بسم الله الرّحمن الرّحيم
( سورة الأعراف مكّيّة وهي مائتا وستّة آية)
( سورة الأعراف آية ١ - ٩)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المص ( ١ ) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ( ٢ ) اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ( ٣ ) وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ( ٤ ) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ( ٥ ) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( ٦ ) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ( ٧ ) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ٨ ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ( ٩ )
( بيان)
السورة تشتمل من الغرض على مجموع ما تشتمل عليه السور المصدّرة بالحروف المقطّعة( ألم ) والسورة المصدّرة بحرف( ص ) فليكن على ذكر منك حتّى نستوفي ما استيفاؤه من البحث في أوّل سورة حم عسق إن شاء الله تعالى عن الحروف المقطّعة القرآنيّة.
والسورة كأنّها تجعل العهد الإلهيّ المأخوذ من الإنسان على أن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً أصلاً يبحث عمّا آل إليه أمره بحسب مسير الإنسانيّة في الاُمم والأجيال فأكثرهم نقضوه ونسوه ثمّ إذا جاءتهم آيات مذكّرة لهم أو أنبياء يدعونهم إليه كذّبوا وظلموا بها ولم يتذكّر بها إلّا الأقلّون.
وذلك أنّ العهد الإلهيّ الّذي هو إجمال ما تتضمّنه الدعوة الدينيّة الإلهيّة إذا نزل بالإنسان - وطبائع الناس مختلفة في استعداد القبول والردّ - تحوّل لا محالة بحسب أماكن نزوله والأوضاع والأحوال والشرائط الحافّة بنفوس الناس فأنتج في بعض النفوس - وهي النفوس الطاهرة الباقية على أصل الفطرة - الإهتداء إلى الإيمان بالله وآياته، وفي آخرين وهم الأكثرون ذووا النفوس المخلدة إلى الأرض المستغرقة في شهوات الدنيا خلاف ذلك من الكفر والعتوّ.
واستتبع ذلك ألطافاً إلهيّة خاصّة بالمؤمنين من توفيق ونصر وفتح في الدنيا، ونجاة من النار وفوز بالجنّة وأنواع نعيمها الخالد في الآخرة، وغضباً ولعناً نازلاً على الكافرين وعذاباً واقعاً يهلك جمعهم، ويقطع نسلهم، ويخمد نارهم، ويجعلهم أحاديث ويمزّقهم كلّ ممزّق، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون.
فهذه هي سنّة الله الّتي قد خلت في عباده وعلى ذلك ستجري، والله يحكم لا معقّب لحكمه وهو على صراط مستقيم.
فتفاصيل هذه السنّة إذا وصفت لقوم ليدعوهم ذلك إلى الإيمان بالله وآياته كان ذلك إنذاراً لهم، وإذا وصفت لقوم مؤمنين ولهم علم بربّهم في الجملة ومعرفة بمقامه الربوبيّ كان ذلك تذكيراً لهم بآيات الله وتعليماً بما يلزمه من المعارف وهي معرفة الله ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وسنّته الجارية في الآخرة والاُولى وهذا هو الّذي يلوح من قوله تعالى في الآية الثانية من السورة:( لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ) أنّ غرضها هو الإنذار والذكرى.
والسورة على أنّها مكّيّة - إلّا آيات اختلف فيها - وجه الكلام فيها بحسب الطبع إلى المشركين وطائفة قليلة آمنوا بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على ما يظهر من آيات أولّها وآخرها إنذار
لعامّة الناس بما فيها من الحجّة والموعظة والعبرة، وقصّة آدمعليهالسلام وإبليس وقصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسىعليهمالسلام ، وهي ذكرى للمؤمنين تذكّرهم ما يشتمل عليه إجمال إيمانهم من المعارف المتعلّقة بالمبدأ والمعاد والحقّائق الّتي هي آيات إلهيّة.
والسورة تتضمّن طرفاً عالياً من المعارف الإلهيّة منها وصف إبليس وقبيله، ووصف الساعة والميزان والأعراف وعالم الذرّ والميثاق ووصف الذاكرين لله، وذكر العرش، وذكر التجلّي، وذكر الأسماء الحسنى، وذكر أنّ للقرآن تأويلاً إلى غير ذلك.
وهي تشتمل على ذكر إجماليّ من الواجبات والمحرّمات كقوله:( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ) الآية ٢٩، وقوله:( إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) الآية ٣٣، وقوله:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) الآية ٣٢ فنزولها قبل نزول سورة الأنعام الّتي فيها قوله:( قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ) الآية الأنعام: ١٤٥، فإنّ ظاهر الآية أنّ الحكم بإباحة غير ما استثنى من المحرّمات كان نازلاً قبل السورة فالإشارة بها إلى ما في هذه السورة.
على أنّ الأحكام والشرائع المذكورة في هذه السورة أوجز وأكثر إجمالاً ممّا ذكر في سورة الأنعام في قوله:( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ) الآيات، وذلك يؤيّد كون هذه السورة قبل الأنعام نزولاً على ما هو المعهود من طريقة تشريع الأحكام في الإسلام تدريجاً آخذاً من الاجمال إلى التفصيل.
قوله تعالى:( المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ) تنكير الكتاب وتوصيفه بالأنزل إليه من غير ذكر فاعل الأنزل كلّ ذلك للدلالة على التعظيم ويتخصّص وصف الكتاب ووصف فاعله بعض التخصّص بما يشتمل عليه قوله:( فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ) من التفريع كأنّه قيل: هذا كتاب مبارك يقص آيات الله أنزله إليك ربّك فلا يكن في صدرك حرج منه كما أنّه لو كان كتاباً غير الكتاب وألقاه إليك غير ربّك لكان من حقّه أن يتحرّج ويضيق منه صدرك لما في تبليغه ودعوة الناس إلى ما يشتمل عليه من الهدى من المشاقّ والمحن.
وقوله:( لِتُنذِرَ بِهِ ) غاية للأنزل متعلّقة به كقوله:( وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ) و
تخصيص الذكرى بالمؤمنين دليل على أنّ الإنذار يعمّهم وغيرهم، فالمعنى: أنزل إليك الكتاب لتنذر به الناس وهو ذكرى للمؤمنين خاصّة لأنّهم يتذكّرون بالآيات والمعارف الإلهيّة المذكورة فيها مقام ربّهم فيزيد بذلك إيمانهم وتقرّ بها أعينهم، وأمّا عامّة الناس فإنّ هذا الكتاب يؤثّر فيهم أثر الإنذار بما يشتمل عليه من ذكر سخط الله وعقابه للظالمين في الدار الآخرة، وفي الدنيا بعذاب الاستئصال كما تشرحه قصص الامم السالفة.
ومن هنا يظهر: أنّ قول بعضهم: إنّ قوله:( لِتُنذِرَ بِهِ ) متعلّق بالحرج والمعنى: لا يكن في صدرك حرج للإنذار به، ليس بمستقيم فإنّ تعقّبه بقوله:( وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ) بما عرفت من معناه يدفع ذلك.
ويظهر أيضاً ما في ظاهر قول بعضهم: إنّ المراد بالمؤمنين كلّ من كان مؤمناً بالفعل عند النزول ومن كان في علم الله أنّه سيؤمن منهم ! فإنّ الذكرى المذكور في الآية لا يتحقّق إلّا فيمن كان مؤمناً بالفعل.
قوله تعالى:( اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ) لمّا ذكر لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه كتاب أنزل إليه لغرض الإنذار شرع في الإنذار ورجع من خطابهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى خطابهم فإنّ الإنذار من شأنه أن يكون بمخاطبة المنذرين - اسم مفعول - وقد حصل الغرض من خطاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وخاطبهم بالأمر باتّباع ما أنزل إليهم من ربّهم، وهو القرأن الآمر لهم بحقّ الاعتقاد وحقّ العمل أعني الإيمان بالله وآياته والعمل الصالح الّذين يأمر بهما الله سبحانه في كتابه وينهى عن خلافهما، والجملة أعني قوله:( اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ) موضوعة وضع الكناية كنّى بها عن الدخول تحت ولاية الله سبحانه والدليل عليه قوله :( وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ) حيث لم يقل في مقام المقابلة: ولا تتّبعوا غير ما أنزل إليكم.
والمعنى: ولا تتّبعوا غيره تعالى - وهم كثيرون - فيكونوا لكم أولياء من دون الله قليلاً ما تذكّرون، ولو تذكّرتم لدريتم أنّ الله تعالى هو ربّكم لا ربّ لكم سواه فليس لكم من دونه أولياء.
قوله تعالى:( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ) تذكير لهم بسنّة الله الجارية في المشركين من الامم الماضية إذ اتّخذوا من دون الله أولياء فأهلكهم الله بعذاب أنزله إليهم ليلاً أو نهاراً فاعترفوا بظلمهم.
و( البَيَاتً ) التبييت وهو قصد العدّو ليلاً، و( القَائِلُونَ ) من القيلولة وهو النوم نصف النهار، وقوله:( بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ) ولم يقل : ليلاً أو نهاراً كأنّه للاشارة إلى أخذ العذاب إيّاهم وهم آخذون في النوم آمنون ممّا كمن لهم من البأس الإلهيّ الشديد غافلون مغفّلون.
قوله تعالى:( فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) تتميم للتذكير يبيّن أنّ الإنسان بوجدانه وسره يشاهد الظلم من نفسه إن اتّخذ من دون الله أولياء بالشرك، وأنّ السنّة الإلهيّة أن يأخذ منه الاعتراف بذلك ببأس العذاب إن لم يعترف به طوعاً ولم يخضع لمقام الربوبيّة فليعترف اختياراً وإلّا فسيعترف اضطراراً.
قوله تعالى:( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) دلّ البيان السابق على أنّهم مكلّفون بتوحيد الله سبحانه موظّفون برفض الأولياء من دونه غير مخلّين وما فعلوا، ولا متروكون وما شاؤا، فإذا كان كذلك فهم مسؤلون عمّا أمروا به من الإيمان والعمل الصالح، وما كلّفوا به من القول الحقّ، والفعل الحقّ وهذا الامر والتكليف قائم بطرفين: الرسول الّذي جاءهم به والقوم الّذين جاءهم، ولهذا فرّع على ما تقدّم من حديث إهلاك القرى وأخذ الاعتراف منهم بالظلم قوله:( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) .
وقد ظهر بذلك أنّ المراد بالّذين أرسل إليهم الناس وبالمرسلين الأنبياء والرسلعليهمالسلام ، وما قيل: إنّ المراد بالّذين أرسل إليهم الأنبياء، وبالمرسلين الملائكة لا يلائم السياق إذ لا وجه لاخراج المشركين عن شمول السؤال والكلام فيهم.
على أنّ الآية التالية لا تلائم ذلك أيضاً. على أنّ الملائكة لم يدخلوا في البيان السابق بوجه لا بالذات ولا بالتبع.
قوله تعالى:( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ) دلّ البيان السابق على أنّهم مربوبون مدبّرون فسيسألون عن أعمالهم ليجزوا بما عملوا، وهذا إنّما يتمّ فيما إذا كان السائل على علم من أمر أعمالهم فإنّ المسؤل لا يؤمن أن يكذب لجلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عن نفسه في مثل هذا الموقف الصعب الهائل الّذي يهدّده بالهلاك الخالد والخسران المؤبّد.
ولذلك فرّع عليه قوله:( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ) الخ، وقد نكّر العلم للاعتناء بشأنه وأنّه علم لا يخطئ ولا يغلط، ولذلك أكّده بعطف قوله:( وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ) عليه للدلالة على أنّه كان شاهداً غير غائب وإن وكّل عليهم من الملائكة من يحفظ عليهم أعمالهم بالكتابة فإنّه بكلّ شئ محيط.
قوله تعالى:( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إلى آخر الآيتين) الآيتان تخبران عن الوزن وهو توزين الأعمال أو الناس العاملين من حيث عملهم، والدليل عليه قوله تعالى:( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ - إلى أن قال -وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ) الأنبياء: ٤٧، حيث دلّ على أنّ هذا الوزن من شعب حساب الأعمال، وأوضح منه قوله:( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) الزلزال: ٨، حيث ذكر العمل وأضاف الثقل إليه خيراً وشرّا.
وبالجملة الوزن إنّما هو للعمل دون عامله فالآية تثبت للعمل وزناً سواء كان خيراً أو شرّا غير أنّ قوله تعالى:( أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) الكهف: ١٠٥، يدلّ على أنّ الأعمال في صور الحبط - وقد تقدّم الكلام فيه في الجزء الثاني من هذا الكتاب - لا وزن لها أصلاً، ويبقى للوزن أعمال من لم تحبط أعماله.
فما لم يحبط من الأعمال الحسنة والسيّئة له وزن يوزن به لكنّ الآيات في عين أنّها تعتبر للحسنات والسيّئات ثقلاً إنّما تعتبر فيها الثقل الإضافيّ وترتّب القضاء الفصل عليه بمعنى أنّ ظاهرها أنّ الحسنات توجب ثقل الميزان والسيّئات خفّة الميزان لا أن
توزن الحسنات فيؤخذ ما لها من الثقل ثمّ السيّئات ويؤخذ ما لها من الثقل ثمّ يقايس الثقلان فأيّهما كان أكثر كان القضاء له فإن كان الثقل للحسنة كان القضاء بالجنّة وإن كان للسيّئة كان القضاء بالنار، ولازم ذلك صحّة فرض أن يتعادل الثقلان كما في الموازين الدائرة بيننا من ذي الكفّتين والقّبان وغيرهما.
لا بل ظاهر الآيات أنّ الحسنة تظهر ثقلاً في الميزان والسيّئة خفّة فيه كما هو ظاهر قوله:( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ) ونظيره قوله تعالى:( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) المؤمنون: ١٠٣، وقوله تعالى:( فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ ) القارعة: ١١، فالآيات - كما ترى - تثبت الثقل في جانب الحسنات دائماً والخفة في جانب السيّئات دائماً.
ومن هناك يتأيّد في النظر أنّ هناك أمراً آخر تقايس به الأعمال والثقل له فما كان منها حسنة انطبق عليه ووزن به وهو ثقل الميزان، وما كان منها سيئة لم ينطبق عليه ولم يوزن به وهو خفة الميزان كما نشاهده فيما عندنا من الموازين فإن فيها مقياساً وهو الواحد من الثقل كالمثقال يوضع في أحدى الكفّتين ثمّ يوضع المتاع في الكفّة الاخرى فإن عادل المثقال وزناً بوجه على ما يدلّ عليه الميزان أخذ به وإلّا فهو الترك لا محالة، والمثقال في الحقيقة هو الميزان الّذي يوزن به وأمّا القبّان وذو الكفّتين ونظائرهما فهي مقدّمة لما يبيّنه المثقال من حال المتاع الموزون به ثقلاً وخفّة كما أنّ واحد الطول وهو الذراع أو المتر مثلاً ميزان يوزن به الأطوال فإن انطبق الطول على الواحد المقياس فهو وإلّا ترك.
ففي الأعمال واحد مقياس توزن به فللصلاه مثلاً ميزان توزن به وهي الصلاة التامّة الّتي هي حقّ الصلاة، وللزكاة والإنفاق نظير ذلك، وللكلام والقول حقّ القول الّذي لا يشتمل على باطل، وهكذا كما يشير إليه قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) آل عمران: ١٠٢.
فالأقرب بالنظر إلى هذا البيان أن يكون المراد بقوله:( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ )
أنّ الوزن الّذي يوزن به الأعمال يومئذ إنّما هو الحقّ فبقدر اشتمال العمل على الحقّ يكون اعتباره وقيمته والحسنات مشتملة على الحقّ فلها ثقل كما أنّ السيّئات ليست إلّا باطلة فلا ثقل لها، فالله سبحانه يزن الأعمال يومئذ بالحقّ فما اشتمل عليه العمل من الحقّ فهو وزنه وثقله.
ولعلّه إليه الإشارة بالقضاء بالحقّ في قوله:( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) الزمر: ٦٩
والكتاب الّذي ذكر الله أنّه يوضع يومئذ - وإنّما يوضع للحكم به - هو الّذي أشار إليه بقوله:( هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ) الجاثيه: ٢٩، فالكتاب يعيّن الحقّ وما اشتمل عليه العمل منه، والوزن يشخّص مقدار الثقل.
وعلى هذا فالوزن في الآية بمعنى الثقل دون المعنى المصدريّ، وإنّما عبّر بالموازين - بصيغة الجمع - في قوله:،( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ) ( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ) الدالّ على أنّ لكلّ أحد موازين كثيرة من جهة اختلاف الحقّ الّذي يوزن به باختلاف الأعمال فالحقّ في الصلاة وهو حقّ الصلاة غير الحقّ في الزكاة والصيام والحجّ وغيرها، وهو ظاهر، فهذا ما ينتجه البيان السابق.
والّذي ذكره جمهور المفسّرين في معنى قوله:( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ) أنّ الوزن مرفوع على الابتداء ويومئذ ظرف والحقّ صفة الوزن وهو خبره والتقدير: والوزن يومئذ الوزن الحقّ وهو العدل، ويؤيّده قوله تعالى في موضع آخر:( نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) الأنبياء: ٤٧.
وربّما قيل: إنّ الوزن مبتدأ وخبره يومئذ والحقّ صفة الوزن والتقدير : والوزن الحقّ إنّما هو في يوم القيامة وقال في الكشّاف: ورفعه يعني الوزن على الابتداء وخبره يومئذ، والحقّ صفته أي والوزن يوم يسأل الله الامم ورسلهم الوزن الحقّ أي العدل (انتهى) وهو غريب إلّا أن يوجّه بحمل قوله: الوزن الحقّ الخ على الاستئناف.
وقوله تعالى:( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ) الموازين جمع ميزان على ما تقدّم من البيان ويؤيّده الآية المذكورة آنفاً:( نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) والأنسب بما ذكره
القوم في معنى قوله:( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ) أن يكون جمع موزون وهو العمل وإن أمكن أن يجعل جمع ميزان ويوجّه تعدّد الموازين بتعدّد الأعمال الموزونة بها.
لكن يبقى الكلام على قول المفسّرين : أن الوزن الحقّ هو العدل في تصوير معنى ثقل الموازين بالحسنات وخفّتها بالسيّئات فإنّ فيما يوزن به الأعمال حسناتها وسيّئاتها خفاءً، والقسط وهو العدل صفة للتوزين وهو نعت لله سبحانه على ما يظهر من قوله:( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ) الأنبياء: ٤٧، فإنّ ظاهر قوله:( فَلَا تُظْلَمُ ) ، الخ أنّ الله لا يظلمهم فالقسط قسطه وعدله فليس القسط هو الميزان يومئذ بل وضع الموازين هو وضع العدل يومئذ، فافهم ذلك.
وهذا هو الّذي بعثهم على أن فسّروا ثقل الموازين برجحانها بنوع من التجوّز فالمراد بثقل الموازين رجحان الأعمال بكونها حسنات وخفّتها مرجوحيّتها بكونها سيّئات ومعنى الآية: والوزن يومئذ العدل أي الترجيح بالعدل فمن رجّحت أعماله لغلبة الحسنات فاولئك هم المفلحون، ومن لم يترجّح أعماله لغلبة سيّئاته فاولئك الّذين خسروا أنفسهم أي ذهبت رأس مالهم الّذي هو أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون لتكذيبهم بها.
ويعود الكلام حينئذ إلى الملاك الّذي به تترجّح الحسنة على السيّئة وسيّما إذا اختلطت الأعمال واجتمعت حسنات وسيّئات، والحسنات والسيّئات مختلفة كبراً وصغراً فما هو الملاك الّذي يعلم به غلبة أحد القبيلين على الآخر؟ فإخباره تعالى بأنّ أمر الوزن جار على العدل يدلّ على جريانه بحيث تتمّ به الحجّة يومئذ على العباد فلا محالة هناك أمر تشتمل عليه الحسنة دون السيّئة وبه الترجيح وبه يعلم غلبة الثقيل على الخفيف والحسنة على السيّئة إذا اجتمعت من كلّ منهما عدد مع الاخرى وإلّا لزم القول بالجزاف البتّة.
وهذا كلّه ممّا يؤيّد ما قدّمناه من الاحتمال، وهو أن يكون توزين الأعمال بالحقّ، وهو التوزين العادل فمن ثقلت موازينه باشتمال أعماله على الحقّ فاولئك هم المفلحون، ومن خفّت موازينه لعدم اشتمال أعماله على الحقّ الواجب في العبوديّة فاولئك
الّذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون بتكذيبهم بها وعدم تزوّدهم بما يعيشون به هذا اليوم فقد أهلكوا أنفسهم بما أحلّوها دار البوار جهنّم يصلونها وبئس القرار.
فقد تبيّن بما قدّمناه أوّلاً: أنّ الوزن يوم القيامة هو تطبيق الأعمال على ما هو الحقّ فيها، وبقدر اشتمالها عليه تستعقب الثواب وإن لم تشتمل فهو الهلاك، وهذا التوزين هو العدل والكلام في الآيات جار على ظاهره من غير تأويل.
وقيل: إنّ المراد بالوزن هو العدل، وثقل الميزان هو رجحان العمل فالكلام موضوع على نحو من الاستعارة، وقد تقدّم.
وقيل: إنّ الله ينصب يوم القيامة ميزاناً له لسان وكفّتان فتوزن به أعمال العباد من الحسنات والسيّئات، وقد اختلف هؤلاء في كيفيّة توزين الأعمال، وهي أعمال انعدمت بصدورها، ولا يجوز إعادة المعدوم من الأعراض عندهم، على أنّها لا وزن لها، فقيل: إنّما توزن صحائف الأعمال لا أنفسها، وقيل: تظهر للأعمال من حسنتها وسيّئاتها آثار وعلائم خاصّة بها فتوزن العلامات بمشهد من الناس، وقيل: تظهر الحسنات في صور حسنة والسيّئات في صور قبيحة منكرة فتوزن الصور، وقيل : توزن نفس المؤمن والكافر دون أعمالهما من حسنة أو سيّئة، وقيل: الوزن ظهور قدر الإنسان، وثقل الميزان كرامته وعظم قدره، وخفّة الميزان هوانه وذلّته.
وهذه الاقوال على تشتّتها لا تعتمد على حجّة من ألفاظ الآيات، وهي جميعاً لا تخلو عن بناء الوزن الموصوف على الجزاف لأنّ الحجّة لا تتمّ بذلك على العبد، وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك.
وثانياً: أنّ هناك بالنسبة إلى كلّ إنسان موازين توزن بها أعماله والميزان في كلّ باب من العمل هو الحقّ الّذي يشتمل عليه ذلك العمل - كما تقدّم - فإنّ يوم القيامة هو اليوم الّذي لا سلطان فيه إلّا للحقّ ولا ولاية فيه إلّا لله الحقّ، قال تعالى:( ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ) النبأ: ٣٩، وقال تعالى:( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ) الكهف: ٤٤، وقال:( هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) يونس: ٣٠.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور أخرج ابن الضريس والنحّاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقيّ في الدلائل من طرق عن ابن عبّاس قال: سوره الأعراف نزلت بمكّة.
أقول: ورواه أيضا عن ابن مردويه عن ابن الزبير.
وفيه أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: آية من الأعراف مدنيّة، وهي : واسألهم عن القرية الّتي كانت حاضرة البحر إلى آخر الآية، وسائرها مكّيّة.
أقول: وهو منه اجتهاد وسيأتي ما يتعلّق به من الكلام.
وفيه قوله تعالى: ولنسألنّ الّذينّ أرسل إليهم الآية أخرج أحمد عن معاوية بن حيده أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنّ ربّي داعي وإنّه سائلي: هل بلّغت عبادي؟ وإنّي قائل: ربّ إنّي قد بلّغتهم فليبلّغ الشاهد منكم الغائب ثمّ إنّكم تدعون مفدمة أفواهكم بالفدام إنّ أوّل ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفّه.
وفيه: أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته فالإمام يسأل عن الناس، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيّده.
أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة، والروايات في السؤال يوم القيامة كثيرة واردة من طرق الفريقين سنورد جلّها في موضع يناسبها إن شاء الله تعالى.
وفيه: أخرج أبو الشيخ عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يوضع الميزان يوم القيامة فيوزن الحسنات والسيّئات فمن رجّحت حسنته على سيّئاته دخل الجنّة ومن رجّحت سيّئاته على حسنته دخل النار.
وفيه: أخرج ابن أبي الدنيا في الاخلاص عن علي بن أبي طالب قال: من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّف ميزانه يوم القيامة، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة.
أقول: الروايتان لا بأس بهما من حيث المضمون لكنّهما لا تصلحان لتفسير الآيتين ولم تردا له لأخذ الرجحان فيهما في جانبي الحسنة والسيّئة جميعاً.
وفيه: أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: خلق الله كفّتي الميزان مثل السماء والأرض فقالت الملائكة: يا ربّنا من تزن بهذا؟ قال: أزن به من شئت، وخلق الله الصراط كحدّ السيف فقالت الملائكة: يا ربّنا من تجيز على هذا؟ قال: أجيز عليه من شئت.
أقول: وروى الحاكم في الصحيح عن سلمان مثله، وظاهر الرواية أنّ الميزان يوم القيامة على صفة الميزان الموجود في الدنيا المعمول لتشخيص الاثقال وهناك روايات متفرّقة تشعر بذلك، وهي واردة لتقريب المعنى إلى الافهام الساذجة بدليل ما سيوافيك من الروايات.
وفي الاحتجاج في حديث هشام بن الحكم عن الصادقعليهالسلام أنّه سأله الزنديق فقال أو ليس يوزن الأعمال؟ قال: لا إنّ الأعمال ليست بأجسام وإنّما هي صفة ما عملوا، وإنّما يحتاج إلى وزن الشئ من جهل عدد الاشياء، ولا يعرف ثقلها وخفّتها، وإنّ الله لا يخفى عليه شئ، قال: فما معنى الميزان؟ قال: العدل.
قال: فما معناه في كتابه فمن ثقلت موازينه؟ قال: فمن رجّح عمله، الخبر.
أقول: وفي الرواية تأييد ما قدّمناه في تفسير الوزن، ومن ألطف ما فيها قولهعليهالسلام ( وإنّما هي صفة ما عملوا) يشيرعليهالسلام إلى أنّ ليس المراد بالأعمال في هذه الابواب هو الحركات الطبيعيّة الصادرة عن الإنسان لاشتراكها بين الطاعة والمعصية بل الصفات الطارئة عليها الّتي تعتبر لها بالنظر إلى السنن والقوأنّين الاجتماعيّة أو الدينيّة مثل الحركات الخاصّة الّتي تسمّى وقاعاً بالنظر إلى طبيعة نفسها ثمّ تسمّى نكاحاً إذا وافقت السنّة الاجتماعيّة أو الإذن الشرعيّ، وتسمّى زناً إذا لم توافق ذلك، وطبيعة الحركات الصادرة واحدة، وقد استدلّعليهالسلام لما ذكره من طريقين: أحدهما: أنّ الأعمال صفات لا وزن لها والثاني: أنّ الله سبحانه لا يحتاج إلى توزين الأشياء لعدم اتّصافه بالجهل تعالى شأنه.
قال بعضهم: إنّه بناءً على ما هو الحقّ من تجسّم الأعمال في الآخرة، وإمكان
تأثير حسن العمل ثقلاً فيه، وكون الحكمة في الوزن تهويل العاصي وتفضيحه وتبشير المطيع وازدياد فرحه وإظهار غاية العدل، وفي الرواية وجوه من الإشكال فلا بدّ من تأويلها إن أمكن وإلّا فطرحها أو حملها على التقيّة، انتهى.
أقول: قد تقدّم البحث عن معنى تجسّم الأعمال وليس من الممتنع أن يتمثّل الأعمال عند الحساب، والعدل الإلهيّ القاضي فيها في صورة ميزان توزن به أمتعة الأعمال وسلعها لكنّ الرواية لا تنفي ذلك وإنّما تنفي كون الأعمال أجساماً دنيويّة محكومة بالجاذبة الأرضية الّتي تظهر فيها في صورة الثقل والخفّة، أوّلاً.
والإشكال مبني على كون كيفيّة الوزن بوضع الحسنات في كفّة من الميزان.
والسيّئات في كفة أخرى ثمّ الوزن والقياس، وقد عرفت: أنّ الآية بمعزل عن الدلالة على ذلك أصلاً، ثانياً.
وفي التوحيد بإسناده عن أبي معمّر السعداني عن أمير المؤمنينعليهالسلام في حديث قال: وأمّا قوله:( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - الي قوله -وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ) فإنّما يعني الحسنات توزن الحسنات والسسيّئات فالحسنات ثقل الميزان والسيّئات خفّة الميزان.
أقول: وتأييده ما تقدّم ظاهر فإنّه يأخذ المقياس هو الحسنة وهي لا محالة واحدة يمكن أن يقاس بها غيرها، وليست إلّا حقّ العمل.
وفي المعاني بإسناده عن المنقريّ عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عزّوجلّ:( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ) قال: هم الأنبياء والأوصياء.
أقول: ورواه في الكافي عن أحمد بن محمّد عن إبراهيم الهمدانيّ رفعه إليهعليهالسلام ، ومعنى الحديث ظاهر بما قدّمناه فإنّ المقياس هو حقّ العمل والاعتقاد، وهو الّذي عندهمعليهمالسلام .
وفي الكافي بإسناده عن سعيد بن المسيّب عن عليّ بن الحسينعليهالسلام فيما كان يعظ به قال: ثمّ رجع القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب فقال عزّوجلّ:( وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) فإن قلتم أيّها الناس
إنّ الله عزّوجلّ إنّما عني بها أهل الشرك فكيف ذلك؟ وهو يقول: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وأنّ كانت مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين فاعلموا عباد الله أنّ أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين وإنّما يحشرون إلى جهنّم زمرا، وإنّما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الإسلام، الخبر.
أقول: يشيرعليهالسلام إلى قوله تعالى:( أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) الآية.
وفي تفسير القمّي: في قوله:( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ) الآية قالعليهالسلام : المجازاة بالأعمال إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً.
أقول: وهو تفسير بالنتيجة.
وفيه: في قوله تعالى:( بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ) قالعليهالسلام : بالائمّة يجحدون.
أقول: وهو من قبيل ذكر بعض المصاديق وفي المعاني المتقدّمة روايات اُخر.
( سورة الأعراف آية ١٠ - ٢٥)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ( ١٠ ) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ( ١١ ) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ( ١٢ ) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( ١٣ ) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( ١٤ ) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ( ١٥ ) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( ١٦ ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ( ١٧ ) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ( ١٨ ) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ( ١٩ ) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ( ٢٠ ) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( ٢١ ) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ( ٢٢ ) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( ٢٣ ) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ( ٢٤ ) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ( ٢٥ )
( بيان)
تصف الآيات بدء خلقة الإنسان وتصويره، وما جرى هناك من أمر الملائكة بالسجدة له، وسجودهم وإباء إبليس، وغروره آدم وزوجته، وخروجهما من الجنّة وما قضى الله في ذلك من القضاء.
قوله تعالى:( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ) التمكين في الأرض هو الاسكان والإيطان فيها أي جعلنا مكانكم الأرض، ويمكن أن يكون من التمكين بمعنى الإقدار والتسليط، ويؤيّد المعنى الثاني أنّ هذه الآيات تحاذي بنحو ما في سورة البقرة من قصّة آدم وإبليس وقد بدئت الآيات فيها بقوله:( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ) البقرة: ٢٩، وهو التسليط والتسخير.
غير أنّ هذه الآيات الّتي نحن فيها لمّا كانت تنتهي إلى قوله:( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) كان المعنى الأوّل هو الأنسب وقوله:( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ) (الخ) كلإجمال لما تفصّله الآيات التالية إلى آخر قصّة الجنّة.
والمعايش جمع معيشة وهي ما يعاش به من مطعم أو مشرب أو نحوهما، والآية في مقام الامتنان عليهم بما أنعم الله عليهم من نعمة سكنى الأرض أو التسلّط والاستيلاء عليها، وجعل لهم فيها من أنواع ما يعيشون به، ولذلك ختم الكلام بقوله:( قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ) .
قوله تعالى:( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) صورة قصّة تبتدئ من هذه الآية إلى تمام خمس عشرة آية يفصّل فيها إجمال الآية السابقة وتبيّن فيها العلل والأسباب الّتي انتهت إلى تمكين الإنسان في الأرض المدلول عليه بقوله:( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ) .
ولذلك بدئ الكلام في قوله:( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ) (الخ) بلام القسم، ولذلك أيضاً سيقت القصّتان أعني قصّة الأمر بالسجدة، وقصّة الجنّة في صورة قصّة واحدة من غير أن تفصل القصّة الثانية بما يدلّ على كونها قصّة مستقلّة كلّ ذلك ليتخلّص إلى قوله:
( قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) إلى آخر الآيتين فينطبق التفصيل على إجمال قوله:( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ) الآية.
وقوله:( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) الخطاب فيه لعامّة الآدميين وهو خطاب امتنانيّ كما مرّ نظيره في الآية السابقة لأنّ المضمون هو المضمون وإنّما يختلفان بالإجمال والتفصيل.
وعلى هذا فالانتقال في الخطاب من العموم إلى الخصوص أعني قوله:( ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) بعد قوله:( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) يفيد بيان حقّيقتين:
الاولى: أنّ السجدة كانت من الملائكة لجميع بني آدم أي للنشأة الإنسانيّة وإن كان آدمعليهالسلام هو القبلة المنصوبة للسجدة فهوعليهالسلام في أمر السجدة كان مثالاً يمثّل به الإنسانيّة نائباً مناب أفراد الإنسان على كثرتهم لا مسجوداً له من جهة شخصه كالكعبة المجعولة قبلة يتوجّه إليها في العبادات، وتمثل بها ناحية الربوبيّة.
ويستفاد هذا المعنى أوّلاً من قصّة الخلافة المذكورة في سورة البقرة آية ٣٠ - ٣٣ فإنّ المستفاد من الآيات هناك أنّ أمر الملائكة بالسجدة متفرّع على الخلافة، والخلافة المذكورة في الآيات - كما استفدناه هناك - غير مختصّة بآدم بل جارية في عامّة الآدميين فالسجدة أيضاً للجميع.
وثانياً: أنّ إبليس تعرّض لهم أي لبني آدم ابتداءً من غير توسيط آدم ولا تخصيصهعليهالسلام بالتعرّض حين قال على ما حكاه الله سبحانه:( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) (الخ) من غير سبق ذكر لبني آدم، وقد ورد نظيره في سورة الحجر حيث قال:( رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) الحجر- ٣٩، وفي سورة ص حيث قال:( فبعزّتك لاُغوينّهم أجمعين ) ص: ٨٢، ولو لا أنّ الجميع مسجودون بنوعيّتهم للملائكة لم يستقم له أن ينقم منهم هذه النقمة ابتداءً وهو ظاهر.
وثالثاً: أنّ الخطابات الّتي خاطب الله سبحانه بها آدمعليهالسلام كما في سورة البقرة
وسورة طه عمّمها بعينها في هذه السورة لجميع بنيه، قال تعالى:( يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ) الخ.
والحقيقة الثانية: أنّ خلق آدمعليهالسلام كان خلقاّ للجميع كما يدلّ عليه أيضاً قوله تعالى:( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ) السجدة: ٨ وقوله:( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ) المؤمن: ٦٧، على ما هو ظاهر الآيتين أنّ المراد بالخلق من تراب هو الّذي كان في آدمعليهالسلام .
ويشعر بذلك أيضاً قول إبليس في ضمن القصّة على ما حكاه الله سبحانه في سورة أسرى:( لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ) الآية، ولا يخلو عن إشعار به أيضاً قوله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ) الآيات الأعراف: ١٧٢ على ما سيجئ من بيانه.
وللمفسّرين في الآية أقوال مختلفة قال في مجمع البيان: ثمّ ذكر سبحانه نعمته في ابتداء الخلق فقال:( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ) قال الأخفش:( ثُمَّ ) ههنا في معنى الواو، وقال الزجّاج: وهذا خطأ لا يجوّزه الخليل وسيبويه وجميع من يوثق بعلمه إنّما( ثمّ ) للشئ الّذي يكون بعد المذكور قبله لا غير، وإنّما المعنى في هذا الخطاب ذكر إبتداء الخلق أوّلاً فالمراد أنّا بدأنا خلق آدم ثمّ صوّرناه فابتدأ خلق آدم من التراب ثمّ وقعت الصورة بعد ذلك فهذا معنى خلقناكم ثمّ صوّرناكم( ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) بعد الفراغ من خلق آدم، وهذا مروي عن الحسن، ومن كلام العرب: فعلنا بكم كذا وكذا وهم يعنون أسلافهم، وفي التنزيل:( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) أي ميثاق أسلافكم.
وقد قيل في ذلك أقوال أخر: منها : أنّ معناه خلقنا آدم ثمّ صوّرناكم في ظهره ثمّ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، عن ابن عبّاس ومجاهد والربيع وقتادة والسدّيّ.
ومنها: أنّ الترتيب واقع في الاخبار فكأنّه قال: خلقناكم ثمّ صوّرناكم ثمّ إنّا نخبركم أنّا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم كما يقول القائل: أنا راجل ثمّ أنا مسرع، وهذا قول جماعة من النحويين منهم علىّ بن عيسى والقاضي أبو سعيد السيرافيّ وغيرهما، وعلى هذا
فقد قيل: إنّ المعنى: خلقناكم في أصلاب الرجال ثمّ صوّرناكم في أرحام النساء عن عكرمة وقيل خلقناكم في الرحم ثمّ صوّرناكم بشقّ السمع والبصر وسائر الأعضاء انتهى.
أمّا ما نقله عن الزجّاج من الوجه ففيه أوّلا أنّ نسبة شئ من صفات السابقين أو أعمالهم إلى أعقابهم إنّما تصحّ إذا اشترك القبيلان في ذلك بنوع من الاشتراك كما فيما أورده من المثال لا بمجرّد علاقة النسب والسبق واللّحوق حتّى يصحّ بمجرّد الانتساب النسليّ أن تعدّ خلقة نفس آدم خلقاً لبنيه من غير أن يكون خلقه خلقاً لهم بوجه.
وثانياً: أنّ ما ذكره لو صحّ به أن يعدّ خلق آدم وتصويره خلقاً وتصويراً لبنيه صحّ أن يعدّ أمر الملائكة بالسجدة له أمراً لهم بالسجدة لبنيه كما جرى على ذلك في قوله:( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) فما باله قال:( ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ولم يقل:( ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ؟
وأمّا ما نقله أخيراً من أقوالهم فوجوه سخيفة غير مفهومة من لفظ الآية، ولعلّ القائلين بها لا يرضون أن يتأوّل في كلامهم أنفسهم بمثل هذه الوجوه فكيف يحمل على مثلها أبلغ الكلام؟
قوله تعالى:( سَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ) أخبر تعالى عن سجود الملائكة جميعاً كما يصرّح به في قوله:( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) الحجر: ٣٠، واستثنى منهم إبليس وقد علل عدم ائتماره بالأمر في موضع آخر بقوله:( كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الكهف: ٥٠، وقد وصف الملائكة بمثل قوله:( بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) الأنبياء: ٢٧، وهو بظاهره يدلّ على أنّه من غير نوع الملائكة.
ولهذا وقع الخلاف بينهم في توجيه هذا الاستثناء: أ هو استثناء متّصل بتغليب الملائكة لكونهم أكثر وأشرف أو أنّه استثناء منفصل وإنّما أمر بأمر على حدة غير الأمر المتوجّه إلى جمع الملائكة وإن كان ظاهر قوله:( مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) أنّ الأمر لم يكن إلّا واحداً وهو الّذي وجّهه الله إلى الملائكة.
والّذي يستفاد من ظاهر كلامه تعالى أنّ إبليس كان مع الملائكة من غير تميّز له
منهم والمقام الّذي كان يجمعهم جميعاً كان هو مقام القدس كما يستفاد من قصّة ذكر الخلافة( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) البقرة: ٣٠، وأنّ الأمر بالسجود إنّما كان متوجّهاً إلى ذلك المقام أعني إلى المقيمين بذلك المقام من جهة مقامهم كما يشير إليه قوله تعالى في ما سيأتي:( قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ) والضمير إلى المنزلة أو إلى السماء أو الجنّة ومآلهما إلى المنزلة والمقام ولو كان الخطاب متوجّهاً إليهم من غير دخل المنزلة والمقام في ذلك لكان من حقّ الكلام أنّ يقال:( فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ ) .
وعلى هذا لم يكن بينه وبين الملائكة فرق قبل ذلك؟ وعند ذلك تميّز الفريقان، وبقي الملائكة على ما يقتضيه مقامهم ومنزلتهم الّتي حلّوا فيها، وهو الخضوع العبوديّ والامتثال كما حكاه الله عنهم:( بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) فهذه حقيقة حياة الملائكة وسنخ أعمالهم، وقد بقوا على ذلك وخرج ابليس من المنزلة الّتي كان يشاركهم فيها كما يشير إليه قوله:( كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) والفسق خروج التمرة عن قشرها فتميّز منهم فأخذ حياة لا حقيقة لها إلّا الخروج من الكرامة الإلهيّة وطاعة العبوديّة.
والقصّة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعيّة المألوفة بيننا وتضمّنت أمراً وامتثالا وتمرّداً و احتجاجاً وطرداً ورجماً وغير ذلك من الامور التشريعيّة والمولويّة غير أنّ البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها تمثيلا للتكوين بمعنى أنّ ابليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال أي الخضوع للحقيقة الإنسانيّة فتفرّعت عليه المعصية، ويشعر به قوله تعالى:( فما يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ) فإنّ ظاهره أنّ هذا المقام لا يقبل لذاته التكبّر فكان تكبّره فيه خروجه منه وهبوطه إلى ما هو دونه.
على أنّ الأمر بالسجود - كما عرفت - أمر واحد توجّه إلى الملائكة وابليس جميعاً بعينه، والأمر المتوجّه إلى الملائكة ليس من شأنه أن يكون مولويّا تشريعيّاً بمعنى الأمر المتعلّق بفعل يتساوى نسبة مأموره إلى الطاعة والمعصية والسعادة والشقاوة
فإنّ الملائكة مجبولون على الطاعة مستقرّون في مقرّ السعادة كما أنّ ابليس واقع في الجانب المخالف لذلك على ما ظهر من أمره بتوجيه الأمر إليه.
فلو لا أنّ الله سبحانه خلق آدم وأمر الملائكة وابليس جميعاً بالسجود له لكان ابليس على ما كان عليه من منزلة القرب غير متميّز من الملائكة لكن خلق الإنسان شقّ المقام مقامين: مقام القرب ومقام البعد، وميّز السبيل سبيلين: سبيل السعادة وسبيل الشقاوة.
قوله تعالى:( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) يريد ما منعك أن تسجد كما وقع في سورة ص من قوله:( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) ص: ٧٥، ولذلك ربّما قيل: أنّ( لا ) زائدة جيئ بها للتأكيد كما في قوله:( لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ ) الحديد: ٢٩.
والظاهر أنّ( مَّنَعَ ) مضمّن نظير معنى حمل أو دعا والمعنى: ما حملك أو ما دعاك على أن لا تسجد مانعاً لك.
وقوله:( قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) يحكي عمّا أجاب به لعنه الله، وهو أوّل معصيته وأوّل معصية عصى بها الله سبحانه فإنّ جميع المعاصي ترجع بحسب التحليل إلى دعوى الإنّيّة ومنازعة الله سبحانه في كبريائه، وله رداء الكبرياء لا شريك له فيه، فليس لعبد مخلوق أن يعتمد على ذاته ويقول: أنا قبال الإنّيّة الإلهيّة الّتي عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وخشعت له الأصوات، وذلّ له كلّ شئ.
ولو لم تنجذب نفسه إلى نفسه، ولم يحتبس نظره في مشاهدة إنّيّته لم يتقيّد باستقلال ذاته، وشاهد الإله القيّوم فوقه فذلّت له إنّيّته ذلّة تنفي عنه كلّ استقلال وكبرياء فخضع للأمر الإلهيّ، وطاوعته نفسه في الأيتمار والامتثال، ولم تنجذب نفسه إلى ما كان يتراآى من كونه خيراً منه لأنّه من النار وهو من الطين بل انجذبت نفسه إلى الأمر الصادر عن مصدر العظمة والكبرياء ومنبع كلّ جمال وجلال.
وكان من الحرىّ إذا سمع قوله:( مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) أن يأتي بما يطابقه من الجواب كأن يقول: منعني أنّي خير منه لكنّه أتى بقوله:( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ )
ليظهر به الإنّيّة، ويفيد الثبات والاستمرار، ويستفاد منه أيضاً أن المانع له من السجدة ما يرى لنفسه من الخيريّه فقوله:( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ) أظهر وآكد في إفادة التكبّر.
ومن هنا يظهر أنّ هذا التكبّر هو التكبّر على الله سبحانه دون التكبّر على آدم.
ثمّ إنّه في قوله:( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) استدلّ على كونه خيراً من آدم بمبدء خلقته وهو النار وأنّها خير من الطين الّذي خلق منه آدم، وقد صدّق الله سبحانه ما ذكره من مبدأ خلقته حيث ذكر أنّه كان من الجنّ، وأنّ الجنّ مخلوق من النار قال تعالى:( كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الكهف: ٥٠ وقال:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ) الحجر: ٢٧، وقال أيضاً:( خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ) الرحمن: ١٥.
لكنّه تعالى لم يصدّقه فيما ذكره من خيريّته منه فإنّه تعالى وإن لم يردّ عليه قوله( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ ) الخ، في هذه السورة إلّا أنّه بيّن فضل آدم عليه وعلى الملائكة في حديث الخلافة الّذي ذكره في سورة البقرة للملائكة.
على أنّه تعالى ذكر القصّة في موضع آخر بقوله:( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) الخ، ص: ٧٦.
فبيّن أوّلاً أنّهم لم يدعوا إلى السجود له لمادّته الأرضيّة الّتي سوّي منها، وإنّما دعوا إلى ذلك لمّا سوّاه ونفخ فيه من روحه الخاصّ به تعالى الحاملة للشرف كلّ الشرف والمتعلّقة لتمام لعناية الربّانيّة ويدور أمر الخيريّة في التكوينيّات مدار العناية الإلهيّة لا لحكم من ذواتها فلا حكم إلّا لله.
ثمّ بيّن ثانياً لمّا سأله عن سبب عدم سجوده بقوله:( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) أنّه تعالى اهتمّ بأمر خلقته كلّ الاهتمام واعتنى به كلّ الاعتناء حيث خلقه بكلتا
يديه بأيّ معنى فسّرنا اليدين، وهذا هو الفضل فأجاب لعنه الله بقوله:( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) فتعلّق بأمر النار والطين، وأهمل أمر تكبّره على ربّه كما أنّه في هذه السورة سئل عن سبب تكبّره على ربّه إذ قيل له:( مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) فتعلّق بقوله:( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ) الخ، ولم يعتن بما سئل عنه أعني السبب في تكبّره على ربّه إذ لم يأتمر بأمره.
بلى قد اعتنى به إذ قال:( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ) فأثبت لنفسه استقلال الإنّيّة قبال الإنّيّة الإلهيّة الّتي قهرت كلّ شئ فاستدعاه ذلك إلى نسيان كبريائه تعالى ووجد نفسه مثل ربّه وأنّ له استقلالاً كاستقلاله، وأوجب ذلك أن أهمل وجوب امتثال أمره لأنّه الله بل اشتغل بالمرجّحات فوجد الترجيح للمعصية على الطاعة وللتمرّد على الانقياد وليس إلّا أنّ تكبّره بإثبات الإنّيّة المستقلّة لنفسه أعمى بصره فوجد مادّة نفسه وهي النار خيراً من مادة نفس آدم وهي الطين فحكم بأنّه خير من آدم، ولا ينبغي للفاضل أن يخضع بالسجود لمفضوله، وإن أمر به الله سبحانه لأنّه يسوي بنفسه نفس ربّه بما يرى لنفسه من استقلال وكبرياء كاستقلاله فيترك الأمر ويتعلّق بالمرجّحات في الأمر.
وبالجملة هو سبحانه الله الّذي منه يبتدئ كلّ شئ وإليه يرجع كلّ شئ فإذا خلق شيئاً وحكم عليه بالفضل كان له الفضل والشرف واقعاً و بحسب الوجود الخارجيّ وإذا خلق شيئاً ثانياً وأمره بالخضوع للأوّل كان وجوده ناقصاً مفضولاً بالنسبه إلى ذلك الأوّل فإنّ المفروض أنّ أمره إمّا نفس التكوين الحقّ أو ينتهي إلى التكوين فقوله الحقّ والواجب في امتثال أمره أن يمتثل لأنّه أمره لا لأنّه مشتمل على مصلحة أو جهة من جهات الخير والنفع حتّى يعزل عن ربوبيّته ومولويّته ويعود زمام الأمر والتأثير إلى المصالح والجهات، وهي الّتي تنتهي إلى خلقه وجعله كسائر الاشياء من غير فرق.
فجملة ما تدلّ عليه آيات القصّة أنّ إبليس إنّما عصى واستحقّ الرجم بالتكبّر على الله في عدم امتثال أمره، وأنّ الّذي أظهر به تكبّره هو قوله:( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ) وقد تكبّر فيه على ربّه كما تقدّم بيانه وإن كان ذلك تكبّراً منه على آدم حيث إنّه فضّل نفسه عليه واستصغر أمره وقد خصّه الله بنفسه وأخبرهم بأنّه أشرف منهم في حديث الخلافة
وفي قوله:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) وقوله:( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) إلّا أنّ لعناية في الآيات باستكباره على الله لا استكباره على آدم.
ومن الدليل على ذلك قوله تعالى:( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الكهف: ٥٠ حيث لم يقل: فاستنكف عن الخضوع لآدم بل إنّما ذكر الفسق عن أمر الربّ تعالى.
فتلخّص أنّ آيات القصّة إنّما تعتني بمسألة استعلائه على ربّه، وأمّا استكباره على آدم وما احتجّ به على ذلك فذلك من المدلول عليه بالتبع، والظاهر أنّه هو السرّ في عدم التعرّض للجواب عن حجّته صريحاً إلّا ما يؤمي إليه بعض أطراف الكلام كقوله:( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) وقوله:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) وغير ذلك.
فان قلت: القول بكون الأمر بالسجود تكوينيّاً ينافي ما تنصّ عليه الآيات من معصية إبليس فإنّ القابل للمعصية والمخالفة إنّما هو الأمر التشريعيّ وأمّا الأمر التكوينيّ فلا يقبل المعصية والتمرّد البتّة فإنّه كلمة الايجاد الّذي لا يتخلّف عنه الوجود قال:( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) النحل: ٤٠.
قلت: الّذي ذكرناه آنفاً أنّ القصّة بما تشتمل عليه بصورتها من الأمر والامتثال والتمرّد والطرد وغير ذلك وإن كانت تتشبّه بالقضايا الاجتماعيّة المألوفة فيما بيننا لكنّها تحكي عن جريان تكوينيّ في الروابط الحقيقيّة الّتي بين الإنسان والملائكة وإبليس فهي في الحقيقة تبيّن ما عليه خلق الملائكة وإبليس وهما مرتبطان بالإنسان، وما تقتضيه طبائع القبيلين بالنسبة إلى سعادة الإنسان وشقائه، وهذا غير كون الأمر تكوينيّاً.
فالقصّة قصّة تكوينيّة مثّلت بصورة نألفها من صور حياتنا الدنيويّة الاجتماعيّة كملك من الملوك أقبل على واحد من عامّة رعيّته لمّا تفرّس منه كمال الاستعداد وتمام القابليّة فاستخلصه لنفسه وخصّه بمزيد عنايته، وجعله خليفته في مملكته مقدّماً له على خاصّته ممّن حوله فأمرهم بالخضوع لمقامه والعمل بين يديه فلبّاه في دعوته وامتثال أمره جمع منهم، فرضي عنهم بذلك وأقرّهم على مكانتهم، واستكبر بعضهم فخطّأ الملك في أمره فلم يمتثله معتلّاً بأنّه أشرف منه جوهراً وأغزر عملاً فغضب عليه وطرده عن نفسه وضربّ عليه الذلّة
والصغار لأنّ الملك إنّما يطاع لأنّه ملك بيده زمام الأمر وإليه إصدار الفرامين والدساتير، وليس يطاع لأنّ ما أمر به يطابق المصلحة الواقعيّة فإنّما ذلك شأن الناصح الهادي إلى الخير والرشد.
وبالتأمّل في هذا المثل ترى أنّ خاصّة الملك - أعمّ من المطيع والعاصي - كانوا متّفقين قبل صدور الأمر في منزلة القرب مستقرّين في مستوى الخدمة وحظيرة الكرامة من غير أيّ تميّز بينهم حتّى أتاهم الأمر من ذي العرش فينشعب الطريق عند ذلك إلى طريقين ويتفرّقون طائفتين : طائفة مطيعة مؤتمرة واُخرى عاصية مستكبرة وتظهر من الملك بذلك سجاياه الكامنة ووجوه قدرته وصور إرادته من رحمة وغضب وتقريب وتبعيد وعفو ومغفرة وأخذ وانتقام ووعد ووعيد وثواب وعقاب، والحوادث كالمحكّ يظهر باحتكاكه جوهر الفلزّ ما عنده من جودة أو رداءة.
فقصّة سجود الملائكة وإباء إبليس تشير إلى حقائق تشابه بوجه ما يتضمّنه هذا المثل من الحقائق والأمر بالسجدة فيها تشريفه تعالى آدم بقرب المنزلة ونعمة الخلافة وكرامة الولاية تشريفاً أخضع له الملائكة وأبعد منه إبليس لمضادّة جوهر السعادة الإنسانيّة فصار يفسد الأمر عليه كلّما مسّه ويغويه إذا اقترب منه كتب عليه أنّه من تولّاه فإنّه يضلّه.
وقد عبّر الله سبحانه عن إنفاذه أمر التكوين في مواضع من كلامه بلفظ الأمر أو ما يشبه ذلك كقوله:( فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) حم السجدة: ١١، وقوله:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ) الاحزاب: ٧٢ وأشمل من الجميع قوله:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) يس: ٨٢.
فان قلت: رفع اليد عن ظاهر القصّة وحملها على جهة التكوين المحضة يوجب التشابه في عامّة كلامه تعالى، ولا مانع حينئذ يمنع من حمل معارف المبدء والمعاد بل والقصص والعبر والشرائع على الامثال، وفي تجويز ذلك إبطال للدين.
قلت: إنّما المتّبع هو الدليل فربّما دل على ثبوتها وعلى صراحتها ونصوصيّتها كالمعارف الأصليّة والاعتقادات الحقّة وقصص الأنبياء والاُمم في دعواتهم الدينيّة والشرائع والأحكام وما تستتبعه من الثواب والعقاب ونظائر ذلك، وربّما دلّ الدليل وقامت شواهد على خلاف ذلك كما في القصّة الّتي نحن فيها، ومثل قصّة الذرّ وعرض الأمانة وغير ذلك ممّا لا يستعقب إنكار ضروريّ من ضروريّات الدين، ولا يخالف آية محكمة ولا سنّة قائمة ولا برهأنّا يقينيّاً.
والّذي ذكره إبليس في مقام الاحتجاج:( أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) من القياس وهو استدلال ظنّي لا يعبأ به في سوق الحقائق، وقد ذكر المفسّرون وجوهاً كثيره في الردّ عليه لكنّك عرفت أنّ القرآن لم يعتن بأمره، وإنّما آخذ الله إبليس باستكباره عليه في مقام ليس له فيه إلّا الانقياد والتذلّل، ولذلك أغمضنا عن التعرّض لما ذكروه.
قوله تعالى:( قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) التكبّر هو أخذ الإنسان مثلاً الكبر لنفسه وظهوره به على غيره فإنّ الكبر والصغر من الامور الإضافيّة ويستعمل في المعاني غالباً فإذا أظهر الإنسان بقول أو فعل أنّه أكبر من غيره شرفاً أو جاهاً أو نحو ذلك فقد تكبّر عليه وعدّه صغيراً، وإذ كان لا شرف ولا كرامة لشئ على شئ إلا ما شرّفه الله وكرّمه كان التكبّر صفة مذمومة في غيره تعالى على الإطلاق إذ ليس لما سواه تعالى إلا الفقر والمذلّة في أنفسهم من غير فرق بين شئ وشئ ولا كرامة إلّا بالله ومن قبله، فليس لأحد من دون الله أن يتكبّر على أحد، وإنّما هو صفة خاصّة بالله سبحانه فهو الكبير المتعال على الاطلاق فمن التكبّر ما هو حقّ محمود وهو الّذي لله عزّ اسمه أو ينتهي إليه بوجه كالتكبّر على أعداء الله الّذي هو في الحقيقة اعتزاز بالله، ومنه ما هو باطل مذموم وهو الّذي يوجد عند غيره بدعوى الكبر لنفسه لا بالحقّ.
و( الصَّاغِرِينَ ) جمع صاغر من الصغار وهو الهوأنّ والذلّة والصغار في المعاني كالصغر في الصور، وقوله:( فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) تفسير وتأكيد لقوله( فَاهْبِطْ مِنْهَا )
لأنّ الهبوط هو خروج الشئ من مستقرّه نازلاًَ فيدلّ ذلك على أنّ الهبوط المذكور إنّما كان هبوطاً معنويّاً لا نزولاً من مكان جسمانيّ إلى مكان آخر، ويتأيّد به ما تقدّم أنّ مرجع الضمير في قوله:( مِنْهَا ) وقوله:( فِيهَا ) هو المنزلة دون السماء أو الجنّة إلّا أن يرجعا إلى المنزلة بوجه.
والمعنى: قال الله تعالى: فتنزّل عن منزلتك حيث لم تسجد لما أمرتك فإنّ هذه المنزلة منزلة التذلّل والانقياد لي فما يحقّ لك أنّ تتكبّر فيها فاخرج إنّك من الصاغرين أهل الهوان وإنّما اُخذ بالصغار ليقابل به التكبّر.
قوله تعالى:( قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ) استمهال وإمهال، وقد فصّل الله تعالى ذلك في موضع آخر بقوله:( قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) الحجر: ٣٨، ص: ٨١، ومنه يعلم أنّه أمهل بالتقييد لا بالاطلاق الّذي ذكره فلم يمهل إلى يوم البعث بل ضرب الله لمهلته أجلاً دون ذلك وهو يوم الوقت المعلوم، وسيجئ الكلام فيه في سورة الحجر إنشاء الله تعالى.
فقوله تعالى:( إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ) إنّما يدلّ على إجمال ما أمهل به، وفيه دلالة على أنّ هناك منظرين غيره.
واستمهاله إلى يوم البعث يدلّ على أنّه كان من همّه أن يديم على إغواء هذا النوع في الدنيا وفي البرزخ جميعاً حتّى تقوم القيامة فلم يجبه الله سبحانه إلى ما استدعاه بل لعلّه أجابه إلى ذلك إلى آخر الدنيا دون البرزخ فلا سلطان له في البرزخ سلطان الإغواء والوسوسة وإن كان ربّما صحب الإنسان بعد موته في البرزخ مصاحبة الزوج والقرين كما يدلّ عليه ظاهر قوله تعالى:( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) الزخرف: ٣٩، وظاهر قوله:( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) الصافات: ٢٢.
قوله تعالى:( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) إلى آخر الآية.
الإغواء هو الإالقاء في الغيّ والغيّ والغواية هو
الضلال بوجه والهلاك والخيبة، والجملة أعني قوله:( أَغْوَيْتَنِي ) وإن فسّر بكلّ من هذه المعاني على اختلاف أنظار المفسرين غير أنّ قوله تعالى في سورة الحجر فيما حكاه عنه:( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) يؤيّد أنّ مراده هو المعنى الأوّل، والباء في قوله( فَبِمَا ) للسببيّة أو المقابلة، والمعنى: فبسبب إغوائك إيّاي أو في مقابلة إغوائك إيّاي لأقعدنّ لهم الخ، وقد أخطأ من قال: أنّها للقسم وكأنّ القائل أراد أن يطبّقه على قوله تعالى في موضع آخر حكاية عنه:( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) ص: ٨٢.
وقوله:( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) أي لأجلسنّ لأجلهم على صراطك المستقيم وسبيلك السويّ الّذي يوصلهم إليك وينتهي بهم إلى سعادتهم لما أنّ الجميع سائرون إليك سالكون لا محالة مستقيم صراطك فالقعود على الصراط المستقيم كنايه عن التزامه والترصّد لعابريه ليخرجهم منه.
وقوله:( ثثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ) بيان لما يصنعه بهم وقد كمن لهم قاعداً على الصراط المستقيم، وهو أنّه يأتيهم من كلّ جانب من جوانبهم الأربع .
وإذ كان الصراط المستقيم الّذي كمن لهم قاعداً عليه أمراً معنويّاً كانت الجهات الّتي يأتيهم منها معنويّة لا حسّيّة والّذي يستأنس من كلامه تعالى لتشخيص المراد بهذه الجهاد كقوله تعالى:( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ) النساء: ١٢٠، وقوله:( إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ) آل عمران: ١٧٥ وقوله:( وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) البقرة: ١٦٨، وقوله:( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ) البقرة: ٢٦٨ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة هو أنّ المراد ممّا بين أيديهم ما يستقبلهم من الحوادث أيّام حياتهم ممّا يتعلّق به الآمال والأمانيّ من الاُمور الّتي تهواه النفوس وتستلذّه الطباع، وممّا يكرهه الإنسان ويخاف نزوله به كالفقر يخاف منه لو أنفق المال في سبيل الله أو ذمّ الناس ولومهم لو ورد سبيلاً من سبل الخير والثواب.
والمراد بخلفهم ناحية الأولاد والأعقاب فللإنسان فيمن يخلفه بعده من الأولاد
آمالٌ وأمانيّ ومخاوف ومكاره فإنّه يخيّل إليه أنّه يبقى ببقائهم فيسرّه ما يسرّهم ويسوءه ما يسوؤهم فيجمع المال من حلاله وحرامه لأجلهم، ويعدّ لهم ما استطاع من قوّة فيهلك نفسه في سبيل حياتهم.
والمراد باليمين وهو الجانب القويّ الميمون من الإنسان ناحية سعادتهم وهو الدين وإتيانه من جانب اليمين أن يزيّن لهم المبالغة في بعض الاُمور الدينيّة، والتكلّف بما لم يأمرهم به الله وهو الّذي يسمّيه الله تعالى باتّباع خطوات الشيطان.
والمراد بالشمال خلاف اليمين، وإتيانه منه أنّ يزيّن لهم الفحشاء والمنكر ويدعوهم إلى ارتكاب المعاصي واقتراف الذنوب واتّباع الأهواء.
قال الزمخشريّ في الكشّاف: فإن قلت: كيف قيل:( مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) بحرف الابتداء، و( عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ) بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عدّي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا وكانت لغه تؤخذ ولا تقاس وإنّما يبحث عن صحّة موقعها فقط.
فلمّا سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه وجلس عن شماله وعلى شماله قلنا: معنى على يمينه أنّه تمكّن من جهة اليمين تمكّن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى عن يمينه أنّه جلس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له ثمّ كثر حتّى استعمل في المتجافي وغيره كما ذكرنا في تعالي انتهى موضع الحاجة.
وقوله تعالى:( وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) نتيجة ما ذكره من صنعه بهم بقوله:( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم ) الخ، وقد وضع في ما حكاه الله من كلامه في غير هذا الموضع بدل هذه الجملة أعني( وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) جملة اُخرى قال:( قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ) أسرى: ٦٢ فاستثنى من وسوسته وإغوائه القليل مطابقاً لما في هذه السورة، وقال:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) الحجر: ٤٠، ص: ٨٣.
ومنه يظهر أنّه إنّما عنى بالشاكرين في هذا الموضع المخلصين، والتأمّل الدقيق في معنى الكلمتين يرشد إلى ذلك فإنّ المخلصين - بفتح اللّام - هم الّذين اُخلصوا لله
سبحانه فلا يشاركه فيهم أي في عبوديّتهم وعبادتهم سواه، ولا نصيب فيهم لغيره ولا يذكرون إلّا ربّهم وقد نسوا دونه كلّ شئ حتّى أنفسهم فليس في قلوبهم إلّا هو سبحانه، ولا موقف فيها للشيطان ولا لتزييناته.
والشاكرون هم الّذين استقرّت فيهم صفة الشكر على الاطلاق فلا يمسّون نعمة إلّا بشكر أي بأن يستعملوها ويتصرّفوا فيها قولاً أو فعلاً على نحو يظهرون به أنّها من عند ربّهم المنعم بها عليهم فلا يقبلون على شئ - أعمّ من أنفسهم وغيرهم - إلّا وهم على ذكر من ربّهم قبل أن يمسّوه ومعه وبعده، وأنّه مملوك له تعالى طلقاً ليس له من الأمر شئ فذكرهم ربّهم على هذه الوتيرة ينسيهم ذكر غيره إلّا بالله، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
فلو اُعطي اللفظ حقّ معناه لكان الشاكرون هم المخلصين، واستثناء إبليس الشاكرين أو المخلصين من شمول إغوائه وإضلاله جرى منه على حقيقة الأمر اضطراراً ولم يأت به جزافاً أو امتناناً على بني آدم أو رحمة أو لغير ذلك.
فهذا ما واجه إبليس به مصدر العزّة والعظمة أعني قوله:( فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ - إلى قوله -وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) فأخبر أنّه يقصدهم من كلّ جهة ممكنة، ويفسد الأمر على أكثرهم بإخراجهم عن الصراط المستقيم، ولم يبيّن نحو فعله وكيفيّة صنعه.
لكنّ في كلامه إشارة إلى حقيقتين: أحداهما: أنّ الغواية الّتي تمكّنت في نفسه وهو ينسبها إلى صنع الله هي السبب لإضلاله وإغوائه لهم أي أنّه يمسّهم بنفسه الغويّة فلا يودع فيهم إلّا الغواية كالنار الّتي تمسّ الماء بسخونتها فتسخّنه، وهذه الحقيقة ظاهرة من قوله تعالى:( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ - إلى أن قال -وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ - إلى أن قال -فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ) الصافّات: ٣٢.
والثانية: أنّ الّذي يمسه الشيطان من بني آدم - وهو نوع عمله وصنعه - هو الشعور الإنسانيّ وتفكره الحيويّ المتعلّق بتصوّرات الأشياء والتصديق بما ينبغى فعله
أو لا ينبغي، وسيجئ تفصيله في الكلام في إبليس وعمله.
قوله تعالى:( قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ ) (الخ) المذؤم من ذمّه يذمّه ويذيمه إذا عابه وذمّه، والمدحور من دحره إذا طرده ودفعه بهوان.
وقوله:( لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) الخ، اللّام للقسم وجوابه هو قوله:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ) الخ، لمّا كان مورد كلام إبليس - وهو في صورة التهديد بالانتقام - هو بني آدم وأنّه سيبطل غرض الخلقة فيهم وهو كونهم شاكرين أجابه تعالى بما يفعل بهم وبه فقال:( لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) محاذاة لكلامه ثمّ قال:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ) أي منك ومنهم فأشركه في الجزاء معهم.
وقد امتنّ تعالى في كلمته هذه الّتي لا بدّ أن تتمّ فلم يذكر جميع من تبعه بل أتى بقوله:( مِنكُمْ ) وهو يفيد التبعيض.
قوله تعالى:( وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) إلى آخر الآية.
خصّ بالخطاب آدمعليهالسلام وألحقّ به في الحكم زوجته، وقوله:( فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا ) توسعة في إباحة التصرّف إلّا ما استثناه بقوله:( وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) والظلم هو الظلم على النفس دون معصية الأمر المولويّ فإنّ الأمر إرشاديّ.
قوله تعالى:( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ) إلى آخر الآية.
الوسوسة هي الدعاء إلى أمر بصوت خفيّ، والمواراة ستر الشئ بجعله وراء ما يستره، والسوآة جمع السؤة وهي العضو الّذي يسوء الإنسان إظهاره والكشف عنه، وقوله:( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ) الخ، أي إلّا كراهة أنّ تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.
والملك وإن قرئ بفتح اللّام إلّا أنّ فيه معنى الملك - بالضمّ فالسكون - والدليل عليه قوله في موضع آخر:( قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ ) طه: ١٢٠.
ونقل في المجمع عن السيّد المرتضى رحمه الله احتمال أن يكون المراد بقوله:( إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ) الخ، أنّه أوهمهما أنّ المنهيّ عن تناول الشجرة الملائكة خاصّة و
الخالدون دونهما فيكون كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلّا أن تكون فلاناً، وإنّما يريد أنّ المنهيّ إنّما هو فلان دونك، وهذا أوكد في الشبهة واللبس عليهما (انتهى).
لكن آية سورة طه المنقولة آنفاً تدفعه.
قوله تعالى:( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) المقاسمة المبالغة في القسم أي حلف لهما وأغلظ في حلفه أنّه لهما لمن الناصحين، والنصح خلاف الغش.
قوله تعالى:( فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ) إلى آخر الآية.
التدلية التقريب والإيصال كما أنّ التدلّي الدنوّ والاسترسال، وكأنّه من الاستعارة من دلوت الدلو أي أرسلتها، والغرور إظهار النصح مع إبطان الغشّ، الخصف الضمّ والجمع، ومنه خصف النعل.
وفي قوله:( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) دلالة على أنّهما عند توجّه هذا الخطاب كانا في مقام البعد من ربّهما لأنّ النداء هو الدعاء من بعد، وكذا من الشجرة بدليل قوله:( تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) بخلاف قوله عند أوّل ورودهما الجنّة:( وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) .
قوله تعالى:( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) هذا منهما نهاية التذلّل والابتهال، ولذلك لم يسألا شيئاً وإنّما ذكرا حاجتهما إلى المغفرة والرحمة وتهديد الخسران الدائم المطلق لهما حتّى يشاء الله ما يشاء.
قوله تعالى:( قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) إلى آخر الآية، كأنّ الخطاب لآدم وزوجته وإبليس، وعداوة بعضهم لبعض هو ما يشاهد من اختلاف طبائعهم، وهذا قضاء منه تعالى والقضاء الآخر قوله:( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) أي إلى آخر الحياة الدنيويّة، وظاهر السياق أنّ الخطاب الثاني أيضاً يشترك فيه الثلاثة.
قوله تعالى:( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) قضاء آخر يوجب تعلّقهم بالأرض إلى حين البعث، وليس من البعيد أن يختصّ هذا الخطاب بآدم وزوجته وبنيهما، لما فيه من الفصل بلفظة( قَالَ ) وقد مرّ تفصيل الكلام في قصّة الجنّة في سورة البقرة فليراجعها من شاء.
( كلام في إبليس وعمله)
عاد موضوع إبليس موضوعاً مبتذلاً عندنا لا يعبأ به دون أن نذكره أحياناً ونلعنه أو نتعوّذ بالله منه أو نقبّح بعض أفكارنا بأنّها من الأفكار الشيطانيّة ووساوسه ونزغاته دون أنّ نتدبّر فنحصّل ما يعطيه القرآن الكريم في حقيقة هذا الموجود العجيب الغائب عن حواسّنا، وما له من عجيب التصرّف والولاية في العالم الإنسانيّ.
وكيف لا وهو يصاحب العالم الإنسانيّ على سعة نطاقه العجيبة منذ ظهر في الوجود حتّى ينقضي أجله وينقرض بانطواء بساط الدنيا ثمّ يلازمه بعد الممات ثمّ يكون قرينه حتّى يورده النار الخالدة، وهو مع الواحد منّا كما هو مع غيره هو معه في علانيته وسرّه يجاريه كلّما جرى حتّى في أخفى خيال يتخيّله في زاوية من زوايا ذهنه أو فكرة يواريها في مطاوى سريرته لا يحجبه عنه حاجب، ولا يغفل عنه بشغل شاغل.
وأمّا الباحثون منّا فقد أهملوا البحث عن ذلك وبنوا على ما بنى عليه باحثوا الصدر الأوّل سالكين ما خطّوا لهم من طريق البحث، وهي النظريّات الساذجة الّتي تلوح للأفهام العامّيّة لأوّل مرّة تلقّوا الكلام الإلهيّ ثمّ التخاصم في ما يهتدي إليه فهم كلّ طائفة خاصّة، والتحصّن فيه ثمّ الدفاع عنه بأنواع الجدال، والاشتغال بإحصاء إشكالات القصّة وتقرير السؤال والجواب بالوجه بعد الوجه.
لم خلق الله إبليس وهو يعلم من هو؟ لم أدخله في جمع الملائكة وليس منهم؟ لم أمره بالسجدة وهو يعلم أنّه لا يأتمر؟ لِم لم يوفّقه للسجدة وأغواه؟ لِم لم يهلكه حين لم يسجد؟ لم أنظره إلى يوم يبعثون أو إلى يوم الوقت المعلوم؟ لِم مكّنه من بني آدم هذا التمكين العجيب الّذي به يجري منهم مجرى الدم؟ لم أيّده بالجنود من خيل ورجل وسلّطه على جميع ما للحياة الإنسانيّة به مساس؟ لِم لم يظهره على حواسّ الإنسان ليحترز مساسه؟ لِم لم يؤيّد الإنسان بمثل ما أيّده به؟ ولِم لم يكتم أسرار خلقة آدم وبنيه من إبليس حتّى لا يطمع في إغوائهم؟ وكيف جازت المشافهة بينه وبين الله سبحانه
وهو أبعد الخليقة منه وأبغضهم إليه ولم يكن بنبيّ ولا ملك؟ فقيل : بمعجزة وقيل: بإيجاد أثر تدلّ على المراد ولا دليل على شئ من ذلك.
ثمّ كيف دخل إبليس الجنّة؟ وكيف جاز وقوع الوسوسة والكذب والمعصية هناك وهي مكان الطهارة والقدس؟ وكيف صدّقه آدم وكان قوله مخالفاً لخبر الله؟ وكيف طمع في الملك والخلود وذلك يخالف اعتقاد المعاد؟ وكيف جازت منه المعصية وهو نبيّ معصوم؟ وكيف قبلت توبته ولم يرد إلى مقامه الأوّل والتائب من الذنب كمن لا ذنب له؟ وكيف...؟ وكيف....؟
وقد بلغ من إهمال الباحثين في البحث الحقيقيّ واسترسالهم في الجدال إشكالاً وجواباً أن ذهب الذاهب منهم إلى أنّ المراد بآدم هذا آدم النوعيّ والقصّة تخييليّه محضة واختار آخرون أنّ إبليس الّذي يخبر عنه القرآن الكريم هو القوّة الداعية إلى الشرّ من الإنسان !.
وذهب آخرون إلى جواز انتساب القبائح والشنائع إليه تعالى وأنّ جميع المعاصي من فعله، وأنّه يخلق الشرّ والقبيح فيفسد ما يصلحه، وأنّ الحسن هو الّذي أمر به والقبيح هو الّذي نهى عنه، وآخرون: إلى أنّ آدم لم يكن نبيّاً، وآخرون: إلى أنّ الأنبياء غير معصومين مطلقاً، وآخرون : إلى أنّهم غير معصومين قبل البعثة وقصّة الجنّة قبل بعثة آدم، وآخرون: إلى أنّ ذلك كلّه من الامتحان واختبار ولم يبيّنوا ما هو الملاك الحقيقي في هذا الامتحان الّذي يضلّ به كثيرون ويهلك به الأكثرون، ولو لا وجود ملاك يحسم مادّة الإشكال لعادت الإشكالات بأجمعها.
والّذي يمنع نجاح السعي في هذه الأبحاث ويختلّ به نتائجها هو أنّهم لم يفرّقوا في هذه المباحث جهاتها الحقيقيّة من جهاتها الاعتباريّة، ولم يفصلوا التكوين عن التشريع فاختلّ بذلك نظام البحث، وحكّموا في ناحية التكوين غالباً الاُصول الوضعيّة الاعتباريّة الحاكمة في التشريعيّات والاجتماعيّات.
والّذي يجب تحريره وتنقيحه على الحرّ الباحث عن هذه الحقائق الدينيّة المرتبطة بجهات التكوين أن يحرّر جهات:
الأولى: أنّ وجود شئ من الأشياء الّتي يتعلّق بها الخلق والإيجاد في نفسه - أعني وجوده النفسيّ من غير إضافة - لا يكون إلّا خيراً ولا يقع إلّا حسناً، فلو فرض محالاً تعلّق الخلقة بما فرض شرّا في نفسه عاد أمراً موجوداً له أثر وجوديّة يبتدئ من الله ويرتزق برزقه ثمّ ينتهي إليه فحاله حال سائر الخليقة ليس فيه أثر من الشرّ والقبح إلّا أن يرتبط وجوده بغيره فيفسد نظاماً عادلاً في الوجود أو يوجب حرمان جمع من الموجودات من خيرها وسعادتها، وهذه هي الاضافة المذكورة.
ولذلك كان من الواجب في الحكمة الإلهيّة أن ينتفع من هذه الموجودات المضرّة الوجود بما يربو على مضرّتها وذلك قوله تعالى:( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) السجدة : ٧، وقوله:( تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) الأعراف: ٥٤، وقوله:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) أسرى: ٤٤.
والثانية: أنّ عالم الصنع والإيجاد على كثرة أجزائه وسعة عرضه مرتبط بعضه ببعض معطوف آخره إلى أوّله فإيجاد بعضه إنّما هو بإيجاد الجميع، وإصلاح الجزء إنّما هو بإصلاح الكلّ فالاختلاف الموجود بين أجزاء العالم في الوجود وهو الّذي صيّر العالم عالماً ثمّ ارتباطها يستلزم استلزاماً ضروريّاً في الحكمة الإلهيّة نسبة بعضها إلى بعض بالتنافي والتضادّ أو بالكمال والنقص والوجدان والفقدان والنيل والحرمان، ولولا ذلك عاد جميع الأشياء إلى شئ واحد لا تميّز فيه ولا اختلاف ويبطل بذلك الوجود قال تعالى:( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) القمر: ٥٠.
فلو لا الشرّ والفساد والتعب والفقدان والنقص والضعف وأمثالها في هذا العالم لما كان للخير والصحّة والراحة والوجدان والكمال والقوّة مصداق، ولا عقل منها معنى لأنّا إنّما نأخذ المعاني من مصاديقها.
ولولا الشقاء لم تكن سعادة، ولولا المعصية لم تتحقّق طاعة، ولولا القبح والذمّ لم توجد حسن ولا مدح، ولولا العقاب لم يحصل ثواب، ولولا الدنيا لم تتكوّن آخرة.
فالطاعة مثلاً امتثال الأمر المولويّ فلو لم يمكن عدم الامتثال الّذي هو المعصية لكان الفعل ضروريّاً لازماً، ومع لزوم الفعل لا معنى للأمر المولويّ لامتناع تحصيل الحاصل ومع عدم الأمر المولويّ لا مصداق للطاعه ولا مفهوم لها كما عرفت.
ومع بطلان الطاعة والمعصية يبطل المدح والذمّ المتعلّق بهما والثواب والعقاب والوعد والوعيد والإنذار والتبشير ثمّ الدين والشريعة والدعوة ثمّ النبوة والرسالة ثمّ الاجتماع والمدنيّة ثمّ الإنسانيّة ثمّ كلّ شئ، وعلى هذا القياس جميع الاُمور المتقابلة في النظام، فافهم ذلك.
ومن هنا ينكشف لك أنّ وجود الشيطان الداعي إلى الشرّ والمعصية من أركان نظام العالم الإنسانيّ الّذي إنّما يجرى على سنّة الاختيار ويقصد سعادة النوع.
وهو كالحاشية المكتنفة بالصراط المستقيم الّذي في طبع هذا النوع أن يسلكه كادحاً إلى ربّه ليلاقيه، ومن المعلوم أنّ الصراط إنّما يتعيّن بمتنه صراطاً بالحاشية الخارجة عنه الحافّة به فلولا الطرف لم يكن وسط فافهم ذلك وتذكّر قوله تعالى:( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) الأعراف: ١٦، وقوله:( قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) الحجر: ٤٢.
إذا تأمّلت في هاتين الجهتين ثمّ تدبّرت آيات قصّة السجدة وجدتها صورة منبئة عن الروابط الواقعيّة الّتي بين النوع الإنسانيّ والملائكة وإبليس عبّر عنها بالأمر والامتثال والاستكبار والطرد والرجم والسؤال والجواب، وأنّ جميع الإشكالات الموردة فيها ناشئة من التفريط في تدبّر القصّة حتّى أنّ بعض(١) من تنبّه لوجه الصواب وأنّها تشير إلى ما عليه طبائع الإنسان والملك والشيطان ذكر أنّ الأمر والنهي - يريد أمر إبليس بالسجدة ونهي آدم عن أكل الشجرة - تكوينيّان فأفسد بذلك ما قد كان أصلحه، وذهل عن أنّ الأمر والنهي التكوينيّين لا يقبلان التخلّف والمخالفة، وقد خالف إبليس الأمر وخالف آدم النهي.
الثالثة: أنّ قصّة الجنّة مدلولها - على ما تقدّم تفصيل القول فيها في سورة البقرة -
____________________
(١) صاحب المنار في المجلد ٨ من التفسير تحت عنوان ( الإشكالات في القصّة ) .
ينبئ عن أنّ الله سبحانه خلق جنّة برزخيّة سماويّة، وأدخل آدم فيها قبل أن يستقرّ عليه الحياة الأرضيّة، ويغشاه التكليف المولوي ليختبر بذلك الطباع الإنسانيّ فيظهر به أنّ الإنسان لا يسعه إلّا أن يعيش على الأرض، ويتربّى في حجر الأمر والنهي فيستحقّ السعادة والجنّة بالطاعة، وإن كان دون ذلك فدون ذلك، ولا يستطيع الإنسان أن يقف في موقف القرب وينزل في منزل السعادة إلّا بقطع هذا الطريق.
وبذلك ينكشف أن لامجري لشئ من الإشكالات الّتي أوردوها في قصّة الجنّة فلا الجنّة كانت جنّة الخلد الّتي لا يدخلها إلّا وليّ من أولياء الله تعالى دخولا لا خروج بعده أبداً، ولا الدار كانت داراً دنيويّة يعاش فيها عيشة دنيويّة يديرها التشريع ويحكم فيها الأمر والنهي المولويّان بل كانت داراً يظهر فيها حكم السجيّة الإنسانيّة لا سجيّة آدمعليهالسلام بما هو شخص آدم إذ لم يؤمر بالسجدة له ولا أدخل الجنّة إلّا لأنّه إنسان كما تقدّم بيانه.
رجعنا إلى أوّل الكلام:
لم يصف الله سبحانه من ذات هذا المخلوق الشرير الّذي سمّاه إبليس إلّا يسيراً وهو قوله تعالى:( كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الكهف: ٥٠، وما حكاه عنه في كلامه:( خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ ) فبيّن أنّ بدء خلقته كان من نار من سنخ الجنّ وأمّا ما الّذي آل إليه أمره فلم يذكره صريحاً كما أنّه لم يذكر تفصيل خلقته كما فصّل القول في خلقة الإنسان.
نعم هناك آيات واصفة لصنعه وعمله يمكن أن يستفاد منها ما ينفع في هذا الباب قال تعالى حكاية عنه:( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) الأعراف: ١٧.
فأخبر أنّه يتصرّف فيهم من جهة العواطف النفسانيّة من خوف ورجاء واُمنيّة وأمل وشهوة وغضب ثمّ في أفكارهم وإرادتهم المنبعثة منها.
كما يقارنه في المعنى قوله:( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) الحجر: ٣٩، أي لاُزيّننّ لهم الاُمور الباطلة الرديئة الشوهاء بزخارف وزينات مهيّأة من تعلّق العواطف
الداعية نحو اتّباعها ولاُغوينّهم بذلك كالزنا مثلاً يتصوّره الإنسان وتزيّنه في نظره الشهوة ويضعف بقوّتها ما يخطر بباله من المحذور في اقترافه فيصدّق به فيقترفه، ونظير ذلك قوله:( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ) النساء: ١٢٠، وقوله:( فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) النحل: ٦٣.
كلّ ذلك - كما ترى - يدلّ على أنّ ميدان عمله هو الإدراك الإنسانيّ و وسيلة عمله العواطف والاحساسات الداخلة فهو الّذي يلقي هذه الأوهام الكاذبة والأفكار الباطلة في النفس الإنسانيّة كما يدل عليه قوله:( الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) الناس: ٥.
لكنّ الإنسان مع ذلك لا يشكّ في أنّ هذه الأفكار والأوهام المسمّاة وساوس شيطانيّة أفكار لنفسه يوجدها هو في نفسه من غير أن يشعر بأحد سواه يلقيها إليه أو يتسبّب إلى ذلك بشئ كما في سائر أفكاره وآرائه الّتي لا تتعلّق بعمل وغيره كقولنا: الواحد نصف الإثنين والاربعة زوج وأمثال ذلك.
فالإنسان هو الّذي يوجد هذه الأفكار والأوهام في نفسه كما أنّ الشيطان هو الّذي يلقيها إليه ويخطرها بباله من غير تزاحم، ولو كان تسبّبه فيها نظير التسبّبات الدائرة فيما بيننا لمن ألقى إلينا خبراً أو حكماً أو ما يشبه ذلك لكان إلقاؤه إلينا لا يجامع استقلالنا في التفكير، ولا نتفت نسبة الفعل الإختياريّ إلينا لكون العلم والترجيح والإرادة له لا لنا، ولم يترتّب على الفعل لوم ولا ذمّ ولا غيره، وقد نسبه الشيطان نفسه إلى الإنسان فيما حكاه الله من قوله يوم القيامة:( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) إبراهيم: ٢٢، فنسب الفعل والظلم واللوم إليهم وسلبها عن نفسه، ونفى عن نفسه كلّ سلطان إلّا السلطان على الدعوة والوعد الكاذب كما قال تعالى:( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الْغَاوِينَ ) الحجر: ٤٢ فنفى سبحانه سلطانه إلّا في ظرف الاتّباع ونظيره قوله تعالى:( قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ) ق: ٢٧.
وبالجملة فإنّ تصرّفه في إدراك الإنسان تصرّف طوليّ لا ينافي قيامه بالإنسان وانتسابه إليه انتساب الفعل إلى فاعله لا عرضيّ ينافي ذلك.
فله أن يتصرّف في الإدراك الإنسانيّ بما يتعلّق بالحياة الدنيا في جميع جهاتها بالغرور والتزيين فيضع الباطل مكان الحقّ ويظهره في صورته فلا يرتبط الإنسان بشئ إلّا من وجهه الباطل الّذي يغرّه ويصرفه عن الحقّ، وهذا هو الاستقلال الّذي يراه الإنسان لنفسه أوّلاً ثمّ لسائر الأسباب الّتي يرتبط بها في حياته فيحجبه ذلك عن الحقّ ويلهوه عن الحياة الحقيقيّة كما تقدّم استفاده ذلك من قوله المحكّي:( فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ) الأعراف: ١٦، وقوله:( رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) الحجر: ٣٩.
ويؤدّي ذلك إلى الغفلة عن مقام الحقّ وهو الاصل الّذي ينتهي ويحلّل إليه كلّ ذنب قال تعالى:( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) الأعراف: ١٧٩.
فاستقلال الإنسان بنفسه وغفلته عن ربّه وجميع ما يتفرّع عليه من سيّئ الاعتقاد وردئ الأوهام والأفكار الّتي يرتضع عنها كلّ شرك وظلم إنّما هي من تصرّف الشيطان في عين أنّ الإنسان يخيّل إليه أنّه هو الموجد لها القائم بها لما يراه من استقلال نفسه فقد صبغ نفسه صبغة لا يأتيه اعتقاد ولا عمل إلا صبغه بها.
وهذا هو دخوله تحت ولاية الشيطان وتدبيره وتصرّفه من غير أن يتنبه لشئ أو يشعر بشئ وراء نفسه قال تعالى:( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف: ٢٧.
وولاية الشيطان على الإنسان في المعاصي والمظالم على هذا النمط نظير ولاية الملائكة عليه في الطاعات والقربات، قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ
أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) حم السجدة: ٣١، والله من ورائهم محيط وهو الوليّ لا وليّ سواه قال تعالى:( مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ) السجدة: ٤.
وهذا هو الاحتناك أي الإلجام الّذي ذكره فيما حكاه الله تعالى عنه بقوله:( قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ...لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ) أسرى: ٦٤، أي لألجمنّهم فأتسلّط عليهم تسلّط راكب الدابّة الملجم لها عليها يطيعونني فيما آمرهم ويتوجّهون إلى حيث اُشير لهم إليه من غير أيّ عصيان وجماح.
ويظهر من الآيات أنّ له جنداً يعينونه فيما يأمر به ويساعدونه على ما يريد وهو القبيل الّذي ذكر في الآية السابقة:( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ) وهؤلاء وإن بلغوا من كثرة العدد وتفنّن العمل ما بلغوا فإنّما صنعهم صنع نفس إبليس و وسوستهم نفس وسوسته كما يدلّ عليه قوله:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) الحجر: ٣٩، وغيره ممّا حكته الآيات نظير ما يأتي به أعوان الملائكة العظام من الأعمال فتنسب إلى رئيسهم المستعمل لهم في ما يريده، قال تعالى في ملك الملوت:( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) السجدة: ١١، ثمّ قال:( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ) الأنعام: ٦١ إلى غير ذلك.
وتدلّ الآية:( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) الناس: ٦ على أنّ في جنده اختلافاً من حيث كون بعضهم من الجنّة وبعضهم من الإنس ويدل قوله:( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ) الكهف: ٥٠، أنّ له ذرّيّة هم من أعوانه وجنوده لكن لم يفصّل كيفيّة انتشاء ذرّيّته منه.
كما أنّ هناك نوعاً آخر من الاختلاف يدلّ عليه قوله:( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) في الآية المتقدّمة، وهو الاختلاف من جهة الشدّة والضعف وسرعة العمل وبطؤه فإنّ الفارق بين الخيل والرجل هو السرعة في اللحوق والإدراك وعدمها.
وهناك نوع آخر من الاختلاف في العمل، وهو الاجتماع عليه والإنفراد كما يدلّ عليه أيضاً قوله تعالى:( وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ) المؤمنون: ٩٨ ولعلّ قوله تعالى:( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) الشعراء: ٢٢٣ من هذا الباب.
فملخّص البحث: أنّ إبليس لعنة الله موجود مخلوق ذو شعور وإرادة يدعوا إلى الشرّ ويسوق إلى المعصية كان في مرتبة مشتركة مع الملائكة غير متميّز منهم إلا بعد خلق الإنسان وحينئذ تميّز منهم ووقع في جانب الشرّ والفساد، وإليه يستند نوعاً من الاستناد إنحراف الإنسان عن الصراط المستقيم وميله إلى جانب الشقاء والضلال، ووقوعه في المعصية والباطل كما أنّ الملك موجود مخلوق ذو إدراك وإرادة إليه يستند نوعاً من الاستناد اهتداء الإنسان إلى غاية السعادة ومنزل الكمال والقرب، وأنّ لابليس أعواناً من الجنّ والإنس وذرّيّة مختلفي الأنواع يجرون بأمره إيّاهم أن يتصرّفوا في جميع ما يرتبط به الإنسان من الدنيا وما فيها بإظهار الباطل في صورة الحقّ، وتزيين القبيح في صورة الحسن الجميل.
وهم يتصرّفون في قلب الإنسان وفي بدنه وفي سائر شؤن الحياة الدنيا من أموال وبنين وغير ذلك بتصرّفات مختلفة اجتماعاً وإنفراداً، وسرعة وبطؤاً، وبلا واسطة ومع الواسطة والواسطه ربّما كانت خيراً أو شراً وطاعة أو معصية.
ولا يشعر الإنسان في شئ من ذلك بهم ولا أعمالهم بل لا يشعر إلا بنفسه ولا يقع بصره إلا بعمله فلا أفعالهم مزاحمة لأعمال الإنسان ولا ذواتهم وأعيانهم في عرض وجود الإنسان غير أنّ الله سبحانه أخبرنا أنّ إبليس من الجنّ وأنّهم مخلوقون من النار، وكأنّ أوّل وجوده وآخره مختلفان.
( بحث عقلي وقرآني مختلط)
قال في روح المعاني: وقد ذكر الشهرستانيّ عن شارح الأناجيل الاربعة صورة مناظرة جرت بين الملائكة وبين إبليس بعد هذه الحادثة، وقد ذكرت في التوراة، وهي أنّ اللعين قال للملائكة: إنّي اُسلّم أنّ لي إلهاً هو خالقي وموجدي لكن لي على حكمه أسئلة.
الأوّل: ما الحكمة في الخلق لا سيّما وقد كان عالماً أنّ الكافر لا يستوجب عند خلقه إلا النار؟
الثاني: ما الفائدة في التكليف مع أنّه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر، وكلّ ما يعود إلى المكلّفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟
الثالث: هب إنّه كلّفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلّفني بالسجود لآدم؟
الرابع: لمّا عصيته في ترك السجود فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنّه لا فائدة له ولا لغيره فيه ولي فيه أعظم الضرر؟
الخامس: أنّه لمّا فعل ذلك لم سلّطني على أولاده ومكّنني من إغوائهم وإضلالهم؟
السادس: لمّا استمهلته المدّة الطويلة في ذلك فلم أمهلنى ومعلوم أنّه لو كان العالم خالياً من الشرّ لكان ذلك خيراً؟
قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى إليه من سرادق العظمة والكبرياء: يا إبليس أنت ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنّه لا اعتراض عليّ في شئ من أفعالي فإنّي أنا الله لا إله إلا أنا لا اُسال عمّا أفعل. (انتهى).
ثمّ قال الآلوسيّ: قال الإمام - الرازيّ - إنّه لو اجتمع الأوّلون والآخرون من الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا من هذه الشبهات مخلصاً، وكان الكلّ لازماً.
ثمّ قال الآلوسيّ: ويعجبني ما يحكى أنّ سيف الدولة بن حمدان خرج يوماً على جماعته فقال: قد عملت بيتاً ما أحسب أنّ أحداً يعمل له ثانياً إلّا أن كان أبا فراس وكان أبو فراس جالساً. فقيل له: ما هو؟ فقال قولي:
لك جسمي تعلّه |
فدمي لن تطلّه |
فابتدر أبو فراس قائلاً:
قال إن كنت مالكا |
فلي الأمر كلّه |
انتهى
أقول: ما مرّ من البيان في أوّل الكلام السابق يصلح لدفع هذه الشبهات الستّة عن آخرها ويكفي مؤنتها من غير أن يحتاج إلى اجتماع الأوّلين والآخرين ثمّ لا ينفعهم اجتماعهم على ما ادّعاه الإمام فليست بذاك الّذي يحسب، ولتوضيح الأمر نقول: أمّا الشبهة الأوّلى: فالمراد بالحكمة - وهي جهة الخير والصلاح الّذي يدعو الفاعل إلى الفعل - في الخلق إمّا الحكمة في مطلق الخلق وهو ما سوى الله سبحانه من العالم، وإمّا الحكمة في خلق الإنسان خاصّة.
فإن كان سؤالاً عن الحكمة في مطلق الخلق والإيجاد فمن المبرهن عليه أنّه فاعل تامّ لمجموع ما سواه غير مفتقر في ذلك إلى متمّم يتمّم فاعليّته ويصلح له اُلوهيّته فهو مبدء لما سواه منبع لكلّ خير ورحمة بذاته، واقتضاء المبدء لما هو مبدء له ضروريّ، والسؤال عن الضروريّ لغو كما أنّ ملكة الجود تقتضي بذاتها أن ينتشر أثرها وتظهر بركاتها لا لاستدعاء أمر آخر وراء نفسها يوجب لها ظهور الأثر وإلّا لم تكن ملكة، فظهور أثرها ضروريّ لها وهو أن يتنعمّ بها كلّ مستحقّ على حسب استعداده واستحقاقه، واختلاف المستحقّين في النيل بحسب اختلاف استحقاقهم أمر عائد إليهم لا إلى الملكة الّتي هي مبدء الخير.
وأمّا حديث الحكمة في الخلق والإيجاد بمعنى الغاية وجهة الخير المقصودة للفاعل في فعله فإنما يحكم العقل بوجوب الغاية الزائدة على الفاعل في الفاعل الناقص الّذي يستكمل بفعله ويكتسب به تماماً وكمالاً، وأمّا الفاعل الّذي عنده كلّ خير وكمال فغايته نفس ذاته من غير حاجة إلى غاية زائدة كما عرفت في مثال ملكة الجود،
نعم يترتب على فعله فوائد ومنافع كثيرة لا تحصى ونعم إلهيّة لا تنقطع وهي غير مقصودة إلّا ثانياً وبالعرض، هذا في أصل الإيجاد.
وإن كان السؤال عن الحكمة في خلق الإنسان كما يشعر به قوله بعد: لا سيّما وقد كان عالماً أنّ الكافر لا يستوجب عند خلقه إلّا النار فالحكمه بمعنى غاية الفاعل والفائدة العائدة إليه غير موجودة لما عرفت أنّه تعالى غنيّ بذاته لا يفتقر إلى شئ ممّا سواه حتّى يتمّ أو يكمل به، وأمّا الحكمة بمعنى الغاية الكماليّة الّتي ينتهي إليها الفعل وتحرز فائدته فهو أن يخلق من المادّة الأرضيّة الخسيسة تركيب خاصّ ينتهي بسلوكه في مسلك الكمال إلى جوهر علويّ شريف كريم يفوق بكمال وجوده كلّ موجود سواه، ويتقرّب إلى ربّه تقرّباً كماليّاً لا يناله شئ غيره فهذه غاية النوعيّة الإنسانيّة.
غير أنّ من المعلوم أنّ مركّباً أرضيّاً مؤلّفاً من الأضداد واقعاً في عالم التزاحم والتنافي محفوفاً بعلل وأسباب موافقة ومخالفة لا ينجو منها بكلّه، ولا يخلص من إفسادها بآثارها المنافية جميع أفراده فلا محالة لا يفوز بالسعادة المطلوبة منه إلّا بعض أفراده، ولا ينجح في سلوكه نحو الكمال إلّا شطر من مصاديقه لا جميعها.
وليست هذه الخصيصة أعني فوز البعض بالكمال والسعادة وحرمان البعض ممّا يختصّ به الإنسان بل جميع الأنواع المتعلّقة الوجود بالمادّة الموجودة في هذه النشأة كأنواع الحيوان والنبات وجميع التركيبات المعدنيّة وغيرها كذلك فشئ من هذه الأنواع الموجودة - وهي اُلوف واُلوف - لا يخلو عن غاية نوعيّة هي كمال وجوده، وهي مع ذلك لا تنال الكمال إلّا بنوعيّته، وأمّا الأفراد و الأشخاصّ فكثير منها تبطل دون البلوغ إلى الكمال، وتفسد في طريق الاستكمال بعمل العلل والأسباب المخالفة لأنها محفوفة بها ولا بدّ لها من العمل فيها جرياً على مقتضى علّيّتها وسببيّتها.
ولو فرض شئ من هذه الأنواع غير متأثّر من شئ من العوامل المخالفة كالنبات مثلاً غير متأثّر من حرارة وبرودة ونور وظلمة ورطوبة ويبوسة والسمومات والموادّ الأرضيّة المنافية لتركيبه كان في هذا الفرض إبطال تركيبه الخاصّ أوّلاً، وإبطال العلل والأسباب ثانياً، وفيه إبطال نظام الكون فافهم ذلك.
ولا ضير في بطلان مساعي بعض الأفراد أو التركيبات إذا أدّى ذلك إلى فوز بعض آخر بالكمال والغاية الشريفة المقصودة الّتي هي كمال النوع وغايته فإنّ الخلقة المادّيّة لا تسع أزيد من ذلك، وصرف الكثير من المادّة الخسيسة الّتي لا قيمة لها في تحصيل القليل من الجوهر الشريف العالي استرباح حقيقي بلا تبذير أو جزاف.
فالعلّة الموجبة لوجود النوع الإنسانيّ لا تريد بفعلها إلّا الإنسان الكامل السائر إلى أوج السعادة في دنياه وآخرته إلّا أنّ الإنسان لا يوجد إلّا بتركيب مادّيّ، وهذا التركيب لا يوجد إلّا إذا وقع تحت هذا النظام المادّيّ المنبسط على هذه الأجزاء الموجودة في العالم المرتبطة بعضها ببعض المتفعلّة فيما بينها جميعاً بتأثيراتها وتأثراتها المختلفة، ولازم ذلك سقوط بعض أفراد الإنسان دون الوصول إلى كمال الإنسانيّة فعلّة وجود الإنسان تريد السعادة الإنسانيّة أوّلاً وبالذات، وأمّا سقوط بعض الأفراد فإنّما هو مقصود ثانياً وبالعرض ليس بالقصد الأوّليّ.
فخلقه تعالى الإنسان حكمته بلوغ الإنسان إلى غايته الكماليّة، وأما علمه بأنّ كثيرين من أفراده يكونون كفّاراً مصيرهم إلى النار لا يوجب أن يختلّ مراده من خلقه النوع الإنسانيّ، ولا أنّه يوجب أن يكون خلقه الإنسان الّذي سيكون كافراً علّة تامّة لكفره أو لصيرورته إلى النار، كيف؟ وعلّة كفره التامّة بعد وجوده علل وعوامل خارجيّة كثيرة جدّاً، وآخرها اختياره الّذي لا يدع الفعل ينتسب إلّا إليه فالعلّة الّتي أوجدت وجوده لم توجد إلّا جزءً من أجزائه علّة كفره، وأمّا تعلّق القضاء الإلهيّ بكفره فإنّما تعلّق به عن طريق الاختيار لا بأن يبطل اختياره وإرادته ويضطرّ إلى قبول الكفر كسقوط الحجر المرميّ إلى فوق نحو الأرض بعامل الثقل اضطراراً.
وأمّا الشبهة الثانية : فقوله ( ما الفائدة في التكليف مع أنّه لا يعود إليه منه نفع ولا ضرر؟ ) مغالطة من باب إسراء حكم الفاعل الناقص الفقير إلى الفاعل التّام الغنيّ في ذاته فحكم العقل بوجوب رجوع فائدة من الفعل إلى الفاعل إنّما هو في الفاعل الناقص المستكمل بفعله المنتفع به دون الفاعل المفروض غنيّاً في ذاته.
فلا حكم من العقل أنّ كلّ فاعل حتّى ما هو غنيّ في ذاته لا جهة نقص فيه يجب
أن يكون له في فعله فائدة عائدة إليه، ولا أنّ الموجود الّذي هو غنيّ في ذاته لا جهة نقص فيه حتّى يستكمل بشئ فهو يمتنع صدور فعل عنه.
والتكليف وإن كان في نفسه أمراً وضعيّاً اعتباريّاً لا يجري في متنه الأحكام الحقيقيّة إلّا أنّه في المكلّفين واسطة ترتبط بها الكمالات اللاحقة الحقيقيّة بسابقتها فهي وصلة بين حقيقتين:
توضيح ذلك ملخّصاً: أنّا لسنا نشكّ عن المشاهدة المتكرّرة والبرهان أنّ ما بين أيدينا من الأنواع الموجودة الّتي نسميّها بما فيها من النظام الجاري عالماً مادّيّاً واقعة تحت الحركة الّتي ترسم لكلّ منها بقاء بحسب حاله، ووجوداً ممتدّاً يبتدي من حالة النقص وينتهي إلى حالة الكمال، وبين أجزاء هذا الامتداد الوجوديّ المسمّى بالبقاء ارتباطاً وجوديّاً حقيقيّاً يؤدّي به كلّ سابق إلى لاحقه، ويتوجّه به النوع من منزل من هاتيك المنازل إلى مايليه بل هو قصد من أوّل حين يشرع في الحركة آخر مرحلة من شأن حركته أن ينتهي إليه.
فالحبّة من القمح من أوّل ما تنشقّ للنموّ قاصدة نحو شجرة الحنطة الكاملة نشوءً و عليها سنابلها، والنطفة من الحيوان متوجّهة إلى فرد كامل من نوعه واجد لجميع كمالاته النوعيّة وهكذا، وليس النوع الإنساني بمستثنى من هذه الكليّة البتة فهو أيضاً من أوّل ما يأخذ فرد منه في التكوّن عازم نحو غايته متوجّه إلى مرتبة إنسان كامل واجد لحقيقة سعادته سواء بلغ في مسير حياته إلى ذلك المبلغ أم حالت دونه الموانع.
والإنسان لمّا اضطرّ بحسب سنخ وجوده إلى أن يعيش عيشة اجتماعيّة، والعيشة الاجتماعيّة إنّما تتحقّق تحت قوانين وسنن جارية بين أفراد المجتمع وهي عقائد وأحكام وضعيّة اعتباريّة - التكاليف الدينيّة أو غير الدينيّة - تتكّون بالعمل بها في الإنسان عقائد وأخلاق وملكات هي الملاك في سعادة الإنسان في دنياه وكذا في آخرته وهي لوازم الأعمال المسمّاة بالثواب والعقاب.
فالتكليف يستبطن سيراً تدريجيّاً للإنسان بحسب حالاته وملكاته النفسانيّة نحو كماله وسعادته يستكمل بطيّ هذا الطريق والعمل بما فيه طوراً بعد طور حتّى ينتهي
إلى ما هو خير له وأبقى، ويخيب مسعاه إن لم يعمل به كالفرد من سائر الأنواع الّذي يسير نحو كماله فينتهي إليه إن ساعدته موافقة الأسباب، ويفسد في مسيره نحو الكمال إن خذلته ومنعته.
فقول القائل ( وما الفائدة في التكليف؟ ) كقوله ما الفائدة في تغذيّ النبات؟ أو ما الفائدة في تناسل الحيوان من غير نفع عائد؟.
وأمّا قوله: ( وكلّ ما يعود إلى المكلّفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف ) مغالطة أخرى لما عرفت أنّ التكليف في الإنسان أو أيّ موجود سواه يجري في حقّه التكليف واقع في طريق السعادة متوسّط بين كماله ونقصه في وجوده الّذي إنّما يتمّ ويكمل له بالتدريج، فإن كان المراد بتحصيل ما يعود من التكليف إلى المكلّفين من غير واسطة التكليف تعيين طريق آخر لهم بدلاً من طريق التكليف ووضع ذاك الطريق موضع هذا الطريق وحال الطرقين في طريقيّتهما واحد عاد السؤال في الثاني كالأوّل: لم عين هذا الطريق وهو قادر على تحصيل ما يعود منه إليهم بغيره؟ والجواب أنّ العلل والأسباب الّتي تجمّعت على الإنسان مثلاً على ما نجدها تقتضي أن يكون مستكملاً بالعمل بتكاليف مصلحة لباطنه مطهّرة لسرّه من طريق العادة.
وإن كان المراد بتحصيله من غير واسطة التكليف تحصيله لهم من غير واسطة أصلاً وإفاضة جميع مراحل الكمال ومراتب السعادة لهم في أوّل وجودهم من غير تدريج بسلوك طريق فلازمه بطلان الحركات الوجوديّة وانتقاء المادّة والقوّة وجميع شؤن الامكان والموجود المخلوق الّذي هذا شأنه مجرّد في بدء وجوده تام كامل سعيد في أصل نشأته، وليس هو الإنسان المخلوق من الأرض الناقص أوّلاً المستكمل تدريجاً ففي الفرض خلف.
وأمّا الشبهة الثالثة فقوله ( هب إنّه كلّفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلّفني بالسجود لآدم؟) فجوابه ظاهر فإنّ هذا التكليف يتمّ بالإيتمار به صفة العبوديّة لله سبحانه، ويظهر بالتمرّد عنه صفة الاستكبار ففيه على أيّ حال تكميل من الله واستكمال من إبليس إمّا في جانب السعادة وإمّا في جانب الشقاوة، وقد اختار الثاني.
على أنّ تكليفه وتكليف الملائكة بالسجدة تعيينا للخطّ الّذي خطّ لآدم فإنّ
الصراط المستقيم الّذي قدّر لآدم وذرّيّته أن يسلكوه لا يتمّ أمره إلّا بمسدّد معين يدعو الإنسان إلى هداه وهو الملائكة، وعدوّ مضلّ يدعوه إلى الإنحراف عنه والغواية فيه وهو إبليس وجنوده كما عرفت فيما تقدّم من الكلام.
وأمّا الشبهة الاربعة: فقوله ( لما ذا لعنني وأوجب عقابي بعد المعصية ولا فائدة له فيه؟ الخ).
جوابه أنّ اللعن والعقاب أعني ما يشتملان عليه من الحقيقة من لوازم الاستكبار على الله الّذي هو الأصل المولّد لكلّ معصية، وليس الفعل الإلهيّ ممّا يجرّ إليه نفعاً أو فائدة حتّى يمتنع فيما لا نفع فيه يعود إليه كما تقدّمت الإشارة إليه.
وليس قوله هذا إلّا كقول من يقول فيمن استقى سمّاً وشربه فهلك به: لم لم يجعله الله شفاءً وليس له في إماتته به نفع وله فيه أعظم الضرر؟ هلّا جعله رزقاً طيّباً للمسموم يرفع عطشه وينمو به بدنه؟ فهذا كلّه من الجهل بمواقع العلل والأسباب الّتي أثبتها الله في عالم الصنع والإيجاد فكلّ حادث من حوادث الكون يرتبط إلى علل وعوامل خاصّة من غير تخلّف واختلاف قانوناً كلّيّا.
فالمعصية إنّما تستتبع العقاب على النفس المتقذّرة بها إلّا أن تتطهّر بشفاعة أو توبة أو حسنة تستدعي المغفرة، وإبطال العقاب من غير وجود شئ من أسبابه هدم لقانون العلّيّة العامّ، وفي انهدامه انهدام كلّ شئ.
وأمّا الشبهة الخامسة: أعني قوله ( إنّه لمّا فعل ذلك لم سلّطني على أولاده ومكّنني من إغوائهم وإضلالهم؟ ) فقد ظهر جوابه ممّا تقدّم فإنّ الهدى والحقّ العمليّ والطاعة وأمثالها إنّما تتحقّق مع تحقّق الضلال والباطل والمعصية وأمثالها، والدعوة إلى الحقّ إنّما تتمّ إذا كان هناك دعوة إلى باطل، والصراط المستقيم إنّما يكون صراطاً لو كان هناك سبل غير مستقيمة تسلك بسالكها إلى غاية غير غايته.
فمن الضروريّ أن يكون هناك داع إلى الباطل يهدي إلى عذاب السعير ما دامت النشأة الإنسانيّة قائمة على ساقها والإنسانيّة محفوظة ببقائها النوعيّ بتعاقب أفرادها فوجود إبليس من خدم النوع الإنسانيّ ولم يمكّنه الله منهم ولا سلّطه عليهم إلّا بمقدار
الدعوة كما صرّح(١) به القرآن الكريم وحكاه(٢) عنه نفسه فيما يخاطب به الناس يوم القيامة.
وأمّا الشبهة السادسة: فأمّا قوله ( لمّا استمهلته المدّة الطويلة في ذلك فلم أمهلني؟ ) فقد ظهر جوابه ممّا تقدّم آنفا.
وأمّا قوله: ( ومعلوم أنّ العالم لو كان خالياً من الشرّ لكان ذلك خيراً ) فقد عرفت أنّ معنى كون العالم خالياً من الشرّ مأموناً من الفساد كونه مجرّداً غير مادّيّ، ولا معنى محصّل لعالم مادّيّ يوجد فيه الفعل من غير قوّة والخير من غير شرّ والنفع من غير ضرّ والثبات من غير تغيّر والطاعة من غير معصية والثواب من غير عقاب.
وأمّا ما ذكره من جوابه تعالى عن شبهات إبليس بقوله: ( يا إبليس أنت ما عرفتني ولو عرفتني لعلمت أنّه لا اعتراض عليّ في شئ من أفعالي فإنّي أنا الله الّذي لا إله إلّا أنا لا اُسأل عمّا أفعل ) فجواب يوافق ما في التنزيل الكريم، قال تعالى:( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) الأنبياء: ٢٣.
وظاهر المنقول من قوله تعالى أنّه جواب إجماليّ عن شبهاته لعنه الله لا جواب تفصيليّ عن كلّ واحد واحد، ومحصّله: أنّ هذه الشبهات جميعاً سؤال واعتراض عليه تعالى: ولا يتوجّه إليه اعتراض لأنّه الله لا إله إلّا هو لا يسأل عمّا يفعل.
وظاهر قوله تعالى أنّ قوله( لَا يُسْأَلُ ) متفرّع على قوله:( فَإِنِّي ) الخ، فمفاد الكلام أنّ الله تعالى لمّا كان بإنّيّته الثابتة بذاته الغنيّة لذاته هو الإله المبدئ المعيد الّذي يبتدئ منه كلّ شئ وينتهي إليه كلّ شئ فلا يتعلّق في فعل يفعله بسبب فاعليّ آخر دونه، ولا يحكم عليه سبب غائيّ آخر يبعثه نحو الفعل بل هو الفاعل فوق كلّ فاعل، والغاية وراء كلّ غاية فكلّ فاعل يفعل بقوّة فيه وإنّ القوّة لله جميعاً، وكلّ غاية إنّما تقصد وتطلب لكمال ما فيه وخير ما عنده وبيده الخير كلّه.
____________________
(١) قوله تعالى:( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) الحجر: ٤٢ وقوله:( يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ ) لقمان: ٣١.
(٢) قوله( وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ ) ابراهيم: ٢٢.
ويتفرّع عليه أنّه تعالى لا يسأل في فعله عن السبب فإنّ سبب الفعل إمّا فاعل وإمّا غاية وهو فاعل كلّ فاعل وغاية كلّ غاية، وأمّا غيره تعالى فلمّا كان ما عنده من قوّة الفعل موهوباً له من عند الله، وما يكتسبه من جهة الخير والمصلحة بإفاضة منه تعالى بتسبيب الأسباب وتنظيم العوامل والشرائط فإنّه مسؤول عن فعله لم فعله؟ وأكثر ما يسأل عنه إنّما هو الغاية وجهة الخير والمصلحة، وخاصّة في الأفعال الّتي يجري فيه الحسن والقبح والمدح والذمّ من الأفعال الاجتماعيّة في ظرف الاجتماع فإنّها المتّكئة على مصالحه، فهذا بيان تامّ يتوافق فيه البرهان والوحي.
وأمّا المتكلّمون فإنّهم بما لهم من الاختلاف العميق في مسألة: أنّ أفعال الله هل تعلّل بالاغراض؟ وما يرتبط بها من المسائل اختلفوا في تفسير أنّ الله لا يسأل عن فعله فالأشاعرة لتجويزهم الاردة الجزافيّة واستناد الشرور والقبائح إليه تعالى ذكروا أنّ له أن يفعل ما يشاء من غير لزوم أن يشتمل فعله على غرض فتنطبق عليه مصلحة محسّنة وليس للعقل أن يحكم عليه كما يحكم على غيره بوجوب اشتمال فعله على غرض وهو ترتّب مصلحة محسّنة على الفعل.
