى: (قد غشا).
(٤) الجئاذر: جمع جؤذر، بضم الذل وفتحها، وهو ولد البقرة الوحشي. جاسم قرية بينها وبين دمشق ثمانية فراسخ.
(٥) أقصده: صرعه. رنقت: خالطت، والبيت أيضا في اللسان (رنق).
(٦) ديوانه ١١١؛ وفي حاشيتي الأصل، ف: (يصف بعيرا ومحلى؛ أي عليه نجار العتق، وإذا رآه صاحب الضأن الّذي لا بصيرة له عرف عتقه ونجابته على ما مسه من الضر. لم يتقوف، من القيافة، ويروى: (لو يتعيف). شبه ما يبين من عتقه بأطوق تظهر لمن رآها ويروى: (يبينه) أي البعير، وقبل هذا البيت:
فطرت إلى عاري العظام كأنّه |
شقا ابن ثلاث ظهره متحرّف |
|
طوته الفلا حتى كأنّ عظامه |
مآسير عيدان تموج وترجف |
|
فثار وما يمسي فويق عظامه |
برمّ ولكن عارف متكلّف |
-
هيق كأنّ جناحيه وجؤجؤه |
بيت أطافت به خرقاء مهجوم(١) |
ولا اعتذر أحد إلا احتاج إلى قول النابغة:
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي |
وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع(٢) |
قال سيدنا أدام الله علوّه: أما قول حميد بن ثور: (محلّى بأطواق عتاق) فإنه يريد أن عليه نجار الكرم والعتق، فصارت دلالتهما وسماتهما حلية له من حيث كان موسوما بهما.
ومعنى: (يبينها على الضراء) يتبينها ويعرفها هذا الراعي فيعلم أنه كريم، والتقوّف:
من القيافة.
فأما قول علقمة (هيق ) فالهيق: ذكر النعام. ومعنى: (أطافت به خرقاء)، أي عملته وابتنته، وقيل: إن خرقاء هاهنا هي الحاذقة، وأن هذه اللفظة تستعمل على طريق الأضداد في الحاذقة وغير الحاذقة، ومعنى (مهجوم): أي مهدوم، وقال الأصمعي: معنى (أطافت به)، أي عملته فخرقت في عمله، يقول: قد أرسل جناحيه كأنه خباء امرأة خرقاء، كلما رفعت ناحية استرخت أخرى؛ والوجه الثاني أشبه وأملح.
فأما قول بشر في وصف الثغر فأحسن منه وأكشف وأشد استيفاء قول النابغة:
____________________
- قوله: (عاري العظام) أي بعير مهزول، وشقا ابن ثلاث أي هلال ابن ثلاث. وماء أسير عيدان ويروى (ماء آسر عيدان)، أي عيدان مأسورة مشدودة. والرم. المخ، يريد أنه ليس يمسي برم، أي ليس في عظامه مخ؛ ولكنه عارف؛ أي معترف بالسير، ذليل متكلف يتكلف السير على جهد).
(١) حاشية الأصل: (هيق، أي ظليم، وهو اسم له، والجؤجؤ: الصدر؛ وأراد بالبيت بيتان الشعر أو الوبر. الخرقاء: المرأة التي ليست بصناع. ومهجوم: مصروع ساقط، يقول: أتت البيت هذه الخرقاء لتصلحه فلم تحسن، واستخرجت عيدانه وأطنابه، فشبه الظليم به، لاسترخاء جناحيه ونشره إياهما. وقال المازني: إذا بنت الخرقاء بيتا انهدم سريعا. وقال غيره: خرقاء هنا: ريح لا تدوم على جهة واحدة) والبيت في ديوانه ١٣٠، والمفضليات: ٤٠٠، (طبعة المعارف) وروايته فيهما:
(٢) ديوانه:
* صعل كأنّ جناحيه وجؤجؤه*
كالأقحوان غداة غبّ سمائه |
جفّت أعاليه وأسفله ند(١) |
فإنما وصف أعاليه بالجفوف؛ ليكون متفرقا متنضّدا غير متلبّد ولا مجتمع؛ فيشبه حينئذ الثغور، ثم قال: (وأسفله ند) حتى لا يكون قحلا يابسا، بل يكون فيه الغضاضة والصّقالة، فيشبه غروب الأسنان التي تلمع وتبرق.
وروى الرياشي قال: سمعت الأصمعي يقول: أحسن ما قيل في وصف الثّغر قول ذي الرّمة:
وتجلو بفرع من أراك كأنّه |
من العنبر الهندي والمسك يصبح(٢) |
|
ذرا أقحوان واجه الليل وارتقى |
إليه النّدى من رامة المتروّح(٣) |
|
هجان الثّنايا مغربا لو تبسّمت |
لأخرس عنه كاد بالقول يفصح(٤) |
____________________
(١) ديوانه: ٣١. الأقحوان: نبت له نوار أصفر، حواليه ورق أبيض وفي حاشيتي الأصل، ف: (ضمن اللجام الحراني هذا البيت في هجو فجعله آبدة من الأوابد فقال:
ياسائلي عن جعفر، علمي به |
رطب العجان وكفّه كالجلمد |
|
كالأقحوان غداة غب سمائه |
جفّت أعاليه وأسفله ند |
والبيتان في خاص الخاص: ١٤٤.
(٢) ديوانه: ٨٣. يصبح: يسقى وقت الصباح.
(٣) في الديوان: (راحة الليل)، بالرفع. رامة: رملة بعينها. المتروح: الّذي جاء رواحا. وبعد هذا البيت في رواية الديوان:
تحفّ بترب الرّوض من كلّ جانب |
نسيم كفأر المسك حين يفتّح |
(٤) المغرب: الأبيض من كل شيء.
[٣٩]
مجلس آخر [المجلس التاسع والثلاثون:]
تأويل آية:( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ )
إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى:( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ) ؛ [التوبة: ٥٥].
فقال: كيف يعذبهم بالأموال والأولاد، ومعلوم أن لهم فيها مسرورا ولذة؟ وما تأويل قوله تعالى: وَهُمْ كافِرُونَ وظاهره يقتضي أنه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم في حال كفرهم، لأن القائل إذا قال: أريد أن يلقاني فلان وهو لابس أو على صفة كذا وكذا، فالظاهر أنه أراد كونه على تلك الصفة؟
الجواب، قلنا: أما التعذيب بالأموال والأولاد ففيه وجوه:
أولها ما روي عن ابن عباس وقتادة، وهو أن يكون في الكلام تقديم وتأخير، ويكون التقدير: فلا تعجبك يامحمد ولا تعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار والمنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا؛ إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة عقوبة لهم على منعهم حقوقها؛ واستشهد على ذلك بقوله تعالى:( اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ ) ؛ [النمل: ٢٨]، والمعنى: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم؛ وأنشد في ذلك قول الشاعر:
عشيّة أبدت جيد أدماء مغزل |
وطرفا يريك الإثمد الجون أحورا(١) |
يريد: وطرفا أحور يريك الإثمد الجون؛ وقد اعتمد هذا الوجه أيضا أبو عليّ قطرب، وذكره أبو القاسم البلخي والزّجاج.
____________________
(١) مغزل: معها غزالها.
وثانيها أن يكون معنى التعذيب بالأموال والأولاد في الدّنيا هو ما جعله للمؤمنين من قتالهم وغنيمة أموالهم وسبي أولادهم واسترقاقهم؛ وفي ذلك لا محالة إيلام لهم، واستخفاف بهم، وإنما أراد تعالى بذلك إعلام نبيهعليهالسلام والمؤمنين أنه لم يرزق الكفار الأموال والأولاد؛ ولم يبقها في أيديهم كرامة لهم، ورضا عنهم؛ بل للمصلحة الداعية إلى ذلك، وأنهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الّذي ذكرناه، فلا يجب أن يغبطوا، ويحسدوا عليها؛ إذ كانت هذه عاجلتهم، والعقاب الأليم في النار آجلتهم؛ وهذا جواب أبي عليّ الجبائي.
وقد طعن عليه بعض من لا تأمّل له فقال: كيف يصح هذا التأويل، مع أنا نجد كثيرا من الكفّار لا تنالهم أيدي المسلمين، ولا يقدرون على غنيمة أموالهم، ونجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة لمكان الذّمة والعهد؟ وليس هذا الاعتراض بشيء، لأنه لا يمتنع أن تختص الآية بالكفار الذين لا ذمة لهم ولا عهد؛ ممن أوجب الله تعالى محاربته؛ فأما الذين لا تنالهم الأيدي، أو هم من القوة على حدّ لا يتم معه غنيمة أموالهم؛ فلا يقدح الاعتراض بهم في هذا الجواب لأنهم ممن أراد الله تعالى أن يسبي ويغنم، ويجاهد ويغلب؛ وإن لم يقع ذلك؛ وليس في ارتفاعه بالتعذّر دلالة على أنه غير مراد.
وثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم بذلك كلّ ما يدخله في الدنيا عليهم من الغموم والمصائب بأموالهم وأولادهم التي لهؤلاء الكفار المنافقين عقاب وجزاء، وللمؤمنين محنة وجالبة للعوض وللنفع.
ويجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر قبل موته، وعند احتضاره، وانقطاع التكليف عنه مع أنه حي، من العذاب الدائم الّذي قد أعدّ له، وإعلامه أنه صائر إليه، ومنتقل إلى قراره؛ وهذا الجواب قد روي معنى أكثره عن قوم من متقدمي المفسرين(١) ، وذكره أبو عليّ الجبائي أيضا.
____________________
(١) حاشية الأصل: (نسخة الشجري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
ورابعها [جواب](١) يحكى عن الحسن البصري، واختاره الطبري وقدّمه على غيره، وهو أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض والحقوق في أموالهم؛ لأن ذلك يؤخذ منهم على كره، وهم إذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نيّة ولا عزيمة؛ فتصير نفقتهم غرامة وعذابا من حيث لا يستحقون عليها أجرا.
قال السيد قدس الله روحه: وهذا وجه غير صحيح؛ لأن الوجه في تكليف الكافر إخراج الحقوق من ماله كالوجه في تكليف المؤمن ذلك؛ ومحال أن يكون إنما كلّف إخراج هذه الحقوق على سبيل العقاب والجزاء؛ لأن ذلك لا يقتضي وجوبه عليه(٢) ؛ والوجه في تكليف الجميع هذه الأمور هو المصلحة واللطف في التكليف.
ولا يجري ذلك مجرى ما قلناه في الجواب الّذي قبل هذا؛ من أن المصائب والغموم قد تكون للمؤمنين محنة، وللكافرين عقوبة؛ لأن تلك الأمور مما يجوز أن يكون وجه حسنها العقوبة والمحنة جميعا؛ ولا يجوز في هذه الفرائض أن يكون لوجوبها على المكلّف إلا وجه واحد، وهو المصلحة في الدّين، فافترق الأمران.
وليس لهم أن يقولوا: ليس التعذيب في إيجاب الفرائض عليهم؛(٣) وإنما هو لإخراجهم أموالهم على وجه التكرّه والاستثقال(٣) ؛ وذلك أنه إذا كان الأمر على ما ذكروه خرج من أن يكون مرادا للّه تعالى؛ لأنه جلّ وعز ما أراد منهم إخراج المال على هذا الوجه، بل على الوجه الّذي هو طاعة وقربة؛ فإذا أخرجوها متكرّهين مستثقلين لم يرد ذلك؛ فكيف يقول:( إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِها ) ! ويجب أن يكون ما يعذبون به شيئا يصحّ أن يريده الله تعالى.
وجميع هذه الوجوه التي حكيناها في الآية - إلا جواب التقديم والتأخير - مبنيّة على أنّ
____________________
(١) من ف.
(٢ - ٢) ساقط من الأصل، وما أثبته عن ف.
(٣ - ٣) ف: (وإنما هو في إخراجهم لأموالهم على وجه التكره والاستثقال).
الحياة الدنيا ظرف للعذاب؛ فتحمّل(١) كل متأوّل من القوم ضربا من التأويل؛ طابق(٢) ذلك.
وما يحتاج عندنا إلى جميع ما تكلّفوه، ولا إلى التقديم والتأخير إذا لم تجعل(٣) الحياة ظرفا للعقاب، بل جعلناها ظرفا للفعل الواقع بالأموال والأولاد؛ والمتعلّق بهما؛ لأنا قد علمنا أولا أنّ قوله:( لِيُعَذِّبَهُمْ بِها ) لا بد من الانصراف عن ظاهره؛ لأن الأموال والأولاد أنفسها لا تكون عذابا؛ والمراد على سائر وجوه التأويل الفعل المتعلّق بها والمضاف إليها؛ سواء كان إنفاقها والمصيبة بها والغمّ عليها، أو إباحة غنيمتها وإخراجها عن أيدي مالكيها؛ فكأنّ تقدير(٤) الآية: إنما يريد الله ليعذّبهم بكذا وكذا؛ مما يتعلق بأموالهم وأولادهم، ويتّصل بها؛ وإذا صحّ هذا جاز أن تكون الحياة الدنيا ظرفا لأفعالهم القبيحة في أموالهم وأولادهم التي تغضب الله تعالى وتسخطه؛ كإنفاقهم الأموال في وجوه المعاصي، وحملهم الأولاد على الكفر، وإلزامهم الموافقة لهم في النّحلة، ويكون تقدير الكلام: إنما يريد الله ليعذّبهم بفعلهم في أموالهم وأولادهم؛ الواقع ذلك منهم في الحياة الدنيا؛ وهذا وجه ظاهر يغني عن التقديم والتأخير؛ وسائر ما ذكروه من الوجوه.
فأما قوله تعالى:( وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ ) فمعناه تبطل وتخرج؛ أي أنّهم يموتون على الكفر؛ وليس يجب إذا كان مريدا لأن تزهق أنفسهم وهم على هذه الحال أن يكون مريدا للحال نفسها على ما ظنّوه؛ لأنّ الواحد منّا قد يأمر غيره ويريد منه أن يقاتل أهل البغي وهم محاربون، ولا يقاتلهم وهم منهزمون، ولا يكون مريدا لحرب أهل البغي للمؤمنين؛ وإن أراد قتالهم على هذه الحالة، وكذلك قد يقول لغلامه: أريد أن تواظب على المصير إلي في السّجن وأنا محبوس، وللطبيب: صر إلي ولازمني وأنا مريض، وهو لا يريد المرض ولا
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (فتمحل).
(٢) ف: (يطابق).
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (لم نجعل الحياة).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (فكان تقدير الكلام).
الحبس؛ وإن كان قد أراد ما هو متعلق بهاتين الحالتين.
وقد ذكر في ذلك وجه آخر على ألاّ يكون قوله:( وَهُمْ كافِرُونَ ) حالا لزهوق أنفسهم؛ بل يكون كأنه كلام مستأنف، والتقدير فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ إنما يريد الله ليعذّبهم بها في الحياة الدنيا؛ وتزهق أنفسهم وهم مع ذلك كافرون صائرون إلى النار؛ وتكون الفائدة أنهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة؛ ويكون معنى( تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ ) على هذا الجواب غير الموت وخروج النفس على الحقيقة، بل المشقة الشديدة والكلف(١) الصّعبة، كما يقال: ضربت فلانا حتى مات وتلفت نفسه، وخرجت روحه، وما أشبه ذلك.
***
[رأى الشريف المرتضى في شعر مروان بن أبي حفصة ومختارات من محاسن شعره:]
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ذاكرني قوم من أهل الأدب بأشعار المحدثين وطبقاتهم وانتهوا إلى مروان بن يحيى بن أبي حفصة(٢) ؛ فأفرط بعضهم في وصفه وتقريظه، وآخرون في ذمه وتهجينه والإزراء على شعره وطريقته؛ واستخبروا عما أعتقده فيه، فقلت لهم:
كان مروان متساوي الكلام، متشابه الألفاظ، غير متصرّف في المعاني ولا غواص عليها ولا مدقّق لها؛ فلذلك قلّت النّظائر في شعره، ومدائحه مكرّرة الألفاظ والمعاني، وهو غزير الشعر قليل المعنى؛ إلا أنه مع ذلك شاعر له تجويد وحذق، وهو أشعر من كثير من أهل زمانه وطبقته، وأشعر شعراء أهله؛ ويجب أن يكون دون مسلم بن الوليد في تنقيح الألفاظ وتدقيق المعاني، وحسن الألفاظ، ووقوع التشبيهات، ودون بشّار بن برد في الأبيات النادرة السائرة، فكأنه طبقة بينهما؛ وليس بمقصّر دونهما شديدا، ولا منحط عنهما بعيدا.
وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقدّمه على بشار ومسلم، وكذلك أبو عمرو الشيباني
____________________
(١) ف: (والكلفة).
(٢) هو أبو السمط - وقيل أبو الهندام مروان بن أبي حفصة؛ ولد سنة ١٠٥، وهلك في أيام الرشيد سنة ١٨٢. (وانظر ترجمته وأشعاره في الشعر والشعراء.
٧٣٩ - ٧٤١، وابن خلكان ٢: ٧٩ - ٨١).
وكان الأصمعي يقول: مروان مولّد(١) ، وليس له علم باللغة. واختلاف الناس في اختيار الشعر بحسب اختلافهم في التنبيه على معانيه؛ وبحسب ما يشترطونه من مذاهبه وطرائقه.
فسئلت عند ذلك أن أذكر مختار ما وقع إلي من شعره وأنبه على سرقاته ونظائر شعره، وأن أملي ذلك في خلال المجالس وأثنائها.
فمما يختار من شعره قوله من قصيدة يمدح بها المهدي أولها:
أعادك من ذكر الأحبّة عائد! |
أجل، واستخفّتك الرسوم البوائد |
يقول فيها:
تذكّرت من تهوى فأبكاك ذكره |
فلا الذّكر منسي ولا الدّمع جامد |
|
تحنّ ويأبى أن يساعدك الهوى |
وللموت خير من هوى لا يساعد |
|
ألا طالما أنهيت دمعك طائعا |
وجارت عليك الآنسات النّواهد |
|
تذكّرنا أبصارها مقل المها |
واعناقها أدم الظّباء العواقد(٢) |
|
تساقط منهنّ الأحاديث غضّة |
تساقط درّ أسلمته المعاقد |
|
إليك أمير المؤمنين تجاذبت |
بنا اللّيل خوص كالقسي شوارد |
|
يمانية ينأى القريب محلّة |
بهنّ، ويدنو الشاحط المتباعد |
|
تجلّى السّرى عنها، وللعيس أعين |
سوام وأعناق إليك قواصد |
|
إلى ملك تندى إذا يبس الثّرى |
بنائل كفّيه الأكفّ الجوامد |
____________________
(١) ف: (المولدون الذين بعد المخضرين) وفي حاشية الأصل (من نسخة): (مولد) بكسر اللام؛ أي يولد الكلام.
(٢) العاقد: هو الظبي الّذي عطف عنقه إلى ناحية عجزه؛ وقيل إن الصغائر تفعل ذلك كثيرا؛ قال ساعدة:
وكأنّما وافاك يوم لقيتها |
من وحش وجرة عاقد متربّب |
ولا يبعد أن يكون العواقد اللائي يأوين إلى عقدات الرمل، أو يكون معناه أنها عقدت أعناقها ملتفة إلى أذنابها، وذلك معهود من عادتها.
له فوق مجد النّاس مجدان منهما |
طريف وعادي الجراثيم تالد |
|
وأحواض عزّ حومة الموت دونها |
وأحواض عرف ليس عنهنّ ذائد |
|
أيادي بني العبّاس بيض سوابغ |
على كلّ قوم باديات عوائد |
|
هم يعدلون السّمك من قبّة الهدى |
كما تعدل البيت الحرام القواعد |
|
سواعد عزّ المسلمين، وإنما |
تنوء بصولات الأكفّ السّواعد |
|
يكون غرارا نومه من حذاره |
على قبّة الإسلام والخلق راقد |
|
كأنّ أمير المؤمنين محمّدا |
لرأفته بالنّاس للنّاس والد |
أما قوله:
تساقط منهنّ الأحاديث غضّة |
تساقط درّ أسلمته المعاقد |
فكثير في الشعر، وأظن أن الأصل فيه أبو حيّة النميري في قوله:
إذا هنّ ساقطن الأحاديث للفتى |
سقوط حصى المرجان من كفّ ناظم |
وإنما عنى بالمرجان صغار اللؤلؤ، وعلى هذا يتأول قوله تعالى:( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) ؛ [الرحمن: ٢٢].
ومثله قول الآخر:
هي الدّرّ منثورا إذا ما تكلّمت |
وكالدّرّ منظوما إذا لم تكلّم |
ومثله:
من ثغرها الدّرّ النّظيـ |
ـم ولفظها الدّرّ النثير |
ونظيره قول البحتري - وأحسن غاية الإحسان:
ولما التقينا والنّقا موعد لنا |
تعجّب رائي الدّرّ حسنا ولاقطه |
|
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها |
ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه |
ومثله قول الأخيطل(١) .
خلوت بها وسجف الليل ملقى |
وقد أصغت إلى الغرب النّجوم |
|
كأنّ كلامها درّ نثير |
ورونق ثغرها درّ نظيم |
ولغيره:
تبسّمت فرأيت الدّرّ منتظما |
وحدّثت فرأيت الدّرّ منتثرا |
ولآخر:
وتحفظ لا من ريبة يحذرونها |
ولكنها من أعين النّاس تحفظ |
|
وتلفظ درّا في الحديث إذا جرى |
ولم نر درّا قبل ذلك يلفظ |
ولبعض من تأخر زمانه من الشعراء وقرب من عصرنا هذا:
أظهرن وصلا إذ رحمن متيّما |
وأرين هجرا إذ خشين مراقبا |
|
فنظمن من درّ المباسم جامدا |
ونثرن من درّ المدامع ذائبا |
قال قدس الله روحه: وليس قول أبي دهبل في صفة الحديث(٢) :
كتساقط الرّطب الجني من ال |
أقناء لا نثرا ولا نزرا |
من هذا الباب في شيء، لأن جميع ما تقدم هو في وصف الثّغر؛ وهذا في وصف حسن الحديث وأنه متوسّط في القلة والكثرة، لازم للقصد كانتثار الرّطب من الأقناء؛ ويشبه أن يكون أراد أيضا مع ذلك وصفه بالحلاوة والغضاضة لتشبيهه له بالرطب، ثم إنه غضّ طري غير مكرّر ولا معاد؛ لقوله: (الرطب الجني) فتجتمع له أغراض: الوصف بالاقتصاد في القلة والكثرة، ثم وصفه بالحلاوة، ثم الفصاحة، ثم الغضاضة.
____________________
(١) في م: (الأخطل) خطأ؛ وفي حاشية الأصل: (الأهوازي، يقال له برقوقا)؛ وهو محمد بن عبد الله، شاعر مجيد من أهل الأهواز.
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (في وصف حسن الحديث والثغر).
ونظير قول أبي دهبل قول ذي الرمّة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق |
رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر(١) |
فأما قول مروان:
إلى ملك تندى إذا يبس الثّرى |
بنائل كفّيه الأكفّ الجوامد |
فمثل قول أبي حنش النميري في يحيى بن خالد البرمكيّ:
لا تراني مصافحا كفّ يحيى |
إنّني إن فعلت أتلفت(٢) مالي |
|
لو يمسّ البخيل راحة يحيى |
لسخت نفسه ببذل النّوال |
ومثله قول ابن الخياط(٣) المدني في المهدي:
لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى |
ولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدي(٤) |
|
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى |
أفدت، وأعداني فأتلفت ما عندي |
وقد قيل إن هذا الشاعر كأنه مصرّح بالهجاء؛ لأنه زعم أنّ الّذي لمس كفّه لم يفده شيئا بل أعداه جوده، فأتلف ماله، ولم يرد الشاعر إلا المدح؛ ولقوله وجه، وهو أنّ ذوي الغنى هم الذين تستقر الأموال في أيديهم وتلبث تحت أيمانهم؛ ومن أخرج ما يملكه حالا بحال لا يوصف بأنه ذو غنى، فأراد الشاعر أنني لم أفد منه ما بقي في يدي واستقرّ تحت ملكي؛ فلهذا قال: لم أفد ما أفاد ذرو الغنى.
ومن هذا المعنى قول مسلم:
إلى ملك لو صافح النّاس كلّهم |
لما كان حي في البريّة يبخل |
ومثله قول العكوّك:
لو لمس النّاس راحتيه |
ما بخل النّاس بالعطاء |
____________________
(١) ديوانه ٢١٢.
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (أتلف).
(٣) حاشية الأصل: (ابن الخياط، هو عبد الله بن محمد، ويعرف بابن الخياط؛ ذكر ذلك أبو الفرج الأصبهاني رحمه الله) وترجمته في الأغاني ١٨: ٩٤ - ١٠٠.
(٤) الأغاني ١٨: ٩٤.
وأحسن من هذا كلّه وأشبه بالمدح، وأدخل في طريقته قول البحتري:
من شاكر عنّي الخليفة بالذّي |
أولاه من طول ومن إحسان(١) |
|
ملأت يداه يدي وشرّد جوده |
بخلي، فأفقرني كما أغناني |
|
حتى لقد أفضلت من إفضاله |
ورأيت نهج الجود حيث أراني |
|
ووثقت بالخلف الجميل معجّلا |
منه، فأعطيت الّذي أعطاني |
ومن هذا قول الآخر:
رأيت الندى في آل عوف خليقة |
إذا كان في قوم سواهم تخلّقا |
|
ولو جزت في أبياتهم(٢) لتعلّمت |
يداك النّدى منهم فأصبحت مملقا |
ولابن الرومي:
يجود البخيل إذا ما رآك |
ويسطو الجبان إذا عاينك |
فأما قوله:
وأحواض عزّ حومة الموت دونها |
وأحواض عرف ليس عنهنّ ذائد |
فيشبه أن يكون إبراهيم بن العباس الصولي أخذه في قوله:
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا |
وتفترّ عنها أرضها وسماؤها(٣) |
|
فمن دونها أن تستباح دماؤنا |
ومن دوننا أن تستباح دماؤها |
|
حمى وقرى فالموت دون مرامها |
وأيسر خطب عند حقّ فناؤها |
وقد أحسن إبراهيم بن العباس في أبياته كل الإحسان.
فأما قوله:
يكون غرارا نومه من حذاره |
على قبّة الإسلام والخلق راقد |
فكثير متداول، ومن حسنه قول محمد بن عبد الملك الزيات:
____________________
(١) ديوانه ٢: ٢٧٢.
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (في أثنائهم).
(٣) ديوانه: ١٥٣، والأغاني ١٠: ٥٩ (طبع دار الكتب المصرية). الكوم: الإبل الضخمة العظيمة السنام؛ الواحد أكوم والأنثى كوماء.
نعم الخليفة للرّعيّة من إذا |
رقدت وطاب لها الكرى لم يرقد |
ومثله:
ويظلّ يحفظنا ونحن بغفلة |
ويبيت يكلؤنا ونحن نيام |
ومثله للبحتري:
أربيعة الفرس اشكري يد منعم |
وهب الإساءة للمسيء الجاني(١) |
|
روّعتموا جاراته فبعثتمو |
منه حميّة آنف غيران |
|
لم تكر عن قاصي الرّعية عينه |
فتنام عن وتر القريب الدّاني |
فأما قوله:
كأن أمير المؤمنين محمدا |
لرأفته بالناس للناس والد |
فنظير قول بعض الشعراء في يحيى بن خالد البرمكي:
أحيا لنا يحيى فعال خالد |
فأصبح اليوم كثير الحامد |
|
يسخو بكلّ طارف وتالد |
على بعيد غائب وشاهد |
|
الناس في إحسانه كواحد |
وهو لهم أجمعهم كالوالد |
ومن جيد قول مروان من قصيدة أوّلها:
خلت بعدنا من آل ليلى المصانع |
وهاجت لنا الشّوق الدّيار البلاقع |
يقول فيها:
ومالي إلى المهدي لو كنت مذنبا |
سوى حلمه الضّافي على النّاس شافع |
|
ولا هو عند السّخط منه ولا الرّضا |
بغير التي يرضى بها الله واقع(٢) |
|
تغضّ له الطّرف العيون وطرفه |
على غيره من خشية الله خاشع |
____________________
(١) ديوانه ٢: ٢٧٢. وفي حاشية الأصل: (ربيعة رجل ورث أباه دوابه، فقيل له ربيعة الفرس؛ وسميت القبيلة باسم ربيعة وهي التي تذكر مع مضر).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (ولا هو) وفيها (من نسخة): (قانع).
أما قوله:
* ولا هو عند السخط منه ولا الرّضا* البيت
فمثل قول أشجع:
ولست بخائف لأبي عليّ |
ومن خاف الإله فلن يخافا |
ومثله:
أمّنني منه ومن خوفه |
خيفته من خشية الباري |
ولأبي نواس:
قد كنت خفتك ثمّ أمّنني |
من أن أخافك خوفك الله(١) |
ويشبه هذا المعنى ما روي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله أنه دعا غلاما مرارا فلم يجبه، فخرج فوجده على الباب(٢) فقال له: ما حملك على ترك إجابتي؟ قال: كسلت عن إجابتك، وأمنت عقوبتك، فقال:عليهالسلام : الحمد للّه الّذي جعلني ممن يأمنه خلقه.
فأما قوله: (تغضّ له الطرف العيون) فيشبه أن يكون مأخوذا من قول الفرزدق، أو ممّن تنسب إليه هذه الأبيات:
يغضي حياء ويغضى من مهابته |
فما يكلّم إلاّ حين يبتسم(٣) |
____________________
(١) ديوانه ١٠٩؛ من أبيات بعث بها إلى الفضل بن الربيع.
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (على باب البيت).
(٣) ينسب هذا البيت مع غيره أيضا للحزين الكناني؛ وانظر ما مر من حواشي ص ٦٨.
[٤٠]
مجلس آخر [المجلس الأربعون:]
تأويل آية:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) ؛ [الأنفال: ٢٤].
فقال: ما معنى الحول بين المرء وقلبه؟ وهل يصحّ ما تأوّله قوم من أنّه يحول بين الكافر وبين الإيمان؟ وما معنى قوله:( لِما يُحْيِيكُمْ ) ؟ وكيف تكون الحياة في إجابته؟
الجواب، قلنا: أما قوله تعالى:( يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) ففيه وجوه:
أوّلها أن يريد بذلك أنّه تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت، وهذا حثّ من الله عز وجل على الطاعات والمبادرة بها قبل الفوت وانقطاع التّكليف، وتعذّر ما يسوّف به المكلّف نفسه من التوبة والإقلاع؛ فكأنه تعالى قال: بادروا إلى الاستجابة للّه وللرسول من قبل أن يأتيكم الموت فيحول بينكم وبين الانتفاع بنفوسكم وقلوبكم، ويتعذر عليكم ما تسوّفون به(١) نفوسكم من التوبة بقلوبكم. ويقوّي ذلك قوله تعالى:( وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (٢) .
وثانيها أن يحول بين المرء وقلبه بإزالة عقله وإبطال تمييزه، وإن كان حيّا، وقد يقال لمن فقد عقله وسلب تمييزه: إنّه بغير عقل(٣) ؛ قال الله تعالى:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ) ؛ [ق: ٣٧].
وقال الشاعر:
ولي ألف وجه قد عرفت مكانه |
ولكن بلا قلب إلى أين أذهب! |
وهذا الوجه يقرب من الأوّل؛ لأنه تعالى أخرج هذا الكلام مخرج الإنذار لهم،
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة) (فيه).
(٢) بقية الآية السابقة
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (بغير قلب).
والحث لهم(١) على الطاعات قبل فوتها، لأنه لا فرق بين تعذّر التوبة وانقطاع التكليف بالموت وبين تعذّرها بإزالة العقل.
وثالثها أن يكون المعنى المبالغة في الإخبار عن قربه من عباده وعلمه بما يبطنون ويخفون؛ وأنّ الضمائر المكنونة(٢) له ظاهرة، والخفايا المستورة لعلمه بادية؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى:
( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) ؛ [ق: ١٦]، ونحن نعلم أنه لم تعالى يرد بذلك قرب المسافة، بل المعنى الّذي ذكرناه.
وإذا كان عزّ وجل هو أعلم بما في قلوبنا منّا، وكان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه، ونسهو عنه، ونضلّ عن علمه - وكل ذلك لا يجوز عليه - جاز أن يقول: إنه يحول بيننا وبين قلوبنا؛ لأنه معلوم في الشاهد أن كل شيء يحول بين شيئين فهو أقرب إليهما.
ولما أراد تعالى المبالغة في وصف القرب خاطبنا بما نعرف ونألف؛ وإن كان القرب الّذي عناه جلّت عظمته لم يرد به المسافة، والعرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة؛ فيقولون: فلان أقرب إلى قلبي من فلان، وزيد مني قريب، وعمرو منّي بعيد؛ ولا يريدون المسافة.
ورابعها - ما أجاب به بعضهم - من أنّ المؤمنين كانوا يفكّرون في كثرة عدوّهم، وقلة عددهم، فيدخل قلوبهم الخوف، فأعلمهم تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه، بأن يبدّله بالخوف الأمن؛ ويبدّل عدوّهم - بظنهم أنهم قادرون عليهم وغالبون لهم - الجبن والخور.
ويمكن في الآية وجه خامس؛ وهو أن يكون المراد أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يدعوه إليه قلبه من القبائح؛ بالأمر والنهي والوعد والوعيد؛ لأنا نعلم أنه تعالى لو لم يكلف العاقل مع ما فيه من الشهوات والنفار لم يكن له عن القبيح مانع؛ ولا عن مواقعته رادع؛ فكأنّ التكليف حائل بينه وبينه؛ من حيث زجر عن فعله، وصرف عن مواقعته؛
____________________
(١) ساقطة من ف.
(٢) حاشية ف (من نسخة): (المكنومة).
وليس يجب في الحائل أن يكون في كل موضع مما يمتنع معه الفعل؛ لأنا نعلم أن المشير منّا على غيره في أمر كان قد همّ به وعزم على فعله أن يجتنبه. والمنبّه له على أنّ الحظ في الانصراف عنه يصح أن يقال: منعه(١) ، وحال بينه وبين فعله، قال عبيد الله بن قيس الرقيات(٢) :
حال دون الهوى ودو |
ن سري اللّيل مصعب |
|
وسياط على أكـ |
ـفّ رجال تقلّب |
ونحن نعلم أنه لم يحل إلاّ بالتخويف والترهيب دون غيرهما.
فإن قيل: كيف يطابق هذا الوجه صدر الآية؟
قلنا: وجه المطابقة ظاهر، لأنه تعالى أمرهم بالاستجابة للّه تعالى ولرسوله فيما يدعوان إليه من فعل الطاعات، والامتناع من المقبّحات، وأعلمهم أنه بهذا الدعاء والإنذار وما يجري(٣) مجراهما يحول بين المرء وبين ما تدعوه إليه نفسه من المعاصي؛ ثم إن المآب بعد هذا كلّه إليه والمنقلب إلى ما عنده؛ فيجازي كلاّ باستحقاقه.
فأما قوله تعالى:( إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) ففيه وجوه:
أوّلها أن يريد بذلك الحياة في النعيم(٤) والثواب، لأنّ تلك هي الحياة الطيبة الدائمة التي يؤمن من تغيّرها، ولا يخاف انتقالها، فكأنه تعالى حث على إجابته التي تكسب هذه الحال.
وثانيها أنّه يختص(٥) ذلك بالدعاء إلى الجهاد وقتال العدوّ، فكأنه تعالى أمرهم بالاستجابة للرسولعليهالسلام فيما يأمرهم به من قتال عدوّهم(٦) ؛ ودفعهم عن حوزة الإسلام
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (منعه منه).
(٢) حاشية الأصل: (كان جده شاعرا يشبب بجماعة من النساء، اسم كل واحدة منهن رقية؛ فأضيف إليهن).
(٣) حاشية ف (من نسخة): (وما جرى).
(٤) حاشية ف (من نسخة): (النعم).
(٥) ش: (أن يختص).
(٦) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف (الأعداء).
وأعلمهم أنّ ذلك يحييهم من حيث كان فيه قهر للمشركين، وتقليل لعددهم، وفلّ لحدّهم؛ وحسم لأطماعهم، لأنهم متى كثروا وقووا استلانوا جانب المؤمنين؛ وأقدموا عليهم بالقتل وصنوف المكاره؛ فمن هاهنا كانت الاستجابة لهعليهالسلام في القتال تقتضي الحياة والبقاء؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى:( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) ؛ [البقرة: ١٧٩].
