ثم اهتديت

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الدكتور محمد التيجاني السماوي
مناظرات وردود
ISBN: 8-21-8629-964

ثمّ اهتديت

 

الدكتور محمّد التيجاني





الاهـداء

كتابي متواضع لا تكلّف فيه ، هو قصة رحلة ، قصّة اكتشاف جديد ، ليس اكتشافا في عالم الاختراعات التقنية أو الطبيعية ، ولكن في دنيا المعتقدات في خضم المدارس المذهبية والفلسفات الدينية.

ولما كان الاكتشاف يعتمد أولا على العقل السليم والفهم القويم الذي ميز الانسان عن بقية المخلوقين.

فإنني أهدي كتابي إلى كل عقل سليم ، يمحّص الحق فيعرفه من بين ركام الباطل ، ويزن الاقوال بميزان العدل فيرجّح كفة المعقول ، ويقارن الكلام والاحاديث فيتبين المنطقي من المعسول ، والقويّ من المهزول ، قال تعالى :( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الالباب ) .

إلى كل هؤلاء أهدي كتابي هذا ، راجيا منه سبحانه وتعالى أن يفتح بصيرتنا قبل بصرنا وأن يهدينا وينور قلوبنا ويرينا الحق حقا لا غبار عليه فنتبعه ، ويرينا الباطل باطلا لا لبس فيه فنجتنبه ، ويدخلنا في عباده الصالحين إنه سميع مجيب.

محمد التيجاني السمّاوي



بسم الله الرحمن الرحيم

ديباجة

الحمد لله رب العالمين ، خلق الانسان من سلالة من طين ، فجعله في أحسن تقويم ، وفضله على سائر المخلوقين ، وأسجد له ملائكته المقربين ، وكرمه بالعقل الذي يبدل شكه باليقين ، وجعل له عينين ولسانا وشفتين وهداه النجدين ، وأرسل له رسلا مبشرين ومنذرين لينبهوه ويمنعوه من ضلالات إبليس اللعين ، وعهد إليه أن لا يعبد الشيطان لانه له عدو مبين ، وأن يعبد الله وحده ويتبع صراطه المستقيم ، على بصيرة وإيمان وعلم يقين ، وأن لا يقلد في عقيدته الاصحاب والاقربين والآباء الاولين ، الذين أتبعوه من قبلهم بلا أدلة واضحة ولا براهين ، ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسملين.

وصلوات ربي وسلامه وتحياته وبركاته على المبعوث رحمة للعالمين ، ناصر المظلومين والمستضعفين ، ومنقذ البشرية من ضلالة الجاهلين ، إلى هداية المومنين الصالحين ، سيدنا ومولانا محمد بن عبدالله نبي المسلمين ، وقائد الغرّ المحجلين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين اصطفاهم الله على سائر المخلوقين ، ليكونوا قدوة المؤمنين ، ومنار العارفين وعلامة الصّادقين المخلصين وأوجب مودّتهم في القرآن الكريم ، بعد أن أذهب عنهم الرجس ، وجعلهم من المعصومين ووعد من ركب سفينتهم بالنجاة ومن تخلف عنهم كان من الهالكين ، وعلى أصحابه الكرام الميامين ، الذين نصروه وعزّروه ووقرّوه وباعوا أنفسهم لنصرة الدّين ، وعرفوا الحق فبايعوه بيقين ، وثبتوا بعده على المنهاج


القويم ولم يغّيروا ولم يبدّلوا وكانوا من الشاكرين ، فجزاهم الله خيرا عن الاسلام والمسلمين. وعلى التابعين لهم والسائرين على هديهم إلى يوم الدين. ربّي تقبل مني فأنت السميع العليم ، واشرح لي صدري فأنت الهادي إلى حق اليقين ، واحلل عقدة من لساني فأنت واهب الحكمة لمن تشاء من عبادك المومنين ، رب زدني علما وألحقني بالصالحين.


لمحة وجيزة عن حياتي

لا زلت أذكر كيف أخذني والدي معه إلى مسجد الحي الذي تقام فيه صلاة التراويح في شهر رمضان ، وكان عمري عشر سنوات ، وقدمني إلى المصلين الذين لم يخفوا إعجابهم.

كنت أعلم منذ أيام إن المؤدّب(١) رتب الامور لكي أشفع(٢) بالجماعة ليلتين أو ثلاثا ، وجرت العادة أن أصلي خلف الجماعة مع مجموعة من أطفال الحي وأنتظر وصول الامام إلى النصف التالي من القرآن الكريم أي إلى سورة مريم ، وبما أن والدي حرص على تعليمنا القرآن في الكتاب(٣) وفي البيت خلال حصص ليلية يقوم بها إمام الجامع وهو من أقاربنا مكفوف البصر يحفظ القرآن الكريم ، وبما أني حفظت النصف في تلك السن المبكرة أراد المؤدب أن يظهر فضله واجتهاده من خلالي فعلمني مواقع الركوع من التلاوة وراجعني عدة مرات ليتأكد من فهمي بعد نجاحي في الامتحان وإنهاء الصلاة والتلاوة بالجماعة على أحسن ما كان يتوقع والدي والمؤدب ، انهال علي الجميع مقبلين ومعجبين

__________________

( ١ ) المؤدب : هو معلم القرآن.

( ٢ ) أشفع : أصلي التراويج ، سميت صلاة التراويج للاستراحة بين كل ركعتين ، وسميت أيضا صلاة الاشفاع لانها تشفع يوم القيامة لمن يقيمها ، كما يروي أهل السنة.

( ٣ ) الكتاب : هي المدرسة القرآنية التي يتعلم فيها الاطفال حفظ القرآن الكريم.


وشاكرين المعلّم الذي علمني ومهنئين والدي والكل يحمد الله على نعمة الاسلام « وبركات الشيخ ».

وعشت أياما سوف لن تمحى من مخيلتي لما لقيته بعد ذلك الحدث من إعجاب وشهرة تعدت حارتنا إلى كل المدينة وطبعت تلك الليالي الرمضانية في حياتي طابعا دينيا بقيت آثاره حتى اليوم ، ذلك أني كلما اختلطت علي السبل أحسست بقوة خارقة تشدني وترجعني إلى الجادة ، وكلما شعرت بضعف الشخصية وتفاهة الحياة رفعتني تلك الذكريات إلى أعلى الدرجات الروحية ، وأوقدت في ضميري شعلة الايمان لتحمل المسؤولية.

وكأن تلك المسؤولية التي حملنيها والدي أو بالاحرى مؤدبي لامامة الجماعة في تلك السن المبكرة جعلتني أشعر دائما بأنني مقصر عن أن أكون في المستوى الذي أطمح إليه أو على الاقل المستوى الذي طلب مني.

لذلك قضيت طفولتي وشبابي في استقامة نسبية لا تخلو من لهو وعبث يسودهما في معظم الاحيان البراءة وحب الاطلاع والتقليد ، تحوطني العناية الالهية لاكون متميزا من بين أخوتي بالرصانة والهدوء وعدم الانزلاق في المعاصي والموبقات.

ولا يفوتني أن أذكر أنّ والدتي رحمها الله كان لها الاثر الكبير في حياتي ، فقد فتحت عيني وهي تعلمني قصار السور من القرآن الكريم كما تعلّمني الصلاة والطهارة وقد اعتنت بي عناية فائقة لاني ابنها الاول ، وهي ترى إلى جانبها في نفس البيت ضرّتها التي سبقتها منذ سنوات عديدة ولها من الاولاد من يقارب سنها ، فكانت تتسلّى بتربيتي وتعليمي وكأنها تتبارى في سباق مع ضرتها وأبناء زوجها.كما أن اسم التيجاني الذي سمتني به والدتي له ميزة خاصة لدى عائلة السماوي كلها التي اعتنقت الطريقة التيجانية وتبنتها منذ أن زار أحد أبناء الشيخ سيدي أحمد التيجاني مدينة قفصة قادما من الجزائر ونزل في دار السماوي فاعتنق كثير من أهالي المدينة خصوصا العائلات العلمية والثرية هذه الطريقة الصوفية وروجوا لها ، ومن أجل إسمي أصبحت محبوبا في دار السماوي التي يسكنها أكثر من عشرين عائلة وكذلك خارجها ممن لهم صلة بالطريقة التيجانية ، لذلك كان كثير من شيوخ


المصلين الذين حضروا تلك الليالي الرمضانية التي ذكرتها يقبلون رأسي ويدي مهنئين والدي قائلين له :

« هذا فيض من بركات سيدنا الشيخ أحمد التيجاني » والجدير بالذكر أن الطريقة التيجانية انتشرت بكثرة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا والسودان ومصر وأن معتنقي هذه الطريقة متعصبون نوعا ما ، فهم لا يزورون مقامات الاولياء الآخرين ويعتقدون بأن كل الاولياء قد أخذوا عن بعضهم بالتسلسل ما عدا الشيخ أحمد التيجاني فقد أخذ علمه مباشرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رغم تأخره عن زمن النبوة بثلاثة عشر قرنا ويروون بأن الشيخ أحمد التيجاني كان يحدث بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاءه يقظة لا مناما ، كما يقولون بأن الصلاة الكاملة التي ألفها شيخهم أفضل من أربعين ختمة من القرآن الكريم.

وحتى لا نخرج عن الاختصار نقف عند هذا الحد من التعريف بالتيجانية ولنا عودة إليهم إن شاء الله في موضع آخر من هذا الكتاب.

ونشأت وترعرعت على هذا الاعتقاد كغيري من شبان البلد فكلنا مسلمون بحمد الله من أهل السنة والجماعة وكلنا على مذهب الامام مالك بن أنس إمام دار الهجرة غير أننا منقسمون في الطرق الصوفية التي كثرت في شمال أفريقيا ففي مدينة قفصة وحدها هناك التيجانية ، والقادرية ، والرحمانية ، والسلامية ، والعيساوية ولكل من هذه الطرق أنصار وأتباع يحفظون قصائدها وأذكارها وأورادها التي تقام في الحفلات والسهرات بمناسبة عقد القران أو الختان إو النجاح أو النذور ورغم بعض السلبيات فقد لعبت هذه الطرق دورا كبيرا في الحفاظ على الشعائر الدينية واحترام الاولياء والصالحين.



الحج إلى بيت الله الحرام

كان عمري ثمانية عشر عاما عندما وافقت الجمعية القومية للكشافة التونسية على انتدابي للمشاركة في المؤتمر الاول للكشافة العربية والاسلامية الذي أقيم في مكة المكرمة ضمن مجموعة تتكون من ستة أشخاص من كامل الجمهورية التونسية ؛ ووجدت نفسي أصغر أعضاء البعثة سنا وأقلهم ثقافة إذ كان اثنان منهما من مدراء المدارس والثالث أستاذا بالعاصمة والرابع يعمل في الصحافة والخامس لم أعرف وظيفته غير أني علمت أنه أحد أقرباء وزير التربية القومية في ذلك العهد.

كانت رحلتنا بطريق غير مباشر ، فقد نزلنا في أثينا عاصمة اليونان حيث أمضينا فيها ثلاثة أيام ، ومنها إلى عمان عاصمة الاردن التي مكثنا فيها أربعة أيام وصلنا بعدها إلى السعودية حيث شاركنا في المؤتمر وأدينا مناسك الحج والعمرة.

كان شعوري وأنا أدخل بيت الله الحرام لاول مرة لا يتصور وكان قلبي كأنه يحطم الاضلاع ـ التي تحوطه ـ بدقاته العنيفة يريد الخروج ليرى بعينه هذا البيت العتيق الذي طالما كان يحلم به ، وفاضت الدموع حتى ظننت أنها لن تتوقف ، وخيل إلي أن الملائكة ـ تحملني فوق الحجيج لاصل إلى سطح الكعبة المشرفة وألبي نداء الله من هناك « لبيك اللهم لبيك هذا عبدك جاء إليك » وقد استنتجت وأنا أسمع تلبية الحجيج أن هولاء قضوا أعمارهم وهم يتجهزون ويعدون العدة ويجمعون الاموال للمجئ أما أنا فكان مجيئي مفاجئا على غير استعداد مني ، وأذكر أن والدي عندما رأى تذاكر الطائرة وتيقن من سفري


إلى الحجّ بكى وهو يقبلني مودعا قائلا : « هنيئا لك يا بني لقد أراد الله أن تحج قبلي وأنت في هذه السن ، فإنت ولد سيدي أحمد التيجاني أدع الله لي في بيته أن يتوب علي ويرزقني حج بيته الحرام ».

لذلك ظننت أنّ الله هو الذي ناداني وأحاطني بعنايته وأوصلني إلى ذلك المقام الذي تموت الانفس دون الوصول إليه حسرة ورجاء ، فمن أحق بالتلبية مني فكنت أبالغ في الطواف والصلاة والسعي وحتى في شرب ماء زمزم ، والصعود إلى الجبال حيث تتسابق الوفود للوصول إلى غار حراء فوق جبل النور فلم يسبقني إليه غير شاب سوداني فكنت « ثاني اثنين » وتمرغت فيه وكأني أتمرغ في حجر الرسول الاكرم وأشم أنفاسه ، يا لها من صور وذكريات تركت في نفسي أثرا عميقا لن يمحى أبدا!!.

عناية ربانية أخرى جعلت كل من يراني من الوفود يحبني ويطلب عنواني للمراسلة ، وقد أحبني رفاقي الذين احتقروني في أول لقاء جمعنا في تونس العاصمة لترتيب السفر وأحسست ذلك منهم وصبرت لعلمي مسبقا بأن أهل الشمال يحتقرون أهل الجنوب ويعتبرونهم متخلفين ، وسرعان ما تغيرت نظرتهم خلال السفر والمؤتمر والحج ، وقد بيضت وجوههم أمام الوفود بما كنت أحفظه من أشعار وقصائد وبما أحرزته من جوائز في المسابقات التي أقيمت بالمناسبة ، وقد عدت إلى بلادي ومعي أكثر من عشرين عنوانا لاصدقاء من مختلف الجنسيات.

كانت إقامتنا في السعودية خمسة وعشرين يوما كنا نلتقي فيها بعلماء ونستمع إليهم في محاضراتهم ، وقد تأثرت ببعض المعتقدات الوهابية التي أعجبت بها وتمنيت أن يكون المسلمون عليها ، وظننت في تلك الفترة أن الله اصطفاهم من بين العباد لحراسة بيته الحرام فهم أطهر وأعلم خلق الله على وجه الارض وقد أغناهم الله بالبترول ليتمكنوا من خدمة الحجيج ضيوف الرحمن والسهر على سلامتهم.

وعند رجوعي من الحج إلى بلادي كنت مرتديا اللباس السعودي بالعقال وفوجئت بالاستقبال الذي أعده لي والدي ، فكانت جموع من الناس محتشدة في المحطة يتقدمهم


شيخ الطريقة العيساوية وشيخ التيجانية وشيخ القادرية بالطبول والبنادير(١) .

وطافوا بي شوارع المدينة مهللين ومكبرين وكلما مررنا بمسجد أوقفوني على عتبته بعض الوقت ، والناس من حولي يتسابقون لتقبيلي وخصوصا الشيوخ المسنين كانوا يلثمونني وهم يبكون شوقا لرؤية بيت الله والوقوف على قبر رسوله وهم لم يعتادوا رؤية حاج في مثل عمري كما لم يروا هذا في قفصة قبلي.

وعشت أسعد أيام حياتي في ذلك الوقت وقد جاء إلى بيتنا أشراف المدينة وكبراؤها يسلمون مهنئين وداعين ، وكثيراً ما كان يطلب مني قراءة الفاتحة مع الدعاء بحضرة والدي فكنت أخجل حينا وأتشجع أحيانا ، وكانت والدتي في كل مرة تدخل بعد خروج الزائرين لاطلاق البخور والتعاويذ لحمايتي من شر الحاسدين ، ودفع كيد الشياطين.

وأقام والدي ثلاث ليال متواليات للحضرة التيجانية يذبح في كل يوم كبشا للوليمة. وكان الناس يسألونني عن كل كبيرة وصغيرة ، وكانت أجوبتي كلها تنطوي على الكثير من الاعجاب والاطراء للسعوديين وما يقومون به لنشر الاسلام ونصرة المسلمين.

ولقبني سكان المدينة «بالحاج» فإذا أطلق هذا الاسم لا ينصرف إلا إلي ، وأصبحت بعد ذلك معروفا أكثر ، وخصوصا في الاوساط الدينية كجماعة الاخوان المسلمين ، فكنت أطوف في المساجد وأنهي الناس عن تقبيل الاضرحة والتمسح بالاخشاب ، وأحاول جهدي إقناعهم بأن ذلك شرك بالله ، وأزداد نشاطي توسعا فكنت ألقي الدروس الدينية في المساجد يوم الجمعة قبل خطبة الامام وأتنقل من جامع أبي يعقوب إلى الجامع الكبير ، لان صلاة الجمعة تقام فيهما في أوقات مختلفة بينما تصلى الاولى وقت الظهر تقام الثانية وقت العصر وكثيرا ما كان يحضر تلك الحلقات التي أقيمها يوم الاحد أغلب تلاميذ المعهد الثانوي الذي أدرس فيه مادة التكنولوجيا والمبادئ التقنية ، وكانوا يعجبون لهذا ويزدادون حبا وتقديرا لاني أعطيتهم من وقتي الكثير لازيح عن أفكارهم تلك الغيوم التي لبدها بعض أساتذة الفلسفة الملحدين والماديين والشيوعيين وما

_________________

(١) البنادير : مفرده بندير وهو طبل مثل الدف يستعمله الصوفية للمدائح والاذكار والشطح ويقال أن سيدي عبدالسلام الاسمر أول من استعمله وقد نزل بنديره من السماء؟!


أكثرهم! ، فكانوا ينتظرون بفارغ الصبر موعد تلك الحلقات الدينية ومنهم من يأتي إلى البيت ، فقد اشتريت بعض الكتب الدينية والتهمتها بالمطالعة حتى أكون في مستوى الاجابة عن الاسئلة المختلفة وفي تلك السنة التي حججت فيها ملكت أيضا نصف ديني ، فقد رغبت والدتي رحمها الله في تزويجي قبل موتها ، وهي التي ربت كل أولاد زوجها وحضرت زواجهم فكانت أمنيتها أن تراني عريسا ، وقد أعطاها الله ما تتمنى وأطعت أمرها في الزواج من فتاة لم أرها من قبل ، وحضرت ميلاد إبني الاول والثاني ، وفارقت الحياة وهي عني راضية كما سبقها والدي رحمه الله قبل عامين وقد حج بيت الله الحرام وتاب توبة نصوحا قبل وفاته بعامين.

ونجحت الثورة الليبية في تلك الظروف التي يعاني فيها المسلمون والعرب من هزيمة النكبة في حربهم ضد إسرائيل وطلع علينا ذلك الشاب قائد الثورة وهو يتكلم بإسم الاسلام ويصلي بالناس في المسجد وينادي بتحرير القدس ، وقد استهواني كما استهوى أغلب الشباب المسلم في البلاد العربية والاسلامية ، ودفعنا حب الاطلاع إلى تنظيم رحلة ثقافية إلى ليبيا وجمعنا أربعين رجلا من رجال التعليم حيث قمنا بزيارة إلى القطر الشقيق في بداية الثورة ، ورجعنا من هناك معجبين بما رأينا مستبشرين بالمستقبل الذي رجونا أن يكون في صالح الامة العربية والاسلامية في كل المعمورة.

طوال السنوات المنصرمة كانت الرسائل مع بعض الاصدقاء متواصلة والاشواق متزايدة ، وقد توطدت علاقتي مع نخبة منهم ألحوا علي أن أزورهم ، فأعددت العدة ورتبت الامور للقيام برحلة طويلة تستغرق عطلة الصيف التي تدوم ثلاثة أشهر ، وكان التخطيط يمر بليبيا عن طريق البر ثم إلى مصر ومنها إلى لبنان عبر البحر ثم إلى سوريا والاردن فالسعودية ، وهي المقصودة لاداء العمرة وتجديد العهد مع الوهابية التي روجت لها كثيرا في أوساط الشباب الطالبي وفي المساجد التي يكثر فيها الاخوان المسلمون.

وتعدّت شهرتي حدود مدينتي إلى مدن أخرى مجاورة ، فقد يمر المسافر فيصلي الجمعة ويحضر تلك الدروس ويتحدث بها في مجتمعه ، ووصل الحديث إلى الشيخ إسماعيل الهادفي صاحب الطريقة الصوفية المعروفة بمدينة توزر عاصمة الجريد ، ومسقط رأس أبي القاسم الشابي الشاعر المعروف. وهذا الشيخ له أتباع ومريدون في كامل


الجمهورية التونسية وخارجها في الاوساط العمالية بفرنسا وألمانيا.

وجاءتني منه دعوة لزيارته ، عن طريق وكلائه في قفصة الذين كتبوا إلي رسالة طويلة يشكرونني فيها على ما أقوم به لخدمة الاسلام والمسلمين ويدعون أن ذلك لا يقربني من الله قيد أنملة ما لم يكن عن طريق شيخ عارف ، وعلى الحديث المشهور عندهم «من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان» ويقولون أيضا : «لا بد لك من شيخ يريك شخوصها وإلا فنصف العلم عندك ناقص» وبشروني بأن «صاحب الزمان» ويقصدون به الشيخ إسماعيل قد اصطفاني من بين الناس لاكون من خاصة الخاصّة.

وطار قلبي فرحا لهذا الخبر وبكيت تأثرا لهذه العناية الربانية التي ما زالت ترفعني من مقام سام إلى ما هو أسمى ومن حسن إلى ما هو أحسن ، لانني اتبعت في ما مضى من حياتي سيدي الهادي الحفيان وهو شيخ متصوف يحكى عنه عدة ـ كرامات وخوارق وصرت من أعز أحبائه ، كما صاحبت سيدي صالح بالسائح وسيدي الجيلاني وغيرهم من أهل الطرق المعاصرين وانتظرت ذلك اللقاء بفارغ الصبر ، ولما دخلت بيت الشيخ كنت أتفرس الوجوه بلهفة وكان المجلس مليئا بالمريدين وفيهم مشايخ يرتدون لباسا ناصع البياض ، وبعد مراسم التحية خرج علينا الشيخ إسماعيل وقام الجميع يقبلون يده بإحترام فائق ، وغمزني الوكيل بأن الشيخ هو ذا ، فلم أبد حماسا لانني كنت منتظرا غير الذي رأيت وقد كنت رسمت له صورة خيالية حسب الكرامات والمعجزات التي رسخها في ذهني وكيل الشيخ وأتباعه ، ورأيت شيخا عاديا ليس فيه وقار ولا هيبة ، وخلال المجلس ـ قدمني الوكيل إليه فرحب بي وأجلسني على يمينه وقدم إلي الطعام ، وبعد الاكل والشرب بدأت الحضرة ، وقدمني الوكيل من جديد لاخذ العهد والورد من الشيخ ، وهناني الجميع بعد ذلك معانقين ومباركين ، وفهمت من خلال حديثهم بأنهم يسمعون عني الكثير ، وقد دفعني هذا الاعجاب إلى أن أعترض على بعض أجوبة الشيخ التي كان يلقيها على السائلين ، وأعلل رأيي بالقرآن والسنة ، واستاء بعض الحاضرين من هذا التطفل واعتبروه سوء أدب في حضرة الشيخ ، وقد اعتادوا أن لا يتكلموا بحضرته إلا بإذنه ، وأحس الشيخ بحرج الجالسين فأزاح تلك السحابة بلباقة وأعلن قائلا : « من كانت بدايته محرقة تكون نهايته مشرقة » واعتبر الحاضرون هذا وساما من حضرته وسوف يكون أكبر ضمان لنهايتي المشرقة وهنأوني بذلك ، ولكنّ شيخ الطريقة ذكيّ ومدّرب لم يترك لي


المجال مفتوحا لمواصلة هذا التطفل المزعج وروى لنا قصة أحد العارفين بالله عندما جلس في حلقته بعض العلماء ، فقال له : قم فاغتسل ، وذهب العالم واغتسل وجاء ليجلس في الحلقة فقال له ثانية : قم فاغتسل ، وذهب العالم وعاود الغسل كأحسن ما يكون ظنا منه بأن الغسل الاول لم يكن على الوجه الصحيح ، وجاء ليجلس فانتهره الشيخ العارف وأمره بالاغتسال من جديد فبكى العالم وقال له : يا سيدي لقد اغتسلت من علمي ومن عملي ولم يبق عندي إلا ما يفتح الله به على يديك.

عند ذلك قال له العارف ، الآن اجلس.

وعرفت بأني أنا المقصود من هذه القصة كما عرف ذلك الحاضرون الذين لاموني بعد خروج الشيخ للاستراحة وأقنعوني بالسكوت ولزوم الاحترام بحضرة الشيخ صاحب الزمان لئلا تحبط أعمالي مستدلين بالآية الكريمة( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) (١) صدق الله العظيم.

وعرفت قدري وامتثلت للاوامر والنصائح ، وقربني الشيخ منه أكثر ، وأقمت عنده ثلاثة أيام كنت أسأل خلالها أسئلة عديدة بعضها للاختبار وكان الشيخ يعرف ذلك مني فيجيبني قائلا بأن للقرآن ظاهرا وباطنا إلى سبعة أبطن كما فتح لي خزانته وأطلعني على كراسه الخاص والذي فيه سلسلة الصالحين والعارفين مسندة ومتصلة منه إلى أبي الحسن الشاذلي مرورا بعدة إولياء مذكورين إلى أن يصل السند إلى الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه.

ولا يفوتني أن أذكر هنا بأن الحلقات التي يقيمونها كانت روحية إذ يفتتحها الشيخ بقراءة ما تيسر من كتاب الله المجيد تلاوة وتجويدا ثم بعد فراغه يبدأ بمطلع القصيدة ويتبعه المريدون الذين يحفظون المدائح والاذكار وأكثرها ذم للدنيا وترغيب في الآخرة وفيها زهد وورع بعد ذلك يعيد المريد الاول الجالس على يمين الشيخ قراءة ما تيسر من القرآن وعندما يقول صدق الله العظيم يبدأ الشيخ مطلعا من قصيدة جديدة ويشارك الجميع في

__________________

(١) سورة الحجرات : آية ٢.


إنشادها وهكذا يتناوب الحاضرون ولو بآية واحدة يشاركون بها إلى أن يأخذ الحال الحاضرين فيتمايلون يمينا وشمالا على رنات تلك المدائح إلى أن ينهض الشيخ وينهض معه المريدون فتكون حلقة هو قطبها ويبدوون بذكر إسم الصدر قائلين آه. آه. آه. آه. والشيخ يدور وسطهم متوجها في كل مرة إلى واحد منهم حتى يحمى الوطيس وتصبح الحركات والشطحات شبيهة بدق الطبول ويقفز البعض في حركات جنونية وترتفع الاصوات في نغمة منسقة ولكنها مزعجة إلى أن يعود الهدوء بعد عناء وتعب ، بقصيدة ختامية للشيخ فيجلس الجميع بعد ما قبّلوا رأس الشيخ وأكتافه بالتداول ، وقد شاركتهم بعض هذه الشطحات محاكيا لهم في غير قناعة مني ووجدت نفسي متناقضاً مع العقيدة التي تبنيتها وهي عدم الإشراك أي عدم التوسل بغير الله فسقطت على الارض جاهشا بالبكاء متحيرا مشتتا بين تيارين متناقضين ، تيار الصوفية وهي أجواء روحية يعيشها الانسان فتملأ أعماقه بشعور الرهبة والزهد والتقرب إلى الله عن طريق أوليائه الصالحين وعباده العارفين ، وتيار الوهابية الذي علمني أن ذلك كله شرك بالله ، والشرك لا يغفره الله.

وإذا كان محمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا ينفع ولا يتوسل به إليه سبحانه فما قيمة هؤلاء الاولياء والصالحين بعده؟!.

وبالرغم من المنصب الجديد الذي نصبني فيه الشيخ ، إذ أصبحت وكيله في قفصة لم إكن مقتنعا كليا في داخلي وإن كنت أميل أحيانا إلى الطرق الصوفية ، وأشعر دائما أني أكن لها احتراما ومهابة من أجل أولياء الله والصالحين من عباده. ولكني أكابر وأجادل محتجا بقوله تعالى :( ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو ) (١) وإذا قال لي قائل أن الله تعالى يقول :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) (٢) أرد عليه بسرعة كما علمني علماء السعودية « الوسيلة هي العمل الصالح » ، والمهم أنني عشت تلك الفترة مضطربا مشوش الفكر ، وقد يتوافد علي في بيتي بعض المريدين فنحيي سهرات منتظمة ونقيم العمارة(٣) .

____________

(١) سورة القصص : آية ٨٨.

(٢) سورة المائدة : آية ٣٥.

(٣) العمارة : هي الحلقة التي يذكر فيها إسم الصدر في شطحات منتظمة.


وبدأ الجيران يتذمرون من الاصوات المزعجة التي تبعث من حناجرنا بذكر ( آه ) ، ولكنهم لا يجاهرون لي بذلك غير أنهم يشتكون لزوجتي عن طريق نسائهم ، ولما علمت بذلك طلبت من المجموعة أن يقيموا الحلقات في أحد منازلهم ، واعتذرت بأنني سوف أسافر إلى الخارج لمدة ثلاثة أشهر وودعت الاهل والاقارب وقصدت ربي متوكلا عليه. لا أشرك به شيئا.


الرحـلـة الـمـوفـقـة



في مصر

لم تطل إقامتي في طرابلس عاصمة ليبيا إلا بقدر ما حصلت على تأشيرة من السفارة المصرية للدخول إلى أرض الكنانة. وقد التقيت بعض أصدقائي هناك فأعانوني شكر الله سعيهم ، وفي طريقي إلى القاهرة وهو طريق طويل يدوم ثلاثة أيام بلياليها كنت في سيارة أجرة جمعتني بأربعة مصريين عاملين في ليبيا وعائدين إلى وطنهم ، وخلال السفر كنت أحدثهم وأقرأ لهم القرآن فإحبوني ودعاني كل منهم للنزول عنده ، وتخيرت من بينهم من ارتاحت نفسي إليه لورعه وتقواه إسمه أحمد وأولاني من الضيافة والقبول ما هو أهل له جزاه الله ، وأمضيت عشرين يوما بالقاهرة زرت خلالها الموسيقار فريد الاطرش في عمارته على النيل فقد كنت معجبا به لما قرأته عن أخلاقه وتواضعه في مجلات مصرية تباع عندنا في تونس ، ولم يكن حظي منه سوى عشرين دقيقة لانه كان خارجا للمطار ليسافر إلى لبنان ، وزرت الشيخ عبد الباسط محمد عبدالصمد المجود الشهير وكنت معجبا به أشد الاعجاب ، بقيت معه ثلاثة أيام كان النقاش خلالها مع أقاربه وأصدقائه في مواضيع متعددة وكانوا يعجبون لحماسي وصراحتي وكثرة إطلاعي ، فإذا تحدثوا عن الفن غنيت وإذا تحدثوا عن الزهد والتصوف ذكرت لهم أني من الطريقة التيجانية والمدنية أيضا ، وإذا تحدثوا عن الغرب حكيت لهم عن باريس ولندن وبلجيكا وهولاندا وإيطاليا وإسبانيا التي زرتها خلال العطل الصيفية وإذا تحدثوا عن الحج فاجأتهم بأني حججت وإني ذاهب إلى العمرة وحكيت لهم عن أماكن لا يعرفها حتى الذي حج سبع مرات كغار حراء وغار ثور


ومذبح إسماعيل ، وإذا تحدثوا عن العلوم والاختراعات شفيت غليلهم بالارقام والمصطلحات وإذا تحدثوا عن السياسة أفحمتهم بما عندي من آراء قائلا : « رحم الله الناصر صلاح الدين الايوبي الذي حرم على نفسه التبسم فضلا عن الضحك ، وعندما لامه الناس المقربون إليه وقالوا له : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يرى إلا باسم الثغر ، أجابهم : كيف تريدون مني أن أتبسم والمسجد الاقصى يحتله أعداء الله ، لا والله لن أتبسم حتى أحرره أو اهلك دون ذلك ». وكان شيوخ من الازهر يحضرون تلك الجلسات ويعجبون لما أحفظ من أحاديث وآيات وما أملكه من حجج دامغة فكانوا يسألونني عن الجامعة التي تخرجت فيها ، فأفخر بأني من خريجى جامعة الزيتونة وهي تأسست قبل الازهر الشريف ، وأضيف بأن الفاطميين الذي أسسوا الازهر انطلقوا من مدينة المهدية بتونس.

كذلك تعرفت في جامعة الازهر الشريف على العديد من العلماء الافاضل الذين أهدوني بعض الكتب ، وكنت يوما ما في مكتب أحد المسوولين عن شوون الازهر ، إذ أقبل أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة المصرية ودعاه الحضور تجمع المسلمين والاقباط في أكبر الشركات المصرية للسكك الحديدية بالقاهرة ، على أثر أعمال تخريبية وقعت بعد حرب حزيران فأبى أن يذهب إلا وأنا معه ، وجلست في منصة الشرف بين العالم الازهري والاب شنودة ، وطلبوا مني إلقاء كلمة في الحاضرين ففعلت بكل سهولة لما تعودته من إلقاء المحاضرات في المساجد واللجان الثقافية في بلادي.

والمهم من كل ما حكيته في هذا الفصل ، هو أن شعوري بدأ يكبر وركبني بعض الغرور وظننت فعلا بأنني أصحبت عالما ، كيف لا وقد شهد لي بذلك علماء الازهر الشريف ومنهم من قال لي : يجب أن يكون مكانك هنا في الازهر ، ومما زادني فخرا واعتزازا بالنفس ، أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أذن لي في الدخول لرؤية مخلفاته ، حسب ما ادعاه المسؤول عن مسجد سيدنا الحسين بالقاهرة وقد أدخلني منفردا إلى حجرة لا تفتح إلا إذا فتحها هو ، وأغلق الباب خلفي وفتح الخزانة وأخرج لي قميص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقبلته وأراني بعض المخلفات الاخرى ، وخرجت من عنده باكيا متأثرا على عناية الرسول بي شخصيا وخصوصا أن هذا المسؤول لم يطلب مني نقودا ، بل امتنع وأخذ مني شيئا بسيطا بعد إلحاحي وهنّاني مبشرا بأنني من المقبولين عند حضرة الرسول الاكرم.


وربّما أثر هذا الحادث في نفسي وجعلني أفكر مليا عدة ليال في ما يقوله الوهابيون من أن الرسول مات وانتهى أمره كغيره من الاموات ، فلم أرتح لهذه الفكرة بل وتيقنت تفاهة هذا الاعتقاد ، فإذا كان الشهيد الذي يقتل في سبيل الله ليس بميت بل هو حي يرزق عند ربه فكيف بسيد الاولين والآخرين ، وزاد هذا الشعور قوة ووضوحا ما تلقيته في سابق حياتي من تعاليم الصوفية الذين يعطون لاوليائهم وشيوخهم صلاحية التصرف والتأثير في مجريات الامور ويعترفون بأن الله وحده هو الذي أعطاهم هذه الصلاحية لانهم أطاعوه سبحانه ورغبوا في ما عنده ، أ لم يقل في حديث قدسي « عبدي أطعني تكن مثلي تقل للشيء كن فيكون ».

بدأ الصراع الداخلي يتجاذبني ، وأنهيت إقامتي في مصر بعد إن قمت خلال الايام الاخيرة بزيارة المساجد المتعددة ، وصليت في جميعها من مالك إلى أبي حنيفة إلى مسجد الشافعي وأحمد بن حنبل ، ثم إلى السيدة زينب وسيدنا الحسين ، كما زرت زاوية التيجانية ولي في ذلك حكايات طويلة يطول شرحها ، وقد رمت الاختصار


لقاء في الباخرة

وسافرت إلى الاسكندرية في اليوم المقرر حسب حجز المكان في الباخرة المصرية التي تسافر إلى بيروت ووجدت نفسي مرهقا متعبا جسديا وفكريا ، وأنا ملقى على السرير المخصص لي ، فنمت قليلا وكانت الباخرة قد أبحرت منذ ساعتين أو ثلاثة ، واستيقظت على صوت مجاوري وهو يقول : « يبدو أن الاخ متعب ». قلت نعم أتعبني السفر من القاهرة إلى الاسكندرية وقد بكرت للوصول على الموعد فلم أنم البارحة إلا قليلا. وفهمت من لهجته أنه غير مصري ، ودفعني فضولي كعادتي إلى أن أتعرف عليه فعرفته نفسي وعرفت أنه عراقي وهو أستاذ في جامعة بغداد اسمه منعم ، وقد جاء إلى القاهرة لتقديم أطروحة الدكتوراه في الازهر.

وبدأنا الحديث عن مصر وعن العالم العربي والاسلامي وعن هزيمة العرب وانتصار اليهود والحديث ذو شجون ، قلت في معرض كلامي أن سبب الهزيمة هو انقسام العرب والمسلمين إلى دويلات وإلى طوائف ومذاهب متعددة ، ورغم كثرة عددهم فلا وزن لهم ولا اعتبار في نظر أعدائهم.

وتكلمنا كثيرا عن مصر والمصريين وكنا متفقين على أسباب الهزيمة ، وأضفت بأنني ضد هذه الانقسامات التي ركزها الاستعمار فينا ليسهل عليه احتلالنا وإذلالنا ، ونحن ما زلنا نفرق بين المالكية والاحناف ورويت له قصة موسفة وقعت لي عندما دخلت إلى مسجد أبي حنيفة في القاهرة وصليت معهم صلاة العصر جماعة فما راعني بعد الصلاة إلاّ والرجل


الذي كان قائما بجانبي يقول لي في غضب « لماذا لا تكتف يديك في الصلاة » فأجبته بأدب واحترام أن المالكية يقولون بالسدل وإنا مالكي فقال لي : « إذهب إلى مسجد مالك وصل هناك » فخرجت مستاءا ناقما على هذا التصرف الذي زادني حيرة على حيرتي.

وإذا بالاستاذ العراقي يبتسم ويقول لي إنه هو الآخر شيعي. فاضطربت لهذا النبأ وقلت غير مبال لو كنت أعلم أنك شيعي لما تكلمت معك ، قال : ولماذ؟ قلت لانكم غير مسلمين فإنتم تعبدون علي بن أبي طالب والمعتدلون منكم يعبدون الله ولكنهم لا يؤمنون برسالة النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويشتمون جبرائيل ويقولون بأنه خان الامانة فبدلا من أداء الرسالة إلى علي أداها إلى محمد ، واسترسلت في مثل هذه الاحاديث بينما كان مرافقي يبتسم حينا ويحوقل(١) أحياناً ، ولما أنهيت كلامي سألني من جديد : أنت أستاذ تدرس الطلاب؟ قلت نعم ، قال : إذا كان تفكير الاساتذة بهذا الشكل فلا لوم على عامة الناس الذين لا ثقافة لهم! قلت : ماذا تقصد؟ أجاب : عفوا ولكن من أين لك هذه الادعاءات الكاذبة؟ قلت من كتب التاريخ ومما هو مشهور عند الناس كافة. قال : لنترك الناس كافة ولكن أي كتاب تاريخ قرأت؟ بدأت أعدد بعض الكتب مثل كتاب فجر الاسلام وضحى الاسلام وظهر الاسلام لاحمد أمين وغيرها ، قال : ومتى كان أحمد أمين حجة على الشيعة؟ وأضاف : إن مقتضى العدل والموضوعية أن تتبين الامر من مصادرهم الاصلية المعروفة.

قلت : وكيف لي أن أتبين في أمر معروف لدى الخاص والعام ، قال : إن أحمد أمين نفسه زار العراق وكنت من بين الاساتذة الذين التقوا به في النجف وعندما عاتبناه على كتاباته عن الشيعة اعتذر قائلا : إني لا أعلم عنكم أي شيء وأني لم أتصل بالشيعة من قبل وهذه أول مرة ألتقي فيها بالشيعة.

قلنا له رب عذر أقبح من ذنب فكيف لا تعرف عنا إي شيء ومع ذلك تكتب عنا كل شيء قبيح؟! ثم أضاف قائلا :

يا أخي نحن إذا حكمنا بخطأ اليهود والنصارى من خلال القرآن الكريم وان كان هو

__________________

(١) حوقل ، يحوقل : يكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


الحجة البالغة فموقفنا ضعيف لانهم لا يعترفون به ، وتكون الحجة أقوى وأبلغ عندما نبين خطأهم من خلال كتبهم التي يعتقدونها ، وذلك من باب « وشهد شاهد من أهلها ».

نزل كلامه هذا على قلبي نزول الماء الزلال على قلب العطشان ورأيتني أتحول من ناقد حاقد إلى باحث فاقد ، لانني أحسست بمنطق سليم وحجة قوية ، وما علي لو تواضعت قليلا وأصغيت إليه! قلت له :

أنت إذا ممن يعتقدون برسالة نبينا محمد؟ إجاب : (ص) وكل الشيعة مثلي يعتقدون ذلك وما عليك يا أخي إلا أن تتحقق من ذلك بنفسك حتى تكون على بينة من الامر ، ولا تظن بإخوانك الشيعة الظنونا « لان بعض الظن إثم » وأضاف قائلا : وإذا كنت فعلا تريد معرفة الحقيقة وتطلع عليها بعينيك ويستيقن بها قلبك ، فأنا أدعوك لزيارة العراق والاتصال بعلماء الشيعة وعوامهم وستعرف عند ذلك أكاذيب المغرضين والحاقدين.

قلت : إنها أمنيتي أن أزور العراق في يوم من الايام وأتعرف على آثارها الاسلامية المشهورة التي خلفها العباسيون وعلى رأسهم هارون الرشيد ، ولكن ، أولا : إمكانياتي المادية محدودة وقد رتبتها لاداء العمرة ، ثانيا : إن جواز السفر الذي أحمله لا يسمح لي بالدخول إلى العراق ، قال : أولا عندما قلت لك أدعوك لزيارة العراق فذلك يعني أني أتكفل بتغطية نفقات سفرك من بيروت إلى بغداد ذهابا وإيابا وإقامتك بالعراق ستكون معي في بيتي فأنت ضيفي ، وثانيا بشأن الجواز الذي لا يسمح لك بالدخول إلى العراق فلنترك ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فإذا قدر لك أن تزور فسوف يكون ذلك حتى بدون جواز سفر ، وسوف نحاول الحصول على تأشيرة للدخول فور وصولنا إلى بيروت. فرحت كثيرا بهذا العرض ووعدت صاحبي بأن أرد عليه الجواب غدا إن شاء الله تعالى.

خرجت من غرقة النوم وصعدت إلى سطح الباخرة أتنفس الهواء الجديد ، وأنا أفكر تفكيرا جديدا وعقلي شارد في البحر الذي ملأ الآفاق ، وأسبح بحمد ربي الذي خلق الاكوان وأحمده ، وأشكره على أن أوصلني إلى هذا المكان وأسأله سبحانه وتعالى أن يحميني من الشر وأهله ويحفظني من الزلل والخطأ ، وسرح تفكيري وأنا أستعرض شريطا أمام عيني للاحداث التي عشتها والسعادة التي تذوقتها من طفولتي إلى ذلك اليوم وأحلم بمستقبل أفضل ، وأشعر كأن الله ورسوله يحيطانني بعناية خاصة ، فالتفت صوب مصر التي


ما زالت بعض شواطئها تتراءى من حين لآخر مودعا تلك الارض التي فيها قبلت قميص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي أعز ما بقي عندي من تلك الذكريات التي عشتها في مصر ، وعدت أستعرض كلام الشيعي الجديد الذي أدخل علي فرحا كبيرا لتحقيق حلم كان يراودني منذ صغري ألا وهو زيارة العراق ، تلك البلاد التي رسمها في ذهني بلاط الرشيد والمأمون مؤسس دار الحكمة التي كان يقصدها طلاب العلوم المختلفة من الغرب أيام ازدهار الحضارة الاسلامية ، أضف إلى ذلك فهي بلاد القطب الرباني والشيخ الصمداني سيدي عبد القادر الجيلاني الذي ملا صيته الاقطار كلها ودخلت طريقته كل قرية وعلت همته كل همة فها هي عناية جديدة من الله لتحقيق هذا الحلم ، وبدأت أتخيل وأسبح في بحر الخيال والآمال حتى نبهني مذياع الباخرة وهو ينادي المسافرين إلى التوجه للمطعم لتناول العشاء ، ذهبت صوب المكان المذكور فإذا الناس يتزاحمون كعادتهم في كل تجمع وكل واحد يريد الدخول قبل غيره وكثر الصياح والهرج ، وإذا بالشيعي يمسك بثوبي ليسحبني بلطف إلى الخلف وهو يقول : تعالى يا أخي لا تتعب نفسك فسوف نأكل فيما بعد بدون زحمة وقد فتشت عنك في كل مكان ، ثم سألني : هل صليت؟ قلت : لم أصل بعد ، فقال : إذا تعال نصلي ثم نأتي للاكل وقد خلص هولاء من الزحام والصياح.

استحسنت رأيه وصاحبته إلى مكان خال من الناس حيث توضأت وقدمته ليصلي إماما قصد اختباره كيف يصلي على أن أعيد صلاتي فيما بعد ، وما إن أقام الصلاة لاداء فريضة المغرب واسترسل في القراة والدعاء حتى غيرت رأيي ، وتخيلت بأني مأموم بأحد الصحابة الكرام الذين أقرأ عنهم وعن ورعهم وتقواهم ، وبعد فراغه من الصلاة ، أطال الدعاء ولم أسمع قبلا هذه الادعية في بلادنا ولا في البلاد التي عرفتها ، وكنت أطمئن وأرتاح كلما سمعته يصلي على محمد وآله ويثني عليه بما هو أهله.

بعد الصلاة لا حظت في عينيه أثر البكاء كما سمعته يدعو الله أن يفتح بصيرتي ويهديني.

اتجهنا إلى المطعم وقد بدأ يخلو من الآكلين ودخلنا فلم يجلس حتى أجلسني وجيء لنا بصحنين من الاكل فرأيته يغير صحنه بصحني لان نصيبي من اللحم كان أقل من


نصيبه وأخذ يلح علي وكأني ضيفه ويلاطفني ويروي لي روايات لم أسمعها من قبل تخص الاكل والشرب وآداب المائدة.

وأعجبت بأخلاقه ، وصلى بنا صلاة العشاء وأطالها بالدعاء حتى أبكاني وسألت الله سبحانه أن يغير ظني فيه لان بعض الظن إثم. ولكن من يدري؟!.

ونمت أحلم بالعراق وألف ليلة وليلة واستيقظت على ندائه يوقظني لصلاة الفجر ، وصلينا وجلسنا نتحدث عن نعم الله على المسلمين.

ورجعنا للنوم ثانية ولما افقت وجدته جالسا على سريره وفي يده مسبحة وهو يذكر الله فارتاحت له نفسي واطمأن له قلبي واستغفرت ربّي.

كنّا نتغذى في المطعم عندما سمعنا المذيع يعلن عن اقتراب الباخرة من الشواطئ اللبنانية وسوف نكون في ميناء بيروت بحول الله بعد ساعتين سألني هل فكرت مليا وماذا قررت. قلت إذا سهل الله سبحانه وتعالى الحصول على تأشيرة الدخول فلا أرى مانعا وشكرته على دعوته.

نزلنا في بيروت حيث أمضينا تلك الليلة ومن بيروت سافرنا إلى دمشق حيث اتجهنا فور وصولنا إليها إلى سفارة العراق ، وحصلت على التأشيرة بسرعة مذهلة لم أتصورها ، وخرجنا من هناك وهو يهنئني ويحمد الله على إعانته.


زيارة العراق لاول مرة

سافرنا من دمشق إلى بغداد في إحدى سيارات شركة النجف العالمية الضخمة المكيفة وكانت الحرارة تبلغ أربعين درجة مئوية في بغداد ، عندما وصلنا اتجهنا فورا إلى بيته في حي جميلة ، دخلت البيت المكيف واسترحت ثم جاءني بقميص فضفاض يسمونه « دشداشة ».

أحضر الفاكهة والاكل ودخل أهله يسلمون عليّ في أدب وإحترام وكان والده يعانقني وكأنه يعرفني من قبل ، أما والدته فوقفت بالباب في عباءة سوداء تسلم وترحب ، واعتذر صديقي عن والدته بأن المصافحة عندهم محرمة ، وأعجبت أكثر وقلت في نفسي : هؤلاء الذين نتهمهم نحن بالخروج عن الدين يحافظون عليه أكثر منا. وقد لمست خلال أيام السفر التي قضيتها معه نبل أخلاق وعزة نفس في كرامة وشهامة وتواضع وورع لم أعهده من قبل. وشعرت بأني لست غريبا بل وكأني في بيتي.

صعدنا في الليل إلى سطح الدار حيث فرشت لنا أماكن للنوم ، وبقيت حتى ساعة متأخرة أهذي أفي حلم أنا أم في يقظة ، أحقا انني في بغداد بجوار سيدي عبد القادر الجيلاني.

ضحك صديقي متسائلا ماذا يقول التونسيون عن عبد القادر الجيلاني؟ ، وبدأت أحكي له عن الكرامات التي تروى عندنا وعن المقامات التي تشيد في ربوعنا باسمه وأنه


قطب الدائرة وكما أن محمد رسول الله هو سيد الانبياء فعبد القادر هو سيد الاولياء وقدمه على رقبة كل الاولياء وهو القائل : « كل الناس يطوف بالبيت سبعا وأنا البيت طائفا بخيامي ».

