( سورة إبراهيم مكّيّة و هي اثنتان و خمسون آية)
( سورة إبراهيم الآيات ١ - ٥)
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ( ١) اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ( ٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ( ٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( ٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ( ٥)
( بيان)
السورة الكريمة تصف القرآن النازل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من حيث إنّه آية رسالته يخرج به الناس من الظلمات إلى النور و يهديهم إلى صراط الله سبحانه الّذي هو عزيز حميد أي غالب غير مغلوب و غنيّ غير محتاج إلى الناس و جميل في فعله منعم
عليهم، و إذا كان المنعم غالبا غنيّا حميد الأفعال كان على المنعم عليهم أن يجيبوا دعوته و يلبّوا نداءه حتّى يسعدوا بما أفاض عليهم من النعم، و أن يخافوا سخطه و شديد عذابه فإنّه قويّ غير محتاج إلى أحد، له أن يستغني عنهم فيذهب بهم و يأتي بآخرين كما فعل بالّذين كفروا بنعمته من الاُمم الماضين فإنّ آيات السماوات و الأرض ناطقة بأنّ النعمة كلّها له و هو ربّ العزّة و وليّ الحمد لا ربّ سواه.
و بهذا تختتم السورة إذ يقول عزّ من قائل:( هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) .
و لعلّ ما ذكرنا هو مراد من قال: إنّ السورة مفتتحة ببيان الغرض من الرسالة و الكتاب يشير إلى قوله تعالى:( لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ ربّهم ) .
و السورة مكّيّة على ما يدلّ عليه سياق آياتها، و نسب إلى ابن عبّاس و الحسن و قتادة: أنّها مكّيّة إلّا آيتين منها نزلتا في قتلى بدر من المشركين:( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ ) و سيأتي أنّ الآيتين غير صريحتين و لا ظاهرتين في ذلك.
قوله تعالى: ( الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ ربّهم ) أي هذا كتاب أنزلناه إليك فهو خبر لمبتدإ محذوف على ما يعطيه السياق و قيل غير ذلك.
و قوله:( لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) ظاهر السياق عموم الناس لا خصوص قومهصلىاللهعليهوآلهوسلم و لا خصوص المؤمنين منهم إذ لا دليل على التقييد من جهة اللفظ، و كلامه تعالى صريح في عموم الرسالة كقوله:( لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) الفرقان: ١ و قوله:( لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ ) الأنعام: ١٩، و قوله:( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) الأعراف: ١٥٨ و الآيات الصريحة في دعوة اليهود و عامّة أهل الكتاب، و عملهصلىاللهعليهوآلهوسلم في دعوتهم و قبول إيمان من آمن منهم كعبدالله بن سلام و سلمان و بلال و صهيب و غيرهم تؤيّد ذلك.
على أنّ آخر السورة:( هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ ) الآية، و قد قوبل به أوّلها يؤيّد أنّ المراد بالناس أعمّ من المؤمنين الّذين خرجوا من الظلمات إلى النور بالفعل.
و قد نسب الإخراج من الظلمات إلى النور إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لكونه أحد الأسباب الظاهريّة لذلك و إليه ينتهي إيمان المؤمنين بدعوته بلا واسطة أو بواسطة و لا، ينافيه قوله:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) القصص: ٥٦ فإنّ الآية إنّما تنفي أصالتهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الهداية و استقلاله فيها من غير أن تنفي عنه مطلق الهداية حتّى ما يكون على نحو الوساطة و بإذن من الله، و الدليل عليه قوله تعالى:( وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) الشورى: ٥٢، و لذلك قيّد سبحانه قوله( لِتُخْرِجَ ) بقوله( بِإِذْنِ ربّهم ) .
و المراد بالظلمات و النور و الضلال و الهدى و قد تكرّر في كلامه تعالى اعتبار الهدى نوراً و عدّ الضلال ظلمة و جمع الظلمات دون النور لأنّ الهدى من الحقّ و الحقّ واحد لا تغاير بين أجزائه و مصاديقه و لا كثرة بخلاف الضلال فإنّه من اتّباع الهوى و الأهواء مختلفة متغاير بعضها مع بعض لا وحدة بينها و لا اتّحاد لأبعاضها و مصاديقها قال تعالى:( وَ أنّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) الأنعام: ١٥٣.
و اللّام في قوله:( لِتُخْرِجَ النَّاسَ ) إلخ، لام الغرض بناء على عموم الناس كما هو ظاهر الآية، و ليس بلام المعاقبة إذ لو كان كذلك لكان الناس كلّهم مؤمنين، و المعلوم خلافه.
و أمّا ما اعترض عليه بعضهم أنّ التربية الإلهيّة بإخراج الناس من الظلمات إلى النور و إيصالهم إلى السعادة و الكمال مشروطة بالتهيّؤ و الاستعداد مع كون الفيض عامّا فالمقدار الممكن من هذه العاقبة على تقدير عمومه هو هذا المقدار.
ففيه أنّه اعتراف بأنّ كون اللّام للعاقبة خلاف ظاهر الآية، فإنّ الّذي ذكره لا يتمّ إلّا بتقييد( النَّاسَ ) بالمستعدين، لكنّ الّذي يجب أن يعلم أنّ هذا الغرض
غرض تشريعيّ معناه أنّ للحكم غاية مقصودة و هي المصلحة الّتي يستعقبها، فإنّ الله سبحانه يدعو الناس ليغفر لهم و يهديهم إلى الإيمان و العمل الصالح ليسعدهم بذلك و يدخلهم الجنّة، و يرسل الرسل و ينزّل عليهم الكتاب ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربّهم، و يريد بما يوجّهه إليهم من الأمر و النهي أن يطهّرهم و يذهب عنهم رجز الشيطان، و الآيات الدالّة على ذلك كثيرة لا موجب لإيرادها و كذا الروايات و لعلّها تزهو الاُلوف.
و قد قال سبحانه:( إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) الزخرف: ٣ و قال:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ الله مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) الآية: ٤ من السورة، فبيّن أنّ ما نعقله من كتابه و يظهر لنا من بيان رسوله حجّة لا مناص عنه، و نحن لا نعقل من قوله مثلاً:( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ ) إبراهيم: ١٠، إلّا أنّ المغفرة غرض الدعوة كما لا نعقل من قول السيّد لعبده أو أيّ متبوع لتابعه: ائتني بماء لأشربه أو بغذاء لآكله أو اكس فلانا ليستر به عورته إلّا أنّ الشرب و الأكل و ستر العورة أغراض لأوامرها، فللّه سبحانه فيما ينزّله من الأحكام و الشرائع أغراض و غايات مقصودة.
نعم بيّن سبحانه أنّ ساحته منزّهة عن الفقر و الحاجة مبرّأة عن النقص و الشين إذ قال:( إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) العنكبوت: ٦، و قال:( وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ) الأنعام: ١٣٣ و قال:( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ ) فاطر: ١٥ فأفاد أنّه في غنى عن كلّ شيء لا ينتفع بشيء من هذه الأغراض و ليست أفعاله تعالى بالعبث و الجزاف حتّى تخلو عن الغرض، كيف؟ و قد وصف نفسه بالحكمة و الحكيم لا يعبث و لا يجازف، و نصّ على انتفاء العبث من فعله:( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ) المؤمنون: ١١٥ و الأمر و النهي اللّذان يتمّ بهما الكمال في العالم الإنسانيّ يعودان بالآخرة إلى ما يتمّ به الخلقة.
فللّه سبحانه في خلقه و أمره أغراض، و إن كان لا يستكمل بأغراض أفعاله كما نستكمل نحن بأغراض أفعالنا لكنّه سبحانه لا يتأثّر عن أغراضه و بعبارة اُخرى
الحكم و المصالح لا تؤثّر فيه تعالى كما أنّ مصلحة الفعل تؤثّر فينا فيبعثنا تعقّلها نحو الفعل و نرجّح الفعل على الترك، فإنّه سبحانه هو القاهر غير المقهور و الغالب غير المغلوب، يملك كلّ شيء و لا يملكه شيء، و يحكم على كلّ شيء و لا يحكم عليه شيء، و لم يكن له شريك في الملك و لا وليّ من الذلّ، فلا يكون تعالى محكوماً بعقل بل هو الّذي يهدي العقل إلى ما يعقله، و لا تضطرّه مصلحة إلى فعل و لا مفسدة إلى ترك بل هو الهادي لهما إلى ما توجبانه.
فالغرض و المصلحة منتزعة من مقام فعله بمعنى أنّ فعله يتوقّف على المصلحة لكنّها لا تحكم في ذاته تعالى و لا تضطرّه إلى الفعل، فكما أنّه تعالى إذا خلق شيئاً و قال له: كن فكان كزيد مثلاً انتزع العقل من العين الخارجيّة نفسها أنّها إيجاد من الله تعالى و وجود لزيد و حكم بأنّ وجوده يتوقّف على إيجاده، كذلك ينتزع العقل من فعله تعالى بالنظر إلى ما أشرنا إليه من صفاته العليا أنّه فعله و أنّه ذو مصلحة مقصودة ثمّ يحكم بأنّ تحقّق الفعل يتوقّف على كونه ذا مصلحة.
فهذا هو الّذي يعطيه التدبّر في كلامه تعالى في كون أفعاله تعالى مشتملة على الحكم و المصالح متوقّفة على الأغراض و المتحصّل من ذلك أنّ له تعالى في أفعاله أغراضاً لكنّها راجعة إلى خلقه دونه.
و ملخّصه أنّ غرضه في فعله يفارق أغراضنا في أفعالنا من وجهين: أحدهما أنّه تعالى لا يستكمل بأغراض أفعاله و غاياتها بخلافنا معاشر ذوي الشعور و الإرادة من الإنسان و سائر الحيوان، و ثانيهما أنّ المصلحة و المفسدة لا تحكمان فيه تعالى بخلاف غيره.
و أمّا النزاع المعروف بين الأشاعرة و المعتزلة في أنّ أفعال الله معلّلة بالأغراض أم لا؟ بمعنى أنّه تعالى هل هو محكوم بالمصلحة الواقعيّة في فعله بحيث إنّ المصلحة ترجّح له الفعل على الترك و لولاها لم يكن له ليفعل؟ أو أنّه لا غاية له في فعله و إنّما يفعل بإرادة جزافيّة من غير غرض؟
فذلك ممّا لا يهدي إلى شيء من طرفيه النظر المستوفى و الحقّ خلاف القولين
جميعاً، و هو أمر بين الأمرين كما أشرنا إليه و لعلّنا نوفّق فيما سيأتي من الكتاب لعقد بحث مستقلّ في المسألة نستوفي فيه النظر العقليّ و النقليّ فيها إن شاء الله تعالى.
و في قوله:( بِإِذْنِ ربّهم ) التفات من التكلّم مع الغير إلى الغيبة و النكتة فيه التخلّص إلى ذكر صفة الربوبيّة و تسجيل أنّه تعالى هو ربّ هؤلاء المشركين الّذين اتّخذوا له أنداداً فإنّ وجه الكلام في الحقّيقة إليهم و إن كان المخاطب به هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم دونهم و لتكون هذه التسمية و هي في مفتتح الكلام مبدءً لما سيذكر في السورة من الحجة على توحيد الربوبيّة.
قوله تعالى: ( إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الله الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ ) العزّة تقابل الذلّة، قال الراغب: العزّة حالة مانعة للإنسان من أن يغلب من قولهم: أرض عزاز أي صلبة، قال تعالى:( أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعزّة فإنّ الْعزّة لِلَّهِ جَمِيعاً ) و تعزّز اللحم اشتدّ و عزّ كأنّه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه، انتهى موضع الحاجة.
فعزّة العزيز هي كونه بحيث يصعب نيله و الوصول إليه و منه عزيز القوم و هو الّذي يقهر و لا يقهر لأنّه ذو مقام لا يصل إليه من قصده دون أن يمنع قبل الوصول إليه و يقهر، و منه العزيز لما قلّ وجوده لصعوبة نيله، و منه العزيز بمعنى الشاقّ لأنّ الّذي يشقّ على الإنسان يصعب حصوله، قال تعالى:( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ) التوبة: ١٢٨ و منه قوله:( وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ ) ص: ٢٣ أي غلبني على ما فسّر به.
و الله سبحانه عزيز لأنّه الذات الّذي لا يقهره شيء من جهة و هو يقهر كلّ شيء من كلّ جهة و لذلك انحصرت العزّة فيه تعالى فلا توجد عند غيره إلّا باكتساب منه و بإذنه قال تعالى:( أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعزّة فإنّ الْعزّة لِلَّهِ جَمِيعاً ) النساء: ١٣٩ و قال( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعزّة فَلِلَّهِ الْعزّة جَمِيعاً ) فاطر: ١٠.
و الحميد فعيل بمعنى المفعول من الحمد و هو الثناء على الجميل الاختياريّ،
و إذ كان كلّ جمال ينتهي إليه سبحانه كان جميع الحمد له كما قال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ ربّ الْعالَمِينَ ) سورة الحمد: ٢ و من غريب القول ما عن الإمام الرازيّ على ما سننقله: أنّ الحميد معناه العالم الغنيّ.
و قوله:( إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) بدل من قوله:( إِلَى النُّورِ ) يبين به ما يوصل إليه الكتاب الّذي أنزله على نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بياناً بعد بيان فنبّه أوّلاً بأنّه نور يميّز الحقّ من الباطل و الخير من الشرّ و السعادة من الشقاوة، و ثانياً بأنّه طريق واضح يجمع سالكيه في متنه و ينتهي بهم جميعاً إلى الله العزيز الحميد.
و الوجه في ذكر الصفتين الكريمتين:( الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) أنّهما مبدءان لما سيورد في السورة من الكلام الموجّه إليهم فإنّ عمدة الكلام في السورة هي تذكيرهم أنّ الله أنعم عليهم بربوبيّته كلّ نعمة عظيمة، ثمّ عزم عليهم من طريق رسله أن يشكروه و لا يكفروه و وعد رسله أنّهم إن آمنوا أدخلهم الجنّة، و إن كفروا انتقم منهم و أوردهم مورد الشقاء و العذاب، فليخافوا ربّهم و ليحذروا مخالفة أمره و كفران نعمته لأنّ له كلّ العزّة لا نمنع عن حلول سخطه بهم و نزول عذابه عليهم شيء، حميد لا يذمّ في إثابته المؤمنين، و لا في تعذيب الكافرين، كما لا يذمّ فيما بسط عليهم من نعمه الّتي لا تحصى.
فجل الكلام في هذه السورة فيما يقتضيه الصفات الثلاث: توحّده تعالى بالربوبيّة و عزّته و كونه حميداً في أفعاله فليخف من عزّته المطلقة، و ليشكر و ليوثق بما وعد و ليتذكّر من آيات ربوبيّته.
و في روح المعاني عن أبي حيان: النكتة في ذلك أنّه لما ذكر قبل إنزاله تعالى لهذا الكتاب و إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربّهم، ناسب ذكر هاتين الصفتين صفة العزّة المتضمّنة للقدرة و الغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب المعجز الّذي لا يقدر عليه سواه، و صفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. قال: و وجه التقديم و التأخير على هذا ظاهر انتهى.
و هو أجنبيّ عن سياق آيات السورة البتّة و لعلّه مأخوذ من قوله تعالى في
وصف القرآن:( وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) حم السجدة: ٤٢ لكنّ المقام غير المقام.
و عن الإمام في تفسيره: إنّما قدّم ذكر العزيز على ذكر الحميد لأنّ الصحيح أنّ أوّل العلم بالله تعالى العلم بكونه قادراً ثمّ بعد ذلك العلم بكونه عالماً ثمّ بعد ذلك العلم بكونه غنيّاً عن الحاجات و العزيز هو القادر، و الحميد هو العالم الغنيّ فلمّا كان العلم بكونه قادراً متقدّماً على العلم بكونه عالما بالكلّ غنيّاً عنه لا جرم قدّم ذكر العزيز على ذكر الحميد. انتهى، و هو مجازفة عجيبة.
و قريب منه في المجازفة قول بعضهم: قدّم العزيز على الحميد اعتناء بأمر الصفات السلبيّة كما يؤذن به قولهم: التخلية أولى من التحلية فإنّ العزّة - كما تقدّم - من الصفات السلبيّة بخلاف الحمد.
و ربّما قيل في وجه تخصيص الوصفين بالذكر أنّه للترغيب في سلوك هذا الصراط لأنّه صراط العزيز الحميد فيعزّ سالكه و يحمد سابله، انتهى. و هو وجه الأحرى به أن يجعل من الفوائد المتفرّعة دون السبب الموجب، و الوجه ما قدّمناه.
و أمّا قوله( الله الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ ) فبيان للعزيز الحميد، و المراد بما في السماوات و الأرض كلّ ما في الكون فيشمل نفس السماوات و الأرض كما يشمل ما فيهما، فهو تعالى يملك كلّ شيء من كلّ جهة بحقيقة معنى الملك.
و فيه إشارة إلى الحجّة في كونه تعالى عزيزاً حميداً، فإنّه تعالى و إن كان هو الّذي يحقّ الحقّ بكلماته و هو الّذي ينجح كلّ حجّة في دلالتها، لكنّه جاري عباده في كلامه على ما فطرهم عليه، و ذلك أنّه تعالى لما ملك كلّ خلق و أمر بحقيقة معنى الملك فهو المالك لكلّ قهر و غلبة فلا قهر إلّا منه و لا غلبة إلّا له فهو تعالى عزيز و له أن يتصرّف في ما يشاء بما يشاء و لا يكون تصرّفه إلّا محموداً غير مذموم لأنّ التصرّف إنّما يكون مذموماً إذا كان المتصرّف لا يملكه إمّا عقلاً أو شرعاً أو عرفاً، و أيّ تصرّف نسبه إليه تعالى عقل أو شرع أو عرف فإنّه يملكه، فهو تعالى حميد محمود الأفعال.
قوله تعالى: ( وَ وَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) بيان لما تقتضيه صفة العزّة من القهر لمن يردّ دعوته و يكفر بنعمته.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله وَ يَبْغُونَها عِوَجاً ) إلخ، قال الراغب في المفردات: و قوله عزّوجلّ:( إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ ) أي إن آثروه عليه، و حقيقة الاستحباب أن يتحرّى الإنسان في الشيء أن يحبّه، و اقتضى تعديته بعلى معنى الإيثار، و على هذا قوله تعالى:( وَ أمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) ، انتهى.
و معنى استحباب الدنيا على الآخرة اختيار الدنيا و ترك الآخرة رأسا، و يقابله اختيار الآخرة على الدنيا بمعنى أخذ الآخرة غاية للسعي و جعل الدنيا مقدّمة لها يتوسّل بها إليها، و أمّا اختيار الآخرة و ترك الدنيا من أصلها فإنّه مضافا إلى عدم إمكانه بحقيقة معنى الكلمة يوجب اختلال أمر الآخرة، و ينجرّ إلى تركها بالآخرة، فالحياة الدنيا حياة منقطعة و الحياة الآخرة حياة دائمة يتوسّل إلى سعادتها من طريق الدنيا بالاكتساب، فمن اختار الآخرة و أثبتها لزمه إثبات الدنيا لمكان مقدّميّتها، و من اختار الدنيا و جعلها غاية لزمه نفي الآخرة من أصلها لأنّها لو ثبتت ثبتت غاية و إذ لم يجعل غاية انتفت، فليس بين يدي الإنسان إلّا خصلتان: اختيار الآخرة على الدنيا بجعل الآخرة غاية و إثبات الدنيا معها للمقدّميّة، و اختيار الدنيا على الآخرة بجعل الدنيا غاية و نفي الآخرة من أصلها.
و إيضاح المقام أنّ الإنسان لا بغية له إلّا سعادة حياته و حبّه لها فطريّ، و قد أوضحنا ذلك في مواضع متفرّقة فيما تقدّم، و الّذي يثبته كتاب الله من أمر الحياة أنّها دائمة غير منقطعة بالموت فلا محالة تنقسم بالنظر إلى تخلّل الموت إلى حياتين: الحياة الدنيا المؤجّلة بالموت و الحياة الآخرة بعد الموت، و هي تتفرّع في سعادتها و شقائها على الحياة الدنيا و ما يكتسبه الإنسان في الدنيا من ناحية الأعمال الحيويّة من حسنة أو سيّئة، و لا مفرّ للإنسان من هذه الأعمال لما عنده من حبّ الحياة الفطري.
و هذه الأعمال أعني السنّة الّتي يستنّ بها الإنسان في حياته الدنيا الكاسبة له
التقوى أو الفجور و الحسنة أو السيّئة هي الّتي تسمّى في كتاب الله ديناً و سبيلاً، فلا مفرّ للإنسان من سنّة حسنة أو سيّئة و دين حقّ أو باطل.
و لما كان من سنّة الله سبحانه الجارية أن يهدي كلّ نوع من الأنواع إلى سعادته و كماله و من كمال الإنسان و سعادته أن يعيش عيشة اجتماعيّة و يستن بسنة حيويّة، شرع الله سبحانه له ديناً مبنيّاً على فطرته الّتي فطر عليها و هو سبيل الله الّذي يسلكه و دينه الّذي يتديّن به، فإنّ جرى على ما شرعته له الربوبيّة و هدته إليه الفطرة فقد سلك سبيل الله و ابتغاه مستقيماً، و إن اتّبع الهوى و صدّ نفسه عن سبيل الله و اشتغل بما يزيّنه له الشيطان فقد ابتغى سبيل الله عوجاً منحرفاً.
أمّا أنّه يبتغي سبيل الله فإنّ الله هو الّذي فطره على طلب السبيل و ابتغاء الصراط و لا يهدي البتّة إلّا إلى ما يرتضيه و هو سبيل نفسه، و أمّا أنّه منحرف ذو عوج فلأنّه لا يهدي إلى الحقّ و ما ذا بعد الحقّ إلّا الضلال؟ و الآيات القرآنية الدالّة على هذا الّذي قدّمناه متكاثرة لا حاجة إلى إيرادها.
إذا عرفت هذا لاح لك أنّ قوله في تفسير الكافرين:( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ) مفاده أنّهم يتعلّقون تمام التعلّق بالحياة الدنيا و يعرضون عن الآخرة بنفيها، و هو الكفر بالمعاد المستلزم للكفر بالتوحيد و النبوّة.
و قوله:( وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله وَ يَبْغُونَها عِوَجاً ) مفاده أنّهم يكفّون أنفسهم عن الاستنان بسنّة الله و التديّن بدينه أو يصدّون و يصرفون الناس عن الإيمان بالله و اليوم الآخر و التشرّع بشريعته عناداً منهم للحقّ، و يطلبون سنّة الله عوجاً و منحرفة بالاستنان بغيرها من سنّة اجتماعيّة أيّاً مّا كانت ثمّ سجّل عليهم الضلال بقوله سبحانه:( ذلِكَ هو الضلال البَعيد ) .
و يظهر بما تقدّم فساد قول بعضهم إنّ المراد بقوله:( يَبْغُونَها عِوَجاً ) يبغون لها عوجاً أي يطلبون لها زيغاً و اعوجاجاً حتّى يعيبوها به و يصدّوا الناس عنها بسببه.
و قول بعضهم: المعنى يطلبون أن يروا فيها عوجا يكون قادحا فيقدحوا فيها به.
و قول بعضهم: المعنى يطلبون لأهلها أن يعوجوا و ينحرفوا بالردّ فهو المراد
بطلبهم الدين منحرفاً، و انحرافه فساد ما عند المؤمنين من معارفه و فساد هذه الأقوال ظاهر.
قوله تعالى: ( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) إلى آخر الآية. اللسان هو اللغة، قال تعالى:( بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) الشعراء: ١٩٥.
و الضمير في( قَوْمِهِ ) عائد إلى( رَسُولٍ ) و في( لَهُمْ ) إلى( قَوْمِهِ ) و المحصّل ما أرسلنا من رسول إلّا بلسان قوم ذلك الرسول ليبيّن لقومه، و من الخطأ إرجاع ضمير قومه إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليفيد أنّ الله سبحانه كان يوحي إلى جميع الرسل بالعربيّة لفساد المعنى بذلك لرجوع ضمير( لَهُمْ ) إلى( قَوْمِهِ ) فيفيد أنّ الله أنزل التوراة لموسى مثلاً بالعربيّة ليبيّن للعرب كما في الكشّاف.
و المراد بإرسال الرسول بلسان قومه إرساله بلسان القوم الّذين كان يعيش فيهم و يخالطهم و يعاشرهم و ليس المراد به الإرسال بلسان القوم الّذين هو منهم نسبا لأنّه سبحانه يصرّح بمهاجرة لوطعليهالسلام من كلدة و هم سريانية اللسان إلى المؤتفكات، و هم عبرانيّون و سمّاهم قومه و أرسله إليهم ثمّ أنجاه و أهله إلّا امرأته و هي منهم و أهلكهم قال تعالى:( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي ) العنكبوت: ٢٦ و في مواضع من كلامه تعالى( قَوْمِ لُوطٍ ) .
و أمّا من اُرسل إلى أزيد من اُمّة و هم اُولوا العزم من الرسل فمن الدليل على أنّهم كانوا يدعون أقواماً من غير أهل لسانهم ما حكاه الله من دعوة إبراهيمعليهالسلام عرب الحجاز إلى الحجّ، و دعوة موسىعليهالسلام فرعون و قومه إلى الإيمان و عموم دعوة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و قد اشتمل القرآن على دعوة اليهود و النصارى و غيرهم و قبول إيمان من آمن منهم بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و كذا ما يستفاد من عموم دعوة نوحعليهالسلام . و على هذا فالمراد بقوله:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) - و الله أعلم - إنّ الله لم يبن إرسال الرسل و الدعوة الدينيّة على أساس معجز خارق للعادة الجارية و لا فوّض إلى رسله من الأمر شيئاً بل أرسلهم باللسان العاديّ الّذي كانوا يكالمون قومهم و يحاورونهم به ليبيّنوا لهم مقاصد الوحي فليس لهم إلّا البيان، و
أمّا ما وراء ذلك من الهداية و الإضلال فإلى الله سبحانه لا يشاركه في ذلك رسول و لا غيره.
فتعود الآية كالبيان و الإيضاح لقوله تعالى قبل:( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ ربّهم ) و أنّ معنى إخراجك الناس من الظلمات إلى النور أن تبيّن لهم ما أنزل الله لا أزيد من ذلك فيكون في معنى قوله:( وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) النحل: ٤٤.
و أمّا قوله:( فَيُضِلُّ الله مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) فإشارة إلى ما أومأنا إليه أنّ أمر الهدى و الضلال إلى الله لا يتحقّق شيء منهما إلّا عن مشيّة منه تعالى غير أنّه سبحانه أخبرنا أنّ هذه المشيّة منه ليست جزافيّة غير منتظمة بل لها نظم ثابت فمن اتّبع الحقّ و لم يعانده هداه الله، و من جاحده و اتّبع هواه أضلّه الله فهو إضلال مجازاة غير الإضلال الابتدائيّ المذموم.
و قد قدّم سبحانه الإضلال على الهداية إذ قال:( فَيُضِلُّ الله مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) لأنّ ذلك أحوج إلى البيان بالنظر إلى أنّ الكلام مبنيّ على عزّته المطلقة فكان من الواجب أن يبيّن أنّ ضلال من يضلّ عن السبيل كهدى من اهتدى إليها إنّما هو بمشيّة منه تعالى و لم يغلب في إرادته و لم يزاحم في ملكه حتّى لا يخيّل إلى كلّ مغفّل من الناس أنّ الله يصف نفسه بالعزّة المطلقة و أنّه غالب غير مغلوب و قاهر غير مقهور ثمّ يدعو الناس فلا يستجيبون دعوته و يأمرهم و ينهاهم فيعصون و لا يطيعون و هل هذا إلّا غلبة منهم و قهر و هو مغلوب مقهور؟.
فكأنّه تعالى أجاب عن ذلك بأنّ معنى دعوته تعالى أن يرسل رسولا بلسان قومه فيبيّن لهم ما يسعدهم ممّا يشقيهم و أمّا ضلال من ضلّ من الناس كهدى من اهتدى منهم فبمشيّة من الله و إذنه، و حاشاه أن يقهر في سلطانه أو يتصرّف في ملكه أحد بغير إذنه.
فضلال من ضلّ منهم دليل عزّته فضلاً أن يكون ناقضاً لها كما أنّ هدى من اهتدى كذلك، و لذلك ذيّل الكلام بقوله:( وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) فهو سبحانه عزيز
لا يغلبه و لا يضرّه ضلال من ضلّ منهم، و لا ينفعه هدى من اهتدى حكيم لا يشاء ما شاء جزافا و عبثا بل عن نظام متقن دائميّ.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) إلى آخر الآية، إذ كان الكلام في السورة مبنيّا على الإنذار و التذكير بعزّة الله سبحانه ناسب أن يذكر إرسال موسى بالآيات لهداية قومه فإنّ قصّة رسالته من أوضح مصاديق ظهور العزّة الإلهيّة من بين الرسل و قد قال تعالى فيه:( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ ) المؤمن: ٢٣ و قال حاكيا عنهعليهالسلام :( وَ أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى الله إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) الدخان: ١٩.
فوزان الآية أعني قوله:( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) ، من قوله:( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ ربّهم ) وزان التنظير بداعي التأييد و تطييب النفس كما في قوله:( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النبيّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) النساء، ١٦.
و أمّا ما ذكر بعضهم أنّ الآية شروع في تفصيل ما اُجمل في قوله:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) فبعيد كلّ البعد. و نظيره في البعد قول بعضهم: إنّ المراد بالآيات الّتي اُرسل بها موسى آيات التوراة دون المعجزات الّتي اُرسلعليهالسلام بها كالثعبان و اليد البيضاء و غيرهما.
على أنّ الله سبحانه و تعالى لم يعدّ في كلامه التوراة من آيات رسالة موسى و لا ذكر أنّه أرسله بها قطّ و إنّما ذكر أنّه أنزلها عليه و آتاه إيّاها.
و لم يقيّد قوله:( أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ ) إلخ بالإذن كما قيّد به قوله للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( لِتُخْرِجَ النَّاسَ ) إلخ لأنّ قوله ههنا:( أَخْرِجْ قَوْمَكَ ) أمر يتضمّن معنى الإذن بخلاف قوله هناك:( لِتُخْرِجَ النَّاسَ ) .
و قوله:( وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله ) لا شكّ أنّ المراد بها أيّام خاصّة، و نسبة أيام خاصّة إلى الله سبحانه مع كون جميع الأيّام و كلّ الأشياء له تعالى ليست إلّا لظهور أمره تعالى فيها ظهوراً لا يبقى معه لغيره ظهور، فهي الأزمنة و الظروف الّتي
ظهرت أو سيظهر فيها أمره تعالى و آيات وحدانيّته و سلطنته كيوم الموت الّذي يظهر فيه سلطان الآخرة و تسقط فيه الأسباب الدنيويّة عن التأثير، و يوم القيامة الّذي لا يملك فيه نفس لنفس شيئاً و الأمر يومئذ لله، و كالأيّام الّتي أهلك الله فيها قوم نوح و عاد و ثمود فإنّ هذه و أمثالها أيّام ظهر فيها الغلبة و القهر الإلهيّان و أنّ العزّة لله جميعاً.
و يمكن أن يكون منها أيّام ظهرت فيها النعم الإلهيّة ظهوراً ليس فيه لغيره تعالى صنع كيوم خروج نوحعليهالسلام و أصحابه من السفينة بسلام من الله و بركات و يوم إنجاء إبراهيم من النار و غيرهما فإنّها أيضاً كسوابقها لا نسبة لها في الحقّيقة إلى غيره تعالى فهي أيّام الله منسوبة إليه كما ينسب الأيّام إلى الاُمم و الأقوام و منه أيّام العرب كيوم ذي قار و يوم فجار و يوم بغاث و غير ذلك.
و تخصيص بعضهم الأيّام بنعماء الله سبحانه بالنظر إلى ما سيأتي من ذكر نعمه تعالى كتخصيص آخرين لها بنقماته تعالى خال عن الوجه بعد ما كان الكلام جاريا في السورة على ما تقتضيه عزّته تعالى، و من مقتضى صفة عزّته الإنعام على العباد و الأخذ الشديد إن كفروا بنعمته.
ثمّ تممّ الكلام بقوله:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) أي كثير الصبر عند الضرّاء و كثير الشكر على النعماء.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور، أخرج أحمد عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لم يبعث الله نبيّا إلّا بلسان قومه.
و فيه، أخرج النسائيّ و عبدالله بن أحمد في زوائد المسند و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقيّ في شعب الإيمان عن اُبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله:( وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله ) قال: بنعم الله و آلائه.
أقول: و هو بيان بعض المصاديق، و روى ما في معناه الطبرسيّ و العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام .
و في أمالي الشيخ، بإسناده عن عبدالله بن عبّاس و جابر بن عبدالله في حديث طويل عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيّام الله نعماؤه و بلاؤه و هو مثلاته سبحانه.
و في تفسير القمّيّ، قال: قال أيّام الله ثلاثة: يوم القائم و يوم الموت و يوم القيامة.
أقول: المراد بيان أيّامه تعالى العظيمة لا حصر مطلق أيّامه.
و في المعاني، بإسناده عن مثنّى الحنّاط عن أبي جعفر و أبي عبداللهعليهماالسلام قالا: أيّام الله ثلاثة: يوم يقوم القائم و يوم الكرّة و يوم القيامة.
أقول: و هي كسابقتها و اختلاف الروايات في تعداد المصاديق يؤيّد ما قدّمناه في بيان الآية.
( سورة إبراهيم الآيات ٦ - ١٨)
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ( ٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ( ٧) وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ( ٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ( ٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ( ١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ( ١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ( ١٢) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ( ١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ( ١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ( ١٥) مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ( ١٦)
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ( ١٧ ) مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ( ١٨ )
( بيان)
الآيات تشتمل على ذكر نبذة من نعم الله و نقمه في أيّامه و ظاهر سياق الآيات أنّها من كلام موسىعليهالسلام غير قوله تعالى:( وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ) الآية فهي حكاية قول موسى يذكّر فيها قومه ببعض أيّام الله سبحانه على ما يقتضيه عزّته المطلقة من إنزال النعم و النقم، و وضع كلّ في موضعه الّذي يليق به حسب ما اقتضته حكمته البالغة.
قوله تعالى: ( وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ) إلى آخر الآية، السوم على ما ذكره الراغب بمعنى الذهاب في ابتغاء الشيء فهو لفظ لمعنى يتركّب من الذهاب و الابتغاء فكأنّه في الآية بمعنى إذاقة العذاب، و الاستحياء استبقاء الحياة.
و المعنى و اذكر أيّها الرسول لزيادة التثبّت في أنّ الله عزيز حميد إذ قال موسى لقومه و هم بنو إسرائيل: اذكروا نعمة الله عليكم يوم أنجاكم من آل فرعون و خاصّة من القبط و الحال أنّهم مستمرّون على إذاقتكم سوء العذاب و يكثرون ذبح الذكور من أولادكم و على استبقاء حياة نسائكم للاسترقاق، و في ذلكم بلاء و محنة من ربّكم عظيم.
قوله تعالى: ( وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) قال في المجمع التأذّن الاعلام يقال: آذن و تأذّن و مثله أوعد و توعّد. انتهى.
و قوله:( وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ) إلخ معطوف على قوله:( وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ) و موقع الآية التالية:( وَ قالَ مُوسى ) إلخ، من هذه الآية كموقع قوله:( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى ) إلخ، من قوله:( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) إلخ، فافهم ذلك فهو الأنسب بسياق كلامه تعالى.
و ذكر بعضهم أنّه داخل في مقول موسى و ليس بكلام مبتدء و عليه فهو معطوف على قوله:( نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ) و التقدير: اذكروا نعمة الله عليكم و اذكروا إذ تأذّن ربّكم إلخ، و فيه أنّه لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: اذكروا إذ أنجاكم فأنعم عليكم و إذ تأذّن ربّكم إلخ، لما فيه من رعاية حكم الترتيب.
و قيل: إنّه معطوف على قوله:( إِذْ أَنْجاكُمْ ) و المعنى اذكروا نعمة الله عليكم إذ تأذّن ربّكم، فإنّ هذا التأذّن نفسه نعمة لما فيه من الترغيب و الترهيب الباعثين إلى نيل خير الدنيا و الآخرة.
و فيه أنّ هذا التأذّن ليس إلّا نعمة للشاكرين منهم خاصّة و أمّا غيرهم فهو نقمة عليهم و خسارة فنظمه في سلك ما تقدّمه من غير تقييد أو استثناء ليس على ما ينبغي.
فالظاهر أنّه كلام مبتدء و قد بيّن تعالى هذه الحقّيقة أعني كون الشكر - الّذي حقيقته استعمال النعمة بنحو يذكّر إنعام المنعم و يظهر إحسانه و يؤل في مورده تعالى إلى الإيمان به و التقوى - موجباً لمزيد النعمة و الكفر لشديد العذاب، في مواضع من كلامه، و قد حكى عن نوح فيما ناجى ربّه و دعا على قومه:( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ ) الخ: نوح: ١٢.
و من لطيف كرمه تعالى اللائح من الآية - كما ذكره بعضهم - اشتمالها على التصريح بالوعد و التعريض في الوعيد حيث قال:( لَأَزِيدَنَّكُمْ ) و قال:( إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) و لم يقل: لأعذّبنّكم و ذلك من دأب الكرام في وعدهم و وعيدهم غالبا.
و الآية مطلقة لا دليل على اختصاص ما فيها من الوعد و الوعيد بالدنيا و لا
بالآخرة، و تأثير الإيمان و الكفر و التقوى و الفسق في شؤون الحياة الدنيا و الآخرة معاً معلوم من القرآن.
و قد استدلّ بالآية على وجوب شكر المنعم، و الحقّ أنّ الآية لا تدلّ على أزيد من أنّ الكافر على خطر من كفره فإنّ الله سبحانه لم يصرّح بفعليّة العذاب على كلّ كفر إذ قال:( وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) و لم يقل: لأعذّبنّكم.
قوله تعالى: ( وَ قالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فإنّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ) لما أمر تعالى بشكر نعمه بذكر ما تأذّن به من الزيادة على الشكر و العذاب على الكفر على ما تقتضيه العزّة المطلقة ذكر في تأييده من كلام موسىعليهالسلام ما يجري مجرى التنظير فقال:( وَ قالَ مُوسى ) و الكلام جار على هذا النمط إلى تمام عشر آيات.
و أمّا أنّ الله غنيّ و إن كفر من في الأرض جميعاً فإنّه غنيّ بالذات عن كلّ شيء فلا ينتفع بشكر و لا يتضرّر بكفر، و إنّما يعود النفع و الضرر إلى الإنسان فيما أتى به، و أمّا أنّه حميد فلأنّ الحمد هو إظهار الحامد بلسانه ما لفعل المحمود من الجمال و الحسن و فعله تعالى حسن جميل من كلّ جهة فهو جميل ظاهر الجمال يمتنع خفاؤه و إخفاؤه، فهو تعالى محمود سواء حمده حامد باللسان أو لم يحمد.
على أنّ كلّ شيء يحمده بتمام وجوده حتّى الكافر بنعمته كما قال تعالى:( وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) الإسراء: ٤٤ فهو تعالى محمود سواء حمده الناس بألسنتهم أو لم يحمدوه، و له كلّ الحمد سواء قصد به هو أو قصد به غيره.
قوله تعالى: ( أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ ) إلى آخر الآية. من كلام موسىعليهالسلام يذكّر قومه من أيّام الله في الاُمم الماضين ممّن فنيت أشخاصهم و خمدت أنفاسهم و عفت آثارهم و انقطعت أخبارهم فلا يعلمهم بحقيقة حالهم تفصيلاً إلّا الله كقوم نوح و عاد و ثمود و الّذين من بعدهم.
و من هنا يعلم أوّلاً: أنّ المراد بالنبإ، في قوله:( أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ ) خبر هلاكهم و انقراضهم، فإنّ النبأ هو الخبر الّذي يعتنى بأمره فلا ينافي ما يتعقّبه من قوله:( لا يَعْلَمُهُمْ إلّا الله ) .
و ثانياً: أنّ قوله:( قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ ) ، من قبيل ذكر الأمثلة، و أنّ قوله:( لا يَعْلَمُهُمْ إلّا الله ) بيان لقوله:( مِنْ قَبْلِكُمْ ) و المراد بعدم العلم بهم لغير الله الجهل بحقيقة حالهم و عدم الإحاطة بتفاصيل تاريخ حياتهم.
و من الممكن أن يكون قوله:( لا يَعْلَمُهُمْ إلّا الله ) اعتراضاً و إن كان ما ذكرناه أنسب للسياق، و أمّا احتمال أن يكون خبراً لقوله:( وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) كما ذكره بعضهم فسخافته ظاهرة، و أسخف منه تجويز بعضهم أن يكون حالاً من ضمير من بعدهم و كون قوله:( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ) خبراً لقوله:( وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) .
و قوله:( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ) الظاهر أنّ المراد به أنّ رسلهم جاؤهم بحجج بيّنة تبيّن الحقّ و تجلّيه من غير أيّ إبهام و ريب فمنعوهم أن يتفوّهوا بالحقّ و سدّوا عليهم طريق التكلّم.
فالضميران في:( أَيْدِيَهُمْ ) و( أَفْواهِهِمْ ) للرسل، و ردّ أيديهم في أفواههم كناية عن إجبارهم على أن يسكتوا و يكفّوا عن التكلّم بالحقّ كأنّهم أخذوا بأيدي رسلهم و ردّوها في أفواههم إيذاناً بأنّ من الواجب عليكم أن تكفّوا عن الكلام، و يؤيّده قوله بعد:( وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) فإنّ دعوى الشكّ و الريب قبال الحجّة البيّنة و الحقّ الصريح الّذي لا يبقي مجالاً للشكّ لا تتحقّق إلّا من جاحد مكابر متحكّم مجازف لا يستطيع أن يسمع كلمة الحقّ فيجبر قائلها على السكوت و الصمت.
و للقوم في معنى الآية أقوال اُخر:
منها قول بعضهم المعنى أنّ الكفّار ردّوا أيديهم في أفواه الرسل تكذيباً لهم و ردّاً لما جاؤا به، فالضمير الأوّل للكفّار و الثاني للرسل، و فيه أنّه مستلزم لاختلاف مرجع الضميرين من غير قرينة ظاهرة.
و منها: أنّ المراد أنّ الكفّار وضعوا أيديهم على أفواه أنفسهم مومين به إلى
الرسل أن اسكتوا كما يفعله الواحد من الناس مع غيره إذا أراد إسكاته فالضميران معاً للكفّار.
و منها: أنّ المعنى عضّوا أصابعهم من شدّة الغيظ من استماع دعوة الرسل، فالضميران للكفّار كما في الوجه السابق و فيه أنّه كناية بعيدة غير مفهومة من اللفظ.
و منها: أنّ المراد بالأيدي الحجج و هي إمّا جمع اليد بمعنى الجارحة لكون الحجّة بمنزلة اليد الّتي بها البطش و الدفع، و إمّا جمع اليد بمعنى النعمة لكون حجج الرسل نعماً منهم على الناس و المعنى أنّهم ردّوا حجج الرسل إلى أفواههم الّتي خرجت منها.
و قريب من هذا الوجه قول بعضهم: إنّ المراد بالأيدي نعم الرسل و هي أوامرهم و نواهيهم و الضميران أيضاً للرسول، و المعنى أنّهم كذّبوا الرسل في أوامرهم و نواهيهم.
و قريب منه أيضاً قول آخرين: إنّ المراد بالأيدي النعم، و ضمير( أَيْدِيَهُمْ ) للرسل، و( فِي ) في قوله( فِي أَفْواهِهِمْ ) بمعنى الباء و الضمير للكفّار و المعنى كذّب الكفّار بأفواههم نعم الرسل و هي حججهم.
و أنت خبير بأنّ هذه معان بعيدة عن الفهم يجلّ كلامه تعالى أن يحمل عليها و على أمثالها.
و أمّا قوله:( وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) فهو نحو بيان لقوله:( فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ) و الجملة الاُولى أعني قولهم:( إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) إنكار للشريعة الإلهيّة الّتي هي متن الرسالة، و الجملة الثانية أعني قولهم:( وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ ) إلخ إنكار لما جاؤا به من الحجج و البيّنات و إظهار ريب فيما كانوا يدعون إليه و هو توحيد الربوبيّة.
قوله تعالى: ( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي الله شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أصل الفطر على ما ذكره
الراغب الشقّ طولا يقال: فطرت الشيء فطراً أي شققته طولا، و أفطر الشيء فطوراً و انفطر انفطاراً أي قبل الفطر، و استعمل في القرآن فيما انتسب إليه تعالى بمعنى الإيجاد بنوع من العناية كأنّه تعالى شقّ العدم شقّا فأظهر من بطنه الأشياء فهي ظاهرة ما أمسك هو تعالى على شقّي العدم موجودة ما كان ممسكاً لها و لو ترك الإمساك لانعدمت و زالت كما قال تعالى:( إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ) فاطر: ٤١.
و على هذا فتفسير الفطر بالخلق الّذي هو جمع الأجزاء و الأبعاض كما وقع في بعض العبارات ليس على ما ينبغي، و يؤيّد ذلك أنّ الفطر لو كان بمعنى الخلق لكان البرهان الّذي اُشير إليه بقوله:( فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) مسوقاً لإثبات وجود الخالق فكان أجنبيّاً عن المقام لأنّ الوثنيّة لا تنكر وجود خالق للعالم و أنّه هو الله عزّ اسمه لا غير، و إنّما ينكرون توحيد الربوبيّة و العبادة و هو أن يكون الله سبحانه هو الربّ المعبود لا غير، و البرهان على كونه تعالى خالقاً للسماوات و الأرض لا ينفع فيه شيئاً.
و كيف كان فقوله:( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي الله شَكٌّ ) إلخ، كلام قوبل به قولهم:( وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) و قد عرفت أنّ قولهم هذا يتضمّن إنكارين: إنكارهم للرسالة و تشكّكّهم في توحيد الربوبيّة فكلام الرسل المورد جوابا منهم عن قولهم بالمقابلة متضمّن لجزءين.
فقولهم:( أَ فِي الله شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) برهان على توحيد الربوبيّة إذ لو سيق لمجرّد الإنكار على الكفّار من غير إشارة إلى برهان لم يكن حاجة إلى ذكر الوصف( فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) ، ففي ذكره دلالة على أنّه مزيل كلّ شكّ و ريب عنه تعالى.
و ذلك أنّا نرى في أوّل ما نعقل أنّ لهذا العالم المشهود الّذي هو مؤلّف من أشياء كثيرة كلّ واحد منها محدود في نفسه متميّز من غيره وجوداً، و ليس وجوده و لا وجود شيء من أجزائه من نفسه و قائماً بذاته و إلّا لم يتغيّر و لم ينعدم فوجوده
و وجود أجزائه و كذا كلّ ما يرجع إلى الوجود من الصفات و الآثار من غيرها و لغيرها و هذا الغير هو الّذي نسمّيه( الله ) عزّ اسمه.
فهو تعالى الّذي يوجد العالم و كلّ جزء من أجزائه و يحدّه و يميّزه من غيره فهو في نفسه موجود غير محدود و إلّا لاحتاج إلى آخر يحدّده فهو تعالى واحد لا يقبل الكثرة لأنّ ما لا يحدّ بحدّ لا يقبل الكثرة.
و هو بوحدته يدبّر كلّ أمر كما أنّه يوجده لأنّه هو المالك لوجودها و لكلّ أمر يرجع إلى وجودها، و لا يشاركه غيره في شيء لأنّ شيئاً من الموجودات غيره لا يملك لنفسه و لا لغيره فهو تعالى ربّ كلّ شيء لا ربّ غيره، كما أنّه موجد كلّ شيء لا موجد غيره.
و هذا برهان تامّ سهل التناول حتّى للأفهام البسيطة يناله الإنسان الّذي يذعن بفطرته أنّ للعالم المشهود حقيقة و واقعيّة من غير أن يكون وهما مجرّداً كما يبديه السفسطة و الشكّ، و يثبت به توحّد الاُلوهيّة و الربوبيّة و لذلك تمسّك به في هذا المقام الّذي هو مقام خصام الوثنيّة.
و من هنا يظهر فساد زعم من زعم أنّ قوله:( أَ فِي الله شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) حجّة مسوقة لإثبات خالق للعالم، و كذا قول من قال: إنّه دليل اتّصال التدبير لتوحيد الربوبيّة بل هو برهان عليه تعالى من جهة قيام وجود كلّ شيء و آثار وجوده به من كلّ جهة فينتج توحّده في الربوبيّة و يزول به ما أيّدوه من الشكّ بقولهم:( وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) .(١)
ثمّ قولهم:( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) إشارة إلى برهان النبوّة الّتي أنكروها بقولهم:( إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) يريدون به دين الرسل و الشريعة السماويّة بالوحي.
و بيانه أنّ من سنّته تعالى الجارية هداية كلّ شيء إلى كماله و سعادته
__________________________________________________
(١) فهو قريب من مضمون قوله تعالى:( قُلْ أَفَاتّخَذْتُم مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِم نَفْعاً ولاَ ضَرّاً ) الرعد:١٦ و قد تقدّم.
النوعيّة، و الإنسان أحد هذه الأنواع المشمولة للهداية الإلهيّة فمن الواجب في العناية الإلهيّة أن يهتدي إلى سعادة حياته. و لكن له حياة خالدة غير محدودة بالدنيا و لا منقطعة بالموت، و سعادته في الحياة أن يعيش في الدنيا عيشة مطمئنّة على أساس تعديل قواه في التمتّع من أمتعة الحياة من مأكول و مشروب و لباس و نكاح و غير ذلك و هي الأعمال الصالحة، و في الآخرة أن يعيش على ما اكتسبه من الاعتقاد الحقّ و العمل الصالح.
و هو و إن كان مجهّزاً بفطرة تذكّره حقّ الاعتقاد و صالح العمل لكنّه مجبول من جهة اُخرى على العيشة الاجتماعيّة الّتي تدعوه إلى اتّباع الأهواء و الظلم و الفسق، فمجرّد ذكرى الفطرة لا يكفي في حمله على سنّة حقّة عادلة تحصّل له الاستقامة في الاعتقاد و العمل، و إلّا لم يفسد المجتمع الإنسانيّ و لا واحد من أجزائه قطّ و هم مجهّزون بالفطرة.
فمن الواجب في العناية أن يمدّ النوع الإنسانيّ مع ما له من الفطرة الداعية إلى الصلاح و السعادة بأمر آخر تتلقّى به الهداية الإلهيّة و هو النبوّة الّتي هي موقف إنسانيّ طاهر ينكشف له عنده الاعتقاد الحقّ و العمل الصالح بوحي إلهيّ و تكليم غيبيّ يضمن اتّباعه سعادة الفرد و المجتمع في الدنيا و الآخرة.
أمّا سعادة الدنيا فلمّا تقدّم كراراً أنّ بين المعاصي و المظالم و بين النكال و العقوبة الإلهيّة الّتي تنتهي إلى الهلاك ملازمة فلو لم يفسد المجتمع و داموا على الصلاح الفطريّ لم يختر منهم الهلاك و لم يفاجئهم النكال و عاشوا ما قدّر لهم من الآجال الطبيعيّة. و العيشة المغبوطة.
و أمّا سعادة الآخرة فلأنّ اتّباع الدعوة الإلهيّة و بعبارة اُخرى الإيمان و التقوى يحلّيان النفس بالهيأة الصالحة و يذهبان بدرن النفس الّذي هو الذنوب بمقدار الاتّباع.
فربوبيّته تعالى لكلّ شيء المستوجبة لتدبيرها أحسن تدبير و هدايته كلّ نوع إلى غايته السعيدة تستدعي أن تعني بالناس بإرسال رسل منهم إليهم و دعوته
الناس بلسان رسله إلى الإيمان و العمل الصالح ليتمّ بذلك سعادتهم في الدنيا و الآخرة، أمّا في الدنيا فبالتخلّص عن النكال و العقوبة القاضية عليهم، و أمّا في الآخرة فبالمغفرة الإلهيّة بمقدار ما تلبّسوا به من الإيمان و العمل الصالح.
إذا عرفت ما ذكرناه بان لك أنّ قوله تعالى حاكيا عن الرسل:( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) إشارة منهمعليهالسلام إلى حجّة النبوّة العامّة و أنّ قوله:( لِيَغْفِرَ لَكُمْ ) إلخ، إشارة إلى غاية الدعوة الاُخرويّة و قوله:( وَ يُؤَخِّرَكُمْ ) إلخ إشارة إلى غايتها الدنيويّة، و قدّم ما للآخرة على ما للدنيا لأنّ الآخرة هي المقصودة بالذات و هي دار القرار.
و قد نسبوا الدعوة في كلامهم إلى الله سبحانه للتنبيه لما هو الحقّ تجاه قول الكفّار( تَدْعُونَنا إِلَيْهِ ) حيث نسبوها إلى الرسل، و قوله:( مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) ظاهر في التبعيض، و لعلّه للدلالة على أنّ المغفرة على قدر الطاعة، و المجتمع الإنسانيّ لا يخلو عن المعصية المستوجبة للمؤاخذة البتّة، فالمغفور على أيّ حال بعض ذنوب المجتمع لا جميعها فافهم ذلك.
و ربّما ذكر بعضهم أنّ المراد به أنّه يغفر حقوق الله لا حقوق الناس، و ردّ بأنّه صحّ عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
و ربّما قيل: إنّ( مِنْ ) زائدة و اُيّد بقوله تعالى في موضع آخر:( يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) بدون من. و فيه أنّ من إنّما يزاد في النفي دون الإثبات كقولهم: ما جاءني من رجل و تدخل على النكرة دون المعرفة كما قيل. على أنّ مورد الآيتين مختلف فإنّ قوله:( يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) الظاهر في مغفرة الجميع إنّما هو في مورد الإيمان و الجهاد و هو قوله:( تُؤْمِنُونَ بِالله وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ - إلى أن قال -يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) الصف: ١٢ و الّذي حكاه الله عن نوحعليهالسلام في مثل المقام و هو أوّل هؤلاء الرسل المذكورين في الآية قوله:( أَنِ اعْبُدُوا الله وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) نوح: ٤ و هو يوافق الآية الّتي نحن فيها فالتبعيض لا مفرّ منه ظاهراً.
و ممّا قيل في توجيه الآية أنّ المراد بالبعض الكلّ توسّعاً، و من ذلك أنّ المراد مغفرة ما قبل الإيمان من الذنوب و أمّا ما بعد ذلك فمسكوت عنه، و من ذلك أنّ المراد مغفرة الكبائر و هي بعض الذنوب إلى غير ذلك، و هذه وجوه ضعيفة لا يعبؤ بها.
و قال الزمخشريّ في الكشّاف: فإن قلت: ما معنى التبعيض في قوله:( مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) ؟ قلت: ما علمته جاء هكذا إلّا في خطاب الكافرين بقوله:( وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) ( يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ الله وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) ، و قال في خطاب المؤمنين:( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ - إلى أن قال -يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) و غير ذلك ممّا يقفك عليه الاستقراء، و كأنّ ذلك للتفرقة بين الخطابين، و لئلّا يسوّي بين الفريقين في الميعاد. انتهى.
و كأنّ مراده أنّ المغفور من الذنوب في الفريقين واحد و هو جميع الذنوب، إلّا أنّ تشريف مقام الإيمان أوجب أن يصرّح في المؤمنين بمغفرة الجميع، و يقتصر في وعد الكفّار على مغفرة البعض و السكوت عن الباقي، و مغفرة بعضها لا تنافي مغفرة البعض الآخر، فليكن هذا مراده و إلّا فمجرّد التفرقة بين الخطابين لا ينتج ارتكاب مخالفة الواقع بتاتا.
و قوله:( وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أي لا يعاجلكم بالعقوبة و الهلاك و يؤخّركم إلى الأجل الّذي لا يؤخّر و قد سمّاه لكم و لا يبدّل القول لديه، و قد تقدّم في تفسير أوّل سورة الأنعام أنّ الأجل أجلان: أجل موقوف معلّق، و أجل مسمّى لا يؤخّر.
و من الدليل على هذا الّذي ذكرناه قول نوح لقومه في هذا المقام على ما حكاه الله سبحانه:( وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ الله إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ) نوح: ٤.
قوله تعالى: ( قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) قد تقدّم في مباحث النبوّة في الجزء الثاني من الكتاب أنّ الآية المعجزة حجّة عامّة على نبوّة النبيّ لا حجّة عامّيّة و خاصّة الوحي و النبوّة الّتي هي نوع اتّصال بالغيب أمر خارق للعادة الجارية بين أفراد الإنسان لا يجدونها من أنفسهم فعلى من يدّعيها الإثبات و لا طريق إلى إثباتها إلّا بالإتيان بخارق عادة آخر يدلّ على صحّة هذا الاتّصال الغيبيّ لأنّ حكم الأمثال واحد، و إذا جاز أن تخترق العادة بشيء جاز أن تخترق بما يماثله.
و الرسلعليهالسلام لما احتجّوا على كفّار اُممهم في النبوّة العامة بقولهم:( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) عادت الكفّار إليهم بطلب الدليل منهم على ما يدّعونه من النبوّة لأنفسهم معتذرين في ذلك بقولهم:( إِنْ أَنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) ، ثمّ صرّحوا بما يطلبونه من الدليل و هو الآية المعجزة بقولهم:( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) .
فالمعنى سلّمنا أنّ من مقتضى العناية الإلهيّة أن يدعونا إلى المغفرة و الرحمة، لكنّا لا نسلّم لكم أنّ هذه الدعوة قائمة بكم كما تدّعون فإنّكم بشر مثلنا لا تزيدون علينا بشيء، و لو كان مجرّد البشريّة يوجب ذلك لكنّا وجدناه من أنفسنا و نحن بشر، فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه فأتونا بسلطان مبين أي ببرهان قاطع يتسلّط على عقولنا و يضطرّنا إلى الإذعان بنبوّتكم و هو آية معجزة غيبيّة تخرق العادة كما أنّ ما تدّعونه خارق مثلها.
و بهذا البيان يظهر أوّلاً أنّ كلامهم هذا من قبيل منع الدعوى، و قولهم:( إِنْ أَنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) سند المنع، و قولهم:( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) تصريح بطلب الدليل.
و ثانياً أنّ قولهم:( تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ) من قبيل الاعتراض الواقع بين المنع و سنده و معناه أنّكم لما كنتم بشراً مثلنا لا فضل لكم علينا بشيء فلا وجه لأن نقبل منكم ما لا نجده من أنفسنا و لا نعهده من أمثالنا، و
الّذي نعهده من أمثال هذه الاُمور أنّها إنّما تظهر عن أغراض و مطامع دنيويّة مادّيّة فليس إلّا أنّكم تريدون أن تصرفونا عن سنّتنا القوميّة و طريقتنا المثلى.
قوله تعالى: ( قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ الله يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ ) إلى آخر الآية جواب الرسل عمّا أوردوه على رسالتهم بأنّكم بشر مثلنا فلستم ذوي هويّة ملكوتيّة حتّى تتّصلوا بالغيب فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه القدرة الغيبيّة فأتونا بسلطان مبين.
و محصّل الجواب أنّ كوننا بشراً مثلكم مسلّم لكنّه يوجب خلاف ما استوجبتموه أمّا قولكم إنّ كونكم بشراً مثلنا يوجب أن لا تختصّوا بخصيصة لا نجدها من أنفسنا و هي الوحي و الرسالة فجوابه: أنّ المماثلة في البشريّة لا توجب المماثلة في جميع الكمالات الصوريّة و المعنويّة الإنسانيّة كما أنّ اعتدال الخلقة و جمال الهيئة و كذا رزانة العقل و إصابة الرأي و الفهم و الذكاء كمالات صوريّة و معنويّة توجد في بعض أفراد الإنسان دون بعض، فمن الجائز أن ينعم الله بالوحي و الرسالة على بعض عباده دون بعض فإنّ الله يمنّ على من يشاء منهم.
و أمّا قولكم:( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) فإنّه مبنيّ على كون النبيّ ذا شخصيّة ملكوتيّة و قدرة غيبيّة فعّالة لما تشاء، و ليس كذلك فما النبيّ إلّا بشر مثلكم يوحى إليه بالرسالة و ليس له من الأمر شيء، و ما كان له أن يأتي بآية من عنده إلّا أن يشاء الله ذلك و يأذن فيه.
فقوله:( إِنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) تسليم من الرسل لقولهم:( إِنْ أَنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) لاستنتاج خلاف ما استنتجوه منه، و قوله:( وَ لكِنَّ الله يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ ) إشارة إلى مقدّمة بانضمامها يستنتج المطلوب، و قوله:( وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إلّا بِإِذْنِ الله ) جواب منهم استنتجوه من كونهم بشراً مثلهم.
و تذييل هذا الكلام بقولهم:( وَ عَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) للإشارة إلى ما يجري مجرى حجّة ثانية على إرجاع الأمر كلّه - و منه أمر الآية المعجزة - إلى الله و هي حجّة خاصّة بالمؤمنين، و ملخّصها أنّ الإيمان بالله سبحانه يقتضي منهم أن
يذعنوا بأنّ الإتيان بالآية إنّما هو إلى الله لأنّ الحول و القوّة له خاصّة لا يملك غيره من ذلك شيئاً إلّا بإذنه.
و ذلك لأنّه هو الله عزّ شأنه، فهو الّذي يبدأ منه و ينتهي إليه و يقوم به كلّ شيء فهو ربّ كلّ شيء المالك لتدبير أمره لا يملك شيء أمراً إلّا بإذنه فهو وكيل كلّ شيء القائم بما يرجع إليه من الأمر، فعلى المؤمن أن يتّخذ ربّه وكيلاً في جميع ما يرجع إليه حتّى في أعماله الّتي تنسب إليه لما أنّ القوّة كلّها له سبحانه و على الرسول أن يذعن بأن ليس له الإتيان بآية معجزة إلّا بإذن الله.
و الآية ظاهرة في أنّ الرسلعليهالسلام لم يدّعوا امتناع إتيانهم بالآية المعجزة المسمّاة سلطاناً مبينا، و إنّما ادّعوا امتناع أن يستقلّوا بذلك من غير حاجة فيه إلى إذن الله سبحانه و احتجّوا على ذلك أوّلاً، و ثانياً.
قوله تعالى: ( وَ ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَ عَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) ما استفهاميّة و الاستفهام للإنكار، و قوله:( وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا ) حال من الضمير في( لَنا ) و سبل الأنبياء و الرسل الشرائع الّتي كانوا يدعون إليها، قال تعالى:( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ ) يوسف: ١٠٨ و المعنى ما الّذي نملكه من العذر في أن لا نتوكّل على الله و الحال أنّه تعالى هدانا سبلنا و لم يكن لنا صنع في هذه النعمة و السعادة الّتي من بها علينا فإذا كان سبحانه فعل بنا هذا الفعل الّذي هو كلّ الخير فمن الواجب أن نتوكّل عليه في سائر الاُمور.
و هذا في الحقّيقة حجّة ثانية على وجوب التوكّل عليه و إلقاء الزمام إليه سلك فيها من طريق الآثار الدالّة على وجوب التوكّل عليه كما أنّ الحجّة السابقة سلك فيها من النظر في نفس المؤثّر، و تقرير الحجّة أنّ هدايته تعالى إيّانا إلى سبلنا دليل على وجوب التوكّل عليه لأنّه لا يخون عباده و لا يريد بهم إلّا الخير و مع وجود الدليل على التوكّل لا معنى لوجود دليل على عدم التوكّل يكون عذراً لنا فيه فلا سبيل لنا إلى عدم التوكّل عليه تعالى.
فقوله تعالى:( وَ عَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) يجري مجرى اللمّ، و قوله:( وَ ما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا ) مجرى الإنّ فتدبّر في هذا البيان العذب و الاحتجاج السهل الممتنع الّذي قدّمه القرآن الكريم إلى متدبّريه في أوجز لفظ.
و قوله:( وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا ) من تفريع الصبر على ما بيّن من وجوب التوكّل عليه أي إذا كان من الواجب أن نتوكّل عليه و نحن مؤمنون به و قد هدانا سبلنا فلنصبرنّ على إيذائكم لنا في سبيل الدعوة إليه متوكّلين عليه حتّى يحكم بما يريد و يفعل ما يشاء من غير أن نأوي في ذلك إلى ما عندنا من ظاهر الحول و القوّة.
و قوله:( وَ عَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) كلام مبنيّ على الترقّي أي كلّ من تلبّس بالتوكّل فعليه أن يتوكّل على الله سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن إذ لا دليل غيره غير أنّ المتوكّل بحقيقة التوكّل لا يكون إلّا مؤمناً فإنّه مذعن أنّ الأمر كلّه لله فلا يسعه إلّا أن يطيعه فيما يأمر و ينتهي عمّا ينهى و يرضى بما رضي به و يسخط عمّا سخط عنه و هذا هو الإيمان.
قوله تعالى: ( وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) هذا تهديد منهم بعد ما عجزوا في مناظرتهم و خسروا في محاجّتهم، و الخطاب في قولهم:( لَنُخْرِجَنَّكُمْ ) إلخ للرسل و الّذين آمنوا معهم فما كانوا ليرضوا أن يعود الرسل في ملّتهم و يبقى أتباعهم على دين التوحيد. على أنّ الله سبحانه صرّح بذلك في قصص بعضهم كقوله في شعيب:( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) الأعراف: ٨٨.
و قوله:( أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) ( عاد ) من الأفعال الناقصة بمعنى الصيرورة و هي الحيلولة من حال إلى حال سواء كان عليها سابقا أو لا و من الدليل عليه - كما قيل - قوله:( فِي مِلَّتِنا ) و لو كان بمعنى الرجوع إلى ما كان لتعيّن أن يقال: إلى ملّتنا.
و من هنا يظهر فساد ما قيل: إنّ ظاهر الآية أنّ الرسل كانوا قبل الرسالة في ملّتهم فكلّفهم الكفّار أن يعودوا إلى ما كانوا عليه.
على أنّ خطابهم لم يكن للرسل خاصّة بل لهم و لمن آمن بهم ممّن كان على ملّة الكفّار من قبل فالخطاب لهم و لرسلهم بالعود إلى ملّتهم على تقدير كون العود بمعنى الرجوع، إنّما هو من باب التغليب.
و من لطيف الصناعة في الآية دخول لام القسم و نون التأكيد على طرفي الترديد:( لنخرجنكم أو لتعودن) مع أنّ أو للاستدراك و تفيد معنى الاستثناء و لا معنى لأن يقال: إلّا أن تعودوا و الله في ملّتنا، إلّا أنّ عودهم لما كان بإجبار من الكفّار كان في معنى الإعادة و عاد قوله:( لَتَعُودُنَّ ) طرف الترديد و صحّ دخول اللّام و النون و آل المعنى إلى قولنا: و الله لنخرجنّكم من أرضنا أو نعيدنّكم في ملّتنا.
قوله تعالى: ( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ربّهم لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) إلى آخر الآية، ضمير الجميع الأوّل و الثاني للرسل و الثالث للّذين كفروا بدلالة السياق، و التعبير عنهم بالظالمين للإشارة إلى سببيّة ظلمهم للإهلاك فإنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّيّة كما أنّ قوله:( ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَ خافَ وَعِيدِ ) مشعر بعلّيّة الخوف للإسكان.
و قوله:( مَقامِي ) مصدر ميميّ اُريد به قيامه تعالى على الأمر كلّه أو اسم مكان اُريد به مرتبة قيمومته تعالى للأمر كلّه، و المراد من وعيده تعالى ما أوعد به المخالفين عن أمره من العذاب.
فالمراد بالخوف من مقامه تعالى تقواه بما أنّه الله القائم بأمر عباده و المراد بالخوف من وعيده تقواه بما أنّه الله الّذي حذّر عباده من مخالفة أمره بلسان أنبيائه و رسله فيعود على أيّ حال إلى التقوى و ينطبق على قول موسى لقومه:( اسْتَعِينُوا بِالله وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) الأعراف: ١٢٨ كما أشار إليه في الكشّاف.
و المعنى فأوحى ربّ الرسل إليهم - و قد اُخذت صفة الربوبيّة الخاصّة بهم
لمكان توكّلهم الجالب للرحمة و العناية - و اُقسم لنهلكنّ هؤلاء المهدّدين لكم بظلمهم و لنسكنّنكم هذه الأرض الّتي هدّدوكم بالإخراج منها و نورثكم إيّاها لصفة مخافتكم منّي و من وعيدي و كذلك نفعل فنورث الأرض عبادنا المتّقين.
قوله تعالى: ( وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) الاستفتاح طلب الفتح و النصر. و الخيبة انقطاع الرجاء و الخسران و الهلاك، و العنيد هو اللجوج و منه المعاند.
و الضمير في( وَ اسْتَفْتَحُوا ) للرسل أي طلبوا النصر من الله لما انقطعت بهم الأسباب من كلّ جانب و بلغ بهم ظلم الظالمين و تكذيب المعاندين كقول نوح فيما حكاه الله:( أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) القمر: ١٠ و يمكن رجوع الضمير إلى الرسل و الكفّار جميعاً فإنّ الكفّار أيضاً كانوا يصرّون على أن يأتيهم الرسل بما يقضي بينهم كقولهم:( مَتى هذَا الْفَتْحُ ) الم السجدة: ٢٨( مَتى هذَا الْوَعْدُ ) يس: ٤٨ و على هذا التقدير يكون المعنى: و استفتح الرسل و الكفّار جميعاً، و كانت الخيبة للجبّارين و هو عذاب الاستئصال.
قوله تعالى: ( مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ) إلى آخر الآيتين. الصديد القيح السائل من الجرح، و هو بيان للماء الّذي يسقونه في جهنّم. و التجرّع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار، و الإساغة إجراء الشراب في الحلق يقال: ساغ الشراب و أسغته أنا كذا في المجمع و الباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِربّهم أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ) إلى آخر الآية، يوم عاصف شديد الريح تمثيل لأعمال الكفّار من حيث تترتّب نتائجها عليها و بيان أنّها حبط باطلة لا أثر لها من جهة السعادة فهو كقوله تعالى:( وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ) الفرقان: ٢٣ فأعمالهم كذرّات من الرماد اشتدّت به الريح في يوم شديد الريح فنثرته و لم يبق منه شيئاً هذا مثلهم من جهة أعمالهم.
و من هنا يظهر أن لا حاجة إلى تقدير شيء في الكلام و إرجاعه إلى مثل
قولنا: مثل أعمال الّذين كفروا إلخ، و الظاهر أنّ الآية ليست من تمام كلام موسى بل هي كالنتيجة المحصّلة من كلامه المنقول.
( بحث روائي)
في الكافي، بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: من اُعطي الشكر اُعطي الزيادة يقول الله عزّوجلّ:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) .
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا و البيهقيّ في شعب الإيمان عن أبي زهير يحيى بن عطارد بن مصعب عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما اُعطي أحد أربعة فمنع أربعة: ما اُعطي أحد الشكر فمنع الزيادة لأنّ الله يقول:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) ، و ما اُعطي أحد الدعاء فمنع الإجابة لأنّ الله يقول:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) و ما اُعطي أحد الاستغفار فمنع المغفرة لأنّ الله يقول:( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ) و ما اُعطي أحد التوبة فمنع التقبّل لأنّ الله يقول:( وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) الشورى: ٢٥.
و فيه، أخرج أبونعيم في الحلية من طريق مالك بن أنس عن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين قال: لما قال له سفيان الثوريّ: لا أقوم حتّى تحدّثني قال جعفر: أمّا إنّي اُحدّثك و ما كثرة الحديث لك بخير يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها و دوامها فأكثر من الحمد و الشكر عليها فإنّ الله تعالى قال في كتابه:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) و إذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإنّ الله تعالى قال في كتابه:( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ - يعني في الدنيا و الآخرة(١) -وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ) .
يا سفيان إذا حزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من لا حول و لا قوّة إلّا
________________________________________________________
(١) كذا في النسخة و الظاهر أن يكون قوله: و الآخرة زائداً و أن يقع يعني في الآخرة بعد قوله: أنهاراً.
بالله فإنّها مفتاح الفرج و كنز من كنوز الجنّة.
أقول: و في هذا المعنى روايات كثيرة من طرق الفريقين.
و في الكافي، بإسناده عن عمر بن يزيد قال: سمعت أباعبداللهعليهالسلام يقول: شكر كلّ نعمة و إن عظمت أن تحمد الله
و فيه، بإسناده عن حماد بن عثمان قال: خرج أبوعبداللهعليهالسلام من المسجد و قد ضاعت دابّته فقال: لئن ردّها الله عليّ لأشكرنّ الله حقّ شكره فما لبث أن اُتي بها فقال: الحمد لله. فقال قائل له: جعلت فداك أ لست قلت: لأشكرنّ الله حقّ شكره؟ فقال أبوعبداللهعليهالسلام : أ لم تسمعني قلت: الحمد لله؟
و فيه، بإسناده عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبداللهعليهالسلام : هل للشكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكراً؟ قال: نعم، قلت: و ما هو؟ قال: الحمد لله، على كلّ نعمة عليه في أهل و مال، و إن كان فيما أنعم الله عليه في ماله حقّ أدّاه، و منه قوله عزّوجلّ:( سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) و منه قوله:( أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) ، و قوله:( رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) .
و في تفسير العيّاشيّ، عن أبي ولّاد قال: قلت لأبي عبداللهعليهالسلام : أ رأيت هذه النعمة الظاهرة علينا من الله أ ليس إن شكرناه عليها و حمدناه زادنا كما قال الله في كتابه:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) ؟ فقال: نعم من حمد الله على نعمه و شكره و علم أنّ ذلك منه لا من غيره زاد الله نعمه.
أقول: و الروايتان الأخيرتان تفسّران الشكر أحسن تفسير، و ينطبق عليهما ما قدّمناه في البيان أنّ الشكر إظهار النعمة اعتقاداً و قولاً و فعلاً، و يؤيّده إطلاق قوله تعالى:( وَ أمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) الضحى: ١١.
و في تفسير القمّيّ، قال: حدّثني أبي رفعه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : قال: من آذى جاره طمعا في مسكنه ورثه الله داره. و هو قوله:( وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ - إلى قوله -فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ربّهم لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) .
و في التفسيرين المجمع، و روح المعاني، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : من آذى جاره أورثه الله داره.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن الضريس عن أبي مجلز قال: قال رجل لعليّ بن أبي طالب: أنا أنسب الناس. قال: إنّك لا تنسب الناس. قال: بلى. فقال له عليّ: أ رأيت قوله تعالى:( وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ) ؟ قال أنا أنسب ذلك الكثير. قال: أ رأيت قوله:( أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إلّا الله ) فسكت.
و في المجمع، عن أبي عبداللهعليهالسلام : الصديد هو الدم و القيح من فروج الزواني في النار.
و في الدرّ المنثور، أخرج أحمد و الترمذيّ و النسائيّ و ابن أبي الدنيا في صفة النار و أبويعلى و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبرانيّ و أبونعيم في الحلية و صحّحه و ابن مردويه و البيهقيّ في البعث و النشور عن أبي أمامة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله:( وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ ) قال: يقرّب إليه فيتكرّهه فإذا دنا منه شوى وجهه و وقعت فروة رأسه فإذا شربه قطّع أمعاءه حتّى يخرج من دبره يقول الله تعالى:( وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ) و قال:( وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ) .
و في تفسير القمّيّ، في الآية قال: قال: يقرّب إليه فيتكرّهه فإذا دنا منه شوى وجهه و وقعت فروة رأسه فإذا شرب تقطّعت أمعاؤه و مزقت تحت قدميه و إنّه ليخرج من أحدهم مثل الوادي صديد و قيح.الحديث.
و فيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام : العنيد المعرض عن الحقّ.
( سورة إبراهيم الآيات ١٩ - ٣٤)
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ( ١٩) وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ( ٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ( ٢١) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ( ٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ( ٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ( ٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ( ٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ( ٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ
دَارَ الْبَوَارِ ( ٢٨ ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ( ٢٩ ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ( ٣٠ ) قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ( ٣١ ) اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ( ٣٢ ) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ( ٣٣ ) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( ٣٤ )
( بيان)
تشتمل الآيات على تذكرة الناس في صورة خطاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مرّة بعد مرّة بقوله:( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالحقّ ) ( أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلًا ) ( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً ) .
يذكّر تعالى بها أنّ الخلقة مبنيّة على الحقّ فهم سيبرزون جميعاً فالّذين ساروا بالحقّ و آمنوا بالحقّ و عملوا الحقّ ينالون السعادة و الجنّة، و الّذين اتّبعوا الباطل و عبدوا الشيطان و أطاعوا الطغاة المستكبرين منهم غروراً بظاهر عزّتهم و قدرتهم لزمهم شقاء لازم و تبرّء منهم متبوعوهم من الجنّ و الإنس و لله العزّة و الحمد.
ثم يذكّر أنّ هذا التقسّم إلى فريقين إنّما هو لانقسام سلوكهم إلى قسمين: سلوك هدى و سلوك ضلال، و الّذي يلزمه الهدى هو المؤمن و الّذي يلزمه الضلال هو الظالم و القاضي بذلك هو الله سبحانه يفعل ما يشاء و له العزّة و الحمد.
ثمّ يذكّر بالاُمم الماضية الهالكة و ما وقعوا فيه من البوار بسبب كفرانهم بنعمة الله العزيز الحميد و يعاتب الإنسان بظلمه و كفره بالنعم الإلهيّة الّتي ملأت الوجود و إن تعدّوها لا تحصوها.
قوله تعالى: ( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالحقّ ) المراد بالرؤية هو العلم القاطع، فإنّه الصالح لأن يتعلّق بكيفيّة خلق السماوات و الأرض دون الرؤية البصريّة.
ثمّ الفعل الحقّ و يقابله الباطل هو الّذي يكون لفاعله فيه غاية مطلوبة يسلك إليه بذاته فمن المشهود أنّ كلّ واحد من الأنواع من أوّل تكوّنه متوجّه إلى غاية مؤجّلة لا بغية له دون أن يصلّ إليها ثمّ البعض منها غاية للبعض ينتفع به في طريق كينونته و يصلح به في حدوثه و بقائه كالعناصر الأرضيّة الّتي ينتفع بها النبات، و النبات الّذي ينتفع به الحيوان و هكذا قال تعالى:( وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحقّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) الدخان: ٣٩ و قال:( وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ص: ٢٧.
فلا تزال الخلقة تقع مرحلة بعد مرحلة و تنال غاية بعد غاية حتّى تتوقّف في غاية لا غاية بعدها، و ذلك رجوعها إلى الله سبحانه، قال تعالى:( وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ) النجم: ٤٢.
و بالجملة الفعل إنّما يكون فعلاً حقّاً إذا كان له أمر يقصده الفاعل بفعله و غاية يسلك بالفعل إليها، و أمّا إذا كان فعلاً لا يقصد به إلّا نفسه من غير أن يكون هناك غرض مطلوب فهو الفعل الباطل، و إذا كان الفعل الباطل ذا نظام و ترتيب فهو الّذي يسمّى لعباً كما يلعب الصبيان بإتيان حركات منظّمة مرتّبة لا غاية لهم وراءها و لا أنّ لهم همّا إلّا إيجاد ما تخيّلوه من صورة الفعل لشوق نفساني منهم إلى ذلك.
و فعله تعالى ملازم للحقّ مصاحب له فخلق السماوات و الأرض يخلف عالماً باقياً بعد زواله، و لو لم يكن كذلك كان باطلاً لا أثر له و لا خلف يخلفه، و كان العالم
المشهود بما فيه من النظام البديع لعبا منه سبحانه اتّخذه لحاجة منه إليه كالتنفّس من كرب و سأمة و التفرّج من همّ أو التخلّص من وحشة وحدة و نحو ذلك و هو سبحانه العزيز الحميد لا تمسّه حاجة و لا يذلّه فقر و فاقة.
و بما مرّ يظهر أنّ الباء في قوله:( بِالحقّ ) للمصاحبة و أنّ قول بعضهم: إنّ الباء للسببيّة أو الآلة و أنّ المعنى كيف خلقها بقوله الحقّ أو للغرض الحقّ ليس على ما ينبغي.
قوله تعالى: ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَ ما ذلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ ) أي بشاقّ صعب و الخطاب لعامّة البشر بجعل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مثالاً لهم يمثّلون به لأنّ الخطاب متوجّه إليه في قوله قبل و بعد:( أَ لَمْ تَرَ ) ( وَ ما ذلِكَ ) .
قد تقدّم أنّ كون الخلقة بالحقّ هو مقتضى كونه تعالى عزيزاً غنيّاً بالذات إذ لو لم يقتض غناه ذلك و أمكن صدور اللعب منه تعالى و كان هذا الخلق المشهود بما له من النظام البديع لعبا لا يقصد به إلّا حدوث و فناء كان ذلك لشوق خياليّ منه إليه و حاجة داخليّة كتنفيس كرب و تفريج همّ أو اُنس عن وحشة و سأمة و نحو ذلك و غناه تعالى بالذات يدفع ذلك.
و لعلّ هذه النكتة هي الّتي أوجبت تعقيب قوله:( أَنَّ الله خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ ) بقوله:( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) إلخ فقوله:( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) إلخ، في موضع البيان لما تقدّمه و المعنى أ لم تعلم أنّ الله خلق هذا الخلق المشهود عن عزّة منه و غنى و أنّه إن يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد و ما ذلك عليه تعالى بعزيز و هو الله عزّ اسمه له الأسماء الحسنى و كلّ العزّة و الكبرياء.
و بهذا يظهر أنّ وضع الظاهر في موضع المضمر في قوله:( عَلَى الله ) للدلالة على الحجّة و أنّ عدم عزّة ذلك عليه تعالى من جهة كونه هو الله عزّ اسمه.
فإن قلت: لو كان الإتيان بقوله:( إِنْ يَشَأْ ) إلخ، للدلالة على غناه المطلق و عدم كونه لاعبا بالخلق لكان الأنسب الاقتصار على قوله:( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) و ترك قوله:( وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) فإنّ إذهاب القديم و الإتيان بجديد لا ينفي اللعب
لجواز أن يكون نفس إذهاب بعض و إتيان بعض لعبا.
قلت: هذا كذلك لو قيل: إن يشأ يذهب جميع الخلق و يأت بخلق جديد و لكن لما قيل:( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) إلخ و الخطاب لعامّة البشر أو لاُمّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقط أو للموجودين في عصره كان من اللّازم أن يعقّبه بقوله:( وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) فإنّ هذا الخلق المشهود بما بين أجزائه من الارتباط و التعلّق لا يتمّ الغرض منه إلّا بهذه الصفة الموجودة و التركّب و التألّف الخاصّ، و لو اُذهب الناس على بقاء من السماوات و الأرض بحالها الحاضرة كان ذلك باطلاً و لعبا من جهة اُخرى.
و بعبارة اُخرى إذهاب الإنسان فقط من غير إتيان بخلق جديد على إبقاء لسائر الخلق المشهود لعب باطل كما أنّ إذهاب الخلق من أصله من غير غاية مترتّبة لعب باطل، و إنّما الحقّ الّذي يكشف عن غناه تعالى أن يذهب قوما و يأتي بآخرين و هو الّذي تذكره الآية الكريمة فافهم ذلك.
قوله تعالى: ( وَ بَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) إلى آخر الآية، البروز هو الخروج إلى البراز بفتح الباء و هو الفضاء يقال: برز إليه إذا خرج إليه بحيث لا يحجبه عنه حاجب، و منه المبارزة و البراز كخروج المقاتل من الصفّ إلى كفؤه من العدوّ.
و التبع بفتحتين جمع تابع كخدم و خادم، و قيل: اسم جمع، و قيل: مصدر جيء به للمبالغة، و الإغناء الإفادة و ضمّن معنى الدفع و لذا عدّي بعن كما قيل، و الجزع و الصبر متقابلان، و المحيص اسم مكان من حاص يحيص حيصا و حيوصا إذا زال عن المكروه كما في المجمع فالمحيص هو المكان الّذي يزول إليه الإنسان عن المكروه و الشدّة.
و قوله:( وَ بَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) أي ظهروا له تعالى ظهوراً لا يحجبهم عنه حاجب و هذا بالنسبة إلى أنفسهم حيث كانوا يتوهّمون في الدنيا أنّ ربّهم في غيبة عنهم و هم غائبون عنه، فإذا كان يوم القيامة زال كلّ ستر متوهّم و شاهدوا أن لا حاجب هناك يحجبهم عنه، و أمّا هو تعالى فلا ساتر يستر عنه في دنيا و لا آخرة، قال تعالى:( إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ ) آل عمران: ٥.
و يمكن أن تكون الجملة كناية عن خلوصهم لحساب الأعمال و تعلّق المشيّة الإلهيّة بانقطاع الأعمال و إنجاز الجزاء الموعود كما قال:( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ) الرحمن: ٣١.
و قوله:( فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا - إلى قوله -مِنْ شَيْءٍ ) تخاصم بين الكفّار يوم القيامة - على ما يعطيه السياق - فالضعفاء هم المقلّدون المطيعون لأوليائهم من الكفّار، و المستكبرون هم أولياؤهم المتبوعون اُولوا الطول و القوّة المستنكفون عن الإيمان بالله و آياته.
و المعنى فقال الضعفاء المقلّدون للّذين استكبروا منهم إنّا كنّا في الدنيا لكم تابعين مطيعين من غير أن نسألكم حجّة على ما تأمروننا به فهل أنتم مفيدون لنا اليوم تدفعون عنّا شيئاً من عذاب الله الّذي قضي علينا.
و على هذا فلفظة( من ) في قوله( مِنْ عَذابِ اللهِ ) للبيان، و في قوله( مِنْ شَيْءٍ ) زائدة للتأكيد كما في قولنا: ما جاءني من أحد، و النفي و الاستفهام متقاربان حكما و لا دليل على امتناع تقدّم البيان على المبيّن و خاصّة مع اتّصالهما و عدم الفصل بينهما.
و قوله:( قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ ) ظاهر السياق أنّ المراد بالهداية هنا الهداية إلى طريق التخلّص من العذاب و يمكن أن يكون المراد بها الهداية إلى الدين الحقّ في الدنيا، و المآل واحد لما بين الدنيا و الآخرة من التطابق، و لا يبرز في الاُخرى إلّا ما كان كامنا في الاُولى، قال تعالى حكاية عن أهل الجنّة:( وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحقّ ) الأعراف: ٤٣ مزجوا الهدايتين بعضا ببعض كما هو ظاهر.
و قوله:( سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) سواء و الاستواء و التساوي واحد، و سواء خبر لمبتدإ محذوف و الجملة الاستفهاميّة بيان لذلك، و قوله:( ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) بيان آخر للتساوي، و المعنى الأمران متساويان علينا و بالنسبة إلينا و هما الجزع و الصبر لا مهرب لنا عن العذاب اللازم.
قوله تعالى: ( وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ ) إلى آخر الآية في المجمع الإصراخ الإغاثة بإجابة الصارخ و يقال: استصرخني فلان فأصرخته أي استغاث بي فأغثته. انتهى.
و هذا كلام جامع يلقيه الشيطان يوم القيامة إلى الظالمين يبيّن فيه موقعه منهم و ينبّئ أهل الجمع منهم بوجه الحقّ في الرابطة الّتي كانت بينه و بينهم في الدنيا و قد وعد الله سبحانه أنّه سينبّؤهم يوم القيامة بما كانوا فيه يختلفون، و أنّ الحقّ سيظهر يوم القيامة عن قبل كلّ من كان له من قبله خفاء أو التباس، فالملائكة يتبرّؤن من شركهم و الجنّ و القرناء من الشياطين يطردونهم و الأصنام و الآلهة الّتي اتّخذوها أرباباً من دون الله يكفرون بشركهم، و كبراؤهم و أئمّة الضلال لا يستجيبون لهم، و المجرمون أنفسهم يعترفون بضلالهم و جرمهم، كلّ ذلك واقعة في آيات كثيرة غير خفيّة على المتتبّع المتدبّر فيها.
و الشيطان و إن كان بمعنى الشرير و ربّما اُطلق في كلامه تعالى على كلّ شرير من الجنّ و الإنس كقوله:( وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ ) الأنعام: ١١٢ لكنّ المراد به في الآية الشيطان الّذي هو مصدر كلّ غواية و ضلال في بني آدم و هو إبليس فإنّ ظاهر السياق أنّه يخاطب بكلامه هذا عامّة الظالمين من أهل الجمع و يعترف أنّه كان يدعوهم إلى الشرك، و قد نصّ القرآن على أنّ الّذي له هذا الشأن هو إبليس و قد ادّعى هو ذلك و لم يردّ الله ذلك عليه كما في قوله:( قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ - إلى أن قال -لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) ص: ٨٥.
و أمّا ذرّيّته و قبيله الّذين يذكرهم القرآن بقوله:( إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف: ٢٧ و قوله:( أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ ) الكهف: ٥٠ فولاية الواحد منهم إمّا لبعض الناس دون بعض أو في بعض الأعمال دون بعض و إمّا ولاية على نحو العونيّة فهو العون، و الأصل الّذي ينتهي إليه أمر الإضلال و الإغواء هو إبليس.
فهذا القائل:( إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحقّ ) إلخ هو إبليس يريد بكلامه ردّ اللوم على فعل المعاصي إليهم و التبرّي من شركهم فقوله:( إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحقّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) أي وعدكم الله وعداً حققّه الوقوع و صدّقته المشاهدة من البعث و الجمع و الحساب و فصل القضاء و الجنّة و النار، و وعدتكم أنا أن لا بعث و لا حساب و لا جنّة و لا نار و لم أف بما وعدت حيث ظهر خلاف ما وعدت. كذا ذكره المفسّرون.
و على هذا فالموعود جميع ما يرجع إلى المعاد إثباتاً و نفياً أثبته الله سبحانه و نفاه إبليس، و إخلاف الوعد كناية عن ظهور الكذب و عدم الوقوع من إطلاق الملزوم و إرادة اللازم.
و من الممكن - بل هو الوجه - أن يشمل الوعد ما يترتّب على الإيمان و الشرك في الدنيا و الآخرة جميعاً لأنّهما متطابقتان فقد وعد الله أهل الإيمان حياة طيّبة و عيشة سعيدة، و أهل الشرك المعرضين عن ذكره معيشة ضنكا و تحرّجا في صدورهم و عذاباً في قلوبهم في الدنيا، و وعد الجميع بعثاً و حساباً و جنّة و ناراً في الآخرة.
و وعد إبليس أولياءه بالأهواء اللذيذة و الآمال الطويلة و أنساهم الموت و صرفهم عن البعث و الحساب و خوّفهم الفقر و الذلّة و ملامة الناس، و كان مفتاحه في جميع ذلك إغفالهم عن مقام ربّهم و تزيين ما بين أيديهم من الأسباب مستقلّة بالتأثير خالقة لآثارها و تصوير نفوسهم لهم في صورة الاستقلال مهيمنة على سائر الأسباب تدبّرها كيف شاءت فتغريهم على الاعتماد بأنفسهم دون الله و تسخير الأسباب في سبيل الآمال و الأماني.
و بالجملة وعدهم الله فيما يرجع إلى الدنيا و الآخرة بما وفى لهم فيه، و دعاهم إبليس من طريق الإغفال و التزيين إلى الأوهام و الأمانيّ و هي بين ما لا يناله الإنسان قطعاً و ما إذا ناله وجده غير ما كان يظنّه، فيتركه إلى ما يظنّه كما يريد هذا في الدنيا و أمّا الآخرة فينسيه شؤونها كما تقدّم.
و قوله:( وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إلّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) السلطان - كما ذكره الراغب - هو السلاطة و هو التمكّن من القهر، و تسمّى الحجّة أيضاً سلطاناً لما فيها من التمكّن من قهر العقول على ما لها من النتائج، و كثيراً ما يطلق و يراد به ذو السلطان كالملك و غيره.
و الظاهر أنّ المراد ما هو أعمّ من السلطة الصوريّة و المعنويّة فالمعنى و ما كان في الدنيا لي عليكم من تسلّط لا من جهة أشخاصكم و أعيانكم فاُجبركم على معصية الله بسلب اختياركم و تحميل إرادتي عليكم، و لا من جهة عقولكم فاُقيم لكم الحجّة على الشرك كيفما شئت فتضطرّ عقولكم لقبوله و تطيعها نفوسكم فيما تأمرها به.
و الظاهر أيضاً أن يكون الاستثناء في قوله:( إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ ) منقطعا و المعنى لكن دعوتكم من غير أيّ سلطان فاستجبتم لي، و دعوته الناس إلى الشرك و المعصية و إن كانت بإذن الله لكنّها لم تكن تسليطا فإنّ الدعوة إلى فعل ليست تسلّطا من الداعي على فعل المدعوّ و إن كان نوع تسلّط على نفس الدعوة، و من الدليل عليه قوله تعالى فيما يأذن له( وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ - إلى أن قال -وَ عِدْهُمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُوراً إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَ كَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ) إسراء: ٦٥.