وثالثها ما قاله قوم من أنّ كلّ طاعة حياة، ويوصف فاعلها بأنه حي، كما أن المعاصي يوصف فاعلها بأنه ميت، والوجه في ذلك أنّ الطائع لما كان(١) منتفعا بحياته، وكانت تؤديه إلى الثواب الدائم قيل: إن الطاعة حياة؛ ولما كان الكافر العاصي لا ينتفع بحياته؛ من حيث كان مصيره إلى العقاب الدائم كان في حكم الميّت؛ ولهذا يقال لمن كان منغّص(٢) الحياة، غير منتفع بها: فلان بلا عيش ولا حياة، وما جرى مجرى ذلك من حيث لم ينتفع بحياته.
ويمكن في الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالكلام الحياة بالحكم لا في الفعل؛ لأنا قد علمنا أنهعليهالسلام كان مكلّفا مأمورا بجهاد جميع المشركين المخالفين لملته وقتلهم، وإن كان فيما بعد كلّف ذلك فيمن عدا أهل الذمة على شرطها؛ فكأنه تعالى قال: استجيبوا للرسول ولا تخالفوه، فإنكم إذا خالفتم كنتم في الحكم غير أحياء، من حيث تعبّدعليهالسلام بقتالكم وقتلكم، فإذا أطعتم كنتم في الحكم أحياء؛ ويجري ذلك مجرى قوله تعالى:
( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ؛ [آل عمران: ٩٧]؛ وإنما أراد تعالى أنه يجب أن يكون آمنا؛ وهذا(٣) حكمه، ولم يخبر بأن ذلك لا محالة واقع.
فأما المجبرة فلا شبهة لهم في الآية، ولا متعلّق بها؛ لأنه تعالى لم يقل: إنه يحول بين المرء وبين الإيمان، بل ظاهر الآية يقتضي أنّه يحول بينه وبين أفعاله، وإنما يقتضي ظاهرها أنه يحول بينه وبين قلبه؛ وليس للإيمان ولا للكفر ذكر، ولو كان للآية ظاهر يقتضي
____________________
(١) ش: (إذا كان).
(٢) حاشية ف (من نسخة): (متكدر).
(٣) حاشية ف (من نسخة): (وهكذا حكمه).
ما ظنوه - وليس لها ذلك - لانصرفنا عنه بأدلة العقل الموجبة أنه تعالى لا يحول بين المرء وبين ما أمره به، وأراده منه، وكلّفه فعله؛ لأن ذلك قبيح، والقبائح عنه منفيّة.
***
[خبر حصن بن حذيفة مع أولاده حين طعنه كرز بن عامر:]
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال حدثني أحمد بن محمد الجوهري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن عمرو بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن عوف قال حدثني محمد بن خالد(١) بن عبد الله عن الحجاج السّلمي قال: لما اشتد بحصن ابن حذيفة بن بدر وجعه من طعنة كرز(٢) بن عامر إياه يوم بني عقيل دعا ولده فقال:
إن الموت أهون مما أجد، فأيّكم يطيعني؟ قالوا: كلنا نطيعك؛ فبدأ بأكبرهم فقال: قم فخذ سيفي واطعن به حيث آمرك، ولا تعجّل؛ قال: ياأبتاه: أيقتل المرء(٣) أباه! فأتى على القوم كلّهم، فأجابوه جواب(٤) الأول؛ حتى انتهى إلى عيينة فقال: ياأبتاه، أليس لك فيما تأمرني به راحة، ولي بذلك طاعة؛ وهو هواك؟ قال: بلى، قال: فمرني كيف أصنع، قال:
قم فخذ سيفي فضعه حيث آمرك(٥) ، ولا تعجّل، فقام فأخذ سيفه، ووضعه على قلبه، ثم قال: ياأبتاه، كيف أصنع؟ قال: ألق السيف؛ إنما أردت أن أعلم: أيّكم أمضى لما آمر به؛ فأنت خليفتي ورئيس قومك من بعدي، فقال القوم: إنه(٦) سيقول فيما كان بيتا، فاحضروه(٦) فلما أمسى قال:
ولّوا عيينة من بعدي أموركم |
واستيقنوا أنه بعدي لكم حام |
|
إما هلكت فإني قد بنيت لكم |
عزّ الحياة بما قدّمت قدّامي |
|
واستوسقوا للتى فيها مروءتكم |
قود الجياد، وضرب القوم في إلهام(٧) |
____________________
(١) ش: (عمر بن خالد).
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (كريز).
(٣) ش: (الرجل).
(٤) ف: (بجواب الأول). حاشية الأصل (من نسخة): (الجواب الأول).
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (كما أمرت به).
(٦ - ٦) م: (إنه سيقول في ذلك شيئا فيما بيننا، فأحضروه).
(٧) استوسقوا: انضموا واجتمعوا، وفي حاشية الأصل: (نصب (قود الجياد)، على تقدير فعل مضمر؛ كأنه قال: أعني قود الجياد).
والقرب من قومكم - والقرب ينفعكم - |
والبعد إن باعدوا، والرّمي للرّامي |
|
ولى حذيفة إذ ولى وخلّفني |
يوم الهباة يتيما وسط أيتام |
|
لا أرفع الطّرف ذلاّ عند مهلكة |
ألقى العدوّ بوجه خدّه دامي |
|
حتّى اعتقدت لوا قومي فقمت به |
ثمّ ارتحلت إلى الجفني بالشام |
|
لما قضى ما قضى من حقّ زائره |
عجت المطي إلى النّعمان من عامي |
|
أسمو لما كانت الآباء تطلبه |
عند الملوك فطرفي عندهم سامي |
|
والدّهر آخره شبه لأوّله |
قوم كقوم وأيّام كأيّام |
|
فابنوا ولا تهدموا فالنّاس كلّهم |
من بين بان إلى العليا وهدّام |
قال: ثم أصبح ودعا بني بدر، فقال: لوائي ورئاستي لعيينة؛ واسمعوا مني ما أوصيكم به:
لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر(١) ما أدركه الأول؛ وأنكحوا الكف ء(٢) الغريب؛ فإنه عزّ حادث؛ وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا؛ فإن كلّ مورد معروف؛ واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم؛ ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه؛ فإن الخلاف يزري بالرئيس المطاع؛ وإذا حاربتم فأوقعوا ثم قولوا صدقا؛ فإنه لا خير في الكذب، وصونوا الخيول، فإنها حصون الرجال؛ وأطيلوا الرماح؛ فإنها قرون الخيل؛ وأعزوا(٣) الكبير بالكبير؛ فإني بذلك كنت أغلب الناس، ولا تغزوا إلاّ بالعيون؛ ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح؛ وأعطوا على حسب المال، وأعجلوا الضيف بالقرى؛ فإن خيره أعجله، واتقوا فضحات البغي، وفلتات المزاح، ولا تجترءوا على الملوك؛ فإن أيديهم أطول من أيديكم؛ واقتلوا كرز بن عامر.
ومات حصن فأخذ عيينة الرّئاسة، وقال:
أطعت أبا عيينة في هواه |
فلم تخلج صريمتي الظّنون(٤) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (الأخير).
(٢) ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (الكفي).
(٣) س: (واغزو).
(٤) الصريمة: العزيمة والرأى. وفي حاشية الأصل: (يقال: اختلجته الظنون وتخالجته وخلجته، أي ظن، والشاعر يقول: لم تأخذني الظنون مآخذها إلى طعنه، ولم أظن ظنا).
وقد عرض الرّئيس على بنيه |
فقال القوم: هذا لا يكون |
|
ستحيا أو تموت، فطاولوه(١) |
وقتل المرء والده جنون |
|
فلم أقتل بحمد الله حصنا |
وكلّ فتى ستدركه المنون |
|
ولم أنكل عليه، وكلّ أمر |
إذا هوّنته يوما يهون |
|
فإن يك بدء هذا الأمر غثّا |
فآخره بني بدر سمين |
وحكى عمرو بن بحر الجاحظ أن اسم عيينة بن حصن حذيفة، وإنما أصابته اللّقوة(٢) فجحظت عينه؛ وزال فكّه، فسمي لذلك عيينة؛ وإذا عظمت عين الإنسان لقّبوه أبا عيينة، وأبا عيناء.
وروى قيس بن أبي حازم أن عيينة بن حصن دخل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: (هذا أحمق مطاع).
وروي أيضا أنه كان يدلع(٣) لسانه للحسين بن عليّعليهماالسلام وهو صبي، فيرى [الصبي](٤) لسانه، فيهشّ له، فقال له عيينة: ألا أراك(٥) تصنع هذا بهذا، فو الله إنه ليكون لي الابن رجلا قد خرج وجهه، ما قبّلته قطّ، فقال رسول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ((٦) إنه من لم يرحم لا يرحم(٦) ).
***
[عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة:]
ونعود إلى ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان؛ فمما يختار من شعره قوله من قصيدة أوّلها:
صحا بعد جهل فاستراحت عواذله |
وأقصرن عنه حين أقصر باطله |
|
ومن مدّ في أيامه فتأخّرت |
منيّته، فالشّيب لا شكّ شامله |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة):
* سيحيا أو يموت فطاولوه*
(٢) اللقوة: داء في الوجه يعوج منه الشدق.
(٣) يقال دلع لسانه وأدلعه إذا أخرجه.
(٤) تكملة من ش.
(٥) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (لا أراك).
(٦ - ٦) حاشية الأصل (من نسخة): (من لم يرحم لا يرحم).
يقول في المديح فيها:
هو المرء؛ أما دينه فهو مانع |
صئون(١) ، وأما ماله فهو باذله |
|
أمرّ وأحلى ما بلى النّاس طعمه |
عقاب أمير المؤمنين ونائله |
|
أبي لما يأبى ذوو الحزم والتّقى |
فعول إذا ما جدّ بالأمر فاعله |
|
تروك الهوى، لا السّخط منه ولا الرّضا |
لدى موطن إلاّ على الحقّ حامله(٢) |
|
يرى أنّ مرّ الحقّ أحلى مغبّة |
وأنجى ولو كانت زعافا مناهله |
|
فإنّ طليق الله من هو مطلق |
وإنّ قتيل الله من هو قاتله |
|
وإنّك بعد الله للحكم الّذي |
تصاب به من كلّ حقّ مفاصله |
أما قوله:
ومن مدّ في أيامه فتأخّرت |
منيّته، فالشّيب لا شكّ شامله |
فمأخوذ من قول طريح بن إسماعيل الثقفي:
والشّيب غاية من تأخّر حينه |
لا يستطيع دفاعه من يجزع |
والأصل في هذا قول أميّة بن أبي الصّلت:
من لم يمت عبطة يمت هرما |
وللموت كأس، والمرء ذائقها(٣) |
ويشبه ذلك قول الآخر:
قل لعرسي ليس شيبي بعجب |
من يعش ياأمّ عمار يشب |
ومثله قول أبي العتاهية:
من يعش يهرم، ومن يكبر يمت |
والمنايا لا تبالي من أتت(٤) |
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (مصون).
(٢) حاشية الأصل: (أي لا يحمد السخط ولا الرضا إلا على الحق).
(٣) عبطة؛ أي شابا صحيحا؛ كذا ذكره صاحب اللسان (في عبط)، واستشهد بالبيت. وفي نسخة ش: (فالمرء ذائقها).
(٤) ديوانه: ٣٩.
يشبهه قول البحتري:
ولا بدّ من ترك إحدى اثنتين |
فإمّا الشّباب وإما العمر(١) |
ويقاربه أيضا قوله:
والشّيب مهرب من جارى منيّته |
ولا نجاء له من ذلك الهرب(٢) |
وقريب منه قول ابن المعتز:
وقالت كبرت وانتضيت من الصّبا |
فقلت لها: ما عشت إلاّ لأكبرا(٣) |
ولبعضهم:
ولا بدّ من موت؛ فإما شبيبة |
وإمّا مشيب، والشبيبة أصلح |
معنى قوله: (والشبيبة أصلح) أنّ الإنسان إذا مات شابا كان أكثر للحزن عليه والأسف على مفارقته، فإذا أسنّ برم به أهله، وهان عليهم فقده.
فأما قوله:
هو المرء، أما دينه فهو مانع |
صئون، وأما ماله فهو باذله |
فمعناه متكرر في الشعر كثير جدا.
وأحسن شعر جمع بين وصف الممدوح؛ بمنع ما يجب منعه، وبذل ما يجب بذله قول مسلم بن الوليد:
يذكّر نيك الجود والبخل والنّهى |
وقول الخنا والحلم والعلم والجهل(٤) |
|
فألقاك عن مذمومها متنزّها |
وألقاك في محمودها ولك الفضل |
|
وأحمد من أخلاقك البخل إنه |
بعرضك - لا بالمال حاشا لك - البخل |
____________________
(١) ديوانه: ١: ٢١٩
(٢) ديوانه ١: ٣٠
(٣) ديوانه: ١: ٣١، وانتضيت من الصبا، أي خلع عنك صباك.
وقد أحسن البحتري في قوله:
بلونا ضرائب من قد نرى |
فما إن وجدنا لفتح ضريبا(١) |
|
تنقّل في سلفي(٢) سؤدد |
سماحا مرجّى وبأسا مهيبا |
|
فكالسّيف إن جئته صارخا |
وكالبحر إن جئته مستثيبا |
فأما قوله:
تروك الهوى، لا السخط منه ولا الرّضا |
لدى موطن إلاّ على الحقّ حامله |
فمعنى متداول(٣) مطروق في الشعر، وقد كرّره هو في قوله:
إذا هنّ ألقين الرّحال ببابه |
حططن به ثقلا، وأدركن مغنما(٤) |
|
إلى طاهر الأخلاق، ما نال في رضا |
ولا غضب مالا حراما ولا دما(٥) |
وأحسن من هذا قول أبي تمّام في محمد بن عبد الملك:
ثبت الخطاب إذا اصطكّت بمظلمة |
في رحله ألسن الأقوام والرّكب(٦) |
|
لا المنطق اللّغو يزكو في مقاومه |
يوما، ولا حجّة الملهوف تستلب |
|
كأنّما هو في نادي قبيلته |
لا القلب يهفو ولا الأحشاء تضطرب |
|
وتحت ذاك قضاء حزّ شفرته |
كما يعضّ بظهر الغارب القتب(٧) |
|
لا سورة تتّقى منه ولا بله |
ولا يخاف(٨) رضا منه ولا غضب |
____________________
(١) ديوانه ١: ٥١، من قصيدة يمدح فيها الفتح بن خاقان وزير المتوكل وبعاتبه، ومطلعها:
لوت بالسلام بنانا خضيبا |
ولحظا يشوق الفؤاد الطروبا |
ومن نسخة بحاشية الأصل: (فما إن رأينا لفتح ضريبا).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (خلقي سؤدد)؛ وهي رواية الديوان.
(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (فمبذول).
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (وأدين مغنما)،
(٥) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (طاهر الأثواب).
(٦) ديوانه: ٤٨ - ٤٩. وفي م: (ثبت الجنان).
(٧) الغارب: الكاهل. القتب: ما يوضع على ظهر الرحل.
(٨) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (ولا يخيف).
ومثله قول البحتري في ابن الزّيات أيضا:
وجّه الحقّ بين أخذ وإعطا |
وقصد في الجمع والتّبديد(١) |
|
واستوى النّاس فالقريب قريب |
عنده، والبعيد غير بعيد |
|
لا يميل الهوى به حين يمضي ال |
أمر بين المقلي والمودود |
|
وسواء لديه أبناء إبرا |
هيم في حكمه وأبناء هود(٢) |
|
مستريح الأحشاء من كلّ ضغن |
بارد الصّدر من غليل الحقود |
فأما قوله:
* وإنّ قتيل الله من هو قاتله*
فيشبه أن يكون مأخوذا من قول يزيد بن مفرّغ في عبيد الله بن زياد:
إنّ الّذي عاش ختّارا بذمّته |
ومات عبدا قتيل الله بالزّاب(٣) |
أما قوله:
وإنك بعد الله للحكم الّذي |
تصاب به من كل حقّ مفاصله |
[أبيات أبي تمام في وصف القلم:]
فيشبه قول أبي تمام يصف القلم، من قصيدة يمدح بها ابن الزيات، وأجمع العلماء أنّ هذه الأبيات أحسن وأفخم من جميع ما قيل في القلم:
لك القلم الأعلى الّذي بشباته |
تصاب من الأمر الكلى والمفاصل(٤) |
|
له الخلوات اللاّئي لولا نجيّها |
لما احتفلت للملك تلك المحافل |
____________________
(١) ديوانه ١: ٢٠٥.
(٢) أبناء إبراهيم: العدنانيون، وأبناء هود: القحطانيون.
(٣) الزاب: موضع قريب من أذربيجان؛ وقتيل الزاب هو عبيد الله بن زياد ابن أبيه؛ قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد؛ ويقال: إن إبراهيم بن الأشتر حمل على كتيبته فانهزموا، ولقي عبيد الله فضربه فقتله؛ والبيت في الأغاني ١٧: ٦٨، وبعده:
العبد للعبد، لا أصل ولا طرف |
ألوت به ذات أظفار وأنياب |
(٤) ديوانه: ٢٥٧. الشباة هنا: حد القلم، والكلى: جمع كلية أو كلوة.
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه |
وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل(١) |
|
له ريقة طلّ، ولكنّ وقعها |
بآثاره في الشّرق والغرب وابل(٢) |
|
فصيح إذا استنطقته وهو راكب، |
وأعجم إن خاطبته وهو راجل |
|
إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت |
عليه شعاب الفكر وهي حوافل(٣) |
|
أطاعته أطراف القنا، وتقوّضت |
لنجواه تقويض الخيام الجحافل |
|
إذا استغزر الذّهن الذّكي وأقبلت |
أعاليه في القرطاس وهي أسافل |
|
وقد رفدته الخنصران وسدّدت(٤) |
ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل |
|
رأيت جليلا شأنه وهو مرهف |
ضنى، وسمينا خطبه وهو ناحل |
____________________
(١) الأري: العسل. اشتارته: استخرجته. عواسل: جمع عاسلة؛ والعاسل: مستخرج العسل.
(٢) الطل في الأصل: المطر القليل. والوابل: المطر الكثير.
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (جعل القلم ممتطيا الأنامل؛ لأنهن يحملنه وإن علونه؛ ولو جعل القلم مطية للأنامل لأنها تعلوه لجاز وحسن. وقوله: (أفرغت عليه شعاب الفكر) دلالة قوية على أن للفكر مطية؛ وبعد فهو منقول من قول أحمد بن يوسف وعمرو بن مسعدة: (الأقلام مطايا الفطن).
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (شددت).
[٤١]
مجلس آخر [المجلس الحادي والأربعون:]
تأويل آية:( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ ) ؛ [التكوير: ٢٦ - ٢٩].
فقال: ما تأويل هذه الآية؟ أوليس ظاهرها يقتضي أنّا لا نشاء شيئا إلا والله تعالى شاء له، ولم يخصّ إيمانا من كفر، ولا طاعة من معصية؟
الجواب، قلنا: الوجه المذكور في هذه الآية، أنّ الكلام متعلّق بما تقدّمه من ذكر الاستقامة؛ لأنه تعالى قال:( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ) ؟ ثم قال:( وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ ) ؛ أي لا تشاءون الاستقامة إلاّ والله تعالى مريد لها؛ ونحن لا ننكر أن يريد الله تعالى الطاعات؛ وإنما أنكرنا إرادته المعاصي؛ وليس لهم أن يقولوا:
تقدّم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها؛ ولا يمنع من عمومه؛ كما أن السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتى لا يتعدّاه؛ وذلك أن الّذي ذكروه إنما يجب فيم يستقل بنفسه من الكلام دون ما لا يستقل.
وقوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله لا ذكر للمراد فيه؛ فهو غير مستقل بنفسه؛ وإذا علّق بما تقدم من ذكر الاستقامة استقلّ؛ على أنه لو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنوه - وليس لها ذلك - لوجب الانصراف عنه بالأدلة الثابتة؛ على أن الله تعالى لا يريد المعاصي ولا القبائح؛ على أن مخالفينا في هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم؛ لأن العباد قد يشاءون عندهم ما لا يشاؤه الله تعالى؛ بأن يريدوا الشيء ويعزموا عليه، فلا يقع لمنع أو غيره؛ وكذلك قد يريد النبيعليهالسلام من الكفار الإيمان، وتعبّدنا بأن نريد من المقدم على القبيح تركه؛ وإن كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم أنه لا يقع؛ فلا بد لهم
من تخصيص الآية؛ فإذا جاز لهم ذلك بالشّبهة جاز لنا مثله بالحجة؛ وتجري هذه الآية مجرى قوله تعالى:( إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) ؛ [المزمل: ١٩]،( وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله ) ، [الإنسان: ٣٠]، وقوله تعالى:( وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله ) ، [المدثر: ٥٦]، في تعلّق الكلام بما قبله.
فإن قالوا: فالآية تدل على مذهبنا وبطلان مذهبكم(١) من وجه آخر؛ وهو أنه عز وجل قال:( وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله ) ؛ وذلك يقتضي أنه يشاء الاستقامة في حال مشيئتنا لها؛ لأن (أن) الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال؛ وهذا يوجب أنه يشاء أفعال العباد في كل حال، ويبطل ما تذهبون إليه من أنه إنما يريد الطاعات في حال الأمر.
قلنا: ليس في ظاهر الآية ألاّ نشاء إلاّ ما شاءه الله تعالى في حال مشيئتنا كما ظننتم؛ وإنما يقتضي حصول مشيئته لما نشاؤه من الاستقامة من غير ذكر لتقدم ولا تأخر؛ ويجري ذلك مجرى قول القائل: ما يدخل زيد هذه الدار إلا أن يدخلها عمرو؛ ونحن نعلم أنه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما في حال واحدة؛ بل لا يمتنع أن يتقدّم دخول عمرو، ويتلوه دخول زيد، و (أن) الخفيفة وإن كانت للاستقبال على ما ذكروه، فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها؛ لأن تقدير الكلام: وما تشاءون الطاعات إلا بعد أن يشاء الله تعالى، ومشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال(٢) .
وقد ذهب أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائي إلى أنه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالا بعد حال؛ وإن كان قد أرادها في حال الأمر؛ كما يصحّ أن يأمر بها أمرا بعد أمر؛ قال: لأنه قد يصحّ أن يتعلّق بإرادته ذلك منا بعد الأمر وفي حال الفعل مصلحة؛ ويعلم تعالى أنّا نكون متى علمنا ذلك كنا إلى فعل الطاعات أقرب، وعلى هذا المذهب لا يعترض بما ذكروه.
____________________
(١) حاشية ف (من نسخة): (مذاهبكم).
(٢) حاشية ف (من نسخة): (حال استقبال).
والجواب الأول واضح إذا لم نذهب إلى مذهب أبي عليّ في هذا الباب؛ على أنّ اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم؛ لأن الكلام إذا اقتضى حدوث المشيئة واستقبالها بطل قول من قال منهم: إنه مريد لنفسه، أو مريد بإرادة قديمة، وصحّ ما تقوله من إنّ إرادته متجدّدة محدثة.
ويمكن في تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إياها على العموم؛ من غير أن نخصها بما تقدّم ذكره من الاستقامة؛ ويكون المعنى: وما تشاءون شيئا من فعالكم إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئته، وإقداركم عليها والتخلية بينكم وبينها؛ وتكون الفائدة في ذلك الإخبار عن الافتقار إلى الله تعالى؛ وأنه لا قدرة للعبد على ما لم يقدّره الله تعالى عزّ وجل، وليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه؛ لأن ما تتعلّق به المشيئة في الآية محذوف غير مذكور؛ وليس لهم أن يعلقوا قوله تعالى:( إِلاّ أَنْ يَشاءَ الله ) بالأفعال دون تعلقه بالقدرة؛ لأن كل واحد من الأمرين غير مذكور، وكل هذا واضح بحمد الله.
***
[عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة:]
ونعود إلى ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان؛ فمما يختار قوله من قصيدة أوّلها:
طرقتك زائرة، فحي خيالها |
بيضاء تخلط بالحياء دلالها |
يقول فيها:
مالت(١) بقلبك فاستقاد ومثلها |
قاد القلوب إلى الصّبا فأمالها |
|
وكأنّما طرقت بنفحة روضة |
سحّت بها ديم الرّبيع ظلالها |
|
باتت تسائل في المنام معرّسا(٢) |
بالبيد أشعث لا يملّ سؤالها |
|
في فتية هجعوا غرارا بعد ما |
سئموا مراعشة السّرى ومطالها |
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (ملكت).
(٢) التعريس: النزول في آخر الليل
فكأنّ حشو ثيابهم هنديّة |
نحلت وأغفلت العيون صقالها |
المراعشة(١) : تحريك الرأس في السّير من النوم.
أما ذكره في أول القصيدة طروق الطيف؛ فإنه لم يأت فيه بمعنى غريب؛ ولا لفظ مستعذب؛ وقد قال الناس في الطّيف والخيال فأكثروا، وقد سبق في ذلك قيس بن الخطيم إلى معنى؛ كلّ الناس فيه عيال عليه، وهو قوله:
أنّى سربت وكنت غير سروب! |
وتقرّب الأحلام غير قريب(٢) |
|
ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه |
في النّوم غير مصرّد محسوب |
|
كان المنى بلقائها فلقيتها |
فلهوت من لهو امرئ مكذوب |
وقد أحسن جرير في قوله:
أننسى إذ تودّعنا سليمى |
بفرع بشامة، سقى البشام(٣) |
|
بنفسي من تجنّيه(٤) عزيز |
عليّ، ومن زيارته لمام |
|
ومن أمسى وأصبح لا أراه |
ويطرقني إذا هجع النّيام |
وهذه الأبيات وإن خلت من معنى في ذكر الطيف غريب، فلم تخل من لفظ مستعذب.
ولأبي عبادة البحتري في وصف الخيال الفضل على كل متقدّم ومتأخّر؛ فإنه تغلغل في
____________________
(١) حاشية الأصل: (في نسخة الشجري: قال السيد المرتضىرضياللهعنه : المراعشة في الأصل:
تحريك الرأس في السير من النوم) وفيها أيضا: (الرعش: المشي الضعيف، من الإعياء وغيره).
(٢) ديوانه: ٥، وحماسة ابن الشجري ١٨٩، واللآلئ: ٥٢٤. وانظر ص ٣٩٣ من هذا الجزء.
(٣) ديوانه: ٥١٢، مع اختلاف في ترتيب الأبيات. والبشامة: واحدة البشام؛ وهو شجر ذو أفنان وورق صغير؛ إذا قصفت غصونه سال منها سائل أبيض كاللبن؛ يتخذ منه سواك؛ يريد أنها أشارت بسواكها تودعه؛ ولم تتكلم مخافة الرقباء.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (تجنبه) وهي رواية الديوان. ولمام: قليل.
أوصافه، واهتدى من معانيه إلى ما لا يوجد لغيره، وكان مشغولا بتكرار القول فيه لهجا بإبدائه وإعادته؛ وإن كان لأبي تمام في ذلك مواضع لا يجهل فضلها، ومحاسن لا يبلغ شأوها؛ فمما لأبي تمام قوله:
زار الخيال لها، لا بل أزاركه |
فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم(١) |
|
ظبي تقنّصته لما نصبت له |
من آخر اللّيل أشراكا من الحلم |
|
ثمّ اغتدى، وبنا من ذكره سقم |
باق، وإن كان مشغولا(٢) من السّقم |
وقوله:
عادك الزّور ليلة الرّمل من رم |
لة بين الحمى وبين المطالي(٣) |
|
ثم ما زارك الخيال ولك |
نّك بالفكر زرت طيف الخيال |
وقوله:
اللّيالي أحفى بقلبي إذا ما |
جرحته النّوى من الأيام |
|
يالها لذّة تنزّهت الأر |
واح فيها سرّا من الأجسام |
|
مجلس لم يكن لنا فيه عيب |
غير أنّا في دعوة الأحلام |
فأما البحتري فقوله في هذا المعنى أكثر من أن يذكر جميعه هاهنا؛ غير أنا نشير إلى نادره، فمن ذلك قوله:
فلا وصل إلاّ أن يطيف خيالها |
بنا تحت جؤشوش من اللّيل أسفع(٤) |
|
ألمت بنا بعد الهدوّ فسامحت |
بوصل متى تطلبه في الجدّ تمنع |
|
وما برحت حتّى مضى الليل وانقضى |
وأعجلها داعي الصّباح الملمّع |
|
فولّت كأنّ البين يخلج شخصها |
أوان تولّت من حشاي وأضلعي(٥) |
____________________
(١) ديوانه: ٢٦٨.
(٢) د؛ ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (معسولا؛ أي وإن كان ذلك السقم حلوا كالعسل).
(٣) المطالي: موضع.
(٤) ديوانه: ٢: ٧٨. وفي حاشية الأصل: (الجؤشوش: الصدر؛ وكذلك الجوش والجوشن.
أسفع: أسود).
(٥) حاشية الأصل: (الخلج: الجذب؛ يقول: كأن البين يخلجها من حشاي وأضلعي).
وربّ لقاء لم يؤمّل وفرقة |
لأسماء لم تحذر ولم تتوقّع |
|
أراني لا أنفك في كلّ ليلة |
تعاود فيها المالكيّة مضجعي |
|
أسرّ بقرب من ملمّ مسلّم |
وأشجى ببين من حبيب مودّع |
|
فكائن لنا بعد النّوى من تفرّق |
ترجّيه أحلام الكرى، وتجمّع |
وكقوله:
وإنّي وإن ضنّت عليّ بودّها |
لأرتاح منها للخيال المؤرّق(١) |
|
يعزّ على الواشين لو يعلمونها |
ليال لنا نزدار فيها ونلتقي |
|
فكم غلّة للشّوق أطفأت حرّها |
بطيف متى يطرق دجى الليل يطرق |
|
أضمّ عليه جفن عيني تعلّقا |
به عند إجلاء النّعاس المرنّق |
وقوله:
بلى وخيال من أثيلة كلّما |
تأوّهت من وجد تعرّض يطمع(٢) |
|
إذا زورة منه تقضّت مع الكرى |
تنبّهت من وجد له أتفزّع |
|
ترى مقلتي ما لا ترى في لقائه |
وتسمع أذني رجع ما ليس تسمع |
|
ويكفيك من حقّ تخيّل باطل |
تردّ به نفس اللهيف فترجع |
وقوله:
إذا ما الكرى أهدى إلي خياله |
شفى قربه التبريح أو نقع الصّدى(٣) |
|
إذا انتزعته من يدي انتباهة |
عددت حبيبا راح منّي أو غدا |
|
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا |
نعذّب أيقاظا وننعم هجّدا |
وقوله:
فما نلتقي إلاّ على حلم هاجد |
يحلّ لنا جدواك وهي حرام(٤) |
____________________
(١) ديوانه: ٢: ١٢٢.
(٢) ديوانه ٢: ٨٧؛ وفيه: (وخيال من قتيلة).
(٣) ديوانه ١: ١٧٤.
(٤) ديوانه ٢: ٢٤٩.
إذا ما تباذلنا النّفائس خلتنا |
من الجدّ أيقاظا ونحن نيام(١) |
وقوله:
وليلة هوّمنا على العيس أرسلت |
بطيف خيال يشبه الحقّ باطله(٢) |
|
فلولا بياض الصّبح طال تشبّثي |
بعطفي غزال بتّ وهنا أغازله |
وقوله:
أمنك تأوّب الطّيف الطّروب |
حبيب جاء يهدى من حبيب(٣) |
|
تخطّى رقبة الواشين كرها(٤) |
وبعد مسافة الخرق المجوب |
|
يكاذبني وأصدقه ودادا |
ومن كلف مصادقة الكذوب |
وقوله:
ما تقضّى لبانة عند لبنى |
والمعنّى بالغانيات معنى(٥) |
|
هجرتنا يقظى وكادت على مذ |
هبها(٦) في الصّدود تهجر وسنى |
|
بعد لأي وقد تعرّض منها |
طائف عرّجت على الرّكب وهنا |
قال المرتضىرضياللهعنه : ووجدت أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي مع ميله إلى البحتري وانحطاطه في شعبه، واجتهاده في تأويل ما أخذ عليه من خطأ وزلل يزعم أن البحتري أخطأ في قوله:
هجرتنا يقظى وكادت على مذ |
هبها في الصّدود تهجر وسنى |
قال: خ خ لأن(٧) خيالها يتمثل له في كل أحوالها؛ يقظى كانت أو وسنى. قال: خ خ ولكنّ الجيد في هذا المعنى قوله:
____________________
(١) حاشية الأصل: (في نسخة س: قرأت في ديوانه على شيخي: (خلتنا)، بضم التاء.
(٢) ديوانه ٢: ١٦٢.
(٣) ديوانه ١: ٨٤.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (وهنا)؛ وهي رواية الديوان.
(٥) ديوانه ٢: ٢٩٠.
(٦) في الديوان: (عادتها):
(٧) الموازنة بين أبي تمام والبحتري: ١٨٨.
أردّ دونك يقظانا ويأذن لي |
عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا |
قال: خ خ والّذي أوقع البحتري في هذا الغلط قول قيس بن الخطيم:
ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه |
في النّوم غير مصرّد محسوب |
وكان الأجود أن يقول: ما تمنعي في اليقظة فقد تؤتينه في النوم، أي ما تمنعينه في يقظتي فقد تؤتينه في حال نومي؛ حتى يكون النوم واليقظة منسوبين إليه؛ لأن خيال المحبوب يتمثّل في حال نومه ويقظته جميعا، قال: إلاّ أنه يتّسع من التأويل في هذا لقيس ما لا يتّسع للبحتري لأن قيسا قال: (فقد تؤتينه في النوم) ولم يقل نائمة؛ وقد يجوز أن يحمل على أنه أراد:
ما تمنعي يقظى وأنا يقظان؛ فقد تؤتينه في النوم، أي في نومي؛ ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري لأنه قال: (وسنى) ولم يقل في الوسن.
قال سيّدنا أدام الله علوّه: وقد يمكن من التأويل للبحتري ما أمكن مثله لقيس؛ لكنّ الآمدي قد ذهب عن ذلك؛ لأن البحتري لما قال: (وسنى) دلّ على حال الوسن؛ والحال المعهودة للوسن حال يشترك الناس فيها في النوم بالعادة، كما أنّ الحال المعهودة لليقظة حال مشتركة بالعادة؛ فقوله: (وسنى) ينبئ عن كونه هو أيضا نائما؛ وإنما أراد المقابلة في زنة اللفظ بين يقظى ووسنى.
وقوله: (يقظى) متى لم يحمل أيضا على هذا المعنى لم يصحّ؛ لأنه لا بدّ أن يريد بذلك:
هجرتنا في أحوال اليقظة؛ ويكون معنى (يقظى) يتعدّى إليه؛ ألا ترى أن الآمدي حمل قول قيس: (يقظى) على معنى: (وأنا يقظان) وإن لم يبيّن الوجه!؛ فكيف ذهب عليه مثل ذلك في قول البحتري!
وقوله: (وسنى) و (يقظى) مثل قول قيس: (يقظى)، ولو مكّن قيسا وزن الشعر من أن يقول؛ (وسنى) في مقابلة: (يقظى) لقاله وما عدل عنه إلى النوم؛ لأنه لم يكن عليه في (وسنى) إلا ما عليه في (يقظى)، وما يتأوّل له في أحد الأمرين يتأوّل له في الآخر.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ولي في الخيال وطروقه معنى ما علمت أنه سبق إليه، من جملة قصيدة:
وزور تخطّى جنوب الملا |
فناديت أهلا بذا الزّائر |
|
أتاني هدوّا وعين الرّقي |
ب مطروفة بالكرى الغامر |
|
فأعجب به يسعف الهاجعين |
وتحرمه مقلة السّاهر |
|
وعهدي بتمويه عين المحبّ |
ينمّ على قلبه الطّائر |
|
فلمّا التقينا برغم الرّقا |
د موّه قلبي على ناظري |
ومعنى البيت الآخر أن الأحلام إنما هي اعتقادات تحصل في القلب لا حقيقة لأكثرها؛ لأن الإنسان يعتقد أنه راء لما لا يراه على الحقيقة، ومدرك لما ليس بمدركه على الحقيقة؛ فالقلب يخيّل في النوم للعين ما لا حقيقة له؛ كما أنّ العين تخيّل في كثير من الأحوال للقلب ما لا حقيقة له.
