الاهداء
إلى العقل الملهم.. الذيي صنع الحياة العلمية والفكرية في الأرض إلى الفكر المبدع.. الذي صنع التجديد والابتكار للمسلمين.
إلى الإمام الأعظم.. جعفر الصادقعليهالسلام .
أرفع بكل تواضع وخشوع هذا المجهود الذي تشرّفت فيه بالبحث عن سيرة حفيده الإمام محمّد الجواد معجزة الفكر والعلم في الإسلام، آملاً أن يحظى بالقبول..
مُقدّمة
(١)
من أروع صور الفكر والعلم في الإسلام الإمام أبو جعفر الثاني محمّد الجوادعليهالسلام الذي حوى فضائل الدنيا ومكارمها، وفجر ينابيع الحكمة والعلم في الأرض، فكان المعلّم والرائد للنهضة العلمية، والثقافية في عصره، وقد أقبل عليه العلماء والفقهاء ورواة الحديث، وطلبة الحكمة والمعارف، وهم ينتهلون من نمير علومه وآدابه، وقد روى عنه الفقهاء الشيء الكثير ممّا يتعلّق بأحكام الشريعة الإسلامية من العبادات والمعاملات وغير ذلك من أبواب الفقه، وقد دوّنت في موسوعات الفقه والحديث.
لقد كان هذا الإمام العظيم أحد المؤسّسين لفقه أهل البيتعليهالسلام الذي يمثّل الإبداع والأصالة، وتطور الفكر.
وروى عنه العلماء ألواناً ممتعة من الحكم والآداب التي تتعلّق بمكارم الأخلاق وآداب السلوك، وهي من أثمن ما أثر عن الإسلام من غرر الحكم التي عالجت مختلف القضايا التربوية والأخلاقية.
(٢)
ودلّل الإمام أبو جعفر الجوادعليهالسلام بمواهبه وعبقرياته، وملكاته العلميّة الهائلة التي لاتُحدّ على الواقع المشرق الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية من أنّ الإمام لابدّ أن يكون أعلم أهل زمانه وأفضلهم من دون فرق بين أن يكون صغيراً أو كبيراً، فإنّ الله أمدَّ أئمّة أهل البيتعليهالسلام بالعلم والحكمة وفصل الخطاب كما أمدَّ اُولي العزم من أنبيائه ورسله، وتعتبر هذه إحدى العناصر الحيّة في عقيدة الشيعة.
لقد برهن الإمام أبو جعفرعليهالسلام على ذلك فقد تقلّد الإمامة والزعامة الدينية بعد وفاة أبيه الإمام الرضاعليهالسلام وكان عمره الشريف - فيما أجمع عليه المؤرّخين - لايتجاوز السبع سنين، وهو دور لايسمح لصحابة - حسب سيكلوجية الطفل - أن يخوض في أي ميدان من مياتدين العلوم العقلية، أو يدخل في عالم المناظرات والبحوث الجدلية، مع كبار العلماء والمتخصّصين فإنّ ذلك غير ممكن لمن كان في سن الطفولة. إلاّ أنّ الإمام الجوادعليهالسلام وهو بهذا السنّ قد خرق هذه العادة.
فقد سأله أشهر علماء عصره عن أعقد المسائل الفلسفية والكلامية والفقهية فأجابهم عنها، وكان ممّن سأله يحيى بن أكثم قاضي قضاة بغداد الذي انتخبه العباسيون لامتحان الإمام فسأله عن مسألة فقهية، ففرّع الإمام عليها عدّة فروع ثمّ سأله عن أي فرع أراده منها، فلم يهتدِ يحيى لذلك، ولم يستطع أن يتخلّص ممّا هو فيه، واعترف بعدم قدرته على مجاراة الإمام(١) .
ولقد شغلت مناظراته مع يحيى وغيره من علماء عصره الرأي العام في بغداد وغيرها، فكانت حديث الأندية والمجالس، وتحدّث بها الركبان، ولا تزال تسجّل له الاعجاب على امتداد التاريخ..
__________________
١ - سنعرض لهذه المسألة وغيرها في البحوث الآتية.
وممّا يدلّل على مدى ثرواته العلمية، وهو بهذا السن انّ فقهاء الشيعة بعد وفاة الإمام الرضاعليهالسلام قد خفّوا إلى يثرب للتعرّف على الإمام القائم من بعده، فأرشدهم الثقات إلى الإمام الجواد فمثلوا أمامه وسألوه عن أعمق المسائل، وأكثرها تعقيداً فأجابهم عنها، ويقول الرواة: انّه سئل في موضع آخر عن ثلاثين ألف مسالة فأداب عنها، ومن الطبيعي أنّه لا تعليل لهذه الظاهرة المحيّرة والمذهلة للفكر إلاّ بما تذهب إليه الشيعة الإمامية من أنّ أئمّة أهل البيتعليهالسلام قد منحهم الله تعالى العلم وآتاهم من الفضل ما لم يؤت أحداً من الناس.
(٣)
ويقول بعض المؤرّخين: إنّ مواهب الإمام الجوادعليهالسلام وعبقرياته قد ملكت عواطف المأمون، ومشاعره فأخلص له في الحبّ والولاء فقدّمه على أبنائه، وأهل بيته، وزوّجه من ابنته اُمّ الفضل، ووفّر له العطاء الجزيل، وأوعز إلى جهاز حكومته وسائر الأوساط الرسمية باحترامه وتبجيله. إلاّ أنّه واقع لذلك كما سنعرض له في بحوث هذا الكتاب.
(٤)
ولم يلق الإمام الجوادعليهالسلام أي ضغط اقتصادي طيلة حياته وإنّما عاش مرفهاً عليه غاية الترفيه فقد أجرى له المأمون مرتباً سنوياً يبلغ حوالي مليون درهم، وهي كثيرة في ذلك العصر الذي كان الدرهم فيه يساوي قيمة شاة.
وكانت ترد إليه الأموال الطائلة من الحقوق الشرعية التي تذهب الشيعة إلى لزوم دفعها إلى الإمام، كنصف الخمس الذي يسمّيه فقهاء الشيعة الإمامية بحقّ
الإمامعليهالسلام وكمجهول المالك وغيره من سائر الحقوق الشرعية بالإضافة إلى واردات الأوقاف التي وقفها على أهل البيتعليهمالسلام بعض المحسنين من الشيعة في ( قم ) وغيرها وكانعليهالسلام يقتصد في صرفه على نفسه، وينفق تلك الأموال الطائلة على فقراء المسلمين وذوي الحاجة والمظرين، ولهذا السخاء المنقطع النظير، فقد لقّبعليهالسلام بالجواد وكان هذا اللقب من أميز ألقابه وأشهرها حتى عُرِف واشتهر به بين الناس.
(٥)
واُحيط الإمام محمّد الجوادعليهالسلام بهالة من الحفاوة والتكريم، وقابلته جميع الأوساط بمزيد من الاكبار والتعظيم، فكانت ترى في شخصيّته امتداداً ذاتياً لآبائه العظام الذين حملوا مشعل الهداية والخير إلى الناس. إلاّ أنّه لم يحفل بتلك المظاهر التي اُحيط بها، وإنّما آثر الزهد في الدنيا والتجرّد عن جميع مباهجها.
وقد رآه الحسين في بغداد، وقد إلتفّت حوله الجماهير، فحدّثته نفسه بأنّه لا يرجع إلى ما كان عليه من الزهد في الدنيا والاقبال على الله، وشعر الإمام منه ذلك، فأقبل عليه بلطف ورفق قائلاً:
( يا حسين، إن خبز الشعير، وملح الجريش في حرم جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحبُّ إليَّ ممّا تراني فيه )(١) .
وكانت هذه الظاهرة إحدى العناصر البارزة في سيرة الإمام محمّد الجوادعليهالسلام كما كانت السمة البارزة في سيرة أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، فلم يؤثر عن أي أحد منهم أنّه سعى للدنيا، أو اتّجه نحو مباهجها، وإنّما آثروا جميعاً طاعة الله وابتغوا الدار الآخرة، وعملوا كلّ ما يقرّبهم إلى الله زلفى.
__________________
١ - إثبات الهداة ٦: ١٨٥.
(٦)
وعاش الإمام محمّد الجوادعليهالسلام في تلك الفترة القصيرة من حياته متّجهاً صوب العلم فرفع مناره، وأرسى اُصوله وقواعده، فاستغل مدّة بقائه في بغداد بالتدريس(١) وإشاعة العلم، وبلورة الفكر بالمعارف والآداب الإسلامية، وقد احتف به جمهور كبير من العلماء والرواة وهم يأخذون منه العلوم الإسلامية من علم الكلام والفلسفة، وعلم الفقه، والتفسير، ويعرض هذا الكتاب إلى تراجمهم وإعطاء صورة مفصّلة عن حياتهم حسبما تنصّ عليه مصادر التراجم، فإنّ الحديث عنهم من مكمّلات البحث عن شخصيّة الإمامعليهالسلام .
(٧)
أمّا عصر الإمام الجوادعليهالسلام فهو من أروع العصور الإسلامية على امتداد التاريخ وذلك لانتشار الحضارة فيه على نطاق واسع، وكان من أروع صور تلك الحضارة تطوّر العلوم، وانتشار المعاهد، وإنشار المعاهد، وإنشاء المكتبات وترجمة الكتب الطبيّة، والفلسفية من اللغة اليونانية وغيرها إلى اللغة العربية، وقد صارت بغداد حاضرة من أعظم حواضر العلم والفكر في الإسلام فقد ازدهرت بكبار العلماء والمتخصّصين في علوم الطبّ واللغة والفقه وغيرها إلى اللغة وغيرها كما تطوّرت الحياة الاقتصادية في بغداد إلى حدّ غريب إلاّ أنّه من المؤسف أنّه قد تكدّست الملايين من الأموال عند بعض الطبقات، وهي التي كانت تخدم السلطة العبّاسية، وتعمل لصالحها، فقد أثرت هذه الطبقة ثراءً فاحشاً حتى حارت في صرف ما عندها من الأموال، حتى صنعت أبواب بيوتها من الذهب،
__________________
١ - عقيدة الشيعة: ص ٢٠٠.
وتفنّنت في أنواع الترف والشهوات في حين أنّ الأكثرية الساحقة من الشعوب الإسلامية كانت تعاني مرارة العيش والفقر والحرمان.
ونحن مدعوّون إلى دراسة عصر الإمام محمّد الجوادعليهالسلام والوقوف على جميع معالمه الحضارية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فقد أصبحت دراسة العصر بهذا اللون من البحوث المنهجية التي لاغنى للباحث عنها، ولم يعهد هذا الكتاب دراسة خاصّة عن حياة الإمام الجوادعليهالسلام فقط وإنّما هو دراسة شاملة ومستوعبة للعصر الإسلامي الذي نشأ فيه.
(٨)
أمّا البحث عن حياة الملوك الذين عاصرهم الإمام الجوادعليهالسلام فإنّه يرتبط ارتباطاً وثيقاً وموضوعيّاً بحياة الإمام فإنّه يصوّر مدى ما عاناه من المشاكل وما عانته الاُمّة الإسلامية من المصاعب والخطوب في دور اُولئك الملوك الذين جهدوا على ظلم الناس وارغامهم على ما يكرهون.
وقد قضى الإمام أبو جعفرعليهالسلام أكثر أيام حياته في عهد المأمون الذي هو من أبرز ملوك العبّاسيّين فكراً وسياسة، ومقدرته للتغلب على الأحداث، وقد عرضنا بصورة موضوعيّة إلى دراسة، ودراسة الأحداث السياسية التي وقعت في عهده، والتي كان من أبرزها:
عقده لولاية العهد للإمام الرضاعليهالسلام والحروب الطاحنة التي وقعت بينه وبين أخيه الأمين، وواقعة أبي السرايا، وغير ذلك من الأحداث، وقد ذكرنا الأسباب التي أدّت إلى أن يزوّج المأمون ابنته اُمّ الفضل من الإمام الجوادعليهالسلام كما ذكرنا دراسة عن حياة المعتصم العبّاسي الذي قاسى الإمام في عهده أشد ألوان الاضطهارد فأرغمه على مغادرة يثرب والإقامة الجرية في بغداد، وأقام عليه المباحث تحصي عليه جميع
تصرّفاته، وتراقب جميع من يتّصل به، ولمّا استبان له سموّ شخصية الإمام وأنّه لا يجاريه ولا يسايره ولا يقرّ سياسته الهادفة إلى نشر الظلم والفساد في الأرض فحينئذٍ دسّ له السمّ على يد زوجته اُمّ الفضل فاغتاله، وكان الإمام في غضارة العمر وريعان الشباب، ويعرض هذا الكتاب إلى تفصيل ذلك كله.
(٩)
لا أرى هناك عائدة على الاُمّة، أو خدمة تؤدّي إليها أفضل من نشر حياة أئمّة أهل البيتعليهمالسلام وإذاعة مآثرهم، ونشر فضائلهم بين الناس فإنّهم سلام الله عليهم المصدر الأصيل لكرامة الإنسان، وشرفه، والينابيع الفيّاضة للفكر والوعي، لالهذه الاُمّة فحسب، وإنّما للناس جميعاً على اختلاف قوميّاتهم، وأديانهم، وميولهم.. وقد رفعوا راية الحق عالية خفّاقة، وهي ترشد الضالّ، وتهدي الحائر، وتوضّح القصد، وتدللّ على الإيمان بالله الذي تبتني عليه قوى الخير والسلام في الأرض. إنّ البحث عن سير أئمّة أهل البيتعليهمالسلام يكشف عن كنوز مشرقة من العلم والحكمة ويكشف عن ذوات أخلصوا للحقّ، وخلقوا للإيمان واتّجهوا صوب الله تعالى، وتبنّوا الدعوة إليه، وعانوا في سبيل ذلك من فراعنة عصورهم مالم يعانه أي مصلح اجتماعي في الأرض، إنّ الإمام الجوادعليهالسلام أحد كواكب تلك العترة الطاهرة، وهو ممّن رفع كلمة الله، فامتحن كأشدّ ما يكون الامتحان من أجل ذلك قابله فراعنة عصره وطواغبت زمانه، بألوان قاسية من الاضطهاد والجور ويوضّح هذا الكتاب جميع هذه الجوانب.
(١٠)
ولم تحظّ المكتبة العربية بدراسة عن حياة الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام الذي هو من
منابع الفكر والعلم في الإسلام، وأحد مفاخره هذه الاُمّة وقادتها الطليعيّين فلم يكتب أحد عن سيرته سوى محمّد بن وهبان فقد ألّف كتاباً عن حياته أسماه ( أخبار أبي جعفر الثاني )(١) لكنّه لم يوجد في مكتباتنا. ولعلّه من جملة ما ما فقدته الاُمّة من ثرواتها المخطوطة، أو أنّه في بعض خزائن المخطوطات في مكتبات العالم.
وقد وفّقت - والحمدلله - إلى البحث عن سيرة هذا الإمام العظيم الذي ملأ الدنيا بفضائله وعلومه وزهده وتقواه، ولا أدّعي أنّي ألممت بجميع جوانب حياته المشرقة، فذاك أمر لا يتّفق مع الواقع الذي نخلص له، وإنّما ألقينا أضواءً خافتة على بعض معالم شخصيّته التي هي امتداد ذاتي - بلا شكّ - لحياة آبائه الطاهرين الذين أضاؤا الحياة الفكرية والاجتماعية في الإسلام.
(١١)
وأرى من الحقّ عليَّ وأنا في نهاية هذا التقديم أن أرفع بكلّ تقدير واعتزاز آيات الشكر والإخلاص إلى سماحة الحجّة العلاّمة الكبير الأخ الشيخ هادي القرشي على ما تفضّل به من مراجعة كثير من الموسوعات كوسائل الشيعة، وغيرها من المصادر التي أمدّتنا بكثير من المعلومات عن حياة الإمام أبي جعفرعليهالسلام بالاضافة إلى ملاحظاته القيّمة في هذا الكتاب سائلاً منه تعالى أن يجعله من ذخائر الفضل والعلم.. كما أنّ من الحقّ أن اُشيد بولدنا المهذّب النبيل السيّد عبدالرسول نجل السيّد رضا الحسيني الصائغ لمساهمته في الانفاق على طبع هذا الكتاب في طبعته الاُولى سائلاً منه تعالى أن يوفّقه لكلّ مسعىً نبيل.
__________________
١ - الذريعة ١:٣١٥، الأعلام ٧:١٥٥.
ولادَتُه ونشأتُه
وقبل أن أخوض في ميدان البحث عن معالم شخصيّة الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام وأتحدث عن سيرته، وسائر شؤونه، أعرض إلى حسبه الوضاح، وما رافقه من بيان ولادته وملامح شخصيّته، وغير ذلك ممّا يعتبر مفتاحاً للحديث عن شخصيته، وفيما يلي ذلك:
نسبه الوضّاح
وليس في دنيا الأنساب نسب أسمى، ولا أرفع من نسب الإمام أبي جعفرعليهالسلام فهو من صميم الأسرة النبوية التي هي من أجلّ الأسر التي عرفتها الإنسانية في جميع أدوارها، تلك الأسرة التي أمدّت العالم بعناصر الفضيلة والكمال، وأضاءت جوانب الحياة بالعلم والإيمان.. أما الأصول الكريمة، والأرحام المطهرة التي تفرع منها فهي:
الأب:
أما أبوه فهو الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى بن جعفر ابن الإمام محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام وهذه هي السلسلة الذهبية التي لو قرأت على الصمّ البكم لبرئوا بإذن الله عزوجل - كما يقول المأمون العباسي(١) - ويقول الإمام أحمد بن حنبل: ( لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جُنّته )(٢)
__________________
١ - عيون أخبار الرضا: ج ٢ ص ١٤٧.
٢ - الصواعق المحرقة: ص ٢٠٧.
وفي بعض أعلام هذه الأسرة الكريمة يقول أبو العلاء المعري الذي كان يسيء الظن بأكثر الناس:
والشخوص التي أضاء سناها |
قبل خلق المريخ والميزان |
|
قبل أن تخلق السماوات |
وتؤمر أفلاكهن بالدوران |
من هذه الشجرة الطيبة الكريمة على الله، والعزيزة على كلّ مسلم تفرّع الإمام محمد الجوادعليهالسلام .
الأمّ:
أما السيدة الفاضلة الكريمة أم الإمام محمد الجوادعليهالسلام فقد كانت من سيدات نساء المسلمين عفّة وطهارة، وفضلاً ويكفيها فخراً وشرفاً أنها ولدت علماً من أعلام العقيدة الإسلامية، وإماماً من أئمة المسلمين، ولا يحطّ من شأنها أو يُوهن كرامتها أنها أمة، فقد حارب الإسلام هذه الظاهرة واعتبرها من عناصر الحياة الجاهلية التي دمرها، وقضى على معالمها فقد اعتبر الفضل والتفوّق إنّما هو بالتقوى، وطاعة الله ولا اعتبار بغير ذلك من الأمور التي تؤوّل إلى التراب.
إن الإسلام - بكلّ اعتزاز وفخر - ألغى جميع ألوان التمايز العنصري واعتبره من أهمّ عوامل التأخّر والانحطاط في المجتمع لأنّه يفرّق، ولا يوحد ويشتّت ولا يجمع، ولذلك فقد سارع أئمة أهل البيت إلى الزواج بالإماء للقضاء على هذه النعرات الخبيثة وإزالة أسباب التفرقة بين المسلمين فقد تزوج الإمام زين العابدين، وسيد الساجدين، بأمة أولدت له الشهيد الخالد، والثائر العظيم زيداً. وتزوّج الإمام الرضاعليهالسلام أمة فأولدت له إماماً من أئمة المسلمين وهو الإمام الجوادعليهالسلام .. لقد كان موقف الأئمةعليهمالسلام من زواجهم بالإماء هو الردّ الحاسم على أعداء الإسلام الذين جهدوا على التفرقة بين المسلمين.
أما اسم السيدة اُمّ الإمام الجوادعليهالسلام فقد اختلف الرواة فيه، وهذه بعض الأقوال:
١ - اسمها الخيزران، سماها به الإمام الرضاعليهالسلام وكانت تسمى درّة(١) .
٢ - اسمها سكينة النوبية، وقيل المريسية(٢) ، وقيل: إنها ممن تنتمي إلى مارية القبطية زوجة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله (٣) .
٣ - اسمها ريحانة(٤) .
٤ - اسمها سبيكة(٥) .
وأهملت بعض المصادر اسمها، واكتفت بالقول إنها أمّ ولد(٦) وعلى أي حال فإنه ليس من المهم في شيء الوقوف على اسمها، ومن المؤسف أنّ المصادر التي بأيدينا لم تشر إلى أي جانب من جوانب حياتها.
الوليد العظيم:
وأحاط الإمام الرضاعليهالسلام السيدة الكريمة جاريته بكثير من الرعاية والتكريم، فقد استشف من وراء الغيب أنها ستلد له ولداً قد اختاره الله للإمامة وللنيابة العامة عن النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله فهو أحد أوصيائه الاثني عشر، وقد اخبر الإمام الرضا بذلك
__________________
١ - بحر الأنساب: ج ٢ ص ١٩ من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين، دلائل الإمامة: ٢٩، ضياء العالمين: ج٢، مخطوطات مكتبة الحسينية الشوشترية.
٢ - الفصول المهمة: ص ٢٥٢، تذكرة الخواص لابن الجوزي: ص ٣٢١.
٣ - المقنعة: ص ٤٨٢.
٤ - دلائل الإمامة: ص ٢٠٩.
٥ - الإرشاد: ص ٣٥٦.
٦ - عمدة الطالب: ص ١٨٨.
أعلام أصحابه.
وعهد الإمام الرضاعليهالسلام إلى شقيقته السيدة الجليلة حكيمة بنت الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام بأن تقوم برعاية جاريته، وتلازمها حتى تلد(١) وقامت السيدة حكيمة بما طلب منها الإمام الرضا، ولما شعرت الجارية بالولادة أمرعليهالسلام شقيقته بأن تحضر مع القابلة لولادتها، وقامعليهالسلام فوضع مصباحاً في البيت(٢) وظلّعليهالسلام يرقب الوليد العظيم.. ولم تمض إلاّ لحظات حتى ولدت جاريته علماً من أعلام الفكر والجهاد في الإسلام.
سرور الإمام الرضا:
وغمرت الإمام الرضاعليهالسلام موجات من الأفراح والسرور بوليده المبارك، وطفق يقول:
( قد وُلِد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار، وشبيه عيسى بن مريم، قُدست أمّ ولدته )(٣) .
والتفتعليهالسلام إلى أصحابه فبشّرهم بمولوده قائلاً:
( إنّ الله قد وهب لي من يرثني، ويرث آل داود )(٤) .
وقد عرفهم بأنه الإمام من بعده.. وقد استقبل الإمام الرضا الوليد العظيم بمزيد من الغبطة؛ لأنه المنتظر للقيادة الروحية والزمنية لهذه الأمة وكان في المجلس
__________________
١ - دلائل الإمامة: ص ٢٠٩.
٢ - مختصر البحار في أحوال الأئمة - لنور الدين - مخطوطات مكتبة كاشف الغطاء.
٣ - بحار الأنوار: ج ١٢، ص ١٠٣.
٤ - بحار الأنوار: ج ١٢، ص ١٠٤.
شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي(١) وقد شارك أهل البيت في أفراحهم ومسراتهم بولادة الإمام أبي جعفرعليهالسلام .
مراسيم الولادة:
وأسرع الإمام الرضاعليهالسلام إلى وليده المبارك فأخذه وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية، فأذّن في إذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثمّ وضعه في المهد(٢) .
كنيته:
وكنّى الإمام الرضاعليهالسلام ولده الإمام محمد الجواد بأبي جعفر، وهي ككنية جدّه الإمام محمد الباقرعليهالسلام ويفرق بينهما فيقال: للإمام الباقر أبو جعفر الأول، وللإمام الجواد أبو جعفر الثاني.
ألقابه:
أما ألقابه الكريمة فهي تدل على معالم شخصيته العظيمة، وسمو ذاته وهي:
١ - الجواد: لُقِّب بذلك لكثرة ما أسداه من الخير والبر والإحسان إلى الناس.
٢ - التقي: لقب بذلك لأنه اتقى الله وأناب إليه، واعتصم به، فلم يستجب لأي داع من دواعي الهوى، فقد امتحنه المأمون بشتّى ألوان المغريات فلم ينخدع، فأناب إلى الله وآثر طاعته على كل شيء.
٣ - القانع.
__________________
١ - جامع الرواة: ج ٢ ص ٣١١.
٢ - مختصر البحار في أحوال الأئمة.
٤ - المرتضى(١) .
٥ - الرضي.
٦ - المختار.
٧ - المتوكل.
٨ - الزكي(٢) .
٩ - باب المراد: وقد عُرِف بهذا اللقب عند عامة المسلمين التي آمنت بأنه باب من أبواب الرحمة الإلهيّة التي يلجأ إليها الملهوفون وذوو الحاجة لدفع ما ألّم بهم من مكاره الدهر وفجائع الأيام.
هذه بعض ألقابه الكريمة، وكلّ لقب منها يشير إلى إحدى صفاته الرفيعة، ونزعاته الشريفة التي هي من مواضع الاعتزاز والفخر لهذه الأمة.
ملامحه:
أما ملامحه فكانت كملامح آبائه التي تحكي ملامح الأنبياءعليهمالسلام فكانت أسارير التقوى بادية على وجه الكريم، وقد وصفته بعض المصادر بأنه ( كان أبيض معتدل القامة )(٣) ونص بعض المؤرخين على أنه كان شديد السمرة، وأثبتت ذلك رواية شاذة(٤) إلاّ أن الأستاذ الإمام الخوئي دلل على أنها من الموضوعات(٥) وقد أعرضنا عن ذكرها لشذوذها وعدم صحّتها.
__________________
١ - النجوم الزاهرة: ج ٢ ص ٢٣١، الفصول المهمة: ص ٢٥٢.
٢ - دلائل الإمامة: ص ٢٠٩.
٣ - نوار الأبصار: ص ١٤٦، الفصول المهمة لابن الصباغ: ص ٢٥٢.
٤ - المكاسب - كتاب القيافة.
٥ - مصباح الفقاهة: ص ٣٨٤.
سنة ولادته:
والمشهور بين المؤرّخين أنّ ولادة الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام كانت في ١٩ من شهر رمضان سنة ١٩٥ هـ(١) ، وقيل: إنّ ولادته كانت في الخامس من رمضان سنة ١٧٥ هـ وهو اشتباه محض فإنّه من المقطوع به أنّه لم يولد في تلك السنة، وإنّما ولد في سنة ١٩٥ هـ حسبما أجمع عليه الرواة والمؤرّخون.
نقش خاتمه:
أمّا نقش خاتمه فيدلّ على مدى انقطاعه إلى الله، فقد كتب عليه ( العزّة لله )(٢) ، لقد آمن بأن العزّة إنما هي لله تعالى وحده خالق الكون وواهب الحياة.
نشأته:
نشأ الإمام محمد الجوادعليهالسلام في بيت النبوة والإمامة ذلك البيت الذي أعزّ الله به المسلمين وقد ترعرععليهالسلام في ظلاله وهو يتلقّى المثُل العليا من أبيه، وقد أفاض عليه أشعة من روحه العظيمة، وقد تولى بذاته تربيته، فكان يصحبه في حلّه وسفره، ويطعمه بنفسه، وقد روى يحيى الصنعاني قال: دخلت على أبي الحسن الرضاعليهالسلام
__________________
١ - النجوم الزاهرة: ج ٢ ص ٢٣١، الفصول المهمة: ص ٢٥٢، الإرشاد: ص ٣٥٦.
٢ - دلائل الإمامة: ص ٢٠٩، وجاء في مكارم الأخلاق: ص ٩٢، عن محمد بن عيسى قال: سمعت الموفق يقول: كنت قدام أبي جعفر الثاني، وأراني خاتماً في إصبعه، فقال لي: أتعرف هذا الخاتم؟ فقلت له: نعم أعرف نقشه، فأمّا صورته فلا، وكان خاتم فضّه كله، وحلقته وفصّه فصّ مدوّر وكان عليه مكتوباً ( حسبي الله ) وفوقه وأسفله وردة، فقلت له: خاتم من هذا؟ فقال: خاتم أبي الحسن، فقلت له: وكيف صار في يدك؟ قال: لمّا حضرته الوفاة دفعه لي وقال: لا تخرجه من يدك إلاّ إلى عليّ ابني.
وهو بمكة، وكان يقشّر موزاً، ويطعم أبا جعفر، فقلت له: جعلت فداك، هذا المولود المبارك؟ قالعليهالسلام : نعم يا يحيى هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام مولود أعظم بركة على شيعتنا منه(١) .
إن هذا اللون من التربية المطعّم بالحبّ والتكريم له أثره البالغ في التكوين النفسي وازدهار الشخصية حسبما قرّره علماء التربية والنفس.
ذكاؤه وعبقريته:
وملك الإمام محمد الجوادعليهالسلام في سنه المبكر من الذكاء والعبقرية ما يثير الدهشة ويملك النفس إكباراً وإعجاباً وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من ذكائه كان من بينها ما يلي:
١ - ما رواه أميّة بن علي قال: كنت مع أبي الحسن الرضا بمكة في السنة التي حجّ فيها مودّعاً البيت الحرام عندما أراد السفر إلى خراسان وكان معه ولده أبو جعفر الجواد، فودّع أبو الحسن البيت، وعدل إلى المقام فصلّى عنده، وكان أبو جعفر قد حمله أحد غلمان الإمام يطوف به وحينما انتهى إلى حجر إبراهيم جلس فيه وأطال الجلوس، فانبرى إليه موفق الخادم، وطلب منه القيام معه فأبى عليه، وهو حزين، قد بان عليه الجزع، فأسرع موفق إلى الإمام الرضاعليهالسلام وأخبره بشأن ولده، فأسرع إليه، وطلب منه القيام فأجابه بنبرات مشفوعة بالبكاء والحسرات قائلاً:
( كيف أقوم؟ وقد ودّعت يا أبتي البيت وداعاً لا رجوع بعده.. ). وسرت موجة من الألم في نفس الإمام الرضاعليهالسلام فالتمس منه القيام معه فأجابه إلى ذلك(٢)
__________________
١ - تنقيح المقال: ج ٣ ص ٣١٧، بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١١٧.
٢ - كشف الغمة: ج ٣ ص ١٥٢.
ودلت هذه البادرة على مدى ذكائه، فقد أدرك من وداع أبيه للبيت الحرام أنه الوداع الأخير له، لأنّه رأى ما عليه من الوجل والأسى مما أوحى إليه أنّه النهاية الأخيرة من حياته، وفعلاً قد تحقق ذلك فإنّ الإمام الرضاعليهالسلام بعد سفره إلى خراسان لم يعد إلى الديار المقدسة، وقضى شهيداً مسموماً على يد المأمون العباسي.
٢ - ومن بوادر ذكائه ما حدّث به المؤرخون أن المأمون قد اجتاز في موكبه الرسمي في بعض شوارع بغداد على صبيان يلعبون، وكان الإمام الجواد واقفاً معهم فلما بصروا بموكب المأمون فرّوا خوفاً منه سوى الإمام الجواد فإنه بقي واقفاً فبهر منه المأمون، وكان لا يعرفه، فقال له:
( هلا فررت مع الصبيان ...؟ ).
فأجابه الإمام بمنطقه الرائع الذي ملك به عواطف المأمون قائلاً:
( يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق فأوسعه لك، وليس لي جرم فأخشاك والظنّ بك حسن أنّك لا تضرّ من لا ذنب له.. ).
وعجب منه المأمون وسأله عن نسبه فأخبره به فترحّم على أبيه(١) وسنعرض لهذه الجهة في البحوث الآتية.
٣ - ومن آياته نبوغه المذهل انّه في سنه المبكر قد سأله العلماء والفقهاء عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عنها.. ولا مجال لتعليل هذه الظاهرة إلاّ بالقول إنّ الله تعالى قد منح أئمة أهل البيتعليهمالسلام طاقات مشرقة من العلم لم يمنحها إلاّ إلى أولي العزم من أنبيائه ورسله.
__________________
١ - أخبار الدول: ص ١١٥.
إشادة الإمام الرضا بالجواد:
وكان الإمام الرضاعليهالسلام يشيد دوماً بولده الإمام الجواد، ويدلّل على فضله ومواهبه وقد بعث الفضل بن سهل إلى محمد بن أبي عباد كاتب الإمام الرضاعليهالسلام يسأله عن مدى علاقة الإمام الرضاعليهالسلام بولده الجوادعليهالسلام ، فأجابه: ما كان الرضا يذكر محمداً إلا بكنيته، يقول: كتب لي أبو جعفر، وكنت أكتب إلى أبي جعفرعليهالسلام وكان آنذاك بالمدينة، وهو صبي، وكانت كتب أبي جعفر ترد إلى أبيه وهي في منتهى البلاغة والفصاحة(١) .
وحدّث الرواة عن مدى تعظيم الإمام الرضا لولده الجواد، فقالوا: إنّ عباد بن إسماعيل، وابن أسباط كانا عند الإمام الرضا بمنى إذ جيء بأبي جعفر فقالا له:
( هذا المولود المبارك..؟ ).
فاستبشر الإمام وقال:
( نعم هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام أعظم بركة منه.. )(٢) .
وهناك طائفة كثيرة من الأخبار قد أثرت عن الإمام الرضاعليهالسلام ، وهي تشيد بفضائل الإمام الجوادعليهالسلام وتدلّل على عظيم مواهبه وملكاته.
إكبار وتعظيم:
وأحيط الإمام الجواد منذ نعومة أظفاره بهالة من التكريم والتعظيم من قبل الأخيار والمتحرّجين في دينهم فقد اعتقدوا أنّه من أوصياء رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي فرض الله مودّتهم على جميع المسلمين، وقد ذكر الرواة أنّ علي بن جعفر الفقيه الكبير، وشقيق
__________________
١ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٠٤، إثبات الهداة: ج ٦ ص ١٦١.
٢ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٠٤.
الإمام موسى بن جعفر، وأحد أعلام الأسرة العلوية في عصره، كان ممّن يقدّس الإمام الجوادعليهالسلام ويعترف له بالفضل والإمامة، فقد روى محمد بن الحسن بن عمارة قال: كنت عند عليّ بن جعفر جالساً بالمدينة وكنت أقمت عنده سنتين أكتب ما سمع من أخيه - يعني الإمام أبا الحسن موسى - إذ دخل أبو جعفر محمد بن عليّ الرضاعليهالسلام مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فوثب عليّ بن جعفر بلا حذاء ولا رداء، فقبّل يده وعظّمه، والتفت إليه الإمام الجواد قائلاً:
( اجلس يا عمّ رحمك الله.. ).
وانحنى عليّ بن جعفر بكل خضوع قائلاً:
( يا سيدي، كيف أجلس وأنت قائم..؟ ).
وانصرف الإمام الجوادعليهالسلام ورجع عليّ بن جعفر إلى أصحابه فأقبلوا عليه يوبخونه على تعظيمه للإمام مع حداثة سنّه قائلين له:
أنت عمّ أبيه، وأنت تفعل به هذا الفعل..؟ ).
فأجابهم عليّ بن جعفر جواب المؤمن بربّه ودينه، والعارف بمنزلة الإمامة قائلاً:
( اسكتوا إذا كان الله - وقبض على لحيته - لم يؤهل هذه الشيبة - يعني الإمامة - وأهّل هذا الفتى، ووضعه حيث وضعه، نعوذ بالله ممّا تقولون. بل أنا عبد له.. )(١) .
ودلّل علي بن جعفر على أن الإمامة لا تخضع لمشيئة الإنسان وإرادته ولا تنالها يد الجعل الإنساني، وإنما أمرها بيد الله تعالى فهو الذي يختار لها من يشاء من عباده من دون فرق بين أن يكون الإمام صغيراً أو كبيراً.
__________________
١ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١١٧، أصول الكافي: ج ١ ص ٣٨٠.
انطباعات عن شخصيّته:
وملكت مواهب الإمام محمد الجوادعليهالسلام عواطف العلماء فسجّلوا إعجابهم وإكبارهم له في مؤلّفاتهم، وفيما يلي بعض ما قالوه:
١ - الذهبي:
قال الذهبي: ( كان محمد يلقّب بالجواد، وبالقانع، والمرتضى، وكان من سروات آل بيت النبيصلىاللهعليهوآله .. وكان أحد الموصوفين بالسخاء فلذلك لقّب بالجواد.. )(١) .
٢ - ابن تيميّة:
قال ابن تيمية: ( محمد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم، وهو معروف بالسخاء، ولهذا سمّي بالجواد )(٢) .
٣ - الصفدي:
قال الصفدي: ( كان محمد يلقّب بالجواد، وبالقانع، وبالمرتضى، وكان من سروات آل بيت النبوة.. وكان من الموصوفين بالسخاء، ولذلك لقّب بالجواد.. )(٣) .
٤ - ابن الجوزي:
قال السبط بن الجوزي: ( محمد الجواد كان على منهاج أبيه في العلم والتقى والجود )(٤) .
٥ - محمود بن وهيب:
قال الشيخ محمود بن وهيب: ( محمد الجواد هو الوارث لأبيه علماً وفضلاً
__________________
١ - تاريخ الإسلام: ج٨، ورقة ١٥٨ ( مصوّر ).
٢ - منهاج السنة: ج ٢ ص ١٢٧.
٣ - الوافي بالوفيات: ج ٤ ص ١٠٥.
٤ - تذكرة الخواص: ص ٣٢١.
وأجلّ اخوته قدراً وكمالاً.. )(١) .
٦ - الزركلي:
قال خير الدين الزركلي: ( محمد بن الرضي بن موسى الكاظم، الطالبي، الهاشمي، القرشي، أبو جعفر، الملقّب بالجواد، تاسع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية كان رفيع القدر كأسلافه ذكياً، طليق اللسان، قويّ البديهة.. )(٢) .
٧ - كمال الدين:
قال الشيخ كمال الدين محمد بن طلحة: ( أما مناقب أبي جعفر الجواد فما اتّسعت حلبات مجالها، ولا امتدّت أوقات آجالها بل قضت عليه الأقدار الإلهيّة بقلّة بقائه في الدنيا بحكمها وأسجالها فقلّ في الدنيا مقامه، وعجّل القدوم عليه كزيارة حمامه فلم تطل بها مدّته ولا امتدّت فيها أيامه )(٣) .
٨ - عليّ بن عيسى الأربلي:
وأدلى علي بن عيسى الأربلي بكلمات أعرب فيها عن عميق إيمانه وولائه للإمام الجواد قال: ( الجواد في كلّ أحواله جواد، وفيه يصدق قول اللغوي جواد من الجودة.. فاق الناس بطهارة العنصر، وزكاء الميلاد، وافترع قلّة العلاء فما قاربه أحد ولا كاد مجده، عالي المراتب، ومكانته الرفيعة تسمو على الكواكب، ومنصبه يشرف على المناصب، إذا أنس الوفد ناراً قالوا: ليتها ناره، لا نار غالب له إلى المعالي سمو، وإلى الشرف رواح وغدو، وفي السيادة إغراق وعلوّ وعلى هام السماك ارتفاع وعلوّ، وعن كلّ رذيلة بعد، وإلى كلّ فضيلة دنو، تتأرج المكارم من أعطافه ويقطر المجد من أطرافه، وترى أخبار السماح عنه، وعن أبنائه وأسلافه، فطوبى لمن سعى في ولائه،
____________
١ - جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام: ص ١٤٩.
٢ - الأعلام: ج ٧ ص ١٥٥.
٣ - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: ج ٢ ص ٧٤.
والويل لمن رغب في خلافه، إذا اقتسمت غنائم المجد والمعالي كان له صفاياها، وإذا امتطيت غوارب السؤدد كان له أعلاها وأسماها، يباري الغيث جوداً وعطية، ويجاري الليث نجدة وحمية، ويبذ السير سيرة رضية(١) .
هذه بعض الكلمات التي أدلى بها كبار المؤلّفين، وهي تمثّل إعجابهم بمواهب الإمام وعبقرياته وما اتّصف به من النزعات الشريفة التي تحكي صفات آبائه الذين رفعوا مشعل الهداية في الأرض.
__________________
١ - كشف الغمة: ج ٣ ص ١٦٠.
فِي ظِلال أبِيهِ
عاش الإمام محمد الجواد في ظلال أبيه فترة قصيرة من الزمن لا تتجاوز السبع سنين، وكان بهذا السن يملك من الذكاء والعبقريات ما يثير الدهشة كما أنّ من المؤكّد انه قد انطبعت في دخائل نفسه مثل أبيه، وقيمه الخالدة التي كانت مشعلاً للهداية واليقظة والإحساس في المجتمع الإسلامي ونتحدّث - بإيجاز - عن بعض شؤون الإمام الرضاعليهالسلام ومدى حبّه للإمام الجواد، وغير ذلك ممّا يرتبط بالموضوع.
مكارم أخلاقه:
أما أخلاق الإمام الرضاعليهالسلام فإنّها نفحة من روح الله، وهي تضارع أخلاق جده الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وقد حدث إبراهيم بن العباس عن سموّ أخلاقهعليهالسلام بقوله:
( ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضاعليهالسلام ما جفا أحداً قطّ، ولا قطع على أحد كلامه، ولا ردّ أحداً عن حاجة، وما مدّ رجليه بين جليسه، ولا اتّكى قبله، ولا شتم مواليه ومماليكه، ولا قهقه في ضحكه، وكان يُجلس على مائدته مماليكه ومواليه، قليل النوم بالليل، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى آخرها، كثير المعروف والصدقة في السرِّ، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة.. ).
وهذه الأخلاق كأخلاق جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذي طوّر حياة الإنسان، وأنقذ الأمم والشعوب من حياة التيه والتأخّر إلى حياة حافلة بالعزة والكرامة.
لقد روى المؤرخون صوراً رائعة من مكارم أخلاقه فقد رووا أنّه لما كان في خراسان وتقلد ولاية العهد، التي هي أرقى منصب في الدولة الإسلامية بعد الخلافة فلم يأمر أحداً من مواليه وخدمه في الكثير من شؤونه وإنما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه، وقد احتاج إلى الحمام فكره أن يأمر أحداً بتهيأته، ومضى إلى حمام في البلد لم يكن صاحبه يعرفه فلمّا دخل الحمام كان فيه جندي فأزال الإمام عن موضعه، وأمره أن يصب الماء على رأسه، ودخل الحمام رجل كان يعرف الإمام فصاح بالجندي هلكت، أتستخدم ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ فذعر الجندي ووقع على الإمام يقبّل أقدامه، ويقول:
( هلا عصيتني إذ أمرتك.. ).
فتبسّم الإمام في وجهه وقال له برفق ولطف:
( إنها لمثوبة، وما أردت أن أعصيك فيما أثاب عليه.. )(١) .
ومن معالي أخلاقه أنه إذا جلس على مائدة أجلس عليها مماليكه حتى السايس والبوّاب(٢) وقد أراد بذلك القضاء على التمايز بين الناس، وإفهام المجتمع أنهم جميعاً على صعيد واحد، وقد اثر عنه من الشعر في ذلك قوله:
لبست بالعفّة ثوب الغنى |
صرت أمشي شامخ الرأس |
|
لست إلى النسناس مستأنساً |
نّني آنس بالناس(٣) |
|
إذا رأيت التيه من ذي الغنى |
تهت على التائه باليأس(٤) |
__________________
١ - نور الأبصار: ص ١٣٨.
٢ - المناقب: ج ٤ ص ٣٦١.
٣ - النسناس: دابة وهمية على شكل الإنسان.
٤ - التيه: الكبر.
ما إن تفاخرت على معدم |
ولا تضعضعت لإفلاس(١) |
ودلّل الإمام بهذا الشعر على مدى ما يتمتّع به من مكارم الأخلاق التي هي امتداد مشرق لأخلاق آبائه الذين أسّسوا الفضائل والمكارم في دنيا العرب والإسلام.
زهده:
وزهد الإمام الرضاعليهالسلام في جميع رغائب الحياة، ومباهج الدنيا، واتّجه صوب الله تعالى، وحينما تقلّد ولاية العهد لم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة ولم يقم لها أي وزن، وقد اعتبر مشي الرجال خلف الرجل فتنة للتابع، ومذلّة للمتبوع فلم يرغب في موكب رسمي وكان من أبغض الأشياء وأشدها كراهية عنده أن يقابل بما يقابل به الملوك والخلفاء من مظاهر العظمة والأبّهة، وقد تحدث عن زهده محمد بن عباد قال: كان جلوس الرضاعليهالسلام على حصيرة في الصيف وعلى مسح(٢) في الشتاء ولباسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيا(٣) ويقول الرواة إنّه التقى به سفيان الثوري، وكان الإمام قد لبس ثوبا من خز، فأنكر عليه الثوري ذلك وقال له: لو لبست ثوباً أدنى من هذا؟ فأخذ الإمام يده برفق وأدخلها كمّه، فإذا تحت ذلك الثوب مسح، وقالعليهالسلام له: ( يا سفيان الخز للخلق، والمسح للحقّ.. )(٤) .
لقد كان الزهد في الدنيا من أبرز الذاتيّات في خُلق أهل البيتعليهمالسلام فقد اتّصلوا بالله، وانقطعوا إليه، ورأوا أن غيره زخرف لا يُوصل إلى الحقّ.
سخاؤه:
ولم يكن في الدنيا شيء أحبّ إلى الإمام الرضاعليهالسلام من الإحسان إلى الناس
__________________
١ - المناقب: ج ٤ ص ٣٦١.
٢ - المسح: الكساء من الشعر.
٣ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص١٧٨، المناقب: ج ٤ ص ٣٦٠.
٤ - المناقب: ج ٤ ص ٣٦٠.
والبر بهم، فقد كان السخاء من عناصره ومقوّماته، وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من كرمه وجوده كان منها ما يلي:
١ - إنّه أنفق جميع ما عنده على الفقراء حينما كان في خراسان، وصادف ذلك في يوم عرفة فأنكر عليه الفضل بن سهل وقال له: إنّ هذا لمغرم، فأجابه الإمام:
( بل هو المغنم، لا تحدث مغرماً ما ابتغيت به أجراً وكرماً ).
إنه ليس من المغرم في شيء صلة الفقير، والإحسان إلى الضعيف ابتغاء مرضاة الله، وإنما المغرم أن ينفق الإنسان أمواله بغير وجه مشروع، خصوصاً الإنفاق على ما لا يعود على المجتمع بفائدة.
٢ - ومن كرمه أنه وفد عليه رجل فسلّم عليه، وقال له: أنا رجل من محبّيك ومحبي آبائك، مصدري من الحجّ، وقد نفذت نفقتي، وما معي ما أبلغ مرحلة، فإن رأيت أن ترجعني إلى بلدي، فإذا بلغت تصدّقت بالذي تعطيني عنك، فقامعليهالسلام ودخل حجرة في داره، ولم يلبث أن أخرج يده، وقال له: خذه هذه المائتي دينار، فاستعن بها في أمورك ونفقتك، ولا تتصدّق بها عني، وانصرف الرجل مسروراً قد غمرته نعمة الإمام، والتفت بعض الحاضرين إلى الإمام فقال له: لِمَ سترت نفسك عن الرجل وأخرجت يدك فناولته المال، ولم تره؟ فقالعليهالسلام :
( إنما صنعت ذلك مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه، لقضائي حاجته أما سمعت حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجّة، والمذيع بالسيّئة مخذول، أما سمعت قول الشاعر:
متى آته يوماً لأطلب حاجة |
عت إلى أهلي ووجهي بمائه(١) |
٣ - ومن بوادر سخائه أنّه مرّ به فقير فقال له:
__________________
١ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ٢٨.
( أعطني على قدر مروّتك )، فأجابه الإمام:
( لا يسعني ذلك.. ).
والتفت الفقير إلى أنّه قد أخطأ في كلامه فقال:
( أعطني على قدر مرؤتي.. ).
وقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً:
( إذن نعم.. ).
وأمر له بمائتي دينار(١) .
إنّ مروءة الإمام لا تحدّ فلو أعطاه ما في الأرض فليس على قدر مروّته ورحمته التي هي امتداد ذاتي لرحمة الرسول الأعظم.
هذه بعض البوادر من كرمه وجوده التي لم يقصد بها إلاّ إدخال السرور على القلوب البائسة الحزينة التي أثقلتها مرارة الحياة وبؤسها.
علمه:
كان الإمامعليهالسلام أعلم أهل زمانه وأفضلهم، وأدراهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين، وقد تحدّث عبد السلام الهروي وهو ممّن رافق الإمام عن سعة علمهعليهالسلام فقال:
( ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا، ولا رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة، والمتكلّمين فغلبهم عن آخرهم، حتى ما بقي منهم أحد إلاّ أقرّ له بالفضل، وأقرّ له على نفسه بالقصور، ولقد سمعته يقول: كنت أجلس في ( الروضة ) والعلماء بالمدينة متوافرون فإذا دعيّ الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم وبعثوا إليّ المسألة فأجيب عنها.. )(٢) .
__________________
١ - المناقب: ج ٤ ص ٣٦١ - ٣٦٢.
٢ - كشف الغمة: ج ٣ ص ١٠٧.
وقال إبراهيم بن العباس:
( ما رأيت الرضا يسأل عن شيء قطّ إلا علم، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأول إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء فيجيب فيه، وكان كلامه وجوابه وتمثّله انتزاعات من القرآن، وكان يختمه في كلّ ثلاثة أيام ويقول: لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة لختمته، ولكن ما مررت بآية قطّ إلاّ فكّرت فيها، وفي أي شيء نزلت وفي أي وقت فلذلك صرت أختمه في كلّ ثلاثة أيام.. )(١) .
لقد كان الإمام الرضاعليهالسلام من عمالقة الفكر والعلم في الإسلام، وهو ممّن صنع للمسلمين حياتهم العلمية والثقافية، والتحدّث عن قدراته العلمية يستدعي دراسة خاصة ومطوّلة عسى أن نوفّق لها إن شاء الله.
عبادته:
وكان الإمام الرضاعليهالسلام من أعبد الناس، وأخلصهم في طاعته لله، وما ترك نافلة من النوافل ولا مستحباً من المستحبات، وقد فعل كلّ ما يقرّبه إلى الله زلفى، وقد حدّث رجاء بن أبي الضحاك عن مدى عبادته، وكان قد رافق الإمام في سفره من يثرب إلى خراسان، قال: والله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله تعالى منه، ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته منه ولا أشدّ خوفاً لله عزّ وجلّ منه )(٢) .
لقد أخلص الإمام الرضا في عبادته وطاعته لله كأعظم ما يكون الإخلاص فقد خُلِق للطاعة وخُلِق للعبادة، وتجرّد عن مباهج الدنيا وزينتها واتّجه صوب الله تعالى.
هيبته:
أمّا هيبته فكانت تعنو لها الجباه، فقد بدت عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك،
__________________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ١٨٠.
٢ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ١٧٩.
وكان من هيبته إنّه إذا جلس للناس أو ركب لم يقدر أحد أن يرفع صوته من عظيم هيبته(١) .
آراء وكلمات:
وأدلى فريق من العلماء والمؤلّفين بكلمات عن الإمام الرضاعليهالسلام وهي تعرب عن إكبارهم وتعظيمهم له وفيما يلي بعضها:
١ - المأمون:
وأعرب المأمون في كثير من المناسبات عن إعجابه بشخصيّة الإمام الرضاعليهالسلام وهذه بعض كلماته:
أ - قال المأمون لأسرته حينما لامته على عقده ولاية العهد للإمام الرضاعليهالسلام : ( أمّا ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن فما بايع له إلاّ مستبصراً في أمره، عالماً بأنّه لم يبق على ظهرها - أي ظهر الأرض - أبين فضلاً، ولا أطهر عفّة، ولا أورع ورعاً، ولا أزهد زهداً في الدنيا، ولا أطلق نفساً، ولا أرضي في الخاصّة والعامّة، ولا أشدّ في ذات الله منه.. )(٢) .
ب - قال المأمون: ( الإمام الرضا خير أهل الأرض، وأعلمهم، وأعبدهم )(٣) . ولهذه الصفات الرفيعة الماثلة فيه قالت الشيعة بإمامته، وانّه ممّن فرض الله طاعتهم ومودّتهم على الناس.
٢ - إبراهيم بن العبّاس:
وكان إبراهيم بن العباس ممّن رافق الإمامعليهالسلام وقد تحدث عن معالي أخلاقه، وكان مما قاله فيه: ( وكان كثير المعروف والصدقة في السرِّ، وأكثر ذلك يكون منه في
____________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ١٧٩.
٢ - حياة الإمام الرضاعليهالسلام : ص ١٤٣.
٣ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ١٨٣.
الليالي المظلمة، فمن زعم أنّه رأى مثله فلا تصدّقه )(١) .
٣ - عارف تامر:
قال عارف تامر: ( يعتبر الإمام الرضا من الأئمة الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث الإسلامية في عصره.. )(٢) .
وكثير من أمثال هذه الكلمات التي عبّرت عمّا تميّز به الإمام من الصفات الرفيعة التي لم يتّصف بها أحد سوى آبائه الذين رفعوا علم الهداية في الأرض.
مدح الشعراء:
ونظم الشعراء الكثير من الشعر في معالي صفات الإمام الرضاعليهالسلام ومكارم أخلاقه وفيما يلي بعضهم:
١ - الصولي:
وهام الصولي(٣) إعجاباً بالإمام فراح يقول:
ألا أنّ خير الناس نفساً ووالداً |
هطاً وأجداداً عليّ المعظّم |
|
أتتنا به للحلم والعلم ثامناً |
اماً يؤدّي حجّة الله تكتم(٤) |
__________________
١ - حياة الإمام الرضاعليهالسلام : ص ١٤٣.
٢ - الإمامة في الإسلام: ص ١٢٥.
٣ - الصولي: هو أبو إسحاق إبراهيم بن العباس الصولي كان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، ومن شعره:
ولربّ نازلة يضيق بها الفتى |
ذرعاً وعند الله منها المخرج |
|
ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها |
فرجت وكان يظنّها لا تفرج |
ومن كلامه: مثل أصحاب السلطات مثل قوم علوا جبلاً ثم وقعوا منه فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم في الارتقاء.. يروي عن الإمام الرضاعليهالسلام ، توفي بسر من رأى، في منتصف شهر شعبان سنة ( ٢٤٣ هـ ) جاء ذلك في الكنى والألقاب: ج٢ ص ٤٣٢ - ٤٣٣.
٤ - مناقب آل أبي طالب: ج ٤ ص ٣٣٢.
٢ - أبو نواس:
وتنسب هذه الأبيات الرائعة إلى أبي نواس، وقد قالها حينما عوتب على تركه لمدح الإمام الرضا فقال:
قيل لي أنت أوحد الناس طراً |
فنون من المقال النبيه |
|
لك من جوهر الكلام نظام |
مر الدر في يدي مجتنبه |
|
فعلى ما تركت مدح ابن موسى |
لخصال التي تجمعن فيه |
|
قلت: لا أهتدي لمدح إمام |
كان جبريل خادماً لأبيه(١) |
٣ - عبد الملك بن المبارك:
قال الشاعر عبد الله بن المبارك في مدح الإمام:
هذا عليّ والهدي يقوده |
من خير فتيان قريش عوده(٢) |
لقد أجمع المسلمون بجميع طبقاتهم على إكبار الإمامعليهالسلام وتعظيمه، والاعتراف له بالفضل.
إرغام الإمام على ولاية العهد:
وأرغم المأمون الإمام الرضاعليهالسلام على قبول ولاية العهد، وأكرهه على ذلك فهدّده بالقتل إن لم يستجب له، أما الأسباب التي دعته إلى هذا الإجراء فهي:
أولاً: النزاع الذي كان بينه وبين أخيه، مما أدى إلى اندلاع نار الحرب بينهما وانضمام معظم الأسرة العباسية إلى الأمين الذي كان أحبّ إليهم من المأمون، فأراد تقوية مركزه السياسي، وبسط نفوذه، فعقد ولاية العهد إلى زعيم العلويين وسيّدهم الإمام الرضاعليهالسلام الذي يكنّ له المسلمون أعظم الولاء والتقدير، ويرون في شخصيّته
__________________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ص ١٤٢ - ١٤٣.
٢ - المناقب: ج ٤ ص ٣٦٢.