والمعتزلة يحيلون الفعل غير المشتمل على غرض وغاية لاستلزامه اللغو والجزاف المنفيّ عنه تعالى فيفسّرون عدم كونه تعالى مسؤلاً في فعله بأنّه حكيم والحكيم هو الّذي يعطي كلّ ذي حقّ حقّه فلا يفعل قبيحاً ولا لغواً ولا جزافاً، والّذي يسأل عن فعله هو من يمكن في حقّه إتيان القبيح واللغو والجزاف فهو تعالى غير مسؤول عمّا يفعل وهم يسألون.
والبحث طويل الذيل وقد تعارك فيه ألوف الباحثين من الطائفتين ومن وافقهم من غيرهم قروناً متمادية، ولا يسعنا تفصيل القول فيه على ما بنا من ضيق المجال غير أنّا نشير إلى حقيقة اُخرى يسفر به الحجاب عن وجه الحقّ في المقام.
لا ريب أنّ لنا علوماً وتصديقات نركن إليها، ولا ريب أنّها على قسمين:القسم الأوّل: العلوم والتصديقات الّتي لا مساس لها طبعاً بأعمالنا وإنّما هي علوم تصديقيّة تكشف عن الواقع وتطابق الخارج سواء كنّا موجودين عاملين أعمالنا الحيويّة الفرديّة
أو الاجتماعيّة أم لا كقولنا: الاربعة زوج، والواحد نصف الإثنين، والعالم موجود، وإنّ هناك أرضاً وشمساً وقمراً إلى غير ذلك، وهي إمّا بديهيّة لا يدخلها شكّ، وإمّا نظريّة تنتهي إلى البديهيّات وتتبيّن بها.
والقسم الثاني: العلوم العمليّة والتصديقات الوضعيّة الاعتباريّة الّتي نضعها للعمل في ظرف حياتنا، والاستناد إليها في مستوى الاجتماع الإنسانيّ فنستند إليها في إرادتنا ونعلل بها أفعالنا الاختياريّة، وليست ممّا يطابق الخارج بالذات كالقسم الأوّل وإن كنّا نوقعها على الخارج إيقاعاً بحسب الوضع والاعتبار لكنّ ذلك إنّما هو بحسب الوضع لا بحسب الحقيقة والواقعيّة كالأحكام الدائرة في مجتمعاتنا من القوانين والسّنن والشؤن الاعتباريّة كالولاية والرئاسة والسلطنة والملك وغيرها فإنّ الرئاسة الّتي نعتبرها لزيد مثلاً في قولنا ( زيد رئيس) وصف اعتباريّ، وليس في الخارج بحذائه شئ غير زيد الإنسان وليس كوصف الطول أو السواد الّذي نعتبرهما لزيد في قولنا ( زيد طويل القامة، أسود البشرة ) وإنّما اعتبرنا معنى الرئاسة حيث كوّنّا مجتمعاً من عدّة أفراد لغرض من الاغراض الحيويّة وسلّمنا إدارة أمر هذا المجتمع إلى زيد ليضع كلّاً موضعه الّذي يليق به ثمّ يستعمله فيما يريد فوجدنا نسبة زيد إلى المجتمع نسبة الرأس إلى الجسد فوصفناه بأنّه رأس لينحفظ بذلك المقام الّذي نصبناه فيه وينتفع بآثاره وفوائده.
فالاعتقاد بأنّ زيداً رأس ورئيس إنّما هو في الوهم لا يتعدّاه إلى الخارج غير أنّا نعتبره معنى خارجيّاً لمصلحة الاجتماع، وعلى هذا القياس كلّ معنى دائر في المجتمع الإنسانيّ معتبر في الحياة البشريّة متعلّق بالأعمال الإنسانيّة فإنّها جميعاً ممّا وضعه الإنسان وقلبها في قالب الاعتبار مراعاة لمصلحة الحياة لا يتعدّى وهمه.
فهذان قسمان من العلوم، والفرق بين القسمين: أنّ القسم الأوّل مأخوذ من نفس الخارج يطابقه حقيقة، وهو معنى كونه صدقاً ويطابقه الخارج وهو معنى كونه حقّا فالّذي في الذهن هو بعينه الّذي في الخارج وبالعكس: وأمّا القسم الثاني فإنّ موطنه هو الذهن من غير أن ينطبق على خارجه إلّا أنّا لمصلحة من المصالح الحيويّة نعتبره ونتوهّمه خارجيّاً منطبقاً عليه دعوى وأنّ لم ينطبق حقيقتة.
فكون زيد رئيساً لغرض الاجتماع ككونه أسداً بالتشبيه والاستعاره لغرض التخيّل الشعريّ، وتوصيفنا في مجتمعنا زيداً بأنّه رأس في الخارج كتوصيف الشاعر زيداً بأنّه أسد خارجيّ، وعلى هذا القياس جميع المعاني الاعتباريّه من تصوّر أو تصديق.
وهذه المعاني الاعتباريّة وإن كانت من عمل الذهن من غير أن تكون مأخوذة من الخارج فتعتمد عليه بالانطبق إلّا أنها معتمدة على الخارج من جهة اُخرى وذلك أنّ نقص الإنسان مثلاً وحاجته إلى كماله الوجوديّ ونيله غاية النوع الإنسانيّ هو الّذي اضطره إلى اعتباره هذه المعاني تصوّراً وتصديقاً فإبقاء الوجود والمقاصد الحقيقيّة الماديّة أو الروحيّة الّتي يقصدها الإنسان ويبتغيها في حياته هي الّتي توجب له أن يعتبر هذه المعاني ثمّ يبني عليها أعماله فيحرز بها لنفسه ما يريده من السعادة.
ولذلك تختلف هذه الأحكام بحسب اختلاف المقاصد الاجتماعيّة فهناك أعمال واُمور كثيرة تستحسنها المجتمعات القطبيّة مثلاً وهي بعينها مستقبحة في المجتمعات الاستوائيّة، وكذلك الاختلافات الموجودة بين الشرقيّين والغربيّين وبين الحاضرين والبادين، وربّما يحسن عند العامّة من أهل مجتمع واحد ما يقبح عند الخاصّة، وكذلك اختلاف النظر بين الغنيّ والفقير، وبين المولى والعبد، وبين الرئيس والمرؤوس، وبين الكبير والصغير، وبين الرجل والمرأة.
نعم هناك أمور اعتباريّة وأحكام وضعيّة لا تختلف فيها المجتمعات وهي المعاني الّتي تعتمد على مقاصد حقيقيّة عامّة لا تختلف فيها المجتمعات كوجوب الاجتماع نفسه، وحسن العدل، وقبح الظلم، فقد تحصّل أن للقسم الثاني من علومنا أيضاً اعتماداً على الخارج وإن كان غير منطبق عليه مستقيماً انطباق القسم الأوّل.
إذا عرفت ذلك علمت أنّ علومنا وأحكامنا كائنة ما كانت معتمدة على فعله تعالى فإنّ الخارج الّذي نماسّه فننتزع ونأخذ منه أو نبني عليه علومنا هو عالم الصنع والإيجاد وهو فعله، وعلى هذا فيعود معنى قولنا مثلاً: ( الواحد نصف الإثنين بالضرورة ) إلى أنّ الله سبحانه يفعل دائماً الواحد والإثنين على هذه النسبة الضروريّة، وعلى هذا القياس، ومعنى قولنا: ( زيد رئيس يجب احترامه ) أنّ الله سبحانه أوجد الإنسان إيجاداً بعثه
إلى هذه الدعوى والمزعمة ثمّ إلى العمل على طبقه، وعلى هذا القياس كلّ ذلك على ما يليق بساحة قدسه عزّ شأنه.
وإذا علمت هذا دريت أنّ جميع ما بأيدينا من الأحكام العقليّة سواء في ذلك العقل النظريّ الحاكم بالضرورة والامكان، والعقل العمليّ الحاكم بالحسن والقبح المعتمد على المصالح والمفاسد مأخوذة من مقام فعله تعالى معتمدة عليه.
فمن عظيم الجرم أن نحكّم العقل عليه تعالى فنقيّد إطلاق ذاته غير المتناهية فنحدّه بأحكامه المأخوذة من مقام التحديد والتقييد، أو أن نقنّن له فنحكم عليه بوجوب فعل كذا وحرمة فعل كذا وأنّه يحسن منه كذا ويقبح منه كذا على ما يراه قوم فإنّ في تحكيم العقل النظريّ عليه تعالى حكماً بمحدوديّته والحدّ مساوق للمعلوليّة فإنّ الحدّ غير المحدود والشئ لا يحدّ نفسه بالضرورة، وفي تحكيم العقل العمليّ عليه جعله ناقصاً مستكملاً تحكم عليه القوانين والسّنن الاعتباريّة الّتي هي في الحقيقة دعا و وهميّة كما عرفت في الإنسان فافهم ذلك.
ومن عظيم الجرم أيضاً أن نعزل العقل عن تشخيص أفعاله تعالى في مرحلتي التكوين والتشريع أعني أحكام العقل النظريّة والعمليّة.
أمّا في مرحلة النظر فكأن نستخرج القوانين الكلّيّة النظريّة من مشاهدة أفعاله، ونسلك بها إلى إثبات وجوده حتّى إذا فرغنا من ذلك رجعنا فأبطلنا أحكام العقل الضروريّة معتلّاً بأنّ العقل أهون من أن يحيط بساحته أو ينال كنه ذاته ودرجات صفاته، وأنّه فاعل لا بذاته بل بإرادة فعليّة، والفعل والترك بالنسبة إليه على السويّة وأنّه لا غرض له في فعله ولا غاية، وأنّ الخير والشرّ يستندان إليه جميعاً، ولو أبطلنا الأحكام العقليّة في تشخيص خصوصيّات أفعاله وسننه في خلقه فقد أبطلناها في الكشف عن أصل وجوده، وإشكال من ذلك أنّا نفينا بذلك مطابقة هذه الأحكام والقوانين المأخوذة من الخارج للمأخوذ منه، والمنتزعة للمنتزع منه وهو عين السفسطة الّتي فيها بطلان العلم والخروج عن الفطرة الإنسانيّة إذ لو خالف شئ من أفعاله تعالى أو نعوته هذه الأحكام العقليّة كان في ذلك عدم انطباق الحكم العقليّ على الخارج المنتزع عنه - وهو فعله - ولو جاز
الشكّ في صحّة شئ من هذه الأحكام الّتي نجدها ضروريّة كان الجميع ممّا يجوز فيه ذلك فينتفي العلم، وهو السفسطة.
وأمّا في مرحلة العمل فليتذكّر أنّ هذه الأحكام العمليّة والاُمور الاعتباريّة دعاو اعتقاديّة ومخترعات ذهنيّة وضعها الإنسان ليتوسّل بها إلى مقاصده الكماليّة وسعادة الحياة فما كان من الأعمال مطابقاً لسعادة الحياة وصفها بالحسن ثمّ أمر بها وندب إليها، وما كان منها على خلاف ذلك وصفها بالقبح والمساءة ثمّ نهى عنها وحذّر منها - وحسن الفعل وقبحه موافقة لغرض الحياة وعدمها - والغايات الّتي تضطّر الإنسان إلى جعل هذه الأوامر والنواهي وتقنين هذه الأحكام واعتبار الحسن والقبح في الأفعال هي المصالح المقتضية للجعل ففرض حكم تشريعيّ ولا حسن في العمل به ولا مصلحة تقتضيه كيفما فرض فرض متطارد الاطراف لا محصّل له.
والّذي شرّعه الله سبحانه من الأحكام والشرائع متّحد سنخاً مع ما نشرّعه فيما بيننا أنفسنا من الأحكام فوجوبه وحرمته وأمره ونهيه ووعده ووعيده مثلاً من سنخ ما عندنا من الوجوب والحرمة والأمر والنهي والوعد والوعيد لا شك في ذلك، وهي معان اعتباريّة وعناوين ادّعائيّة غير أنّ ساحته تعالى منزّهة من أن تقوم به الدعوى الّتي هي من خطاء الذهن فهذه الدعاوى منه تعالى قائمة بظرف الاجتماع كالترجّي والتمنّي منه تعالى القائمين بمورد المخاطبة لكنّ الأحكام المشرّعة منه تعالى كالأحكام المشرّعة منّا متعلّقة بالإنسان الاجتماعيّ السالك بها من النقص إلى الكمال، والمتوسل بتطبيق العمل بها إلى سعادة الحياة الإنسانيّة فثبت أنّ لفعله تعالى التشريعي مصلحة وغرضاً تشريعيّاً، ولما أمر به أو نهى عنه حسناً وقبحاً ثابتين بثبوت المصالح والمفاسد.
فقول القائل: إنّ أفعاله التشريعيّة لا تعلّل بالأغراض كما لو قال قائل: إنّ ما مهّده من الطريق لا غاية له، ومن الضروريّ أنّ الطريق إنّما يكون طريقاً بغايته، والوسط إنّما يكون وسطا بطرفه، وقول القائل: إنّما الحسن ما أمر به الله و القبيح ما نهى عنه فلو أمر بما هو قبيح عقلاً ضروريّاً كالظلم كان حسناً، ولو نهى عن حسن بالضرورة العقليّة كالعدل كان قبيحاً كما لو قال قائل: أنّ الله لو سلك بالإنسان نحو الهلاك والفناء
كان فيه حياته السعيدة، ولو منعه عن سعادته الخالدة الحقيقيّة عادت السعادة شقاوة.
فالحقّ الّذي لا محيص عنه في المرحلتين: أنّ العقل النظري مصيب فيما يشخّصه ويقضي به من المعارف الحقيقيّة المتعلّقة به تعالى فإنّا إنّما نثبت له تعالى ما نجده عندنا من صفة الكمال كالعلم و القدرة والحياة، واستناد الموجودات إليه وسائر الصفات الفعليّة العليا كالرحمة والمغفرة والرزق والإنعام والهداية وغير ذلك على ما يهدي إليه البرهان.
غير أن الّذي نجده من الصفات الكماليّة لا يخلو عن محدوديّة وهو تعالى أعظم من أن يحيط به حدّ، والمفاهيم لا تخلو عنه لأنّ كلّ مفهوم مسلوب عن غيره منعزل عمّا سواه وهذا لا يلائم الإطلاق الذاتيّ فتوسّل العقل إلى رفع هذه النقيصة بشئ من النعوت السلبيّة تنزيها وهو أنّه تعالى أكبر من أن يوصف بوصف وأعظم من أن يحيط به تقييد وتحديد فمجموع التشبيه والتنزيه يقربنا إلى حقيقة الأمر، وقد تقدّم في ذيل قوله تعالى:( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ) المائدة: ٧٣، من غرر خطب أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ما يبيّن هذه المسألة بأوفى بيان ويبرهن عليها بأسطع برهان فراجعه إن شئت.هذا كلّه في العقل النظريّ.
وأمّا العقل العمليّ فقد عرفت أنّ أحكام هذا العقل جارية في أفعاله تعالى التشريعيّة غير أنّه تعالى إنّما شرّع ما شرّع واعتبر ما اعتبر لا لحاجة منه إليه بل ليتفضّل به على الإنسان مثلاً وهو ذو الفضل العظيم فيرتفع به حاجة الإنسان فله سبحانه في تشريعه غرض لكنّه قائم بالإنسان الّذي قامت به الحاجة لا به تعالى، ولتشريعاته مصالح مقتضية لكن المنتفع بها هو الإنسان دونه كما تقدّم.
وإذا كان كذلك كان للعقل أن يبحث في أطراف ما شرّعه من الأحكام ويطلب الحصول على الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة فيها لكن لا لأن يحكم عليه فيأمره وينهاه ويوجب ويحرّم عليه كما يفعل ذلك بالإنسان إذ لا حاجة له تعالى إلى كمال مرجوّ حتّى يتوجّه إليه حكم موصل إليه بخلاف الإنسان بل لأنّه تعالى شرّع الشرائع وسنّ السنن ثمّ عاملنا معاملة العزيز المقتدر الّذي نقوم له بالعبوديّة وترجع إليه حياتنا ومماتنا ورزقنا وتدبير اُمورنا ودساتير أعمالنا وحساب أفعالنا والجزاء على حسناتنا وسيّئاتنا فلا يوجّه
إلينا حكماً إلّا بحجّة، ولا يقبل منّا معذرة إلّا بحجّة، ولا يجزينا جزاءً إلّا بحجّة كما قال:( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) النساء: ١٦٥، وقال:( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ) الأنفال: ٤٢ إلى غير ذلك من احتجاجاته يوم القيامة على الإنس والجنّ.
ولازم ذلك أن يجري في أفعاله تعالى في نظر العقل العمليّ ما يجري في أفعال غيره بحسب السنن الّتي سنّها.
وعلى ذلك جرى كلامه سبحانه قال:( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ) يونس: ٤٤، وقال:( إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) آل عمران: ٩، وقال:( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ) الدخان: ٣٨، وفي هذا المعنى الآيات الكثير الّتي نفى فيها عن نفسه الرذائل الاجتماعيّة.
وفي ما تقدّم من معنى جريان حكم العقل النظريّ والعمليّ في ناحيته تعالى آيات كثيرة ففيالقسم الأوّل كقوله تعالى:( الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ ) آل عمران: ٦٠ ولم يقل: الحقّ مع ربّك لأنّ القضايا الحقّة والأحكام الواقعيّة مأخوذة من فعله لا متبوعة له في عمله حتّى يتأيّد بها مثلنا، وقوله:( وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) الرعد: ٤١، فله الحكم المطلق من غير أن يمنعه مانع عقليّ أو غيره فإنّ الموانع والمعقّبات إنّما تتحقّق بفعله وهي متأخرة عنه لا حاكمة أو مؤثّرة فيه، وقوله:( وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) الرعد: ١٦، وقوله:( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ) يوسف: ٢١، وقوله:( إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ) الطلاق: ٣، فهو القاهر الغالب البالغ الّذي لا يقهره شئ ولا يغلب عن شئ ولا يحول بينه وبين أمره حائل يزاحمه، وقوله:( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) الأعراف: ٥٤، إلى غير ذلك من الآيات المطلقة الّتي ليس دونها مقيّد.
نعم يجري في أفعاله الحكم العقليّ لتشخيص الخصوصيّات وكشف المجهولات لا لأن يكون متبوعاً بل لأنّه تابع لازم مأخوذ من سنّته في فعله الّذي هو نفس الواقع الخارج، ويدلّ على ذلك جميع الآيات الّتي تحيل الناس إلى التعقّل والتذكّر والتفكّر والتدبّر ونحوها فلو لا أنّها حجّة فيما إفادته لم يكن لذلك وجه.
وفيالقسم الثاني: نحو قوله:( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )
الأنفال: ٢٤، يدلّ على أنّ في العمل بالأحكام مصلحة الحياة السعيدة، وقوله:( قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) الأعراف: ٢٨، وظاهره أنّ ما هو فحشاء في نفسه لا يأمر به الله لا أنّ الله لو أمر بها لم تكن فحشاء، وقوله:( لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) لقمان: ١٣، وآيات كثيرة اُخرى تعلّل الأحكام المجعولة بمصالح موجودة فيها كالصلاة والصوم والصدقات والجهاد وغير ذلك لا حاجة إلى نقلها.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ الملائكة كانوا يحسبون أنّ إبليس منهم وكان في علم الله أنّه ليس منهم فاستخرج الله ما في نفسه بالحميّة فقال:( خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) .
وفي الدرّ المنثور أخرج أبو نعيم في الحلية والديلميّ عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أوّل من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له: اسجد لآدم، فقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.
قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنّه اتّبعه بالقياس.
وفي الكافي بإسناده عن عيسى بن عبد الله القرشيّ قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللهعليهالسلام فقال له: يا أبا حنيفة بلغني أنّك تقيس.
قال: نعم، أنا أقيس.
قال: لا تقس فإنّ أوّل من قاس إبليس حين قال : خلقتني من نار وخلقته من طين.
وفي العيون عن أمير المؤمنينعليهالسلام : إنّ إبليس أوّل من كفر وأنشأ الكفر.
اقول: ورواه العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام .
وفي الكافي عن أبي عبد اللهعليهالسلام في حديث: أنّ إوّل معصية ظهرت الأنانيّة من إبليس.
اقول: وقد تقدّم بيانه.
وفي تفسير القمّي عن الصادقعليهالسلام : الاستكبار هو أوّل معصية عصى الله بها.
اقول: قد ظهر ممّا تقدّم من البيان أنّ مرجعه إلى الأنانيّة كما في الحديث المتقدّم.
وفي النهج من خطبة لهعليهالسلام في صفة خلق آدم: واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لهم، وعهد وصيّته إليهم في الإذعان بالسجود له والخشوع لتكرمه فقال سبحانه: اسجدوا لآدم فسجدوا إلّا إبليس وجنوده اعترتهم الحميّة، وغلبت عليهم الشقوة.
الخطبة.
اقول: وفيها تعميم الأمر بالسجدة لجنود إبليس كما يعمّ نفسه، وفيه تأييد ما تقدّم أنّ آدم إنّما جعل مثالاً يمثّل به الإنسانيّة من غير خصوصيّة في شخصه، وأنّ مرجع القصّة إلى التكوين.
وفي المجمع عن الباقرعليهالسلام : في معنى قوله:( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ) الآية( مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) اُهوّن عليهم الآخرة( وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) آمرهم بجمع الأموال ومنعها عن الحقوق لتبقى لورثتهم( وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ) اُفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة( وَعَن شَمَائِلِهِمْ ) بتحبيب اللّذّة وتغليب الشهوات على قلوبهم.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام : والّذي بعث محمّداً للعفاريت والأبالسة على المؤمن أكثر من الزنابير على اللحم.
وفي المعاني عن الرضاعليهالسلام : إنّه سمّي إبليس لأنّه اُبلس من رحمه الله.
وفي تفسير القمّي حدّثني أبي رفعة قال: سئل الصادقعليهالسلام عن جنّة آدم من جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة؟ فقال : كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً.
قال: فلمّا أسكنه الله تعالى الجنّة وأباحها له إلّا الشجرة لأنّه خلق خلقة لا تبقى إلّا بالأمر والنهي والغذاء واللّباس والاكتنان والنكاح، ولا يدرك ما ينفعه ممّا يضرّه إلّا بالتوفيق فجاءه إبليس فقال له: إنّكما إن أكلتما من هذه الشجرة الّتي نهاكهما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنّة أبداً، وإن لم تأكلا منها أخرجكما
الله من الجنّة، وحلف لهما أنّه لهما ناصح كما قال الله عزّوجلّ حكاية عنه:( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) فقبل آدم قوله فأكلا من الشجرة فكان كما حكى الله:( فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ) وسقط عنهما ما ألبسهما الله تعالى من لباس الجنّة، وأقبلا يستتران من ورق الجنّة وناداهما ربّهما الم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوّ مبين فقالا كما حكى الله عنهما:( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) فقال الله لهما:( اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) قال إلى يوم القيامة.
وفي الكافي عن عليّ بن إبراهيم روى عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لمّا خرج آدم من الجنّة نزل عليه جبرئيل فقال: يا آدم أليس خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وزوّجك حوّاء أمته، وأسكنك الجنّة وأباحها لك ونهاك مشافهة أن تأكل من هذه الشجرة فأكلت منها وعصيت الله؟ فقال آدم: يا جبرئيل إنّ إبليس حلف لي بالله إنّه لي ناصح فما ظننت أنّ أحداً من خلق الله يحلف بالله كاذباً.
اقول: وقد تقدّمت عدّة من روايات القصّة في سورة البقرة وسيأتي إن شاء الله بعضها في مواضع اُخر مناسبة لها.
وفي تفسير القمّيّ عن الصادقعليهالسلام في حديث: فقال إبليس: يا ربّ فكيف وأنت العدل الّذي لا يجور فثواب عملي بطل؟ قال: لا، ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت ثواباً لعملك اُعطك. فأوّل ما سأل: البقاء إلى يوم الدين فقال الله: وقد أعطيتك.
قال: سلّطني على ولد آدم. قال: سلّطتك. قال: أجرني فيهم مجرى الدم في العروق.
قال: قد أجريتك. قال: لا يولد لهم ولد إلّا ولد لي اثنان و أراهم ولا يروني و أتصوّر لهم في كلّ صورة شئت. فقال: قد أعطيتك.
قال: يا ربّ زدني. قال قد جعلت لك ولذرّيّتك صدورهم أوطاناً. قال: ربّ حسبي.
قال إبليس عند ذلك: فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين إلّا عبادك منهم المخلصين.
اقول: تقدّم ما يتّضح به معنى الحديث، وقوله: ( أتصوّر لهم في كلّ صورة
شئت ) لا يدلّ على اُزيد من أنّ له أن يتصرّف في حاسّة الإنسان بظهوره في أيّ صورة شاء عليها، وأمّا تغيّر ذاته في نفسه كيفما شاء وأراد فلا.
والّذي ذكره بعضهم: أنّ أهل العلم أجمعوا على أنّ إبليس وذرّيّته من الجنّ وأنّ الجنّ أجسام لطيفة هوائيّة تتشكّل بإشكال مختلفة حتّى الكلب والخنزير، وأنّ الملائكة أجسام لطيفة تتشكّل بإشكال مختلفة إلّا الكلب والخنزير - وكأنّهم يريدون بذلك تغيّرهم في ذواتهم - لا دليل عليه من نقل ثابت أو عقل، وأمّا ما ادّعى من الاجماع ومآله إلى الاتّفاق في الفهم فلا حجيّة لمحصّله فضلاً عن منقوله، والمأخذ في ذلك من الكتاب والسنّة ما عرفت.
وكذا حديث ذرّيّته وكثرتهم لا يتحصّل منه إلّا أنّ لها كثرة في العدد تنشعب من إبليس نفسه، وأمّا كيف ذلك؟ وهل هو بطريق التناسل المعهود بيننا أو بنحو البيض والإفراخ أو بنحو آخر لا سبيل لنا إلى فهمه؟ فممّا هو مجهول لنا.
نعم هناك روايات معدودة تذكر أنّه ينكح نفسه ويبض ويفرخ أو أنّ له في فخذيه عضوا التناسل الموجودان في الذكر والاُنثى فينكح بهما نفسه ويولد له كلّ يوم عشرة وأمّا ولده فكلّهم ذكران لا توالد بينهم أو توالدهم بالازدواج نظير الحيوان فكلّ ذلك ممّا لا دليل عليه إلّا بعض الآحاد من الاخبار وهي ضعاف ومراسيل ومقاطيع وموقوفات لا يعوّل عليها وخاصّة في أمثال هذه المسائل ممّا لا اعتماد فيها إلّا على آية محكمة أو حديث متواتر أو محفوف بقرينة قطعيّة، وليست ظاهرة الانطبق على القرآن الكريم حتّى تصحّح بذلك.
وفي الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ما من قلب إلّا وله اُذنان على إحداهما ملك مرشد، وعلى الاُخرى شيطان مفتّن هذا يأمره، وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها، وذلك قول الله عزّوجلّ:( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) .
وفي البحار: الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال: ما من أحد إلّا وقد وكلّ به قرينه من الجنّ. قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: وإيّاى إلّا أنّ الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرنى إلّا بخير.
أقول: وقوله:( فأسلم) أخذه بعضهم بضمّ الميم وبعضهم بالفتح.
وفي تفسير العيّاشيّ عن جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن إبليس أ كان من الملائكة أو كان يلي شيئاً من إمر السماء؟ فقال: لم يكن من الملائكة وكانت الملائكة ترى أنّه منها، وكان الله يعلم أنّه ليس منها، ولم يكن يلي شيئاً من أمر السماء ولا كرامة.
فأتيت الطيّار فأخبرته بما سمعت فأنكرو قال: كيف لا يكون من الملائكة؟ والله يقول للملائكة:( اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) فدخل عليه الطيّار فسأله وأنا عنده فقال له : قول الله عزّوجلّ:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) في غير مكان في مخاطبة المؤمنين أيدخل في هذه المنافقون؟ قال: نعم يدخل في هذه المنافقون والضلّال وكلّ من أقرّ بالدعوة الظاهرة.
اقول: وفي الحديث ردّ ما روي أنّه كان من الملائكة وأنّه كان خازناً في السماء الخامسة أو خازن الجنّة.
وأعلم أنّ الاخبار الواردة من طرق الشيعة وأهل السنّة في أنحاء تصرّفاته أكثر من أن تحصى، وهي على قسمين: أحدهما: ما يذكر تصرّفاً منه من غير تفسير، والثاني: ما يذكره مع تفسير مّا.
فمن : القسم الأوّل: ما في الكافي عن عليعليهالسلام : لا تؤوا منديل اللحم في البيت فإنّه مربض الشيطان، ولا تؤوا التراب خلف الباب فإنّه مأوى الشيطان.
وفيه عن الصادقعليهالسلام : إنّ على ذروة كلّ جسر شيطاناً فإذا أنتهيت إليه فقل: بسم الله يرحل عنك.
وفيه عن عليّعليهالسلام قال رسول صلى الله عليه وآله بيت الشيطان في بيوتكم بيت العنكبوت.
وفيه عن أحدهماعليهماالسلام قال: لا تشرب وأنت قائم، ولا تبل في ماء نقيع، ولا
تطف بقبر، ولا تخل في بيت وحدك، ولا تمش بنعل واحدة، فإنّ الشيطان أسرع ما يكون إلى العبد إذا كان على بعض هذه الأحوال.
وفيه عن الصادقعليهالسلام : إذا ذكر اسم الله تنحّى الشيطان، وإن فعل ولم يسمّ أدخل ذكره وكان العمل منهما جميعاً والنطفة واحدة.
وفي تفسير القمّيّ عنهعليهالسلام : ما كان من مال حرام فهو شرك الشيطان.
وفي الحديث: من نام سكران بات عروساً للشيطان.
اقول: ومن هذا الباب قوله تعالى:( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ) المائدة: ٩٠.
ومن القسم الثاني ما في الكافي عن الباقرعليهالسلام : إنّ هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع.
وفي المحاسن عن الرضا عن آبائه عن علىّعليهالسلام في حديث: فأمّا كحله فالنوم وأمّا سفوفه فالغضب، وأمّا لعوقه فالكذب.
وفي الحديث: أنّ موسىعليهالسلام رآه وعليه برنس فسأله عن برنسه فقال: به أصطاد قلوب بني آدم.
وفي مجالس ابن الشيخ عن الرضا عن آبائهعليهمالسلام : أنّ إبليس كان يأتي الأنبياء من لدن آدم إلى أن بعث الله المسيح يتحدّث عندهم ويسألهم، ولم يكن بأحد منهم أشدّ اُنساً منه بيحيى بن زكريّا فقال له يحيى: يا أبا مرّة إنّ لي إليك حاجة فقال: أنت أعظم قدراً من أن أردّك بمسألة فاسألني ما شئت فإنّي غير مخالفك في أمر تريده، فقال يحيى: يا أبا مرّة اُحبّ أن تعرّض عليّ مصائدك و فخوخك الّتي تصطاد بها بني آدم، فقال له إبليس: حبّاً وكرامة وواعده لغد.
فلمّا أصبح يحيى قعد في بيته ينتظر الوعد، وأغلق عليه الباب إغلاقاً، فما شعر حتّى ساواه من خوخة كانت في بيته فإذا وجهه صورة وجه القرد، وجسده على صورة الخنزير،
وإذا عيناه مشقوقتان طولا، وإذا أسنانه وفمه مشقوقات طولاً عظماً واحداً بلا ذقن ولا لحية، وله أربعة أيد يدان في صدره ويدان في منكبه، وإذا عراقيبه قوادمه وأصابعه خلفه وعليه قباء وقد شدّ وسطه بمنطقة فيها خيوط معلّقة بين أحمر وأصفر وأخضر وجميع الألوان، وإذا بيده جرس عظيم وعلى رأسه بيضة، وإذا في البيضة حديدة معلّقة شبيهة بالكلّاب.
فلمّا تأمّله يحيى قال: ما هذه المنطقة الّتي في وسطك؟ فقال: هذه المجوسيّة أنا الّذي سننتها وزيّنتها لهم.
فقال له: ما هذه الخطوط الألوان؟ فقال: هذه جميع أصناع النساء لا تزال المرأة تصنع الصنيع حتّى يقع مع لونها فأفتّن الناس بها فقال له: فما هذا الجرس الّذي بيدك؟ قال: هذا مجمع كلّ لذّة من طنبور وبربط ومعزفة وطبل وناي وصرناي، وإنّ القوم ليجلسون على شرابهم فلا يستلذّونه فأحرّك الجرس فيما بينهم فإذا سمعوه استخفّ بهم الطرب فمن بين من يرقص، ومن بين من يفرقع أصابعه، ومن بين من يشقّ ثيابه.
فقال له: وأيّ الأشياء أقرّ لعينك؟ قال: النساء، هنّ فخوخي ومصائدي فإذا اجتمعت إلىّ دعوات الصالحين ولعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهنّ فقال: له يحيى: فما هذه البيضة على رأسك؟ قال بها أتوقّى دعوة المؤمنين.
قال: فما هذه الحديدة الّتي أرى فيها؟ قال بهذه اُقلّب قلوب الصالحين.
قال يحيى: فهل ظفرت بي ساعة قطّ؟ قال: لا، ولكن فيك خصلة تعجبني.
قال يحيى فما هي؟ قال: أنت رجل أكول فإذا أفطرت أكلت وبشمت فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك بالليل.
قال يحيى فإنّي اُعطى الله عهداً أن لا اُشبع من الطعام حتّى ألقاه.
قال له إبليس : وأنا أعطى الله عهداً أن لا أنصح مسلماً حتّى القاه، ثمّ خرج فما عاد إليه بعد ذلك.
أقول: والحديث مرويّ من طرق أهل السنّة بوجه أبسط من ذلك: وقد روي له مجالس ومحاورات ومشافهات مع آدم ونوح وموسى وعيسى ومحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليهم، وهناك - كما مرّت الإشارة إليه - روايات لا تحصى كثرة في أنحاء تسويلاته وأنواع تزييناته عند أنواع المعاصي والذنوب رواها الفريقان، والجميع تشهد أوضح شهادة على أنّها تشكّلات
مثاليّه على حسب ما يلائم نوع المعصية من الشكل والكيفيّة ويناسبها نظير ما تتمثّل الحوادث في الرؤيا على حسب المناسبات المألوفة والاعتقادات المعتادة.
ومن التأمّل في هذا القسم الثاني يظهر أنّ الكيفيّات والخصوصيّات الواردة في القسم الأوّل المذكور من الاخبار إنّما هي أنواع نسب بين هذا الموجود أعني إبليس وبين الأشياء تدعو إلى وساوس وخطرات تناسبها.
فالجميع من التجسّمات المثاليّة الّتي تناسبها الأعمال أو الأشياء غير التجسّم المادّيّ الّذي ربّما مال إليه الحشويّة و بعض أهل الحديث حتّى تكون المجوسيّة مثلاً اعتقاداً عند الإنسان وهي بعينها منطقة من أديم عند إبليس يشدّ بها وسطه، أو أنّ يصير إبليس تارة آدميّاً له حقيقة الإنسان وقواه وأعماله وتارة شيئا من الحيوان الأعجم له حقيقة نوعيّة وتارة جماداً ليس بذي حياة وشعور، أو أنّ هذه النوعيّات جميعاً هي أشكال وصور عارضة على مادّة إبليس فالروايات أجنبيّة عن الدلالة على أمثال هذه المحتملات.
وإنّما هي روايات جمّة لا ريب في صدور مجموعها من حيث المجموع و تأييد القرآن لها كذلك وهي تدلّ على أنّ لإبليس أنّ يظهر لحواسّنا بمختلف الصور هذا من حيث المجموع وأمّا كلّ واحد واحد فما صح منها سنداً - وليس الجميع على هذه الصفة - فهو من الآحاد الّتي لا يعوّل عليها في أمثال هذه المسائل الأصليّة نعم ربّما أمكن استفادة حكم فرعيّ منها من استحباب أو كراهة على ما هو شأن الفقيه.
( سورة الأعراف آية ٢٦ - ٣٦)
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( ٢٦ ) يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ( ٢٧ ) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ٢٨ ) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( ٢٩ ) فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ( ٣٠ ) يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( ٣١ ) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( ٣٢ ) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ٣٣ ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ( ٣٤ ) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ٣٥ ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٣٦ )
( بيان)
التدبّر في هذه الخطابات وما تقدّم عليها من قصّة السجدة والجنّة ثمّ عرض ذلك جميعاً على ما ورد من القصّة والمخاطبة في غير هذه السورة وخاصّة سورة طه المكّيّة الّتي هي كإجمال هذه السورة المفصّلة وسورة البقرة المدنيّة يهدينا إلى أنّ هذه الخطابات العامّة المصدرة بقوله: يا بني آدم، يا بني آدم هي تعميم الخطابات الخاصّة الّتي وجّهت إلى آدم كما أنّ القصّة عمّمت نحواً من التعميم في هذه السورة، وقد أشرنا إليه فيما تقدّم.
وهذه الخطابات الأربعة المصدّرة بقوله: يا بني آدم ثلاثة منها راجعة إلى التحذير من فتنة الشيطان وإلى الأكل والشرب واللباس تعميم ما في قوله تعالى في سورة طه:( يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ) الآيات طه: ١١٩، والرابعة تعميم قوله فيها:( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ) الخ، طه: ١٢٣.
ويعلم من انتزاع هذه الخطابات من قصته وتعميمها بعد التخصيص ثمّ تفريع أحكام اُخرى عليها ذيّلت بها الخطابات المذكورة أنّ هذه الأحكام المشرّعة المذكورة هيهنا على الإجمال أحكام مشرّعة في جميع الشرائع الإلهيّة من غير استثناء كما يعلم أنّ ما قدّر للإنسان من سعادة وشقاوة وسائر المقدّرات الإنسانيّة كالأحكام العامّة جميعها تنتهي إلى تلك القصّة فهي الأصل تفرّعت عليه هذه الفروع، والفهرس الّذي يشير إلى التفاصيل.
قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ) اللباس كلّ ما يصلح للّبس وستر البدن وغيره، وأصله مصدر يقال: لبس يلبس لبساً - بالكسر والفتح - ولباساً، والريش ما فيه الجمال مأخوذ من ريش الطائر لما فيه من أنواع الجمال والزينة، وربّما يطلق على أثاث البيت ومتاعه.
وكأن المراد من إنزال اللباس والريش عليهم خلقه لهم كما في قوله تعالى:( وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ ) الحديد: ٢٥، وقوله:( وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ) الزمر: ٦، وقد قال تعالى:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) الحجر: ٢١، فقد أنزل الله اللباس والريش بالخلق من غيب مّا عنده إلى عالم الشهادة وهو الخلق.
واللباس هو الّذي يعمله الإنسان صالحاً لأن يستعمله بالفعل دون الموادّ الأصليّة من قطن أو صوف أو حرير أو غير ذلك ممّا يأخذه الإنسان فيضيف إليه أعمالاً صناعيّة من تصفية وغزل ونسج وقطع وخياطة فيصير لباساً صالحاً للّبس فعدّ اللباس والريش من خلق الله وهما من عمل الإنسان نظير ما في قوله تعالى:( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) الصافات: ٩٦، من النسبة.
ولا فرق من جهة النظر في التكوين بين نسبه ما عمله الإنسان إلى الله سبحانه وما عمله منته إلى أسباب جمّة أحدها الإنسان، ونسبة سائر ما عملته الطبائع ولها أسباب كثيرة أحدها الفاعل كنبات الأرض وصفرة الذهب وحلاوة العسل فإنّ جميع الأسباب بجميع ما فيها من القدرة منتهية إليه سبحانه وهو محيط بها.
وليست الخلقة منتسبة إلى الأشياء على وتيره واحدة وإن كانت جميع مواردها متّفقة في معنى الانتهاء إليه إلّا ما فيه معنى النقص والقبح والشناعة من المعاصي ونحوها فحقيقتها فقدان الخلقة الحسنة أو مخالفة الأمر الإلهيّ، وليست بمخلوقة له وإنّما هي أوصاف نقص في أعمال الإنسان مثلاً في باطنه أو ظاهره، وقد تكرّرت الإشارة إلى هذه الحقيقة فيما مرّ من أجزاء هذا الكتاب.
وتوصيف اللباس بقوله:( يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ) للدلالة على أنّ المراد باللباس ما ترفع به حاجة الإنسان الّتي اضطرّته إلى اتّخذ اللباس وهي مواراة سوأته الّتي يسوؤه انكشافها وأمّا الريش فإنّما يتّخذه لجمال زائد على أصل الحاجة.
وفي الآية امتنان بهداية الإنسان إلى اللباس والريش وفيها - كما قيل - دلالة على إباحة لباس الزينة.
قوله تعالى: ( وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ) إلى آخر الآية.
انتقل سبحانه من ذكر لباس الظاهر الّذي يواري سوآت الإنسان فيتّقي به أن يظهر منه ما يسوؤه ظهوره، إلى لباس الباطن الّذي يواري السوآت الباطنيّة الّتي يسوء الإنسان ظهورها وهي رذائل المعاصي من الشرك وغيره، وهذا اللباس هو التقوى الّذي أمر الله به.
وذلك أنّ الّذي يصيب الإنسان من ألم المساءة وذلّة الهوان من ظهور سوأته روحيّ من سنخ واحد في السوآتين إلّا أنّ ألم ظهور السوآت الباطنيّة أشدّ وأمرّ وأبقى فالمحاسب هو الله، والتبعة شقوة لازمة، ونار تطّلع على الأفئدة، ولذلك كان لباس التقوى خيراً من لباس الظاهر.
وللإشارة إلى هذا المعنى وتتميم الفائدة عقّب الكلام بقوله:( ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) فاللباس الّذي اهتدى إليه الإنسان ليرفع به حاجته إلى مواراة سوآته الّتي يسوؤه ظهورها آية إلهيّة إن تأمّله الإنسان وتبصّر به تذكّر أنّ له سوآت باطنيّة تسوؤه إن ظهرت وهي رذائل النفس، وسترها عليه أوجب وألزم من ستر السوآت الظاهريّة بلباس الظاهر واللّباس الّذي يسترها ويرفع حاجة الإنسان الضروريّة هو لباس التقوى الّذي أمر الله به وبيّنه بلسان أنبيائه.
وفي تفسير لباس التقوى أقوال اُخر مأثورة عن المفسّرين، فقيل: هو الإيمان والعمل الصالح، وقيل: هو حسن السمت الظاهر، وقيل: هو الحياء، وقيل: هو لباس النسك والتواضع كلبس الصوف والخشن، وقيل: هو الإسلام، وقيل: هو لباس الحرب، وقيل: هو ما يستر العورة، وقيل: هو خشية الله، وقيل: هو ما يلبسه المتّقون يوم القيامة هو خير من لباس الدنيا، وأنت ترى أنّ شيئاً من هذه الأقوال لا ينطبق على السياق ذلك الانطبق.
قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ ) إلى آخر الآية.
الكلام وإن كان مفصولا عمّا قبله بتصديره بخطاب( يَا بَنِي آدَمَ ) إلّا أنّه بحسب المعنى من تتمّة المفاد السابق، ولذا أعاد ذكر السوآت ثانياً فيرجع المعنى إلى أنّ لكم معاشر الآدميين سوآت لا يسترها إلّا لباس التقوى الّذي ألبسنا كموه بحسب الفطرة
ءالّتي فطرناكم عليها فإياكم أن يفتنكم الشيطان فينزع عنكم ذلك كما نزع لباس أبويكم في الجنّة ليريهما سوآتهما فإنّا جعلنا الشياطين أولياء لمن تبعهم ولم يؤمن باياتنا.
ومن هنا يظهر أنّ ما صنعه إبليس بهما في الجنّة من نزع لباسهما ليريهما سوآتهما كان مثلاً لنزع لباس التقوى عن الآدميين بالفتنة وأنّ الإنسان في جنّة السعادة ما لم يفتتن به فإذا افتتن أخرجه الله منها.
وقوله:( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ) تأكيد للنهي وبيان لدقّة مسلكه وخفاء سربّه دقة لا يميّزه حسّ الإنسان وخفاء لا يقع عليه شعوره فإنّه لا يرى إلّا نفسه من غير أن يشعر أنّ وراءه من يأمر بالشرّ ويهديه إلى الشقوة.
وقوله:( إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) تأكيد آخر للنهي، وليست ولايتهم وتصرّفهم في الإنسان إلّا ولاية الفتنة والغرور فإذا افتتن واغترّ بهم تصرّفوا بما شاؤا وكما أرادوا كما قال تعالى مخاطباً لإبليس:( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا ) أسرى: ٦٥، وقال:( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) النحل: ٩٩، وقال:( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) الحجر: ٤٢.
ومن الآيات بانضمامها إلى آيتنا المبحوث عنها يظهر أن لا ولاية لهم على المؤمنين وان مسّهم طائف منهم أحياناً، وأن لا سلطان له على المتوكلّين من المؤمنين وهم الّذين عدّهم الله عباداً له بقوله:( عبادي ) فلا ولاية له إلّا على الّذين لا يؤمنون.
والظاهر أنّ المراد به عدم الإيمان بآيات الله بتكذيبها وهو أخصّ من وجه من عدم الإيمان بالله الّذي هو الكفر بالله بشرك أو نفي، وذلك لأنّ هذا الكفر هو المذكور في الخطاب العامّ الّذي في ذيل القصّة من سورة البقرة حيث قال تعالى:( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى - إلى أن قال -وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة: ٣٩، وفي ذيل هذه الآيات من هذه السورة حيث
قال:( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) الأعراف: ٣٦.
قوله تعالى: ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ) إلى آخر الآية، رجوع من الخطاب العامّ لبني آدم إلى خطاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة ليتوسّل به إلى أنتزاع خطابات خاصّة يوجّهها إلى اُمّته كما جرى نظيره من الالتفات في الخطاب المتقدّم يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً حيث قال:( ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) لنظير الغرض.
وبالجملة فقد استخرج من هذا الاصل الثابت في قصّة الجنّة وهو أمر ظهور السوآت الّذي أفضى إلى خروج آدم وزوجته من الجنّة أنّ الله لا يرضى بالفحشاء الشنيعة من أفعال بني آدم، فذكر إتيان المشركين بالفحشاء واستنادهم في ذلك إلى عمل آبائهم وأمر الله سبحانه بها فأمر رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ يرّد عليهم بأنّ الله لا يأمر بالفحشاء، ويذكّرهم أنّ ذلك من القول على الله بغير علم والافتراء عليه، كيف لا؟ وقصّة الجنّة شاهدة عليه.
وقد ذكر لهم في فعلهم الفحشاء عذرين يعتذرون بهما ومستندين يستندون إليهما وهما فعل آبائهم وأمر الله إيّاهم بها، وكان الثاني هو الّذي يرتبط بالخطاب العامّ المستخرج من قصّة الجنّة فقط، ولذلك تعرّض لدفعه وردّه عليهم، و أمّا استنادهم إلى فعل آبائهم فذلك وإن لم يكن ممّا يرتضيه الله سبحانه وقد ردّه في سائر كلامه بمثل قوله:( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) فلم يتعرّض لردّه ههنا لخروجه عن غرض الكلام.
وقد ذكر جمع من المفسرين أنّ قوله:( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ) الخ، إشارة إلى ما كان معمولاً عند أهل الجاهليّة من الطواف بالبيت الحرام عراةً يقولون: نطوف كما ولدتنا اُمّهاتنا ولا نطوف في الثياب الّتي قارفنا فيها الذنوب، ونقل عن الفرّاء أنّهم كانوا يعملون شيئاً من سيور مقطّعة يشدّونهم على حقويهم يسمّى حوفاً وإن عمل من صوف سمّي رهطاً وكانت المرأة تضع على قبلها نسعة إو شيئاً آخر فتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه |
وما بدا منه فلا اُحلّه |
ولم يزل دائراً بينهم حتّى منعهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الفتح حين بعث عليّاًعليهالسلام
بآيات البرائة إلى مكّة.
وكأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أو بعض المسلمين كانوا يعيبونهم على ذلك فيعتذرون إليهم بقولهم:( وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ) فردّ الله سبحانه عليهم وذمّهم بقوله:( إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِأَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) .
وليس ما ذكروه ببعيد وفي الآية بعض التأييد له حيث وصفت ما كانوا يفعلونه بالفحشاء وهي الأمر الشنيع الشديد القبح ثمّ ذكرت أنّهم كانوا يعتذرون بأنّ الله أمرهم بذلك ولازم ذلك أنّ يكون ما فعلوه أمراً شنيعا أتوا به في صفة العبادد والنسك كالطواف عارياً، والآية مع ذلك الفحشاء فتصلح أن تنطبق على فعلهم ذلك، وعلى مصاديق اُخرى ما أكثر وجودها بين الناس وخاصّة في زماننا الّذي نعيش فيه.
قوله تعالى: ( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) لمّا نفت الآية السابقة أن يأمر الله سبحانه بالفحشاء وذكرت أنّ ذلك افتراء عليه وقول بغير علم لعدم انتهائه إلى وحي ما أوحي به الله بادرت هذه الآية إلى ذكر ما أمر به وهو لا محالة أمر يقابل ما استشنعته الآية السابقة وعدّته فحشاء لما فيه من بلوغ القبح والإفراط والتفريط فقال:( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ .. ) الخ.
والقسط على ما ذكره الراغب هو النصيب بالعدل كالنصف والنصفة قال:( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ) ( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ) والقسط هو أن يأخذ قسط غيره، وذلك جور و الإقساط أن يعطي قسط غيره، وذلك انصاف ولذلك قيل: قسط الرجل إذا جار وأقسط إذا عدل قال:( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) وقال:( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) . انتهى كلامه.
فالمراد: قل أمر ربّي بالنصيب العدل ولزوم وسط الاعتدال في الامور كلّها وأن تجتنبوا جانبي الإفراط والتفريط فأقسطوا وأنيبوا وأقرّوا نفوسكم عند كلّ معبد تعبدون الله فيه وادعوه بإخلاص الدين له من غير أن تشركوا بعبادته صنماً أو أحداً من آبائكم وكبرائكم بالتقليد لهم وهذا هو القسط في العبادة.
فقوله:( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) معطوف ظاهراً على مقول القول لأنّ
معنى أمر ربّي بالقسط: أقسطوا. فيكون التقدير: أقسطوا وأقيموا (الخ)، والوجه هو ما يتوجّه به إلى الشئ، وهو في حال تمام النفس الإنسانيّة، وإقامتها عندها إيجاد القيام بالأمر لها أي إيفاؤه والإيتان به كما ينبغي تامّاً غير ناقص فيؤل معنى إقامة الوجه عند العبادة إلى الاشتغال بالعبادة والانقطاع عن غيرها.
فيفيد قوله:( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) إذا انضمّ إليه قوله:( وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) وجوب الانقطاع للعبادة عن غيرها ولله سبحانه عن غيره كما عرفت ومن الغير الّذي يجب الانقطاع عنه إلى الله سبحانه نفس العبادة، وإنّما العبادة توجّه لا متوجّه إليها، والتوجّه إليها يبطل معنى كونها عبادة وتوجّهاً إلى الله فيجب أن لا يذكر الناسك في نسكه إلّا ربّه وينسى غيره.
وللمفسّرين في معنى قوله:( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ ) الخ، أقوال اُخر منها: أنّ المعنى: توجّهوا إلى قبلة كلّ مسجد في الصلاة على استقامة.
ومنها: أنّ المعنى توجّهوا في أوقات السجود وهي أوقات الصلاة إلى الجهة الّتي أمركم الله بها وهي الكعبة.
ومنها إذا أدركتم الصلاة في مسجد فصلّوا ولا تقولوا حتّى أرجع إلى مسجدي.
ومنها: أنّ المعنى: اقصدوا المسجد في وقت كلّ صلاة اُمر فيها بالجماعة.
ومنها: أنّ المعنى: أخلصوا وجوهكم لله بالطاعة فلا تشركوا وثناً ولا غيره.
والوجوه المذكورة على علّاتها وإباء الآية عنها لا تناسب الثلاثة الاُول منها حال المسلمين في وقت نزول السورة وهي مكّيّة ولم تكن الكعبة قبلة يومئذ، ولا كانت للمسلمين مساجد مختلفة متعدّدة، وآخر الوجوه وأنّ كان قريبا ممّا قدّمناه إلّا أنّه ناقص في بيان الاخلاص المستفاد من الآية وما تضمّنه إنّما هو معنى قوله تعالى:( وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) لا قوله:( وَأَقِيمُوا ) الخ، كما تقدّم.
قوله تعالى: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) إلى آخر الآية.
ظاهر السياق أنّ يكون قوله( فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) حالاً من فاعل( تَعُودُونَ ) ويكون هو الوجه المشترك الّذي شبّه فيه العود بالبدء، والمعنى تعودون فريقين كما بدأكم فريقين نظير قوله تعالى:( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ ) الأنعام: ٩٤، والمعنى لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة فرادى.
فهذا هو الظاهر المستفاد من الكلام، وأمّا كون( فَرِيقًا هَدَىٰ ) الخ، حالاً لا يعدو عامله، ووجه الشبه بين البدء والعود أمراً آخر غير مذكور ككونهم فرادى بدءً وعوداً أو كون الخلق الأوّل والثاني جميعاً من تراب أو كون البعث مثل الانشاء في قدرة الله إلى غير ذلك ممّا احتملوه فوجوه بعيدة عن دلالة الآية، وأيّ فائدة في حذف وجه الشبه من الذكر وذكر ما لا حاجه إليه مع وقوع اللّبس، وسيجئ إن شاء الله توضيح ذلك.وظاهر البدء في قوله:( بَدَأَكُمْ ) أوّل خلقة الإنسان الدنيويّة لا مجموع الحياة الدنيويّة قبال الحياة الاُخرويّة فيكون البدء هو الحياه الدنيا والعود هو الحياة الاُخرى فيكون المعنى كنتم في الدنيا مخلوقين له هدى فريقاً منكم وحقّت الضلالة على فريق آخر كذلك تعودون كما يؤل إليه قول من قال:( إنّ معنى الآية: تبعثون على ما متّم عليه: المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره) .
وذلك أنّ ظاهر البدء إذا نسب إلى شئ ذي امتداد واستمرار بوجه أن يقع على أقدم أجزاء وجوده الممتدّ المستمرّ لا على الجميع، والخطاب للناس فبدؤهم أوّل خلقة النوع الإنسانيّ وبدؤ ظهوره.
على أنّ الآية من تتمة الآيات الّتي يبيّن الله سبحانه فيها بدء إيجاده الإنسان بمثل قوله:( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) الخ، فالمراد به كيفيّة البدء الّتي قصّها في أوّل كلامه، وقد كان من القصّة أنّ الله قال لإبليس لمّا رجمه:( اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ) وفيه قضاء أن ينقسم بنو آدم فريقين فريقاً مهتدين على الصراط المستقيم، وفريقاً ضالّين حقّاً فهذا هو الّذي بدأهم به وكذلك يعودون.
وقد بيّن ذلك في مواضع اُخر من كلامه أوضح من ذلك وأصرح كقوله:( قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) الحجر: ٤٢، وهذا قضاء حتم وصراط مستقيم أنّ الناس طائفتان طائفة ليس لإبليس عليهم سلطان وهم الّذين هداهم الله، وطائفة متّبعون لإبليس غاوون وهم المقضيّ ضلالهم لاتّباعهم الشيطان وتولّيهم إيّاه قال:( كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ) الحج: ٤، وإنّما قضي ضلالهم
إثر اتّباعهم وتولّيهم لا بالعكس كما هو ظاهر الآية.
ونظيره في ذلك قوله تعالى:( قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) ص: ٨٥، فإنّه يدلّ على أنّ هناك قضاءً بتفرّقهم فريقين، وهذا التفرّق هو الّذي فرّع تعالى عليه قوله إذ قال:( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا . فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ) الخ، طه: ١٢٤ وهو عمى الضلال.
وبعد ذلك كلّه فمن الممكن أنّ يكون قوله:( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) الخ، في مقام التعليل لمضمون الكلام السابق والمعنى: اقسطوا في أعمالكم وأخلصوا لله سبحانه فإنّ الله سبحانه إذ بدأ خلقكم قضى فيكم أنّ تتفرّقوا فريقين فريقاً يهديهم وفريقاً يضلّون عن الطريق وستعودون إليه كما بدأكم فريقاً هدى وفريقاً حقّ عليهم الضلالة بتولّى الشياطين فأقسطوا وأخلصوا حتّى تكونوا من المهتدين بهداية الله لا الضالّين بولاية الشياطين.
فيكون الكلام جاريا مجرى قوله تعالى:( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) البقرة: ١٤٨ فإنّه في عين أنّه بيّن أوّلاً أنّ لكلّ وجهة خاصّة محتومة هو مولّيها لا يتخلّف عنه إن سعادة فسعادة وإن شقاوة فشقاوة أمرهم ثانياً أن استبقوا الخيرات، ولا يستقيم الأمر مع تحتّم إحدى المنزلتين: السعادة والشقاوة لكنّ الكلام في معنى قولنا: إنّ كلّا منكم لا محيص له عن وجهة متعيّنة في حقّه لازمة له إمّا الجنّة وإمّا النار فاستبقوا الخيرات حتّى تكونوا من أهل وجهة السعادة دون غيرها.
وكذلك الأمر فيما نحن فيه فالكلام في معنى قولنا: إنّكم ستعودون فريقين كما بدأكم فريقين بقضائه فأقسطوا في أعمالكم وأخلصوا لله سبحانه حتّى تكونوا من الفريق الّذي هدى دون الفريق الّذي حقّ عليهم الضلالة.
ومن الممكن أن يكون قوله:( كَمَا بَدَأَكُمْ ) الخ، كلاماً مستأنفا وهو مع ذلك لا يخلو عن تلويح بالدعوة إلى الاقساط والاخلاص على ما يتبادر من السياق.
وأمّا قوله:( إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ ) فهو تعليل لثبوت الضلالة ولزومها
لهم في قوله:( حقّت عليهم الضلالة ) كأنّ كلمة الضلال والخسران صدرت من مصدر القضاء في حقّهم مشروطاً بولاية الشيطان كما يذكره في قوله:( كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ) الحج: ٤.
فلمّا تولّوا الشياطين في الدنيا حقّت عليهم الضلالة ولزمتهم لزوماً لا انفكاك بعده أبداً وهذا نظير ما يستفاد من قوله:( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ) حم السجدة: ٢٥.
وأمّا قوله:( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) فهو كعطف التفسير بالنسبة إلى الجملة السابقة يفسّر به معنى تحقّق الضلالة ولزومها فإنّ الإنسان مهما ركب غير طريق الحقّ واعتنق الباطل وهو يعترف بأنّه من الباطل ولمّا ينس الحقّ أو شك أن يعود إلى الحقّ الّذي فارقه وكان مرجوّاً أن ينتزع عن ضلاله إلى الهدى أمّا إذا اعتقد حقيّة الباطل الّذي هو عليه، وحسب أنّه على الهدى وهو في ضلال فقد استقرّ فيه شيمة الغيّ وحقّت عليه الضلالة ولا يرجى معه فلاح أبدا.
فقوله:( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) كالتفسير لتحققّ الضلالة لكونه من لوازمه، وقد قال تعالى في موضع آخر:( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) الكهف: ١٠٤، وقال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) البقرة: ٧.
وإنّه الإنسان يسير على الفطرة ويعيش على الخلقة لا ينقاد إلّا للحقّ ولا يخضع إلّا للصدق ولا يريد إلّا ما فيه خيره وسعادته غير أنّه إذا شمله التوفيق وكان على الهدى طبّق ما يطلبه ويقصده على حقيقة مصداقه ولم يعبد إلّا الله وهو الحقّ الّذي يطلبه ولم يرد إلّا الحياة الدأئمّة الخالدة وهي السعادة الّتي يقصدها، وإذا ضلّ عن الصراط أنتكس وجهه من الحقّ إلى الباطل ومن الخير إلى الشرّ ومن السعادة إلى الشقاء فيتّخذ إلهه هواه، ويعبد الشيطان، ويخضع للأوثان، وأخلد إلى الأرض، وتعلّق بالزخارف
المادّيّة الدنيويّة وتبصّر إليها لكنّه إنّما يعمل ما يعمل بإذعان أنّه هكذا ينبغي أن يعمل وحسبان أنّه مهتد في عمله فيأخذ بالباطل بعنوان أنّه حقّ، ويركن إلى الشرّ أو الشقاء بعنوان أنّه خير وسعادة فالإدراك الفطريّ محفوظ له غير أنّه يطبّقه في مقام العمل على غير مصداقه.
قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا ) النساء: ٤٧، وأما إنسان يتّبع الباطل بما هو باطل، ويقصد الشقاء والخسران بما هو شقاء وخسران فمن المحال ذلك.
قال تعالى( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) الروم: ٣٠ وشئ من العلل والأسباب ومنها الإنسان لا يريد غاية ولا يفعل فعلاً إلّا إذا كان ملائماً لنفسه حاملاً لما فيه نفعه وسعادته، وما ربّما يترآى من خلاف فإنّما هو في بادئ النظر لا بحسب الحقيقة وفي نفس الأمر.
هذا كلّه ما يقتضيه التدبّر وإيفاء النظر من معنى قوله( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) الخ، وهو يدور مدار كون( فَرِيقًا هَدَىٰ ) الخ، حالاً مبيّناً لوجه الشبه والمعنى المشترك بين البدء والعود سواء أخذنا الكلام مستأنفاً أو واقعاً موقع التعليل متّصلاً بما قبله.
وأمّا جمهور المفسّرين فكأنّهم متسالمون على أنّ قوله:( فَرِيقًا هَدَىٰ ) حال مبيّن لكيفيّة العود فحسب دون العود والبدء جميعاً، وأنّ المعنى المشترك الّذي هو وجه تشبيه العود بالبدء أمر آخر وراءه إلّا من فسّر البدء بالحياة الدنيا والخلق الأوّل كما تقدّم وسيجئ، وكأنّ ذلك فراراً منهم عن لزوم الجبر المبطل للاختيار مع احتفاف الكلام بالأوامر والنواهي، وقد عرفت أنّ ذلك غير لازم.
وبالجملة فقد اختلفوا في وجه اتّصال الكلام بما قبله بعد التسالم على ذلك فمن قائل: أنّه إنذار بالبعث تأكيداً للأحكام المذكورة سابقاً، واحتجاج عليه بالبدء فالمعنى: ادعوه مخلصين فإنّكم مبعوثون مجازون، وإن بعد ذلك في عقولكم فاعتبروا بالابتداء واعلموا أنّه كما بدأكم في الخلق الأوّل فإنّه يبعثكم فتعودون في الخلق الثاني.
وفيه أنّه مبنيّ على أنّ تشبيه العود بالبدء في تساويهما بالنسبة إلى قدرة الله،
وأنّ النكتة في التعرّض لذلك هو الإنذار بالمجازاة، والسياق المناسب لهذا الغرض أن يقال: كما بدأكم يبعثكم فيجازيكم بوضع بعثه تعالى موضع عود الناس والتصريح بالمجازاة الّتي هي العمدة في الغرض المسوق لأجله الكلام كما صنع ذلك القائل نفسه فيما ذكره من المعنى، والآية خالية من ذلك.
ومن قائل: إنّه احتجاج على منكري البعث، واتّصاله بقوله تعالى قبل عدّة آيات:( فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) .
فقوله:( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) معناه فليس بعثكم بأشدّ من ابتدائكم.
وفيه: ما في الوجه السابق على أنّه تحكمّ من غير دليل.
ومن قائل: أنّه كلام مستأنف. وقد تقدّم ذكره.
ومن قائل: أنّه متّصل بما سبقه، والمعنى: اخلصوا لله في حياتكم فإنّكم تبعثون على ما متّم عليه: المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره.
وفيه: أنّه مبنيّ على كون المراد بالبدء هو مجموع الحياة الدنيا في قبال الحياة الآخرة ثمّ تشبيه بالعود وهو الحياة الآخرة بآخر الحياة الاُولى المسمّاة بعثاً، والآية - كما تقدّم - بمعزل عن الدلالة على هذا المعنى.
قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) إلى آخر الآية.
قال الراغب: السرف تجاوز الحد في كلّ فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، انتهى.
أخذ الزينة عند كلّ مسجد هو التزيّن الجميل عند الحضور في المسجد، وهو إنّما يكون بالطبع للصلاة والطواف وسائر ذكر الله فيرجع المعنى إلى الأمر بالتزيّن الجميل للصلاة ونحوها، ويشمل بإطلاقه صلوات الأعياد والجماعات اليوميّة وسائر وجوه العبادة والذكر.
وقوله:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ) الخ، أمران إباحيّان ونهي تحريميّ معلّل بقوله:( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) والجميع مأخوذة من قصّة الجنّة كما مرّت الإشارة إليه، وهي كما تقدّم خطابات عأمّة لا تختصّ بشرع دون شرع ولا بصنف من أصناف
الناس دون صنف.
ومن هنا يعلم فساد ما ذكره بعضهم: أنّ قوله:( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) الخ يدلّ على بعثة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى جميع البشر، وأنّ الخطاب يشمل النساء بالتبع للرجال شرعاً لا لغة (انتهى).
نعم تدلّ الآية على أنّ هناك أحكاماً عأمّة لجميع البشر برسالة واحدة أو أكثر، وأمّا شمول الحكم للنساء فبالتغليب في الخطاب والقرينة العقليّة قأئمّة.
قوله تعالى: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) هذا من استخراج حكم خاصّ - بهذه الأمّة - من الحكم العامّ السابق عليه بنوع من الالتفات نظير ما تقدّم في قوله:( ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) وقوله( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ) الآية.
والاستفهام إنكاريّ، والزين يقابل الشين وهو ما يعاب به الإنسان فالزينة ما يرتفع به العيب ويذهب بنفرة النفوس، والاخراج كناية عن الاظهار واستعارة تخييليّة كأنّ الله سبحانه بإلهامه وهدايته الإنسان من طريق الفطرة إلى إيجاد أنواع الزينة الّتي يستحسنها مجتمعه ويستدعي انجذاب نفوسهم إليه وارتفاع نفرتهم واشمئزازهم عنه يخرج لهم الزينة وقد كانت مخبيّة خفيّة فأظهرها لحواسّهم.
ولو كان الإنسان يعيش في الدنيا وحده في غير مجتمع من أمثاله لم يحتج إلى زينة يتزيّن بها قطّ ولا تنبّه للزوم إيجادها لأنّ ملاك التنبّه هو الحاجة.
لكنّه لمّا لم يسعه إلا الحياة في مجتمع من الأفراد وهم يعيشون بالارادة والكراهة والحبّ والبغض والرضى والسخط فلا محيص لهم من العثور على ما يستحسنونه وما يستقبحونه من الهيآت والأزياء فيلهمهم المعلّم الغيبيّ من وراء فطرتهم بما يصلح ما فسد منهم ويزيّن ما يشين منهم وهو الزينة بأقسامها، ولعلّ هذا هو النكتة في خصوص التعبير بقوله :( لِعِبَادِهِ ) .
وهذه المسمّاة بالزينة من أهمّ ما يعتمد عليه الاجتماع الإنسانيّ وهي من الآداب العريقة الّتي تلازم المجتمعات وتترقّى وتتنزّل على حسب تقدّم المدنيّة والحضارة
ولو فرض ارتفاعها من أصلها في مجتمع من المجتمعات انهدم الاجتماع وتلاشت أجزاءه من حينه لأنّ معنى بطلانها ارتفاع الحسن والقبح والحبّ والبغض والارادة والكراهة وأمثالها من بينهم، ولا مصداق للاجتماع الإنسانيّ عندئذٍ فافهم ذلك.
ثمّ الطيّبات من الرزق - والطيّب هو الملائم للطبع - هي الأنواع المختلفة ممّا يرتزق به الإنسان بالتغذّي منه، أو مطلق ما يستمدّ به في حياته وبقائه كانواع المطعم والمشرب والمنكح والمسكن ونحوها، وقد جهّز الله سبحانه الإنسان بما يحسّ بحاجته إلى أقسام الرزق ويستدعي تناولها بأنواع من الشهوات الهائجة في باطنه إلى ما يلائمها ممّا يرفع حاجته وهذا هو الطيّب والملأئمّة الطبيعيّة.
وابتناء حياة الإنسان السعيدة على طيّبات الرزق غنيّ عن البيان فلا يسعد الإنسان في حياته من الرزق إلّا بما يلائم طباع قواه وأدواته الّتي جهّز بها ويساعده على بقاء تركيبه الّذي ركب به، وما جهّز بشئ ولا ركّب من جزء إلّا لحاجة له إليه فلو تعدّى في شئ ممّا يلائم فطرته إلى ما لا يلائمها طبعاً اضطرّ إلى تتميم النقص الوارد عليه في القوّة المربوطة به إلى صرف شئ من سائر القوى فيه كالمنهوم الشره الّذي يفرط في الأكل فيصيبه آفات الهضم.
فيضطرّ إلى استعمال الأدوية المصلحة لجهاز الهضم والمشهّية للمعدة ولا يزال يستعمل ويفرط حتّى يعتاد بها فلا تؤثّر فيه فيصير إنساناً عليلا تشغله العلّة عن عأمّة واجبات الحياة، وأهمّها الفكر السالم الحرّ وعلى هذا القياس.
والتعدّي عن طيّب الرزق يبدّل الإنسان إلى شئ آخر لا هو مخلوق لهذا العالم ولا هذا العالم مخلوق له وأيّ خير يرجى في إنسان يتوخّى أن يعيش في ظرف غير ظرفه الّذي أعدّه له الكون، ويسلك طريقاً لم تهيّئه له الفطرة، وينال غاية غير غايته وهو أن يتوسّع بالتمتّع بكلّ ما تزيّنه له الشهوة والشره، ويصوّره له الخيال بآخر ما يقدر وأقصى ما يمكن.
والله سبحانه يذكر في هذه الآية أنّ هناك زينة أخرجها لعباده وأظهرها وبيّنها لهم من طريق الإلهام الفطريّ، ولا تلهم الفطرة إلّا بشئ قامت حاجة الإنسان إليه بحسبها.
ولا دليل على إباحة عمل من الأعمال وسلوك طريق من الطرق أقوى من الحاجة إليه بحسب الوجود والطبيعة الّذي يدلّ على أنّ الله سبحانه هو الرابط بين الإنسان المحتاج وبين ما يحتاج إليه بما أودع في نفسه من القوى والأدوات الباعثة له إليه بحسب الخلقة والتكوين.
ثمّ يذكر بعطف الطيّبات من الرزق على الزينة في حيّز الاستفهام الإنكاريّ أنّ هناك أقساماً من الرزق طيّبة ملأئمّة لطباع الإنسان يشعر بطيبه من طريق قواه المودعة في وجوده، ولا يشعر بها ولا يتنبّه لها إلّا لقيام حاجته في الحياة إليها وإلى التصرّف فيها تصرّفاً يستمدّ به لبقائه، ولا دليل على إباحة شئ من الأعمال أقوى من الحاجة الطبيعيّة والفقر التكوينيّ إليه كما سمعت.
ثمّ يذكر بالاستفهام الإنكاري أنّ إباحة زينة الله والطيّبات من الرزق ممّا لا ينبغي أن يرتاب فيها فهو من إمضاء الشرع لحكم العقل والقضاء الفطريّ.
وإباحة الزينة وطيّبات الرزق لا تعدو مع ذلك حدّ الاعتدال فيها والوسط العدل بين الإفراط والتفريط فإنّ ذلك هو الّذي يقضي به الفطرة، وقد قال الله سبحانه في الآية السابقة:( وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) وقال فيما قبل ذلك:( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ) .
ففي التعدّي إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط من تهديد المجتمع الإنسانيّ بالانحطاط، وفساد طريق السعادة ما في انثلام ركن من أركان البناء من تهديده بالانهدام فقلّما ظهر فساد في البرّ والبحر وتنازع يفضي إلى الحروب المبيدة للنسل المخرّبة للمعمورة إلّا عن إتراف الناس وإسرافهم في أمر الزينة أو الرزق، وهو الإنسان إذا جاوز حدّ الإعتدال، وتعدّى ما خطّ له من وسط الجادّة ذهب لوجهه لا يقف على حدّ ولا يلوي على شئ فمن الحريّ أن لا يرفع عنه سوط التربية ويذكّر حتّى بأوضح ما يقضي به عقله، ومن هذا القبيل الأمر الإلهيّ بضروريّات الحياة كالأكل والشرب واللّبس والسكنى وأخذ الزينة.
قال صاحب المنار في بعض كلامه - وما أجود ما قال: - وإنّما يعرفها - يعني قيمة
الأمر بأخذ الزينة مع بساطته ووضوحه - من قراء تواريخ الاُمم والملل، وعلم أنّ أكثر المتوحّشين الّذين يعيشون في الحرجات والغابات أفراداً وجماعات يأوون إلى الكهوف والمغارات، والقبائل الكثيرة الوثنيّة في بعض جزائر البحار وجبال إفريقيّة كلّهم يعيشون عراة الأجسام نساءً ورجالاً، وأنّ الإسلام ما وصل إلى قوم منهم الّا وعلّمهم لبس الثياب بإيجابه للستر والزينة إيجاباً شرعيّاً.
ولمّا أسرف بعض دعاة النصرانيّة الاُوربيّين في الطعن في الإسلام لتنفير أهله منه وتحويلهم إلى ملّتهم ولتحريض اُوربة عليهم ردّ عليهم بعض المنصفين منهم فذكر في ردّه أنّ في إنتشار الإسلام في إفريقيّة منّة على اُوربة بنشره للمدنيّة في أهلها بحملهم على ترك العرى وإيجابه لبس الثياب الّذي كان سبباً لرواج تجارة النسج الاُروبيّه فيهم.
بل أقول: إنّ بعض الاُمم الوثنيّة ذات الحضارة والعلوم والفنون كان يغلب فيها معيشة العرى حتّى إذا ما اهتدى بعضهم بالإسلام صاروا يلبسون ويتجمّلون ثمّ صاروا يصنعون الثياب وقلّدهم جيرانهم من الوثنيّين بعض التقليد.
هذه بلاد الهند على ارتقاء حضارة الوثنيّين فيها قديماً وحديثاً لا يزال اُلوف الاُلوف من نسائهم ورجالهم عراة أو أنصاف أو أرباع عراة فترى بعض رجالهم في معاهد تجارتهم وصناعتهم بين عار لا يستر إلّا السوأتين - و يسمّونهما( سبيلين) وهي الكلمة العربيّة الّتي يستعملها الفقهاء في باب نواقض الوضوء - أو ساتر لنصفه الأسفل فقط وامرأة مكشوفة البطن والفخذين أو النصف الأعلى من الجسم كلّه أو بعضه، وقد اعترف بعض علمائهم المنصفين بأنّ المسلمين هم الّذين علّموهم لبس الثياب، والأكل في الأواني ولا يزال أكثر فقرائهم يضعون طعامهم على ورق الشجر ويأكلون منه، ولكنّهم خير من كثير من الوثنيّين سترا وزينة لأنّ المسلمين كانوا حكّامهم، وقد كانوا ولا يزالون من أرقي مسلمي الأرض علماً وعملاً وتأثيراً في وثنيّي بلادهم.
وأمّا المسلمون في بلاد الشرق الّتي يغلب عليها الجهل فهم أقرب إلى الوثنيّة منهم إلى الإسلام في اللّباس وكثير من الأعمال الدينيّة، ومنهم نساء مسلمي( سيام) اللّاتي
لا ترين في أنفسهنّ عورة إلّا السوأتين كما بيّن هذا من قبل فحيث يقوى الإسلام يكون الستر والزينة اللّائقة بكرأمّة البشر ورقيّهم.
فمن عرف مثل هذا عرف قيمة هذا الأصل الإصلاحيّ في الإسلام ولولا أن جعل هذا الدين المدنيّ الأعلى أخذ الزينة من شرع الله أوجبه على عباده لما نقل اُمماً وشعوباً كثيرة من الوحشيّة الفاحشة إلى المدنيّة الراقيّة، وإنّما يجهل هذا الفضل له من يجهل التاريخ وإن كان من أهله بل لا يبعد أن يوجد في متحذلقة المتفرنجين من يجلس في ملهى أو مقهى أو حانة متّكئاً مميلاً طربوشه على رأسه يقول: ما معنى جعل أخذ زينة اللّباس من اُمور الدين؟ وهو من لوازم البشر لا يحتاجون فيه إلى وحي إلهي ولا شرع دينيّ، وقد يقول مثل هذا في قوله تعالى:( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) انتهى.
وممّا يناسب المقام ما روي: أنّ الرشيد كان له طبيب نصرانيّ حاذق فقال ذات يوم لعليّ بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطبّ شئ، والعلم علمان: علم وممّا يناسب المقام ما روي: أنّ الرشيد كان له طبيب نصرانيّ حاذق فقال ذات يوم لعليّ بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطبّ شئ، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان ! فقال له عليّ: قد جمع الله الطبّ كلّه في نصف آية وهو قوله:( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ) وجمع نبيّنا الطبّ في قوله:( المعدة بيت الداء، والحمية رأس كلّ دواء، وأعط كلّ بدن ما عوّدته) فقال الطبيب: ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّاً.
قوله تعالى: ( قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) لا ريب أنّ الخطاب في صدر الآية إمّا لخصوص الكفّار أو يعمّهم والمؤمنين جميعاً كما يعمّهم جميعاً ما في الآية السابقة من الخطاب بقوله:( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ) ولازمه أن تكون الزينة وطيّبات الرزق موضوعة على الشركة بين الناس جميعاً : مؤمنهم وكافرهم.
فقوله:( قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) الخ، مسوق لبيان ما خصّ الله سبحانه به المؤمنين من عباده من الكرأمّة والمزيّة، وإذ قد اشتركوا في نعمه في الدنيا فهي خالصة لهم في الآخرة، ولازم ذلك أن يكون قوله:( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) متعلّقاً بقوله:( آمَنُوا ) وقوله:( يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) متعلّقاً بما تعلّق به قوله:( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) وهو قولنا كائنة أو ما يقرب منه،
و( خَالِصَةً ) حال عن الضمير المؤنث وقدّمت على قوله:( يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) لتكون فاصلة بين قوليه:( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) و( يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) والمعنى: قل هي للمؤمنين يوم القيأمّة وهي خالصة لهم لا يشاركهم فيها غيرهم كما شاركوهم في الدنيا فمن آمن في الدنيا ملك نعمها يوم القيأمّة.
وبهذا البيان يظهر ما في قول بعضهم: إنّ المراد بالخلوص إنّما هو الخلوص من الهموم والمنغّصات والمعنى: هي في الحياة الدنيا للّذين آمنوا غير خالصة من الهموم والأحزان والمشقّة، وهي خالصة يوم القيأمّة من ذلك.
وذلك أنّه ليس في سياق الآية ولا في سياق ما تقدّمها من الآيات إشعار باحتفاف النعم الدنيويّة بما ينغّص عيش المتنعّمين بها ويكدّرها عليهم حتّى يكون قرينة على إرادة ما ذكره من معنى الخلوص.
وكذا ما في قول بعض آخر: أنّ قوله:( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) متعلّق بما تعلّق به قوله( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) والمعنى: هي ثابتة للّذين آمنوا بالأصالة والاستحقاق في الحياة الدنيا، ولكن يشاركهم غير هم فيها بالتبع لهم وإن لم يستحقّها مثلهم، وهي خالصة لهم يوم القيأمّة - أو حال كونها خالصة لهم يوم القيأمّة فقد قرأ نافع( خَالِصَةً ) بالرفع على أنّها خبر والباقون بالنصب على الحاليّة - وذلك أنّ المؤمنين هم الّذين ينتهي إليهم العلوم النافعة في الحياة الصالحة والأوامر المحرّضة لإصلاح الحياة بأخذ الزينة والارتزاق بالطيّبات والقيام بواجبات المعاش ثمّ التفكّر في آيات الآفاق والأنفس المؤدّي إلى إيجاد الصناعات والفنون المستخدمة في الرقيّ في المدنيّة والحضارة، ومعرفة قدرها والشكر عليها.
كلّ ذلك من طريق الوحي والنبوّة.
وجه فساده: أنّه إن أراد أنّ ما ذكره من الأصالة والتبعيّة هو مدلول الآية فمن الواضح أنّ الآية اجنبيّة عن الدلالة على ذلك، وإن أراد أنّ الآية تفيد أنّ النعم الدنيويّة للمؤمنين ثمّ بيّنت مشاركة الكفّار لهم فيها وأنّ ذلك بالأصالة والتبعيّة فقد عرفت أنّ الآية لا تدلّ إلّا على إشتراك الطائفتين معاً في النعم الدنيويّة لا اختصاص المؤمنين بها في الدنيا فأين حديث الأصالة والتبعيّة؟.
بل ربّما كان الظاهر من أمثال قوله:( وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ - إلى أن قال -وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) الزخرف: ٣٥، خلاف ذلك وأنّ زهرة الحياة الدنيا أجدر أن يخصّوا به.
وقد امتنّ الله تعالى في ذيل الآية على أهل العلم بتفصيل البيان إذ قال:( كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) .
قوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) إلى آخر الآية، قد تقدّم البحث المستوفي عن مفردات الآية فيما مرّ، وأنّ الفواحش هي المعاصي البالغة قبحاً وشناعة كالزنا واللّواط ونحوهما، والإثم هو الذنب الّذي يستعقب انحطاط الإنسان في حياته وذلّةً وهواناً وسقوطاً كشرب الخمر الّذي يستعقب للإنسان تهلكة في جاهه وماله وعرضه ونفسه ونحو ذلك، والبغي هو طلب الإنسان ما ليس له بحقّ كانواع الظلم والتعدّي على الناس والاستيلاء غير المشروع عليهم، ووصفه بغير الحقّ من قبيل التوصيف باللّازم نظير التقييد الّذي في قوله:( مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ) .
وكان إلقاء الخطاب بإباحة الزينة وطيّبات الرزق داعياً لنفس السامع إلى أن يحصل على ما حرّمه الله فألقى الله سبحانه في هذه الآية جماع القول في ذلك، ولا يشذّ عمّا ذكره شئ من المحرّمات الدينيّة، وهي تنقسم بوجه إلى قسمين: ما يرجع إلى الأفعال وهي الثلاثة الاُول، وما يرجع إلى الأقوال والاعتقادات وهو الأخيران ، والقسم الأوّل منه ما يرجع إلى الناس وهو البغي بغير الحقّ، ومنه غيره وهو إمّا ذو قبح وشناعة فالفاحشة، وإمّا غيره فالإثم، والقسم الثاني إمّا شرك بالله أو افتراء على الله سبحانه.
قوله تعالى: ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ) إلى آخر الآية هي حقيقة مستخرجة من قوله تعالى في ذيل القصّة:( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) نظير الأحكام الاُخر المستخرجة منها المذكورة سابقاً، ومفاده أنّ الاُمم والمجتمعات لها أعمار وآجال نظير ما للأفراد من الأعمار والآجال.
وربّما استفيد من هذا التفريع والاستخراج أنّ قوله تعالى في ذيل القصّة سابقاً:( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ ) الخ، راجع إلى حياة كلّ فرد فرد وكلّ أمّة أمّة، وهي بعض عمر الإنسانيّة العامّة، وأنّ قوله قبله:( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) راجع إلى حياة النوع إلى حين وهو حين الانقراض أو البعث، وهذا هو عمر الإنسانيّة العامّة في الدنيا.
قوله تعالى:( يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ) إلى آخر الآيتين.
( إِمَّا ) أصله إن الشرطيّة دخلت عليها ما، وفي شرطها النون الثقيلة، وكأنّ ذلك يفيد أنّ الشرط محقّق لا محالة، والمراد بقص الآيات بيانها وتفصيلها لما فيه من معنى القطع والإبانة عن مكمن الخفاء.
والآية إحدى الخطابات العامّة المستخرجة من قصّة الجنّة المذكورة ههنا وهي رابعها وآخرها يبيّن للناس التشريع الإلهيّ العامّ للدين باتّباع الرسالة وطريق الوحي، والأصل المستخرج عنه هو مثل قوله في سورة طه:( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ) الخ، فبيّن أنّ إتيان الهدى منه إنّما يكون بطريق الرسالة.
( بحث روائي)
في الدّر المنثور أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله:( قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ) قال: نزلت في الخمس من قريش ومن كان يأخذ مأخذها من قبائل العرب: الأنصار الأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وبني عامر بن صعصعه وبطون كنانة بن بكر كانوا لا يأكلون اللحم، ولا يأتون البيوت إلّا من أدبارها، ولا يضطربون وبراً ولا شعراً إنّما يضطربون الادم، ويلبسون صبيانهم الرهاط، وكانوا يطوفون عراةً إلّا قريشا، فإذا قدموا طرحوا ثيابهم الّتي قدموا فيها، وقالوا: هذه ثيابنا الّتي تطهّرنا إلى ربّنا فيها من الذنوب والخطايا ثمّ قالوا لقريش: من يعيرنا مئزرا؟ فإن لم يجدوا طافوا
عراة فإذا فرغوا من طوافهم أخذوا ثيابهم الّتي كانوا وضعوا.
وفيه: أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: كان الناس يطوفون بالبيت عراة يقولون: لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها فجاءت امرأة فألقت ثيابها وطافت ووضعت يدها على قبلها وقالت:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه |
فما بدا منه فلا اُحلّه |
فنزلت هذه الآية: خذو زينتكم عند كلّ مسجد - إلى قوله - والطيّبات من الرزق.
أقول: وروي ما يقرب منه عن ابن عبّاس ومجاهد وعطاء لكنّك قد عرفت أنّ الآيات المصدّرة بقوله( يَا بَنِي آدَمَ ) أحكام وشرائع عامّة لجميع بني آدم من غير أن يختصّ بأمّة دون أمّة فهذه الآحاد من الاخبار لا تزيد على اجتهاد من المنقول عنهم لا حجيّة فيها، وأعدل الروايات في هذا المعنى الروايتان الآتيتان.
في الدّر المنثور: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عبّاس قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة والزينة اللباس وهو ما يواري السوآت وما سوى ذلك من جيّد البزّ والمتاع.
وفيه: أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال: كان أهل الجاهلية يحرّمون أشياء أحلّها الله من الثياب وغيرها وهو قول الله:( قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ) وهو هذا فأنزل الله:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يعني: شارك المسلمون الكفّار في الطيّبات في الحياة الدنيا فأكلوا من طيّبات طعامها ولبسوا من جياد ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها ثمّ يخلص الله الطيّبات في الآخرة للّذين آمنوا وليس للمشركين فيها شئ.
أقول: والروايتان - كما ترى - ظاهرتان في التطبيق دون سبب النزول، والمعوّل على ذلك.
وفيه: أخرج أبوالشيخ عن الحسن قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلّم) : ما من عبد عمل
خيراً أو شرّاً إلّا كسي رداء عمله حتّى يعرفوه، وتصديق ذلك في كتاب الله:( وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ) الآية.
وفي تفسير العيّاشيّ عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام عن قوله:( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا ) الآية.
لباس التقوى ثياب بيض.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن مردويه عن عثمان: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأ:( ورياشا) ولم يقل: وريشا.
وفي تفسير القمّيّ قال : وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى:( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ) قال: فأمّا اللباس فاللباس الّتي تلبسون، وأمّا الرياش فالمتاع والمال، وأمّا لباس التقوى فالعفاف، إنّ العفيف لا تبدو له عورة وأن كان عارياً من اللباس، والفاجر بادي العورة وإن كان كاسياً من اللباس.
أقول : وما في الروايتين من معنى لباس التقوى من الأخذ ببعض المصاديق وقد تكرّر نظير ذلك في الروايات.
وفي تفسير القمّيّ أيضاً في قوله تعالى:( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا ) الآية قال: قال الّذين عبدوا الأصنام فردّ الله عليهم فقال:( قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) إلى آخر الآية.
وفي البصائر عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن محمّد بن منصور قال: سألته عن قول الله تبارك وتعالى:( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ) إلى آخر الآية فقال: أرايت أحدا يزعم أنّ الله أمرنا بالزنا وشرب الخمور وشئ من المحارم؟ فقلت: لا، فقال: فما هذه الفاحشة الّتي يدّعون أنّ الله أمرنا بها؟ فقلت: الله إعلم ورسوله، فقال: فإنّ هذه في أئمّة الجور ادّعوا أنّ الله أمر بالائتمام بقوم لم يأمر الله بهم فردّ الله عليهم وأخبرنا أنّهم قالوا عليه الكذب فسمّى الله ذلك منهم فاحشة.
أقول: ورواه في الكافي عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن أبي وهب عن محمّد بن المنصور قال: سألته وساق الحديث، وروي ما في معناه في تفسير
العيّاشيّ عن محمّد بن منصور عن عبد صالح فعلم أنّ في السند أبا وهب وعنه يروي الحسين بن سعيد وأنّ الحديث مرويّ عن موسى بن جعفرعليهالسلام .
وكيف كان فالرواية لا تنطبق بحسب مضمونها على حين نزول الآية ولا ما ذكر فيه من الحجّة ينطبق على موردها فإنّ أهل الجاهليّة كانت عندهم أحكام كثيرة متعلّقة بأمور من قبيل الفحشاء ينسبونه إلى الله سبحانه كالطواف بالبيت عارياً.
لكنّ الحجّة المذكورة فيه من حيث انطباق الآية على مصاديق بعد زمن النزول قرب انطباقاً على أئمّة الجور والحكّام الظلمة فإنّ المسلمين مرّت بهم أعصار يتولّى فيها اُمورهم أمثال الدعيّ زياد بن أبيه وابنه عبيد الله والحجّاج بن يوسف وعتاة آخرون، وحول عروشهم وكراسيّهم عدّة من العلماء يفتون بنفوذ أحكامهم ووجوب طاعتهم بأمثال قوله تعالى( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) فالرواية ناظرة إلى انطباق الآية على مصاديقها بعد عصر النزول.
وفي تفسير العيّاشيّ عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سمعته يقول: من زعم أنّ الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أنّ الخير والشرّ إليه فقد كذب على الله.
وفيه: عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللهعليهالسلام : من زعم أنّ الله أمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيّة منه فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أنّ المعاصي عملت بغير قوّة الله فقد كذب على الله، ومن كذب على الله أدخله الله النار.
أقول: وقولهعليهالسلام : ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيّة منه الخ، نار إلى قول المفوّضة باستقلال العبد في أفعال الخير والشرّ كما أنّ قوله في الرواية السابقة: ومن زعم أنّ الخير والشرّ إليه الخ، ناظر إلى قول المجبرّة: أنّ الخير والشرّ والطاعة والمعصية إنّما تستند إلى ارادة الله من غير أن يكون لإرادة العبد ومشيته دخل في صدور الفعل وإن أمكن بوجه إرجاع الضمير إلى العبد ليكون إشارة إلى قول المفوّضة.
وفي التهذيب بإسناده عن ابن مسكان عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ:( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) قال: هذه القبلة.
أقول: وهو من قبيل الجري والانطبق كما تبيّن من البيان السابق، وروى مثله العيّاشيّ في تفسيره عن أبي بصير عن أحدهماعليهماالسلام .
وفي التهذيب بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، وفي تفسير العيّاشيّ عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام في قوله:( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) قال: مساجد محدثة فاُمروا أن يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام.
أقول: الظاهر أنّ مرادهعليهالسلام أنّ معنى إقامة الوجوه في الآية التوجّه إلى الله باستقبال القبلة عند كلّ مسجد يصلّي فيه ثمّ القبلة تعيّنت بمثل قوله:( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) البقرة: ١٤٤ وهي الكعبة إذ قد تقدّم في الكلام على آيات القبلة أنّ الكعبة إنّما جعلت قبلة في المدينة بعد الهجرة، والآية الّتي نحن فيها وهي من سورة الأعراف مكّيّة ولعلّ أصل الجعل في هذه السورة ثمّ تفصيل التشريع أو التفسير في سورة البقرة المدنيّة إن ساعد سياق آيات القبلة على ذلك كما أنّ الأحكام الاُخر المفصّلة من الواجبات والمحرّمات تشتمل السور المكّيّة على إجمالها وتشرّع تفاصيلها أو تفسّر وتبيّن في السور المدنيّة.
فقولهعليهالسلام : مساجد محدثة الخ، معناه أنّ المراد بكلّ مسجد في الآية المساجد يحدثها المسلمون في أكناف الأرض، والمراد بإقامة الوجوه تولية الوجوه الّتي في آية الكعبة وهي استقبال الشطر من المسجد الحرام.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الحسين بن مهران عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله:( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) يعني الأئمّة.
أقول: الظاهر أنّ المراد به أئمّة الجماعات، وسيجئ له معنى آخر.
وفيه: عن الحسين بن مهران عنهعليهالسلام في قول الله:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) قال يعني الأئمّة.
أقول: وهو كالحديث السابق فإنّ تقديم الإمام زينة الصلاة ومن المستحبّ شرعاً تقديم خيار القوم ووجوههم للإمامة ويمكن أن يكون المراد بالأئمّة أئمّة الدين على ما سيجئ من رواية العلاء بن سيّابة في آخر البحث.
وفي الدّر المنثور أخرج العقيليّ وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن انس عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في قول الله:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) قال: صلّوا في نعالكم.
أقول: وروي هذا المعنى بعدّة طرق اُخرى عن عليّ وأبي هريرة وابن مسعود وشدّاد بن الأوس وغيرهم عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفيه: أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس قال: وجّهني عليّ بن أبي طالب إلى ابن الكوّاء وأصحابه وعليّ قميص رقيق وحلّة فقالوا لي: أنت ابن عبّاس وتلبس مثل هذه الثياب؟ فقلت: أوّل ما اُخاصمكم به قال الله: قل من حرّم زينة الله الّتي أخرج لعباده وخذوا زينتكم عند كلّ مسجد، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يلبس في العيدين بردي حبرة.
وفي الكافي بإسناده عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: بعث أمير المؤمنينعليهالسلام عبد الله بن عبّاس إلى ابن الكوّاء وأصحابه وعليه قميص رقيق وحلّة فلمّا نظروا إليه قالوا: يا ابن عبّاس أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللّباس؟ فقال: وهذا أوّل ما اُخاصمكم فيه قل من حرّم زينة الله الّتي أخرج لعباده والطيّبات من الرزق وقال الله عزّوجلّ: خذوا زينتكم عند كلّ مسجد.
وفي الكافي بإسناده عن فضالة بن أيّوب في قول الله عزّوجلّ:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) قال: في العيد والجمعة.
أقول: ورواه في التهذيب عن فضالة عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليهالسلام وروى ما في معناه العيّاشيّ في تفسيره عنه، وفي المجمع عن أبي جعفرعليهالسلام .
وفي الفقيه سئل أبو الحسن الرضاعليهالسلام عن قول الله عزّوجلّ:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) قال من ذلك التمشّط عند كلّ صلاة.
أقول: وفي معناها غيرها من الروايات.
وفي تفسير العيّاشيّ عن خيثمة بن أبي خيثمة قال: كان الحسن بن علىّعليهالسلام إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه.
فقيل له: يا ابن رسول الله لم تلبس أجود ثيابك؟ فقال: إنّ الله جميل يحبّ الجمال فأتجمّل لربّي وهو يقول:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) فاُحبّ أن ألبس أجود ثيابي.
أقول: والحديث مرويّ من طرق أهل السنّة أيضاً.
وفي الكافي بإسناده عن يونس بن إبراهيم قال: دخلت يوما على أبي عبد اللهعليهالسلام وعليّ جبّة خزّ وطيلسان خزّ فنظر إليّ فقلت: جعلت فداك عليّ جبّة خزّ وطيلسان خزّ هذا ما تقول فيه؟ فقال: لا بأس بالخزّ قلت: وسداه أبريسم فقال: وما بأس يا إبراهيم فقد اُصيب الحسينعليهالسلام وعليه جبّة خزّ ثمّ ذكرعليهالسلام قصّة عبد الله بن عبّاس مع الخوارج واحتجاجه عليهم بالآيتين.
وفيه: بإسناده عن أحمد بن أبي عبد الله عن محمّد بن عليّ رفعه قال: مرّ سفيان الثوري في المسجد الحرام فرأى أبا عبد اللهعليهالسلام وعليه أثواب كثيرة القيمة حسان فقال: والله لآتينّه ولاُوبّخنّه فدنا منه فقال: يا ابن رسول الله والله ما لبس رسول الله مثل هذا اللّباس ولا عليّ ولا أحد من آبائك ! فقال أبوعبداللهعليهالسلام : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في زمان قتر مقتر، وكان يأخذ لقتره وإقتاره، وإنّ الدنيا بعد ذلك أرخت عزاليها(١) و أحقّ أهلها بها أبرارها ثمّ تلا:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) فنحن أحقّ من أخذ ما أعطاه الله.
يا ثوريّ ما ترى عليّ من ثوب إنّما لبسته للناس ثمّ اجتذب بيد سفيان فجرّها إليه ثمّ رفع الثوب الأعلى وأخرج ثوباً تحت ذلك على جلده غليظاً، ثمّ قال: هذا لبسته لنفسي وما رأيته للناس ثمّ جذب ثوباً على سفيان أعلاه غليظاً خشناً وداخل ذلك الثوب ليّن فقال : لبست هذا الأعلى للناس، ولبست هذا لنفسك تسترها.
وفيه: بإسناده عن ابن القدّاح قال: كان أبوعبداللهعليهالسلام متّكئاً عليّ فلقيه عبّاد بن كثير وعليه ثياب مرويّة حسان فقال: يا أباعبدالله إنّك من أهل بيت النبوّة وكان أبوك فما لهذه الثياب المرويّة عليك ؟ فلو لبست دون هذه الثياب.
فقال له أبوعبداللهعليهالسلام :
____________________
(١) وفي الحديث فأرسلت السماء عزاليها أي: أفراحها، والعزالي بفتح اللام وكسرها: جمع العزلاء مثل الحمراء، وهو فم المزادة: فقوله أرسلت السماء عزاليها يريد شدّة وقع المطر على التشبيه بنزوله من أفواه المزادة.
ومثله: ( انّ الدنيا بعد ذلك أرخت عزاليها ) مجمع البحرين.
ويلك يا عبّاد من حرّم زينة الله الّتي أخرج لعباده والطيّبات من الرزق؟ إنّ الله عزّوجلّ إذا أنعم على عبده نعمة أحبّ أن يراها عليه، وليس به بأس.
وفي الدّر المنثور أخرج الترمذيّ وحسّنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلّم): إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده.
وفي قرب الاسناد للحميريّ عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضاعليهالسلام في حديث طويل: قالعليهالسلام لي: ما تقول في اللّباس الخشن؟ فقلت: بلغني أنّ الحسن كان يلبس، وأنّ جعفر بن محمّد كان يأخذ الثوب الجديد فيأمر به فيغمسر في الماء فقال لي : البس وجمّل فإنّ عليّ بن الحسين كان يلبس الجبّة الخزّ بخمس مائة درهم، والمطرّف الخزّ بخمسين ديناراً فيشتو فيه فإذا خرج الشتاء باعه وتصدّق بثمنه، وتلا هذه الآية:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) .
أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة جدّاً، ومن أجمعها معنى الرواية الآتية.
في تفسير العيّاشيّ عن أبان بن تغلب قال: قال أبوعبداللهعليهالسلام : أترى الله أعطى من أعطى من كرامته عليه أو منع من منع من هوان به عليه؟ لا ولكنّ المال مال الله يضعه عند الرجل ودائع، وجوّز لهم أن يأكلوا قصداً، ويشربوا قصداً، ويلبسوا قصداً، وينكحوا قصداً، ويركبوا قصداً، ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين ويلمّوا به شعثهم فمن فعل ذلك كان ما يأكل حلالاً ويشرب حلالاً ويركب حلالاً، وينكح حلالاً، ومن عدا ذلك كان عليه حراماً، ثمّ قال: ولا تسرفوا إنّه لا يحبّ المسرفين.
أترى الله ائتمن رجلاً على مال خوّل له أن يشتري فرساً بعشرة آلاف درهم ويجزيه فرسا بعشرين درهماً، ويشتري جارية بألف دينار ويجزيه جارية بعشرين ديناراً وقال: ولا تسرفوا إنّه لا يحبّ المسرفين.
وفي الكافي بإسناده عن إسحاق بن عبد العزيز عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: نكون بطريق مكّة ونريد الإحرام فنطلّي ولا يكون معنا نخالة فنتدلّك بها من النورة فنتدلّك بالدقيق وقد دخلني من ذلك ما الله أعلم به؟ فقال: مخافة الإسراف؟ قلت: نعم،
فقال: ليس فيما أصلح البدن إسراف إنّي ربّما أمرت بالنقي فيلتّ بالزيت فأتدلّك به، إنّما الإسراف فيما أفسد المال وأضرّ بالبدن، قلت: وما الإقتار؟ قال: أكل الخبز والملح وأنت تقدر على غيره.
قلت: فما القصد؟ قال: الخبز واللحم واللّبن والخلّ والسمن مرّة هذا ومرّة هذا.
وفي الكافي بإسناده عن عليّ بن يقطين عن أبي الحسنعليهالسلام قال: قال: قول الله عزّوجلّ:( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) فأمّا قوله: ما ظهر منها يعني الزنا المعلن ونصب الرايات الّتي كانت ترفعها الفواحش في الجاهليّة للفواحش، وأمّا قوله عزّوجلّ: وما بطن يعني ما نكح من أزواج الآباء لأنّ الناس كانوا قبل أن يبعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا كان للرجل زوجة ومات عنها تزوّجها ابنه من بعده إذا لم تكن اُمّه فحرّم الله عزّوجلّ ذلك، وأمّا الإثم فإنّها الخمر بعينها.
أقول: والرواية ملخّصة من كلامهعليهالسلام مع المهديّ وقد رواها في صورة المحاجّة في الكافي مسندة وفي تفسير العيّاشيّ مرسلة وأوردناها في روايات آية الخمر من سورة المائدة.
وفي تفسير العيّاشيّ عن محمّد بن منصور قال: سألت عبداً صالحاًعليهالسلام عن قول الله:( إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) قال: إنّ للقرآن ظهراً وبطناً فأمّا ما حرّم به في الكتاب هو في الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الجور، وجميع ما اُحلّ في الكتاب هو في الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ.
أقول: ورواه في الكافي عن محمّد بن منصور مسنداً، وفيه: فجميع ما حرّم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الجور، وجميع ما أحلّ الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ.
أقول: انطباق المعاصي والمحرّمات على أولئك والمحلّلات على هؤلاء لكون كلّ واحد من الطائفتين سبباً للقرب من الله أو البعد عنه، أو لكون اتّباع كلّ سبباً لما يناسبه من الأعمال.
ومن هذا الباب ما في التهذيب بإسناده عن العلاء بن سيّابة عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله تعالى:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) قال: الغسل عند لقاء كلّ إمام، وكذا ما تقدّم من روايتي الحسين بن مهران.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن أبي شيبة والبخاريّ ومسلم وابن مردويه عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: أتعجبون من غيرة سعد ؟ فو الله لأنا أغير من سعد والله أغير منّي، ومن أجله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا شخص أغير من الله.
وفي تفسير العيّاشيّ عن عليّ بن أبي حمزة قال: سمعت أباعبد اللهعليهالسلام يقول: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما من أحد أغير من الله تبارك وتعالى، ومن أغير ممّن حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن؟.
وفيه عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله:( إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ) قال: هو الّذي يسمّى لملك الموت.
أقول: وقد تقدّمت روايات في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ) الأنعام: ٢.
( بحث روائي مختلط بغيره)
في تفسير القمّيّ في رواية أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) قال: خلقهم حين خلقهم مؤمناً وكافراً وشقيّاً وسعيداً، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتد وضالّ.
قال عليّ بن إبراهيم: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الشقيّ من شقي في بطن اُمّه والسعيد من سعد في بطن اُمّه.
أقول: الرواية وإن كانت عن أبي الجارود وهو مطعون غير أنّ القوم قبلوا ما رواه
عن أبي جعفرعليهالسلام في حال استقامته قبل إنحرافه عنه، على أنّ الآية قد فسّرت بمثل ما في هذه الرواية في غيرها كرواية إبراهيم اللّيثيّ عن أبي جعفرعليهالسلام وغيره، وقد وقع هذا المعنى في روايات اُخرى وارادة في تفسير آيات القدر، وهي روايات جمّة مختلفة يشترك جميعها في الدلالة على أنّ آخر الخلقة يشكلّ أوّلها، وعود الإنسان يناظر بدءه، وأنّ المهتدي في آخر أمره مهتد من أوّل، وأنّ الضالّ كذلك ضالّ من أوّل والشقيّ شقيّ في بدء خلقته والسعيد سعيد فيه، والروايات على اختلاف بياناتها كالآيات ليست في مقام إثبات السعادة والشقاوة الذاتيّتين بمعنى ما يقتضيه ذات الإنسان ويلزم ماهيّته كالزوجية للأربعة فإنّ ذلك ممّا لا ينبغي توهّمه إذ لو رجع إلى مجرّد التصوير العقليّ من غير مطابقة للواقع الخارجيّ لم يستلزم أثراً حقيقيّاً لتأخّر الوجود عن مهيّات الأشياء وعروضه لها في الذهن والخارج على خلافه، ولو رجع إلى اقتضاء ذاتيّ حقيقيّ تملك به الماهيّة الإنسانية سعادتها أو شقاوتها بحيث لا يبقى لله سبحانه في خلقه إلّا أن يظهر منها ما كان دفيناً في ذاته كامناً في باطنها كان في ذلك إبطال لإطلاق ملك الله سبحانه وتحديد لسلطانه، والكتاب والسنّة والعقل متعاضدة على نفيه.
على أنّ ذلك يوجب اختلال نظام العقل في جميع ما يبني عليه العقلاء في اُمورهم واتّفاقهم على توقّع التّأثير في باب التعليم والتربية، وتسالمهم على وجود ما يستتبع المدح والذمّ أو يتّصف بالحسن والقبح يدفعه.
وكذا يوجب لغويّة تشريع الشرائع وإنزال الكتب وإرسال الرسل، ولا معنى لإتمام الحجّة في الذاتيّات بأيّ معنى صوّرناها بعد ما كانت مستحيلة الانفكاك عن الذوات.
والكتاب الكريم يسلّم نظام العقل ويصدّق بناء الإنسان بنيان أعماله في الحياة على الاختيار، ويبيّن فيما يبيّن أنّ الله سبحانه خلق الإنسان من طين ثمّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثمّ أنبته نباتاً حسناً حتّى أنعم عليه بالبلوغ والعقل، يفعل باختياره ويميّز بين الحسن والقبيح، والخير والشرّ، والنفع والضرر والطاعة والمعصية، والثواب والعقاب بعقله، ثمّ أنعم عليه بتكاليف دينيّة فإن اتّبع عقله وأطاع ربّه فيما يأمره وينهاه كان
سعيداً وجوزي أحسن الجزاء، وإن خالف عقله واتّبع هواه وعصى ربّه كان شقياً وذاق وبال أمره، والدار دار امتحان وابتلاء، والعمل اليوم والجزاء غدا.
وأساس هذا البيان كما ترى - على قضيّتين اثنتين: إحداهما: أنّ بين الفعل الاختياريّ وغيره فرقاً، وهي قضيّة عقليّة ضروريّة، والثانية: أنّ الأفعال الاختياريّة تتّصف بحسن وقبح وتستتبع مدحاً وذمّاً وثواباً وعقابا، وهي قضيّة عقلائيّة لا يسع لعاقل أن ينكرها وهو واقع تحت النظام الاجتماعيّ الحاكم عليه مدى حياته.
وبالجملة لا مجال للقول بالسعادة والشقاوة الذاتيّتين بالمعنى المتقدّم أبداً فما ورد من الآيات والروايات الّتي تعطف آخر الأمر على أوّله إنّما تسند الأمر إلى الخلق والإيجاد دون ذات الإنسان بما أنّه إنسان، وقد عرفت أنّ ارتباط السعادة والشقاء بأفعال الإنسان الاختياريّة على ما تقتضيه القضيّتان المتقدّمتان ممّا لا يشوبه شكّ ولا يداخله ريب فما معنى هذه الآيات والروايات؟.
والروايات الوارادة في مطابقة العود إلى البدء على كثرتها البالغة تختلف في مضامينها وأنحاء بيانها طبقاً للآيات:
فمنها : ما دلّ على ذلك إجمالاً، وأنّ الله خلقهم حين خلقهم صنفين: شقيّ وسعيد، وكافر ومؤمن كرواية أبي الجارود المتقدّمة، وما مرّ في ذيل قوله تعالى:( هو الّذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ) آل عمران: ٦، من رواية الكافي في خلقة الجنين.
وهذا القسم من الروايات يحاذي قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ) التغابن: ٢، وقوله:( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ) النجم: ٣٢، وقوله تعالى:( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) الآية.
ولا كثير إشكال فيها فإنّ الآيات كما يشهد به سياقها ويدلّ عليه ذيل الأخيرة منها إنّما تدلّ على قضاء إجماليّ بكون النوع الإنسانيّ مشتملاً على فريقين، وإنّما يفصّل الإجمال، ويتعيّن كلّ من الطائفتين، وتتميّز من غيرها في مرحلة البقاء بأفعال اختياريّة تستتبع سعادة أو شقاوة، وتستدعي الإهتداء بالتوفيق أو أن يحقّ له الضلالة
بولاية الشياطين، وبعبارة اُخرى الّذي في بدء الخلقة قضاء مشروط ثمّ يخرج عن الاشتراط إلى الإطلاق بالأعمال الاختياريّة بعد ذلك.
ومنها: ما يدلّ تفصيلاً أنّ الله سبحانه خلق الناس مختلفين فمنهم من خلقه من طين الجنّة وإليه مرجعه، ومنهم من خلقه من طينة النار وإليها مآله ففي البصائر عن عليّ بن الحسينعليهالسلام أنّه قال: أخذ الله ميثاق شيعتنا معنا على ولايتنا لا يزيدون ولا ينقصون إنّ الله خلقنا من طينة علّيّين وخلق شيعتنا من طينة أسفل من ذلك، وخلق عدوّنا من طينة سجّين وخلق أوليائهم من طينة أسفل من ذلك.
أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة جدّاً.
وفي المحاسن عن عبد الله بن كيسان قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك أنا مولاك عبد الله بن كيسان فقال: أمّا النسب فأعرفه، وأمّا أنت فلست أعرفك، قال: قلت: ولدت بالجبل ونشأت بأرض فارس وأنا اُخالط الناس في التجارات وغير ذلك فأرى الرجل حسن السمت وحسن الخلق والأمانة ثمّ اُفتّشه فاُفتّشه عن عداوتكم، وأخالط الرجل وأرى فيه سوء الخلق وقلّة أمانة وزعارة ثمّ اُفتّشه فاُفتّشه عن ولايتكم فكيف يكون ذلك.
فقال: أما علمت يا ابن كيسان أنّ الله تبارك وتعالى أخذ طينة من الجنّة وطينة من النار فخلطهما جميعاً ثمّ نزع هذه من هذه فما رأيت من أولئك من الأمانة وحسن السمت وحسن الخلق فممّا مسّتهم من طينة الجنّة، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه، وما رأيت من هؤلاء من قلّة الأمانة وسوء الخلق والزعارة، فممّا مستهم من طينة النار، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه.
أقول: والروايات في هذا المعنى أيضاً كثيرة جدّاً.
وفي العلل عن حبة العرنيّ عن عليّعليهالسلام قال: إنّ الله خلق آدم من أديم الأرض فمنه السباخ، ومنه الملح، ومنه الطيّب فكذلك في ذرّيّته الصالح والطالح.
أقول: وحديث الخلق من طينة علّيّين وسجّين إشارة إلى قوله تعالى:( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ - إلى
أن قال -كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) المطفّفين: ٢١، أمّا الآيات فسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في محلّها، وأمّا الروايات فالرواية الأخيرة لا تخلو عن جهة بيان بمدلولها لمدلول ما تقدّم عليها.
وذلك أنّها تدلّ على أنّ المادّة الأرضيّة على اختلافها في أوصافها لها ارتباط بأحوال الإنسان وأوصافه من حيث الصلاح والطلاح على حسب ما نشاهده في الخارج أنّ اختلاف الموادّ لها تأثير مّا قطعيّ في اختلاف الصور الطارئة عليها والآثار البارزة منها وإن كان ذلك على الاقتضاء دون العلّيّة التامة.
فقولهعليهالسلام : إنّ الإنسان مخلوق من الطين ثمّ قوله: إنّ أصله من الجنّة أو من النار يفيد أنّ من الأرض ما هو من الجنّة ومنها ما هي من النار وإليهما يؤل فإنّها تصير إنساناً ثمّ يسلك إلى الجنّة أو إلى النار، وإنّما يسلك إلى كلّ منهما ما يناسبها في مادّة الخلقة فهذا الموجود الماديّ الأرضيّ هو الّذي يصفو فيدخل الجنّة ويكون طينه طين الجنّة، أو يزيد في التكدّر والانحطاط فيدخل النار فيكون وقوداً لها.
ويشعر به بعض الاشعار قوله تعالى حكاية عن أهل الجنّة:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ) الآية الزمر: ٧٤، فإنّ ظاهر الآية أنّ المراد من الأرض هو هذه الأرض يسكنها الإنسان ويموت فيها ويبعث منها، وهي المرادة من الجنّة، وإليه يشير أيضاً قوله تعالى:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) إبراهيم: ٤٨.
فكأنّ المراد بطينة الجنّة والنار في الروايات الطينة الّتي ستكون من أجزاء الجنّة أو النار، وخاصّة بالنظر إلى بعض تعبيراته كقولهعليهالسلام : من طينة علّيّين ومن طينة سجّين ومن طينة الجنّة ومن طينة النار.
وعلى هذا فالمراد أنّ الإنسان مأخوذ بحسب تركيب أجزاء بدنه من المادة الأرضيّة إمّا مادّة طيّبة أو مادّة خبيثة، وهي بحسب وصفها البارز فيها مؤثّرة في الإنسان في إدراكاته وعواطفه الباطنيّة وقواه ثمّ إذا شرعت قواه وعواطفه المناسبة لمادّته في العمل تأيّدت أعمال المادّة بأعمال العواطف والقوى وبالعكس ولم يزل على ذلك يشتدّ أمره حتّى يتمّ إنساناً سعيداً
أو شقياً على حسب ما نظمه الله من عمل الأسباب وأراده ولله فيه البداء بتسليط سبب آخر أقوى من الأسباب الموجودة الفعّالة يبدّل مجرى سير الإنسان ويمنع من تأثير الأسباب المخالفة له.
ترى الإنسان المتكوّن من نطفة صالحة غير مؤفة مربّاة في رحم سالمة وممدّة بأغذية صالحة في هواء سالم ومحيط سالم أشدّ استعداداً للسلوك في المسلك الإنسانيّ، وأوقد ذهناً وألطف إدراكاً، وأقوى للعمل فالأمزجة السالمة بالوراثة ثمّ بامداد النطفة بأسبابها وشرائطها كالمناطق المعتدلة أقرب إلى قبول الكمالات الإنسانيّة، والمناطق الرديئة ماءً وهواءً والصعبة الخشنة في أسبابها الحيويّة كالمناطق الاستوائيّة والقطبيّة أقرب إلى الخشونة والقسوة والبلادة من غيرها.