فأما قول مروان:
* فكأنّما طرقت بنفحة روضة* البيت
فيشبه أن يكون مأخوذا من قول نهشل بن حرّي(١) :
طرقت أسيماء الرّحال ودونها |
ثنيان من ليل التّمام الأسود(٢) |
|
ومفاوز وصل الفلاة جنوبها |
بجنوب أخرى، غير أن لم تعقد |
____________________
(١) حاشية الأصل: (منسوب إلى الحرة؛ موضع فيه حجارة سود).
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (الثني: واحد أثناء الشيء أي تضاعيفه، وثني الوادي والجبل:
منعطفه). ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (بينان)؛ وهو مثنى بين؛ والبين: القطعة من الأرض على مد البصر. ومن نسخة أيضا:
* نقيان من رمل الثّمام الأسود*
وفي حاشيتي الأصل، ف: (يقال: ولد المولود لتمام، وقمر تمام [بفتح التاء وكسرها]، وليل التمام، بالكسر لا غير؛ وهي أطول ليلة في السنة).
رمل إذا أيدي الرّكاب قطعنه |
قرعت مناسمها بقفّ قردد(١) |
|
وكأنّ ريح لطيمة هنديّة |
وذكي جادي بنصع مجسد(٢) |
|
وندى خزامى الجوّ، جوّ سويقة |
طرق الخيال به بعيد المرقد(٣) |
أو من قول الآخر:
طرقتك زينب والمزار بعيد |
بمنى ونحن معرّسون هجود(٤) |
|
فكأنّما طرقت بريّا روضة |
أنف يسحسح مزنها ويجود(٥) |
وهذا المعنى كثير في الشعر المتقدم والمتأخر جدّا.
فأما قوله:
* باتت تسائل في المنام معرّسا*
البيت، والبيتان اللذان بعده؛ فقد قال الناس في وصف قلة النوم، ومواصلة السّرى، والإدلاج، وشعث السارين فأكثروا، فمن أحسن ما قيل في ذلك قول لبيد:
ومجود من صبابات الكرى |
عاطف النّمرق صدق المبتذل(٦) |
____________________
(١) الركاب: الإبل؛ والمناسم: جمع منسم كمجلس: خف البعير. والقف: ما ارتفع من الأرض وغلظ. والقردد: الغليظ المرتفع.
(٢) اللطيمة: العير التي تحمل الطيب والمسك. والجادي:
الزعفران. والنصع: الثوب الأبيض. والمجسد: المصبوغ بالزعفران.
(٣) الخزامي: نبت طيب الريح. وجوّ سويقة: موضع بالصمان.
(٤) يقال: عرس القوم بالمكان وأعرسوا؛ إذا نزلوا في آخر الليل للاستراحة.
(٥) روضة أنف: لم ترع. ويسحسح: يسيل. والجود: المطر الغزير.
(٦) ديوانه ٢: ١٣. المجود: الّذي يجهد من النعاس؛ كذا ذكره صاحب اللسان، واستشهد بالبيت.
وفي حاشية الأصل: (المجود الّذي سقي الجود؛ وهو المطر؛ والمعنى هنا على التشبيه؛ كأن النوم جاده؛ أي مطره. والصبابات: جمع صبابة؛ وهي البقية. والنمرقة، مثلثة: الطنفسة فوق الرحل. وصدق المبتذل: جلد قوي لا يتغير عند ابتذله نفسه ولا يسقط؛ والمبتذل: مصدر بمعنى الابتذال؛ وهو ضد الصيانة).
قال هجّدنا فقد طال السّرى |
وقدرنا إن خنى الدّهر غفل(١) |
|
قلّما عرّس حتّى هجته |
بالتّباشير من الصّبح الأول(٢) |
|
يلمس الأحلاس في منزله |
بيديه كاليهودي المصلّ(٣) |
|
يتمارى في الّذي قلت له |
ولقد يسمع قولي حيّهل(٤) |
ومن ذلك قول ذي الرمة:
وليل كأثناء الرّوبزي جبته |
بأربعة، والشّخص في العين واحد(٥) |
- والرّويزي، هو الطيلسان. وقد روي أيضا: (كجلباب العروس ادّرعته)؛ وكل ذلك وصف له بالسواد؛ لأن الطيلسان أسود، وجلباب العروس أخضر، والعرب تجمع بين الخضرة والسواد -
أحمّ علافي، وأبيض صارم، |
وأعيس مهري، وأشعث ماجد(٦) |
____________________
(١) هجدنا؛ من التهجيد؛ وهو هنا بمعنى النوم؛ أي دعنا ننام. والسرى: سير عامة الليل وقدرنا، أي وقدرنا على ورود الماء، أو قدرنا على التهجيد، أو على السير. وخنى الدهر: آفته وفساده؛ أي إن غفل عنا فساد الدهر فلم يعقنا.
(٢) قلما؛ ما المتصلة بقل كافة لها عن طلب الفاعل؛ وتجعلها بمنزلة ما النافية في الأغلب؛ وهنا لإثبات القلة. والتعريس: النزول في آخر الليل للاستراحة: وهجته:
أيقظته من النوم، وهاج يهيج: يجئ لازما ومتعديا. وبالتباشير، أي بظهورها. والتباشير: أوائل الصبح، جمع تبشير. والأول: صفة التباشير؛ وهو جمع أولى مؤنث الأول.
(٣) يلمس الأحلاس؛ يطلبها، والأحلاس: جمع حلس؛ وهو كساء رقيق يكون على ظهر البعير تحت رحله. وقوله: (كاليهودي المصل)؛ قال في حاشية الأصل: (شبهه باليهودي لأنه يسجد على شق وجهه، وأصل ذلك أنهم لما نتق الجبل فوقهم قيل لهم: إما أن تسجدوا وإما أن يلقى عليكم، فسجدوا على شق واحد مخافة أن يسقط عليهم الجبل؛ فصار عندهم سنة إلى اليوم). وكذا جاء في شرح الطوسي.
(٤) التماري: المجادلة. وحيهل: اسم فعل بمعنى أسرع وعجل؛ وهذه الأبيات أوردها صاحب الخزانة (٢: ٢٨) نقلا عن الغرر.
(٥) ديوانه: ١٢٩. أي لا تتفاوت الشخوص والألوان فيه لظلمته.
(٦) يقول: جبت الليل بأربعة؛ ثم فسر الأربعة فقال: أحم أسود؛ ويعني به الرحل، وعلافي:
منسوب إلى علاف؛ وهو رجل من قضاعة. والأبيض الصارم: السيف القاطع. والأعيس: الأبيض، يعني بعيره. والماجد: الكثير المفاخر؛ وفي حاشية الأصل: (الإبل المهرية: منسوبة إلى مهرة بن حيدان، -
أخو شقّة جاب الفلاة بنفسه |
على الهول حتّى طوّحته المطارد(١) |
|
وأشعث مثل السّيف قد لاح جسمه |
وجيف المهاري والهموم الأباعد(٢) |
|
سقاه الكرى كأس النّعاس فرأسه |
لدين الكرى من آخر الليل ساجد |
|
أقمت له صدر المطي فما درى |
أجائرة أعناقها أم قواصد! |
|
ترى النّاشئ الغرّيد يضحى كأنه |
على الرّحل ممّا منّه السّير عاصد(٣) |
ومن ذلك قول أبي حيّة النميري:
وأغيد من طول السّرى برّحت به |
أفانين نهّاض على الأين مرجم(٤) |
|
سريت به حتّى إذا ما تمزّقت |
توالى الدّجى عن واضح اللّون معلم |
|
أنخنا فلمّا أن جرت في دماغه |
وعينيه كأس النّوم قلت له: قم |
|
فما قام إلاّ بين أيد تقيمه |
كما عطفت ريح الصّبا خوط ساسم(٥) |
|
خطا الكره مغلوبا كأنّ لسانه |
لما ردّ من رجع لسان المبلسم |
|
وودّ بوسطى الخمس منه لو أنّنا |
رحلنا وقلنا في المناخ له: نم(٦) |
____________________
- والجمع المهاري، ثم تخفف فيقال: مهاري، وتفتح الراء فيقال: مهارى، تشبيها بصحارى وعذارى، وأصله صحاري وعذاري، فمنهم من يحذف الياء فيقول صحارى [بالكسر]، ومنهم من يحذف الأولى ويجعل الثانية ألفا فيقول صحارى [بالفتح] لتسلم الألف من الحذف عند التنوين، ومن يحذف الثانية يقول: صحار كجوار).
(١) جاب الفلاة: قطعها. وطوحته: أبعدته. وفي الديوان: (لوحته). وفي حاشية الأصل: (المطارد: المواضع التي يطرد فيها. ويجوز أن يكون جمع مطرد). وفي الديوان: (المطاود).
وفي شرحه: (المطاود: الذهاب في الأسفار).
(٢) أشعث، يعني صاحبه، يشبهه بالسيف في ضموره ودقته؛ والوجيف: نوع من السير.
(٣) الناشئ: الشاب. والغريد: ذو الصوت الحسن.
وفي حاشية الأصل. (العاصد من الإبل: الّذي يلوي عنقه إلى حاركه عند الموت. والعصد: اللي).
(٤) المرجم: الرجل الشديد، كأنه يرمي به معاديه.
(٥) الساسم: نوع من الشجر؛ قيل هو الآبنوس.
(٦) بوسطى الخمس؛ أي بدل قطع الوسطى؛ وفي حاشية الأصل: (يروى (بجدع الأنف)، ويروى: (بقطع الخمس).
[٤٢]
مجلس آخر [المجلس الثاني والأربعون:]
تأويل آية:( أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ) ؛ [هود: ٢٠].
فقال: أي معنى الاختصاص (الأرض) بالذكر وهم لا يفوتون الله تعالى ولا يعجزونه، ولا يخرجون عن قبضته على كل حال، وفي كل مكان؟ ولم نفى الأولياء عنهم، وقد نجد أهل الكفر يتولّى بعضهم بعضا وينصرونهم ويحمونهم من المكاره؟ وكيف نفى استطاعتهم للسمع والإبصار، وأكثرهم قد كان يسمع بأذنه ويرى بعينه؟
الجواب، قلنا: أمّا الوجه في اختصاص الذكر بالأرض، فلأنّ عادة العرب جارية بقولهم للمتوعّد: لا مهرب لك مني، ولا وزر، ولا نفق، والوزر: الجبل، والنّفق: السّرب، وكلّ ذلك مما يلجأ إليه الخائف المطلوب، فكأنه تعالى نفى أن يكون لهؤلاء الكفار عاصم منه، ومانع من عذابه؛ وأن جبال الأرض وسهولها لا تحجز بينهم وبين ما يريد إيقاعه بهم؛ كما أنها تحجز عن كثير من أفعال البشر؛ لأنّ معاقل الأرض هي التي يهرب إليها البشر من المكاره؛ ويلجئون إلى الاعتصام بها عند المخاوف؛ فإذا نفى تعالى أن يكون لهم في الأرض معقل فقد نفى المعقل من كل وجه.
فأما قوله تعالى:( وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ أَوْلِياءَ ) فمعناه أنه لا ولي لهم، ولا ناصر من عذاب الله تعالى وعقابه لهم في الآخرة؛ ولا مما يريد أيضا إيقاعه بهم في الدنيا، وإن كان لهم من يحميهم من مكروه البشر وينصرهم ممن أرادهم بسوء؛ وقد يجوز أن يكون ذلك أيضا بمعنى الأمر، وإن كان مخرجه محرج الخبر؛ ويكون التقدير: وليس لهم أن يتخذوا أولياء
من دون الله، بل الواجب أن يرجعوا إليه في معونتهم ونصرهم، ولا يعوّلوا على غيره.
فأما قوله عز وجل:( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ) ففيه وجوه:
أحدها أن يكون المعنى: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون؛ وبما كانوا يستطيعون الإبصار فلا يبصرون؛ عنادا للحق، وذهابا عن سبيله؛ فأسقط الباء من الكلام، وذلك جائز كما جاز في قولهم: لأجزينّك بما عملت، ولأجزينّك ما عملت؛ ولأحدثنّك بما عملت، ولأحدثنك ما عملت؛ وكما قال الشاعر:
نغالي اللّحم للأضياف نيئا |
ونبذله إذا نضج القدير(١) |
فأراد: نغالي باللحم.
والوجه الثاني أنهم لاستثقالهم استماع آيات الله تعالى، وكراهيتهم(٢) تذكّرها وتفهمها جروا مجرى من لا يستطيع السمع، كما يقول القائل: ما يستطيع فلان أن ينظر لشدّة عداوته إلى فلان، وما يقدر على أن يكلمه؛ وكما نقول لمن عهدنا منه العناد والاستثقال لاستماع الحجج والبينات: ما تستطيع أن تسمع الحق؛ وما تطيق أن يذكر لك؛ وكما قال الأعشى:
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل |
وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل(٣) ! |
ونحن نعلم أنه قادر على الوداع؛ وإنما نفى قدرته عليه من حيث الكراهة والاستثقال.
ومعنى:( وَما كانُوا يُبْـصِرُونَ ) أي أن إبصارهم لم يكن نافعا لهم؛ ولا مجديا عليهم؛ مع الإعراض عن تأمل آيات الله تعالى وتدبرها؛ فلما انتفت عنهم منفعة الإبصار جاز أن ينفي عنهم الإبصار نفسه؛ كما يقال للمعرض عن الحق، العادل عن تأمله: ما لك لا تبصر، ولا تسمع؛ ولا تعقل؟ وما أشبه ذلك.
____________________
(١) البيت في اللسان (غلا): قال في شرحه: (نغالي اللحم، نشتريه غاليا، ثم نبذله ونطعمه إذا نضج في قدورنا). والقدير: ما طبخ من اللحم بتوابل.
(٢) ديوانه: ٤١.
والوجه الثالث(١) أن يكون معنى نفي السمع والبصر(١) راجعا إلى آلهتهم لا إليهم؛ وتقدير الكلام: أولئك وآلهتهم لم يكونوا معجزين في الأرض، يضاعف لهم العذاب؛ ثم قال مخبرا عن الآلهة:( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ) ، وهذا الوجه يروى(٢) عن ابن عباس رحمة الله عليه، وفيه أدنى بعد.
ويمكن في الآية وجه رابع، وهو أن يكون ما في قوله تعالى:( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ) ليست للنفي؛ بل تجري مجرى قولهم: لأواصلنّك ما لاح نجم؛ ولأقيمنّ على مودتك ما طلعت شمس؛ ويكون المعنى أن العذاب يضاعف لهم في الآخرة؛ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون؛ أي أنهم معذبون ما كانوا أحياء.
فإن قيل: كيف يعبّر عن كونهم أحياء باستطاعة السمع والإبصار؛ وقد يكون حيا من لا يكون كذلك؟
قلنا: للعرب في مثل هذا عادة؛ لأنهم يقولون: والله لا كلّمت فلانا ما نظرت عيني، ومشت قدمي؛ وهم، يريدون: ما بقيت وحييت؛ لأن الأغلب من أحوال الحي أن تنظر عينه، وتمشي قدمه؛ فجعلوا الأغلب كالواجب؛ ومن ذلك قول الشاعر:
وما أنس من شيء تقادم عهده |
فلست بناس ما هدت قدمي نعلي |
|
عشيّة قالت والدّموع تعينها:(٣) |
هنيئا لقلب عنك لم يسله مسلي(٤) |
وإنما أراد: أنّى لا أنسى ذلك ما حييت؛ وكذلك لا يمتنع أن يعلّق على هذا المذهب دوام العذاب بكونهم مستطيعين للسمع والإبصار؛ ويعود المعنى إلى تعلّقه ببقائهم، وبكونهم أحياء؛ والمرجع في ذلك إلى التأييد؛ لأنه إذا علّق العذاب ببقائهم وإحيائهم وعلمنا أنّ الآخرة لا موت فيها، ولا خروج عن الحياة، علمنا تأييد العذاب.
***
____________________
(١) حاشية ف (من نسخة): (أن يكون نفي السمع والبصر).
(٢) م: (مروي).
(٣) د، ف: (بعينها).
(٤) د، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (مسل).
[عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة:]
ونعود إلى ما كنا شرعنا فيه من الكلام على شعر مروان؛ فمما يختار له من القصيدة التي مضى أوّلها وتكلمنا عليها:
وضعوا الخدود لدى سواهم جنّح |
تشكو كلوم صفاحها وكلالها |
|
طلبت أمير المؤمنين فواصلت |
بعد السّرى بغدوّها آصالها |
|
نزعت إليك صواديا فتقاذفت |
تطوي الفلاة حزونها ورمالها(١) |
|
يتبعن ناجية يهزّ مراحها |
بعد النّحول تليلها وقذالها(٢) |
|
هوجاء تدرّع الرّبا وتشقّها |
شقّ الشّموس إذا تراع جلالها(٣) |
|
تنجو إذا رفع القطيع كما نجت |
خرجاء بادرت الظلام رئالها(٤) |
|
كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى |
كالبرج تملأ رحلها وحبالها |
هذه الأبيات في وصف الرّواحل بالسرعة والنّحول، جيّدة الألفاظ، مطردة النسج، وقد سبق الناس في هذا المعنى إلى ضروب من الإحسان؛ فمن ذلك قول الأخطل:
بخوص كأعطال القسي تقلقلت |
أجنّتها من شقّة ودءوب(٥) |
____________________
(١) نزعت: اشتاقت. صواديا: عطاشا. تقاذفت: تسارعت.
(٢) التليل: العنق.
(٣) الشموس: الفور.
(٤) الخرج، بالتحريك: لونان؛ سواد وبياض؛ يقال: نعجة خرجاء وظليم أخرج والرئال: جمع رأل؛ وهو ولد النعام، وبادرت الظلام رئالها؛ أي بدرت الظلام إلى رئالها.
(٥) ديوانه ١٧٩ - ١٨٠ وفي حاشية الأصل: (هذه الأبيات من قصيدة يمدح الأخطل فيها عياد بن زياد بن أبيه: أولها:
خليلي قوما للرّحيل فإنّني |
وجدت بني الصمعاء غير قريب |
- يعني عمير بن الحباب ورهطه -:
وأ سفهت إذ منيت نفسي ابن واسع |
مني ذهبت لم تسقني بذنوب |
|
فإن تنزلا بابن المحلّق تنزلا |
بذي عذرة يبدأ كما بلغوب |
- المحلق: عبد العزيز بن حنتم -
لحا الله أرماكا بدجلة لا تقي |
أذاة امرئ عضب اللسان شعوب |
- يعني نفسه -.
إذا معجل غادرنه عند مبرك(١) |
أتيح لجوّاب الفلاة كسوب |
- المعجل: الملقى من الأجنّة لغير تمام، وجوّاب الفلاة: الذئب -
وهنّ بنا عوج كأنّ عيونها |
بقايا قلات قلّصت لنضوب(٢) |
|
مسانيف يطويها مع القيظ والسّرى |
تكاليف طلاّع النّجاد ركوب(٣) |
|
قديم ترى الأصواء فيه كأنّها |
رجال قيام عصّبوا بسبوب(٤) |
|
يعمن بنا عوم السّفين إذا انجلت |
سحابة وضّاح السّراب جنوب(٥) |
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
إلى الإمام تهادانا بأرحلنا |
خلق من الرّيح في أشباح ظلمان(٦) |
|
كأنّ إفلاتها والفجر يأخذها |
إفلات صادرة عن قوس حسبان(٧) |
وقال بشار:
وإذا المطي سبحن في أعطافه |
فات المطي بكاهل وتليل(٨) |
____________________
-
إذا نحن ودّعنا بلادا هم بها |
فبعدا لحرّات لها وشهوب! |
|
نسير إلى من لا يغبّ نواله |
ولا مسلم أعراضه لسبوب |
بخوص ...
أعطال: جمع عطل؛ وهو القوس الّذي لا وتر له. وتقلقلت أجنتها: تحركت في بطونها من سرعة السير.
(١) في الديوان: (منزل).
(٢) بنا، أي بحملنا؛ أو حمل أعيائنا. والعوج: جمع أعوج وعوجاء. والفلات: جمع قلت؛ وهو النقرة في الجبل: والتقليص: الانزواء، والنضوب: غئور الماء.
(٣) المسانيف هنا: الإبل المتقدمات والنجاد: جمع نجد؛ وهو المرتفع من الأرض. والركوب.
المذلل.
(٤) قديم؛ أي طريق قديم. والأصواء: الأعلام. والسبوب: جمع سب؛ وهو الثوب الأبيض الرقيق؛ وقيل هو العمامة.
(٥) ف: (تعوم). (خبوب). وهي رواية الديوان.
(٦) ديوانه: ١٠٣. والتهادي: المشي الضعيف يتكئ صاحبه على اثنين يمينا وشمالا. والظلمان:
جمع ظليم؛ وهو الذكر من النعام. ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (خلق من الزنج).
(٧) إفلاتها؛ أي سرعتها. صادرة، أي إفلات سهام صادرة. والحسبان: سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة، ينزع في القوس ثم يرمي بعشرين منها فلا تمر بشيء إلا عقرته؛ والواحد حسبانة.
(٨) حاشية الأصل (من نسخة) (سنحن) أي ظهرن. وأعطافه: جوانبه. وفات: سبق؛ والتليل: العنق؛ يقول: (إذا بدا يسير مع المطايا جاوزهن بكاهل وعنق).
فكأنّه والناعجات(١) يردنه |
قدح تطلّع من قداح مجيل |
ولبعض الحارثيين:
تهش الهجائر والظّهائر لحمها |
حتى تخدّد لحمها المتضابر(٢) |
|
حرف تناهبها النّجاء قلائص |
ممّا تنخّل(٣) شدقم أو داعر(٤) |
|
صبر إذا عطفت سوالفها البرى |
سمعت لهنّ كشاكش وجراجر(٥) |
|
ويخلن من عزّ النفوس وجدّها(٦) |
جنّا، وهنّ إذا اختبرن أباعر |
|
أمّا إذا ما أقبلت فكأنّها |
ذعر تهادتها الفلاة نوافر(٧) |
|
أما إذا ما أعرضت فكأنّها |
كدر توردن النّطاف صوادر(٨) |
|
أما إذا ما أبركت فكأنّها |
صرح مشيّدة وهنّ ضوامر(٩) |
***
وإني لأستحسن قول بشامة بن الغدير في وصف الناقة بالسرعة(١٠) :
____________________
(١) الناعجات هنا: الخفاف من الإبل؛ ومنه قوله:
* والناعجات المسرعات للنجا*
(٢) اللحم المتضابر: المتراكم المكتنز، وفي حاشية الأصل (من نسخة): (المتظاهر). ومن نسخة أخرى (المتطاير).
(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (منجل).
(٤) الحرف: الناقة الضامر: الصلبة. وتناهبها: تباريها في الجري. والنجاء: السير السريع.
والقلائص: جمع قلوص؛ وهي الفتية من الإبل. وشدقم وداعر: اسمان لفحلين منجبين من فحول الإبل، تنسب إليهما الإبل الشدقميات والإبل الداعرية.
(٥) السوالف: جمع سالفة؛ وهي أعلى العنق، والبرى:
جمع برة، وهي الحلقة في الزمام. والكشاكش والجراجر: أصوات تخرج من جوف الإبل.
(٦) حاشية الأصل (من نسخة): (وحدها).
(٧) ذعر؛ أي وحش مذعورة؛ ويجوز أن يريد بالذعر النعام؛ وهي توصف بذلك.
(٨) الكدر: قطا ألوانها كلون الرماد. والنطاف:
جمع نطفة؛ وهي الماء القليل.
(٩) في حاشيتي الأصل، ف: (صرح: جمع صرح؛ وهو القصر، وأصله صروح فقصره؛ وقد قيل في أسد، جمع أسد أنه أسود، فقصر ثم خفف بتسكين السين).
(١٠) الأبيات من قصيدة في المفضليات ٧٩ - ٩١، ومختارات ابن الشجري ١٤ - ١٦، وأبيات منها في حماسته ٢٠٥ - ٢٠٦، ومجموعة المعاني ٥٢، وأبيات منها أيضا في الأغاني ١١: ٨٧، ونسبها لعقيل بن علفة.
كأنّ يديها إذا أرقلت |
وقد جرن ثمّ اهتدين السّبيلا(١) |
|
يدا سابح خرّ في غمرة |
وقد شارف الموت إلا قليلا(٢) |
|
إذا أقبلت قلت مشحونة |
أطاعت لها الرّيح قلعا جفولا(٣) |
|
وإن أدبرت قلت مذعورة |
من الرّبد تتبع هيقا ذمولا(٤) |
ومعنى قوله:
* وقد جرن ثم اهتدين السبيلا*
يعني المطايا؛ يقول: كن نشيطات يمرحن فلا يلزمن لقم(٥) الطّريق؛ بل يأخذن يمينا وشمالا؛ فلما عضّهن الكلال استقمن على المحجة، فكأنه وصف ناقته ببقاء النشاط مع كلال المطي؛ وكنى عن الكلال بلزوم جادة الطريق بعد تنكّبها وهذه كناية فصيحة مليحة.
ومثله قول الآخر:
كأنّ يديها حين جدّ نجاؤها |
يدا سابح في غمرة يتذرّع(٦) |
ومما يشاكل هذا المعنى ويقاربه قول الشماخ:
كأنّ ذراعيها ذراعا مدلّة |
بعيد السّباب حاولت أن تعذّرا(٧) |
|
ممجّدة الأعراق قال ابن ضرّة |
عليها كلاما جار فيه وأهجرا |
____________________
(١) أرقلت: أسرعت. وجرن: عدلن عن محجة الطريق.
(٢) الغمرة: الماء الكثير؛ ورواية ابن الشجري:
يدا عائم خرّ في غمرة |
فأدركه الموت إلاّ قليلا |
(٣) المشحونة: المملوءة، وهو من وصف السفينة. والجفول: الّذي تستخفه الريح ثم تحركه.
(٤) الربد: جمع ربداء؛ وهي في السوداء المنقطة بحمرة؛ من وصف النعام. والهيق: ذكر النعام والذمول: وصف لسير الظليم، ورواية المفضل:
إذا أقبلت قلت مذعورة |
من الرّمد تلحق هيقا ذمولا |
(٥) لقم الطريق معظمه؛ وقال الليث: لقم الطريق منفرجه، تقول: عليك بلقم الطريق فالزمه.
(٦) يقال: ذرع السابح، إذا حرك يديه للسبح.
(٧) من قصيدة طويلة في ديوانه:
٢٦ - ٣٤، وأولها:
أتعرف رسما دارسا قد تعيرا |
بذروة أقوى بعد ليلى وأقفرا |
شبّه ذراعيها وهي تتذرع في مشيها(١) بذراعي امرأة مدلّة على أهلها ببراءة ساحتها، وقد حكى عنها ابن ضرتها كلاما أهجر فيه؛ أي أفحش، فهي ترفع يديها وتضعهما تعتذر وتحلف وتنضح عن نفسها.
وقد قيل إن معنى قوله: (مدلّة) أنها تدلّ بحسن ذراعيها، فهي تدمن إظهارهما لتري(٢) حسنهما.
وقوله: (بعيد السّباب) أي في عقيب المسابّة قامت تعتذر إلى الناس؛ وقوم يروونه (بعيد الشباب)؛ ومعنى هذه الرواية أنها نصف من النساء، فهي أقوم بحجتها من الحدثة الغرّة؛ ويشهد لهذه الرّواية الأخيرة قول الآخر:
كأنّ يديها حين يقلق ضفرها |
يدا نصف غيري تعذّر من جرم(٣) |
وقوله: (حين يقلق ضفرها) فيه سرّ وفائدة؛ لأنّ الضّفر هو الأنساع(٤) ؛ وإنما تقلق إذا جهدها السير فضمرت، فكأنه وصفها بالتذرّع والنشاط مع الجهد والكلال؛ ومثله:
كأنّ ذراعيها ذراعا بذيّة |
مفجّعة لاقت ضرائر عن عفر(٥) |
|
سمعن لها واستعجلت في كلامها |
فلا شيء يفري باليدين كما تفري(٦) |
ويقاربه قول الآخر:
ألا هل تبلغنّيهم |
على اللأّواء والظّنّه |
|
وآة لحصى المعزا |
ء في أخفافها رنّه(٧) |
|
إذا ما عسفت قلت |
حماة فاضحت كنّه(٨) |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (في سيرها).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (ليرى حسنهما) بالبناء للمجهول.
(٣) النصف: المرأة التي ذهب نصف عمرها، ويقال للرجل أيضا.
(٤) الأنساع: جمع نسع، وهو السير المضفور يجعل زماما للبعير وغيره.
(٥) عن عفر، أي بعد حين. وفي حاشيتي الأصل، ف: ويروى (عن عقر). أي بعد كونها عاقرا.
(٦) يفري، أي يأتي بالعجب.
(٧) الوآة: النجيبة من الإبل. والمعزاء: المكان الصلب الكثير الحصى:
(٨) الحماة: أم الزوجة. والكنة: امرأة الولد:
وممن شبه سرعة أيدي الإبل بأيدي النوائح كعب بن زهير فقال(١) :
كأنّ أوب ذراعيها إذا عرقت |
وقد تلفّع بالقور العساقيل(٢) |
|
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت |
أرق الجنادب يركضن الحصى: قيلوا(٣) |
|
شدّ النهار ذراعا عيطل نصف |
قامت فجاوبها نكد مثاكيل(٤) |
|
نوّاحة رخوة الضّبعين ليس لها |
لما نعى بكرها النّاعون معقول(٥) |
العساقيل: أوائل السّراب؛ ولا واحد لها من لفظها. وأخبر أنّ ناقته في شدّة الحر واتقاد الظهيرة تمرح في سيرها وتتذرع بيديها؛ وشبه ذراعيها بذراعي امرأة نصف تنوح على ابنها، وقد نعي إليها؛ فهي تشير بيديها وتوالي تحريكهما. والعيطل: الطويلة العنق، وجعلها نصفا لأنها قد كادت تيأس من الولد فهي أشد لحزنها على ابنها وتفجّعها عليه، والقور: جمع قارة وهي ما ارتفع واستدار من الرمل؛ وأراد أن يقول: كما تلفعت القور بالعساقيل، فلم يمكنه فقلب.
____________________
(١) ديوانه: ١٦ - ١٨، من قصيدته المشهورة: (بانت سعاد).
(٢) رواية الديوان: (وقد عرقت). وأوب: رجع. وتلفع: تلحف، وفي حاشية الأصل: (قريب منه قول المرار الفقعسي يصف ناقته:
كأنما أوب يديها إلى |
حيزومها فوق حصى الجدجد |
|
نوح ابنة الجون على هالك |
تندبه رافعة المجلد |
- الجدجد: الأرض الصلبة. ابنة الجون: نواحة معروفة. والمجلد: قطعة جلد تضرب بها النائحة على صدرها).
(٣) حاشية ف (من نسخة): (ورق)، والورق والأرق: جمع أورق؛ وهو الأخضر المائل إلى السواد. أو ما كان على لون الرماد وقيلوا؛ من القائلة.
(٤) شد النهار: ارتفاع النهار؛ وهو ظرف، أي وقت ارتفاع النهار. والعيطل: الطويلة، ونكد: قليلات الأولاد. والنصف، هي التي قامت تنوح، شبه يدي ناقته بيدي هذه المرأة. والنكد:
جمع نكداء، وهي التي لا يصيبها خير.
(٥) نواحة، يعني هذه النصف، وقوله: (رخوة الضبعين) يريد أنها شديدة الحركة والالتدام. والضبعان هما العضدان، والواحد ضبع. وبكرها: أول ولدها.
والمعقول: العقل، يقال: ما لفلان معقول، وماله مجلود.
ومثله:
وكأنّما رفعت يدي نوّاحة |
شمطاء قامت غير ذات خمار |
وإنما خص الشّمطاء لما ذكرناه من اليأس من الولد، كما قال عمرو بن كلثوم:
ولا شمطاء لم يترك شقاها |
لها من تسعة إلاّ جنينا(١) |
وقد قيل في بيت عمرو: بل شبّه الناقة بشمطاء، لما على رأسها من اللّغام(٢) .
ومثل ما تقدم من المعاني قول الشاعر:
ياليت شعري والمنى لا تنفع! |
هل أغدون يوما وأمري مجمع! |
|
وتحت رحلي زفيان ميلع |
كأنّها نائحة تفجّع |
تبكي لميت وسواها الموجع
- الزّفيان: الناقة الخفيفة، والمليع: السريعة؛ وشبّه رجع يديها في السير لنشاطها بيدي نائحة تنوح لقوم على ميّتهم بأجرة، فهي تزيد في الإشارة بيديها ليرى مكانها.
ومثله بعينه قول ذي الرمة:
مجانيق تضحي وهي عوج كأنها |
بجوز الفلا مستأجرات نوائح(٣) |
____________________
(١) من المعلقة: ٢١٥ - بشرح التبريزي؛ وقبله:
فما وجدت كوجدي أم سقب |
أضلّته فرجّعت الحنينا |
والسقب: ولد الناقة الذكر.
(٢) اللّغام: الزيد الّذي يعلو شفاه الإبل إذا اهتاجت
(٣) ديوانه: ١٠٤. والعوج: جمع عوجاء، وهي الناقة الضامرة، كأنها عجفت فاعوج ظهرها.
وقبل هذا البيت:
وسيري وأعراء المتان كأنّها |
إضاء أحسّت نفح ريح ضحاضح |
|
على حميريّات كأن عيونها |
ذمام الركايا أنكرتها المواتح |
- الأعراء: الخالية من النبات. والمتان: ما ارتفع من الأرض. والإضاء: جمع أضاة، وهو الغدير.
والضحاضح: قليلة الماء. والحميريات: إبل منسوبة إلى حمير. وركية ذمة: قليلة الماء. ونكرت الركية:
قل ماؤها، وأنكرتها أنا.
المجانيق: التي ضمرن بعد سمن؛ وخصّ المستأجرات من النوائح للمعنى الّذي ذكرناه.
وقال الشماخ فيما يقارب هذا المعنى:
كأنّ أوب يديها حين أعجلها |
أوب المراح وقد نادوا بترحال |
|
مقط الكرين على مكنوسة زلق |
في ظهر حنّانة النّيرين مغوال |
- معنى: (أوب ذراعيها) أي رجعهما - وأوب المراح، إذا أراح القوم عازب أموالهم ليرحلوا، وقد روي: (أوب المراح) بالكسر؛ ومعناه رجع المراح والنشاط. والمقط:
اللعب بالكرة. والكرين: جمع كرة. والمنكوسة: الأرض البراح التي لا شيء فيها.
والزّلق: المستوية من الأرض. والحنانة: الريح. والنيران: جانبا هذه الأرض. ومغوال، قيل: إنه من صفات الريح؛ وقيل: من صفات الأرض؛ وإن كان من صفات الريح فمعناه أنّ الريح تغول الأرض بأسرها؛ أي تملؤها، وإذا كان للأرض فالمعنى أنها تغول من سلكها أي تهلكه؛ وتلخيص معنى البيت أنه شبه يدي ناقته بيدي ضارب بكرة في أرض واسعة في يوم ريح عاصف؛ وهذا من دقيق المعاني وحسن التشبيه والمبالغة.
ومثل بيتي الشماخ قول المسيّب بن علس(١) :
مرحت يداها للنّجاء كأنّما |
تكرو بكفّي ماقط في قاع(٢) |
|
فعل السّريعة بادرت جدّادها |
قبل المساء تهمّ بالإسراع |
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: قال س: (وجدت بخط القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي رحمه الله: (علس) بفتح العين مضبوطا كأنه يجعله فعلا ماضيا، والعلس: حب كالعدس).
(٢) من قصيدة في المفضليات ٦٠ - ٦٣ (طبعة المعارف) أولها:
أرحلت من سلمى بغير متاع |
قبل العطاس ورعتها بوداع |
والماقط: الضارب، ورواية المفضليات:
* تكرو بكفّي لاعب في صاع*
معنى: (تكرو) أي كأنها تلاعب بكرة. والسريعة، يعني نسّاجة. والجدّاد: الغزل الضعيف، فأراد أنها تسرع الضرب بالحفّ(١) والنسج قبل المساء؛ وما دامت تبصر؛ فشبّه يدي ناقته في تذرّ عنها بيدي هذه النساجة.
وقال الأصمعي الجدّاد: هدب الثوب؛ فيعني أن هذه النساجة قد قاربت الفراغ من الثوب، وبلغت إلى هدبه؛ فهي تبادر لتفرغ منه قبل المساء.