وحاولت إقناعه بأن الشيخ عبد القادر يأتي إلى بعض مريديه ومحبيه جهرة ويعالج أمراضهم ويفرج كربتهم ونسيت أو تناسيت العقيدة الوهابية التي تأثرت بها من أن ذلك كله شرك بالله ولما شعرت بعدم حماس صديقي حاولت أقناع نفسي بأن ما قلته لا يصح ، وسألته عن رأيه.

قال صديقي وهو يضحك : نم الليلة واسترح من التعب الذي لقيته في السفر وغدا إن شاء الله سنزور الشيخ عبد القادر ، وطرت فرحا لهذا الخبر ووددت لو طلع الفجر وقتئذ. ولكن ّ التعب أخذ منّي ماخذه فنمت نوما عميقا حتى طلعت عليّ الشمس وفاتتني الصلاة ، واعلمني صديقي بأنه جاول إيقظي مرات عديدة دون جدوى فتركني حتى أرتاح.


عبد القادر الجيلاني وموسى الكاظم

ذهبنا بعد الفطور إلى باب الشيخ ورأيت المقام الذي طالما تمنيت زيارته ، وهرولت كأني مشتاق لرؤيته ودخلت أتلهف كأني سوف أرتمي في أحضانه وصديقي يتبعني أينما رحت ، واختلطت بالزوار الذين يتراكمون على المقام تراكم الحجاج على بيت الله الحرام ومنهم من يلقي قبضات من الحلوى والزوار يتسابقون لالتقاطها وأسرعت لاخذ اثنتين منها أكلت إحداها على الفور للبركة وخبأت الاخرى في جيبي للذكرى ، صليت هناك ودعوت بما تيسر لي وشربت الماء وكأني أشرب من ماء زمزم ، ورجوت صديقي أن ينتظرني ريثما أكتب إلى أصدقائي في تونس بعض البطاقات البريدية التي اشتريتها من هناك وتمثل كلها صورة مقام الشيخ عبد القادر بالقبة الخضراء ، وأردت بذلك أن أبرهن لاصدقائي وأقاربي في تونس عن علو همتي التي أوصلتني لذلك المقام الذي لم يصلوا إليه.

بعد ذلك تناولنا طعام الغداء في مطعم شعبي وسط العاصمة ، ثم أخذني صديقي في سيارة أجرة إلى الكاظمية ، عرفت هذا الاسم من خلال ما ذكره صديقي لسائق السيارة وصلنا اليها وما أن نزلنا من السيارة نتمشى حتى اختلطنا بمجموعات كبيرة من الناس يمشون في نفس الاتجاه نساء ورجالا وأطفالا ويحملون بعض الامتعة ، ذكرني ذلك بموسم الحج ولم أكن بعد أعرف وجهة المكان المقصود حتى تراءت لي قباب ومآذن ذهبية ياخذ اشعاعها بالابصار ، وفهمت أنه مسجد من مساجد الشيعة لسابق علمي بانهم يزخرفون مساجدهم بالذهب والفضة التي حرمها الاسلام ، وشعرت بحرج في الدّخول


إليها ، غير أنني ـ مراعاة لعواطف صديقي ـ اتبعته من غير اختيار.

دخلنا من الباب الاول وبدأت ألاحظ تمسح الشيوخ بالابواب وتقبيلها ، وسليت نفسي بقراءة لوحة كبيرة كتب عليها « ممنوع دخول النساء السافرات » مع حديث للامام علي يقول فيه : « يأتي على الناس زمان يخرج فيه النساء كاسيات عاريات إلى آخره » ، وصلنا إلى المقام وبينما كان صديقي يقرأ إذن الدخول كنت أنظر إلى الباب وأعجب من هذا الذهب والنقوش التي تملا صفحاته وكلها آيات قرآنية.

دخل صديقي ودخلت خلفه وأنا على حذر تجول بخاطري عدة أساطير قرأتها في بعض الكتب التي تكفر الشيعة ورأيت داخل المقام نقوشا وزخرفة لم تخطر على بالي ودهشت لما رأيت وتصورت نفسي في عالم غير مألوف ولا معروف ، ومن حين إلى آخر أنظر بإشمئزاز إلى هؤلاء الذين يطوفون حول الضريح باكين مقبلين أركانه وقضبانه بينما يصلي البعض الآخر قرب الضريح ، واستحضرت في خاطري حديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول : « لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أوليائهم مساجد ». وابتعدت عن صديقي الذي ما أن دخل حتى أجهش بالبكاء ثم تركته يصلي واقتربت من اللوحة المكتوبة للزيارة وهي معلقة على الضريح. وقرأتها ولم أفهم الكثير منها بما حوته من أسماء غريبة عني أجهلها ، ابتعدت في زاوية وقرأت الفاتحة ترحما على صاحب الضريح قائلا : « اللهم إن كان هذا الميت من المسلمين فأرحمه فأنت أعلم به مني ». واقترب مني صديقي وهمس في أذني قائلا : إن كانت لديك حاجة فاسأل الله في هذا المكان لاننا نسمية باب الحوائج وما أعطيت أهمية لقوله سامحني الله ، بل كنت أنظر إلى الشيوخ الطاعنين في السن وعلى رؤوسهم عمائم بيض وسود وفي جباههم آثار السجود ، وزاد في هيبتهم تلك اللحى التي أعفوها وتنطلق منها روائح طيبة ولهم نظرات حادة مهيبة. وما أن يدخل الواحد منهم حتى يجهش بالبكاء ، وتساءلت في داخلي أيمكن أن تكون هذه الدموع كاذبة؟؟ أيمكن أن يكون هؤلاء الطاعنون في السن مخطئين؟

خرجت متحيرا مندهشا مما شاهدته بينما كان صديقي يرجع أدراجه احتراما لئلا يعطي المقام ظهره.

سألته : من هو صاحب هذا المقام؟


قال : الامام موسى الكاظم. قلت : ومن هو الامام موسى الكاظم؟. قال : سبحان الله! أنتم إخواننا أهل السنة والجماعة تركتم اللب وتمسكتم بالقشور. قلت غاضبا منقبضا : كيف تمسكنا بالقشور وتركنا اللب؟.فهدأني وقال : يا أخي أنت منذ دخلت العراق لا تفتأ تذكر عبد القادر الجيلاني فمن هو عبد القادر الجيلاني الذي استوجب كل اهتمامك!؟. أجبت على الفور وبكل فخر : هو من ذرية الرسول ، ولو كان نبي بعد محمد لكان عبد القادر الجيلاني رضى الله تعالى عنه!. قال : يا أخ السماوي هل تعرف التاريخ الاسلامي؟. وأجبت في غير تردد بنعم! وفي الحقيقة ما عرفت من التاريخ الاسلامي قليلا ولا كثيرا لان أساتذتنا ومعلمينا كانوا يمنعوننا من ذلك مدعين بأنه تاريخ أسود مظلم لا فائدة من قراءته ، وأذكر على سبيل المثال أن الاستاذ المختص في تدريسنا مادة البلاغة كان يدرسنا الخطبة الشقشقية من كتاب نهج البلاغة للامام علي ، واحترت كما احتار عدد من التلاميذ عند قراءتها ، وتجرأت وسألته إن كان هذا من كلام الامام علي حقا ، فأجاب : « قطعا ومن لمثل هذه البلاغة سواه. ولو لم يكن كلامه كرم الله وجهه ، لم يكن علماء المسلمين أمثال الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية ليهتم بشرحه ». عند ذلك قلت : إن الامام علي يتهم أبابكر وعمر بأنهما اغتصبا حقه في الخلافة فثارت تاثرة الاستاذ وانتهرني بشدة وهددني بالطرد إن عدت لمثل هذا السؤال ، وأضاف قائلا : نحن ندرس بلاغة ولا ندرس التاريخ وما يهمنا شيئا من أمر التاريخ الذي سودت صفحاته الفتن والحروب الدامية بين المسلمين وكما طهر الله سيوفنا من دمائهم فلنطهر ألسنتنا من شتمهم.

ولم أقنع بهذا التعليل وبقيت ناقما على ذلك الاستاذ الذي يدرسنا بلاغة بدون معان ، وحاولت مرارا عديدة دراسة التاريخ الاسلامي ولكن لم تتوفر عندي المصادر والامكانات لتوفير الكتب ، وما وجدت أحدا من شيوخنا وعلمائنا يهتم بها وكأنهم تصافقوا على طيها وعدم النظر فيها ، فلا تجد أحدا يملك كتابا تاريخيا كاملا.

فلمّا سألني صديقي عن معرفة التاريخ أحببت معاندته فأجبته بنعم ولسان حالي يقول : أعرف أنه تاريخ مظلم مسود لا فائدة فيه ، إلا الفتن والاحقاد والتناقضات.

قال : هل تعرف متى ولد عبد القادر الجيلاني ، في أي عصر؟ قلت : حسب


التقريب في القرن السادس أو القرن السابع ؛ قال : فكم بينه وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قلت ستة قرون ؛ قال : فاذا كان القرن فيه جيلان على أقل تقدير فيكون نسبة عبد القادر الجيلاني للرسول بعد إثني عشر جدا ؛ قلت نعم! قال : فهذا موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن فاطمة الزهراء يصل نسبه إلى جده رسول الله بعد أربعة أجداد فقط. أو بالاحرى فهو من مواليد القرن الثاني للهجرة فأيهما أقرب إلى رسول الله موسى أم عبدالقادر؟.

وبدون تفكير قلت : هذا أقرب طبعا! ولكن لماذا نحن لا نعرفه ولا نسمع بذكره؟ قال : هذا هو بيت القصيد ولذلك قلت بأنكم ـ واسمح لي أن أعيدها ـ تركتم اللب وتمسكتم بالقشور فلا تؤاخذني وأرجوك المعذرة.

كنّا نتحدّث ونمشي ونتوقّف من حيث لآخر حتّى وصلنا إلى منتدى علمي يجلس فيه الطلبة والاساتذة ويتبادلون الآراء والنظريات ، هناك جلسنا وكان يبحث بعينيه في الجالسين وكأنه على موعد مع أحدهم ؛ جاء أحد الوافدين وسلم علينا وفهمت أنه زميله في الجامعة وسأله عن شخص علمت من الاجوبة أنه دكتور وسيأتي عما قريب ، في الاثناء قال لي صديقي : أنا جئت بك لهذا المكان قاصدا أن أعرفك بالدكتور المتخصص في الابحاث التاريخية وهو أستاذ التاريخ في جامعة بغداد وقد حصل على الدكتوراه في أطروحته التي كتبها عن عبد القادر الجيلاني وسوف ينفعك بحول الله ، لانني لست مختصا في التاريخ. شربنا بعض العصير البارد حتى وصل الدكتور ونهض إليه صديقي مسلما عليه وقدمني إليه وطلب منه أن يقدم إلي لمحة عن تاريخ عبد القادر الجيلاني ، واستأذننا في الانصراف لبعض شؤونه. طلب لي الدكتور مشروبا باردا وبدأ يسألني عن إسمي وبلادي ومهنتي كما طلب مني أن أحدثه عن شهرة عبد القادر الجيلاني في تونس.

ورويت له الكثير في هذا المجال حتى قلت والناس عندنا يعتقدون بأن الشيخ عبدالقادر كان يحمل رسول الله على رقبته ليلة المعراج عندما تأخر جبريل خوفا من الاحتراق وقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قدمي على رقبتك وقدمك على رقاب كل الاولياء إلى يوم القيامة.

وضحك الدكتور كثيرا عند سماعه كلامي وما دريت أكان ضحكه على هذه الروايات


أم كان على الاستاذ التونسي الذي بين يديه! بعد مناقشة قصيرة حول الاولياء والصالحين قال أنه بحث طوال سبع سنوات سافر خلالها إلى لاهور في الباكستان وإلى تركيا وإلى مصر وبريطانيا وكل الاماكن التي بها مخطوطات تنسب إلى عبد القادر الجيلاني واطلع عليها وصورها ، وليس فيها اي إثبات بأن عبد القادر الجيلاني هو من سلالة الرسول ، وغاية ما هنالك بيت من الشعر ينسب إلى أحد أحفاده يقول فيه : « وجدي رسول الله » وقد يحمل ذلك كما قال بعض العلماء ، على تأويل حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « أنا جدّ كل تقي » وزادني بأن التاريخ الصحيح يثبت أن عبد القادر أصله فارسي وليس عربيا أصلا وقد ولد في بلدة بإيران تسمى جيلان وإليها ينسب عبد القادر ، وقد نزح إلى بغداد حيث تعلم هناك وجلس يدرس في وقت كان فيه انحلال خلقي.

وكان الرجل زاهدا فأحبه الناس وبعد وفاته أسسوا الطريقة القادرية نسبة إليه ، كما يفعل دائما أتباع كل متصوف وأضاف قائلا : حقا أن حالة العرب مؤسفة من هذه الناحية.

وثارت في رأسي حمية الوهابية فقلت للدكتور : إذاً أنت وهابي الفكر يا حضرة الدكتور فهم يقولون كما تقول ليس هناك أولياء. فقال : لا أنا لست على رأي الوهابية. والمؤسف عند المسلمين هو إما الافراط وأما التفريط ، فأما أن يؤمنوا ويصدقوا بكل الخرافات التي لا تستند إلى دليل ولا عقل ولا شرع ، وأما أن يكذبوا بكل شيء حتى بمعجزات نبينا محمد وأحاديثه لانها لا تتماشى وأهواءهم وعقائدهم التي يعتقدونها وقد شرقت طائفة وغربت أخرى فالصوفية يقولون بإمكانية حضور الشيخ عبد القادر الجيلاني مثلا في بغداد وفي نفس الوقت في تونس ، وقد يشفي مريضا في تونس وينقذ غريقا في نهر دجلة في نفس اللحظة فهذا إفراط ، والوهابية ـ كرد فعل على الصوفية ـ كذبوا بكل شيء حتى قالوا بشرك من توسل بالنبي ، وهذا تفريط لا يا أخي نحن كما قال الله تعالى في كتابه العزيز :

( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) (١) .

أعجبني كلامه كثيرا وشكرته مبدئيا ، وأبديت قناعتي بما قال. فتح محفظته وأخرج

__________________

(١) سورة البقرة : آية ١٤٣.


كتابه عن عبدالقادر الجيلاني وأهدانيه ، كما دعاني للضيافة فاعتذرت وبقينا نتحدث عن تونس وعن شمال إفريقيا حتى جاء صديقي ورجعنا إلى البيت ليلا بعد أن أمضينا كامل اليوم في الزيارات والمناقشات ، وشعرت بالتعب والارهاق فاستسلمت للنوم.

استيقظت باكرا وصليت وجلست أقرأ الكتاب الذي يبحث في حياة عبد القادر ، فما أفاق صديقي حتى كنت قد أتممت نصفه ، وكان يتردد علي من حين إلى آخر داعيا إياي لتناول الفطور فلم أوافق حتى أنهيت الكتاب وقد شدني إليه وأدخل علي شكا لم يلبث طويلا حتى زال قبل خروجي من العراق.


الشك والتساؤل

بقيت في بيت صديقي ثلاثة أيام استرحت خلالها وفكرت مليا في ما سمعته من هؤلاء الذين اكتشفتهم وكأنهم كانوا يعيشون على سطح القمر ، فلماذا لم يحدثنا أحد عنهم إلا بما هو مزر ومشين ، لماذا أنا أكرههم وأحقد عليهم دون أن أعرفهم ، لعل ذلك ناتج من الاشاعات التي نسمعها عنهم من أنهم يعبدون عليا وأنهم ينزلون أئمتهم منزلة الآلهة وأنهم يقولون بالحلول ، وأنهم يسجدون للحجر من دون الله ، وأنهم ـ كما حدثنا أبي بعد رجوعه من الحج ـ يأتون إلى قبر الرسول ليلقون فيه القذرات والنجاسات وقد أمسكهم السعوديون وحكموا عليهم بالاعدام وأنهم وأنهم حدث ولا حرج.

كيف يسمع المسلمون بهذا ولا يحقدون على هؤلاء الشيعة ولا يبغضونهم ، بل كيف لا يقاتلونهم!.

ولكن كيف أصدق هذه الاشاعات وقد رأيت بعيني ما رأيت وسمعت بأذني ما سمعت وها قد مضى على وجودي بينهم أكثر من أسبوع ولم أر منهم ولم أسمع إلا الكلام المنطقي الذي يدخل العقول بدون استئذان ، بل قد استهوتني عباداتهم وصلاتهم ودعاؤهم وأخلاقهم واحترامهم لعلمائهم حتى تمنيت أن أكون مثلهم ، وبقيت أتسأل : هل حقا أنهم يكرهون رسول الله! وكلما ذكرته وكثيرا ما أذكره لاختبارهم فيصيحون بكل جوارحهم «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» وظننت أنهم ينافقون ، ولكن زال هذا الظن بعد ما تصفحت كتبهم التي قرأت شيئا منها فوجدت احتراما وتقديسا وتنزيها لشخص


الرسول لم أعهده في كتبنا فهم يقولون بعصمتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كل شيء قبل البعثة وبعدها بينما نقول نحن أهل السنة والجماعة بأنه معصوم في تبليغ القرآن فقط وما عدا ذلك فهو بشر يخطيء كغيره وكثيرا ما نستدل على ذلك بخطئه ـصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ وتصويب بعض الصحابة رأيه ولنا في ذلك أمثلة متعددة بينما يرفض الشيعة أن يكون رسول الله يخطئ ويصيب غيره فكيف أصدق بعد هذا أنهم يكرهون رسول الله؟ كيف.

وتحدثت يوما مع صديقي ورجوته وأقسمت عليه أن يجيبني بصراحة ، وكان الحوار التالي :

ـ أنتم تنزلون عليا رضي الله عنه وكرم الله وجهه منزلة الانبياء لاني ما سمعت أحدا منكم يذكره إلا ويقول «عليه‌السلام ».

ـ فعلا نحن عندما نذكر أمير المؤمنين أو أحد الائمة من بنيه نقول «عليه‌السلام » ، فهذا لا يعني أنهم أنبياء ، ولكنهم ذرية الرسول وعترته الذين أمرنا الله بالصلاة عليهم في محكم تنزيله وعلى هذا يجوز أن نقول : عليهم الصلاة والسلام أيضا.

ـ لا يا اخي نحن لا نعترف بالصلاة والسلام إلا على رسول الله والانبياء الذين سبقوه ولا دخل لعلي وأولاده في ذلك رضي الله عنهم.

ـ أنا أطلب منك وأرجوك أن تقرأ كثيرا حتى تعرف الحقيقة.

ـ أي الكتب أقرأ ياأخي؟ ألست انت الذي قلت لي بأن كتب أحمد أمين ليست حجة على الشيعة ، كذلك كتب الشيعة ليست حجة علينا ولا نعتمد عليها ، ألا ترى أن كتب النصارى التي يعتمدونها تذكر أن عيسى ( ع ) قال : « إني ابن الله » في حين أن القرآن الكريم ـ وهو أصدق القائلين ـ يقول على لسان عيسى بن مريم :( ما قلت لهم ، إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربّكم ) .

ـ حسنا قلت : لقد قلت ذلك ، والذي أريده منك هو هذا ، أعني استعمال العقل والمنطق والاستدلال بالقرآن الكريم والسنة الصحيحة ما دمنا مسلمين ، ولو كان الحديث مع يهودي أو نصراني لكان الاستدلال بغير هذا.


ـ إذاً ، في أي كتاب سأعرف الحقيقة ، وكل مؤلف وكل فرقة وكل مذهب يدعي أنه على الحق.

ـ سأعطيك الآن دليلا ملموسا ، لا يختلف فيه المسلمون بشتى مذاهبهم وفرقهم ومع ذلك فأنت لا تعرفه!

ـ وقل ربي زدني علما.

ـ هل قرأت تفسير الآية الكريمة :( أن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) (١) .

فقد أجمع المفسرون سنة وشيعة على أن الصحابة الذين نزلت فيهم هذه الآية ، جاؤوا إلى رسول الله فقالوا : يارسول الله عرفنا كيف نسلم عليك ولم نعرف كيف نصلي عليك! فقال : قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ولا تصلوا علي الصلاة البتراء ، قالوا : وما الصلاة البتراء يارسول الله ، قال : أن تقولوا اللهم صل على محمد وتصمتوا ، وأن الله كامل ولا يقبل إلا الكامل. ولكل ذلك عرف الصحابة ومن بعدهم التابعون أمر رسول الله فكانوا يصلون عليه الصلاة الكاملة ، حتى قال الامام الشافعي في حقهم :

يا آل بيت رسول الله حبكم

فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم الشأن أنكم

من لم يصل عليكم لا صلاة له

كان كلامه يطرق سمعي وينفذ إلى قلبي ويجد في نفسي صدي إيجابيا ، وبالفعل فقد سبق لي أن قرأت مثل هذا في بعض الكتب ، ولكن لا أذكر في أي كتاب بالضبط ، واعترفت له بأننا عندما نصلي على النبي نصلي على آله وصحبه أجمعين ولكن لا نفرد عليا بالسلام كما يقول الشيعة.

قال : فما رأيك في البخاري؟ أهو من الشيعة؟

قلت : إمام « جليل من أئمة أهل السنة والجماعة وكتابه أصح الكتب بعد كتاب الله ». عند ذلك قام وأخرج من مكتبته صحيح البخاري وفتحه وبحث عن الصفحة التي

__________________

(١) سورة الاحزاب : آية ٥٦.


يريدها ، وأعطاني لاقرأ فيه : حدثنا فلان عن فلان عن علي ـعليه‌السلام ـ. ولم أصدق عيني واستغربت حتى أنني شككت أن يكون ذلك هو صحيح البخاري ، واضطربت وأعدت النظر في الصفحة وفي الغلاف ، ولما أحس صديقي بشكي أخذ مني الكتاب وأخرج لي صفحة أخرى فيها : « حدثنا علي بن الحسينعليهما‌السلام » فما كان جوابي بعدها إلا أن قلت : سبحان الله واقتنع مني بهذا الجواب وتركني وخرج ، وبقيت أفكر وأراجع قراءة تلك الصفحات وأتثبت في طبعة الكتاب فوجدتها من طبع ونشر شركة الحلبي وأولاده بمصر.

ياإلهي. لماذا أكابر وأعاند وقد أعطاني حجة ملموسة من أصح الكتب عندنا ، والبخاري ليس شيعيا قطعا ، وهو من أئمة أهل السنة ومحدثيهم ، أأسلم لهم بهذه الحقيقة وهي قولهم علي ( ع ) ، ولكن أخاف من هذه الحقيقة فلعلها تتبعها حقائق أخرى لا أحب الاعتراف بها ، وقد انهزمت أمام صديقي مرتين فقد تنازلت عن قداسة عبد القادر الجيلاني وسلمت بأن موسى الكاظم أولى منه ، وسلمت أيضا بأن عليا ( ع ) هو أهل لذلك ، ولكني لا أريد هزيمة أخرى ، وأنا الذي كنت منذ أيام قلائل عالما في مصر أفخر بنفسي ويمجدني علماء الازهر الشريف ، أجد نفسي اليوم مهزوما مغلوبا ومع من؟ مع الذين كنت ولا أزال أعتقد أنهم على خطأ ، فقد تعودت على أن كلمة « شيعة » هي مسبة.

إنه الكبرياء وحب الذات ، إنها الانانية واللجاج والعصبية ، إلهي ألهمني رشدي ، وأعني على تقبل الحقيقة ولو كانت مرة. اللهم افتح بصري وبصيرتي واهدني إلى صراطك المستقيم واجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

رجع بي صديقي إلى البيت وأنا أردد هذه الدعوات فقال مبتسما : هدانا الله وإياكم وجميع المسلمين ، وقد قال في محكم كتابه :( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) (١) . والجهاد في هذه الآية يحمل معنى البحث العلمي للوصول إلى الحقيقة ، والله سبحانه يهدي إلى الحق كل من بحث عن الحق.

__________________

(١) سورة العنكبوت : آية ٦٩.


السفر إلى النجف

أعلمني صديقي ذات ليلة بأننا سنسافر غدا إن شاء الله إلى النجف ، وسألته وما النجف؟ قال : إنها مدينة علمية فيه مرقد الامام علي بن أبي طالب ، فتعجبت كيف يكون للامام علي قبر معروف. لان شيوخنا يقولون أنه لا وجود لقبر معروف لسيدنا علي ، وسافرنا في سيارة عمومية حتى وصلنا إلى الكوفة وهناك نزلنا لزيارة جامع الكوفة وهو من الآثار الاسلامية الخالدة ، وكان صديقي يريني الاماكن الاثرية ويزورني جامع مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة ويحكي لي بإيجاز كيف استشهدا ، كما أدخلني المحراب الذي استشهد فيه الامام علي ، وبعدها زرنا البيت الذي كان يسكنه الامام مع ابنيه سيدنا الحسن وسيدنا الحسين ، وفي البيت البئر التي كانوا يشربون منها ويتوضؤون بمائها ، وعشت لحظات روحية نسيت خلالها الدنيا وما فيها لاسبح في زهد الامام وبساطة عيشه وهو أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الرّاشدين.

ولا يفوتني أن أذكر الحفاوة والتواضع اللذين شاهدتهما هناك في الكوفة ، فما مررنا بمجموعة إلا وقاموا إلينا وسلموا علينا ، وكأن صديقي يعرف الكثير منهم ودعانا أحدهم وهو مدير المعهد بالكوفة إلى بيته حيث إلتقينا باولاده وبتنا عندهم ليلة سعيدة ، وشعرت وكأني بين أهلي وعشيرتي ، وكانوا إذا تكلموا عن أهل السنة والجماعة يقولون : « إخواننا من السنة » فأنست بحديثهم وسألتهم بعض الاسئلة الاختبارية لاتيقن من صدق كلامهم.

تحولنا إلى النجف وهي تبعد عن الكوفة حوالي عشرة كيلو مترات وما أن وصلنا حتّى


تذكّرت مسجد الكاظمية في بغداد فبدت المآذن الذهبية تحيط بقبة من الذهب الخالص ودخلنا إلى حرم الامام بعد قراءة الاذن بالدخول كما هي عادة الزوار من الشيعة ، ورأيت هنا أعجب مما رأيت هناك في جامع موسى الكاظم ، وكالعادة وقفت أقرأ الفاتحة وأنا أشك في أن هذا القبر يحوي جثمان الامام علي ، وكأني اقتنعت ببساطة ذلك البيت الذي كان يسكنه في الكوفة وقلت في نفسي حاشى للامام علي أن يرضى بهذه الزخرفة من الذهب والفضة بينما يموت المسلمون جوعا في شتى بقاع الدنيا ، وخصوصا لما رأيت فقراء في الطريق يمدون أيديهم للمارة طلبا للصدقة فكان لسان حالي يقول : أيها الشيعة أنتم مخطئون ، اعترفوا على الاقل بهذا الخطأ فالامام علي هو الذي بعثه رسول الله لتسوية القبور ، فما لهذه القبور المشيدة بالذهب والفضة إنها وأن لم تكن شركا بالله فهي على الاقل خطأ فادح لا يغفره الاسلام.

وسألني صديقي وهو يمد إلي قطعة من الطين اليابس هل أريد أن أصلي ، وأجبته في حدة : نحن لا نصلي حول القبور! قال : إذاً انتظرني قليلا حتى أصلي ركعتين ، وفي انتظاره كنت أقرأ اللوحة المعلقة على الضريح وأنظر إلى داخله من خلال القضبان الذهبية المنقوشة وإذا به مليء بالاوراق النقدية من كل الالوان من الدرهم والريال إلى الدينار والليرة وكلها يلقيها الزوار تبركا للمساهمة في المشاريع الخيرية التابعة للمقام وظننت لكثرتها أن لها شهورا ، ولكن صديقي أعلمني في ما بعد أن المسؤولين عن تنظيف المقام يأخذون كل ذلك في كل ليلة بعد صلاة العشاء.

خرجت وراءه مدهوشا وكأنني تمنيت أن يعطوني منها نصيبا أو يوزعوها على الفقراء والمساكين وما أكثرهم هناك.كنت ألتفت في كل اتجاه داخل السور الكبير المحيط بالمقام حيث يصلي جماعات من الناس هنا وهناك وينصت آخرون إلى بعض الخطباء الذين اعتلوا منبرا وكأني سمعت نواح بعضهم في صوت متهدج. ورأيت جموعا من الناس يبكون ويلطمون على صدورهم وأردت أن أسال صديقي ، ما بال هؤلاء يبكون ويلطمون ومرت بقربنا جنازة وشاهدت بعضهم يرفع الرخام في وسط الصحن وينزل الميت هناك ، فظننت أن بكاء هؤلاء لاجل الميت العزيز عليهم.


لقاء العلماء

أدخلني صديقي إلى مسجد في جانب الحرم مفروش كله بالسجاد وفي محرابه آيات قرآنية منقوشة بخط جميل ، ولفت انتباهي مجموعة من الصبيان المعممين جالسين قرب المحراب يتدارسون وكل واحد في يده كتاب ، فأعجبت لهذا المنظر الجميل ولم يسبق لي أن رأيت شيوخا بهذا السن أعمارهم تتراوح ما بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة وقد زادهم جمالا ذلك الزي فأصبحوا كالاقمار ، سألهم صديقي عن « السيد » فأخبروه بأنه يصلي بالناس جماعة ، ولم أفهم من هو « السيد » الذي سألهم عنه غير أنني توقعت أنه أحد العلماء. وعرفت فيما بعد أنه السيد الخوئي زعيم الحوزة العلمية للطائفة الشيعية. مع العلم بأن لقب « السيد » عند الشيعة هو لقب لكل منحدر من سلالة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويرتدي « السيد » العالم أو طالب العلوم الدينية عمامة سوداء ، وأما العلماء الآخرون فيرتدون عمامة بيضاء ويلقبون بـ « الشيخ » وهناك نوع من الاشراف الذين ليسوا بعلماء فلهم عمامة خضراء.

طلب إليهم صديقي أن أجلس معهم ريثما يذهب للقاء « السيد » ورحبوا بي وأحاطوني بنصف دائرة وأنا أنظر في وجوههم وأستشعر براءتهم ونقاوة سريرتهم وأستحضر في ذهني حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال : « يولد المرء على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » وقلت في نفسي : أو يشيعانه.

سألوني من أي البلاد أنا ، قلت : من تونس ، قالوا : هل يوجد عندكم حوزات


علمية؟ أجبتهم : عندنا جامعات ومدارس ، وانهالت علي الاسئلة من كل جانب ، وكلها أسئلة مركزة ومحرجة ، فماذا أقول لهؤلاء الابرياء الذين يعتقدون أن في العالم الاسلامي كله حوزات علمية تدرس الفقه وأصول الدين والشريعة والتفسير ، وما يدرون أن في عالمنا الاسلامي وفي بلداننا التي تقدمت وتطورت ، أبدلنا المدارس القرآنية بروضات للاطفال يشرف عليها راهبات نصرانيات فهل أقول لهم إنهم ما زالوا « متخلفين » بالنسبة إلينا؟.

وسألني أحدهم : ما هو المذهب المتبع في تونس؟ قلت : المذهب المالكي ، قال : ألا تعرفون المذهب الجعفري؟ فقلت : خير إن شاء الله ، ما هذا الاسم الجديد؟ لا ، نحن لا نعرف غير المذاهب الاربعة وما عداها فليس من الاسلام في شيء.

وابتسم قائلا : عفوا ، أن المذهب الجعفري هو محض الاسلام ، ألم تعرف بأن الامام أبا حنيفة تتلمذ على يد الامام جعفر الصادق؟ وفي ذلك يقول أبو حنيفة : « لولا السنتان لهلك النعمان » ، سكت ولم أبد جوابا ، فقد أدخل علي أسما جديدا ما سمعت به قبل ذلك اليوم ولكني حمدت الله أنه ـ أي إمامهم جعفر الصادق ـ لم يكن أستاذا للامام مالك وقلت نحن مالكية ولسنا أحنافا.

فقال : أن المذاهب الاربعة أخذ بعضهم عن بعض فأحمد بن حنبل أخذ عن الشافعي والشافعي أخذ عن مالك وأخذ مالك عن أبي حنيفة وأبوحنيفة أخذ عن جعفر الصادق وعلى هذا فكلهم تلاميذ لجعفر بن محمد ، وهو أول من فتح جامعة إسلامية في مسجد جده رسول الله وقد تتلمذ على يديه أكثر من أربعة آلاف محدث وفقيه ، وعجبت لهذا الصبي الذكي الذي يحفظ ما يقول مثل ما يحفظ أحدنا سورة من القرآن ، وقد أدهشني أكثر عندما كان يسرد علي بعض المصادر التاريخية التي يحفظ عدد أجزائها وأبوابها ، وقد استرسل معي في الحديث وكأنه أستاذ يعلم تلميذه ، وشعرت بالضعف أمامه ، وتمنيت لو أني خرجت مع صديقي ولم أبق مع الصبيان ، فما سألني أحدهم عن شيء يخص الفقه أو التاريخ إلا وعجزت عن الجواب ؛ سألني من أقلد من الائمة؟ قلت : الامام مالك! قال : كيف تقلد ميتا بينك وبينه أربعة عشر قرنا ، فإذا أردت أن تسأله الآن عن مسألة مستحدثة فهل يجيبك؟ فكرت قليلا وقلت : وأنت جعفرك مات أيضا


منذ أربعة عشر قرنا فمن تقلد؟ أجاب بسرعة هو والباقون من الصبية : نحن نقلد السيد الخوئي فهو إمامنا. ولم أفهم أكان الخوئي أعلم أم جعفر الصادق ، وبقيت معهم أحاول تغيير الموضوع فكنت أسألهم عن أي شيء يلهيهم عن مسألتي فسألتهم عن عدد سكان النجف وكم تبعد النجف عن بغداد وهل يعرفون بلدانا اخرى غير العراق ، وكلما أجابوا أعددت لهم سؤالا غيره حتى أشغلهم عن سؤالي لاني عجزت وشعرت بالقصور ، ولكن هيهات أن أعترف لهم وإن كنت في داخلي معترفا إذ أن ذلك المجد والعز والعلم الذي ركبني في مصر تبخر هنا وذاب ، خصوصا بعد لقاء هؤلاء الصبيان عرفت الحكمة القائلة :

فقل لمن يدعي في العلم فلسفة

عرفت شيئا وغابت عنك أشياء

وتصورت أن عقول هؤلاء الصبيان أكبر من عقول أولئك المشايخ الذين قابلتهم في الازهر وأكبر من عقول علمائنا الذين عرفتهم في تونس.

ودخل السيد الخوئي ومعه كوكبة من العلماء عليهم هيبة ووقار ، وقام الصبيان وقمت معهم ، وتقدموا من « السيد » يقبلون يده ، وبقيت مسمرا في مكاني ، ما إن جلس « السيد » حتى جلس الجميع وبدأ يحييهم بقوله : « مساكم الله بالخير » يقولها لكل واحد منهم فيجيبه بالمثل حتى وصل دوري فأجبت كما سمعت ، بعدها أشار علي صديقي الذي تكلم مع « السيد » همسا ، بأن أدنو من « السيد » وأجلسني على يمينه وبعد التحية قال لي صديقي : أحك للسيد ماذا تسمعون عن الشيعة في تونس.فقلت يا أخي كفانا من الحكايات التي نسمعها من هنا وهناك ، والمهم هو أن أعرف بنفسي ماذا يقول الشيعة ، وعندي بعض الاسئلة أريد الجواب عنها بصراحة. فألح علي صديقي وأصر على أن أروي « للسيد » ما هو اعتقادنا في الشيعة ، قلت : الشيعة عندنا هم أشد على الاسلام من اليهود والنصارى لان هؤلاء يعبدون الله ويؤمنون برسالة موسى ( ع ) ، بينما نسمع عن الشيعة أنهم يعبدون عليا ويقدسونه ، ومنهم فرقة يعبدون الله ولكنهم ينزلون عليا بمنزلة رسول الله ورويت قصة جبريل كيف أنه خان الامانة حسب ما يقولون وبدلا من أداء الرسالة إلى علي أداها لمحمد (ص).

أطرق « السيد » رأسه هنيهة ثم نظر إلي وقال : نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وما عليّ إلا عبد من عبيد


الله والتفت إلى بقية الجالسين قائلا ومشيرا إلي : أنظروا إلى هؤلاء الابرياء كيف تغلطهم الاشاعات الكاذبة ، وهذا ليس بغريب فقد سمعت أكثر من ذلك من أشخاص آخرين ، فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ، ثم التفت إلي وقال : هل قرأت القرآن؟ قلت : حفظت نصفه ولم أتخط العاشرة من عمري. قال : هل تعرف أن كل الفرق الاسلامية على اختلاف مذاهبها متفقة على القرآن الكريم ، فالقرآن الموجود عندنا هو نفسه موجود عندكم. قلت نعم هذا أعرفه. قال : إذاً ألم تقرأ قول الله سبحانه وتعالى :( وما محمد إلا رسول ، قد خلت من قبله الرسل ) (١) . وقوله أيضا :( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ) (٢) . وقوله :( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) (٣) . قلت بلى أعرف هذه الآيات قال : فأين هو علي؟ إذا كان قرآننا يقول بأن محمدا هو رسول الله فمن أين جاءت هذه الفرية؟ سكت ولم أجد جوابا ، وأضاف يقول : وأما خيانة جبريل « حاشاه » فهذه أقبح من الاولى ، لان محمد كان عمره أربعين سنة عندما أرسل الله سبحانه إليه جبريل ( ع ) ، ولم يكن علي إلا صبيا صغيرا عمره ست أو سبع سنوات ، فكيف يا ترى يخطئ جبريل ولا يفرق بين محمد الرجل وعلي الصبي؟

ثم سكت طويلا بينما بقيت أفكر في أقواله وأنا مطرق أحلل وأتذوق هذا الحديث المنطقي الذي نفذ إلى أعماقي وأزال غشاوة عن بصري وتساءلت في داخلي كيف لم نحلل نحن بهذا المنطق.

أضاف « السيد الخوئي » يقول : وأزيدك بأن الشيعة هي الفرقة الوحيدة من بين كل الفرق الاسلامية الاخرى التي تقول بعصمة الانبياء والائمة ، فإذا كان أئمتنا سلام الله عليهم معصومين عن الخطأ وهم بشر مثلنا ، فكيف بجبريل وهو ملك مقرب سماه رب العزة بـ « الروح الامين ».

قلت : فمن أين جاءت هذه الدعايات؟

__________________

( ١ ) سورة آل عمران : آية ١٤٤.

( ٢ ) سورة الفتح : آية ٢٩.

( ٣ ) سورة الاحزاب : آية ٤٠.


قال : من أعداء الاسلام الذين يريدون تفريق المسلمين وتمزيقهم وضرب بعضهم ببعض وإلا فالمسلمون أخوة سواء كانوا شيعة أم سنة فهم يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا ، وقرآنهم واحد ونبيهم واحد وقبلتهم واحدة ، ولا يختلف الشيعة عن السنة إلا في الامور الفقهية كما يختلف ائمة المذاهب السنية أنفسهم في ما بينهم فمالك يخالف أبا حنيفة ، وهذا يخالف الشافعي وهكذا ...

قلت : إذاً كل ما يحكى عنكم هو محض افتراء قال : أنت بحمد الله عاقل وتفهم الامور وقد رأيت بلاد الشيعة وتجولت في أوساطهم فهل رأيت أو سمعت شيئا من تلك الاكاذيب؟ قلت : لا لم أسمع ولم أر إلا الخير وإني أحمد الله سبحانه أن عرفني بالاستاذ منعم في الباخرة ، فهو السبب في مجيئي إلى العراق وقد عرفت أشياء كثيرة كنت أجهلها فضحك صديقي منعم قائلا : ومنها وجود قبر للامام علي ، فغمزته واستدركت قائلا : بل تعلمت أشياء جديدة حتى من هؤلاء الصبيان وتمنيت لو أتيحت لي الفرصة وتعلمت مثلهم في الحوزة العلمية هنا.

قال « السيد » : أهلا وسهلا ، إن كنت تريد طلب العلم فالحوزة على ذمتك ، ونحن في خدمتك ، ورحب الحاضرون بهذا الاقتراح وخصوصا صديقي منعم الذي تهلل وجهه. قلت : أنا متزوج وعندي ولدان : قال : نحن نتكفل بكل مستلزماتكم من سكن ومعاش وكل ما تحتاجون إليه والمهم هو طلب العلم ، فكرت قليلا وقلت في نفسي ليس من المعقول أن أصبح تلميذا بعد ما قضيت خمس سنوات وأنا أستاذ أمارس التعليم وتربية النشء ؛ وليس من السهولة أن أتخذ قرارا بمثل هذه السرعة.

شكرت السيد الخوئي على هذا العرض وقلت سوف أفكر في الموضوع بجد بعد رجوعي من العمرة بحول الله ولكني في حاجة إلى بعض الكتب ، فقال السيد : أعطوه الكتب ، ونهض جمع من العلماء وفتحوا عدة خزانات وما هي إلا لحظات حتى وجدت أمامي أكثر من سبعين مجلدا فكل واحد جاءني بدورة من الكتب وقال : هذه هديتي ، ورأيت أنه لا يمكنني حمل هذا العدد الكبير معي خصوصا وأني متوجه إلى السعودية الذين يمنعون دخول أي كتاب إلى بلادهم خوفا من تفشي بعض العقائد التي تخالف مذهبهم ولكني ما أردت التفريط بهذه الكتب التي لم تر عيني مثلها في سابق حياتي. فقلت


لصديقي وللحاضرين بأن طريقي طويل يمر بدمشق والاردن إلى السعودية وفي العودة سيكون أطول فسأمر بمصر وليبيا حتى الوصول إلى تونس ، وزيادة على ثقل الحمل فإن أغلب الدول تمنع دخول الكتب ، فقال « السيد » أترك لنا عنوانك ونحن نتكفل بإرسالها إليك ، واستحسنت هذا الرأي وأعطيته بطاقة شخصية بها عنواني في تونس ، وشكرت فضله ، ولما ودعته ونهضت للخروج ، نهض معي قائلا : أسأل الله لك السلامة وإذا وقفت على قبر جدي رسول الله فبلغه مني السلام وتأثر الحاضرون وتأثرت كثيرا وأنا أنظر إلى عينيه تدمعان ، وقلت في نفسي حاشى لله أن يكون هذا من المخطئين حاشى لله أن يكون هذا من الكاذبين ، إن هيبته وعظمته وتواضعه تنبيء حقا أنه من سلالة الشرف ، فما كان مني إلا أن أخذت يده وقبلتها رغم ممانعته.

وقام الجميع لقيامي وسلموا علي ، وتبعني بعض الصبية من الذين كانوا يجادلونني وطلبوا مني عنواني للمراسلة فأعطيتهم إياه.

اتجهنا من جديد إلى الكوفة بدعوة أحد الذين كانوا في مجلس السيد الخوئي وهو صديق منعم إسمه أبوشبر ، نزلنا في بيته وسهرنا ليلة كاملة مع مجموعة من الشبان المثقفين وكان من بينهم بعض طلبة السيد محمد باقر الصدر فأشاروا علي بمقابلته وتعهدوا بأنهم سيرتبون لقائي مع حضرته في اليوم التالي ، واستحسن صديقي منعم هذا الاقتراح ولكنه تأسف لعدم إمكانية حضوره لان له شغلا في بغداد يستلزم حضوره ، واتّفقنا على أن أبقى في بيت السيد أبوشبر ثلاثة أيام أو اربعة ريثما يعود منعم ، الذي غادرنا بعد صلاة الفجر وقمنا نحن للنوم وقد استفدت كثيرا من طلبة العلوم الذين سهرت معهم وتعجبت من تنوع العلوم التي يتلقونها في الحوزة فهم زيادة على العلوم الاسلامية من فقه وشريعة وتوحيد يدرسون العلوم الاقتصادية والعلوم الاجتماعية والسياسية ، والتاريخ واللغات وعلوم الفلك وغير ذلك ...


لقاء مع السيد محمد باقر الصدر

اتجهت بصحبة السيد أبو شبر إلى بيت السيد محمد باقر الصدر وفي الطريق كان يلاطفني ويعطيني بسطة عن العلماء المشهورين وعن التقليد وغير ذلك ، ودخلنا على السيد محمد باقر الصدر في بيته وكان مليئا بطلبة العلوم وأغلبهم من الشبان المعممين وقام السيد يسلم علينا ، وقدموني إليه فرحب بي كثيرا وأجلسني بجانبه وأخذ يسألني عن تونس والجزائر وعن بعض العلماء المشهورين أمثال الخضر حسين والطاهر بن عاشور وغيرهم ، وأنست بحديثه ورغم الهيبة التي تعلوه والاحترام الذي يحوطه به جلساؤه ، وجدت نفسي غير محرج وكأني أعرفه من قبل واستفدت من تلك الجلسة إذ كنت أسمع أسئلة الطلبة وأجوبة السيد عليها ، وعرفت وقتها قيمة تقليد العلماء الاحياء الذين يجيبون عن كل الاشكالات مباشرة وبكل وضوح ، وتيقنت أيضا من أن الشيعة مسلمون يعبدون الله وحده ويؤمنون برسالة نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذ كان بعض الشك يراودني والشيطان يوسوس لي بأن ما شاهدته قبل هو تمثيل ، وربما يكون ما يسمونه بالتقية ، أي أنهم يظهرون ما لا يعتقدون ، ولكن سرعان ما يزول الشك وتضمحل تلك الوساوس إذ لا يمكن بأي حال من الاحوال أن يتفق كل من رأيتهم وسمعتهم وهم مئات على هذا التمثيل ثم لماذا هذا التمثيل؟ ومن هو أنا ، وما يهمهم من أمري حتى يستعملوا معي هذه التقية ثم هذه كتبهم القديمة التي كتبت منذ قرون والحديثة التي طبعت منذ شهور وكلها توحد الله وتثني على رسوله محمد كما قرأت ذلك في مقدماتها ، وها أنا الآن في بيت السيد محمد باقر الصدر المرجع المشهور في العراق وفي خارج العراق وكلما ذكر اسم


محمد صاح الجميع في صوت واحد : « اللهم صل على محمد وآل محمد ».

وجاء وقت الصلاة وخرجنا إلى المسجد وكان بجوار البيت وصلى بنا السيد محمد باقر الصدر صلاة الظهر والعصر ، وأحسست بأني أعيش وسط الصحابة الكرام فقد تخلل الصلاتين دعا رهيب من أحد المصلين ، وكان له صوت شجي ساحر وبعدما أنهى الدعاء صاح الجميع « اللهم صل على محمد وآل محمد » وكان الدعاء كله ثناء وتمجيدا على الله جل جلاله ثم على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وجلس السيد في المحراب بعد الصلاة. وأخذ بعضهم يسلمون عليه ويسألونه سرا وعلانية وكان يجيب سرا عن بعض الاسئلة التي فهمت أنها تتطلب الكتمان لانها تتعلق بشؤون خاصة ، وكان السائل إذا حصل على الجواب يقبل يده وينصرف ، هنيئا لهم بهذا العالم الجليل الذي يحل مشاكلهم ويعيش همومهم.

رجعنا بصحبة السيد الذي أولاني من الرعاية والعناية وحسن الضيافة ما أنساني أهلي وعشيرتي وأحسست بأني لو بقيت معه شهرا واحدا لتشيعت لحسن أخلاقه وتواضعه وكرم معاملته ، فلم أنظر إليه إلا وابتسم في وجهي وابتدرني بالكلام ، وسألني هل ينقصني شيء ، فكنت لا أغادره طيلة الايام الاربعة إلا للنوم ، رغم كثرة زواره والعلماء الوافدين عليه من كل الاقطار ، فقد رأيت السعوديين هناك ولم أكن اتصور بأن في الحجاز شيعة ، وكذلك علماء من البحرين ومن قطر ومن الامارات ومن لبنان وسوريا وإيران وأفغانستان ومن تركيا ومن أفريقيا السوداء وكان السيد يتكلم معهم ويقضي حوائجهم ولا يخرجون من عنده إلا وهم فرحون مسرورون ، ولا يفوتني أن أذكر هنا قضية حضرتها وأعجبت في كيفية فصلها ، وأذكرها للتاريخ لما لها من أهمية بالغة حتى يعرف المسلمون ماذا خسروا بتركهم حكم الله.