امتداداً لشخصيّة جدّه الرسولصلىاللهعليهوآله .
ثانياً : ثورة أبي السرايا.
ثالثا : تصاعد المدّ الشيعي الذي أخذ بالاتّساع، فشمل أغلب أنحاء الدولة، فأراد المأمون بعهده للإمامعليهالسلام أن يتخلّص من حركات الشيعة كما يقول ابن خلدون(١) .
هذه بعض الأسباب التي دفعت المأمون إلى عقده لولاية العهد للإمام الرضاعليهالسلام وكان على علم بأنّها صورية لا واقع لها، وممّا يدلّل على ذلك أنّه شرط عليه ( أن لا يولّي أحداً، ولا يعزل أحداً، ولا ينقض رسماً ولا يغيّر شيئاً ممّا هو قائم، ويكون في الأمر مشيراً من بعيد )(٢) ومن الطبيعي أنّه لو كان يعلم بصحّة نيّة المأمون، وسلامة اتّجاهه لما وقف هذا الموقف السلبي من حكومته، وتعاون معه في جميع المجالات.
خطبة المأمون:
ولمّا بايع الناس الإمام الرضاعليهالسلام بولاية العهد اعتلى المأمون المنبر فخطب الناس وممّا جاء في خطابه:
( أيّها الناس جاءتكم بيعة عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والله لو قرأت هذه الأسماء على الصمّ البكم لبرؤا بإذن الله عزوجل.. )(٣) .
محافل الأفراح:
وأوعز المأمون إلى جميع ولادته وعمّاله على الأقاليم الإسلامية بإقامة المهرجانات
__________________
١ - تاريخ ابن خلدون: ج ٤ ص ٩.
٢ - و ٣ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ١٤٧.
العامّة، وإظهار معالم الزينة في البلاد، كما أمر الخطباء بإذاعة فضائل الإمامعليهالسلام والتحدّث عن مآثر أهل البيتعليهمالسلام وأقام في بلاطه مهرجاناً عامّاً حضرته جميع الأوساط الشعبية، وقد أجلس الإمام إلى جانبه فقام العباس الخطيب فخطب خطبة بليغة، وختمها بقوله:
لابدّ للناس من شمس ومن قمر |
فأنت شمس وهذا ذلك القمر (١) |
وتمّت بذلك هذه البيعة التي فرح بها العالم الإسلامي، وأعلن المسلمون تأييدهم لها فقد أيقنوا أنّها ستحقّق جميع آمالهم ورغباتهم.
مع الإمام الجواد:
ولابدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون الإمام الجوادعليهالسلام مع أبيه الإمام الرضاعليهالسلام .
قيامه بشؤون أبيه:
وبالرغم من حداثة سنّ الإمام الجوادعليهالسلام فقد كان هو القائم بشؤون أبيه ورعاية أموره خصوصاً ما كان منها بالمدينة(٢) .
ويقول المؤرّخون: إنّه كان يأمر الموالي، وينهاهم، ولا يخالفه أحد في ذلك وكان الإمام الرضاعليهالسلام مسروراً بقيام ابنه بمهامه وشؤونه.
رسالة الإمام الرضا إلى الجواد:
وحينما كان الرضاعليهالسلام في خراسان بعث إليه برسالة جاء فيها:
__________________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ١٤٦.
٢ - ضياء العالمين: ج ٢، من مخطوطات مكتبة الحسينية الشوشترية.
( يا أبا جعفر بلغني أنّ الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير، فإنّما ذلك من بخل بهم لئلا ينال منك أحد خيراً، فأسألك بحقّي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك إلاّ من الباب الكبير، وإذا ركبت فاصحب معك ذهباً وفضّة ثمّ لا يسألك أحد إلاّ أعطيته ومن سألك من عمومتك أن تبرّه فلا تعطه أقلّ من خمسين ديناراً ومن سألك من عمّاتك فلا تعطها أقلّ من خمسة وعشرين ديناراً، والكثير إليك، إنّي أريد أن يرفعك الله فانفق ولا تخشى من ذي العرش اقتاراً.. )(١) .
إنّ سجية الأئمة الطاهرين الكرم والإحسان إلى الناس، والبرّ بالضعفاء والفقراء، لقد لفت الإمام الرضاعليهالسلام انتباه ولده إلى ما يصنعه الموالي معه من إخراجه من الباب الصغيرة في الدار لئلاّ يراه الفقراء حتى ينعم عليهم، وقد أمرهعليهالسلام بالخروج من الباب الكبيرة حيث يزدحم عليها الضعفاء والمحرومون. وعهد إليه أن يقوم بإكرامهم والانعام عليهم وقد كانت هذه الظاهرة إحدى العناصر الذاتية في أخلاق أئمة أهل البيتعليهمالسلام .
نصّه على إمامة الجواد:
ونصّ الإمام الرضاعليهالسلام على إمامة ولده الجواد، ونصبه خليفة من بعده ومرجعاً عاماً للمسلمين ليرجعوا إليه في شؤونهم الدينية، وقد روى النصّ على إمامته جمهور كبير من الرواة كان منهم:
١ - محمد المحموري:
روى محمد المحموري عن أبيه قال: كنت واقفاً على رأس الإمام الرضاعليهالسلام بطوس فقال له بعض أصحابه:
( إنّ حدث حدّث فإلى من؟ ).
__________________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ٨.
وإنما سأله عن الإمام من بعده حتى يدين بطاعته والولاء له، فقالعليهالسلام له:
( إلى ابن أبي جعفر.. ).
وكان الإمام أبو جعفرعليهالسلام في مرحلة الطفولة، فقال له:
( إني استصغر سنّه!! ).
فردّ عليه الإمام هذه الشبهة قائلاً:
( إن الله بعث عيسى بن مريم قائماً في دون السنّ، التي يقوم فيها أبو جعفر.. )(١) .
وحفل جواب الإمام الرضاعليهالسلام بالدليل الحاسم فإنّ الله تعالى بعث عيسى نبيّاً وآتاه العلم صبياً وهو دون سنّ الإمام أبي جعفر، والنبوّة والإمامة من منبع واحد لا يناطان بالصغير والكبير وإنّما أمرهما بيد الله تعالى فهو الذي يختار لهما من أحبّ من عباده.
٢ - صفوان بن يحيى:
وممّن روى النصّ على إمامة الجواد صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا: قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر عن القائم بعدك؟ فتقول: يهب الله لي غلاماً، فقد وهبه الله لك فأقرّ عيوننا، فإن كان كون، فإلى من؟ فأشار الإمام إلى أبي جعفر وهو قائم بين يديه وعمره إذ ذاك ثلاث سنين، فقلت: هو ابن ثلاث سنين؟!! قالعليهالسلام : وما يضرّ من ذلك، فقد قام عيسى بالحجّة وهو ابن أقلّ من ثلاث سنين(٢) .
٣ - معمر بن خلاد:
وروى معمر بن خلاد النصّ من الرضاعليهالسلام على إمامة ولده الجواد قال: سمعته
__________________
١ - الدرّ النظيم، ورقة ٢١٨ من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين.
٢ - الفصول المهمة لابن الصباغ: ص ٢٥١، أصول الكافي: ج ١ ص ٣٧٩.
يقول لأصحابه: وقد ذكر شيئاً ثمّ قال لهم: ما حاجتكم إلى ذلك؟ هذا أبو جعفر أجلسته مجلسي، وصيرته مكاني.. إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة(١) بالقذة(٢) .
٤ - عبد الله بن جعفر:
ومن رواة النصّ على إمامة الجواد عبد الله بن جعفر قال: دخلت على الإمام الرضا أنا وصفوان بن يحيى، وأبو جعفر قائم قد أتى له ثلاث سنين، فقلنا: جعلنا الله فداك، ونعوذ بالله إن حدث حدث فمن يكون بعدك؟ قالعليهالسلام : ابني هذا، وأومأ إلى ولده الإمام الجواد - فقلنا له: وهو في هذا السنّ؟! قالعليهالسلام : نعم إنّ الله تبارك وتعالى احتجّ بعيسى وهو ابن سنتين(٣) .
٥ - محمد بن أبي عباد:
وممّن سمع النصّ على الإمام الجواد من أبيه محمد بن أبي عباد قال: سمعت الإمام الرضاعليهالسلام يقول: ( أبو جعفر وصيّي وخليفتي في أهلي من بعدي )(٤) .
إلى غير ذلك من النصوص التي أثرت عن الإمام الرضاعليهالسلام وهي تلعن إمامة الجواد من بعده، وأنه أحد خلفاء الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله على أمته.
غدر المأمون بالرضا:
وبعدما استنفذت الأغراض السياسية للمأمون في بيعته للإمام الرضاعليهالسلام رأى أن يغدر
__________________
١ - القذة: بضمّ القاف وفتح الذال ويش السهم، يقال: حذو القذة بالقذّة إذا تساويا في المقدار حيث يقدر كلّ واحد منهما على قدر صاحبه ويقطع ويضرب مثلاً للشيئين يتساويان.
٢ - الفصول المهمة: ص ٢٥١، بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٠٣.
٣ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١١٧.
٤ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٠٤، إثبات الهداة: ج ٦ ص ١٦١.
به، ويفتك بحياته، وعلينا أن نتحدّث - بإيجاز - عن الأسباب التي دعته إلى اقتراف هذه الجريمة وهي:
١ - الحسد:
وأترعت نفس المأمون بالحسد للإمام الرضاعليهالسلام وكان سبب ذلك ما ظهر للناس من فضل الإمام وعلمه، وقد روى المؤرّخون أنّ المأمون أوعز إلى علماء الأقطار الإسلامية بالقدوم إلى خراسان لامتحان الإمام، وقد خاضوا معه مختلف المسائل الفلسفية والكلامية والبحوث الطبّية وغيرها، وقد خرجوا من عنده وهم يقولون بإمامته ويذيعون فضله وينشرون معارفه، ولما استبان للمأمون ذلك أوعز إلى محمد بن عمرو الطوسي بطرد الناس عن مجلس الإمام(١) وقد كشف النقاب عن هذه الجهة أبو الصلت الهروي عندما سأله أحمد بن عليّ الأنصاري فقال له: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا مع إكرامه ومحبّته له وما جعل له من ولاية العهد؟ فأجابه أبو الصلت:
( إنّ المأمون إنّما كان يكرمه ويحبّه لمعرفته بفضله، وجعل له ولاية العهد من بعده ليرى الناس أنّه راغب في الدنيا، فيسقط محلّه من نفوسهم فلمّا لم يظهر منه ذلك للناس إلاّ ما ازداد به فضلاً عندهم، ومحلاً في نفوسهم، جلب عليه المتكلّمين من البلدان طمعاً في أن يقطعه واحد فيسقط محلّه عند العلماء، ويشتهر نقصه عند العامّة، فكان لا يكلّمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية، ولا خصم من فوق المسلمين المخالفين إلاّ قطعه وألزمه الحجّة، وكان الناس يقولون: والله أنّه أولى بالخلافة من المأمون، وكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتدّ حسده(٢) .
__________________
١ - عيون أخبار الرضا: ج ٢ ص ١٧٢.
٢ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ٢٣٩.
إنّ الحسد من أخبث الأمراض النفسية وهو يفرز جميع الرذائل فقد ألقى الناس في شرّ عظيم وهو - من دون شكّ - قد دفع المأمون إلى اغتيال الإمام والفتك به.
٢ - إرضاء العبّاسيّين:
وذهب بعض المؤرّخين إلى أنّ المأمون إنما سمّ الإمام إرضاءً لعواطف بني العبّاس ومداراة لهم(١) فقد قامت قيامتهم حينما صار الإمام ولي عهد المأمون وخافوا على الخلافة أن تنتقل إلى آل عليّعليهالسلام وقد أراد المأمون أن يزيل ما في نفوسهم فاغتال الإمامعليهالسلام بعد أن تّمت أهدافه السياسيّة.
٣ - عدم محاباة الإمام للمأمون:
ولعلّ من أوثق الأسباب التي دفعت المأمون إلى اغتيال الإمام هو أنّ الإمام كان لا يُحابي المأمون، ولا يداريه، وكان دوماً يوصيه بتقوى الله وطاعته، ويحذّره العقاب في الدار الآخرة، وقد أدلى بهذه الجهة أبو الصلت الهروي، قال: كان الرضا لا يُحابي المأمون من حقّ، وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله، فيغيظه ذلك ويحقده عليه، ولا يظهره له فلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله وقتله(٢) .
٤ - صلاة العيد:
ومن الأسباب التي أدّت إلى حقد المأمون على الإمام حديث صلاة العيد فقد طلب من الإمام أن يصلي صلاة العيد فامتنع الإمام من إجابته وأصرّ عليه المأمون فأجابه الإمام إلى ذلك إلاّ أنّه شرط عليه أن يصلّي بالناس كما كان جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله يصلّي بهم ووافق المأمون على ذلك وأمر القوّاد وسائر الناس أن يبكّروا إلى دار الإمام، وخرج الناس بجميع طبقاتهم في الصبح الباكر وجلسوا في الطرقات، وأشرفوا من السطوح وهم يتطلّعون إلى خروج الإمام، وقام الإمام في الصبح
__________________
١ - عيون التواريخ: ج ٣، ورقة ٢٢٧.
٢ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ٢٣٩.
فاغتسل لصلاة العيد، وتعمّم بعمامة بيضاء ألقى طرفاً منها على صدره، وطرفاً منها بين كتفيه، وأمر مواليه أن يفعلوا مثل ذلك، وخرجعليهالسلام حافياً وبيده عكّاز وكان لا يسير خطوة إلاّ رفع رأسه فكبّر، وقد تخيّل إلى الناس أنّ الهواء وحيطان البيوت تجاوبه.
وكان القوّاد وسائر الناس قد تزيّنوا ولبسوا السلاح وتهيّأوا بأحسن هيئة كما كانوا يفعلون مع ملوكهم، وواصل الإمام مسيرته بتلك الهيئة التي تعنو لها الجباة، وقد رفع صوته قائلاً:
( الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا.. ).
ورفع الناس أصواتهم يدعون بدعائه، وهم يبكون، وقد تذكّروا في الإمام ما كان يفعله رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وبان لهم ضلال أولئك الحكّام وأنّهم على غير الحق، وصارت مرو ضجّة واحدة، وسقط القوّاد من دوابهم ويقول بعض المؤرخين أن السعيد منهم من كان يعرف أحداً فيعطيه دابته ليوصلها إلى أهله.
وكان الإمام إذا سار عشر خطوات وقف فكبّر الله أربعاً، وتابعه الناس في ذلك، وقد علا منهم البكاء فقد رأوا في الإمام امتداداً ذاتياً لشخصيّة جدّه الرسولصلىاللهعليهوآله المحرّر الأكبر للإنسانية المعذّبة، وقد وصف البحري خروج الإمام إلى الصلاة بقوله:
ذكروا بطلعتك النبي فهلّلواّ |
لماطلعت من الصفوف وكبّروا |
|
حتى انتهيت إلى المصلى لابساً |
نور الهدى يبدو عليك فيظهر |
|
ومشيت مشية خاشع متواضع |
لله لا يزهو ولا يتكبّر |
|
ولو أنّ مشتاقاً تكلّف غير ما |
في وسعه لمشى إليك المنبر(١) |
____________
١ - مناقب آل أبي طالب: ج ٤ ص ٣٧٢.
وبلغ المأمون ما عليه الناس من الإكبار والتعظيم للإمام، فقال له الفضل بن سهل: إن بلغ الرضا المصلّى على هذا الحال افتتن الناس به، فالرأي أن تسأله أن يرجع، فأرسل إليه المأمون أن يرجع فرجع الإمام(١) .
هذه بعض البوادر التي ذكرها المؤرّخون لحقد المأمون على الإمام وقد خاف على ملكه وسلطانه فصمّم على اقتراف أخطر جريمة في الإسلام، وهي تصفية الإمامعليهالسلام جسدياً.
اغتيال المأمون للإمام:
ولمّا ضاق المأمون ذرعاً من الإمام عمد إلى اغتياله فاستدعاه وقدّم له عنقوداً من العنب كان قد سمّ بعضه فناوله له وقال: يا بن رسول الله ما رأيت عنباً أحسن من هذا؟ فردّ عليه الإمام:
( ربما كان عنب أحسن منه في الجنة ).
وطلب المأمون من الإمام أن يأكل منه، فتريّب الإمام، وقال له: ( تعفيني منه؟ ).
فنهره المأمون وصاح به:
( لابدّ من ذلك، وما يمنعك منه لعلّك تتهمنا بشيء؟ ).
وأرغم الإمام على تناوله، فأكل ثلاث حبّات، ورمى بالعنقود، وقد أثّر السم به في الوقت فقام من المجلس، فقال له المأمون:
( إلى أين ).
فرمقه الإمام بطرفه وقال له بنبرات حزينة مرتعشة:
__________________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ١٥٠ - ١٥١، نور الأبصار: ص ١٤٣.
( إلى حيث وجّهتني - يعني إلى الموت - )(١) .
وتفاعل السمّ في بدنه، وأحاطت به آلام الموت، فأرسل إليه المأمون رسولاً وقال له: قل له: ما توصيني به؟ وعرض على الإمام ذلك فقالعليهالسلام : قل له: ( يوصيك أن لا تعطي أحداً ما تندم عليه )(٢) .
وعرض الإمام بذلك إلى ما أعطاه المأمون له من ولاية العهد وما ألزم به نفسه أمام الله والأمّة ثمّ خلس بعد ذلك، والتفت الإمام إلى أبي الصلت قائلاً:
( يا أبا الصلت قد فعلوها.. )(٣) .
يشير بذلك إلى اغتيال المأمون له، وأخذ الإمام في تلك الفترة الرهيبة يعاني آلام السم، فقد تقطّعت أمعاؤه، وذابت حشاشته إلى جنّة المأوى:
ودنا الموت سريعاً من الإمام ليخمد تلك الشعلة المشرقة التي أضاءت الحياة الفكرية والاجتماعية في دنيا العرب والإسلام، وكان الإمام في تلك المحنة الحازبة مشغولاً بذكر الله لم تصدّه عنه آلام الموت، ولفظ أنفاسه الأخيرة مشفوعة بتوحيد الله وتمجيده، وقد ارتفعت روحه العظيمة إلى بارئها كما ترتفع أرواح الأنبياء والأوصياء تحفّها ملائكة الله ورضوانه، لقد ارتفعت روح الإمام إلى الله بعد أن أدّى رسالته الإصلاحية العظيمة في الذبّ عن دين الله، وحماية مبادئه وأهدافه.
المأمون ينعى الإمام:
وكتم المأمون موت الإمام الرضا يوماً وليلة، ثمّ أنفذ إلى محمد بن جعفر الصادقعليهالسلام
__________________
١ - عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ج ٢ ص ٢٤٣.
٢ - عيون التواريخ: ج ٣، ورقة ٢٢٧.
٣ - الإرشاد: ص ٣٥٥.
وجماعة من آل أبي طالب، يأمرهم بالحضور عنده فلمّا مثلوا أمامه نعى إليهم الإمام، وأظهر لهم الحزن الشديد والأسى العميق وقام معهم إلى جثمان الإمام فأطلعهم عليه وأنّه لم يُضرب بسيف أو يُطعن برمح ثمّ خاطب الجثمان العظيم قائلاً:
( يعزّ عليّ يا أخي أن أراك في هذه الحالة، وقد كنت آمل أن أقدم قبلك فأبى الله إلاّ ما أراد.. )(١) .
تجهيز الجثمان العظيم:
وقام المأمون بتجهيز جثمان الإمام فغسله، وأدرجه في أكفانه وكتب إلى جميع أنحاء خراسان للفوز بتشييعه.
وهرع الناس بجميع طبقاتهم إلى تشييع جثمان الإمام، فكان يوماً مشهوداً لم تشهد خراسان بمثله، وتقدّم المأمون أمام النعش وجعل يخاطب الجثمان ليسمعه الناس قائلاً:
( أي المصيبتين عليّ أعظم فقدي إيّاك أم اتّهام الناس لي.. ).
في مقرّه الأخير:
وجيئ بالجثمان تحت هالة من التهليل والتكبير، فواراه المأمون في مقرّه الأخير بجوار هارون الرشيد، وقد وارى أنصع صفحة من صفحات الرسالة الإسلامية التي أمدّت الناس بعناصر الوعي والفكر.. لقد دفن الإمام في تلك البقعة الطاهرة، وأصبح مرقده الشريف في خراسان مناراً للكرامة الإنسانية وهو أعزّ حرم وأمنعه في الإسلام، فما يعرف الناس ضريحاً لولي من أولياء الله له مثل تلك الحشمة والعزّة
__________________
١ - الإرشاد: ص ٣٥٥.
والكرامة، وقد استشفّ النبيصلىاللهعليهوآله من وراء الغيب أنّ بعض أوصيائه سيدفن في خراسان فأعلن ذلك، وذكر ما يحظى به زائره من الكرامة والمثوبة عند الله، وقالصلىاللهعليهوآله : ( ستدفن بضعة منّي بخراسان، ما زارها مكروب إلاّ نفّس الله كربته، ولا مذنب إلاّ غفر الله ذنبه.. )(١) . وقد نظم بعض الشعراء هذا الحديث الشريف ببيتين من الشعر وقد رُسِما على جدران المشهد الشريف وهما:
من سرّه أن يرى قبراً برؤيته |
يفرّج الله عمّن زاره كربه |
|
فليأت ذا القبر إنّ الله أسكنه |
سلالة من رسول الله منتجبه(٢) |
وأثرت عن الإمام الجواد زيارة خاصّة لأبيه هذا نصّها:
( السلام عليك من إمام عصيب، وإمام نجيب، وبعيد قريب، ومسموم غريب.. )(٣) .
فضل زيارته:
وأثرت عن الإمام الجواد عدّة روايات تحدّث بها عن فضل الزيارة لمرقد أبيه وما أعدّه الله للزائر من الأجر والثواب وهذه بعضها:
١ - روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: سمعت محمد بن علي الرضاعليهالسلام يقول: ما زار أبي أحد فأصابه أذى من مطر أو برد أو حرّ إلاّ حرّم الله جسده على النار.. )(٤) .
__________________
١ - الحدائق الوردية: ج ٢ ص ٢١٩.
٢ - في أنوار اليقين من مخطوطات مكتبة كاشف الغطاء جاء هذا البيت:
فليأت طوساً فإنّ الله أسكنها |
سلالة من رسول الله منتجبه |
٣ - حياة الإمام الرضاعليهالسلام : ص ٤٣٢.
٤ - وسائل الشيعة ج ١٠ ص ٤٣٧.
٢ - روى عليّ بن أسباط قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام ما لمن زار أباك بخراسان؟ فقالعليهالسلام : الجنة والله الجنة(١) .
٣ - روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: قلت لأبي جعفر: قد تحيّرت بين زيارة أبي عبد الله الحسينعليهالسلام وبين زيارة قبر أبيك بطوس فما ترى؟ فقال لي مكانك، ثمّ دخل وخرج ودموعه تسيل على خدّيه، فقال: زوّار أبي عبد الله كثيرون، وزوّار قبر أبي بطوس قليلون(٢) .
تعازي المسلمين للإمام الجواد:
وحينما وافا النبأ المؤلم أهالي يثرب بوفاة الإمام الرضاعليهالسلام هرعوا إلى الإمام الجواد فجعلوا يعزّونه بمصابه الأليم، ويشاركونه الأسى واللوعة، كما وفدت من سائر الأقطار وفود كثيرة، وهي ترفع تعازيها للإمام، وممّن وفد عليه الشاعر الكبير عبد الله بن أيّوب الخريبي، وكان من المتّصلين بالإمام الرضاعليهالسلام والمنقطعين إليه، وقد رفع إلى الإمام الجواد هذه الأبيات الرقيقة:
يا بن الذبيح ويا بن أعراق الثرى |
طابت أرومته وطاب عروقا |
|
يا بن الوصي وصي أفضل مرسل |
أعني النبي الصادق المصدوقا |
|
ما لفّ في خرق القوابل مثله |
أسد يلفّ مع الخريق خريقا |
|
يا أيّها الحبل المتين متى أغد |
يوماً بعقوبة أجده وثيقا |
|
أنا عائذ بك في القيامة لائذ |
أبغي لديك من النجاة طريقا |
|
لا يسبقني في شفاعتكم غدا |
أحد فلست بحبّكم مسبوقا |
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ١٠ ص ٤٣٧.
٢ - وسائل الشيعة: ج ١٠ ص ٤٤٢.
يا بن الثمانية الأئمّة غربوا |
وأبا الثلاثة شرقوا تشريقا |
|
إنّ المشارق والمغارب أنتم |
جاء الكتاب بذالكم تصديقا(١) |
كما وفدت عليه جمهرة أخرى من الشيعة وهي ترفع له تعازيها الحارّة وتواسيه بمصابه العظيم.
حيرة الشيعة:
وتحيّرت الشيعة كأشدّ ما تكون الحيرة في شؤون الإمامة بعد وفاة الإمام الرضاعليهالسلام ، فقد كان سنّ الإمام الجواد ست سنين وأشهر(٢) ممّا أدّى إلى اضطراب بعضهم ووقوع النزاع في صفوفهم فقد رأى بعضهم أنّ من كان بهذا السن لا يكون إماماً، وإنّ الإمامة لابدّ أن يتقلّدها الرجل الكبير، واجتمع فريق من الشيعة في بيت من بيوتهم، وكان من بينهم الريّان بن الصلت، ويونس، وصوفان بن يحيى، ومحمد بن حكيم وعبد الرحمن بن الحجّاج، وخاضوا مسألة الإمامة فجعلوا يبكون فقال لهم يونس: دعوا البكاء حتى يكبر هذا الصبي - يعني الإمام الجواد - فردّ عليه الريّان بن الصلت قائلاً:
( إن كان أمر من الله جلّ وعلا، فابن يومين مثل ابن مائة سنة، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة ما كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة أو بعضه، وهذا ممّا ينبغي أن ينظر فيه.. )(٣) .
وكان هذا هو الجواب الحاسم المركّز على الواقع المشرق الذي تذهب إليه
__________________
١ - مقتضب الأثر: ص ٥١.
٢ - في كثير من المصادر أنّ عمر الإمام الجواد كان سبع سنين وأشهر.
٣ - دلائل الإمامة: ص ٢٥٠، فرق الشيعة: ص ٥٩.
الشيعة الإمامية من أنّ كبر السن وصغره لا مدخليّة لهما في الترشيح لمنصب الإمامة الذي يضارع منصب النبوّة في أكثر خصوصيّاته، فإنّ أمرهما بيد الله تعالى فهو الذي يهبهما لمن يختار من عباده.
وفود الفقهاء والعلماء:
ووفدت إلى يثرب جمهرة من كبار العلماء والفقهاء وقد انتدبوا من قِبل الأوساط الشيعية في بغداد وغيرها من الأمصار وذلك للتعرّف على معرفة الإمام بعد وفاة الإمام الرضا وكان عددهم فيما يقول المؤرّخون ثمانين رجلاً، ولما انتهوا إلى يثرب قصدوا دار الإمام أبي عبد الله الصادقعليهالسلام ففرش لهم بساط أحمر، وخرج إليهم عبد الله ابن الإمام موسىعليهالسلام فجلس في صدر المجلس، مُضفياً على نفسه المرجعيّة للأمّة وانّه الإمام بعد الإمام الرضاعليهالسلام وقام رجل فنادى بين العلماء: هذا ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فمن أراد السؤال فليسأل، فقام إليه أحد العلماء فسأله: ( ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق عدد نجوم السماء؟.. ).
فأجابه عبد الله بجواب يخالف فقه أهل البيتعليهمالسلام قائلاً:
( طُلِّقت ثلاثاً دون الجوزاء.. ).
وذهل العلماء والفقهاء من هذا الجواب الذي شذّ عمّا قرّره الأئمة الطاهرون من أنّ الطلاق يقع واحداً، ولا نعلم - لِمَ استثنى عبد الله الجوزاء عن بقية الكواكب؟
وانبرى إليه أحد الفقهاء فقال له:
( ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ ).
فأجابه على خلاف ما شرع الله قائلاً:
( تقطع يده، ويجلد مائة جلدة ).
وبهت الحاضرون، وضجّ بعضهم بالبكاء من هذه الفتاوى التي خالفت أحكام
الله، وحاروا في أمرهم وبينما هم في حيرة وذهول إذ فُتِح باب من صدر المجلس، وخرج موفق، ثمّ أطل عليهم الإمام أبو جعفر وهو بهيبته التي تعنو لها الجباه، وقام الفقهاء والعلماء إجلالاً وإكباراً له، وانبرى شخص فعرّفهم بأنّه الإمام بعد أبيه، والحجّة الكبرى على المسلمين فقام إليه صاحب السؤال الأوّل فقال له:
( ما تقول: فيمن قال: لامرأته أنت طالق عدد نجوم السماء؟ ).
فأجابه الإمامعليهالسلام :
( يا هذا اقرأ كتاب الله تبارك وتعالى:( الطلاّقُ مرَّتانِ فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسانٍ ) وهي في الثالثة.. ).
وبهر الحاضرون من مواهب الإمام، وقد أيقنوا أنّهم وصلوا إلى الغاية التي ينشدونها، ورفع السائل إلى الإمام فتيا عمّه في المسألة فالتفتعليهالسلام إليه قائلاً:
( يا عمّ اتّق الله، ولا تفتِ وفي الأمة من هو أعلم منك.. ).
واطرق عبد الله برأسه إلى الأرض، ولم يدرِ ماذا يقول، وقام إلى الإمام صاحب المسألة الثانية فقال له:
( ما تقول: فيمن أتى بهيمة؟ ).
فقالعليهالسلام : ( يعزّر، وتحمى ظهر البهيمة، وتُخرج من البلد لئلاً يبقى على الرجل عارها ).
وعرض السائل على الإمام فتوى عمّه، فأنكر عليه أشدّ الإنكار وقال له متأثّراً:
( لا إله إلا الله، يا عبد الله إنّه لعظيم عند الله أن تقف غداً بين يدي الله فيقول لك: لِمَ أفتيت عبادي بما لا تعلم وفي الأمة من هو أعلم منك؟ ).
وأخذ عبد الله يلتمس له المعاذير قائلاً:
( رأيت أخي الرضا، وقد أجاب في هذه المسألة بهذا الجواب ).
فأنكر عليه الإمام وصاح به:
( إنّما سئل الرضا عن نبّاش نبش امرأة ففجر بها، وأخذ ثيابها فأمر بقطعه للسرقة، وجلده للزنا، ونفيه للمثلة بالميّت )(١) .
وسأله العلماء والفقهاء عن مسائل كثيرة في مختلف أبواب الفقه، وقد بلغت فيما يقول المؤرّخون ثلاثين ألف مسألة، وصرّح بعضهم أنه سئل في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عنهاعليهالسلام (٢) ، ونحن لا نتصوّر إمكان ذلك في مجلس واحد، وذلك لعدم سعة الوقت، والصحيح إنّه سئل عن ثلاثين ألف مسألة في نوب متفرقة أزمنة متعدّدة.
وعلى أي حال فقد أيقن العلماء بإمامته ورجعوا إلى أمصارهم وهم يذيعون إمامة الجواد وينقلون إلى المسلمين سعة علومه ومعارفه وانّه المعجزة الكبرى للإسلام حيث انّه بهذا السنّ، وقد بلغ من العلوم والمعارف ما لا يحدّ ولا يوصف.
ومن الجدير بالذكر انّ بعض الشيعة كانوا قد سألوا الإمام الرضاعليهالسلام عن مسائل فأجابهم عنها فخفّوا إلى الإمام الجواد بعد وفاة أبيه، فسألوه عنها ليمتحنوه في ذلك فأجابهم عنها حسب جواب أبيه، وقد روى أبو خراش النهدي قال: كنت حضرت مجلس الرضا فأتاه رجل فقال له: جعلت فداك أمّ ولد لي، وهي صدوق أرضعت جارية لي بلبن ابني أيحرم عليَّ نكاحها؟ فقالعليهالسلام : لا رضاع بعد فطام، ثمّ سأله عن الصلاة في الحرمين فقالعليهالسلام : إن شئت قصرت وإن شئت أتممت، قال: فحججت بعد ذلك، فدخلت على أبي جعفر فسألته عن المسائل فأجابني بعين ما أجاب به أبوه(٣) . وعلى أي حال فقد رجعت الشيعة إليه، وقالت بإمامته، ولم يشذّ أحد منهم ويقول بإمامة غيره.
__________________
١ - الدرّ النظيم: ورقة ٢١٨ من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين.
٢ - وسائل الشيعة: ج ١٨ ص ٥١١ - ٥١٢.
٣ - الدرّ النظيم: ورقة ٢١٩.
مِن مُثُلِهِ الْعُلْيا
وتجسّدت في شخصية الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام جميع المثل العليا والنزعات الرفيعة التي يعتزّ بها هذا الكائن الحيّ من بني الإنسان، وكان من بينها ما يلي:
الإمامة:
وتقلّد الإمام أبو جعفرعليهالسلام الإمامة والزعامة الدينية العامة، وكان عمره الشريف سبع سنين وأشهر، كما تقلّد عيسى بن مريم النبوّة وهو دون هذا السنّ.
لقد بنيت الإمامة على فلسفة عميقة تهدف إلى رفع مستوى الإنسان وتحقيق ما يصبو إليه من إقامة الحقّ والعدل.. ولابدّ لنا من وقفة قصيرة للتحدّث عن بعض شؤونها.
أهدافها:
وعنت الإمامة بتحقيق الأهداف الأصلية التي ينعم في ظلالها الإنسان وكان من بين تلك الأهداف:
أ - إقامة العدل في جميع أنحاء البلاد من دون فرق بين أن يكون العدل اجتماعياً أو سياسياً، فلا تواجه الأمّة في ظلّ الإمامة الرشيدة أي غبن اجتماعي أو فردي، ولا يوجد أي امتياز لقوم على آخرين فالجميع سواء أمام العدل والحقّ، وبإقامة هذا العدل الخالص يكون الإنسان خليفة لله في أرضه ولا تجد الأمّه أي التواء في
مسيرتها.
ب - الثورة على الظلم والطغيان، ومناجزة البطش، ومنع سيطرة القويّ على الضعيف، وقد تبنّت الشيعة بصورة إيجابية هذه الجهة، فقد ثارت بثورات متلاحقة ضدّ الظلم والبغي، وحاربت القوى الغادرة، وقد رفعت رؤوس إعلامهم وأئمّتهم على الرماح وهي تنير طريق الحرية والكرامة فقد قتل معاوية جماعة منهم عمرو بن الحمق الخزاعي داعي الحقّ وعلم الحرية والنضال، وبعد قتله رفع رأسه يطاف به في الأقطار والأمصار، وهو ينير للناس طريق الكفاح، وقتل يزيد بن معاوية العترة الطاهرة من أبناء الرسول ورفع رؤوسهم على الرماح وقد خلدت تلك الثورات للإسلام مجداً على امتداد التاريخ فقد عرفت العالم أنّ الإسلام دين الكفاح والثورة على الظلم والبغي والاستبداد.
إنّ الثورات المدوّية التي قامت في الإسلام لم تكن إلاّ بوحي من الإمامة التي استوعبت أفكارها المشرقة قلوب أولئك الثوّار الذين ألغموا قصور الظالمين بعبوات ناسفة أتت على معالم زهوهم وجبروتهم.
ج - صيانة اقتصاد الأمة، وعدم التصرف في الخزينة المركزية إلاّ في الصالح العام، والعمل على تنمية القدرات الاقتصادية في البلاد، وزيادة الدخل الفردي، وتطوير الاقتصاد العامّ بما يضمن رفع البؤس الذي هو رديف الكفر والإلحاد وليس للحاكم وغيره من المسؤولين في جهاز الحكم التلاعب في مقدّرات الدولة أو اصطفاء شيء منها لنفوسهم وذويهم.. وقد كان السبب الرئيسي في الثورة التي أطاحت بحكومة عثمان عميد الأسرة الأمويّة هو تلاعب بني أميّة بأموال الدولة واصطفائها لهم ولمن سار في جهازهم.
د - إشاعة الإيمان بالله الذي تبتني عليه قوى الخير والسلام في الأرض فإنّ
الإيمان بالله إذا استقرّ في أعماق النفس ودخائل الذات يستحيل أن يقترف الشخص ظلماً أو جوراً أو اعتداءً على الغير وإنّما يكون مصدر رحمة وخير إلى الناس.
هـ - العمل على تزكية النفوس، وطهارة القلوب وغرس النزعات الكريمة والصفات الفاضلة فيها ليكون فعل الخير والابتعاد عن الشرّ عنصراً من عناصرها ومقوّماً من مقوّماتها، وبذلك يتحقّق للبشرية أهمّ ما تصبو إليه.
و - نشر الأمن العامّ، والقضاء على جميع ألوان الاضطرابات، فيعيش الفرد آمناً مطمئناً لا يلاحقه رعب، ولا يطارده خوف، فتعيش الشاة إلى جانب الذئب لا تخشى منه، ولا تحذره.
هذه بعض الأهداف الرفيعة التي تنشدها الإمامة التي تقول بها الشيعة الإمامية، وهي أسمى قاعدة للتطوّر البشري في جميع مراحل التاريخ.
صفات الإمام:
ولابدّ أن تتوفّر في الإمام الصفات الرفيعة، والمثل الكريمة، ومن بينها ما يلي:
العلم:
وتجمع الشيعة على أنّ الإمام لا يدانيه أحد في سعة علومه ومعارفه وأنّه لابدّ أن يكون أعلم أهل زمانه، وأدراهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين، والإحاطة بالنواحي السياسية والإدارية وغير ذلك ممّا يحتاج إليه الناس، أمّا الأدلة على ذلك فهي متوفّرة لا يتمكّن أحد أن ينكرها أو يخفيها فالإمام أمير المؤمنين سيد العترة الطاهرة هو الذي فتق أبواباً من العلوم بلغت - فيما يقول العقّاد - اثنين وثلاثين علماً، وهو الذي أخبر عن التقدّم التكنولوجي الذي يظهر على مسرح الحياة، فقد قالعليهالسلام :
يأتي زمان على الناس يرى من في المشرق مَن في المغرب، ومن في المغرب يرى مَن في المشرق، وقالعليهالسلام : ( يأتي زمان على الناس يسمع مَن في المشرق مَن في المغرب ومَن في المغرب يسمع مَن في المشرق، وتحقّق ذاك بظهور جهاز التلفزيون والراديو، وقالعليهالسلام : ( يأتي زمان على الناس يسير فيه الحديد، وتحقّق ذلك بظهور القطار والسيارات وغيرهما، وأمثال هذه الأمور التي أخبر عنها، يجدها المتتبّع في الكتب التي تبحث عن هذه الأمور كالغيبة للشيخ الطوسي وبعض أجزاء البحار، وغيرهما ممّا ألِّف في هذا الموضوع.
أمّا الإمام الصادقعليهالسلام معجزة العلم والفكر في الأرض، فقد أخبر عن تلوّث الفضاء والبحار، وما ينجم عنهما من الأضرار البالغة للإنسان كما أخبر عن وجود الحياة في بعض الكواكب، وهو الذي وضع قواعد التشريح، وخصوصيّة أعضاء الإنسان والعجائب التي في بدنه والتي منها الأجهزة المذهلة، وقد عرض لذلك كتابه المسمّى بتوحيد المفضل ويعتبر المؤسّس الأوّل لعلوم الفيزياء والكيمياء، فقد وضع أصولها على يد تلميذه جابر بن حيّان مفخرة الشرق، ورائد التطوّر البشري في الأرض.
وقد دلّل الجواد على ما تذهب إليه الشيعة في الإمامة، فقد كان وهو في سنّه المبكر قد خاض مختلف العلوم وسأله العلماء والفقهاء عن كلّ شيء فأجاب عنه، ممّا أوجب انتشار التشيّع في ذلك العصر وذهاب أكثر العلماء إلى القول بالإمامة.
لقد احتفّ بالإمام الجواد وهو ابن سبع سنين وأشهر العلماء والفقهاء والرواة وهم ينتهلون من نمير علومه، وقد رووا عنه الكثير من المسائل الفلسفية والكلامية، ويعتبر ذلك من أوثق الأدلّة على ما تذهب إليه الشيعة في الإمامة.
العصمة:
وأمر آخر بالغ الأهمّية تذهب إليه الشيعة في أئمتها وهو عصمتهم من الزيغ،
وامتناعهم من الولوج في أي ميدان من ميادين الإثم والباطل وهو حقّ لا شبهة فيه، فإنّ من يمعن النظر في سيرة الأئمة الطاهرين تتجلّى له هذه الحقيقة بوضوح فالإمام أمير المؤمنينعليهالسلام - على حدّ تعبيره - لو أعطي الأقاليم السبع بما تحت أفلاكها على أن يعصي الله في جلب شعيرة يسلبها من فم جرادة ما فعل، أليست هذه هي العصمة؟
أما الإمام الحسين سيد الأحرار فإنّه لو سالم السياسة الأمويّة لما واجه أهوال كربلاء وخطوبها، لقد كانت العصمة من أبرز ذاتيّاتهم، ومن أظهر صفاتهم فقد كانوا يملكون رصيداً قوياً من الإيمان، وطاقات هائلة من التقوى تمنعهم من اقترف أي ذنب من الذنوب.
إنّ العصمة بهذا الإطار لا تنافي العلم، ولا تشذّ عن سنن الحياة، ومن أنكرها في أئّمة أهل البيتعليهمالسلام فقد انحرف عن الحقّ، ومال إلى الباطل والضلال.. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن إمامته.
عبادته:
كان الإمام الجواد أعبد أهل زمانه، وأشدّهم خوفاً من الله تعالى، وأخلصهم في طاعته وعبادته، شأنه شأن الأئّمة الطاهرين من آبائه الذين وهبوا أرواحهم لله، وعملوا كلّ ما يقرّبهم إلى الله زلفى.. أمّا مظاهر عبادة الإمام الجوادعليهالسلام فهي:
نوافله:
كان الإمام الجواد كثير النوافل، ويقول الرواة: كان يصلي ركعتين يقرأ في كلّ ركعة سورة الفاتحة، وسورة الإخلاص سبعين مرّة(١) .
وكان كثير العبادة في شهر رجب، وقد روى الريّان بن الصلت قال: صام
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ٥ ص ٢٩٨.
أبو جعفر الثانيعليهالسلام لمّا كان ببغداد يوم النصف من رجب، ويوم سبع وعشرين منه، وصام معه جميع حشمه، وأمرنا أن نصلّي بالصلاة التي هي اثنتا عشرة ركعة، تقرأ في كلّ ركعة الحمد وسورة، فإذا فرغت قرأت الحمد أربعاً، وقل هو الله أحد أربعاً والمعوذتين أربعاً، وقلت: لا إله إلاّ الله والله أكبر، وسبحان الله والحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم أربعاً، الله الله ربّي، ولا أشرك به شيئاً أربعاً، لا أشرك بربّي أحداً أربعاً(١) . وكان يقول: إنّ في رجب لليلة خير ممّا طلعت عليه الشمس، وهي ليلة سبع وعشرين من رجب، وذكرعليهالسلام فيها صلاة خاصّة(٢) .
حجّه:
وكان الإمام أبو جعفرعليهالسلام كثير الحجّ، وقد روى الحسن بن علي الكوفي بعض أعمال حجّه قال: رأيت أبا جعفر الثانيعليهالسلام في سنة خمس عشرة ( خ ) ( وعشرين ) ومائتين ودّع البيت بعد ارتفاع الشمس، وطاف بالبيت يستلم الركن اليماني في كل شوط، فلمّا كان الشوط السابع استلمه واستلم الحجر ومسح بيده ثمّ مسح وجهه بيده، ثمّ أتى المقام، فصلّى خلفه ركعتين ثمّ خرج إلى دبر الكعبة إلى الملتزم، فالتزم البيت، وكشف الثوب عن بطنه، ثمّ وقف عليه طويلاً يدعو، ثمّ خرج من باب الحناطين وتوجّه، قال: فرأيته في سنة ( ٢١٩ هـ ) ودّع البيت ليلاً يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كلّ شوط فلمّا كان في الشوط السابع التزم البيت في دبر الكعبة قريباً من الركن اليماني وقوف الحجر المستطيل وكشف الثوب عن بطنه ثمّ أتى الحجر فقبّله ومسحه وخرج إلى المقام فصلّى خلفه ثمّ مضى ولم يعد إلى البيت، وكان وقوفه على الملتزم بقدر ما طاف بعض أصحابنا سبعة أشواط وبعضهم ثمانية(٣) .
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ٥ ص ٢٤٣.
٢ - وسائل الشيعة: ج ٥ ص ٢٤٢.
٣ - وسائل الشيعة: ج ١٠ ص ٢٣٢.
وروى عليّ بن مهزيار بعض الخصوصيات في حجّ الإمامعليهالسلام قال: رأيت أبا جعفر الثانيعليهالسلام ليلة الزيارة طاف طواف النساء، وصلّى خلف المقام ثمّ دخل زمزم فاستقى منها بيده بالدلو الذي يلي الحجر وشرب منه وصبّ على بعض جسده، ثمّ اطلع في زمزم مرّتين، وأخبرني بعض أصحابنا انّه رآه بعد ذلك في سنة فعل مثل ذلك..(١) .
وكان هذا التدقيق من الرواة في نقل هذه الخصوصيّات باعتبار أنّ فعل الإمامعليهالسلام من السنة التي يتعبّد بها عند الشيعة.
من أدعيته:
للإمام الجواد أدعيّة كثيرة تمثّل مدى انقطاعه إلى الله تعالى، فمن أدعيته هذا الدعاء: ( يا من لا شبيه له، ولا مثال، أنت الله لا إله إلاّ أنت، ولا خالق إلاّ أنت تفني المخلوقين، وتبقى أنت، حلمت عمّن عصاك، وفي المغفرة رضاك.. )(٢) .
وكتب إليه محمد بن الفضيل يسأله أن يعلمه دعاءً فكتب إليه هذا الدعاء الشريف تقول: إذا أصبحت وأمسيت:
( الله الله ربّي، الرحمن الرحيم، لا أشرك به شيئاً ) وإن زدت على ذلك فهو خير، ثمّ تدعو بذلك في حاجتك، فهو لكلّ شيء بإذن الله تعالى يفعل الله ما يشاء(٣) .
وتمثّل أدعية الأئمة الطاهرين جوهر الإخلاص والطاعة لله فقد اتّصلوا بالله تعالى، وانطبع حبّه في مشاعرهم وعواطفهم، فهاموا بمناجاته والدعاء له.
زهده:
أمّا الزهد في الدنيا فإنّه من أبرز الذاتيات في خُلق أئّمة أهل البيتعليهمالسلام فقد
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ٩ ص ٥١٥.
٢ - أعيان الشيعة: ج ٢ و ٤ ص ٢٤٥.
٣ - أصول الكافي: ج ٢ ص ٥٣٤.
أعرضوا عن زهرة هذه الدنيا، وفعلوا كلّ ما يقربهم إلى الله زلفى.
لقد كان الإمام علي أمير المؤمنينعليهالسلام رائد العدالة الكبرى في الأرض في أيام خلافته يلبس أخشن الثياب ويأكل أجشب العيش، ولم يتّخذ من غنائمها وفراً ولم يضع لبنة على لبنة، وعلى ضوء هذه السيرة المشرقة الواضحة سار الأئمة الطاهرون، فقد زهدوا جميعاً في الدنيا وأعرضوا عن رغائبها.
لقد كان الإمام الجوادعليهالسلام شاباً في مقتبل العمر، وكان المأمون يغدق عليه الأموال الوافرة البالغة مليون درهم. وكانت الحقوق الشرعية ترد إليه من الطائفة الشيعية التي تذهب إلى إمامته بالإضافة إلى الأوقاف التي في ( قم ) وغيرها إلاّ أنّه لم يكن ينفق شيئاً منها في أموره الخاصّة وإنّما كان ينفقها على الفقراء والمعوزين والمحرومين.. وقد رآه الحسين المكاري في بغداد، وكان محاطاً بهالة من التعظيم والتكريم من قِبل الأوساط الرسمية والشعبية فحدّثته نفسه أنّه لا يرجع إلى وطنه يثرب وسوف يقيم في بغداد راتعاً في النعم والترف، وعرف الإمام قصده، فانعطف عليه وقال له:
( يا حسين، خبز الشعير، وملح الجريش في حرم جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحب إليَّ ممّا تراني فيه.. )(١) .
إنّه لم يكن من عشاق تلك المظاهر التي كانت تضفيها عليه الدولة، وإنّما كان كآبائه الذين طلّقوا الدنيا، واتّجهوا صوب الله تعالى لا يبغون عنه بديلاً.
كرمه:
كان الإمام أبو جعفرعليهالسلام من أندى الناس كفّاً وأكثرهم سخاءً، وقد لُقِّب بالجود لكثرة كرمه ومعروفه وإحسانه إلى الناس وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من
__________________
١ - إثبات الهداة: ج ٦ ص ١٨٥.
كرمه كان منها ما يلي:
١ - روى المؤرّخون أنّ أحمد بن حديد قد خرج مع جماعة من أصحابه إلى الحجّ، فهجم عليهم جماعة من السرّاق ونهبوا ما عندهم من أموال ومتاع، ولما انتهوا إلى يثرب انطلق أحمد إلى الإمام محمد الجواد وأخبره بما جرى عليهم فأمرعليهالسلام له بكسوة وأعطاء دنانير ليفرقها على جماعته، وكانت بقدر ما نهب منهم (١). لقد أنقذهم الإمام من المحنة وردّ لهم ما سلب منهم.
٢ - روى العتبي عن بعض العلويّين إنّه كان يهوى جارية في يثرب، وكانت يده قاصرة عن ثمنها فشكا ذلك إلى الإمام الجوادعليهالسلام فسأله عن صاحبها فأخبره عنه، ولمّا كان بعد أيام سأل العلوي عن الجارية فقيل له: قد بيعت وسأل عن المشتري لها، فقالوا له: لا ندري، وكان الإمام الجواد قد اشتراها سرّاً ففزع العلوي، نحو الإمام، وقد رفع صوته.
( بيعت فلانة ).
فقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً:
( هل تدري من اشتراها ).
( لا ).
وانطق معه الإمام إلى الضيعة التي فيها الجارية، فانتهى إلى البيت الذي فيه الجارية، فأمرهعليهالسلام بالدخول إلى الدار فأبى العلوي لأنّها دار الغير ولم يعلم أنّ الإمام قد اشتراها، وأصرّ عليه الإمام بالدخول، ولم يلتفت إلى أنّها ملك الإمام، ثمّ إنّه دخل الدار مع الإمام فلمّا رأى الجارية التي يهواها، قالعليهالسلام له:
أتعرفها؟
____________
١ - الوافي بالوفيات: ج ٤ ص ١٠٥، بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٠٩.
نعم.
هي لك، والقصر والضيعة، والغلة وجميع ما في القصر، فأقم مع الجارية.
وملأ الفرح قلب العلوي وحار في شكر الإمام(١) .
هذه بعض البوادر التي ذكرها المؤرّخون من كرمه وبرّه بالفقراء والمستضعفين ويقول الرواة: إن كرم الإمام ومعروفه قد شمل حتى الحيوانات فقد روى محمد بن الوليد الكرماني قال: أكلت بين يدي أبي جعفر الثانيعليهالسلام حتى إذا فرغت ورفع الخوان ذهب الغلام ليرفع ما وقع من فتات الطعام فقالعليهالسلام له: ما كان في الصحراء فدعه ولو فخذ شاة، وما كان في البيت فتتبعه والقطه(٢) لقد أمرهعليهالسلام بترك الطعام الذي في الصحراء ليتناوله الطير وسائر الحيوانات التي ليس عندها طعام.
الإحسان إلى الناس:
أما الإحسان إلى الناس والبرّ بهم فإنّه من سجايا الإمام الجواد ومن أبرز مقوماته، وقد ذكر الرواة بوادر كثيرة من إحسانه كان منها ما يلي:
روى أحمد بن زكريا الصيدلاني عن رجل من بني حنيفة من أهالي بست وسجستان(٣) قال: رافقت أبا جعفر في السنة التي حجّ فيها في أوّل خلافة المعتصم
__________________
١ - مرآة الزمان: ج ٦، ورقة ١٠٥ من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين.
٢ - وسائل الشيعة: ج ٦ ص ٤٩٩.
٣ - سجستان: بكسر أوله وثانيه، وهي جنوبي هراة، قال محمد بن بحر الرهني: سجستان: إحدى بلدان المشرق، ولم تزل لفاحاً على الضيم ممتنعة من الهضم منفردة بمحاسن، متوحّدة بمآثر لم تعرف لغيرها من البلدان، ما في الدنيا سوقة أصحّ منهم معاملة، ولا أقلّ منهم مخاتلة وأضاف في تعداد مآثرها أنّه لُعن عليّ بن أبي طالب على منابر الشرق والغرب، ولم يلعن على منابرها إلاّ مرّة، وامتنعوا على بني أمية حتى زادوا في عهدهم أن لا يلعن على منبرهم أحد.. وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول اللهصلىاللهعليهوآله على منبرهم، وهو يلعن على منابر الحرمين مكّة والمدينة؟ - المعجم: ج ٣ ص ١٩٠ - ١٩١.
فقلت له: وأنا على المائدة: إنّ والينا جعلت فداك يتولاّكم أهل البيت ويحبّكم وعليّ في ديوانه خراج، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إليه بالإحسان إلي، فقالعليهالسلام : لا أعرفه، فقلت: جعلت فداك انّه على ما قلت: من محبّيكم أهل البيت، وكتابك ينفعني واستجاب له الإمام فكتب إليه بعد البسملة:
( أمّا بعد: فإنّ موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلاً، وإنّ ما لك من عملك إلاّ ما أحسنت فيه، فأحسن إلى إخوانك، واعلم أنّ الله عزوجل سائلك عن مثاقيل الذرة والخردل.. )(١) .
ولما ورد إلى سجستان عرف الوالي وهو الحسين بن عبد الله النيسابوري إنّ الإمام قد أرسل إليه رسالة فاستقبله من مسافة فرسخين، وأخذ الكتاب فقبّله، واعتبر ذلك شرفاً له، وسأله عن حاجته فأخبره بها، فقال له: لا تؤدِّ لي خراجاً ما دام لي عمل، ثمّ سأله عن عياله فأخبره بعددهم فأمر له ولهم بصلة، وظلّ الرجل لا يؤدّي الخراج ما دام الوالي حيّاً، كما انّه لم يقطع صلته عنه(٢) كلّ ذلك ببركة الإمام ولطفه.
مواساته الناس:
وواسى الإمام الجوادعليهالسلام الناس في سرّائهم وضرائهم، ويقول المؤرّخون: إنّه قد جرت على إبراهيم بن محمد الهمداني مظلمة من قِبل الوالي، فكتب إلى الإمام الجوادعليهالسلام يخبره بما جرى عليه، فتألّم الإمام وأجابه بهذه الرسالة:
( عجّل الله نصرتك على من ظلمك، وكفاك مؤنته، وابشر بنصر الله عاجلاً
__________________
١ - الخردل: نبات حبّه صغير جداً.
٢ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٢٩.
إن شاء الله، وبالآخرة أجلاً، وأكثر من حمد الله )(١) .
ومن مواساته للناس تعازيه للمنكوبين والمفجوعين، فقد بعث رسالة إلى رجل قد فجع بفقد ولده، وقد جاء فيها بعد البسملة:
( ذكرت مصيبتك بعليّ ابنك، وذكرت أنّه كان أحبّ ولدك إليك، وكذلك الله عزوجل إنّما يأخذ من الولد وغيره أزكى ما عند أهله، ليعظم به أجر المصاب بالمصيبة، فأعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وربط على قلبك، إنّه قدير، وعجّل الله عليك بالخلف، وأرجو أن يكون الله قد فعل إن شاء الله )(٢) ، وأعربت هذه الرسالة الرقيقة عن مدى تعاطف الإمام مع الناس، ومواساته لهم في البأساء والضرّاء.