و من هنا يظهر سقوط ما وجّه به الرازيّ في تفسيره كون الاستثناء متّصلاً إذ قال: إنّ القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر من الحامل و تارة تكون بتقوية الداعية في قلبه، و ذلك بإلقاء الوسواس إليه، و هذا نوع من أنواع التسلّط فكأنّه قال: ما كان لي تسلّط عليكم إلّا بالوسوسة لا بالضرب و نحوه.
وجه السقوط: أنّ عدم كون مجرّد الدعوة سلطاناً و تمكّناً من القهر على المدعوّ بديهيّ لا يقبل التشكيك فعدّه من أنواع التسلّط ممّا لا يصغي إليه.
نعم: ربّما انبعثت من المدعوّ ميل نفسانيّ إلى المدعوّ إليه فانقاد للدعوة و سلّط الداعي بدعوته على نفسه، لكنّه تسليط من المدعوّ لا تسلّط من الداعي و بعبارة اُخرى هي سلطة يملكها المدعوّ من نفسه فيملّكها الداعي و ليس الداعي
يملكها عليه من نفسه، و إبليس إنّما ينفي التسلّط الّذي يملكه من نفسه لا ما يسلّطونه على أنفسهم بالانقياد بقرينة قوله:( فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) .
و هذا هو التسلّط الّذي يثبته الله سبحانه له في قوله:( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى ربّهم يَتَوَكَّلُونَ إنّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) النحل: ١٠٠ أو قوله:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) الحجر: ٤٢ و الآيات - كما ترى - ظاهرة في أنّ سلطانه متفرّع على الاتّباع و التولّي و الإشراك لا بالعكس.
و لانتفاء سلطانه عليهم بالمرّة استنتج قوله بعد:( فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) و الفاء للتفريع أي إذا لم يكن لي عليكم سلطان بوجه من الوجوه - كما يدلّ عليه وقوع النكرة في سياق النفي و التأكيد بمن في قوله:( وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ) - فلا يعود إلى شيء من اللوم العائد إليكم من جهة الشرك و المعصية فلا يحقّ لكم أن تلوموني بل الواجب عليكم أن تلوموا أنفسكم لأنّ لكم السلطان على عملكم.
و قوله:( ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ) أي ما أنا بمغيثكم و منجيكم و ما أنتم بمغيثيّ و منجيّ فلا أنا شافع لكم و لا أنتم شافعون لي اليوم.
و قوله:( إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) أي إنّي تبرّأت من إشراككم إيّاي في الدنيا، و المراد بالإشراك الإشراك في الطاعة دون الإشراك في العبادة كما يظهر من قوله تعالى خطابا لأهل الجمع:( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَ أَنِ اعْبُدُونِي ) يس: ٦١.
و هذا الكلام منه تبرّ من شركهم كما حكى سبحانه تبرّي كلّ متبوع باطل من تابعه يوم القيامة و هو إظهار أنّ إشراكهم إيّاه بالله في الدنيا لم يكن إلّا وهماً سرابيّاً قال تعالى:( وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) فاطر: ١٤ و قال:( وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا ) البقرة: ١٦٧ و قال:( قالَ الَّذِينَ حقّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَ قِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا
لَهُمْ ) القصص: ٦٤.
و قوله:( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) من تمام كلام إبليس على ما يعطيه السياق يسجّل عليهم العذاب الأليم لأنّهم ظالمون ظلماً لا يرجع إلّا إلى أنفسهم.
و ظاهر السياق أنّ قوله:( ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ) كناية عن انتفاء الرابطة بينه و بين تابعيه كما يشير تعالى إليه في مواضع اُخرى بمثل قوله:( لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) الأنعام: ٩٤ و قوله:( فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَ قالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ) يونس: ٢٨.
و ذلك لظهور أنّه لو لم يكن كناية لكان قوله:( وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ) مستدركاً مستغنى عنه لعدم تعلّق غرض به فلا هم يتوهّمون أنّهم قادرون على إغاثة إبليس و الشفاعة له و لا هو يتوهّم ذلك و لا المقام يوهم ذلك فهو يقول:( فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) لأنّ الرابطة مقطوعة بيني و بينكم لا ينفعكم أنّي كنت متبوعكم و لا ينفعني أنّكم كنتم أتباعي إنّي تبرّأت من شرككم فلست بشريك له تعالى، و إنّما تبرّأت لأنّكم ظالمون في أنفسكم و الظالمون لهم عذاب أليم لا مسوّغ يومئذ للحماية عنهم و التقرّب منهم.
و هذا السياق - كما ترى - يشهد أنّ تابعي إبليس يلومونه يوم القيامة على ما أصابهم من المصيبة على اتّباعه متوقّعين منه أن يشاركهم في مصابهم بنحو، و هو يردّ عليهم ذلك بأنّه لا رابط بينه و بينهم فلا يلحق لومهم إلّا بأنفسهم و لا يسعه أن يماسّهم و يقترّب منهم لأنّه يخاف العذاب الأليم الّذي هيّئ للظالمين و هم ظالمون، فهو قريب المعنى من قوله تعالى:( كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ ربّ الْعالَمِينَ ) الحشر: ١٦.
و لعلّه من هنا قال بعضهم إنّ المراد بقوله:( إِنِّي كَفَرْتُ ) إلخ كفره في الدنيا على أن يكون( مِنْ قَبْلُ ) متعلّقاً بقوله:( كَفَرْتُ ) فقط، أو به و بقوله:( أَشْرَكْتُمُونِ ) على سبيل التنازع.
و بالجملة المطلوب العمدة في الآية أنّ الإنسان هو المسؤل عن عمله لأنّ
السلطان له لا لغيره فلا يلومنّ إلّا نفسه، و أمّا رابطة التابعيّة و المتبوعيّة فهي وهميّة لا حقيقة لها و سيظهر هذه الحقّيقة يوم القيامة عند ما يتبرّأ منه الشيطان و يعيد لائمته إلى نفسه كما بيّن في الآية السابقة أنّ الرابطة بين الضعفاء و المستكبرين وهميّة لا تغني عنهم شيئاً عند ما تقع إليها الحاجة يوم القيامة حين انكشاف الحقائق.
و للمفسّرين في فقرات الآية أقوال شتّى مختلفة أغمضنا عن إيرادها، و من أراد الاطّلاع عليها فليراجع مطوّلات التفاسير.
و في الآية دلالة واضحة على أنّ للإنسان سلطانا على عمله هو الّذي يوجب ارتباط الجزاء به و يسلبه عن غيره، و هو الّذي يعيد اللائمة إليه لا إلى غيره، و أمّا كونه مستقلّاً بهذا السلطان فلا دلالة فيها على ذلك البتّة، و قد تكلّمنا في ذلك في الجزء الأوّل من الكتاب في ذيل قوله:( وَ ما يُضِلُّ بِهِ إلّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦.
قوله تعالى: ( وَ أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ ) إلخ بيان ما ينتهي إليه حال السعداء من المؤمنين، و في قوله:( تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ) مقابلة حالهم من انعكاس السلام و التحيّة المباركة من بعضهم إلى بعض مع حال غيرهم المذكورين في الآيتين السابقتين من الخصام و تجبيه بعضهم بعضا بالكفر و التبرّي و الإيآس.
قوله تعالى: ( أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) ذكروا أنّ( كَلِمَةً ) بدل اشتمال من( مَثَلًا ) و( كَشَجَرَةٍ ) صفة بعد صفة لقوله( كَلِمَةً ) أو خبر مبتدإ محذوف و التقدير هي كشجرة، و قيل: إن( كَلِمَةً ) مفعول أوّل متأخر لضرب و( مَثَلًا) مفعوله الثاني قدّم لدفع محذور الفصل بين( كَلِمَةً ) و صفتها و هي( كَشَجَرَةٍ ) و التقدير ضرب الله كلمة طيّبة كشجرة طيّبة إلخ مثلاً.
و قيل:( ضَرَبَ ) متعدّ لواحد و( كَلِمَةً ) منصوب بفعل مقدّر كجعل و اتّخذ و التقدير ضرب الله مثلاً جعل كلمة طيّبة كشجرة طيّبة إلخ، و أظنّ أنّ هذا أحسن الوجوه لو وجّه بكون( كَلِمَةً طَيِّبَةً ) إلخ عطف بيان لقوله:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا )
من بيان الجملة للجملة، و يتعيّن حينئذ نصب( كَلِمَةً ) بمقدّر هو جعل أو اتّخذ لأنّ المدلول أنّه مثّل الكلمة بالشجرة و شبّهها بها و هو معنى قولنا: اتّخذ كلمة طيّبة كشجرة إلخ.
و قوله:( أَصْلُها ثابِتٌ ) أي مرتكز في الأرض ضارب بعروقه فيها، و قوله:( وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ ) أي ما يتفرّع على ذلك الأصل من أغصانها في جهة العلو فكلّ ما علا و أظلّ سماء، و قوله:( تُؤْتِي أُكُلَها كلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) أي تثمر ثمرها المأكول كلّ زمان بإذن الله، و هذا نهاية ما تفيده شجرة من البركات.
و اختلفوا في الآية أوّلاً في المراد من الكلمة الطيّبة فقيل: هي شهادة أن لا إله إلّا الله، و قيل: الإيمان، و قيل: القرآن، و قيل: مطلق التسبيح و التنزيه، و قيل: الثناء على الله مطلقا، و قيل: كلّ كلمة حسنة، و قيل: جميع الطاعات، و قيل: المؤمن.
و ثانياً في المراد من الشجرة الطيّبة فقيل: النخلة و هو قول الأكثرين، و قيل: شجرة جوز الهند، و قيل: كلّ شجرة تثمر ثمرة طيّبة كالتين و العنب و الرمّان، و قيل: شجرة صفتها ما وصفه الله و إن لم تكن موجودة بالفعل.
ثم اختلفوا في المراد بالحين فقيل: شهران، و قيل: ستّة أشهر، و قيل: سنة كاملة، و قيل: كلّ غداة و عشيّ، و قيل: جميع الأوقات.
و الاشتغال بأمثال هذه المشاجرات ممّا يصرف الإنسان عمّا يهمّه من البحث عن معارف كتاب الله و الحصول على مقاصد الآيات الكريمة و أغراضها.
و الّذي يعطيه التدبّر في الآيات أنّ المراد بالكلمة الطيّبة الّتي شبهت بشجرة طيّبة من صفتها كذا و كذا هو الاعتقاد الحقّ الثابت فإنّه تعالى يقول بعد و هو كالنتيجة المأخوذة من التمثيل:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ ) الآية و القول هي الكلمة و لا كلّ كلمة بما هي لفظ بل بما هي معتمدة على اعتقاد و عزم يستقيم عليه الإنسان و لا يزيغ عنه عملا.
و قد تعرّض تعالى لما يقرب من هذا المعنى في مواضع من كلامه كقوله:
( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ ) الأحقاف: ١٣ و قوله:( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا ) حم السجدة: ٣٠ و قوله:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) فاطر: ١٠.
و هذا القول و الكلمة الطيّبة هو الّذي يرتّب تعالى عليه تثبيته في الدنيا و الآخرة أهله و هم الّذين آمنوا ثمّ يقابله بإضلال الظالمين و يقابله بوجه آخر بشأن المشركين، و بهذا يظهر أنّ المراد بالممثّل هو كلمة التوحيد و شهادة أن لا إله إلّا الله حقّ شهادته.
فالقول بالوحدانيّة و الاستقامة عليه هو حقّ القول الّذي له أصل ثابت محفوظ عن كلّ تغيّر و زوال و بطلان و هو الله عزّ اسمه أو أرض الحقائق، و له فروع نشأت و نمت من غير عائق يعوقه عن ذلك من عقائد حقّة فرعيّة و أخلاق زاكية و أعمال صالحة يحيي بها المؤمن حياته الطيّبة و يعمر بها العالم الإنسانيّ حقّ عمارته و هي الّتي تلائم سير النظام الكونيّ الّذي أدى إلى ظهور الإنسان بوجوده المفطور على الاعتقاد الحقّ و العمل الصالح.
و الكمّل من المؤمنين و هم الّذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا فتحقّقوا بهذا القول الثابت و الكلمة الطيّبة مثلهم كمثل قولهم الّذي ثبتوا لا يزال الناس منتفعين بخيرات وجودهم و منعّمين ببركاتهم.
و كذلك كلّ كلمة حقّة و كلّ عمل صالح مثله هذا المثل، له أصل ثابت و فروع رشيدة و ثمرات طيّبة مفيدة نافعة.
فالمثل المذكور في الآية يجري في الجميع كما يؤيّده التعبير بكلمة طيّبة بلفظ النكرة غير أنّ المراد في الآية على ما يعطيه السياق هو أصل التوحيد الّذي يتفرّع عليه سائر الاعتقادات الحقّة، و ينمو عليه الأخلاق الزاكية و تنشأ منه الأعمال الصالحة.
ثمّ ختم الله سبحانه الآية بقوله:( وَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
ليتذكّر به المتذكّر أن لا محيص لمريد السعادة عن التحقّق بكلمة التوحيد و الاستقامة عليها.
قوله تعالى: ( وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) الاجتثاث الاقتلاع، يقال: جثته و اجتثته أي قلعته و اقتلعته، و الجثّ بالضمّ ما ارتفع من الأرض كالأكمة، و جثّة الشيء شخصه الناتئ. كذا في المفردات.
و الكلمة الخبيثة ما يقابل الكلمة الطيّبة و لذا اختلفوا فيها فقال كلّ قوم فيها ما يقابل ما قاله في الكلمة الطيّبة و كذا اختلفوا في المراد بالشجرة الخبيثة فقيل: هي الحنظلة، و قيل: الكشوث و هو نبت يلتفّ على الشوك و الشجر لا أصل له في الأرض و لا ورق عليه، و قيل: شجرة الثوم، و قيل: شجرة الشوك، و قيل: الطحلب، و قيل: الكمأة، و قيل: كلّ شجرة لا تطيب لها ثمرة.
و قد عرفت حال هذه الاختلافات في الآية السابقة، و عرفت أيضاً ما يعطيه التدبّر في معنى الكلمة الطيّبة و ما مثّلت به و يجري ما يقابله في الكلمة الخبيثة و ما مثلت به حرفا بحرف فإنّما هي كلمة الشرك مثّلت بشجرة خبيثة مفروضة اقتلعت من فوق الأرض ليس لها أصل ثابت و ما لها من قرار، و إذ كانت خبيثة فلا أثر لها إلّا الضرّ و الشرّ.
قوله تعالى: ( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) إلى آخر الآية الظاهر أنّ( بِالْقَوْلِ ) متعلّق بقوله:( يُثَبِّتُ ) لا بقوله:( آمَنُوا ) ، و الباء للآلة أو السببيّة لا للتعدية، و أنّ قوله:( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ ) متعلّق أيضاً بقوله:( يُثَبِّتُ ) لا بقوله:( الثَّابِتِ ) .
فيعود المعنى إلى أنّ الّذين آمنوا إذا ثبتوا على إيمانهم و استقاموا ثبّتهم الله عليه في الدنيا و الآخرة، و لو لا تثبيته تعالى لهم لم ينفعهم الثبات من أنفسهم شيئاً و لم يستفيدوا شيئاً من فوائده فإليه تعالى يرجع الأمر كلّه، فقوله تعالى:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) ، في باب الهداية يوازن قوله:( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ )
الصفّ: ٥ في باب الإضلال.
غير أنّ بين البابين فرقا و هو أنّ الهدى يبتدئ من الله سبحانه و يترتّب عليه اهتداء العبد و الضلال يبتدئ من العبد بسوء اختياره فيجازيه الله بالضلال على الضلال، كما قال:( وَ ما يُضِلُّ بِهِ إلّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦ و قد تكاثرت الآيات القرآنيّة أنّ الهداية من الله سبحانه ليس لغيره فيها صنع.
و توضيح المقام أنّ الله سبحانه خلق الإنسان على فطرة سليمة ركز فيها معرفة ربوبيّته و ألهمها فجورها و تقواها، و هذه هداية فطريّة أوّليّة ثمّ أيّدها بالدعوة الدينيّة الّتي قام بها أنبياؤه و رسله.
ثمّ إنّ الإنسان لو جرى على سلامة فطرته و اشتاق إلى المعرفة و العمل الصالح هداه الله فاهتدى العبد للإيمان عن هدايته تعالى، و أمّا جريه على سلامة الفطرة فلو سمّي اهتداء فإنّما هو اهتداء متفرّع على السلامة الفطريّة لو سمّيت هداية.
و لو انحرف الإنسان عن صراط الفطرة بسوء اختياره و جهل مقام ربّه و أخلد إلى الأرض و اتّبع الهوى و عاند الحقّ فهو ضلال منه غير مسبوق بإضلال من الله - و حاشاه سبحانه - لكنّه يستعقب إضلاله عن الطريق مجازاة و تثبيته على ما هو عليه بقطع الرحمة منه و سلب التوفيق عنه و هذا إضلال مسبوق بضلالة من نفسه بسوء اختياره و إزاغة له عن زيغ منه.
و من هنا وجه اختلاف السياق في الآيتين أمّا قوله:( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) فقد فرض فيه زيغ منهم ثمّ أزاغه منه تعالى و أمّا قوله:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) فقد فرض فيه إيمان ثابت على التثبيت و هو في نفسه يستلزم هداية منه و اهتداء منهم ثمّ اُضيف إلى ذلك القول الثابت و هو ثباتهم و استقامتهم بحسن اختيارهم على ما آمنوا به و هو فعلهم فيعقّبه الله بتثبيتهم بسبب ذاك القول الثابت و حفظهم من الزيغ و الزلل يدفع عنهم بذلك مخاطر الحياة في الدنيا و الآخرة و هذا هداية منه تعالى غير مسبوقة باهتداء من عند أنفسهم يرتبط بها فافهم ذلك.
و كيف كان فهذا التثبيت بالنظر إلى التمثيل بمنزلة إحكام الشجرة الطيّبة من جهة ثبوت أصلها في الأرض، و إذا ثبت أصل الشجرة نمت و تفرّعت بالفروع و أتت بالأثمار في كلّ حين و الدنيا و الآخرة تحاذيان:( كُلَّ حِينٍ ) فإنّ الدنيا و الآخرة تشملان جميع الأحيان فهذا ما يعطيه السياق من معنى الآية.
و قيل: إنّ المعنى يثبّت الله الّذين آمنوا و يقرّهم في كرامته و ثوابه بالقول الثابت الّذي وجد منهم و هو كلمة الإيمان لأنّه ثابت بالحجج و الأدلّة فالمراد بتثبيتهم تقريبهم منه و إسكانهم الجنّة و بثبوت قولهم تأيّده بالحجّة و البرهان، و فيه أنّه تقييد من غير مقيّد.
و قيل: المعنى أنّه يثبّتهم بالتمكين في الأرض و النصرة و الفتح و الغلبة في الدنيا و إسكان الجنّة في الآخرة. و هو بعيد من السياق.
و قوله:( وَ يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ ) ظاهر المقابلة بين الظالمين و الّذين آمنوا في الجملة السابقة أنّ المراد بهم أهل الكفر بالله و بآياته على أنّه تعالى فسّر الظالمين بقول مطلق في بعض كلامه بما يقرب منه إذ قال:( أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ) الأعراف: ٤٥.
و الجملة كالنتيجة المستخرجة من المثل الثاني المذكور:( وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) و المعنى إنّ الله يضلّ أهل الكفر بحرمانهم من صراط الهداية فلا يهتدون إلى عيشة سعيدة في الدنيا و لا إلى نعمة باقية و رضوان من الله في الآخرة فلا يوجد عندهم إن كشف عن قلوبهم إلّا الشكّ و التردّد و القلق و الاضطراب و الأسى و الأسف و الحسرة.
و قوله:( وَ يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) أي يجري تثبيت هؤلاء و إضلال اُولئك على ما تقتضيه مشيّته لا مانع له و لا دافع فلا حائل بين مشيّته و فعله.
و يظهر من ذلك أنّ الله تعالى قد شاء تثبيت هؤلاء و إضلال اُولئك و هو فاعلهما لا محالة فمن القضاء المحتوم سعادة المؤمن و شقاء الكافر و قد وردت به الرواية.
و وقوع لفظ الجلالة في قوله:( وَ يُضِلُّ اللهُ ) و قوله:( وَ يَفْعَلُ اللهُ ) من وقوع
الظاهر موقع المضمر و يدلّ على فخامة الأمر و مهابة الموقف كما قيل.
قوله تعالى: ( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ) قال في المجمع: الإحلال وضع الشيء في محلّ إمّا بمجاورة إن كان من قبيل الأجسام أو بمداخلة إن كان من قبيل الأعراض، و البوار الهلاك يقال: بار الشيء يبور بوراً إذا هلك و رجل بور أي هالك و قوم بور أيضاً. انتهى.
و قال الراغب: البوار فرط الكساد و لما كان فرط الكساد يؤدّي إلى الفساد كما قيل: كسد حتّى فسد، عبّر بالبوار عن الهلاك يقال: بار الشيء يبور بوراً و بؤراً قال عزّوجلّ:( تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ) انتهى.
و الآية تذكر حال أئمّة الكفر و رؤساء الضلال في ظلمهم و كفرانهم نعمة الله سبحانه الّتي أحاطت بهم من كلّ جهة بدل أن يشكروها و يؤمنوا بربّهم، و قد ذكر قبل كيفيّة خلقه تعالى السماوات و الأرض على غنى منه و هي نعمة، ثمّ ذكر كلمة الحقّ الّتي يدعو إليها و ما لها من الآثار الثابتة الطيّبة و هي نعمة.
و الآية مطلقة لا دليل على تقييدها بكفّار مكّة أو كفّار قريش و إن كان الخطاب فيها للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و كان في ذيلها مثل قوله:( قُلْ تَمَتَّعُوا فإنّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) لظهور أنّ ذلك لا يوجب تقييداً في الآية مع إطلاق مضمونها و شمولها للطواغيت من الاُمم و ما صنعوا بأقوامهم.
فقوله:( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) يذكر حال أئمّة الكفر و رؤساء الضلال من الاُمم السابقة و من هذه الاُمّة و الدليل على اختصاصه بهم قوله:( وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ) المشعر بكونهم نافذي الكلمة مطاعين في قومهم فهم الأئمّة و الرؤساء.
و المراد بتبديلهم نعمة الله كفراً تبديلهم شكر نعمته الواجب عليهم كفراً ففي الجملة مضاف محذوف و التقدير: بدّلوا شكر نعمة الله كفراً، و يمكن أن يراد تبديل نفس النعمة كفرا بنوع من التجوّز، و نظير الآية في هذه العناية قوله تعالى:( وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) الواقعة: ٨٢.
و ذكر إحلالهم قومهم دار البوار يستلزم إحلال أنفسهم فيها لأنّهم أئمّة الضلال ضلّوا ثمّ أضلّوا و التبعة تبعة الضلال، و نظير الآية في هذا المعنى قوله في فرعون:( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) هود: ٩٨.
و المعنى أ لم تنظر إلى الأئمّة و الرؤساء من الاُمم السابقة و من اُمّتك الّذين بدّلوا شكر نعمة الله كفرا و اتّبعتهم قومهم فحلّوا و أحلّوا قومهم دار الهلاك و هو الشقاء و النار.
قوله تعالى: ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ ) بيان لدار البوار، و احتمال بعضهم أن يكون:( جَهَنَّمَ ) منصوبا بالاشتغال و التقدير يصلون جهنّم يصلونها و الجملة مستأنفة خال عن الوجه لأنّ النصب مرجوح و لا نكتة تستوجب الاستئناف.
و من هنا يظهر فساد قول من قال إنّ الآيات مدنيّة و المراد بالّذين كفروا هم عظماء مكّة و صناديد قريش الّذين جمعوا الجموع على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و حاربوه ببدر فقتلوا و أحلّوا قومهم دار البوار.
و ذلك أنّك عرفت من معنى الآية أنّها مطلقة و لا موجب لتخصيصها بقتلى بدر من الكفّار أصلا، بل الآية تشمل كلّ إمام ضلال أحلّ قومه دار البوار ممّن تقدّم و تأخّر، و المراد بإحلال دار البوار إقرارهم في شقاء النار و إن لم يقتلوا و لا ماتوا و لا دخلوا النار بعد.
على أنّ ظاهر الآية التالية( وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فإنّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) أنّ ضمير الجمع راجع إلى الّذين كفروا المذكورين في هذه الآية و لازمه كون خطاب قل تمتّعوا خطاباً للباقين منهم و هم الّذين أسلموا يوم الفتح و هو إيعاد بشقاء قطعيّ منجّز من غير استثناء.
قوله تعالى: ( وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فإنّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) الأنداد جمع ندّ و هو المثل و هم الآلهة الّذين اتّخذوهم آلهة من دون الله من الملائكة و الجنّ و الإنس.
و إنّما جعلوها أندادا مع اعترافهم بأنّهم مخلوقون لله سبحانه من جهة أنّهم
سمّوهم آلهة و أربابا و نسبوا إليهم تدبير أمر العالم ثمّ عبدوهم خوفاً و طمعاً مع أنّ الأمر و الخلق كلّه لله و قد اعترفت بذلك فطرتهم و أيّد الله ذلك بما ألهمه أنبياءه و رسله من الآيات و الحجج الدالّة على وحدانيّته.
فهم كانوا على بصيرة من أمر التوحيد لم يتّخذوا الأنداد عن غفلة أو خطإ بل عمدوا إلى ذلك ابتغاء عرض الحياة الدنيا و ليستعبدوا الناس و يستدرّوهم بإضلالهم عن سبيل الله، و لذلك علّل اتّخاذهم الأنداد بقوله:( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) ثمّ أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يوعدهم بالنار الّتي إليها مرجعهم لا مرجع لهم سواها فقال:( قُلْ تَمَتَّعُوا فإنّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) .
و كان من طبع الكلام أن يقال لهم: اتّخذوا الأنداد أو أضلّوا عن سبيل الله فإنّ مصيركم إلى النار، لكن بدّل من قوله:( تَمَتَّعُوا ) ليصرّح بغرضهم الفاسد الّذي كانوا يخفونه ليكون أبلغ في فضاحتهم.
قوله تعالى: ( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ ) لما توعّدهم على لسان رسوله بعذاب يوم القيامة لإضلالهم الناس عن سبيل الله، أمره أن يأمر عباده الّذين آمنوا بالتزام سبيله من قبل أن يأتي يوم القيامة فلا يسعهم تدارك ما فات منهم من السعادة بشيء من الأسباب الدائرة بينهم لذلك و هي ترجع إلى أحد شيئين: إمّا المعارضة بإعطاء شيء و أخذ ما يعادله و هو البيع بالمعنى الأعمّ، و إمّا الخلّة و المحبّة، و لا أثر من هذه الأسباب في يوم محض للحساب و الجزاء فإنّ ذلك شأن يوم القيامة لا شأن له دون ذلك.
و من هنا يظهر أنّ قوله:( يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا ) بيان لسبيل الله و قد اكتفى بهذين الركنين اللّذين بهما يلحق سائر الوظائف الشرعيّة ممّا يصلح حياة الإنسان الدنيويّة فيما بينه و بين ربّه و ما بينه و بين سائر أفراد نوعه.
و قوله:( يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا ) إلخ مجزومان لوقوعهما في جواب الأمر و مقول القول محذوف لدلالة الفعلين عليه، و التقدير: قل: أقيموا الصلاة و أنفقوا
إلخ يقيموا الصلاة و ينفقوا إلخ.
و الإشكال فيه بأنّ المجزوم في جواب الأمر يجب أن يكون مترتّباً عليه و لا يلزم من الأمر بالصلاة و الإنفاق أن يطيعوا ذلك.
ساقط فإنّ اللازم فيه أن يكون الجواب ممّا يقتضيه الأمر بوجه، و أمر عباده المؤمنين و هم عباد مؤمنون ممّا يقتضي الطاعة بلا إشكال.
و الإنفاق المذكور في الآية مطلق الإنفاق في سبيل الله فإنّ السورة مكّيّة و لم تنزل آية الزكاة بعد، و المراد بالإنفاق سرّاً و علانية أن يجري الإنفاق على ما يقتضيه الأدب الدينيّ الحقّ فيسرّ به فيما يحسن الإسرار و يعلن فيما يحسن الإعلان، و المطلوب بذلك على أيّ حال الإتيان بما يصلح ما في مظنّة الفساد و يقيم أود المجتمع من اُمور المسلمين.
و لا ينافي ما في هذه الآية من نفي المخالّة قوله تعالى:( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا الْمُتَّقِينَ ) الزخرف: ٦٧ فإنّ النسبة بين الآيتين نسبة العموم و الخصوص المطلق فتخصّص هذه الآية بتلك الآية و يتحصّل المراد من الآيتين أنّ كلّ خلّة من غير جهة التقوى ترتفع يوم القيامة، و أمّا الخلّة الّتي من جهتها و هي الخلّة في ذات الله فإنّها تثبت و تنفع فنفي الخلال مطلقا ثمّ إثبات بعضه في الآيتين نظير نفي الشفاعة مطلقاً في قوله:( وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ ) البقرة: ٢٥٤ ثمّ إثباتها فيما كان بإذن الله كما في قوله:( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحقّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف: ٨٦.
و ما قيل في نفي التنافي: إنّ المراد بالخلال في الآية النافية المخالّة الّتي هي من الأسباب الدنيويّة لتدارك ما فات بخلاف ما في الآية المثبتة، و كذا ما قيل: إنّ المراد بالمخالة المنفيّة هي الّتي تكون بحسب ميل الطبع و رغبة النفس بخلاف المخالّة المثبتة فإنّها الّتي تكون في ذات الله، مرجعهما بالحقيقة إلى ما ذكرناه.
قوله تعالى: ( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ ) إلخ، لما ذكر سبحانه جعلهم لله أنداداً لإضلال الناس عن سبيل الله و أوعد عليه أورد في هذه الآية إلى تمام ثلاث آيات الحجّة على اختصاص الربوبيّة بنفسه تعالى و تقدّس من طريق اختصاص
التدبير العامّ به من نظم الخلقة و إنزال الماء و إخراج الرزق و تسخير البحار - الفلك - و الأنهار و الشمس و القمر و الليل و النهار.
و أشار في آخر الآيات إلى أنّها و ما لا تحصى من غيرها نعمة منه تعالى للإنسان لأنّ البيان في هذه السورة - كما تقدّمت الإشارة إليه - يجري في ضوء الاسمين: العزيز الحميد.
فقوله:( اللهُ الَّذِي خَلَقَ ) إلخ، في معنى قولنا: فهو الربّ وحده دون الّذين جعلتموهم أنداداً له.
و قوله:( وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ ) إلخ، المراد بالسماء جهة العلو و هو معناها اللغويّ، و الماء النازل منها هو المطر النازل منها فإليه ينتهي الماء في الأرض الّذي تعيش به ذوات الحياة من النبات و الحيوان.
قوله تعالى: ( وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ) تسخير الفلك للناس هو جعلها بحيث تنفعهم في مقاصدهم و هي العبور بأنفسهم و أحمالهم و غير ذلك من غير أن ترسب في الماء أو تمتنع عن الحركة.
و أمّا قول بعضهم: تسخيرها لهم هو إقدارهم على صنعتها و استعمالها بإلهامهم طريق ذلك بعيد، فإنّ الظّاهر من تسخير شيء للإنسان هو التصرّف فيه بجعله موافقا لما يقصده من منافع نفسه دون التصرّف في الإنسان نفسه بإلهام و نحوه.
و كان من طبع الكلام أن يقال: و سخّر لكم البحر لتجري فيه الفلك بأمره و سخّر لكم الأنهار غير أنّه عكس، و قيل: و سخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره لكون الفلك من أوضح النعم البحريّة و إن لم تنحصر فيها نعمه و لعلّ ذلك هو السبب في العكس، لأنّ المقام مقام عدّ النعمة و النعمة في الفلك أوضح و إن كانت في البحر أعظم.
و إسناد جريها في البحر إلى أمره تعالى مع كونه مستنداً إلى الأسباب الطبيعيّة العاملة كالريح و البخار و سائر الأسباب، لكونه تعالى هو السبب المحيط الّذي إليه ينتهي كلّ سبب.
و قوله:( وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ) و هي المياه الجارية في مختلف أقطار الأرض و تسخيرها هو تدليلها بحيث ينتفع بها الإنسان بالشرب و الغسل و إزالة الأوساخ و غير ذلك و يعيش بها الحيوان و النبات المسخّران له.
قوله تعالى: ( وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ ) قال الراغب: الدأب إدامة السير دأب في السير دأبا، قال تعالى:( وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ ) و الدأب العادة المستمرّة دائماً على حالة، قال تعالى:( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) أي كعادتهم الّتي يستمرّون عليها. انتهى، و معنى الآية واضح.
قوله تعالى: ( وَ آتاكُمْ مِنْ كلّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) السؤال هو الطلب و يفارقه أنّ السؤال إنّما يكون ممّن يعقل و الطلب أعمّ و إنّما تنبّه الإنسان للسؤال من جهة الحاجة الداعية إليه فأظهر له أن يرفع ما حلّت به من حاجة و كانت الوسيلة العاديّة إليه هي اللفظ فتوسّل به إليه و ربّما توسّل إليه بإشارة أو كتابة و سمّي سؤالاً حقيقة من غير تجوّز.
و إذ كان الله سبحانه هو الّذي يرفع حاجة كلّ محتاج ممّن سواه لا يتعلّق شيء بذاته فيما يحتاج إليه في وجوده و بقائه إلّا بذيل جوده و كرمه سواء أقرّ به أو أنكره و هو تعالى أعلم بهم و بحاجاتهم ظاهرة و باطنة من أنفسهم كان كلّ من سواه عاكفا على باب جوده سائلا يسأله رفع ما حلّت به من حاجة سواء أعطاه أو منعه و سواءً أجابه في جميع ما سأل أو بعضه.
هذا هو حقّ السؤال و حقيقته يختصّ به تعالى لا يتعدّاه إلى غيره، و من السؤال ما هو لفظيّ - كما تقدّم - ربّما يسأل به الله سبحانه و ربّما يسأل به غيره فهو تعالى مسئول يسأله كلّ شيء بحقيقة السؤال و يسأله بعض الناس من المؤمنين به بالسؤال اللفظيّ.
هذا بالنسبة إلى السؤال و أمّا بالنسبة إلى الإيتاء و هو الإعطاء فقد اُطلق من غير أن يقيّد باستثناء و نحوه فيدلّ على أنّه ما من سؤال إلّا و عنده إعطاء و هذه قرينة أنّ الخطاب للنوع كما يؤيّده أيضاً قوله ذيلاً:( إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) .
و المعنى أنّ النوع الإنسانيّ لم يحتج بنوعيّته إلى نعمة من النعم إلّا رفع الله حاجته إمّا كلّاً أو بعضاً و إن كان الفرد منه ربّما احتاج و سأل و لم يقض حاجته.
و هذا المعنى هو الّذي يؤيّده قوله تعالى:( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ) البقرة: ١٨٦ فقد مرّ في تفسير الآية أنّه تعالى لا يردّ دعاء من دعاه إلّا أن لا يكون دعاء حقيقة أو يكون دعاء إلّا أنّه ليس دعاءه بل دعاء غيره و الفرد من الإنسان ربّما لم يواطئ لسانه قلبه أو لغا في دعائه لكنّ النوع بنوعيّته لا يعرف هذراً و لا نفاقاً و لا يعرف ربّا غيره سبحانه فكلّما مسّته حاجة فإنّه يسأله حقيقة و لا يسأله إلّا من ربّه فجميع أدعيته مستجابة و سؤالاته مؤتاة و حاجاته مقضيّة.
و قد ظهر ممّا تقدّم أنّ( مِنْ ) في قوله:( مِنْ كلّ ما سَأَلْتُمُوهُ ) ابتدائيّة تفيد أنّ الّذي يؤتيه الله مأخوذ ممّا سألوه سواء كان جميع ما سألوه كما في بعض الموارد أو بعضه كما في بعضها الآخر، و لو كانت من تبعيضيّة لأفادت أنّه تعالى يؤتي في كلّ سؤال بعض المسؤل و الواقع خلافه كما أنّه لو قيل: و آتاكم كلّ ما سألتموه أفاد إيتاء الجميع و ليس كذلك و لو قيل: ممّا سألتموه أفاد أنّ من الجائز أن لا يستجاب بعض الأدعية و يردّ بعض الأسئلة من أصله و الآية - و هي في مقام الامتنان - تأبى ذلك.
فبالجملة معنى الآية إنّ الله تعالى أعطى النوع الإنسانيّ ما سأله فما من حاجة من حوائجه إلّا رفع كلّها أو بعضها حسب ما تقتضيه حكمته البالغة.
و ربّما قيل: إنّ تقدير الكلام: و آتاكم من كلّ ما سألتموه و ما لم تسألوه و هو مبنيّ على كون المراد بالسؤال هو السؤال اللفظيّ و قد تقدّم خلافه، و سياق الآية لا يساعد عليه.
و قوله:( وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها ) قال الراغب: الإحصاء: التحصيل بالعدد يقال: أحصيت كذا و ذلك من لفظ الحصى و استعمال ذلك فيه من حيث إنّهم كانوا يعتمدونه بالعدّ كاعتمادنا فيه على الأصابع. انتهى.
و في الجملة إشارة إلى خروج النعم عن طوق الإحصاء و لازمه كون حوائج الإنسان الّتي رفعها الله بنعمه غير مقدور للإنسان إحصاؤها.
و كيف يمكن إحصاء نعمه تعالى و عالم الوجود بجميع أجزائه و ما يلحق بها من الأوصاف و الأحوال مرتبطة منتظمة نافع بعضها في بعض متوقّف بعضها على بعض، فالجميع نعمه بالنسبة إلى الجميع و هذا أمر لا يحيط به إحصاء.
و لعلّ ذلك هو السرّ في إفراد النعمة في قوله:( نِعْمَتَ اللهِ ) فإنّ الحقّ أن ليس هناك إلّا النعمة فلا حاجة إلى تفخيمها بالجمع ليدلّ على الكثرة، و المراد بالنعمة جنس المنعم فيفيد ما يفيده الجمع.
و قوله:( إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) أي كثير الكفران يظلم نفسه فلا يشكر نعمة الله و يكفر بها فيؤدّيه ذلك إلى البوار و الخسران، أو كثير الظلم لنعم الله لا يشكرها و يكفر بها، و الجملة استئناف بياني يؤكّد بها ما يستفاد من البيان السابق، فإنّ الواقف على ما مرّ بيانه من حال نعمه تعالى و ما آتى الإنسان من كلّ ما سأله منها لا يرتاب في أنّ الإنسان و هو غافل عنها طبعاً ظالم لنفسه كافر بنعمة ربّه.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور، أخرج الترمذيّ و النسائيّ و البزّار و أبويعلى و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن حيّان و الحاكم و صحّحه و ابن مردويه عن أنس قال: اُتي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقناع من بسر فقال:( مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ - حتى بلغ -تُؤْتِي أُكُلَها كلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) . قال: هي النخلة.( وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ - حتّى بلغ -ما لَها مِنْ قَرارٍ ) . قال: هي الحنظلة.
أقول: و كون الشجرة الطيّبة هي النخلة مرويّ في عدّة روايات عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و هي لا تدلّ على أزيد من انطباق المثل عليها، و ذيل الرواية ينافي الرواية التالية.
و فيه، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قعد ناس من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فذكروا هذه الآية:( اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) فقالوا: يا رسول الله نراه الكمأة، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الكمأة من المنّ و ماؤها شفاء للعين، و العجوة من الجنّة و هي شفاء من السمّ.
أقول: و الكلام يجري في الحنظلة فإنّ لها خواصّ طبّيّة هامّة.
و فيه، أخرج البيهقيّ في سننه عن عليّ قال: الحين ستّة أشهر.
أقول: و الكلام فيه كالكلام في سابقه.
و في الكافي، بإسناده عن عمرو بن حريث قال: سألت أباعبداللهعليهالسلام عن قول الله:( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ ) قال: فقال: رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أصلها و أميرالمؤمنين فرعها و الأئمّة من ذرّيّتهما أغصانها و علم الأئمّة ثمرتها و شيعتهم المؤمنون ورقها هل في هذا فضل؟ قال: قلت: لا و الله. قال: و الله إنّ المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها، و إنّ المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها.
أقول: و الرواية مبنيّة على كون المراد بالكلمة الطيّبة هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و قد اُطلقت الكلمة في كلامه على الإنسان كقوله:( بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) آل عمران: ٤٥، و مع ذلك فالرواية من باب التطبيق و من الدليل عليه اختلاف الروايات في كيفيّة التطبيق ففي بعضها أنّ الأصل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و الفرع عليّعليهالسلام و الأغصان الأئمّةعليهالسلام و الثمرة علمهم و الورق الشيعة كما في هذه الرواية، و في بعضها أنّ الشجرة رسول الله و فرعها عليّ و الغصن فاطمة و ثمرها أولادها و ورقها شيعتنا كما فيما رواه الصدوق عن جابر عن أبي جعفرعليهالسلام ، و في بعضها أنّ النبيّ و الأئمّة هم الأصل الثابت و الفرع الولاية لمن دخل فيها كما في الكافي، بإسناده عن محمّد الحلبيّ عن أبي عبداللهعليهالسلام .
و في المجمع، روى أبوالجارود عن أبي جعفرعليهالسلام : أنّ هذا - يعني قوله:( كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ) إلخ - مثل بني اُميّة.
و في تفسير العيّاشيّ، عن عبد الرحمن بن سالم الأشلّ عن أبيه عن أبي عبداللهعليهالسلام :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) الآيتين قال: هذا مثل ضربه الله لأهل بيت نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و لمن عاداهم هو مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
أقول: قال الآلوسيّ في تفسير روح المعاني، ما لفظه: و روى الإماميّة و
أنت تعرف حالهم عن أبي جعفر رضي الله عنه تفسيرها - يعني الشجرة الخبيثة - ببني اُميّة و تفسير الشجرة الطيّبة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و عليّ كرّم الله وجهه و فاطمة رضي الله عنها و ما تولّد منهما، و في بعض روايات أهل السنّة ما يعكر على تفسير الشجرة الخبيثة ببني اُميّة، فقد أخرج ابن مردويه عن عديّ بن حاتم قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله تعالى قلب العباد ظهرا و بطنا فكان خير عباده العرب و قلب العرب ظهراً و بطنا فكان خير العرب قريشاً و هي الشجرة المباركة الّتي قال الله تعالى في كتابه( مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) لأنّ بني اُميّة من قريش. انتهى موضع الحاجة.
و هو عجيب فإنّ كون اُمّة أو طائفة مباركة بحسب طبعهم لا يوجب كون جميع الشعب المنشعبة منها كذلك فالرواية على تقدير تسليمها لا تدلّ إلّا على أنّ قريشاً شجرة مباركة و أمّا أنّ جميع الشعب المنشعبة منها مباركة طيّبة كبني عبدالدار مثلاً أو كون كلّ فرد منهم كذلك كأبي جهل و أبي لهب فلا قطعاً فأيّ ملازمة بين كون شجرة بحسب أصلها مباركة طيّبة و بين كون بعض فروعها الّتي انفصلت منها و نمت نماء فاسداً، مباركاً طيّباً؟.
و قد روى ابن مردويه هذا عن عائشة: أنّها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لأبيك و جدّك: إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن.
و روى أصحاب التفاسير كالطبريّ و غيره عن سهل بن ساعد و عبدالله بن عمر و يعلى بن مرّة و الحسين بن عليّ و سعيد بن المسيّب: أنّهم الّذين نزل فيهم قوله تعالى:( وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الّتي أَرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) الآية، و لفظ سعد: رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتّى مات، و أنزل الله:( وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا ) الآية.
و ستأتي الرواية عن عمر و عن عليّ: في تفسير قوله:( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) أنّهم الأفجران من قريش بنو المغيرة و بنو اُميّة.
و في تفسير العيّاشيّ، عن صفوان بن مهران عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: الشيطان
ليأتي الرجل من أوليائنا فيأتيه عند موته و يأتيه عن يمينه و عن يساره ليصدّه عمّا هو عليه فيأبى الله ذلك و كذلك قال الله:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ ) .
وفيه عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللهعليهماالسلام قالا: إذا وضع الرجل في قبره أتاه ملكان ملك عن يمينه و ملك عن شماله و اُقيم الشيطان بين يديه عيناه من نحاس فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الّذي خرج من بين ظهرانيّكم يزعم أنّه رسول الله؟ فيفزع لذلك فزعة فيقول إن كان مؤمناً: محمّد رسول الله فيقال عند ذلك: نم نومة لا حلم فيها و يفسح له في قبره تسعة أذرع و يرى مقعده من الجنّة و هو قول الله:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) و إن كان كافراً قالوا: من هذا الرجل الّذي كان بين ظهرانيّكم يقول: إنّه رسول الله؟ فيقول: ما أدري فيخلّى بينه و بين الشيطان.
و في الدرّ المنثور، أخرج الطيالسيّ و البخاريّ و مسلم و أبوداود و الترمذيّ و النسائيّ و ابن ماجة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن البراء بن عازب أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلّا الله و أنّ محمّداً رسول الله فذلك قوله سبحانه:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ ) .
و فيه، أخرج الطبرانيّ في الأوسط و ابن مردويه عن أبي سعيد الخدريّ سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول في هذه الآية:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ ) قال: في الآخرة القبر.
أقول: و هناك روايات كثيرة من طرق الشيعة و أهل السنّة وردت في تفصيل سؤال القبر و إتيان الملكين منكر و نكير و ثبات المؤمن و ضلال الكافر عند ذلك و قد وقع في كثير منها التمسّك بالآية.
و ظاهرها أنّ المراد بالآخرة هو القبر و عالم الموت، و لعلّ ذلك مبنيّ على ظاهر معنى التثبيت فإنّ الظاهر من إعطاء الثبات أن يكون في مقام يجوز فيه
الزلل و الخبط، و هذا إنّما يتصوّر في غير يوم القيامة الّذي ليس فيه إلّا المجازاة بالأعمال و أمّا بالنظر إلى أنّ كلّ ثابت في الوجود فإنّما ثباته بالله سبحانه سواء كان ممّا يجوز عليه الزوال أم لا فلا فرق بين البرزخ و القيامة في أنّ المؤمن ثابت بتثبيت الله سبحانه و الأولى أخذ الروايات من قبيل التطبيق.
و في تفسير العيّاشيّ، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أميرالمؤمنينعليهالسلام في قوله:( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) قال: نحن نعمة الله الّتي أنعم الله بها على العباد.
أقول: و هو من الجري و التطبيق.
و فيه، عن معصم المسرف عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في قوله:( وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ) قال: هما الأفجران من قريش بنو اُميّة و بنو المغيرة.
أقول: و رواه أيضاً في البرهان، عن ابن شهر آشوب عن أبي الطفيل عنهعليهالسلام .
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبرانيّ في الأوسط و ابن مردويه و الحاكم و صحّحه من طرق عن عليّ بن أبي طالب في قوله:( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) قال: هما الأفجران من قريش بنو اُميّة و بنو المغيرة فأما بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر و أمّا بنو اُميّة فمتعوا إلى حين.
أقول: و هو مرويّ عن عمر كما يأتي.
و فيه، أخرج البخاريّ في تاريخه و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه عن عمر بن الخطّاب في قوله:( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) قال: هما الأفجران من قريش بنو المغيرة و بنو اُميّة، فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، و أمّا بنو اُميّة فمتّعوا إلى حين.
و فيه، أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس: أنّه قال لعمر: يا أمير المؤمنين هذه الآية:( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) قال: هم الأفجران من قريش أخوالي و أعمامك فأمّا أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر و أمّا أعمامك فأملى الله لهم إلى حين.
و في تفسير العيّاشيّ، عن ذريح عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: سمعته يقول: جاء ابن الكوّاء إلى أميرالمؤمنينعليهالسلام فسأله عن قول الله:( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا ) الآية قال: تلك قريش بدّلوا نعمة الله كفرا و كذّبوا نبيّه يوم بدر.
أقول: و اختلاف التطبيق في كلامهعليهالسلام من الشاهد على أنّه من باب بيان انطباق الآية لا من قبيل سبب النزول.
و في الكافي، عن عليّ بن محمّد عن بعض أصحابه رفعه قال: كان عليّ بن الحسينعليهالسلام إذا قرأ هذه الآية:( وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها ) يقول: سبحان الّذي لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلّا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد( من ) معرفة إدراكه أكثر من العلم أنّه لا يدركه فشكر جلّ و عزّ معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره فجعل معرفتهم بالتقصير شكرا كما علم علم العالمين أنّهم لا يدركونه فجعله علما. الحديث.
( سورة إبراهيم الآيات ٣٥ - ٤١)
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ( ٣٥ ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٣٦ ) رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( ٣٧ ) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ( ٣٨ ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ( ٣٩ ) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ( ٤٠ ) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ( ٤١ )
( بيان)
تتضمن الآيات تذكرة ثانية بجملة من نعمه عقيب التذكرة الاُولى الّتي يتضمّنها قوله:( وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) الآية فذكر سبحانه أوّلاً نعمته على جمع من عباده المؤمنين و هم بنو إسرائيل من ولد إبراهيم ثمّ ذكر ثانياً نعمته على جمع آخر منهم و هم بنو إسماعيل من ولد إبراهيم و هي الّتي يتضمّنها دعاء إبراهيمعليهالسلام :( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ) إلى آخر دعائه و فيها نعمة توفيقه تعالى لهم أن يجتنبوا عبادة الأصنام و نعمة الأمن بمكّة و ميل الأفئدة إلى أهله و رزقهم من الثمرات و غير ذلك كلّ ذلك لأنّ الله سبحانه هو العزيز الحميد.
قوله تعالى: ( وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ربّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ) أي و اذكر إذ قال إبراهيم و الإشارة إلى مكّة شرّفها الله تعالى.
و قد حكى الله سبحانه نظير هذا الدعاء على اختصار فيه عن إبراهيمعليهالسلام في موضع آخر بقوله:( وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ربّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ) البقرة: ١٢٦.
و من الممكن أن يستفاد من اختلاف المحكيّين في التعبير أعني قوله:( اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ) و قوله:( اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ) أنّهما دعاءان دعاعليهالسلام بهما في زمانين مختلفين، و أنّه بعد ما أسكن إسماعيل و اُمّه أرض مكّة و رجع إلى أرض فلسطين ثمّ عاد إليهما وجد من إقبال جرهم إلى مجاورتهما مكاناً ما سرّ بذلك فدعا عند ذلك مشيراً إلى مكانهم( رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ) فسأل ربّه أن يجعل المكان بلداً و لم يكن به و أن يرزق أهله المؤمنين من الثمرات، ثمّ لما عاد إليهم بعد ذلك بزمان وجد المكان بلدا فسأل ربّه أن يجعل البلد آمنا.
و ممّا يؤيّد كونهما دعاءين ما فيهما من الاختلاف من غير هذه الجهة ففي آية البقرة الدعاء لأهل البلد بالرزق من الثمرات و في الآيات المبحوث عنها الدعاء بذلك لذرّيّته خاصّة مع اُمور اُخرى دعا بها لهم.
و على هذا يكون هذا الدعاء المحكيّ عن إبراهيمعليهالسلام في هذه الآيات آخر ما أورده الله تعالى في كتابه من كلام إبراهيمعليهالسلام و دعائه، و قد دعا به بعد ما أسكن إسماعيل و اُمّه بها و جاورتهما قبيلة جرهم و بنى البيت الحرام و بنيت بلدة مكّة بأيدي القاطنين هناك كما تدلّ عليه فقرات الآيات.
و على تقدير أن يكون المحكيّان دعاء واحداً يكون قوله:( رَبِّ اجْعَلْ ) إلخ تقديره: ربّ اجعل هذا البلد بلداً آمنا و قد حذف في إحدى الآيتين المشار إليه و في الاُخرى الموصوف اختصاراً.
و المراد بالأمن الّذي سألهعليهالسلام الأمن التشريعيّ دون التكوينيّ - كما
تقدّم في تفسير آية البقرة - فهو يسأل ربّه أن يشرع لأرض مكّة حكم الحرمة و الأمن، و هو - على خلاف ما ربّما يتوهّم - من أعظم النعم الّتي أنعم الله بها على عباده فإنّا لو تأمّلنا هذا الحكم الإلهيّ الّذي شرعه إبراهيمعليهالسلام بإذن ربّه أعني حكم الحرمة و الأمن و أمعنّا فيما يعتقده الناس من تقديس هذا البيت العتيق و ما أحاط به من حرم الله الآمن و قد ركز ذلك في نفوسهم منذ أربعة آلاف سنة حتّى اليوم وجدنا ما لا يحصى من الخيرات و البركات الدينيّة و الدنيويّة عائدة إلى أهلها و إلى سائر أهل الحقّ ممّن يحنّ إليهم و يتعلّق قلبه بهم، و قد ضبط التاريخ من ذلك شيئاً كثيراً و ما لم يضبط أكثر فجعله تعالى مكّة بلداً آمنا من النعم العظيمة الّتي أنعم الله بها على عباده.
قوله تعالى: ( وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ربّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ - إلى قوله -غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقال: جنبه و أجنبه أي أبعده، و سؤالهعليهالسلام أن يجنبه الله و يبعده و بنيه من عبادة الأصنام لواذ و التجاء إليه تعالى من الإضلال الّذي نسبه إليهنّ في قوله:( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ ) إلخ.
و من المعلوم أنّ هذا الإبعاد و الإجناب منه تعالى كيفما كان و أيّاً مّا كان تصرّف مّا و تأثير منه تعالى في عبده بنحو، غير أنّه ليس بنحو يؤدّي إلى الإلجاء و الاضطرار و لا ينجرّ إلى القهر و الإجبار بسلب صفة الاختيار منه إذ لا مزية لمثل هذا الابتعاد حتّى يسأل ذلك مثل إبراهيم خليل الله.
فرجع بالحقّيقة إلى ما تقدّم في قوله تعالى:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) الآية، أنّ كلّ خير من فعل أو ترك فإنّه منسوب إليه تعالى أوّلاً، ثمّ إلى العبد ثانياً بخلاف الشرّ من فعل أو ترك فإنّه منسوب إلى العبد ابتداء و لو نسب إليه تعالى فإنّما ينسب إذا كان على سبيل المجازاة، و قد أوضحنا ذلك.
فالاجتناب من عبادة الأصنام إنّما يتحقّق عن إجناب من الله رحمة منه لعبده و عناية، و ليس في الحقّيقة إلّا أمراً تلبّس و اتّصف به العبد غير أنّه إنّما يملكه بتمليك الله سبحانه فهو المالك له بذاته و العبد يملكه بأمر منه و إذن كما أنّ العبد
إنّما يهتدي عن هداية من الله، و ليس هناك إلّا هدى واحد لكنّه مملوك لله سبحانه لذاته و العبد إنّما يملكه بتمليك منه سبحانه، و أبسط كلمة في هذا المعنى ما وقع في أخبار آل العصمة أنّ الله يوفق عبده لفعل الخير و ترك الشرّ هذا.
فتلخّص أنّ المراد بقولهعليهالسلام ( وَ اجْنُبْنِي ) سؤال ما لله سبحانه من الصنع في ترك العبد عبادة الأصنام و بعبارة اُخرى هو يسأل ربّه أن يحفظه و بنيه من عبادة الأصنام و يهديهم إلى الحقّ إن هم عرضوا أنفسهم لذلك و أن يفيض عليهم إن استفاضوا لا أن يحفظهم منها سواء عرضوا لذلك أنفسهم أو لم يعرضوا و أن يفيض عليهم سواء استفاضوا أو امتنعوا فهذا معنى دعائهعليهالسلام .
و منه يعلم أنّ نتيجة الدعاء لبعض المدعوّين لهم و إن كان بلفظ يستوعب الجميع، و هذا البعض هم المستعدّون لذلك دون المعاندين و المستكبرين منهم و سنزيده بيانا.
ثمّ هوعليهالسلام يدعو بهذا الدعاء لنفسه و بنيه:( وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) و بنوه جميع من جاء من نسله بعده و هم بنو إسماعيل و بنو إسحاق فإنّ الابن كما يطلق على الولد من غير واسطة كذلك يطلق على غيره، و يصدّق ذلك القرآن الكريم قال تعالى:( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ) الحج: ٧٨ و قد تكرّر إطلاق بني إسرائيل على اليهود في نيّف و أربعين موضعاً من كلامه تعالى.
فهوعليهالسلام يسأل البعد عن عبادة الأصنام لنفسه و لجميع من بعده من بنيه بالمعنى الّذي تقدّم، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ قرائن الحال و المقال تدلّ على اختصاص الدعاة بآل إسماعيل القاطنين بالحجاز فلا يعمّ بني إسحاق.
ثمّ عقّبعليهالسلام دعاءه:( وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) بقوله:( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) و هو في مقام التعليل لدعائه و قد أعاد النداء( رَبِّ ) إثارة للرحمة الإلهيّة، أي إنّي إنّما أسألك أن تبعدني و بنيّ عن عبادتهنّ لأنّهنّ أضللن كثيراً من الناس و نسبة الإضلال إلى الأصنام لمكان الربط الّذي بين الضلال و بينهنّ و إن لم يكن ارتباطاً شعوريّاً و ليس من اللازم في نسبة أي فعل أو أثر
إلى شيء أن يقوم به قياماً شعوريّاً و هو ظاهر.
ثمّ قولهعليهالسلام :( فَمَنْ تَبِعَنِي فإنّه مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) تفريع على ما تقدّم من كلامه أي إذا كان كثير من النّاس أضلّتهم الأصنام بعبادتهنّ و استعذت بك و عرضت نفسي و بنيّ عليك أن تجنبنا من عبادتهنّ افترقنا نحن و الناس طائفتين: الضالّون عن طريق توحيدك و العارضون لأنفسهم على حفظك و إجنابك فمن تبعني إلخ.
و قد عبّرعليهالسلام في تفريعه بقوله:( فَمَنْ تَبِعَنِي ) و الاتّباع إنّما يكون في طريق - و قد لوّح إلى الطريق أيضاً بقوله:( أَضْلَلْنَ ) لأنّ الضلال إنّما يكون عن الطريق - فمراده باتّباعه التديّن بدينه و السير بسيرته لا مجرّد الاعتقاد بوحدانيّته تعالى بل سلوك طريقته المبنيّة على توحيد الله سبحانه ليكون في ذلك عرض النفس على رحمته تعالى و إجنابه من عبادة الأصنام.
و من الدليل على كون المراد بالاتّباع هو سلوك سبيله قوله في ما يعادله من كلامه:( وَ مَنْ عَصانِي ) فإنّه نسب العصيان إلى نفسه و لم يقل: و من كفر بك أو عصاك أو فسق عن الحقّ و نحو ذلك كما لم يقل فمن آمن بك أو أطاعك أو اتّقاك و ما أشبهه.
فمراده باتّباعه سلوك طريقه و التديّن بجميع ما أتى به من الاعتقاد و العمل و بعصيانه ترك سيرته و ما أتى به من الشريعة اعتقاداً و عملاً كأنّهعليهالسلام يقول: من تبعني و عمل بشريعتي و سار بسيرتي فإنّه ملحق بي و من أبنائي تنزيلاً أسألك أن تجنبني و إيّاه أن نعبد الأصنام، و من عصاني بترك طريقتي كلّها أو بعضها سواء كان من بنيّ أو غيرهم فلا اُلحقه بنفسي و لا أسألك إجنابه و إبعاده بل اُخلّي بينه و بين مغفرتك و رحمتك.
و من هنا يظهر أوّلاً أنّ قولهعليهالسلام :( فَمَنْ تَبِعَنِي فإنّه مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) تفسير لقوله:( وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) بالتصرّف في البنين تعميماً و تخصيصاً فهو كتعميم البنين لكلّ من تبعه من جهة و تخصيصه بالعاصين له منهم من جهة اُخرى فليسوا منه و لا ملحقين به، و بالجملة هوعليهالسلام يلحق
الّذين اتّبعوه من بعده بنفسه و أمّا غير متّبعيه فيخلّي بينهم و بين ربّهم الغفور الرحيم كما قال تعالى:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النبيّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) آل عمران: ٦٨.
و هذه التوسعة و التضييق منهعليهالسلام نظير مجموع ما وقع منه و من ربّه في الفقرة الاُخرى من دعائه على ما يحكيه آية البقرة:( وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ) حيث سأل الرزق أوّلاً لأهل البلد ثمّ خصّه لمن آمن منهم فعمّمه الله سبحانه بقوله:( وَ مَنْ كَفَرَ ) ثانياً.
و ثانياً: أنّ من الممكن أن يستفاد من قولهعليهالسلام فيمن تبعه: إنّه منّي و سكوته فيمن عصاه بعد ما كان دعاؤه في نفسه و بنيه أنّ ذلك تبنّ منه لكلّ من تبعه و إلحاق له بنفسه، و نفي لكلّ من عصاه عن نفسه و إن كان من بنيه بالولادة، أو إلحاق لتابعيه بنفسه مع السكوت عن غيرهم بناء على عدم صراحة السكوت في النفي.
و لا إشكال في ذلك بعد ظهور الدليل فإنّ الولادة الطبيعيّة لا يجب أن تكون هي الملاك في النسب إثباتاً و نفياً، و لا تجد واحدة من الاُمم يقتصرون في النسب إثباتاً و نفياً على مجرّد الولادة الطبيعيّة لا بل لا يزالون يتصرّفون بالتوسعة و التضييق و للإسلام أيضاً تصرّفات في ذلك كنفي الدعيّ و المولود من الزنا و الكافر و المرتدّ و إلحاق الرّضيع و المولود على الفراش إلى غير ذلك، و في كلامه تعالى في ابن نوح:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) هود: ٤٦.
و ثالثاً: أنّهعليهالسلام و إن لم يسأل المغفرة و الرحمة صريحاً لمن عصاه و إنّما عرضهم للمغفرة و الرحمة بقوله:( وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لكنّه لا يخلو عن إيماء ما إلى الطلب لمن ترك طريقته و سيرته الّتي تعدّ الإنسان للرحمة الإلهيّة بحفظه من عبادة الأصنام، و هذا المقدار من المعصية لا يمنع عن شمول الرحمة و إن لم يكن مقتضيا أيضاً لذلك، و ليس المراد به نفس الشرك بالله حتّى ينافي سؤال المغفرة
كما قال تعالى:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) النساء: ١١٦.
هذا محصّل ما يعطيه التدبّر في الآيتين الكريمتين و هو في معزل عمّا استشكله المفسّرون في أطراف الآيتين ثمّ ذهبوا في التخلّص عنه مذاهب شتّى بعيدة عن الذوق السليم.
فقد استشكلوا أوّلاً قولهعليهالسلام :( وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) من حيث إنّ ظاهره سؤال الحفظ عن عبادة الأصنام لنفسه و لبنيه جميعاً فيكون دعاء غير مستجاب فإنّ قريشاً من بنيه و قد كانوا وثنيّين يعبدون الأصنام، و كيف يمكن أن يدعو مثل الخليلعليهالسلام ثمّ لا يستجاب له؟ أم كيف يمكن أن يذكر تعالى دعاءه و هو لغو غير معنيّ به ثمّ لا يذكر ردّه على خلاف مسلك القرآن في جميع المواضع المشابهة؟ ثمّ كيف يمكن أن يسأل لنفسه المصونيّة و العصمة عن عبادة الأصنام و هو نبيّ و الأنبياء معصومون؟
و قد قيل في الجواب عن إشكال عدم استجابة دعائه في بنيه أنّ المراد ببنيه أبناؤه بلا واسطة كإسماعيل و إسحاق و غيرهما و قد استجيب دعاؤه فيهم، و قيل: المراد الموجودون من بنيه وقت الدعاء و هم موحّدون، و قيل: إنّ الله قد استجاب دعاءه في بعض بنيه دون بعض و لا نقص فيه.
و قيل: إنّ المشركين من بنيه لم يكونوا يعبدون الأصنام و إنّما كانوا يتّخذونها شفعاء، و قيل: إنّهم كانوا يعبدون الأوثان دون الأصنام و بينهما فرق فإنّ الأصنام هي التماثيل المصوّرة و الأوثان هي التماثيل غير المصوّرة، و قيل: إنّهم ما كانوا يعبدون الأصنام بل كان الواحد منهم ينصب حجراً و يقول: هذا حجر و البيت حجر، فكان يدور حوله و يسمّونه الدوار.
و سقوط هذه الوجوه ظاهرة: أمّا الأوّل و الثاني فلكونهما خلاف ظاهر اللفظ و أمّا الثالث فلأنّ الإشكال ليس في ورود نقص على النبيّ بعدم استجابة دعائه أو بعضه لحكمة بل من جهة منافاته لمسلك القرآن في حكاية لغو الكلام من غير ردّه،
و أمّا باقي الوجوه فلأنّ ملاك الضلال في عبادة الأصنام هو شرك العبادة و هو موجود في جميع ما افترضوه من الوجوه.
و قيل في الجواب عن إشكال سؤال النبيّ الإبعاد و الإجناب عن الشرك و هو نبيّ معصوم: أنّ المراد الثبات و الدوام على ذلك، و قيل إنّهعليهالسلام ذكر ذلك هضما لنفسه و إظهاراً للحاجة إلى فضله تعالى، و قيل: المراد سؤال الحفظ عن الشرك الخفيّ و إلّا فالأنبياء مصونون عن الشرك الجليّ هذا.
و هذه وجوه رديّة، أمّا الأوّل فلأنّه لا ينحسم به مادّة الإشكال إذ العصمة و المصونيّة كما أنّها لازمة للنبوّة حدوثا لازمة لها بقاء فلو لم يصحّ للنبيّ أن يسأل حدوثها لمكان اللزوم لم يصحّ له أن يسأل بقاءها لذلك بعينه، و الأصل في جوابهم هذا أنّهم يزعمون انفصال الفيض عن المفيض و استقلال المستفيض فيما استفاضه بمعنى أنّ الله سبحانه إذا أفاض بشيء على شيء خرج ما أفاضه من ملكه و وقع في ملك المستفيض و لا معنى للسؤال ممّن لا يملك و إذا قضى سبحانه بشيء حدوثا أو بقاء قضاء حتم لا يتغيّر عمّا هو عليه فإنّه لا يتعلّق على خلافه قدرة و لا مشيّة و هو خطأ فإنّ الحاجة من جانب المستفيض باقية على حالها قبل الإفاضة لا تختلف أصلا و ملكه تعالى باق بعد الإفاضة على ما كان عليه قبلها و لا يزال سبحانه قادراً له أن يشاء ما يشاء و إن كان لا يشاء فيما قضى بخلافه قضاء حتم، و السؤال و الطلب من آثار الحاجة لا من آثار الفقدان فافهم ذلك و قد أشبعنا القول في هذا المعنى في المباحث المتقدّمة مراراً.
و أمّا الثاني فلأنّ هضم النفس إنّما يستقيم في غير الضروريّات و أمّا الاُمور الضروريّة فلا، فلا معنى لقول القائل: لست إنساناً و هو يريد نفي الماهيّة هضما لنفسه اللّهمّ إلّا أن يريد نفي الكمال و كذا القول في إظهار الحاجة و هم لا يرون في الاُمور الضروريّة المحتومة كالعصمة في الأنبياء حاجة.
و أمّا الثالث فلأنّ الشرك الخفيّ هو الركون و التوجّه إلى غير الله على مراتبه، و إبراهيمعليهالسلام يعلّل قوله:( وَ اجْنُبْنِي ) إلخ بقوله( إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ ) إلخ
فهو إنّما يسأل الإبعاد من عبادة هذه الأصنام و هي الشرك الجليّ دون الحفظ عن الركون و التوجّه إلى غير الله تعالى اللّهمّ إلّا أن يدّعى أنّ المراد بالصنم كلّ ما يتوجّه إليه غير الله سبحانه، و كذا المراد بالعبادة مطلق التوجّه و الالتفات و هو دعوى لا دليل عليها.
ثمّ استشكلوا في قولهعليهالسلام ( وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) من حيث اشتماله على طلب المغفرة للمشركين، و لا تتعلّق المغفرة بالشرك بنصّ قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) الآية.
و قد قيل في الجواب عن الإشكال: إنّ الشرك كان جائز المغفرة في الشرائع السابقة و إنّما رفع ذلك في هذه الشريعة بقوله:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) الآية فإبراهيمعليهالسلام جرى في دعائه على ما كان عليه الأمر في شريعته.
و قيل: إنّ المراد: و من عصاني فإنّك غفور رحيم له بعد توبته ففي الكلام قيّد محذوف، و قيل: المراد و من عصاني و أقام على الشرك فإنّك غفور رحيم بأن تنقله من الشرك إلى التوحيد فتغفر له و ترحمه.
و قيل: المراد بالمغفرة و الرحمة الستر على الشرك في الدنيا و الرحمة بعدم معاجلة العقاب فالمعنى و من عصاني بالإقامة على الشرك فاستر عليه ذلك و ارحمه بتأخير العقاب عنه، و قيل: إنّ الكلام على ظاهره و كان ذلك منهعليهالسلام قبل أن يعلم أنّ الله لا يغفر الشرك، و لا نقص بجهل ذلك لأنّ مغفرة الشرك جائزة عقلاً و إنّما منع منها الدليل السمعيّ و ليس من الواجب أن يعلم بجميع الأدلّة السمعيّة في يوم واحد، و قيل: المراد بالمعصية ما دون الشرك.
و هذه أجوبة فاسدة أمّا الأوّل فلأنّ دعوى كون الشرك جائز المغفرة في الشرائع السابقة دعوى لا دليل عليها بل الدليل على خلافها فقد خاطب الله آدمعليهالسلام بمثل قوله: - و هو أوّل الشرائع السابقة -( وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) البقرة: ٣٩، و حكى عن المسيحعليهالسلام و شريعته آخر الشرائع السابقة قوله:( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ
الْجنّة وَ مَأْواهُ النَّارُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) المائدة: ٧٢، و التدبّر في آيات القيامة و الجنّة و النار و في آيات الشفاعة و في دعوات الأنبياء المحكيّة في القرآن لا يدع شكّا في أنّ الشرك لا نجاة لصاحبه بشفاعة أو غيره إلّا بالتوبة قبل الموت.
و أمّا الثاني فلأنّ تقييد المغفرة و الرحمة بالتوبة تقييد من غير مقيّد على أنّ تقييد المعصية بالتوبة يفسد المعادلة في قوله:( فَمَنْ تَبِعَنِي فإنّه مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي ) إلخ، فإنّ العاصي التائب يعود ممّن تبعه و يلحق بهعليهالسلام فلا يبقى للمعادلة أزيد من طرف واحد.
و أمّا الثالث و الرابع فلما فيهما من ارتكاب خلاف الظاهر فإنّ ظاهر طلب المغفرة للعاصي أن يغفر الله له حينما هو عاص لا أن يغفر الله له بعد خروجه بالتوبة عن المعصية إلى الطاعة و كذا ظاهر مغفرة العصيان رفع تبعات معصيته مطلقاً أو في الآخرة، و أمّا رفع التبعة الدنيويّة فقط فأمر بعيد عن الفهم.
و أمّا الخامس فهو أبعد الوجوه، و كيف يجوز الاجتراء على مثل الخليلعليهالسلام و هو في أواخر عمره - كما تقدّم - أن يجهل ما هو من واضحات المعارف الدينيّة ثمّ يجري على جهله فيشفع عند ربّه للمشركين و يسأل لهم المغفرة من غير أن يستأذن الله في ذلك و لو استأذنه لأنبأه أنّ ذلك ممّا لا يكون ثمّ يورد الله سبحانه في كلامه ما ارتكبه من لغو الكلام جهلاً و لا يردّه ببيان ما هو الحقّ في ذلك، و قد اعتذر سبحانه عن استغفاره لأبيه المشرك و رفع عن ساحته كلّ غميضة فيما قال:( وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنّه عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) التوبة: ١١٤.
و أمّا السادس فتقييد المعصية بما دون الشرك تقييد من غير مقيّد، اللّهمّ إلّا أن يقرّر بما يرجع إلى ما قدّمناه.
فهذه جملة ما ذكره المفسّرون في ذيل الآيتين أوردناها ملخّصه و قد وقعوا فيما وقعوا لإهمالهم تحقيق القول في معنى حفظه تعالى عن الشرك، و معنى تفرّع قوله:( فَمَنْ تَبِعَنِي فإنّه مِنِّي ) إلخ على ما تقدّمه.
قوله تعالى: ( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) إلى آخر الآية( مِنْ ذُرِّيَّتِي ) في تأويل مفعول( أَسْكَنْتُ ) أو سادّ مسدّه و( مِنْ ) فيه للتبعيض و مرادهعليهالسلام ببعض ذرّيّته ابنه إسماعيل و من سيولد له من الأولاد دون إسماعيل وحده بدليل قوله: بعد( رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) .
و المراد بغير ذي زرع غير المزروع و هو آكد و أبلغ لأنّه يدلّ - كما قيل - على عدم صلاحيته لأنّ يزرع لكونه أرضا حجريّة رمليّة خالية عن الموادّ الصالحة للزرع و هذا كقوله:( قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) .
و نسبة البيت إلى الله سبحانه لأنّه مبنيّ لغرض لا يصلح إلّا له تعالى و هو عبادته، و كونه محرّماً هو ما جعل الله له من الحرمة تشريعاً و الظرف أعني قوله( عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) متعلّق بقوله( أَسْكَنْتُ ) .
و هذه الجملة من دعائهعليهالسلام أعني قوله:( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ - إلى قوله -الْمُحَرَّمِ ) من الشاهد على ما قدّمناه من أنّهعليهالسلام إنّما دعا بهذا الدعاء في أواخر عمره بعد ما بنى الكعبة و بنى الناس بلدة مكّة و عمروها كما أنّ من الشاهد عليه أيضاً قوله:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ ) .
و بذلك يندفع ما ربّما يستشكل فيقال: كيف سمّاه بيتاً و قال أسكنت من ذرّيّتي عنده و لم يبنه بعد؟ كأنّ السائل يقدّر أنّه إنّما دعا به يوم أتى بإسماعيل و اُمّه إلى أرض مكّة و كانت أرضاً قفراء لا أنيس بها و لا نبت.
و لا حاجة إلى دفعه بأنّه كان يعلم بما علّمه الله أنّه سيبني هناك بيتاً لله أو بأنّ البيت كان قبل ذلك و إنّما خرّبه بعض الطوائف أو رفعه الله إلى السماء في الطوفان و ليت شعري إذا اندفع بهما هذا الإشكال فكيف يندفع بهما ما يتوجّه من الإشكال على هذا التقدير إلى ظاهر قوله:( ربّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ) و ظاهر قوله:( وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ ) .
و قوله:( رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) بيان لغرضه من إسكانهم هناك، و هو بانضمام ما تقدّم من قوله:( بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) و ما يعقّبه من قوله:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ
تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ) يفيد أنّهعليهالسلام إنّما اختار وادياً غير ذي زرع أعزل من أمتعة الحياة من ماء عذب و نبات ذي خضرة و شجر ذي بهجة و هواء معتدل خالياً من السكنة ليتمحّضوا في عبادة الله من غير أن يشغلهم شواغل الدنيا.
و قوله:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) إلخ من الهويّ بمعنى السقوط أي تحنّ و تميل إليهم بالمساكنة معهم أو بالحجّ إلى البيت فيأنسوا بهم، و ارزقهم من الثمرات، بالنقل إليهم تجارة لعلّهم يشكرون.
قوله تعالى: ( رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ ) إلى آخر الآية معناه ظاهر، و قوله:( وَ ما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ ) من تمام كلام إبراهيمعليهالسلام أو من كلامه تعالى، و على الأوّل ففي قوله:( عَلَى اللهِ ) التفات وجهه الإشارة إلى علّة الحكم كأنّه قيل: إنّك تعلم ما نخفي و ما نعلن لأنّك الله الّذي ما يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء، و لا يبعد أن يستفاد من هذا التعليل أنّ المراد بالسماء ما هو خفيّ علينا غائب عن حسّنا و الأرض بخلافه فافهم ذلك.
قوله تعالى: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ) كالجملة المعترضة بين فقرات دعائه دعاه إلى إيراده تذكّره في ضمن ما أورده من الأدعية عظيم نعمة الله عليه إذ وهب له ولدين صالحين مثلهما بعد ما انقطع عنه الأسباب العاديّة المؤدّية إلى ظهور النسل، و أنّه إنّما وهبهما له باستجابة دعائه للولد فحمد الله على ما وهبهما و أثنى عليه على استجابة دعائه في ذلك.
قوله تعالى: ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ الكلام ) في استناد إقامته الصلاة إلى الله سبحانه نظير الكلام في استناد إجنابه أن يعبد الأصنام فإنّ لإقامة الصلاة نسبة إليه تعالى بالإذن و المشيّة كما أنّ لها نسبة إلى العبد بالتصدّي و العمل و قد مرّ الكلام فيه.
و هذه الفقرة ثاني دعاء يشترك فيه هوعليهالسلام و ذرّيّته و يعقّب في الحقّيقة قوله أوّلاً:( وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) كما يلحق به دعاؤه الثالث المشترك فيه:( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) .
و قد أفرد نفسه في جميع الفقرات الثلاث عن غيره إذ قال:( وَ اجْنُبْنِي ) و( اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ) ( اغْفِرْ لِي ) لأنّ مطلوبه لحوق ذرّيّته به كما قال في موضع آخر:( وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) الشعراء: ٨٤ و في موضع آخر كما حكاه الله بقوله:( وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي ) البقرة: ١٢٤.
و أمّا قوله في الفقرة الاُولى( وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ ) و ههنا( اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي ) فقد تقدّم أنّ المراد ببنيه بعضهم لا جميعهم فتتطابق الفقرتان.
و من تطابق الفقرتين أنّه أكّد دعاءه في هذه الفقرة بقوله:( رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ ) فإنّ سؤال تقبّل الدعاء إلحاح و إصرار و تأكيد كما أنّ التعليل في الفقرة الاُولى، بقوله:( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) تأكيد في الحقّيقة لما فيها من الدعاء، بقوله:( وَ اجْنُبْنِي ) إلخ.
قوله تعالى: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) ختمعليهالسلام دعاءه - و هو آخر ما ذكر من دعائه في القرآن الكريم كما تقدّم - بطلب المغفرة للمؤمنين يوم القيامة و يشبه آخر ما دعا به نوحعليهالسلام ممّا ذكر في القرآن:( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ) نوح: ٢٨.
و في الآية دليل على أنّهعليهالسلام لم يكن ولد آزر المشرك لصلبه فإنّهعليهالسلام - كما ترى - يستغفر لوالديه و هو على الكبر و في آخر عهده و قد تبرّأ من آزر في أوائل عهده بعد ما استغفر له عن موعدة وعده إيّاه قال تعالى:( قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) مريم: ٤٧، و قال:( وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ) الشعراء: ٨٦، و قال:( وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنّه عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) التوبة: ١١٤ و قد تقدّم تفصيل القول في قصصهعليهالسلام في سورة الأنعام في الجزء السابع من الكتاب.
و من لطيف ما في دعائهعليهالسلام اختلاف النداء المكرّر الّذي فيه بلفظ( ربّ ) و( ربّنا ) و العناية فيما اُضيف إلى نفسه بما يختصّ بنفسه من السبقة و الإمامة، و فيما اُضيف إلى نفسه و غيره إلى المشتركات.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور، أخرج أبونعيم في الدلائل عن عقيل بن أبي طالب: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لما أتاه الستّة النفر من الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة فدعاهم إلى الله و إلى عبادته و الموازرة على دينه فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحي إليه فقرأ من سورة إبراهيم:( وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ربّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) إلى آخر السورة فرق القوم و أخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا و أجابوه.
و في تفسير العيّاشيّ، عن أبي عبيدة عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: من أحبّنا فهو منّا أهل البيت فقلت: جعلت فداك منكم؟ قال: منّا و الله أ ما سمعت قول الله و هو قول إبراهيمعليهالسلام :( فَمَنْ تَبِعَنِي فإنّه مِنِّي ) .
و فيه، عن محمّد الحلبيّ عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: من اتّقى الله منكم و أصلح فهو منّا أهل البيت قال: منكم أهل البيت؟ قال: منّا أهل البيت قال فيها إبراهيم:( فَمَنْ تَبِعَنِي فإنّه مِنِّي ) قال عمر بن يزيد: قلت له: من آل محمّد؟ قال إي و الله من آل محمّد إي و الله من أنفسهم أ ما تسمع قول الله تعالى:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) و قول إبراهيم:( فَمَنْ تَبِعَنِي فإنّه مِنِّي ) ؟
أقول: و قد ورد في بعض الروايات أنّ بني إسماعيل لم يعبدوا صنما قطّ إثر دعاء إبراهيم:( وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) ، و أنّهم إنّما قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله و الظاهر أنّ الرواية موضوعة، و قد تقدّمت الإشارة إليه في البيان السابق.
و كذا ما ورد في بعض الروايات من طرق العامّة و الخاصّة أنّ أرض الطائف كانت في الاُردن من أرض فلسطين فلمّا دعا إبراهيمعليهالسلام لبنيه بقوله:( وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ) أمر الله بها فسارت بترابها إلى مكّة فطافت على البيت سبعة أشواط ثمّ استقرّت حيث الطائف الآن.
و هذا و إن كان ممكن الوقوع في نفسه من طريق الإعجاز لكن لا يكفي لثبوته
أمثال هذه الروايات الضعيفة و المرسلة على أنّ هذه الآيات في مقام الامتنان و لو قارن هذا الدعاء و استجابته تعالى له مثل هذه الآية العظيمة العجيبة و المعجزة الباهرة لاُشير إليها مزيداً للامتنان. و الله أعلم.
و في مرسلة العيّاشيّ، عن حريز عمّن ذكره عن أحدهماعليهالسلام : أنّه كان يقرأ( ربّ اغفر لي و لولدي) يعني: إسماعيل و إسحاق، و في مرسلته الاُخرى عن جابر عن أبي جعفرعليهالسلام : مثله
و ظاهر هذه الرواية أنّ القراءة مبنيّة على كفر والد إبراهيم و الروايتان ضعيفتان لا يعبأ بهما.
( سورة إبراهيم الآيات ٤٢ - ٥٢)
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ( ٤٢ ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ( ٤٣ ) وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ( ٤٤ ) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ( ٤٥ ) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ( ٤٦ ) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ( ٤٧ ) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( ٤٨ ) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ( ٤٩ ) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( ٥٠ ) لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( ٥١ ) هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ( ٥٢ )
( بيان)
لمّا أنذر و بشّر سبحانه في الآيات السابقة و دعا إلى صراطه بما أنّه العزيز الحميد ختم بيانه بدفع ما ربّما يسبق إلى أوهام ضعفاء العقول من الناس من أنّ الأمر لو كان على ما ذكر و كانت هذه الدعوة دعوة نبويّة من لدن ربّ عزيز حميد
فما بال هؤلاء الظالمين يتمتّعون بما شاؤا؟ و ما باله لا يأخذ الظالمين بظلمهم و لا يلجم المتخلّفين عن دعوته المخالفين عن أمره؟ أ هو في غفلة عمّا يعملونه أم هو مخلف وعده رسله يعدهم بالنصر ثمّ لا يفي بوعده؟.
فأجاب تعالى أنّه ليس بغافل عمّا يعمل الظّالمون و لا مخلف وعده رسله كيف؟ و هو تعالى عليم بما يمكرون و عزيز ذو انتقام بل إنّما يؤخّرهم ليوم شديد و هو يوم الجزاء. على أنّه تعالى ربّما أخذهم بذنوبهم في الدنيا كما أخذ الاُمم الماضين.
ثمّ ختم السورة بقوله:( هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) و هي آية جامعة لغرض السورة كما سيجيء بيانه إن شاء الله.
قوله تعالى: ( وَ لا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) إلى آخر الآيتين يقال: شخص بصره أي سكن بحيث لا يطرف جفنه، و يقال: بعير مهطع إذا صوّب عنقه أي رفعه و هطع و أهطع بمعنى، و يقال: أقنع رأسه إذا رفعه، و قوله: لا يرتدّ إليهم طرفهم أي لا يقدرون على أن يطرفوا من هول ما يشاهدونه، و قوله: و أفئدتهم هواء أي قلوبهم خالية عن التعقّل و التدبير لشدّة الموقف أو أنّها زائلة.
و المعنى: و لا تحسبنّ الله و لا تظنّنّه غافلاً عمّا يعمل هؤلاء الظالمون بما تشاهد من تمتّعهم و إترافهم في العيش و إفسادهم في الأرض إنّما يمهلهم الله و يؤخّر عقابهم إلى يوم يسكن فيه أبصارهم فلا تطرف و الحال أنّهم مادّون لأعناقهم رافعون لرؤسهم لا يقدرون على ردّ طرفهم و قلوبهم مدهوشة خالية عن كلّ تحيّل و تدبير من شدّة هول يوم القيامة و في الآية إنذار للظالمين و تعزية لغيرهم.
قوله تعالى: ( وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ ) إلى آخر الآية. في الآية إنذار بعد إنذار و بين الإنذارين فرق من جهتين:
إحداهما: أنّ الإنذار في الآيتين السابقتين إنذار بما أعدّ الله من أهوال يوم القيامة و أليم العذاب فيه، و أمّا الّذي في هذه الآية و ما يتلوها فهو إنذار بعذاب الاستئصال في الدنيا و من الدليل عليه قوله:( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى
أَجَلٍ قَرِيبٍ ) إلخ.
و بذلك يظهر أن لا وجه لما ذكره بعضهم أنّ المراد بهذا اليوم الّذي يأتيهم فيه العذاب هو يوم القيامة، و كذا ما ذكره آخرون أنّ المراد به يوم الموت.
و الثانية: أنّ الإنذار الأوّل إنذار بعذاب قطعيّ لا صارف له عن اُمّة ظالمة و لا فرد ظالم من اُمّة و أمّا الإنذار الثاني فهو إنذار بعذاب غير مصروف عن اُمّة ظالمة و أمّا الفرد فربّما صرف عنه، و لذلك ترى أنّه تعالى يقول أوّلاً:( وَ أَنْذِرِ النَّاسَ ) ثمّ يقول:( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) إلخ و لم يقل: فيقولون أي الناس لأنّ عذاب الاستئصال لا يصيب المؤمنين قال تعالى:( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) يونس: ١٠٣ و إنّما يصيب الاُمّة الظالمة بحلول أجلهم و هم طائفة من ظالمي الاُمّة لا جميع أفرادها.
و بالجملة فقوله:( وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ ) إنذار للناس بعذاب الاستئصال الّذي يقطع دابر الظالمين منهم، و قد تقدّم في تفسير سورة يونس و غيره أنّ ذلك مكتوب على الاُمم قضاء بينهم و بين رسولهم حتّى هذه الاُمّة المحمديّة و قد تكرّر هذا الوعيد منه تعالى في عدّة مواضع من كلامه.
و هذا هو اليوم الّذي يطهّر الله الأرض فيه من قذارة الشرك و الظلم و لا يعبد عليها يومئذ إلّا الله سبحانه فإنّ الدعوة عامّة و الاُمّة هم أهل الأرض فإذا محي الله عنهم الشرك لم يبق منهم إلّا المؤمنون و يكون الدين كلّه لله، قال تعالى:( وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ) .
و ممّا تقدّم يظهر الجواب عمّا اُورد على كون المراد بالعذاب في الآية عذاب الاستئصال أنّ القصر في الآية السابقة ينافيه فإنّ قوله:( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ) يقصر أخذهم و عقابهم في يوم القيامة.
و ذلك لما عرفت أنّ العذاب المنذر به في الآيتين السابقتين هو العذاب الّذي لا يصرفه عنهم صارف و لا يتخلّف عنه أحد من الظالمين و هو مقصور في عذاب يوم القيامة، و لا ينافي انحصاره في يوم القيامة وجود نوع آخر من العذاب في الدنيا.
على أنّ القصر لو تمّ على ما يريده المعترض لدفع ما يدلّ عليه الآيات الكثيرة الدالّة على نزول العذاب بهذه الاُمّة كما أشرنا إليه.
على أنّ حمل العذاب في الآية على عذاب يوم القيامة يوجب صرف الآيات عن ظهورها و رفع اليد عمّا يعطيه السياق فيها و لا مساغ له.
و قوله:( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) المراد به الظالمون من الناس و هم الّذين يأخذهم العذاب المستأصل و لا يتخطّاهم، و مرادهم بقولهم:( أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) الاستمهال بمدّة قصيرة تضاف إلى عمرهم في الدنيا حتّى يتداركوا فيه ما فوّتوه بظلمهم و الدليل عليه قولهم:( نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) .
و التعبير بالرسل بلفظ الجمع في قولهم:( وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) مع أنّ الآية تصف حال ظالمي هذه الاُمّة ظاهراً و كان مقتضى ذلك أن يقال: و نتّبع الرسول إنّما هو للدلالة على أنّ الملاك في نزول هذا العذاب القضاء بين الرسالة و بين منكريها من غير اختصاص ذلك برسول دون رسول كما يفيده قوله:( وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يونس: ٤٧.
و قوله:( أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ) الإقسام تعليق الحكم في الكلام بأمر شريف من جهة شرافته ليدلّ به على صدقه إذ لو كذب المتكلّم و قد أقسم في كلامه لأذهب بذلك شرف المقسم به كقولنا: و الله إنّ كذا لكذا و لعمري إنّ الأمر على كذا، و يعدّ القسم أقوى أسباب التأكيد. و لا يبعد أن يكون الإقسام في الآية كناية عن إيراد الكلام في صورة جازمة غير قابلة للترديد.
و الكلام على تقدير القول و المعنى يقال لهم توبيخاً و تبكيتاً: أ لم تكونوا أقسمتم من قبل نزول العذاب ما لكم من زوال و أنّكم بما عندكم من القوّة و السطوة و وسائل الدفاع اُمّة خالدة مسيطرة على الحوادث فما لكم تستمهلون إلى أجل قريب.
قوله تعالى: ( وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) إلى آخر الآية
معطوف على محلّ قوله:( أَقْسَمْتُمْ ) في الآية السابقة، و المعنى: أ و لم تكونوا سكنتم في مساكن الّذين ظلموا أنفسهم من الاُمم السابقة، و ظهر لكم أنّ هذه الدعوة حقّة و يتعقّبها لو ردّت عذاب مستأصل، من جهتين: جهة المشاهدة حيث تبيّن لكم كيف فعلنا باُولئك الظالمين الّذين سكنتم في مساكنهم؟ و جهة البيان حيث ضربنا لكم الأمثال و أنذرناكم عذابا مستأصلا يتعقّبه إنكار الحقّ و ردّ الدعوة النبويّة و يقطع دابر الظالمين.
قوله تعالى: ( وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَ عِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) حال من الضمير في( فَعَلْنا ) في الآية السابقة أو من الضمير في( بِهِمْ ) فيها أو من الضميرين جميعاً على ما قيل، و ضمائر الجمع راجعة إلى( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) .
و المراد بكون مكرهم عند الله إحاطته تعالى به بعلمه و قدرته، و من المعلوم أنّ المكر إنّما يكون مكراً إذا لم يحط به الممكور به و جهله، و أمّا إذا كان الممكور به عالماً بما هيّأه الماكر من المكر و قادراً على دفعه لغي المكر أو عاد مكراً على نفس الماكر كما قال تعالى:( وَ ما يَمْكُرُونَ إلّا بِأَنْفُسِهِمْ وَ ما يَشْعُرُونَ ) الأنعام: ١٢٣.
و قوله:( وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) إن وصليّة - على ما قيل - و اللّام في( لِتَزُولَ ) متعلّق بمقدّر يدلّ عليه لفظ المكر كقولنا: يقتضي أو يوجب و ما أشبه ذلك، و التقدير: الله محيط بمكرهم عالم به قادر على دفعه إن كان مكرهم دون هذه الشدّة و إن كان على هذه الشدّة.
و المعنى تبيّن لكم كيف فعلنا بهم و الحال أنّهم مكروا ما في وسعهم من المكر و الله محيط بمكرهم و إن كان مكرهم عظيما موجبا لزوال الجبال.
و ربّما قيل: إنّ( إِنْ ) نافية و اللّام هي الداخلة على المنفيّ و المراد بالجبال الآيات و المعجزات كناية و المعنى و ما كان مكرهم لتبطل به آيات الله و معجزاته الّتي هي كالجبال الراسيات الّتي لا تزول عن مكانها، و اُيّد هذا المعنى بقراءة ابن مسعود( و ما كان مكرهم) و هو معنى بعيد.