جاء إلى السيد محمد باقر الصدر أربعة رجال أظنهم عراقيين عرفت ذلك من لهجتهم ، كان أحدهم ورث مسكنا من جده الذي توفي منذ سنوات وباع ذلك المسكن إلى شخص ثان كان هو الآخر حاضرا ، وبعد سنة من تاريخ البيع جاء أخوان ، وأثبتا أنهما وارثان شرعيان للميت ، وجلس أربعتهم أمام السيد وأخرج كل واحد منهم أوراقه وما عنده من حجج وبعد ما قرأ السيد كل أوراقهم وتحدث معهم بضع دقائق حكم بينهم بالعدل ،


فأعطى الشاري حقه في التصرف بالمسكن وطلب من البائع أن يدفع للاخوين نصيبهما من الثمن المقبوض ، وقام الجميع يقبلون يده ، ويتعانقون ، ودهشت لهذا ولم أصدق ، وسألت أبا شبر ، هل انتهت القضية؟ قال : « خلاص كل اخذ حقه » ، سبحان الله! بهذه السهولة ، وبهذا الوقت الوجيز ، بضع دقائق فقط كافية لحسم النزاع؟ إن مثل هذه القضية في بلادنا تستغرق عشر سنوات على أقل تقدير ويموت بعضهم ، ويواصل أولاده بعده تتبع القضية ويصرفون رسوم المحكمة والمحامين ما يكلفهم في أغلب الاحيان ثمن المسكن نفسه ، ومن المحكمة الابتدائية إلى محكمة الاستئناف ثم إلى التعقيب وفي النهاية يكون الجميع غير راضين بعد ما يكونون قد انهكوا بالتعب والمصاريف والرشوة ، والعداوة والبغضاء بين عشائرهم وذويهم ، أجابني أبوشبر ، وعندنا أيضا نفس الشيء أو أكثر فقلت : كيف؟ قال : إذا رفع الناس شكواهم إلى المحاكم الحكومية ، فيكون مثل ما حكيت أما إذا كانوا يقلدون المرجع الديني ويلتزمون بالاحكام الاسلامية ، فلا يرفعون قضاياهم إلا إليه فيفصلها في بضع دقائق كما رأيت ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يعقلون؟ والسيد الصدر لم يأخذ منهم فلسا واحدا ، ولو ذهبوا إلى المحاكم الرسمية لتعرت رؤوسهم. ضحكت لهذا التعبير الذي هو سار عندنا أيضا وقلت : سبحان الله! أنا لا زلت مكذبا ما رأيت ، ولولا ما شاهدته بعيني ما كنت لاصدق أبدا ، فقال أبو شبر : لا تكذب ياأخي فهذه بسيطة بالنسبة إلى غيرها من القضايا التي هي أشد تعقيدا وفيها دماء ، ومع ذلك يحكم فيها المراجع ويفصلونها في سويعات ، فقلت متعجبا : إذاً عندكم في العراق حكومتان ، حكومة الدولة وحكومة رجال الدين ، فقال : كلا عندنا حكومة الدولة فقط ، ولكن المسلمين من الشيعة الذين يقلدون مراجع الدين ، لا علاقة لهم بالحكومة ، لانها ليست حكومة إسلامية فهم خاضعون لها بحكم المواطئية والضرائب والحقوق المدنية والاحوال الشخصية ، فلو تخاصم مسلم ملتزم مع أحد المسلمين غير الملتزمين فسوف يضطر حتما لرفع قضيته إلى محاكم الدولة ، لان هذا الاخير لا يرضى بتحكيم رجال الدين ـ أما إذا كان المتخاصمان متلزمين فلا أشكال هناك ، وما يحكم به المرجع الديني نافذ على الجميع. وعلى هذا الاساس تحل القضايا التي يحكم فيها المرجع في يومها بينما تظل القضايا الاخرى شهورا بل أعواما.

إنها حادثة حركت في نفسي شعور الرضى بأحكام الله سبحانه وتعالى وفهمت معنى


قوله تعالى في كتابه المجيد :

( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ،... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) (١) صدق الله العظيم.

كما حركت في نفسي شعور النقمة والثورة على هؤلاء الظلمة الذين يبدلون أحكام الله العادلة بأحكام وضعية بشرية جائرة ، ولا يكفيهم كل ذلك بل ينتقدون بكل وقاحة وسخرية الاحكام الآلهية ، ويقولون بأنها بربرية ووحشية لانها تقيم الحدود فتقطع يد السارق وترجم الزاني ، وتقتل القاتل ، فمن أين جاءتنا هذه النظريات الغريبة عنا وعن تراثنا ، لا شك إنها من الغرب ومن أعداء الاسلام الذين يدركون أن تطبيق أحكام الله يعني القضاء عليهم نهائيا ، لانهم سراق ، خونة ، زناة ، مجرمون وقتلة. ولو طبقت أحكام الله عليهم لاسترحنا من هؤلاء جميعا وقد دارت بيني وبين السيد محمد باقر الصدر في تلك الايام حوارات عديدة وكنت أسأله عن كل صغيرة وكبيرة من خلال ما عرفته من الاصدقاء الذين حدثوني عن كثير من عقائدهم وما يقولونه في الصحابة رضي الله عنهم وما يعتقدونه في الائمة الاثني عشر علي وبنيه ، وغير ذلك من الاشياء التي نخالفهم فيها.

سألت السيد الصدر عن الامام علي ، ولماذا يشهدون له في الآذان بأنه ولي الله؟ أجاب قائلا : إن أمير المؤمنين عليا سلام الله عليه وهو عبد من عبيد الله الذين اصطفاهم الله وشرفهم ليواصلوا حمل أعباء الرسالة بعد أنبيائه وهؤلاء هم أوصياء الانبياء ، فلكل نبي وصي وعلي بن أبي طالب هو وصيّ محمد ، ونحن نفضله على سائر الصحابة بما فضله الله ورسوله ولنا في ذلك أدلة عقلية ونقلية من القرآن والسنة وهذه الادلة لا يمكن أن يتطرق إليها الشك لانها متواترة وصحيحة من طرقنا وحتى من طرق أهل السنة والجماعة ، وقد ألف في ذلك علماؤنا العديد من الكتب ، ولما كان الحكم الاموي يقوم على طمس هذه الحقيقة ومحاربة أمير المؤمنين علي وأبنائه وقتلهم ، ووصل بهم الامر إلى سبه ولعنه على منابر المسلمين وحمل الناس على ذلك بالقهر والقوة ، فكان شيعته وأتباعه رضي الله عنهم

__________________

( ١ ) سورة المائدة : الآيات ٤٤ ـ ٤٥ ـ ٤٧.


يشهدون أنه ولي الله ، ولا يمكن للمسلم أن يسب ولي الله ، وذلك تحديا منهم للسلطة الغاشمة حتى تكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، وحتى تكون حافزا تاريخيا لكل المسلمين عبر الاجيال فيعرفون حقيقة علي وباطل أعدائه.

ودأب فقهاؤنا على الشهادة لعلي بالولاية في الاذان والاقامة استحبابا ، لا بنية أنها جزء من الآذان أو الاقامة فإذا نوى المؤذن أو المقيم أنها جزء بطل أذانه وإقامته.

والمستحبات في العبادات والمعاملات لا تحصى لكثرتها والمسلم يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها ، وقد ورد على سبيل المثال أنه يذكر استحبابا بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، بأن يقول المسلم ، وأشهد أن الجنة حق والنار حق وأن الله يبعث من في القبور.

قلت : إن علماءنا علمونا : أن أفضل الخلفاء على التحقيق سيدنا أبوبكر الصديق ، ثم سيدنا عمر الفاروق ثم سيدنا عثمان ثم سيدنا علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين؟ سكت السيد قليلا ، ثم أجابني.

لهم أن يقولوا ما يشاؤون ، ولكن هيهات أن يثبتوا ذلك بالادلة الشرعية ، ثم إن هذا القول يخالف صريح ما ورد في كتبهم الصحيحة المعتبرة ، فقد جاء فيها : أن أفضل الناس أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ولا وجود لعلي بل جعلوه من سوقة الناس وإنما ذكره المتأخرون استحبابا لذكر الخلفاء الراشدين.

سألته بعد ذلك عن التربة التي يسجدون عليها والتي يسمونها « بالتربة الحسينية » أجاب قائلا :

يجب أن يعرف قبل كل شيء أننا نسجد على التراب ، ولا نسجد للتراب ، كما يتوهم البعض الذين يشهرون بالشيعة ، فالسجود هو لله سبحانه وتعالى وحده ، والثابت عندنا وعند أهل السنة أيضا أن أفضل السجود على الارض أو ما أنبتت الارض من غير المأكول ، ولا يصح السجود على غير ذلك ، وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يفترش التراب وقد اتخذ له خمرة من التراب والقش يسجد عليها ، وعلم أصحابه رضوان الله عليهم فكانوا يسجدون على الارض ، وعلى الحصى ، ونهاهم أن يسجد أحدهم على طرف ثوبه ، وهذا من المعلومات بالضرورة عندنا.


وقد اتخذ الامام زين العابدين وسيد الساجدين على بن الحسينعليهما‌السلام تربة من قبر أبيه أبي عبدالله باعتبارها تربة زكية طاهرة سالت عليها دماء سيد الشهداء ، واستمر على ذلك شيعته إلى يوم الناس هذا ، فنحن لا نقول بأن السجود لا يصح إلا عليها ، بل نقول بأن السجود يصح على أي تربة أو حجرة طاهرة كما يصح على الحصير والسجاد المصنوع من سعف النخيل وما شابه ذلك.

قلت ـ على ذكر سيدنا الحسين رضي الله عنه ـ لماذا يبكي الشيعة ويلطمون ويضربون أنفسهم حتى تسيل الدماء وهذا محرم في الاسلام ، فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ».

أجاب السيد قائلا : الحديث صحيح لا شك فيه ولكنه لا ينطبق على مأتم أبي عبدالله ، فالذي ينادي بثأر الحسين ويمشي على درب الحسين دعوته ليست دعوى جاهلية ، ثم إن الشيعة بشر فيهم العالم وفيهم الجاهل ولديهم عواطف ، فاذا كانت عواطفهم تطغى عليهم في ذكرى استشهاد أبي عبدالله وما جرى عليه وعلى أهله وأصحابه من قتل وهتك وسبي ، فهم مأجورون لان نواياهم كلها في سبيل الله ، والله سبحانه وتعالى يعطي العباد على قدر نواياهم ، وقد قرأت منذ أسبوع التقارير الرسمية للحكومة المصرية بمناسبة موت جمال عبد الناصر ، تقول هذه التقارير الرسمية بأنه سجل أكثر من ثماني حالات انتحارية قتل أصحابها أنفسهم عند سماع النبأ فمنهم من رمى نفسه من أعلى العمارة ومنهم من ألقى بنفسه تحت القطار وغير ذلك ، وأما المجروحون والمصابون فكثيرون ، وهذه أمثلة أذكرها للعواطف التي تطغى على أصحابها وإذا كان الناس وهم مسلمون بلا شك يقتلون أنفسهم من أجل موت جمال عبد الناصر وقد مات موتا طبيعيا ، فليس من حقنا ـ بناء على مثل هذا ـ أن نحكم على أهل السنة بأنهم مخطئون.

وليس لاخواننا من أهل السنة أن يحكموا على إخوانهم من الشيعة بأنهم مخطئون في بكائهم على سيد الشهداء ، وقد عاشوا محنة الحسين وما زالوا يعيشونها حتى اليوم ، وقد بكى رسول الله نفسه على ابنه الحسين وبكى جبريل لبكائه.

ـ قلت ولماذا يزخرف الشيعة قبور أوليائهم بالذهب والفضة وهو محرم في الاسلام.

أجاب السيد الصدر : ليس ذلك منحصرا بالشيعة ، ولا هو حرام فها هي مساجد


إخواننا من أهل السنة سواء في العراق أو في مصر أو في تركيا أو غيرها من البلاد الاسلامية مزخرفة بالذهب والفضة وكذلك مسجد رسول الله في المدينة المنورة وبيت الله الحرام في مكة المكرمة الذي يكسى في كل عام بحلة ذهبية جديدة يصرف فيها الملايين ، فليس ذلك منحصرا بالشيعة.

قلت : إن علماء السعودية يقولون : إن التمسح بالقبور ودعوة الصالحين والتبرك بهم ، شرك بالله ، فما هو رأيكم؟ أجاب السيد محمد باقر الصدر :

اذا كان التمسح بالقبور ودعوة أصحابها بنية أنهم يضرون وينفعون ، فهذا شرك ، لا شك فيه : وإنما المسلمون موحدون ويعلمون أن الله وحده هو الضار والنافع وإنما يدعون الاولياء والائمةعليهم‌السلام ليكونوا وسيلتهم إليه سبحانه وهذا ليس بشرك ، والمسلمون سنة وشيعة متفقون على ذلك من زمن الرسول إلى هذا اليوم ، عدا الوهابية وهم علماء السعودية الذين ذكرت والذين خالفوا إجماع المسلمين بمذهبهم الجديد الذي ظهر في هذا القرن ، وقد فتنوا المسلمين بهذا الاعتقاد وكفروهم وأباحوا دماءهم ، فهم يضربون الشيوخ من حجاج بيت الله الحرام لمجرد قول أحدهم : السلام عليك يارسول الله ، ولا يتركون أحدا يتمسح على ضريحه الطاهر ، وقد كان لهم مع علمائنا مناظرات ، ولكنهم أصروا على العناد واستكبروا استكبارا.

فإن السيد شرف الدين من علماء الشيعة لما حج بيت الله الحرام في زمن عبدالعزيز آل سعود ، كان من جملة العلماء المدعوين إلى قصر الملك لتهنئته بعيد الاضحى كما جرت العادة هناك ولما وصل الدور إليه وصافح الملك قدم إليه هدية وكانت مصحفا ملفوفا في جلد ، فأخذه الملك وقبله ووضعه على جبهته تعظيما له وتشريفا ، فقال له السيد شرف الدين عندئذ : أيها الملك لماذا تقبل الجلد وتعظمه وهو جلد ماعز؟ أجاب الملك ، أنا قصدت القرآن الكريم الذي بداخله ولم أقصد تعظيم الجلد! فقال السيد شرف الدين عند ذلك : أحسنت أيها الملك ، فكذلك نفعل نحن عندما نقبل شباك الحجرة النبوية أو بابها فنحن نعلم أنه حديد لا يضر ولا ينفع ، ولكننا نقصد ما وراء الحديد وما وراء الاخشاب نحن نقصد بذلك تعظيم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما قصدت أنت القرآن بتقبيلك جلد الماعز الذي يغلفه.


فكبر الحاضرون إعجابا له وقالوا : صدقت ، واضطر الملك وقتها إلى السماح للحجاج ان يتبركوا بآثار الرسول حتى جاء الذي بعده فعاد إلى القرار الاول ـ فالقضية ليست خوفهم أن يشرك الناس بالله ، بقدر ما هي قضية سياسية قامت على مخالفة المسلمين وقتلهم لتدعيم ملكهم وسلطتهم على المسلمين والتاريخ أكبر شاهد على ما فعلوه في أمة محمد.

وسألته عن الطرق الصوفية فأجابني بايجاز : بأن فيها ماهو إيجابي وفيها ما هو سلبي ، فالايجابي منها تربية النفس وحملها على شظف العيش والزهد في ملذات الدنيا الفانية ، والسمو بها إلى عالم الارواح الزكية ، أما السلبي منها ، فهو الانزواء والهروب من واقع الحياة وحصر ذكر الله في الاعداد اللفظية وغير ذلك ، والاسلام ـ كما هو معلوم ـ يقر الايجابيات ويطرح السلبيات ويحق لنا أن نقول بأن مبادئ الاسلام وتعاليمه كلها إيجابية.


الشك والحيرة

كانت أجوبة السيد محمد باقر الصدر ، واضحة ومقنعة ولكن أنى لها أن تغوص في أعماق واحد مثلي قضى خمسة وعشرين عاما من عمره على مبدأ تقديس الصحابة واحترامهم وخصوصا الخلفاء الراشدين الذين أمرنا رسول الله بالتمسك بسنتهم والسير على هديهم ، وعلى رأس هؤلاء سيدنا أبوبكر الصديق وسيدنا عمر الفاروق ، وإني لم أسمع لهما ذكرا منذ قدمت العراق ، وإنما سمعت أسماء أخرى غريبة عني أجهلها تماما ، وأئمة بعدد إثنى عشر إماما ، وإدعاء بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد نص على الامام علي بالخلافة قبل وفاته ، كيف لي أن أصدق ذلك. أي أن يتفق المسلمون وهم الصحابة الكرام خير البشر بعد رسول الله ويتصافقوا ضد الامام علي كرم الله وجهه ، وقد علمونا منذ نعومة أظافرنا بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحترمون الامام عليا ويعرفون حقه فهو زوج فاطمة الزهراء وأبوالحسن والحسين وباب مدينة العلم ، كما يعرف سيدنا علي حق أبي بكر الصديق الذي أسلم قبل الناس جميعا وصاحب رسول الله في الغار ذكره الله تعالى في القرآن ، وقد ولاه رسول الله إمامة الصلاة في مرضه وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبابكر خليلا ، ولكل ذلك اختاره المسلمون خليفة لهم ، كما يعرف الامام علي حق سيدنا عمر الذي أعز الله به الاسلام وسماه رسول الله بالفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل كما يعرف حق سيدنا عثمان الذي استحت منه ملائكة الرحمن والذي جهز جيش العسرة وسماه رسول الله بذي النورين ، فكيف يجهل إخواننا الشيعة كل هذا أو


يتجاهلونه ويجعلون من هؤلاء أشخاصا عاديين تميل بهم الاهواء والاطماع الدنيوية عن اتباع الحق فيعصون أوامر الرسول بعد وفاته وهم الذين كانوا يتسابقون لتنفيذ أوامره فيقتلون أولادهم وآباءهم وعشيرتهم في سبيل عزة الاسلام ونصرته ، والذي يقتل أباه وولده طاعة لله ورسوله لا يمكن أن تغره أطماع دنيوية زائلة هي اعتلاء منصة الخلافة فيتجاهل أمر رسول الله ويتركه ظهريا.

نعم من أجل كل هذا ما كنت لاصدق الشيعة في كل ما يقولون رغم أني اقتنعت بأمور كثيرة ، وبقيت بين الشك والحيرة ، الشك الذي أدخله علماء الشيعة في عقلي لان كلامهم معقول ومنطقي ، والحيرة التي غمرتني فلم أصدق أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ينزلون إلى هذا المستوى الاخلاقي فيصبحون بشرا عاديين مثلنا ، لم تصقلهم أنوار الرسالة ولم يهذبهم الهدى المحمدي؟ يا إلهي كيف يكون ذلك؟ أيمكن أن يكون الصحابة على هذا المستوى الذي يقول به الشيعة؟ والمهم هو أن هذا الشك وهذه الحيرة هما بداية الوهن وبداية الاعتراف بأن هناك أمورا مستورة لابد من كشفها للوصول إلى الحقيقة.

جاء صديقي منعم وسافرنا إلى كربلاء ، وهناك عشت محنة سيدنا الحسين كما يعيشها شيعته وعلمت وقتئذ بأن سيدنا الحسين لم يمت ، فالناس يتزاحمون ويتراصون حول ضريحه كالفراشات ويبكون بحرقة ولهفة لم أشهد لهما مثيلا ، فكأن الحسين استشهد الآن ، وسمعت الخطباء هناك يثيرون شعور الناس بسردهم لحادثة كربلاء في نواح ونحيب ، ولا يكاد السامع لهم أن يمسك نفسه ويتماسك حتى ينهار ، فقد بكيت وبكيت وأطلقت لنفسي عنانها وكأنها كانت مكبوتة ، وأحسست براحة نفسية كبيرة ما كنت أعرفها قبل ذلك اليوم ، وكأني كنت في صفوف أعداء الحسين وانقلبت فجأة إلى أصحابه وأتباعه الذين يفدونه بأرواحهم ، وكان الخطيب يستعرض قصة الحر وهو أحد القادة المكلفين بقتال الحسين ، ولكنه وقف في المعركة يرتعش كالسعفة ولما سأله بعض أصحابه : أخائف أنت من الموت أجابه الحر ، لا والله ولكنني أخير نفسي بين الجنة والنار ثم همز جواده وانطلق إلى الحسين قائلا : هل من توبة يابن رسول الله ، ولم أتمالك عند سماع هذا أن سقطت على الارض باكيا وكأني أمثل دور الحر وأطلب من الحسين : هل من توبة ياابن رسول الله ، سامحني ياابن رسول الله ، وكان صوت الخطيب مؤثرا ، وارتفعت


أصوات الناس بالبكاء والنحيب عند ذلك سمع صديقي صياحي وانكب علي معانقا ، باكيا وضمني إلى صدره كما تضم الام ولدها وهو يردد يا حسين ، يا حسين ، كانت دقائق ولحظات عرفت فيها البكاء الحقيقي وأحسست وكان دموعي غسلت قلبي وكل جسدي من الداخل وفهمت وقتها حديث الرسول : « لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ».

بقيت كامل اليوم مقبوض النفس وقد حاول صديقي تسليتي وتعزيتي وقدم إلي بعض المرطبات ولكن شهيتي انقطعت تماما ، وبقيت أسأله أن يعيد علي قصة مقتل سيدنا الحسين ، لاني ما كنت أعرف منها قليلا أو كثيرا غاية ما هناك أن شيوخنا إذا حدثونا عن ذلك يقولون أن المنافقين أعداء الاسلام الذين قتلوا سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي هم الذين قتلوا سيدنا الحسين ، ولا نعرف غير هذا الاقتضاب بل إننا نحتفل بيوم عاشوراء على أنه من الاعياد الاسلامية وتخرج فيه زكاة الاموال وتطبخ فيه شتى المأكولات وأنواع الاطعمة الشهية ، ويطوف الصبيان على الكبار ليعطوهم بعض النقود لشراء الحلويات والالعاب.

صحيح أن هناك بعض التقاليد والعادات في بعض القرى منها أنهم يشعلون النار ، ولا يعملون في ذلك اليوم ولا يتزوجون ولا يفرحون ، ولكن نسميها عادات وتقاليد بدون ذكر أي تفسير لها ، ويروي علماؤنا في ذلك أحاديث عن فضائل يوم عاشوراء وما فيه من بركات ورحمات أنه أمر عجيب!.

زرنا بعد ذلك ضريح العباس أخي الحسين ، ولم أكن أعرف من هو وقد روى لي صديقي قصة بطولته وشجاعته ، كما التقينا بالعديد من العلماء الافاضل الذين لا أتذكر أسماءهم بالتفصيل سوى بعض الالقاب ، كبحر العلوم والسيد الحكيم وكاشف الغطاء وآل ياسين والطباطبائي والفيروزآبادي وأسد حيدر وغيرهم ممن تشرفت بمقابلتهم. والحق يقال إنهم علماء أتقياء ، تعلوهم هيبة ووقار ، والشيعة يحترمونهم كثيرا ويؤدون إليهم خمس أموالهم ، والتي بها يديرون شؤون الحوزات العلمية ويؤسسون المدارس والمطابع وينفقون على طلاب العلم الوافدين من كل البلاد الاسلامية ، إنهم مستقلون ولا يرتبطون بالحكام من قريب أو من بعيد كما هو شأن علمائنا الذين لا يفتون ولا


يتكلمون إلا برأي السلطة التي تضمن معاشهم ، وتعزل من تشاء منهم وتنصب من تشاء.

إنه عالم جديد بالنسبة إليّ اكتشفته ، أو كشفه الله لي وقد أنست به بعد ما كنت أنفر منه وانسجمت معه بعد ما كنت أعاديه ، وقد أفادني هذا العالم أفكارا جديدة وبعث في حب الاطلاع والبحث والدراسة حتى أدرك الحقيقة المنشودة التي طالما راودتني عندما قرأت الحديث الشريف الذي قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « افترقت بنو إسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي إلى ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة ».

فلا كلام لنا مع الاديان المتعددة التي يدّعي كل منها أنه هو الحق وغيره الباطل ، ولكن أعجب واندهش وأحتار عند قراءة هذا الحديث ، وليس عجبي وإندهاشي وحيرتي للحديث نفسه ولكن للمسلمين الذي يقرؤون هذا الحديث ويرددونه في خطبهم ويمرون عليه مر الكرام بدون تحليل ، ولا بحث في مدلوله لكي يتبينوا الفرقة الناجية من الفرق الضالة.

والغريب أن كل فرقة تدعي أنها هي وحدها الناجية وقد جاء في ذيل الحديث : « قالوا من هم يارسول الله؟ قال من هم على ما أنا عليه أنا وأصحابي » فهل هناك فرقة إلا وهي متمسكة بالكتاب والسنة ، وهل هناك فرقة إسلامية تدعي غير هذا؟ فلو سئل الامام مالك أو أبوحنيفة أو الامام الشافعي أو أحمد بن حنبل فهل يدعي أي واحد منهم إلا التمسك بالقرآن والسنة الصحيحة؟.

فهذه المذاهب السنية وإذا أضفنا إليها الفرق الشيعية التي كنت أعتقد بفسادها وانحرافها ، فها هي الاخرى تدعي أيضا أنها متمسكة بالقرآن والسنة الصحيحة المنقولة عن أهل البيت الطاهرين ، وأهل البيت أدري بما فيه كما يقولون.

فهل يمكن أن يكونوا كلهم على حق كما يدعون؟ وهذا غير ممكن لان الحديث الشريف يفيد نقيض ذلك ، اللهم إلا إذا كان الحديث موضوعا ، مكذوبا ، وهذا لا سبيل إليه لان الحديث متواتر عند السنة والشيعة ، أم أن الحديث لا معنى له ولا مدلول؟ وحاشى لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول شيئاً لا معنى له ولا مدلول وهو الذي لا ينطق عن الهوى وكل أحاديثه حكمة وعبر.

إذا لم يبق أمامنا إلا الاعتراف بأن هناك فرقة واحدة على الحق وما بقي فهو باطل ، فالحديث يبعث


على الحيرة كما يبعث على البحث والتنقيب لمن يريد لنفسه النجاة.

ومن أجل هذا داخلني الشك والحيرة بعد لقائي بالشيعة فمن يدري لعلهم يقولون حقا وينطقون صدقا! ولماذا لا أبحث ولا أنقب.

وقد كلفني الاسلام بقرآنه وسنته أن أبحث وأقارن وأتبين قال الله تعالى :( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) (١) وقال أيضا :( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الالباب ) (٢) .

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ابحث عن دينك حتى يقال عنك مجنون » فالبحث والمقارنة واجب شرعي على كل مكلف.

بهذا القرار وبهذه العزيمة الصادقة واعدت نفسي وأصدقائي من الشيعة في العراق وأنا أودعهم معانقا ومتأسفا لفراقهم فقد أحببتهم وأحبوني ، وقد تركت أحباء أعزاء مخلصين ضحوا بأوقاتهم من أجلي لا لشيء كما قالوا لا خوفا ولا طمعا ، وإنما ابتغاء مرضاة الله سبحانه فقد ورد في الحديث الشريف « لئن يهد الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ».

وغادرت العراق بعد قضاء عشرين يوماً في ربوع الائمة وشيعتهم ، مرت كأنها حلم لذيذ يتمنى النائم أن لا يستيقظ حتى يستوفيه ، غادرت العراق متأسفاً على قصر المدة ، متأسفاً على فراق الافئدة التي أهوي إليها والقلوب التي تنبض بمحبة أهل البيت وتوجهت للحجاز قاصداً بيت الله الحرام وقبر سيد الاولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

__________________

( ١ ) سورة العنكبوت : آية ٦٩.

( ٢ ) سورة الزمر : آية ١٨.


السفر إلى الحجاز

وصلت إلى جدة والتقيت صديقي البشير الذي فرح بقدومي وأنزلني في بيته ، وأكرمني غاية الاكرام ، وكان يقضي أوقات فراغه معي في النزهة والمزارات بسيارته ، وذهبنا للعمرة معا وعشنا أياما كلها عبادة وتقوى ، واعتذرت له عن تأخري لبقائي في العراق وحكيت له عن اكتشافي الجديد أو الفتح الجديد ، وكان متفتحا ومطلعا فقال : فعلا أنا أسمع أن فيهم بعض العلماء الكبار وعندهم ما يقولون ، ولكن عندهم فرقا كثيرة كافرة منحرفة يخلقون لنا مشاكل متعددة في كل موسم للحج. سألته ما هي هذه المشاكل التي يخلقونها؟. أجاب : إنهم يصلون حول القبور ، يدخلون البقيع جماعات فيبكون وينوحون ويحملون في جيوبهم قطعا من الحجارة يسجدون عليها ، وإذا ذهبوا إلى قبر سيدنا الحمزة في أحد فهناك يقيمون جنازة بلطم وعويل وكأن الحمزة مات في ذلك الحين ، ومن أجل كل ذلك منعتهم الحكومة السعودية من الدخول إلى المزارات.

ابتسمت ، وقلت له : ألهذا تحكم عليهم بأنهم منحرفون عن الاسلام؟ قال : هذا وغيره ، أنهم يأتون لزيارة النبي ولكنهم في نفس الوقت يقفون على قبر أبي بكر وعمر ويسبونهما ويلعنونهما ومنهم من يلقي على قبر أبي بكر وقبر عمر القذارات والنجاسات.

وذكرني هذا القول بالرواية التي سمعتها من والدي غداة رجع من الحج ولكنه قال بأنهم يلقون القذارات على قبر النبي ، ولا شك بأن والدي لم يشاهد ذلك بعينيه لانه قال : شاهدنا جنودا من الجيش السعودي يضربون بعض الحجاج بالعصي ولما استنكرنا


عليهم إهانتهم لحجاج بيت الله الحرام : أجابونا بأن هؤلاء ليسوا من المسلمين فهم من الشيعة جاؤوا بالقذارات ليلقوها على قبر النبي ، قال والدي : عند ذلك لعناهم وبصقنا عليهم.

وها أنا الآن أسمع من صديقي السعودي المولود في المدينة المنورة بأنهم يأتون لزيارة قبر النبي ولكنهم يلقون النجاسات على قبر أبي بكر وعمر ، وشككت في صحة الروايتين ، لاني حججت ورأيت أن الحجرة المباركة التي يوجد فيها ضريح النبي وأبي بكر وعمر مغلقة ولا يمكن لاي شخص أن يقترب منها للتمسح على بابها أو شباكها ، فضلا على أن يلقي فيها أشياء ، أولا ، لعدم وجود فجوات وثانيا لوجود حراسة مشددة من الجنود الغلاظ الذين يتداولون على الرقابة والحراسة أمام كل باب وفي أيديهم سياط يضربون بها كل من يقترب أو يحاول أن ينظر داخل الحجرة ، والغالب على الظن أن بعض الجنود من السعودية وهم يكفرون الشيعة ، رماهم بهذه التهمة ليبرر ضربه لهم ، وحتى يستفز المسلمين لمقاتلتهم أو على الاقل ليسكتوا على إهانتهم ، ويروجوا إذا رجعوا إلى بلدانهم أن الشيعة يبغضون رسول الله ويلقون على قبره النجاسات ، وبذلك يضربون عصفورين بحجر واحد.

وهذا نظير ما حكاه أحد الفضلاء ممن أثق بهم إذ قال : كنا نطوف بالبيت فإذا بشاب « أصابه مغص من شدة الزحام فتقيأ » ، وضربه الجنود الذين كانوا يحرسون الحجر الاسود وأخرجوه وهو في حالة يرثى لها واتهموه بأنه جاء بالنجاسة لتوسيخ الكعبة وشهدوا عليه وأعدم في نفس اليوم.

وجالت بخاطري هذه المسرحيات وبقيت أفكر برهة في تعليل صديقي السعودي لتكفير هؤلاء الشيعة ، فلم أسمع غير أنهم يبكون ويلطمون ويسجدون على الحجر ويصلون حول القبور ، وتساءلت أفي هذا دليل على تكفير من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؟ ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

وما أردت معاندة صديقي والدخول معه في جدال لا طائل من ورائه فاقتصرت على


القول : هدانا الله وإياهم إلى صراطه المستقيم ولعن الله أعداء الدين الذين يكيدون للاسلام والمسلمين.

وكنت كلما طفت بالبيت العتيق خلال العمرة وفي كل زيارة لمكة المكرمة ، ولم يكن يطوف بها الا نفر قليل من المعتمرين ، صليت وسألت الله سبحانه من كل جوارحي أن يفتح بصيرتي ويهديني إلى الحقيقة.

وقفت على مقام ابراهيم ( ع ) واستعرضت الآية الكريمة( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) (١) صدق الله العظيم.

وبدأت أناجي سيدنا إبراهيم أو أبانا إبراهيم كما سماه القرآن :

ـ يا أبتاه ، يامن سميتنا المسلمين ، ها قد اختلف أبناؤك من بعدك فأصبحوا يهودا ونصارى ومسلمين ، واختلف اليهود فيما بينهم إلى أحدى وسبعين فرقة واختلف النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة ، واختلف المسلمون إلى ثلاث وسبعين فرقة وكلهم في الضلالة حسبما أخبر بذلك ابنك محمد وفرقة واحدة بقيت على عهدك يا أبتاه!.

أهي سنة الله في خلقه كما يقول القدرية ، فالله سبحانه هو الذي كتب على كل نفس أن تكون يهودية أو نصرانية أو مسلمة ، أو ملحدة ، أو مشركة ، أم أنه حب الدنيا والابتعاد عن تعاليمه سبحانه ، ذلك بأنهم نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، إن عقلي لا يطاوعني بتصديق أن القضاء والقدر هو الذي حتم مصير الانسان ، بل أميل وأكاد أجزم بأن الله سبحانه خلقنا وهدانا وألهمنا الفجور والتقوى ، وأرسل إلينا رسله ليوضحوا لنا ما أشكل علينا ويعرفوننا الحق من الباطل ، ولكن الانسان غرته الحياة الدنيا وزينتها ، الانسان بأنانيته وكبريائه ، بجهله وفضوله ، بعناده ولجاجته ، بظلمه وطغيانه مال عن الحق واتبع الشيطان وابتعد عن الرحمن فورد غير مورده ، وأكل غير مأكله ، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك

_________________

( ١ ) سورة الحج : آية ٧٨.


أحسن تعبير وأوجزه بقوله تعالى :( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) (١) .

ياأبانا إبراهيم ، لا لوم على اليهود والنصارى الذين عاندوا الحق بغيا بينهم لما جاءتهم البينة ، فها هي الامة التي أنقذها الله بولدك محمد وأخرجها من الظلمات إلى النور وجعلها خير أمة أخرجت للناس ، فهي الاخرى اختلفت وتفرقت وكفر بعضها بعضا ، وقد حذرهم رسول الله ونبههم إلى ذلك وضيق عليهم حتى قال : « لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث » فما بال هذه الامة قد انقسمت وافترقت وأصبحت دويلات يعادي بعضها البعض ويحارب بعضها البعض ويكفر بعضها البعض وحتى لا يعرف بعضها البعض الآخر ، فيهجره طيلة حياته ، ما لهذه الامة ياأبانا إبراهيم بعد ما كانت خير الامم وقد ملكت الشرق والغرب وأوصلت للناس الهداية والعلوم والمعرفة والحضارة ، إذا بها اليوم أصبحت أقل الامم وأذلها فأراضيهم مغتصبة وشعوبهم مشردة ومسجدهم الاقصى تحتله عصابة من الصهاينة ولا يقدرون على تحريره ، وإذا زرت بلدانهم فإنك لا ترى إلا الفقر المدقع والجوع القاتل والاراضي القاحلة ، والامراض الفتاكة والاخلاق السيئة ، والتخلف الفكري والتقني ، والظلم والاضطهاد ، والاوساخ والحشرات ، ويكفيك فقط أن تقارن بيوت الراحة « المراحيض » العمومية كيف هي في أوروبا وكيف هي عندنا ، فإذا دخل المسافر إلى المراحيض في أوروبا بأسرها وجدها نظيفة تلمع كالبلور وفيها روائح طيبة بينما لا يطيق المسافر إلى البلاد الاسلامية الدخول إلى المراحيض لعفونتها ونجاستها ونتونتها ونحن الذين علمنا الاسلام « إن النظافة من الايمان والوسخ من الشيطان » ، فهل تحول الايمان إلى أوروبا وسكن الشيطان عندنا؟ لماذا أصبح المسلمون يخافون من إظهار عقيدتهم حتى في بلدانهم ، ولا يتحكم المسلم حتى في وجهه فلا يتمكن من إعفاء لحيته ولا من لبسه الزي الاسلامي بينما يتجاهر الفاسقون بشرب الخمر والزنا وهتك الاعراض ولا يقدر المسلم دفعهم بل ولا حتى أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وقد بلغني أن في بعض البلاد الاسلامية مثل مصر والمغرب من يبعث الاباء بناتهم للبغاء من شدة الفقر والبؤس والاحتياج فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

__________________

( ١ ) سورة يونس : آية ٤٤.


ياإلهي لماذا ابتعدت عن هذه الامة وتركتها تتخبط في الظلمات ، لا ، لا ، أستغفرك ياإلهي وأتوب إليك ، فهي التي ابتعدت عنك عن ذكرك ، واختارت طريق الشيطان ، وأنت جلت حكمتك ، وتعالت قدرتك قلت ، وقولك الحق :( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) (١) وقلت أيضا :( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) (٢) .

ولا شك أن ما وصلت إليه الامة الاسلامية من الانحطاط والتخلف والذلة والمسكنة لدليل قاطع على بعدها عن الصراط المستقيم ، ولا شك أن القلة القليلة أو الفرقة الواحدة من بين ثلاثة وسبعين ، لا تؤثر في مسيرة أمة بأكملها.

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم ».

ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

سافرت إلى المدينة المنورة محملا برسالة من صديقي بشير إلى أحد أقربائه لكي أقيم عنده مدة بقائي هناك ، وقد كلمه من قبل بالهاتف ، واستقبلني هذا الاخير ورحب بي وأنزلني في بيته وتوجهت فور وصولي إلى زيارة رسول الله ، فاغتسلت وتطيبت ، ولبست أحسن ثيابي وأطهرها ، وكان الزوار قليلين بالنسبة إلى موسم الحج فتمكنت من الوقوف أمام قبر رسول الله وأبي بكر وعمر ، ولم أكن أتمكن من ذلك في موسم الحج لكثرة الازدحام ، وحاوت عبثا أن أمس أحد الابواب للتبرك ، فانتهرني الحرس الواقف هناك ، وكان على كل باب حرس يحرسه ، ولما أطلت الوقوف للدعاء وإبلاغ السلام الذي حملني إياه أصدقائي ، أمرني الحراس بالانصراف ، وحاولت أن أتكلم مع واحد منهم ولكن دون جدوى.

__________________

( ١ ) سورة الزخرف : آية ٣٦.

( ٢ ) سورة آل عمران : آية ١٤٤.


ورجعت إلى الروضة المطهرة حيث جلست أقرأ ما تيسر من القرآن ، وأحسن الترتيل وأعيده مرات لاني تخيلت وكأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستمع إلي ، وقلت في نفسي أيمكن أن يكون الرسول ميتا كسائر الاموات ، فلماذا نقول في صلاتنا ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته بصفة المخاطب ، وإذا كان المسلمون يعتقدون بأن سيدنا الخضرعليه‌السلام لم يمت ويرد السلام على كل من يسلم عليه بل وأن مشايخ الطرق الصوفية يعتقدون جزما بأن شيخهم أحمد التيجاني أو عبد القادر الجيلاني يأتون إليهم جهارا ويقظة لا مناما ، فلماذا نشح على رسول الله بمثل هذه المكرمة وهو أفضل الخلق على الاطلاق ، ولكن يخفف على نفسي أن المسلمين لا يشحون بذلك على رسول الله ، إلا الوهابية الذين بدأت أنفر منهم لهذا ولعدة أسباب أخرى منها الغلظة التي شاهدتها فيهم والشدة على المؤمنين الذين يخالفونهم في معتقداتهم. زرت البقيع وكنت واقفا أترحم على أرواح أهل البيت ، وكان بالقرب مني شيخ طاعن في السن يبكي وعرفت من بكائه أنه شيعي ، واستقبل القبلة وبدأ يصلي وإذا بالجندي يأتي إليه بسرعة وكأنه كان يراقب تحركاته وركله بحذائه ركلة وهو في حالة سجود فقلبه على ظهره وبقي المسكين فاقد الوعي بضع دقائق وانهال عليه الجندي ضربا وسبا وشتما ، ورق قلبي لذلك الشيخ وظننت أنه مات ودفعني فضولي وأخذتني الحمية وقلت للجندي : حرام عليك لماذا تضربه وهو يصلي؟ فانتهرني قائلا : أسكت أنت ولا تتدخل حتى لا أصنع بك مثله. ولما رأيت في عينيه الشر تجنبته وأنا ساخط على نفسي العاجزة عن نصرة المظلوم ، وعلى السعوديين الذين يفعلون بالناس ما بدا لهم بدون رادع ولا وازع ولا من ينكر عليهم ، وكان بعض الزائرين حاضرا فمنهم من حوقل(١) ومنهم من قال : إنه يستحق ذلك لانه يصلي حول القبور وهو محرم ، فلم أتمالك وانفجرت على هذا المتكلم قائلا : من قال لك أن الصلاة حول القبور حرام؟ أجابني : قد نهى رسول الله عن ذلك. فقلت بدون وعي : تكذبون على رسول الله ، وخشيت أن يتألب علي الحاضرون أو ينادوا الجندي فيفتك بي ، فتلطفت قائلا : إذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد نهى عن ذلك فلماذا يخالف نهيه الملايين من الحجاج والزوار ويرتكبون حراما لانهم يصلون حول قبر النبي وقبر أبي بكر وقبر عمر

__________________

( ١ ) حوقل : قال لا حول ولا قوة إلا بالله.


في المسجد النبوي الشريف ، وفي مساجد المسلمين في كل العالم الاسلامي ، وعلى افتراض أن الصلاة حول القبور حرام ، أفبهذه الغلظة والشدة ولا خجل ، ولما قام إليه بعض الصحابة شاهرين سيوفهم ليقتلوه ، نهاهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنعهم وقال : « دعوه ولا تزرموه وهريقوا على بوله دلوا من الماء ، إنما بعثتم لتيسروا لا لتعسروا ، لتبشروا لا لتنفروا » وما كان من الصحابة إلا أن امتثلوا أمره ، ونادى رسول الله الاعرابي وأجلسه إلى جانبه ورحب به ولاطفه وأفهمه أن ذلك المكان هو بيت الله ولا يمكن تنجيسه فأسلم الاعرابي ولم ير بعد ذلك إلا وهو آت المسجد في أحسن ثيابه وأطهرها ، وصدق الله العظيم إذ يقول لرسوله :( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) (١) .

وتأثر بعض الحاضرين عند سماع القصة فاختلى بي أحدهم إلى جانب وسألني : من أين أنت : قلت من تونس : فسلم علي وقال : يا أخي بالله عليك أن تحفظ نفسك ولا تتكلم مثل هذا هنا أبدا. أنصحك لوجه الله. وازددت بغضا وحنقا على هؤلاء الذين يدعون أنهم حماة الحرمين ويعاملون ضيوف الرحمن بهذه القسوة ، ولا يقدر أحد أن يبدي رأيه أو يروي أحاديث لا تتفق وما يروونه ، أو يعتقد غير ما يعتقدونه.

رجعت إلى بيت الصديق الجديد الذي لم أعرف اسمه وقد جاءني بالعشاء وجلس مقابلي وقبل أن نبدأ في الاكل سألني أين ذهبت ، ورويت له قصتي من أولها إلى آخرها وقلت في معرض كلامي : يا أخي أنا بصراحة بدأت أنفر من الوهابية وأميل إلى الشيعة ، فتغير وجهه وقال لي : إياك أن تتكلم مثل هذا الكلام مرة اخرى! وغادرني ولم يأكل معي ، وانتظرته طويلا حتى غلبني النوم ، وأفقت باكرا على أذان المسجد النبوي فرأيت أن الاكل لا يزال في مكانه كما تركته وعلمت بأن مضيفي لم يرجع ، وتشككت في أمره وخشيت أن يكون من المخابرات ، فنهضت مسرعا وغادرت البيت بدون رجعة وقضيت كامل اليوم في الحرم النبوي أزور وأصلي وأخرج لقضاء الحاجة والوضوء وبعد صلاة

__________________

( ١ ) سورة آل عمران : آية ١٥٩.


العصر سمعت أحد الخطباء يلقي درسا وسط جماعة من المصلين ، واتجهت وعلمت من بعض الجالسين أنه قاضي المدينة ، واستمعت إليه وهو يفسر بعض آيات من الذكر الحكيم ، وبعد ما أتم ، درسه وهم بالخروج استوقفته وسألته قائلا : سيدي هل لك أن تعطيني مدلول الآية من قوله تعالى :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (١) .

فمن هم أهل البيت المقصودون بهذه الآية؟ أجابني على الفور : هم نساء النبي وقد بدأت الآية بذكرهن( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء أن اتقيتن ) .

قلت له : إن علماء الشيعة يقولون بأنها خاصة بعلي وفاطمة والحسن والحسين ، وقد اعترضت عليهم طبعا وقلت بأن بداية الآية تقول : «يا نساء النبي» ، فأجابوني لما كان الكلام عليهن جاءت الصيغة كلها بنون النسوة ، فقال تعالى : لستن ، ان اتقيتن ، فلا تخضعن ، وقلن ، وقرن في بيوتكن ، ولا تبرجن ، وأقمن الصلاة ، وآتين الزكاة ، وأطعن الله ورسوله ، ولما كان هذا المقطع من الآية خاضعا بأهل البيت تغيرت الصيغة فقال : ليذهب عنكم ، ويطهركم ، فنظر إلي رافعا نظارته وقال : إياك وهذه الافكار المسمومة ، إن الشيعة يؤولون كلام الله على حسب أهوائهم ولهم في عليّ وذريته آيات لا نعرفها وعندهم قرآن خاص يسمونه مصحف فاطمة ، فأنا أحذرك أن يخدعوك.

قلت : لا تخف يا سيدي فأنا على حذر وأعرف عنهم الكثير ولكني أردت أن أتحقق ، قال : من أين أنت ، قلت من تونس ، قال فما اسمك؟ قلت : ـ التيجاني فضحك مفتخرا ، وقال هل تدري من هو أحمد التيجاني؟ قلت هو شيخ الطريقة ، قال وهو عميل للاستعمار الفرنسي ، وقد تركز الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس بإعانته ، وإذا زرت باريس فاذهب للمكتبة القومية واقرأ بنفسك القاموس الفرنسي في باب « أ » فسترى أن فرنسا أعطت وسام الشرف لاحمد التيجاني الذي قدم لها خدمات لا تقاس فتعجبت من قوله وشكرته وودعته وانصرفت.

بقيت في المدينة أسبوعا كاملا حيث صليت أربعين صلاة وزرت المزارات كلها ،

__________________

 ( ١ ) سورة الاحزاب : آية ٣٢.


وكنت دقيق الملاحظة خلال إقامتي هناك فلم أزدد من الوهابية إلا بعدا ونفورا وارتحلت من المدينة المنورة إلى الاردن حيث التقيت أصدقاء هناك كنت تعرفت عليهم في ملتقى الحج الذي أشرت إليه سابقا.

وبقيت معهم ثلاثة أيام ، ووجدت عندهم حقدا على الشيعة أكثر مما عندنا في تونس فالروايات نفسها ، والاشاعات ذاتها ، وليس هناك واحد سألته عن الدليل إلا وقال بأنه يسمع عنهم ولم أجد احدا منهم جالس الشيعة أو قرأ كتابا للشيعة ولا حتى التقى شيعيا في حياته.

رجعت من هناك إلى سوريا وفي دمشق زرت الجامع الاموي وإلى جانبه مرقد رأس سيدنا الحسين كما زرت ضريح صلاح الدين الايوبي والسيدة زينب ومن بيروت قطعت مباشرة إلى طرابلس ودامت الرحلة أربعة أيام في البحر استرحت خلالها بدنيا وفكريا واستعرضت شريط الرحلة التي أوشكت على النهاية فإذا بي أستنتج ميلا واحتراما للشيعة وفي نفس الوقت بعدا ونفورا وسخطا على الوهابية التي عرفت دسائسها وحمدت الله على ما أنعم به علي وما أولاني من عناية ورعاية داعيا إياه سبحانه وتعالى أن يهديني إلى طريق الحق.

ورجعت إلى أرض الوطن وكلي شوق وحنين إلى أسرتي وأهلي وأصدقائي ، ووجدت الجميع بخير ، وفوجئت عند دخولي إلى منزلي بكثرة الكتب التي وصلت قبلي وعرفت مصدرها. ولما فتحت تلك الكتب التي ملات البيت ازددت حبا وتقديرا لاولئك. الذين لا يخلفون وعدهم وقد وجدت هنا أضعاف ما أهدي إلي هناك.


بداية البحث

فرحت كثيرا ونظمت الكتب في بيت خاص سميته بالمكتبة ، واسترحت أياما ، وتسلمت جدول أوقات العمل بمناسبة بداية السنة الدراسية الجديدة فكان عملي ثلاثة أيام متوالية من التدريس وأربعة أيام متوالية من الراحة في الاسبوع.

وبدأت أقرأ الكتب فقرأت كتاب عقائد الامامية ، وأصل الشيعة وأصولها وارتاح ضميري لتلك العقائد وتلك الافكار التي يرتئيها الشيعة ، ثم قرأت كتاب المراجعات للسيد شرف الدين الموسوي ، وما أن قرأت منه بضع صفحات حتى استهواني الكتاب وشدني إليه شدا فكنت لا أتركه إلا غضبا وكنت أحمله في بعض الاحيان إلى المعهد ، وأدهشني الكتاب بما حواه من صراحة العالم الشيعي وحله لما أشكل على العالم السني شيخ الازهر ، وجدت في الكتاب بغيتي لانه ليس كالكتب التي يكتب فيها المؤلف ما يشاء بدون معارض ولا مناقش فالمراجعات هو حواريين عالمين من مذهبين مختلفين يحاسب كل منهما صاحبه على كل شاردة وواردة ، على كل صغيرة وكبيرة متوخيين في ذلك المرجعين الاساسيين لكافة المسلمين وهما القرآن الكريم والسنة الصحيحة المتفق عليها في صحاح السنة. فكان الكتاب بحق يمثل دوري كباحث يفتش عن الحقيقة ويقبلها أينما وجدت وعلى هذا كان الكتاب مفيدا جدا وله فضل عليّ عميم.

ووقفت مبهوتا عندما كان يتكلم عن عدم امتثال الصحابة لاوامر الرسول ويسوق لذلك عدة أمثلة ، ومنها حادثة رزية يوم الخميس ، إذ لم أكن أتصور أن سيدنا عمر بن الخطاب


يعترض على أمر رسول الله ويرميه بالهجر ، وظننت بادئ الامر أن الرواية هي من كتب الشيعة ، وازدادت دهشتي وحيرتي عندما رأيت العالم الشيعي ينقلها من صحيح البخاري وصحيح مسلم ، وقلت في نفسي « إن وجدت هذا في صحيح البخاري فسيكون لي رأي ».