ومن مواساته للناس أنّ رجلاً من شيعته كتب إليه يشكو ما ألمَّ به من الحزن والأسى لفقد ولده، فأجابه الإمامعليهالسلام برسالة تعزية جاء فيها:
( أمَا علمت أنّ الله عزوجل يختار من مال المؤمن، ومن ولده أنفسه ليؤجره على ذلك )(٣) .
لقد شارك الناس في البأساء والضراء، وواساهم في فجائعهم ومحنهم، ومدَّ يد المعونة إلى فقرائهم، وضعفائهم، وبهذا البرّ والإحسان فقد احتلّ القلوب والعواطف وأخلص له الناس وأحبّوه كأعظم ما يكون الإخلاص والحبّ.
هذه بعض مثل الإمام الجواد وقيمه، وقد رفعته إلى المستوى الرفيع الذي بلغه آباؤه الذين فجرّوا ينابيع العلم والحكمة في الأرض، ورفعوا مشعل الهداية والإيمان
__________________
١ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٢٦.
٢ - وسائل الشيعة: ج ٢ ص ٨٧٤.
٣ - وسائل الشيعة: ج ٢ ص ٨٩٣.
بالله تعالى.
لقد كان الإمام الجوادعليهالسلام من أروع صور الفضيلة والكمال في الأرض، فلم ير الناس في عصره من يضارعه في علمه وتقواه وورعه، وشدّة تحرّجه في الدين، فقد كان نسخة لا ثاني لها في فضائله ومآثره التي هي السرّ في إمامته.
لقد عجبت الأوساط الإسلامية بالإمام الجواد فقد هالتهم مواهبه، وملكاته العلمية التي لا تحدّ، وهي مما زادت الشيعة إيماناً ويقيناً بصحّة ما تذهب إليه وتعتقد به من أنّ الإمام لابدّ أن يكون أعلم أهل زمانه وأفضلهم واتّقاهم..
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مثل الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام .
علومه ومعارفه
أمّا سعة علوم الإمام ومعارفه فإنّها مذهلة للفكر، فهو - بحقّ - معجزة الإسلام الكبرى لقد خاض مختلف العلوم والفنون، وهو في سنّه المبكر وسأله العلماء والفقهاء، والفلاسفة والمتكلّمون، وعلماء الحديث عن أدقّ المسائل وأعمقها فأجابهم عنها، وقد ذهلوا من ذلك وتحيّروا، وآمن بعضهم بإمامته، ومن الطبيعي أنّه لا تعليل لهذه الظاهرة المحيّرة سوى القول بالإمامة، وهو ما تذهب إليه الشيعة من أنّ أئمة أهل البيتعليهمالسلام قد منحهم الله العلم والحكمة وفصل الخطاب، كما منح أولي العزم من أنبيائه ورسله.
ونعرض - بإيجاز - إلى بعض ما أثر عنه من العلوم، وروائع الحكم والآداب وفيما يلي ذلك:
الحديث:
روى الإمام محمد الجوادعليهالسلام طائفة من الأحاديث بسنده عن جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما روى كذلك عن جدّه الإمام أمير المؤمنين، وعن جدّه الإمام الصادقعليهالسلام ، وعن أبيه الإمام الرضاعليهالسلام وفيما يلي ذلك:
رواياته عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
أمّا ما رواه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فمجموعة من الأخبار، وهذه بعضها:
١ - روىعليهالسلام بسنده أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ( إنّ فاطمة أحصنت فرجها
فحرّمها الله وذرّيتها على النار )(١) .
٢ - روىعليهالسلام بسنده عن جدّه الإمام أمير المؤمنين أنّه قال: بعثني رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى اليمن فقال لي: وهو يوصيني: ( يا علي ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، يا علي عليك بالدلجة(٢) فإنّ الأرض تطوى بالليل ولا تطوى بالنهار، يا علي أغد بسم الله، فإنّ الله بارك لأمّتي في بكورها.. )(٣) .
٣ - روىعليهالسلام أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ( من عتب على الزمان طالت معتبته )(٤) .
٤ - روىعليهالسلام بسنده أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: ( المرء مخبوء تحت لسانه..)(٥) .
ما يرويه عن الإمام أمير المؤمنين:
وروى عن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام طائفة من الأخبار وكان من بينهما ما يلي:
قالعليهالسلام : قام إلى أمير المؤمنين رجل بالبصرة، فقال: أخبرنا عن الإخوان؟ فقال: الإخوان صنفان: إخوان الثقة، وإخوان المكاشرة فأمّا إخوان الثقة فهم كالكفّ، والجناح والأهل، والمال، فإذا كنت من أخيك على ثقة فابذل له مالك ويدك، وصاف من صافه، وعاد من عاداه واكتم سرّه، وأعنه، واظهر منه الحسن، واعلم أيّها السائل أنّهم أعزّ من الكبريت الأحمر، وأمّا إخوان المكاشرة فإنّك تصيب
__________________
١ - نزهة الجليس: ج ٢ ص ١١١، الوافي بالوفيات: ج ٤ ص ١٠٦ الأئمّة الاثنا عشر: ص ١٠٣.
٢ - الدلجة: المسير في الليل.
٣ - مرآة الجنان: ج ٢ ص ٨١، نزهة الجليس: ج ٢ ص ١١١، الوافي بالوفيّات: ج ٤ ص ١٠٦، الأئمّة الاثنا عشر: ص ١٠٣.
٤ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٠١.
٥ - نفس المصدر.
منهم لذّتك، فلا تقطعن ذلك منهم، ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه، وحلاوة اللسان(١) .
لقد درس الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام نفسية المجتمع، ووقف على دخائل النفوس وميولها واتّجاهاتها، وأعطى صوراً حيّة عن جميع المناحي الاجتماعية، والتي منها الصداقة بين الناس، فقد حلّلها تحليلاً واقعياً بما لا يختلف على امتداد التاريخ وفي مختلف العصور.
رواياته عن الإمام الصادق:
وروى عن الإمام الصادق حديثاً جاء فيه أنّ رجلاً سأل أباه عن مسائل فكان ممّا أجابه به، أن قال: قل لهم: هل كان فيما أظهر رسول اللهصلىاللهعليهوآله من علم الله اختلاف؟ فإن قالوا: لا فقل لهم: فمن حكم بحكم فيه اختلاف فهل خالف رسول الله؟ فيقولون: نعم، فإن قالوا: لا فقد نقضوا أوّل كلامهم، فقل لهم: ما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم، فإن قالوا: مَن الراسخون في العلم؟ فقل: مَن لا يختلف في عمله، فإن قالوا: مَن ذاك؟ فقل: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله صاحب ذاك.. إلى أن قال: وإن كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يستخلف أحداً فقد ضيّع مَن في أصلاب الرجال ممّن يكون بعده، قال: وما يكفيهم القرآن؟ قال: بلى لو وجدوا له مفسّراً، قال: وما فسّره رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ قال: بلى قد فسّره لرجل واحد، وفسّر للأمّة شأن ذلك الرجل، وهو عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، إلى أن قال: والمحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد، فمن حكم بحكم ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عزّ وجل، ومن حكم بحكم فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت..(٢) .
____________
١ - وسائل الشيعة: ج ٨ ص ٥٨.
٢ - وسائل الشيعة: ج ١٨ ص ١٣١.
وقد عرض هذا الحديث لموضوع الخلافة، وحفل بأوثق الأدّلة العقلية على إمامة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام وبطلان ما يذهب إليه المنكرون لإمامته.
روايته عن أبيه:
روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: حدّثني أبو جعفر الثانيعليهالسلام قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: دخل عمرو ابن عبيد على أبي عبد اللهعليهالسلام فلمّا سلّم وجلس تلا هذه الآية( الذِينَ يجتنُبِونَ كَبَائرَ الإثْمِ والفَواحِشِ ) ثمّ أمسك.
قال له أبو عبد الله: ما أسكتك؟
قال عمرو: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزوجل.
قال أبو عبد الله: نعم يا عمرو، أكبر الكبائر الإشراك بالله، يقول الله:( مَن يُشرِكْ باللهِ فقد حرَّم الله عليهِ الجنَّة ) وبعده اليأس من روح الله لأنّ الله عزوجل يقول:( لاَ ييأسُ مِن رَوْح اللهِ إلاَّ القومُ الكافرون ) ثمّ الأمن من مكر الله لأنّ الله عزوجل يقول:( فلا يَأمنُ مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ) ومنها عقوق الوالدين لأنّ الله سبحانه جعل العاق جبّاراً شقياً، وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ لأن الله عزوجل يقول:( فجزاؤُهُ جهنَّم خالداً فيها ) وقذف المحصنة لأن الله عزوجل يقول:( لُعنُوا فِي الدنيا والآخرةِ ولهم عذابٌ عظيمٌ ) وأكل مال اليتيم لأنّ الله عزوجل يقول:( إنما يأكلون في بطُونِهِم ناراً وسيصلون سعيراً ) والفرار من الزحف لأنّ الله عزوجل يقول:( ومَن يُولِّهم يومئذٍ دبُرهُ إلاَّ متحرِّفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلى فئةٍ فقد باء بغضَبٍ من الله ومأواهُ جهنَّمُ وبئس المصير ) وأكل الربا لأنّ الله عزوجل يقول:( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقومُ الذي يتخبطُهُ الشيطانُ من المسِّ ) والسحر لأن الله عزوجل يقول:( ولقد علموا لمن اشتراه مالهُ في الآخرة من
خلاقٍ ) والزنا لأنّ الله عزوجل يقول:( ومن يفعل ذلك يلق آثاماً * يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً ) واليمين الغموس الفاجرة لأنّ الله عزوجل يقول:( الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) والغلول لأنّ الله عزوجل يقول:( ومن يغلل يأت بما غلَّ يوم القيامة ) ومنع الزكاة المفروضة لأنّ الله عزوجل يقول:( فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) وشهادة الزور، وكتمان الشهادة لأنّ الله عزوجل يقول:( ومن يكتُمها فإنَّه آثم قلبُهُ ) وشرب الخمر لأنّ الله عزوجل نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان، وترك الصلاة متعمّداً أو شيئاً مما فرض الله عزوجل لأن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من ترك الصلاة متعمداً أو شيئاً ممّا فرض الله عزّ وجلّ لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من ترك الصلاة متعمّداً فقد برئ من ذمّة الله وذمّة رسوله، ونقض العهد، وقطيعة الرحم لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:( لهُمُ اللعنَةُ ولهُمْ سُوءُ الدار ) قال: فخرج عمرو له صراخ من بكائه وهو يقول هلك من قال: برأيه ونازعكم في الفضل والعلم..(١) .
وحذّر هذا الحديث الشريف من اقتراف الجرائم التي تمسخ ضمير الإنسان، وتهدّد الحياة الاجتماعية بالخطر، وتقف عائقاً في طريق حضارة الإنسان وتقدّمه.
التوحيد:
وأثيرت - في عصر الإمام الجواد - كثير من الشكوك والأوهام حول قضايا التوحيد أثارها من لا حريجة له في الدين من الحاقدين على الإسلام لزعزعة العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين، وتشكيكهم في مبادئ دينهم العظيم.. وقد أجاب الإمام الجوادعليهالسلام عن كثير من تلك الشبه، وفنّدها كان من بينها:
__________________
١ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٢٨ - ١٢٩.
١ - وفد على الإمام أبي جعفرعليهالسلام بعض المتضلّعين في علم الفلسفة والكلام فقدّم له السؤال التالي:
( أخبرني عن الربّ تبارك وتعالى، له أسماء وصفات في كتابه؟ فأسماؤه وصفاته هي هو ).
وحلّل الإمامعليهالسلام سؤاله إلى وجهين، كما حلّل الوجه الثاني منهما إلى وجهين، وقد صحّح بعض تلك الوجوه، وأبطل البعض الآخر منها لأنّها تتنافى مع واقع التوحيد قالعليهالسلام :
( إنّ لهذا الكلام وجهين: إن كنت تقول: هو هي، أي إنه ذو عدد وكثرة فتعالى الله عن ذلك.
وإن كنت تقول: لم تزل هذه الصفات والأسماء ( فإن لم تزل ) يحتمل معنيين: فإن قلت: لم تزل عنده في علمه، وهو مستحقّها فنعم وإن كنت تقول: لم يزل تصويرها: وهجاؤها، وتقطيع حروفها، فمعاذ الله أن يكون معه شيء غيره، بل كان الله، ولا خلق، ثمّ خلقها وسيلة بينه وبين خلقه يتضرّعون بها إليه، ويعبدونه، وهي ذكره، وكان الله ولا ذكر، والذكور بالذكر هو الله القديم، الذي لم يزل والأسماء والصفات مخلوقات المعاني، والمعنى بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف والائتلاف، إنّما يختلف ويأتلف المتجزي، فلا يقال: الله مؤتلف، ولا الله كثير، ولا قليل، ولكنّه القديم في ذاته لأنّ ما سوى الواحد متجزئ والله واحد لا يتجزّى، ولا متوهّم بالقلّة والكثرة وكلّ متجزّي متوهّم بالقلّة والكثرة فهو مخلوق دالّ على خالق له، فقولك: إنّ الله قدير خبرت انّه لا يعجزه شيء، فنفيت بالكلمة العجز، وجعلت العجز سواه، وكذلك قولك: عالم إنّما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل سواه. فإذا أفنى الله الأشياء أفنى الصور والهجاء، ولا ينقطع ولا يزال من لم يزل عالماً ).
( وألمّ كلام الإمام بجوهر التوحيد فأبطل أن تكون أيّة صفة من صفاته تعالى مستلزمة للعدد والكثرة وذلك ما يترتّب عليها من الآثار الفاسدة المستحيلة بالنسبة له تعالى، فلا حدوث في صفاته، ولا تجزّئ في ذاته فصفاته عين ذاته، كما دلّل على ذلك في علم الكلام.. أمّا تحليل هذه الفقرات من كلامه فإنّه يستدعي بحوثاً مطوّلة، وقد آثرنا الإيجاز فيها.
وبهر السائل من إحاطة الإمام بهذه البحوث المعقّدة وراح يسأله قائلاً:
( كيف سمّي ربّنا سميعاً.. ).
فأجابه الإمام جواباً رائعاً دفع به الشبهة قائلاً:
( إنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالاسماع، ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس، وكذلك سمّيناه بصيراً لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون وشخص وغير ذلك، ولم نصفه بنظر لحظ العين، وكذلك سمّيناه لطيفاً لعلمه بالشيء اللطيف مثل البعوضة، وأحقر من ذلك.. وموضع الشقّ منها، والعقل والشهوة، والسفاد والحدب على نسلها، وإفهام بعضها عن بعض، ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال، والمفاوز والأودية والقفار، فعلمنا أن خالقها لطيف بلا كيف، وإنّما الكيفيّة للمخلوق المكيّف. وكذلك سمّي ربّنا قويّاً لا بقوّة البطش المعروف من المخلوق ولو كان قوّته قوة البطش المعروف من الخلق لوقع التشبيه ولاحتمل الزيادة وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ناقصاً كان غير قديم، وما كان غير قديم كان عاجزاً فربّنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضدّ، ولا ندّ، ولا كيف، ولا نهاية، ولا إخطار محرم على القلوب أن تمثّله، وعلى الأوهام أن تحدّه وعلى الضمائر أن تكيّفه جلّ عن أدات خلقه وسمات بريّته، وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.. )(١) .
__________________
١ - التوحيد: ص ١٤٢ - ١٤٣.
إنّ صفات الله تعالى الإيجابية السلبية وليست على غرار الصفات التي يتّصف بها الممكن الذي يفتقر في وجوده إلى علّة تفيض عليه الوجود، كما يفتقر عدمه إلى علّة بالإضافة إلى أنّ صفات الممكن مثل البصر والسمع إنّما تقوم بجوارح الإنسان ويستحيل عليه ذلك تعالى إذ ليست له جوارح ولا أبعاض.
إنّ من صفات الله تعالى أنه ( لطيف ) وذلك لعلمه بالأشياء اللطيفة كالبعوضة وما هو أصغر وأدقّ منها، وقد ألهمها الله هداها فهي تسير سيراً عجيباً في منتهى الروعة والدقّة، تحافظ على حياتها وعلى نوعيّتها، وتحدب على نسلها فترعاه وتعاهده بالطعام. إنّ هذه الحركات من الحيوانات الصغيرة لتنادي بوجود خالقها العظيم الذي ألهمها هداها.
إنّ من صفات الله تعالى أنّه ( قويّ ) ولكن ليست هذه القوّة كالقوة التي يتّصف بها الإنسان، وهي قوّة البطش والانتقام فإنّ هذه الصفة قابلة للزيادة والنقصان والتغيير ويستحيل أن يتّصف بذلك الله تعالى عن مشابهة مخلوقاته.
إنّ صفات الله تعالى وذاته لا تتحمّلها، الأوهام ولا العقول والأفكار لأنّها إنّما تتصوّر الممكنات الخاضعة لهذا اللون من التصوّر ويمتنع عليه تعالى ذلك كما دلّل عليه في البحوث الفلسفية والكلامية.
وعلى أي حال فقد أثبت الإمام في هذه البحوث أنّه من عمالقة الفلسفة والكلام في الإسلام وإنّا نسأل في أيّة مدرسة درس الإمام علم الفلسفة والكلام حتى صار من أقطاب هذا الفنّ وأجاب بهذه الأجوبة الدقيقة التي يعجز عن الإتيان بمثلها كبار الفلاسفة والعلماء، إنّه لا تعليل لذلك سوى ما تقول به الشيعة إنّ الله تعالى منحه العلم والفضل وآتاه الحكم صبياً.
٢ - سأل محمد بن عيسى الإمام أبا جعفرعليهالسلام عن التوحيد قائلاً: إنّي أتوهّم
شيئاً، فأجابه الإمام:
( نعم غير معقول، ولا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه لا يشبهه شيء، ولا تدركه الأوهام، وهو خلاف ما يتصوّر في الأوهام إنّما يتصوّر شيء غير معقول ولا محدود.. )(١) .
إنّ وهم الإنسان إنّما يتعلّق بالأمور الخاضعة للوهم والتصوّر أمّا الأمور التي لا تخضع لذلك فإنّه من المستحيل أن يتعلّق بها الوهم والخيال حسب ما قرّر في علم الفلسفة، فالله تعالى في ذاته وصفاته لا يصل له الوهم ولا الخيال لأنّهما إنّما يدركان الأمور الممكنة دون واجب الوجود.
٣ - روى الحسين بن سعيد قال: سئل أبو جعفر الثانيعليهالسلام يجوز أن يقال لله إنّه شي؟ فقالعليهالسلام :
( نعم يخرجه من الحدّين: حدّ التعطيل وحدّ التشبيه.. )(٢) .
إنّ الشيئية التي تطلق على الممكنات لا تطلق عليه تعالى إلاّ بشرط تجريده من حدّ التعطيل، وحدّ التشبيه الذين هما من أبرز صفات الممكن.
٤ - سأل أبو هاشم الجعفري عن قوله تعالى:( لاَ تُدرِكُهُ الأبصارَ وهُوَ يُدرِكُ الأبصارَ ) ، فقالعليهالسلام :
( يا أبا هاشم أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند، والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدركها ببصرك، فأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون؟.. )(٣) .
__________________
١ - التوحيد: ص ١٦٤.
٢ - التوحيد: ص ٦٤.
٣ - التوحيد: ٦٩، نُسِب هذا الحديث إلى الإمام الباقرعليهالسلام وهو اشتباه.
إنّ ذات الله تعالى لا تدركها أوهام القلوب على مدى ما تحمله من سعة الخيال فضلاً عن إدراكها بالعين الباصرة فإنّ كلاً منهما محدود بحسب الزمان والمكان وذات الله تعالى لا يجري عليها الزمان والمكان فإنّه تعالى هو الذي خلقهما.
وعلى أي حال فإنّ العقول في جميع تصوّراتها محدودة لا يمكن أن تكتشف الأمور التي لا تخضع للحدّ زماناً ومكاناً، يقول الشافعي: ( إنّ للعقل حدّاً ينتهي إليه كما أن للبصر حدّاً ينتهي إليه ).
٥ - سأل أبو هاشم الجعفري الإمام أبا جعفر الجواد قال: ما معنى الواحد؟ فأجابهعليهالسلام :
( الذي اجتمعت الألسن عليه بالتوحيد كما قال الله عزوجل:
( ولَئنِ سألْتَهُم مَن خَلَقَ السماواتِ والأرضَ ليقُولُنَّ اللهُ. .) (١) .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن البحوث الرائعة التي أدلى بها الإمامعليهالسلام عن التوحيد، وهي تكشف عن مدى ثرواته العلمية الهائلة.
مسائل فقهية:
وتشكّل الأحاديث التي تُروى عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام مصدراً خصباً لاستنباط الأحكام الشرعية لدى فقهاء الشيعة الإمامية؛ لأنّها من السنة التي فسّرت - عندهم - بقول المعصوم وفعله وتقريره، وقد أثرت عنه طائفة كبيرة من الأخبار دوّنت في موسوعات الفقه والحديث وقد شملت معظم أبواب الفقه نذكر بعضها:
الصلاة:
أمّا بحوث الصلاة وفروعها فهي من أوسع أبواب الفقه، وكان من بين تلك
__________________
١ - التوحيد: ص ٤٤.
الفروع التي عرض لها الإمام أبو جعفرعليهالسلام ما يلي:
١ - روى الصدوق بسنده عن يحيى بن عمران قال: كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام في السنجاب(١) ، والفنك(٢) والخزّ(٣) وقلت: جعلت فداك أحبّ أن لا تجيبني بالتقيّة في ذلك، فكتب بخطّه إليّ صلِّ فيها(٤) .
واستدلّ الفقهاء بهذا الخبر ونحوه ممّا ورد في هذا الموضوع على جواز الصلاة في جلود هذه الحيوانات، وهناك روايات أخرى دالّة على المنع من الصلاة فيها، ولسنا بصدد النظر في ترجيح إحدى الطائفتين من هذه الأخبار على الأخرى فإنّ ذلك من شأن الكتب الفقهيّة الاستدلالية وليس هذا الكتاب منها.
٢ - روى قاسم الصيقل قال: كتبت إلى الرضاعليهالسلام إنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي فأُصلّي فيها، فكتب إليّ اتّخذ ثوباً لصلاتك، فكتبت إلى أبي جعفرعليهالسلام كنت كتبت إلى أبيك بكذا وكذا فصعب عليّ ذلك، فصرت أعملها من جلود الوحشية الذكية فكتب إليّ: كلّ أعمال البرّ بالصبر يرحمك الله فإن كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس(٥) .
__________________
١ - السنجاب: حيوان على حدّ اليربوع أكبر من الفأرة شعره في غاية النعومة يُتّخذ من جلده الفراء يلبسه المتنعّمون، وهو شديد الختل إن أبصر الإنسان صعد إلى الشجرة العالية، وهو كثير في بلاد الصقالبة وأحسن جلوده الأزرق، جاء ذلك في مجمع البحرين.
٢ - الفنك: دويبة برية يؤخذ منها الفرو، يقال: إنّ فروها أطيب من جميع أنواع الفراء، جاء ذلك في مجمع البحرين.
٣ - الخزّ: دابة من دواب الماء تمشي على أربع تشبه الثعلب، ترعى في البر، وتنزل في البحر، لها وبر يُعمل منه الثياب، تعيش في الماء، جاء ذلك في مجمع البحرين.
٤ - وسائل الشيعة: ج ٣ ص ٢٥٣.
٥ - وسائل الشيعة: ج ٣ ص ٤٨٩.
٣ - واستدلّ الفقهاء على جواز الصلاة بالنعل الطاهرة الذكية بما رواه عليّ بن مهزيار قال: رأيت أبا جعفرعليهالسلام صلى حين زالت الشمس يوم التروية ستّ ركعات خلف المقام وعليه نعلاه لم ينزعهما(١) وروى عبد الله بن رزين أنّه رأى أبا جعفر الثانيعليهالسلام يصلي في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله عند بيت فاطمةعليهالسلام يخلع نعليه، ويصلي وإنّه رآه في ذلك الموضع الذي كان.
٤ - واستند الفقهاء على جواز مناجاة الله في أثناء الصلاة برواية محمد بن عليّ بن الحسين عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام قال: لا بأس أن يتكلّم الرجل في صلاة الفريضة بكلّ شي يناجي به ربه عزوجلّ(٢) .
هذه بعض الأخبار التي أثرت عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام في الصلاة.
الزكاة:
وردت عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام عدّة أخبار في فروع الزكاة كان من بينها ما يلي: استدلّ الفقهاء على جواز إخراج القيمة دون العين فيما تجب فيه الزكاة بما روي عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام فقد روى محمد بن خالد البرقي قال: كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام : هل يجوز أن أخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة والشعير، وما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوى أن لا يجوز إلاّ أن يخرج من كلّ شيء ما فيه؟ فأجابه: أيّما تيسّر يخرج(٣) .
الخمس:
وتلتزم الشيعة الإمامية بلزوم الخمس ووجوبه الذي هو من أهمّ الضرائب
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ٣ ص ٣٠٣.
٢ - وسائل الشيعة: ج ٧ ص ٢٦٣.
٣ - وسائل الشيعة: ج ٦ ص ١٣١.
الإسلامية التي فرضها الله على المسلمين لازدهار اقتصادهم، ومعالجة الفقر والبؤس، ونصف من الخمس المسمّى بحقّ الإمام ينفق على إقامة معالم الشريعة الإسلامية وازدهار الحياة الفكرية والعلمية في الإسلام، وهو يجب في مواضع - ذكرها الفقهاء - منها ما يفضل عن مؤنة سنة الإنسان له ولعياله من أرباح التجارات، والصناعات والزراعات ونحوها، وقد استدلّ الفقهاء على ذلك بما أثر عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام من الأخبار والتي منها:
١ - روى عليّ بن مهزيار عن محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام : اخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصنّاع؟ وكيف ذلك؟ فكتبعليهالسلام بخطّه: الخمس بعد المؤنة(١) .
٢ - روى الشيخ في الصحيح عن عليّ بن مهزيار قال: ( كتب إليه أبو جعفرعليهالسلام وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكّة، قال: إنّ الذي أوجبت في سنتي هذه، وهذه سنة عشرين ومائتين فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار، وسأفسّر لك بعضه إن شاء الله: إنّ مواليّ أسأل الله صلاحهم أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن أطهّرهم وأزكّيهم بما فعلت من أمر الخمس في عامي هذا قال تعالى:( خُذْ مِن أموالهم صدَقةً تُطهِّرهمْ وتزكِّيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكنٌ لهم والله سميع عليمٌ *ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذُ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم *وقُلِ اعْمَلُوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم
____________
١ - وسائل الشيعة: ج ٦ ص ٣٤٨.
تَعمَلُونَ ) (١) .
ولم أوجب عليهم ذلك، في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها الله عليهم، وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول، ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحوه في تجارة ولا ضيعة إلاّ في ضيعة سافسّر لك أمرها تخفيفاً منّي عن موالي، ومنّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم، ولما ينوبهم في ذاتهم، فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام قال الله تعالى:( واعلمُوا أَنَّما غنمتُم من شيءٍ فأنَّ للهِ خُمُسهُ وللرَّسُولِ ولذي القُربى واليتامَى والمساكينِ وابنِ السبيلِ إن كُنتُمْ آمنتم باللهِ وما أنزلنَا على عبدنا يومَ الفرقانِ يومَ التقى الجمعان والله على كلِّ شيءٍ قديرٍ ) فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها. والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن، ومثل عدوّ يصطلم فيؤخذ ماله ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب، وما صار إلى موالي من أموال الخرمية الفسقة، فقد علمت أنّ أموالاً عظاماً صارت إلى قوم من موالي فمن كان عنده شيء من ذلك فليوصله إلى وكيلي، ومن كان نائياً بعيد الشقّة فليعمد لإيصاله ولو بعد حين، فإنّ نيّة المرء خير من عمله، فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلات في كلّ عام فهو نصف السدس، ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك.. )(٢) .
ومنيت هذه الصحيحة بكثير من الغموض وعدم وضوح المراد منها وقد
__________________
١ - سورة الجمعة: ج ١٠٣ - ١٠٥.
٢ - وسائل الشيعة: ج ٦ ص ٣٥٠.
ذكرت عليها عدّة إشكالات تصدّى بعض المحقّقين من الفقهاء إلى تفنيدها، وذكر المحقّق الفقيه البحراني ما نصّه: فالحقّ ما ذكره جملة من الأصحاب من أنّ الرواية في غاية الإشكال ونهاية الإعضال(١) .
الحجّ:
واستند فقهاء الشيعة الإمامية في فتاواهم في بعض فروع الحجّ، ومسائله إلى ما أثر عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام فيها، وفيما يلي ذلك:
١ - استند الفقهاء في استحباب الحجّ للصبي بما رواه محمّد بن الفضيل قال: سألت أبا جعفر الثانيعليهالسلام عن الصبي متى يحرم به؟ قال: إذا أثغر(٢) وقد تعرّض الفقهاء إلى كيفيّة حجّه بالتفصيل.
٢ - وأفتى فقهاء الإمامية بأنّ المخالف إذا حجّ ثمّ استبصر لم يعد حجّه إلاّ أن يخلّ بركن عندنا(٣) وقد وردت رواية عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام تقضي بالإعادة فقد روى عليّ بن مهزيار قال: كتب إبراهيم بن محمد بن عمران الهمداني إلى أبي جعفرعليهالسلام : إنّي حججت وأنا مخالف، وكنت صرورة فدخلت متمتّعاً بالعمرة إلى الحجّ، قال: فكتب إليه: أعد حجّك(٤) وحمل الشيخ الأمر بإعادة الحجّ على الاستحباب(٥) .
٣ - واتّفق فقهاء الإمامية بأنّ حجّ التمتّع أفضل أنواع الحجّ لمن أراد أن يحجّ
__________________
١ - الحدائق الناضرة.
٢ - وسائل الشيعة: ج ٨ ص ٣٧.
٣ - اللمعة الدمشقية: ج ٢ ص ١٧٧.
٤ - وسائل الشيعة: ج ٨ ص ٤٣.
٥ - نفس المصدر.
حجاً مندوباً، وقد استندوا في ذلك إلى ما ورد عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام وغيره من أئمّة العترة الطاهرةعليهالسلام فقد روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي جعفر الثانيعليهالسلام قال: كان أبو جعفرعليهالسلام يقول: المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ أفضل من المفرد السائق للهدي، وكان يقول: ليس يدخل الحاج بشيء أفضل من المتعة(١) .
٤ - من التروك اللازمة في الحجّ التظليل للرجل الصحيح سائراً أمّا المرأة فيجوز لها الظلّ(٢) وقد ورد عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام في ذلك ما رواه بكر بن صالح قال: كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام إنّ عمّتي معي وهي زميلتي ويشتدّ عليها الحرّ إذا أحرمت افترى أن أظلّل عليّ وعليها؟ فكتبعليهالسلام : ظلّل عليها وحدها(٣) .
هذه بعض فروع الحجّ التي وردت أحكامها عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام .
النذر:
وسئل الإمام أبو جعفر الجوادعليهالسلام عن بعض مسائل النذور وفروعه فأجاب عنها، وكان ممّا سئل عنه.
١ - سئل الإمام الجوادعليهالسلام عن الرجل يقول: عليّ مائة بدنة أو ما لا يطيق، فقال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ذلك من خطوات الشيطان(٤) .
إنّ القدرة على الامتثال - كما يقول الفقهاء - شرط في صحّة التكليف ويستحيل أن يتعلّق بغير المقدور، فمتعلّق النذر في هذه المسألة لمّا كان غير مقدور ولا
__________________
١ - وسائل الشيعة:
٢ - اللمعة: ج ٢ ص ٣٢٤.
٣ - وسائل الشيعة: ج ٩ ص ١٥٣.
٤ - وسائل الشيعة: ج ١٦ ص ٢٢١.
يطيقه المكلّف كان النذر باطلاً.
٢ - رفع رجل من بني هاشم رسالة إلى الإمام الجوادعليهالسلام جاء فيها: ( إنّي كنت نذرت نذراً منذ سنين أن أخرج إلى ساحل من سواحل البحر إلى ناحيتنا ممّا يرابط فيه المتطوّعة نحو مرابطتهم بجدّة وغيرها من سواحل البحر، افترى جعلت فداك انّه يلزمني الوفاء به أو لا يلزمني أو افتدي الخروج إلى ذلك بشيء من أبواب البرّ لأصير إليه إن شاء الله؟ ).
فأجابهعليهالسلام برسالة جاء فيها:
( إن كان سمع منك نذرك أحد من المخالفين فالوفاء به إن كنت تخاف شنعته وإلاّ فاصرف ما نويت من ذلك في أبواب البرّ، وفّقنا الله وإيّاك لما يحب ويرضى.. )(١) .
ولم ينعقد هذا لنذر لأنّ متعلّقة غير راجح، وقد حثّ الإمام على أن يصرف نفقات مرابطته في وجوه البرّ والتي منها الإحسان إلى الفقراء.
كفارة مخالفة العهد:
وأفتى فقهاء الإمامية بأن من حنث ما عاهد عليه الله تجب عليه الكفّارة المخيّرة وهي: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكيناً، وقد استندوا في ذلك إلى ما روي عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام فقد روى أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبي جعفر الثانيعليهالسلام في رجل عاهد الله عند الحجر أن لا يقرب محرماً أبداً فلمّا رجع عاد إلى المحرم، فقال أبو جعفرعليهالسلام : يعتق أو يصوم أو يتصدّق على ستين مسكيناً وما ترك من الأمر أعظم ويستغفر الله ويتوب إليه(٢) .
__________________
١ - تهذيب الأحكام: ج ٨ ص ٣١١.
٢ - وسائل الشيعة: ج ١٦: ص ٢٤٨.
الوقف:
سئل الإمام أبو جعفرعليهالسلام عن بعض مسائل الوقف فأجاب عنها، وعلى ضوء أجوبته أفتى الفقهاء، وكان من بين ما سئل عنه:
١ - إنه سئل عن الوقف الذي يكون على أسرة وهي منتشرة في أنحاء مختلفة في البلاد فهل يجب على متولّي الوقف أن يوصل إليهم حقّهم من واردات الوقف، فأجابعليهالسلام بعدم لزوم ذلك عليه، وإنّ الوارد يختصّ بمن حضر البلد الذي فيه الوقف، وهذا نصّ السؤال والجواب:
روى عليّ بن محمد بن سليمان النوفلي قال: كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام أسأله عن أرض وقفها جدّي على المحتاجين من ولد فلان ابن فلان، وهم كثيرون متفرّقون في البلاد، فأجاب: ذكرت الأرض التي وقفها جدّك على فقراء ولد فلان، وهي لمن حضر البلد الذي فيه الوقف وليس لك أن تتّبع من كان غائباً(١) .
٢ - روى عليّ بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام إنّ فلاناً ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لك في الوقف الخمس، ويسأل عن رأيك في بيع حصّتك من الأرض أو تقويمها على نفسه بما اشتراها، أو يدعها موقفة؟ فكتبعليهالسلام : اعلم فلاناً أنّي آمره أن يبيع حقّي من الضيعة، وإيصال ثمن ذلك إليّ، وإنّ ذلك رأي إن شاء الله، أو يقوّمها على نفسه إن كان ذلك أوفق له(٢) وحمل الحرّ العاملي الرواية على عدم قبض الإمام للضيعة كما هو الظاهر منه حتى يصحّ البيع.
٣ - روى عليّ بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفرعليهالسلام أعلمه أنّ إسحاق بن إبراهيم وقف ضيعته على الحجّ، وأمّ ولده وما فضل عنها للفقراء، وإنّ محمد بن
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ١٣ ص ٣٠٨.
٢ - وسائل الشيعة: ج ١٣ ص ٣٠٤.
إبراهيم أشهد على نفسه بمال يفرّق في إخواننا، وإنّ في بني هاشم من يعرف حقّه، يقول بقولنا ممّن هو محتاج، فترى أن يصرف ذلك إليهم إذا كان سبيله سبيل الصدقة؟ لأنّ وقف إسحاق إنّما هو صدقة..
فكتبعليهالسلام في الجواب: ( فهمت رحمك الله ما ذكرت من وصية إسحاق بن إبراهيم ( رضي الله عنه )، وما أشهد بذلك محمد بن إبراهيم ( رضي الله عنه )، وما استأمرت به من إيصالك بعض ذلك إلى من كان له ميل ومودّة من بني هاشم ممّن هو مستحقّ فقير، فأوصل ذلك إليهم يرحمك الله، فهم إذا صاروا إلى هذه الخطّة أحقّ من غيرهم لمعنى لو فسّرته لك لعلمته إن شاء الله )(١) .
وأدرج الحرّ العاملي هذه الرواية تحت عنوان ( جواز إعطاء فقراء بني هاشم من الصدقة سوى الزكاة من الوقف على الفقراء )(٢) .
الزواج:
وأثرت عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام في الزواج عدّة أخبار استند إليها الفقهاء في فتواهم، وكان من بينها عدم ولاية العمّ على ابنة أخيه في الزواج فقد روى محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض بني عمّي إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام : ما تقول في صبية زوجها عمّها، فلمّا كبرت أبت التزويج فكتبعليهالسلام : ( لا تكره على ذلك والأمر أمرها )(٣) .
الطلاق:
وسئل الإمام أبو جعفرعليهالسلام عن الطلاق المخالف لفقه أهل البيتعليهمالسلام
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ١٣ ص ٣٢٢.
٢ - وسائل الشيعة: ج ٩ ص ٢١٣.
٣ - وسائل الشيعة: ج ١٤ ص ٢٠٧.
فأجابعليهالسلام بعدم صحّته إن كان المطلّق ممّن يدين بالولاء لهم، ويسير على وفق ما أثر عنهم، وإن كان المطلّق لا يرى ذلك فطلاقه صحيح، وهذا نصّ جوابه عن هذا السؤال الذي سأله عنه إبراهيم بن محمد الهمداني: ( فهمت ما ذكرت من أمر بنتك وزوجها ( إلى أن قال ) ومن حنثه بطلاقها غير مرّة فانظر فإن كان ممّن يتولاّنا، ويقول: بقولنا فلا طلاق عليه لأنّه لم يأت أمراً جهله، وإن كان ممّن لا يتولاّنا ولا يقول: بقولنا فاختلعها منه، فإنّه نوى الفراق )(١) .
الرضاع:
وإذا توفّرت في الرضاع الشروط المعتبرة التي ذكرها الفقهاء فيترتّب عليه ما يترتّب على النسب من الآثار الوضعيّة، ففي الحديث: ( الرضاع لحمة كلحمة النسب ) وكان من بين مسائل الرضاع التي عرضت على الإمام أبي جعفرعليهالسلام وأجاب عنها ما رواه عليّ بن مهزيار قال: سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثانيعليهالسلام انّ امرأة أرضعت لي صبياً فهل يحلّ لي أن أتزوج ابنة زوجها؟ فقال لي: ما أجود ما سألت من هاهنا يؤتى أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره، فقلت له: الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لي، هي ابنة غيرها، فقال: لو كن عشراً متفرّقات ما حلّ لك شيء منهنّ، وكنّ في موضع بناتك(٢) .
حلّية زواج الزاني بالمزني بها:
وسئل الإمام أبو جعفر الجوادعليهالسلام عن الزاني هل له أن يتزوّج بالمزني بها، فأجابعليهالسلام بالجواز بعد استبرائها، وهذا نصّ السؤال مع جوابه روى الحسن بن عليّ
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ١٥ ص ٣٢٠.
٢ - وسائل الشيعة: ج ١٤ ص ٢٩٦.
بن شعبة عن أبي جعفر محمد بن عليّ الجوادعليهالسلام أنه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا أيحلّ له أن يتزوّجها؟ فقال: يدعها حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره إذ لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثاً كما أحدثت معه، ثمّ يتزوّج بها إن أراد، فإنّما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراماً ثمّ اشتراها فأكل منها حلالاً(١) .
حرمان ابن الزنا من الميراث:
من الآثار الخطيرة التي تترتّب على اقتراف جريمة الزنا ان ابن الزنا لا يلحق بأبويه ويحرم من ميراثهما، وقد أثر عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام في ذلك ما رواه محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام معي يسأله عن رجل فجر بامرأة، ثم إنّه تزوّجها بعد الحمل فجاءت بولد هو أشبه خلق الله به، فكتب بخطّه وخاتمه: الولد لغية لا يورث(٢) .
الشفعة:
من البحوث الفقهيّة: الشفعة وقد سئل الإمام أبو جعفرعليهالسلام عن بعض أحكامها فأجاب عنها، فقد روى الثقة الفقيه عليّ بن مهزيار قال: سألت أبا جعفر الثانيعليهالسلام عن رجل طلب شفعة فذهب على أن يحضر المال فلم ينضّ، فكيف يصنع صاحب الأرض إن أراد بيعها أيبيعها أو ينتظر مجيء شريكه صاحب الشفعة؟ قال: إن كان معه بالمصر فلينتظر به ثلاثة أيام فإن أتاه بالمال وإلاّ فليبع، وبطلت شفعته في الأرض وإن طلب الأجل إلى أن يحمل المال من بلد إلى آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل إلى تلك البلدة، وينصرف وزيادة ثلاثة أيام إذا قدم فإن وافاه وإلاّ فلا شفعة له(٣) ، وقد أدرج الشيخ الحرّ هذا الخبر تحت هذا العنوان: ( باب أنّ
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ١٥ ص ٤٧٦.
٢ - وسائل الشيعة: ج ١٧ ص ٥٦٧.
٣ - وسائل الشيعة: ج ١٧ ص ٣٢٤.
الثمن إذا كان في المصر انتظر به ثلاثة أيام وإن كان في بلد آخر انتظر به قدر الذهاب والعودة وزيادة ثلاثة أيام، فإن زاد بطلت الشفعة ).
الميراث:
وسئل الإمام أبو جعفرعليهالسلام عن بعض فروع الميراث فأجاب عنها، ونعرض لبعضها:
١ - روى محمد بن علي بن الحسن بإسناده عن البزنطي قال: قلت لأبي جعفر الثانيعليهالسلام : رجل هلك، وترك ابنته وعمّه، فقال: المال للابنة، قال: وقلت له: رجل مات وترك ابنة له وأخاً له، أو قال: ابن أخيه قال: فسكت طويلاً ثمّ قال: المال للابنة(١) .
٢ - روى عليّ بن مهزيار قال: سألت أبا جعفر الثانيعليهالسلام عن دار كانت لامرأة وكانت لها ابن وابنة فغاب الابن في البحر، وماتت المرأة فادّعت ابنتها أنّ أمّها كانت صيّرت هذه الدار لها وباعت أشقاصاً منها وبقيت في الدار قطعة إلى جنب دار رجل من أصحابنا، وهو يكره أن يشتريها لغيبة الابن، وما يتخوّف أن لا يحلّ شراؤها، وليس يعرف للابن خبر، فقال لي: ومنذ كم غاب؟ قلت: منذ سنين كثيرة، قال: ينتظر به غيبة عشرة سنين، ثمّ يشتري(٢) . فقلت: إذا انتظر به غيبة عشر سنين يحلّ شراؤها؟ قال: نعم(٣) .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المسائل الفقهية التي أدلى بها الإمام الجوادعليهالسلام حينما سئل عنها وهي تكشف - بوضوح - عن أنّ الإمامعليهالسلام قد كان
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ١٧ ص ٤٤٦.
٢ - علّق الشيخ الحرّ على ذلك بقوله: أقول: لا يلزم من جواز البيع بعد عشر سنين الحكم بموته لجواز بيع الحاكم مال الغائب مع المصلحة ذكر ذلك جماعة من علمائنا.
٣ - وسائل الشيعة: ج ١٧ ص ٥٨٤.
المرجع الوحيد الذي يرجع إليه معظم المسلمين في شؤونهم الدينية.
علل الأحكام:
وكشف الإمام محمد الجوادعليهالسلام النقاب عن العلّة في تشريع بعض الأحكام وكان من بينها ما يلي:
١ - سئل محمد بن سليمان عن العلّة في جعل عدّة المطلّقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر، وصارت عدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، فأجابه الإمامعليهالسلام عن ذلك:
( أمّا عدّة المطلّقة ثلاثة قروء فلاستبراء الرحم من الولد، وأمّا عدة المتوفى عنها زوجها فإنّ الله تعالى شرط للنساء شرطاً، وشرط عليهن شرطاً فلم يجابهن فيما شرط لهنّ، ولم يجر فيما اشترط عليهنّ، أما ما شرط لهنّ في الإيلاء أربعة أشهر إذ يقول الله عزوجل:( للذين يؤلون من نسائهم تربُّصُ أربعة أشهر ) فلم يجوز لأحد أكثر من أربعة أشهر في الإيلاء لعلمه تبارك اسمه إنّه غاية صبر المرأة عن الرجل، وأمّا ما شرط عليهنّ فإنّه أمرها أن تعتدّ إذا مات زوجها أربعة أشهر وعشراً فأخذ منها له عند موته ما أخذ لها منه في حياته عند الإيلاء، قال الله عزّ وجل: ( يَتَرَبَّصنَ بأنفُسِهِنَّ أربعةَ أشهُرٍ وعَشْراً ) ولم يذكر العشرة الأيام في العدّة إلاّ مع الأربعة أشهر، وعلم أنّ غاية المرأة الأربعة أشهر في ترك الجماع فمن ثمّ أوجبه عليها ولها.. )(١) .
٢ - سأل محمد بن سليمان الإمام الجواد عن العلّة فيما إذا قذف الرجل امرأته بجريمة الزنا تكون شهادته أربع شهادات بالله، وإذا قذفها غيره سواءً كان قريباً لها أم بعيد جلد الحدّ أو يقيم البيّنة على ما قال، فأجابهعليهالسلام :
( قد سئل أبو جعفر - يعني الإمام الباقرعليهالسلام - عن ذلك فقال: إن الزوج إذا
____________
١ - وسائل الشيعة: ج ١٥: ٤٥٢، علل الشرائع: ص ١٧٢، المحاسن: ص ٣٠٣.
قذف امرأته فقال: رأيت ذلك بعيني كانت شهادته أربع شهادات بالله، وإذا قال: إنّه لم يره. قيل له أقم البيّنة على ما قلت: وإلاّ كان بمنزلة غيره، وذلك أنّ الله تعالى جعل للزوج مدخلاً لا يدخله غيره والد ولا ولد يدخله بالليل والنهار فجاز له أن يقول: رأيت، ولو قال غيره: رأيت قيل له: وما أدخلك المدخل الذي ترى هذا فيه وحدك، أنت متّهم فلابدّ من أن يقيم عليك الحدّ الذي أوجبه الله عليك.. )(١) .
هذا بعض ما أثر عنه في بيان علل بعض الأحكام التي شرعها الإسلام.
التبشير بالإمام المهدي:
والشيء المحقّق الذي لا يمكن إنكاره، ولا إخفاءه هو ما بشّر به الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله أمّته بخروج المصلح العظيم الإمام المنتظر الذي يقيم اعوجاج الدين، وتحقّق في ظلال حكمه العدالة الاجتماعية الكبرى فيأمن المظلومون والمضطهدون، ويعمّ الحقّ جميع أنحاء الدنيا، ويقضى على الغبن الاجتماعي، وتزول عن الناس جميع أفانين الظلم والجور، ويكون حكمه الزاهر امتداداً ذاتياً لحكومة النبيصلىاللهعليهوآله وحكومة الإمام أمير المؤمنين رائد الحقّ والعدل في الأرض.
إنّ الاعتقاد بضرورة خروج الإمام المنتظر ( عجّل الله فرجه ) جزء من رسالة الإسلام وعنصر هام من عناصر العقيدة الإسلامية، فإنّ الإسلام بمفهومه الصحيح لابدّ أن يسود الأرض، ولابدّ للمبادئ الوضعيّة من أن تتحطّم لأنّها جرّت المحن والخطوب للإنسان، وأخلدت له المشاكل والمتاعب، ولابدّ أن ينقذ الله عباده من شرورها واستبدادها على يد هذا الإمام العظيم.
وعلى أي حال فقد تواترت الأخبار عن النبيصلىاللهعليهوآله وعن الأئمة الطاهرين
__________________
١ - وسائل الشيعة: ج ١٥ ص ٥٩٤.
بحتمية خروج قائم آل محمدعليهالسلام وكان ممّن بشر به الإمام الجوادعليهالسلام وفيما يلي بعض ما أثر عنه:
١ - روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: دخلت على سيدي محمد بن عليّ بن موسىعليهالسلام وأنا أريد أن اسأله عن القائم هل هو المهدي أو غيره؟ فابتدأني قائلاً:
( يا أبا القاسم إنّ القائم منّا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمداً بالنبوة وخصّنا بالإمامة إنه لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً وإنّ الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى، إذ ذهب يقتبس ناراً فرجع وهو رسول نبي، وأضاف الإمام الجواد قائلاً: أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج )(١) .
٢ - روى عبد العظيم الحسني قال: قلت لمحمد بن علي: إنّي لأرجو أن يكون القائم من أهل بيت محمدصلىاللهعليهوآله الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً؟
فأجابه الإمام الجواد:
( يا أبا القاسم ما منّا إلاّ وهو قائم بأمر الله عزوجل، وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهّر الله عزوجل به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، هو سميّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكنيّه، وهو تطوى له الأرض، ويذلّ له كل صعب ويجتمع إليه أصحابه عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي
__________________
١ - إكمال الدين وإتمام النعمة: ج ٢ ص ٤٨ - ٤٩، والكفاية والنصوص من مخطوطات مكتبة كاشف الغطاء العامّة.
الأرض وذلك قول الله عزوجل:( أينَ ما تكُونُوا يأتِ بكمُ اللهُ جميعاً إنّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ ) (١) . فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره )(٢) .
لقد أخبر الإمام الجواد عن بعض خصائص الإمام المنتظر من غياب شخصه وحجبه عن الأنظار، كما أخبر عن عدد أصحابه بعد ظهوره وأنّهم كعدد أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم بدر فقد استطاع بتلك القلّة المتسلّحة بالإيمان والوعي أن يقضي على معالم الجاهلية، ويدمّر القوى الباغية، ويرفع كلمة الله عالية في الأرض، كذلك وصيّه الأعظم الإمام المنتظرعليهالسلام فإنّه بأصحابه القلّة المؤمنة سوف يغيّر مجرى الحياة فيبسط العدل السياسي والعدل الاجتماعي في ربوع الأرض ويحقّق للإنسانية أعظم الانتصارات، ويقضي على معالم الجاهلية التي طغت في هذه العصور التي خضع الناس فيها للمادة، ولم يعد للقيم الروحية والمثل الكريمة أي ظلّ في النفوس، أرانا الله الأيام المشرقة من أيام حكمه.
من واقع الإيمان:
للإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام بعض النصائح الرفيعة الهادفة إلى الإيمان بالله والثقة به والتوكّل عليه ومن بينها:
١ - الثقة بالله:
قالعليهالسلام : ( إنّ من وثق بالله أراه السرور، ومن توكّل على الله كفاه الأمور، والثقة بالله حصن لا يتحصّن فيه إلاّ المؤمن، والتوكّل على الله نجاة من كلّ سوء
__________________
١ - سورة البقرة: الآية ١٤٨.
٢ - إكمال الدين وإتمام النعمة: ج ٢ ص ٤٩، الكفاية والنصوص.
وحرز من كلّ عدو.. )(١) .
وحفلت هذه الكلمات الذهبية بأروع ما يحتاج إليه الناس في حياتهم وهو الثقة بالله خالق الكون وواهب الحياة، فمن وثق به أراه السرور، ومن توكّل عليه كفاه الأمور.
٢ - الاستغناء بالله:
ودعا الإمام الجوادعليهالسلام إلى الاستغناء بالله تعالى، ورجائه دون غيره، قالعليهالسلام :
( من استغنى بالله افتقر الناس إليه، ومن اتّقى الله أحبه الناس )(٢) .
إنّ من يستغني بالله فقد استغنى عن غيره، ويفتقر إليه الناس لأنّه يكون داعية ومصدر عطاء لهم.
٣ - الانقطاع إلى الله:
وحثّ الإمام الجواد على الانقطاع إلى الله الذي لا ينقطع فيضه ولا لطفه أمّا من ينقطع إلى غيره فقد باء بالخيبة والخسران قالعليهالسلام :
( من انقطع إلى غير الله وكّله الله إليه.. ).
٤ - القصد إلى الله بالقلوب:
إنّ من واقع الإيمان القصد إلى الله تعالى في أعماق القلوب ودخائل النفوس ومن الطبيعي أنّ ذلك أبلغ بكثير من أتعاب الجوارح ومعاناتها بالأعمال وقد أعلنعليهالسلام ذلك بقوله: ( القصد إلى الله تعالى بأعماق القلوب أبلغ من أتعاب الجوارح.. )(٣) .
__________________
١ - الفصول المهمة لابن الصباغ: ص ٣٧٣.
٢ - جوهرة الكلام: ص ١٥٠.
٣ - الدر النظيم، ورقة ٢٢٣.
مكارم الأخلاق:
ودعا الإمام الجوادعليهالسلام إلى الاتصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات وكان ممّا أوصى به:
١ - قالعليهالسلام : ( من حسن خُلق الرجل كفّ أذاه، ومن كرمه برّه لمن يهواه، ومن صبره قلّة شكواه، ومن نصحه نهيه عمّا لا يرضاه، ومن رفق الرجل بأخيه ترك توبيخه بحضرة من يكره، ومن صدق صحبته إسقاطه المؤنة، ومن علامة محبّته كثرة الموافقة وقلّة المخالفة.. )(١) .
ووضععليهالسلام بهذه الكلمات الرائعة الأسس لحسن الأخلاق ومكارم الأعمال، والدعوة إلى قيام الصداقة والصحبة على واقع من الفكر والمرونة.
٢ - قالعليهالسلام : ( حسب المرء من كمال المروءة أن لا يلقى أحداً بما يكره.. ومن عقله إنصافه قبول الحقّ إذا بان له.. ).
قضاء حوائج الناس:
وكان ممّا دعا إليه الإمام الجوادعليهالسلام السعي والمبادرة في قضاء حوائج الناس وذلك لما لها من الآثار التي تترتّب عليها والتي منها دوام النعم قالعليهالسلام :
( إنّ لله عباداً يخصّهم بدوام النعم فلا تزال فيهم ما بذلوا لها، فإذا منعوها نزعها عنهم، وحوّلها إلى غيرهم.. )(٢) .
وأكّدعليهالسلام ذلك في حديث آخر له قال:
( ما عظمت نِعم الله على أحد إلاّ عظمت إليه حوائج الناس، فمن لم يحتمل تلك
__________________
١ - الاتّحاف بحبّ الأشراف: ص ٧٧، الدرّ النظيم: ورقة ٢٢٣.
٢ - الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ص ٢٥٨.
المؤنة عرّض تلك النعمة للزوال.. )(١) .
من آداب السلوك:
ووضع الإمام الجواد البرامج الصحيحة لحسن السلوك وآدابه بين الناس وكان من بين ما دعا له:
١ - قالعليهالسلام : ( ثلاث خصال تجلب فيهن المودّة: الإنصاف في المعاشرة، والمواساة في الشدّة، والانطواء على قلب سليم.. )(٢) .
٢ - قالعليهالسلام : ( ثلاثة من كنّ فيه لم يندم: ترك العجلة، والمشورة، والتوكّل على الله تعالى عند العزيمة، ومن نصح أخاه سرّاً فقد زانه، ومن نصحه علانية فَقَدَ شأنه.. )(٣) .
٣ - قالعليهالسلام : ( عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه، وعنوان صحيفة السعيد حسن الثناء عليه، والشكر زينة الرواية، وخفض الجناح زينة العلم، وحسن الأدب زينة العقل، والجمال في اللسان، والكمال في العقل.. )(٤) .