و قرئ أيضا:( لِتَزُولَ ) بفتح اللّام الاُولى و ضمّ اللّام الثانية، و على هذا تكون( إِنْ ) مخفّفة من المشدّدة و المعنى و التحقيق أنّ مكرهم كان من العظمة بحيث تزول منه الجبال.
قوله تعالى: ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ) تفريع على ما تقدّم أنّ ترك مؤاخذة الظالمين بعملهم إنّما هو لتأخيرهم إلى يوم القيامة أي إذا كان الأمر كذلك فلا تحسبنّ الله مخلفا لما وعد رسله من نصرهم و مؤاخذة المتخلّفين عن دعوتهم، و كيف يخلف وعده و هو عزيز ذو انتقام شديد و لازم عزّته المطلقة أن لا يخلف وعده فإنّ إخلاف الوعد إمّا لكون الواعد غير قادر على إنجاز ما وعده أو لتغيّر من الرأي بعروض حال ثانية تقهره على خلاف ما بعثته إليه الحال الأولى الّتي أوجبت عليه الوعد و الله سبحانه عزيز على الإطلاق لا يتّصف بعجز و لا تقهره حال و لا شيء آخر و هو الواحد القهّار.
و لازم اتّصافه بالانتقام أن ينتقم للحقّ ممّن استكبر عنه و استعلى عليه و ينتصف للمظلوم من الظالم.
و ذو انتقام من أسمائه تعالى الحسنى الّتي سمّى الله تعالى بها نفسه في مواضع من كلامه و قارنه في جميعها باسمه العزيز، قال تعالى:( وَ اللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ) آل عمران: ٤، المائدة: ٩٥ و قال:( أَ لَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ) الزمر: ٣٧ و قال في الآية المبحوث عنها:( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ) و من ذلك يظهر أنّ( ذا انتقام ) من فروع اسم( العزيز ) .
( كلام في معنى الانتقام و نسبته إليه تعالى)
الانتقام هو العقوبة لكن لا كلّ عقوبة بل عقوبة خاصّة و هي أن تذيق غيرك من الشرّ ما يعادل ما أذاقك منه أو تزيد عليه قال تعالى:( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ ) .
و هو أصل حيويّ معمول به عند الإنسان و ربّما يشاهد من بعض الحيوان
أيضاً أعمال يشبه أن تكون منه، و أيّا مّا كان يختلف الغرض الّذي يبعث الإنسان إليه فالداعي إليه في الانتقام الفرديّ هو التشفّي غالباً فإذا سلب الواحد من الإنسان غيره شيئاً من الخير أو أذاقه شيئاً من الشرّ وجد الّذي فعل به ذلك في نفسه من الأسى و الأسف ما لا تسكن فورته و لا تخمد ناره إلّا بأن يذيقه من الشرّ ما يعادل ما ذاق منه أو يزيد عليه فالعامل الّذي يدعو إليه هو الإحساس الباطني و أمّا العقل فربّما أجازه و أنفذه و ربّما استنكف.
و الانتقام الاجتماعيّ و نعني به القصاصات و أنواع المؤاخذات الّتي نعثر عليها في السنن و القوانين الدائرة في المجتمعات أعمّ من الراقية و الهمجيّة الغالب فيه أن يكون الغرض الداعي إليه غاية فكريّة و مطلوباً عقليّاً و هو حفظ النظام عن الاختلال و سدّ طريق الهرج و المرج فلو لا أصل الانتقام و مؤاخذة المجرم الجاني بما أجرم و جنى اختلّ الأمن العامّ و ارتحل السلام من بين الناس.
و لذا كان هذا النوع من الانتقام حقّاً من حقوق المجتمع و إن كان ربّما استصحب حقّاً فرديّاً كمن ظلم غيره بما فيه مؤاخذة قانونيّة فربّما يؤاخذ الظالم استيفاء لحقّ المجتمع و إن أبطل المظلوم حقّه بالعفو.
فقد تبيّن أنّ من الانتقام ما يبتني على الإحساس و هو الانتقام الفرديّ الّذي غايته التشفّي، و منه ما يبتني على العقل و هو الانتقام الاجتماعيّ الّذي غايته حفظ النظام و هو من حقوق المجتمع و إن شئت قلت من حقوق السنّة أو القانون الجاري في المجتمع فإنّ استقامة الأحكام المعدّلة لحياة الناس و سلامتها في نفسها تقتضي مؤاخذة المجرم المتخلّف عنها و إذاقته جزاء سيّئته المرّ، فهو من حقوق السنّة و القانون كما أنّه من حقوق المجتمع.
إذا عرفت هذا علمت أنّ ما ينسب إليه تعالى في الكتاب و السنّة من الانتقام هو ما كان حقّاً من حقوق الدين الإلهيّ و الشريعة السماويّة و إن شئت فقل من حقوق المجتمع الإسلاميّ و إن كان ربّما استصحب الحقّ الفرديّ فيما إذا انتصف سبحانه للمظلوم من ظالمة فهو الوليّ الحميد.
و أمّا الانتقام الفرديّ المبنيّ على الإحساس لغاية التشفّي فساحته المقدّسة أعزّ من أن يتضرّر بإجرام المجرمين و معصية المسيئين أو ينتفع بطاعة المحسنين.
و من هنا يظهر سقوط ما ربّما استشكله بعضهم أنّ الانتقام إنّما يكون لتشفّي القلب و إذ كان تعالى لا ينتفع و لا يتضرّر بشيء من أعمال عباده خيراً أو شرّاً طاعة أو معصية فلا وجه لنسبة الانتقام إليه كما أنّ رحمته غير المتناهية تأبى أن يعذّبهم بعذاب خالد غير متناه كيف لا؟ و الواحد من أرباب الرحمة يرحم المجرم المقدّم على أيّ معصية إذا كان عن جهالة منه و هو تعالى يصف الإنسان - و هو مخلوقه المعلوم له حاله - بذلك إذ يقول:( إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) الأحزاب: ٧٢.
وجه السقوط أنّ فيه خلطا بين الانتقام الفرديّ و الاجتماعيّ، و الّذي يثبت فيه تعالى هو الاجتماعيّ منه دون الفرديّ كما توهّم كما أنّ فيه خلطا بين الرحمة النفسانيّة الّتي هي تأثّر و انفعال قلبيّ من الإنسان و بين الرحمة العقليّة الّتي هي تتميم نقص الناقص المستعدّ لذلك، و الّتي تثبت فيه تعالى هي الرحمة العقليّة دون الرحمة النفسانيّة و لم يثبت الخلود في العذاب إلّا فيما إذا بطل استعداد الرحمة و إمكان الإفاضة قال تعالى:( بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) البقرة: ٨١.
و ههنا نكتة يجب أن تتنبّه لها و هي أنّ الّذي تقدّم من معنى الانتقام المنسوب إليه تعالى إنّما يتأتّى على مسلك المجازاة و الثواب و العقاب، و أمّا على مسلك نتائج الأعمال فترجع حقيقته إلى لحوق الصور السيّئة المؤلمة بالنفس الإنسانيّة عن الملكات الرديئة الّتي اكتسبتها في الحياة الدنيا، بعد الموت، و قد تقدّم البحث في الجزء الأوّل من الكتاب في ذيل قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما ) الآية البقرة: ٢٦ في جزاء الأعمال.
قوله تعالى: ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) الظرف متعلّق بقوله:( ذُو انتِقامٍ ) و تخصيص انتقامه تعالى بيوم القيامة مع عمومه لجميع الأوقات و الظروف إنّما هو لكون اليوم أعلى مظاهر الانتقام
الإلهيّ كما أنّ تخصيص بروزهم لله بذلك اليوم كذلك، و على هذا النسق جلّ الأوصاف المذكورة في كلامه تعالى ليوم القيامة كقوله:( الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) الانفطار: ١٩ و قوله:( ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ ) المؤمن: ٣٣ إلى غير ذلك و قد تقدّمت الإشارة إليه كرارا.
و الظاهر أنّ اللّام في الأرض للعهد في الموضعين معا و كذا في السماوات و السماوات معطوفة على الأرض الاُولى و المعنى تبدّل هذه الأرض غير هذه الأرض و تبدّل هذه السماوات غير هذه السماوات.
و للمفسّرين في معنى تبدّل الأرض و السماوات أقوال مختلفة:
فقيل: تبدّل الأرض فضّة و السماوات ذهبا و ربّما قيل إنّ الأرض تبدّل من أرض نقيّة كالفضّة و السماوات كذلك.
و قيل: تبدّل الأرض ناراً و السماوات جناناً.
و قيل: تبدّل الأرض خبزة نقيّة يأكل الناس منها طول يوم القيامة.
و قيل: تبدل الأرض لكلّ فريق ممّا يقتضيه حاله فتبدّل لبعض المؤمنين خبزة يأكل منها ما دام في العرصات و لبعض آخر فضّة و تبدّل للكافر ناراً.
و قيل: التبديل هو أنّه يزاد في الأرض و ينقص منها و تذهب آكامها و جبالها و أوديتها و شجرها و تمدّ مدّ الأديم و تصير مستوية لا ترى فيها عوجا و لا أمتا، و تتغيّر السماوات بذهاب الشمس و القمر و النجوم و بالجملة يتغيّر كلّ من الأرض و السماوات عمّا هو عليه في الدنيا من الصفات و الأشكال.
و منشأ اختلافهم في تفسير التبديل اختلاف الروايات الواردة في تفسير الآية مع أنّ الروايات لو صحّت و اتّصلت كان اختلافها أقوى شاهد على أنّ ظاهرها غير مراد و أنّ بياناتها واقعة موقع التمثيل للتقريب.
و التدبّر الكافي في الآيات الّتي تحوم حول تبديل الأرض و السماء يفيد أنّ أمر التبديل أعظم ممّا تتصوّره من بسط الجبل على السهل أو تبديل التراب فضّة أو خبزاً نقيّاً مثلاً كقوله تعالى:( وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها ) الزمر: ٦٩ و قوله:
( وَ سُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ) النبأ: ٢٠ و قوله:( وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ) النمل: ٨٨ إن كانت الآية ناظرة إلى يوم القيامة إلى غير ذلك من الآيات.
فالآيات تنبئ عن نظام غير هذا النظام الّذي نعهده و شؤون دون ما نتصوّره فإشراق الأرض يومئذ بنور ربّها غير إشراق بسيطها بنور الشمس أو الكواكب أو غيرها، و سير الجبال ينتهي عادة إلى زوالها عن مكانها و تلاشيها مثلاً لا إلى كونها سراباً، و هكذا نرجو أن يوفّقنا الله سبحانه لبسط الكلام في هذا المعنى فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
و قوله:( وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) معنى بروزهم و ظهورهم لله يومئذ - مع كون الأشياء بارزة غير خفيّة عليه دائماً - سقوط جميع العلل و الأسباب الّتي كانت تحجبهم عنه تعالى ما داموا في الدنيا فلا يبقى يومئذ - على ما يشاهدون - شيء من الأسباب يملكهم و يتولّى أمرهم و يستقلّ بالتأثير فيهم إلّا الله سبحانه كما يدلّ عليه آيات كثيرة فهم لا يلتفتون إلى جانب و لا يتوجّهون إلى جهة في ظاهرهم و باطنهم و حاضرهم و الماضي الغائب من أحوالهم و أعمالهم إلّا وجدوه سبحانه شاهداً مهيمناً عليه محيطاً به.
و الدليل على هذا الّذي ذكرناه توصيفه تعالى بالواحد القهّار المشعر بنوع من الغلبة فبروزهم لله يومئذ إنّما هو ناشئ عن كونه تعالى هو الواحد الّذي يقوم به وجود كلّ شيء و يقهر كلّ من دونه من مؤثّر فلا يحول بينهم و بينه حائل فهم بارزون له بروزاً مطلقاً.
قوله تعالى: ( وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) المقرّنين من التقرين و هو جمع الشيء إلى نظيره و الأصفاد جمع الصفد و هو الغلّ الّذي يجمع اليد إلى العنق أو هو مطلق السلسلة يقرن بين المقيّدين، و السرابيل جمع السربال و هو القميص و القطران شيء أسود منتن يطلى به الإبل فإنّهم يطلّون به فيصير كالقميص عليهم و الغشاوة بالفتح
الستر و التغطية يقال: غشي يغشى غشاوة أي ستره و غطاه، و معنى الآيتين واضح.
قوله تعالى: ( لِيَجْزِيَ اللهُ كلّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) معنى الآية واضح، و هي بظاهرها تدلّ على أنّ الّذي تجزى به كلّ نفس هو عين ما كسبته من حسنة أو سيّئة و إن تبدّلت صورته، فهي من الآيات الدالّة على أنّ الّذي يلحق بهم يوم القيامة هو نتيجة أعمالهم.
فالآية تفسّر أوّلاً معنى الجزاء في يوم الجزاء، و ثانياً معنى انتقامه تعالى يومئذ و أنّه ليس من قبيل عقوبة المجرم العاصي تشفيّاً منه بل إلحاق ما يستدعيه عمل المجرم به و إن شئت فقل إيصال ما اكتسبه المجرم بعينه إليه.
و في تعليل هذا الجزاء و هو في يوم القيامة بقوله:( إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) إيماء إلى أنّ الجزاء واقع من غير فصل و مهل إلّا أنّ ظرف ظهوره هو ذلك اليوم لا غير، أو أنّ الحكم بالجزاء و كتابته واقع عند العمل و تحقّقه يوم القيامة و مآل الوجهين واحد في الحقّيقة.
قوله تعالى: ( هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) البلاغ بمعنى التبليغ على ما ذكره الراغب أو بمعنى الكفاية على ما ذكره غيره.
و الآية خاتمة السورة فالأنسب أن تكون الإشارة بهذا إلى ما اُورد في السورة من البيان لا إلى مجموع القرآن كما ذكره بعضهم و لا إلى ما ذكر من قوله تعالى:( وَ لا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) إلى آخر السورة كما ذكره آخرون.
و قوله:( وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ ) إلخ، اللّام فيه للغاية و هو معطوف على محذوف إنّما حذف لفخامة أمره و عظم شأنه لا يحيط به أفهام الناس لاشتماله من الأسرار الإلهيّة على ما لا يطيقونه، و إنّما تسع عقولهم ما ذكر من غاياته و هو الإنذار و العلم بوحدانيّته تعالى و التذكّر، فهم ينذرون بما ذكر فيها من مؤاخذته تعالى الظالمين عاجلا و آجلا، و تتمّ عليهم الحجّة بما ذكر فيها من آيات التوحيد، و يتذكّر المؤمنون منهم خاصّة بما فيها من المعارف الإلهيّة.
و بهذا يتطابق مختتم السورة و مفتتحها أعني قوله في أوّل السورة:( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ ربّهم إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) فقد تقدّم أنّ مدلول الآية أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالدعوة و التبليغ إلى صراط الله بما أنّه تعالى ربّهم العزيز الحميد ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذنه فإنّهم إن استجابوا الدعوة و آمنوا خرجوا بذلك من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بالفعل و إن لم يستجيبوا اُنذروا و وقفوا على التوحيد الحقّ و خرجوا من الجهل إلى العلم و هو نوع خروج من الظلمة إلى النور و إن كان وبالاً عليهم و خساراً ففي الدعوة - على أيّ حال - إنذار للناس و إعلامهم أنّما هو إله واحد و تذكّر لاُولي الألباب منهم خاصّة و هم المؤمنون.
( بحث روائي)
في المعاني، بإسناده عن ثوبان: أنّ يهوديّا جاء إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا محمّد فرفعه ثوبان برجله و قال: قل: يا رسول الله فقال: لا أدعوه إلّا بأسماء أهله قال: أ رأيت قول الله:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ ) أين الناس يومئذ قال: في الظلمة دون المحشر. قال: فما أوّل ما يأكل أهل الجنّة إذا دخلوها؟ قال كبد الحوت قال: فما شرابهم على إثر ذلك، قال: السلسبيل. قال صدقت يا محمّد.
أقول: و روي الحديث في الدرّ المنثور، عن مسلم و ابن جرير و الحاكم و البيهقيّ في الدلائل عن ثوبان: مثله إلى قوله: في الظلمة و روي أيضاً عن عدّة عن عائشة: أنّها سألت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ذلك فقال: على الصراط.
و في تفسير العيّاشيّ، عن ثوير بن أبي فاختة عن الحسين بن عليّعليهالسلام قال:( تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) يعني بأرض لم يكتسب عليها الذنوب بارزة ليست عليها جبال و لا نبات كما دحاها أوّل مرّة.
أقول: و رواه القمّيّ أيضاً في تفسيره، و فيه دلالة على حدوث الجبال و كذا النبات بعد تمام خلقة الأرض.
و في الدرّ المنثور، أخرج البزّار و ابن المنذر و الطبرانيّ و ابن مردويه و البيهقيّ في البعث عن ابن مسعود قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قول الله:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) . قال: أرض بيضاء كأنّها فضّة لم يسفك فيها دم حرام و لم تعمل فيها خطيئة.
أقول: و رواه أيضاً عن ابن مردويه عن عليّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مثله.
و فيه، أخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنّة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب في الآية قال: تبدّل الأرض من فضّة و السماء من ذهب.
أقول: و حمل بعضهم الكلام على التشبيه كما وقع في حديث ابن مسعود السابق.
و في الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سأله أبرش الكلبيّ عن قول الله عزّوجلّ:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) قال: تبدّل خبزة نقيّة يأكل الناس منها حتّى يفرغ من الحساب. فقال الأبرش: فقلت: إنّ الناس يومئذ لفي شغل من الأكل فقال أبوجعفرعليهالسلام فهم في النار لا يشتغلون عن أكل الضريع و شرب الحميم و هم في عذاب فكيف يشتغلون عنه في الحساب؟.
أقول: و قوله:( تبدّل خبزة نقيّة) يحتمل التشبيه كما ربّما يستفاد من الخبر الآتي.
و في إرشاد المفيد، و احتجاج الطبرسيّ، عن عبدالرحمن بن عبدالله الزهريّ قال: حجّ هشام بن عبدالملك فدخل المسجد الحرام متّكئاً على ولد سالم مولاه و محمّد بن عليّ بن الحسينعليهالسلام جالس في المسجد فقال له سالم مولاه يا أميرالمؤمنين هذا محمّد بن عليّ قال هشام: المفتونون به أهل العراق؟ قال: نعم. فقال: اذهب إليه فقل له: يقول لك أميرالمؤمنين: ما الّذي يأكل الناس و يشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة قال أبو جعفرعليهالسلام : يحشر الناس على مثل قرص نقيّ فيها أنهار متفجّرة يأكلون و يشربون حتّى يفرغ من الحساب.
قال: فرأى هشام أنّه قد ظفر به فقال: الله أكبر اذهب إليه فقل: ما أشغلهم
عن الأكل و الشرب يومئذ. فقال أبوجعفرعليهالسلام : هم في النار أشغل و لم يشتغلوا عن ذلك قالوا أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله. فسكت هشام لا يرجع كلاماً.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه عن أفلح مولى أبي أيّوب: أنّ رجلاً من يهود سأل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) ما الّذي تبدّل به؟ فقال: خبزة، فقال اليهوديّ: درمكّة بأبي أنت، قال: فضحك ثمّ قال: قاتل الله اليهود هل تدرون ما الدرمكة؟ لباب الخبز.
و فيه، أخرج أحمد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و أبونعيم في الدلائل عن أبي أيّوب الأنصاريّ قال: أتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حبر من اليهود و قال: أ رأيت إذ يقول الله:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) فأين الخلق عند ذلك؟ قال: أضياف الله لن يعجزهم ما لديه.
أقول: و اختلاف الروايات في تفسير التبديل لا يخلو عن دلالة على أنّها أمثال مضروبة للتقريب و المسلّم من معنى التبدّل أنّ حقيقة الأرض و السماء و ما فيهما يومئذ هي هي غير أنّ النظام الجاري فيهما يومئذ هو غير النظام الجاري فيهما في الدنيا.
و في المعاني، بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أباجعفرعليهالسلام يقول: لقد خلق الله عزّوجلّ في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس فيهم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحدا بعد واحد مع عالمه.
ثمّ خلق الله عزّوجلّ آدم أبا البشر و خلق ذرّيّته منه لا و الله ما خلت الجنّة من أرواح المؤمنين منذ خلقها، و لا خلت النار من أرواح الكفّار و العصاة منذ خلقها عزّوجلّ لعلّكم ترون إذا كان يوم القيامة و صير أبدان أهل الجنّة مع أرواحهم في الجنّة و صير أبدان أهل النار مع أرواحهم في النار أنّ الله تعالى لا يعبد في بلاده و لا يخلق خلقا يعبدونه و يوحّدونه؟ بلى و الله ليخلقنّ الله خلقاً من غير فحولة و لا إناث يعبدونه و يوحّدونه و يعظّمونه و يخلق لهم أرضا تحملهم و سماء تظلّهم أ ليس الله عزّوجلّ يقول:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ ) ؟ و قد قال
عزّوجلّ:( أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) .
أقول: و رواه العيّاشيّ، في تفسيره عن محمّد بن مسلم عنهعليهالسلام : مثله، و هو غير المعاني الّتي أوردناها سابقا.
و في تفسير القمّيّ، قوله:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) قال تبدّل خبزة بيضاء في الموقف يأكل منها المؤمنون( وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ) قال: قال: مقرّنين بعضهم إلى بعض( سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ ) قال: قال: السرابيل القميص.
قال: و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام : في قوله:( سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ ) هو الصفر الحارّ المذاب انتهى حرّه يقول الله عزّوجلّ:( وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) سربلوا ذلك الصفر و تغشى وجوههم النار.
أقول: يعني أنّ المراد بالجملتين:( سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) جميعاً بيان أنّهم مستورون مغشيّون أمّا أبدانهم فبالقطران و أمّا وجوههم فبالنار.
( سورة الحجر مكّيّة و هي تسع و تسعون آية)
( سورة الحجر الآيات ١ - ٩)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ( ١) رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ( ٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ( ٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ( ٤) مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ( ٥) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ( ٦) لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ( ٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ( ٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( ٩)
( بيان)
تشتمل السورة على الكلام حول استهزاء الكفّار بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و رميه بالجنون و رمي القرآن الكريم بأنّه من إهذار المجانين ففيها تعزية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و أمره بالصبر و الثبات و الصفح عنهم و تطييب لنفسه الشريفة و إنذار و تبشير.
و هي مكّيّة على ما تشهد به آياتها، و نقل في المجمع عن الحسن استثناء قوله:( وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي ) الآية، و قوله( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) و سيأتي ما فيه.
و تشتمل السورة على قوله تعالى:( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) إلخ، و الآية تقبل الانطباق على ما ضبطه التاريخ أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم اكتتم في أوّل
البعثة ثلاث سنين أو أربعاً أو خمساً لا يعلن دعوته لاشتداد الأمر عليه فكان لا يدعو إلّا آحادا ممّن يرجو منهم الإيمان يدعوهم خفية و يسرّ إليهم الدعوة حتّى أذن له ربّه في ذلك و أمره أن يعلن دعوته.
و تؤيّده الروايات المأثورة من طرق الشيعة و أهل السنّة أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يكتتم في أوّل بعثته سنين لا يظهر فيها دعوته لعامّة الناس حتّى أنزل الله تعالى عليه:( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) فخرج إلى الناس و أظهر الدعوة، و عليه فالسورة مكّيّة نازلة في أوّل الدعوة العلنيّة.
و من غرر الآيات القرآنيّة المشتملة على حقائق جمّة في السورة قوله تعالى:( وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) الآية، و قوله:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) .
قوله تعالى: ( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ قُرْآنٍ مُبِينٍ ) الإشارة إلى الآيات الكريمة القرآنيّة فالمراد بالكتاب القرآن، و تنكير القرآن للدلالة على عظم شأنه و فخامة أمره كما أنّ التعبير بتلك و هي للإشارة إلى البعيد لذلك.
و المعنى هذه الآيات العالية منزلة الرفيعة درجة الّتي ننزّلها إليك آيات الكتاب الإلهيّ و آيات قرآن عظيم الشأن فاصل بين الحقّ. و الباطل على خلاف ما يرميها به الكفّار بما يرمونك بالجنّة مستهزئين بكلام الله.
و من الممكن أن يراد بالكتاب اللوح المحفوظ فإنّ القرآن منه و فيه قال تعالى:( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ) الواقعة: ٧٨ و قال:( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) البروج: ٢٢ فيكون قوله:( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ قُرْآنٍ مُبِينٍ ) كالملّخص من قوله:( وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الزخرف: ٤.
قوله تعالى: ( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) توطئة لما سيتعرّض له من قولهم للنبيّ:( يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) يشير به إلى أنّهم سيندمون على ما هم عليه من الكفر و يتمنّون الإسلام لله و الإيمان بكتابه
يوم لا سبيل لهم إلى تحصيل ذلك.
فقوله:( رُبَما يَوَدُّ ) المراد به ودادة التمنّي لا مطلق الودادة و الحبّ، و الدليل على ذلك قوله في بيان هذه المودّة:( لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) فإنّ لفظي( لَوْ ) و( كانُوا ) تدلّان على أنّ ودادتهم ودادة تمنّ و أنّهم يتمنّون الإسلام بالنسبة إلى ماضي حالهم ممّا فاتهم و لن يعود إليهم فليس إلّا الإسلام ما داموا في الدنيا.
فالآية تدلّ على أنّ الّذين كفروا سيندمون على كفرهم و يتمنّون أن لو كانوا مسلمين بعد انطواء بساط الحياة الدنيا.
قوله تعالى: ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) الإلهاء الصرف و الإشغال يقال: ألهاه كذا عن كذا أي شغله عنه و أنساه ذكره.
و قوله:( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ) أمر برفع اليد عنهم و تركهم و ما هم فيه من الباطل، و هو كناية عن النهي عن الجدال معهم و الاحتجاج عليهم لإثبات هذه الحقّيقة و هي أنّهم سوف يودّون الإسلام و يتمنّونه و لا سبيل لهم إلى تحصيله و تدارك ما فات منه، و قوله:( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) في موضع التعليل للأمر أي ذرهم و لا تجادلهم و لا تحاجّهم فلا حاجة إلى ذلك لأنّهم سوف يعلمون ذلك فإنّ الحقّ ظاهر لا محالة.
و في الآية تعريض لهم أنّهم لا غاية لهم في حياتهم إلّا الأكل و التمتّع بلذّات المادّة و التلهّي بالآمال و الأمانيّ فلا منطق لهم إلّا منطق الأنعام و الحيوان العجم فمن الحريّ أن يتركوا و ما هم فيه، و لا يلقى إليهم الحجج الحقّة المبنيّة على أساس العقل السليم و المنطق الإنسانيّ.
قوله تعالى: ( وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إلّا وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ) إلى آخر الآيتين تثبيت و توكيد لقوله في الآية السابقة:( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) على ما يعطيه السياق و المعنى دعهم فإنّهم لا يسلمون في هذه الحياة الدنيا و إنّما يودّون الإسلام بعد حلول أجلهم و نزول الهلاك بهم، و الناس ليسوا بذوي خيرة في ذلك بل لكلّ اُمّة كتاب معلوم عند الله مكتوب فيه أجلهم لا يقدرون أن يستقدّموه و لا يستأخروه ساعة.
و في الآيتين دلالة على أنّ الاُمّة من الإنسان لها كتاب كما أنّ للفرد منه كتاباً، قال تعالى:( وَ كلّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ) إسراء: ١٣.
قوله تعالى: ( وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) كلام خارج مخرج الاستهزاء و لذلك خاطبوهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا باسمه بل بوصف نزول الذكر عليه كما كان يدّعيه، و جاؤا بالفعل المجهول للدلالة على أنّ منزله غير معلوم عندهم و لا اعتماد و لا وثوق لهم بما يدّعيه هو أنّ الله تعالى هو الّذي أنزله، و توصيفه بالّذي نزّل عليه الذكر و كذا تسمية النازل عليه ذكرا كلّ ذلك من الاستهزاء كما أنّ قولهم:( إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) رمي و تكذيب.
قوله تعالى: ( لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) لو ما مثل هلّا للتحضيض أي هلّا تأتينا بالملائكة إن كنت صادقاً في دعوى النبوّة ليشهدوا على صدق دعواك و ينذر معك، فهو قريب المعنى من قولهم على ما حكاه الله:( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ) الفرقان: ٧.
و وجه اقتراحهم على الأنبياء أن يأتوا بالملائكة و يظهروهم لهم اعتقادهم أنّ البشريّة كينونة مادّيّة مغمورة في قذارة الشهوة و الغضب لا نسبة بينها و بين العالم السماويّ الّذي هو محض النورانيّة و الطهارة فمن ادّعى نوعاً من الاتّصال بذاك العالم الروحانيّ فعليه أن يأتي ببعض أهله من الملائكة الكرام ليصدّقوه في دعواه و يعينوه في دعوته.
على أنّ الملائكة عند الوثنيّين آلهة دون الله سبحانه فدعوتهم إلى التوحيد معناها أنّ هؤلاء الآلهة في معزل من الشفاعة و العبادة بأمر من الله سبحانه و هو إله الآلهة و لا دليل على ذلك كاعترافهم به فلينزلوا و ليعترفوا و يصدّقوا النبوّة.
قوله تعالى: ( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إلّا بِالحقّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) جواب عمّا اقترحوا على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يأتيهم بالملائكة حتّى يصدّقوه، و محصّل الجواب أنّ السنّة الإلهيّة جارية على ستر ملائكته عنهم تحت أستار الغيب فلو أنزلهم و
أظهرهم لهم عن اقتراحهم ذلك كان ذلك آية سماويّة خارقة للعادة نازلة عن اقتراحهم، و من شأنّ الآية المعجزة النازلة عن اقتراح الناس أن يعقّبها عذاب الاستئصال و الهلاك القطعيّ إن لم يؤمنوا بها، و هؤلاء الكفّار المعاندون ليسوا بمؤمنين فهو الهلاك.
و بالجملة لو أنزل الله الملائكة و الحال هذا الحال - هم يقترحون آية فاصلة تظهر الحقّ و تميط الباطل - لأنزلهم بالحقّ الفاصل المميّز و ما كانوا إذا منظرين بل يهلكون و يقطع دابرهم، هذا محصّل ما ذكره بعضهم.
و قيل: المراد بالحقّ في الآية الموت و المعنى ما نزّل الملائكة على الناس إلّا مصاحبا للحقّ الّذي هو الموت و ما كانوا إذا منظرين، و كأنّه مأخوذ من قوله تعالى:( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ) الآية.
و قيل: المراد بالحقّ الرسالة أي ما نزّل الملائكة إلّا بالوحي و الرسالة و كأنّه مأخوذ من نحو قوله:( قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحقّ ) النساء: ١٧٠( و قولهفَقَدْ كَذَّبُوا بِالحقّ لَمَّا جاءَهُمْ ) الأنعام: ٥.
فهذه وجوه مذكورة في تفسير الآية و دونها وجوه مذكورة في مختلف التفاسير و هي جميعاً لا تخلو من شيء و هو أنّ شيئاً منها لا ينطبق على الحصر الموجود في قوله:( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إلّا بِالحقّ ) فنزول الملائكة لا يختصّ بعذاب الاستئصال فقط و لا بالموت فقط، و لا بالوحي و الرسالة فقط، و توجيه الآية بما يختصّ بأحد المعاني الثلاث المذكورة للحقّ يحتاج إلى تقييدها بقيود كثيرة يدفعها إطلاق الآية كما هو ظاهر لمن راجع الوجوه المقرّرة آنفاً.
و يمكن أن يقرّر معنى الآية باستمداد من التدبّر في آيات اُخر أنّ ظرف الحياة المادّيّة أعني هذه النشأة الدنيويّة ظرف يختلط فيه الحقّ و الباطل من غير أن يتمحّض الحقّ في الظهور بجميع خواصّه و آثاره كما يشير إليه قوله تعالى:( كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحقّ وَ الْباطِلَ ) الرعد: ١٧، و قد تقدّم تفصيل القول في ذلك فما يظهر فيه شيء من الحقّ إلّا و هو يحتمل شيئاً من اللبس و الشكّ كما يصدّقه
استقراء الموارد الّتي صادفناها مدى أعمارنا، و من الشاهد عليه قوله تعالى:( وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) الأنعام: ٩ و الظرف ظرف الامتحان و الاختيار و لا اختيار إلّا مع إمكان التباس الحقّ بالباطل و اختلاط الخير و الشرّ بنحو حتّى يقف الإنسان على ملتقى الطريقين و منشعب النجدين فيستدلّ على الخير و الشرّ بآثارهما و أماراتهما ثمّ يختار ما يستحقّه من السعادة و الشقاوة.
و أمّا عالم الملائكة و ظرف وجودهم فإنّما هو عالم الحقّ غير مشوب بشيء من الباطل كما يدلّ عليه قوله تعالى:( لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) التحريم: ٦ و قوله:( بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) الأنبياء: ٢٧.
فمقتضى الآيات و ما في معناها أنّهم في أنفسهم مخلوقات شريفة و وجودات طاهرة نورانيّة منزّهة عن النّقص و الشين لا تحتمل الشرّ و الشقاء و ليس عندها إمكان الفساد و المعصية و التقصير فلا يحكم فيها هذا النظام المادّيّ المبنيّ على أساس الإمكان و الاختيار و جواز الصلاح و الفساد و الطاعة و المعصية و السعادة و الشقاء جميعاً، و سيوافيك البحث المستوفى فيه فيما يناسبه من المورد إن شاء الله.
و سيأتي أيضاً أنّ الإنسان لا طريق له إلى هذا الظرف الحقّ ما دام متوغّلاً في هذا العالم المادّيّ متورّطا في ورطات الشهوات و الأهواء كأهل الكفر و الفسوق إلّا ببطلان عالمهم و خروجهم إلى العالم الحقّ و ظهوره عليهم و انكشاف الغطاء عنهم كما يشير إليه قوله:( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ق: ٢٢ و هذا هو العالم الّذي يسمّى بالنسبة إلى الإنسان آخرة.
فتبيّن أنّ ظهور عالم الملائكة للناس المتوغّلين في عالم المادّة متوقّف على تبدّل الظرف و الانتقال من الدّنيا إلى الآخرة و هو الموت اللّهمّ إلّا في المصطفين من عباد الله و أوليائه المطهّرين من أقذار الذنوب الملازمين لساحة قربه لهم أهليّة مشاهدة الغيب و هم في عالم الشهادة كالأنبياءعليهمالسلام .
و لعلّ ما قدّمناه هو المراد بقوله:( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إلّا بِالحقّ وَ ما كانُوا
إِذاً مُنْظَرِينَ ) ، فإنّهم إنّما اقترحوا نزول الملائكة ليشاهدوهم في صورهم الأصليّة حتّى يصدّقوا و هذا الحال لا تتمهّد لهم إلّا بالموت كما قال تعالى:( وَ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ إلى أن قال يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَ يَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ) الفرقان: ٢٣.
و قد اجتمع المعنيان في قوله تعالى:( وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) الأنعام: ٩ يقول تعالى: لو أنزلنا عليه الملائكة آية خارقة للعادة مصدّقة للنبوّة كان لازمه القضاء عليهم و هلاكهم و لو قلّدنا الملك النبوّة و الرّسالة كان لازمه أن نصوّره في صورة رجل من الإنسان، و أن نوقفه موقفاً يحتمل اللبس فإنّ الرسالة إحدى وسائل الامتحان و الابتلاء الإلهيّ و لا امتحان إلّا بما يحتمل السعادة و الشقاء و الفوز و الخيبة و يجوز معه النجاة و الهلاك و لو توصّل إلى الرسالة بما يضطرّ العقول إلى الإيمان و يلجئ النفوس إلى القبول و اليقين لبطل ذلك كلّه.
قوله تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) صدر الآية مسوق سوق الحصر، و ظاهر السياق أنّ الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردّهم القرآن بأنّه من أهذار الجنون و أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مجنون لا عبرة بما صنع و لا حجر و من اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدّقوه في دعوته و أنّ القرآن كتاب سماويّ حقّ.
و المعنى - على هذا و الله أعلم - أنّ هذا الذكر لم تأت به أنت من عندك حتّى يعجزوك و يبطلوه بعنادهم و شدّة بطشهم و تتكلّف لحفظه ثمّ لا تقدر، و ليس نازلاً من عند الملائكة حتّى يفتقر إلى نزولهم و تصديقهم إيّاه بل نحن أنزلنا هذا الذكر إنزالاً تدريجيّاً و إنّا له لحافظون بما له من صفة الذكر بما لنا من العناية الكاملة به.
فهو ذكر حيّ خالد مصون من أن يموت و ينسى من أصله، مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكراً مصون من النقص كذلك، مصون من التغيير في صورته و سياقه بحيث يتغيّر به صفة كونه ذكراً لله مبيّناً لحقائق معارفه.
فالآية تدلّ على كون كتاب الله محفوظاً من التحريف بجميع أقسامه من جهة كونه ذكراً لله سبحانه فهو ذكر حيّ خالد.
و نظير الآية في الدلالة على كون الكتاب العزيز محفوظاً بحفظ الله مصونا من التحريف و التصرّف بأيّ وجه كان من جهة كونه ذكراً له سبحانه قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) حم السجدة: ٤٢.
و قد ظهر بما تقدّم أنّ اللّام في الذكر للعهد الذكريّ و أنّ المراد بالوصف لحافظون هو الاستقبال كما هو الظاهر من اسم الفاعل فيندفع به ما ربّما يورد على الآية أنّها لو دلّت على نفي التحريف من القرآن لأنّه ذكر لدلّت على نفيه من التوراة و الإنجيل أيضاً لأنّ كلّا منهما ذكر مع أنّ كلامه تعالى صريح في وقوع التحريف فيهما.
و ذلك أنّ الآية بقرينة السياق إنّما تدلّ على حفظ الذكر الّذي هو القرآن بعد إنزاله إلى الأبد، و لا دلالة فيها على علّيّة الذكر للحفظ الإلهيّ و دوران الحكم مداره.
و سنستوفي البحث عمّا يرجع إلى هذا الشأن إن شاء الله تعالى.
( بحث روائي)
في تفسير القمّيّ، بإسناده عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اُذينة عن رفاعة عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله: لا يدخل الجنّة إلّا مسلم فيومئذ يودّ الّذين كفروا لو كانوا مسلمين. ثمّ قال:( ذرهم يأكلوا و يتمتّعوا و يلههم الأمل) أي شغلهم( فسوف يعلمون) .
أقول: و روى العيّاشيّ، عن عبدالله بن عطاء المكّيّ عن أبي جعفر و أبي عبداللهعليهالسلام : في تفسير الآية مثله.
و في الدرّ المنثور، أخرج الطبرانيّ في الأوسط و ابن مردويه بسند صحيح عن
جابر بن عبدالله قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ ناسا من اُمّتي يعذّبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثمّ يعيّرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم نفعكم فلا يبقى موحّد إلّا أخرجه الله تعالى من النار. ثمّ قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) .
أقول: و هذا المعنى مرويّ بطرق اُخرى عن أبي موسى الأشعريّ و أبي سعيد الخدري و أنس بن مالك عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و فيه، أخرج ابن أبي حاتم و ابن شاهين في السنّة عن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ أصحاب الكبائر من موحّدي الاُمم كلّها الّذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين و لا تائبين من دخل منهم جهنّم لا تزرق أعينهم، و لا تسودّ وجوههم، و لا يقرنون بالشياطين و لا يغلّون بالسلاسل، و لا يجرّعون الحميم، و لا يلبسون القطران حرّم الله أجسادهم على الخلود من أجل التوحيد، و صورهم على النار من أجل السجود.
فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه، و منهم من تأخذه النار إلى عقبيه، و منهم من تأخذه النار إلى فخذيه، و منهم من تأخذه النار إلى حجزته، و منهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم و أعمالهم، و منهم من يمكث فيها شهراً ثمّ يخرج منها، و منهم من يمكث فيها سنة ثمّ يخرج منها، و أطولهم فيها مكثاً بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى.
فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود و النصارى و من في النار من أهل الأديان و الأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله و كتبه و رسله فنحن و أنتم اليوم في النار سواء فيغضب الله لهم غضباً لم يغضبه لشيء فيما مضى فيخرجهم إلى عين بين الجنّة و الصراط فينبتون فيها نبات الطراثيث في حميل السيل ثمّ يدخلون الجنّة مكتوب في جباههم: هؤلاء الجهنّميّون عتقاء الرحمن فيمكثون في الجنّة ما شاء الله أن يمكثوا.
ثم يسألون الله تعالى أن يمحو ذلك الاسم عنهم فيبعث الله ملكاً فيمحوه ثمّ
يبعث الله ملائكة معهم مسامير من نار فيطبقونها على من بقي فيها يسمّرونها بتلك المسامير فينساهم الله على عرشه، و يشتغل عنهم أهل الجنّة بنعيمهم و لذّاتهم، و ذلك قوله:( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) .
أقول: الطرثوث نبت و حميل السيل غثاؤه، و قد روي من طرق الشيعة ما يقرب من الحديث مضمونا.
و فيه، أخرج أحمد و ابن مردويه عن أبي سعيد: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم غرس عوداً بين يديه و آخر إلى جنبه و آخر بعده. قال: أ تدرون ما هذا؟ قالوا: الله و رسوله أعلم، قال: فإنّ هذا الإنسان و هذا أجله و هذا أمله فيتعاطى الأمل فيختلجه الأجل دون ذلك.
أقول: و روي ما يقرب من معناه بطرق عن أنس عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و في المجمع، عن أميرالمؤمنينعليهالسلام أنّه قال: إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتّباع الهوى، و طول الأمل، فإنّ اتّباع الهوى يصدّ عن الحقّ، و طول الأمل ينسي الآخرة.
و في تفسير القمّيّ،: في قوله تعالى:( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إلّا بِالحقّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) قال: قالعليهالسلام : لو أنزلنا بالملائكة لم ينظروا و هلكوا.
( كلام في أنّ القرآن مصون عن التحريف في فصول)
( الفصل ١- الاستدال علي نفي التحريف بالقرآن)
من ضروريّات التاريخ أنّ النبيّ العربيّ محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم جاء قبل أربعة عشر قرناً - تقريباً - و ادّعى النبوّة و انتهض للدّعوة و آمن به اُمّة من العرب و غيرهم، و أنّه جاء بكتاب يسمّيه القرآن و ينسبه إلى ربّه متضمّن لجمل المعارف و كلّيّات الشريعة الّتي كان يدعو إليها، و كان يتحدّى به و يعدّه آية لنبوّته، و أنّ القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الّذي جاء به و قرأه على الناس المعاصرين له في
الجملة بمعنى أنّه لم يضع من أصله بأن يفقد كلّه ثمّ يوضع كتاب آخر يشابهه في نظمه أو لا يشابهه و ينسب إليه و يشتهر بين الناس بأنّه القرآن النازل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فهذه اُمور لا يرتاب في شيء منها إلّا مصاب في فهمه و لا احتمل بعض ذلك أحد من الباحثين في مسألة التحريف من المخالفين و المؤالفين.
و إنّما احتمل بعض من قال به من المخالف أو المؤالف زيادة شيء يسير كالجملة أو الآية(١) أو النقص أو التغيير في جملة أو آية في كلماتها أو إعرابها، و أمّا جلّ الكتاب الإلهيّ فهو على ما هو في عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يضع و لم يفقد.
ثمّ إنّا نجد القرآن يتحدّى بأوصاف ترجع إلى عامّة آياته و نجد ما بأيدينا من القرآن أعني ما بين الدفّتين واجداً لما وصف به من أوصاف تحدّى بها من غير أن يتغيّر في شيء منها أو يفوته و يفقد.
فنجده يتحدّى بالبلاغة و الفصاحة و نجد ما بأيدينا مشتملاً على ذلك النظم العجيب البديع لا يعدله و لا يشابهه شيء من كلام البلغاء و الفصحاء المحفوظ منهم و المرويّ عنهم من شعر أو نثر أو خطبة أو رسالة أو محاورة أو غير ذلك و هذا النظم موجود في جميع الآيات سواء كتاباً متشابهاً مثاني تقشعرّ منه الجلود و القلوب.
و نجده يتحدّى بقوله:( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) النساء: ٨٢ بعدم وجود اختلاف فيه و نجد ما بأيدينا من القرآن يفي بذلك أحسن الوفاء و أوفاه فما من إبهام أو خلل يتراءى في آية إلّا و يرفعه آية اُخرى، و ما من خلاف أو مناقضة يتوهّم بادئ الرأي من شطر إلّا و هناك ما يدفعه و يفسّره.
و نجده يتحدّى بغير ذلك ممّا لا يختصّ فهمه بأهل اللغة العربيّة كما في قوله:
__________________________________________________
(١) كقول بعض من غير المنتحلين بالإسلام أن قوله تعالى: ( إنّك ميّت و إنّهم ميّتون ) من وضع أبي بكر وضعه حين سمع عمر و هو شاهر سيفه يهدد بالقتل من قال: إنّ النبيّ مات فقرأها على عمر فصرفه.
( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) إسراء: ٨٨ و قوله:( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ ) الطارق: ١٤ ثمّ نجد ما بأيدينا من القرآن يستوفي البيان في صريح الحقّ الّذي لا مرية فيه، و يهدي إلى آخر ما يهتدي إليه العقل من اُصول المعارف الحقيقيّة و كلّيّات الشرائع الفطريّة و تفاصيل الفضائل الخلقيّة من غير أن نعثر فيها على شيء من النقيصة و الخلل أو نحصل على شيء من التناقض و الزلل بل نجد جميع المعارف على سعتها و كثرتها حيّة بحياة واحدة مدبّرة بروح واحد هو مبدأ جميع المعارف القرآنيّة و الأصل الّذي إليه ينتهي الجميع و يرجع و هو التوحيد فإليه ينتهي الجميع بالتحليل و هو يعود إلى كلّ منها بالتركيب.
و نجده يغوص في أخبار الماضين من الأنبياء و اُممهم و نجد ما عندنا من كلام الله يورد قصصهم و يفصّل القول فيها على ما يليق بطهارة الدين و يناسب نزاهة ساحة النبوّة و خلوصها للعبوديّة و الطاعة و كلّما طبّقنا قصّة من القصص القرآنيّة على ما يماثلها ممّا ورد في العهدين انجلى ذلك أحسن الانجلاء.
و نجده يورد آيات في الملاحم و يخبر عن الحوادث الآتية في آيات كثيرة بالتصريح أو بالتلويح ثمّ نجدها فيما هو بأيدينا من القرآن على تلك الشريطة صادقة مصدّقة.
و نجده يصف نفسه بأوصاف زاكية جميلة كما يصف نفسه بأنّه نور و أنّه هاد يهدي إلى صراط مستقيم و إلى الملّة الّتي هي أقوم و نجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئاً من ذلك و لا يهمل من أمر الهداية و الدلالة و لا دقيقة.
و من أجمع الأوصاف الّتي يذكرها القرآن لنفسه أنّه ذكر لله فإنّه يذكر به تعالى بما أنّه آية دالّة عليه حيّة خالدة و بما أنّه يصفه بأسمائه الحسنى و صفاته العليا، و يصف سنّته في الصنع و الإيجاد، و يصف ملائكته و كتبه و رسله، و يصف شرائعه و أحكامه، و يصف ما ينتهي إليه أمر الخلقة و هو المعاد و رجوع الكلّ إليه سبحانه، و تفاصيل ما يؤل إليه أمر الناس من السعادة و الشقاء، و الجنّة و النار.
ففي جميع ذلك ذكر الله، و هو الّذي يرومه القرآن بإطلاق القول بأنّه ذكر و نجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئاً من معنى الذكر.
و لكون الذكر من أجمع الصفات في الدلالة على شؤون القرآن عبّر عنه بالذكر في الآيات الّتي أخبر فيها عن حفظه القرآن عن البطلان و التغيير و التحريف كقوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) حم السجدة: ٤٢ فذكر تعالى أنّ القرآن من حيث هو ذكر لا يغلبه باطل و لا يدخل فيه حالاً و لا في مستقبل الزمان لا بإبطال و لا بنسخ و لا بتغيير أو تحريف يوجب زوال ذكريّته عنه.
و كقوله تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) الحجر: ٩ أطلق الذكر و أطلق الحفظ فالقرآن محفوظ بحفظ الله عن كلّ زيادة و نقيصة و تغيير في اللفظ أو في الترتيب يزيله عن الذكريّة و يبطل كونه ذكراً لله سبحانه بوجه.
و من سخيف القول إرجاع ضمير( لَهُ ) إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنّه مدفوع بالسياق و إنّما كان المشركون يستهزؤن بالنبيّ لأجل القرآن الّذي كان يدّعي نزوله عليه كما يشير إليه بقوله سابقا:( وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) و قد مرّ تفسير الآية.
فقد تبيّن ممّا فصّلناه أنّ القرآن الّذي أنزله الله على نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم و وصفه بأنّه ذكر محفوظ على ما اُنزل مصون بصيانة إلهيّة عن الزيادة و النقيصة و التغيير كما وعد الله نبيّه فيه.
و خلاصة الحجّة أنّ القرآن أنزله الله على نبيّه و وصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصّة لو كان تغيّر في شيء من هذه الأوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثّر فقد آثار تلك الصفة قطعاً لكنّا نجد القرآن الّذي بأيدينا واجداً
لآثار تلك الصفات المعدودة على أتمّ ما يمكن و أحسن ما يكون فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئاً من صفاته فالّذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعينه فلو فرض سقوط شيء منه أو تغيّر في إعراب أو حرف أو ترتيب وجب أن يكون في أمر لا يؤثّر في شيء من أوصافه كالإعجاز و ارتفاع الاختلاف و الهداية و النوريّة و الذكريّة و الهيمنة على سائر الكتب السماويّة إلى غير ذلك، و ذلك كآية مكرّرة ساقطة أو اختلاف في نقطة أو إعراب و نحوها.
( الفصل ٢- الاستدلال عليه بالحديث)
و يدلّ على عدم وقوع التحريف الأخبار الكثيرة المرويّة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من طرق الفريقين الآمرة بالرجوع إلى القرآن عند الفتن و في حلّ عقد المشكلات.
و كذا حديث الثقلين المتواتر من طرق الفريقين:( إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً) الحديث فلا معنى للأمر بالتمسّك بكتاب محرّف و نفي الضلال أبداً ممّن تمسّك به.
و كذا الأخبار الكثيرة الواردة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و أئمّة أهل البيتعليهمالسلام الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب، و ما ذكره بعضهم أنّ ذلك في الأخبار الفقهيّة و من الجائز أن نلتزم بعدم وقوع التحريف في خصوص آيات الأحكام و لا ينفع ذلك سائر الآيات مدفوع بأنّ أخبار العرض مطلقة فتخصيصها بذلك تخصيص من غير مخصّص.
على أنّ لسان أخبار العرض كالصريح أو هو صريح في أنّ الأمر بالعرض إنّما هو لتمييز الصدق من الكذب و الحقّ من الباطل و من المعلوم أنّ الدسّ و الوضع غير مقصورين في أخبار الفقه بل الدواعي إلى الدسّ و الوضع في المعارف الاعتقاديّة و قصص الأنبياء و الاُمم الماضين و أوصاف المبدإ و المعاد أكثر و أوفر و يؤيّد ذلك ما بأيدينا من الإسرائيليّات و ما يحذو حذوها ممّا أمر الجعل فيها أوضح و أبين.
و كذا الأخبار الّتي تتضمّن تمسّك أئمّة أهل البيتعليهمالسلام بمختلف الآيات القرآنيّة في كلّ باب على ما يوافق القرآن الموجود عندنا حتّى في الموارد الّتي فيها آحاد من الروايات بالتحريف، و هذا أحسن شاهد على أنّ المراد في كثير من روايات التحريف من قولهمعليهمالسلام كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن و التأويل.
و كذا الروايات الواردة عن أميرالمؤمنين و سائر الأئمّة من ذرّيّتهعليهمالسلام في أنّ ما بأيدي الناس قرآن نازل من عندالله سبحانه و إن كان غير ما ألّفه عليّعليهالسلام من المصحف و لم يشركوهعليهالسلام في التأليف في زمن أبي بكر و لا في زمن عثمان و من هذا الباب قولهمعليهمالسلام لشيعتهم:( اقرؤا كما قرأ النّاس) .
و مقتضى هذه الروايات أن لو كان القرآن الدائر بين الناس مخالفا لما ألّفه عليّعليهالسلام في شيء فإنّما يخالفه في ترتيب السور أو في ترتيب بعض الآيات الّتي لا يؤثّر اختلال ترتيبها في مدلولها شيئاً و لا في الأوصاف الّتي وصف الله سبحانه بها القرآن النازل من عنده ما يختلّ به آثارها.
فمجموع هذه الروايات على اختلاف أصنافها يدلّ دلالة قاطعة على أنّ الّذي بأيدينا من القرآن هو القرآن النازل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من غير أن يفقد شيئاً من أوصافه الكريمة و آثارها و بركاتها.
( الفصل ٣- كلام مثبتي التحريف و جوابه)
ذهب جماعة من محدّثي الشيعة و الحشويّة و جماعة من محدّثي أهل السنّة إلى وقوع التحريف بمعنى النقص و التغيير في اللفظ أو الترتيب دون الزيادة فلم يذهب إليها أحد من المسلمين كما قيل.
و احتجّوا على نفي الزيادة بالإجماع و على وقوع النقص و التغيير بوجوه كثيرة.
أحدها: الأخبار الكثيرة المرويّة من طرق الشيعة و أهل السنّة الدالّة على سقوط بعض السور و الآيات و كذا الجمل و أجزاء الجمل و الكلمات و الحروف في الجمع الأوّل الّذي اُلّف فيه القرآن في زمن أبي بكر و كذا في الجمع الثاني الّذي كان في زمن عثمان و كذا التغيير و هذه روايات كثيرة روتها الشيعة في جوامعها المعتبرة و غيرها، و قد ادّعى بعضهم أنّها تبلغ ألفي حديث، و روتها أهل السنّة في صحاحهم كصحيحي البخاريّ و مسلم و سنن أبي داود و النسائيّ و أحمد و سائر الجوامع و كتب التفاسير و غيرها و قد ذكر الآلوسيّ في تفسيره أنّها فوق حدّ الإحصاء.
و هذا غير ما يخالف فيه مصحف عبدالله بن مسعود المصحف المعروف ممّا ينيف على ستّين موضعا، و ما يخالف فيه مصحف اُبيّ بن كعب المصحف العثمانيّ و هو في بضع و ثلاثين موضعا، و ما يختلف فيه المصاحف العثمانيّة الّتي اكتتبها و أرسلها إلى الآفاق و هي خمسة أو سبعة أرسلها إلى مكّة و إلى الشام و إلى البصرة و إلى الكوفة و إلى اليمن و إلى البحرين و حبس واحدا بالمدينة و الاختلاف الّذي فيما بينها يبلغ خمسة و أربعين حرفاً، و قيل: بضع و خمسين حرفاً.(١)
و غير الاختلاف في الترتيب بين المصاحف العثمانيّة و الجمع الأوّل في زمن أبي بكر فقد كانت سورة الأنفال في التأليف الأوّل في المثاني و سورة براءة في المئين و هما في الجمع الثاني موضوعتان في الطوال على ما ستجيء روايته.
و غير الاختلاف في ترتيب السور الموجود بين مصحفي عبدالله بن مسعود و اُبيّ ابن كعب على ما وردت به الرواية و بين المصاحف العثمانيّة و غير الاختلافات القرائيّة الشاذّة الّتي رويت عن الصحابة و التابعين فربّما بلغ عدد المجموع الألف أو زاد عليه.
الوجه الثاني: أنّ العقل يحكم بأنّه إذا كان القرآن متفرّقاً متشتّتاً منتشراً عند الناس و تصدّى لجمعه غير المعصوم يمتنع عادة أن يكون جمعه كاملا موافقا للواقع.
الوجه الثالث: ما روته العامّة و الخاصّة: أنّ عليّاعليهالسلام اعتزل الناس بعد رحلة
__________________________________________________
(١) ذكره ابن طاووس في سعد السعود.
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و لم يرتد إلّا للصّلاة حتّى جمع القرآن ثمّ حمله إلى الناس و أعلمهم أنّه القرآن الّذي أنزله الله على نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم و قد جمعه فردّوه و استغنوا عنه بما جمعه لهم زيد بن ثابت و لو لم يكن بعض ما فيه مخالفاً لبعض ما في مصحف زيد لم يكن لحملة إليهم و إعلامهم و دعوتهم إليه وجه، و قد كانعليهالسلام أعلم الناس بكتاب الله بعد نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم و قد أرجع الناس إليه في حديث الثقلين المتواتر و قال في الحديث المتّفق عليه: عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ.
الوجه الرابع: ما ورد من الروايات أنّه يقع في هذه الاُمّة ما وقع في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل و القذّة، بالقذّة و قد حرّفت بنو إسرائيل كتاب نبيّهم على ما يصرّح به القرآن الكريم و الروايات المأثورة، فلا بدّ أن يقع نظيره في هذه الاُمّة فيحرّفوا كتاب ربّهم و هو القرآن الكريم.
ففي صحيح البخاريّ، عن أبي سعيد الخدريّ أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموه قلنا: يا رسول الله بآبائنا و اُمّهاتنا اليهود و النصارى؟ قال: فمن؟
و الرواية مستفيضة مرويّة في جوامع الحديث عن عدّة من الصحابة كأبي سعيد الخدريّ - كما مرّ - و أبي هريرة و عبدالله بن عمر، و ابن عبّاس و حذيفة و عبدالله بن مسعود و سهل بن سعد و عمر بن عوف و عمرو بن العاص و شدّاد بن أوس و المستورد بن شدّاد في ألفاظ متقاربة.
و هي مرويّة مستفيضة من طرق الشيعة عن عدّة من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كما في تفسير القمّيّ، عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لتركبنّ سبيل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذّة بالقذّة لا تخطؤن طريقهم و لا تخطئ شبر بشبر و ذراع بذراع و باع بباع حتّى أن لو كان من قبلكم دخل جحر ضبّ لدخلتموه قالوا: اليهود و النصارى تعني يا رسول الله؟ قال: فمن أعني؟ لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة فيكون أوّل ما تنقضون من دينكم الأمانة و آخره الصلاة.
و الجواب عن استدلالهم بإجماع الاُمّة على نفي تحريف القرآن بالزيادة
بأنّها حجّة مدخولة لكونها دوريّة.
بيان ذلك: أنّ الإجماع ليس في نفسه حجّة عقليّة يقينيّة بل هو عند القائلين باعتباره حجّة شرعيّة لو أفاد شيئاً من الاعتقاد فإنّما يفيد الظنّ سواء في ذلك محصّله و منقوله على خلاف ما يزعمه كثير منهم أنّ الإجماع المحصّل مفيد للقطع و ذلك أنّ الّذي يفيده الإجماع من الاعتقاد لا يزيد على مجموع الاعتقادات الّتي تفيدها آحاد الأقوال و الواحد من الأقوال المتوافقة لا يفيد إلّا الظنّ بإصابة الواقع، و انضمام القول الثاني الّذي يوافقه إليه إنّما يفيد قوّة الظنّ دون القطع لأنّ القطع اعتقاد خاصّ بسيط مغاير للظنّ و ليس بالمركّب من عدّة ظنون.
و هكذا كلّما انضمّ قول إلى قول و تراكمت الأقوال المتوافقة زاد الظنّ قوّة و تراكمت الظنون و اقتربت من القطع من غير أن تنقلب إليه كما تقدّم، هذا في المحصّل من الإجماع و هو الّذي نحصّله بتتبّع جميع الأقوال و الحصول على كلّ قول قول، و أمّا المنقول منه الّذي ينقله الواحد و الاثنان من أهل العلم و البحث فالأمر فيه أوضح فهو كآحاد الروايات لا يفيد إلّا الظنّ إن أفاد شيئاً من الاعتقاد.
فالإجماع حجّة ظنّيّة شرعيّة دليل اعتبارها عند أهل السنّة مثلاً قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( لا تجتمع اُمّتي على خطإ أو ضلال) و عند الشيعة دخول قول المعصوم في أقوال المجمعين أو كشف أقوالهم عن قوله بوجه.
فحجية الإجماع بالجملة متوقّفة على صحّة النبوّة و ذلك ظاهر، و صحّة النبوّة اليوم متوقّفة على سلامة القرآن من التحريف المستوجب لزوال صفات القرآن الكريمة عنه كالهداية و فصل القول و خاصّة الإعجاز فإنّه لا دليل حيّاً خالداً على خصوص نبوّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم غير القرآن الكريم بكونه آية معجزة، و مع احتمال التحريف بزيادة أو نقيصة أو أيّ تغيير آخر لا وثوق بشيء من آياته و محتوياته أنّه كلام الله محضا و بذلك تسقط الحجّة و تفسد الآية، و مع سقوط كتاب الله عن الحجّيّة يسقط الإجماع عن الحجّيّة.
و لا ينفع في المقام ما قدّمناه في أوّل الكلام أنّ وجود القرآن المنزل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما بأيدينا من القرآن في الجملة من ضروريّات التاريخ.
و ذلك لأنّ مجرّد اشتمال ما بأيدينا منه على القرآن الواقعيّ لا يدفع احتمال زيادة أو نقيصة أو أيّ تغيير آخر في كلّ آية أو جملة اُريد التمسّك بها لإثبات مطلوب.
و الجواب عن الوجه الأوّل الّذي اُقيم لوقوع التحريف بالنقص و التغيير و هو الّذي تمسّك فيه بالأخبار:
أما أوّلاً فبأنّ التمسّك بالأخبار بما أنّها حجّة شرعيّة يشتمل من الدور على ما يشتمل عليه التمسّك بالإجماع بنظير البيان الّذي تقدّم آنفاً.
فلا يبقى للمستدلّ بها إلّا أن يتمسّك بها بما أنّها أسناد و مصادر تاريخيّة و ليس فيها حديث متواتر و لا محفوف بقرائن قطعيّة تضطرّ العقل إلى قبوله بل هي آحاد متفرّقة متشتّتة مختلفة منها صحاح و منها ضعاف في أسنادها و منها قاصرة في دلالتها فما أشذّ منها ما هو صحيح في سنده تامّ في دلالته.
و هذا النوع على شذوذه و ندرته غير مأمون فيه الوضع و الدسّ فإنّ انسراب الإسرائيليّات و ما يلحق بها من الموضوعات و المدسوسات بين رواياتنا لا سبيل إلى إنكاره و لا حجّيّة في خبر لا يؤمن فيه الدسّ و الوضع.
و مع الغضّ عن ذلك فهي تذكر من الآيات و السور ما لا يشبه النظم القرآنيّ بوجه، و مع الغضّ عن جميع ذلك فإنّها مخالفة للكتاب مردودة:
أمّا ما ذكرنا أنّ أكثرها ضعيفة الأسناد فيعلم ذلك بالرجوع إلى أسانيدها فهي مراسيل أو مقطوعة الأسناد أو ضعيفتها، و السالم منها من هذه العلل أقلّ قليل.
و أمّا ما ذكرنا أنّ منها ما هو قاصر في دلالتها فإنّ كثيراً ممّا وقع فيها من الآيات المحكيّة من قبيل التفسير و ذكر معنى الآيات لا من حكاية متن الآية المحرّفة و ذلك كما في روضة الكافي، عن أبي الحسن الأوّل: في قول الله:( أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ - فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء و سبق لهم العذاب -وَ قُلْ لَهُمْ
فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً ) .
و ما في الكافي، عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى:( وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ) قال:( وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا - عمّا اُمرتم به -فإنّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) إلى غير ذلك من روايات التفسير المعدودة من أخبار التحريف.
و يلحق بهذا الباب ما لا يحصى من الروايات المشيرة إلى سبب النزول المعدودة من أخبار التحريف كالروايات الّتي تذكر هذه الآية هكذا:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ - في عليّ -) و الآية نازلة في حقّهعليهالسلام ، و ما روي: أنّ وفد بني تميم كانوا إذا قدموا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقفوا على باب الحجرة و نادوه أن اخرج إلينا فذكرت الآية فيها هكذا:( إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ - بنو تميم -أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) فظنّ أنّ في الآية سقطا.
و يلحق بهذا الباب أيضاً ما لا يحصى من الأخبار الواردة في جري القرآن و انطباقه كما ورد في قوله:( وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا - آل محمّد حقّهم -) و ما ورد من قوله:( وَ مَنْ يُطِعِ اللهَ وَ رَسُولَهُ - في ولاية عليّ و الأئمّة من بعده -فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ) و هي كثيرة جدّاً.
و يلحق بها أيضاً ما اُتبع فيه القراءة بشيء من الذكر و الدعاء فتوهّم أنّه من سقط القرآن كما في الكافي، عن عبد العزيز بن المهتدي قال: سألت الرضاعليهالسلام عن التوحيد فقال: كلّ من قرأ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ و آمن بها فقد عرف التوحيد، قال:( قلت ظ) كيف نقرؤها؟ قال: كما يقرؤها الناس و زاد فيه كذلك الله ربّي كذلك الله ربّي.
و من قبيل قصور الدلالة ما نجد في كثير من الآيات المعدودة من المحرّفة اختلاف الروايات في لفظ الآية كالّتي وردت في قوله تعالى:( وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) ففي بعضها أنّ الآية هكذا:( و لقد نصركم الله ببدر و أنتم ضعفاء) و في بعضها:( و لقد نصركم الله ببدر و أنتم قليل) .
و هذا الاختلاف ربّما كان قرينة على أنّ المراد هو التفسير بالمعنى كما في الآية المذكورة و يؤيّده ما ورد في بعضها من قولهعليهالسلام : لا يجوز وصفهم بأنّهم
أذلّة و فيهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و ربّما لم يكن إلّا من التعارض و التنافي بين الروايات القاضي بسقوطها كآية الرجم على ما ورد في روايات الخاصّة و العامّة و هي في بعضها: إذا زنى الشيخ و الشيخة فارجموهما البتّة فإنّهما قضيا الشهوة. و في بعضها: الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة فإنّهما قضيا الشهوة، و في بعضها «بما قضيا من اللذّة» و في بعضها آخرها:( نكالا من الله و الله عليم حكيم) و في بعضها:( نَكالًا مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .
و كآية الكرسيّ على التنزيل الّتي وردت فيها روايات فهي في بعضها هكذا:( اللهُ لا إِلهَ إلّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ ) و ما بينهما و ما تحت الثرى عالم الغيب و الشهادة فلا يظهر على غيبه أحداً( مَنْ ذَا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ - إلى قوله -وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) و الحمد لله ربّ العالمين.
و في بعضها - إلى قوله -( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) و الحمد لله ربّ العالمين، و في بعضها هكذا:( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ - و ما بينهما و ما تحت الثرى عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم -) إلخ. و في بعضها:( عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم بديع السماوات و الأرض ذو الجلال و الإكرام ربّ العرش العظيم) و في بعضها: عالم الغيب و الشهادة العزيز الحكيم.
و ما ذكره بعض المحدّثين أنّ اختلاف هذه الروايات في الآيات المنقولة غير ضائر لاتّفاقها في أصل التحريف. مردود بأنّ ذلك لا يصلح ضعف الدلالة و دفع بعضها لبعض.
و أمّا ما ذكرنا من شيوع الدسّ و الوضع في الروايات فلا يرتاب فيه من راجع الروايات المنقولة في الصنع و الإيجاد و قصص الأنبياء و الاُمم و الأخبار الواردة في تفاسير الآيات و الحوادث الواقعة في صدر الإسلام و أعظم ما يهمّ أمره لأعداء الدين و لا يألون جهدا في إطفاء نوره و إخماد ناره و إعفاء أثره هو القرآن الكريم الّذي هو الكهف المنيع و الركن الشديد الّذي يأوي إليه و يتحصّن به المعارف
الدينيّة و السند الحيّ الخالد لمنشور النبوّة و موادّ الدعوة لعلمهم بأنّه لو بطلت حجّة القرآن لفسد بذلك أمر النبوّة و اختلّ نظام الدين و لم يستقرّ من بنيته حجر على حجر.
و العجب من هؤلاء المحتجّين بروايات منسوبة إلى الصحابة أو إلى أئمّة أهل البيتعليهمالسلام على تحريف كتاب الله سبحانه و إبطال حجيّته، و ببطلان حجّة القرآن تذهب النبوّة سدى و المعارف الدينيّة لغا لا أثر لها، و ما ذا يغني قولنا: إنّ رجلا في تاريخ كذا ادّعى النبوّة و أتى بالقرآن معجزة أمّا هو فقد مات و أمّا قرآنه فقد حرف، و لم يبق بأيدينا ممّا يؤيّد أمره إلّا أنّ المؤمنين به أجمعوا على صدقه في دعواه و أنّ القرآن الّذي جاء به كان معجزاً دالّاً على نبوّته، و الإجماع حجّة لأنّ النبيّ المذكور اعتبر حجيّته أو لأنّه يكشف مثلاً عن قول أئمّة أهل بيته؟.
و بالجملة احتمال الدسّ - و هو قريب جدّاً مؤيّد بالشواهد و القرائن - يدفع حجّيّة هذه الروايات و يفسد اعتبارها فلا يبقى معه لها لا حجّيّة شرعيّة و لا حجّيّة عقلائيّة حتّى ما كان منها صحيح الأسناد فإنّ صحّة السند و عدالّة رجال الطريق إنّما يدفع تعمّدهم الكذب دون دسّ غيرهم في اُصولهم و جوامعهم ما لم يرووه.
و أمّا ما ذكرناه أنّ روايات التحريف تذكر آيات و سوراً لا يشبه نظمها النظم القرآنيّ بوجه فهو ظاهر لمن راجعها فإنّه يعثر فيها بشيء كثير من ذلك كسورتي الخلع و الحفد اللّتين رويتا بعدّة من طرق أهل السنّة فسورة الخلع هي: بسم الله الرحمن الرحيم اللّهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك، و نثني عليك و لا نكفرك، و نخلع و نترك من يفجرك و سورة الحفد هي:( بسم الله الرحمن الرحيم اللّهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد و إليك نسعى و نحفد، نرجو رحمتك و نخشى نقمتك إنّ عذابك بالكافرين ملحق) .
و كذا ما أورده بعض الروايات من سورة الولاية و غيرها أقاويل مختلقة رام واضعها أن يقلّد النظم القرآنيّ فخرج الكلام عن الاُسلوب العربيّ المألوف و لم يبلغ النظم الإلهيّ المعجز فعاد يستبشعه الطبع و ينكره الذوق و لك أن تراجعها
حتّى تشاهد صدق ما ادّعيناه و تقضي أنّ أكثر المعتنين بهذه السور و الآيات المختلقة المجعولة إنّما دعاهم إلى ذلك التعبّد الشديد بالروايات و الإهمال في عرضها على الكتاب، و لو لا ذلك لكفتهم للحكم بأنّها ليست بكلام إلهيّ نظرة.
و أمّا ما ذكرنا أنّ روايات التحريف على تقدير صحّة أسنادها مخالفة للكتاب فليس المراد به مجرّد مخالفتها لظاهر قوله تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) و قوله:( وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ ) الآيتان حتّى تكون مخالفة ظنّيّة لكون ظهور الألفاظ من الأدلّة الظنّيّة بل المراد مخالفتها للدلالة القطعيّة من مجموع القرآن الّذي بأيدينا حسب ما قرّرناه في الحجّة الاُولى الّتي أقمناها لنفي التحريف.
كيف لا؟ و القرآن الّذي بأيدينا متشابه الأجزاء في نظمه البديع المعجز كاف في رفع الاختلافات المتراءاة بين آياته و أبعاضه غير ناقص و لا قاصر في إعطاء معارفه الحقيقيّة و علومه الإلهيّة الكلّيّة و الجزئيّة المرتبطة بعضها ببعض المترتّبة فروعها على اُصولها المنعطفة أطرافها على أوساطها إلى غير ذلك من خواصّ النظم القرآنيّ الّذي وصفه الله بها.
و الجواب عن الوجه الثاني أنّ دعوى الامتناع العاديّ مجازفة بيّنة نعم يجوّز العقل عدم موافقة التأليف في نفسه للواقع إلّا أن تقوم قرائن تدلّ على ذلك و هي قائمة كما قدّمنا، و أمّا أن يحكم العقل بوجوب مخالفتها للواقع كما هو مقتضى الامتناع العاديّ فلا.
و الجواب عن الوجه الثالث أنّ جمعهعليهالسلام القرآن و حمله إليهم و عرضه عليهم لا يدلّ على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في شيء من الحقّائق الدينيّة الأصليّة أو الفرعيّة إلّا أن يكون في شيء من ترتيب السور أو الآيات من السور الّتي نزلت نجوما بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض الحقائق الدينيّة.
و لو كان كذلك لعارضهم بالاحتجاج و دافع فيه و لم يقنع بمجرّد إعراضهم عمّا جمعه و استغنائهم عنه كما روي عنهعليهالسلام في موارد شتّى و لم ينقل عنهعليهالسلام فيما
روي من احتجاجاته أنّه قرأ في أمر ولايته و لا غيرها آية أو سورة تدلّ على ذلك، و جبّههم على إسقاطها أو تحريفها.
و هل كان ذلك حفظا لوحدة المسلمين و تحرّزاً عن شقّ العصا فإنّما كان يتصوّر ذلك بعد استقرار الأمر و اجتماع الناس على ما جمع لهم لا حين الجمع و قبل أن يقع في الأيدي و يسير في البلاد.
و ليت شعري هل يسعنا أن ندّعي أنّ ذاك الجمّ الغفير من الآيات الّتي يرون سقوطها و ربّما ادّعوا أنّها تبلغ الاُلوف كانت جميعاً في الولاية أو كانت خفيّة مستورة عن عامّة المسلمين لا يعرفها إلّا النزر القليل منهم مع توفّر دواعيهم و كثرة رغباتهم على أخذ القرآن كلّما نزل و تعلّمه و بلوغ اجتهاد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في تبليغه و إرساله إلى الآفاق و تعليمه و بيانه، و قد نصّ على ذلك القرآن قال تعالى:( وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ ) الجمعة: ٢ و قال:( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) النحل: ٤٤ فكيف ضاع؟ و أين ذهب؟ ما يشير إليه بعض المراسيل أنّه سقط في آية من أوّل سورة النساء بين قوله:( وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) و قوله:( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) أكثر من ثلث القرآن أي أكثر من ألفي آية، و ما ورد من طرق أهل السنّة أنّ سورة براءة كانت مبسملة تعدل سورة البقرة، و أنّ الأحزاب كانت أعظم من البقرة و قد سقطت منه مائتا آية إلى غير ذلك!.
أو أنّ هذه الآيات - و قد دلّت هذه الروايات على بلوغها في الكثرة - كانت منسوخة التلاوة كما ذكره جمع من المفسّرين من أهل السنّة حفظا لما ورد في بعض رواياتهم أنّ من القرآن ما أنساه الله و نسخ تلاوته.
فما معنى إنساء الآية و نسخ تلاوتها؟ أ كان ذلك لنسخ العمل بها فما هي هذه الآيات المنسوخة الواقعة في القرآن كآية الصدقة و آية نكاح الزانية و الزاني و آية العدّة و غيرها؟ و هم مع ذلك يقسّمون منسوخ التلاوة إلى منسوخ التلاوة و العمل معا و منسوخ التلاوة دون العمل كآية الرجم.
أم كان ذلك لكونها غير واجدة لبعض صفات كلام الله حتّى أبطلها الله بإمحاء
ذكرها و إذهاب أثرها فلم يكن من الكتاب العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و لا منزّها من الاختلاف، و لا قولاً فصلاً و لا هادياً إلى الحقّ و إلى طريق مستقيم، و لا معجزاً يتحدّى به و لا، و لا، فما معنى الآيات الكثيرة الّتي تصف القرآن بأنّه في لوح محفوظ، و أنّه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و أنّه قول فصل، و أنّه هدى، و أنّه نور، و أنّه فرقان بين الحقّ و الباطل، و أنّه آية معجزة، و أنّه، و أنّه؟.
فهل يسعنا أن نقول: إنّ هذه الآيات على كثرتها و إباء سياقها عن التقييد مقيّدة بالبعض فبعض الكتاب فقط و هو غير المنسيّ و منسوخ التلاوة لا يأتيه الباطل و قول فصل و هدى و نور و فرقان و معجزة خالدة؟.
و هل جعل الكلام منسوخ التلاوة و نسيا منسيّا غير إبطاله و إماتته؟ و هل صيرورة القول النافع بحيث لا ينفع للأبد و لا يصلح شأنا ممّا فسد غير إلغائه و طرحه و إهماله؟ و كيف يجامع ذلك كون القرآن ذكرا؟.
فالحقّ أنّ روايات التحريف المرويّة من طرق الفريقين و كذا الروايات المرويّة في نسخ تلاوة بعض الآيات القرآنيّة مخالفة للكتاب مخالفة قطعيّة.
و الجواب عن الوجه الرابع: أنّ أصل الأخبار القاضية بمماثلة الحوادث الواقعة في هذه الاُمّة لما وقع في بني إسرائيل ممّا لا ريب فيه، و هي متظافرة أو متواترة، لكن هذه الروايات لا تدلّ على المماثلة من جميع الجهات، و هو ظاهر بل الضرورة تدفعه.
فالمراد بالمماثلة هي المماثلة في الجملة من حيث النتائج و الآثار، و حينئذ فمن الجائز أن تكون مماثلة هذه الاُمّة لبني إسرائيل في مسألة تحريف الكتاب إنّما هي في حدوث الاختلاف و التفرّق بين الاُمّة بانشعابها إلى مذاهب شتّى يكفّر بعضهم بعضاً و افتراقها إلى ثلاث و سبعين فرقة كما افترقت النصارى إلى اثنتين و سبعين و اليهود إلى واحدة و سبعين و قد ورد هذا المعنى في كثير من هذه الروايات حتّى ادّعى بعضهم كونها متواترة.
و من المعلوم أنّ الجميع مستندون فيما اختاروه إلى كتاب الله، و ليس ذلك إلّا من جهة تحريف الكلم عن مواضعه، و تفسير القرآن الكريم بالرأي، و الاعتماد على الأخبار الواردة في تفسير الآيات من غير العرض على الكتاب و تمييز الصحيح منها من السقيم.
و بالجملة أصل الروايات الدالّة على المماثلة بين الاُمّتين لا يدلّ على شيء من التحريف الّذي يدّعونه نعم وقع في بعضها ذكر التحريف بالتغيير و الإسقاط، و هذه الطائفة على ما بها من السقم مخالفة للكتاب كما تقدّم.
( الفصل ٤- الجمع الأوّل للمصحف)
في تاريخ اليعقوبي: قال عمر بن الخطّاب لأبي بكر: يا خليفة رسول الله إنّ حملة القرآن قد قتل أكثرهم يوم اليمامة فلو جمعت القرآن فإنّي أخاف عليه أن يذهب حملته، فقال له أبوبكر: أفعل ما لم يفعله رسول الله؟ فلم يزل به عمر حتّى جمعه و كتبه في صحف، و كان مفرّقا في الجريد و غيرها.
و أجلس خمسة و عشرين رجلا من قريش و خمسين رجلا من الأنصار فقال: اكتبوا القرآن و اعرضوا على سعيد بن العاص فإنّه رجل فصيح.
و روى بعضهم: أنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام كان جمعه لما قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و أتى به يحمله على جمل فقال: هذا القرآن قد جمعته. قال: و كان قد جزّأه سبعة أجزاء ثمّ ذكر الأجزاء.
و في تاريخ أبي الفداء: و قتل في قتال مسيلمة جماعة من القرّاء من المهاجرين و الأنصار، و لما رأى أبوبكر كثرة من قتل أمر بجمع القرآن من أفواه الرجال و جريد النخل و الجلود، و ترك ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر زوج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، انتهى.
و الأصل فيما ذكراه الروايات فقد أخرج البخاريّ في صحيحة عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبوبكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطّاب عنده فقال أبوبكر إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ بقرّاء القرآن و إنّي أخشى أن
يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، و إنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال عمر: هذا و الله خير فلم يزل يراجعني حتّى شرح الله صدري لذلك و رأيت الّذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبوبكر: إنّك شابّ عاقل لا نتّهمك و قد كنت تكتب الوحي لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتتبّع القرآن فاجمعه فوالله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: هو و الله خير.
فلم يزل أبوبكر يراجعني حتّى شرح الله صدري للّذي شرح له صدر أبي بكر و عمر فتتبّعت القرآن أجمعه من العسف و اللخاف و صدور الرجال، و وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاريّ لم أجدها مع غيره:( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ ) حتّى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتّى توفّاه الله تعالى ثمّ عند عمر حياته ثمّ عند حفصة بنت عمر.
و عن ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر فقال: من كان تلقّى من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيئاً من القرآن فليأت به و كانوا يكتبون ذلك في الصحف و الألواح و العسب، و كان لا يقبل من أحد شيئاً حتّى يشهد شهيدان.
و عنه أيضاً من طريق هشام بن عروة عن أبيه - و في الطريق انقطاع - أن أبابكر قال لعمر و لزيد: اقعدوا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه.
و في الإتقان عن ابن أشتة في المصاحف، عن الليث بن سعد قال: أوّل من جمع القرآن أبوبكر و كتبه زيد، و كان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلّا بشاهدي عدل، و إنّ آخر سورة براءة لم يوجد إلّا مع أبي خزيمة بن ثابت فقال: اكتبوها فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب و إنّ عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنّه كان وحده.
و عن ابن أبي داود في المصاحف، من طريق محمّد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال: أتاني الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد أنّي سمعتهما من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و وعيتهما، فقال عمر: و أنا أشهد لقد سمعتهما ثمّ قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها.
و عنه أيضاً من طريق أبي العالية عن اُبيّ بن كعب: أنّهم جمعوا القرآن فلمّا انتهوا إلى الآية الّتي في سورة براءة( ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) ظنّوا أنّ هذا آخر ما اُنزل فقال اُبيّ: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أقرأني بعد هذا آيتين( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ ) إلى آخر السورة.
و في الإتقان، عن الدير عاقوليّ في فوائده حدّثنا إبراهيم بن يسار حدّثنا سفيان بن عيينة عن الزهريّ عن عبيد عن زيد بن ثابت قال: قال: قبض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و لم يكن القرآن جمع في شيء.
و في مستدرك الحاكم، بإسناده عن زيد بن ثابت قال: كنّا عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نؤلّف القرآن من الرقاع، الحديث.
أقول: و لعلّ المراد ضمّ بعض الآيات النازلة نجوماً إلى بعض السور أو إلحاق بعض السور إلى بعضها ممّا يتماثل صنفاً كالطوال و المئين و المفصّلات، فقد ورد لها ذكر في الأحاديث النبويّة، و إلّا فتأليف القرآن و جمعه مصحفاً واحداً إنّما كان بعد ما قبض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بلا إشكال، و على مثل هذا ينبغي أن يحمل ما يأتي.
في صحيح النسائيّ، عن ابن عمر قال: جمعت القرآن فقرأت به كلّ ليلة فبلغ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: اقرأه في شهر.
و في الإتقان، عن ابن أبي داود بسند حسن عن محمّد بن كعب القرظيّ قال: جمع القرآن على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل و عبادة بن الصامت و اُبيّ بن كعب و أبو الدرداء و أبو أيّوب الأنصاريّ.
و فيه، عن البيهقيّ في المدخل عن ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعة لا يختلف فيهم معاذ بن جبل و اُبيّ بن كعب و أبو زيد و اختلفوا في رجلين من ثلاثة: أبي الدرداء و عثمان و قيل: عثمان و تميم الداريّ.
و فيه، عنه و عن ابن أبي داود عن الشعبيّ قال: جمع القرآن في عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سبعة: اُبيّ و زيد و معاذ و أبوالدرداء و سعيد بن عبيد و أبوزيد و مجمع بن حارثة، و قد أخذه إلّا سورتين أو ثلاث.
و فيه، أيضاً عن ابن أشتة في كتاب المصاحف من طريق كهمس عن ابن بريدة قال: أوّل من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة أقسم لا يرتدي برداء حتّى يجمعه فجمعه. الحديث.
أقول: أقصى ما تدلّ عليه هذه الروايات مجرّد جمعهم ما نزلت من السور و الآيات، و أمّا العناية بترتيب السور و الآيات كما هو اليوم أو بترتيب آخر فلا. هذا هو الجمع الأوّل في عهد أبي بكر.
( الفصل ٥- الجمع الثاني)
و قد جمع القرآن ثانياً في عهد عثمان لما اختلفت المصاحف و كثرت القراءات.
قال اليعقوبي في تاريخه: و جمع عثمان القرآن و ألفّه و صيّر الطوال مع الطوال و القصار مع القصار من السور، و كتب في جمع المصاحف من الآفاق حتّى جمعت ثمّ سلقها بالماء الحارّ و الخلّ، و قيل: أحرقها فلم يبق مصحف حتّى فعل به ذلك خلا مصحف ابن مسعود.
و كان ابن مسعود بالكوفة فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبدالله بن عامر و كتب( إليه ظ ) عثمان أن أشخصه إن لم يكن هذا الدين خبالا و هذه الاُمّة فسادا فدخل المسجد و عثمان يخطب فقال عثمان: إنّه قد قدمت عليكم دابّة سوء فكلم ابن مسعود بكلام غليظ فأمر به عثمان فجرّ برجله حتّى كسر له ضلعان فتكلّمت عائشة و قالت قولاً كثيراً.
و بعث بها إلى الأمصار و بعث بمصحف إلى الكوفة و مصحف إلى البصرة و مصحف إلى المدينة و مصحف إلى مكّة و مصحف إلى مصر و مصحف إلى الشام و مصحف
إلى البحرين و مصحف إلى اليمن و مصحف إلى الجزيرة.
و أمر الناس أن يقرؤا على نسخة واحدة، و كان سبب ذلك أنّه بلغه أنّ الناس يقولون: قرآن آل فلان فأراد أن يكون نسخته واحدة، و قيل: إنّ ابن مسعود كان كتب بذلك إليه فلمّا بلغه أنّه كان يحرق المصاحف قال: لم اُرد هذا، و قيل: كتب إليه بذلك حذيفة بن اليمان. انتهى موضع الحاجة.
و في الإتقان، روى البخاريّ عن أنس: أنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان و كان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيّة و آذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان: أدرك الاُمّة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود و النصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت و عبدالله بن الزبير و سعيد بن العاص و عبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
و قال عثمان للرهط القرشيّين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنّه إنّما نزل بلسانهم ففعلوا حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة و أرسل إلى كلّ اُفق بمصحف ممّا نسخوا و أمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق.
قال زيد: آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاريّ:( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) فألحقناها في سورتها في المصحف.
و فيه، أخرج ابن أشتة من طريق أيّوب عن أبي قلابة قال: حدّثني رجل من بني عامر يقال له: أنس بن مالك قال: اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتّى اقتتل الغلمان و المعلّمون فبلغ ذلك عثمان بن عفّان فقال: عندي تكذّبون به و تلحنون فيه فمن نأى عنّي كان أشدّ تكذيبا و أكثر لحنا يا أصحاب محمّد اجتمعوا و اكتبوا للناس إماماً.
فاجتمعوا فكانوا إذا اختلفوا و تدارؤوا في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله
صلىاللهعليهوآلهوسلم فلانا فيرسل إليه و هو على رأس ثلاث من المدينة فيقال له: كيف أقرأك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم آية كذا و كذا؟ فيقول كذا و كذا فيكتبونها و قد تركوا لذلك مكاناً.
و فيه، عن ابن أبي داود من طريق ابن سيرين عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش و الأنصار فبعثوا إلى الربعة الّتي في بيت عمر فجيء بها و كان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارؤوا في شيء أخّروه.
قال محمّد: فظننت أنّما كانوا يؤخّرونه لينظروا أحدثهم عهداً بالعرضة الأخيرة فيكتبونه على قوله.
و فيه، أخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال عليّ: لا تقولوا في عثمان إلّا خيراً فوالله ما فعل الّذي فعل في المصاحف إلّا عن ملإ منّا قال ما تقولون في هذه القرّاء؟ فقد بلغني أنّ بعضهم يقول: إنّ قراءتي خير من قراءتك و هذا يكاد يكون كفراً قلنا: فما ترى؟( قال: أرى ظ ) أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا يكون فرقة و لا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر أنّ عثمان بن عفّان: لما أراد أن يكتب المصاحب أرادوا أن يلقوا الواو الّتي في براءة:( وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ ) قال اُبيّ: لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي فألحقوها.
و في الإتقان، عن أحمد و أبي داود و الترمذيّ و النسائيّ و ابن حبّان و الحاكم عن ابن عبّاس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال و هي من المثاني و إلى براءة و هي من المئين فقرّبتم بينهما و لم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم و وضعتموهما في السبع الطوال.
فقال عثمان: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا اُنزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة الّتي يذكر فيها كذا و كذا، و كانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، و كانت
براءة من آخر القرآن نزولاً و كانت قصّتها شبيهة بقصّتها فظننت أنّها منها فقبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و لم يبيّن لنا أنّها منها.
فمن أجل ذلك قرنت بينهما، و لم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم و وضعتها في السبع الطوال.
أقول: السبع الطوال - على ما يظهر من هذه الرواية و روي أيضاً عن أبي جبير - هي البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و الأنعام و الأعراف و يونس، و قد كانت موضوعة في الجمع الأوّل على هذا الترتيب ثمّ غيّر عثمان هذا الترتيب فأخذ الأنفال و هي من المثاني و براءة و هي من المئين قبل المثاني فوضعهما بين الأعراف و يونس مقدّماً الأنفال على براءة.
( الفصل ٦- حول روايات الجمعين)
الروايات الموضوعة في الفصلين السابقين هي أشهر الروايات الواردة في باب جمع القرآن و تأليفه بين صحيحة و سقيمة، و هي تدلّ على أنّ الجمع الأوّل كان جمعاً لشتات السور المكتوبة في العسب و اللخاف و الأكتاف و الجلود و الرقاع و إلحاق الآيات النازلة متفرّقة إلى سور تناسبها.
و أنّ الجمع الثاني و هو الجمع العثمانيّ كان ردّ المصاحف المنتشرة عن الجمع الأوّل بعد عروض تعارض النسخ و اختلاف القراءات عليها إلى مصحف واحد مجمع عليه عدا ما كان من قول زيد أنّه ألحق قوله:( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) الآية، في سورة الأحزاب في المصحف فقد كانت المصاحف تتلى خمس عشرة سنة و ليست فيها الآية.
و قد روى البخاريّ عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان( وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً ) قد نسختها الآية الاُخرى فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا اُغيّر شيئاً منه من مكانه.
و الّذي يعطيه النظر الحرّ في أمر هذه الروايات و دلالتها - و هي عمدة ما في هذا الباب - أنّها آحاد غير متواترة لكنّها محفوفة بقرائن قطعيّة فقد كان النبيّ
صلىاللهعليهوآلهوسلم يبلّغ الناس ما نزّل إليه من ربّه من غير أن يكتم منه شيئاً، و كان يعلّمهم و يبيّن لهم ما نزّل إليهم من ربّهم على ما نصّ عليه القرآن، و لم يزل جماعة منهم يعلّمون و يتعلّمون القرآن تعلّم تلاوة و بيان و هم القرّاء الّذين قتل جمّ غفير منهم في غزوة اليمامة.
و كان الناس على رغبة شديدة في أخذ القرآن و تعاطيه و لم يترك هذا الشأن و لا ارتفع القرآن من بينهم و لا يوماً أو بعض يوم حتّى جمع القرآن في مصحف واحد ثمّ اُجمع عليه فلم يبتل القرآن بما ابتليت به التوراة و الإنجيل و كتب سائر الأنبياء.
أضف إلى ذلك روايات لا تحصى كثرة وردت من طرق الشيعة و أهل السنّة في قراءاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم كثيراً من السور القرآنيّة في الفرائض اليوميّة و غيرها بمسمع من ملإ الناس، و قد سمّي في هذه الروايات جمّ غفير من السور القرآنيّة مكّيّتها و مدنيّتها.
أضف إلى ذلك ما تقدّم في رواية عثمان بن أبي العاص: في تفسير قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ) الآية: النحل: ٩٠ من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ جبريل أتاني بهذه الآية و أمرني أن أضعها في موضعها من السورة، و نظير الرواية في الدلالة ما دلّ على قراءتهصلىاللهعليهوآلهوسلم لبعض السور النازلة نجوماً كآل عمران و النساء و غيرها فيدلّ على أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يأمر كتّاب الوحي بإلحاق بعض الآيات في موضعها.
و أعظم الشواهد القاطعة ما تقدّم في أوّل هذه الأبحاث أنّ القرآن الموجود بأيدينا واجد لما وصفه الله تعالى من الأوصاف الكريمة.