وسافرت إلى العاصمة ومنها اشتريت صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الامام أحمد وصحيح الترمذي وموطأ الامام مالك وغيرها من الكتب الاخرى المشهورة ، ولم أنتظر الرجوع إلى البيت فكنت طوال الطريق بين تونس وقفصة وأنا راكب في حافلة النقل العمومية أتصفح كتاب البخاري وأبحث عن رزية يوم الخميس متمنيا أن لا أعثر عليها ، ورغم أنفي وجدتها وقرأتها مرات عديدة فكانت كما نقلها السيد شرف الدين ، وحاولت تكذيب الحادثة برمتها واستبعدت أن يقوم سيدنا عمر بذلك الدور الخطير ولكن أنىّ لي تكذيب ما ورد في صحاحنا وهي صحاح أهل السنة والجماعة التي ألزمنا بها أنفسنا وشهدنا بصحتها ، والشك فيها ، أو تكذيب بعضها يستلزم طرحها لانه هو الآخر يستلزم طرح كل معتقداتنا ، ولو كان العالم الشيعي ينقل من كتبهم ما كنت لاصدق أبدا ، وأما أن ينقل من صحاح أهل السنة التي لا مجال للطعن فيها ، وقد أخذنا على أنفسنا بأنها أصح الكتب بعد كتاب الله فيصبح الامر ملزما وإلا استلزم الشك في هذه الصحاح وعند ذلك لا يبقى معنا من أحكام الاسلام شيء نعتمده ، لان الاحكام التي وردت في كتاب الله جاءت مجملة غير مفصلة ، ولاننا بعيدون عن عصر الرسالة وقد ورثنا أحكام ديننا أبا عن جد عن طريق هذه الصحاح ، فلا يمكن بحال من الاحوال طرح هذه الكتب.

وأخذت على نفسي عهدا وأنا أدخل هذا البحث الطويل العسير ، أن أعتمد الاحاديث الصحيحة التي اتفق عليها السنة والشيعة ، وأن أطرح الاحاديث التي انفرد بها فريق دون الآخر ، بهذه الطريقة المعتدلة ، أكون قد ابتعدت عن المؤثرات العاطفية ، والتعصبات المذهبية والنزعات القومية أو الوطنية ، وفي الوقت نفسه أقطع طريق الشك لاصل إلى حبل اليقين وهو صراط الله المستقيم.


بداية الدراسة المعمقة

الصحابة عند الشيعة والسنة

من أهم الابحاث التي أعتبرها الحجر الاساسي في كل البحوث التي تقود إلى الحقيقة ، هو البحث في حياة الصحابة وشؤونهم وما فعلوه وما اعتقدوه لانهم عماد كل شيء ، وعنهم أخذنا ديننا وبهم نستضيء في الظلمات لمعرفة أحكام الله ، ولقد سبق لعلماء الاسلام ـ لقناعتهم بذلك ـ البحث عنهم وعن سيرتهم.

فألفوا في ذلك كتبا عديدة أمثال : اُسد الغابة في تمييز الصحابة ، وكتاب الاصابة في معرفة الصحابة ، وكتاب ميزان الاعتدال وغيرها من الكتب التي تناولت حياة الصحابة بالنقد والتحليل ولكنها من وجهة نظر أهل السنة والجماعة.

وثمة إشكال يتلخص في أن العلماء الاوائل غالبا ما كانوا يكتبون ويؤرخون بالنحو الذي يوافق آراء الحكام من الامويين والعباسيين الذين عرفوا بعدائهم لاهل البيت النبوي ، بل ولكل من يشايعهم ويتبع نهجهم ، ولهذا فليس من الانصاف الاعتماد على أقوالهم دون أقوال غيرهم من علماء المسلمين الذين اضطهدتهم تلك الحكومات وشردتهم وقتلتهم لانهم كانوا أتباع أهل البيت وكانوا مصدر تلك الثورات ضد السلطات الغاشمة والمنحرفة.

والمشكل الاساسي في كل ذلك هو الصحابة ، فهم الذين اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله ذلك الكتاب الذي يعصمهم من الضلالة إلى قيام الساعة واختلافهم هذا هو الذي حرم الامة الاسلامية من هذه الفضيلة ورماها في الضلالة حتى انقسمت وتفرقت وتنازعت وفشلت وذهبت ريحها.


وهم الذين اختلفوا في الخلافة فتوزعوا بين حزب حاكم وحزب معارض وسبب ذلك تخلف الامة وانقسامها إلى شيعة علي وشيعة معاوية ، وهم الذين اختلفوا في تفسير كتاب الله وأحاديث رسوله فكانت المذاهب والفرق والملل والنحل ، ونشأت من ذلك المدارس الكلامية والفكرية المختلفة وبرزت فلسفات متنوعة أملتها دوافع سياسية محضة تتصل بطموحات الهيمنة على السلطة والحكم ...

فالمسلمون لم ينقسموا ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة وكل خلاف نشأ وينشأ إنما يعود إلى اختلافهم في الصحابة. فالرب واحد والقرآن واحد والرسول واحد والقبلة واحدة وهم متفقون على ذلك وبدأ الخلاف والاختلاف في الصحابة من اليوم الاول بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سقيفة بني ساعدة ، واستمر إلى يوم الناس هذا وسيستمر إلى ما شاء الله. وقد استنتجت من خلال الحديث مع علماء الشيعة أن الصحابة في نظرهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :

فالقسم الاول وهم الصحابة الاخيار الذين عرفوا رسول الله حق المعرفة وبايعوه على الموت وصاحبوه بصدق في القول وبإخلاص في العمل ، ولم ينقلبوا بعده ، بل ثبتوا على العهد وقد امتدحهم الله جل جلاله ، في كتابه العزيز في العديد من المواقع ، وقد أثنى عليهم رسول الله في العديد من المواقع أيضا ، والشيعة يذكرونهم باحترام وتقديس ويترضون عليهم كما يذكرهم أهل السنة باحترام وتقديس أيضا.

والقسم الثاني ، وهم الصحابة الذين اعتنقوا الاسلام واتبعوا رسول الله أما رغبة أو رهبة ، وهولاء كانوا يمنون اسلامهم على رسول الله ، وكانوا يؤذونه في بعض الاوقات لا يمتثلون لاوامره ونواهيه بل يجعلون لآرائهم مجالا في مقابل النصوص الصريحة حتى ينزل القرآن بتوبيخهم مرة وتهديدهم أخرى وقد فضحهم الله في العديد من الآيات وحذرهم رسول الله أيضا في العديد من الآحاديث النبوية والشيعة لا يذكرونهم إلا بأفعالهم بدون احترام ولا تقديس.

أما القسم الثالث من الصحابة : فهم المنافقون الذين صحبوا رسول الله للكيد له وقد أظهروا الاسلام وانطوت سرائرهم على الكفر وقد تقربوا ليكيدوا للاسلام والمسلمين عامة وقد أنزل الله فيهم سورة كاملة وذكرهم في العديد من المواقع وتوعدهم بالدرك


الاسفل من النار وقد ذكرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحذر منهم وعلم بعضا من أصحابه أسماءهم وعلاماتهم ، وهؤلاء يتفق الشيعة والسنة على لعنهم والبراءة منهم.

وهناك قسم خاص وإن كانوا من الصحابة فهم يتميزون عليهم بالقرابة وبفضائل خلقية ونفسية وخصوصيات اختصهم الله ورسوله بها لا يلحقهم فيها لاحق ، وهؤلاء هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا(١) وأوجب الصلاة عليهم كما أوجبها على رسوله ، وأوجب لهم سهما من الخمس(٢) كما أوجب مودتهم على كل مسلم كأجر للرسالة المحمدية(٣) ، فهم أولوا الامر الذين أمر بطاعتهم(٤) وهم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن ويعلمون المتشابه منه والمحكم(٥) ، وهم أهل الذكر الذين قرنهم رسول الله بالقرآن في حديث الثقلين وأوجب التمسك بهما(٦) ، وجعلهم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق(٧) ، والصحابة يعرفون قدر أهل البيت ويعظمونهم ويحترمونهم ، والشيعة يقتدون بهم ويقدمونهم على كل الصحابة ، ولهم في ذلك أدلة من النصوص الصريحة.

أما أهل السنة والجماعة فإنهم مع احترامهم لاهل البيت وتعظيمهم وتفضيلهم إلا أنهم لا يعترفون بهذا التقسيم للصحابة ولا يعدون المنافقين في الصحابة ، بل الصحابة في نظرهم خير الخلق بعد رسول الله. وإذا كان هناك تقسيم فهو من باب فضيلة السبق للاسلام والبلاء الحسن فيه فيفضلون الخلفاء الراشدين بالدرجة الاولى ثم الستة الباقين من العشرة المبشرين بالجنة على ما يروونه. ولذلك تراهم عندما يصلون على النبي وأهل بيته يلحقون بهم الصحابة أجمعين بدون استثناء.

__________________

( ١ ) سورة الاحزاب : آية ٣٣.

( ٢ ) سورة الانفال : آية ٤١.

( ٣ ) سورة الشورى : آية ٢٣.

( ٤ ) سورة النساء : آية ٥٩.

( ٥ ) سورة آل عمران : آية ٧.

( ٦ ) حديث الثقلين ، ومن مصادره ؛ كنز العمال ج ١ ص ٤٤ ، مسند أحمد ج ٥ ص ١٨٢.

( ٧ ) حديث السفينة ؛ المستدرك للحاكم ج ٣ ص ١٥١ تلخيص الذهبي ، الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٨٤ و ٢٣٤.


هذا ما أعرفه من علماء أهل السنة والجماعة ، وذاك ما سمعته من علماء الشيعة في تقسيم الصحابة ، وهذا ما دعاني إلى أن أجعل بحثي يبدأ بهذه الدراسة المعمقة حول الصحابة وعاهدت ربي ـ إن هداني ـ أن أتجرد من العاطفة لاكون حياديا ، موضوعيا ولاسمع القول من الطرفين فأتبع أحسنه ، ومرجعي في ذلك :

١ ـ القاعدة المنطقية السليمة ؛ وهي أن لا أعتمد إلا ما اتفقوا عليه جميعا بشأن التفسير لكتاب الله والصحيح من السنة النبوية الشريفة.

٢ ـ العقل ؛ فهو أكبر نعمة من نعم الله على الانسان ؛ إذ به كرمه وفضله على سائر مخلوقاته ، ألا ترى أن الله سبحانه عندما يحتج على عباده يدعوهم للتعقل بقوله :

« أفلا يعقلون ، أفلا يفقهون ، أفلا يتدبرون ، أفلا يبصرون الخ ».

وليكن إسلامي مبدئيا إيمانا بالله وملائكته وكتبه ورسله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الدين عند الله الاسلام ، ولا أعتمد في ذلك على أي واحد من الصحابة مهما كانت قرابته ومهما علت منزلته فأنا لست أمويا ولا عباسيا ولا فاطميا ، ولا سنيا ولا شيعيا وليست لي أي عداوة لابي بكر ولا لعمر ولا لعثمان ولا لعلي ولا حتى لوحشي قاتل سيدنا الحمزة مادام أنه أسلم والاسلام يجب ما قبله وقد عفا عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وما دمت أقحمت نفسي في هذا البحث بغية الوصول للحقيقة وما دمت قد تجردت من كل الافكار المسبقة بكل إخلاص فأنا أبدأ هذا البحث على بركة الله في مواقف الصحابة.

١ ـ الصحابة في صلح الحديبية :

مجمل القصة ، أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج في السنة السادسة للهجرة يريد العمرة مع ألف وأربعمائة من أصحابه فأمرهم أن يضعوا سيوفهم في القرب ، وأحرم هو وأصحابه بذي الحليفة وقلدوا الهدي ليعلم قريشا أنه إنما جاء زائرا معتمرا وليس محاربا ، ولكن قريشا بكبريائها خافت أن يسمع العرب بأن محمدا دخل عنوة إلى مكة وكسر شوكتها ، فبعثوا إليه بوفد يرأسه سهيل بن عمرو بن عبد ود العامري وطلبوا منه أن يرجع في هذه المرة من حيث أتى على أن يتركوا له مكة في العام القادم ثلاثة أيام ، وقد اشترطوا عليه


شروطا قاسية قبلها رسول الله لاقتضاء المصلحة التي أوحى بها إليه ربه عزوجل.

ولكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التصرف من النبي وعارضوه في ذلك معارضة شديدة وجاءه عمر بن الخطاب فقال : ألست نبي الله حقا؟ قال : بلى ، قال عمر : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال : بلى ، قال عمر : فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قال عمر : أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال : بلى ، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال عمر : لا ، قال : فإنك آتيه ومطوف به.

ثم أتى عمر بن الخطاب إلى أبي بكر فقال : ياأبابكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال : بلى. ثم سأله عمر نفس الاسئلة التي سألها رسول الله ، وأجابه أبو بكر بنفس الاجوبة قائلا له : أيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه ، ولما فرغ رسول الله من كتاب الصلح قال لاصحابه : قوموا فانحروا ثم أحلقوا ، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يمتثل لامره منهم أحد دخل خباءه ثم خرج فلم يكلم أحدا منهم بشيء حتى نحر بدنة بيده ، ودعا حالقه فحلق رأسه ، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا(١) ...

هذه مجمل قصة الصلح في الحديبية وهي من الاحداث المتفق عليها عند الشيعة والسنة وقد ذكرها المؤرخون وأصحاب السير كالطبري وابن الاثير وابن سعد وغيرهم كالبخاري ومسلم.

وأنا لي هنا وقفة ، فلا يمكن لي أن أقرأ مثل هذا ولا أتأثر ولا أعجب من تصرف هؤلاء الصحابة تجاه نبيهم ، وهل يقبل عاقل قول القائلين بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يمتثلون أوامر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وينفذونها ، فهذه الحادثة تقطع عليهم ما

__________________

( ١ ) هذه القصة أخرجها أصحاب السير والتواريخ كما أخرجها البخاري في صحيحه من كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد ج ٢ ـ ص ١٢٢ ـ صحيح مسلم في باب صلح الحديبية ج ٢.


يرومون ، هل يتصور عاقل بأن هذا التصرف في مواجهة النبي هو أمر هين ؛ أو مقبول ؛ أو معذور ؛ قال تعالى :

( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) (١) .

فهل سلم عمر بن الخطاب هنا ولم يجد في نفسه حرجا مما قضى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! أم كان في موقفه تردد في ما أمر النبي؟ وخصوصا في قوله : أولست نبي الله حقا؟ أو لست كنت تحدثنا؟ إلى آخره ، وهل سلم بعد ما أجابه رسول الله بتلك الاجوبة المقنعة؟ كلا لم يقتنع بجوابه وذهب يسأل أبابكر الاسئلة نفسها ، وهل سلم بعد ما أجابه أبو بكرونصحه أن يلزم غرز النبي ، لا أدري إذا كان سلم بذلك ، أو اقتنع بجواب النبي أو بجواب أبي بكر!! وإلا لماذا تراه يقول عن نفسه : « فعملت لذلك أعمالا ولا أدري سبب تخلف البقية الباقية من الحاضرين بعد ذلك إذ قال لهم رسول الله : قوموا فانحروا ثم أحلقوا ، فلم يستمع إلى أمره أحد منهم حتى كررها عليهم ثلاث مرات بدون جدوى.

سبحان الله! أنا لا أكاد أصدق ما أقرأ ، وهل يصل الامر بالصحابة إلى هذا الحد في التعامل مع أمر الرسول ، ولو كانت هذه القصة مروية من طريق الشيعة وحدهم لعددت ما قالوا افتراء على الصحابة الكرام ، ولكن القصة بلغت من الصحة والشهرة أن تناقلها كل المحدثين من أهل السنة والجماعة أيضا ، وبما أنني ألزمت نفسي توثيق ما اتفقوا عليه ، فلا أراني إلا مسلما ومتحيرا : ماذا عساني أن أقول؟ وبم أعتذر عن هؤلاء الصحابة الذين قضوا مع رسول الله قرابة عشرين عاما من البعثة إلى يوم الحديبية ، وهم يشاهدون المعجزات وأنوار النبوة ، والقرآن يعلمهم ليلا نهارا كيف يتأدبون مع حضرة الرسول وكيف يكلموه ، حتى هددهم الله بإحباط أعمالهم إن رفعوا أصواتهم فوق صوته.

ويدفعني إلى الاحتمال بأن عمر بن الخطاب هو الذي أثار بقية الحاضرين ودفعهم إلى التردد والتخلف عن أمر الرسول ـ زيادة على اعترافه بأنه عمل لذلك أعمالا لم يشأ

__________________

( ١ ) سورة النساء : آية ٦٥.


ذكرها ـ ما يردده هو في موارد أخرى قائلا : ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به إلى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية(١) ...

مما يشعرنا بأن عمر نفسه كان يدرك بعد الموقف الذي وقفه ذلك اليوم إنها قصة عجيبة وغريبة ولكنها حقيقية ..

٢ ـ الصحابة ورزية يوم الخميس :

ومجمل القصة أن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله قبل وفاته بثلاثة أيام ، فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة ليكتب لهم كتابا يعصمهم من الضلالة ، ولكن الصحابة اختلفوا ومنهم من عصى أمره واتهمه بالهجر ، فغضب رسول الله وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شيئا ، وإليك شيئا من التفصيل :

قال ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله وجعه ، فقال : هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، فقال عمر إن النبي قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت واختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي ، قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قوموا عني ، فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم(٢) ولغطهم. هذه الحادثة صحيحة لا شك فيها ، فقد نقلها علماء الشيعة ومحدثوهم في كتبهم ، كما نقلها علماء السنة ومحدثوهم ومؤرخوهم ، وهي ملزمة لي على ما ألزمت به نفسي ومن هنا أقف حائرا في تفسير الموقف الذي وقفه عمر بن الخطاب من أمر رسول الله ، وأي أمر هو؟ أمر « عاصم من الضلالة لهذه الامة ، ولا شك أن هذا الكتاب كان فيه شيء جديد للمسلمين سوف يقطع عليهم كل شك ».

__________________

( ١ ) السيرة الحلبية باب صلح الحديبية ج ٢ ـ ص ٧٠٦.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٣ باب قول المريض : قوموا عني.

صحيح مسلم ج ٥ ص ٧٥ في آخر كتاب الوصية.

مسند الامام أحمد ج ١ ص ٣٥٥ وج ٥ ص ١١٦.

تاريخ الطبري ج ٣ ص ١٩٣ ـ تاريخ ابن الاثير ج ٢ ـ ص ٣٢٠.


ولنترك قول الشيعة : « بأن رسول أراد أن يكتب إسم علي خليفة له ، وتفطن عمر لذلك فمنعه ». فلعلهم لا يقنعوننا بهذا الزعم الذي لا يرضينا مبدئيا ، ولكن هل نجد تفسيرا معقولا لهذه الحادثة المؤلمة التي أغضبت الرسول حتى طردهم وجعلت ابن عباس يبكي حتى يبل دمعه الحصى ويسميها أكبر رزية ؛ أهل السنة يقولون بأن عمر أحس بشدة مرض النبي فأشفق عليه وأراد أن يريحه ، وهذا التعليل لا يقبله بسطاء العقول فضلا عن العلماء ، وقد حاولت مرارا وتكرارا التماس بعض الاعذار لعمر ولكن واقع الحادثة يأبى علي ذلك ، وحتى لو أبدلت كلمة يهجر « والعياذ بالله » بلفظة « غلبه الوجع » فسوف لن نجد مبررا لقول عمر : « عندكم القرآن » « وحسبنا كتاب الله » ، أو كان هو أعلم بالقرآن من رسول الله الذي أنزل عليه ، أم أن رسول الله لا يعي ما يقول « حاشاه » أم أنه أراد بأمره ذلك أن يبعث فيهم الاختلاف والفرقة « أستغفر الله ».

ثم لو كان تعليل أهل السنة صحيحا ، فلم يكن ذلك ليخفى على الرسول ولا يجهل حسن نية عمر ، ولشكره رسول الله على ذلك وقربه بدلا من أن يغضب عليه ويقول أخرجوا عني.

وهل لي أن أتسأل لماذا امتثلوا أمره عندما طردهم من الحجرة النبوية ، ولم يقولوا بأنه يهجر؟ ألانهم نجحوا بمخططهم في منع الرسول من الكتابة ، فلا داعي بعد ذلك لبقائهم ، والدليل أنهم أكثروا اللغط والاختلاف بحضرته (ص) ، وانقسموا إلى حزبين منهم من يقول : قربوا إلى رسول الله يكتب لكم ذلك الكتاب ومنهم من يقول ما قال عمر أي إنه « يهجر ».

والامر لم يعد بتلك البساطة يتعلق بشخص عمر وحده ولو كان كذلك لاسكته رسول الله وأقنعه بأنه لا ينطق عن الهوى ولا يمكن أن يغلب عليه الوجع في هداية الامة وعدم ضلالتها ولكن الامر استفحل واستشرى ووجد له أنصارا كأنهم متفقون مسبقا ، ولذلك أكثروا اللغط والاختلاف ونسوا أو تناسوا قول الله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) (١) .

__________________

( ١ ) سورة الحجرات : آية ٢.


وفي هذه الحادثة تعدوا حدود رفع الاصوات والجهر بالقول إلى رميهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالهجر والهذيان « والعياذ بالله » ثم أكثروا اللغط والاختلاف وصارت معركة كلامية بحضرته. وأكاد أعتقد بأن الاكثرية الساحقة كانت على قول عمر ولذلك رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدم الجدوى في كتابة الكتاب لانه علم بأنهم لم يحترموه ولم يمتثلوا لامر الله فيه في عدم رفع أصواتهم بحضرته ، وإذا كانوا لامر الله عاصين فلن يكونوا لامر رسوله طائعين.

واقتضت حكمة الرسول بأن لا يكتب لهم ذلك الكتاب لانه طعن فيه في حياته ، فكيف يعمل بما فيه بعد وفاته ، وسيقول الطاعنون : بأنه هجر من القول ولربما سيشككون في بعض الاحكام التي عقدها رسول الله في مرض موته. إذ أن اعتقادهم بهجره ثابت.

أستغفر الله ، وأتوب إليه من هذا القول في حضرة الرسول الاكرم ، وكيف لي أن أقنع نفسي وضميري الحر بأن عمر بن الخطاب كان عفويا في حين أن أصحابه ومن حضروا محضره بكوا لما حصل حتى بل دمعهم الحصى وسموها رزية المسلمين.

ولهذا فقد خلصت إلى أن أرفض كل التعليلات التي قدمت لتبرير ذلك ، ولقد حاولت أن أنكر هذه الحادثة وأكذبها لاستريح من مأساتها ، ولكن كتب الصحاح نقلتها وأثبتتها وصححتها ولم تحسن تبريرها.

وأكاد أميل إلى رأي الشيعة في تفسير هذا الحدث لانه تعليل منطقي وله قرائن عديدة. وإني لا زلت أذكر إجابة السيد محمد باقر الصدر عندما سألته : كيف فهم سيدنا عمر من بين الصحابة ما يريد الرسول كتابته وهو استخلاف علي ـ على حد زعمكم ـ ، فهذا ذكاء منه.

قال السيد الصدر : لم يكن عمر وحده فهم مقصد الرسول ، ولكن أكثر الحاضرين فهموا ما فهمه عمر ، لانه سبق لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن قال مثل هذا إذ قال لهم إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، وفي مرضه قال لهم : هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا ، ففهم الحاضرون ومن بينهم عمر أن رسول الله يريد أن يؤكد ما ذكره في غدير خم كتابيا ، وهو التمسك بكتاب الله وعترته ، وسيد العترة هو علي ، فكأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أن يقول : عليكم بالقرآن وعلي ، وقد


قال مثل ذلك في مناسبات أخرى كما ذكرالمحدثون.

وكان أغلبية قريش لا يرضون بعلي لانه أصغر القوم ولانه حطم كبرياءهم وهشم أنوفهم وقتل أبطالهم ، ولكنهم لا يجرؤون على رسول الله مثل عمر فقد كان جريئا على النحو الذي حصل في صلح الحديبية وفي المعارضة الشديدة للنبي عندما صلى على عبدالله بن اُبي ، المنافق ، وفي عدة مواقف أخرى سجلها التاريخ ، وهذا الموقف منها ، وأنت ترى أن المعارضة لكتابة الكتاب في مرض النبي شجعت بعض الآخرين من الحاضرين على الجرأة ومن ثم الاكثار من اللغط في حضرة الرسول (ص).

إن هذه المقولة : جاءت ردا مطابقا تماما لمقصود الحديث ، فمقولة : عندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله مخالفة لمحتوى الحديث الذي يأمرهم بالتمسك بكتاب الله وبالعترة معا ، فكأن المقصود هو : حسبنا كتاب الله فهو يكفينا ، ولا حاجة لنا بالعترة.

وليس هناك تفسير معقول غير هذا ، « بالنسبة إلى هذه الحادثة » اللهم إلا إذا كان المراد هو القول بإطاعة الله دون إطاعة رسوله ، وهذا أيضا باطل وغير معقول ».

وأنا إذا طرحت التعصب الاعمى والعاطفة الجامحة وحكمت العقل السليم والفكر الحر لملت إلى هذا التحليل وذلك أهون من اتهام عمر بأنه أول من رفض السنة النبوية بقوله : « حسبنا كتاب الله ».

وإذا كان بعض الحكام قد رفض السنة النبوية بدعوى أنها متناقضة ، فإنه اتبع في ذلك سابقة تاريخية في حياة المسلمين ، مع إني لا أحمل عمر وحده مؤولية هذه الحادثة وحرمان الأمة من الهداية ، وحتى أكون منصفا في حقّه أحمّلها هو ومن معه من الصحابة الذين قالول مثل مقالته وعضّدوا بذلك موقفه معارضة لأمر رسول الله.

وإني لأعجب لمن يقرأ هذه الحادثة ويمر بها وكأن شيئا لم يكن ، مع أنها من أكبر الرزايا كما سماها ابن عباس ، وعجبي أكبر من الذين يحاولون جهدهم الحفاظ على كرامة صحابي وتصحيح خطئه ولو كان ذلك على حساب كرامة رسول الله وعلى حساب الاسلام ومبادئه.

ولماذا نهرب من الحقيقة ونحاول طمسها عندما لا تتماشى مع أهوائنا ، لماذا لا


نعترف بأن الصحابة بشر مثلنا ، لهم أهواء وميول ويخطئون ويصيبون.

ولا يزول عجبي إلا عندما أقرأ كتاب الله وهو يروي لنا قصص الانبياء عليهم الصلاة والسلام ، وما لاقوه من شعوبهم في المعاندة رغم ما يشاهدونه من معجزات( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) .

لقد ضرت أدرك خلفية موقف الشيعة من الخليفة الثاني الذي يحملونهم مسؤولية الكثير من المآسي التي وقعت في حياة المسلمين منذ رزية يوم الخميس التي حرمت الامة من كتاب الهداية الذي أراد الرسول ( ص ) أن يكتبه لهم. والاعتراف الذي لا مناص منه هو أنّ العاقل الذي عرف الحقّ قبل معرفة الرّجال يلتمس لهم في ذلك عذرا أما الذين لا يعرفون الحقّ الاّ بالرّجال فلا حديث لنا معهم.

٣ ـ الصحابة في سرية أسامة :

مجمل هذه القصة : أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، جهز جيشا لغزو الروم قبل وفاته بيومين ، وأمر على هذه السرية أسامة بن زيد بن حارثة وعمره ثمانية عشر عاما ، وقد عبأصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه السرية وجوه المهاجرين والانصار كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وغيرهم من كبار الصحابة المشهورين فطعن قوم منهم في تأمير أسامة ، وقالوا : كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه ، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد ، حتى غضبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غضبا شديدا مما سمع من طعنهم وانتقادهم ، فخرجصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصب الرأس محموما ، يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الارض بأبي هو وأمي ، من شدة ما به من لغوب ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

« أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أبيه من قبله ، وأيم الله إنه كان خليقا بالامارة ، وإن ابنه من بعده لخليق بها »(١) .

__________________

( ١ ) طبقات ابن سعد ج ٢ ـ ص ١٩٠ ـ تاريخ ابن الاثير ج ٢ ـ ص ٣١٧.

السيرة الحلبية ج ٣ ـ ص ٢٠٧ ـ تاريخ الطبري ج ٣ ـ ص ٢٢٦.


ثم جعلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحضهم على التعجيل وجعل يقول : جهزوا جيش أسامة ، أنفذوا جيش أسامة أرسلوا بعث أسامة ، يكرر ذلك على مسامعهم وهم متثاقلون وعسكروا بالجرف وما كادوا يفعلون.

إن مثل ذلك يدفعني إلى أن أتسأل : ما هذه الجرأة على الله ورسوله؟! ، وما هذا العقوق في حق الرسول الاكرم الذي هو حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم؟ لم أكن أتصور كما لا يمكن لاحد أن يتصور تفسيرا مقبولا لهذا العصيان ، وهذه الجرأة.

وكالعادة ، عند قراءة مثل هذه الاحداث التي تمس كرامة الصحابة من قريب أو بعيد أحاول تكذيب مثل هذه القضايا وتجاهلها ، ولكن لا يمكن تكذيب وتجاهل ما أجمع عليه المؤرخون والمحدثون من علماء السنة والشيعة.

وقد عاهدت ربي أن أكون منصفا ، فلا أتعصب لمذهبي ولا أقيم وزنا لغير الحق ، والحق هنا مر كما يقال ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « قل الحق ولو كان على نفسك وقل الحق ولو كان مرا » والحق في هذه القضية : هو أن هؤلاء الصحابة الذين طعنوا في تأمير أسامة قد خالفوا أمر ربهم وخالفوا الصريح من النصوص التي لا تقبل الشك ولا تقبل التأويل ، وليس لهم عذر في ذلك ، إلا ما يلتمسه البعض من أعذار باردة حفاظا على كرامة الصحابة و « السلف الصالح » والعاقل الحر لا يقبل بحال من الاحوال هذه التمحلات. اللهمّ إلا إذا كان من الذين لا يفقهون حديثا ، ولا يعقلون ، أو من الذين أعمت العصبية أعينهم فلم يعودوا يفرقون بين الفرض الواجب طاعته والنهي الواجب تركه ، ولقد فكرت مليا عساني أجد عذرا لهؤلاء مقبولا ، فلم يسعفني تفكيري بطائل ، وقرأت اعتذار أهل السنة على هؤلاء بأنهم كانوا مشايخ قريش وكبراءها ، ولهم الاسبقية في الاسلام بينما أسامة كان حدثا ولم يشارك في المعارك المصيرية لعزة الاسلام ، كمعركة بدر وأحد وحنين ، ولم تكن له سابقة بل كان صغير السن عندما ولاه رسول الله إمارة السرية ، وطبيعة النفوس البشرية تأبى بجبلتها إذا كانت بين كهول وشيوخ أن تنقاد إلى الاحداث وتنفر بطبعها من النزول على حكم الشبان ولذلك طعنوا في تأميره وأرادوا منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستبدله بأحد من وجوه الصحابة وكبرائهم.

إنه اعتذار لا يستند إلى دليل عقلي ولا شرعي ولا يمكن لاي مسلم قرأ القرآن


وعرف أحكامه إلا أن يرفض مثل هذا ، لان الله عزوجل يقول :

( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (١) ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) (٢) .

فأي عذر بعد هذه النصوص الصريحة يقبله العاقلون وماذا عساني أن أقول في قوم أغضبوا رسول الله وهم يعلمون أن غضب الله في غضبه ، وذلك بعد أن رموه بالهجر وقالوا بحضرته ما قالوا وأكثروا اللغط والاختلاف وهو مريض ، بأبي هو وأمي ، حتى أخرجهم من حجرته ، أو لم يكفهم كل هذا ، وبدلا من أن يثوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى الله ويستغفروه مما فعلوا ويطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم كما علمهم القرآن ، عوضا عن ذلك فقد زادوا في الطين بلة كما يقول المثل الشعبي عندنا ، فطعنوا في تأميره أسامة بعد يومين من رميه بالهجر والجرح لما يندمل ، حتى أجبروه أن يخرجصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتلك الحالة التي وصفها المؤرخون ، لا يقدر على المشي من شدة المرض وهو يتهادى بين رجلين ، ثم يقسم بالله بأن أسامة خليق بالامارة ، ويزيدنا الرسول بأنهم هم أنفسهم الذين طعنوا في تأميره زيد بن حارثة من قبل ليعلمنا أن هؤلاء لهم معه مواقف سابقة متعددة وسوابق شاهدة على أنهم لم يكونوا من الذين لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى ويسلمون تسليما. بل كانوا من الذين جعلوا لانفسهم حق النقد والمعارضة حتى ولو خالفوا بذلك أحكام الله ورسوله.

ومما يدلنا على المعارضة الصريحة ، أنهم رغم ما شاهدوه من غضب رسول الله ومن عقد اللواء له بيده الشريفة والامر لهم بالاسراع والتعجيل ، تثاقلوا وتباطأوا ، ولم يذهبوا حتى توفي بأبي هو وأمي وفي قلبه حسرة على أمته المنكوبة التي سوف تنقلب على أعقابها وتهوى في النار ولا ينجو منها إلا القليل الذي شبهه رسول الله بهمل النعم.

__________________

( ١ ) سورة الحشر : آية ٧.

( ٢ ) سورة الاحزاب : آية ٣٦.


وإذا أردنا أن نتمعن في هذه القضية فإننا سنجد الخليفة الثاني من أبرز عناصرها إذ أنه هو الذي جاء بعد وفاة رسول الله إلى الخليفة أبي بكر وطلب منه أن يعزل أسامة ويبدله بغيره فقال له أبو بكر : ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! أتأمرني أن أعزله وقد ولاه رسول الله(١) .

فأين هو عمر من هذه الحقيقة التي أدركها أبو بكر ، أم أن في الامر سراً آخر خفي عن المؤرخين ، أم أنهم هم الذين أسروه حفاظاً على كرامته كما هي عادتهم وكما أبدلوا عبارة « يهجر » بلفظ « غلبه الوجع ».

عجبي من هؤلاء الصحابة الذين أغضبوه يوم الخميس واتهموه بالهجر والهذيان وقالوا حسبنا كتاب الله ، وكتاب الله يقول لهم في محكم آياته :

( قل إن كنتم تحبون الله ، فاتبعوني يحببكم الله ) (٢) . وكأنهم هم أعلم بكتاب الله وأحكامه من الذي أنزل عليه وها هم بعد يومين فقط من تلك الرزية المؤلمة وقبل يومين فقط من لحوقه بالرفيق الاعلى يغضبونه أكثر فيطعنون في تأميره ولا يطيعون أمره ، وإذا كان في الرزية الاولى مريضا طريح الفراش ، فقد اضطر في الثانية أن يخرج معصب الرأس مدثراً بقطيفة يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الارض وخطب فيهم خطبة كاملة من فوق المنبر بدأها بتوحيد الله والثناء عليه ليشعرهم بذلك بأنه بعيد عن الهجر ثم أعلمهم بما عرفه من طعنهم ، ثم ذكرهم بقضية أخرى طعنوا فيها من قبل أربع سنوات خلت ، أفهل يعتقدون بعد ذلك بأنه يهجر أو أنه غلبه الوجع لدرجة أنه لم يعد يعي ما يقول؟

سبحانك اللهم وبحمدك كيف يجرؤ هؤلاء على رسولك فلا يرضون بالعقد الذي أبرمه ، ويعارضونه بشدة حتى يأمرهم بالنحر والحلق ثلاث مرات فلا يستجيب منهم أحد ، ومرة أخرى يجذبونه من قميصه ويمنعونه من الصلاة على عبدالله بن اُبي ويقولون له : إن الله قد نهاك أن تصلي على المنافقين! وكأنهم يعلمونه ما نزل إليه في حين أنك قلت في

____________

( ١ ) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٢ ـ ص ١٩٠ ـ تاريخ الطبري ج ٣ ـ ص ٢٢٦.

( ٢ ) سورة آل عمران : آية ٣١.


قرآنك :( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) (١) . وقلت أيضا :( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) (٢) . وقلت وقولك الحق :( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) (٣) .

فعجبا لهؤلاء القوم! فمرة لا يمتثلون لامره ومرة يتهمونه بالهجر ويكثرون اللغط بحضرته في غير احترام ولا أدب ، وأخرى يطعنون في تأميره زيد بن حارثة ومن بعده في تأمير ابنه أسامة بن زيد فكيف يبقى بعد كل هذا شك عند الباحثين من أن الشيعة على حق عندما يحيطون مواقف بعض الصحابة بعلامات الاستفهام ويمتعضون منها احتراما وحبا ومودة لصاحب الرسالة وأهل بيته.

على أني لم أذكر من المخالفات غير أربع أو خمس وذلك للاختصار ولتكون أمثلة فقط ، ولكن علماء الشيعة قد أحصوا مئات الموارد التي خالف فيها الصحابة النصوص الصريحة ولم يستدلوا إلا بما أخرجه علماء السنة في صحاحهم ومسانيدهم.

وإني عندما أستعرض بعض المواقف التي وقفها بعض الصحابة من رسول الله أبقى حائرا مدهوشا ، لا من تصرفات هؤلاء الصحابة فحسب ولكن من موقف علماء السنة والجماعة الذين يصورون لنا الصحابة دوما على حق لا يمكن التعرض لهم بأي نقد ، وبذلك يمنعون الباحث من الوصول إلى الحقيقة ويبقى يتخبط في التناقضات الفكرية.

وزيادة على ما سبق أسوق بعض الامثلة التي تعطينا صورة حقيقية على هؤلاء الصحابة ونفهم بذلك موقف الشيعة منهم :

أخرج البخاري في صحيحه ج ٤ ص ٤٧ في باب الصبر على الاذى وقول الله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم ) من كتاب الادب ، قال : حدثنا الاعمش قال سمعت شقيقا

__________________

( ١ ) سورة النحل : آية ٤٤.

( ٢ ) سورة النساء : آية ١٠٥.

( ٣ ) سورة البقرة : آية ١٥١.


يقول قال عبدالله : قسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قسمة كبعض ما كان يقسم فقال رجل من الانصار والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله ، قلت أما أني لاقولن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتيته وهو في أصحابه فساورته فشق ذلك على النبي وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته ثم قال : قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر.

كما أخرج البخاري في الكتاب نفسه أعني كتاب الادب في باب التبسم والضحك. قال حدثنا أنس بن مالك قال كنت أمشي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة قال أنس فنظرت إلى صفحة عاتق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء.

كما أخرج البخاري في كتاب الادب في باب من لم يواجه الناس بالعتاب قال : قالت عائشة صنع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئا فرخص فيه ، فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخطب فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله أني لاعلمهم بالله وأشدهم له خشية ...!.

ومن أمعن النظر في مثل هذه الرواية فسيجدهم ينزلون أنسهم فوق منزلته ويعتقدون بأنه يخطيء ويصيبون ، بل أن هذا يستتبع تصحيح بعض المؤرخين لافعال الصحابة حتى لو خالفت فعل النبي أو اظهار بعض الصحابة بمنزلة من العلم والبقوى أكثر من رسول الله بمصيبة لم يكن ينج منها الا ابن الخطاب وكان لسان حالهم يقول : لولا عمر لهلك النبي « والعياذ بالله » من هذا الاعتقاد الفاسد المشين الذي لا قبح بعده ، ولعمري أن الذي يعتقد بهذا الاعتقاد هو بعيد عن الاسلام بعد المشرقين ويجب عليه أن يراجع عقله أو يطرد الشيطان من قلبه. قال الله تعالى :

( أفرأيت من اتخذ الهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل


على بصره غشاوة ، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكّرن ) (١) صدق الله العلي العضيم.

ولعمري ان الذين يعتقدون أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يميل به الهوى ويحيد به عن طريق الحق فيقسم قسمة لا يريد بها وجه الله وإنما تبعا لهواه وعاطفته ، والذين يتنزهون عن أشياء يصنعها رسول الله اعتقادا منهم بأنهم أتقى لله وأعلم به من رسوله ، فهؤلاء ليسوا جديرين بذلك التقديس حيث ينزلهم البعض منزلة الملائكة فيحكمون بأنهم أفضل الخلق بعد رسول الله وأن المسلمين مدعوون لاتباعهم والاقتداء بهم والسير على سنتهم لا لشيء إلا لانهم صحابة رسول الله وهذا يتناقض مع أهل السنة والجماعة الذين لا يصلون على محمد وآله إلا ويضيفون إليهم الصحابة أجمعين وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد عرف قدرهم وأنزلهم منزلتهم فأمرهم بأن يصلوا على رسوله وأهل بيته الطاهرين ليا لاعناقهم ليخضعوا ويعرفوا مكانة هؤلاء عند الله فلماذا نجعلهم نحن في منزلة فوق منزلتهم ونسويهم بمن رفع الله قدرهم وفضلهم على العالمين.

ودعني أستنتج بأن الامويين والعباسيين الذين ناصبوا أهل البيت النبوي العداء فأبعدوهم وشردوهم وقتلوهم وأتباعهم وشيعتهم ، تفطنوا لما في هذه المزية من الفضل العميم والخطر الجسيم ، فإذا كان الله سبحانه لا يقبل صلاة مسلم إلا إذا صلى عليهم ، فبماذا يبررون عداءهم وانحرافهم عن أهل البيت ، ولذلك تراهم ألحقوا الصحابة بأهل البيت ليموهوا على الناس بأن أهل البيت والصحابة في الفضل سواء. وخصوصا إذا عرفنا أن ساداتهم وكبراءهم هم بعض الصحابة الذين استأجروا ضعفاء العقول ممن صحبوا رسول الله أو من التابعين ليرووا الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة وبالاخص في من اعتلوا منصة الخلافة وكانوا سببا مباشرا في وصولهم ـ أي الامويين والعباسيين ـ إلى الحكم والتحكم في رقاب المسلمين والتاريخ خير شاهد على ما أقول ؛ إذ أن عمر بن الخطاب الذي اشتهر بمحاسبة ولاته وعزلهم لمجرد شبهة نراه يلين مع معاوية بن أبي سفيان ولا يحاسبه قط وقد ولاه أبو بكر وأقره عمر طيلة حياته ولم يعترض عليه حتى بالعتاب واللوم ، رغم كثرة الساعين الذين يشتكون من معاوية ويقولون له إن معاوية يلبس الذهب والحرير اللذين حرمهما رسول الله على الرجال ، فكان عمر يجيبهم : « دعوه فإنه كسرى العرب »

__________________

( ١ )سورة الجاثية ـ آية ٢٣.


واستمر معاوية في الولاية أكثر من عشرين عاما لم يتعرض له أحد بالنقد ولا بالعزل ولما ولي عثمان خلافة المسلمين أضاف إليه ولايات أخرى مكنته من الاستيلاء على الثروة الاسلامية وتعبئة الجيوش وأوباش العرب للقيام بالثورة على إمام الامة والاستيلاء على الحكم بالقوة والغصب والتحكم في رقاب المسلمين وإرغامهم بالقوة والقهر على بيعة ابنه الفاسق شارب الخمر يزيد وهذه قصة أخرى طويلة لست بصدد تفصيلها في هذا الكتاب والمهم هو أن أعرف نفسيات هؤلاء الصحابة الذين اعتلوا منصة الخلافة ومهدوا لقيام الدولة الاموية بصفة مباشرة نزولا على حكم قريش التي تأبى أن تكون النبوة والخلافة في بني هاشم(١) .

وللدولة الاموية الحق بل من واجبها أن تشكر أولئك الذين مهدوا لها ، وأقل الشكر أن تستأجروا رواة مأجورين يروون في فضائل أسيادهم ما تسير به الركبان وفي نفس الوقت يرفعون هؤلاء فوق منزلة خصومهم أهل البيت ، باختلاق الفضائل والمزايا التي يشهد الله أنها إذا ما بحثت تحت ضوء الادلة الشرعية والعقلية والمنطقية ، فلن يبقى منها شيء يذكر ، أللهم إلا إذا أصاب عقولنا مس وآمنا بالتناقضات.

وعلى سبيل المثال لا الحصر ، فإننا نسمع الكثير عن عدل عمر الذي سارت به الركبان حتى قيل « عدلت فنمت » وقيل دفن عمر واقفا لئلا يموت العدل معه وفي عدل عمر حدث ولا حرج ، ولكن التاريخ الصحيح يحدثنا بأن عمر حين فرض العطاء في سنة عشرين للهجرة لم يتوخ سنة رسول الله ولم يتقيد بها ، فقد ساوى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين جميع المسلمين في العطاء فلم يفضل أحدا على أحد ، واتبعه في ذلك أبو بكر مدة خلافته ، ولكن عمر بن الخطاب اخترع طريقة جديدة وفضل السابقين على غيرهم وفضل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين ، وفضل المهاجرين كافة على الانصار كافة ، وفضل العرب على سائر العجم ، وفضل الصريح على المولى(٢) وفضل مضر على ربيعة ، ففرض

__________________

( ١ ) للتفصيل إقرأ :

الخلافة والملك : أبو الاعلى المحمودي.

يوم الاسلام : أحمد أمين.

(٢ ) شرح ابن أبي الحديد ج ٨ ـ ص ١١١.


لمضر ثلاثمائة ولربيعة مائتين(١) وفضل الاوس على الخزرج(٢) .

فأين هذا التفضيل من سنة رسول الله؟ ونسمع عن علم عمر بن الخطاب الكثير الذي لا حصر له حتى قيل أنه أعلم الصحابة وقيل أنه وافق ربه في كثير من آرائه التي ينزل القرآن بتأييدها في العديد من الآيات التي يختلف فيها عمر والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولكن الصحيح من التاريخ يدلنا على أن عمر لم يوافق القرآن حتى بعد نزوله ، عندما سأله أحد الصحابة أيام خلافته فقال : يا أمير المؤمنين أني أجنبت فلم أجد الماء فقال له عمر : لا تصل واضطر عمار بن ياسر أن يذكره بالتيمم ولكن عمر لم يقنع بذلك وقال لعمار : إنا نحملك ما تحملت(٣) .

فأين عمر من آية التيمم المنزلة في كتاب الله وأين علمه من سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي علمهم كيفية التيمم كما علمهم الوضوء ، وعمر نفسه يعترف في العديد من القضايا بأنه ليس بعالم ، بل بأن كل الناس أفقه منه حتى ربات الحجال وبقوله عدة مرات ، لولا علي لهلك عمر ، ولقد أدركه الاجل ومات ولم يعرف حكم الكلالة التي حكم فيها بأحكام متعددة ومختلفة كما يشهد بذلك التاريخ.

قأين هذا العلم يا أولي الأيصار؟ كذلك نسمع عن بطولة عمر وشجاعته وقوته الشيء الكثير حتى قيل إن قريش خافت عندما أسلم عمر ، وقويت شوكة المسلمين بإسلامه ، وقيل إن الله أعز الاسلام بعمر بن الخطاب وقيل إن رسول الله لم يجهر بدعوته إلا بعد إسلام عمر ، ولكن التاريخ الثابت الصحيح ، لا يوقفنا على شيء من هذه البطولة والشجاعة ، ولا يعرف التاريخ رجلا واحدا من المشاهير أو حتى من العاديين الذين قتلهم عمر بن الخطاب في مبارزة أو في معركة كبدر وأحد والخندق وغيرها ، بل العكس هو الصحيح فالتاريخ يحدثنا أنه هرب مع الهاربين في معركة أحد وكذلك هرب يوم حنين ، وبعثه رسول الله لفتح مدينة خيبر فرجع مهزوما ، وحتى السرايا التي شارك فيها كان تابعا

_________________

( ١ ) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ـ ص ١٠٦.

( ٢ ) فتوح البلدان ص ٤٣٧.

( ٣ ) صحيح البخاري ـ ج ١ ـ ص ٥٢.


غير متبوع ، وآخرها سرية أسامة التي كان فيها مأمورا تحت قيادة الشاب أسامة بن زيد.

فأين دعوى البطولات والشجاعة من هذه الحقائق يا أولي العقول؟ ونسمع عن تقوى عمر بن الخطاب ومخافته وبكائه من خشية الله الشيء الكثير ، حتى قيل إنه كان يخاف أن يحاسبه الله لو عثرت بغلة في العراق لانه لم يعبد لها الطريق ، ولكن التاريخ الثابت الصحيح يحدثنا بأنه كان فظا غليظا لا يتورع ولا يخاف فيضرب من يسأله عن آية من كتاب الله حتى يدميه بدون ذنب اقترفه ، بل وتسقط المرأة حملها لمجرد رؤيته هيبة ومخافة منه ، ولماذا لم يتورع مخافة من الله عندما سل سيفه وهدد كل من يقول بأن محمدا قد مات وأقسم بالله أنه لم يمت وإنما ذهب يناجي ربه كما فعل موسى بن عمران وتوعد من يقول بموته بضرب عنقه(١) . ولماذا لم يتورع ولم يخش الله سبحانه في تهديد حرق بيت فاطمة الزهراء بالنار إن لم يخرج المتخلفون فيه للبيعة(٢) وقيل له إن فيها فاطمة فقال : وإن ؛ وتجرأ على كتاب الله وسنة رسوله فحكم في خلافته بأحكام تخالف النصوص القرآنية والسنة النبوية الشريفة(٣) .