وحفلت هذه الكلمات بأصول الحكمة وقواعد الأخلاق والآداب، ولو لم تكن له إلاّ هذه الكلمات لكانت كافية في التدليل على إمامته إذ كيف يستطيع شاب في مقتبل العمر أن يدلي بهذه الحكم الخالدة التي يعجز عن الإتيان بمثلها كبار العلماء.
__________________
١ - الفصول المهمة لابن الصبّاغ: ص ٢٥٨.
٢ - جوهرة الكلام: ص ١٥٠.
٣ - الإتّحاف بحبّ الأشراف: ص ٧٨.
٤ - الإتّحاف بحبّ الأشراف.
الدعوة إلى فعل المعروف:
ودعا الإمام الجوادعليهالسلام إلى اصطناع المعروف قالعليهالسلام : ( أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه؛ لأنّ لهم أجره وفخره وذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنّه يبتدأ فيه بنفسه )(١) .
من مواعظه:
وأثرت عن الإمام الجوادعليهالسلام بعض المواعظ ومنها ما يلي:
١ - قالعليهالسلام : تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على الله هلكة، والإصرار على الذنب أمن لمكر الله ( فَلا يَأْمَنُ مَكرَ اللهِ إلاَّ القَومُ الخاسِرُونَ )(٢) .
٢ - قال له رجل: أوصني، فأوصاهعليهالسلام بهذه الوصية القيّمة:
( توسّد الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم انّك لن تخلو من عين الله، فانظر كيف تكون.. )(٣) .
٣ - كتب الإمام الجوادعليهالسلام إلى بعض أوليائه هذه الرسالة الموجزة وهي حافلة بالوعظ والإرشاد وقد جاء فيها:
( أمّا هذه الدنيا فإنّا فيها معترفون، ولكن من كان هواه هوى صاحبه ودان بدينه فهو معه حيث كان(٤) والآخرة هي دار القرار.. )(٥) .
__________________
١ - الدرّ النظيم.
٢ - تحف العقول: ص ٤٥٦.
٣ - نفس المصدر.
٤ - في نسخة: فإذا كان ميلك وهواك إليّ وتحبّني كنت معي حيث كنت أنا.
٥ - تحف العقول: ص ٤٥٦.
هذه بعض مواعظه الحافلة بالدعوة إلى العمل بما يقرّب الإنسان من ربّه، ويبعده عن عقابه، وفيها التحذير من اتّباع النزعات الشريرة القائمة في نفس الإنسان، وهي تدفعه إلى الهلكة والمخاطر، والانجراف في ميادين الرذائل والجرائم.
لقد عنى الإمام محمد الجوادصلىاللهعليهوآله في وعظ الناس وإرشادهم كما عنى آباؤه بذلك، فقد كانت هذه الظاهرة من ألمع ما نقرأه في سيرتهم وحياتهم.
رسائله:
وتبادل الإمام الجوادعليهالسلام مع جماعة من القائلين بإمامته جملة من الرسائل تناولت مختلف القضايا ومن بين تلك الرسائل:
١ - بعث الإمام الجوادعليهالسلام رسالة إلى رجل من أهل الحيرة جاء فيها بعد البسملة:
( الحمد لله الذي انتجب من خلقه، واختار من عباده، واصطفى من النبيّين محمداًصلىاللهعليهوآله فبعثه بشيراً ونذيراً ودليلاً على سبيله الذي من سلكه لحق، ومن تقدّمه مرق، ومن عدل عنه محق، وصلى الله على محمد وآله.
أما بعد: فإني أوصي أهل الإجابة بتقوى الله الذي جعل لمن اتّقاه المخرج من مكروهه، إن الله عزّ وجل أوجب لوليّه ما أوجبه لنفسه ونبيّه في محكم كتابه بلسان عربي مبين.. وقد بلغني عن أقوام انتحلوا المودّة ونحلوا بدين الله، ودين ملائكته شكوا في النعمة، وحملوا أوزارهم وأوزار المقتدين بهم، واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله وما ورثوه من أسلاف صالحين، أبصروا فلزموا، ولم يؤثروا دنيا حقيرة على آخرة مؤبّدة، فأين يذهب المبطلون؟ سوف يأتي عليهم يوم يضمحل عنهم فيه الباطل، وتنقطع أسباب الخدائع، وذلك يوم الحسرة إذ القلوب لدى
الحناجر(١) والحمد لله الذي يفعل ما يشاء وهو العليم الخبير.. )(٢) .
ولم تشر المصادر التي بأيدينا إلى أسماء هؤلاء الأشخاص الذين انحرفوا عن الحقّ، وضلوا عن الطريق، ولم نعلم الأسباب التي دعتهم إلى رفضهم لمبدأ أهل البيتعليهمالسلام وانتحال دين آخر.
٢ - وردت على الإمام أبي جعفرعليهالسلام رسالة رواها بكر بن صالح قال: كتب صهر لي إلى أبي جعفر الثاني رسالة جاء فيها: ( إنّ أبي ناصب خبيث الرأي، وقد لقيت منه شدّة وجهداً، فرأيك جعلت فداك في الدعاء لي، وما ترى جعلت فداك، أفترى أن أكاشفه أم أداريه؟ ).
فأجابه الإمامعليهالسلام بعد البسملة:
( قد فهمت كتابك، وما ذكرت من أمر أبيك، ولست أدع الدعاء لك إن شاء الله، والمداراة خير لك من المكاشفة، ومع العسر يسراً، فاصبر إنّ العاقبة للمتّقين، ثبّتك الله على ولاية من تولّيت، نحن وأنتم وديعة الله التي لا تضيع ودايعه.. )(٣) .
ودلّت هذه الرسالة على لزوم البرّ بالأب، وإن كان ناصبياً مبغضاً لأهل البيتعليهمالسلام وأمرت الولد بالصبر على ما يلقاه من أبيه من جهد وعناء، وبهذه الأخلاق الرفيعة كان الأئّمة يوصون أتباعهم بالتحلّي بها ليكونوا قدوة إلى الناس.
٣ - كان إبراهيم بن محمد وكيل الإمام الجوادعليهالسلام بهمدان لتعليم الناس معالم دينهم، وقبض الحقوق الشرعية منهم، وإرسالها للإمامعليهالسلام وكان قد بعث ما قبضه للإمامعليهالسلام فأرسلعليهالسلام له هذه الرسالة:
__________________
١ - هكذا في الأصل ولعلّ الصحيح بلغت الحناجر.
٢ - الدرّ النظيم: ورقة ٣٢٢ - ٣٢٣.
٣ - بحار الأنوار ج ١٢ ص ١١٢.
( قد وصل الحساب تقبّل الله منك، ورضي عنهم، وجعلهم معنا في الدنيا والآخرة، وقد بعثت لك من الدنانير بكذا، ومن الكسوة بكذا، فبارك الله فيك، وفي جميع نِعم الله إليك، وقد كتبت إلى النصر أمرته أن ينتهي عنك، وعن التعرّض لك، ولخلافك، وأعلمته بوضعك عندي وكتبت إلى أيّوب أمرته بذلك أيضاً، وكتبت إلى موالي بهمدان كتاباً أمرتهم بطاعتك، والمصير إلى أمرك، وأن لا وكيل سواك.. )(١) .
وأعربت هذه الرسالة عن مزيد ثقة الإمامعليهالسلام بوكيله إبراهيم، ودعمه الكامل له فقد اتّصل بالمناوئين له وأمرهم بطاعته، والمصير إلى أمره، وتقوية مركزه.. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض رسائله.
التوبة:
وفتح الله باب التوبة لعباده، ودعاهم إلى طهارة نفوسهم، وإنقاذهم ممّا اقترفوه من عظيم الجرائم والذنوب، وقد روى أحمد بن عيسى في نوادره عن أبيه أنّ رجلاً أربى دهراً(٢) ، فخرج قاصداً أبا جعفر الجوادعليهالسلام ، وعرض عليه ما ارتكبه من عظيم الإثم فقالعليهالسلام له:
( مخرجك من كتاب الله، يقول الله:( فَمَن جَاءَهُ مَوْعظَةٌ من ربِّه فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ ) والموعظة هي التوبة، فجهله بتحريمه، ثمّ معرفته به، فما مضى فحلال وما بقي فليستحفظ.. )(٣) .
أمّا الأموال الربوية التي أخذها - بغير حقّ - فيجب عليه أن يردّها إلى أربابها
____________
١ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١٦٢.
٢ - أربى دهراً: أي كان يتعاطى الربا زمناً.
٣ - وسائل الشيعة: ج ١٢ ص ٤٣٣.
ولا تبرأ ذمّته منها بالتوبة والرواية ناظرة إلى الحكم التكليفي.
من وحي الله لبعض أنبيائه:
وروى الإمام الجوادعليهالسلام عن آبائهعليهمالسلام أنّ الله تعالى: ( أوحى إلى بعض الأنبياء أمّا زهدك في الدنيا فتعجلك الراحة، وأمّا انقطاعتك إليّ فيعزّزك بي، ولكن هل عاديت لي عدوّاً، وواليت لي وليّاً؟.. )(١) .
ما يحتاج إليه المؤمن:
وتحدّث الإمام الجوادعليهالسلام ، عمّا يحتاج إليه المؤمن في هذه الحياة بقوله: ( المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممّن ينصحه )(٢) .
روائع الحكم والآداب:
للإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام مجموعة من الكلمات الذهبية التي تُعدّ من مناجم التراث الإسلامي ومن أروع الثروات الفكرية في الإسلام، وقد حفلت بأصول الحكمة، وقواعد الأخلاق وخلاصة التجارب، وفيما يلي بعضها:
١ - قالعليهالسلام : (لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولنَ عليكم الأمل فتقسوا قلوبكم، وارحموا ضعفاءكم، واطلبوا الرحمة من الله بالرحمة منكم .. ).
وحفل هذا الحديث بأمور بالغة الأهمّية، وقد جاء فيه:
أ - النهي عن العجلة والتسرّع في الأمور قبل أن يتبيّن حالها، وذلك لما تجرّ من
__________________
١ - تحف العقول: ص ٤٥٥ - ٤٥٦.
٢ - تحف العقول: ص ٤٥٧.
الندامة والخسران.
ب - النهي عن طول الأمل لأنّه ممّا يوجب قسوة القلب، والبعد عن الله.
ج - الحثّ على رحمة الضعفاء، والإحسان إلى المحرومين، فإنّ ذلك مفتاح لطلب الرحمة من الله.
٢ - قالعليهالسلام : (ثلاثة يبلغن بالعبد رضوان الله تعالى: كثرة الاستغفار، ولين الجانب، وكثرة الصدقة، وثلاث من كنّ فيه لم يندم: ترك العجلة، والمشورة، والتوكّل على الله عند العزم .. ).
وحفل هذا الحديث بالدعوة لما يقرّب الإنسان من ربّه، فقد حثّ على كثرة الاستغفار، ولين الجانب، وكثرة الصدقة، وهذه الخصال يحبّها الله، ويبلغ بها العبد رضوانه تعالى كما حفل الحديث بما يسعد به الإنسان في هذه الحياة، فقد دعاه إلى الاتّصاف بهذه الخصال الثلاث وهي:
أ - ترك العجلة، فإنّ العجلة تسبّب للإنسان كثيراً من المشاكل والخطوب وقد قيل:
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته |
وقد يكون مع المستعجل الزلل |
ب - المشورة في الأمور، وعدم الاستبداد فيها، فإنّ الإنسان كثير ما يخطئ.
ج - التوكّل على الله تعالى عند العزم على ما يريد أن يفعله الإنسان، والابتعاد عن التردّد الذي يسبّب القلق النفسي، والاضطراب في الشخصيّة.
٣ - قالعليهالسلام : ( كيف يضيع من الله كافله، وكيف ينجو من الله طالبه؟.. ).
وفي هذا الحديث الشريف دعوة إلى الاتصال بالله، والوثوق بقدرته تعالى فإنّ من المستحيل أن يضيع من يكفله الله، كما إنّ من المستحيل أن ينجو من كان الله يطلبه.
٤ - قالعليهالسلام : ( يوم العدل على الظالم أشبه من يوم الجور على المظلوم.. ).
وحذّر الإمامعليهالسلام من الظلم والاعتداء على الناس، فإنّ الله تعالى لابدّ أن ينتقم من الظالم إن عاجلاً أو آجلاً، وإنّ يوم العدل والقصاص الذي يمرّ عليه يكون شبيهاً في شدّته وقسوته باليوم الذي كان على المظلوم.
٥ - قالعليهالسلام : (ما هدم الدين مثل البدع، ولا أزال الوقار مثل الطمع، وبالراعي تصلح الرعية، وبالدعاء تصرف البلية .. ).
وصوّرت هذه الكلمات بعض الجوانب الدينية، والاجتماعية والسياسية، وهي:
أ - البدع التي تلصق بالدين فإنّها تشوّه واقعه، وتلحق به الخسائر لأرصدته الروحية والفكرية.
ب - الأطماع التي تقضي على أصالة الشخص، وتجرّه إلى ميادين سحيقة من مجاهل هذه الحياة.
ج - صلاح الراعي ممّا يوجب صلاح الشعب، وتطوّره، وتنميته الفكرية والاجتماعية.
د - الدعاء إلى الله فإنّه من موجبات صرف البلاء ودفع القضاء.
٦ - قالعليهالسلام : (اعلموا أنّ التقوى عزّ، وإنّ العلم كنز، وإنّ الصمت نور ).
ولاشك في هذه الحقائق التي أدلى بها الإمام العظيمعليهالسلام فإنّ تقوى الله عز وشرف للإنسان، كما أن العلم من أعظم الكنوز وأثمنها في هذه الحياة، أمّا الصمت فإنه نور لأنّه يعود على صاحبه بأفضل النتائج ويجنّبه كثيراً من المشاكل والخطوب.
٧ - قالعليهالسلام : (ما استوى رجلان في حسب ودين إلاّ كان أفضلهما عند الله أدبهما.. إلى أن قال: بقراءته القرآن كما أنزل، ودعائه الله من حيث لا يلحن، فإنّ الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله .. ).
وأشادت هذه الكلمات بالآداب وجعلتها من مميّزات الشخص، ومن موجبات القرب إلى الله تعالى، كما جعلت من صميم الآداب قراءة القرآن الكريم بعيداً عن اللحن، الذي يوجب كثيراً تشويه المعنى وتحريفه كما شجب الإمامعليهالسلام اللحن وإنّ الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله تعالى.
٨ - قالعليهالسلام : (من شتم أجيب، ومن تهوّر أصيب .. ).
ما أروع هذه الكلمة التي حكت الواقع الاجتماعي، فإنّ من يتعرّض للناس بالسباب والشتم فإنه - حتماً - يُجاب بالمثل، كما أنّ المتهوّر يُصاب من جرّاء تهوّره بالهلاك والدماء.
٩ - قالعليهالسلام : (العلماء غرباء لكثرة الجهّال بينهم .. ).
العلماء غرباء في المجتمع الذي يسوده الجهل فإنّ بضاعتهم لا يقيّم لها الجهّال وزناً بل ويزدرون بها، وأي غربة للعالم أعظم من هذه الغربة.
١٠ - قالعليهالسلام : (من طلب البقاء فليُعدّ للمصائب قلباً صبوراً ).
إنّ من أراد البقاء وطول الحياة فليتسلّح بالصبر، ولا يجزع من المصائب والأحداث التي تمرّ به فإنّ الجزع يقضي على الإنسان، ويعرّضه للفناء والأسقام.
١١ - قالعليهالسلام : (من عمل بغير علم كان ما أفسد أكثر ممّا أصلح ).
إنّ العمل بغير هدى وبغير علم لا يوصل إلى نتيجة صحيحة، ويكون مدعاة إلى الخطأ وعدم إصابة الواقع، ففي الحقيقة إنّ ما يفسده أكثر ممّا يصلحه.
١٢ - قالعليهالسلام : (من استفاد أخاً في الله فقد استفاد بيتاً في الجنّة ).
إنّ من يستفيد أخاً في الله فقد ظفر بأفضل النعم وذلك لما يستفيد منه من التوجيه نحو الخير والبعد عن الشرّ، وكلّ ما يزيّنه، ويبلغ به رضوان الله.
١٣ - قالعليهالسلام : (من أطاع هواه أعطى عدوّه مناه ).
إنّ إطاعة الهوى والانقياد للشهوات تحقّق للعدو أعظم أمانيه، فإن أطاع إبليس فقد تحقّق ما يبتغيه من حيلولة العبد عن ربّه، وإن كان غيره فإنّ إطاعة الهوى ممّا تسقط الشخص اجتماعياً، وهذا أعظم سرور الأعداء.
١٤ - قالعليهالسلام : (راكب الشهوات لا تقال عثرته .. ).
إنّ من انقاد لشهواته صار أسيراً لها فإنّه لا تقال له عثرة، ولا يمنح العذر في ذلك.
١٥ - قالعليهالسلام : (عزّ المؤمن غناه عن الناس .. ).
إنّ أهم ما يعتزّ به المؤمن إذا أغناه الله عن الناس، ولم تكن له أيّة مصلحة عندهم، فإنّه يكون حرّاً بذلك قد ملك عزّه وشرفه.
١٦ - قالعليهالسلام : (لا يكن ولي الله في العلانية عدواً له في السرِّ ).
إنّ الذي يتولى الله ويؤمن به إنّما يكون صادقاً فيما إذا خاف الله في علانيّته وسرّه، أمّا إذا تولاّه أمام الناس، وعصاه سرّاً فإنّه لم يكن في إيمانه صادقاً وإنّما كان كاذباً ومنافقاً.
١٧ - قالعليهالسلام : (اصبر على ما تكره فيما يلزمك الحقّ، واصطبر عمّا لا تحب فيما يدعوك إلى الهوى. . ).
أمرعليهالسلام الناس بالانقياد للحقّ وإن كان مخالفاً للرغبات والميول كما أمر بمجانبة الهوى والابتعاد عنه.
١٨ - قالعليهالسلام : (قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعاً لما يهواه ).
عرضعليهالسلام بذلك إلى بعض الأذناب والعملاء من أتباع السلطة الذين يحجبون عن المسؤولين ما تحتاج إليه الأمّة من الإصلاح الشامل، ففي الحقيقة هؤلاء هم الأعداء، وإن أظهروا المودّة والإخلاص.
١٩ - قالعليهالسلام : (إيّاك ومصاحبة الشرير فإنّه كالسيف المسلول، يحسن منظره، ويقبح أثره .. ).
حذّر الإمامعليهالسلام من مصاحبة الشرير وذلك لما تترتّب على مصاحبته من الآثار السيئة التي منها الوقوع في المهالك، وإنّه مهما حسن سمته فهو كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره.
٢٠ - قالعليهالسلام : (الحوائج تُطلب بالرجاء، وهي تنزل بالقضاء ).
إنّ حوائج الناس إنّما تُطلب بالرجاء من الله، وهي تنزل بقضائه، ولا دخل في ذلك لسعي الإنسان وإرادته.
٢١ - قالعليهالسلام : (العافية أحسن عطاء .. ).
إنّ من أفضل نعم الله التي أسبغها على عباده هي الصحّة والعافية، فهي الثروة والغنى، ومن حرم العافية فقد حُرِم كلّ شيء في الحياة.
٢٢ - قالعليهالسلام : (إذا نزل القضاء ضاق الفضاء .. ).
إنّ قضاء الله إذا نزل بالإنسان واختاره تعالى إلى جواره فإنّ الفضاء على سعته يضيق به.
٢٣ - قالعليهالسلام : (لا تعادي أحداً حتى تعرف الذي بينه وبين الله فإن كان محسناً لم يسلمه إليك، وإنّ كان مسيئاً فعلمك به يكفيكه فلا تعاده ).
وحذّر الإمامعليهالسلام من العداوة للنّاس، وإنّ المسلم ينبغي أن يغرس في نفسه الحبّ والولاء لأخيه المسلم، وأمر بالفحص عمّن نعاديه فإن كانت علاقته قويّة مع الله تعالى فإنّه لا يسلمه لنا، وإن كان مسيئاً فعلمنا بإسائته يكفينا عن عدوانه.
٢٤ - قالعليهالسلام : (التحفّظ على قدر الخوف، والطمع على قدر النيل .. ).
إنّ الحذر والتحفّظ من أي شيء كان إنّما هو على قدر الخوف منه، فالتحفّظ
- مثلاً - من الوقوع في المعاصي إنّما هو على قدر الخوف من الله فإن كان الخوف قوياً فيمتنع الإنسان امتناعاً كلّياً من اقتراف أي ذنب أو مخالفة لله وإن كان ضعيفاً فإنه قد يقع في الإثم والحرام، كما أنّ الطمع في الشيء على قدر النيل منه، فإن كان النيل متوفّراً له كان الطمع قوياً وبالعكس.
٢٥ - قالعليهالسلام : (كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة .. ).
إنّ أعظم دليل على خيانة المرء لنفسه وأمته أن يكون أميناً للخونة ومعيناً لهم.
٢٦ - قالعليهالسلام : (ما شكر الله أحد على نعمة أنعمها عليه إلاّ استوجب بذلك المزيد قبل أن يظهر على لسانه .. ).
إنّ الله تعالى الذي بيده الخير والحرمان قد وعد - وهو لا يخلف الميعاد - من شكره بالمزيد قال تعالى:( لئن شكرتم لأزيدنّكم ) وهو يعطي المزيد فيما إذا نوى العبد الشكر قبل أن يظهره بلسانه.
٢٧ - قال الإمامعليهالسلام : (من أمل فاجراً كان أدنى عقوبته الحرمان .. ).
لا ينبغي لأيّ إنسان يملك وعيه واختياره أن يأمّل غير خالقه، فإذا أمّل فاجراً فأقلّ ما يعاقب به الحرمان وعدم قضاء حاجته.
٢٨ - قال الإمامعليهالسلام : (موت الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل، وحياته بالبرّ أكثر من حياته بالعمر .. ).
يشير الإمامعليهالسلام إلى الحياة المعنوية، فمن يقترف الذنوب والجرائم فهو ميّت بين الأحياء ومن يعمل البرّ ويسدي الخير لأمته وبلاده فهو حيّ ومخلّد ذكره وإن مات.
٢٩ - قالعليهالسلام : (من أخطأ وجوه المطالب خذلته وجوه الحيل ).
يريد الإمامعليهالسلام إنّ من يخطئ في سلوكه فإنّ وجوه الحيل وطرقه تخذله ولا يصل إلى نتيجة صحيحة.
٣٠ - قال الإمامعليهالسلام : (من استحسن قبيحاً كان شريكاً فيه ).
إنّ من يستحسن القبيح، أو يدافع عنه فإنّه يتحمّل وزره وإثمه ويكون شريكاً لفاعله.
٣١ - قال الإمامعليهالسلام : (من كتم همّه سقم جسده .. ).
لا إشكال أنّ كتمان الهمّ، وعدم نشره بين الأهل والإخوان ممّا يوجب تدهوّر الصحّة وإذابة الجسم، وإشاعة السقم فيه.
٣٢ - قال الإمامعليهالسلام : (أربع خصال تعين المرء على العمل: الصحّة، والغني، والعلم والتوفيق .. ).
هذه الأمور الأربعة: التي أدلى بها الإمامعليهالسلام من المقدّمات التمهيدية لإيجاد فعل الخير وتحقّقه في الخارج.
٣٣ - قال الإمامعليهالسلام : (العامل بالظلم، والمعين عليه، والراضي به شركاء .. ).
إنّ هؤلاء الأصناف الثلاث كلّهم يشتركون في الإثم، والعقاب، فإنّ الظلم الذي هو أبغض شيء إلى الله تعالى يستند إلى بعض هؤلاء بالمباشرة، وإلى البعض الآخر بالرضا.
٣٤ - قال الإمامعليهالسلام : (الصبر على المصيبة مصيبة للشامت ).
إنّ الصبر على المصيبة وعدم إبداء الجزع عليها تكون من أعظم المصائب على الشامت الذي يريد أن تحرق المصيبة من شمت به.
٣٥ - قال الإمامعليهالسلام : (لو سكت الجاهل ما اختلف الناس ).
إنّ انطلاق الجاهل في المواضيع التي يجهلها هي التي أوجدت الاختلاف بين الناس.
٣٦ - قال الإمامعليهالسلام : (مقتل الرجل بين فكّيه ).
إنّ هلاك الإنسان بمنطقه فكثيراً ما يجرّ الكلام الدمار لصاحبه، وقد لاقى أحرار العالم القتل بسبب ما أدلوا به من النقد لحكّام الظلم والجور.
٣٧ - قال الإمامعليهالسلام : (الناس أشكال، وكلّ يعمل على شاكلته ).
وألمت هذه الكلمة بالواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس، فهم أصناف مختلفة في الميول والاتّجاهات، وكلّ يعمل وفق اتّجاهه الفكري، والعقائدي.
٣٨ - قال الإمامعليهالسلام : (الناس إخوان فمن كانت اخوّته في غير ذات الله، فإنّها تعود عداوة، وذلك قوله عزّ وجل :( الأخِلاَءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَ الْمُتَّقِينَ ) .
إن الصداقة إذا لم تقم على أساس المحبة في الله وقامت على أساس المنافع والمصالح الشخصية فإنها – حتماً – تنقلب إلى العداوة والبغضاء حينما تتأثّر المصالح القائمة بينهما بمؤثرات أخرى.
٣٩ - قال الإمامعليهالسلام : (كفر النعمة داعية للمقت .. ).
لا شك أن الكفر بالنعمة وعدم الشكر لها مما يوجب المقت عند الله والناس.
٤٠ - قال الإمامعليهالسلام : (من جازاك بالشكر فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك ).
إن مجازاة المحسن بالشكر وإذاعة فضائله ومعروفه هي في الحقيقة أكثر من عطائه لأنها توجب له الذكر الحسن الذي هو أعظم مكسب للإنسان.
٤١ - قال الإمامعليهالسلام : (من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه ).
إن موعظة الأخ والصديق إذا كانت سرّاً فإنّها تنمّ عن الإخلاص والصدق في الموعظة وإذا كانت علانية فإنها لا تخلو من التشهير به.
٤٢ - قال الإمامعليهالسلام : (ما أنعم الله على عبد نعمة يعلم أنّها من الله إلاّ كتب الله
على اسمه شكرها له قبل أن يحمده، ولا أذنب العبد ذنباً فعلم أنّ الله يطّلع عليه إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له، إلاّ غفر له قبل أن يستغفر .. ).
إنّ الإنسان إذا اتصل بربّه، وارتبط بخالقه فإنه تعالى يكتبه من الشاكرين لنعمته قبل أن يتلفظ العبد بالشكر، كما يغفر له خطيئته قبل أن يستغفر منها.
٤٣ - قال الإمامعليهالسلام : (الشريف كلّ الشريف من شرّفه علمه، والسؤدد كل السؤدد لمن اتّقى الله ربّه. . ).
إنّ الشرف كلّ الشرف إنّما هو بالعلم لا بغيره من الاعتبارات التي يؤول أمرها إلى التراب كما أنّ حقيقة السؤدد إنما هي في تقوى الله وطاعته، واجتناب معاصيه.
٤٤ - قالعليهالسلام : (من شهد أمراً فكرهه كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده .. ).
جاء في الحديث: لكلّ امرئ ما نوى ) فإذا حضر أمراً وكان كارهاً له وغير راض به فإنّه يكون كمن غاب عنه، ولا يكتب عليه إثمه، إن كان فيه إثم، ومن غاب عن أمر فرضي به يكون كمن شهده فيكتب له خيره أو شرّه.
٤٥ - قالعليهالسلام : (من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس، فقد عبد إبليس .. ).
إنّ من أصغى إلى ناطق وآمن بقوله: واعتقد به، فإن كان ذلك الناطق مبلّغاً عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق مبلّغاً عن إبليس فقد عبده.
٤٦ - قالعليهالسلام : (إظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له ).
إنّ إذاعة أيّة فكرة سياسية أو اجتماعية قبل أن تستحكم ويتمّ أمرها، فإنّه مفسدة لها، وربما توجب إقبارها قبل أن تظهر إلى حيز الوجود.
٤٧ - قالعليهالسلام : (نعمة لا تشكر سيئة لا تغفر ).
إنّ عدم شكر النعمة من السيئات التي لا تغفر؛ لأنّ في ذلك تضييعاً للإحسان الذي يجب أن يشكر.
٤٨ - قالعليهالسلام : (من هجر المداراة قاربه المكروه .. ).
إنّ من لا يداري الناس فقد تعرّض للمكروه والإساءة إلى نفسه.
٤٩ - قالعليهالسلام : (من انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة، فقد عرّض نفسه للهلكة والعاقبة المتعبة .. ).
إنّ من يطمئن إلى شيء ويثق به قبل أن يختبره ويفحصه فإنّه من الطبيعي قد عرّض نفسه إلى الهلكة والخسران.
٥٠ - قالعليهالسلام : (من لم يعرف الموارد أعيته المصادر .. ).
إنّ من جهل موارد الأشياء ومداخلها فقد أعيته المصادر والخروج منها.
٥١ - قالعليهالسلام : (لا يغرّك من سخطه الجور .. ).
وفي هذا الحديث تحذير من الاتصال بالظالمين الذين إذا سخطوا قابلوا الناس بالاستبداد والجور.
٥٢ - قالعليهالسلام : (الأيام تهتك الأمر عن الأسرار الكامنة .. ).
كلّما تقدّمت الأيام، وكرّت الليالي ستنكشف أسرار الطبيعة، وخفايا الحقائق وما جهله الإنسان في عالم الفضاء ودنيا الكواكب، وغير ذلك من الأسرار المذهلة في هذا الكون.
٥٣ - قالعليهالسلام : (من عتب من غير ارتياب أعتب من غير استعتاب .. ).
إذا كان العتاب من غير ريبة قُبل العتاب، ولا يقابل بالاستعتاب.
٥٤ - قالعليهالسلام : (أفضل العبادة الإخلاص .. ).
الإخلاص جوهر العبادة وروحها فإذا تعرّت عنه فقد فقدت أهمّ عناصرها
ومقوّماتها.
٥٥ - قالعليهالسلام : (الثقة بالله تعالى ثمن لكلّ غال، وسلم إلى كل عال .. ).
إنّ الحياة إنما تسمو فيما إذا كانت مشفوعة بالثقة بالله تعالى خالق الكون وواهب الحياة كما أنّ الثقة به تعالى هي السلم الذي يبلغ به الإنسان القمم العالية في دنيا الوجود.
هذه بعض كلمات الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام (٧٦) وقد عالج بها مختلف القضايا. وقد عرض فيها لعلم الاجتماع وعلم النفس، ووضع برامج الأدب، وخلاصة التجارب وما ينفع الناس.
__________________
١ - المصادر التي اقتبسنا منها هذه الكلمات الذهبية هي: تحف العقول: ص ٤٥٥ - ٤٥٧، نزهة الجليس: ج ٢ ص ١١١، مرآة الجنان: ج ٢ ص ٨٠، مجموعة ورام: ص ١٠٩، أعيان الشيعة: ج ٢ - ٤ ٢٤٤، وسائل الشيعة، جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام.
أصحابه ورواة حديثه
واحتفّ جمهور كبير من العلماء والرواة بالإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام وهم يقتبسون من نمير علومه التي ورثها من جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكانوا يدوّنون أحاديثه وفتاواه وما يدلي به من روائع الحكم والآداب، ولهؤلاء الأعلام يرجع الفضل في تدوين ذلك التراث القيّم الذي يعدّ من ذخائر الثروات الفكرية في الإسلام.
لقد عمل أصحاب الأئمة عليهالسلام بوحي من عقيدتهم الدينية التي ألزمتهم بالحفاظ على أحاديث الأئّمة وتدوينها، والتي يرجع إليها فقهاء الشيعة الإمامية في استنباطهم للأحكام الشرعية، ولولاها لما كان للشيعة هذا الفقه المتطوّر العظيم الذي اعترف بأصالته وعمقه جميع رجال الفكر والقانون في العالم.
و الشيء الذي يدعو إلى الاعتزاز والفخر بأصحاب الأئمةعليهمالسلام هو أنّهم قد جهدوا على ملازمة الأئمة وتدوين أحاديثهم في وقت كان من أعسر الأوقات، وأشدها حراجة، وأعظمها ضيقاً فقد ضربت الحكومات العباسية الحصار الشديد على الأئمة ومنعت من الاتصال بهم لئلا تتبعهم الجماهير الإسلامية، وقد بلغ من الضيق على العلماء والرواة أنّهم كانوا لا يستطيعون أن يجهروا باسم أحد الأئّمة الذين أخذوا عنه وإنّما كانوا يلمّحون إليه ببعض أوصافه وسماته من دون التصريح باسمه خوفاً من القتل أو السجن.
وعلى أي حال فنعرض إلى ما نعثر عليه من تراجم أصحاب الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام لأنّ ذلك من متمّمات البحث عن حياته فإنّه يكشف جانباً أصيلاً من
حياته الفكرية والعلمية، وفيما يلي ذلك:
(أ)
١ - إبراهيم بن داود:
اليعقوبي عدّه الشيخ مرّة من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام وأخرى من أصحاب الإمام الهاديعليهالسلام (١) وذكره البرقي في أصحاب الإمام الجواد والإمام الهاديعليهماالسلام (٢) والظاهر أنه إمامي مجهول الحال.
٢ - إبراهيم بن محمد:
الهمداني عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والجوادعليهماالسلام وذكر الكشي في ترجمته له أنّه كان وكيلاً وأنّه حجّ أربعين حجّة، وقد ذكرنا في البحوث السابقة رسالة الإمام أبي جعفرعليهالسلام له وهي تدلّ على وثاقته، وعظيم منزلته عند الإمامعليهالسلام ، وروى الكشي بسنده عنه أنه قال: كتبت إلى أبي جعفرعليهالسلام أصف له صنع السبع بي، وكتب بخطّه: ( عجل الله نصرتك ممّن ظلمك، وكفاك مؤنته، وأبشرك بنصر الله عاجلاً، وبالأجر آجلاً، وأكثر من حمد الله )(٣) وذكر سيدنا الأستاذ طبقته في الحديث(٤) .
٣ - إبراهيم بن مهزيار:
أبو إسحاق الأهوازي، له كتاب البشارات(٥) عدّه الشيخ في رجاله من
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٣٩٧.
٢ - رجال البرقي: ص ٥٧.
٣ - رجال الكشي: ج ٢ ص ٨٦٩.
٤ - معجم رجال الحديث: ج ١ ص ١٥٧.
٥ - رجال النجاشي: ص ١٢.
أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ومن أصحاب الإمام الهاديعليهالسلام وروى الكشي عن أحمد بن علي بن كلثوم قال: ( وكان من الفقهاء، وكان مأموناً على الحديث قال: حدّثني محمد بن إبراهيم بن مهزيار، قال: إنّ أبي لما حضرته الوفاة دفع إليَّ مالاً، وأعطاني علامة، ولم يعلم بتلك العلامة أحد إلاّ الله عزوجل، وقال: من أتاك بهذه العلامة فادفع إليه المال، قال: فخرجت إلى بغداد، ونزلت في خان، فلما كان اليوم الثاني إذ جاء شيخ ودقّ الباب، فقلت للغلام: انظر من هذا؟ فقال: شيخ بالباب، فقلت: ليدخل، فدخل وجلس، فقال: أنا العمري، هات المال الذي عندك، وهو كذا وكذا، ومعه العلامة، قال: فدفعت إليه المال(١) .
وقد وقع إبراهيم بن مهزيار بهذا العنوان في إسناد كثير من الروايات تبلغ خمسين مورداً(٢) .
ذكره الصدوق في باب من شاهد الإمام المنتظر ( عجل الله فرجه )، وذكر له حديثاً مفصّلاً وطريقاً في هذا النوع(٣) .
٤ - إبراهيم بن مهرويه:
من أهل جسر بابل، عدّه الشيخ من أصحاب الجوادعليهالسلام ، والظاهر أنّه إمامي مجهول الحال(٤) .
٥ - أحمد بن حمّاد:
المروزي، ذكره الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، كتب إليه الإمام
__________________
١ - رجال الكشي: ج ٢ ص ٨١٣.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ١ ص ١٦٩.
٣ - تنقيح المقال: ج ١ ص ٣٦ - ٣٧.
٤ - تنقيح المقال: ج ١ ص ٣٥.
الجوادعليهالسلام رسالة جاء فيها: ( أمّا الدنيا فنحن فيها متفرّجون في البلاد، ولكن من هوى صاحبه فإن يدينه فهو معه وإن كان نائياً عنه، وأمّا الآخرة فهي دار القرار )(١) .
جرت بينه وبين أبي الهذيل العلاّف مناظرة، وقد أثبت أحمد فيها ضرورة الإمامة، وفيما يلي نصّها:
- أحمد: إني أتيتك سائلاً؟
- أبو الهذيل: سل وأسأل الله العصمة.
- أحمد: أليس من دينك أنّ العصمة والتوفيق لا يكونان إلاّ من الله لا بعمل تستحقّه به.
- أبو الهذيل: نعم.
- أحمد: فما معنى دعائك؟ اعمل وخذ.
- أبو الهذيل: هات مسألتك.
- أحمد: شيخي اخبرني عن قول الله عزوجل:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ديِنَكُمْ ) .
- أبو الهذيل: قد أكمل لنا الدين.
- أحمد: شيخي، اخبرنا إن سألتك عن مسألة لا تجدها في كتاب الله، ولا في سنة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولا في قول أصحابه، ولا في حيلة فقهائهم ما أنت صانع؟
- أبو الهذيل: هات.
- أحمد: شيخي، خبرني عن عشرة كلّهم عنين وقعوا في طهر واحد بامرأة، وهم مختلفو الأمر، فمنهم من وصل إلى بعض حاجته، ومنهم من قارب حسب
__________________
١ - الكشي: ج ٢ ص ٨٣٣.
الإمكان منه، هل في خلق الله اليوم من يعرف حدّ الله في كلّ رجل منهم مقدار ما ارتكب من الخطيئة فيقيم عليه الحدّ في الدنيا ويطهر منه في الآخرة؟ وليعلم ما يقول: في أنّ الدين قد كمل..
- أبو الهذيل: هيهات(١) .
لقد كان أحمد بن حماد بن أعلام الشيعة وثقاتهم وقد وردت بعض الأخبار تقدح فيه إلاّ أنّ الأستاذ الخوئي ناقشها، وأثبت عدم صحّتها(٢) .
٦ - أحمد بن إسحاق:
الأشعري القمّي، كان وافد القمّيّين(٣) ، روى عن الإمام الجوادعليهالسلام وأبي الحسن، وكان من العلماء، ألف الكتب التالية:
١ - كتاب علل الصلاة.
٢ - مسائل الرجال لأبي الحسن الثالث.
وجاء في القسم الأول من الخلاصة أنّه ثقة، وكان وافد القمّيّين روى عن أبي جعفر الثاني، وأبي الحسن، وكان خاصة أبي محمد، وشيخ القمّيّين، رأى صاحب الزمان ( عجل الله فرجه ).
وممّا يدل على عظيم شأنه عند الأئمةعليهمالسلام ما رواه الكشي بسنده عن أحمد بن الحسين القمي الآبي أبو علي، قال: كتب محمد بن أحمد بن الصلت القمي إلى ( الدار ) كتاباً ذكر فيه قصّة أحمد بن إسحاق القمي وصحبته، وأنه يريد الحجّ، واحتاج إلى ألف دينار، فإن رأى سيدي أن يأمر باقراضه إياه، ويسترجع منه في البلد إذا انصرف
____________
١ - الكشي: ج ٢ ص ٨٣٤.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ٢ ص ١٠٢.
٣ - وافد القمّيّين: كانت أهالي قم توفده إلى الأئمةعليهمالسلام لأخذ المسائل الفقهية عنهم.
فافعل؟ فوقععليهالسلام : هي له مناصلة، وإذا رجع فله عندنا سواها(١) .
ووردت أخبار كثيرة في الثناء عليه، وأنّه من عيون أصحاب الأئمةعليهمالسلام فضلاً وزهادة وتحرّجاً في الدين.
٧ - أحمد بن عبد الله:
ابن عيسى القمي الأشعري، ثقة له نسخة عن أبي جعفر الثانيعليهالسلام حسبما يقول النجاشي.
٨ - أحمد بن عبد الله:
الكوفي، الكرخي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) .
٩ - أحمد بن محمد:
ابن أبي نصر البزنطي، كوفي ثقة، لقي الإمام الرضاعليهالسلام وكان عظيم المنزلة عنده، روى عنه كتاباً، له من الكتب ما يلي:
١ - كتاب الجامع.
٢ - كتاب النوادر.
٣ - كتاب نوادر.
قال النجاشي: لقي الرضا، وأبا جعفرعليهماالسلام ، وكان عظيم المنزلة عندهما، وروى الكشي بسنده عنه أنّه قال: دخلت على أبي الحسنعليهالسلام أنا وصفوان بن يحيى ومحمد بن سنان.. فجلسنا عنده ساعة، ثمّ قمنا، فقال لي: أمّا أنت يا أحمد فاجلس، فجلست فأقبل يحدّثني، فأسأله فيجيبني حتى ذهبت عامّة الليل، فلمّا أردت الانصراف قال لي: يا أحمد، تنصرف أو تبيت؟ قلت: جعلت فداك، ذلك إليك إن
__________________
١ - رجال الكشي: ج ٢ ص ٨٣١.
٢ - رجال الطوسي: ص ٣٩٩.
أمرت بالانصراف انصرفت، وإن أمرت بالقيام أقمت، قال: أقم فهذا الحرس، وقد هدأ الناس، وناموا، فقام وانصرف فلمّا ظننت أنه دخل، خررت لله ساجداً فقلت: الحمد لله، حجة الله، ووارث علم النبيّين أنس بي من بين إخواني، وحبّبني، فأنا في سجدتي وشكري فما علمت إلاّ وقد أقبل الإمام.. فأخذ بيدي فغمزها، ثمّ قال: إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام عاد صعصعة في مرضه، فلمّا قام من عنده قال: يا صعصعة لا تفتخرنّ على أعوانك بعيادتي إيّاك، واتّق الله، ثمّ انصرف عني.
إنّ أئمة أهل البيتعليهمالسلام لا يرضون بالزهو ولا بالافتخار ويرون ذلك ضرباً من ضروب البعد عن الله، وإنّ اللازم على المسلم أن يتّصل بالله اتصالاً واقعياً، ولا يشرك أي أحد في الاتصال به.
طبقته في الحديث:
وقع بهذا العنوان في إسناد جملة من الروايات تبلغ زهاء سبعمائة وثمانية وثمانين مورداً، وذكر الأستاذ الخوئي من روى عنه(١) .
وفاته:
توفي هذا العالم الكبير سنة (٢٢١)(٢) وقد خسر المسلمون في وقته علماً من أعلام التقوى والفقه.
١٠ - أحمد بن محمد:
ابن عبيدة القمّي الأشعري، من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ذكر ذلك الشيخ(٣) .
__________________
١ - معجم رجال الحديث: ج ٢ ص ٢٣٥ - ٢٤٢.
٢ - رجال النجاشي: ص ٧٥.
٣ - رجال الطوسي: ص ٣٩٨.
١١ - أحمد بن محمد:
ابن خالد البرقي، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، ومن أصحاب الإمام الهاديعليهالسلام ، ولابدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عنه.
مؤلفاته:
ألف كتباً كثيرة منها المحاسن، وكتاب الإبلاغ، وكتاب التراحم والتعاطف، وكتاب آداب النفس، وكتاب المنافع، وكتاب المعاشرة، وكتاب المعيشة، وغيرها ممّا يزيد على المائة ذكرها النجاشي، والشيخ في الفهرست.
الطعن عليه:
أما الطعن الذي يواجهه فهو روايته عن الضعفاء، واعتماده على المراسيل قال ابن الغضائري: طعن عليه القميّون، وليس الطعن فيه، إنما الطعن فيمن يروي عنه، فإنّه كان لا يبالي عمّن يأخذ عنه على طريقة أهل الأخبار وكان أحمد بن عيسى أبعده عن قم ثمّ أعاده إليها واعتذر إليه، وقال: وجدت كتاباً فيه وساطة بين أحمد بن محمد بن عيسى وبين أحمد بن محمد بن خالف، لمّا توفي مشى أحمد بن محمد بن عيسى في جنازته حافياً حاسراً ليبرئ نفسه ممّا قذفه به.
طبقته في الحديث:
وقّع بعنوان أحمد بن خالد في إسناد جملة من الروايات تبلغ زهاء ثمانمائة وثلاثين مورداً، وذكر سيدنا الأستاذ الخوئي من روى عنه(١) .
١٢ - أحمد بن محمد:
ابن بندار الأقرع مولى الربيع عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، وظاهره أنّه إمامي مجهول الحال(٢) .
__________________
١ - معجم رجال الحديث: ج ٢ ص ٢٦٧ - ٢٧٤.
٢ - تنقيح المقال: ج ١ ص ٨١.
١٣ - أحمد بن محمد:
ابن عبيد الله الأشعري القمّي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، وكذلك ذكره البرقي، قال النجاشي: إنّه شيخ أصحابنا ثقة روى عن أبي الحسن الثالثعليهالسلام .. له كتاب نوادر(١) .
١٤ - أحمد بن محمد:
ابن عيسى الأشعري القمي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، وهو أول من سكن قم، يكنّى أبا جعفر، قال الكشي: ( وأبو جعفر ( رضي الله عنه ) شيخ القمّيّين، ووجيههم وفقيههم غير مدافع وكان أيضاً الرئيس الذي يلقى السلطان، ولقي الرضاعليهالسلام ، وأبا جعفر الثاني، وأبا الحسن العسكريعليهالسلام ..
مؤلّفاته:
وألف مجموعة من الكتب، منها كتاب التوحيد، كتاب فضل النبيصلىاللهعليهوآله ، كتاب المتعة، كتاب النوادر وكان غير مبوّب فبوّبه داود بن كورة، ومنها كتاب الناسخ والمنسوخ، كتاب فضائل العرب وغيرها.
طبقته في الحديث:
وقع أحمد بن محمد بن عيسى بهذا العنوان في إسناد عدّة من الروايات تبلغ زهاء ٢٢٩٠ مورداً.. روى عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام . وعليّ بن محمدعليهالسلام وعن أبي ثابت، وأبي جعفر البغدادي وأبي الحسن وغيرهم(٢) .
١٥ - أحمد بن معافى:
نسب ابن داود في القسم الأول (١٣٥) إلى رجال الشيخ ذكره في أصحاب
__________________
١ - رجال النجاشي: ص ٧٩.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ٢ ص ٣٠٣.
الإمام الجوادعليهالسلام وتوثيقه إيّاه ولكنّه غير موجود فيه(١) .
١٦ - إدريس القمي:
يكنى أبا القاسم، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) .
١٧ - إسحاق الأنباري:
روى عن الإمام الجوادعليهالسلام ، وروى عنه محمد بن عيسى بن عبيد ذكره الكشي في ترجمة هاشم بن أبي هاشم، وأبي السمهري(٣) .
١٨ - إسحاق بن إبراهيم:
ابن هاشم القمّي، روى عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام وروى عنه عليّ بن مهزيار(٤) .
١٩ - إسحاق بن محمد:
ابن إبراهيم الحضيني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام وأضاف أنّه لقي الإمام الرضاعليهالسلام (٥) .
٢٠ - أميّة بن علي:
القبسي، الشامي، روى عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام له كتاب(٦) قال ابن الغضائري: إنّه ضعيف الرواية في مذهبه ارتفاع(٧) .
__________________
١ - معجم رجال الحديث: ج ٢ ص ٣٥٠ - ٣٥١.
٢ - رجال الطوسي: ص ٣٩٨.
٣ - معجم رجال الحديث: ج ٣ ص ٣١.
٤ - معجم رجال الحديث: ج ٣ ص ٣٢.
٥ - رجال الطوسي: ص ٣٩٧.
٦ - النجاشي: ص ١٠٥.
٧ - معجم رجال الحديث: ج ٣ ص ٢٧٧.
(ج)
٢١ - جعفر بن داود:
اليعقوبي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) .
٢٢ - جعفر بن محمد:
ابن يونس الأحول، الصيرفي، مولى بجيلة، روى عن الإمام أبي جعفر الثانيعليهالسلام ، وروى عنه أحمد بن عيسى له كتاب نوادر(٢) .
٢٣ - جعفر بن محمد:
الهاشمي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) .
روى عن أبي حفص العطار، وروى عنه عليّ بن مهزيار(٤) .
٢٤ - جعفر بن يحيى:
ابن سعد الأحول، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) ، وقال النجاشي: إنّه من رجال أبي جعفر الثاني.
٢٥ - جعفر الجوهري:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٦) ، روى عن زكريا بن آدم القمي، وروى عنه منصور بن العباس(٧) .
__________________
١ و ٣ - رجال الطوسي: ص ٣٩٩.
٢ - النجاشي: ص ١٢٠.
٤ - معجم رجال الحديث: ج ٤ ص ١٣٠.
٥ و ٦ - رجال الطوسي: ص ٣٩٩.
٧ - معجم رجال الحديث: ج ٤ ص ١٣٩.
(ح)
٢٦ - الحسن بن راشد:
يكنى أبا علي، مولى لآل المهلّب، بغدادي، ثقة عدّه الشيخ من أصحاب الجوادعليهالسلام وعدّه المفيد في رسالته العددية من الفقهاء الأعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام الذين لا يطعن عليهم بشيء ولا طريق لذمّ واحد منهم.
كان وكيلاً للإمام أبي الحسن العسكريعليهالسلام على بغداد وما والاها من القرى والمدائن، وقد كتب الإمام إلى أهالي تلك المدن: ( قد أقمت أبا عليّ بن راشد مقام علي بن الحسين بن عبد ربّه، ومن قبله من وكلائي وقد أوجبت في طاعته طاعتي، وفي عصيانه الخروج إلى عصياني )(١) .
ودلّت هذه الرسالة على سموّ مكانته، وعظيم منزلته عند الإمام أبي الحسنعليهالسلام فقد قرن طاعته بطاعته، وعصيانه بعصيانه، ومن الطبيعي أنّه لم ينل هذه المنزلة إلاّ بطاعته لله، وتحرّجه في الدين، وممّا يدلّ على عظيم مكانته عند الإمام العسكريعليهالسلام ما رواه الكشيّ بسنده عن محمد بن عيسى اليقطيني قال: كتب أبو الحسن العسكريعليهالسلام إلى أبي علي بن بلال في سنة ٢٣٢ هـ كتاباً جاء فيه بعد البسملة:
( أحمد الله إليك، وأشكر طَولَه وعوده، وأصلّي على محمد النبي وآله صلوات الله ورحمته عليهم، ثمّ إنّي أقمت أبا عليّ مقام الحسين بن عبد ربّه وأتمنته على ذلك بالمعرفة بما عنده الذي لا يقدّمه أحد، وقد أعلم أنّك شيخ ناحيتك، فأحببت إفرادك، وإكرامك بالكتاب بذلك، فعليك بالطاعة له، والتسليم إليه، جميع الحقّ قبلك، وان تخصّ موالي على ذلك، وتعرفهم من ذلك، ما يصير سبباً إلى عونه
__________________
١ - الغيبة: ص ٣٥٠.
وكفايته فذلك توفير علينا، ومحبوب لدينا، ولك به جزاء من الله وأجر، فإنّ الله يعطي من يشاء ذو الإعطاء، والجزاء برحمته وأنت في وديعة الله.. )(١) .
ودلّلت هذه الرسالة على ما يتمتع به الحسن من مزيد الثقة عند الإمامعليهالسلام ، فقد أرجع إليه أمور شيعته وألزمهم بالانقياد لأمره وتسليم حقوقهم إليه.. وقد أبنه الإمام العسكري بعد وفاته بقوله: ( إنّه عاش سعيداً، ومات شهيداً )، وما نال هذه المنزلة عند الإمامعليهالسلام إلاّ بتقوى الله وطاعته، وزهده في الدنيا.
٢٧ - الحسن بن سعيد:
الأهوازي، كان مع أخيه الحسين بن أصحاب الإمام الرضاعليهالسلام والإمام الجوادعليهالسلام حسبما يقول البرقي(٢) ، وقال النجاشي: إنّه شارك أخاه في الكتب الثلاثين المصنّفة، وهي: كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصوم، كتاب الحجّ، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب العتق والتدبير والمكاتبة، كتاب الإيمان والنذور، كتاب التجارات والإجارات، كتاب الخمس، كتاب الشهادات، كتاب الصيد والذبائح، كتاب المكاسب، كتاب الأشربة، كتاب الزيارات، كتاب التقيّة، كتاب الردّ على الغلاة، كتاب المناقب، كتاب المثالب، كتاب الزهد، كتاب المروءة، كتاب حقوق المؤمنين وفضلهم، كتاب تفسير القرآن، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب الحدود، كتاب الديات، كتاب الملاحم، كتاب الدعاء.. )(٣) .
ودلّت هذه المؤلّفات على ثروته العلمية، فقد تناولت بالإضافة إلى البحوث الفقهية تفسير القرآن الكريم، والردّ على الغلاة، والمناقب والمثالب وغيرها من
__________________
١ - رجال الكشي: ج ٢ ص ٧٧٩ - ٨٠٠.
٢ - رجال البرقي: ص ٥٦.
٣ - النجاشي: ص ٥٨.
البحوث الكلامية والتاريخية.
٢٨ - الحسن بن العباس:
ابن الحَرِيش، الرازي، أبو علي، روى عن الإمام أبي جعفر الثانيعليهالسلام قال النجاشي: إنّه ضعيف جدّاً، له ( كتاب إنّا أنزلناه في ليلة القدر ) وهو كتاب رديء الحديث، مضطرب الألفاظ(١) ، وقال: فيه ابن الغضائري: وهذا الرجل لا يلتفت إليه، ولا يكتب حديثه(٢) .
٢٩ - الحسن بن عباس:
ابن خراش، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) .
٣٠ - الحسن بن علي:
ابن أبي عثمان الملقّب سجادة، أبو محمد، كوفي، ضعّفه أصحابنا له كتاب ( نوادر )(٤) عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) .
وروى الكشيّ رواية بسنده عن نصر بن الصباح تدلّ على فساد عقيدته وبطلان مذهبه، وقد أعرضنا عن ذكرها.
٣١ - الحسن بن يسار:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٦) .
٣٢ - الحسين بن أسد:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، ووصفه بأنّه ثقة صحيح(٧) ، روى عن حمّاد بن عيسى، وروى عنه الحسين بن سليمان في ثواب زيارة الإمام
__________________
١ - النجاشي: ص ٦٠.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ٤ ص ٢٧٠.
٣ و ٥ و ٧ - رجال الطوسي: ص ٤٠٠.
٤ - رجال النجاشي: ص ٦١.
الحسين في يوم عاشوراء(١) .
٣٣ - الحسين بن سعيد:
ابن حمّاد الأهوازي، ثقة، روى عن الإمام الرضاعليهالسلام وأبي جعفرعليهالسلام وأبي الحسن الثالثعليهالسلام وهو أخو الحسن الذي تقدّمت ترجمته، وذكرنا أسماء الكتب الثلاثين التي ألّفها مع أخيه:
طبقته في الحديث:
وقّع في إسناد كثير من الروايات تبلغ خمسة آلاف وعشرين مورداً، فقد روى عن أبي الحسن موسىعليهالسلام وأبي الحسن الرضا، وأبي جعفرعليهالسلام وغيرهم(٢) .
٣٤ - الحسين بن سهل:
ابن نوح، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) . وكذلك عده البرقي.
٣٥ - الحسين بن داود:
اليعقوبي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) .
٣٦ - الحسين بن علي:
القمّي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) .
٣٧ - الحسين بن محمد:
القمي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٦) روى عن الإمام الرضاعليهالسلام وروى عنه الحميري(٧) .
____________
١ - معجم رجال الحديث: ج ٥ ص ٢٠١.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ٥ ص ٢٤٨.
٣ و ٦ - رجال الطوسي: ص ٤٠٠.
٧ - معجم رجال الحديث: ج ٦ ص ٨٤.
٣٨ - الحسين بن مسلم:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) وكذلك عدّه البرقي روى عن الإمام أبي الحسنعليهالسلام ، وروى عنه محمد بن إسماعيل(٢) .