ثمّ الأمزجة السالمة من موانع لطف الإدراك تنشأ ذوات أرواح لطيفة لها عقول جيّدة وعواطف رقيقة تميل بالإنسان إلى ما فيه صلاح إنسانيّته من العقائد والإرادات والأعمال، وتقرّبه من الموادّ الحافظة للبقاء إلى ما يزيد في تأييد الروح في عمله ولا يزال يتعاكس التأثير حتّى يتمّ الأثر، ونظير الكلام جارٍ في جانب الشقاء قال تعالى:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت: ٦٩، وقال:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) الروم: ١٠ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ومع ما نعلم من تأثير الموادّ الأرضيّة في نحو حياة الإنسان السعيدة و الشقية لسنا نحصي من الأسباب الدخيلة في هذا الباب إلّا بعض الأسباب العامّة البيّنة الّتي ليس لها قدر تجاه ما نجهله منها كما سمعت من حديث سلامة مزاج الأبوين والغذاء الممدّ للبقاء والمنطقة من الأرض الّتي يعيش فيها الإنسان وغيرها، فهناك أسباب لا تحصى كثرة خفيّة عنّا، ومن شواهد ذلك نوادر الأفراد الّذين ينشأون في غير ما نحسبه منشأ لهم والله يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ.
وبالجملة سعادة الإنسان في حياته أعني سعادته في علمه وعمله لها ارتباط تام بطيّب موادّه الأصليّة فهي الّتي تقبل ما يناسبها من الروح، وهي الّتي تهتدي إلى الجنّة، و
كذلك شقاء الإنسان في علمه بترك العقل والعكوف على الأوهام والخرافات الّتي تزيّنها له عواطف الشهوة والغضب، وفي عمله بالتمتّع من لذائذ المادّة، والاكتناه والاسترسال في الشهوات الحيوانيّة والاستكبار عن كلّ حقّ لا يوافق هواه.
فهذان القبيلان من الأسباب الماديّة يسوقان الإنسان إلى الحقّ والباطل والسعادة والشقاء والجنّة والنار غير أنّهما مقتضيان من غير علّيّة تامّة، ولله سبحانه المشيّة فيهما والبداء بإظهار سبب آخر يقهر ما يخالفه من الأسباب، وقد تقدّم ما يدلّ عليه في حديث خلقة الجنين في أوائل سورة آل عمران.وفي معناه أحاديث اُخر تثبت لله المشيّة وجواز المحو والاثبات في الاُمور.
ويمكن أن توجّه هذه الأخبار بوجه آخر أدقّ يحتاج تعقّله إلى صفاء في الذهن وقدم صدق في المعارف الحقيقيّة، وهو أنّ السعادة والشقاوة في الإنسان إنّما تتحقّقان بفعليّة الإدراك واستقراره، والإدراك لتجرّده عن المادّة ليس بمقيّد بقيودها ولا محكومة بأحكامها ومنها الزمان الّذي هو مقدار حركتها، ونحن وإن كنّا نقدّر بالنظر إلى كون المادّة تنتهي بحركتها إلى هذه الفعليّة أنّ السعادة بعد زمان الحركة لكنّها بحسب حقيقة نفسها غير مقيّدة بالزمان فما بعد الحركة منها هو بعينه قبل الحركة وذلك نظير ما ننسب اُموراً حادثة إلى فعل الله سبحانه فنقيّد فعله بالزمان نقول: خلق الله زيداً في زمان كذا، وأهلك قوم نوح، ونجّى قوم يونس، وبعث محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) في عصر كذا فنقيّد فعله بالزمان وإنّما هو كذلك من حيث نظرنا إلى نفس الحادثة وكونها مأخوذة في نفسها من دون الزمان والحركة الّتي انتهت إلى وجودها وأمّا لو اُخذت مع زمانها وسائر قيود ذاتها على ما عليه الأمر في نفسه فالفعل الإلهيّ غير متقيّد بالزمان لأنّه موجد مجموع الحادث وزمانه وسائر ما يتقيّد به، وإن كنّا - بالنظر إلى اتّحاد مّا لفعله الحادث المتقيّد بالزمان - نقيّد فعله بالزمان كما نقول: اليوم علمت أنّ كذا كذا، ورأيته الساعة فنقيّد العلم باليوم والساعة وليس بمقيّد بهما لمكان تجرّده، وإنّما المتقيّد هو العمل الدماغيّ أو العصبيّ المادّيّ الّذي يصاحب العلم مصاحبة الاستعداد للمستعدّ له.
فالإنسان لمّا كان أنتهاؤه إلى تجرّد علميّ بالسعادة أو الشقاء - وإن كان مقارناً
لجنّة جسمانيّة أو نار كذلك على ما هو ظاهر الكتاب والسنّة - فما له من المآل في نفسه لا زمان له وصحّ أن يؤخذ قبل كما يؤخذ بعد، وأن يسمّى بدءً كما يسمّى عوداً فافهم ذلك.
ومنها: ما يدلّ على انتهاء خلقة الناس إلى الماء العذب الفرات والملح الاُجاج كما في العلل عن الصادقعليهالسلام قال: أنّ الله عزّوجلّ خلق ماءً عذباً فخلق منه أهل طاعته، وجعل ماءً مرّاً فخلق منه إهل معصيته ثمّ أمرهما فاختلطا فلولا ذلك ما ولد المؤمن إلّا مؤمناً ولا الكافر إلّا كافراً.
وفيه عن محمّد ابن سنان عن الصادقعليهالسلام قال: سألته عن أوّل ما خلق الله فقال: إنّ أوّل ما خلق الله عزّوجلّ ما خلق منه كلّ شئ.
قلت: جعلت فداك ما هو؟ قال: الماء.
قال: إنّ الله تبارك وتعالى خلق الماء بحرين أحدهما عذب، والآخر ملح، فلمّا خلقهما نظر إلى العذب فقال : يا بحر فقال: لبيك وسعديك.
قال: فيك بركتي ورحمتي ومنك أخلق أهل طاعتي وجنّتي، ثمّ نظر إلى الآخر فقال: يا بحر، فلم يجب فأعاد ثلاث مرّات: يا بحر، فلم يجب فقال: عليك لعنتي ومنك أخلق أهل معصيتي ومن أسكنته ناري ثمّ أمرهما أنّ يمتزجا فامتزجا.
قال: فمن ثمّ يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وفي تفسير العيّاشيّ عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه عنهعليهالسلام قال: إنّ الله قال لماء: كن عذباً فراتاً أخلق منك جنّتي وأهل طاعتي، وقال لماء: كن ملحاً اُجاجاً أخلق منك ناري وأهل معصيتي فأجرى الماءين على الطين، الحديث وهو طويل.
أقول: وفي معنى كلّ من هذه الاحاديث الثلاثة أحاديث كثيرة اُخرى مرويّة عن عليّ والباقر والصادق وغيرهمعليهمالسلام ، وإنّما أوردنا ما أوردناه بعنوان الاُنموذج.
وهذه الروايات تنتهي إلى مثل قوله تعالى:( وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ
مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) الفاطر: ١٢، وأنت ترى موقع الآية الثانية من الاُولى، وأنّها بمنزلة التمثيل لبيان مضمون الآية وشرح اختلاف الناس في أنفسهم في عين اتّحادهم في الإنسانيّة واشتراكهم في بعض المنافع والآثار.
وقد قال تعالى:( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) النبيّاء: ٣٠.
وقوله تعالى:( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ) الفرقان: ٥٤، وسيجئ بيان الآيات في محلّها.
وأمّا الروايات فإنّها - كما ترى - في معناها تعود قسمين:
احدهما: ما يذكر أنّ الماءين العذب الفرات والملح الاُجاج اُجريا على الطين الّذي خلق منه الإنسان فاختلف الطين باختلاف الماء، وهذا القسم يرجع إلى الصنف المتقدّم من الأخبار الدالّة على أنّ اختلاف الخلقة يعود إلى اختلاف الطينة المأخوذة لها فالكلام فيه كالكلام في أخبار الطينة وقد قدّمناه.
وثانيهما: ما دلّ على أنّ الخلقة أعمّ من خلقة الإنسان وغيره، حتّى الجنّة والنار تنتهى إلى الماء ثمّ اختلاف الماء منشأ لاختلاف الناس في السعادة والشقاوة أمّا اختلاف الخلقة باختلاف العذوبة والملوحة فيعود أيضاً إلى القسم الأوّل ويجري فيه الكلام السابق فإنّ القسم الأوّل من هذه الأخبار يعود كالمفسّر لهذا القسم الثاني ثمّ هما معاً كالمفسّر لأخبار الطينة السابقة.
وأمّا انتهاء الخلقة إلى أصل أوّليّ هو الماء فسيجئ البحث فيه فيما يناسبه من المحلّ إن شاء الله العزيز.
ومنها: ما دلّ على أنّ الاختلاف يعود إلى اختلاف الخلقة من النور والظلمة كما في العلل عن الصادقعليهالسلام قال: إنّ الله تبارك وتعالى خلقنا من نور مبتدع من نور سنخ ذلك النور في طينة من أعلى علّيّين، وخلق قلوب شيعتنا ممّا خلق منه أبداننا، وخلق أبدانهم من طينة دون ذلك فقلوبهم تهوي إلينا لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه، ثمّ قرأ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) . وإنّ الله تبارك
وتعالى خلق قلوب أعدائنا من طينة من سجّين، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وخلق قلوب شيعتهم ممّا خلق منه أبدانهم فقلوبهم تهوي إليهم، ثمّ قرأ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) .
أقول: وفي معناه روايات أخر، وهو في الحقيقة راجع إلى ما تقدّم من الروايات الدالّة على انتهاء الخلقة إلى طينة علّيّين وطينة سجّين، وإنّما يصير بعد خلقه من هذه الطينة نوراً وظلمة، ولعلّ ذلك لكون طينة السعادة ممّا يظهر به الحقّ وتنجلي به المعرفة بخلاف طينة الشقاوة الملازمة للجعل الّذي هو ظلمة وعمى فطينة السعادة نور، وكثيراً مّا يسمّى القرآن العلم والهدى نوراّ كمّا يسمّى الإيمان حياة قال تعالى:( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) الأنعام: ١٢٢.
وقال:( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ) البقرة: ٢٥٧، وفي كون النور أصلاً لخلقة طائفة من الموجودات كالأنبياء والملائكة واللّوح والقلم والعرش والكرسيّ والجنّة أخبار كثيرة اُخرى سيأتي بعضها فيما سيأتي إن شاء الله.
ومنها: ما دلّ على لحوق الأشقياء بالسعداء يوم القيامة وبالعكس كما في العلل بإسناده عن إبراهيم اللّيثي عن الباقرعليهالسلام في حديث طويل: ثمّ قال: أخبرني يا إبراهيم عن الشمس إذا طلعت وبدا شعاعها في البلدان أهو بائن من القرص؟ قلت: في حال طلوعه بائن.
قال: أليس إذا غابت الشمس اتّصل ذلك الشعاع بالقرص حتّى يعود إليه؟ قلت: نعم.
قال: كذلك يعود كلّ شئ إلى سنخه وجوهره وأصله فإذا كان يوم القيامة نزع الله عزّوجلّ سنخ الناصب وطينته مع أثقاله وأوزاره من المؤمن فيلحقها كلّها بالناصب، وينزع سنخ المؤمن وطينته مع حسنته وأبواب برّه واجتهاده من الناصب فيلحقها كلّها بالمؤمن.
أفترى هينها ظلماً وعدواناً؟ قلت: لا يا ابن رسول الله.قال: هذا والله القضاء الفاصل والحكم القاطع، والعدل البيّن، لا يسأل عمّا يفعل و هم يسألون هذا يا إبراهيم الحقّ
من ربّك فلا تكن من الممترين، هذا من حكم الملكوت.
قلت: يا ابن رسول الله وما حكم الملكوت؟ قال: حكم الله وحكم أنبيائه وقصّة الخضر وموسى حين استصحبه فقال: إنّك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا افهم يا إبراهيم واعقل، أنكر موسى على الخضر واستفظع أفعاله حتّى قال له الخضر: يا موسى ما فعلته عن أمري، وإنّما فعلته عن أمر الله عزّوجلّ الحديث.
أقول: الرواية تبني البيان على قوله تعالى:( لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ) الأنفال: ٣٧،وآيات أخر ذكرهاعليهالسلام في متن الرواية، والآية - كما ترى - تذكر أنّ الله سبحانه سيفصل يوم القيامة الطيّب من الخبيث ويميّز بينها تمييزا تاماً لا يبقى في قسم الطيّب من خلط الخباثة شئ، ولا في سنخ الخبيث من خلط الطيّب شئ ثمّ يجمع كلّ خبيث برّد بعضه إلى بعض وإلحاقّ بعضه ببعض، ويرجع الآثار والأعمال حينئذ إلى موضوعاتها، وتردّ الفروع إلى اُصولها لا محالة، ولازم ذلك اجتماع الحسنات جميعاً في جانب ورجوعها إلى سعادة الذات الّذي لا تمازجه شقاوة أصلا، واجتماع السيّئات جميعاً في جانب ورجوعها إلى منشإها الخالص في منشإيّته، وهو الّذي تبيّنه الرواية.
قولهعليهالسلام : أخبرني يا إبراهيم عن الشمس الخ تمثيل بظاهر الحس على كون الأثر مظهراً لمؤثره مسانخاً له قائماً به ملازماً لوجوده، وقولهعليهالسلام : هذا والله القضاء الفاصل الخ، هذا مع كونه بحسب بادئ النظر خلاف العدل مبنيّ على ما تحكم به الضرورة من وجوب المناسبة والسنخيّة بين الفاعل وفعله والمؤثّر وأثره، ولازمه الحكم بأنّ كلّ فعل من الأفعال إنّما يملكه من الفواعل ما يناسبه في ذاته لا ما لايناسبه، وإن كان قضاء النظر السطحيّ المعتمد على ظاهر الحسّ بخلافه.
فالفعل من حيث كونه حركات كذا وسكنات كذا فهو للموضوع الّذي يتحرّك ويسكن بها، وأمّا من حيث كونه معنى من المعاني حسنة أو سيّئة ومن آثار السعادة أو من آثار الشقاوة فإنّما هو لذات سعيدة أو شقيّة تناسبه في وصفه، ولو كان هناك موضوعان لهما حكمان مختلفان ثمّ وجد شئ من حكم كلّ في الآخر فإنّما هو الامتزاج وقع
بين الموضوعين واختلاط بمعنى أن وراء هذا الفعل موضوعه الأصلىّ القائم بأمره وإن ظهر في ظاهر النظر في غير موضوعه كالحرارة الظاهرة في الماء الّتي عاملها الاصليّ نار أو شمس مثلاً وإن كانت صفة بارزة في الماء ظاهرا فالحرارة للنار مثلا وإن ظهرت في الماء وهذا ممّا لا يرتاب فيه الخبير بالابحاث الحقيقيّة.
وعلى هذا تكون الحسنات للمحسنين ذاتاً والسعداء جوهراً وسنخاً، والسيّئات للمسيئين ذاتاً والاشقياء طينة وأصلا بحسب ظرف الحقيقة ووعاء الحقّ فهو الّذي يقتضيه العدل الحقيقيّ.
ولا يناقضه أمثال قوله تعالى:( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) الزلزال: ٨، وقوله:( أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) النجم: ٣٨ وقوله:( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) البقرة: ٢٨٦، إلى غير ذلك من الآيات الحاكمة بأنّ تبعة كلّ فعل إنّما هو لفاعله إن خيراً فخير و إن شرّاً فشرّ.
وذلك أنّ الّذي تحكم به الآيات في محلّه ولا يتخطاه لكن لمّا كان فاعل الفعل بحسب النظر الاجتماعيّ الدنيويّ هو الّذي تقوم به الحركة والسكون المسمّى فعلا فإليه تعود تبعة الفعل من مدح أو ذمّ أو ثواب أو عقاب دنيويّين، وأمّا بحسب النظر الحقيقيّ ففاعل الفعل الأصل الّذي يسانخه الفعل ويناسبه وهو غير من قامت به الحركات والسكنات المسمّاة فعلا ورجوع هذا الفعل وما له من الآثار الحسنة أو السيّئة إلى هذا الأصل ليس من رجوع تبعة الفعل إلى غير فاعله حتّى تناقضه الآيات الكريمة فهذا الحكم الباطنيّ الّذي يسميهعليهالسلام حكما ملكوتيّا في طول الحكم الظاهريّ الّذي نألفه في حياتنا الاجتماعيّة.
وإذا كان يوم القيامة هو اليوم الّذي تبلى فيه السرائر وتظهر فيه الحقائق ولا يحتجب الحقّ فيه بشئ - كما مرّت الإشارة إليه كراراً - كان هو مجلى هذا الحكم الملكوتي الّذي يلحقّ كلّ حكم بحقيقة موضوعه فيرجع به كلّ شئ إلى أصله قال تعالى:( وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) الزمر: ٤٧، وقال:( لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ق: ٢٢، وقال:( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ) الطور: ٢١، وقال:( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ) العنكبوت: ١٣.
ومن هنا يظهر وجه اختصاص هذا الحكم الملكوتيّ بيوم القيامة مع أنّ البرزخ وهو ما بين الموت والبعث أيضاً من ظروف المجازاة ومن أيّام الله، وذلك لأنّ الظاهر من كلامه تعالى أنّ البرزخ من تتمّة المكث الأرضي محسوب من الدنيا كما يدلّ عليه قوله تعالى:( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ) المؤمنون: ١١٤، وقوله:( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ ) الروم:٥٦.
فالحياة البرزخيّة كأنّها من بقايا الحياة الدنيويّة محكومة ببعض أحكامها، والناس فيها بعد في طريق التصفية والتخلّص إلى سعادتهم وشقاوتهم، والحكم الفصل الّذي يحتاج إلى السنخ الخالص والذات الممحوضة بعد هذه الحياة.
ومن هنا يظهر أيضاً سرّ ما يظهر في القرآن والحديث أنّ الله سبحانه يجازي الكفّار جزاء حسنتهم الّتي أتوا بها في الدنيا.
وأمّا في الآخرة فأعمالهم فيها حبط، ولا يقيم لهم يوم القيامة وزناً، وليس لهم فيها إلّا النار فافهم ذلك.
وقولهعليهالسلام :( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) تعليل منه لما بيّنه من الحكم الملكوتي بالآية، وذلك أنّ السؤال عن شئ سواء كان فعلاً فعله فاعل أو قضاءً قضي به قاضٍ أو خبراً أخبر به مخبر إنّما هو طلب من الفاعل أو القاضي أو المخبر أنّ يبيّن مطابقه ما أتى به الواقع ويطبّقه على الحقّ فإنّ ما نأتي به من الأمر إنّما هو محاذاة منّا للواقع الحقّ ولا ينقطع السؤال إلّا إذا بين لنا وجه الحقّ فيه وكونه مطابقاً للواقع أمّا إذا كان الفعل الّذي أتى به أو الحكم الّذي حكم به أو الخبر الّذي أخبر به مثلاً نفس الواقع بلا واسطة فلا معنى للسؤال البتّة.
فإذا سألك سائل مثلاً: لم ضربت اليتيم؟ أو لم قضيت أنّ المال لزيد؟ أو من أين أخبرت أنّ زيداً قائم؟ لم ينقطع السؤال دون أن تقول مثلاً: ضربته للتأديب، وأن تقول إنّ زيداً ورثه عن أبيه مثلاً وأن تريه زيداً وهو قائم مثلاً، وهذا هو الحقّ الواقع المسؤول عنه، وأمّا كون الأربعة زوجاً، أو كون العشرة أكبر من الخمسة أو بطلان حياة
زيد لو جزّ رأسه من بدنه مثلاً فهذه الامور نفس الواقع الحقّ ولا معنى لأن يسأل عن الأربعة لم صرت زوجا؟ أو عن العشرة لم صارت أكبر من الخمسة؟ أو عن فعل من الأفعال أو أثر من الآثار وعنده فاعله وغايته لم كان كما كان؟ أو لم فعل سببه التامّ ما فعل؟ فانّ ذلك هذر.
والله سبحانه فعله نفس الواقع الحقّ، وقوله نفس العين الخارجيّة ولا ينتهي إلى غيره فلا معنى للسؤال عنه بلم وكيف.
وجميع القضايا الحقّة الّتي نطبّق عليها عقائدنا أو أفعالنا لتكون حقّة إنّما هي مأخوذة من الخارج الّذي هو فعله فلا تحكم في شئ من فعله، وإنّما تلازم بوجه فعله ملازمة التابع للمتبوع والمنتزع للمنتزع منه فافهم، وبتقرير آخر الفعل الإلهيّ إنّما يظهر بالأسباب الكونّية فهي بمنزلة الآلات والادوات لا يظهر له فعل إلّا بتوسّطها، والسائل إنّما يسأل عن فعل من أفعاله لجهله بالأسباب مثلاً إذا مات زيد بسقوط حائط عليه بغتة سأل سائل: لم أهلك الله زيدا ولم يرحم شبابه ولا أبويه المسكينين؟ فإذا أجيب بانهدام الحائط عليه نقل السؤال إلى أنّه لم هدم عليه الحائط؟ فإذا أجيب بأنّ السماء أمطرت فاسترخت أصله ومال به الثقل فسقط وكان تحته زيد فمات به، نقل السؤال إلى إمطار السّماء وهلمّ جرّا، ولا يقع السؤال إلّا على أثر مجهول العلّة، وأمّا الأثر المعلوم العلّة فلا يقع عنه سؤال وليس إلّا أنّ السائل بجهله يقدّر لزيد حياة مستندة إلى علل ليس بينها هذه الّتي فاجأته بسلسلتها فتوهّم أنّ الله سبحانه فعل به ما فعل جزافاً من غير سبب ولذلك بادر إلى السؤال ولو أحاط بعلل الحوادث لم يسأل قط، وقد تقدّم بعض الكلام في قوله تعالى:( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ) الخ، في البحث عن اعتراضات إبليس في محاورته الملائكة.
و قولهعليهالسلام : حكم الله وحكم أنبيائه الخ، أي قضاؤه تعالى وقضاء أنبيائه بإذنه فإنّه تعالى إنّما يقضي ويحكم الحكم الحقّ الّذي بحسب حقيقة الأمر وباطنه لا بحسب الظاهر كما نحكم عليه بالاعتماد على الشواهد والأمارات.
فقد تبيّن معنى لحوق الحسنات وآثارها للذوات الطيّبة وسنخ النور، ولحوق السيّئات وآثارها للسنخ الظلمة والفساد والذوات الخبيثة، ويتبيّن بما تبيّن من معنى قوله:
( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ، الجواب عن شئ آخر ربّما يختلج بالبال في بادئ النظر وهو أنّه لم اختصّت الذوات الطيّبه وسنخ النور بالحسنات وآثارها، والذوات الخبيثة وسنخ الظلمة بخلافها؟ ولم استعقبت الحسنات النعمة الدائمة والجنّة الخالدة، واستعقبت السيّئات النقمة والنار.
والجواب: أنّها آثار واقعيّة عن روابط خارجيّة كما تقدّم بيّنه في البحث عن نتائج الأعمال لا أحكام وضعيّة اعتباريّة وأنّ بيّنت في لسان الشرع بنظائر ما تبيّن به تبعات أحكامنا الوضعيّة الاعتباريّة الواقعة في ظرف الاجتماع الإنساني تتميماً لنظام التشريع.
إذا عرفت ذلك علمت أنّ هذه الاختصاصات ترجع إلى روابط تكوينية بين ذوات الأشياء وآثارها الذاتيّة ولا سؤال في الذاتيّات غير أنّك ينبغي أنّ تتذكر ما تقدّم أنّ لزوم حكم لذات من الذوات ليس معناه استقلال ذاته باقتضاء ذلك الحكم والأثر، واستغناؤه عن الله سبحانه في إيجابه وضمّه لنفسه فهذا ممّا يدفعه البيان الإلهىّ في كتابه بل معناه لزومه لفعله الحقّ ولا سؤال عن ذلك كما اتّضح معناه.
وهذا هو الّذي يشير إليه قوله تعالى:( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ) الأعراف - ٥٨، فإنّما هو مثل مضروب لاقتضاء الذوات، وإنّما قيّده بقوله:( بِإِذْنِ رَبِّهِ ) دفعاً لتوهّم اللزوم الذاتيّ بمعنى استقلال الذوات في التأثير مستغنية عنه تعالى، في هذا المعنى ما ورد من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : جفّ القلم بالسعادة لمن آمن واتّقى.
( سورة الأعراف آية ٣٧ - ٥٣)
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ( ٣٧ ) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ ( ٣٨ ) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ( ٣٩ ) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( ٤٠ ) لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( ٤١ ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٤٢ ) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( ٤٣ ) وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( ٤٤ ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ ( ٤٥ ) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( ٤٦ ) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( ٤٧ ) وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ( ٤٨ ) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ( ٤٩ ) وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ( ٥٠ ) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( ٥١ ) وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( ٥٢ ) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( ٥٣ )
( بيان)
الآية الاُولى تفريع واستخراج من الخطاب العامّ الأخير المصدّر بقوله:( يَا بَنِي آدَمَ ) نظير التفريعات المذكورة لسائر الخطابات العامّة السابقة، وما يتلوها بيان لما يستتبعه الكذب على الله وتكذيب آياته من سوء العاقبة والإيمان بالله والعمل الصالح من السعادة الخالدة إلّا آيتين من آخرها فإنّ فيهما رجوعاً إلى أوّل الكلام وبياناً لتمام الحجّة عليهم بنزول الكتاب.
قوله تعالى: ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ) تفريع على ما تتضمّنه الآية السابقة من أعلام الشريعة العامّة المبلّغه بواسطة الرسل أي إذا كان الأمر على ذلك وقد أبلغ الله دينه العامّ جميع أولاد آدم وأخبر بما أعدّه من الجزاء للأخذ به وتركه فمن أظلم ممّن استنكف عن ذلك إمّا بافتراء الكذب على الله، ونسبة دين إليه، ووضعه موضع ما أتى به الرسل من دين التوحيد، وقد أخبر الله أنّهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغهم دينه، وإمّا بالتكذيب لآياته الدالّة على وحدانيته وما يتبعه من الشرائع.
ومن يظهر أن افتراء الكذب على الله وإن كان يعمّ كلّ بدعة في الدين أصوله وفروعه غير أنّ المورد هو الشرك بالله باتّخاذ آلهة دون الله، ويدلّ عليه ما سيأتي من قوله:( قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) .
قوله تعالى: ( أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا ) إلى آخر الآية.
المراد بالكتاب ما قضي وكتب أن يصيب الإنسان من مقدّرات الحياة من عمر ومعيشة وغنى وصحّة ومال وولد وغير ذلك، والدليل عليه تقييده بقوله:( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا ) الخ، والمراد به أجل الموت ومن المعلوم أنّه غاية للحياة الدّنيا بجميع شؤنها ومقارناتها.
والمراد بالنصيب من الكتاب السهم الّذى يختصّ كلّ واحد منهم من مطلق ما كتب له ولغيره، وفي جعل النصيب من الكتاب هو الّذي ينالهم، والأمر منعكس بحسب الظاهر
دلالة على أنّ النصيب الّذي فرض للإنسان وقضي له من الله سبحانه لم يكن ليخطئه البتّة وما لم يفرض له لم يكن ليصيبه البتّة.
والمعنى: أولئك الّذين كذّبوا على الله بالشرك أو كذّبوا بآياته بالردّ لجميع الدين أو شطر منه ينالهم نصيبهم من الكتاب، ونصيبهم ما قضي في حقّهم من الخير والشرّ في الحياة الدنيا حتّى إذا قضوا أجلهم وجاءتهم رسلنا من الملائكة وهم ملك الموت وأعوانة نزلوا عليهم وهم يتوفّونهم ويأخذون أرواحهم ونفوسهم من أبدانهم سألوهم وقالوا: أين ما كنتم تدعون من دون الله من الشركاء الّذين كنتم تدّعون أنّهم شركاء الله فيكم وشفعاؤكم عنده؟ قالوا ضلّوا عنّا وإنّما ضلّت أوصافهم ونعوتهم، وشهدوا على أنفسهم أنّهم كانوا كافرين بمعاينة حقيقة الأمر أنّ غير الله سبحانه لا ينفع ولا يضرّ شيئاً، وقد أخطأوا في نسبة ذلك إلى أوليائهم.
وفي مضمون الآية جهات من البحث تقدّمت في نظيرة الآية من سورة الأنعام وغيرها.
قوله تعالى: ( قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ) الخطاب من الله سبحانه دون الملائكة وإن كانوا في وسائط في التوفّي وغيره، والمخاطبون بحسب سياق اللّفظ هم بعض الكفّار وهم الّذين توفّيت قبلهم اُمم من الجنّ والإنس إلّا أنّ الخطاب في معنى: ادخلوا فيما دخل فيه سابقوكم ولا حقوكم وإنّما نظم الكلام هذا النظم ليتخلّص به إلى ذكر التخاصم الّذي يقع بين متقدّميهم ومتأخّريهم، وقد قال تعالى:( إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ) ص: ٦٤.
وفي الآية دلالة على أنّ من الجنّ اُمماً يموتون بآجال خاصّة قبل انتهاء أمد الدنيا على خلاف إبليس الباقي إلى يوم الوقت المعلوم.
قوله تعالى: ( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ) هذا من جملة خصامهم في النار وهو لعن كلّ داخل من تقدّم عليه في الدخول، واللّعن هو الإبعاد من الرحمة ومن كلّ خير والاُخت المثل.
قوله تعالى: ( حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا ) إلى آخر الآيتين، ادّاركوا أي
تداركوا أي أدرك بعضهم بعضاً اللّاحقون السابقين أي اجتمعوا في النار جميعاً.
والمراد بالاُولى والاُخرى اللّتين تتخاصمان ما هو كذلك بحسب الرتبة أو بحسب الزمان فإنّ الاُولى منهم مقاماً وهم رؤساء الضلال، وأئمّة الكفر المتبوعون أعانوا تابعيهم بإضلالهم على الضلال، وكذا الاُولى منهم زماناً وهم الأسلاف المتقدّمون أعانوا متأخّريهم على ضلالتهم لأنّهم هم الّذين جرّؤوهم بفتح الباب لهم وتمهيد الطريق لسلوكهم.
والضعف بالكسر فالسكون ما يكرّر الشئ فضعف الواحد اثنان وضعف الإثنين أربعة غير أنّه ربّما أريد به ما يوجب تكرار شئ آخر فقط كالإثنين يوجب بنفسه تكرار الواحد فضعف الواحد اثنان وضعفاًه أربعة، وربّما اُريد به ما يوجب التكرار بانضمامه إلى شئ كالواحد يوجب تكرار واحد آخر بانضمامه إليه لأنّهما يصيران بذلك إثنين فكلّ واحد من جزئي الإثنين ضعف وهما جميعاً ضعفاًن نظير الزوج فالاثنان زوج وهما زوجان وعلى كلا الاعتبارين ورد استعماله في كلامه تعالى، قال تعالى كما في هذه الاية( فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا ) وقال تعالى:( ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ ) .
وقوله:( قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا ) الخ، نوع من الالتفات لطيف في بابه فيه رجوع من مخاطبتهم بالمخاصّمة إلى مخاطبة الله سبحانه بالدعاء عليهم معلّلاً بظلمهم فيفيد فائدة التكنية بالإشارة إلى الملزوم وإفادة الملازمة، وفيه مع ذلك نوع من الإيجاز فإنّ فيه اكتفاءً بمحاورة واحدة عن محاورتين، والتقدير قالت اُخراهم لاُولاهم أنتم أشدّ ظلماً منّا لأنّكم ضالّون في أنفسكم وقد أضللتمونا فليعذّبكم الله عذاباً ضعفاً من النار، ثمّ رجعوا إلى ربّهم بالدعاء عليهم وقالوا ربّنا هؤلاء إضلّونا فآتهم عذاباً.الخ، فأجابهم الله وقال لكلّ ضعف ولكن لا تعلمون، ثمّ أجابتهم اُولاهم وقالوا: فما كان لكم علينا من فضل الخ.
فمعنى الآية:( حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا ) واجتمعوا بلحوق اُخراهم لاُولاهم( فِيهَا ) إي في النار تخاصموا( قَالَتْ أُخْرَاهُمْ ) وهم اللاحقون مرتبة أو زماناً من التابعين( لِأُولَاهُمْ ) وهم الملحوقون المتبوعون من رؤسائهم وأئمّتهم، ومن آبائهم والأجيال السابقة
عليهم زماناً الممهّدين لهم الطريق إلى الضلال أنتم أضللتمونا بإعانتكم عليه فلتعذّبوا بأشدّ من عذابنا فسألوا ربّهم ذلك وقالوا:( رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ) يكون ضعف عذابنا لأنّهم ضلّوا في أنفسهم وأضلّوا غيرهم بالاعانة( قَالَ ) الله سبحانه لكلّ من الاُولى والاخرى( ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ ) أمّا اُولاكم فإنّهم ضلّوا و أعانوكم على الضلال، وأمّا أنتم فإنّكم ضللتم وأعنتموهم على الإضلال باتّباع أمرهم وإجابة دعوة الرؤساء منهم، وتكثير سواد السابقين منهم باللحوق بهم( وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ ) فإنّ العذاب إنّما يتحقّق أو يتمّ في مرحله الإدراك والعلم وأنتم تشاهدونهم أمثال أنفسكم في شمول العذاب وإحاطة النار فتتوهّمون أنّ عذابهم مثل عذابكم وليس كذلك بل لهم من العذاب ما لا طريق لكم إلى إدراكه والشعور به كما أنّهم بالنسبة إليكم كذلك فما عندكم وعندهم من العذاب ضعف ولكن إحاطه العذاب شغلكم عن العلم بذلك.
وهذا خطاب إلهىّ مبنيّ على القهر والإذلال فيه تعذيب لهم يسمعه أولاهم واُخراهم جميعاً فتعود به أولاهم لاُخراهم بالتهكّم وتقول كما حكى الله:( وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ) بخفّة العذاب( فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ) في الدنيا من الذنوب والآثام.
قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ ) إلى آخر الآية.
السمّ هو الثقب وجمعه السموم، والخياط والمخيط الإبرة.
والّذي نفاه الله تعالى من تفتيح أبواب السماء مطلق في نفسه يشمل الفتح لولوج أدعيتهم وصعود أعمالهم ودخول أرواحهم غير أنّ تعقيبه بقوله:( وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ) الخ، كالقرينة على أنّ المراد نفي أنّ يفتح بابها لدخولهم الجنّة فإنّ ظاهر كلامه سبحانه أنّ الجنّة في السماء كما هو في قوله:( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) الذاريات: ٢٢.
وقوله:( حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) من التعليق بالمحال وإنّما يعلّق الأمر بالمحال كناية عن عدم تحقّقّه وإياساً من وجوده كما يقال: لا أفعل كذا حتّى يشيب الغرب ويبيض الفار، وقد قال تعالى في موضع آخر في هذا المعنى:( وَمَا هُم بِخَارِجِينَ
مِنَ النَّارِ ) البقره: ١٦٧، والآية في معنى تعليل مضمون الآية السّابقة والباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ) الخ.
جهنّم اسم من أسماء نار الآخرة الّتي بها التعذيب، وقد قيل: إنّه مأخوذ من قولهم( بئر جهنام) أي بعيدة العقر وقيل: فارسيّ معرّب، و( الْمِهَادُ ) الوطاء الّذي يفترش، ومنه مهد الصبيّ والغواشي جمع غاشية وهي ما يغشى الشئ ويستره ومنه غاشية السرج.
وقد اُفيد بقوله:( لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ) أنّهم محاطون بالعذاب من تحتهم ومن فوقهم، والباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) الخ.
الآية ما يتلوها لتتميم بيان حال الطائفتين الكفّار والمؤمنين، ولتكون كالتوطئة لقوله الآتي:( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ ) الخ.
وقوله:( لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) مسوق للتخفيف وتقوية الرجاء في قلوب المؤمنين فإنّ تقييد الإيمان بعمل الصالحات - والصالحات جمع محلّى باللّام وهو يفيد الاستغراق - يفيد بظاهره لزوم العمل بجميع الصالحات حتّى لا يشذّ عنها شاذّ، وما أقلّ من وفّق لذلك من طبقة أهل الإيمان ويسدّ ذلك باب الرجاء على أكثر المؤمنين فذكر الله سبحانه أنّ التكليف على قدر الوسع فمن عمل من الصالحات ما وسعه أن يعمله من غير أن يشقّ على نفسه ويتحمّل ما لا طاقة له به بعد الإيمان بالله فهو من أهل هذه الآية، ومن أصحاب الجنّة هم فيها خالدون.
قوله تعالى: ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ) الغلّ هو الحقد وضغن القلوب وعداوتها، وفي مادّتها معنى التوسّط باللّطف والحيلة ومنه الغلالة وهي الثوب المتوسّط بين الدثار والشعار، وغلّ الصدور من أعظم ما ينغّص عيش الإنسان، وما من إنسان يعاشر إنساناً ويأتلف به إلّا وائتلافه مشروط بأن يوافقه فيما يراه ويريده فإذا شاهد من حاله ما لا يرتضيه جاش صدره بالغلّ وراحت الألفة وتنغّصت العيشة فإذا ذهب الله سبحانه بغلّ الصدور لم يسؤ الإنسان ما يشاهده من أليفه على الإطلاق
وهي اللّذّة الكبرى وفي قوله:( تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ) إشارة إلى أنّهم ساكنون في قصورها العالية.
قوله تعالى: ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا - إلى قوله -بِالْحَقِّ ) في نسبة التحميد إليهم دلالة على أنّ الله سبحانه يخلصهم لنفسه فلا يوجد عندهم اعتقاد باطل ولا عمل سيّء كما قال تعالى:( لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ) الواقعة ٢٦، فيصحّ منهم تحميد الله سبحانه ويقع توصيفهم موقعه فليس توصيفه تعالى بحيث يصيب غرضه ويقع موقعه بذلك المبتذل حتّى يناله كلّ نائل، قال تعالى:( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) الصافّات: ١٦٠، وقد تقدّم القول في معنى الحمد وخصوصيّة حمده تعالى في تفسير سورة الحمد.
وفي قولهم:( هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) إشارة إلى اختصاص الهداية به تعالى فليس إلى الإنسان من الأمر شئ.
وفي قولهم:( لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ) إعتراف بحقّيّة ما وعدهم الله تعالى بلسان أنبيائه، وهو الّذي يأخذون الإعتراف به من أصحاب النار على ما تقصّه الآية التالية، وفي هذا الإعتراف وسائر الإعترافات المأخوذة من الفريقين يوم القيامة من قبل مصدر العظمة والكبرياء ظهور منه تعالى بالقهر وتمام الربوبيّة، ويكون ذلك من أهل الجنّة شكراً، ومن أهل النار تماماً للحجّة.
وإعتراف أهل الجنّة بحقّيّة ما وعدهم الله سبحانه بواسطة رسله هو من الحقائق العالية القرآنيّة وإن كان بحسب ساذج النظر معنى بسيطاً مبتذلاً، ولعلّنا نوفّق لشطر من البحث فيه في ذيل الكلام على هذه الآيات.
قوله تعالى: ( وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) في الإشارة بلفظ البعيد - تلكم - إشارة إلى رفعة قدر الجنّة وعلوّ مكانها فإنّ ظاهر السياق - كما قيل - أنّ النداء إنّما هو حين كونهم في الجنّة، وقد جعلت الجنّة إرثاً لهم في قبال عملهم وإنّما يتحقّق الإرث فيما إذا كان هناك مال أو نحوه ممّا ينتفع به وهو في معرض انتفاع شخص ثمّ زال عنه الشخص فبقي لغيره يقال: ورث فلان أباه أي مات وترك مالاً
بقي له، والعلماء ورثة الأنبياء أي مختصّون بما تركوا لهم من العلم، ويرث الله الأرض أي إنّه كان خوّلهم ما بها من مال ونحوه وسوف يموتون فيبقى له ما خوّلهم.
وعلى هذا فكون الجنّة إرثاً لهم اُورثوها معناه كونها خلقت معروضة لأن يكسبها بالعمل المؤمن والكافر جميعاً غير أنّ الكافر زال عنها بشركه ومعاصيه فتركها فبقيت للمؤمن فهو الوارث لها بعمله، ولولا عمله لم يرثها، قال تعالى:( أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ ) المؤمنون: ١١.
وقال تعالى: حكاية عن أهل الجنّة:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ) الزمر: ٧٤.
وهذا أوضح ممّا ذكره الراغب في المفردات إذ قال: الوراثة والإرث انتقال قنية إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد، وسمّي بذلك المنتقل عن الميّت فيقال للقنية الموروثه ميراث وارث وتراث فقلبت الواو ألفاً وتاءً قال: وتأكلون التراث، وقالعليهالسلام : اثبتوا على مشاعركم فإنّكم على إرث أبيكم أي أصله وبقيّته.
قال الشاعر:
فنظر في صحف كالربا |
ط فيهنّ إرث كتاب محي |
قال: ويقال لكلّ من حصل له شئ من غير تعب: قد ورث كذا ويقال لكلّ من خول شيئاً مهنّأ: اُورث، قال تعالى: تلك الجنّة التى اُورثتموها، أولئك هم الوارثون الّذين يرثون.
وقوله: ويرث من آل يعقوب فإنّه يعني وراثة النبوّة والعلم والفضيلة دون المال فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتّى يتنافسوا فيه بل قلما يقتنون المال ويملكونه ألا ترى أنّه قالعليهالسلام :( أنا معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة) نصب على الاختصاص فقد قيل: ما تركناه هو العلم وهو صدقة يشترك فيها الأمّة وما روي عنهعليهالسلام من قوله( العلماء ورثة الأنبياء) فإشارة إلى ما ورثوه من العلم واستعمل لفظ الورثة لكون ذلك بغير ثمن ولا منّة، وقال لعلىّ رضى الله عنه: أنت أخي ووارثي.
قال: وما أرثك؟ قال: ما ورثت الأنبياء قبلي كتاب الله وسنّتي، ووصف الله تعالى نفسه بأنّه الوارث من حيث إنّ الأشياء كلّها صائره إلى الله تعالى (انتهى كلامه).
وإنّما كان ما قدّمناه أوضح ممّا ذكره لصعوبة إرجاع ما ذكره من المعاني إلى
أصل واحد هو معنى المادّة.
قوله تعالى: ( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ ) إلى آخر الآية.
هذا في نفسه أخذ إعتراف من أصحاب النار بتوسّط أصحاب الجنّة وواقع موقع التهكّم والسخريّة يتهكّم ويسخر به أصحاب الجنّة من أصحاب النار.
والاستهزاء والسخريّة إنّما يكون من اللغو الباطل إذا لم يتعلّق به غرض حقّ كالاستهزاء بالحقّ وأهله أمّا إذا كان لغرض المقابلة والمجاراة أو لغرض آخر حقّ من غير محذور فليس من قبيل اللّغو الّذي لا يصدر عن أهل الجنّة قال تعالى حكاية عن نوحعليهالسلام :( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) هود: ٣٨، وقال:( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ - إلى أنّ قال -فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ) المطفّفين: ٣٤.
وأمّا الفرق بين قولهم:( مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا ) وقولهم:( مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ ) حيث ذكر المفعول في الوعد الأوّل دون الثاني فلعلّ ذلك للدلالة على نوع من التشريف فإنّ الظاهر أنّ المراد بما وعد الله جميع ما وعده من الثواب والعقاب العامّة الناس.
وهناك وجه آخر وهو أنّ متعلّق إعتراف المؤمنين وإنكار الكفّار من أمر المعاد مختلف في الدنيا فإنّ المؤمنين يثبتون البعث بجميع خصوصيّاته الّتي بيّنها الله لهم ووعدها إيّاهم، وأمّا الكفّار المنكرون فإنّهم ينكرون أصل البعث الّذي اشترك في الوعد به المؤمنون والكفّار جميعاً، ولذلك احتجّ الله سبحانه ويتمّ الحجّة عليهم بأصله دون خصوصيّاته كقوله تعالى:( وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ) الأنعام: ٣٠، وقوله:( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ) الحقّاف: ٣٤.
وعلى هذا فقولهم:( أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّاً ) إعتراف منهم بحقّيّة ما وعدهم الله وكانوا يذعنون به ويشهدون من جميع خصوصيّات البعث بما قصّهم الله في الدنيا بلسان أنبيائه، وأمّا الكفّار فقد كانوا ينكرون أصل البعث والعذاب، وهو ممّا يشتركون فيه هم والمؤمنون فلذا قيل:( فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ) ولم يقل ما وعدكم ربّكم لأنّ
الوعد بأصل البعث والعذاب لم يكن مختصّاً بهم.
وبذلك يظهر الجواب عمّا قيل: إنّ الوفاء بالوعد واجب دون الوفاء بالوعيد على ما ذكره المتكلّمون فما معنى أخذ الإعتراف بحقّيّة ما ذكره الله من عقاب الكفّار والمجرمين وأنذرهم به في الدنيا، وليس تحقّقّه بلازم.
وذلك أنّ الملاك فيما ذكروه من الفرق أنّ الثواب حقّ العامل على وليّ الثواب الّذي بيده الأمر، والعقاب حقّ الوليّ المثيب على العامل، ومن الجائز أنّ يصرف الشخص نظره عن أعمال حقّ نفسه لكن لا يجوز إبطال حقّ الغير فإنجاز الوعد واجب دون إنجاز الوعيد، وهذا إنّما يتمّ في موارد الوعيد الخاصّة ومصاديقه في الجملة، وأمّا عدم إنجاز أصل العقاب على الذنب وإبطال أساس المجازاة على التخلّف فليس كذلك إذ في إبطاله إبطال التشريع من أصله وإخلال النظام العامّ.
وربّما وجّه الفرق في قوليه:( وَعَدَنَا رَبُّنَا ) ( وَعَدَ رَبُّكُمْ ) بأنّ المراد بقوله:( وَعَدَنَا ) ما وعد الله المتّقين من خصوصيّات ما يعاملهم به يوم القيامة وبقوله:( وَعَدَ رَبُّكُمْ ) عموم ما وعد به المؤمنين والكفّار من الثواب والعقاب يوم القيامة كالّذي في قوله: يا بنى آدم إمّا( يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ) إلى آخر الآيتين.
ومن المعلوم أنّ هذا الوعد لا يختصّ بالكفّار حتّى يقال: وعدكم ربّكم بل التعبير الحقّ وعد ربّكم.
وفيه: أنّ أصل الفرق لا بأس به لكنّه لا يقطع السؤال فللسائل أن يعود فيقول ما هو السبب الفارق في أنّ أصحاب الجنّة لمّا أوردوا إعتراف نفسهم اقتصروا بذكر ما يخصّهم من أمور يوم القيامة، وأمّا إذا سألوا أصحاب النار سألوهم عن جميع ما وعد الله به المؤمنين والكفّار؟ وبعبارة اُخرى هناك ما يشترك فيه الطائفتان وما يختصّ به كلّ منهما فما بالهم إذا اعترفوا هم أنفسهم اعترفوا بما يختصّ بأنفسهم ويسألون أصحاب النار الإعتراف بما يشترك فيه الجميع؟
وربّما وجّه الفرق بأنّ المراد بقوله( مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ ) الّذي وعده أصحاب الجنّة من أنواع الثواب الجزيل فإن أصحاب النار يشاهدون ذلك كما يجدون ما بهم من أليم
العقاب.وهو وجه سخيف على سخفته لا يغني طائلا.
وقوله:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) تفريع على تحقّق الإعتراف من الطائفتين جميعاً على حقّيّة ما وعده الله سبحانه، والأذان هو قوله:( لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) وهو إعلام عامّ للفريقين - والدليل عليه ظاهر قوله:( بَيْنَهُمْ ) بقضاء اللّعنة وهي الإبعاد والطرد من الرحمة الإلهيّة على الظالمين وقد فسّر الظالمين الّذين ضربت عليهم باللّعنة بقوله:( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ ) فهم الكافرون المنكرون للآخرة الّذين يصدّون عن سبيل الله محرفة منحرفة، ويصرفون غيرهم عن سلوك الصراط المستقيم فهؤلاء هم المعاندون للحقّ المنكرون للمعاد.
وهذا الوصف يشمل جميع المعاندين للحقّ الكافرين بالجزاء حتّى المنكرين للصانع الّذين لا يدينون بدين فإنّ الله سبحانه يذكر في كتابه أنّ دينه وسبيله الّذي يهدي إليه وبه هو سبيل الإنسانيّة الّذي تدعو إليه الفطرة الإنسانيّة والخلقة خصّ بها الإنسان ليس وراءه إسلام ولا دين.
فالسبيل الّذي يسلكه الإنسان في حياته هو سبيل الله وصراطه وهو الدين الإلهىّ فإن سلكه على استقامة ما تدعو إليه الفطرة وهو الّذي يسوقه إلى سعادته كان هو الصراط المستقيم والإسلام الّذي هو الدين عند الله وسبيل الله الّذي لا عوج فيه، وإن سلك غير ذلك سواء كان فيه إذعان باُلوهيّة وعبادة لمعبود كالملل والأديان الباطلة أو لم يكن فيه خضوع لشئ وعبادة لمعبود كالمادّيّة المحضة فهو سلوك يبغون فيه سبيل الله عوجاً وهو الإسلام محرّفاً عن وجهه، ونعمة الله الّتي بدّلت كفراً، فافهم ذلك.
وقد أبهم الله هذا الّذي يخبر عنه بقوله:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) ولم يعرفه من هو؟ أمن الإنس أم من الجنّ أم من الملائكة؟ لكنّ الّذي يقتضيه التدبّر في كلامه تعالى أنّ يكون هذا المؤذّن من البشر لا من الجنّ لا من الملائكه: أمّا الجنّ فلم يذكر في شئ من تضاعيف كلامه تعالى أن يتصدّى الجنّ شيئاً من التوسّط في أمر الإنسان من لدن وروده في عالم الآخرة وهو حين نزول الموت إلى أنّ يستقرّ في جنّة أو نار فيختم أمره فلا موجب لاحتمال كونه من الجنّ.
وأمّا الملائكة فإنّهم وسائط لأمر الله وحملة لإرادته بأيديهم إنفاذ الأوامر الإلهيّة، وبوساطتهم يجري ما قضى به في خلقه، وقد ذكر الله سبحانه أشياء من أمرهم وحكمهم في عالم الموت وفي جنّة الآخرة ونارها كقولهم للظالمين حين القبض:( أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ) إلخ، الأنعام: ٩٣ وقولهم لاهل الجنّة:( سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ) الخ، النحل: ٣٢ وقول مالك لأهل النار:( إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ) الخ، الزخرف: ٧٧، ونظائر ذلك.
وأمّا المحشر وهو حظيرة البعث والسؤال والشهاده وتطاير الكتب والوزن والحساب والظرف الّذي فيه الحكم الفصل فلم يذكر للملائكة فيه شئ من الحكم أو الأمر والنهي ولا لغيرهم صريحاً إلّا ما صرّح تعالى به في حقّ الإنسان.
كقوله تعالى في أصحاب الأعراف في ذيل هذه الآيات حكاية عنهم:( وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ) وقولهم لجمع من المؤمنين هناك:( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) و هذا حكم وأمر وتأمين بإذن الله، وقوله تعالى فيما يصف يوم القيامة:( قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ) النحل: ٢٧ وقوله تعالى بعد ذكر سؤاله أهل الجمع عن مدّة لبثهم في الأرض:( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) الروم: ٥٦.
فهذه جهات من تصدّي الشؤون، والقيام بالأمر يوم القيامة حبا الله الإنسان به دون الملائكة مضافاً إلى أمثال الشهادة والشفاعة اللتين له.
فهذا كلّه يقرّب إلى الذهن أن يكون هذا المؤذّن من الإنسان دون الملائكة ويأتي في البحث الروائي ما له تعلّق بالمقام.
قوله تعالى: ( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ) الحجاب معروف وهو الستر المتخلّل بين شيئين يستر أحدهما من الآخر.
والأعراف أعالي الحجاب، والتلال من الرمل والعرف للديك وللفرس وهو الشعر فوق رقبته وأعلا كلّ شئ ففيه معنى العلوّ على أيّ حال، وذكر الحجاب قبل الأعراف، وما ذكر بعده من إشرافهم على الجميع وندائهم أهل الجنّة والنار جميعاً كلّ ذلك يؤيّد أن يكون المراد
بالأعراف أعالي الحجاب الّذي بين الجنّة والنار وهو المحلّ المشرف على الفريقين أهل الجنّة وأهل النار جميعاً.
والسيماء العلامة قال الراغب: السيماء والسيمياء العلامة، قال الشاعر:
له سيمياء لا تشقّ على البصر
وقال تعالى:( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم ) وقد سوّمته أي أعلمته، ومسوّمين أي معلّمين (انتهى).
والّذي يعطيه التدبّر في معنى هذه الآية وما يلحق بها من الآيات أنّ هذا الحجاب الّذي ذكره الله تعالى إنّما هو بين أصحاب الجنّة وأصحاب النار فهما مرجع الضمير في قوله:( وَبَيْنَهُمَا ) وقد أنبأنا الله سبحانه بمثل هذا المعنى عند ذكر محاورة بين المنافقين والمؤمنين يوم القيامة بقوله:( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) الحديد: ١٣، وإنّما هو حجاب لكونه يفرّق بين الطائفتين ويحجب إحداهما عن الاُخرى لا أنّه ثوب منسوج محيط على هيأة خاصّة معلّق بين الجنّة والنار.
ثمّ أخبر الله سبحانه أنّ على أعراف الحجاب وأعاليه رجالاً مشرفين على الجنبين لارتفاع موضعهم يعرفون كلّا من الطائفتين أصحاب الجنّة وأصحاب النار بسيماهم وعلامتهم الّتي تختصّ بهم.
ولا ريب في أنّ السياق يفيد أنّ هؤلاء الرجال منحازون على الطائفتين متميّزون من جماعتهم فهل ذلك لكونهم خارجين عن نوع الإنسان كالملائكة أو الجنّ مثلاً، أو لكونهم خارجين عن أهل الجمع من حيث ما يتعلّق بهم من السؤال والحساب وسائر الشؤون الشبيهة بهما فيكون بذلك أهل الجمع منقسمين إلى طوائف ثلاث: أصحاب الجنّة، وأصحاب النار، وأصحاب الأعراف، كما قسّمهم الله في الدنيا إلى طوائف ثلاث: المؤمنين والكفّار والمستضعفين الّذين لم تتمّ عليهم الحجّة وقصروا عن بلوغ التكليف كضعفاء العقول من النساء والاطفال غير البالغين والشيخ الهرم الخرف والمجنون والسفيه وضربهم، أو لكونهم مرتفعين عن
موقف أهل الجمع بمكانتهم؟.
لا ريب أنّ إطلاق لفظ( رِجَالٌ ) لا يشمل الملائكة فإنّهم لا يتصّفون بالرجوليّة والاُنوثيّة كما يتصّف به جنس الحيوان وإن قيل: إنّهم ربّما يظهرون في شكل الرجال فإنّ ذلك لا يصحّح الاتّصاف والتسمية، على أنّه لا دليل يدلّ عليه.
ثمّ إنّ التعبير بمثل قوله:( رِجَالٌ يَعْرِفُونَ ) إلخ، وخاصّة بالتنكير يدلّ بحسب عرف اللّغة على اعتناء تامّ بشأن الأفراد المقصودين باللّفظ نظراً إلى دلالة الرجل بحسب العدّة على الإنسان القويّ في تعقّله وإرادته الشديد في قوامه.
وعلى ذلك يجري ما يوجد في كلامه تعالى من مثل هذا التعبير كقوله تعالى:( رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ) النور: ٣٧، وقوله:( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ) التوبه: ١٠٨، وقوله:( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) الاحزاب: ٢٣، وقوله:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم ) يوسف: ١٠٩ حتّى في مثل قوله:( مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ ) ص: ٦٢، وقوله:( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ ) الجنّ: ٦.
فالمراد برجال في الآية أفراد تامون في إنسانيتهم لا محالة، وإن فرض أنّ فيهم أفراداً من النساء كان من التغليب.
وأمّا المستضعفون فإنّهم ضعفاء أفراد الإنسان لا مزيّة في أمرهم توجب الاعتناء بشأنهم، وفيهم النساء والاطفال حتّى الأجنّة، ولا فضل لبعضهم على بعض، ولرجالهم على غيرهم حتّى يعبّر به عنهم بالرجال تغليباً فلو كانوا هم المرادين بقوله( رِجَالٌ يَعْرِفُونَ ) الخ، لكان حقّ التعبير أنّ يقال: قوم يعرفون الخ، أو اُناس أو طائفة أو نحو ذلك كما هو المعهود من تعبيرات القرآن الكريم في أمثال هذه الموارد كقوله تعالى:( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ ) الأعراف: ١٦٤، وقوله:( إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) الأعراف: ٨٢، وقوله:( فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ) الصفّ: ١٤.
على أنّ ما يصفهم الله تعالى به في الآيات التالية من الاوصاف ويذكرهم به من الشؤون اُمور تأبى إلّا أن يكون القائمون به من أهل المنزلة والمكانة، وأصحاب القرب والزلفى
فضلاً أن يكونوا من الناس المتوسّطين فضلاً أن يكونوا من المستضعفين.
فأوّل : ذلك أنّهم جعلوا على الأعراف ووصفوا بأنّهم مشرفون على أهل الجمع عامّة ومطلّعون على أصحاب الجنّة وأصحاب النار يعرفون كلّ إنسان منهم بسيماه الخاصّ به ويحيطون بخصوصيّات نفوسهم وتفاصيل أعمالهم، ولا ريب أنّ ذلك منزلة رفيعة يختصّون بها من بين الناس وليست مشاهدة جميع الناس يوم القيامة وخاصّة بعد دخول الجنّة والنار أمراً عامّاً موجوداً عند الجميع فإنّ الله يقول حكاية عن قول أهل النار:( مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ ) ص: ٦٢، وقولهم:( رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ) حم السجدة: ٢٩، وقال:( لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) عبس: ٣٧.
وليس معنى السيماء أنّ يعلّم المؤمنون والكفّار بعلامة عامّة يعرف صنفهم بها كلّ من شاهدهم كبياض الوجه وسواده مثلاً فإنّ قوله تعالى في الآية التالية:( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ) يفيد أنّهم ميّزوا خصوصيّات من أحوالهم وأعمالهم من سيماهم ككونهم مستكبرين أولي جمع وقد أقسموا كذا وكذا، وهذه اُمور وراء الكفر والإيمان في الجملة.
وثانياً : أنّهم يحاورون الفريقين فيكلّمون أصحاب الجنّة ويحيونهم بتحيّة الجنّة، ويكلّمون أئمّة الكفر والضلال والطغاة من أهل النار فيقرّعون عليهم بأحوالهم وأقوالهم مسترسلين في ذلك من غير أن يحجزهم حاجز، وليس التكلّم بمجاز يومئذ إلّا للأوحديّ من عباد الله الّذين لا ينطقون إلّا بحقّ قال تعالى:( لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) النبأ: ٣٨، وهذا وراء ما يناله المستضعفون.
وثالثا: أنّهم يؤمّنون أهل الجنّة بالتسليم عليهم ثمّ يأمرونهم بدخول الجنّة في أمر مطلق على ما هو ظاهر السياق في الآيات التالية.
ورابعاً: أنّه لا يشاهد فيما يذكره الله من مكانتهم وما يحاورون به أصحاب الجنّة والجبابرة المستكبرين من أصحاب النار شئ من آثار الفزع والقلق عليهم ولا اضطراب في
أقوالهم، ولم يذكر أنّهم محضرون فيه مختلطون بالجماعة داخلون فيما دخلوا فيه من الأهوال الّتي تجعل الأفئدة هواءً والجبال سراباً، وقد قال تعالى:( فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) الصافات: ١٢٨، فجعل ذلك من خاصّة مخلصي عباده، ثمّ استثناهم من كلّ هول اُعدّ ليوم القيامة.
ثمّ إنّه تعالى ذكر دعاءهم في قوله:( وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ولم يعقّبه بالردّ فدلّ ذلك على أنّهم مجازون فيما يتكلّمون به مستجاب دعاؤهم، ولولا ذلك لعقّبه بالردّ كما في موارد ذكرت فيها أدعية أهل الجمع ومسائل أصحاب النار وأدعية اُخرى من غيرهم.
فهذه الخصوصيّات الّتي تنكشف واحدة بعد واحدة من هذه الآيات بالتدبّر فيها وأخرى تتبعها لا تبقي ريباً للمتدبّر في أنّ هؤلاء الّذين أخبر الله سبحانه عنهم في قوله:( وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ ) جمع من عباد الله المخلصين من غير الملائكة هم أرفع مقاماً وأعلى منزلة من سائر أهل الجمع يعرفون عامّة الفريقين، لهم أن يتكلّموا بالحقّ يوم القيامة ولهم أن يشهدوا، ولهم أن يشفعوا، ولهم أن يأمروا ويقضوا.
وأمّا أنّهم من الإنس أو من الجنّ أو من القبيلين مختلطين ؟ فلا طريق من اللّفظ يوصلنا إلى العلم به غير أن شيئاً من كلامه تعالى لا يدلّ على تصدّى الجنّ شيئاً من شؤون يوم القيامة ولا توسّطاً في أمر يعود إلى الحكم الفصل الّذي يجري على الإنسان يومئذ كالشهادة والشفاعة ونحوهما.
ولا ينافي ما قدّمناه من أوصافهم ونعوتهم أمثال قوله تعالى:( يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ ) الأنّفطار: ١٩، فإنّ الآية مفسّرة بآيات اُخرى تدلّ على أنّ المراد بها إنّما هو ظهور ملكه تعالى لكلّ شئ وإحاطته بكلّ أمر لا حدوث ملكه يومئذ فإنّه مالك على الإطلاق دائماً لا وقتاً دون وقت، ولا يملك نفس لنفس شيئاً دائماً لا في الآخرة فحسب لنفسه والملائكة على وساطتهم يومئذ والشهداء يملكون شهادتهم يومئذ، والشفعاء يملكون شفاعتهم يومئذ وقد نصّ على ذلك كلامه تعالى قال:( وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) الأنبياء: ١٠٣، وقال:( يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) المؤمن: ٥١،
وقال:( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف: ٨٦.
فللّه سبحانه الملك يومئذ وله الحكم يومئذ، ولغيره ما أذن له فيه كالدنيا غير أنّ الّذي يختصّ به يوم القيامة ظهور هذه الحقائق ظهور عيان لا يقبل الخفاء، وحضورها بحيث لا يغيب بغفلة أو جهل أو خطا أو بطلان.
وقد اشتدّ الخلاف بينهم في معنى الآية حتّى ساق بعضهم إلى أقوال لا تخلو عن المجازفة فقد اختلفوا في معنى الأعراف:
١ - فمن قائل: إنّه شئ مشرف على الفريقين.
٢ - وقيل: سور له عرف كعرف الديك.
٣ - وقيل: تلّ بين الجنّة والنار جلس عليه ناس من أهل الذنوب.
٤ - وقيل: السور الّذي ذكره الله في القرآن بين المؤمنين والمنافقين إذ قال:( فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ) .
٥ - وقيل: معنى الأعراف التعرّف أي على تعرّف حال الناس رجال.
٦ - وقيل: هو الصراط.
ثمّ اختلفوا في الرجال الّذين على الأعراف على أقوال اُنهيت إلى اثنى عشر قولاً:
١ - أنّهم أشراف الخلق الممتازون بكرامة الله.
٢ - أنّهم قوم استوت حسنتهم وسيّئاتهم فلم يترجّح حسنتهم حتّى يدخلوا الجنّة ولا غلبت سيّئاتهم حتّى يؤمروا بدخول النار فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسّطة بين الجنّة والنار ثمّ يدخلهم الجنّة برحمته.
٣ - أنّهم أهل الفترة.
٤ - أنّهم مؤمنوا الجنّ.
٥ - أنّهم أولاد الكفّار الّذين لم يبلّغوا في الدنيا أو أنّ البلوغ.
٦ - أنّهم أولاد الزنا.
٧ - أنّهم أهل العجب بأنفسهم.
٨ - أنّهم ملائكة واقفون عليها يعرفون كلّا بسيماهم، وإذا اُورد عليهم أنّ الملائكة لا تتّصف بالرجوليّة والاُنوثيّة قالوا: إنّهم يتشكلّون بأشكال الرجال.
٩ - أنّهم الأنبياءعليهمالسلام يقامون عليها تمييزاً لهم على سائر الناس ولأنّهم شهداء عليهم.
١٠ - أنّهم عدول الامم الشهداء على الناس يقومون عليها للشهادة على أممهم.
١١ - أنّهم قوم صالحون فقهاء علماء.
١٢ - أنّهم العبّاس وحمزة وعلي وجعفر يجلسون على موضع من الصراط يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه، ومبغضيهم بسوادها ذكر الآلوسيّ في روح المعاني أنّ هذا القول رواه الضحّاك عن ابن عبّاس.
قال في المنار: ولم نره في شئ من كتب التفسير المأثور، والظاهر أنّه نقله عن تفاسير الشيعة وفيه أنّ أصحاب الأعراف يعرفون كُلًّا من أهل الجنّة وأهل النار بسيماهم فيميّزون بينهم أو يشهدون عليهم فأيّ فائدة في تمييز هؤلاء السادة على الصراط لمن كان يبغضهم من الأمويّين ومن يبغضون عليّاً خاصّه من المنافقين والنواصب؟ وأين الأعراف من الصراط؟ هذا بعيد عن نظم الكلام وسياقه جدّاً (انتهى).
أقول: أمّا الرواية فلا توجد في شئ من تفاسير الشيعة بطرقهم إلى الضحّاك، وقد نقله في مجمع البيان عن الثعلبيّ في تفسيره بإسناده عن الضحّاك عن ابن عبّاس، وسيأتي ما في روايات الشيعة في رجال الأعراف في البحث الروائيّ الّتي إن شاء الله تعالى.
وأمّا طرحه الرواية فهو في محلّه غير أنّ الّذي استند إليه في طرحها ليس في محلّه فإنّه يكشف عن نحو السلوك الّذي يسلكه في الابحاث المتعلّقة بالمعاد فإنّه يقيس نظام الوقائع الّتي يقصّها القرآن والحديث ليوم القيامة إلى النظام الجاري في النشأة الدنيويّة، ويعدّه من نوعه فيوجّه منها ما لاح سبب وقوعه، ويبقى ما لا ينطبق على النظام الدنيويّ على الجمود وهو الجزاف في الارادة فافهم ذلك.
ولو جاز أن يغني تمييز أهل الأعراف عن تمييز أهل الصراط فتبطل فائدته
فيبطل بذلك أصله - كما ذكره - لاغنى الصراط نفسه عن تمييز أهل الأعراف، وأغنى عن المسألة والحساب، ونشر الدواوين، ونصب الموازين، وحضور الأعمال، وإقامة الشهود إنطاق الاعضاء، ولأغنى بعض هذه عن بعض، ووراء ذلك كلّه إحاطة ربّ العالمين فعلمه يغني عن الجميع، وهو لا يسأل عمّا يفعل.
وكأنّه فرض أنّ نسبة الأعراف وهي أعالي الحجاب من الصراط الممدود هناك كنسبة السور والحائط الّذي عندنا إلى الصراط الممدود الّذي يسلكه الطرّاق السالكون لا يجتمع هيهنا الصراط والسور ولا يتّحدان فلا يسع لأحد أن يكون سالك صراط أو واقفاً عليه وواقفاً على السور معاً في زمان واحد، ولذلك قال: وأين الصراط من الأعراف؟ فقاس ما هناك إلى ما هيهنا، وقد عرفت فساده.
ثمّ الوارد في ظواهر الحديث أنّ الصراط جسر ممدود على النار يعبر منه أهل المحشر من موقفهم إلى الجنّة فينجّي الله الّذين آمنوا ويسقط الظالمون من الناس في النار فما المانع من أن يكون الحجاب الموعود مضروباً عليه والأعراف في الحجاب؟.
على أنّه فات منه أنّ أحد الأقوال في معنى الأعراف أنّه الصراط كما رواه الطبريّ في تفسيره عن ابن مسعود ورواه في الدّر المنثور عن ابن أبي حاتم عن ابن جريح قال: زعموا أنّه الصراط.
وأمّا قوله:( هذا بعيد عن نظم الكلام وسياقه جدّاً) فأوضح فساداً فسياق هذه الأنباء الغيبيّة والنظم المأخوذ فيها يذكّر لنا اُموراً بنعوت عامّة وبيانات مطلقة معانيها معلومة، وحقائقها مبهمة مجهولة إلّا المقدار الّذي تهدي إليه بياناته تعالى، ويوضع بعض أجزائه بعضاً، ولا يأبى ذلك أن يقصد ببعض النعوت المذكورة فيها رجال معيّنون بأشخاصهم إذا انطبقت عليهم الاوصاف المذكورة فيها، ولا أن ينطبق بعض البيانات على بعض في موارد مع تعدّد البيان لفظاً كالعدل والميزان مثلاً.
فهذه اثنا عشر قولاً ويمكن أنّ يضاف إلى عدّتها قولان آخران:
أحدهما: أنّهم المستضعفون ممّن لم تتمّ عليهم الحجّة ولم يتعلّق بهم التكليف كالضعفاء من الرجال والنساء والاطفال غير البالغين، ويمكن أن يدرج في القول الثاني
المتقدّم بأنّ يقال: إنّهم الّذين لا تترجّح أعمالهم من الحسنات أو السيّئات على خلافها سواء كان ذلك لعدم تمام الحجّة فيهم وتعلّق التكليف بهم حتّى يحاسبوا عليه كالأطفال والمجانين وأهل الفترة ونحوهم أو لأجل استواء حسنتهم وسيّئاتهم في القدر والوزن فحكم القسمين واحد.
الثاني: أنّهم الّذين خرجوا إلى الجهاد من غير إذن آبائهم فاستشهدوا فيها فهم من أهل النار لمعصيتهم ومن أهل الجنّة لشهادتهم وعليه رواية، ويمكن إدراجه في القول الثاني.
والأقوال المذكورة غير متقابلة جميعاً في الحقيقة فإنّ القول بكونهم أهل الفترة والقول بكونهم أولاد الكفّار إنّما ملاكهما عدم ترجّح شئ من الحسنات والسيّئات على الآخر فيرجعان بوجه إلى القول الثاني، وكذا القول بكونهم أولاد الزنا نظراً إلى أنّهم لا مؤمنون ولا كفّار، وكذا رجوع القول التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر إلى القول الأوّل بوجه.
فاُصول الأقوال في رجال الأعراف ثلاثة: أحدها: أنّهم رجال من أهل المنزلة والكرامة على اختلاف بينهم في أنّهم من هم؟ فقيل: هم الأنبياء، وقيل: الشهداء على الأعمال، وقيل: العلماء الفقهاء، وقيل: غير ذلك كما مر.
والثاني: أنّهم الّذين لا رجحان في أعمالهم للحسنة على السيّئة وبالعكس على اختلاف منهم في تشخيص المصداق.
والثالث: أنّهم من الملائكة، وقد مال الجمهور إلى الثاني من الأقوال، وعمدة ما استندوا إليه في ذلك أخبار مأثورة سنوردها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.
وقد عرفت أنّ الّذي يعطيه سياق الآيات هو الأوّل من الأقوال حتّى أنّ بعضهم مع تمايله إلى القول الثاني لم يجد بدّاً من بعض الإعتراف بعدم ملاءمة سياق الآيات ذلك كالآلوسي في روح المعاني.
قوله تعالى: ( وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ )
المنادون هم الرجال الّذين على الأعراف - على ما يعطيه السياق - وقوله:( أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ) يفسّر ما نادوا به، وقوله:( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) جملتان حاليتان فجملة( لَمْ يَدْخُلُوهَا ) من أصحاب الجنّة، وجملة( وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) حال آخر من أصحاب الجنّة والمعنى: أنّ أصحاب الجنّة نودوا وهم في حال لم يدخلوا الجنّة بعد وهم يطمعون في أن يدخلوها، أو حال من ضمير الجمع في( لَمْ يَدْخُلُوهَا ) وهو العامل فيه، والمعنى أنّ أصحاب الجنّة نودوا بذلك وهم في الجنّة لكنّهم لم يدخلوا الجنّة على طمع في دخولها لأن ما شاهدوه من أهوال الموقف ودقّة الحساب كان أيأسهم من أن يفوزوا بدخول الجنّة لكن قوله بعد:( أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ) إلى آخر الآية يؤيّد أوّل الاحتمالين وأنّهم إنّما سلّموا عليهم قبل دخولهم الجنّة.
وأمّا احتمال أن تكون الجملتان حالين من ضمير الجمع في( َنَادَوْا ) فيوجب سقوط الجملة عن الافادة كما هو ظاهر، وذلك لرجوع المعنى إلى أنّ هؤلاء الرجال الّذين هم على أعراف الحجاب بين الجنّة والنار نادوا وهم لم يدخلوا.
وعلى من يميل إلى أن يجعل قوله:( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) بياناً لحال أصحاب الأعراف أن يجعل قوله:( لَمْ يَدْخُلُوهَا ) استئنافاً يخبر عن حال أصحاب الأعراف أو صفة لرجال والتقدير: وعلى الأعراف رجال لم يدخلوها وهم يطمعون وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا الخ كما نقل عن الزمخشريّ في الكشّاف.
لكن يبعّد الاستئناف أنّ اللازم حينئذ إظهار الفاعل في قوله:( لَمْ يَدْخُلُوهَا ) دون إضماره لمكان اللّبس كما فعل ذلك في قوله:( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا ) الخ، ويبعّد الوصفيّة الفصل بين الموصوف والصفة بقوله:( وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ) من غير ضرورة موجبة.
وهذا التقدير الّذي تقدّم أعني رجوع معنى قوله:( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ ) إلى آخر الآية، إلى قولنا: وعلى الأعراف رجال يطمعون في دخول الجنّة ويتعوّذون من دخول النار - على ما زعموا - هو الّذي مهّد لهم الطريق وسوّاه للقول بأنّ أصحاب الأعراف رجال استوت حسنتهم وسيّئاتهم فلم يترجّح لهم أن يدخلوا الجنّة أو
النار فاُوقفوا على الأعراف .
لكنّك عرفت أنّ قوله:( لَمْ يَدْخُلُوهَا ) الخ، حال أصحاب الجنّة لا وصف أصحاب الأعراف، وأمّا قوله:( وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ ) الخ، فسيأتي ما في كونه بياناً لحال أصحاب الأعراف من الكلام.
قوله تعالى: ( وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) التلقاء كالتبيان مصدر لقي يلقى ثمّ استعمل بمعنى جهة اللّقاء، وضمير الجمع في قوله:( أَبْصَارُهُمْ ) وقوله:( قَالُوا ) عائد إلى( رِجَالٌ ) والتعبير عن النظر إلى أصحاب النار بصرف أبصارهم إليه كأنّ الوجه فيه أنّ الإنسان لا يحبّ إلقاء النظر إلى ما يؤلمه النظر إليه وخاصّة في مثل المورد الّذي يشاهد الناظر فيه أفظع الحال وأمرّ العذاب وأشقّه الّذي لا يطاق النظر إليه غير أنّ اضطراب النفس وقلق القلب ربّما يفتح العين نحوه للنظر إليه كأنّ غيره هو الّذي صرف نظره إليه وإن كان الإنسان لو خلّي وطبعه لم يرغب في النظر ولو بوجه نحوه، ولذا قيل:( وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ ) الخ ولم يقل : وإذا نظروا إليه أو ما يفيد مفاده.
ومعنى الآية: وإذا نظر أصحاب الأعراف أحياناً إلى أصحاب النار تعوّذوا بالله من أن يجعلهم مع أصحاب النار فيدخلهم النار، وقالوا ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.
وليس دعاؤهم هذا الدعاء دالّاً على سقوط منزلتهم، وخوفهم من دخول النار كما يدلّ على رجائهم دخول الجنّة قوله( وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) وذلك أنّ ذلك ممّا دعا به اُولوالعزم من الرسل والأنبياء المكرمون والعباد الصالحون وكذا الملائكه المقرّبون فلا دلالة فيه ولو بالإشعار الضعيف على كون الداعي ذا سقوط في حالة وحيره من أمره.
هذا ما فسّروا به الآية بإرجاع ضميري الجمع إلى( رِجَالٌ ) .
لكنّك خبير بأنّ ذلك لا يلائم الاظهار الّذي في مفتتح الآية التالية في قوله:( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ ) إذ الكلام في هذه الآيات الاربع جارٍ في أوصاف أصحاب الأعراف وأخبارهم كقوله:( يَعْرِفُونَ كُلًّا ) الخ، وقوله:( وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) الخ
وقوله:( لَمْ يَدْخُلُوهَا ) الخ، على احتمال، وقوله:( وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ ) الخ، فكان من اللازم أن يقال:( وَنَادَوْا - وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم ) الخ، وليس في الكلام أيُّ لبس ولا نكتة ظاهرة توجب العدول من الاضمار الّذي هو الأصل في المقام إلى الاظهار بمثل قوله:( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ ) .
فالظاهر أنّ ضميري الجمع أعني ما في قوله( أَبْصَارُهُمْ ) وقوله( قَالُوا ) راجعان إلى أصحاب الجنّة، والجملة أخبار عن دعائهم إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار كما أنّ الجملة السابقة بيان لطمعهم في دخول الجنّة، وكلّ ذلك قبل دخولهم الجنّة.
قوله تعالى: ( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ ) إلى آخر الآية، في توصيف الرجال بقوله:( يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ ) دلالة على أنّ سيماءهم كما يدلّهم على أصل كونهم من أصحاب الجنّة يدلّهم على اُمور اُخر من خصوصيّات أحوالهم، وقد مرّت الإشارة إليه.
وقوله:( قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) تقريع لهم وشماتة، وكشف عن تقطّع الأسباب الدنيويّة عنهم فقد كانوا يستكبرون عن الحقّ ويستذلّونه ويغترّون بجمعهم.
قوله تعالى: ( أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ) إلى آخر الآية.
الإشارة إلى أصحاب الجنّة، والاستفهام للتقرير أي هؤلاء هم الّذين كنتم تجزمون قولاً أنّهم لا يصيبهم فيما يسلكونه من طريق العبوديّة خير، وإصابة الخير هي نيله تعالى إيّاهم برحمة ووقوع النكرة - برحمة - في حيّز النفي يفيد استغراق النفي للجنس، وقد كانوا ينفون عن المؤمنين كلّ خير.
وقوله:( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) أمر من أصحاب الأعراف للمؤمنين أن يدخلوا الجنّة بعد تقرير حالهم بالاستفهام، وهذا هو الّذي يفيده السياق.
وقول بعضهم في الآية: إنّها بتقدير القول أي قيل لهم من قبل الرحمان: أدخلوا الجنّة لا خوف عليكم ممّا يكون في مستقبل أمركم، ولا أنتم تحزنون من شئ ينغّص
عليكم حاضركم، وحذف القول للعلم به من قرائن الكلام كثير في التنزيل وفي كلام العرب الخلّص (انتهى).
مدفوع بعدم مسعادة السياق ودلالة القرائن عليه بوجه كما تقدّم بيانه، وليس إذا جاز تقدير القول في محلّ لتبادر معناه من الكلام جاز ذلك في أيّ مقام اُريد، وأيّ سياق أم أيّة قرينة تدلّ على ذلك في المقام؟.
( كلام في معنى الأعراف في القرآن)
لم يذكر الأعراف في القرآن إلّا في هذه الآيات الأربع من سورة الأعراف (٤٦ - ٤٩) وقد استنتج باستيفاء البحث في الآيات الشريفة أنّه من المقامات الكريمة الإنسانيّة الّتي تظهر يوم القيامة وقد مثله الله سبحانه بأنّ بين الدارين دار الثواب ودار العقاب حجاباً يحجز إحداهما من الاُخرى - والحجاب بالطبع خارج عن حكم طرفيه في عين أنّه مرتبط بهما جميعاً - وللحجاب أعراف وعلى الأعراف رجال مشرفون على الناس من الأوّلين والآخرين يشاهدون كلّ ذي نفس منهم في مقامه الخاصّ به على اختلاف مقاماتهم ودرجاتهم ودركاتهم من أعلى علّيّين إلى أسفل سافلين، ويعرفون كلًّا منهم بما له من الحال الّذي يخصّه والعمل الّذي عمله، لهم أن يكلّموا من شاؤا منهم، ويؤمنوا من شاؤا، ويأمروا بدخول الجنّة بإذن الله.
ويستفادوا من ذلك أنّ لهم موقفاً خارجاً من موقفي السعادة الّتي هي النجاة بصالح العمل، والشقاوة الّتي هي الهلاك بطالح العمل، ومقاماً أرفع من المقامين معاً ولذلك كان مصدراً للحكم والسلطة عليهما جميعاً.
ولك أن تعتبر في تفهّم ذلك بما تجده عند الملوك ومصادر الحكم فهناك جماعة منعّمون بنعمتهم مشمولون لرحمتهم يستدرّون ضرع السعادة بما تشتهيه أنفسهم، وآخرون محبوسون في سجونهم معذّبون بأليم عذابهم قد احاط بهم هوان الشقاوة من كلّ جانب فهذان ظرفان ظرف السعادة وظرف الشقاوة، والظرفان متمائزان لا يختلطان بظرف آخر
ثالث يحكم فيهما ويصلح شأن كلّ منهما وينظّم أمره وفي هذا الظرف قوم خدمة يخدمون العرش بمداخلتهم الجنبين وإهداء النعم إلى أهل السعادة، وإيصال النقم إلى أهل الشقاوة، وهم مع ذلك من السعداء، وقوم آخر وراء الخدمة والعمّال هم المدبّرون لامر الجميع وهم قرب الوسائط من العرش، وهم أيضاً من السعداء فللسعادة مراتب من حيث الاطلاق والتقييد.
وليس من الممتنع على ملك يوم الدين أن يخصّ قوماً برحمته فيدخلهم بحسناتهم الجنّة ويبسط عليهم بركاته بما أنّه الغفور ذو الفضل العظيم، ويدخل آخرين في ناره ودار هوانه بما عملوه من سيّئاتهم وهو عزيز ذو انتقام شديد العقاب ذو البطش، ويأذن لطائفة ثالثة أن يتوسّطوا بينه وبين الفريقين بإجراء أو امره وأحكامه فيهم أو إصدارها عليهم بإسعاد من سعد منهم وإشقاء من شقي فإنّه الواحد القهّار الّذي يقهر بوحدته كلّ شئ كما شاء بتوسيط أو إسعاد أو إشقاء، وقد قال تعالى:( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) فافهم.
قوله تعالى: ( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا ) الخ، الافاضة من الفيض وهو سيلان الماء منصّبا، قال تعالى:( تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ) أي يسيل دمعها منصّباً، وعطف سائر ما رزقهم الله من النعم على الماء يدلّ على أنّ المراد بالافاضة صبّ مطلق النعم أعمّ من المائع وغيره على نحو عموم المجاز، وربّما قيل: إنّ الافاضة حقيقة في إعطاء النعمة الكثيرة فيكون تعليقه على الماء وغيره حقيقة حينئذ.
وكيف كان ففي الآية إشعار بعلوّ مكان أهل الجنّة بالنسبة إلى مكان أهل النار.
وإنّما أفرز الماء وهو من جملة ما رزقهم الله ثمّ قدّم في الذكر على سائر ما رزقهم الله لأنّ الحاجة إلى بارد الماء أسبق إلى الذهن طبعاً بالنسبة إلى غيره عند ما تحيط الحرارة بالإنسان، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا ) إلى آخر الآية. اللهو ما يشغلك عمّا يهمّك، واللعب الفعل المأتيّ به لغاية خياليّة غير حقيقيّة، والغرور إظهار النصح واستبطان الغشّ، والنسيان يقابل الذكر، وربّما يستعار لترك الشئ وعدم الاعتناء بشأنه
كالشئ المنسيّ، وعلى ذلك يجري في الآية، والجحد النفي والإنكار، والآية مسوقة لتفسير الكافرين، ويستفاد منها تفسيرات ثلاثة للكفر: أوّلها: أنّه اتّخاذ الإنسان دينه لهواً ولعباً وغرور الحياة الدنيا له، والثاني: نسيان يوم اللقاء، والثالث: الجحد بآيات الله، ولكلّ من التفاسير وجه.
وفي قوله تعالى:( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا ) دلالة على أنّ الإنسان لا غنى له عن الدين على أيّ حال حتّى من اشتغل باللهو واللعب ومحض حياته فيها محضاً فإنّ الدين كما تقدّمت الإشارة إليه في تفسير قوله:( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ) الآية - هو طريق الحياة الّذي يسلكه الإنسان في الدنيا، ولا محيص له عن سلوكه، وقد نظمه الله سبحانه بحسب ما تهدى إليه الفطرة الإنسانيّة ودعت إليه، وهو دين الإنسان الّذي يخصّه وينسب إليه، وهو الّذي يهمّ الإنسان ويسوقه إلى غاية حقيقيّة هي سعادة حياته.
فحيث جرى عليه الإنسان وسلكه كان على دينه الّذي هو دين الله الفطريّ، وحيث اشتغل عنه إلى غيره الّذي يلهو عنه ولا يهديه إلّا إلى غايات خياليّة وهي اللذائذ المادّيّة الّتي لا بقاء لها ولا نفع فيها يعود إلى سعادته فقد اتّخذ دينه لهواً ولعباً وغرّته الحياة الدنيا بسراب زخارفها.
وقوله تعالى:( فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ) أي اليوم نتركهم ولا نقوم بلوازم حياتهم السعيدة كما تركوا يومهم هذا فلم يقوموا بما يجب أن يعملوا له وبما كانوا بآياتنا يجحدون ونظير الآية في جعل تكذيب الآيات سبباً لنسيان الله له يوم القيامة قوله:( قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ ) طه: ١٢٦، وقد بدّل هناك الجحد نسياناً.
قوله تعالى: ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ) الآية عود على بدء الكلام أعني قوله في أوّل الآيات:( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ) أي من أعظم من هؤلاء ظلماً ولقد أتممنا عليهم الحجّة وأقمنا لهم البيان فجئناهم بكتاب فصّلناه وأنزلناه إليهم على علم منّا بنزوله؟
فقوله:( عَلَىٰ عِلْمٍ ) متعلّق بقوله:( لَقَدْ جِئْنَاهُم ) والكلمة تتضمّن احتجاجاً على حقيّة الكتاب والتقدير: ولقد جئناهم بكتاب حقّ: وكيف لا يكون حقّاً؟ وقد نزل على علم منّا بما يشتمل عليه من المطالب.
وقوله:( هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي هدى وإراءة طريق للجميع ورحمة للمؤمنين به خاصّة، أو هدى وإيصالاً بالمطلوب للمؤمنين ورحمة لهم، والأوّل أنسب بالمقام وهو مقام الاحتجاج.
قوله تعالى: ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ) إلى آخر الآية.
الضمير في تأويله راجع إلى الكتاب وقد تقدّم في تفسير قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ ) الآية: آل عمران: ٧ أنّ التأويل في عرف القرآن هو الحقيقة الّتي يعتمد عليها حكم أو خبر أو أيّ أمر ظاهر آخر اعتماد الظاهر على الباطن والمثل على الممثّل.
فقوله:( هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ) معناه هل ينتظر هؤلاء الّذين يفترون على الله كذباً أو يكذّبون بآياته وقد تمّت عليهم الحجّة بالقرآن النازل عليهم، إلّا حقيقة الأمر الّتي كانت هي الباعثة على سوق بياناته وتشريع أحكامه والإنذار والتبشير الّذين فيه ؟ فلو لم ينتظروه لم يتركوا الأخذ بما فيه.
ثمّ يخبر تعالى عن حالهم في يوم إتيان التأويل بقوله: يوم يأتي تأويله يقول الّذين نسوه الخ، إي إذا انكشفت حقيقة الأمر يوم القيامة يعترف التاركون له بحقيّة ما جاءت به الرسل من الشرائع الّتي أوجبوا العمل بها، وأخبروا أنّ الله سيبعثهم ويجازيهم عليها.
وإذ شاهدوا عند ذلك أنّهم صفر الايدي من الخير، هالكون بفساد أعمالهم سألوا أحد أمرين يصلح به ما فسد من أمرهم إمّا شفعاء ينجونهم من الهلاك الّذي أطلّ عليهم أو أنفسهم، بأن يردّوا إلى الدنيا فيعملوا صالحاً غير الّذي كانوا يعملونه من السيّئات وذلك قوله حكاية عنهم:( فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) ؟
وقوله تعالى:( قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) فصل في معنى
التعليل لما حكي عنهم من سؤال أحد أمرين: إمّا الشفعاء وإمّا الردّ إلى الدنيا كأنّه قيل: لماذا يسألون هذا الّذي يسألون؟ فقيل:( قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ) فيما بدّلوا دينهم لهواً ولعباً، واختاروا الجحود على التسليم وقد زال عنهم الافتراءات المضلّة الّتي كانت تحجبهم عن ذلك في الدنيا فبان لهم أنّهم في حاجة إلى من يصلح لهم أعمالهم إمّا أنفسهم أو غيرهم ممّن يشفع لهم.
وقد تقدّم في مبحث الشفاعة في الجزء الأوّل من الكتاب أنّ في قوله:( فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا ) دلالة على أنّ هناك شفعاء يشفعون للناس إذ قال: من شفعاء، ولم يقل: من شفيع فيشفع لنا.
( بحث روائي)
في الكافي بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام قال في قوله تعالى:( وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ) إذ دعوهم إلى سبيلهم ذلك قول الله عزّوجلّ فيهم إذ جمعهم إلى النار:( قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ) وقوله: كلّما دخلت أمّة لعنت اُختها حتّى إذا ادّاركوا فيها يتبرّءُ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا يريد أنّ بعضهم يحجّ بعضاً رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم، وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولا حين نجاة.
أقول: وقولهعليهالسلام : قوله كلّما دخلت أمّة الخ نقل للآية بالمعنى.
وفي الدّر المنثور في قوله تعالى:( لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ) أخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ ) بالياء.
وفيه أخرج الطيالسيّ وابن شيبة وأحمد وهنّاد بن السري وعبد بن حميد وأبو داود في سننه وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصحّحه وابن مردويه والبيهقيّ في كتاب عذاب القبر عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جنازة رجل من الأنصار فأنتهينا إلى القبر ولمّا يلحد فجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجلسنا حوله وكأنّ على رؤسنا
الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: استعيذوا من عذاب القبر مرّتين أو ثلاثا.
ثمّ قال: إنّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأنّ وجوههم الشمس، معهم أكفان من كفن الجنّة وحنوط من حنوط الجنّة حتّى يجلسوا منه مدّ البصر ثمّ يجئ ملك الموت حتّى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيّبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطر من في السقاء وإن كنتم ترون غير ذلك فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتّى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط فتخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرّون على ملاء من الملائكة إلّا قالوا: ما هذا الروح الطيّب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه الّتي كانوا يسمّونه بها في الدنيا حتّى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتّحون له فتفتّح لهم فيشيّعه من كلّ سماء مقرّبوها إلى السماء الّتي تليها حتّى ينتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في علّيّين، واُعيدوه إلى الأرض فإنّي منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة اُخرى فيعاد روحه في جسده.
فيأتيه الملكان فيجلسان فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: ربّي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الّذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدّقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنّة وألبسوه من الجنّة وافتحوا له باباً إلى الجنّة فيأتيه من روحها وطيّبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيّب الريح فيقول: أبشر بالّذي يسرّك، هذا يومك الّذي كنت توعد ! فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير.
فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: ربّ أقم الساعة أقم الساعة حتّى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإنّ العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مدّ البصر ثمّ يجئ ملك الموت
حتّى يجلس عند رأسه فيقول: أيّتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فيفرّق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها.
فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتّى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرّون بها على ملاء من الملائكة إلّا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه الّتي كان يسمّى بها في الدنيا حتّى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتّح فلا تفتّح له.
ثمّ قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تفتّح لهم أبواب السماء.
فيقول الله عزّوجلّ: اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض السفلى فيطرح روحه طرحا.
ثمّ قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : و من يشرك بالله فكأنّما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق.
فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسان فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: هاه، هاه، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري ! فيقولان له: ما هذا الرجل الّذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري ! فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار فيأتيه من حرّها وسمومها، ويضيّق عليه قبره حتّى تختلف فيه أضلاعه.
ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالّذي يسوؤك هذا يومك الّذي كنت توعد فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالشرّ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: ربّ لا تقم الساعة.
أقول: والرواية من المشهورات رواها جمع من المؤلفين في كتبهم كما رأيت، وفي معناها روايات من طرق الشيعه عن أئمّة اهل البيتعليهمالسلام أودعنا بعضها في البحث الروائيّ الموضوع في ذيل قوله تعالى:( وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ) الخ، البقره: ١٥٤، في الجزء الأوّل من الكتاب.
وفي تفسير العيّاشيّ عن سعيد بن جناح قال حدّثني عوف بن عبدالله الازديّ عن جابر بن يزيد الجعفيّ عن أبى جعفرعليهالسلام في حديث قبض روح الكافر : فإذا أوتي
بروحه إلى السماء الدنيا اُغلقت منه أبواب السماء، وذلك قوله:( لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ) إلى آخر الآية.
يقول الله: ردّوها عليه فمنها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى.
أقول: وروي ما في معناه في المجمع عنهعليهالسلام .
وفي الدّر المنثور أخرج ابن مردويه عن عائشة: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تلا هذه الآية:( لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ) قال: هي طبقات من فوقه، وطبقات من تحته لا يدري ما فوقه أكبر أو ما تحته؟ غير أنّه ترفعه الطبقات السفلى وتضعه الطبقات العليا، ويضيّق عليهما حتّى يكون بمنزلة الزجّ في القدح.
وفيه أخرج عبد الرزّاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عليّ ابن طالبعليهالسلام قال: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية:( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ) .
أقول: وقوع الجملة في سياق هذه الآيات وهي مكّيّة يأبى نزولها يوم بدر أو في أهل بدر، وقد وقعت الجملة أيضاً في قوله تعالى:( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ) الحجر: ٤٧، وهي أيضاً في سياق آيات أهل الجنّة، وهي مكّيّة.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بلغني أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: يحبس أهل الجنّة بعد ما يجوزون الصراط حتّى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا فيدخلون الجنّة وليس في قلوب بعضهم على بعض غلّ.
وفيه أخرج النسائيّ وابن أبي الدنيا وابن جرير في ذكر الموت وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كلّ إهل النار يرى منزله من الجنّة يقول: لو هدانا الله، فيكون حسرة عليهم، وكلّ أهل الجنّة يرى منزله من النار فيقول : لولا أن هدانا الله، فهذا شكرهم.
وفيه أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدارميّ ومسلم والترمذيّ والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :( وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) قال: نودوا أن صحّوا
فلا تسقموا، وأنعموا فلا تيأسوا، وشبّوا فلا تهرموا، واخلدوا فلا تموتوا.
اقول: وفي معنى وراثة الجنّة أخبار اُخر سيأتي إن شاء الله.
وفي الكافي وتفسير القمّيّ بإسنادهما عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام في قوله تعالى:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) قال المؤذّن أمير المؤمنينعليهالسلام .
أقول: ورواه العيّاشيّ عنهعليهالسلام ورواه في روضة الواعظين عن الباقرعليهالسلام قال: المؤذّن عليعليهالسلام .
وفي المعاني بإسناده عن جابر الجعفيّ عن أبي جعفر محمّد بن علىّعليهالسلام قال: خطب أميرالمؤمنين علىّ بن أبي طالبعليهالسلام بالكوفة منصرفه من النهروان وبلغه أنّ معاوية يسبّه ويعيبه ويقتل أصحابه فقام خطيباً، وذكر الخطبة إلى أن قال فيها: وأنا المؤذّن في الدنيا والآخرة قال الله عزّوجلّ:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) أنا ذلك المؤذّن، قال:( وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) أنا ذلك الأذان.
أقول : أي أنّا المؤذّن بذلك الأذان بقرينة صدر الكلام ويشيرعليهالسلام به إلى قصّة آيات البراءه.
وفي المجمع روى الحاكم أبوالقاسم الحسكانيّ بإسناده عن محمّد بن الحنفيّة عن عليّ أنّه قال: أنا ذلك المؤذّن.
وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عبّاس أنّه قال: لعليّ في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس قوله: فأذّن مؤذّن بينهم يقول: ألا لعنة الله على الّذين كذّبوا بولايتي واستخفّوا بحقّي.
أقول: قال الآلوسيّ في روح المعاني في قوله تعالى:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ) الآية.
هو على ما روي عن ابن عبّاس صاحب الصور، وقيل: مالك خازن النار، وقيل: ملك من الملائكة غيرهما يأمره الله تعالى بذلك، ورواية الإماميّة عن الرضا وابن عبّاس : أنّه عليّ كرّم الله وجهه ممّا يثبت من طريق أهل السنّة وبعيد عن هذا الإمام أن يكون مؤذّناً وهو إذ ذاك في حظائر القدس (انتهى).
وقال صاحب المنار في تفسيره بعد نقله عنه: وأقول: إنّ واضعي كتب الجرح والتعديل لرواة الآثار لم يضعوها على قواعد المذاهب، وقد كان في أئمّتهم من يعدّ في شيعة عليّ وآله كعبد الرزّاق والحاكم، وما منهم أحد إلّا وقد عدّل كثيراً من الشيعة في روايتهم، فإذا ثبت هذه الرواية بسند صحيح قبلنا ولا نرى كونه في حظائر القدس مانعاً منها، ولو كنّا نعقل لإسناد هذا التأذين إليه كرّم الله وجهه معنى يعدّ به فضيلة أو مثوبة عند الله تعالى لقبلنا الرواية بما دون السند الصحيح ما لم يكن موضوعاً أو معارضاً برواية أقوى سنداً أو أصحّ متناً (انتهى).
ولقد أجاد فيما أفاد غير أنّ الآحاد من الروايات لا تكون حجّة عندنا إلّا إذا كانت محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم أعني الوثوق التامّ الشخصيّ سواء كانت في اُصول الدين أو التاريخ أو الفضائل أو غيرها إلّا في الفقه فإنّ الوثوق النوعيّ كاف في حجيّة الرواية كلّ ذلك بعد عدم مخالة الكتاب والتفصيل موكول إلى فنّ اُصول الفقه.
وأمّا كون هذا التأذين فضيلة فلا ينبغي الارتياب فيه وليعتبر التأذين الاُخرويّ بالتأذين الدنيويّ فالتأذين هو إعلام الحكم من قبل صاحبه ليستقرّ على المحكومين فالمؤذّن هو الرابطة يربط صاحب الحكم بالمحكومين بتقرير حكمه عليهم والرابطة في شرفها وخسّتها يتبع الطرفين، ومن الواضح أنّ الطرف إذا كان هو الله عزّ اسمه كان في ذلك من الشرف والكرامة ما لا يعادله شئ كما في وساطة إبراهيم عن الله سبحانه في قوله:( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) الحجّ: ٢٧، ووساطة عليّعليهالسلام في إبلاغ آيات البراءة:( وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ ) الخ، براءة: ٣، هذا في الأذان والإعلام التشريعيّ الّذي يستقرّ به حكم الحاكم على المحكومين به، وأمّا الأذان غير التشريعيّ كما في أذان يوم القيامة أن لعنة الله على الظالمين ففيه استقرار البعد التامّ واللّعن المطلق الدائم على الظالمين بعد إشهادهم حقيّه الوعد الإلهيّ الّذي بلغهم منه تعالى من طريق أنبيائه ورسله، وفيه تثبيت ما في ظهور حقائق الوعد والوعيد للظالمين من النتيجة العائدة إليهم فافهم ذلك ولا يهوننّ عليك أمر الحقائق، ولا تساهل في البحث عنها إن كنت ذا قدم فيه.
وهذا هو الّذي يشير إليه عليّعليهالسلام نفسه فيما مرّ من خطبته إذ قال: وأنا المؤذّن في الدنيا والآخرة.
والرواية - كما تقدّم - مرويّة بطرق متعدّدة من الشيعة عن عليّ والباقر والرضاعليهمالسلام من طرق أهل السنّة ما رواه الحاكم بإسناده عن ابن الحنفيّة عن عليّ وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عبّاس والرجل جيّد الرواية ضابط في الحديث ينقل في التفاسير الروائية وغيرها رواياته في التفسير لكنّهم لم يذكروا روايته هذه حتّى مثل السيوطيّ الّذي يستوفي في الدّر المنثور ما رواه في التفسير ترك ذكر الحديث، وما أدري ما هو السبب فيه؟.
وفي الدّر المنثور أخرج أبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يوضع الميزان يوم القيامة فيوزن الحسنات والسيّئات فمن رجحت حسنته على سيّئاته مثقال صؤابه دخل الجنّه، ومن رجحت سيّئاته على حسنته مثقال صؤابه دخل النار.
قيل: يا رسول الله فمن استوى حسنته وسيّئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون.
وفيه أخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: سئل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن أصحاب الأعراف فقال: هم آخر من يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ ربّ العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنّة فأنتم عتقائي فارعوا في الجنّة حيث شئتم.
اقول: وروي القول بكون أهل الأعراف هم الّذين استوت حسنتهم وسيّئاتهم عن ابن مسعود وحذيفة وابن عبّاس من الصحابة.
وفي الكافي بإسناده عن حمزة الطيّار قال: قال أبوعبداللهعليهالسلام : الناس على ستّة أصناف - إلى أن قال - قلت: وما أصحاب الأعراف؟ قال: قوم استوت حسنتهم وسيّئاتهم فإن أدخلهم النار فبذنوبهم، وإن أدخلهم الجنّة فبرحمته، الحديث.
وفيه بإسناده عن زرارة قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : ما تقول في أصحاب الأعراف؟
فقلت: ما هم إلّا مؤمنون أو كافرون إن دخلوا الجنّة فهم مؤمنون، وإن دخلوا النار فهم كافرون.
فقال: والله ما هم بمؤمنين ولا كافرين ولو كانوا مؤمنين لدخلوا الجنّة كما دخلها المؤمنون، ولو كانوا كافرين لدخلوا النار كما دخلها الكافرون، ولكنّهم قوم استوت حسنتهم وسيّئاتهم فقصرت بهم الأعمال، وإنّهم كما قال الله عزّوجلّ.
فقلت: أ من أهل الجنّة هم أم من أهل النار؟ فقال: اتركهم كما تركهم الله.
فقلت: أ فاُرجئهم؟ قال: نعم أرجئهم كما أرجأهم الله إن شاء الله أدخلهم الجنّة برحمته، وإن شاء ساقهم إلى النار بذنوبهم ولم يظلمهم.
فقلت: هل يدخل الجنّة كافر؟ قال: لا.
قلت: فهل يدخل النار إلّا كافر؟ فقال: لا إلّا أن يشاء الله.
يا زرارة إنّي أقول: ما شاء الله أما إن كبّرت رجعت وتحلّلت عنك عقدك.
اقول: قولهعليهالسلام : أما إن كبّرت الخ، أي إن استعظمت قولي ولم تقبله خرجت عمّا كنت عليه من الحقّ وانحلّ ما عقدت عليه قلبك من التصديق.
والروايات - كما ترى - يفسّر أصحاب الأعراف بمن استوت حسنتهم وسيّئاتهم في الميزان، وفي بعضها أنّ قوله تعالى:( لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) الخ، من كلامهم وهذا لا ينطبق على آيات الأعراف البتّة كما مرّ بينه.
على أنّك عرفت فيما تقدّم من تفسير قوله تعالى:( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ) الخ الأعراف: ٨، أنّ الميزان الّذي يذكره إمّا أن يثقل وهو رجحان الحسنات أو يخفّ وهو رجحان السيّئات، ولا معنى حينئذ لاستواء الحسنات والسيّئات الّذي هو ثقل الميزان وخفّته معاً ! فلو فرض أنّ هناك من لا يشخّص الميزان رجحان بعض أعماله، على بعض مثلاً كان ممّن لا يقام له وزن يوم القيامة كالكافر الّذي اُحبطت أعماله، والمستضعف الّذي لم تتمّ عليه الحجّة ولم يتعلّق به التكليف.
نعم ربّما يستفاد من الرواية الأخيرة أنّ المراد بالّذين استوت حسنتهم وسيّئاتهم هم المستضعفون المرجون لامرّ الله إن يشأ يغفر لهم وإن يشأ يعذّبهم.فالاستواء كناية عن عدم الرجحان، ويندفع حينئذ إشكال الوزن لكن يبقى الإشكال من جهة الانطباق على ظاهر الآيات وفيها من صفات رجال الأعراف وأصحابه ما لا يتصّف به إلّا السابقون
المقرّبون المتصدّرون في حظيرة الكرامة والسعادة، وهؤلاء المستضعفون إن صحّ عدّهم من أهل السعادة فهم نازلون فئ أنزل منازلها.
وفي المجمع قال أبوعبداللهعليهالسلام : الأعراف كثبان بين الجنّة والنار يوقف عليها كلّ نبيّ وكلّ خليفة مع المذنبين من أهل زمانه كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء من جنده وقد سبق المحسنون إلى الجنّة فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه: أنظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سبقوا فيسلّم عليهم المذنبون وذلك قوله:( وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ) ثمّ أخبر سبحانه وتعالى: أنّهم لم يدخلوها وهم يطمعون يعني هؤلاء المذنبين لم يدخلوا الجنّة وهم يطمعون أن يدخلهم الله بشفاعة النبيّ والإمام، وينظر هؤلاء المذنبون إلى أهل النار فيقولون : ربّنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.
ثمّ ينادي أصحاب الأعراف وهم الأنبياء والخلفاء رجالا من أهل النار مقرعين لهم ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أ هؤلاء الّذين أقسمتم يعني أ هؤلاء المستضعفين الّذين كنتم تستضعفونهم وتحتقرونهم بفقرهم وتستطيلون بدنياكم عليهم - ثمّ يقولون لهؤلاء المستضعفين عن أمر من الله بذلك لهم: ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
أقول: وروي القمّيّ في تفسيره عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن أبي أيّوب عن مرثد عن أبي عبد اللهعليهالسلام ما يقرب منه.
وهذه الرواية - كما ترى - تذكر المستضعفين مكان من استوت حسناتهم وسيّئاتهم صريحاً ثمّ تذكر أنّ هناك جماعة من المستضعفين يطمعون في دخول الجنّة ويتعوّذون من دخول النار من غير أن تفسّر بهم الرجال الّذين ذكر الله تعالى أنّهم على الأعراف يعرفون كلّاً بسيماهم، ويسمّيهم أصحاب الأعراف.
ويسهل حينئذ انطباق مضمونها على الآيات، ولا يبقى من الإشكال إلّا ظهور الآيات في أنّ المسلّم على أهل الجنّة هم أصحاب الأعراف والرجال الّذين على الأعراف.
والظاهر أنّ في الروايات اختلالاً وهو ناشئ عن سوء فهم بعض النقلة ثمّ النقل ولعلّ الّذي بيّنه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أو بعض الأئمّة أنّ هناك جماعة من المستضعفين يدخلهم الله الجنّة بشفاعة أو مشيّة ثمّ غيّره النقل بالمعنى وأخرجه إلى الصورة الّتي تراها، وهذا
ظاهر كسائر الروايات الوارادة عن ابن عبّاس وابن مسعود وحذيفه وغيرهم القائلة إنّ الرجال على الأعراف هم الّذين استوت حسناتهم وسيّئاتهم مع ما فيها من الاختلاف في المتون وكذا رواية القمّيّ عن الصادقعليهالسلام فراجعها تعرف صدق ما ادّعيناه.
وفي البصائر بإسناده عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن الأعراف ما هم؟ قال: هم أكرم الخلق على الله تبارك وتعالى.
أقول: السائل يأخذ الأعراف والرجال الّذين عليه واحداً وعلى ذلك ورد الجواب منهعليهالسلام فكأنّه أخذ جمعاً لعرف بمعنى العريف والعارف وفي هذا المعنى روايات كثيرة يأتي بعضها.
وفيه بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام :( وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ) قال: نحن أصحاب الأعراف من عرفنا فمآله إلى الجنّة ومن أنكرنا فمآله إلى النار.
أقول: قوله من عرفنا ومن أنكرنا إن كان فعلا وفاعلا فهو، وإن كان فعلا ومفعولا كان على وزان سائر الروايات من عرفهم وعرفوه، ومن أنكرهم وأنكروه.
وفيه بإسناده عن الاصبغ بن نباتة قال: كنت عند أمير المؤمنينعليهالسلام فقال له رجل:( وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ) فقال له عليّعليهالسلام : نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الّذين لا يعرف الله إلّا بسبيل معرفتنا ونحن الأعراف نوقف يوم القيامة بين الجنّة والنار فلا يدخل الجنّة إلّا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلّا من أنكرنا وأنكرناه وذلك قول الله عزّوجلّ.
لو شاء لعرّف الناس نفسه حتّى يعرفوا حدّه ويأتونه من بابه، جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الّذي يؤتى منه.
اقول: ورواه أيضاً بإسناده عن مقرن عن أبي عبد اللهعليهالسلام والرجل السائل هو ابن الكوّاء، وروى هذه القصّة أيضاً الكلينيّ في الكافي عن مقرن قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: جاء ابن الكوّاء، الخ.
والظاهر أنّ المراد بالمعرفة والإنكار في الرواية المعرفة بالحبّ والبغض إى لا يدخل
الجنّة إلّا من عرفنا بالولاية وعرفناه بالطاعة، ولا يدخل النار إلّا من أنكر ولايتنا وأنكرنا طاعته وهذا غير معرفتهم الجميع بأعيانهم، وإلّا أشكل انطباقه على قوله تعالى:( رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ) وقوله تعالى:( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ ) الخ، ولعلّ ذلك إنّما نشأ من نقل بعض الرواة الرواية بالمعنى، ويؤيّد ما استظهرناه ما يأتي في الرواية التاليه.
وفي المجمع روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده رفعه إلى الاصبغ بن نباتة قال: كنت جالساً عند عليّعليهالسلام فأتاه ابن الكوّاء فسأله عن هذه الآية فقال ويحك يا ابن الكوّاء نحن نوقف يوم القيامة بين الجنّة والنار فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار وفي تفسير العيّاشيّ عن هلقام عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن قول الله:( وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ) ما يعني بقوله:( عَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ؟ ) قال أ لستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم ليعرفوا من فيها من صالح أو طالح؟ قلت: بلى.
قال: فنحن أولئك الرجال الّذين يعرفون كلّا بسيماهم.
اقول: وهو مبني على أخذ الأعراف جمعاً للعرف كأقطاب جمع قطب والعرف هو المعروف من الأمر ولعلّه مصدر بمعنى المفعول فمعنى( وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ ) : وكلّ على اُمورهم وأحوالهم المعروفة منهم رجال، ولا ينافي ذلك ما تقدّم أنّ الأعراف أعالي الحجاب وكذا ما تقدّم في بعض الروايات أنّ الأعراف كثبان بين الجنّة والنار فإنّ المعرفة الّتي هي مادّة اللّفظ حافظة لمعناه في مشتقّاته وموارد استعمالها على إيّ حال.
وأعلم أنّ الأخبار من طرق أئمّة أهل البيتعليهمالسلام في ما يقرب من هذه المعاني في الأعراف كثيرة جدّاً، وفيما أوردناه للإشارة إلى أنواع مضامينها في تفسير الأعراف وأصحاب الأعراف كفاية.
وفي تفسير البرهان عن الثعلبيّ في تفسيره عن ابن عبّاس أنّه قال: الأعراف موضع عال من الصراط عليه العبّاس وحمزة وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام وجعفر ذو الجناحين يعرفون شيعتهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه.
اقول: وقد تقدّم في البيان السابق نقل الرواية عن مجمع البيان عن تفسير الثعلبي عن الضحّاك عن ابن عبّاس.
وفي الدّر المنثور أخرج الحارث بن أبي اُسامة في مسنده وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن مالك الهلاليّ عن أبيه: قال قائل: يا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما أصحاب الأعراف قال: هم قوم خرجوا في سبيل الله بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فمنعتهم الشهادة أن يدخلوا النار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنّة فهم آخر من يدخل الجنّة.
اقول: وهذا المعنى مرويّ بطرق اُخرى عن أبي سعيد الخدريّ وإبى هريرة وابن عبّاس وقد تقدّم الإشكال عليه بعدم الانطباق على ظاهر الآيات، والاصول المسلمه تعطي أنّه إن تعيّن الخروج وجوباً عينيّاً لم يؤثّر فيه عدم إذن الوالدين، وإن لم يتعيّن وبقى على الكفاية كان الخروج محرّماً ولم ينفعه القتل في المعركة إلّا أن يكون مستضعفاً من جهة الجهل بالحكم فيعود إلى القول بكون أصحاب الأعراف هم المستضعفين ويجري فيه البحث السابق.
( سورة الأعراف آية ٥٤ - ٥٨)
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( ٥٤ ) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( ٥٥ ) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ( ٥٦ ) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( ٥٧ ) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( ٥٨ )
( بيان)
بيان الآيات متّصلة بما قبلها مرتبطة بها فإنّ الآيات السابقة كانت تبيّن وبال الشرك بالله والتكذيب بآياته وأنّ ذلك يسوق الإنسان إلى هلاك مؤبّد وشقاء مخلّد وهذه الآيات تعلّل ذلك بأن ربّ الجميع واحد إليه تدبير الكلّ يجب عليهم أن يدعوه ويشكروا له وتؤكّد توحيد ربّ العالمين من جهتين:
إحداهما: أنّه تعالى هو الّذي خلق السماوات والأرض جميعاً ثمّ دبّر أمرها بالنظام الأحسن الجاري فيها الرابط بينها جميعاً فهو ربّ العالمين.
والثانية: أنّه تعالى هو الّذي يهيّئ لهم الأرزاق بإخراج أنواع الثمرات الّتي
يرتزقون بها بخلق ذلك بأعجب الطرق المتّخذة لذلك وألطفها وهو الإمطار فهو ربّهم لا ربّ سواه.
قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) سيأتي البحث في معنى السماء والأيّام الستّة الّتي خلقتا فيها في تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله.
قوله تعالى: ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ - إلى قوله -بِأَمْرِهِ ) الاستواء الاعتدال على الشئ والاستقرار عليه، وربّما استعمل بمعنى التساوى، يقال: استوى زيد وعمرو أي تساويا قال تعالى:( لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ) .
والعرش ما يجلس عليه الملك وربّما كنّي به عن مقام السلطنة، قال الراغب في المفردات: العرش في الأصل شئ مسقّف وجمعه عروش قال:( وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ) ومنه قيل: عرشت الكرم وعرّشتها إذا جعلت له كهيأة سقف.