فأين هذا الورع والتقوى من هذه الحقائق المرّة المؤلمة يا عباالله الصالحين؟

وإنما أخذت هذا الصحابي الكبير الشهير كمثل واختصرت كثيرا لعدم الاطالة ولو شئت الدخول في التفاصيل لملات كتبا عديدة ، ولكن كما قلت : إنما أذكر هذه الموارد على سبيل المثال لا الحصر. والذي ذكرته هو نزر يسير يعطينا دلالة واضحة على نفسيات الصحابة وموقف العلماء من أهل السنة المتناقض ، فبينما يمنعون على الناس نقدهم والشك فيهم ، يروون في كتبهم ما يبعث على الشك والطعن فيهم ، وليت علماء السنة والجماعة لم يذكروا مثل هذه الاشياء الصريحة التي تمس كرامة الصحابة وتخدش في عدالتهم إذن لاراحونا من عناء الارتباك.

__________________

( ١ ) تاريخ الطبري ـ وتاريخ ابن الاثير.

( ٢ ) الامامة والسياسة ابن قتيبة.

( ٣ ) راجع النص والاجتهاد ، عبدالحسين شرف الدين ، فقد أحصى كثيرا من الموارد التي اجتهد فيها عمر مقابل النصوص ، مع ذكر المصادر المقبولة لدى الفرق الاسلامية كافة.


وإني أتذكر لقائي مع أحد علماء النجف الاشرف وهو أسد حيدر مؤلف كتاب « الامام الصادق والمذاهب الاربعة » وكنا نتحدث عن السنة والشيعة ، فروى لي قصة والده الذي التقى في الحج عالما تونسيا من علماء الزيتونة ، وذلك منذ خمسين عاما ، ودار بينهما نقاش في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فكان العالم التونسي يستمع إلى والدي وهو يعدد الادلة على إمامته ( ع ) وأحقيته في ا لخلافة فأحصى أربعة أو خمسة أدلة ، ولما انتهى سأله العالم الزيتوني هل لديك غير هذا؟ قال : لا ، فقال التونسي : أخرج مسبحتك وأبدا في العد ، وأخذ يذكر الادلة على خلافة الامام علي ( ع ) حتى عدد له مائة دليل لا يعرفها والدي ، وأضاف الشيخ أسد حيدر : لو يقرأ أهل السنة والجماعة ما في كتبهم ، لقالوا مثل مقالتنا ولانتهى الخلاف بيننا من زمان بعيد.

ولعمري إنه الحق الذي لا مفر منه لو يتحرر الانسان من تعصبه الاعمى وكبريائه وينصاع للدليل الواضح.


١ ـ رأي القرآن في الصحابة

قبل كل شيء لابد لي أن أذكر أن الله سبحانه وتعالى قد مدح في كتابه العزيز في العديد من المواقع صحابة رسول الله الذين أحبوا الرسول واتبعوه وأطاعوه في غير مطمع وفي غير معارضة ولا استعلاء ولا استكبار ، بل ابتغاء مرضاة الله ورسوله ، أولئك رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه.

وهذا القسم من الصحابة الذين عرف المسلمون قدرهم من خلال مواقفهم وأفعالهم معه ( ص ) أحبوهم وأجلوهم وعظموا قدرهم وترضوا عنهم كلما ذكروهم.

وبحثي لا يتعلق بهذا القسم من الصحابة الذين هم محط الاحترام والتقدير من السنة والشيعة.

كما لا يتعلق بالقسم الذي اشتهر بالنفاق والذين هم معرضون للعن المسلمين جميعا من السنة والشيعة.

ولكن بحثي يتعلق بهذا القسم من الصحابة الذين اختلف فيهم المسلمون ، ونزل القرآن بتوبيخهم وتهديدهم في بعض المواقع ، والذين حذرهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العديد من المناسبات أو حذر منهم.

نعم الخلاف القائم بين الشيعة والسنة هو في هذا القسم من الصحابة إذ أن الشيعة


ينتقدون أقوالهم وأفعالهم ويشكون في عدالتهم ، بينما يحترمهم أهل السنةوالجماعة رغم كل ما ثبت عنهم من مخالفات.

وبحثي إنما يتعلق بهؤلاء « هذا القسم من الصحابة » حتى أتمكن من خلاله من الوصول إلى الحقيقة أو بعض الحقيقة.

أقول هذا حتى لا يتوهم أحد أني أغفلت الآيات التي تمدح أصحاب رسول الله وأبرزت الآيات القادحة فقط ، بل إني خلال البحث اكتشفت أن هناك آيات مادحة تتضمن في طيها قدحا أو بالعكس.

وسوف لن أكلف نفسي جهدا كبيرا كما فعلت ذلك خلال السنوات الثلاث من البحث ، بل سأكتفي بذكر بعض الآيات كأمثلة ، كما جرت العادة وذلك للاختصار ، وعلى الذين يريدون التوسع أن يتكبدوا عناء البحث والتنقيب والمقارنة كما فعلت لتكون هدايتهم بعرق الجبين وعصارة الفكر كما يطلبه الله من كل أحد وما يتطلبه الوجدان لقناعة راسخة لا تزحزحها الرياح والعواصف ومن المعلوم بالضرورة أن الهداية التي تكون عن قناعة نفسية أفضل بكثير من التي تكون بمؤثرات خارجية.

قال تعالى يمدح نبيه :( ووجدك ضالا فهدى ) (١) . أي وجدك تبحث عن الحق فهداك إليه ، وقال أيضا :( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) (٢) .

١ – آية الانقلاب

قال تعالى في كتابه العزبز :

( وما محمد الاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على

__________________

( ١ ) سورة الضحى : آية ٧.

( ٢ ) سورة العنكبوت : آية ٦٩.


أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) (١) صدق الله العظيم.

فهذه الآية الكريمة صريحة وجلية في أن الصحابة سينقلبون على أعقابهم بعد وفاة الرسول مباشرة ولا يثبت منهم إلا القليل كما دلت على ذلك الآية في تعبير الله عنهم ـ أي عن الثابتين الذين لا ينقلبون ـ بالشاكرين ، فالشاكرون لا يكونون إلا قلة قليلة كما دل على ذلك قوله سبحانه وتعالى :( وقليل من عبادي الشكور ) (٢) .

وكما دلت عليه أيضا الاحاديث النبوية الشريفة التي فسرت هذا الانقلاب ، والتي سوف نذكر البعض منها وإذا كان الله سبحانه لم يبين عقاب المنقلبين على أعقابهم في هذه الآية واكتفى بتمجيد الشاكرين الذين استحقوا جزاءه سبحانه وتعالى ، غير أنه من المعلوم بالضرورة أن المنقلبين على الاعقاب لا يستحقون ثواب الله وغفرانه ، كما أكد ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أحاديث متعددة سوف نبحث في البعض منها إن شاء الله في هذا الكتاب.

ولا يمكن تفسير الآية الكريمة بطليحة وسجاح والاسود العنسي ، وذلك حفاظا على كرامة الصحابة ، فهؤلاء قد انقلبوا وارتدوا عن الاسلام وادعوا النبوة في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد حاربهم رسول الله وانتصر عليهم ، كما لا يمكن تفسير الآية الكريمة بمالك بن نويرة وأتباعه الذين منعوا الزكاة في زمن أبي بكر لعدة أسباب ، منها : أنهم إنما منعوها ولم يعطوها إلى أبي بكر تريثا منهم حتى يعرفوا حقيقة الامر ، إذ أنهم حجوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجة الوداع وقد بايعوا الامام علي بن أبي طالب في غدير خم بعد ما نصبه رسول الله للخلافة كما بايعه أبو بكر نفسه ، ففوجئوا عند قدوم رسول الخليفة بنعي رسول الله وطلبه الزكاة باسم الخليفة الجديد أبي بكر ، وهي قضية لا يريد التاريخ الغوص في أعماقها حفاظا على كرامة الصحابة أيضا ، ومنها أن مالكا وأتباعه مسلمون شهد بذلك عمر وأبو بكر نفسه وعدة من الصحابة الذين أنكروا على خالد بن الوليد قتله مالك بن نويرة ،

__________________

( ١ ) سورة آل عمران : آية ١٤٤.

( ٢ ) سورة سبأ : آية ١٣.


والتاريخ يشهد أن أبا بكر أدى دية مالك لاخيه متمم من بيت مال المسلمين واعتذر له عن قتله ، ومن المعلوم أن المرتد عن الاسلام يجب قتله ولا تؤدي ديته من بيت المال ، ولا يعتذر عن قتله.

والمهم أن آية الانقلاب تقصد الصحابة مباشرة الذين يعيشون معهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة المنورة وترمي إلى الانقلاب مباشرة بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدون فصل والاحاديث النبوية توضح ذلك بما لا يدع مجالا للشك وسوف نطلع عليها قريبا إن شاء الله. والتاريخ أيضا خير شاهد على الانقلاب الذي وقع بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن يستعرض الاحداث التي وقعت بين الصحابة عند وفاة النبي لا يبقى لديه أي ريب في أن الانقلاب وقع في صفوفهم ولم ينج منهم إلا القليل.

٢ ـ آية الجهاد

قال تعالى :( ياأيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير ) (١) صدق الله العظيم.

هذه الآية صريحة أيضا في أن الصحابة تثاقلوا عن الجهاد واختاروا الركون إلى الحياة الدنيا رغم علمهم بأنها متاع قليل ، حتى استوجبوا توبيخ الله سبحانه وتهديده إياهم بالعذاب الاليم ، واستبدال غيرهم من المؤمنين الصادقين.

وقد جاء هذا التهديد باستبدال غيرهم في العديد من الآيات مما يدل دلالة واضحة على أنهم تثاقلوا عن الجهاد في مرات عديدة ، فقد جاء في قوله تعالى :( وأن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) (٢) .

وكقوله تعالى أيضا :( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله

__________________

( ١ ) سورة التوبة : آية ٣٨ ، ٣٩.

( ٢ ) سورة محمد : آية ٣٨.


بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) (١) .

ولو أردنا استقصاء ما هنالك من الآيات الكريمة التي تؤكد هذا المعنى وتكشف بوضوح عن حقيقة هذا التقسيم الذي يقول به الشيعة بشأن هذا القسم من الصحابة لاستوجب ذلك كتابا خاصا ، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بأوجز العبارات وأبلغها حين قال :( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) (٢) صدق الله العلي العظيم. وهذه الآيات كما لا يخفى على كل باحث مطلع تخاطب الصحابة وتحذرهم من التفرقة والاختلاف من بعد ما جاءهم البينات وتتوعدهم بالعذاب العظيم وتقسمهم إلى قسمين قسم يبعث يوم القيامة بيض الوجوه وهم الشاكرون الذين استحقوا رحمة الله ، وقسم يبعث مسود الوجوه وهم الذين ارتدوا بعد الايمان وقد توعدهم الله سبحانه بالعذاب العظيم.

ومن البديهي المعلوم أن الصحابة تفرقوا بعد النبي واختلفوا وأوقدوا نار الفتنة حتى وصل بهم الامر إلى القتال والحروب الدامية التي سببت انتكاس المسلمين وتخلفهم وأطمعت فيهم أعداءهم ، والآية المذكورة لا يمكن تأويلها وصرفها عن مفهومها المتبادر للاذهان.

٣ ـ آية الخشوع

قال تعالى :( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ،

__________________

( ١ ) سورة المائدة : آية ٥٤.

( ٢ ) سورة آل عمران : آية ١٠٤ ، ١٠٥ ، ١٠٦.


ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) (١) صدق الله العلي العظيم.

وفي الدر المنثور جلال الدين السيوطي قال : لما قدم أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة ، فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من الجهد ، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا فنزلت :( ألم يأن للذين آمنوا ) وفي رواية أخرى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن الله سبحانه استبطأ قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن فأنزل الله( ألم يأن للذين آمنوا ) .

وإذا كان هؤلاء الصحابة وهم خيرة الناس على ما يقوله أهل السنة والجماعة ، لم تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق طيلة سبعة عشر عاما حتى استبطأهم الله وعاتبهم وحذرهم من قسوة القلوب التي تجرهم إلى الفسوق ، فلا لوم على المتأخرين من سراة قريش الذين أسلموا في السنة الثامنة للهجرة بعد فتح مكة.

فهذه بعض الامثلة التي استعرضتها من كتاب الله العزيز كافية للدلالة على أن الصحابة ليسوا كلهم عدولا كما يقوله أهل السنة والجماعة.

وإذا فتشنا في أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسنجد أضعاف الاضعاف من الامثلة الاخرى ولكن توخيا للاختصار أسوق بعض الامثلة وعلى الباحث أن يتوسع إذا أراد ذلك.

__________________

( ١ ) سورة الحديد : آية ١٦.


٢ ـ رأي الرسول في الصحابة

* ١ ـ حديث الحوض

قال رسول الله (ص) :

« بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال ، هلم ، فقلت إلى أين؟ فقال : إلى النار والله ، قلت ما شأنهم؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم »(١) .

وقال ( ص ) :

« إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم فأقول : أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقا سحقا لمن غير بعدي »(٢) .

فالمتمعن في هذه الاحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم ، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا بل ارتدوا على أدبارهم بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم ، ولا يمكن بأي حال من الاحوال حمل هذه الاحاديث على القسم الثالث وهم المنافقون ، لان النص يقول : فأقول أصحابي.

__________________

( ١ ، ٢ ) صحيح البخاري ج ٤ ص ٩٤ إلى ٩٩ وص ١٥٦ وج ٣ ص ٣٢ ؛ صحيح مسلم ج ٧ ص ٦٦ حديث الحوض.


كما أن هذه الاحاديث هي مصداق وتفسير لما سجلناه سابقا من الآيات الكريمة التي تحدثت عن انقلابهم وارتدادهم وتوعدهم بالعذاب الاليم.

* ٢ ـ حديث التنافس على الدنيا

قال ( ص ) :

« اني فرط لكم وأنا شيهد عليكم واني والله لأنظر إلى حوضي الآن واني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ( أو مفاتيح الأرض ) واني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها» (١) .

صدق رسول الله ( ص ) ، فقد تنافسوا على الدنيا حتى سلت سيوفهم وتحاربوا وكفر بعضهم بعضا ، وقد كان بعض هؤلاء الصحابة المشهورين يكنز الذهب والفضة ، ويحدثنا المؤرخون كالمسعودي في مروج الذهب والطبري وغيرهم أن ثروة الزبير وحده بلغت خمسين ألف دينار والف فرس والف عبد وضياعا كثيرة في البصرة وفي الكوفة وفي مصر وغيرها(٢) .

كما بلغت غلة طلحة من العراق وحده كل يوم ألف دينار ، وقيل أكثر من دلك(٣) .

وكان لعبد الرحمن بن عوف مائة فرس ، وله ألف بعير وعشرة آلاف شاة ، و بلغ ربع ثمن ماله الذي قسم على زوجاته بعد وفاته أربعة وثمانين الفا(٤) .

وترك عثمان بن عفان يوم مات مائة وخمسين ألف دينار عدا المواشي والأرضي والضياع مما لا يحصى وترك زيد بن ثابت من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس حتى مجلت أيدي الناس ، ما عدا الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار(٥) .

هذه بعض الأمثلة البسيطة وفي التاريخ شواهد كثيرة لا نريد الدخول في بحثها الآن ونكتفي بهذا القدر للدلالة على صدق الحديث وأنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم ربرحها.

__________________

(١) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٠٠ ، ١٠١.

(٢) ، (٣) ، (٤) ، (٥) مروج الذهب للمسعودي ج ٢ ص ٣٤١.


٣ ـ رأي الصحابة بعضهم في بعض

* ١ ـ شهادتهم على أنفسهم بتغيير سنة النبي

عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج يوم الفطر والاضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقول مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم فإن كان يريد أن يقطع بحثا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف ، قال أبوسعيد فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل أن يصلي فقلت له غيرتم والله ؛ فقال : أبا سعيد قد ذهب ما تعلم.

فقلت ؛ ما أعلم والله خير مما لا أعلم ، فقال إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة(١) .

وقد بحثت كثيرا عن الدوافع التي جعلت هؤلاء الصحابة يغيرون سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واكتشفت أن الامويين وأغلبهم من صحابة النبي وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان « كاتب الوحي » كما يسمونه كان يحمل الناس ويجبرهم على سب علي بن أبي طالب ولعنه من فوق منابر المساجد ، كما ذكر ذلك المؤرخون ، وقد أخرج مسلم في صحيحه في باب « فضائل علي بن أبي طالب » مثل ذلك ؛ وأمر عماله ـ يعني معاوية ـ في

__________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ١٢٢ من كتاب العيدين. باب الخروج الى المصلى بغير منبر


كل الامصار بإتخاذ ذلك اللعن سنة يقولها الخطباء على المنابر ، ولما استاء من ذلك بعض الصحابة واستنكر هذا الفعل أمر معاوية بقتلهم وحرقهم وقد قتل من مشاهير الصحابة حجر بن عدي الكندي وأصحابه ودفن بعضهم أحياء لانهم امتنعوا عن لعن علي واستنكروه وقد أخرج أبوالاعلى المودودي في كتابه « الخلافة والملك » نقلا عن الحسن البصري قال : أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة له :

(١) أخذه الامر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ذوو الفضيلة.

(٢) استخلافه بعده ابنه سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب الطنابير.

(٣) ادعاؤه زيادا وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر.

(٤) قتله حجرا وأصحاب حجر فياويلا له من حجر وياويلا له من حجر وأصحاب حجر(١) .

وكان بعض المؤمنين من الصحابة يفرون من المسجد بعد الفراغ من الصلاة حتى لا يحضروا الخطبة التي تختم بلعن علي وأهل بيته ، ومن أجل ذلك غير بنو أمية سنة رسول الله وقدموا الخطبة على الصلاة حتى يحضرها الناس ويرغموا بذلك أنوفهم.

مرحى لهؤلاء الصحابة الذين لا يتورعون عن تغيير سنة الرسول وحتى أحكام الله للوصول إلى أغراضهم الدنيئة وأحقادهم الدفينة ومطامعهم الخسيسة ، ويلعنون رجلا أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا وأوجب الصلاة عليه كالصلاة على رسوله ، وأوجب الله ورسوله مودته وحبه حتى قال النبي : « حب علي إيمان وبغضه نفاق »(٢) .

ولكن هؤلاء الصحابة بدلوا وغيروا وقالوا سمعنا وعصينا وبدلا من أن يصلوا عليه ويحبوه ويطيعوه ، شتموه ولعنوه طيلة ستين عاما كما جاء في كتب التاريخ.

فإذا كان أصحاب موسى قد تآمروا على هارون وكادوا يقتلونه ، فإن بعض أصحاب محمد قتلوا هارونه وتتبعوا أولاده وشيعته تحت كل حجر ومدر ومحوا أسماءهم من الديوان

__________________

( ١ ) أبوالاعلى المودودي كتاب الخلافة والملك ص ١٠٦.

( ٢ ) صحيح مسلم ج ١ ص ٦١.


ومنعوا أن يتسمى أحد باسمه ، ولم يكتفوا بكل ذلك بل لعنوه وحملوا الصحابة المخلصين على ذلك قهرا وظلما.

وإني والله لاقف حائرا مبهوتا عندما أقرأ صحاحنا وما سجل فيها من حب الرسول لاخيه وابن عمه علي وتقديمه على كل الصحابة حتى قال فيه : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي(١) . وقال له : أنت مني وأنا منك(٢) وقال : حب علي إيمان وبغضه نفاق(٣) ، وقال أنا مدينة العلم وعلي بابها(٤) وقال : علي ولي كل مؤمن بعدي(٥) . وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه(٦) ، ولو أردنا استقصاء الفضائل التي ذكرها النبي في علي والتي أخرجها علماؤنا معترفين بصحتها لاستوجب كتابا خاصا ، فكيف يا ترى يتجاهل الصحابة هذه النصوص ويسبون عليا وينصبون له العداء ويلعنونه فوق المنابر وكيف يقاتلونه ويقتلونه.

وإني أحاول عبثا أن أجد مبررا لهؤلاء فلا أجد غير حب الدنيا والتنافس فيها أو النفاق أو الارتداء والانقلاب على الاعقاب ، وأحاول أيضا إلصاق هذه المسؤولية بحثالة الصحابة وبعض المنافقين ، ولكن هؤلاء ـ للاسف الشديد ـ معدودون من أكابرهم وأفاضلهم ومشاهيرهم ، فأول من هدد بحرق بيته ـ بمن فيه ـ هو عمر بن الخطاب ، وأول من حاربه هو طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر ، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأمثالهم كثيرون.

وإن عجبي لكبير وسوف لن ينتهي ، كما يؤيدني في ذلك كل مفكر حر ، عاقل ، كيف يجمع علماء أهل السنة والجماعة على عدالة الصحابة كافة ويترضون عليهم بل ويصلون عليهم أجمعين ، لا يستثنون منهم واحدا حتى قال بعضهم : « إلعن يزيد ولا

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ٣٠٥ ، مسلم ج ٢ ص ٣٦٠ ، مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٠٩.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ٧٦ ، صحيح الترمذي ج ٥ ص ٣٠٠ ، سنن إبن ماجه ج ١ ص ٤٤.

( ٣ ) صحيح مسلم ج ١ ص ٦١ ، سنن النسائي ج ٦ ص ١١٧ صحيح الترمذي ج ٨ ص ٣٠٦.

( ٤ ) صحيح الترمذي ج ٥ ص ٢٠١ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٢٦.

( ٥ ) مسند الامام أحمد ج ٥ ص ٢٥ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٣٤ ، صحيح الترمذي ج ٥ ص ٢٩٦.

( ٦ ) صحيح مسلم ج ٢ ص ٣٦٢ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٠٩ مسند أحمد ج ٤ ص ٢٨١.


تزيد » فأين يزيد من هذه المآسي التي لا يقرها دين ولا عقل ، وإنني أربأ بأهل السنة والجماعة إن كانوا حقا يتبعون سنة الرسول ، أن يحكموا بعدالة من حكم القرآن والسنة بفسقه وارتداده وكفره وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ، ومن سب الله أكبه على منخريه في النار »(١) .

هذا جزاء من سب عليا فما بالك بمن لعنه وحاربه وقاتله فأين علماؤنا من كل هذه الحقائق ، أم على قلوب أقفالها.

وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون.

* ٢ ـ الصحابة غيروا حتى في الصلاة

قال أنس بن مالك : ما عرفت شيئا مما كان على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل الصلاة ، قال أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها. وقال الزهري دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت ما يبكيك فقال : لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وقد ضيعت(٢) .

وحتى لا يتوهم أحد أن التابعين هم الذين غيروا ما غيروا بعد تلك الفتن والحروب ، أود أن أذكر بأن أول من غير سنة الرسول في الصلاة هو خليفة المسلمين نفسه عثمان بن عفان وكذلك أم المومنين عائشة ، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما : أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، صلى بمنى ركعتين ، وأبو بكر بعده ، وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدرا من خلافته ، ثم أن عثمان صلى بعد أربعا(٣) .

كما أخرج مسلم في صحيحه ، قال الزهري قلت لعروة مابال عائشة تتم الصلاة في السفر؟ قال إنها تأولت كما تأول عثمان(٤) .

وكان عمر بن الخطاب يجتهد ويتأول مقابل النصوص الصريحة من السنن النبوية بل

__________________

( ١ ) مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٢١ خصائص النسائي ص ٢٤. مسند الامام أحمد ج ٦ ص ٣٣ المناقب للخوارزمي ص ٨١. الرياض النضرة للطبري ج ٢ ص ٢١٩. تاريخ السيوطي ص ٧٣.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ١ ص ٧٤.

( ٣ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ١٥٤ ، صحيح مسلم ج ١ ص ٢٦٠.

( ٤ ) صحيح مسلم ج ٢ ص ١٤٣ كتاب صلاة المسافرين.


في مقابل النصوص الصريحة من القرآن الحكيم فيحكم برأيه ، كقوله : « متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما » ، ويقول لمن أجنب ولم يجد ماء : « لا تصل ». رغم قول الله تعالى في سورة المائدة :( فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) .

أخرج البخاري في صحيحه في باب « إذا خاف الجنب على نفسه » قال : سمعت شقيق بن سلمة قال : كنت عند عبدالله وأبي موسى فقال له أبوموسى أرأيت ياأبا عبدالرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع فقال عبدالله لا يصلي حتى يجد الماء فقال أبوموسى فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي (ص) كان يكفيك ، قال : ألم تر عمر لم يقنع بذلك فقال أبوموسى فدعنا من قول عمار كيف تصنع بهذه الآية فما درى عبدالله ما يقول فقال إنا لو رخصنا لهم في هذا لاوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم فقلت لشقيق : فإنما كره عبدالله لهذا ، قال : نعم(١) .

* ٣ ـ الصحابة يشهدون على أنفسهم

روى أنس بن مالك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال للانصار : إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض. قال أنس فلم نصبر(٢) .

وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما فقلت طوبى لك صحبت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبايعته تحت الشجرة ، فقال : يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده(٣) .

وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الاولين الذين بايعوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الشجرة ، ورضي الله عنهم وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحا قريبا ، يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به ( ص ) وتنبا به من أن

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ١ ص ٥٤.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ١٣٥.

( ٣ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٣٢ باب غزوة الحديبية.


أن أصحابه سيحدثون بعده ويرتدون على أدبارهم فهل يمكن لعاقل بعد هذا أن يصدق بعدالة الصحابة كلهم أجمعين ( أكتعين أبصعين ) على ما يقول به أهل السنة والجماعة ، والذي يقول هذا القول فإنه يخالف العقل والنقل ولا يبقى للباحث أي مقاييس فكرية يعتمدها للوصول إلى الحقيقة.

* ٤ ـ شهادة الشيخين على نفسيهما

أخرج البخاري في صحيحه في باب مناقب عمر بن الخطاب قال : لما طعن عمر جعل يألم فقال له ابن عباس وكأنه يجزعه : ياأمير المؤمنين ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله فأحسنت صحبته ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت صحابتهم فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. قال : أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ورضاه فإنما ذاك من من الله تعالى من به علي ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك من من الله جل ذكره من به علي ، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك والله لو أن لي طلاع الارض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عزوجل قبل أن أراه(١) .

وقد سجل التاريخ له أيضا قوله : ليتني كنت كبش أهلي يسمنونني مابدا لهم حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون فجعلوا بعضي شواء وقطعوني قديدا ثم أكلوني وأخرجوني عذرة ولم أكن بشرا(٢) ...

كما سجل التاريخ لابي بكر مثل هذا ، قال لما نظر أبوبكر إلى طائر على شجرة : طوبى لك ياطائر تأكل الثمر وتقع على الشجر وما من حساب ولا عقاب عليك ، لوددت أني شجرة على جانب الطريق مر علي جمل فأكلني وأخرجني في بعره ولم أكن من البشر(٣) .

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ٢٠١.

( ٢ ) منهاج السنة لابن تيمية ج ٣ ص ١٣١. حلية الاولياء لابي نعيم ج ١ ص ٥٢.

( ٣ ) تاريخ الطبري ص ٤١. الرياض النضرة ج ١ ص ١٣٤. كنز العمال ص ٣٦١. منهاج السنة لابن تيمية ، ج ٣ ص ١٢٠.


وقال مرة أخرى : « ليت أمي لم تلدني ، ليتني كنت تبنة في لبنة »(١) تلك بعض النصوص أوردتها على نحو المثال لا الحصر.

وهذا كتاب الله يبشر عباده المؤمنين بقوله :

( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون ، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) (٢) .

ويقول أيضا :( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ) (٣) . صدق الله العلي العظيم.

فكيف يتمنى الشيخان أبوبكر وعمر أن لا يكونا من البشر الذي كرمه الله على سائر مخلوقاته.

وإذا كان المؤمن العادي الذي يستقيم في حياته تتنزل عليه الملائكة وتبشره بمقامه في الجنة فلا يخاف من عذاب الله ولا يحزن على ما خلف وراءه في الدنيا وله البشرى في الحياة الدنيا قبل أن يصل إلى الآخرة ، فما بال عظماء الصحابة الذين هم خير الخلق بعد رسول الله ـ كما تعلمنا ذلك ـ يتمنون أن يكونوا عذرة ، وبعرة ، وشعرة ، وتبنة ، ولو أن الملائكة بشرتهم بالجنة ما كانوا ليتمنوا أن لهم مثل طلاع الارض ذهبا ليفتدوا به من عذاب الله قبل لقاه.

قال تعالى :( ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الارض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) (٤) .

وقال أيضا :( ولو أن للذين ظلموا ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به من

__________________

( ١ ) تاريخ الطبري ص ٤١ الرياض النضرة ج ١ ص ١٣٤. كنز العمال ص ٣٦١. منهاج السنة النبوية لابن تيمية ج ٣ ص ١٢٠.

( ٢ ) سورة يونس : آية ٦٢ و ٦٣ و ٦٤.

( ٣ ) سورة فصلت : آية ٣٠ ، ٣١ ، ٣٢.

( ٤ ) سورة يونس : آية ٥٤.


سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ، وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون ) (١) .

وإنني أتمنى من كل قلبي أن لا تشمل هذه الآيات ، صحابة كبارا أمثال أبي بكر الصديق وعمر الفاروق ..

بيد أنني أتوقف كثيرا عند مثل هذه النصوص لاطل على مقاطع مثيرة من علاقتهم مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما شهدتها تلك العلاقة من تخلف عن إجراء أوامره وتلبية طلبه في اللحظات الاخيرة من عمره المبارك الشريف مما أغضبه ودفعه إلى أن يأمر الجميع بمغادرة المنزل وتركه ، كما أنني أستحضر أمامي شريط الحوادث التي جرت بعد وفاة الرسول وما جرى مع ابنته الزهراء الطاهرة من إيذاء وهضم وغمط وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني »(٢) .

وقالت فاطمة لابي بكر وعمر :

نشدتكما الله تعالى ألم تسمعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي فمن أحب ابنتي فاطمة فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ، قالا : نعم سمعناه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت : فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي لاشكونكما إليه »(٣) .

ودعنا من هذه الرواية التي تدمي القلوب ، فلعل ابن قتيبة وهو من علماء أهل السنة المبرزين في كثير من الفنون وله تآليف عديدة في التفسير والحديث واللغة والنحو والتاريخ ، لعله تشيع هو الآخر كما قال لي أحد المعاندين مرة عندما أطلعته على كتابه تاريخ الخلفاء ، وهذه هي الدعاية التي يلجأ إليها بعض علمائنا بعدما تعييهم الحيلة ، فالطبري عندنا تشيع والنسائي الذي ألف كتابا في خصائص الامام علي تشيع وابن قتيبة تشيع وحتى طه حسين من المعاصرين لما ألف كتابه الفتنة الكبرى وذكر حديث الغدير

__________________

( ١ ) سورة الزمر : آية ٤٧ ، ٤٨.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٢ ص ٢٠٦ باب مناقب قرابة رسول الله ( ص ).

( ٣ ) الامامة والسياسة لابن قتيبة ج ١ ص ٢٠. فدك في التاريخ ص ٩٢.


واعترف بكثير من الحقائق الاخرى فهو أيضا تشيع!!.

والحقيقة أن كل هؤلاء لم يتشيعوا وعندما يتكلمون عن الشيعة لا يذكرون عنهم إلا ما هو مشين ، وهم يدافعون عن عدالة الصحابة بكل ما أمكنهم ، ولكن الذي يذكر فضائل علي بن أبي طالب ويعترف بما فعله كبار الصحابة من أخطاء نتهمه بأنه تشيع ، ويكفي أن تقول أمام أحدهم عند ذكر النبي : «صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » او « تقول علي ( ع ) » ، حتى يقال : إنك شيعي ، وعلى هذا الاساس قلت يوما لاحد علمائنا وأنا أحاوره : ما رأيك في البخاري؟ قال : هو من أئمة الحديث وكتابه أصح الكتب بعد كتاب الله عندنا وقد أجمع على ذلك علماؤنا. فقلت له : إنه شيعي ، فضحك مستهزئا وقال : حاشى الامام البخاري أن يكون شيعيا!! قلت : أو ليس أنك ذكرت بأن كل من يقول : « علي ( ع ) » فهو شيعي؟ قال : بلى ، فأطلعته ومن حضر معه على صحيح البخاري وفي عدة مواقع عندما يأتي باسم علي يقول :عليه‌السلام وفاطمةعليها‌السلام والحسين بن عليعليهما‌السلام (١) فبهت وما دري ما يقول.

وأعود إلى رواية ابن قتيبة التي ادعى فيها أن فاطمة غضبت على أبي بكر وعمر ، فإذا شككت فيها فإنه لا يمكنني أن أشك في صحيح البخاري الذي هو عندنا أصح الكتب بعد كتاب الله ، وقد ألزمنا أنفسنا بأنه صحيح وللشيعة أن يحتجوا به علينا ويلزموننا بما ألزمنا به أنفسنا وهذا هو الانصاف للقوم العاقلين. فها هو البخاري يخرج من باب مناقب قرابة رسول الله ، أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني. كما أخرج في باب غزوة خيبر ، عن عائشة أن فاطمةعليها‌السلام بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئا فوجدت(٢) فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت(٣) .

والنتيجة في النهاية هي واحدة ذكرها البخاري باختصار وذكرها ابن قتيبة بشيء من

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ١ ص ١٢٧ ، ١٣٠ وج ٢ ص ١٢٦ ، ٢٠٥.

( ٢ ) وجدت : غضبت.

( ٣ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٣٩.


التفصيل ، ألا وهي أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها وأن فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر وعمر.

وإذا كان البخاري قد قال : ماتت وهي واجدة على أبي بكر فلم تكلمه حتى توفيت فالمعنى واحد كما لا يخفى ، وإذا كانت فاطمة سيدة نساء العالمين كما صرح بذلك البخاري في كتاب الاستئذان باب من ناجى بين يدي الناس ، وإذا كانت فاطمة هي المرأة الوحيدة في هذه الامة ، التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيرا ، فلا يكون غضبها لغير الحق ولذلك يغضب الله ورسوله لغضبها ، ولهذا قال أبوبكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب أبوبكر باكيا حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لادعون الله عليك في كل صلاة أصليها ، فخرج أبوبكر يبكي ويقول : لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي(١) .

غير أن كثيرا من المؤرخين ومن علمائنا ، يعترفون بأن فاطمةعليها‌السلام خاصمت أبابكر في قضية النحلة والارث وسهم ذي القربى فردت دعواها حتى ماتت وهي غاضبة عليه ، إلا أنهم يمرون بهذه الاحداث مرور الكرام ولا يريدون التكلم فيها حفاظا على كرامة أبي بكر كما هي عادتهم في كل ما يمسه من قريب أو بعيد ؛ ومن أعجب ما قرأته في هذا الموضوع قول بعضهم بعد ما ذكر الحادثة بشيء من التفصيل قال : « حاشى لفاطمة من أن تدعي ما ليس لها بحق ، وحاشى لابي بكر من أن يمنعها حقها ». وبهذه السفسطة ظن هذا العالم أنه حل المشكلة وأقنع الباحثين وكلامه هذا كقول القائل : « حاشى للقرآن الكريم أن يقول غير الحق ، وحاشى لبني إسرائيل أن يعبدوا العجل ». لقد ابتلينا بعلماء يقولون ما لا يفقهون ويؤمنون بالشيء ونقيضه في نفس الوقت والحال يؤكد أن فاطمة ادعت وأبابكر رفض دعواها فإما أن تكون كاذبة و « العياذ بالله » حاشاها ، أو أن يكون أبوبكر ظالما لها وليس هناك حل ثالث للقضية كما يريدها بعض علمائنا.

وإذا امتنع بالادلة العقلية والنقلية أن تكون سيدة النساء كاذبة لما ثبت عن أبيها رسول الله قوله : فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ، ومن البديهي أن الذي يكذب لا يستحق

__________________

( ١ ) تاريخ الخلفاء المعروف بالامامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري ج ١ ص ٢٠.


مثل هذا النص من قبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالحديث بذاته دال على عصمتها من الكذب وغيره من الفواحش ، كما أن آية التطهير دالة هي الاخرى على عصمتها وقد نزلت فيها وفي بعلها وابنيها بشهادة عائشة نفسها(١) ، فلم يبق إذن إلا أن يعترف العقلاء بأنها ظلمت فليس تكذيبها في دعواها إلا أمرا ميسورا لمن استباح حرقها إن لم يخرج المتخلفون في بيتها لبيعتهم(٢) .

ولكل هذا تراها ـ سلام الله عليها ـ لم تأذن لهما في الدخول عليها عندما استأذنها أبوبكر وعمر ، ولما أدخلهما علي أدارت بوجهها إلى الحائط وما رضيت أن تنظر إليهما(٣) .

وقد توفيت ودفنت في الليل سرا بوصية منها حتى لا يحضر جنازتها أحد منهم(٤) ، وبقى قبر بنت الرسول مجهولا حتى يوم الناس هذا وإنني أتسأل لماذا يسكت علماؤنا عن هذه الحقائق ولا يريدون البحث فيها ولا حتى ذكرها ، ويصورون لنا صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكأنهم ملائكة لا يخطئون ولا يذنبون. وإذا ما سألت أحدهم كيف يقتل خليفة المسلمين سيدنا عثمان ذو النورين فسيجيبك بأن المصريين ـ وهم كفرة ـ جاؤوا وقتلوه وينهي الموضوع كله بجملتين.

ولكن عندما وجدت الفرصة للبحث وقراءة التاريخ وجدت أن قتلة عثمان بالدرجة الاولى هم الصحابة أنفسهم وفي مقدمتهم أم المؤمنين عائشة التي كانت تنادى بقتله وإباحة دمه على رؤوس الاشهاد فكانت تقول « اقتلوا نعثلا فقد كفر »(٥) .

كذلك نجد طلحة والزبير ومحمد بن أبي بكر وغيرهم من مشاهير الصحابة وقد حاصروه ومنعوه من شرب الماء ليجبروه على الاستقالة ، ويحدثنا المؤرخون أن الصحابة هم الذين منعوا دفن جثته في مقابر المسلمين فدفن في « حش كوكب » بدون غسل ولا كفن ، سبحان الله ، كيف يقال لنا إنه قتل مظلوما وأن الذين قتلوه ليسوا مسلمين ، وهذه

__________________

( ١ ) صحيح مسلم ج ٧ ص ١٢١ وص ١٣٠.

( ٢ ) و ( ٣ ) تاريخ الخلفاء ج ١ ص ٢٠.

( ٤ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٣٩.

( ٥ ) تاريخ الطبري ج ٤ ص ٤٠٧ تاريخ ابن الاثير ج ٣ ص ٢٠٦ لسان العرب ج ١٤ ص ١٩٣ تاج العروس ج ٨ ص ١٤١ العقد الفريد ج ٤ ص ٢٩٠.


القضية هي الاخرى كقضية فاطمة وأبي بكر ، فإما أن يكون عثمان مظلوما وعند ذلك نحكم على الصحابة الذين قتلوه أو شاركوا في قتله بأنهم قتلة مجرمون لانهم قتلوا خليفة المسلمين ظلما وعدوانا وتتبعوا جنازته يحصبونها بالحجارة وأهانوه حيا وميتا أو أن هؤلاء الصحابة استباحوا قتل عثمان لما اقترفه من أفعال تتنافى مع الاسلام كما جاء ذلك في كتب التاريخ ، وليس هناك ا حتمال وسط إلا إذا كذبنا التاريخ وأخذنا بالتمويه « بأن المصريين وهم كفرة هم الذين قتلوه ». وفي كلا الاحتمالين نفي قاطع لمقولة عدالة الصحابة أجمعين دون استثناء فأما أن يكون عثمان غير عادل أو يكون قتلته غير عدول وكلهم من الصحابة وبذلك تبطل دعوانا. وتبقى دعوى شيعة أهل البيت القائلين بعدالة البعض منهم دون الآخر.

ونتسأل عن حرب الجمل التي أشعلت نارها أم المؤمنين عائشة إذ كانت هي التي قادتها بنفسها ، فكيف تخرج أم المؤمنين عائشة من بيتها التي أمرها الله بالاستقرار فيه بقوله تعالى :( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى ) (١) .

ونسأل بأي حق استباحت أم المؤمنين قتال خليفة المسلمين علي بن أبي طالب. وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة.

وكالعادة وبكل بساطة يجيبنا علماؤنا بأنها لا تحب الامام عليا لانه أشار على رسول الله بتطليقها في حادثة الافك ، ويريد هؤلاء إقناعنا بأن هذه الحادثة « إن صحت » وهي إشارة علي على النبي بتطليقها كافية بأن تعصي أمر ربها وتهتك سترا ضربه عليها رسول الله ، وتركب جملا نهاها رسول الله أن تركبه وحذرها أن تنبحها كلاب الحوأب(٢) ، وتقطع المسافات البعيدة من المدينة إلى مكة ومنها إلى البصرة ، وتستبيح قتل الابرياء ومحاربة أمير المؤمنين والصحابة الذين بايعوه ، وتتسبب في قتل ألوف المسلمين كما ذكر ذلك المؤرخون(٣) كل ذلك لانها لا تحب الامام عليا الذي أشار بتطليقها ومع ذلك لم يطلقها النبي ، فلماذا كل هذه الكراهية وقد سجل المؤرخون لها مواقف عدائية للامام علي لا يمكن تفسيرها ، فقد كانت راجعة من مكة عندما أعلموها في

__________________

( ١ ) سورة الاحزاب : آية ٣٣.

( ٢ ) الامامة والسياسة.

( ٣ ) الطبري وابن الاثير والمدائني وغيرهم من المؤرخين الذين أرخوا حوادث سنة ست وثلاثين للهجرة.


الطريق بأن عثمانا قتل ففرحت فرحا شديدا ولكنها عندما علمت بأن الناس بايعوا عليا غضبت وقالت : وددت أن السماء انطبقت على الارض قبل أن يليها ابن أبي طالب وقالت ردوني وبدأت تشعل نار الفتنة للثورة على علي الذي لا تريد ذكر اسمه كما سجله المؤرخون عليها ، أفلم تسمع أم المؤمنين قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « بأن حب على إيمان وبغضه نفاق »(١) حتى قال بعض الصحابة : « كنا لا نعرف المنافقين إلا ببغضهم لعلي ».

أو لم تسمع أم المؤمنين قول النبي : « من كنت مولاه فعلي مولاه » إنها لا شك سمعت كل ذلك ولكنها لا تحبه ولا تذكر اسمه بل إنها لما سمعت بموته سجدت شكرا لله(٢) .

ودعني من كل هذا فأنا لا أريد البحث عن تاريخ أم المؤمنين عائشة ولكن أريد الاستدلال على مخالفة كثير من الصحابة لمبادئ الاسلام وتخلفهم عن أوامر رسول الله (ص) ، ويكفيني من فتنة أم المؤمنين دليل واحد أجمع عليه المؤرخون ؛ قالوا لما جازت عائشة ماء الحوأب ونبحتها كلابها تذكرت تحذير زوجها رسول الله ونهيه إياها أن تكون هي صاحبة الجمل ، فبكت وقالت ردوني ، ردوني.

ولكن طلحة والزبير جاءاها بخمسين رجلا جعلا لهم جعلا ، فأقسموا بالله أن هذا ليس بماء الحوأب فواصلت مسيرها حتى البصرة ، ويذكر المؤرخون أنها أول شهادة زور في الاسلام(٣) .

دلونا أيها المسلمون يا أصحاب العقول النيرة على حل لهذا الاشكال ، أهؤلاء هم الصحابة الاجلاء الذين نحكم نحن بعدالتهم ونجعلهم أفضل البشر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ! فيشهدون شهادة الزور التي عدها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الكبائر الموبقة التي تقود إلى النار.

ونفسه السؤال يعود دائما ويتكرر أيهم على الحق وأيهم على الباطل ، فإما أن يكون علي ومن معه ظالمين وعلى غير الحق ، وإما أن تكون عائشة ومن معها وطلحة والزبير ومن

__________________

( ١ ) صحيح مسلم ج ١ ص ٤٨.

( ٢ ) الطبري وابن الاثير والفتنة الكبرى وكل المؤرخين الذي أرخوا حوادث سنة أربعين للهجرة.

( ٣ ) الطبري وابن الاثير والمدائني وغيرهم من المؤرخين الذين أرخوا لسنة ست وثلاثين للهجرة.


معهم ظالمين وعلى غير الحق وليس هناك احتمال ثالث ، والباحث المنصف لا أراه إلا مائلا لاحقية علي الذي يدور الحق معه حيث دار ، نابذا فتنة « أم المؤمنين عائشة » وأتباعها الذين أوقدوا نارها وما أطفأوها حتى أكلت الاخضر واليابس وبقيت آثارها إلى اليوم. ولمزيد البحث وليطمئن قلبي أقول أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الفتن باب الفتنة التي تموج كموج البحر ، قال : لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي عمار بن ياسر والحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه فسمعت عمارا يقول : إن عائشة قد سارت إلى البصرة ووالله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي(١) .

كما أخرج البخاري أيضا في كتاب الشروط باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ، قال : قام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال هاهنا الفتنة ، هاهنا الفتنة ، هاهنا الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان(٢) .

كما أخرج البخاري في صحيحه عنها أشياء عجيبة وغريبة في سوء أدبها مع النبي حتى ضربها أبوها فأسال دمها وفي تظاهرها على النبي حتى هددها الله بالطلاق وأن يبدله ربه خيرا منها وهذه قصص أخرى يطول شرحها.

وبعد كل هذا أتسأل كيف استحقت عائشة كل هذا التقدير والاحترام من أهل السنة والجماعة ، ألانها زوج النبي ، فزوجاته كثيرات وفيهن من هي أفضل من عائشة بتصريح النبي نفسه(٣) .

أم لانها ابنة أبي بكر! أم لانها هي التي لعبت الدور الكبير في إنكار وصية النبي لعلي حتى قالت عندما ذكروا عندها أن النبي أوصى لعلي : قالت من قاله لقد رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإني لمسندته إلى صدري فدعا بالطست فانحنى فمات فما شعرت فكيف أوصى

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٦١.

( ٢ ) صحيح البخاري ص ١٢٨.

( ٣ ) صحيح الترمذي ، الاستيعاب ترجمة صفية ، الاصابة ترجمة صفية أم المؤمنين.


إلى علي(١) . أم لانها حاربته حربا لا هوادة فيها وأولاده من بعده حتى اعترضت جنازة الحسن سيد شباب أهل الجنة ومنعت أن يدفن بجانب جده رسول الله قائلة : لا تدخلوا بيتي من لا أحب ونسيت أو تجاهلت قول الرسول فيه وفي أخيه : « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة » ، أو قوله : « أحب الله من أحبهما وأبغض الله من أبغضهما » ، أو قوله : « أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم » ؛ وغير ذلك كثير لست في معرض الكلام عنه كيف لا وهما ريحانتاه من هذه الامة.

ولا غرابة فقد سمعت في حق علي أضعاف ذلك ولكنها ورغم تحذير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لها ، أبت إلا محاربته وتأليب الناس عليه وإنكار فضله وفضائله. ومن أجل ذلك أحبها الامويون وأنزلوها تلك المنزلة العظيمة التي تقصر عنها المنازل ورووا في فضلها ما ملأ المطامير وسارت به الركبان حتى جعلوها المرجع الاكبر للامة الاسلامية لان عندها وحدها نصف الدين.

ولعل نصف الدين الثاني خصوا به أبا هريرة الذي روى لهم ما يشتهون فقربوه وولوه إمارة المدينة وبنوا له قصر العقيق بعد ماكان معدما ، ولقبوه براوية الاسلام. وبذلك سهل على بني أمية أن يكون لهم دين كامل جديد ليس فيه من كتاب الله وسنة رسوله إلا ما تهواه أنفسهم ويتقوى به ملكهم وسلطانهم وخليق بهذا الدين أن يكون لعبا وهزوا مليئا بالمتناقضات والخرافات ، وبذلك طمست الحقائق وحلت محلها الظلمات ، وقد حملوا الناس عليها وأغروهم بها حتى أصبح دين الله عندهم مهزلة من المهازل لا يقيمون له وزنا ولا يخافون من الله كخوفهم من معاوية. وعندما نسأل بعض علمائنا عن حرب معاوية لعلي وقد بايعه المهاجرون والانصار ، تلك الحرب الطاحنة التي سببت انقسام المسلمين إلى سنة وشيعة وانصدع الاسلام ولم يلتئم حتى اليوم ، فإنهم يجيبون كالعادة وبكل سهولة قائلين : إن عليا ومعاوية صحابيان جليلان اجتهدا فعلي اجتهد وأصاب فله أجران أما معاوية فاجتهد وأخطأ وله أجر واحد. وليس من حقنا نحن أن نحكم لهم أو عليهم وقد قال الله تعالى :( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) .

__________________

(١ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٦٨ باب مرض النبي ووفاته.


هكذا ـ وللاسف ـ تكون إجاباتنا وهي كما ترى سفسطة لا يقول بها عقل ولا دين ولا يقر بها شرع ، اللهم إني أبرأ إليك من خطل الآراء وزلل الاهواء وأعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون.

كيف يحكم العقل السليم باجتهاد معاوية ويعطيه أجراً على حربه إمام المسلمين وقتله المؤمنين الابرياء وارتكابه الجرائم والآثام التي لا يحصي عددها إلا الله وقد اشتهر عند المؤرخين بقتله معارضيه وتصفيتهم بطريقته المشهورة وهو إطعامهم عسلا مسموما وكان يقول : « إن لله جنودا من عسل ».