٣٩ - الحسين بن الإمام موسى:
ابن جعفرعليهالسلام كان من أفذاذ أبناء الأئمةعليهمالسلام وقد سأله إعرابي عن الإمام الجواد بقوله: مَن هذا الفتى؟ فأجابه الحسين: هذا وصي رسول الله(٣) .
٤٠ - الحسين بن يسار:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) .
٤١ - حفص الجوهري:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) وكذلك ذكر البرقي روى عن الإمام الهاديعليهالسلام ، وروى عنه ابن عيسى(٦) .
٤٢ - حمزة بن يعلى:
الأشعري، أبو يعلى، القمّي، روى عن الإمام الرضاعليهالسلام وأبي جعفر الثانيعليهالسلام ثقة، وجّه، له كتاب(٧) .
(خ)
٤٣ - خلف البصري:
__________________
١ و ٤ و ٥ - رجال الطوسي: ص ٤٠٠.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ٦ ص ٩١.
٣ - معجم رجال الحديث: ج ٦ ص ٩٨.
٦ - البرقي: ص ٤٥٦.
٧ - النجاشي: ص ١٤١.
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ومن أصحاب الرضا وموسى بن جعفرعليهالسلام (١) .
٤٤ - خيران الخادم:
القراطيسي، قال الكشي، وجدت في كتاب محمد بن الحسن بن بندار القمّي بخطّه، حدّثني الحسين بن محمد بن عامر، قال: حدثني خيران الخادم القراطيسي قال: حججت أيام أبي جعفر محمد بن علي بن موسىعليهالسلام ، وسألت عن بعض الخدم، وكانت له منزلة من أبي جعفرعليهالسلام فسألته أن يوصلني إليه فلمّا صرنا إلى المدينة، قال لي: تهيّأ فإنّي أريد أن أمضي إلى أبي جعفرعليهالسلام ، فمضيت معه فلمّا ان وافينا الباب، قال: ساكن في حانوت فاستأذن، ودخل فلما أبطأ عليّ رسوله خرجت إلى الباب فسألت عنه، فأخبروني أنه قد خرج ومضى، فبقيت متحيّراً، فبينما أنا كذلك إذ خرج خادم من الدار، فقال: أنت خيران؟ فقلت: نعم، قال لي: ادخل فدخلت، وإذا أبو جعفرعليهالسلام قائم على دكان لم يكن فرش له ما يقعد عليه، فجاء غلام بمصلى فألقاه له، فجلس فلمّا نظرت إليه تهيبت ودهشت فذهبت لأصعد الدكان من غير درجة، فأشارعليهالسلام إلى موضع الدرجة، فصدعت وسلّمت، فردّ السلام، ومدّ يده إليّ فأخذتها وقبّلتها، ووضعتها على وجهي فأقعدني بيده، فأمسكت يده ممّا داخلني من الدهشة، فتركها في يديعليهالسلام ، فلما سكنت خلّيتها، فسألني وكان الريّان بن شبيب قال لي: إن وصلت إلى أبي جعفرعليهالسلام قل له: مولاك الريّان بن شبيب يقرؤك السلام، ويسألك الدعاء له ولولده، فذكرت له ذلك، فدعا له ولم يدع لولده، فأعدت عليه، فدعا له ولم يدع لولده، فأعدت عليه ثلاثاً فدعا له ولم يدع لولده، فودّعته وقمت، فلمّا مضيت نحو الباب سمعت كلامه، ولم أفهم ما قال:
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٤٠١.
وخرج الخادم في أثري، فقلت له: ما قال سيدي لمّا قمت؟ فقال: قال: مَن هذا الذي يرى أن يهدي لنفسه، ولد هذا في بلاد الشرك، فلمّا أخرج فيها صار إلى من هو شرّ منهم، فلمّا أراد الله أن يهديه هداه(١) .
(د)
٤٥ - داود بن القاسم:
ابن إسحاق، بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبو هاشم الجعفري كان عظيم المنزلة عند الأئمةعليهمالسلام ، شريف القدر، ثقة(٢) قال الشيخ: إنّه من أهل بغداد، جليل القدر، عظيم المنزلة عند الأئمةعليهمالسلام وقد شاهد جماعة منهم الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري وصاحب الأمرعليهمالسلام وقد روى عنهم كلّهم، وله أخبار ومسائل وله شعر جيّد فيهم، وكان مقدّماً عند السلطان، وله كتاب(٣) .
وروى الكليني بسنده عن داود بن القاسم قال: دخلت على أبي جعفرعليهالسلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة، واشتبهت عليّ فاغتممت، فتناول إحداها وقال: هذه رقعة زياد بن شبيب، ثمّ تناول الثانية، فقال: هذه رقعة فلان، فبهت، فنظر إليّ فتبسّم، فقلت: جعلت فداك إنّي لمولع بأكل الطين، فادعُ الله فسكت، ثم قال: لي بعد ثلاثة أيام ابتداءً منه، يا أبا هاشم، قد أذهب الله عنك أكل الطين، قال أبو هاشمِ: فما شيء أبغض إليّ منه اليوم(٤) .
__________________
١ - الكشي: ج ٢ ص ٨٦٧ - ٨٦٨.
٢ - النجاشي: ص ١١٣.
٣ - معجم رجال الحديث: ج ٧ ص ١٢١.
٤ - أصول الكافي: ج ٥٦٩.
٤٦ - داود بن مافنّة:
الصرّمي، مولى بني قرّة، ثمّ بني صرمة، كوفي، يكنّى أبا سليمان، روى عن الإمام الرضاعليهالسلام وبقي إلى أيام أبي الحسن العسكريعليهالسلام وله ( مسائل )(١) ، وروى عن الإمام أبي جعفر الثانيعليهالسلام وروى عنه أحمد بن محمد بن عيسى في ثواب زيارة الإمام الرضاعليهالسلام (٢) .
٤٧ - داود بن علي:
الخزاعي، المنافح عن أهل البيتعليهالسلام والمجاهد دونهم، فقد وهب حياته وفكره وعواطفه لنشر فضائلهم وإذاعة مآثرهم وقد لقي في سبيلهم أعنف المشاكل، وأقسى الخطوب، فقد طاردته مباحث الأمن العباسي، ولاحقته شرطتهم، إلاّ أنه لم يحفل بذلك وبقي صامداً، يعلن فضائل أسياده الأئمة الطاهرين، وينتقص خصومهم ملوك بني العبّاس الذين نهبوا أموال الشعوب الإسلامية، وأنفقوها على ملاذهم وشهواتهم من دون أن تنفق على تطوّر الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الإسلام.
أمّا دراسة حياة هذا البطل العظيم فإنّها تستدعي كتاباً خاصاً، فقد حفلت حياته بالجهاد المشرق في سبيل مبدئه وعقيدته، وقد صارع أقوى دول العالم في ذلك العصر، فقد هجا ملوك بني العباس الذين كانوا يملكون معظم دول الدنيا، بأقسى ألوان الهجاء.
وبالإضافة إلى أنّه من عمالقة الفكر السياسي والأدبي في عصره فقد كان من كبار العلماء، وقد روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليهالسلام والإمام أبي جعفرعليهالسلام ، وروى عنه عليّ بن الحكم(٣) . وبهذه الكلمات الموجزة ينتهي الحديث عنه.
__________________
١ - النجاشي: ص ١١٦.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ٧ ص ١٣٠.
٣ - معجم رجال الحديث: ج ٧ ص ١٤٨.
٤٨ - داود بن مهزيار:
هو أخو عليّ بن مهزيار من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) .
(ز)
٤٩ - زكريا بن آدم:
ابن عبد الله بن سعد الأشعري، القمّي، كان ثقة جليلاً، عظيم القدر وكان له وجه عند الإمام الرضاعليهالسلام وله كتاب(٢) .
وروى الكشي بسنده عن عبد الله بن الصلت القمّي قال: دخلت على أبي جعفر الثانيعليهالسلام في آخر عمره فسمعته يقول: جزى الله صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان، وزكريا بن آدم عنّي خيراً وفوا لي(٣) ودلّ ذلك على عظيم منزلته وسمو شأنه عند الإمامعليهالسلام .
وروى عليّ بن المسيّب قال: قلت للرضاعليهالسلام : شقّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كلّ وقت فممّن آخذ معالم ديني؟ فقالعليهالسلام : من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا.
قال علي بن المسيب: فلمّا انصرفت قدمت على زكريا بن أدم فسألته عما احتجت إليه(٤) وكشفت هذه الرواية عن أنّ زكريا كان فقيهاً وكان مرجعاً للفتيا بين المسلمين، وذكر الرواة أخباراً كثيرة في مدحه والثناء عليه.
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٤٠١.
٢ - النجاشي: ص ١٢٤.
٣ - الكشي: ج ٢ ص ٧٩٢.
٤ - الكشي: ج ٢ ص ٨٥٨.
(س)
٥٠ - سعد بن سعد:
ابن الأحوص الأشعري، القمّي، ثقة روى عن الإمام الرضا والإمام الجوادعليهالسلام كتابه المبوّب(١) وقد دعا له ولزكريا بن آدم الجٌادعليهالسلام كما تقدّم.
٥١ - سهل بن زياد:
الرازي قال فيه النجاشي: كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد عليه فيه، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ والكذب، وأخرجه من قمّ إلى الري، وكان يسكنها، وقد كاتب أبا محمد العسكريعليهالسلام على يد محمد بن عبد الحميد العطّار للنصف من ربيع الآخر سنة ٢٥٥ هـ له كتاب ( التوحيد )(٢) وقد عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) .
(ش)
٥٢ - شاذان بن الخليل:
النيشابوري، عده الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) .
(ص)
٥٣ - صالح بن أبي حمّاد:
__________________
١ - النجاشي: ص ١٢٧.
٢ - النجاشي: ص ١٣٢.
٣ - رجال الطوسي: ص ٤٠١.
٤ - رجال الطوسي: ص ٤٠٢.
يكنّى أبا الخير الرازي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) . قال النجاشي: صالح بن أبي حمّاد.. لقي أبا الحسن العسكري، وكان أمره ملتبساً، يعرف، وينكر، له كتب منها كتاب ( خطب أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكتاب نوادر(٢) وذكر سيدنا الأستاذ طبقته في الحديث(٣) .
٥٤ - صالح بن محمد:
ابن سهل كان وكيلاً للإمام الجواد على الأوقاف في قم، وقد روى الكليني بسنده عن علي بن إبراهيم عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر الثانيعليهالسلام إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل، وكان يتولى له الوقف بقم، فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة آلاف في حلّ فإنيّ أنفقتها، فقال له: أنت حلّ، فلمّا خرج صالح قال أبو جعفر: أحدهم يثب على أموال حقّ آل محمد وأيتامهم ومساكينهم وفقرائهم، وأبناء سبيلهم فيأخذه ثم يجيء فيقول: اجعلني في حلّ أتراه ظنّ أنّي أقول: لا أفعل؟ والله ليسألنّهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيّاً(٤) .
٥٥ - صالح بن محمد:
الهمداني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) وعدّه البرقي في أصحاب الإمام الهاديعليهالسلام ، وعدّه ابن شهر آشوب في المناقب من ثقات أبي الحسن علي بن محمدعليهالسلام روى عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، وروى عنه أبو صالح شعيب بن عيسى.. في ثواب زيارة الإمام علي بن موسى الرضاعليهالسلام (٦) .
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٤٠٢.
٢ - النجاشي: ص ١٤٠.
٣ - معجم رجال الحديث: ج ٩ ص ٥٨.
٤ - الكافي: ج ١ ص ١٣٠.
٥ - رجال الطوسي: ص ٤٠٢.
٦ - معجم رجال الحديث: ج ٩ ص ٨٦.
٥٦ - صفوان بن يحيى:
البجلي، بيّاع السابري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام كما عدّه من أصحاب الإمام الكاظمعليهالسلام والإمام الرضاعليهالسلام (١) لقد تربّى صفوان على فكرة أهل البيتعليهمالسلام واقتدى بهم في سلوكه وسار على هديهم، فكان من عمالقة التقوى والدين في الإسلام، ومن ألمع أصحاب الأئمة الطاهرينعليهمالسلام في فضائله وعلومه، ولابدّ من وقفة قصيرة للتحدّث عنه.
١ - وثاقته:
واتفق الرواة والمترجمون على وثاقته، فقد قال الشيخ: ( إنّه أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث )(٢) وقال النجاشي: ( إنّه ثقة، ثقة )(٣) .
٢ - عبادته:
كان صفوان أعبد أهل زمانه فكان يصلي كلّ يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وصوم في السنة ثلاثة أشهر، ويُخرج زكاة ماله في كلّ سنة ثلاث مرات(٤) .
٣ - شدّة تحرّجه في الدين:
وكان صفوان من أشدّ الناس في تحرّجه للدين، يقول الرواة: إنّ إنساناً كلّفه حمل دينارين إلى أهله في الكوفة، فقال له: إنّ جمالي مكراة وأنا أستأذن الأجراء(٥) وكان هذا منتهى ما وصل إليه المتّقون من التحرّج في الدين.
٤ - معاهدته مع إخوانه:
وعقد مع بعض إخوانه المتقين معاهدة في بيت الله الحرام تنصّ على أنّ من مات
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٤٠٢.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٢.
٣ - النجاشي: ص ١٣٩.
٤ - النجاشي: ص ١٤٠.
٥ - النجاشي: ص ١٤٠.
منهم فالباقي عليه أن يعمل لصاحبه ما يعمله لنفسه من الخيرات والمبرّات، وقد التزموا بذلك، وكان آخر من بقي منهم صفوان فكان كلّما يصنعه لنفسه يصنعه لصاحبيه(١) .
٥ - عدم حبّه للرياسة:
وزهد صفوان في جميع مظاهر هذه الحياة، فقد رفض مظاهر الرياسة وقد قال الإمام أبو الحسنعليهالسلام : ما ذئبان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاتها بأضرّ في دين مسلم من حبّ الرياسة.. ثمّ قال: لكن صفوان لا يحبّ الرياسة(٢) .
٦ - طاعته للأئمة:
وكان صفوان مطيعاً للأئمة الطاهرينعليهمالسلام لم يخالفهم ولم يشذّ عن هديهم في قول ولا فعل، وقد أثنى عليه الإمام الجوادعليهالسلام لهذه الظاهرة فقد روى عليّ بن الحسين بن داود القمّي، قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يذكر صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان، وقال: رضي الله عنهما برضاي عنهما، فما خالفاني وما خالفا أبيعليهالسلام قطّ(٣) .
٧ - فقاهته:
كان صفوان من أبرز الفقهاء في عصره، روى الكشي بسنده عن الفقيه الكبير محمد بن سنان أنّه قال: من كان يريد المعضلات فَالي، ومن أراد الحلال والحرام فعليه بالشيخ يعني صفوان بن يحيى(٤) .
٨ - مؤلفاته:
ألّف صفوان ثلاثين كتاباً منها كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الصوم، كتاب الحجّ، كتاب الزكاة، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الفرائض، كتاب
__________________
١ - النجاشي: ص ١٤٠.
٢ - الكشي: ج ٢ ص ٧٩٣.
٣ - المصدر السابق.
٤ - الكشي: ج ٢ ص ٧٩٦.
الوصايا، كتاب الشراء والبيع، كتاب العتق والتدبير، كتاب البشارات(١) ، ودلّت هذه الكتب الفقهية على مدى تضلّعه واختصاصه في علم الفقه.
٩ - وفاته:
توفي هذا العالم الكبير سنة ( ٢١٠ هـ ) بالمدينة، وبعث الإمام أبو جعفر الجوادعليهالسلام بحنوطه وكفنه، وأمر إسماعيل بن موسى بالصلاة عليه(٢) وقد وارى جثمانه في البقيع، وانتهت بذلك حياته التي وهبها لله ورسوله ولأهل البيتعليهمالسلام .
( ع )
٥٧ - العباس بن عمر:
الهمداني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) .
٥٨ - عبد الجبار بن مبارك:
النهاوندي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) .
٥٩ - عبد الرحمن بن أبي نجران:
عده الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) قال النجاشي: إنّه روى عن الإمام الرضاعليهالسلام وروى أبوه أبو نجران عن الإمام أبي عبد اللهعليهالسلام .. وكان عبد الرحمن ثقة، ثقة، معتمداً على ما يرويه، له كتب كثيرة وقد عدّ منها كتاب ( المطعم والمشرب ) وكتاب ( يوم وليلة ) وكتاب ( النوادر )(٦) .
روى عن أبي الحسن الثاني، وأبي جعفر الثانيعليهمالسلام وعن أبي بصير، وأبي
____________
١ - النجاشي: ص ١٤٠.
٢ - الكشي: ج ٢ ص ٧٩٢.
٣ و ٥ - رجال الطوسي: ص ٤٠٤.
٦ - النجاشي: ص ١٦٣ - ١٦٤.
جميلة، وأبي هارون المكفوف، وابن أبي عمير وغيرهم(١) .
٦٠ - عبد الله بن الصلت:
مولى بن تميم بن ثعلبة، يكنّى أبا طالب، ثقة، من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام حسب ما ذكره الشيخ(٢) وقد روى انّه كتب إلى الإمام أبي جعفرعليهالسلام يستأذنه أن يندب أباه الإمام الرضاعليهالسلام فكتبعليهالسلام إليه: ( أن اندبني، واندب أبي )(٣) .
٦١ - عبد الله بن محمد:
الرازي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) والرجل مجهول الحال.
٦٢ - عبد الله بن محمد:
ابن حصين، الخضيني، الأهوازي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) ، قال النجاشي: إنّه ثقة، ثقة، له كتاب يرويه عدّة من أصحابنا، أمّا اسم كتابه فهو ( المسائل للرضاعليهالسلام )(٦) .
٦٣ - عبد الله بن محمد:
ابن سهل، بن داود عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٧) .
٦٤ - علي بن أسباط:
ابن سالم بيّاع الزُطِّي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٨) قال النجاشي: إنّه كوفي ثقة، وكان فطحياً جرى بينه وبين عليّ بن مهزيار رسائل في ذلك
__________________
١ - معجم رجال الحديث: ج ٩ ص ٣١٢.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٣.
٣ - الكشي: ج ٢ ص ٨٣٤.
٤ - رجال الطوسي: ص ٤٠٣.
٥ - رجال الطوسي: ص ٤٠٣.
٦ - النجاشي: ص ١٥٧.
٧ - رجال الطوسي: ص ٤٠٣.
٨ - رجال الطوسي: ص ٤٠٣.
رجعوا فيها إلى أبي جعفر الثانيعليهالسلام فرجع عليّ بن أسباط عن ذلك القول، وتركه، وقد روى عن الرضاعليهالسلام من قبل ذلك، وكان من أوثق الناس وأصدقهم لهجة، له كتاب ( الدلائل ) وله كتاب التفسير، وله كتاب المزار، وله كتاب نوادر مشهور(١) .
روى عن أبي الحسن موسىعليهالسلام وأبي الحسن الرضاعليهالسلام وأبي جعفر الثانيعليهالسلام وعن غيرهم(٢) .
٦٥ - عليّ بن بِلال:
بغدادي، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) قال النجاشي: إنّه روى عن أبي الحسن الثالثعليهالسلام له كتاب(٤) .
٦٦ - عليّ بن حديد:
ابن حكيم، المدائني، الأزدي الساباطي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) وقال النجاشي: له كتاب(٦) وقد أرشد الإمام الجواد إلى الإتمام به في صلاة الجماعة فقد روى الكشيّ بسنده عن أبي عليّ بن راشد، قال: قلت لأبي جعفر الثانيعليهالسلام : جعلت فداك قد اختلف أصحابنا فأُصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قالعليهالسلام : عليك بعليّ بن حديد، قلت: فأخذ بقوله؟ قال: نعم(٧) روى عن الإمام أبي الحسن الماضي، والرضا وأبي جعفر الثاني، وعن غيرهم، وروى عنه
__________________
١ - النجاشي: ص ٢٥٢.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ١١ ص ٢٦٠.
٣ - رجال الطوسي: ص ٤٠٤.
٤ - النجاشي: ص ٢٧٨.
٥ - رجال الطوسي: ص ٤٠٣.
٦ - النجاشي: ص ٢٧٤.
٧ - الكشي: ج٢ ص ٨٤٠.
أبو جعفر، وابن أبي عمير، وابن جمهور وغيرهم(١) .
٦٧ - عليّ بن حسان:
الواسطي، أبو الحسن القصير، المعروف بالمنُمِسّ، عمّر أكثر من مائة سنة(٢) عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) .
٦٨ - عليّ بن الحسين:
ابن عليّ، بن عمر بن الحسين بن أبي طالبعليهالسلام والد الناصر الحسنين بن عليّ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) روى عن عليّ بن جعفر بن محمد وروى عنه عليّ ابن مهزيار(٥) .
٦٩ - عليّ بن الحكم:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام روى عن سليمان بن نهيك، وروى عنه إبراهيم بن هاشم(٦) .
٧٠ - عليّ بن خالد:
كان زيدياً ثمّ رجع إلى القول بالإمامة حينما شاهد معاجز الإمام أبي جعفر الثانيعليهالسلام ، وقد روى طرفاً من مناقبه وفضائله، وقد روى عن الإمام الجوادعليهالسلام وعن أحمد بن الحسن بن عليّ، وأحمد بن عبدوس وعبد الكريم وغيرهم وروى عنه
__________________
١ - معجم رجال الحديث: ج ١١ ص ٣٣٣.
٢ - النجاشي: ص ٢٧٦.
٣ - رجال الطوسي: ص ٤٠٤.
٤ - رجال الطوسي: ص ٤٠٢.
٥ - معجم رجال الحديث: ج ١١ ص ٣٦٥.
٦ - معجم رجال الحديث: ج ١١ ص ٣٨١.
ابن سماعة، والحسن بن محمد وسعد بن عبد الله وغيرهم(١) .
٧١ - علي بن عبد الله:
القمي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) ، قال النجاشي: إنه ثقة من أصحابنا له كتاب ( الاستطاعة ) على مذهب أهل العدل(٣) .
٧٢ - علي بن عبد الله:
المدائني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) ، وكذلك عدّه البرقي.
٧٣ - عليّ بن عبد الملك:
عدّه البرقي من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) .
٧٤ - عليّ بن محمد:
ابن سليمان النوفلي، روى عن الإمام أبي جعفر الثانيعليهالسلام وروى عنه موسى بن جعفر(٦) .
٧٥ - علي بن محمد:
ابن هارون بن الحسن بن محبوب من أصحاب الإمام أبي جعفر الثانيعليهالسلام (٧) .
٧٦ - علي بن محمد:
__________________
١ - معجم رجال الحديث: ج ١٢ ص ٧ - ٨.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٤.
٣ - النجاشي: ٢٥٤.
٤ - رجال الطوسي: ٤٠٣.
٥ - البرقي: ص ٥٧.
٦ - معجم رجال الحديث: ج ١٢ ص ١٤٧.
٧ - معجم رجال الحديث: ج ١٢ ص ١٦٥.
العلوي، الحسني عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) .
٧٧ - علي بن محمد:
القلانسي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) .
٧٨ - علي بن مهزيار:
من ألمع أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، ومن مشاهير علماء عصره فضلاً وتقوى ونلمح إلى بعض شؤونه:
١ - إسلامه:
كان علي بن مهزيار ينتحل دين المسيحية فهداه الله إلى الإيمان فأسلم وأخلص في إسلامه كأشدّ ما يكون الإخلاص(٣) .
٢ - عبادته:
ولم ير مثل علي بن مهزيار في طاعته وتقواه، وبلغ من عبادته إنّه إذا طلعت الشمس سجد لله فلا يرفع رأسه من السجود حتى يدعو لألف رجل من إخوانه بمثل ما دعى لنفسه، وكان على جبهته مثل ركبة البعير(٤) من كثرة السجود لله.
٣ - وثاقته في الرواية:
وأجمع المترجمون له على وثاقته في الرواية فقد قال النجاشي: ( كان ثقة في روايته لا يطعن عليه )(٥) .
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٣٠٤.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٤.
٣ - الكشي: ص ٨٢٥، النجاشي: ص ٢٥٣.
٤ - الكشي: ج ٢ ص ٨٢٥.
٥ - النجاشي: ص ٢٥٣.
٤ - مؤلّفاته:
وألف مجموعة من الكتب تدلّ على سعة علومه ومعارفه، ومن بينها: كتاب ( الوضوء ) كتاب ( الصلاة ) كتاب ( الزكاة ) كتاب ( الصوم ) كتاب ( الحجّ ) كتاب ( الطلاق ) كتاب ( الحدود ) كتاب ( الديات ) كتاب ( التفسير ) كتاب ( الفضائل ) كتاب ( العتق والتدبير ) كتاب ( المكاسب ) كتاب ( المثالب ) كتاب ( الدعاء ) كتاب ( التجمّل والمروءة ) كتاب ( المزار ) كتاب ( الردّ على الغلاة ) كتاب ( الوصايا ) كتاب ( المواريث ) كتاب ( الخمس ) كتاب ( الشهادات ) كتاب ( فضائل المؤمنين وبرّهم ) كتاب ( الملاحم ) كتاب ( التقية ) كتاب ( الصيد والذبائح ) كتاب ( الزهد ) كتاب ( الأشربة ) كتاب ( النذور والإيمان والكفّارات ) كتاب ( الحروف ) كتاب ( القائم ) كتاب ( البشارات ) كتاب ( الأنبياء ) كتاب ( النوادر ) ( رسائل علي بن أسباط )(١) . ومعظم هذه المؤلّفات حسب أسمائها من الفقه، وهي تدلّ على أنّه من كبار الفقهاء في الإسلام.
٥ - رسائل الإمام الجواد له:
وبعث الإمام الجوادعليهالسلام إلى علي بن مهزيار عدّة رسائل، وهي تكشف عن عظيم صلته بالإمامعليهالسلام وسموّ منزلته ومكانته عنده ومن بين هذه الرسائل:
أ - من رسائل الإمام الجوادعليهالسلام إليه هذه الرسالة، وقد جاء فيها بعد البسملة: ( قد وصل إليّ كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وقد ملأتني سروراً، فسرك الله، وأنا أرجو من الكافي الدافع أن يكفيك كيد كلّ كائد إن شاء الله تعالى.. )(٢) .
ودلّت هذه الرسالة على قيام علي بن مهزيار بخدمة الإمامعليهالسلام وقد ملأت قلبه
__________________
١ - النجاشي: ص ٢٥٣.
٢ - الكشي: ج ٢ ص ٨٢٦.
الشريف فرحاً وسروراً فراح يدعو له بأن يجزل له الله المزيد من الثواب والأجر.
ب - جاء في رسالة أخرى للإمامعليهالسلام إليه: ( قد فهمت ما ذكرت من أمر القمّيين خلصهم الله، وفرّج عنهم، وسررتني بما ذكرت من ذلك، ولم تزل له تفعل سرك الله بالجنة، ورضي عنك، برضائي عنك، وأنا أرجو من الله العفو والرأفة، وأقول: حسبنا الله ونعم الوكيل )(١) .
وكشفت هذه الرسالة عن إنقاذ علي للقميين من محنة كانوا فيها مما أوجب سرور الإمام ودعائه له بالفوز بالفردوس الأعلى مقرّ الأنبياء والصالحين.
ج - ومن رسائل الإمام إليه: ( فأشخص إلى منزلك صيّرك الله إلى خير منزل في دنياك وآخرتك.. )(٢) .
لقد أمره الإمامعليهالسلام بالشخوص إلى منزله بعد ما أدّى ما عليه من الخدمة للإمامعليهالسلام .
د - وجاء في رسالة أخرى للإمام إلى عليّ بن مهزيار ما نصّه:
( وأسأل الله أن يحفظك من بين يديك، ومن خلفك، وفي كلّ حالاتك فابشر فإنّي أرجو أن يدفع الله عنك، واسأل الله أن يجعل لك الخيرة فيما عزم لك به عليه من الشخوص في يوم الأحد، فأخر ذلك إلى يوم الاثنين إن شاء الله، صحبك الله في سفرك، وخلفك في أهلك، وأدى عنك أمانتك، وسلمت بقدرته.. )(٣) .
لقد دعا الإمامعليهالسلام بأحرّ الدعاء إلى عليّ، وطلب منه تأجيل السفر من يوم الأحد إلى يوم الاثنين، وذلك لما فيه من المصلحة التي تقضي بذلك.
هـ - وكتب عليّ إلى الإمام الجوادعليهالسلام رسالة يسأله التوسعة عليه وتحليله لما في يده من مال للإمام فأجابهعليهالسلام :
__________________
١ و ٣ - الكشي: ج ٢ ص ٨٢٦.
( وسّع الله عليك، ولمن سألت له التوسعة في أهلك وأهل بيتك، ولك يا علي عندي أكثر من التوسعة، وأنا أسأل الله أن يصحبك بالتوسعة والعافية، ويقدّمك على العافية، ويسترك بالعافية إنّه سميع الدعاء )(١) .
وقد أجاز الإمامعليهالسلام بما طلبه من المال ودعا له بأخلص الدعاء.
و - وكتب علي بن مهزيار إلى الإمامعليهالسلام رسالة يطلب فيها الدعاء له فأجابهعليهالسلام :
( وأمّا ما سألت من الدعاء فإنّك بعد لست تدري كيف جعلك الله عندي وربّما سميتك باسمك ونسبك، مع كثرة عنايتي بك، ومحبّتي لك ومعرفتي بما أنت عليه فأدام الله لك أفضل ما رزقك من ذلك ورضي عنك، وبلغك أفضل نيّتك، وأنزلك الفردوس الأعلى برحمته إنه سميع الدعاء حفظك الله وتولاّك، ودفع عنك السوء برحمته.. وكتبت بخطيّ )(٢) .
لقد احتلّ عليّ بن مهزيار قلب الإمامعليهالسلام بصلاحه وتقواه، ومزيد خدماته له.
ز - ومن بين رسائل الإمام إلى عليّ هذه الرسالة وقد رواها الحسن بن شمون، وقد جاء فيها بعد البسملة:
( يا عليّ أحسن الله جزاك، وأسكنك جنّته، ومنعك من الخزي في الدنيا والآخرة، وحشرك الله معنا، يا علي قد بلوتك، وخبرتك في النصيحة، والطاعة، والخدمة والتوقير، والقيام بما يجب عليك، فلو قلت: إنّي لم أر مثلك لرجوت أن أكون صادقاً، فجزاك الله جنّات الفردوس نزلاً، وما خفي عليّ مقامك، ولا خدمتك في الحرّ والبرد، والليل والنهار، فاسأل الله إذا جمع الخلائق للقيامة أن يحبوك برحمة
__________________
١ - الكشي: ج ٢ ص ٨٢٦ - ٨٢٧.
٢ - الكشي: ج ٢ ص ٨٢٧.
تغتبط إنّه سميع الدعاء.. )(١) .
وأعطت هذه الرسالة وغيرها من رسائل الإمامعليهالسلام إلى عليّ صورة مشرقة عن سموّ منزلته وعظيم مكانته عند الإمامعليهالسلام وانّه نسخة لا ثاني لها في تقواه وورعه، فلم ينسى الإمامعليهالسلام خدماته وما أسداه عليه من ألوان البرّ والمعروف.
٦ - طبقته في الحديث:
وقع عليّ بن مهزيار في إسناد كثير من الروايات تبلغ أربعمائة وثلاثين مورداً.
روى عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام وأبي الحسن الثالثعليهالسلام وعن أبي داود المسترق، وأبي علي بن راشد وابن أبي عمير وغيرهم(٢) . وينتهي بهذا البحث عن سيرة هذا العملاق العظيم الذي وهب حياته لخدمة الإمام الجوادعليهالسلام حتى أخلص له الإمام أعظم الإخلاص، وأحبّه كأشدّ ما يكون الحبّ.
٧٩ - علي بن ميسّر:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) وكذلك عدّه البرقي وقد كتب إلى الإمام الجوادعليهالسلام رسالة يسأل فيها عن رجل اعتمر في شهر رمضان ثمّ حضر الموسم أيحجّ مفرداً للحجّ أو يتمتّع أيّهما أفضل؟ فكتبعليهالسلام إليه: يتمتّع(٤) .
٨٠ - عليّ بن نصر:
عده الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) وكذلك عدّه البرقي(٦) .
__________________
١ - الغيبة: ص ٣٤٩.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ١٢ ص ٢١٧.
٣ - رجال الطوسي: ص ٤٠٤.
٤ - من لا يحضره الفقيه: ج ٢ ص ٢٠٤.
٥ - رجال الطوسي: ٤٠٤.
٦ - رجال البرقي: ٥٧.
٨١ - عليّ بن يحيى:
يكنى أبا الحسين يروى عنه كتاب ( ثواب إنّا أنزلناه ) عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) .
( ق )
٨٢ - القاسم بن الحسين:
البزنطي صاحب أيّوب بن نوح، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) .
( م )
٨٣ - محمد بن إبراهيم:
الحضيني، الأهوازي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) وقال حمدان الحضيني للإمام الجوادعليهالسلام : إنّ أخي - يعني محمداً - مات، فقالعليهالسلام : رحم الله أخاك، فإنه كان من خصيص شيعتي(٤) .
روى محمد عن الإمام أبي جعفر، وروى عنه علي بن مهزيار(٥) .
٨٤ - محمد بن أبي زيد:
الرازي، أصله من قم، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٦) وكذلك
____________
١ و ٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٤.
٣ - رجال الطوسي: ص ٤٠٥.
٤ - الكشي: ج ٢ ص ٨٣٥.
٥ - معجم رجال الحديث: ج ١٤ ص ٢٢٥.
٦ - رجال الطوسي: ص ٤٠٧.
عده القمي.
٨٥ - محمد بن أبي الصهبان:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) روى عن عبد الرحمن بن أبي نجران، وروى عنه سعد بن عبد الله(٢) .
٨٦ - محمد بن أبي قريش:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) .
٨٧ - محمد بن أبي نصر:
عدّه البرقي من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) .
٨٨ - محمد بن أحمد:
ابن حماد، المحمودي يكنّى أبا عليّ، روى الكشي بسنده عنه، إنّ الإمام الجوادعليهالسلام عزّاه بوفاة أبيه، فقد كتب له: ( قد مضى أبوك رضي الله عنه وعنك، وهو عندنا على حال محمودة، ولن تبعد من تلك الحال.. )(٥) .
٨٩ - محمد بن إسماعيل:
ابن بزيع، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والإمام الجوادعليهماالسلام (٦) وكان من خيار أصحاب الأئمةعليهمالسلام في ورعه وتقواه، ونتحدّث - بإيجاز - عن بعض شؤونه.
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٤٠٧.
٢ - معجم رجال الحديث: ج ١٤ ص٢٦٤.
٣ - رجال الطوسي: ص ٤٠٧.
٤ - رجال البرقي: ص ٥٧.
٥ - الكشي: ج ٢ ص ٣٠٣.
٦ - رجال الطوسي: ص ٤٠٥.
اتصاله بالإمام الرضا:
واتصّل محمد بالإمام الرضاعليهالسلام اتصالاً وثيقاً فكانعليهالسلام ينظر إليه بعين الإكبار والتقدير، وقد روى الحسين بن خالد الصيرفي قال: كنّا عند الإمام الرضاعليهالسلام ونحن جماعة، فذكر محمد بن إسماعيل فقالعليهالسلام يخاطب أصحابه: ( وددت أن فيكم مثله.. ).
وقد روى عن الإمام الرضاعليهالسلام أنّه قال: ( إن الله تعالى بأبواب الظالمين من نوّر الله له البرهان، ومكّن له في البلاد، ليدفع بهم عن أوليائه، ويصلح الله به أمور المسلمين، إليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة، أولئك المؤمنون حقاً، أولئك أمناء الله في أرضه، أولئك نور في رعيّتهم يوم القيامة، ويزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهر الدرية لأهل الأرض، أولئك من نورهم يوم القيامة تضيء منهم القيامة، خُلقوا والله للجنة، وخُلقت الجنّة لهم، فهنيئاً لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كلّه، قال: قلت: بماذا جعلني الله فداك؟ قال: يكون معهم فيسرّنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد(١) .
وأشاد الإمام الرضاعليهالسلام بمن يتّصل بالسلطة ليقوم بقضاء حوائج المسلمين ودفع الغائلة والمكروه عنهم، فإنّ ذلك من أفضل ألوان الخير، ومن أعظم ما يتقرّب به المسلم إلى الله تعالى.
مع الإمام الجواد:
واتصل محمد بن إسماعيل بالإمام الجواد اتصالاً وثيقاً، فقد قال بإمامته، وقد
__________________
١ - معجم رجال الحديث: ج ١٥ ص ١٠٧.
روى عنه بعض الأحاديث المتعلقة في أحكام الشريعة، وقد سأل من الإمام أن يمنحه بقميص قد وضعه على بدنه ليجعله كفناً له فبعث إليه الإمامعليهالسلام ذلك(١) .
مؤلّفاته:
وألف محمد بن إسماعيل مجموعة من الكتب كان منها كتاب ( الحج ) وكتاب ( ثواب الحج ) وغيرهما(٢) .
٩٠ - محمد بن إسماعيل:
الرازي روى عن الإمام الجوادعليهالسلام ، وروى عنه السياري كما روى عن سليمان ابن جعفر الجعفري، وروى عنه سهل بن زياد(٣) .
٩١ - محمد بن الحسن:
ابن أبي خالد الأشعري، روى عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام ، وروى عنه الحسين ابن سعيد(٤) .
٩٢ - محمد بن الحسن:
ابن عمّار، روى عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام ، وروى عنه محمد بن خلاد(٥) .
٩٣ - محمد بن الحسن:
ابن محبوب عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٦) .
__________________
١ - الكشي: ج ٢ ص ٨٣٥.
٢ - رجال النجاشي: ص ٣٣٠.
٣ - معجم رجال الحديث: ج ١٥ ص ٢٢٦.
٤ - معجم رجال الحديث: ج ١٥ ص ٢٢٦.
٥ - معجم رجال الحديث: ج ١٥ ص ٢٧٤.
٦ - رجال الطوسي: ص ٤٠٨.
٩٤ - محمد بن الحسن:
الواسطي، من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) وروى الفضل ابن شاذان انّه كان كريماً على أبي جعفرعليهالسلام وانّ أبا الحسنعليهالسلام أنفذ إليه نفقة في مرضه وكفنه وأقام مأتماً عند موته(٢) .
٩٥ - محمد بن الحسن:
ابن شَمُّون البصري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) قال ابن الغضائري: محمد بن الحسن بن شمُّون، أصله بصري، واقف، ثمّ غلا، ضعيف متهافت، لا يلتفت إليه، ولا إلى مصنّفاته وسائر ما يُنسب إليه(٤) .
وقال النجاشي فيه: كان ضعيفاً جداً، فاسد المذهب، وأضيف إليه أحاديث في الوقف - أي في الوقف على الإمام موسى بن جعفر وانّه حي لم يمُت - وكان من أباطيله ما زعمه انّه سمع الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام يقول: مَن أخبرك أنّه مَرَّضَني، وغسلني، وحنّطني، وكفّنني وألحدني، وقَبَرَني ونَفض يده من التراب فكذّبه ).. وقال: ( مَن سأل عني، فقُل: حيّ والحمد لله، لعن الله من سأل عنّي فقال مات ).
له من الكتب، كتاب ( السُنن والآداب ومكارم الأخلاق ) كتاب ( المعرفة )، كتاب ( نوادر ).
كان له من العمر ( ١١٤ سنة )(٥) .
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٤٠٨.
٢ - الكشي: ج ٢ ص ٨٣٢.
٣ - رجال الطوسي: ص ٤٠٧.
٤ - معجم رجال الحديث: ج ١٥ ص ٢٤٨.
٥ - النجاشي: ص ٣٣٥ - ٣٣٦.
٩٦ - محمد بن الحسين:
الأشعري، روى عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام وروى عنه علي بن مهزيار(١) .
٩٧ - محمد بن الحسين:
ابن أبي الخطّاب، أبو جعفر الزيات الهمداني عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) قال فيه النجاشي: انّه ( جليل من أصحابنا، عظيم القدر، كثير الرواية، ثقة، عين، حسن التصانيف مسكون إلى روايته، له كتاب ( التوحيد ) كتاب ( المعرفة والبداء ) كتاب ( الرد على أهل القدر ) كتاب ( الإمامة ) كتاب ( اللؤلؤة ) كتاب ( وصايا الأئمةعليهمالسلام كتاب ( النوادر )(٣) .
وقع محمد بن الحسن في إسناد كثير من الروايات تبلغ مائة وتسعة وثمانين مورداً، روى عن أبي داود المنشد، وابن أبي نصر وابن محبوب وغيرهم(٤) .
٩٨ - محمد بن حمزة:
العلوي، روى عن الإمام الجوادعليهالسلام ، وروى عنه علي بن مهزيار قال: كتب محمد بن أبي حمزة العلوي إلى أبي جعفرعليهالسلام ( مولى لك أوصى إليَّ بمائة درهم، وكنت أسمعه يقول: كلّ شيء هو لي فهو لِمولاي، فمات وتركها ولم يأمر فيها بشيء وله امرأتان أما إحداهما فببغداد، ولا أعرف لها موضعاً الساعة، وأخرى بقُم، ما الذي تأمرني في هذه المائة درهم ) فكتب إليه ( انظر أن تدفع من هذه الدراهم إلى زوجتَي الرجل حقّهما، وحقّهما من ذلك الثُمن إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد فالربع،
__________________
١ - معجم رجال الحديث: ج ١٥ ص ٣٢٣.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٧.
٣ - النجاشي: ص ٣٣٤.
٤ - معجم رجال الحديث: ج ١٥ ص ٢٢٩.
وتصدّق على من تعرف أن له إليه حاجة إن شاء الله )(١) .
ودلّت هذه الرواية على ثقة الإمامعليهالسلام به حيث جعله وكيلاً عنه في التصرف في المال.
٩٩ - محمد بن خالد:
أبو عبد الله البرقي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) .
وقد وثّقه الشيخ، وقال: في الفهرست له كتاب ( النوادر ) روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى، وأحمد بن أبي عبد الله، وقد ضعّفه النجاشي: وقال: كان ضعيفاً في الحديث وكان محمد أديباً حسن المعرفة بالأخبار وعلوم العربية له كتب منها كتاب ( التنزيل والتعبير ) كتاب ( يوم وليلة ) كتاب ( التفسير ) كتاب ( مكة والمدينة ) كتاب ( حروب الأوس والخزرج ) كتاب ( العلل ) كتاب في ( علم الباري ) كتاب ( الخطب ).
وضعّفه ابن الغضائري قال: حديثه يعرف وينكر، ويروي عن الضعفاء كثيراً، ويعتمد المراسيل(٣) واعتمد بعض المحقّقين في علم الرجال على توثيق الشيخ له، ولم يعن بتضعيف النجاشي والغضائري له.
١٠٠ - محمد بن سالم:
ابن عبد الحميد، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) .
١٠١ - محمد بن سنان:
__________________
١ - تنقيح المقال: ج ٣ ص ١١٠.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٤.
٣ - تنقيح المقال: ج ٣ ص ١١٣.
٤ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
أبو جعفر الزهري الخزاعي عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) وقال في ( الفهرست ) محمد بن سنان روى رسالة أبي جعفر إلى أهل البصرة، قد ضعّفه النجاشي، وقال: إنّه ضعيف جدّاً، وقال الفضل بن شاذان: لا أحلّ لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان(٢) وقال محمد بن سنان: عند موته لا ترووا عنّي ممّا حدّثت شيئاً فإنّما هي كتب اشتريتها في السوق(٣) وقد طعن في حديثه واتُّهم بالغلو، وعدم التحرّج في الدين، وقد روى الكشي قال: رأيت في بعض كتب الغلاة.. عن الحسن ابن علي، عن الحسن بن شعيب عن محمد بن سنان، قال: دخلت على أبي جعفر الثانيعليهالسلام فقال لي: يا محمد كيف أنت إذا لعنتك، وبرئت منك، وجعلتك محنة للعالمين، أهدي بك من أشاء واضل بك من أشاء، قال: قلت له: تفعل بعبدك ما تشاء يا سيدي، أنت على كل شيء قدير.. ثم قال: يا محمد أنت عبد أخلصت لله إنّي ناجيت الله فيك فأبى إلاّ أن يضل بك كثيراً ويهدي بك كثيراً(٤) وكثير من أمثال هذه المنكرات والخرافات رُويت عنه.
١٠٢ - محمد بن عبد الجبار:
أبي الصهبان، القمّي عده الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، ورد توثيقه في الوجيزة، والبلغة، ومشتركات الكاظمي(٥) .
١٠٣ - محمد بن عبد الله:
المدائني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٦) وأضاف انّه لحق الإمام
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٤٠٥.
٢ - تنقيح المقال: ج ٣ ص ١٢٤.
٣ - تنقيح المقال: ج ٣ ص ١٢٤.
٤ - الكشي: ج ٢ ص ٤٤٩.
٥ - تنقيح المقال: ج ٣ ص ١٣٥.
٦ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
موسى بن جعفرعليهالسلام يعني لمّا أخذ من المدينة إلى بغداد(١) .
١٠٤ - محمد بن عبد الله:
ابن مهران، أبو جعفر الكرخي عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام مضيفاً إنّه يرمى بالغلو والضعف(٢) قال النجاشي: إنّه غال كذاب، فاسد المذهب، والحديث مشهور بذلك له كتب منها كتاب ( الممدوحين والمذمومين ) كتاب ( مقتل أبي الخطاب ) كتاب ( الملاحم ) كتاب ( التبصرة ) كتاب ( النوادر ) وهو أقرب كتبه إلى الحق والباقي تخليط(٣) .
١٠٥ - محمد بن عبدة:
يُكنّى أبا بشير عدّه الشيخ من غير توصيف من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) .
١٠٦ - محمد بن الفرج:
الرخجي(٥) عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٦) كان من وجوه الشيعة، ولمّا توفي الإمام محمد الجوادعليهالسلام اجتمعت عنده الشيعة لمعرفة الإمام القائم بعد الجواد(٧) وله أخبار حسان ذكرها المترجمون له.
١٠٧ - محمد بن نصر:
الناب، عدّه البرقي من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٨) .
__________________
١ - تنقيح المقال: ج ٣ ص ١٤٥.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
٣ - النجاشي: ص ٣٥٠.
٤ - رجال الطوسي: ص ٤٠٥.
٥ - الرخجي: كورة ومدينة من نواحي كابل.
٦ - رجال الطوسي: ص ٤٠٥.
٧ - تنقيح المقال: ج ٣ ص ١٧١.
٨ - رجال البرقي: ٥٧.
١٠٨ - محمد بن نصير:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) .
١٠٩ - محمد بن نوح:
عدّه البرقي من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) .
١١٠ - محمد بن الوليد:
الخزاز، الكرماني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) .
١١١ - محمد بن يونس:
ابن عبد الرحمن عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليهالسلام وأخرى من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) . وروى الكشيّ أنّ الحكومة العباسية لمّا أجبرت ابن أبي عُمير على تسمية الشيعة لتعتقلهم، فأبى أن يخبر بأسمائهم فضُرب مائة سوط وكاد أن يُسمّيهم من شدّة التعذيب إلاّ أنّه لما سمع نداء محمد بن يونس: ( يا محمد بن أبي عُمير اذكر موقفك بين يدي الله، صبر على التعذيب ولم يخبر بأسمائهم(٥) .
١١٢ - المختار بن زياد:
العبدي، البصري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام وأضاف أنّه ثقة(٦) .
١١٣ - مروك بن عبيد:
ابن أبي حفصة، مولى بني العجل، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٧)
__________________
١ - رجال الطوسي: ص ٤٠٥.
٢ - رجال البرقي: ص ٥٧.
٣ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
٤ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
٥ - الكشي: ج ٢ ص ٨٥٥.
٦ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
٧ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
وروى الكشي عن محمد بن مسعود قال: سألت علي بن الحسن عن مروك بن عبيد، فقال: ثقة، شيخ صدوق(١) وذكر الشيخ في الفهرست أن له كتاباً.
١١٤ - مصدق بن صدقة:
المدايني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) . وقد أدرك الإمام الصادقعليهالسلام وروى عنه، وعن الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام وقد كان أجلاّء العلماء والفقهاء، وقد رُمي بالفطحية، وقد عمّر مائة سنة(٣) .
١١٥ - معاوية بن حكيم:
ابن عمّار الدهني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٤) قال النجاشي: معاوية بن حكيم بن عمّار الدُهِنيّ، ثقة جليل من أصحاب الرضاعليهالسلام قال أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله: سمعت شيوخنا يقولون: روى معاوية بن حكيم أربعة وعشرين أصلاً لم يروِ غيرها، وله كتب منها كتاب ( الطلاق ) وكتاب ( الديات ) وله نوادر(٥) قال الكشيّ: إنه فطحي، وهو عدل عالم(٦) .
١١٦ - منذر بن قابوس:
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٧) إلاّ أنّ النجاشي قال: منذر بن محمد بن سعيد بن أبي الجهم القابوسيّ، أبو القاسم من ولد قابوس بن النعمان بن
____________
١ - الكشي: ج ٢ ص ٨٣٥.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
٣ - تنقيح المقال: ج ٣ ص ٢١٨.
٤ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
٥ - النجاشي: ص ٤١٢.
٦ - الكشي: ج ٢ ص ٦٣٥.
٧ - رجال الطوسي: ص ٤٠٦.
المنذر.. ثقة من أصحابنا من بيت جليل له كتب منها ( وفود العرب إلى النبيصلىاللهعليهوآله ) وكتاب ( جامع الفقه ) وكتاب ( الجمل ) وكتاب ( صفّين ) وكتاب ( الغارات )(١) .
١١٧ - منصور بن العباس:
أبو الحسين الرازي، عدّه الشيخ تارة من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، وأخرى من أصحاب الإمام الهاديعليهالسلام (٢) قال النجاشي: انّه سكن بغداد ومات بها، وكان مضطرب الأمر، له كتاب ( نوادر )(٣) .
١١٨ - موسى بن داود:
اليعقوبي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، ومن أصحاب الإمام الهاديعليهالسلام (٤) وهو مجهول الحال.
المنقري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) وهو مجهول الحال.
١٢٠ - موسى بن عبد الله:
ابن عبد الملك بن هشام، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٦) وهو مجهول الحال.
١٢١ - موسى بن عمر:
ابن بَزيْع، مولى المنصور، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٧) قال
__________________
١ - النجاشي: ص ٤١٨.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٧.
٣ - النجاشي: ص ٤١٣.
٤ - رجال الطوسي: ص ٤٠٧.
٥ و ٧ - رجال الطوسي: ص ٤٠٥.
النجاشي: انّه ثقة، كوفي له كتاب(١) وورد توثيقه في الوجيزة والبلغة والخلاصة.
١٢٢ - موسى بن القاسم:
ابن معاوية، بن وهب البجلي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليهالسلام ومن أصحاب الإمام الجواد(٢) قال النجاشي: انّه ثقة جليل، واضح الحديث، حسن الطريقة، له كتب منها كتاب ( الوضوء ) كتاب ( الصلاة ) كتاب ( الزكاة ) كتاب ( الحج ) كتاب ( النكاح ) كتاب ( الطلاق ) كتاب ( الحدود ) كتاب ( الديات ) كتاب ( الشهادات ) كتاب ( الإيمان والنذور ) كتاب ( أخلاق المؤمنين ) كتاب ( الجامع ) كتاب ( الآداب )(٣) .
( ن )
١٢٣ - نوح بن شعيب:
البغدادي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام ، ونقل عن الفضل بن شاذان انّه كان فقيهاً صالحاً مرضيّاً(٤) .
( هـ )
١٢٤ - هارون بن الحسن:
عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) قال النجاشي: إنّه ثقة
__________________
١ - النجاشي: ص ٤٠٩.
٢ - رجال الطوسي: ص ٤٠٥.
٣ - النجاشي: ص ٤٠٥.
٤ و ٥ - رجال الطوسي: ص ٤٠٨.
صدوق، روى عن أبيه له كتاب نوادر(١) .
( ي )
١٢٥ - يزداد:
عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) وهو مجهول الحال.
( باب الكنى )
أمّا الذين عُرفوا بالكنية من أصحاب الإمام واشتهروا بها فهم
١٢٦ - أبو جعفر:
البصري عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) وقد وثّقه الكشي فقد روى عن الفضل بن شاذان قال: حدّثني أبو جعفر البصري وكان ثقة صالحاً فاضلاً(٤) .
١٢٧ - أبو الحصين:
عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٥) .
١٢٨ - أبو خداش
المهري، البصري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٦) .
__________________
١ - النجاشي: ص ٤٣٩.
٢ و ٥ - رجال الطوسي: ص ٤٠٨.
٣ - رجال الطوسي: ص ٤٠٩.
٤ - الكشيّ: ج ٢ ص ٨٣٢.
٦ - رجال الطوسي: ص ٤٠٨.
١٢٩ - أبو سارة:
عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (١) وهو مجهول الحال.
١٣٠ - أبو سكينة:
كوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٢) وهو مجهول الحال.
هؤلاء بعض الرواة الذين رووا عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام .
( النساء )
أما السيدات اللاتي روين عن الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام فهنّ:
١٣١ - زينب بنت محمد:
ابن يحيى عدّها الشيخ من جملة أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام (٣) .
١٣٢ - زهراء أمّ أحمد:
عدّها الشيخ بهذا العنوان من السيدات اللاتي تشرّفن بسؤال الإمام الجوادعليهالسلام (٤) .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أصحاب الإمام الجوادعليهالسلام وقد كان فيهم جماعة من أعلام الفكر والعلم والأدب في ذلك العصر، وقد دلّت هذه الجمهرة من أصحابه على مدى ما يتمتع به الإمام من الثروات العلمية الهائلة فإنّهم إنّما صحبوه للاستفادة من نمير علمه.
__________________
(١ - ٤) - رجال الطوسي: ص ٤٠٩.
عصر الإمام
أما عصر الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام ، فقد كان من أزهى العصور الإسلامية وأروعها، فقد تميّز في نهضته العلمية وحضارته الفكرية، وقد ظلّ المسلمون وغيرهم أجيالاً وقروناً يعيشون على موائد الثروات الفكرية والعلمية التي أسّست في ذلك العصر.
ولابدّ لنا من الحديث - بإيجاز - عن معالم الحياة في عصر الإمامعليهالسلام فقد أصبحت دراسة العصر من المباحث المنهجية التي لا غِنى للباحث عنها لأنّها تكشف عن أبعاد الشخصية، وتدلّل على مناحيها الفكرية، وسائر اتجاهاتها، وفيما يلي عرض لذلك:
الحياة الثقافية:
أما الحياة الثقافية في ذلك العصر فتعتبر من أبرز معالم الحياة في العصور الإسلامية على الإطلاق، فقد ازدهرت الحركات الثقافية، وانتشر العلم انتشاراً واسعاً، وتأسّست المعاهد الدراسية، وانتشرت المكاتب العامة، وأقبل الناس بلهفة على طلب العلم، يقول نيكلسون: ( وكان لانبساط رقعة الدولة العباسية، ووفرة ثروتها، ورواج تجارتها أثر كبير في خلق نهضة ثقافية لم يشهدها الشرق من قبل، حتى لقد بدا أنّ الناس جميعاً من الخليفة إلى أقل أفراد العامة شأناً غدوا فجأة طلاّباً للعلم أو على الأقل أنصاراً للأدب، وفي عهد الدولة العباسية كان الناس يجوبون ثلاث قارّات سعياً
إلى موارد العلم والعرفان ليعودوا إلى بلادهم كالنحل يحملون الشهد إلى جموع التلاميذ المتلهّفين، ثمّ يصنّفون بفضل ما بذلوه من جهد متصل هذه المصنّفات التي هي أشبه شيء بدوائر المعارف، والتي كان لها أكبر الفضل في ايصال هذه العلوم الحديثة إلينا بصورة لم تكن متوقعة من قبل )(١) ونُلمح إلى بعض المعالم الرئيسية من تلك الحياة الثقافية.