قال: والعرش شبه الهودج للمرأة تشبيهاً في إلهيّة بعرش الكرم، وعرشت البئر جعلت له عريشا، وسمّي مجلس السلطان عرشاً اعتباراً بعلوّه.
قال: وعرش الله ما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلّا بالاسم، وليس كما يذهب إليه أوهام العامّة فإنّه لو كان كذلك لكان حاملاً له - تعالى عن ذلك - لا محمولاً والله تعالى يقول:( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ) وقال قوم: هو الفلك الأعلى والكرسيّ فلك الكواكب، واستدلّ بما روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما السماوات السبع والأرضون السبع في جنب الكرسيّ إلّا كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسيّ عند العرش كذلك (انتهى).
وقد استقرّت العادة منذ القديم أن يختصّ العظماء من ولاة الناس وحكّامهم ومصادر اُمورهم من المجلس بما يختصّ بهم ويتميّزون به عن غيرهم كالبساط والمتّكأ حتّى آل الأمر إلى إيجاد السرر والتخوت فاتّخذ للملك ما يسمّى عرشاً وهو أعظم وأرفع وأخصّ بالملك، والكرسيّ يعمّه وغيره، واستدعى التداول والتلازم أن يعرف الملك بالعرش كما كان العرش يعرف بالملك في أوّل الأمر فصار العرش حاملا لمعنى الملك ممثّلا
لمقام السلطنة إليه يرجع وينتهي وفيه تتوحّد أزمّة المملكة في تدبير اُمورها وإدارة شؤونها.
واعتبر لاستيضاح ذلك مملكة من الممالك قطنت فيها أمّة من الاُمم لعوامل طبيعيّة أو اقتصاديّة أو سياسيّة استقلّوا بذلك في أمرهم وتميّزوا من غيرهم فأوجدوا مجتمعاً من المجتمعات الإنسانيّة واختلطوا وامتزجوا بالأعمال ونتائجها ثمّ اقتسموا في التمتّع بالنتائج فاختصّ كلّ بشئ منها على قدر زنته الاجتماعيّة.
كان من الواجب أن تحفظ هذه الوحدة والاتّصال المتكوّن بالاجتماع بمن يقوم عليها فإنّ التجربة القطعيّة أوضحت للإنسان أنّ العوامل المختلفة والأعمال والإرادات المتشتّتة إذا وجّهت نحو غرض واحد وسيرت في مسير واحد لم تدم على نعت الاتّحاد والملاءمة إلّا أن تجمع أزمّه الاُمور المختلفة في زمام واحد وتوضع في يد من يحفظه ويديم حياته بالتدبير الحسن فتحيى به الجميع وإلّا فسرعان ما تتلاشى وتتشتّت.
ولذلك ترى أنّ المجتمع المترقّي ينوّع الأعمال الجزئيّة نوعاً نوعاً ثمّ يقدّم زمام كلّ نوع إلى كرسيّ من الكراسيّ كالدوائر والمصالح الجزئيّة المحليّة، ثمّ ينوّع أزمّه الكراسيّ فيعطي كلّ نوع كرسيّاً فوق ذلك، وعلى هذا القياس حتّى ينتهي الأمر إلى زمام واحد يقدّم إلى العرش ويهدي لصاحب العرش.
ومن عجيب أمر هذا الزمام وانبساطه وسعته في عين وحدته أنّ الأمر الواحد الصادر من هذا المقام يسير في منازل الكراسيّ التابعه له على كثرتها واختلاف مراتبها فيتشكّل في كلّ منزل بشكل يلائمه ويعرف فيه، ويتصوّر لصاحبه بصورة ينتفع بها ويأخذها ملاكاً لعمله.
يقول مصدر الأمر( ليجر الأمر ) فتأخذه المصالح الماليّة تكليفاً مالياً ومصالح السياسيّة تكليفاً سياسيّاً، ومصالح الجيش تكلّيفاً دفاعياً وعلى هذا القياس كلّما صعد أو نزل.
فجميع تفاصيل الأعمال والإرادات والأحكام المجراة فيها المنبسطة في المملكة وهي لا تحصى كثرة أو لا تتناهى لا تزال تتوحّد وتجتمع في الكراسيّ حتّى تنتهي إلى العرش فتتراكم عنده بعضها على بعض وتندمج وتتداخل وتتوحّد حتّى تصير واحداً هو في وحدته
كلّ التفاصيل فيما دون العرش، وإإذا سار هذا الواحد إلى ما دونه لم يزل يتكثّر ويتفصّل حتّى ينتهي إلى أعمال أشخاص المجتمع وإراداتهم.
هذا في النظام الوضعيّ الاعتباريّ الّذي عندنا، وهو لا محالة مأخوذ من نظام التكوين، والباحث عن النظام الكونيّ يجد أنّ الأمر فيه على هذه الشاكلة، فالحوادث الجزئيّة تنتهي إلى علل وأسباب جزئيّة، وتنتهي هي إلى أسباب اُخرى كلّية حتّى تنتهي الجميع إلى الله سبحانه غير أنّ الله سبحانه مع كلّ شئ وهو محيط بكلّ شي، وليس كذلك الملك من ملوكنا لحقيقيّة ملكه تعالى واعتباريّة ملك غيره.
ففي عالم الكون على اختلاف مراحل مرحله تنتهي إليها جميع أزمّة الحوادث الملقاة على كواهل الأسباب، وأزمّة الأسباب على اختلاف أشخاصها وأنواعها، وترتّب مراتبها هو المسمّى عرشاً كما سيجئ، وفيه صور الاُمور الكونيّة المدبرّة بتدبير الله سبحانه كيفما شاء، وعنده مفاتح الغيب.
فقوله تعالى:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) كناية عن استيلائه على ملكه وقيامه بتدبير الأمر قياماً ينبسط على كلّ ما دقّ وجلّ، ويترشّح منه تفاصيل النظام الكونيّ ينال به كلّ ذي بغية بغيته، وتقضي لكلّ ذي حاجة حاجته، ولذلك عقّب حديث الاستواء في سورة يونس في مثل الآية بقوله:( يدبّر الأمر ) إذ قال:( ثمّ استوى على العرش يدبّر الأمر ) يونس: ٣.
ثمّ فصّل بقوله:( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ) ويستره به( يَطْلُبُهُ ) أي يطلب الليل النّهار ليغشيه ويستره( حَثِيثًا ) أي طلباً حثيثاً سريعاً، وفيه إشعار بأنّ الظلمة هي الأصل، والنهار الّذي يحصل من إنارة الشمس ما يواجهها ممّا حولها، عارض للّيل الّذي هو الظلمة المخروطيّة اللازمة لأقلّ من نصف كرة الأرض المقابل للجانب المواجه للشمس كأنّه اللّيل يعقبه ويهجم عليه.
وقوله:( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) أي خلقهنّ والحال أنّها مسخّرات بأمره يجرين على ما يشاء ولما يشاء وقرئ الجميع بالرفع، وعلى ذلك
فالشمس مبتدء والقمر والنجوم معطوفة عليها، ومسخّرات خبره، والباء في قوله:( بِأَمْرِهِ ) للسببيّة.
ومجموع قوله:( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ) الخ، يجري مجرى التفسير لقوله:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) على ما يعطيه السياق، وهو الّذي تعطيه أغلب الآيات القرآنيّة الّتي يذكر فيها العرش فإنّها تذكر معه شيئاً من التدبير أو ما يؤول إليه بحسب المعنى.
قوله تعالى: ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) الخلق هو التقدير بضمّ شئ إلى شئ وإن استقرّ ثانياً في عرف الدين وأهله في معنى الإيجاد أو الابداع على غير مثال سابق، وأمّا الأمر فيستعمل في معنى الشأن وجمعه اُمور، ومصدراً بمعنى يقرب من بعث الإنسان غيره نحو ما يريده يقال أمرته بكذا أمرا، وليس من البعيد أن يكون هذا هو الأصل في معنى اللّفظ ثمّ يستعمل الأمر اسم مصدر بمعنى نتيجة الأمر وهو النظم المستقرّ في جميع أفعال الماُمور المنبسط على مظاهر حياته، فينطبق في الإنسان على شأنه في الحياة ثمّ يتوسّع فيه فيستعمل بمعنى الشأن في كلّ شئ فأمر كلّ شئ هو الشأن الّذي يصلح له وجوده، وينظّم له تفاريق حركاته وسكناته وشتّى أعماله وإراداته، يقال : أمر العبد إلى مولاه، أي هو يدبّر حياته ومعاشه، وأمر المال إلى مالكه، وأمر الإنسان إلى ربّه أي بيده تدبيره في مسير حياته.
ولا يرد عليه أنّ الأمر بمعنى الشأن يجمع على( أُمُورِ ) وبمعنى يقابل النهي على( أوامر ) وهو ينافي رجوع أحدهما إلى الآخر معنى !، فإنّ أمثال هذه التفنّنات كثيرة في اللّغة يعثر عليها المتتبّع الناقد فالأمر كالمتوسّط بين من يملكه وبين من يملك منه كالمولى والعبد ويضاف إلى كلّ منهما يقال: أمر العبد وأمر المولى، قال تعالى:( وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ) البقره: ٢٧٥، وقال:( أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ ) النحل: ١.
وقد فسّر سبحانه أمره الّذي يملكه من الأشياء بقوله:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) يس:٨٣ ، فبيّن أنّ أمره الّذي يملكه من كلّ شئ سواء كان ذاتاً أو صفه أو فعلا وأثراً هو قول كن وكلمة الإيجاد وهو الوجود الّذي يفيضه عليه فيوجد هو به، فإذا قال : لشئ: كن فكان، فقد أفاض عليه
ما وجد به من الوجود، وهذا الوجود الموهوب له نسبة إلى الله سبحانه وهو بذاك الاعتبار أمره تعالى وكلمة( كُن ) الإلهيّة، وله نسبة إلى الشئ الموجود، وهو بذاك الاعتبار أمره الراجع إلى ربّه، وقد عبّر عنه في الآية بقوله( فَيَكُونُ ) .
وقد ذكر تعالى لكلّ من النسبتين - وإن شئت فقل: للإيجاد المنسوب إليه تعالى وللوجود المنسوب إلى الشئ - نعوتاً وأحكاماً مختلفة سنبحث عنها إن شاء الله في محلّ يناسبه.
والحاصل: أنّ الأمر هو الإيجاد سواء تعلّق بذات الشئ أو بنظام صفاته وأفعاله فأمر ذوات الأشياء إلى الله وأمر نظام وجودها إلى الله لأنّها لاتملك لنفسها شيئاً البتّة، والخلق هو الإيجاد عن تقدير وتأليف سواء كان ذلك بنحو ضمّ شئ إلى شئ كضمّ أجزاء النطفة بعضها إلى بعض وضمّ نطفة الذكور إلى نطفة الأناث ثمّ ضمّ الاجزاء الغذائيّة إليها في شرائط خاصّة حتّى يخلق بدن إنسان مثلا، أم من غير أجزاء مؤلفة كتقدير ذات الشئ البسيط وضمّ ماله من درجة الوجود وحدّه وماله من الآثار والروابط الّتي له مع غيره، فالاُصول الأوّليّة مقدّرة مخلوقة كما أنّ المركّبات مقدّرة مخلوقة. قال الله تعالى:( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) الفرقان: ٢، وقال:( الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) طه: ٥٠، وقال:( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) الزمر: ٦٢، فعمّم خلقه كلّ شئ.
فقد اعتبر في معنى الخلق تقدير جهات وجود الشئ وتنظيمها سواء كانت متمايزة منفصلا بعضها عن بعض أم لا بخلاف الأمر.
ولذا كان الخلق يقبل التدريج كما قال:( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) بخلاف الأمر قال تعالى:( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) القمر: ٥٠، ولذلك أيضاً نسب في كلامه إلى غيره الخلق كقوله:( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا ) المائدة: ١١٠، وقال:( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) المؤمنون: ١٤.وأمّا الأمر بهذا المعنى فلم ينسبه إلى غيره بل خصّه بنفسه، وجعله بينه وبين ما يريد حدوثه وكينونته كالروح الّذي يحيى به الجسد.
أنظر إلى قوله تعالى:( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) وقوله:
( وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ ) الروم: ٤٦، وقوله:( يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) النحل: ٢، وقوله:( وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) الأنبياء: ٢٧، إلى غير ذلك من الآيات تجد أنّه تعالى يجعل ظهور هذه الأشياء بسببيّة أمره أو بمصاحبة أمره، فتلخّص أنّ الخلق والأمر يرجحان بالاخرة إلى معنى واحد وإن كانا مختلفين بحسب الاعتبار.
فإذا انفرد كلّ من الخلق والأمر صحّ أنّ يتعلّق بكلّ شئ، كلّ بالعناية الخاصّة به، وإذا اجتمعا كان الخلق أحرى بأن يتعلّق بالذوات لما أنّها أوجدت بعد تقدير ذواتها وآثارها، ويتعلّق الأمر بآثارها والنظام الجاري فيها بالتفاعل العامّ بينها لما أنّ الآثار هي الّتي قدّرت للذوات ولا وجه لتقدير المقدّر فافهم ذلك.
ولذلك قال تعالى:( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) فأتى بالعطف المشعر بالمغايرة بوجه وكأنّ المراد بالخلق ما يتعلّق من الإيجاد بذوات الأشياء، وبالأمر ما يتعلّق بآثارها والاوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها كما ميّز بين الجهتين في أوّل الآية حيث قال:( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) وهذا هو إيجاد الذوات( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) وهو إيجاد النظام الاحسن بينها بإيقاع الأمر تلو الأمر والإتيان بالواحد منه بعد الواحد.
وما ربّما يقال: إنّ العطف لا يقتضي المغايرة، ولو اقتضى ذلك لدلّ في قوله:( مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ ) البقرة: ٩٨، على كون جبريل من غير جنس الملائكة ! مدفوع بأنّ المراد مغايرة مّا ولو اعتباراً لقبح قولنا جائني زيد وزيد ورأيت عمراً وعمراً فلا محيص عن مغايرة مّا ولو بحسب الاعتبار، وجبريل مع كونه من جنس الملائكة يغايره غيره بما له من المقام المعلوم والقوّة والمكانة عند ذى العرش.
وقوله تعالى:( فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) أي كان ذا بركات ينزّلها على مربوبيه من جميع من في العالمين فهو ربّهم.
( كلام في معنى العرش)
للناس في معنى العرش بل في معنى قوله:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) والآيات الّتي في هذا المساق مسالك مختلفة، فأكثر السلف على أنّها وما يشاكلها من الآيات من المتشابهات الّتي يجب أن يرجع علمها إلى الله سبحانه، وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينيّة والتطلّع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنّة بدعة، والعقل يخطّئهم في ذلك و الكتاب والسنّة لا يصدّقانهم فآيات الكتاب تحرّض كلّ التحريض على التدبّر في آيات الله وبذل الجهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته بالتذكّر والتفكّر و النظر فيها والاحتجاج بالحجج العقليّة، ومتفرّقات السنّة المتواترة معنى توافقها، ولا معنى للامر بالمقدمة والنهي عن النتيجة، وهؤلاء هم الّذين كانوا يحرّمون البحث عن حقائق الكتاب والسنّة - حتّى البحث الكلاميّ الّذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينيّة ووضعها على ما تفيده بحسب الفهم العامّيّ ثمّ الدفاع عنها بما تيسّر من المقدّمات المشهورة والمسلّمة عند أهل الدين - ويعدّونها بدعه فلنتركهم وشأنهم.
وأمّا طبقات الباحثين فقد اختلفوا في معناه على أقوال:
١ - حمل الكلمة على ظاهر معناها فالعرش عندهم مخلوق كهيئة السرير له قوائم وهو موضوع على السماء السابعة والله - تعالى عمّا يقول الظالمون - مستوٍ عليه كاستواء الملوك منّا على عروشهم، وأكثر هؤلاء على أنّ العرش والكرسيّ شئ واحد، وهو الّذي وصفناه.
وهؤلاء هم المشبّهة من المسلمين، والكتاب والسنّة والعقل تخاصمهم في ذلك وتنزّه ربّ العالمين أن يماثل شيئاً من خلقه ويشبهه في ذاتٍ، أو صفة أو فعل تعالى وتقدّس.
٢ - أنّ العرش هو الفلك التاسع المحيط بالعالم الجسمانيّ والمحدّد للجهات والأطلس الخالي من الكواكب، والراسم بحركته اليوميّة للزمان، وفي جوفه مماسّاً
به الكرسيّ وهو الفلك الثامن الّذي فيه الثوابت، وفي جوفه الأفلاك السبعة الكلّيّة الّتي هي أفلاك السيّارات السبع: زحل والمشتري والمرّيخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر بالترتيب محيطاً بعضها ببعض.
وهذه هي الّتي يفرضها علم الهيئة على مسلك بطليموس لتنظيم الحركات العلويّة الظاهرة للحسّ طبّقوا عليها ما يذكره القرآن من السماوات السبع والكرسيّ والعرش فما وجدوا من أحكامها المذكورة في الهيئة والطبيعيّات لايخالف الظواهر قبلوه، وما وجدوه يخالف الظواهر الموجودة في الكتاب ردّوه كقولهم: ليس للفلك المحدّد وراء لاخلاء ولا ملأ ، وقولهم بدوام الحركات الفلكيّة، واستحالة الخرق والالتيام عليها، وكون كلّ فلك يماسّ بسطحه سطح غيره من غير وجود بعد بينها ولا سكنة فيها وكون أجسامها بسيطة متشابهة لا ثقب فيها ولا باب .
والظواهر من القرآن والحديث تثبت أنّ وراء العرش حجباً وسرادقات، وأنّ له قوائم، وأنّ له حملة، وأنّ الله سيطوي السماء كطيّ السجلّ للكتب، وأنّ في السماء سكنة من الملائكة ليس فيها موضع إهاب إلّا وفيه ملك راكع أو ساجد يلجونه وينزلون منه ويصعدون إليه وأنّ للسماء أبواباً ، وأنّ الجنّة فيها عند سدرة المنتهى الّتي ينتهي إليها أعمال العباد إلى غير ذلك ممّا ينافى بظاهره ما افترضه علماء الهيئة والطبيعيّات سابقاً والقائلون منّا إنّ السماوات والكرسيّ والعرش هي ما افترضوه من الأفلاك التسعة الكلّيّة يدفعون ذلك كلّه بمخالفة الظواهر.
ولم ينبّههم هذا الاختلاف في الوصف على أنّ ما يصفه القرآن غير ما يفترضه أولئك لتوجيه الحركات العلويّة حتّى أوضحت الأبحاث الأخيرة العميقة في الهيئة والطبيعيّات المؤيّدة بالحسّ و التجربة بطلان الفرضيّات السابقة من أصلها فاضطرّ هؤلاء إلى فسخ تطبيقهم و رفع اليد عنه.
٣ - أن لا مصداق للعرش خارجاً وإنّما قوله تعالى:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) كناية عن استيلائه تعالى على عالم الخلق، وكثيراً مّا يطلق الاستواء على الشئ على الاستيلاء عليه كما قيل:
قد استوى بشر على العراق |
من غير سيف ودم مهراق |
أو أنّ الاستواء على العرش معناه الشروع في تدبير الاُمور كما أنّ الملوك إذا أرادوا الشروع في إدارة اُمور مملكتهم استووا على عروشهم وجلسوا عليه والشروع والأخذ في أمر وجميع ما ينبئ عن تغيّر الأحوال وتبدّلها وإن كانت ممتنعة في حقّه تعالى لتنزّهه تعالى عن التغيّر والتبدّل لكن شأنه تعالى يسمّى شروعاً وآخذاً بالنظر إلى حدوث الأشياء بذواتها وأعيانها يومئذ فيسمّى شأنه تعالى وهو الشمول بالرحمة إذا تعلّق بها شروعاً وآخذاً بالتدبير نظير سائر الأفعال الحادثة المقيّدة بالزمان المنسوبة إليه تعالى كقولنا خلق الله فلاناً، وأحيا فلاناً، وأمات فلاناً، ورزق فلاناً، ونحو ذلك.
وفيه: أنّ كون قوله:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) جارياً مجرى الكناية بحسب اللّفظ وإن كان حقّاً لكنّه لا ينافي أن يكون هناك حقيقة موجودة تعتمد عليها هذه لعناية اللّفظيّة، والسلطة والاستيلاء والملك والأمرة والسلطنة والرئاسة والولاية والسيادة وجميع ما يجري هذا المجرى فينا اُمور وضعيّة اعتباريّة ليس في الخارج منها إلّا آثارها على ما سمعته منّا كراراً في الأبحاث الاعتباريّة السابقة والظواهر الدينيّة تشابه من حيث البيان ما عندنا من بيانات اُمورنا وشؤننا الاعتباريّة لكن الله سبحانه يبيّن لنا أنّ هذه البيانات وراءها حقائق واقعيّة، وجهات خارجيّة ليست بوهميّة اعتباريّة.
فمعنى الملك والسلطنة والإحاطة والولاية وغيرها فيه سبحانه هو المعنى الّذي نفهمه من كلّ هذه الالفاظ عندنا لكنّ المصاديق غير المصاديق فلها هناك مصاديق حقيقيّة خارجيّة على ما يليق بساحة قدسه تعالى وأمّا ما عندنا من مصاديق هذه المفاهيم فهي أوصاف ذهنيّة ادّعائية وجهات وضعيّة اعتباريّة لا تتعدّى الوهم، وإنّما وضعناها وأخذنا بها للحصول على آثار حقيقيّة هي آثارها بحسب الدعوى فلا يسمّى الرئيس رئيساً إلّا لأن يتّبع الّذين نسمّيهم مرؤسين إراداته وعزائمه لا لأنّ الجماعة بدن حقيقة وهو رأسهم حقيقة ولا نسمّي جزء الهيئة المؤتلفة عضواً لأنّه يد أو رجل أو كبد أو رئة حقيقة بل لأن يتصدّى من الاُمور المقصودة في هذا التشكيل والاجتماع ما يتصدّاه عضو من الاعضاء الموجودة في بدن الإنسان مثلا.
وهذا هو الّذي يسمّيه الله تعالى لعباً و لهواً إذ يقول:( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ) العنكبوت: ٦٤، فالمقاصد الدنيويّة من زينة ومال وأولاد وتقدّم ورئاسة وحكومة وأمثالها ليست إلّا عناوين وهميّة لا تحقّق لها إلّا في الأوهام، وليس الاشتغال بها لغير المقاصد الاخرويّة إلّا اشتغالاً باُمور وهميّة وصور خياليّة، ولا المسابقة في تحصيلها إلّا كمسابقة الاطفال في تحصيل التقدّم في الملاعب الّتي يشتغلون بها، وليس إلّا تحصيل حالة خياليّة ليس منها في خارجه عين ولا أثر.
وحاشا لله سبحانه أن يذمّ هذه الحياة الفانية الغارّة، ويسمّيها لعباً لما تشتمل عليه من الشؤون الوهميّة ثمّ يكون تعالى وتقدّس أوّل اللّاعبين !.
وبالجملة قوله تعالى:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) في عين أنّه تمثيل يبيّن به أنّ له إحاطة تدبيرية لملكه يدلّ على أنّ هناك مرحلة حقيقيّة هي المقام الّذي يجتمع فيه جميع أزمّة الاُمور على كثرتها واختلافها، ويدلّ عليه آيات أخر تذكر العرش وحده وينسبه إليه تعالى كقوله تعالى:( وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) التوبه: ١٢٩، وقوله:( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ) المؤمن: ٧، وقوله:( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) الحاقة: ١٧:، وقوله:( حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ) الزمر: ٧٥.
فالآيات - كما ترى - تدلّ بظاهرها على أنّ العرش حقيقة من الحقائق العينيّة وأمر من الاُمور الخارجيّة ولذلك نقول: إنّ للعرش في قوله:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) مصداقاً خارجيّاً، ولم يوضع في الكلام لمجرّد تتميم المثل كما نقوله في أمثال كثيرة مضروبة في القرآن فلا نقول في مثل آية النور مثلاً: إنّ في الوجود زجاجة إلهيّة أو شجرة زيتونة إلهيّة أو زيتاً إلهيّاً، ونقول: إنّ في الوجود عرشاً إلهيّاً، أو لوحاً وقلماً إلهيّين وكتاباً مكتوباً فافهم ذلك.
وهذا العرش الّذي يستفاد من مثل قوله:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) أنّه مقام في الوجود يجتمع فيه أزمّة الحوادث والاُمور كما يجتمع أزمّة المملكة في عرش الملك على التفصيل الّذي تقدّم في بيان الآية يدلّ على تحقّق هذه الصفة له قوله تعالى:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) يونس: ٣، ففسّر الاستواء على
العرش بتدبير الأمر منه، وعقبه بقوله:( مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) والآية لمّا كانت في مقام وصف الربوبيّة والتدبير التكوينيّ كان المراد بالشفاعة الشفاعة في أمر التكوين، وهو السببيّة الّتي توجد في الأسباب التكوينيّة الّتي هي وسائط متخلّلة بين الحوادث والكائنات وبينه تعالى كالنار المتخلّلة بينه وبين الحرارة الّتي يخلقها، والحرارة المتخلّلة بينه وبين التخلخل أو ذوبان الاجسام فنفي السببيّة عن كلّ شئ إلّا من بعد إذنه لافادة توحيد الربوبيّة الّتي يفيده صدر الآية:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) .
وفي قوله:( مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) بيان حقيقة اُخرى وهي رجوع التخلّف في التدبير إلى التدبير بعينه بواسطة الإذن، فإنّ الشفيع إنّما يتوسّط بين المشفوع له المحكوم بحكم، المشفوع عنده، ليغيّر بالشفاعة مجرى حكم سيجري لولا الشفاعة فالشمس المضيئة بالمواجهة مثلاً شفيعة متوسّطة بين الله سبحانه وبين الأرض لاستنارتها بالنور ولولا ذلك لكان مقتضى تقدير الأسباب العامّة ونظمها أن تحيط بها الظلمة ثمّ الحائل من سقف أو أيّ حجاب آخر شفيع آخر يسأله تعالى أن لا يقع نور الشمس على الأرض بالاستقامة وهكذا.
فأذا كانت شفاعة الشفيع - وهو سبب مغيّر لما سبقه من الحكم - مستندة إلى إذنه تعالى كان معناه أنّ التدبير العامّ الجاري إنّما هو من الله سبحانه، وأنّ كلّ ما يتّخذ من الوسائل لإبطال تدبيره وتغيير مجرى حكمه أعمّ ممّا يتّخذه الأسباب التكوينيّة وما يتّخذه الإنسان من التدابير للفرار عن حكم الأسباب الجارية الإلهيّة كلّ ذلك من التدبير الإلهيّ.
ولذلك نرى الأشياء الرديّة تعصي فلا تقبل الصور الشريفه والمواهب السامية، لقصور استعدادها عن قبولها، وهذا الردّ منها بعينه قبول، والامتناع من قبول التربية بعينه تربية اُخرى إلهيّة والإنسان على ما به من الجهل يستعلي على ربّه ويستنكف عن الخضوع لعظمته وهو بعينه انقياد لحكمه، ويمكر به وهو بعينه ممكور به قال تعالى:( وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) الأنعام: ١٢٣، وقال تعالى:( وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) آل عمران: ٦٩، وقال تعالى:( وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ
وَلَا نَصِيرٍ ) الشورى: ٣١.
فقوله:( مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) يدلّ على أنّ شفاعة الشفاعة أو الأسباب المخالفة الّتي تحول بين التدبير الإلهيّ وبين مقتضياته داخلة من جهة اُخرى وهي جهة الإذن في التدبير الإلهيّ فافهم ذلك.
فما مثل الأسباب والعوامل المتخالفة المتزاحمة في الوجود إلّا كمثل كفّتي الميزان تتعاركان بالارتفاع والانخفاض، والثقل والخفّة لكن اختلافهما بعينه اتّفاق منهما في إعانة صاحب الميزان في تشخيص ما يريد تشخيصه من الوزن.
ويقرب من آية سورة يونس في الدلالة على شمول التدبير ونفي مدبّر غيره تعالى قوله:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ) السجدة: ٤، ويقرب من قوله:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) في الإشارة إلى كون العرش مقاماً تنتشئ فيه التدابير العامّة وتصدر عنه الأوامر التكوينيّة قوله تعالى:( ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) البروج: ١٦، وهو ظاهر.
وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى:( وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ ) الزمر: ٧٥، فإنّ الملائكة هم الوسائط الحاملون لحكمه والمجرون لامره العاملون بتدبيره فليكونوا حافّين حول عرشه.
وكذا قوله تعالى:( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) المؤمن: ٧، وفي الآية مضافاً إلى ذكر احتفافهم بالعرش شئ آخر وهو أنّ هناك حملة يحملون العرش، وهم لا محالة أشخاص يقوم بهم هذا المقام الرفيع والخلق العظيم الّذي هو مركز التدابير الإلهيّة ومصدرها، ويؤيّد ذلك ما في آية اُخرى وهي قوله:( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) الحاقة: ١٧،.
وإذ كان العرش هو المقام الّذي يرجع إليه جميع أزمّة التدابير الإلهيّة والأحكام الربوبيّة الجارية في العالم كما سمعت، كان فيه صور جميع الوقائع بنحو الإجمال حاضرة عند الله معلومة له، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) الحديد: ٤، فقوله:( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ ) الخ، يجري مجرى التفسير للاستواء على العرش فالعرش مقام العلم كما أنّه مقام التدبير العامّ الّذي يسع كلّ شئ، وكلّ شئ في جوفه.
ولذلك هو محفوظ بعد رجوع الخلق إليه تعالى لفصل القضاء كما في قوله:( وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ) وموجود مع هذا العالم المشهود كما يدلّ عليه آيات خلق السماوات والأرض، وموجود قبل هذه الخلقة كما يدلّ عليه قوله:( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) هود: ٧.
قوله تعالى: ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) إلى آخر الايتين.التضرّع هو التذلّل من الضراعة وهي الضعف والذلّة.والخفية هي الاستتار، وليس من البعيد أن يكون كناية عن التذلّل جئ به لتأكيد التضرّع فإنّ المتذلّل يكاد يختفي من الصغار والهوان.
الآية السابقة:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ ) الآية تذكر بربوبيّته وحده لا شريك له من جهة أنّه هو الخالق وحده، وإليه تدبير خلقه وحده، فتعقيبها بهاتين الآيتين بمنزلة أخذ النتيجة من البيان، وهي الدعوة إلى دعائه وعبوديّته، والحكم بأخذ دين يوافق ربوبيّته تعالى وهي الربوبيّة من غير شريك في الخلق ولا في التدبير.
ولذلك دعا أوّلاً إلى دين العبوديّة فقال:( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) فأمر أن يدعوه بالتضرّع والتذلّل وأن يكون ذلك خفية من غير المجاهرة البعيدة عن أدب العبوديّة الخارجة عن زيّها - بناءً على أن تكون الواو في( تضرّعاً وخفيه ) للجمع - أو أن يدعوه بالتضرّع والابتهال الملازم عدّة للجهر بوجه أو بالخفية إخفاتاً فإنّ ذلك هو لازم العبوديّة ومن عدا ذلك فقد اعتدى عن طور العبوديّة وإنّ الله لا يحبّ المعتدين.
ومن الممكن أن يكون المراد بالتضرّع والخفية: الجهر والسرّ وإنّما وضع التضرّع موضع الجهر لكون الجهر في الدعاء منافياً لادب العبوديّة إلّا أن يصاحب التضرّع.
هذا فيما بينهم وبين الله، وأمّا فيما بينهم وبين الناس فإنّ لا يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها فليس حقيقة الدين فيما يرجع إلى حقّوق الناس إلّا أن يصلح شأنهم بارتفاع
المظالم من بينهم و معاملتهم بما يعينهم على التقوى، ويقرّبهم من سعادة الحياة في الدنيا والآخرة .
ثمّ كرّر الدعوة إليه وأعاد البعث إلى دعائه بالجمع بين الطريقين الّذين لم يزل البشر يعبد الربّ أو الأرباب من أحدهما وهما طريق الخوف وطريق الرجاء فإنّ قوماً كانوا يتّخذون الأرباب خوفاً فيعبدونهم ليسلموا من شرورهم، وكان قوماً يتّخذون الأرباب طمعاً فيعبدونهم لينالوا خيرهم وبركتهم لكنّ العبادة عن محض الخوف ربّما ساق الإنسان إلى اليأس والقنوط فدعاه إلى ترك العبادة، وقد شوهد ذلك كثيراً، والعبادة عن محض الطمع ربّما قاد إلى استرسال الوقاحة وزوال زيّ العبوديّة فدعاه إلى ترك العبادة، وقد شوهد أيضاً كثيراً فجمع سبحانه بينهما ودعا إلى الدعاء باستعمالهما معاً فقال:( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) ليصلح كلّ من الصفتين ما يمكن أن تفسده الاخرى، وفي ذلك وقوع في مجرى الناموس العامّ الجاري في العالم أعني ناموس الجذب والدفع.
وقد سمّى الله سبحانه هذا الاعتدال في العبادة والتجنّب عن إفساد الأرض بعد إصلاحها إحساناً وبشّر المجيبين لدعوته بأنّهم يكونون حينئذ محسنين فتقرّب منهم رحمته إنّ رحمة الله قريب من المحسنين.
ولم يقل: رحمة الله قريبة، قيل: لأنّ الرحمة مصدر يستوي فيه الوجهان، وقيل: لأنّ المراد بالرحمة الإحسان، وقيل: لأنّ قريب فعيل بمعنى المفعول فيستوي فيه المذكر والمؤنث ونظيره قوله تعالى:( لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ) الشورى: ١٧.
قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) إلى آخر الآية وفي الآية بيان لربوبيّته تعالى من جهة العود كما أنّ في قوله:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ) الآية بياناً لها من جهة البدء.
وقوله:( بُشْرًا ) وأصله البشر بضمّتين جمع بشير كالنذر جمع نذير، والمراد بالرحمة المطر، وقوله:( بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) أي قدّام المطر، وفيه استعارة تخييليّة بتشبيه المطر بالإنسان الغائب الّذي ينتظره أهله فيقدم وبين يديه بشير يبّشر بقدومه.
والإقلال الحمل، والسحاب والسحابة الغمام والغمامة كتمر وتمرة وكون السحاب
ثقلاً باعتبار حمله ثقل الماء، وقوله( لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ ) أي لأجل بلد ميّت أو إلى بلد ميّت والباقي ظاهر.
والآية تحتجّ بإحياء الأرض على جواز إحياء الموتى لأنّهما من نوع واحد، وحكم الامثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد وليس الاحياء الّذين عرض لهم عارض الموت بمنعدمين من أصلهم فإنّ أنفسهم وأرواحهم باقية محفوظة و إن تغيّرت أبدانهم، كما أنّ النّبات يتغيّر ما على وجه الأرض منها ويبقى ما في أصله من الروح الحيّة على انعزال من النشوء والنماء ثمّ تعود إليه حياته الفعّالة كذلك يخرج الله الموتى فما إحياء الموتى في الحشر الكلّيّ يوم البعث إلّا كإحياء الأرض الميتة في بعثة الجزئيّ العائد كلّ سنة، وللكلام ذيل سيوافيك في محلّ آخر إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ) إلى آخر الآية.النكد القليل والآية بالنظر إلى نفسها كالمثل العامّ المضروب لترتّب الأعمال الصالحة والآثار الحسنة على الذوات الطيّبة الكريمة كخلافها على خلافها كما تقدّم في قوله:( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) لكنّها بانضمامها إلى الآية السابقة تفيد أنّ الناس و إن اختلفوا في قبول الرحمة فالاختلاف من قبلهم والرحمة الإلهيّة عامّة مطلقه.
( بحث روائي)
لم ينقل عن طبقة الصحابة بحث حقيقيّ عن مثل العرش والكرسيّ وسائر الحقائق القرآنيّة وحتّى أصول المعارف كمسائل التوحيد وما يلحقّ بها بل كانوا لا يتعدّون الظواهر الدينيّة ويقفون عليها، وعلى ذلك جرى التابعون وقدماء المفسّرين حتّى نقل عن سفيان بن عيينة أنّه قال: كلّما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وعن الإمام مالك أنّ رجلاً قال له: يا أباعبدالله استوى على العرش، كيف استوى؟ قال الراوي فما رأيت مالكاً وجد من شئ كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء يعني العرق وأطرق القوم. قال فسري عن مالك فقال: الكيف غير معقول: والاستواء منه غير مجهول،
والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأنّي أخاف أن تكون ضالّاً، وأمر به فاُخرج.
وكأنّ قوله: الكيف غير معقول الخ، مأخوذ عمّا روي(١) عن إم سلمة أمّ المؤمنين في قوله تعالى:( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والاقرار به إيمان، والجحود به كفر.
فهذا نحو سلوكهم في ذلك لم يورث منهم شئ إلّا ما يوجد في كلام الإمام علىّ بن إبى طالب والأئمّة من ولده بعدهعليهمالسلام ونحن نورد بعض ما عثرنا عليه في كلامهم.
ففي التوحيد بإسناده عن سلمان الفارسيّ فيما أجاب به علىّعليهالسلام الجاثليق: فقال علىّعليهالسلام : إنّ الملائكة تحمل العرش، وليس العرش كما تظنّ كهيئة السرير ولكنّه شئ محدود مخلوق مدبّر وربّك مالكه لا أنّه عليه ككون الشئ على الشئ الخبر.
وفي الكافي عن البرقيّ رفعه قال: سأل الجاثليق عليّاًعليهالسلام فقال: أخبرني عن الله عزّوجلّ يحمل العرش أو العرش يحمله ؟ فقالعليهالسلام : الله عزّوجلّ حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وذلك قول الله عزّوجلّ:( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) .
قال: فأخبرني عن قوله:( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) فكيف ذاك وقلت: إنّه يحمل العرش والسماوات والأرض؟ فقال أميرالمؤمنينعليهالسلام : إنّ العرش خلقه الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة : نور أحمر منه احمرّت الحمرة، ونور أخضر منه اخضرّت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرّت الصفرة، ونور أبيض منه ابيضّ البياض.
وهو العلم الّذي حمّله الله الحملة، وذلك نور من نور عظمته فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات
____________________
(١) رواه في الدّر المنثور عن ابن مردويه واللالكائي في السنة عنها.
والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان المتشتّتة فكلّ شي ء محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه ضرّاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً فكلّ شئ محمول، والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا، والمحيط بهما من شئ، وهو حياة كلّ شئ ونور كلّ شئ سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوّاً كبيراً.
قال له: فأخبرني عن الله أين هو؟ فقال أميرالمؤمنينعليهالسلام : هو ههنا وههنا وفوق وتحت ومحيط بنا ومعنا، وهو قوله:( مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ) فالكرسيّ محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإن تجهر بالقول فإنّه يعلم السرّ وأخفى ، وذلك قوله:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) .
فالّذين يحملون العرش هم العلماء الّذين حمّلهم الله علمه، وليس يخرج من هذه الأربعة شئ خلقه الله في ملكوته، وهو الملكوت الّذي أراه الله أصفياءه وأراه خليله فقال:( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) وكيف يحمل حملة العرش الله وبحياته حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته، الخبر.
أقول: قوله أخبرني عن الله عزّوجلّ يحمل العرش أو العرش يحمله الخ ظاهر في أنّ الجاثليق أخذ الحمل بمعنى حمل الجسم للجسم، وقولهعليهالسلام : الله حامل العرش والسماوات والأرض الخ أخذٌ للحمل بمعناه التحليليّ وتفسيرٌ له بمعنى حمل وجود الشي ء وهو قيام وجود الأشياء به تعالى قياماً تبعيّاً محضاً لا استقلاليّاً، ومن المعلوم أنّ لازم هذا المعنى أن يكون الأشياء محمولة له تعالى لا حاملة.
ولذلك لمّا سمع الجاثليق ذلك سألهعليهالسلام عن قوله تعالى:( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) فإنّ حمل وجود الشئ بالمعنى المتقدّم يختصّ به تعالى لا يشاركه فيه غيره مع أنّ الآية تنسبه إلى غيره ! ففسّرعليهالسلام الحمل ثانياً بحمل العلم وفسّر العرش بالعلم.
غير أنّ ذلك حيث كان يوهم المناقضة بين التفسيرين زادعليهالسلام في توضيح ما ذكره
من كون العرش هو العلم أنّ هذا العلم غير ما هو المتبادر إلى الافهام العامّيّة من العلم وهو العلم الحصوليّ الّذي هو الصورة النفسانيّة بل هو نور عظمته وقدرته حضرت لهؤلاء الحمله بإذن الله وشوهدت لهم فسمّي ذلك حملاً ، وهو مع ذلك محمول له تعالى ولا منافاة كما أنّ وجود أفعالنا حاضرة عندنا محمولة لنا وهي مع ذلك حاضرة عند الله سبحانه محمولة له وهو المالك الّذي ملّكنا إيّاها.
فنور العظمة الإلهيّة وقدرته الّذي ظهر به جميع الأشياء هو العرش الّذي يحيط بما دونه وهو ملكه تعالى لكلّ شئ دون العرش وهو تعالى الحامل لهذا النور ثمّ الّذين كشف الله لهم عن هذا النور يحملونه بإذن الله والله سبحانه هو الحامل للحامل والمحمول جميعاً.
فالعرش في قوله:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) - و إن شئت قل: الاستواء على العرش هو الملك، وفي قوله:( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ ) الآية هو العلم، وهما جميعاً واحد وهو المقام الّذي يظهر به جميع الأشياء ويتمركز فيه إجمال جميع التدابير التفصيليّة الجارية في نظام الوجود فهو مقام الملك الّذي يصدر منه التدابير، ومقام العلم الّذي يظهر به الأشياء.
وقولهعليهالسلام : فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين الخ يريد أنّ هذا المقام هو المقام الّذي ينشأ منه تدبير نظام السعادة الّذي وقع فيه مجتمع المؤمنين وتسير عليه قافلتهم في مسيرهم إلى الله سبحانه، وينشأ منه نظام الشقاء الّذي ينبسط على جميع المعاندين أعداء الله الجاهلين بمقام ربّهم بل المقام الّذي ينشأ منه النظام العالميّ العامّ الّذي يعيش تحته كلّ ذى وجود، ويسير به سائرهم للتقرّب إليه بأعمالهم وسننهم سواء علموا بما هم فيه من ابتغاء الوسيلة إليه تعالى أو جهلوا.
وقولهعليهالسلام :( وهو حياة كلّ شئ ونور كلّ شئ) كالتعليل المبيّن لقوله قبله فكلّ شئ محمول يحمله الله إلى آخر ما قال.ومحصّله أنّه تعالى هو الّذي به يوجد كلّ شئ وهو الّذي يدرك كلّ شئ، فيظهر به طريقه الخاصّ به في مسير وجوده ظهور الطريق المظلم لسائره بواسطة النور فهي لا تملك لأنفسها شيئاً بل الله سبحانه هو المالك لها الحامل لوجودها.
وقولهعليهالسلام : هو ههنا وههنا وفوق وتحت الخ يريد أنّ الله سبحانه لمّا كان مقوّماً الوجود كلّ شئ حافظاً وحاملاً له لم يكن محلّ من المحال خالياً عنه، ولا هو مختصّاً بمكان دون مكان، وكان معنى كونه في مكان أو مع شئ ذى مكان أنّه تعالى حافظ له وحامل لوجوده ومحيط به، وهو وكذا غيره محفوظ بحفظه تعالى ومحمول ومحاط له.
وهذا يؤل إلى علمه الفعليّ بالأشياء، ونعني به أنّ كلّ شئ حاضر عنده تعالى غير محجوب عنه، ولذلك قالعليهالسلام أوّلاً:( فالكرسيّ محيط بالسماوات والْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ) فأشار إلى الإحاطة ثمّ عقبه بقوله:( وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ) فأشار إلى العلم فأنتج ذلك أنّ الكرسيّ ويعني به العرش مقام الإحاطة والتدبير والحفظ، وأنّه مقام العلم والحضور بعينه، ثمّ طبّقه على قوله تعالى:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) الآية.
وقولهعليهالسلام :( وليس يخرج عن هذه الأربعة شئ خلق الله في ملكوته ) كأنّه إشارة إلى الألوان الأربعة المذكورة في أوّل كلامهعليهالسلام وسيجئ كلام فيها في أحاديث المعراج إن شاء الله.
وقولهعليهالسلام ( وهو الملكوت الّذي أراه الله أصفياءه) فالعرش هو الملكوت غير أنّ الملكوت اثنان ملكوت أعلى وملكوت أسفل، والعرش لكونه مقام الإجمال وباطن البابين من الغيب كما سيأتي ما يدلّ على ذلك من الرواية كان الاحرى به أن يكون الملكوت الاعلى.
وقولهعليهالسلام : وكيف يحمل حملة العرش الله الخ تأكيد وتثبيت لأوّل الكلام: أنّ العرش هو مقام حمل وجود الأشياء وتقويمه، فحملة العرش محمولون له سبحانه لا حاملون كيف؟ ووجودهم وسير وجودهم يقوم به تعالى لا بأنفسهم، ولاعتبارهعليهالسلام هذا المقام الوجوديّ علماً عبّر عن وجودهم وعن كمال وجودهم بالقلوب، ونور الإهتداء إلى معرفة الله إذ قال: وبحياته حييت قلوبهم وبنوره اهتدوا إلى معرفته.
وفي التوحيد بإسناده عن حنّان بن سدير قال: سألت أباعبداللهعليهالسلام عن العرش والكرسيّّ فقال: إنّ للعرش صفات كثيرة مختلفة، له في كلّ سبب وضع في القرآن صفة
على حدة فقوله:( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) يقول: ربّ الملك العظيم، وقوله:( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) يقول: على الملك احتوى، وهذا علم الكيفوفيّة في الأشياء.
ثمّ العرش في الوصل مفرد(١) عن الكرسيّ لأنّهما بأبان من أكبر أبواب الغيوب وهما جميعاً غيبان، وهما في الغيب مقرونان لأنّ الكرسيّ هو الباب الظاهر من الغيب الّذي منه مطلع البدع ومنها الأشياء كلّها، والعرش هو الباطن الّذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحدّ والأين والمشيّة وصفة الارادة وعلم الألفاظ والحركات والترك وعلم العود والبدء.
فهما في العلم بأبان مقرونان لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسيّ، وعلمه أغيب من علم الكرسيّ فمن ذلك قال:( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) أي صفته أعظم من صفة الكرسيّ، وهما في ذلك مقرونان.
قلت: جعلت فداك فلم صار في الفضل جار الكرسيّ؟ قالعليهالسلام : إنّه صار جاره لأنّ علم الكيفوفيّة فيه وفيه الظاهر من أبواب البداء وإنّيّتها و حدّ رتقها وفتقها فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الصرف، وبمثل صرّف العلماء، وليستدلّّوا على صدق دعواهما لأنّه يختصّ برحمته من يشاء وهو القويّ العزيز.
أقول: قولهعليهالسلام : إنّ للعرش صفات كثيرة الخ يؤيّد ما ذكرناه سابقاً أنّ الاستواء على العرش لبيان اجتماع أزمّة التدابير العالميّة عند الله، ويؤيّده ما في آخر الحديث من قوله: وبمثل صرّف العلماء.
وقولهعليهالسلام :( وهذا علم الكيفوفيّة في الأشياء ) المراد به العلم بالعلل العالية والأسباب القصوى للموجودات فإنّ لفظ( كَيْفَ ) عرفاً كما يسأل به عن العرض المسمّى اصطلاحاً بالكيف كذلك يسأل به عن سبب الشئ ولمّه، يقال: كيف وجد كذا؟ وكيف فعل زيد كذا وهو لايستطيع؟.
وقولهعليهالسلام : ثمّ العرش في الوصل مفرد عن الكرسيّ الخ مراده أنّ العرش والكرسيّ واحد من حيث إنّهما مقام الغيب الّذي يظهر منه الأشياء وينزل منه إلى هذا
____________________
(١) متفرد خ ل.
العالم لكنّ العرش في الصلة الكلاميّة متميّز من الكرسيّ لأنّ هذا المقام في نفسه ينقسم إلى مقامين وينشعب إلى بابين لكنّهما مقرونان غير متبائنين: أحدهما الباب الظاهر الّذي يلي هذا العالم، والآخر الباب الباطن الّذي يليه ثمّ بيّنه بقوله: لأنّ الكرسيّ هو الباب الظاهر الخ .
قولهعليهالسلام :( لأنّ الكرسيّ هو الباب الظاهر الّذي منه مطلع البدع ومنها الأشياء كلّها) أي طلوع الاُمور البديعة على غير مثال سابق، ومنها يتحقّق الأشياء كلّها لأنّ جميعها بديعة على غير مثال سابق، وهي إنّما تكون بديعة إذا كانت ممّا لا يتوقّع تحقّقها من الوضع السابق الّذي كان أنتج الاُمور السابقة على هذا الحادث الّتي تذهب هي ويقوم هذا مقامها فيؤل الأمر إلى البداء بإمحاء حكم سبب وإثبات حكم الآخر موضعه فجميع الوقائع الحادثة في هذا العالم المستندة إلى عمل الأسباب المتزاحمة والقوى المتضادّة بدع حادثة وبداءات في الارادة.
وفوق هذه الأسباب المتزاحمة والإرادات المتغائرة الّتي لا تزال تتنازع في الوجود سبب واحد وارادة واحدة حاكمة لا يقع إلّا ما يريده فهو الّذي يحجب هذا السبب بذاك السبب ويغيّر حكم هذه الارادة ويقيّد إطلاق تأثير كلّ شئ بغيره كمثل الّذي يريد قطع طريق لغاية كذا فيأخذ في طيّه، وبينما هو يطوي الطريق يقف احياناً ليستريح زماناً، فعلّة الوقوف ربّما تنازع علّة الطيّ والحركة و توقفها عن العمل والارادة تغيّر الارادة لكن هناك ارادة اُخرى هي الّتي تحكم على الإرادتين جميعاً وتنظم العمل على ما تميل إليه بتقديم هذه تارة وتلك اُخرى والإرادتان أعني سببي الحركة والسكون وإن كانت كلّ منهما تعمل لنفسها وعلى حدتها وتنازع صاحبتها لكنّهما جميعاً متّفقتان في طاعة الارادة الّتي هي فوقهما، ومتعاضدتان في إجراء ما يوجبه السبب الّذي هو أعلى منهما وأسمى.
فالمقام الّذي ينفصل به السببان المتنافيان وينشأ منه تنازعهما بمنزلة الكرسيّ، والمقام الّذي يظهران فيه متلائمين متآلفين بمنزلة العرش، وظاهر أنّ الثاني أقدم من الأوّل وأنّهما يختلفان بنوع من الإجمال والتفصيل، والبطون والظهور.
وأحرى بالمقامين أن يسميّا عرشاً وكرسيّاً لأنّ فيهما خواصّ عرش الملك و
كرسيه فإنّ الكرسيّ : الّذي يظهر فيه أحكام الملك من جهة عمّاله وأيديه العمّالة، وكلّ منهم يعمل بحيال نفسه في نوع من اُمور المملكة وشؤونها وربّما تنازعت الكرسييّ فيقدّم حكم البعض على البعض ونسخ البعض حكم البعض، لكنّها جميعاً تتوافق وتتّحد في طاعة أحكام العرش وهو المختصّ بالملك نفسه فعنده الحكم المحفوظ عن تنازع الأسباب غير المنسوخ بنسخ العمّال والأيدي، وفي عرشه إجمال جميع التفاصيل وباطن ما يظهر من ناحية العمّال والأيدي.
وبهذا البيان يتّضح معنى قولهعليهالسلام : لأنّ الكرسيّ هو الباب الظاهر الخ فقوله:( منه مطلع البدع) أي طلوع الاُمور الكونيّة غير المسبوقة بمثل، وقوله:( ومنها الأشياء كلّها) أي تفاصيل الخلقة ومفرداتها المختلفة المتشتّتة.
وقوله:( والعرش هو الباب الباطن) قبال كون الكرسيّ هو الباب الظاهر، والبطون والظهور فيهما باعتبار وقوع التفرّق في الأحكام الصادرة وعدم وقوعه، وقوله يوجد فيه الخ أي جميع العلوم والصور الّتي تنتهي إلى إجمالها تفاصيل الأشياء.
وقوله:( علم الكيف) كأنّ المراد بالكيف خصوصيّة صدور الشئ عن أسبابه، وقوله:( والكون) المراد به تمام وجوده كما أنّ المراد بالعود والبدء أول وجودات الأشياء ونهايتها وقوله:( القدر والحدّ) المراد بهما واحد غير أنّ القدر حال مقدار الشئ بحسب نفسه، والحدّ حال الشئ بحسب إضافته إلى غيره ومنعه أن يدخل حومة نفسه ويمازجه، وقوله:( والأين) هو النسبة المكانية، وقوله:( والمشيّة وصفة الارادة) هما واحد ويمكن أن يكون المراد بالمشيّة أصلها وبصفة الارادة خصوصيّتها.
وقوله:( وعلم الالفاظ والحركات والترك) علم الالفاظ هو العلم بكيفيّة انتشاء دلالة الألفاظ بارتباطها إلى الخارج بحسب الطبع فإنّ الدلالة الوضعيّة تنتهي بالآخرة إلى الطبع، وعلم الحركات والترك، العلم بالأعمال والتروك من حيث ارتباطها إلى الذوات ويمكن أن يكون المراد بمجموع قوله:( علم الالفاظ وعلم الحركات والترك) العلم بكيفيّة انتشاء اعتبارات الأوامر والنواهي من الأفعال والتروك، وانتشاء اللغات من حقائقها المنتهية إلى منشأ واحد، والترك هو السكون النسبيّ في مقابل الحركات.
وقوله:( لأنّ علم الكيفوفيّة فيه) الضمير للعرش، وقوله:( وفيه الظاهر من أبواب البداء ) الضمير للكرسيّ، والبداء ظهور سبب على سبب آخر وإبطاله أثره، وينطبق على جميع الأسباب المتغائرة الكونيّة من حيث تأثيرها.
وقولهعليهالسلام :( فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الصرف) المراد به على ما يؤيّده البيان السابق أنّ العرش والكرسيّ جاران متناسبان بل حقيقة واحدة مختلفة بحسب مرتبتي الإجمال والتفصيل: وإنّما نسب إلى أحدهما أنّه حمل الآخر بحسب صرف الكلام وضرب المثل، وبالامثال تبيّن المعارف الدقيقة الغامضة للعلماء.
وقوله:( وليستدلّوا على صدق دعواهما ) أي دعوى العرش والكرسيّ أي وجعل هذا المثل ذريعة لأن يستدلّ العلماء بذلك على صدق المعارف الحقّة الملقاة إليهم في كيفيّة انتشاء التدبير الجاري في العالم من مقامي الإجمال والتفصيل والباطن والظاهر، فافهم ذلك.
في التوحيد بإسناده عن الصادقعليهالسلام أنّه سئل عن قوله تعالى( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) الآية، فقال: ما يقولون؟ قيل: إنّ العرش كان على الماء والربّ فوقه ! فقال: كذبوا، من زعم هذا فقد صيّر الله محمولاً ووصفه بصفة المخلوقين، ولزمه أنّ الشئ الّذي يحمله هو أقوى منه.
قال: إنّ الله حمّل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون سماء أو أرض أو جنّ أو إنس أو شمس أو قمر.
اقول: وهو كسابقه في الدلالة على أنّ العرش هو العلم، والماء أصل الخلقة وكان العلم الفعليّ متعلّقاً به قبل ظهور التفاصيل.
وفي الاحتجاج عن علىّعليهالسلام : أنّه سئل عن بعد ما بين الأرض والعرش.فقال: قول العبد مخلصاً: لا إله إلّا الله.
أقول: وهو من لطائف كلامهعليهالسلام أخذه من قوله تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) .
ووجهه أنّ العبد إذا نفى عن غيره تعالى الاُلوهيّة بإخلاص الاُلوهيّة والاستقلال له تعالى أوجب ذلك نسيان غيره، والتوجّه إلى مقام استناد كلّ شئ إليه تعالى، وهذا
هو مقام العرش على ما مرّ بينه.
ونظيره في اللطافة قولهعليهالسلام قد سئل عن بعد ما بين الأرض والسماء: مدّ البصر ودعوة المظلوم.
في الفقيه و المجالس العلل للصدوق: روي عن الصادقعليهالسلام أنّه سئل لم سمّي الكعبة كعبة؟ قال: لأنّها مربّعة فقيل له: ولم صارت مربّعة؟ قال: لأنّها بحذاء البيت المعمور وهو مربّع.
فقيل له: ولم صار البيت المعمور مربّعاً؟ قال: لأنّه بحذاء العرش وهو مربّع، فقيل له: ولم صار العرش مربّعاً؟ قال: لأنّ الكلمات الّتي بني عليها الإسلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر.الحديث.
أقول: وهذه الكلمات الأربع أولاها: تتضمّن التنزيه والتقديس والثانية التشبيه والثناء، والثالثة التوحيد الجامع بين التنزيه والتشبيه، والرابّعة: التوحيد الاعظم المختصّ بالإسلام، وهو أنّ الله سبحانه أكبر من أن يوصف فإنّ الوصف تقييد وتحديد وهو تعالى أجلّ من أن يحدّه حدّ ويقيّده قيد وقد تقدّم نبذة من الكلام فيه في تفسير قوله تعالى:( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ) الآية.
وبالجملة يرجع المعنى إلى تفسيره بالعلم على ما مرّ والروايات المختلفة في هذا المعنى كثيرة كما ورد أنّ آية الكرسيّ وآخر البقرة وسورة محمّد من كنوز العرش وما ورد أنّ ص نهر يخرج من ساق العرش، وما ورد أنّ الاُفق المبين قاع بين يدي العرش فيه أنهار تطّرد فيه من القدحان عدد النجوم.
وفي تفسير القمّيّ عن عبد الرحيم الاقصر عن الصادقعليهالسلام قال: سألته عن( ن وَالْقَلَمِ ) قال: إنّ الله خلق القلم من شجرة في الجنّة يقال لها: الخلد، ثمّ قال لنهر في الجنّة: كن مداداً فجمد النهر، وكان أشدّ بياضاً من الثلج وأحلى من الشهد.ثمّ قال للقلم: اكتب. قال: يا ربّ ما أكتب؟ قال: اكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فكتب القلم في رقّ أشدّ بياضاً من الفضّة وأصفى من الياقوت ثمّ طواه فجعله في ركن العرش ثمّ ختم على فم القلم فلم ينطق بعد، ولا ينطق أبداً فهو الكتاب المكنون الّذي منه النسخ كلّها (الحديث).وسيجئ تمامه في سورة ن إن شاء الله تعالى.
أقول: وفي معناها روايات أخر، وفي بعضها لمّا استزاد الراوي بياناً وأصرّ عليه قالعليهالسلام : القلم ملك واللّوح ملك، فبيّن بذلك أنّ ما وصفه تمثيل من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس لتفهيم الغرض.
وفي كتاب روضة الواعظين عن الصادق عن أبيه عن جدّهعليهالسلام قال: في العرش تمثال ما خلق الله في البرذ والبحر. قال: وهذا تأويل قوله:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) .
أقول: أي وجود صور الأشياء وتماثيلها في العرش هو الحقيقة الّتي يبتنى عليها بيان الآية، وقد تقدّم توضيح معنى وجود صور الأشياء في العرش، وفي معنى هذه الرواية ما ورد في تفسير دعاء( يا من أظهر الجميل ) .
وفيه أيضاً عن الصادق عن أبيه عن جدّهعليهالسلام في حديث: وإنّ بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسير ألف عام، والعرش يكسى كلّ يوم سبعين ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله، والأشياء كلّها في العرش كحلقة في فلاة.
أقول: والجملة الاخيرة ممّا نقل عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من طرق الشيعة وأهل السنّة، والّذي ذكرهعليهالسلام بناءً على ما تقدّم تمثيل، ونظائره كثيرة في رواياتهمعليهمالسلام .
ومن الدليل عليه أنّ ما وصف في الرواية من عظم العرش بأيّ حساب فرض يوجد من الدوائر الّتي ترسمها الاشعة النوريّة ما هي أعظم منه بكثير فليس التوصيف إلّا لتقريب المعقول من الحسّ.
وفي العلل عن علل محمّد بن سنان عن الرضاعليهالسلام : علّة الطواف بالبيت أنّ الله تبارك وتعالى قال للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، فردّوا على الله تبارك وتعالى هذا الجواب فعلموا أنّهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش واستغفروا فأحبّ الله عزّوجلّ أن يتعبّد بمثل ذلك العباد فوضع في السماء الرابعة بيتاً بحذاء العرش يسمّى( الضراح) ثمّ وضع في السماء الدنيا بيتاً يسمّى( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) بحذاء الضراح ثمّ وضع البيت بحذاء البيت المعمور ثمّ أمر آدم فطاف به فجرى
في ولده إلى يوم القيامة الحديث.
أقول: الحديث لا يخلو عن الغرابة من جهات، وكيف كان فبناءً على تفسير العرش بالعلم يكون معنى لواذ الملائكة بالعرش هو إعترافهم بالجهل وإرجاع العلم إليه سبحانه حيث قالوا:( سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) وقد مرّ الكلام في هذه القصّة في أوائل سورة البقرة. وفي الرواية ذكر الضراح والبيت المعمور في السماء ومعظم الروايات تذكر في السماء بيتاً واحداً وهو البيت المعمور في السماء الأربعة، وفيها إثبات الذنب للملائكة وهم معصومون بنصّ القرآن، ولعلّ المراد من العلم بالذنب العلم بنوع من القصور.
وأمّا كون الكعبة بحذاء البيت المعمور فالظاهر أنّه محاذاة معنويّة لا حسّيّة جسمانيّة، ومن الشاهد عليه قوله:( فوضع في السماء الأربعة بيتاً بحذاء العرش) إذ المحصّل من القرآن والحديث أنّ العرش والكرسيّ محيطان بالسماوات والأرض، ولا يتحقّق معنى المحاذاة بين المحيط والمحاط إذا كانت الإحاطة جسمانيّة.
وفي الخصال عن الصادقعليهالسلام : أن حملة العرش أحدهم على صورة ابن آدم يسترزق الله لولد آدم. والثاني على صورة الديك يسترزق الله الطير، والثالث على صورة الاسد يسترزق الله للسباع، والرابع على صورة الثور يسترزق الله للبهائم، ونكس الثور رأسه منذ عبد بنو اسرائيل العجل فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية. الخبر.
أقول: والأخبار فيما يقرب من هذا المعنى كثيرة متظافرة، وفي بعضها عدّ الاربع حملة للكرسيّ، وهو الخبر الوحيد الّذي يذكر للكرسيّ حملة - فيما عثرنا عليه - وقد أوردناها في تفسير آية الكرسيّ في سورة البقرة.
وفي حديث آخر: حملة العرش ثمانية : أربعة من الأوّلين وأربعة من الآخرين: فأمّا الأربعة من الأوّلين فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأمّا الأربعة من الآخرين: فمحمّد وعليّ والحسن والحسينعليهمالسلام .
أقول: بناءً على تفسير العرش بالعلم لا ضير في أن تعدّ أربعة من الملائكة حملة له ثمّ تعدّ عدّة من غيرهم حملة له.
والروايات في العرش كثيرة متفرّقة في الابواب، وهي تؤيّد ما مرّ من تفسيره بالعلم وما له ظهور مّا في الجسميّة منها، مفسّرة بما تقدّم وأمّا كون العرش جسماً في هيئة السرير موضوعاً على السماء السابعة فممّا لا يدلّ عليه حديث يعبأ بأمره بل من الروايات ما يكذّبه كالرواية الأولى المتقدّمة.
وفي تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) الآية قال: قالعليهالسلام : في ستة أوقات.
وفي تفسير البرهان : صاحب ثاقب المناقب أسنده إلى أبي هاشم الجعفريّ عن محمّد بن صالح الارمني قال: قلت لابي محمّد العسكريّعليهالسلام عرّفني عن قول الله:( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ) فقال: لله الأمر من قبل أنّ يأمر ومن بعد أنّ يامر ما يشاء، فقلت في نفسي هذا تأويل قول الله:( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) فأقبل عليّ وقال: هو كما أسررت في نفسك: ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين.
أقول: معناه أنّ قوله:( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) يفيد إطلاق الملك قبل الصدور وبعده لا كمثلنا حيث نملك الأمر - فيما نملك - قبل الصدور فإذا صدر خرج عن ملكنا واختيارنا.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن جرير عن عبد العزيز الشاميّ عن أبيه وكانت له صحبة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من لم بحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط ما عمل، ومن زعم أنّ الله جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله: ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين.
اقول: المراد من الكفر بالعجب هو الكفر بالنعمة أو بكون الحسنات لله على ما يدلّ عليه القرآن، والمراد بنفي كون شئ من الأمر للعباد نفي الجعل بنحو الاستقلال دون التبعيّ من الملك والأمر.
وفي الكافي بإسناده عن ميسر عن أبي جعفرعليهالسلام قال: قلت قول الله عزّوجلّ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) ؟ قال: فقال: يا ميسر إنّ الأرض كانت فاسدة فأحياها الله عزّوجلّ بنبيّه، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.
أقول: ورواه العيّاشيّ في تفسيره عن ميسر عن أبي عبد اللهعليهالسلام مرسلاً.
وفي الدّر المنثور أخرج أحمد والبخاريّ ومسلم والنسائيّ عن أبي موسى قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكانت منها بقيّة فبلّت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة اُخرى إنّما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الّذي اُرسلت به.
( سورة الأعراف آية ٥٩ - ٦٤)
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( ٥٩ ) قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ( ٦٠ ) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ( ٦١ ) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ٦٢ ) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( ٦٣ ) فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ( ٦٤ )
( بيان)
تعقيب لما تقدّم من الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك بالله سبحانه والتكذيب لآياته بذكر قصّة نوحعليهالسلام وإرساله إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة غيره وما واجهته به عامّة قومه من الإنكار والاصرار على تكذيبه فأرسل الله إليهم الطوفان وأنجى نوحاً والّذين آمنوا معه ثمّ أهلك الباقين عن آخرهم. ثمّ عقب الله قصّته بقصص عدّة من رسله كهود وصالح وشعيب ولوط وموسىعليهمالسلام للغرض بعينه.
قوله تعالى: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ ) إلى آخر الآية. بدء الله سبحانه بقصّته وهو أوّل رسول يذكر الله سبحانه تفصيل قصّته في القرآن كما سيأتي تفصيل القول في قصّته في سورة هود إن شاء الله تعالى.
واللّام في قوله:( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا ) للقسم جئ بها للتأكيد لأنّ وجه الكلام إلى المشركين وهم ينكرون النبوّة، وقوله:( فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ )
ناداهم بقوله:( يَا قَوْمِ ) فأضافهم إلى نفسه ليكون جرياً على مقتضى النصح الّذي سيخبرهم به عن نفسه، ودعاهم أوّل ما دعاهم إلى توحيد الله تعالى فإنّ دعاهم إلى عبادته، وأخبرهم بانتفاء كلّ إله غيره فيكون دعوة إلى عبادة الله وحده من غير أن يشرك به في عبادته غيره وهو التوحيد.
ثمّ أنذرهم بقوله:( إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) وظاهره يوم القيامة فيكون في ذلك دعوة إلى أصلين من أصول الدين وهما التوحيد والمعاد، وأمّا الأصل الثالث وهو النبوّة فسيصرّح به في قوله:( يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ ) الآيه.
على أنّ في نفس الدعود وهي دعوة إلى نوع من العبادة لا يعرفونها وكذا الإنذار بما لم يكونوا يعلمونه وهو عذاب القيامة إشعاراً بالرسالة من قبل من يدعو إليه، ومن الشاهد على ذلك قوله في جوابهم:( أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ) فإنّه يدلّ على تعجّبهم من رسالته باستماع أوّل ما خاطبهم به من الدعوة وهو قوله:( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) .
قوله تعالى: ( قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) الملأ هم أشراف القوم وخواصّهم سمّوا به لأنّهم يملؤن القلوب هيبة والعيون جمالاً وزينة، وإنّما رموا بالضلال المبين وأكدّوه تأكيداً شديداً لأنّهم لم يكونوا ليتوقّعوا أنّ معترضاً يعترض عليهم بالدعوة إلى رفض آلهتهم وتوجيه العبادة إلى الله سبحانه بالرسالة والإنذار فتعجّبوا من ذلك فأكّدوا ضلالة مدّعين أنّ ذلك من بيّن الضلال تحقيقاً. والرؤية هي الرؤية بحسب الفكر أعني الحكم.
قوله تعالى: ( قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ ) الآية. أجابهم بنفي الضلال عن نفسه والاستدراك بكونه رسولاً من الله سبحانه، وذكره بوصفه( رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) ليجمع له الربوبيّة كلّها قبال تقسيمهم إيّاها بين آلهتهم بتخصيص كلّ منها بشئ من شؤونها وأبوابها كربوبيّة البحر وربوبيّة البرّ وربوبيّة الأرض وربوبيّة السماء وغير ذلك.
وقد جرّدعليهالسلام جوابه عن التأكيد للاشارة إلى ظهور رسالته وعدم ضلالته تجاه إصرارهم بذلك وتأكيد دعواهم.
قوله تعالى: ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) أخبرهم بأوصاف نفسه فبيّن أنّه يبلّغهم رسالات ربّه، وهذا شأن الرسالة ومقتضاها القريب الضروريّ، وفي جمع الرسالة دلالة على كونها كثيرة وأنّ له مقاصد أمره ربّه أنّ يبلّغها إيّاهم وراء التوحيد والمعاد فإنّه نبيّ رسول من أولي العزم صاحب كتاب وشريعة.
ثمّ ذكر أنّه ينصح لهم وهو عظاته بالإنذار والتبشير ليقرّبهم من طاعة ربّهم ويبعدّهم عن الاستكبار والاستنكاف عن عبوديّته كلّ ذلك بذكر ما عرّفه الله من بدء الخلقة وعودها وسننه تعالى الجارية فيها، ولذا ذكر ثالثاً أنّه يعلم من الله ما لا يعلمون كوقائع يوم القيامة من الثواب والعقاب وغير ذلك، وما يستتبع الطاعة والمعصية من رضاه تعالى وسخطه ووجوه نعمه ونقمه.
ومن هنا يظهر أنّ الجمل الثلاث كلّ مسوق لغرض خاصّ أعني قوله:( أُبَلِّغُكُمْ ) الآية و( أَنصَحُ لَكُمْ ) و( َأَعْلَمُ ) الآية وهي ثلاثة أوصاف متوالية لا كما قيل: أنّ الاُوليان صفتان، والثالثة جملة حاليّة عن فاعل( وَأَنصَحُ لَكُمْ ) .
قوله تعالى: ( أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) إلى آخر الآية. استفهام إنكاريّ ينكر تعجّبهم من دعواه الرسالة ودعوته إيّاهم إلى الدين الحقّ والمراد بالذكر ما يذكر به الله وهو المعارف الحقّة الّتي أوحيت إليه، وقوله:( مِّن رَّبِّكُمْ ) متعلّق بمقدّر أي ذكر كائن من ربّكم.
وقوله:( لِيُنذِرَكُمْ ) و( لِتَتَّقُوا ) و( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) متعلّقات بقوله:( جَاءَكُمْ ) والمعنى لغرض أن ينذركم الرسول، ولتتّقوا أنتم، ويؤدّي ذلك إلى رجاء أن تشملكم الرحمة الإلهيّة فإنّ التقوى وإن كان يؤدّي إلى النجاة لكنّها ليست بعلّة تأمّة، وقد اشتمل ما حكي من إجمال كلامهعليهالسلام من معارف عالية إلهيّة.
قوله تعالى: ( فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ) الفلك السفينة يستعمل واحداً وجمعاً على ما ذكره الراغب ويذكّر ويؤنّث كما في الصّحاح، وقوله:( قَوْمًا عَمِينَ ) موصوف وصفة. وعمين جمع عمي كخشن صفة مشبّهة من عمي يعمى، عمى كالأعمى إلّا أنّ العمى يختصّ بعمى البصيرة والأعمى بعمى البصر، كما قيل، ومعنى الآية ظاهر.
( سورة الأعراف آية ٦٥ - ٧٢)
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ( ٦٥ ) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( ٦٦ ) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ( ٦٧ ) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ( ٦٨ ) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ٦٩ ) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( ٧٠ ) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ( ٧١ ) فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ( ٧٢ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) إلى آخر الآيه. الأخ وأصله أخو هو المشارك غيره في الولادة تكويناً لمن ولده وغيره أب أو اُمّ أو هما معاً أو بحسب شرع إلهيّ كالأخ الرضاعيّ أو سنّة اجتماعيّه كالأخ بالدعاء على ما كان يراه أقوام فهذا أصله، ثمّ استعير لكلّ من ينتسب إلى قوم أو بلدة إو صنعة أو سجيّة ونحو
ذلك يقال: أخو بني تميم وأخو يثرب وأخو الحياكة وأخو الكرم، ومن هذا الباب قوله( وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ) .
والكلام في قوله:( قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) كالكلام في نظير الخطاب من القصّة السابقة. فإن قلت: لم حذف العاطف من قوله:( قَالَ يَا قَوْمِ ) ولم يقل: فقال كما في قصّة نوح؟ قلت: هو على تقدير سؤال كأنّه لمّا قال:( وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ) قيل: فما قال هود؟ فاُجيب وقيل: قال يا قوم اعبدوا الله الآية. كذا قاله الزمخشريّ في الكشّاف .
ولا يجري هذا الكلام في قصّة نوح لأنّه أول قصّة أوردت، وهذه القصّة قصّة بعد قصّة يهيّأ فيها ذهن المخاطب للسؤال بعد ما وعى إجمال القصّة وعلم أنّ قصّة الارسال تتضمّن دعوة وردّاً وقبولاً فكان بالحريّ إذا سمع المخاطب قوله( وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ) أن يسأل فيقول: ما قال هود لقومه؟ وجوابه قال لهم (الخ).
قوله تعالى: ( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ) إلى آخر الآية لمّا كان في هذا الملأ من يؤمن بالله ويستر إيمانه كما سيأتي في القصّة بخلاف الملأ من قوم نوح قال هيهنا في قصّة هود:( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ) وقال في قصّة نوح:( قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِه ) كذا ذكره الزمخشريّ.
وقوله تعالى حكاية عن قولهم:( إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) أكّدوا كلامهم مرّة بعد مرّة لأنّهم سمعوا منه مقالاً ما كانوا ليتوقّعوا صدوره من أحد، وقد أخذت آلهتم موضعها من قلوبهم، واستقرّت سنّة الوثنيّة بينهم استقراراً لا يجترئ معه أحد على أن يعترض عليها فتعجّبوا من مقاله فردّوه ردّاً عن تعجّب، فجبّهوه أوّلا بأنّ فيه سفاهة وهو خفّة العقل الّتي تؤدّي إلى الخطإ في الآراء، وثانياً بأنّهم يظنّون بظنّ قويّ جدّاً أنّه من الكاذبين، وكأنّهم يشيرون بالكاذبين إلى أنبيائهم لأنّ الوثنيّين ما كانوا ليذعنوا بالنبوّة وقد جاءهم أنبياء قبل هود كما يذكره تعالى بقوله:( وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ) هود: ٥٩.
قوله تعالى: ( قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ) الكلام في الآية نظير الكلام في
نظيره من قصّة نوح غير أنّ عاداً زادوا وقاحة على قوم نوح حيث إنّ أولئك رموا نوحاً بالضلال في الرأي وهؤلاء رموا هوداً بالسفاهة لكن هوداً لم يترك ما به من وقار النبوّة، ولم ينس ما هو الواجب من أدب الدعوة الإلهيّة فأجابهم بقوله:( يَا قَوْمِ ) فأظهر عطوفته عليهم وحرصه على إنجائهم( يْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) فجرى على تجريد الكلام من كلّ تأكيد واكتفى بمجرّد ردّ تهمتهم وإثبات ما كان يدعيه من الرسالة للدلالة على ظهوره.
قوله تعالى: ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ) أي لا شأن لي بما أنّي رسول إلّا تبليغ رسالات ربّي خالصاً من شوب ما تظنّون بي من كوني كاذباً فلست بغاشّ لكم فيما اُريد أن أحملكم عليه، ولا خائن لما عندي من الحقّ بالتغيير ولا لما عندي من حقوقكم بالاضاعة، فما اُريده منكم من التديّن بدين التوحيد هو الّذي أراه حقّاً، وهو الّذي فيه نفعكم وخيركم فإنّما وصف نفسه بالامين محاذاة لقولهم:( وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) .
قوله تعالى: ( أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) إلى آخر الآية. البصطة هي البسطة قلبت السين صاداً لمجاورتها الطاء وهو من حروف الاطباق كالصراط والسراط والآلاء جمع ألى بفتح الهمزه وكسرها بمعنى النعمة كآناء جمع أنى وإنى.
ثمّ أنكرعليهالسلام تعجّبهم من رسالته إليهم نظير ما تقدّم من نوحعليهالسلام وذكّرهم نعم الله عليهم، وخصّ من بينها نعمتين ظاهرتين هما أنّ الله جعلهم خلفاء في الأرض بعد نوح، وأنّ الله خصّهم من بين الاقوام ببسطة الخلق وعظم الهيكل البدنيّ المستلزم لزيادة الشدّة والقوّة، ومن هنا يظهر أنّهم كانوا ذوي حضارة وتقدّم، وصيت في البأس والقوّة والقدرة. ثمّ أتبعهما بالإشارة إلى سائر النعم بقوله تعالى:( فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .
قوله تعالى: ( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) الآية. فيه تعلّق منهم بتقليد الآباء، وتعجيز هود مشوباً بنوع من الاستهزاء بما أنذرهم به من العذاب.
قوله تعالى: ( قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ) إلى آخر الآية. الرّجس والرّجز هو الأمر الّذي إذا وقع على الشئ أوجب ابتعاده أو الابتعاد عنه، ولذا يطلق على القاذورة لأنّ الإنسان يتنفّر ويبتعد عنه، وعلى العذاب لأنّ المعذّب - اسم مفعول - يبتعد عمّن يعذّبه أو من الناس الآمنين من العذاب.
أجابهم بأنّ إصرارهم على عبادة الاوثان بتقليد آبائهم أوجب أن يحقّ عليهم البعد عن الله بالرجس والغضب، ثمّ فرّع عليه أن هدّدهم بما يستعجلون من العذاب، وأخبرهم بنزوله عليهم لا محالة، وكنّى عن ذلك بأمرهم بالانتظار وأخبارهم بأنّه مثلهم في انتظار نزول العذاب فقال:( فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ) .
وأمّا قوله:( أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) فهو ردّ لما استندوا إليه في اُلوهيّة آلهتهم وهو أنّهم وجدوا آباءهم على عبادتها - وهم أكمل منهم وممّن في طبقتهم كهود وأعقل - فيجب عليهم أن يقلّدوهم.
ومحصّله أنّكم وآباءكم سواء في أنّكم جميعاً أتيتم بأشياء ليس لكم على ما ادّعيتم من صفتها وهي الاُلوهيّة من سلطان وهو البرهان والحجّة القاطعة فلا يبقى لها من الاُلوهيّه إلّا الأسماء الّتي سمّيتموها بها إذ قلتم: إله الخصب وإله الحربّ وإله البحر وإله البرّ، وليس لهذه الأسماء مصاديق إلّا في أوهامكم، فهل تجادلونني في الأسماء، وللإنسان أن يسمّي كلّ ما شاء بما شاء إذا لم يعتبر تحقّق المعنى في الخارج.
وقد تكرّر في القرآن الاستدلال على بطلان الوثنيّة بهذا البيان:( أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) وهو من ألطف البيان وأرقّه، وأبلغ الحجّة وأقطعها إذ لو لم يأت الإنسان لما يدّعيه من دعوى بحجّة برهانيّة لم يبق لما يدّعيه من النعت إلّا التسمية والتعبير، ومن أبده الجهل أن يعتمد الإنسان على مثل هذا النعت الموهوم.
وهذا البيان يطّرد ويجري بالتحليل في جميع الموارد الّتي يثق فيها الإنسان على غير الله سبحانه من الأسباب، ويعطيها من الاستقلال ما يوجب تعلّق قلبه بها وطاعته لها وتقرّبه منها فإنّ الله سبحانه عدّ في موارد من كلامه طاعة غيره والركون إلى من سواه عبادة
له قال:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي ) يس: ٦١.
قوله تعالى: ( فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ) إلى آخر الآية، تنكير الرحمة للدّلالة على النوع أي بنوع من الرحمة وهي الرّحمة الّتي تختصّ بالمؤمنين من النصرة الموعودة لهم قال تعالى:( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) المؤمن: ٥١، وقال:( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) الروم: ٤٧.
وقوله:( وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) الآية كناية عن إهلاكهم وقطع نسلهم فإنّ الدابر هو الّذي يلي الشئ من خلفه فربّما وصف به الأمر السابق على الشئ كأمس الدابر، وربّما وصف به اللّاحق كدابر القوم وهو الّذي في آخرهم فنسبة القطع إلى الدابر بعناية أنّ النسل اللآحق دابر متّصل بالإنسان في سبب ممتدّ، وإهلاك الإنسان كذلك كأنّه قطع هذا السبب الموصول فيما بينه وبين نسله.
وسيأتي تفصيل البحث عن قصّة هودعليهالسلام في تفسير سورة هود إن شاء الله
( سورة الأعراف آية ٧٣ - ٧٩)
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ٧٣ ) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( ٧٤ ) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( ٧٥ ) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ ( ٧٦ ) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( ٧٧ ) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ( ٧٨ ) فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ( ٧٩ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ) إلى آخر الآية. ثمود أمّة قديمة من العرب سكنوا أرض اليمن بالأحقاف بعث الله إليهم( َخَاهُمْ صَالِحًا ) وهو منهم( قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) دعاهم إلى التوحيد وقد كانوا مشركين يعبدون الاصنام على النحو الّذي دعا نوح وهودعليهماالسلام قومهما المشركين.
وقوله:( قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُم ) أي شاهد قاطع في شهادته ويبيّنه قوله
بالإشارة إلى نفس البيّنة:( هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَة ) وهي الناقة الّتي أخرجها الله لهم من الجبل آيه لنبوّته بدعائهعليهالسلام ، وهي العناية في إضافة الناقة إلى الله سبحانه.
وقوله:( فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّه ) الآية. تفريع على كون الناقة آية لله، وحكم لا يخلو عن تشديد عليهم يستتبع كلمة العذاب الّتي تفصل بين كلّ رسول وأمّته قال تعالى:( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) يونس: ٤٧، وفي الآية تلويح إلى أنّ تخليتهم الناقة وشأنها في الكلّ والسير في الأرض كانت ممّا يشقّ عليهم فكانوا يتحرّجون من ذلك وفي قوله:( فِي أَرْضِ اللَّهِ ) إيماء إليه فوصّاهم وحذّرهم أن يمنعوها من إطلاقها ويمسّوها بسوء كالعقر والنحر فإنّ وبال ذلك عذابٌ أليم يأخذهم.
قوله تعالى: ( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ ) إلى آخر الآية دعاهم إلى أن يذكروا نعم الله عليهم كما دعا هود عاداً إلى ذلك، وذكّرهم أنّ الله جعلهم خلفاء يخلفون اُمماً من قبلهم كعاد، وبوّأهم من الأرض أي مكّنهم في منازلهم منها، يتّخذون من سهولها - والسهل خلاف الجبل سمّي به لسهولة قطعه - قصوراً وهى الدور الّتي لها سور على ما قيل، وينحتون الجبال بيوتا يأوون إليها ويسكنونها.
ثمّ جمع الجميع ولخصّها في قوله:( فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ ) وأورده في صورة التفريع مع أنّه إجمال للتفصيل الّذي قبله بإيهام المغايرة كأنّه لما أمر بذكر النعم وعدّ من تفاصيل النعم أشياء كأنّهم لا يعلمون بها قيل ثانياً: فإذا كان لله فيكم آلاء ونعم عظيمه أمثال الّتي ذكرت فاذكروا آلاء الله.
وأمّا قوله:( وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) فمعطوف على قوله:( فَاذْكُرُوا ) عطف اللازم على ملزومه، وفسّر العثيّ بالفساد وفسّر بالاضطراب والمبالغة. قال الراغب في المفردات: العيث والعثيّ يتقاربان نحو جذب وجبذ إلّا أن العيث أكثر ما يقال في الفساد الّذي يدرك حسّاً، والعثيّ فيما يدرك حكماً يقال: عثي يعثي عثيّا وعلى هذا:( وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) . انتهى.
قوله تعالى: ( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ )
إلى آخر الآيتين، دلّ سبحانه ببيان قوله:( لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) بقوله:( لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ) على أنّ المستضعفين هم المؤمنون وأنّ المؤمنين إنّما كانوا من المستضعفين ولم يكن ليؤمن به أحد من المستكبرين والباقي ظاهر.
قوله:( فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) إلى آخر الآية عقر النخلة قطعها من أصلها، وعقر الناقة نحرها، وعقر الناقة أيضاً قطع قوائمها، والعتوّ هو التمرّد والامتناع وضمّن في الآية معنى الاستكبار بدليل تعديته بعن، والباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) إلى آخر الآيتين. الرجفة هي الاضطراب والاهتزاز الصديد كما في زلزلة الأرض وتلاطم البحر، والجثوم في الإنسان والطير كالبروك في البعير.
وقد ذكر الله هنا في سبب هلاكهم أنّه أخذتهم الرجفة، وقال في موضع آخر:( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) هود: ٦٧، وفي موضع آخر:( فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ ) حم السجدة: ١٧، والصواعق السماويّة لا تخلو عن صيحة هائلة تقارنها ولا ينفكّ ذلك غالباً عن رجفة الأرض هي نتيجة الاهتزاز الجوّيّ الشديد إلى الأرض وتوجف من جهة اُخرى القلوب وترتعد الأركان، فالظاهر أنّ عذابهم إنّما كان بصاعقة سماوية اقترنت صيحة هائلة ورجفة في الأرض أو في قلوبهم فأصبحوا في دارهم أي في بلدهم جاثمين ساقطين على وجوههم وركبهم.
والآية تدلّ على أنّ ذلك كان مرتبطاً بما كفروا وظلموا آية من آيات الله مقصوداً بها عذابهم عذاب الاستئصال، ولا نظر في الآية إلى كيفيّة حدوثها، والباقي ظاهر.
( سورة الأعراف آية ٨٠ - ٨٤)
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ ( ٨٠ ) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ( ٨١ ) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( ٨٢ ) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ( ٨٣ ) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( ٨٤ )
( بيان)
قوله تعالى : ( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ) إلى آخر الآية. ظاهره أنّه من عطف القصّة على القصّة أي عطف قوله:( َلُوطًا ) على( نُوحًا ) في قوله في القصّة الاُولى:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا ) فيكون التقدير ولقد أرسلنا لوطاً إذ قال لقومه (الخ)، لكن المعهود من نظائر هذا النظم في القرآن أن يكون بتقدير( اذْكُرُ ) بدلالة السياق، وعلى ذلك فالتقدير: واذكر لوطاً الّذي أرسلناه إذ قال لقومه (الخ) والظاهر أنّ تغيير السياق من جهة أنّ لوطاً من الأنبياء التابعين لشريعة إبراهيمعليهماالسلام لا لشريعة نوحعليهالسلام ، ولذلك غيّر السياق في بدء قصّته عن السياق السابق في قصص نوح وهود وصالح فغيّر السياق في بدء قصّته ثمّ رجع إلى السياق في قصّة شعيبعليهالسلام .
وقد كان لوط - على ما سيأتي إن شاء الله من تفصيل قصّته في سورة هود - مرسلاً إلى أهل سدوم وغيره يدعوهم إلى دين التوحيد وكانوا مشركين عبدة أصنام.
وقوله:( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ) يريد بالفاحشة اللواط بدليل قوله:( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً ) وفي قوله:( مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ ) أي أحد من الاُمم و
الجماعات دلالة على أنّ تاريخ ظهور هذه الفاحشة الشنيعة تنتهي إلى قوم لوط، وسيأتي جلّ ما يتعلّق به من الكلام في تفصيل قصّته في سورة هود.
قوله تعالى: ( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ) الآية إتيان الرجال كناية عن العمل بهم بذلك، وقوله:( شَهْوَةً ) قرينة عليه وقوله( مِّن دُونِ النِّسَاءِ ) قرينة اُخرى على ذلك، ويفيد مضافاً إلى ذلك أنّهم كانوا قد تركوا سبيل النساء واكتفوا بالرجال، ولتعدّيهم سبيل الفطرة والخلقة إلى غيره عدّهم متجاوزين مسرفين فقال:( بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ) .
ولكون عملهم فاحشة مبتدعة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين استفهم عن ذلك مقارناً ب( إِنَّ ) المفيدة للتحقيق فأفاد التعجّب والاستغراب، والتقدير:( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ) الآية.
قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ) إلى آخر الآية. أي لم يكن عندهم جواب فهدّدوه بالاخراج من البلد فإنّ قولهم:( أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ) الآية. ليس جواباً عن قول لوط لهم:( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ ) الآية. فجواب الكلام في ظرف المناظرة إمّا إمضاؤه والإعتراف بحقّيته وإمّا بيان وجه فساده، وليس في قولهم:( أَخْرِجُوهُم ) إلى آخره شئ من ذلك فوضع ما ليس بجواب في موضع الجواب كناية عن عدم الجواب ودلالة على سفههم.
وقد استهانوا أمر لوط إذ قالوا:( أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ) الآية أي أنّ القرية أي البلدة لكم وهم نزلاء ليسوا منها وهم يتنزّهون عمّا تأتونه ويتطهّرون، ولا يهمّنّكم أمرهم فليسوا إلّا اُناساً لا عدّة لهم ولا شدّة.
قوله تعالى: ( فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) فيه دلالة على أنّه لم يكن آمن به إلا أهله، موضع آخر:( فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ) الذاريات: ٣٦.
وقوله:( كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) أي الماضين من القوم، وهو استعارة بالكناية عن الهلاك والباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) ذكر الإمطار
في مورد ترقّب ذكر العذاب يدلّ على أنّ العذاب كان به وقد نكّر المطر للدلالد على غرابة أمره وغزارة أثره، وقد فسّره الله تعالى في موضع آخر بقوله:( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) هود: ٨٣.
وقوله:( فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) توجيه خطاب إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليعتبر به هو واُمّته.
( سورة الأعراف آية ٨٥ - ٩٣)
وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ٨٥ ) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( ٨٦ ) وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ( ٨٧ ) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ( ٨٨ ) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ( ٨٩ ) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ ( ٩٠ ) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ( ٩١ ) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ( ٩٢ ) فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ ( ٩٣ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ) الآية معطوف على القصّة الاُولى وهي قصّة نوح عليه السلام، وقد بنى عليه السلام دعوته على أساس التوحيد كما بناها عليه من قبله من الرسل المذكورين في القصص المتقدّمة.
وقوله:( قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) يدلّ على مجيئه بآية تدلّ على رسالته ولكنّ الله سبحانه لم يذكر ذلك في كتابه وليست هذه الآية هي آية العذاب الّتي يذكرها الله تعالى في آخر قصته فإنّ عامّة قومه من الكفّار لم ينتفعوا بها بل كان فيها هلاكهم ولا معنى لكون آية العذاب آية للرسالة مبيّنة للدعوة.
على أنّه يفرّع قوله:( فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ ) الآية على مجئ الآية ظاهراً وإنّما يستقيم الدعوة إلى العمل بالدين قبل نزول العذاب وتحقّق الهلاك.وهو ظاهر.
وقد دعاهم أوّلا بعد التوحيد الّذي هو أصل الدين إلى إيفاء الكيل والميزان وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم فقد كان الإفساد في المعاملات رائجاً فيهم شائعاً بينهم.
ثمّ دعاهم ثانياً بقوله:( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) إلى الكفّ عن الإفساد في الأرض بعد ما أصلحها الله بحسب طبعها، والفطرة الإنسانيّة الداعيّة إلى إصلاحها كى ينتظم بذلك أمر الحياة السعيدة، والإفساد في الأرض وإن كان بحسب اطلاق معناه يشمل جميع المعاصي والذنوب ممّا يتعلّق بحقوق الله أو بحقوق الناس كائنة ما كانت لكن مقابلته لما قبله وما بعده يخصّه - تقريبا - بالإفساد الّذي يسلب الأمن العامّ في الاموال والاعراض والنفوس كقطع الطرق ونهب الاموال وهتك الاعراض وقتل النفوس المحترمة.
ثمّ علل دعوته إلى الأمرين بقوله:( ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) أمّا كون إيفاء الكيل والميزان وعدم بخس الناس أشياءهم خيراً فلأنّ حياة الإنسان الاجتماعيّة في استقامتها مبنيّة على المبادلة بين الأفراد بإعطاء كلّ منهم ما يفضل من حاجته، و أخذ ما يعادله ممّا يتمّم به نقصه في ضروريّات الحياة وما يتبعها وهذا يحتاج إلى أمن عامّ
في المعاملات تحفظ به أوصاف الأشياء ومقاديرها على ما هي عليه فمن يجوّز لنفسه البخس في أشياء الناس فهو يجوّز ذلك لكلّ من هو مثله وهو شيوعه، وإذا شاع البخس والغشّ والغرر من غير أن يؤمن حلول السمّ محلّ الشفاء والرديّ مكان الجيّد، والخليط مكان الخالص، وبالاخرة كلّ شئ محل كلّ شئ بأنواع الحيل والعلاجات كان فيه هلاك الاموال والنفوس جميعا.
وأمّا كون الكفّ عن إفساد الأرض خيراً لهم فلأنّ سلب الأمن العامّ يوقف رحى المجتمع الإنساني عن حركتها من جميع الجهات وفي ذلك هلاك الحرث والنسل وفناء الإنسانيّة.
فالمعنى : إيفاء الكيل والميزان وعدم البخس والكفّ عن الفساد في الأرض خير لكم يظهر لكم خيريّته إن كنتم مصدّقين لقولي مؤمنين بي، أوالمعنى: ذلكم خير لكم تعلمون أنّه خير إن كنتم ذوي إيمان بالحقّ.
وربّما قيل: إنّ المعنى ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين بدعوتي فإنّ غير المؤمن لا ينتفع بسبب ما عنده من الكفر القاضي بشقائه وخسرانه وضلال سعيه بهذه الخيرات الدنيويّة بحسب الحقيقة لأنّ انتفاعه إنّما هو انتفاع في موطن خياليّ وهو الحياة الدنيا الّتي هي لعب، وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.
هذا كلّه على تقدير كون المشار إليه بقوله:( ذَٰلِكُمْ ) هو إيفاء الكيل وما بعده كما هو ظاهر السياق، وأمّا أخذ الإشارة إلى جميع ما تقدّم وجعل المراد بالإيمان هو الإيمان المصطلح دون الإيمان اللغويّ كما احتمله بعضهم فهو أشبه باشتراط الشئ بنفسه لرجوع المعنى إلى نحو قولنا : إن كنتم مؤمنين فالعبادة لله وحده بالإيمان به وإيفاء الكيل والميزان وعدم الفساد في الأرض خير لكم.
ويرد على الوجهين الأخيرين جميعاً أن ظاهر قوله:( إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ثبوت اتّصافهم بالإيمان قبل حال الخطاب فإنّه مقتضى تعليق الحكم بقوله:( كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) المؤلف من ماضي الكون الناقص واسم الفاعل من الإيمان المقتضى لاستقرار الصفة فيهم زمانا، ولا يخاطب بمثل هذا المعنى القوم الّذين فيهم الكافر والمؤمن والمستكبر والمنقاد
ولو كان كما يقولون لكان من حقّ الكلام أن يقال: ذلكم خير لكم إن آمنتم أو إن تؤمنوا فالظاهر أنّه لا محيص من كون المراد بالإيمان غير الإيمان المصطلح.
قوله تعالى: ( وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ) الآية ظاهر السياق أنّ( تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ ) حالان من فاعل( لَا تَقْعُدُوا ) وقوله( وَتَبْغُونَهَا ) حال من فاعل( َتَصُدُّونَ ) .
ثمّ دعاهم ثالثاً إلى ترك التعرّض لصراط الله المستقيم الّذي هو الدين فإنّ في الكلام تلويحاً إلى أنّهم كانوا يقعدون على طريق المؤمنين بشعيبعليهالسلام ويوعدونهم على إيمانهم به والحضور عنده والاستماع منه وإجراء العبادات الدينيّة معه، ويصرفونهم عن التديّن بدين الحقّ والسلوك في طريقة التوحيد وهم يسلكون طريق الشرك، ويطلبون سبيل الله الّذي هو دين الفطرة عوجا.
وبالجملة كانوا يقطعون الطريق على الإيمان بكلّ ما يستطيعون من قوّة واحتيال فنهاهم عن ذلك، ووصّاهم أن يذكروا نعمة الله عليهم ويعتبروا بالنظر إلى ما يعلمونه من تاريخ الاُمم الغابرة، وما آل إليه أمر المفسدين من عاقبة السوء.
فقوله:( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) كلام مسوق سوق العظة والتوصية وهو يقبل التعلّق بجميع ما تقدّم من الأوامر والنواهي فقوله:( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ) أمر بتذكّر تدرّجهم من القلّة إلى الكثرة بازدياد النسل فإنّ ذلك من نعم الله العظيمة على هذا النوع الإنسانيّ لأنّ الإنسان لا يقدر على أن يعيش وحده من غير اجتماع إذ الغاية الشريفة والسعادة العالية الإنسانيّة الّتي يمتاز بها عن سائر الأنواع الحيوانيّة وغيرها اقتضت أن تهب لعناية الإلهيّة له أدوات وقوى مختلفة وتركيباً وجوديّاً خاصّاً لا يستطير أن يقوم بضروريّات حوائجها العجيبة المتفنّنة وحده بل بالتعاضد مع غيره في تحصيل المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمنكح وغيرها تعاضداً في الفكر والارادة والعمل.
ومن المعلوم أنّه كلّما ازداد عدد المجتمعين ازدادت القوّة المركّبة الاجتماعيّة، واشتدّت في فكرتها وإرادتها وعملها فأحسّت وشعرت بدقائق الحوائج، وتنبّهت للطائف
من الحيل لتسخير القوى الطبيعيّة في رفع نواقصها.
فمن المنن الإلهيّة أن النسل الإنسانيّ آخذ دائماً في الزيادة متدرّج من القلّة إلى الكثرة، وذلك من الاركان في سير النوع من النقص إلى الكمال فليست الاُمم العظيمة كالشراذم القليلة الّتي تتخطّف من كلّ جانب، ولا الاقوام والعشائر الكبيرة كالطوائف الصغيرة الّتي لا تستقلّ في شأن من شؤونها السياسيّة والاقتصاديّة والحربيّة وغيرها ممّا يوزن بزنة العلم والارادة والعمل.
وأمّا عاقبة المفسدين فيكفي في التبصّر بها ما نقل عن عواقب أحوال الاُمم المستعلية المستكبرة الطاغية الّتي ملأت القلوب رعباً، والنفوس دهشة، وخرّبت الديار، ونهبت الأموال، وسفكت الدماء، وأفنت الجموع، واستعبدت العباد، وأذلّت الرقاب.
مهّلهم الله في عتوّهم واعتداءهم حتّى إذا بلغوا أوج قدرتهم، واستووا على أريكة شوكتهم غرّتهم الدنيا بزينتها واجتذبتهم الشهوات إلى خلاعتها فألهتهم عن فضيلة التعقّل واشتغلوا بملاهي الحياة والعيش واتّخذوا إلههم هواهم وأضلّهم الله على علم فسلبوا القدرة والارادة، وحرّموا النعمة فتفرّقوا أيادى سبا.
فكم في ذكر الدهر من أسماء القياصرة والفراعنة والأكاسرة والفغافرة وغيرهم لم يبق منهم إلّا أسماء إن لم تنس، ولم تثبت من هيمنتهم إلّا أحاديث فمن السنّة الإلهيّة الجارية في الكون أن تبتني حياة الإنسان على التعقّل فإذا تعدّى ذلك وأخذ في الفساد والإفساد أبى طباع الكون ذلك، وضادّته الأسباب بقواها، وطحنته بجموعها، وضربت عليه بكلّ ذلّة ومسكنة.
قوله تعالى: ( وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ) إلى آخر الآية. ثمّ دعاهم رابعاً إلى الصبر على تقدير وقوع الاختلاف بينهم بالإيمان والكفر فإنّه كان يوصّيهم جميعاً قبل هذه الوصيّة بالاجتماع على الإيمان بالله والعمل الصالح، وكأنّه أحسّ منهم أنّ ذلك ممّا لا يكون البتّة، وأنّ الاختلاف كائن لامحالة وأنّ الملأ المستكبرين من قومه وهم الّذين كانوا يوعدون و يصدّون عن سبيل الله سيأخذون في إفساد الأرض وايذاء المؤمنين ويوجب ذلك في المؤمنين وهن عزيمتهم، وتسلّط الناس على قلوبهم فأمرهم جميعاً بالصبر
وانتظار أمر الله فيهم ليحكم بينهم وهو خير الحاكمين.
فإنّ في ذلك صلاح المجتمع، أمّا المؤمنون فلا يقعون في البأس من الحياة الآمنة والاضطراب والحيرة من جهة دينهم وأمّا الكفّار فلا يقعون في ندامة الإقدام من غير رؤيّة ومفسدة المظلمة على جهالة فحكم الله خير فأصل بين الطائفتين فهو خير الحاكمين لا يساهل في حكم إذا حان حينه، ولا يجور في حكم إذا ما حكم
فقوله:( فَاصْبِرُوا ) بالنسبة إلى الكفّار أمر ارشاديّ، وبالنسبة إلى المؤمنين أمر مولويّ أو ارشاديّ، وهو ارشاد الجميع إلى ما يصلح حالهم.
قوله تعالى: ( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ ) الآية لم يسترشد الملأ المستكبرون من قومه بما أرشدهم إليه من الصبر وانتظار الحكم الفصل في ذلك من الله سبحانه بل بادروه بتهديده وتهديد المؤمنين بإخراجهم من أرضهم إلّا أن يرجعوا إلى ملّتهم بالارتداد عن دين التّوحيد.
وفي تأكيدهم القول( لَنُخْرِجَنَّكَ ) ( أَوْ لَتَعُودُنَّ ) بالقسم ونون التأكيد دلالة على قطعهم العزم على ذلك، ولذا بادرعليهالسلام بعد استماع هذا القول منهم إلى الاستفتاح من الله سبحانه.
قوله تعالى: ( قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم ) الآية أجابعليهالسلام بكراهة العود في ملّتهم بدليل ما بعده من الجمل ولازم ذلك اختيار الشق الآخر على تقدير الاضطرار إلى أحدهما كما أخبروه.
وقد أجابعليهالسلام عن نفسه وعن المؤمنين به من قومه وذكر أنّه والمؤمنين به جميعاً كارهون للعود إلى ملّتهم فإنّ في ذلك افتراء للكذب على الله سبحانه بنسبة الشركاء إليه، وما يتبعها من الأحكام المفتراة في دين الوثنيّة فقوله:( قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ) الآية بمنزلة التعليل لقوله:( أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ) .
ومن أسخف الاستدلال الاحتجاج بقوله:( إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ) على أنّ شعيباًعليهالسلام كان قبل نبوّته مشركاً وثنياً - حاشاه - وقد تقدّم آنفاً أنّه يتكلّم عن نفسه وعن المؤمنين به من قومه وقد كانوا كفّاراً مشركين قبل الإيمان به فإنّجاهم الله من ملّة
الشرك وهداهم بشعيب إلى التوحيد فقول:( شعيب نجّانا الله) تكلّم عن المجموع بنسبة وصف الجلّ إلى الكل، هذا لو كان المراد بالتنجية التنجية الظاهريّة من الشرك الفعلي وأمّا لو أريد بها التنجية الحقيقيّة وهي الاخراج من كلّ ضلال محقّق موجود أو مقدّر مترّقب كان شعيب - وهو لم يشرك بالله طرفة عين - وقومه - وهم كانوا مشركين قبل زمان إيمانهم بشعيب - جميعاً ممّن نجّاهم الله من الشرك إذ لايملك الإنسان لنفسه الهالكة ضرّاً ولا نفعاً وما إصابه من خير فهو من الله سبحانه.
وقوله:( وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ) كالإضرب والترقّي بالجواب القاطع كأنّه قال: نحن كارهون العود إلى ملّتكم لأنّ فيه افتراءً على الله بل إنّ ذلك ممّا لا يكون البتّة، وذلك أنّ كراهة شئ إنّما توجب تعسّر التلبّس به دون تعذّره فأجابعليهالسلام ثانياً بتعذّر العود بعد جوابه أوّلاً بتعسّره، وهو ما ذكرناه من الإضراب والترقّي.
ولمّا كان قوله:( وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا ) في معنى أن يقال:( لن نعود إليها أبدا) والقطع في مثل هذه العزمات ممّا هو بعيد عن أدب النبوّة فإنّه في معنى: لن نعود على أي تقدير فرض حتّى لو شاء الله، وهو من الجهل بمقامه تعالى، استثنى مشيّة الله سبحان فقال:( إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ) فإنّ الإنسان كيفما كان جائز الخطأ فمن الجائز أن يخطئ بذنب فيعاقبه الله بسلب عنايته به فيطرده من دينه فيهلك على الضلال.
وفي الجمع بين الاسمين في قوله:( اللَّهُ رَبُّنَا ) إشارة إلى أنّ الله الّذي يحكم ما يشاء هو الّذي يدبّر أمرنا وهو إله وربّ، على ما يقتضيه دين التوحيد لا كما يعلّمه دين الوثنيّة فإنّه يسلّم الاُلوهيّه لله ثمّ يفرز الربوبيّة بمختلف شؤونها بين الاوثان ويسمّيها ربّ البحر وربّ البرّ وهكذا.
وقوله:( وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) كالتعليل لتعقيب الكلام بالاستثناء كأنّه قيل لما استثنيت بعد ما أطلقت الكلام وقطعت في العزم؟ فقال: لأنّه وسع ربّي كلّ شئ علماً ولا اُحيط من علمه إلّا بما شاء فمن الجائز أن يتعلّق مشيّته بشئ غائب عن علمي ساءني أو سرّنى كأن يتعلّق علمه بأنّا سنخالفه في بعض أوامره فيشاء عودنا إلى ملّتكم، وإن
كنّا اليوم كارهين له، ولعلّ هذا المعنى هو السبب في تعقيب هذا القول بمثل قوله:( عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ) فإنّ من يتوكّل على الله كان حسبه وصانه من شرّ ما يخاف.
ولمّا بلغ الكلام هذا المبلغ وقد أخبروهم بعزمهم على أحد الأمرين: الإخراج أو العود، وأخبرهم شعيبعليهالسلام بالعزم القاطع على عدم العود إلى ملّتهم البتّة التجأعليهالسلام إلى ربّه واستفتح بقوله عن نفسه وعن المؤمنين:( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) يسأل ربّه أنّ يفتح بينهم أي بين شعيب والمؤمنين به، وبين المشركين من قومه، وهو الحكم الفصل فإنّ الفتح بين شيئين يستلزم إبعاد كلّ منهما عن صاحبه حتّى لا يماسّ هذا ذاك ولا ذاك هذا دعاعليهالسلام بالفتح وكنّى به عن الحكم الفصل وهو الهلاك أو هو بمنزلته وأبهم الخاسر من الرابح والهالك من الناجي وهو يعلم أنّ الله سينصره وأنّ الخزي اليوم والسوء على الكافرين لكنّهعليهالسلام أخذ بالنصفة للحقّ وتأدّب بإرجاع الأمر في ذلك إلى الله كما أتى بنظير ذلك في قوله السابق:( فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) .
وخير الحاكمين وخير الفاتحين اسمان من أسماء الله الحسنى، وقد تقدّم البحث عن معنى الحكم فيما مرّ، وعن معنى الفتح آنفاً وسيجئ الكلام المستوفى في الأسماء الحسنى في تفسير قوله تعالى:( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ) الآية ١٨٠ من السورة إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:( وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ) إلى آخر الآية : هذا تهديد منهم لمن آمن بشعيب أو أراد أن يؤمن به ويكون من جملة الايعاد والصدّ للّذين كان شعيب ينهى عنهما بقوله:( وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) ويكون إفراد هذا بالذكر ههنا من بين سائر أقوالهم ليكون كالتوطئة والتمهيد لما سيأتي من قولهم بعد ذكر هلاكهم:( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ) .
ويحتمل أن يكون الاتّباع بمعناه الظاهر العرفيّ وهو اقتفاء أثر الماشي على الطريق والسالك السبيل بأن يكون الملأ المستكبرون لمّا اضطرّوه ومن معه إلى أحد الأمرين: الخروج من أرضهم أو العود في ملّتهم ثمّ سمعوه يردّ عليهم العود إلى ملّتهم ردّاً قاطعاً ثمّ
يدعو بمثل قوله:( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) لم يشكّوا أنّه سيتركهم ويهاجر إلى أرض غير أرضهم، ويتبعه في هذه المهاجرة المؤمنون به من القوم خاطبوا عند ذلك طائفة المؤمنين بقولهم:( لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ ) فهدّدوهم وخوّفوهم بالخسران أن تبعوه في الخروج من أرضهم ليخرج شعيب وحده فإنّهم إنّما كانوا يعادونه إيّاه بالأصلة، وأمّا المؤمنون فإنّما كانوا يبغضون من جهته ولأجله.
وعلى أيّ الوجهين كان فالآية كالتوطئة والتمهيد للآية الآتية:( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ) كما تقدّمت الإشارة إليه.
قوله تعالى: ( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) أصبحوا أي صاروا أو دخلوا في الصباح، وقد تقدّم معنى الآية في نظيرتها من قصّة صالح.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا - إلى قوله -الْخَاسِرِينَ ) قال الراغب في المفردات: وغني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مستغنياً به عن غيره بغنى قال: كأن لم يغنوا فيها (انتهى). و( كَأَن ) مخفّف كأنّ خفّف لدخوله الجملة الفعليّة.
فقوله:( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) فيه تشبيه حال المكذّبين من قومه بمن لم يطيلوا الإقامة في أرضهم فإنّ أمثال هؤلاء يسهل زوالهم لعدم تعلّقهم بها في عشيرة وأهل أو دار أو ضياع وعقار، وأمّا من تمكّن في أرض واستوطنها وأطال المقام بها وتعلّق بها بكلّ ما يقع به التعلّق في الحياة المادّيّة فإنّ تركها له متعسّر كالمتعذّر وخاصّة ترك الاُمّة القاطنة في أرض أرضها وما اقتنته فيها طول مقامها. وقد ترك هؤلاء وهم أمّة عريقةٌ في الأرض دارهم وما فيها، في أيسر زمان أخذتهمٌ الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين.
وقد كانوا يزعمون أنّ شعيباً ومن تبعه منهم سيحشرون فخاب ظنّهم وانقلبت الدائرة عليهم فكانوا هم الخاسرين فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين.
وإلى هذا يشير تعالى حيث ذكر أوّلاً قولهم: إنّ متّبعي شعيب خاسرون، ثمّ
ذكر نزول العذاب وأبهم الّذين أخذتهم الرجفة فقال:( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) ولم يقل: فأخذت الّذين كفروا الرجفة، ثمّ صرّح في قوله:( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا ) الآية أنّ الحكم الإلهي والهلاك والخسران كان لشعيب ومن تبعه على الّذين كذّبوه من قومه فكانوا هم الخاسرين الممكور بهم، وهم يزعمون خلافه.
قوله تعالى: ( فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ) إلى آخر الآية. ظاهر السياق أنّه إنّما تولّى بعد نزول العذاب عليهم وهلاكهم، وأنّ الخطاب خطاب اعتبار، وقوله:( فَكَيْفَ آسَىٰ ) (الخ) هو من الآسى أي كيف أحزن والباقي ظاهر.
( سورة الأعراف آية ٩٤ - ١٠٢)
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( ٩٤ ) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( ٩٥ ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( ٩٦ ) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ( ٩٧ ) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( ٩٨ ) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ( ٩٩ ) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ( ١٠٠ ) تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ( ١٠١ ) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ( ١٠٢ )
( بيان)
الآيات متّصلة بما قبلها وهي تلخّص القول في قصص الامم الغابرة فتذكر أنّ أكثرهم كانوا فاسقين خارجين عن زيّ العبوديّة لم يفوا بالعهد الإلهيّ والميثاق الّذي أخذ منهم لأوّل يوم، وتبيّن أنّ ذلك كان هو السبب في وقوعهم في مجرى سنن خاصّة إلهيّة يتبع بعضها بعضاً، وهي أنّ الله سبحانه كان كلّما أرسل إليهم نبيّاً من أنبيائه يمتحنهم ويختبرهم بالبأساء والضرّاء فكانوا يعرضون عن آيات الله الّتي كانت تدعوهم
إلى الرجوع إلى الله والتضرّع والإنابة إليه، ولا ينتبهون بهاتيك المنبّهات، وهذه سنّة.
وإذا لم ينفع ذلك بدّلت هذه السنّة بسنّة أخرى، وهي الطبع على قلوبهم بتقسيتها وصرفها عن الحقّ وتعليقها بالشهوات المادّيّة وزينات الحياة الدنيا وزخارفها، وهذة سنّة المكر.
ثمّ تتبعها سنّة ثالثة وهي الاستدراج، وهي بتبديل السيّئة حسنة، والنقمة نعمة والبأساء والضرّاء، سرّاء وفي ذلك تقريبهم يوماً فيوماً وساعة فساعة إلى العذاب الإلهيّ حتّى يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون به لأنّهم كانوا يرون أنفسهم في مهد الامن والسلام فرحين بما عندهم من العلم، وما في اختيارهم من الوسائل الكافية على زعمهم في دفع ما يهدّدهم بهلاك أو يؤذنهم بالزوال.
وقد أشار الله سبحانه في خلال هذه الآيات إلى حقيقة ناصعة هي المدار الّذي يدور عليه أساس نزول النعم والنقم على العالم الإنسانيّ حيث يقول:( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ ) الآية.
وتوضيحها أنّ العالم بما فيه من الأجزاء متعلّق الأبعاض مرتبط الأطراف يتّصل بعضها ببعض اتّصال أعضاء بدن واحد وأجزائه بعضها ببعض في صحّتها وسقمها واستقامتها في صدور أفاعيلها، وقيامها بالواجبات من أعمالها فالتفاعل بالآثار والخواصّ جار بينها عام شامل لها.