كيف يحكم هؤلاء باجتهاده ويعطونه أجرا وقد كان إمام الفئة الباغية؟ ففي الحديث المشهور الذي أخرجه كل المحدثين من السنة والشيعة وسواهم : « ويح عمار تقتله الفئة الباغية » ولم يختلف اثنان من المسلمين على أن الذي قتل عمارا وأصحابه هو معاوية! كيف يحكمون باجتهاده وقد قتل حجر بن عدي وأصحابه صبرا ودفنهم في مرج عذراء ببادية الشام لانهم امتنعوا عن سب علي بن أبي طالب.

كيف يريدونه صحابيا عادلا وقد دس السم للحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة وقتله.

كيف ينزهونه وقد أخذ البيعة من الامة بالقوة والقهر لنفسه أولا ثم لابنه الفاسق يزيد من بعده وبدل نظام الشورى بالملكية القيصرية(١) .

كيف يحكمون باجتهاده ويعطونه أجرا وقد حمل الناس على لعن علي وأهل البيت ذرية المصطفى من فوق المنابر ، وقتل الصحابة الذين امتنعوا عن ذلك وأصبحت سنة متبعة يهرم عليها الكبير ويشيب عليها الصغير فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والسؤال يعود دائما ويتكرر ويلح : ترى أي الفريقين على الحق وأيهما على الباطل؟ فإما أن يكون علي وشيعته ظالمين وعلى غير الحق. وإما أن يكون معاوية وأتباعه ظالمين وعلى غير الحق ، وقد أوضح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل شيء. وفي كلا الحالين فإن عدالة الصحابة كلهم من غير استثناء أمر مستحيل ، لا ينسجم مع المنطق السليم.

__________________

( ١ ) راجع : الخلافة والملك للمودودي. ويوم الاسلام لاحمد الامين.


ولكل هذه المواضيع أمثلة كثيرة لا يحصي عددها إلا الله ولو أردت الدخول في التفصيل وبحث هذه المواضيع من كل جوانبها لاحتجت إلى مجلدات كثيرة ولكنني رمت الاختصار وأخذت في هذا البحث بعض الامثلة وهي بحمد الله كافية لابطال مزاعم قومي الذين جمدوا فكري ردحا من الزمن وحجروا علي أن أفقه الحديث أو أحلل الاحداث التاريخية بميزان العقل والمقاييس الشرعية التي علمنا إياها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ولذلك سوف أتمرد على نفسي وأنفض عني غبار التعصب الذي غلفوني به وأتحرر من القيود والاغلال التي كبلوني بها أكثر من عشرين عاما ولسان حالي يقول لهم : يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. ياليت قومي اكتشفوا العالم الذي يجهلونه ويعادونه دون أن يعرفوه.


بداية التحول

بقيت متحيرا ثلاثة أشهر مضطربا حتى في نومي تتجاذبني الافكار وتموج بي الظنون والاوهام خائفا على نفسي من بعض الصحابة الذين أحقق في تاريخهم فأقف على بعض المفارقات المذهلة في سلوكهم ، لان التربية التي تلقيتها طيلة حياتي تدعوني إلى احترام أولياء الله والصالحين من عباده وتقديسهم ، الذين ( يؤذون ) من يقول فيهم سوءا أو يسيء إليهم الادب حتى في غيابهم وإن كانوا موتى.

ولقد قرأت في ما سبق في كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري(١) : أن رجلا كان يشتم عمر بن الخطاب وكان أصحابه في القافلة ينهونه فلما ذهب يتبول لدغه أسود سالخ فمات لحينه وحفروا له لدفنه فوجدوا في القبر أسود سالخا ثم حفروا قبورا أخرى وفي كل مرة يجدون أسود سالخا ، فقال لهم أحد العارفين ادفنوه أنى شئتم فلو حفرتم الارض كلها لوجدتم أسود سالخا ذلك ليعذبه الله في الدنيا قبل الآخرة على شتمه سيدنا عمر.

ولذلك وجدتني وأنا أقحم نفسي في هذا البحث العسير خائفا محتارا وخصوصا لانني تعلمت في الفرع الزيتوني بأن أفضل الخلفاء على التحقيق سيدنا أبوبكر الصديق ثم يأتي بعده سيدنا عمر بن الخطاب الفاروق الذي يفرق الله به بين الحق والباطل ، ثم بعده سيدنا عثمان بن عفان ذو النورين الذي استحت منه ملائكة الرحمن ، ثم بعده سيدنا علي

__________________

( ١ ) كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري. هذه القصة توجد في حديثه عن الاسود السالخ.


باب مدينة العلم ، ثم يأتي بعد هؤلاء الاربعة الستة الباقون من العشرة المبشرين بالجنة وهم ، طلحة والزبير وسعد وسعيد ، وعبدالرحمن ، وأبوعبيدة ، ثم يأتي بعد هؤلاء الصحابة جميعا ، وكثيرا ما كانوا يعلموننا الاستدلال بالآية الكريمة( لا نفرق بين أحد من رسله ) على وجوب النظر إلى بقية الصحابة بالمنظار نفسه دون خدش أي واحد منهم.

وعلى هذا خشيت على نفسي واستغفرت ربي مرات عديدة أردت فيها الانقطاع عن البحث في مثل هذه الامور التي تشككني في صحابة رسول الله وبالتالي تشككني في ديني ولكني وجدت من خلال الحديث مع بعض العلماء طيلة تلك المدة تناقضات لا يقبلها العقل وبدأوا يحذرونني من أنني إن واصلت البحث في أحوال الصحابة فسوف يسلب الله نعمته عني ويهلكني ، ومن كثرة معاندتهم وتكذيبهم كل ما أقول دفعني فضولي العلمي وحرصي على بلوغ الحقيقة إلى أن أقحم نفسي من جديد في البحث ووجدت قوة داخلية تدفعني دفعا.


محاورة مع عالم

قلت لاحد علمائنا : إذا كان معاوية قتل الابرياء وهتك الاعراض وتحكمون بأنه اجتهد وأخطأ وله أجر واحد. وإذا كان يزيد قتل أبناء الرسول وأباح المدينة لجيشه وتحكمون بأنه اجتهد وأخطأ وله أجر واحد حتى قال بعضكم : « قتل الحسين بسيف جده » لتبرير فعل يزيد. فلماذا لا أجتهد أنا في البحث وهو ما يجرني للشك في الصحابة وتعرية البعض منهم وهذا لا يقاس بالنسبة للقتل الذي فعله معاوية وابنه يزيد في العترة الطاهرة ، فإن أصبت فلي أجران وإن أخطأت فلي أجر « واحد » ، على أن انتقاصي لبعض الصحابة لا أريد منه السب والشتم واللعن ، وإنما أريد الوصول إلى الحقيقة لمعرفة الفرقة الناجية من بين الفرق الضالة. وهذا واجبي وواجب كل مسلم ، والله سبحانه يعلم السرائر وما تخفى الصدور. أجابني العالم قائلا :

ـ يا بني لقد أغلق باب الاجتهاد من زمان.

ـ فقلت ومن أغلقه؟.

ـ قال الائمة الاربعة.

ـ فقلت متحررا : الحمد لله إذ لم يكن الله هو الذي أغلقه ولا رسول الله ولا الخلفاء الراشدون الذين « أمرنا بالاقتداء بهم » فليس علي حرج إذا اجتهدت كما اجتهدوا.

ـ فقال : لا يمكنك الاجتهاد إلا إذا عرفت سبعة عشر علما ، منها علم التفسير


واللغة والنحو والصرف والبلاغة والاحاديث والتاريخ وغير ذلك.

ـ وقاطعته قائلا : أنا لن اجتهد لابين للناس أحكام القرآن والسنة أو لاكون صاحب مذهب في الاسلام ، كلا ، ولكن لاعرف من على الحق ومن على الباطل ، ولمعرفة إن كان الامام علي على الحق ، أو معاوية مثلا ولا يتطلب ذلك الاحاطة بسبعة عشر علما ، ويكفي أن أدرس حياة كل منهما وما فعلاه حتى أتبين الحقيقة.

ـ قال : وما يهمك أن تعرف ذلك « تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ». قلت : أتقرأ « ولا تسألون » بفتح التاء أم بضمها؟.

ـ قال : تسألون بالضم.

قلت : الحمد لله لو كانت بالفتح لامتنع البحث ، وما دامت بالضم فمعناها أن الله سبحانه سوف لن يحاسبنا عما فعلوا وذلك كقوله تعالى :( كل نفس بما كسبت رهينة ) و( أن ليس للانسان إلا ما سعى ) . وقد حثنا القرآن الكريم على استطلاع أخبار الامم السابقة ولنستخلص منها العبرة ، وقد حكى الله لنا عن فرعون وهامان ونمرود وقارون وعن الانبياء السابقين وشعوبهم ، لا للتسلية ولكن ليعرفنا الحق من الباطل. أما قولك « وما يهمني من هذا البحث »؟. نعم يهمني :

* أولاً : لكي أعرف ولي الله فأواليه وأعرف عدو الله فأعاديه وهذا ما طلبه مني القرآن بل أوجبه علي.

* ثانيا : يهمني أن أعرف كيف أعبدالله وأتقرب إليه بالفرائض التي افترضها وكما يريدها هو جل وعلا لا كما يريدها مالك أو أبوحنيفة أو غيرهم من المجتهدين لاني وجدت مالكا يقول بكراهة البسملة في الصلاة بينما يقول أبوحنيفة بوجوبها ، ويقول غيره ببطلان الصلاة بدونها وبما أن الصلاة هي عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها ، فلا أريد أن تكون صلاتي باطلة ، كما أن الشيعة يقولون بمسح الرجلين في الوضوء ويقول السنة بغسلهما بينما نقرأ في القرآن « وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم » وهي صريحة في المسح ، فكيف تريد يا سيدي أن يقبل المسلم العاقل قول هذا ويرد قول ذاك بدون بحث ودليل.


ـ قال : بإمكانك أن تأخذ من كل مذهب ما يعجبك لانها مذاهب إسلامية وكلهم من رسول الله ملتمس.

ـ قلت : أخاف أن أكون ممن قال الله فيهم :( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ) (١) . يا سيدي أنا لا أعتقد بأن المذاهب كلها على حق مادام الواحد منهم يبيح الشيء ويحرمه الآخر ، فلا يمكن أن يكون الشيء حراما وحلالا في آن واحد والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يتناقض في أحكامه لانه « وحي من القرآن »( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) (٢) . وبما أن المذاهب الاربعة فيها اختلاف كثير فليست من عند الله ولا من عند رسوله لان الرسول لا يناقض القرآن.

ولما رأى الشيخ العالم كلامي منطقيا وحجتي مقبولة.

ـ قال : أنصحك لوجه الله تعالى مهما شككت فلا تشك في الخلفاء الراشدين فهم أعمدة الاسلام الاربعة إذا هدمت عمودا منها سقط البناء ....

ـ قلت : استغفر الله يا سيدي فأين رسول الله إذن إذا كان هؤلاء هم أعمدة الاسلام؟.

أجاب : رسول الله هو ذاك البناء! هو الاسلام كله.

ابتسمت من هذا التحليل وقلت : استغفر الله مرة أخرى يا سيدي الشيخ فأنت تقول من حيث لا تشعر بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن ليستقيم إلا بهؤلاء الاربعة بينما يقول الله تعالى :( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ) (٣) .

فقد أرسل محمدا بالرسالة ولم يشركه فيها أحدا من هؤلاء الاربعة ولا من غيرهم وقد قال الله تعالى في هذا الصدد :( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا

__________________

( ١ ) سورة الجاثية : آية ٢٣.

( ٢ ) سورة النساء : آية ٨٢.

( ١ ) سورة الفتح : آية ٢٨.


ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون ) (١) .

ـ قال : هذا ما تعلمناه نحن من مشايخنا وأئمتنا ، ولم نكن نحن في جيلنا نناقش ولا نجادل العلماء مثلكم اليوم الجيل الجديد أصبحتم تشكون في كل شيء وتشككون في الدين ، وهذه من علامات الساعة فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لن تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ».

ـ فقلت : يا سيدي لماذا هذا التهويل أعوذ بالله أن أشك في الدين أو أشكك فيه ، فقد آمنت بالله وحده لا شريك له وملائكته وكتبه ورسله ، وآمنت بأن سيدنا محمدا عبده ورسوله وهو أفضل الانبياء والمرسلين وخاتمهم وأنا من المسلمين ، فكيف تتهمني بهذا؟

ـ قال : أتهمك بأكثر من هذا لانك تشكك في سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وقد قال ( ص ) : « لو وزن إيمان أمتي بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر ».

وقال في حق سيدنا عمر « عرضت عليّ أمتي وهي ترتدي قمصا لم تبلغ الثدي وعرض عليّ عمر وهو يجر قميصه ، قالوا ما أولته يا رسول الله قال : الدين ». وتأتي أنت اليوم في القرن الرابع عشر لتشكك في عدالة الصحابة وبالخصوص أبي بكر وعمر. ألم تعلم بأن أهل العراق هم أهل الشقاق ، هم أهل الكفر والنفاق!!.

ـ ماذا أقول لهذا العالم المدعي العلم الذي أخذته العزة بالاثم ، فتحول من الجدال بالتي هي أحسن إلى التهريج والافتراء وبث الاشاعات أمام مجموعة من الناس المعجبين به والذين احمرت أعينهم وانتفخت أوداجهم ولاحظت في وجوههم الشر.

فما كان مني إلا أن أسرعت إلى البيت وأتيتهم بكتاب الموطأ للامام مالك وصحيح البخاري وقلت يا سيدي : إن الذي بعثني على هذا الشك هو رسول الله نفسه وفتحت كتاب الموطأ وفيه روى مالك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لشهداء أحد : هؤلاء أشهد عليهم ، فقال أبو بكر الصديق ، ألسنا يا رسول الله إخوانهم أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا ، فقال رسول الله (ص) : بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي! فبكى أبو

__________________

( ١ ) سورة البقرة : آية ١٥١.


بكر ثم بكى ثم قال : « إننا لكائنون بعدك »(١) .

ثم فتحت صحيح البخاري وفيه دخل عمر بن الخطاب على حفصة وعندها أسماء بنت عميس فقال ـ حين رآها ـ من هذه؟ قالت : أسماء بنت عميس ، قال عمر : الحبشية هذه ، البحرية هذه. قالت أسماء نعم ، قال سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم. فغضبت وقالت كلا والله ، كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار أو في أرض البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله وفي رسوله وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ذلك للنبي أسأله والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه ، فلما جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالت يا نبي الله ، عمر قال كذا وكذا قال فما قلت له قالت كذا وكذا. قال : ليس بأحق بي منكم وله ولاصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان قالت فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالا يسألونني عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم ما في أنفسهم مما قال لهم النبي (ص)(٢) .

وبعد ما قرأ الشيخ العالم والحاضرون معه الاحاديث تغيرت وجوههم وبدأوا ينظرون بعضهم إلى بعض ينتظرون رد العالم الذي صدم فما كان منه إلا أن رفع حاجبيه علامة التعجب وقال : ( وقل رب زدني علما ).

فقلت : إذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو أول من شك في أبي بكر ولم يشهد عليه لانه لا يدري ماذا سوف يحدث من بعده ، وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقر بتفضيل عمر بن الخطاب على أسماء بنت عميس بل فضلها عليه ، فمن حقي أن أشك وأن لا أفضل أحدا حتى أتبين وأعرف الحقيقة ومن المعلوم أن هذين الحديثين يناقضان كل الاحاديث الواردة في فضل أبي بكر وعمر ويبطلانها ، لانهما أقرب إلى الواقع المعقول من أحاديث الفضائل المزعومة ؛ قال الحاضرون! وكيف ذلك؟.

قلت : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يشهد على أبي بكر وقال له إنني لا أدري ماذا

__________________

( ١ ) موطأ الامام مالك ج ١ ص ٣٠٧. المغازي للواقدي ص ٣١٠.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٣٨٧ باب غزوة خيبر.


تحدثون بعدي! فهذا معقول جدا وقد قرر ذلك القرآن الكريم والتاريخ يشهد أنهم بدلوا بعده ولذلك بكى أبو بكر وقد بدل وأغضب فاطمة الزهراء بنت الرسول ـ كما سبق ـ وقد بدل حتى ندم قبل وفاته وتمنى أن لا يكون بشرا. أما الحديث الذي يقول : « لو وزن إيمان أمتي بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر » فهو باطل وغير معقول ، ولا يمكن أن يكون رجل قضى أربعين سنة من عمره يشرك بالله ويعبد الاصنام أرجح إيمانا من أمة محمد بأسرها ، وفيها أولياء الله الصالحين والشهداء والائمة الذين قضوا أعمارهم كلها جهادا في سبيل الله ، ثم أين أبو بكر من هذا الحديث؟ لو كان صحيحا لما كان في آخر حياته يتمنى أن لا يكون بشرا. ولو كان إيمانه يفوق إيمان الامة ماكانت سيدة النساء ، فاطمة بنت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تغضب عليه وتدعو الله عليه في كل صلاة تصليها.

ولم يرد العالم بشيء ، ولكن بعض المجالسين قالوا : لقد بعث ـ والله ـ هذا الحديث الشك فينا ، عند ذلك تكلم العالم ليقول لي : أهذا ما تريده؟ لقد شككت هؤلاء في دينهم وكفاني أحدهم الرد عليه إذ قال : كلا ، إن الحق معه ، نحن لم نقرأ في حياتنا كتابا كاملا ، واتبعناكم واقتدينا بكم في ثقة عمياء بدون نقاش ، وقد تبين لنا الآن أن ما يقوله الحاج صحيح ، فمن واجبنا أن نقرأ ونبحث!! ووافقه على رأيه بعض الحاضرين ، وكان ذلك انتصارا للحق والحقيقة ، ولم يكن انتصارا بالقوة والقهر ولكنه انتصار العقل والحجة والبرهان ( وقل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ).

ذلك ما دفعني وشجعني على الدخول في البحث وفتح الباب على مصراعيه فدخلته باسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله ، راجيا منه سبحانه وتعالى التوفيق والهداية فهو الذي وعد بهداية كل باحث عن الحق وهو لا يخلف وعده.

تواصل البحث ـ بكل دقة ـ ثلاث سنوات ، وذلك لأني أعيد ما أقرأ وأكرّر ـ في بعض الأحيان ـ قراءة الكتاب من الصفحة الأولى أخر صفحة.

قرأت كتاب المراجعات للامام شرف الدين وراجعته عدة مرات وقد فتح أمامي آفاقا سببت هدايتي وشرحت صدري لحب أهل البيت ومودتهم.

وقرأت كتاب الغدير للشيخ الاميني وأعدته ثلاث مرات لما فيه من حقائق دامغة واضحة جلية وقرأت كتاب فدك في التاريخ للسيد محمد باقر الصدر وكتاب السقيفة للشيخ


محمد رضا المظفر وفهمت منهما أسرارا غامضة اتضحت ، كما قرأت كتاب النص والاجتهاد فازددت يقينا ثم قرأت كتاب أبي هريرة لشرف الدين وشيخ المضيرة للشيخ محمود أبورية المصري وعرفت أن الصحابة الذين غيروا بعد رسول الله قسمان ، قسم غير الاحكام بما له من السلطة والقوة الحاكمة ، وقسم غير الاحكام بوضع الاحاديث المكذوبة على رسول الله (ص).

ثم قرأت كتاب الامام الصادق والمذاهب الاربعة لاسد حيدر وعرفت الفرق بين العلم الموهوب والعلم المكسوب عرفت الفرق بين حكمة الله التي يؤتيها من يشاء وبين التطفل على العلم والاجتهاد بالرأي الذي أبعد الامة عن روح الاسلام.

وقرأت كتبا أخرى عديدة للسيد جعفر مرتضى العاملي والسيد مرتضى العسكري والسيد الخوئي والسيد الطباطبائي والشيخ محمد أمين زين الدين وللفيروز آبادي ولابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة والفتنة الكبرى لطه حسين ، ومن كتب التاريخ قرأت تاريخ الطبري وتاريخ ابن الاثير وتاريخ المسعودي وتاريخ اليعقوبي ، وقرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الامامية على حق فتشيعت وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت وتمسكت بحبل ولائهم لاني وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة الذين ثبت عندي أنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى ولم ينج منهم إلا القليل وأبدلتهم بأئمة أهل البيت النبوي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وافترض مودتهم على الناس أجمعين.

فالشيعة ليسوا كما يدعي بعض علمائنا ، هم الفرس والمجوس الذين حطم سيدنا عمر كبرياءهم ومجدهم وعظمتهم في حرب القادسية ولذلك يبغضونه ويكرهونه!.

وأجبت هؤلاء الجاهلين بأن التشيع لاهل البيت النبوي لا يختص بالفرس بل الشيعة في العراق وفي الحجاز وفي سوريا ولبنان كل هؤلاء عرب كما يوجد الشيعة في الباكستان والهند وفي أفريقيا وأمريكا وكل هؤلاء ليسوا من العرب ولا من الفرس.

ولو اقتصرنا على شيعة إيران فإن الحجة تكون أبلغ إذ أنني وجدت الفرس يقولون بإمامة الائمة الاثني عشر وكلهم من العرب من قريش من بني هاشم عترة النبي ، فلو كان


الفرس متعصبين ويكرهون العرب كما يدعي البعض لاتخذوا سلمان الفارسي إماما لهم لانه منهم وهو صحابي جليل عرف قدره كل من الشيعة والسنة على حد سواء.

بينما وجدت أهل السنة والجماعة ينقطعون في الامامة إلى الفرس فأغلب أئمتهم من الفرس كأبي حنيفة والامام النسائي والترمذي والبخاري ومسلم وابن ماجة والرازي والامام الغزالي وابن سينا والفارابي وغيرهم كثيرون يضيق بهم المقام فإذا كان الشيعة من الفرس يرفضون عمر بن الخطاب لانه حطم كبرياءهم وعظمتهم فبماذا نفسر رفض الشيعة له من العرب وغير الفرس فهذه دعوى لا تقوم على دليل ، وإنما رفض هؤلاء عمر للدور الذي قام به في إبعاد أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عن الخلافة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما سبب ذلك من فتن ومحن وقلاقل وانحلال لهذه الامة ويكفي أن يزاح الحجاب عن أي باحث حر وتكشف له الحقيقة حتى يرفضه بدون عداوة سابقة.

والحق إن الشيعة سواء كانوا من الفرس أم من العرب أم من غير هؤلاء قد خضعوا للنصوص القرآنية والنصوص النبوية واتبعوا إمام الهدى وأولاده مصابيح الدجى ولم يرضوا بغيرهم رغم سياسة الترغيب والترهيب التي قادها الامويون ومن بعدهم العباسيون طيلة سبعة قرون تتبعوا خلالها الشيعة تحت كل حجر ومدر وقتلوهم وشردوهم ومنعوهم العطاء ومحوا آثارهم وأثاروا حولهم الاشاعات والدعايات التي تنفر الناس منهم وبقيت هذه الآثار حتى اليوم.

ولكن الشيعة ثبتوا وصمدوا وصبروا وتمسكوا بالحق لا تأخذهم في الله لومة لائم وهم يدفعون حتى اليوم ثمن هذا الصمود ، وإني اتحدى أي عالم من علمائنا أن يجلس مع علمائهم ويجادلهم فلا يخرج إلا مستبصرا بالهدى الذي هم عليه.

نعم وجدت البديل والحمد لله الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله. الحمد لله والشكر له على أن دلني على الفرقة الناجية التي كنت أبحث عنها بلهف ولم يبق عندي أي شك في أن المتمسك بعلي وأهل البيت قد تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، والنصوص النبوية على ذلك كثيرة أجمع عليها المسلمون ، والعقل وحده خير دليل لمن ألقى السمع وهو شهيد ، فعلي كان أعلم الصحابة وأشجعهم على الاطلاق وذلك بإجماع الامة ، وهذا وحده كاف للدلالة على أحقيته ( ع ) للخلافة دون غيره ، قال


الله تعالى :( وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ، قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ، قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ) (١) .

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن من بعدي »(٢) .

وقال الامام الزمخشري في أبيات له :

كثر الشك والإختلاف وكل

يدعي أنه الصراط السوي

فمسكت بلا اله الا الله

وحبي لأحمد وعلي

فاز كلب بحب أصحاب كهف

كيف أشقى بحب آل النبي

نعم وجدت البديل بحمد الله ، وصرت اقتدي ـ بعد رسول الله ـ بأمير المؤمنين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين أسد الله الغالب الامام علي بن أبي طالب وبسيدي شباب أهل الجنة وريحانتي النبي من هذه الامة الامام أبي محمد الحسن الزكي والامام أبي عبدالله الحسين وببضعة المصطفى سلالة النبوة وأم الائمة معدن الرسالة ومن يغضب لغضبها رب العزة والجلالة سيدة النساء فاطمة الزهراء.

وأبدلت الامام مالك بأستاذ الائمة ومعلم الامة الامام جعفر الصادق.

وتمسكت بالائمة التسعة المعصومين من ذرية الحسين أئمة المسلمين وأولياء الله الصالحين.

وأبدلت الصحابة المنقلبين على أعقابهم أمثال معاوية وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة وعكرمة وكعب الاحبار وغيرهم بالصحابة الشاكرين الذين لم ينقضوا عهد النبي أمثال عمار بن ياسر وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الاسود وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين واُبي بن كعب وغيرهم والحمد لله على هذا الاستبصار.

وأبدلت علماء قومي ، الذين جمدوا عقولنا واتبع كثير منهم السلاطين والحكام في كل

__________________

( ١ ) سورة البقرة : آية ٢٤٧.

( ٢ ) صحيح الترمذي ج ٥ ص ٢٩٦ خصائص النسائي ص ٨٧ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١١٠.


زمان ، بعلماء الشيعة الابرار الذين ما أغلقوا يوما باب الاجتهاد ولا وهنوا ولا استكانوا للامراء والسلاطين الظالمين.

نعم أبدلت أفكارا متحجرة متعصبة تؤمن بالتناقضات بأفكار نيرة متحررة ومتفتحة تؤمن بالدليل والحجة والبرهان.

وكما يقال في عصرنا الحاضر : « غسلت دماغي من أوساخ كثفتها عليه ـ طوال ثلاثين عاما ـ أضاليل بني أمية وطهرته بعقيدة المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا لما تبقى من حياتي.

اللهم أحينا على ملتهم وأمتنا على سنتهم واحشرنا معهم فقد قال نبيكصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « يحشر المرء مع من أحب ».

وبذلك أكون قد رجعت إلى أصلي ، فقد كان أبي وأعمامي يحدثوننا حسب الشجرة التي يعرفونها أنهم من السادة الذين هربوا من العراق تحت الضغط العباسي ولجأوا إلى شمال أفريقيا حيث أقاموا في تونس وبقيت آثارهم حتى اليوم.

وهناك في شمال أفريقيا كثيرون مثلنا يسمون الاشراف لانهم من السلالة الطاهرة ولكنهم تاهوا في ضلالات الامويين والعباسين ولم يبق عندهم من الحقيقة شيء إلا ذلك الاحترام والتقدير الذي يكنه لهم الناس ، فالحمد لله على هدايته والحمد لله على استبصاري وفتح بصري وبصيرتي على الحقيقة.


أسباب الاستبصار

أما الاسباب التي دعتني للاستبصار فكثيرة جدا ولا يمكن لي في هذه العجالة إلا ذكر بعض الامثلة منها :

١ ـ النص على الخلافة :

لقد اليت على نفسي عند الدخول في هذا البحث أن لا أعتمد إلا ما هو موثوق عند الفريقين وأن أطرح ما انفردت به فرقة دون الاخرى ، وعلى ذلك أبحث في فكرة التفضيل بين أبي بكر وعلي بن أبي طالب وأن الخلافة إنما كانت بالنص على علي كما يدعي الشيعة أو بالانتخاب والشورى كما يدعي أهل السنة والجماعة.

والباحث في هذا الموضوع إذا تجرد للحقيقة فإنه سيجد النص على علي بن أبي طالب واضحا جليا كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » قال ذلك بعد ما انصرف من حجة الوداع فعقد لعلي موكب للتهنئة حتى أن أبا بكر نفسه وعمر كانا من جماعة المهنئين للامام ويقولان : « بخ بخ لك يا أبن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة »(١) .

__________________

( ١ ) مسند الامام أحمد بن حنبل ج ٤ ص ٢٨١ سر العالمين للامام الغزالي ص ١٢. تذكرة الخواص لابن الجوزي ص ٢٩ الرياض النضرة للطبري ج ٢ ص ١٦٩ كنز العمال ج ٦ ص ٣٩٧ البداية والنهاية لابن كثير ج ٥ ص ٢١٢ تاريخ ابن عساكر ج ٢ ص ٥٠ تفسير الرازي ج ٣ ص ٦٣ الحاوي للفتاوي للسيوطي ج ١ ص ١١٢.


وهذا النص مجمع عليه من الشيعة والسنة ، ولم أخرج أنا في البحث ـ هذا ـ إلا مصادر أهل السنة والجماعة ومع ذلك لم أذكر المصادر كلها فهي أكثر بكثير مما ذكرت ، وللاطلاع على مزيد من التفصيل ادعو القارئ إلى مطالعة كتاب الغدير للعلامة الاميني وقد طبع منه ثلاثة عشر مجلدا يحصي فيها المصنف رواة هذا الحديث من طريق أهل السنة والجماعة.

أما الاجماع المدعى على انتخاب أبي بكر يوم السقيفة ثم مبايعته بعد ذلك في المسجد ، فإنه دعوى بدون دليل ، إذ كيف يكون الاجماع وقد تخلف عن البيعة علي والعباس وسائر بني هاشم كما تخلف أسامة بن زيد والزبير وسلمان الفارسي وأبوذر الغفاري والمقداد بن الاسود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وخزيمة بن ثابت وأبوبريدة الاسلمي والبراء بن عازب واُبي بن كعب وسهل بن حنيف وسعد بن عبادة وقيس بن سعد وأبوأيوب الانصاري وجابر بن عبدالله وخالد بن سعيد وغير هؤلاء كثيرون(١) .

فأين الاجماع المزعوم يا عباد الله؟ على أنه لو كان علي بن أبي طالب وحده تخلف عن البيعة لكان ذلك كافيا للطعن في ذلك الاجماع إذ أنه المرشح الوحيد للخلافة من قبل الرسول على فرض عدم وجود النص المباشر عليه.

وإنما كانت بيعة أبي بكر عن غير مشورة بل وقعت على حين غفلة من الناس وخصوصا أولي الحل والعقد منهم كما يسميهم علماء المسلمين إذ كانوا مشغولين بتجهيز الرسول ودفنه ، وقد فوجئ سكان المدينة المنكوبة بموت نبيهم وحمل الناس على البيعة بعد ذلك قهرا(٢) . كما يشعرنا بذلك تهديدهم بحرق بيت فاطمة إن لم يخرج المتخلفون عن البيعة فكيف يجوز لنا بعد هذا أن نقول بأن البيعة كانت بالمشورة وبالاجماع.

وقد شهد عمر بن الخطاب نفسه بأن تلك البيعة كانت فلتة وقى الله المسلمين

__________________

( ١ ) تاريخ الطبري ، تاريخ ابن الاثير ، تاريخ الخلفاء ، تاريخ الخميس ، الاستيعاب ، وكل من ذكر بيعة أبي بكر.

( ٢ ) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ١ ص ١٨.


شرها ، وقال فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ؛ أو قال فمن دعا إلى مثلها فلا بيعة له ولا لمن بايعه(١) .

ويقول الامام علي في حقها : « أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير(٢) .

ويقول سعد بن عبادة سيد الانصار الذي هاجم أبا بكر وعمر يوم السقيفة وحاول بكل جهوده أن يمنعهم ويبعدهم عن الخلافة ولكنه عجز عن مقاومتهم لانه كان مريضا لا يقدر على الوقوف ، وبعدما بايع الانصار أبا بكر قال سعد : والله لا أبايعكم أبدا حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل ، وأخضب سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الانس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي ، فكان لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع بجمعتهم ، ولا يفيض بإفاضتهم ، ولو يجد عليهم أعوانا لطال بهم ، ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم ، ولم يزل كذلك حتى قتل بالشام في خلافة عمر(٣) .

فإذا كانت هذه البيعة فلتة وقى الله المسلمين شرها على حد تعبير عمر الذي شيد أركانها وعرفت ما آلت إليه أمور المسلمين بسببها.

وإذا كانت هذه الخلافة تقمصا ـ من قبل أبي بكر ـ كما وصفها الامام علي إذ قال بأنه هو صاحبها الشرعي.

وإذا كانت هذه البيعة ظلما كما اعتبرها سعد بن عبادة سيد الانصار الذي فارق الجماعة بسببها.

وإذا كانت هذه البيعة غير شرعية لتخلف أكابر الصحابة والعباس عم النبي عنها.

فما هي إذن الحجة في صحة خلافة أبي بكر؟ والجواب لا حجة هناك عند أهل السنة والجماعة.

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٢٧.

( ٢ ) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده ج ١ ص ٣٤ الخطبة الشقشقية.

( ٣ ) تاريخ الخلفاء ج ١ ص ١٧.


فقول الشيعة إذن هو الصحيح في هذا الموضوع ، لانه ثبت وجود النص على خلافة علي عند السنة أنفسهم ، وقد تأولوه حفاظا على كرامة الصحابة ، فالمنصف العادل لا يجد مناصا من قبول النص وبالاخص إذا عرف ملابسات القضية(١) .

٢ ـ خلاف فاطمة مع أبي بكر

وهذا الموضوع أيضا مجمع على صحته من الفريقين فلا يسع المنصف العاقل إلا أن يحكم بخطأ أبي بكر إن لم يعترف بظلمه وحيفه على سيدة النساء. لان من يتتبع هذه المأساة ويطلع على جوانبها يعلم علم اليقين أن أبا بكر تعمد إيذاء الزهراء وتكذيبها لئلا تحتج عليه بنصوص الغدير وغيرها على خلافة زوجها وابن عمها علي ونجد قرائن عديدة على ذلك ، منها ما أخرجه المؤرخون من أنها ـ سلام الله عليها ـ خرجت تطوف على مجالس الانصار وتطلب منهم النصرة والبيعة لابن عمها ، فكانوا يقولون : « يا ابنة رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به ، فيقول علي كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيته لم أدفنه ، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة : ما صنع أبوالحسن إلا ما كان ينبغي له ، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم(٢) .

ولو كان أبو بكر مخطئا عن حسن نية أو على اشتباه لاقنعته فاطمة الزهراء ولكنها غضبت عليه ولم تكلمه حتى ماتت ، لانه رد في كل مرة دعواها ولم يقبل شهادتها ولا شهادة زوجها ولكل هذا اشتد غضبها عليه حتى أنها لم تأذن له بحضور جنازتها حسب وصيتها لزوجها الذي دفنها في الليل سرا(٣) .

وعلى ذكر دفنها ـ سلام الله عليها ـ سرا في الليل فقد سافرت خلال سنوات البحث إلى المدينة المنورة لاطلع بنفسي على بعض الحقائق ، واكتشفت :

أولا : أن قبر الزهراء مجهول لا يعرفه أحد فمن قائل بأنه في الحجرة النبوية ومن

__________________

( ١ ) راجع : السقيفة والخلافة لعبد الفتاح عبد المقصود ، والسقيفة للشيخ محمد رضا المظفر.

( ٢ ) تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ١ ص ١٩. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ( بيعة أبي بكر ).

( ٣ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٣٦ صحيح مسلم ج ٢ ص ٧٢ باب لا نورث ما تركناه صدقة.


قائل بأنه في بيتها مقابل الحجرة النبوية ، وثالث يقول : « إنه في البقيع وسط قبور أهل البيت بدون تحديد ».

هذه الحقيقة الاولى التي استنتجت منها أنها ـ سلام الله عليها ـ أرادت بهذا أن يتسأل المسلمون عبر الاجيال عن السبب الذي دعاها أن تطلب من زوجها أن يدفنها في الليل سرا ولا يحضر جنازتها منهم أحدا!!! وبذلك يمكن لاي مسلم أن يصل إلى بعض الحقائق المثيرة من خلال مراجعة التاريخ.

ثانيا : اكتشفت أن الزائر الذي يريد زيارة قبر عثمان بن عفان يمشي مسافة طويلة حتى يصل إلى آخر البقيع فيجده تحت الحائط بينما يجد أغلب الصحابة مدفونين في بداية البقيع قرب المدخل وحتى مالك بن أنس صاحب المذهب وهو من تابعي التابعين مدفون قرب زوجات الرسول ، وتحقق لدي ما قاله المؤرخون من أنه دفن بحش كوكب وهي أرض يهودية لان المسلمين منعوا دفنه في بقيع رسول الله ، ولما استولى معاوية بن أبي سفيان على الخلافة اشترى تلك الارض من اليهود وأدخلها في البقيع ليدخل بذلك قبر ابن عمه عثمان فيها والذي يزور البقيع حتى اليوم سيري هذه الحقيقة بأجلى ما تكون.

وإن عجبي لكبير حين أعلم أن فاطمة الزهراء ـ سلام الله عليها ـ أول من لحق بأبيها فبينها وبينه ، ستة أشهر على أكثر الاحتمالات ثم لا تدفن إلى جانب أبيها.

وإذا كانت فاطمة الزهراء هي التي أوصت بدفنها سرا فلم تدفن بالقرب من قبر أبيها كما ذكرت فما بال ما حصل مع جثمان ولدها الحسن لم يدفن قرب قبر جده؟! فقد منعت هذا ( أم المومنين ) عائشة وقد فعلت ذلك عندما جاء الحسين بأخيه الحسن ليدفنه إلى جانب جده رسول الله ، فركبت عائشة بغلة وخرجت تنادي وتقول : لا تدفنوا في بيتي من لا أحب. واصطف بنو أمية وبنو هاشم للحرب ولكن الامام الحسين قال لها أنه سيطوف بأخيه على قبر جده ثم يدفنه في البقيع لان الامام الحسن أوصاه أن لا يهرقوا من أجله ولو محجمة من دم. وقال لها ابن عباس أبياتا مشهورة :

 تجملت(١) تبغلت(٢)

ولو عشت تفيلت


لك التسع من الثمن

وبالكل تصرفت

وهذه حقيقة أخرى من الحقائق المخيفة ، فكيف ترث عائشة كل البيت من بين أزواج النبي المتعددات وهن تسع نساء حسب ما قاله ابن عباس :

وإذا كان النبي لا يورث كما شهد بذلك أبو بكر نفسه ومنع ذلك ميراث الزهراء من أبيها فكيف ترث عائشة؟ فهل هناك في كتاب الله آية تعطي الزوجة حق الميراث وتمنع البنت؟ أم أن السياسة هي التي أبدلت كل شيء فحرمت البنت من كل شيء وأعطت الزوجة كل شيء؟.

وبالمناسبة أذكر هنا قصة طريفة ذكرها بعض المؤرخين ولها علاقة بموضوع الارث.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة : جاءت عائشة وحفصة ودخلتا على عثمان أيام خلافته وطلبتا منه أن يقسم لهما إرثهما من رسول الله (ص).

وكان عثمان متكئا فاستوى جالسا وقال لعائشة :

أنت وهذه الجالسة جئتما بأعرابي يتطهر ببوله وشهدتما أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : نحن معشر الانبياء لا نورث فإذا كان الرسول حقيقة لا يورث فماذا تطلبان بعد هذا ، وإذا كان الرسول يورث لماذا منعتم فاطمة حقها؟ فخرجت من عنده غاضبة وقالت : أقتلوا نعثلا فقد كفر(١) .

٣ ـ علي أولى بالاتباع :

ومن الاسباب التي دعتني للاستبصار وترك سنة الآباء والاجداد ، الموازنة العقلية والنقلية بين علي بن إبي طالب وأبي بكر.

وكما ذكرت في الابواب السابقة من هذا البحث إني أعتمد على الاجماع الذي يوافق عليه أهل السنة والشيعة.

وقد فتشت في كتب الفريقين فلم أجد إجماعا إلا على علي بن أبي طالب فقد أجمع على إمامته الشيعة والسنة في ما ورد من نصوص ثبتتها مصادر الطرفين ، بينما لا يقول

__________________

( ١ ) إشارة إلى ركوبها الجمل في حرب الجمل المشهورة.


بإمامة أبي بكر إلا فريق من المسلمين وقد كنا ذكرنا ما قاله عمر عن بيعة أبي بكر ؛ كما أن الكثير من الفضائل والمناقب التي يذكرها الشيعة في علي بن أبي طالب لها سند ووجود حقيقي ثابت في كتب أهل السنة المعتمدة عندهم ، ومن عدة طرق لا يتطرق إليها الشك ، فقد روى الحديث في فضائل الامام علي جمع غفير من الصحابة ، حتى قال أحمد بن حنبل :

ما جاء لاحد من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الفضائل كما جاء لعلي بن أبي طالب(١) .

وقال القاضي إسماعيل والنسائي وأبوعلي النيسابوري : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالاسانيد الحسان ماجاء في علي(٢) .

مع الملاحظة أن الامويين حملوا الناس في مشارق الارض ومغاربها على سبه ولعنه وعدم ذكر فضيلة له حتى منعوا أن يتسمى أحد باسمه ، ومع كل ذلك خرجت فضائله ومناقبه سلام الله عليه رغم الجحود ؛ وفي ذلك يقول الامام الشافعي : « عجبت لرجل كتم أعداؤه فضائله حسدا ، وكتمها محبوه خوفا ، وخرج ما بين ذين ما طبق الخافقين ».

أما بالنسبة لأبي بكر فقد فتشت أيضا في كتب الفريقين فلم أجد له في كتب أهل السنة والجماعة القائلين بتفضيله ما يوازي أو يعادل فضائل الامام علي ، على أن فضائل أبي بكر المذكورة في الكتب التاريخية مروية إما عن ابنته عائشة وقد عرفنا موقفها من الامام علي فهي تحاول بكل جهدها دعم أبيها ولو بأحاديث موضوعة أو عن عبدالله بن عمر وهو أيضا من البعيدين عن الامام علي وقد رفض مبايعته بعدما أجمع الناس على ذلك وكان يحدث أن أفضل الناس بعد النبي أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم لا تفاضل والناس بعد ذلك سواسية(٣) يعني هذا الحديث أن عبدالله بن عمر جعل الامام علي من سوقة الناس

__________________

( ١ ) المستدرك على الصحيحين للحاكم ج ٣ ص ١٠٧ المناقب للخوارزمي ص ٣ و ١٩.

تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٦٨ الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي ص ٧٢.

تاريخ ابن عساكر ج ٣ ص ٦٣ شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج ١ ص ١٩.

( ٢ ) الرياض النضرة للطبري ج ٢ ص ٢٨٢ الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١١٨ وص ٧٢.

(٣) صحيح البخاري ج ٢ ص ٢٠٢


كأي شخص عادي ليس له فضل ولا فضيلة. فأين عبدالله بن عمر من الحقائق التي ذكرها أعلام الامة وأئمتها بأنه لم يرد في أحد من الصحابة بالاسانيد الحسان ماجاء في علي بن أبي طالب ، هل أن عبدالله بن عمر لم يسمع بفضيلة واحدة لعلي؟ بلى والله لقد سمع ووعى ولكن السياسة وما أدراك ما السياسة فهي تقلب الحقائق وتصنع الاعاجيب.

كذلك يروي فضائل أبي بكر ، كل من عمرو بن العاص وأبوهريرة وعروة وعكرمة وهؤلاء كلهم يكشف التاريخ أنهم كانوا متحاملين على الامام علي وحاربوه إما بالسلاح وإما بالدس واختلاق الفضائل لاعدائه وخصومه. قال الامام أحمد بن حنبل : إن عليا كان كثير الاعداء ففتش أعداؤه عن شيء يعيبونه به فلم يجدوا ، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله ، فأطروه كيدا منهم له(١) .

ولكن الله يقول :( إنهم يكيدون كيدا ، وأكيد كيدا ، فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) (٢) .

وإنه لمن معجزات الله سبحانه أن تخرج فضائل الامام على بعد ستة قرون من الحكم الجائر الظالم له ولاهل بيته ، إذ لم يكن العباسيون أقل بغضا وحسدا ونكاية وتقتيلا لاهل البيت النبوي من أسلافهم الامويين حتى قال أبوفراس الحمداني في ذلك :

ما نال منهم بنو حرب وان عضمت

تلك الجراثر الا دون نيلكم

كم غدرة لكم في الدين واضحة

وكم دم لرسول الله عندكم

أنتم له شيعة في ما ترون وفي

أظفاركم من بنيه الطاهرين دم

فإذا خلصت بعد كل ذلك تلكم الاحاديث وخرجت من تلكم الظلمات فلتكن لله الحجة البالغة ، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد ذلك.

ورغم أن أبا بكر كان هو الخليفة الاول وله من النفوذ ما قد عرفنا ورغم أن الدولة الاموية كانت تجعل عطاء خاصا ورشوة لكل من يروي في حق أبي بكر وعمر وعثمان ورغم أنها اختلقت لابي بكر من الفضائل والمناقب الكثير مما سودت بها صفحات

__________________

( ١ ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج ٧ ص ٨٣ تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٩٩ ، الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٢٥.

(٢) سورة الطارق ـ آية ١٥ ، ١٦ ، ١٧.


الكتب ، مع ذلك فلم يبلغ معشار عشر حقائق الامام علي وفضائله ، أضف إلى ذلك أنك إذا حللت الاحاديث المروية في فضائل أبي بكر وجدتها لا تتماشى مع ما سجله له التاريخ من أعمال تناقض ما قيل فيه ولا يقبلها عقل ولا شرع وقد تقدم شرح ذلك في حديث « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أمتي لرجح إيمان أبي بكر » ولو كان يعلم رسول الله أن أبا بكر على هذه الدرجة من الايمان ماكان ليؤمر عليه أسامة بن زيد ولا ليمتنع من الشهادة له كما شهد على شهداء اُحد وقال له إني لا أدري ماذا تحدث من بعدي حتى بكى أبو بكر(١) ، وماكان ليرسل خلفه علي بن أبي طالب ليأخذ منه سورة براءة فيمنعه من تبليغها(٢) ، وما كان قال يوم إعطاء الراية في خيبر : لاعطين رايتي غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا ليس فرارا امتحن الله قلبه بالايمان ؛ فأعطاها إلى علي ولم يعطها إليه(٣) .

ولو علم الله أن أبا بكر على هذه الدرجة من الايمان وأن إيمانه يفوق إيمان أمة محمد بأسرها فلم يكن الله سبحانه ليهدده بإحباط عمله عندما رفع صوته فوق صوت النبي(٤) . ولو علم علي بن أبي طالب والصحابة الذين اتبعوه أن أبا بكر على هذه الدرجة من الايمان ما جاز لهم أن يتخلفوا عن بيعته ولو علمت فاطمة الزهراء سيدة النساء أن أبا بكر على هذه الدرجة من الايمان ما كانت لتغضب عليه وتمتنع عن الكلام معه وعن رد السلام عليه وتدعو الله عليه في كل صلاة(٥) ، ثم لا تأذن له ـ حسب ما ورد في وصيتها ـ حتى بحضور جنازتها. ولو علم أبو بكر أنه على هذه الدرجة من الايمان ما كان ليتمنى عند احتضاره أنه لو لم يكن يكشف بيت فاطمة ( ع ). وأنه لو لم يكن أحرق الفجاءة السلمي ، ولكان يوم السقيفة قذف الامر في عنق أحد الرجلين عمر أو أبي عبيدة(٦) .

فالذي هو على هذه الدرجة من الايمان ويرجح إيمانه على إيمان كل الامة لا يندم في

__________________

( ١ ) موطأ الامام مالك ج ١ ص ٣٠٧ مغازي الواقدي ص ٣١٠.

( ٢ ) صحيح الترمذي ج ٤ ص ٣٣٩ مسند أحمد بن حنبل ج ٢ ص ٣١٩ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ـ ٥١.

( ٣ ) صحيح مسلم باب فضائل علي بن أبي طالب.

( ٤ ) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٨٤.

( ٥ ) الامامة والسياسة ج ١ ص ١٤ رسائل الجاحظ ص ٣٠١ أعلام النساء ج ٣ ص ١٢١٥.

( ٦ ) تاريخ الطبري ج ٤ ص ٥٢ الامامة والسياسة ج ١ ص ١٨ تاريخ المسعودي ج ١ ص ٤١٤.


آخر لحظات حياته على ما فعله مع فاطمة وعلى حرقه الفجاءة السلمي وعلى توليه الخلافة ، كما لا يتمنى أن لا يكون من البشر ويكون شعرة أو بعرة ، أفيعادل إيمان مثل هذا الشخص إيمان الامة الاسلامية بل يرجح عليها؟!.

وإذا أخذنا حديث « لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ». فهو كسابقه ، إذ أين كان أبو بكر يوم المؤاخاة الصغرى في مكة قبل الهجرة ويوم المؤاخاة الكبرى في المدينة بعد الهجرة وفي كلتيهما اتخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا أخا له وقال له : « أنت أخي في الدنيا والآخرة »(١) ولم يلتفت إلى أبي بكر فحرمه من مؤاخاة الآخرة كما حرمه من الخلة ، وأنا لا أريد الاطالة في هذا الموضوع وأكتفي بهذين المثلين اللذين أوردتهما من كتب أهل السنة والجماعة ، أما عند الشيعة فلا يعترفون بتلك الاحاديث مطلقا ولديهم الادلة الواضحة على أنها وضعت في زمن متأخر عن زمن أبي بكر.

هذا وإذا تركنا الفضائل وبحثنا في المساوئ فإننا لا نحصى لعلي بن أبي طالب سيئة واحدة من كتب الفريقين ، بينما نجد لغيره مساويء كثيرة في كتب أهل السنة كالصحاح وكتب السير والتاريخ.