وقريب منه قول الآخر:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق(٢) |
أيدي جوار(٣) يتعاطين الورق |
فالقرق الخشن الّذي فيه الحصى؛ وشبّه خذف(٤) مناسمهنّ(٥) له بخذف جوار يلعبن بدراهم، وخصّ الجواري لأنهن أخفّ يدا من النساء.
وقال آخرون: القرق هاهنا: المستوي من الأرض، الواسع؛ وإنما خصّ بالوصف لأن أيدي الإبل إذا أسرعت في المستوي فهو أحمد لها؛ وإذا أبطأت في غيره فهو أحمد لها.
ومن أحسن ما قيل في الإسراع قول المرّار بن سعيد:
فتناولوا شعب الرّحال فقلّصت |
سود البطون كفضلة المتنمّس |
ذكر قوما سفرا هبّوا من رقدتهم إلى رحالهم ليسيروا؛ ويعني بسود البطون الإبل؛ والمتنمّس: الصائد الذق اتخذ ناموسا، وهو ما يستتر به ليختل الصيد، فشبه المطايا في سرعتها يقطا قد صاد الصائد بعضها، وأفلت بعضها؛ فهنّ يطرن طيرانا شديدا.
ومثل هذا - وإن كان في صفة الخيل - قول النابغة:
____________________
(١) الحف: المنسج.
(٢) البيتان في اللسان (قرق).
(٣) اللسان: (أيدي نساء).
(٤) الخذف: الرمي بالحصى الصغار.
(٥) م (مناسمها).
* كالطّير تنجو من الشّئوب ذي البرد*(١)
وأما قول مروان:
يهزّ مراحها |
بعد النّحول تليلها وقذالها |
فقد مضى من وصف المطايا بالنشاط بعد السآمة والجهد ما مضى.
وأحسن من قول مروان وأشدّ إفصاحا بالمعنى وإعرابا عنه قول الهذلي:
ومن سيرها العنق المسبط |
رّ والعجرفيّة بعد الكلال(٢) |
وإنما كان هذا أحسن لأنه صريح بنشاطها بعد كلالها. وقول مروان: (بعد النحول) لا يجري هذا المجرى؛ لأن النحول قد يكون عن جهد السفر والتعب، ويكون عن غيره.
وأما قوله:
* كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى*
فقد أكثرت العرب في وصف المطايا بالنحول وتشبيهها بالقسي وغيرها؛ وقد أحسن كثيّر في قوله:
نفى السير عنها كلّ داء إقامة |
فهنّ رذايا بالطّريق ترائك(٣) |
|
وحمّلت الحاجات خوصا كأنّها |
- وقد ضمرت - صفر القسي العواتك(٤) |
وقال سلم بن عمرو الخاسر(٥) :
وكأنّهنّ من الكلال أهلّة |
أو مثلهنّ عطائف الأقواس(٦) |
____________________
(١) ديوانه: ٢٣، وصدره:
* والخيل تمزع غربا في أعنّتها*
(٢) ديوان الهذليين ٢: ١٧٥، والبيت لأمية بن عائذ العنق: السير المنبسط. والمسبطر: المسترسل السهل. والعجر فيه: الشديد.
(٣) ديوانه: ٢: ١٣٦؛ الرذايا: جمع رذية؛ وهي الناقة المهزولة من السير.
والترائك: المتروكة لضعفها.
(٤) العواتك: جمع عاتكة؛ وهي القوس إذا قدمت واحمرت.
(٥) في حاشيتي الأصل، ف: (قيل إنما سمي عمرو خاسرا لأنه ورث عن أبيه مصحف قرآن، فاشترى به عودا).
(٦) القوس العطيفة: المعطوفة؛ وهي المنحنية.
قود طواها ما طوت من مهمه |
نائي الصّوى ومناهج أدراس(١) |
وقال أبو تمام يصف ناقة:
أتينا القادسيّة وهي ترنو |
إلي بعين شيطان رجيم(٢) |
|
فما بلغت بنا عسفان حتّى |
رنت بلحاظ لقمان الحكيم |
|
وبدّلها السّرى بالجهل حلما |
وقدّ أديمها قدّ الأديم |
|
أذاب سنامها قطع الفيافي |
ومزّق جلدها نضح العصيم(٣) |
|
بدت كالبدر وافى ليل سعد |
وآبت مثل عرجون قديم |
وقال البحتري:
وخدان القلاص حولا إذا قا |
بلن حولا من أنجم الأسحار(٤) |
|
يترقرقن كالسّراب وقد خض |
ن غمارا من السّراب الجاري |
|
كالقسي المعطّلات، بل الأس |
هم مبريّة، بل الأوتار |
____________________
(١) قود: جمع أقود؛ وهو من الإبل الطويل العنق. الصوى: جمع صوة؛ وهي الأعلام في الطريق.
وفي حاشية الأصل: (ومثله بعينه للمتنبي:
فتبيت تسئد مسئدا في نيّها |
إسئادها في المهمّة الإنضاء |
الإسئاد: إسراع السير في الليل. والني: الشحم. والمهمّة: الأرض الواسعة البعيدة. والإنضاء:
مصدر أنضاه ينضيه إذا هزله. قال العكبري: (والمعنى أن المهمّة ينضيها كما تنضيه).
(٢) ديوانه: ٤٢٣؛ من قصيدة يصف حجة حجها؛ وأولها:
لعلّك ذاكر الطّلل القديم |
وموف بالعهود على الرّسوم |
|
وواصف ناقة تذر المهاري |
موكّلة بوخد أو رسيم |
|
وقد أممت بيت الله نضوا |
على عيرانة حرف سعوم |
أتيت القادسية ...
(٣) النضح: الرشح. والعصيم: العرق.
(٤) ديوانه: ٢: ٢٤؛ من قصيدة يمدح فيها أبا جعفر بن حميد. وخدان القلاص: إسراعها وحول: جمع حائل، وحول الثانية جمع أحول.
وله أيضا:
وهي العيس، دهرها في ارتحال |
من حلول، أو فرقة من جميع(١) |
|
ربّ مرت مرّت تجاذب قطري |
ـه سرابا كالمنهل المشروع(٢) |
|
وسرى تنتحيه بالوخد حتّى |
تصدع اللّيل عن بياض الصّديع(٣) |
|
كالبرى فى البرى ويحسبن أحيا |
نا نسوعا مجدولة فى نسوع(٤) |
____________________
(١) ديوانه ٢: ٩١؛ من قصيدة يمدح فيها محمد بن محمد الواثقي.
(٢) المرت: الأرض القفر.
(٣) الصديع: الفجر.
(٤) البرى: جمع برة؛ وهي الحلقة. والنسوع: الحبال.
[٤٣]
مجلس آخر [المجلس الثالث والأربعون:]
تأويل آية:( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ) [ص: ٧٥].
فقال: كيف أضاف إلى نفسه اليد؛ وهو ممن يتعالى عن الجوارح؟
الجواب، قلنا في هذه الآية وجوه:
أوّلها أن يكون قوله تعالى:( لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) جاريا مجرى قوله: (لما خلقت أنا)، وذلك مشهور في لغة العرب، يقول أحدهم: هذا ما كسبت يداك؛ وما جرّت عليك يداك؛ وإذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضّرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده؛ وكذلك في الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة؛ بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل.
وثانيها أن يكون معنى اليد هاهنا النعمة، ولا إشكال في أن أحد محتملات لفظة اليد النعمة.
فأما الوجه في تثنيتها فقد قيل فيه إن المراد نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، فكأنه تعالى قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت لنعمتي؛ وأراد بالباء اللام.
وثالثها أن يكون معنى اليد هاهنا القدرة؛ وذلك أيضا من محتملات اللفظة؛ يقول القائل: ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان، وما يجري مجرى ذلك؛ والمعنى: أنني لا أقدر عليه ولا أطيقه؛ وليس المراد بذلك إثبات قدرة على الحقيقة؛ بل إثبات كون القادر قادرا، ونفي
كونه قادرا، فكأنه تعالى قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت وأنا قادر على خلقه؛ فعبّر عن كونه قادرا بلفظ اليد الّذي هو عبارة عن القدرة؛ وكلّ ذلك واضح في تأويل الآية.
***
[عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة:]
ونعود إلى ما كنا ابتدأناه من الكلام على شعر مروان.
فمن قصيدته التي تقدم بعضها ووقع الكلام عليه مما يختار قوله:
أحيا أمير المؤمنين محمّد |
سنن النبي حرامها وحلالها |
|
ملك تفرّع نبعة من هاشم |
مدّ الإله على الأنام ظلالها |
|
جبل لأمّته تلوذ بركنه |
رادى جبال عدوّها فأزالها(١) |
|
لم تغشها ممّا تخاف عظيمة |
إلاّ أجال لها الأمور مجالها |
|
حتى يفرّجها أغرّ مبارك(٢) |
ألفى أباه مفرّجا أمثالها |
|
ثبت على زلل الحوادث راكب |
من صرفهنّ لكلّ حال حالها(٣) |
|
كلتا يديك جعلت فضل نوالها |
للمسلمين، وفي العدوّ وبالها(٤) |
|
وقعت مواقعها بعفوك أنفس |
أذهبت بعد مخافة أوجالها |
|
أمّنت غير معاقب طرّادها |
وفككت من أسرائها أغلالها |
|
ونصبت نفسك خير نفس دونها |
وجعلت مالك واقيا أموالها(٥) |
أما قوله:
أحيا أمير المؤمنين محمد |
سنن النبي حرامها وحلالها |
فقد عابه عليه بعض من لا معرفة له بنقد الشعر فقال: كيف يكون في سنن النبي عليه
____________________
(١) في حاشيتي الأصل؛ ف (رادى (فاعل) من المراداة؛ وهي مراماة الحجر؛ أصله من المردى وهو الحجر الّذي يكسر به الحجارة، يستعمل في المفاخرة والمناجزة).
(٢) م: (مهذب).
(٣) أي راكب من الصروف لكل حال حالها.
(٤) ش: (وللعدو وبالها).
(٥) حاشية ف: (بخط عبد السلام بن الحسين البصري رحمه الله: صيالها).
السلام حرام! وما ذلك بمعيب؛ لأنه أراد بقوله: (حلالها وحرامها) التحليل والتحريم؛ ومن سنته تحريم الحرام، وتحليل الحلال؛ وإنما المعيب من هذا قول ابن الرّقاع العاملي:
ولقد أراد الله إذ ولاّكها |
من أمّة إصلاحها وفسادها(١) |
ومثل قول مروان قول سلم الخاسر:
ولما وليت ذكرت النبي |
بتحليله وبتحريمه |
فأما قوله:
* حتى يفرّجها أغرّ مبارك* البيت
فكثير جدا للمتقدمين والمحدثين؛ والأصل فيه قول زهير:
وما كان من خير أتوه فإنما |
توارثه آباء آبائهم قبل(٢) |
|
وهل ينبت الخطّي إلاّ وشيجه |
وتغرس إلاّ في منابتها النّخل!(٣) |
ومثله قول الآخر:
وحمزة والعبّاس منهم ومنهم |
عقيل، وماء العود من حيث يعصر(٤) |
ومثله للرّبيع بن أبي الحقيق اليهودي:
إذ مات منّا سيّد قام بعده |
له خلف يكفي السّيادة بارع |
____________________
(١) الطرائف الأدبية: ٩٠؛ والرواية هناك: (إصلاحها ورشادها)، وهي أيضا رواية المؤلف في المجلس التاسع والأربعين. وفي الحاشية: (عدي قال: (فسادها)، والأصمعي أنشد: (رشادها)؛ والبيت من قصيدته التي أولها:
عرف الديار توهما فاعتادها |
من بعد ما درس البلى أبلادها |
وانظر روايتها وتخريج أبياتها في الطرائف الأدبية ٨٧ - ٩١.
(٢) ديوانه: ١١٥؛ وتوارثه؛ أي ورثوه كابرا عن كابرا؛ كناية عن مجدهم القديم.
(٣) الخطي: الرماح؛ منسوبة إلى الخط؛ وهي جزيرة بالبحرين ترفأ إليها سفن الرماح. والوشيج:
القنا الملتف في منبته، واحدها وشيجة.
(٤) حاشية الأصل: (ومثله للمتنبي:
فإن كان سيار بن مكرم انقضى |
فإنك ماء الورد إن ذهب الورد |
من أبنائه والعرق ينصر فرعه |
على أصله، والعرق للعرق نازع(١) |
ومثله له:
ترجو الغلام وقد أعياك والده |
وفي أرومته ما ينبت العود |
وأخذ هذا المعنى وبعض اللفظ الكميت فقال:
تجري أصاغرهم مجرى أكابرهم |
وفي أرومته ما ينبت الشّجر |
ومن هذا المعنى قول عبيد الله بن قيس الرّقيات:
يخلفك البيض من بنيك كما |
يخلف عود النّضار في شعبه(٢) |
ومنه قول نهشل بن حرّي:
أرى كلّ عود نابتا في أرومة |
أبى نسب العيدان أن يتغيّرا(٣) |
|
بنو الصّالحين الصالحون ومن يكن |
لوالد سوء يلقه حيث سيّرا(٤) |
ومثله لمسلم بن الوليد الأنصاري:
ألحّ على الأيّام يفري خطوبها |
على منهج ألفى أباه به قبل(٥) |
ولبشار:
* على أعراقها تجري الجياد*
____________________
(١) نازع؛ أي ينزع إليه في الشبه.
(٢) النضار: شجر الأثل؛ وقيل: النضار: كل شجرة ناضرة.
(٣) ف: (ناميا في أرومة).
(٤) نسب هذا البيت في حماسة أبي تمام - بشرح التبريزي ١: ٣٠٠ إلى جميل بن عبد الله بن معمر؛ ضمن أبيات ثلاثة؛ وهي:
أبوك حباب سارق الضيف برده |
وجدّي ياحجاج فارس شمّرا |
|
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن |
لآباء صدق يلقهم حيث سيّرا |
|
فإن تغضبوا من قسمة الله حظّكم |
فللّه إذ لم يرضكم كان أبصرا |
وهي في الحماسة - بشرح المرزوقي ٣١٥ - ٣١٦ من غير نسبة.
(٥) ديوانه: ٢٠٣.
ومثله:
وما في من خير وشرّ فإنها |
سجيّة آبائي وفعل جدودي |
|
هم القوم فرعي منهم متفرّع |
وعودهم عند الحوادث عودي |
وللبحتري:
وإذا أبو الفضل استعار سجيّة |
للمكرمات فمن أبي يعقوب(١) |
|
شرف تتابع كابرا عن كابر |
كالرّمح أنبوبا على أنبوب |
|
وأرى النّجابة لا يكون تمامها |
لنجيب قوم ليس بابن نجيب |
وله أيضا:
ما سعوا يخلفون غير أبيهم |
كلّ ساع منّا يريد نصابه(٢) |
وله أيضا:
وما تابع في المجد نهج عدوّه |
كمتّبع في المجد نهج أبيه(٣) |
وفي هذه القصيدة يقول مروان:
هل تعلمون خليفة من قبله |
أجرى لغايته التي أجرى لها |
|
طلع الدّروب مشمّرا عن ساقه |
بالخيل منصلتا يجدّ نعالها(٤) |
|
قودا تريع إلى أغرّ لوجهه |
نور يضيء أمامها وخلالها(٥) |
|
قصرت حمائله عليه فقلّصت |
ولقد تحفّظ قينها فأطالها |
|
حتّى إذا وردت أوائل خيله |
جيحان بثّ على العدوّ رعالها(٦) |
____________________
(١) ديوانه ١: ٥٧؛ من قصيدة يمدح فيها يعقوب بن إسحاق النوبختي.
(٢) ديوانه ١: ٩٠؛ من قصيدة يمدح فيها أبا ثوابة.
(٣) ديوانه ٢: ٣٢٨؛ من قصيدة يمدح بها أحمد بن المدبر.
(٤) الدروب، بريد بها دروب الروم. والمنصلت: الماضي في الأمر.
(٥) قود: جمع أقود، وهو الذلول من الخيل. وتربع: ترجع.
(٦) جيحان: اسم نهر. والرعال: جمع رعيل؛ وهو القطعة من الخيل تتقدم العسكر.
أحمى بلاد المسلمين عليهم |
وأباح سهل بلادهم وجبالها |
|
أدمت دوابر خيله وشكيمها |
غاراتهنّ وألحقت آطالها(١) |
|
لم تبق بعد(٣) مقادها وطرادها |
إلاّ نحائزها وإلاّ آلها(٢) |
|
رفع الخليفة ناظري وراشني |
بيد مباركة شكرت نوالها |
|
وحسدت حتى قيل أصبح باغيا |
في المشي مترف شيمة مختالها(٤) |
|
ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصى |
نعلا ورثت عن النبي مثالها(٥) |
أما قوله: (قصرت حمائله) فالأصل فيه قول عنترة:
بطل كأنّ ثيابه في سرحة |
يحذى نعال السّبت ليس بتوأم(٦) |
أو قول الأعشى:
إلى ماجد كهلال السّما |
ء أزكى وفاء ومجدا وخيرا(٧) |
|
طويل النّجاد، رفيع العما |
د، يحمي المضاف، ويغني الفقيرا(٨) |
ومثله:
طويل نجاد السّيف عار جبينه |
كنصل اليماني أخلصته صياقله |
|
إذا همّ بالمعروف لم تجر طيره |
نحوسا، ولم تسبق نداه عواذله |
____________________
(١) الدوابر: جمع دابرة، وهي الموضع الّذي يقع عليه مؤخر السرج. والحقت: ضمرت. والآطال:
جمع إطال؛ وهي الخاصرة.
(٢) ش: (لم يبق بعد).
(٣) نحائزها: طباعها. وآلها: يريد شخصها.
(٤) المترف: المبقي في الملك والنعمة.
(٥) حاشية الأصل: (يعني أنه اقتدى عن النبيعليهالسلام في أفعاله حذو النعل بالنعل).
(٦) المعلقة - بشرح التبريزي: ١٩٩؛ أي هو بطل. والسرحة: الشجرة الكبيرة الطويلة؛ يستظل بها. ونعال السبت: المدبوغة بالقرظ، وكانت الملوك تلبسها وليس بتوأم: لم يولد معه آخر فيكون ضعيفا.
(٧) ديوانه: ٧٠. والرواية فيه: (إلى ملك).
(٨) رواية الديوان: (ويعطي الفقيرا). والمضاف: الملجأ، من قولهم: أضاف: ظهره إلى الحائط أي استند إليها.
ومثله قول طريح بن إسماعيل الثّقفي:
وأشعث طلاّع الثنايا مبارك |
يغول نجاد السّيف وهو طويل(١) |
ولأبي جويرية العبدي:
يمدّ نجاد السّيف حتّى كأنّه |
بأعلى سنامي فالج يتطوّح |
|
إذا اهتزّ في البرد اليماني خلته |
هلالا بدا في جانب الأفق يلمح |
ولأبي عطاء السّندي:
وأزهر من بني عمرو بن عمرو |
حمائله وإن طالت قصار |
ولبعضهم في آل المهلب:
رأيتكم أعزّ الناس جارا |
وأمنعهم إذا عدّوا ذمارا(٢) |
|
حمائلكم وإن كانت طوالا |
نراها عن شمائلكم قصارا |
ولبعض بني العنبر في معنى الطول:
فجاءت به عبل العظام كأنّما |
عمامته بين الرّجال لواء(٣) |
ولآخر:
أشمّ طويل السّاعدين كأنّما |
تناط إلى جذع طويل حمائله(٤) |
ولابن هرمة:
تناط حمائل الهندي منه |
بعاتق، لا ألفّ ولا ضئيل |
|
ولكن تستقلّ به قواه |
على ماض بقائمه نبيل |
____________________
(١) د، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (يطول).
(٢) الذمار: الذمة والعهد.
(٣) عبل العظام: ضخمها، والبيت من أبيات ثلاثة في الحماسة - بشرح المرزوقي ٢٦٩ - ٢٧٠، والرواية هناك: (سبط العظام).
(٤) حاشية ف (من نسخة): (طوال الساعدين).
ولسلم الخاسر:
يقوم مع الرّمح الرّديني قائما |
ويقصر عنه طول كلّ نجاد |
وللخثعمي:
يوازي الرّديني في طوله |
ويقصر عنه نجاد الحسام |
وللوالبي:
طول وطول فترى كفّه |
ينهلّ بالطّول انهلال الغمام |
|
وطوله يغتال يوم الوغى |
وغيره فضل نجاد الحسام |
فأما قوله:
ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصى |
نعلا ورثت عن النبي مثالها |
فقد ردّد مروان معناه في مواضع من شعره فقال:
شبيه أبيه منظرا وخليقة |
كما حذيت يوما على أختها النّعل |
وقال في موضع آخر:
أحيا لنا سنن النبي سميّه(١) |
قدّ الشّراك به قرنت شراكا(٢) |
وقال أيضا:
صحيح الضّمير، سرّه مثل جهره |
قياس الشّراك بالشّراك تقابله |
وقال أيضا:
تشابهتما حلما وعدلا ونائلا |
وحزما إذا أمر أقام وأقعدا |
|
تنازعتما نفسين؛ هذي كهذه |
على أصل عرق كان أفخر متلدا |
|
كما قاس نعلا حضرمي فقدّها |
على أختها لم يأل أن يتجوّدا |
____________________
(١) م: (محمد).
(٢) حاشية ف: (قد الشراك: مصدر في موضع الحال، أي قادا).
وأخذ هذا المعنى أبو نواس فقال:
تنازع الأحمدان الشّبه فاتّفقا |
خلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان(١) |
والأصل في هذا قول ابن أبي ربيعة:
فلما تواقفنا عرفت الّذي بها |
كمثل الّذي بي، حذوك النّعل بالنّعل(٢) |
ومثله للسّيد بن محمد الحميري رحمه الله تعالى:
يتلون أخلاق النبي وفعله |
فالنّعل تشبه في المثال طراقها(٣) |
وقد تقدّم إلى هذا المعنى يزيد بن المكسّر بن ثعلبة بن سيّار العجلي بقوله في يوم ذي قار، يحرض قومه على القتال:
من فرّ منكم فرّ عن حريمه(٤) |
وجاره، وفرّ عن نديمه |
|
أنا ابن سيّار على شكيمه(٥) |
مثل الشّراك قدّ من أديمه |
* وكلّهم يجري على قديمه*
فأما قوله:
* وحسدت حتى قيل أصبح باغيا* البيت
ففي معناه قول البحتري:
ألنت لي الأيام من بعد قسوة |
وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا(٦) |
|
وألبستني النّعمى التي غيّرت أخي |
عليّ فأمسى نازح الودّ أجنبا |
***
ومما يختار لمروان قوله:
____________________
(١) حاشية الأصل: (أي ينزعان في الشبه، كل منهما إلى صاحبه في الشبه، ويجوز أن يكون تنازع، من النزع الّذي هو السلب).
(٢) ديوانه: ٣٢٦.
(٣) طراق النعل: ما أطبقت عليه فخرزت به.
(٤) الأبيات في تاريخ الطبري ٢: ١٥٤.
وفي حاشية الأصل: من نسخة (منكم).
(٥) شكيمه: طبعه وعادته.
(٦) ديوانه ١: ٥٦.
موفّق لسبيل الرّشد متّبع |
يزينه كلّ ما يأتي ويجتنب |
|
تسمو العيون إليه كلّما انفرجت |
للناس عن وجهه الأبواب والحجب |
|
له خلائق بيض لا يغيّرها |
صرف الزّمان كما لا يصدأ الذّهب |
ووجدت بعض من ينتقد(١) الشعر يقول: ليس في شعر مروان بيت يتمثل به غير هذا البيت الأخير من الثلاثة الأبيات. وكأن ابن مناذر(٢) إياه أراد بقوله، وقد سأل وهو مجاور بمكة:
عمن ببغداذ من الشعراء؟ فقيل له: العباس بن الأحنف؛ فقال: أنشدوني له، فأنشدوه:
لو كنت عاتبة لسكّن عبرتي |
أملي رضاك، وزرت غير مراقب(٣) |
|
لكن مللت فلم تكن لي حيلة، |
صدّ الملول خلاف صدّ العاتب(٤) |
فقال ابن مناذر: أخلق بمن أدام بحث التراب أن يصيب خرزة.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ولا شك في قلة الأمثال في شعر مروان؛ ولكن ليس إلى هذا الحد؛ وهذا المعنى الّذي قد تضمنه البيت قد سبق إليه أيضا، قال طريح بن إسماعيل:
جواد إذا جئته راجيا |
كفاك السؤال وإن عدت عادا |
|
خلائقه كسبيك النّضا |
ر لا يعمل الدّهر فيها فسادا |
ومثله قول الخريمي:
رأيتك يازيد زيد النّدى |
وزيد الفخار وزيد الكرم |
|
تزيد على نائبات الخطو |
ب بذلا وفي سابغات النّعم |
|
كذا الخمر والذّهب المعدني |
يجوّد هذا وذاك القدم |
وفي قوله: (الذّهب المعدني) فائدة؛ لأنه إذا خلص الذهب وصفا لم يفسد؛ وإذا امتزج
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (ينقد).
(٢) حاشية الأصل: (ابن مناذر، بضم الميم، ومنهم من يفتح الميم، ذهابا إلى أن له آباء اسم كل منهم المنذر، وليس هذا بشيء. وقيل له:
ياابن مناذر، فقال: مناذر الصغرى أم الكبرى؟ وهما ناحيتان بالأهواز، بل أنا ابن مناذر، بضم الميم).
(٣) ديوانه: ٢: ٢٢.
(٤) رواية الديوان: (لكن مللت).
بغيره لم يكن هذا حكمه؛ ومثله للأموي(١) :
يأوي إلى خلق لم يصده طبع |
كأنّ جوهره من جوهر الذّهب |
ولبعضهم:
ملك له خلق خليق بالعلا |
كسبيكة الذّهب التي لا تكلف(٢) |
وقد أخذ الخبز أرزي هذا المعنى في قوله:
فلا تعنّ لتحذيف تكلّفه |
لصورة حسنها الأصليّ تكفيها |
|
إنّ الدّنانير لا تجلى وإن عتقت |
ولا تزاد على النّقش الّذي فيها |
ولجحظة مثله:
صديق لي له أدب |
صداقة مثله حسب |
|
رعى لي فوق ما يرعى |
وأوجب فوق ما يجب |
|
ولو نقدت خلائقه |
لبهرج عندها الذّهب |
____________________
(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (الأسدي)
(٢) لا تكلف: لا تصدأ؛ من الكلف؛ وهو لون يخالف لون الوجه.
[٤٤]
مجلس آخر [المجلس الرابع والأربعون:]
تأويل آية:( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ )
إن سائل سائل عن قوله تعالى:( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً ) ؛ [الإسراء: ٤٧].
فقال: لم وحّد نَجْوى وهو خبر عن جمع؟ وما معنى مَسْحُوراً وما جرت عادة مشركي العرب بوصف رسول اللهصلىاللهعليهوآله بذلك، بل عادتهم جارية بقرفه بأنه ساحر؟
الجواب، قلنا: أما قوله تعالى:( وَإِذْ هُمْ نَجْوى ) فإن (نجوى) مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، وهو مقرّ على لفظه. ويجري ذلك مجرى قولهم: الرجال صوم، والمنازل حمد، يعني بصوم صائمون، وبحمد محمودون.
وقد قال قوم: إن معناه: وإذ هم أصحاب نجوى، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويقال: القوم نجي والقوم أنجية، فمن وحّد بني على مذهب المصدر، ومن جمع جعله منقولا عن المصادر، ملحقا برغيف وأرغفة، وما أشبه ذلك.
وقد قال الشاعر(١) :
أتاني نجيّي بعد هدء ورقدة |
ولم أك فيما قد بلوت بكاذب(٢) |
____________________
(١) ف: (وقال الشاعر في التوحيد)؛ وهو سواد بن قارب السدوسي؛ صحابي ذكره ابن حجر في الإصابة ٣: ١٤٨ - ١٤٩.
(٢) من أبيات أنشدها عند الرسولعليهالسلام ، ذكرت مع خبر له في مقدمة جمهرة الأشعار ٢٤ - ٢٦. والرواية هناك:
* ولم يك فيما قد عهدت بكاذب*
وأنشد الفراء في الجمع:
ظلّت نساؤهم والقوم أنجية |
يعدى إليها كما يعدى على الغنم(١) |
فأما قوله تعالى:( إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً ) ففيه وجوه:
أوّلها أن يكون المراد: إن تتبعون إلا رجلا متغيّر العقل؛ لأن المشركين كان من مذهبهم عيب النبيصلىاللهعليهوآله ، وتضعيف أمره وتوهين رأيه، وكانوا في وقت ينسبونه إلى أنه ساحر، وفي آخر يرمونه بالجنون، وأنه مسحور مغيّر العقل(٢) ، وربما قذفوه بأنه شاعر حوشي من ذلك كلّه. وقد جرت عادة الناس أن يصفوا من يضيفونه إلى البله والغفلة وقلة التحصيل بأنه مسحور.
وثانيها أن يريدوا بالمسحور المخدوع المعلّل؛ لأن ذلك أحد ما يستعمل فيه هذه اللفظة، قال امرؤ القيس:
أرانا موضعين لحتم غيب |
ونسحر بالطّعام وبالشّراب(٣) |
وقال أمية بن أبي الصلت:
فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا |
عصافير من هذا الأنام المسحّر(٤) |
____________________
(١) البيت في اللسان (نجا)، ونسبه لسحيم، ولم يذكر في ديوانه. وفي ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (يعدى عليها).
(٢) د، ف، حاشية الأصل من نسخة: (متغير العقل).
(٣) ديوانه: ١٣٢. موضعين: مسرعين، والإيضاع: نوع من السير. والحتم: الإيجاب؛ وبعده:
عصافير وذبّان ودود |
وأجرأ من مجلّحة الذئاب |
|
فبعض اللوم عاذلتي فإنّي |
ستكفيني التجارب وانتسابي |
|
إلى عرق الثرى وشجت عروقي |
وهذا الموت يسلبني شبابي |
(٤) البيت في اللسان (سحر)، ونسبه إلى لبيد؛ وهو أيضا في ديوانه ١: ٨١.
وثالثها أن السّحر في لغة العرب الرّئة وما تعلق بها، فيها ثلاث لغات: سحر وسحر وسحر، وقيل السّحر ما لصق بالحلقوم والمريء من أعلى الجوف؛ وقيل إنه الكبد؛ فكأنّ المعنى على هذا: إن تتبعون إلا رجلا ذا سحر؛ خلقه الله بشرا كخلقكم.
ورابعها أن يكون معنى مسحور أي ساحر، وقد جاء لفظ مفعول بمعنى فاعل؛ قال الله تعالى:( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ) ؛ [الإسراء: ٤٥]، أي ساترا، والعرب تقول للمعسر: ملفج، ومعناه ملفج؛ لأن ماضيه ألفج(١) ، فجاءوا بلفظ المفعول وهو الفاعل؛ ومن ذلك قولهم: فلان مشئوم على فلان وميمون؛ وهم يريدون شائم له ويأمن؛ لأنه من شأمهم(٢) ويمنهم.
ورأيت بعض العلماء يطعن على هذا الاستشهاد الأخير فيقول: العرب لا تعرف (فلان مشئوم على فلان)؛ وإنما هذا من كلام أهل الأمصار؛ وإنما تسمي العرب من لحقه الشؤم مشئوما؛ قال علقمة بن عبدة:
ومن تعرّض للغربان يزجرها |
على سلامته لا بدّ مشئوم(٣) |
والوجوه الثلاثة الأول أوضح وأشبه.
***
[عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة:]
ومما يختار لمروان بن أبي حفصة قوله من قصيدة يمدح بها معن بن زائدة الشيباني، أولها:
أرى القلب أمسى بالأوانس مولعا |
وإن كان من عهد الصّبا قد تمتّعا(٤) |
يقول فيها:
ولما سرى الهمّ الغريب قريته |
قرى من أزال الشكّ عنه وأزمعا |
____________________
(١) حاشية الأصل: (يقال: ألفج؛ فهو ملفج، وأسهب إذا ذهب عقله فهو مسهب، وأحصن فهو محصن).
(٢) شأمهم: أصابهم بشؤم.
(٣) ديوانه: ١٣١، المفضليات: ١٢٠ (طبعة المعارف).
(٤) الأوانس: جمع آنسة؛ وهي الفتاة الطيبة الحديث والنفس.
عزمت فعجّلت الرّحيل ولم أكن |
كذي لوثة لا يطلع الهمّ مطلعا |
|
فأمّت ركابي أرض معن ولم تزل |
إلى أرض معن حيثما كان نزّعا(١) |
|
نجائب لولا أنها سخّرت لنا |
أبت عزّة من جهلها أن توزّعا |
|
كسونا رحال الميس منها غواربا |
تدارك فيها النّي صيفا ومربعا(٢) |
|
فما بلغت صنعاء حتى تواضعت |
ذراها وزال الجهل عنها وأقلعا(٣) |
|
وما الغيث إذ عمّ البلاد بصوبه |
على الناس من معروف معن بأوسعا |
يقول فيها:
تدارك معن قبّة الدّين بعد ما |
خشينا على أوتادها أن تنزّعا |
|
أقام على الثّغر المخوف، وهاشم |
تساقى سماما بالأسنّة منقعا |
|
مقام امرئ يأبى سوى الخطّة التي |
تكون لدى غبّ الأحاديث أرفعا |
|
وما أحجم الأعداء عنك بقيّة |
عليك؛ ولكن لم يروا فيك مطمعا |
|
رأوا مخدرا قد جرّبوه وعاينوا |
لدى غيله منهم مجرّا ومصرعا(٤) |
|
وليس بثانيه إذا شدّ أن يرى |
لدى نحره زرق الأسنّة شرّعا |
|
له راحتان: الحتف والغيث فيهما |
أبى الله إلاّ أن تضرّا وتنفعا |
|
لقد دوّخ الأعداء معن فأصبحوا |
وأمنعهم لا يدفع الذّلّ مدفعا |
|
نجيب مناجيب وسيّد سادة |
ذرا المجد من فرعي نزار تفرّعا |
|
لبانت خصال الخير فيه وأكملت |
وما كملت خمس سنوه وأربعا(٥) |
____________________
(١) نزعا، أي مشتاقين.
(٢) الميس: خشبة الرحل، والغوارب: أعلى السنام. والني: الشحم.
(٣) ذراها: جمع ذروة؛ وهي الأعالي؛ ويعني هنا الأسنمة.
(٤) المخدر: الأسد في خدره وهو غيله؛ ويعني بالخدر الأجمة.
(٥) في حاشيتي الأصل، ف:
ومثله لآخر:
لئن فرحت بي معقل عند شيبتي |
لقد فرحت بي بين أيدي القوابل |
لقد أصبحت في كلّ شرق ومغرب |
بسيفك أعناق المريبين خضّعا |
|
وطئت خدود الحضرميّين وطأة |
لها هدّ ركنا عزّهم(١) فتضعضعا |
|
فأقعوا على الأذناب إقعاء معشر |
يرون لزوم السّلم أبقى وأودعا |
|
فلو مدّت الأيدي إلى الحرب كلها |
لكفّوا وما مدّوا إلى الحرب إصبعا |
أما قوله:
فما بلغت صنعاء حتى تواضعت |
ذراها، فزال الجهل عنها فأقلما |
فقد ردّده في موضع آخر فقال:
فما بلغت حتّى حماها كلالها |
إذا عرّيت أصلابها أن تقيّدا |
وهذا المعنى(٢) كثير في الشعر القديم والمحدث(٢) ، فمنه قول جرير:
إذا بلغوا المنازل لم تقيّد |
وفي طول الكلال لها قيود(٣) |
وروي أنه قيل لنصيب: لك بيت نازعك فيه جرير؛ أيّكما فيه أشعر؟ فقال: ما هو؟
فقيل قولك:
أضرّ بها التّهجير حتّى كأنّها |
بقايا سلال لم يدعها سلالها(٤) |
وأنشد بيت جرير الّذي تقدّم، فقال: قاتل الله ابن الخطفي! فقيل له: قد فضلته عليك، فقال: هو ذاك.
وأخذ هذا المعنى المؤمل بن أميل المحاربي فقال:
كانت تقيّد حين تنزل منزلا |
فاليوم صار لها الكلال قيودا |
ولأبي نخيلة:
قيّدها الجهد ولم تقيّد |
فهي سوام كالقنا المسنّد |
____________________
(١) حاشية ف (من نسخة): (عزمهم).