والجميع على ما يبيّنه القرآن الشريف سائرٌ إلى الله سبحانه سالك نحو الغاية الّتي قدّرت له فإذا اختلّ أمر بعض أجزائه وخاصّه الأجزاء الشريفة، وضعف أثره وانحرف عن مستقيم صراطه بان أثر فساده في غيره، وانعكس ذلك منه إلى نفسه في الآثار الّتي يرسلها ذلك الغير إليه، وهي آثار غير ملائمة لحال هذا الجزء المنحرف - وهي المحنة والبليّة الّتي يقاسيها هذا السبب من ناحية سائر الأسباب - فإن استقام بنفسه أو باعانة من غيره عاد إليه رفاه حاله السابق، ولو استمرّ على إنحرافه واعوجاجه، وأدام فساد حاله دامت له المحنة حتّى إذا طغى وتجاوز حدّه، وأوقفت سائر الأسباب المحيطة به في عتبة
الفساد انتهضت عليه سائر الأسباب وهاجت بقواها الّتي أودعها الله سبحانه فيها لحفظ وجوداتها فحطمته ودكّته ومحته بغتة وهو لا يشعر.
وهذه السنّة الّتي هي من السنن الكونيّة الّتي أقرّها الله سبحانه في الكون غير متخلّفة عن الإنسان، ولا الإنسان مستثنى منها فالأمّة من الاُمم إذا أنحرفت عن صراط الفطرة إنحرافاً يصدّه عن السعادة الإنسانيّة الّتي قدّرت غاية لمسيرة في الحياة كان في ذلك اختلال حال غيره ممّا يحيط به من الأسباب الكونيّة المرتبطة به، وينعكس إليه أثره السيّئ الّذي لا سبب له إلّا إنحرافه عن الصراط وتوجيهه آثاراً سيّئة من نفسه إلى تلك الأسباب، وعند ذلك يظهر اختلالات في اجتماعاتهم، ومحن عامّة في روابطهم العامّة كفساد الاخلاق، وقسوة القلوب، وفقدان العواطف الرقيقة، وتهاجم النوائب وتراكم المصائب والبلايا الكونيّة كامتناع السماء من أن تمطر والأرض من أن تنبت، والبركات من أن تنزل، ومفاجاة السيول والطوفانات والصواعق والزلازل وخسف البقاع وغير ذلك كلّ ذلك آيات إلهيّة تنبّه الإنسان وتدعو الاُمّة إلى الرجوع إلى ربّه، والعود إلى ما تركه من صراط الفطرة المستقيم، وامتحان بالعسر بعد ما امتحن باليسر.
تأمل في قوله تعالى:( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الروم: ٤١ تراه شاهداً ناطقاً بذلك، فالآية تذكر أنّ المظالم والذنوب الّتي تكسبها أيدي الناس توجب فساداً في البرّ والبحر ممّا يعود إلى الإنسان كوقوع الحروب وانقطاع الطرق وارتفاع الامن وغير ذلك، أو لا يعود إليه كاختلال الاوضاع الجوّيّة والأرضيّة الّذي يستضرّ به الإنسان في حياته ومعاشه.
ونظيره بوجه قوله تعالى:( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) الشورى: ٣٠ على ما سيجئ إن شاء الله من تقرير معناه، وكذلك قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) الرعد: ١١، وما في معناه من الآيات.
وبالجملة فإن رجعت الاُمّة بذلك - وما أقلّه وأندره في الاُمم - فهو، وإن استمرّت على ضلالها وخبطها طبع الله على قلوبهم فاعتادوا ذلك، وأصبحوا يحسبون أنّ الحياة
الإنسانيّة ليست الّا هذه الحياة المضطربة الشقيّة الّتي تزاحمها أجزاء العالم المادّيّ وتضطهدها النوائب والرزايا، ويحطمها قهر الطبيعة الكونيّة - وأن ليس للإنسان إلّا أن يتقدّم في العلم ويتجهّز بالحيل الفكريّة فيبارزها ويتّخذ وسائل كافية في دفع قهرها وابطال مكرها كما اتّخذ اليوم وسائل تكفي لدفع القحط والجدب والوباء والطاعون وسائر الأمراض العامّة السارية، وأخرى تنفي بها السيول والطوفانات والصواعق وغير ذلك ممّا يأتي به طاغية الطبيعة، ويهدّد النوع بالهلاك.
قتل الإنسان ما أكفره ! أخذه الخيلاء فظنّ أنّ التقدّم فيما يسمّيه حضارة وعلماً يعده أنّه سيغلب طبيعة الكون، ويبطل عزائمها، ويقهرها على أن تطيعه في مشيّته، وتنقاد لأهوائه، وهو أحد أجزائها المحكومة بحكمها الضعيفة في تركيبها ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، ولو فسدت لكان الإنسان الضعيف من أقدم أجزائها في الفساد وأسرعها إلى الهلاك.
ويخيّل إليه أنّ الّذي ترومه المعرفة الدينيّة هو أن تبطل نسبة الحوادث العظام إلى أسبابها الطبيعيّة ثمّ تضع زمامها في يد صانعها فيكون شريكاً من الشركاء، للأسباب الاُخر آثارها من الحوادث - وهي الحوادث الّتي يسعنا البحث عن عللها وأسبابها - وللسبب الّذي هو الصانع بقيّة الآثار من الحوادث كالحوادث العامّة والوقائع الجوّيّة كالوباء والقحط والامطار والصواعق وغيرها ثمّ إذا كشف عن العلل الطبيعيّة المكتنفة لهذه الاُمور زعم أنّه في غنىً عن ربّ العالمين وتدبير ربوبيّته.
وقد فاته أنّ الله عزّ اسمه ليس سبباً في عرض الأسباب وعلّة في صفّ العلل المادّيّة والقوى الفعّالة في الطبيعة بل هو الّذي أحاط بكلّ شئ، وخلق كلّ سبب فساقه وقاده إلى مسبّبه وأعطى كلّ شئ خلقه ثمّ هدى ولايحيط بخلقه ومسبّبه غيره فله أنّ يتسبّب إلى كلّ شئ بما أراده من الأسباب المجهولة عندنا الغائبة عن علومنا.
وإلى ذلك يشير نحو قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) الطلاق: ٣، وقوله:( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) يوسف: ٢١، وقوله:( وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا
نَصِيرٍ ) الشورى: ٣١، إلى غير ذلك من الآيات.
وكيف يسع للإنسان أن يحارب الله في ملكه ويتّخذ بفكره وسائل لابطال حكمه وإرادته، وليس هو سبحانه في عرضها بل هو في طولها أي هو الّذي خلق الإنسان وخلق منه هذه الارادة ثمّ الفكر ثمّ الوسائل المتّخذة، ووضع كلّاً في موضعه، ورابط بعضها ببعض من بدئها إلى ختمها حتّى أنهاها إلى الغاية الاخيرة الّتي يريد الإنسان بجهالته أن يحارب بالتوسل إليها ربّه في قضائه وقدره، ويناقضه في حكمه، وهو أحد الايادي العمّالة لما يريده ويحكم به وبعض الأسباب المجرية لما يقدّره ويقضى به.
وإلى هذا الموقف الفضيح الإنسانيّ يشير تعالى بعد ذكر أخذه الإنسان بالبأساء والضرّاء بقوله:( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) على ما سيجئ إن شاء الله تعالى من تقرير معنى الآية عنقريب.
فهذه حقيقة برهانيّة تقرّر أنّ الإنسان كغيره من الأنواع الكونيّة مرتبط الوجود بسائر أجزاء الكون المحيطة به، ولأعماله في مسير حياته وسلوكه إلى منزل السعادة ارتباط بغيره فإن صلحت للكون صلحت أجزاء الكون له وفتحت له بركات السماء، وإن فسدت أفسدت الكون وقابله الكون بالفساد فإن رجع إلى الصلاح فيها، وإلّا جرى على فساده حتّى إذا تعرّق فيه انتهض عليه الكون وأهلكه بهدم بنيانه وإعفاء أثره، وطهّر الأرض من رجسه.
وكيف يمكن للإنسان وأنّى يسعه أن يعارض الكون بعمله وهو أحد أجزائه الّتي لا تستقلّ دونه البتّة؟ أو يماكره بفكره وإنّما يفكّر بترتيب القوانين الكلّيّة المأخوذة منه؟ فافهم ذلك.
فهذه حقيقة برهانيّة والقرآن الكريم يصدّقها وينصّ عليها فالله سبحانه هو الّذي خلق كلّ شئ فقدّره تقديرا، وهداه إلى ما يسعده، ولم يخلق العالم سدى، ولا شيئاً من أجزائه ومنها الإنسان لعباً، بل إنّما خلق ما خلق ليتقرّب منه ويرجع إليه، وهيّأ له منزلة سعادة يندفع إليها بحسب فطرته بإذن الله سبحانه، وجعل له سبيلاً ينتهي إلى
سعادته فإذا سلك سبيله الفطريّ فهو، وإلّا فإن انحرف عنه إنحرافاً لا مطمع في رجوعه إلى سويّ الصراط فقد بطلت فيه الغاية، وحقّت عليه كلمة العذاب.
قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ ) إلى آخر الآية. قيل: البأساء في المال كالفقر، والضرّاء في النفس كالمرض، وقيل: يعني بالبأساء ما نالهم من الشدّة في أنفسهم وبالضرّاء ما نالهم في أموالهم، وقيل: غير ذلك. وقيل: إنّ البأس والبأساء يكثر استعمالهما في الشدّة الّتي هي بالنكاية والتنكيل كما في قوله تعالى:( وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا ) .
ولعل قوله بعد:( الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ) حيث أريد بهما ما يسوء الإنسان وما يسرّه يكون قرينة على إراده مطلق ما يسوء الإنسان من الشدائد من الضرّاء، ويكون قوله:( بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ) من ذكر العام بعد الخاصّ.
يذكر سبحانه أنّ السنّة الإلهيّة جرت على أنّه كلّما أرسل نبيّاً من الأنبياء إلى قرية من القرى - وما يرسلهم إليهم إلّا ليهديهم سبيل الرشاد - ابتلاهم بشئ من الشدائد في النفوس والاموال رجاء أن يبعثهم ذلك إلى التضرّع إليه سبحانه ليتمّ بذلك أمر دعوتهم إلى الإيمان بالله والعمل الصالح.
فالابتلاءات والمحن نعم العون لدعوة الأنبياء فإنّ الإنسان ما دام على النعمة شغله ذلك عن التوجّه إلى من أنعمها عليه واستغنى بها، وإذا سلب النعمة أحسّ بالحاجة، ونزلت عليه الذلّة والمسكنة، وعلاه الجزع، وهدّده الفناء فيبعثه ذلك بحسب الفطرة إلى الالتجاء والتضرّع إلى من بيده سدّ خلّته ودفع ذلّته، وهو الله سبحانه وإن كان لايشعر به وإذا نبّه عليه كان من المرجوّ اهتداؤه إلى الحقّ، قال تعالى:( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ) حم السجدة: ٥١.
قوله تعالى:( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا ) إلى آخر الآية. تبديل الشئ شيئاً وضع الشئ الثاني مكان الشئ الأوّل والسيّئة والحسنة معناهما ظاهر، والمراد بهما ما هما كالشدّة والرخاء، والخوف والامن، والضرّاء والسرّاء كما يدلّ عليه قوله بعد:( قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ) .
وقوله:( حَتَّىٰ عَفَوا ) من العفو وفسّر بالكثرة أي حتّى كثروا أموالا ونفوساً بعد ما كان الله قلّلهم بالابتلاءات والمحن، وليس ببعيد - وإن لم يذكروه - أن يكون من العفو بمعنى إمحاء الأثر كقوله:
ربع عفاه الدهر طولاً فانمحى |
قد كاد من طول البلى أن يمسحا |
فيكون المراد أنّهم محوا بالحسنة الّتي أوتوها آثار السيّئة السابقة وقالوا:( قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ) أي أنّ الإنسان وهو في عالم الطبيعة المتحوّلة المتغيّرة من حكم موقفه أن يمسّه الضرّاء والسرّاء، وتتعاقب عليه الحدثان ممّا يسوؤه أو يسرّه من غير أن يكون لذلك انتساب إلى امتحان إلهيّ ونقمة ربّانيّة.
ومن الممكن بالنظر إلى هذا المعنى الثاني أن يكون قوله:( وَّقَالُوا ) الخ، عطف تفسير لقوله:( عَفَوا ) والمراد أنّهم محوا رسم الامتحان الإلهيّ بقولهم: إنّ الضرّاء والسرّاء إنّما هما من عادات الدهر المتبادلة المتداولة يداولنا بذلك كما كان يداول آباءنا كما قال تعالى:( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) حم السجدة: ٥٠.
و( حَتَّىٰ ) في قوله:( حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا ) الآية، للغاية، والمعنى: ثمّ آتيناهم النعم مكان النقم فاستغرقوا فيها إلى أن نسوا ما كانوا عليه في حال الشدّة وقالوا: إنّ هذه الحسنات وتلك السيّئات من عادة الدهر فانتهى بهم إرسال الشدّة ثمّ الرخاء إلى هذه الغاية، وكان ينبغي لهم أن يتذكّروا عند ذلك ويهتدوا إلى مزيد الشكر بعد التضرّع لكنّهم غيروا الأمر فوضعوا هذه الغاية مكان تلك الغاية الّتي رضيها لهم ربّهم فطبع الله بذلك على قلوبهم فلا يسمعون كلمة الحقّ.
ولعلّ قوله:( الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ) قدم فيه الضرّاء على السرّاء ليحاذي ما في قوله تعالى:( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ) من الترتيب.
وفي قوله:( فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) تلويح إلى جهل الإنسان بجريان الأمر الإلهيّ، ولذا كان الاخذ بغتة وفجأة من غير أن يشعروا به، وهم يظنّون أنّهم عالمون بمجاري الاُمور، وخصوصيّات الأسباب، لهم أن يتّقوا ما يهدّدهم من أسباب الهلاك
بوسائل دافعة يهديهم إليها العلم، قال تعالى:( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ ) المؤمن: ٨٣.
قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ ) إلى آخر الآية. البركات أنواع الخير الكثير ربّما يبتلى الإنسان بفقده كلامن والرخاء والصحّة والمال والأولاد وغير ذلك.
وقوله:( لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) فيه استعارة بالكناية فقد شبّهت البركات بمجاري تجري منها عليهم كلّ ما يتنعّمون به من نعم الله لكنّها سدّت دونهم فلا يجري عليهم منها شئ لكنّهم لو آمنوا واتّقوا لفتحها الله سبحانه فجرى عليهم منها بركات السماء من الأمطار والثلوج والحرّ والبرد وغير ذلك كلّ في موقعه وبالمقدار النافع منه، وبركات الأرض من النبات والفواكه والأمن وغيرها ففي الكلام استعارة المجاري للبركات ثمّ ذكر بعض لوازمه وآثاره وهو الفتح للمستعار له.
وفي قوله:( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ) الآية دلالة على أنّ افتتاح ابواب البركات مسبّب لإيمان أهل القرى جميعاً وتقواهم أي أنّ ذلك من آثار إيمان النوع الإنسانيّ وتقواه لا إيمان البعض وتقواه فإنّ إيمان البعض وتقواه لا ينفكّ عن كفر البعض الآخر وفسقه، ومع ذلك لا يرتفع سبب الفساد وهو ظاهر.
وفي قوله:( وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) دلالة على أنّ الاخذ بعنوان المجازاة وقد تقدّم في البيان المذكور آنفاً ما يتبيّن به كيفيّة ذلك، وأنّه في الحقيقة أعمال الإنسان تردّ إليه.
قوله تعالى: ( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ) البيات والتبييت قصد العدوّ ليلاً، وهو من المكر لأنّ اللّيل سكن يسكن فيه الإنسان ويميل بالطبع إلى أن يستريح وينقطع عن غيره بالنوم والسكون.
وقد فرّع مضمون الآية على ما قبله إي إذا كان هذا حال أهل القرى أنّهم يغترّون بما تحت حسّهم عمّا وراءه فيفجؤون ويأخذهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون فهل أمنوا أن يأتيهم عذاب الله ليلا وهم في حال النوم وقد عمتهم الغفلة.؟
قوله تعالى: ( أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) الضحى صدر النهار حين تنبسط الشمس، والمراد باللّعب الأعمال الّتي يشتغلون بها لرفع حوائج الحياة الدنيا والتمتّع من مزايا الشهوات، وهي إذا لم تكن في سبيل السعادة الحقيقيّة، وطلب الحقّ كانت لعباً، فقوله:( وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) كناية عن العمل للدنيا وربّما قيل: إنّه استعارة أي يشتغلون بما لا نفع فيه كأنّهم يلعبون، وليس ببعيد أن يكون قوله في الآية السابقة( وَهُمْ نَائِمُونَ ) كناية عن الغفلة. ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: ( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) مكر به مكراً أي مسّه بالضرر أو بما ينتهي إلى الضرر وهو لا يشعر وهو إنّما يصحّ منه تعالى إذا كان على نحو المجازاة كأن يأتي الإنسان بالمعصية فيؤاخذه الله بالعذاب من حيث لا يشعر أو يفعل به ما يسوقه إلى العذاب وهو لا يشعر، وأمّا المكر الابتدائي من غير تحقّق معصية سابقة فممّا يمتنع عليه تعالى وقد مرّت الإشارة إليه كراراً.
وما ألطف قوله تعالى:( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ ) و( أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ ) ثمّ قوله( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ) ، والثالث - وهو الّذي في هذه الآية - جمع وتلخيص للإنكارين السابقين في الآيتين، وقد أظهر في الآيتين جميعاً من غير أن يقول في الثانية: أو أمنوا (الخ) ليعود الضمير في الآية الثالثة إلى من في الآيتين جميعاً كأنّه أخذ أهل القرى وهم نائمون غير أهل القرى وهم يلعبون.
وقوله:( فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) وذلك لأنّه تعالى بيّن في الآيتين الاُوليين أنّ الأمن من مكر الله نفسه مكر إلهيّ يتعقّبه العذاب الإلهيّ فالآمنون من مكر الله خاسرون لأنّهم ممكور بهم بهذا الأمن بعينه.
قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا ) إلى آخر الآية. الظاهر أنّ فاعل قوله:( يَهْدِ ) ضمير راجع إلى ما أجمله من قصص أهل القرى، وقوله( لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ) مفعوله عديّ إليه باللّام لتضمينه معنى التبيين، والمعنى: أو لم يبيّن ما تلوناه من قصص أهل القرى للّذين يرثون الأرض من بعد أهلها هادياً لهم، وقوله:( أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم ) الآية مفعول( يَهْد ) والمراد بالّذين يرثون الأرض من بعد أهلها الأخلاف
الّذين ورثوا الأرض من أسلافهم.
ومحصّل المعنى: أو لم يتبيّن أخلاف هؤلاء الّذين ذكرنا أنّا آخذناهم بمعاصيهم بعد ما امتحنّاهم ثمّ طبعنا على قلوبهم فلم يستطيعوا أن يسمعوا مواعظ أنبيائهم أنّا لو نشاء لاصبناهم بذنوبهم من غير أن يمنعنا منهم مانع أو يتّقوا بأسنا بشئ.
وربّما قيل: إنّ قوله( يَهْد ) منزّل منزلة اللازم والمعنى: أو لم يفعل بهم الهداية أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، ونظيره قوله تعالى:( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ) الم السجدة: ٢٦.
وأمّا قوله:( وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) فمعطوف على قوله( أَصَبْنَاهُم ) لأنّ الماضي ههنا في معنى المستقبل، والمعنى أولم يهد لهم أن لو نشاء نطبع (الخ)، وقيل : جملة معترضة تذييليّة، وفي الآية وجوه وأقوال أخر خالية عن الجدوى.
قوله تعالى: ( تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ) إلى آخر الآية تلخيص ثان لقصصهم المقصوصة سابقاً بعد التلخيص الّذي مرّ في قوله:( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ ) إلى آخر الآيتين أو الآيات الثلاث.
والفرق بين التلخيصين أنّ الأوّل تلخيص من جهة صنع الله من أخذهم بالبأساء والضرّاء ثمّ تبديل السيّئة حسنة ثمّ الاخذ بغتة وهم لا يشعرون، والثاني تلخيص من جهة حالهم في أنفسهم قبال الدعوة الإلهيّة، وهو أنّهم وإن جاءتهم رسلهم بالبيّنات لكنّهم لم يؤمنوا لتكذيبهم من قبل وما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا من قبل، وهذا من طبع الله على قلوبهم.
وقوله:( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ) ظاهر الآية أنّ قوله( بِمَا ) متعلّق بقوله( لِيُؤْمِنُوا ) ولازم ذلك أن تكون ما موصولة ويؤيّده قوله تعالى في موضع آخر( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ) يونس: ٧٤ فإنّه أظهر في كون( ما ) موصولة لمكان ضمير( بِه ) ويؤول المعنى إلى أنّهم كذّبوا بما دعوا إليه أوّلاً ثمّ لم يؤمنوا به عند الدعوة النبويّة ثانياً.
ويؤيّده ظاهر قوله( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ) فإنّ هذا التركيب يدلّ على نفي التهيّؤ القبليّ يقال: ما كنت لآتي فلاناً، وما كنت لاُكرم فلاناً وقد فعل كذا أي لم يكن من
شأني كذا ولم أكن بمتهيّئ لكذا، وفي التنزيل:( مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) آل عمران: ١٧٩، أي كان في إرادته التمييز من قبل.
وقال تعالى:( لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ) النساء: ١٣٧.
ويؤيّده أيضاً قوله في الآية التالية:( وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ) فإنّ ظاهر السياق أنّ هذه الآية معطوفة عطف تفسير على قوله:( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ) فيتبيّن بها أنّهم كانوا عهد إليهم بعهد ففسقوا عنه وكذّبوا به حين عهد إليهم ثمّ إذا جاءتهم الرسل بالبيّنات كذّبوهم ولم يؤمنوابهم، وما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من قبل.
والآية أعني قوله:( وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ) مذيّلة بقوله:( كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ) فدلّ ذلك على أنّ ما وصفه من مجئ الرسل بالبيّنات وعدم إيمانهم لتكذيبهم بذلك قبلا هو من مصاديق الطبع المذكور، وحقيقته أنّ الله ثبّت التكذيب في قلوبهم ومكنه من نفوسهم حتّى إذا جاءتهم الرسل بالبيّنات لم يكن محلّ لقبول دعوتهم لكون المحلّ مشغولاً بضدّه.
فتنطبق هاتان الآيتان بحسب المعنى على الآيتين الاُوليين أعني قوله:( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا ) إلى آخر الآيتين حيث تصفان سنّة الله أنّه يرسل آيات دالّة على حقيّة أصول الدعوة من التوحيد وغيره بأخذهم بالبأساء والضرّاء ثمّ تبديل السيّئة حسنة ثمّ يطبع على قلوبهم جزاءً لجرمهم.
وعلى هذا فالمعنى في الآية: لقد جاءتهم رسلهم بالبيّنات لكنّهم لمّا لم يؤمنوا بالآيات المرسلة إليهم الداعية لهم إلى التضرّع إلى الله والشكر لإحسانه بل شكّوا فيها بل حملوها على عادة الدهر وتصريف الأيّام وتقليبها الإنسان من حال إلى حال فكذّبوا بهذه الآيات، واستقرّ التكذيب في قلوبهم فلمّا دعاهم الأنبياء إلى الدين الحقّ لم يؤمنوا بما كانوا يدعون إليه من الحقّ وبما كانوا يذكّرونهم بها من الآيات لأنّهم كذّبوا بها من
قبل وما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا من قبل فإنّ الله عزّوجلّ طبع على قلوبهم فهم لا يسمعون.
فعدم إيمانهم أثر الطبع الإلهيّ والطبع أثر تكذيبهم بدلالة الابتلاء بالبأساء والضرّاء ثمّ تبديل السيّئة حسنة ثانياً، ومن الدليل عليه قوله:( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) يونس: ١٣، وقوله:( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ - يعنى نوحاً- رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ) يونس: ٧٤، وعلى هذا فقوله:( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ) تفريع على قوله( وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ) ، والمراد بما كذّبوا به الآيات البيّنات الّتي ذكرتهم بها الأنبياء من آيات الآفاق والأنفس وما جاؤوا به من الآيات المعجزة فالجميع آياته والمراد بتكذيبهم بها من قبل، تكذيبهم بها من حيث دلالة عقولهم بمشاهدتها أنّهم مربوبون لله لا ربّ سواه، وبعدم إيمانهم ثانياً عدم إيمانهم بها حين يذكّرهم بها الأنبياء.
فالمعنى فما كانوا ليؤمنوا بما يذكّرهم به و يأتي به الأنبياء من الآيات الّتي كذّبوا بها حين ذكّرتهم بها عقولهم، وأرسلها الله إليهم ليذكّروا ويتضرّعوا إليه ويشكروا له.
وعلى هذا فالمراد بالعهد في قوله في الآية التالية:( وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ) هو العهد الّذي عهده الله سبحانه إليهم من طريق العقل بلسان الآيات: أن لا يعبدوا إلّا إيّاه، والمراد بالفسق خروجهم عن ذلك العهد بعدم الوفاء به.
ولهذا العهد تحقّق سابق على هذا التحقّق وهو أنّ الله سبحانه أخذه بعينه منهم حين خلقهم وسوّاهم بخلق أبيهم آدم وتسويته ثمّ جعله مثالا للإنسانيّة العامّة فاسجد له الملائكة وأدخله الجنّة ثمّ عهد إليه حين أمر بهبوطه الأرض أن يعبده هو وذرّيّته ولا يشركوا به شيئاً.
وقد قدّر الله سبحانه هنالك ما قدّر فهدى بحسب تقديره قوماً ولم يهد آخرين ثمّ إذا وردوا الدنيا وأخذوا في سيرهم في مسير الحياة اهتدى الأوّلون، وفسق عن عهده
الآخرون حتّى طبع الله على قلوبهم وحقّت عليهم الضلالة في الدنيا بعد أعمالهم السيّئة كما تقدّم بيانه في تفسير قوله:( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) الآية: ٣٠ من السورة.
فمعنى الآية على هذا فما كانوا ليؤمنوا عند دعوة الأنبياء بما كذّبوا به ولم يقبلوه عند أخذ العهد الأوّل، وما وجدنا لاكثرهم من وفاء في الدنيا بالعهد الّذي عهدناه هناك وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين خارجين عن حكم ذلك العهد.
فهذا معنى لكنّه غير مناف للمعنى السابق فإنّ أحد المعنيين في طول الآخر وليسا بمتعارضين فإنّ تعيّن طريق الإنسان وغايته من سعادة وشقاوة بحسب القدر لا ينافي إمكان سعادته وشقاوته في الدنيا، واناطه تحقّق كلّ منهما باختياره ذلك وانتخابه وللقوم في تفسير الآية أقوال أخر: ١ -: أنّ المراد بتكذيبهم من قبل، تكذيبهم من حين مجئ الرسل إلى حين الاصرار ولعناد وبقوله:( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ) الخ، كفرهم حين الاصرار، والمعنى فما كانوا ليؤمنوا حين لعناد بما كذّبوا به من أوّل الدعوة إلى ذلك الحين، وهذا وجه سخيف لا شاهد له من جهة اللفظ البتّة.
٢ -: أنّ المراد بتكذيبهم قبلاً، تكذيبهم باصول الشرائع الإلهيّة الّتي لا يختلف في شئ منها كالتوحيد والمعاد، ومسألة حسن العدل وقبح الظلم مثلاً ممّا يستقلّ به العقل، وبتكذيبهم بعداً تكذيبهم بتفاصيل الشرائع، والمعنى فما كانوا ليؤمنوا بهذه الشرائع المفصّلة وهي الّتي كذّبوا بها قبلاً إجمالاً قبل الدعوة التفصيليّة، وفيه أنّه خلاف ظاهر الآية فلا يقال للكفر بالله وبسائر ما ثبوته فطريّ عند العقل أنّه تكذيب. على أنّ ما تقدّم من القرائن على خلافه يكذّبه.
٣ -: أنّ الآية على حدّ قوله تعالى:( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) فالمعنى: ما كانوا لو أهلكناهم ثمّ أحييناهم ليؤمنوا بما كذّبوا به قبل إهلاكهم، هذا.وهو أسخف ما قيل في تفسير الآية.
٤ -: أنّ ضمير( كَذَّبُوا ) راجع إلى أسلافهم كما أنّ ضمير( لِيُؤْمِنُوا )
للأخلاف والمعنى: فما كانوا ليؤمنوا بما كذّب به أسلافهم، وفيه: أنّه قول من غير دليل وظاهر سياق قوله:( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا ) أنّ مرجع الثلاثة جميعاً واحد، ومن الممكن أنّ يقرّر هذا الوجه بما يرجع إلى الوجه الآتي.
٥ -: أنّ الكلام مبنيّ على أخذ عامّة أهل القرى من أسلافهم وأخلافهم واحداً بعث إليه الرّسل، وهم مأخوذون كالشخص الواحد فيكون تكذيب الاسلاف لأنبيائهم تكذيباً من الاخلاف لهم، وعدم إيمان الاخلاف أيضاً عدم إيمان من الاسلاف وهذا كما يذكر القرآن أهل الكتاب وخاصّة اليهود ثمّ يؤاخذ أخلافهم بما قدمته أيدى أسلافهم، وتنسب إلى لحقيّهم مظالم سابقيهم في آيات كثيرة فيكون المعنى: هو ذا البشر منذ خلقوا إلى اليوم جاءتهم رسلهم بالبيّنات فما كان يؤمن آخرهم بما كذّب به أوّلهم هذا.
وفيه: أنّه وإن كان في نفسه معنى صحيحاً لكنّ السياق لا يلائمه فالكلام مسوق لبيان حال الاُمم الغابرة كما يدلّ عليه قوله:( تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ) ولو كانوا مأخوذين على نعت الوحدة الممتدّة بامتداد أعصارهم حتّى يكون لها أول وآخر وصدر وذيل تكفر بآخرها وذيلها بما كذّبت به بأوّلها وصدرها كان من حقّ الكلام أن يدلّ على مثل هذا الاستمرار في قوله:( جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ) فيقال: كانت تأتيهم رسلهم بالبيّنات أو ما يؤدّى هذا المعنى لا بمثل قوله:( جَاءَتْهُمْ ) الظاهر في اعتبار الدفعة والمرّة فافهم ذلك.
وذلك كما في قوله تعالى:( كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ) المائدة: ٧٠، فمن المعلوم أنّه ربّما كان المكذّبون غير القاتلين، وقد نسب الجميع إلى مجتمع واحد لكن دلّ على استمرار مجئ الرسول، ونظيره قوله:( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ) التغابن: ٦، وكذا قوله في قصص الأنبياء بعد نوح:( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ ) يونس: ١٤، فإنّ مفاد قوله:( بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ ) بعثنا كلّ رسول إلى قومه.
٦ -: أنّ الباء في قوله:( بِمَا كَذَّبُوا ) سببية وما مصدريّة، والمراد بتكذيبهم من قبل ما اعتادوه من تكذيب الرسل أو كلّ حقّ واجههم، والمعنى: فما كانوا ليؤمنوا بسبب التكذيب الّذي تقدّم منهم للرسل أو لكلّ حقّ، بربّهم.
وفيه: أنّه محجوج بنظير الآية وهو قوله:( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ ) فإنّ وجود ضمير( بِهِ ) فيه دليل على أنّ ما موصولة. على أنّ ظاهر الآية أنّ الباء للتعدية، و( بِمَا ) متعلّقة بقوله:( لِيُؤْمِنُوا ) على أنّه بوجه راجع إلى الوجه الأوّل.
٧ -: أنّ المراد بما أشير إليه آخراً تكذيبهم الّذي أسرّوه يوم الميثاق والمعنى: فما كانوا ليؤمنوا عند دعوة الأنبياء في الدنيا بما كذّبوا به قبله يوم الميثاق.
وفيه أنّه معنى صحيح في نفسه غير أنّه من البطن دون الظهر الّذي عليه يدور التفسير، والدليل عليه قوله بعده:( كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ) فإنّه يصرّح بأنّ عدم إيمانهم كذلك إنّما كان بالطبع على قلوبهم، وإنّ الله طبع على قلوبهم بتكذيبهم السابق فلم يؤمنوا به عند الدعوة اللاحقة، والطبع لا يكون ابتدائيّا في الدنيا بل لجرم سابق فيها، وهذا أحسن شاهد على أنّ هذا التكذيب الّذي اُورث لهم الطبع على قلوبهم كان في الدنيا ثمّ الطبع أوجب لهم أنّ لا يؤمنوا بما كذّبوا به من قبل.
وفي هذا المعنى آيات أخر تدلّ على أنّ الطبع والختم الإلهيّ إنّما هو عن جرم سابق دنيويّ، وليس مجرّد سبق التكذيب في الميثاق ينتج الطبع الابتدائي في الدنيا فإنّه ممّا لا يليق به سبحانه البتّة، وقد قال:( يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦.
قوله تعالى: ( وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ) إلى آخر الآية، قال في المجمع : من عهد أي من وفاء بعهد كما يقال: فلان لا عهد له أي لا وفاء له بالعهد، وليس بحافظ للعهد (انتهى). ومن الجائز أن يراد بالعهد عهد الله الّذي عهده إليهم من ناحية آياته أو عهدهم الّذي عاهدوا الله عليه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ومن ناحية حاجة أنفسهم ودلالة عقولهم، قد ظهر معنى الاية ممّا تقدّم
( بحث روائي)
في الكافي بإسناده عن الحسين بن الحكم قال: كتبت إلى العبد الصالح اُخبره أنّي شاكّ وقد قال إبراهيم:( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ) فإنّي أحبّ أن تريني شيئاً من ذلك. فكتب إليه: أنّ إبراهيم كان مؤمناً وأحبّ أنّ يزداد إيماناً ، وأنت شاكّ والشاكّ لا خير فيه. وكتب: إنّما الشكّ ما لم يأت اليقين فإذا جاء اليقين لم يجز الشكّ.
وكتب: إنّ الله عزّوجلّ يقول:( وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ) قال: نزلت في الشاكّ.
أقول: وانطباقه على ما مرّ في البيان السابق ظاهر، وقد روى ذيل الحديث العيّاشيّ عن الحسين بن الحكم الواسطيّ وفيه: نزلت في الشكّاك.
( سورة الأعراف آية ١٠٣ - ١٢٦)
ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( ١٠٣ ) وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ( ١٠٤ ) حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( ١٠٥ ) قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( ١٠٦ ) فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ( ١٠٧ ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( ١٠٨ ) قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ( ١٠٩ ) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ( ١١٠ ) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ( ١١١ ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ( ١١٢ ) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ( ١١٣ ) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( ١١٤ ) قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ( ١١٥ ) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ( ١١٦ ) وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ( ١١٧ ) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١١٨ ) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ ( ١١٩ ) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ( ١٢٠ ) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( ١٢١ ) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ( ١٢٢ ) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( ١٢٣ ) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( ١٢٤ ) قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ( ١٢٥ ) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ( ١٢٦ )
( بيان)
شروع في قصص موسىعليهالسلام ، وقد خصّ بالذكر منها مجيئه إلى فرعون ودعواه الرسالة إليه لنجاة بنى إسرائيل وإتيانه بالآيتين اللّتين آتاه الله إيّاهما ليلة الطور، وهذه القصّة هي الّتي تشتمل عليها هذه الآيات ثمّ إجمال قصّته حين إقامته في مصر بين بني إسرائيل لإنجائهم، وما نزل على قوم فرعون من آيات الشدّة إلى أن أنجى الله بني إسرائيل، ثمّ تذكر قصّة نزول التوراة وعبادة بني إسرائيل العجل، ثمّ قصصاً متفرّقة من بني إسرائيل يعتبر بها المعتبر.
قوله تعالى: ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) إلى آخر الآية. في تغيير السياق في أوّل القصّة دلالة على تجدّد الاهتمام بأمر موسىعليهالسلام فإنّه من اُولي العزم صاحب كتاب وشريعة، وقد ورد الدين ببعثته في مرحلة جديدة من التفصيل بعد المرحلتين اللّتين قعطهما ببعثة نوح وإبراهيم (عليمها السلام) وفي لفظ الآيات شئ من الإشارة إلى تبدّل المراحل فقد قال تعالى أوّلاً :( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ ) ( وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ) ( وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ) فجرى على سياق واحد لأنّ هوداً وصالحاً كانا على شريعة نوح، ثمّ غيّر السياق فقال:( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ) لأنّ لوطاً من أهل المرحلة الثانية في الدين وهي مرحلة شريعة إبراهيم، وكان لوط على شريعته ثمّ عاد إلى السياق السابق في بدء قصّة شعيب، ثمّ غيّر السياق في بدء قصّة موسى بقوله:( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) لأنّه ثالث اُولي العزم صاحب كتاب جديد وشريعة جديدة، ودين الله وشرائعه وإن كان واحداً لا تناقض فيه ولا تنافي غير أنّه مختلف بالإجمال والتفصيل والكمال وزيادته بحسب تقدّم البشر تدريجاً من النقص إلى الكمال، واشتداد استعداده لقبول المعارف الإلهيّة عصراً بعد عصر إلى أن ينتهي إلى موقف علميّ هي أعلى المواقف
فيختتم عند ذلك الرسالة والنبوّة، ويستقرّ الكتاب والشريعة استقراراً لا مطمع بعده في كتاب جديد أو شريعة جديدة ولا يبقى للبشر بعد ذلك إلّا التدرّج في الكمال من حيث إنتشار الدين وانبساطه على المجتمع البشريّ واستيعابه لهم، وإلّا التقدّم من جهة التحقّق بحقائق المعارف، والترقّي في مراقي العلم والعمل الّتي يدعو إليها الكتاب، ويحرّض عليها الشريعة والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين.
فقوله تعالى:( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا ) إلى آخر الآية. إجمال لقصّة موسىعليهالسلام ثمّ يؤخذ في التفصيل من قوله:( وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ ) الآية، وإنّا وإن كنّا نسمّي هذه القصص بقصّة موسى وقصّة نوح وقصّة هود وهكذا فإنّها بحسب ما سردت في هذه السورة قصص الاُمم والاقوام الّذين اُرسل إليهم هؤلاء الرسل الكرام يذكر فيها حالهم فيما واجهوا به رسل الله من الإنكار والردّ، وما آل إليه أمرهم من نزول العذاب الإلهيّ الّذي أفنى جمعهم، وقطع دابرهم ولذلك ترى أنّ عامّة القصص المذكورة مختومة بذكر نزول العذاب وهلاك القوم.
ولا تنس ما قدّمناه في مفتتح الكلام أنّ الغرض منها بيان حال الناس في قبول العهد الإلهيّ المأخوذ منهم جميعاً ليكون إنذاراً للناس عامّة وذكرى للمؤمنين خاصّة، وأنّه الغرض الجامع بين ما في سورة( الم ) وما في سورة( ص ) من الغرض وهو الإنذارُ والذكرى.
فقوله:( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم ) أي من بعد من ذكروا من الأنبياء وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيبعليهمالسلام ( مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) إي إلى ملك مصر والاشراف الّذين حوله، و( فِرْعَوْنَ ) لقب كان يطلق على ملوك مصر كالخديو كما كان يلقّب بقيصر وكسرى وفغفور ملوك الروم وإيران والصين، ولم يصرّح القرآن، الكريم باسم هذا الفرعون الّذي اُرسل إليه موسى فأغرقه الله بيده.
وقوله:( بِآيَاتِنَا ) الظاهر أنّ المراد بها ما أتى به في أوّل الدعوة من إلقاء العصا فإذا هي ثعبان، وإخراج يده من جيبه فإذا هي بيضاء، والآيات الّتي أرسلها الله إليهم
بعد ذلك من الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم آيات مفصّلات، ولم ينقل القرآن الكريم لنبيّ من الأنبياء من الآيات الكثيرة ما نقله عن موسىعليهالسلام .
وقوله:( فَظَلَمُوا بِهَا ) أي بالآيات الّتي أرسل بها على ما سيذكره الله سبحانه في خلال القصّة، وظلم كلّ شئ بحسبه، وظلم الآيات إنّما هو التكذيب بها والإنكار لها.
وقوله:( فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) ذكر عاقبة الإفساد في الاعتبار بأمرهم لأنّهم كانوا يفسدون في الأرض ويستضعفون بني إسرائيل، وقد كان في متن دعوة موسى حين ألقاها إلى فرعون:( فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وفي سورة طه:( فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ) طه: ٤٧.
قوله تعالى: ( وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) شروع في تفصيل قصّة الدعوة كما تقدّمت الإشارة إليه، وقد عرّف نفسه بالرساله ليكون تمهيداً لذكر ما أرسل لأجله، وذكره تعالى باسمه ربّ العالمين أنسب ما يتصوّر في مقابلة الوثنيّين الّذين لا يرون إلّا أنّ لكلّ قوم إو لكلّ شأن من شؤون العالم وطرف من أطرافه ربّاً على حدة.
قوله تعالى: ( حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) إلى آخر الآية تأكيد لصدقه في رسالته أي أنا حريّ بأن أقول قول الحقّ ولا أنسب إلى الله في رسالتي منه إليك شيئا من الباطل لم يأمرني به الله سبحانه وقوله:( قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) في موضع التعليل بالنسبة إلى جميع ما تقدّم أو بالنسبة إلى قوله:( إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) لأنّه هو الأصل الّذي يتفرّع عليه غيره.
ولعلّ تعدية( حَقِيقٌ ) بعلى من جهة تضمينه معنى حريص أي حريص على كذا حقيقا به، والمعروف في اللغة تعدية حقيق بمعنى حريّ بالباء يقال: فلان حقيق بالإكرام أي حريّ به لائق.
وقرئ:( حَقِيقٌ عَلَىٰ ) بتشديد الياء والحقيق على هذا مأخوذ من حقّ عليه كذا أي وجب، و المعنى واجب عليّ أن لا أقول على الله إلّا الحقّ فالحقيق خبر ومبتداه قوله:
أن لا أقول، الآية والباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) الشرط في صدر الآية أعني قوله:( إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ ) يتضمّن صدقهعليهالسلام فإنّه إذا كان جائياً بآية واقعاً فقد صدق في أخباره بأنّه قد جاء بآية لكنّ الشرط في ذيل الآية تعريض يومئ به إلى أنّه ما يعتقد بصدقه في أخباره بوجود آية معه فكأنّه قال: إن كنت جئت بآية فأت بها وما أظنّك تصدق في قولك، فلا تكرار في الشرط.
قوله تعالى: ( فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ) الفاء جوابيّة كما قيل أي فأجابه بإلقاء عصاه، وهذه هي فاء التفريع والجواب مستفاد من خصوصيّة المورد. والثعبان الحية العظيمة ولا تنافي بين وصفه ههنا بالثعبان المبين وبين ما في موضع آخر من قوله تعالى:( فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ) القصص: ٣١، والجانّ هي الحيّة الصغيرة لاختلاف القصّتين كما قيل فإنّ ذكر الجانّ إنّما جاء في قصّة ليلة الطور وقد قال تعالى فيها في موضع آخر:( فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ) طه: ٢٠، وأمّا ذكر الثعبان فقد جاء في قصّة إتيانه لفرعون بالآيات حين سأله ذلك.
قوله تعالى: ( وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ) إي نزع يده من جيبه على ما يدلّ عليه قوله تعالى:( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) طه: ٢٢، وقوله:( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) القصص: ٣٢.
والأخبار وإن وردت فيها أنّ يدهعليهالسلام كانت تضئ كالشمس الطالعة عند ارادة الاعجاز بها لكنّ الآيات لا تقصّ أزيد من أنّها كانت تخرج بيضاء للناظرين إلّا أنّ كونها آية معجزة تدلّ على أنّها كانت تبيضّ ابيضاضاً لا يشكّ الناظرون في أنّها حالة خارقة للعادة.
قوله تعالى: ( قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) لم يذكر تعالى ما قاله فرعون عند ذلك، وإنّما الّذي ذكر محاورة الملإ بعضهم بعضا كأنّهم في مجلس مشاورة يذاكر بعضهم بعضاً ويشير بعضهم إلى ما يراه ويصوّبه آخرون فيقدّمون ما صوّبوه من رأي إلى فرعون ليعمل به فهم لمّا تشاوروا في أمر موسى وما شاهدوه من آياته المعجزة
قالوا:( إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) وإذا كان ساحراً غير صادق فيما يذكره من رسالة الله سبحانه فإنّما يتوسّل بهذه الوسيلة إلى نجاة بني إسرائيل واستقلالهم في أمرهم ليتأيّد بهم ثمّ يخرجكم من أرضكم ويذهب بطريقتكم المثلى فماذا تأمرون به في إبطال كيده، وإخماد ناره الّتي أوقدها؟ أمن الواجب مثلاً أن يقتل أو يصلب أو يسجن أو يعارض بساحر مثله؟.
فاستصوبوا آخر الآراء، وقدموه إلى فرعون أن أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكلّ ساحر عليم.
ومن ذلك يظهر أنّ قوله تعالى:( فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) حكاية ما قاله بعض الملإ لبعض وقوله:( قَالُوا أَرْجِهْ ) الخ، حكاية ما قدّموه من رأي الجميع إلى فرعون وقد اتّفقوا عليه، وقد حكى الله سبحانه في موضع آخر من كلامه هذا القول بعينه من فرعون يخاطب به ملأه قال تعالى:( قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ) الشعراء: ٣٧.
ويظهر ممّا في الموضعين أنّهم إنّما شاوروا حول ما قاله فرعون ثمّ صوّبوه ورأوا أن يجيبه بسحر مثل سحره، وقد حكى الله أيضاً هذا القول عن فرعون يخاطب به موسى حتّى بالّذي أشار إليه الملأ من معارضة سحره بسحر آخر مثله إذ قال:( قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ ) طه: ٥٨، ولعلّّ ذلك محصّل ما خرج من مشاورتهم حول ما قاله فرعون بعد ما قدّم إلى فرعون مخاطب به موسى من قبل نفسه.
وللملإ جلسة مشاورة اُخرى أيضاً بعد قدوم السحرة إلى فرعون ناجى فيها بعضهم بعضا بمثل ما في هذه الآيات قال تعالى:( فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ ) طه: ٦٣.
فتبيّن أنّ أصل الكلام لفرعون ألقاه إليهم ليتشاوروا فيه ويروا رأيهم فيما يفعل
به فرعون فتشاوروا وصدّقوا قوله وأشاروا بالإرجاء وجمع السحرة للمعارضة فقبله ثمّ ذكره لموسى ثمّ اجتمعوا للمشاورة والمناجاة ثانياً بعد مجئ السحرة واتّفقوا أن يجتمعوا عليه ويعارضوه بكلّ ما يقدرون عليه من السحر صفّاً واحدا.
قوله تعالى: ( يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) أي يريد أن يتأيّد ببني إسرائيل فيتملّك مصر، ويبطل استقلالكم ويخرجكم من أرضكم، وكثيراً ما كان يتّفق في الاعصار السابقة أن يهجم قوم على قوم فيتغلّبوا عليهم فيشغلوا أرضهم ويتملّكوا ديارهم فيخرجوهم منها ويشرّدوهم في الأرض.
قوله تعالى: ( قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ) إلى آخر الآية التالية. أرجه بسكون الهاء أمر من الإرجاء بمعنى التأخير والهاء للسكت إي أخّره وأخاه ولا تعجل لهما بشرّ كالقتل ونحوه حتّى ترمى بظلم أو قسوة ونحوهما بل ابعث في المدائن من جنودك حاشرين يجمعون السّحرة فيأتوك بهم ثمّ عارض سحر موسى بسحر السحرة.
وقرئ: أرجه بكسر الجيم والهاء وأصله أرجئه قلبت الهمزة ياءً ثمّ حذفت، والهاء ضمير راجع إلى موسى، وأخوه هو هارونعليهمالسلام .
قوله تعالى: ( وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا ) إلى آخر الآية التالية أي فأرسل حاشرين فحشروهم وجاء السحرة كلّ ذلك محذوف للإيجاز.
وقولهم:( إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا ) سؤال للأجر جئ به في صورة الخبر للتأكيد، وإفادةُ الطلب الإنشائيّ في صورة الإخبار شائع، ويمكن أن يكون استفهاماً بحذف أداته، ويؤيّده قراءه ابن عامر:( إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا ) وقوله:( قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) إجابة لمسؤلهم مع زيادة وعدهم بالتقريب.
قوله تعالى: ( قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ) خيّروه بين أن يكون هو الملقي بعصاه وبين أن يكونوا هم الملقين لما أعدّوه من الحبال والعصيّ وهذا التخيير في مقام استعدّوا لمقابلته، ولا محالة يفيد التخيير في الابتداء بالإلقاء فمعناه إن شئت ألق عصاك أوّلاً وإن شئت ألقينا حبالنا وعصّينا أوّلاً.
وفيه نوع من التجلّد لدلالته على أنّهم لا يبالون بأمره سواء ألقى قبلهم أو بعدهم فلا يهابونه على أيّ حال لوثوقهم بأنّهم هم الغالبون ولا يخلو التخيير مع ذلك عن نوع من التأدّب.
قوله تعالى: ( قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ) إلى آخر الآية، السحر ههنا نوع تصرّف في حاسّة الإنسان بإدراك أشياء لا حقيقة لها في الخارج وقد تقدّم الكلام فيه في تفسير قوله:( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) البقرة: ١٠٢ في الجزء الأوّل من الكتاب، والاسترهاب الإخافة، ومعنى الآية ظاهر، وقد عدّ الله فيها سحرهم عظيما.
قوله تعالى: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ ) إلى آخر الآيتين، أن تفسيريّة واللقف واللقفان تناول الشئ بسرعة، و الإفك هو صرف الشئ عن وجهه ولذا يطلق على الكذب، وفي الآية وجوه من الإيجاز ظاهرة، والتقدير: وأوحينا إلى موسى بعد ما ألقوا أن ألق عصاك فألقاها فإذا هي حيّة وإذا هي تلقف ما يأفكون.
وقوله:( فَوَقَعَ الْحَقُّ ) فيه استعارة بالكناية بتشبيه الحقّ بشئ كأنّه معلّق لا يعلم عاقبة حاله أيستقرّ في الأرض بالوقوع عليها والتمكّن فيها أم لا؟ فوقع واستقرّ( وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) من السحر.
قوله تعالى: ( فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ ) أي غلب فرعون وأصحابه( هُنَالِكَ ) أي في ذلك المجمع العظيم الّذي تهاجم عليهم فيه الناس من كلّ جانب ففي لفظ( هُنَالِكَ ) اشارة إلى ذلك وهو للبعيد،( وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ ) أي عادوا وصاروا أذلّاء مهانين.
قوله تعالى: ( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ) أبهم فاعل الإلقاء في قوله:( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ) وهو معلوم فإنّ السحرة هم الّذين ألقوا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين، وذلك للإشارة إلى كمال تأثير آية موسى فيهم وإدهاشها إيّاهم فلم يشعروا بأنفسهم حين ما شاهدوا عظمة الآية وظهورها عليهم إلّا وهم ملقون ساجدون فلم يدروا من الّذي أوقع بهم ذلك.
فاضطرتهم الآية إلى الخرور على الأرض ساجدين، والإيمان بربّ العالمين الّذي اتّخذه موسى وهارون، وفي ذكر موسى وهارون دلالة على الإيمان بهما مع الإيمان بربّ العالمين.
وربّما قيل: إنّ بينهم ربّ العالمين بربّ موسى وهارون لدفع توهّم أن يكون إيمانهم لفرعون فإنّه كان يدعى أنّه ربّ العالمين فلمّا بيّنوه بقولهم( رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ) ولم يأخذا فرعون ربّاً اندفع ذلك التوهّم، ولا يخلو عن خفاء فإنّ الوثنيّة ما كانت تقول بربّ العالمين بحقيقة معناه بمعنى من يملك العالمين ويدبّر أمر جميع أجزائها بالاستقامة بل قسموا أجزاء العالم وشؤونها بين أرباب شتّى، وإنّما أعطوا الله سبحانه مقام إله الآلهة وربّ الأرباب لا ربّ الأرباب ومربوبيها.
والّذي ادّعاه فرعون لنفسه على ما حكاه الله من قوله:( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ) النازعات: ٢٤، إنّما هو العلوّ من جهة القيام بحاجة الناس - وهم أهل مصر خاصّة - عن قرب واتّصال لا من جهة القيام بربوبيّة جميع العالمين، ومع ذلك كلّه قد أحاطت الخرافات على الوثنيّة بحيث لا يستبعد أن يتفوّهوا بكون فرعون ربّ العالمين وإن خالف اُصول مذاهبهم قطعاً.
قوله تعالى: ( قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) إلى آخر الآيتين خاطبهم فرعون بقوله:( آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) تأنّفاً واستكباراً، وهو إخبار يفيد بحسب المقام والإنكار والتوبيخ، ومن الجائز أن يكون استفهاماً إنكاريّاً أو توبيخيّاً محذوف الأداة.
وقوله :( إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ ) الآية يتّهمهم بالمواطاة والمواضعة في المدينة يريد أنّهم لمّا اجتمعوا في مدينته بعد ما حشرهم الحاشرون من مدائن مختلفة شتّى فجاءوا بهم إليه ولقوا موسى أجمعوا على أن يمكروا بفرعون وأصحابه فيتسلّطوا على المدينة فيخرجوا منها أهلها، وذلك لأنّهم لم يشاهدوا موسى قبل ذلك فلو كانوا تواطؤا على شئ فقد كان ذلك بعد اجتماعهم في مدينته.
أنكر عليهم إيمانهم بقوله:( آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) ثمّ اتّهمهم بأنّهم
تواطؤا جميعاً على المكر ليخرجوا أهل المدينة منها بقوله:( إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ ) الخ ليثبت لهم جرم الإفساد في الأرض المبيح له سياستهم وتنكيلهم بأشدّ العقوبات.
ثمّ هدّدهم بقوله:( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ثمّ بيّنه وفصله بقوله:( لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) فهدّدهم تهديداً أكيداً أوّلاً بقطع الأيدي والأرجل من خلاف وهو أن يقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى وبالجملة قطع كلّ من اليد والرجل من خلاف الجهة الّتي قطعت منها الاُخرى.
وثانياً بالصلب وهو شدّ المجرم بعد تعذيبه على خشبة ورفع الخشبة باثبات جانبه على الأرض ليشاهده الناس فيكون لهم عبرة، وقد تقدّم تفصيل بينه في قصص المسيحعليهالسلام في تفسير سورة آل عمران.
قوله تعالى: ( قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ) إلى آخر الآيات. جواب السحرة وهم القائلون هذا المقال وقد قابلوه بما يبطل به كيده، وتنقطع به حجّته، وهو أنّك تهدّدنا بالعذاب قبال ما تنقم منّا من الإيمان بربّنا ظنّاً منك أنّ ذلك شرّ لنا من جهة انقطاع حياتنا به وما نقاسيه من ألم العذاب، وليس ذلك شرّاً فإنّا نرجع إلى ربّنا، ونحيا عنده بحياة القرب السعيدة، ولم نجترم إلّا ما تعدّه أنت لنا جرماً وهو إيماننا بربّنا فما دوننا إلّا الخير.
وهذا معنى قوله:( قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ) وهو إيمان منهم بالمعاد( وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ) وعدّوا أمر العصا - على الظاهر - آيات كثيرة لاشتماله على جهات كلّ منها آية كصيرورتها ثعباناً، ولقفها حبالهم وعصيّهم واحداً بعد واحد، ورجوعها إلى حالتها الاُولى.
والنقم هو الكراهة والبغض يقال : نقم منه كذا ينقم من باب ضرب وعلم: إذا كره وأبغض.
ثمّ أخذتهم الجذبة الإلهيّة من غير أن يذعروا ممّا هدّدهم به، واستغاثوا بربّهم على ما عزم به من تعذيبهم وقتلهم فسألوه تعالى قائلين:( رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا - على ما
يريد أن يوقع بنا من العذاب الشديد- وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) إن قتلنا.
وفي إطلاق الإفراغ على إعطاء الصبر استعارة بالكناية فشبّهوا نفوسهم بالآنية والصبر بالماء، وإعطاءه بإفراغ الإناء بالماء وهو صبّه فيه حتّى يغمره، وإنّما سألوا ذلك ليفيض الله عليهم من الصبر ما لا يجزعون به عند نزول أي عذاب وألم ينزل بهم.
وقد جاؤا بالعجب العجاب في مشافهتهم هذه مع فرعون وهو الجبّار العنيد الّذي ينادي( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ) ويعبده ملك مصر فلم يذعرهم ما شاهدوا من قدرته وسطوته فعربوا عن حجّتهم بقلوب مطمئنة، ونفوس كريمة، وعزم راسخ، وإيمان ثابت، وعلم عزيز، وقول بليغ، وإن تدبّرت ما حكاه الله سبحانه من مشافهتهم ومحاورتهم فرعون في موقفهم هذا في هذه السورة وفي سورتي طه والشعراء أرشدك ما في خلال كلامهم من الحجج البالغة إلى علوم جمّة، وحالات روحيّة شريفة، وأخلاق كريمة، ولولا محذور الخروج عن طور هذا الكتاب لأوردنا شذرة منها في هذا المقام فلينتظر إلى حين.
( بحث روائي)
ما قصّه الله في كتابه من قصّة مجئ موسى بما آتاه الله من الرساله، وأيّده به من آيتي العصا واليد البيضاء، ومعه أخوه هارون إلى فرعون وإتيانه بالآيتين ثمّ جمع فرعون للسحرة ومعارضته بسحرهم، وإظهار الله آية موسى على سحرهم، وإيمان السحرة لا يجاوز ما ذكر في هذه الآيات إجمالا.
وقد اشتملت الروايات الوارادة من طرق الشيعة أو طرق أهل السنّة على هذه المعاني غير أنّها تشتمل مع ذلك من تفاصيل القصّة على اُمور عجيبة لم يتعرّض لها كتاب الله كما ورد: أنّ عصا موسى كان من آس الجنّة، وأنّها كانت عصا آدم وصلت إلى شعيب ثمّ أعطاها موسى، وفي بعض الروايات أنّها كانت عصا آدم أعطاها ملك لموسى حين توجّه إلى مدين فكانت تضئ له باللّيل، ويضرب بها الأرض في النهار فيخرج له رزقه وفي بعضها: أنّها كانت تنطق إذا استنطقت، وكانت إذا صارت ثعباناً عند فرعون بعد ما بين لحييه اثنا عشر
ذراعاً، وروي أربعون ذراعاً وفي بعضها ثمانون ذراعاً وأنّها ارتفعت في السماء ميلاً، وفي بعضها أنّها وضعت أحد مشفريها على الأرض والآخر على سور قصر فرعون، وفي بعضها : أنّها أخذت قبّة فرعون بين أنيابها، وحملت على الناس فانهزموا مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً، وفي بعضها: أنّها كانت ثمانون ذراعاً، وفي بعضها: أنّها كانت في العظم كالمدينة، وفي الرواية: أنّ فرعون أحدث في ثيابه من هول ما رأى، وفي بعضها أنّه أحدث في ذلك اليوم أربع مأة مرّة، وفي بعضها: أنّه استمرّ معه داء البطن حتّى غرق، وفي الروايات أنّهعليهالسلام كان إذا أخرج يده من جيبه كان يغلب نورها نور الشمس.
وفي الرواية: أنّ السحرة كانوا سبعين رجلا، وفي بعضها: ستّمأة إلى تسعمأة وفي بعضها: اثني عشر ألفا، وفي بعضها خمسة عشر ألفاً، وفي بعضها سبعة عشر ألفاً، وفي بعضها تسعة عشر ألفاً، وفي بعضها بضعة وثلاثين ألفاً، وفي بعضها سبعين ألفاً، وفي بعضها ثمانين ألفا.
وفي الرواية: أنّهم كانوا أخذوا السحر من رجلين مجوسيّين من أهل( نينوى) وفيها: أنّه كان اسم رئيسهم شمعون، وفي بعضها: يوحنّا، وفي بعضها أنّه كان لهم رؤساء أربعة أسماؤهم: سابور، وعازور، وحطحط، ومصفى.
وكذا ورد في نفس فرعون: أنّ اسمه الوليد بن المصعب بن الريّان، وأنّه كان من أهل اصطخر فارس، وفي بعضها: أنّه من أبناء مصر، وفي بعضها: أنّ فرعون هذا هو فرعون يوسف عاش أربعماة سنة ولم يشب ولا ابيضّ منه شعر.
وفي بعضها: أنّه بنى مدائن يتحصّن فيها من موسى، وجعل فيما بينها آجام وغياض، وجعل فيها الاُسد ليتحصّن بها من موسى فلمّا بعث الله موسى إلى فرعون دخل المدينة فلمّا رآه الاُسد تبصبصت وولّت مدبرة، ثمّ لم يأت مدينة إلّا انفتح له بابها حتّى انتهى إلى قصر فرعون الّذي هو فيه.
قال: فقعد على بابه، وعليه مدرعة من صوف ومعه عصاه فلمّا خرج الآذن قال : استأذن لي على فرعون فلم يلتفت إليه قال: فقال له موسى: أنا رسول ربّ العالمين فلم يلتفت إليه قال: فمكث بذلك ما شاء الله يسأله أن يستأذن له قال: فلمّا أكثر عليه قال: أما
وجد ربّ العالمين من يرسله غيرك؟.
قال: فغضب موسى فضرب الباب بعصاه فلم يبق بينه وبين فرعون باب إلّا انفتح حتّى نظر إليه فرعون وهو في مجلسه فقال: أدخلوه قال: فدخل عليه وهو في قبّة له مرتفعة كثيرة الارتفاع ثمانون ذراعاً فقال: أنا رسول ربّ العالمين إليك. قال: فقال: فأت بآية إن كنت من الصادقين، قال: فألقى عصاه وكان له شعبتان. قال: فأذا هي حيّة قد وقع إحدى الشعبتين على الأرض والشعبة الاُخرى في أعلى القبّة. قال: فنظر فرعون جوفها وهي تلهب نيرأنا. قال: وأهوى إليه فأحدث وصاح يا موسى خذها.
إلى غير ذلك ممّا يشتمل عليه الروايات من العجائب في هذه القصّة وأغلبها اُمور سكت عنها القرآن لا سبيل إلى ردّ أغلبها إلّا الاستبعاد، ولا إلى قبولها إلّا حسن الظنّ بكلّ رواية مرويّة، وهي ليست بمتواتره ولا محفوفة بقرائن قطعيّة بل جلّها مراسيل أو موقوفة أو ضعيفة من سائر جهات الضعف على ما بينها من التعارض فالغضّ عنها أولى.
( سورة الأعراف آية ١٢٧ - ١٣٧)
وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ( ١٢٧ ) قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( ١٢٨ ) قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( ١٢٩ ) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( ١٣٠ ) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( ١٣١ ) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( ١٣٢ ) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ( ١٣٣ ) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( ١٣٤ ) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ( ١٣٥ ) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ( ١٣٦ ) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ( ١٣٧ )
( بيان)
الآيات تشتمل على إجمال ما جرى بينهعليهالسلام وبين فرعون وقومه أيّام إقامة موسى بينهم بعد القيام بالدعوة يدعوهم إلى الله وإلى إطلاق بني إسرائيل ويأتيهم بالآية بعد الآية حتّى أنجاه الله تعالى وقومه، وأغرق فرعون وجنوده، واُورث بني إسرائيل الأرض المباركة مشارقها ومغاربها.
قوله تعالى: ( وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ ) إلى آخر الآية. هذا إغراء منهم لفرعون وتحريض له أن يقتل موسى وقومه، ولذلك ردّ فرعون قولهم بأنّه لا يهمّنا قتلهم فإنّا فوقهم قاهرون على أيّ حال بل سنعيد عليهم سابق عذابنا فنقتّل أبناءهم ونستحيي نساءهم، ولو كان ما سألوا مطلق تعذيبهم غير القتل لم يقع قوله:( وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) موقعه ذلك الوقوع.
وقولهم:( وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) تأكيد لتحريضهم إيّاه على قتلهم، والمعنى أنّ موسى يتركك وآلهتك فلا يعبدكم مع ما يفسد هو وقومه في الأرض وفيه دلالة على أنّ فرعون كما كان يدّعى الاُلوهيّة، ويستعبد الناس لنفسه كان يعبد آلهة أخرى، وهو كذلك والتاريخ يثبت نظائر لذلك في الاُمم السالفة، وقد نقل: أنّ عظماء البيوت وسادات القوم في الروم وممالك اُخرى غيرها كان يعبدهم مرؤسوهم من بيتهم وعشائرهم وهم أنفسهم كانوا يعبدون آباءهم الأوّلين وأصناماً اُخرى غيرهم كما يعبدهم ضعفاؤهم، وأيضاً بين الأرباب الّتي تعبدها الوثنيّة ما هو ربّ لغيره من الأرباب أو ربّ لربّ آخر كربوبيّة الأب والاُمّ للابن وغير ذلك.
إلّا أنّ قوله لقومه فيما حكاه الله سبحانه:( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ) النازعات: ٢٤، وقوله:( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) القصص: ٣٨، ظاهر في أنّه كان لا يتّخذ لنفسه
ربّاً، وكان يأمر قومه أن لا يعبدوا إلّا إيّاه، ولذلك قال بعضهم: إنّه كان دهريّاً لا يعترف بصانع ويأمر قومه بترك عبادة الآلهة مطلقاً، وقصر العبادة فيه، ولذلك قرأ بعضهم - على ما قيل -( وَآلِهَتَكَ ) بكسر الهمزة وفتح اللام وإثبات الألف بعدها كالعبادة وزناً ومعنى.
لكنّ الأوجه أنّه كان يريد بقوله:( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) نفى إله يخصّ قومه القبطيّين يملكهم ويدبّر اُمورهم غير نفسه كما هو المعهود من عقائد الوثنيّين أنّ لكلّ صنف من أصناف الخلائق كالسماء والأرض والبرّ والبحر وقوم كذا، أو من أصناف الحوادث والاُمور كالسلم والحرب والحبّ والجمال ربّاً على حدة، وإنّما كانوا يعبدون من بينها ما يهمّهم عبادته كعبادة سكّان سواحل البحار ربّ البحر والطوفان.
فمعنى كلامه أنّي أنا ربّكم معاشر القبطيّين لا ما اتّخذه موسى وهو يدّعي أنّه ربّكم أرسله إليكم، ويؤيّد ما ذكرناه ما احتفّ به من القرينة بقوله:( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) فإنّه تعالى يقول:( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) القصص: ٣٨، فظاهرها أنّه كان يشكّ في كونه إلهاً لموسى، وأنّ معنى قوله:( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) نفي العلم بوجود إله غيره لا العلم بعدم وجود إله غيره، وبالجملة فكلامه لا ينفي إلهاً غيره.
وأمّا احتمال كون فرعون دهريّاً غير قائل بوجود الصانع فالظاهر أنّه الّذي يوجد في كلام الرازيّ قال في التفسير الكبير ما لفظه:
الّذي يخطر ببالي أنّ فرعون إن قلنا: إنّه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال الرسول إليه، وإن كان عاقلاً لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالق السماوات والأرض، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك لأنّ فساده معلوم بضرورة العقل.
بل الأقرب أن يقال: إنّه كان دهريّاً ينكر وجود الصانع، وكان يقول: مدبّر هذا العالم السفليّ هو الكواكب، وأمّا المجدي في هذا العالم للخلق ولتلك الطائفة والمربّي
لهم فهو نفسه فقوله:( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ) أي مربّيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وقوله:( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) أي لا أعلم لكم أحداً يجب عليكم عبادته إلّا أنا.
و إذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنّه كان قد اتّخذ أصناماً على صور الكواكب ويعبدها ويتقرّب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب، وعلى هذا التقدير فلا امتناع في حمل قوله تعالى:( وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) على ظاهره فهذا ما عندي في هذا الباب انتهى.
وقد أخطأ في ذلك فليس معنى الاُلوهيّة والربوبيّة عند الوثنيّين وعبدة الكواكب خالقيّة السماوات والأرض بل تدبير شئ من اُمور العالم كما احتمله خيراً، ولا في الدهريّين من يعبد الكواكب، ولا في الصابئين وعبدة الكواكب من ينكر وجود الصانع.
بل الحقّ أنّ فرعون - كما تقدّم - كان يرى نفسه ربّاً لمصر وأهله، وكان إنّما ينكر كونهم مربوبي إله آخر على قاعدتهم لا أنّهم أو غيرهم من العالم ليسوا مخلوقين لله سبحانه.
وقوله تعالى( قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) وعد منه للملإ من قومه أن يعيد إلى بني إسرائيل تعذيبه السابق وهو قتل أبنائهم واستحياء نسائهم واستبقاؤهنّ للخدمة، وعقبه بقوله:( وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) وهو تطييب قلوبهم وإسكان ما في نفوسهم من الاضطراب والطيش.
قوله تعالى: ( قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ) إلى آخر الاية. وهذا من موسىعليهالسلام بعثٌ لبني إسرائيل واستنهاض لهم على الاستعانة بالله على مقصدهم وهو التخلّص من إسارة آل فرعون واستعبادهم ثمّ بعث على الصبر على شدائد يهدّدهم بها فرعون من ألوان العذاب، والصبر هو رائد الخير وفرط كلّ فرج، ثمّ علل ذلك بقوله:( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ ) .
ومحصّله أنّ فرعون لا يملك الأرض حتّى يمنحها من يشاء، ويمنع من التمتّع بها من يشاء بل هي لله يورثها من يشاء وقد جرت السنّة الإلهيّة أن يخصّ بحسن
العاقبة من يتّقيه من عباده فإنّ استعنتم بالله وصبرتم في ذات الله على ما يهدّدكم من الشدائد - وهو التقوى - اُورثكم الأرض الّتي ترونها في أيدي آل فرعون.
ولذلك عقّب قوله:( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ ) الآية بقوله:( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) العاقبة ما يعقّب الشئ كالبادئة لما يبدء بالشئ، وكون العاقبة مطلقاً للمتّقين من جهة أنّ السنّة الإلهيّة تقضي بذلك وذلك أنّه تعالى نظم الكون نظماً يؤدّى كلّ نوع إلى غاية وجوده وسعادته الّتي خلق لأجلها فإن جرى على صراطه الّذي ركب عليه، ولم يخرج عن خط مسيره الّذي خط له بلغ غاية سعادته لا محالة، والإنسان الّذي هو أحد هذه الأنواع أيضاً حالة هذا الحال أنّ جرى على صراطه الّذي رسمته له الفطرة واتّقى الخروج عنه والتعدّي منه إلى غير سبيل الله بالكفر بآياته والإفساد في أرضه هداه الله إلى عاقبته الحسنة، وأحياه الحياة الطيّبة، وأرشده إلى كلّ خير يبتغيه.
قوله تعالى:( قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) الإتيان والمجئ في الآية بمعنى واحد، والاختلاف في التعبير للتفنّن، وما قيل إنّ المعنى من قبل أن تأتينا بالآيات ومن بعد ما جئتنا لا دليل على ما فيه من التقدير. على أنّ غرضهم إظهار أنّ مجئ موسى وقد وُعدوا أنّ الله ينجيهم بيده من مصيبة الإسارة وهاوية المذلّة لم يؤثّر أثره فإنّ الأذى الّذي كانوا يحمّلونه ويؤذون به على حاله، ولا تعلّق لغرضهم بأنّه أتاهم بالآيات البتّة. وهذا الكلام شكوى منهم يبثّونها إلى موسىعليهالسلام .
قوله تعالى: ( قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) وهذا جواب من موسى عن قولهم:( أُوذِينَا ) الخ، يسلّيهم به ويعزّيهم بالرجاء وهو في الحقيقة تكرار لقوله السابق:( استعينوا بالله واصبروا إنّ الأرض لله ) الآية. كأنّه يقول: ما أمرتكم به أن اتّقوا الله في سبيل مقصدكم كلمة حيّة ثابتة فإن عملتم بها كان من المرجوّ أن يهلك الله عدوّكم، ويستخلفكم في الأرض بإيراثكم إيّاها ولا يصطفيكم بالاستخلاف اصطفاءً جزافاً، ولا يكرمكم إكراماً مطلقاً من غير شرط ولا قيد بل ليمتحنكم بهذا الملك ويبتليكم بهذا التسليط والاستخلاف فينظر كيف تعملون، قال تعالى:( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ )
آل عمران: ١٤٠.
وهذا ممّا يخطّئ به القرآن ما يعتقده اليهود من كرامتهم على الله كرامة لا تقبل عزلاً، ولا تحتمل شرطاً ولا قيداً، والتوراة تعدّ شعب إسرائيل شعب الله الّذي لهم الأرض المقدّسة كأنّهم ملكوها من الله سبحانه ملكاً لا يقبل نقلاً ولا إقالة.
قوله تعالى: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ ) السنون جمع سنة وهي القحط والجدب، وكأنّ أصله سنة القحط ثمّ قيل: السنة إشارة إليها ثمّ كثر الاستعمال حتّى تعيّنت السنة لمعنى القحط والجدب.
والله سبحانه يذكر في الآية - ويقسم - أنّه أخذ آل فرعون وهم قومه المختصّون به من القبطيّين بالقحوط المتعدّدة ونقص من الثمرات لعلّهم يذّكّرون.
وهما نوعان من الآيات الّتي أرسلها الله إلى آل فرعون، وظاهر السياق أنّه أرسل ما أرسل منهما فصلاً فصلاً، ولذا جمع السنين ولا يصدق الجمع إلّا مع الفصل بين سنة وسنة. على أنّه يقول:( فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ ) الآية وظاهره الحسنة الّتي بعد السيّئة ثمّ السيّئة الّتي بعد هذه الحسنة.
قوله تعالى: ( فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ ) إلى آخر الآية. كانوا إذا جاءهم الخصب ووغفور النعمة وسعة الرزق بعد ارتفاع السنة ونقص الثمرات قالوا:( لَنَا هَذِهِ ) يريدون به الاختصاص وإنّما قلنا: إنّهم كانوا يقولون ذلك بعد ارتفاع السنة ونقص الثمرات لأنّ الإنسان بحسب الطبع لا ينتقل إلى ذكر النعمة بما هي نعمة، ولا يتنبّه لقدرها إلّا بعد مشاهدة النقمة الّتي هي خلافها، ولا داعي يدعو آل فرعون إلى ذكر النعمة الحسنة وتخصيصها بأنفسهم لولا أنّهم رأوا خلافها وعدّوه أمرا بدعاً لم يكونوا رأوه قبل ذلك فاطّيّروا بموسى ومن معه ثمّ إذا بدّلت السيّئة حسنة عدوّها لأنفسهم فالتطيّر عند السيّئة بحسب الوقوع قبل قولهم في الحسنة: لنا هذه وإن كان الأمر بحسب الطبع على خلاف ذلك بمعنى أنّهم لولم يزعموا ولم يرتكز في نفوسهم من اعتيادهم بالرفاهية ووفور النعمة والخصب أنّهم مخصوصون بذلك يملكونه لم يتطيّروا بموسى عند نزول المصيبة عليهم فإنّ من لم تروّحه الراحة والعافية لا يتحرّج عن خلافهما.
ولعلّ هذا هو الوجه في تقديمه تعالى اغترارهم بالنعمة قبل تطيّرهم عند النقمة ثمّ ذكر الحسنة بكلمة( إِذَا ) والسيّئة بلفظة( إِن ) حيث قال:( فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ) فقد جعل مجئ الحسنة كالأصل الثابت فذكره بإذا والتعريف بلام الجنس، ثمّ ذكر إصابه السيّئة بطريق الشرط، ونكر السيّئة ليدلّ على ندرتها وكونها اتّفاقيّة.
والتطيّر مشتقّ من الطيّر باعتبار اشتماله على نسبة من النسب، وهي نسبة التشؤّم فإنّهم كانوا يتشأمّون ببعض الطيور كالغراب فاشتقّ منه ما يفيد معنى التشؤّم وهو التطيّر ومعناه التشؤّم بالطير حتّى سمّي مطلق النصيب أو النصيب من الشرّ والشأمة طائراً.
فقوله تعالى:( أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) معناه أن نصيبهم من الشرّ والشؤم الّذي يحقّ به أن يسمّى نصيب الشرّ وهو العذاب، هو عند الله، ولكنّ أكثرهم لا يعلمون لظنّهم أنّ ما تجنيه أيديهم يفوت ويزول ولا يحفظ عليهم.
وربّما يذكر للطائر في الآية معان اُخر ككتاب الأعمال الّذي سمّاه الله طائراً وغير ذلك لكنّ الأنسب بالسياق هو الّذي تقدّم.
قوله تعالى: ( وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) مهما من أسماء الشرط معناه أيّ شئ، وقولهم هذا إياس منهم لموسى من أن يؤمنوا به وإن أتى بأيّ آية وفي قولهم:( مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا ) استهزاء به حيث سمّوها آية وجعلوا غرضه منها أن يسحرهم أي إنّك تأتينا بالسحر وتسمّيها آية.
قوله تعالى: ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ ) الآية. الطوفان على ما قاله الراغب - كلّ حادثة تحيط بالإنسان، وصار متعارفاً في الماء المتناهي في الكثرة، وفي المجمع: أنّه السيل الّذي يعمّ بتغريقه الأرض وهو مأخوذ من الطوف فيها (انتهى).
والقمّل بالضمّ والتشديد قيل: كبار القردان، وقيل: صغار الذباب وبالفتح فالسكون معروف، والجراد والضفادع والدم معروفة.
والتفصيل تفريق الشئ إلى أجزاء مفصولة منفصلة بعضها عن بعض، ولازم ذلك
تميّز كلّ بعض وظهوره في نفسه فقوله:( آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ ) يدلّ على أنّها أرسلت إليهم لا مجتمعة ودفعة بل متفرّقة منفصلة بعضها عن بعض ظاهره في أنّها آيات إلهيه مقصودة غير اتّفاقيّة ولا جزافيّة.
ومن الدليل على كون المفصّلات بهذا المعنى قوله في الآية التالية:( وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا ) الآية. الظاهر أنّ الآية كانت تأتيهم عن إخبار من موسى وإنذار ثمّ إذا نزلت بهم ودهمتهم التجؤوا إليه فسألوه أن يدعو لهم لتنكشف عنهم، وأعطوه عهداً إن كشفت عنهم آمنوا به وأرسلوا معه بني إسرائيل فلمّا كشفت نكثوا ونقضوا وعلى هذا القياس.
قوله تعالى:( وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ) إلى آخر الآية. الرجز هو العذاب ويعني به العذاب الّذي كانت تشتمل عليه كلّ واحدة من الآيات المفصّلات فإنّها آيات عذاب ونكال وقوله:( بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ) على ما يؤيّده المقام أي بما التزم عندك أن لا يردّ دعاءك فيما تسأله، واللام عندئذ للقسم، والمعنى ادع لنا ربّك بالعهد الّذي له عندك.
وقوله:( لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) هو ما عاهدوا به موسى لكشف الرجز عنهم.
قوله تعالى: ( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ) النكث نقض العهد، وقوله:( إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ ) متعلّق بقوله:( كَشَفْنَا ) وهو يدلّ على أنّه كان يضمّ إلى معاهدة أجل مضروب كان يقول موسىعليهالسلام إنّ الله سيرفع العذاب عنكم بشرط أن تؤمنوا وترسلوا معى بني إسرائيل إلى أجل كذا، أو يقول آل فرعون ما يشابه هذا المعنى فلمّا كشف العذاب عنهم وحلّ الأجل المضروب نكثوا ونقضوا عهدهم الّذي عاهدوا الله وعاهدوا موسى عليه والباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) اليمّ البحر والباقي ظاهر.
قوله تعالى : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ) إلى
آخر الآية. الظاهر أنّ المراد بالأرض أرض الشام وفلسطين يؤيّده أو يدلّ عليه قوله بعد:( الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) فإنّ الله سبحانه لم يذكر بالبركة غير الأرض المقدّسة الّتي هي نواحي فلسطين إلّا ما وصف به الكعبة المباركة، والمعنى: اُورثنا بني إسرائيل وهم المستضعفون الأرض المقدّسة بمشارقها ومغاربها، وإنّما ذكرهم بوصفهم فقال: القوم الّذين كانوا يستضعفون ليدلّ على عجيب صنعه تعالى في رفع الوضيع، وتقوية المستضعف، وتمليكه من الأرض ما لا يقدر على مثله عدّة الّا كلّ قويّ ذو أعضاد وأنصار.
وقوله:( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ ) الآية يريد به ما قضاه في حقّهم أنّه سيورثهم الأرض ويهلك عدوّهم، وإليه اشارة موسىعليهالسلام في قوله لهم وهو يسلّيهم ويؤكّد رجاءهم:( عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ) ويشير سبحانه إليه في قوله:( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) القصص: ٥، وتمام الكلمة خروجها من مرحلة القوّة إلى مرحلة الفعليّة، وعلّل ذلك بصبرهم.
وقوله:( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ) الآية. أي أهلكنا ما كانوا يصنعونه وما كانوا يسقّفونه من القصور والأبنية وما كانوا يعرشونه من الكرم وغيره.
( بحث روائي)
في المجمع: قال ابن عبّاس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمّد بن إسحاق بن بشّار، ورواه عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهالسلام - دخل حديث بعضهم في بعض - قالوا: لمّا آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوباً وأبى هو وقومه إلّا الإقامة على الكفر قال هامان لفرعون: إنّ الناس قد آمنوا بموسى فأنظر من دخل في دينه فاحبسه فحبس كلّ من آمن به من بني إسرائيل فتابع الله عليهم بالآيات، وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات.
ثمّ بعث عليهم الطوفان فخرّب دورهم ومساكنهم حتّى خرجوا إلى البريّة وضربوا
الخيام، وامتلأت بيوت القبط ماءً، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وأقام على وجه أرضيهم لا يقدرون على أن يحرثوا فقالوا لموسى: ادع لنا ربّك أن يكشف عنّا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربّه فكشف عنهم الطوفان فلم يؤمنوا وقال هامان لفرعون: لئن خليّت بني إسرائيل غلبك موسى وأزال ملكك وأنبت الله لهم في تلك السنة من الكلاء والزرع والثمّر ما أعشبت به بلادهم وأخصبت فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصباً.
فأنزل الله عليهم في السنة الثانية - عن عليّ بن إبراهيم - وفي الشهر الثاني - عن غيره من المفسّرين - الجراد فجرّدت زروعهم وأشجارهم حتّى كانت تجرّد شعورهم ولحاهم، وتأكل الأثواب والثياب والأمتعة، وكانت لا تدخل بيوت بني إسرائيل ولا يصيبهم من ذلك شئ فعجّوا وضجّوا وجزع فرعون من ذلك جزعاً شديداً، وقال: يا موسى ادع لنا ربّك أن يكشف عنّا الجراد حتّى اُخلّي عن بني إسرائيل فدعا موسى ربّه فكشف عنه الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيّام من السبت إلى السبت.
وقيل: إنّ موسى برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت حتّى كأن لم تكن قطّ، ولم يدع هامان فرعون أن يخلّي عن بني إسرائيل.
فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة - في رواية عليّ بن إبراهيم - وفي الشهر الثالث - عن غيره من المفسّرين - القمّل وهو الجراد الصغار الّذي لاأجنحة له، وهو شرّ ما يكون وأخبثه فأتى على زروعهم كلّها واجتثّها من أصلها فذهبت زروعهم، ولحس الأرض كلّها.
وقيل: أمر موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس فأتاه فضربه بعصاه فانثال عليهم قمّلاً فكان يدخل بين ثوب أحدهم فيعضّه، وكان يأكل أحدهم الطعام فيمتلئ قمّلاً قال سعيد بن جبير: القمّل السوس الّذي يخرج من الحبوب فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلم يردّ منها ثلاثة أقفزه فلم يصابوا ببلاء كان أشدّ عليهم من القمّل، وأخذت أشعارهم وإبصارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزمت جلودهم كأنّها الجدري عليهم، ومنعتهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا وقال فرعون
لموسى: ادع لنا ربّك لئن كشفت عنّا القمّل لأكفّنّ عن بني إسرائيل فدعا موسى حتّى ذهب القمّل بعد ما أقام عندهم سبعة أيّام من السبت إلى السبت فنكثوا.
فأنزل الله عليهم في السنة الأربعة - وقيل: في الشهر الرابع - الضفادع فكانت تكون في طعامهم وشربهم، وامتلأت منها بيوتهم وأبنيتهم فلا يكشف أحد ثوباً - ولا إناءً ولا طعاماً ولا شراباً إلّا وجد فيه ضفادع. وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم ما فيها، وكان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهمّ أن يتكلّم فيثب الضفدع في فيه، ويفتح فاه لاُكلته فيسبق الضفدع اُكلته إلى فيه فلقوا منها أذىً شديدا فلمّا رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك إلى موسى وقالوا: هذه المرّة نتوب ولانعود فادع الله أن يذهب عنّا الضفادع فإنّا نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثمّ دعا ربّه فكشف عنهم الضّفادع بعد ما أقام عليهم سبعاً من السّبت إلى السّبت ثمّ نقضوا العهد وعادوا لكفرهم.
فلمّا كانت السنة الخامسة أرسل الله عليهم الدم فسأل ماء النيل عليهم دماً فكان القبطيّ يراه دماً، والاسرائيليّ يراه ماءً فإذا شربه الاسرائيليّ كان ماءً، وإذا شربه القبطيّ كان دماً، وكان القبطيّ يقول للاسرائيليّ: خذ الماء في فيك وصبّه في فيّ فكان إذا صبّه في فم القبطيّ يحوّل دما، وأنّ فرعون اعتراه العطش حتّى أنّه ليضطرّ إلى مضغ الاشجار الرطبة فإذا مضغها يصير ماؤه في فيه دما فمكثوا في ذلك سبعة أيّام لا يأكلون إلّا الدم، ولا يشربون إلّا الدم. قال زيد بن أسلم الدم الّذي سلّط عليهم كان الرعاف فأتوا موسى فقالوا: ادع لنا ربّك يكشف عنّا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فلمّا دفع الله عنهم الدم لم يؤمنوا ولم يخلّوا عن بني إسرائيل.
في تفسير العيّاشيّ عن محمّد بن قيس عن أبي عبد اللهعليهالسلام : لئن كشف عنّا الرجز لنؤمننّ لك، قال: الرجز هو الثلج ثمّ قال: بلاد خراسان بلاد رجز.
أقول: والرواية لا تنطبق على الآية ذاك الانطباق.
( سورة الأعراف آية ١٣٨ - ١٥٤)
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( ١٣٨ ) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٣٩ ) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( ١٤٠ ) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ( ١٤١ ) وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( ١٤٢ ) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( ١٤٣ ) قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ( ١٤٤ ) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ( ١٤٥ ) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ
كَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ( ١٤٦ ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٤٧ ) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ( ١٤٨ ) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( ١٤٩ ) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( ١٥٠ ) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( ١٥١ ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( ١٥٢ ) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١٥٣ ) وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( ١٥٤ )
( بيان)
شروع في بعض قصص بني إسرائيل بعد تخلّصهم من إسارة آل فرعون ممّا يناسب غرض القصص المسرودة سابقا وهو أنّ الدعوة الدينيّة ما توجّهت إلى أمّه إلّا كان الكفر إليها أسبق، والناقضون لعهد الله فيهم أكثر فخصّ الله المؤمنين منهم بمزيد كرامته، وعذّب الكافرين بشديد عذابه.
وقد ذكر في الآيات مجاوزة بني إسرائيل البحر ومسألتهم بعد المجاوزة موسىعليهالسلام أن يجعل لهم صنماً يعبدونه، وفيها عبادتهم للعجل بعد ما ذهب موسى لميقات ربّه وفي ضمنها حديث نزول التوراة عليه.
قوله تعالى: ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ ) الآية، العكوف الاقبال على الشئ وملازمته على سبيل التعظيم. ذكره الراغب في المفردات، وقولهم:( اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) أي كما لهم آلهة مجعولة.
كان بنو إسرائيل على شريعة جدّهم إبراهيمعليهالسلام ، وقد خلا فيهم من الأنبياء إسحاق ويعقوب يوسف، وهم على دين التوحيد الّذي لا يعبد فيه إلّا الله سبحانه وحده لا شريك له المتعالي عن أن يكون جسماً أو جسمانيّاً يعرض له شكل أو قدر غير أنّ بني إسرائيل كما يستفاد من قصصهم كانوا قوماً ماديّين حسّيين يجرون في حياتهم على أصالة الحسّ ولا يعتنون بما وراء الحسّ إلّا اعتناءً تشريفيّاً من غير أصالة ولاحقيقة، وقد مكثوا تحت إسارة القبط سنين متطاولة، وهم يعبدون الاوثان فتأثّرت من ذلك أرواحهم وإن كانت العصبيّة القوميّة تحفظ لهم دين آبائهم بوجه.
ولذلك كان جلّهم لا يتصوّرون من الله سبحانه إلّا أنّه جسم من الأجسام بل جوهر اُلوهيّ يشاكل الإنسان كما هو الظاهر المستفاد من التوراة الدائرة اليوم، وكلّما كان موسى يقرّب الحقّ من أذهانهم حوّلوه إلى أشكال وتماثيل يتوهّمونها له تعالى، لهذه العلّة لمّا شاهدوا في مسيرهم قوماً يعكفون على أصنام لهم استحسنوا مثل ذلك لأنفسهم فسألوا موسىعليهالسلام أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهه يعكفون عليها.
فلم يجد موسىعليهالسلام بدّاً من أن يتنزّل في بيان توحيد الله سبحانه إلى ما يقارب أفهامهم على قصورها فلا مهم أوّلاً على جهلهم بمقام ربّهم مع وضوح أنّ طريق الوثنيّة طريق باطل هالك ثمّ عرّف لهم ربّهم بالصفة، وأنّه لا يقبل صنماً ولا يحدّ بمثال كما سيجئ.
قوله تعالى: ( إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) المتبرّ من التبار وهو الهلاك، والمراد بقوله:( مَّا هُمْ فِيهِ ) سبيلهم الّذي يسلكونه وهو عبادة الاصنام
والمراد بقوله:( مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أعمالهم العباديّة، والمعنى أنّ هؤلاء الوثنيّة طريقتهم هالكة وأعمالهم باطلة فلا يحقّ أن يميل إليه إنسان عاقل لأنّ الغرض من عبادة الله سبحانه أن يهتدي به الإنسان إلى سعادة دائمة وخير باق.
قوله تعالى: ( قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ( أَبْغِيكُمْ ) إي أطلب لكم وألتمس يعرّف ربّهم ويصفه لهم، وقوله:( أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا ) فيه تأسيس أنّ كلّ إله أبغيه لكم بجعل أو صنع فإنّما هو غير الله سبحانه، والّذي يجب عليكم أن تعبدوا الله ربّكم بصفة الربوبيّة الّتي هي تفضيله إيّاكم على العالمين.
فكأنّهم قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهه فقال: كيف ألتمس لكم ربّاً مصنوعاً وهو غير الله ربّكم وإذا كان غيره فعبادته متبّرة باطلة؟ فقالوا: فكيف نعبده ولا نراه ولا سبيل لنا إلى ما لا نشاهده؟ كما يقوله عبدة الاصنام. فقال: اعبدوه بما تعرفونه من صفته فإنّه فضّلكم على سائر الاُمم بآياته الباهرة ودينه الحقّ وإنجائكم من فرعون وعمله، فالآية - كما ترى - ألطف بيان وأوجز برهان يجلّي عن الحقّ الصريح للأذهان الضعيفة التعقّل.
قوله تعالى: ( وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ) إلى آخر الآية. سامه العذاب يسومه أي حمله ذلك على طريق الإذلال، والتقتيل الإكثار في القتل والاستحياء الاستبقاء للخدمة وقد تقدّم، والظاهر أنّ قوله:( وَفِي ذَٰلِكُم ) إشارة إلى ما ذكر من سوء تعذيب آل فرعون لهم.
والآية خطاب امتنانيّ للموجودين من أخلافهم حين النزول يمتنّ الله فيها عليهم بما منّ به على آبائهم في زمن فرعون كما قيل، والأنسب بالسياق أن يكون خطاباً لأصحاب موسى بعينهم مسوقاً سوق التعجّب إذا نسوا عظيم نعمة الله عليهم إذ أنجاهم من تلك البليّة العظيمة، ونظيره في الغيبة قوله تعالى فيما سيأتي:( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ) .
قوله تعالى: ( وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) إلى آخر الآية. الميقات قريب المعنى من الوقت، قال في المجمع: الفرق بين الميقات و
الوقت أنّ الميقات ما قدّر ليعمل فيه عمل من الأعمال، والوقت وقت الشئ وقدره، ولذلك قيل: مواقيت الحجّ وهي المواضع الّتي قدّرت للإحرام فيها (انتهى).
وقد ذكر الله سبحانه الموعدة وأخذ أصلها ثلاثين ليلة ثمّ أتمّها بعشر ليال اُخر ثمّ ذكر الفذلكة وهى أربعون، وأمّا الّذي ذكره في موضع آخر إذ قال:( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) البقره: ٥١ فهو المجموع المتحصّل من المواعدتين أعني أنّ آية البقرة تدلّ على أنّ مجموع الأربعين كان عن مواعدة، وآية الأعراف على أنّ ما في آية البقرة مجموع المواعدتين.
وبالجملة يعود المعنى إلى أنّه تعالى وعده ثلاثين ليلة للتقريب والتكليم ثمّ وعده عشراً آخر لإتمام ذلك فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلة، ولعلّه ذكر الليالي دون الأيّام - مع أنّ موسى مكث في الطور الأربعين بأيّامها ولياليها، والمتعارف في ذكر المواقيت والأزمنة ذكر الأيّام دون اللّيالي - لأنّ الميقات كان للتقرّب إلى الله سبحانه ومناجاته وذكره، وذلك أخصّ بالليل وأنسب لما فيه من اجتماع الحواسّ عن التفرّق وزيادة تهيّؤ النفس للاُنس وقد كان من بركات هذا الميقات نزول التوراة.
وهذا كما يشير إلى مثله قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا - إلى أن قال -إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ) المزمل: ٧، وقوله تعالى:( وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) إنّما قاله حين ما كان يفارقهم للميقات، والدليل على ذلك قوله:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) فإنّ الاستخلاف لا يكون إلّا في غيبة. وإنّما عبّر بلفظ( قَوْمِي ) دون بني إسرائيل لتجري القصّة على سياق سائر القصص المذكورة في هذه السورة فقد حكي فيها عن لفظ نوح وهود وصالح وغيرهم: يا قوم يا قوم، وعلى ذلك اُجريت هذه القصّة فعبّر فيها عن بني إسرائيل في بضعة مواضع بلفظ القوم، وقد عبّر عنهم في سورة طه ببني إسرائيل.
وأمّا قوله لأخيه ثانياً:( وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) فهو أمر له بالإصلاح وأن لا يتّبع سبيل أهل الفساد، وهارون (عليه اسلام ) نبيّ مرسل معصوم لا تصدر عنه المعصية، ولا يتأتّى منه اتّباع أهل الفساد في دينهم، وموسىعليهالسلام أعلم بحال أخيه فليس مراده
نهيه عن الكفر والمعصية بل أن لا يتّبع في إدارة اُمور قومه ما يشير إليه ويستصوبه المفسدون من القوم أيّام خلافته مادام موسى غائبا.
ومن الدليل عليه قوله:( وَأَصْلِحْ ) فإنّه يدلّ على أنّ المراد بقوله:( وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) أن يصلح أمرهم ولا يسير فيهم سيرة هي سبيل المفسدين الّذي يستحسنونه ويشيرون إليه بذلك.
ومن هنا يتأيّد أنّه كان في قومه يومئذ جمع من المفسدين يفسدون ويقلّبون عليه الاُمور ويتربّصون به الدوائر فنهى موسى أخاه أن يتّبع سبيلهم فيشوشوا عليه الأمر و يكيدوا ويمكروا به فيتفرّق جمع بني إسرائيل ويتشتّت شملهم بعد تلك المحن والأذايا الّتي كابدها في إحياء كلمة الاتّحاد بينهم.
قوله تعالى: ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) الآية، التجلّي مطاوعة التجلية من الجلاء بمعنى الظهور، والدكّ هو أشدّ الدقّ، وجعله دكّاً أي مدكوكا والخرور هو السقوط، والصعقة هي الموت أو الغشية بجمود الحواسّ وبطلان إدراكها، والإفاقة الرجوع إلى حال سلامة العقل والحواسّ يقال: أفاق من غشيته أي رجع إلى حال استقامة الشعور والإدراك.
ومعنى الآية على ما يستفاد من ظاهر نظمها أنّه( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا ) الّذي وقّتناه له( وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) بكلامه( قَالَ ) أي موسى( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) أي أرني نفسك أنظر إليك أي مكّنّي من النظر إليك حتّى أنظر إليك وأراك فإنّ الرؤية فرع النظر، والنظر فرع التمكين من الرؤية والتمكّن منها،( قَالَ ) الله تعالى لموسى( لَن تَرَانِي ) أبدا( وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ) وكان جبلاً بحياله مشهوداً له اُشير إليه بلام العهد الحضوريّ( وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) أي لن تطيق رؤيتي فأنظر إلى الجبل فإنّي أظهر له فإن استقرّ مكانه وأطاق رؤيتي فاعلم أنّك تطيق النظر إليّ ورؤيتي( فَلَمَّا تَجَلَّىٰ ) وظهر( رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ ) بتجلّيه( دَكًّا ) مدكوكاً متلاشياً في الجوّ أو سائحاً( وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ) ميّتاً أو مغشيّاً عليه من هول ما رأى( فَلَمَّا أَفَاقَ
قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ) رجعت إليك ممّا اقترحته عليك( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) بأنّك لا ترى. هذا ظاهر ألفاظ الآية.
والّذي يعطيه التدبّر فيها أنّ حديث الرؤية والنظر الّذي وقع في الآية إذا عرضناه على الفهم العامّيّ المتعارف حمله على رؤية العين ونظر الإبصار، ولا نشكّ ولن نشكّ أنّ الرؤية والإبصار يحتاج إلى عمل طبيعيّ في جهاز الإبصار يهيّئ للباصر صوره مماثلة لصورة الجسم المبصر في شكله ولونه.
وبالجملة هذا الّذي نسمّيه الإبصار الطبيعيّ يحتاج إلى مادّة جسمّية في المبصر والباصر جميعاً ، وهذا لا شكّ فيه.
والتعليم القرآنيّ يعطي إعطاءً ضروريّاً أنّ الله تعالى لا يماثله شئ بوجه من الوجوه البتّة فليس بجسم ولا جسمانيّ، ولا يحيط به مكان ولا زمان، ولا تحويه جهة ولا توجد صورة مماثلة أو مشابهه له بوجه من الوجوه في خارج ولا ذهن البتّة.
وما هذا شأنه لا يتعلّق به الإبصار بالمعنى الّذي نجده من أنفسنا البتّة، ولا تنطبق عليه صورة ذهنيّة لا في الدنيا ولا في الآخرة ضرورة، ولا أنّ موسى ذاك النبيّ العظيم أحد الخمسة أولي العزم وسادة الأنبياءعليهمالسلام ممّن يليق بمقامه الرفيع وموقفه الخطير أن يجهل ذلك، ولا أن يمنّي نفسه بأنّ الله سبحانه أن يقوّي بصر الإنسان على أن يراه ويشاهده سبحانه منزّهاً عن وصمة الحركة والزمان، والجهة والمكان، وألواث المادّة الجسمّية وأعراضها فإنّه قول أشبه بغير الجدّ منه بالجدّ فما محصّل القول: إنّ من الجائز في قدرة الله أن يقوّي سبباً مادّيّاً أن يعلق عمله الطبيعيّ المادّيّ - مع حفظ حقيقة السبب وهويّة أثره - بأمر هو خارج عن المادّة وآثارها متعال عن القدر والنهاية؟ فهذا الإبصار الّذي عندنا وهو خاصّة مادّيّة من المستحيل أن يتعلّق بما لا أثر عنده من المادّة الجسمّية وخواصّها فإن كان موسى يسأل الرؤية فإنّما سأل غير هذه الرؤية البصريّة، وبالملازمة ما ينفيه الله سبحانه في جوابه فإنّما ينفي غير هذه الرؤية البصريّة فأمّا هي فبديهيّة الانتفاء لم يتعلّق بها سؤال ولا جواب.
وقد أطلق الله الرؤية وما يقرب منها معنى في موارد من كلامه وأثبتها كقوله تعالى
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) القيامة: ٢٣، وقوله:( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ) النجم: ١١، وقوله:( مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) العنكبوت - ٥، وقوله:( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) حم السجدة: ٥٤، وقوله:( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) الكهف: ١١٠، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المثبتة للرؤية وما في معناه قبال الآيات النافية لها كما في هذه الآية:( قَالَ لَن تَرَانِي ) وقوله:( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ) الأنعام: ١٠٣، وغير ذلك.
فهل المراد بالرؤية حصول العلم الضروريّ سمّي بها لمبالغة في الظهور ونحوها كما قيل؟
لا ريب أنّ الآيات تثبت علماً مّا ضروريّاً لكن الشأن في تشخيص حقيقة هذا العلم الضروريّ فإنّا لا نسمّي كلّ علم ضروريّ رؤية وما في معناه من اللقاء ونحوه كما نعلم بوجود إبراهيم الخليل وإسكندر وكسرى فيما مضى ولم نرهم، ونعلم علماً ضروريّاً بوجود لندن وشيكاكو ومسكو ولم نرها، ولا نسمّيه رؤية وإن بالغنا فأنت تقول: أعلم بوجود إبراهيمعليهالسلام وإسكندر وكسرى كأنّي رأيتهم، ولا تقول رأيتهم أو أراهم، وتقول: أعلم بوجود لندن وشيكاكو ومسكوا، ولا تقول رأيتها أو أراها.
وأوضح من ذلك علمنا الضروريّ بالبديهيّات الأوّليّة الّتي هي لكلّيّتها غير مادّيّة ولا محسوسة مثل قولنا:( الواحد نصف الاثنين) و( الأربعة زوج) و( الاضافة قائمة بطرفين) فإنّها علوم ضروريّة يصحّ إطلاق العلم عليها ولا يصحّ إطلاق الرؤية البتّة.
ونظير ذلك جميع التصديقات العقليّة الفكريّة، وكذا المعاني الوهميّة وبالجملة ما نسمّيها بالعلوم الحصوليّة لا نسمّيها رؤية وإن أطلقنا عليها العلم فنقول علمناها ولا نقول: رأيناها إلّا بمعنى القضاء والحكم لا بمعنى المشاهدة والوجدان.
لكن بين معلوماتنا ما لا نتوقّف في اطلاق الرؤية عليه واستعمالها فيه، نقول: أرى أنّي أنا وأراني اُريد كذا وأكره كذا، واُحبّ كذا وأبغض كذا وأرجو كذا وأتمنّى كذا أي أجد ذاتي وأشاهدها بنفسها من غير أن أحتجب عنها بحاجب، وأجد واُشاهد
إرادتي الباطنة الّتي ليست بمحسوسة ولا فكريّة وأجد في باطن ذاتي كراهة وحبّاً وبغضاً ورجاءً وتمنيّاً وهكذا.
وهذا غير قول القائل: رأيتك تحبّ كذا وتبغض كذا وغير ذلك فإنّ معنى كلامه أبصرتك في هيئة استدللت بها على أنّ فيك حبّاً وبغضاً ونحو ذلك وأمّا حكاية الإنسان عن نفسه أنّه يراه يريد ويكره ويحبّ ويبغض فإنّه يريد به أنّه يجد هذه الاُمور بنفسها وواقعيّتها لا أنّه يستدلّ عليها فيقضي بوجودها من طريق الاستدلال بل يجدها من نفسه من غير حاجب يحجبها ولا توسّل بوسيلة تدلّ عليها البتّة.
و تسمية هذا القسم من العلم الّذي يجد فيه الإنسان نفس المعلوم بواقعيّته الخارجيّة رؤية مطّردة، وهي علم الإنسان بذاته وقواه الباطنة وأوصاف ذاته وأحواله الداخليّة وليس فيها مداخلة جهة أو مكان أو زمان أو حالة جسمانيّة اُخرى غيرها فافهم ذلك وأجد التدبّر فيه.
والله سبحانه فيما أثبت من الرؤية يذكر معها خصوصيّات ويضمّ إليها ضمائم يدلّنا ذلك على أنّ المراد بالرؤية هذا القسم من العلم الّذي نسمّيه فيما عندنا أيضاً رؤية كما في قوله:( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) الآية حيث أثبت أوّلاً أنّه على كلّ شئ حاضر أو مشهود لا يختصّ بجهة دون جهة وبمكان دون مكان وبشئ دون شئ بل شهيد على كلّ شئ محيط بكلّ شئ فلو وجده شئ لوجده على ظاهر كلّ شئ وباطنه وعلى نفس وجدانه وعلى نفسه، وعلى هذه السمة لقاؤه لو كان هناك لقاء لا على نحو اللقاء الحسّيّ الّذي لا يتأتّى البتّة إلّا بمواجهة جسمانيّة وتعيّن جهة ومكان وزمان، وبهذا يشعر ما في قوله:( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ) من نسبة الرؤيه إلى الفؤاد الّذي لا شبهة في كون المراد به هو النفس الإنسانيّة الشاعرة دون اللحم الصنوبريّ المعلّق على يسار الصدر داخلا.
ونظير ذلك قوله تعالى:( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) المطفّفين: ١٥، دلّ على أنّ الّذي يجبهم عنه تعالى رين المعاصي والذنوب الّتي اكتسبوها فحال بين قلوبهم أي أنفسهم وبين ربّهم فحجبهم عن تشريف
المشاهدة، ولو رأوه لرأوه بقلوبهم أي أنفسهم لا بأبصارهم وأحداقهم.
وقد أثبت الله سبحانه في موارد من كلامه قسماً آخر من الرؤية وراء رؤية الجارحة كقوله تعالى:( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) التكاثر: ٧، وقوله:( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) الأنعام - ٧٥، وقد تقدّم تفسير الآية في الجزء السابع من الكتاب، وبيّنّا هناك أنّ الملكوت هو باطن الأشياء لا ظاهرها الحسوس.
فبهذه الوجوه يظهر أنّه تعالى يثبت في كلامه قسماً من الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصريّة الحسّيّة، وهي نوع شعور في الإنسان يشعر بالشئ بنفسه من غير استعمال آله حسّيّة أو فكريّة، وأنّ للإنسان شعوراً بربّه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل بل يجده وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب ولا يجرّه إلى الغفلة عنه إلّا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه الّتي اكتسبها، وهي مع ذلك غفلة عن أمر موجود مشهود لا زوال علم بالكلّيّة ومن أصله فليس في كلامه تعالى ما يشعر بذلك البتّة بل عبّر عن هذا الجهل بالغفلة وهي زوال العلم بالعلم لا زوال أصل العلم.
فهذا ما يبيّنه كلامه سبحانه، ويؤيّده العقل بساطع براهينه، وكذا ما ورد من الأخبار عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام على ما سننقلها ونبحث عنها في البحث الروائيّ الآتي إن شاء الله تعالى.
والّذي ينجلي من كلامه تعالى أنّ هذا العلم المسمّى بالرؤية واللقاء يتمّ للصالحين من عباد الله يوم القيامة كما يدلّ عليه ظاهر قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) القيامة: ٢٣، فهناك موطن التشرّف بهذا التشريف، وأمّا في هذه الدنيا والإنسان مشتغل ببدنه، ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعيّة، وهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروريّ بآيات ربّه، كادح إلى ربّه كدحاً ليلاقيه فهو بعد في طريق هذا العلم لن يتمّ له حقّ يلاقي ربّه، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ) الانشقاق: ٦، وفي معناه آيات كثيرة اُخرى تدلّ على أنّه تعالى إليه المرجع والمصير والمنتهى، وإليه يرجعون وإليه يقلبون.
فهذا هو العلم الضروريّ الخاصّ الّذي أثبته الله تعالى لنفسه وسمّاه رؤية ولقاءً، ولا يهمّنا البحث عن أنّها على نحو الحقيقة أو المجاز فإنّ القرائن كما عرفت قائمة على إرادة ذلك فإن كانت حقيقة كانت قرائن معيّنة، وإن كانت مجازاً كانت صارفة، والقرآن الكريم أوّل كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع، فالكتب السماويّة السابقة على ما بأيدينا ساكتة عن إثبات هذا النوع من العلم بالله وتخلو عنه الأبحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل فإنّ العلم الحضوريّ عندهم كان منحصراً في علم الشئ بنفسه حتّى كشف عنه في الإسلام فللقرآن المنّة في تنقيح المعارف الإلهيّة.
ولنرجع إلى الآية المبحوث عنها:
فقوله:( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) سؤال منهعليهالسلام للرؤية بمعنى العلم الضروريّ على ما تقدّم من معناه فإنّ الله سبحانه لمّا خصّه بما حباه من العلم به من جهة النظر في آياته ثمّ زاد على ذلك أن اصطفاه برسالاته وبتكليمه وهو العلم بالله من جهة السمع رجاعليهالسلام أن يزيده بالعلم من جهة الرؤية وهو كمال العلم الضروريّ بالله والله خير مرجّو و مأمول.
فهذا هو المسؤول دون الرؤية بمعنى الإبصار بالتحديق الّذي يجلّ موسىعليهالسلام ذاك النبيّ الكريم أن يجهل بامتناعه عليه تعالى وتقدّس.
وقوله( قَالَ لَن تَرَانِي ) نفي مؤبّد للرؤية، وإذ أثبت الله سبحانه الرؤية بمعنى العلم الضروريّ في الآخرة كان تأبيد النفي راجعاً إلى تحقّق ذلك في الدنيا مادام للإنسان اشتغال بتدبير بدنه، وعلاج ما نزل به من أنواع الحوائج الضروريّة، والانقطاع إليه تعالى بتمام معنى الكلمة لا يتمّ إلّا بقطع الرّابطة عن كلّ شئ حتّى البدن وتوابعه وهو الموت.
فيؤل المعنى إلى أنّك لن تقدر على رؤيتي والعلم الضروريّ بي في الدنيا حتّى تلاقيني فتعلم بي علماً اضطراريّاً تريده، والتعبير في قوله:( لَن تَرَانِي ) ب( لَن ) الظاهر في تأبيد النفي لا ينافي ثبوت هذا العلم الضروريّ في الآخرة فلانتفاء في الدنيا يقبل التأبيد أيضاً كما في قوله تعالى:( إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ) أسرى: ٣٧،
وقوله:( إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) الكهف: ٦٧.
ولو سلّم أنّه ظاهر في تأبيد النفي للدنيا والآخرة جميعاً فإنّه لا يأبى التقييد كقوله تعالى:( وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) البقرة: ١٢٠، فلم لا يجوز أن تكون أمثال قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) مقيّدة لهذه الآية مبيّنة لمعنى التأبيد المستفاد منها.
والّذي ذكرناه من رجوع نفي الرؤية في قوله:( لَن تَرَانِي ) إلى نفي الطاقة والاستطاعة يؤيّده قوله بعده:( وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) فإنّ فيه تنظير إراءة نفسه لموسىعليهالسلام بتجلّيه للجبل، والمراد أنّ ظهوري وتجلّييّ للجبل مثل ظهوري لك فإن استقرّ الجبل مكانه أي بقى على ما هو عليه وهو جبل عظيم في الخلقة قويّ في الطاقة فإنّك أيضاً يرجى أن تطيق تجلّي ربّك وظهوره.
فقوله:( وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) ليس باستدلال على استحالة التجلّي كيف وقد تجلّى له؟ بل إشهاد وتعريف لعدم استطاعته وإطاقته للتجلّي وعدم استقراره مكانه أي بطلان وجوده لو وقع التجلّي كما بطل الجبل بالدكّ.
وقد دلّ عليه قوله:( فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ) وبصيرورة الجبل دكّاً أي مدكوكاً متحوّلاً إلى ذرّات ترابيّة صغار بطلت هويّته وذهبت جبليّته وقضى أجله.
وقوله:( وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ) ظاهر السياق أنّ الّذي أصعقه هو هول ما رأى وشاهد غير أنّه يجب أن يتذكّر أنّه هو الّذي ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين تلقف الاُلوف من الثعابين والحيّات، وفلق البحر فأغرق الاُلوف ثمّ الاُلوف من آل فرعون في لحظة ورفع الجبل فوق رؤس بني إسرائيل كأنّه ظلّة، وأتى بآيات هائلة اُخرى وهي أهول من اندكاك جبل، وأعظم، ولم يصعقه شئ من ذلك ولم يدهشه.
واندكاك الجبل أهون من ذلك، وهو بحسب الظاهر في أمن من أن يصيبه في ذلك خطر فإنّ الله إنّما دكّه ليشهده كيفيّة الأمر !.
فهذا كلّه يشهد أنّ الّذي أصعقه إنّما هو ما تمثّل له من معنى ما سأله وعظمة
القهر الإلهيّ الّذي أشرف أن يشاهده ولم يشاهده هو وإنّما شاهده الجبل فآل أمره إلى ذاك الإندكاك العجيب الّذي لم يستقرّ معه مكانه ولا طرفة عين، ويشهد بذلك أيضاً توبتهعليهالسلام بعد الافاقة كما سيأتي.
وقوله:( فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) توبة ورجوع منهعليهالسلام بعد الإفاقة إذ تبيّن له أنّ الّذي سأله وقع في غير موقعه فأخذته لعناية الإلهيّة بتعريفه ذلك وتعليمه عياناً بإشهاده دكّ الجبل بالتجلّي أنّه غير ممكن.
فبدأ بتنزيهه تعالى وتقديسه عمّا كان يرى من إمكان ذلك ثمّ عقّبه بالتوبة عمّا أقدم عليه وهو يطمع في أن يتوب عليه، وليس من الواجب في التوبة أن تكون دائماً عن معصية وجرم بل هو الرجوع إليه تعالى لشائبة بعد كيف كان كما تقدّم البحث فيه في الجزء الرابع من الكتاب.
ثمّ عقّبعليهالسلام ذلك بالإقرار والشهادة بقوله:( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) أي أوّل المؤمنين من قومي بأنّك لا ترى. هذا ما يدلّ عليه المقام، وإن كان من المحتمل أن يكون المراد وأنا أوّل المؤمنين من بين قومي بما آتيتني وهديتني إليه آمنت بك قبل أن يؤمنوا فحقيق بي أن أتوب إليك إذا علق بي تقصير أو قصور لكنّه معنى بعيد.
قوله تعالى: ( قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ) المراد بالاصطفاء الاختيار على وجه التصفية، ولذلك عدّى إلى الناس بعلى، والمراد بالرسالات هو ما حمّل من الأوامر والنواهي الإلهيّة من المعارف والحكم والشرائع ليبلّغه الناس سواء كان التحميل بواسطة ملك أو بتكليم بلا واسطة ملك فهي غير الكلام وإن حمّلت بكلام فإنّ الكلام أمر، والمعاني الّتي يتلّقاها السامع منه أمر آخر.