وبهذا يكون الاجماع من الفريقين يختص بعلي وحده كما يؤكد التاريخ أن البيعة الصحيحة لم تكن إلا لعلي وحده. فقد امتنع هو وأصر عليها المهاجرون والانصار وقعد عن بيعته نفر فلم يجبرهم عليها ، بينما كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها ـ كما يقول عمر بن الخطاب ـ وكانت خلافة عمر بعهد عهده إليه أبو بكر وكانت خلافة عثمان مهزلة تاريخية ، ذلك أن عمر رشح ستة للخلافة وألزمهم أن يختاروا من بينهم واحدا وقال إذا اتفق أربعة وخالف إثنان فاقتلوهما وإذا انقسم الستة إلى فريقين ثلاثة في كل جهة فخذوا برأي الثلاثة الذين يقف معهم عبدالرحمن بن عوف ، وإذا مضى وقت ولم يتفق الستة فاقتلوهم ، والقصة طويلة وعجيبة ، والمهم أن عبدالرحمن بن عوف اختار عليا واشترط عليه أن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسنة الشيخين أبي بكر وعمر فرفض علي هذا الشرط ، وقبله عثمان فكان هو الخليفة ، وخرج علي من البيعة وهو يعلم مسبقا

__________________

( ١ ) تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي ص ٢٣ تاريخ دمشق لابن عساكر ج ١ ص ١٠٧.

المناقب للخوارزمي ص ٧ الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص ٢١.


النتيجة وقد تحدث عن ذلك في خطبته المعروفة بالشقشقية.

وبعد علي استولى معاوية على الخلافة فأبدلها قيصرية ملكية يتداولها بنو أمية ومن بعدهم بنو العباس إبنا عن أب ولم يكن هناك خليفة إلا بنص السابق على اللاحق أو بقوة السيف والسلاح والاستيلاء ، فلم تكن هناك بيعة صحيحة(١) في التاريخ الاسلامي من عهد الخلفاء وحتى عهد كمال أتاتورك الذي قضى على الخلافة الاسلامية إلا لامير المؤمنين علي بن أبي طالب.

٤ ـ الاحاديث الواردة في علي توجب اتباعه

من الاحاديث التي أخذت بها ودفعتني للاقتداء بالامام علي ، تلك التي أخرجتها صحاح أهل السنة والجماعة وأكدت صحتها والشيعة عندهم أضعافها ولكن ـ وكالعادة ـ سوف لا أستدل ولا أعتمد إلا الاحاديث المتفق عليها من الفريقين ، ومن هذه الاحاديث :

أ ـ حديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها »(٢) :

وهذا الحديث وحده كاف لتشخيص القدوة الذي ينبغي اتباعه بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لان العالم أولى بالاتباع ، أولى أن يقتدى به من الجاهل.

قال تعالى :( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) (٣) .

وقال أيضا :( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدّي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون ) (٤) ومن المعلوم أن العالم هو الذي يهدي والجاهل يستحق الهداية وهو أحوج إليها من أي أحد.

وفي هذا الصدد سجل لنا التاريخ أن الامام عليا هو أعلم الصحابة على الاطلاق وكانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل ولم نعلم أنه ( ع ) رجع إلى واحد منهم قط فهذا

__________________

( ١ ) أي بإجماع المسلمين لم يفرضها عليهم أحد ولم تكن « فتنة».

( ٢ ) مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٢٧ تاريخ ابن كثير ج ٧ ص ٣٥٨ أحمد بن حنبل في المناقب.

( ٣ ) سورة الزمر : آية ٩.

( ٤ ) سورة يونس : آية ٣٥.


أبو بكر يقول : لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبوالحسن ، وهذا عمر يقول : لولا علي لهلك عمر(١) .

وهذا ابن عباس يقول : ما علمي وعلم أصحاب محمد في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر(٢) .

وهذا الامام علي نفسه يقول : « سلوني قبل أن تفقدوني ، والله لا تسألونني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا أخبرتكم به وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل»(٣) .

بينما يقول أبو بكر عندما سئل عن معنى الاب في قوله تعالى :( وفاكهة وأبا متاعا لكم ولانعامكم ) قال أبو بكر : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم. وهذا عمر بن الخطاب يقول : « كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال » ويسأل عن آية من كتاب الله فينتهر السائل ويضربه بالدرة حتى يدميه ويقول : «لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم »(٤) وقد سئل عن الكلالة فلم يعلمها.

أخرج الطبري في تفسيره عن عمر أنه قال : لئن أكون أعلم الكلالة أحب إلي من أن يكون لي مثل قصور الشام.

كما أخرج ابن ماجه في سننه عن عمر بن الخطاب قال : ثلاث لئن يكون رسول الله بينهن أحب إلي من الدنيا وما فيها : الكلالة والربا والخلافة.

سبحان الله! حاشى لرسول الله أن يكون سكت عن هذه الاشياء ولم يبينها.

ب ـ حديث « يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » :

وهذا الحديث كما لا يخفى على أهل العقول فيه ما فيه من اختصاص أمير المؤمنين

__________________

( ١ ) الاستيعاب ج ٤ ص ٣٩ مناقب الخوارزمي ص ٤٨ الرياض النضرة ج ٢ ص ١٩٤.

( ٢ ) لقد أجمعت صحاح أهل السنة وكتبهم على أفضلية علي ( ع ) وتقدمه في العلم على كل الصحابة.

راجع ـ على سبيل المثال ما جاء في الاستيعاب ج ٣ ، ص ٣٨ ـ ٤٥ من أقوال الصحابة أنفسهم فيه وتقديمهم له عليهم.

( ٣ ) المحب الطبري في الرياض النضرة ج ٢ ص ١٩٨ تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٢٤.

الاتقان ج ٢ ص ٣١٩ فتح الباري ج ٨ ص ٤٨٥ تهذيب التهذيب ج ٧ ص ٣٣٨.

( ٤ ) سنن الدارمي ج ١ ص ٥٤ تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٢٣٢ الدر المنثور ج ٦ ص ١١١.


علي بالوزارة والوصاية والخلافة. فكما كان هارون وزيرا ووصيا ، وخليفة موسى في غيابه عندما ذهب لميقات ربه ، وفيه أيضا منزلة الامام علي ( ع ) هارون عليه وعلى نبينا السلام فهوصورة طبق الاصل عنه ما عدا النبوة التي استثناها نفس الحديث ، وفيه أيضا أن الامام عليا هو أفضل الصحابة فلا يفوته في ذلك الاّ صاحب الرسابة (ص).

ت ـ حديث « من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار » :

وهذا الحديث وحده كاف لرد مزاعم تقديم أبي بكر وعمر وعثمان على من نصبه رسول الله (ص) وليا للمؤمنين من بعده ، ولا عبرة بمن أول الحديث إلى معنى المحب والنصير لصرفه عن معناه الاصلي الذي قصده الرسول وذلك حفاظا على كرامة الصحابة ، لان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما قام خطيبا في ذلك الحر الشديد « قال ألستم تشهدون بأني أولى المؤمنين من أنفسهم » قالوا بلى يا رسول الله فقال عندئذ : « فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه » وهذا نص صريح في استخلافه على أمته ، ولا يمكن للعاقل المنصف العادل إلا قبول هذا المعنى ورفض تأويل البعض المتكلف والحفاظ على كرامة الرسول قبل الحفاظ على كرامة الصحابة لان في تأويلهم هذا استخفافا واستهزاء بحكمة الرسول الذي يجمع حشود الناس في الحر والهجير الذي لا يطاق ليقول لهم بأن علي هو محب المؤمنين وناصرهم. وبماذا يفسر هؤلاء الذين يؤولون النصوص حفاظا على كرامة كبرائهم وساداتهم موكب التهنئة الذي عقده له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وبدأ بزوجاته أمهات المؤمنين وجاء أبو بكر وعمر يقولان « بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصحبت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة » والواقع والتاريخ يشهدان أن المتأولين لكاذبون فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكتبون قال تعالى :( وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) (١) .

ث ـ حديث : « علي مني وأنا من علي ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي »(٢) .

وهذا الحديث الشريف هو الآخر صريح في أن الامام عليا هو الشخص الوحيد

__________________

( ١ ) سورة البقرة : آية ١٤٦.

( ٢ ) سنن إبن ماجه ج ١ ص ٤٤ خصائص النسائي ص ٢٠ صحيح الترمذي ج ٥ ص ٣٠٠.


الذي أهله صاحب الرسالة ليؤدي عنه وقد قاله عندما بعثه بسورة براءة يوم الحج الاكبر عوضا عن أبي بكر ، ورجع أبو بكر يبكي ويقول يا رسول الله أنزل في شيء فقال : إن الله أمرني أن لا يؤدي عني إلا أنا أو علي.

وهذا ظهير ما قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي في مناسبة أخرى عندما قال له : « أنت يا علي تبين لامتي ما اختلفوا فيه بعدي »(١) .

فإذا كان لا يؤدي عن رسول الله إلا علي وهو الذي يبين للامة ما اختلفوا فيه بعده ، فكيف يتقدم عليه من لا يعرف معنى الاب ومن لا يعرف معنى الكلالة وهذا لعمري من المصائب التي أصابت هذه الامة وأعاقتها عن أداء المهمة التي رشحها الله لها ، وليست الحجة على الله ولا على رسول الله ولا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وإنما الحجة البالغة على الذين عصوا وبدلوا ، قال تعالى :( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) (٢) .

ج ـ حديث الدار يوم الانذار :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشيرا إلى على :

« إن هذا أخي ، ووصيي ، وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا »(٣) .

وهذا الحديث هو أيضا من الاحاديث الصحيحة التي نقلها المؤرخون لبداية البعثة النبوية وعدوها من معجزات النبي ، ولكن السياسة هي التي أبدلت وزيفت الحقائق

__________________

جامع الاصول لابن كثير ج ٩ ص ٤٧١ الجامع الصغير للسيوطي ج ٢ ص ٥٦.

الرياض النضرة ج ٢ ص ٢٢٩.

( ١ ) تاريخ دمشق لابن عساكر ج ٢ ص ٤٨٨ كنوز الحقائق للمناوي ص ٢٠٣. كنز العمال ج ٥ ص ٣٣.

( ٢ ) سورة المائدة : آية ١٠٤.

( ٣ ) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٣١٩ تاريخ ابن الاثير ج ٢ ص ٦٢ السيرة الحلبية ج ١ ص ٣١١ شواهد التنزيل للحسكاني ج ١ ص ٣٧١ كنز العمال ج ١٥ ص ١٥.

تاريخ ابن عساكر ج ١ ص ٨٥ تفسير الخازن لعلاء الدين الشافعي ج ٣ ص ٣٧١.

حياة محمد لحسين هيكل الطبعة الاولى باب وأنذر عشيرتك الاقربين.


والوقائع ، ولا عجب من ذلك لان ما وقع في ذلك الزمان المظلم يتكرر اليوم في عصر النور فهذا محمد حسين هيكل أخرج الحديث بكامله في كتابه « حياة محمد » في صفحة ١٠٤ من الطبعة الاولى سنة ١٣٥٤ هجرية وفي الطبعة الثانية وما بعدها حذف من الحديث قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وصيي وخليفتي من بعدي ) ؛ كذلك حذفوا من تفسير الطبري الجزء ١٩ صفحة ١٢١ قوله ( وصيي وخليفتي ) وأبدلوها بقوله إن هذا أخي وكذا وكذا ..!! وغفلوا عن أن الطبري ذكر الحديث بكامله في تاريخه الجزء ٢ صفحة ٣١٩. أنظر كيف يحرفون الكلم عن مواضعه ويقلبون الامور ، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ....

وخلال البحث الذي قمت به أردت الوقوف على جلية الحال فبحثت عن الطبعة الاولى لكتاب « حياة محمد » وتحصلت عليها بحمد الله بعد عناء ومشقة وقد كلفني ذلك كثيرا ، والمهم أنني اطلعت على ذلك التحريف وزادني ذلك يقينا بأن أهل السوء يحاولون جهدهم أن يمحوا الحقائق الثابتة لانها حجة قوية لدى ( خصومهم )!.

ولكن الباحث المنصف عندما يقف على شيء من هذا التحريف والتزييف يزداد عنهم بعدا ويعرف بلا شك أنهم لا حجة لديهم غير التضليل والدس وقلب الحقائق بأي ثمن ، ولقد استأجروا كتابا كثيرين وأغدقوا عليهم الاموال كما أغدقوا عليهم الالقاب والشهادات الجامعية المزيفة ليكتبوا لهم ما يريدون من الكتب والمقالات التي تشتم الشيعة وتكفرهم وتدافع بكل جهد وإن كان باطلا عن كرامة بعض الصحابة المنقلبين على أعقابهم والذين بدلوا بعد رسول الله الحق بالباطل( كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) (١) صدق الله العظيم.

_________________

(١) سورة البقرة : آية ١١٨.



الأحاديث الصحيحة

التي توجب أتباع أهل البيت

١ ـ حديث الثقلين :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي » وقال أيضا :

« يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي »(١) .

وإذا أمعنا النظر في هذا الحديث الشريف الذي أخرجه صحاح أهل السنة والجماعة وجدنا أن الشيعة وحدهم هم الذين اتبعوا الثقلين « كتاب الله والعترة النبوية الطاهرة » بينما اتبع أهل السنة والجماعة قول عمر « حسبنا كتاب الله ». وليتهم اتبعوا كتاب الله بغير تأويل حسب أهوائهم فإذا كان عمر نفسه لم يفهم منه معنى الكلالة ولا عرف منه آية التيمم وعدة أحكام أخرى فكيف بمن جاء بعده وقلده بدون اجتهاد أو اجتهد برأيه في النصوص القرآنية ، وبطبيعة الحال سوف يردون علي بالحديث المروي عندهم وهو « تركت فيكم كتاب الله وسنتي »(٢) .

__________________

( ١ ) صحيح مسلم باب فضائل علي ج ٥ ص ١٢٢ صحيح الترمذي ج ٥ ص ٣٢٨.

مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٤٨ مسند الامام أحمد بن حنبل ج ٣ ص ١٧.

( ٢ ) أخرج مسلم في صحيحه والنسائي والترمذي وابن ماجه وأبي داوود في سننهم الحديث المذكور.


وهذا الحديث إن صح وهو صحيح في معناه ، لان معنى العترة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الثقلين المتقدم هو الرجوع إلى أهل بيتي ليعلموكم ـ أولا ـ سنتي ، أو لينقلوا إليكم الاحاديث الصحيحة لانهم منزهون عن الكذب وإن الله سبحانه عصمهم بآية التطهير. وثانيا : لكي يفسروا لكم معانيها ومقاصدها ، لان كتاب الله وحده لا يكفي للهداية فكم من فرقة تحتج بكتاب الله وهي في الضلالة كما ورد ذلك عن رسول الله عندما قال : « كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه ». فكتاب الله صامت ، وحمال أوجه ، وفيه المحكم والمتشابه ولابد لفهمه من الرجوع إلى الراسخين في العلم حسب التعبير القرآني وإلى أهل البيت حسب التفسير النبوي.

فالشيعة يرجعون كل شيء إلى الائمة المعصومين من أهل البيت النبوي ولا يجتهدون إلا في ما لا نص فيه.

ونحن نرجع في كل شيء إلى الصحابة سواء في تفسير القرآن أو في إثبات السنة وتفسيرها ، وقد علمنا أحوال الصحابة وما فعلوه وما استنبطوه واجتهدوا فيه بآرائهم مقابل النصوص الصريحة وهي تعد بالمئات فلا يمكن الركون إلى مثلهم بعد ما حصل منهم ما حصل.

وإذا سألنا علماءنا ، أي سنة تتبعون؟ لاجابوا قطعا : سنة رسول الله (ص). والواقع التاريخي لا ينسجم مع ذلك ؛ فقد رووا أن الرسول نفسه قال : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ » إذا فالسنة التي يتبعونها هي في أغلب الاحيان سنة الخلفاء الراشدين وحتى سنة الرسول التي يقولون بها فهي المروية عن طريق هؤلاء.

على أننا نروي في صحاحنا أن الرسول منعهم من كتابة سننه لئلا تختلط بالقرآن ، وكذلك فعل أبو بكر وعمر إبان خلافتيهما ، فلا يبقى بعد هذا حجة في قولنا « تركت فيكم سنتي »(١) .

__________________

( ١ ) بلفظ ( كتاب الله وعترتي ) مسندا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . أما لفظ سنتي فلم يرد في أي من الصحاح الست ، وقد أخرج الحديث بهذا اللفظ مالك بن أنس في موطئه ونقله مرسلا غير مسند ، وأخذ عنه بعد ذلك البعض كالطبري وابن هشام ونقلوه مرسلا كما ورد عن مالك.


والذي ذكرته في هذا البحث من الامثلة ـ وما لم أذكره هو أضعاف ذلك ـ كاف لرد هذا الحديث لان من سنة أبي بكر وعمر وعثمان ما يناقض سنة النبي ويبطلها ، كما لا يخفى.

وإذا كانت أول حادثة وقعت بعد وفاة رسول الله مباشرة وسجلها أهل السنة والجماعة والمؤرخون : هي مخاصمة فاطمة الزهراء لابي بكر الذي احتج بحديث « نحن معشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة ».

هذا الحديث الذي كذبته فاطمة الزهراء وأبطلته بكتاب الله ، واحتجت على أبي بكر بأن أباها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يمكنه أن يناقض كتاب الله الذي أنزل عليه إذ يقول سبحانه وتعالى :( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين ) (١) . وهي عامة تشمل الانبياء وغير الانبياء ، واحتجت عليه بقوله تعالى :( وورث سليمان داوود ) (٢) وكلاهما نبي.

وقوله عز من قائل :( فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ) (٣) .

والحادثة الثانية التي وقعت لابي بكر في أيام خلافته وسجلها المؤرخون من أهل السنة والجماعة اختلف فيها مع أقرب الناس إليه وهو عمر بن الخطاب تلك الحادثة التي تتلخص في قراره بمحاربة ما نعي الزكاة وقتلهم فكان عمر يعارضه ويقول له لا تقاتلهم لاني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فمن قالها عصم مني ماله ودمه وحسابه على الله ».

وهذا نص أخرجه مسلم في صحيحه جاء فيه : « ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطى الراية إلى علي يوم خيبر فقال علي : يا رسول الله على ماذا أقاتلهم؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم

__________________

( ١ ) سورة النساء : آية ١١.

( ٢ ) سورة النمل : آية ١٦.

( ٣ ) سورة مريم : آية ٥. ٦.


وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله »(١) ولكن أبا بكر لم يقتنع بهذا الحديث وقال : والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ؛ أو قال : « والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه » واقتنع عمر بن الخطاب بعد ذلك وقال : ما إن رأيت أبا بكر مصمما على ذلك حتى شرح الله صدري ؛ ولست أدري كيف يشرح الله صدور قوم بمخالفتهم سنة نبيهم!.

وهذا التأويل ، منهم لتبرير قتال المسلمين الذين حرم الله قتلهم إذ قال في كتابه العزيز.

( ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ) (٢) . صدق الله العظيم.

على أن هؤلاء الذين منعوا إعطاء أبي بكر زكاتهم لم ينكروا وجوبها ولكنهم تأخروا ليتبينوا الامر ويقول الشيعة إن هؤلاء فوجئوا بخلافة أبي بكر وفيهم من حضر مع رسول الله حجة الوداع وسمع منه النص على علي بن أبي طالب فتريثوا حتى يفهموا الحقيقة ، ولكن أبا بكر أراد إسكاتهم عن تلك الحقيقة وبما أنني لا أستدل ولا أحتج بما يقوله الشيعة فسأترك هذه القضية لمن يهمه الامر ليبحث فيها.

على أنني لا يفوتني أن أسجل هنا أن صاحب الرسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقعت له في حياته قصة ثعلبة الذي طلب منه أن يدعو له بالغني وألح في ذلك وعاهد الله أنه يتصدق ودعا له رسول الله وأغناه الله من فضله وضاقت عليه المدينة وأرجاؤها من كثرة إبله وغنمه حتى ابتعد ولم يعد يحضر صلاة الجمعة ، ولما أرسل إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العاملين على الزكاة رفض أن يعطيهم شيئا منها قائلا إنما هذه جزية أو أخت الجزية ، ولم يقاتله رسول الله ولا أمر بقتاله وأنزل فيه قوله :( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ) (٣) .

__________________

( ١ ) صحيح مسلم ج ٨ ص ٥١ كتاب الايمان.

( ٢ ) سورة النساء : آية ٩٤.

(٣) سورة التوبة ـ آية ٧٥ ، ٧٦.


وجاء ثعلبة بعد نزول الآية وهو يبكي وطلب من رسول الله قبول زكاته وامتنع الرسول حسب ما تقول الرواية.

فإذا كان أبو بكر وعمر يتبعان سنة الرسول فلماذا هذه المخالفة وإباحة دماء المسلمين الابرياء لمجرد منع الزكاة على أن المعتذرين لابي بكر والذين يريدون تصحيح خطئه بتأويله بأن الزكاة هي حق المال ، لا يبقى لهم ولا له عذر بعد قصة ثعلبة الذي أنكر الزكاة واعتبرها جزية ، ومن يدري لعل أبا بكر أقنع صاحبه عمر بوجوب قتل من منعوه الزكاة أن تسري دعوتهم في البلاد الاسلامية لاحياء نصوص الغدير التي نصبت عليا للخلافة ، ولذلك شرح الله صدر عمر بن الخطاب لقتالهم وهو الذي هدد بقتل المتخلفين في بيت فاطمة وحرقهم بالنار من أجل أخذ البيعة لصاحبه.

أما الحادثة الثالثة التي وقعت لابي بكر في أول خلافته وخالفه فيها عمر بن الخطاب وقد تأول فيها النصوص القرآنية والنبوية : فهي قصة خالد بن الوليد الذي قتل مالك بن نويرة صبرا ونزا على زوجته فدخل بها في نفس الليلة. وكان عمر يقول لخالد : يا عدو الله قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته ، والله لارجمنك بالاحجار(١) .

ولكن أبا بكر دافع عنه وقال : « هبه يا عمر ، تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد ».

وهذه فضيحة أخرى سجلها التاريخ لصحابي من الاكابر!! إذا ذكرناه ، ذكرناه بكل احترام وقداسة ، بل ولقبناه بـ « سيف الله المسلول »!!.

ماذا عساني أن أقول في صحابي يفعل مثل تلك الافعال يقتل مالك بن نويرة الصحابي الجليل سيد بني تميم وبني يربوع وهو مضرب الامثال في الفتوة والكرم والشجاعة. وقد حدث المؤرخون أن خالدا غدر بمالك وأصحابه بعد أن وضعوا السلاح وصلوا جماعة فأوثقوهم بالحبال وفيهم ليلى بنت المنهال زوجة مالك وكانت من أشهر نساء العرب بالجمال ويقال إنها لم ير أجمل منها وفتن خالد بجمالها ، وقال له مالك : يا خالد أبعثتنا

__________________

(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٨٠ تاريخ أبي الفداء ج ١ ص ١٥٨.

تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١١٠ الإصابة في معرفة الخحابة ج ٣ ص ٣٣٦.


إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا ، وتدخل عبدالله بن عمر وأبوقتادة الانصاري وألحا على خالد أن يبعثهم إلى أبي بكر فرفض خالد وقال : لا أقالني الله أن لم أقتله فالتفت مالك إلى زوجته ليلى وقال لخالد : هذه التي قتلتني ، فأمر خالد بضرب عنقه وقبض على ليلى زوجته ودخل بها في تلك الليلة(١) .

ماذا عساني أن أقول في هؤلاء الصحابة الذين يستبيحون حرمات الله ويقتلون النفوس المسلمة من أجل هوى النفس ويستبيحون الفروج التي حرمها الله ، ففي الاسلام لا تنكح المرأة المتوفى زوجها إلا بعد العدة التي حددها الله في كتابه العزيز ، ولكن خالدا اتخذ إلهه هواه فتردى وأي قيمة للعدة عنده بعد أن قتل زوجها صبرا وظلما وقتل قومه أيضا وهم مسلمون بشهادة عبدالله بن عمر وأبي قتادة الذي غضب غضبا شديدا مما فعله خالد وانصرف راجعا إلى المدينة وأقسم أن لا يكون أبدا في لواء عليه خالد بن الوليد(٢) .

وحسبنا في هذه القضية المشهورة أن ننقل اعتراف الاستاذ هيكل في كتابه « الصديق أبو بكر » إذ قال تحت عنوان « رأي عمر وحجته في الامر ».

« أما عمر ، وكان مثال العدل الصارم ، فكان يرى أن خالدا عدا على امرئ مسلم ونزا على امرأته قبل انقضاء عدتها فلا يصح بقاؤه في قيادة الجيش حتى لا يعود لمثلها فيفسد أمر المسلمين ، ويسيء إلى مكانتهم بين العرب قال : ولا يصح أن يترك بغير عقاب على ما أتم مع ليلى.

ولو صح أنه تأول فأخطأ في أمر مالك ، وهذا ما لا يجيزه عمر ، وحسبه ما صنع مع زوجته ليقام عليه الحد ، فليس ينهض عذرا له إنه سيف الله ، وإنه القائد الذي يسير النصر في ركابه فلو أن مثل هذا العذر يقبل لأبيحت لخالد وأمثاله المحارم ، ولكان أسوأ مثل يضرب للمسلمين في احترام كتاب الله ، لذلك لم يفتأ عمر يعيد على أبي بكر ، ويلح

__________________

( ١ ) تاريخ أبي الفداء ج ١ ص ١٥٨ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١١٠.

تاريخ ابن الشحنة بهامش الكامل ج ١١ ص ١١٤ وفيات الاعيان ج ٦ ص ١٤.

( ٢ ) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٨٠ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١١٠.

تاريخ أبي الفداء الاصابة ج ٣ ص ٣٣٦.


عليه ، حتى استدعى خالدا وعنفه »(١) .

وهل لنا أن نسأل الاستاذ هيكل وأمثاله من علمائنا الذين يراوغون حفاظا على كرامة الصحابة ، هل لنا أن نسألهم ، لماذا لم يقم أبو بكر الحد على خالد؟ وإذا كان عمر كما يقول هيكل مثال العدل الصارم فلماذا اكتفى بعزله عن قيادة الجيش ولم يقم عليه الحد الشرعي حتى لا يكون ذلك أسوأ مثل يضرب للمسلمين في احترام كتاب الله كما ذكر؟ وهل احترموا كتاب الله وأقاموا حدود الله؟ كلا إنها السياسة وما أدراك ما السياسة؟ تصنع الاعاجيب وتقلب الحقائق ، وتضرب بالنصوص القرآنية عرض الجدار.

وهل لنا أن نسأل بعض علمائنا الذين يروون في كتبهم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غضب غضبا شديدا عندما جاء أسامة ليشفع لامراة شريفة سرقت. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ويحك أتشفع في حد من حدود الله والله لو كانت فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ، إنما أهلك من كان قبلكم إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد ».

فكيف يسكتون عن قتل المسلمين الابرياء والدخول بنسائهم في نفس الليلة وهن منكوبات بموت أزواجهن وياليتهم يسكتون! ولكنهم يحاولون تبرير فعل خالد باختلاق الاكاذيب وبخلق الفضائل والمحاسن له حتى لقبوه بسيف الله المسلول. ولقد أدهشني بعض أصدقائي وكان مشهورا بالمزح وقلب المعاني ، فكنت أذكر له مزايا خالد بن الوليد في أيام جهالتي وقلت له أنه سيف الله المسلول ، فأجابني : إنه سيف الشيطان المشلول ، واستغربت يومها ، ولكن بعد البحث فتح الله بصيرتي وعرفني قيمة هؤلاء الذين استولوا على الخلافة وبدلوا أحكام الله وعطلوها وتعدوا حدود الله واخترقوها.

وخالد بن الوليد له في حياة النبي قصة مشهورة إذ بعثه النبي إلى بني جذيمة ليدعوهم إلى الاسلام ولم يأمره بقتالهم. فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا : صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل ويأسر بهم ودفع الاسرى إلى أصحابه وأمرهم بقتلهم وامتنع البعض من قتلهم لما تبين لهم أنهم أسلموا ولما رجعوا وذكروا ذلك النبي (ص). قال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد قالها مرتين(٢) وبعث علي بن أبي طالب إلى بني جذيمة

__________________

( ١ ) كتاب « الصديق أبو بكر » للاستاذ هيكل ص ١٥١.

( ٢ ) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٧١ باب إذا قضى الحاكم بجور فهو رد.


ومعه مال فودى لهم الدماء وما أصيبت لهم من أموال حتى ودى لهم ميلغة الكلب وقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه إلى السماء حتى انه ليرى ما تحت منكبيه ، يقول : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات(١) .

فهل لنا أن نسأل أين هي عدالة الصحابة المزعومة التي يدعونها ، وإذا كان خالد بن الوليد وهو عندنا من عظمائنا حتى لقبناه بسيف الله أفكان ربنا يسل سيفه ويسلطه على المسلمين والابرياء وعلى المحارم فيهتكها ، ففي ذلك تناقض لان الله ينهى عن قتل النفس وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ولكنه ـ أي خالد ـ في نفس الوقت يسل سيف البغي ليفتك بالمسلمين ويهدر دماءهم وأموالهم ويسبي نساءهم وذراريهم ، إن هذا زور من القول وبهتان مبين ، سبحانك ربنا وبحمدك تباركت وتعاليت عن ذلك علوا كبيرا ، سبحانك ما خلقت السموات والارض وما بينهما باطلا ، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.

كيف جاز لابي بكر وهو خليفة المسلمين أن يسمع بتلكم الجرائم الموبقة ويسكت عنها بل ويدعو عمر بن الخطاب بأن يكف لسانه عن خالد ، ويغضب على أبي قتادة لانكاره فعل خالد ، أكان مقتنعا حقا بأن خالدا تأول فأخطأ ، فأي حجة بعد هذا على المجرمين والفاسقين في هتكهم الحرمات وأدعائهم التأويل. أما أنا فلا أعتقد بأن أبا بكر كان متأولا في أمر خالد الذي سماه عمر بن الخطاب بـ « عدو الله » وكان من رأيه أن يقتل خالد لانه قتل أمرءا مسلما ويرجمه بالحجارة لانه زنى بزوجة مالك ( ليلى ) ولم يقع شيء من ذلك للقاتل الجاني بل خرج منها منتصرا على عمر بن الخطاب لان أبا بكر وقف إلى جانبه وهو يعلم حقيقة خالد أكثر من أي أحد ، فقد سجل المؤرخون أنه بعثه بعد تلك الواقعة المشينة إلى اليمامة التي خرج منها منتصرا وتزوج في أعقابها بنتا كما فعل مع ليلى ولما تجف دماء المسلمين بعد ولا دماء أتباع مسيلمة ، وقد عنفه أبو بكر على فعلته هذه بأشد مما عنفه على فعلته مع ليلى(٢) ، ولا شك أن هذه البنت هي الاخرى ذات بعل فقتله خالد ونزا عليها كما فعل بليلى زوجة مالك. وإلا لما استحق أن يعنفه أبو بكر بأشد مما عنفه

__________________

( ١ ) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٥٣ طبقات ابن سعد ، اُسد الغابة ج ٣ ص ١٠٢.

( ٢ ) الاستاذ هيكل في كتابه « الصديق أبو بكر » ص ١٥١ وما بعدها.


على فعلته الاولى ، على أن المؤرخين يذكرون نص الرسالة التي بعث بها أبو بكر إلى خالد بن الوليد وفيها يقول : « لعمري يابن أم خالد إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد »(١) .

ولما قرأ خالد هذا الكتاب قال : هذا عمل الاعسر يقصد بذلك عمر بن الخطاب.

فهذه من الاسباب القوية التي جعلتني أنفر من أمثال هؤلاء الصحابة ، ومن تابعيهم الذين يتأولون النصوص ويختلقون الروايات الخيالية لتبرير أعمال أبي بكر وعمر وعثمان وخالد بن الوليد ومعاوية وعمرو بن العاص وإخوانهم ، اللهم إني استغفرك وأتوب إليك ، اللهم إني أبرأ إليك من أفعال هؤلاء وأقوالهم التي خالفت أحكامك واستباحت حرماتك وتعدت حدودك ، واغفر لي ما سبق من موالاتهم إذ كنت من الجاهلين ، وقد قال رسولك « لا يعذر الجاهل بجهله » ، اللهم إن ساداتنا وكبراءنا قد أضلونا السبيل وحجبوا عنا الحقيقة وصوروا لنا الصحابة المنقلبين بأنهم أفضل الخلق بعد رسولك ، ولا شك إن آباءنا وأجدادنا كانوا ضحية الدس والغش الذي توخاه الامويون ومن بعدهم العباسيون اللهم فاغفر لهم ولنا فأنت تعلم السرائر وما تخفي الصدور وما كان حبهم وتقديرهم واحترامهم لاولئك الصحابة إلا عن حسن نية على أنهم أنصار رسولك محمد صلواتك وسلامك عليه وأحباؤه وأنت تعلم ـ يا سيدي ـ حبهم وحبنا للعترة الطاهرة ، الائمة الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا وعلى رأسهم سيد المسلمين وأمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين وإمام المتقين سيدنا على بن أبي طالب

واجعلني اللهم من شيعتهم ومن المتمسكين بحبل ولائهم والسائرين على منهاجهم ، والراكبين في سفينتهم والمستمسكين بعروتهم الوثقى والداخلين من أبوابهم والدائبين في محبتهم ومودتهم العاملين بأقوالهم وأفعالهم والشاكرين لفضلهم ونوالهم. اللهم واحشرني في زمرتهم فقد قال نبيك صلواتك عليه وعلى آله : « يحشر المرء مع من أحب ».

__________________

( ١ ) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢٥٤ ، تاريخ الخميس ج ٣٤٣.


٢ ـ حديث السفينة :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق »(١) .

« وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له »(٢) .

وقد أورد ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة هذا الحديث ثم قال : ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبهم وعظمهم شكرا لنعمة مشرفهم ، وأخذا بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات ، ومن تخلف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم وهلك في مفاوز الطغيان ، ووجه تشبيههم بباب حطة ، إن الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا ، أو بيت المقدس مع التواضع ، والاستغفار سببا للمغفرة ، وجعل لهذه الامة مودة أهل البيت سببا لهم.

ويا ليتني أسأل ابن حجر هل كان من الذين ركبوا السفينة ودخلوا الباب وأخذوا بهدي العلماء ، أم أنه من الذين يقولون مالا يفعلون ويخالفون ما يعتقدون ، وكثيرون هم أولئك الجهلة الذين عندما أسألهم واحتج عليهم يقولون لي ، نحن أولى بأهل البيت وبالامام علي من غيرنا ، نحن نحترم أهل البيت ونقدرهم وليس هناك من ينكر فضلهم وفضائلهم!.

نعم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، أو أنهم يحترمونهم ويقدرونهم ولكن يقتدون بأعدائهم ، ويقلدونهم ومن قاتلهم وخالفهم. أو أنهم في أغلب الاحيان لا يعرفون من هم أهل البيت وإذا سألتهم من هم أهل البيت؟ يجيبون على الفور : هم نساء النبي اللاتي أذهب الله عنهن الرجس وطهرهم تطهيرا ، وقد كشف لي أحدهم عن هذا اللغز

__________________

( ١ ) المستدرك للحاكم ج ٣ ص ١٥١ تلخيص الذهبي ، ينابيع المودة ص ٣٠ و ٣٧٠.

الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٨٤ و ٢٣٤ ، تاريخ الخلفاء للسيوطي والجامع الصغير له ، إسعاف الراغبين.

( ٢ ) مجمع الزوائد للهيثمي ج ٩ ص ١٦٨.


عندما سألته وأجابني قائلا : أهل السنة والجماعة كلهم يقتدون بأهل البيت ، وتعجبت وقلت كيف ذلك؟ فقال : قال رسول الله خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء يعني عائشة ، فنحن أخذنا نصف الدين عن أهل البيت ، وعلى هذا الاساس يفهم كلامهم حول احترام وتقدير أهل البيت أما إذا سألتهم عن الائمة الاثني عشر فلا يعرفون منهم غير علي والحسن والحسين مع أنهم لا يقولون بإمامة الحسنين ، وهم يحترمون معاوية بن أبي سفيان الذي دس السم للحسن فقتله ( ويسمونه « كاتب ـ الوحي » ) وعمرو بن العاص كاحترامهم الامام علي.

إنه التناقض والخلط والتلبيس تلبيس الحق بالباطل وتغليف الضياء بالظلام وإلا كيف يجتمع في قلب المؤمن حب الله والشيطان معا ، قال الله في كتابه المجيد :

( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ، أو أبناءهم ، أو إخوانهم ، أو عشيرتهم ، أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) (١) .

وقال أيضا عز من قائل :

( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ) (٢) .

٣ ـ حديث من سره أن يحيا حياتي :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

« من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال عليا من بعدي وليوال وليه ، وليقتد بأهل بيتي من بعدي ، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهمي وعلمي ، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي »(٣) .

__________________

( ١ ) سورة المجادلة : آية ٢٢.

( ٢ ) سورة الممتحنة : آية ١.

( ٣ ) مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٢٨ الطبراني في الجامع الكبير الاصابة لابن حجر العسقلاني ، كنز


وهذا الحديث هو كما نرى من الاحاديث الصريحة التي لا تقبل التأويل ولا تترك للمسلم أي اختيار بل تقطع عليه كل حجة ، وإذا لم يوال عليا ويقتد بأهل البيت عترة الرسول فهو محروم من شفاعة جدهم رسول الله (ص).

وتجدر الاشارة هنا بأنه خلال البحث الذي قمت به شككت في البدء في صحة هذا الحديث واستعظمته لما فيه من تهديد ووعيد لمن كان على خلاف مع علي وأهل البيت وخصوصا أن هذا الحديث لا يقبل التأويل ، وخفت الوطأة عندما قرأت في كتاب الاصابة لابن حجر العسقلاني بعدما أخرج الحديث قوله : « قلت في أسناده يحيى بن يعلى المحاربي وهو واه » وأزال ابن حجر بهذا القول بعض الاشكال الذي علق بذهني إذ تصورت أن يحيى بن يعلى المحاربي هو واضع الحديث وهو ليس بثقة ، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يوقفني على الحقيقة بكاملها ، وقرأت يوما كتاب « مناقشات عقائدية في مقالات إبراهيم الجبهان »(١) .

وأوقفني هذا الكتاب على جلية الحال إذ تبين أن يحيى بن يعلى المحاربي هو من الثقات الذين اعتمدهم الشيخان مسلم والبخاري ، وتتبعت بنفسي فوجدت البخاري يخرج له أحاديث في باب غزوة الحديبية من جزئه الثالث في صفحة عدد ٣١ ، كما أخرج له مسلم في صحيحه في باب الحدود من جزئه الخامس في صفحة عدد ١١٩ والذهبي نفسه ـ على تشدده ـ أرسل توثيقة إرسال المسلمات وقد عده أئمة الجرح والتعديل من الثقات واحتج به الشيخان فلماذا هذا الدس والتزوير وتقليب الحقائق والطعن في رجل ثقة احتج به أهل الصحاح؟ ألانه ذكر الحقيقة الناصعة في وجوب الاقتداء بأهل البيت فكان جزاؤه من ابن حجر التوهين والتضعيف ، وقد فات ابن حجر أن من ورائه علماء جهابذة يحاسبونه على كل صغيرة وكبيرة ويكشفون تعصبه وجهله لانهم يستضيئون بنور النبوة ويهتدون بهدى أهل البيت.

وعرفت بعد ذلك أن ببعض علمائنا يحاولون جهدهم تغطية الحقيقة لئلا ينكشف أمر

__________________

العمال ج ٦ ص ١٥٥. المناقب للخوارزمي ص ٣٤ ينابيع المودة ص ١٤٩. حلية الاولياء ج ١ ص ٨٦ تاريخ ابن عساكر ج ٢ ص ٩٥.

( ١ ) مناقشات عقائدية في مقالات إبراهيم الجبهان صفحة ٢٩.


الصحابة والخلفاء الذين كانوا أمراءهم وقدوتهم فتجدهم مرة يتأولون الاحاديث الصحيحة الثابتة ويحملونها غير معانيها ، ومرة يكذبون الاحاديث التي تناقض مذهبهم وإن وردت في صحاحهم وأسانيدهم ، ومرة يحذفون من الحديث نصفه أو ثلثيه لببدلوه بكذا وكذا!! ومرة يشككون في الرواة الثقات لأنهم حدثوا بما لا تهوى أنفسهم ، ومرة يخرجون الحديث في الطبعة الاولى ويحذفونه في الطبعات الأخرى بدون أي اشارة الى مبرر الحذف رغم أن المطلعين يدركون سبب ذلك!!

وقد تحقق لدي كل هذا بعد البحث والتمحيص وعندي أدلة قاطعة على ما أقول ، فليتهم إذ يحاولون عبثا كل هذه المحاولات لتبرير أعمال الصحابة الذين انقلبوا على الاعقاب ، فجاءت أقوالهم متناقضة بعضها مع بعض ومتناقضة مع التاريخ. ليتهم اتبعوا الحق ولو كان مرا إذا لاراحوا واستراحوا ، ولكانوا سببا في جمع شمل هذه الامة المتمزقة والمتناحرة لا لشيء إلا لتأييد أقوالهم أو تفنيدها.

وإذا كان بعض الصحابة الاولين غير ثقاة في نقل الاحاديث النبوية الشريفة فيبطلون منها ما لا يتماشى وأهواءهم وخصوصا إذا كانت هذه الاحاديث من الوصايا التي أوصى بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند وفاته ، فقد أخرج البخاري ومسلم أن رسول الله أوصى عند موته بثلاث :

ـ أخرجوا المشركين من جزيرة العرب.

ـ أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ثم يقول الراوي :

ونسيت الثالثة(١) .

فهل يعقل أن الصحابة الحاضرين الذين سمعوا وصايا الرسول الثلاث عند موته ينسون الوصية الثالثة وهم الذين كانوا يحفظون القصائد الشعرية الطويلة بعد سماعها مرة واحدة؟ كلا ولكن السياسة هي التي أجبرتهم على نسيانها وعدم ذكرها ، إنها مهزلة أخرى

__________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ١٢١ باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير ، صحيح مسلم ج ٥ ص ٧٥ كتاب الوصية.


من مهازل هؤلاء الصحابة ، ولان الوصية الاولى لرسول الله كانت ـ بلا شك ـ استخلاف علي بن أبي طالب فلم يذكرها الراوي.

مع أن الباحث في هذه المسألة يجد رائحة الوصية لعلي تفوح رغم كتمانها وعدم ذكرها فقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الوصايا كما أخرج مسلم أيضا في صحيحه في كتاب الوصية أنه ذكر عند عائشة أن النبي أوصى إلى علي(١) ، أنظر كيف يظهر الله نوره ولو ستره الظالمون.

أعود فأقول إذا كان هؤلاء الصحابة غير ثقاة في نقل وصايا رسول الله فلا لوم بعد ذلك على التابعين وتابعي التابعين.

وإذا كانت عائشة أم المؤمنين لا تطيق ذكر اسم علي ولا تطيب لها نفسا بخير كما ذكر ذلك ابن سعد في طبقاته(٢) والبخاري في صحيحه ( باب مرض النبي ووفاته ) وإذا كانت تسجد لله شكرا عندما سمعت بموته ، فكيف يرجى منها ذكر الوصية لعلي وهي من عرفت لدى الخاص والعام بعدائها وبغضها لعلي وأولاده ولاهل بيت المصطفى.

فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ٣ ص ٦٨ باب مرض النبي ووفاته صحيح مسلم ج ص ١٤ من كتاب الوصية.

( ٢ ) طبقات ابن سعد القسم الثاني من الجزء ٢ ص ٢٩.


مصيبتنا في الاجتهاد مقابل النصوص

استنتجت من خلال البحث أن مصيبة الامة الاسلامية انجرت عليها من الاجتهاد الذي دأب عليه الصحابة مقابل النصوص الصريحة فاخترقت بذلك حدود الله ومحقت السنة النبوية وأصبح العلماء والائمة بعد الصحابة يقيسون على اجتهادات الصحابة ويرفضون بعض الاحيان النص النبوي إذا تعارض مع ما فعله أحد الصحابة ، أو حتى النص القرآني ولست مبالغا وقد قدمت كيف أنهم رغم وجود النص على التيمم في كتاب الله وسنة الرسول الثابتة رغم كل ذلك اجتهدوا ، فقالوا بترك الصلاة مع فقد الماء وقد علل عبدالله بن عمر اجتهاده بالنحو الذي أشرنا إليه في مكان آخر من بحثنا.

ومن أول الصحابة الذين فتحوا هذا الباب على مصراعيه هو الخليفة الثاني الذي استعمل رأيه مقابل النصوص القرآنية بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعطل سهم المؤلفة قلوبهم الذين فرض الله لهم سهما من الزكاة وقال : لا حاجة لنا فيكم.

أما اجتهاده في النصوص النبوية فلا يحصى وقد اجتهد في حياة الرسول نفسه وعارضه عدة مرات. وقد أشرنا في ماسبق إلى معارضته في صلح الحديبية وفي منع كتابة الكتاب وقوله حسبنا كتاب الله وقد وقعت له حادثة أخرى مع رسول الله (ص) لعلها تعطينا صورة أوضح لنفسية عمر الذي أباح لنفسه أن يناقش ويجادل ويعارض صاحب الرسالة تلك هي حادثة التبشير بالجنة إذ بعث رسول الله أبا هريرة وقال له من لقيته يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة ، فخرج ليبشر فلقيه عمر ومنعه من ذلك وضربه حتى


سقط على استه ، فرجع أبو هريرة إلى رسول الله وهو يبكي وأخبره بما فعل عمر فقال رسول الله لعمر ما حملك على ما فعلت؟ قال : هل أنت بعثته ليبشر بالجنة من قال لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه؟ قال رسول الله نعم ، قال عمر : لا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس على لا إله إلا الله!. وهذا ابنه عبدالله بن عمر يخشى أن يتكل الناس على التيمم فيأمرهم بترك الصلاة ، وياليتهم تركوا النصوص كما هي ولم يبدلوها باجتهاداتهم العقيمة التي تؤدي إلى محو الشريعة وانتهاك حرمات الله وتشتيت الامة في متاهات المذاهب المتعددة والآراء المتشعبة والفرق المتناحرة.

ومن مواقف عمر المتعددة تجاه النبي وسنته نفهم بأنه ما كان يعتقد يوما بعصمة الرسول بل كان يرى أنه بشر يخطئ ويصيب.

ومن هنا جاءت الفكرة لعلماء السنة والجماعة بأن رسول الله معصوم في تبليغ القرآن فقط وما عدا ذلك فهو يخطئ كغيره من البشر ويستدلون على ذلك بأن عمر صوب رأيه في العديد من القضايا.

وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما يروي البعض من الجهلة ـ يقبل مزمارة الشيطان في بيته وهو مستلق على ظهره والنسوة يضربن الدفوف والشيطان يلعب ويمرح إلى جانبه حتى إذا دخل عمر بن الخطاب هرب الشيطان وأسرع النسوة فخبأن الدفوف تحت استهن وقال رسول الله لعمر ما رآك الشيطان سالكا فجا حتى سلك فجا غير فجك. فلا غرابة إذا أن يكون لعمر بن الخطاب رأي في الدين وأن يسمح لنفسه بمعارضة النبي في الامور السياسية وحتى في الامور الدينية كما تقدم في تبشير المؤمنين بالجنة.

ومن فكرة الاجتهاد واستعمال الرأي مقابل النصوص نشأت أو تكونت مجموعة من الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب وقد رأيناهم يوم الرزية كيف ساندوا وعضدوا رأي عمر مقابل النص الصريح. ومن ذلك أيضا نستنتج أن هؤلاء لم يقبلوا يوما نصوص الغدير التي نصب بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا خليفة له على المسلمين ، وتحينوا الفرصة السانحة لرفضها عند وفاة النبي فكان اجتماع السقيفة وانتخاب أبي بكر من نتيجة هذا الاجتهاد ، ولما استتب لهم الامر وتناسى الناس نصوص النبي بشأن الخلافة ، بدأوا يجتهدون في كل شيء حتى استطالوا على كتاب الله فعطلوا الحدود وأبدلوا الاحكام


فكانت مأساة فاطمة الزهراء بعد مأساة زوجها وإبعاده عن منصة الخلافة ، ثم كانت مأساة قتل مانعي الزكاة ، وكل ذلك من الاجتهاد مقابل النصوص ، ثم كانت خلافة عمر بن الخطاب نتيجة حتمية لذلك الاجتهاد إذ أن أبابكر اجتهد برأيه وأسقط الشورى التي كان يستدل بها هو نفسه على صحة خلافته وزاد عمر في الطين بلة عندما ولي اُمور المسلمين فأحل ما حرم الله ورسوله(١) وحرم ما أحل الله ورسوله(٢) .

ولما جاء عثمان بعده ذهب شوطا بعيدا في الاجتهاد فبالغ أكثر ممن سبقوه حتى أثر اجتهاده في الحياة السياسة والدينية بوجه عام فقامت الثورة ودفع حياته ثمن اجتهاده.