و بالجملة الّذي تدلّ عليه هذه الروايات هي:
أوّلاً: أنّ الموجود فيما بين الدفّتين من القرآن هو كلام الله تعالى فلم يزد فيه شيء و لم يتغيّر منه شيء و أمّا النقص فإنّها لا تفي بنفيه نفياً قطعيّاً كما روي بعدّة طرق أنّ عمر كان يذكر كثيراً آية الرجم و لم تكتب عنه و أمّا حملهم الرواية و سائر ما ورد في التحريف - و قد ذكر الآلوسيّ في تفسيره أنّها فوق حدّ الإحصاء - على منسوخ التلاوة فقد عرفت فساده و تحقّقت أنّ إثبات منسوخ التلاوة أشنع من
إثبات أصل التحريف.
على أنّ من كان له مصحف غير ما جمعه زيد أوّلاً بأمر من أبي بكر و ثانياً بأمر من عثمان كعليّعليهالسلام و اُبيّ بن كعب و عبدالله بن مسعود لم ينكر شيئاً ممّا حواه المصحف الدائر غير ما نقل عن ابن مسعود أنّه لم يكتب في مصحفه المعوّذتين و كان يقول: إنّهما عوذتان نزل بهما جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليعوّذ بهما الحسنينعليهماالسلام ، و قد ردّه سائر الصحابة و تواترت النصوص من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام على أنّهما سورتان من القرآن.
و بالجملة الروايات السابقة - كما ترى - آحاد محفوفة بالقرائن القطعيّة نافية للتحريف بالزيادة و التغيير قطعا دون النقص إلّا ظنّاً، و دعوى بعضهم التواتر من حيث الجهات الثلاث لا مستند لها.
و التعويل في ذلك على ما قدّمناه من الحجّة في أوّل هذه الأبحاث أنّ القرآن الّذي بأيدينا واجد للصفات الكريمة الّتي وصف الله سبحانه بها القرآن الواقعيّ الّذي أنزله على رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ككونه قولاً فصلاً و رافعاً للاختلاف و ذكراً و هادياً و نوراً و مبيّناً للمعارف الحقيقيّة و الشرائع الفطريّة و آية معجزة إلى غير ذلك من صفاته الكريمة.
و من الحريّ أن نعوّل على هذا الوجه فإنّ حجّة القرآن على كونه كلام الله المنزل على رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم هي نفسه المتّصفة بهاتيك الصفات الكريمة من غير أن يتوقّف في ذلك على أمر آخر وراء نفسه كائنا ما كان فحجّته معه أينما تحقّق و بيد من كان و من أيّ طريق وصل.
و بعبارة اُخرى لا يتوقّف القرآن النازل من عند الله إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في كونه متّصفاً بصفاته الكريمة على ثبوت استناده إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنقل متواتر أو متظافر - و إن كان واجداً لذلك - بل الأمر بالعكس فاتّصافه بصفاته الكريمة هو الحجّة على الاستناد فليس كالكتب و الرسائل المنسوبة إلى المصنّفين و الكتاب، و الأقاويل المأثورة عن العلماء و أصحاب الأنظار المتوقّفة صحّة استنادها إلى نقل قطعيّ و
بلوغ متواتر أو مستفيض مثلاً بل نفس ذاته هي الحجّة على ثبوته.
و ثانياً: أنّ ترتيب السور إنّما هو من الصحابة في الجمع الأوّل و الثاني و من الدليل عليه ما تقدّم في الروايات من وضع عثمان الأنفال و براءة بين الأعراف و يونس و قد كانتا في الجمع الأوّل متأخّرتين.
و من الدليل عليه ما ورد من مغايرة ترتيب مصاحف سائر الصحابة للجمع الأوّل و الثاني كليهما كما روي أنّ مصحف عليّعليهالسلام كان مرتّبا على ترتيب النزول فكان أوّله اقرأ ثمّ المدّثّر ثمّ نون ثمّ المزّمّل ثمّ تبّت ثمّ التكوير و هكذا إلى آخر المكّيّ و المدنيّ نقله في الإتقان عن ابن فارس، و في تاريخ اليعقوبيّ ترتيب آخر لمصحفهعليهالسلام .
و نقل عن ابن أشتة في المصاحف بإسناده عن أبي جعفر الكوفيّ ترتيب مصحف اُبيّ و هو يغاير المصحف الدائر مغايرة شديدة، و كذا عنه فيه بإسناده عن جرير بن عبد الحميد ترتيب مصحف عبدالله بن مسعود آخذاً من الطوال ثمّ المئين ثمّ المثاني ثمّ المفصّل و هو أيضاً مغاير للمصحف الدائر.
و قد ذهب كثير منهم إلى أنّ ترتيب السور توقيفيّ و أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الّذي أمر بهذا الترتيب بإشارة من جبريل بأمر من الله سبحانه حتّى أفرط بعضهم فادّعى ثبوت ذلك بالتواتر و ليت شعري أين هذا التواتر و قد تقدّمت عمدة روايات الباب و لا أثر فيها من هذا المعنى، و سيأتي استدلال بعضهم على ذلك بما ورد من نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ثمّ منها على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تدريجاً.
و ثالثاً: أنّ وقوع بعض الآيات القرآنيّة الّتي نزلت متفرّقة موقعها الّذي هي فيه الآن لم يخل عن مداخلة من الصحابة بالاجتهاد كما هو ظاهر روايات الجمع الأوّل و قد تقدّمت.
و أمّا رواية عثمان بن أبي العاص عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ) الآية فلا تدلّ على أزيد من فعلهصلىاللهعليهوآلهوسلم في بعض الآيات في الجملة لا بالجملة، و على
تقدير التسليم لا دلالة لما بأيدينا من الروايات المتقدّمة على مطابقة ترتيب الصحابة ترتيبهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و مجرّد حسن الظنّ بهم لا يسمح للروايات بدلالة تدلّ بها على ذلك و إنّما يفيد أنّهم ما كانوا ليعمدوا إلى مخالفة ترتيبهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما علموه لا فيما جهلوه. و في روايات الجمع الأوّل المتقدّمة أوضح الشواهد على أنّهم ما كانوا على علم بمواضع جميع الآيات و لا بنفسها.
و يدلّ على ذلك الروايات المستفيضة الّتي وردت من طرق الشيعة و أهل السنّة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و المؤمنين إنّما كانوا يعلمون تمام السورة بنزول البسملة كما رواه أبوداود و الحاكم و البيهقيّ و البزّار من طريق سعيد بن جبير - على ما في الإتقان -، عن ابن عبّاس قال: كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يعرف فضل السورة حتّى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم زاد البزّار: فإذا نزلت عرف أنّ السورة قد ختمت و استقبلت أو ابتدأت سورة اُخرى.
و أيضا عن الحاكم من وجه آخر عن سعيد عن ابن عبّاس قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتّى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم فإذا نزلت علموا أنّ السورة قد انقضت، إسناده على شرط الشيخين.
و أيضاً عنه من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا جاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنّها سورة، إسناده صحيح.
أقول: و روي ما يقرب من ذلك في عدّة روايات اُخر و روي ذلك من طرق الشيعة عن الباقرعليهالسلام .
و الروايات - كما ترى - صريحة في دلالتها على أنّ الآيات كانت مرتّبة عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بحسب ترتيب النزول فكانت المكّيّات في السورة المكّيّة و المدنيّات في سورة مدنيّة اللّهمّ إلّا أن يفرض سورة نزل بعضها بمكّة و بعضها بالمدينة، و لا يتحقّق هذا الفرض إلّا في سورة واحدة.
و لازم ذلك أن يكون ما نشاهده من اختلاف مواضع الآيات مستنداً إلى اجتهاد من الصحابة.
توضيح ذلك أنّ هناك ما لا يحصى من روايات أسباب النزول يدلّ على كون آيات كثيرة في السور المدنيّة نازلة بمكّة و بالعكس و على كون آيات من القرآن نازلة مثلاً في أواخر عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و هي واقعة في سور نازلة في أوائل الهجرة و قد نزلت بين الوقتين سور اُخرى كثيرة، و ذلك كسورة البقرة الّتي نزلت في السنة الاُولى من الهجرة و فيها آيات الربا و قد وردت الروايات على أنّها من آخر ما نزلت على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى ورد عن عمر أنّه قال: مات رسول الله و لم يبيّن لنا آيات الربا، و فيها قوله تعالى:( وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) الآية: البقرة: ٢٨١، و قد ورد أنّها آخر ما نزل من القرآن على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فهذه الآيات النازلة مفرّقة الموضوعة في سور لا تجانسها في المكّيّة و المدنيّة موضوعة في غير موضعها بحسب ترتيب النزول و ليس إلّا عن اجتهاد من الصحابة.
و يؤيّد ذلك ما في الإتقان، عن ابن حجر: و قد ورد عن عليّ أنّه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أخرجه ابن أبي داود و هو من مسلّمات مداليل روايات الشيعة.
هذا ما يدلّ عليه ظاهر روايات الباب المتقدّمة لكن الجمهور أصرّوا على أنّ ترتيب الآيات توقيفيّ فآيات المصحف الدائر اليوم و هو المصحف العثمانيّ مرتّبة على ما رتّبها عليه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بإشارة من جبريل، و أوّلوا ظاهر الروايات بأنّ جمع الصحابة لم يكن جمع ترتيب و إنّما كان جمعاً لما كانوا يعلمونه و يحفظونه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من السور و آياتها المرتّبة، بين دفّتين و في مكان واحد.
و أنت خبير بأنّ كيفيّة الجمع الأوّل الّذي تدلّ عليها الروايات تدفع هذه الدعوى دفعا صريحاً.
و ربّما استدلّ عليه بما ادّعاه بعضهم من الإجماع على ذلك فقد نقل السيوطيّ في الإتقان عن الزركشيّ دعوى الإجماع عليه و عن أبي جعفر بن الزبير نفي الخلاف فيه بين المسلمين، و هو إجماع منقول لا يعتمد عليه بعد وجود الخلاف في أصل التحريف
و دلالة ما تقدّم من الروايات على خلافه.
و ربّما استدلّ عليه بالتواتر و يوجد ذلك في كلام كثير منهم ادّعوا تواتر الترتيب الموجود عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و هو عجيب و قد نقل في الإتقان، بعد نقله ما رواه البخاريّ و غيره بعدّة طرق عن أنس أنّه قال: مات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و لم يجمع القرآن غير أربعة: أبوالدرداء و معاذ بن جبل و زيد بن ثابت و أبو زيد، و في رواية:( اُبيّ بن كعب) بدل أبي الدرداء - عن المازريّ أنّه قال: و قد تمسّك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة و لا متمسّك لهم فيه فإنّا لا نسلّم حمله على ظاهره سلّمنا و لكن من أين لهم أنّ الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلّمناه لكن لا يلزم من كون كلّ من الجمّ الغفير لم يحفظه كلّه أن لا يكون حفظ مجموعة الجمّ الغفير و ليس من شرط التواتر أن يحفظ كلّ فرد جميعه بل إذا حفظ الكلّ الكلّ و لو على التوزيع كفى، انتهى.
أمّا دعواه أنّ ظاهر كلام أنس غير مراد فهو ممّا لا يصغي إليه في الأبحاث اللفظيّة المبنيّة على ظاهر اللفظ إلّا بقرينة من نفس كلام المتكلّم أو ما ينوب منابه أمّا مجرّد الدعوى و الاستناد إلى قول آخرين فلا.
على أنّه لو حمل كلام أنس على خلاف ظاهره كان من الواجب أن يحمل على أنّ هؤلاء الأربعة إنّما جمعوا في عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم معظم القرآن و أكثر سورة و آياته لا على أنّهم و غيرهم من الصحابة جمعوا جميع القرآن على ما في المصحف العثمانيّ و حفظوا ترتيب سوره و آياته و ضبطوا موضع كلّ واحدة واحدة منها عن آخرها فهذا زيد بن ثابت نفسه - و هو أحد الأربعة المذكورين في حديث أنس و المتصدّي للجمع الأوّل و الثاني كليهما - يصرّح في رواياته أنّه لم يحفظ جميع الآيات.
و نظيره ما في الإتقان، عن ابن أشتة في المصاحف بسند صحيح عن محمّد بن سيرين قال: مات أبوبكر و لم يجمع القرآن و قتل عمر و لم يجمع القرآن.
و أمّا قوله: سلّمناه و لكن من أين لهم أنّ الواقع في نفس الأمر كذلك؟
فمقلوب على نفسه فمن أين لهذا القائل أنّ الواقع في نفس الأمر كما يدّعيه و قد عرفت الشواهد على خلاف ما يدّعيه؟.
و أمّا قوله: إنّه يكفي في تحقّق التواتر أن يحفظ الكلّ كلّ القرآن على سبيل التوزيع فمغالطة واضحة لأنّه إنّما يفيد كون مجموع القرآن من حيث المجموع منقولاً بالتواتر و أمّا كون كلّ واحدة واحدة من الآيات القرآنيّة محفوظة من حيث محلّها و موضعها بالتواتر فلا و هو ظاهر.
و نقل في الإتقان، عن البغويّ أنّه قال في شرح السنّة: الصحابة جمعوا بين الدفّتين القرآن الّذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئاً خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من غير أن قدّموا شيئاً أو أخّروه أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يلقّن أصحابه و يعلّمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الّذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إيّاه على ذلك و إعلامه عند نزول كلّ آية أنّ هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا.
فثبت أنّ سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فإنّ القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب أنزله الله جملة إلى السماء الدنيا ثمّ كان ينزّله مفرّقاً عند الحاجة و ترتيب النزول غير ترتيب التلاوة انتهى.
و نقل عن ابن الحصار أنّه قال: ترتيب السور و وضع الآيات مواضعها إنّما كان بالوحي كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، و قد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و إنّما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف انتهى: و نقل أيضاً ما يقرب من ذلك عن جماعة غيرهم كالبيهقيّ و الطيبيّ و ابن حجر.
أمّا قولهم: إنّ الصحابة إنّما كتبوا المصحف على الترتيب الّذي أخذوه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من غير أن يخالفوه في شيء فممّا لا يدلّ عليه شيء من الروايات المتقدّمة، و إنّما المسلّم من دلالتها أنّهم إنّما أثبتوا ما قامت عليه البيّنة
من متن الآيات و لا إشارة في ذلك إلى كيفيّة ترتيب الآيات النازلة مفرّقة و هو ظاهر نعم في رواية ابن عبّاس المتقدّمة عن عثمان ما يشير إلى ذلك غير أنّ الّذي فيه أنّه كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يأمر بعض كتاب الوحي بذلك و هو غير إعلامه جميع الصحابة ذلك على أنّ الرواية معارضة بروايات الجمع الأوّل و أخبار نزول بسم الله و غيرها.
و أمّا قولهم: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لقّن الصحابة هذا الترتيب الموجود في مصاحفنا بتوقيف من جبريل و وحي سماويّ فكأنّه إشارة إلى حديث عثمان بن أبي العاص المتقدّم في آية( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ) و قد عرفت ممّا تقدّم أنّه حديث واحد في خصوص موضع آية واحدة، و أين ذلك من مواضع جميع الآيات المفرّقة.
و أمّا قولهم: إنّ القرآن مكتوب على هذا الترتيب في اللوح المحفوظ أنزله الله إلى السماء الدنيا ثمّ أنزله الله مفرّقاً عند الحاجة إلخ، فإشارة إلى ما روي مستفيضاً من طرق الشيعة و أهل السنّة من نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثمّ نزوله منها نجوماً إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لكن الروايات ليس فيها أدنى دلالة على كون القرآن مكتوباً في اللوح المحفوظ منظّماً في السماء الدنيا على الترتيب الموجود في المصحف الّذي عندنا و هو ظاهر.
على أنّه سيأتي إن شاء الله الكلام في معنى كتابة القرآن في اللوح المحفوظ و نزوله إلى السماء الدنيا في ذيل ما يناسب ذلك من الآيات كأوّل سورتي الزخرف و الدخان و سورة القدر.
و أمّا قولهم: إنّه قد حصل اليقين بالنقل المتواتر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بهذا الترتيب الموجود في المصاحف فقد عرفت أنّه دعوى خالية عن الدليل و أنّ هذا التواتر لا خبر عنه بالنسبة إلى كلّ آية آية كيف و قد تكاثرت الروايات أنّ ابن مسعود لم يكتب في مصحفه المعوّذتين و كان يقول إنّهما ليستا من القرآن و إنّما نزل بهما جبريل تعويذاً للحسنين، و كان يحكّهما عن المصاحف، و لم ينقل عنه أنّه رجع عن قوله فكيف خفي عليه هذا التواتر طول حياته بعد الجمع الأوّل.
( الفصل ٧- الكلام حول روايات الإنساء)
يتعلّق بالبحث السابق البحث في روايات الإنساء - و قد مرّت إشارة إجماليّة إليها - و هي عدّة روايات وردت من طرق أهل السنّة في نسخ القرآن و إنسائه حملوا عليها ما ورد من روايات التحريف سقوطاً و تغييراً.
فمنها ما في الدرّ المنثور، عن ابن أبي حاتم و الحاكم في الكنى و ابن عديّ و ابن عساكر عن ابن عبّاس قال: كان ممّا ينزل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الوحي بالليل و ينساه بالنهار فأنزل الله:( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) .
و فيه، عن أبي داود في ناسخه و البيهقيّ في الدلائل عن أبي أمامة: أنّ رهطا من الأنصار من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبروه أنّ رجلاً قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها على شيء إلّا بسم الله الرحمن الرحيم و وقع ذلك لناس من أصحابه فأصبحوا فسألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن السورة فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئاً ثمّ قال: نسخت البارحة فنسخت من صدورهم و من كلّ شيء كانت فيه.
أقول: و القصّة مرويّة بعدّة طرق في ألفاظ متقاربة مضموناً.
و فيه، عن عبدالرزّاق و سعيد بن منصور و أبي داود في ناسخه و ابنه في المصاحف و النسائيّ و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الحاكم و صحّحه عن سعد بن أبي وقّاص: أنّه قرأ:( ما ننسخ من آية أو ننسأها) فقيل له: إنّ سعيد بن المسيّب يقرأ( نُنْسِها ) فقال سعد: إنّ القرآن لم ينزل على المسيّب و لا آل المسيّب قال الله:( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) ( وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ ) .
أقول: يريد بالتمسّك بالآيتين إنّ الله رفع النسيان عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فيتعيّن أن يقرأ( ننسأها) من النسيء بمعنى الترك و التأخير فيكون المراد بقوله:( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) إزالة الآية عن العمل دون التلاوة كآية صدقة النجوى، و بقوله:( أو ننسأها) ترك الآية و رفعها من عندهم بالمرّة و إزالتها عن العمل و التلاوة كما روي تفسيرها بذلك عن ابن عبّاس و مجاهد و قتادة و غيرهم.
و فيه، أخرج ابن الأنباريّ عن أبي ظبيان قال: قال لنا ابن عباس: أيّ القراءتين تعدّون أوّل؟ قلنا: قراءة عبدالله و قراءتنا هي الأخيرة. فقال: رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعرض عليه جبريل القرآن كلّ سنة مرّة في شهر رمضان و أنّه عرضه عليه في آخر سنة مرّتين فشهد منه عبدالله ما نسخ ما بدلّ.
أقول: و هذا المعنى مرويّ بطرق اُخرى عن ابن عبّاس و عبدالله بن مسعود نفسه و غيرهما من الصحابة و التابعين و هناك روايات اُخر في الإنساء.
و محصّل ما استفيد منها أنّ النسخ قد يكون في الحكم كالآيات المنسوخة المثبتة في المصحف، و قد يكون في التلاوة مع نسخ حكمها أو من غير نسخ حكمها و قد تقدّم في تفسير قوله:( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) البقرة: ١٠٦ و سيأتي في قوله:( وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ) النحل: ١٠١ أنّ الآيتين أجنبيّتان عن الإنساء بمعنى نسخ التلاوة، و تقدّم أيضاً في الفصول السابقة أنّ هذه الروايات مخالفة لصريح الكتاب فالوجه عطفها على روايات التحريف و طرح القبيلين جميعاً.
( سورة الحجر الآيات ١٠ - ١٥)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ( ١٠) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ( ١١) كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ( ١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ( ١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ( ١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ( ١٥)
( بيان)
لمّا ذكر استهزاءهم بكتابه و نبيّه و ما اقترحوا عليه من الإتيان بالملائكة آية للرسالة عقّبه بثلاث طوائف من الآيات و هي المصدّرة بقوله:( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ) إلخ و قوله:( وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً ) إلخ و قوله:( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ ) إلخ.
فبيّن في اُوليها أنّ هذا الاستهزاء دأب و سنّة جارية للمجرمين و ليسوا بمؤمنين و لو جاءتهم آيّة آية، و في الثانية أنّ هناك آيات سماويّة و أرضيّة كافية لمن وفّق للإيمان و في الثالثة أنّ الاختلاف بالإيمان و الكفر في نوع الإنسان و ضلال أهل الضلال ممّا تعيّن لهم يوم أبدع الله خلق الإنسان، فخلق آدم و جرى هنالك ما جرى من أمر الملائكة بالسجود و إباء إبليس عن ذلك.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ) إلى آخر الآيتين. الشيع جمع شيعة و هي الفرقة المتّفقة على سنّة أو مذهب يتّبعونه قال تعالى:( مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً كلّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) الروم: ٣٢.
و قوله:( وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا ) أي رسلا و قد حذف للاستغناء عنه فإنّ العناية بأصل تحقّق الإرسال من قبل من غير نظر إلى من اُرسل بل بيان أنّ البشر الأوّلين
كالآخرين جرت عادتهم على أن لا يحترموا الرسالة الإلهيّة و يستهزؤا بمن أتى بها و يمضوا على إجرامهم لتكون في ذلك تعزية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا يضيق صدره بما قابلوه به من الإنكار و الاستهزاء كما سيعود إليه في آخر السورة بقوله:( وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ) الخ: الآية ٩٧ من السورة.
و المعنى: طب نفساً فنحن نزّلنا الذكر عليك و نحن نحفظه و لا يضيقنّ صدرك بما يقولون فهو دأب المجرمين من الاُمم الإنسانيّة اُقسم لقد أرسلنا من قبلك في فرق الأوّلين و شيعهم و حالهم هذه الحال ما يأتيهم من رسول إلّا كانوا به يستهزؤن.
قوله تعالى: ( كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) إلى آخر الآيتين. السلوك: النفاذ و الإنفاذ يقال: سلك الطريق أي نفذ فيه و سلك الخيط في الإبرة أي أنفذه فيها و أدخله و ذكروا أنّ سلك و أسلك بمعنى.
و الضميران في( نَسْلُكُهُ ) و( بِهِ ) للذكر المتقدّم ذكره و هو القرآن الكريم و المعنى أنّ حال رسالتك و دعوتك بالذكر المنزل إليك تشبه حال الرسالة من قبلك فكما أرسلنا من قبلك فقابلوها بالردّ و الاستهزاء كذلك ندخل هذا الذكر و ننفذه في قلوب هؤلاء المجرمين، و نبّأ به: أنّهم لا يؤمنون بالذكر و قد مضت طريقة الأوّلين و سنّتهم في أنّهم يستهزؤن بالحقّ و لا يتّبعونه فالآيتان قريبتا المعنى من قوله:( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ) .
و ربّما قيل: إنّ الضميرين للشرك أو الاستهزاء المفهوم من الآيات السابقة و الباء في( بِهِ ) للسببيّة، و المعنى كذلك ننفذ الشرك أو الاستهزاء في قلوب المجرمين لا يؤمنون بسبب الشرك أو الاستهزاء إلخ.
و هو معنى بعيد، و المتبادر إلى الذهن من لفظة( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ) أنّ الباء للتعدية دون السببيّة.
و ربّما قيل: إنّ الضمير الأوّل للاستهزاء المفهوم من سابق الكلام و الثاني للذكر المذكور سابقاً، و المعنى مثل ما سلكنا الاستهزاء في قلوب شيع الأوّلين نسلك الاستهزاء و ننفذه في قلوب هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالذكر إلخ.
ولا بأس به و إن كان يستلزم التفرقة بين الضميرين المتواليين لكن إباء قوله:( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ) أن يرجع ضميره إلى الاستهزاء يكفي قرينة لذلك.
و كذا لا يرد على الوجهين ما اُورد أنّ رجوع ضمير( نَسْلُكُهُ ) إلى الاستهزاء يوجب كون المشركين ملجئين إلى الشرك مجبرين عليه.
وجه عدم الورود: أنّه تعالى علق السلوك على المجرمين فيكون مفاده أنّهم كانوا متلبّسين بالأجرام قبل فعل السلوك بهم ثمّ فعل بهم ذلك فينطبق على الإضلال الإلهيّ مجازاة و لا مانع منه، و إنّما الممنوع هو الإضلال الابتدائيّ و لا دليل عليه في الآية بل الدليل على خلافه، و الآية من قبيل قوله تعالى:( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إلّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦. و قد تقدّم تفصيل القول فيه.
و قد ظهر ممّا تقدّم أنّ المراد بسنّة الأوّلين السنّة الّتي سنّها الأوّلون لا السنّة الّتي سنّها الله في الأوّلين فالسنّة سنّتهم دون سنّة الله فيهم - كما ذكره بعض المفسّرين - فهو الأنسب لمقام ذمّهم و تعزيتهصلىاللهعليهوآلهوسلم بذكر ردّهم و استهزائهم لرسلهم.
قوله تعالى: ( وَ لَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إنّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا ) إلخ، العروج في السماء الصعود إليها و التسكير الغشاوة.
و المراد بفتح باب من السماء عليهم إيجاد طريق يتيسّر لهم به الدخول في العالم العلويّ الّذي هو مأوى الملائكة و ليس كما يظنّ سقفاً جرمانيّاً له باب ذو مصراعين يفتح و يغلق، و قد قال تعالى:( فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ) القمر: ١١.
و قد اختار سبحانه من بين الخوارق الّتي يظنّ أنّها ترفع عنهم الشبهة و تزيل عن نفوسهم الريب فتح باب من السماء و عروجهم فيه لأنّه كان يعظم في أعينهم أكثر من غيره، و لذلك لما اقترحوا عليه اُموراً من الخوارق العظيمة ذكروا الرقيّ في السماء في آخر تلك الخوارق المذكورة على سبيل الترقّي كما حكاه الله عنهم بقوله:( وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً - إلى أن قال -أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) إسراء: ٩٣ فالرقيّ في
السماء و التصرّف في اُمورها كتنزيل كتاب مقروّ منها أي نفوذ البشر في العالم العلويّ و تمكّنه فيه و منه أعجب الخوارق عندهم.
على أنّ السماء مأوى الملائكة الكرام و محلّ صدور الأحكام و الأوامر الإلهيّة و فيها ألواح التقادير و منها مجاري الاُمور و منبع الوحي و إليها صعود كتب الأعمال، فعروج الإنسان فيها يوجب اطّلاعه على مجاري الاُمور و أسباب الخوارق و حقائق الوحي و النبوّة و الدعوة و السعادة و الشقاوة و بالجملة يوجب إشرافه على كلّ حقيقة، و خاصّة إذا كان عروجاً مستمرّاً لا مرّة و دفعة كما يشير إليه قوله تعالى:( فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) حيث عبّر بقوله:( فَظَلُّوا ) و لم يقل: فعرجوا فيه.
فالفتح و العروج بهذا النعت يطلعهم على اُصول هذه الدعوة الحقّة و أعراقها لكنّهم لما في قلوبهم من الفساد و في نفوسهم من قذارة الريبة و الشبهة المستحكمة يخطّؤون أبصارهم فيما يشاهدون بل يتّهمون النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه سحرهم فهم مسحورون من قبله.
فالمعنى: و لو فتحنا عليهم بابا من السماء و يسّرنا لهم الدخول في عالمها فداموا يعرجون فيه عروجاً بعد عروج حتّى يتكرّر لهم مشاهدة ما فيه من أسرار الغيب و ملكوت الأشياء لقالوا إنّما غشيت أبصارنا فشاهدت اُموراً لا حقيقة لها بل نحن قوم مسحورون.
( سورة الحجر الآيات ١٦ - ٢٥)
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ( ١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ( ١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ( ١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ( ١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ( ٢٠) وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ( ٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ( ٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ( ٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ( ٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ( ٢٥)
( بيان)
لمّا ذكر سبحانه إعراضهم عن آية القرآن المعجزة و اقتراحهم آية اُخرى و هي الإتيان بالملائكة و أجاب عنه أنّه ممتنع و ملازم لفنائهم عدل إلى عدّ عدّة من آيات السماء و الأرض الدالّة على التوحيد ليعتبروا بها إن كانوا يعقلون و تتمّ الحجّة بها على المجرمين، و قد ضمّن سبحانه فيها طرفاً عالياً من المعارف الحقيقيّة و الأسرار الإلهيّة.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ ) إلى آخر الآيات الثلاث البروج جمع برج و هو القصر سمّيت بها منازل الشمس و القمر من السماء بحسب الحسّ تشبيها لها بالقصور الّتي ينزلها الملوك.
و الضمير في قوله:( وَ زَيَّنَّاها ) للسماء كما في قوله:( وَ حَفِظْناها ) و تزيينها للناظرين هو ما نشاهده في جوّها من البهجة و الجمال الّذي يولّه الألباب بنجومها الزاهرة و كواكبها اللامعة على اختلاف أقدارها و تنوّع لمعاتها و قد كرّر سبحانه ذكر هذا التزيين الكاشف عن مزيد عنايته به كقوله:( وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ) حم السجدة: ١٢ و قوله:( إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كلّ شَيْطانٍ مارِدٍ، لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كلّ جانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إلّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ) الصافّات: ١٠.
و استراق السمع أخذ الخبر المسموع في خفية كمن يصغي خفية إلى حديث قوم يسرّونه فيما بينهم، و استراق السمع من الشياطين هو محاولتهم أن يطّلعوا على بعض ما يحدّث به الملائكة فيما بينهم كما يدلّ عليه ما تقدّم آنفاً من آيات سورة الصافّات.
و الشهاب هو الشعلة الخارجة من النار و يطلق على ما يشاهد في الجوّ من أجرام مضيئة كأنّ الواحد منها كوكب ينقضّ دفعه من جانب إلى آخر فيسير سيراً سريعاً ثمّ لا يلبث دون أن ينطفئ.
فظاهر معنى الآيات:( وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ ) - و هي جهة العلو - بروجاً و قصوراً هي منازل الشمس و القمر و زيّنّاها أي السماء للناظرين بزينة النجوم و الكواكب وَ حَفِظْناها أي السماء من كلّ شيطان رجيم أن ينفذ فيها فيطّلع على ما تحتويه من الملكوت إلّا من استرق السمع من الشياطين بالاقتراب منه ليسمع ما يحدّث به الملائكة من أحاديث الغيب المتعلّقة بمستقبل الحوادث و غيرها فإنّه يتبعه شهاب مبين.
و سنتكلّم إن شاء الله في الشهب و معنى رمي الشياطين فيما سيأتي من تفسير سورة الصافّات.
قوله تعالى: ( وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) مدّ الأرض بسطها طولاً و عرضاً و بذلك صلحت للزرع و السكنى و لو
اُغشيت جبالاً شاهقة مضرّسة لفقدت كمال حياة الحيوان عليها.
و الرواسي صفة محذوفة الموصوف و التقدير و ألقينا فيها جبالا رواسي و هو جمع راسية بمعنى الثابتة إشارة إلى ما وقع في غير هذا الموضع أنّها تمنع الأرض من الميدان كما قال:( وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) النحل: ١٥.
و الموزون من الوزن و هو تقدير الأجسام من جهة ثقلها ثمّ عمّم لكلّ تقدير لكلّ ما يمكن أن يتقدّر بوجه كتقدير الطول بالشبر و الذراع و نحو ذلك و تقدير الحجم و تقدير الحرارة و النور و القدرة و غيرها، و في كلامه تعالى:( وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) الأنبياء: ٤٧ و هو توزين الأعمال و لا يتّصف بثقل و خفّة من نوع ما للأجسام الأرضيّة منهما.
و ربّما يكنّى به عن كون الشيء بحيث لا يزيد و لا ينقص عمّا يقتضيه الطبع أو الحكمة كما يقال: كلامه موزون و قامته موزونة و أفعاله موزونة أي مستحسنة متناسبة الأجزاء لا تزيد و لا تنقص ممّا يقتضيه الطبع أو الحكمة.
و بالنظر إلى اختلاف اعتباراته المذكورة ذكر بعضهم أنّ المراد به إخراج كلّ ما يوزن من المعدنيّات كالذهب و الفضّة و سائر الفلزّات، و قال بعضهم: إنّه إنبات النباتات على ما لكلّ نوع منها من النظام البديع الموزون، و قيل: إنّه خلق كلّ أمر مقدر معلوم.
و الّذي يجب التنبّه له التعبير بقوله:( مِنْ كلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) دون أن يقال: من كلّ نبات موزون فهو يشمل غير النبات ممّا يظهر و ينمو في الأرض كما أنّه يشمل النبات لمكان قوله:( وَ أَنْبَتْنا ) دون أن يقال: أخرجنا أو خلقنا و قد جييء بمن و ظاهرها التبعيض فالمراد - و الله أعلم - إنبات كلّ أمر موزون ذي ثقل مادّيّ يمكن أن يزيد و ينقص من الأجسام النباتيّة و الأرضيّة، و لا مانع على هذا من أخذ الموزون بكلّ من معنييه الحقيقيّ و الكنائيّ.
و المعنى: و الأرض بسطناها و طرحنا فيها جبالاً ثابتة لتسكّنها من الميد و أنبتنا فيها من كلّ شيء موزون - ثقيل واقع تحت الجاذبة أو متناسب - مقدارا تقتضيه الحكمة.
قوله تعالى: ( وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) المعايش جمع معيشة و هي ما به يعيش الحيوان و يديم حياته من المأكول و المشروب و غيرهما و يأتي مصدراً كالعيش و المعاش.
و قوله:( وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) معطوف على الضمير المجرور في( لَكُمْ ) على ما ذهب إليه من النحاة الكوفيّون و يونس و الأخفش من جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ، و أمّا على قول غيرهم فربّما يعطف على معايش و التقدير و جعلنا لكم من لستم له برازقين كالعبيد و الحيوان الأهليّ، و ربّما جعل( مَنْ ) مبتدأ محذوف الخبر و التقدير: و من لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش و هذا كلّه تكلّف ظاهر.
و كيف كان، المراد بمن العبيد و الدوابّ - على ما قيل - اُتي بلفظة من و هي لاُولي العقل تغليبا هذا، و ليس من البعيد أن يكون المراد به كلّ ما عدا الإنسان من الحيوان و النبات و غيرهما فإنّها تسأل الرزق كما يسأله العقلاء و من دأبه سبحانه في كلامه أن يطلق الألفاظ المختصّة بالعقلاء على غيرهم إذا اُضيف إليها شيء من الآثار المختصّة بهم كقوله تعالى في الأصنام:( فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) الأنبياء: ٦٣ و قوله:( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ) الشعراء: ٧٧ إلى غير ذلك من الآيات المتعرّضة لحال الأصنام الّتي كانوا يعبدونها و لا يستقيم للمعبود إلّا أن يكون عاقلاً، و كذا قوله:( فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) حم السجدة: ١١ و غير ذلك.
و المعنى: و جعلنا لكم معشر البشر في الأرض أشياء تعيشون بها ممّا تدام به الحياة و لغيركم من أرباب الحياة مثل ذلك.
قوله تعالى: ( وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) الخزائن جمع خزانة و هي مكان خزن المال و حفظه و ادّخاره، و القدر بفتحتين أو فتح فسكون مبلغ الشيء و كمّيّته المتعيّنة.
و لما كانت الآية واقعة في سياق الكلام في الرزق الّذي يعيش به الإنسان و
الحيوان كان المراد بالشيء الموصوف في الآية النبات و ما يتبعه من الحبوب و الثمرات فالمراد بخزانته الّتي عند الله و هو ينزل بقدر معلوم المطر النازل من السماء الّذي ينبت به النبات فيأتي بالحبوب و الأثمار و يعيش بذلك الإنسان و الحيوان هذا ملخّص ما ذكره جمع من المفسّرين.
و لا يخفى عليك ما فيه من التكلّف فتخصيص ما في قوله:( وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ ) من العموم و حصره في النبات من تخصيص الأكثر من غير شكّ و المورد لا يخصّص و أردى منه تسمية المطر خزائن النبات و ليس إلّا سبباً من أسبابه و جزء من أجزاء كثيرة يتكوّن النبات بتركّبها الخاصّ، على أنّ المطر إنّما تتكوّن حينما ينزل فكيف يسمّى خزانة و ليس بموجود و لا أنّ الّذي هو خزانته موجود فيه.
و ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد بكون خزائن كلّ شيء عندالله سبحانه شمول قدرته المطلقة له.
فله تعالى من كلّ نوع من أنواع الأشياء كالإنسان و الفرس و النخلة و غير ذلك من الأعيان و صفاتها و آثارها و أفعالها مقدورات في التقدير غير متناهية عدداً لا يخرج منها دائماً من التقدير و الفرض إلى التحقّق و الفعليّة إلّا قدر معلوم و عدد معيّن محدود.
و على هذا فالمراد من كلّ شيء نوعه لا شخصه كالإنسان مثلاً لا كزيد و عمرو، و المراد من القدر المعلوم الكمّيّة المعيّنة من الأفراد و المراد من وجود خزائنه و وجوده في خزائنه وجوده بحسب التقدير لا بحسب التحقّق فيرجع إلى نوع من التشبيه و المجاز.
و أنت خبير بأنّ فيه تخصيصا للشيء من غير مخصّص، و فيه قصر للقدر في العدد من غير دليل، و القدر في اللغة قريب المعنى من الحدّ و هو المفهوم من سياق قوله تعالى:( قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) الطلاق: ٣ و قوله:( وَ كلّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) الرعد: ٨ و قوله:( إِنَّا كلّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) القمر: ٤٩ و قوله:( وَ خَلَقَ كلّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) الفرقان: ٢ إلى غير ذلك.
و فيه إرجاع الكلام إلى معنى مجازيّ استعاريّ من غير موجب مع ما فيه من ورود الخزائن بصيغة الجمع من غير نكتة ظاهرة.
و ذكر بعض معاصريّ المفسّرين وجهاً آخر و هو أنّ المراد بالخزائن العناصر المختلفة الّتي تتألّف منها الأرزاق و غيرها و قد أعدّ الله منها في عالمنا المشهود كمّيّة عظيمة لا تنفد بعروض التركيب و الأسباب الكلّية الّتي تعمل في تركّب المركّبات كالضوء و الحرارة و الرياح الدائمة المنظّمة و غيرها الّتي تتكوّن منها الأشياء ممّا يحتاج إليه الإنسان في إدامة حياته و غيره.
فكلّ من هذه الأشياء مدّخرة بأجزائها و القوى الفعّالة فيها في تلك الخزائن غير القابلة للنفاد من جهة عظمة مقداره و من جهة ما يعود إليه من الأجزاء الجديدة بانحلال تركيب المركّبات بموت أو فساد و رجوعها إلى عناصرها الأوّليّة كالنبات يفسد و الحيوان يموت فيعود عناصرها بانحلال التركيب إلى مقارّها و يتّسع بذلك المكان لكينونة نبات و حيوان آخر يخلفان سلفهما.
فالضوء و خاصّة ضوء الشمس الّذي يعمل الليل و النهار و الفصول الأربعة و يربّي النبات و الحيوان و سائر المركّبات و يسوقها إلى غاياتها و مقاصدها من خزائن الله تعالى و الرياح الّتي تلقّح النبات و تسوق السحب و تنقل الأهوية من مكان إلى مكان و تدفع فاسد الهواء و تجري السفن خزانة اُخرى، و الماء النازل من السماء الّذي تحتاج إليه المركّبات ذوات الحياة في كينونتها و بقائها خزانة اُخرى، و كذلك العناصر البسيطة الّتي تتركّب منها المركّبات كلّ منها خزانة تنزل من مجموعها أو من عدّة منها الأشياء المركّبة، و لا ينزل قطّ إلّا عدد معلوم من كلّ نوع من غير أن تنفد به الخزائن.
و على هذا فمراد الآية بالشيء هو نوعه لا شخصه كما تقدّم في الوجه الأوّل و المراد بخزائنه مجموع ما في الكون من اُصوله و عناصره و أسبابه العامّة المادّيّة و مجموع الشيء موجود في مجموع خزائنه لا في كلّ واحد منها و المراد بنزوله
بقدر معلوم كينونة عدد محدود منه في كلّ حين من غير أن يستوفي عدد جميع ما في خزائنه.
و هذا وجه حسن في نفسه تؤيّده الأبحاث العلميّة عن كينونة هذه الحوادث و تصدّقه آيات كثيرة متفرّقة في الكتاب العزيز كقوله في الآية التالية:( وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ ) و قوله:( وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كلّ شَيْءٍ حَيٍّ ) الأنبياء: ٣٠ و قوله:( وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ ) إبراهيم: ٣٣ و قوله:( وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ ) البقرة: ١٦٤ إلى غير ذلك من الآيات.
لكنّ الآية و هي من آيات القدر كما يعطيه سياقها تأبى الحمل عليه كما تأبى عنه أخواتها و كيف يحمل عليه قوله:( وَ خَلَقَ كلّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) ؟ الفرقان: ٢ و قوله:( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ) الأعلى: ٣ و قوله:( وَ كلّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) الرعد: ٨ و قوله:( إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ ) النمل: ٥٧ و قوله:( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) عبس: ١٩ و قوله:( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) إلى آخر السورة إلى غير ذلك من الآيات.
على أنّه يرد عليه بعض ما اُورد على الوجهين السابقين كتخصيص عموم( شَيْءٍ ) من غير مخصّص و غير ذلك.
و الّذي يعطيه التدبّر في الآية و ما يناظرها من الآيات الكريمة أنّها من غرر كلامه تعالى تبيّن ما هو أدقّ مسلكاً و أبعد غورا ممّا فسّروها به و هو ظهور الأشياء بالقدر و الأصل الّذي لها قبل إحاطته بها و اشتماله عليها.
و ذلك أنّ ظاهر قوله:( وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ ) على ما به من العموم بسبب وقوعه في سياق النفي مع تأكيده بمن، كلّ ما يصدق عليه أنّه شيء من دون أن يخرج منه إلّا ما يخرجه نفس السياق و هو ما تدلّ عليه لفظة( نا ) و( عند ) و( خزائن ) و ما عدا ذلك ممّا يرى و لا يرى مشمول للعامّ.
فشخص زيد مثلاً و هو فرد إنسانيّ من الشيء و نوع من الإنسان أيضاً الموجود
في الخارج بأفراده من الشيء و الآية تثبت لذلك خزائن عند الله سبحانه فلننظر ما معنى كون زيد مثلاً له خزائن عند الله؟.
و الّذي يسهل الأمر فيه أنّه تعالى يعدّ هذا الشيء المذكور نازلا من عنده و النزول يستدعي علواً و سفلا و رفعة و خفضة و سماء و أرضا مثلاً و لم ينزل زيد المخلوق مثلاً من مكان عال إلى آخر سافل بشهادة العيان فليس المراد بإنزاله إلّا خلقه لكنّه ذو صفة يصدق عليه النزول بسببها، و نظير الآية قوله تعالى:( وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ) الزمر: ٦ و قوله:( وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ) الحديد: ٢٥.
ثمّ قوله:( وَ ما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) يقرن النزول و هو الخلقة بالقدر قرناً لازماً غير جائز الانفكاك لمكان الحصر، و الباء إمّا للسببيّة أو الآلة أو المصاحبة و المآل واحد فكينونة زيد و ظهوره بالوجود إنّما هو بماله من القدر المعلوم فوجوده محدود لا محالة، كيف؟ و هو تعالى يقول:( إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) حم السجدة: ٥٤ و لو لم يكن محدوداً لم يكن محاطاً له تعالى فمن المحال أن يحاط بما لا حدّ له و لا نهاية.
و هذا القدر هو الّذي بسببه يتعيّن الشيء و يتميّز من غيره ففي زيد مثلاً شيء به يتميّز من عمرو و غيره من أفراد الإنسان و يتميّز من الفرس و البقر و الأرض و السماء و يجوز لنا به أن نقول: ليس هو بعمرو و لا بالفرس و البقر و الأرض و السماء و لو لا هذا الحدّ لكان هو هي و ارتفع التميّز.
و كذلك ما عنده من القوى و الآثار و الأعمال محدودة مقدّرة فليس إبصاره مثلاً إبصاراً مطلقاً في كلّ حال و في كلّ زمان و في كلّ مكان و لكلّ شيء و بكلّ عضو مثلاً بل إبصار في حال و زمان و مكان خاصّ و لشيء خاصّ و بعضو خاصّ و على شرائط خاصّة، و لو كان إبصاراً مطلقاً لأحاط بكلّ إبصار خاصّ و كان الجميع له و نظيره الكلام في سائر ما يعود إليه من خصائص وجوده و توابعه فافهم ذلك.
و من هنا يظهر أنّ القدر خصوصيّة وجود الشيء و كيفيّة خلقته كما يستفاد أيضاً من قوله تعالى:( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ) الأعلى: ٣ و قوله:( الَّذِي أَعْطى كلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) طه: ٢٥ فإنّ الآية الاُولى رتّبت الهداية و هي
الدلالة على مقاصد الوجود على خلق الشيء و تسويته و تقديره، و الآية الثانية رتّبتها على إعطائه ما يختصّ به من الخلق، و لازم ذلك - على ما يعطيه سياق الآيتين - كون قدر الشيء خصوصيّة خلقه غير الخارجة عنه.
ثمّ إنّه تعالى وصف قدر كلّ شيء بأنّه معلوم إذ قال:( وَ ما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) و يفيد بحسب سياق الكلام أنّ هذا القدر معلوم له حينما يتنزّل الشيء و لما يتمّ نزوله و يظهر وجوده فهو معلوم القدر معيّنة قبل إيجاده، و إليه يؤل معنى قوله:( وَ كلّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) الرعد: ٨ فإنّ ظاهر الآية أنّ كلّ شيء بما له من المقدار حاضر عنده معلوم له فقوله هناك:( عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) في معنا قوله ههنا( بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) و نظير ذلك قوله في موضع آخر:( قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) الطلاق: ٣ أي قدراً لا يتجاوزه معيّنا غير مبهم معلوماً غير مجهول و بالجملة للقدر تقدّم على الشيء بحسب العلم و المشيّة و إن كان مقارناً له غير منفكّ عنه في وجوده.
ثمّ إنّه تعالى أثبت بقوله:( عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ ) إلخ، للشيء عنده قبل نزوله إلى هذه النشأة و استقراره فيها خزائن، و جعل القدر متأخّراً عنها ملازماً لنزوله فالشيء و هو في هذه الخزائن غير مقدّر بقدر و لا محدود بحدّ و هو مع ذلك هو.
و قد جمع في تعريف هذه الخزائن بين كونها فوق القدر الّذي يلحق الشيء و بين كونها خزائن فوق الواحدة و الاثنتين، و من المعلوم أنّ العدد لا يلحق إلّا الشيء المحدود و أنّ هذه الخزائن لو لم تكن محدودة متميّزة بعضها من بعض كانت واحدة البتّة.
و من هنا يتبيّن أنّ هذه الخزائن بعضها فوق بعض و كلّ ما هو عال منها غير محدود بحدّ ما هو دان غير مقدّر بقدره و مجموعها غير محدود بالحدّ الّذي يلحق الشيء و هو في هذه النشأة، و لا يبعد أن يكون التعبير بالتنزيل الدالّ على نوع من التدريج في قوله:( وَ ما نُنَزِّلُهُ ) إشارة إلى كونه يطوي في نزوله مرحلة بعد مرحلة و كلّما ورد مرحلة طرأه من القدر أمر جديد لم يكن قبل حتّى إذا وقع في الأخيرة أحاط به القدر من كلّ جانب قال تعالى:( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
لَمْ يَكُنْ شيئاً مَذْكُوراً ) الدهر: ١ فقد كان الإنسان و لكنّه لم يكن شيئاً مذكوراً.
و هذه الخزائن جميعاً فوق عالمنا المشهود لأنّه تعالى وصفها بأنّها عنده و قد أخبرنا بقوله:( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللهِ باقٍ ) أنّ ما عنده ثابت لا يزول و لا يتغيّر عمّا هو عليه فهذه الخزائن كائنة ما كانت اُمور ثابتة غير زائلة و لا متغيّرة، و الأشياء في هذه النشأة المادّيّة المحسوسة متغيّرة فانية لا ثابتة و لا باقية فهذه الخزائن الإلهيّة فوق عالمنا المشهود.
هذا ما يعطيه التدبّر في الآية الكريمة و هو و إن كان لا يخلو من دقّة و غموض يعضل على بادئ الفهم لكنّك لو أمعنت في التدبّر و بذلت في ذلك بعض جهدك استنار لك و وجدته من واضحات كلامه إن شاء الله تعالى و على من لم يتيسّر له قبوله أن يعتمد الوجه الثالث المتقدّم فهو أحسن الوجوه الثلاثة المتقدّمة و الله وليّ الهداية و سنرجع إلى بحث القدر في كلام مستقلّ يختصّ به إن شاء الله في موضع يناسبه.
قوله تعالى: ( وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَ ما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ) اللواقح جمع لاقحة من اللقح بالفتح فالسكون يقال: لقح النخل لقحا أي وضع اللقاح - بفتح اللام - و هو طلع الذكور من النخل على الإناث لتحمل بالتمر، و قد ثبت بالأبحاث الحديثة في علم النبات أنّ حكم الزوجيّة جار في عامّة النبات و أنّ فيه ذكوريّة و اُنوثيّة و أنّ الرياح في مهبّها تحمل الذرّات من نطفة الذكور فتلقح بها الإناث، و هو قوله تعالى:( وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) .
و قوله:( فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ ) إشارة إلى المطر النازل من السحاب و قد تسلّم الأبحاث العلميّة الحديثة أنّ الماء الموجود في الكرة الأرضيّة من الأمطار النازلة عليها من السماء على خلاف ما كانت تعتقده القدماء أنّه كرة ناقصة محيطة بكرة الأرض إحاطة ناقصة و هو عنصر من العناصر الأربعة.
و هذه الآية الّتي تثبت بشطرها الأوّل:( وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) مسألة
الزوجيّة و اللقاح في النبات، و بشطرها الثاني:( فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ ) أنّ المياه الموجودة المدّخرة في الأرض تنتهي إلى الأمطار، و قوله تعالى السابق:( وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) الظاهر في أنّ للوزن دخلاً خاصّاً في الإنبات و الإنماء من نقود العلم الّتي سبق إليها القرآن الكريم الأبحاث العلميّة و هي تتلو المعجزة أو هي هي.
قوله تعالى: ( وَ إِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ نَحْنُ الْوارِثُونَ ) الكلام مسوق للحصر يريد بيان رجوع كلّ التدبير إليه، و قد كان ما عدّه من النعم كالسماء ببروجها و الأرض برواسيها، و إنبات كلّ شيء موزون و جعل المعايش و إرسال اللواقح و إنزال الماء من السماء إنّما يتمّ نظاماً مبنيّاً على الحكمة و العلم إذا انضمّ إليه الحياة و الموت و الحشر، و كان ممّا ربّما يظنّ أنّ بعض الحياة و الموت ليس إليه تعالى و لذا أكّد الكلام و أتى بالحصر دفعا لذلك.
ثمّ جاء بقوله:( وَ نَحْنُ الْوارِثُونَ ) أي الباقون بعد إماتتكم المتصرّفون فيما خوّلناكموه من أمتعة الحياة كأنّه تعالى يقول إلينا تدبير أمركم و نحن محيطون بكم نحييكم بعد ما لم تكونوا فنحن قبلكم، و نميتكم و نرثكم فنحن بعدكم.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) لما كانت الآيات السابقة الّتي تعدّ النعم الإلهيّة و تصف التدبير مسوقة لبيان وحدانيّته تعالى في ربوبيّته، و كان لا ينفع الخلق و النظم من غير انضمام علمه تعالى و خاصّة بمن يحييه و يميته عقّبها بهذه الآية الدالّة على علمه بمن استقدّم منهم بالوجود و من استأخر أي المتقدّمين من الناس و المتأخّرين على ما يفيده السياق.
و قيل: المراد بالمستقدمين المستقدمون في الخير، و قيل: المستقدمون في صفوف الحرب، و قيل: المستقدمون إلى الصفّ الأوّل في صلاة الجماعة و المستأخرون خلافهم، و هي أقوال رديّة.
قوله تعالى: ( وَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) الكلام مسوق للحصر أي هو يحشرهم لا غير فهو الربّ.
و اُورد عليه أنّه في مثل ذلك من الحصر يكون الفعل مسلّم الثبوت و النزاع إنّما هو في الفاعل، و هاهنا ليس كذلك فإنّ الخصم لا يسلّم الحشر من أصله هذا.
و قد ذهب على هذا المعترض أنّ الآية حوّلت الخطاب السابق للناس عنهم إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم التفاتا فقيل:( وَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) و لم يقل إنّ ربّكم هو يحشركم، و النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مسلّم للحشر.
و بذلك يظهر نكتة الالتفات في الآية في مورده تعالى من التكلّم مع الغير إلى الغيبة، و في مورد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من الغيبة إلى الخطاب و في مورد الناس بالعكس.
و قد ختمت الآية بقوله:( إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) لأنّ الحشر يتوقّف على الحكمة المقتضية لحساب الأعمال و مجازاة المحسن بإحسانه و المسيء بإساءته، و على العلم حتّى لا يغادر منهم أحد.
( بحث روائي)
في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً ) قال: قال: منازل الشمس و القمر.
و فيه في قوله تعالى:( إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ) قال: قال: لم يزل الشياطين تصعد إلى السماء و تجسّ حتّى ولد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و في المعاني، عن البرقي عن أبيه عن جدّه عن البزنطيّ عن أبان عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: كان إبليس يخترق السماوات السبع فلمّا ولد عيسىعليهالسلام حجب عن ثلاث سماوات و كان يخترق أربع سماوات فلمّا ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حجب عن السبع كلّها و رميت الشياطين بالنجوم. الحديث.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال جرير بن عبدالله: حدّثني يا رسول الله عن السماء الدنيا و الأرض السفلى، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أمّا السماء الدنيا فإنّ الله خلقها من دخان ثمّ رفعها و جعل
فيها سراجاً و قمراً منيراً و زيّنها بمصابيح النجوم و جعلها رجوما للشياطين و حفظها من كلّ شيطان رجيم.
أقول: و سيأتي إن شاء الله ما يتبيّن به معنى هذه الأحاديث.
و في تفسير القمّيّ في قوله:( وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ) قال: لكلّ ضرب من الحيوان قدّرنا شيئاً مقدراً.
و فيه، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام : في قوله:( وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) فإنّ الله أنبت في الجبال الذهب و الفضّة و الجوهر و الصفر و النحاس و الحديد و الرصاص و الكحل و الزرنيخ و أشباه ذلك لا تباع إلّا وزنا.
أقول: ينبغي أن يحمل على بيان بعض المصاديق على ما في متنه و سنده من الوهن.
و في روضة الواعظين، لابن الفارسيّ روي عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّهعليهالسلام أنّه قال: في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البرّ و البحر. قال: و هذا تأويل قوله:( وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) الحديث.
و في المعاني، بإسناده عن مقاتل بن سليمان قال: قال أبوعبدالله الصّادقعليهالسلام : لما صعد موسىعليهالسلام الطور فنادى ربّه عزّوجلّ قال: ربّ أرني خزائنك. قال: يا موسى إنّما خزائني إذا أردت شيئاً أن أقول له: كن فيكون.
و في الدرّ المنثور، أخرج البزّار و ابن مردويه في العظمة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : خزائن الله الكلام فإذا أراد شيئاً قال له: كن فكان.
أقول: و الروايات الثلاث الأخيرة تؤيّد ما قدّمناه في تقرير معنى الآية، و المراد بقول كن كلمة الإيجاد الّذي هو وجود الأشياء. و هو ممّا يؤيّد عموم الشيء في الآية، و كذا كان يفهمه الصحابة و أهل عصر النزول كما يؤيّده ما رواه في الدرّ المنثور، عن ابن أبي حاتم عن معاوية أنّه قال: أ لستم تعلمون أنّ كتاب الله حقّ؟ قالوا: بلى. قال: فاقرؤا هذه الآية( وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ
إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) أ لستم تؤمنون بهذا و تعلمون أنّه حقّ؟ قالوا: بلى. قال: فكيف تلومونني بعد هذا؟ فقام الأحنف و قال: يا معاوية و الله ما نلومك على ما في خزائن الله و لكن إنّما نلومك على ما أنزله الله من خزائنه فجعلته أنت في خزائنك و أغلقت عليه بابك فسكت معاوية.
و فيه، أخرج ابن مردويه و الحاكم عن مروان بن الحكم قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء فأنزل الله:( وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتقدّمينَ مِنْكُمْ ) الآية.
أقول: و روي فيه، أيضاً عن عدّة عن أبي الجوزاء عن ابن عبّاس قال: كانت امرأة تصلّي خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدّم حتّى يكون في الصف الأوّل لئلّا يراها و يستأخر بعضهم حتّى يكون في الصفّ المؤخّر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فأنزل الله:( وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) .
و الآية لا تنطبق على ما في هاتين الروايتين لا من جهة اللفظ و لا من جهة السياق الّذي وقعت هي فيه. و هو ظاهر.
و فيه، أخرج ابن أبي حاتم من طريق معتمر بن سليمان عن شعيب بن عبدالملك عن مقاتل بن سليمان في قوله:( وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ) الآية قال: بلغنا أنّه في القتال. قال معتمر فحدّثت أبي فقال: لقد نزلت هذه الآية قبل أن يفرض القتال.
أقول: يعني أنّها مكّيّة.
و في تفسير العيّاشيّ، عن جابر عن أبي جعفرعليهالسلام قال:( وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) قال: هم المؤمنون من هذه الاُمّة.
و في تفسير البرهان، عن الشيباني في نهج البيان، عن الصادق جعفر بن محمّد: أنّ المستقدمين أصحاب الحسنات، و المستأخرين أصحاب السيّئات.
( سورة الحجر الآيات ٢٦ - ٤٨)
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ( ٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ( ٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ( ٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ( ٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ( ٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ( ٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ( ٣٢) قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ( ٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ( ٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ( ٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ( ٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ( ٣٧) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ( ٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ( ٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ( ٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ( ٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ( ٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ( ٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ( ٤٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ( ٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ( ٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ( ٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ( ٤٨)
( بيان)
هذه هي الطائفة الثالثة من الآيات الموردة إثر ما ذكر في مفتتح السورة من استهزاء الكفّار بالكتاب و بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و اقتراحهم عليه آية اُخرى غير القرآن، و قد ذكر الله سبحانه في هذه الطائفة بدء خلقة الإنسان و الجانّ و أمره الملائكة و إبليس أن يسجدوا له و سجودهم و إباء إبليس و هو من الجنّ و رجمه و إغواءه بني آدم، و ما قضى الله سبحانه عند ذلك من سعادة المتّقين و شقاء الغاوين.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) قال الراغب في المفردات: أصل الصلصال تردّد الصوت من الشيء اليابس و منه قيل: صلّ المسمار و سمّي الطين الجافّ صلصالا، قال تعالى:( مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ) ( مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) و الصلصلة بقيّة ماء سمّيت بذلك لحكاية صوت تحرّكه في المزادة و قيل: الصلصال المنتن من الطين من قولهم: صلّ اللحم.
و قال: و الحمأة و الحمأ طين أسود منتن، و قال: و قوله:( مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) قيل: متغيّر و قوله: لم يتسنّه معناه لم يتغيّر و الهاء للاستراحة. انتهى.
و قوله:( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) إلخ المراد به بدء خلقة الإنسان بدليل قوله:( وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) الم السجدة: ٨ فهو إخبار عن خلقة النوع و ظهوره في الأرض فإنّ خلق أوّل من خلق منهم و منه خلق الباقي خلق الجميع.
قال في مجمع البيان: و أصل آدم كان من تراب و ذلك قوله:( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ) ثمّ جعل التراب طيناً و ذلك قوله:( وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) ثمّ ترك ذلك الطين حتّى تغيّر و استرخى و ذلك قوله:( مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) ثمّ ترك حتّى جفّ و ذلك قوله:( مِنْ صَلْصالٍ ) فهذه الأقوال لا تناقض فيها إذ هي إخبار عن حالاته المختلفة. انتهى.
قوله تعالى: ( وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ) قال الراغب: السموم الريح الحارّة تؤثّر تأثير السمّ. انتهى. و أصل الجنّ الستر و هو معنى سار
في جميع ما اشتقّ منه كالجنّ و المجنّة و الجنّة و الجنين و الجنان بالفتح و جنّ عليه الليل و غير ذلك.
و الجنّ طائفة من الموجودات مستورة بالطبع عن حواسّنا ذات شعور و إرادة تكرّر في القرآن الكريم ذكرهم و نسب إليهم أعمال عجيبة و حركات سريعة كما في قصص سليمانعليهالسلام و هم مكلّفون و يعيشون و يموتون و يحشرون تدلّ على ذلك كلّه آيات كثيرة متفرّقة في كلامه تعالى.
و أمّا الجانّ فهل هو الجنّ بعينه أو هو أبوالجنّ كما أنّ آدمعليهالسلام أبوالبشر كما عن ابن عبّاس أو هو إبليس نفسه كما عن الحسن أو الجانّ نسل إبليس من الجنّ أو هو نوع من الجنّ كما ذكره الراغب؟ أقوال مختلفة لا دليل على أكثرها.
و الّذي يهدي إليه التدبّر في كلامه تعالى أنّه قابل في هاتين الآيتين الإنسان بالجانّ فجعلهما نوعين اثنين لا يخلوان عن نوع من الارتباط في خلقتهما، و نظير ذلك قوله:( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ) الرحمن: ١٥.
و لا يخلو سياق ما نحن فيه من الآيات من دلالة على أنّ إبليس كان جانّا و إلّا لغي قوله:( وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ ) إلخ، و قد قال تعالى في موضع آخر من كلامه في إبليس:( كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الكهف: ٥٠ فأفاد أنّ هذا الجانّ المذكور هو الجنّ نفسه أو هو نوع من أنواع الجنّ ثمّ ترك سبحانه في سائر كلامه ذكر الجانّ من أصله و لم يذكر إلّا الجنّ حتّى في موارد يعمّ الكلام فيها إبليس و قبيله كقوله تعالى:( شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ ) الأنعام: ١١٢ و قوله:( وَ حقّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ ) حم السجدة: ٢٥ و قوله:( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ - إلى أن قال -يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا ) الرحمن: ٣٣.
و ظاهر هذه الآيات من جهة المقابلة الواقعة فيها بين الإنسان و الجانّ تارة و بين الإنس و الجنّ اُخرى أنّ الجنّ و الجانّ واحد و إن اختلف التعبير.
و ظاهر المقابلة بين قوله:( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) إلخ، و قوله:( وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ ) إلخ أنّ خلق الجانّ من نار السموم المراد به الخلق الابتدائيّ و بدء ظهور النوع كخلق الإنسان من صلصال، و هل كان استمرار الخلقة في أفراد الجانّ المستتبع لبقاء النوع على سنّة الخلق الأوّل من نار السموم بخلاف الإنسان حيث بدئ خلقه من تراب ثمّ استمرّ بالنطفة؟ كلامه سبحانه خال عن بيانه ظاهراً غير ما في بعض كلامه من نسبة الذرّيّة إلى إبليس كما قال:( أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي ) الكهف: ٥٠ و نسبة الموت إليهم كما في قوله:( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ ) حم السجدة: ٢٥ و المألوف من نوع فيه ذرّيّة و موت هو التناسل و الكلام بعد في هذا التناسل هل هو بسفاد كسفاد نوع من الحيوان أو بغير ذلك؟.
و قوله:( خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ ) مقطوع الإضافة أي من قبل خلق الإنسان و القرينة هي المقابلة بين الخلقين.
و عدّ مبدء خلق الجانّ في الآية هو نار السموم لا ينافي ما في سورة الرحمن من عدّه مارجاً من نار أي لهيباً مختلطاً بدخان فإنّ الآيتين تلخّصان أنّ مبدء خلقه ريح سموم اشتعلت فكانت مارج نار.
فمعنى الآيتين: اُقسم لقد بدأنا خلق النوع الإنسانيّ من طين قد جفّ بعد أن كان سائلاً متغيّراً منتناً و نوع الجانّ بدأنا خلقه من ريح حارّة حادّة اشتعلت فصارت ناراً.
قوله تعالى: ( وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً ) إلى آخر الآية، قال في المفردات: البشرة ظاهر الجلد و الأدمة باطنه كذا قال عامّة الاُدباء - إلى أن قال - و عبّر عن الإنسان بالبشر اعتباراً بظهور جلده من الشعر بخلاف الحيوانات الّتي عليها الصوف أو الشعر أو الوبر، و استوى في لفظ البشر الواحد و الجمع و ثنّى فقال تعالى:( أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ ) و خصّ في القرآن في كلّ موضع اعتبر من الإنسان جثّته و ظاهره بلفظ البشر نحو:( وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً ) انتهى موضع الحاجة.
و قوله:( وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً ) بإضمار فعل و التقدير: و اذكر إذ قال ربّك، و في الكلام التفات من التكلّم مع الغير إلى الغيبة و كأنّ العناية فيه مثل العناية الّتي مرّت في قوله:( وَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) فإنّ هذه الآيات أيضاً تكشف عن نبإ ينتهي إلى الحشر و السعادة و الشقاوة الخالدتين.
على أنّ التكلّم مع الغير في السابق( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا ) ( خَلَقْناهُ ) من قبيل تكلّم العظماء عنهم و عن خدمهم و أعوانهم تعظيما أي بأخذه تعالى ملائكته الكرام معه في الأمر و هذه العناية ممّا لا يستقيم في مثل المقام الّذي يخاطب فيه الملائكة في إخبارهم بإرادته خلق آدمعليهالسلام و أمرهم بالسجود له إذا سوّاه و نفخ فيه من روحه فافهم ذلك و معنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: ( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) التسوية جعل الشيء مستويا قيّما على أمره بحيث يكون كلّ جزء منه على ما ينبغي أن يكون عليه فتسوية الإنسان أن يكون كلّ عضو من أعضائه في موضع الّذي ينبغي أن يكون فيه و على الحال الّتي ينبغي أن يكون عليها.
و لا يبعد أن يستفاد من قوله:( إِنِّي خالِقٌ - فَإِذا سَوَّيْتُهُ ) أنّ خلق بدن الإنسان الأوّل كان على سبيل التدريج الزمانيّ فكان أوّلاً الخلق و هو جمع الأجزاء ثمّ التسوية و هو تنظيم الأجزاء و وضع كلّ جزء في موضعه الّذي يليق به و على الحال الّتي تليق به ثمّ النفخ و لا ينافيه ما في قوله تعالى:( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) آل عمران: ٥٩ فإنّ قوله:( ثُمَّ قالَ لَهُ ) إلخ ناظر إلى كينونة الرّوح و هو النفس الإنسانيّة دون البدن كما عبّر عنه في موضع آخر بعد بيان خلق البدن بالتدريج بقوله:( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) المؤمنون: ١٤.
و قوله:( وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) النفخ إدخال الهواء في داخل الأجسام بفم أو غيره و يكنّى به عن إلقاء أثر أو أمر غير محسوس في شيء، و يعني به في الآية إيجاده تعالى الروح الإنسانيّ بما له من الرابطة و التعلّق بالبدن، و ليس بداخل فيه دخول الهواء في الجسم المنفوخ فيه كما يشير إليه قوله سبحانه:( ثُمَّ جَعَلْناهُ
نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) المؤمنون: ١٤ و قوله تعالى:( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) الم السجدة: ١١.
فالآية الاُولى - كما ترى - تبيّن أنّ الروح الإنسانيّ هو البدن منشأ خلقاً آخر و البدن على حاله من غير أن يزاد فيه شيء، و الآية الثانية تبيّن أنّ الروح عند الموت مأخوذ من البدن و البدن على حاله من غير أن ينقص منه شيء.
فالروح أمر موجود في نفسه له نوع اتّحاد بالبدن بتعلّقه به و له استقلال عن البدن إذا انقطع تعلّقه به و فارقه و قد تقدّم بعض ما يتعلّق من الكلام بهذا المقام في تفسير قوله تعالى:( وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ ) البقرة: ١٥٤ في الجزء الأوّل من الكتاب.
و نرجو أن نستوفي هذا البحث في ذيل قوله:( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) الآية ٨٥ من سورة إسراء إن شاء الله.
و إضافة الروح إليه تعالى في قوله:( مِنْ رُوحِي ) للتكرمة و التشريف من الإضافة اللاميّة المفيدة للملك، و قوله:( فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) أي اسجدوا، و لا يبعد أن يفهم منه أن خرّوا على الأرض ساجدين له فيفيد التأكيد في الخضوع من الملائكة لهذا المخلوق الجديد كما قيل.
و معنى الآية فإذا عدّلت تركيبه و أتممت صنع بدنه و أوجدت الروح الكريم المنسوب إليّ الّذي أربط بينه و بين بدنه فقعوا و خرّوا على الأرض ساجدين له.
قوله تعالى: ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إلّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) لفظة أجمعون تأكيد بعد تأكيد لتشديده، و المراد أنّ الملائكة سجدوا له بحيث لم يبق منهم أحد و قد استثنى من ذلك إبليس و لم يكن منهم لقوله تعالى:( كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) الكهف: ٥٠ و أمّا قول من قال: إنّ طائفة من الملائكة كانوا يسمّون الجنّ و كان إبليس منهم أو أنّ الجنّ بمعنى الستر فيعمّ الملائكة و غيرهم فممّا لا يصغي إليه، و قد تقدّم في تفسير سورة الأعراف كلام
في معنى شمول الأمر بالسجود لإبليس مع عدم كونه من الملائكة و معنى الآيتين ظاهر.
قوله تعالى: ( قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) ( ما لَكَ ) مبتدء و خبر أي ما الّذي هو كائن لك؟ و قوله:( أَلَّا تَكُونَ ) من قبيل نزع الخافض و التقدير في أن لا تكون مع الساجدين و هم الملائكة، و محصّل المعنى: ما بالك لم تسجد؟.
قوله تعالى: ( قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) في التعبير بقوله:( لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ ) دون أن يقول: لا أسجد أو لست أسجد دلالة على أنّ الإباء عن السجدة مقتضى ذاته و كان هو المترقّب منه لو اطّلع على جوهره فتفيد الآية بالكناية ما يفيده قوله في موضع آخر:( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) ص: ٧٦ بالتصريح.
و قد تقدّم كلام في معنى السجود لآدم و أمر الملائكة و إبليس بذلك و ائتمارهم و تمرّده عنه، نافع في هذا الباب في تفسير سورتي البقرة و الأعراف من هذا الكتاب.
قوله تعالى: ( فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) الرجيم فعيل بمعنى المفعول من الرجم و هو الطرد و شاع استعماله في الطرد بالحجارة و الحصاة، و اللعن هو الطرد و الإبعاد من الرحمة.
و من هنا يظهر أنّ قوله:( وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ) إلخ بمنزلة البيان لقوله:( فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) فإنّ الرجم كان سببا لخروجه من بين الملائكة من السماء أو من المنزلة الإلهيّة و بالجملة من مقام القرب و هو مستوى الرحمة الخاصّة الإلهيّة فينطبق على الإبعاد من الرحمة و هو اللعن.
و قد نسب سبحانه هذه اللعنة المجعولة على إبليس في موضع آخر إلى نفسه فقال:( وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) ص: ٥٨ و قيّدها في الآيتين جميعاً بقوله:( إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) .
أمّا جعل مطلق اللعنة عليه في قوله:( عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ) فلأنّ اللعن يلحق المعصية و ما من معصية إلّا و لإبليس فيه صنع بالإغواء و الوسوسة فهو الأصل الّذي يرجع إليه كلّ معصية و ما يلحقها من لعن حتّى في عين ما يعود إلى أشخاص العصاة من اللعن و الوبال، و تذكّر في ذلك ما تقدّم في ذيل قوله تعالى:( لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ) الأنفال: ٣٧ في الجزء التاسع من الكتاب.
على أنّه لعنه الله أوّل فاتح فتح باب معصية الله و عصاه في أمره فإليه يعود وبال هذا الطريق بسالكيه ما سلكوا فيه.
و أمّا جعل لعنته خاصّة عليه في قوله:( عَلَيْكَ لَعْنَتِي ) فلأنّ الإبعاد من الرحمة بالحقّيقة إنّما يؤثّر أثره إذا كان منه تعالى إذ لا يملك أحد من رحمته إعطاء و منعا إلّا بإذنه فإليه يعود حقيقة الإعطاء و المنع.
على أنّ اللعن من غيره تعالى بالحقّيقة دعاء عليه بالإبعاد من الرحمة و أمّا نفس الإبعاد الّذي هو نتيجة الدعاء فهو من صنعه القائم به تعالى و حقيقته المبالغة في منع الرحمة.
و قال في المجمع: و قال بعض المحقّقين: إنّما قال سبحانه هنا:( وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ) بالألف و اللّام، و قال في سورة ص:( لَعْنَتِي ) بالإضافة لأنّ هناك يقول:( لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) مضافا، فقال:( وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي ) على المطابقة، و قال هنا:( ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) و ساق الآية على اللّام في قوله:( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ) و قوله:( وَ الْجَانَّ ) فأتى باللام أيضاً في قوله:( وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ) انتهى و قال أيضاً في الآية بيان أنّه لا يؤمن قطّ.
و أمّا تقييد اللعنة بقوله:( إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) فلأنّ اللعنة هي عنوان الإثم و الوبال العائد إلى النفس من المعصية و المعصية محدودة بيوم القيامة فاليوم عمل و لا جزاء و غدا جزاء و لا عمل، و إن شئت فقل: هذه الدار دار كتابة الأعمال و حفظها و يوم القيامة دار الحساب و الجزاء.
و أمّا قول القائل: إنّ تحديد اللعن بيوم الدين دليل على كونه مغيّاً به مرفوعاً فيه و فيما بعده فممّا يدفعه ظاهر الآيات المبيّنة للعذاب يوم القيامة.
و يؤيّد ذلك التعبير في الآية عن يوم القيامة بيوم الدين المشعر بأنّه ملعون قبل يوم القيامة و مجزّي به فيه، و لو انقطع العذاب بقيام الساعة لكان اليوم يوم انقطاع الدين لا يوم الدين.
و ربّما قيل في دفع إشكال الغاية إنّ ذلك أبعد غاية يضربها الخلائق فهو كقوله:( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ ) الآية، و هو كما ترى و قد عرفت معنى الآية المقيس عليها في تفسير سورة هود.
و ربّما قيل: إنّ المراد باللعنة في الآية لعن الخلائق و ذلك منقطع بمجييء يوم الدين دون لعنه تعالى و إبعاده له من رحمته فإنّه متّصل إلى الأبد.
و كأنّ هذا القائل ذهب عليه قوله تعالى في سورة ص:( وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) الآية: ٧٨.
قوله تعالى: ( قالَ ربّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) الإنظار هو الإمهال و قد صدّر كلامه بقوله:( رَبِّ ) و هو يخاصمه و قد عصاه و استكبر عليه تعالى لأنّه في مقام الدعاء لا مفرّ له من دعوته تعالى بما يثير به الرحمة الإلهيّة المطلقة و هو الالتجاء إليه بربوبيّته له ليستجيب له و هو مغضوب عليه.
و قد صدّر مسألته بفاء التفريع في قوله:( فَأَنْظِرْنِي ) و ذكر فيه بعثة عامّة البشر من غير أن يخصّ بالذكر آدم أباهم الّذي ابتلي بالرجم و اللعن من أجل الإباء عن السجود له و ذلك كلّه مبنيّ على ما تقدّم في تفسير آيات القصّة في سورة الأعراف أنّ المأمور به كان هو السجود لعامّة البشر و كان آدمعليهالسلام كالقنبلة المنصوبة للسجود يمثّل به النوع الإنسانيّ.
و توضيحه أنّه قد تقدّم في قوله تعالى:( وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ ) الأعراف: ١١ أنّهم إنّما اُمروا بالسجدة لنوع الإنسان لا لشخص آدمعليهالسلام و لم يكن هذه السجدة تشريفاً اجتماعيّاً
من غير غاية حقيقيّة بل كانت خضوعاً بحسب الخلقة فهم بحسب ما اُريد من خلقتهم خاضعون للإنسان بحسب ما اُريد من كمال خلقته، أي إنّهم مسخّرون لأجله عاملون في سبيل سعادة حياته أي إنّ للإنسان منزلة من القرب و مرحلة من كمال السعادة تفوق ما للملائكة من ذلك.
فسجودهم جميعاً له دليل أنّهم جميعاً مسخّرون في سبيل كماله من السعادة عاملون لأجل فوزه و فلاحه كملائكة الحياة و ملائكة الموت و ملائكة الأرزاق و ملائكة الوحي و المعقّبات و الحفظة و الكتبة و غيرهم ممّن تذكرهم متفرّقات الآيات القرآنيّة فالملائكة أسباب إلهيّة و أعوان للإنسان في سبيل سعادته و كماله.
و من هنا يظهر للمتدبّر الفطن أنّ إباء إبليس عن السجدة استنكاف منه عن الخضوع لنوع الإنسان و العمل في سبيل سعادته و إعانته على كمال المطلوب على خلاف ما ظهر من الملائكة فهو بإبائه عن السجدة خرج من جمع الملائكة كما يفيده قوله تعالى:( ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) و أظهر الخصومة لنوع الإنسان و البراءة منهم ما حيّوا و عاشوا أو خالداً مؤبّداً.
و يؤيّده جعله تعالى اللعنة المطلقة عليه من يوم أبى إلى يوم الدين و هو مدّة مكث النوع الإنسانيّ في هذه الدنيا فجعلها عليه كذلك و لما يدّع إبليس أنّه سيغويهم و لم يقل بعد:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) مشعرٌ بأنّ إباءه عن السجدة نوع خصومة و عداوة منه لهذا النوع آخذا من آدم إلى آخر من سيولد و يعيش من ذرّيّته.
فكأنّه عليه اللعنة فهم من قوله تعالى:( وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) أنّ له شأناً مع النوع الإنسانيّ إلى يوم القيامة و أنّ لشقائهم و فساد أعمالهم ارتباطاً به من حيث امتنع عن السجود و لذلك سأل النظرة إلى يوم يبعثون مفرّعاً ذلك على اللعنة المجعولة عليه فقال:( رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) و لم يقل: ربّ أنظرني إلى يوم يبعثون و لم يقل: أنظرني إلى يوم يموت آدم أو أنظرني ما دام حيّا يعيش بل ذكر آدم و بنيه جميعاً و طلب النظرة إلى يوم يبعثون مفرّعاً ذلك على
اللعنة إلى يوم الدين فلمّا اُجيب إلى ما سأل أبدى ما في كمون ذاته و قال:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) .
قوله تعالى: ( قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) جواب منه سبحانه لإبليس و فيه إجابة و ردّ أمّا الإجابة فبالنسبة إلى أصل الإنظار الّذي سأله و أمّا الردّ فبالنسبة إلى القيد و هو أن يكون الإنظار إلى يوم يبعثون فإنّ من الواضح اللائح بالنظر إلى سياق الآيتين أنّ يوم وقت المعلوم غير يوم يبعثون فلم يسمح له بإنظاره إلى يوم يبعثون بل إلى يوم هو غيره و لا محالة هو قبل يوم البعث.
و بذلك يظهر فساد قول من قال: إنّه لعنه الله اُجيب إلى ما سأل و اليومان في الآيتين واحد و من الدليل عليه قوله في سورة الأعراف في القصّة:( قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) الآية: ١٥ من غير أن يقيّد بشيء.
أمّا فساد دعواه اتّحاد اليومين في الآيتين فقد ظهر ممّا تقدّم و أمّا فساد الاستدلال بإطلاق آية الأعراف فلأنّها تتقيّد بما في هذه السورة و سورة ص من التقييد بقوله:( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) و هذا كثير شائع في كلامه تعالى و القرآن يشهد بعضه على بعض و ينطق بعضه ببعض.
و ظاهر يوم الوقت المعلوم أنّه وقت تعيّن في العلم الإلهيّ نظير قوله:( وَ ما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) الحجر: ٢١ و قوله:( أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ) الصافّات: ٤١ فهو معلوم عندالله قطعاً و أمّا أنّه معلوم لإبليس أو مجهول عنده فغير معلوم من اللفظ، و قول بعضهم: أنّه سبحانه أبهم اليوم و لم يبيّن فهو معلوم لله غير معلوم لإبليس لأنّ في بيانه إغراء بالمعصية كلام خال عن الدليل فإبهام اللفظ بالنسبة إلينا غير إبهام ما اُلقي إلى إبليس من القول بالنسبة إليه على أنّ إغراء إبليس بالمعصية و هو الأصل لكلّ معصية مفروضة لا يخلو عن إشكال فافهمه.
على أنّ قول إبليس ثانياً:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) شاهد على أنّه سيبقى إلى آخر ما يعيش الإنسان في الدنيا ممّن يمكنه إغواؤه فقد كان فهم من قوله تعالى:( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) أنّه آخر عمر البشر العائشين في الأرض الجائز له إغواؤهم.
و نسب إلى ابن عبّاس و مال إليه الجمهور: أنّ اليوم هو آخر أيّام التكليف و هو النفخة الاُولى يوم يموت الخلائق و كأنّه مبنيّ على أنّ إبليس باق ما بقي التكليف و أمكنت المخالفة و المعصية، و هو مدّة عمر الإنسان في الدنيا، و ينتهي ذلك إلى النفخة الاُولى الّتي بها يموت الخلائق فهو يوم الوقت المعلوم الّذي أنظره الله إليه، و بينه و بين النفخة الثانية الّتي فيها يبعثون أربعمأة سنة أو أربعون سنة على اختلاف الروايات، و هي ما به التفاوت بين ما سأله إبليس و بين ما أجاب إليه الله سبحانه.
و هذا وجه حسن لو لا ما فيه من قولهم: إنّ إبليس باق ما بقي التكليف و أمكنت المخالفة و المعصية فإنّها مقدّمة لا بيّنة و لا مبيّنة و ذلك أنّ تعويل القوم في ذلك على أنّ المستفاد من الآيات و الأخبار كون كلّ كفر و فسوق موجود في النوع الإنسانيّ مستنداً إلى إغواء إبليس و وسوسته كما يدلّ عليه أمثال قوله تعالى:( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) يس: ٦٠ و قوله:( وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحقّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) إلخ إلى غير ذلك من الآيات. و مقتضاها أن يدوم وجود إبليس ما دام التكليف باقياً، و التكليف باق ما بقي الإنسان و هو المطلوب.
و فيه أنّ كون المعصية الإنسانيّة مستندة بالجملة إلى إغواء إبليس مستفادة من الآيات و الروايات لا غبار عليه لكنّه إنّما يقتضي بقاء إبليس ما دامت المعصية و الغواية باقية لا بقاءه ما دام التكليف باقياً، و لا دليل على الملازمة بين المعصية و التكليف وجوداً.
بل الحجّة قائمة من العقل و النقل على أنّ غاية الإنسان النوعيّة و هي السعادة ستعمّ النوع و يتخلّص المجتمع الإنسانيّ إلى الخير و الصلاح و لا يعبد على الأرض يومئذ إلّا الله سبحانه، و ينطوي وقتئذ بساط الكفر و الفسوق، و يصفو العيش و يرتفع أمراض القلوب و وساوس الصدور، و قد تقدّم تفصيل ذلك في مباحث النبوّة في الجزء الثاني و في قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب.
قال تعالى:( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الروم: ٤١ و قال:( وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ) الأنبياء: ١٠٥.
و من ذلك يظهر أنّ الّذي استندوا إليه من الحجّة إنّما يدلّ على كون يوم الوقت المعلوم الّذي جعله الله غاية إنظار إبليس هو يوم يصلح الله سبحانه المجتمع الإنسانيّ فينقطع دابر الفساد و لا يعبد يومئذ إلّا الله لا يوم يموت الخلائق بالنفخة الأولى.
قوله تعالى: ( قالَ ربّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) الباء في قوله:( بِما أَغْوَيْتَنِي ) للسببيّة و( بِما ) مصدريّة أي أتسبّب بإغوائك إيّاي إلى التزيين لهم و اُلقي إليهم ما استقرّ فيّ من الغواية كما قالوا يوم القيامة على ما حكى الله:( أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا ) القصص: ٦٣.
و قول بعضهم: إنّ الباء للقسم أي اُقسم بإغوائك لاُزيّننّ من أردإ القول فلم يعهد في كتاب و لا سنّة أن يقسم بمثل الإغواء و الإضلال و ليس فيه شيء مفهوم من التعظيم اللازم في القسم.
و قد نسب لعنه الله في قوله:( بِما أَغْوَيْتَنِي ) إلى الله سبحانه أنّه أغواه و لم يردّه الله سبحانه إليه و لا أجاب عنه و ليس مراده به غوايته إذ عصى أمر السجدة و لم يسجد لآدمعليهالسلام و الدليل على ذلك أن لا رابطة بين معصيته في نفسه و بين معصية الإنسان لربّه حتّى يكون معصيته سبب معصيتهم و يتسبّب هو بها إلى إغوائهم.
و إنّما يريد به ما يفيده قوله تعالى:( وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) من استقرار اللعنة المطلقة فيه و هي الإبعاد من الرحمة و الإضلال عن طريق السعادة و هي إغواء له أثر الغواية الّتي أبداها من نفسه و أتى بها من عنده فيكون من إضلاله تعالى مجازاة لا إضلالاً ابتدائياً و هو جائز غير ممتنع عليه تعالى، و لذلك لم يردّه كما قال تعالى:( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إلّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦ و قد بيّنا ذلك في ذيل الآية و مواضع اُخرى من هذا الكتاب.
و عند هذا يستقيم معنى السببيّة أعني إغواؤه الناس بسبب الإغواء الّذي مسّه و استقرّ فيه فإنّ البعد من الرحمة و البون من السعادة لما كان لازماً لنفسه بلزوم اللعنة الإلهيّة له كان كلّما اقترب من قلب إنسان بالوسوسة و التسويل أو استولى على نفس من النفوس و هو بعيد من الرحمة و السعادة أوجب ذلك بعد من اقترب منه أو تسلّط عليه، و هو إغواؤه بإلقاء أثر الغواية الّتي عنده إليه و هو ظاهر.
هذا ما يعطيه التدبّر في الآية و محصّله أنّ المراد بالإغواء ليس هو الإضلال الابتدائيّ بل الإضلال على سبيل المجازاة الّذي يدلّ عليه قوله:( وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي ) الآية.
و أمّا القوم فكالمسلّم عندهم أنّ قوله:( بِما أَغْوَيْتَنِي ) لو كان بمعناه الظاهر و هو الإضلال لكان هو الإضلال الابتدائيّ و كان ناظراً إلى إبائه و امتناعه عن السجدة و لذا استشكلوا الآية و اختلفوا في تفسير الإغواء على اختلاف مذاهبهم في استناد الشرّ إليه تعالى و صدوره منه جوازاً و امتناعاً.
فقال بعضهم و هم أهل الجبر: إنّ إسناد الإغواء إليه تعالى بلا إنكار منه لذلك يدلّ على أنّ الشرّ كالخير من الله تعالى، و المعنى ربّ بما أضللتني بالامتناع عن السجدة - فهو منك - أقسم لاُضلّنّهم أجمعين.
و قال آخرون و هم غيرهم: إنّه لا يجوز استناد الشرّ و المعصية و كلّ قبيح إليه تعالى و وجّهوا الآية بوجوه:
أحدها: أنّ الإغواء في الآية بمعنى التخييب و المعنى ربّ بما خيّبتني من رحمتك لاُخيّبنّهم بالدعوة إلى معصيتك.
الثاني: أنّ المراد بالإغواء الإضلال عن طريق الجنّة و المعنى بما أضللتني عن طريق جنّتك لما صدر منّي من معصيتك لاُضلّنّهم بالدعوة.
الثالث: أنّ المراد بقوله:( بِما أَغْوَيْتَنِي ) بما كلّفتني أمراً ضللت عنده بالمعصية و هو السجود فسمّى ذلك إضلالاً منه له توسّعاً و أنت بالتأمّل فيما قدّمناه تعرف أنّ الآية في غنى عن هذا البحث و ما اُبدئ فيه من الوجوه.
و نظير هذا البحث بحثهم عن الإنظار الواقع في قوله:( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) من جهة أنّه مفض إلى الإغواء القبيح و ترجيح للمرجوح على الراجح.
فقال المجوّزون: إنّ الآية تدلّ على أنّ الحسن و القبح اللّذين يعلّل بهما العقل أفعالنا لا تأثير لهما في أفعاله تعالى فله أن يثيب من يشاء و يعذّب من يشاء من غير جهة مرجحّة حتّى مع رجحان الخلاف، قالوا: و من زعم أنّ حكيماً يحصر قوماً في دار و يرسل فيها النار العظيمة و الأفاعي القاتلة الكثيرة و لم يرد أذى أحد من اُولئك القوم بالإحراق و اللسع فقد خرج عن الفطرة الإنسانيّة فإذن من حكم الفطرة أنّ الله تعالى أراد بإنظار إبليس إضلال بعض الناس.
و المانعون يوجّهون الإنظار بأنّه تعالى كان يعلم من إبليس و أتباعه أنّهم يموتون على الكفر و الفسوق و يصيرون إلى النار أنظر إبليس أو لم ينظر على أنّه تعالى تدارك تأييده ذلك بمزيد ثواب المؤمنين المتّقين. على أنّه يقول:( وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ ) و لو كان الإغواء من الله لأنكره عليه إلى غير ذلك ممّا أوردوه من الوجوه.
و ليت شعري ما الّذي أغفلهم عن آيات الامتحان و الابتلاء على كثرتها كقوله تعالى:( لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) الأنفال: ٣٧ و قوله:( وَ لِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ ) آل عمران: ١٥٤ و غيرهما من الآيات الدالّة على أنّ نظام السعادة و الشقاء و الثواب و العقاب مبنيّ على أساس الامتحان و الابتلاء، و الإنسان واقع بين الخير و الشرّ و السعادة و الشقاء له ما يختاره من العمل بنتائجه.
فلو لا أن يكون هناك داع إلى الخير و هم الملائكة الكرام و إن شئت فقل: هو الله، و داع إلى الشرّ و هم إبليس و قبيله لم يكن للامتحان معنى قال تعالى:( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَ اللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا ) البقرة: ٢٦٨.
و لئن أيّد الله إبليس على الإنسان بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم فقد أيّده عليه بالملائكة الباقين ببقاء الدنيا و لم يقل سبحانه له: إنّك منظر بل قال:( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) فأثبت منظرين غيره و جعله بعضهم.
و لئن أيّده بالتمكين بتزيين الباطل من الكفر و الفسوق للإنسان أيّد الإنسان بأن هداه إلى الحقّ و زيّن الإيمان في قلبه و فطرة على التوحيد، و عرّفه الفجور و التقوى، و جعل له نوراً يمشي به في الناس إن آمن بربّه إلى غير ذلك من الأيادي، قال:( قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ) يونس: ٣٥ و قال:( وَ لكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ) الحجرات: ٧ و قال:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) الروم: ٣٠ و قال:( وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها ) الشمس: ٨ و قال:( أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) الأنعام: ١٢٢( و قال إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) المؤمن: ٥١ و التكلّم بالغير مشعر بوساطة الملائكة.
فالإنسان خلق هو في نفسه أعزل ليس معه شيء من السعادة و الشقاء بحسب بدء خلقته واقف في ملتقى سبيلين: سبيل الخير و الطاعة و هو سبيل الملائكة ليس لهم إلّا الطاعة، و سبيل الشرّ و المعصية و هو سبيل إبليس و جنوده و ليس معهم إلّا المخالفة و المعصية، فإلى أيّ السبيلين مال في مسير حياته وقع فيه و رافقه أصحابه و زيّنوا له ما عندهم و هدوه إلى ما ينتهي إليه سبيلهم و هو الجنّة أو النار و السعادة أو الشقاء.
فقد بان ممّا تقدّم أنّ إنظار إبليس إلى يوم الوقت المعلوم ليس من تقديم المرجوح على الراجح و لا إبطالاً لقانون العلّيّة بل ليتيسّر به و بما يقابله من بقاء الملائكة ما هو الواجب من أمر الامتحان و الابتلاء فلا محلّ للاستشكال.