المراكز الثقافية:
أمّا المراكز الثقافية في عصر الإمام أبي جعفرعليهالسلام فهي:
١ - يثرب:
وكانت يثرب من أهم المراكز العلمية في ذلك العصر، فقد تشكّلت فيها مدرسة أهل البيتعليهمالسلام وقد ضمّت عيون الفقهاء والرواة من الذين سهروا على تدوين أحاديث أئمة أهل البيتعليهمالسلام وقد عنوا بصورة موضوعية بتدوين أحاديثهم الخاصة في الفقه باعتباره روح الإسلام وجوهره، كما تشكّلت في يثرب مدرسة التابعين وهي مدرسة فقهية عنت بأخذ الفقه ممّا روي عن الصحابة، ويرجع بما لم يروا عنهم إلى ما يقتضيه الرأي والقياس حسب ما ذكروه.
٢ - الكوفة:
وتأتي الكوفة بعد يثرب في الأهمية، فقد كان الجامع الأعظم من أهم المعاهد، والمدارس الإسلامية، فقد انتشرت فيه الحلقات الدراسية، وكان الطابع العام للدراسة هي العلوم الإسلامية من الفقه والتفسير والحديث وغيرها.
وكانت الكوفة علوية الرأي، فقد عنت مدرستها بعلوم أهل البيتعليهمالسلام وقد حدّث الحسن بن علي الوشاء فقال: أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة -
__________________
١ - تاريخ الإسلام: ج ٢ ص ٣٢٢.
تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد(١) ومن أهم الأسر العلمية التي درست في ذلك الجامع هي آل حيّان التغلبي وآل أعين، وبنو عطيّة وبيت بني دارج وغيرهم(٢) .
ولم يكن الفقه وحده هو السائد في مدرسة الكوفة، وإنّما كان النحو سائداً أيضاً، فقد أنشأت في الكوفة مدرسة النحويين، وكان من أعلامها البارزين: الكسائي الذي عهد إليه الرشيد بتعليم ابنيه الأمين والمأمون، ومن الجدير بالذكر أنّ هذا العلم الذي يصون اللسان عن الخطأ قد اخترعه الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام فهو الذي وضع قواعده وأصوله.
٣ - البصرة:
أما البصرة فقد كانت مركزاً مهمّاً لعلم النحو، وكان أوّل من وضع أساس مدرسة البصرة أبو الأسود الدوئلي تلميذ الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكانت هذه المؤسسة تنافس مدرسة الكوفة، وقد سُمّي نُحّاة البصرة ( أهل المنطق ) تمييزاً عن نُحّاة الكوفة وكان من أعلام هذه الصناعة سيبويه الفارسي، وهو صاحب كتاب سيبويه، الذي هو من أنضج الكتب العربية وأكثرها عمقاً وأصالة يقول دي بور: فلو نظرنا إلى كتاب سيبويه لوجدناه عملاً ناضجاً، ومجهوداً عظيماً، حتى أنّ المتأخّرين قالوا: إنّه لابدّ أن يكون ثمرة جهود متضافرة لكثير من العلماء، مثل قانون ابن سيناء(٣) .
وكما كانت البصرة ميداناً لعلم النحو كذلك كانت مدرسة لعلم التفسير الذي كان من علمائه البارزين أبو عمرو بن العلاء، وكانت مدرسة أيضاً لعلم العروض
____________
١ - حياة الإمام موسى بن جعفر: ج ١ ص ٨٢.
٢ - تاريخ الإسلام: ج ٢ ص ٣٣٨.
٣ - تاريخ الفلسفة في الإسلام: ص ٣٩.
الذي وضع أصوله الخليل بن أحمد صاحب كتاب ( العين ) الذي هو أول معجم وضع في اللغة العربية.
٤ - بغداد:
أمّا بغداد فقد ازدهرت بالحركات العلمية والثقافية، وقد انتشرت فيها المدارس والمعاهد ولم يعد هناك شيء أيسر ولا أبذل من العلم، ولم تختص بغداد في علم خاص كما كانت بقية المراكز الإسلامية، وإنّما شملت جميع أنواع العلوم من العقلية والنقلية، وكذا سائر الفنون، وقد أصبحت أعظم حاضرة علمية في ذلك العصر، وقد توافد عليها طلاّب العلوم والمعرفة من جميع أقطار الدنيا يقول لغوستان لوبون: كان العلماء ورجال الفن والأدباء من جميع الملِل والنِحل من يونان وفُرس وأقباط وكلدان يتقاطرون إلى بغداد، ويجعلون منها مركزاً للثقافة في الدنيا، قال أبو الفرج: عن المأمون انّه كان يخلو بالحكماء، ويأنس بمناظرتهم، ويلتذ بمذاكرتهم علماً منه بأنّ أهل العلم هُم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده(١) هذه بعض المراكز الثقافية في ذلك العصر.
العلوم السائدة:
وكان من العلوم السائدة التي أقبل الناس على تعلّمها، هي:
١ - علوم القرآن:
أمّا علوم القرآن الكريم، فمن بينها ما يلي:
أ - علم القراءات:
ويعني هذا العلم بالبحث عن قراءة القرآن وقد وجدت سبع طُرق في
__________________
١ - حضارة العرب: ص ٢١٨.
القراءات، كل طريقة منها تُنسب إلى قارئ، ومن أشهرهم في العصر العباسي يحيى بن الحارث الذماري المتوفّى سنة ( ١٤٥ هـ ) وحمزة بن حبيب الزيات المتوفّى سنة ( ١٥٦ هـ ) وأبو عبد الرحمن المقري المتوفى سنة ( ٢١٣ هـ ) وخلف بن هشام البزار المتوفى سنة ( ٢٢٩ هـ )(١) .
ب - التفسير:
ويُراد به إيضاح الكتاب العزيز وبيان معناه، وقد اتجه المفسّرون في تفسيره إلى اتجاهين.
الأول: التفسير بالمأثور، ونعني به تفسير القرآن بما أثر عن النبيصلىاللهعليهوآله وأئمّة الهُدى وهذا ما سلكه أغلب مُفسّري الشيعة كتفسير القمّي، والعسكري والبرهان، وحجّتهم في ذلك إنّ أئمّة أهل البيتعليهمالسلام هم المخصوصون بعلم القرآن على حقيقته وواقعه، وقد أدلى بذلك الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام بقوله: ( ما يستطيع أحد أن يدّعي إنّ عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء(٢) وقد تظافرت الأدلّة على وجوب الرجوع إليهم في تفسير القرآن يقول الشيخ الطوسي:
( إنّ تفسير القرآن لا يجوز إلاّ بالأثر الصحيح عن النبيصلىاللهعليهوآله وعن الأئمة الذين قولهم حجة كقول النبيصلىاللهعليهوآله .. )(٣) .
الثاني: التفسير بالرأي، ويُراد به الأخذ بالاعتبارات العقلية الراجعة إلى الاستحسان وقد ذهب إلى ذلك المفسرون من المعتزلة، والباطنية فلم يعنوا بما أثر عن أئمّة الهدى في تفسير القرآن الكريم، وإنّما استندوا في تفسيره إلى ما يرونه من
__________________
١ - المعارف: ص ٢٣٠ - ٢٣١، الفهرست: ص ٤٢ - ٤٥.
٢ - التبيان: ج ١ ص ٤.
٣ - حياة الإمام محمد الباقر: ج ١ ص ١٨١.
الاستحسانات العقلية(١) .
وعلى أي حال فإنّ أوّل مدرسة للتفسير بالمأثور كانت في عهد الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام فهو أوّل مفسّر للقرآن الكريم وعنه أخذ عبد الله بن عباس وغيره، من أعلام الصحابة، وكذلك اهتم به اهتماماً بالغاً الأئمة الطاهرون، فتناولت الكثير من محاضراتهم تفسير القرآن، وأسباب نزول آياته وفضل قراءته.
٢ - الحديث:
ومن العلوم السائدة دراستها في ذلك العصر ( الحديث ) الذي هو من أهمّ مصادر التشريع الإسلامي، ونعني به ما أثر عن النبيصلىاللهعليهوآله أو عن أحد أوصيائه الأئمة الطاهرين، من قول أو فعل أو تقرير لشيء ويعبّر عن ذلك كلّه بالسنّة.
وقد سبق الشيعة إلى تدوين الأحاديث، فقد حثّ الأئمة الطيّبون أصحابهم على ذلك، فقد روى أبو بصير قال: دخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام فقال: ( ما يمنعكم من الكتابة، إنّكم لن تحفظوا حتى تكتبوا، أنّه خرج من عندي رهط من أهل البصرة يسألوا عن أشياء فكتبوها ) وقد انبرى جماعة من أصحاب الإمام الرضاعليهالسلام إلى جميع الأحاديث الصحيحة في جوامع كبيرة، وهي الجوامع الأولى للإمامية والتي تعدّ الأساس لتدوين الجوامع الأربعة لمشايخ الإسلام الثلاثة(٢) .
٣ - الفقه:
ومن أميز العلوم التي ساد انتشارها في ذلك العصر بل في جميع العصور الإسلامية هو علم الفقه الذي يناط به معرفة التكاليف اللازمة على المكلّفين وعليهم المسؤولية عند الله في امتثالها وتطبيقها على واقع حياتهم، ومن ثمّ كان الاهتمام بدراسة
__________________
١ - حياة الإمام محمد الباقر: ج ١ ص ١٨١.
٢ - مقدمة المقنع والهداية: ص ١٠.
علم الفقه أكثر من سائر العلوم، وقد قام أئمة أهل البيتعليهمالسلام بدور فعال في إنشاء مدرستهم الفقهية التي تخرّج منها كبار الفقهاء والعلماء أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم، وجابر بن يزيد الجعفي وأمثالهم من عيون العلماء، وقد دوّنوا ما سمعوه من الأئمة الطاهرين في أصولهم التي بلغت زهاء أربعمائة أصل، ثمّ هذّبت، وجمعت في الكتب الأربعة التي يرجع إليها فقهاء الإمامية في استنباطهم للأحكام الشرعية.
ولم يقتصر هذا النشاط في طلب علم الفقه والإقبال عليه على الشيعة، وإنّما شمل جميع الطوائف الإسلامية.
٤ - علم الأصول:
وأسّس هذا العلم الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام حسبما حقّقناه عند البحث عن حياته، وهذا العلم ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد والاستنباط، وكان موضع دراسة في ذلك العصر.
٥ - علم النحو:
وهو من العلوم التي لعبت دوراً مهمّاً في العصر العبّاسي، فقد كانت بحوثه موضع جدل، وقد عقدت لها الأندية في قصور الخلفاء وجرى في بعض مسائله نزاع حادّ بين علماء هذا الفنّ، وقد تخصّص بهذا العلم جماعة من الأعلام في ذلك العصر في طليعتهم الكسائي والفراء وسيبويه، وقد أسس هذا العلم الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام رائد العلم والحكمة في الأرض.
٦ - علم الكلام:
من العلوم التي انتشرت في ذلك العصر علم الكلام، ويقصد به الدفاع عن المعتقدات الدينية بالأدلّة العلمية، وقد أسس هذا الفنّ أئمة أهل البيتعليهمالسلام وتخصّص به جماعة من تلاميذهم، يعدّ في طليعتهم العالم الكبير هشام بن الحكم، ومن أشهر
المتكلّمين عند أهل السنّة واصل بن عطاء، وأبو الهذيل العلاف، وأبو الحسن الأشعري والغزالي.
٧ - علوم الطب:
وانتشر علم الطب في ذلك العصر، وقد شجّع ملوك بني العباس على دراسته، ومنحوا الجوائز والأموال الطائلة للمتخصّصين فيه أمثال جبريل بن بختشوع الطبيب النصراني.
٨ - الكيمياء:
ومن العلوم التي نالت الاهتمام في ذلك العصر هو علم الكيمياء، وقد تخصّص فيه جابر بن حيان مفخرة الشرق العربي، وقد تلقّى بحوثه من الإمام الصادق الدماغ المفكّر في الإنسانية فهو الذي أسّس هذا العلم.
٩ - الهندسة المعمارية والمدنية:
١٠ - الفلك:
هذه بعض العلوم المنتشرة والسائدة في عصر الإمام الجوادعليهالسلام وقد ألّفت فيها مئات الكتب ممّا فقد أو هو مخطوط في خزائن المكتبات في العالم.
ترجمة الكتب:
وكان من مظاهر تطور الحياة الثقافية في ذلك العصر الإقبال على ترجمة الكتب من اللغة الأجنبية إلى اللغة العربية، وقد تناولت كتب الطب، والرياضة، والفلك، وأصناف العلوم السياسية والفلسفة، ذكر أسماء كثير منها: ابن النديم في الفهرست، وكان يرأس ديوان الترجمة حنين بن إسحاق، وقد روى ابن النديم أنّ ( المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون فكتب إليه يسأله الإذن في
إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة، المدّخرة ببلد الروم فأجابه إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجّاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا ممّا وجدوا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل.. )(١) .
وقد ساعدت تلك الكتب المترجمة على نمو الفكر العربي، وساهمت في تطور العلوم في البلاد الإسلامية فقد اشتغل الكثيرون من المسلمين في تفسيرها إلى الناشئة العلمية.
المعاهد والمكتبات
وأنشأت الحكومة العباسية في بغداد المدارس والمعاهد لتدريس العلوم الإسلامية وغيرها، فقد أنشئت فيها حوالي ثلاثون مدرسة، وما فيها من مدرسة إلاّ ويقصر القصر البديع عنها، وأعظمها وأشهرها النظامية(٢) .
كما أسّست فيها المكتبات العامة التي كان منها مكتبة بيت الحكمة، فقد نقل إليها الرشيد مكتبته الخاصة، وأضاف إليها من الكتب ما جمعه جدّه المنصور وأبوه المهدي، وفي عهد المأمون طلب من أمير صقلية بعض الكتب العلمية والفلسفية، فلمّا وصلت إليه نقلها إلى مكتبة بيت الحكمة، كما جلب إليها من خراسان الكثير من الكتب، وكان حيث ما سمع بكتاب جلبه لها، وظلّت هذه الخزانة التي هي من أثمن ما في العالم قائمة يرجع إليها البحّاث وأهل العلم فلمّا استولى السفّاك المغول على بغداد سنة ( ٦٥٦ هـ ) عمد إلى إتلافها، وبذلك فقد خسر العالم الإسلامي أعظم تراث له.
__________________
١ - الفهرست: ص ٣٣٩.
٢ - رحلة ابن جبير: ص ٢٠٨.
الخرائط والمراصد:
وكان من مظاهر ألوان التقدم الثقافي والحضاري في ذلك العصر أنّ المأمون أمر بوضع خريطة للعالم سُمّيت ( الصورة المأمونية ) وهي أول خريطة صُنعت للعالم في العصر العباسي، كما أمر بإنشاء مرصد فلكي فأنشأ بالشماسية وهي إحدى محلاّت بغداد(١) .
ففي هذا الجو العلمي الزاهر كان الإمام أبو جعفر الجوادعليهالسلام الرائد الأعلى للحركة الثقافية، فقد التفّ حوله العلماء أثناء إقامته في بغداد وهم ينتهلون من نمير علومه، وقد سألوه عن أدق المسائل الفلسفية والكلامية فأجابهم عنها حسب ما ذكرناه في البحوث المتقدمة.
الحياة السياسية:
أمّا الحياة السياسية في عصر الإمام أبي جعفرعليهالسلام فقد كانت بشعة وحرجة للغاية لا للإمام فحسب وإنّما كانت لعموم المسلمين وذلك لما فيها من الأحداث الجسام، فقد مُنيت الأمة بموجات عارمة من الفتن والاضطرابات، وقبل أن نتحدّث عنها نرى من اللازم ان نعرض لمنهج الحكم في العصر العباسي وغيره ممّا يتصل بالموضوع وفيما يلي ذلك:
منهج الحكم:
أمّا منهج الحكم في العصر العباسي فإنّه كان على غرار الحكم الأموي، لم يتغير ولم يتبدل، وقد وصفه ( نكلسون ) بأنّه نظام استبدادي، وانّ العباسيين حكموا
__________________
١ - عصر المأمون: ج ١ ص ٣٧٥.
البلد حكماً مطلقاً على النحو الذي كان يحكم به ملوك آل ساسان قبلهم(١) .
لقد كان الحكم خاضعاً لرغبات ملوك العباسيين وأمرائهم، ولم يكن له أي التقاء مع القانون الإسلامي، فقد شذّت تصرّفاتهم الإدارية والاقتصادية والسياسية عمّا قنّنه الإسلام في هذه المجالات.
لقد استبدّ ملوك بني العباس بشؤون المسلمين وأقاموا فيهم حكماً إرهابياً لا يعرف الرحمة والرأفة، وهو بعيد كلّ البعد عمّا شرّعه الإسلام من الأنظمة الخلاّقة الهادفة إلى بسط العدل، ونشر المساواة، والحق بين الناس.
الخلافة والوراثة:
ولم تخضع الخلافة الإسلامية حسب قيمها الأصيلة إلى أي قانون من قوانين الوراثة ولا لأي لون من ألوان المحاباة أو الاندفاع وراء الأهواء والعواطف، فقد حارب الإسلام جميع هذه المظاهر واعتبرها من ألوان الانحطاط والتأخر الفكري للمسلمين، وأناط الخلافة بالقيم الكريمة، والمُثل العُليا، والقدرة على إدارة شؤون الأمة، فمن يتصف بها فهو المرشّح لهذا المنصب الخطير الذي تدور عليه سلامة الأمّة وسعادتها.
أما الشيعة فإنّما خصّت الخلافة بالأئمة الطاهرين من أهل البيتعليهمالسلام لا لقرابتهم من الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله وانّهم ألصق الناس به وأقربهم إليه، وإنّما لمواهبهم وعبقرياتهم، وما اتصفوا به من الفضائل التي لم يتصف بها أحد غيرهم.
وأمّا الذين طبّلوا بالوراثة فهم العباسيّون، فاعتبروها القاعدة الصلبة لاستحقاقهم للخلافة لأنّهم أبناء عم الرسولصلىاللهعليهوآله وقد بذلوا الأموال الطائلة لأجهزة
__________________
١ - اتّجاهات الشعر العربي: ص ٤٩.
الإعلام لنشر ذلك وإذاعته بين الناس.
وقد هبّت إلى الأوساط العباسي المرتزقة تتقرّب بانتقاص العلويين وتشهد بأنّ ذئاب بني العباس هم أولى بالنبيصلىاللهعليهوآله من السادة الأطهار من آل الرسولصلىاللهعليهوآله .
ويقول الرواة: إنّ أبان بن عبد الحميد كان مُبعداً عن العباسيين لولائه لأهل البيتعليهمالسلام فخفّ إلى البرامكة وطلب منهم أن يوصلوه إلى الرشيد فأشاروا عليه انّه لا سبيل إلى ذلك إلاّ أن يعرض في شِعره أنّ بني العباس هم ورثة النبيصلىاللهعليهوآله وأولى بالخلافة من العلويين فأجابهم إلى ذلك ونظم قصيدة جاء فيها:
نشدت بحقّ الله من كان مسلما |
أعم بما قد قلته: العجم والعرب |
|
أعمّ رسول الله أقرب زلفة |
لديه أم ابن العم في رتبة النسب |
|
وأيّهما أوله وبعهده |
ومن ذا له حق التراث بما وجب |
|
فإن كان عباس أحق بنسلكم |
وكان على بعد ذاك على سبب |
|
فأبناء عباس هم يرثونه |
كما العم لابن العم في الإرث حجب |
ولمّا قرأ قصيدته على الرشيد ملئت نفسه إعجاباً فمنحه الرضا ومنحه الأموال الطائلة.
تصرّفات شاذّة:
ولمّا التزم العباسيّون بقانون الوراثة، قاموا بتصرفات شاذّة ونابية ومعادية لمصلحة الأمة وكان من بينها:
١ - إسناد الخلافة إلى الذين لم يبلغوا سن الرشد، فقد عهد الرشيد بالخلافة إلى ابنه الأمين، وكان له من العمر خمس سنين، وإلى ابنه المأمون وكان عمره ثلاث عشر سنة.
وقد انحرف بذلك عمّا قرّره الإسلام من أنّ منصب الخلافة إنّما يُسند إلى من
كان يتمتع بالحكمة والتجارب، وممارسة الشؤون الاجتماعية والدراية التامة بما تحتاج إليه الأمّة في جميع مجالاتها، وليس من سبيل لإسنادها للأطفال والصبيان.
٢ - إسناد ولاية العهد لأكثر من واحد فإنّ في ذلك تمزيقاً لشمل الأمّة وتصديعاً لوحدتها وقد شذّ الرشيد عن ذلك فقد أسند الخلافة من بعده إلى الأمين والمأمون، وقد ألقى الصراع بينهما، وعرّض الأمة إلى الأزمات الحادة، والفتن الخطيرة، وسنعرض لها في البحوث الآتية.
الوزارة:
من الأجهزة الحساسة في الدولة العباسية هي الوزارة، فكانت - على الأكثر - وزارة تفويض، فكان الخليفة يعهد إلى الوزير بالتصرف في جميع شؤون دولته ويتفرغ هو للّهو والعبث والمجون، فقد استوزر المهدي العباسي يعقوب بن داود، وفوّض إليه جميع شؤون رعيّته وانصرف إلى ملذّاته، وفيه يقول الشاعر:
بني أميّة هبّوا طال نومكم |
إنّ الخليفة يعقوب بن داود |
|
ضاعت خلافتكم يا قوم |
فالتمسوا خليفة الله بين الناي والعود |
استوزر الرشيد يحيى بن خالد البرمكي ومنحه جميع الصلاحيات واتجه نحو ملاذّه وشهواته فكانت لياليه الحمراء في بغداد شاهدة على ذلك.
وتصرّف يحيى في شؤون الدولة الواسعة الأطراف حسب رغباته، فقد أنفق الأموال الطائلة على الشعراء المادحين له، واتخذ من العمارات والضِياع التي كانت وارادتها تدرّ عليه بالملايين، وهي التي سببت قيام هارون الرشيد باعتقاله، وقتل ابنه جعفر ومصادرة جميع أموالهم.
وفي عهد المأمون أطلق يد وزيره الفضل بن سهل في أمور الدولة فتصرّف فيها حيثما شاء، وكان الوزير يكتسب الثراء الفاحش بما يقترفه من النهب والرشوات،
وقد عانت الأمة من ضروب المحن والبلاء في عهدهم بما لا يوصف فكانوا الأداة الضاربة للشعب، فقد استخدمتهم الملوك لنهب ثروات الناس وإذلالهم وإرغامهم على ما يكرهون.
وكان الوزراء معرّضين للسخط والانتقام وذلك لما يقترفونه من الظلم والجور، وقد نصح دعبل الخزاعي الفضل بن مروان أحد وزراء العباسيين فأوصاه بإسداء المعروف والإحسان إلى الناس، وقد ضرب له مثلاً بثلاثة وزراء ممّن شاركوه في الاسم وسبقوه إلى كرسي الحكم، وهم الفضل بن يحيى، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل، فإنّهم لمّا جاروا في الحكم تعرّضوا إلى النقمة والسخط، يقول دعبل:
ألاّ أنّ في الفضل بن سهل لعِبرة |
إن اعتبر الفضل بن مروان بالفضل |
|
وفي ابن البيع الفضل للفضل زاجر |
إن ازدجر الفضل بن مروان بالفضل |
|
وللفضل في الفضل بن يحيى مواعظ |
إن اتعظ الفضل بن مروان بالفضل |
|
إذا ذكروا يوماً وقد صرت رابعاً |
ذكرت بقدر السعي منك إلى الفضل |
|
فابق جميلاً من حديث تفز به |
ولا تدع الإحسان والأخذ بالفضل |
|
ولم أرَ أبياتاً من الشعر قبلها |
جميع قوافيها على الفضل والفضل |
|
وليس لها عيب إذا هي أنشدت |
سوى أنّ نصحي الفضل كان من الفضل |
ومن غرائب ما اقترفه الوزراء من الخيانة أنّ الخاقاني وزير المقتدر بالله العباسي ولِّيَ في يوم واحد تسعة عشر ناظراً للكوفة وأخذ من كلّ واحدة رشوة(١) وكثير من أمثال هذه الفضائح والمنكرات عند بعض وزراء العباسيين.
__________________
١ - تاريخ التمدّن الإسلامي: ج ٤ ص ١٨٢.
الفتنة بين الأمين والمأمون:
لعلّ من أبرز الأحداث السياسية التي جرت في عصر الإمام محمد الجوادعليهالسلام هي الفتنة الكبرى التي وقعت بين الأمين والمأمون، وأدّت إلى إشعال نار الحرب بينهما، وقد كلّفت المسلمين ثمناً باهضاً وذلك بما بذلوه من الدماء وإزهاق الأنفُس في سبيل استقرار المُلك والسلطان لأحدهما وقبل أن نعرض إلى ذكر هذه الأحداث نُشير - بإيجاز - إلى بعض شؤون الأمين وأحواله:
صفات الأمين:
ولم تكن في الأمين أيّة صفة كريمة يستحق بها هذا المنصب الخطير في الإسلام، فقد أجمع المترجمون له على أنّه لم يتّصف بأية نزعة شريفة، وإنما قلّده الرشيد منصب الخلافة نظراً لتأثير زوجته السيدة زبيدة عليه وفيما يلي بعض صفاته.
١ - كراهته للعلم:
كان الأمين ينفر من العلم، ويحتقر العلماء، وكان أمّياً لا يقرأ ولا يكتب(١) وإذا كان بهذه الصفة كيف قلّده الرشيد الخلافة الإسلامية.
٢ - ضعف الرأي:
وكان الأمين ضعيف الرأي، وقد أعطي المُلك العريض ولم يحسن سياسته، وقد وصفه المسعودي بقوله: ( كان قبيح السيرة ضعيف الرأي يركب هواه، ويهمل أمره، ويتّكل في جليلات الخطوب على غيره، ويثق بمن لا ينصحه )(٢) ووصفه الكتبي بقوله: ( وكان قد هانَ عليه القبيح فاتّبع هواه، ولم ينظر في شيء من عقباه.
__________________
١ - السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي: ج ١ ص ١٦.
٢ - التنبيه والإشراف: ص ٣٠٢.
وكان من أبخل الناس على الطعام، وكان لا يبالي أين قعد، ولا مع من شرب)(١) .
وممّا لا شبهة فيه أنّ أصالة الفكر والرأي من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يلي أمور المسلمين.
٣ - احتجابه عن الرعيّة:
واحتجب الأمين عن الرعية كما احتجب عن أهل بيته وامرأته وعمّاله واستخفّ بهم(٢) وانصرف إلى اللهو والطرب، وقد عهد إلى الفضل بن الربيع أمور دولته، فجعل يتصرف فيها حسب رغباته وميوله، وقد خفّ إلى الأمين إسماعيل بن صبيح، وكان أثيراً عنده، فقال له: يا أمير المؤمنين انّ قوّادك وجُندك وعامة رعيتك، قد خبثت نفوسهم، وساءت ظنونهم وكبر عندهم ما يرون من احتجابك عنهم، فلو جلست لهم ساعة من نهار فدخلوا عليك فإنّ في ذلك تسكيناً لهم، ومراجعة لآمالهم.
واستجاب له الأمين فجلس في بلاطه ودخل عليه الشعراء فأنشدوه قصائدهم، ثمّ انصرف فركب الخراقة إلى الشماسية، واصطفّت له الخيل وعليها الرجال، وقد اصطفّوا على ضفاف دجلة، وحملت معه المطابخ والخزائن، أمّا الخراقة التي ركبها فكانت سفينة على مثال أسد وما رأى الناس منظراً كان أبهى من ذلك المنظر، وقد ركب معه أبو نؤاس وكان ينادمه فقال:
سخّر الله للأمين مطايا |
لم تسخّر لصاحب المحراب(٣) |
__________________
١ - عيون التواريخ: ج ٣ ورقة ٢١٢.
٢ - سمط النجوم: ج٣ ص ٣٠٦.
٣ - صاحب المحراب: هو سليمان بن داود الذي بنى بيت المقدس.
فإذا ما ركابه سرن بحراً |
سار في الماء راكباً ليث غاب |
|
أسداً باسطاً ذراعيه يعدو |
أهرت الشدق كالخ الأنياب(١) |
|
لا يعانيه باللجام ولا السو |
ط ولا غمز رجله في الركاب |
|
عجب الناس إذ رؤوك على صو |
رة ليث تمرّ مرّ السحاب |
|
سبّحوا إذ رأوك سرت عليه |
كيف لو أبصروك فوق العقاب(٢) |
|
ذات زدون منسّر جناحين |
تشقّ العباب بعد العباب |
|
تسبق الطير في السماء إذا ما |
استعجلوها بجيئة وذهاب |
|
بارك الله للأمين وأبقا |
ه له رداء الشباب |
|
ملك تقصر المدائح عنه |
هاشمي موفّق للصواب(٣) |
هذه بعض نزعات الأمين وصفاته، وهي تصوّر لنا إنساناً تافهاً قد اتجه إلى ملذّاته وشهواته ولن يعن بأي شأن من شؤون الدولة الإسلامية.
خلعه للمأمون:
وتقلّد الأمين الخلافة يوم توفى الرشيد، وقد ورد عليه خاتم الخلافة والبردة والقضيب التي يتسلّمها كلّ من يتقلد الخلافة من ملوك العباسيين وحينما استقرت له الأمور خلع أخاه المأمون، وجعل العهد لولده موسى وهو طفل صغير في المهد وسمّاه الناطق بالحق، وأرسل إلى الكعبة من جاءه بكتاب العهد الذي علّقه فيها الرشيد، وقد جعل فيه ولاية العهد للمأمون بعد الأمين، وحينما أتى به مزّقه وكان ذلك - فيما يقول المؤرخون - برأي الفضل بن الربيع وبكر بن المعتمر.
__________________
١ - هرت الشدق: واسعه. كالخ الأنياب: كاشرها.
٢ - العقاب: إحدى السفن التي كانت معدّة للأمين.
٣ - أبو نؤاس لابن منظور: ص ١٠٣ - ١٠٤.
وهذا ليس غريباً عليه فقد اقترف كل ما هو مجاف للأخلاق والأعراف.
الحروب الطاحنة:
وبعدما خلع الأمين أخاه المأمون عن ولاية العهد، وأبلغه ذلك رسمياً ندب إلى حربه علي بن عيسى، ودفع إليه قيداً من ذهب، وقال له: أوثق المأمون، ولا تقتله حتى تقدم به إلَيَّ وأعطاه مليوني دينار سوى الأثاث والكراع، ولمّا علم المأمون ذلك سمّى نفسه أمير المؤمنين، وقطع عنه الخراج، وألغى اسمه من الطراز والدراهم والدنانير، وأعلن الخروج عن طاعته، وندب طاهر بن الحسين، وهرثمة بن أعين إلى حربه، والتقى الجيشان بالري، وقد التحما في معركة رهيبة جرت فيها أنهار من الدماء وأخيراً انتصر جيش المأمون على جيش الأمين، وقتل القائد العام للقوات المسلحة في جيش الأمين، وانتهبت جميع أمتعته وأسلحته، وكتب طاهر ابن الحسين إلى الفضل بن سهل وزير المأمون يخبره بهذا الانتصار الباهر وقد جاء في رسالته ( كتبت إليك، ورأس علي بن عيسى في حجري، وخاتمه في يدي والحمد لله ربّ العالمين ) ودخل الفضل على المأمون فسلّم عليه بالخلافة، وأخبره بالأمر، وأيقن المأمون بالنصر فبعث إلى طاهر القائد العام في جيشه بالهدايا والأموال، وشكره شكراً جزيلاً على ذلك، وقد سمّاه ذا اليمينين، وصاحب خيل اليدين، وأمره بالتوجه إلى احتلال العراق والقضاء على أخيه الأمين.
محاصرة بغداد:
وخفّت جيوش المأمون إلى احتلال بغداد بقيادة طاهر بن الحسين، فحاصرت بغداد، وقد دام الحصار مدة طويلة تخرّبت فيها معالم الحضارة في بغداد، وعمّ الفقر والبؤس جميع سكانها وكثرة العابثون، والشذّاذ فقاموا باغتيال الأبرياء، ونهبوا الأموال وطاردوا النساء حتى تهيأت جماعة من خيار الناس تحت قيادة رجل يقال له
سهل بن سلامة فمنعوا العابثين وتصدوا لهم بقوة السلاح حتى أخرجوهم من بغداد(١) .
وعلى أي حال فقد منيت بغداد بأفدح الخسائر من جرّاء تلك الفتنة الكبرى، وقد فقدت الكثير من أبنائها، وقد زحفت جيوش المأمون إلى تطويق قصر الأمين، وإلحاق الهزائم بجيشه فلم تتمكّن من الصمود أمام جيش المأمون الذي كان يتمتّع بروح معنوية عالية بالإضافة إلى ما يملكه من العتاد والسلاح.
قتل الأمين:
وكان الأمين في تلك المحنة الحازبة مشغولاً بلهوه وطربه، ويقول المؤرّخون: إنّه كان يصطاد سمكاً مع جماعة من الخدم وكان فيهم ( كوثر ) الذي كان مغرماً به فكانت توافيه الأنباء بهزيمة جنوده، ومحاصرة قصره فلم يعن بذلك، وكان يقول: اصطاد كوثر ثلاث سمكات وما اصطدت إلاّ سمكتين، وهجمت عليه طلائع جيش المأمون فأجهزت عليه، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح وتلا قوله تعالى: ( اللهمّ مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء )(٢) وقال فيه بعض الشعراء:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلاً |
فاحكم على ملكه بالويل والخرب |
|
أما ترى الشمس في الميزان هابطة |
لما غدا وهو برج اللهو والطرب(٣) |
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الخلاف بين الأمين والمأمون، وهو من أعظم الأحداث السياسية في ذلك العصر.
__________________
١ - اتّجاهات الشعر العربي: ص ٧٣.
٢ - عيون التواريخ: ج ٣ ورقة ٢١١.
٣ - حياة الحيوان للدميري: ج ١ ص ٧٨.
خلافة إبراهيم الخليع:
من الأحداث السياسية في ذلك العصر خلافة إبراهيم الخليع الذي لم يترك لوناً من ألوان المجون إلاّ ارتكبه، وكان مدمناً على الخمر في أكثر أوقاته، وقد نصّبه العباسيون خليفة عليهم، وذلك لحقدهم على المأمون وكراهيّتهم له، وقد بايعه الغوغاء، وأهل الطرب من الناس، ومن الطريف أنّ الغوغاء أرادوا منه المال فجعل يسوّفهم، وطال عليهم الأمر فأحاطوا بقصره فخرج إليهم رسوله فأخبرهم أنّه لا مال عنده، فقام بعض ظرفاء بغداد فنادى: ( أخرجوا إلينا خليفتنا ليغنّي لأهل هذا الجانب ثلاث أصوات، ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتكون عطاءً لهم )(١) .
وقد سخر به دعبل في أبيات له، فقد وصفه بأبشع الصفات وجعل مصحفه البربط، ووصفه رسترستين بقوله: ( لم تكن له مواهب الحاكم، ولكنّه كان رجلاً سليم الذوق، يهتمّ بالموسيقى والغناء )(٢) .
هربه:
وزحف المأمون بجيوشه نحو بغداد للقضاء على تمرّد إبراهيم، فلمّا علم ذلك هرب، وهرب من كان يعتمد على نصرته، وقال في هجائهم:
فلا جزيت بنو العباس خيراً |
على رغمي ولا اغتبطت بري |
|
أتوني مهطعين وقد أتاهم |
بواد الدهر بالخبر الجلي |
|
وقد ذهل الحواضن عن بنيها |
وسد الثدي عن فمه الصبي |
|
وحلّ عصائب الأملاك منها |
فشدّت في رقابي بني علي |
|
فضجّت أن تشدّ على رؤوس |
تطالبها بميراث النبي(٣) |
__________________
١ - الأغاني.
٢ - دائرة المعارف الإسلامية البريطانية: ج ١ ص ١٤٠.
٣ - التنبيه والأشراف: ص ٣٠٣. الولاة والقضاة: ص ١٦٨.
وظلّ إبراهيم مختفياً في بغداد يطارده الرعب والخوف، وقد ظفر به المأمون فعفا عنه لأنّه لم يكن له أي وزن سياسي حتى يخشى منه.
ثورة أبي السرايا:
من أعظم الثورات الشعبية التي حدثت في عصر الإمام أبي جعفرعليهالسلام هي ثورة أبي السرايا التي استهدفت القضايا المصيرية لجميع الشعوب الإسلامية، فقد رفعت شعار الدعوة إلى ( الرضا من آل محمدصلىاللهعليهوآله ) الذين هم الأمل الباسم للمضطهدين والمحرومين، وكادت أن تعصف هذه الثورة بالدولة العباسية، فقد استجاب لها معظم الأقطار الإسلامية، فقد كان قائدها الملهم أبو السرايا ممّن هذّبته الأيام، وحنّكته التجارب، وقام على تكوينه عقل كبير، فقد استطاع بمهارته أن يجلب الكثير من أبناء الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ويجعلهم قادة في جيشه، ممّا أوجب اندفاع الجماهير بحماس بالغ إلى تأييد ثورته والانضمام إليها إلاّ أنّ المأمون قد استطاع بمهارة سياسية فائقة أن يقضي على هذه الحركة، ويقبرها في مهدها، فقد جلب الإمام الرضاعليهالسلام إلى خراسان، وأرغمه على قبول ولاية العهد، وأظهر للمجتمع الإسلامي أنّه علوي الرأي، فقد رفق بالعلويّين، وأوعز إلى جميع أجهزة حكومته بانتقاص معاوية والحطّ من شأنه، وتفضيل الإمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام على جميع صحابة النبيصلىاللهعليهوآله فاعتقد الجمهور أنّه من الشيعة واستطاع بهذا الأسلوب الماكر أن يتغلّب على الأحداث ويخمد نار الثورة كما ألمحنا إلى ذلك في بعض فصول هذا الكتاب.
هذه بعض الثورات التي حدثت في عصر الإمام محمد الجوادعليهالسلام وهي تحكي عن عدم استقرار الوضع السياسي في ذلك العصر.
مبايعة العباسيين للعلويين:
ولم يشك أحد من المسلمين أن أهل البيت أولى بالخلافة وأحقّ بها من العباسيين، كما أن العباسيين كانوا لا يرون أنهم أهل للخلافة مع وجود العلويّين وقد
بايعوا بالإجماع الزعيم العلوي الكبير محمد ذا النفس الزكية، فقد اجتمعوا بالأبواء مع العلويين، فانبرى صالح بن عليّ فقال لهم:
( إنّكم القوم الذين تمتدّ إليهم أعين الناس فقد جمعكم الله في هذا الموضع فاجتمعوا على بيعة أحدكم، وتفرّقوا في الآفاق، فادعوا الله لعلّه أن يفتح عليكم وينصركم.. ).
وبادر المنصور الدوانيقي فدعاهم إلى بيعة محمد الذي تؤيّده جميع القوى الإسلامية في ذلك العصر، فقال:
( لأي شيء تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس أصور - أي أميل - أعناقاً، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى - وأشار إلى محمد بن عبد الله -.. ).
وصدقوا جميعاً مقالته قائلين بلسان واحد:
( والله صدقت إنّا نعلم هذا.. ).
وبادر العلويّون والعباسيون إلى بيعة محمد، وكان ممّن بايعه السفاح والمنصور(١) وكان أشدهم اندفاعاً في خدمته والتملّق إليه المنصور الدوانيقي فكان يأخذ بركابه، ويسوّي عليه ثيابه، ويقول: إنه مهدينا أهل البيت(٢) .
وكانت بيعة المنصور لمحمد موضع وفاق، فقد جيئ بعثمان بن محمد الزبيري أسيراً إلى المنصور بعد فشل ثورة محمد، فصاح به المنصور.
( يا عثمان أنت الخارج عليَّ مع محمد.. ).
فأجابه عثمان بمنطق الأحرار، وهو ساخر من الحياة، وهازئ بالموت قائلاً: ( بايعته أنا وأنت بمكّة فوفيت ببيعتي، وغدرت ببيعتك.. ).
وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس الطاغية فشتمه إلاّ أن عثمان لم يعن
__________________
١ و ٢ - مقاتل الطالبيين.
به وأجابه بالمثل، فأمر السفاك بقتله، فقتل(١) ويذكر أبو فراس الحمداني في شافيّته نكث العباسيين لبيعتهم للعلويين بقوله:
بئس الجزاء جزيتم في بني حسن |
أباهم العلم الهادي وأمّهم |
|
لا بيعة ردعتكم عن دمائهم |
ولا يمين ولا قربى ولا ذمم |
لقد بايع العباسيون بالإجماع العلوي الثائر محمد ذا النفس الزكية إلاّ أنهم نكثوا بيعتهم، وخاسوا بعدهم فقتلوه وقتلوا كلّ من كان متّصلاً به من العلويّين وغيرهم.
اختلاس العباسيين للسلطة:
واختلس العباسيون السلطة من العلويين، فقد أوعزوا إلى دعاتهم في بداية الثورة برفع شعار الدعوة إلى الرضا من آل محمدصلىاللهعليهوآله ، وأن يموهوا بكلّ حذر على الجماهير بأنّ الخلافة بأنّ الخلافة لأهل البيتعليهمالسلام ، ولا نصيب فيها لغيرهم، وفي سبيل هذه الدعوى الغالية ضحّى المسلمون بأفلاذ أكبادهم، فقد أيقن المسلمون وآمنوا أنّ لا منقذ لهم، ولا محرّر لهم من جور الأمويّين وظلمهم سوى أهل البيت حماة العدل، ودعاة الحقّ في الإسلام، يقول السيد مير علي: ( وكانت كلمة أهل البيت هي السحر الذي يؤلّف بين قلوب مختلف طبقات الشعب، ويجمعهم حول الراية السوداء.. )(٢) .
وتستّر العباسيون تحت هذا الظلال الوارف الذي جمع ما بين العواطف والمشاعر وأخذوا يردّدون الشعارات التي تردّدها الجماهير وهي أن لا حاكم للمسلمين سوى الرضا من آل محمدصلىاللهعليهوآله وانطلقت الأمة في مسارها وهي تدكّ حصون الظالمين وتبيد دعاتهم وجيوشهم، ولمّا تمّ النصر وإذا بالعبّاسيين قد زحفوا إلى دست الحكم واحتلّوا منصب أهل البيتعليهمالسلام وسرقوا جهود الجماهير.
____________
١ - تاريخ ابن الأثير.
٢ - رواح الإسلام: ص ٣٠٨.
خيبة آمال المسلمين:
وخابت آمال المسلمين حينما تسلم العباسيون قيادة الأمة، فلم تتغير أيّة جهة من معالم السياسة الأمويّة، فقد عاد الجور، وانفتح باب الظلم على مصراعيه يقول الدكتور أحمد محمود صبحي: ( ولكن ذلك المثل الأعلى للعدالة والمساواة الذي انتظره الناس من العباسيين قد أصبح وهماً من الأوهام، فشراسة المنصور والرشيد وجشعهم، وجور أولاد علي بن عيسى وعبثهم بأموال المسلمين يذكّرنا بالحجّاج وهشام ويوسف بن عمر الثقفي، وعمّ الاستياء أفراد الشعب بعد أن استفتح عبد الله المعروف بالسفاح، وكذلك المنصور بالإسراف في سفك الدماء على نحو لم يعرف من قبل )(١) وقد صوّر شعراء ذلك العصر مدى خيبة المسلمين وضياع آمالهم في الحكم العباسي، يقول أبو عطاء السندي:
يا ليت جور بني مروان عاد لنا |
يا ليت عدل بني العباس في النار |
وقال عطاء يذكر ارتفاع الأسعار:
بني هاشم عودوا إلى نخلاتكم |
فقد قام سعر التمر صاعاً بدرهم |
وقال أحمد بن أبي نعيم:
لا أحسب الجور ينقضي وعلى الأ |
مّة والٍ من آل عبّاس |
وقال أبو دلامة في المنصور:
وكنّا نرجي من أمير زيادة |
فزاد لنا فيها بطول القلانس |
وقال سليم العدوي:
حتى متى لا نرى عدلاً نسر به |
ولا نرى لولاة الحقّ أعوانا |
|
مستمسكين بحقّ قائمين به |
إذا تلوّن أهل الجور ألوانا |
__________________
١ - نظرية الإمامة: ص ٣٨١.
ياللرجال لداء لا دواء له |
وقائد ذي عمى يقتاد عميانا |
ويقول دعبل الخزاعي:
ألم تر للأيام ما جر جورها |
على الناس من نقض وطول شتات |
|
ومن دول المستهترين ومن غدا |
بهم طالباً للنور من الظلمات |
وقال سديف:
إنّا لنأمل أن ترتد الفتنا |
بعد التباعد والشحناء والإحن |
|
وتنقضي دولة أحكام قادتها |
فينا كأحكام قوم عابدي وثن |
ولمّا سمع الطاغية المنصور بهذين البيتين كتب إلى عامله عبد الصمد أن يدفنه حيّاً ففعل(١) .
لقد انهارت الأماني التي كانت تأمل بها الشعوب الإسلامية، وتبدّدت أحلامهم إلى سراب، فقد كان الحكم العبّاسي قائماً على الجبروت والطغيان، ومتعطّشاً إلى سفك الدماء، وربّما كانت معالم الحياة السياسية في العهد الأموي خيراً منها بكثير في العهد العباسي الأوّل فقد كانت لبني أمية من الفواضل ما لم تكن للمنصور الدوانيقي السفاك على حدّ تعبير الإمام الصادقعليهالسلام .
اضطهاد العلويّين:
واضطهدت أكثر الحكومات العباسية رسمياً العلويين، وقابلتهم بمنتهى القسوة والشدّة، وقد رأوا من العذاب ما لم يروه في العهد الأموي وأوّل من فتح باب الشر والتنكيل بهم الطاغية فرعون هذه الأمة المنصور الدوانيقي(٢) وهو القائل: ( قتلت من ذريّة فاطمة ألفاً أو يزيدون وتركت سيّدهم ومولاهم جعفر بن محمد )(٣) وهو
__________________
١ - العمدة لابن رشيق: ج ١ ص ٧٥ - ٧٦.
٢ - تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص ٢٦١.
٣ - الأدب في ظلّ التشيّع: ص ٦٨.
صاحب خزانة رؤوس العلويّين التي تركها لابنه المهدي تثبيتاً لملكه وسلطانه وقد ضمّت تلك الخزانة رؤوس الأطفال والشباب والشيوخ من العلويّين(١) . وقد ادّخرها الفاجر لآخرته ليقدّمها هدية إلى جدّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله فالويل له يوم حشره ونشره.. وقد قال أبو القاسم الرسي العلوي حينما هرب من سجنه:
لم يروه ما أراق البغي من دمنا |
في كلّ أرض فلمى قصر من الطلب |
|
وليس يشفي غليلاً في حشاه سوى |
أن لا يرى فوقها ابن بنت نبيّ(٢) |
وهو الذي وضع أعلام العلويين في سجونه الرهيبة حتى قتلتهم الروائح الكريهة وردم على بعضهم السجون حتى توفّوا، لقد اقترف هذا الطاغية السفَاك جميع ألوان التصفية الجسدية مع العلويين، وعانوا في ظلال حكمه من صنوف الإرهاب والتنكيل ما لا يوصف لفضاعته وقسوته.
أما موسى الهادي فقد زاد على سلفه المنصور، وهو صاحب واقعة فخ التي لا تقل في مشاهدها الحزينة عن واقعة كربلاء، وقد ارتكب فيها هذا السفاك من الجرائم ما لم يُشاهد مثله، فقد أوعز بقتل الأطفال وأعدام الأسرى، وظلّ يطارد العلويين، ويلحّ في طلبهم فمن ظفر به قتله، ولكن لم تطل أيام هذا الجلاّد حتى قصم الله ظهره.
أما هارون الرشيد فهو لم يقلّ عن سلفه في عدائه لأهل البيتعليهمالسلام والتنكيل بهم وهو القائل: ( حتام أصبر على آل بني أبي طالب، والله لأقتلنّهم ولأقتلنّ شيعتهم، ولأفعلنّ وأفعلنّ )(٣) وهو الذي سجن الإمام الأعظم موسى بن جعفرعليهالسلام حفنة من السنين، ودسّ إليه السمّ حتى توفي في سجونه، لقد جهد الرشيد في ظلم العلويين وإرهاقهم، فعانوا في عهده جوّاً من الإرهاب لا يقلّ فضاعة عمّا عانوه في
__________________
١ - تاريخ الطبري: ج ١٠ ص ٤٤٦.
٢ - النزاع والتخاصم للمقريزي: ص ٥١.
٣ - حياة الإمام موسى بن جعفر: ج ٢ ص ٤٧.
أيام المنصور.
ولما آلت الخلافة إلى المأمون رفع عنهم المراقبة، وأجرى لهم الأرزاق وشملهم برعايته وعنايته، ولكن لم يدم ذلك طويلاً فإنّه بعد ما اغتال الإمام الرضاعليهالسلام بالسمّ، أخذ في مطاردة العلويين، والتنكيل بهم كما فعل معهم أسلافه.
وعلى أيّ حال فإن من أعظم المشاكل السياسية التي أُمتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً هي التنكيل بعترة النبيصلىاللهعليهوآله وذرّيته وتقطيع أوصالهم بيد الزمرة العباسية الخائنة التي لا تقلّ في قسوتها وشرورها عن بني أمية، فقد انتهى الأمر بأبناء النبيصلىاللهعليهوآله أنهم كانوا يتضوعون جوعاً حتى بلغ الحال بالقاسم بن إبراهيم أنّه كان يطبخ الميتة ويأكلها لفقره وسوء حاله(١) . إلى غير ذلك من المآسي التي حلّت بهم، ومن الطبيعي أنّها قد كوت قلب الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام ، وأخلدت له الأسى والحزن.
مشكلة خلق القرآن:
لعلّ من أعقد المشاكل السياسية التي أُبتلي بها المسلمون في ذلك العصر هي محنة خلق القرآن فقد أشاعت الفتن والخطوب في البلاد، فقد أظهر المأمون هذه المسألة في سنة ( ٢١٢ هـ ).
وقد أمتحن بها العلماء امتحاناً شديداً، وأرهقوا إلى حدّ بعيد فمن لا يقول بمقالة المأمون سجنه أو نفاه أو قتله(٢) وقد حمل الناس على ما يذهب إليه بالقوّة والقهر.
إنّ هذه المسألة تعتبر من أهمّ الأحداث الخطيرة التي حدثت في ذلك العصر، وقد تعرّض الفلاسفة والمتكلّمون إلى بسطها وإيضاح غوامضها ولولا خوف الإطالة
__________________
١ - الحدائق الوردية: ج ٢ ص ٢٢٠.
٢ - عصر المأمون.
والخروج عن الموضوع لتحدّثنا عنها بالتفصيل.. إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن الحياة السياسية في عصر الإمام الجوادعليهالسلام .
الحياة الاقتصادية:
وجهد الإسلام على تطوير الحياة الاقتصادية وازدهارها، واعتبر الفقر كارثة مدمّرة يجب القضاء عليه بكافة الطرق والوسائل، وألزم ولاة الأمور والمسؤولين أن يعملوا جاهدين على تنمية الاقتصاد العام، وزيادة دخل الفرد، وبسط الرخاء والرفاهية بين الناس ليسلم المسلمون من الشذوذ والانحراف الذي هو - على الأكثر - وليد الفقر والحرمان، وكان من بين ما عنى به أنّه حرّم على ولاة الأمور إنفاق أموال الدولة في غير صالح المسلمين، ومنعهم أن يصطفوا منها لأنفسهم وأقربائهم، ومن يمتّ إليهم، ولكن ملوك بني العباس قد جافوا ما أمر به الإسلام في هذا المجال فاتّخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً، وأنفقوا أموال المسلمين على شهواتهم وملاذهم من دون أن يتحرّجوا في ذلك، وقد أدّت هذه السياسية الملتوية إلى أزمات حادّة في الاقتصاد العام، فقد انقسم المجتمع إلى طبقتين: الأولى الطبقة الراقية في الثراء التي لا عمل لها إلاّ التبطّل واللهو، والأخرى الطبقة الكادحة التي تزرع الأرض، وتعمل في الصناعة، وتشقى في سبيل أولئك السادة من أجل الحصول على فتات موائدهم، وترتّب على فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية انعدام الاستقرار في الحياة السياسية والاجتماعية على السواء(١) ونحدّث - بإيجاز - عن شؤون الحياة الاقتصادية في ذلك العصر:
واردات الدولة:
أما واردات الدولة الإسلامية في العصر العباسي الذي عاش فيه الإمام أبو جعفر
__________________
١ - الإدارة الإسلامية في عزّ العرب: ص ٨٢.
الجوادعليهالسلام فقد كانت ضخمة للغاية، فقد أحصى ابن خلدون الخراج في عهد المأمون فكان مجموعه ما يزيد على ٤٠٠ مليون درهم(١) ، وقد بلغ من سعة المال ووفرته أنّه كان لا يُعدّ، وإنما كان يوزن، فكانوا يقولون: إنه بلغ ستة أو سبعة آلاف قنطار من الذهب(٢) ، وقد حسب عامل المعتصم على الروم خراجها فكان أقلّ من ثلاثة آلاف ألف، فكتب إليه المعتصم يعاتبه، وممّا جاء في عتابه: ( إنّ أخسّ ناحية عليها أخس عبيدي خراجها أكثر من خراج أرضك )(٣) . ومن المؤسف أنّ هذه الأموال الوفيرة لم تنفق على تقدم المسلمين وتطوير حياتهم، وإنما كان الكثير منها يصرف على الشهوات والملذّات، وقد عكست تلك الأموال الهائلة ترف بغداد في ذلك العصر ذلك الترف الذي تحكيه قصص ( ألف ليلة وليلة ) التي مثّلت حياة اللهو في ذلك العصر.
التهالك على جمع المال:
وتهالك الناس في ذلك العصر على جمع المال بكلّ وسيلة سواءً كانت مشروعة أم غير مشروعة، فقد أصبح المال هو المقياس في قيم الرجال، وأخذ يتردّد في الأمثلة الجارية في بغداد ( المال مال، وما سواه محال ) وتوسّل الناس إلى جمعه بكلّ طريق لا يعفون عن محرم، ولا يتورّعون عن خبيث، وأصبح الخداع والغشّ هو الوسيلة في جمعه(٤) .
تضخّم الثروات:
وتضخّمت الثروات الهائلة عند بعض الناس خصوصاً في بغداد التي هي
__________________
١ - المقدمة: ص ١٧٩ - ١٨٠.
٢ - المقدمة.
٣ - أحسن التقاسيم للمقدسي: ص ٦٤ ( طبع ليدن ).
٤ - مقدمة البخلاء: ص ٢٤.
عاصمة العالم الإسلامي، فقد وجدت فيها طبقة رأسمالية كانت تملك الملايين، وكذلك البصرة فقد ضمّت طبقة كبيرة من أهل الثراء العريض فقد كانت البصرة ثغر العراق والمركز التجاري الخطير الذي يصل بين الشرق والغرب، وتستقبل متاجر الهند، وجزر البحار الشرقية، ومن أجل ذلك سمّيت البصرة أرض الهند وأمّ العراق(١) .
نفقات المأمون في زواجه:
وكان من ألوان ذلك الإسراف والبذخ في أموال المسلمين هو ما أنفقه المأمون من الأموال الطائلة المذهلة في زواجه بالسيدة بوران فقد أمهرها ألف ألف دينار، وشرط عليه أبوها الحسن بن سهل أن يبني بها في قريته الواقعة ( بفم الصلح ) فأجابه إلى ذلك، ولما أراد الزواج سافر إلى ( فم الصلح ) ونثر على العسكر الذي كان معه بألف ألف دينار وكان معه في سفره ثلاثون ألفاً من الغلمان الصغار والخدم الصغار والكبار وسبعة آلاف جارية وعرض العسكر الذي كان معه فكان أربع مائة ألف فارس، وثلاثمائة ألف راجل.. وكان الحسن بن سهل يذبح لضيوفه ثلاثين ألف رأس من الغنم، ومثليها من الدجاج، وأربع مائة بقرة، وأربعمائة جمل وسمّى الناس هذه الدعوة ( دعوة الإسلام ) ولكن هذا ليس من الإسلام في شيء، فإنّ الإسلام قد احتاط كأشدّ ما يكون الاحتياط في بيت مال المسلمين فحرم إنفاق أي شيء في غير صالحهم.