(٢ - ٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (كثير في شعر القدماء والمحدثين).
(٣) ديوانه: ١٤٨.
(٤) السلال: السل.
وما لها معلّل(١) من مزود |
منها(٢) ولا من شاحط مستبعد |
ومعنى قوله: (سوام) أي هي رافعة رءوسها، وشبهها بالقنا، لأن القنا إذا ركز مال قليلا مع الريح(٣) ، فيقول: في أعناقها ميل من الضعف، كما قال الشماخ:
فأضحت تفالي بالسّتار كأنّها |
رماح نحاها وجهة الرّيح راكز(٤) |
وكما قال حميد بن ثور الهلالي:
بمثوى حرام والمطي كأنه |
قنا مسند هبّت لهنّ خريق(٥) |
____________________
(١) ش (معلل)، بكسر اللام المشددة. وهو على هذا كناية عن العلف الّذي تجتره من جوفها.
(٢) في حاشيتي الأصل، ف: (منها، متعلق بالمزود؛ أي من مزود منها، أي من نفسها، يعني كرشها).
(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (من الريح).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (وهذا البيت آخر زائيته؛ وقبله:
فأصبح فوق الحقف حقف تبالة |
له مركد في مستوى الحبل بارز |
فأضحت تفالي بالستار كأنها ...
يصف حميرا وصائدا، والحقف: ما اعوج من الرمل، والمركد: المقام والحبل: الممتد من الرمل.
وقوله: (تفالي) أي تدخل رءوسها بعضها في بعض. والستار: موضع؛ وشبهها في دفتها وطولها بالرماح ونحاها: جعلها في ناحية الريح؛ شبهها منحرفة إلى ناحية الريح تستنشي؛ فإن حملت الريح ريح الصائد إليها تركت ذلك المورد وأتت غيره؛ وإلا تقدمت بالرماح والقصيدة في ديوانه: ٤٣ - ٥٣؛ ورواية البيتين فيه:
وأصبح فوق النّشز نشز حمامة |
له مركض في مستوى الأرض بارز |
|
وظلّت تفالي باليفاع كأنها |
رماح نحاها وجهة الريح راكز |
(٥) ديوانه: ٣٤، من قصيدة طويلة؛ أولها:
نأت أمّ عمرو فالفؤاد مشوق |
يحنّ إليها والها ويتوق |
وهو أيضا في الكامل - بشرح المرصفي ٦: ١٩٣، واللسان (خرق)، وفي حاشيتي الأصل، ف:
نسخة س: (مثوى حرام: مني)، وقبل هذا البيت:
فأعرضت عنها في الزيارة أتّقي |
وذو اللّب بالتقوى هناك حقيق |
وهذا البيت لم يرد في ديوانه؛ والّذي ورد قبل البيت المذكور:
ألا طرقت صحبي عميرة إنّها |
لنا بالمروراة المطلّ طروق |
والمروراة هنا: الأرض أو المفازة لا شيء فيها.
فالخريق ريح شديدة تنخرق من كل جهة.
ومعنى قول أبي نخيلة: (من مزود) أي من ثميلة(١) تجترّها، من الاجترار، وأراد أنه لا شيء في أجوافها تتعلّل(٢) به. والمستبعد: ما بعد من المرعى.
وأنشد أبو العباس ثعلب:
إذا بلغوا المنازل لم تقيّد |
ركائبهم ولم تشدد بعقل |
|
فهنّ مقيّدات مطلقات |
نقضّم ما تشذّر في المحلّ(٣) |
والأصل في هذا قول امرئ القيس:
مطوت بهم حتّى تكلّ مطيّهم |
وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان(٤) |
ولعباد بن أنف الكلب الصيداوي:
فتمسي لا أقيّدها بحبل |
بها طول الضّراوة والكلال |
ومن جيد هذا المعنى قول الفرزدق يصف الإبل:
بدأنا بها من سيف رمل كهيلة |
وفيها نشاط من مراح وعجرف(٥) |
____________________
(١) الثميلة: بقية العلف.
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (فتتعلل به).
(٣) تشذر: تفرق؛ وفي د، ف: (تشذب)، وهي بمعنى تفرق أيضا.
(٤) ديوانه: ١٢٩. مطوت بهم؛ أي مددت بهم في السير، ما يقدن بأرسان؛ أي أعيت فلا تحتاج إلى أرسان. وفي حاشيتي الأصل، ف: (قبله:
ومجر كغلاّن الأنيعم بالغ |
ديار العدوّ ذي زهاء وأركان |
المجر: الجيش الكبير الثقيل. والغلان: الأودية؛ واحدها غال، وهو الوادي الكثير الشجر.
وذو زهاء؛ أي لا يحصون لكثرتهم.
(٥) ديوانه ٢: ٥٥١ - ٥٥٨؛ من نقائضه المشهورة، وأولها:
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف |
وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف |
وأصل السيف شاطئ البحر، وكهيلة: موضع. والعجرف: سير فيه نشاط. وفي حاشيتي الأصل، ف: (قبل هذا البيت: -
فما بلغت حتّى تقارب خطوها |
وبادت ذراها والمناسم رعّف(١) |
|
وحتّى قتلنا الجهل عنها وغودرت |
إذا ما أنيخت والمدامع ذرّف(٢) |
|
وحتّى مشى الحادي البطيء يسوقها |
لها بخص دام ودأي مجلّف |
- البخص: لحم الخفّ الّذي تطأ عليه. والدّأي: فقار الظهر. والمجلّف: المقشور -
وحتّى بعثناها وما في يد لها |
إذا حلّ عنها رمّة وهي رسّف |
- الرّمة: الحبل؛ وأراد أنها ترسف كما يرسف المقيد، وإن لم يكن في يدها قيد -
إذا ما نزلنا قاتلت عن ظهورها |
حراجيج أمثال الأهلّة شسّف |
- الحراجيج: الطّوال من الإبل، والشّسف: اليابسة من الجهد والكلال. ومعنى قتالها للغربان أنها إذا عرّيت ظهورها تقع الغربان عليها لتأكل دبرها؛ فالإبل تدافع الغربان بأفواهها عن ظهورها وذلك قتالها -
____________________
-
إليك أمير المؤمنين رمت بنا |
هموم المنى والهوجل المتعسّف |
|
وعضّ زمان ياابن مروان لم يدع |
من المال إلا مسحتا أو مجرّف |
|
ومائرة الأعضاد صهب كأنما |
عليها من الأين الجساد المدوّف |
|
بدأنا بها من سيف رمل كهيلة |
... ... ... ... ... ... ... ..... |
- الهوجل: البطن الواسع في الأرض. المتعسف: الطريق المسلوك من غير علم. ويروى: (إلا مسحت)، بالرفع؛ ومعنى: لم يدع)، من الدعة؛ أي (لم يتدع) مع هذا الزمان إلا مسحت مستأصل. قال سويد:
أرّق العين خيال لم يدع |
من سليمى ففؤادي منتزع |
والمجرف: الّذي أخذ ما دون الجميع؛ وقال ثعلب: (مسحتا) نصب بوقوع الفعل عليه، وقد وليه الفعل، ولم يل الفعل (مجرف) فاستؤنف به فرفع، قال: التقدير: (هو مجرف). ومائرة الأعضاد:
التي تمور بيديها دون رجليها، وذلك مما يستحب في الإبل. والجساد: العرق؛ وهو ما اصفر، يضرب إلى الحمرة.
(١) باءت: هلكت أسنمتها والمناسم: أظفار الإبل. ورعف: دامية من الحفاء.
(٢) نسخة الشجري: (قتلنا جهلها؛ وهو مرحها ونشاطها بالكلال). ويروى: (وغورت، من التغوير، وهو نزول الغائرة؛ والغائرة نصف النهار).
إذا ما أريناها الأزمّة أقبلت |
إلينا بحرّات الخدود تصدّف |
|
فأفنى مراح الدّاعرية(١) خوضها |
بنا اللّيل إذ نام الدّثور الملفّف(٢) |
ومن أحسن ما قيل في وصف الإبل بالنحول من الكلال والجهد بعد السّمن قول الشاعر:
وذات ماءين قد غيّضت جمّتها |
بحيث تستمسك الأرواح بالحجر |
|
ردّت عواري غيطان الفلا ونجت |
بمثل إيبالة من حائل العشر(٣) |
قوله: (ذات ماءين) يعني سمنا على سمن؛ وقيل: بل عنى أنها رعت كلأ عامين.
وقوله (قد غيّضت جمّتها) يعني أنه أتعبها بالسير حتى ردّها هزيلا بعد سمن؛ فكأنه غيّض بذلك ماءها.
ومعنى:
* بحيث تستمسك الأرواح بالحجر*
يعني الفلاة؛ حيث لا يكون فيها الماء، فيقتسم الركب الماء الّذي يكون معهم بالحجر الّذي يقال له المقلة(٣) فتمسك أرماقهم.
وقوله:
* ردت عواري غيطان الفلا ونجت*
أي ما رعت من كلأ هذه الأماكن وسمنت عنه كان كعارية عندها، فردّته حيث جهدها السير وأهزلها(٤) . والإيبالة: الحزمة من الحطب اليابس.
____________________
(١) الداعرية: إبل منسوبة إلى فحل يقال له: داعر، معروفة بالنجابة والكرم. وخوضها: سيرها بالليل. والدثور: الرجل المثقل البدن، الّذي لا يبرح مكانه. الملفف، أي في ثيابه.
(٢) العشر: شجر له صمغ، وفي حاشيتي الأصل ف: (يعني بحائل العشر ما يبس من هذا الشجر، وأصل الحائل في الإبل إذا لم تحمل).
(٣) المقلة، بالفتح: حصاة القسم؛ توضع في الإناء ليعرف قدر ما يسقى كل واحد منهم؛ وذلك عند قلة الماء في المفاوز.
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (هزلها).
وأخذ هذا المعنى بعينه أبو تمام فقال:
رعته الفيافي بعد ما كان حقبة |
رعاها، وماء المزن ينهلّ ساكبه(١) |
|
فكم جزع واد جبّ ذروة غارب |
ومن قبل كانت أتمكته مذانبه(٢) |
فأما قوله:
فما أحجم الأعداء عنك بقيّة |
عليك، ولكن لم يروا فيك مطمعا |
فمأخوذ من قول الأول(٣) :
فما بقيا عليّ تركتماني |
ولكن خفتما صرد النّبال(٤) |
وقريب منه قول الآخر:
لعمرك ما النّاس أثنوا عليك |
ولا قرّظوك ولا عظّموا |
|
ولو أنّهم وجدوا مطعنا |
إلى أن يعيبوك ما أحجموا |
|
فأنت بفضلك ألجأتهم |
إلى أن يجلّوا وأن يعظموا |
____________________
(١) ديوانه: ٤٤ من قصيدته التي يمدح فيها عبد الله بن طاهر؛ وأولها:
أهنّ عوادي يوسف وصواحبه |
فعزما فقد ما أدرك السّؤل طالبه |
وفي الديوان: (وماء الروض ينهل ساكبه). وبعده:
فأضحى الفلا قد جدّ في برى نحضه |
وكان زمانا قبل ذاك يلاعبه |
النحض: اللحم المكتنز.
(٢) جب: قطع. أتمكته: أسمنته. المذانب: مجاري الماء. ورواية الديوان:
* وبالأمس كانت أتمكته مذانبه*
(٣) هو اللعين المقري؛ وكان قد تعرض لجرير والفرزدق فقال:
سأقضي بين كلب بني كليب |
وبين القين قين بني عقال |
|
بأن الكلب مرتعه وخيم |
وأن القين يعمل في سفال |
فلم يجبه أحد منهما؛ فقال:
فما بقيا عليّ تركتماني، |
ولكن خفتما صرد النبال |
(٤) البقيا: الرحمة والشفقة. وصرد السهم: نفذ أو نكل؛ وهو من الأضداد؛ والمعنى على الأول:
أنكما خفتما أن تنفذ سهامي فيكما، أي هجائي، وعلى الثاني: أنكما خفتما ألا تنفذ سهامكما، فعجزتما عن الرد عليّ.
ومثله وقريب منه:
أما لو رأى فيك العدوّ نقيصة |
لخبّ بتصريف العيوب وأوضعا |
|
ولكنّه لما رآك مبرّأ |
من العيب غطّى رأسه وتقبّعا |
ومثله:
قد طلب العاذل عيبا فما |
أصاب عيبا فانثنى عاذرا |
وللبحتري في معنى قول مروان:
* فما أحجم الأعداء عنك بقيّة*
من قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان ويصف لقاءه الأسد:
غداة لقيت اللّيث واللّيث خادر |
يحدّد نابا للّقاء ومخلبا(١) |
|
شهدت، لقد أنصفته يوم تنبري |
له مصلتا عضبا من البيض مقضبا(٢) |
|
فلم أر ضرغامين أصدق منكما |
عراكا إذا الهيابة النّكس كذّبا(٣) |
|
هزبر مشى يبغي هزبرا، وأغلب |
من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا(٤) |
|
أدلّ بشغب ثمّ هالته صولة |
رآك لها أمضى جنانا وأشغبا |
|
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا |
وأقدم لما لم يجد عنك مهربا |
|
فلم يغنه أن كرّ نحوك مقبلا، |
ولم ينجه أن حاد عنك منكبا |
|
حملت عليه السّيف لا عزمك انثنى، |
ولا يدك ارتدّت، ولا حدّه نبا |
|
وكنت متى تجمع يمينيك(٥) تهتك الضّ |
ريبة، أولا تبق للسّيف مضربا |
ومن صافي كلام مروان ورائقه، ومما اجتمع له فيه جودة المعنى واللفظ واطّراد النسج قوله:
____________________
(١) ديوانه ١: ٥٦.
(٢) بقال: أصلت السيف إذا جردته. والعضب: السيف القاطع.
والقضيب: القطع أيضا.
(٣) أي كذب الظن فيه؛ ومن نسخة بحاشية الأصل: (نكبا).
(٤) الأغلب: الأسد إذا كان غليظ الرقبة.
(٥) جعل كلتا يديه يمينا.
بنو مطر يوم اللّقاء كأنّهم |
أسود لها في غيل خفّان أشبل(١) |
|
هم يمنعون الجار حتى كأنّما |
لجارهم بين السّماكين منزل |
|
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن |
كأوّلهم في الجاهليّة أوّل |
|
هم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعوا |
أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا |
|
وما يستطيع الفاعلون فعالهم |
وإن أحسنوا في النّائبات وأجملوا |
|
ثلاث بأمثال الجبال حباهم |
وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل |
ومن جيد قوله من قصيدة يمدح بها معنا:
ما من عدوّ يرى معنا بساحته |
إلاّ يظنّ المنايا تسبق القدرا |
|
يلفي إذا الخيل لم تقدم فوارسها |
كاللّيث يزداد إقداما إذا زجرا |
|
أغرّ يحسب يوم الرّوع ذا لبد |
وردا ويحسب فوق المنبر القمرا(٢) |
وله من قصيدة يصف يوما حارّا:
ويوم عسول الآل حام كأنّما |
لظى شمسه مشبوب نار تلهّب(٣) |
|
نصبنا له منّا الوجوه وكنّها |
عصائب أسمال بها نتعصّب |
ويشبه أن يكون أخذ ذلك من قول الشّنفرى:
ويوم من الشّعرى يذوب لعابه |
أفاعيه في رمضائه تتململ(٤) |
|
نصبت له وجهي ولكنّ دونه |
- ولا ستر - إلا الأتحمي المرعبل(٥) |
____________________
(١) حماسة ابن الشجري: ١٠٩ - ١١٠، وأبيات منها في لباب الآداب ٢٦٥، ٢٦٦
(٢) لبد: جمع لبدة؛ وهو ما اجتمع من الشعر على قفا الأسد فتلبد.
(٣) عسول: جار؛ وأصله في الذئب والثعلب. وحام: حار.
(٤) لامية العرب - بشرح الزمخشري:
١٢٨ - ١٢٩. الشعرى: من الكواكب القيظية.
(٥) الأتحمي: نوع من البرود. والمرعبل:
المقطع.
ولمروان من أبيات يصف فيها حديقة وهبها له المهدي، ويذكر نخلها وشجرها أجاد فيها:
نواضر غلبا قد تدانت رءوسها |
من النّبت حتّى ما يطير غرابها(١) |
|
ترى الباسقات العمّ فيها كأنها |
ظعائن مضروب عليها قبابها |
|
ترى بابها سهلا لكلّ مدفّع |
إذا أينعت نخل فأغلق بابها(٢) |
|
يكون لنا ما نجتني من ثمارها |
ربيعا إذا الآفاق قلّ سحابها |
|
حظائر لم يخلط بأثمانها الرّبا |
ولم يك من أخذ الدّيات اكتسابها |
|
ولكن عطاء الله من كلّ مدحة |
جزيل من المستخلفين ثوابها |
|
ومن ركضنا بالخيل في كلّ غارة |
حلال بأرض المشركين نهابها(٣) |
|
حوت غنمها آباؤنا وجدودنا |
بصمّ العوالي والدّماء خضابها |
أمّا قوله:
حظائر لم يخلط بأثمانها الرّبا |
ولم يك من أخذ الدّيات اكتسابها |
فكأن ابن المعتز نظر إليه في قوله:
لنا إبل ما وفّرتها دماؤنا |
ولا ذعرتها في الصباح الصّوابح(٤) |
وفي ضد هذا قول أبي تمام:
____________________
(١) ف: (نواضر عليا).
(٢) يريد أنه إذا أغلق الآخرون الأبواب على نخيلهم؛ فإن نخل هذه الروضة لا يغلق بابه.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (للخيل).
(٤) ديوانه: ٢٢؛ والرواية فيه:
* لنا وفرة ما وفّرتها دماؤنا*
وفي نسخة ش: (الصوائح)؛ والمعنى أنه لم نأخذ عوضا عن دمائنا.
كثرت فيهم المسارح إلاّ |
أنّها من مناكح وديات(١) |
ومثل الأول قول حسان يهجو قوما من قريش:
ومالكم لا من طراد فوارس |
ولكن من التّرقيح ياآل مالك(٢) |
____________________
(١) ف، حاشية الأصل من نسخة: (المواشي)؛ وفي حاشيتيهما أيضا: إذا سكنت الياء من (المواشي)؛ كان البيت مشعث العروض؛ والتشعيث في العروض غير مألوف وإنما هو في الضرب الأول من الخفيف. والتشعيث: أن تقطع وتد فاعلاتن فتحذف ألفه وتسكن لامه فتصير: (فاعلتن)، فتصير: (مفولن).
(٢) الترقيح: إصلاح المال.
[٤٥]
مجلس آخر [المجلس الخامس والأربعون:]
تأويل آية:( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ )
إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى:( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ) [القصص: ٧٨].
وقوله تعالى:( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله ) ؛ [الإنسان: ٩].
وقوله تعالى:( وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالآكْرامِ ) ؛ [الرحمن: ٢٧].
وما شاكل ذلك من آي القرآن المتضمنة لذكر الوجه.
الجواب، قلنا: الوجه في اللغة العربية ينقسم إلى أقسام:
فالوجه المعروف المركب فيه العينان من كل حيوان.
والوجه أيضا أول الشيء وصدره؛ ومن ذلك قوله تعالى:( وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ ) [آل عمران: ٧٢] أي أوّل النهار؛ ومنه قول الربيع بن زياد:
من كان مسرورا بمقتل مالك |
فليأت نسوتنا بوجه نهار(١) |
أي غداة كلّ يوم. وقال قوم: وجه نهار: موضع.
والوجه القصد بالفعل؛ من ذلك قوله تعالى:( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ ) ؛ [لقمان: ٢٢]؛ معناه: من قصد بأمره وفعله إلى الله سبحانه، وأراده بهما. وكذلك قوله تعالى:( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) ، [النساء: ١٢٥]؛ وقال الفرزدق:
____________________
(١) الحماسة - بشرح المرزوقي ٩٩٥؛ وفي نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (فليأت ساحتنا)؛ وهي رواية الحماسة؛ وهو مالك بن زهير العبسي قتل في بني فزارة؛ فرثاه الربيع بأبيات من هذا البيت.
وأسلمت وجهي حين شدّت ركائبي |
إلى آل مروان بناة المكارم |
أي جعلت قصدي وإرادتي لهم، وأنشد الفراء:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه |
ربّ العباد إليه الوجه والعمل |
أي القصد؛ ومنه قولهم في الصلاة: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض؛ أي قصدت قصدي بصلاتي وعملي؛ وكذلك قوله تعالى:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ ) [الروم: ٤٣].
والوجه الاحتيال للأمرين؛ من قولهم كيف الوجه لهذا الأمر؟ وما الوجه فيه؟ أي ما الحيلة؟
والوجه المذهب والجهة والناحية، قال حمزة بن بيض الحنفي:
أي الوجوه انتجعت؟ قلت لهم: |
لأي وجه إلاّ إلى الحكم(١) ! |
|
متى يقل صاحبا سرادقه: |
هذا ابن بيض بالباب يبتسم |
والوجه: القدر والمنزلة؛ ومنه قولهم: لفلان وجه عريض، وفلان أوجه من فلان، أي أعظم قدرا وجاها، ويقال: أوجهه السلطان إذا جعل له جاها؛ قال امرؤ القيس:
ونادمت قيصر في ملكه |
فأوجهني وركبت البريدا(٢) |
والوجه الرئيس المنظور إليه؛ يقال: فلان وجه القوم، وهو وجه عشيرته؛ ووجه الشيء نفسه وذاته؛ قال أحمد بن جندل السّعدي:
____________________
(١) الأغاني ١٥: ١٤.
(٢) اللسان (وجه)؛ وهو من أبيات أربعة في الأغاني ٨: ١٩٦ (طبعة دار الكتب المصرية)، وفي حاشية ف: (يقال: حمل فلان على البريد إذا هيئ له في كل مرحلة مركوب ليركبه؛ فإذا وصل إلى المرحلة الأخرى نزل عن المعيى وركب المرفه؛ وهكذا إلى أن يصل إلى مقصده).
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة |
فأفلت منها وجهه عتد نهد(١) |
أراد أفلته ونجّاه ومنه قولهم: إنما أفعل ذلك لوجهك، ويدل أيضا على أن الوجه يعبّر به عن الذات قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ) ؛ [القيامة: ٢٢ - ٢٥]، وقوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ ) ؛ [الغاشية: ٨، ٩]، لأن جميع ما أضيف إلى الوجوه في ظاهر الآي؛ من النظر، والظن، والرّضا لا يصحّ إضافته في الحقيقة إليها وإنما يضاف إلى الجملة، فمعنى قوله تعالى:( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ) ؛ أي كل شيء هالك إلا هو؛ وكذلك قوله تعالى:
( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالآكْرامِ ) ؛ لما كان المراد بالوجه نفسه لم يقل (ذي الجلال) كما قال:( تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالآكْرامِ ) ؛ [الرحمن: ٧٨]: لما كان اسمه غيره.
ويمكن في قوله تعالى:( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ) وجه آخر؛ وقد روي عن بعض المتقدمين، وهو أن يكون المراد بالوجه ما يقصد به إلى الله تعالى ويوجّه؛ نحو القربة إليه جلت عظمته؛ فيقول: لا تشرك بالله، ولا تدع إلها غيره؛ فإن كل فعل يتقرب به إلى غيره، ويقصد به سواه فهو هالك باطل؛ وكيف يسوغ للمشبّهة أن يحملوا هذه الآية والتي قبلها على الظاهر! أو ليس ذلك يوجب أنه تعالى يفنى ويبقى وجهه: وهذا كفر وجهل من قائله.
فأما قوله تعالى:( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله ) ، [الإنسان: ٩]، وقوله:( إِلاّ
____________________
(١) حفزنا: طعنا. ويقال فرس عتد، بفتح التاء وكسرها: إذا كان شديدا تام الخلق سريع الوثبة؛ ليس فيه اضطراب ولا رخاوة والنهد من نعت الخيل: الجسيم المشرف. والحوفزان هو الحارث بن شريك طعنه قيس بن عاصم يوم جدود؛ والمشهور في ذلك قول سوار بن حيان المنقري:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة |
سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا |
|
وحمران قسرا أنزلته رماحنا |
فعالج غلاّ في ذراعيه مقفلا |
وانظر شرح المفضليات ٤٧٠.
ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلى ) ؛ [الليل: ٢٠]، وقوله:( وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله ) ، [الروم: ٣٩]؛ فمعلوم أن هذه الأفعال مفعولة له؛ ومقصود بها ثوابه، والقربة إليه، والزلفة عنده.
فأما قوله تعالى:( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله ) ؛ [البقرة: ١١٥]، فيحتمل أن يراد به: فثمّ الله، لا على معنى الحلول، ولكن على معنى التدبير والعلم، ويحتمل أن يراد به: فثمّ رضا الله وثوابه والقربة إليه.
ويحتمل أن يراد بالوجه الجهة، وتكون الإضافة بمعنى الملك والخلق والإنشاء والإحداث؛ لأنه عزّ وجل قال:( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله ) ؛ أي أن الجهات كلّها للّه تعالى وتحت ملكه؛ وهذا واضح بيّن بحمد الله.
***
[قصة سفرة للمكتفي بالله في حرّاقة؛ مع جماعة من الأدباء:]
أخبرني أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال حدّثني محمد بن يحيى الصولي قال: انحدرنا مع المكتفي بالله في آخر سفرة سافرها للصيد من الموضع المعروف بحنّة إلى تكريت في حرّاقة(١) فكانت تجنح كثيرا، فيشتد فزع من معه من الجلساء لذلك؛ وكنت أشدّهم فزعا، وكان في الحرّاقة سواي من الجلساء يحيى بن عليّ المنجم، ومتوّج بن محمود بن مروان، والقاسم المعروف بابن حبابة، وكان يضحك لفزعنا ويقول: لقد قسم الله لكم حظّا من الشجاعة جزيلا، فقلت له: إن البحتري يقول شعرا يصف فيه مثل حالنا، ويمدح به أحمد بن دينار بن عبد الله - وقد غزا الروم في مراكب - أوله:
ألم تر تغليس الرّبيع المبكّر |
وما حاك من وشي الرّياض المنشّر(٢) |
____________________
(١) الحراقة: اسم لسفينة؛ وأصل الحراقات: سفن كانت بالبصرة، فيها مرامي نيران يرمى بها العدو.
(٢) ديوانه ٢: ٢٢ - ٢٤.
فقال له: أنشدني الموضع الّذي ذكر هذا فيه منها - وكان جيّد العلم بالأشعار، حافظا للأخبار - فأنشده:
غدوت على الميمون صبحا، وإنما |
غدا المركب الميمون تحت المظفّر(١) |
|
إذا زمجر النّوتي فوق علاته |
رأيت خطيبا في ذؤابة منبر(٢) |
|
يغضّون دون الاشتيام عيونهم |
وفوق السّماط للعظيم المؤمّر(٣) |
|
إذا ما علت فيه الجنوب اعتلى له |
جناحا عقاب في السماء مهجّر(٤) |
|
إذا ما انكفا في هبوة النّار خلته |
تلفّع في أثناء برد محبّر(٥) |
|
وحولك ركّابون للهول عاقروا |
كئوس الرّدى؛ من دار عين وحسّر(٦) |
|
تميل المنايا حيث مالت أكفّهم |
إذا أصلتوا حدّ الحديد المذكّر |
|
إذا أرشقوا بالنّار لم يك رشقهم |
ليقلع إلاّ عن شواء مفتّر(٧) |
____________________
(١) قبله:
ولما تولى البحر والجود صنوه |
غدا البحر من أغلاقه بين أبحر |
|
أضاف إلى التّدبير فضل شجاعة |
ولا عزم إلا للشجاع المدبّر |
|
إذا شجروه بالرماح تكسّرت |
عواملها في صدر ليث غضنفر |
والميمون، يريد به السفنة؛ وفي حاشية الأصل: (هو اسم خراقة).
(٢) حاشية الأصل: (العلاة: الموضع الّذي يركب فيه الملاح من السفينة).
(٣) حاشية الأصل: (يقال وقفوا دونه سماطا؛ أي اصطفوا؛ وفي شعره: (وقوف السماط)؛ قال س: (وهو الصواب؛ وكذا قرأت على مشايخي. والاشتيام: رئيس المركب؛ كلمة نبطية).
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (إذا عصفت فيه)؛ وهي رواية الديوان ومهجر؛ أي يحلق في الهاجرة.
(٥) في حاشيتي الأصل، ف: (انكفا الميمون؛ أي تمايل؛ وأراد بهوة النار ما كانوا يرمون به من النار إلى العدو من الحراقة التي اسمها ميمون، وشبه مواد الحراقة وحمرة النار وبياض الماء بلون البرد. وانكفا، أصله الهمز فخفف؛ يقال: انكفأت المرأة وتكفأت؛ إذا تمايلت في سيرها) وفي م: والديوان: (هبوة الماء) تصحيف.
(٦) المعاقرة: الملازمة.
(٧) الرشق: الرمي من جهة واحدة. والشواء المفتر: الّذي يصعد منه الفتار؛ والفتار عند العرب:
ريح الشواء إذا ضهب على الجمر.
صدمت بهم صهب العثانين دونهم |
ضراب كإيقاد اللّظى المتسعّر |
|
يسوقون أسطولا كأنّ سفينه |
سحائب صيف؛ من جهام وممطر(١) |
|
كأنّ ضجيج البحر بين رماحهم |
إذا اختلفت ترجيع عود مجرجر(٢) |
|
تقارب من زحفيهم فكأنّما |
تؤلّف من أعناق وحش منفّر |
|
فما رمت حتى أجلت الحرب عن طلى |
مقصّصة فيهم، وهام مطيّر(٣) |
|
على حين لا نقع تطوّحه الصّبا |
ولا أرض تلقى للصّريع المقطّر(٤) |
|
وكنت ابن كسرى قبل ذاك وبعده |
مليّا بأن توهي صفاة ابن قيصر |
|
جدحت له الموت الذّعاف فعافه |
وطار على ألواح شطب مسمّر(٥) |
|
مضى وهو مولى الرّيح يشكر فضلها |
عليه، ومن يولى الصّنيعة يشكر |
قال: فاستجاد المكتفي قوله:
* على حين لا نقع تطوّحه الصّبا*
[أبيات لابن الرومي وموازنتها بشعر غيره من الشعراء:]
فقال له يحيى بن علي: أنشدني ابن الرومي شعرا له في هذا المعنى:
ولم أتعلّم قطّ من ذي سباحة |
سوى الغوص، والمضعوف غير مغالب(٦) |
|
ولم لا؟ ولو ألقيت فيها وصخرة |
لوافيت منها القعر أوّل راسب |
|
وأيسر إشفاقي من الماء أنّني |
أمرّ به في الكوز مرّ المجانب |
|
وأخشى الرّدى منه على كلّ شارب |
فكيف بأمنيه على كلّ راكب! |
____________________
(١) الأسطول: جماعات السفن. وفي حاشيتي الأصل، ف: (قال ش: ذكر لي أستاذي عند قراءة شعر البحتري عليه بأصبهان أن الأسطول لغة مصرية؛ وهي عندهم عبارة عن جماعة العسكر الذين يتوجهون إلى البحر بحوائجهم؛ فهم بمجموع مراكبهم وحراقاتهم وشباراتهم وتجارهم أسطول؛ ويشتكي أهل مصر فيقولون: ما جاءنا العام أسطول). وفي حاشية الأصل أيضا: (الشبارات: نوع من المراكب البحرية).
(٢) العود: المسن من الإبل.
(٣) الطلى: جمع طلية؛ وهي صفحة العنق؛ ومقصصة:
مقطعة. ورواية الديوان: (طلى مقطعة).
(٤) يقال: طعنه فقطره؛ أي ألقاه على قطره، أي جانبه، فنقطر.
(٥) جدحت: خلطت؛ والشطب في الأصل: الفرس الطويل؛ وجعل المركب شطبا على التشبيه لما ركبه ونجا.
(٦) ديوانه الورقة ٢٣؛ مع اختلاف في ترتيب الأبيات.
فقلت له: إنما أخذ ابن الرومي بيته الثالث من قول أبي نواس؛ فقال المكتفي بالله:
فما قال؟ قلت: حدثني عليّ بن سراج المصري قال حدثني أبو وائل اللخمي قال حدثني إبراهيم بن الخصيب قال: وقف أبو نواس بمصر على النيل؛ فرأى رجلا قد أخذه التمساح فقال:
أضمرت للنّيل هجرانا ومقلية |
مذ قيل لي: إنّما التمساح في النّيل |
|
فمن رأى النّيل رأي العين من كثب |
فما أرى النّيل إلاّ في البواقيل |
قال الصولي: والبواقيل سفن صغار.
ثم أجرى المكتفي بعد ذلك ذكر الشيب، فقال: العرب تقول أظلم من شيب، وقد شبت، وظلمني المشيب؛ وشبت ياصولي، فقلت: جواب عبدك في هذا جواب معن بن زائدة الشيباني لجدّك المنصور وقد قال له: كبرت يامعن، فقال: في طاعتك ياأمير المؤمنين، قال: وإنّك لتتجلّد، قال: على أعدائك، قال: وفيك بحمد الله بقيّة، قال: لخدمتك.
فنزع المكتفي عمامته، فإذا شيبتان في مقدّم رأسه، فقال: لقد غمّني طلوع هاتين الشيبتين، فقلت له: إنما يعيش الناس في الشيب؛ فأما السواد فلا يصحب الناس خالصا أكثر من أربعين سنة إلى الخمسين، وقد يعاش في البياض الّذي لا سواد فيه ثمانون سنة. وأنشده يحيى بن عليّ في معنى طول العمر مع المشيب قول امرئ القيس:
ألا إنّ بعد العدم للمرء قنوة |
وبعد المشيب طول عمر وملبسا(١) |
وأنشدته أنا أيضا أبياتا أنشدها إسحاق بن إبراهيم الموصلي لبعض القيسيين:
لم ينتقص مني المشيب قلامة |
الآن حين بدا ألبّ وأكيس |
|
والشّيب إن يظهر فإنّ وراءه |
عمرا يكون خلاله متنفّس |
قال سيدنا أدام الله تمكينه: أما قول البحتري: (مضى وهو مولي الريح) فقد كرر معناه في قوله من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثّغري:
____________________
(١) ديوانه: ١٤٢؛ والقنوة: المال.
أشلى على منويل أطراف القنا |
فنجا عتيق عتيقة جرداء(١) |
|
ولو أنّه أبطأ لهنّ هنيهة |
لصدرن عنه، وهنّ غير ظماء |
|
فلئن تبقّاه القضاء لوقته |
فلقد عممت جنوده بفناء |
وأظنه أخذ هذا المعنى من قول أبي تمام في قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر فتح الخرميّة(٢) .
لولا الظّلام وقلّة علقوا بها |
باتت رقابهم بغير قلال(٣) |
|
فليشكروا جنح الظّلام ودروزا |
فهم لدروز والظلام موالي(٤) |
وقد أخطأ الصولي في تفسير بيت أبي نواس بأن البواقيل سفن صغار؛ لأن البواقيل جمع بوقال؛ وهو آلة على هيئة الكوز معروفة؛ تعمل من الزجاج وغيره؛ وهذا مثل قول ابن الرومي:
* أمرّ به في الكوز مرّ المجانب*
وإنما أراد أنني لا أمرّ بماء النيل إلا إذا أردت شربه في كوز أو بوقال.
وأظن الصولي استمر عليه الوهم من جهة قوله: (فما أرى النيل) وصرف ذلك إلى أنه أراد النيل على الحقيقة؛ وإنما أراد ماء النيل؛ وما علمت أن السفن الصغار يقال لها بواقيل إلا من قول الصولي، هذا ولو كان ما ذكره صحيحا من أنّ ذلك اسم لصغار السفن لكان بيت أبي نواس بما ذكرناه أشبه وأليق وأدخل في معنى الشعر؛ وكيف تدخل الشّبهة في ذلك مع قوله:
____________________
(١) ديوانه ١: ٥؛ أشلى: أغرى. ومنويل: اسم قلعة والعتيقة هنا: الفرس.
(٢) الخرمية: فرق تنسب إلى بابك الخرمي؛ خرج من كورة بفارس تدعى البذ، وأثار فتنة على الخليفة سنة ٢١٠؛ وامتدت زمن المأمون والمعتصم؛ إلى أن قتل بعد حوادث دامية في أزمان متطاولة؛ على يد الأفشين قائد المعتصم سنة ٢٢٣.