و قوله:( لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) أي لاُزيّننّ لهم الباطل أو لاُزيّننّ لهم المعاصي على ما قيل و المعنى الأوّل أجمع و المفعول محذوف على أيّ حال، و الظاهر أنّ المفعول معرض عنه و الفعل مستعمل استعمال اللازم، و الغرض بيان أصل التزيين كناية عن الغرور يقال: زيّن له كذا و كذا أي حمله عليه غروراً، و ضمير( لَهُمْ ) لآدم و ذرّيّته على ما يدلّ عليه السياق، و المراد بالتزيين لهم في الأرض غرورهم في هذه الحياة الأرضيّة و هي الحياة الدنيا و هو السبب القريب للإغواء فيكون عطف قوله:( وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) عليه من عطف المسبّب على السبب المترتّب عليه.
و الآية تشعر بل تدلّ على ما قدّمناه في تفسير آيات جنّة آدم في الجزء الأوّل من الكتاب أنّ معصية آدم بالأكل من الشجرة المنهيّة عن وسوسة إبليس لم تكن معصية لأمر مولويّ بل مخالفة لأمر إرشاديّ لا يوجب نقضا في عصمته فإنّه يعرّف الأرض في الآية ظرفاً لتزيينه و إغوائه فما كان غروره لآدم و زوجته في الجنّة إلّا ليخرجهما منها و ينزّلهما إلى الأرض فيتناسلاً فيها فيغويهما و بنيهما عن الحقّ و يضلّهم عن الصراط قال تعالى:( يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجنّة يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ) الأعراف: ٢٧.
و قوله:( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) استثنى من عموم الإغواء طائفة خاصّة من البشر و هم المخلصون - بفتح اللّام على القراءة المشهورة - و السياق يشهد أنّهم الّذين اُخلصوا لله و ما أخلصهم إلّا الله سبحانه، و قد قدّمنا في الكلام على الإخلاص في تفسير سورة يوسف أنّ المخلصين هم الّذين أخلصهم الله لنفسه بعد ما أخلصوا أنفسهم لله فليس لغيره سبحانه فيهم شركة و لا في قلوبهم محلّ فلا يشتغلون بغيره تعالى فما ألقاه إليهم الشيطان من حبائله و تزييناته عاد ذكراً لله مقرّبا إليه.
و من هنا يترجّح أنّ الاستثناء إنّما هو من الإغواء فقط لا منه و من التزيين بمعنى أنّه لعنه الله يزيّن للكلّ لكن لا يغوي إلّا غير المخلصين.
و يستفاد من استثناء العباد أوّلاً ثمّ تفسيره بالمخلصين أنّ حقّ العبوديّة إنّما هو بأن يخلص الله العبد لنفسه أي أن لا يملكه إلّا هو و يرجع إلى أن لا يرى الإنسان لنفسه ملكاً و أنّه لا يملك نفسه و لا شيئاً من صفات نفسه و آثارها و أعمالها و أنّ الملك - بكسر الميم و ضمّها - لله وحده.
قوله تعالى: ( قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ) ظاهر الكلام على ما يعطيه السياق أنّه كناية على أنّ الأمر إليه تعالى لا غنى فيه عنه بوجه كما أنّ كون طريق السفينة على البحر يقضي على راكبيها بأن لا مفرّ لهم ممّا يستدعيه العبور على الماء من العدّة و الوسيلة و كذا كون طريق القافلة على الجبل يحوجهم إلى ما يتهيّأ به لعبور قلله الشاهقة و مسالكه الصعبة فكونه صراطا عليه تعالى بالاستقامة هو أنّه
أمر متوقّف من كلّ جهة إلى حكمه و قضائه تعالى فإنّه الله الّذي منه يبدء كلّ شيء و إليه ينتهي فلا يتحقّق أمر إلّا و هو ربّه القيّوم عليه.
و ظاهر السياق أيضاً أنّ الإشارة بقوله:( هذا صِراطٌ ) إلخ إلى قول إبليس:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) لما أظهر بقوله هذا أنّه سينتقم منهم و يبسط سلطته بالتزيين و الإغواء عليهم جميعاً فلا يخلص منهم إلّا القليل كأنّه يشير إلى أنّه سيستقلّ بما عزم عليه و يعلو بإرادته على الله سبحانه فيما أراد من خلقهم و استخلافهم و استعبادهم كما حكاه الله تعالى من قوله في موضع آخر من قوله:( وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) الأعراف: ١٧.
فمعنى الآية أنّ ما ذكرت من أنّك ستغويهم أجمعين و استثنيت منهم من استثنيت و أظهرت نسبته إلى قوّتك و مشيّتك زاعما فيه أنّك مستقلّ به، أمر لا يملكه إلّا أنا و لا يحكم فيه غيري و لا يصدر إلّا عن قضائي فإن أغويت فبإذني أغويت و إن منعت فبمشيّتي منعت فليس إليك من الأمر شيء و لا من الملك إلّا ما ملّكتك و لا من القدرة إلّا ما أقدرتك، و الّذي أقضيه لك من السلطان أنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلّا من اتّبعك إلخ.
قوله تعالى: ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) هذا هو القضاء الّذي أشار سبحانه إليه في الآية السابقة في أمر الإغواء و ذكر أنّه له وحده ليس لغيره فيه صنع و لا نصيب.
و محصّله أنّ آدم و بنيه كلّهم عباده لا كما قاله إبليس حيث قصر عباده على المخلصين منهم إذ قال:( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) و لم يجعل سبحانه له عليهم - أي على العباد - سلطاناً حتّى يستقلّ بأمرهم فيغويهم و إنّما جعل له السلطان على طائفة منهم و هم الّذين اتّبعوه من الغاوين و ولّوه أمرهم و ألقوا إليه زمام تدبيرهم فهؤلاء هم الّذين له عليهم سلطان.
فإذا أمعنت في الآية وجدتها تردّ على إبليس قوله:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) من ثلاث جهات أصليّة:
إحداها: أنّه حصر عباده في المخلصين منهم و نفى عنهم سلطان نفسه و عمّم سلطانه على الباقين و الله سبحانه عمّم عباده على الجميع و قصر سلطان إبليس على طائفة منهم و هم الّذين اتّبعوه من الغاوين و نفى سلطانه على الباقين.
و الثانية: أنّه لعنه الله ادّعى لنفسه الاستقلال في إغوائهم كما يظهر من قوله:( لَأُغْوِيَنَّهُمْ ) في سياق المخاصمة و التقريع بالانتقام و الله سبحانه يردّ عليه بأنّه منه مزعمة باطلة و إنّما هو عن قضاء من الله و سلطان بتسليطه و إنّما ملّكه إغواء من اتّبعه و كان غاويا في نفسه و بسوء اختياره.
فلم يأت إبليس بشيء من نفسه و لم يفسد أمراً على ربّه لا في إغوائه أهل الغواية فإنّه بقضاء من الله سبحانه أن يستقرّ لأهل الغواية غيّهم بسببه - و قد اعترف لعنه الله بذلك بعض الاعتراف بقوله:( رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي ) - و لا في استثنائه المخلصين فإنّه أيضاً بقضاء من الله نافذ فلا حكم إلّا لله.
و هذا الّذي تفيده الآية الكريمة أعني تسليط إبليس على إغواء الغاوين الّذين هم في أنفسهم غاوون و تخليص المخلصين و هم مخلصون في أنفسهم من كيده كلّ ذلك بقضاء من الله، مبنيّ على أصل عظيم يفيده التوحيد القرآنيّ المفاد بأمثال قوله تعالى:( إِنِ الْحُكْمُ إلّا لِلَّهِ ) يوسف: ٦٧ و قوله:( وَ هُوَ اللهُ لا إِلهَ إلّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ ) القصص: ٧٠ و قوله:( الحقّ مِنْ رَبِّكَ ) آل عمران: ٦٠ و قوله:( وَ يُحِقُّ اللهُ الحقّ بِكَلِماتِهِ ) يونس: ٨٢ و غير ذلك من الآيات الدالّة على أنّ كلّ حكم إيجابيّ أو سلبيّ فهو مملوك لله نافذ بقضائه.
و من هنا يظهر ما في تفسيرهم قوله:( إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) من المسامحة فإنّهم قالوا: إنّه إذا قبل من إبليس و اتّبعه صار له سلطان عليه بعدوله عن الهدى إلى ما يدعوه إليه من الغيّ و ظاهره أنّه سلطان قهريّ يحصل لإبليس عن سوء اختيارهم ليس من عند نفسه و لا بجعل من الله سبحانه.
وجه الفساد: أنّ فيه أخذ الاستقلال و الحول الذاتيّ من إبليس و إعطاؤه ذوات الأشياء و لو كان إبليس لا يملك شيئاً من عند نفسه و بغير إذن ربّه فالأشياء
و الاُمور أيضاً لا تملك لنفسها شيئاً و لا حكماً حتّى الضروريّات و لوازم الذوات إلّا بإذن من الله و تمليك فافهمه.
و الثالثة: أنّ سلطانه على إغواء من يغويه و إن كان بجعل و تسليط من الله سبحانه إلّا أنّه ليس بتسليط على الإغواء و الإضلال الابتدائيّ غير الجائز إسناده إلى ساحته سبحانه بل تسليط على الإغواء بنحو المجازاة المسبوق بغوايتهم من عندهم و في أنفسهم.
و الدليل على ذلك قوله تعالى:( إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) فإبليس إنّما يغوي من اتّبعه بغوايته أي إنّ الإنسان يتّبعه بغوايته أوّلاً فيغويه هو ثانياً فهناك غواية بعدها إغواء و الغواية إجرام من الإنسان و الإغواء بسبب إبليس مجازاة من الله سبحانه.
و لو كان هذا الإغواء إغواء ابتدائياً من إبليس لمن لا يستحقّ ذلك لكان هو الأليق باللوم دون الإنسان كما يذكره يوم القيامة على ما يحكيه سبحانه بقوله:( وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إلّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) إبراهيم: ٢٢. فاللوم على الإنسان المجرم و هو مسؤل عن معصيته دون إبليس.
نعم إبليس ملوم على ما يتلبّس به من الفعل بسوء اختياره و هو الإغواء الّذي سلّطه الله عليه مجازاة لما امتنع من السجود لآدم لما اُمر به فالإغواء هو الّذي استقرّت ولايته عليه كما يشير سبحانه إليه في موضع آخر من كلامه إذ يقول:( إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف: ٢٧ و قال تعالى و هو أوضح ما يؤيّد جميع ما قدّمناه:( كُتِبَ عَلَيْهِ أنّه مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَ يَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ) الحجّ: ٤.
و قد تحصّل ممّا تقدّم أنّ المراد بقوله:( عِبادِي ) عامّة الإنسان، و أنّ الاستثناء في قوله:( مَنِ اتَّبَعَكَ ) متّصل لا منقطع، و أنّ( مَنِ ) في قوله:( مِنَ الْغاوِينَ ) بيانيّة، و أنّ الكلام مبنيّ على ردّ قول إبليس، و أنّ الآية مشتملة على قضاءين من الله سبحانه في عقدي المستثنى و المستثنى منه و غير ذلك.
و من ذلك يظهر عدم استقامة قول بعضهم: إنّ المراد بعبادي هم الّذين استثناهم إبليس و عبّر عنهم بقوله:( عِبادَكَ مِنْهُمُ ) فيكون الاستثناء منقطعاً و الكلام مسوقاً لتقرير قول إبليس إنّ له سلطاناً على من يغويه و أنّ المخلصين لا سبيل له إليهم و المعنى أنّ المخلصين لا سلطان لك عليهم لكنّك مسلّط على من اتّبعك من الغاوين.
و أنت تعلم بالتأمّل فيما تقدّم أنّ هذا هدم لأساس السياق و ما يعطيه مقام المخاصمة و تحقّ نسبته إلى ساحة العزّة و الكبرياء و تنزيل خطابه تعالى منزلة لا يفيد معها أكثر من تغيير صورة كلام إبليس مع حفظ معناه تقريراً أو اعترافاً فهو يقول: ساُغويهم إلّا المخلصين، و الله سبحانه يقول: لا تغوي المخلصين لكن تغوي غيرهم!.
و ربّما فسّر بعضهم قوله:( عِبادِي ) بجميع البشر و أخذ مع ذلك الاستثناء منقطعاً و لعلّ ذلك بالبناء على عدم جواز استثناء أكثر الأفراد فلا يقال: له علىّ مائة إلّا تسعة و تسعون مثلاً و من المعلوم أنّ الغاوين من الناس أكثر من المخلصين بما لا يقاس.
و فيه أنّ ذلك إنّما هو فيما كان النظر في الاستثناء إلى صريح العدد و أمّا إذا كان المنظور إليه هو النوع أو الصنف بعنوانه فلا بأس بزيادة عدد الأفراد، و للإنسان عدّة أصناف: المخلصون و من دونهم من المؤمنين و المستضعفون و الّذين اتّبعوا إبليس من الغاوين، و قد استثنى الصنف الأخير في الآية بعنوانه و بقي الباقون و هم أصناف.
و منهم من جعل الاستثناء منقطعاً حذراً من ثبوت سلطان إبليس حتّى على الغاوين زعما منه أنّه ينافي إطلاق السلطنة الإلهيّة أو عدله تعالى و معنى الآية على هذا، أنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان لكن من اتّبعك من الغاوين ألقى إليك زمام نفسه و جعل لك على نفسه سلطاناً و ليس ذلك من نفسك حتّى تعجز الله في خلقه و لا من الله حتّى ينافي عدله تعالى.
و فيه: أنّ له سلطاناً على الغاوين لا من نفسه بل بجعل من الله و لا ينافي ذلك
عدله في خلقه فإنّه تسليط مجازاة لا تسليط ابتدائيّ، و لا منافاة بين كون السلطان بقضاء منه تعالى و كونه باتّباع الغاوين له باختيارهم فكلّ ذلك ممّا قد تبيّن فيما قدّمناه.
على أنّ قوله تعالى فيه:( كُتِبَ عَلَيْهِ أنّه مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ) الحجّ: ٤ و قوله:( إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف: ٢٧ يدلّان صريحاً على ثبوت سلطانه و أنّه بجعل من الله سبحانه و قضاء.
قوله تعالى: ( وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ) الظاهر أنّ( موعد ) اسم مكان و المراد بكون جهنّم موعدهم كونه محلّ إنجاز ما وعدهم الله من العذاب.
و هذا منه سبحانه تأكيد لثبوت قدرته و رجوع الأمر كلّه إليه كأنّه تعالى يقول له: ما ذكرته من السلطان على الغاوين ليس لك من نفسك و لم تعجزنا بل نحن سلّطناك عليهم لاتّباعهم لك على أنّا سنجازيهم بعذاب جهنّم.
و لكون الكلام مسوقاً لبيان حالهم اقتصر على ذكر جزائهم و لم يذكر معهم إبليس و لا جزاءه بخلاف قوله:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) ص: ٨٥ و قوله:( فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ) إسراء: ٦٣ لأنّ المقام غير المقام.
قوله تعالى: ( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) لم يبيّن سبحانه في شيء من صريح كلامه ما هو المراد بهذه الأبواب أ هي كأبواب الحيطان مداخل تهدي الجميع إلى عرصة واحدة أم هي طبقات و دركات تختلف في نوع العذاب و شدّته؟ و كثيراً ما يسمّى في الاُمور المختلفة الأنواع كلّ نوع باباً كما يقال: أبواب الخير و أبواب الشرّ و أبواب الرحمة، قال تعالى:( فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كلّ شَيْءٍ ) الأنعام: ٤٤ و ربّما سمّي أسباب الشيء و طرق الوصول إليه أبواباً كأبواب الرزق لأنواع المكاسب و المعاملات.
و ليس من البعيد أن يستفاد المعنى الثاني من متفرّقات آيات النار كقوله تعالى:( وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها - إلى
أن قال -قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) الزمر: ٧٢( و قوله إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) النساء: ١٤٥ إلى غير ذلك من الآيات.
و يؤيّده قوله:( لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) فإنّ ظاهره أنّ نفس الجزء مقسوم موزّع على الباب، و هذا إنّما يلائم الباب بمعنى الطبقة دون الباب بمعنى المدخل و أمّا تفسير بعضهم الجزء المقسوم بالفريق المعيّن المفروز من غيره فوهنه ظاهر.
و على هذا فكون جهنّم لها سبعة أبواب هو كون العذاب المعدّ فيها متنوّعاً إلى سبعة أنواع ثمّ انقسام كلّ نوع أقساماً حسب انقسام الجزء الداخل الماكث فيه، و ذلك يستدعي انقسام المعاصي الموجبة للدخول فيها سبعة أقسام، و كذا انقسام الطرق المؤدّية و الأسباب الداعية إلى تلك المعاصي ذاك الانقسام، و بذلك يتأيّد ما ورد من الروايات في هذه المعاني كما سيوافيك إن شاء الله.
قوله تعالى: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ) أي إنّهم مستقرّون في جنّات و عيون يقال لهم: ادخلوها بسلام لا يوصف و لا يكتنه نعته في حال كونكم آمنين من كلّ شرّ و ضرّ.
لمّا ذكر سبحانه قضاءه فيمن اتّبع إبليس من الغاوين ذكر ما قضى به في حقّ المتّقين من الجنّة، و قد ورد تفسير التقوى في كلامهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالورع عن محارم الله، و قد تكرّر في كلامه تعالى بشراهم بالجنّة فيكون المتّقون أعمّ من المخلصين.
و ما قيل: إنّه لا شبهة في أنّ السياق يدلّ على أنّ المتّقين هم المخلصون السابق ذكرهم، و أنّ المطلق يحمل على الفرد الكامل.
فيه أنّ ذلك مبنيّ على كون المراد بالعباد في قوله:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) هم المخلصين حتّى يختصّ السياق بالكلام فيهم، و قد تقدّم أنّ المراد بالعباد عامّة أفراد الإنسان خرج منه الغاوون بالاستثناء و بقي الباقون، و قد ذكر سبحانه قضاءه في الغاوين بالنار و هو ذا يذكر قضاءه في غيرهم ممّن أوجب له الجنّة و الأمر في المستضعفين مرجأ و في العصاة من أهل الكبائر الّذين يموتون بغير توبة
منوط بالشفاعة فيبقى أهل التقوى من المؤمنين و هم أعمّ من المخلصين فقضي فيهم بالجنّة.
و أمّا حديث حمل المطلق على الفرد الكامل فهو خطأ و إنّما يحمل على الفرد المتعارف و تفصيل المسألة في فنّ الاُصول.
و ذكر الإمام الرازيّ في تفسيره أنّ المراد بالمتّقين في الآية الّذين اتّقوا الشرك و نقله عن جمهور الصحابة و التابعين و أسنده إلى الخبر.
قال: و هذا هو الحقّ الصحيح و الّذي يدلّ عليه أنّ المتّقي هو الآتي بالتقوى مرّة واحدة كما أنّ الضارب هو الآتي بالضرب مرّة فليس من شرط صدق الوصف بكونه متّقيا كونه آتيا بجميع أنواع التقوى، و الّذي يقرّر ذلك أنّ الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى فإنّ الفرد مشتمل على الماهيّة بالضرورة و كلّ آت بالتقوى يجب أن يكون متّقيا فالآتي بفرد يجب كونه متّقيا، و لهذا قالوا: ظاهر الأمر لا يفيد التكرار. فظاهر الآية يقتضي حصول الجنّات و العيون لكلّ من اتّقى عن ذنب واحد، إلّا أنّ الاُمّة مجمعة على أنّ التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم.
و أيضاً هذه الآية وردت عقيب قول إبليس:( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) عقيب قوله تعالى:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) فلذا اعتبر الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزاد فيه قيد آخر لأنّ تخصيص العامّ لما كان خلاف الظاهر فكلّما كان التخصيص أقلّ كان أوفق بمقتضى الأصل و الظاهر.
فثبت أنّ الحكم المذكور يتناول جميع القائلين: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله و لو كانوا من أهل المعصية، و هذا تقرير بيّن و كلام ظاهر، انتهى.
و مقتضى كلامه شمول الآية لمن اتّقى الشرك و لو اقترف جميع الكبائر الموبقة الّتي نصّ الكتاب العزيز باستحقاق النار بإتيانها و ترك جميع الواجبات الّتي نصّ على تركها بمثله، و المستأنس بكلامه تعالى المتدبّر في آياته لا يرتاب في أنّ القرآن لا يسمّي مثل هذا متّقيا و لا يعدّه من المتّقين، و قد أكثر القرآن ذكر
المتّقين و بشّرهم بالجنّة بشارة صريحة فيما يقرب من عشرين موضعا وصفهم في كثير منها باجتناب المحارم و بذلك فسّر التقوى في الحديث كما تقدّم.
ثمّ إنّ مجرّد صحّة إطلاق الوصف أمر و التسمية أمر آخر فلا يسمّى بالمؤمنين و المحسنين و القانتين و المخلصين و الصابرين و خاصّة في الأوصاف الّتي تحتمل البقاء و الاستمرار إلّا من استقرّ فيه الوصف، و لو صحّ ما ذكره في المتّقين لجرى مثل ذلك في الظالمين و الفاسقين و المفسدين و المجرمين و الغاوين و الضالّين و قد أوعدهم الله النار، و أدّى ذلك إلى تدافع عجيب و اختلال في كلامه تعالى، و لو قيل: إنّ هناك ما يصرف هذه الآيات أن تشمل المرّة و المرّتين كآيات التوبة و الشفاعة و نظائرها فهناك ما يصرف هذه الآية أن تشمل المتّقي بالمرّة و المرّتين و هي نفس آيات الوعيد على الكبائر الموبقة كآيات الزنا و القتل ظلما و الربا و أكل مال اليتيم و أشباهها.
ثمّ الّذي ذكره في تقريب الدلالة وجوه واهية كقوله: إنّ هذه الآية وقعت عقيب قول إبليس إلخ، فإنّك قد عرفت فيما تقدّم أنّ ذلك لا ينفعه شيئاً، و كقوله: إنّ زيادة قيد آخر بعد الإيمان خلاف الأصل إلخ، فإن الأصل إنّما يركن إليه عند عدم الدليل اللفظيّ و قد عرفت أنّ هناك آيات جمّة صالحة للتقييد.
و كقوله: إنّ ذلك خلاف الظاهر. و كأنّه يريد به ظهور المطلق في الإطلاق، و قد ذهب عليه أنّ ظهور المطلق إنّما هو حجّة فيما إذا لم يكن هناك ما يصلح للتقييد.
فالحقّ أنّ الآية إنّما تشمل الّذين استقرّت فيهم ملكة التقوى و هو الورع عن محارم الله فاُولئك هم المقضيّ عليهم بالسعادة و الجنّة قضاء لازما، نعم المستفاد من الكتاب و السنّة أنّ أهل التوحيد و هم من حضر الموقف بشهادة أن لا إله إلّا الله لا يخلدون في النار و يدخلون الجنّة لا محالة، و هذا غير دلالة آية المتّقين على ذلك.
قوله تعالى: ( وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) إلى آخر الآيتين. الغلّ الحقد، و قيل هو ما في الصدر من حقد و حسد ممّا يبعث
الإنسان إلى إضرار الغير، و السرر جمع سرير و النصب هو التعب و العيّ الوارد من خارج.
يصف تعالى في الآيتين حال المتّقين في سعادتهم بدخول الجنّة، اختصّ بالذكر هذه الاُمور من بين نعم الجنّة على كثرتها فإنّ العناية باقتضاء من المقام متعلّقة ببيان أنّهم في سلام و أمن ممّا ابتلي به الغاوون من بطلان السعادة و ذهاب السيادة و الكرامة فذكر أنّهم في أمن من قبل أنفسهم لأنّ الله نزع ما في صدورهم من غلّ فلا يهمّ الواحد منهم بصاحبه سوء بل هم إخوان على سرر متقابلين و لتقابلهم معنى سيأتي في البحث الروائيّ إن شاء الله تعالى و أنّهم في أمن من ناحية الأسباب و العوامل الخارجة فلا يمسّهم نصب أصلاً و أنّهم في أمن و سلام من ناحية ربّهم فما هم من الجنّة بمخرجين أبداً فلهم السعادة و الكرامة من كلّ جهة، و لا يغشاهم و لا يمسّهم شقاء و وهن من جهة أصلاً لا من ناحية أنفسهم و لا من ناحية سائر ما خلق الله و لا من ناحية ربّهم.
( كلام في الأقضية الصادرة في بدء خلقة الإنسان)
الأقضية الّتي صدرت عن مصدر العزّة في بدء خلقة الإنسان على ما وقع في كلامه سبحانه عشرة:
الأوّل و الثاني قوله لإبليس:( فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) الحجر: ٣٥ و يمكن إرجاعهما إلى واحد.
الثالث قوله سبحانه له:( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) الحجر: ٣٨.
الرابع و الخامس و السادس قوله له:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ) الحجر: ٤٣.
السابع و الثامن قوله سبحانه لآدم و من معه:( اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ ) البقرة: ٣٦.
التاسع و العاشر قوله لهم:( اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) البقرة: ٣٩.
و هناك أقضية فرعيّة مترتّبة على هذه الأقضية الأصليّة يعثر عليها المتدبّر الباحث.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ، عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن قول الله:( وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) الآية قال: روح خلقها الله فنفخ في آدم منها.
و فيه، عن أبي بصير عن أبي عبداللهعليهالسلام : في قوله:( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) قال: خلق خلقاً و خلق روحاً ثمّ أمر الملك فنفخ فيه و ليست بالّتي نقصت من الله شيئاً هي من قدرته تبارك و تعالى.
و فيه، و في رواية سماعة عنهعليهالسلام : خلق آدم و نفخ فيه. و سألته عن الروح قال: هي قدرته من الملكوت.
أقول: أي هي قدرته الفعليّة منبعثة عن قدرته الذاتيّة صادرة منها كما يدلّ عليه الخبر السابق.
و في المعاني، بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: سألت أباجعفرعليهالسلام عن قول الله عزّوجلّ:( وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) قال: روح اختاره و اصطفاه و خلقه و أضافه إلى نفسه و فضّله على جميع الأرواح فأمر فنفخ منه في آدم.
و في الكافي، بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: سألت أباجعفرعليهالسلام عمّا يروون: أنّ الله خلق آدم على صورته فقال: هي على صورة مخلوقة محدثة اصطفاها الله و اختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه فقال:( بَيْتِيَ ) ( وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) .
أقول: و هذه الروايات من غرر الروايات في معنى الروح تتضمّن معارف
جمّة و سنوضح معناها عند الكلام في حقيقة الروح إن شاء الله.
و في تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن أبي عبداللهعليهالسلام : في قوله تعالى:( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) يوم ينفخ في الصور نفخة واحدة فيموت إبليس ما بين النفخة الاُولى و الثانية.
و في تفسير العيّاشيّ، عن وهب بن جميع و في تفسير البرهان، عن شرف الدين النجفيّ بحذف الإسناد عن وهب - و اللفظ للثاني - عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: سألته عن إبليس و قوله:( رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) أي يوم هو؟ قال: يا وهب أ تحسب أنّه يوم يبعث الله فيه الناس و لكنّ الله عزّوجلّ أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا فيأخذ بناصيته و يضرب عنقه فذلك اليوم هو الوقت المعلوم.
و في تفسير القمّيّ، بإسناده عن محمّد بن يونس عن رجل عن أبي عبداللهعليهالسلام : في قول الله تبارك و تعالى:( فَأَنْظِرْنِي - إلى قوله -إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) قال: يوم الوقت المعلوم يذبحه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على الصخرة الّتي في بيت المقدس.
أقول: و هو من أخبار الرجعة و في معناه و معنى الرواية السابقة عليه أخبار اُخرى من طرق أهل البيتعليهمالسلام .
و من الممكن أن تكون الرواية الاُولى من هذه الثلاث الأخيرة صادرة على وجه التقيّة، و يمكن أن توجّه الروايات الثلاث من غير تناف بينها بما تقدّم في الكلام على الرجعة في الجزء الأوّل من الكتاب و غيره أنّ الروايات الواردة من طرق أهل البيتعليهمالسلام في تفسير غالب آيات القيامة تفسّرها بظهور المهديّعليهالسلام تارة و بالرجعة تارة و بالقيامة اُخرى لكون هذه الأيّام الثلاثة مشتركة في ظهور الحقائق و إن كانت مختلفة من حيث الشدّة و الضعف فحكم أحدها جار في الآخرين فافهم ذلك.
و في تفسير العيّاشيّ، عن جابر عن أبي جعفرعليهالسلام قال: قلت: أ رأيت قول الله:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) ؟ ما تفسير هذا؟ قال: قال الله: إنّك
لا تملك أن تدخلهم جنّة و لا ناراً.
و في تفسير القمّيّ،: في قوله تعالى:( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ) الآية، قال: قال: يدخل في كلّ باب أهل مذهب، و للجنّة ثمانية أبواب.
و في الدرّ المنثور، أخرج أحمد في الزهد عن خطّاب بن عبدالله قال: قال عليّ: أ تدرون كيف أبواب جهنّم؟ قلنا: كنحو هذه الأبواب. قال: لا، ولكنّها هكذا و وضع يده فوق يده و بسط يده على يده.
و فيه، أخرج ابن المبارك و هنّاد و ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و أحمد في الزهد و ابن أبي الدنيا في صفة النار و ابن جرير و ابن أبي حاتم و البيهقيّ في البعث من طرق عن عليّ قال: أبواب جهنّم سبعة بعضها فوق بعض فيملأ الأوّل ثمّ الثاني ثمّ الثالث حتّى يملأ كلّها.
و فيه، أخرج ابن مردويه و الخطيب في تاريخه عن أنس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : في قوله تعالى:( لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) قال: جزء أشركوا بالله، و جزء شكّوا في الله، و جزء غفلوا عن الله.
أقول: هو تعداد أجزاء الأبواب دون نفسها، و الظاهر أنّ الكلام غير مسوق للحصر.
و فيه، أخرج ابن مردويه عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لجهنّم باب لا يدخل منه إلّا من أخفرني في أهل بيتي و أراق دماءهم من بعدي.
أقول: يقال: خفره أي غدر به و نقض عهده.
و فيه، أخرج أحمد و ابن حبّان و الطبريّ و ابن مردويه و البيهقيّ في البعث عن عتبة بن عبدالله عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: للجنّة ثمانية أبواب و للنار سبعة أبواب و بعضها أفضل من بعض.
أقول: و الروايات - كما ترى - تؤيّد من قدّمناه.
و في تفسير القمّيّ، في قوله تعالى:( وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ) الآية، قال: قال العداوة.
و في تفسير البرهان، عن الحافظ أبي نعيم عن رجاله عن أبي هريرة قال: قال عليّ بن أبي طالب: يا رسول الله أيّما أنا أحبّ إليك أم فاطمة؟ قال: فاطمة أحبّ إلي منك و أنت أعزّ علي منها، و كأنّي بك و أنت على حوضي تذود عنه الناس، و إنّ عليه أباريق عدد نجوم السماء، و أنت و الحسن و الحسين و حمزة و جعفر في الجنّة إخواناً على سرر متقابلين و أنت معي و شيعتك. ثمّ قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) لا ينظر أحدكم في قفاء صاحبه.
و فيه، عن ابن المغازليّ في المناقب يرفعه إلى زيد بن أرقم قال: دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنّي مواخ بينكم كما آخى الله بين الملائكة، ثمّ قال لعليّ: أنت أخي ثمّ تلا هذه الآية:( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) الأخلّاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض.
أقول: و رواه أيضاً عن أحمد في مسنده مرفوعاً إلى زيد بن أوفى عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و الرواية مبسوطة.
و في الروايتين تفسير قوله تعالى:( عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) بقوله: لا ينظر أحدهم في قفاء صاحبه، و قوله: الأخلّاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض و فيه إشارة إلى أنّ التقابل في الآية كناية عن عدم تتبّع أحدهم عورات إخوانه و زلّاتهم كما يفعل ذلك من في صدره غلّ و هو معنى لطيف.
و ما قرأه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من الآية إنّما هو من باب الجري و الانطباق لا أنّ الآية نازلة في أهل البيتعليهمالسلام فسياق الآيات لا يلائمه البتّة.
و نظيرها ما روي عن عليّعليهالسلام : أنّ الآية نزلت فينا أهل بدر، و في رواية اُخرى عنهعليهالسلام : أنّها نزلت في أبي بكر و عمر، و في رواية اُخرى عن عليّ بن الحسينعليهالسلام : أنّها نزلت في أبي بكر و عمر و عليّ، و في رواية اُخرى: أنّها نزلت في عليّ و الزبير و طلحة، و في رواية اُخرى: أنّها نزلت في عليّ و عثمان و طلحة و الزبير، و في رواية اُخرى عن ابن عباس: أنّها نزلت في عشرة: أبي بكر و عمر و عثمان و عليّ و
طلحة و الزبير و سعد و سعيد و عبد الرحمن بن عوف و عبدالله بن مسعود.
و الروايات - على ما بها من الاختلاف - تطبيقات من الرواة، و الآية تأبى بسياقها عن أن تكون نازلة في بعض المذكورين كيف؟ و هي في جملة آيات تقصّ ما قضاه الله و حكم به يوم خلق آدم و أمر الملائكة و إبليس بالسجود له فأبى إبليس فرجمه ثمّ قضى ما قضى، و لا تعلّق لذلك بأشخاص بخصوصيّتهم هذا.
( سورة الحجر الآيات ٤٩ - ٨٤)
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( ٤٩ ) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ( ٥٠ ) وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ( ٥١ ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ ( ٥٢ ) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ( ٥٣ ) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ( ٥٤ ) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ ( ٥٥ ) قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ( ٥٦ ) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( ٥٧ ) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ( ٥٨ ) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ( ٥٩ ) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ ( ٦٠ ) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ( ٦١ ) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ( ٦٢ ) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ( ٦٣ ) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ( ٦٤ ) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ( ٦٥ ) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ( ٦٦ ) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ( ٦٧ ) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ ( ٦٨ ) وَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ ( ٦٩ ) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ ( ٧٠ ) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ( ٧١ ) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ( ٧٢ ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ( ٧٣ ) فَجَعَلْنَا
عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ( ٧٤) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ( ٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ( ٧٦) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ( ٧٧) وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ( ٧٨) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ( ٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ( ٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ( ٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ( ٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ( ٨٣) فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ( ٨٤)
( بيان)
بعد ما تكلّم سبحانه حول استهزائهم بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و ما أنزل إليه من الكتاب و اقتراحهم عليه أن يأتيهم بالملائكة و هم ليسوا بمؤمنين و إن سمح لهم بأوضح الآيات أتى سبحانه في هذه الآيات ببيان جامع في التبشير و الإنذار و هو ما في قوله:( نَبِّئْ عِبادِي ) إلى آخر الآيتين ثمّ أوضحه و أيّده بقصّة جامعة للجهتين متضمّنة للأمرين معا و هي قصّة ضيف إبراهيم و فيها بشرى إبراهيم بما لا مطمع فيه عادة و عذاب قوم لوط بأشدّ أنواع العذاب.
ثمّ أيّده تعالى بإشارة إجماليّة إلى تعذيب أصحاب الأيكة و هم قوم شعيب و أصحاب الحجر و هم ثمود قوم صالحعليهماالسلام .
قوله تعالى: ( نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ) المراد بقوله:( عِبادِي ) على ما يفيده سياق الآيات مطلق العباد و لا يعبؤ بما ذكره بعضهم: أنّ المراد بهم المتّقون السابق ذكرهم أو المخلصون.
و تأكيد الجملتين بالإسميّة و إنّ و ضمير الفصل و اللام في الخبر يدلّ على أنّ الصفات المذكورة فيها أعني المغفرة و الرحمة و ألم العذاب بالغة في معناها النهاية بحيث لا تقدّر بقدر و لا يقاس بها غيرها، فما من مغفرة أو رحمة إلّا و يمكن أن يفرض
لها مانع يمنع من إرسالها أو مقدّر يقدّرها و يحدّها، لكنّه سبحانه يحكم لا معقّب لحكمه و لا مانع يقاومه فلا يمنع عن إنجاز مغفرته و رحمته شيء و لا يحدّهما أمر إلّا أن يشاء ذلك هو جلّ و عزّ، فليس لأحد أن ييأس من مغفرته أو يقنط من روحه و رحمته استنادا إلى مانع يمنع أو رادع يردع إلّا أن يخافه تعالى نفسه كما قال:( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ ) الزمر: ٥٤.
و ليس لأحد أن يحقّر عذابه أو يؤمّل عجزه أو يأمن مكره و الله غالب على أمره و لا يأمن مكر الله إلّا القوم الخاسرون.
قوله تعالى: ( وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ) الضيف معروف و يطلق على المفرد و الجمع و ربّما يجمع على أضياف و ضيوف و ضيفان لكنّ الأفصح - كما قيل - أن لا يثنّى و لا يجمع لكونه مصدراً في الأصل.
و المراد بالضيف الملائكة المكرمون الّذين اُرسلوا لبشارة إبراهيم بالولد و لهلاك قوم لوط سمّاهم ضيفا لأنّهم دخلوا عليه في صورة الضيف.
قوله تعالى: ( إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ) ضمير الجمع في( دَخَلُوا ) و( فَقالُوا ) في الموضعين للملائكة فقولهم:( سَلاماً ) تحيّة و تقديره نسلّم عليك سلاما و قول إبراهيمعليهالسلام :( إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ) أي خائفون و الوجل: الخوف.
و إنّما قال لهم إبراهيم ذلك بعد ما استقرّ بهم المجلس و قدّم إليهم عجلاً حنيذا فلم يأكلوا منه فلمّا رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس منهم خيفة كما في سورة هود فالقصّة مذكورة على نحو التلخيص.
و قولهم:( لا تَوْجَلْ ) تسكين لوجله و تأمين له و تطييب لنفسه بأنّهم رسل ربّه و قد دخلوا عليه ليبشّروه بغلام عليم أي بولد يكون غلاماً و عليماً، و لعلّ المراد كونه عليماً بتعليم الله و وحيه فيقرب من قوله في موضع آخر:( وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا ) الصافات: ١١٢.
قوله تعالى: ( قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) تلقّى إبراهيمعليهالسلام البشرى و هو شيخ كبير هرم لا عقب له من زوجه و قد أيأسته العادة الجارية عن الولد و إن كان يجلّ أن يقنط من رحمة الله و نفوذ قدرته، و لذا تعجّب من قولهم و استفهمهم كيف يبشّرونه بالولد و حاله هذه الحال؟ و زوجه عجوز عقيم كما وقع في موضع آخر من كلامه تعالى.
فقوله:( أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ ) الكبر كناية عن الشيخوخة و مسّه هو نيله منه ما نال بإفناء شبابه و إذهاب قواه، و المعنى إنّي لأتعجبّ من بشارتكم إيّاي و الحال أنّي شيخ هرم فني شبابي و فقدت قوى بدني، و العادة تستدعي أن لا يولد لمن هذا شأنه ولد.
و قوله:( فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) تفريع على قوله:( مَسَّنِيَ الْكِبَرُ ) و هو استفهام عمّا بشّروه به كأنّه يشكّ في كون بشارتهم بشرى بالولد مع تصريحهم بذلك لا استبعاد ذلك فيسأل ما هو الّذي تبشّرون به؟ فإنّ الّذي يدلّ عليه ظاهر كلامكم أمر عجيب، و هذا شائع في الكلام يقول الرجل إذا اُخبر بما يستبعده أو لا يصدّقه: ما تقول؟ و ما تريد؟ و ما ذا تصنع؟.
قوله تعالى: ( قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحقّ - إلى قوله -إلّا الضَّالُّونَ ) الباء في( بِالحقّ ) للمصاحبة أي إنّ بشارتنا ملازمة للحقّ غير منفكّة منه فلا تدفعها بالاستبعاد فتكون من القانطين من رحمة الله و هذا، جواب للملائكة و قد قابلهم إبراهيمعليهالسلام على نحو التكنية فقال:( وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضَّالُّونَ ) و الاستفهام إنكاريّ أي إنّ القنوط من رحمة الله ممّا يختصّ بالضالّين و لست أنا بضالّ فليس سؤالي سؤال قانط مستبعد.
قوله تعالى: ( قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) الخطب الأمر الجليل و الشأن العظيم، و في خطابهم بالمرسلين دلالة على أنّهم ذكروا له ذلك قبلاً، و معنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: ( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ - إلى قوله -لَمِنَ الْغابِرِينَ ) قال في المفردات: الغابر الماكث بعد مضيّ من هو معه قال تعالى:( إِلَّا عَجُوزاً فِي
الْغابِرِينَ ) يعني فيمن طال أعمارهم، و قيل: فيمن بقي و لم يسر مع لوط، و قيل: فيمن بقي بعد في العذاب، و في آخر:( إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) و في آخر:( قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ) - إلى أن قال - و الغبار ما يبقى من التراب المثار و جعل على بناء الدخان و العثار و نحوهما من البقايا. انتهى و لعلّه من هنا ما ربّما يسمّى الماضي و المستقبل معا غابرا أمّا الماضي فبعناية أنّه بقي فيما مضى و لم يتعدّ إلى الزمان الحاضر و أمّا المستقبل فبعناية أنّه باق لم يفن بعد كالماضي.
و الآيات جواب الملائكة لسؤال إبراهيم( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا ) من عند الله سبحانه( إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) نكّروهم و لم يسمّوهم صونا للّسان عن التصريح باسمهم تنفّراً منه و مستقبل الكلام يعيّنهم ثمّ استثنوا و قالوا:( إِلَّا آلَ لُوطٍ ) و هم لوط و خاصّته و ظهر به أنّ القوم قومه( إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ ) أي مخلّصوهم من العذاب( أَجْمَعِينَ ) و ظاهر السياق كون الاستثناء منقطعا.
ثمّ استثنوا امرأة لوط من آله للدلالة على أنّ النجاة لا تشملها و أنّ العذاب سيأخذها و يهلكها فقالوا( إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ) أي الباقين من القوم بعد خروج آل لوط من قريتهم.
و قد تقدّم تفصيل قول في ضيف إبراهيمعليهالسلام في سورة هود في الجزء العاشر من الكتاب و عقدنا هناك بحثاً مستقلّاً فيه.
قوله تعالى: ( فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) إنّما قال لهم لوطعليهالسلام ذلك لكونهم ظاهرين بصور غلمان مرد حسان و كان يشقّه ما يراه منهم و شأن قومه شأنهم من الفحشاء كما تقدّم في سورة هود و المعنى ظاهر.
قوله تعالى: ( قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وَ أَتَيْناكَ بِالحقّ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ ) الامتراء من المرية و هو الشكّ، و المراد بما كانوا فيه يمترون العذاب الّذي كان ينذرهم به لوط و هم يشكّون فيه، و المراد بإتيانهم بالحقّ إتيانهم بقضاء حقّ في أمر القوم لا معدل عنه كما وقع في موضع آخر من قولهم:( وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) هود: ٧٦ و قيل: المراد( و أتيناك بالعذاب الذي لا شكّ فيه)
و ما ذكرناه هو الوجه.
و في آيات القصّة تقديم و تأخير لا بمعنى اختلال ترتيبها بحسب النزول عند التأليف بوضع ما هو مؤخّر في موضع المقدّم و بالعكس بل بمعنى ذكره تعالى بعض أجزاء القصّة في غير محلّه الّذي يقتضيه الترتيب الطبعيّ و تعيّنه له سنّة الاقتصاص لنكتة توجب ذلك.
و ترتيب القصّة بحسب أجزائها على ما ذكرها الله سبحانه في سورة هود و غيرها و الاعتبار يساعد ذلك مقتضاه أن يكون قوله:( فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ ) إلى تمام آيتين قبل سائر الآيات. ثمّ قوله:( وَ جاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ) إلى تمام ستّ آيات. ثمّ قوله:( قالُوا بَلْ جِئْناكَ ) إلى تمام أربع آيات. ثمّ قوله:( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ) إلى آخر الآيات.
و حقيقة هذا التقديم و التأخير أنّ للقصّة فصولاً أربعة و قد اُخذ الفصل الثالث منها فوضع بين الأوّل و الثاني أعني أنّ قوله:( وَ جاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ) إلى آخره اُخّر في الذكر ليتّصل آخره و هو قوله:( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) بأوّل الفصل الأخير:( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ) و ذلك ليتمثّل به الغرض في الاستشهاد بالقصّة و ينجلي أوضح الانجلاء و هو نزول عذاب هائل كعذابهم في حال سكرة منهم و أمن منه لا يخطر ببالهم شيء من ذلك و ذلك أبلغ في الدهشة و أوقع في الحسرة يزيد في العذاب ألما على ألم.
و نظير هذا في التلويح بهذه النكتة ما في آخر قصّة أصحاب الحجر الآتية من اتّصال قوله:( وَ كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ) بقوله:( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ) كلّ ذلك ليجلّي معنى قوله تعالى في صدر المقال:( وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ) فافهم ذلك.
قوله تعالى: ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) إلى آخر الآية، الإسراء هو السير بالليل، فقوله:( بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) يؤكّده و قطع الليل شطر مقطوع منه، و المراد باتّباعه أدبارهم هو أن يسير وراءهم فلا يترك أحدا يتخلّف عن السير و يحملهم
على السير الحثيث كما يشعر به قوله:( وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) .
و المعنى: و إذ جئناك بعذاب غير مردود و أمر من الله ماض يجب عليك أن تسير بأهلك ليلا و تأخذ أنت وراءهم لئلا يتخلّفوا عن السير و لا يساهلوا فيه و لا يلتفت أحد منكم إلى ورائه و امضوا حيث تؤمرون، و فيه دلالة على أنّه كانت أمامهم هداية إلهيّة تهديهم و قائد يقودهم.
قوله تعالى: ( وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) القضاء مضمّن معنى الوحي و لذا عدّي بإلى - كما قيل - و المراد بالأمر أمر العذاب كما يفسّره قوله:( أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) و الإشارة إليه بلفظة( ذلِكَ ) للدلالة على عظم خطره و هول أمره.
و المعنى: و قضينا أمرنا العظيم في عذابهم موحيا ذلك إلى لوط و هو أنّ دابر هؤلاء و أثرهم الّذي من شأنه أن يبقى بعدهم من نسل و بناء و عمل مقطوع حال كونهم مصبحين أو التقدير أوحينا إليه قاضيا، إلخ.
قوله تعالى: ( وَ جاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ - إلى قوله -إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) يدلّ نسبة المجييء إلى أهل المدينة على كونهم جماعة عظيمة يصح عدّهم أهل المدينة لكثرتهم.
فالمعنى( وَ جاءَ ) إلى لوط( أَهْلُ الْمَدِينَةِ ) جمع كثير منهم يريدون أضيافه و هم( يَسْتَبْشِرُونَ ) لولعهم بالفحشاء و خاصّة بالداخلين في بلادهم من خارج فاستقبلهم لوط مدافعا عن أضيافه( قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ) بالعمل الشنيع بهم( وَ اتَّقُوا اللهَ وَ لا تُخْزُونِ قالُوا ) المهاجمون من أهل المدينة: أ لم نقطع عذرك في إيوائهم( أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ) أن تؤويهم و تشفع فيهم و تدافع عنهم فلمّا يئس لوطعليهالسلام منهم عرض عليهم بناته أن ينصرفوا عن أضيافه بنكاحهنّ - كما تقدّم بيانه في سورة هود -( قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) .
قوله تعالى: ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ - إلى قوله -مِنْ سِجِّيلٍ ) قال في المفردات: العمارة ضدّ الخراب. قال: و العمر اسم لمدّة عمارة البدن بالحياة
فهو دون البقاء فإذا قيل: طال عمره فمعناه عمارة بدنه بروحه، و إذا قيل: بقاؤه فليس يقتضي ذلك فإنّ البقاء ضدّ الفناء، و لفضل البقاء على العمر وصف الله به و قلما وصف بالعمر قال: و العمر - بالضمّ - و العمر - بالفتح - واحد لكن خصّ القسم بالعمر - بالفتح- دون العمر - بالضمّ - نحو( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ ) ، انتهى.
و الخطاب في( لَعَمْرُكَ ) للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو قسم ببقائه و قول بعضهم: إنّه خطاب من الملائكة للوطعليهالسلام و قسم بعمره لا دليل عليه من سياق الآيات.
و العمه هو التردّد على حيرة و السجّيل حجارة العذاب و قد تقدّم تفصيل القول في معناه في تفسير سورة هود.
و المعنى اُقسم بحياتك و بقائك يا محمّد إنّهم لفي سكرتهم و هي غفلتهم بانغمارهم في الفحشاء و المنكر يتردّدون متحيّرين( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) و هي الصوت الهائل( مُشْرِقِينَ ) أي حال كونهم داخلين في إشراق الصبح فجعلنا عالي بلادهم سافلها و فوقها تحتها و أمطرنا و أنزلنا من السماء عليهم حجارة من سجّيل.
قوله تعالى: ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ - إلى قوله -لِلْمُؤْمِنِينَ ) الآية العلامة و المراد بالآيات أوّلاً العلامات الدالّة على وقوع الحادثة من بقايا الآثار و بالآية ثانياً العلامة الدالّة للمؤمنين على حقّيّة الإنذار و الدعوة الإلهيّة و التوسّم التفرّس و الانتقال من سيماء الأشياء على حقيقة حالها.
و المعنى: أنّ في ذلك أي فيما جرى من الأمر على قوم لوط و في بلادهم لعلامات من بقايا الآثار للمتفرّسين و إنّ تلك العلامات لبسبيل للعابرين مقيم لم تعف و لم تنمح بالكلّيّة بعد، إنّ في ذلك لآية للمؤمنين تدلّ على حقّيّة الإنذار و الدعوة و قد تبيّن بذلك وجه إيراد الآيات جمعا و مفردا في الموضعين.
قوله تعالى: ( وَ إِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ - إلى -فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَ إِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ) الأيكة واحدة الأيك و هو الشجر الملتفّ بعضه ببعض فقد كانوا - كما قيل - في غيضة أي بقعة كثيفة الأشجار.
و هؤلاء - كما ذكروا - هم قوم شعيبعليهالسلام أو طائفة من قومه كانوا يسكنون
الغيضة، و يؤيّده قوله تعالى ذيلاً:( وَ إِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ) أي مكانا قوم لوط و أصحاب الأيكة لفي طريق واضح فإنّ الّذي على طريق المدينة إلى الشام هي بلاد قوم لوط و قوم شعيب الخربة أهلكهم الله بكفرهم و تكذيبهم لدعوة شعيبعليهالسلام و قد تقدّمت قصّتهم في سورة هود و قوله:( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) الضمير لأصحاب الأيكة و قيل: لهم و لقوم لوط. و معنى الآيتين ظاهر.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ - إلى قوله -ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) أصحاب الحجر هم ثمود قوم صالح و الحجر اسم بلدة كانوا يسكنونها و عدّهم مكذّبين لجميع المرسلين و هم إنّما كذّبوا صالحا المرسل إليهم إنّما هو لكون دعوة الرسل دعوة واحدة و المكذّب لواحد منهم مكذّب للجميع.
و قوله:( وَ آتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ) إن كان المراد بالآيات المعجزات و الخوارق - كما هو الظاهر - فالمراد بها الناقة و شربها و ما ظهر لهم بعد عقرها إلى أن اُهلكوا، و قد تقدّمت القصّة في سورة هود، و إن كان المراد بها المعارف الإلهيّة الّتي بلّغها صالحعليهالسلام و نشرها فيهم أو المجموع من المعارف الحقّة و الآية المعجزة فالأمر واضح.
و قوله:( وَ كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ) أي كانوا يسكنون الغيران و الكهوف المنحوتة من الحجارة آمنين من الحوادث الأرضيّة و السماويّة بزعمهم.
و قوله:( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ) أي صيحة العذاب الّتي كان فيها هلاكهم، و قد تقدّمت الإشارة إلى مناسبة اجتماع الأمن مع الصيحة في الآيتين لقوله في صدر الآيات:( وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ) .
و قوله:( فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) أي من الأعمال لتأمين سعادتهم في الحياة.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور، أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن مصعب بن ثابت قال: مرّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على ناس من أصحابه يضحكون قال: اذكروا الجنّة و اذكروا النار فنزلت:( نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .
أقول: و في معناه روايات اُخر لكن في انطباق معنى الآية على ما ذكر فيها من السبب خفاء.
و فيه أخرج أبونعيم في الحلية عن جعفر بن محمّد في قوله:( إنّ في ذلك لآيات للمتوسّمين) قال: هم المتفرّسون.
و فيه، أخرج البخاريّ في تاريخه و الترمذيّ و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن السنّي و أبونعيم معا في الطبّ و ابن مردويه و الخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله ثمّ قرأ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) قال المتفرّسين.
و في اختصاص المفيد، بإسناده عن أبي بكر بن محمّد الحضرميّ عن أبي جعفرعليهالسلام قال: قال: ما من مخلوق إلّا و بين عينيه مكتوب مؤمن أو كافر و ذلك محجوب عنكم و ليس بمحجوب عن الأئمّة من آل محمّد ثمّ ليس يدخل عليهم أحد إلّا عرفوه مؤمناً أو كافراً ثمّ تلا هذه الآية:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) فهم المتوسّمون.
أقول: و الروايات في هذا المعنى متظافرة متكاثرة، و ليس معناها نزول الآية فيهمعليهمالسلام .
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه و ابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ مدين و أصحاب الأيكة اُمّتان بعث الله إليهما شعيبا.
أقول: و قد أوردنا ما يجب إيراده من الروايات في قصّة بشرى إبراهيم و قصص لوط و شعيب و صالحعليهمالسلام في تفسير سورة هود في الجزء العاشر من الكتاب و اكتفينا بذلك عن إيرادها هاهنا فليرجع إلى هناك.
( سورة الحجر الآيات ٨٥ - ٩٩)
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ( ٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ( ٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ( ٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ( ٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ( ٨٩) كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ( ٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ( ٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ( ٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( ٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ( ٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ( ٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ( ٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ( ٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ( ٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( ٩٩)
( بيان)
في الآيات تخلّص إلى غرض البيان السابق و هو أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يصدع بما يؤمر و يأخذ بالصفح و الإعراض عن المشركين و لا يحزن عليهم و لا يضيق صدره بما يقولون فإنّ من القضاء الحقّ أن يجازي الناس بأعمالهم في الدنيا و الآخرة و خاصّة يوم القيامة الّذي لا ريب فيه و هو اليوم الّذي لا يغادر أحداً و لا يدع مثقال ذرّة من الخير و الشرّ إلّا ألحقه بعامله فلا ينبغي أن يؤسف لكفر كافر فإنّ الله عليم به سيجازيه، و لا يحزن عليه فإنّ الاشتغال بالله سبحانه أهمّ و أوجب.
و لقد كرّر سبحانه أمره بالصفح و الإعراض عن اُولئك المستهزءين به - و هم الّذين مرّ ذكرهم في مفتتح السورة - و الاشتغال بتسبيحه و تحميده و عبادته، و أخبره أنّه كفاه شرّهم فليشتغل بما أمره الله به، و بذلك تختتم السورة.
قوله تعالى: ( وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إلّا بِالحقّ وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ) الباء في قوله:( بِالحقّ) للمصاحبة أي إنّ خلقها جميعاً لا ينفكّ عن الحقّ و يلازمه فللخلق غاية سيرجع إليها قال تعالى:( إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ) العلق: ٨ و لو لا ذلك لكان لعباً باطلاً قال تعالى:( وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحقّ ) الدخان: ٣٩ و قال:( وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ) ص: ٢٧ و من الدليل على كون المراد بالحقّ ما يقابل اللعب الباطل تذييل الكلام بقوله:( وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ) و هو ظاهر.
و بذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم أنّ المراد بالحقّ العدل و الإنصاف و الباء للسببيّة و المعنى ما خلقنا ذلك إلّا بسبب العدل و الإنصاف يوم الجزاء بالأعمال.
و ذلك أن كون الحقّ في الآية بمعنى العدل و الإنصاف لا شاهد عليه من اللفظ على أنّ الّذي ذكره من المعنى إنّما يلائم كون الباء بمعنى لام الغرض أو للمصاحبة دون السببيّة.
و كذا ما ذكره بعضهم أنّ الحقّ بمعنى الحكمة و أنّ الجملة الاُولى( وَ ما خَلَقْنَا ) إلخ، ناظرة إلى العذاب الدنيويّ و الثانية( وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ) إلى العذاب الاُخرويّ و المعنى و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما إلّا متلبّساً بالحقّ و الحكمة بحيث لا يلائم استمرار الفساد و استقرار الشرور، و قد اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء دفعاً لفسادهم و إرشاداً لمن بقي إلى الصلاح، و إنّ الساعة لآتية فينتقم أيضاً فيها من أمثال هؤلاء.
و في الآية مشاجرة بين أصحاب الجبر و التفويض كلّ من الفريقين يجرّ نارها إلى قرصته فاستدلّ بها أصحاب الجبر على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله لأنّ أعمالهم من جملة ما بينهما فهي مخلوقة له.
و استدل بها أصحاب التفويض على أنّ أفعال العباد ليست مخلوقة له بل لأنفسهم فإنّ المعاصي و قبائح الأعمال من الباطل فلو كانت مخلوقة له لكانت مخلوقة بالحقّ و الباطل لا يكون مخلوقاً بالحقّ.
و الحقّ أنّ الحجّتين جميعاً من الباطل فإنّ جهات القبح و المعصية في الأفعال حيثيّات عدميّة إذ الطاعة و المعصية كالنكاح و الزنا و أكل المال من حلّه و بالباطل و أمثال ذلك مشتركة في أصل الفعل و إنّما تختلف طاعة و معصية بموافقة الأمر و مخالفته و المخالفة جهة عدميّة، و إذا كان كذلك فاستناد الفعل إلى الخلقة من جهة الوجود لا يستلزم استناد القبيح أو المعصية إليها فإنّ ذلك من جهاته العدميّة فليس الفعل بجهته العدميّة ممّا بين السماوات و الأرض حتّى تشمله الآية، و لا بجهته الوجوديّة من الباطل حتّى يكون خلقه خلقاً للباطل بالحقّ.
على أنّ الضرورة قائمة على حكومة نظام العلل و المعلولات في الوجود و أنّ قيام وجود شيء بشيء بحيث لا يستقلّ دونه هو ملاك الاتّصاف فالمتّصف بالطاعة و المعصية و حسن الفعل و قبيحه هو الإنسان دون الّذي خلقه و يسّر له أن يفعل كذا و كذا كما أنّ المتّصف بالسواد و البياض الجسم الّذي يقوم به هذان اللونان دون الّذي أوجده.
و قد استوفينا الكلام في هذا البحث في تفسير قوله:( وَ ما يُضِلُّ بِهِ إلّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦ الجزء الأوّل من الكتاب.
قوله تعالى: ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) قال في المفردات: صفح الشيء عرضه و جانبه كصفحة الوجه و صفحة السيف و صفحة الحجر و الصفح ترك التثريب و هو أبلغ من العفو و لذلك قال:( فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) و قد يعفوا الإنسان و لا يصفح قال تعالى:( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلامٌ ) ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) ( أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً ) .
و صفحت عنه أوليته صفحة جميلة معرضا عن ذنبه أو لقيت صفحته متجافيا عنه أو تجاوزت الصفحة الّتي أثبتّ فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها من قولك تصفّحت
الكتاب، و قوله:( إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) فأمر لهعليهالسلام أن يخفّف كفر من كفر كما قال:( وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) و المصافحة الإفضاء بصفحة اليد. انتهى.
و سيأتي ما في الرواية من تفسير عليّعليهالسلام الصفح بالعفو من غير عتاب.
و قوله:( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) تفريع على سابقه أي إذا كانت الخلقة بالحقّ و هناك يوم فيه يحاسبون و يجازون لا ريب فيه فلا تشغل نفسك بما ترى منهم من التكذيب و الاستهزاء و اعف عنهم من غير أن تقع فيهم بعتاب أو مناقشة و جدال فإنّ ربّك الّذي خلقك و خلقهم هو عليم بحالك و حالهم و وراءهم يوم لا يفوتونه.
و من هنا يظهر أنّ قوله:( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) تعليل لقوله:( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) .
و هذه الآيات الحافّة لقوله:( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) تسلية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و تطييب لنفسه ليأخذ قوله:( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) موقعه فقد عرفت في أوّل السورة أنّ الغرض الأصيل منها هو الأمر بإعلان الدعوة و عرفت أيضاً بالتدبّر في الآيات السابقة أنّها مسرودة ليتخلّص بها إلى تسليتهصلىاللهعليهوآلهوسلم عمّا لقي من قومه من الإيذاء و الإهانة و الاستهزاء و يتخلّص من ذلك إلى الأمر المطلوب.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) السبع المثاني هي سورة الحمد على ما فسّر في عدّة من الروايات المأثورة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و أئمّة أهل البيتعليهمالسلام فلا يصغي إلى ما ذكره بعضهم: أنّها السبع الطوال، و ما ذكره بعض آخر أنّها الحواميم السبع، و ما قيل: إنّها سبع صحف من الصحف النازلة على الأنبياء، فلا دليل على شيء منها من لفظ الكتاب و لا من جهة السنّة.
و قد كثر اختلافهم في قوله:( مِنَ الْمَثانِي ) من جهة كون( مِنَ ) للتبعيض أو للتبيين و في كيفيّة اشتقاق لفظة المثاني و وجه تسميتها بالمثاني.
و الّذي ينبغي أن يقال - و الله أعلم - إنّ( مِنَ ) للتبعيض فإنّه سبحانه سمّى
جميع آيات كتابه مثاني إذ قال:( كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ ربّهم ) الزمر: ٢٣ و آيات سورة الحمد من جملتها فهي بعض المثاني لا كلّها.
و الظاهر أنّ المثاني جمع مثنيّة اسم مفعول من الثني بمعنى اللوي و العطف و الإعادة قال تعالى( يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ) هود: ٥ و سمّيت الآيات القرآنيّة مثاني لأنّ بعضها يوضح حال البعض و يلوي و ينعطف عليه كما يشعر به قوله:( كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ ) حيث جمع بين كون الكتاب متشابها يشبه بعض آياته بعضاً و بين كون آياته مثاني، و في كلام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : في صفة القرآن:( يصدّق بعضه بعضاً) و عن عليّعليهالسلام : فيه:( ينطق بعضه ببعض و يشهد بعضه على بعض) أو هي جمع مثنى بمعنى التكرير و الإعادة كناية عن بيان بعض الآيات ببعض.
و لعلّ في ذلك كفاية و غنى عمّا ذكروه من مختلف المعاني كما في الكشّاف و حواشيه و المجمع و روح المعاني و غيرها كقولهم: إنّها من التثنية أو الثني بمعنى التكرير و الإعادة سمّيت آيات القرآن مثاني لتكرّر المعاني فيها، و كقولهم: سمّيت الفاتحة مثاني لوجوب قراءتها في كلّ صلاة مرّتين أو لأنّها تثنّى في كلّ ركعة بما يقرؤ بعدها من القرآن، أو لأنّ كثيراً من كلماتها مكرّرة كالرحمن و الرحيم و إيّاك و الصراط و عليهم، أو لأنّها نزلت مرّتين مرّة بمكّة و مرّة بالمدينة أو لما فيها من الثناء على الله، أو لأنّ الله استثناها و ادّخرها لهذه الاُمّة و لم ينزلها على الاُمم الماضين كما في الرواية، إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في التفاسير.
و في قوله:( سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) من تعظيم أمر الفاتحة و القرآن ما لا يخفى أمّا القرآن فلتوصيفه من ساحة العظمة و الكبرياء بالعظيم، و أمّا الفاتحة فلمكان التعبير عنه بالنكرة غير الموصوفة( سَبْعاً ) و فيه من الدلالة على عظمة قدرها و جلالة شأنها ما لا يخفى و قد قوبل بها القرآن العظيم و هي بعضه.
و الآية - كما تبيّن - في مقام الامتنان و هي مع ذلك لوقوعها في سياق الدعوة إلى الصفح و الإعراض تفيد أنّ في هذه الموهبة العظمى المتضمّنة لحقائق المعارف الإلهيّة الهادية إلى كلّ كمال و سعادة بإذن الله عدّة أن تحملك على الصفح الجميل
و الاشتغال بربّك و التوغّل في طاعته.
قوله تعالى: ( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ - إلى قوله -الْمُبِينُ ) الآيتان في مقام بيان الصفح الجميل الّذي تقدّم الأمر به، و لذلك جييء بالكلام في صورة الاستئناف.
و المذكور فيهما أربعة دساتير: منفيّان و مثبتان فقوله:( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ) مدّ العينين إلى ما متّعوا به من زهرة الحياة الدنيا كناية عن التعدّي عن قصر النظر على ما آتاه الله من نعمة، و المراد بالأزواج الأزواج من الرجال و النساء أو الأصناف من الناس كالوثنيّين و اليهود و النصارى و المجوس، و المعنى لا تتجاوز عن النظر عمّا أنعمناك به من النعم الظاهرة و الباطنة إلى ما متّعنا به أزواجاً قليلة أو أصنافاً من الكفّار.
و ربّما أخذ بعضهم قوله:( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) كناية عن إطالة النظر و إدامته، و أنت تعلم أنّ الغرض على أيّ حال النهي عن الرغبة و الميل و التعلّق القلبيّ بما في أيديهم من أمتعة الحياة كالمال و الشوكة و الصيت و الّذي يكنّى به عن ذلك هو النهي عن أصل النظر إليه لا عن إطالته و إدامته و يشهد به ما سننقله من آية الكهف.
و قوله:( وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) أي من جهة تماديهم في التكذيب و الاستهزاء و إصرارهم على أن لا يؤمنوا بك.
و قوله:( وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) قالوا: هو كناية عن التواضع و لين الجانب، و الأصل فيه أنّ الطائر إذا أراد أن يضمّ إليه أفراخه بسط جناحه عليها ثمّ خفضه لها هذا.
و الّذي ذكروه و إن أمكن أن يتأيّد بآيات اُخر كقوله:( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ) آل عمران: ١٥٩ و قوله في صفة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) التوبة: ١٢٨ لكنّ الّذي وقع في نظير الآية ممّا يمكن أن يفسّر به خفض الجناح هو صبر النفس مع المؤمنين و هو يناسب أن يكون كناية عن ضمّ المؤمنين إليه و قصر
الهمّ على معاشرتهم و تربيتهم و تأديبهم بأدب الله أو كناية عن ملازمتهم و الاحتباس فيهم من غير مفارقة، كما أنّ الطائر إذا خفض الجناح لم يطر و لم يفارق، قال تعالى:( وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ربّهم بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) الآية: الكهف: ٢٨.
و قوله:( وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ) أي لا دعوى لي إلّا أنّي نذير اُنذركم بعذاب الله سبحانه مبين اُبيّن لكم ما تحتاجون إلى بيانه، و ليس لي وراء ذلك من الأمر شيء.
فهذه الاُمور الأربعة أعني ترك الرغبة بما في أيديهم من متاع الحياة الدنيا و ترك الحزن عليهم إذا كفروا و استهزؤا، و خفض الجناح للمؤمنين و إظهار أنّه نذير مبين هو الصفح الجميل الّذي يليق بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و لو اُسقط منها واحد لاختلّ الأمر.
و من ذلك يظهر أنّ قول بعضهم: إنّ قوله:( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) منسوخ بآية السيف غير وجيه فإنّ هذا الصفح الّذي تأمر به الآية و يفسّره قوله:( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) باق على إحكامه و اعتباره حتّى بعد نزول آية السيف فلا وجه لنسبة النسخ إليه.
قوله تعالى: ( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال في المجمع: عضين جمع عضة و أصله عضوة فنقصت الواو و لذلك جمعت عضين بالنون كما قيل: عزوة و عزون و الأصل عزوة، و التعضية: التفريق مأخوذة من الأعضاء يقال: عضّيت الشيء أي فرّقته و بعّضته قال رؤبة: و ليس دين الله بالمعضيّ، انتهى موضع الحاجة.
و قوله:( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ) لا يخلو السياق من دلالة على أنّه متعلّق بمقدّر يلوّح إليه قوله:( وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ) أي بعذاب منزل ينزل عليكم كما أنزلنا على المقتسمين، و المراد بالمقتسمين هم الّذين يصفهم قوله بعد:( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) و هم على ما وردت به الرواية قوم من كفّار قريش جزّؤا
القرآن أجزاءً فقالوا: سحر، و قالوا: أساطير الأوّلين، و قالوا: مفترى، و تفرّقوا في مداخل طرق مكّة أيّام الموسم يصدّون الناس الواردين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما سيأتي في البحث الروائيّ إن شاء الله.
و قيل قوله:( كَما أَنْزَلْنا ) متعلّق بما تقدّم من قوله:( وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي ) أي أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين، و المراد بالمقتسمين اليهود و النصارى الّذين فرّقوا القرآن أجزاء و أبعاضاً و قالوا نؤمن ببعض و نكفر ببعض.
و فيه أنّ السورة مكّيّة نازلة في أوائل البعثة و لم يبتل الإسلام يومئذ باليهود و النصارى ذاك الابتلاء و قولهم:( آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ ) آل عمران: ٧٢ ممّا قالته اليهود بعد الهجرة و كذا ما أشبه ذلك و الدليل على ما ذكرنا سياق الآيات.
و ربّما قيل: سموا مقتسمين لأنّهم اقتسموا أنبياء الله و كتبه المنزلة إليهم فآمنوا ببعض و كفروا ببعض، و يدفعه أنّ الآية التالية تفسّر المقتسمين بالّذين جعلوا القرآن عضين لا بالّذين فرّقوا بين أنبياء الله أو بين كتبه.
فالظاهر أنّ الآيتين تذكران قوماً نهضوا في أوائل البعثة على إطفاء نور القرآن و بعّضوه أبعاضاً ليصدّوا عن سبيل الله فأنزل الله عليهم العذاب و أهلكهم، و هم الّذين ذكروا في الآيتين ثمّ يذكر الله مآل أمرهم بقوله:( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) .
قوله تعالى: ( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) قال في المجمع: الصدع و الفرق و الفصل نظائر، و صدع بالحقّ إذا تكلّم به جهارا، انتهى.
و الآية تفريع على ما تقدّم، و من حقّها أن تتفرّع لأنّها الغرض في الحقّيقة من السورة أي إذا كان الأمر على ما ذكر و اُمرت بالصفح الجميل و كنت نذيراً بعذابنا كما أنزلنا على المقتسمين فأظهر كلمة الحقّ و أعلن الدعوة.
و بذلك يظهر أنّ قوله:( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) في مقام التعليل لقوله:
( فَاصْدَعْ ) إلخ كما يشعر الكلام أو يدلّ على أنّ هؤلاء المستهزءين هم المقتسمون المذكورون قبل، و معنى الآية إذا كان الأمر كما ذكرناه و كنت نذيراً بعذابنا كما أنزلناه على المقتسمين( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) و أعلن الدعوة و أظهر الحقّ( وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا ) أي لأنّنا( كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) بإنزال العذاب عليهم و هم( الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) .
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ) رجع ثانياً إلى حزنهصلىاللهعليهوآلهوسلم و ضيق صدره من استهزائهم لمزيد العناية بتسليته و تطييب نفسه و تقوية روحه، و قد أكثر سبحانه في كلامه و خاصّة في السور المكّيّة من ذلك لشدّة الأمر عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قوله تعالى: ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) وصّاه سبحانه بالتسبيح و التحميد و السجدة و العبادة أو إدامة العبوديّة مفرّعاً ذلك على ضيق صدره بما يقولون ففي ذلك استعانة على الغمّ و المصيبة، و قد أمره في الآيات السابقة بالصفح و الصبر، و يستفاد الأمر بالصبر أيضاً من قوله:( وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) فإنّ ظاهره الأمر بالصبر على العبوديّة حتّى حين، و بذلك يصير الكلام قريب المضمون من قوله تعالى لدفع الشدائد و المقاومة على مرّ الحوادث:( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ ) البقرة: ١٥٣.
و بذلك يتأيّد أنّ المراد بالساجدين المصلّون و أنّه أمر بالصلاة و قد سمّيت سجوداً تسمية لها باسم أفضل أجزائها و يكون المراد بالتسبيح و التحميد اللفظيّ منهما كقول سبحان الله و الحمد لله أو ما في معناهما نعم لو كان المراد بالصلاة في آية البقرة التوجّه إلى الله سبحانه أمكن أن يكون المراد بالتسبيح و التحميد - أو بهما و بالسجود - المعنى اللغويّ و هو تنزيهه تعالى عمّا يقولون و الثناء عليه بما أنعم به عليه من النعم و التذلّل له تذلّل العبوديّة.
و أمّا قوله:( وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) فإن كان المراد به الأمر بالعبادة كان كالمفسّر للآية السابقة و إن كان المراد الأخذ بالعبوديّة - كما هو
ظاهر السياق، و خاصّة سياق الآيات السابقة الآمرة بالصفح و الإعراض و لازمهما الصبر - كان بقرينة تقييده بقوله:( حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) أمراً بانتهاج منهج التسليم و الطاعة و القيام بلوازم العبوديّة.
و على هذا فالمراد بإتيان اليقين حلول الأجل و نزول الموت الّذي يتبدّل به الغيب من الشهادة و يعود به الخبر عيانا، و يؤيّد ذلك تفريع ما تقدّم من قوله:( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) على قوله:( وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إلّا بِالحقّ وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ) فإنّه بالحقّيقة أمر بالعفو و الصبر على ما يقولون لأنّ لهم يوماً ينتقم الله منهم و يجازيهم بأعمالهم فيكون معنى الآية دم على العبوديّة و اصبر على الطاعة و عن المعصية و على مرّ ما يقولون حتّى يدركك الموت و ينزل عليك عالم اليقين فتشاهد ما يفعل الله بهم ربك.
و في التعبير بمثل قوله:( حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) إشعار أيضاً بذلك فإنّ العناية فيه بأنّ اليقين طالب له و سيدركه فليعبد ربّه حتّى يدركه و يصل إليه و هذا هو عالم الآخرة الّذي هو عالم اليقين العامّ بما وراء الحجاب دون الاعتقاد اليقينيّ الّذي ربّما يحصل بالنظر أو بالعبادة.
و بذلك يظهر فساد ما ربّما قيل: إنّ الآية تدلّ على ارتفاع التكليف بحصول اليقين، و ذلك لأنّ المخاطب به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و قد دلّت آيات كثيرة من كتاب الله أنّه من الموقنين و أنّه على بصيرة و أنّه على بيّنة من ربّه و أنّه معصوم و أنّه مهديّ بهداية الله سبحانه إلى غير ذلك. مضافاً إلى ما قدّمناه من دلالة الآية على كون المراد باليقين هو الموت.
و سنفرد لدوام التكليف بحثاً عقليّاً بعد الفراغ عن البحث الروائيّ إن شاء الله تعالى.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه و ابن النجار عن عليّ بن أبي طالب: في قوله:( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) قال: الرضا بغير عتاب.
و في المجمع، حكي عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام : أنّ الصفح الجميل هو العفو من غير عتاب.
و في العيون، بإسناده عن عليّ بن الحسن بن فضال عن أبيه عن الرضاعليهالسلام : في الآية قال: العفو من غير عتاب.
و في التهذيب، بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: سألت أباعبداللهعليهالسلام عن السبع المثاني و القرآن العظيم هي فاتحة الكتاب؟ قال: نعم. قلت: بسم الله الرحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم هي أفضلهنّ.
أقول: و هو مرويّ من طرق الشيعة عن أميرالمؤمنينعليهالسلام و غير واحد من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، و من طرق أهل السنّة عن عليّ و عدّة من الصحابة كعمر بن الخطّاب و عبدالله بن مسعود و ابن عبّاس و اُبيّ بن كعب و أبي هريرة و غيرهم.
و في الدرّ المنثور، أخرج الطبرانيّ في الأوسط عن ابن عبّاس قال: سأل رجل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: أ رأيت قول الله:( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ) ؟ قال: اليهود و النصارى. قال:( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قال: آمنوا ببعض و كفروا ببعض.
أقول: و قد عرفت فيما مرّ أنّ مضمون الرواية لا يلائم كون السورة مكّيّة.
و في تفسير العيّاشيّ، عن زرارة و حمران و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبداللهعليهالسلام : عن قوله:( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) قالا: هم قريش.
و في المعاني، بإسناده عن عبدالله بن عليّ الحلبيّ قال سمعت أباعبداللهعليهالسلام يقول: مكث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمكّة بعد ما جاء الوحي عن الله تبارك و تعالى ثلاث عشرة سنة مستخفياً منها ثلاث سنين خائفاً لا يظهر حتّى أمر الله عزّوجلّ أن يصدع بما اُمر فأظهر حينئذ الدعوة.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن جرير عن أبي عبيدة أنّ عبدالله بن مسعود قال: ما زال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مستخفيا حتّى نزل:( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) فخرج هو و أصحابه.
و في تفسير العيّاشيّ، عن محمّد بن علي الحلبيّ عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: اكتتم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمكّة سنين ليس يظهر و علي معه و خديجة ثمّ أمره الله أن يصدع بما يؤمر فظهر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب فإذا أتاهم قالوا: كذّاب امض عنّا.
و في تفسير العيّاشيّ، عن أبان بن عثمان الأحمر رفعه قال: كان المستهزؤن خمسة من قريش: الوليد بن المغيرة المخزوميّ و العاص بن وائل السهميّ و الحارث بن حنظلة(١) و الأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهريّ و الأسود بن المطّلب بن أسد فلمّا قال الله:( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) علم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قد أخزاهم فأماتهم الله بشرّ ميتات.
أقول: و رواه الصدوق في المعاني، بإسناده عن أبان و روى فيه، أيضاً و الطبرسيّ في الإحتجاج، عن موسى بن جعفر عن آبائه عن عليّعليهالسلام : ما في هذا المعنى و هو حديث طويل فيه تفصيل هلاك كلّ من هؤلاء الخمسة لعنهم الله. و روي كون المستهزءين خمسة من قريش عن عليّ و عن ابن عبّاس مع سبب هلاكهم.
و الروايات مع ذلك مختلفة من طرق أهل السنّة من جهة عددهم و أسمائهم و أسباب هلاكهم، و الّذي اتّفق فيه حديث الفريقين هو ما قدّمناه.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه و الديلميّ عن أبي الدرداء سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: ما اُوحي إلي أن أكون تاجراً و لا أجمع المال متكاثراً و لكن اُوحي إليّ:( أن فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) .
أقول: و روي ما في معناه أيضاً عن ابن مردويه عن ابن مسعود عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و فيه، أخرج البخاريّ و ابن جرير عن اُمّ العلاء: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دخل
__________________________________________________
(١) طلاطلة ط.
على عثمان بن مظعون و قد مات فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال: و ما يدريك أنّ الله أكرمه؟ أمّا هو فقد جاءه اليقين إنّي لأرجو له الخير.
و في الكافي، بإسناده عن حفص بن غياث قال: قال أبوعبداللهعليهالسلام : إنّ من صبر صبر قليلاً و من جزع جزع قليلاً.
ثمّ قال: عليك بالصبر في جميع اُمورك فإنّ الله عزّوجلّ بعث محمّداً و أمره بالصبر و الرفق فقال:( وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ) و قال تبارك و تعالى:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) .
فصبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى نالوه بالعظائم و رموه بها و ضاق صدره و قال الله:( وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) .
( بحث فلسفي في كيفيّة وجود التكليف و دوامه)
قد تقدّم في خلال أبحاث النبوّة و كيفيّة انتشاء الشرائع السماويّة في هذا الكتاب أنّ كلّ نوع من أنواع الموجودات له غاية كماليّة هو متوجّه إليها ساع نحوها طالب لها بحركة وجوديّة تناسب وجوده لا يسكن عنها دون أن ينالها إلّا أن يمنعه عن ذلك مانع مزاحم فيبطل دون الوصول إلى غايته كالشجرة تقف عن الرشد و النموّ قبل أن تبلغ غايتها لآفات تعرضها، و تقدّم أيضاً أنّ الحرمان من بلوغ الغايات إنّما هو في أفراد خاصّة من الأنواع و أمّا النوع بنوعيّته فلا يتصوّر فيه ذلك.
و أنّ الإنسان و هو نوع وجوديّ له غاية وجوديّة لا ينالها إلّا بالاجتماع المدنيّ كما يشهد به تجهيز وجوده بما لا يستغني به عن سائر أمثاله كالذكورة و الاُنوثة و العواطف و الإحساسات و كثرة الحوائج و تراكمها.
و أنّ تحقّق هذا الاجتماع و انعقاد المجتمع الإنسانيّ يحوج أفراد المجتمع إلى أحكام و قوانين ينتظم باحترامها و العمل بها شتات اُمورهم و يرتفع بها اختلافاتهم الضروريّة و يقف بها كلّ منهم في موقفه الّذي ينبغي له و يحوز بها سعادته و كماله الوجوديّ، و هذه الأحكام و القوانين العمليّة في الحقّيقة منبعثة عن الحوائج الّتي تهتف بها خصوصيّة وجود الإنسان و خلقته الخاصّة بما لها من التجهيزات البدنيّة و الروحيّة كما أنّ خصوصيّة وجوده و خلقته مرتبطة بخصوصيّات العلل و الأسباب الّتي تكوّن وجود الإنسان من الكون العامّ.
و هذا معنى كون الدين فطريّاً أي أنّه مجموع أحكام و قوانين يرشد إليها وجود الإنسان بحسب التكوين و إن شئت فقل: سنن يستدعيها الكون العامّ فلو اُقيمت أصلحت المجتمع و بلغت بالأفراد غايتها في الوجود و كمالها المطلوب و لو تركت و اُبطلت أفسدت العالم الإنساني و زاحمت الكون العامّ في نظامه.
و أنّ هذه الأحكام و القوانين سواءً كانت معامليّة اجتماعيّة تصلح بها حال المجتمع و يجمع بها شمله أو عباديّة تبلغ بالإنسان غاية كماله من المعرفة و الصلاح في مجتمع صالح فإنّها جميعاً يجب أن يتلقّاها الإنسان من طريق نبوّة إلهيّة و وحي سماويّ لا غير.
و بهذه الاُصول الماضية يتبيّن أنّ التكليف الإلهيّ يلازم الإنسان ما عاش في هذه النشأة الدنيويّة سواء كان في نفسه ناقصاً لم يكمل وجوداً بعد أو كاملاً علماً و عملاً: أمّا لو كان ناقصاً فظاهر، و أمّا لو كان كاملاً فلأنّ معنى كماله أن يحصل له في جانبي العلم و العمل ملكات فاضلة يصدر عنها من الأعمال المعامليّة ما يلائم المجتمع و يصلحه و يتمكّن من كمال المعرفة و صدور الأعمال العباديّة الملائمة للمعرفة كما تقتضيه العناية الإلهيّة الهادية للإنسان إلى سعادته.
و من المعلوم أنّ تجويز ارتفاع التكليف عن الإنسان الكامل ملازم لتجويز تخلفه عن الأحكام و القوانين و هو فيما يرجع إلى المعاملات يوجب فساد المجتمع و العناية الإلهيّة تأباه. و فيما يرجع إلى العبادات يوجب تخلّف الملكات عن آثارها
فإنّ الأفعال مقدّمات معدّة لحصول الملكات ما لم تحصل، و إذا حصلت عادت تلك الأفعال آثاراً لها تصدر عنها صدوراً لا تخلّف فيه.
و من هنا يظهر فساد ما ربّما يتوهّم أنّ الغرض من التكليف تكميل الإنسان و إيصاله غاية وجوده فإذا كمل لم يكن لبقاء التكليف معنى.
وجه الفساد: أنّ تخلّف الإنسان عن التكليف الإلهيّ و إن كان كاملاً، في المعاملات يفسد المجتمع و فيه إبطال العناية الإلهيّة بالنوع، و في العبادات يستلزم تخلّف الملكات عن آثارها، و هو غير جائز، و لو جاز لكان فيه إبطال الملكة و فيه أيضاً إبطال العناية. نعم بين الإنسان الكامل و غيره فرق في صدور الأفعال و هو أنّ الكامل مصون عن المخالفة لمكان الملكة الراسخة بخلاف غير الكامل و الله المستعان.
( سورة النحل مكّيّة، و هي مائة و ثمان و عشرون آية)
( سورة النحل الآيات ١ - ٢١)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَتَىٰ أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ١ ) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ( ٢ ) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ٣ ) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ( ٤ ) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ( ٥ ) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( ٦ ) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ( ٧ ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ٨ ) وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ( ٩ ) هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( ١٠ ) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( ١١ ) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( ١٢ ) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( ١٣ ) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( ١٤) وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ( ١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ( ١٦) أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ( ١٧) وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ( ١٨) وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ( ١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ( ٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ( ٢١)
( بيان)
الغالب على الظنّ - إذا تدبّرنا السورة - أنّ صدر السورة ممّا نزلت في أواخر عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمكّة قبيل الهجرة، و هي أربعون آية يذكر الله سبحانه في شطر منها أنواع نعمه السماويّة و الأرضيّة ممّا تقوم به حياة الإنسان و ينتفع به في معاشه نظاماً متقناً و تدبيراً متّصلاً يدلّ على وحدانيّته تعالى في ربوبيّته.
و يحتجّ في شطر آخر على بطلان مزاعم المشركين و خيبة مساعيهم و أنّه سيجازيهم كما جازى أمثالهم من الاُمم الماضية و سيفصل القضاء بينهم يوم القيامة.
و قد افتتح سبحانه هذه الآيات بقوله:( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) مفرّعاً آيات الاحتجاج على ما فيه من التنزيه و التسبيح و من ذلك يعلم أنّ عمدة الغرض في صدر السورة الإنباء بإشراف الأمر الإلهيّ و دنوّه منهم و قرب نزوله عليهم، و فيه إبعاد للمشركين فقد كانوا يستعجلون النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم استهزاء به لما كانوا يسمعون كلام الله سبحانه يذكر كثيراً نزول أمره تعالى و ينذرهم به و فيه مثل قوله للمؤمنين:( فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) و ليس إلّا أمره تعالى بظهور الحقّ على الباطل و التوحيد على الشرك و الإيمان على الكفر، هذا ما يعطيه التدبّر في صدر السورة.
و أمّا ذيلها و هي ثمان و ثمانون آية من قوله:( وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) إلى آخر السورة على ما بينها من الاتّصال و الارتباط فسياق الآيات فيه يشبه أن تكون ممّا نزلت في أوائل عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالمدينة بعيد الهجرة - فصدر السورة و ذيلها متقارباً النزول - و ذلك لما فيها من آيات لا تنطبق مضامينها إلّا على بعض الحوادث الواقعة بعيد الهجرة كقوله تعالى:( وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ ) الآية، و قوله:( وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) الآية النازلة على قول في سلمان الفارسيّ و قد آمن بالمدينة، و قوله:( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إلّا مَنْ أُكْرِهَ ) الآية النازلة في عمّار - كما سيأتي - و كذا الآيات النازلة في اليهود و الآيات النازلة في الأحكام كلّ ذلك يفيد الظنّ بكون الآيات مدنيّة.
و مع ذلك فاختلاف النزول لائح من بعضها كقوله:( وَ الَّذِينَ هاجَرُوا ) الآية: الآية ٤١ و قوله:( وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ) الآية: ١٠١ إلى تمام آيتين أو خمس آيات، و قوله:( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ ) الآية: ١٠٦ و عدّة آيات تتلوها.
و الإنصاف - بعد ذلك كلّه - أنّ قوله تعالى:( وَ الَّذِينَ هاجَرُوا ) الآية: ٤١ إلى تمام آيتين، و قوله:( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ ) الآية: ١٠٦ و بضع آيات بعدها، و قوله:( وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا ) الآية: ١٢٦ و آيتان بعدها مدنيّة لشهادة سياقها بذلك، و الباقي أشبه بالمكّيّة منها بالمدنيّة. و هذا و إن لم يوافق شيئاً من المأثور لكنّ السياق يشهد به و هو اُولى بالاتّباع. و قد مرّ في تفسير آية ١١٨ من سورة الأنعام احتمال أن تكون نازلة بعد سورة النحل و هي مكّيّة. و الغرض الّذي هو كالجامع لآيات ذيل السورة أنّ فيها أمراً بالصبر و وعداً حسناً على الصبر في ذات الله.
و غرض السورة الإخبار بإشراف أمر الله و هو ظهور الدين الحقّ عليهم و يوضح تعالى ذلك ببيان أنّ الله هو الإله المعبود لا غير لقيام تدبير العالم به، كما أنّ الخلقة قائمة به و لانتهاء جميع النعم إليه، و انتفاء ذلك عن غيره، فالواجب أن يعبدالله و لا يعبد غيره، و بيان أنّ الدين الحقّ لله فيجب أن يؤخذ به و لا يشرّع دونه دين
و ردّ ما أبداه المشركون من الشبهة على النبوّة و التشريع و بيان اُمور من الدين الإلهيّ.
هذا هو الّذي يرومه معظم آيات السورة و تنعطف إلى بيانه مرّة بعد مرّة و في ضمنها آيات تتعرّض لأمر الهجرة و ما يناسب ذلك ممّا يحوم حولها.
قوله تعالى: ( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ظاهر السياق أنّ الخطاب للمشركين لأنّ الآيات التالية مسوقة احتجاجاً عليهم، إلى قوله في الآية الثانية و العشرين:( إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) و وجه الكلام فيها إلى المشركين، و هي جميعاً كالمتفرّعة على قوله في ذيل هذه الآية:( سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) و مقتضاه أن يكون الأمر الّذي أخبر بإتيانه أمراً يطهّر ساحة الربوبيّة من شركهم بحسم مادّته، و لم تقع في كلامه حكاية استعجال من المؤمنين في أمر، بل المذكور استعجال المشركين بما كان يذكر في كلامه تعالى من أمر الساعة و أمر، الفتح و أمر نزول العذاب، كما يشير إليه قوله:( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ - إلى قوله -وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حقّ هُوَ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) يونس: ٥٣ إلى غير ذلك من الآيات.
و على هذا فالمراد بالأمر ما وعد الله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و الّذين آمنوا و أوعد المشركين مرّة بعد مرّة في كلامه أنّه سينصر المؤمنين و يخزي الكافرين و يعذّبهم و يظهر دينه بأمر من عنده كما قال:( فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) البقرة: ١٠٩. و إليه يعود أيضاً ضمير( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) على ما يفيده السياق أو يكون المراد بإتيان الأمر إشرافه على التحقّق و قربه من الظهور، و هذا شائع في الكلام يقال لمن ينتظر ورود الأمير: هذا الأمير جاء و قد دنا مجيئه و لم يجيء بعد.
و على هذا أيضاً يكون قوله:( سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) من قبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إشارة إلى أنّهم ينبغي أن يعرض عن مخاطبتهم و مشافهتهم لانحطاط أفهامهم لشركهم و لم يستعجلوا نزول الأمر إلّا لشركهم استهزاء و سخريّة.
و بما مرّ يندفع ما ذكره بعضهم أنّ الخطاب في الآية للمؤمنين أو للمؤمنين و المشركين جميعاً فإنّ السياق لا يلائمه.
على أنّه تعالى يخصّ في كلامه الاستعجال بغير المؤمنين و ينفيه عنهم قال:( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَ يَعْلَمُونَ أنّها الحقّ ) الشورى: ١٨.
و كذا ما ذكروه أنّ المراد بالأمر هو يوم القيامة و ذلك أنّ المشركين و إن كانوا يستعجلونه أيضاً كما يدلّ عليه قولهم على ما حكاه الله تعالى:( مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) يس: ٤٨ لكن سياق الآيات لا يساعد عليه كما عرفت.
و من العجيب ما استدلّ به جمع منهم على أنّ المراد بالأمر يوم القيامة أنّه تعالى لما قال في آخر سورة الحجر:( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) و كان فيه تنبيه على حشر هؤلاء و سؤالهم قال في مفتتح هذه السورة:( أَتى أَمْرُ اللهِ ) فأخبر بقرب يوم القيامة و كذا قوله في آخر الحجر:( وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) و هو مفسّر بالموت شديد المناسبة بأن يكون المراد بالأمر في هذه السورة يوم القيامة و ممّا يؤكّد المناسبة قوله هناك:( يَأْتِيَكَ ) و ههنا:( أَتى ) . و أمثال هذه الأقاويل الملفّقة ممّا ينبغي أن يلتفت إليه.
و نظيره قول بعضهم: إنّ المراد بالأمر واحدة الأوامر و معناه الحكم كأنّه يشير به إلى ما في السورة من أحكام العهد و اليمين و محرّمات الأكل و غيرها و الخطاب على هذا للمؤمنين خاصّة و هو كما ترى.
قوله تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) إلى آخر الآية. الناس على اختلافهم الشديد قديماً و حديثاً في حقيقة الروح لا يختلفون في أنّهم يفهمون منه معنى واحداً و هو ما به الحياة الّتي هي ملاك الشعور و الإرادة فهذا المعنى هو المراد في الآية الكريمة.