وحينما بنى المأمون ببوران نثروا من سطح دار الحسن بن سهل بنادق عنبر فاستخفّ بها الناس، وزهدوا فيها، ونادى شخص من السطح قائلاً: كلّ من وقعت بيده بندقة فليكسرها فإنّه يجد فيها رقعة، وما فيها له وكسر الناس البنادق فوجدوا فيها رقاعاً في بعضها تحويل بألف دينار وفي أخرى خمسمائة دينار إلى أن تصل إلى
__________________
١ - مقدمة البخلاء: ص ٢٤.
المائة دينار، وفي بعضها فرس وفي بعضها عشرة أثواب من الديباج، وفي بعضها خمسة أثواب، وفي بعضها غلام، وفي بعضها جارية، وحمل كلّ من وقعت بيده رقعة إلى الديوان واستلم ما فيها(١) كما أنفق على قادة الجيش فقط خمسين ألف ألف درهم(٢) ويقول الباهلي مهنّئاً للحسن وابنته وللمأمون:
بارك الله للحسن |
ولبوران في الختن |
|
يا بن هارون قد |
ظفرت ولكن بنت من(٣) |
ولمّا كانت ساعة الزفاف أجلست بوران على حصير منسوج من الذهب ودخل عليها المأمون ومعه عمّاته وجمهرة من العبّاسيّات فنثر الحسن بن سهل على المأمون وزوجته ثلاثمائة لؤلؤة وزن كلّ واحدة مثقال، وما مدّ أحد يده لالتقاطها، وأمر المأمون عمّاته بالتقاطها، ومدّ يده فأخذ واحدة منها ( فالتقطتها العباسيات ) وقال المأمون: قاتل الله أبا نواس كأنّه حضر مجلسنا هذا حيث قال في وصف الخمرة:
كان صغرى وكبرى من فواقعها |
حصباء در على أرض من الذهب(٤) |
لقد أنفق الحسن والمأمون هذه الأموال الطائلة على زواجه، وهي من بيت مال المسلمين، وقد أمر الله بإنفاقه على مكافحة الفقر ومطاردة البؤس والحرمان.
ومن الجدير بالذكر أنّ هارون الرشيد لمّا تزوّج بالسيّدة زبيدة صنع وليمة لم يسبق مثلها في الإسلام، فقد جعل الهبات غير محصورة، فكانت أواني الذهب مملوءة بالفضّة، وأواني الفضّة مملوءة بالذهب ونوافج المسك وقِطع العنبر(٥) وكان
__________________
١ - الطبري: ج ٧ ص ١٤٩، وابن الأثير: ج ٤ ص ٢٠٦.
٢ - تزيين الأسواق للأنطاكي: ج ٣ ص ١١٧.
٣ - الحدائق الوردية: ج ٢ ص ٢٢٠.
٤ - حضارة الإسلام.
٥ - الإسلام والحضارة العربية.
هذا هو الإسراف والتبذير الذي حرّمه الإسلام حفظاً على الاقتصاد العامّ في البلاد.
هبات وعطايا:
ووهب ملوك بني العباس أموال المسلمين بسخاء إلى المغنّين والمغنّيات والخدم والعملاء، فقد غنّى إبراهيم بن المهدي العباسي محمد الأمين صوتاً فأعطاه ثلاثمائة ألف ألف درهم فاستكثرها إبراهيم، وقال له: يا سيدي لو قد أمرت لي بعشرين ألف ألف درهم فقال له الخليفة: هي هي إلاّ خراج بعض الكور(١) ، وغنّى ابن محرز عند الرشيد بأبيات مطلعها ( واذكر أيام الحمى ثمّ انثن ) فاستخفّ به الطرب فأمر له بمائة ألف درهم، وأعطى مثل ذلك للمغني دحمان الأشقر(٢) ولمّا تقلّد المهدي العباسي الخلافة وزّع محتويات إحدى خزانات بيت المال بين مواليه وخدمه(٣) إلى غير ذلك من الهبات والهدايا التي كانت من الخزينة المركزية التي ألزم الإسلام بإنفاقها على المشاريع الحيوية التي تزدهر بها البلاد.
اقتناء الجواري:
وبدل أن يتّجه ملوك بني العباس إلى إصلاح البلاد وتنميتها الاقتصادية فقد اتّجهوا بنهم وجشع إلى اقتناء الجواري، والمغالاة في شرائها، فقد جلبت إلى بغداد الجواري الملاح من جميع أطراف الدنيا، فكان فيهنّ الحبشيات، والروميّات، والجرجيات، والشركسيات، والعربيات من مولدات المدينة والطائف واليمامة ومصر ذوات الألسنة العذبة، والجواب الحاضر، وكان بينهنّ الغانيات اللاتي يعزفن بما عليهن من اللباس الفاخر وما يتّخذن من العصائب التي ينظمنها بالدرّ والجواهر،
__________________
١ - الإسلام والحضارة العربية: ج ٢ ص ٢٣١.
٢ - المستطرف: ص ١٨٢ - ١٨٤.
٣ - تاريخ بغداد: ج ٥ ص ٣٩٣.
ويكتبن عليهنّ بصفائح الذهب(١) وقد كان عند الرشيد زهاء ألفي جارية، وعند المتوكل أربعة آلاف جارية(٢) وقد زار الرشيد في يوم فراغه البرامكة فلمّا أراد الانصراف خرجت جواريهم فاصطففن مثل العساكر صفّين صفّين، وغنين وضربن بالعود ونقرن على الدفوف إلى أن طلع مقاصير القصر(٣) وكان عند والدة جعفر البرمكي مائة وصيفة لباس كلّ واحدة منهنّ وحليّها غير لبوس الأخرى وحليّها(٤) لقد كان اقتناء الجواري بهذه الكثرة من نتائج وفرة المال وكثرته عند هذه الطبقة الرأسمالية التي حارت في كيفيّة صرف ما عندها من الأموال.
التفنّن في البناء:
وتفنّن ملوك بني العباس في بناء قصورهم، فأشادوا أضخم القصور التي لم يشيّد مثلها في البلاد وقد بنوا في بغداد قصر الخلد تشبيهاً له بجنّة الخلد التي وعد الله فيها المتقين، وكان من أعظم الأبنية الإيوان الذي بناه الأمين، وقد وصفه المؤرخون بأنّه جعله كالبيضة بياضاً ثمّ ذهب بالإبريز المخالف بينه باللازورد، وكان ذا أبواب عظام ومصاريع غلاظ تتلألأ فيه مسامير الذهب التي قمعت رؤوسها بالجوهر النفيس وقد فرش بفرش كأنّه صبغ بالدم وقد نقش بتصاوير من الذهب، وتماثيل العقيان، ونضّد فيه العنبر الأشهب والكافور المصعد(٥) وقد أنفق جعفر البرمكي على بناء داره نحواً من عشرين مليون درهم(٦) ، وقد تفنّن الناس في بناء القصور وقد وصفها
____________
١ - حضارة الإسلام: ص ٩٨.
٢ - الأغاني: ج ٩ ص ٨٨.
٣ - حضارة الإسلام في دار الإسلام: ص ٩٦.
٤ - الجهشياري: ص ٢٤٦.
٥ - طبقات الشعراء لابن المعتزّ: ص ٢٠٩.
٦ - تاريخ الطبري: ج ١٠ ص ٩٢.
ابن الجهم بقوله:
صحون تسافر فيها العيون |
وتحسر عن بعد أقطارها |
|
وقبّة ملك كأنّ النجو |
م تصغي إليها بأسرارها |
|
فوارة ثأرها في السماء |
فليست تقصر عن ثأرها |
|
إذا أوقدت نارها بالعراق |
أضاء الحجاز سنا نارها |
|
ترد على المزن ما أنزلت |
على الأرض من صوب أقطارها |
|
لها شرفات كأنّ الربيع |
كساها الرياض بأنوارها(١) |
وبلغ البذخ والترف في ذلك العصر أنّ كثيراً من أبواب الدور في بغداد كانت من الذهب في حين أنّ الأكثرية الساحقة كانت تشكو الجوع والحرمان.
أثاث البيوت:
وحفلت قصور العباسيين بأنواع الأثاث وأفخرها في العالم، ويقول المؤرخون: إنّ السيدة زبيدة قد اصطفت بساطاً من الديباج جمع صورة كلّ حيوان من جميع الأجناس، وصورة كلّ طائر من الذهب، وأعينها اليواقيت والجواهر يقال إنها أنفقت على صنعه مليون دينار(٢) ، كما اتّخذت الآلة من الذهب المرصّع بالجوهر، والأبنوس، والصندل عليها الكلاليب من الذهب الملبّس بالوشي والديباج، والسمور، وأنواع الحرير، كمثل اتّخاذها شمع العنبر، واصطناعتها الخفّ مرصّعاً بالجوهر واتّخاذها الشاكرية(٣) .
أما مجالس البرامكة فكانت مذهلة، فكان الرشيد إذا حضر مجالس البرامكة
__________________
١ - ضحى الإسلام: ج ١ ص ١٢٧.
٢ - حضارة الإسلام: ص ٩٥، نقلاً عن المستطرف: ص ٩٦.
٣ - حضارة الإسلام: ص ٩٥.
وهو بين الآنية المرصّعة والخزائن المجزعة، والمطارح من الوشي والديباج والجواري يرفلن في الحرير والجوهر، ويستقبلنه بالروائح التي لا يدري لطيبها ما هي، خيّل إليه أنّه في الجنة بين الجمال والجوهر والطيب(١) .
الثياب:
وكان من نتائج بذخ العباسيين وترفهم ما ذكره ابن خلدون أنه كانت دور في قصورهم لنسج الثياب تسمّى دور الطراز، وكان القائم عليها ينظر في أمور الصنّاع وتسهيل آلاتهم وإجراء أرزاقهم(٢) .
ألوان الطعام:
وتعدّدت ألوان الطعام بسبب تقدّم الحضارة فقد روى طيفور عن جعفر بن محمد الأنماطي أنّه تغذّى عند المأمون فوضع على المائدة ثلاث مائة لون من الطعام(٣) ونظراً لتعدّد ألوان الطعام فقد فسدت أسنانهم ممّا اضطرّهم إلى شدّها بالذهب للعلاج(٤) .
مخلفات العباسيين من الأموال:
وخلّف ملوك بني العباس ووزرائهم من الأموال ما لا يحصى، وفيما يلي بعض ما تركوه:
١ - مخلفات المنصور:
وترك الطاغية البخيل المنصور الدوانيقي من الأموال التي سرقها من المسلمين
__________________
١ - حضارة الإسلام: ص ٩٦.
٢ - المقدمة: ص ٢٦٧.
٣ - تاريخ بغداد لطيفور: ص ٣٦.
٤ - التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية لصالح أحمد: ص ١٧٧.
ما يقرب من ( ٦٠٠ ستمائة مليون درهم ) و ( ١٤ أربعة عشر مليون دينار )(١) وقد كدّس هذه الأموال الهائلة في خزائنه وترك الفقر والبؤس يهيمنان على جميع أنحاء البلاد الإسلامية.
٢ - مخلّفات الرشيد: من المال ما يقدّر بنحو ( ٩٠٠ تسعمائة مليون درهم )(٢) .
٣ - مخلفات الخيزران:
وتوفيت الخيزران أمّ الرشيد، فكانت غلّتها ألف ألف وستّين ألف درهم(٣) .
٤ - مخلّفات عمرو بن سعدة:
وترك عمرو بن سعدة أحد وزراء المأمون ما يقرب من ثمانية ملايين دينار فأخبروا المأمون بذلك في رقعة فكتب عليها ( هذا قليل لمن اتّصل بنا، وطالت خدمته لنا فبارك الله لولده فيه )(٤) .
ومعظم هذه الأموال قد اختلست من المسلمين، ونهبت من الخزينة المركزية.
وقد خالفوا بذلك ما أمر به الإسلام من الاحتياط الشديد في أموال المسلمين وعدم صرفها وإنفاقها إلاّ في صالحهم.. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الحياة الاقتصادية في عصر الإمامعليهالسلام .
حياة اللهو والطرب:
وعاش أكثر خلفاء بني العباس عيشة لهو وطرب ومجون، ليس فيها ذكر لله ولا لليوم الآخر، لقد قضوا أيامهم في هذه الحياة التافهة التي تمثّل السقوط والانحطاط، يقول الشاعر في بعض خلفائهم:
__________________
١ و ٢ - أمراء الشعر العربي: ص ٤٥.
٣ - الإسلام والحضارة العربية: ج ٢ ص ٢٣٠.
٤ - الإسلام والحضارة العربية: ج ٢ ص ٢٣١.
خليفة في قفص |
بين وصيف وبغا |
|
يقول ما قالا له |
كما تقول الببغا |
وقد روى أحمد بن صدقة قال: دخلت على المأمون في يوم السعانين(١) وبين يديه عشرون وصيفة جلباً روميات مزنرات قد تزيّنّ بالديباج الرومي وعلّقن في أعناقهنّ صلبان الذهب، وفي أيديهنّ الخوص والزيتون، فقال المأمون: ويلك يا أحمد قد قلت في هؤلاء أبياتاً فغنّي فيها ثمّ أنشده:
ظباء كالدنانير |
ملاح في المقاصير |
|
جلاهنّ السعانين |
علينا في الزنانير |
|
وقد رزقن أصداغاً |
كأذناب الزرازير |
|
وأقبلن بأوساط |
كأوساط الزنابير |
فغنّاه بها فلم يزل يشرب، وترقص الوصائف بين يديه أنواع الرقص(٢) . وقد حفلت كتب التاريخ والأدب بالشيء الكثير من مجونهم وطربهم وانشغالهم عن النظر في أمور المسلمين بالدعارة والفجور.
وكان من مظاهر الحياة اللاهية لعبهم بالنرد والشطرنج، والعناية بتربية الحمام والمغالاة في أثمانه(٣) كما تهارشوا بالديوك والكلاب(٤) ولعبوا بالميسر وقد انتشر ذلك حتى في حانات الفقراء(٥) .
__________________
١ - يوم السعانين: عيد للنصارى.
٢ - الأغاني: ج ١٩ ص ١٣٨.
٣ - حياة الحيوان: ج ٣ ص ٩١.
٤ - الأغاني: ج ٦ ص ٧٥.
٥ - حياة الحيوان: ج ٥ ص ١١٥.
ومن المؤسف أنّ الطرب والمجون قد سرى إلى بعض المحدّثين الذين يجب أن يتّصفوا بالإيمان والاستقامة فقد ذكر الخطيب البغدادي عن المحدث محمد بن الضوء إنّه ليس بمحلّ لأن يؤخذ عنه العلم؛ لأنه كان من المتهتّكين بشرب الخمر والمجاهرة بالفجور، وكان أبو نواس يزوره في الكوفة في بيت خمّار يقال له جابر(١) .
التقشّف والزهد:
وبجانب حياة اللهو والطرب التي عاشها الناس في عصر الإمام أبي جعفرعليهالسلام فقد كانت هناك طائفة من الناس قد اتّجهت إلى الزهد والتقشّف ونظرت إلى مباهج الحياة نظرة زهد واحتقار، فكان من بينهم إبراهيم بن الأدهم وهو ممّن ترك الحياة الناعمة وأقبل على طاعة الله وكان يردّد هذا البيت:
اتّخذ الله صاحباً |
ودع الناس جانبا |
وكان يلبس في الشتاء فرواً ليس تحته قميص(٢) مبالغة منه في الزهد وكان ممّن عُرِف بالتقشّف معروف الكرخي فكان يبكي وينشد في السحر:
أي شيء تريد منّي الذنوب |
شغفت بي فليس عنّي تغيب |
|
ما يضرّ الذنوب لو اعتقتني |
رحمةً بي فقد علاني المشيب(٣) |
وكان من زهّاد ذلك العصر بشر بن الحارث وهو القائل:
قطع الليالي مع الأيام في خلق |
والقوم تحت رواق الهمّ والقلق |
|
أحرى وأعذر لي من أن يقال غداً |
إنّي التمست الغنى من كفّ مختلق |
|
قالوا: قنعت بذا؟ قلت: القنوع غنى |
ليس الغنى كثرة الأموال والورق |
__________________
١ - الأوراق: ص ٦١.
٢ - حلية الأولياء: ج ٧ ص ٣٦٧ - ٣٧٣.
٣ - حلية الأولياء: ج ٢ ص ١٨١.
رضيت بالله في عسري وفي يسري |
فلست أسلك إلاّ أوضح الطرق(٨٢) |
ومن الطبيعي أنّ هذه الدعوة إلى الزهد إنّما جاءت من إفراط ملوك العباسيين والطبقة الرأسمالية في الدعارة والمجون وعدم عفافهم عمّا حرّمه الله من الملاهي. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عصر الإمام الجوادعليهالسلام .
__________________
١ - صفة الصفوة: ج ٢ ص ١٨٩.
في عصر المأمون
عاش الإمام أبو جعفر محمد الجوادعليهالسلام معظم حياته في عهد المأمون، ولم يلبث بعده إلاّ قليلاً حتى وافاه الأجل المحتوم.. ويرى بعض المؤرّخين أنّ المأمون كان يكنّ له أعظم الودّ وخالص الحبّ، فزوّجه من ابنته أم الفضل، ووفرّ له العطاء الجزيل، وكان يحوطه، ويحميه ويخشى عليه عوادي الدهر، ويضنّ به على المكروه، وكان يصرّح أنّه يبغي بذلك الأجر من الله، وصلة الرحمة التي قطعها آباؤه، وفيما أحسب أنّ ذلك التكريم لم يكن عن إيمان بالإمام أو إخلاص له، وإنّما كان لدوافع سياسية، نعرض لها في البحوث الآتية.
وعلى أيّ حال فلابدّ لنا من وقفة قصيرة لدراسة حياة المأمون، والوقوف على اتجاهاته الفكرية والعقائدية، والنظر فيما صدر منه من تكريم للإمامعليهالسلام فإنّ ذلك ممّا يرتبط ارتباطاً موضوعيّاً في البحث عن حياة الإمام أبي جعفرعليهالسلام ، وفيما يلي ذلك:
نزعات المأمون وصفاته :
من أبرز نزعات المأمون وصفاته ما يلي:
أ - الدهاء:
ولم تعرف الدبلوماسية الإسلامية في العصر العباسي من هو أذكى من المأمون، ولا من هو أدرى منه في الشؤون السياسية العامّة فقد كان سياسياً من الطراز الأول، فقد استطاع بحدّة ذكائه، وقدراته السياسية أن يتغلّب على كثير من الأحداث
الرهيبة التي ألمّت به، وكادت تطوي حياته، وتقضي على سلطانه، فقد استطاع أن يقضي على أخيه الأمين الذي كان يتمتّع بتأييد مكثّف من قِبل الأسرة العباسية، والسلطات العسكرية، كما استطاع أن يقضي على أعظم حركة عسكرية مضادّة له، تلك ثورة أبي السرايا التي اتّسع نطاقها فشملت الأقاليم الإسلامية حتى سقط بعضها بأيدي الثوار، وكان شعار تلك الثورة الدعوة ( إلى الرضا من آل محمدصلىاللهعليهوآله ) فحمل الإمام الرضاعليهالسلام إلى خراسان، وكانعليهالسلام زعيم الأسرة العلويّة وعميدها، فأرغمه على قبول ولاية العهد، وعهد إلى جمع أجهزة حكومته بإذاعة فضائله ومآثره، كما ضرب السكّة باسمه، فأوهم على الثوار والقوى الشعبية المؤيّدة لهم أنه جادّ فيما فعله، حتى أيقنوا أنّه لا حاجة إلى الثورة وإراقة الدماء بعد أن حصل الإمامعليهالسلام على ولاية العهد، وقضى بذلك على الثورة، وطوى معالمها، وهذا التخطيط من أروع المخطّطات السياسية التي عرفها العالم في جميع مراحل التاريخ.
ب - القسوة:
وصفة أخرى من صفات المأمون البارزة، هي القسوة، وانعدام الرحمة والرأفة من آفاق نفسه، أمّا ما يدعم ذلك فهو قتله لأخيه حينما استولت عليه قوّاته العسكرية، ولو كان يملك شيئاً من الرحمة لما قتل أخاه.
كما أنّه قابل العلويّين بعد قتله للإمام الرضاعليهالسلام بمنتهى الشدّة والقسوة، فعهد إلى جلاّديه بقتلهم والتنكيل بهم أينما وجِدوا.
ج - الغدر:
وظاهرة أخرى من نزعات المأمون وصفاته وهي الغدر، فقد بايع للإمام الرضاعليهالسلام بولاية العهد، وبعد ما انتهت مآربه السياسية دسّ إليه السمّ فقتله ليتخلّص منه.
د - ميله إلى اللهو:
أمّا الميل إلى اللهو فقد كان عنصراً من عناصر حياته، فقد أقبل عليه بنهم وفيما يلي بعض ما أثر عنه:
لعبه بالشطرنج:
ولم يكن شيء من الملاهي أحبّ إلى المأمون من الشطرنج(١) فقد هام في هذه اللعبة وقد وصفها بهذه الأبيات:
أرض مربّعة حمراء من أدم |
ما بين الفين موصوفين بالكرم |
|
تذاكرا الحرب فاحتلا لها شبهاً |
من غير أن يسعيا فيها بسفك دم |
|
هذا يغير على هذا وذاك على |
هذا يغير وعين الحرب لم تنم |
|
فانظر إلى الخيل قد جاشت بمعركة |
في عسكرين بلا طبل ولا علم(٢) |
وألمّ هذا الشعر بوصف دقيق للشطرنج، ولعلّه أسبق من نظم فيه الشعر الذي أحاط بأوصافه، وكان أبوه الرشيد مولعاً بالشطرنج، وقد أهدى إلى ملك فرنسا أدواته، وتوجد حالياً في بعض متاحف فرنسا.
ولعه بالموسيقى:
وكان المأمون مولعاً بالغناء والموسيقى، وكان له هوى شديد في ذلك وكان معجباً كأشدّ ما يكون الإعجاب بأبي إسحاق الموصلي، الذي كان من أعظم العازفين والمغنّيين في العالم العربي، وقد قال فيه: ( كان لا يغني أبداً إلاّ وتذهب عنّي وساوسي المتزايدة من الشيطان )(٣) .
__________________
١ - العقد الفريد: ج ٣ ص ٢٥٤.
٢ - المستطرف: ج ٢ ص ٣٠٦.
٣ - الحضارة العربية لجاك س. ريسلر: ص ١٠٨.
وكان يحيي لياليه بالغناء والرقص، والعزف على العود، ولم يمرّ اسم الله ولا ذكره في قصوره ولياليه.
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعات المأمون وصفاته، وهي تكشف عمّا كان يتمتّع به من القابليات الدبلوماسية، كما كشفت عن ميوله ورغباته الخاصّة في اللهو والدعارة والمجون.
تظاهره بالتشيّع:
والشيء الذي يهمّنا هو البحث عن تظاهر المأمون بالتشيع، حتى اعتقد الكثيرون من البحّاث أنّه من الشيعة؛ لأنّه قام بما يلي:
أ - ردّ فدك للعلويّين:
وردّ المأمون فدكاً للعلويّين بعد أن صادرتها الحكومات السابقة عليه وكان قصدها إشاعة الفقر بين العلويّين، وفرض الحصار الاقتصادي عليهم حتى يشغلهم الفقر والبؤس عن مناهضة أولئك الحكام، وقد أنعش المأمون العلويّين، ورفع عنهم تلك الضائقة الاقتصادية التي كانت آخذة بخناقهم، ويعتبر كثيرون من البحّاث هذا الإجراء دليلاً على تشيّعه، ولمّا سجّل لهم فدكاً قام دعبل فأنشد أبياتاً أولها:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا |
بردّ مأمون هاشم فدكا |
ب - تفضيل الإمام أمير المؤمنين على الصحابة:
وقام المأمون بأجراء خطير فقد أعلن رسمياً فضل الإمام أمير المؤمنين رائد العدالة الاجتماعية في الأرض على عموم الصحابة كما أعلن الحطّ من معاوية بن أبي سفيان الذئب الجاهلي.
وكان هذا الإجراء من أهمّ المخطّطات التي تُلفت النظر إلى تشيّعه، فقد جرى
سلفه على انتقاص الإمام، والحط من شأنه، وتقديم سائر الصحابة عليه.
ج - ولاية العهد للإمام الرضا:
وثمّة أمر آخر استند إليه القائلون بتشيّعه وهو عقدّه لولاية العهد إلى الإمام الرضاعليهالسلام وقد أخرج بذلك الخلافة من العباسيين إلى العلويين.
هذه أهمّ الأمور التي استند إليها القائلون بتشيّعه، والذي نراه - بكثير من التأمّل - أنّ الرجل لم يكن من الشيعة، ولم يكن يتعاطف معهم، وإنّما صنع الأمور المتقدّمة تدعيماً لسياسته وأغراضه، ويدلّ على ذلك ما يلي:
أولاً: إنّه كان مختلفاً كأشدّ ما يكون الاختلاف مع الأسرة العباسية الذين كانت ميولهم مع أخيه الأمين لأنّ أمه زبيدة كانت من أندى الناس كفّاً، ومن صميم العباسيين، أمّا أمّ المأمون فهي مراجل، فكانت من إماء القصر العباسي، وكان العباسيون ينظرون إليه نظرة احتقار باعتبار أمّه، فأراد المأمون بما أظهره من التشيّع إرغام أسرته الذين كانوا من ألدّ الأعداء إلى آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وشيعتهم.
ثانياً: إنّه أراد كشف الشيعة، ومعرفة السلطة بهم بعدما كانوا تحت الخفاء، ولم تستطع الحكومات العباسية معرفتهم والوقوف على أسمائهم وخلاياهم، فأراد المأمون بما صدر منه من إحسان لهم أن يكشفهم، وقد دلّت على ذلك بعض الوثائق الرسمية التي صدرت منه.
ثالثاً: إنه أراد القضاء على الحركة الثورية التي فجّرتها الشيعة بقيادة الزعيم الكبير أبي السرايا، فرأى المأمون أن خير وسيلة للقضاء عليها وشلّ فعاليّاتها هو الإحسان إلى الشيعة.
هذه بعض الأسباب التي أدّت إلى تظاهر المأمون بالتشيّع، والتزامه ببعض القضايا التي تذهب إليها الشيعة.
مع الإمام الجواد:
والذي يهمّ القراء - فيما اعتقد - هو البحث عن علاقة الإمام أبي جعفرعليهالسلام بالمأمون ومدى ارتباطه به، وسائر شؤونه معه، وفيما يلي ذلك:
أوّل التقاء:
وجرى أوّل التقاء بين الإمام أبي جعفرعليهالسلام والمأمون في بغداد، حينما كان المأمون خارجاً مع حاشيته في موكب إلى الصيد فاجتاز في الطريق على صبية فلما رأوه انهزموا خوفاً منه سوى الإمام الجواد، فبصر به المأمون فوقف يسأله عن عدم فراره، فأجابهعليهالسلام بحكمة وتدبّر:
( ليس في الطريق ضيق حتى أوسعه لك، وليس لم جرم فأخشاك منه، والظنّ بك حسن إنّك لا تضرّ من لا ذنب له.. ).
وبُهر المأمون من هذا المنطق الفيّاض فراح يسأله:
ما اسمك؟
محمد.
ابن مَن؟
ابن علي الرضا.
ولم يستكثر عليه المأمون هذا الذكاء المفرط، فهو من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومركز الوعي، والإحساس في الأرض، وترحّم المأمون على الإمام الرضاعليهالسلام وانطلق في مسيرته نحو البيداء للصيد، ولمّا انتهى إلى موضع الصيد أرسل بازيّاً كان معه فغاب عنه، وبعد فترة عاد وفي منقاره سمكة صغيرة فيها بقايا الحياة، فتعجّب المأمون وقفل راجعاً إلى بلاطه، والتقى بالإمام الجوادعليهالسلام ، وبادره المأمون قائلاً:
( يا محمد ما في يدي؟.. ).
فأجابه الإمام:
( إنّ الله تعالى خلق في بحر قدرته سمكاً صغيراً تصيده بازات الملوك والخلفاء، كي يختبروا بها سلالة بني المصطفى.. ).
ولم يملك المأمون إعجابه بالإمام فراح يقول:
( أنت ابن الرضا حقّاً!! ).
وأخذه معه، وأحسن إليه، وبالغ في إكرامه(١) وكان هذا الاجتماع أوّل التقاء بين الإمام والمأمون.
زواج الإمام من ابنة المأمون:
وأجمع المؤرّخون على أنّ المأمون قد رغب في زواج الإمام أبي جعفرعليهالسلام من ابنته أمّ الفضل، فهو الذي دعاه إلى هذه المصاهرة، ومن الجدير بالذكر أنّها ثاني علاقة تكون بهذا المستوى بين الأسرتين العلوية والعباسية بعدما انهارت جميع أسس العلائق والقرابة التي كانت بينهما، ولم يعدّ أي تقارب أو التقاء بين الأسرتين، وكان ذلك منذ عصر الطاغية اللئيم المنصور الدوانيقي، وجرى أبناؤه على ذلك فنكّلوا بالعلويّين كأفظع ما يكون التنكيل.
أسباب المصاهرة:
وذكر الرواة والمؤرّخون عدّة أسباب لإقدام المأمون على هذه المصاهرة وهذه بعضها:
١ - ما أدلى به نفس المأمون حينما عزم على أن يزوّج الإمام من ابنته فقال:
__________________
١ - نور الأبصار: ١٤٦، أخبار الدول: ١١٦، الإتحاف بحب الأشراف: ص ٦٤ بحر الأنساب: ج ٢ ص ١٩
( من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين ).
( أحببت أن أكون جدّاً لامرأة ولده رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ).
وفيما اعتقد أنّ هذا ليس هو السبب الحقيقي في هذه المصاهرة، فإنّ المأمون لم يؤمن بقرارة نفسه في هذه الجهة، ولو كان صادقاً فيما يقول لما اغتال الإمام الرضاعليهالسلام وما أوعز إلى جهاز حكومته بمطاردة العلويّين وقتلهم.
٢ - إنّ الذي دعا المأمون إلى ذلك إعجابه بمواهب الإمام الجوادعليهالسلام وعبقرياته التي أصبحت حديث الأندية والمجالس، وهذا الرأي لم يحظ بأي تأييد علمي.
٣ - إنّه أراد التمويه على الرأي العام بإظهار براءته من اغتياله للإمام الرضاعليهالسلام فإنّه لو كان قاتلاً له لما زوّج ابنه من ابنته.
٤ - إنّه حاول الوقوف على نشاط الإمام الجوادعليهالسلام والإحاطة باتّجاهاته السياسية، ومعرفة العناصر الموالية له، والقائلة بإمامته، وذلك من طريق ابنته التي ستكون زوجة له.
٥ - لعلّ من أهم الأسباب، وأكثرها خطورة هو أنّ المأمون قد حاول من هذه المصاهرة جرّ الإمام إلى ميادين اللهو واللعب ليهدم بذلك صرح الإمامة الذي تدين به الشيعة، والذي كان من أهمّ بنوده عصمة الإمام وامتناعه من اقتراف أي ذنب عمداً كان أو سهواً، وكان من الطبيعي أن يفشل في ذلك فإنّ الإمامعليهالسلام لم يتجاوب معه بأيّ شكل من الأشكال، ولو كان في ذلك إزهاق نفسه، أمّا ما يدلّ على ذلك كلّه فهو ما رواه ثقة الإسلام الكليني قال ما نصّه: ( احتال المأمون على أبي جعفرعليهالسلام بكلّ حيلة(١) فلم يمكّنه فيه شيء، فلمّا اعتلّ وأراد أن يبني عليه ابنته(٢) دفع إلى مائتي وصيفة من أجمل ما يكون إلى كلّ واحدة منهنّ جاماً فيه جوهر
__________________
١ - أراد أن ينادمه الإمام، ويدخل معه - والعياذ بالله - في ميادين الدعارة.
٢ - يبني عليه ابنته: أي يزفّها إليه.
يستقبلن أبا جعفر إذا قعد في موضع الأخيار، فلم يلتفت إليهنّ، وكان هناك رجل يقال له مخارق، صاحب صوت وعود، وضرب، طويل اللحية فدعاه المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين إن كان شيء من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره، فقعد بين يدي أبي جعفرعليهالسلام فشهق مخارق شهقة اجتمع عليه أهل الدار، وجعل يضرب بعوده، ويغنّي، فلمّا فعل ساعة وإذا أبو جعفر لا يلتفت إليه يميناً ولا شمالاً، ثمّ رفع إليه رأسه، وقال: اتّق الله يا ذا العثنون(١) قال: فسقط المضراب من يده والعود، فلم ينتفع بيديه إلى أن مات، فسأله المأمون عن حاله قال: لمّا صاح بي أبو جعفر فزعت فزعة لا أُفيق منها أبداً(٢) .
وكشفت هذه الرواية عن محاولات المأمون لجرّ الإمامعليهالسلام إلى ميادين اللهو، فقد عرض له جميع ألوان المغريات، وكان الإمام آنذاك في ريعان الشباب، فاعتصمعليهالسلام بطاقاته الروحية الهائلة، وامتنع عمّا حرّمه الله عليه، وقد أفسدعليهالسلام بذلك مخطّطات المأمون الرامية إلى إبطال ما تذهب إليه الشيعة من عصمة أئمتهم، وكانت هذه الجهة - فيما نحسب - هي السبب في إضفاء لقب التقي عليه لأنّه اتّقى الله في أشدّ الأدوار، وأكثرها صعوبة، فوقاه الله شرّ المأمون(٣) .
فزع العبّاسيّين:
وفزع العباسيون كأشدّ ما يكون الفزع حينما علموا أنّ المأمون قد عزم على مصاهرة الإمام الجوادعليهالسلام فعقدوا اجتماعاً حضره كبارهم وذوو الرأي والمشهورة منهم، وعرضوا فيما بينهم خطورة الأمر، وما قد ينتهي إليه من نقل الخلافة والملك
__________________
١ - العثنون: اللحية، أو ما فضل منها بعد العارضين أو طولها.
٢ - أصول الكافي: ج ١ ص ٤٩٤ - ٤٩٥.
٣ - البحار وغيره.
من العباسيين إلى العلويين، وبعد مداولة الحديث، ومناقشة الأمر من جميع جهاته، أجمع رأيهم على الاجتماع بالمأمون، وإبداء المعارضة التامّة لما أقدم عليه.
اجتماع العباسيّين بالمأمون:
وهرع إلى البلاط العباسي الأدنون من المأمون من العباسيين، وقد نخر الحزن قلوبهم وساد فيهم صمت رهيب، وانبروا إلى المأمون فقالوا له:
( ننشدك الله يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فإنّا نخاف أن تُخرج عنّا أمراً قد ملّكناه الله، وتنزع منّا عزّاً ألبسناه، فقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون من تبعيدهم، والتصغير بهم، وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا ما علمت، حتى كفانا الله المهمّ من ذلك، فالله الله، أن تردّنا إلى غم قد انحسر عنّا، واصرف رأيك عن ابن الرضا، واعدل إلى ما تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.. ).
ووضع العباسيون أمام المأمون النقاط الحسّاسة المثيرة للعواطف، فقد نبّهوه بأحقاد آبائه وعدائهم للعلويّين، وما صنعه بهم الخلفاء السابقون من تبعيدهم عن مراكز الحكم، وما صبّوه عليهم من صنوف التنكيل والتعذيب وليس له أن يشذّ عن سنّة آبائه وسيرتهم فإنّه يشكّل بذلك خطراً على أسرته، ولم يعن المأمون بذلك وراح يفنّد ما قالوه، قائلاً:
( أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، وأمّا ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان به قاطعاً للرحم، وأعوذ بالله من ذلك، والله ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا، ولقد سألته أن يقوم بالأمر، وأنزعه عن نفسي فأبى، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وأمّا أبو جعفر محمد بن
علي قد اخترته لتبريزه على كافّة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنه، والأعجوبة فيه بذلك، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فيعلموا أنّ الرأي ما رأيت فيه.. ).
وندّد المأمون بالعباسيين فهم الذين قطعوا أواصر الرحم والقربى بينهم وبين العلويين، ولو أنصفوا نفوسهم، ورجعوا إلى حوازب أفكارهم لرأوا أنّ العلويين أولى بمقام النبيصلىاللهعليهوآله ومركزه منهم لأنّهم ذرّيته وأبناؤه، ولأنّ هذا الدين قد بني بتضحياتهم وجهادهم، وأمّا العباسيون قديماً وحديثاً فليست لهم أيّة خدمة للإسلام ولا للمسلمين، وإنّما صنعوا ما أضرّ بالإسلام والمسلمين.
وعرض المأمون في حديثه إلى الإمام أبي جعفرعليهالسلام فأبدى إعجابه البالغ به فهو الأعجوبة الكبرى الذي بزّ جميع أهل العلم والفضل، وتفوّق عليهم مع صغر سنه.
وانبرى العباسيون فطلبوا منه أن يؤجّل زواج الإمام حتى يكبر ويتفقّه في الدين قائلين:
( إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنّه صبي لا معرفة له، ولا فقه، فأمهله ليتأدّب، ويتفقّه في الدين، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك.. ).
وردّ عليهم المأمون بما عرفه من واقع أهل البيتعليهمالسلام قائلاً:
( ويحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ هذا من أهل بيت علمهم من الله، ومواده وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياءً في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم ما وصفت من حاله.. ).
إن المأمون لعلى بيّنة بأئمة أهل البيتعليهمالسلام الذين آتاهم الله من العلم والحكمة ما لم يؤت أحداً من العالمين.
واتّفق المأمون مع العباسيين على امتحان الإمام الجوادعليهالسلام لعلّه يعجز عن
الجواب فيفسد بذلك مصاهرته للمأمون بالإضافة إلى أنّهم سيتّخذون من ذلك وسيلة لبطلان ما تذهب إليه الشيعة من أنّ الإمام أعلم أهل عصره وأفضلهم وانبرى العباسيون قائلين:
( قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخلِّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة فإنّ أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، وظهر للخاصّة والعامة سداد رأي أمير المؤمنين، وإن عجز عن ذلك، فقد كفينا الخطب في معناه.. )(١) .
وانصرف العباسيون، وهم يفتّشون عن شخصيّة علمية تتمكنّ من امتحان الإمام وتعجيزه.
انتداب يحيى لامتحان الإمام:
وأجمع رأي العباسيّين على اختيار يحيى بن أكثم قاضي قضاة بغداد، وأحد أعلام الفقه في ذلك العصر، لامتحان الإمام أبي جعفرعليهالسلام ، وعرضوا عليه الأمر، ومنّوه بالأموال الطائلة إن امتحن الإمام وعجز عن جوابه، فإنّ يحقّق لهم أعظم الانتصارات، وأجابهم يحيى إلى ذلك، وانصرف إلى منزله، وراح يفتّش في كتب الفقه والحديث عن أعقد المسائل وأهمّها ليمتحن بها الإمامعليهالسلام وانطلق العباسيّون إلى المأمون فعرّفوه باستجابة يحيى لهم، وطلبوا منه تعيين يوم لامتحان الإمام، فعيّن لهم يوماً خاصاً.
أسئلة يحيى:
ولمّا حضر اليوم المقرّر لامتحان الإمامعليهالسلام هرع العباسيون إلى بلاط المأمون
__________________
١ - الإرشاد: ص ٣٥٩ - ٣٦٠.
وحضر الاجتماع أهل الفضل وأعلام الفكر وسائر طبقات الناس وكان يوماً مشهوداً، وقد غصّت قاعة الاجتماع على سعتها بالناس، وأمر المأمون أن يفرش للإمام أبي جعفرعليهالسلام دست، ويجعل له فيه مسورتان فصنع له ذلك، وجلس فيه الإمامعليهالسلام وكان له من العمر تسع سنين وأشهر، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وجلس المأمون في دست متّصل بدست الإمامعليهالسلام .
واستحال الجمع إلى آذان صاغية، وانبرى يحيى إلى المأمون فطلب منه أن يأذن له في امتحان الإمام فإذِن له في ذلك، واتّجه يحيى صوب الإمام وقال له:
( أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟.. ).
وقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً:
( سل إن شئت.. ).
ووجّه يحيى مسألته إلى الإمام قائلاً:
( ما تقول جعلني الله فداك في مُحرم قتل صيداً؟.. ).
وحلّل الإمامعليهالسلام هذه المسألة إلى عدّة مسائل، وشقّقها إلى مجموعة من الفروع وسأل يحيى أي فروع منها أراد قائلاً:
( قتله في حلّ أو حرم، عالماً كان المحرم أم جاهلاً، قتله عمداً أو خطأً، حرّاً كان المحرم أم عبداً، صغيراً كان أم كبيراً، مبتدءاً بالقتل أم معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيره، من صغار الصيد أم من كبارها، مصرّاً كان أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد أم نهاراً، محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً.. ).
وذهل يحيى، وتحيّر، وبان عليه العجز إذ لم يتصوّر هذه الفروع المترتّبة على مسألته، وعلت في القاعة أصوات التكبير والتهليل، فقد استبان للجميع أنّ أئمة أهل البيتعليهمالسلام هم معدن العلم والحكمة وإنّ الله منح كبارهم وصغارهم بما منح به أنبياءه
من الكمال والعلم.
لقد شقّق الإمامعليهالسلام هذه المسألة إلى هذه الفروع وإن كان بعضها لا يختلف فيه الحكم كما إذا كان القتل للصيد في الليل أم في النهار فإنّ الحكم فيهما واحد، وإنّما ذكر الإمامعليهالسلام ذلك لتبكيت الخصم الذي سأل الإمام للامتحان لا للفهم.
وعلى أي حال فإنّ المأمون لما رأى العجز قد استبان على يحيى فلم يطق جواباً أقبل على بني العباس فقال لهم:
( الحمد لله على هذه النعمة، والتوفيق لي في الرأي.. أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه.. )(١) .
واستبان لبني العباس فضل الإمام، وإنّه من عمالقة الفكر والعلم في الإسلام.
كما ظهر لهم صحّة ما قاله المأمون: إنّهم لا يعرفون أهل البيتعليهمالسلام .
مع ابن تيميّة:
وأنكر ابن تيميّة هذه الرواية، واعتبرها من الموضوعات - بغير أدب في التعبير - فقد علّق عليها بما نصّه:
( إنّ هذه الحكاية التي حكاها عن يحيى بن أكثم من الأكاذيب التي لا يفرح بها إلاّ الجاهل، ويحيى بن أكثم أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن محرم قتل صيداً، فإن صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة، فليست من دقائق العلم وغرائبه، ولا ما يختصّ به المبرّزون في العلم، ثمّ مجرّد ما ذكره ليس فيه إلاّ تقسيم أحوال القاتل ليس فيه بيان حكم هذه الأقسام، ومجرّد التقسيم لا يقتضي العلم بأحكام الأقسام، وإنّما يدلّ إن دلّ على حسن السؤال، وليس كلّ من
__________________
١ - الإرشاد: ص ٣٦١. الوسائل: ج ٩ ص ١٨٧.
سُئل أحسن أن يجيب.
ثمّ إن كان ذكر الأقسام الممكنة واجباً فلِمَ يستوف الأقسام، وإن لم يكن واجباً فلا حاجة إلى ذكر بعضها، فإنّ من جملة الأقسام أن يقال: متعمّداً كان أو مخطئاً، وهذا التقسيم أحقّ بالذكر من قوله: عالماً كان أو جاهلاً، فإنّ الفرق بين المتعمّد والمخطئ ثابت بالإثم باتّفاق الناس، وفي لزوم الجزاء في الخطأ نزاع مشهور، فقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنّ المخطئ لا جزاء عليه، وهو أحد الروايتين عن أحمد، قالوا: إنّ الله قال: ( ومن قتله منكم متعمّداً فجزاء مثل ما قتل من النعم ) فخصّ المتعمّد بوجوب الجزاء، وهذا يقتضي أنّ المخطئ لا جزاء عليه، لأنّ الأصل براءة ذمّته، والنصّ إنّما وجب على المتعمّد، فبقي المخطئ على الأصل، ولأنّ تخصيص الحكم بالمتعمّد يقتضي انتفاءه عن المخطئ فإنّ هذا مفهوم صفة في سياق الشرط، وقد ذكر الخاصّ بعد العامّ، فإنّه إذا كان الحكم يعمّ النوعين كان قوله:( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّداً ) فزاد اللفظ، ونقص المعنى، وكان هذا ممّا يصان عنه كلام أدنى الناس حكمة فكيف كلام الله الذي هو خير الكلام وأفضله، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، والجمهور القائلون: بوجوب الجزاء على المخطئ يثبتون ذلك بعموم السنّة والآثار، وبالقياس على قتل الخطأ في الآدمي، ويقولون: إنّما خصّ المتعمّد بالذكر لأنّه ذكر من الأحكام ما يخصّ به المتعمّد وهو الوعيد لقوله:( لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) فلمّا ذكر الجزاء والانتقام كان المجموع مختصاً بالمتعمّد ولم يلزم أن يثبت بعضه مع عدم العمد، ومثل هذا قوله:( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خَفْتُمْ أن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) فإنّه أراد بالقصر قصر العدد وقصر الأركان، وهذا القصر الجامع للنوعين متعلّق بالسفر والخوف، ولا يلزم من الاختصاص بمجموع
الأمرين أن لا يثبت أحدهما مع أحد الأمرين، ولهذا نظائر، ولذلك كان ينبغي أن يسأله أقتله وهو ذاكر لإحرامه، أو ناس، فإنّ في الناسي نزاعاً أعظم ممّا في الجاهل، ويسأل هل قتله لكونه صال عليه، أو لكونه اضطر إلى مخمصة أو قتله عبثاً ظلماً بلا سبب، وأيضاً فإنّ في هذه التقاسيم ما يبيّن جهل السائل، وقد نزّه الله من يكون إماماً معصوماً عن هذا الجهل، وهو قوله: ( أفي حلّ قتل أم في حرم ) فإنّ المحرم إذا قتل الصيد وجب عليه الجزاء سواءً كان في الحلّ أم في الحرم فاتّفاق المسلمين، والصيد الحرمي يحرم قتله على المحلّ والمحرم، فإذا كان محرماً وقتل صيداً حرمياً توكّدت الحرمة ولكن الجزاء واحد.
وأمّا قوله: ( مبتدئاً أو عائداً ) فإنّ هذا فرق ضعيف لم يذهب إليه إنسان من أهل العلم، وأمّا الجماهير فعلى أنّ الجزاء يجب على المبتدئ وعلى العائد وقوله في القرآن:( وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) قيل: إنّ المراد من عاد إلى ذلك في الإسلام بعدما عفا الله عنه في الجاهلية، وقيل: نزول هذه الآية كما قال:( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) وقوله:( وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ ) وقوله: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَا قَدْ سَلَفَ ) يدلّ على ذلك، إنّه لو كان المراد غفر الله في أوّل مرّة لما أوجب عليه جزاءً، ولا انتقم منه وقد أوجب عليه الجزاء أوّل مرة.
وقال:( لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ) فمن أذاقه الله وبال أمره كيف يكون قد عفي عنه، وأيضاً قوله: ( عمّا سلف ) لفظ عامّ واللفظ العامّ المجرّد عن قرائن التخصيص لا يراد مرّة واحدة، فإنّ هذا ليس من لغة العرب، ولو قدر أنّ المراد بالآية عفا الله عن أوّل مرّة، وإنّ قوله: ( ومن عاد ) يراد به العود إلى القتل فإنّ انتقام الله منه إذا عاد لا يسقط الجزاء عنه فإنّ تغليظ الذنب لا يسقط الواجب كمن قتل نفساً بعد نفس لا
يسقط عنه قود ولا ديّة ولا كفّارة.. )(١) .
وحفل كلام ابن تيميّة بالمغالطات التي هي أبعد ما تكون عن الحقّ وألصق ما تكون بالباطل، والتي كان منها ما يلي:
أولاً: إنّه برّأ يحيى ونزّهه من الإقدام على امتحان الإمامعليهالسلام فهو - على حد تعبيره - أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص، والذي نراه - حسب التحقيق العلمي - أنّه لا مانع من إقدام يحيى على ذلك بعد ما طلب منه العباسيون، ومنّوه بالأموال، وقد كان القضاء في العصر العباسي أداة بيد السلطة، فكانوا يسايرون رغبة الخلفاء ويقضون ويفتون على حسب ميولهم، وكان ممّا رواه المؤرّخون في ذلك، إنّ هارون الرشيد قد شغف بجارية لأبيه المهدي، كان قد دخل بها فامتنعت عليه، وقالت له: ( لا أصلح لك إنّ أباك قد طاف بي.. ).
فلم يمتنع عنها وازداد شغفه وغرامه بها، فأرسل خلف القاضي أبي يوسف فقال له: ( أعندك شيء في هذا.. ).
فأفتى أبو يوسف بما وافق هوى هارون وخالف كتاب الله وسنّة نبيّه قائلاً: ( يا أمير المؤمنين أوَ كلمّا ادّعت أمَة شيئاً ينبغي أن تصدّق لا تصدّقها، فإنّها ليست بمأمونة.. ).
وقد خالف بفتواه ما حكم به الإسلام صراحة من أنّ النساء مصدقات على فروجهن، وعلّق ابن المبارك على هذه الفتوى بقوله:
( لم أدرِ ممّن أعجب من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم لا يتحرّج عن حرمة أبيه، أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أو
__________________
١ - منهاج السنّة: ج ٢ ص ١٢٧ - ١٢٨.
من هذا فقيه الأرض وقاضيها!! قال: اهتك حرمة أبيك واقض شهوتك، وصيّره في رقبتي.. )(١) .
وهناك فتاوى كثيرة لأبي يوسف شذّت عن القواعد الفقهيّة، واتّفقت مع رغبات السلطة الحاكمة.. إنّ القضاء لم يكن مستقلاً في العصر العباسي وإنما كان خاضعاً لرغبات الخليفة وميوله.
ثانياً: إن هذه المسألة التي سأل يحيى عنها الإمامعليهالسلام ليست من المسائل البسيطة - كما يقول ابن تيميّة - وإنّما هي من دقائق علم الفقه باعتبار ما يتفرّع عليها من الفروع وما يتشعّب عليها من المسائل، وأكبر الظنّ أن يحيى إنّما سأل الإمام عنها باعتبار ذلك إذ ليس من السذاجة، وعدم الدراية بشؤون الفقه حتى يسأل الإمام عن مسألة بسيطة.
ثالثاً: إنّ ابن تيمية ذكر أن الإمامعليهالسلام لم يعرض إلى بيان حكم هذه الأقسام التي فرّعها على المسألة، وهذا يدلّ على عدم تتبّعه، ونظرته للأمور بصورة سطحية فإنّ الإمامعليهالسلام قد تعرض بالتفصيل لأحكام هذه الأقسام - كما سيأتي -.
رابعاً: أنكر ابن تيميّة أن يكون الإمامعليهالسلام عالماً بأحكام هذه الأقسام فقد قال: ( ومجرّد التقسيم لا يقتضي العلم بأحكام هذه الأقسام ) إنّ الإمام الذي استمدّ علومه من آبائه العظام الذين هم ورثة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله قد عرض بصورة شاملة لبيان أحكام الأقسام، ولكن ابن تيميّة قد وضع حجاباً على عينيه فلم يبصر ما ذكره الإمامعليهالسلام .
خامساً: ذكر ابن تيمية أنّ ذكر الأقسام الممكنة إن كان واجباً فلم يستوفِ
__________________
١ - حياة الإمام موسى بن جعفر: ج ٢ ص ٤٤.
- أي الإمام - الأقسام، وإن لم يكن واجباً فلا حاجة إلى ذكر بعضها، إنّي لا أعرف كلاماً حافلاً بالمغالطات مثل هذا الكلام إذ أي علاقة أو ربط بين الحكم التكليفي الإلزامي وهو الوجوب وبين ذكر الأقسام التي أدلى بها الإمام، لقد فرّع الإمام على سؤال يحيى تلك الفروع ومن الطبيعي أنّ ذكرها غير مرتبط أصلاً بأي حكم من الأحكام.
سادساً: من مؤاخذات ابن تيمية على كلام الإمام أنّه لم يذكر المتعمّد والمخطئ، وهو أحقّ بالذكر من غيره، وهذا من الغرابة بمكان لقد أدلى الإمامعليهالسلام بذلك، ولم يهمله، ولكن ابن تيمية قد أخفاه للتشهير بالإمام، والنيل منه.
سابعاً: من مؤاخذات ابن تيمية على الإمامعليهالسلام إنّه لم يستوفِ ذكر الأقسام، وقد عدّ ابن تيميّة جملة منها، وهذا من المغالطات لأنّ الإمامعليهالسلام ليس في مقام بيان استيعاب جميع صور المسألة حتى يشكل عليه بذلك، وإنّما ذكر بعض صورها لإفحام يحيى.
هذه بعض المؤاخذات التي تواجه كلام ابن تيمية الذي خلا من كلّ صيغة علمية..
ولنعد بعد هذا إلى ما جرى للإمامعليهالسلام بعد فشل يحيى في مسألته.
خطبة العقد:
وبعد ما أفحم يحيى بن أكثم، وظهر عليه العجز، وبان لحضّار الحفل فضل الإمام أبي جعفرعليهالسلام وتقدّمه في العلم على غيره - مع صغر سنّه - التفت إليه المأمون فقال له:
( أتخطب يا أبا جعفر؟.. ).
وأظهر الإمامعليهالسلام الرضا بذلك، فأسرع المأمون قائلاً:
( اخطب - جعلت فداك - لنفسك فقد رضيتك، وأنا مزوّجك أمّ الفضل ابنتي،
وإن رغم قوم لذلك.. ).
وانبرى الإمام فأنشأ خطبة العقد قائلاً:
( الحمد لله إقراراً بنعمته، ولا إله إلا الله إخلاصاً لوحدانيته، وصلى الله على سيد بريته، والأصفياء من عترته، أما بعد: فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنم الله من فضله والله واسع عليم ).
ثمّ إنّ محمد بن علي بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد الله المأمون وقد بذل لها من الصداق مهر جدّته فاطمة بنت محمدصلىاللهعليهوآله خمسمائة درهم جياداً فهل زوّجتني يا أمير المؤمنين على هذا الصداق؟.. ).
وانبرى المأمون بحسب وكالته عن ابنته أو ولايته عليها فيما إذا كانت صغيرة، فقال: ( نعم قد زوجتك يا أبا جعفر على هذا الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ ).
قال الإمامعليهالسلام : قد قبلت ذلك ورضيت به(١) وأمر المأمون الناس على اختلاف مراتبهم بالجلوس وعدم التفرّق من المجلس، قال الريّان: ولم نلبث أن سمعنا أصوات الملاحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرّون سفينة قد صنعت من الفضّة قد شدّت بحبال من الإبريسم، وهي مملوءة من الغالية، فأمر المأمون - أولاً - بأن تخضّب لحاء الخاصة، وبعدهم العامة وتطيّب الجميع، ثمّ وضعت الموائد فأكل الناس منها(٢) .
__________________
١ - الإرشاد: ص ٣٦١ - ٣٦٢. وسائل الشيعة: ج ٩ ص ١١٥.
٢ - الإرشاد: ص ٣٦٢.