(٣) ديوانه: ٢٦٢.
(٤) دروز: موضع في ثغر أذربيجان؛ كذا ذكره ياقوت وأورد بيتي أبي تمام.
* فمن رأى النيل رأي العين من كثب*
ومن رأى النيل في السفن فقد رآه من كثب، ومن رأى ماءه في الآنية على بعد لا يكون رائيا له من كثب.
***
[طائفة من أقوال الشعراء في مدح الشيب وتفضيله:]
فأما مدح الشيب وتفضيله على الشباب فقد قال فيه الناس فأكثروا؛ فمما تقدم من ذلك قول رؤبة بن العجّاج؛ ويقال إن رؤبة لم يقل من القصيدة إلا هذين البيتين:
أيّها الشّامت المعيّر بالشّيـ |
ـب أقلّنّ بالشّباب افتخارا |
|
قد لبست الشّباب غضّا جديدا |
فوجدت الشّباب ثوبا معارا |
ولعلي بن جبلة:
جفا طرب الفتيان وهو طروب |
وأعقبه قرب الشّباب مشيب |
|
تجافت عيون البيض عنه، وربّما |
مددن إليه الوصل وهو حبيب |
|
لعمري لنعم الصّاحب الشّيب واعظا |
وإن كان منه للعيون نكوب |
|
خليط نهى، منتاب حلم؛ وإنّه |
على ذاك مكروه الخلاط مريب |
ولآخر:
وتنكّرت شيبي فقلت لها: |
ليس المشيب بناقص عمري |
|
سيّان شيبي والشّباب إذا |
ما كنت من عمري على قدر |
ولآخر:
إن أكن قد رزئت أسود كالفحـ |
ـم وأعقبت مثل لون الثّغامه(١) |
|
فلقد أسعف الكريم وأحبو |
أهله بالنّدى وآبى الظّلامه |
____________________
(١) الثغامة: نبت أبيض يشبه به الشيب.
غير أنّ الشّباب كان رداء |
خاننا فيؤه كفيء الغمامة |
ولآخر:
إنّ المشيب رداء الحلم والأدب |
كما الشّباب رداء اللهو واللّعب |
|
تعجّبت إذ رأت شيبي فقلت لها: |
لا تعجبي، من يطل عمر به يشب(١) |
ولابن الجهم:
حسرت عنّي القناع ظلوم |
وتولّت ودمعها مسجوم(٢) |
|
أنكرت ما رأت برأسي فقالت: |
أمشيب أم لؤلؤ منظوم! |
|
قلت: شيب وليس عيبا، فأنّت |
أنّة يستثيرها المهموم |
|
شدّ ما أنكرت تصرّم عهد |
لم يدم لي، وأي شيء يدوم! |
ولأبي هفّان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها: |
لا تعجبي فطلوع الشّيب في السّدف(٣) |
|
وزادها عجبا لما رأت سملي |
وما درت درّ أنّ الدّر في الصّدف(٤) |
وقد أحسن أبو تمام غاية الإحسان في قوله:
أبدت أسى أن رأتني(٥) مخلس القصب(٦) |
وآل ما كان من عجب إلى عجب(٧) |
____________________
(١) د، ف، حاشية الأصل من نسخة: (تعجبت أن رأت شيبي).
(٢) ديوانه: ١٧٦ - ١٧٧؛ وظلوم: اسم امرأة.
(٣) حماسة ابن الشجري: ٢٤٥؛ والسدف: الظلمات.
(٤) السمل، محركة: الثوب الخلق البالي، ومن نسخة بحاشية الأصل: (أن رحت في سمل)؛ وهي رواية الحماسة.
(٥) ديوانه: ١٥، والشهاب ١٠، وفي حاشية الأصل (من نسخة): (إذ رأتني)، وهي رواية الشهاب والديوان.
(٦) يقال: أخلس النبت؛ إذا جف أعلاه وابيض، وفي حاشية الأصل: (القصب: الذوائب المقصبة؛ الواحدة قصبة وتجمع قصائب، يقال: قصب، فيسكن). وبخط الشجري: (القصب)، بضم ففتح.
(٧) حاشية الأصل: (أي كانت تعجب بي فصارت تعجب من شيبي). وفي الشهاب: (أما قوله: (من عجب إلى عجب) فمن البلاغة الحسنة والاختصار السديد البارع).
ستّ وعشرون تدعوني فأتبعها |
إلى المشيب ولم تظلم ولم تحب(١) |
|
فلا يؤرّقك إيماض القتير به |
فإنّ ذاك ابتسام الرّأي والأدب(٢) |
وللبحتري:
عيّرتني بالشيب وهي رمته |
في عذاري بالصّدّ والاجتناب(٣) |
|
لا تريه عارا فما هو بالشّيـ |
ـب ولكنّه جلاء الشّباب(٤) |
|
وبياض البازي أصدق حسنا |
إن تأمّلت من سواد الغراب |
وله:
ها هو الشّيب لائما فأفيقي |
واتركيه إن كان غير مفيق(٥) |
|
فلقد كفّ من عناء المعنّى(٦) |
وتلافى من اشتياق المشوق |
____________________
(١) لم تحب: لم تأثم؛ والحوب: الإثم، وبعده في الديوان:
يومي من الدهر مثل الدّهر مشتهر |
عزما وحزما وساعي منه كالحقب |
|
فأصغري أنّ شيبا لاح بي حدثا |
وأكبري أنني في المهد لم أشب |
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (فلا يغرنك). والقتير: الشيب، أو أوله. وفي الشهاب للمرتضى: (وقوله:
* فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب*
يريد أن الرأي والأدب والحلم إنما يجتمع ويتكامل في أوان الكبر والشيب دون زمان الشباب، وقد تصف الشعراء أبدا الشيب بأنه تبسم في الشعر لبياضه؛ إلا أن هذه من أبي تمام تسلية عن الشيب وتنبيه على منفعته).
(٣) ديوانه ١: ٧، والشهاب: ٢٥. وفي حاشية الأصل:
* عيّرتني المشيب وهي بدتة*
وهي رواية الديوان؛ وبدتة، مخفف من بدأته بالهمز. وفي حاشية الأصل أيضا (من نسخة): (جنته).
(٤) لا تريه: لا تظنه. وفي حاشية الأصل: (جعل سواد الشباب وسخا وصدأ على الشخص والشيب جلاء له).
(٥) ديوانه ٢: ١٢٥، والشهاب: ٢٥، وحماسة ابن الشجري: ٢٤٣ - ٢٤٤، وفي حاشيتي الأصل، ف: (يقول: أيتها العاذلة، أفبقي من عذله وملامته، فقد أقبل الشيب يلومه وبعذله، ولا حاجة إلى عذلك وإن لم يفق فاتركيه).
(٦) د، والحماسة والشهاب. (عن عناء المعنى).
عذلتنا في عشقها أمّ عمرو |
هل سمعتم بالعاذل المعشوق(١) |
|
ورأت لمة ألمّ بها الشّـ |
ـيب فريعت من ظلمة في شروق |
|
ولعمري لولا الأقاحي لأبصر |
ت أنيق الرّياض غير أنيق |
|
وسواد العيون لو لم يكمّل |
ببياض ما كان بالموموق(٢) |
|
ومزاج الصّهباء بالماء أملى(٣) |
بصبوح مستحسن وغبوق |
|
أي ليل يبهى بغير نجوم |
أو سماء تندى بغير بروق! |
ويشبه أن يكون أخذ قوله:
* أي ليل يبهى بغير نجوم*
من قول الشاعر:
أشيب ولم أقض الشّباب حقوقه |
ولم يمض من عهد الشّباب قديم(٤) |
|
رأت وضحا في مفرق الرّأس راعها |
وشتّان مبيضّ به وبهيم |
|
تفاريق شيب في الشّباب لوامع |
وما حسن ليل ليس فيه نجوم! |
ولمحمود الوراق في مثل هذا المعنى وهو قوله:
ما الدّرّ منظوما بأحسن من |
شيب يجلّل هامة الكهل |
|
وكأنّه فيها النّجوم إذا |
جدّ المسير بها على مهل |
|
لا تبكينّ على الشّباب إذا |
يبكي الجهول عليه للجهل |
|
واشكر لشيبك حسن صحبته |
فلقد كساك جلالة الفضل |
____________________
(١) حاشية الأصل: (إنما عذلته لأنه شاخ والعشق مع الشيخوخة لا يستحسن).
(٢) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (بالمرموق)؛
(٣) في حاشيتي الأصل: (أملى، مخفف من أملأ؛ أى أوثق؛ يقال: ملؤ فلان بذلك؛ إذا كان ثقة به، وفلان أملأ بكذا من فلان).
(٤) البيت الأول والثالث في حماسة ابن الشجري: ٢٤٤، من غير نسبة.
ولآخر في مدح الشيب:
لا يرعك المشيب ياابنة عبد ال |
لمه فالشّيب حلية ووقار(١) |
|
إنما تحسن الرّياض إذا ما |
ضحكت في خلالها الأنوار |
ولي في هذا المعنى من قصيدة:
جزعت لو خطات المشيب وإنما |
بلغ الشّباب مدى الكمال فنوّرا |
|
والشّيب إن فكّرت فيه مورد |
لا بدّ يورده الفتى إن عمّرا |
|
يبيضّ بعد سواده الشّعر الّذي |
إن لم يزره الشّيب واراه الثّرى |
وممن عدل بين الشيب والشباب، ومدح كل واحد منهما طريح بن إسماعيل الثقفي فقال:
والشّيب للحكماء من سفه الصّبا |
بدل يكون الّذي الفضيلة مقنع |
|
والشّيب غاية من تأخّر حينه |
لا يستطيع دفاعه من يجزع |
|
إنّ الشّباب له لذاذة جدّة |
والشّيب منه في المغبّة أنفع |
|
لا يبعد الله الشّباب فمرحبا |
بالشيب حين أوى إليه المرجع |
ومثله لآخر:
وكان الشباب الغضّ لي فيه لذّة |
فوقّرني عنه المشيب وأدّبا |
|
فسقيا ورعيا للشباب الّذي مضى |
وأهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا |
____________________
(١) حماسة ابن الشجري: ونسبهما إلى علي بن الجهم.
[٤٦]
مجلس آخر [المجلس السادس والأربعون:]
تأويل آية:( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) ؛ [البقرة: ١٨٦]
فقال: كيف ضمن الإجابة وتكفّل بها، وقد نرى من يدعو فلا يجاب؟.
الجواب، قلنا في ذلك وجوه.
أوّلها أن يكون المراد بقوله تعالى:( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) أي أسمع دعوته؛ ولهذا يقال للرجل: دعوت من لا يجيب أي دعوت من لا يسمع. وقد يكون أيضا يسمع بمعنى يجيب؛ كما كان يجيب بمعنى يسمع؛ يقال: سمع الله لمن حمده؛ يراد به: أجاب الله من حمده وأنشد ابن الأعرابي:
دعوت الله حتى خفت ألاّ |
يكون الله يسمع ما أقول |
أراد يجيب ما أقول.
وثانيها أنّه تعالى لم يرد بقوله: قَرِيبٌ من قرب المسافة؛ بل أراد أنني قريب بإجابتي ومعونتي ونعمتي، أو بعلمي بما يأتي العبد ويذر، وما يسرّ ويجهر، تشبيها بقرب المسافة؛ لأن من قرب من غيره عرف أحواله ولم تخف عليه؛ ويكون قوله: أُجِيبُ على هذا تأكيدا للقرب؛ فكأنه أراد: إنني قريب قربا شديدا، وإنني بحيث لا يخفى عليّ أحوال العباد؛ كما يقول القائل إذا وصف نفسه بالقرب من صاحبه والعلم بحاله: أنا بحيث أسمع كلامك، وأجيب نداءك، وما جرى هذا المجرى. وقد روي أن قوما سألوا الرسولصلىاللهعليهوآله فقالوا له: أربّنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وثالثها أن يكون معنى هذه الآية أنني أجيب دعوة الداعي إذا دعاني على الوجه الصحيح، وبالشرط الّذي يجب أن يقارن الدعاء؛ وهو أن يدعو باشتراط المصلحة؛ ولا يطلب وقوع ما يدعو به على كل حال؛ ومن دعا بهذا الشرط فهو مجاب على كل حال؛ لأنه إن كان صلاحا فعل ما دعا به؛ وإن لم يكن صلاحا لم يفعل لفقد شرط دعائه، فهو أيضا مجاب إلى دعائه.
ورابعها أن يكون معنى دَعانِ أي عبدني، وتكون الإجابة هي الثواب والجزاء على ذلك؛ فكأنه قال: إنني أثيب العباد على دعائهم لي؛ وهذا مما لا اختصاص فيه.
وخامسها ما قاله قوم من أنّ معنى الآية أنّ العبد إذا سأل الله تعالى شيئا في إعطائه صلاح فعله به وأجابه إليه، وإن لم يكن في إعطائه إياه في الدنيا صلاح وخيرة لم يعطه ذلك في الدنيا، وأعطاه إياه في الآخرة، فهو مجيب لدعائه على كل حال.
وسادسها أنّه إذا دعاه العبد لم يخل من أحد أمرين: إمّا أن يجاب دعاؤه، وإمّا أن يخار له بصرفه عما سأل ودعا، فحسن اختيار الله له يقوم مقام الإجابة، فكأنه يجاب على كل حال.
وهذا الجواب يضعّف لأنّ العبد ربما سأل ما فيه صلاح ومنفعة له في الدنيا، وإن كان فيه فساد في الدين لغيره فلا يعطى ذلك، لأمر يرجع إليه، لكن لما فيه(١) من فساد غيره، فكيف يكون مجابا مع المنع الّذي(١) لا يرجع إليه منه شيء من الصلاح! اللهم إلاّ أن يقال: إنه دعا؛ مشروط بأن يكون صلاحا، ولا يكون فسادا، وهذا مما تقدم.
ومعنى قوله تعالى فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، أي فليجيبوني وليصدّقوا رسلي، قال الشاعر:
وداع دعا يامن يجيب إلى النّدى |
فلم يستجبه عند ذاك مجيب(٢) |
____________________
(١ - ١) ساقط من الأصل، وتكملته من د، ف.
(٢) مطلع قصيدة كعب بن سعد الغنوي؛ وهي في أمالي القالي ٢: ١٤٨ - ١٥١.
أي لم يجبه.
***
[طائفة من أقوال الشعراء في ذم الشيب والتألم به:]
قال سيدنا أدام الله علوّه: وإذ كنا قد ذكرنا في المجالس المتقدمة لهذا المجلس طرفا من الشعر في تفضيل الشيب وتقديمه، والتعزّي عنه، والتسلّي عن نزوله؛ فنحن متبعوه بطرف مما قيل في ذمّه والتألم به والجزع منه.
فمن ذلك قول أبي حيّة النميري:
ترحّل بالشّباب الشّيب عنّا |
فليت الشّيب كان به الرّحيل(١) |
|
وقد كان الشباب لنا خليلا |
فقد قضى مآربه الخليل |
|
لعمر أبي الشباب لقد تولّى |
حميدا ما يراد به بديل(٢) |
|
إذ الأيام مقبلة علينا |
وظلّ أراكة الدّنيا ظليل |
وقال الفرزدق:
أرى الدّهر، أيام المشيب أمره |
علينا، وأيام الشباب أطايبه(٣) |
|
وفي الشيب لذّات وقرّة أعين |
ومن قبله عيش تعلّل جاد به(٤) |
|
إذا نازل الشّيب الشباب فأصلتا |
بسيفيهما، فالشّيب لا بدّ غالبه |
|
فيا خير مهزوم، ويا شرّ هازم |
إذا الشّيب وافت للشّباب كتائبه |
|
وليس شباب بعد شيب براجع |
مدى الدّهر حتى يرجع الدّرّ حالبه |
|
وما المرء منفوعا بتجريب واعظ |
إذا لم تعظه نفسه وتجاربه |
وأنشد إسحاق الموصلي:
____________________
(١) حماسة ابن الشجري: ٢٣٩، مع اختلاف في ترتيب الأبيات.
(٢) الحماسة: (لا يراد به بديل).
(٣) ديوانه: ١: ٥٢.
(٤) في حاشيتي الأصل، ف. جاد به: عائبه، أي لم يجد عيبا فتعلل وجها يتمحل به باطلا ومنه قول ذي الرمة:
فيا لك من خد أسيل، ومنطق |
رخيم، ومن خلق تعلل جاد به |
لعمري لئن حلّئت عن منهل الصّبا |
لقد كنت ورّادا لمشربه العذب(١) |
|
ليالي أمشي بين بردي لاهيا |
أميس كغصن البانة النّاعم الرّطب |
|
سلام على سير القلاص مع الرّكب |
ووصل الغواني والمدامة والشّرب |
|
سلام امرئ لم تبق منه بقيّة |
سوى منظر العينين أو شهوة القلب(٢) |
ولمنصور النّمري:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع |
إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع(٣) |
|
بان الشباب ففاتتني بشرّته |
صروف دهر وأيام لها خدع |
|
ما كنت أو في شبابي كنه عزّته |
حتّى مضى فإذا الدّنيا له تبع(٤) |
ولمحمد بن أبي حازم:
عهد الشباب، لقد أبقيت لي حزنا |
ما جدّ ذكرك إلاّ جدّ لي ثكل(٥) |
|
سقيا ورعيا لأيّام الشّباب وإن |
لم يبق منك له رسم ولا طلل |
|
جرّ الزّمان ذيولا في مفارقه |
وللزّمان على إحسانه علل(٦) |
|
وربّما جرّ أذيال الصّبا مرحا |
وبين برديه غصن ناعم خضل |
|
لا تكذبنّ فما الدّنيا بأجمعها |
من الشباب بيوم واحد بدل |
|
كفاك بالشّيب عيبا عند غانية |
وبالشّباب شفيعا أيها الرّجل |
____________________
(١) حلئت: طردت ومنعت.
(٢)؛ ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (نظر العينين).
(٣) حماسة ابن الشجري: ٢٣٩.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة):
ما كدت أوفي شبابي كنه شرّته |
حتى مضى فإذا الدّنيا لها تبع |
(٥) من أبيات في الأغاني ١٢: ١٥٢ - ١٥٣ مجموعها ثلاثة عشرة بيتا؛ وأبيات منها في الورقة:
١١٠، وحماسة ابن الشجري: ٢٣٩.
(٦) في حاشيتي الأصل، ف: (أي للزمان علل على تركه الإحسان؛ ويجوز أن يكون المعنى: له مع إحسانه علل).
ولأبي نواس:
كان الشباب مطيّة الجهل |
ومحسّن الضّحكات والهزل(١) |
|
كان الجميل إذا ارتديت به(٢) |
ومشيت أخطر صيّت النّعل |
|
كان البليغ إذا نطقت به |
وأصاخت الآذان للمملي |
|
كان المشفّع في مآربه |
عند الحسان ومدرك التّبل |
|
والباغي والناس قد هجعوا |
حتّى أبيت خليفة البعل |
|
والآمري حتّى إذا عزمت |
نفسي أعان عليّ بالفعل |
|
فالآن صرت إلى مقاربة |
وحططت عن ظهر الصّبا رحلي |
قال سيدنارضياللهعنه : وعلى هذا الكلام طلاوة ومسحة من أعرابية ليستا لغيره.
ولبشار:
الشّيب كره، وكره أن يفارقني |
أعجب بشيء على البغضاء مودود(٣) |
|
يمضي الشّباب ويأتي بعده خلف |
والشّيب يذهب مفقودا بمفقود |
وهذا البيت الأخير يروى لمسلم بن الوليد الأنصاري.
ومما أحسن فيه مسلم في هذا المعنى قوله:
طرفت عيون الغانيات وربما |
أملن إلى الطّرف كلّ مميل(٤) |
|
وما الشّيب إلا شعرة، غير أنّه(٥) |
قليل قذاة العين غير قليل |
____________________
(١) ديوانه: ٣١١.
(٢) ديوانه: (كان الجمال).
(٣) البيتان في حماسة ابن الشجري: ٢٤٥، ونسبهما إلى مسلم.
(٤) البيتان في حماسة ابن الشجري: ٢٤٢، ونسبهما لابن الرومي؛ وفي حاشيتي الأصل، ف: (يقال: فلان مطروف العين بفلان؛ أي يحبه. والمعنى أنه وقع في عينه، يقال: طرفت عينه بشوكة وبحاشية ثوب؛ وأصله من طرفته إذا أصبت طرفه، ورأسته إذا أصبت رأسه).
(٥) الحماسة:
* وما شبت إلاّ شيبة غير أنّه*
وله:
أهلا بوافدة للشّيب واحدة |
وإن تراءت بشخص غير مودود |
|
لا أجمع الحلم والصّهباء قد سكنت |
نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد |
|
لم ينهني كبر عنها ولا فند |
لكن صحوت وغصني غير مخضود |
|
أوفى بي الحلم وافتاد النّهى طلقا |
شأوي وعفت الصّبا من غير تفنيد(١) |
وقد أحسن دعبل في قوله يصف الشباب والشيب:
كان كحلا لمآقيها فقد |
صار بالشّيب لعينيها قذى |
ولغيره:
رأت طالعا للشيب أغفلت أمره |
فلم تتعاهده أكفّ الخواضب(٢) |
|
فقالت: أشيب ما أرى؟ قلت: شامة |
فقالت: لقد شانتك بين الحبائب(٣) |
ولمحمود الورّاق - ويروى لمحمد بن حازم(٤) :
أليس عجيبا بأنّ الفتى |
يصاب ببعض الّذي في يديه |
|
فمن بين باك له موجع |
وبين معزّ مغذّ إليه |
|
ويسلبه الشيب شرخ الشباب |
فليس يعزّيه خلق عليه(٥) |
ولأبي دلف:
في كلّ يوم أرى بيضاء طالعة |
كأنّما طلعت في أسود البصر |
|
لئن قصصتك بالمقراض عن بصري |
لما قصصتك عن همّي وعن فكري |
____________________
(١) حاشية الأصل: (يقال عدا طلقا وشأوا إذا عدا عدوا شديدا إلى غاية).
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (تتعهده).
(٣) حاشية الأصل (من نسخة) (شامتك).
(٤) في الأصل: (محمد بن أبي حازم)، وصوابه من ف.
(٥) حاشية الأصل: (يقول: عجبت من الناس يعزي بعضهم بعضا على فوت المال، ولا يعزون على فوت الشباب).
وليحيى بن خالد بن برمك(١) - ويروى لغيره:
اللّيل شيّب والنهار كلاهما |
رأسي بكثرة ما تدور رحاهما |
|
يتناهبان نفوسنا ودماءنا |
ولحومنا عمدا ونحن نراهما |
|
والشّيب إحدى الميتتين تقدّمت |
أولاهما وتأخّرت أخراهما |
وقد أتى الفحلان المبرّزان أبو تمام وأبو عبادة في هذا المعنى بكل غريب عجيب.
فمن ذلك قول أبي تمام:
غدا الهمّ مختطا بفودي خطّة |
طريق الرّدى منها إلى الموت مهيع(٢) |
|
هو الزّور يجفى، والمعاشر يجتوى |
وذو الإلف يقلى، والجديد يرقّع |
|
له منظر في العين أبيض ناصع |
ولكنّه في القلب أسود أسفع |
|
ونحن نرجّيه على الكره والرّضا |
وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع(٣) |
وله:
شعلة في المفارق استودعتني |
في صميم الفؤاد ثكلا صميما(٤) |
|
تستثير الهموم ما اكتنّ منها |
صعدا وهي تستثير الهموما |
|
غرّة(٥) مرّة ألا إنما كنـ |
ـت أغرّا أيّام كنت بهيما |
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (البرمكي).
(٢) ديوانه: ١٩٠، والشهاب: ٦؛ وحماسة ابن الشجري: ٢٤١ - ٢٤٢. وفي م قبل هذا البيت:
لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي |
لإنسيّها من شيب رأسي أجزع |
وفي حماسة ابن الشجري: (غدا الشيب)، وفي م: (غدا العمر). وفي حاشية الأصل (من نسخة): (إلى النفس مهيع)، وهي رواية الديوان؛ ومهيع: واسع.
(٣) حاشية الأصل (من نسخة): (يجدع).
(٤) ديوانه: ٢٩١، وحماسة ابن الشجري: ٢٤١، والشهاب: ٧.
(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (عرة) أي عيب.
دقّة في الحياة تدعى جلالا |
مثل ما سمّي اللّديغ سليما(١) |
|
حلّمتني - زعمتم - وأراني |
قبل هذا التّحليم كنت حليما |
وله:
لعب الشّيب بالمفارق بل جدّ |
فأبكى تماضرا ولعوبا(٢) |
|
خضبت خدّها إلى لؤلؤ العقـ |
ـد دما أن رأت شواتي خضيبا |
|
كلّ داء يرجى الدّواء له إ |
لا الفظيعين: ميتة ومشيبا |
|
يانسيب الثّغام ذنبك أبقى |
حسناتي عند الحسان ذنوبا |
|
ولئن عبن ما رأين لقد أن |
كرن مستنكرا وعبن معيبا |
|
أو تصدّعن عن قلى لكفى بال |
شيب بيني وبينهنّ حسيبا |
|
لو رأى الله أنّ في الشّيب فضلا |
جاورته الأبرار في الخلد شيبا |
قال سيدنا أدام الله علوّه: وجدت الآمدي يذكر أن قوما ادّعوا المناقضة على أبي تمام في هذه الأبيات بقوله:
لعب الشّيب بالمفارق بل جدّ |
فأبكى تماضرا ولعوبا |
وقوله:
خضبت خدّها إلى لؤلؤ العقـ |
ـد دما أن رأت شواتي خضيبا |
|
يانسيب الثّغام ذنبك أبقى |
حسناتي عند الحسان ذنوبا |
وقوله:
ولئن عبن ما رأين لقد أن |
كرن مستنكرا وعبن معيبا |
____________________
(١) حاشية الأصل: (مثل، بني لإضافته إلى (ما)، ويجوز أن يكون صفة لمحذوف، أي تدعي جلالا دعوة مثل تسمية اللديغ سليما).
(٢) ديوانه: ٢٥، ٢٦، والشهاب: ٩.
قالوا: كيف يبكين دما على شيبه ثم يعبنه!
قال الآمدي: خ خ وليس هذا بتناقض؛ لأن الشيب إنما أبكى تماضر ولعوب أسفا على شبابه، والحسان اللواتي عبنه غير هاتين المرأتين، فيكون من أشفق عليه من الشيب منهن وأسف على شبابه بكى؛ كما قال الأخطل:
لما رأت بدل الشباب بكت له |
إنّ المشيب لأرذل الأبدال(١) |
ولم يكن هذه حال من عابه. قال: خ خ وهذا مستقيم صحيح.
قال سيدنا أدام الله علوّه: وليس يحتاج في الاعتذار لأبي تمام إلى ما تكلفه الآمدي؛ بل المناقضة زائلة عنه على كل حال، وإن كان من قد بكى شبابه، وتلهف عليه من النساء هنّ اللواتي أنكرن شيبه، وعبنه به، وما المنكر من ذلك! وكيف يتناقض أن يبكي على شبابه ونزول شيبه منهن من رأين الشيب ذنبا وعيبا منكرا! وفي هذا غاية المطابقة؛ لأنه لا يبكي الشيب، ويجزع من حلوله وفراق الشباب إلاّ من رآه منكرا ومعيبا.
وقال أبو تمام:
راحت غواني الحي عنك غوانيا |
يلبسن نأيا تارة وصدودا(٢) |
|
من كلّ سابغة الشباب إذا بدت |
تركت عميد القريتين عميدا |
|
أرببن بالمرد الغطارف بدّنا |
غيدا ألفهم لدانا غيدا |
|
أحلى الرّجال من النّساء مواقعا |
من كان أشبههم بهنّ خدودا |
وقوله: (أرببن بالمرد) من أربّ بالشيء إذا لزمه، وأقام عليه، يقال: أربّ وألبّ بالمكان إذا لزمه: يريد أنهن لزمن هوى المرد وأقمن عليهم. ورواه قوم (أربين بالمرد) من الرّبا الّذي معناه الزيادة، يقال: قد أربى الرجل إذا ازداد؛ فيقول: أربين بالمرد، أي زدن علينا بهم، وجعلن للمرد زيادة اخترنها علينا(٣) .
____________________
(١) ديوانه ١٥٨
(٢) ديوانه: ٨٧ - ٨٨.
(٣) انظر الشهاب: ١٠.
ويقال(١) : إنه أخذ قوله:
* أحلى الرجال من النساء مواقعا* البيت
من قول الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن امرأ |
فقد الشّباب وقد يصلن الأمردا(٢) |
ولمنصور النّمري مثله:
كرهن من الشّيب الّذي لو رأينه |
بهنّ رأين الطّرف عنهنّ أزورا |
ونحوه قول الآخر:
أرى شيب الرّجال من الغواني |
كوقع مشيبهنّ من الرّجال |
وقال أبو تمام:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ال |
رّأس إلاّ من فضل شيب الفؤاد(٣) |
|
وكذاك القلوب في كلّ بؤس |
ونعيم طلائع الأجساد |
|
طال إنكاري البياض وإن عمّـ |
رت شيبا أنكرت لون السّواد(٤) |
|
زادني شخصه بطلعة ضيم |
عمّرت مجلسي من العوّاد |
|
نال رأسي من ثغرة الهمّ لما |
لم ينله من ثغرة الميلاد(٥) |
ومعنى هذا البيت الأخير أن (الثغر) هي الفرجة والثّلمة تكون في الشيء؛ ولذلك سمّي كل بلد جاور عدوا ثغرا؛ كأن معناه مكشوف للعدو. ويجوز أن يكون أصله من ثغر الإنسان، لأنه أول ما يقابلك من أسنانه، وأول ما يظهر عند الكلام، وأول ما يسقط فيرى مثلوما، فيشبّه الثّغر الّذي هو البلد؛ يقال اثّغر الصبي واتّغر؛ وتسمى تلك الفرجة في موضع
____________________
(١) الموازنة: ٣٠.
(٢) ديوانه: ١٥١؛ والرواية: (وأرى الغواني).
(٣) ديوانه: ٧٥.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (ولو عمرت شيئا) أي تعميرا، وهي رواية الديوان.
(٥) حاشية الأصل: يروى: (من ثغرة الهم ما لم* تشتمله).
السن ثغرة وفي كل موضع منفرج؛ ومنه ثغرة النّحر.
وأراد بقوله:
* نال رأسي من ثغرة الهم لما*
أي وجد الشيب من الهم فرجة دخل على رأسي منها؛ لأن الهمّ يشيب لا محالة.
وقوله:
* ما لم ينله من ثغرة الميلاد*
أراد بثغرة الميلاد الوقت الّذي يهجم عليه فيه الشّيب من عمره؛ لأنه يجد السبيل في ذلك الوقت إلى الحلول برأسه؛ فجعله ثغرة من هذا الوجه؛ فأراد أن الشيب حلّ برأسه من جهة همومه وأحزانه لما لم يبلغ السن التي توجب حلوله به من حيث كبره.
ورأيت الآمدي يطعن على قوله:
* عمرت مجلسي من العوّاد*
ويقول: خ خ لا حقيقة لذلك ولا معنى، لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحدا جاءه عواد يعودونه من المشيب؛ ولا أن أحدا أمرضه الشّيب، ولا عزّاه المعزون عن الشباب؛ وهذا من الآمدي قلة نقد للشّعر وضعف بصيرة بدقيق معانيه التي يغوص عليها حذاق الشعراء؛ ولم يرد أبو تمام بقوله:
* عمرت مجلسي من العوّاد*
العيادة الحقيقية التي يغشي فيها العوّاد مجالس المرضى وذوي الأوجاع، وإنما هذه استعارة وتشبيه وإشارة إلى الغرض خفيّة؛ فكأنه أراد أنّ شخص الشيب لما زارني كثر المتوجعون لي، والمتأسفون على شبابي، والمتوحشون(١) من مفارقته؛ فكأنهم في مجلسي عوّاد لي، لأن من شأن العائد للمريض أن يتوجّع ويتفجع.
____________________
(١) حاشية الأصل (من نسخة): (والمتفجعون).
وكنى بقوله:
* عمرت مجلسي من العوّاد*
عن كثرة من تفجع له وتوجّع من مشيبه؛ وهذا من أبي تمام كلام في نهاية البلاغة والحسن؛ وما المعيب إلا من عابه وطعن عليه؛ ونحن نذكر في المجلس الآتي بمشيئة الله ما للبحتري في هذا المعنى إن شاء الله.
[٤٧]
مجلس آخر [المجلس السابع والأربعون:]
تأويل آية:( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ) ؛ [النحل: ١٠].
فقال: إذا كان الشجر ليس ببعض للماء كما كان الشراب بعضا له؛ فكيف جاز أن يقول:
( وَمِنْهُ شَجَرٌ ) بعد قوله:( مِنْهُ شَرابٌ ) ؟ وما معنى( تُسِيمُونَ ) ؟ وهل الفائدة في هذه اللفظة هي الفائدة في قوله:( وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ) ؛ [آل عمران: ١٤]، وقوله:( وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ) [هود: ٨٢، ٨٣]؟.
الجواب، قلنا في قوله تعالى:( وَمِنْهُ شَجَرٌ ) وجهان:
أحدهما أن يكون المراد منه سقى شجر، وشرب شجر؛ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه؛ وذلك كثير في لغة العرب، ومثله قوله تعالى:( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) [البقرة: ٩٣]، أي حبّ العجل.
والوجه الآخر أن يكون المراد: ومن جهة الماء شجر، ومن سقيه وإنباته شجر؛ فخذف الأول وخلفه الثاني؛ كما قال عوف بن الخرع:
أمن آل ليلى عرفت الدّيارا |
بجنب الشّقيق خلاء قفارا(١) |
أراد: من ناحية آل ليلى.
____________________
(١) المفضليات ٤١٢ (طبعة المعارف)، والرواية هناك:
أمن آل مي عرفت الدّيارا |
بحيث الشقيق خلاء قفارا |
والشقيق: ماء لبني أسيد بن عمرو بن تميم.
وقال زهير:
أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم |
بحومانة الدّرّاج فالمتثلّم(١) |
أراد: من ناحية أم أوفى.
وقال أبو ذؤيب:
أمنك البرق أرقبه فهاجا |
فبتّ إخاله دهما خلاجا(٢) |
وقال أيضا:
أمنك برق أبيت اللّيل أرقبه |
كأنّه في عراض الشّام مصباح(٣) |
وقال الجعدي:
لمن الدّيار عفون بالتّهطال |
بقيت على حجج خلون طوال |
أراد بقيت على مرّ حجج، وتكرار حجج.
فأما قوله تعالى:( فِيهِ تُسِيمُونَ ) فمعناه ترعون، وترسلون أنعامكم؛ يقال: أسام الإبل يسيمنا أسامة؛ إذا أرعاها وأطلقها فرعت منصرفة حيث شاءت؛ وسوّمها أيضا يسوّمها من ذلك؛ وسامت هي إذا رعت؛ فهي تسوم، وهي إبل سائمة؛ ويقال: سمتها إذا قصرتها على مرعى بعينه؛ وسمتها الخسف؛ إذا تركتها على غير مرعى؛ ومنه قيل لمن أذلّ واهتضم:
سيم فلان الخسف؛ وسيم خطّة الضّيم؛ قال الكميت بن زيد في الإسامة التي هي الإطلاق في الرّعي(٤) :
____________________
(١) أول المعلقة، ديوانه: ٤. الدمنة آثار الناس وما سودوا من الرماد وغيره. ولم تبين: لم تكلم. وحومانة الدراج والمتثلم: موضعان.
(٢) ديوان الهذليين ١: ١٦٤؛ وفي حاشيتي الأصل، ف: (شبه السحاب بإبل سود، وصوت الرعد بحنينها؛ ولم يذكر السحاب إلا أن البرق دل عليه، وخلاج: جمع خلوج؛ وهي الناقة التي خلج ولدها؛ وهو فعول في معنى مفعول، كالركوب والحلوب).
(٣) ديوان الهذليين ١: ٤٧، واللسان (عرض)؛ وعراض الشام نواحيه؛ الواحد عرض.
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (المرعى).
راعيا كان مسجحا ففقدنا |
ـه وفقد المسيم هلك السّوام(١) |
وقال آخر:
وأسكن ما سكنت ببطن واد |
وأظعن إن ظعنت فلا أسيم(٢) |
وذهب قوم إلى أنّ السّوم في البيع من هذا؛ لأن كل واحد من المتبايعين يذهب فيما يبيعه من زيادة ثمن أو نقصانه إلى ما يهواه، كما تذهب سوائم المواشي حيث شاءت.