و أمّا حقيقته إجمالاً فالّذي يفيده مثل قوله تعالى:( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا ) النبأ: ٣٨ و قوله:( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ ) المعارج: ٤ و غيرهما
أنّه موجود مستقلّ ذو حياة و علم و قدرة و ليس من قبيل الصفات و الأحوال القائمة بالأشياء كما ربّما يتوهّم، و قد أفاد بقوله:( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) أنّه من سنخ أمره، و عرّف أيضاً أمره بمثل قوله:( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شيئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كلّ شَيْءٍ ) يس: ٨٣ فدلّ على أنّه كلمة الإيجاد الّتي يوجد سبحانه بها الأشياء أي الوجود الّذي يفيضه عليها لكن لا من كلّ جهة بل من جهة استناده إليه تعالى بلا مادّة و لا زمان و لا مكان كما يفيده قوله:( وَ ما أَمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) القمر: ٥٠ فإنّ هذا التعبير إنّما يورد فيما لا تدريج فيه أي لا مادّة و لا حركة له، و ليكن هذا الإجمال عندك حتّى يرد عليك تفصيله فيما سيأتي إن شاء الله في تفسير سورة الإسراء.
فتحصّل أنّ الروح كلمة الحياة الّتي يلقيها الله سبحانه إلى الأشياء فيحييها بمشيّته، و لذلك سمّاه وحيا و عدّ إلقاءه و إنزاله على نبيّه إيحاء في قوله:( وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) الشورى: ٥٢ فإنّ الوحي هو الكلام الخفي و التفهيم بطريق الإشارة و الإيماء فيكون إلقاء كلمته تعالى - كلمة الحياة - إلى قلب النبيّعليهالسلام وحيا للروح إليه، فافهم ذلك.
فقوله تعالى:( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) الباء للمصاحبة أو للسببيّة و لا كثير تفاوت بينهما في المآل كما هو ظاهر عند المتأمّل فإنّ تنزيل الملائكة بمصاحبة الروح إنّما هو لإلقائه في روح النبيّعليهالسلام ليفيض عليه المعارف الإلهيّة و كذا تنزيلهم بسبب الروح لأنّ كلمته تعالى أعني كلمة الحياة تحكم في الملائكة و تحييهم كما تحكم في الإنسان و تحييه، و ضمير( يُنَزِّلُ ) له تعالى و الجملة استئناف تفيد تعليل قوله في الآية السابقة:( سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
و المعنى: أنّ الله منزّه و متعال عن شركهم أو عن الشريك الّذي يدعونه له و لتنزّهه و تعاليه عن الشريك ينزّل سبحانه الملائكة بمصاحبة الروح الّذي هو من سنخ أمره و كلمته في الإيجاد - أو بسببه - على من يشاء من عباده أن أنذروا أنّه لا إله إلّا أنا فاتّقون.
و ذكر بعضهم أنّ المراد بالروح الوحي أو القرآن و سمّي روحاً لأنّ به حياة القلوب، كما أنّ الروح الحقيقيّ به حياة الأبدان. قال: و قوله:( مِنْ أَمْرِهِ ) أي بأمره، و نظيره قوله:( يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) أي بأمر الله لأنّ أحداً لا يحفظه عن أمره، انتهى.
أمّا قوله: إنّ( مِنْ ) في قوله:( مِنْ أَمْرِهِ ) بمعنى الباء استناداً إلى قوله:( يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) أي بأمر الله إلخ فقد مرّ في تفسير سورة الرعد أنّ( مِنْ ) على ظاهر معناه و أنّ بعض أمره تعالى يحفظ الأشياء من بعض أمره فلا وجه لأخذ( مِنْ أَمْرِهِ ) بمعنى( بأمره ) بل قوله:( بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) معناه بالروح الكائن من أمره - على أنّ الظرف مستقرّ لا لغو - كما في قوله:( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) و معناه ما تقدّم.
و أمّا قوله: إنّ الروح بمعنى الوحي أو القرآن و كذا قول بعضهم: إنّه بمعنى النبوّة فلا يخلو عن وجه بحسب النتيجة بمعنى أنّ نتيجة نزول الملائكة بالروح من أمره هو الوحي أو النبوّة، و أمّا في نفسه و هو أن يسمّى الوحي أو النبوّة روحاً باشتراك لفظيّ أو مجازاً من حيث إنّه يحيي القلوب و يعمرها، كما أنّ الروح به حياة الأبدان و عمارتها فهو فاسد لما بيّناه مراراً أنّ الطريق إلى تشخيص مصاديق الكلمات في كلامه تعالى هو الرجوع إلى سائر ما يصلح من كلامه لتفسيره دون الرجوع إلى العرف و ما يراه في مصاديق الألفاظ.
و المتحصّل من كلامه سبحانه أنّ الروح خلق من خلق الله و هو حقيقة واحدة ذات مراتب و درجات مختلفة منها ما في الحيوان و غير المؤمنين من الإنسان و منها ما في المؤمنين من الإنسان، قال تعالى:( وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) المجادلة: ٢٢ و منها ما يتأيّد به الأنبياء و الرسل كما قال:( وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) البقرة: ٨٧ و قال:( وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) الشورى: ٥٢ على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
هذا ما تفيده الآيات الكريمة و أمّا أنّ إطلاق اللفظ على هذا المعنى هل هي
حقيقة أو مجاز و ما أمعنوا في البحث أنّه من الاستعارة المصرّحة أو استعارة بالكناية أو أنّ قوله:( بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) من قبيل التشبيه لذكر المشبّه صريحا بناء على كون( مِنْ ) في قوله:( مِنْ أَمْرِهِ ) بيانيّة كما صرّحوا في قوله:( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) بقره ١٨٧ أنّه من التشبيه للتصريح بالمشبّه في متن الكلام فكلّ ذلك من الأبحاث الأدبيّة الفنّيّة الّتي ليس لها كثير تأثير في الحصول على الحقّائق.
و ذكر بعضهم أنّ( مِنْ أَمْرِهِ ) بيان للروح، و( مِنْ ) للتبيين، و المراد بالروح الوحي، كما تقدّم.
و فيه أنّه مدفوع بقوله تعالى:( قُلِ الرُّوحُ، مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) فإنّ من الواضح أنّ الآيتين تسلكان مسلكاً واحداً، و ظاهر آية الإسراء أنّ( مِنْ ) فيها للابتداء أو للنشوء، و المراد بيان أنّ الروح من سنخ الأمر و شأن من شؤونه و يقرب منها قوله تعالى:( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ ربّهم مِنْ كلّ أَمْرٍ ) القدر: ٤.
و ذكر بعضهم أنّ المراد بالروح هو جبريل و أيّده بقوله:( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ ) ،: الشعراء: ١٩٤ فإنّ من المسلّم أنّ المراد به في الآية، هو جبريل و الباء للمصاحبة و المراد بالملائكة ملائكة الوحي و هم أعوان جبريل، و المراد بالأمر واحد الأوامر، و المعنى ينزّل تعالى ملائكة الوحي بمصاحبة جبريل بأمره و إرادته.
و فيه أنّ هذه الآية نظيرة قوله تعالى:( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) المؤمن: ١٥ و ظاهره لا يلائم كون المراد بالروح هو جبريل.
و أردء الوجوه ما ذكره بعضهم أنّ المراد بالروح أرواح الناس لا ينزل ملك إلّا و معه واحد من الأرواح، و هو منقول عن مجاهد، و فساده ظاهر.
و قوله:( عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) أي إنّ بعث الرسل و تنزيل الملائكة بالروح من أمره عليهم متوقّف على مجرّد المشيّة الإلهيّة من غير أن يقهره تعالى
في ذلك قاهر غيره فيجبره على الفعل أو يمنعه من الفعل كما في سائر أفعاله تعالى فإنّه تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.
فلا ينافي ذلك كون فعله ملازماً لحكم و مصالح و مختلفاً باختلاف الاستعدادات لا يقع إلّا عن استعداد في المحلّ و صلاحية للقبول فإنّ استعداد المستعدّ ليس إلّا كسؤال السائل، فكما أنّ سؤال السائل إنّما يقرّبه من جود المسؤل و عطائه من غير أن يجبره على الإعطاء و يقهره كذلك الاستعداد في تقريبه المستعدّ لإفاضته تعالى و حرمان غير المستعدّ من ذلك فهو تعالى يفعل ما يشاء من غير أن يوجبه عليه شيء أو يمنعه عنه شيء لكنّه لا يفعل شيئاً و لا يفيض رحمة إلّا عن استعداد فيما يفيض عليه و صلاحية منه.
و قد أفاد ذلك في خصوص الرسالة حيث قال:( وَ إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ، اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ) الأنعام: ١٢٤ فإنّ الآية ظاهرة في أنّ الموارد مختلفة في قبول كرامة الرسالة و أنّ الله سبحانه أعلم بالمورد الّذي يصلح لها و يستأهل لتلك الكرامة و هو غير هؤلاء المجرمين الماكرين و أمّا هم فليس لهم عندالله إلّا الصغار و العذاب لإجرامهم و مكرهم. هذا.
و من هنا يظهر فساد استدلال بعضهم بالآية على نفي المرجّح في مورد الرسالة و محصّل ما ذكره أنّ الآية تعلّق الرسالة على مجرّد المشيّة الإلهيّة من غير أن تقيّدها بشيء، فالرسول إنّما ينال الرسالة بمشيّة من الله لا لاختصاصه بصفات تؤهّله لذلك و يرجّحه على غيره و وجه الفساد ظاهر ممّا تقدّم.
و نظيره في الفساد الاستدلال بالآية على كون الرسالة عطائيّة غير كسبيّة، و ذلك أنّه تعالى غير محكوم عليه في ما ينسب إليه من الفعل لا يفعل إلّا ما يشاء، و الاُمور العطائيّة و الكسبيّة في ذلك سواء، و لا شيء يقع في الوجود إلّا بإذنه.
و قوله:( أَنْ أَنْذِرُوا أنّه لا إِلهَ إلّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) بيان لقوله:( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) لكونه في معنى الوحي أو بيان للروح بناء على كونه بمعنى الوحي، و الإنذار
هو إخبار فيه تخويف، كما أنّ التبشير هو إخبار فيه سرور على ما ذكره الراغب أو إعلام بالمحذور كما ذكره غيره، و التقدير على الأوّل أخبروهم مخوّفين بوحدانيّتي في الاُلوهيّة و وجوب تقواي، و على الثاني أعلموهم ذلك، على أن يكون( أَنَّهُ ) مفعولاً ثانياً لا منصوباً بنزع الخافض.
و قد علم بذلك أنّ قوله:( فَاتَّقُونِ ) متفرّع على قوله:( لا إِلهَ إلّا أَنَا ) و الجملتان جميعاً مفعول ثان أو في موضعه لقوله:( أَنْذِرُوا ) و يوضح ذلك أنّ لا إله و هو الّذي يبتدئ منه و ينتهي إليه كلّ شيء أو المعبود بالحقّ من لوازم صفة اُلوهيّته أن يتّقيه الإنسان لتوقّف كلّ خير و سعادة إليه، فلو فرض أنّه واحد لا شريك له في اُلوهيّته كان لازمه أن يتّقى وحده لأنّ التقوى و هو إصلاح مقام العمل فرع لما في مقام الاعتقاد و النظر، فعبادة الآلهة الكثيرين و الخضوع لهم لا يجامع الاعتقاد بإله واحد لا شريك له الّذي هو القيّوم على كلّ شيء و بيده زمام كلّ أمر و لذا لم يؤمر نبيّ أن يدعو إلى توحيد من غير عمل أو إلى عمل من غير توحيد، قال تعالى:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلّا نُوحِي إِلَيْهِ أنّه لا إِلهَ إلّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) الأنبياء: ٢٥.
فالّذي اُمر الرسل بالإنذار به في الآية هو مجموع قوله:( أَنَّهُ لا إِلهَ إلّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) و هو تمام الدين لاندراج الاعتقادات الحقّة في التوحيد و الأحكام العمليّة جميعاً في التقوى، و لا يعبؤ بما ذكره بعضهم أنّ قوله:( فَاتَّقُونِ ) للمستعجلين من الكفّار المذكورين في الآية الاُولى أو لخصوص كفّار قريش من غير أن يكون داخلاً فيما اُمر به الرسل من الإنذار.
قوله تعالى: ( خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالحقّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تقدّم معنى خلق السماوات و الأرض بالحقّ، و لازم خلقها بالحقّ أن لا يكون للباطل فيها أثر، و لذلك عقّبه بتنزيهه عن الشركاء الّذين يدعونهم ليشفعوا لهم عندالله و يهدوهم إلى الخير و يقوهم الشرّ فإنّهم من الباطل الّذي لا أثر له.
و في الآية و الآيات التالية لها احتجاج على وحدانيّته تعالى في الاُلوهيّة و الربوبيّة من جهتي الخلق و التدبير جميعاً فإنّ الخلق و الإيجاد آية الاُلوهيّة و
كون الخلق بعضها نعمة بالنسبة إلى بعض آية الربوبيّة لأنّ الشيء لا يكون نعمة بالنسبة إلى آخر إلّا عن ارتباط بينهما و اتّصال من أحدهما بالآخر يؤدّي إلى نظام جامع بينهما و تدبير واحد يجمعهما، و وحدة التدبير آية وحدة المدبّر فكون ما في السماوات و الأرض من مخلوق نعما للإنسان يدلّ على أنّ الله سبحانه وحده ربّه و ربّ كلّ شيء.
قوله تعالى: ( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) المراد به الخلق الجاري في النوع الإنسانيّ و هو جعل نسله من النطفة فلا يشمل آدم و عيسىعليهماالسلام .
و الخصيم صفة مشبهة من الخصومة و هي الجدال، و الآية و إن أمكن أن تحمل على الامتنان حيث إنّ من عظيم المنّ أن يبدّل الله سبحانه بقدرته التامّة قطرة من ماء مهين إنساناً كامل الخلقة منطيقا متكلّما ينبئ عن كلّ ما جلّ و دقّ ببيانه البليغ لكن كثرة الآيات الّتي توبّخ الإنسان و تقرّعه على وقاحته في خصامه في ربّه كقوله تعالى:( أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ ) يس: ٧٨ ترجّح أن يكون المراد بذيل الآية بيان وقاحة الإنسان.
و يؤيّد ذلك أيضاً بعض التأييد ما في ذيل الآية السابقة من تنزيهه تعالى من شركهم.
قوله تعالى: ( وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ ) الأنعام جمع نعم و هي الإبل و البقر و الغنم سمّيت بذلك لنعمة مسّها بخلاف الحافر الّذي يصلب كذا في المجمع، و في المفردات: الدفء خلاف البرد. انتهى. و كأنّ المراد بالدفء ما يحصل من جلودها و أصوافها و أوبارها من الحرارة للاتّقاء من البرد، أو المراد بالدفء ما يدفؤء به.
و المراد بالمنافع سائر ما يستفاد منها لغير الدفء من أصوافها و أوبارها و جلودها و ألبانها و شحومها و غير ذلك، و قوله:( لَكُمْ ) يمكن أن يكون متعلّقا بقوله:( خَلَقَها ) و يكون قوله:( فِيها دِفْءٌ وَ مَنافِعُ ) حالا من ضمير( خَلَقَها ) و
يمكن أن يكون( لَكُمْ ) ظرفا مستقرّاً متعلّقاً بالجملة الثانية أي في الأنعام دفء كائنا لكم.
قوله تعالى: ( وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ ) الجمال الزينة و حسن المنظر، قال في المجمع: الإراحة ردّ الماشية بالعشيّ من مراعيها إلى منازلها و المكان الّذي تراح فيه مراح، و السروح خروج الماشية إلى المرعى بالغداة، يقال: سرحت الماشية سرحا و سروحا و سرحها أهلها. انتهى.
يقول تعالى: و لكم في الأنعام منظر حسن حين تردّونها بالعشي إلى منازلها و حين تخرجونها بالغداة إلى مراعيها.
قوله تعالى: ( وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) الأثقال جمع ثقل و هو المتاع الّذي يثقل حمله و المراد بقوله:( بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ) مشقّة تتحمّلها الأنفس في قطع المسافات البعيدة و المسالك الصعبة.
و المراد أنّ الأنعام كالإبل و بعض البقر تحمل أمتعتكم الثقيلة إلى بلد ليس يتيسّر لكم بلوغها إلّا بمشقّة تتحمّلها أنفسكم فرفع عنكم المشاقّ بخلقها و تسخيرها لكم إنّ ربّكم رؤف رحيم.
قوله تعالى: ( وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ) معطوف على الأنعام فيما مرّ أي و الخيل و البغال و الحمير خلقها لكم لتركبوها، و زينةً أي إنّ في خلقها ارتباطاً بمنافعكم و ذلك أنّكم تركبونها و تتّخذونها زينة و جمالاً، و قوله:( وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ) أي يخلق ما لا علم لكم به من الحيوان و غيره، و سخّرها لكم لتنتفعوا بها، و الدليل على ما قدّرناه هو السياق.
قوله تعالى: ( وَ عَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) القصد - على ما ذكره الراغب و غيره - استقامة الطريق و هو كونه قيّما على سالكيه أوصلهم إلى الغاية، و الظاهر أنّ المصدر بمعنى الفاعل و الإضافة من إضافة الصفة إلى موصوفها و المراد السبيل القاصد بدليل مقابلته بقوله:( و منها جائر) أي و من السبيل ما
هو جائر أي مائل عن الغاية يورد سالكيه غيرها و يضلّهم عنها.
و المراد بكون قصد السبيل على الله وجوب جعل سبيل قاصد عليه تعالى يسلكه عباده فيوردهم مورد السعادة و الفلاح و إذ لا حاكم غيره يحكم عليه فهو الّذي أوجب على نفسه أن يجعل لهم طريقاً هذا نعته ثمّ يهديهم إليه أمّا الجعل فهو ما جهّز الله كلّ موجود و منها الإنسان من القوى و الأدوات بما لو استعملها كما نظمت أدّته إلى سعادته و كماله المطلوب قال تعالى:( الَّذِي أَعْطى كلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) طه: ٥٠ و قال في الإنسان خاصّة:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) الروم: ٣٠.
و أمّا الهداية فهي الّتي فعلها من ناحية الفطرة و ثنّاها بما من طريق بعث الرسل و إنزال الكتب و تشريع الشرائع قال تعالى:( وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها ) الشمس: ٨ و قال:( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً ) الدهر: ٣.
و إنّما أدرج سبحانه هذه الآية بين هذه الآيات الّتي سياقها عدّ النعم العلويّة و السفليّة من السماء و الأرض و الأنعام و الخيل و البغال و الحمير و الماء النازل من السماء و الزرع و نظائرها لما أنّ الكلام انجرّ في آيتي الأنعام و الخيل إلى معنى قطع الطرق و ركوب المراكب فناسب أن يذكر ما أنعم به من الطريق المعنويّ الموصل للإنسان إلى غايته الحقيقيّة يبتغيها في مسير الحياة كما أنعم بمثله في عالم المادّة و نشأة الصورة.
فذكر سبحانه أنّ من نعمه الّتي منّ بها على عباده أن أوجب على نفسه لهم سبيلا قاصدا يوصلهم إلى سعادة حياتهم فجعله لهم و هداهم إليه.
و قد نسب سبحانه قصد السبيل إلى نفسه دون السبيل الجائر لأنّ سبيل الضلال ليس سبيلاً مجعولاً له و في عرض سبيل الهدى و إنّما هو الخروج عن السبيل و عدم التلبّس بسلوكه فليس بسبيل حقيقة و إنّما هو عدم السبيل.
و كيف كان فالآية ظاهرة في نسبة قصد السبيل إليه تعالى و ترك نسبة السبيل
الجائر المؤدّي بسبب المقابلة إلى نفي نسبته إليه تعالى.
و إذ كان من الممكن أن يتوهّم أنّ لازم جعله قصد السبيل أن يكون مكفوراً في نعمته مغلوباً في تدبيره و ربوبيّته حيث جعل السبيل و لم يسلكه الأكثرون و هدى إليه و لم يهتد به المدعوّون دفعه بقوله تعالى:( وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) أي إنّ عدم اهتداء الجميع ليس لعجز منه سبحانه عن ذلك أو غلبة من هؤلاء المتخلّفين و ظهورهم عليه بل لأنّه تعالى لم يشأ ذلك و لو شاء لم يسعهم إلّا أن يهتدوا جميعاً فهو القاهر الغالب على كلّ حال.
و بعبارة اُخرى السبيل القاصد الّذي جعله الله تعالى هو السبيل المبنيّ على اختيار الإنسان يقطعه بإتيان الأعمال الصالحة و اجتناب المعاصي عن اختيار منه، و ما هذا شأنه لم يكن ممّا يجبر عليه و لا عامّاً للجميع فإنّ الطبائع متنوّعة و التراكيب مختلفة و لا محالة تتنوّع آثارها، و يختلف الأفراد بالإيمان و الكفر و التقوى و الفجور و الطاعة و المعصية.
و الآية ممّا تشاجرت فيها الأشاعرة و المعتزلة من فرق المسلمين فاستدلّت المعتزلة بأنّ تغيير الاُسلوب بجعل قصد السبيل على الله دون السبيل الجائر للدلالة على ما يجوز إضافته إليه تعالى و ما لا يجوز كما ذكره في الكشّاف.
و تكلّفت الأشاعرة في الجواب عنه فمن مجيب بأنّ السبيلين جميعاً منه تعالى و إنّما لم ينسب السبيل الجائر إليه تأدّباً، و من مجيب بأنّ المراد بقوله:( وَ عَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) أنّ عليه تعالى بيان السبيل الحقّ فضلاً و كرماً منه دون بيان السبيل الجائر و أمّا أصل الجعل فهما جميعاً مجعولان له تعالى، و من منكر أن يكون تغيير الاُسلوب في الآية لأمر مطلوب.
و الحقّ أنّ دلالة الآية على كون قصد السبيل مضافاً إليه تعالى دون السبيل الجائر ممّا لا ريب فيه لكنّ ذلك لا يستلزم كون السبيل الجائر مخلوقاً لغيره تعالى لما تقدّم أنّ سبيل الضلال ليس بسبيل حقيقة بل حقيقته عدم سلوك سبيل الهدى كما أنّ الضلال عدم الهدى فليس بأمر موجود حتّى ينسب خلقه و إيجاده إليه تعالى
و إنّما ينسب الضلال إليه تعالى فيما ينسب بمعنى عدم هدايته للضالّ أي عدم إيجاده الهدى في نفسه.
و مع ذلك فالّذي ينسب إليه من الضلال كما في قوله:( يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) فاطر: ٨ و قوله:( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) البقرة: ٢٦ هو الضلال بطريق المجازاة دون الضلال الابتدائيّ، كما يفسره قوله:( وَ ما يُضِلُّ بِهِ إلّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦ فإذا فسق الإنسان و خرج بسوء اختياره عن زيّ العبوديّة بأن عصى و لم يرجع و هو ضلاله الابتدائيّ من قبل نفسه جازاه الله بالضلال بأن أثبته على حاله و لم يقض عليه الهدى.
و أمّا الضلال الابتدائي من الإنسان فإنّما هو انكفاف و قصور عن الطاعة و قد هداه الله من طريق الفطرة و دعوة النبوّة.
قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ) شروع في نوع آخر من النعم و هي النعم النباتيّة الّتي يقتات بها الإنسان و غيره و ما سخّر له لتدبير أمرها كالليل و النهار و الشمس و القمر و ما يحذو حذوها، و لذلك غيّر السياق فقال:( هُوَ الَّذِي ) إلخ، و لم يقل: و أنزل من السماء.
و قوله:( تُسِيمُونَ ) من الإسامة و هي رعي المواشي و منه السائمة للماشية الراعية و( مِنَ ) الاُولى تبعيضيّة و الثانية نشؤيّة و الشجر من النبات ما له ساق و ورق و ربّما توسّع فاُطلق على ذي الساق و غيره جميعاً، و منه الشجر المذكور في الآية لمكان قوله:( فِيهِ تُسِيمُونَ ) و الباقي واضح.
قوله تعالى: ( يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كلّ الثَّمَراتِ ) إلخ، الزيتون شجر معروف و يطلق على ثمره أيضاً يقال: إنّه اسم جنس جمعيّ واحده زيتونة، و كذا النخيل، و يطلق على الواحد و الجمع، و الأعناب جمع عنبة و هي ثمرة شجرة الكرم و يطلق على نفس الشجرة كما في الآية، و السياق يفيد أنّ قوله:( وَ مِنْ كلّ الثَّمَراتِ ) تقديره و من كلّ الثمرات أنبت أشجارها. و لعلّ التصريح بأسماء هذه الثمرات الثلاث بخصوصها و عطف الباقي عليها لكونها ممّا يقتات بها غالبا.
و لما كان في هذا التدبير العامّ الوسيع الّذي يجمع شمل الإنسان و الحيوان في الارتزاق به حجّة على وحدانيّته تعالى في الربوبيّة ختم الآية بقوله:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .
قوله تعالى: ( وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ ) إلى آخر الآية قد تكرّر الكلام في معنى تسخير الليل و النهار و الشمس و القمر و النجوم، و لكون كلّ من المذكورات و كذا مجموع الليل و النهار و مجموع الشمس و القمر و النجوم ذا خواصّ و آثار في نفسه من شأنه أن يستقلّ بإثبات وحدانيّته في ربوبيّته تعالى ختم الآية بقوله:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) فجمع الآيات في هذه الآية بخلاف الآيتين السابقة و اللاحقة.
قوله تعالى: ( وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ) الذرء الخلق، و اختلاف ألوان ما ذرأه في الأرض غير ما مرّ كما يختلف ألوان المعادن و سائر المركّبات العنصريّة الّتي ينتفع بها الإنسان في معاشه و لا يبعد أن يكون اختلاف الألوان كناية عن الاختلاف النوعيّ بينها فتقرب الآية مضموناً من قوله تعالى:( وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) الرعد: ٤ و قد تقدّم تقريب الاستدلال به.
و اختلاف الألوان فيما ذرأ في الأرض كإنبات الشجر و الثمر أمر واحد يستدلّ به على وحدانيّته في الربوبيّة و لذا قال:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ) و لم يقل: لآيات.
و هذه حجج ثلاث نسب الاُولى إلى الّذين يتفكّرون، و الثانية إلى الّذين يعقلون، و الثالثة إلى الّذين يتذكّرون، و ذلك أنّ الحجّة الاُولى مؤلّفة من مقدّمات ساذجة يكفي في إنتاجها مطلق التفكّر، و الثانية مؤلّفة من مقدّمات علميّة لا يتيسّر فهمها إلّا لمن غار في أوضاع الأجرام العلويّة و السفليّة و عقل آثار حركاتها و انتقالاتها، و الثالثة مؤلّفة من مقدّمات كلّيّة فلسفيّة إنّما ينالها الإنسان
بتذكّر ما للوجود من الأحكام العامّة الكلّيّة كاحتياج هذه النشأة المتغيّرة إلى المادّة و كون المادّة العامّة واحدة متشابهة الأمر، و وجوب انتهاء هذه الاختلافات الحقيقيّة إلى أمر آخر وراء المادّة الواحدة المتشابهة.
قوله تعالى: ( وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ) إلخ و هذا فصل آخر من النعم الإلهيّة و هو نعم البحر و الجبال و الأنهار و السبل و العلامات و كان ما تقدّمه من الفصل مشتملاً على نعم البرّ و السهل من الأشجار و الأثمار و نحوها، و لذلك قال:( وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ ) و لم يقل: و سخّر إلخ.
و الطريّ فعيل من الطراوة و هو الغضّ الجديد من الشيء على ما ذكره في المفردات، و المخر شقّ الماء عن يمين و شمال، يقال: مخرت السفينة تمخر مخراً فهي ماخرة و مخر الأرض أيضاً شقّها للزراعة. على ما في المجمع و المراد بأكل اللحم الطريّ من البحر هو أكل لحوم الحيتان المصطادة منه، و باستخراج حلية تلبسونها ما يستخرج منه بالغوص من أمثال اللؤلؤ و المرجان الّتي تتحلّى و تتزيّن بها النساء.
و قوله:( وَ تَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ) أي تشاهد السفائن تشقّ ماءه عن اليمين و الشمال، و لعلّ قوله:( وَ تَرَى ) من الخطابات العامّة الّتي لا يقصد بها مخاطب خاصّ و كثيراً ما يستعمل كذلك و معناه يراه كلّ راء و يشاهده كلّ من له أن يشاهد فليس من قبيل الالتفات من خطاب الجمع السابق إلى خطاب الواحد.
و قوله:( وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي و لتطلبوا بعض رزقه في ركوب البحر و إرسال السفائن فيه و الجملة معطوفة على محذوف و التقدير و ترى الفلك مواخر فيه لتنالوا بذلك كذا و كذا و لتبتغوا من فضله، و هو كثير النظير في كلامه تعالى.
و قوله:( وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي و من الغايات في تسخير البحر و إجراء الفلك فيه شكركم له المرجوّ منكم إذ هو من زيادته تعالى في النعمة فقد أغناكم بما أنعم
عليكم في البرّ عن أن تتصرّفوا في البحر بالغوص و إجراء السفن و غير ذلك لكنّه تعالى زادكم بتسخير البحر لكم نعمة لعلّكم تشكرونه على هذا الزائد فإنّ الإنسان قليلاً ما يتنبّه في الضروريّات أنّها نعمة موهوبة من لدنه سبحانه و لو شاء لقطعها و أمّا الزوائد النافعة فهي أقرب من هذا التنبّه و الانتقال.
قوله تعالى: ( وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) قال في المجمع: الميد الميل يميناً و شمالاً و هو الاضطراب ماد يميد ميدا. انتهى.
و قوله:( أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) أي كراهة أن تميد بكم أو أن لا تميد بكم و المراد أنّه طرح على الأرض جبالاً ثوابت لئلّا تضطرب و تميل يميناً و شمالاً فيختلّ بذلك نظام معاشكم.
و قوله:( وَ أَنْهاراً ) أي و جعل فيها أنهاراً تجري بمائها و تسوقه إلى مزارعكم و بساتينكم و تسقيكم و ما عندكم من الحيوان الأهليّ.
و قوله:( وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) معطوف على قوله:( وَ أَنْهاراً ) أي و جعل سبلا لغاية الاهتداء المرجوّ منكم، و السبل منها ما هي طبيعيّة و هي المسافات الواقعة بين بقعتين من الأرض الواصلة إحداهما بالاُخرى من غير أن يقطع ما بينهما بحاجب أو مانع كالسهل بين الجبلين، و منها ما هي صناعيّة و هي الّتي تتكوّن بعبور المارّة و آثار الأقدام أو يعملها الإنسان.
و الظاهر من السياق عموم السبل لكلا القسمين، و لا ضير في نسبة ما جعله الإنسان إلى جعله تعالى كما نسب الأنهار و العلامات إلى جعله تعالى و أكثرها من صنع الإنسان و كما نسب ما عمله الإنسان من الأصنام و غيرها إلى خلقه تعالى في قوله:( وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ ) الصافّات: ٩٦.
و ذلك أنّها كائنة ما كانت من آثار مجعولاته تعالى و جعل الشيء ذي الأثر جعل لأثره بوجه و إن لم يكن جعلاً مستقيماً من غير واسطة.
قوله تعالى: ( وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) العلامات جمع علامة و هي ما
يعلم به الشيء، و هو معطوف على قوله:( أَنْهاراً ) أي و جعل علامات تستدلّون بها على الأشياء الغائبة عن الحسّ و هي كلّ آية و أمارة طبيعيّة أو وضعيّة تدلّ على مدلولها و منها الشواخص و النصب و اللغات و الإشارات و الخطوط و غيرها.
ثمّ ذكر سبحانه الاهتداء بالنجوم فقال:( وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) و لعلّ الالتفات فيه من الخطاب إلى الغيبة للتحرّز عن تكرار( تَهْتَدُونَ ) بصيغة الخطاب في آخر الآيتين.
و الآية السابقة:( وَ عَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) المتضمّنة لمسألة الهداية المعنويّة الّتي هي كالمعترضة بين الآيات العادّة للنعم الصوريّة و إن كان الأنسب ظاهراً أن يوضع بعد هذه الآية أعني قوله:( وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) المتعرّضة هي و ما قبلها للهداية الصوريّة غير أنّ ذلك لم يكن خاليا من اللبس و إيهام التناقض بخلاف موقعها الّذي هي واقعة فيه و إن كانت كالمعترضة كما هو ظاهر.
قوله تعالى: ( أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ - إلى قوله -إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) الآيات تقرير إجماليّ للحجّة المذكورة تفصيلاً في ضمن الآيات الستّ عشرة الماضية و استنتاج للتوحيد و هي حجّة واحدة اُقيمت لتوحيد الربوبيّة، و ملخّصها أنّ الله سبحانه خالق كلّ شيء فهو الّذي أنعم بهذه النعم الّتي لا يحيط بها الإحصاء الّتي ينتظم بها نظام الكون، و هو تعالى عالم بسرّها و علنها فهو الّذي يملك الكلّ و يدبّر الأمر فهو ربّها، و ليس شيء ممّا يدعونه على شيء من هذه الصفات فليست أرباباً فالإله واحد لا غير و هو الله عزّ اسمه.
و من هنا يظهر فساد ما ذكره بعضهم أنّ الآيات تثبت التوحيد من طريقين طريق الخلقة و طريق النعمة، بيان الفساد أنّ طريق الخلقة وحدها إنّما تثبت الصانع و وحدانيّته في الخلق و الإيجاد، و الوثنيّون - و إليهم وجه الكلام في الآيات - لا ينكرون وجود الصانع و لا أنّ الله سبحانه خالق الكلّ حتّى أوثانهم و أن أوثانهم ليسوا بخالقين لشيء و إنّما يدّعون لأوثانهم تدبير أمر العالم بتفويض من الله لذلك إليهم و الشفاعة عند الله فلا يفيد إثبات الصانع تجاه هؤلاء شيئاً.
و إنّما سيقت آيات الخلقة لتثبيت أمر النعمة إذ من البيّن أنّه إذا كان الله سبحانه خالقاً لكلّ شيء موجوداً له كانت آثار وجودات الأشياء و هي النعم الّتي يتنعّم بها له سبحانه كما أنّ وجوداتها له ملكاً طلقاً لا يقبل بطلاناً و لا نقلاً و لا تبديلاً فهو سبحانه المنعم بها حقيقة لا غيره من شيء حتّى الّذي نفس النعمة من آثار وجوده فإنّه و ما له من أثر هو لله وحده.
و لذلك ضمّ إلى حديث الخلق و الإنعام قوله تعالى:( وَ اللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ ) لأنّ مجرّد استناد الخلق و الإنعام إلى شيء لا يستلزم ربوبيّته و لا يستوجب عبادته لو لا انضمام العلم إليهما ليتمّ بذلك أنّه مدبّر يهدي كلّ شيء إلى كماله المطلوب له و سعادته المكتوبة في صحيفة عمله، و من المعلوم أنّ العبادة إنّما تستقيم عبادة إذا كان المعبود موسوماً بسمة العلم عالماً بعبادة من يعبده شاهداً لخضوعه.
فمجموع ما تتضمّنه الآيات من حديث الخلق و النعمة و العلم مقدّمات لحجّة واحدة اُقيمت على توحيد الربوبيّة الّذي ينكره الوثنيّة كما عرفت.
فقوله:( أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ) قياس ما له سبحانه من النعت إلى ما لغيره منه و نفي للمساواة، و الاستفهام للإنكار، و المراد بمن لا يخلق آلهتهم الّذين يدعونهم من دون الله.
و بيانه - كما ظهر ممّا تقدّم - أنّ الله سبحانه يخلق الأشياء و يستمرّ في خلقها فلا يستوي هو و من لا يخلق شيئاً فإنّه تعالى لخلقه الأشياء يملك وجوداتها و آثار وجوداتها الّتي هي الأنظمة الخاصّة بها و النظام العامّ الجاري عليها.
و قوله:( وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ) إلخ، إشارة إلى كثرة النعم الإلهيّة كثرة خارجة عن حيطة الإحصاء، و بالحقّيقة ما من شيء إلّا و هو نعمة إذا قيس إلى النظام الكلّيّ و إن كان ربّما وجد بينها ما ليس بنعمة إذا قيس إلى بعض آخر.
و قد علّل سبحانه ذلك بقوله:( إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) و هو من ألطف التعليل و أدقّه فأفاد سبحانه أنّ خروج النعمة عن حدّ الإحصاء إنّما هو من بركات اتّصافه تعالى بصفتي المغفرة و الرحمة فإنّه بمغفرته - و المغفرة هي الستر - يستر ما في الأشياء
من وبال النقص و شوهة القصور، و برحمته - و الرحمة إتمام النقص و رفع الحاجة - يظهر فيها الخير و الكمال و يحلّيها بالجمال فببسط المغفرة و الرحمة على الأشياء يكون كلّ شيء نافعاً في غيره خيراً مطلوباً عنده فيصير نعمة بالنسبة إليه فالأشياء بعضها نعمة لبعض فللنعمة الإلهيّة من السعة و العرض ما لمغفرته و رحمته من ذلك: فإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، فافهم ذلك.
و الآية من الموارد الّتي استعملت فيها المغفرة في غير الذنب و المعصية للأمر المولويّ هو المعروف عند المتشرّعة.
و قوله:( وَ اللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ ) إشارة إلى الركن الثالث من أركان الربوبيّة و هو العلم فإنّ الإله لو كان غير متّصف بالعلم استوت العبادة و اللّاعبادة بالنسبة إليه فكانت عبادته لغواً لا أثر لها.
فمن الواجب في الربّ المعبود أن يكون له علم و لا كلّ علم، كيفما كان بل العلم بظاهر من يعبده و باطنه فإنّ العبادة متقوّمة بالنيّة فهي إنّما تقع عبادة حقيقة إذا اُتي بها عن نيّة صالحة و هو ممّا يرجع إلى الضمير فلا يتمّ العلم بكون صورة العبادة واجدة لحقيقة معناها إلّا بعد إحاطة المعبود بظاهر من يعبده و باطنه لكنّ الله سبحانه عليم بما يسرّه الإنسان و ما يعلنه كما أنّه خالق منعم و يستحقّ بذلك أن يعبد.
و من هنا يظهر وجه اختيار ما في الآية من التعبير لبيان علمه فلم يعبّر بمثل قوله:( عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ ) و قوله:( وَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) بل قال:( وَ اللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ ) فذكر العلم بالإسرار و الإعلان، و أضافه إلى الإنسان لأنّ الكلام في عبادة الإنسان لربّه، و الواجب في العلم بالعبادة المرتبطة بعمل الجوارح و القلب جميعاً أن يكون عالماً بما يسرّه الإنسان و ما يعلنه من النيّة القلبيّة و الأحوال و الحركات البدنيّة.
و قوله:( وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شيئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ ) إشارة إلى فقدان الركن الأوّل من أركان الربوبيّة في آلهتهم الّذين يدعون من دون الله
و يتفرّع عليه الركن الثاني و هو إيتاء النعمة، فليس الّذين يدعونهم آلهة و أربابا و الله الربّ.
و قوله:( أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) إشارة إلى فقدان الركن الثالث من أركان الربوبيّة في أصنامهم و هو العلم بما يسرّون و ما يعلنون و قد بالغ في نفي ذلك فنفى أصل الحياة المستلزم لنفي مطلق العلم فضلاً عن نوعه الكامل الّذي هو العلم بما يسرّون و ما يعلنون فقال:( أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ ) فأثبت الموت أوّلاً و هو لا يجامع الشعور ثمّ أكّده بنفي الحياة ثانياً.
و خصّ من وجوه جهلهم عدم شعورهم متى يبعث عبّادهم من الناس فقال:( وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) أي ما يدري الأصنام أيّان يبعث عبادهم فإنّ العبادة هي الّتي يجزى بها الإنسان يوم البعث فمن الواجب في الإله المعبود أن يعلم متى يوم البعث حتّى يجزي عبّاده فيه عن عبادتهم، و هؤلاء لا يدرون شيئاً من ذلك.
و من هنا يظهر أنّ أوّل ضميري الجمع( يَشْعُرُونَ ) للأصنام و الثاني( يُبْعَثُونَ ) للمشركين، و أمّا إرجاعهما كليهما إلى الأصنام فغير مرضيّ لأنّ العلم بالبعث مختصّ به سبحانه محجوب عن غيره و لا يختصّ الجهل به بالأصنام، و أردأ منه قول بعضهم: إنّ ضميري الجمع معاً في الآية عائدان إلى المشركين. هذا.
و الآيات و إن كانت مسوقة بظاهرها لنفي ربوبيّة الأصنام لكنّ البيان بعينه بأدنى دقّة جار في أرباب الأصنام كالملائكة المقرّبين و الجنّ و الكمّلين من البشر و الكواكب من كلّ ما يعبده الوثنيّون فإنّ صفات الخلق و الإنعام و العلم لا تقوم بالأصالة و الاستقلال إلّا بالله سبحانه، و لا ربوبيّة حقيقة إلّا بالأصالة و الاستقلال، فافهم.
و في الآيتين أعني قوله:( وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ - إلى قوله -يُبْعَثُونَ ) التفات من الخطاب إلى الغيبة، و لعلّ النكتة فيه ذكر يوم البعث فيهما و المشركون لا يقولون به فحوّل الخطاب منهم إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم للتوسّل بذلك إليه من غير اعتراض.
و قوله:( إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) بيان لنتيجة الحجّة الّتي اُقيمت في الآيات السابقة أي إذا كان الله سبحانه هو الواجد لما تتوقّف عليه الاُلوهيّة و هي المعبوديّة بالحقّ، و غيره تعالى ممّن يدعون من دونه غير واجد لشيء ممّا تتوقّف عليه و هو الخلق و الإنعام و العلم فإلهكم الّذي يحقّ له أن يعبد واحد و لازم معناه أنّه الله عزّ اسمه.
( بحث روائي)
في المجمع، أربعون آية من أوّلها مكّيّة و الباقي من قوله:( وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) إلى آخر السورة مدنيّة، عن الحسن و قتادة، و قيل: مكّيّة كلّها غير ثلاث آيات نزلت في انصراف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من اُحد:( وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا ) إلى آخر السورة نزلت فيما بين مكّة و المدينة عن ابن عبّاس و عطاء و الشعبيّ، و في إحدى الروايات عن ابن عباس: بعضها مكّيّ و بعضها مدنيّ فالمكّيّ من أوّلها إلى قوله:( وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) ، و المدنيّ قوله:( وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلًا - إلى قوله -بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) .
أقول: و قد قدّمنا أنّ الّذي يعطيه السياق خلاف ذلك كلّه فراجع.
و في تفسير العيّاشيّ، عن هشام بن سالم عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله:( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) قال: إذا أخبر الله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بشيء إلى وقت فهو قوله:( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) حتّى يأتي ذلك الوقت و قال: إنّ الله إذا أخبر أنّ شيئاً كائن فكأنّه قد كان.
أقول: كأنّه إشارة إلى أنّ التعبير في الآية بلفظ الماضي لتحقّق الوقوع.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاس قال: لما نزلت:( أَتى أَمْرُ اللهِ ) ذعر أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى نزل( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) فسكنوا.
و فيه، أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزلت هذه الآية:( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إنّ هذا يزعم أنّ أمر الله قد أتى فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتّى تنظروا ما هو كائن فلمّا
رأوا أنّه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل.
فنزلت:( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ) الآية فقالوا: إنّ هذا يزعم مثلها أيضاً فلمّا رأوا أنّه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء فنزل:( وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ) الآية.
أقول: و الرواية تدلّ على أنّ المسلمين كان بينهم قبل الهجرة منافقون كما يشهد به بعض آخر من الروايات.
و فيه، أخرج ابن أبي حاتم و الطبرانيّ و ابن مردويه و الحاكم و صحّحه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس فلا تزال ترتفع في السماء حتّى تملأ السماء ثمّ ينادي مناد: يا أيّها الناس! فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم و منهم من يشكّ ثمّ ينادي الثانية: يا أيّها الناس فيقول الناس: هل سمعتم؟ فيقولون: نعم ثمّ ينادي: أيّها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فوالّذي نفسي بيده إنّ الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه و إنّ الرجل ليملؤ حوضه فما يسقي فيه شيئاً، و إنّ الرجل ليحلب ناقته فما يشربه و يشغل الناس.
أقول: و قد رام بعضهم أن يستفيد من هذه الروايات الثلاث - و في معناها بعض روايات اُخر - أنّ المراد بالأمر هو يوم القيامة و لا دلالة فيها على ذلك.
أمّا الرواية الاُولى فلا يدلّ ذعرهم أنّهم فهموا منها ذلك فإنّ أمر الله أيّا ما كان ممّا يهيب عباده على أنّه لا حجّة في فهمهم و ليس الشبهة مفهوميّة حتّى يرجع إليهم بما هم أهل اللسان.
على أنّ الرواية لا تخلو عن شيء فإنّ الله سبحانه يعدّ الاستعجال بالقيامة من صفات الكفّار و يذمّهم عليه و يبرّئ المؤمنين منه قال:( وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها ) الشورى: ١٨ و قد مرّت الإشارة إليه في البيان المتقدّم هذا إذا كان الخطاب في قوله:( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) للمؤمنين، و أمّا إذا كان المخاطب به المشركين و هم
كانوا يستعجلونه، فمعنى النهي عن استعجالهم هو حلول الأجل و قرب الوقوع لا الإمهال و الإنظار، و لا معنى حينئذ لسكونهم لما سمعوا قوله:( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) .
و أمّا الرواية الثانية فظاهرها أنّهم فهموا منها العذاب الدنيويّ دون الساعة فهي تؤيّد ما قدّمناه في البيان لا ما ذكروه.
و أمّا الرواية الثالثة فأقصى ما تدلّ عليه أنّ قيام الساعة من مصاديق إتيان أمر الله و لا ريب في ذلك و هو غير كون المراد بالأمر في الآية هو الساعة.
و في كتاب الغيبة، للنعمانيّ بإسناده عن عبدالرحمن بن كثير عن أبي عبداللهعليهالسلام : في قوله عزّوجلّ:( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) قال: هو أمرنا أمر الله عزّوجلّ فلا يستعجل به يؤيّده بثلاثة أجناد: الملائكة و المؤمنون و الركب، و خروجه كخروج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و ذلك قوله:( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحقّ ) .
أقول: و رواه المفيد في كتاب الغيبة، عن عبد الرحمن عنهعليهالسلام ، و مراده ظهور المهديّعليهالسلام كما صرّح به في روايات اُخر و هو من جري القرآن أو بطنه.
و في الكافي، بإسناده عن سعد الإسكاف قال: أتى رجل أميرالمؤمنينعليهالسلام يسأله عن الروح أ ليس هو جبرئيل؟ فقال له أميرالمؤمنينعليهالسلام : جبرئيل من الملائكة و الروح غير جبرئيل، فكبر ذلك على الرجل فقال له: لقد قلت عظيما من القول ما أحد يزعم أنّ الروح غير جبرئيل. فقال له أميرالمؤمنينعليهالسلام : إنّك ضالّ تروي عن أهل الضلال، يقول الله لنبيّه:( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) و الروح غير الملائكة.
أقول: و هو يؤيّد ما قدّمناه، و في روايات اُخر: أنّه خلق أعظم من جبرئيل.
و في تفسير القمّيّ، في قوله تعالى:( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) قالعليهالسلام : خلقه من قطرة من ماء مهين فيكون خصيماً متكلّماً بليغاً.
و فيه، في قوله تعالى:( حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ ) قالعليهالسلام : حين ترجع من المرعى و حين تخرج إلى المرعى.
و في تفسير العيّاشيّ، عن زرارة عن أحدهماعليهماالسلام قال: سألته عن أبوال الخيل
و البغال و الحمير قال: نكرهها، قلت: أ ليس لحمها حلالا؟ قال: فقال: أ ليس قد بيّن الله لكم:( وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ ) و قال في الخيل و البغال و الحمير:( لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً ) فجعل الأكل من الأنعام الّتي قصّ الله في الكتاب، و جعل للركوب الخيل و البغال و الحمير و ليس لحومها بحرام و لكنّ الناس عافوها.
أقول: و الروايات في الخيل و البغال و الحمير مختلفة و مذهب أهل البيتعليهمالسلام حلّيّة أكل لحومها على كراهية.
و في تفسير القمّيّ، في قوله تعالى:( وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ) قال: قالعليهالسلام : العجائب الّتي خلقها الله في البرّ و البحر.
و في الدرّ المنثور، في قوله تعالى:( وَ عَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ ) أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن الأنباري في المصاحف عن عليّ أنّه كان يقرأ هذه الآية:( فمنكم جائر) .
و في تفسير العيّاشيّ، عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عن عليّعليهمالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) قال: هو الجدي لأنّه نجم لا يدور عليه بناء القبلة، و به يهتدي أهل البرّ و البحر.
أقول: و هو مرويّ عن الصادقعليهالسلام أيضا.
و في الكافي، بإسناده عن داود الجصّاص قال: سمعت أبا عبداللهعليهالسلام يقول:( وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) قال: النجم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و العلامات الأئمّةعليهمالسلام .
أقول: و رواه أيضاً بطريقين آخرين عنه و عن الرضاعليهماالسلام و رواه العيّاشيّ و القمّيّ في تفسيريهما، و الشيخ في أماليه، عن الصادقعليهالسلام .
و ليس بتفسير و إنّما هو من البطن و من الدليل عليه ما رواه الطبرسيّ في المجمع، قال: قال أبوعبداللهعليهالسلام : نحن العلامات و النجم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و لقد قال: إنّ الله جعل النجوم أماناً لأهل السماء و جعل أهل بيتي أماناً لأهل الأرض.
( سورة النحل الآيات ٢٢ - ٤٠)
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ( ٢٢ ) لَا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ( ٢٣ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( ٢٤ ) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ( ٢٥ ) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ( ٢٦ ) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ( ٢٧ ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَىٰ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( ٢٨ ) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( ٢٩ ) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ( ٣٠ ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ ( ٣١ ) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( ٣٢ ) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ
أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ( ٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ( ٣٤) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ( ٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ( ٣٦) إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ( ٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ( ٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ( ٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ( ٤٠)
( بيان)
هذا هو الشطر الثاني من آيات صدر السورة، و قد كان الشطر الأوّل يتضمّن توحيد الربوبيّة و إقامة الحجّة على المشركين في ذلك بعد ما أنذرهم بإتيان الأمر و نزّه الله سبحانه عن شركهم.
و هذا الشطر الثاني يتضمّن ما يناسب المقام ذكره من مساوي صفات المشركين المتفرّعة على إنكارهم التوحيد و أباطيل أقوالهم كاستكبارهم على الله و استهزائهم
بآياته و إنكارهم الحشر، و بيان بطلانها و إظهار فسادها، و تهديدهم بإتيان الأمر و حلول العذاب الدنيويّ، و الإيعاد بعذاب يوم الموت و يوم القيامة و حقائق اُخر ستنكشف بالبحث.
قوله تعالى: ( إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) قد تقدّم الكلام في قوله:( إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) و أنّه نتيجة الحجّة الّتي اُقيمت في الآيات السابقة.
و قوله:( فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) إلخ تفريع عليه، و افتتاح لفصل جديد من الكلام حول أعمال الكفّار من أقوالهم و أعمالهم الناشئة عن عدم إيمانهم بالله سبحانه و إنّما ذكر عدم إيمانهم بالآخرة و لم يذكر عدم إيمانهم بالله وحده لأنّ الّذي اُقيمت عليه الحجّة هو التوحيد الكامل و هو وجوب الاعتقاد بإله عليم قدير خلق كلّ شيء و أتمّ النعمة لا لغواً باطلاً بل بالحقّ ليرجعوا إليه فيحاسبهم على ما عملوا و يجازيهم بما اكتسبوا ممّا عهده إليهم من الأمر و النهي بواسطة الرسل.
فالتوحيد المندوب إليه في الآيات الماضية هو القول بوحدانيّته تعالى و الإيمان بما أتى به رسل الله و الإيمان بيوم الحساب و الجزاء، و لذلك وصف الكفّار بعدم الإيمان بالآخرة لأنّ الإيمان بها يستلزم الإيمان بالوحدانيّة و الرسالة.
و لك أن تراجع في استيضاح ما ذكرناه قوله في أوّل الآيات:( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أنّه لا إِلهَ إلّا أَنَا فَاتَّقُونِ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالحقّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فإنّه كلام جامع للاُصول الثلاثة.
و قوله:( قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ) أي للحقّ و قوله:( وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) أي عن الحقّ، و الاستكبار - على ما ذكروه - طلب الترفّع بترك الإذعان للحقّ.
و المعنى: إلهكم واحد على ما تدلّ عليه الآيات الواضحة في دلالتها، و إذا كان الأمر على هذا الوضوح و الجلاء لا يستتر بستر و لا يرتاب فيه فهم فالّذين
لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة للحقّ جاحدة له عناداً و هم مستكبرون عن الانقياد للحقّ من غير حجّة و لا برهان.
قوله تعالى: ( لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) ( لا جَرَمَ ) كلمة مركّبة باقية على حالة واحدة يفيد معنى التحقيق على ما ذكره الخليل و سيبويه و إليه يرجع ما ذكره غيرهما و إن اختلفوا في أصل تركّبه قال الخليل: و هو كلمة تحقيق و لا يكون إلّا جواباً يقال فعلوا كذا فيقول السامع: لا جرم يندمون.
و المعنى من المحقّق - أو حقّ - إنّ الله يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ، و هو كناية و تهديد بالجزاء السيّئ أي إنّه يعلم ما يخفونه من أعمالهم و ما يظهرونه فسيجزيهم بما عملوا و يؤاخذهم على ما أنكروا و استكبروا إنّه لا يحبّ المستكبرين.
قوله تعالى: ( وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) قال الراغب في المفردات: السطر و السطر - بفتح فسكون أو بفتحتين - السطر من الكتابة و من الشجر المغروس و من القوم الوقوف - إلى أن قال - و جمع السطر أسطر و سطور و أسطار.
قال: و أمّا قوله:( أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) فقد قال المبرّد: هي جمع اُسطورة نحو اُرجوحة و أراجيح و اُثفيّة و أثافيّ و اُحدوثة و أحاديث، و قوله تعالى:( وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي شيء كتبوه كذباً و ميناً فيما زعموا نحو قوله تعالى:( أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا ) انتهى و قال غيره: أساطير جمع أسطار و أسطار جمع سطر فهو جمع الجمع.
و قوله:( وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ) يمكن أن يكون القائل بعض المؤمنين و إنّما قاله اختباراً لحالهم و استفهاما لما يرونه في الدعوة النبويّة، و يمكن أن يكون من المشركين و إنّما قاله لهم ليقلّدهم فيما يرونه، و عبّر عن القرآن بمثل قوله:( ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ) لنوع من التهكّم و الاستهزاء، و يمكن أن يكون شاكاً متحيّراً باحثاً، و الآية التالية و كذا قوله فيما سيأتي:( وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ) يؤيّد أحد الوجهين الأخيرين.
و قوله:( قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي الّذي يسأل عنه أكاذيب خرافيّة كتبها الأوّلون و أثبتوها و تركوها لمن خلفهم، و لازم هذا القول دعوى أنّه ليس نازلاً من عند الله سبحانه.
قوله تعالى: ( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) إلى آخر الآية. قال في المفردات: الوزر - بفتحتين - الملجأ الّذي يلتجأ إليه من الجبل، قال تعالى:( كَلَّا لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ) و الوزر - بالكسر فالسكون - الثقل تشبيها بوزر الجبل، و يعبّر بذلك عن الإثم كما يعبّر عنه بالثقل، قال تعالى:( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً ) الآية كقوله:( وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ) .
قال: و حمل وزر الغير بالحقّيقة هو على نحو ما أشار إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:( من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها و أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء، و من سنّ سنّة سيّئة كان له وزرها و وزر من عمل بها) أي مثل وزر من عمل بها، و قوله:( وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ اُخرى ) أي لا تحمل وزره من حيث يتعرّى المحمول عنه، انتهى.
و الّذي ذكره من الحديث النبويّ مرويّ من طرق الخاصّة و العامّة جميعاً و يصدّقه من الكتاب العزيز مثل قوله تعالى:( وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كلّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور: ٢١ و قوله:( وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ ) يس: ١٢ و الآيات في هذا المعنى كثيرة.
و أمّا قوله في تفسير قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( كان له وزرها و وزر من عمل بها) : أي مثل وزر من عمل بها فكلام ظاهريّ لا بأس بأن يوجّه به الآية و الرواية لرفع التناقض بينهما و بين مثل قوله تعالى:( لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ اُخرى ) الأنعام: ١٦٤ و قوله:( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ) هود: ١١١ إذ لو حمل الآمر وزر السيّئة و عذّب بعذابها دون الفاعل ناقض ذلك الآية الاُولى، و لو قسّم بينهما و حمل كلّ منهما بعض
الوزر و عذّب ببعض العذاب ناقض الآية الثانية، و أمّا لو حمل السانّ و الآمر مثل ما للعامل الفاعل لم يناقض شيئاً.
و أمّا بحسب الحقّيقة فكما أنّ العمل عمل واحد حسنة أو سيّئة كذلك وزره و عذابه مثلاً واحد لا تعدّد فيه، غير أنّ نفس العمل لما كان قائماً بأكثر من واحد - قيامه بالآمر و الفاعل قياماً طوليّاً لا عرضيّاً يوجب المحذور - كانت تبعته من الوزر و العذاب قائمة بأكثر من واحد، فهناك وزر واحد يزرها اثنان، و عذاب واحد يعذّب به الآمر و الفاعل جميعاً.
و يسهل تصوّر ذلك بالتأمّل في مضمون الآيات المبنيّة على تجسّم الأعمال فإنّ العمل كالسيّئة مثلاً على تقدير التجسّم واحد شخصيّ يتمثّل لاثنين و يعذّب بتمثّله إنسانيّن الآمر و الفاعل أو السانّ و المستنّ فهو بوجه بعيد كالشخص الواحد يتصوّره اثنان فيلتذّان أو يتألّمان معا به و ليس إلّا واحداً.
و قد تقدّم بعض الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى:( لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) الآية في الجزء التاسع من الكتاب، و سيأتي إن شاء الله تفصيل القول فيه فيما يناسبه من المورد.
و كيف كان فقوله:( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) اللام للغاية و هي متعلّقة بقوله:( قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) و في قوله:( يُضِلُّونَهُمْ ) دلالة على أنّ حملهم لأوزار غيرهم إنّما هو من جهة إضلالهم فيعود الإضلال غاية و الحمل غاية الغاية، و التقدير قالوا أساطير الأوّلين ليضلّوهم و هم أنفسهم ضالّون فيحملوا أوزار أنفسهم كاملة و من أوزار اُولئك الّذين يضلّونهم بغير علم.
و في تقييد قوله:( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ ) بقوله( كامِلَةً ) دفع لتوهّم التقسيم و التبعيض بأن يحملوا بعضا من أوزار أنفسهم و بعضا من أوزار الّذين يضلّونهم فيعود الجميع أوزاراً كاملة بل يحملون أوزار أنفسهم كاملة ثمّ من أوزار الّذين يضلّونهم.
و قوله:( وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ) من تبعيضيّة لأنّهم لا يحملون جميع
أوزارهم بل أوزارهم الّتي ترتّبت على إضلالهم خاصّة بشهادة السياق فالتبعيض إنّما هو لتمييز الأوزار المترتّبة على الإضلال من غيرها لا للدلالة على تبعيض كلّ وزر من أوزار الإضلال و حمل بعضه على هذا و بعضه على ذاك و لا تقسيم مجموع أوزار الإضلال و حمل قسم منه على هذا و قسم منه على ذاك مع تعريته عن القسم الآخر فإنّ أمثال قوله تعالى:( وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) الزلزال: ٨ تنافي ذلك فافهم.
و ممّا تقدّم يظهر وهن ما استفاده بعضهم من قوله:( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) أنّ مقتضاه أنّه لم ينقص منها شيء و لم تكفّر بنحو بليّة تصيبهم في الدنيا أو طاعة مقبولة فيها كما تكفّر بذلك أوزار المؤمنين.
و كذا ما استفاده بعض آخر أنّ في الآية دلالة على أنّه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً للكلّ لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفّار به فائدة.
وجه الوهن أنّ ما ذكراه من خزي الكافرين و إكرام المؤمنين و إن كان حقّاً في نفسه كما تدلّ عليه الآيات الدالّة على خزي الكفّار بما يصيبهم في الدنيا و حبط أعمالهم و شمول المغفرة و الشفاعة لطائفة من المؤمنين، لكنّ هذه الآية ليست ناظرة إلى شيء من ذلك بل العناية فيها إنّما هي بالفرق بين أوزار أنفسهم و أوزار غيرهم الّذين أضلّوهم و أنّ الطائفة الثانية يلحقهم بعضها و هي الّتي ترتّبت من الأوزار على الإضلال بخلاف
الطائفة الاُولى فهي لهم أنفسهم.
و أوهن منهما ما ذكره بعضهم أنّ( مِنْ ) في قوله:( وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ ) إلخ زائدة أو بيانيّة، و هو كما ترى.
و تقييده سبحانه قوله:( يُضِلُّونَهُمْ ) بقوله:( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) للدلالة على أنّ الّذين أضلّهم هؤلاء المشركون الّذين قالوا: أساطير الأوّلين إنّما ضلّوا باتّباعهم لهم تقليداً و بغير علم فالقائلون أئمّة الضلال و هؤلاء الضلال أتباعهم و مقلّدوهم ثمّ ختم سبحانه الآية بذمّهم و تقبيح أمرهم جميعاً فقال:( أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ) .
قوله تعالى: ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ) إلخ، إتيانه تعالى بنيانهم من القواعد هو حضور أمره تعالى عنده بعد ما لم يكن حاضراً، و هذا شائع في الكلام و خرور السقف سقوطه على الأرض و انهدامه.
و الظاهر - كما يشعر به السياق - أنّ قوله:( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) كناية عن إبطال كيدهم و إفساد مكرهم من حيث لا يتوقّعون كمن يتّقي أمامه و يراقبه فيأتيه العدوّ من خلفه فالله سبحانه يأتي بنيان مكرهم من ناحية قواعده و هم مراقبون سقفه ممّا يأتيه من فوق فينهدم عليهم السقف لا بهادم يهدمه من فوقه بل بانهدام القواعد.
و على هذا فقوله:( وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) عطف تفسيريّ يفسّر قوله:( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ ) إلخ و المراد بالعذاب العذاب الدنيويّ.
و في الآية تهديد للمشركين الّذين كانوا يمكرون بالله و رسوله بتذكيرهم ما فعل الله بالماكرين من قبلهم من مستكبري الاُمم الماضية حيث ردّ مكرهم إلى أنفسهم فكانوا هم الممكورين.
قوله تعالى: ( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَ يَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ) الإخزاء من الخزي و هو على ما ذكره الراغب الذلّ الّذي يستحيي منه، و المشاقّة من الشقّ و هو قطع بعض الشيء و فصله منه فهي المخاصّمة و المعاداة و الاختلاف ممّن من شأنه أن يأتلف و يتّفق فمشاقّة المشركين في شركائهم هو اختلافهم مع أهل التوحيد و هم اُمّة واحدة فطرهم الله جميعاً على التوحيد و دين الحقّ و مخاصمتهم لهم و انفصالهم عنهم.
و المعنى: أنّ الله سبحانه سيخزيهم يوم القيامة و يضرب عليهم الذلّة و الهوان بقوله: أين شركائي الّذين كنتم تشاقّون أهل الحقّ فيهم و تخاصمونهم و توجدون الاختلاف في دين الله.
قوله تعالى: ( قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَ السُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ ) الخزي ذلّة الموقف و السوء العذاب على ما يفيده السياق.
و هؤلاء الّذين وصفهم الله بأنّهم اُوتوا العلم و أخبر أنّهم يتكلّمون بكذا هم الّذين رزقوا العلم بالله و انكشفت لهم حقيقة التوحيد فإنّ ذلك هو الّذي يعطيه السياق من جهة المقابلة بينهم مع وصفهم بالعلم و بين المشركين الّذين ينكشف لهم يومئذ أنّهم ما كانوا يعبدون إلّا أسماء سمّوها و سرابا توهّموه.
على أنّ الله سبحانه يخبر عنهم أنّهم يتكلّمون يومئذ و يقولون كذا و قد قال في وصف اليوم:( لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً ) النبأ: ٣٨ و القول لا يكون صواباً بحق المعنى إلّا مع كون قائله مصوناً من خطاءه و لغوه و باطله، و لا يكون مصونا في قوله إلّا إذا كان مصونا في فعله و في علمه فهؤلاء قوم لا يرون إلّا الحقّ و لا يفعلون إلّا الحقّ و لا ينطقون إلّا بالحقّ.
فإن قلت: فالّذين اُوتوا العلم بناء على ما فسّر، هم أهل العصمة لكن تدفعه كثرة ورود هذه اللفظة في كلامه تعالى و إرادة غيرهم كقوله:( وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ ) القصص: ٨٠ و قوله:( وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أنّه الحقّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ) الحجّ: ٥٤ إلى غير ذلك من الموارد الظاهر فيها عدم إرادة العصمة من إيتاء العلم.
قلت: ما ذكرناه إنّما هو استفادة بمؤنة المقام لا أنّه مدلول اللفظ كلّما اُطلق في كلامه تعالى.
و أمّا قولهم: إنّ المراد بالّذين اُوتوا العلم هم الأنبياء فقط أو الأنبياء و المؤمنون الّذين علموا في الدنيا بدلائل التوحيد أو المؤمنون فحسب أو الملائكة فلا دليل في كلامه تعالى على واحد منها بخصوصه.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ) إلى آخر الآية الظاهر أنّه تفسير للكافرين الواقع في آخر الآية السابقة كما أنّ قوله الآتي:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ) إلخ، تفسير للمتّقين الواقع في آخر الآية الّتي قبله، و لا يستلزم كونه بياناً للكافرين كونه من تمام قول الّذين اُوتوا العلم حتّى يختلّ نظم الكلام بقولهم:( إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ ) إلخ، ثمّ بيانهم بقولهم:( الَّذِينَ
تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) إلخ دون أن يقولوا: الّذين توفيّهم الملائكة كما لا يخفى.
و قوله:( فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ) أي الاستسلام و هو الخضوع و الانقياد، و ضمير الجمع للكافرين و المعنى الكافرون هم الّذين تتوفّاهم الملائكة و يقبضون أرواحهم و الحال أنّهم ظالمون لأنفسهم بكفرهم بالله فألقوا السلم و قدّموا الخضوع و الانقياد مظهرين بذلك أنّهم ما كانوا يعملون من سوء، فيردّ عليهم قولهم و يكذّبون و يقال لهم: بلى قد فعلتم و عملتم إنّ الله عليم بما كنتم تعملون قبل ورودكم هذا المورد و هو الموت.
قوله تعالى: ( فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) الخطاب للمجموع كما كان قوله:( إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَ السُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ ) و كذا قوله:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) إلخ، ناظرا إلى جماعة الكافرين دون كلّ واحد واحد منهم.
و على هذا يعود معناه إلى مثل قولنا ليدخل كلّ واحد منكم باباً من جهنّم يناسب عمله و موقفه من الكفر لا أن يدخل كلّ واحد منهم جميع الأبواب أو أكثر من واحد منها، و قد تقدّم الكلام في معنى أبواب جهنّم في تفسير قوله تعالى:( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) الحجر: ٤٤.
و المتكبّرون هم المستكبرون بحسب المصداق و إن كانت العناية اللفظيّة مختلفة فيهما كالمسلم و المستسلم فالمستكبر هو الّذي يطلب الكبر لنفسه بإخراجه من القوّة إلى الفعل و إظهاره لغيره و المتكبّر هو الّذي يقبله لنفسه و يأخذه صفة.
قوله تعالى: ( وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً ) إلى آخر الآية. أخذ المسؤل عنهم هم الّذين اتّقوا أي الّذين شأنهم في الدنيا أنّهم تلبّسوا بالتقوى و هم المتّصفون به المستمرّون بدليل إعادة ذكرهم بعد بلفظ المتّقين مرّتين فيكون المسؤل عنهم من هذه الطائفة خيارهم الكاملين في الإيمان كما كان المسؤل عنهم في الطائفة الاُخرى شرارهم الكاملين في الكفر و هم المستكبرون.
فقول بعضهم: إنّ المراد بالّذين اتّقوا مطلق المؤمنين الّذين اتّقوا الشرك
أو الشرك و المعاصي في الجملة. ليس في محلّه.
و قوله:( قالُوا خَيْراً ) أي أنزل خيراً لأنّه أنزل قرآناً يتضمّن معارف و شرائع في أخذها و العمل بها خير الدنيا و الآخرة و في قولهم:( خَيْراً ) اعتراف بكون القرآن نازلاً من عنده تعالى مضافاً إلى وصفهم له بالخيريّة و في ذلك إظهار منهم المخالفة للمستكبرين حيث أجابوا بقولهم: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي هو أساطير و لو قال المتّقون: خير بالرفع لم يكن فيه اعتراف بالنزول كما أنّه لو قال المستكبرون: أساطير الأوّلين بالنصب كان فيه اعتراف بالنزول. كذا قيل.
و قوله:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ) ظاهر السياق أنّه بيان لقولهم:( خَيْراً ) و هل هو تتمّة قولهم أو بيان منه تعالى؟ ظاهر قوله:( وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ ) إلى آخر الآية أنّه كلام منه تعالى يبيّن به وجه الخيريّة فيما أنزله إليهم فإنّه أشبه بكلام الربّ تعالى منه بكلام المربوب و خاصّة المتّقين الّذين لا يجترؤن على أمثال هذه الاقتراحات.
و المراد بالحسنة المثوبة الحسنة و ذلك لأنّهم بالإحسان الّذي هو العمل بما يتضمّنه الكتاب يرزقون مجتمعاً صالحاً يحكم فيه العدل و الإحسان و عيشة طيّبة مبنيّة على الرشد و السعادة ينالون ذلك جزاء دنيويّاً لإحسانهم لقوله: لهم في الدنيا و لدار الحياة الآخرة خير جزاءً لأنّ فيها بقاء بلا فناء و نعمة من غير نقمة و سعادة ليس معها شقاء.
و معنى الآية: و قيل للمتّقين من المؤمنين ما ذا أنزل ربّكم من الكتاب و ما شأنه؟ قالوا أنزل خيراً، و كونه خيرا هو أنّ للّذين أحسنوا- أي عملوا بما فيه فوضع الإحسان موضع الأخذ و العمل بما في الكتاب إيماء إلى أنّ الّذي يأمر به الكتاب أعمال حسنة - في هذه الدنيا مثوبة حسنة و لدار الآخرة خير لهم جزاء.
ثمّ مدح دارهم ليكون تأكيداً للقول فقال:( وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) ثمّ بين دار المتّقين بقوله:( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ ) و المعنى ظاهر.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجنّة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بيان للمتّقين كما كان قوله:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) إلخ بياناً للمستكبرين.
و الطيب تعري الشيء ممّا يختلط به فيكدّره و يذهب بخلوصه و محوضته يقال: طاب لي العيش أي خلص و تعرّى ممّا يكدّره و ينقصّه و القول الطيب ما كان عاريا من اللغو و الشتم و الخشونة و سائر ما يوجب فيه غضاضة و الفرق بين الطيب و الطهارة أنّ الطهارة كون الشيء على طبعه الأصليّ بحيث يخلو عمّا يوجب التنفّر عنه و الطيّب كونه على أصله من غير أن يختلط به ما يكدّره و يفسد أمره سواء تنفّر عنه أم لا و لذلك قوبل الطيّب بالخبيث المشتمل على الخبث الزائد، قال تعالى:( الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ) النور: ٢٦ و قال:( وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِداً ) الأعراف: ٥٨.
و على هذا فالمراد بكون المتّقين طيّبين في حال توفيهم خلوصهم من خبث الظلم في مقابل المستكبرين الّذين وصفهم بالظلم حال التوفّي في قوله السابق:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) و يكون معنى الآية أنّ المتّقين هم الّذين تتوفّاهم الملائكة متعرّين عن خبث الظلم - الشرك و المعاصي - يقولون لهم سلام عليكم - و هو تأمين قوليّ لهم -( ادْخُلُوا الْجنّة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) - و هو هداية لهم إليها -.
فالآية - كما ترى - تصف المتّقين بالتخلّص عن التلبّس بالظلم و تعدهم الأمن و الاهتداء إلى الجنّة فيعود مضمونها إلى معنى قوله:( الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ ) الأنعام: ٨٢.
و ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد بالطيب في الآية الطهارة عن دنس الشرك و فسّره بعضهم بكون أقوالهم و أفعالهم زاكية، و الأكثر على تفسيره بالطهارة عن قذارة الذنوب و أنت بالتأمّل فيما تقدّم تعرف أنّ شيئاً ممّا ذكروه لا يخلو عن تسامح.
قوله تعالى: ( ْ يَنْظُرُونَ إلّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) إلخ، رجوع إلى حديث المستكبرين من المشركين و ذكر بعض أحوالهم و أقوالهم و قياسهم ممّن سبقهم من طغاة الاُمم الماضين و ما آل إليه أمرهم.
و قوله:( ْ يَنْظُرُونَ إلّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ) سياق الآية و خاصّة ما في الآية التالية من حديث العذاب ظاهر في أنّها مسوقة للتهديد فالمراد بإتيان الملائكة نزولهم لعذاب الاستئصال و ينطبق على مثل قوله:( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إلّا بِالحقّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) الحجر: ٨ و المراد بإتيان أمر الربّ تعالى قيام الساعة و فصل القضاء و الانتقام الإلهيّ منهم.
و أمّا كون المراد بإتيان الأمر ما تقدّم في أوّل السورة من قوله:( أَتى أَمْرُ اللهِ ) و قد قرّبنا هناك أنّ المراد به مجييء النصر و ظهور الإسلام على الشرك فلا يلائم اللّحن الشديد الّذي في الآية تلك الملائمة، و أيضاً سيأتي في ذيل الآيات ذكر إنكارهم للبعث و إصرارهم على نفيه و الردّ عليهم، و هو يؤيّد كون المراد بإتيان الأمر قيام الساعة.
و قد أضاف الربّ إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( أمرُ رَبِّكَ ) و لم يقل: أمر الله أو أمر ربّهم ليدلّ به على أنّ فيه انتصاراً لهصلىاللهعليهوآلهوسلم و قضاء له عليهم.
و قوله:( لِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) تأكيد للتهديد و تأييد بالنظير أي فعل الّذين من قبلهم مثل فعلهم من الجحود و الاستهزاء ممّا فيه بحسب الطبع انتظار عذاب الله( فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ) إلخ.
و قوله:( ما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) معترضة يبيّن بها أنّ الّذي نزل بهم من العذاب لم يستوجبه إلّا الظلم، غير أنّ هذا الظلم كان هو ظلمهم أنفسهم لا ظلماً منه تعالى و تقدّس، و لم يعذّبهم الله سبحانه عن ظلم وقع منهم مرّة أو مرّتين بل أمهلهم إذ ظلموا حتّى استمرّوا في ظلمهم و أصرّوا عليه - كما يدلّ عليه قوله:( كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) - فعند ذلك أنزل عليهم العذاب، ففي قوله:( ما ظَلَمَهُمُ اللهُ ) إلخ، إثبات الاستمرار على الظلم عليهم و نفي أصل الظلم عن الله سبحانه.
قوله تعالى: ( فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) حاقَ بِهِمْ أي حلّ بهم، و قيل: معناه نزل بهم و أصابهم، و الّذي كانوا به يستهزؤن هو العذاب الّذي كانت رسلهم ينذرونهم به و معنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: ( وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) إلخ، الّذي تورده الآية شبهة على النبوّة من الوثنيّين المنكرين لها، و لذلك عرّفهم بنعتهم الصريح حيث قال:( وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) و لم يكتف بالضمير و لم يقل: و قالوا كما في الآيات السابقة ليعلم أنّ الشبهة لهم بعينهم.
و قوله:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا ) جملة شرطيّة حذف فيها مفعول( شاءَ ) لدلالة الجزاء عليه، و التقدير لو شاء الله أن لا نعبد من دونه شيئاً ما عبدنا إلخ.
و قول بعضهم: إنّ الإرادة و المشيّة لا تتعلّق بالعدم و إنّما تتعلّق بالوجود، فلا معنى لمشيّة عدم العبادة فالاُولى أن يقدّر متعلّق المشيّة أمراً وجوديّاً ملازماً لعدم العبادة كالتوحيد مثلاً و يكون التقديم لو شاء الله أن نوحّده أو أن نعبده وحده ما عبدنا من دونه من شيء، و استدلّّ بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن) حيث علّق عدم الكون على عدم المشيّة لا على مشيّة العدم.
و فيه أنّ ما ذكره حقّ بالنظر إلى حقيقة الأمر، إلّا أنّ العنايات اللفظيّة و التوسّعات الكلاميّة لا تدور دائماً مدار الحقّائق الكونيّة و الأنظار الفلسفيّة و إنّ الأفهام البسيطة - و لم تكن أفهام اُولئك الوثنيّين بأرقى منها - كما تجيز ترتّب الفعل الوجودي على المشيّة تجيز تعلّق عدمه بها، و في كلامهصلىاللهعليهوآلهوسلم جريا على هذه العناية الظاهريّة:( اللّهمّ إن شئت أن لا تعبد لم تعبد) .
على أنّهم يشيرون بقولهم:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا ) إلخ، إلى قول الرسل لهم: لا تشركوا بالله و لا تعبدوا غير الله و لا تحرّموا ما أحلّ الله و هي نواه و مدلول النهي طلب الترك.
على أنّ الوثنيّين لا ينكرون توحيده تعالى في الاُلوهيّة بمعنى الصنع و الإيجاد، و إنّما يشركون في العبادة بمعنى أنّهم يخصّونه تعالى بالصنع و الإيجاد و يخصّون آلهتهم بالعبادة فلهم آلهة كثيرون أحدهم إله موجد غير معبود و هو الله سبحانه، و الباقون شفعاء معبودون غير موجدين فهم لا يعبدون الله أصلاً لا أنّهم يعبدونه تعالى و آلهتهم جميعاً، و حينئذ لو كان التقدير( لو شاء الله أن نوحّده في العبادة أو أن نعبده وحده) لكان الأهمّ أن يقع في الجزاء توحيدهم له في العبادة أو عبادتهم له وحده لا نفي عبادتهم لغيره أو كان نفي عبادة الغير كناية عن توحيد عبادته أو عبادته وحده، فافهم ذلك.
و إن كان و لا بدّ من تقدير متعلّق المشيّة أمراً وجوديّاً فليكن التقدير: لو شاء الله أن نكفّ عن عبادة غيره ما عبدنا إلخ حتّى يتحدّ الشرط و الجزاء بحسب الحقّيقة في عين أنّهما يختلفان في النفي و الإثبات.
و قوله:( ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) لفظة من الاُولى بيانيّة و الثانية زائدة لتأكيد الاستغراق في النفي، و المعنى ما عبدنا شيئاً دونه، و نظير ذلك قوله:( وَ لا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) .
و قوله:( نَحْنُ وَ لا آباؤُنا ) بيان لضمير التكلّم في( عَبَدْنا ) للدلالة على أنّهم يتكلّمون عنهم و عن آبائهم جميعاً لأنّهم كانوا يقتدون في عبادة الأصنام بآبائهم، و قد تكرّر في القرآن حكاية مثل قولهم:( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) الزخرف: ٢٣.
و قوله:( وَ لا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) عطف على قوله:( عَبَدْنا ) إلخ أي و لو شاء الله أن لا نحرّم من دونه من شيء أو نحلّ ما حرّمناه ما حرّمنا إلخ، و المراد البحيرة و السائبة و غيرهما ممّا حرّموه.
ثمّ إنّ قولهم:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) إلخ، ظاهر من جهة تعليق نفي العبادة على نفس مشيّته تعالى في أنّهم أرادوا بالمشيّة إرادته التكوينيّة
الّتي لا تتخلّف عن المراد البتّة و لو أرادوا غيرها لقالوا: لو شاء الله كذا لأطعناه و استجبنا دعوته أو ما يفيد هذا المعنى.
فكأنّهم يقولون: لو كانت الرسالة حقّة و كان ما جاء به الرسل من النهي عن عبادة الأصنام و الأوثان و النهي عن تحريم البحيرة و السائبة و الوصيلة و غيرها نواهي لله سبحانه كان الله سبحانه شاء أن لا نعبد شيئاً غيره و أن لا نحرّم من دونه شيئاً، و لو شاء الله سبحانه أن لا نعبد غيره و لا نحرّم شيئاً لم نعبد و لم نحرّم لاستحالة تخلّف مراده عن إرادته لكنّا نعبد غيره و نحرّم أشياء فليس يشاء شيئاً من ذلك فلا نهي و لا أمر منه تعالى و لا شريعة و لا رسالة من قبله.
هذا تقرير حجّتهم على ما يعطيه السياق، و مغزى مرادهم أنّ عبادتهم لغير الله و تحريمهم لما حرّموه و بالجملة عامّة أعمالهم لم تتعلّق بها مشيّة من الله بنهي و لو تعلّقت لم يعملوها ضرورة.
و ليسوا يعنون بها أنّ مشيّة الله تعلّقت بعبادتهم و تحريمهم فصارت ضروريّة الوجود و هم ملجؤن في فعلها مجبرون في الإتيان بها فلا معنى لنهي الرسل عنها بعد الإلجاء و ذلك أنّ( لَوْ ) تفيد امتناع الجزاء لامتناع الشرط فيكون مفهوم الشرطيّة( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) أنّه لم يشأ ذلك فعبدنا غيره، و إن شئت قلت: لكنّا عبدنا غيره فانكشف أنّه لم يشأ ذلك، و أمّا مثل قولنا: لكنّه شاء أن نعبد غيره فعبدنا غيره أو قولنا: لكنّه شاء أن لا نوحّده فعبدنا غيره فهو أجنبيّ عن مفهوم الشرطيّة و منطوقها جميعاً.
على أنّهم لو عنوا ذلك و كان غرضهم ردّ النبوّة بإثبات الإلجاء في أفعالهم بما أقاموه من الحجّة كانوا بذلك معترفين على الضلال مسلّمين له غير أنّهم معتذرون عن اتّباع الهدى الّذي أتاهم به الرسل بالإلجاء و الإجبار و أنّ الله شاء منهم ما هم عليه من الضلال و الشقاء بعبادة غير الله و تحريم ما أحلّ الله و أجبرهم على ذلك فليسوا يقدرون على تركه و لا يستطيعون التخلّف عنه.
لكنّهم مدّعون للاهتداء مصرّون على هذه المزعمة مصرّحون بها كما حكى
الله سبحانه ذلك عنهم بعد ذكر عبادتهم للملائكة إذ قال:( وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلّا يَخْرُصُونَ - إلى أن قال -بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) الزخرف: ٢٢ و قد تكرّر في كلامه حكاية تعليلهم عبادة الأصنام بأنّها سنّة قوميّة قدّسها سلفهم قبل خلفهم فمن الواجب أن يقدّسها و يجري عليها خلفهم بعد سلفهم و أين هذا من الاعتراف بالضلال و الشقاء.؟
و كذا ليسوا يعنون بهذه الحجّة أنّ أعمالهم مخلوقة لأنفسهم غير مرتبطة بالمشيّة الإلهيّة و لا أنّه خالقها إذ الأعمال و الأفعال على هذا التقدير بمعزل من أن تتعلّق بها الإرادة الإلهيّة، و إنّما يتسبّب تعالى لعدم فعل من الأفعال بإيجاد المانع عنه فكان الأنسب حينئذ أن يقولوا: لو شاء الله لصرفنا عن عبادة غيره و تحريم ما حرّمناه و هو مدفوع بظاهر الكلام أو يقولوا: لو شاء الله شيئاً من أعمالنا لبطل و خرج عن كونه عملاً لنا و نحن مستقلّون به.
على أنّه لو كان معنى قولهم:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا ) هو أنّه لو شاء لصرفنا كان حقّاً فلم يكن معنى لقوله تعالى في آية الزخرف السابقة:( وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلّا يَخْرُصُونَ ) الزخرف: ٢٠.
فالحقّ أنّهم أرادوا بقولهم:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) أن يستدلّوا بعبادتهم لها على أنّ المشيّة الإلهيّة لم تتعلّق بتركها من غير تعرّض لتعلّق المشيّة بفعل العبادة أو لكون المشيّة مستحيلة التعلّق بعبادتهم إلّا بالصرف.
قوله تعالى: ( كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) ، خطاب للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمره أن يبلّغ رسالته بلاغاً مبيناً و لا يعتني بما لفّقوه من الحجّة فإنّها داحضة و الحجّة تامّة عليهم بالبلاغ و فيه إشارة إجماليّة إلى دحض حجّتهم.
فقوله:( كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي على هذا الطريق الّذي سلكه هؤلاء سلك الّذين من قبلهم فعبدوا غير الله و حرّموا ما لم يحرّمه الله ثمّ إذا جاءتهم رسلهم ينهونهم عن ذلك قالوا:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا
مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) فالجملة كقوله تعالى:( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ ) الأنفال: ٥٢.
و قوله:( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) أي بلّغهم الرسالة بلاغاً مبيناً تتمّ به الحجّة عليهم فإنّما وظيفة الرسل البلاغ المبين و ليس من وظيفتهم أن يلجؤوا الناس إلى ما يدعونهم إليه و ينهونهم عنه و لا أن يحملوا معهم إرادة الله الموجبة الّتي لا تتخلّف عن المراد و لا أمره الّذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون حتّى يحوّلوا بذلك الكفر إلى الإيمان و يضطرّوا العاصي على الإطاعة.
فإنّما الرسول بشر مثلهم و الرسالة الّتي بعث بها إنذار و تبشير و هي مجموعة قوانين اجتماعيّة أوحاها إليه الله فيها صلاح الناس في دنياهم و آخرتهم صورتها صورة الأوامر و النواهي المولويّة و حقيقتها الإنذار و التبشير، قال تعالى:( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ) الأنعام: ٥٠ فهذا ما أمر به نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يبلّغهم و قد أمر به نوحاً و من بعده من الرسلعليهالسلام أن يبلّغوه اُممهم كما في سورة هود و غيرها.
و قال أيضاً مخاطباً نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( قُلْ إنّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) الكهف: ١١٠.
فهذا هو الّذي يشير إليه على سبيل الإجمال بقوله:( كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) فإنّ ظاهره كما أشرنا إليه سابقاً أنّ هذه حجّة دائرة بينهم قديماً و حديثاً، و على هذا ليس من شأن الرسول إجبار الناس و إلجاؤهم على الإيمان و الطاعة بل البلاغ المبين بالإنذار و التبشير و حجّتهم لا تدفع ذلك فبلّغ ما اُرسلت به بلاغاً مبيناً و لا تطمع في هداية من ضلّ منهم، و ستفصّل الآيتان التاليتان ما أجملته هذه الآية و توضحانها.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كلّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) إلخ، الطاغوت في الأصل مصدر كالطغيان و هو تجاوز الحدّ بغير حقّ، و اسم المصدر منه الطغوى، قال الراغب: الطاغوت عبارة عن كلّ متعدّ و كلّ معبود من دون الله، و يستعمل في الواحد و الجمع، قال تعالى:( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ) ( وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ( أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) . انتهى.
و قوله:( وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كلّ أُمَّةٍ رَسُولًا ) إشارة إلى أنّ بعث الرسول أمر لا يختصّ به اُمّة دون اُمّة بل هو سنّة إلهيّة جارية في جميع الناس بما أنّهم في حاجة إليه و هو يدركهم أينما كانوا كما أشار إلى عمومه في الآية السابقة إجمالاً بقوله:( كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) .
و قوله:( أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) بيان لبعث الرسول على ما يعطيه السياق أي ما كانت حقيقة بعث الرسول إلّا أن يدعوهم إلى عبادة الله و اجتناب الطاغوت لأنّ الأمر و كذا النهي من البشر و خاصّة إذا كان رسولاً ليس إلّا دعوة عاديّة لا إلجاءً و اضطراراً تكوينيّاً، و لا أنّ للرسول أن يدّعي ذلك حتّى يرد عليه أنّه لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء و إذ لم يشأ فلا معنى للرسالة.
و من هنا يظهر أنّ قول بعضهم إنّ التقدير ليقول لهم: اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت. ليس في محلّه.
و قوله:( فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) أي كانت كلّ من هذه الاُمم مثل هذه الاُمّة منقسمة إلى طائفتين فبعضهم هو من هداه الله إلى ما دعاهم إليه الرسول من عبادة الله و اجتناب الطاغوت.
و ذلك أنّ الهداية من الله سبحانه لا يشاركه فيها غيره و لا تنسب إلى أحد دونه إلّا بالتبع كما قال:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) القصص: ٥٦ و سنشير إليه في الآية التالية:( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فإنّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ) و الآيات في حصر الهداية فيه تعالى كثيرة، و لا يستلزم ذلك كونها أمراً اضطراريّاً لا صنع فيه للعبد أصلاً فإنّها اختياريّة بالمقدّمة كما يشير إليه قوله:
( وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت: ٦٩ يفيد أنّ للهداية الإلهيّة طريقاً ميسراً للإنسان و هو الإحسان في العمل و أنّ الله لمع المحسنين لا يدعهم يضلّون.
و بعض هذه الاُمم - الطائفة الثانية منهم - هو من حقّت عليه الضلالة أي ثبتت و لزمت، و هذه الضلالة هي الّتي من قبل العبد بسوء اختياره و ليس بالّتي تتبعها مجازاة من الله فإنّ الله يصفها بقوله: حَقَّتْ ثمّ يضيفها في الآية التالية إلى نفسه إذ يقول:( فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ) فقد كانت هناك ضلالة ثمّ حقّت و ثبتت بإثبات الله مجازاة فصارت هي الّتي من قبل الله سبحانه مجازاة، فتبصّر.
و لم ينسب الله سبحانه في كلامه إلى نفسه إضلالاً إلّا ما كان مسبوقاً بظلم من العبد أو فسق أو كفر و تكذيب أو نظائرها كقوله:( وَ اللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) الجمعة: ٥ و عدم الهداية هو الإضلال، و قوله:( وَ يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) إبراهيم: ٢٧ و قوله:( وَ ما يُضِلُّ بِهِ إلّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦ و قوله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ) النساء: ١٦٨ و قوله:( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) الصف: ٥ إلى غير ذلك من الآيات.
و لم يقل سبحانه: فمنهم من هدى الله و منهم من أضلّه مع كون ضلالهم ضلال مجازاة لا مانع من إضافته إليه تعالى دفعا لإيهام نسبة أصل الضلال إليه بل ذكر أوّلاً من هداه ثمّ قابله بمن كان من حقّه أن يضلّ - و هو الّذي اختار الضلالة على الهدى أي اختار أن لا يهتدي - فلم يهده الله و حقّ له ذلك.
و توضيحه ببيان آخر: أنّ خلاصة الفرق بين الضلال الابتدائيّ و نسبته إلى العبد و الضلال مجازاة و نسبته إليه تعالى و نسبة الهداية ابتداء و مجازاة إلى الله سبحانه هي أنّ الله أودع في الإنسان إمكان الرشد و استعداد الاهتداء فإنّ جرى على سلامة الفطرة و لم يبطل الاستعداد باتّباع الهوى و المعصية أو أصلحه بالندامة و التوبة بعد المعصية هداه الله، و هذه هداية مجازاة من الله سبحانه بعد الهداية الاُولى الفطريّة.
و إن اتّبع هواه و عصى ربّه بطل استعداده للاهتداء فلم يفض عليه الهدى و هو ضلاله بسوء اختياره فإن لم يندم و لم يراجع أثبته الله على حاله و حقّت عليه الضلالة و هو الضلال مجازاة.
و ربّما توهّم متوهّم أنّ الإمكان و الاستعداد لا يكون إلّا ذا طرفين فالّذي يمكنه الهدى يمكنه الضلال و الإنسان لا يزال متردّدا بين آثار وجوديّة و أفعال مثبتة و الجميع منه تعالى حتّى الاستعداد و الإمكان الأوّل.
و هو من أوهن التوهّم فإنّ عدّ إمكان الضلال و ما يترتّب عليه الضلال أمراً وجوديّاً و عطاء ربّانيّاً يفسد معنى الضلال و يبطله فإنّ الضلال إنّما هو ضلال لكونه عدم الهداية فلو عاد أمراً ثبوتيّاً لم يكن ضلالاً بل صار الهدى و الضلال كلاهما أمرين وجوديّين و عطاءين إلهيّين نظير ما يترتّب على الجماد مثلاً من الآثار الوجوديّة الخارجة عن الهدى و الضلال.
و بعبارة اُخرى: الضلال إنّما يكون ضلالاً إذا كان مقيسا إلى الهدى و من الواجب حينئذ أن يكون عدم الهدى و إذا اُخذ أمراً وجوديّاً لم يكن ضلالاً فلم ينقسم الموضوع إلى مهتد و ضالّ و لا حاله إلى هدى و ضلال فلا مفرّ من أخذ الضلال أمراً عدميّاً، و نسبة الضلال الأوّل إلى نفس العبد. فأحسن التأمّل فيه فلا تزلّ قدم بعد ثبوتها.