المأمون يطلب إيضاح المسألة:
وطلب المأمون من الإمام أبي جعفرعليهالسلام إيضاح المسألة السابقة التي سأله عنها يحيى بن أكثم، فأجابهعليهالسلام إلى ذلك، وقد روي جوابه بصورتين:
الأولى: ما رواه الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول مرسلاً عن أبي جعفر الجوادعليهالسلام ، وقد جاء في الجواب:
( إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ، وكان الصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، وإن قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم، وليس عليه القيمة لأنّه ليس في الحرم، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ لأنه من الحرم، وإن كان من الوحش فعليه في حمار وحش بدنة، وكذلك في النعامة بدنة، فإن لم يقدر فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يقدر فليصم ثمانية عشر يوماً فإن كان بقرة فعليه بقرة، فإن لم يقدر فليطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يقدر فليصم تسعة أيام، وإن كان ظبياً فعليه شاة فإن لم يقدر فليطعم عشرة مساكين، فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام، وإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة حقّاً واجباً أن ينحره إن كان في حجّ بمنى حيث ينحر الناس، وإن كان في عمرة ينحره بمكّة في فناء الكعبة، ويتصدّق بمثل ثمنه حتى يكون مضاعفاً، وكذلك إذا أصاب أرنباً أو ثعلباً فعليه شاة، ويتصدّق بمثل ثمن شاة، وإن قتل حماماً من حمام الحرم فعليه درهم يتصدّق به، ودرهم يشتري به علفاً لحمام الحرم، وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيضة ربع درهم، وكلّما أتى به المحرم بجهالة وخطأ فلا شيء عليه إلاّ الصيد فإن عليه فيه الفداء بجهالة كان أم بعلم، بخطأ كان أم بعمد، وكلّما أتى به العبد فكفّارته على صاحبه مثل ما يلزم صاحبه، وكلّ ما أتى به الصغير الذي ليس ببالغ فلا شيء عليه فإن عاد فهو ممّن ينتقم الله منه، وإن دلّ على الصيد وهو محرم وقتل الصيد فعليه فيه
الفداء والمصرّ عليه يلزمه بعد الفداء العقوبة في الآخرة، والنادم لا شيء عليه بعد الفداء في الآخرة، وإن أصابه ليلاً أو نارهاً فلا شيء عليه، إلاّ أن يتصيّد، فإن تصيّد بليل أو نهار فعليه فيه الفداء والمحرم بالحجّ ينحر الفداء بمنى حيث ينحر الناس، والمحرم بالعمرة ينحر الفداء بمكّة.
وأمر المأمون أن يُكتب ذلك عن أبي جعفرعليهالسلام والتفت المأمون إلى أهل بيته الذين أنكروا تزويجه فقال لهم: هل فيكم من يجيب بهذا الجواب؟ قالوا: لا والله ولا القاضي.. يا أمير المؤمنين كنت أعلم به منّا فقال: ويحكم!! أما علمتم أنّ أهل هذا البيت ليسوا خَلقاً من هذا الخَلق، أما علمتم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بايع الحسن والحسينعليهماالسلام وهما صبيّان، ولم يبايع غيرهما طفلين، أو لم تعلموا أنّ أباهم علياًعليهالسلام آمن برسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو ابن تسع سنين فقبل الله ورسوله إيمانه، ولم يقبل من طفل غيره ولا دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله طفلاً غيره، أولم تعلموا أنّها ذرّية بعضها من بعض يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم(١) .
وألمّ جواب الإمام بأحكام جميع جوانب الصيد وفروعه، سواء في الحجّ أم في العمرة، في الحلّ كان الصيد أم في الحرام، فيما إذا كان الصائد محرماً.
الثانية: ما رواها الشيخ المفيد أنّ المأمون قال لأبي جعفرعليهالسلام : إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل الصيد لنعلمه ونستفيده؟
فقال أبو جعفرعليهالسلام : نعم إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ، وكان الصيد من ذوات الطير، وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً، فإذا قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللبن وإذا قتله في الحرم فعليه
__________________
١ - تحف العقول: ص ٤٥٢ - ٤٥٣. وسائل الشيعة: ج ٩ ص ١٨٨.
الحمل وقيمة الفرخ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدى فيه، وكان إحرامه بالحجّ نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد له المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ والكفّارة على الحرّ في نفسه وعلى السيد في عبده، والصغير لا كفارة عليه وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة.
فقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك(١) .
أما الرواية الأولى فهي أوسع وأكثر شمولاً لأحكام الصيد في الحجّ دون الرواية الثانية.
الإمام يسأل يحيى:
وطلب المأمون من الإمام الجوادعليهالسلام أن يوجّه سؤالاً إلى يحيى بن أكثم فأجابه الإمامعليهالسلام إلى ذلك والتفت إلى يحيى فقال له:
( أسألك؟.. ).
فأجابه يحيى بتأدّب:
( ذاك إليك، جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه، وإلاّ استفدت منك ).
فقدّم له الإمام سؤالاً شبيهاً باللغز وذلك لمصلحة تقتضيها الظروف التي هو فيها، والتي كان منها إظهار فضله أمام العباسيّين الذين جحدوا فضله وفضل آبائه،
__________________
١ - الإرشاد: ص ٣٦٢.
قالعليهالسلام :
( أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار حلّت له، فلمّا زالت الشمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا غربت الشمس حرمت عليه، فلمّا دخل عليها وقت العشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان انتصاف الليل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له، ما حال هذه المرأة؟ وبماذا حلّت له؟ وحرمت عليه؟.
وبهر يحيى، وحار في الجواب، والتفت إلى الإمام قائلاً:
( والله ما اهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدنا فيه؟.. ).
وأخذ الإمام في تحليل المسألة قائلاً:
( هذه أمَة لرجل من الناس نظر إليها أجنبي في أوّل النهار فكان نظره إليها حراماً عليه، فلمّا ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلّت له، فلمّا كان عند الظهر اعتقها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له، فلمّا كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظهار فحلّت له، فلمّا كان في نصف الليل طلقّها واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.. ).
وذهل الحاضرون من علم الإمامعليهالسلام - وهو بهذا السنّ - وأقبل المأمون على أسرته قائلاً:
( هل فيكم أحد يجيب عن المسألة بمثل هذا الجواب، أو يطرق القول فيما تقدّم من السؤال؟.. ).
فانبروا جميعاً قائلين:
( لا والله إنّ أمير المؤمنين أعلم بما رأى.. )(١) .
لقد آمنوا بفضل الإمام بعد ما رأوه قد خاض مع يحيى أعقد المسائل وأدقّها، ولم يهتِد المأمون ولا يحيى إلى الإجابة عنها.
هدايا بمناسبة عقد الزواج:
ولما كان اليوم الثاني من بعد إجراء عقد الزواج حضر الناس في البلاط العباسي وفي مقدمتهم قادة الجيش، وسائر الجهاز الرسمي، وغيرهم ومن عامة الناس، وهم يرفعون آيات التهاني إلى الإمام الجوادعليهالسلام وإلى المأمون بهذه المناسبة السعيدة، وأمر المأمون بأن تقدّم لهم الهدايا والعطايا، فقدمت لهم ثلاثة أطباق من الفضة فيها بنادق مسك وزعفران معجون في أجواف تلك البنادق، وفيها رقاع مكتوبة بأموال جزيلة، وعطايا سنيّة، وإقطاعات فأمر المأمون بنثرها على القوم في خاصّته، فكان كلّ من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها، والتمسه، فأطلق له، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القوّاد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا، وتقدّم المأمون بالصدقة على كافة المساكين(٢) .
احتفاف الجماهير بالإمام:
وأحيط الإمام الجواد أثناء إقامته في بغداد بهالة من التكريم والتعظيم والتفّت حوله الجماهير فقد رأت فيه امتداداً ذاتياً لآبائه الطاهرين الذين أضاءوا الحياة بجوهر الإسلام وواقع الإيمان، فكان الإمام إذا سار في الشارع اصطفّت له المارة وعلا منها التكبير والتهليل، وهي ترفع صوتها عالياً:
( هذا ابن الإمام الرضا ).
__________________
١ - الإرشاد: ص ٣٦٣.
٢ - الإرشاد: ص ٣٦٣، وسائل الشيعة: ج ١٤ ص ٥١٩.
وقد حدث عن مظاهر ذلك التكريم القاسم بن عبد الرحمن، وكان زيدياً، قال: خرجت إلى بغداد، فرأيت الناس يتشوفون ويقفون، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ابن الرضا، فقلت: والله لأنظر إليه، فطلع، وكان راكباً على بغل أو بغلة، فلعنت أصحاب الإمامة إذ يقولون: إنّ الله افترض طاعة هذا، وبصر بي الإمام فعدل إليَّ، وقال: يا قاسم بن عبد الرحمن ( أبشراً واحداً نتّبعه إنّا إذاً لفي ضلال وسعر ) وذهلت لمّا عرف نيّتي، وقلت بإمامته(١) .
محاضراته في بغداد:
واستغل الإمام أبو جعفرعليهالسلام مدّة بقائه في بغداد بالتدريس(٢) وبلورة الفكر العامّ بالعلوم والمعارف الإسلامية، وكان يلقي محاضراته القيّمة على العلماء والرواة في بهو بيته، وقد تناولت مختلف العلوم والفنون من علم الحديث، والتفسير، وعلم الفقه، وعلم الكلام، وعلم الأصول إلاّ أنّ علم الفقه قد حظي بالجانب الأكبر من اهتمامه.
سفره إلى يثرب:
وسافر الإمام أبو جعفرعليهالسلام بعد أن عقد على أمّ الفضل إلى يثرب، وقد استقر بها حفنة من السنين، وقد قام بشؤون العلويّين، كما قام بإعاشة الفقراء والمحرومين، فكان موئلهم، أمّا هو فقد عاش عيشة بسيطة كعيشة آبائه، فلم يرفّه على نفسه، وإنّما حمّلها من أمره رهقاً.
وقد احتفّ به الفقهاء والعلماء ورواة الحديث، وهو يفيض عليهم من نمير علومه ومعارفه، وقد روى عنه العلماء جوانب كثيرة من الفقه وغيره وقد ألمحنا إليها
__________________
١ - إثبات الهداة: ج ٦ ص ١٩.
٢ - عقيدة الشيعة: ص ٢٠٠.
في البحوث السابقة.
بناؤه بأمّ الفضل:
وبعدما بلغ الإمام الجوادعليهالسلام سنّ الخامسة عشر سافر إلى بغداد للزواج بأمّ الفضل التي عقد عليها، وقدم إلى بغداد في شهر صفر ليلة الجمعة، وأقام فيها.
وكان المأمون بتكريت، فقصده، وقابله المأمون بمزيد من الحفاوة والتكريم، وأمر أن تدخل عليه زوجته أمّ الفضل فأدخلت عليه في دار أحمد بن يوسف، وكانت داره على شاطئ دجلة، فأقام بها حتى موسم الحجّ ثمّ خرج منها(١) .
المهنّئون بزواجه:
ووفد جماعة من أعيان بغداد وغيره على الإمام وهم يهنّئونه بزواجه، ويبدون أفراحهم بهذه المناسبة، وكان ممّن وفد عليه محمد بن علي الهاشمي ولنستمع إلى حديثه، قال: دخلت على أبي جعفر صبيحة عرسه بابنة المأمون، وكنت تناولت من أوّل الليل دواءً فأصابني العطش، وكرهت أن أدعو بالماء، فنظر أبو جعفر في وجهي، وقال: أراك عطشاناً؟ قلت: أجل، قال: يا غلام اسقنا ماءً فقلت في نفسي: الساعة يأتون بماء مسموم، واغتممت لذلك، فأقبل الغلام ومعه الماء، فتبسّم في وجهي، ثمّ قال: يا غلام ناولني الماء فتناوله وشرب، ثمّ ناولني فشربت وأطلت عنده، وعطشت فدعا بالماء، وفعل كما فعل بالمرة الأولى، وخرجت من عنده وأنا أقول: أظنّ أنّ أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما تقول الرافضة(٢) .
لقد خاف محمد على الإمام أبي جعفرعليهالسلام من العباسيين أن يغتالوه بالسمّ
__________________
١ - تاريخ بغداد لأحمد طيفور: ج ٦ ص ٣٣ ( من مخطوطات مكتبة الإمام كاشف الغطاء ). تاريخ الطبري: ج١ ص ٦٢٣.
٢ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ١١٢.
ولا تمنعهم مصاهرتهم له لأنّها لم تكن عن حسن نيّة.
وممن وفد على الإمامعليهالسلام مهنّئاً أبو هاشم الجعفري، فقد قال له: ( لقد عظمت علينا بركة هذا اليوم - أي يوم زواج الإمام - ). وردّ عليه الإمام قائلاً:
( يا أبا هاشم عظمت بركات الله علينا فيه.. ).
لقد أسند أبو هاشم عظمة البركة إلى اليوم الذي تزوّج فيه الإمام والحال ليس كذلك فإنّ الأيام لا تُوجد البركة وإنما يوجدها الله خالق الكون وواهب الحياة.. وشعر أبو هاشم انّ كلامه لا يخلو من زحاف فقال للإمام:
( يا مولاي فما أقول في اليوم؟ ).
( تقول: فيه خيراً فإنّه يصيبك ).
( يا مولاي افعل هذا ولا أخالفه ).
إنّ الأيام ليس فيها بركة أو خير على الإنسان، وإنّما ذلك بيد الله تعالى فهو الذي يفيضه على من يشاء من عباده، وقد قال له الإمام:
( إذاً ترشد ولا ترى إلاّ خيراً ).
مغادرته بغداد:
وغادر الإمام محمد الجوادعليهالسلام بغداد بعد زواجه بأمّ الفضل، وقد خرج معه أهله وعياله فتوجّه بهم إلى بيت الله الحرام لأداء الحجّ(١) وقد سرّ العباسيون بمغادرته بغداد، وذلك لحقدهم البالغ عليه، لما ظهر من عظيم فضله، وانتشار علمه على صغر سنّه، الأمر الذي صار حديث الأندية والمجالس في بغداد وغيرها فخافوا أن يعهد له المأمون بالخلافة كما عهد لأبيه الإمام الرضاعليهالسلام من قبل.. لقد غادر الإمام بغداد ليقيم في يثرب ويكون بمنأى عن مؤامرات العباسيين وأحقادهم.
__________________
١ - تاريخ بغداد: ج ٦ ص ٣٦٣.
كرامة للإمام:
وأجمع المؤرّخون والرواة على أنّ الإمام لمّا خرج من بغداد متوجّهاً إلى يثرب جرت له في أثناء الطريق كرامة، ولنترك الشيخ المفيد يحدّثنا عنها قال: لمّا توجّه أبو جعفرعليهالسلام من بغداد إلى المدينة ومعه أمّ الفضل خرج الناس يشيّعونه، ولمّا صار إلى شارع باب الكوفة انتهى إلى دار المسيّب عند مغيب الشمس، فنزل ودخل المسجد، وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل النبقة، وقامعليهالسلام فصلى بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الأولى منها الحمد وإذا جاء نصر الله وقرأ في الثانية الحمد، وقل هو الله، وقنت قبل ركوعه فيها، وصلى الثالثة وتشهّد وسلم، ثمّ جلس هنيئة يذكر الله جلّ اسمه، وقام من غير أن يعقب فصلى النوافل أربع ركعات، وعقب تعقيبها، وسجد سجدتي الشكر ثمّ خرج فلمّا انتهى إلى النبقة رآها الناس وقد حملت حملاً حسناً، فتعجّبوا من ذلك، وأكلوا منه فوجدوا نبقاً حلواً لا عجم له، وودّعوه ومضى من وقته(١) .
إنّ الله تعالى قد منح أئمة أهل البيت من الكرامات والمعاجز ما لا يحصى كما منح جدّهم الرسولصلىاللهعليهوآله ليؤمن بهم الناس، ويلتجأوا إليهم في السرّاء والضرّاء، فيجعلوا منهم وسائط إلى الله تعالى.
أمّ الفضل تشكو الإمام إلى أبيها:
وشاء الله تعالى أن تحرم أمّ الفضل الذرية من الإمام الجوادعليهالسلامعليهالسلام فاضطرّ الإمامعليهالسلام إلى أن يتسرّى ببعض الإماء ممّن لها دين، فرزقه الله منها الذرية الصالحة، فتميّزت أمّ الفضل غيظاً، ورفعت رسالة إلى أبيها تشكو فيها صنع الإمام معها، فأجابها المأمون: ( يا بنيّة إنا لم نزوجك أبا جعفر لنحرّم عليه حلالاً فلا تعاودي لذكر
__________________
١ - الإرشاد: ص ٣٦٤، أخبار الدول: ص ١١٦، وسائل الشيعة: ج ٤ ص ١٠٥٩.
ما ذكرت بعدها )(١) وظلّت أمّ الفضل حاقدة على الإمام، حتى اغتالته بالسمّ كما يقول بعض المؤرخين.
المرتّب السنوي للإمام:
وأجرى المأمون مرتّباً سنوياً للإمام أبي جعفرعليهالسلام يبلغ مليون درهم(٢) ولم ينفق الإمام هذه الأموال مع ما يرد إليه من الحقوق الشرعية على شؤونه الخاصّة، وإنّما كان ينفقها - بسخاء - على الفقراء والمحرومين من العلويّين وغيرهم.
وفاة المأمون:
وخرج المأمون من عاصمته بغداد إلى طرطوس(٣) للتنزّه والراحة، وقد أعجبته كثيراً، وذلك لما تتمتّع به من المناظر الطبيعية، وأخذ يتجوّل في بعض متنزّهاتها فراقه مكان فيها كان حافلاً بالأشجار والمياه الجارية وعذوبة الهواء، فأمر أصحابه أن ينزلوا فيها، فنزلوا فيها، ونصبت لهم المائدة فجلسوا للأكل، والتفت المأمون إلى أصحابه فقال لهم: إنّ نفسي تطالبني الآن برطب جني ويكون ازاذ(٤) وبينما هم في الحديث إذ سمعوا قعقعة ركب البريد الواصل من بغداد، وفيه أربع كثات(٥) من الخوص ملؤها رطب زاذ لم يتغيّر كأنّه جُنِي في تلك الساعة فقدّمت بين يديه، وشعر من ذلك بقرب أجله المحتوم فكان يقول:
__________________
١ - الإرشاد: ص ٣٦٤.
٢ - شذرات الذهب: ج ٢ ص ٤٨. العبر في خبر من غبر: ج ١ ص ٣٨٠. النجوم الزاهرة: ج ٢ ص ٢٣١. الوافي بالوفيات: ج ٤ ص ١٠٥. مرآة الجنان: ج ٢ ص ٨٠. مرآة الزمان: ج ٦ ص ورقة ١٠٥.
٣ - طرطوس: بلدة في أرض الشام - معجم البلدان.
٤ - ازاذ: الرطب الجديد.
٥ - كثات: لعلّ المراد منه المكتل من الخوص.
( ملكت الدنيا، وذلّت لي صعابها، وبلغت آرابي ).
وكان يذكر وصول الرطب في أكثر أوقاته، وهو يقول: آخر عهدي بأكل الرطب، فكان كما قال: فقد ألمّت به الأمراض واشتدّت به العلّة، وكان نازلاً في دار خاقان المفلحي، خادم الرشيد، ولمّا دنا منه الموت أمر أن يفرش له الرماد، ويوضع عليه، ففعل له ذلك، وكان يتقلّب على الرماد، وهو يقول: ( يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه )(١) .
واشتدّ به النزع، وكان عنده من يلقّنه فعرض عليه الشهادة، وكان ابن ماسويه الطبيب حاضراً، فالتفت إلى من يلقّنه قائلاً:
( دعه فإنّه لا يفرّق في هذه الحال بين ربّه وماني.. ).
وفتح المأمون عينيه، فقد لذعته هذه الكلمات، وقد أراد أن يبطش به إلاّ أنّه لم يستطع فقد عجز عن الكلام(٢) ، ولم يلبث قليلاً حتى وافاه الأجل المحتوم، وكان عمره ( ٤٩ سنة ) أمّا مدّة خلافته فعشرون سنة، وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً(٣) ، ويقول فيه أبو سعيد المخزومي:
هل رأيت النجوم أغنت عن المأ |
مون في ثبت ملكه المأسوس |
|
خلفوه بعرصتي طرطوس |
مثل ما خلّفوه أباه بطوس(٤) |
وكان عمر الإمام أبي جعفرعليهالسلام في ذلك الوقت يربو على اثنين وعشرين عاماً، وكان - فيما يقول المؤرّخون - ينتظر موت المأمون بفارغ الصبر لعلمه أنّه لا يبقى
____________
١ - الأنباء في تاريخ الخلفاء: ص ١٠٤.
٢ - تاريخ ابن الأثير: ج ٥ ص ٢٢٧.
٣ - التنبيه والأشراف: ص ٤٠٤.
٤ - أخبار الدول: ص ١٥٤.
بعده إلاّ قليلاً ثمّ يرحل إلى جوار الله، ويفارق هذا العالم المليء بالفتن والأباطيل، وقد قال:
( الفرج بعد وفاة المأمون بثلاثين شهراً.. ).
ولم يلبث بعد وفاة المأمون إلاّ ثلاثين شهراً حتى توفّي(١) وسنذكر ذلك في البحوث الآتية من هذا الكتاب.
وفي نهاية هذا الحديث نودّ أن نبيّن أن المأمون أسمى شخصيّة سياسية وعلمية من ملوك بني العباس فقد استطاع أن يتخلّص من أشدّ الأزمات السياسية التي أحاطت به، وكادت تقضي على ملكه وسلطانه وكان من ذكائه الخارق أنّه تقرّب إلى العلويين وأتباعهم فأوعز إلى أجهزة الأعلام بنشر فضل الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام على جميع الصحابة كما ردّ فدكاً إلى العلويّين، وعهد إلى الإمام الرضاعليهالسلام بولاية العهد، وزوّج الإمام الجوادعليهالسلام من ابنته أمّ الفضل، ولم يصنع ذلك عن إيمان أو إخلاص لأهل البيتعليهمالسلام وإنّما صنع ذلك ليتعرّف على الحركات السرية والأجهزة السياسية التي كانت تعمل تحت الخفاء للإطاحة بالحكم العباسي وإرجاع الخلافة إلى العلويّين.
لقد استطاع المأمون بعد هذه العمليات التي قام بها أن يتعرّف على الخلايا وما تقوم به من النشاطات السياسية ضدّ الحكم العباسي وقد جهد قبله ملوك بني العباس أن يتعرّفوا على ذلك فلم يستطيعوا ولم يهتدوا إلى ذلك بالرغم ممّا بذلوه من مختلف المحاولات التي كان منها التنكيل الشديد بأنصار العلويّين وشيعتهم، وإنزال أقصى العقوبات بهم، فإنّهم لم يصلوا إلى أيّة معلومات عنهم، ولم يكشفوا أي جانب من جوانبهم السياسية.
__________________
١ - إثبات الهداة: ج ٦ ص ١٩٠.
نهاية المطاف
وقبل أن أبدأ الحديث عن النهاية الأخيرة من حياة الإمام العظيم أبي جعفر الجوادعليهالسلام ، اقدم عرضاً موجزاً لسيرة المعتصم العباسي، الذي اغتال الإمام بالسمّ، فإنّ لذلك صلة موضوعية في البحث عن حياة الإمامعليهالسلام وفيما يلي ذلك:
صفات المعتصم:
أما صفات المعتصم ونزعاته التي عُرِف بها فهي كما يلي:
الحماقة:
وكان من صفات المعتصم الحماقة، وقد وصفه المؤرّخون بأنّه إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل(١) وهذا منتهى الحمق الذي هو من أرذل نزعات الإنسان.
كراهته للعلم:
وكان المعتصم يكره العلم، ويبغض حملته، وقد كان معه غلام يقرأ معه في الكتاب، فتوفّي الغلام فقال له الرشيد: يا محمد مات غلامك قال: نعم يا سيدي واستراح من الكتاب، فقال له الرشيد: وان الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه لا تعلّموه(٢) .
وبقي أمّياً، وحينما ولي الخلافة كان لا يقرأ ولا يكتب، وكان له وزير عامّي،
__________________
١ - الإسلام والحضارة العربية: ج ٢ ص ٢٣٧، أخبار الدول: ص ١٥٥.
٢ - أخبار الدول: ص ١٥٥.
وقد وصفه أحمد بن عامر بقوله:
( خليفة أمّي ووزير عامّي )(١) .
لقد كان عارياً من العلم، والفضل، وعارياً من كل صفة شريفة يستحق بها منصب الخلافة في الإسلام التي هي أخطر منصب يناط به إقامة الحق والعدل بين الناس، هذه بعض الصفات الماثلة فيه.
بغضه للعرب:
وكان المعتصم شديد الكراهية والبغض للعرب وقد بالغ في إذلالهم والاستهانة بهم فقد أخرجهم من الديوان وأسقط أسماءهم، ومنعهم العطاء كما منعهم الولايات(٢) .
ولاؤه للأتراك:
كان المعتصم يكنّ في أعماق نفسه خالص الولاء والحب للأتراك، فقد أخذ يستعين بهم في بناء دولته، ويعود السبب في ذلك إلى أن أمه ( ماردة ) كانت تركية فكان يحكي الأتراك في طباعهم ونزعاتهم، وقد بعث في طلبهم من فرغانة، واشروسنة واستكثر منهم(٣) وقد بلغ عددهم في عهده سبعين ألفاً، وقد حرص المعتصم على أن تبقى دماؤهم متميزة فجلب لهم نساءً من جنسهم فزوجهم بهن، ومنعهم من الزواج بغيرهن(٤) وقد ألبسهم أنواع الديباج، والمناطق الذهبية(٥) وقد
__________________
١ - وفيات الأعيان.
٢ - الإسلام والحضارة العربية ج٢ ص٤٤٩.
٣ - مروج الذهب ج٤، ص٩.
٤ - ظهر الإسلام ج١ ص٤ - ٥.
٥ - تاريخ الخلفاء: ص٢٢٣.
أسند لهم قيادة الجيش، وجعل لهم مراكز في مجال السياسة والحرب وحرم العرب ممّا كان لهم من قيادة الجيوش، وقد آثرهم على الفرس والعرب في كلّ شيء.
وقد أساء الأتراك إلى المواطنين فكانوا يسيرون في شوارع بغداد راكبين خيولهم دون أن يعبأوا بالمارّة فكانوا يسحقون الشيخ والمرأة والطفل وقد ضجّت بغداد من اعتدائهم وعدم مبالاتهم(١) .
وقد وصف دعبل الخزاعي مدى تسلّط الأتراك على المعتصم وبنوع خاصّ وصيف واشناس التركيّين يقول:
لقد ضاع أمر الناس إذ ساس ملكهم |
وصيف واشناس وقد عظم الكرب |
وذكر دعبل أنّ المعتصم عهد بوزارته إلى الفضل بن مروان وكان نصرانيّاً في الأصل قال:
وفضل بن مروان سيثلم ثلمة |
يظلّ لها الإسلام ليس لها شعب |
مع الإمام الجواد:
وأترعت نفس المعتصم بالحقد والكراهية للإمام الجوادعليهالسلام فكان يتميّز من الغيظ حينما يسمع بفضائل الإمام ومآثره، وقد دفعه حسده له أن قدم على اغتياله كما سنتحدّث عن ذلك.
إشخاص الإمام إلى بغداد:
وأشخص المعتصم الإمام الجواد إلى بغداد فورد إليها لليلتين بقيتا من المحرم سنة ( ٢٢٠ هـ )(٢) .
__________________
١ - تاريخ الحضارة الإسلامية في الشرق: ص ٢٤.
٢ - شرح ميمية أبي فراس: ص ٣٦. الفصول المهمة: ص ٢٦٢.
وقد فرض عليه الإقامة الجبرية فيها ليكون على علم بجميع شؤونه وأحواله كما فرض عليه في نفس الوقت الرقابة الشديدة، وحجبه من الاتصال بشيعته، والقائلين بإمامته.
الوشاية بالإمام:
ومن المؤسف حقّاً أن تصدر الوشاية بالإمام الجوادعليهالسلام من أبي داود السجستاني الذي كان من أعلام ذلك العصر، أمّا السبب في ذلك فيعود إلى حسده للإمامعليهالسلام .
والحسد داء خبيث ألقى الناس في شرّ عظيم، لقد حقد أبو داود على الإمام كأشدّ ما يكون الحقد وذلك حينما أخذ المعتصم برأيه في مسألة فقهية وترك بقية آراء الفقهاء، فتميّز أبو داود غيظاً وغضباً على الإمامعليهالسلام ، وسعى إلى الوشاية به، وتدبير الحيلة في قتله، وبيان ذلك ما رواه زرقان الصديق الحميم لأبي داود قال: إنّه رجع من عند المعتصم وهو مغتمّ، فقلت له: في ذلك.. قال: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد أحضر محمد بن عليّعليهالسلام فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟ فقلت: من الكرسوع(١) لقول الله في التيمّم: ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) واتّفق معي على ذلك قوم، وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، قال: وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأنّ الله قال: ( وأيديكم إلى المرافق ) قال: فالتفت إلى محمد بن عليعليهالسلام فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ قال: قد تكلّم القوم فيه يا أمير المؤمنين قال: دعني ممّا تكلّموا به، أي شيء عندك؟ قال: اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين، قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرتني بما عندك فيه، فقال: إذا أقسمت عليّ بالله إنّي أقول:
__________________
١ - الكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصر.
إنّهم أخطأوا فيه السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فيترك الكفّ، قال: لِمَ؟ قال: لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى:( وإنّ المساجد لله ) يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها( فلا تدعوا مع الله أحداً ) وما كان لله لم يقطع، قال: فأعجب المعتصم ذلك فأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ.
قال زرقان: إنّ أبا داود قال: صرت إلى المعتصم بعد ثالثة فقلت: إنّ نصيحة أمير المؤمنين عليّ واجبة، وأنا أكلّمه بما أعلم إنّي أدخل به النار قال: ما هو؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيّته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدين فسألهم عن الحكم فيه، فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك.
وقد حضر المجلس أهل بيته وقوّاده ووزرائه، وكتّابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثمّ يترك أقاويلهم كلّهم، لقول رجل: يقول شطر هذه الأمّة بإمامته، ويدّعون أنّه أولى منه بمقامه، ثمّ يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء.
قال: فتغيّر لونه، وانتبه لما نبّهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً..)(١) .
لقد اقترف أبو داود أخطر جريمة في الإسلام، فقد دفع المعتصم إلى اغتيال إمام من أئّمة أهل البيتعليهمالسلام الذين فرض الله مودّتهم على هذه الأمة، والويل لكلّ من شَرِك في دمائهم.
تنبّأ الإمام بوفاته:
واستشفّ الإمام الجوادعليهالسلام من وراء الغيب أنّ الأجل المحتوم سيوافيه وأنّ عمره
__________________
١ - تفسير العياشي: ج ١ ص ٣١٩، البرهان: ج ١ ص ٤٧١، البحار: ج ١٢ ص ٩٩، وسائل الشيعة: ج ١٨ ص ٤٩٠.
كعمر الزهور، وقد أعلن ذلك لشيعته في كثير من المواطن وهذه بعضها:
١ - روى محمد بن الفرج قال: كتب إليّ أبو جعفرعليهالسلام : احملوا إليّ الخمس، لست آخذ منكم سوى عامي هذا، ولم يلبثعليهالسلام إلاّ قليلاً حتى قبض واختاره الله إلى جواره(١) .
٢ - روى أبو طالب القمّي، قال: كتبت إلى أبي جعفر بن الرضاعليهالسلام أن يأذن لي أن أندب أبا الحسن - يعني أباه - قال: فكتب أن اندبني واندب أبي(٢) .
٣ - وأخبرعليهالسلام عن وفاته في أيام المأمون، فقد قال: ( الفرج بعد المأمون بثلاثين شهراً ) ولم يلبث بعد المأمون بثلاثين شهراً حتى قبض واختاره الله إلى جواره(٣) .
٤ - روى إسماعيل بن مهران أنّ المعتصم العباسي لمّا أشخص الإمام أبا جعفرعليهالسلام إلى بغداد قال: قلت له: جعلت فداك أنت خارج فإلى مَن هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلّت لحيته، ثمّ التفت إليّ فقال: عند هذه يخاف عليّ، الأمر من بعدي إلى ابني عليّ(٤) .
لقد كان الإمام عالماً بأحقاد المعتصم عليه، وأنّه لا يتورّع من اغتياله والإجهاز عليه، فلذا أحاط أصحابه وشيعته علماً بمفارقته للحياة في عهد هذا الطاغية الجبّار.
تعيينه لولده الهادي:
ونصّ الإمام الجوادعليهالسلام على إمامة ولده عليّ الهادي، ونصبه علماً ومرجعاً للأمّة
__________________
١ - المحجّة البيضاء: ج ٤ ص ٣٠٨.
٢ - الكشيّ: ج ٢ ص ٨٣٨.
٣ - إثبات الهداة: ج ٦ ص ١٩٠.
٤ - الإرشاد: ص ٣٦٩.
من بعده.
فقد روى الصقر قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضاعليهالسلام يقول: إنّ الإمام بعدي ابني عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي(١) .
وروى الخيراني عن أبيه أنّ الإمام أبا جعفرعليهالسلام بعث إليه رسولاً فقال له: إنّ مولاك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنّي ماضي، والأمر صائر إلى ابني عليّ، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي(٢) وكثير من أمثال هذه الروايات نصّت على أنّ الإمام أبا جعفرعليهالسلام أقام ولده الإمام الهادي إماماً من بعده وأوجب على شيعته طاعته.
اغتيال الإمام:
ولم يمت الإمام محمد الجواد حتف أنفه، وإنّما اغتاله المعتصم العباسي(٣) فقد قدّم الطاغية على اقتراف هذه الجريمة النكراء.
وقد اختلف المؤرّخون في الشخص الذي أوعز إليه المعتصم للقيام بسمّ الإمامعليهالسلام وفيما يلي بعض الأقوال:
١ - ذكر بعض الرواة أنّ المعتصم أوعز إلى بعض كتّاب وزرائه بأن يدعو الإمام إلى منزله، ويدسّ إليه السمّ، فدعاه إلاّ أنّ الإمامعليهالسلام اعتذر من الحضور في مجلسه، وأصرّ عليه الكتّاب بالحضور لأجل التبرّك بزيارة الإمام له، وأضاف أنّ أحد الوزراء أحبّ لقاءه ولم يجدعليهالسلام بدّاً من إجابته، فصار إليه، ولمّا تناول الطعام أحسّ
____________
١ - إكمال الدين: ج ٢ ص ٥٠.
٢ - الإرشاد: ص ٣٦٩.
٣ - بحر الأنساب: ص ٢٨. سبك الذهب في سبك النسب. مرآة الجنان: ج٢ ص ٨١، نزهة الجليس: ج ٢ ص ١١١.
بالسمّ فدعا بدابته للخروج من المنزل فسأله صاحب المنزل أن يقيم عنده فقالعليهالسلام : خروجي من دارك خير لك(١) .
٢ - صرّحت بعض الروايات أنّ المعتصم أغرى بنت أخيه زوجة الإمام أمّ الفضل بالأموال، فدسّت إليه السمّ(٢) .
وعلى أي حال فقد قطع المعتصم بسمّه للإمام أواصر القربى ولم يرع حرمة النبي في أبنائه.
دوافع اغتياله:
أمّا دافع اغتيال المعتصم للإمام فهي - فيما نحسب - تتلخّص بما يلي:
أولاً: وشاية أبي داود فقد دفعت المعتصم إلى اغتيال الإمام.
ثانياً: حسد المعتصم للإمامعليهالسلام على ما ظفر به من الإكبار والتعظيم عند عامّة المسلمين فقد تحدّثوا مجمعين عن مواهبه وعبقرياته وهو في سنّه المبكّر، كما تحدّثوا عن معالي أخلاقه من الحلم وكظمه للغيظ، وبرّه بالفقراء وإحسانه إلى المحرومين إلى غير ذلك من صفاته التي عجّت بذكرها الأندية والمحافل، ممّا دفع المعتصم على فرض الإقامة الجبرية عليه في بغداد ثمّ القيام باغتياله.
هذه بعض الأسباب التي دفعت المعتصم إلى اقتراف هذه الجريمة النكراء.
إلى جنّة المأوى:
وأثّر السمّ في الإمام تأثيراً شديداً، فقد تفاعل مع جميع أجزاء بدنه وأخذ يعاني منه آلاماً مرهقة، فقد تقطّعت أمعاؤه من شدّة الألم، وقد عهدت الحكومة العباسية إلى
__________________
١ - تفسير العيّاشي: ج ١ ص ٣٢٠. بحار الأنوار: ج ١٢ ص ٩٩. البرهان: ج ١ ص ٤٧١.
٢ - نزهة الجليس: ج ٢ ص ١١١. المناقب: ج ٤ ص ٣٩١.
أحمد بن عيسى أن يأتيه في السحر ليتعرّف خبر علّته(١) وقد أخبر الإمامعليهالسلام بوفاته من كان عنده في الليلة التي توفّي فيها فقال لهم: نحن معشر إذا لم يرض الله لأحدنا الدنيا نقلنا إليه(٢) وأخذت الآلام من الإمام مأخذاً عظيماً.
فقد كان في ريعان الشباب وغضارة العمر ولمّا أحسّ بدنو الأجل المحتوم منه أخذ يقرأ سوراً من القرآن الكريم، وقد لفظ أنفاسه الأخيرة ولسانه يلهج بذكر الله تعالى وتوحيده، وقد انطفت بموته شعلة مشرقة من الإمامة والقيادة الواعية المفكّرة في الإسلام.
لقد استشهد الإمامعليهالسلام على يد طاغية زمانه المعتصم العباسي وقد انطوت بموته صفحة من صفات الرسالة الإسلامية التي أضاءت الفكر ورفعت منار العلم والفضيلة في الأرض.
تجهيزه ودفنه:
وجُهِّز بدن الإمامعليهالسلام فغسُّل وأدرج في أكفانه، وبادر الواثق والمعتصم فصلّيا عليه(٣) وحُمل الجثمان العظيم إلى مقابر قريش، وقد احتفّت به الجماهير الحاشدة، فكان يوماً لم تشهد بغداد مثله فقد ازدحمت عشرات الآلاف في مواكب حزينة وهي تردّد فضل الإمام وتندبه، وتذكر الخسارة العظمى التي مني بها المسلمون في فقدهم للإمامعليهالسلام .
وحفر للجثمان الطاهر قبر ملاصق لقبر جدّه العظيم الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام فواروه فيه وقد واروا معه القيم الإنسانية، وكلّ ما يعتزّ به الإنسان من المثل الكريمة.
__________________
١ - الإرشاد: ص ٣٦٩.
٢ - بحار الأنوار: ج ١٢ ص ٩٩.
٣ - نزهة الجليس: ج ٢ ص ١١١. وفي مرآة الجنان: ج ٢ ص ٨١ أنّه صلى عليه الواثق بن المعتصم.
عمره:
أمّا عمره الشريف فكان خمساً وعشرين عاماً(١) وهو أصغر الأئمة الطاهرينعليهمالسلام سناً، وقد قضى معظم حياته في نشر العلم، وإذاعة الفضيلة بين الناس فكانت حياته الغالية مدرسة للفكر والوعي ومعهداً للإيمان والتقوى.
سنة وفاته:
توفّي الإمام الجوادعليهالسلام سنة ( ٢٢٠ هـ )(٢) يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي القعدة(٣) وقيل لخمس ليال بقين من ذي الحجّة(٤) وقيل لست ليال خلون من ذي الحجّة(٥) .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حياة هذا الإمام العظيم الذي هو من عظماء أئّمة أهل البيتعليهمالسلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وقبل أن أقفل هذا الكتاب أكرّر ما أعلنته في المقدّمة من أنّ هذا الكتاب على ما فيه من جهد شاقّ فإنّه لا يعطي إلاّ صورة موجزة عن حياة الإمام أبي جعفرعليهالسلام ، فلم يلمّ بجميع شؤون حياته بل ولا ببعضها، ولم يكن ذلك عن مبالغة في القول أو غلوّ في المذهب وإنّما هو الواقع الذي نخلص له، ونؤمن به يفرض علينا ذلك.
__________________
١ - تاريخ الإسلام للذهبي: ج ٨، ورقة ١٥٨ ( مصوّر )، روض المناظر في تاريخ الأوائل والأواخر لمحمد بن شحنة ( مخطوط )، منتخب مرآة الجنان وعبرة اليقضان لليافعي ( مخطوط )، تاريخ قم ترجمة البراقي ( مخطوط ).
٢ - تاريخ الخميس: ج ٢ ص ٣٧٥، منتخب مرآة الجنان وعبرة اليقضان، بحر الأنساب: ج ٢ ص ١٩ تاريخ قم ( مخطوط )، شذرات الذهب: ج٢ ص ٤٨، روض المناظر في تاريخ الأوائل والأواخر.
٣ - نزهة الجليس: ج ٢ ص ٦١. مرآة الجنان: ج ٢ ص ٨١.
٤ - النجوم الزاهرة: ج ٢ ص ٢٣١.
٥ - الفصول المهمة لابن الصبّاغ: ص ٢٦٢.
وقبل أن أختتم الكتاب أرى من الحقّ عليّ أن أرفع آيات الشكر إلى سماحة الأستاذ حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ حسين الخليفة على ما تفضّل به من المساهمة في الإنفاق على طبع هذا الكتاب سائلاً من الله أن يتولى جزاءه فإنه وليّ ذلك والقادر عليه.
كما أنّ من الوفاء أن أذكر - باعتزاز - الجهود الشاقّة التي بذلها سماحة الحجة الشيخ هادي القرشي من مراجعة بعض الموسوعات وغيرها التي أمدّتنا بمعلومات كثيرة عن حياة الإمام أبي جعفر الجوادعليهالسلام بالإضافة إلى ملاحظاته الفنّية في هذا الكتاب سائلاً من الله تعالى أن يمدّ في حياته، وأن يجزيه عنّي خير ما يجزي أخاً عن أخيه.
مصادر البحث
المصادر التي اقتبسنا منها بحوث هذا الكتاب ...اسم الكتاب |
اسم المؤلف |
|
اصول الكافي |
للكليني |
|
الاتحاف بحبّ الأشراف |
للشبراوي |
|
أعيان الشيعة |
للسيّد مجسن العاملي |
|
الارشاد |
للشيخ المفيد |
|
الأعلام |
للزركي |
|
اثبات الهذاة |
لمحمّد بن الحسن الحّر العاملي |
|
أحسن التقاسيم |
أحسن التقاسيم للمقدسي |
|
أخبار الدول |
للقرماني |
|
الكفاية والنصوص |
للخزّاز |
|
التنبيه والاشراف |
للمسعودي |
|
امراء الشعر العربي في العصر العباسي |
لأنيس المقدسي |
|
اتجاهات الشعر العربي |
لمحّمد مصظفي هذّّارة |
|
السلوك لمعرفة دول الملوك |
للمقريزي |
|
اكمال الدين واتمام النعمة |
للصدوق |
اسم الكتاب |
اسم المؤلف |
||
ابونواس |
لابن منظور |
||
الفهرست |
للظوسي |
||
الفهرست |
لابن النديم |
||
الكني والألقاب |
للشيخ عبّاس القمّي |
||
الأئمة الاثنا عشر |
لابن طولون |
||
الدرّ النظيم |
ليوسف بن حاتم الشامي |
||
الصواعق المحرقة |
لابن حجر |
||
الحدائق الوردية |
لحميد بن زيد اليماني |
||
الحدائق الناظرة |
للشيخ يوسف البحراني |
||
المحاسن |
للبرقي |
||
التوحيد |
للصدوق |
||
أنوار اليقين |
للحسن بن محمد الزيدي |
||
الامامة في الإسلام |
لعارف تامر |
||
اللمعة الدمشقية |
للشهيدين |
||
الفصول المهمة |
لابن الصبّاغ |
||
النتظيمات الاجتماعية والاقتصادية |
لصالح أحمد |
||
الأدب في ظلّ التشيّع |
لعبد الله نعمة |
||
الوافي بالوفيات |
للصفدي |
||
الإسلام والحضارة العربية |
لمحمد كرد علي |
||
الأنباء في تاريخ الخلفاء |
لابن العمراني |
||
الحضارة العربية |
لجالك س. ريسلر. |
||
الأغاني |
لابي فرج الاصفهاني |
||
اسم الكتاب |
اسم المؤلف |
|
الأوراق |
للصولي |
|
الإدارة الإسلامية في غّز العرب |
لمحمد كرد علي |
|
بحر الأنساب |
لركن الدين الحسيني |
|
بحار الأنوار |
للمجلسي |
|
تاريخ ابن خلدون |
لابن خلدون |
|
تاريخ الطبري |
للطبري |
|
تاريخ الخميس |
لحسين بن محمد الدياربكري |
|
تاريخ الإسلام |
للذهبي |
|
تاريخ ابن الأثير |
لابن الأثير |
|
تاريخ التمدن الإسلامي |
لجرجي زيدان |
|
تاريخ الفلسفة في الإسلام |
كلمة لنيكسون |
|
تاريخ الأسلام |
لحسن إبراهيم |
|
تفسير العياشي |
لمحمد بن عياش |
|
تاريخ الخلفاء |
للسيوطي |
|
تاريخ الحضارة الإسلامية في الشرق |
لمحمد جمال الدين سرور |
|
التبيان |
للطوسي |
|
تذكرة الخواص |
لاين الجوزي |
|
تنقيح المقال |
للمامقاني |
|
تزيين الأسواق |
للأنطاكي |
|
تاريخ بغداد |
للخطيب البغدادي |
|
تاريخ بغداد |
لطيفور |
|
تحف العقول |
لابن شعبة |
اسم الكتاب |
اسم مؤلف |
|
جوهرة الكلام |
للقراعولي |
|
جامع الرواة |
لمحمد بن علي الأدبيلي |
|
حضارة العرب |
لغوستاف لوبون |
|
حليلة الأولياء |
لأبي نعيم |
|
حضارة الإسلام في دار السلام |
لجميل نخلية |
|
حياة الإمام رضا |
لجعفر مرتضي |
|
حياة الإمام محمد الباقر |
للمؤلف |
|
حياة الأمام موسى بن جعفر |
للمؤلف |
|
حياة الحيوان |
للدميري |
|
دائرة المعارف الإسلامية |
كلمة لرستر شتين |
|
دلائل الإمامة |
لمحمد بن جرير الطبري |
|
الذريعة |
لآغا بررك الطهراني |
|
رجال الطوسي |
للشيخ الطوسي |
|
رجال البرقي |
للبرقي |
|
رجال النجاشي |
للنجاشي |
|
رجال الكشي |
للكشي |
|
رجلة ابن جبير |
لابن جبير |
|
روح الإسلام |
للسيد مير علي الهندي |
|
سمط النجوم |
لعبد الملك |
|
شذارت الذهب |
لعبد الحي بن عماد الحنبلي |
|
صفة الصفوة |
لابن الجوري |
|
ضحي الإسلام |
لأحمد امين |
اسم الكتاب |
اسم المؤلف |
|
ضياء العاليمن |
لأبي الحسن العاملي |
|
طبفات الشعراء |
لابن المعنّر |
|
عيون أخبار الرضا |
للصدوق |
|
عيون التواريخ |
لأحمد بن شاكر الكتبي |
|
علل الشرايع |
للصدوق |
|
عمدة الطالب |
لابن مهنّا |
|
العقد الفريد |
لابن عبد ربّه الاندلسي |
|
عقيدة الشيعة |
لروايت م. روندلس |
|
عصر المأمون |
للرفاعي |
|
العمدة |
لابن رشيق |
|
الغيبة |
للشيخ الطوسي |
|
فرق الشيعة |
للنوبختي |
|
كشف الغمة |
للأريلي |
|
نور الأبصار |
للشبلنجي |
|
النجوم الزهرة |
لابن تغري بردي |
|
نزهة الجليس |
للصفوري الشافعي |
|
النراع والتخاصم |
للمقريري |
|
نظرية الإمامة |
لأحمد محمود صبحي |
|
المكاسب |
للشيخ الأنصاري |
|
معجم رجال الحديث |
للسيد الخوئي |
|
معجم البلدان |
للحموي |
|
مختصر البحار في أحوال الأئمة |
لنورالدين |
اسم الكتاب |
اسم المؤلف |
|
منهاج السنة |
لابن تيمية |
|
مكارم الأخلاق |
للطبرسي |
|
المقدمة |
لابن خلدون |
|
مجموعة ورام |
للشيخ ورام |
|
من لايحضرة الفقية |
للشيخ للطوسي |
|
مناقب آل ابي طالب |
لابن شهر آشوب |
|
مجمع البحرين |
للطريحي |
|
مرآة الجنان |
لليافعي |
|
مرآة الرمان |
لابن الجوري |
|
المعارف |
لابن قتيبة |
|
مروج الذهب |
للمسعودي |
|
مقتضب الأثر |
لمحمد بن أحمد بن عياش |
|
المحجة البيضاء |
للكاشاني |
|
المغنعة |
للمفيد |
|
المستطرف |
للأبشهي |
|
مطالب السؤول |
لمحمد بن طلحة |
|
وفيّات الأعيان |
لابن خلكان |
|
وسائل الشيعة |
للحر العاملي |
|
الولاة والقضاء |
للكندي |
الفهرس
الاهداء ٧
مُقدّمة ٩
ولادَتُه ونشأتُه ١٧
نسبه الوضّاح. ١٩
الأب: ١٩
الأمّ: ٢٠
الوليد العظيم: ٢١
سرور الإمام الرضا: ٢٢
مراسيم الولادة: ٢٣
كنيته: ٢٣
ألقابه: ٢٣
ملامحه: ٢٤
سنة ولادته: ٢٥
نقش خاتمه: ٢٥
نشأته: ٢٥
ذكاؤه وعبقريته: ٢٦
إشادة الإمام الرضا بالجواد: ٢٨
إكبار وتعظيم: ٢٨
انطباعات عن شخصيّته: ٣٠
فِي ظِلال أبِيهِ ٣٣
مكارم أخلاقه: ٣٥
زهده: ٣٧
سخاؤه: ٣٧
علمه: ٣٩
عبادته: ٤٠
هيبته: ٤٠
آراء وكلمات: ٤١
مدح الشعراء: ٤٢
إرغام الإمام على ولاية العهد: ٤٣
خطبة المأمون: ٤٤
محافل الأفراح: ٤٤
مع الإمام الجواد: ٤٥
قيامه بشؤون أبيه: ٤٥
رسالة الإمام الرضا إلى الجواد: ٤٥
نصّه على إمامة الجواد: ٤٦
غدر المأمون بالرضا: ٤٨
اغتيال المأمون للإمام: ٥٢
المأمون ينعى الإمام: ٥٣
تجهيز الجثمان العظيم: ٥٤
في مقرّه الأخير: ٥٤
فضل زيارته: ٥٥
تعازي المسلمين للإمام الجواد: ٥٦
حيرة الشيعة: ٥٧
وفود الفقهاء والعلماء: ٥٨
مِن مُثُلِهِ الْعُلْيا ٦١
الإمامة: ٦٣
أهدافها: ٦٣
صفات الإمام: ٦٥
العلم: ٦٥
العصمة: ٦٦
عبادته: ٦٧
نوافله: ٦٧
من أدعيته: ٦٩
زهده: ٦٩
كرمه: ٧٠
الإحسان إلى الناس: ٧٢
مواساته الناس: ٧٣
علومه ومعارفه ٧٧
الحديث: ٧٩
رواياته عن رسول الله صلىاللهعليهوآله: ٧٩
ما يرويه عن الإمام أمير المؤمنين: ٨٠
رواياته عن الإمام الصادق: ٨١
روايته عن أبيه: ٨٢
التوحيد: ٨٣
مسائل فقهية: ٨٨
علل الأحكام: ١٠١
التبشير بالإمام المهدي: ١٠٢
من واقع الإيمان: ١٠٤
مكارم الأخلاق: ١٠٦
قضاء حوائج الناس: ١٠٦
من آداب السلوك: ١٠٧
الدعوة إلى فعل المعروف: ١٠٨
من مواعظه: ١٠٨
رسائله: ١٠٩
التوبة: ١١١
من وحي الله لبعض أنبيائه: ١١٢
ما يحتاج إليه المؤمن: ١١٢
روائع الحكم والآداب: ١١٢
أصحابه ورواة حديثه ١٢٥
عرض شامل لتراجم أصحاب الإمام ١٢٧
عصر الإمام ١٧٧
الحياة الثقافية: ١٧٩
المراكز الثقافية: ١٨٠
العلوم السائدة: ١٨٢
١ - علوم القرآن: ١٨٢
٢ - الحديث: ١٨٤
٣ - الفقه: ١٨٤
٤ - علم الأصول: ١٨٥
٥ - علم النحو: ١٨٥
٦ - علم الكلام: ١٨٥
٧ - علوم الطب: ١٨٦
٨ - الكيمياء: ١٨٦
٩ - الهندسة المعمارية والمدنية: ١٨٦
١٠ - الفلك: ١٨٦
ترجمة الكتب: ١٨٦
المعاهد والمكتبات.. ١٨٧
الخرائط والمراصد: ١٨٨
الحياة السياسية: ١٨٨
منهج الحكم: ١٨٨
الخلافة والوراثة: ١٨٩
تصرّفات شاذّة: ١٩٠
الوزارة: ١٩١
الفتنة بين الأمين والمأمون: ١٩٣
صفات الأمين: ١٩٣
خلعه للمأمون: ١٩٥
الحروب الطاحنة: ١٩٦
محاصرة بغداد: ١٩٦
قتل الأمين: ١٩٧
خلافة إبراهيم الخليع: ١٩٨
هربه: ١٩٨
ثورة أبي السرايا: ١٩٩
مبايعة العباسيين للعلويين: ١٩٩
اختلاس العباسيين للسلطة: ٢٠١
خيبة آمال المسلمين: ٢٠٢
اضطهاد العلويّين: ٢٠٣
مشكلة خلق القرآن: ٢٠٥
الحياة الاقتصادية: ٢٠٦
واردات الدولة: ٢٠٦
التهالك على جمع المال: ٢٠٧
تضخّم الثروات: ٢٠٧
نفقات المأمون في زواجه: ٢٠٨
هبات وعطايا: ٢١٠
اقتناء الجواري: ٢١٠
التفنّن في البناء: ٢١١
أثاث البيوت: ٢١٢
الثياب: ٢١٣
ألوان الطعام: ٢١٣
مخلفات العباسيين من الأموال: ٢١٣
حياة اللهو والطرب: ٢١٤
التقشّف والزهد: ٢١٦
في عصر المأمون. ٢١٩
نزعات المأمون وصفاته ٢٢١
لعبه بالشطرنج: ٢٢٣
ولعه بالموسيقى: ٢٢٣
تظاهره بالتشيّع: ٢٢٤
مع الإمام الجواد: ٢٢٦
أوّل التقاء: ٢٢٦
زواج الإمام من ابنة المأمون: ٢٢٧
أسباب المصاهرة: ٢٢٧
فزع العبّاسيّين: ٢٢٩
اجتماع العباسيّين بالمأمون: ٢٣٠
انتداب يحيى لامتحان الإمام: ٢٣٢
أسئلة يحيى: ٢٣٢
مع ابن تيميّة: ٢٣٤
خطبة العقد: ٢٣٩
المأمون يطلب إيضاح المسألة: ٢٤١
الإمام يسأل يحيى: ٢٤٣
هدايا بمناسبة عقد الزواج: ٢٤٥
احتفاف الجماهير بالإمام: ٢٤٥
محاضراته في بغداد: ٢٤٦
سفره إلى يثرب: ٢٤٦
بناؤه بأمّ الفضل: ٢٤٧
المهنّئون بزواجه: ٢٤٧
مغادرته بغداد: ٢٤٨
كرامة للإمام: ٢٤٩
أمّ الفضل تشكو الإمام إلى أبيها: ٢٤٩
المرتّب السنوي للإمام: ٢٥٠
وفاة المأمون: ٢٥٠
نهاية المطاف.. ٢٥٣
صفات المعتصم: ٢٥٥
مع الإمام الجواد: ٢٥٧
إشخاص الإمام إلى بغداد: ٢٥٧
الوشاية بالإمام: ٢٥٨
تنبّأ الإمام بوفاته: ٢٥٩
تعيينه لولده الهادي: ٢٦٠
اغتيال الإمام: ٢٦١
دوافع اغتياله: ٢٦٢
إلى جنّة المأوى: ٢٦٢
تجهيزه ودفنه: ٢٦٣
عمره: ٢٦٤
سنة وفاته: ٢٦٤
مصادر البحث.. ٢٦٧