ولما ولي الامام علي أمور المسلمين وجد صعوبة كبيرة في إرجاع الناس إلى السنة النبوية الشريفة وحظيرة القرآن وحاول جهده أن يزيل البدع التي أدخلت في الدين ولكن بعضهم صاح واسنة عمراه! وأكاد اعتقد وأجزم بأن الذين حاربوا الامام عليا وخالفوه ، إنما فعلوا ذلك لانه ـ سلام الله عليه ـ حملهم على الجادة وأرجعهم إلى النصوص الصحيحة مميتا بذلك كل البدع والاجتهادت التي ألصقت بالدين طوال ربع قرن وقد ألفها الناس وخاصة منهم أصحاب الاهواء والاطماع الدنيوية الذين اتخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا وكدسوا الذهب والفضة وحرموا المستضعفين من أبسط الحقوق التي شرعها الاسلام.

وقد نجد أن المستكبرين في كل عصر يميلون إلى الاجتهاد ويطبلون له لانه يفسح لهم المجال للوصول إلى مآربهم من كل طريق. أما النصوص فتقطع عليهم وجهتهم وتحول بينهم وبين ما يرومون.

ثم أن الاجتهاد وجد له أنصارا في كل عصر ومصر حتى من المستضعفين أنفسهم لما فيه من سهولة التطبيق وعدم الالتزام.

ولان النص فيه التزام وعدم حرية وقد يسمى عند رجال السياسة الحكم الثيوقراطي

__________________

( ١ ) كقضية إمضائه الطلاق الثلاث صحيح مسلم باب الطلاق الثلاث سنن أبي داوود ج ١ ص ٣٤٤.

( ٢ ) كتحريمه متعة الحج ومتعة النساء صحيح مسلم كتاب الحج صحيح البخاري كتاب الحج باب التمتع.


يعني حكم الله ولان الاجتهاد فيه حرية وعدم إلتزام بالقيود وربما يسمونه الحكم الديمقراطي يعني حكم الشعب فالذين اجتمعوا في السقيفة بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألغوا الحكومة الثيوقراطية التي أسسها رسول الله على مبدأ النصوص القرآنية ، وأبدلوها بحكومة ديمقراطية يختار الشعب فيها من يراه صالحا لقيادته ، على أن أولئك الصحابة لم يكونوا ليعرفوا كلمة « الديمقراطية » لانها ليست عربية ولكنهم يعرفون نظام الشورى(١) .

فالذين لا يقبلون النص على الخلافة ـ اليوم ـ هم أنصار « الديمقراطية » ويفتخرون بذلك مدعين أن الاسلام هو أول من ارتأى هذا النظام ، وهم أنصار الاجتهاد والتجديد وهم اليوم أقرب ما يكونون من النظم الغربية ولذلك نسمع اليوم من الحكومات الغربية تمجيدا لهؤلاء وتسميتهم بالمسلمين المتطورين والمتسامحين.

أما الشيعة أنصار « الثيوقراطية » أو حكومة الله والذين يرفضون الاجتهاد مقابل النص ويفرقون بين حكم الله والشورى ، فالشورى عندهم لا علاقة لها بالنصوص وإنما الاجتهاد والشورى في ما لا نص فيه ، أفلا ترى أن الله سبحانه هو الذي اختار رسوله محمدا ومع ذلك قال له :( وشاورهم في الأمر ) (٢) . أما في ما يتعلق باختيار القادة الذين يقودون البشرية فقال :( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) (٣) . فالشيعة إذ يقولون بخلافة الامام علي بعد رسول الله إنما يتمسكون بالنص وهم إذ يطعنون في بعض الصحابة إنما يطعنون في الذين أبدلوا النص بالاجتهاد فضيعوا بذلك حكم الله ورسوله ، وفتحوا في الاسلام رتقا لم يلتئم حتى اليوم. ومن أجل هذا أيضا نجد الحكومات الغربية ومفكريهم ينبذون الشيعة ويسمونهم بالتعصب الديني ويسمونهم رجعيين لانهم يريدون الرجوع إلى القرآن الذي يقطع يد السارق ويرجم الزاني ويأمر بالجهاد في سبيل الله وكل ذلك عندهم عنجهية بربرية.

وفهمت خلال هذا البحث لماذا أغلق بعض علماء أهل السنة والجماعة باب

__________________

( ١ ) رغم أنه في الواقع لم يحصل حتى هذا النوع من الانتخاب إذ أن الذين انتخبوا لا يملكون حق تمثيل الامة بأي وجه من الوجوه

(٢) سورة آل عمران ـ آية ١٥٩.

(٣) سورة القصص ـ آية ٦٨.


الاجتهاد منذ فقهاء القرن الثالث للهجرة فربما كان ذلك لما جره هذا الاجتهاد على الامة من ويلات ومصائب وخطوب وحروب دامية أكلت الاخضر واليابس وقد أبدل الاجتهاد خير أمة أخرجت للناس أمة متناحرة متقاتلة تسودها الفوضى وتحكم فيها القبلية وتنقلب من الاسلام إلى الجاهلية.

أما الشيعة فبقي عندهم باب الاجتهاد مفتوحا ما دامت النصوص قائمة ولا يمكن لاي أحد تبديلها وأعانهم على ذلك وجود الائمة الاثني عشر الذين ورثوا علم جدهم فكانوا يقولون ليس هناك مسألة إلا ولله حكم فيها وقد بينه رسول الله (ص).

ونفهم أيضا بأن أهل السنة والجماعة لما اقتدوا بالصحابة المجتهدين الذين منعوا كتابة السنة النبوية وجدوا أنفسهم مضطرين أمام غياب النصوص للاجتهاد بالرأي والقياس والاستصحاب وسد باب الذرائع إلى غير ذلك

ونفهم أيضا من كل ذلك أن الشيعة التفوا حول الامام علي وهو باب مدينة العلم والذي كان يقول لهم : سلوني عن كل شيء فقد علمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لكل باب ألف باب(١) . بينما التف غير الشيعة حول معاوية بن أبي سفيان الذي لم يكن يعرف من سنة النبي إلا قليلا.

وأصبح إمام الفئة الباغية أميرا للمؤمنين ، بعد وفاة الامام علي فعمل في دين الله برأيه أكثر من الذين سبقوه ، وأهل السنة والجماعة يقولون إنه كاتب الوحي وإنه من العلماء المجتهدين ، كيف يحكمون باجتهاده وقد دس السم للحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة فقتله؟ ولعلهم يقولون : هذا أيضا من اجتهاده فقد اجتهد وأخطأ!.

كيف يحكمون باجتهاده وقد أخذ البيعة من الامة بالقوة والقهر لنفسه ثم لابنه يزيد من بعده وحول نظام الشورى إلى الملكية القيصرية.كيف يحكمون باجتهاده ويعطونه أجرا وقد حمل الناس على لعن علي وأهل البيت ذرية المصطفى من فوق المنابر وأصبحت سنة متبعة طوال ستين عاما.

__________________

( ١ ) تاريخ دمشق لابن عساكر ج ٢ ص ٤٨٤ ترجمة الامام علي بن أبي طالب. مقتل الحسين للخوارزمي ج ١ ص ٣٨. الغدير للاميني ج ٣ ص ـ ١٢٠.


وكيف يسمونه ( كاتب الوحي ) وقد نزل الوحي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طيلة ثلاثة وعشرين عاما ، كان معاوية مدة أحد عشر عاما منها مشركا بالله ولما أسلم بعد الفتح لم نعثر على رواية تقول أنه سكن المدينة في حين أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يسكن مكة بعد الفتح فكيف تسنى لمعاوية كتابة الوحي يا ترى؟!.

فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! والسؤال يعود دائما : أي الفريقين على الحق وأيهما على الباطل ، فإما أن يكون علي وشيعته ظالمين وعلى غير الحق ، وإما أن يكون معاوية وأتباعه ظالمين وعلى غير الحق. وقد أوضح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كل شيء غير أن بعض مدعي أتباع السنة يبغونها عوجا وقد اتضح لي من خلال البحث ومن خلال الوقوف على الدفاع عن معاوية إن المدافعين عنه هم أتباعه وأتباع بني أمية وليسوا كما يدعون أتباع السنة النبوية ؛ وخصوصا إذا تتبعت مواقفهم فهم يكرهون شيعة علي ويحتفلون بيوم عاشوراء عيدا ويدافعون عن الصحابة الذين آذوا رسول الله في حياته وبعد وفاته ويصححون أخطاءهم ويبررون أعمالهم.

ترى ؛ كيف تحبون عليا وأهل البيت وتترضون في نفس الوقت على أعدائهم وقاتليهم؟ كيف تحبون الله ورسوله وتدافعون عمن بدل أحكام الله ورسوله واجتهد وتأول برأيه في أحكام الله؟.

كيف تحترمون من لم يحترم رسول الله بل يرميه بالهجر ويطعن في إمارته؟!.

كيف تقلدون أئمة نصبتهم الدولة الاموية أو الدولة العباسية لامور سياسية وتتركون الائمة الذين نص عليهم رسول الله بعددهم(١) وبأسمائهم(٢) . كيف تقلدون من لم يعرف النبي حق معرفته وتتركون باب مدينة العلم ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى.

من الذي أطلق مصطلح أهل السنة والجماعة؟!

لقد بحثت في التاريخ فلم أجد إلا أنهم اتفقوا على تسمية العام الذي استولى فيه معاوية على الحكم « عام الجماعة » ، وذلك أن الامة انقسمت بعد مقتل عثمان إلى قسمين

__________________

( ١ ) صحيح البخاري ج ٤ ص ١٦٤ صحيح مسلم ص ١١٩ في باب الناس تبع لقريش.

( ٢ ) ينابيع المودة للقندوزي الحنفي.


شيعة علي وأتباع معاوية ولما استشهد الامام علي واستولى معاوية على الحكم بعد الصلح الذي أبرمه مع الامام الحسن وأصبح معاوية هو أمير المؤمنين سُمّيَ ذلك العام « عام الجماعة » ، إذاً فتسمية « أهل السنة والجماعة » دالة على اتباع سنة معاوية والاجتماع عليه وليست تعني اتباع سنة رسول الله ، فالائمة من ذريته وأهل بيته أدرى وأعلم بسنة جدهم من الطلقاء ، وأهل البيت أدرى بما فيه ، وأهل مكة أدرى بشعابها ولكننا خالفنا الائمة الاثني عشر الذين نص عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واتبعنا أعداءهم. ورغم اعترافنا بالحديث الذي ذكر فيه رسول الله اثني عشر خليفة كلهم من قريش إلا أننا نتوقف دائما عند الخلفاء الاربعة ولعل معاوية الذي سمانا « أهل السنة والجماعة » كان يقصد الاجتماع على السنة التي سنها بسب علي وأهل البيت والتي استمرت ستين عاماً ولم يقدر على إزالتها إلا عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه وقد يحدثنا بعض المؤرخين أن الامويين تآمروا على قتل عمر بن عبدالعزيز وهو منهم لانه أمات السنة وهي لعن علي بن أبي طالب.

يا أهلي وعشيرتي لنتجه ـ على هدى الله تعالى ـ إلى البحث عن الحق وننبذ التعصب جانباً فنحن ضحايا بني أمية وبني العباس وضحايا التاريخ المظلم وضحايا الجمود الفكري الذي ضربه علينا الاوائل ، إننا لا شك ضحايا الدهاء والمكر الذي اشتهر به معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وأضرابهم ؛ ابحثوا في واقع تاريخنا الاسلامي لتبلغوا الحقائق الناصعة وسيؤتيكم الله أجركم مرتين فعسى أن يجمع الله بكم شمل هذه الامة التي نكبت بعد موت نبيها وتمزقت إلى ثلاث وسبعين فرقة ، هلموا لتوحيدها تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله الاقتداء بأهل البيت النبوي الذين أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باتباعهم فقال : « لا تقدموهم فتهلكوا ، ولا تتخلفوا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم »(١) .

لو فعلنا ذلك ، لرفع الله مقته وغضبه عنا ولا بدلنا من بعد خوفنا أمناً ، ولمكننا في الارض واستخلفنا فيها ولا ظهر لنا وليه الامام المهديعليه‌السلام الذي وعدنا به رسول الله ليملأ أرضنا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً وليتم به الله نوره في كل المعمورة.

__________________

( ١ ) الدر المنثور للسيوطي ج ٢ ص ٦٠ ص ٦٠ اُسد الغابة ج ٣ ص ١٣٧ الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٤٨ و ٢٢٦ ينابيع المودة ص ٤١ و ٣٥٥ كنز العمال ج ١ ص ١٦٨ مجمع الزوائد ج ٩ ص ١٦٣.


دعوة أصدقاء للبحث

كان التحول بداية السعادة الروحية إذ أحسست براحة الضمير وانشرح صدري للمذهب الحق الذي اكتشفته أو قل للاسلام الحقيقي الذي لا شك فيه ؛ وغمرتني فرحة كبيرة واعتزاز بما أنعم الله عليّ من هداية ورشاد. ولم يسعني السكوت والتكتم على ما يختلج في صدري وقلت في نفسي : لا بد لي من إفشاء هذه الحقيقة على الناس( وأما بنعمة ربك فحدث ) وهي من أكبر النعم أو هي النعمة الكبرى في الدنيا وفي الآخرة ، و « الساكت عن الحق شيطان أخرس » « وليس بعد الحق » إلا « الضلال ».

والذي زاد شعوري يقينا بوجوب نشر هذه الحقيقة هو براءة أهل السنة والجماعة الذين يحبون رسول الله وأهل بيته ويكفي أن يزول الغشاء الذي نسجه التاريخ حتى يتبعوا الحق وهذا ما وقع لي شخصيا.

قال تعالى :( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ) (١) .

ودعوت أربعة أصدقاء من الاساتذة العاملين معي في المعهد كان إثنان منهم يدرسان التربية الدينية والثالث يدرس مادة العربية والرابع كان أستاذ الفلسفة الاسلامية. لم يكن أربعتهم من قفصة بل كانوا من تونس ومن جمال وسوسة ، دعوتهم إلى البحث معي في هذا الموضوع الخطير وأشعرتهم بأني قاصر عن إدراك بعض المعاني وقد اضطربت وتشككت في بعض الامور ، وقبلوا المجيء إلى بيتي بعد إنهاء العمل ، وتركتهم يقروون

__________________

( ١ ) سورة النساء : آية ٩٤.


كتاب المراجعات على أن مؤلفه يدعي أشياء عجيبة وغريبة في الدين ، وقد استهوى الكتاب ثلاثة منهم أما الرابع الذي يدرس اللغة العربية فقد قاطعنا بعد أربع جلسات أو خمس قائلا : « إن الغرب الآن يغزو القمر وأنتم ما زلتم تبحثون عن الخلافة الاسلامية ».

وما أن أتممنا الكتاب خلال شهر واحد حتى استبصر ثلاثتهم وقد أعنتهم كثيرا للوصول إلى الحقيقة من أقرب الطرق بما تكون عندي من سعة الاطلاع خلال سنوات البحث وذقت حلاوة الهداية واستبشرت بالمستقبل وأخذت أدعو في كل مرة بعض الاصدقاء من قفصة والذين كانت تربطني بهم حلقات الدرس في المسجد أو العلاقات المنجرة من الطرق الصوفية وبعض تلاميذي الذين كانوا يلازمونني وما مرت سنة واحدة حتى أصبحنا بحمد الله عددا كبيرا نوالي أهل البيت ، نوالي من والاهم ونعادي من عاداهم ، نفرح في أعيادهم ونحزن في عاشورا ونعقد مجالس تعزية.

وكانت أولى رسائلي التي تحمل خبر استبصاري إلى السيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر بمناسبة عيد الغدير إذ احتفلنا به أول مرة في قفصة ، وقد اشتهر أمري لدى الخاص والعام بأني تشيعت وأني أدعو إلى التشيع لآل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبدأت الاتهامات والاشاعات تروج في البلاد ، على أنني جاسوس لاسرائيل أعمل على تشكيك الناس في دينهم وبأنني أسب الصحابة وبأنني صاحب فتنة إلى غير ذلك.

وفي تونس العاصمة اتصلت بالصديقين راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وكانت معارضتهما لي عنيفة جدا وفي حديث دار بيننا في بيت عبد الفتاح ، قلت يجب علينا كمسلمين مراجعة كتبنا ومراجعة تاريخنا وضربت لذلك مثلا صحيح البخاري الذي فيه أشياء لا يقبلها عقل ولا دين. وثارت ثائرتهما قائلين لي : من أنت حتى تنتقد البخاري؟ وبذلت كل جهدي لاءقناعهم للدخول في البحث فرفضا قائلين : اذا تشيعت أنت فلا تشيعنا نحن وعندنا ما هو أهم من ذلك ، مقامة الحكومة التي لا تعمل بالاسلام. قلت ما القائدة اذا وصلتم أنتم الى الحكم فستعملون أكثر منهم ما دمتم لا تعرفون حقيقة الاسلام ، وانتهى لقاؤنا بنقور بيننا.

ازدادت على أثره حملة الاشاعات ضدنا من قبل بعض الاخوان المسلمين الذين لم يكونوا وقتها يعرفون بحركة الاتجاه الاسلامي فبثوا في أوساطهم بانني عميل للحكومة واني


أشك المسلمين في دينهم حتى الهيهم عن قضيتهم المتمثلة في مقاومة الحكومة.

وبدأت العزلة من الشبان الذين يعملون في صفوت الاخوان المسلمين ومن الشيوخ الذين يتبعون الطرق الصوفية وعشنا فترات قاسية غرباء في ديارنا وبين إخواننا وعشيرتنا ولكن الله سبحانه أبدلنا خيرا منهم فكان بعض الشبان يأتون من مدن أخرى يسألون عن الحقيقة فكنت أبذل قصارى ما في وسعي لاقناعهم بحقيقة منهج أهل البيت ( ع ) وبالواقع التاريخي فاستبصر عدد من الشبان في العاصمة وفي القيروان وفي سوسة وسيدي بوزيد وكنت خلال رحلتي الصيفية إلى العراق مررت بأوروبا حيث التقيت بعض الاصدقاء في فرنسا وفي هولندا وتحدثت معهم في الموضوع فاستبصروا والحمد لله.

وكم كانت فرحتي عظيمة عندما قابلت السيد محمد باقر الصدر في النجف الاشرف وكان في بيته نخبة من العلماء وأخذ السيد يقدمني إليهم بأني بذرة التشيع لآل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تونس كما أعلمهم بأنه بكى تأثرا عندما وصلته رسالتي مهنئة تحمل إليه بشرى احتفالنا أول مرة بعيد الغدير السعيد وشكوت إليه ما نلاقيه من مقاومة ومن بث الاشاعات ضدنا والعزلة التي نواجهها.

وقال السيد في معرض كلامه : « لابد » من تحمل المشاق لان طريق أهل البيت صعب ووعر ، وقد جاء رجل إلى النبي (ص) فقال له : إني أحبك يا رسول الله! فقال له : أبشر بكثرة الابتلاء ، فقال : وأحب ابن عمك عليا! فقال : أبشر بكثرة الاعداء. فقال : وأحب الحسن والحسين! فقال له : فاستعد للفقر وكثرة البلاء. وماذا قدمنا نحن في سبيل دعوة الحق التي دفع ثمنها أبو عبدالله الحسين ( ع ) بنفسه وأهله وذريته وأصحابه ، كما دفع ثمنها الشيعة على مر التاريخ وما زالوا حتى اليوم يدفعون ثمن ولائهم لاهل البيت ، فلابد يا أخي من تحمل بعض الاتعاب والتضحية في سبيل الحق فلئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها.

كما نصحني السيد الصدر بعدم الانزواء وأمرني بأن أتقرب أكثر من إخواني أهل السنة كلما حاولوا الابتعاد عني ، وأمرني أن أصلي خلفهم حتى لا تكون القطيعة ، وأن أعتبرهم أبرياء فهم ضحايا الاعلام والتاريخ المزيف ، والناس أعداء ما جهلوا.

كما نصحني السيد الخوئي الشيء تقريبا كما كان السيد محمد علي الطباطبائي


الحكيم يبعث لنا دائما بنصائحه في رسائل متعددة كان لها أثر كبير في سيرة الاخوة المستبصرين على الهدى.

هذا وقد تعددت زياراتي للنجف الاشرف ولعلماء النجف في مناسبات كثيرة ، ثم آليت على نفسي أن أقضى العطلة الصيفية من كل عام في رحاب الامام علي أحضر دروس السيد محمد باقر الصدر التي استفدت منها كثيرا ونفعتني أيما نفع كما آليت على نفسي أن أزور مقامات الائمة الاثني عشر وقد حقق الله أمنيتي بأن وفقني حتى لزيارة الامام الرضا الذي يوجد مرقده في مشهد وهي مدينة قرب الحدود الروسية في إيران وهناك تعرفت على أبرز العلماء واستفدت منهم كثيرا.

كما أعطاني السيد الخوئي الذي كنا نقلده وكالة للتصرف في الخمس والزكاة وإفادة المجموعة المستبصرة عندنا بما تحتاجه من كتب وإعانات وغير ذلك ، وقد كونت مكتبة مفيدة بها أهم المصادر التي تخص البحث وتجمع كتب الفريقين وتحمل إسم مكتبة أهل البيتعليهم‌السلام وقد أفادت الكثيرين والحمد لله.

وزاد الله فرحتنا فرحتين وسعادتنا سعادتين فقبل حوالي خمسة عشر عاما سخر لنا الله الكاتب العام لبلدية قفصة فوافق على تسمية الشارع الذي أسكن فيه باسم شارع الامام علي بن أبي طالب ( ع ) ، فلا يفوتني هنا أن أشكر له هذه اللفتة المشرفة ، فهو من المسلمين العاملين وله ميل كبير ومحبة فائقة لشخص الامام علي ( ع ) وقد أهديته كتاب المراجعات ، وهو يبادل مجموعتنا حبا وتقديرا واحتراما فجزاه الله خيرا وأعطاه ما يتمنى.

وقد عمل بعض الحاقدين على إزالة اللوحة وأعيتهم الحيل وشاء الله تثبيتها وأصبحت الرسائل ترد علينا من كل أنحاء العالم وعليها اسم شارع الامام علي بن أبي طالب ( ع ) ؛ الذي بارك اسمه الشريف مدينتنا الطيبة العريقة.

وعملا بنصائح الائمة من أهل البيتعليهم‌السلام وكذلك بنصائح علماء النجف الاشرف عمدنا إلى التقرب من إخوتنا من المذاهب الاخرى ولازمنا الجماعة فكنا نصلي معا ، وخفت بذلك حدة التوتر وتمكنا من إقناع بعض الشبان من خلال تساؤلاتهم عن كيفية صلاتنا ووضوئنا وعقائدنا.


هدى الحق

في إحدى قرى الجنوب التونسي وخلال حفل زفاف كانت النساء يتحدثن عن فلانة زوجة فلان ، واستغربت العجوز الكبيرة التي كانت تجلس وسطهن وتسمع حديثهن أن تكون فلانة قد تزوجت فلانا ولما سألنها عن سبب استغرابها اخبرتهن أنها أرضعت الاثنين فهما أخوان من الرضاعة ، ونقل النسوة هذا النبأ العظيم إلى أزواجهن وتثبت الرجال فشهد والد المرأة بأن ابنته أرضعتها تلك العجوز المعروفة لدى الجميع بأنها مرضعة كما شهد والد الزوج بأن ابنه أرضعته نفس المرضعة ، وقامت قيامة العشيرتين وتقاتلوا بالعصي كل منهما تتهم الاخرى بأنها سبب الكارثة التي سوف تجرهم إلى سخط الله وعقابه وخصوصا لان هذا الزواج مر عليه عشرة أعوام أنجبت المرأة خلالها ثلاثة أطفال وقد هربت عند سماعها الخبر إلى بيت أبيها وامتنعت عن الاكل والشراب وأرادت الانتحار لانها لم تتحمل الصدمة وكيف أنها تزوجت من أخيها وولدت منه وهي لا تعلم ، وسقط عدد من الجرحى من العشيرتين وتدخل أحد الشيوخ الكبار وأوقف المعارك ونصحهم بأن يطوفوا على العلماء ليستفتوهم في هذه القضية عسى أن يجدوا حلا.

فصاروا يتجولون في المدن الكبرى المجاورة يسألون علماءها عن حل لقضيتهم وكلما اتصلوا بعالم وأطلعوه على الامر أخبرهم بحرمة الزواج وضرورة تفريق الزوجين إلى الابد وتحرير رقبة أو صيام شهرين إلى غير ذلك من الفتاوى.

ووصلوا إلى قفصة وسألوا علماءها فكان الجواب نفسه ، لان المالكية كلهم


يحرمون الرضاعة ولو من قطرة واحدة اقتداء بالامام مالك الذي قاس الحليب على الخمر إذ أن ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) ، فتحرم الرضاعة ولو من قطرة واحدة من الحليب ، والذي وقع أن أحد الحاضرين اختلى بهم ودلهم على بيتي قائلا لهم : أسألوا التيجاني في مثل هذه القضايا فإنه يعرف كل المذاهب ، وقد رأيته يجادل هؤلاء العلماء عدة مرات فيبزهم بالحجة البالغة.

هذا ما نقله إليّ زوج المرأة حرفيا عندما أدخلته إلى المكتبة وحكى لي كل القضية بالتفصيل من أولها إلى آخرها وقال : « يا سيدي أن زوجتي تريد الانتحار وأولادي مهملون ونحن لا نعرف حلا لهذه المشكلة وقد دلونا عليك وقد استبشرت خيرا لما رأيت عندك هذه الكتب التي لم أشهد في حياتي مثلها فعسى أن يكون الحل عندك ».

أحضرت له قهوة وفكرت قليلا ثم سألته عن عدد الرضعات التي رضعها هو من المراة فقال : لا أدري غير أن زوجتي رضعت منها مرتين أو ثلاثا وقد شهد أبوها بأنه حملها مرتين أو ثلاث مرات إلى تلك العجوز المرضعة ، فقلت إذا كان هذا صحيحا فليس عليكما شيء والزواج صحيح وحلال محلل ، وارتمى المسكين علي يقبل رأسي ويدي ويقول : بشرك الله بالخير لقد فتحت أبواب السكينة أمامي ، ونهض مسرعا ولم يكمل قهوته ولا استفسر مني ولا طلب الدليل غير أنه استأذن للخروج حتى يسرع فيبشر زوجته وأولاده وأهله وعشيرته.

لكنه رجع في اليوم التالي ومعه سبعة رجال وقدمهم إلي قائلا : هذا والدي وهذا والد زوجتي والثالث هو عمدة القرية والرابع إمام الجمعة والجماعة والخامس هو المرشد الديني والسادس شيخ العشيرة والسابع هو مدير المدرسة ، وقد جاؤوا يستفسرون عن قضية الرضاعة وبماذا حللتها؟

وأدخلت الجميع إلى المكتبة وكنت أتوقع جدالهم وأحضرت لهم القهوة ورحبت بهم : قالوا إنما جئناك نناقشك في تحليلك الرضاعة وقد حرمها الله في القرآن ، وحرمها رسوله بقوله : يحرم بالرضاعة ما يحرم بالنسب ، وكذلك حرمها الامام مالك.

قلت : يا سادتي أنتم ما شاء الله ثمانية وأنا واحد فاذا تكلمت مع الجميع فسوف لن


أقنعكم وتضيع المناقشة في الهامشيات ، وإنما اقترح عليكم اختيار أحدكم حتى أتناقش معه وأنتم تكونون حكما بيني وبينه!.

وأعجبتهم الفكرة واستحسنوها ، وسلموا أمرهم إلى المرشد الديني قائلين أنه أعلمهم وأقدرهم ، وبدأ السيد يسألني كيف أحلل ما حرم الله ورسوله والائمة؟!

قلت : أعوذ بالله أن أفعل ذلك! ولكن الله حرم الرضاعة بآية مجملة ولم يبين تفصيل ذلك وإنما أوكل ذلك إلى رسوله فأوضح مقصود الآية بالكيف والكم.

قال : فإن الامام مالك يحرم الرضاعة من قطرة واحدة.

قلت : أعرف ذلك ، ولكن الامام مالك ليس حجة على المسلمين وإلا فما هو قولك بالائمة الآخرين؟

أجاب : رضي الله عنهم وأرضاهم فكلهم من رسول ملتمس.

قلت : فما هي إذن حجتك عند الله في تقليدك الامام مالك الذي يخالف رأيه نص الرسول (ص)؟

قال محتارا : سبحان الله أنا لا أعلم أن الامام مالكا إمام دار الهجرة يخالف النصوص النبوية ، وتحير الحاضرون من هذا القول ، واستغربوا مني هذه الجرأة على الامام مالك والتي لم يعهدوها من قبل في غيري ، واستدركت قائلا : هل كان الامام مالك من الصحابة؟ قال : لا ، قلت : هل كان من التابعين؟ قال : لا ، وإنما هو من تابعي التابعين.

قلت : فأيهما أقرب هو أم الامام علي بن أبي طالب؟

قال : الامام علي أقرب فهو من الخلفاء الراشدين ، وتكلم أحد الحاضرين قائلا : سيدنا علي كرم الله وجهه هو باب مدينة العلم. فقلت : فلماذا تركتم باب مدينة العلم واتبعتم رجلا ليس من الصحابة ولا من التابعين وإنما ولد بعد الفتنة وبعدما أبيحت مدينة رسول الله لجيش يزيد وفعلوا فيها ما فعلوا وقتلوا خيار الصحابة وانتهكوا فيها المحارم ، وغيروا سنة الرسول ببدع ابتدعوها ، فكيف يطمئن الانسان بعد ذلك إلى هؤلاء الائمة الذين رضيت عنهم السلطة الحاكمة لانهم أفتوها بما يلائم أهواءهم.

وتكلم أحدهم وقال : سمعنا أنك شيعي تعبد الامام عليا فلكزه صاحبه الذي كان


بجانبه لكزة أوجعته وقال له : أسكت أما تستحي أن تقول مثل هذا القول لرجل فاضل مثل هذا وقد عرفت العلماء وحتى الآن لم تر عيني مكتبة مثل هذه المكتبة ، وهذا الرجل يتكلم عن معرفة ووثوق بما يقول!.

أجبته قائلا : أنا شيعي هذا صحيح ولكن الشيعة لا يعبدون عليا وإنما عوض أن يقلدوا الامام مالكا فهم يقلدون الامام عليا لانه باب مدينة العلم حسب شهادتكم ، قال المرشد الديني : وهل حلل الامام علي زواج الرضيعين؟. قلت : لا ولكنه يحرم ذلك إذا بلغت الرضاعة خمس عشرة رضعة مشبعات ومتواليات ، أو ما أنبت لحما وعظما. وتهلل وجه والد الزوجة وقال : الحمد لله فابنتي لم ترضع إلا مرتين أو ثلاث مرات فقط ، وإن في قول الامام علي هذا مخرجا لنا من هذه الورطة ورحمة لنا من الله بعد أن يئسنا.

فقال المرشد : أعطنا الدليل على هذا القول حتى نقتنع ؛ فأعطيتهم كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي ، وقرأ هو بنفسه عليهم باب الرضاعة ، وفرحوا بذلك فرحا عظيما وخصوصا الزوج الذي كان خائفا أن لا يكون لديّ الدليل المقنع وطلبوا مني إعارتهم الكتاب حتى يحتجوا به في قريتهم فسلمته إليهم وخرجوا مودعين داعين معتذرين.

وبمجرد خروجهم من بيتي التقى بهم أحد المناوئين وحملهم إلى بعض علماء السوء فخوفوهم وحذروهم بأني عميل لاسرائيل وأن كتاب منهاج الصالحين الذي أعطيتهم إياه كله ضلالة وأن أهل العراق هم أهل الكفر والنفاق وأن الشيعة مجوس يبيحون نكاح الاخوات فلا غرابة إذن في إباحتي لهم نكاح الاخت من الرضاعة إلى غير ذلك من التهم والاراجيف وما زال بهم يحذرهم حتى ارتدوا على أعقابهم وانقلبوا بعد اقتناعهم ، وأجبروا الزوج على أن يتقدم بدعوى عدلية للطلاق لدى المحكمة الابتدائية في قفصة وطلب منهم رئيس المحكمة أن يذهبوا إلى العاصمة ويتصلوا بمفتي الجمهورية ليحل هذا الاشكال ، وسافر الزوج وبقى هناك شهرا كاملا حتى تمكن من مقابلته وقص عليه قصته من أولها إلى آخرها وسأله مفتي الجمهورية عن العلماء الذين قالوا بحلية الزواج وصحته فأجاب الزوج بأنه ليس هناك من قال بحليته غير شخص واحد هو التيجاني السماوي ، وسجل المفتي إسمي وقال للزوج : إرجع أنت وسوف أبعث أنا برسالة إلى رئيس المحكمة في قفصة ، وبالفعل


جاءت الرسالة من مفتي الجمهورية وأطلع عليها وكيل الزوج وأعلمه بأن مفتي الجمهورية حرم ذلك الزواج.

هذا ما قصه عليّ زوج المرأة الذي بدا عليه الضعف والارهاق من كثرة التعب وهو يعتذر إليّ مما سببه لي من إزعاج وحرج ، فشكرته على عواطفه متعجبا كيف يبطل مفتي الجمهورية الزواج القائم في مثل هذه القضية ، وطلبت منه أن يأتيني برسالته التي بعثها إلى المحكمة حتى أنشرها في الصحف التونسية وأبين أن مفتي الجمهورية يجهل المذاهب الاسلامية ولا يعرف اختلافهم الفقهي في مسألة الرضاعة.

فقال الزوج أنه لا يمكنه أن يطلع على ملف قضيته فضلا عن أن يأتيني برسالة منه ، وافترقنا.

وبعد بضعة أيام جاءتني دعوة من رئيس المحكمة يأمرني فيها بإحضار الكتاب والادلة على عدم بطلان ذلك الزواج بين ( الرضيعين )! ، وذهبت محملا بعدة مصادر انتقيتها مسبقا ووضعت في كل منها بطاقة في باب الرضاعة ليسهل تخريجه في لحظة واحدة ، وذهبت في اليوم والساعة المذكورين واستقبلني كاتب المحكمة وأدخلني إلى مكتب الرئيس وفوجئت برئيس المحكمة الابتدائية ورئيس محكمة الناحية ووكيل الجمهورية ومعهم ثلاثة أعضاء وكلهم يرتدون لباسهم الخاص للقضاء وكأنهم في جلسة رسمية ، ولاحظت أيضا أن زوج المرأة يجلس في آخر القاعة قبالهم ، وسلمت على الجميع فكانوا كلهم ينظرون إلي باشمئزاز واحتقار ولما جلست خاطبني الرئيس بلهجة خشنة قائلا :

ـ أنت هو التيجاني السماوي؟ قلت : نعم.

ـ قال : أنت الذي أفتيت بصحة الزواج في هذه القضية؟

ـ قلت : لا لست أنا بمفت ، ولكن الائمة وعلماء المسلمين هم الذين أفتوا بحليته وصحته!

ـ قال : ومن أجل ذلك دعوناك ، وأنت الآن في قفص الاتهام ، فإذا لم تثبت دعواك بالدليل فسوف نحكم بسجنك وسوف لن تخرج من هنا إلا إلى السجن.

وعرفت وقتها أنني بالفعل في قفص الاتهام ، لا لانني أفتيت في هذه القضية ، ولكن لان بعض علماء السوء حدث هؤلاء الحكام بأنني صاحب فتنة وأنني أسب الصحابة


وأبث التشيع لآل البيت النبوي ، وقد قال له رئيس المحكمة إذا أتيتني بشاهدين ضده فسألقيه في السجن.

أضف إلى ذلك أن جماعة من الاخوان المسلمين استغلوا هذه الفتوى وروجوا لدى الخاص والعام أنني أبيح نكاح الاخوات وهو قول الشيعة على زعمهم!.

كل ذلك عرفته من قبل وتيقنته عندما هددني رئيس المحكمة بالسجن فلم يبق أمامي إلا التحدي والدفاع عن نفسي بكل شجاعة فقلت للرئيس :

ـ هل لي أن أتكلم بصراحة وبدون خوف ، قال :

ـ نعم تكلم فأنت ليس لك محام قلت :

ـ قبل كل شيء أنا لم أنصب نفسي للافتاء ، ولكن ها هو زوج المرأة أمامكم فاسألوه ، فهو الذي جاءني إلى بيتي يطرق بابي ويسألني ، فكان واجبا عليّ أن أجيبه بما أعلم وقد سألته بدوري عن عدد الرضعات ولما أعلمني بأن زوجته لم ترضع غير مرتين أعطيته وقتها حكم الاسلام فيها ، فلست أنا من المجتهدين ولا من المشرعين.

قال الرئيس : عجبا ، أنت الآن تدعي أنك تعرف الاسلام ونحن نجهله! قلت : أستغفر الله أنا لم أقصد هذا ، ولكن كل الناس هنا يعرفون مذهب الامام مالك ويتوقفون عنده ، وأنا فتشت في كل المذاهب ووجدت حلا لهذه القضية.

قال الرئيس : أين وجدت الحل؟ قلت :

ـ قبل كل شيء هل لي أن أسالكم سؤالا ياسيدي الرئيس؟

ـ قال : إسأل ما تريد.

ـ قلت : ما قولكم في المذاهب الاسلامية؟

ـ قال : كلها صحيحة ، فكلهم من رسول الله ملتمس ، وفي اختلافهم رحمة.

ـ قلت : فارحموا إذن هذا المسكين « مشيرا إلى زوج المرأة » الذي قضى الآن أكثر من شهرين وهو مفارق لزوجه وولده بينما هناك من المذاهب الاسلامية من حل مشكلته.

فقال الرئيس مغضبا :


ـ هات الدليل وكفاك تهريجا ، نحن سمحنا لك بالدفاع عن نفسك فأصبحت محاميا لغيرك.

فأخرجت له من حقيبتي كتاب منهاج الصالحين للسيد الخوئي وقلت : هذا مذهب أهل البيت وفيه الدليل ، فقاطعني قائلا : دعنا من مذهب أهل البيت فنحن لا نعرفه ولا نؤمن به.

كنت متوقعا هذا ولذلك أحضرت معي بعد البحث والتنقيب عدة مصادر لاهل السنة والجماعة كنت رتبتها حسب علمي فوضعت البخاري في المرتبة الاولى ثم صحيح مسلم وبعده كتاب الفتاوى لمحمود شلتوت وكتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ، وكتاب زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي وعدة مصادر أخرى من كتب ( أهل السنة ) ، ولما رفض الرئيس أن ينظر في كتاب السيد الخوئي سألته عن الكتب التي يثق بها ، قال : البخاري ومسلم. وأخرجت صحيح البخاري وفتحته على الصفحة المعينة وقلت : تفضل يا سيدي إقرأ.

ـ قال : إقرأ أنت؟ وقرأت : حدثنا فلان عن فلان عن عائشة أم المؤمنين قالت توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يحرم من الرضعات إلا خمسا فما فوق.

وأخذ الرئيس مني الكتاب وقرأ بنفسه وأعطاه إلى وكيل الجمهورية بجانبه فقرأ هو الآخر وناوله لمن بعده في حين أخرجت صحيح مسلم وأطلعته على نفس الاحاديث ثم فتحت كتاب الفتاوى لشيخ الازهر شلتوت وقد ذكر هو الآخر اختلافات الائمة في مسألة الرضاعة فمنهم من ذهب إلى القول بأن المحرم ما بلغ خمس عشرة رضعة ومنهم من قال بسبعة ومنهم من حرم فوق الخمسة عدا مالك الذي خالف النص وحرم قطرة واحدة ثم قال شلتوت : وأنا أميل إلى أوسط الآراء فأقول سبعا فما فوق ، وبعد ما اطلع رئيس المحكمة على كل ذلك قال : يكفي. ثم التفت إلى زوج المرأة وقال له : إذهب الآن وآئتني بوالد زوجتك ليشهد أمامي بأنها رضعت مرتين أو ثلاثا وسوف تأخذ زوجتك معك هذا اليوم ..

وطار المسكين فرحا ، واعتذر وكيل الجمهورية وبقية الاعضاء الحاضرين للالتحاق


بأعمالهم وأذن لهم الرئيس ، ولما خلا بنا المجلس التفت إلي معتذرا وقال : سامحني ياأستاذ لقد غلطوني فيك وقالوا فيك أشياء غريبة وأنا الآن عرفت أنهم حاسدون ومغرضون يريدون بك شرا.

وطار قلبي فرحا بهذا التحول السريع وقلت : الحمد لله الذي جعل نصري على يديك يا سيدي الرئيس ، فقال : سمعت بأن عندك مكتبة عظيمة فهل يوجد فيها كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري؟

قلت : نعم ، فقال : هل تعيرني إياه ، فقد مضى عامان وأنا أبحث عنه : قلت : هو لك يا سيدي متى أردت ، قال : هل عندك وقت يسمح لك بالمجيء إلى مكتبتي لنتحدث وأستفيد منك. قلت : أستغفر الله فأنا الذي أستفيد منك ، فأنت أكبر مني سنا وقدرا ، وعندي أربعة أيام راحة في الاسبوع وأنا رهن إشارتك.

واتفقنا على يوم السبت من كل أسبوع لانه ليس له جلسات للمحكمة في ذلك اليوم. وبعدما طلب مني أن أترك له كتابي البخاري ومسلم وكتاب الفتاوى لمحمود شلتوت لكي يحرر منها النص قام بنفسه وأخرجني من مكتبه مودعا.

وخرجت فرحا أحمد الله سبحانه على هذا النصر وقد دخلت خائفا مهددا بالسجن وخرجت وقد انقلب رئيس المحكمة إلى صديق حميم يحترمني ويطلب مني مجالسته ليستفيد مني. إنها بركات طريق أهل البيت الذين لا يخيب من تمسك بهم ويأمن من لجأ إليهم.

وتحدث زوج المرأة في قريته وشاع الخبر في كل القرى المجاورة بعد ما رجعت المرأة إلى بيت زوجها وانتهت القضية بحلية الزواج ، فأصبح الناس يقولون بأني أعلم من الجميع وأعلم حتى من مفتي الجمهورية.

وقد جاء زوج المرأة إلى البيت ومعه سيارة كبيرة ودعاني إلى القرية أنا وكل عائلتي وأعلمني أن كل الاهالي ينتظرون قدومي وسيذبحون ثلاثة عجول لاقامة الفرج واعتذرت إليه بسبب انشغالي في قفصة وقلت له : سوف أزوركم مرة أخرى إن شاء الله.

وتحدث رئيس المحكمة إلى أصدقائه واشتهرت القضية ورد الله كيد الكائدين وجاء


بعضهم معتذرين وقد فتح الله بصيرة البعض منهم فاستبصروا وأصبحوا من المخلصين ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.


المصادر

كتب التفسير:

١ ـ القرآن الكريم.

٢ ـ تفسير الطبري.

٣ ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي.

٤ ـ تفسير الميزان للطباطبائي.

٥ ـ التفسير الكبير للفخر الرازي.

٦ ـ تفسير ابن كثير.

٧ ـ زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي.

٨ ـ تفسير القرطبي.

٩ ـ شواهد النزيل للحسكاني.

١٠ ـ الحاوي للفتاوى للسيوطي.

١١ ـ الإتقان في علوم القرآن.

كتب الحديث :

١ ـ صحيح البخاري.

٢ ـ صحيح مسلم.

٣ ـ صحيح الترمذي.


٤ ـ صحيح ابن ماجه.

٥ ـ مستدرك الحاكم.

٦ ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل.

٧ ـ سنن أبي داوود.

٨ ـ كنز العمال.

٩ ـ موطا الإمام مالك.

١٠ ـ جامع الأصول لابن الأثير.

١١ ـ الجامع الصغير والجامع الكبير للسيوطي.

١٢ ـ منهاج السنة لا بن تيمية.

١٣ ـ مجمع الزوائد للهيثمي.

١٤ ـ كنوز الجقائق للمناوي.

١٥ ـ فتح الباري في شرح البخاري.

كتب التاريخ :

١ ـ تاريخ الأمم والملوك للطبري.

٢ ـ تاريخ الخلقاء للسيوطي.

٣ ـ تاريخ الكامل لابن الأثير.

٤ ـ تاريخ دمشق لابن عساكر.

٥ ـ تاريخ المسعودي ( مروج الذهب ).

٦ ـ تاريخ اليعقوبي.

٧ ـ تاريخ الخلفاء لابن قتيبة المعروف بالإمامة والسياسة.

٨ ـ تاريخ أبي الفداء.

٩ ـ تاريخ ابن الشحنة.

١٠ ـ تاريخ بغداد.

١١ ـ العقد الفريد.

١٢ ـ الطبقات الكبرى لابن سعد.


١٤ ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

كتب السيرة

١ ـ سيرة ابن هشام.

٢ ـ السيرة الحلبية.

٣ ـ الاستيعاب.

٤ ـ الإ في تمييز الصحابة.

٥ ـ أشد الغابة في معرفة الصحابة.

٦ ـ حلية الأوليا لأبي نعيم.

٧ ـ الغدير في الكتاب والسنة للأميني.

٨ ـ الطرائف لابن طاووس.

٩ ـ الفتنة الكبري.

١٠ ـ حياة محمد لمحمد حسين هيكل.

١١ ـ الرياض النضرة للطبري.

١٢ ـ الخلافة والملك لأبي الأعلى المودودي.

الكتب المختلفة :

١ ـ أسعاف الراغبين.

٢ ـ تهذيب التهذيب.

٣ ـ تذكرة الخواص لابن الجوزي.

٤ ـ البداية والنهاية لابن كثير.

٥ ـ سر العالمين للغزالي.

٦ ـ الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي.

٧ ـ المناقب للخوارزمي.

٨ ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي.

٩ ـ النص والاجتهاد لشرف الدين الموسوي.


١٠ ـ المراجعات لشرف الدين الموسوي.

١١ ـ السقيفة للشيخ المظفر.

١٢ ـ فدك للسيد محمد باقر الصدر.

١٣ ـ الصديق أبو بكر لحسين هيكل.

١٤ ـ مناقشات عقائدية مع ابراهيم الجبهان.

١٥ ـ لسان العرب لابن منظور.

١٦ ـ شرح نهج البلاغة لمحمد عبده.

١٧ ـ أبو هريرة لشرف الدين الموسوي.

١٨ ـ السقيفة والخلافة : عبد الفتاح عبد المقصود.


المحتويات

ثمّ اهتديت.................................................................. ١

الاهـداء................................................................ ٥

ديباجة...................................................................... ٧

لمحة وجيزة عن حياتي...................................................... ٩

الحج إلى بيت الله الحرام................................................... ١٣

الرحـلـة الـمـوفـقـة........................................................... ٢١

في مصر.................................................................. ٢٣

لقاء في الباخرة............................................................ ٢٦

زيارة العراق لاول مرة....................................................... ٣١

عبد القادر الجيلاني وموسى الكاظم......................................... ٣٣

الشك والتساؤل........................................................... ٣٩

السفر إلى النجف.......................................................... ٤٣

لقاء العلماء................................................................ ٤٥

لقاء مع السيد محمد باقر الصدر........................................... ٥١

الشك والحيرة............................................................. ٥٩

السفر إلى الحجاز......................................................... ٦٤

بداية البحث............................................................... ٧٣

بداية الدراسة المعمقة...................................................... ٧٥

الصحابة عند الشيعة والسنة............................................... ٧٥

١ ـ الصحابة في صلح الحديبية :......................................... ٧٨

٢ ـ الصحابة ورزية يوم الخميس :......................................... ٨١

٣ ـ الصحابة في سرية أسامة :........................................... ٨٥


١ ـ رأي القرآن في الصحابة................................................ ٩٦

١ – آية الانقلاب..................................................... ٩٧

٢ ـ آية الجهاد......................................................... ٩٩

٣ ـ آية الخشوع...................................................... ١٠٠

٢ ـ رأي الرسول في الصحابة.............................................. ١٠٢

* ١ ـ حديث الحوض................................................. ١٠٢

* ٢ ـ حديث التنافس على الدنيا....................................... ١٠٣

٣ ـ رأي الصحابة بعضهم في بعض........................................ ١٠٤

* ١ ـ شهادتهم على أنفسهم بتغيير سنة النبي............................. ١٠٤

* ٢ ـ الصحابة غيروا حتى في الصلاة.................................... ١٠٧

* ٣ ـ الصحابة يشهدون على أنفسهم.................................. ١٠٨

* ٤ ـ شهادة الشيخين على نفسيهما................................... ١٠٩

بداية التحول............................................................ ١٢١

محاورة مع عالم.......................................................... ١٢٣

أسباب الاستبصار........................................................ ١٣٣

١ ـ النص على الخلافة :.............................................. ١٣٣

٢ ـ خلاف فاطمة مع أبي بكر......................................... ١٣٦

٣ ـ علي أولى بالاتباع :............................................... ١٣٨

٤ ـ الاحاديث الواردة في علي توجب اتباعه.............................. ١٤٣

ج ـ حديث الدار يوم الانذار :................................... ١٤٦

الأحاديث الصحيحة...................................................... ١٤٩

التي توجب أتباع أهل البيت............................................... ١٤٩

١ ـ حديث الثقلين :.................................................... ١٤٩

٢ ـ حديث السفينة :.................................................... ١٥٨

٣ ـ حديث من سره أن يحيا حياتي :....................................... ١٥٩


مصيبتنا في الاجتهاد مقابل النصوص....................................... ١٦٣

دعوة أصدقاء للبحث.................................................... ١٧٠

هدى الحق.............................................................. ١٧٤

المصادر................................................................. ١٨٣

المحتويات.............................................................. ١٨٧


ثم اهتديت

ثم اهتديت

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الدكتور محمد التيجاني السماوي
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
تصنيف: مناظرات وردود
ISBN: 8-21-8629-964
الصفحات: 189