وقد جاء في الحديث: (لا سوم قبل طلوع الشّمس) فحمله قوم على أن الإبل وغيرها لا تسام قبل طلوع الشّمس؛ لئلا تنتشر وتفوت الراعي ويخفى عليه مقاصدها.
وحمله آخرون على أنّ السوم قبل طلوع الشّمس في البيوع مكروه، لأن السّلعة المبيعة تستتر عيوبها أو بعضها، فيدخل ذلك في بيوع الغرر المنهي عنها.
فأما الخيل المسوّمة، فقد قيل: إنها المعلمة بعلامات؛ مأخوذ من السّيماء وهي العلامة.
وروي عن الحسن البصري في قوله تعالى:( وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ) قال: سوّم نواصيها وأذنابها بالصوف.
وقيل أيضا: إن المسوّمة هي الحسان.
وروي عن مجاهد في قوله تعالى:( وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ) قال: هي المطهّمة الحسان.
وقال آخرون: بل هي الراعية؛ روي ذلك عن سعيد بن جبير؛ وكلّ يرجع إلى أصل واحد، وهو معنى العلامة، لأن تحسين الخيل يجري مجرى العلامة فيها؛ التي تعرف بها وتتميز لمكانها؛ وقد قيل: إن السّوم من الرّعي يرجع إلى هذا المعنى أيضا، لأن الراعي يجعل في المواضع التي يرعاها علامات أو كالعلامات بما يزيله من نباتها، ويمحوه من آثارها؛ فكأن الأصل في الكلّ متفق غير مختلف.
____________________
(١) مسجحا: رفيقا سهلا، وفي م: (مسيما)
(٢) د، ونسخة بحاشيتي الأصل، ف: (ما ظعنت).
وقال لبيد في التسويم الّذي هو التعليم:
وغداة قاع القرنتين أتينهم |
رهوا يلوح خلالها التسويم(١) |
أراد التعليم.
وأما قوله في الملائكة:( مُسَوِّمِينَ ) ؛ فالمراد به المعلمين، وكذلك قوله تعالى:( حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً ) أي معلمة؛ وقيل: إنه كان عليها كأمثال الخواتيم.
***
[طائفة من أشعار البحتري في ذم الشيب والتألم من فقد الشباب]
قال سيدنا أدام الله علوّه: ونعود إلى ما كنا وعدنا به من ذكر ما للبحتري في ذمّ الشيب والتألم من فقد الشباب؛ فمن ذلك قوله(٢) :
وكنت أرجّي في الشّباب شفاعة |
فكيف لباغي حاجة بشفيعه(٣) |
|
مشيب كنثّ السّرّ عي بحمله |
محدّثه، أو ضاق صدر مذيعه(٤) |
|
تلاحق حتّى كاد يأتي بطيئه |
لحثّ اللّيالي قبل أتي سريعه |
وما أحسن هذا من كلام! وأبلغه وأطبعه(٥) !
____________________
(١) ديوانه: ١: ١٠٤ وفي حاشية الأصل: (بعد هذا البيت:
بكتائب رجح تعوّد كبشها |
نطح الكباش كأنهنّ نجوم |
والقرنتان: موضع، ورها في السير رهوا أي رفق، قال القطامي:
يمشين رهوا، فلا الأعجاز خاذلة |
ولا الصّدور على الأعجاز تتّكل |
(٢) ديوانه ٢: ٩٠، والشهاب: ١٣، وفي حاشيتي الأصل، ف: (يقول: كنت أرجي أن يكون الشباب شفيعي. ويجوز أن يكون المعنى: كنت أرجي في شبابي شفاعة إلى الحسان من طراوتي وحسني).
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (يعني أنه جد محتاج إلى الشفيع؛ ولكنه ولى وذهب).
(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (كبث السر). وفيهما أيضا: (أي أنه كان كالسر تبرم به صاحبه فأفشاه).
(٥) ذكر المرتضى في الشهاب تعليقا على هذه الأبيات: (وهذا والله أبلغ كلام وأحسنه وأحلاه وأسلمه وأجمعه لحسن اللفظ وجودة المعنى؛ وما أحسن ما شبه تكاثر الشيب وتلاحقه بيت السر عن ضيق صدر صاحبه وإعيائه بجمله وعجزه عن طيه! ويشبه بعض الشبه قوله:
* تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه*
-
وقال أيضا:
ردّي عليّ الصّبا إن كنت فاعلة |
إنّ الصّبا ليس من شأني ولا أربي(١) |
|
جاوزت حدّ الشّباب النّضر ملتفتا |
إلى بنات الصّبا يركضن في طلبي(٢) |
|
والشّيب مهرب من جارى منيّته |
ولا نجاء له من ذلك الهرب |
|
والمرء لو كانت الشّعرى له وطنا |
صبّت عليه صروف الدّهر من كثب(٣) |
وقال أيضا:
لابس من شبيبة أم ناض |
ومليح من شيبة أم راضي(٤) |
|
وإذا ما امتعضت من ولع الشّـ |
ـيب برأسي لم يثن ذاك امتعاضي(٥) |
|
ليس يرضى عن الزّمان مروّ |
فيه إلاّ عن غفلة أو تغاض(٧) |
|
والبواقي من اللّيالي وإن خا |
لفن شيئا فمشبهات المواضي(٦) |
|
ناكرت لمتي وناكرت منها |
سوء هذي الأبدال والأعواض |
____________________
- قولي من أبيات:
سبق احتراسي من أذاه بطيئه |
حتى تجلّلني، فكيف عجوله! |
وفي البيت لمحة بعيدة من بيت البحتري وليس بنظير له على التحقيق؛ ومعنى البيت الّذي يخصني أدخل في الصحة والتحقيق؛ لأنني خبرت بأن بطيء الشيب سبق وغلب احتراسي وحذري؛ فكيف عجوله! ومن سبقه البطيء كيف لا يسبقه السريع! والبحتري قال: إن البطيء كاد أن يسبق السريع؛ وهذا على ظاهره لا يصح؛ لأنه يجعل البطيء هو السريع؛ بل أسرع منه؛ لكن المعنى: أنه متداول متواتر فيكاد البطيء له يسبق السريع؛ وهذا في غاية الملاحة).
(١) ديوانه ١: ٢٩، ٣٠، والشهاب: ١٤.
(٢) حاشية الأصل: (في نسخة س:
قرأت في شعره على شيخي: إلى بنات الردى).
(٣) د، ف، حاشية الأصل (من نسخة): (من صبب) أي حدور؛ وهو الموضع الّذي ينحدر فيه). وفي م: (ويروى: حطت عليه صروف الدهر من كثب).
(٤) ناض: خالع، ومليح: مشفق؛ يخاطب نفسه فيقول: ألا بس أنت برد الشباب أم خالعه؟.
(٥) في م: (لم يغن ذاك) وفي الديوان: (لم يعد).
(٦) مروّ: مفكر.
(٧) د؛ ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (مشبهات)؛ وفي حاشية الأصل: (ويروى: شبيه بالمواضي وهو أحسن. قال س: فمشبهات، لا بأس به، والّذي حسن الفاء طول الكلام وإن الشرطية فيه).
شعرات أقصّهنّ ويرجعـ |
ـن رجوع السّهام في الأغراض(١) |
|
وأبت تركى الغديّات والآ |
صال حتّى خضبت بالمقراض(٢) |
|
غير نفع إلاّ التّعلّل من شخـ |
ص عدوّ لم يعده إبغاضي |
|
ورواء المشيب كالبخص في عيـ |
ني فقل فيه في العيون المراض(٣) |
|
طبت نفسا عن الشّباب وما سوّ |
د من صبغ برده الفضفاض |
|
فهل الحادثات ياابن عويف |
تاركاتي ولبس هذا البياض! |
وقال أيضا:
تعيب الغانيات عليّ شيبي |
ومن لي أن أمتّع بالمعيب!(٤) |
|
ووجدي بالشّباب وإن تولّى |
حميدا دون وجدي بالمشيب |
وقال أيضا:
أرأيته من بعد جثل فاحم |
جون المفارق بالنّهار خضيبا(٥) |
|
فعجبت من حالين خالف فيهما |
صرف الزّمان وما رأيت عجيبا |
____________________
(١) حاشية الأصل: (من شأن الغرض أن تنزع السهام منه ثم تعود إليه في الحال).
(٢) قال المرتضى في الشهاب تعليقا على هذا البيت والّذي قبله: (قوله: خضبت بالمقراض في غاية الملاحة والرشاقة. ومعنى قوله: رجوع السهام في الأغراض أنه لا يملك ردا لطلوع الشيب في شعره ولا تلافيا لحلوله، فيجري في ذلك مجرى رجوع السهام إلى الغرض في أنه لا يملك مرسل السهم صده عنه ولا رده عن إصابته. ويمكن في ذلك وجه آخر؛ وإن كان الأول أشف؛ وهو أن يريد بالأغراض المقاتل والمواضع الشريفة من الأعضاء؛ فكأنه يشبه رجوع الشيب بعد قصه له وطلوعه في شدة إيلامه وإيجاعه بإصابة السهام للمقاتل والفرائص.
ويحتمل وجها آخر؛ وهو أن السهام تنزع من الأغراض، ثم ترجع بالرمي إليها أبدا، فأشبهت في ذلك الشيب في قصه ثم طلوعه ورجوعه إلى موضعه).
(٣) حاشية الأصل: الرؤاء يهمز ولا يهمز؛ فإذا لم يهمز كان من الري وإذا همز كان من الرؤية).
والبخص: لحم نانئ فوق العينين أو تحتهما كهيئة النفخة. وفي حاشية الأصل أيضا: (مثله لابن الرومي:
إذا شنئت عين الفتى عيب نفسه |
فعين سواه بالشناءة أجدر |
(٤) ديوانه: ٢: ٨٤.
(٥) ديوانه: ١: ٧٥. الجثل من الشعر: الكثير. والجون هنا: الأسود؛ وهو من الأضداد، يطلق على الأسود والأبيض. وفي حاشية الأصل: (جعل النهار خضابا لأنه شيء قد شاع وتمرن عليه).
إنّ الزّمان إذا تتابع خطوه |
سبق الطّلوب وأدرك المطلوبا |
وقال أيضا:
رأت فلتات الشّيب فابتسمت لها |
وقالت: نجوم لو طلعن بأسعد(١) |
|
أعاتك ما كان الشّباب مقرّبي |
إليك، فألحي الشّيب إذ كان مبعدي |
وقال أيضا:
عنت كبدي قسوة منك ما إن |
تزال تجدّد فيها ندوبا(٢) |
|
وحمّلت عندك(٣) ذنب المشيـ |
ب حتى كأني ابتدعت المشيبا |
|
ومن يطّلع شرف الأربعين |
يحيى من الشّيب شخصا(٤) غريبا |
قال المرتضىرضياللهعنه : ولي في هذا المعنى:
قلن لما رأين وخطا من الشّيـ |
ب برأسي أعيا على مجهودي |
|
كسنا بارق تعرّض وهنا |
في حواشي بعض اللّيالي السّود |
|
أبياض مجدّد من سواد |
كان قدما! لا مرحبا بالجديد |
|
يالحاكنّ من رماكنّ بالحسـ |
ن لتقهرننا بغير جنود |
|
ليس بيضي مني فأجزى عليهـ |
نّ صدودا أو ليس فيكنّ سودي |
|
قلّ ما ضرّكنّ من شعرات |
كنّ يوما على الوقار شهودي |
وقال البحتري أيضا:
خلّياه وجدّة اللهو مادا |
م رداء الشّباب غضّا جديدا |
____________________
(١) الشهاب: ١٧.
(١) ديوانه ١: ١٨٢، الشهاب: ١٩.
(٢) ديوانه ١: ٥١، والشهاب: ١٨ عنت: قصدت والندوب: آثار الجراحات. وفي حاشية الأصل: (نسخة ج: ما تزال هو حسن؛ لتكون عروض البيت محذوفة؛ والقصيدة بأسرها محذوفة العروض إلا البيت المصرع في أولها؛ وإذا روعيت: (ما إن تزال) فالعروض سالمة، فعولن).
(٣) حاشية الأصل: (س: روي (حملت عبدك)؛ كأنه تصحيف، ولكنه حسن).
(٤) في حاشيتي الأصل، ف: (يروى: زورا).
إنّ أيّامه من البيض بيض |
ما رأين المفارق السّود سودا |
وقال أيضا:
ترك السّواد للابسيه وبيّضا |
ونضا من السّتين عنه ما نضا(١) |
|
وشآه أغيد في تصرّف لحظه |
مرض أعلّ به القلوب وأمرضا(٢) |
|
وكأنّه وجد الصّبا وجديده |
دينا دنا ميقاته أن يقتضى |
|
أسيان أثرى من جوى وصبابة |
وأساف من وصل الحسان وأنفضا(٣) |
وقال أيضا:
هل أنت صارف شيبة إن غلّست |
في الوقت أو عجلت عن الميعاد(٤) |
|
جاءت مقدّمة أمام طوالع |
هذي تراوحني وتلك تغادي |
|
وأخو الغبينة تاجر في لمة |
يشري جديد بياضها بسواد(٥) |
|
لا تكذبنّ فما الصبا بمخلّف |
لهوا ولا زمن الصّبا بمعاد |
____________________
(١) ديوانه ٢: ٧٠، الشهاب: ١٩. وفي حاشية الأصل: (أي خلع إتيان الستين عليه المسرة والنشاط).
(٢) شآه: غلبه، وفي م: (سباه).
(٣) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (أسوان)، وهو الحزين، وأساف الرجل: ذهب ماله، وكذلك أنفض، والمراد هنا أنه ذهب من يده وصل الحسان وميلهن إليه.
(٤) ديوانه ١: ١٤٤، الشهاب ٢٠ - ٢١.
(٥) قال المرتضى في الشهاب تعليقا على هذا البيت: ووجدت الآمدي قد نزل في معنى قوله:
* يشري جديد بياضها بسواد*
لأنه قال: معنى يشري يبيع؛ وأراد: أن الغبين من باع جديد بياضه بالسواد، وأراد بالسواد الخضاب؛ فكأنه ذم الخضاب. والأمر بخلاف ما ذكره، وما جرى للخضاب ذكر، ولاها هنا موضع للكناية عنه؛ ومعنى: (يشري) هاهنا يبتاع؛ لأن قولهم: شريت يستعمل في البائع والمبتاع جميعا؛ وهذا من الأضداد، نص أهل اللغة على هذا في كتبهم؛ فكأنه شهد بالغبن لمن يبتاع الشيب بالشباب ويتعوض عنه به؛ وإنما ذهب على الآمدي أن لفظة (يشري) تقع على الأمرين المضادين؛ فتمحل ذكر الخضاب الّذي لا معنى له هاهنا).
وأرى الشّباب على غضارة حسنه |
وكماله عددا من الأعداد(١) |
وقال أيضا:
أيعود الشّباب أم ما تولّى |
منه في الدّهر دولة ما تعود(٢) |
|
لا أرى العيش والمفارق بيض |
أسوة العيش والمفارق سود |
|
وأعدّ الشّقي جدّا ولو أء |
على غنما حتى يقال سعيد |
|
من عدته العيون وانصرفت عنـ |
ـه التفاتا إلى سواه الخدود |
وقال أيضا:
قدك مني فما جرى السّقم إلاّ |
في ضلوع على جوى الحبّ تحنى(٣) |
|
لو رأت حادث الخضاب لأنّت |
وأرنّت من احمرار اليرنّا(٤) |
|
كلف البيض بالمعمّر قدرا |
حين يكلفن والمصغّر سنّا(٥) |
|
يتشاغفن بالغرير المسمّى |
من تصاب دون الجليل المكنّى(٦) |
____________________
(١) قال المرتضى في الشهاب أيضا: (وقال الآمدي في قوله: عددا من الأعداد) أنه أراد:
عددا قليلا؛ وقد أصاب في ذلك؛ إلا أنه ما ذكر ساعده ووجهه؛ والعرب تقول في الشيء القليل إنه معدود؛ إذا أرادوا الإخبار عن قلته؛ قال الله تعالى:( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ) وقال جل اسمه في موضع آخر:( وَاذْكُرُوا الله فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ) وأظنهم ذهبوا في وصف القليل بأنه معدود من حيث كان العد والحصر لا يقع إلا على القليل والكثير؛ ولكثرته لا ينضبط ولا ينحصر).
(٢) ديوانه ١: ٢٠٨، الشهاب: ١٨؛ وبرده: جمع برد؛ وهو كساء مربع مخطط.
(٣) ديوانه ٢: ٢٩٠، الشهاب: ١٩.
(٤) اليرنا، بضم الياء وفتحها، مقصورة مشددة النون، واليرناء، بالضم والمد: الحناء؛ ويرنأ صبغ به، كحناء؛ وهو من غريب الأفعال.
(٥) في حاشية الأصل ف: الكلف: المحبة؛ وهذا كما قال أبو الشيص:
شيئان لا تصبو النساء إليهما |
حلل المشيب وحلة الإنفاض |
(٦) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (الكبير).
وقال أيضا:
أخي إنّ الصّبا استمرّ به |
سير الليالي فأنهجت برده(١) |
|
تصدّعني الحسان مبعدة |
إذ أنا لا قربه ولا صدده |
|
شيب على المفرقين بارضه |
يكثرني أن أبينه هدده(٢) |
|
تطلب مني الشّباب ظالمة |
بعيد خمسين حين لا تجده |
|
لا عجب إن مللت خلّتنا |
فافتقد الوصل منك مفتقده |
|
من يتطاول على مطاولة الـ |
عيش تقعقع من ملّة عمده |
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ورأيت الآمدي قد أخطأ في معنى البيت الأخير، لأنه قال: خ خ معنى (تقعقع من ملّة عمده) أي عظامه، يجيء لها صوت إذا قام وقعد من كبره وضعفه قال: خ خ وقوله: (من ملّة) أي من تملّى العيش؛ يريد طوله ودوامه؛ ومنه تملّيت حبيبك والأمر بخلاف ما توهمه، ومعنى (تقعقع من ملّة عمده) أنّ من تطاول عمره تعجّل ترحّله وانتقاله عن الدنيا؛ وكنى عن ذلك بتقعقع العمد؛ وهذا مثل معروف للعرب، يقولون: (من يتجمّع يتقعقع عمده)؛ يريدون أنّ التجمّع داعي التفرق؛ وأنّ الاجتماع يعقب ويورث ما يدعو إلى الانتقال الّذي يتقعقع معه العمد.
والآمدي على كثرة ما يدعيه من التنقيب والتنقير على علوم العرب إن كان لم يعرف هذا المثل ومعناه فهو طريف، وإن كان قد سمعه وجهل أنّ معنى بيت البحتري يطابقه فهو أطرف.
فأما قوله: (من ملّة) فإنما أراد به من ملل؛ وملّة (فعلة) من الملل، وكيف يكون
____________________
(١) ديوانه: ١: ١٤٥، الشهاب: ٢٠.
(٢) حاشية الأصل: (البارض: النبت أول ما يبدو من البهمى، وهو شوك. أبينه: أزيله. يكثرني: يغلبني بالكثرة).
من تملّى العيش، ولم يسمع في تملّيت (ملّة)! وهذا خطأ على خطأ(١) .
وقال البحتري:
ما كان شوقي ببدع يوم ذاك ولا |
دمعي بأوّل دمع في الهوى سفحا(٢) |
|
ولمة كنت مشغوفا بجدّتها |
فما عفا الشّيب لي عنها ولا صفحا |
وقال أيضا:
وما أنس لا أنس عهد الشّباب |
وعلوة إذ عيّرتني الكبر(٣) |
|
كواكب شيب علقن الصّبا |
فقلّلن من حسنه ما كثر |
|
وإني وجدت ولا تكذبنّ |
سواد الهوى في بياض الشّعر |
|
ولا بدّ من ترك إحدى اثنتـ |
ين إمّا الشّباب وإما العمر |
قال الآمدي: خ خ وعليه في قوله:
ولا بدّ من ترك إحدى اثنتـ |
ين إمّا الشّباب وإما العمر |
معارضة، وهو أن يقال له: إنّ من مات شابا فقد فارق الشباب وفاته العمر أيضا، فهو تارك لهما معا، ومن شاب فارق الشباب، وهو مفارق للعمر لا محالة؛ فهو أيضا تارك لهما جميعا.
____________________
(١) وعاد المرتضى فبسط هذا النقد مرة ثانية في كتابه الشهاب فقال: خ خ وقد نبهنا في كتاب الغرر على هفوة الآمدي في قول البحتري: (تقعقع من ملّة عمده)؛ لأنه ظن أن معناه أن عظام الكبير المسن يجيء لها صوت إذا قام وقعد، وتسمع لها قعقعة؛ وما سمعنا بهذا الّذي ظنه في وصف ذوي الأسنان والكبر؛ والمعنى أظهر من أن يخفى على أحد؛ لأنه أراد: من عمر وأسن وطاول العيش تعجل رحيله وانتقاله عن الدنيا؛ وكنى عن ذلك بتقعقع العمد؛ لأن ذوي الأطناب والخيام إذا انتقلوا من محل إلى غيره وقوضوا عمد خيامهم، وسارت بها الإبل سمعت لها قعقعة، ومن أمثال العرب المعروفة: (من يتجمع يتقعقع عمده)، يريدون أن التجمع يعقب التفرق والرحيل الّذي تتقعقع معه العمد. ومعنى قوله: (من ملة) يريد من السأم والملال دون ما ظنه الآمدي من أنه تملى العيش.
(٢) ديوانه ١: ١١٤.
(٣) ديوانه ١: ٢١٩.
خ خ وقوله: (إما وإمّا) لا نوجب إلا إحداهما قال: خ خ والعذر للبحتري أن يقال: إنّ من مات شابا فقد فارق الشباب وحده لأنّه لم يعمّر، فيكون مفارقا للعمر ألا ترى أنهم يقولون:
عمّر فلان إذا أسنّ، وفلان لم يعمّر إذا مات شابا، ومن شاب وعمّر ثم مات لم يكن مفارقا للشباب في حال موته؛ لأنه قد قطع أيام الشباب، وتقدمت مفارقته له، وإنما يكون في حال موته مفارقا للعمر وحده، فإلى هذا ذهب البحتري، وهو صحيح ولم يرد بالعمر المدّة القصيرة التي يعمّرها الإنسان، وإنما أراد بالعمر هاهنا الكبر، كما قال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب |
تمتته، ومن تخطئ يعمّر فيهرم(١) |
قالرضياللهعنه : وما رأيت أشدّ تهافتا في الخطأ منه فيما يفسّره ويتكلم عليه من شعر هذين الرجلين! ومعنى البيت غير ما توهّمه؛ وهو أظهر من أن يخفى؛ حتى يحتاج فيه إلى هذا التّغلغل والتعسّف؛ وإنما أراد البحتري أن الإنسان بين حالين: إما أن يفارق الشباب بالشّيب، أو العمر بالموت؛ فمن مات شابا - وإن كان قد خرج من العمر، وخرج بخروجه عن سائر أحوال الحياة من شباب وشيب وغيرهما - فإنه لم يفارق الشباب وحده؛ وإنما فارق العمر الّذي فارق بمفارقته الشباب وغيره. وقسمة الرجل تناولت أحد الأمرين: إمّا مفارقة الشباب وحده بلا واسطة - ولن يكون ذلك إلاّ بالشّيب - أو مفارقة العمر بالموت. وتلخيص كلامه: أنه لا بدّ للحي من شيب أو موت، فكأن الشيب والموت متعاقبان؛ والبحتري إنما جعل قوله: (العمر) مقام الحياة والبقاء، وإنما قال: (العمر) لأجل القافية؛ مع أنه منبئ عن مراده؛ ولو أنّه قال: ولا بدّ من ترك الحياة أو ترك الشباب لقام مقام قوله: (العمر).
***
أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني عليّ بن محمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن عبيد الله قال: من معاني ابن الرومي التي فتقها قوله يذمّ من جعل مصيبة غيره منسية له مصيبته، وعاب
____________________
(١) من المعلقة، ديوانه: ٢٩؛ خبط عشواء؛ أي تسير على غير قصد؛ يقال: عشا يعشو عشا إذا أصابه العشا؛ وهو السير على غير بصر.
من تعلّل بالتأسّي بما نال غيره، وهو يرثي شبابه، وأحسن:
ياشبابي وأين منّي شبابي! |
آذنتني أيّامه بانقضاب(١) |
|
لهف نفسي على نعيمى ولهوي! |
تحت أفنانه اللّدان الرّطاب |
|
ومعزّ عن الشباب مؤسّ |
بمشيب اللّدات والأصحاب |
|
قلت لما انتحى يعدّ أساه(٢) |
من مصاب شبابه كمصاب |
|
ليس تأسو كلوم غيري كلومي |
ما به ما به، وما بي ما بي |
ولابن الرومي:
لهفي على الدّنيا وهل لهفة |
تنصف منها إن تلهّفتها!(٣) |
|
قبحا لها قبحا على أنها |
أقبح شيء حين كشّفتها |
|
وقد يعزّيني شباب مضى |
ومدّة للعيش أسلفتها |
|
فكّرت في خمسين عاما مضت |
كانت أمامي ثم خلّفتها |
|
أجهلتها إذ هي موفورة |
ثم مضت عنّي فعرّفتها |
|
ففرحة الموهوب أعدمتها |
وترحة المسلوب ألحفتها |
|
لو أنّ عمري مائة هدّني |
تذكّري أنّي تنصّفتها |
وله في هذا المعنى، وقد تقدمت هذه الأبيات في الأمالي السالفة، وقد أحسن في معناها كلّ الإحسان:
كفى بسراج الشّيب في الرأس هاديا |
إلى من أضلّته المنايا لياليا(٤) |
|
أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي |
لرامي المنايا تحسبيني ناجيا! |
|
غدا الدّهر يرميني فتدنو سهامه |
لشخصي أخلق أن يصبن سواديا |
|
وكان كرامي اللّيل يرمي ولا يرى |
فلمّا أضاء الشّيب شخصي رمانيا |
____________________
(١) ديوانه، الورقة ٤٢
(٢) أساة: جمع أسوة؛ وهو القدوة
(٣) ديوانه، الورقة ٤٤
(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (لمن قد أضلته).
[٤٨]
مجلس آخر [المجلس الثامن والأربعون:]
تأويل آية:( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ )
إن سأل سائل عن قوله تعالى:( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ) ؛ [آل عمران: ١٢٨].
فقال: كيف جاءت أَوْ بعد ما لا يجوز أن يعطف عليه؟ وما الناصب لقوله تعالى:
( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) وليس في الكلام ما يقتضي نصبه؟
الجواب، قلنا: قد ذكر في ذلك وجوه:
أوّلها أن يكون قوله:( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) معطوفا على قوله:( لِيَقْطَعَ طَرَفاً ) والمعنى أنه تعالى عجّل لكم هذا النصر، ومنحكم به ليقطع طرفا من الذين كفروا، أي قطعة منهم، وطائفة من جمعهم أو يكبتهم؛ أي يغلبهم ويهزمهم بكم فيخيّب سعيهم، ويكذّب فيكم ظنونهم، أو يعظهم ما يرون من تظاهر آيات الله تعالى، الموجبة لتصديق نبيهصلىاللهعليهوآله ، فيتوبوا ويؤمنوا، فيقبل الله تعالى ذلك منهم، ويتوب عليهم، أو يكفروا بعد قيام الحجج، وتأكيد البينات والدلائل، فيموتوا أو يقتلوا كافرين؛ فيعذبهم الله باستحقاقهم في النار؛ ويكون على هذا الجواب قوله تعالى:( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ) معطوفا على قوله تعالى:( وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) ؛ أي ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شيء؛ وإنما هو من الله تعالى.
والجواب الثاني أن يكون أَوْ بمعنى (حتى)، أو (إلاّ أنّ)؛ والتقدير: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم؛ أو إلا أن يتوب عليهم، كما قال امرؤ القيس:
بكى صاحبي لما رأى الدّرب دونه |
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا(١) |
|
فقلت له: لا تبك عينك إنّما |
نحاول ملكا، أو نموت فنعذرا |
أراد: إلاّ أن نموت
وهذا الجواب يضعّف من طريق المعنى؛ لأن لقائل أن يقول: إنّ أمر الخلق ليس إلى أحد سوى الله تعالى قبل توبة العباد وعقابهم بعد ذلك؛ فكيف يصحّ أن يقول: ليس لك من الأمر شيء إلاّ أن يتوب عليهم أو يعذبهم؛ حتى كأنه إذا كان أحد الأمرين كان إليه من الأمر شيء!
ويمكن أن ينصر ذلك بأن يقال: قد يصحّ الكلام إذا حمل على المعنى؛ وذلك أن قوله:
( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ) معناه: ليس يقع ما تريده وتؤثره من إيمانهم وتوبتهم، أو ما تريده من استئصالهم وعذابهم، على اختلاف الرواية في معنى الآية وسبب نزولها؛ إلاّ بأن يلطف الله لهم في التوبة فيتوب عليهم أو يعذبهم؛ وتقدير الكلام: ليس ما تريده من توبتهم أو عذابهم بك، وإنما يكون ذلك بالله تعالى.
والجواب الثالث أن يكون المعنى: ليس لك من الأمر شيء أو من أن يتوب الله عليهم؛ فأضمر (من) اكتفاء بالأولى، وأضمر (أن) بعدها لدلالة الكلام عليها واقتضائه لها، وهي مع الفعل الّذي بعدها بمنزلة المصدر؛ وتقدير الكلام: ليس لك من الأمر شيء ومن توبتهم وعذابهم.
ووجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنباري يطعن على هذا الجواب ويستبعده، قال: لأنّ الفعل لا يكون محمولا على إعراب الاسم الجامد، الّذي لا تصرّف له على إضمار (أن) مع الفعل لأنه ليس من كلام العرب: (عجبت من أخيك ويقوم)، على معنى: (عجبت من أخيك ومن
____________________
(١) ديوانه: ١٠٠. الدرب: باب السّكّة الواسع؛ وهو هنا كل مدخل إلى الروم فهو درب؛ وصاحبه عمرو بن قميئة الشاعر؛ وكان رفيق امرئ القيس في رحلته.
أن يقوم)، لأن أخاك اسم جامد محض، لا يعطف عليه إلاّ ما شاكله. وقال: وهذا إذا يستقيم ويصلح في ردّ الفعل على المصدر، كقولهم: (كرهت غضبك وأن يغضب أبوك)؛ على معنى: (كرهت غضبك وأن يغضب أبوك)، فيطرد هذا في المصادر، لأنها تتأوّل ب (أن) فيقول النحويون: (يعجبني قيامك)، وتأويله: (يعجبني أن تقوم)، قال: والاسم الجامد لا يمكن مثل هذا فيه.
وليس الّذي ذكره ابن الأنباري مستبعدا، وإن لم يضعف هذا الجواب إلاّ من حيث ذكر فليس بضعيف؛ وذلك أن فيما امتنع منه مثل الّذي أجازه؛ لأنه قد أجاز ذلك في المصادر، وإن لم يجزه في غيرها.
وقوله تعالى:( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ) فيه دلالة الفعل، لأنّ (الأمر) مصدر أمرت أمرا؛ فكأنه تعالى قال: ليس لك من أن آمرهم أو تأمرهم شيء، ولا من أن يتوبوا، وجرى ذلك مجرى قولهم: (كرهت غضبك ويغضب أبوك)، في رد الفعل على المصدر؛ والوجه الأول أقوى الوجوه؛ والله أعلم بمراده.
تأويل خبر [ (لا تناجشوا ولا تدابروا ...:]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه أبو هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال: (لا تناجشوا ولا تدابروا، كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه).
الجواب، قيل له: أما النّجش فهو المدح والإطراء، قال نابغة بني شيبيان يذكر الخمر:
وترخّي بال من يشربها |
ويفدّى كرمها عند النّجش(١) |
أي عند مدحها، ومنه النّجش في البيع؛ وهو مدح السلعة والزيادة في ثمنها من غير إرادة لشرائها؛ بل ليقتدي بالزائد في زيادته غيره؛ وأصل النجش استخراج الشيء والتنقير عنه، قال بعض الفقعسيين:
____________________
(١) ديوانه: ٨٦.
أجرس لها ياابن أبي كباش(١) |
فما لها الليلة من إنفاش(٢) |
|
غير السّرى وسائق نجّاش |
أسمر مثل الحيّة الخشخاش |
والنّجاش: هو المستثير لسيرها، والمستخرج لما عندها منه، ومعنى: أجرس لها، أي أحد لها لتسمع الحداء فتسير، وهو مأخوذ من الجرس وهو الصوت؛ ومعنى:
الإنفاش، أراد أنها لا تترك ترعى ليلا، والنفش أن ترعى الإبل ليلا، وقد أنفشتها إذا أرسلتها بالليل ترعى.
والخشخاش: الخفيف الحركة السريع التقلّب.
والنجش في البيوع يرجع معناه إلى هذا أيضا؛ لأن الناجش يستثير بزيادته في الثمن، ومدحه السلعة الزيادة في ثمنها؛ فيكون معنى الخبر على هذا: لا تناجشوا، أي لا يمدح أحدكم السلعة فيزيد في ثمنها، وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيده.
وقد يجوز أيضا أن يريد بذلك: لا يمدح أحدكم صاحبه من غير استحقاق ليستدعي منفعته، ويستثير فائدته؛ وهذا المعنى أشبه بأن يكون مرادهعليهالسلام ، لأن قوله: (ولا تدابروا) أشدّ مطابقة له.
ومعنى: (لا تدابروا) أي لا تهاجروا ويولّي كلّ واحد صاحبه دبر وجهه، قال الشاعر:
وأوصى أبو قيس بأن تتواصلوا |
وأوصى أبوكم، ويحكم! أن تدابروا(٣) |
فكأنه قالعليهالسلام : لا تتمادحوا وتتواصلوا بالمدح الّذي ليس بمستحق، ولا تهاجروا وتتقاطعوا.
____________________
(١) اللسان (جرس)؛ وفي حاشية الأصل: (صوت الجرس؛ وروى ابن السكيت: (أجرش)، وأنكروا عليه: أجرشت الشيء إذا لم تنعم دقه).
(٢) حاشية الأصل: (نفشت الإبل: تفرقت في المرعى، وأنفشتها أنا، أي ليس لها الليلة استراحة).
(٣) اللسان (دبر)، من غير نسبة.
[ذكر ما ورد في اللغة من معاني (العرض):]
فأما قولهصلىاللهعليهوآله وسلم: (كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه)، فقد ذهب قوم إلى أنّ عرض الرجل إنما هو سلفه من آبائه وأمهاته؛ ومن جرى مجراهم.
وذهب ابن قتيبة إلى أن عرض الرجل نفسه، واحتج بحديث النبيصلىاللهعليهوآله حين ذكر أهل الجنة فقال: (لا يبولون ولا يتغوّطون؛ إنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك)؛ أي من أبدانهم؛ قال: ومنه قول أبي الدرداء: (أقرض من عرضك ليوم فقرك) أراد من شتمك فلا تشتمه، ومن ذكرك بسوء فلا تذكره به، ودع ذلك قرضا عليه ليوم الجزاء والقصاص.
واحتج أيضا بحديث الحسن عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنه قال: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم! كان إذا خرج من منزله قال: اللهمّ إني قد تصدّقت بعرضي على عبادك)؛ قال: فمعناه قد تصدّقت بنفسي وأحللت من يغتابني، فلو كان العرض الأسلاف ما جاز أن يحلّ من سبّ الموتى؛ لأن ذلك إليهم لا إليه.
قال: ويدلّ على ذلك أيضا حديث سفيان بن عيينة: (لو أن رجلا أصاب من عرض رجل شتما ثم تورّع من بعد؛ فجاء إلى ورثته بعد موته فأحلّوه له، لم يكن ذلك كفارة له، ولو أصاب من ماله شيئا ثم دفعه إلى ورثته؛ لكنّا نرى أن ذلك كفارة له).