و قوله:( فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) ظاهر السياق أنّ الخطاب للّذين أشركوا القائلين:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) و الالتفات إلى خطابهم لكونه أشدّ تأثيراً في تثبيت القول و إتمام الحجّة.
و الكلام متفرّع على ما بين جواباً لحجّتهم إجمالاً و تفصيلاً و محصّل المعنى أنّ الرسالة و الدعوة النبويّة ليست من الإرادة التكوينيّة الملجئة إلى ترك عبادة الأصنام و تحريم ما لم يحرّمه الله حتّى يستدلّوا بعدم وجود الإلجاء على عدم وجود الرسالة و كذب مدّعيها بل هي دعوة عاديّة بعث الله سبحانه بها رسلاً يدعونكم إلى عبادة الله و اجتناب الطاغوت و حقيقته الإنذار و التبشير، و من الدليل على ذلك آثار
الاُمم الماضية الظالمة الّتي تحكي عن نزول العذاب عليهم فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذّبين حتّى يتبيّن لكم أنّ الدعوة النبويّة الّتي هي إنذار حقّ و أنّ الرسالة ليست كما تزعمون.
قوله تعالى: ( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فإنّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) لما بيّن أنّ الاُمم الماضين انقسموا طائفتين و كانت إحدى الطائفتين هم الّذين حقّت عليهم الضلالة و كانت هؤلاء الّذين أشركوا و قالوا ما قالوا كالّذين من قبلهم منهم بين في هذه الآية أنّ ثبوت الضلالة في حقّهم إنّما هو ثبوت لا زوال معه و تحتّم لا يقبل التغيير فإنّه لا هادي بالحقّيقة إلّا الله فإن جاز هداهم كان الله هو هاديهم لكنّه لا يهديهم فإنّه يضلّهم و لا يجتمع الهدى و الضلال معاً، و ليس هناك ناصر ينصرهم على الله فيقهره على هداهم فليؤيس منهم.
ففي الآية تعزية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و إرشاد له أن لا يحرص في هداهم و إعلام له أنّ القضاء قد مضى في حقّهم و ما يبدّل القول لديه و ما هو بظلّام للعبيد.
فقوله:( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ ) إلخ، في تقدير إن تحرص على هداهم لم ينفعهم حرصك شيئاً فليسوا ممّن يمكن له الاهتداء فإنّ الله هو الّذي يهدي من اهتدى، و هو لا يهديهم فإنّه يضلّهم و لا يناقض تعالى فعل نفسه، و ليس لهم ناصرون ينصرونهم عليه.
و في هذه الآيات الثلاث مشاجرات طويلة بين المجبّرة و المفوّضة و كلّ يفسّرها بما يقتضيه مذهبه حتّى قال الإمام الرازيّ: إنّ المشركين أرادوا بقولهم:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) إلخ، أنّه لما كان الكلّ من التوحيد و الشرك و الهدى و الضلال من الله كانت بعثة الأنبياء عبثا فنقول: هذا اعتراض على الله و جار مجرى طلب العلّة في أحكامه و أفعاله تعالى و ذلك باطل فلا يقال له: لم فعلت هذا و لم لم تفعل ذلك؟
قال: فثبت أنّ الله تعالى إنّما ذمّ هؤلاء القائلين لأنّهم اعتقدوا أنّ كون الأمر كذلك يمنع عن جواز بعثة الرسل لا لأنّهم كذبوا في قولهم ذلك. انتهى ملخّصا.
و قال الزمخشريّ: إنّ المشركين فعلوا ما فعلوا من القبيح ثمّ نسبوه إلى ربّهم و قالوا لو شاء الله إلى آخره و هذا مذهب المجبّرة بعينه كذلك فعل أسلافهم فهل على الرسل إلّا أن يبلّغوا الحقّ و أنّ الله لا يشاء الشرك و المعاصي بالبيان و البرهان، و يطلعوا على بطلان الشرك و قبحه، و براءة الله من أفعال العباد، و أنّهم فاعلوها بقصدهم و إرادتهم و اختيارهم، و أنّ الله باعثهم على جميلها و موفّقهم له و زاجرهم عن قبيحها و موعدهم عليه، انتهى موضع الحاجة و قد أطالوا البحث عن ذلك من الجانبين.
و قد عرفت أنّ الآيات تروم غرضا وراء ذلك، و أنّ مرادهم بقولهم:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) إلخ، إبطال الرسالة بأنّ ما أتى به الرسل من النهي عن عبادة غير الله و تحريم ما لم يحرّمه الله لو كان حقّاً لكان الله مريداً لتركهم عبادة غيره و تحريم ما لم يحرّمه و لو كان مريداً ذلك لم يتحقّق منهم و ليس كذلك، و أمّا أنّ الإرادة الإلهيّة تعلّقت بفعلهم فوجب أو أنّها لم تتعلّق و من المحال أن تتعلّق و ليست أفعالهم إلّا مخلوقة لأنفسهم من غير أن يكون لله سبحانه فيها صنع فإنّما ذلك أمر خارج عن مدلول كلامهم أجنبيّ عن الحجّة الّتي أقاموها على ما يستفاد من السياق كما تقدّم.
و في قوله:( وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) دلالة على أنّ لغيرهم ناصرين كثيرين و ذلك أنّ السياق يدلّ على أنّه ليس لهم ناصر أصلاً لا واحد و لا كثير فنفي الناصرين بصيغة الجمع يكشف عن عناية زائدة بذلك أي أنّ هناك ناصرين لكنّهم ليسوا لهم بل لغيرهم و ليس إلّا من يهتدي بهدى الله، و نظير الآية ما حكاه الله سبحانه عن المجرمين يوم القيامة:( فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ) الشعراء: ١٠٠.
و هؤلاء الناصرون هم الملائكة الكرام و سائر أسباب التوفيق و الهداية و الله سبحانه من ورائهم محيط، قال تعالى:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) المؤمن: ٥١.
قوله تعالى: ( وَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى ) إلى
آخر الآية، قال في المفردات: الجهد الجهد - بفتح الجيم و ضمّها - الطاقة، و المشقّة أبلغ من الجهد بالفتح، قال: و قال تعالى:( وَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) أي حلفوا و اجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. انتهى.
و قال في المجمع في معنى قوله:( وَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) أي بلغوا في القسم كلّ مبلغ. انتهى.
و قولهم:( لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ ) إنكار للحشر، و الجملة كناية عن أنّ الموت فناء فلا يتعلّق به بعده خلق جديد، و هذا لا ينافي قول كلّهم أو جلّهم بالتناسخ فإنّه قول بتعلّق النفس بعد مفارقتها البدن ببدن آخر إنسانيّ أو غير إنسانيّ و عيشها في الدنيا، و هو قولهم بالتولّد بعد التولّد.
و قوله:( بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ) أي ليس الأمر كما يقولون بل يبعث الله من يموت وعده وعدا ثابتا عليه حقّاً أي إنّ الله سبحانه أوجبه على نفسه بالوعد الّذي وعد عباده، و أثبته إثباتا فلا يتخلّف و لا يتغيّر.
و قوله:( وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أي لا يعلمون أنّه من الوعد الّذي لا يخلف و القضاء الّذي لا يتغيّر لإعراضهم عن الآيات الدالّة عليه الكاشفة عن وعده و هي خلق السماوات و الأرض و اختلاف الناس بالظلم و الطغيان و العدل و الإحسان و التكليف النازل في الشرائع الإلهيّة.
قوله تعالى: ( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ) اللام للغاية و الغرض أي يبعث الله من يموت ليبيّن لهم إلخ، و الغايتان في الحقيقة غاية واحدة فإنّ الثانية من متفرّعات الاُولى و لوازمها فإنّ الكافرين إنّما يعلمون أنّهم كانوا كاذبين في نفي المعاد من جهة تبيّن الاختلاف الّذي ظهر بينهم و بين الرسل بسبب إثبات المعاد و نفيه و ظهور المعاد لهم عيانا.
و تبيّن ما اختلف فيه الناس من شؤون يوم القيامة، و قد تكرّر في كلامه هذا التعبير و ما في معناه تكرّراً صحّ معه جعل تبيين الاختلاف معرّفا لهذا اليوم الّذي ثقل في السماوات و الأرض و على ذلك يتفرّع ما قصّه الله سبحانه في كلامه
من تفاصيل ما يجري فيه من المرور على الصراط و تطاير الكتب و وزن الأعمال و السؤال و الحساب و فصل القضاء.
و من المعلوم - و خاصّة من سياق آيات القيامة - أنّ المراد بالاختلاف ليس ما يوجد بينهم بحسب الخلقة بنحو ذكورة و اُنوثة و طول و قصر و بياض و سواد بل ما يوجد في دين الحقّ من الاختلاف في اعتقاد أو عمل. و قد بيّن الله ذلك لهم في هذه النشأة الدنيويّة في كتبه المنزلة و بلسان أنبيائه بكلّ طريق ممكن كما يقول بعد عدّة آيات:( وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ) الآية: ٦٤ من السورة.
و من هنا يظهر للمتدبّر أنّ البيان الّذي يخبر تعالى عنه و يخصّه بيوم القيامة نوع آخر من الظهور و الوضوح غير ما يتمشّى من الكتاب و النبوّة في هذه الدنيا من البيان بالحكمة و الموعظة و الجدال بالّتي هي أحسن، و ليس إلّا العيان الّذي لا يتطرّق إليه شكّ و ارتياب و لا يهجس معه خطور نفسانيّ بالخلاف كما يشير إليه قوله تعالى:( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ق: ٢٢ و قوله:( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحقّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحقّ الْمُبِينُ ) النور: ٢٥.
فيومئذ يشاهدون حقائق ما اختلفوا فيه من المعارف الدينيّة الحقّة و الأعمال الصالحة و ما أخلدوا إليه من الباطل و يفصل بينهم بظهور الحقّ و انجلائه.
قوله تعالى: ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) هو نظير قوله في موضع آخر:( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شيئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) يس: ٨٢ و منه يعلم أنّه تعالى يسمّي أمره قولاً كما يسمّي أمره و قوله من حيث قوّته و إحكامه و خروجه عن الإبهام و كونه مراداً حكماً و قضاء، قال تعالى:( وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إلّا لِلَّهِ ) يوسف: ٦٧ و قال:( وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) الحجر: ٦٦ و قال:( وَ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) البقرة: ١١٧ و كما يسمّي قوله الخاصّ كلمة،
قال تعالى:( وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ) الصافّات: ١٧٢ و قال:( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) آل عمران: ٥٩ ثمّ قال في عيسىعليهالسلام :( وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ ) النساء: ١٧١.
فتحصّل من ذلك كلّه أنّ إيجاده تعالى أعني ما يفيضه على الأشياء من الوجود من عنده - و هو بوجه نفس وجود الشيء الكائن - هو أمره و قوله حسب ما يسمّيه القرآن و كلمته لكنّ الظاهر أنّ الكلمة هي القول باعتبار خصوصيّته و تعيّنه.
و يتبيّن بذلك أنّ إرادته و قضاءه واحد، و أنّه بحسب الاعتبار متقدّم على القول و الأمر فهو سبحانه يريد شيئاً و يقضيه ثمّ يأمره و يقول له كن فيكون، و قد علّل عدم تخلف الأشياء عن أمره بألطف التعليل إذ قال:( وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالحقّ وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحقّ ) الأنعام: ٧٣ فأفاد أنّ قوله هو الحقّ الثابت بحقيقة معنى الثبوت أي نفس العين الخارجيّة الّتي هي فعله فلا معنى لفرض التخلّف فيه و عروض الكذب أو البطلان عليه فمن الضروريّ أنّ الواقع لا يتغيّر عمّا هو عليه فلا يخطئ و لا يغلط في فعله، و لا يردّ أمره، و لا يكذب قوله و لا يخلف في وعده.
و قد تبيّن أيضاً من هذه الآية و من قوله:( وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) إلخ، أنّ لله سبحانه إرادتين: إرادة تكوين لا يتخلّف عنها المراد، و إرادة تشريع يمكن أن تعصى و تطاع، و سنستوفي هذا البحث بعض الاستيفاء إن شاء الله.
( بحث روائي)
في تفسير القمّيّ، بإسناده عن أبي جعفرعليهالسلام : في قوله:( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) قال: بيت مكرهم أي ماتوا و أبقاهم الله في النار و هو مثل لأعداء آل محمّد.
أقول: و ظاهره أنّ قوله:( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ ) إلخ كناية عن بطلان مكرهم.
و في تفسير العيّاشيّ، عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام قال:( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ) قال: كان بيت غدر يجتمعون فيه إذا أرادوا الشرّ.
و في تفسير القمّيّ، في قوله تعالى:( قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) الآية قال: قالعليهالسلام : الّذين اُوتوا العلم الأئمّة يقولون لأعدائهم: أين شركاؤكم و من أطعتموهم في الدنيا؟ ثمّ قال: قال: فهم أيضاً الّذين تتوفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم( فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ) سلّموا لما أصابهم من البلاء ثمّ يقولون:( ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ) فردّ الله عليهم فقال:( بَلى ) ، إلخ.
و في أمالي الشيخ، بإسناده عن أبي إسحاق الهمدانيّ عن أميرالمؤمنينعليهالسلام : فيما كتبه إلى أهل مصر قال: يا عباد الله إنّ أقرب ما يكون العبد من المغفرة و الرحمة حين يعمل بطاعته و ينصح في توبته. عليكم بتقوى الله فإنّها يجمع الخير و لا خير غيرها و يدرك بها من خير الدنيا و خير الآخرة، قال عزّوجلّ:( وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) .
و في تفسير العيّاشيّ، عن ابن مسكان عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) قال الدنيا.
و في تفسير القمّيّ، في قوله:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ) قال: قالعليهالسلام هم المؤمنون الّذين طابت مواليدهم في الدنيا.
أقول: و هو بالنظر إلى ما يقابله من قوله:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) الآية لا يخلو عن خفاء و الرواية ضعيفة.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن السدّيّ قال: اجتمعت قريش فقالوا: إنّ محمّداً رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله فانظروا اُناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم فابعثوهم في كلّ طريق من طرق مكّة على رأس كلّ ليلة أو ليلتين فمن جاء يريده فردّوه عنه.
فخرج ناس منهم في كلّ طريق فكان إذا أقبل الرجل وافداً لقومه ينظر ما يقول محمّد؟ فينزل بهم قالوا له: أنا فلان بن فلان فيعرفه بنسبه و يقول: أنا اُخبرك بمحمّد فلا يريد أن يعني إليه هو رجل كذّاب لم يتّبعه على أمره إلّا السفهاء و العبيد و من لا خير فيه و أمّا شيوخ قومه و خيارهم فمفارقون له فيرجع أحدهم فذلك قوله:( وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) .
فإذا كان الوافد ممّن عزم الله له على الرشاد فقالوا له مثل ذلك في محمّد قال: بئس الوافد أنا لقومي إن كنت جئت حتّى بلغت إلّا مسيرة يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل و أنظر ما يقول و آتي قومي ببيان أمره فيدخل مكّة فيلقى المؤمنين فيسألهم: ما ذا يقول محمّد؟ فيقولون: خيراً للّذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة يقول مال و لدار الآخرة خير و هي الجنّة.
أقول: و الاعتبار يساعد على القصّة و ما في آخرها من تفسير الحسنة بالمال غير مرضيّ.
و في الكافي، بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسنعليهالسلام : أخبرني عن الإرادة من الله و من الخلق. قال: فقال: الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، و أمّا من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك لأنّه لا يروّي و لا يهمّ و لا يتفكّر، و هذه الصفات منفيّة عنه و هي صفات الخلق فإرادة الله الفعل لا غير ذلك يقول له: كن فيكون بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همّة و لا تفكّر و لا كيف لذلك كما أنّه لا كيف له.
و في الدرّ المنثور، أخرج أحمد و الترمذيّ و حسنه و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و البيهقيّ في شعب الإيمان و اللفظ له عن أبي ذرّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: يقول الله: يا بن آدم كلّكم مذنب إلّا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم و كلّكم فقراء إلّا من أغنيت فسلوني اُعطكم، و كلّكم ضالّ إلّا من هديت فسلوني الهدى أهدكم و من استغفرني و هو يعلم أنّي ذو قدرة على أن أغفر له غفرت له و لا اُبالي.
و لو أنّ أوّلكم و آخركم و حيّكم و ميّتكم و رطبكم و يابسكم اجتمعوا
على قلب أشقى واحد منكم ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة، و لو أنّ أوّلكم و آخركم و حيّكم و ميّتكم و رطبكم و يابسكم اجتمعوا على قلب أتقى واحد منكم ما زادوا في سلطاني مثل جناح بعوضة، و لو أنّ أوّلكم و آخركم و حيّكم و ميّتكم و رطبكم و يابسكم سألوني حتّى تنتهي مسألة كلّ واحد منهم فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك ممّا عندي كغرز إبرة لو غمسها أحدكم في البحر.
و ذلك أنّي جواد ماجد واحد عطائي كلام و عذابي كلام إنّما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون.
( سورة النحل الآيات ٤١ - ٦٤)
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( ٤١ ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( ٤٢ ) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( ٤٣ ) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( ٤٤ ) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ( ٤٥ ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ( ٤٦ ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ( ٤٧ ) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ( ٤٨ ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ( ٤٩ ) يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( ٥٠ ) وَقَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( ٥١ ) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ( ٥٢ ) وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ( ٥٣ ) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( ٥٤ ) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( ٥٥ )
وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ( ٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ( ٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ( ٥٨) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ( ٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( ٦٠) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ( ٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ( ٦٢) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ٦٣) وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( ٦٤)
( بيان)
الآيتان الأوليان تذكران الهجرة و تعدان المهاجرين في الله وعداً حسناً في الدنيا و الآخرة، و باقي الآيات تعقّب حديث شركهم بالله و تشريعهم بغير إذن الله، و هي بحسب المعنى تفصيل القول في الجواب عن عدّ المشركين الدعوة النبويّة إلى ترك عبادة الآلهة و تحريم ما لم يحرّمه الله أمراً محالاً كما اُشير إليه في قوله:( وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) إلخ.
قوله تعالى: ( وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا
حَسَنَةً وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) وعد جميل للمهاجرين و قد كانت من المؤمنين هجرتان عن مكّة: إحداهما إلى حبشة هاجرتها عدّة من المؤمنين بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بإذن من الله و رسوله إليها و لبثوا فيها حيناً في أمن و راحة من أذى مشركي مكّة و عذابهم و فتنتهم.
و الثانية هجرتهم من مكّة إلى المدينة بعد مهاجرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و الظاهر أنّ المراد بالهجرة في الآية هي الهجرة الثانية فسياق الآيتين أكثر ملاءمة لها من الاُولى و هو ظاهر.
و قوله:( فِي اللهِ ) متعلّق بهاجروا، و المراد بكون المهاجرة في الله أن يكون طلب مرضاته محيطاً بهم في مهاجرتهم لا يخرجون منه إلى غرض آخر كما يقال: سافر في طلب العلم و خرج في طلب المعيشة أي لا غاية له إلّا طلب العلم و لا بغية له إلّا طلب المعيشة، و السياق يعطي أنّ قوله:( مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) أيضاً مقيّد بذلك معنى، و التقدير: و الّذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا فيه، و إنّما حذف اختصاراً و إنّما اكتفى به قيداً للمهاجرة لأنّها محلّ الابتلاء فتخصيصه بإيضاح الحال أولى.
و قوله:( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) قيل: أي بلدة حسنة بدلا ممّا تركوه من وطنهم كمكّة و حواليها بدليل قوله:( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) فإنّه من بوّأت له مكاناً أي سوّيت و أقررته فيه.
و قيل: أي حالة حسنة من الفتح و الظفر و نحو ذلك فيكون قوله:( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) إلخ، من الاستعارة بالكناية.
و الوجهان متّحدان مآلا فإنّهم إنّما كانوا يهاجرون ليعقدوا مجتمعاً إسلاميّاً طيّباً لا يعبد فيه إلّا الله، و لا يحكم فيه إلّا العدل و الإحسان أو ليدخلوا في مجتمع هذا شأنه فلو رجعوا في مهاجرهم غاية حسنة أو وعدوا بغاية حسنة كان ذلك هذا المجتمع الصالح، و لو حمدوا البلدة الّتي يهاجرون إليها لكان حمدهم للمجتمع الإسلاميّ المستقرّ فيها لا لمائها أو هوائها فالغاية الحسنة الّتي يعدهم الله في الدنيا هي هذا المجتمع سواء اُريد بالحسنة البلدة أو الغاية.
و قوله:( وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) تتميم للوعد و إشارة إلى أنّ أجر الآخرة أفضل من هذا الأجر الدنيويّ لو كانوا يعلمون ما أعدّ الله لهم فيها من النعم فإنّ فيها سعادة من غير شقاء و خلوداً من غير فناء و لذّة غير مشوبة بألم و جوار ربّ العالمين.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى ربّهم يَتَوَكَّلُونَ ) لا يبعد أن يستفاد من سياق الآيتين أنّ جملة العناية فيهما إلى وعد المهاجرين في الله وعداً حسناً في الدنيا و الآخرة من غير نظر إلى الإخبار بتحقّق المهاجرة قبل حال الخطاب فيكون الكلام في معنى الاشتراط: من يهاجر في الله فله كذا و كذا، و تكون العناية في قوله:( الَّذِينَ صَبَرُوا ) إلخ بتوصيف المهاجرين بالصبر و التوكّل من غير نظر إلى ما تحقّق منهم من ذلك أيّام توقّفهم في أوطانهم بين المشركين قبال أذاهم و فتنتهم.
و العناية بالتوصيف إنّما هي لكون كلتا الصفتين دخيلتين في الغاية الحسنة الّتي وعدوا بها إذ لو لم يصبروا على مرّ الجهاد و أظهروا الجزع عند هجوم العظائم و لم يتأيّدوا بالتوكّل على الله و اعتمدوا على أنفسهم الضعيفة اُحيط بهم و لم يتهيّأ لهم المستقرّ و فرّقهم العدوّ المصرّ على عداوته بددا و تلاشى المجتمع الصالح الّذي أقاموه في مهاجرهم هذا في الدنيا، و أمّا أمر الآخرة ففساده بفساد المجتمع أو تلاشيه أوضح.
و لو كان المراد وعد المهاجرين الّذين تحقّق منهم الهجرة قبل نزول الآية تطييبا لنفوسهم و تسلية لهم عمّا اُخرجوا من ديارهم و أموالهم و قاسوا الفتن و المحن كان قوله:( الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى ربّهم يَتَوَكَّلُونَ ) مدحاً لهم بما ظهر منهم أيّام إقامتهم بمكّة و غيرها من الصبر في الله على أذى المشركين و التوكّل على الله فيما عزموا عليه من الإسلام لله.
قوله تعالى: ( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) رجوع ثان إلى بيان كيفيّة إرسال الرسل و إنزال الكتب حتّى يتّضح للمشركين أنّه لم تكن الدعوة الدينيّة إلّا دعوة عاديّة من رجال يوحى
إليهم من البشر يندبون إلى ما فيه صلاح الناس في دنياهم و عقباهم.
و أنّه لم يدّع أحد من الرسل و لا ادّعي في كتاب من كتب الشرائع أنّ الدعوة الدينيّة ظهور للقدرة الغيبيّة القاهرة لكلّ شيء و الإرادة التكوينيّة لهدم النظام الجاري و نقض سنّة الاختيار و إبطالها حتّى يقول القائل منهم:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) إلخ.
و على هذا فقوله سبحانه:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ) مسوق لحصر الرسالة على البشر العاديّ من رجال يوحى إليهم قبال ما ادّعاه المشركون أنّها لو كانت لكانت نقضا لنظام الطبيعة و إبطالاً للاختيار و الاستطاعة.
و به يظهر عدم استقامة ما ذكره غير واحد منهم أنّ الآية مسوقة لردّ المشركين من قريش حيث كانوا يزعمون أنّ البشر لا يصلح للرسالة و أنّها لو كانت فهي من شأن الملائكة فالآية تخبر أنّ السنّة الإلهيّة جرت حسب ما اقتضته الحكمة على أن لا يبعث للدعوة الدينيّة إلّا رجالاً من البشر يوحي إليهم المعارف و الأوامر و النواهي.
و ذلك أنّ سياق الآيات لا يساعد على ذلك، و لم يتقدّم في الكلام ذكر لقولهم ذلك أو لاقتراحهم بعثة الملائكة للرسالة حتّى يوجّه الكلام إلى ذلك.
و إنّما الّذي تقدّم هو قول المشركين:( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) إلخ و كان مسوقاً لإثبات استحالة النبوّة لا لكونها من شأن الملائكة.
و استدلّ بعضهم بالآية على أنّ الله سبحانه لم يرسل صبيّا و لا امرأة، و استشكل بنبوّة عيسىعليهالسلام في المهد و اُجيب بأنّ النبوّة أعمّ من الرسالة و الّذي أثبته عيسى لنفسه بقوله:( إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا ) مريم: ٣٠ هي النبوّة دون الرسالة.
و فيه أنّ الاستدلال المذكور بالآية إنّما هو بقوله:( وَ ما أَرْسَلْنا ) و هذا الفعل كما يتعلّق في القرآن بالرسول كذلك يتعلّق بالنبيّ غير الرسول قال تعالى:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ ) الآية فلو تمّ الاستدلال المذكور لدلّ
على حرمان الأطفال و النساء عن الرسالة و النبوّة جميعاً، و قد حكى الله عن عيسىعليهالسلام قوله:( إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا ) مريم: ٣٠ و قال في يحيىعليهالسلام :( وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) مريم: ١٢.
و الحقّ أنّ الآية:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلّا رِجالًا ) إنّما هي في مقام بيان أنّ الرسل كانوا رجالاً من البشر العاديّ من غير عناية بكونهم أوّل ما بعثوا للرسالة أفراداً بالغين مبلغ الرجال فالغرض أنّ نوحاً و إبراهيم و موسى و عيسى و يحيىعليهمالسلام - و هم رسل - كانوا رجالاً يوحى إليهم و لم يكونوا أشخاصاً مجهّزين بقدرة قاهرة غيبيّة و إرادة إلهيّة تكوينيّة.
و يقرب من الآية قوله تعالى: في موضع آخر:( وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدِينَ ) الأنبياء: ٨.
و قوله:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) الظاهر أنّه خطاب للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و لقومه، و قد كان الخطاب في سابق الكلام للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خاصّة و المعنى موجّه إلى الجميع فهو تعميم الخطاب للجميع ليتّخذ كلّ من المخاطبين سبيله فمن كان لا يعلم ذلك كبعض المشركين راجع أهل الذكر و سألهم و من كان يعلم ذلك كالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و المؤمنين به كان في غنى عن الرجوع و السؤال.
و قيل: إنّ الخطاب في الآية للمشركين فإنّهم هم المنكرون فليرجعوا و ليسألوا و فيه أنّ لازم ذلك كون الجملة التفاتا من خطاب الفرد إلى خطاب الجميع و لا نكتة ظاهرة تصحّح ذلك و الله أعلم.
و الذكر حفظ معنى الشيء أو استحضاره، و يقال لما به يحفظ أو يستحضر قال الراغب في المفردات: الذكر تارة يقال و يراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة و هو كالحفظ إلّا أنّ الحفظ يقال اعتباراً بإحرازه و الذكر يقال اعتبارا باستحضاره، و تارة يقال لحضور الشيء في القلب أو القول و لذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب، و ذكر باللسان، و كلّ واحد منهما
ضربان: ذكر عن نسيان و ذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ، انتهى موضع الحاجة.
و الظاهر أنّ الأصل فيه ما هو للقلب و إنّما يسمّى اللفظ ذكراً اعتباراً بإفادته المعنى و إلقائه إيّاه في الذهن، و على هذا المعنى جرى استعماله في القرآن غير أنّ مورده فيه ذكر الله تعالى فالذكر إذا اُطلق فيه و لم يتقيّد بشيء هو ذكره.
و بهذه العناية أيضاً سمّي القرآن وحي النبوّة و الكتب المنزّلة على الأنبياء ذكراً، و الآيات في ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها في هذا الموضع. و قد سمّى الله سبحانه في الآية التالية القرآن ذكراً.
فالقرآن الكريم ذكر كما أنّ كتاب نوح و صحف إبراهيم و توراة موسى و زبور داود و إنجيل عيسىعليهالسلام - و هي الكتب السماويّة المذكورة في القرآن - كلّها ذكر، و أهلها المتعاطون لها المؤمنين بها أهل الذكر.
و لما كان أهل الشيء و خاصّته أعرف بحاله و أبصر بأخباره كان على من يريد التبصّر في أمره أن يرجع إلى أهله، و أهل الكتب السماويّة القائمون على دراستها و تعلّمها و العمل بشرائعها هم أهل الخبرة بها و العالمون بأخبار الأنبياء الجائين بها فعلى من أراد الاطّلاع على شيء من أمرهم أن يراجعهم و يسألهم.
لكنّ المشركين المخاطبين بمثل قوله:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) لما كانوا لا يسلّمون للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم النبوّة و لا يصدّقونه في دعواه و يستهزؤن بالقرآن ذي الذكر كما يذكره تعالى في قوله:( وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) الحجر: ٦ لم ينطبق قوله:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) بحسب المورد إلّا على أهل التوراة، و خاصّة من حيث كونهم أعداء للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم رادّين لنبوّته و كانت نفوس المشركين طيّبة بهم لذلك، و قد قالوا في المشركين:( هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ) النساء: ٥١.
و قال بعضهم: المراد بأهل الذكر أهل العلم بأخبار من مضى من الاُمم سواء أ كانوا مؤمنين أم كفّاراً؟ و سمّي العلم ذكرا لأنّ العلم بالمدلول يحصل غالباً من
تذكّر الدليل فهو من قبيل تسمية المسبّب باسم السبب.
و فيه أنّه من المجاز من غير قرينة موجبة للحمل عليه على أنّ المعهود من الموارد الّتي ورد فيها الذكر في القرآن الكريم غير هذا المعنى.
و قال بعضهم: المراد بأهل الذكر أهل القرآن لأنّ الله سمّاه ذكراً و أهله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و أصحابه و خاصّة المؤمنين. و فيه أنّ كون القرآن ذكراً و أهله أهله لا ريب فيه لكن إرادة ذلك من الآية خاصّة لا تلائم تمام الحجّة فإنّ اُولئك لم يكونوا مسلّمين لنبوّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فكيف يقبلون من أتباعه من المؤمنين؟.
و كيف كان فالآية إرشاد إلى أصل عامّ عقلائيّ و هو وجوب رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة، و ليس ما تتضمّنه من الحكم حكماً تعبّديّاّ، و لا أمر الجاهل بالسؤال عن العالم و لا بالسؤال عن خصوص أهل الذكر أمرا مولويّاً تشريعيّاً و هو ظاهر.
قوله تعالى: ( بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ ) متعلّق بمقدّر يدلّ عليه ما في الآية السابقة من قوله:( وَ ما أَرْسَلْنا ) أي أرسلناهم بالبيّنات و الزبر و هي الآيات الواضحة الدالّة على رسالتهم و الكتب المنزّلة عليهم.
و ذلك أنّ العناية في الآية السابقة إنّما هي ببيان كون الرسل بشراً على العادة فحسب فكأنّه لما ذكر ذلك اختلج في ذهن السامع أنّهم بما ذا اُرسلوا؟ فاُجيب عنه فقيل: بالبيّنات و الزبر أمّا البيّنات فلإثبات رسالتهم و أمّا الزبر فلحفظ تعليماتهم.
و قيل: هو متعلّق بقوله:( وَ ما أَرْسَلْنا ) أي و ما أرسلنا بالبيّنات و الزبر إلّا رجالاً نوحي إليهم. و فيه أنّه لا بأس به في نفسه لكنّه مفوّت لما تقدّم من النكتة.
قوله تعالى: ( وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) لا شكّ أنّ تنزيل الكتاب على الناس و إنزال الذكر على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم واحد بمعنى أنّ تنزيله على الناس هو إنزاله إليه ليأخذوا به و يوردوه مورد العمل كما قال تعالى:( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً
مُبِيناً ) النساء: ١٧٤ و قال:( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) الأنبياء: ١٠.
فيكون محصّل المعنى أنّ القصد بنزول هذا الذكر إلى عامّة البشر و أنّك و الناس في ذلك سواء، و إنّما اخترناك لتوجيه الخطاب و إلقاء القول لا لنحمّلك قدرة غيبيّة و إرادة تكوينيّة إلهيّة فنجعلك مسيطرا عليهم و على كلّ شيء بل لأمرين:
أحدهما: أن تبيّن للناس ما نزّل تدريجاً إليهم لأنّ المعارف الإلهيّة لا ينالها الناس بلا واسطة فلا بدّ من بعث واحد منهم للتبيين و التعليم، و هذا هو غرض الرسالة ينزل إليه الوحي فيحمله ثمّ يؤمر بتبليغه و تعليمه تبيينه.
و الثاني: رجاء أن يتفكّروا فيك فيتبصّروا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله فإنّ الأوضاع المحيطة بك و الحوادث و الأحوال الواردة عليك في مدى حياتك من اليتم و خمود الذكر و الحرمان من التعلّم و الكتابة و فقدان مربّ صالح و الفقر و الاحتباس بين قوم جهلة أخسّاء صفر الأيدي من مزايا المدنيّة و فضائل الإنسانيّة كانت جميعاً أسباباً قاطعة أن لا تذوق من عين الكمال قطرة، و لا تقبض من عرى السعادة على مسكة، لكنّ الله سبحانه أنزل إليك ذكراً تتحدّى به على الجنّ و الإنس مهيمنا على سائر الكتب السماويّة تبيانا لكلّ شيء و هدى و رحمة و برهاناً و نوراً مبيناً.
فالتفكّر فيك نعم الدليل الهادي إلى أن ليس لك فيما جئت به صنع و لا لك من الأمر شيء و أنّ الله أنزله بعلمه و أيّدك لذلك بقدرته من غير أن يداخله من الأسباب العاديّة شيء.
هذا ما تفيده الآية الكريمة نظراً إلى سياقها و سياق ما قبلها و محصّله أنّ قوله:( لِتُبَيِّنَ ) إلخ، غاية للإنزال لا لنفسه بل من حيث تعلّقه بشخص النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و أنّ متعلّق( يَتَفَكَّرُونَ ) المحذوف هو نحو قولنا: فيك لا قولنا: في الذكر.
لكنّ القوم ذكروا أنّ قوله:( لِتُبَيِّنَ ) غاية للإنزال و أنّ المراد بالتفكّر
التفكّر في الذكر ليعلم بذلك أنّه حقّ و معنى الآية على هذا:( وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ) أي القرآن لتبيّن للناس كافّة ما نزل إليهم في ذلك الذكر من اُصول المعارف و الأحكام و الشرائع و أحوال الاُمم الماضية و ما جرى فيهم من سنّة الله تعالى، و لرجاء أن يتفكّروا في الذكر فيهتدوا إلى أنّه حقّ من عند الله أو يتفكّروا فيما تبيّنه لهم.
و أنت خبير بأنّ لازم ذلك أوّلاً شبه تحصيل الحاصل في إنزاله إليه ليبيّن لهم ما نزّل إليهم، و الإنزال واحد، و لا مدفع له إلّا أن يغيّر النظم إلى مثل قولنا: و أنزلنا إليك الذكر لتبيّنه لهم.
و ثانياً: كون قوله:( إِلَيْكَ ) مستدركا مستغنى عنه و خاصّة بالنظر إلى قوله:( وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) و ذلك أنّ الإنزال غايته التبيين و لا أثر في ذلك لكونهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو المنزل إليه دون غيره، و كذلك التفكّر في الذكر غاية مرجوّة للعلم بأنّه حقّ من عند الله من غير نظر إلى من اُنزل إليه، و لازم ذلك كون قوله:( إِلَيْكَ ) زائداً في الكلام لا حاجة إليه.
و ثالثاً: انقطاع الآية بسياقها عن سياق الآية السابقة عليها:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ) و الآيات المتقدّمة عليها.
و هاهنا وجه آخر يمكن أن يندفع به بعض الإشكالات السابقة و هو كون المراد بالذكر المنزّل لفظ القرآن الكريم و بما نزّل إليهم معاني الأحكام و الشرائع و غيرها، و يكون قوله:( لِتُبَيِّنَ ) غاية للإنزال، و قوله:( وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) معطوفا على مقدّر و غاية للتبيين لا للإنزال، و هو خلاف ظاهر الآية، و عليك بإجادة التدبّر فيها.
و من لطيف التعبير في الآية قوله:( وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ) و( ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) بتفريق الفعلين بالإفعال الدالّ على اعتبار الجملة و الدفعة و التفعيل الدالّ على اعتبار التدريج، و لعلّ الوجه في ذلك أنّ العناية في قوله:( وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ) بتعلّق الإنزال بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقط من غير نظر إلى خصوصيّة نفس الإنزال، و لذلك اُخذ الذكر جملة واحدة فعبّر عن نزوله من عنده تعالى بالإنزال.
و أمّا الناس فإنّ الّذي لهم من ذلك هو الأخذ و التعلّم و العمل، و قد كان تدريجيّاً و لذلك عنّي به و عبّر عن نزوله إليهم بالتنزيل.
و في الآية دلالة على حجّيّة قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في بيان الآيات القرآنيّة، و أمّا ما ذكره بعضهم أنّ ذلك في غير النصّ و الظاهر من المتشابهات أو فيما يرجع إلى أسرار كلام الله و ما فيه من التأويل فممّا لا ينبغي أن يصغي إليه.
هذا في نفس بيانهصلىاللهعليهوآلهوسلم و يلحق به بيان أهل بيته لحديث الثقلين المتواتر و غيره و أمّا سائر الاُمّة من الصحابة أو التابعين أو العلماء فلا حجّيّة لبيانهم لعدم شمول الآية و عدم نصّ معتمد عليه يعطي حجّيّة بيانهم على الإطلاق.
و أمّا قوله تعالى:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) فقد تقدّم أنّه إرشاد إلى حكم العقلاء بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم من غير اختصاص الحكم بطائفة دون طائفة.
هذا كلّه في نفس بيانهم المتلقّى بالمشافهة، و أمّا الخبر الحاكي له فما كان منه بيانا متواتراً أو محفوفاً بقرينة قطعيّة و ما يلحق به فهو حجّة لكونه بيانهم، و أمّا ما كان مخالفاً للكتاب أو غير مخالف لكنّه ليس بمتواتر و لا محفوفاً بالقرينة فلا حجّيّة فيه لعدم كونه بياناً في الأوّل و عدم إحراز البيانيّة في الثاني و للتفصيل محلّ آخر.
قوله تعالى: ( أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) هذه الآية و الآيتان بعدها إنذار و تهديد للمشركين و هم الّذين يعبدون غير الله سبحانه و يشرّعون لأنفسهم سننا يستنّون بها في الحياة فما يعملون من الأعمال مستقلّين فيها بأنفسهم معرضين عن شرائع الله النازلة من طريق النبوّة استناداً إلى حجج داحضة اختلقوها لأنفسهم كلّها سيّئات و ما يتقلّبون فيها مدى حياتهم من حركة أو سكون و أخذ أو ردّ و فعل أو ترك و هم على ما هم عليه من استكبار و غرور، كلّها ذنوب يقترفونها مكراً بالله ربّهم و برسله الداعين إلى الأخذ بدين الله و لزوم سبيله.
فقوله:( السَّيِّئاتِ ) مفعول( مَكَرُوا ) بتضمينه بمعنى عملوا أي عملوا السيّئات ماكرين، و ما احتمله بعضهم من كون السيّئات وصفاً سادّاً مسدّ المفعول المطلق و التقدير: يمكرون المكرات السيّئات بعيد من السياق.
و بالجملة الكلام لتهديد المشركين و إنذارهم بالعذاب الإلهيّ و يدخل فيهم مشركو مكّة، و الكلام متفرّع على ما تقدّم كما يدلّ عليه قوله:( أَ فَأَمِنَ ) بفاء التفريع.
و المعنى - و الله أعلم - فإذا دلّت الآيات البيّنات على أنّ الله هو ربّهم لا شريك له في ربوبيّته و أنّ الرسالة ليست بأمر محال بل هي دعوة إلى ما فيه صلاح معاشهم و معادهم و خير دنياهم و اُخراهم من رجال هم أمثالهم يبعثهم الله و يوحي إليهم بما تشتمل عليه الدعوة، فهؤلاء الّذين يعرضون عن ذلك و يمكرون بالله و رسله بالتشبّث بهذه الحجج الواهية لتسوية الطريق إلى ترك دين الله و تشريع ما يوافق أهواءهم و يعملون السيّئات هل أمنوا أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب و هم لا يشعرون، أي يفاجئهم من غير أن يتنبّهوا بتوجّهه إليهم قبل نزوله.
قوله تعالى: ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) الفاعل هو الله سبحانه و قد كثرت في القرآن نسبة الأخذ إليه، و قيل: الضمير للعذاب، و التقلّب هو التحوّل من حال إلى حال و المراد به تحوّل المشركين في مقاصدهم و أعمالهم السيّئة و انتقالهم من نعمة إلى نعمة اُخرى من نعم الحياة الدنيا، قال تعالى:( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ ) آل عمران: ١٩٧.
فالمراد بأخذهم في تقلّبهم أن يأخذهم في عين ما يتقلّبون فيه من السيّئات مكراً بالله و رسله بالعذاب أو المعنى يعذّبهم بنفس ما يتقلّبون فيه فيعود النعمة نقمة، و هذا أنسب بالنظر إلى قوله:( فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) .
و قوله:( فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) في مقام التعليل لأخذهم في تقلّبهم و مكرهم السيّئات
أي لأنّهم ليسوا بمعجزين لله فيما أراد بالتغلّب عليه أو بالفرار من حكمه، و المعنى ظاهر.
قوله تعالى: ( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فإنّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) التخوّف تمكّن الخوف من النفس و استقراره فيها فالأخذ على تخوّف هو العذاب مبنيّاً على المخافة بأن يشعروا بالعذاب فيتّقوه و يحذروه بما استطاعوا من توبة و ندامة و نحوهما فيكون الأخذ على تخوّف مقابلاً لإتيان العذاب من حيث لا يشعرون.
و ربّما قيل: إنّ الأخذ على تخوّف هو العذاب بما يخاف منه من غير هلاك كالزلزلة و الطوفان و غيرهما.
و ربّما قيل: إنّ معنى التخوّف التنقّص بأن يأخذهم الله بنقص النعم واحدة بعد واحدة تدريجيّاً كأخذ الأمن ثمّ الأمطار ثمّ الرخص ثمّ الصحّة و هكذا.
و قوله:( فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) في مقام التعليل أي يأخذهم على تخوّف و يتنزّل في عذابهم إلى هذا النوع من العذاب الّذي هو أهون الأنواع المعدودة لأنّه رؤف رحيم، و في التعبير بقوله:( رَبَّكُمْ ) إشارة إلى ذلك، و كونه في مقام التعليل بالنسبة إلى الوجهين الأوّلين ظاهر، و أمّا بالنسبة إلى الثالث فلأنّ الأخذ بالنقص لا يخلو من مهلة و فرصة يتنبّه فيها من تنبّه فيأخذ بالحذر بتوبة أو غيرها.
و الكلام في تعداد أنواع العذاب المذكورة ليس مسوقاً للحصر كما نبّه به بعضهم بل إحصاء لأنواع منه.
قوله تعالى: ( أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ ) المراد بالرؤية الرؤية البصريّة و النظر الحسّيّ إلى الأشياء الجسمانيّة لأنّ المطلوب إلفات النظر إلى الأجسام ذوات الأظلال.
و التفيّؤ من الفيء و هو الظلّ راجعاً، و لذا قيل: إنّ الظلّ هو ما في أوّل النهار إلى زوال الشمس و الفيء هو ما يكون بعد زوال الشمس إلى آخر النهار، و
الظاهر أنّ الظلّ أعمّ من الفيء كما تقدّم و تؤيّده الآية. فالتفيّؤ رجوع الظلّ بعد زواله.
و الشمائل جمع شمأل و هو خلاف اليمين، و جمعه باعتبار أخذ كلّ سمت مفروض خلف الشيء و عن يساره جهة شمال على حدة فهي شمائل تقابل اليمين كما أنّ عدّ كلّ شيء ذا أظلال بهذه العناية أخذاً للظلّ بالنسبة إلى كلّ جهة من اليمين و الشمائل ظلّا غيره بالنسبة إلى جهة اُخرى لا لأنّ الشيء المذكور جمع بحسب المعنى و إن كان مفرداً بحسب اللفظ. و الدخور هو الخضوع و الصغار.
و كون المراد بالرؤية الرؤية البصريّة قرينة على أنّ المراد بما خلق الله من شيء - و من شيء بيان لما خلق الله - هو الأشياء المرئيّة، و ما تعقّبه من حديث تفيّؤ الظلال يحصرها في الأجسام الكثيفة الّتي لها ظلال كالجبال و الأشجار و الأبنية و الأجسام القائمة على الأرض فلا يرد أنّ ما خلق الله و خاصّة بعد بيانه بالشيء لا يلازمه الظلّ كالأجرام العلويّة المضيئة و الأجسام الشفّافة و أعراض الأجسام.
و لدفع هذا الإشكال جعل بعضهم قوله:( يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ) إلخ، وصفا لشيء حتّى يخصّ البيان بالأشياء المخلوقة الّتي لها أفياء و أظلال و لا يخلو من وجه.
و الآية تهدي المشركين و هم منكرون للتوحيد و النبوّة إلى النظر في حال الأجسام الّتي لها أظلال تدور عن يمينها و عن شمائلها فإنّها تمثّل سجودها لله و خضوعها له و صغارها قبال عظمته و كبريائه، و كذا سجود ما في السماوات و الأرض من دابّة و الملائكة.
فهي جميعاً ساجدة لله وحده لانقيادها الذاتيّ لأمره ممثّلة للخضوع و الصغار بهذا النسك الوجوديّ و العبادة التكوينيّة.
و هذا من أوضح الدليل على أنّ في العالم إلهاً معبوداً واحداً هو الله سبحانه و أنّ من حقّه أن يسجد له و يخضع لأمره، و هذا هو التوحيد و النبوّة اللّذان ينكرونهما فهل التوحيد إلّا الإذعان بكونه سبحانه هو الإله الّذي يجب الخضوع له و التوجّه بالذلّة و الصغار إليه؟ و هل الدين الّذي تتضمّنه دعوة الأنبياء و الرسل
إلّا الخضوع لله سبحانه و الانقياد لأمره فيما أراد؟ فما بالهم ينكرون ذلك؟ و هم يرون و يعلمون أنّ ما على الأرض من أظلال الأجسام الكثيفة يسجد له، و ما في السماوات و الأرض من الملائكة و الذوات ساجدة له منقادة لأمره حتّى أرباب أصنامهم الّذين يتّخذونهم آلهة دون الله فإنّهم إمّا من الملائكة و إمّا من الجنّ و إمّا من كمّلي البشر، و هم جميعاً داخرون له منقادون لأمره.
فمعنى الآية - و الله أعلم -( أَ وَ لَمْ يَرَوْا ) هؤلاء المشركون المنكرون لتوحيد الربوبيّة و لدعوة النبوّة أ و لم ينظروا( إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ ) من هذه الأجسام القائمة على بسيط الأرض من جبل أو بناء أو شجر أو أيّ جسم منتصب( يَتَفَيَّؤُا ) و يرجع و يدور( ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ) واقعة على الأرض تذلّلاً و تعبداً له سبحانه( وَ هُمْ داخِرُونَ ) خاضعون صاغرون.
و قد تقدّم الكلام في معنى سجدة الظلال ذيل قوله تعالى:( وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ ) الرعد: ١٥ في الجزء الحادي عشر من الكتاب.
قوله تعالى: ( وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ ) إلى آخر الآيتين. ذكرت الآية السابقة سجود الظلال و هو معنى مشهود فيها يمثّل معنى السجود لله، و تذكر هذه الآية سجود ما في السماوات و الأرض من دابّة - و الدابّة ما يدبّ و يتحرّك بالانتقال من مكان إلى مكان - بحقيقة السجود الّتي هي نهاية التذلّل و التواضع قبال العظمة و الكبرياء فإنّ صورة السجدة الّتي هي خرور الإنسان و وقوعه على وجهه على الأرض إنّما تعدّ عبادة إذا اُريد بها تمثيل هذا المعنى فحقيقة السجدة هي التذلّل المذكور.
و يدخل في عموم الدابّة الإنسان و كذا الجنّ لأنّه سبحانه يصفهم في كلامه بما يفيد أنّ لهم دبيبا كما لسائر الدوابّ من الإنسان و الحيوان، و لم يدخل سبحانه الملائكة في عموم الدابّة و أفردهم بالذكر، و في ذلك من التلويح إلى أنّ ما نسب إليهم في كلامه تعالى من النزول و الصعود و الذهاب و المجيء ممّا ظاهره النقلة و الحركة المكانيّة ليس من نوع ما للدوابّ من الدبيب و الانتقال المكانيّ ما لا يخفى.
فقوله:( وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ ) أي له يخضع و ينقاد خضوعاً و انقياداً ذاتيّاً هي حقيقة السجود فمن حقّه تعالى أن يعبد و يسجد له.
و في الآية دلالة على أنّ في غير الأرض من السماوات شيئاً من الدوابّ يسكنها و يعيش فيها.
و قوله:( وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) الاستكبار و التكبّر من الإنسان أن يعدّ نفسه كبيراً و يضعه موضع الكبر و ليس به و لذلك يعدّ في الرذائل لكن التكبّر ربّما يطلق على ما لله سبحانه من الكبرياء بالحقّ و هو الكبير المتعال فهو تعالى كبير متكبّر و ليس يقال: مستكبر و لعلّ ذلك كذلك اعتباراً باللفظ فإنّ الاستكبار بحسب أصل هيئته طلب الكبر و لازمه أن لا يكون ذلك حاصلاً للطالب من نفسه و إنّما يطلب الكبر و العلوّ على غيره دعوى فكان مذموماً، و أمّا التكبّر فهو الظهور بالكبرياء سواء كانت له في نفسه كما لله سبحانه و هو التكبّر الحقّ أو لم يكن له إلّا دعوى و غروراً كما في غيره.
فتبيّن بذلك أنّ الاستكبار مذموم دائماً أمّا استكبار المخلوق على مخلوق آخر فلأنّ الفقر و الحاجة قد استوعبهما جميعاً و شيء منهما لا يملك لنفسه نفعاً و لا ضرّاً و لا لغيره فاستكبار أحدهما على الآخر خروج منه عن حدّه و تجاوز عن طوره و ظلم و طغيان.
و أمّا استكبار المخلوق على الخالق فلا يتمّ إلّا مع دعوى المخلوق الاستقلال و الغنى لنفسه و ذهوله عن مقام ربّه فإنّ النسبة بين العبد و ربّه نسبة الذلّة و العزّة و الفقر و الغنى فما لم يغفل العبد عن هذه النسبة و لم يذهل عن مشاهدة مقام ربّه لم يعقل استكباره على ربّه فإنّ الصغير الوضيع القائم أمام الكبير المتعالي و هو يشاهد صغار نفسه و ذلّته و كبرياء من هو أمامه و عزّته لا يتيسّر له أن يرى لنفسه كبرياء و عزّة إلّا أن يأخذه غفلة و ذهول.
و إذ كان الكبرياء و العلوّ لله جميعاً فدعواه الكبرياء و العلوّ تغلّب منه على
ربّه و غصب منه لمقامه و استكبار و استعلاء عليه دعوى، و هذا هو الاستكبار بحسب الذات و يتبعه الاستكبار بحسب الفعل و هو أن لا يأتمر بأمره و لا ينتهي عن نهيه فإنّه ما لم ير لنفسه إرادة مستقلّة قبال الإرادة الإلهيّة مغايرة لها لم ير لنفسه أن يخالفه في أمره و نهيه.
و على هذا فقوله:( وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) في تعريف الملائكة و الكلام في سياق العبوديّة دليل على أنّهم لا يستكبرون على ربّهم فلا يغفلون عنه تعالى و لا يذهلون عن الشعور بمقامه و مشاهدته.
و قد أطلق نفي الاستكبار من غير أن يقيّده بما بحسب الذات أو بحسب الفعل فأفاد أنّهم لا يستكبرون عليه في ذات و لا فعل أي لا يغفلون عنه سبحانه و لا يستنكفون عن عبادته و لا يخالفون عن أمره، و لبيان هذا الإطلاق و الشمول عقّبه بياناً له بقوله:( يَخافُونَ ربّهم مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) و أشار بذلك إلى نفي الاستكبار عنهم ذاتاً و فعلاً.
توضيح ذلك أنّ قوله:( يَخافُونَ ربّهم مِنْ فَوْقِهِمْ ) يثبت لهم الخوف من ربّهم و الله سبحانه ليس عنده إلّا الخير و لا شرّ عنده و لا سبب شرّ يخاف منه إلّا أن يكون الشرّ و سببه عند العبد و قد أخذ متعلّق الخوف هو ربّهم لا عذابه تعالى أو عصيان أمره كما في قوله:( وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخافُونَ عَذابَهُ ) إسراء: ٥٧.
فهذه المخافة هي المخافة منه تعالى و هو و إن لم يكن عنده إلّا الخير، و الخوف إنّما يكون من شرّ مترقّب إلّا أنّ حقيقته التأثّر و الانكسار و الصغار و تأثّر الضعيف قبال القويّ الظاهر بقوّته، و انكسار الصغير الوضيع أمام الكبير المتعال القاهر بكبريائه و تعاليه ضروريّ فمخافتهم هي تأثّرهم الذاتيّ عمّا يشاهدونه من مقام ربّهم و لا يغفلون عنه قطّ.
و يؤيّد ما ذكرناه تقييد قوله:( يَخافُونَ ربّهم ) بقوله:( مِنْ فَوْقِهِمْ ) فإنّ فيه إشارة إلى أنّ كونه تعالى فوقهم قاهراً لهم متعالياً بالنسبة إليهم هو السبب في مخافتهم، و ليس هذا إلّا الخوف من مقامه تعالى لا من عذابه فهو خوف ذاتيّ و يرجع
إلى نفي الاستكبار عن ذواتهم.
و أمّا قوله:( وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) فإشارة إلى عدم استكبارهم في مقام الفعل و قد تقدّم أنّه إذا لم يستكبر عليه تعالى في ذات لم يستكبر عليه في فعل فهم لا يعصون الله سبحانه في أمر بل يفعلون ما يؤمرون، و في إتيان قوله:( يُؤْمَرُونَ ) مبنيّاً للمجهول من التعظيم و التفخيم لمقامه سبحانه ما لا يخفى.
فتبيّن أنّ الملائكة نوع من خلق الله تعالى لا تأخذهم غفلة عن مقام ربّهم و لا يطرء عليهم ذهول و لا سهو و لا نسيان عن ذلك و لا يشغلهم عنه شاغل، و هم لا يريدون إلّا ما يريده الله سبحانه.
و إنّما خصّ سبحانه الملائكة من بين الساجدين المذكورين في الآية بذكر شأنهم و تعريف أوصافهم و تفصيل عبوديّتهم لأنّ أكثر آلهة الوثنيّين من الملائكة كإله السماء و إله الأرض و إله الرزق و إله الجمال و غيرهم، و للدلالة على أنّهم - بالرغم من زعم الوثنيّين - أمعن خلق الله تعالى في عبوديّته و عبادته.
و من عجيب الاستدلال ما استدلّ به بعضهم بالآية على أنّ الملائكة مكلّفون مدارون بين الخوف و الرجاء كمثلنا أمّا دلالتها على التكليف فلمكان الأمر، و أمّا إدارتهم بين الخوف و الرجاء فلأنّ الآية ذكرت خوفهم و الخوف يستلزم الرجاء.
و هو ظاهر الفساد أمّا الأمر فقد ورد في كلامه تعالى في موارد لا تكليف فيها قطعاً كالسماء و الأرض و غيرهما قال تعالى:( فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) حم السجدة: ١١ و قال:( وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ) .
و أمّا استلزام الخوف للرجاء فإنّما الملازمة ما بين الخوف من نزول العذاب و إصابة المكروه و بين الرجاء، و قد تقدّم أنّ الّذي في الآية إنّما هو خوف مهابة و إجلال بمعنى تأثّر الضعيف من القويّ و انكسار الصغير الحقير قبال العظيم الكبير الظاهر عليه بعظمته و كبريائه و لا مقابلة بين الخوف بهذا المعنى و بين الرجاء.
و قد استدلّ بالآية أيضاً على أنّ الملائكة أفضل من البشر، و فيه أنّ من الممكن استظهار أفضليّتهم من عصاة البشر و كفّارهم ممّن يفقد الصفات المذكورة
لكونها مسوقة في مقام المدح و أمّا غيرهم فلا تعرّض للآية لهم إثباتاً و نفياً و سيأتي تفصيل القول في الملائكة في موضع يليق به إن شاء الله.
قوله تعالى: ( وَ قالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إنّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) الرهبة الخوف و تقابل الرغبة كما أنّ الخوف يقابل به الرجاء.
و الكلام معطوف على قوله:( وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ) و قيل: معطوف على قوله:( وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ) و قيل: على قوله:( ما خَلَقَ اللهُ ) على طريقة قوله:( علّفتها تبنا و ماء باردا) أي و سقيتها ماء باردا، و التقدير في الآية أ و لم يروا إلى ما خلق الله من شيء و أ لم يسمعوا إلى ما قال الله( لا تَتَّخِذُوا ) إلخ؟ و الأوّل هو الوجه.
و قوله:( لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ) اُريد به - و الله أعلم - النهي عن التعدّي عن الإله الواحد باتّخاذ غيره معه فيشمل الاثنين و ما فوقه من العدد و يؤيّده تأكيده بقوله:( إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ) و( اثْنَيْنِ ) صفة( إِلهَيْنِ ) كما أنّ( واحِدٌ ) صفة( إِلهٌ ) جيء بهما للإيضاح و التبيين.
و بعبارة اُخرى العناية متعلّقة بالنهي عن اتّخاذ غيره معه سواء كان واحداً أو أكثر من واحد لكن لما كان كلّ عدد اختاروه في الإله فوق الاثنين يجب أن يسلكوا إليه من الاثنين إذ لا يتحقّق عدد هو فوق الاثنين إلّا بعد تحقّق الاثنين نهى عن اتّخاذ الاثنين و اكتفى به عن النهي عن كلّ عدد فوق الواحد.
و يمكن أن يكون اعتبار الاثنين نظراً إلى ما عليه دأبهم و سنّتهم فإنّهم يعتقدون من الإله بإله الصنع و الإيجاد و هو الّذي له الخلق فحسب و هو إله الآلهة و موجد الكلّ، و بإله العبادة و هو الّذي له الربوبيّة و التدبير، و هذا المعنى أنسب بما يتلوه من الجمل.
و على هذا فالمعنى لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ: إله الخلق و إله التدبير الّذي له العبادة إنّما هو أي الإله إله واحد له الخلق و التدبير جميعاً لأنّ كلّ تدبير ينتهي إلى الإيجاد، و إذ كنت أنا الخالق الموجد فأنا المدبّر الّذي تجب عبادته فإيّاي فارهبون و إيّاي فاعبدون.
و من هنا يظهر وجه تفرّع قوله:( فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) على ما تقدّمه و أنّه من لطيف الاستدلال، و الجملة تفيد الحصر بتقديم المفعول على سبيل الاشتغال، و القصر قصر قلب لا قصر إفراد كما يفيده كلامهم فإنّ الوثنيّين لا يعبدون الله و آلهتهم غير الله، و إنّما يعبدون آلهتهم فحسب معتذرين بأنّ الله سبحانه لا يحيط به علم و لا يناله فهم فلا يمكن التوجّه إليه بالعبادة فمن الواجب أن يعبد الكرام أو الأقوياء من خلقه كالملائكة و الكاملين من البشر و الجنّ فهم المدبّرون لأمر العالم ينال بالعبادة خيرهم و يتّقى بها شرّهم و هذا معنى التقرّب إلى الله بشفاعتهم.
و الظاهر أنّ الأمر بالرهبة كناية عن الأمر بالعبادة و إنّما اختصّت الرهبة بالذكر ليوافق ما تقدّم في حديث سجدة الكلّ الّتي هي الأصل في تشريع العبادة من خوف الملائكة، و على هذا فالظاهر أنّ المراد بالرهبة ما هي رهبة إجلال و مهابة لا ما هي رهبة مؤاخذة و عذاب، فافهم ذلك.
قوله تعالى: ( وَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ) قال في المفردات: الوصب السقم اللازم و قد وصب فلان فهو وصب و أوصبه كذا فهو يتوصّب نحو يتوجّع، قال تعالى:( وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ ) ( وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً ) فتوعّدٌ لمن اتّخذ إلهين و تنبيهٌ أنّ جزاء من فعل ذلك عذاب لازم شديد.
و يكون الدين هاهنا الطاعة، و معنى الواصب الدائم أي حقّ الإنسان أن يطيعه دائماً في جميع أحواله كما وصف به الملائكة حيث قال:( لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) و يقال: وصب وصوباً دام، و وصب الدّين وجب، و مفازة واصبة بعيدة لا غاية لها. انتهى.
و الآية و ما بعدها تحتجّ على وحدانيّته تعالى في الاُلوهيّة بمعنى المعبوديّة بالحقّ و أنّ الدين له وحده ليس لأحد أن يشرّع من ذلك شيئاً و لا أن يطاع فيما شرّع فالآية و ما بعدها في مقام التعليل لقوله:( وَ قالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ) إلى آخر الآية، و احتجاج على مضمونها و عود بعد عود إلى ما تقدّم بيانه من التوحيد و النبوّة اللّذين ينكرهما المشركون.
فقوله:( وَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) احتجاج على توحّده تعالى في الربوبيّة فإنّ ما في السماوات و الأرض من شيء فهو مملوك له بحقيقة معنى الملك إذ ما في العالم المشهود من شيء فهو بما له من الصفات و الأفعال، قائم به تعالى موجود بإيجاده و ظاهر بإظهاره لا يسعه أن ينقطع منه و لا لحظة فالأشياء قائمة به قيام الملك بمالكه مملوكة له ملكاً حقيقيّاً لا يقبل تغييراً و لا انتقالاً كما هو خاصّة الملك الحقيقيّ كملك الإنسان لسمعه و بصره مثلاً.
و إذا كان كذلك كان هو تعالى المدبّر لأمر العالم إذ لا معنى لكون العالم مملوكاً له بهذا الملك ثمّ يستقلّ غيره بتدبير أمره و التصرّف فيه و ينعزل هو تعالى عمّا خلقه و ملكه، و إذا كان هو المدبّر لأمره كان هو الربّ له إذ الربّ هو المالك المدبّر، و إذا كان هو الربّ كان هو الّذي يجب أن يتّقى و يخضع له بالعبادة.
و قوله:( وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً ) أي دائماً لازماً، و ذلك أنّه لما كان تعالى هو الربّ الّذي يملك الأشياء و يدبّر أمرها و من واجب التدبير أن يستنّ العالم الإنسانيّ بسنّة يبلغ به الجري عليها غايته و يهديه إلى سعادته - و هذه السنّة و الطريقة هي الّتي يسمّيها القرآن ديناً - كان من الواجب أن يكون تعالى هو القائم على وضع هذه السنّة و تشريع هذه الطريقة فهو تعالى المالك للدين كما قال:( وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً ) و عليه أن يشرّع ما يصلح به التدبير كما قال فيما مرّ:( وَ عَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) الآية.
و قيل: المراد بالدين الطاعة، و قيل: الملك، و قيل: الجزاء، و لكلّ منها وجه غير خفيّ على المتأمل، و الأوجه هو ما قدّمناه لأنّه أوفق و أنسب بسياق ما يحفّها من الآيات السابقة و اللاحقة الباحثة عن توحيد الربوبيّة و تشريع الدين من طريق الوحي و الرسالة.
و قوله:( أَ فَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ) استفهام إنكاريّ - متفرّع على الجملتين جميعاً - على الظاهر، و المعنى: و إذا كان كذلك فهل غيره تعالى تتّقون و تعبدون؟ و ليس يملك شيئاً و لا يدبّر أمراً حتّى يعبد، و ليس من حقّه أن يشرّع ديناً فيطاع فيما وضعه و شرّعه.
قوله تعالى: ( وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ) بيان آخر لوحدانيّته تعالى في الربوبيّة يفرّع سبحانه عليه ذمّهم و توبيخهم على شركهم بالله و على تشريعهم اُموراً من عند أنفسهم من غير إذن منه و رضى و يجري الكلام في هذا المجرى إلى تمام بضع آيات.
و المراد بالضرّ سوء الحال من جهة فقدان النعمة الّتي تصلح بها الحال، و الجؤار بضم الجيم صوت الوحوش أستعير لرفع الصوت بالدعاء و التضرّع و الاستغاثة تشبيها له به.
و قوله:( وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ) الكلام مسوق للعموم و ليس مجرّد دعوى غير مستدلّ فقد بيّن ذلك في الآيات السابقة. على أنّ السامعين يسلّمون ذلك و يقولون به و يدلّ عليه جؤارهم و استغاثتهم إليه عند مسيس الضرّ بفقدان نعمة من النعم.
فالمعنى: أنّ جميع النعم الّتي عندكم من إنعامه تعالى عليكم و أنتم تعلمون ذلك ثمّ إذا حلّ بكم شيء من الضرّ و سوء حال يسير رفعتم أصواتكم بالتضرّع و جأرتم إليه لا إلى غيره و لو كان لغيره صنيعة عندكم لتوجّهتم إليه فهو سبحانه منعم النعمة و كاشف الضرّ فما بالكم لا تخصّونه بالعبادة و لا تطيعونه.
و الاستغاثة به تعالى و التضرّع إليه عند حلول المصائب و هجوم الشدائد الّتي ينقطع عندها الرجاء عن الأسباب الظاهريّة ضروريّة لا يرتاب فيها فإنّ الإنسان و لو لم ينتحل إلى دين و لم يؤمن بالله سبحانه فإنّه لا ينقطع رجاؤه عند الشدائد إذا رجع إلى ما يجده من نفسه، و لا رجاء إلّا و هناك مرجوّ منه فمن الضروريّ أنّ تحقّق ما لا يخلو من معنى التعلّق كالحبّ و البغض و الإرادة و الكراهة و الجذب و نظائرها في الخارج لا يمكن إلّا مع تحقّق طرف تعلّقها في الخارج فلو لم يكن في الخارج مراد لم تتحقّق إرادة من مريد، و لو لم يكن هناك مطلوب لم يكن طلب و لو لم يكن جاذب يجذب لم يتصوّر مجذوب ينجذب، و هذا حال جميع المعاني الموجودة الّتي لا تخلو كينونتها عن نسبة.
فتعلّق الرجاء من الإنسان بالتخلّص من البليّة عند انقطاع الأسباب دليل على أنّه يرى أنّ هناك سبباً فوق هذه الأسباب المنقطع عنها لا تعجزه عظائم الحوادث و داهمات الرزايا و لا ينقطع عنه الإنسان، و لا يزول و لا يفنى و لا يسهو و لا ينسى قطّ.
هذا شيء يجده الإنسان من نفسه و تقضي به فطرته و إن ألهاه عنه الاشتغال بالأسباب الظاهرة و جذبته إلى نفسها أمتعة الحياة و زخارف المادّة المحسوسة لكنّه إذا أحاطت به البليّة و أعيته الحيلة و سدّت عليه طرق النجاة و انهزمت الأسباب الظاهرة عن آخرها و طارت الموانع عن نظره و لم يبق هناك مُلهٍ يلهيه و لا شاغل يشغله ظهر له ما أخفته الأسباب و عاين ما كان على غفلة منه فتعلّقت نفسه به، و هو السبب الّذي فوق كلّ سبب و هو الله عزّ اسمه.
قوله تعالى: ( ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِربّهم يُشْرِكُونَ ) شروع في ذمّهم و توبيخهم و ينتهي إلى إيعادهم و حقّ لهم ذلك لأنّ الّذي يستدعيه كشف الضرّ عن استغاثتهم و رجوعهم الفطريّ إلى ربّهم أن يوحّدوه بالربوبيّة بعد ما انكشفت لهم الحقيقة باندفاع البليّة و نزول الرحمة لكن فريقاً منهم تفاجئهم الشقوّة فيعودون إلى التعلّق بالأسباب فينتبه عندئذ الراقد من رذائل ملكاتهم فيثير لهم الأهواء و يشركون بربّهم غيره، و منه الأسباب الّتي يتعلّقون بها، و معنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: ( لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) اللام للغاية أي إنّهم إنّما يشركون بربّهم ليكفروا بما أعطيناهم من النعمة بكشف الضرّ عنهم و لا يشكروه.
و جعل الكفر بالنعمة غاية للشرك إنّما هو بدعوى أنّهم لا غاية لهم في مسير حياتهم إلّا الكفر بنعمة الله و عدم شكره على ما أولى فإنّ اشتغالهم بالحسّ و المادّة أورثهم في قلوبهم ملكة التعلّق بالأسباب الظاهرة و إسناد النعم الإلهيّة إليها و ضربّهم إيّاها حجاباً ثخينا على عرفان الفطرة فأنساهم ذلك توحيد ربّهم في ربوبيّته فصاروا يذكرون عند كلّ نعمة أسبابها الظاهرة دون الله، و يتعلّقون بها و يخشون انقطاعها
و يخضعون لها دون الله فكأنّهم بل إنّهم لا غاية لهم إلّا كفر نعمة الله و عدم شكرها.
فالكفر بالله سبحانه هو غايتهم العامّة في كلّ شأن أبدوه و كلّ عمل أتوا به فإذا أشركوا بربّهم بعد كشف الضرّ بالخضوع لسائر الأسباب فإنّما أشركوا ليكفروا بما آتاهم من النعمة.
و لما كان كفرانهم هذا - و هو كفر دائم يصرّون عليه و استكبار على الله، و قد قال تعالى:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم: ٧ - أثار ذكر ذلك الغضب الإلهيّ فعدل عن خطاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و هم على نعت الغيبة إلى خطابهم و إيعادهم من غير توسيط فقال:( فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) .
و لم يذكر ما يتمتّعون به ليفيد بالإطلاق أنّ كلّ ما تمتّعوا به سيؤاخذون عليه و لا ينفعهم شيء منه، و لم يذكر ما يعلمونه - و هو لا محالة أمر يسوؤهم - ليكونوا على جهل منه حتّى يحلّ بهم مفاجأة و يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون و فيه تشديد للإيعاد.
و ذكر بعضهم: أنّ اللام في قوله:( لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ) لام الأمر و المراد به الإيعاد على نحو التعجيز و هو تكلّف.
قوله تعالى: ( وَ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) ذكروا أنّه معطوف على سائر جناياتهم الّتي دلّت عليها الآيات السابقة و التقدير أنّهم يفعلون ما قصصناه من جناياتهم و يجعلون لما لا يعلمون نصيبا و الظاهر أنّ( لِما ) في( لِما لا يَعْلَمُونَ ) موصولة و المراد به آلهتهم و ضمير الجمع يعود إلى المشركين و مفعول( لا يَعْلَمُونَ ) محذوف و المعنى و يجعل المشركون لآلهتهم الّتي لا يعلمون من حالها أنّها تضرّ و تنفع نصيبا ممّا رزقناهم.
و المراد من هذا الجعل ما ذكره سبحانه في سورة الأنعام بقوله:( وَ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَ ما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) الأنعام: ١٣٦ هذا ما ذكروه و لا يخلو عن تكلّف.
و يمكن أن يكون معطوفاً على ما مرّ من قوله:( يُشْرِكُونَ ) و التقدير إذا فريق منكم بربّهم يشركون و يجعلون لما لا يعلمون نصيباً ممّا رزقناهم، و المراد بما لا يعلمون الأسباب الظاهرة الّتي ينسبون إليها الآثار على سبيل الاستقلال و هم جاهلون بحقيقة حالها و لا علم لهم جازماً أنّها تضرّ و تنفع مع ما يرون من تخلّفها عن التأثير أحيانا.
و إنّما نسب إليهم أنّهم يجعلون لها نصيبا من رزقهم مع أنّهم يسندون الرزق إليها بالاستقلال من غير أن يذكروا الله معها و مقتضاه نفي التأثير عنه تعالى رأسا لا إشراكه معها لأنّ لهم علماً فطريّاً بأنّ الله سبحانه له تأثير في الأمر و قد ذكر عنهم آنفاً أنّهم يجأرون إليه عند مسّ الضرّ و إذا اعتبر اعترافهم هذا مع إسنادهم التأثير إلى الأسباب أنتج ذلك أنّ الأسباب عندهم شركاء لله في الرزق و لها نصيب فيه ثمّ أوعدهم بقوله:( تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) .
قوله تعالى: ( وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) عتاب آخر لهم في حكم حكموا به جهلا من غير علم فاحترموا لأنفسهم و أساؤا الأدب مجترئين على الله سبحانه حيث اختاروا لأنفسهم البنين و كرهوا البنات لكنّهم نسبوها إلى الله سبحانه.
فقوله:( وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ ) هو أخذهم الآلهة دون الله أو بعض الآلهة إناثاً، و قولهم: إنّهنّ بنات الله، و قد قيل: إنّ خزاعة و كنانة كانوا يقولون: إنّ الملائكة بنات الله.
و كانت الوثنيّة البرهميّة و البوذيّة و الصابئة يثبتون آلهة كثيرة من الملائكة و الجنّ إناثاً و هنّ بنات الله، و في القرآن الكريم:( وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) الزخرف: ١٩ و قال تعالى:( وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجنّة نَسَباً ) الصافّات: ١٥٨.
و قال الإمام في تفسيره في وجه ذلك: أظنّ أنّهم سمّوها بنات لاستتارها عن العيون كالنساء كما أنّهم أخذوا الشمس مؤنّثاً لاستتار قرصها بنورها الباهر و ضوئها
عن العيون كالمخدّرات من النساء و لا يلزم الاطّراد في التسمية حتّى يلزم مثل ذلك في الجنّ لاستتارهم عن العيون مع عدم التأنيث. انتهى ملخّصا.
و ذكر بعضهم: أنّ الوجه في التأنيث كونها مستترة عن العيون مع كونها في محلّ لا يصل إليه الأغيار فهي كالبنات الّتي يغار عليهنّ الرجل فيسكنهنّ في محلّ أمين و مكان مكين، و الجنّ و إن كانوا مستترين عن العيون لكنّه على غير هذه الصورة انتهى.
و هذان الوجهان لا يتعدّيان طور الاستحسان و أنت لو راجعت آراء الوثنيّة على اختلافهم - و قد تقدّم شطر منها في الجزء العاشر من هذا الكتاب - عرفت أنّ العرب لم تكن مبتكرة في هذه العقيدة بل لها أصل قديم في آراء قدماء الوثنيّة في الهند و مصر و بابل و اليونان و الروم.
و الإمعان في اُصول آرائهم يعطي أنّهم كانوا يتّخذون الملائكة الّذين ينتهي إليهم وجوه الخير في العالم و الجنّ الّذين يرجع إليهم الشرور آلهة يعبدونهم رغبا و رهبا، و هذه المبادئ العالية و القوى الكلّيّة الّتي هم يحملونها، و بعبارة اُخرى هم مظاهر لها تنقسم إلى فاعلة و منفعلة و هم يعتبرون اجتماع الفاعل و المنفعل منها نكاحاً و ازدواجاً و الفاعل منها أباً و المنفعل منها اُمّا، و المتحصّل من اجتماعهما ولدا و ينقسم الأولاد إلى بنين و بنات فمن الآلهة ما هنّ اُمّهات و بنات و منها ما هم آباء و بنون.
فلئن كان بعض وثنيّة العرب قالت: إنّ الملائكة جميعاً بنات الله فقول أرادوا أن يقلّدوا فيه من قبلهم جهلاً و من غير تثبّت.
و قوله:( وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) ظاهر السياق أنّه معطوف على( لِلَّهِ الْبَناتِ ) و التقدير و يجعلون لهم ما يشتهون، أي يثبتون لله سبحانه البنات باعتقاد أنّ الملائكة بناته و يثبتون لأنفسهم ما يشتهون و هم البنون بقتل البنات و وأدها و المحصّل أنّهم يرضون لله بما لا يرضون به لأنفسهم.
و قيل: إنّ( ما يَشْتَهُونَ ) مبتدأ مؤخّر و( لَهُمْ ) خبر مقدّم و الجملة معطوفة
على( يَجْعَلُونَ ) و على هذا فالجملة مسوقة للتقريع أو الاستهزاء.
و قد وجّهوا ذلك بأنّ عطف الجملة على( لِلَّهِ الْبَناتِ ) غير جائز لمخالفته القاعدة و هي أنّ الفعل المتعدّي إلى المفعول بنفسه أو بحرف جرّ إذا كان فاعله ضميراً متّصلاً مرفوعاً فإنّه لا يتعدّى إلى نفس هذا الضمير بنفسه أو بحرف جرّ إلّا بفاصل مثلاً إذا ضرب زيد نفسه لم يقل: زيد ضربه و أنت ضربتك و إذا غضب على نفسه لم يقل: زيد غضب عليه، و إنّما يقال: زيد ضرب نفسه أو ما ضرب إلّا إيّاه، و زيد غضب على نفسه أو ما غضب إلّا عليه إلّا في باب ظنّ و ما اُلحق به من فقد و عدم فيجوز أن يقال: زيد ظنّه قويّاً أي نفسه.
و على هذا فلو كان قوله:( وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) معطوفاً على قوله:( لِلَّهِ الْبَناتِ ) كان من الواجب أن يقال:( و لأنفسهم ما يشتهون) انتهى محصّلاً.
و الحقّ أنّ التزام هذه القاعدة إنّما هو لدفع اللبس و أنّ تخلّل حرف الجرّ بين الضميرين من الفصل، و في القرآن الكريم:( وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مريم: ٢٥( وَ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ ) القصص: ٣٢ و منهم من ردّ القاعدة من رأس لانتقاضها بالآيتين، و أجابوا أيضاً بوجوه اُخر لا حاجة بنا إلى ذكرها من أرادها فليراجع التفاسير.
قوله تعالى: ( وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ ) اسوداد الوجه كناية عن الغضب، و الكظيم هو الّذي يتجرّع الغيظ، و الجملة حاليّة أي ينسبون إلى ربّهم البنات و الحال أنّهم إذا بشّر أحدهم بالاُنثى فقيل: ولدت لك بنت اسودّ وجهه من الغيظ و هو يتجرّع غيظه.
قوله تعالى: ( يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ) إلى آخر الآية، التواري الاستخفاء و التخفّي و هو مأخوذ من الوراء، و الهون الذلّة و الخزي، و الدسّ الإخفاء.
و المعنى: يستخفي هذا المبشّر بالبنت من القوم من سوء ما بشّر به على عقيدته و يتفكّر في أمره: أ يمسك ما بشّر به و هي البنت على ذلّة من إمساكه و حفظه أم
يخفيه في التراب كما كان ذلك عادتهم في المواليد من البنات كما قيل: إنّ أحدهم كان يحفر حفيرة صغيرة فإذا كان المولود اُنثى جعلها في الحفيرة و حثا عليها التراب حتّى تموت تحته و كانوا يفعلون ذلك مخافة الفقر عليهنّ فيطمع غير الأكفاء فيهنّ.
و أوّل ما بدا لهم ذلك أنّ بني تميم غزوا كسرى فهزمهم و سبى نساءهم و ذراريهم فأدخلهنّ دار الملك و اتّخذ البنات جواري و سرايا ثمّ اصطلحوا بعد برهة و استردّوا السبايا فخيّرن في الرجوع إلى أهلهنّ فامتنعت عدّة من البنات فأغضب ذلك رجال بني تميم فعزموا لا تولد لهم اُنثى إلّا وأدوها و دفنوها حيّة ثمّ تبعهم في ذلك بعض من دونهم فشاع بينهم وأد البنات.
و قوله:( أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) هو حكمهم أنّ له البنات و لهم البنون لا لهوان البنات و كرامة البنين في نفس الأمر بل معنى هذا الحكم عندهم أن يكون لله ما يكرهون و لهم ما يحبّون، و قيل: المراد بالحكم حكمهم بوجوب وأد البنات و كون إمساكهنّ هونا، و أوّل الوجهين أوفق و أنسب للآية التالية.
قوله تعالى: ( لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) المثل هو الصفة و منه سمّي المثل السائر مثلاً لأنّه صفة تسير في الألسن و تجري في كلّ موضع تناسبه و تشابهه.
و السوء - بالفتح و السكون - مصدر ساء يسوء كما أنّ السوء بالضمّ اسمه و إضافة المثل إلى السوء تفيد التنويع فإنّ الأشياء إنّما توصف إمّا من جهة حسنها و إمّا من جهة سوئها و قبحها فالمثل مثلان: مثل الحسن و مثل السوء.
و الحسن و القبح ربّما كانا من جهة الخلقة لا صنع للإنسان و لا مدخل لاختياره فيهما كحسن الوجه و دمامة الخلقة، و ربّما لحقا من جهة الأعمال الاختياريّة كحسن العدل و قبح الظلم، و إنّما يحمد و يذمّ العقل ما كان من القسم الثاني دون القسم الأوّل فيدور الحمد و الذمّ بحسب الحقيقة مدار العمل بما تستحسنه و تأمر به الفطرة الإنسانيّة من الأعمال الّتي توصله إلى ما فيه سعادة حياته و ترك العمل بها و هو الّذي يتضمّنه الدين الحقّ من أحكام الفطرة.
و من المعلوم أنّ الطبع الإنسانيّ لا رادع له عن اقتراف العمل السيّئ إلّا أليم المؤاخذة و شديد العقاب و إذعانه بإيقاعه و إنجازه، و أمّا الذمّ فإنّه يتبدّل مدحاً إذا شاع الفعل و خرج بذلك عن كونه منكراً غير معروف.
و من هنا يظهر أنّ الإيمان بالآخرة و الإذعان بالحساب و الجزاء هو الأصل الوحيد الّذي يضمن حفظ الإنسان عن اقتراف الأعمال السيّئة و يجيره من لحوق أيّ ذمّ و خزي و هو المنشأ الّذي يقوّم أعمال الإنسان تقويماً يحمله على ملازمة طريق السعادة، و لا يؤثّر أثره أيّ شيء آخر من المعارف الأصليّة حتّى التوحيد الّذي إليه ينتهي كلّ أصل.
و إلى ذلك يشير قوله تعالى:( وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ) ص: ٢٦.
فعدم الإيمان بالآخرة و استخفاف أمر الحساب و الجزاء هو مصدر كلّ عمل سيّئ و مورده، و بالمقابلة الإيمان بالآخرة هو منشأ كلّ حسنة و منبع كلّ خير و بركة.
فكلّ مثل سوء و صفة قبح يلزم الإنسان و يلحقه فإنما يأتيه من قبل نسيان الآخرة كما أنّ كلّ مثل حسن و صفة حمد بالعكس من ذلك.
و بما تقدّم يظهر النكتة في قوله:( لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ) فقد كان يصفهم في الآيات السابقة بالشرك فلمّا أراد بيان أنّ لهم مثل السوء بدّل ذلك من وصفهم بعدم إيمانهم بالآخرة.
فالّذين لا يؤمنون بالآخرة هم الأصل في عروض كلّ مثل سوء و صفة قبح فإنّ ملاكه و هو إنكار الآخرة نعتهم اللازم لهم. و لو لحق بعض المؤمنين بالآخرة شيء من مثل السوء فإنّما يلحقه لنسيان مّا ليوم الحساب و المنكرون هم الأصل في ذلك.
هذا في صفات السوء الّتي يستقبحها العقل و يذمّها و هناك صفات سوء لا يستقبحها العقل و إنّما يكرهها الطبع كالاُنوثة عند قوم و إيلاد البنات عند آخرين
و الفقر الماليّ و المرض و كالموت و الفناء و العجز و الجهل تشترك بين المؤمن و الكافر و صفات اُخرى تحليليّة كالفقر و الحاجة و النقص و العدم و الإمكان لا تختصّ بالإنسان بل هي مشتركة بين جميع الممكنات سارية في عامّة الخلق، و الكافر يتصف بها كما يتّصف بها غيره فالكافر في معرض الاتّصاف بكلّ مثل سوء منها ما يختصّ به و منها ما يشترك بينه و بين غيره كما بيّن تفصيلاً.
و الله سبحانه منزّه من أن يتّصف بشيء من هذه الصفات الّتي هي أمثال السوء أمّا أمثال السوء الّتي تتحصّل من ناحية سيّئات الأعمال ممّا يستقبحه العقل و يذمّه و يجمعها الظلم فلأنّه لا يظلم شيئاً قال تعالى:( وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) الكهف: ٤٩ و قال:( وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) الزخرف: ٨٤ فما قضاه من حكم أو فعله من شيء فهو المتعيّن في الحكمة لا يصلح بالنظر إلى النظام الجاري في الوجود إلّا ذاك.
و أمّا أمثال السوء ممّا يستكرهه الطبع أو يحلّله العقل فلا سبيل لها إليه تعالى فإنّه عزيز مطلق يمتنع جانبه من أن تسرب إليه ذلّة فإنّ له كلّ القدرة لا يعرضه عجز، و له العلم كلّه فلا يطرأ عليه جهل، و له محض الحياة لا يهدّده موت و لا فناء منزّه عن كلّ نقص و عدم فلا يتّصف بصفات الأجسام ممّا فيه نقص أو فقد أو قصور أو فتور، و الآيات في هذه المعاني كثيرة ظاهرة لا حاجة إلى إيرادها.
فهو سبحانه ذو علوّ و نزاهة من أن يتّصف بشيء من أمثال السوء الّتي يتّصف بها غيره، و لا هذا المقدار من التنزّه و التقدّس فحسب بل منزّه من أن يتّصف بشيء من الأمثال الحسنة و الصفات الجميلة الكريمة بمعانيها الّتي يتّصف بها غيره كالحياة و العلم و القدرة و العزّة و العظمة و الكبرياء و غيرها، فإنّ الّذي يوجد من هذه الصفات الحسنة الكماليّة في الممكنات محدودة متناه مشوب بالفقر و الحاجة مخلوط بالفقدان و النقيصة لكنّ الّذي له سبحانه من الصفات محض الكمال و حقيقته غير محدودة و لا متناه و لا مشوب بنقص و عدم، فله حياة لا يهدّدها موت، و قدرة لا يعتريها عيّ و عجز، و علم لا يقارنه جهل، و عزّة ليس معها ذلّة.
فله المثل الأعلى و الصفة الحسنى، قال تعالى:( وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ
وَ الْأَرْضِ ) الروم: ٢٧ و قال:( لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) طه: ٨ فالأمثال منها دانية و منها عالية و العالية منها أعلى و منها غيره، و الأعلى مثله تعالى و الأسماء سيّئة و حسنة و الحسنة منها أحسن و غيره و لله منها ما هو أحسن فافهم ذلك.
فقد تبيّن بما تقدّم معنى كون مثله أعلى، و أنّ قوله:( وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) مسوق للحصر أي لله المثل الّذي هو أعلى دون المثل الّذي هو سيّئ دان و دون المثل الّذي هو حسن عال من صفات الكمال الّذي تتّصف به الممكنات و ليس بأعلى.
و تبيّن أيضاً أنّ المثل الأعلى الّذي يظهر له تعالى من البيان السابق هو انتفاء جميع الصفات السيّئة عنه كما قال:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الشورى: ١١ و من الصفات الثبوتيّة كلّ صفة حسنة منفيّاً عنه الحدود و النواقص.
و قوله:( وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) مسوق لإفادة الحصر و تعليل ما تقدّمه أي و هو الّذي له كلّ العزّة فلا تعتريه ذلّة أصلاً لأنّ كلّ ذلّة فهو فقد عزّة مّا و ليس يفقد عزّة مّا، و له كلّ الحكمة فلا يعرضه جهالة لأنّها فقد حكمة مّا و ليس يفقد شيئاً من الحكمة.
و إذ لا سبيل لذلّة و لا جهالة إليه فلا يتّصف بشيء من صفات النقص، و لا ينعت بشيء من نعوت الذمّ و أمثال السوء، لكنّ الكافر ذليل في ذاته جهول في نفسه فتلحقه و تلازمه صفات النقص و يتّصف بصفات الذمّ و أمثال السوء فللّذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء.
و المؤمن و إن كان ذليلاً في ذاته جهولاً في نفسه كالكافر إلّا أنّه لدخوله في ولاية الله أعزّه ربّه بعزّته و أظهره على الجهالة بتأييده بروح منه قال تعالى:( وَ اللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران: ٦٨ و قال:( وَ لِلَّهِ الْعزّة وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) المنافقون: ٨ و قال:( أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) المجادلة: ٢٢.
قوله تعالى: ( وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ ) إلى آخر الآية. ضمير( عَلَيْها ) عائد إلى الأرض لدلالة( النَّاسَ ) عليها.
و لا يبعد أن يدّعى أنّ السياق يدلّ على كون المراد بالدابّة الإنسان فقط من جهة كونه يدبّ و يتحرّك، و المعنى و لو أخذ الله الناس بظلمهم مستمرّاً على المؤاخذة ما ترك على الأرض من إنسان يدبّ و يتحرّك، أمّا جلّ الناس فإنّهم يهلكون بظلمهم و أمّا الأشذّ الأندر و هم الأنبياء و الأئمّة المعصومون من الظلم فهم لا يوجدون لهلاك آبائهم و اُمّهاتهم من قبل.
و القوم أخذوا الدابّة في الآية بإطلاق معناها و هو كلّ ما يدبّ على الأرض من إنسان و حيوان فعاد معنى الآية إلى أنّه لو يؤاخذهم بظلمهم لأهلك البشر و كلّ حيوان على الأرض فتوجّه إليه: أنّ هذا هو الإنسان يهلك بظلمه فما بال سائر الحيوان يهلك و لا ظلم له أو يهلك بظلم من الإنسان؟.
و أوجه ما اُجيب به عنه قول بعضهم بإصلاح منّا: إنّ الله تعالى لو أخذهم بظلمهم بكفر أو معصية لهلك عامّة الناس بظلمهم إلّا المعصومين منهم و أمّا المعصومون على شذوذهم و قلّة عددهم فإنّهم لا يوجدون لهلاك آبائهم و اُمّهاتهم من قبل، و إذا هلك الناس و بطل النسل هلكت الدوابّ من سائر الحيوان لأنّها مخلوقة لمنافع العباد و مصالحهم كما يشعر به قوله تعالى:( خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) البقرة: ٢٩.
و لهم وجوه اُخر في الذبّ عن الآية على تقدير عموم الدابّة فيها لا جدوى في نقلها من أرادها فليراجع مطوّلات التفاسير.
و احتجّ بعضهم بالآية على عدم عصمة الأنبياءعليهمالسلام ، و فيه أنّ الآية لا تدلّ على أزيد من أنّه تعالى لو أخذ بالظلم لهلك جميع الناس و انقرض النوع، و أمّا أنّ كلّ من يهلك فإنّما هلك عن ظلمه فلا دلالة لها عليه فمن الجائز أن يهلك الأكثرون بظلمهم و يفنى الأقلّون بفناء آبائهم و اُمّهاتهم كما تقدّم فلا دلالة في الآية على استغراق الظلم الأفراد حتّى الأنبياء و المعصومين و إنّما تدلّ على استغراق الفناء.
و ربّما قيل في الجواب أنّ المراد بالناس الظالمون منهم بقرينة قوله:( بِظُلْمِهِمْ ) فلا يشمل المعصومين من رأس.
و ربّما اُجيب: أنّ المراد بالظلم أعمّ من المعصية الّتي هي مخالفة الأمر المولويّ و ترك الاُولى الّذي هو مخالفة الأمر الإرشاديّ و ربّما صدر عن الأنبياءعليهمالسلام كما حكى عن آدم و زوجه:( قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) الأعراف: ٢٣ و غيره من الأنبياء فحسنات الأبرار سيّئات المقرّبين و حينئذ فلا يدلّ عموم الظلم في الآية للأنبياء على عدم عصمة الأنبياء عن المعصية بمعنى مخالفة الأمر المولويّ.
و ربّما اُجيب بأنّ إهلاك جميع الناس إنّما هو بأنّ الله يمسك عن إنزال المطر على الأرض لظلم الظالمين من الناس فيهلك به الظالمون و الأولياء و الدوابّ فإنّ العذاب إذا نزل لم يفرّق بين الشقيّ و السعيد فيكون على العدوّ نقمة و نكالاً و على غيره محنة و مزيد أجر.
و الأجوبة الثلاثة غير تامّة جميعاً:
أمّا الأوّل: فإنّ اختصاص الناس بالظالمين يوجب اختصاص الهلاك بهم كما ادّعي فلا يعمّ الهلاك المعصومين، و لا موجب حينئذ لهلاك سائر الدوابّ المخلوقة للإنسان فلا يستقيم قوله:( ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ ) كما لا يخفى.