والمراد بالكلام هو ما شافهه به الله سبحانه من غير واسطة ملك وبعبارة اُخرى هو ما يكشف به عن مكنون الغيب، وأمّا أن يكون من نوع الكلام الدائر بيننا معاشر الإنسان فلا فإنّ الكلام عندنا هو أنّا نصطلح ونتعهّد فيما بيننا على تخصيص صوت مخصوص من الأصوات لمعنى من المعاني لينتقل ذهن السامع إلى ذلك المعنى ثمّ نتوسّل عند ارادة
تفهيمه إلى إيجاد تموّج خاصّ في الهواء يبتدي منّا وينتهي إلى السامع لننقل به ما في ضميرنا إلى ضمير السامع المخاطب والتكلّم بهذا الوجه يستلزم التجسّم في المتكلّم والله سبحانه منزه عنه، ومجرّد إيجاد الصوت وتمويج الهواء بإيجاد أسباب الصوت في مكان لا يدلّ على كون المعاني الّتي ينتقل إليها الذهن مقصودة لله سبحانه ما لم تكشف الارادة بأمر آخر وراء نفس الصوت كما أنّ من أوجد منّا بدقّ أو ضرب أو نحوهما صوتاً يدلّ على معنى لم نحكم بإرادته ذلك ما لم يكشف من حاله أو مقاله قبلاً أنّه قاصد لمعنى ما يوجده من الاصوات.
وما كلّم به الله سبحانه موسىعليهالسلام ممّا حكاه القرآن الشريف خال عن سؤال الدليل على كونه كلامه، وعلى كونه تعالى مريداً لمعناه فلم يسأل موسى ربّه حين سمع النداء من جانب الطور الأيمن من الشجرة: هل هذا منك يا ربّ؟ وهل أنت مريد معناه ؟ بل أيقن بذلك إيقانا، ونظير الكلام جارٍ في سائر أقسام الوحى غير الكلام.
وهذا يكشف كشفاً قطعيّاً عن ارتباط خاصّ من السامع بارادة مصدر الكلام والوحى يوجب الانتقال إلى المعنى المقصود وإلّا فمجرّد صدور صوت له معنى مفهوم في اللغة منه تعالى لا يستلزم صحّة الانتساب إليه تعالى ولا كونه كلامه كيف؟ وجميع الالفاظ الصادرة من المتكلّمين بما أنّها أصوات تنتهي إليه تعالى وليست كلاماً له تعالى بل المتكلّم بها غيره، وكثيراً ما يحدث من تصادم الاجسام المختلفة أصوات ذوات معان في اللغة ولا نعدّه كلاماً له تعالى.
وبالجملة تكليمه تعالى هو إيجاده اتّصالاً وارتباطاً خاصّاً بين مخاطبه وبين الغيب ينتقل به بمشاهدة بعض مخلوقاته إلى معنى مراد، ولا نمنع مقارنة ذلك بأصوات يوجدها الله تعالى في خارج أو سمع أو غير ذلك، وقد تقدّم بعض الكلام في الكلام فيما تقدّم. وسيأتي منه تتمّة في تفسير سورة الشورى إن شاء الله تعالى.
وكيف كان فقوله تعالى:( قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ ) الآية وارد في مورد الامتنان وموعظة لموسىعليهالسلام أن يكتفي بما اصطفاه الله به من رسالاته وكلامه ويشكره ولا يستزيد.
قوله تعالى:( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) الآية اللوح صحيفة معدّة للكتابة فيه لأنّه يلوح ويظهر بما فيه من الخطّ وأصله من لاح البرق إذا لمع.
وقوله:( لِّكُلِّ شَيْءٍ ) من فيه للتبعيض كما يؤيّده السياق اللّاحق، وقوله:( مَّوْعِظَةً ) الظاهر أنّه بيان لكلّ شئ، ويعطف عليه قوله:( وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) وتنكير قوله:( َتَفْصِيلًا ) لإفادة الإبهام والتبعيض، ويؤول المعنى إلى مثل قولنا: وكتبنا لموسى في الألواح وهي التوراة النازلة مختارات من كلّ شئ ونعني بذلك أنّا كتبنا له موعظة وتفصيلاً مّا وتشريحاً مّا لكلّ شئ حسب ما يحتاج إليها قومه في الاعتقاد والعمل.
ففي الكلام دلالة على أنّ التوراة لم تستكمل جميع ما تمسّ به حاجة البشر من المعارف والشرائع، وهو كذلك كما يدلّ عليه أيضاً قوله تعالى بعد ذكر التوراة والإنجيل( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) المائدة: ٤٨، وقد تقدّم تفسيره.
وقوله:( فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ) عطف تفريع على قوله:( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ ) الآية لأنّه مشعر بمعنى القول، والتقدير: وقلنا إنّا كتبنا لك في الألواح من كلّ شئ فخذها بقوّة.
والأخذ بالقوّة كناية عن الأخذ بالجدّ والحزم فإنّ من يجدّ ويحزم في أمر يستعمل ما عنده من القوّة فيه حذراً أن يفوته فالأخذ بالقوّة لازم الأخذ بالجدّ والحزم كنّى به عنه.
وقوله:( وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ) الظاهر أنّ الضمير في( بِأَحْسَنِهَا ) راجع إلى الأشياء المدلول عليها بقوله قبلا:( من كلّ شئ ) من المواعظ وتفاصيل الآداب والشرائع والأخذ بالأحسن كناية عن ملازمة الحسن في الاُمور واتّباعه واختياره فإنّ من يهمّ بأمر الحسن في الاُمور إذا وجد سيّئاً وحسناً اختار الحسن الجميل، وإذا وجد حسناً وأحسن منه أضطرّه حبّ الجمال إلى اختيار الأحسن وتقديمه على الحسن فالأخذ بأحسن الاُمور
لازم حبّ الجمال وملازمة الحسن فكنّي به عنه، والمعنى: وأمر قومك يجتنبوا السيّئات ويلازموا ما تهدي إليه التوراة من الحسنات، ونظير الآية في التكنية قوله تعالى:( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) الزمر: ١٨.
وقوله:( سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) ظاهر السياق أنّ المراد بهؤلاء الفاسقين هم الّذين يفسقون بعدم ائتمار قوله:( وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ) على ما تقدّم من معناه من ملازمة طريق الإحسان في الاُمور واتّباع الحقّ والرشد فإنّ من فسق عن الطريق صرفه الله عن الصراط المستقيم إلى تتّبع السيّئات والميل عن الرشد إلى الغيّ كما يفصّله في الآية التالية فكانت عاقبة أمره خسراناً وآل أمره إلى الهلاك.
وعلى هذا فما في الآية التالية:( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ ) الآية تفسير أو كالتفسير لقوله:( سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) وقيل المراد بدار الفاسقين جهنّم، وفي الكلام تهديد وتحذير، وقيل المراد بها منازل فرعون وقومه بمصر، وقيل: منازل عاد وثمود، وقيل المراد دار العمالقة وغيرهم بالشام وأنّ الله سيدخلهم فيها فيرونها، وقيل: المراد سيجيئكم قوم فسّاق تكون الدولة لهم عليكم.
قوله تعالى: ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ) الآية تقييد التكبّر في الأرض بغير الحقّ مع أنّ التكبّر فيها لا يكون إلّا بغير الحقّ كتقييد البغي في الأرض بغير الحقّ للتوضيح لا للاحتراز ويراد به الدّلالة على وجه الذمّ في العمل وأنّ التكبّر كالبغي مذموم لكونه بغير الحقّ.
وأمّا ما قيل: إنّ القيد احترازيّ للدلالة على أنّ المراد هو التكبّر المذموم دون التكبّر الممدوح كالتكبّر على اعداء الله والتكبّر على المتكبّر، وهو تكبّر بالحقّ ففيه أنّ المذكور في الآية ليس مطلق التكبّر بل التكبّر في الأرض، وهو الاستعلاء على عباد الله واستذلالهم والتغلّب عليهم، وهذا لا يكون إلّا بغير الحقّ.
وقوله:( وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ) عطف على قوله:( يَتَكَبَّرُونَ ) وبيان
لأحد أوصافهم وهو الإصرار على الكفر والتكذيب.
وكذا قوله:( وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ) الآية وتكرار الجملتين المثبتة والمنفيّة بجميع خصوصيّاتهما للدلالة على اعتنائهم الشديد ومراقبتهم الدقيقة على مخالفة سبيل الرشد واتّباع سبيل الغيّ بحيث لا يعذرون بخطاء ولا يحتمل في حقّهم جهل أو اشتباه.
وقوله:( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) إلى آخر الآية تعليل لما تحقّق فيهم من رذائل الصفات أي إنّما جروا على ما جروا بسبب تكذيبهم لآياتنا وغفلتهم عنها، ومن المحتمل أن يكون تعليلاً لقوله تعالى:( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ ) .
قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) معنى الآية ظاهر ويتحصّل منها:
أوّلاً: أنّ الجزاء هو نفس العمل وقد تقدّم توضيحه كراراً في أبحاثنا السبقة.
وثانياً: أنّ الحبط من الجزاء فإنّ الجزاء بالعمل وإذا كان العمل حابطاً فإحباطه هو الجزاء، والحبط إنّما يتعلّق بالأعمال الّتي فيها جهة حسن فتكون نتيجة إحباط الحسنات ممّن له حسنات وسيّئات أنّ يجزى بسيّئاته جزاءً سيّئاً و يجزى بحسناته بإحباطها فيتمحّض له الجزاء السيئّ.
ويمكن أن تنزّل الآية لى معنى آخر وهو أن يكون المراد بالجزاء، الجزاء الحسن وقوله:( هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) كناية عن أنّهم لايثابون بشئ إذ لا عمل من الأعمال الصالحة عندهم لمكان الحبط قال تعالى:( وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ) الفرقان: ٢٣، والدليل على كون المراد بالجزاء هو الثواب أنّ هذا اجزاء هو جزاء الأعمال المذكورة في الآية قبلا، والمراد بها بقرينة ذكر الحبط هي الأعمال الصالحة.
ومن هنا يظهر فساد ما استدلّ به بعضهم بالآية على أنّ تارك الواجب من غير أن يشتغل بضدّه لا عقاب له لأنّه لم يعمل عملاً حتّى يعاقب عليه وقد قال تعالى:( هَلْ يُجْزَوْنَ
إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .
وجه الفساد أنّ المراد بالجزاء في الآية الثواب والمعنى أنّهم لا ثواب لهم في الآخرة لأنّهم لم يأتوا بحسنة ولم يعملوا عملاً يثابون عليها.
على أنّ ثبوت العقاب على مجرّد ترك الأوامر الإلهيّة مع الغضّ عمّا يشتغل به من الأعمال المضادّة كالضروريّ من كلامه تعالى قال الله عزّوجلّ:( وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ) الجنّ: ٢٣، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ) إلى آخر الآية، الحليّ على فعول جمع حلي كالثديّ جمع ثدي، وهو ما يتحلى ويتزيّن به من ذهب أو فضّة أو نحوهما، والعجل ولد البقرة، والخوار صوت البقر خاصّة، وفي قوله تعالى:( جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ) - وهو بيان للعجل - دلالة على أنّه كان غير ذى حياة وإنّما وجدوا عنده خواراً كخوار البقر.
والآية وما بعده تذكر قصّة عبادة بني إسرائيل العجل بعد ما ذهب موسى إلى ميقات ربّه واستبطؤا رجوعه إليهم، فكادهم السامريّ وأخذ من حليّهم فصاغ لهم عجلاً من ذهب له خوار كخوار العجل وذكر لهم أنّه إلههم وإله موسى فسجدوا له واتّخذوه إلها، وقد فصّل الله سبحانه القصّة في سورة طه تفصيلا، والّذي ذكره في هذه الآيات من هذه السورة لا يستغني عمّا هناك، وهو يؤيّد نزول سورة طه قبل سورة الأعراف.
وكيف كان فقوله:( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا ) معناه اتّخذ قوم موسى من بعد ذهابه لميقات ربّه قبل أن يرجع - فإنّه سيذكر رجوعه إليهم غضبان - عجلاً فعبدوه، وكان هذا العجل الّذي اتّخذوه( جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ) ثمّ ذمّهم الله سبحانه بأنّهم لم يعبؤوا بما هو ظاهر جليّ بيّن عند العقل في أوّل نظرته أنّه لو كان هو الله سبحانه لكلّمهم ولهداهم السبيل فقال تعالى:( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ) .
وإنّما ذكر من صفاته المنافية للاُلوهيّة عدم تكليمه إيّاهم وعدم هدايته لهم وسكت عن سائر ما فيه كالجسميّة وكونه مصنوعاً ومحدوداً ذا مكان وزمان وشكل إلى غير ذلك مع أنّ الجميع ينافي الاُلوهيّة لأنّ هاتين الصفتين أعني التكليم والهداية
من أوضح ما تستلزمه الاُلوهيّة من الصفات عند من يتّخذ شيئاً إلهاً إذ من الواجب أن يعبده بما يرتضيه ويسلك إليه من طريق يوصل إليه، ولا يعلم ذلك إلّا من قبل الاله بوجه فهو الّذي يجب أن يهديه إلى طريق عبادته بنوع من التكليم والتفهيم، وقد رأوا أنّه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلا.
على أنّهم عهدوا من موسى أنّ الله سبحانه يكلّمه ويهديه، ويكلّمهم ويهديهم بواسطته، وقد قالوا حين أخرج السامريّ لهم العجل:( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَىٰ ) طه: ٨٨، فلو كان العجل هو الّذي أو مأ إليه السامريّ لكلّمهم وهداهم سبيلا.
وبالجملة فقد كان من الواضح البيّن عند عقولهم لو عقلوا أنّه ليس هو، ولذلك أردفه بقوله:( اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ) كأنّه قيل: فلم اتّخذوه وأمرُه بذاك الوضوح؟ فقيل:( اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ) .
قوله تعالى: ( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ) إلى آخر الآية. قال في المجمع: معنى( سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ) وقع البلاء في أيديهم أي وجدوه وجدان من يده فيه يقال ذلك للنادم عند ما يجده ممّا كان خفي عليه، ويقال: سقط في يده، واُسقط في يده وبغير ألف أفصح، وقيل معناه صار الّذي يضرّ به ملقى في يده (انتهى).
وقد ذكر في مطوّلات التفاسير وجوه كثيرة توجّه بها هذه الجملة، جلّها أو كلّها لا تخلو من تعسّف، وأقرب الوجوه ما نقلناه عن المجمع منقولاً عن بعضهم فإنّ ظاهر سياق الآية أنّ المراد بقوله:( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ) أنّهم لمّا التفتوا إلى ما فعلوه وأجالوا النظر فيه دقيقاً ثانياً ورأوا عند ذلك أنّهم قد ضلّوا قالوا: كذا وكذا فالجملة تفيد معنى التنبّه لما ذهلوا عنه والتبصّر بما أغفلوه كأنّهم عملوا شيئاً فقدّموه إلى ما عملوا له فردّه إليهم ورمى به نحوهم فتناولوه بأيديهم فسقط فيها فرأوا من قريب أنّهم ضلّوا فيما زعموا، وأهملوا فيه أمراً ما كان لهم أن يهملوه، وفات منهم ما فسد بفوته ما عملوه، وعلى أيّ حال تجري الجملة مجرى المثل السائر.
والآية أعني قوله( وَلَمَّا سُقِطَ ) بحسب المعنى مترتّب على الآيات التالية فإنّهم إنّما تبيّنوا ضلالهم بعد رجوع موسى إليهم كما تفصّل ذلك سورة طه لكنّه سبحانه
كأنّه قدّم الآية لأنّها مشتملة على حديث ندامتهم على ما صنعوا وتحسّرهم ممّا فات منهم، وقد أظهروا ذلك بقولهم:( لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) والأحرى بالندامة والحسرة أن يذكرا مع ما تعلّقنا به من غير فصل طويل، ولذا لمّا ذكر اتّخاذهم العجل في الآية الاُولى وصله بندامتهم وحسرتهم في الآية الثانية.
ولأنّ ذيل حديث رجوع موسى في الآية التالية مشغول بدعائه لنفسه وأخيه ففصّل بينه وبين هذا الّذي هو صورة دعاء.
قوله تعالى: ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ) إلى آخر الآية الأسف بكسر السين صفة مشبّهة من الأسف وهو شدّة الغضب والحزن والخلافة القيام بالأمر بعد غيره، والعجلة طلب الشئ وتحريّه قبل أوأنّه على ما ذكره الراغب يقال: عجلت أمراً كذا أي طلبته قبل أوانه الّذي له بحسب الطبع فمعنى الآية: ولمّا رجع موسى إلى قومه وهو في حال غضب وأسف لما أخبره الله تعالى لدى الرجوع بأنّ قومه ضلّوا بعبادة العجل بعده فوبّخهم وذمّهم بما صنعوا وقال: بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربّكم وطلبتموه قبل بلوغ أجله، وهو أمر من بيده خيركم وصلاحكم ولا يجري أمراً إلّا على ما يقتضيه حكمته البالغة، ولا يؤثّر فيه عجلة غيره ولا طلبة ولا رضاه إلّا بما شاء، والظاهر أنّ المراد بأمر ربّهم أمره الّذي لأجله واعد موسى لميقاته، وهو نزول التوراة.
وربّما قيل: إنّ معنى( أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ) : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربّكم؟ وقيل: المعنى استعجلتم وعد الله وثوابه على عبادته فلمّا لم تنالوه عدلتم إلى عبادة غيره؟ وقيل: المعنى أعجلتم عمّا أمركم به ربّكم وهو انتظار رجوع موسى حافظين لعهده فبنيتم على أنّ الميقات قد بلغ آخره ولم يرجع إليكم فغيّرتم هذا، وما قدّمناه من الوجه أنسب بالسياق.
وبالجملة اشتدّ غضب موسىعليهالسلام لمّا شاهد قومه ووبّخهم وذمّهم بقوله:( بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ) وهو استفهام إنكاريّ -( وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ ) وهي ألواح التوراة( وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ) قابضاً على شعره( يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ) وقد قال له - فيما
حكى الله في سورة طه:( يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) (١) ؟.
( قال ) هارون يا( ابن اُمّ ) وإنّما خاطبه بذكر اُمهما دون أن يقول: يا أخي أو يا ابن أبي للترقيق وتهييج الرحمة( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) لما خالفتهم في أمر العجل ومنعتهم عن عبادته( فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) بحسباني كأحدهم في مخالفتك، وكان ممّا قال له - على ما حكاه الله في سورة طه - إنّي خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي(٢) .
وظاهر سياق الآية وكذا ما في سورة طه من آيات القصّة أنّ موسى غضب على هارون كما غضب على بني إسرائيل غير أنّه غضب عليه حسباناً منه أنّه لم يبذل الجهد في مقاومة بني إسرائيل لما زعم أنّ الصلاح في ذلك مع أنّه وصّاه عند المفارقة وصيّة مطلقة بقوله:( وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) وهذا المقدار من الاختلاف في السليقة والمشيّة بين نبيّين معصومين لا دليل على منعه، وإنّما العصمة فيما يرجع إلى حكم الله سبحانه دون ما يرجع إلى السلائق وطرق الحياة على اختلافها.
وكذا ما فعله موسى بأخيه من أخذ رأسه يجرّه إليه كأنّه مقدّمة لضربه حسباناً منه أنّه استقلّ بالرأي زاعماً المصلحة في ذلك وترك أمر موسى فما وقع منه إنّما هو تأديب في أمر إرشاديّ لا عقاب في أمر مولويّ وإن كان الحقّ في ذلك مع هارون، ولذلك لمّا قصّ عليه القصص عذّره في ذلك، ودعا لنفسه ولأخيه بقوله ربّ اغفرلي ولأخي الخ.
وقد وجّه قوله:( وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ) بوجوه اُخر:
الأوّل: أنّ موسى إنّما فعل ذلك مستعظماً لفعلهم مفكّراً فيما كان منهم كما يفعل الإنسان ذلك بنفسه عند الوجد وشدّة الغضب فيقبض على لحيته ويعضّ على شفته فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه فصنع به ما يصنع الإنسان بنفسه عند الغضب والأسف.
الثاني: أنّه أراد أن يظهر ما اعتراه من الغضب على قومه لإكباره منهم ما صاروا
____________________
(١) سورة طه: ٩٢.
(٢) طه: ٩٤.
وإليه من الكفر والارتداد فصدر ذلك منه لإعلامهم عظم الحال عنده لينزجروا عن مثله في مستقبل الأحوال.
الثالث: أنّه إنّما جرّه إلى نفسه ليناجيه ويستفسر حال القوم منه، ولذلك لمّا ذكر هارون ما ذكر، قبله منه ودعا له.
الرابع: أنّه لمّا رأى أنّ بهارون مثل ما به من الغضب والأصف أخذ برأسه متوجّعاً له مسكّناً لما به من القلق فكره هارون أن يظنّ الجهال أنّه استخفاف وإهانة فأظهر براءة نفسه ودعا له أخوه وجلّ هذه الوجوه أو كلّها لا تلائم سياق الآيات.
وقوله في صدر الآية( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ) يدلّ على أنّه كان عالماً بأمر ارتداد قومه من قبل، وهو كذلك فإنّ الله سبحانه - كما حكى في سورة طه - قال له وهو في الميقات: فإنّا قد فتّنا قومك من بعدك وأضلّهم السامريّ(١) .
وإنّما ظهر حكم غضبه عند ما شاهد قومه فاشتدّ عليهم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه كلّ ذلك فعله بعد ما رجع إليهم لا حينما أخبره بذلك ربّه، وإخبار الله سبحانه أصدق من الحسّ لأنّ الحسّ يصدق ويكذب، والله سبحانه لا يقول إلّا الحقّ.
وذلك لأنّ للعلم حكماً وللمشاهدة حكماً آخر، والغضب هيجان القوّة الدافعة للدفع أو الانتقام، ولا يتحقّق مورد للدفع والانتقام بمجرّد تحقّق العلم لكنّ الحسّ والمشاهدة تصاحب وجود المغضوب عليه عند العصيان فيتأتّى منه الدفع والانتقام بالقول والفعل، ولا يؤثّر العلم قبل المشاهدة إلّا حزناً وغمّاً ونظير ذلك بالمقابلة أنّك لو بشّرت بقدوم من تحبّه وتتوق نفسك إلى لقائه فلك عند تحقّق البشرى حال وهو الفرح، وعند لقاء الحبيب حال آخر وحكم جديد، وكذا إذا شاهدت أمراً عجيبا وأنت وحدك كان حكمه التعجّب، وإذا شاهدته ومعك غيرك تعجّبت وضحكت، وله نظائر اُخر.
قوله تعالى: ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ) الآية دعاء منهعليهالسلام وقد تقدّم في الكلام على المغفرة في آخر الجزء السادس من الكتاب أنّ المغفرة أعمّ مورداً من المعصية.
____________________
(١) طه: ٨٥.
قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ) الآية تنكير الغضب وكذا الذلّة للإشعار بعظمتهما وقد أبهم الله سبحانه ما سينالهم من غضبه وذلّة الحياة فلم يبيّن ما هما فمن المحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى ما جرى عليهم بعد ذلك من تحريق العجل المعبود ونسفه في اليمّ نسفاً وطرد السامريّ وقتل جمع منهم، أو أن يكون المراد به ما ضرب الله على قومهم من الذلّة والمسكنة والقتل والإبادة والإسارة، ويمكن أن يكون المراد بالغضب هو عذاب الآخرة فيجمع لهم بذلك هوان الآخرة وذلّة الدّنيا.
وكيف كان فذيل الآية:( وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) بظاهره يدلّ على أنّ ذلك أعني نيل غضب الرّب سبحانه وذلّة الحياة الدنيا سنّة جارية إلهيّة في المفترين على الله وهذا الّذي يدلّ عليه الآية يهدي إليه الأبحاث العقليّة أيضاً كما مرّ مراراً.
قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ضمير( مِن بَعْدِهَا ) الأوّل راجع إلى السيّئات، والثاني إلى التوبة، ومعنى الآية ظاهر.
والآية وإن كانت في نفسها عامّة لكنّها بالنظر إلى المورد بمنزلة الاستثناء من الّذين اتّخذوا العجل المذكورين في الآية السابقة فالتوبة إذا تحقّقت بحقيقة معناها في أيّ سيّئة كانت لم يمنع من قبولها مانع كما تقدّم في تفسير قوله تعالى:( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ) الآية :النساء: ١٧.
وهذه الآية والّتي قبلها معترضتان في القصّة، ووجه الخطاب فيهما إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والدليل على ذلك قوله في الآية الاُولى:( وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) وفي الآية الثانية:( إِنَّ رَبَّكَ ) الآية وظاهر السياق أنّ الكلام فيهما جارٍ على حكاية الحال الماضية بدليل قوله:( سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ ) .
قوله تعالى: ( وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ) الآية الرهبة هي خوف مع تحرّز: والباقي ظاهر .
( بحث روائي)
في الدّر المنثور: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائيّ وابن جرير وابن المنذر و ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي واقد الليثيّ قال: خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفّار ذات أنواط، وكان الكفّار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها. فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى:( اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) إنّكم تركبون سنن الّذين قبلكم.
أقول: ورواها أيضاً بطرق اُخرى عن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جدّه أنّ رجلاً قال للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك، وفيها: أنّها كانت شجرة سدرة عظيمة كان يناط بها السلاح فسمّيت ذات أنواط وكانت تعبد من دون الله.
وفي تفسير البرهان: في قوله تعالى:( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ) الآية عن محمّد بن شهر آشوب: أنّ رأس الجالوت قال لعليعليهالسلام : لم تلبثوا بعد نبيّكم إلّا ثلاثين سنة حتّى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف ! فقال عليّعليهالسلام : وأنتم لم تجفّ أقدامكم من ماء البحر حتّى قلتم:( اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ )
وفي تفسير العيّاشيّ عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ موسى لمّا خرج وافداً إلى ربّه واعدهم ثلاثين يوماً فلمّا زاد الله على الثلاثين عشراً قال قومه: أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا.
وفي الدّر المنثور: أخرج البزّاز وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقيّ في الأسماء والصفات عن جابر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لمّا كلّم الله موسى يوم الطور كلّمه بغير الكلام الّذي كلّمه يوم ناداه فقال له موسى: يا ربّ أهذا كلامك الّذي كلّمتني به؟ قال: يا موسى إنّما كلّمتك بقوّة عشرة آلاف لسان ولي قوّة الألسن كلّها وأقوى من ذلك.
فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمان فقال: لا تستطيعونه ألم تروا إلى أصوات الصواعق الّذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتموه؟ فذاك قريب منه وليس به.
أقول: أمّا ذيل الرواية فهو تمثيل للتقريب وليس به بأس، وأمّا صدره ففيه خفاء ولعلّ المراد بقوّة عشرة آلاف لسان ما في العشرة آلاف من قوّة التفهيم لو تأيّد بعضها ببعض فإنّ ألسن الناس مختلفة في قوّة التفهيم فالمراد أنّ ذلك يعادل من حيث إعطاء التفهيم والكشف عن المراد عشرة آلاف لسان لو جمع بعضها مع بعض.
وعلى هذا يكون المراد بالمغايرة في قوله:( كلّمه بغير الكلام الّذي كلّمه يوم ناداه) التفاوت من حيث كيفيّة التفهيم.
وفي المعاني بإسناده عن هشام قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمّدعليهالسلام إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين فقال له معاوية بن وهب: يا ابن رسول الله ما تقول في الخبر المرويّ: أنّ رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى ربّه؟ على أيّ صورة رآه؟ وفي الخبر الّذي رواه أنّ المؤمنين يرون ربّهم في الجنّة؟ على أيّ صورة يرونه؟ فتبسّم ثمّ قال: يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة وثمانون سنة يعيش في ملك الله ويأكل من نعمة ثمّ لا يعرف الله حقّ معرفته. ثمّ قال: يا معاوية إنّ محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم لم ير الربّ تبارك وتعالى بمشاهده العيان، وإنّ الرؤية على وجهين: رؤية القلب ورؤية البصر فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب، ومن عنى برؤية البصر فقد كذب وكفر بالله وآياته لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من شبّه الله بخلقه فقد كفر.
ولقد حدّثني أبي عن أبيه عن الحسين بن عليّعليهالسلام قال: سئل أميرالمؤمنينعليهالسلام فقيل له: يا أخا رسول الله هل رأيت ربّك؟ فقال: لم أعبد ربّاً لم أره لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان.
وإذا كان المؤمن يرى ربّه بمشاهدة البصر فإنّ كلّ من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق، ولا بدّ للمخلوق من خالق فقد جعلته إذاً محدثاً مخلوقا، ومن شبّهه بخلقه فقد اتّخذ مع الله شريكاً.
ويلهم ألم يسمعوا لقول الله تعالى:( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) وقوله لموسى:( لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ) وإنّما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سمّ الخياط فدكدكت الأرض، وصعقت الجبال، وخرّ موسى صعقاً أي ميّتاً( فَلَمَّا أَفَاقَ ) وردّ عليه روحه( قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ) من قول من زعم أنّك ترى ورجعت إلى معرفتي بك: أنّ الأبصار لا تدركك( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) بأنّك ترى ولا ترى وأنت بالمنظر الأعلى (الحديث).
وفي التوحيد بإسناده عن عليّعليهالسلام في حديث: وسأل موسى وجرى على لسانه من حمد الله عزّوجلّ:( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) فكانت مسألته تلك أمراً عظيماً، وسأل أمراً جسيما فعوتب فقال الله عزّوجلّ( لَن تَرَانِي ) في الدنيا حتّى تموت وتراني في الآخرة، ولكن إن أردت أن تراني( انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) فأبدا الله بعض آياته وتجلّى ربّنا للجبل فتقطّع الجبل فصار رميما( وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ) ثمّ أحياه الله وبعثه فقال:( سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) يعني أوّل من آمن بك منهم بأنّه لا يراك.
أقول: الروايتان - كما ترى - تؤيّدان ما تقدّم في البيان السابق، ويتحصّل منهما:
* أوّلاً: أنّ السؤال إنّما كان عن رؤية القلب دون رؤية البصر المستحيل عليه تعالى بأيّ وجه تصوّر، وحاشا مقام الكلّيمعليهالسلام أن يجهل من ساحة ربّه المنزّهه ما هو من البداهة على مكان وهو يسمّي القوم الّذين اختارهم للميقات سفهاء إذ سألوا الرؤية إذ يقول لربّه:( أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ) الأعراف: ١٥٥، فكيف يقدّم هو نفسه على ما سمّاه سفها؟.
وقد كان النزاع والمشاجرة في الصدر الأوّل وخاصّة في زمان الصادقين إلى زمان الرضاعليهمالسلام في المسألة بالغاً أوج شدّته ينكرها المعتزلة مطلقا ويثبتها الأشاعرة في الآخرة وهناك طائفة اُخرى تثبتها في الدنيا والآخرة جميعاً، والفريقان جميعاً يستدلّان بالآية ولم
تزل المنازعة قائمة على ساقها لم تنقطع ظاهراً إلّا بسيوف آل أيّوب الّتي أبادت المعتزلة وألحقت طالعهم بغاربهم.
و جملة احتجاج المعتزلة، أنّهم كانوا يستدلّون بقوله في الآية:( لَن تَرَانِي ) و بسائر ما ينفي الرؤية البصرية من طريق العقل والنقل، ويؤولون ما يدلّ على جوازها من الآيات والروايات، وجملة احتجاج الاشاعرة أنّهم كانوا يستدلّون بالتنظير الواقع في الآية بقوله:( وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) الآية وبما في غيرها من الآيات وبعض الروايات من جوازها في الآخرة، ويؤولون ما عدا ذلك على ما هو شأن الابحاث الكلاميّة عندهم وربّما استدلّ لذلك بأنّه لا دليل على وجوب انحصار الرؤية البصريّة في الجسمانيّات فمن الجائز أن يتعلّق بغير الاُمور المادّيّة. وبأنّ الإبصار يتعلّق بالجوهر والعرض، ولا جامع بينهما إلّا الموجود المطلق فكلّ موجود يمكن أن يتعلّق به الإبصار وإن لم يكن جسماً أو جسمانيّا.
وقد اتّضح بطلان هاتين الحجّتين وما يسانخهما من الحجج والأقاويل في هذه الأزمنة اتّضاحاً كاد يلحقّ بالبديهيّات.
وعلى أيّ حال لا يهمّنا إيراد ما أوردوه من الجنبين من نقض وإبرام فمن أراد الوقوف عليها أمكنه أن يراجع الكتب الكلاميّة ومطوّلات تفاسير الفريقين.
والّذي تحصّل من سابق بحثنا - أوّلا - أنّ الرؤية البصريّة سواء كانت على هذه الصفة الّتي هي عليها اليوم أو تحوّلت إلى أيّ صفة اُخرى هي معها مادّيّة طبيعيّة متعلّقة بقدر وشكل ولون وضوء تعملها أداة مادّيّة طبيعيّة فإنّها مستحيلة التعلّق بالله سبحانه في الدنيا والآخرة، وعليه يدلّ البرهان وما ورد من الآيات والروايات في نفي الرؤية. نعم هناك علم ضروريّ خاصّ يتعلّق به تعالى غير العلم الضروريّ الحاصل بالاستدلال تسمّى رؤية، و إيّاه تعني الآيات والرّوايات الظاهرة في إثبات الرؤية لما فيها من القرائن الكثيرة الصريحة في ذلك، وموطن هذه المعرفة الآخرة.
و - ثانياً - أنّ قوله تعالى:( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) الآية اجنبيّة أصلاً عن الرؤية البصريّة الحسّيّة إثباتاً ونفياً وسؤالاً وجواباً، وإنّما يدور الكلام فيها مدار الرؤية بالمعنى
الآخر الّذي هو رؤية القلب بحسب ما اصطلح عليه في الروايات.
وقد روى الصدوق في العيون فيما سأله المأمون عن الرضاعليهالسلام أنّه أجاب عن سؤال الرؤية في الآية، أنّ موسى إنّما سأل ذلك عن لسان قومه لا لنفسه فإنّهم لمّا قالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ثمّ أحياهم الله سألوا موسى أن يسأله لنفسه فردّ عليهم بالإستحالة فأصرّوا عليه فقال:( رَبِّ أَرِنِي ) أي على ما يقترحه عليّ قومي.
والرواية كما أشرنا إليه في أخبار جنّة آدم ضعيفة السند على أنّها لا توافق الاصول المسلّمة في أخبار أئمّة إهل البيتعليهمالسلام فإنّ أخبارهم وخاصّة خطب عليّ والرضاعليهماالسلام مملوءة من حديث التجلّي والرؤية القلبيّة فلا موجب لهعليهالسلام أن يلتزم كون الرؤية المذكورة في الآية سؤالاً وجواباً هي الرؤية البصريّة ثمّ الجواب بطريق جدليّ لا ينطبق كثير انطباق على الآية لكونه خلاف ظاهرها البتّة، وخلاف ظاهر حال موسى فإنّهم لو اقترحوا عليه ذلك لرد عليهم كما ردّ عليهم بقوله:( إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) حين قالوا:( يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) .
* وثانياً: يتحصّل من الروايتين أنّ موسىعليهالسلام ما أجيب إلى الرؤية بالمعنى المذكور في الدنيا، وإنّما اُجيب إليها في الآخرة، والظاهر أنّه يستفاد ذلك من قوله تعالى:( فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ) فإنّ الاستدارك في قوله:( وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) أنّ الّذي فرض في الجبل هو بعينه مثل ما فرض في موسى فهو لا يطيق الظهور والإرائة كما أنّ ذاك لا يطيقه، وقد وقع التجلّي للجبل فدكّ به وصعق ولو وقع لموسى أيضاً لدكّ به وصعق فالتجلّي في نفسه ممكن لكنّه بالنسبة إلى المتجلّي له يوجب أندكاكه وصعقته، وهذا يشعر أنّ التجلّي لا مانع منه في نفسه مع الصعقة والموت، وقد استفاضت الروايات من طرق أئمّة أهل البيتعليهمالسلام أنّ الله سبحانه وتعالى يتجلّى لأهل الجنّة، وأنّ لهم في كلّ جمعة زورة كما وقع ذلك في قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) القيامة: ٢٣.
* وثالثاً تحصّل من الروايتين: أنّ صعقة موسىعليهالسلام كانت موتاً ثمّ ردّ الله إليه روحه لا غشية.
* ورابعا: أنّ ما ذكرهعليهالسلام أنّه تجلّى له من نوره مقدار ما يخرج من سمّ الخياط من النور من قبيل تمثيل المعنى بالاُمور المحسوسة فلا نوره تعالى نور حسّيّ، ولا أنّه يتقدّر بأمر حسّيّ كسمّ الخياط، ولذلك مثّل ذلك في غير هذه الرواية بوضع طرف الإبهام على أنملة الخنصر كما سيأتي، والغرض على أيّ تقدير بيان صغره وحقّارته.
وعلى أيّ حال فالتجلّي إنّما هو بما يكفي لدكّه وصعقته، وأمّا كمال نوره تعالى فهو غير متناه لا يحاذيه أيّ أمر متناه مفروض فلا نسبه بين المتناهي وغير المتناهي.
وفي الدّر المنثور أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذيّ وصحّحه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عديّ في الكامل وأبوالشيخ والحاكم وصحّحه وابن مردويه والبيهقيّ في كتاب الرؤية من طرق عن أنس بن مالك: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قرأ هذه الآية:( فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ) قال : هكذا وأشار بإصبعيه، ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر - وفي لفظ: على المفصل الأعلى من الخنصر - فساخ الجبل وخرّ موسى صعقا - وفي لفظ: فساخ الجبل في الأرض - فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة.
أقول: ووقع في أحاديث أئمّة أهل البيتعليهمالسلام أنّ الجبل دكّ فصار رميماً، وفي بعضها أنّه ساخ في البحر فهو يهوي حتّى الساعة، وفي بعضها: إلى هذه الساعة، والمحصّل من تفسير بعضها ببعض أنّه صار رميماً نزل البحر فلا يرى منه أثر أبداً وينبغي أن يكون هذا معنى قوله: فساخ الجبل في الأرض أو في البحر فهو يسيخ إلى يوم القيامة أو إلى الساعة.
وفيه أخرج أبوالشيخ وابن مردويه من طريق ثابت عن أنس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله:( فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) قال: أظهر مقدار هذا ووضع الإبهام على خنصر الإصبع الصغرى. فقال حميد - راوي الحديث - يا أبا محمّد - الراوي عن أنس - ما تريد إلى هذا؟ فضرب في صدره وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يحدّثني أنس ابن مالك عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتقول أنت: ما تريد إلى هذا؟.
وفيه: أخرج الحكيم الترمذيّ في نوادر الاُصول وأبو نعيم في الحلية عن ابن
عبّاس قال: تلا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية:( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) قال: قال الله عزّوجلّ يا موسى إنّه لا يراني حيّ إلّا مات، ولا يابس إلّا تدهده ولا رطب إلّا تفرّق، وإنّما يراني أهل الجنّة الّذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسادهم.
أقول: والرواية نظيرة ما تقدّم من رواية التوحيد عن عليّعليهالسلام وتقدّم توضيح معناها.
وفي تفسير العيّاشيّ عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبداللهعليهماالسلام قال: لمّا سأل موسى ربّه تبارك وتعالى، قال:( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) قال:( لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) قال: فلمّا صعد موسى على الجبل فتحت أبواب السماء، وأقبلت الملائكة أفواجاً في أيديهم العمد، وفي رأسها النور يمرّون به فوجاً بعد فوج، يقولون: يا ابن عمران اثبت فقد سألت عظيما. قال: فلم يزل موسى واقفاً حتّى تجلّى ربّنا جلّ جلاله فجعل الجبل دكّا وخرّ موسى صعقا فلمّا أن ردّ الله عليه روحه أفاق( قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) .
وفيه أيضاً عن أبي بصير قال: سمعت أباعبداللهعليهالسلام يقول: إنّ موسى بن عمران لمّا سأل ربّه النظر إليه وعدّ الله أن يقعد في موضع ثمّ أمر الملائكة تمرّ عليه موكباً موكباً بالرعد والبرق والريح والصواعق فكلّما مرّ به موكب من المواكب ارتعدت فرائصه فيرفع رأسه فيسأل: أيّكم ربّي؟ فيجاب هو آت وقد سألت عظيماً يا ابن عمران.
إقول: والرواية موضوعة، وما تشمل عليه لا يقبل الانطباق على شئ من مسلّمات الاصول المتّخذة من الكتاب والسنّة.
وفي البصائر بإسناده عن أبي محمّد عبدالله بن أبي عبدالله الفارسيّ وغيره فرفعوه إلى أبي عبداللهعليهالسلام : أنّ الكروبيّين قوم من شيعتنا من الخلق الأوّل جعلهم الله خلف العرش لو قسّم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم، ثمّ قال: إنّ موسىعليهالسلام لمّا سأل ربّه ما سأل أمر واحداً من الكروبيّين تجلّى للجبل فجعله دكّا.
أقول: محصّل الرواية أنّ تجلّيه سبحانه يقبل الوسائط كما أنّ سائر الاُمور المنسوبة إليه تعالى كالتوفّي والاحياء والرزق والوحي وغيرها يقبل الوسائط فهو تعالى
يتجلّى بالوسائط كما يتوفّى بملك الموت، ويحيي بصاحب الصور، ويرزق بميكائيل، ويوحي بجبرئيل الروح الامين، وسيوافيك شرح الرواية في موضع مناسب له إن شاء الله.
وللكروبيّين ذكر في التوراة.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن مردويه والحاكم وصحّحه عن أنس أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قرء( دَكًّا ) منونّة ولم يمدّه.
وفيه أخرج ابن مردويه عن أنس أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قرء( فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ) مثقّلة ممدودة.
وفيه أخرج أبو نعيم في الحلية عن معاوية بن قرّة عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا تجلّى ربّه للجبل طارت لعظمته ستّة أجبل فوقعن بالمدينة: أحد وورقان ورضوى. ووقع بمكّة ثور وثبير وحراء.
أقول: ورواه أيضاً عن ابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه عن أنس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفيه أخرج الطبرانيّ في الاوسط عن ابن عبّاس أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: لمّا تجلّى الله لموسى تطايرت سبعة أجبال ففي الحجاز منها خمسة، وفي اليمن اثنان: في الحجاز اُحد وثبير وحراء وثور وورقان، وفي اليمن حصور وصير.
أقول: وروي في تقطّع الجبل غير ذلك، وهذه الروايات على ما فيها من الاختلاف في عدد الجبال المتطايرة إن كان المراد بها تفسير دكّ الجبل لم ينطبق على الآية، وإن اُريد غير ذلك فهو وإن كان ممكن الوقوع غير أنّه لا يكفى لإثباته أمثال هذه الآحاد.
وكذا ما ورد من طرق الشيعة وأهل السنّة أنّ ألواح التوراة كانت من زبرجد، وفي بعضها من طرق أهل السنّة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنّ الألواح الّتي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنّة كان طول اللوح اثني عشر ذراعاً، وفي بعضها: كتب الله الألواح لموسى وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح، وفي بعض أخبارنا أنّ هذه الألواح مدفونة في جبل من جبال اليمن، أو التقمها حجر هناك فهي محفوظة في بطنه إلى غير ذلك من آحاد الأخبار غير المؤيّده بقرائن قطعيّة.على أنّ البحث التفسيريّ لا يتوقّف على الغور
في البحث عنها.
وفي روح المعاني قال: وعن عليّ كرّم الله وجهه: أنّه قرأ( جَوَارِ ) بجيم مضمومة وهمزة. قال وهو الصوت الشديد.
وفي الدّر المنثور: في قوله تعالى:( وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ ) الآية: أخرج أحمد وعبد بن حميد والبزّاز وابن أبي حاتم وابن حبّان والطبرانيّ وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّاس قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربّه تبارك وتعالى أنّ قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلمّا رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسّر منها ما تكسّر.
وفي تفسير العيّاشيّ عن محمّد بن أبي حمزة عمّن ذكره عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: إنّ الله تبارك وتعالى لمّا أخبر موسى أنّ قومه اتّخذوا عجلاً {جسداً ظ} له خوار فلم يقع منه موقع العيان فلمّا رآهم اشتدّ غضبه فألقى الألواح من يده، قد قال أبوعبداللهعليهالسلام : وللرؤية فضل على الخبر.
وفي الكافي بإسناده عن سفيان بن عيينه عن السدّيّ عن أبي جعفرعليهالسلام قال: ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوماً أو قال: ما أجلّ عبد ذكر الله أربعين يوماً إلّا زهّده الله في الدنيا، وبصّره داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق به لسانه.
ثمّ تلا:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) فلا ترى صاحب بدعة إلّا ذليلا، ومفترياً على الله عزّوجلّ وعلى رسوله وعلى أهل بيته إلّا ذليلا.
( بحث روائي آخر)
* نورد فيها بعض ما ورد عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام في معنى رؤية القلب *
في التوحيد والأمالي بإسناده عن الرّضاعليهالسلام في خطبة له قال: أحد لا بتأويل عدد ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلٍّ لا باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة.
أقول: وحديث تجلّيه تعالى الدائم لخلقه متكرّر في كلام عليّ والأئمّة من ذرّيّتهعليهمالسلام ، وقد نقلنا شذرات من كلامهعليهالسلام في مباحث التوحيد في ذيل قوله تعالى:( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ) المائدة: ٧٣.
وفي التوحيد بإسناده عن الصادقعليهالسلام في كلام له في التوحيد: واحد صمد أزليّ صمديّ، لا ظلّ له يمسكه، وهو يمسك الأشياء بأظلّتها، عارف بالمجهول، معروف عند كلّ جاهل، لا هو في خلقه ولا خلقه فيه.
أقول: قولهعليهالسلام ( معروف عند كلّ جاهل ) ظاهر في أنّ له تعالى معرفة عند خلقه لا يطرأ عليها غفلة، ولا يغشاها جهل، ولو كانت هي المعرفة الحاصلة من طريق الاستدلال لزالت بزوال صورته عن الذهن هذا إذا كان المراد من قوله:( معروف عند كلّ جاهل) أنّ الإنسان يجهل كلّ شئ ولا يجهل ربّه، وأمّا لو كان المراد أنّ الله سبحانه معروف عند كلّ جاهل به فكون هذه المعرفة غير المعرفة الحاصلة بالاستدلال أظهر.
وقولهعليهالسلام :( لا ظلّ له يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلّتها) الأظلّة والظلال اصطلاح منهمعليهمالسلام والمراد بظلّ الشئ حدّه، ولذلك كان منفيّاً عن الله سبحانه ثابتاً في غيره، وقد فسّره أبوجعفرالباقرعليهالسلام في بعض(١) أحاديث الذرّ والطينة حيث ذكر: أنّ الله خلق طائفة من خلقه من طينة الجنّة، وطائفة اُخرى من طينة النار ثمّ بعثهم في الظلال فقيل: وأيّ شئ الظلال؟ فقالعليهالسلام : أ لم تر إلى ظلّك في الشمس شئ وليس بشئ؟ فالحدود الوجوديّة بالنظر إلى وجود الأشياء غيره وليست غيره، وبها تتعيّن الأشياء ولولاها لبطلت، ولعلّ الاصطلاح مأخوذ من آية الظلال.
وفي الإرشاد وغيره عن أميرالمؤمنينعليهالسلام في كلام له: إنّ الله أجلّ من أن يحتجب عن شئ أو يحتجب عنه شئ.
وعنهعليهالسلام : ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله.
وعنه: لم أعبد ربّاً لم أره.
____________________
(١) رواها في الكافي باسناده عن عبدالله بن محمّد الحنفي وعقبة جميعاً عنه عليهالسلام ، وسنوردها إن شاء الله في ذيل قوله تعالى: ( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ ) يونس: ٧٤.
وفي النهج عنه لم تره العيون بمشاهدة الإبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.
وفي التوحيد بإسناده عن أبي بصير عن الصادقعليهالسلام قال: سألته عن الله عزّوجلّ هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة. قلت: متى؟ قال: حين قال لهم:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ) ثمّ سكت ساعة ثمّ قال: وإنّ المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة. ألست تراه في وقتك هذا.
قلت: فاُحدّث بهذا عنك؟ فقال: لا، فإنّك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثمّ قدّر أنّ ذلك تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالى الله عمّا يصفه المشبهون والملحدون.
اقول: وظاهر من الرواية أنّ هذه الرؤية ليست هي الاعتقاد والإيمان القلبيّ المكتسب بالدليل كما أنّها غير الرؤية البصريّة الحسّيّة، وأنّ المانع من تكثير استعمال لفظ الرؤية في مورده تعالى وإذاعة هذا الاستعمال انصراف اللفظ عند الأفهام العامّيّة إلى الرؤية الحسّيّة المنفيّة عن ساحة قدسه، وإلّا فحقيقة الرؤية ثابتة وهي نيل الشئ بالمشاهدة العلميّة من غير طريق الاستدلال الفكريّ بل هناك عدّة من الأخبار تنكر أن يكون الله سبحانه معلوماً معروفاً من طريق الفكر وسيأتي بعضها.
وفي التوحيد بإسناده عن موسى بن جعفرعليهالسلام في كلام له في التوحيد: ليس بينه وبين خلقه حجاب غير خلقه فقد احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، لا إله إلّا هو الكبير المتعال.
اقول: وهذا المعنى مرويّ عن الرّضاعليهالسلام أيضاً على ما في العلل وجوامع التوحيد.
والرواية الشريفة تفسّر معنى حصول المعرفة به تعالى معرفة لا تقبل الجهالة، ولا يطرأ عليها زوال ولا تغيير ولا خطأ البتّة فهي توضح أنّه سبحانه غير محتجب عن شئ إلّا بنفس ذلك الشئ فالالتفات إلى الأشياء هو العائق عن الالتفات إلى مشاهدته تعالى. ثمّ حكمعليهالسلام أنّ هذا الحاجب الساتر غير مانع حقيقة فهو حجاب غير حاجب وستر غير ساتر.
وينتج مجموع الكلامين أنّه سبحانه مشهود لخلقه معروف لهم غير غائب عنهم غير أنّ اشتغالهم بأنفسهم والتفاتهم إلى ذواتهم حجبهم عن التنبّه على أنّهم يشهدونه دائماً فالعلم موجود أبداً، والعلم بالعلم مفقود في بعض الاحيان، وقد بنى الصادقعليهالسلام على هذا الاساس فيما أجاب به بعض من شكى إليه كثرة الشبهات فقالعليهالسلام له: هل ركبت السفينة فانكسرت وغرقت وبقيت وحدك على لوحة خشبة منها تلعب بك الامواج فانقطعت عن كلّ سبب ينجيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلّق قلبك إذ ذاك بشئ؟ قال: نعم. قال: ذلك الشئ هو الله(١) .
وفي جوامع التوحيد عن الرّضاعليهالسلام قال: خلقة الله الخلق حجاب بينه وبينهم.
وفي العلل بإسناده عن الثماليّ قال: قلت لعليّ بن الحسينعليهالسلام : لأيّ علّة حجب الله عزّوجلّ الخلق عن نفسه؟ قال: لأنّ الله تبارك وتعالى بناهم بنيه على الجهل.
أقول: يظهر من رواية التوحيد السابقة أنّ بناءهم على الجهل هو خلقهم بحيث يشتغلون بأنفسهم.
وفي المحاسن بإسناده عن أبي جعفرعليهالسلام قال: أنّ الله عزّوجلّ كان ولا شئ غيره نوراً لا ظلام فيه، وصادقاً لا كذب فيه، وعالماً لا جهل فيه، وحيّاً لا موت فيه وكذلك هو اليوم، وكذلك لا يزال أبداً (الحديث).
وفي التوحيد بإسناده عن الرّضاعليهالسلام في حديث: - كان يعني رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم - إذا نظر إلى ربّه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتّى يستبين له ما في الحجب.
وفيه أيضاً بإسناده عن محمّد بن الفضيل قال: سألت أباالحسنعليهالسلام هل رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ربّه عزّوجلّ؟ فقال: نعم بقلبه رآه أما سمعت الله عزّوجلّ يقول:( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ) لم يره بالبصر ولكن رآه بالفؤاد.
وفيه بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام عن الصادقعليهالسلام في حديث: ومن زعم أنّه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأنّ الحجاب والمثال والصورة غيره
____________________
(١) الحديث منقول بالمعنى.
وإنّما هو واحد موحّد فكيف يوحّد من زعم أنّه عرفه بغيره؟ إنّما عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه، إنّما يعرف غيره، ليس بين الخالق والمخلوق شئ، والله خالق الأشياء لا من شئ.
تسمّى بأسمائه فهو غير أسمائه، والأسماء غيره، والموصوف غير الواصف، فمن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف فهو ضالّ عن المعرفة، لا يدرك مخلوق شيئاً إلّا بالله، ولا تدرك معرفة الله إلا بالله، والله خلو من خلقه وخلقه خلو منه.
أقول : الرواية تثبت معرفة الله لكلّ مخلوق يدرك شيئاً مّا من الأشياء، وتثبت أنّ هذه المعرفة غير المعرفة الفكريّة الّتي تحصل من طريق الأدّلة والآيات وأنّ القصر على المعرفة الاستدلاليّة لا يخلو عن جهل بالله، وشرك خفيّ.
بيان ذلك بما تعطيه الرواية من المقدّمات أنّ المعرفة المتعلّقة بشئ إنّما هي إدراكه فما وقع في ظرف الإدراك فهو الّذي تتعلّق به المعرفة حقيقة لاغيره، فلو فرضنا أنّا عرفنا شيئاً من الأشياء بشئ آخر هو واسطة في معرفته فالّذي تعلّق به إدراكنا هو الوسط دون الظرف الّذي هو ذو وسط، فلو كانت المعرفة بالوسط مع ذلك معرفة بذي الوسط كان لازمة أن يكون ذلك الوسط بوجه هو ذا الوسط حتّى تكون المعرفة بأحدهما هي بعينها معرفة بالآخر فهو هو بوجه وليس هو بوجه فيكون واسطة رابطة بين الشيئين فزيد الخارجيّ الّذي نتصوّره في ذهننا هو زيد بعينه ولو كان غيره لم نكن تصوّرناه بل تصوّرنا غيره، وعاد عند ذلك علومنا جهالات.
وإذ كان لا واسطة بين الخالق والمخلوق ليكون رابطة بينهما فلا تمكن معرفته سبحانه بشئ آخر غير نفسه فلو عرف بشئ كان ذلك الشئ هو نفسه بعينه، وإن لم يعرف بنفسه لم يعرف بشئ آخر أبداً فدعوى أنّه تعالى معروف بشئ من الأشياء كتصوّر أو تصديق أو آية خارجيّة شرك خفي لأنّه إثبات واسطة بين الخالق والمخلوق يكون غيرهما جميعاً وما هذا وصفه غير محتاج الوجود إلى الخالق تعالى فهو مثله وشريكه فالله سبحانه لو عرف عرف بذاته، ولولم يعرف بذاته لم يعرف بشئ آخر البتّة لكنّه سبحانه معروف، فهو
معروف بذاته أي أنّ ذاته المتعالية والمعروفيّة شئ واحد بعينه فمن المستحيل أن يكون مجهولاً لأنّ ثبوت ذاته عين ثبوت معروفيّته.
وأمّا بيان كونه تعالى معروفا فلان شيئاً من الأشياء المخلوقة لا يستقلّ عنه تعالى بذاته بوجه من الوجوه لا في خارج ولا في ذهن، فوجوده كالنسبة والرابط الّذي لا يمكنه الاستقلال عن طرفه بوجه من الوجوه، فإذا تعلّق علم مخلوق بشئ من الأشياء أي وقع المعلوم في ظرف علمه لم يتحقّق هناك إلّا ومعه خالقه متّكئاً بوجوده عليه وإلّا لاستقلّ دونه فلا يجد عالم معلومه إلّا وقد وجد الله سبحانه قبله، والعالم نفسه حيث كان مخلوقاً لم يستقلّ بالعلم إلّا بالله سبحانه الّذي قوّم وجود هذا العالم، ولو استقلّ به دونه كان مستقلاً دونه غير مخلوق له، فالله سبحانه يحتاج إليه العالم في كونه عالماً كما يفتقر إليه وجود المعلوم في كونه معلوماً أي أنّ العلم يتعلّق باستقلال ذات المعلوم أي أنّ الله سبحانه هو المعلوم أوّلاً ويعلم به المعلوم ثانياً كما أنّه تعالى هو العالم أوّلاً وبه يكون الشئ عالماً ثانياً فافهم ذلك وتدبّر في قوله تعالى:( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ) البقرة: ٢٥٥، وفي قولهعليهالسلام :( ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله) .
فقد تبيّن أنّه تعالى معروف لأنّ ثبوت علم مّا بمعلوم مّا في الخارج لا يتمّ إلّا بكونه تعالى هو المعروف أوّلا، وثبوت ذلك ضروريّ.
فقولهعليهالسلام :( من زعم أنّه يعرف الله بحجاب أو صورة أو مثال فهو مشرك) كأنّ المراد بالحجاب هو الشئ الّذي يفرض فاصلاً بينه تعالى وبين العارف، وبالصورة الصورة الذهنيّة المقارنة للأوصاف المحسوسة من الأضواء والألوان والأقدار وبالمثال ما هو من المعاني العقليّة غير المحسوسة، أو المراد بالصورة الصورة المحسوسة، وبالمثال الصورة المتخيّلة، أو المراد بالصورة التصوّر وبالمثال التصديق، وكيف كان فالعلوم الفكريّة داخلة في ذلك، والأخبار في نفي كون العلم الفكريّ إحاطة علميّة بالله كثيرة جدّا.
وكون هذه المعرفة شركاً لإثباتها أمراً ليس بخالق ولا مخلوق كما عرفت آنفاً، ولزوم كونه مشاركاً معه بوجه مبائناً له بوجه، ولذلك عقّبعليهالسلام الكلام بقوله:( وإنّما هو واحد موحّد) أي أنّه لا يشاركه في ذاته شئ بوجه من الوجوه حتّى يوجب ذلك
تركّبه وانتفاء وحدته كما أنّ الصورة العلميّة تشارك المعلوم الخارجيّ في معناه وماهيّته وتفارقه في وجوده فيصير المعلوم بذلك مركّباً من ماهيّة ووجود.
( فكيف يوحّد من زعم أنّه يعرفه بغيره) مع إثباته شريكاً له في وجوده وتركّباً له في ذاته( إنّما عرف الله من عرفه بالله ) أي بنفس ذاته من غير واسطة( ومن لم يعرفه به فليس يعرفه إنّما يعرف غيره) كلّ ذلك( لأنّه ليس بين الخالق والمخلوق شئ) أي أمر يربطهما هو غيرهما( والله خالق الأشياء لا من شئ) يكون رابطاً بينهما موصلاً للخالق إلى المخلوق وبالعكس كما أنّ الإنسان الصانع يرابطه إلى مصنوعه مثاله الّذي في ذهن الصانع، والمادّة الخارجيّة الّتي بيده.
وقولهعليهالسلام :( تسمّى بأسمائه فهو غير أسمائه ) في موضع دفع اعتراض مقدّر، وهو أن يقال: إنّا إنّما نعرفه سبحانه بأسمائه الحاكية لجماله وجلاله، فدفعه بأنّ نفس التسمّي بالأسماء يقضي بأنّ الأسماء غيره إذ لو لم تكن غيره لكان معرفته بأسمائه معرفة له بنفسه لا بشئ آخر ثمّ أكّده بأنّ الأسماء واصفة، والذات موصوفة( والموصوف غير الواصف) .
فإن رجع المعترض وقال: إنّا نؤمن بما نجهله، ولا يمكننا معرفته بنفسه إلّا بما تسمّى معرفة به بنوع من المجاز كالمعرفة بالآيات و( زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف فهو ضالّ عن المعرفة) لا يدري ما ذا يقول فإنّه يدرك شيئاً لا محالة لا مجال له لإنكار ذلك( ولا يدرك مخلوق شيئاً إلّا بالله) فهو يعرف الله وإلّا لم يمكنه أن يعرف به، ولا تنال( ولا تدرك معرفة الله إلّا بالله) ولا رابطة مشتركة بين الخالق والمخلوق( والله خلو من خلقه وخلقه خلو منه) .
فقد تحصّل من الرواية أنّ معرفة الله سبحانه ضروريّ لكلّ مدرك ذي شعور من خلقه إلّا أنّ الكثير منهم ضالّ عن المعرفة مختلط عليه، والعارف بالله يعرفه به، ويعلم أنّه يعرفه ويعرف كلّ شئ به ، وفي بعض هذه المعاني روايات اُخر.
واعلم أنّ الروايات من طرق أئمّة أهل البيتعليهمالسلام كثيرة جدّاً لا حاجة إلى إيرادها على كثرتها.
واعلم أنّا لم نورد بحثاً فلسفيّاً في مسألة الرؤية لأنّ الّذي تتضمّنه غالب ما أوردناه من الرّوايات من البيان بيان فلسفيّ فلم تمسّ الحاجة إلى عقد بحث على حدة.
( سورة الأعراف آية ١٥٥ - ١٦٠)
وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ( ١٥٥ ) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ( ١٥٦ ) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ١٥٧ ) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( ١٥٨ ) وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( ١٥٩ ) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( ١٦٠ )
( بيان)
فصول اُخرى من قصص بني إسرائيل يذكر فيها آيات كثيرة أنزلها الله إليهم وحباهم بها يهديهم بها إلى سبيل الحقّ ويدلّهم على منهج التقوى فكفروا بها وظلموا أنفسهم.
قوله تعالى: ( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ) أي اختار من قومه فالقوم منصوب بنزع الخافض.
والآية تدلّ على أنّ الله سبحانه عيّن لهم ميقاتاً فحضره منهم سبعون رجلا اختارهم موسى من القوم، ولا يكون ذلك إلّا لأمر مّا عظيم لكنّ الله سبحانه لم يبيّن ههنا ما هو الغاية المقصودة من حضورهم غير أنّه ذكر أنّهم أخذتهم الرجفة ولم تأخذهم إلّا لظلم عظيم ارتكبوه حتّى أدّى بهم إلى الهلاك بدليل قول موسىعليهالسلام :( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ) فيظهر من هنا أنّ الرجفة أهلكتهم.
ويتأيّد بذلك أنّ هذه القصّة هي الّتي يشير سبحانه إليها بقوله:( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) البقرة: ٥٦، وبقوله:( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ) النساء: ١٥٣.
ومن ذلك يظهر أنّ المراد بالرجفة الّتي أخذتهم في الميقات رجفة الصاعقة لا رجفة في أبدانهم كما احتمله بعض المفسّرين ولا ضير في ذلك فقد تقدّم نظير التعبير في قصّة قوم صالح حيث قال تعالى:( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) الأعراف: ٧٨، وقال فيهم:( فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ ) حم السجدة: ١٧.
وفي آية النساء المنقولة آنفاً إشعار بأنّ سؤالهم الرؤية كان مربوطاً بنزول الكتاب وأنّ اتّخاذ العجل كان بعد ذلك فكأنّهم حضروا الميقات لنزول التوراة، وأنّهم إنّما سألوا الرؤية ليكونوا على يقين من كونها كتاباً سماويّاً نازلاً من عند الله، ويؤيّد ذلك أنّ الظاهر أنّ هؤلاء المختارين كانوا مؤمنين بأصل دعوة موسى، وإنّما أردوا بقولهم:( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) تعليق إيمانهم به من جهة نزول التوراة عليه على الرؤية.
وبهذا كلّه يتأيّد أنّ هذه القصّة جزء من قصّة الميقات ونزول التوراة، وأنّ موسىعليهالسلام لمّا أراد الحضور لميقات ربّه ونزول التوراة اختار هؤلاء السبعين فذهبوا معه إلى الطور ولم يقنعوا بتكليم الله كليمه، وسألوا الرؤية فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثمّ أحياهم الله بدعوة موسى، ثمّ كلّم الله موسى وسأل الرؤية وكان ما كان، وممّا كان اتّخاذ بني إسرائيل العجل بعد غيبتهم وذهابهم لميقات الله، وقد وقع هذا المعنى في بعض الأخبار المأثورة عن أئمّه أهل البيتعليهمالسلام كما سيجئ إن شاء الله.
وعلى أيّ حال العناية في هذه القصّة ببيان ظلمهم ونزول العذاب عليهم ودعاء موسى لهم لا بيان كون هذه القصه جزءً من القصّة السابقة لو كان جزءً، ولا مغايرتها لها لو كانت مغايرة فلا دلالة في اللّفظ تنبّه على شئ من ذلك.
وما قيل: إنّ ظاهر الحال أن تكون هذه القصّة مغايرة للمتقدّمة إذ لا يليق بالفصاحة ذكر بعض القصّة ثمّ النقل إلى اُخرى ثمّ الرجوع إلى الاُولى فإنّه اضطراب يصان عند كلامه. على أنّه لو كانت الرجفة بسبب سؤال الرؤية لقيل: أتهلكنا بما قال السفهاء منّا لا بما فعل، ولم يذكر ههنا أنّهم قالوا شيئاً، وليس من المعلوم أن يكون قولهم( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) صدر منهم ههنا بل الحقّ أنّها قصص ثلاث: قصّة سؤالهم الرؤية ونزول الصاعقة، وقصّة ميقات موسى وصعقته، وقصّة ميقات السبعين وأخذ الرجفة، وسنوردها في البحث الروائيّ التالي إن شاء الله.
ولذلك ذكر بعضهم أنّ هذا الميقات غير الميقات الأوّل، وذلك أنّهم لمّا عبدوا العجل أمر الله موسى أن يأتي في اُناس منهم إلى الطور فيعتذروا من عبادة العجل فاختار
منهم سبعين فأتوا الطور فقالوا ما قالوا فأخذتهم رجفة في أبدانهم كادت تهلكهم ثمّ انكشفت عنهم بدعاء موسى.
وذكر بعض آخر أنّ هارون لمّا مات اتّهم بنو إسرائيل موسى في أمره، وقالوا له: أنت حسدته فينا فقتلته، وأصرّوا على ذلك فاختار منهم سبعين وفيهم ابن هارون فأتوا قبره فكلّمه موسى فبرّأه هارون من قتله فقالوا: ما نقضي يا موسى ادع لنا ربّك يجعلنا أنبياء فأخذتهم الرجفة فصعقوا.
وذكر آخرون أنّ بني إسرائيل سألوا موسى الرؤية فاختار منهم السبعين فجاؤوا إلى الطور فقالوا ما قالوا وأخذتهم الرجفة فهلكوا ثمّ أحياهم الله بدعاء موسى إلّا أنّها قصّة مستقلّة ليست بجزء من قصّة موسى.
وأنت خبير بأنّ شيئاً من هذه الأقوال وبالخصوص القولان الأوّلان لا دليل عليه من لفظ القرآن، ولا يؤيّده أثر معتبر وتقطيع القصّة الواحدة إلى قصص متعدّدة، والانتقال من حديث إلى آخر لتعلّق عناية بذلك غير عزيز في القرآن الكريم، وليس القرآن كتاب قصّة حتّى يعاب بالانتقال عن قصّة قبل تمامها، وإنّما هو كتاب هداية ودلالة وحكمة يأخذ من القصص ما يهمّه.
وأمّا قوله:( بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ ) وقد كان الصادر منهم قولاً لا فعلاً فالوجه في ذلك أنّ المؤاخذة إنّما هو على المعصية، والمعصية تعدّ عملاً وفعلاً وإن كانت من قبيل الأقوال كما قال تعالى:( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) التحريم: ٧، فإنّه شامل لقول كلمة الكفر والكذب والافتراء ونحو ذلك بلا ريب، والظاهر أنّهم عذّبوا بما كان يستلزمه قولهم من سوء الأدب والعناد والاستهانة بمقام ربّهم.
على أنّ ظاهر تلك الأقوال جميعاً أنّهم إنّما عذّبوا بالرجفة قبال ما قالوه دون ما فعلوه فالإشكال على تقدير وروده مشترك بين جميع الأقوال فالأقرب كون القصّة جزءً من سابقتها كما تقدّم.
قوله تعالى: ( قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ - إلى قوله -مَن تَشَاءُ ) يريدعليهالسلام بذلك أن يسأل ربّه أن يحييهم خوفاً من أن يتّهمه بنو إسرائيل فيخرجوا
به عن الدين، ويبطل بذلك دعوته من أصلها فهذا هو الّذي يبتغيه غير أنّ المقام والحال يمنعانه من ذلك فها هوعليهالسلام واقع أمام معصية موبقة من قومه صرعتهم وغضب إلهيّ شديد أحاط بهم حتّى أهلكهم.
ولذلك أخذ يمهّد الكلام رويداً ويسترحم ربّه بجمل من الثناء حتّى يهيّج الرحمة على الغضب، ويثير الحنان والرأفة الإلهيّة ثمّ يتخلّص إلى مسألته وذكر حاجته في جوّ خال من موانع الإجابة.
( قَالَ ) مبتدئاً باسم الربوبيّة المهيّجة للرحمة( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ ) فالأمر إلى مشيّتك، ولو أهلكتهم من قبل( وَإِيَّايَ ) لم يتّجه من قومي إليّ تهمة في هلاكهم، ثمّ ذكر أنّه ليس من شأن رحمته وسنّة ربوبيّته أن يؤاخذ قوماً بفعل سفهائهم فقال في صورة الاستفهام تأدّباً:( أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ) ؟ ثمّ أكدّ القول بقوله:( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ) وامتحانك( تُضِلُّ بِهَا ) أي بالفتنة( مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ) أي أنّ هذا المورد أحد موارد امتحانك وابتلائك العامّ الّذي تبتلي به عبادك وتجريه عليهم ليضلّ من ضلّ ويهتدي من اهتدى، وليس من سنّتك أن تهلك كلّ من افتتن بفتنتك فانحرف عن سوىّ صراطك.
وبالجملة أنت الّذي سبقت رحمتك غضبك ليس من دأبك أن تستعجل المسيئين من عبادك بالعقوبة أو تعاقبهم بما فعل سفهاؤهم، وأنت الّذي أرسلتني إلى قومي ووعدتني أن تنصرني في نجاح دعوتي، وهلاك هؤلاء المصعوقين يجلب عليّ التهمة من قومي.
قوله تعالى: ( أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) شروع منهعليهالسلام في الدعاء بعد ما قدّمه من الثناء، وبدأه بقوله:( أَنتَ وَلِيُّنَا ) وختمه بقوله:( وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) ليقع ما يسأله بين صفتي ولاية الله الخاصّة به ومغفرته الّتي هي خير مغفرة ثمّ سأل حاجته بقوله:( فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ) لأنّه خير حاجة يرتضي الله من عباده أن يسألوها عنه، ولم يصرّح بخصوص حاجته الّتي بعثته إلى الدعاء، وهي إحياء السبعين الّذين أهلكهم الله تذلّلاً واستحياءً.
وحاجته هذه مندرجة في قوله:( فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ) لا محالة فإنّ الله سبحانه
يذكر في آية سورة البقرة أنّه بعثهم بعد موتهم، ولم يكن ليحييهم بعد ما أهلكهم إلّا بشفاعة موسىعليهالسلام ولم يذكر من دعائه المرتبط بحالهم إلّا هذا الدعاء فهو إنّما سأله ذلك تلويحاً بقوله( فَاغْفِرْ لَنَا ) الخ كما تقدّم لا تصريحا.
قوله تعالى: ( وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) أي رجعنا إليك من هاد يهود إذا رجع، وهو أعني قوله:( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) تعليل لهذا الفصل من الدعاء سأل فيه أن يكتب الله أي يقضي لهم بحسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة والمراد بالحسنة لا محالة الحياة والعيشة الحسنة فإنّ الرجوع إلى الله أي سلوك طريقته والتزام سبيل فطرته يهدي الإنسان إلى حياة طيّبة وعيشة حسنة في الدنيا والآخرة جميعاً، و هذا هو الوجه فيما ذكرنا أنّ قوله:( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) تعليل لهذا الفصل من دعائه فإنّ الحياة الطيّبة من آثار الرجوع إلى الله، وهي شئ من شأنه أنّ يرزقوه - لو رزقوا - في مستقبل أمرهم، وهو المناسب للكتابة والقضاء، وأمّا الفصل الأوّل من الدعاء أعني قوله:( فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ) الخ، فتكفي في تعليله الجمل السابقة عليه، وما احتفّ به من قوله:( أَنتَ وَلِيُّنَا ) وقوله:( وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ) ولا يتعلّق بقوله:( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) فافهم ذلك.
قوله تعالى: ( قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) هذا جواب منه سبحانه لموسى، وفيه محاذاة لما قدّمه موسى قبل مسألته من قوله:( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ) ، وقد قيّد الله سبحانه إصابة عذابه بقوله:( مَنْ أَشَاءُ ) دون سعة رحمته لأنّ العذاب إنّما ينشأ من اقتضاء من قبل المعذّبين لا من قبله سبحانه، قال تعالى:( مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ) النساء: ١٤٧ وقال:( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم: ٧ فلا يعذّب الله سبحانه باقتضاء من ربوبيّته ولو كان كذلك لعذّب كلّ أحد بل إنّما يعذّب بعض من تعلّقت به مشيّته فلا تتعلّق مشيّته إلّا بعذاب من كفروا بأنعمه فالعذاب إنّما هو باقتضاء من قبل المعذّبين لكفرهم لا من قبله.
على أنّ كلامه سبحانه يعطي أنّ العذاب إنّما حقيقته فقدان الرحمة، والنقمة
عدم بذل النعمة، ولا يتحقّق ذلك إلّا لعدم استعداد المعذّب بواسطة الكفران والذنب لإفاضة النعمة عليه وشمول الرحمة له، فسبب العذاب في الحقيقة عدم وجود سبب الرحمة.
وأمّا سعة الرحمة وإفاضة النعمة فمن المعلوم أنّه من مقتضيات الاُلوهيّة ولوازم صفة الربوبيّة فما من موجود مخلوق إلّا ووجوده نعمةٌ لنفسه ولكثير ممّن دونه لارتباط أجزاء الخلقة، وكلّ ما عنده من خير أو شرّ نعمة إمّا لنفسه ولغيره كالقوّة والثروة وغيرهما الّتي يستفيد منها الإنسان وغيره، وإمّا لغيره إذا كان نقمة بالنسبة إليه كالعاهات والآفات والبلايا يستضرّ بها شئ وينتفع أشياء وعلى هذا فالرحمة الإلهيّة واسعة كلّ شئ فعلاً لا شأنا، ولا يختصّ بمؤمن ولا كافر ولا ذي شعور ولا غيره ولا دنيا ولا آخرة، والمشيّة لازمة لها.
نعم تحقّق العذاب والنقمة في بعض الموارد - وهو معنى قياسيّ - يوجب أن يتحقّق هناك رحمة تقابلها وتقاس إليها فإنّ حرمان البعض من النعمة الّتي أنعم الله بها على بعض آخر إذا كان عذاباً كان ما يجده البعض الآخر رحمة تقابل هذا العذاب، وكذا نزول ما يتألّم به ويؤذي على بعض كالعقوبات الدنيويّة والاُخرويّة إذا كان عذاباً كان الأمن والسلامة الّتي يجدها البعض الآخر رحمة بالنسبة إليه وتقابله، وإن كانت الرحمة المطلقة بالمعنى الّذي تقدّم بينه يشملهما جميعاً.
فهناك رحمة إلهيّة عامّة يتنعّم بها المؤمن والكافر والبرّ والفاجر وذو الشعور وغير ذي الشعور فيوجدون بها ويرزقون بها في أوّل وجودهم ثمّ في مسيرة الوجود ماداموا سالكين سبيل البقاء، ورحمة إلهيّة خاصّة وهي العطيّة الهنيئة الّتي يجود بها الله سبحانه في مقابل الإيمان والعبوديّة، وتختصّ لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده من حياة طيّبة نورانيّة في الدنيا، وجنّة ورضوان في الآخرة ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين، ويقابل الرحمة الخاصّة عذاب وهو اللّاملائم الّذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدنيا كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك وفي الآخرة من النار وآلامها، ولا يقابل الرحمة العامّة شئ من العذاب إذ كلّ ما يصدق عليه اسم شئ فهو من مصاديق الرحمة العامّة لنفسه أو لغيره، وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة، وليس وراء الشئ شئ.
إذا تحقّق هذا تبيّن أنّ قوله تعالى( عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) بيان لخصوص العذاب وعموم الرحمة، وإنّما قابل بين العذاب والرحمة العامّة مع عدم تقابلهما لأنّ ذكر الرحمة العامّة توطئة وتمهيد لما سيذكره من صيرورتها رحمة خاصّة في حقّ المتّقين من المؤمنين.
وقد اتّضح بما تقدّم أنّ سعة الرحمة ليست سعة شأنيّة وأنّ قوله:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) ليس مقيّداً بالمشيّة المقدّرة بل من لوازم سعة الرحمة الفعليّة كما تقدّم، وذلك لأنّ الظاهر من الآية أنّ المراد بالرحمة الرحمة العامّة وهي تسع كلّ شئ بالفعل وقد شاء الله ذلك فلزمتها فلا محلّ لتقدير( إن شئت ) خلافاً لظاهر كلام جمع من المفسّرين.
قوله تعالى: ( فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) تفريع على قوله:( عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي ) الآية أي لازم وجوب إصابة العذاب بعض الناس وسعة الرحمة لكلّ شئ أن اُوجب الرحمة على البعض الباقي، وهم الّذين يتّقون ويؤتون الزكاة الآية.
وقد ذكر سبحانه الّذين تنالهم الرحمة بأوصاف عامّة وهي التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بآيات الله من غير أن يقيّدهم بما يخصّ قومه كقولنا : للّذين يتّقون منكم ونحو ذلك لأنّ ذلك مقتضى عموم البيان في قوله:( عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ) الآية والبيان العامّ ينتج نتيجة عامّة.
وإذا قوبلت مسألة موسى بالآية كانت الآية بمنزلة المقيّدة لها فإنّهعليهالسلام سأل الحسنة والرحمة لقومه ثمّ علّلها بقوله:( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) فكان معنى ذلك مسألة الرحمة لكلّ من هاد ورجع منهم بأن يكتب الله حسنة الدنيا والآخرة لمجرّد هودهم وعودهم إليه فكان فيما أجابه الله به أنّه سيكتب رحمته للّذين آمنوا واتّقوا فكأنّه قال: اكتب رحمتك لمن هاد إليك منّا، فأجابه الله أن سأكتب رحمتي لمن هاد واتّقى وآمن بآياتي فكان في ذلك تقييد لمسألته.
ولا ضير في ذلك فإنّه سبحانه هو الهادي لأنبيائه ورسله المعلّم لهم يعلّم كليمه أن يقيّد مسألته بالتقوى وهو الورع عن محارمه وبالإيمان بآياته وهو التسليم لأنبيائه و
للأحكام النازلة إليهم، ولا يطلق الهود وهو الرجوع إلى الله بالإيمان به، فهذا تصرّف في دعاء موسى بتقييده كما تصرّف تعالى في دعاء إبراهيم بالتقييد في قوله:( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) البقرة: ١٢٤، وبالتعميم والإطلاق في قوله فيما يحكي من دعائه لأهل مكّة:( وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) البقرة: ١٢٦، فقد تبيّن أوّلاً أنّ الآية تتضمّن استجابته تعالى لدعاء موسى:( وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ) بتقييد مّا له فمن العجيب ما ذكره بعضهم: أنّ الآية بسياقها تدلّ على أنّ الله سبحانه ردّ دعوة موسى ولم يستجبها، وكذا قول بعضهم: إنّ موسىعليهالسلام دعا لقومه فاستجابه الله في حقّ أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بناءً على بيانيّة قوله:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ) الآية لقوله:( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) الآية وسيجئ.
وثانياً: أنه تعالى استجاب ما اشتمل عليه الفصل الأوّل من دعائه فإنّه تعالى لم يردّه، وحاشا أن يحكى الله في كلامه دعاءً لاغياً غير مستجاب، وقوله:( فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ ) الآية فإنه يحاذي ما سألهعليهالسلام من الحسنة المستمرّة الباقية في الدنيا والآخرة لقومه، وأمّا طلب المغفرة لذنب دفعيّ صدر عنهم بقولهم:( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) فلا يحاذيه قوله:( فَسَأَكْتُبُهَا ) الآية بوجه، فسكوته تعالى عن ردّ دعوته دليل إجابتها كما في سائر الموارد الّتي تشابهه في القرآن.
ويلوّح إلى استجابة دعوته لهم بالمغفرة قوله في القصّة في موضع آخر:( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) البقرة: ٥٦، فمن البعيد المستبعد أن يحييهم الله بعد إهلاكهم ولم يغفر لهم ذنبهم الّذي أهلكوا به.
وعلى أيّ حال معنى الآية:( فَسَأَكْتُبُهَا ) أي سأكتب رحمتي وأقضيها واُوجبها استعيرت الكتابة للإيجاب لأنّ الكتابة أثبت وأحكم( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) ويجتنبون المعاصي وترك الواجبات( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) وهي الحقّ الماليّ أو مطلق الإنفاق في سبيل الله الّذي ينمو به المال، ويصلح به مفاسد الاجتماع، ويتمّ به نواقصه، وربّما قيل: إنّ المراد بها زكاة النفس وطهارتها، وإيتاء الزكاة إصلاح أخلاق النفس. وليس بشئ.
( وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) أي يسلّمون لما جاءتهم من عند الله من الآيات والعلامات سواء كانت آيات معجزة كمعجزات موسى وعيسى ومحمّد (صلى الله عليه وآله و عليهم )، أو أحكاماً سماويّة كشرائع موسى وأوامره وشرائع غيره من الأنبياء، أو الأنبياء أنفسهم أو علامات صدق الأنبياء كعلائم محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم الّتي ذكرها الله تعالى لهم في كتاب موسى وعيسىعليهماالسلام فكلّ ذلك آيات له تعالى يجب عليهم وعلى غيرهم أن يؤمنوا بها ويسلّموا لها ولا يكذّبوا بها.
وفي الآية التفات من سياق التكلّم مع الغير إلى الغيبة فإنّه قال أوّلاً:( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ) . ثمّ قال:( قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ ) الآية وكأنّ النكتة فيه إظهار ما له سبحانه من العناية الخاصّة باستجابة دعاء الداعين من عباده فيقبل عليهم هو تعالى من غير أن يشاركه فيه غيره ولو بالتوسّط فإنّ التكلّم بلفظ المتكلّم مع الغير لإظهار العظمة لمكان أنّ العظماء يتكلّمون عنهم وعن أتباعهم فإذا اُريد إظهار عناية خاصّة بالمخاطب أو بالخطاب تكلّم بلفظ المتكلّم وحده.
وعلى هذا جرى كلامه تعالى فاختار سياق المتكلّم وحده المناسب لمعنى المناجاة والمسارّة فيما حكى من أدعية أنبيائه وأوليائه واستجابته لهم في كلامه كأدعية نوح وإبراهيم ودعاء موسى ليلة الطور، وأدعية سائر الصالحين واستجابته لهم، ولم يعدل عن سياق المتكلّم وحده إلّا لنكتة زائدة.
وأمّا قوله:( وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) وما فيه من العدول من التكلّم وحده - السياق السابق - إلى التكلّم مع الغير فالظاهر أنّ النكتة فيه إيجاد الاتّصال بين هذه الآية والآية التالية الّتي هي نوع من البيان لهذه الجملة أعني قوله:( وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) فإنّ الآية التالية - كما سيجئ - بمنزلة المعترضة من النتيجة المأخوذة في ضمن الكلام الجاري، وسياقها سياق خارج عن سياق هذه القطعة المتعرّضة للمشافهة والمناجاة بين موسى وبينه تعالى راجع إلى السياق الأصليّ السابق الّذي هو سياق المتكلّم مع الغير.
فبتبديل( وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) إلى قوله:( وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ )
يتّصل الآية التالية بسابقتها في السياق بنحو لطيف فافهم ذلك وتدبّر فيه فإنّه من عجب السياقات القرآنيّة.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ - إلى قوله -كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) . قال الراغب في المفردات: الإصر عقد الشئ وحبسه بقهره يقال: أصرته فهو مأصور، والمأصر والمأصر - بفتح الصاد وكسرها - محبس السفينة، قال تعالى: ويضع عنهم إصرهم أي الاُمور الّتي تثبّطهم وتقيّدهم عن الخيرات، وعن الوصول إلى الثوابات وعلى ذلك: ولا تحمل علينا إصراً، وقيل : ثقلاً وتحقيقه ما ذكرت. (انتهى) والأغلال جمع غلّ وهو ما يقيّد به.
وقوله:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ) الآية بحسب ظاهر السياق بيان لقوله:( وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) ويؤيّده ما هو ظاهر الآية أنّ كونهصلىاللهعليهوآلهوسلم رسولاً نبيّاً اُمّيّاً ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم كلّ ذلك من أمارات النبوّة الخاتميّة وآياتها المذكورة لهم في التوراة والإنجيل فمن الإيمان بآيات الله الّذي شرطه الله تعالى لهم في كلامه: أن يؤمنوا بالآيات المذكورة لهم أمارات لنبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
غير أنّ من المسلّم الّذي لا مرية فيه أنّ الرحمة الّتي وعد الله كتابته لليهود بشرط التقوى والإيمان بآيات الله ليست بحيث تختصّ بالّذين آمنوا منهم بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويحرم عنها صالحوا بني إسرائيل من لدن أجاب الله دعوة موسىعليهالسلام إلى أن بعث الله محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم فآمن به شرذمة قليلة من اليهود فإنّ ذلك ممّا لا ينبغي توهّمه أصلا. فبين موسى وعيسىعليهماالسلام ، وكذا بعد عيسىعليهالسلام ممّن آمن به من بني إسرائيل جمّ غفير من المؤمنين الّذين آمنوا بالدعوة الإلهيّة فقبل الله منهم إيمانهم ووعدهم بالخير، والكلام الإلهيّ بذلك ناطق فكيف يمكن أن تقصر الرحمة الإلهيّة المبسوطة على بني إسرائيل في جماعة قليلة منهم آمنوا بالنبيّ (صلي الله عليه وآله وسلم ).
فقوله:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ) الآية وإن كان بياناً لقوله:( وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) إلّا أنّه ليس بياناً مساوياً في السعة والضيق لمبيّنه بل بيان مستخرج
من مبيّنه أنتزع منه، وخصّ بالذكر ليستفاد منه فيما هو الغرض من سوق الكلام، وهو بيان حقيقة الدعوة المحمّديّة، ولزوم إجابتهم لها وتلبيتهم لداعيها.
ولذلك في القرآن الكريم نظائر من حيث التضييق والتوسعة في البيان كما قال تعالى حاكياً عن إبليس:( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) الآية ثمّ قال في موضع آخر حاكياً عنه:( لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ) النساء: ١١٩ فإنّ القول الثاني المحكيّ عن إبليس مستخرج من عموم قوله المحكيّ أوّلاً:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) .
وقال تعالى في أوّل هذه السورة:( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ - إلى أن قال -يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ) الآية وقد تقدّم أنّ ذلك من قبيل استخراج الخطاب من الخطاب لغرض التعميم إلى غير ذلك من النظائر.
فيؤول معنى بيانيّة قوله:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ) إلى استخراج بيان من بيان للتطبيق على مورد الحاجة كأنّه قيل : فإذا كان المكتوب من رحمة الله لبني إسرائيل قد كتب للّذين يتّقون ويؤتون الزكاة والّذين هم بآياتنا يؤمنون فمصداقه اليوم - يوم بعث محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم - هم الّذين يتّبعونه من بني إسرائيل لأنّهم الّذين اتّقوا وآتوا الزكاة وهم الّذين آمنوا بآياتنا فإنّهم آمنوا بموسى وعيسى ومحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وهم آياتنا، وآمنوا بمعجزات هؤلاء الرسل وما نزّل عليهم من الشرائع والأحكام وهي آياتنا، وآمنوا بما ذكرنا لهم في التوراة والإنجيل من أمارات نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلامات ظهوره ودعوته، وهي آياتنا.
ثمّ قوله:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ) الآية أخذ فيه( يَتَّبِعُونَ ) موضع يؤمنون، وهو من أحسن التعبير لأنّ الإيمان بآيات الله سبحانه كأنبيائه وشرائعهم إنّما هو بالتسليم والطاعة فاختير لفظ الاتّباع للدلالة على أنّ الإيمان بمعنى الاعتقاد المجرّد لا يغني شيئاً فإنّ ترك التسليم والطاعة عملاً تكذيب بآيات الله وإن كان هناك اعتقاد بأنّه حقّ.
وذكرهصلىاللهعليهوآلهوسلم بهذه الأوصاف الثلاث: الرّسول النبيّ الاُمّيّ، ولم يجتمع له في موضع من كلامه تعالى إلّا في هذه الآية والآية التالية، مع قوله تعالى بعده:( الَّذِي
يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ ) تدلّ على أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان مذكوراً فيهما معرّفاً بهذه الأوصاف الثلاث.
ولولا أنّ الغرض من توصيفه بهذه الثلاث هو تعريفه بما كانوا يعرفونه به من النعوت المذكورة له في كتابيهم لما كانت لذكر الثلاث:( الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ) وخاصّة الصفة الثالثة نكتة ظاهرة.
وكذلك ظاهر الآية يدلّ أو يشعر بأنّ قوله: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى آخر الاُمور الخمسة الّتي وصفهصلىاللهعليهوآلهوسلم بها في الآية من علائمه المذكورة في الكتابين، وهي مع ذلك من مختصّات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وملّته البيضاء فإنّ الاُمم الصالحة وإن كانوا يقومون بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ذكره تعالى من أهل الكتاب في قوله:( لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ - إلى أن قال -وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ) آل عمران: ١١٤.
وكذلك تحليل الطيّبات وتحريم الخبائث في الجملة من جملة الفطريّات الّتي أجمع عليها الأديان الإلهيّة، وقد قال تعالى:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) الأعراف: ٣٢.
وكذلك وضع الإصر والأغلال وإن كان ممّا يوجد في الجملة في شريعة عيسىعليهالسلام كما يدلّ عليه قوله فيما حكى الله عنه في القرآن الكريم:( وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) آل عمران: ٥٠ ويشعر به قوله خطاباً لبني إسرائيل:( قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) الزخرف ٦٣.
إلّا أنّه لا يرتاب ذو ريب في أنّ الدين الّذي جاء به محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بكتاب من عند الله مصدّق لما بين يديه من الكتب السماويّة - وهو دين الإسلام - هو الدين الوحيد الّذي نفخ في جثمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلّ ما يسعه من روح الحياة، وبلغ به من حدّ الدعوة الخالية إلى درجة الجهاد في سبيل الله بالأموال والنفوس، وهو الدين الوحيد الّذي أحصى جميع ما يتعلّق به حياة الإنسان من الشؤون والأعمال ثمّ قسّمها إلى طيّبات
فأحلّها، وإلى خبائث فحرّمها، ولا يعادله في تفصيل القوانين المشرّعة أيّ شريعة دينيّة وقانون إجتماعيّ، وهو الدين الّذي نسخ جميع الأحكام الشاقّة الموضوعة على أهل الكتاب واليهود خاصّة، وما تكلّفها علماؤهم، وابتدعها أحبارهم ورهبانهم من الأحكام المبتدعة.
فقد اختصّ الإسلام بكمال هذه الاُمور الخمسة وإن كانت توجد في غيره نماذج من ذلك.
على أنّ كمال هذه الاُمور الخمسة في هذه الملّة البيضاء أصدق شاهد وأبين بيّنة على صدق الناهض بدعوتهاصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولو لم تكن تذكر أمارات له في الكتابين فإنّ شريعته كمال شريعة الكليم والمسيحعليهالسلام وهل يطلب من شريعة حقّة إلّا عرفانها المعروف وإنكارها المنكر، وتحليلها الطيّبات، وتحريمها الخبائث، وإلغاؤها كلّ إصر وغلّ؟ وهي تفاصيل الحقّ الّذي يدعو إليه الشرائع الإلهيّة فليعترف أهل التوراة والإنجيل أنّ الشريعة الّتي تتضمّن كمال هذه الاُمور بتفاصيلها هي عين شريعتهم في مرحلة كاملة.
وبهذا البيان يظهر أنّ قوله تعالى:( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ) الآية يفيد بمجموعة معنى تصديقه لما في كتابيهم من شرائع الله تعالى كأنّه قيل مصدّقاً لما بين يديه كما في قوله تعالى:( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) البقرة: ١٠١ وقوله:( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) البقرة: ٨٩ يريد مجئ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بكمال ما في كتابهم من الشريعة مصدّقاً له ثمّ كفرهم به وهم يعلمون أنّه المذكور في كتبهم المبشّر به بلسان أنبيائهم كما حكى سبحانه عن المسيح في قوله:( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) الصف: ٦.
وسنبحث عن بشاراتهعليهالسلام الواقعة في كتبهم المقدّسة بما تيسّر من البحث إن شاء الله العزيز.
غير أنّه تعالى لم يقل: مصدّقاً لما بين يديه بدل قوله:( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ) الآية لأنّ وجه الكلام إلى جميع الناس دون أهل الكتاب خاصّة، ولذا أمر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الآية التالية بقوله:( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) ولم يقيّد الكلام في قوله:( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ) الخ بما يختصّ به بأهل الكتاب.
قوله تعالى: ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ ) إلى آخر الآية. التعزير النصرة مع التعظيم، والمراد بالنور النازل معه القرآن الكريم ذكر بنعت النوريّة ليدلّ به على أنّه ينير طريق الحياة ويضئ الصراط الّذي يسلكه الإنسان إلى موقف السعادة والكمال، والكلام في هذا الشأن.
وفي قوله تعالى:( أُنزِلَ مَعَهُ ) ولم يقل: اُنزل عليه أو اُنزل إليه و( مَعَ ) تدلّ على المصاحبة والمقارنة تلويح إلى معنى الأمارة والشهادة الّتي ذكرناها كأنّه قيل: واتّبعوا النور الّذي اُنزل عليه وهو بما يحتوي عليه من كمال الشرائع السابقة، ويظهره بالإضاءة شاهد على صدقه، وأمارة أنّه هو الّذي وعد به أنبياؤهم، وذكر لهم في كتبهم فقوله:( مَعَهُ ) حال من نائب فاعل( أُنزِلَ ) . وقد وقع نظيره في قوله تعالى:( فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) البقرة: ٢١٣.
وقد اختلف المفسّرون في توجيه هذه المعيّة ومعناها: فقيل : إنّ الظرف - معه - متعلّق باُنزل، والكلام على حذف مضاف إي مع نبوّته أو إرسالهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنّه لم ينزل معه، وإنّما أنزل مع جبرئيل، وقيل: متعلّق ب( اتّبعوا ) والمعنى شاركوا النبيّعليهالسلام في اتباعه، أو المعنى اتّبعوا القرآن مع اتباعهم له وقيل: حال عن فاعل اتّبعوا، والمعنى اتّبعوا القرآن مصاحبين للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في اتّباعه، وقيل:( مَعَ ) هنا بمعنى على، وقيل: بمعنى عند، ولا يخفى بعد الجميع.
وقوله:( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ ) الآية بمنزلة التفسير لقوله في صدر الآية:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ) وأنّ المراد باتّباعه حقيقة اتّباع كتاب الله المشتمل على شرائعه، وأنّ الّذي لهصلىاللهعليهوآلهوسلم من معنى الاتّباع هو الإيمان بنبوّته ورسالته
من غير تكذيب به، واحترامه بالتسليم له ونصرته فيما عزم عليه من سيرته.
والكلام أعني قوله:( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ) الآية نتيجة متفرّعة على قوله في صدر الآية:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ) الآية بناءً على ما قدّمناه من أنّه بيان خاصّ مستخرج من قوله:( وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) الّذي هو بيان عامّ، والمعنى إذا كان اتّباع الرسول بهذه الأوصاف والنعوت هو من الإيمان بآياتنا الّذي شرطناه على بني إسرائيل في قبول دعوة موسى لهم ببسط الرحمة في الدنيا والآخرة وفيه الفلاح بكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة فالّذين آمنوا به - إلى آخر ما شرط الله - اُولئك هم المفلحون.
قوله تعالى: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا - إلى قوله -وَيُمِيتُ ) لمّا لاح من الأوصاف الّتي وصف بها نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ عنده كمال الدين الّذي به حياة الناس الطيّبة في أيّ مكان فرضوا وفي أيّ زمان قدّر وجودهم، ولا حاجة للناس في طيّب حياتهم إلى أزيد من أن يؤمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، وتحلّل لهم الطيّبات، وتحرّم عليهم الخبائث، ويوضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي عليهم أمر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يعلن بنبوّته الناس جميعاً من غير أن تختصّ بقوم دون قوم فقال:( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) .
وقوله:( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ) صفات وصف الله بها، وهي بمجموعها بمنزلة تعليل يبيّن بها إمكان الرسالة من الله في نفسها أوّلاً وإمكان عمومها لجميع الناس ثانياً فيرتفع به استيحاش بني إسرائيل أن يرسل إليهم من غير شعبهم وخاصّة من الاُميّين وهم شعب الله ومن مزاعمهم أنّه ليس عليهم في الاُميّين سبيل، وهم خاصّة الله وأبناؤه وأحبّاؤه، وبه يزول استبعاد غير العرب من جهة العصبيّة القوميّة أن يرسل إليهم رسول عربيّ.
وذلك أنّ الله الّذي اتّخذه رسولا هو الّذي له ملك السماوات والأرض والسلطنة العامّة عليها، ولا إله غيره حتّى يملك شيئاً منها فله أن يحكم بما يشاء من غير أن يمنع عن حكمه مانع يزاحمه أو تعوّق إرادته إرادة غيره فله أن يتّخذ رسولاً إلى عباده وأن يرسل رسوله إلى بعض عباده أو إلى جميعهم كيف شاء.
وهو الّذي له الإحياء والإماتة فله أن يحيي قوماً أو الناس جميعاً بحياة طيّبة سعيدة والسعادة والهدى من الحياة كما أنّ الشقاوة والضلالة موت قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) الأنفال: ٢٤، وقال:( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) الأنعام: ١٢٢، وقال:( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ) الأنعام: ٣٦.
قوله تعالى: ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ) إلى آخر الآية تفريع على ما تقدّم أي إذا كان الحال هذا الحال فآمنوا بي فإنّي ذاك الرسول النبيّ الاُمّيّ الّذي بشّر به في التوراة والإنجيل، وأنا أو من بالله ولا أكفر به وأو من بكلماته وهي ما قضى به من الشرائع النازلة عليّ وعلى الأنبياء السالفين، واتّبعوني لعلّكم تفلحون.
هذا ما يقتضيه السياق، ومنه يعلم وجه الالتفات من التكلّم إلى الغيبة في قوله( وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي ) الآية فإنّ الظاهر من السياق أنّ هذه الآية ذيل الآية السابقة، وهما جميعاً من كلام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ووجه الالتفات - كما ظهر ممّا تقدّم - أن يدلّ بالاوصاف الموضوعة مكان ضمير المتكلّم على تعليل الأمر في قوله:( فَآمِنُوا ) وقوله:( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) .
والمراد بالإهتداء الإهتداء إلى السعادة الآخرة الّتي هي رضوان الله والجنّة لا الإهتداء إلى سبيل الحقّ فإنّ الإيمان بالله ورسوله واتّباع رسوله بنفسه اهتداء، فيرجع معنى قوله:( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) إلى معنى قوله في الآية السابقة في نتيجة الإيمان والاتّباع:( أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
قوله تعالى: ( وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) وهذا من نصفة القرآن مدح من يستحقّ المدح، وحمد صالح أعمالهم بعد ما قرّعهم بما صدر عنهم من السيّئات فالمراد أنّهم ليسوا جميعاً على ما وصفنا من مخالفة الله ورسوله، والتزام الضلال والظلم بل منهم اُمّة يهدون الناس بالحقّ وبالحقّ يعدلون فيما بينهم فالباء في قوله:( بِالْحَقِّ ) للآلة وتحتمل الملابسة.
وعلى هذا فالآية من الموارد الّتي نسبت الهداية فيها إلى غيره تعالى وغير الأنبياء
والأئمّة كما في قوله حكاية عن مؤمن آل فرعون ولم يكن بنبيّ ظاهراً:( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) المؤمن: ٣٨.
ولا يبعد أن يكون المراد بهذه الأمّة من قوم موسىعليهالسلام الأنبياء والأئمّة الّذين نشؤوا فيهم بعد موسى وقد وصفهم الله في كلامه بالهداية كقوله تعالى:( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) الم السجدة: ٢٤ وغيره من الآيات وذلك أنّ الآية أعني قوله:( أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) لو حملت على حقيقة معناها من الهداية بالحقّ والعدل بالحقّ لم يتيسّر لغير النبيّ والإمام أن يتلبّس بذلك وقد تقدّم كلام في الهداية في تفسير قوله تعالى:( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) البقرة: ١٢٤ وقوله:( فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ ) الأنعام: ١٢٥. وغيرهما من الآيات.
قوله تعالى: ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ) إلى آخر الآية. السبط بحسب اللغة ولد الولد أو ولد البنت. والجمع أسباط، وهو في بني إسرائيل بمعنى قوم خاصّ، فالسبط عندهم بالمنزلة القبيلة عند العرب. وقد نقل عن ابن الحاجب أنّ أسباطاً في الآية بدل من العدد لا تمييز وإلّا لكانوا ستّة وثلاثين سبطاً على إرادة أقلّ الجمع من( أَسْبَاطًا ) وتمييز العدد محذوف للدلالة عليه بقوله:( أَسْبَاطًا ) والتقدير وقطّعناهم اثنتي عشرة فرقة أسباطاً هذا. وربّما قيل: إنّه تمييز لكونه بمعنى المفرد والمعنى اثنتي عشرة جماعة مثلا.
وقوله:( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ) الآية الانبجاس هو الانفجار وقيل : الانبجاس خروج الماء بقلّة، والانفجار خروجه بكثرة، وظاهر من قوله:( فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ) أنّ العيون كانت بعدد الاسباط وأنّ كلّ سبط اختصّوا بعين من العيون، وأنّ ذلك كانت عن مشاجرة بينهم ومنافسة، وهو يؤيّد ما في الروايات من قصّتها. وباقي الآية ظاهر.
وقد عدّ الله سبحانه في هذه الآيات من معجزات موسىعليهالسلام وآياته: الثعبان و اليد البيضاء، وسني آل فرعون ونقص ثمراتهم، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع،
والدم، وفلق البحر، وإهلاك السبعين، وإحياءهم، وانبجاس العيون من الحجر بضرب العصا، والتظليل بالغمام، وأنزل المنّ والسلوى، ونتق الجبل فوقهم كأنّه ظلّة. ويمكنك أن تضيف إليها التكليم ونزول التوراة، ومسخ بعضهم قردة خاسئين. وسيجئ تفصيل البحث في قصّتهعليهالسلام في تفسير سورة هود إن شاء الله.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ عن محمّد بن سالم بيّاع القصب عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت له: إنّ عبد الله بن عجلان قال في مرضه الّذي مات فيه: أنّه لا يموت فمات. فقال: لا غفر الله شيئاً من ذنوبه أين ذهب إنّ موسى اختار سبعين رجلاً من قومه فلمّا أخذتهم الرجفة قال ربّ: أصحابي أصحابي. قال: إنّي اُبدّلك بهم من هو خير لكم منهم فقال: إنّي عرفتهم ووجدت ريحهم. قال: فبعث الله له أنبياء.
أقول: المراد أنّ الله بدّل له بعبد الله بن عجلان أصحاباً هم خير منه كما فعل بموسى، والخبر غريب في بابه ولا يوافق ظاهر الكتاب.
وفي البرهان عن ابن بابويه بإسناده عن سعد بن عبدالله القمّيّ في حديث طويل عن القائمعليهالسلام قال: قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة الّتي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم. قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح. قال: فهل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحدهم ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ قلت: بلى. قال: هي العلّة الّتي اُوردها لك برهاناً:
أخبرني عن الرسل الّذين اصطفاهم الله، وأنزل عليهم الكتاب وأيدهم بالعصمة إذهم أعلام الاُمم(١) وأهدى للاختيار منهم مثل موسى وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان أنّه مؤمن؟ قلت: لا. فقال: هذا موسى كليم الله مع وفور عقله، وكمال علمه، ونزول الوحي عليه
____________________
(١) كذا في النسختين المطبوعتين من البرهان ولعلّه تصحيف: إذ هم أعلم الاُمم.
اختار من أعيان قومه، ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين قال الله عزّوجلّ:( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا - إلى قوله -لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى - الي ان قال -اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) .
فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه للنبوّة واقعاً على الأفسد دون الأصلح وهو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد علمنا أنّ الاختيار ليس إلّا لمن يعلم بما تخفي الصدور، وتكنّ الضمائر وتنصرف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصلاح.
اقول: الآية فيها منقولة بالمعنى بمعنى أنّها ملفّقة من آيات القصّة في سورتي الأعراف والنساء.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن أبي حاتم وأبوالشيخ عن نوف الحميريّ قال: لمّا اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربّه قال الله لموسى: أجعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً، وأجعل السكينة معكم في بيوتكم، وأجعلكم تقرؤون التوراة من ظهور قلوبكم فيقرؤها الرجل منكم والمرأة والحرّ والعبد والصغير والكبير.
فقال موسى: إنّ الله قد جعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً. قالوا: لا نريد أن نصلّي إلّا في الكنائس. قال: ويجعل السكينة معكم في بيوتكم. قالوا: لا نريد إلّا كما كانت في التابوت. قال: ويجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهور قلوبكم فيقرؤها الرجل منكم والمرأة والحرّ والعبد والصغير والكبير. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلّا نظراً. قال الله: فسأكتبها للّذين يتّقون ويؤتون الزكاة - إلى قوله - المفلحون.
قال موسى: أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم اجعلني من هذه الأمّة. قال: إنّ نبيّهم منهم. قال: اجعلني من هذه الأمّة قال: إنّك لن تدركهم. قال: ربّ أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم. قال: فأوحى إليه( وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) قال: فرضي موسى. قال نوف: أ لا تحمدون ربّاً شهد غيبتكم، وأخذ لكم بسمعكم وجعل وفادة غيركم لكم.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم وأبوالشيخ عن نوف البكالي: أنّ موسى لمّا اختار من
قومه سبعين رجلاً قال لهم: فدوا إلى الله وسلوه فكانت لموسى مسألة ولهم مسألة فلمّا انتهى إلى الطور المكان الّذي وعده الله به قال لهم موسى: سلوا الله. قالوا: أرنا الله جهرة. قال: ويحكم تسألون الله هذا مرّتين؟ قالوا: هي مسألتنا أرنا الله جهرة فأخذتهم الرجفة فصعقوا. فقال موسى، أي ربّ جئتك بسبعين من خيار بني إسرائيل فأرجع إليهم وليس معي منهم أحد فكيف أصنع ببني إسرائيل؟ أليس يقتلوني؟ فقيل له: سل مسألتك. قال: أي ربّ إنّي أسألك أن تبعثهم، فبعثهم الله، فذهبت مسألتهم ومسألته، وجعلت تلك الدعوة لهذه الاُمّة.
أقول: وإنّما أوردنا الروايتين لكونهما بما فيهما من القصّة شبيهتين بالموقوفات لكنّهما مع الاختلاف لا ينطبقان على شئ ممّا فيهما من أطراف القصّة ونزول الآيات، على ظاهر شئ من الآيات فمسألتهم إنّما هي الرؤية وقد ردّت إليهم. ومسألة موسىعليهالسلام إنّما بعثهم، وقد اُجيبت فبعثوا، وكتابة الرحمة على بني إسرائيل، وقد اُجيبت بشرط التقوى والإيمان بآيات الله، ولم يجعل شئ من وفادتهم لغيرهم، والخطاب بقوله:( وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم دون موسى على ما يعطيه السياق.
ونظير الروايتين في عدم الانطباق على الآية ما روي عن ابن عبّاس في قوله:( وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ) قال: فلم يعطها موسى قال:( عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ - إلى قوله -الْمُفْلِحُونَ ) والمراد أنّه لم يعطها بل اُعطيتها هذه الاُمّة وقد مرّ أنّ ظهور الآية في غير ذلك.
ونظير ذلك ما روي عن السدّيّ في قوله تعالى:( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ) الآية قال: قال موسى: يا ربّ إنّ هذا السامريّ أمرهم أن يتّخذوا العجل أرأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الربّ: أنا، قال: فأنت إذاً أضللتهم، وروي العيّاشيّ في تفسيره مثله عن أبي جعفر وأبي عبداللهعليهمالسلام مرسلاً، وفيه قال موسى: يا ربّ ومن أخار العجل؟ قال: أنا. قال موسى عنده: إن هي إلّا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء.
وذلك أنّ الآية أعني قوله:( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ) من كلامهعليهالسلام في قصّة هلاك
السبعين، وأين هي من قصّة العجل؟ إلّا أن يتكرّر منه ذلك.
وفي الدّر المنثور أخرج أحمد وأبوداود عن جندب بن عبدالله البجليّ قال جاء أعربيّ فأناخ راحلته ثمّ عقلها ثمّ صلّى خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ نادى: اللّهمّ ارحمني ومحمّداً ولا تشرك في رحمتنا أحدا. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لقد حظرت رحمة واسعة إنّ الله خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها، وعنده تسعة وتسعون.
وفيه أخرج أحمد ومسلم عن سلمان عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنّ لله مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة.
وفيه أخرج ابن أبي شيبة عن سلمان موقوفاً وابن مردويه عن سلمان قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله خلق مائة رحمة يوم خلق السموات والأرض كلّ رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فأهبط منها رحمة إلى الأرض فبها تراحم الخلائق، وبها تعطف الوالدة على ولدها، وبها تشرب الطير والوحوش من الماء، وبها تعيش الخلائق فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه ثمّ أفاضها على المتّقين، وزاد تسعة وتسعين رحمة ثمّ قرء:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) .
أقول: وهذا المعنى مروي أيضاً من طرق الشيعة عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، والرواية الثانية كأنّها نقل بالمعنى للرواية الاُولى، وقد أفسد الراوي المعنى بقوله:( فإذا كان يوم القيامة أنتزعها من خلقه) وليت شعري إذا سلب الرحمة عن غير المتّقين من خلقه فبماذا يبقى ويعيش السماوات والأرض والجنّة والنار ومن فيها والملائكة وغيرهم ولا رحمة تشملهم.
والأحسن في التعبير ما ورد في بعض رواياتنا - على ما أذكر - أنّ الله يومئذ يجمع المائة للمؤمنين، وجمع المائة لهم واستعمالها فيهم غير انتزاعها عن غيرهم وتخصيصها بهم فالأوّل جائز معقول دون الثاني فافهم ذلك.
وفيه أخرج الطبرانيّ عن حذيفة بن اليمان عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث: والّذي نفسي بيده ليغفرنّ الله يوم القيامة مغفرة يتطاول بها إبليس رجاء أن تصيبه.
أقول: ومن طرق الشيعة عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ما في معناه.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم وأبوالشيخ عن أبي بكر الهذليّ قال: لمّا نزلت( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) قال إبليس: يا ربّ وأنا من الشئ فنزلت فسأكتبها( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) الآية فنزعها الله من إبليس.
أقول: والظاهر أنّه فرض وتقدير من أبي بكر، ولا ريب في تنعّم إبليس بالرحمة العامّة الّتي يشتمل عليها صدر الآية وحرمانه من الرحمة الخاصّة الاُخرويّة الّتي يتضمّنها ذيلها.
في تفسير البرهان عن نهج البيان روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: أيّ الخلق أعجب إيمانا؟ فقالوا: الملائكة، فقال: الملائكة عند ربّهم فما لهم لا يؤمنون؟ فقالوا: الأنبياء. فقال: الأنبياء يوحى إليهم فما لهم لا يؤمنون؟ فقالوا: نحن. فقال: أنا فيكم فما لكم لا تؤمنون؟ إنّما هم قوم يكونون بعدكم فيجدون كتاباً في ورق فيؤمنون به، وهذا معنى قوله:( وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
أقول: والخبر لا بأس به، وهو من الجري والانطباق، وفي بعض الروايات أنّ النور هو عليعليهالسلام وهو أيضاً من قبيل الجري أو الباطن.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام قال: افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلّها في النار إلّا فرقة، وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلّها في النار إلّا فرقة، وتفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلّا فرقة. فأمّا اليهود فإنّ الله يقول:( وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) وأمّا النصارى فإنّ الله يقول:( مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ) فهذه الّتي تنجو، وأمّا نحن فيقول:( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) فهذه الّتي تنجو من هذه الاُمّة.
وفي تفسير العيّاشيّ عن أبي الصهبان البكريّ قال: سمعت عليّ بن أبي طالبعليهالسلام دعا رأس الجالوت واُسقف النصارى فقال: إنّي سائلكما عن أمروأنا أعلم به منكما ولا تكتماني.
يا رأس الجالوت بالّذي أنزل التوراة على موسى، وأطعمهم المنّ والسلوى، وضرب لهم في البحر طريقاً يبساً، وفجّر لهم من الحجر الطوريّ اثنتي عشرة عيناً لكلّ سبط من بني إسرائيل عيناً إلّا ما أخبرتني على كم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى؟ فقال: فرقة واحدة، فقال: كذبت والّذي لا إله إلّا هو لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلّها في النار إلّا واحدة فإنّ الله يقول:( وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) فهذه الّتي تنجو.
وفي المجمع أنّهم قوم من وراء الصين وبينهم وبين الصين واد من الرمل لم يغيّروا ولم يبدّلوا. قال: وهو المرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام .
أقول: الرواية ضعيفة غير مسلّمة ولا خبر عن هذه الاُمّة اليهوديّة الهادية العادلة اليوم، ولو كانوا اليوم لم يكونوا هادين ولا مهتدين لنسخ شريعة موسى بشريعة عيسىعليهالسلام أوّلاً ثمّ نسخ شريعتهما جميعاً بشريعة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ثانياً ولذا اضطرّ بعض من أورد هذه القصّة الخرافيّة فأضاف إليها أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم نزل إليهم ليلة المعراج ودعاهم فآمنوا به وعلّمهم الصلاة.
وقد اختلقوا لهم قصصاً عجيبة مختلفة، فعن مقاتل: أنّ ممّا فضّل الله به محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه عاين ليلة المعراج قوم موسى الّذين من وراء الصين، وذلك أنّ بني إسرائيل حين عملوا بالمعاصي وقتلوا الّذين يأمرون بالقسط من الناس دعوا ربّهم وهم بالأرض المقدّسة فقالوا: اللّهمّ أخرجنا من بين أظهرهم. فاستجاب لهم فجعل لهم سراباً في الأرض فدخلوا فيه، وجعل معهم نهراً يجري، وجعل لهم مصباحاً من نور بين أيديهم فساروا فيه سنة ونصفاً، وذلك من بيت المقدس إلى مجلسهم الّذي هم فيه فأخرجهم الله إلى أرض يجتمع فيها الهوامّ والبهائم والسباع مختلطين بها ليست فيها ذنوب ولا معاص، فأتاهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تلك اللّيلة ومعه جبرئيل فآمنوا به وصدّقوه وعلّمهم الصلاة : وقالوا: إنّ موسى قد بشّرهم به.