قال: ويدلّ على أن عرض الرجل نفسه قول حسان:
هجوت محمّدا فأجبت عنه |
وعند الله في ذاك الجزاء(١) |
|
فإنّ أبي ووالده وعرضي |
لعرض محمّد منكم وقاء |
____________________
(١) ديوانه: ٩؛ يخاطب أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ويهجوه؛ وقبله:
ألا أبلغ أبا سفيان عنّي |
فأنت مجوّف نخب هواء |
|
بأن سيوفنا تركتك عبدا |
وعبد الدار سادتها الإماء |
والأبيات في الاقتضاب: ٣٠٠؛ ونقل عن محمد بن الحسن بن دريد بسنده: خ خ أنشد النبي صلى الله عليه وسلم قصيدته التي أولها:
عفت ذات الأصابع فالجواء |
إلى عذراء منزلها خلاء |
أراد: فإنّ أبي وجدّي ونفسي وقاء لنفس محمد،صلىاللهعليهوآله .
وقال آخرون - وهو الصحيح: العرض موضع المدح والذّم من الإنسان، فإذا قيل: ذكر عرض فلان، فمعناه ذكر ما يرتفع به أو ما يسقط بذكره، ويمدح أو يذم به، وقد يدخل في ذلك ذكر الرجل نفسه، وذكر آبائه وأسلافه؛ لأن كل ذلك مما يمدح به ويذم؛ والّذي يدل على هذا أن أهل اللغة لا يفرّقون في قولهم: (شتم فلان عرض فلان) بين أن يكون ذكره في نفسه بقبيح الأفعال، أو شتم سلفه وآباءه؛ ويدلّ عليه قول مسكين الدارمي:
ربّ مهزول سمين عرضه |
وسمين الجسم مهزول الحسب(١) |
فلو كان العرض نفس الإنسان لكان الكلام متناقضا؛ لأن السّمن والهزال يرجعان إلى شيء واحد؛ وإنما أراد: ربّ مهزول كريمة أفعاله، أو كريم آباؤه وأسلافه؛ وقد قال ابن عبدل الأسدي(٢) :
____________________
حتى انتهى إلى قوله:
هجوت محمدا وأجبت عنه |
وعند الله في ذاك الجزاء |
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جزاؤك على الله الجنة ياحسان؛ فلما انتهى إلى قوله:
فإنّ أبي ووالده وعرضي |
لعرض محمد منكم وقاء |
قال رسول الله صلى الله عليه: وقاك الله ياحسان النار؛ فلما قال:
أتهجوه ولست له بندّ |
فشرّ كما لخير كما الفداء |
فقال من حضر: هذا أنصف بيت قالته العرب.
(١) بعده:
كسبته الورق البيض أبا |
ولقد كان وما يدعى لأب |
وانظر الأغاني ١٨: ٧٠، وأمالي القالي ١: ١١٨، واللآلي: ٣٥٢.
(٢) من مقطوعة في أمالي القالي ٢: ٢٦١، عدد أبياتها أربعة عشر بيتا؛ ومنها في حماسة أبي تمام - بشرح المرزوقي ١١٦٣ - ١١٦٤ ستة أبيات؛ وذكر القالي من خبر هذه الأبيات أنه خ خ اجتمع الشعراء بباب الحجاج؛ وفيهم الحكم بن عبدل الأسدي فقالوا: أصلح الله الأمير! إنما شعر هذا في الفأر وما أشبهه، قال: ما يقول هؤلاء ياابن عبدل؟ قال: اسمع أيها الأمير، قال: هات، فأنشده الأبيات؛ حتى انتهى إلى قوله:
ولست بذي وجهين فيمن عرفته |
ولا البخل فاعلم من سمائي ولا أرضي |
وإنّي لاستغني فما أبطر الغنى، |
وأبذل ميسوري لمن يبتغي قرضي(١) |
|
وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتي |
وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي |
ولا يليق ذلك إلا بما ذكرناه.
قال سيدنا أدام الله تأييده: وجدت أبا بكر بن الأنباري قد ردّ على ابن قتيبة قوله هذا وطعن على ما احتج به، فقال في الحديث المروي عنهعليهالسلام في وصف أهل الجنة: إن المراد بالأعراض مغابن(٢) الجسد.
وحكي عن الأموي أنه قال: الأعراض المغابن التي تعرق من الجسد؛ نحو الإبطين وغيرهما، وقال في حديث أبي الدرداء: معناه: من عابك، وذكر أسلافك، فلا تجازه؛ ليكون الله تعالى هو المثيب لك.
وقال في قول أبي ضمضم: معناه أنه أحلّ من أوصل إليه أذى بذكره وذكر آبائه فلم يحلّ إلا من أمر إليه.
وقال في قول حسان: المراد بعرضه أيضا أسلافه؛ كأنه قال: إن أبي ووالده وجميع أسلافي الذين أمدح وأذمّ من جهتهم وقاء لهعليهالسلام ، فأتى بالعموم بعد الخصوص؛ كما قال الله تعالى:( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) ؛ [الحجر: ٨٧]، فأتى بالعموم بعد الخصوص؛ ولم أجده ذكر في خبر سفيان بن عيينة شيئا؛ وتأويله يقرب من تأويل خبر أبي ضمضم، لأنّ من آذى رجلا بسبّه في نفسه، أو سبّ سلفه وأدخل عليه بذلك وضعا ونقصا لم يكن إلى ورثته بعد موته الإحلال من ذلك، لأن الأذى لم يدخل عليهم، ولو كان داخلا عليهم أيضا مع دخوله على المسبوب لكان إحلالهم مما يرجع إلى غيرهم لا يصحّ؛ على أن في الإحلال من الضرر وسقوط العوض المستحق عليه، وهل يسقط بإسقاط مستحقه أم لا؟ فيه كلام ليس هذا موضعه، وقد ذكرناه في مواضع.
____________________
فلما سمع الحجاج هذا البيت فضله على الشعراء بجائزة ألف درهم في كل مرة يعطيهم.
(١) أبطر الغنى، أي أبطر في الغنى حتى أذهب عن سنن الشكر. وأعرض ميسوري؛ يريد يسري؛ وضع اسم المفعول موضع المصدر.
(٢) المغابن: معاطف الجلد؛ جمع مغبن.
وبعد، فلو سلّم لابن قتيبة أنّ المراد بالعرض في كلّ المواضع التي ذكرناها النفس دون السّلف، أو سلّم له ذلك في بيت حسان خاصة؛ فإنه أقرب إلى أن يكون المراد به ما ذكره لم يقدح فيما ذكرناه؛ لأنا لم نقل: إن العرض مقصور على سلف الإنسان، بل ذكرنا أنه موضع الذم والمدح من الإنسان، ولا فرق بين سلفه ونفسه؛ فكيف يكون الاحتجاج بما المراد بالعرض فيه النفس طعنا علينا، وإنما ينفع ابن قتيبة أن يأتي بما يدلّ على أن العرض لا يستعمل إلاّ في النفس دون السّلف، وكل شيء فيما المراد بالعرض فيه النفس، أو المراد به السلف فهو مؤكّد لقولنا في أنّ هذه اللفظة مستعملة في موضع الذمّ والمدح من الإنسان؛ وإنما يكون ما استشهدنا به، وما جرى مجراه؛ مما يدلّ على استعمال لفظة (العرض) في السّلف حجة على ابن قتيبة؛ لأنه قصر معناها على النفس والذات، دون السلف؛ وهذا واضح بيّن بحمد الله.
***
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال: كان أبو عبيدة معمر بن المثنّى صفريا(١) ، وكان يكتم ذلك؛ فأنشدني لعمران بن حطّان(٢) :
____________________
(١) في حاشيتي الأصل، ف: (الصفرية: جنس من الخوارج، سموا بذلك لاصفرار وجوههم؛ وقيل: نسبوا إلى رجل اسمه صفار).
(٢) هو أبو سماك عمران بن حطان بن ذبيان السدوسي؛ رأس القعدة من الصفرية، وخطيبهم وشاعرهم، أدرك جماعة من الصحابة وروى عنهم، ثم لحق بالشراة، فطلبه الحجاج فهرب إلى الشام، فطلبه عبد الملك بن مروان ففر إلى عمان، ولما طال عمره قعد عن الحرب، واكتفى بالتحريض والدعوة بشعره؛ وتوفي سنة ٨٤. وهذه الأبيات يقولها في رثاء أبي بلال مرداس بن أدية؛ وكان قد قتل في إمارة عبيد الله بن زياد، سنة ٦١؛ وهي برواية أبي العباس المبرد:
ياعين بكّي لمرداس ومصرعه |
ياربّ مرداس اجعلني كمرداس |
|
تركتني هائما أبكي لمرزأتي |
في منزل موحش من بعد إيناس |
|
أنكرت بعدك ما قد كنت أعرفه، |
ما الناس بعدك يامرداس بالناس |
|
إمّا شربت بكأس دار أوّلها |
على القرون فذاقوا جرعة الكاس |
|
فكلّ من لم يذقها شارب عجلا |
منها بأنفاس ورد بعد أنفاس |
وانظر الإصابة ٥: ٨١، والكامل - بشرح المرصفي ٧: ٨٣.
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه، |
ما الناس بعدك يامرداس بالناس |
|
إمّا تكن ذقت كأسا دار أوّلها |
على القرون فذاقوا نهلة الكاس |
|
قد كنت أبكيك حينا ثم قد يئست |
نفسي فما ردّ عنّي عبرتي ياسي |
***
[طائفة من أشعار قطري بن الفجاءة:]
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرنا ابن دريد قال حدثنا الأشنانداني قال قال التوزيّ: كنت إذا أردت أن أنشط أبا عبيدة سألته عن أخبار الخوارج فأبعج منه ثبج بحر؛ فجئته يوما وهو مطرق ينكت الأرض في صحن المسجد؛ وقد قربت منه الشمس، فسلمت عليه فلم يردد(١) ، فتمثلت:
وما للمرء خير في حياة |
إذا ما عدّ من سقط المتاع |
- والبيت لقطري بن الفجاءة - فنظر إلى وقال: ويحك! أتدري من يقوله؟ قلت:
قطري، فقال: اسكت، رضّ(٢) الله فاك! فألاّ قلت: أمير المؤمنين أبو نعامة(٣) ! ثم انتبه فقال: اكتمها عليّ ياتوّزي، فقلت: هي ابنة الأرض، فأنشدني:
أقول(٤) لها إذا جاشت حياء |
من الأبطال ويحك لن تراعي(٥) |
|
فإنّك لو طلبت حياة يوم |
على الأجل الّذي لك لم تطاعي(٦) |
|
فصبرا في مجال الموت صبرا |
فما نيل الخلود بمستطاع |
____________________
(١) د؛ ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف،: (فلم يرد)
(٢) حاشية الأصل (من نسخة): (فض الله فاك).
(٣) هي كنية قطري بن الفجاءة بن مازن الخارجي؛ كان زعيما من زعماء الخوارج؛ خرج زمن مصعب بن الزبير سنة ٦٦، وبقي عشرين سنة يقاتل ويسلم عليه بالخلافة؛ وكان الحجاج يسير إليه جيشا، وهو يستظهر عليه، إلى أن توجه إليه سفيان بن أبرد الكلبي، فظهر عليه وقتله سنه ٧٨، (ابن خلكان ١: ٤٣٠).
(٤) الأبيات في الحماسة - بشرح التبريزي ١: ٩٦ - ٩٧.
(٥) د، ومن نسخة بحاشية الأصل: (وقد جاشت). وفي حاشية الأصل (من نسخة): (وقد طارت حياء)، ورواية الحماسة: (وقد طارت شعاعا)؛ الشعاع: المتفرق، والخطاب لنفسه؛ ولن تراعي، من الروع، وهو الفزع.
(٦) الحماسة: (بقاء يوم).
وما طول الحياة بثوب مجد |
فيطوى عن أخي الخنع اليراع(١) |
|
سبيل الموت منهج كلّ حي |
وداعيه لأهل الأرض داع(٢) |
|
ومن لا يعتبط يسأم ويهرم |
وتفض به المنون إلى انقطاع(٣) |
|
وما للمرء خير في حياة |
إذا ما عدّ من سقط المتاع |
فكتبتها وقمت لأنصرف؛ فقال: اقعد، ثم أنشدني:
إلى كم تعاريني السّيوف ولا أرى |
مغاراتها تدعو إلي حماميا(٤) |
|
أقارع عن دار الخلود ولا أرى |
بقاء على حال لما ليس باقيا |
|
ولو قرّب الموت القراع لقد أنى |
لموتى أن يدنو لطول قراعيا |
|
أغادي جلاد العالمين كأنّني(٥) |
على العسل الماذي أصبح غاديا(٦) |
____________________
(١) الحماسة: (بثوب عز). الخنع: الجبن، واليراع: الجبان الضعيف.
(٢) حاشية ف (من نسخة): (غاية كل حي)، وهي رواية الحماسة.
(٣) ف:
* ويفض به البقاء إلى انقطاع*
ورواية الحماسة:
* وتسلمه المنون إلى انقطاع*
والاعتباط: أن الحي يموت من غير علة؛ أي من لم يمت شابا مات هرما
(٤) د، وحاشية الأصل (من نسخة): (تعاريني، وفي حاشية الأصل، ف: (المعاراة، بالعين المهملة: من العري، أي تلقاني السيوف عارية، وبالغين المعجمة: من غري به إذا أولع، والمغاراة أيضا:
المتابعة بين الشيئين، يقال غاربت بين الشيئين، إذا واليت بينهما). وفي م: (تغازبني)، تحريف.
(٥) د، ومن نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (المعلمين)، بكسر اللام، والمعلم: الفارس الّذي علم مكانه في ساحة الحرب بعلامة أعلمها؛ ومنه قول الشاعر:
فتعرّفوني أنني أنا ذاكم |
شاك سلاحي في الحوادث معلم |
وقول الأخطل:
ما زال فينا رباط الخيل معلمة |
وفي كليب رباط اللؤم والعار |
(٦) الماذي: العسل الأبيض.
وأدعو الكماة للنّزال إذا القنا |
تحطّم فيما بيننا من طعانيا |
|
ولست أرى نفسا تموت وإن دنت |
من الموت حتى يبعث الله داعيا(١) |
فقال ابن دريد: وهذا الشعر أيضا لقطري بن الفجاءة.
***
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال:
جئت(٢) أبا عبيدة يوما، ومعي شعر عروة بن الورد، فقال. فارغ حمل شعر فقير ليقرأه على فقير، فقلت: ما معي غيره، فأنشدني أنت ما شئت، فأنشدني:
ياربّ ظلّ حمار قد وقيت به |
مهري من الشّمس، والأبطال تجتلد(٣) |
|
وربّ يوم حمى أرعيت عقوته |
خيلي اقتسارا، وأطراف القنا قصد(٤) |
|
ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به |
لهوي اصطلاء الوغا وناره تقد(٥) |
|
مشهّرا موقفي والحرب كاشفة |
عنها القناع وبحر الموت يطّرد |
|
وربّ هاجرة تغلي مراجلها |
نحرتها بمطايا غارة تخد(٦) |
|
تجتاب أودية الأفزاع آمنة |
كأنّها أسد يقتادها أسد(٧) |
|
فإن أمت حتف نفسي لا أمت كمدا |
على الطّعان وقصر العاجز الكمد |
|
ولم أقل لم أساق القتل شاربه(٨) |
في كأسه والمنايا ترع ورد |
ثم قال له: هذا الشعر!؛ لا ما تعلّلون به نفوسكم من أشعار المخنّثين. والشعر لقطري.
***
____________________
(١) حاشية الأصل: (أي ملكا يقبض روحه ويدعوه).
(٢) الخبر والأبيات في أمالي القالي ١: ٢٦٥ - ٢٦٦، وزهر الآداب - طبعة الحلبي ١٠٢٧ - ١٠٢٨.
(٣) د: (ظل عقاب) وفي حاشية الأصل: (روى ظل عقاب، يريد بها الراية).
(٤) العقوة: الساحة، والقصد: القطع؛ واحده قصدة.
(٥) د، ف، وحاشية الأصل (من نسخة): (إذ ناره).
(٦) د: (مخرتها). وتخذ: تسرع.
(٧) الأفزاع:
المخاوف، وفي زهر الآداب: (يصطادها).
(٨) حاشية الأصل (من نسخة): (ساقيه).
أخبرنا علي بن محمد الكاتب قال قال أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم قال: كان أبو عبيدة يأنس إلي في أول ما اختلفت إليه، لأنه كان يظنّني على رأيهم ويسألني عن خوارج سجستان - لأنه كان يظنّني على رأيهم - وكنت أوهمه أني على رأيهم، فنالتني منه لذلك عناية خاصة، فكان كثيرا ما ينشدني أشعارهم، ثم يتمثل:
أولئك قوم إن بنوا أحسنو البنى |
وإن عاهدوا أوفوا، وإن عقدوا شدّوا(١) |
[أبيات لرجل خارجي من طيئ:]
قال: وأنشدني يوما لرجل من طيئ من الخوارج:
لا كابن ملحان من شار أخي ثقة |
أو كابن علقمة المستشهد الشاري(٢) |
|
من صادق كنت أصفيه مخالصتي |
فباع داري بأعلى صفقة الدار(٣) |
|
إخوان صدق أرجّيهم وأحذرهم |
أشكو إلى الله إخواني وإحذاري |
|
فصرت صاحب دنيا لست أملكها |
وصار صاحب جنات وأنهار |
تم القسم الأول من كتاب غرر الفوائد ودرر القلائد للشريف المرتضى، ويليه القسم الثاني إن شاء الله تعالى، وأوله: تأويل آية؛ إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ ...
____________________
(١) البيت للحطيئة، ديوانه: ٢٠.
(٢) الشاري: واحد الشراة؛ والخوارج تسمي نفسها بذلك؛ كأنهم شروا أنفسهم للّه؛ أي باعوها؛ ومنه قوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله ) أي يبيعها. وقال قطري في هذا المعنى:
رأت فئة باعوا الإله نفوسهم |
بجنّات عدن عنده ونعيم |
(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (داري، يعني الدنيا التي كانت داره؛ وهو في قيد الحياة؛ يعني أنه باعها بصفقة رابحة؛ أراد أنه استشهد وقتل، فباع داره بدار في الجنة).
الفهرس
مقدّمة ٥
١ - الشريف المرتضى. ٥
٢ - مؤلّفاته ١٤
٣ - أمالي المرتضى. ٢٠
٤ - نسخ الكتاب.. ٢٣
المجلس الأول. ٣٠
تأويل آية (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها). ٣٠
تأويل خبر من تعلّم القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم ٣٤
مسألة في القول بوجوب الأصلح عليه تعالى. ٣٨
مجلس آخر المجلس الثاني. ٤٠
تأويل آية ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ). ٤٠
فصل تأويل قوله تعالى: (وَالأرْضَ مَدَدْناها ...) ٤٢
تفسير معنى (اللحن) عند العرب: ٤٤
خبر أسير بني العنبر في بكر بن وائل ورسالته إلى قومه وشرح ما فيه من كنايات.. ٤٥
تأويل خبر (من أحبّنا أهل البيت؛ فليستعدّ للفقر جلبابا، أو تجفافا ٤٦
فصل ذكر بعض أخبار الشعراء المتقدمين ممن كان على مذاهب أهل العدل. ٤٨
ذكر بعض أخبار الشعراء المتقدمين ممن كان على مذهب أهل الجبر. ٥٠
مسألة في الاستدلال على نفي الرؤية بالأبصار ٥١
مجلس آخر المجلس الثالث: ٥٤
تأويل آية (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ). ٥٤
تأويل آية أخرى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ). ٥٧
تأويل خبر (ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن) ٦٠
مسألة: الكلام على قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ). ٦٥
مجلس آخر المجلس الرابع: ٦٧
تأويل آية (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ الله). ٦٧
تأويل آية أخرى (ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ). ٧٢
تأويل خبر : (لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر هو الله). ٧٤
مسألة في ذكر المنافع التي عرض الله الإحياء لها ٧٦
مجلس آخر المجلس الخامس: ٧٨
تأويل آية: (كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ). ٧٨
تأويل خبر عن النبي صلىاللهعليهوآله أنه قال: (إنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجل أدومها وإن قلّ. ٨٤
خبر حسد الفرزدق لليلى الأخيلية على أبيات قالتها ٨٧
خبره مع الكميت حين عرض عليه أبياتا له من قصيدة ٨٨
خبره عند سليمان بن عبد الملك.. ٨٩
خبر تنسّكه في آخر عمره وما قاله من شعر في ذلك.. ٩٢
عود إلى خبره مع الكميت.. ٩٥
خبر مديحه لعلي بن الحسين بن علي. ٩٦
مجلس آخر المجلس السادس: ٩٩
تأويل آية (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً). ٩٩
تأويل خبر (ممّا أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت). ١٠٤
تأويل خبر آخر خبر علي بن أبي طالب ومارية القبطية، وتفسير ما ورد فيه من غريب.. ١٠٦
ما قالته العرب في أحوال القمر، وتفسير ما ورد في ذلك من الغريب.. ١١٠
مجلس آخر المجلس السابع: ١١٦
تأويل آية (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى ...). ١١٦
تأويل خبر تقيئ الأرض أفلاذ كبدها مثل الأسطوان. ١٢٤
أبيات للخنساء في مدح أخيها، ثم استطراد لذكر أبيات تشبهها ١٢٧
مجلس آخر المجلس الثامن: ١٣٤
تأويل آية (وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ). ١٣٤
تأويل خبر قيس بن عاصم حين وفد على الرسول عليهالسلام وشرح ما ورد في ذلك من الغريب.. ١٣٦
بعض أخبار قيس بن عاصم. ١٤١
نسب أبي دهبل وذكر بعض أشعاره ١٤٥
مجلس آخر المجلس التاسع: ١٤٩
تأويل آية (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ). ١٤٩
إيراد طائفة من شعر العرب مما وقع فيه التكرار ١٥٢
فصل في أخبار الدهريين والزنادقة المتهتكين ممن كانوا في صدر الإسلام ١٥٦
أخبار الوليد بن يزيد بن عبد الملك.. ١٥٧
أخبار حماد الراوية ١٦٠
أخبار حمّاد بن الزّبرقان. ١٦١
أخبار حمّاد عجرد ١٦٢
أخبار ابن المقفع، وإيراد بعض كلامه ١٦٣
أخبار ابن أبي العوجاء ١٦٦
أخبار بشّار بن برد ١٦٧
مجلس آخر المجلس العاشر: ١٧١
أخبار مطيع بن إياس: ١٧١
أخبار يحيى بن زياد الحارثي: ١٧١
أخبار صالح بن عبد القدّوس: ١٧٣
أخبار علي بن الخليل: ١٧٥
الكلام على أن أصول مذهب أهل العدل مأخوذة من كلام علي بن أبي طالب: ١٧٧
فقر من كلام علي بن أبي طالب والأئمة من أبنائه ١٧٧
أخبار الحسن بن أبي الحسن البصري وشيء من كلامه: ١٨١
مجلس آخر المجلس الحادي عشر: ١٩٢
أخبار واصل بن عطاء: ١٩٢
مناظرة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد في القول بالمنزلة بين المنزلتين. ١٩٤
أخبار عمرو بن عبيد: ١٩٨
مجلس آخر المجلس الثاني عشر: ٢٠٢
عمرو بن عبيد وأبو جعفر المنصور: ٢٠٢
عمرو بن عبيد وهشام بن الحكم: ٢٠٥
عمرو بن عبيد وسليمان بن علي: ٢٠٦
كلام عمرو بن عبيد على القدر: ٢٠٦
أخبار أبي الهذيل العلاف وأخباره ٢٠٧
خبر طرفة بن العبد والمتلمس الضبعي وحديث الصحيفة: ٢١٢
مجلس آخر المجلس الثالث عشر: ٢١٥
أخبار بشر بن المعتمد وإيراد بعض أشعاره: ٢١٥
أخبار إبراهيم بن إسحاق النظام وبعض أشعاره: ٢١٦
اختبار لبيد بهجائه للبقلة وخبره مع الربيع بن زياد عند النعمان: ٢١٨
أخبار الجاحظ ونتف من كلامه: ٢٢٣
مجلس آخر المجلس الرابع عشر: ٢٢٩
تأويل آية: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ). ٢٢٩
خبر قيس بن زهير العبسي مع النّمر بن قاسط: ٢٣٦
خير يوم داحس والغبراء وتفسير ما ورد في ذلك من الأمثال: ٢٣٨
مقتل زهير بن جذيمة العبسي: ٢٤٠
خبر يوم الهباءة: ٢٤٣
مجلس آخر المجلس الخامس عشر: ٢٤٤
تأويل آية: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ...). ٢٤٤
تأويل خبر خبر النبي عليهالسلام حين دعي إلى مأدبة ومعه الحسين وهو صبي، وتأويل ما ورد من الغريب في ذلك: ٢٤٨
من كلام ابنة الخسّ وتأويل ما ورد في ذلك من الغريب: ٢٤٩
تأويل قول العرب: (جاءنا بطعام لا ينادى وليده): ٢٥١
أخبار معن بن زائدة: ٢٥١
مجلس آخر المجلس السادس عشر: ٢٥٧
تأويل آية: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ). ٢٥٧
أخبار الحارث بن كعب المذحجي ووصيته حين الموت وشرح ما ورد في ذلك: ٢٦١
أخبار عمرو بن ربيعة المستوغر وإيراد بعض أشعاره: ٢٦٣
أخبار دريد بن زيد بن نهد وشرح ما أورده من كلامه: ٢٦٥
أخبار زهير بن جناب وإيراد بعض أشعاره: ٢٦٧
مجلس آخر المجلس السابع عشر: ٢٧٣
أخبار ذي الإصبع العدواني وحديثه مع بناته الأربع: ٢٧٣
خبر عبد الملك بن مروان مع سعيد بن خالد الجدلي: ٢٧٨
إيراد شعر لذي الإصبع وشرج ما ورد فى ذلك من الغريب: ٢٨٠
ذكر معديكرب الحميري وبعض شعره: ٢٨٢
أخبار الربيع بن ضبع الفزاري: ٢٨٢
مجلس آخر المجلس الثامن عشر: ٢٨٦
أخبار أبي الطمحان القيني وإيراد طائفة من شعره: ٢٨٦
أخبار عبد المسيح بن بقيلة الغساني: ٢٨٩
أخبار النابغة الجعدي وإيراد طائفة من أشعاره: ٢٩٢
مجلس آخر المجلس التاسع عشر: ٢٩٩
مسألة تتضمن الرد على منكري تطاول الأعمار وامتدادها: ٢٩٩
قصيدة لأبي نواس وشرح ما ورد فيها من الغريب: ٣٠٨
مجلس آخر المجلس العشرون: ٣١٢
عود إلى ذكر الجوابات المستحسنة: ٣١٢
خبر قتيبة بن مسلم مع الحصين بن المنذر الرقاشي: ٣١٦
بعض ما يروى من أجوبة أبي الأسود الدؤلي الحاضرة: ٣٢١
مجلس آخر المجلس الحادي والعشرون: ٣٢٤
خبر سليمان بن عبد الملك مع يزيد بن أبي مسلم: ٣٢٤
خبر صفوان بن الأهتم مع رجل من بني عبد الدار: ٣٢٤
ما دار بين الفرزدق والحطيئة عند سعيد بن العاص: ٣٢٥
من أجوبة أبي العيناء المسكتة: ٣٢٨
موازنة بين شعر لإبراهيم بن العباس الصولي وأوس بن حجر: ٣٣٤
أبيات للمتنخل الهذلي وشرح ما ورد فيها من الغريب: ٣٣٥
مجلس آخر المجلس الثاني والعشرون: ٣٣٧
تأويل آية: (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ). ٣٣٧
تأويل خبر : (إنّ قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرّحمن. ٣٤٧
مجلس آخر المجلس الثالث والعشرون: ٣٥٣
تأويل آية: (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ). ٣٥٣
مجلس آخر المجلس الرابع والعشرون: ٣٥٧
تأويل آية: (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ). ٣٥٧
مجلس آخر المجلس الخامس والعشرون: ٣٦٦
تأويل آية: (وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً). ٣٦٦
تأويل خبر (إنّ الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه): ٣٦٩
تأويل خبر آخر : (ما من أحد يدخله عمله الجنة، وينجيه من النار) ٣٧٣
أبيات لعمر بن أبي ربيعة يقولها في الثريا بنت عبد الله: ٣٧٥
خبر عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق والثريا بنت عبد الله: ٣٧٦
مجلس آخر المجلس السادس والعشرون: ٣٧٨
تأويل آية: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ). ٣٧٨
تأويل خبر : (إنّ هذا القرآن مأدبة الله ٣٨٣
ذكر أنواع المآدب وأسمائها وما ورد في ذلك من الشعر: ٣٨٤
أخبار متفرقة عن الأصمعي وحضور ذهنه عند إنشاء الشعر: ٣٨٧
مجلس آخر المجلس السابع والعشرون: ٣٩٢
تأويل آية: (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله ). ٣٩٢
تأويل خبر : خبر النبي عليهالسلام حين سمع رجلا ينشد شعرا لسويد بن عامر وتأويل ما ورد فيه الغريب ٣٩٧
أبيات لرفيع الوالبي: ٣٩٩
أخبار عقيل بن علّفة وإيراد طائفة من شعره: ٤٠٠
مجلس آخر المجلس الثامن والعشرون: ٤٠٤
تأويل آية: (وَإِلَى الله تُرْجَعُ الآمُورُ). ٤٠٤
أبيات لهلال بن خثعم وشرح ما ورد فيها من الغريب: ٤٠٨
إيراد مقطعات مختلفة لحارثة بن بدر الغداني: ٤٠٩
طرف من أخبار حارثة بن بدر وبعض نوادره: ٤١٢
مجلس آخر المجلس التاسع والعشرون: ٤١٨
تأويل آية: (أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ). ٤١٨
تأويل خبر (توضّئوا ممّا غيّرت النار) ٤٢٤
بعض أخبار عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وطائفة من شعره: ٤٢٦
مجلس آخر المجلس الثلاثون: ٤٣١
تأويل آية: (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ ). ٤٣١
تأويل خبر : (خير الصّدقة ما أبقت غنى) ٤٣٤
ذكر أبيات تروى لثابت قطنة وعروة بن أذينة: ٤٣٦
أبيات للسيد المرتضى في معنى أبيات ثابت قطنة وعروة بن أذينة المذكورة: ٤٣٩
خبر عروة بن عبيد الله عن عروة بن أذينة وروايته أبياتا له: ٤٤٠
عروة بن أذينة وسكينة بنت الحسين: ٤٤٢
أبيات لعروة بن أذينة في الغزل: ٤٤٢
موازنة بين ما قاله الكميت بن زيد وعروة بن أذينة ونصر بن سيار في الحسد: ٤٤٣
مجلس آخر المجلس الحادي والثلاثون: ٤٤٦
تأويل آية: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ...). ٤٤٦
مجلس آخر المجلس الثاني والثلاثون: ٤٥٥
تأويل خبر: لو كان القرآن في إهاب ما مسّته النار ٤٥٥
من شعر الحسين بن مطير الأسدي: ٤٦٠
أبيات للسيد المرتضى في معنى بيت للحسين بن مطير الأسدي: ٤٦٢
عود إلى شعر الحسين بن مطير الأسدي: ٤٦٤
مجلس آخر المجلس الثالث والثلاثون: ٤٦٨
تأويل آية: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ). ٤٦٨
إيراد طائفة من محاسن شعر أبي حية النميري وتفسير ما فيها من الغريب: ٤٧١
مجلس آخر(*) المجلس الرابع والثلاثون: ٤٨١
تأويل قوله تعالى: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ). ٤٨١
تأويل خبر : تأويل ما ورد في حديث نهي النبي عليهالسلام عن كسب الزمارة ٤٨٣
أبيات للمضرّب بن كعب بن زهير: ٤٨٦
موازنة بين قول الرشيد: (قلب العاشق عليه مع معشوقه)، وقول طائفة من الشعراء ٤٨٨
أحسن ما قيل من الشعر في صفة امرأة عجزاء خميصة، عن الأصمعي: ٤٨٩
خبر جعفر بن سليمان وحزنه على موت أخيه محمد، واسترواحه لشعر ابن أراكة الثقفي: ٤٩٠
لطف الأصمعي بإنشاده شعر ابن هرمة عند إسماعيل بن جعفر، وقضاء حاجته عنده بسبب ذلك: ٤٩١
أبيات لبشر بن خازم في الاعتذار، رواها الأصمعي للرشيد: ٤٩٢
مجلس آخر المجلس الخامس والثلاثون: ٤٩٤
تأويل آية: (خُلِقَ الآنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ). ٤٩٤
طائفة من شعر مسكين الدارمي وذكر بعض أخباره: ٥٠٠
مجلس آخر المجلس السادس والثلاثون: ٥٠٦
تأويل آية: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ). ٥٠٦
أخبار متفرقة لإبراهيم بن العباس الصولي وذكر طائفة من شعره: ٥١١
مجلس آخر المجلس السابع والثلاثون: ٥١٨
تأويل آية: (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ). ٥١٨
تأويل خبر : (من يتّبع المشمعة يشمّع الله به) ٥٢١
خبر الأصمعي مع عجوز في سوق ضريّة حينما أنشدها شعر بشر بن عبد الرحمن: ٥٢٣
خبر الأصمعي مع شاب بدوي فصيح من بني عامر واستنشاده الشعر: ٥٢٨
خبر الأصمعي مع إسماعيل بن عمار الأعرابي: ٥٢٨
خبر الأصمعي حين سافر إلى البصرة؛ وسماعه لشعر استحسنه ورواه: ٥٢٩
خبر الأصمعي مع أحد الطفيليين وما ورد في ذلك من الشعر: ٥٣٠
مجلس آخر المجلس الثامن والثلاثون: ٥٣١
تأويل آية: (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ ). ٥٣١
من أفاكيه الأصمعي: ٥٣٥
تأويل الأصمعي لبيت من شعر امرئ القيس: ٥٣٦
نقد الأصمعي لرواية ابن الأعرابي أبياتا روّاها ولد سعيد بن سلم: ٥٣٧
حديث الأصمعي عن بشار بن برد: ٥٣٨
نقد بشار لشعر سمعه: ٥٣٨
أبيات لبشار يمدح فيها سليمان بن هشام بن عبد الملك: ٥٣٩
أبيات مختلفة في وصف الثغر واللون والعيون والنجيب والظليم والاعتذار، رواها الأصمعي: ٥٤٠
مجلس آخر المجلس التاسع والثلاثون: ٥٤٣
تأويل آية: (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ). ٥٤٣
رأى الشريف المرتضى في شعر مروان بن أبي حفصة ومختارات من محاسن شعره: ٥٤٧
مجلس آخر المجلس الأربعون: ٥٥٥
تأويل آية: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا ). ٥٥٥
خبر حصن بن حذيفة مع أولاده حين طعنه كرز بن عامر: ٥٥٩
عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة: ٥٦١
أبيات أبي تمام في وصف القلم: ٥٦٥
مجلس آخر المجلس الحادي والأربعون: ٥٦٧
تأويل آية: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ). ٥٦٧
عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة: ٥٦٩
مجلس آخر المجلس الثاني والأربعون: ٥٧٩
تأويل آية: (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ ). ٥٧٩
عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة: ٥٨٢
مجلس آخر المجلس الثالث والأربعون: ٥٩٤
تأويل آية: (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ). ٥٩٤
عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة: ٥٩٥
مجلس آخر المجلس الرابع والأربعون: ٦٠٥
تأويل آية: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ). ٦٠٥
عود إلى المختار من شعر مروان بن أبي حفصة: ٦٠٧
مجلس آخر المجلس الخامس والأربعون: ٦١٩
تأويل آية: (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ). ٦١٩
قصة سفرة للمكتفي بالله في حرّاقة؛ مع جماعة من الأدباء: ٦٢٢
أبيات لابن الرومي وموازنتها بشعر غيره من الشعراء: ٦٢٤
طائفة من أقوال الشعراء في مدح الشيب وتفضيله: ٦٢٧
مجلس آخر المجلس السادس والأربعون: ٦٣٢
تأويل آية: (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ). ٦٣٢
طائفة من أقوال الشعراء في ذم الشيب والتألم به: ٦٣٤
مجلس آخر المجلس السابع والأربعون: ٦٤٤
تأويل آية: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ). ٦٤٤
طائفة من أشعار البحتري في ذم الشيب والتألم من فقد الشباب.. ٦٤٧
مجلس آخر المجلس الثامن والأربعون: ٦٥٧
تأويل آية: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ). ٦٥٧
تأويل خبر (لا تناجشوا ولا تدابروا ...: ٦٥٩
ذكر ما ورد في اللغة من معاني (العرض): ٦٦١
طائفة من أشعار قطري بن الفجاءة: ٦٦٥
أبيات لرجل خارجي من طيئ: ٦٦٨