وعن الشعبيّ قال: إنّ لله عباداً من وراء الاُندلس كما بيننا وبين الاُندلس لا يرون أنّ الله عصاه مخلوق رضراضهم الدرّ والياقوت، وجبالهم الذهب والفضّة لا يزرعون ولا
يحصدون ولا يعملون عملا، لهم شجر على أبوابهم لها أوراق عراض هي لبوسهم، ولهم شجر على أبوابهم لها ثمر فمنها يأكلون.
إلى غير ذلك ممّا ورد في قصّتهم، وهي جميعاً مجعولة، وقد عرفت معنى الآية في البيان المتقدّم.
( سورة الأعراف آية ١٦١ - ١٧١)
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( ١٦١ ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ ( ١٦٢ ) وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( ١٦٣ ) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( ١٦٤ ) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( ١٦٥ ) فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( ١٦٦ ) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١٦٧ ) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ١٦٨ ) فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( ١٦٩ ) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( ١٧٠ ) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ١٧١ )
( بيان)
في الآيات بيان قصص اُخرى من قصص بني إسرائيل فسقوا فيها عن أمر الله، ونقضوا ميثاقه فأخذهم الله بعقوبة أعمالهم وسلّط عليهم من الظالمين من يسومهم سوء العذاب فهؤلاء أسلافهم وقد خلف من بعدهم أخلاف يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ويساهلون في أمر الدين، وهذا حالهم إلّا قليل منهم لا يعدون الحقّ.
قوله تعالى: ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ) إلى آخر الآيتين، القرية هي الّتي كانت في الأرض المقدّسة اُمروا بدخولها وقتال أهلها من العمالقة وإخراجهم منها فتمرّدوا عن الأمر، وردّوا على موسىعليهالسلام فابتلوا بالتيه، والقصّة مذكورة في سورة المائدة آية ٢٠ - ٢٦.
وقوله:( وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) الآية تقدّم الكلام في نظيره من سورة البقرة آية ٥٨ - ٥٩، وقوله:( سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) في موضع الجواب عن سؤال مقدّر كأنّه لمّا قال:( نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ) قيل: ثمّ ماذا فقال:( سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) .
قوله تعالى: ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ) إلى آخر الآية. أي اسأل بني إسرائيل عن حال أهل القرية( الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ) أي قريبة منه مشرفة عليه من حضر الأمر إذا أشرف عليه وشهده( إِذْ يَعْدُونَ ) ويتجاوزون حدود ما أمر الله به في أمر( السَّبْتِ ) وتعظيمه وترك الصيد فيه( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ ) والسمك الّذي في ناحيتهم( يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ) جمع شارع وهو الظاهر البيّن( وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ) أي إنّ تجاوزهم عن حدود ما أمر به الله كان إذ كانت الحيتان تأتيهم شرّعاً يوم منعوا من الصيد واُمروا بالسبت، وأمّا إذا مضى اليوم واُبيح لهم الصيد وذلك غير يوم السبت فكان لا تأتيهم الحيتان وكان ذلك من بلاء الله وامتحانه ابتلاهم بذلك لشيوع الفسق بينهم فبعثهم الحرص على صيدها على مخالفة أمر الله سبحانه، ولم يمنعهم تقوى عن التعدّي، ولذلك قال:( كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم ) أي نمتحنهم( بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) .
قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ) إلى آخر الآية، إنّما قالت هذه الاُمّة ما قالت، لاُمّة اُخرى منهم كانت تعظهم وتنهاهم عن مخالفة أمر الله في السبت.
فالتقدير:( وإذ قالت اُمّة منهم لاُمّة اُخرى كانت تعظهم) حذف للإيجاز وظاهر كلامهم:( لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ) أنّهم كانوا أهل تقوى يجتنبون مخالفة الأمر إلّا أنّهم تركوا نهيهم عن المنكر فخالطوهم وعاشروهم ولوكان هؤلاء اللّائمون من المتعدّين الفاسقين لوعظهم اُولئك الملومون، ولم يجيبوهم بمثل قولهم: معذرة إلى ربّكم الخ، وأنّ المتعدّين طغوا في تعدّيهم وتجاهروا في فسقهم فلم يكونوا لينتهوا بنهي ظاهراً غير أنّ الاُمّة الّتي كانت تعظهم لم ييأسوا من تأثير العظة فيهم، وكانوا يرجون منهم الانتهاء لو استمرّوا في عظتهم، ولا أقلّ من انتهاء بعضهم ولو بعض الانتهاء، وليكون ذلك معذرة منهم إلى الله سبحانه بإظهار أنّهم غير موافقين لهم في فسقهم منزجرون عن طغيانهم بالتمرّد.
ولذلك أجابوا عن قولهم:( لِمَ تَعِظُونَ ) الخ، بقولهم:( مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أي إنّما نعظهم ليكون ذلك عذراً إلى ربّكم، ولأنّا نرجو منهم أن يتّقوا هذا العمل.
وفي قولهم:( إلى ربّكم ) حيث أضافوا الربّ إلى اللّائمين ولم يقولوا إلى ربّنا إشارة إلى أنّ التكليف بالعظة ليس مختصّاً بنا بل أنتم أيضاً مثلنا يجب عليكم أن تعظوهم لأنّ ربّكم لمكان ربوبيّته يجب أن يعتذر إليه، ويبذل الجهد في فراغ الذمّة من تكاليفه والوظائف الّتي أحالها إلى عباده، وأنتم مربوبون له كما نحن مربوبون فعليكم من التكليف ما هو علينا.
قوله تعالى: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ) المراد بنسيانهم ما ذكّروا انقطاع تأثير الذكر في نفوسهم وإن كانوا ذاكرين لنفس التذكّر حقيقة فإنّما الأخذ الإلهيّ مسبّب عن الاستهانة بأمره والإعراض عن ذكره، بل حقيقة النسيان بحسب الطبع مانع عن فعليّه التكليف وحلول العقوبة.
فالإنسان يطوف عليه طائف من توفيق الله يذكّره بتكاليف هامّة إلهيّة ثمّ إن استقام وثبت، وإن ترك الاستقامة ولم يزجره زاجر باطنيّ ولا ردعه رادع نفساني عدا حدود الله بالمعصية غير أنّه في بادئ أمره يتألّم تألّماً باطنيّاً ويتحرّج تحرجاً قلبيّاً من ذلك ثمّ إذا عاد إليها ثانياً من غير توبة زادت صورة المعصية في نفسه تمكّناً، وضعف أثر التذكير وهان أمره، وكلّما عاد إليها وتكرّرت منه المخالفة زادت تلك قوّة وهذه ضعفاً حتّى يزول أثر التذكير من أصله، ساوى وجوده عدمه فلحق بالنسيان في عدم التأثير، وهو المراد بقوله:( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا ) أي زال أثره كأنّه منسيّ زائل، الصورة عن النفس.
وفي الآية دلالة على أنّ الناجين كانوا هم الناهين عن السوء فقط، وقد أخذ الله الباقين، وهم الّذين يعدون في السبت والّذين قالوا:( لِمَ تَعِظُونَ ) الخ.
وفيه دلالة على أنّ اللّائمين كانوا مشاركين للعادين في ظلمهم وفسقهم حيث تركوا عظتهم ولم يهجروهم.
وفي الآية دلالة على سنّة إلهيّة عامّة وهي أنّ عدم ردع الظالمين عن ظلمهم بمنع، وعظة إن لم يمكن المنع أو هجره إن لم تمكن العظة أو بطل تأثيرها، مشاركة معهم في ظلمهم، وأنّ الأخذ الإلهيّ الشديد كما يرصد الظالمين كذلك يرصد مشاركيهم في ظلمهم.
قوله تعالى: ( فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) العتوّ المبالغة في المعصية والقردة جمع القرد وهو الحيوان المعروف، والخاسئ الطريد البعيد من خسأ الكلب إذا بعد.
وقوله:( فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ ) أي عن ترك ما نهوا عنه فإنّ العتوّ إنّما يكون عن ترك المنهيّات لا عن نفسها، والباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) إلى آخر الآية تأذّن وأذن بمعنى أعلم، واللّام في قوله:( لَيَبْعَثَنَّ ) للقسم، والمعنى: واذكر إذ أعلم ربّك أنّه قد أقسم ليبعثنّ على هؤلاء الظالمين بعثاً يدوم عليهم ما دامت الدنيا من يذيقهم ويولّيهم سوء العذاب.
وقوله:( إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ) معناه أنّ من عقابه ما يسرع إلى الناس كعقاب الطاغي لطغيانه، قال تعالى:( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ - إلى أن قال -إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) الفجر: ١٤ والدليل على ما فسّرنا به قوله بعده:( وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) فإنّ الظاهر أنّه لم يؤت به إلّا للدلالة على أنّه تعالى ليس بسريع العقاب دائماً وإلّا فمضمون الآية ليس ممّا يناسب التذييل باسمي الغفور والرحيم لتمحّضه في معنى المؤاخذة والانتقام فمعنى قوله:( إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أنّه تعالى غفور للذنوب رحيم بعباده لكنّه إذا قضى لبعض عباده بالعقاب لاستيجابهم ذلك بطغيان وعتوّ ونحو ذلك فسرعان ما يتبعهم إذ لا مانع يمنع عنه ولا عائق يعوقه.
ولعلّ هذا هو معنى قول بعضهم: إنّ معنى قوله( إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ) سريع العقاب لمن شاء أن يعاقبه في الدنيا، وإن كان الأنسب أن يقال: إنّ ذلك معنى قوله:( إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ، ويرتفع به ما يمكن أن يتوهّم أنّ كونه تعالى سريع العقاب ينافي كونه حليماً لا يسرع إلى المؤاخذة.
قوله تعالى: ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ ) إلى آخر الآية. قال: في المجمع: دون في موضع الرفع بالابتداء، ولكنّه جاء منصوباً لتمكّنه في الظرفيّة، ومثله على قول أبي الحسن( لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ) هو في موضع الرفع فجاء منصوباً لهذا المعنى، وكذلك في قوله:( يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ) بين في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، وإن شئت كان التقدير: ومنهم جماعة دون ذلك فحذف الموصوف وقامت صفته مقامه. انتهى.
والمراد بالحسنات والسيّئات نعماء الدنيا وضرّاءها والباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ ) إلى آخر الآية، العرض ما لا ثبات له، ومنه قوله تعالى:( عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) النساء: ٩٤ أي ما لا ثبات له من شؤونها، والمراد بعرض هذا الأدنى عرض هذه الحياة الدنيا والدار العاجلة غير أنّه اُشير إليها بلفظ التذكير لأخذها شيئاً ليس له من الخصوصيّات إلّا أن يشار إليه تجاهلاً بخصوصيّاتها تحقيراً لشأنها كأنّها لا يخصّ بنعت من النعوت يرغب فيها، وقد تقدّم
نظيره في قول إبراهيمعليهالسلام على ما حكاه الله :( هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ ) الأنعام: ٧٨ يريد الشمس.
وقوله:( وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) قول جزافيّ لهم قالوه، ولا معوّل لهم فيه إلّا الاغترار بشعبهم الّذي سمّوه شعب الله كما سمّوا أنفسهم أبناء الله وأحبّاءه، ولم يقولوا ذلك لوعد النفس بالتوبة لأنّ ذلك قيد لا يدلّ عليه الكلام، ولا أنّهم قالوا ذلك رجاءً للمغفرة الإلهيّة فإنّ للرجاء آثاراً لا تلائم هذه المشيّة إذ رجاء الخير لا ينفكّ عن خوف الشرّ الّذي يقابله وكما أنّ الرجاء يستدعي شيئاً من ثبات النفس وطيّبها كذلك الخوف يوجب قلق النفس واضطرابها ومساءتها فآية الرجاء الصادق توسّط النفس بين سكون واضطراب، وجذب ودفع، ومسرّة ومساءة، وأمّا من توغّل في شهوات نفسه وانغمر في لذائذ الدنيا من غير أن يتذكّر بعقوبة ما يجنيه ويقترفه ثمّ إذا ردعه رادع من نفسه أو غيره بما أوعد الله الظالمين، وذكّره شيئاً من سوء عاقبة المجرمين قال: إنّ الله غفور رحيم يتخلّص به من اللوم، ويخلص به إلى صافي لذائذه الدنيّة فليس ما يتظاهر به رجاءً صادقاً بل اُمنيّة نفسانيّة كاذبة، وتسويل شيطانيّ موبق فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً.
وقوله:( وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) أي لم يقنعوا بما أخذوه من العرض بمرّة حتّى يكون تركهم ذلك ورجوعهم إلى إتّقاء محرّم الله نحواً من التوبة، وقولهم:( سَيُغْفَرُ لَنَا ) نوعاً من الرجاء يتلبّس به التائبون بل كلّما وجدوا شيئاً من عرض الدنيا أخذوه من غير أن يراقبوا الله تعالى فيه فالجملة أعني قوله:( وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) في معنى قوله تعالى في وصفهم في موضع آخر:( كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ) المائدة: ٧٩.
وقوله:( وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ) كأنّ الواو للحال، والجملة حال عن ضمير( عَلَيْهِم ) وقيل الجملة معطوفة على قوله:( وَرِثُوا الْكِتَابَ ) في صدر الآية، ولا يخلو من بعد.
والمعنى:( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ) أي من بعد هؤلاء الأسلاف من بني إسرائيل وحالهم في تقوى الله واجتناب محارمه ما وصف( خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ ) وتحمّلوا ما فيه من المعارف والأحكام والمواعظ والعبر، وكان لازمه أن يتّقوا ويختاروا الدار الآخرة، ويتركوا أعراض
الدنيا الفانية الصارفة عمّا عند الله من الثواب الدائم( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَىٰ ) وينكبّون على اللذائذ الفانية العاجلة، ولا يبالون بالمعصية وإن كثرت( وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) قولاً بغير الحقّ ولا يرجعون عن المعصية بالمرّة والمرّتين بل هم على قصد العود إليها كلّما أمكن( وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) ولا يتناهون عمّا اقترفوه من المعصية.
( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ ) وهو الميثاق المأخوذ عليهم عند حملهم إيّاه( أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) والحال أنّهم( دَرَسُوا مَا فِيهِ ) ، وعلموا بذلك أنّ قولهم:( سَيُغْفَرُ لَنَا ) قول بغير الحقّ ليس لهم أن يتفوّهوا به، وهو يجرّئهم على معاصي الله وهدم أركان دينه.
( وَ ) الحال أنّ( الدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) لدوام ثوابها وأمنها من كلّ مكروه( أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) .
قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) قال في المجمع: أمسك ومسّك وتمسّك واستمسك بالشئ بمعنى واحد أي اعتصم به. انتهى.
وتخصيص إقامة الصلاة بالذكر من بين سائر أجزاء الدين لشرفها وكونها ركناً من الدين يحفظ بها ذكر الله والخضوع إلى مقامه الّذي هو بمنزله الروح الحيّة في هيكل الشرائع الدينيّة.
والآية تعدّ التمسّك بالكتاب إصلاحاً والإصلاح يقابل الإفساد وهو الإفساد في الأرض أو إفساد المجتمع البشريّ فيها، ولا تفسد الأرض ولا المجتمع البشريّ إلّا بإفساد طريقة الفطرة الّتي فطر الله الناس عليها، والدين الّذي يشتمل عليه الكتاب الإلهيّ النازل في عصر من الأعصار هو المتضمّن لطرق الفطرة بحسب ما يستدعيه استعداد أهله فإنّ الله سبحانه يذكر في كلامه أنّ الدين القيّم الّذي يقوم بحوائج الحياة هي الفطرة الّتي فطر الناس عليها، والخلقة الّتي لا حقيقة لهم وراءها قال:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) الروم: ٣٠ ثمّ قال:( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران: ١٩ والإسلام هو التسليم لله سبحانه في سنّته الجارية في تكوينه المبتنية عليها تشريعه.
فالآيتان - كما ترى - تناديان بأنّ دين الله سبحانه هو تطبيق الإنسان حياته على ما تقتضيه فيه قوانين التكوين ونواميسه حتّى يقف بذلك موقفاً تتحرًاه نفسية النوع الإنسانيّ ثمّ يسير في مسيرها أي يعود بذلك إنساناً نسمّيه إنساناً طبيعيّاً ويتربّى تربية يستدعيها ذاته بحسب ما ركّب عليه تركيبه الطبيعيّ.
فما تقتضيه نفسيّة الإنسان الطبيعيّة من الخضوع إلى المبدأ الغيبيّ الّذي يقوم بإيجاده وإبقائه وإسعاده، وتوفيق شؤون حياته مع القوانين الحاكمة في الكون حكومة حقيقيّة هو الدّين المسمّى بالإسلام الّذي يدعوا إليه القرآن وسائر كتب الله السماويّة المنزلة على أنبيائه ورسله.
فإصلاح شؤون الحياة الإنسانيّة وتخليصها من كلّ دخيل خرافيّ، ووضع الإصر والأغلال الّتي اختلقتها الأوهام والأهواء ثمّ وضعتها على الناس، جزء معنى الدين المسمّى بالإسلام لا أثر من آثاره وحكم من أحكامه حتّى تختلف فيه الآراء فيسلّمه مسلّم، ويردّه، رادّ، ويبحث فيه باحث منصف فيتبع ما أدّى إليه جهد نظره.
وبعبارة اُخرى: الّذي يدعى إليه الناس بمنطق الدين الإلهيّ هو الشرائع والسنن القائمة بمصالح العباد في حياتهم الدنيويّة والاُخرويّة لا أنّه يضع مجموعة من معارف وشرائع ثمّ يدّعي أنّ المصالح الإنسانيّة تطابقه وهو يطابقها فافهم ذلك.
وإيّاك أن تتوهّم أنّ الدين الإلهيّ مجموع اُمور من معارف وشرائع جافّة تقليديّة لا روح لها إلّا روح المجازفة بالاستبداد، ولا لسان لها إلّا لسان التأمّر الجافّ والتحكّم الجافي وقد قضى شارعها بوجوب اتّباعها والانقياد لها تجاه ما هيّأ لهم بعد الموت من نعيم مخلّد للمطيعين منهم، والعذاب المؤبّد للعاصين، ولا رابط لها يربطها بالنواميس التكوينيّة المماسّة للإنسان الحاكمة في حياته القائمة بشؤونها القيّمة بإصلاحها فتعود الأعمال الدينيّة أغلالاً غلت بها أيدي الناس في دنياهم، وأمّا الآخرة فقد ضمنت إصلاحها إرادة مولويّة إلهيّة فحسب، وليس للمنتحل بالدين في دنياه من سعادة الحياة إلّا ما استلذّها بالعادة كمن اعتاد بالأفيون والسمّ حتّى عاد يلتذّ بما يتألّم به المزاج الطبيعيّ السالم، ويتألّم بما يلتذّ به غيره.
فهذا من الجهل بالمعارف الدينيّة، والفرية على ساحة شارعة الطاهرة يدفعه الكلام الإلهيّ فكم من آية تتبرّأ من ذلك بتصريح أو تلويح أو بإشارة أو كناية وغير ذلك.
وبالجملة الكتاب الإلهيّ يتضمّن مصالح العباد، وفيه ما يصلح المجتمع الإنسانيّ بإجرائه فيه بل الكتاب الإلهيّ هو الكتاب الّذي يشتمل على ذلك، والدين الإلهيّ هو مجموع القوانين المصلحة، ومجموع القوانين المصلحة هو الدين فلا يدعو الدين الناس إلّا إلى إصلاح أعمالهم وسائر شؤون مجتمعهم ويسمّي ذلك إسلاماً لله لأنّ من جرى على مجرى الإنسان الطبيعيّ الّذي خطّه له التكوين فقد أسلم للتكوين ووافقه بأعماله فيما يقتضيه وموافقته والسير على المسير الّذي مهّده وخطّه إسلام لله سبحانه في ما يريده منه.
وليس يدعو الدين إلى متابعة موادّ قوانينة ومحتوياته ثمّ يدّعي أنّ في ذلك خيرهم وسعادتهم حتّى يكون لشاكّ أن يشكّ فيه.
والآية أعني قوله:( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ ) الآية في نفسها عامّة مستقلّة لكنّها بحسب دخولها في سياق الكلام في بني إسرائيل معتنية بشأنهم، والمراد بالكتاب بهذا النظر التوراة أو هي والإنجيل.
قوله تعالى: ( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ) الآية. النتق قلع الشئ من أصله، والظلّة هي الغمامة، وما يستظلّ بها من نحو السقف، والباقي ظاهر.
والآية تقصّ رفع الطور فوق رؤس بني إسرائيل، وقد تقدّمت هذه القصّة مكرّرة في سورتي البقرة والنساء.
( بحث روائي)
في تفسير القمّيّ عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن ابن أبي عمير عن أبي عبيدة عن أبي جعفرعليهالسلام قال: وجدنا في كتاب عليعليهالسلام أنّ قوما من أهل إيلة من قوم ثمود وإنّ الحيتان كانت سيقت إليهم يوم السبت ليختبر الله طاعتهم في ذلك فشرعت إليهم يوم سبتهم في ناديهم وقدّام أبوابهم في أنهارهم وسواقيهم فبادروا إليها فأخذوا يصطادونها ويأكلونها
فلبثوا في ذلك ما شاء الله لا ينهاهم الأحبار، ولا يمنعهم العلماء عن صيدها، ثمّ إنّ الشيطان أوحى إلى طائفة منهم أنّما نهيتم عن أكلها يوم السبت ولم تنهوا عن صيدها فاصطادوها يوم السبت و أكلوها في ما سوى ذلك من الأيّام.
فقالت طائفة منهم: الأنّ نصطادها فعتت و انحازت طائفة اُخرى منهم ذات اليمين فقالوا: ننهاكم عن عقوبة الله أن تتعرّضوا لخلاف أمره، واعتزلت طائفة منهم ذات اليسار فسكتت ولم تعظهم، فقالت للطائفة الّتي وعظتهم: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذّبهم عذاباً شديدا؟ فقالت الطائفة الّتي وعظتهم: معذرة إلى ربّكم ولعلّهم يتّقون، فقال الله عزّوجلّ: فلمّا نسوا ما ذكّروا به يعني لمّا تركوا ما وعظوا به مضوا على الخطيئة فقالت الطائفة الّتي وعظتهم: لا والله لا نجامعكم ولا نبايتكم الليلة في مدينتكم هذه الّتي عصيتم الله فيها مخافة أن ينزل عليكم البلاء فيعمّنا معكم.
قال: فخرجوا عنهم من المدينة مخافة أن يصيبهم البلاء فنزلوا قريباً من المدينة فباتوا تحت السماء فلمّا أصبح أولياء الله المطيعون لأمر الله غدوا لينظروا ما حال أهل المعصية فأتوا باب المدينة فإذا هو مصمت فدقّوا فلم يجاوبوا ولم يسمعوا منها حسّ أحد فوضعوا فيها سلّماً على سور المدينة ثمّ أصعدوا رجلاً منهم فأشرف على المدينة فنظر فإذا هو بالقوم قرد يتعاوون ولهم أذناب فكسروا الباب فعرفت الطائفة أنسابها من الإنس، ولم يعرف الإنس أنسبها من القردة فقال القوم للقردة: ألم ننهكم؟.
فقال عليّعليهالسلام : والّذي فلق الحبّة وبرء النسمة إنّي لأعرف أنسابها من هذه الاُمّة لا ينكرون ولا يغيرون بل تركوا ما اُمروا به فتفرّقوا، وقد قال الله: فبعداً للقوم الظالمين، فقال الله:( أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) .
أقول: ورواه العيّاشيّ في تفسيره عن أبي عبيده عن أبي جعفرعليهالسلام . وروى هذا المعنى في الدرّ المثور عن عبد الرزّاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقيّ في سننه عن عكرمة عن ابن عبّاس غير أنّ فيها أنّ المذكورين في الآية حيّ من اليهود من أهل إيلة وظاهره أنّهم كانوا من بني إسرائيل ورواية أبي جعفرعليهالسلام تصرّح بأنّهم كانوا من قوم
ثمود، وليس من البعيد أن يكونوا قوماً من عرب ثمود دخلوا في دين اليهود لقرب دارهم وجوارهم فإنّ إيلة كما يقال: كانت بلدة بين مصر والمدينة على شاطئ البحر.
وربّما قيل: إنّ القرية الّتي أشارت إليها الآية هي مدين، وقيل: هي طبريّة، وقيل: هي قرية يقال لها: مقنا، بين مدين وعينونا.
وفي رواية ابن عبّاس الّتي أشرنا إليها وغيرها ممّا روى عنه أيضاً أنّه كان يبكي ويقول: نجى الناهون، وهلك الفاعلون، ولا أدري ما فعل بالساكتين، وفي رواية عكرمة: قلت لابن عبّاس: أي جعلني الله فداك ألا ترى أنّهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم؟ قال: فأمرني فكسيت ثوبين غليظين. يريد أنّه استحسن قولي بنجاتهم لكراهتهم فعلهم واعتقادهم بأنّهم معاقبون لا محالة فخلع عليّ بثوبين، وأخذ بقولي.
وقد أخطأ عكرمة فإنّ القوم وإن كانوا كرهوا فعلهم ولم يشاركوهم في الصيد المحرّم لكنّهم اقترفوا معصية هي أعظم من ذلك وهو ترك النهي عن المنكر، وقد نبّههم الناهون بذلك إذ قالوا: معذرة إلى ربّكم ولعلّهم يتّقون، وكلامهم يدلّ على أنّ المقام لم يكن مقام اليأس عن تأثير الموعظة حتّى يسقط بذلك التكليف، ولمّا يئس منهم الناهون هجروهم وفارقوهم، ولم يهجرهم الآخرون ولم يفارقوهم على ما في الروايات.
على أنّ الله تعالى قال:( أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) فلم يذكر في جانب النجاة إلّا الّذين ينهون عن السوء وأخذ في جانب الأخذ الّذين ظلموا دون الّذين صادوا، ولا مانع من شمول( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) لاُولئك التاركين للنهي عن المنكر.
وأمّا قوله:( فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً ) فإن كان معناه عتوا عن ترك ما نهوا عنه كما تقدّم عن المفسّرين كان هذا العذاب بحسب دلالة هذه الآية مختصّاً بالصائدين لكنّها لا تمنع عموم الآية السابقة للصائدين والساكتين جميعاً لاشتراكهم في الظلم والفسق، وإن كان معنى الآية الإعراض عمّا نهوا عنه من غير تقدير الترك وما بمعناه اختصّت الآية ببيان عذاب الساكتين وكان عذاب الصائدين مبيّناً في الآية
السابقة:( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ) الآية كما يومئ إليه بعض الروايات الآتية.
وفي المجمع: أنّه هلكت الفرقتان، ونجت الفرقة الناهية. روى ذلك عن أبي عبداللهعليهالسلام .
أقول: ولا ينافيه نصّ الآية على مسخ العاتين فإنّ الهلاك يعمّ مثل المسخ. على أنّ الأخبار متظافرة في أنّ الممسوخ لا يعيش بعد المسخ إلّا أيّاماً ثمّ يهلك.
وفي الكافي عن سهل بن زياد عن عمرو بن عثمان عن عبدالله بن المغيرة عن طلحة بن يزيد عن أبي عبداللهعليهالسلام في قوله تعالى:( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ) قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا ونجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا.
أقول: والرواية - كما ترى - مبنيّة على كون قوله:( فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً ) الآية ناظراً إلى عذاب الساكتين دون المرتكبين للصيد المحرّم ومعنى( عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا ) كفّوا عن الصيد الّذي نهوا عنه ولا حاجة حينئذ إلى تقدير الترك ونحوه في الكلام ويبقى لبيان عذاب الفرقة الاُخرى قوله في الآية السابقة.
ولا مانع من هذا المعنى إلّا أنّ مقتضى المقام أن يذكر السبب لعذاب الساكتين كفّهم عن موعظة الفاعلين لا عتوّهم عمّا نهوا عنه مع ما في استعمال العتوّ في مورد الكفّ والإعراض من البعد، والرواية مع ذلك ضعيفة وقد رواها الصدوق بالسند بعينه عن طلحة عن أبي جعفرعليهالسلام في الآية وفيها: قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا، ورواها العيّاشيّ عن طلحة عن جعفر بن محمّد عن أبيهعليهمالسلام في الآية قال: افترق القوم ثلاث فرق فرقة انتهت واعتزلت، وفرقة أقامت ولم يقارف الذنوب، وفرقة اقترفت الذنوب فلم ينج من العذاب إلّا من انتهت قال جعفر: قلت لابي جعفرعليهالسلام : ما صنع بالّذين أقاموا ولم يقارفوا الذنوب؟ قال أبو جعفرعليهالسلام : بلغني أنّهم صاروا ذرّاً، والظاهر أنّها جميعاً رواية واحدة على ما في سندها من الضعف، وفي متنها من التشويش والاختلاف.
وفي الكافي بإسناده عن إسحاق بن عبدالله عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: إنّ الله
خصّ عباده بآيتين من كتابة: أن لا يقولوا حتّى يعلموا، ولا يردّوا ما لم يعلموا قال الله عزّوجلّ:( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ) وقال:( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) .
أقول: ورواه العيّاشيّ عن إسحاق عنهعليهالسلام ، وروى مثله عن إسحاق بن عبد العزيز عن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام .
وفي تفسير القمّيّ في معنى قوله تعالى:( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ ) الآية قال الصادقعليهالسلام : لمّا أنزل الله التوراة على بني إسرائيل لم يقبلوه فرفع الله عليهم جبل طور سيناء فقال لهم موسى: إن لم تقبلوا وقع عليكم الجبل فقبلوه وطأطؤوا رؤسهم.
وفي الاحتجاج عن أبي بصير قال: كان مولانا أبوجعفر محمّد بن عليّعليهالسلام جالساً في الحرم وحوله جماعة من أوليائه إذ أقبل طاوس اليمانيّ في جماعة من أصحابه. ثمّ قال لأبي جعفرعليهالسلام : أتأذن لي في السؤال؟ قال: أذنّا لك فاسأل. فسأله عن سؤال وأجابه وكان فيما سأله قال: فأخبرني عن طائر طار ولم يطر قبلها ولا بعدها ذكره الله عزّوجلّ في القرآن، ما هو؟ فقال: طور سيناء أطاره الله عزّوجلّ على بني إسرائيل الّذين أظلّهم بجناح منه فيه ألوان العذاب حتّى قبلوا التوراة، وذلك قوله عزّوجلّ:( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ) الآية.
أقول: وقد روي ما في معنى الرواية الأوّلى من طرق أهل السنّة عن ثابت بن الحجّاج قال: جاءتهم التوراة جملة واحدة فكبر عليهم فأبوا أن يأخذوه حتّى ظلّل الله عليهم الجبل فأخذوه عند ذلك.
والرواية الثانية من طرقهم عن ابن عبّاس في مسائل كتبها هرقل ملك الروم إلى معاوية يسأله عنها فقيل له: لست هناك وإنّك متى تخطئ شيئاً في كتابك إليه يغتمزه فيك فاكتب إلى ابن عبّاس فكتب إليه بها فأرسل ذلك إلى قيصر فقال قيصر: ما يعلم هذا إلّا نبيّ أو أهل بيت نبيّ.
وأعلم أنّ في الآية بعض روايات اُخر تقدّمت في نظيرة الآية من سورة البقرة فراجعها إن شئت.
( سورة الأعراف آية ١٧٢ - ١٧٤)
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( ١٧٢ ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( ١٧٣ ) وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ١٧٤ )
( بيان)
الآيات تذكر الميثاق من بني آدم على الربوبيّة وهي من أدقّ الآيات القرآنيّة معنى، وأعجبها نظماً.
قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ) أخذ الشئ من الشئ يوجب انفصال المأخوذ من المأخوذ منه واستقلاله دونه بنحو من الأنحاء، وهو يختلف باختلاف العنايات المتعلّقه بها والاعتبارات المأخوذة فيها كأخذ اللقمة من الطعام وأخذ الجرعة من ماء القدح وهو نوع من الأخذ، وأخذ المال والأثاث من زيد الغاصب أو الجواد أو البائع أو المعير وهو نوع آخر، أو أنواع مختلفة اُخرى، وكأخذ العلم من العالم وأخذ الاُهبة من المجلس وأخذ الحظّ من لقاء الصديق وهو نوع وأخذ الولد من والده للتربية وهو نوع إلى غير ذلك.
فمجرّد ذكر الأخذ من الشئ لا يوضح نوعه إلّا ببيان زائد، ولذلك أضاف الله سبحانه إلى قوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ) الدالّ على تفريقهم وتفصيل بعضهم من بعض، قوله:( من ظهورهم ) ليدلّ على نوع الفصل والأخذ، وهو أخذ بعض المادّة منها بحيث لا تنقص المادّة المأخوذ منها بحسب صورتها ولا تنقلب عن تمامها واستقلالها ثمّ تكميل الجزء المأخوذ شيئاً تامّاً مستقلاًّ من نوع المأخوذ منه فيؤخذ الولد من ظهر من
يلده ويولده، وقد كان جزءً ثمّ يجعل بعد الأخذ والفصل إنساناً تامّاً مستقلاًّ من والديه بعد ما كان جزءً منهما.
ثمّ يؤخذ من ظهر هذا المأخوذ مأخوذ آخر وعلى هذه الوتيرة حتّى يتمّ الأخذ وينفصل كلّ جزء عمّا كان جزءً منه، ويتفرّق الأناسيّ وينتشر الأفراد وقد استقلّ كلّ منهم عمّن سواه ويكون لكلّ واحد منهم نفس مستقلّه لها ما لها وعليها ما عليها، فهذا مفاد قوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) ولو قال: أخذ ربّك من بني آدم ذرّيّتهم أو نشرهم ونحو ذلك بقي المعنى على إبهامه.
وقوله:( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ينبئ عن فعل آخر إلهىّ تعلّق بهم بعد ما أخذ بعضهم من بعض وفصل بين كلّ واحد منهم وغيره وهو إشهادهم على أنفسهم، والإشهاد على الشئ هو إحضار الشاهد عنده وإراءته حقيقته ليتحمّله علماً تحمّلاً شهوديّاً فإشهادهم على أنفسهم هو إراءتهم حقيقة أنفسهم ليتحمّلوا ما اُريد تحمّلهم من أمرها ثمّ يؤدّوا ما تحمّلوه إذا سئلوا.
وللنفس في كلّ ذي نفس جهات من التعلّق والارتباط بغيرها يمكن أن يستشهد الإنسان على بعضها دون بعض غير أنّ قوله:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) يوضح ما اُشهدوا لأجله واُريد شهادتهم عليه، وهو أن يشهدوا ربوبيّته سبحانه لهم فيؤدّوها عند المسألة.
فالإنسان وإن بلغ من الكبر والخيلاء ما بلغ، وغرّته مسعادة الأسباب ما غرّته واستهوته لا يسعه أن ينكر أنّه لا يملك وجود نفسه ولا يستقلّ بتدبير أمره، ولو ملك نفسه لوقاها ممّا يكرهه من الموت وسائر آلام الحياة ومصائبها، ولو استقلّ بتدبير أمره لم يفتقر إلى الخضوع قبال الأسباب الكونيّة، والوسائل الّتي يرى لنفسه أنّه يسودها ويحكم فيها ثمّ هي كالإنسان في الحاجة إلى ما وراءها، والانقياد إلى حاكم غائب عنها يحكم فيها لها أو عليها، وليس إلى الإنسان أن يسدّ خلّتها ويرفع حاجتها.
فالحاجة إلى ربّ - مالك مدبّر - حقيقة الإنسان، والفقر مكتوب على نفسه، والضعف مطبوع على ناصيته، لا يخفى ذلك على إنسان له أدنى الشعور الإنسانيّ، والعالم والجاهل والصغير والكبير والشريف والوضيع في ذلك سواء.
فالإنسان في أيّ منزل من منازل الإنسانيّة نزل يشاهد من نفسه أنّ له ربّاً يملكه ويدبّر أمره، وكيف لا يشاهد ربّه وهو يشاهد حاجته الذاتيّة؟ وكيف يتصوّر وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالّذي يحتاج إليه؟ فقوله:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) بيان ما اُشهد عليه، وقوله:( قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ) إعتراف منهم بوقوع الشهادة وما شهدوه، ولذا قيل: إنّ الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا أنّه محتاج في جميع جهات حياته من وجوده وما يتعلّق به وجوده من اللوازم والأحكام، ومعنى الآية أنّا خلقنا بني آدم في الأرض وفرّقناهم وميّزنا بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد، وأوفقناهم على احتياجهم ومربوبيّتهم لنا فاعترفوا بذلك قائلين: بلى شهدنا أنّك ربّنا.
وعلى هذا يكون قولهم:( بَلَىٰ شَهِدْنَا ) من قبيل القول بلسان الحال أو إسناد اللازم القول إلى القائل بالملزوم حيث اعترفوا بحاجتهم ولزمه الإعتراف بمن يحتاجون إليه، والفرق بين لسان الحال، والقول بلازم القول: أن الأوّل انكشاف المعنى عن الشئ لدلالة صفة من صفاته وحال من أحواله عليه سواء شعر به أم لا كما تفصح آثار الديار الخربة عن حال ساكنيها، وكيف لعب الدهر بهم؟ وعدت عادية الأيّام عليهم؟ فأسكنت أجراسهم وأخمدت أنفسهم، وكما يتكلّم سيماء البائس المسكين عن فقره ومسكنته وسوء حاله. والثاني انكشاف المعنى عن القائل لقوله بما يستلزمه أو تكلّمه بما يدلّ عليه بالالتزام.
فعلى أحد هذين النوعين من القول أعني القول بلسان الحال والقول بالاستلزام يحمل إعترافهم المحكيّ بقوله تعالى:( قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ) والأوّل قرب وأنسب فإنّه لا يكتفي في مقام الشهادة إلّا بالصريح منها المدلول عليه بالمطابقة دون الالتزام.
ومن المعلوم أنّ هذه الشهادة على أيّ نحو تحقّقت فهي من سنخ الاستشهاد المذكور في قوله:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) فالظاهر أنّه قد استوفى الجواب بعين اللسان الّذي سألهم به، ولذلك كان هناك نحو ثالث يمكن أن يحمل عليه هذه المسألة والمجاوبة فإنّ الكلام الإلهيّ يكشف به عن المقاصد الإلهيّة بالفعل، والإيجاد كلام حقيقيّ - وإن كان بنحو التحليل - كما تقدّم مراراً في مباحثنا السابقة فليكن هنا قوله:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) وقولهم:( بَلَىٰ شَهِدْنَا ) من ذاك القبيل، وسيجئ للكلام تتمّه.
وكيف كان فقوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ) الآية يدلّ على تفصيل بني آدم بعضهم من بعض، وإشهاد كلّ واحد منهم على نفسه، وأخذ الإعتراف على الربوبيّة منه، ويدلّ ذيل الآية وما يتلوه أعني قوله:( أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) على الغرض من هذا الأخذ والإشهاد.
وهو على ما يفيده السياق إبطال حجّتين للعباد على الله وبيان أنّه لولا هذا الأخذ والإشهاد وأخذ الميثاق على انحصار الربوبيّة كان للعباد أن يتمسّكوا يوم القيامة بإحدى حجّتين يدفعون بها تمام الحجّة عليهم في شركهم بالله والقضاء بالنار، على ذلك من الله سبحانه.
والتدبّر في الآيتين وقد عطفت إحدى الحجّتين على الاُخرى بأو الترديديّة، وبنيت الحجّتان جميعاً على العلم اللازم للاشهاد، ونقلتا جميعاً عن بني آدم المأخوذين المفرّقين يعطي أنّ الحجّتين كلّ واحدة منهما مبنيّة على تقدير من تقديري عدم الإشهاد كذلك.
والمراد أنّا أخذنا ذرّيّتهم من ظهورهم وأشهدناهم على أنفسهم فاعترفوا بربوبيّتنا فتمّت لنا الحجّة عليهم يوم القيامة، ولو لم نفعل هذا ولم نشهد كلّ فرد منهم على نفسه بعد أخذه فإن كنّا أهملنا الإشهاد من رأس فلم يشهد أحد نفسه وأنّ الله ربّه، ولم يعلم به لأقاموا جميعاً الحجّة علينا يوم القيامة بأنّهم كانوا غافلين في الدنيا عن ربوبيّتنا، ولا تكليف على غافل ولا مؤاخذة، وهو قوله تعالى:( أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) .
وإن كنّا لم نهمل إمر الإشهاد من رأس، وأشهدنا بعضهم على أنفسهم دون بعض بأن أشهدنا الآباء على هذا الأمر الهامّ العظيم دون ذرّيّتهم ثمّ أشرك الجميع كان شرك الآباء شركاً عن علم بأنّ الله هو الربّ لا ربّ غيره فكانت معصية منهم، وأمّا الذرّيّة فإنّما كان شركهم بمجرّد التقليد فيما لاسبيل لهم إلى العلم به لا إجمالاً ولا تفصيلاً، ومتابعة عمليّة محضة لآبائهم فكان آباؤهم هم المشركون بالله العاصون في شركهم لعلمهم بحقيقة
الأمر، وقد قادوا ذرّيّتهم الضعاف في سبيل شركهم بتربيتهم عليه وتلقينهم ذلك، ولا سبيل لهم إلى العلم بحقيقة الأمر وإدراك ضلال آبائهم وضلالهم إيّاهم، فكانت الحجّة لهؤلاء الذرّيّة على الله يوم القيامة لأنّ الّذين أشركوا وعصوا بذلك وأبطلوا الحقّ هم الآباء فهم المستحقّون للمؤاخذة، والفعل فعلهم، وأمّا الذرّيّة فلم يعرفوا حقّاً حتّى يؤمروا به فيعصوا بمخالفته فهم لم يعصوا شيئاً ولم يبطلوا حقّاً، وحينئذ لم تتمّ حجّة على الذرّيّة فلم تتمّ الحجّة على جميع بني آدم، وهذا معنى قوله تعالى:( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) .
فإن قلت: هنا بعض تقادير اُخر لا يفي به البيان السابق كما لو فرض إشهاد الذرّيّة على أنفسهم دون الآباء مثلاً أو إشهاد بعض الذرّيّة مثلاً كما أنّ تكامل النوع الإنسانيّ في العلم والحضارة على هذه الوتيرة يرث كلّ جيل ما تركه الجيل السابق ويزيد عليه بأشياء فيحصل للاحقّ ما لم يحصل للسابق.
قلت: على أحد التقديرين المذكورين تتمّ الحجّة على الذرّيّة أو على بعضهم الّذين اُشهدوا. وأمّا الآباء الّذين لم يشهدوا فليس عندهم إلّا الغفلة المحضة عن أمر الربوبيّة فلا يستقلّون بشرك إذ لم يشهدوا، ولا يسع لهم التقليد إذ لم يسبق عليهم فيه سابق كما في صورة العكس فيدخلون تحت المحتجّين بالحجّة الاُولى:( إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) .
وأمّا حديث تكامل الإنسان في العلم والحضارة تدريجاً فإنّما هو في العلوم النظريّة الاكتسابيّة الّتي هي نتائج وفروع تحصل للإنسان شيئاً فشيئاً، وأمّا شهود الإنسان نفسه وأنّه محتاج إلى ربّ يربّه فهو من موادّ العلم الّتي إنّما تحصل قبل النتائج، وهو من العلوم الفطريّة الّتي تنطبع في النفس انطباعاً أوّليّاً ثمّ يتفرّع عليها الفروع، وما هذا شأنه لا يتأخّر عن غيره حصولاً ، وكيف لا ؟ ونوع الإنسان إنّما يتدرّج إلى معارفه وعلومه عن الحسّ الباطنيّ بالحاجة كما قرّر في محلّه.
فالمتحصّل من الآيتين أنّ الله سبحانه فصل بين بني آدم بأخذ بعضهم من بعض ثمّ أشهدهم جميعاً على أنفسهم وأخذ منهم الميثاق بربوبيّته فهم ليسوا بغافلين عن هذا المشهد
وما اُخذ منهم الميثاق حتّى يحتجّ كلّهم بأنّهم كانوا غافلين عن ذلك لعدم معرفتهم بالربوبيّة أو يحتجّ بعضهم بأنّه إنّما أشرك وعصى آباؤهم وهم برآء.
ولذلك ذكر عدّة من المفسّرين أنّ المراد بهذا الظرف المشار إليه بقوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) هو الدنيا، والآيتان تشيران إلى سنّة الخلقة الإلهيّة الجارية على الإنسان في الدنيا فإنّ الله سبحانه يخرج الذرّيّة الإنسانيّة من أصلاب آبائهم إلى أرحام اُمّهاتهم ومنها إلى الدنيا، ويشهدهم في خلال حياتهم على أنفسهم، ويريهم أثر صنعه وآيات وحدانيّته، ووجوه احتياجاتهم المستغرقة لهم من كلّ جهة الدالّة على وجوده ووحدانيّته فكأنّه يقول لهم عند ذلك: ألست بربّكم، وهم يجيبونه بلسان حالهم: بلى شهدنا بذلك وأنت ربّنا لا ربّ غيرك، وإنّما فعل الله سبحانه ذلك لئلّا يحتجّوا على الله يوم القيامة بأنّهم كانوا غافلين عن المعرفة، أو يحتجّ الذرّيّة بأنّ آباءهم هم الّذين أشركوا، وأمّا الذرّيّة فلم يكونوا عارفين بها وإنّما هم ذرّيّه من بعدهم نشؤوا على شركهم من غير ذنب.
وقد طرح القوم عدّة من الروايات تدلّ على أنّ الآيتين تدلّان على عالم الذرّ، وأنّ الله أخرج ذرّيّة آدم من ظهره فخرجوا كالذرّ فأشهدهم على أنفسهم وعرّفهم نفسه، وأخذ منهم الميثاق على ربوبيّته فتمّت بذلك الحجّة عليهم يوم القيامة.
وقد ذكروا وجوهاً في إبطال دلالة الآيتين عليه وطرح الروايات بمخالفتها لظاهر الكتاب.
١ - أنّه لا يخلو إمّا أنّ جعل الله هذه الذرّيّة المستخرجة من صلب آدم عقلاء أو لم يجعلهم كذلك فإن لم يجعلهم عقلاء فلا يصحّ أن يعرفوا التوحيد، وأن يفهموا خطاب الله تعالى، وإن جعلهم عقلاء وأخذ منهم الميثاق وبنى صحّة التكليف على ذلك وجب أن يذكروا ذلك ولا ينسوه لأنّ أخذ الميثاق إنّما تتمّ الحجّة به على المأخوذ منه إذا كان على ذكر منه من غير نسيان كما ينصّ عليه قوله تعالى:( أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) ونحن لا نذكر وراء ما نحن عليه من الخلقة الدنيويّة الحاضرة شيئاً فليس المراد بالآية إلّا موقف الإنسان في الدنيا، وما يشاهده فيه من حاجته إلى ربّ
يملكه ويدبّر أمره، وهو ربّ كلّ شئ.
٢ - أنّه لا يجوز أن ينسي الجمع الكثير والجمّ الغفير من العقلاء أمراً قد كانوا عرفوه وميّزوه حتّى لا يذكره ولا واحد منهم، وليس العهد به بأطول من عهد أهل الجنّة بحوادث مضت عليهم في الدنيا وهم يذكرون ما وقع عليهم في الدنيا كما يحكيه تعالى في مواضع من كلامه كقوله:( قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ) إلى آخر الآيات الصافات: ٥١ وقد حكى نظير ذلك من أهل النار كقوله:( وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ ) ص: ٦٢ إلى غير ذلك من الآيات.
ولو جاز النسيان على هؤلاء الجماعة مع هذه الكثرة لجاز أن يكون الله سبحانه قد كلّف خلقه فيما مضى من الزمن ثمّ أعادهم ليثيبهم أو ليعاقبهم جزاءً لأعمالهم في الخلق الأوّل وقد نسوا ذلك، ولازم ذلك صحّة قول التناسخيّة أنّ المعاد إنّما هو خروج النفس عن بدنها ثمّ دخولها في بدن آخر لتجد في الثاني جزاء الأعمال الّتي عملتها في الأوّل.
٣ - ما اُورد على الأخبار الناطقة بأنّ الله سبحانه أخذ من صلب آدم ذرّيّته وأخذ منهم الميثاق، بأنّ الله سبحانه قال:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ) ولم يقل من آدم وقال:( مِن ظُهُورِهِمْ ) ولم يقل من ظهره، وقال:( ذُرِّيَّتَهُمْ ) ولم يقل: ذرّيّته ثمّ أخبر بأنّه إنّما فعل بهم ذلك لئلّا يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين أو يقولوا( إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ) الآية، وهذا يقتضي أن يكون لهم آباء مشركون فلا يتناول ظاهر الآية أولاد آدم لصلبه.
ومن هنا قال بعضهم: إنّ الآيه خاصّة ببعض بني آدم غير عامّة لجميعهم فإنّها لا تشمل آدم وولده لصلبه، وجميع المؤمنين ومن المشركين من ليس له آباء مشركون بل تختصّ بالمشركين الّذين لهم سلف مشرك.
٤ - أنّ تفسير الآية بعالم الذرّ ينافي قولهم - كما في الآية -( إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا ) لدلالته على وجود آباء لهم مشركين، وهو ينافى وجود الجميع هناك بوجود واحد جمعيّ.
٥ - ما ذكره بعضهم أنّ الروايات مقبولة مسلّمة غير أنّها ليست بتأويل للآية،
والّذي تقصّه من حديث عالم الذرّ إنّما هو أمر فعله الله سبحانه ببني آدم قبل وجودهم في هذه النشأة ليجروا بذلك على الأعراق الكريمة في معرفة ربوبيّته كما روي: أنّهم ولدوا على الفطرة، وكما قيل إنّ نعيم الأطفال في الجنّة ثواب إيمانهم بالله في عالم الذرّ.
وأمّا الآية فليست تشير إلى ما تشير إليه الروايات فإنّ الآية تذكر أنّه إنّما فعل بهم ذلك لتنقطع به حجّتهم يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين، ولو كان المراد به ما فعل بهم في عالم الذرّ لكان لهم أن يحتجّوا على الله فيقولوا: ربّنا إنّك أشهدتنا على أنفسنا يوم أخرجتنا من صلب آدم فكنّا على يقين بأنّك ربّنا كما أنّا اليوم وهو يوم القيامة - على يقين من ذلك لكنّك أنسيتنا موقف الإشهاد في الدنيا الّتي هي موطن التكليف والعمل، ووكّلتنا إلى عقولنا فعرف ربوبيّتك من عرفها بعقله، وأنكرها من أنكرها بعقله كلّ ذلك بالاستدلال فما ذنبنا في ذلك وقد نزعت منّا عين المشاهدة، وجهّزتنا بجهاز شأنه الاستدلال وهو يخطئ ويصيب؟
٦ - أنّ الآية لا صراحة لها فيما تدلّ عليه الروايات لإمكان حملها على التمثيل، وأمّا الروايات فهي إمّا مرفوعة أو موقوفة ولا حجيّة فيها.
هذه جمل ما أوردوه على دلالة الآية وحجيّة الروايات، وقد زيّفها المثبتون لنشأة الذرّ وهم عامّة أهل الحديث وجمع من غيرهم من المفسّرين بأجوبة.
فالجواب عن الأوّل: أنّ نسيان الموقف وخصوصيّاته لا يضرّ بتمام الحجّة وإنّما المضرّ نسيان أصل الميثاق وزوال معرفة وحدانيّة الربّ تعالى: وهو غير منسيّ ولا زائل عن النفس وذلك يكفي في تمام الحجّة ألا ترى أنّك إذا أردت أن تأخذ ميثاقاً من زيد فدعوته إليك وأدخلته بيتك، وأجلسته مجلس الكرامة ثمّ بشّرته وأنذرته ما استطعت، ولم تزل به حتّى أرضيته فأعطاك العهد وأخذت منه الميثاق فهو مأخوذ بميثاقه ما دام ذاكراً لأصله وإن نسي حضوره عندك ودخوله بيتك وجميع ما جرى بينك وبينه وقت أخذ الميثاق غير أصل العهد.
والجواب عن الثاني: أنّ الامتناع من تجويز نسيان الجمع الكثير لذلك مجرّد
استبعاد من غير دليل على الامتناع مضافاً إلى أنّ أصل المعرفة بالربوبيّة مذكور غير منسيّ كما ذكرنا وهو يكفي في تمام الحجّة، وأمّا حديث التناسخيّة فليس الدليل على امتناع التناسخ منحصراً في استحالة نسيان الجماعة الكثيرة ما مضى عليهم في الخلق الأوّل حتّى لولم يستحل ذلك صحّ القول بالتناسخ بل لابطال القول به دليل آخر كما يعلم بالرجوع إلى محلّه، وبالجملة لا دليل على استحالة نسيان بعض العوالم في بعض آخر.
والجواب عن الثالث: أنّ الآية غير ساكته عن إخراج ولد آدم لصلبه من صلبه فإنّ قوله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ) كاف وحده في الدلالة عليه فإنّ فرض بني آدم فرض إخراجهم من صلب آدم من غير حاجة إلى مؤونة زائدة، ثمّ إخراج ذرّيّتهم من ظهورهم بإخراج أولاد الأولاد من صلب الأولاد، وهكذا، ويتحصّل منه أنّ الله أخرج أولاد آدم لصلبه من صلبه ثمّ أولادهم من أصلابهم ثمّ أولاد أولادهم من أصلاب أولادهم حتّى ينتهي إلى آخرهم نظير ما يجري عليه الأمر في هذه النشأة الدنيويّة الّتي هي نشأة التوالد والتناسل.
وقد أجاب الرازيّ عنه في تفسيره بأنّ الدلالة على إخراج أولاده لصلبه من صلبه من ناحية الخبر كما أنّ الدلالة على إخراج أولاد أولاده من أصلاب آبائهم من ناحية الآية فبمجموع الآية والخبر تتمّ الدلالة على المجموع. وهو كما ترى.
وأمّا الأخبار المشتملة على ذكر إخراج ذرّيّة آدم من صلبه، وأخذ الميثاق منهم فهي في مقام شرح القصّة لا في مقام تفسير ألفاظ الآية حتّى يورد عليها بعدم موافقة الكتاب أو مخالفته.
وأمّا عدم شمول الآية لأولاد آدم من صلبه لعدم وجود آباء مشركين لهم وكذا بعض من عداهم فلا يضرّ شيئاً لأنّ مراد الآية أنّ الله سبحانه إنّما فعل ذلك لئلّا يقول المشركون يوم القيامة: إنّما أشرك آباؤنا لا أن يقول كلّ واحد واحد منهم: إنّما أشرك آبائي فهذا ممّا لم يتعلّق به الغرض البتّة فالقول قول المجموع من حيث المجموع لا قول كلّ واحد فيؤول المعنى إلى أنّا لولم نفعل ذلك لكان كلّ من أردنا إهلاكه يوم القيامة يقول: لم اُشرك أنا وإنّما أشرك من كان قبلي ولم أكن إلّا ذرّيّة وتابعاً لا متبوعاً.
والجواب عن الرابع: يظهر من الجواب عن سابقه وقد دلّت الآية والرواية على أنّ الله فصّل هناك بين الآباء والأبناء ثمّ ردّهم إلى حال الجمع.
والجواب عن الخامس: أنّه خلاف ظاهر بعض الروايات وخلاف صريح بعض آخر منها، وما في ذيله من عدم تمام الحجّة من جهة عروض النسيان ظهر الجواب عنه من الجواب عن الإشكال الأوّل.
والجواب عن السادس: أنّ استقرار الظهور في الكلام كاف في حجّيّته، ولا يتوقّف ذلك على صفة الصراحة، وإمكان الحمل على التمثيل لا يوجب الحمل عليه ما لم يتحقّق هناك مانع عن حمله على ظاهره، وقد تبيّن أن لا مانع من ذلك.
وأمّا أنّ الروايات ضعيفة لا معوّل عليها فليس كذلك فإنّ فيها ما هو الصحيح وفيها ما يوثق بصدوره كما سيجئ إن شاء الله تعالى في البحت الروائي التالي.
هذا ملخّص ما جرى بينهم من البحث في ما استفيد من الآية من حديث عالم الذرّ إثباتاً ونفياً، واعتراضاً وجواباً، واستيفاء التدبّر في الآية والروايات، والتأمّل فيما يرومه المثبتون بإثباتهم ويدفعه المنكرون بإنكارهم يوجب توجيه البحث إلى جهة اُخرى غير ما تشاجر فيه الفريقان بإثباتهم ونفيهم.
فالّذي فهمه المثبتون من الرواية ثمّ حمّلوه على الآية وانتهضوا لاثباته محصّله: أنّ الله سبحانه بعد ما خلق آدم إنساناً تامّاً سويّاً أخرج نطفه الّتي تكوّنت في صلبه - ثمّ صارت هي بعينها أولاده الصلبيّين - إلى الخارج من صلبه ثمّ أخرج من هذه النطف نطفها الّتي ستتكوّن أولاداً له صلبيّين ففصّل بين أجزائها والاجزاء الأصليّة الّتي اشتقّت منها ثمّ من أجزاء هذه النطف أجزاء اُخرى هي نطفها، ثمّ من أجزاء الاجزاء أجزاءها ولم يزل حتّى أتى آخر جزء مشتقّ من الاجزاء المتعاقبة في التجزّي، وبعبارة اُخرى أخرج نطفة آدم الّتي هي مادّة البشر ووزّعها بفصل بعض أجزائه من بعض إلى ما لا يحصى من عدد بني آدم بحذاء كلّ فرد ما هو نصيبه من أجزاء نطفة آدم، وهي ذرّات منبثّة غير محصورة.
ثمّ جعل الله سبحانه هذه الذرّات المنبثّة عند ذلك - أو كان قد جعلها قبل ذلك -
كلّ ذرّة منها إنساناً تامّاً في إنسانيّته، هو بعينه الإنسان الدنيويّ الّذي هو جزء المقدم له فالجزء الّذي لزيد هناك هو زيد هذا بعينه، والّذي لعمرو هو عمرو هذا بعينه فجعلهم ذوي حياة وعقل وجعل لهم ما يسمعون به وما يتكلّمون به، وما يضمرون به معاني فيظهرونها أو يكتمونها وعند ذلك عرّفهم نفسه فخاطبهم فأجابوه، وأعطوه الإقرار بالربوبيّة أمّا بموافقة ما في ضميرهم لما في لسانهم أو بمخالفته ذلك.
ثمّ إنّ الله سبحانه ردّهم بعد أخذ الميثاق إلى مواطنهم من الأصلاب حتّى اجتمعوا في صلب آدم وهي على حياتها ومعرفتها بالربوبيّة وإن نسوا ما وراء ذلك ممّا شاهدوه عند الإشهاد وأخذ الميثاق، وهم بأعيانهم موجودون في الأصلاب حتّى يؤذن لهم في الخروج إلى الدنيا فيخرجون وعندهم ما حصّلوه في الخلق الأوّل من معرفة الربوبيّة، وهي حكمهم بوجود ربّ لهم من مشاهدة أنفسهم محتاجة إلى من يملكهم ويدبّر أمرهم.
هذا ما يفهمه القوم من الخبر والآية ويرومون إثباته، وهو ممّا يدفعه الضرورة، وينفيه القرآن والحديث بلا ريب، وكيف الطريق إلى إثبات أنّ ذرّة من ذرّات بدن زيد - وهو الجزء الذرّيّ الّذي أنتقل من صلب آدم من طريق نطفته إلى ابنه ثمّ إلى ابن ابنه حتّى انتهى إلى زيد - هو زيد بعينه، وله إدراك زيد وعقله وضميره وسمعه وبصره، وهو الّذي يتوجّه إليه التكليف، وتتمّ له الحجّة، ويحمل عليه العهود والمواثيق، ويقع عليه الثواب والعقاب؟ وقد صحّ بالحجّة القاطعة من طريق العقل والنقل أنّ إنسانيّة الإنسان بنفسه الّتي هي أمر وراء المادّة حادث بحدوث هذا البدن الدنيويّ، وقد تقدّم شطر من البحث فيها.
على أنّه قد ثبت بالبحث القطعي أنّ هذه العلوم التصديقيّة البديهيّة والنظريّة منها التصديق بأنّ له ربّاً يملكه ويدبّر أمره تحصل للإنسان بعد حصول والتصوّرات والجميع تنتهي إلى الاحساسات الظاهرة والباطنة، وهي تتوقّف على وجود التركيب الدنيويّ المادّيّ فهو حال العلوم الحصوليّة الّتي منها التصديق بأنّ له ربّاً هو القائم برفع حاجته.
على أنّ هذه الحجّة إن كانت متوقّفة في تمامها على العقل والمعرفة معاً فالعقل
مسلوب عن الذرّة حين اُرجعت إلى موطنه الصلّبي حتّى تظهر ثانياً في الدنيا، وإن قيل إنّه لم يسلب عنها ما تجري في الأصلاب والأرحام فهو مسلوب عن الإنسان ما بين ولادته وبلوغه أعني أيّام الطفوليّة. ويختلّ بذلك أمر الحجّة على الإنسان، وإن كانت غير متوقّفة عليه بل يكفي في تمامها مجرّد حصول المعرفة فأيّ حاجة إلى الإشهاد وأخذ الميثاق وظاهر الآية أنّ الإشهاد وأخذ الميثاق إنّما هما لأجل إتمام الحجّة فلا محالة يرجع معنى الآية إلى حصول المعرفة فيؤول المعنى إلى ما فسّرها به المنكرون.
وبتقرير آخر: إن كانت الحجّة إنّما تتمّ بمجموع الإشهاد والتعريف وأخذ الميثاق سقطت بنسيان البعض، وقد نسي الإشهاد والتكليم وأخذ الميثاق، وإن كان الإشهاد وأخذ الميثاق جميعاً مقدّمة لثبوت المعرفة ثمّ زالت المقدّمة ولزمت المعرفة، وبها تمام الحجّة تمّت الحجّة على كلّ إنسان حتّى الجنين والطفل والمعتوه والجاهل، ولا يساعد عليه عقل ولا نقل، وإن كانت المعرفة في تمام الحجّة بها متوقّفة على حصول العقل والبلوغ ونحو ذلك، وقد كانت حصلت في عالم الذرّ فتمّت الحجّة ثمّ زالت وبقيت المعرفة حجّة ناقصة ثمّ كملت ثانياً لبعضهم في الدنيا فتمّت الحجّة ثانياً بالنسبه إليهم فكما أنّ لحصول العقل في الدنيا أسباباً تكوينيّة يحصل بها وهي الحوادث المتكرّرة من الخير والشرّ وحصول الملكة المميّزة بينهما من التجارب حصولاً تدريجيّاً ينتهي من جانب إلى حدّ من الكمال، ومن جانب إلى حدّ من الضعف لا يعبأ به، كذلك المعرفة لها أسباب إعداديّة تهيّئ الإنسان إلى التلبّس بها، وليست تحصل قبل ذلك، وإذا كانت تحصل في ظرفنا هذا بأسبابها المعدّة لها كالعقل فأيّ حاجة إلى تكوينه تكويناً آخر في سالف من الزمان لإتمام الحجّة والحجّة تامّة دونه؟ وما ذا يغني ذلك؟
على أنّ هذا العقل الّذي لا تتمّ حجّة ولا ينفع إشهاد ولا يصحّ أخذ ميثاق بدونه حتّى في عالم الذرّ المفروض هو العقل العمليّ الّذي لا يحصل للإنسان إلّا في هذا الظرف الّذي يعيش فيه عيشة اجتماعيّة فتتكرّر عليه حوادث الخير والشرّ، وتهيّج عواطفه وإحساساته الباطنة نحو جلب النفع ودفع الضرر فتتعاقب عليه الأعمال عن علم وإرادة فيخطئ ويصيب حتّى يتدرّب في تمييز الصواب من الخطإ، والخير من الشرّ، والنفع من الضرّ
والظرف الّذي يثبتونه أعني ما يصفونه من عالم الذرّ ليس بموطن العقل العمليّ إذ ليس فيه شرائط حصوله وأسبابه.
ولو فرضوه موطناً له وفيه أسبابه وشرائطه كما يظهر ممّا يصفونه تعويلاً على ما في ظواهر الروايات أنّ الله دعاهم هناك إلى التوحيد فأجابه بعضهم بلسان يوافقه قلبه، وأجابه آخرون وقد أضمروا الكفر وبعث إليهم الأنبياء والأوصياء فصدّقهم بعض وكذّبهم آخرون ولا يجري ما ههنا إلّا على ما جرى به ما هنالك إلى غير ذلك ممّا ذكروه كان ذلك إثباتاً لنشأة طبيعيّة قبل هذه النشأة الطبيعيّة في الدنيا نظير ما يثبته القائلون بالأدوار والأكوار(١) واحتاج إلى تقديم كينونة ذرّيّة اُخرى تتمّ بها الحجّة على من هنالك من الإنسان لأنّ عالم الذرّ على هذه الصفة لا يفارق هذا العالم الحيويّ الّذي نحن فيه الآن فلو احتاج هذا الكون الدنيويّ إلى تقديم إشهاد وتعريف حتّى يحصل المعرفة وتتمّ الحجّة لاحتاج إليه الكون الذرّيّ من غير فرق فارق البتّة.
على أنّ الإنسان لو احتاج في تحقّق المعرفة في هذه النشأة الدنيويّة إلى تقدّم وجود ذرّيّ يقع فيه الإشهاد ويوجد فيه الميثاق حتّى تثبت بذلك المعرفة بالربوبيّة لم يكن في ذلك فرق بين إنسان وإنسان فما بال آدم وحوّاء استثنيا من هذه الكلّيّة؟ فإن لم يحتاجا إلى ذلك لفضل فيهما أو لكرامة لهما ففي ذرّيّتهما من هو أفضل منهما وأكرم ! وإن كان لتمام خلقتهما يومئذ فأثبتت فيهما المعرفة من غير حاجة إلى إحضار الوجود الذرّيّ فلكلّ من ذرّيّتهما أيضاً خلقة تامّة في ظرفه الخاصّ به فلم لم يؤخّر إثبات المعرفة فيهم ولهم إلى تمام خلقتهم بالولادة حتّى تتمّ عند ذلك الحجّة؟ و أيّ حاجة إلى التقديم؟.
فهذه جهات من الإشكال في تحقّق الوجود الذرّيّ للإنسان على ما فهموه من الروايات لا طريق إلى حلّها بالأبحاث العلميّة، ولا حمل الآية عليه معها حتّى بناء على عادة القوم في تحميل المعنى على الآية إذا دلّت عليه الرواية وإن لم يساعد عليه لفظ الآية لأنّ الرواية القطعيّة الصدور كلآية مصونة عن أن تنطق بالمحال، وأمّا الحشويّة وبعض
____________________
(١) وهو أن الحوادث معلولة للحركات الفلكية ففي كلّ دور نام لحركة فلك الثوابت وهو ثلثماة وستون ألف سنة تعود الحوادث كعين ما كانت في الدورة السابقة من غير فرق.
المحدّثين ممّن يبطل حجّة العقل الضروريّة قبال الرواية، ويتمسّك بالآحاد في المعارف اليقينيّة فلا بحث لنا معهم هذا ما على المثبتين.
بقي الكلام فيما ذكره النافون أنّ الآية تشير إلى ما عليه حال الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وهو أنّ الله سبحانه أخرج كلّاً من آحاد الإنسان من الأصلاب والأرحام إلى مرحلة الانفصال والتفرّق، وركّب فيهم ما يعرفون به ربوبيّته واحتياجهم إليه كأنّه قال لهم إذا وجّه وجوههم نحو أنفسهم المستغرقة في الحاجة: ألست بربّكم؟ وكأنّهم لمّا سمعوا هذا الخطاب من لسان الحال قالوا: بلى أنت ربّنا شهدنا بذلك، وإنّما فعل الله ذلك لتتمّ عليهم حجّته بالمعرفة وتنقطع حجّتهم عليه بعدم المعرفة، وهذا ميثاق مأخوذ منهم طول الدنيا جارٍ ما جرى الدهر والإنسان يجري معه.
والآية بسياقها لا تساعد عليه فإنّه تعالى افتتح الآية بقوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) الآية، فعبّر عن ظرف هذه القضيّة بإذ وهو يدلّ على الزمن الماضي أو على أيّ ظرف محقّق الوقوع نحوه كما في قوله:( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ - إلى أن قال -قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ) المائدة: ١١٩ فعبّر بإذن عن ظرف مستقبل لتحقّق وقوعه.
وقوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) خطاب للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أو له ولغيره كما يدلّ عليه قوله:( أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) الآية، إن كان الخطاب متوجّهاً إلينا معاشر السامعين للآيات المخاطبين بها والخطاب خطاب دنيويّ لنا معاشر أهل الدنيا، والظرف الّذي يتكّي عليه هو زمن حياتنا في الدنيا أو زمن حياة النوع الإنسانيّ فيها وعمره الّذي هو طول إقامته في الأرض، والقصّة الّتي يذكرها في الآية ظرفها عين ظرف وجودالنوع في الدنيا فلا مصحّح للتعبير عن ظرفها بلفظة( إِذْ ) الدالّة على تقدّم ظرف القصّة على ظرف الخطاب، ولا عناية اُخرى في المقام تصحّح هذا التعبير من قبيل تحقّق الوقوع ونحوه وهو ظاهر.
فقوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) في عين أنّه يدلّ على قصّة خلقه تعالى النوع الإنسانيّ بنحو التوليد وأخذ الفرد من الفرد، وبثّ الكثير من
القليل كما هو المشهود في نحو تكوّن الآحاد من الإنسان، وحفظهم وجود النوع بوجود البعض من البعض على التعاقب يدلّ على أنّ للقصّة - وهي تنطبق على الحال المشهود - نوعاً من التقدّم على هذا المشهود من جريان الخلقة وسيرها.
وقد تقدّمت استحالة ما افترضوا لهذا التقدّم من تقدّم هذه الخلقة بنحو تقدّماً زمانيّاً بأن يأخذ الله أوّل فرد من هذا النوع فيأخذ منه مادّة النطفة الّتي منها نسل هذا النوع فيجزّئها أجزاءً ذرّيّة بعدد أفراد النوع إلى يوم القيامة ثمّ يلبس وجود كلّ فرد بعينه بحياته وعقله وسمعه وبصره وضميره وظهره وبطنه ويكسيه وجوده الّتي هي له قبل أن يسير مسيره الطبيعيّ فيشهده نفسه ويأخذ منه الميثاق، ثمّ ينزعه منها ويردّها إلى مكانها الصلبيّ حتّى يسير سيره الطبيعيّ، وينتهي إلى موطنها الّذي لها من الدنيا فقد تقدّم بطلان ذلك، وأنّ الآية اجنبيّة عنه.
لكن الّذي أحال هذا المعنى هو استلزامه وجود الإنسان بما له من الشخصيّة الدنيويّة مرّتين في الدنيا، واحدة بعد اُخرى المستلزم لكون الشئ غير نفسه بتعدّد(١) شخصيّته فهو الأصل الّذي تنتهي إليه جميع المشكلات السابقة.
وأمّا وجود الإنسان أو غيره في امتداد مسيره إلى الله ورجوعه إليه في عوالم مختلفة النظام متفاوتة الحكم فليس بمحال، وهو ممّا يثبته القرآن الكريم ولو كره ذلك الكافرون الّذين يقولون إن هي إلّا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلّا الدهر فقد أثبت الله الحياة الآخرة للإنسان وغيره يوم البعث، وفيه هذا الإنسان بعينه، وقد وصفه بنظام وأحكام غير هذه النشأة الدنيويّة نظاماً وأحكاما، وقد أثبت حياة برزخيّة لهذا الإنسان بعينه وهي غير الحياة الدنيويّة نظاماً وحكما، وأثبت بقوله:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) الحجر: ٢١ أنّ لكلّ شئ عنده وجوداً وسيعا غير مقدّر في خزائنه، وإنّما يلحقه الأقدار إذا نزّله إلى الدنيا مثلاً فللعالم الإنسانيّ على سعته سابق وجود عنده تعالى في خزائنه أنزله إلى هذه النشأة.
____________________
(١) وهذا غير تعدّد الشخصيّة الّذي ربّما اصطلح عليه في فن الاخلاق وعلم النفس التربوي.
وأثبت بقوله:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) يس: ٨٣، وقوله:( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) القمر: ٥٠ وما يشابههما من الآيات أنّ هذا الوجود التدريجيّ الّذي للأشياء ومنها الإنسان هو أمر من الله يفيضه على الشئ، ويلقيه إليه بكلمة( كن ) إفاضة دفعيّة وإلقاءً غير تدريجيّ فلوجود هذه الأشياء وجهان وجه إلى الدنيا وحكمه أن يحصل بالخروج من القوّة إلى الفعل تدريجاً، ومن العدم إلى الوجود شيئاً فشيئاً، ويظهر ناقصاً ثمّ لا يزال يتكامل حتّى يفنى ويرجع إلى ربّه، ووجه إلى الله سبحانه وهي بحسب هذا الوجه اُمور تدريجيّة وكلّ ما لها فهو لها في أوّل وجودها من غير أن تحتمل قوّة تسوقها إلى الفعل.
وهذا الوجه غير الوجه السابق وإن كانا وجهين لشئ واحد، وحكمه غير حكمه وإن كان تصوّره التامّ يحتاج إلى لطف قريحة، وقد شرحناه في الأبحاث السابقة بعض الشرح وسيجئ إن شاء الله استيفاء الكلام في شرحه.
ومقتضى هذه الآيات أنّ للعالم الإنسانيّ على ما له من السعة وجوداً جمعيّاً عند الله سبحانه، وهو الّذي يلي جهته تعالى ويفيضه على أفراده لا يغيب فيها بعضهم عن بعض ولا يغيبون فيه عن ربّهم ولا هو يغيب عنهم، وكيف يغيب فعل عن فاعله أو ينقطع صنع عن صانعه، وهذا هو الّذي يسمّيه الله سبحانه بالملكوت، و يقول:( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) الأنعام ٧٥، ويشير إليه بقوله:( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) التكأثر: ٧.
وأمّا هذا الوجه الدنيويّ الّذي نشاهده نحن من العالم الإنسانيّ وهو الّذي يفرّق بين الآحاد، ويشتّت الأحوال والأعمال بتوزيعها على قطعات الزمان، وتطبيقها على مرّ الليالي والأيّام ويحجب الإنسان عن ربّه بصرف وجهه إلى التمتّعات المادّيّة الأرضيّة واللذائذ الحسّيّة فهو متفرّع على الوجه السابق متأخّر عنه. وموقع تلك النشأة وهذه النشأة في تفرّعها عليها موقعا كن ويكون في قوله تعالى:( أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) يس: ٨٢.
ويتبيّن بذلك أنّ هذه النشأة الإنسانيّة الدنيويّة مسبوقة بنشأة اُخرى إنسانيّة
هي هي بعينها غير أنّ الآحاد موجودون فيها غير محجوبين عن ربّهم يشاهدون فيها وحدانيّته تعالى في الربوبيّة بمشاهدة أنفسهم لا من طريق الاستدلال بل لأنّهم لا ينقطعون عنه ولا يفقدونه، ويعترفون به وبكلّ حقّ من قبله، وأمّا قذارة الشرك وألواث المعاصي فهو من أحكام هذه النشأة الدنيويّة دون تلك النشأة الّتي ليس فيها إلا فعله تعالى القائم به فافهم ذلك.
وأنت إذا تدبّرت هذه الآيات ثمّ راجعت قوله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الآية وأجدت التدبّر فيها وجدتها تشير إلى تفصيل أمر تشير هذه الآيات إلى إجماله فهي تشير إلى نشأة إنسانيّة سابقة فرّق الله فيها بين أفراد هذا النوع وميّز بينهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربّكم؟ قالوا: بلى شهدنا.
ولا يرد عليه ما اُورد على قول المثبتين في تفسير الآية على ما فهموه من معنى عالم الذرّ من الروايات على ما تقدّم فإنّ هذا المعنى المستفاد من سائر الآيات والنشأة السابقة الّتي تثبته لا تفرّق هذه النشأة الإنسانيّة الدنيويّة زماناً بل هي معها محيطه بها لكنّها سابقة عليها السبق الّذي في قوله تعالى:( كُن فَيَكُونُ ) ولا يرد عليه شئ من المحاذير المذكورة.
ولا يرد عليه ما اُوردناه على قول المنكرين في تفسيرهم الآية بحال وجود النوع الإنسانيّ في هذه النشأة الدنيويّة من مخالفته لقوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) ثمّ التجوّز في الإشهاد بإرادة التعريف منه، وفي الخطاب بقوله:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) بإرادة دلالة الحال، وكذا في قوله:( قَالُوا بَلَىٰ ) وقوله( شَهِدْنَا ) بل الظرف ظرف سابق على الدنيا وهو غيرها، والإشهاد على حقيقته والخطاب على حقيقته.
ولا يرد عليه أنّه من قبيل تحميل الآية معنى لا تدلّ عليه فإنّ الآية لا تأبى عنه وسائر الآيات تشير إليه بضمّ بعضها إلى بعض.
وأمّا الروايات فسيأتي أنّ بعضها يدلّ على أصل تحقّق هذه النشأة الإنسانيّة كلآية، وبعضها يذكر أنّ الله كشف لآدمعليهالسلام عن هذه النشأة الإنسانيّة، وأراه هذا العالم الّذي هو ملكوت العالم الإنسانيّ، وما وقع فيه من الإشهاد وأخذ الميثاق كما أرى
إبراهيمعليهالسلام ملكوت السماوات والأرض.
رجعنا إلى الآية
قوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) أي واذكر لأهل الكتاب في تتميم البيان السابق أو واذكر للناس في بيان ما نزلت السورة لأجل بينه وهو أنّ لله عهداً على الإنسان وهو سائله عنه وأنّ أكثر الناس لا يفون به وقد تمّت عليهم الحجّة.
أذكر لهم موطناً قبل الدنيا أخذ فيه ربّك( مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) فما من أحد منهم إلّا استقلّ من غيره وتميّز منه فاجتمعوا هناك جميعاً وهم فرادى فأراهم ذواتهم المتعلّقة بربّهم( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ) فلم يحتجبوا عنه وعاينوا أنّه ربّهم كما أنّ كلّ شئ بفطرته يجد ربّه من نفسه من غير أن يحتجب عنه، وهو ظاهر الآيات القرآنيّة كقوله:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) أسرى: ٤٤.
( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) وهو خطاب حقيقيّ لهم لا بيان حال وتكليم إلهىّ لهم فإنّهم يفهمون ممّا يشاهدون أنّ الله سبحانه يريد به منهم الإعتراف وإعطاء الموثق، ولا نعنى بالكلام إلّا ما يلقى للدلالة به على معنى مراد، وكذا الكلام في قوله:( قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا ) .
وقوله( أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) الخطاب للمخاطبين بقوله:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) القائلين( بَلَىٰ شَهِدْنَا ) فهم هناك يعاينون الإشهاد والتكليم من الله والتكلّم بالإعتراف من أنفسهم وإن كانوا في نشأة الدنيا على غفلة ممّا عدا المعرفة بالاستدلال، ثمّ إذا كان يوم البعث وانطوى بساط الدنيا، وانمحت هذه الشواغل والحجب عادوا إلى مشاهدتهم ومعاينتهم، وذكروا ما جرى بينهم وبين ربّهم.
ويحتمل أن يكون الخطاب راجعاً إلينا معاشر المخاطبين بالآيات أي إنّما فعلنا ببني آدم ذلك حذر أن تقولوا أيّها الناس يوم القيامة كذا وكذا، والأوّل أقرب ويؤيّده قراءة:( أَن يَقُولُوا ) بلفظ الغيبة.
وقوله:( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ ) هذه حجّة الناس إن فرض الإشهاد
وأخذ الميثاق من الآباء خاصّة دون الذرّيّة كما أنّ قوله:( أَن تَقُولُوا ) الخ حجّة الناس إن ترك الجميع فلم يقع إشهاد ولا أخذ ميثاق من أحد منهم.
ومن المعلوم أن لو فرض ترك الإشهاد وأخذ الميثاق في تلك النشأة كان لازمه عدم تحقّق المعرفة بالربوبيّة في هذه النشأة إذ لا حجاب بينهم وبين ربّهم في تلك النشأة فلو فرض هناك علم منهم كان ذلك إشهاداً وأخذ ميثاق، وأمّا هذه النشأة فالعلم فيها من وراء الحجاب وهو المعرفة من طريق الاستدلال.
فلو لم يقع هناك بالنسبة إلى الذرّيّة إشهاد وأخذ ميثاق كان لازمة في هذه النشأة أن لا يكون لهم سبيل إلى معرفة الربوبيّة فيها أصلاً، وحينئذ لم يقع منهم معصية شرك بل كان ذلك فعل آبائهم، وليس لهم إلّا التبعيّة العمليّة لآبائهم والنشوء على شركهم من غير علم فصحّ لهم أن يقولوا: إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنّا ذرّيّة من بعدهم أ فتهلكنا بما فعل المبطلون.
قوله تعالى: ( وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) تفصيل الآيات تفريق بعضها وتمييزه من بعض ليتبيّن بذلك مدلول كلّ منها ولا تختلط وجود دلالتها، وقوله:( وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عطف على مقدّر، والتقدير: لغايات عالية كذا وكذا ولعلّهم يرجعون من الباطل إلى الحقّ.
( بحث روائي)
في الكافي بإسناده عن زرارة عن حمران عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق خلق ماءً عذباً وماءً مالحاً اُجاجا فامتزج الماء ان فأخذ طيناً من أديم الأرض فعركه عركاً شديداً فقال لاصحاب اليمين وهم كالذّرّ يدبّون: إلى الجنّة ولا اُبالى وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا اُبالى. ثمّ قال: ألست بربّكم؟ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين. الحديث.
وفيه بإسناده عن عبدالله بن سنان عن أبي عبداللهعليهالسلام قال سألته عن قول الله
عزّوجلّ:( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ما تلك الفطرة؟ قال: هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد قال: ألست بربّكم؟ وفيه(١) المؤمن والكافر.
وفي تقسير العيّاشيّ وخصائص السيّد الرضيّ عن الأصبغ بن نباتة عن عليّعليهالسلام قال: أتاه ابن الكوّاء فقال: أخبرني يا أميرالمؤمنين عن الله تبارك وتعالى هل كلّم أحداً من ولد آدم قبل موسى؟ فقال عليّعليهالسلام قد كلّم الله جميع خلقه برّهم وفاجرهم وردّوا عليه الجواب فثقل ذلك على ابن الكوّاء ولم يعرفه فقال له: كيف كان ذلك يا أميرالمؤمنين؟ فقال له: أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول لنبيّه:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ) فقد أسمعهم كلامه وردّوا عليه الجواب كما تسمع في قول الله يا ابن الكوّاء( قَالُوا بَلَىٰ ) فقال لهم إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا وأنا الرحمان الرحيم فأقرّوا له بالطاعة والربوبيّة، وميّز الرسل والأنبياء والاوصياء وأمر الخلق بطاعتهم فأقرّوا بذلك في الميثاق فقالت الملائكة عند إقرارهم بذلك شهدنا عليكم يا بني آدم أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين.
أقول: والرواية كما تقدّم وبعض ما يأتي من الروايات يذكر مطلق أخذ الميثاق من بني آدم من غير ذكر إخراجهم من صلب آدم وإراءتهم إيّاه.
وكأنّ تشبيههم بالذرّ كما في كثير من الروايات تمثيل لكثرتهم كالذرّ لا لصغرهم جسماً أو غير ذلك، ولكثرة ورود هذا التّعبير في الرّوايات سمّيت هذه النشأة بعالم الذرّ.
وفي الرواية دلالة ظاهرة على أنّ هذا التكليم كان تكليماً حقيقيّاً لا مجرّد دلالة الحال على المعنى.
وفيها دلالة على أنّ الميثاق لم يؤخذ على الربوبيّة فحسب بل على النبوّة وغير ذلك، وفي كلّ ذلك تأييد لمّا قدّمناه.
وفي تفسير العيّاشيّ عن رفاعة قال: سألت أباعبدالله عن قول الله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ
____________________
(١) فيهم ظ.
مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) قال: نعم لله الحجّة على جميع خلقه أخذهم يوم أخذ الميثاق هكذا وقبض يده.
أقول: وظاهر الرواية أنّها تفسّر الاخذ في الآية بمعنى الإحاطة والملك.
وفي تفسير القمّيّ عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن مسكان عن أبي عبداللهعليهالسلام في قوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ) قلت: معاينة كان هذا؟ قال: نعم فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه فمنهم من أقرّ بلسانه في الذرّ ولم يؤمن بقلبه فقال الله:( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ) .
أقول: والرواية تردّ على منكري دلالة الآية على أخذ الميثاق في الذرّ تفسيرهم قوله:( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) أنّ المراد به أنّه عرّفهم آياته الدالّة على ربوبيّته، والرواية صحيحة ومثلها في الصّراحة والصحّة ما سيأتي من رواية زرارة وغيره.
وفي الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن زرارة: أنّ رجلاً سأل أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله عزّوجلّ:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) إلى آخر الآية، فقال وأبوه يسمع: حدّثني أبي: أنّ الله عزّوجلّ قبض قبضة من تراب التربة الّتي خلق منها آدم فصبّ عليها الماء العذب الفرات ثمّ تركها أربعين صباحاً ثمّ صبّ عليها الماء المالح الاُجاج فتركها أربعين صباحاً فلمّا اختمرت الطينة أخذها فعركها عركاً شديداً فخرجوا كالذرّ من يمينه وشماله وأمرهم جميعاً أن يقعوا في النار فدخلها أصحاب اليمين فصارت عليهم برداً وسلاماً، وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها.
أقول: وفي هذا المعنى روايات اُخر وكأنّ الأمر بدخول النار كناية عن الدخول في حظيرة العبوديّة والانقياد للطاعة.
وفيه بإسناده عن عبدالله بن محمّد الحنفيّ وعقبة جميعاً عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ الله عزّوجلّ خلق الخلق فخلق من أحبّ ممّا أحبّ فكان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة، وخلق من أبغض ممّا أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار ثمّ بعثهم في
الظلال فقيل: وأيّ شئ الظلال؟ قال: ألم تر إلى ظلّك في الشمس شئ وليس بشئ ثمّ بعث معهم النبيّين فدعوهم إلى الإقرار بالله وهو قوله:( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ، ثمّ دعوهم إلى الإقرار فأقرّ بعضهم وأنّكر بعض، ثمّ دعوهم إلى ولايتنا فأقرّ بها والله من أحبّ وأنكرها من أبغض، وهو قوله:( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ) ثمّ قال أبو جعفرعليهالسلام كان التكذيب.
أقول: والرواية وإن لم تكن ممّا وردت في تفسير آية الذرّ غير أنّا أوردناها لاشتمالها على قصّة أخذ الميثاق، وفيها ذكر الظلال، وقد تكرّر ذكر الظلال في لسان أئمّة أهل البيتعليهمالسلام والمراد به - كما هو ظاهر الرواية - وصف هذا العالم الّذي هو بوجه عين العالم الدنيويّ وبوجه غيره، وله أحكام غير أحكام الدنيا بوجه وعينها بوجه فينطبق على ما وصفناه في البيان المتقدّم.
وفي الكافي وتفسير العيّاشيّ عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبداللهعليهالسلام : كيف أجابوا وهم ذرّ؟ قال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه. وزاد العيّاشيّ: يعني في الميثاق.
أقول: وما زاده العيّاشيّ من كلام الراوي وليس المراد بقوله( جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه) دلالة حالهم على ذلك بل لمّا فهم الراوي من الجواب ما هو من نوع الجوابات الدنيويّة استبعد صدوره عن الذرّ فسأل عن ذلك فأجابهعليهالسلام بأنّ الأمر هناك بحيث إذا نزلوا في الدنيا كان ذلك منهم جواباً دنيويّاً باللسان والكلام اللفظيّ، ويؤيّده قولهعليهالسلام ما إذا سألهم، ولم يقل: ما لو تكلّموا ونحو ذلك.
وفي تفسير العيّاشيّ أيضاً عن أبي بصير عن أبي عبداللهعليهالسلام في قول الله:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) قالوا بألسنتهم؟ قال نعم وقالوا بقلوبهم. فقلت: وأين كانوا يومئذ؟ قال: صنع منهم ما اكتفى به.
أقول: جوابهعليهالسلام أنّهم قالوا: بلى بألسنتهم وقلوبهم مبنيّ على كون وجودهم يومئذ بحيث لو انتقلوا إلى الدنيا كان ذلك جواباً بلسان على النحو المعهود في الدنيا لكنّ
اللسان والقلب هناك واحد، ولذلك قالعليهالسلام : نعم وبقلوبهم فصدّق اللسان، وأضاف إليه القلب.
ثمّ لمّا كان في ذهن الراوي أنّه أمر واقع في الدنيا ونشأة الطبيعة، وقد ورد في بعض الروايات الّتي تذكر قصّة إخراج الذرّيّة من ظهر آدم: تعيين المكان له وقد روى بعضها هذا الراوي أعني أبا بصير سألهعليهالسلام عن مكانهم بقوله: وأين كانوا يومئذ فأجابهعليهالسلام بقوله:( صنع منهم ما اكتفى به) فلم يجبه بتعيين المكان بل بأنّ الله سبحانه خلقهم خلقاً يصحّ معه السؤال والجواب، وكلّ ذلك يؤيّد ما قدّمناه في وصف هذا العالم، الرواية كغيرها مع ذلك كالصريح في أنّ التكليم والتكلّم في الآية على الحقيقة دون المجاز بل هي صريحة فيه.
وفي الدّر المنثور أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذيّ في نوادر الاُصول وأبوالشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي أمامة: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: خلق الله الخلق وقضى القضيّة، وأخذ ميثاق النبيّين وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الاُخرى - وكلتا يد الرحمن يمين فقال: يا أصحاب اليمين فاستجابوا له فقالوا: لبّيك ربّنا، وسعديك. قال: ألست بربّكم؟ قالوا: بلى قال: يا أصحاب الشمال فاستجابوا له فقالوا لبّيك ربّنا وسعديك قال: ألست بربّكم؟ قالوا: بلى.
فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم : ربّ لم خلطت بيننا؟ قال: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أن يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين ثمّ ردّهم في صلب آدم فأهل الجنّة أهلها وأهل النار أهلها.
فقال قائل: يا رسول الله فما الأعمال؟ قال: يعمل كلّ قوم لمنازلهم. فقال عمر بن الخطّاب: إذاً نجتهد.
أقول: قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( وعرشه على الماء) كناية عن تقدّم أخذ الميثاق، وليس المراد به تقدّم خلق الأرواح على الأجساد زماناً فإنّ عليه من الإشكال ما على عالم الذرّ بالمعنى الّذي فهمه جمهور المثبتين، وقد تقدّم.
وقوله:صلىاللهعليهوآلهوسلم ( يعمل كلّ قوم لمنازلهم) أي إنّ كلّ واحد من المنزلين يحتاج
إلى أعمال تناسبه في الدنيا فإن كان العامل من أهل الجنّة عمل الخير لا محالة، وإن كان من أهل النار عمل الشرّ لا محالة، والدعوة إلى الجنّة وعمل الخير لأنّ عمل الخير يعيّن منزله في الجنّة، وأنّ عمل الشرّ يعيّن منزله في النار لا محالة كما قال تعالى:( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) البقرة: ١٤٨.
فلم يمنع تعيّن الوجهة عن الدعوة إلى استباق الخيرات، ولا منافاة بين تعيّن السعادة والشقاوة بالنظر إلى العلل التامّة وبين عدم تعيّنها بالنظر إلى اختيار الإنسان في تعيين عمله فإنّه جزء العلّة، وجزء علّة الشئ لا يتعيّن معه وجود الشئ ولا عدمه بخلاف تمام العلّة، وقد تقدّم استيفاء هذا البحث في موارد من هذا الكتاب، وآخرها في تفسير قوله تعالى:( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) الأعراف: ٣٠، وأخبار الطينة المتقدّمة من أخبار هذا الباب بوجه.
وفيه أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبوالشيخ عن ابن عبّاس في قوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ) الآية قال: خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنّه ربّه، وكتب أجله ورزقه ومصيبته ثمّ أخرج ولده من ظهره كهيئة الذرّ فأخذ مواثيقهم أنّه ربّهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم.
أقول: وقد روي هذا المعنى عن ابن عبّاس بطرق كثيرة في ألفاظ مختلفة لكنّ الجميع تشترك في أصل المعنى، وهو إخراج ذرّيّه آدم من ظهره وأخذ الميثاق منهم.
وفيه أخرج ابن عبد البرّ في التمهيد من طريق السدّيّ عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عبّاس، وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) .
قالوا: لمّا أخرج الله آدم من الجنّة قبل تهبيطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرّيّة بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذرّ فقال لهم: اُدخلوا الجنّة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرّيّة سوداء كهيئة الذرّ: فقال: ادخلوا النار ولا اُبالي فذلك قوله:( أصحاب اليمين وأصحاب الشمال) .
ثمّ أخذ منهم الميثاق فقال: ألست بربّكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين، و طائفة
كارهين على وجه التقيّة فقال هو والملائكة: شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين أو يقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل.
قالوا: فليس أحد من ولد آدم إلّا وهو يعرف الله أنّه ربّه وذلك قوله عز وجل:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) ، وذلك قوله:( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) يعني يوم أخذ الميثاق.
أقول: وقد روى حديث الذرّ كما في الرواية موقوفة وموصولة عن عدّة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كعليّعليهالسلام ، وابن عبّاس، وعمر بن الخطّاب، وعبدالله بن عمر، وسلمان، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وأبي سعيد الخدريّ، وعبدالله بن مسعود، وعبد الرحمان بن قتادة، وأبي الدرداء، وأنّس، ومعاوية، وأبي موسى الاشعري.
كما روي من طرق الشيعة عن عليّ وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد والحسن بن عليّ العسكريعليهالسلام ، ومن طرق أهل السنّة أيضاً عن عليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّدعليهالسلام بطرق كثيرة فليس من البعيد أن يدّعى تواتره المعنويّ.
وفي الدّر المنثور أيضاً أخرج ابن سعد وأحمد عن عبد الرحمان بن قتادة السلميّ وكان من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إنّ الله تبارك وتعالى خلق آدم ثمّ أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنّة ولا اُبالي، وهؤلاء في النار ولا اُبالي. فقال رجل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر.
أقول: القول في ذيل الرواية نظير القول في ذيل رواية أبي أمامة المتقدّمة، وقد فهم الرجل من قوله( هؤلاء في الجنّة ولا اُبالى، وهؤلاء في النار ولا اُبالي) (الخبر) سقوط الاختيار، فأجابهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّ هذا قدر منه تعالى وأنّ أعمالنا في عين أنّا نعملها وهي منسوبة إلينا تقع على ما يقع عليه القدر فتنطبق على القدر وينطبق هو عليها، وذلك أنّ الله قدّر ما قدّر من طريق اختيارنا فنعمل نحن باختيارنا، ويقع مع ذلك ما قدّره الله سبحانه لا أنّه تعالى أبطل بالقدر اختيارنا، ونفي تأثير إرادتنا والروايات بهذا المعنى كثيرة.
وفي الكافي عن علىّ بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن اُذينة عن زرارة عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ:( حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ) قال: الحنفيّة من الفطرة الّتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله قال: فطرهم على المعرفة به.
قال زرارة: وسألته عن قول الله عزّوجلّ:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ) الآية قال : أخرج من ظهر آدم ذرّيّته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذرّ فعرّفهم وأراهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربّه.
وقال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كلّ مولود يولد على الفطرة يعنى على المعرفة بأنّ الله عز وجل خالقه، كذلك قوله:( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ )
أقول: وروي وسط الحديث العيّاشيّ في تفسيره عن زرارة بعين اللفظ، وفيه شهادة على ما تقدّم من تقرير معنى الإشهاد والخطاب في الآية خلافاً لما ذكره النافون أنّ المراد بذلك المعرفة بالآيات الدالّة على ربوبيّته تعالى لجميع خلقه.
وقد روى الحديث في المعاني بالسند بعينه عن زرارة عن أبي جعفرعليهالسلام إلّا أنّه قال: فعرّفهم وأراهم صنعه بدل قوله: فعرّفهم وأراهم نفسه، ولعلّه من تغيير اللفظ قصداً للنقل بالمعنى زعماً أنّ ظاهر اللفظ يوهم التجسّم وفيه إفساد اللفظ والمعنى جميعاً، وقد عرفت أنّ الرواية مرويّة في الكافي وتفسير العيّاشيّ بلفظ: أراهم نفسه.
وتقدّم في حديث ابن مسكان عن الصادقعليهالسلام قوله: قلت معاينة كان هذا؟ قال: نعم. وقد تقدّم أن لا ارتباط للكلام بمسألة التجسّم.
وفي المحاسن عن الحسن بن عليّ بن فضلّ عن ابن بكير عن زرارة قال: سألت أباعبداللهعليهالسلام عن قول الله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) الآية قال: ثبتت المعرفة في قلوبهم ونسوا الموقف، ويذكرونه يوماً، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه.
وفي الكافي بإسناده عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: كان عليّ بن الحسينعليهالسلام لا يرى
بالعزل بأساً، يقرء هذه الآية:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ) فكلّ شئ أخذ الله من الميثاق فهو خارج وإن كان على صخرة صمّاء.
أقول: ورواه في الدّر المنثور عن ابن أبي شيبة وابن جرير عنهعليهالسلام ، وروى هذا المعنى أيضاً عن سعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأعلم أنّ الروايات في الذرّ كثيرة جدّاً وقد تركنا إيراد أكثرها لوفاء ما أوردنا من ذلك بمعناها وهنا روايات اُخر في أخذ الميثاق عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وسائر الأنبياءعليهمالسلام سنوردها في محلّها إن شاء الله تعالى.
( سورة الأعراف آية ١٧٥ - ١٧٩)
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ( ١٧٥ ) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( ١٧٦ ) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ( ١٧٧ ) مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ١٧٨ ) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ( ١٧٩ )
( بيان)
قصّة اُخرى من قصص بني إسرائيل وهي نبأ بلعم بن باعورا أمر الله نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يتلوه عليهم يتبيّن به أنّ مجرّد الاتّصال بالأسباب الظاهريّة العاديّة لا يكفي في فلاح الإنسان وتحتّم السعادة له ما لم يشأ الله ذلك، وأنّ الله لا يشاء ذلك لمن أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فإنّ مصيره إلى النار ثمّ يذكر آية ذلك فيهم وهي أنّهم لا يستعملون قلوبهم وأبصارهم وأذانهم فيما ينفعهم، والآية الجامعة أنّهم غافلون.
قوله تعالى: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا ) إلى آخر الآية معنى إيتاء الآيات على ما يعطيه السياق التلبّس من الآيات الأنفسيّة والكرامات الخاصّة الباطنيّة بما يتنوّر به طريق معرفة الله له، وينكشف له ما لا يبقى له معه ريب في الحقّ والإنسلاخ خروج الشئ وانتزاعه من جلده، وهو كناية استعاريّة عن أنّ الآيات كانت
لزمتها لزوم الجلد فخرج منها الخبث في ذاته، والإتباع كالتبع والإتّباع التعقيب واقتفاء والأثر يقال: تبع وأتبع واتّبع، والكلّ بمعنى واحد، والغيّ والغواية هي الضلال، كأنّه خروج من الطريق للقصور عن حفظ المقصد الّذي يوصل إليه الطريق ففيه نسيان المقصد والغاية، فالمتحيّر في أمره وهو في الطريق غويّ، والخارج عن الطريق وهو ذاكر لمقصده ضالّ، وهو الأنسب لمورد الآية فإنّ صاحب النبإ بعد ما انسلخ عن آيات الله وأتبعه الشيطان غاب عنه سبيل الرشد فلم يتمكّن من إنجاء نفسه عن ورطة الهلاك، وربّما استعمل كلّ من الغواية والضلالة في معنى واحد. وهو الخروج عن الطريق الموصل إلى الغاية.
وقد اختلف المفسّرون في تعيين من هو صاحب النبإ في هذه الآية على أقوال مختلفة سنشير إلى جلّها أو كلّها في البحث الروائيّ الآتي إن شاء الله.
والآية - كما ترى - أبهمت اسمه واقتصرت على الإشارة إلى إجمال قصّته لكنّها مع ذلك ظاهرة في أنّه نبأ ٌواقع لا مجرّد تمثيل فلا وقع لقول من قال: إنّها مجرّد تمثيل من غير نبإ واقع.
والمعنى:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) أي على بني إسرائيل أو على الناس خبراً عن أمر عظيم وهو( نَبَأَ ) الرجل( الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ) وكشفنا لباطنه عن علائم وآثار إلهيّة عظام يتنوّر له بها حقّ الأمر( فَانسَلَخَ مِنْهَا ) ورفضها بعد لزومها( فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) فلم يقو على انجاء نفسه من الهلاك.
قوله تعالى: ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) الآية الإخلاد اللّزوم على الدوام، والإخلاد إلى الأرض اللصوق بها، وهو كناية عن الميل إلى التمتّع بالملاذّ الدنيويّة والتزامها، واللهث من الكلب أن يدلع لسانه من العطش.
فقوله:( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ) أي لو شئنا لرفعناه بتلك الآيات وقرّبناه إلينا لأنّ في القرب إلى الله ارتفاعاً عن حضيض هذه الدنيا الّتي هي بما لها من اشتغال الإنسان بنفسها عن الله وآياته أسفل سافلين، ورفعه بتلك الآيات بما أنّها أسباب إلهيّة ظاهريّة تفيد اهتداء من تلبّس بها لكنّها لا تحتم السعادة للإنسان لأنّ تمام تأثيرها في ذلك منوط
بمشيّة الله، والله سبحانه لا يشاء ذلك لمن أعرض عنه وأقبل إلى غيرها. وهي الحياة الأرضيّة اللاهية عن الله ودار كرامته فإنّ الإعراض عن الله سبحانه وتكذيب آياته ظلم، وقد حقّ القول منه سبحانه أنّه لا يهدي القوم الظالمين، وأنّ الّذين كفروا وكذّبوا بآياته اُولئك اصحاب النار هم فيها خالدون.
ولذلك عقّب تعالى قوله:( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ) بقوله:( لَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) فالتقدير: لكنّا لم نشأ ذلك لأنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه وكان ذلك مورداً لإضلالنا لا لهدايتنا كما قال تعالى:( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) إبراهيم: ٢٧.
وقوله:( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ) أي إنّه ذو هذه السجيّة لا يتركها سواء زجرته ومنعته أو تركته و( تَحْمِلْ ) من الحملة لا من الحمل( ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) فالتكذيب منهم سجيّة وهيئة نفسانيّة خبيثة لازمة فلا تزال آياتنا تتكرّر على حواسّهم ويتكرّر التكذيب بها منهم( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ ) وهو مصدر أي اقصص قصصاً أو اسم مصدر أي اقص القصّة( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) فينقادوا للحقّ وينتزعوا عن الباطل.
قوله تعالى: ( سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ) ذمّ لهم من حيث وصفهم، وإعلام لهم أنّهم لا يضرّون شيئاً في تكذيب آياته بل ذلك ظلم منهم لأنفسهم إذ يستضرّ بذلك غيرهم.
قوله تعالى: ( مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) اللام في( الْمُهْتَدِي ) و( الْخَاسِرُونَ ) يفيد الكمال دون الحصر ظاهراً، ومفاد الآية أنّ مجرّد الإهتداء إلى شئ لا ينفع شيئاً ولا يؤثّر أثر الإهتداء إلّا إذا كانت معه هداية الله سبحانه فهي الّتي يكمل بها الإهتداء، وتتحتّم معها السعادة، وكذلك مجرّد الضلال لا يضرّ ضرراً قطعيّاً إلّا بانضمام إضلال الله سبحانه إليه فعند ذلك يتمّ أثره، ويتحتّم الخسران.
فمجرّد اتّصال الإنسان بأسباب السعادة كظاهر الإيمان والتقوى وتلبّسه بذلك
لا يورده مورد النجاة، وكذلك اتّصاله وتلبّسه بأسباب الضلال لا يورده مورد الهلاك والخسران إلّا أن يشاء الله ذلك فيهدي بمشيّته من هدى ويضلّ بها من أضلّ.
فيؤل المعنى إلى أنّ الهداية إنّما تكون هداية حقيقيّة تترتّب عليها آثارها إذا كانت لله فيها مشيّة، وإلّا فهي صورة هداية وليست بها حقيقة، وكذلك الأمر في الإضلال، وإن شئت فقل: إنّ الكلام يدلّ على حصر الهداية الحقيقيّة في الله سبحانه، وكذلك الإضلال ولا يضلّ به إلّا الفاسقين.
قوله تعالى: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ) إلى آخر الآية. الذرء هو الخلق، وقد عرّف الله سبحانه جهنّم غاية لخلق كثير من الجنّ والإنس، ولا ينافي ذلك ما عرّف في موضع آخر أنّ الغاية لخلق الخلق هي الرحمة وهي الجنّة في الآخرة كقوله تعالى:( إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ) هود: ١١٩ فإنّ الغرض يختلف معناه بحسب كمال الفعل ونهاية الفعل الّتي ينتهي إليها.
بيان ذلك أنّ النجّار إذا أراد أن يصنع باباً عمد إلى أخشاب يهيّؤها له ثمّ هندسة فيها ثمّ شرع في النشر والنحت والخرط حتّى أتمّ الباب فكمال غرضه من إيقاع الفعل على تلك الخشبات هو حصول الباب لا غير، هذا من جهة ومن جهة اُخرى هو يعلم من أوّل الأمر أنّ جميع أجزاء تلك الخشبات ليست تصلح لأن تكون أجزاءً للباب فإنّ للباب هيئة خاصّة لا تجامع هيئة الخشبات، ولا بدّ في تغيير هيئتها من ضيعة بعض الأجزاء لخروجها عن هندسة العمل فصيرورة هذه الأبعاض فضلة يرمى بها داخلة في قصد الصانع مراده له بإرادة تسمّى قصداً ضروريّاً فللنجّار في صنع الباب بالنسبة إلى الأخشاب الّتي بين يديه نوعان من الغاية : أحدهما الغاية الكماليّة وهي أن يصنع منها باباً، والثاني الغاية التابعة وهي أن يصنع بعضها باباً ويجعل بعضها فضلّة لا ينتفع بها وضيعة يرمي بها، وذلك لعدم استعدادها لتلبّس صورة الباب.
وكذا الزارع يزرع أرضاً ليحصد قمحاً فلا يخلص لذلك إلى يوم الحصاد إلّا بعض ما صرفه من البذر، ويذهب غيره سدى يضيع في الأرض أو تفسده الهوامّ أو يخصفه المواشي والجميع مقصودة للزراع من وجه، والمحصول من القمح مقصود من وجه آخر.
وقد تعلّقت المشيّة الإلهيّة أن يخلق من الأرض إنساناً سويّاً يعبده ويدخل بذلك في رحمته، واختلاف الاستعدادات المكتسبة من الحياة الدنيويّة على ما لها من مختلف التأثيرات لا يدع كلّ فرد من أفراد هذا النوع أن يجري في مجراه الحقيقيّ ويسلك سبيل النجاة إلّا من وفّق له، وعند ذلك تختلف الغايات وصحّ أنّ لله سبحانه غاية في خلقه الإنسان مثلاً وهو أن يشملهم برحمته ويدخلهم جنّته، وصحّ أنّ لله غاية في إهل الخسران والشقاوة من هذا النوع وهو أن يدخلهم النار وقد كان خلقهم للجنّة غير أنّ الغاية الاُولى غاية أصليّة كماليّة، والغاية الثانية غاية تبعيّة ضروريّة، والقضاء الإلهيّ المتعلّق بسعادة من سعد وشقاوة من شقي ناظر إلى هذا النوع الثاني من الغاية فإنّه تعالى يعلم ما يؤل إليه حال الخلق من سعادة أو شقاء فهو مريد لذلك بإرادة تبعيّة لا أصليّة.
وعلى هذا النوع من الغاية ينزّل قوله تعالى:( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ) وما في هذا المساق من الآيات الكريمة وهي كثيرة.
وقوله:( لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ) إشارة إلى بطلان استعدادهم للوقوع في مجرى الرحمة الإلهيّة، والوقوف في مهبّ النفحات الربّانيّة، فلا ينفعهم ما يشاهدونه من آيات الله، وما يسمعونه من مواعظ أهل الحقّ، وما تلقّنه لهم فطرتهم من الحجّة والبيّنة.
ولا يفسد عقل ولا عين ولا اُذن في عمله وقد خلقها الله لذلك، وقد قال:( لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) الروم: ٣٠ إلّا أن يكون الّذي يغيّره هو الله سبحانه فيكون من جملة الخلق لكنّه سبحانه لا يغيّر ما أنعمه على قوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، قال تعالى:( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) الأنفال: ٥٣.
فالّذي أبطل ما عندهم من الاستعداد، وأفسد أعمال قلوبهم وأعينهم وآذانهم هو الله سبحانه فعل بهم ما فعل جزاءً بما كسبوا نكلاً فهم غيّروا نعمة الله بتغيير طريق العبوديّة فجازاهم الله بالطبع على قلوبهم فلا يفقهون بها وجعل الغشاوة على أبصارهم فلا يبصرون بها، والوقر على آذانهم فلا يسمعون بها فهذه آية أنّهم مسيّرون إلى النار.
وقوله:( اولئك كلأنعام بل هم أضلّ) نتيجة ما تقدّم، وبيان لحالهم فإنّهم فقدوا ما يتميّز به الإنسان من سائر الحيوان، وهو تمييز الخير والشرّ والنافع والضارّ بالنسبة إلى الحياة الإنسانيّة السعيدة من طريق السمع والبصر والفؤاد.
وإنّما شبّهوا من بين الحيوان العجم بالأنعام مع أنّ فيهم خصال السباع الضارية وخصائصها كخصال الأنعام الراعية، لأنّ التمتّع بالأكل والسفاد أقدم وأسبق بالنسبة إلى الطبع الحيوانيّ فجلب النفع أقدم من دفع الضرّ، وما في الإنسان من القوى الدافعة الغضبيّة مقصودة لأجل ما فيه من القوى الجاذبة الشهويّة، وغرض النوع بحسب حياته الحيوانيّة يتعلّق أوّلاً بالتغذّي والتوليد، ويتحفّظ على ذلك بإعمال القوى الدافعة فالآية تجري مجرى قوله تعالى:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ) سورة محمّد: ١٢.
وأمّا كونهم أكثر أو أشدّ ضلالاً من الأنعام، ولازمه ثبوت ضلال مّا في الأنعام فلأنّ الضلال في الأنعام نسبيّ غير حقيقيّ فإنّها مهتدية بحسب ما لها من القوى المركّبة الباعثة لها إلى قصر الهمّة في الأكل والتمتّع غير ضالّة فيما هيّئت لها من سعادة الحياة ولا مستحقّه للذمّ فيما أخلدت إليه، وإنّما تعدّ ضالّة بقياسها إلى السعادة الإنسانيّة الّتي ليست لها ولا جهّزت بما تتوسّل به إليها.
وأمّا هؤلاء المطبوع على قلوبهم وأعينهم وآذانهم فالسعادة سعادتهم وهم مجهّزون بما يوصلهم إليها ويدلّهم عليها من السمع والبصر والفؤاد لكنّهم أفسدوها وضيّعوا أعمالها ونزّلوها منزلة السمع والبصر والقلب الّتي في الأنعام، واستعملوها فيما تستعملها فيه الأنعام وهو التمتّع من لذائذ البطن والفرج فهم أكثر أو أشدّ ضلالاً من الأنعام، وإليهم يعود الذمّ.
وقوله:( أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) نتيجة وبيان حال اُخرى لهم وهو أنّ حقيقة الغفلة هي الّتي توجد عندهم فإنّها بمشيّة الله سبحانه ألبسها إيّاهم بالطبع الّذي طبع به على قلوبهم وأعينهم وآذانهم والغفلة مادّة كلّ ضلال وباطل.
( بحث روائي)
في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ) الآية قال: حدّثني أبي عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام : أنّه اُعطى بلعم ابن باعورا الاسم الأعظم، وكان يدعو به فيستجيب(١) له فمال إلى فرعون فلمّا مرّ فرعون في طلب موسى وأصحابه قال فرعون لبلعم: ادع الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا فركب حمارته ليمرّ في طلب موسى فامتنعت عليه حمارته فأقبل يضربها فأنطقها الله عزّوجلّ فقالت ويلك على ماذا تضربني؟ أتريد أن أجئ معك لتدعو على نبيّ الله وقوم مؤمنين؟ ولم يزل يضربها حتّى قتلها فانسلخ الاسم من لسانه، وهو قوله:( فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ) وهو مثل ضربه الله.
أقول: قولهعليهالسلام :( وهو مثل ضربه الله) الظاهر أنّه يشير إلى نبإ بلعم، وسيجئ الكلام في معنى الاسم الأعظم في الكلام على الأسماء الحسنى إن شاء الله.
وفي الدّر المنثور أخرج الفريابيّ وعبد الرزّاق وعبد بن حميد والنسائيّ وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبوالشيخ والطبرانيّ وابن مردويه عن عبدالله بن
مسعود في قوله:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا ) قال هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن أبر.
وفيه أخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبوالشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عبّاس قال: هو بلعم بن باعوراء - وفي لفظ: بلعام بن عامر - الّذي اُوتي الاسم كان في بني إسرائيل.
أقول: وقد روي كون اسمه بلعم وكونه من بني إسرائيل عن غير ابن عبّاس وروي عنه غير ذلك.
____________________
(١) فيستجاب خ ظ.
وفي روح المعاني عند ذكر القول بأنّ الآية نزلت في اُميّة بن أبي الصلت الثقفيّ الشاعر: إنّه كان قرء الكتب القديمة وعلم أنّ الله تعالى يرسل رسولاً، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول فاتّفق أن خرج إلى البحرين وتنبّأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأقام هناك ثماني سنين ثمّ قدم فلقى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جماعة من أصحابه فدعاه إلى الإسلام، وقرء عليه سورة يس حتّى إذا فرغ منها وثب اُميّة يجرّ رجليه فتبعته قريش تقول: ما تقول يا اُميّة؟ قال: حتّى أنظر في أمره.
فخرج إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم فلمّا اُخبر بها ترك الإسلام وقال: لو كان نبيّاً ما قتل ذوي قرابته فذهب إلى الطائف ومات به.
فأتت اُخته الفارعة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فسألها عن وفاته فذكرت له أنّه أنشد عند موته.
كلّ عيش وإن تطاول دهراً |
صائر مرّة إلى أن يزولا |
|
ليتني كنت قبل ما قد بدالي |
في قلال الجبال أرعي الوعولا |
|
إنّ يوم الحساب يوم عظيم |
شاب فيه الصغير يوماً ثقيلا |
ثمّ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم لها أنشديني من شعر أخيك فأنشدت:
لك الحمد والنعماء والفضل ربّنا |
ولا شئ أعلى منك جدّاً وأمجدُ |
|
مليك على عرش السماء مهيمن |
لعزّته تعنو الوجوه وتسجدُ |
من قصيدة طويلة أتت على آخرها.
ثمّ أنشدته قصيدته الّتي يقول فيها:
وقف الناس للحساب جميعاً |
فشقيّ معذبٌ وسعيدُ |
والّتي فيها:
عند ذي العرش يعرضون عليه |
يعلم الجهر والسرار الخفيّا |
|
يوم يأتي الرحمان وهو رحيمٌ |
إنّه كان وعده مأتيّا |
|
ربّ إن تعف فالمعافاة ظنّي |
أو تعاقب فلم تعاقب بريّا |
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ أخاك آمن شعره، وكفر قلبه وأنزل الله تعالى الآية.
أقول: والقصّة مجموعة من عدّة روايات، وقد ذكر في المجمع إجمال القصّة وذكر أنّ نزول الآية فيه مروىّ عن عبدالله بن عمر وسعيد بن المسيّب وزيد بن أسلم وأبي روق، والظاهر أنّ الآيات مكّيّة نزلت بنزول السورة بمكّة، وما ذكروه من باب التطبيق.
وفي المجمع: وقيل: إنّه أبو عامر بن النعمان بن صيفي الراهب الّذي سماه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( الفاسق) وكان قد ترهّب في الجاهليّة ولبس المسموح فقدم المدينة فقال للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما هذا الّذي جئت به؟ قال: جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم قال: فأنا عليها فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لست عليها، ولكنّك أدخلت فيها ما ليس منها فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منّا وحيداً طريداً.
فخرج إلى أهل الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا السلاح ثمّ أتى قيصر وإتى بجند ليخرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من المدينة فمات بالشام وحيداً طريداً. عن سعيد بن المسيّب.
أقول: وإشكال كون السورة مكّيّة في محلّه، وقد روي في ذلك قصص لا جدوى في استقصائها.
وفيه قال أبوجعفرعليهالسلام : الأصل في ذلك بلعم ثمّ ضربه الله مثلاً لكلّ مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة.
وفي تفسير القمّيّ في رواية أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا ) يقول: طبع الله عليها فلا تعقل( وَلَهُمْ أَعْيُنٌ ) عليها غطاء عن الهدى( لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ) أي جعل في آذانهم وقراً فلن يسمعوا الهدى.
وفي الدّر المنثور أخرج البيهقيّ في الأسماء والصفات عن عبدالله بن عمر بن العاصي قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلّم) يقول: إنّ الله خلق خلقه في ظلمة ثمّ ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور يومئذ شئ اهتدى. ومن أخطأ ضلّ.
وفيه اُخرج الحكيم الترمذيّ وابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن
أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خلق الله الجنّ ثلاثة أصناف: صنف حيّات وعقرب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب. وخلق الله الإنس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم قال الله:( لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) وجنسٌ أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ظلّ الله يوم لا ظلّ إلّا ظلّه.
أقول: وسيأتي الكلام في الجنّ والشياطين من الأنس في مقام يناسبه إن شاء الله تعالى.
( سورة الأعراف آية ١٨٠ - ١٨٦)
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٨٠ ) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( ١٨١ ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ( ١٨٢ ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( ١٨٣ ) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ( ١٨٤ ) أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( ١٨٥ ) مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( ١٨٦ )
( بيان)
الآيات متّصلة بما قبلها، وهي بمنزلة تجديد البيان لما انتهى إليه الكلام في الآيات السابقة، وذلك أنّ الهدى والضلال يدوران مدار دعوته تعالى بأسمائه الحسنى والإلحاد فيها، والناس من منتحلهم وزنديقهم وعالمهم وجاهلهم لا يختلفون بحسب فطرتهم وباطن سريرتهم في أنّ هذا العالم المشهود متكّئٌ على حقيقة هي المقوّمة لأعيان أجزائها الناظمة نظامها، وهو الله سبحانه الّذي منه يبتدء كلّ شئ وإليه يعود كلّ شئ الّذي يفيض على العالم ما يشاهد فيه من جمال وكمال، وهي له ومنه.
والناس في هذا الموقف على ما لهم من الاتّفاق على أصل الذات ثلاثة أصناف: صنف يسمّونه بما لا يشتمل من المعنى إلّا على ما يليق أن ينسب إلى ساحته من الصفات المبيّنة للكمال، أو النافية لكلّ نقص وشين، وصنف يلحدون في أسمائه، ويعدلون بالصفات
الخاصّة به إلى غيره كالماديّين والدهريّين الّذين ينسبون الخلق والإحياء والرزق وغير ذلك إلى المادّة أو الدهر، وكالوثنيّين الناسبين الخير والنفع إلى آلهتهم، وكبعض أهل الكتاب حيث يصفون نبيّهم أو أولياء دينهم بما يختصّ له تعالى من الخصائص، ويلحق بهم طائفة من المؤمنين حيث يعطون للأسباب الكونيّة من الاستقلال في التأثير ما لا يليق إلّا بالله سبحانه، وصنف يؤمنون به تعالى غير أنّهم يلحدون في أسمائه فيثبتون له من صفات النقص والأفعال الدنيّة ما هو منزّه عنه كالاعتقاد بأنّ له جسما، وأنّ له مكانا، وأنّ الحواسّ المادّيّة يمكن أن تتعلّق به على بعض الشرائط، وأنّ له علماً كعلومنا وإرادة كإراداتنا وقدرة كمقدراتنا، وأنّ لوجده بقاءً زمانيّاً كبقائنا، وكنسبة الظلم في فعله أو الجهل في حكمه ونحو ذلك إليه، وهذه جميعاً من الإلحاد في أسمائه.
ويرجع الأصناف الثلاثة في الحقيقة إلى صنفين: صنف يدعونه بالأسماء الحسنى ويعبدون الله ذو الجلال والإكرام، وهؤلاء هم المهتدون بالحقّ، وصنف يلحدون في أسمائه ويسمّون غيره باسمه أو يسمّونه باسم غيره: وهؤلاء أصحاب الضلال الّذين مسيرهم إلى النار على حسب حالهم في الضلال وطبقاتهم منه، وقد بيّن الله سبحانه: أنّ الهداية منه مطلقا فإنّها صفة جميلة وله تعالى حقيقتها، وأمّا الضلال فلا ينسب إليه سبحانه أصله لأنّه بحسب الحقيقة عدم اهتداء المحلّ بهداية الله، وهو معني عدمي وصفة نقص وأمّا تثبيته في المحلّ بعد أوّل تحقّقه، وجعله صفة لازمة للمحلّ بمعنى سلب التوفيق وقطع العطيّة الإلهيّة جزاءً للضالّ بما آثر الضلال على الهدى، وكذّب بآيات الله فهو من الله سبحانه، وقد نسبه إلى نفسه في كلامه، وذلك بالاستدراج والإملاء.
فالآيات تشير إلى أنّ ما انتهى إليه كلامه سبحانه أنّ حقيقة الهداية والإضلال من الله إنّما مغزاه وحقيقة معناه أنّ الأمر يدور مدار دعوته تعالى بالأسماء الحسنى وكلّها له، وهو الإهتداء، والإلحاد في أسمائه، والناس في ذلك صنفان: مهتد بهداية الله لا يعدل به غيره، وضالّ منحرف عن أسمائه مكذّب بآياته، والله سبحانه يسوقهم إلى النار جزاءً لهم بما كذّبوا بآياته، كما قال:( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ) الآية، وذلك بالاستدراج والإملاء.
قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ) الاسم بحسب اللغة ما يدلّ به على الشئ سواء أفاد مع ذلك معنى وصفيّا كاللفظ الّذي يشار به إلى الشئ لدلالته على معنى موجود فيه، أو لم يفد إلّا الإشارة إلى الذات كزيد وعمرو وخاصّة المرتجل من الأعلام، وتوصيف الأسماء الحسنى - وهي مؤنّث أحسن - يدلّ على أنّ المراد بها الأسماء الّتي فيها معنى وصفىّ دون ما لا دلالة لها إلّا على الذات المتعالية فقط لو كان بين أسمائه تعالى ما هو كذلك، ولا كلّ معني وصفىّ، بل المعني الوصفيّ الّذي فيه شئ من الحسن، ولا كلّ معني وصفىّ حسن بل ما كا أحسن بالنسبة إلى غيره إذا اعتبرا مع الذات المتعالية: فالشجاع والعفيف من الأسماء الحسنة لكنّهما لا يليقان بساحة قدسه لإنبائهما عن خصوصيّة جسمانيّة لا يمكن سلبها عنهما، ولو أمكن لم يكن مانع عن إطلاقهما عليه كالجواد والعدل والرحيم.
فكون اسم مّا من أسمائه تعالى أحسن الأسماء أن يدلّ على معنى كماليّ غير مخالط لنقص أو عدم، مخالطة لا يمكن معها تحرير المعنى من ذلك النقص والعدم وتصفيته، وذلك في كلّ ما يستلزم حاجة أو عدماً وفقداً كالأجسام والجسمانيّات والأفعال المستقبحة أو المستشنعة، والمعاني العدميّة.
فهذه الأسماء بأجمعها محصول لغاتنا لم نضعها إلّا لمصاديقها فينا الّتي لا تخلو عن شوب الحاجة والنقص غير أنّ منها ما لا يمكن سلب جهات الحاجة والنقص عنها كالجسم واللون والمقدار وغيرها، ومنها ما يمكن فيه ذلك كالعلم والحياة والقدرة فالعلم فينا الإحاطة بالشئ من طريق أخذ صورته من الخارج بوسائل مادّيّة، والقدرة فينا المنشإيّة للفعل بكيفيّة مادّيّة موجودة لعضلاتنا، والحياة كوننا بحيث نعلم ونقدر بما لنا من وسائل العلم والقدرة فهذه لا تليق بساحة قدسه غير أنّا إذا جرّدنا معانيها عن خصوصيّات المادّة عاد العلم وهو الإحاطة بالشئ بحضوره عنده، والقدرة هي المنشإيّة للشئ بإيجاده، والحياة كون الشئ بحيث يعلم ويقدر، وهذه لا مانع من إطلاقها عليه لأنّها معان كماليّة خالية عن جهات النقص والحاجة، وقد دلّ العقل والنقل أنّ كلّ صفة كماليّة فهي له تعالى وهو المفيض لها على غيره من غير مثال سابق فهو تعالى عالم قادر حيّ لكن لا كعلمنا وقدرتنا وحياتنا بل بما
يليق بساحة قدسه من حقيقة هذه المعاني الكماليّة مجرّدة عن النقائص.
وقد قدّم الخبر في قوله:( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) وهو يفيد الحصر، وجئ بالأسماء محلّى باللّام، والجمع المحلّى باللّام يفيد العموم، ومقتضى ذلك أنّ كلّ اسم أحسن في الوجود فهو لله سبحانه لا يشاركه فيه أحد، وإذ كان الله سبحانه ينسب بعض هذه المعاني إلى غيره ويسمّيه به كالعلم الحياة والخلق والرحمة فالمراد بكونها لله كون حقيقتها له وحده لا شريك له.
وظاهر الآيات بل نصّ بعضها يؤيّد هذا المعنى كقوله:( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) البقرة: ١٦٥. وقوله:( فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) النساء: ١٣٩، وقوله:( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ) البقرة: ٢٥٥، وقوله:( هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) المؤمن: ٦٦ فللّه سبحانه حقيقة كلّ اسم أحسن لا يشاركه غيره إلّا بما ملّكهم منه كيفما أراد وشاء.
ويؤيّد هذا المعنى ظاهر كلامه أينما ذكر أسماءه في القرآن كقوله تعالى:( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) طه: ٨ وقوله:( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) أسرى: ١١٠، وقوله:( لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) الحشر: ٢٤ فظاهر الآيات جميعاً كون حقيقة كلّ اسم أحسن لله سبحانه وحده.
وما احتمله بعضهم أنّ اللّام في( الأسماء ) للعهد ممّا لا دليل عليه ولا في القرائن الحافّة بالآيات ما يؤيّده غير ما عهده القائل من الأخبار العادّة للاسماء الحسنى، وسيجئ الكلام فيها في البحث الروائيّ التالي إن شاء الله.
وقوله :( فَادْعُوهُ بِهَا ) إمّا من الدعوة بمعنى التسمية كقولنا: دعوته زيدا ودعوتك أباعبدالله أي سمّيته وسمّيتك، وإمّا من الدعوة بمعنى النداء أي نادوه بها فقولوا: يا رحمان يا رحيم وهكذا. أو من الدعوة بمعنى العبادة أي فاعبدوه مذعنين أنّه متّصف بما يدلّ عليه هذه الأسماء من الصفات الحسنة والمعاني الجميلة.
وقد احتملوا جميع هذه المعاني غير أنّ كلامه تعالى في مواضع مختلفة يذكر فيها
دعاء الربّ يؤيّد هذا المعنى الأخير كما في الآية السابقة:( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) وقوله:( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) المؤمن: ٦٠ حيث ذكر أوّلاً الدعاء ثمّ بدّله ثانياً من العبادة إيماءً إلى اتّحادهما، وقوله:( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) الأحقاف: ٦، وقوله:( هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) المؤمن: ٦٥ يريد إخلاص العبادة.
ويؤيّده ذيل الآية:( وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) بظاهره فإنّه لو كان المراد بالدعاء التسمية أو النداء دون العبادة لكان الأنسب أن يقال: بما كانوا يصفون كما قال في موضع آخر:( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ) الأنعام: ١٣٩.
فمعنى الآية - والله أعلم - ولله جميع الأسماء الّتي هي أحسن فاعبدوه وتوجّهوا إليه بها والتسمية والنداء من لواحق العبادة.
قوله تعالى: ( وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) إلى آخر الآية. اللحد والإلحاد بمعنى واحد وهو التطرّف والميل عن الوسط إلى أحد الجانبين، ومنه لحد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح الّذي في الوسط فقرائة يلحدون بفتح الياء من المجرّد، ويلحدون بضمّ الياء من باب الإفعال بمعنى واحد، ونقل عن بعض اللغويّين: أنّ اللحد بمعنى الميل إلى جانب، والإلحاد بمعنى الجدال والمماراة.
وقوله:( سَيُجْزَوْنَ ) الآية بالفصل لأنّه بمنزلة الجواب لسؤال مقدّر كأنّه لمّا قيل:( وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) قيل: إلى مَ يصير حالهم؟ فاُجيب:( سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) وللبحث في الأسماء الحسنى بقايا ستوافيك في كلام مستقلّ نورده بعد الفراغ عن تفسير الآيات إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) قد مرّ بعض ما يتعلّق به من الكلام في قوله تعالى:( وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) الآية: ١٥٩ من السورة وتختصّ هذه الآية بأنّها لوقوعها في سياق تقسيم الناس إلى ضالّ
ومهتد، وبيان أنّ الملاك في ذلك دعاؤه سبحانه بأحسن الأسماء اللائقة بحضرته والإلحاد في أسمائه، تدلّ على أنّ النوع الإنسانيّ يتضمّن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقة إذ الكلام في الإهتداء والضلال الحقيقيّين المستندين إلى صنع الله، ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فاُولئك هم الخاسرون، والإهتداء الحقيقيّ لا يكون إلّا عن هداية حقيقيّة، وهي الّتي لله سبحانه، وقد تقدّم في قوله تعالى:( فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ) الأنعام: ٨٩، وغيره أنّ الهداية الحقيقيّة الإلهيّة لا تتخلّف عن مقتضاها بوجه وتوجب العصمة من الضلال، كما أنّ الترديد الواقع في قوله تعالى:( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ) يونس: ٣٥. يدلّ على أنّ من يهدي إلى الحقّ يجب أن لا يكون مهتدياً بغيره إلّا بالله فافهم ذلك.
وعلى هذا فإسناد الهداية إلى هذه الاُمّة لا يخلو عن الدلالة على مصونيّتهم من الضلال واعتصامهم بالله من الزيغ إمّا بكون جميع هؤلاء المشار إليهم بقوله:( أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ) متّصفين بهذه العصمة والصيانة كالأنبياء والاوصياء، وإمّا بكون بعض هذه الاُمّة كذلك وتوصيف الكلّ بوصف البعض نظير قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) الجاثية: ١٦، وقوله:( وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا ) المائدة: ٢٠، وقوله:( لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) البقرة: ١٤٣، وإنّما المتّصف بهذه المزايا بعضهم دون الجميع.
والمراد بالآية - والله أعلم - إنّا لا نأمركم بأمر غير واقع أو خارج عن طوق البشر فإنّ ممّن خلقنا اُمّة متلبّسة بالإهتداء الحقيقيّ هادين بالحقّ لأنّ الله كرمهم بهدايته الخاصّة.
قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجةً فدرجةً، والاستدناء من أمر أو مكان، وقرينة المقام تدلّ على أنّ المراد به هنا الاستدناء من الهلاك إمّا في الدنيا أو في الآخرة.
وتقييد الاستدراج بكونه من حيث لا يعلمون للدلالة على أنّ هذا التقريب خفيّ غير ظاهر عليهم بل مستبطن فيما يتلهّون فيه من مظاهر الحياة المادّيّة فلا يزالون يقترابون
من الهلاك باشتداد مظالمهم فهو تجديد نعمة بعد نعمة حتّى يصرفهم التلذّذ بها عن التأمّل في وبال أمرهم كما مرّ في قوله تعالى:( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا ) الأعراف: ٩٥، وقال تعالى:( لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) آل عمران: ١٩٧.
ومن وجه آخر لما انقطع هؤلاء عن ذكر ربّهم وكذّبوا بآياته سلبوا اطمئنان القلوب وأمنها بالتشبّث بذيل الأسباب الّتي من دون الله وعذّبوا باضطراب النفوس وقلق القلوب وقصور الأسباب وتراكم النوائب، وهم يظنّون أنّها الحياة ناسين معنى حقيقة الحياة السعيدة فلا يزالون يستزيدون من مهلكات زخارف الدنيا فيزدادون عذاباً وهم يحسبونه زيادة في النعمة حتّى يردوا عذاب الآخرة وهو أمرّ وأدهى، فهم يستدرجون في العذاب من لدن تكذيبهم بآيات ربّهم حتّى يلاقوا يومهم الّذي يوعدون.
قال تعالى:( أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) الرعد: ٢٨، وقال:( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ) طه: ١٢٤، وقال:( فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) التوبة: ٥٥، وهذا معنى آخر من الاستدراج لكن قوله تعالى بعده:( وَأُمْلِي لَهُمْ ) لا يلائم ذلك فالمتعيّن هو المعنى الأوّل.
قوله تعالى: ( وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) الإملاء هو الإمهال، وقوله:( إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) تعليل لمجموع ما في الآيتين، وفي قوله( وَأُمْلِي ) بعد قوله:( سَنَسْتَدْرِجُهُم ) الآية، التفات من التكلّم مع الغير إلى التكلّم وحده للدلالة على مزيد العناية بتحريمهم من الرحمة الإلهيّة وإيرادهم مورد الهلكة.
وأيضاً الإملاء هو إمهالهم إلى أجل مسمّي. فيكون في معنى قوله:( وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) الشورى: ١٤، وهذه الكلمة هي قوله لآدمعليهالسلام حين إهباطه إلى الأرض:( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) البقرة: ٣٦ وهو القضاء الإلهيّ والقضاء مختصّ به تعالى لا يشاركه فيه غيره، وهذا بخلاف الاستدراج الّذي هو إيصال النعمة بعد النعمة وتجديدها فإنّها نعمٌ إلهيّة مفاضة بالوسائط من
الملائكة والأمر فلهذا السبب جئ في الاستدراج بصيغة المتكلّم مع الغير، وغيّر ذلك في الإملاء وفي الكيد الّذي هو أمر متحصّل من الاستدراج والإملاء إلى لفظ المتكلّم وحده.
قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) في تركيب الكلام اختلاف شديد بينهم، والّذي يستبق إلى الذهن من السياق أن يكون قوله:( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ) كلاماً تامّاً سيق للإنكار و التوبيخ ثمّ قوله:( مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ) الآية كلاماً آخر سيق لبيان صدق النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في دعواه النبوّة، وهو يشير إلى ما يتفكّرون فيه كأنّه قيل: أولم يتفكّروا في أنّه ما بصاحبهم من جنّة الآية حتّى يتبيّن لهم ذلك؟ نعم، ما به من جنّة إن هو إلّا نذير مبين.
والتعبير عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بصاحبهم للإشارة إلى مادّة الاستدلال الفكريّ فإنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يصحبهم ويصحبونه طول حياته بينهم فلو كان به شئ من جنّة لبان لهم ذلك البتّة فهو فيما جاء به نذير لا مجنون، والجنّة بناء نوع من الجنّون على ما قيل وإن كان من الجائز أن يكون المراد به الفرد من الجنّ بناء على ما يزعمونه أنّ المجنون يحلّ فيه بعض الجنّ فيتكلّم من فيه وبلسانه.
قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) إلى آخر الآية قد مرّ كراراً أنّ الملكوت في عرف القرآن على ما يظهر من قوله تعالى:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) يس: ٨٣ هو الوجه الباطن من الأشياء الّذي يلي جهة الربّ تعالى، وأنّ النظر إلى هذا الوجه واليقين متلازمان كما يفهم من قوله:( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) الأنعام: ٧٥.
فالمراد توبيخهم في الإعراض والانصراف عن الوجه الملكوتيّ للأشياء لم نسوه ولم ينظروا فيه حتّى يتبيّن لهم أنّ ما يدعوهم إليه هو الحقّ؟
وقوله:( وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ) عطف على موضع السماوات، وقوله( مِن شَيْءٍ ) بيان لما الموصولة، ومعنى الآية: لم لم ينظروا في خلق السماوات والأرض وأيّ شئ آخر ممّا خلقه الله؟ لكن لا من الوجه الّذي يلي الأشياء حتّى ينتج العلم بخواصّ الأشياء
الطبيعيّة بل من جهة أنّ وجوداتها غير مستقلّة بنفسها مرتبطة بغيرها محتاجة إلى ربّ يدبّر أمرها وأمر كلّ شئ، وهو ربّ العالمين.
وقوله:( وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ) عطف على قوله :( مَلَكُوتِ ) الآية لكونه في تأويل المفرد والتقدير: أولم ينظروا في أنّه عسى أن يكون قد اقتراب أجلهم فإنّ النظر في هذا الاحتمال ربّما صرفهم عن التمادي على ضلالهم وغيّهم فأغلب ما يصرف الإنسان عن الاشتغال بأمر الآخرة، ويوجّه وجهه إلى الاغترار بالدنيا نسيان الموت الّذي لا يدري متى يرد رائده، وأمّا إذا التفت إلى ذلك وشاهد جهله بأجله وأنّ من المرجوّ المحتمل أن يكون قد اقتراب منهم فإنّه يقطع منابت الغفلة ويمنعه عن اتّباع الهوى وطول الأمل.
وقوله:( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) الضمير للقرآن على ما يستدعيه السياق، وفي الكلام إيآس من إيمانهم بالمرّة أي إن لم يؤمنوا بالقرآن وهو تجلّيه سبحانه عليهم بكلامه يكلّمهم بما يضطرّ عقولهم بقبوله من الحجج والبراهين والموعظة الحسنة وهو مع ذلك معجزة باهرة فلا يؤمنون بشئ آخر البتّة، وقد أخبر سبحانه أنّه طبع على قلوبهم فلا سبيل لهم إلى فقه القول والإيمان بالحقّ، ولذلك عقبه بقوله في الآية التالية:( مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ) الآية.
قوله تعالى: ( مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) العمه الحيرة والتردّد في الضلال أو عدم معرفة الحجّة، وإنّما لم يذكر ما يقابله وهو أنّ من يهدي فلا مضلّ له لأنّ الكلام مسوق لتعليل الآية السابقة:( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ ) الآية كأنّه قيل: لم لا يؤمنون بحديث البتّة؟ فقيل: لأنّ من يضلل الله الآية.
( كلام في الأسماء الحسنى في فصول)
١ - ما معنى الأسماء الحسنى؟ و كيف الطريق إليها؟ نحن أوّل ما نفتح أعيننا ونشاهد من مناظر الوجود ما نشاهده يقع إداراكنا على أنفسنا وعلى قرب الاُمور منّا
وهي روابطنا مع الكون الخارج من مستدعيات قوانا العاملة لإبقائنا فأنفسنا، وقوانا، وأعمالنا المتعلّقة بها هي أوّل ما يدقّ باب إدراكنا لكنّا لا نرى أنفسنا إلّا مرتبطة بغيرها ولا قوانا ولا أفعالنا إلّا كذلك، فالحاجة من أقدم ما يشاهده الإنسان، يشاهدها من نفسه ومن كلّ ما يرتبط به من قواه وأعماله والدنيا الخارجة، وعند ذلك يقضي بذات مّا يقوم بحاجته ويسدّ خلّته، وإليه ينتهي كلّ شئ، وهو الله سبحانه، ويصدّقنا في هذا النظر والقضاء قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ ) .
وقد عجز التاريخ عن العثور على بدء ظهور القول بالربوبيّة بين الأفراد البشريّة بل وجده وهو يصاحب الإنسانيّة إلى أقدم العهود الّتي مرّت على هذا النوع حتّى أنّ الأقوام الوحشيّة الّتي تحاكي الإنسان الأوّلي في البساطة لمّا اكتشفوهم في أطراف المعمورة كقطّان أميركا واُستراليا وجدوا عندهم القول بقوى عالية هي وراء مستوى الطبيعة ينتحلون بها، وهو قول بالربوبيّة وإن اشتبه عليهم المصداق فالإذعان بذات ينتهي إليها أمر كلّ شئ من لوازم الفطرة الإنسانيّة لا يحيد عنه إلّا من انحرف عن إلهام فطرته لشبهة عرضت له كمن يضطرّ نفسه على الاعتياد بالسمّ وطبيعته تحذّره بإلهامها، وهو يستحسن ما ابتلي به.
ثمّ إنّ أقدم ما نواجهه في البحث عن المعارف الإلهيّة أنّا نذعن بانتهاء كلّ شئ إليه، وكينونته ووجوده منه فهو يملك كلّ شئ لعلمنا أنّه لولم يملكها لم يمكن أن يفيضها ويفيدها لغيره على أنّ بعض هذه الأشياء ممّا ليست حقيقته إلّا مبنيّة على الحاجة منبئة عن النقيصة، وهو تعالى منزّه عن كلّ حاجة ونقيصة لأنّه الّذي إليه يرجع كلّ شئ في رفع حاجته ونقيصته.
فله الملك - بكسر الميم وبضمّها - على الإطلاق، فهو سبحانه يملك ما وجدناه في الوجود من صفة كمال كالحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والرزق والرحمة والعزّة وغير ذلك.
فهو سبحانه حيّ، قادر، عليم، سميع، بصير لأنّ في نفيها إثبات النقص ولا سبيل للنقص إليه، ورازق ورحيم وعزيز ومحي ومميت ومبدء ومعيد وباعث إلى غير ذلك لأنّ
الرزق والرحمة والعزّة والإحياء واللإماتة والإبداء والإعادة والبعث له، وهو السبّوح القدّوس العليّ الكبير المتعال إلى غير ذلك نعني بها نفى كلّ نعت عدميّ وكلّ صفة نقص عنه.
فهذا طريقنا إلى إثبات الأسماء والصفات له تعالى على بساطته، وقد صدّقنا كتاب الله في ذلك حيث أثبت الملك - بكسر الميم - والملك - بضمّ الميم - له على الإطلاق في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها.
٢ - ما هو حد ما نصفه أو نسمّيه به من الأسماء؟ تبيّن من الفصل الأوّل أنّا ننفي عنه جهات النقص والحاجة الّتي نجدها فيما نشاهده من أجزاء العالم، وهي تقابل الكمال كالموت والفقد والفقر والذلّة والعجز والجهل ونحو ذلك، ومعلوم أنّ نفي هذه الاُمور، وهي في نفسها سلبيّة يرجع إلى إثبات الكمال فإنّ في نفي الفقر إثبات الغنى، وفي نفي الذلّة والعجز والجهل إثبات العزّة والقدرة والعلم وهكذا.
وأمّا صفات الكمال الّتي نثبتها له سبحانه كالحياة والقدرة والعلم ونحو ذلك فقد عرفت أنّا نثبتها بالإذعان بملكه جميع الكمالات المثبتة في دار الوجود غير أنّا ننفي عنه تعالى جهات الحاجة والنقص الّتي تلازم هذه الصفات بحسب وجودها في مصاديقها.
فالعلم في الإنسان مثلاً إحاطة حضوريّة بالمعلوم من طريق انتزاع الصورة وأخذها بقوى بدنيّة من الخارج والّذي يليق بساحته أصل معنى الإحاطة الحضوريّة، وأمّا كونه من طريق أخذ الصورة المحوج إلى وجود المعلوم في الخارج قبلاً وإلى آلات بدنيّة مادّيّة مثلاً فهو من النقص الّذي يجب تنزيهه تعالى منه، وبالجملة نثبت له أصل المعنى الثبوتيّ ونسلب عنه خصوصيّة المصداق المؤدّية إلى النقص والحاجة.
ثمّ لمّا كنّا نفينا عنه كلّ نقص وحاجة ومن النقص أن يكون الشئ محدوداً بحدّ منتهياً بوجوده إلى نهاية فإنّ الشئ لا يحدّ نفسه وإنّما يحدّه غيره الّذي يقهره بضرب الحدّ والنهاية له، ولذلك نفينا عنه كلّ حدّ ونهاية فليس سبحانه محدوداً في ذاته بشئ ولا في صفاته بشئ وقد قال تعالى:( وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) الرعد: ١٦ فله الوحدة الّتي تقهر كلّ شئ من قبله فتحيط به.
ومن هنا قضينا أنّ صفاته تعالى عين ذاته، وكلّ صفة عين الصفة الاُخرى، فلا تمايز إلّا بحسب المفهوم، ولو كان علمه غير قدرته مثلاً، وكلّ منهما غير ذاته كما فينا معاشر الإنسان مثلاً لكان كلّ منها يحدّ الآخر والآخر ينتهي إليه فكان محدود وحدّ ومتناه ونهاية فكان تركيب وفقر إلى حادّ يحدّها غيره، تعالى عن ذلك وتقدّس، وهذه صفة أحديّته تعالى لا ينقسم من جهة من الجهات، ولا يتكثّر في خارج ولا في ذهن.
وممّا تقدّم يظهر فساد قول من قال: إنّ معاني صفاته تعالى ترجع إلى النفى رعاية لتنزيهه عن صفات خلقه فمعنى العلم والقدرة والحياة هناك عدم الجهل والعجز والموت، وكذا في سائر الصفات العليا، وذلك لاستلزامه نفي جميع صفات الكمال عنه تعالى، وقد عرفت أنّ سلوكنا الفطريّ يدفع ذلك، وظواهر الآيات الكريمة تنافيه، ونظيره القول بكون صفاته زائدة على ذاته أو نفي الصفات وإثبات آثارها وغير ذلك ممّا قيل في الصفات فكلّ ذلك مدفوعة بما تقدّم من كيفيّة سلوكنا الفطريّ، ولتفصيل البحث عن بطلانها محلّ آخر.
٣ - الانقسامات الّتي لها: يظهر ممّا قدّمناه من كيفيّة السلوك الفطريّ أنّ من صفات الله سبحانه ما يفيد معنى ثبوتيّاً كالعلم والحياة وهي المشتملة على معنى الكمال، ومنها ما يفيد معنى السلب وهي الّتي للتنزيه كالسبّوح والقدّوس، وبذلك يتمّ انقسام الصفات إلى قسمين: ثبوتيّة، وسلبيّة.
وأيضاً من الصفات ما هي عين الذات ليست بزائدة عليها كالحياة والقدرة والعلم بالذات، وهي الصفات الذاتيّة، ومنها ما يحتاج في تحقّقه إلى فرض تحقّق الذات قبلا كالخلق والرزق وهي الصفات الفعليّة، وهي زائدة على الذات منتزعة عن مقام الفعل، ومعنى انتزاعها عن مقام أنّا مثلاً نجد هذه النعم الّتي نتنعّم بها ونتقلّب فيها نسبتها إلى الله سبحانه نسبة الرزق المقرّر للجيش من قبل الملك إلى الملك فنسمّيها رزقاً، وإذ كان منتهياً إليه تعالى نسمّيه رازقاً، ومثله الخلق والرحمة والمغفرة وسائر الصفات والأسماء الفعليّة، فهي تطلق عليه تعالى ويسمّى هو بها من غير أن يتلبّس بمعانيها كتلبّسه بالحياة والقدرة وغيرها من الصفات الذاتيّة، ولو تلبّس بها حقيقة لكانت صفات ذاتيّة
غير خارجة من الذات فللصفات والأسماء انقسام آخر إلى الذاتيّة والفعليّة.
ولها انقسام آخر إلى النفسيّة والاضافيّة فما لا إضافة في معناها إلى الخارج عن مقام الذات كالحياة نفسيّ، وما له إضافة إلى الخارج سواء كان معنى نفسيّاً ذا إضافة كالصنع والخلق هي النفسيّة ذات الإضافة، أو معنى إضافيّاً محضاً كالخالقيّة والرازقيّة هي الإضافيّة المحضة.
٤ - نسب الصفات والأسماء إلينا ونسبتها فيما بينها. لا فرق بين الصفة والاسم غير أنّ الصفة تدلّ على معنى من المعاني يتلبّس به الذات أعمّ من العينيّة والغيريّة، والاسم هو الدالّ على الذات مأخوذة بوصف. فالحياة والعلم صفتان، والحيّ والعالم اسمان وإذ كان اللّفظ لا شأن له إلّا الدلالة على المعنى وانكشافه به فحقيقة الصفة والاسم هو الّذي يكشف عنه لفظ الصفة والاسم فحقيقة الحياة المدلول عليها بلفظ الحياة هي الصفة الإلهيّة وهي عين الذات، وحقيقة الذات بحياتها الّتي هي عينها هو الاسم الإلهيّ، وبهذا النظر يعود الحيّ والحياة اسمين للاسم والصفة وإن كانا بالنظر المتقدّم نفس الاسم ونفس الصّفة.
وقد تقدّم أنّا في سلوكنا الفطريّ إلى الأسماء إنّما تفطّنّا بها من جهة ما شاهدناه في الكون من صفات الكمال فأيقنّا من ذلك أنّ الله سبحانه مسمّى بها لما أنّه مالكها الّذي أفاض علينا بها، وما شاهدنا فيه من صفات النقص والحاجة فأيقنّا أنّه تعالى منزّه منها متّصف بما يقابلها من صفة الكمال وبها يرفع عنّا النقص والحاجة فيما يرفع، فمشاهدة العلم والقدرة في الكون تهدينا إلى اليقين بأنّ له سبحانه علماً وقدرة يفيض بهما ما يفيضه من العلم والقدرة، ومشاهدة الجهل والعجز في الوجود تدلّنا على أنّه منزّه عنهما متّصف بما يقابلهما من العلم والقدرة الّذين بهما ترفع حاجتنا إلى العلم والقدرة فيما ترفع، وهكذا في سائرها.
ومن هنا يظهر أنّ جهات الخلقة وخصوصيّات الوجود الّتي في الأشياء ترتبط إلى ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة أي إنّ الصفات وسائط بين الذات وبين مصنوعاته فالعلم والقدرة والرزق والنعمة الّتي عندنا بالترتيب تفيض عنه سبحانه بما أنّه عالم قادر
رازق منعم بالترتيب، وجهلنا يرتفع بعلمه، وعجزنا بقدرته، وذلّتنا بعزّته، وفقرنا بغناه، وذنوبنا بعفوه و مغفرته، وإن شئت فقل بنظر آخر هو يقهرنا بقهره ويحدّنا بلا محدوديّته، وينهينا بلا نهايته، ويضعنا برفعته، ويذلّلنا بعزّته، ويحكم فينا بما يشاء بملكه - بالضمّ - ويتصرّف فينا كيف يشاء بملكه - بالكسر فافهم ذلك.
وهذا هو الّذي نجري عليه بحسب الذوق المستفاد من الفطرة الصافية فمن يسأل الله الغنى ليس يقول: يا مميت يا مذلّ أغنني، وإنّما يدعوه بأسمائه: الغنيّ والعزيز والقادر مثلاً، والمريض الّذي يتوجّه إليه لشفاء مرضه يقول: يا شافي يا معافي يا رؤوف يا رحيم ارحمني واشفني، ولن يقول: يا مميت يا منتقم يا ذا البطش اشفني، وعلى هذا القياس.
والقرآن الكريم يصدّقنا في هذا السلوك والقضاء، وهو أصدق شاهد على صحّة هذا النظر فتراه يذيّل آياته الكريمة بما يناسب مضامين متونها من الأسماء الإلهيّة ويعلل ما يفرغه من الحقائق بذكر الاسم والاسمين من الأسماء بحسب ما يستدعيه المورد من ذلك. والقرآن هو الكتاب السماويّ الوحيد الّذي يستعمل الأسماء الإلهيّة في تقرير مقاصده، ويعلّمنا علم الأسماء من بين ما بلغنا من الكتب السماويّة المنسوبة إلى الوحي.
فتبيّن أنّا ننتسب إليه تعالى بواسطة أسمائه، وبأسمائه بواسطة آثارها المنتشرة في أقطار عالمنا المشهود فآثار الجمال والجلال في هذا العالم هي الّتي تربطنا بأسماء جماله وجلاله من حياة وعلم وقدرة وعزّة وعظمة وكبرياء، ثمّ الأسماء تنسبنا إلى الذات المتعالية الّتي تعتمد عليها قاطبة أجزاء العالم في استقلالها.
وهذه الآثار الّتي عندنا من ناحية أسمائه تعالى مختلفة في أنفسها سعة وضيقاً، وهما بإزاء ما في مفاهيمها من العموم والخصوص فموهبة العلم الّتي عندنا تنشعب منها شعب السمع والبصر والخيال والتعقّل مثلاً، ثمّ هي والقدرة والحياة وغيرها تندرج تحت الرزق والإعطاء والإنعام والجود، ثمّ هي والعفو والمغفرة ونحوها تندرج تحت الرحمة العامّة.
ومن هنا يظهر أنّ ما بين نفس الأسماء سعة وضيقاً، وعموماً وخصوصاً على الترتيب الّذي بين آثارها الموجودة في عالمنا فمنها خاصّة، ومنها عامّة، وخصوصها وعمومها بخصوص
حقائقها الكاشفة عنها آثارها وعمومها، وتكشف عن كيفيّة النسب الّتي بين حقائقها النسب الّتي بين مفاهيمها فالعلم اسم خاصّ بالنسبة إلى الحيّ وعامّ بالنسبة إلى السميع البصير الشهيد اللطيف الخبير والرازق خاصّ بالنسبة إلى الرحمان، وعام بالنسبة إلى الشافي الناصر الهادي وعلى هذا القياس.
فللأسماء الحسنى عرض عريض تنتهي من تحت إلى اسم أو أسماء خاصّة لا يدخل تحتها اسم آخر ثمّ تأخذ في السعة والعموم ففوق كلّ اسم ما هو أوسع منه وأعمّ حتّى تنتهي إلى اسم الله الأكبر الّذي يسع وحده جميع حقائق الأسماء وتدخل تحته شتات الحقائق برُمّتها، وهو الّذي نسمّيه غالباً بالاسم الأعظم.
ومن المعلوم أنّه كلّما كان الاسم أعمّ كانت آثاره في العالم أوسع، والبركات النازلة منه أكبر وأتمّ لما أنّ الآثار للأسماء كما عرفت فما في الاسم من حال العموم والخصوص يحاذيه بعينه أثره، فالاسم الأعظم ينتهي إليه كلّ أثر، ويخضع له كلّ أمر.
٥ - ما معنى الاسم الاعظم؟ شاع بين الناس أنّه اسم لفظيّ من أسماء الله سبحانه إذا دعي به استجيب، ولا يشذّ من أثره شئ غير أنّهم لما لم يجدوا هذه الخاصّة في شئ من الأسماء الحسنى المعروفة ولا في لفظ الجلالة اعتقدوا أنّه مؤلّف من حروف مجهولة تأليفاً مجهولاً لنا لو عثرنا عليه أخضعنا لإرادتنا كلّ شئ.
وفي مزعمة أصحاب العزائم والدعوات أنّ له لفظاً يدلّ عليه بطبعه لا بالوضع اللغويّ غير أنّ حروفه وتأليفها تختلف باختلاف الحوائج والمطالب، ولهم في الحصول عليه طرق خاصّة يستخرجون بها حروفا أوّلاً ثمّ يؤلّفونها ويدعون بها على ما يعرفه من راجع فنّهم.
وفي بعض الروايات الوارادة إشعار مّا بذلك كما ورد أنّ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) أقرب إلى اسم الله الأعظم من بياض العين إلى سوادها، وما ورد أنّه في آية الكرسيّ وأوّل سورة آل عمران، وما ورد أنّ حروفه متفرّقة في سورة الحمد يعرفها الإمام وإذا شاء ألّفها ودعا بها فاستجيب له.
وما ورد أنّ آصف بن برخيا وزير سليمان دعا بما عنده من حروف اسم الله الأعظم
فأحضر عرش ملكة سبأ عند سليمان في أقلّ من طرفة عين، وما ورد أنّ الاسم الأعظم على ثلاث وسبعين حرفاً قسّم الله بين أنبيائه اثنتين وسبعين منها، واستأثر واحدة منها عنده في علم الغيب، إلى غير ذلك من الروايات المشعرة بأنّ له تأليفاً لفظيّاً.
والبحث الحقيقيّ عن العلّة والمعلول وخواصّها يدفع ذلك كلّه فإنّ التأثير الحقيقيّ يدور مدار وجود الأشياء في قوّته وضعفه والمسانخة بين المؤثّر والمتأثّر، والاسم اللفظيّ إذا اعتبر من جهة خصوص لفظه كان مجموعة أصوات مسموعة هي من الكيفيّات العرضيّة، وإذا اعتبر من جهة معناه المتصوّر كان صورة ذهنيّة لا أثر لها من حيث نفسها في شئ البتّة، ومن المستحيل أن يكون صوت أوجدناه من طريق الحنجرة أو صورة خياليّة نصوّرها في ذهننا بحيث يقهر بوجوده وجود كلّ شئ، ويتصرّف فيما نريده على ما نريده فيقلّب السماء أرضاً والأرض سماءً ويحوّل الدنيا إلى الآخرة وبالعكس وهكذا، وهو في نفسه معلول لإرادتنا.
والأسماء الإلهيّة واسمه الأعظم خاصّة وإن كانت مؤثّرة في الكون ووسائط وأسباباً لنزول الفيض من الذات المتعالية في هذا العالم المشهود لكنّها إنّما تؤثّر بحقائقها لا بالألفاظ الدالّة في لغة كذا عليها، ولا بمعانيها المفهومة من ألفاظها المتصوّرة في الأذهان ومعنى ذلك أنّ الله سبحانه هو الفاعل الموجد لكلّ شئ بما له من الصفة الكريمة المناسبة له الّتي يحويها الاسم المناسب، لا تأثير اللفظ أو صورة مفهومة في الذهن أو حقيقة اُخرى غير الذات المتعالية.
إلّا أنّ الله سبحانه وعد إجابة دعوة من دعاه كما في قوله:( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) البقرة: ١٨٦، وهذا يتوقّف على دعاء وطلب حقيقيّ، وأن يكون الدعاء والطلب منه تعالى لا من غيره - كما تقدّم في تفسير الآية - فمن انقطع عن كلّ سبب واتّصل بربّه لحاجة من حوائجه فقد اتّصل بحقيقة الاسم المناسب لحاجته فيؤثّر الاسم بحقيقته ويستجاب له، وذلك حقيقة الدعاء بالاسم فعلى حسب حال الاسم الّذي انقطع إليه الداعي يكون حال التأثير خصوصاً وعموماً، ولو كان هذا الاسم هو الاسم الأعظم انقاد لحقيقته كلّ شئ واستجيب للداعي به دعاؤه على الإطلاق. وعلى هذا يجب أن يحمل ما ورد من الروايات و
الأدعية في هذا الباب دون الاسم اللفظيّ أو مفهومه.
ومعنى تعليمه تعالى نبيّاً من أنبيائه أو عبداً من عباده اسماً من أسمائه أو شيئاً من الاسم الأعظم هو أن يفتح له طريق الانقطاع إليه تعالى باسمه ذلك في دعائه ومسألته فإن كان هناك اسم لفظيّ وله معنى مفهوم فإنّما ذلك لأجل أنّ الألفاظ ومعانيها وسائل وأسباب تحفظ بها الحقائق نوعاً من الحفظ فافهم ذلك.
واعلم أنّ الاسم الخاصّ ربّما يطلق على ما لا يسمّى به غير الله سبحانه كما قيل به في الاسمين: الله، والرحمان. أمّا لفظ الجلالة فهو علم له تعالى خاصّ به ليس اسماً بالمعنى الّذي نبحث عنه، وأمّا الرحمان فقد عرفت أنّ معناه مشترك بينه وبين غيره تعالى لما أنّه من الأسماء الحسنى، هذا من جهة البحث التفسيريّ، وأمّا من حيث النظر الفقهيّ فهو خارج عن مبحثنا.
٦ - عدد الأسماء الحسنى: لا دليل في الآيات الكريمة على تعيّن عدد للأسماء الحسنى تتعيّن به بل ظاهر قوله:( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) طه: ٨، وقوله:( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ) الأعراف: ١٨٠، وقوله:( لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) الحشر: ٢٤، وأمثالها من الآيات أنّ كلّ اسم في الوجود هو أحسن الأسماء في معناها فهو له تعالى فلا تتحدّد أسمائه الحسنى بمحدّد.
الّذي ورد منها في لفظ الكتاب الإلهيّ مائة وبضعة (١٢٧) وعشرون اسماً هي.
ا - الإله، الأحد، الأوّل، الآخر، الأعلى، الأكرم، الأعلم، أرحم الراحمين، أحكم الحاكمين، أحسن الخالقين، أهل التقوى، أهل المغفرة، الأقرب الأبقى.
ب - البارئ، الباطن، البديع، البرّ، البصير.
ت - التوّاب.
ج - الجبّار، الجامع.
ح - الحكيم، الحليم، الحيّ، الحقّ، الحميد، الحسيب، الحفيظ، الحفيّ.
خ - الخبير، الخالق، الخلّاق، الخير، خير الماكرين، خير الرازقين، خير الفاصلين، خير الحاكمين، خير الفاتحين، خير الغافرين، خير الوارثين، خير الراحمين، خير المنزلين.
ذ - ذو العرش، ذو الطول، ذو انتقام، ذو الفضل العظيم، ذو الرحمة، ذو القوّة، ذو الجلال والإكرام، ذو المعارج.
ر - الرّحمان، الرّحيم، الرّؤوف، الرّبّ، رفيع الدرجات، الرّزّاق، الرّقيب.
س - السميع، السلام، سريع الحساب، سريع العقاب.
ش - الشهيد، الشاكر، الشكور، شديد العقاب، شديد المحال.
ص - الصمد.
ظ - الظاهر.
ع - العليم، العزيز، العفوّ، العليّ، العظيم، علّام الغيوب، عالم الغيب والشهادة.
غ - الغنيّ، الغفور، الغالب، غافر الذنب، الغفّار.
ف - فالق الإصباح، فالق الحبّ والنوى، الفاطر، الفتّاح.
ق - القويّ، القدّوس، القيّوم، القاهر، القهّار، القريب، القادر، القدير، قابل التوب، القائم على كلّ نفس بما كسبت.
ك - الكبير، الكريم، الكافي.
ل - اللطيف.
م - الملك، المؤمن، المهيمن، المتكبّر، المصوّر، المجيد، المجيب، المبين ، المولى، المحيط، المقيت، المتعال، المحيي، المتين، المتقدر، المستعان، المبدئ ، مالك الملك.
ن - النصير، النور.
و - الوهّاب، الواحد، الوليّ، الوالي، الواسع، الوكيل، الودود.
ه - الهادي.
وقد تقدّم أنّ ظاهر قوله:( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) ( لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) أنّ معاني هذه الأسماء له تعالى حقيقة وعلى نحو الأصالة، ولغيره تعالى بالتبع فهو المالك لها حقيقة، وليس لغيره إلّا ما ملّكه الله من ذلك، وهو مع ذلك مالك لما ملّكه غيره لم يخرج عن ملكه بالتمليك، فله سبحانه حقيقة العلم مثلاً وليس لغيره منه إلّا ما وهبه له وهو مع ذلك له لم يخرج من ملكه وسلطانه.
ومن الدليل على الاشتراك المعنويّ في ما يطلق عليه تعالى وعلى غيره من الأسماء والأوصاف ما ورد من أسمائه تعالى بصيغة أفعل التفضيل كالأعلى والأكرم فإنّ صيغة التفضيل تدلّ بظاهرها على اشتراك المفضّل والمفضّل عليه في أصل المعنى، وكذا ما ورد بنحو الإضافة كخير الحاكمين وخير الرازقين وأحسن الخالقين لظهوره في الاشتراك.
٧- هل أسماء الله توقيفية؟ تبيّن ممّا تقدّم أن لا دليل على توقيفيّه أسماء الله تعالى من كلامه بل الأمر بالعكس، والّذي استدلّ به على التوقيف من قوله:( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) الآية مبنيّ على كون اللام للعهد، وأن يكون المراد بالإلحاد التعدّي إلى غير ما ورد من أسمائه من طريق السمع، وكلا الأمرين مورد نظر لما مرّ بيانه.
وأمّا ما ورد مستفيضاً ممّا رواه الفريقان عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :( إنّ لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلّا واحداً من أحصاها دخل الجنّة) أو ما يقرب من هذا اللفظ فلا دلالة فيها على التوقيف. هذا بالنظر إلى البحث التفسيريّ، وأمّا البحث الفقهيّ فمرجعه فنّ الفقه والاحتياط في الدين يقتضي الاقتصار في التسمية بما ورد من طريق السمع، وأمّا مجرّد الإجراء والإطلاق من دون تسمية فالأمر فيه سهل.
( بحث روائي)
في التوحيد بإسناده عن الرّضا عن آبائه عن عليّعليهالسلام : إنّ لله عزّوجلّ تسعة وتسعين اسماً من دعا الله بها استجاب له، ومن أحصاها دخل الجنّة.
أقول: وسيجئ نظيره عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من طرق أئمّة أهل البيتعليهمالسلام والمراد بقوله:( من أحصاها دخل الجنّة) الإيمان باتّصافه تعالى بجميع ما تدلّ عليه تلك الأسماء بحيث لا يشذّ عنها شاذّ.
وفي الدّر المنثور أخرج البخاريّ ومسلم وأحمد والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه وابن خزيمة وأبو عوانة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبّان والطبرانيّ وأبوعبدالله بن منده في التوحيد وابن مردويه وأبونعيم ولبيهقيّ في كتاب الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلّم): إنّ لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلّا واحداً من أحصاها دخل الجنّة إنّه وتر يحبّ الوتر.
أقول: رواها عن أبي نعيم وابن مردويه عنه، ولفظه: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلّم) لله مائة اسم غير اسم من دعا بها استجاب الله له دعاءه، وعن الدار قطنيّ في الغرائب عنه ولفظه: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلّم): قال عزّوجلّ: لي تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنّة.
وفيه أخرج أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عبّاس وابن عمر قالا: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّ لله تسعة وتسعين اسماً مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنّة.
أقول: ورواه أيضاً عن أبي نعيم عن ابن عبّاس وابن عمر ولفظه: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلّم): لله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنّة، وهي في القرآن.
أقول: والرواية تعرّض ما سيأتي من روايات الإحصاء حيث إنّ جميعها مشتملة على أسماء ليست في القرآن بلفظها إلّا أن يكون المراد كونها في القرآن بمعناها.
وفي التوحيد بإسناده عن الصادق عن آبائه عن عليّعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلّا واحداً من أحصاها دخل الجنّة.
وهي: الله، الإله، الواحد، الأحد، الصمد، الأوّل، الآخر، السميع، البصير، القدير، القاهر، العليّ، الأعلى، الباقي، البديع، الباري، الأكرم، الظاهر الباطن، الحيّ، الحكيم، العليم، الحليم، الحفيظ، الحقّ، الحسيب، الحميد، الحفيّ الربّ، الرحمان، الرحيم، الذاري، الرازق، الرقيب، الرؤوف، الرائي، السلام،
المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، السيّد، سبّوح، الشهيد، الصادق، الصانع، الظاهر، العدل، العفوّ، الغفور، الغنيّ، الغياث، الفاطر، الفرد، الفتّاح، الفالق، القديم، الملك، القدّوس، القويّ، القريب، القيّوم، القابض، الباسط، قاضي الحاجات، المجيد، المولى، المنّان، المحيط، المبين، المغيث، المصوّر، الكريم، الكبير الكافي، كاشف الضرّ، الوتر، النور، الوهّاب، الناصر، الواسع، الودود، الهادي، الوفيّ، الوكيل، الوارث، البرّ، الباعث، التوّاب، الجليل، الجواد، الخبير، الخالق، خير الناصرين، الديّان، الشكور، العظيم، اللطيف، الشافي.
وفي الدّر المنثور أخرج الترمذيّ وابن المنذر وابن حبّان وابن منده والطبرانيّ والحاكم وابن مردويه والبيهقيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلّم): إنّ لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلّا واحد من أحصاها دخل الجنّة إنّه وتر يحبّ الوتر: هو الله الّذي لا إله إلّا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العليّ، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقّ، الوكيل، القويّ، المتين، الوليّ، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحيّ، القيّوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأوّل، الآخر، الظاهر، الباطن، البرّ، التوّاب، المنتقم، العفوّ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، الوالي، المتعال، المقسط، الجامع، الغنيّ، المغني، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور.
وفيه أخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبرانيّ كالاهما و أبوالشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم و البيهقيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلّم): أنّ لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنّة :
اسأل الله، الرحمان، الرحيم، الإله، الربّ، الملك، القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارئ، المصوّر، الحكيم، العليم، السميع، البصير، الحيّ، القيّوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنّان، المنّان، البديع، الغفور، الودود، الشكور، المجيد، المبدئ، المعيد، النور، البادى - وفي لفظ: القائم - الأوّل، الآخر، الظاهر، الباطن، العفوّ، الغفّار، الوهّاب، الفرد - وفي لفظ: القادر - الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، المغيث، الدائم، المتعال، ذا الجلال والإكرام، المولى، النصير، الحقّ، المبين، الوارث، المنير، الباعث، القدير - وفي لفظ: المجيب - المحيي، المميت، الحميد - وفي لفظ: الجميل - الصادق، الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، الرقيب، الفتّاح، التوّاب، القديم، الوتر، الفاطر، الرزّاق، العلّام، العليّ، العظيم، الغنيّ، المليك، المقتدر، الأكرم، الرؤوف، المدبّر، المالك، القاهر، الهادي، الشاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذا الطول، ذا المعارج، ذا الفضل، الخلّاق، الكفيل، الجليل.
أقول: وذكر لفظ الجلالة في هذه الروايات المشتملة على الإحصاء لإجراء الأسماء عليه. وإلّا فهو خارج عن العدد.
وفيه أخرج أبونعيم عن محمّد بن جعفر قال: سألت أبي جعفر بن محمّد الصادق عن الأسماء التسعة والتسعين الّتي من أحصاها دخل الجنّة فقال: هي في القرآن: ففي الفاتحة خمسة أسماء، يا الله يا ربّ يا رحمان يا رحيم يا مالك، وفي البقرة ثلاثة وثلاثون اسماً: يا محيط يا قدير يا عليم يا حكيم يا عليّ يا عظيم يا توّاب يا بصير يا وليّ يا واسع يا كافي يا رؤوف يا بديع يا شاكر يا واحد يا سميع يا قابض يا باسط يا حيّ يا قيّوم يا غنيّ يا حميد يا غفور يا حليم يا إله يا قريب يا مجيب يا عزيز يا نصير يا قويّ يا شديد يا سريع يا خبير.
وفي آل عمران: يا وهّاب يا قائم يا صادق يا باعث يا منعم يا متفضّل، وفي النساء: يا رقيب يا حسيب يا شهيد يا مقيت يا وكيل يا عليّ يا كبير، وفي الأنعام يا فاطر يا قاهر يا لطيف يا برهان، وفي الأعراف: يا محيي يا مميت، وفي الأنفال يا نعم المولى يا نعم
النصير، وفي هود: يا حفيظ يا مجيد يا ودود يا فعّالاً لما يريد، وفي الرعد: يا كبير يا متعال، وفي إبراهيم: يا منّان يا وارث، وفي الحجر: يا خلّاق.
وفي مريم: يا فرد، وفي طه: يا غفّار، وفي قد أفلح: يا كريم، وفي النور: يا حقّ، يا مبين، وفي الفرقان: يا هادي، وفي سبأ يا فتّاح، وفي الزمر: يا عالم، وفي غافر: يا غافر يا قابل التوب يا ذا الطول يا رفيع، وفي الذاريات: يا رزّاق يا ذا القوّة يا متين، وفي الطور: يا برّ.
وفي اقتربت: يا مليك يا مقتدر، وفي الرحمن: يا ذاالجلال والإكرام يا ربّ المشرقين يا ربّ المغربين يا باقي يا محسن، وفي الحديد: يا أوّل يا آخر يا ظاهر يا باطن، وفي الحشر: يا ملك يا قدّوس يا سلام يا مؤمن يا مهيمن يا عزيز يا جبّار يا متكبّر يا خالق يا بارئ يا مصوّر، وفي البروج يا مبدئ يا معيد، وفي الفجر: يا وتر، وفي الاخلاص: يا أحد يا صمد.
أقول: والرواية لا تخلو عن تشويش فإنّ فيه إدخال لفظ الجلالة في الأسماء التسعة والتسعين وليس منها، وقد كرّر بعض الأسماء كالكبير، وقد ذكر في أوّلها التسعة والتسعون، واُنهيت إلى مائة وعشرة أسماء، وفيها مع ذلك موضع مناقشات اُخر فيما يذكر من وجود الاسم في بعض السور كالفرد في سورة مريم، والبرهان في سورة الأنعام. إلى غير ذلك.
وعلى أيّ حال ظهر لك من هذه الروايات وهي الّتي عثرنا عليها من روايات الإحصاء أنّها لا تدلّ على انحصار الأسماء الحسنى فيما تحصيها مع ما فيها من الاختلاف في الأسماء، وذكر بعض ما ليس في القرآن الكريم بلفظ الاسميّة، وترك بعض ما في القرآن الكريم بلفظ الاسمّية بل غاية ما تدلّ عليه أنّ من أسماء الله تسعة وتسعين من خاصّتها أنّ من دعا بها استجيب له، ومن أحصاها دخل الجنّة.
على أنّ هناك روايات اُخرى تدلّ على كون أسمائه تعالى أكثر من تسعة وتسعين كما سيأتي بعضها، وفي الأدعية المأثورة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأئمّة أهل البيتعليهمالسلام شئ كثير من أسماء الله غير ما ورد منها في القرآن واُحصى في روايات الإحصاء.
وفي الكافي بإسناده عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: أنّ الله تبارك وتعالى خلق اسماً بالحروف غير متصوّت، وباللفظ غير منطق، و بالشخص غير مجسّد، وبالتشبية غير موصوف، وباللون غير مصبوغ، منفيّ عنه الأقطار مبعّد عنه الحدود، محجوب عنه حسّ كلّ متوهّم مستتر غير مستور.
فجعله كلمة تأمّة على أربعة أجزاء معاً ليس منها واحد قبل الآخر فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها، وحجب واحداً منها وهو الاسم المكنون والمخزون فهذه الأسماء الّتي ظهرت(١) فالظاهر هو الله، تبارك، وتعالى، وسخّر سبحانه لكلّ اسم من هذه الأسماء أربعة أركان فذلك اثنا عشر ركناً، ثمّ خلق لكلّ ركن منها ثلاثين اسماً فعلاً منسوباً إليها: فهو الرحمان، الرحيم، الملك، القدّوس، الخالق، البارئ، المصوّر، الحيّ، القيّوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، العليم، الخبير، السميع، الحكيم، العزيز، الجبّار، المتكبّر، العليّ، العظيم، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، المهيمن، البارئ، المنشئ، البديع، الرفيع، الجليل، الكريم، الرازق، المحيي، المميت، الباعث، الوارث.
فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى حتّى تتمّ ثلاثمأة وستّين اسماً فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، وهذه الأسماء الثلاثة أركان، وحجب الاسم الواحد(٢) المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، وذلك قوله عز وجل:( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ )
أقول: قولهعليهالسلام إنّ الله تبارك وتعالى خلق اسماً بالحروف غير متصوّت الخ هذه الصفات المعدودة صريحة في أنّ المراد بهذا الاسم ليس هو اللفظ، ولا معنى يدلّ عليه اللفظ من حيث إنّه مفهوم ذهني فإنّ اللفظ والمفهوم الذهنيّ الّذي يدلّ عليه لا معنى لاتّصافه بالاوصاف الّتي وصفه بها وهو ظاهر، وكذا يأبي عنه ما ذكره في الرواية بعد ذلك فليس المراد بالاسم إلّا المصداق المطابق للّفظ لو كان هناك لفظ، ومن المعلوم أنّ الاسم بهذا المعنى - وخاصّة بالنظر إلى تجزّية بمثل: الله وتبارك وتعالى - ليس إلّا الذات المتعالية أو هو قائم بها غير خارج عنها البتّة.
____________________
(١) رواه في التوحيد هكذا: المخزون بهذه الأسماء الثلاثة الّتي ظهرت: فالظاهر هو الله (و) تبارك وسبحان ولكلّ اسم من هذه أربعة أركان الخ.
(٢) في التوحيد : اركان و حجب للاسم الواحد الخ
فنسبة الخلق إلى هذا الاسم في قوله:( خلق اسماً ) يكشف عن كون المراد بالخلق غير المعني المتعارف منه، وأنّ المراد به ظهور الذات المتعاليّة ظهوراً ينشأ به اسم من الأسماء وحينئذ ينطبق الخبر على ما تقدّم بينه أنّ الأسماء مترتّبة فيما بينها وبعضها واسطة لثبوت بعض، وتنتهي بالاخرة إلى اسم تعيّنها عين عدم التعيّن. وتقيّد الذات المتعالية به عين عدم تقيّدها بقيد.
وقوله:( فالظاهر هو الله تبارك وتعالى) إشارة إلى الجهات العامّة الّتي تنتهي إليها جميع الجهات الخاصّة من الكمال ويحتاج الخلق إليها من جميع جهات فاقتها وحاجتها، وهي ثلاث: جهة استجماع الذات لكلّ كمال، وهي الّتي يدلّ عليها لفظ الجلالة وجهة ثبوت الكمالات ومنشإيّة الخيرات والبركات، وهي الّتي يدلّ عليه اسم تبارك، وجهة انتفاء النقائص وارتفاع الحاجات وهي الّتي يدلّ عليه لفظ تعالى.
وقوله:( فعلاً منسوباً إليها) أي إلى الأسماء وهو إشارة إلى ما قدّمناه من انتشاء إسم من اسم. وقوله:( حتّى تتمّ ثلاث مأة وستّين اسماً) صريح في عدم انحصار الأسماء الإلهيّة في تسعة وتسعين.
وقوله:( وهذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب ) الخ فإنّ الاسم المكنون المخزون لمّا كان اسماً فهو تعيّن وظهور من الذات المتعالية، وإذ كان مكنوناً بحسب ذاته غير ظاهر بحسب نفسه فظهوره عين عدم ظهوره وتعيّنه عين عدم تعيّنه، وهو ما يعبّر عنه أحياناً بقولنا: إنّه تعالى ليس بمحدود بحد حتّى بهذا الحدّ العدميّ لا يحيط به وصف ولا نعت حتّى هذا الوصف السلبيّ، وهذا بعينه توصيف منّا والذات المتعالية أعظم منه وأكبر.
ولازمه أن يكون اسم الجلالة الكاشف عن الذات المستجمعة لجميع صفات الكمال اسماً من أسماء الذات دونها ودون هذا الاسم المكنون المخزون، وكذا( تَبَارَكَ ) و( تَعَالَىٰ ) ثلاثة أسماء معاً سدنة وحجّاباً للاسم المكنون من غير أن يتقدّم بعضها بعضاً وهذه الحجّاب الثلاثة والاسم المكنون المحجوب بها جميعاً دون الذات، وأمّا هي فلا ينتهي إليها أشارة ولا يقع عليها عبارة، إذ كلّما تحكيه عبارة أو تومئ إليه إشارة اسم من الأسماء محدود بهذا النحو، والذات المتعالية أعلى منه وأجلّ.
وقوله: وذلك قوله تعالى:( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) وجه الاستفادة أنّ الضمير في قوله( فَلَهُ ) راجع إلى( أَيًّ ) وهو اسم شرط من الكنايات لا تعيّن لمعناه إلّا عدم التعيّن، ومن المعلوم أنّ المراد بالله وبالرحمن في الاية هو مصداق اللفظين لا نفسهما فلم يقل ادعوا بالله أو بالرحمن بل ادعوا الله الآية فمدلول الآية أنّ الأسماء منسوبة قائمة جميعاً بمقام لا خبر عنه ولا إشارة إليه إلّا بعدم الخبر والإشارة فافهم ذلك.
وفي الرواية أخذ( تَبَارَكَ ) وكذا( تَعَالَىٰ ) وكذا( لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) من الأسماء وهو مبنيّ على مجرّد الدلالة على الذات المأخوذة بصفة من صفاته من غير رعاية المصطلح الأدبيّ.
والروايه من غرر الروايات تشير إلى مسألة هي أبعد سمكاً من مستوى الأبحاث العامّة والأفهام المتعارفة، ولذلك اقتصرنا في شرح الرواية على مجرّد الإشارات، وأمّا الأيضاًح التامّ فلا يتمّ إلّا ببحث مبسوط خارج عن طوق المقام غير أنّها لا تبتني على أزيد ممّا تقدّم من البحث عن نسب الأسماء والصفات إلينا ونسب ما بينها الموضوع في الفصل الرابع من الكلام في الأسماء فعليك بإبفائها حتّى تنجلي لك المسألة حقّ الانجلاء والله الموفّق.
وفي البصائر بإسناده عن الباقرعليهالسلام قال: إنّ اسم الله الأعظم على ثلاثه وسبعين حرفاً، وإنّما عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به فخسف بالأرض فيما بينه وبين سرير بلقيس ثمّ تناول السرير بيده ثمّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفا، وحرف عند الله أستأثر به في علم الغيب عنده، ولا حول ولا قوّه إلّا بالله العليّ العظيم.
وفيه أيضاً بإسناده عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: إنّ الله عزّوجلّ جعل اسمه الأعظم على ثلاث وسبعون حرفا فأعطى آدم منها خمسة وعشرين حرفاً وأعطى نوحاً منها خمسة وعشرين حرفاً، وأعطى منها إبراهيم ثمانية أحرف، وأعطى موسى منها أربعة أحرف، وأعطى عيسى منها حرفين وكان يحيى بهما الموتى ويبرئ بهما الأكمه والأبرص، وأعطى
محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم إثنين وسبعين حرفاً، واحتجب حرفاً لئلّا يعلم ما في نفسه ويعلم ما في نفس غيره ظ.
اقول: وفي مساق الروايتين بعض روايات اُخر، ولا ينبغي أن يرتاب في أنّ كونه مفرّقاً إلى ثلاث وسبعين حرفاً أو مؤلّفاً من حروف لا يستلزم كونه بحقيقة مؤلّفاً من حروف الهجاء كما تقدّمت الإشارة إليه، وفي الروايتين دلالة على ذلك فإنّه يعدّ الاسم وهو واحد ثمّ يفرّق حروفه بين الأنبياء ويستثني واحداً، ولو كان من قبيل الأسماء اللفظيّة الدالّة بمجموع حروفه على معنى واحد لم ينفع أحداً منهمعليهمالسلام ما اُعطيه شيئاً البتّة.
وفي التوحيد بإسناده عن علىّعليهالسلام في خطبه له: إنّ ربّي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف؟ عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كلّ شئ لا يقال شئ قبله، وبعد كلّ شئ لا يقال له بعد شاء الأشياء لا بهمّة، درّاك لا بخديعة، هو في الأشياء كلّها غير منمازج بها ولا بائن عنها ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلّ لا باستهلال رؤية، بائن لا بمسافة قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسّم، موجود لا بعد عدم، جاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة
اقول: هوعليهالسلام - كما يشاهد - يثبت في صفاته وأسمائه تعالى أصل المعاني وينفي خصوصيّات المصاديق الممكنة ونواقص المادّة، وهو الّذي قدّمنا بينه سابقا: وهذه المعاني وارادة في أحاديث كثيرة جدّاً مرويّة عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام وخاصّة ما ورد عن علىّ والحسن والحسين والباقر والصادق والكاظم والرّضاعليهمالسلام في خطب كثيرة من أرادها فليراجع جوامع الحديث، والله الهادي.
وفي المعاني بإسناده عن حنّان بن سدير عن أبي عبداللهعليهالسلام في حديث: فليس له شبه ولا مثل ولا عدل، ولله الأسماء الحسنى الّتى لا يسمّى بها غيره، وهى الّتي وصفها الله في الكتاب فقال:( فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) جهلاً بغير علم وهو لا يعلم ويكفر وهو يظنّ أنّه يحسن؟ فذلك قوله:( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) فهم الّذين يلحدون في أسمائه بغير علم فيضعونها غير مواضعها.
اقول: والحديث يؤيّد ما قدّمناه في معنى كون الأسماء حسنى والإلحاد فيها، وقولهعليهالسلام :( لا يسمّى بها غيره ) أي لا يوصف بالمعاني الّتي جرّدت لها وصحّ تسميته بها غيره تعالى كإطلاق الخالق بحقيقة معناه الّذي له تعالى لغيره، وعلى هذا القياس.
وفي الكافي بإسناده إلى معاوية بن عمّار عن أبي عبداللهعليهالسلام : في قول الله عزّوجلّ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ) قال: نحن والله الأسماء الحسنى الّتي لا يقبل الله من العباد إلّا بمعرفتنا.
اقول: ورواه العيّاشيّ عنهعليهالسلام ، وفيه أخذ الاسم بمعنى ما دلّ على الشئ سواء كان لفظاً أو غيره، وعليه فالأنبياء والأوصياءعليهمالسلام أسماء دالّة عليه تعالى وسائط بينه وبين خلقه، ولأنّهم في العبوديّة بحيث ليس لهم إلّا الله سبحانه فهم المظهرون لأسمائه وصفاته تعالى.
وفي الكافي بإسناده عن عبدالله بن سنان قال: سألت أباعبداللهعليهالسلام عن قول الله عزّوجلّ:( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) قال هم الأئمّة.
اقول: ورواه العيّاشيّ عن حمران عنهعليهالسلام قال: وقال محمّد بن عجلان عنهعليهالسلام ( نحن هم) وقد تقدّم ما يؤيّده في البيان المتقدّم.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن الربّيع في قوله:( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ من اُمّتي قوماً على الحقّ حتّى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل.
وفي تفسير البرهان عن موفّق بن أحمد عن السريّ عن ابن المنذر عن الحسين بن سعيد عن أبيه عن أبان بن تغلب عن فضل عن عبدالملك الهمدانيّ عن زادان عن عليّ قال يفترق هذه الاُمّة على ثلاث وسبعون فرقة اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة، وهم الّذين قال الله عزّوجلّ في حقّهم:( وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) أنا وشيعتي.
اقول: وروى العيّاشيّ عن زادان عنهعليهالسلام مثله، وفي آخره:( وهم على الحقّ) مكان قوله:( أنا وشيعتي) . وقد تقدّم في ذيل قوله تعالى:( وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ
بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) ، رواية العيّاشيّ عن أبي الصهباء عن عليّعليهالسلام ما في معناه، وكذا رواية السيوطيّ في الدّر المنثور بطرق عنه مثله.
وفي الكافي بإسناده عن سفيان بن السمط قال: قال أبوعبداللهعليهالسلام : إنّ الله إذا أراد بعبد خيراً فأذنب ذنباً أتبعه بنقمة ويذكّره الاستغفار، وإذا أراد بعبد شرّاً فأذنب ذنباً أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى بها، وهو قوله عزّوجلّ:( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) بالنعم عند المعاصي.
وفيه بإسناده عن سماعة بن مهران قال: سألت أباعبداللهعليهالسلام عن قول الله:( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) قال: هو العبد يذنب الذنب فيجدّد له النعم معه تلهية تلك النعم عن الاستغفار من ذلك الذنب.
اقول: ورواه أيضاً بإسناده عن ابن رئاب عن بعض أصحابنا عنهعليهالسلام مثله.
وفيه بإسناده عن الحسن الصيقل قال: سألت أباعبداللهعليهالسلام عمّا روى الناس:) تفكّر ساعة خير من قيام ليلة ( قلت: كيف يتفكّر؟ قال: يمرّ بالخربة أو بالدار فيقول أين ساكنوك؟ أين بانوك؟ مالك لا تتكلّمين؟.
اقول: وهو من قبيل إراءة بعض المصاديق الظاهرة.
وفيه بإسناده عن معمّر بن خلّاد قال سمعت أبا الحسن الرّضاعليهالسلام يقول: ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم. إنّما العبادة التفكّر في أمر الله عزّوجلّ.
وفيه بإسناده عن الربعيّ قال: قال أبوعبداللهعليهالسلام : قال أميرالمؤمنينعليهالسلام : التفكّر يدعو إلى البرّ والعمل به.
وفيه بإسناده عن محمّد بن أبي النصر عن بعض رجاله عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: أفضل العبادة إدمان التفكّر في الله وفي قدرته.
وفي تفسير القمّيّ في تفسير قوله تعالى:( وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) قال: قال نكله إلى نفسه
اقول: ومعنى تركهم يعمهون في طغيانهم عدم إعانتهم على أنفسهم وتركهم وإيّاها بقطع التوفيق فينطبق على الوكول إلى النفس.
( سورة الأعراف آية ١٨٧ - ١٨٨)
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( ١٨٧ ) قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( ١٨٨ )
( بيان)
في الآيتين إبانة أنّ علم الساعة من الغيب المختصّ به تعالى لا يعلمه إلّا الله، ولا دليل لتعيين وقتها والحدس لوقوعها أصلاً فلا تأتي إلّا بغتة. وفيه إشارة ما إلى حقيقتها بذكر بعض أوصافها.
قوله تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا - إلى قوله -إِلَّا هُو ) الساعة ساعة البعث والرجوع إلى الله لفصل القضاء العامّ فاللام للعهد لكنّه صار في عرف القرآن والشرع كالحقيقة في هذا المعنى.
والمرسى اسم زمان ومكان ومصدر ميميّ من أرسيت الشئ إذا أثبتّه، أي متى وقوعها وثبوتها، والتجلية الكشف والإظهار يقال جلّاه فانجلى أي كشف عنه فانكشف.
فقوله:( لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُو ) أي لا يظهرها ولا يكشف عنها في وقتها وعند وقوعها إلّا الله سبحانه، ويدلّ ذلك على أنّ ثبوتها ووجودها والعلم بها واحد أي إنّها محفوظة في مكمن الغيب عند الله تعالى يكشف عنها ويظهرها متى شاء من غير أن يحيط بها غيره سبحانه أو يظهر لشئ من الأشياء وكيف يمكن أنّ يحيط بها شئ من الأشياء أو ينكشف عنده، وتحقّقها وظهورها يلازم فناء الأشياء، ولا شئ منها يسعه أن يحيط
بفناء نفسه أو يظهر له فناء ذاته، والنظام السببيّ الحاكم في الكون يتبدّل عند وقوعها، وهذا العلم الّذي يصحبها من هذا النظام.
ومن هنا يظهر: أنّ المراد بقوله:( ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) - والله أعلم - ثقل علمها في السماوات والأرض وهو بعينه ثقل وجودها فلا ثمرة لاختلافهم في أنّ المراد بثقل الساعة فيها ثقل علمها عليها، أو المراد ثقل صفتها على أهل السماوات والأرض لما فيها من الشدائد والعقاب والحساب والجزاء، أو ثقل وقوعها عليهم لما فيها من انطواء السماء وإنتشار الكواكب واجتماع الشمس والقمر وتسيير الجبال، أو أنّ السماوات والأرض لا تطيق حملها لعظمتها وشدّتها.
وذلك أنّها ثقلية بجميع ما يرجع إليها من ثبوتها والعلم بها وصفاتها على السموات والأرض، ولا تطيق ظهورها لملازمته فناءها والشئ لا يطيق فناء نفسه.
ومن ذلك يظهر أيضاً وجه قوله سبحانه:( لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ) فإنّ البغتة والفجأة ظهور الشئ من غير أن يعلم به قبل ظهوره، والساعة لثقلها لا يظهر وصف من أوصافها، ولا جزء من أجزائها قبل ظهورها التامّ، ولذلك كان ظهورها لجميع الأشياء بغتة.
ومن هنا أيضاً يظهر معنى تتمّة الآية:( يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ ) الآية على ما سيأتي.
قوله تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ) إلى آخر الآية، قال الراغب: الحفيّ العالم بالشئ (انتهى) وكأنّه مأخوذ من حفيت في السؤال إذا ألححت، وقوله:( كَأَنَّكَ حَفِيٌّ ) متخلّل بين يسألونك والظرف المتعلّق به، والأصل: يسألونك عنها كأنّك حفيّ عالم بها، وهو يلوّح إلى أنّهم كرّروا السؤال وألحّوا عليه، ولذلك كرّر السؤال والجواب بوجه في اللفظ.
ففي قوله ثانياً:( يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ) إشعار أو دلالة على أنّهم حسبوا أنّ جوابه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر ربّه أوّلاً( إنّما علمها عند ربّي ) من قبيل إحالة علم ما لا يعلمه إلى ربّه - على ما هو من أدب الدين - ولذا قال:( عِندَ رَبِّي ) إشعاراً بالعبوديّة و
وظيفتها، وأنّ قوله:( لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ) وصف لعظمتها من غير أن يرتبط ذلك بالعلم بوقتها، ولذلك كلّه كرّروا السؤال ليقولصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك شيئاً أو يعترف بجهله لنفسه.
فأمره الله سبحانه أن يعيد الجواب عليهم:( إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ ) دالّاً به على أنّ القول جدّ والجواب فصل، فهو من العلم لا من الجهل، والغرض به إفادة العلم بانحصار علمها فيه تعالى دون الجهل بها، وإحالة علمها إلى ربّه عملاً بوظيفة العبوديّة، ولذا بدّل قوله في الجواب الأوّل( عِندَ رَبِّي ) في هذا الجواب الثاني إلى قوله( عِندَ اللَّهِ ) .
ثمّ قال:( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) يشير به إلى جهلهم بمعنى قوله:( إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ) الآية فإنّهم لاُنسهم بالحسّ والمحسوس يقيسون كلّ شئ سمعوه إلى المحسوس، ويعمّمون حكمه عليه فيظنّون أنّ كلّ ما وصف لهم بوجه يسع لهم أن يعلموه ويحيطوا به علماً، وأنّه لو كان هناك أمرٌ اُخفي عنهم فإنّما يخفى بالكتمان ولو اُظهر لهم أحاطوا به علماً كسائر ما عندهم من الاُمور المحسوسة وقد أخطأ قياسهم واشتبه عليهم فإنّ بعض ما في الغيب ومن جملته الساعة لا يطيق علمه إلّا الله سبحانه.
وقد ظهر من الآية أنّ علم الساعة ممّا لا يطيقه شئ من الأشياء إلّا الله سبحانه وكذا حقيقة ما له من الاوصاف والنعوت فإنّ الجميع ثقيله بثقلها.
قوله تعالى: ( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ) ألى آخر الآية لمّا كان في سؤالهم الغيب عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم إيهام أنّ دعواه النبوّة دعوى لعلم الغيب، ولا يعلم الغيب حقيقة غيره تعالى إلّا بوحي وتعليم إلهيّ، أمر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يتبرّء من دعوى العلم بالغيب.
وحقيقة السبب في اختصاص العلم بالغيب به تعالى أنّ غيره تعالى أيّامّا كان محدود الوجود لا سبيل له إلى الخارج منه الغائب عنه من حيث إنّه غائب، ولا شئ غير محدود ولا غير متناه محيط بكلّ شئ إلّا الله سبحانه فله العلم بالغيب.
لكن لمّا كان اُولئك السائلون لا يسعهم فهم هذا السبب على ما لهم من الأفهام البسيطة العامّيّة أمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكلّمهم بما يسعهم فهمه، وهو أنّ العلم بالغيب يهدي الإنسان إلى كلّ خير وشرّ والعدّة تأبى أنّ يعلم أحد الخير والشرّ ويهتدي إلى موقعهما ثمّ لا يستفيد من ذلك لنفسه فالإنسان إذا لم يستكثر من الخير ولم يوق من الشرّ كيف يعلم الغيب؟.
فقوله في صدر الآية:( قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ) الآية وصف لنفسه بما ينافي نتيجة العلم بالغيب ثمّ قوله:( وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) الآية بيان نتيجة العلم بالغيب، لينتج من الفصلين عدم علمه بالغيب، ثمّ قوله:( إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ ) بيان حقيقة حاله فيما يدعّيه من الرسالة من غير أن يكون معها دعوى اُخرى.
( بحث روائي)
في تفسير القمّىّ: في قوله( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ) الآية، قال: قال: إنّ قريشاً بعثوا العاص بن وائل السهميّ، والنضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط إلى نجران ليتعلّموا من علماء اليهود مسائل يسألونها عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان فيما سألوا محمّداً متى تقوم الساعة أنزل الله تعالى:( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ) الآية.
وفي تفسير العيّاشيّ عن خلف بن حماد عن رجل عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: إنّ الله يقول في كتابه:( وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ) يعني الفقر.
أقول: ورواه أيضاً الصدوق في المعاني بإسناده عن خلف بن حمّاد عن رجل عنهعليهالسلام ، ورواه الحسين بن بسطام في طبّ الأئمّة عن جابر بن يزيد عن أبي جعفرعليهالسلام .
( سورة الأعراف آية ١٨٩ - ١٩٨)
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( ١٨٩ ) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ١٩٠ ) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( ١٩١ ) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ( ١٩٢ ) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ ( ١٩٣ ) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( ١٩٤ ) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ( ١٩٥ ) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( ١٩٦ ) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ( ١٩٧ ) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ( ١٩٨ )
( بيان)
الكلام في الآيات جار على ما جرت عليه سائر آيات السورة من مواثيق النوع الإنسانيّ ونقضها على الأغلب الأكثر.
قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) إلى آخر الايتين. الكلام في الآيتين جار مجري المثل المضروب لبني آدم في نقضهم موثقهم الّذي واثقوه، وظلمهم بآيات الله.
والمعنى( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم ) يا معشر بني آدم( مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) هو أبوكم( وَجَعَلَ مِنْهَا ) أي من نوعها( زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ ) الرجل الّذي هو النفس الواحدة( إِلَيْهَا ) أي إلى الزوج الّتي هي امرأته( فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ) والتغشّي هو الجماع( حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ) والمحمول النطفة وهي خفيفة( فَمَرَّتْ بِهِ ) أي استمرّت الزوج بحملها تذهب وتجئ وتقوم وتقعد حتّى نمت النطفة في رحمها وصارت جنيناً ثقيلاً أثقلت به الزوج( فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا ) وعاهداه وواثقاه( لَئِنْ آتَيْتَنَا ) ورزقتنا ولداً( صَالِحًا ) يصلح للحياة والبقاء بكونه إنساناً سويّاً تامّ الاعضاء غير ذي عاهة وآفة فإنّ ذلك هو المرجوّ للولد حين ولادته وبدء نشوئه دون الصلاح الدينيّ( لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) لك بإظهار نعمتك، والإنقطاع إليك في أمره لا نميل إلى سبب دونك، ولا نتعلّق بشئ سواك.
( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا ) كما سألاه وجعله إنساناً سويّاً صالحاً للبقاء وقرّت به أعينهما( جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) من الولد الصالح حيث بعثتهما المحبّة والشفقة عليه أن يتعلّقا بكلّ سبب سواه، ويخضعا لكلّ شئ دونه مع أنّهما كانا قد اشترطا له أن يكونا شاكرين له غير كافرين لنعمته وربوبيّته فنقضا عهدهما وشرطهما.
وهكذا عامّة الإنسان إلّا من رحمه الله مهتمّون بنقض مواثيقهم وخلف وعدهم، وعدم الوفاء بعهدهم مع الله( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
والقصّة - كما ترى - يمكن أن يراد بها بيان حال الأبوين من نوع الإنسان في استيلادهما الولد بالاعتبار العامّ النوعىّ فإنّ كلّ إنسان فإنّه مولود أبويه فالكثرة الإنسانيّة نتيجة أبوين يولدان ولداً كما في قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ) الحجرات - ١٣.
والغالب على حال الأبوين وهما يحبّان ولدهما ويشفقان عليه أن ينقطعا طبعاً إلى الله في أمر ولدهما وإن لم يلتفتا إلى تفصيل انقطاعهما كما ينقطع راكب البحر إلى الله سبحانه إذا تلاطمت وأخذت أمواجها تلعب به ينقطع إلى ربّه وإن لم يعبد ربّاً قطّ فإنّما هو حال قلبىّ يضطرّ الإنسان إليه.
فللأبوين انقطاع إلى ربّهما في أمر ولدهما لئن آتيتنا صالحاً نرضاه لنكوننّ من
الشاكرين فلمّا استجاب لهما وآتاهما صالحاً جعلا له شركاء وتشبّثا في حفظه وترابيته بكلّ سبب، ولاذا إلى كلّ كهف.
ويؤيّد هذا الوجه قوله في ذيل الآية:( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فإنّ المراد بالنفس وزوجها في صدر الكلام لو كان شخصين من الإنسان بعينهما كآدم وحوّاء مثلاً كان من حقّ الكلام أن يقال: فتعالى الله عن شركهما أو عمّا أشركا.
على أنّه تعالى يعقّب هذه الآية بآيات اُخر يذمّ فيها الشرك ويوبّخ المشركين بما ظاهرة أنّه الشرك بمعنى عبادة غير الله، وحاشا أن يكون صفيّ الله آدم يعبد غير الله وقد نصّ الله سبحانه على أنّه اجتباه وهداه، ونصّ على أن لا سبيل للضلال على من هداه الله وأيّ ضلال أضلّ من عبادة غير الله، قال تعالى:( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ) طه - ١٢٢، وقال:( وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) أسرى - ٩٧، وقال:( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) الأحقاف - ٥، وبذلك يظهر أنّ الضلال والشرك غير منسوب إلى آدم وإن لم نقل بنبوّته أو قلنا بها ولم نقل بعصمة الأنبياءعليهمالسلام .
وإن اُريد بالنفس وزوجها في القصّة آدم وزوجته كان المراد بشركهما المذكور في الآية أنّهما اشتغلا بتربية الولد واهتمّا في أمره بتدبير الأسباب والعوامل، وصرفهما ذلك عن بعض ما لهما من التوجّه إلى ربّهما والخلوص في ذلك، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى حكاية عنهما:( لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) وقد تقدّم في تفسير أوائل هذه السورة في قوله:( وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) الآية - ١٧ أنّ الشاكرين في عرف القرآن هم المخلصون - بفتح اللام - الّذين لا سبيل لإبليس عليهم ولا دبيب للغفلة في قلوبهم فالعتاب المتوجّه إليهما في قوله:( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) إنّما هو بالشرك بمعنى الاشتغال عن الله بغيره من الأسباب الكونيّة بوجه خلاف إخلاص القلب له تعالى.
لكن يبقى عليه إتيان قوله:( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) بصيغة الجمع، وتعقيبه بما ظاهره أنّه الشرك بمعنى عبادة غير الله.
وربّما دفعه بعضهم بأنّ الآية في التخصيص أوّلاً والتعميم ثانياً عكس قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ )
يونس - ٢٢، حيث خاطب أوّلاً عامّتهم بالتسيير ثمّ خصّ الكلام براكبي الفلك منهم خاصّة، والآية الّتي نحن فيها تخصّ أوّل القصّة بآدم وزوجته فهما المعنيّان بقوله:( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) ثمّ انقضى حديث آدم وزوجته، وخصّ بالذكر المشركون من بني آدم الّذين سألوا ما سألوا، وجعلوا له شركاء فيما آتاهم أي إنّ كلّ إثنين منهم يولدان ولداً هذا حالهما من العهد ثمّ النقض.
وفيه أنّ قوله:( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ) الآية محفوف بقرينة قطعيّة تدلّ على المراد وتزيل اللبس بخلاف التدرّج من الخصوص إلى العموم في هذه الآية فإنّه موقع في اللبس لا يصار إليه في الكلام البليغ، اللّهمّ إلّا أن يجعل قوله:( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) إلى آخر الآيات قرينة على ذلك.
وكيف كان فهذا الوجه كالمأخوذ من الوجهين الأوّلين بحمل صدر الآية على الوجه الثاني وذيلها على الوجه الأوّل.
وربّما دفع الاعتراض السابق بأنّ في الكلام حذفاً وإيصالاً والتقدير:( فلمّا آتاهما أي آدم وحوّاء صالحاً جعل أولادهما له شركاء) فحذف المضاف وهو الأولاد، وأقيم المضاف إليه وهو ضمير التثنية المدلول عليه في قوله:( جَعَلَا ) مقامه. وفيه أنّه لا دليل عليه.
وربّما التزم بعض المفسّرين الإشكال، وتسلّم أنّ المراد بهما آدم وزوجته، وأنّهما أشركا بالله عملاً بروايات وردت في القصّة عن بعضهم، وهي موضوعة أو مدسوسة مخالفة للكتاب لا سبيل إلى الأخذ بأمثالها.
قوله تعالى: ( أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) إلى آخر الآيات الثلاث. صدر الآيات وإن احتمل أن يكون المراد الشرك بالأصنام أو بسائر الأسباب غير الله، الّتي الاعتماد عليها نوع من الشرك لكنّ ذيلها ظاهر في أنّ المراد هو الشرك بالأصنام المتّخذة آلهة وهي جماد لا يستطيع نصر من يعبدها ولا نصر أنفسها، ولا يشعر بشئ من الدعاء وعدمه.
قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ - إلى قوله -يَسْمَعُونَ بِهَا ) احتجاج على مضمون الآيات الثلاث السابقة، والمعنى إنّما قلنا إنّهم مخلوقون
لا يقدرون على شئ لأنّهم عباد أمثالكم فكما أنّكم مخلوقون مدبّرون كذلك هم.
والحجّة عليه أنّهم لا يستجيبون لكم إن دعوتموهم فادعوهم إن كنتم صادقين في دعواكم أنّ لهم علماً وقدرة - وإنّما نسب إليهم دعوى كونهم ذوي علم وقدرة لما في دعوتهم من الدلالة على ذلك - وكيف يستجيبون لكم؟ وليست ما عبّأتم لهم من الأرجل والأيدي ما شية وباطشة، ولا ما صوّرتم لهم من الأعين والآذان مبصرة وسامعة لأنّهم جمادات.
وفي الآيات إطلاق العباد على الجمادات.
قوله تعالى: ( قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ) إلى آخر الآيات ثمّ أمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكرّ عليهم على انتصارهم بأربابهم وآلهتهم بالتحدّي والإعجاز ليستبين سبيله من سبيلهم، ويظهر أنّ ربّه هو الله الّذي له كلّ العلم والقدرة، وأنّ أربابهم لا يملكون علماً ليهتدوا به إلى شئ ولا قدرة لينصروهم في شئ.
فقال: قل لهم ادعوا شركاءكم لنصركم علي ثمّ كيدوني فلا تنظروني ولا تمهلوني إنّ ربّي ينصرني ويدفع عنّي كيدكم فإنّه الّذي نزّل الكتاب ليهدي به الناس، وهو يتولّى الصالحين من عباده فينصرهم، وهو القائل: إنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون وأنا من الصالحين فينصرني ولا محالة، وأمّا أربابكم الّذين تدعون من دونه فلا يستطيعون نصركم ولا نصر أنفسهم ولا يسمعون ولا يبصرون فلا قدرة لهم ولا علم.
وفي الآيات أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يخبرهم أنّه من الصالحين ولم يعهد فيما يخبر به القرآن من صلاح الأنبياء مثل ذلك في غيرهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفيها التحدّي على الأصنام وعبدتهم كما تحدّى بذلك غيره من الأنبياءعليهمالسلام .
( بحث روائي)
في العيون بإسناده عن أبي الصلت الهرويّ عن الرّضاعليهالسلام في حديث: قال له المأمون: فما معنى قوله تعالى:( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ) فقال
الرّضاعليهالسلام إنّ حوّاء ولدت لآدم خمس مأة بطن في كلّ بطن ذكراً واُنثى، وإنّ آدم وحوّاء عاهدا الله تعالى ودعواه وقالا: لئن آتيتنا صالحاً لنكوننّ من الشاكرين، فلمّا أتاهما صالحاً من النسل خلقاً سويّاً بريئاً من الزمانة والعاهة كانا يأتيهما صنفان: صنفاً ذُكراناً وصنفاً إناثاً فجعل الصنفان لله تعالى ذكره شركاء فيما آتاهما، ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزّوجلّ قال الله تعالى:( فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فقال المأمون أشهد أنّك ابن رسول الله حقّا.
اقول: مرجعه إلى بعض الوجوه السابقة في دفع ما اُورد على الآية، وقد وردت في تفسير الآية عدّة من الروايات مرويّة عن سمرة بن جندب وأبيّ وزيد وابن عبّاس فيها أنّ آدم وحوّاء لم يكن يعيش لهما ولد فأمرهما الشيطان أو أمر حوّاء أن يسميّاه عبد الحارث حتّى يعيش - وكان الحارث اسمه في السماء - وفي بعضها: عبد الشمس، وفي بعضها: أنّه خوّفها أن تلد ناقة أو بقرة أو بهيمة اُخرى، وشرط لها إن سمّته عبد الحارث ولدت إنساناً سويّاً. الأحاديث وهي موضوعة أو مدسوسة من الإسرائيليّات.
وقد روي في المجمع عن تفسير العيّاشيّ عنهمعليهمالسلام : أنّه كان شركهما شرك طاعة ولم يكن شرك معصية، وظاهره أنّه جرى على ما يجري عليه تلك الاحاديث فحاله حالها وكيف يفرق بين الطاعة والعبادة وخاصّة في مورد إبليس وقد قال تعالى:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي ) يس - ٦١، ومع ذلك فقد ذكر بعضهم أنّ هذه الروايات لا تدلّ على أزيد من الإشراك في التسمية، وليس ذلك بكفر ولا معصية، واختاره الطبريّ هذا.
( سورة الأعراف آية ١٩٩ - ٢٠٦)
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ( ١٩٩ ) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٢٠٠ ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ( ٢٠١ ) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ( ٢٠٢ ) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( ٢٠٣ ) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( ٢٠٤ ) وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ( ٢٠٥ ) إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ( ٢٠٦ )
( بيان)
الآيات ختام السورة، وفيها رجوع إلى ذكر معنى الغرض الّذي نزلت فيه السورة ففيها أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالسيرة الحسنة الجميلة الّتي تميل إليها القلوب، وتسكن إليها النفوس، وأمره بالتذكّر ثمّ بالذكر خيراً.
قوله تعالى: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) الأخذ بالشئ هو لزومه و عدم تركه فأخذ العفو ملازمة الستر على إساءة من أساء إليه، والإغماض عن حقّ الانتقام الّذي يعطيه العقل الاجتماعيّ لبعضهم على بعض. هذا بالنسبة إلى إساءة الغير بالنسبة إلى نفسه والتضييع لحقّ شخصه، وأمّا ما اُضيع فيه حقّ الغير بالإساءة إليه فليس ممّا يسوغ العفو فيه لأنّه إغراء بالإثم وتضييع لحقّ الغير بنحو أشدّ، وإبطال
للنواميس الحافظة للاجتماع، ويمنع عنه جميع الآيات الناهية عن الظلم والإفساد وإعانة الظّالمين والرّكون إليهم بل جميع الآيات المعطية لاُصول الشرائع والقوانين، وهو ظاهر.
فالمراد بقوله:( خُذِ الْعَفْوَ ) هو الستر بالعفو فيما يرجع إلى شخصهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلى ذلك كان يسير فقد تقدّم في بعض الروايات المتقدّمة في أدبهصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) : أنّه لم ينتقم من أحد لنفسه قطّ.
هذا على ما ذكره القوم أنّ المراد بالعفو ما يسارق المغفرة، وفي بعض الروايات الآتية عن الصادقعليهالسلام أنّ المراد به الوسط وهو أنسب بالآية وأجمع للمعنى من غير شائبة التكرار الّذي يلزم من قوله:( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) على التفسير الأوّل.
وقوله:( وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) والعرف هو ما يعرفه عقلاء المجتمع من السنن والسير الجميلة الجارية بينهم بخلاف ما ينكره المجتمع وينكره العقل الاجتماعيّ من الأعمال النادرة الشاذّة، ومن المعلوم أنّ لازم الأمر بمتابعة العرف أن يكون نفس الآمر مؤتمراً بما يأمر به من المتابعة، ومن ذلك أن يكون نفس أمره بنحو معروف غير منكر فمقتضى قوله:( وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) أن يأمر بكلّ معروف، وأن لا يكون نفس الأمر بالمعروف على وجه منكر.
وقوله:( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) أمر آخر بالمدارة معهم، وهو قرب طريق وأجمله لإبطال نتائج جهلهم وتقليل فساد أعمالهم فإنّ في مقابلة الجاهل بما يعادل جهله إغراءً له بالجهل والإدامة على الغيّ والضلال.
قوله تعالى: ( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) قال الراغب في المفردات: النزغ دخول في أمر لأجل إفساده، قال: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي. انتهى، وقيل: هو الإزعاج والإغراء وأكثر ما يكون حال الغضب، وقيل : هو من الشيطان أدنى الوسوسة، والمعاني متقاربة، وأقربها من الآية هو الأوسط لمناسبته الآية السابقة الآمره بالإعراض عن الجاهلين فإنّ مماسّتهم الإنسان بالجهالة نوع مداخلة من الشيطان لإثارة الغضب، وسوقه إلى جهالة مثله.
____________________
(١) في آخر الجزء السادس من الكتاب.
فيرجع معنى الآية إلى أنّه لو نزغ الشيطان بأعمالهم المبنيّة على الجهالة وإساءتهم إليك ليسوقك بذلك إلى الغضب والانتقام فاستعذ بالله إنّه سميع عليم، والآية مع ذلك عامّة خوطب بها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقصد بها أمّته لعصمته.
قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) نحو تعليل للأمر في الآية السابقة والطائف من الشيطان هو الّذي يطوف حول القلب ليلقي إليه الوسوسة أو وسوسته الّتي تطوف حول القلب لتقع فيه وتستقرّ عليه، و( من ) بيانيّة على الأوّل، ونشوئيّة على الثاني، ومآل المعنيين مع ذلك واحد والتذكّر تفكّر من الإنسان في اُمور لتهديه إلى نتيجة مغفول عنها أو مجهولة قبله.
والآية بمنزلة التعليل للأمر بالاستعاذة في الآية السابقة، والمعنى استعذ بالله عند نزغة الشيطان فإنّ هذا طريق المتّقين فهم إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا أنّ الله هو ربّهم الّذي يملكهم ويربّيهم يرجع إليه أمرهم فأرجعوا إليه الأمر فكفاهم مؤنته، ودفع عنهم كيده، ورفع عنهم حجاب الغفلة فأذا هم مبصرون غير مضروب على أبصارهم بحجاب الغفلة.
فالآية - كما عرفت - في معنى قوله:( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) النحل - ٩٩.
وقد ظهر أيضاً أنّ الاستعاذة بالله نوع من التذكّر لأنّها مبنيّة على أنّ الله سبحانه وهو ربّه هو الركن الوحيد الّذي يدفع هذا العدوّ المهاجم بماله من قوّة، وأيضاً الاستعاذة نوع من التوكّل كما مرّ.
قوله تعالى: ( وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ) كأنّ الجملة حاليّة، والمراد بإخوانهم إخوان المشركين وهم الشياطين كما وقع قوله:( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ) الإسراء - - ٢٧ والإقصار الكفّ والانتهاء.
والمعنى: أنّ الّذين اتّقوا على هذا الحال من التذكّر والإبصار والحال أنّ إخوان المشركين من الشياطين يمدّون المشركين في غيّهم ويعينونهم ثمّ لا يكّفون عن مدّهم وإعانتهم، أو لا يكفّ المشركون ولا ينتهون عن غيّهم.
قوله تعالى: ( وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ) إلى آخر الآية. الاجتباء افتعال من الجباية، وقولهم:( لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ) كلام منهم جار مجرى التهكّم والسخريّة والمعنى على ما يعطيه السياق: أنّك إذا آتيتهم بآية كذّبوا بها وإذا لم تأتهم بآية كما لو أبطأت فيها قالوا: لولا اجتبيت ما تسمّيه آية وجمعتها من هنا وهناك فأتيت بها( قُلْ ) ليس لي من الأمر شئ( إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا ) القرآن( بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ) يريد أن يبصّركم بها( وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .
قوله تعالى:( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) الإنصات السكوت مع استماع، وقيل : هو الاستماع مع سكوت يقال: أنصت الحديث وأنصت له أي استمع ساكتاً، وأنصته غيره وأنصت الرجل أي سكت، فالمعنى: استمعوا للقرآن واسكتوا.
والآية بحسب دلالتها عامّة وإن قيل: إنّها نزلت في الصلاة جماعة.
قوله تعالى: ( وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) إلى آخر الآية. قسّم الذكر إلى ما في النفس ودون الجهر من القول: ثمّ أمر بالقسمين، وأمّا الجهر من القول في الذكر فمضرب عنه لا لأنّه ليس ذكرا بل لمنافاته لأدب العبوديّة ويدلّ على ذلك ما ورد أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سار بأصحابه في بعض غزواته فدخلوا وادياً موحشاً والليل داج فكان ينادي بعض أصحابه بالتكبير فنهاه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: إنّكم لا تدعون غائباً بعيداً(١) .
والتضرّع من الضراعة وهو التملّق بنوع من الخشوع والخضوع، والخيفة بناء نوع من الخوف، والمراد به نوع من الخوف يناسب ساحة قدسه تعالى ففي التضرّع معنى الميل إلى المتضرّع إليه والرغبة فيه والتقرّب منه، وفي الخيفة معنى اتّقائه والرهبة والتبعّد عنه، فمقتضى توصيف الذكر بكونه عن تضرّع وخيفة أن يكون بحركة باطنيّة إليه ومنه كالّذي يحبّ شيئاً ويهابه فيدنو منه لحبّه ويتبعّد عنه لمهابته، والله سبحانه وإن كان محض الخير لا شرّ فيه، وإنّما الشرّ الّذي يمسّنا هو من قبلنا لكنّه تعالى ذو الجلال والإكرام له أسماء الجمال الّتي تدعوا إليه وتجذب نحوه كلّ شئ
____________________
(١) الرواية منقولة بالمعنى.
وله أسماء الجلال الّتي تقهر وتدفع عنه كلّ شئ فحقّ ذكره وهو الله له الأسماء الحسنى كلّها أن يكون على ما يقتضيه مجموع أسمائه الجماليّة والجلاليّة، وهو أن يذكر تعالى تضرّعاً وخيفة ورغباً ورهباً.
وقوله:( بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ) ، ظاهرة أنّه قيد لقوله:( وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) فيكون الذكر القولىّ هو الموزّع إلى الغدوّ والآصال، وينطبق على بعض الفرائض اليوميّة.
وقوله:( وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ) تأكيد للأمر بالذكر في أوّل الآية ولم ينه تعالى عن أصل الغفلة، وإنّما نهى عن الدخول في زمرة الغافلين، وهم الموصوفون بالغفلة الّذين استقرّت فيهم هذه الصفة.
ويتبيّن بذلك أنّ الذكر المطلوب المأمور به هو أن يكون الإنسان على ذكر من ربّه حيناً بعد حين، ويبادر إليه لو عرضت له غفلة منسية، ولا يدع الغفلة تستقرّ في نفسه، وفي الآية التالية: دلالة على ذلك على ما سيجئ.
فمحصّل الآية: الأمر بالاستمرار على ذكر الله في النفس تضرّعاً وخيفة حيناً بعد حين، وذكره بالقول دون الجهر بالغدوّ والآصال.
قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) ظاهر السياق أنّه في موضع التعليل للأمر الواقع في الآية السابقة فيكون المعنى: أذكر ربّك كذا وكذا فإنّ الّذين عند ربّك كذلك أي اذكر ربّك كذا لتكون من الّذين عند ربّك ولا تخرج من زمرتهم.
ويتبيّن بذلك أنّ المراد بقوله:( الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ ) ليس هم الملائكة فقط - على ما فسّره كثير من المفسّرين - إذ لا معنى لقولنا: اذكر ربّك كذا لأنّ الملائكة يذكرونه كذلك بل مطلق المقرّبين عنده تعالى على ما يفيده لفظ:( عِندَ رَبِّكَ ) من الحضور من غير غيبة.
ويظهر من الآية أنّ القرب من الله إنّما هو بذكره، فبه يرتفع الحجاب بينه وبين
عبده، وإلّا فجميع الأشياء متساوية في النسبة إليه من غير اختلاف بينها بقرب أو بعد أو غير ذلك.
وقوله:( لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) فيه اُمور ثلاثة يتّصف بها الذكر النفسيّ كما يتّصف بها الذكر القولي فإنّ للنفس أن تتّصف بحال عدم الاستكبار، وبحال تنزيهه تعالى، وبحال السجدة وكمال الخشوع له كما يتّصف بها الذكر القوليّ ويعنون بها العمل الخارجيّ، فليس التسبيح والسجود ممّا يختصّ بالأعضاء من لسان وغيره كما يدلّ عليه قوله:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) أسرى - ٤٤، وقوله:( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) الرحمان - ٦، وقوله:( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) النحل - ٤٩.
وما في الآية من توصيف القوم بعدم الاستكبار والتسبيح والسجود أخفّ وأهون ممّا يشتمل عليه قوله تعالى:( وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ( ١٩ ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ) الأنبياء - ٢٠، وقوله:( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ) حم السجدة - ٣٨، فإنّ هذه الآيات ظاهرها الاستمرار الّذي لا يتخلّله عدم، ولا يتوسّطه مناف، والآية الّتي نبحث عنها لم يأمر إلّا بما لا تثبت معه الغفلة في النفس كما عرفت.
فهذه الآية تأمر بمرتبة من الذكر هي دون ما تتضمّنه آيات سورتي الأنبياء وحم السجدة والله العالم.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ عن الحسن بن علي بن النعمان عن أبيه عمّن سمع أباعبداللهعليهالسلام وهو يقول: إنّ الله أدّب رسوله فقال: يا محمّد خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال: خذ منهم ما ظهر وما تيسّر، والعفو الوسط.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ مكارم
الأخلاق عند الله أن تعفو عمّن ظلمك وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك. ثمّ تلا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) .
اقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة مرويّة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من طرق أهل السنّة.
وفيه أخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن أدهم قال: لمّا أنزل الله( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اُمرت أن آخذ العفو من أخلاق الناس.
وفيه أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لمّا نزلت:( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كيف يا ربّ والغضب؟ فنزل:( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ) الآية.
أقول: وفي الرواية شئ، ويمكن أن يوجّه بما قدّمناه في الآية.
وفي تفسير القمّىّ في الآية قال: إن عرض في قلبك منه شئ ووسوسة فاستعذ بالله إنّه سميع عليم.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرء:( إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ ) بالألف.
وفي الكافي بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله عزّوجلّ:( إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) قال: هو العبد يهمّ بالذنب ثمّ يتذكّر فيمسك، فذلك قوله:( تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ )
اقول: ورواه العيّاشيّ عن أبي بصير، وعلىّ بن أبي حمزة، وزيد بن أبي اُسامة عنهعليهالسلام ، ولفظ الأوّلين: هو الرجل يهمّ بالذنب ثمّ يتذكّر فيدعه، ولفظ الأخير: هو الذنب يهمّ به العبد فيتذكّر فيدعه، وفي معناه روايات اُخر.
وفي الدّر المنثور أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس قال: صلّى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقرء خلفه قوم فنزلت:( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ) .
اقول: وفي ذلك عدّة روايات من طرق أهل السنّة وفي بعضها: أنّهم كانوا يتكلّمون خلفه وهم في الصلاة فنزلت، وفي بعضها: أنّه كان فتى من الأنصار، وفي بعضها رجل.
وفي المجمع بعد ذكر القول إنّ الآية نزلت في الصلاة جماعة خلف الإمام قال: وروي ذلك عن أبي جعفرعليهالسلام .
وفيه وروي عن أبي عبداللهعليهالسلام أنّه قال: يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وغيرها.
أقول: ورواه العيّاشيّ عن زرارة عنهعليهالسلام ، وفي آخره: وإذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع.
وفيه عن عبدالله بن أبي يعفور عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: قلت له: الرجل يقرء القرآن وأنا في الصلاة هل يجب علي الإنصات والاستماع؟ قال: نعم إذا قرئ القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع.
وفي تفسير العيّاشيّ عن أبي كهمش عن أبي عبداللهعليهالسلام قال : قرء ابن الكوّاء خلف أميرالمؤمنينعليهالسلام :( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) فأنصت أميرالمؤمنينعليهالسلام .
أقول: والروايات في غير صورة قراءة الإمام محمولة على الاستحباب وتمام البحث في الفقه.
وفي الدّر المنثور أخرج الحكيم الترمذيّ عن عمر بن الخطّاب قال: أتاني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا أعرف الحزن في وجهه فأخذ بلحيتي فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون أتاني جبرئيل آنفاً فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون قلت: أجل فإنّا لله وإنّا إليه راجعون فممّ ذاك يا جبرئيل؟ فقال: إنّ اُمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير. قلت: فتنه كفر أو فتنة ضلالة؟ قال: كلّ ذلك سيكون. قلت: ومن أين ذاك وأنا تارك فيهم كتاب الله؟ قال: بكتاب الله يضلّون، وأوّل ذلك من قبل قرّائهم واُمرائهم يمنع الاُمراء الناس حقوقهم
فلا يعطونها فيقتتلون، وتتّبع القرّاء أهواء الاُمراء فيمدّونهم في الغيّ ثمّ لا يقصرون.
قلت يا جبرئيل فبم يسلم من سلم منهم فقال: بالكفّ والصبر إن اُعطوا الّذي لهم أخذوه و إن منعوه تركوه.
وفي تفسير القمّيّ في معنى قوله: إنّ الّذين عند ربّك الآية، يعنى الأنبياء والرسل والأئمّة.
تمّ والحمد لله
الفهرس
( سورة الأعراف مكّيّة وهي مائتا وستّة آية ) ٢
( سورة الأعراف آية ١ - ٩ ). ٢
( بيان ). ٢
( بحث روائي ). ١٢
( سورة الأعراف آية ١٠ - ٢٥ ). ١٦
( بيان ). ١٧
( كلام في إبليس وعمله ). ٣٤
( بحث عقلي وقرآني مختلط ). ٤٣
( بحث روائي ). ٥٨
( سورة الأعراف آية ٢٦ - ٣٦ ). ٦٦
( بيان ). ٦٧
( بحث روائي ). ٨٦
( بحث روائي مختلط بغيره ). ٩٥
( سورة الأعراف آية ٣٧ - ٥٣ ). ١١٠
( بيان ). ١١٢
( كلام في معنى الأعراف في القرآن ). ١٣٤
( بحث روائي ). ١٣٨
( سورة الأعراف آية ٥٤ - ٥٨ ). ١٥٠
( بيان ). ١٥٠
( كلام في معنى العرش ). ١٥٧
( بحث روائي ). ١٦٥
( سورة الأعراف آية ٥٩ - ٦٤ ). ١٧٩
( بيان ). ١٧٩
( سورة الأعراف آية ٦٥ - ٧٢ ). ١٨٢
( بيان ). ١٨٢
( سورة الأعراف آية ٧٣ - ٧٩ ). ١٨٧
( بيان ). ١٨٧
( سورة الأعراف آية ٨٠ - ٨٤ ). ١٩٠
( بيان ). ١٩٠
( سورة الأعراف آية ٨٥ - ٩٣ ). ١٩٣
( بيان ). ١٩٤
( سورة الأعراف آية ٩٤ - ١٠٢ ). ٢٠٣
( بيان ). ٢٠٣
( بحث روائي ). ٢١٨
( سورة الأعراف آية ١٠٣ - ١٢٦ ). ٢١٩
( بيان ). ٢٢٠
( بحث روائي ). ٢٢٩
( سورة الأعراف آية ١٢٧ - ١٣٧ ). ٢٣٢
( بيان ). ٢٣٣
( بحث روائي ). ٢٤٠
( سورة الأعراف آية ١٣٨ - ١٥٤ ). ٢٤٣
( بيان ). ٢٤٤
( بحث روائي ). ٢٦٦
( بحث روائي آخر ). ٢٧٤
( سورة الأعراف آية ١٥٥ - ١٦٠ ). ٢٨٢
( بيان ). ٢٨٣
( بحث روائي ). ٣٠٠
( سورة الأعراف آية ١٦١ - ١٧١ ). ٣٠٧
( بيان ). ٣٠٨
( بحث روائي ). ٣١٥
( سورة الأعراف آية ١٧٢ - ١٧٤ ). ٣٢٠
( بيان ). ٣٢٠
( بحث روائي ). ٣٣٨
( سورة الأعراف آية ١٧٥ - ١٧٩ ). ٣٤٧
( بيان ). ٣٤٧
( بحث روائي ). ٣٥٣
( سورة الأعراف آية ١٨٠ - ١٨٦ ). ٣٥٧
( بيان ). ٣٥٧
( كلام في الأسماء الحسنى في فصول ). ٣٦٥
١ - ما معنى الأسماء الحسنى؟ ٣٦٥
٢ - ما هو حد ما نصفه أو نسمّيه به من الأسماء؟ ٣٦٧
٣ - الانقسامات الّتي لها: ٣٦٨
٤ - نسب الصفات والأسماء إلينا ونسبتها فيما بينها. ٣٦٩
٥ - ما معنى الاسم الاعظم؟ ٣٧١
٦ - عدد الأسماء الحسنى: ٣٧٣
٧- هل أسماء الله توقيفية؟ ٣٧٥
( بحث روائي ). ٣٧٥
( سورة الأعراف آية ١٨٧ - ١٨٨ ). ٣٨٦
( بيان ). ٣٨٦
( بحث روائي ). ٣٨٩
( سورة الأعراف آية ١٨٩ - ١٩٨ ). ٣٩٠
( بيان ). ٣٩٠
( بحث روائي ). ٣٩٤
( سورة الأعراف آية ١٩٩ - ٢٠٦ ). ٣٩٦
( بيان ). ٣٩٦
( بحث روائي ). ٤٠١