و أمّا الثاني: فلأنّ الآيات بما لها من السياق تبحث عن الظلم بمعنى الشرك و سائر المعاصي المولويّة فتعميم الظلم في الآية لترك الأولى و خاصّة بالنظر إلى ذيل الآية:( وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) الظاهر في الإيعاد لا يلائم السياق.
و أمّا الثالث: فلعدم دليل من جهة اللفظ على ما ذكر فيه.
و قوله:( وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ ) استدراك عن مقدّر يدلّ عليه الجملة الشرطيّة في صدر الآية و التقدير: فلا يعاجل في مؤاخذتهم و لكن يؤخّرهم إلى أجل مسمّى و الأجل المسمّى بالنسبة إلى الفرد من الإنسان موته المحتوم، و بالنسبة إلى الاُمّة يوم انقراضها و بالنسبة إلى عامّة البشر نفخ الصور و قيام الساعة، و لكلّ منها ذكر في كلامه تعالى قال:( وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى ) المؤمن: ٦٧ و قال:( وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ )
الأعراف: ٣٤ و قال:( وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) الشورى: ١٤.
قوله تعالى: ( وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى ) إلى آخر الآية، عود إلى نسبة المشركين إليه تعالى البنات و اختيارهم لأنفسهم البنين و هم يكرهون البنات و يحبّون البنين و يستحسنونهم.
فقوله:( وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ ) يعني البنات و قوله:( وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ) أي تخبر ألسنتهم الخبر الكاذب و هو( أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى ) أي العاقبة الحسنى من الحياة و هي أن يخلفهم البنون، و قيل المراد بالحسنى الجنّة على تقدير صحّة البعث و صدق الأنبياء فيما يخبرون به كما حكاه عنهم في قوله:( وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) حم السجدة: ٥٠ و هذا الوجه لا بأس به لو لا ذيل الآية بما سيجيء من معناه.
و قوله:( لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَ أَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ) أي المقدّمون إلى عذاب النار يقال فرط و أفرط أي تقدّم و الإفراط الإسراف في التقدّم كما أنّ التفريط التقصير فيه، و الفرط بفتحتين هو الّذي يسبق السيّارة لتهيئة المسكن و الماء، و يقال: أفرطه أي قدّمه.
و لما كان قولهم كذبا و افتراء إنّ لله ما يكرهون و لهم الحسنى في معنى دعوى أنّهم سبقوا ربّهم إلى الحسنى و تركوا له ما يكرهون أوعدهم بحقيقة هذا الزعم جزاء لكذبهم و هو أنّ لهم النار و أنّهم مقدّمون إليها حقّاً و ذلك قوله:( لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ) إلخ.
قوله تعالى: ( تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) ظاهر السياق أنّ المراد باليوم يوم نزول الآية و المراد بكون الشيطان وليّا لهم يومئذ اتّفاقهم على الضلال في زمان الوحي و المراد بالعذاب الموعود عذاب يوم القيامة كما هو ظاهر غالب الآيات الّتي توعد بالعذاب.
و المعنى: تالله لقد أرسلنا رسلنا إلى اُمم من قبلك كاليهود و النصارى و المجوس ممّن لم ينقرضوا كعاد و ثمود فزيّن لهم الشيطان أعمالهم فاتّبعوه و أعرضوا عن رسلنا فهو وليّهم اليوم و هم متّفقون على الضلال و لهم يوم القيامة عذاب أليم.
و جوّز الزمخشريّ على هذا الوجه أن يكون ضمير( وَلِيُّهُمُ ) لقريش و المعنى أنّ الشيطان زيّن للاُمم الماضين أعمالهم و هو اليوم وليّ قريش و يبعّده لزوم اختلاف الضمائر.
و يمكن أن يكون المراد بالاُمم الاُمم الماضين و الهالكين فولاية الشيطان لهم اليوم كونهم من أولياء الشيطان في البرزخ و لهم هناك عذاب أليم.
و قيل: المراد باليوم مدّة الدنيا فهي يوم الولاية و العذاب يوم القيامة.
و قيل: المراد به يوم القيامة فهناك ولاية الشيطان لهم و لهم هناك عذاب أليم.
و قيل: المراد يوم تزيين الشيطان أعمالهم و هو من قبيل حكاية الحال الماضية.
و أقرب الوجوه أوّلها ثمّ التالي فالتالي و الله أعلم.
قوله تعالى: ( وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ) إلخ ضمير لهم للمشركين و المراد بالّذي اختلفوا فيه هو الحقّ من اعتقاد و عمل فيكون المراد بالتبيين الإيضاح و الكشف لإتمام الحجّة، و الدليل على هذا الّذي ذكرنا تفريق أمر المؤمنين منهم و إفرادهم بالذكر في قوله:( وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .
و المعنى: هذا حال الناس في الاختلاف في المعارف الحقّة و الأحكام الإلهيّة و ما أنزلنا عليك الكتاب إلّا لتكشف لهؤلاء المختلفين الحقّ الّذي اختلف فيه فيتمّ لهم الحجّة، و ليكون هدى و رحمة لقوم يؤمنون يهديهم الله به إلى الحقّ و يرحمهم بالإيمان به و العمل.
( بحث روائي)
في الكافي، بإسناده عن عبدالرحمن بن كثير قال: قلت لأبي عبداللهعليهالسلام :( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) قال: الذكر محمّد و نحن أهله المسؤلون. الحديث.
أقول: يشيرعليهالسلام إلى قوله تعالى:( قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا ) الطلاق: ١١ و في معناه روايات كثيرة.
و في تفسير البرهان، عن البرقيّ بإسناده عن عبد الكريم بن أبي الديلم عن أبي عبداللهعليهالسلام : قال جلّ ذكره:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) قال: الكتاب الذكر و أهله آل محمّدعليهالسلام أمر الله عزّوجلّ بسؤالهم و لم يأمر بسؤال الجهّال و سمّى الله عزّوجلّ القرآن ذكراً فقال تبارك و تعالى:( وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) و قال تعالى:( وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ ) .
أقول: و هذا احتجاج على كونهم أهل الذكر بأنّ الذكر هو القرآن و أنّهم أهله لكونهم قوم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و الآيتان في آخر الكلام للاستشهاد على ذلك كما صرّح بذلك في غيره من الروايات، و في معنى الحديث أحاديث اُخر.
و في تفسير العيّاشيّ، عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام قال: قلت له إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول الله تعالى:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) أنّهم اليهود و النصارى فقال: إذاً يدعونكم إلى دينهم قال ثمّ قال: بيده إلى صدره: نحن أهل الذكر و نحن المسؤلون. قال: قال أبوجعفرعليهالسلام : الذكر القرآن.
أقول: و روي نظير هذا البيان عن الرضاعليهالسلام في مجلس المأمون.
و قد مرّ أنّ الخطاب في الآية على ما يفيده السياق للمشركين من الوثنيّين المحيلين للرسالة اُمروا أن يسألوا أهل الذكر و هم أهل الكتب السماويّة: هل بعث الله للرسالة رجالاً من البشر يوحي إليهم؟ و من المعلوم أنّ المشركين لما كانوا
لا يقبلون من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن معنى لإرجاعهم إلى غيره من أهل القرآن لأنّهم لم يكونوا يقرّون للقرآن أنّه ذكر من الله فتعيّن أن يكون المسؤل عنه بالنظر إلى مورد الآية هم أهل الكتاب و خاصّة اليهود.
و أمّا إذا اُخذ قوله:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) في نفسه مع قطع النظر عن المورد و من شأن القرآن ذلك - و من المعلوم أنّ المورد لا يخصّص بنفسه - كان القول عامّاً من حيث السائل و المسؤل و المسؤل عنه ظاهراً فالسائل كلّ من يمكن أن يجهل شيئاً من المعارف حقيقيّة و المسائل من المكلّفين، و المسؤل عنه جميع المعارف و المسائل الّتي يمكن أن يجهله جاهل، و أمّا المسؤل فإنّه و إن كان بحسب المفهوم عامّاً فهو بحسب المصداق خاصّ و هم أهل بيت النبيّعليهالسلام .
و ذلك أنّ المراد بالذكر إن كان هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كما في آية الطلاق فهم أهل الذكر، و إن كان هو القرآن كما في آية الزخرف فهو ذكر للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و لقومه - و هم قومه أو المتيقّن من قومه - فهم أهله و خاصّته و هم المسؤلون و قد قارنهمصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرآن و أمر الناس بالتمسّك بهما في حديث الثقلين المتواتر قائلا: إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. الحديث.
و من الدليل على أنّ كلامهمعليهالسلام من الجهة الّتي ذكرناها عدم تعرّضهم لشيء من خصوصيّات مورد الآية.
و ممّا قدّمناه يظهر فساد ما أورده بعضهم على الأحاديث أنّ المشركين الّذين اُمروا بالسؤال ما كانوا يقبلون من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فكيف يقبلون من أهل بيته؟.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه عن جابر قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه، و لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله و قد قال الله( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) فينبغي للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه.
و في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ - إلى قوله -بِمُعْجِزِينَ ) قال: قالعليهالسلام : إذا جاؤا و ذهبوا في التجارات فيأخذهم في تلك الحالة( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ ) قال: قال: على تيقّظ.
و في تفسير العيّاشيّ، عن سماعة عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: سألت عن قول الله:( وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً ) قال: واجباً.
و في المعاني، بإسناده عن حنّان بن سدير عن الصادقعليهالسلام في حديث قالعليهالسلام :( وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) الّذي لا يشبهه شيء و لا يوصف و لا يتوهّم.
و في الدرّ المنثور في قوله:( وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ) الآية أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو أنّ الله يؤاخذني و عيسى بن مريم بذنوبنا - و في لفظ: بما جنت هاتان الإبهام و الّتي تليها - لعذّبنا ما يظلمنا شيئاً.
أقول: و الحديث مخالف لما يثبته الكتاب و السنّة من عصمة الأنبياءعليهمالسلام و لا وجه لحملة على إرادة ترك الأولى من الذنوب إذ لا عذاب عليه.
( سورة النحل الآيات ٦٥ - ٧٧)
وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( ٦٥ ) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ ( ٦٦ ) وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( ٦٧ ) وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( ٦٨ ) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( ٦٩ ) وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( ٧٠ ) وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ( ٧١ ) وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( ٧٢ ) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ( ٧٣ ) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( ٧٤ ) ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ
وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ( ٧٥) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ( ٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( ٧٧)
( بيان)
رجوع بعد رجوع إلى عدّ النعم و الآلاء الإلهيّة و استنتاج التوحيد و البعث منها و الإشارة إلى مسألة التشريع و هي النبوّة.
قوله تعالى: ( وَ اللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) إلخ، يريد إنبات الأرض بعد ما انقطعت عنه بحلول الشتاء بماء السماء الّذي هو المطر فتأخذ اُصول النباتات و بذورها في النمو بعد سكونها، و هي حياة من سنخ الحياة الحيوانيّة و إن كانت أضعف منها، و قد اتّضح بالأبحاث الحديثة أنّ للنبات من جراثيم الحياة ما للحيوان و إن اختلفتا صورة و أثراً.
و قوله:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) المراد بالسمع قبول ما من شأنه أن يقبل من القول فإنّ العاقل الطالب للحقّ إذا سمع ما يتوقّع فيه الحقّ أصغى و استمع إليه ليعيه و يحفظه، قال تعالى:( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ) الزمر: ١٨.
فإذا ذكّر من فيه قريحة قبول الحقّ حديث إنزال الله المطر و إحيائه الأرض بعد موتها كان له في ذلك آية للبعث و أنّ الّذي أحياها لمحيي الموتى.
قوله تعالى: ( وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ) إلخ الفرث هو الثفل الّذي ينزل إلى
الكرش و الأمعاء فإذا دفع فهو سرجين و ليس فرثا، و السائغ اسم فاعل من السوغ يقال: ساغ الطعام و الشراب إذا جرى في الحلق بسهولة.
و قوله:( وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ) أي لكم في الإبل و البقر و الغنم لأمراً أمكنكم أن تعتبروا به و تتّعظوا ثمّ بين ذلك الأمر بقوله:( نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) إلخ، أي بطون ما ذكر من الأنعام أخذ الكثير شيئاً واحداً.
و قوله:( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ ) الفرث في الكرش و ألبان الأنعام مكانها مؤخّر البطن بين الرجلين، و الدم مجراه الشرايين و الأوردة و هي محيطة بهما جميعاً فأخذ اللبن شيئاً هو بين الفرث و الدم كأنّه باعتبار مجاورته لكلّ منهما و اجتماع الجميع في داخل الحيوان و هذا كما يقال، اخترت زيدا من بين القوم و دعوته و أخرجته من بينهم إذا اجتمع معهم في مكان واحد و جاورهم فيه و إن كان جالساً في حاشية القوم لا وسطهم، و المراد بذلك أنّي ميّزته من بينهم و قد كان غير متميّز.
و المعنى: نسقيكم ممّا في بطونه لبناً خارجاً من بين فرث و دم خالصاً غير مختلط و لا مشوب بهما و لا مستصحب لشيء من طعمهما و رائحتهما سائغا للشاربين فذلك عبرة لمن اعتبر و ذريعة إلى العلم بكمال القدرة و نفوذ الإرادة، و أنّ الّذي خلّص اللبن من بين فرث و دم لقادر على أن يبعث الإنسان و يحييه بعد ما صار عظاماً رميماً و ضلّت في الأرض أجزاؤه.
قوله تعالى: ( وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً ) إلى آخر الآية، قال في المفردات: السكر - بضمّ السين - حالة تعرض بين المرء و عقله - إلى أن قال - و السكر - بفتحتين - ما يكون منه السكر، قال تعالى:( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً ) انتهى.
و قال في المجمع: السكر في اللغة على أربعة أوجه: الأوّل ما أسكر من الشراب، و الثاني ما طعم من الطعام، قال الشاعر:( جعلت عيب الأكرمين سكراً) أي جعلت ذمّهم طعما لك، و الثالث السكون و منه ليلة ساكرة أي ساكنة، قال الشاعر:( و ليست بطلق و لا ساكرة) و يقال: سكرت الريح سكنت، قال:( و جعلت عين
الحرور تسكر) ، و الرابع المصدر من قولك: سكر سكراً و منه التسكير التحيير في قوله:( سكرت أبصارنا) انتهى. و الظاهر أنّ الأصل في معناه هو زوال العقل باستعمال ما يوجب ذلك، و سائر ما ذكره من المعاني مأخوذة منه بنوع من الاستعارة و التوسّع.
و قوله:( وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ ) إمّا جملة اسميّة معطوفة على قوله:( وَ اللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) كقوله في الآية السابقة:( وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ) ، و التقدير: و من ثمرات النخيل و الأعناب ما - أو(١) شيء -( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ ) إلخ، قالوا: و العرب ربّما يضمر ما الموصولة كثيراً، و منه قوله تعالى:( وَ إِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً ) الدهر: ٢٠، و التقدير رأيت ما ثمّ، أو التقدير و من ثمرات النخيل و الأعناب شيء تتّخذون منه، بناء على عدم جواز حذف الموصول و إبقاء الصلة على ما ذهب إليه البصريّون من النحاة.
و إمّا جملة فعليّة معطوفة على قوله:( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ) ، كما في الآية التالية:( وَ أَوْحى رَبُّكَ ) و التقدير خلق لكم أو آتاكم من ثمرات النخيل و الأعناب، و قوله:( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ ) إلخ، بدل منه أو استئناف كأنّ قائلاً يقول: ما ذا نستفيد منه فقيل:( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً ) ، و إفراد ضمير( مِنْهُ ) بتأويل المذكور كقوله:( مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) في الآية السابقة.
و قوله:( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً ) أي تتّخذون ممّا ذكر من ثمرات النخيل و الأعناب ما هو مسكر كالخمر بأنواعها وَ رِزْقاً حَسَناً كالتمر و الزبيب و الدبس و غير ذلك ممّا يقتات به.
و لا دلالة في الآية على إباحة استعمال السكر و لا على تحسين استعماله إن لم تدلّ على نوع من تقبيحه من جهة مقابلته بالرزق الحسن و إنّما الآية تعدّ ما ينتفعون به من ثمرات النخيل و الأعناب و هي مكّيّة تخاطب المشركين و تدعوهم إلى التوحيد.
و على هذا فالآية لا تتضمّن حكماً تكليفيّاً حتّى تكون منسوخة أو غير منسوخة
__________________________________________________
(١) الترديد مبنيّ على المذهبين في حذف الموصول كما سيأتي.
و به يظهر فساد القول بكونها منسوخة بآية المائدة كما نسب إلى قتادة.
و قد أغرب صاحب روح المعاني إذ قال: و تفسير السكر بالخمر هو المرويّ عن ابن مسعود و ابن عمر، و أبي رزين و الحسن و مجاهد و الشعبيّ و النخعيّ و ابن أبي ليلى و أبي ثور و الكلبيّ و ابن جبير مع خلق آخرين، و الآية نزلت في مكّة و الخمر إذ ذاك كانت حلالاً يشربها البرّ و الفاجر، و تحريمها إنّما كان بالمدينة اتّفاقاً، و اختلفوا في أنّه قبل اُحد أو بعدها و الآية المحرّمة لها:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنّما الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) ، على ما ذهب إليه جمع فما هنا منسوخ بها و روى ذلك غير واحد ممّن تقدّم كالنخعيّ و أبي ثور و ابن جبير.
و قيل: نزلت قبل و لا نسخ بناء على ما روي عن ابن عبّاس أنّ السكر هو الخلّ بلغة الحبشة أو على ما نقل عن أبي عبيدة أنّ السكر المطعوم المتفكّه به كالنقل و أنشد:( جعلت أعراض الكرام سكراً) - إلى أن قال - و إلى عدم النسخ ذهب الحنفيّون و قالوا: المراد بالسكر ما لا يسكر من الأنبذة و استدلّوا عليه بأنّ الله تعالى امتنّ على عباده بما خلق لهم من ذلك، و لا يقع الامتنان إلّا بمحلّل فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيّذ فإذا انتهى إلى السكر لم يجز انتهى موضع الحاجة.
أمّا ما ذكره في الخمر فقد فصّلنا القول في ذلك في ذيل آيات التحريم من سورة المائدة، و أقمنا الشواهد هناك على أنّ الخمر كانت محرّمة قبل الهجرة و كان الإسلام معروفاً بتحريمها و تحريم الزنا عند المشركين عامّتهم، و أنّ تحريمها نزل في سورة الأعراف و قد نزلت قبل سورة النحل قطعاً، و في سورتي البقرة و النساء و قد نزلتا قبل سورة المائدة.
و أنّ الّتي نزلت في المائدة إنّما نزلت لتشديد الحرمة و زجر بعض المسلمين حيث كانوا يتخلّفون عن حكم التحريم كما وقع في الروايات و هو الّذي يشير إليه
بقوله: يشربها البرّ و الفاجر و في لفظ الآيات دلالة على ذلك إذ يقول:( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) .
و أمّا ما نقله عن ابن عبّاس أنّ السكر في لغة الحبشة بمعنى الخلّ فلا معوّل عليه، و استعمال اللفظ غير العربيّ و إن كان غير عزيز في القرآن كما قيل في إستبرق و جهنّم و زقّوم و غيرها لكنّه إنّما يجوز فيما لم يكن هناك مانع من لبس أو إبهام، و أمّا في مثل السكر و هو في اللغة العربيّة الخمر و في الحبشيّة الخلّ فلا و كيف يجوز أن ينسب إلى أبلغ الكلام أنّه ترك الخلّ و هو عربيّ جيّد و استعمل مكانه لفظة حبشيّة تفيد في العربيّة ضدّ معناها؟
و أمّا ما نسبه إلى أبي عبيدة فقد تقدّم ما عليه في أوّل الكلام فراجع.
و أمّا ما نسبه إلى الحنفيّة من أنّ المراد بالسكر النبيذ و أنّ الآية تدلّ على جواز شرب القليل منه ما لم يصل إلى حدّ الإسكار لمكان الامتنان ففيه أنّ الآية لا تدلّ على أكثر من أنّهم يتّخذون منه سكراً، و أمّا الامتنان عليهم بذلك فبمعزل من دلالة الآية و إنّما عدّ من النعم ثمرات النخيل و الأعناب لا كلّ ما عملوا منها من حلال و حرام و لو كان في ذلك امتنان لم يقابله بالرزق الحسن الدالّ بمقابلته على نوع من العتاب على اتّخاذهم منه سكراً كما اعترف به البيضاويّ و غيره.
على أنّ ما في الآية من لفظ السكر غير مقيّد بكونه نبيذاً أو خمراً و لا قليلاً لا يبلغ حدّ الإسكار و لا غيره فلو كان اتّخاذ السكر متعلّقاً للامتنان الدالّ على الجواز لكانت الآية صريحة في حلّيّة الجميع ثمّ لم يقبل النسخ أصلاً فإنّ لسان الامتنان لا يقبل أمداً يرتفع بعده، كيف يجوز أن يعدّ الله شيئاً من نعمه و يمتنّ على الناس به ثمّ يعدّه بعد برهة رجساً و من عمل الشيطان كما في آية المائدة إلّا بالبداء بمعناه المستحيل عليه تعالى.
ثم ختم سبحانه الآية بقوله:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) حثّا على التعقّل و الإمعان في أمر النبات و ثمراته.
قوله تعالى: ( وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ) إلى
آخر الآيتين، الوحي - كما قال الراغب - الإشارة السريعة و ذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز أو بصوت مجرّد عن التركيب أو بإشارة و نحوها، و المحصّل من موارد استعماله أنّه إلقاء المعنى بنحو يخفى على غير من قصد إفهامه فالإلهام بإلقاء المعنى في فهم الحيوان من طريق الغريزة من الوحي و كذا ورود المعنى في النفس من طريق الرؤيا أو من طريق الوسوسة أو بالإشارة كلّ ذلك من الوحي، و قد استعمل في كلامه تعالى في كلّ من هذه المعاني كقوله:( وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) الآية، و قوله:( وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى ) القصص: ٧، و قوله:( إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ ) الأنعام: ١٢١، و قوله:( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا ) مريم: ١١، و من الوحي التكليم الإلهيّ لأنبيائه و رسله، قال تعالى:( وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلّا وَحْياً ) الشورى: ٥١، و قد قرّر الأدب الدينيّ في الإسلام أن لا يطلق الوحي على غير ما عند الأنبياء و الرسل من التكليم الإلهيّ.
قال في المجمع: و الذلل جمع الذلول، يقال: دابّة ذلول بين الذلّ و رجل ذلول بيّن الذلّ و الذلّة. انتهى.
و قوله:( وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) أي ألهمه من طريق غريزته الّتي أودعها في بنيته، و أمر النحل و هو زنبور العسل في حياته الاجتماعيّة و سيرته و صنعته لعجيب، و لعلّ بداعة أمره هو الموجب لصرف الخطاب عنهم إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ قال:( وَ أَوْحى رَبُّكَ ) .
و قوله:( أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ ) هذا من مضمون الوحي الّذي اُوحي إليه، و الظاهر أنّ المراد بما يعرشون هو ما يبنون لبيوت العسل.
و قوله:( ثُمَّ كُلِي مِنْ كلّ الثَّمَراتِ ) الأمر بأن تأكل من كلّ الثمرات مع أنّها تنزل غالباً على الأزهار إنّما هو لأنّها إنّما تأكل من موادّ الثمرات أوّل ما تتكوّن في بطون الأزهار و لما تكبر و تنضج.
و قوله:( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ) تفريعه على الأمر بالأكل يؤيّد أنّ
المراد به رجوعها إلى بيوتها لتودع فيها ما هيّأته من العسل المأخوذ من الثمرات و إضافة السبل إلى الربّ للدلالة على أنّ الجميع بإلهام إلهيّ.
و قوله:( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ) إلخ، استئناف بعد ذكر جملة ما اُمرت به يبيّن فيه ما يترتّب على مجاهدتها في امتثال أمر الله سبحانه ذللا و هو أنّه يخرج من بطونها أي بطون النحل( شَرابٌ ) و هو العسل( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ) بالبياض و الصفرة و الحمرة الناصعة و ما يميل إلى السواد( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) من غالب الأمراض.
و تفصيل القول في حياة النحلة هذه الحشرة الفطنة الّتي بنت حياتها على مدنيّة عجيبة فاضلة لا تكاد تحصى غرائبها و لا يحاط بدقائقها ثمّ الّذي تهيّؤه ببالغ مجاهدتها و ما يشتمل عليه من الخواصّ خارج عن وسع هذا الكتاب فليراجع في ذلك مظانّ تحقيقه.
ثمّ ختم الآية بقوله:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) و قد اختلف التعبير بذلك في هذه الآيات فخصّ الآية في إحياء الأرض بعد موتها بقوم يسمعون، و في ثمرات النخيل و الأعناب بقوم يعقلون، و في أمر النحل بقوم يتفكّرون.
و لعلّ الوجه في ذلك أنّ النظر في أمر الموت و الحياة بحسب طبعه من العبرة و الموعظة، و هي بالسمع أنسب، و النظر في الثمرات من حيث ما ينفع الإنسان في وجوده من السير البرهاني من مسلك اتّصال التدبير و ارتباط الأنظمة الجزئيّة و رجوعها إلى نظام عامّ واحد لا يقوم إلّا بمدبّر واحد و هو للعقل أنسب، و أمر النحل في حياتها يتضمّن دقائق عجيبة لا تنكشف للإنسان إلّا بالإمعان في التفكّر فهو آية للمتفكّرين.
و قد أشرنا سابقاً إلى ما في آيات السورة من مختلف الالتفاتات، و عمدتها في هذه الآيات ترجع إلى خطاب المشركين رحمة لهم و إشفاقا بحالهم و هم لا يعلمون، و الإعراض عن مخاطبتهم لكفرهم و جحودهم إلى خطاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و هذا ظاهر مشهود في آيات السورة فلا يزال الخطاب فيها يتقلّب بين النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و بين المشركين فيتحوّل منه إليهم و منهم إليه.
قوله تعالى: ( وَ اللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شيئاً ) إلخ، الأرذل اسم تفضيل من الرذالة و هي الرداءة و الرذل الدون و الرديء، و المراد بأرذل العمر بقرينة قوله:( لِكَيْ لا يَعْلَمَ ) إلخ، سنّ الشيخوخة و الهرم الّتي فيها انحطاط قوى الشعور و الإدراك، و هي تختلف باختلاف الأمزجة و تبتدئ على الأغلب من الخمس و السبعين.
و المعنى: و الله خلقكم معشر الناس ثمّ يتوفّاكم في عمر متوسّط و منكم من يردّ إلى سنّ الهرم فينتهي إلى أن لا يعلم بعد علم شيئاً لضعف القوى، و هذا آية أنّ حياتكم و موتكم و كذا شعوركم و علمكم ليست بأيديكم و إلّا اخترتم البقاء على الوفاة و العلم على عدمه بل ذلك على ما له من عجيب النظام منته إلى علمه و قدرته تعالى، و لهذا علّله بقوله:( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) .
قوله تعالى: ( وَ اللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) إلى آخر الآية، فضل بعض الناس على بعض في الرزق و هو ما تبقى به الحياة ربّما كان من جهة الكميّة كالغنيّ المفضّل بالمال الكثير على الفقير، و ربّما كان من جهة الكيفيّة كأن يستقلّ بالتصرّف فيه بعضهم و يتولّى أمر الآخرين مثل ما يستقلّ المولى الحرّ بملك ما في يده و التصرّف فيه بخلاف عبده الّذي ليس له أن يتصرّف في شيء إلّا بإذنه و كذا الأولاد الصغار بالنسبة إلى وليّهم و الأنعام و المواشي بالنسبة إلى مالكها.
و قوله:( فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) قرينة على أنّ المراد هو القسم الثاني من التفضيل و هو أنّ بعضهم فضّل بالحرّيّة و الاستقلال بملك ما رزق و ليس يختار أن يردّ ما رزق باستقلاله و حرّيته إلى من يملكه و يملك رزقه، و لا أن يبذل له ما اُوتيه من نعمة حتّى يتساويّاً و يتشاركاً فيبطل ملكه و يذهب سودده.
فهذه نعمة ليسوا بمغمضين عنها و لا برادّين لها على غيرهم، و ليست إلّا من الله سبحانه فإنّ أمر المولويّة و الرقّيّة و إن كان من الشؤون الاجتماعيّة الّتي ظهرت عن آراء الناس و السنن الاجتماعيّة الجارية في مجتمعاتهم لكن له اُصول طبيعيّة
تكوينيّة هي الّتي بعثت آراءهم على اعتباره كسائر الاُمور الاجتماعيّة العامّة.
و من الشاهد على ذلك أنّ الاُمم الراقية منذ عهد طويل أعلنوا بإلغاء سنّة الاسترقاق ثمّ اتّبعتهم سائر الاُمم من الشرقيّين و غيرهم و هم لا يزالون يحترمون معناها إلى هذه الغاية و إن ألغوا صورتها، و يجرون مسمّاها و إن هجروا اسمها(١) و لن يزالوا كذلك فليس في وسع الإنسان أن يسدّ باب المغالبة، و قد قدّمنا كلاماً في هذا المعنى في آخر الجزء السادس من هذا الكتاب فليراجعه من شاء.
و كون هذا المعنى نعمة من الله إنّما هو لأنّ من صلاح المجتمع الإنسانيّ أن يتسلّط بعضهم على بعض فيصلح القويّ الضعيف بصالح التدبير و يكمّله.
و على هذا فقوله:( فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ ) متفرّع على المنفي في قوله:( فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ ) دون النفي، و المعنى: ليسوا برادّي رزقهم على عبيدهم فيكونوا متساوين فيه متشاركين و في ذلك ذهاب مولويّتهم، و يحتمل أن يكون جملة استفهامية حذفت منها أداة الاستفهام و فيها إنكار أن يكون المفضّلون و المفضّل عليهم في ذلك متساويين، و لو كانوا سواء لم يمتنع المفضّل من أن يردّ رزقه على من فضل عليه فإنّ في ذلك دلالة على أنّها نعمة خصّه الله بها.
و لذلك عقّبه ثانياً بقوله:( أَ فَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ) و هو استفهام توبيخيّ كالمتفرّع لما تقدّمه من الاستفهام الإنكاريّ، و المراد بنعمة الله هذا التفضيل المذكور بعينه.
و المعنى - و الله أعلم - و الله فرّق بينكم بأن فضّل بعضكم على بعض في الرزق فبعضكم حرّ مستقلّ في التصرّف فيه، و بعضكم عبد تبع له لا يتصرّف إلّا عن إذن فليس الّذين فضّلوا برادّي رزقهم الّذي رزقوه على سبيل الحرّيّة و الاستقلال على ما ملكت أيمانهم حتّى يكون هؤلاء المفضّلون و المفضّل عليهم في الرزق سواء فليسوا سواء بل هي نعمة تختصّ بالمفضّلين أ فبنعمة الله يجحدون؟.
__________________________________________________
(١) و إنّما نقلوا حكم الاسترقاق ممّا بين الفرد و الفرد إلى ما بين المجتمع و المجتمع و سموه بغير اسمه.
هذا ما يفيده ظاهر الآية بما احتفّت به من القرائن، و السياق سياق تعداد النعم، و ربّما قرّر معنى الآية على وجه آخر:
فقيل: المعنى أنّهم لا يشركون عبيدهم في أموالهم و أزواجهم حتّى يكونوا في ذلك سواء و يرون ذلك نقصا لأنفسهم فكيف يشركون عبيدي في ملكي و سلطاني و يعبدونهم و يتقرّبون إليهم كما يعبدونني و يتقرّبون إلي، كما فعلوا في عيسى بن مريمعليهالسلام ؟
قالوا: و الآية على شاكلة قوله تعالى:( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ) الروم: ٢٨ قالوا: و الآية نزلت في نصارى نجران.
و فيه أنّ سياق الآية هو سياق تعداد النعم لاستنتاج التوحيد لا المناقضة و التوبيخ فلا أثر فيها منه.
على أنّ الآية ممّا نزلت بمكّة و أين ذاك من وفود نصارى نجران على المدينة سنة ستّ من الهجرة أو بعدها؟ و قياس هذه الآية من آية سورة الروم مع الفارق لاختلاف السياقين، فسياق هذه الآية سياق الاحتجاج بذكر النعمة و سياق آية الروم هو سياق التوبيخ على الشرك.
و قيل: إنّ المعنى فهؤلاء الّذين فضّلهم الله في الرزق من الأحرار لا يرزقون مماليكهم و عبيدهم بل الله تعالى هو رازق الملّاك و المماليك فإنّ الّذي ينفقه المولى على مملوكه إنّما ينفقه ممّا رزقهم الله فالله رازقهم جميعاً فهم فيه سواء.
و محصّله أنّ قوله:( فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ ) حالّ محلّ إضراب مقدّر و التقدير أنّ الموالي ليسوا برادّي رزق أنفسهم على عبيدهم فيما ينفقون عليهم بل الله يرزق العبيد بأيدي مواليهم و هم سواء في الرزق من الله.
و فيه أنّ ما قرّر من المعنى مقتضاه أن يبطل التسوية أخيراً حكم التفضيل أوّلاً، و لا يستقيم عليه مدلول قوله:( أَ فَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ) .
و قيل: المراد أنّ الموالي ليسوا برادّي ما بأيديهم من الرزق على مواليهم
حتّى يستووا في التمتّع منه.
و فيه أنّه يعود حينئذ إلى أنّ الإنسان يمنع غيره من أن يتسلّط على ما ملكه من الرزق، و حينئذ يكون تخصيص ذلك بالعبيد مستدركاً زائداً، و لو وجه بأنّه إنّما لا يردّه عليه لمكان تسلّطه على عبيده رجع إلى ما قدّمناه من المعنى، و لكانت النعمة المعدودة هي الفضل من جهة مالكيّة المولى لعبده و لما عنده من الرزق.
قوله تعالى: ( وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً ) إلى آخر الآية. قال في المفردات: قال الله تعالى:( وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً ) جمع حافد و هو المتحرّك المسرع بالخدمة أقارب كانوا أو أجانب. قال المفسّرون: هم الأسباط و نحوهم و ذلك أنّ خدمتهم أصدق - إلى أن قال - قال الأصمعيّ: أصل الحفد مداركة الخطو. انتهى.
و في المجمع: و أصل الحفد الإسراع في العمل - إلى أن قال - و منه قيل للأعوان حفدة لإسراعهم في الطاعة. انتهى. و المراد بالحفدة في الآية الأعوان الخدم من البنين لمكان قوله:( وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ ) و لذا فسّر بعضهم قوله:( بَنِينَ وَ حَفَدَةً ) بصغار الأولاد و كبارهم، و بعضهم بالبنين و الأسباط و هم بنو البنين.
و المعنى: و الله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً تألفونها و تأنسون بها، و جعل لكم من أزواجكم بالإيلاد بنين و حفدة و أعوانا تستعينون بخدمتهم على حوائجكم و تدفعون بهم عن أنفسكم المكاره و رزقكم من الطيّبات و هي ما تستطيبونه من أمتعة الحياة و تنالونه بلا علاج و عمل كالماء و الثمرات أو بعلاج و عمل كالأطعمة و الملابس و نحوها، و( مِنْ ) في( مِنَ الطَّيِّباتِ ) للتبعيض و هو ظاهر.
ثمّ وبّخهم بقوله:( أَ فَبِالْباطِلِ ) و هي الأصنام و الأوثان و من ذلك القول بالبنات لله، و الأحكام الّتي يشرّعها لهم أئمّتهم أئمّة الضلال( يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ) و النعمة هي جعل الأزواج من أنفسهم و جعل البنين و الحفدة من أزواجهم فإنّ ذلك من أعظم النعم و أجلاهاً لكونه أساساً تكوينيّاً يبتني عليه المجتمع البشريّ، و يظهر به فيهم حكم التعاون و التعاضد بين الأفراد، و ينتظم به لهم أمر
تشريك الأعمال و المساعي فيتيسّر لهم الظفر بسعادتهم في الدنيا و الآخرة.
و لو أنّ الإنسان قطع هذا الرابط التكوينيّ الّذي أنعم الله به عليه و هجر هذا السبب الجميل، و إن توسّل بأيّ وسيلة غيره لتلاشى جمعه و تشتّت شمله و في ذلك هلاك الإنسانيّة.
قوله تعالى: ( وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شيئاً وَ لا يَسْتَطِيعُونَ ) عطف على موضع الجملة السابقة و المعنى يكفرون بنعمة الله و يعبدون من دون الله ما لا يملك إلخ.
و قد ذكروا أنّ( رِزْقاً ) مصدر و( شيئاً ) مفعوله و المعنى لا يملك لهم أن يرزق شيئاً و قيل: الرزق بمعنى المرزوق و( شيئاً ) بدل منه، و قيل: إنّ( شيئاً ) مفعول مطلق و التقدير: لا يملك شيئاً من الملك. و خير الوجوه أوسطها.
و يمكن أن يقال:( مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شيئاً ) بدل من( رِزْقاً ) و هو من بدل الكلّ من البعض يفيد معنى الإضراب و الترقّي، و المعنى و يعبدون ما لا يملك لهم رزقاً بل لا يملك لهم في السماوات و الأرض شيئاً.
و قوله:( وَ لا يَسْتَطِيعُونَ ) أي و لا يستطيعون أن يملكوا رزقاً و شيئاً و يمكن أن يكون منسيّ المتعلّق جارياً مجرى اللازم أي و لا استطاعة لهم أصلاً.
و قد اجتمع في الآية رعاية الاعتبارين في الأصنام فإنّها من جهة أنّها معمولة من حجر أو خشب أو ذهب أو فضّة غير عاقلة و بهذا الاعتبار قيل:( ما لا يَمْلِكُ ) إلخ، و من جهة أنّهم يعدّونها آلهة دون الله و يعبدونها و العبادة لا تكون إلّا لعاقل منسلكة - على زعمهم - في سلك العقلاء، و بهذا الاعتبار قيل:( وَ لا يَسْتَطِيعُونَ ) .
و في الآية رجوع إلى التخلّص لبيان الغرض من تعداد النعم و هو التوحيد و إثبات النبوّة بمعنى التشريع و المعاد يجري ذلك إلى تمام أربع آيات ينهى في أولاها عن ضربّهم الأمثال لله سبحانه، و يضرب في الثانية مثلاً تبيّن به وحدانيّته تعالى في ربوبيّته، و في الثالثة مثلاً يتبيّن به أمر النبوّة و التشريع، و يتعرّض في الرابعة لأمر المعاد.
قوله تعالى: ( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) الظاهر السابق إلى الذهن أنّ المراد بضرب الأمثال التوصيف المصطلح عليه بالاستعارة التمثيليّة و هي إجراء الأوصاف عليه تعالى بضرب من التشبيه كقولهم: إنّ له بنات كالإنسان، و إنّ الملائكة بناته، و إنّ بينه و بين الجنّة نسباً و صهراً، و إنّه كيف يحيي العظام و هي رميم إلى غير ذلك، و هذا هو المعنى المعهود من هذه الكلمة في كلامه تعالى، و قد تقدّم في خلال الآيات السابقة قوله:( لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) .
فالمعنى: إذا كان الأمر على ما ذكر فلا تصفوه سبحانه بما تشبّهونه بغيره و تقيسونه إلى خلقه لأنّ الله يعلم و أنتم لا تعلمون حقائق الاُمور و كنهه تعالى.
و قيل: المراد بالضرب الجعل، و بالأمثال ما هو جمع المثل بمعنى الندّ، فقوله:( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ) في معنى قوله في موضع آخر:( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ) البقرة: ٢٢، و هو معنى بعيد.
قوله تعالى: ( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) إلى آخر الآية، ما في الآية من المثل المضروب يفرض عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، و آخر رزق من الله رزقاً حسناً ينفق منه سرّاً و جهراً ثمّ يسأل هل يستويان؟ و اعتبار التقابل بين المفروضين يعطي أنّ كلّا من الطرفين مقيّد بخلاف ما في الآخر من الوصف مع تبيين الأوصاف بعضها لبعض.
فالعبد المفروض مملوك غير مالك لا لنفسه و لا لشيء من متاع الحياة و هو غير قادر على التصرّف في شيء من المال، و الّذي فرض قباله حرّ يملك نفسه و قد رزقه الله رزقاً حسناً و هو ينفق منه سرّاً و جهراً على قدرة منه على التصرّف بجميع أقسامه.
و قوله:( هَلْ يَسْتَوُونَ ) سؤال عن تساويهما، و من البديهيّ أنّ الجواب هو نفي التساوي و يثبت به أنّ الله سبحانه و هو المالك لكلّ شيء المنعم بجميع النعم لا يساوي شيئاً من خلقه و هم لا يملكون لا أنفسهم و لا غيرهم و لا يقدرون على شيء من التصرّف فمن الباطل قولهم: إنّ مع الله آلهة غيره و هم من خلقه.
و التعبير بقوله:( يَسْتَوُونَ ) دون أن يقال: يستويان للدلالة على أنّ المراد من ذلك الجنس من غير أن يختصّ بمولى و عبد معيّنين كما قيل.
و قوله:( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) أي له عزّ اسمه جنس الحمد و حقيقته و هو الثناء على الجميل الاختياريّ لأنّ جميل النعمة من عنده و لا يحمد إلّا الجميل فله تعالى كلّ الحمد كما أنّ له جنسه فافهم ذلك.
و الجملة من تمام الحجّة و محصّلها أنّه لا يستوي المملوك الّذي لا يقدر أن يتصرّف في شيء و ينعم بشيء، و المالك الّذي يملك الرزق و يقدر على التصرّف فيه فيتصرّف و ينعم كيف شاء، و الله سبحانه هو المحمود بكلّ حمد إذ ما من نعمة إلّا و هي من خلقه فله كلّ صفة يحمد عليها كالخلق و الرزق و الرحمة و المغفرة و الإحسان و الإنعام و غيرها، فله كلّ ثناء جميل، و ما يعبدون من دونه مملوك لا يقدر على شيء فهو سبحانه الربّ وحده دون غيره.
و قد قيل: إنّ الحمد في الآية شكر على نعمه تعالى، و قيل: حمد على تمام الحجّة و قوّتها، و قيل: تلقين للعباد و معناه قالوا: الحمد لله الّذي دلّنا على توحيده و هدانا إلى شكر نعمه، و هي وجوه لا يعبأ بها.
و قوله:( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أي أكثر المشركين لا يعلمون أنّ النعمة كلّها لله لا يملك غيره شيئاً و لا يقدر على شيء بل يثبتون لأوليائهم شيئاً من الملك و القدرة على سبيل التفويض فيعبدونهم طمعاً و خوفاً، هذا حال أكثرهم و أمّا أقلّهم من الخواصّ فإنّهم على علم من الحقّ لكنّهم يحيدون عنه بغياً و عناداً.
و قد تبيّن ممّا تقدّم أنّ الآية مثل مضروب في الله سبحانه و فيمن يزعمونه شريكاً له في الربوبيّة، و قيل: إنّها مثل تمثّل به حال الكافر المخذول و المؤمن الموفّق فإنّ الكافر لإحباط عمله و عدم الاعتداد بأعماله كالعبد المملوك الّذي لا يقدر على شيء فلا يعدّ له إحسان و إن أنفق و بالغ بخلاف المؤمن الّذي يوفّقه الله لمرضاته و يشكر مساعيه فهو ينفق ممّا عنده من الخير سرّاً و جهراً.
و فيه أنّه لا يلائم سياق الاحتجاج الّذي للآيات، و قد تقدّم أنّ الآية إحدى
الآيات الثلاث المتوالية الّتي تتعرّض لغرض تعداد النعم الإلهيّة، و هي تذكّر بالتوحيد بمثل يقيس حال من ينعّم بجميع النعم من حال من لا يملك شيئاً و لا يقدر على شيء فيستنتج أنّ الربّ هو المنعم لا غير.
قوله تعالى: ( وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ) إلى آخر الآية. قال في المجمع:، الأبكم الّذي يولد أخرس لا يفهم و لا يفهم، و قيل: الأبكم الّذي لا يقدر أن يتكلّم و الكلّ الثقل يقال: كلّ عن الأمر يكلّ كلّا إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه. و كلّت السكّين كلولا إذا غلظت شفرتها، و كلّ لسانه إذا لم ينبعث في القول لغلظه و ذهاب حدّه فالأصل فيه الغلظ المانع من النفوذ، و التوجيه: الإرسال في وجه من الطريق، يقال: وجّهته إلى موضع كذا فتوجّه إليه. انتهى.
فقوله:( وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ) مقايسة اُخرى بين رجلين مفروضين متقابلين في أوصافهما المذكورة.
و قوله:( أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) أي محروم من أن يفهم الكلام و يفهم غيره بالكلام لكونه أبكم لا يسمع و لا ينطق فهو فاقد لجميع الفعليّات و المزايا الّتي يكتسبها الإنسان من طريق السمع الّذي هو أوسع الحواسّ نطاقاً، به يتمكّن الإنسان من العلم بأخبار من مضى و ما غاب عن البصر من الحوادث و ما في ضمائر الناس و يعلّم العلوم و الصناعات، و به يتمكّن من إلقاء ما يدركه من المعاني الجليلة و الدقيقة إلى غيره، و لا يقوى الأبكم على درك شيء منها إلّا النزر اليسير ممّا يساعد عليه البصر بإعانة من الإشارة.
فقوله:( لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) مخصّص عمومه بالأبكم أي لا يقدر على شيء ممّا يقدر عليه غير الأبكم و هو جملة ما يحرمه الأبكم من تلقّي المعلومات و إلقائها.
و قوله:( وَ هُوَ كلّ عَلى مَوْلاهُ ) أي ثقل و عيال على من يلي و يدبّر أمره فهو لا يستطيع أن يدبّر أمر نفسه، و قوله:( أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ) أي إلى أيّ جهة أرسله مولاه لحاجة من حوائج نفسه أو حوائج مولاه لم يقدر على رفعها فهو لا يستطيع أن ينفع غيره كما لا ينفع نفسه، فهذا أعني قوله:( أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ
عَلى شَيْءٍ ) إلخ، مثل أحد الرجلين، و لم يذكر سبحانه مثل الآخر لحصول العلم به من قوله:( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) إلخ، و فيه إيجاز لطيف.
و قوله:( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) فيه إشارة إلى وصف الرجل المفروض و سؤال عن استوائهما إذا قويس بينهما و عدمه.
أمّا الوصف فقد ذكر له منه آخر ما يمكن أن يتلبّس به غير الأبكم من الخير و الكمال الّذي يحلّي نفسه و يعدو إلى غيره و هو العدل الّذي هو التزام الحدّ الوسط في الأعمال و اجتناب الإفراط و التفريط فإنّ الأمر بالعدل إذا جرى على حقيقته كان لازمه أن يتمكّن الصلاح من نفس الإنسان ثمّ ينبسط على أعماله فيلتزم الاعتدال في الاُمور ثمّ يحبّ انبساطه على أعمال غيره من الناس فيأمرهم بالعدل و هو - كما عرفت - مطلق التجنّب عن الإفراط و التفريط أي العمل الصالح أعمّ من العدل في الرعيّة.
ثمّ وصفه بقوله:( وَ هُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) و هو السبيل الواضح الّذي يهدي سالكيه إلى غايتهم من غير عوج، و الإنسان الّذي هو في مسير حياته على صراط مستقيم يجري في أعماله على الفطرة الإنسانيّة من غير أن يناقض بعض أعماله بعضاً أو يتخلّف عن شيء ممّا يراه حقّاً و بالجملة لا تخلّف و لا اختلاف في أعماله.
و توصيف هذا الرجل المفروض الّذي يأمر بالعدل بكونه على صراط مستقيم يفيد أوّلاً أنّ أمره بالعدل ليس من أمر الناس بالبرّ و نسيان نفسه بل هو مستقيم في أحواله و أعماله يأتي بالعدل كما يأمر به.
و ثانياً: أنّ أمره بالعدل ليس ببدع منه من غير أصل فيه يبتني عليه بل هو في نفسه على مستقيم الصراط و لازمه أن يحبّ لغيره ذلك فيأمرهم أن يلتزموا وسط الطريق و يجتنبوا حاشيتي الإفراط و التفريط.
و أمّا السؤال أعني ما في قوله:( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) إلخ، فهو سؤال لا جواب له إلّا النفي لا شكّ فيه و به يثبت أنّ ما يعبدونه من دون الله من الأصنام و الأوثان و هو مسلوب القدرة لا يستطيع أن يهتدي من نفسه و لا أن يهدي
غيره لا يساوي الله تعالى و هو على صراط مستقيم في نفسه هاد لغيره بإرسال الرسل و تشريع الشرائع.
و منه يظهر أنّ هذا المثل المضروب في الآية في معنى قوله تعالى:( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الحقّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) يونس: ٣٥ فالله سبحانه على صراط مستقيم في صفاته و أفعاله، و من استقامة صراطه أن يجعل لما خلقه من الأشياء غايات تتوجّه إليها فلا يكون الخلق باطلاً، كما قال:( وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ) و أن يهدي كلّا إلى غايته الّتي تخصّه كما خلقها و جعل لها غاية كما قال:( الَّذِي أَعْطى كلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) طه: ٥٠ فيهدي الإنسان إلى سبيل قاصد كما قال:( وَ عَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) النحل: ٩، و قال:( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ) الدهر: ٣.
و هذا أصل الحجّة على النبوّة و التشريع، و قد مرّ تمامه في أبحاث النبوّة في الجزء الثاني و في قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب.
فقد تحصّل أنّ الغرض من المثل المضروب في الآية إقامة حجّة على التوحيد مع إشارة إلى النبوّة و التشريع.
و قيل: إنّه مثل مضروب فيمن يؤمّل منه الخير و من لا يؤمّل منه، و أصل الخير كلّه من الله تعالى فكيف يستوي بينه و بين شيء سواه في العبادة.؟
و فيه أنّ المورد أخصّ من ذلك فهو مثل مضروب فيمن هو على خير في نفسه و هو يأمر بالعدل و هو شأنه تعالى دون غيره على أنّهم لا يساوون بينه و بين غيره في العبادة بل يتركونه و يعبدون غيره.
و قيل: إنّه مثل مضروب في المؤمن و الكافر فالأبكم هو الكافر، و الّذي يأمر بالعدل هو المؤمن، و فيه أنّ صحّة انطباق الآية على المؤمن و الكافر بل على كلّ من يأمر بالعدل و من يسكت عنه و جريها فيهما أمر، و مدلولها من جهة وقوعها في سياق تعداد النعم و الاحتجاج على التوحيد و ما يلحق به من الاُصول أمر آخر، و
الّذي تفيده بالنظر إلى هذه الجهة أنّ مورد المثل هو الله سبحانه و ما يعبدون من دونه لا غير.
قوله تعالى: ( وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) الغيب يقابل الشهادة في إطلاقات القرآن الكريم و قد تكرّر فيه:( عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ ) و قد تقدّم مراراً أنّهما أمران إضافيّان فالأمر الواحد غيب و غائب بالنسبة إلى شيء و شهادة و مشهود بالنسبة إلى آخر.
و إذ كان من الأشياء ما هو ذو وجوه يظهر ببعض منها لغيره و يخفى ببعض أعني أنّه متضمّن غيباً و شهادة كانت إضافة الغيب و الشهادة إلى الشيء تارة بمعنى اللّام فيكون مثلاً غيب السماوات و الأرض ما هو غائب عنهما خارج من حدودهما، و يلحق بهذا الباب الإضافة لنوع من الاختصاص، كما في قوله:( فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ) الجنّ: ٢٦.
و تارة بمعنى( من ) أو ما يقرب منه فيكون المراد بغيب السماوات و الأرض الغيب الّذي يشتملان عليه نوعاً من الاشتمال قبال ما يشتملان عليه من الشهادة و بعبارة اُخرى ما يغيب عن الأفهام من أمرهما قبال ما يظهر منهما.
و الساعة هي من غيب السماوات و الأرض بهذا المعنى الثاني:
أمّا أوّلاً: فلأنّه سبحانه يعدّها في كلامه من الغيب، و ليست بخارج من أمر السماوات و الأرض فهو من الغيب بهذا المعنى.
و أمّا ثانياً: فلأنّ ما يصفها به من الأوصاف إنّما يلائم هذا المعنى الثاني ككونها يوما ينبّئهم الله بما كانوا فيه يختلفون و يوم تبلى السرائر و يوماً يخاطب فيه الإنسان بمثل قوله:( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ، و يوماً يخاطبون ربّهم بقولهم:( رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا ) و بالجملة هي يوم يظهر فيه ما استتر من الحقّائق في هذه النشأة ظهور عيان، و من المعلوم أنّ هذه الحقائق غير خارجة من السماوات و الأرض بل هي معهما ثابتة.
كيف؟ و هو تعالى يقول:( وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) فيثبته ملكاً لنفسه و ليس ملكه من الملك الاعتباريّ يتعلّق بكلّ أمر موهوم أو جزافيّ بل ملك حقيقيّ يتعلّق بأمر ثابت فلها نوع من الثبوت و إن فرض جهلنا بحقيقة ثبوتها.
و الشواهد القرآنيّة على هذا الّذي ذكرناه كثيرة. و قد عدّ سبحانه حياة هذه النشأة متاع الغرور و لعبا و لهوا، و كرّر أنّ أكثر الناس لا يعلمون ما هو يوم القيامة، و ذكر أنّ الدار الآخرة هي الحيوان، و أنّهم سيعلمون أنّ الله هو الحقّ المبين و سيبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، إلى غير ذلك ممّا يشتمل عليه الآيات على اختلاف ألسنتها.
و بالجملة الساعة من غيب السماوات و الأرض، و الآية أعني قوله:( وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) تقرّر ملكه تعالى لنفس هذا الغيب لا لعلمه فلم يقل: و لله علم غيب السماوات و الأرض، و سياق الآية يعطي أنّ الجملة أعني قوله:( وَ لِلَّهِ غَيْبُ ) إلخ، توطئة و تمهيد لقوله:( ما أَمْرُ السَّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ) إلخ، فالجملة مسوقة للاحتجاج.
و على هذا يعود معنى الآية إلى أنّ الله سبحانه يملك غيب السماوات و الأرض ملكا له أن يتصرّف فيه كيف يشاء كما يملك شهادتهما و كيف لا؟ و غيب الشيء لا يفارق شهادته و هو موجود ثابت معه و له الخلق و الأمر، و الساعة الموعودة ليست بأمر محال حتّى لا يتعلّق بها قدرة بل هي من غيب السماوات و الأرض و حقيقتها المستورة عن الأفهام اليوم فهي ممّا استقرّ عليه ملكه تعالى، و له أن يتصرّف فيه بالإخفاء يوماً و بالإظهار آخر.
و ليست بصعبة عليه تعالى فإنّما أمرها كلمح البصر أو أقرب من ذلك لأنّ الله على كلّ شيء قدير.
و من هنا يظهر أنّ قوله:( وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) مسوق لا لإثبات أصل الساعة أو إمكانها بل لنفي صعوبتها و المشقّة في إقامتها و هوان أمرها عنده سبحانه.
فقوله:( وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) أي بالنسبة إليه و إلّا فقد استعظم سبحانه أمرها بما يهون عنده كلّ أمر خطير و وصفها بأوصاف لا يعادلها فيها غيرها، قال تعالى:( ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) الأعراف: ١٨٧.
و تشبيه أمرها بلمح البصر إنّما هو من جهة أنّ اللّمحة و هي مدّ البصر و إرساله للرؤية أخفّ الأعمال عند الإنسان و أقصرها زماناً فهو تشبيه بحسب فهم السامع و لذلك عقّبه بقوله:( أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) فإنّ مثل هذا السياق يفهم منه الإضراب فكأنّه تعالى يقول: إنّ أمرها في خفّة المؤنة و الهوان و السهولة بالنسبة إلينا يشبه لمح أحدكم ببصره، و إنّما اُشبّهه به رعاية لحالكم و تقريباً إلى فهمكم و إلّا فالأمر أقرب من ذلك، كما قال فيها:( وَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ) الأنعام: ٧٣، فأمر الساعة بالنسبة إلى قدرته و مشيّته تعالى كأمر أيسر الخلق و أهونه.
و علّل تعالى ذلك بقوله:( إِنَّ اللهَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فقدرته على كلّ شيء توجب أن تكون الأشياء بالنسبة إليه سواء.
و إيّاك أن تتوهّم أنّ عموم القدرة لا يستوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء من حيث النسبة، فقلّة الأسباب المتوسّطة بين الفاعل و فعله و الشرائط و الموانع و كثرتها لهما تأثير في ذلك لا محالة، فالإنسان مثلاً قادر على التنفّس و حمل ما يطيقه من الأثقال و ليسا سواء بالنسبة إليه و على هذا القياس.
فإنّ في ذلك غفلة عن معنى عموم القدرة، و توضيحه أنّ القدرة الّتي فينا قدرة مقيّدة، فإنّ قدرة الإنسان مثلاً على أكل الغذاء و هي أنّ له نسبة الفاعليّة إليه و هي في تأثيرها مشروطة بتحقّق غذاء في الخارج و كونه بين يديه و ممكن التناول و عدم ما يمنع من ذلك من إنسان أو غيره، و كون أدوات الفعل كاليد و الفم و غيرهما غير مصابة بآفة إلى غير ذلك، و الّذي يملكه الإنسان هو الإرادة و الزائد على ذلك وسائط و شرائط و موانع خارجة عن قدرته بالحقيقة و قيد يقيّدها، و إذا أراد الإنسان أن يعمل قدرته فيأكل كان عليه أن يهيّئ تلك الاُمور الّتي تتقيّد بها قدرته في التأثير كتحصيل الغذاء و وضعه قريبا منه و رفع الموانع و إعمال الأدوات البدنيّة مثلاً.
و من المعلوم أنّ قلّة هذه الاُمور و كثرتها و قربها و بعدها و ما أشبه ذلك من صفاتها توجب اختلاف الفعل في السهولة و عدمها و ضعف القدرة و قوّتها فتقيّد القدرة هو الموجب للاختلاف.
و أمّا قدرته تعالى فإنّها عين ذاته الّتي يجب وجودها و يمتنع عدمها، و إذا كان كذلك فلو تقيّدت بقيد من وجود سبب أو شرط أو عدم مانع لانعدمت بانعدام قيدها و هو محال فقدرته تعالى مطلقة غير محدودة بحدّ و لا مقيّدة بقيد، عامّة تتعلّق بكلّ شيء على حدّ سواء من غير أن يكون شيء بالنسبة إليه أصعب من شيء أو أسهل، و أقرب إليه من شيء أو أبعد، و إنّما الاختلاف بين الأشياء أنفسها بقياس بعضها إلى بعض.
و بتقريب آخر ما من شيء إلّا و هو يفتقر إليه سبحانه في وجوده، فإذا فرضنا كلّ أمر موجود بحيث لا يشذّ عنها شاذّ في جانب و نسبناها إليه تعالى كان الجميع متعلّقاً لقدرته، و ليس هناك أمر ثالث يكون قيداً لقدرته من سبب أو شرط أو عدم مانع و إلّا لكان شريكاً في التأثير تعالى عن ذلك.
و أمّا الّذي بين الأشياء أنفسها من الأسباب المتوسّطة و الشرائط و الموانع فإنّها توجب تقيّد بعضها ببعض لا تقيّد القدرة العامّة الإلهيّة الّتي تتعلّق بها ثمّ تتعلّق القدرة بالمقيّد منها دون المطلق بمعنى أنّ متعلّق القدرة هو زيد الّذي أبوه فلان و اُمّه فلانة و هو في زمان كذا و مكان كذا و هكذا فوجود زيد بجميع روابطه وجود جميع العالم و القدرة المتعلّقة به متعلّقة بالجميع بعينه، و ليست هناك إلّا قدرة واحدة متعلّقة بالجميع يوجد بها كلّ شيء في موطنه الخاصّ به، و هي مطلقة غير مقيّدة لا اختلاف للأشياء بالنسبة إليها و إنّما الاختلاف بينها أنفسها.
فقد تبيّن ممّا تقدّم أنّ عموم القدرة يوجب ارتفاع الاختلاف من بين الأشياء بالنسبة إليها بالسهولة و الصعوبة و غير ذلك و الآية الكريمة من غرر الآيات القرآنيّة يتبيّن بها:
أوّلاً: أنّ حقيقة المعاد ظهور حقيقة الأشياء بعد خفائها.
و ثانياً: أنّ القدرة الإلهيّة تتعلّق بجميع الأشياء على نعت سواء من غير اختلاف بالسهولة و الصعوبة و القرب و البعد و غير ذلك.
و ثالثاً: أنّ الأشياء بحسب الحقيقة مرتبطة وجوداً بحيث إنّ إيجاد الواحد منها إيجاد الجميع و الجميع متعلّق قدرة واحدة لا مؤثّر فيها غيرها.
نعم هناك نظر آخر أبسط من ذلك و هو النظر فيها من جهة نظام الأسباب و المسبّبات، و قد صدّقه الله في كلامه كما تقدّم بيانه في البحث عن الإعجاز في الجزء الأوّل من الكتاب، و بهذه النظرة ينفصل الأشياء بعضها عن بعض و يتوقّف وجود بعضها على وجود بعض أو عدمه فتتقدّم و تتأخّر و تسهل و تصعب، و تكون الأسباب وسائط بينها و بينه تعالى و يكون تعالى فاعلاً بوساطة الأسباب، و هو نظر بسيط.
و قد ذكر كثير من المفسّرين في قوله:( وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) أنّه بحذف مضاف و التقدير و لله علم غيب إلخ، و فيه أنّه يستلزم ارتفاع الاتّصال بين هذه الجملة و بين ما يليها إذ لا رابطة بين علم الغيب و بين هوان أمر الساعة، فتعود الجملة مستدركة مستغنى عنها في الكلام.
و قول بعضهم في رفع الاستدراك أنّ صدر الآية و ذيلها يثبتان العلم و القدرة و بهما معا يتمّ خلق الساعة غير مفيد فإنّهم إنّما استشكلوا في الساعة من جهة القدرة لعدّهم إيّاها ممتنعة فلا حاجة إلى التشبّث لإثباتها بمسألة العلم، و يشهد لذلك ما في سائر الآيات المثبتة لإمكان المعاد بعموم القدرة.
و ذكر بعضهم: أنّ المراد به علم غيبهما لا بتقدير العلم في الكلام حتّى يقال: إنّ الأصل عدمه بل لأنّ إضافة الغيب و هو ما يغيب عن الحسّ و العقل إلى السماوات و الأرض تفيد أنّ المراد الاُمور المجهولة الّتي فيهما ممّا يقع فيهما حالا أو بعد حين و ملكه تعالى له ملكه للعلم به.
و فيه أنّ المقدّمة الأخيرة ممنوعة و قد تقدّم بيانه على أنّ إشكال ارتفاع الاتّصال بين الجملتين في محلّه بعد.
و أيضاً ذكر بعضهم في توجيه التعليل المستفاد من قوله:( إِنَّ اللهَ عَلى كلّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أنّ من جملة الأشياء إقامة الساعة في أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك.
و فيه أنّه لا يفي بتعليل ما يستفاد من الحصر بالنفي و الإثبات و إنّما يفي بتعليل ما لو قيل: إنّ الله سيجعل أمر الساعة كلمح البصر مع إمكان كونه لا كذلك فافهم ذلك.
( بحث روائي)
في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ ) قال: قالعليهالسلام : الفرث ما في الكرش
و في الكافي، عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النوفليّ عن السكونيّ قال: قال أبوعبداللهعليهالسلام : ليس أحد يغصّ بشرب اللبن لأنّ الله عزّوجلّ يقول:( لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ) .
و في تفسير القمّيّ، بإسناده عن رجل عن حريز عن أبي عبداللهعليهالسلام : في قوله:( وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) قال: نحن النحل الّذي أوحى الله إليه أن اتّخذي من الجبال بيوتاً أمرنا أن نتّخذ من العرب شيعة( وَ مِنَ الشَّجَرِ ) يقول: من العجم( وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ ) من الموالي، و الّذي خرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، العلم الّذي يخرج منّا إليكم.
أقول: و في هذا المعنى روايات اُخر، و هي من باب الجري و يشهد به ما في بعض هذه الروايات من تطبيق النحل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و الجبال على قريش، و الشجر على العرب، و ممّا يعرشون على الموالي، و ما يخرج من بطونها على العلم.
و في تفسير القمّيّ، بإسناده عن عليّ بن المغيرة عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: إذا بلغ العبد مائة سنة فذلك أرذل العمر.
و في المجمع، روي عن عليّعليهالسلام : إنّ أرذل العمر خمس و سبعون سنة، و روي عن النبيّ مثل ذلك.
أقول: روى ذلك في الدرّ المنثور، عن الطبريّ عن عليّعليهالسلام ، و روى عن
ابن مردويه عن أنس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : حديثاً مفصّلاً يدلّ على أنّ أرذل العمر مائة سنة.
و في تفسير العيّاشيّ، عن عبدالرحمن الأشلّ عن الصادقعليهالسلام : في قول الله:( وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً ) قال: الحفدة بنو البنت، و نحن حفدة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و فيه، عن جميل بن دراج عن أبي عبداللهعليهالسلام : في الحفدة قال: و هم العون منهم يعني البنين.
و في المجمع في معنى الحفدة: هي أختان الرجل على بناته قال: و هو المرويّ عن أبي عبداللهعليهالسلام .
أقول: و لا تنافي بين الروايات كما تقدّم في البيان.
و في التهذيب، بإسناده عن شعيب العقرقوفي عن أبي عبداللهعليهالسلام : في طلاق العبد و نكاحه قال: ليس له طلاق و لا نكاح أ ما تسمع الله تعالى يقول:( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) قال: لا يقدر على طلاق و لا على نكاح إلّا بإذن مولاه.
أقول: و في هذا المعنى عدّة روايات من طرق الشيعة.
و في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) قال: قالعليهالسلام : كيف يستوي هذا؟ و من يأمر بالعدل أميرالمؤمنين و الأئمّةعليهمالسلام .
و في تفسير البرهان، عن ابن شهر آشوب عن حمزة بن عطاء عن أبي جعفرعليهالسلام : في قوله تعالى:( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) الآية قال: هو عليّ بن أبي طالبعليهالسلام و هو على صراط مستقيم.
أقول: و الروايتان من الجري و ليستا من أسباب النزول في شيء لما تقدّم في البيان السابق.
و كذا ما روي من طرق أهل السنّة: أنّ قوله:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً ) ، الآية نزل في هشام بن عمرو و هو الّذي ينفق ماله سرّاً و جهراً في عبده أبي الجوزاء الّذي كان ينهاه، و كذا ما روي أنّ الآية نزلت في عثمان بن عفان و عبد له.
و كذا ما روي: في قوله:( وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ) الآية، أنّ الأبكم اُبيّ بن خلف و من يأمر بالعدل حمزة و عثمان بن مظعون، و كذا ما روي: أنّ الأبكم هاشم بن عمر بن الحارث القرشيّ و كان قليل الخير يعادي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و ما روي: أنّ الأبكم أبوجهل و الآمر بالعدل عمّار، و ما روي: أنّ الآمر بالعدل عثمان ابن عفّان، و الأبكم مولى له كافر و هو اُسيد بن أبي العيص، إلى غير ذلك.
( سورة النحل الآيات ٧٨ - ٨٩)
وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٧٨ ) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( ٧٩ ) وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ ( ٨٠ ) وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( ٨١ ) فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( ٨٢ ) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ( ٨٣ ) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( ٨٤ ) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ( ٨٥ ) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ( ٨٦ ) وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( ٨٧ ) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ( ٨٨ ) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ( ٨٩ )
( بيان)
الآيات تذكر عدّة اُخرى من النعم الإلهيّة ثمّ تعطف الكلام إلى ما تكشف عنه من حقّ القول في وحدانيّته تعالى في الربوبيّة و في البعث و في النبوّة و التشريع نظيره القبيل السابق الّذي أوردناه من الآيات.
قوله تعالى: ( وَ اللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شيئاً ) إلى آخر الآية. الاُمّهات جمع اُمّ و الهاء زائدة نظير أهراق و أصله أراق و قد تأتي اُمّات، و قيل: الاُمّهات في الإنسان و الاُمّات في غيره من الحيوان، و الأفئدة جمع قلّة للفؤاد و هو القلب و اللبّ، و لم يبن له جمع كثرة.
و قوله:( وَ اللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ) إشارة إلى التولّد و( لا تَعْلَمُونَ شيئاً ) حال من ضمير الخطاب أي أخرجكم من أرحامهنّ بالتولّد و الحال أنّ نفوسكم خالية من هذه المعلومات الّتي أحرزتموها من طريق الحسّ و الخيال و العقل بعد ذلك.
و الآية تؤيّد ما ذهب إليه علماء النفس أنّ لوح النفس خالية عن المعلومات أوّل تكوّنها ثمّ تنتقش فيها شيئاً فشيئاً - كما قيل - و هذا في غير علم النفس بذاتها فلا يطلق عليه عرفاً( يعلم شيئاً ) و الدليل عليه قوله تعالى في خلال الآيات السابقة فيمن يردّ إلى أرذل العمر (لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً) فإنّ من الضروريّ أنّه في تلك الحال عالم بنفسه.
و احتجّ بعضهم بعموم الآية على أنّ العلم الحضوريّ يعني به علم الإنسان بنفسه كسائر العلوم الحصوليّة مفقود في بادئ الحال حادث بعد ذلك ثمّ ناقش في أدلّة كون علم النفس بذاتها حضوريّاً مناقشات عجيبة.
و فيه أنّ العموم منصرف إلى العلم الحصوليّ و يشهد بذلك الآية المتقدّمة.
و قوله:( وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) إشارة إلى مبادئ العلم الّذي أنعم بها على الإنسان فمبدء التصوّر هو الحسّ، و العمدة
فيه السمع و البصر و إن كان هناك غيرهما من اللمس و الذوق و الشمّ، و مبدأ الفكر هو الفؤاد.
قوله تعالى: ( أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللهُ ) إلخ، قال في المجمع: الجوّ الهواء البعيد من الأرض. انتهى. يقول: أ لم ينظروا إلى الطير حال كونها مسخّرات لله سبحانه في جوّ السماء و الهواء البعيد من الأرض، ثمّ استأنف فقال مشيراً إلى ما هو نتيجة هذا النظر:( ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللهُ ) .
و إثبات الإمساك لله سبحانه و نفيه عن غيره مع وجود أسباب طبيعيّة هناك مؤثّرة في ذلك و كلامه تعالى يصدّق ناموس العلّيّة و المعلوليّة إنّما هو من جهة أنّ توقّف الطير في الجوّ من دون أن تسقط كيفما كان و إلى أيّ سبب استند هو و سببه و الرابطة الّتي بينهما جميعاً مستندة إلى صنعه تعالى فهو الّذي يفيض الوجود عليه و على سببه و على الرابطة الّتي بينهما فهو السبب المفيض لوجوده حقيقة و إن كان سببه الطبيعيّ القريب معه يتوقّف هو عليه.
و معنى توقّفه في وجوده على سببه ليس أنّ سببه يفيد وجوده بعد ما استفاد وجود نفسه منه تعالى بل إنّ هذا المسبّب يتوقّف في أخذه الوجود منه تعالى إلى أخذ سببه الوجود منه تعالى قبل ذلك، و قد تقدّم بعض الكلام في توضيح ذلك من قريب.
و هذا معنى توحيد القرآن، و الدليل عليه من جهة لفظه أمثال قوله:( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ ) الأعراف: ٥٤، و قوله:( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) البقرة: ١٦٥، و قوله:( اللهُ خالِقُ كلّ شَيْءٍ ) الزمر: ٦٢، و قوله:( إِنَّ اللهَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) النحل: ٧٧.
و الدليل على ما قدّمناه في معنى النفي و الإثبات في الآية قوله تعالى:( مُسَخَّراتٍ ) فإنّ التسخير إنّما يتحقّق بقهر أحد السببين الآخر في فعله على ما يريده السبب القاهر ففي لفظه دلالة على أنّ للمقهور نوعاً من السببيّة.
و ليس طيران الطائر في جوّ السماء بالحقيقة بأعجب من سكون الإنسان في
الأرض فالجميع ينتهي إلى صنعه تعالى على حدّ سواء لكن اُلفة الإنسان لبعض الاُمور و كثرة عهده به توجب خمود قريحة البحث عنه فإذا صادف ما يخالف ما ألفه و كثر عهده به كالمستثنى من الكلّيّة انتبه لذلك و انتزعت القريحة للبحث عنه و الإنسان يرى الأجسام الأرضيّة الثقيلة معتمدة على الأرض مجذوبة إليها فإذا وجد الطير مثلاً تنقض كلّيّة هذا الحكم بطيرانها تعجّب منه و انبسط للبحث عنه و الحصول على علّته، و للحقّ نصيب من هذا البحث و هذا هو أحد الأسباب في أخذ هذا النوع من الاُمور في القرآن موادّ للاحتجاج.
و قوله:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي في كونها مسخّرات في جوّ السماء فإنّ للطير و هو في الجوّ دفيفاً و صفيفاً و بسطاً لأجنحتها و قبضاً و سكوناً و انتقالاً و صعوداً و نزولاً و هي جميعاً آيات لقوم يؤمنون كما ذكره الله.
قوله تعالى: ( وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ) إلى آخر الآية، في المفردات: البيت مأوى الإنسان بالليل لأنّه يقال: بات أقام بالليل كما يقال: ظلّ بالنهار. ثمّ قد يقال: للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، و جمعه أبيات و بيوت لكنّ البيوت بالمسكن أخصّ و الأبيات بالشعر، قال: و يقع ذلك على المتّخذ من حجر و مدر و صوف و وبر. انتهى موضع الحاجة.
و السكن ما يسكن إليه، و الظعن الارتحال و هو خلاف الإقامة، و الصوف للضأن و الوبر للإبل كالشعر للإنسان و يسمّى ما للمعز شعراً كالإنسان، و الأثاث متاع البيت الكثير و لا يقال للواحد منه أثاث، قال في المجمع: و لا واحد للأثاث كما أنّه لا واحد للمتاع. انتهى. و المتاع أعمّ من الأثاث فإنّه مطلق ما يتمتّع به و لا يختصّ بما في البيت.
و قوله:( وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ) أي جعل لكم بعض بيوتكم سكنا تسكنون إليه، و من البيوت ما لا يسكن إليه كالمتّخذ لادّخار الأموال و اختزان الأمتعة و غير ذلك و قوله:( وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً ) إلخ، أي من جلودها بعد الدبغ و هي الأنطاع و الأدم( بُيُوتاً ) و هي القباب و الخيام( تَسْتَخِفُّونَها )
أي تعدّونها خفيفة من جهة الحمل( يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ) و ارتحالكم( وَ يَوْمَ إِقامَتِكُمْ ) من غير سفر و ظعن.
و قوله:( وَ مِنْ أَصْوافِها وَ أَوْبارِها وَ أَشْعارِها ) إلخ، معطوف على موضع( مِنْ جُلُودِ ) أي و جعل لكم( مِنْ أَصْوافِها ) و هي للضأن و( أَوْبارِها ) و هي للإبل( وَ أَشْعارِها ) و هي للمعز( أَثاثاً ) تستعملونه في بيوتكم( وَ مَتاعاً ) تتمتّعون به( إِلى حِينٍ ) محدود، قيل: و فيه إشارة إلى أنّها فانية داثرة فلا ينبغي للعاقل أن يختارها على نعيم الآخرة.
قوله تعالى: ( وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا ) إلى آخر الآية، الظرفان أعني قوله:( لَكُمْ ) و( مِمَّا خَلَقَ ) متعلّقان بجعل و تعليق الظلال بما خلق لكونها أمراً عدميّاً محقّقاً بتبع غيره و هي مع ذلك من النعم العظيمة الّتي أنعم الله بها على الإنسان و سائر الحيوان و النبات فما الانتفاع بالظلّ للإنسان و غيره بأقلّ من الانتفاع بالنور و لو لا الظلّ و هو ظلّ الليل و ظلّ الأبنية و الأشجار و الكهوف و غيرها لما عاش على وجه الأرض عائش.
و قوله:( وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً ) الكنّ ما يستتر به الشيء حتّى أنّ القميص كنّ للابسه، و أكنان الجبال هي الكهوف و الثقب الموجودة فيها.
و قوله:( وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ) أي قميصاً يحفظكم من الحرّ، قال في المجمع:، و لم يقل: و تقيكم البرد لأنّ ما وقى الحرّ وقى البرد، و إنّما خصّ الحرّ بذلك مع أنّ وقايتها للبرد أكثر لأنّ الّذين خوطبوا بذلك أهل حرّ في بلادهم فحاجتهم إلى ما يقي الحرّ أكثر، عن عطاء.
قال: على أنّ العرب يكتفي بذكر أحد الشيئين عن الآخر للعلم به قال الشاعر:
و ما أدري إذا يممّت أرضا |
اُريد الخير أيّهما يليني |
فكنّى عن الشرّ و لم يذكره لأنّه مدلول عليه، ذكره الفرّاء انتهى.
و لعلّ بعض الوجه في ذكره الحرّ و الاكتفاء به أنّ البشر الاُولى كانوا يسكنون المناطق الحارّة من الأرض فكان شدّة الحرّ أمسّ بهم من شدّة البرد
و تنبّههم لاتّخاذ السراويل إنّما هو للاتّقاء ممّا كان الابتلاء به أقرب إليهم و هو الحرّ و الله أعلم.
و قوله:( وَ سَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ) الظاهر أنّ المراد به درع الحديد و نحوه.
و قوله:( كَذلِكَ يتمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) امتنان عليهم بإتمام النعم الّتي ذكرها، و كانت الغاية المرجوّة من ذلك إسلامهم لله عن معرفتها فإنّ المترقّب المتوقّع ممّن يعرف النعم و إتمامها عليه أن يسلم لإرادة منعمه و لا يقابله بالاستكبار لأنّ منعما هذا شأنه لا يريد به سوء.
قوله تعالى: ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) قال في المجمع: البلاغ الاسم و التبليغ المصدر مثل الكلام و التكليم، انتهى.
لمّا فرغ عن ذكر ما اُريد ذكره من النعم و الاحتجاج بها ختمها بما مدلولها العتاب و اللوم و الوعيد على الكفر و يتضمّن ذكر وحدانيّته تعالى في الربوبيّة و المعاد و النبوّة و بدأ ذلك ببيان وظيفة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في رسالته و هو البلاغ فقال:( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) أي يتفرّع على هذا البيان الّذي ليس فيه إلّا دعوتهم إلى ما فيه صلاح معاشهم و معادهم من غير أن يتبعه إجبار أو إكراه أنّهم إن تولّوا و أعرضوا عن الإصغاء إليه و الاهتداء به( فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) و التبليغ الواضح الّذي لا إبهام فيه و لا ستر عليه لأنّك رسول و ما على الرسول إلّا ذلك.
و في الآية تسلية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و بيان وظيفة له.
قوله تعالى: ( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) المعرفة و الإنكار متقابلان كالعلم و الجهل و هذا هو الدليل على أنّ المراد بالإنكار و هو عدم المعرفة لازم معناه و هو الإنكار في مقام العمل و هو عدم الإيمان بالله و رسوله و اليوم الآخر أو الجحود لسانا مع معرفتها قلباً، لكن قوله:( وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) يخصّ الجحود بأكثرهم كما سيجيء فيبقى للإنكار المعنى الأوّل.
و قوله:( وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) دخول اللّام على( الْكافِرُونَ ) يدلّ على الكمال أي إنّهم كافرون بالنعم الإلهيّة أو بما تدلّ عليه من التوحيد و غيره جميعاً لكنّ
أكثرهم كاملون في كفرهم و ذلك بالجحود عناداً و الإصرار عليه و الصدّ عن سبيل الله.
و المعنى: يعرفون نعمة الله بعنوان أنّها نعمة منه و مقتضاه أن يؤمنوا به و برسوله و اليوم الآخر و يسلموا في العمل ثمّ إذا وردوا مورد العمل عملوا بما هو من آثار الإنكار دون المعرفة، و أكثرهم لا يكتفون بمجرّد الإنكار العمليّ بل يزيدون عليه بكمال الكفر و العناد مع الحقّ و الجحود و الإصرار عليه.
و فيما قدّمناه كفاية لك عمّا أطال فيه المفسّرون في معنى قوله:( وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) مع أنّهم جميعاً كافرون بإنكارهم من قول بعضهم، إنّما قال:( أَكْثَرُهُمُ ) لأنّ منهم من لم تقم عليه الحجّة كمن لم يبلغ حدّ التكليف أو كان مؤفاً في عقله أو لم تصل إليه الدعوة فلا يقع عليه اسم الكفر.
و فيه أنّ هؤلاء خارجون عن إطلاق الآية رأساً فإنّها تذكر توبيخاً و إيعاداً أنّهم ينكرون نعمة الله بعد ما عرفوها، و هؤلاء إن كانوا ينكرونها كانوا بذلك كافرين و إن لم ينكروها لم يدخلوا في إطلاق الآية قطعاً، و كيف يصحّ أن يقال: إنّهم لم تقم عليهم الحجّة و ليست الحجّة إلّا النعمة الّتي يعدّها الله سبحانه و هم يعرفونها.؟
و قول بعضهم: إنّما قال:( وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) لأنّه كان يعلم أنّ فيهم من سيؤمن، و فيه أنّه قول لا دليل عليه.
و قول بعضهم: إنّ المراد بالأكثر الجميع و إنّما عدل عن البعض احتقاراً له أن يذكره، و نسب إلى الحسن البصريّ، و هو قول عجيب.
قيل: و في الآية دليل على فساد قول المجبرة إنّه ليس لله على الكافر نعمة و أنّ جميع ما فعله بهم إنّما هو خذلان و نقمة لأنّه سبحانه نصّ في هذه الآية على خلاف قولهم، انتهى.
و الحقّ أنّ للنعمة اعتبارين: أحدهما كونها نعمة أي ناعمة ملائمة لحال المنعم عليه من حيث كونه في صراط التكوين أي من حيث سعادته الجسميّة، و الآخر من حيث وقوع المنعم عليه في صراط التشريع أي من حيث سعادته الروحيّة الإنسانيّة بأن تكون النعمة بحيث توجب معرفتها إيمانه بالله و رسوله و اليوم الآخر
و استعمالها في طريق مرضاة الله، و المؤمن منعّم بالنعمتين كلتيهما و الكافر منعّم في الدنيا بالطائفة الاُولى محروم من الثانية، و في كلامه سبحانه شواهد كثيرة تشهد على ذلك.
قوله تعالى: ( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) قال في المجمع: قال الزجّاج: و العتب الموجدة يقال: عتب عليه يعتب إذا وجد عليه فإذا فاوضه ما عتب عليه قالوا: عاتبه، و إذا رجع إلى مسرّته قيل: أعتب، و الاسم العتبي و هو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب، و استعتبه طلب منه أن يعتب. انتهى.
و قوله:( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) يفيد السياق أنّ المراد بهذا اليوم يوم القيامة، و بهؤلاء الشهداء الّذين يبعث كلّ واحد منهم من اُمّة، شهداء الأعمال الّذين تحمّلوا حقائق أعمال اُمّتهم في الدنيا و هم يستشهد بهم و يشهدون عليهم يوم القيامة و قد تقدّم بعض الكلام في معنى هذه الشهادة في تفسير قوله:( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) البقرة: ١٤٣ في الجزء الأوّل من الكتاب.
و لا دلالة في لفظ الآية على أنّ المراد بشهيد الاُمّة نبيّها، و لا أنّ المراد بالاُمّة اُمّة الرسول فمن الجائز أن يكون غير النبيّ من اُمّته كالإمام شهيداً كما يدلّ عليه آية البقرة السابقة و قوله تعالى:( وَ جِيءَ بِالنبيّينَ وَ الشُّهَداءِ ) الزمر: ٦٩، و على هذا فالمراد بكلّ اُمّة اُمّة الشهيد المبعوث و أهل زمانه.
و قوله:( ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) ذكر بعث شهداء الاُمم دليل على أنّهم يشهدون على اُممهم بما عملوا في الدنيا، و قرينة على أنّ المراد من نفي الإذن للكافرين أنّهم لا يؤذن لهم في الكلام و هو الاعتذار لا محالة و نفي الإذن في الكلام إنّما هو تمهيد لأداء الشهود شهادتهم كما تلوّح إليه آيات اُخر كقوله:( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ) يس: ٦٥، و قوله:( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) المرسلات: ٣٦.
على أنّ سياق قوله:( ثُمَّ لا يُؤْذَنُ ) إلخ، يفيد أنّ المراد بهذا الّذي ذكر نفي ما يتّقى به الشرّ يومئذ من الحيل و بيان أنّه لا سبيل إلى تدارك ما فات منهم و إصلاح ما فسد من أعمالهم في الدنيا يومئذ و هو أحد أمرين: الاعتذار أو استئناف العمل، أمّا الثاني فيتكفّله قوله:( وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) و لا يبقى للأوّل و هو الاعتذار بالكلام إلّا قوله:( ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) .
و من هنا يظهر أنّ قوله:( وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) أي لا يطلب منهم أن يعتبوا الله و يرضوه بيان لعدم إمكان تدارك ما فات منهم بتجديد العمل و الرجوع إلى السمع و الطاعة فإنّ اليوم يوم جزاء لا يوم عمل و لا سبيل إلى رجوعهم القهقرى إلى الدنيا حتّى يعملوا صالحاً فيجزوا به.
و قد بيّن سبحانه ذلك في مواضع اُخرى من كلامه بلسان آخر كقوله تعالى:( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ ) القلم: ٤٣، و قوله:( وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ ربّهم رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) الم السجدة: ١٢.
قوله تعالى: ( وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ ) كانت الآية السابقة بالحقيقة مسوقة لبيان الفرق بين يوم الجزاء الّذي هو يوم القيامة و بين سائر ظروف الجزاء في الدنيا بأنّ جزاء يوم القيامة لا يرتفع و لا يتغيّر باعتذار و لا باستعتاب، و هذه الآية بيان فرق عذاب اليوم مع العذابات الدنيويّة الّتي تتعلّق بالظالمين في الدنيا فإنّها تقبل بوجه التخفيف أو الإنظار بتأخير ما و عذاب يوم القيامة لا يقبل تخفيفاً و لا إنظاراً.
فقوله:( وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ ) ذكر الظلم في الصلة دون الكفر و نحوه للدلالة على سبب الحكم و ملاكه، و المراد برؤية العذاب إشرافه عليهم و إشرافهم عليه بعد فصل القضاء كما يفيده السياق، و المراد بالعذاب عذاب يوم القيامة و هو عذاب النار.
و المعنى - و الله أعلم - و إذا قضي الأمر بعذابهم و أشرفوا على العذاب بمشاهدة النار فلا مخلص لهم عنه بتخفيف أو بإنظار و إمهال.
قوله تعالى: ( وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ ) إلى آخر الآية، مضيّ في حديث يوم البعث، و قوله:( وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) و هم في عرف القرآن عبدة الأصنام و الأوثان قرينة على أنّ المراد بقوله:( شُرَكاءَهُمْ ) الّذين أشركوهم بالله زعما منهم أنّهم شركاء لله و افتراء و يدلّ أيضاً عليه ذيل الآية و الآية التالية.
فتسميتهم شركاءهم و هم يسمّونهم شركاء الله للدلالة بها على أن ليس لهم من الشركة إلّا الشركة بجعلهم بحسب وهمهم فليس لإشراكهم شركاءهم من الحقيقة إلّا أنّها لا حقيقة لها.
و بذلك يظهر أنّ تفسير شركائهم بالأصنام أو بالمعبودات الباطلة و أنّهم إنّما عدّوا شركائهم لأنّهم جعلوا لها نصيباً من أموالهم و أنعامهم، أو الشياطين لأنّهم شاركوهم في الأموال و الأولاد أو شركاؤهم في الكفر و هم الّذين كفروا مثل كفرهم أو شاركوهم في وبال كفرهم، كلّ ذلك في غير محلّه و لا نطيل بالمناقشة في كلّ واحد منها.
و قوله:( قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ ) معناه ظاهر و هو تعريف منهم إيّاهم لربّهم، و لا حاجة إلى البحث عن غرض المشركين في تعريفهم فإنّ اليوم يوم أحاط بهم الشقاء و العذاب من كلّ جانب، و الإنسان في مثل ذلك يلوي إلى كلّ ما يخطر بباله من طرق السعي في خلاص نفسه و تنفيس كربه.
و قوله:( فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ) قال في المجمع:، تقول: ألقيت الشيء إذا طرحته، و اللقى الشيء الملقى، و ألقيت إليه مقالة إذا قلتها له، و تلقّاها إذا قبلها، انتهى.
و المعنى: أنّ شركائهم ردّوا إليهم و كذّبوهم، و قد عبّر سبحانه في موضع آخر عن هذا التكذيب بالكفر كقوله:( وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) فاطر: ١٤
و قوله حكاية عن مخاطبة الشيطان لهم يوم القيامة( إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) إبراهيم: ٢٢.
قوله تعالى: ( وَ أَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) السلم الإسلام و الاستسلام، و كأنّ في التعبير بإلقاء السلم إشارة إلى انضمام شيء من الخضوع و المقهوريّة بالقهر الإلهيّ إلى سلمهم.
و ضمير( أَلْقَوْا ) عائد إلى الّذين أشركوا بقرينة قوله بعد( وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) فالمراد أنّ المشركين يسلّمون يوم القيامة لله و قد كانوا يدعون إلى الإسلام في الدنيا و هم يستكبرون.
و ليس المراد بإلقاء السلم هذا يوم القيامة هو انكشاف الحقيقة و ظهور الوحدانيّة و هو مدلول قوله في صفة يوم القيامة:( وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحقّ الْمُبِينُ ) النور: ٢٥، لأنّ العلم بثبوت شيء أمر، و التسليم و الإيمان بثبوته أمر آخر كما يظهر من قوله تعالى:( وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ) النمل: ١٤.
و مجرّد العلم بأنّ الله هو الحقّ لا يكفي في سعادة الإنسان بل تحتاج في تمامها إلى تسليمه و الإيمان به بترتيب آثاره عليه ثمّ من التسليم و الإيمان ما كان عن طوع و اختيار و منه ما كان عن كره و اضطرار، و الّذي ينفع في السعادة هو التسليم و الإيمان عن اختيار و موطن الاختيار الدنيا الّتي هي دار العمل دون الآخرة الّتي هي دار الجزاء.
و هم لم يسلموا للحقّ ما داموا في الدنيا و إن أيقنوا به حتّى إذا وردوا الدار الآخرة و اُوقفوا موقف الحساب عاينوا أنّ الله هو الحقّ المبين، و أنّ عذاب الشقاء أحاط بهم من كلّ جانب أسلموا للحقّ و هم مضطرّون و ليس ينفعهم، و إلى هذا العلم و التسليم الاضطراريّ يشير قوله تعالى:( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحقّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحقّ الْمُبِينُ ) النور: ٢٥، فصدر الآية يخبر عن إسلامهم لأنّه الدين الحقّ، قال تعالى:( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ ) آل عمران: ١٩، و ذيل الآية عن انكشاف الحقّ لهم و ظهور الحقيقة عليهم.
و الآية المبحوث عنها أعني قوله:( وَ أَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) صدرها يشير إلى إسلامهم و ذيلها إلى كون ذاك الإسلام اضطرارياً لا ينفعهم لأنّهم كانوا يرون لله اُلوهيّة و لشركائهم اُلوهيّة فاختاروا تسليم شركائهم و عبادتهم على التسليم لله ثمّ لما ظهر لهم الحقّ يوم القيامة و كذّبهم شركاؤهم بطل ما زعموه و ضلّ عنهم ما افتروه فلم يبق للتسليم إلّا الله سبحانه فسلّموا له مضطرّين و انقادوا له كارهين.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ) استئناف متعرّض لحال أئمّة الكفر بالخصوص بعد ما أشار إلى حال عامّة الظالمين و المشركين في الآيات السابقة.
و السامع إذا سمع ما شرحه الله من حالهم يوم القيامة في هذه الآيات و أنّهم معذّبون جميعاً من غير أن يخفّف عنهم أو ينظروا فيه، و قد سمع منه أنّ منهم طائفة هم أشدّ كفراً و أشقى من غيرهم إذ يقول:( وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) خطر بباله طبعاً أنّهم هل يساوون غيرهم في العذاب الموعود و هم يزيدون عليهم في السبب و هو الكفر.
فاستونف الكلام جواباً عن ذلك فقيل:( الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) بالعناد و اللجاج فاكتملوا في الكفر و اقتدى بهم غيرهم( زِدْناهُمْ عَذاباً ) و هو الّذي للصدّ و هم يختصّون به( فَوْقَ الْعَذابِ ) و هو الّذي بإزاء مطلق الظلم و الكفر و يشاركون فيه عامّة إخوانهم، و كأنّ اللّام في العذاب للعهد الذكريّ يشار بها إلى ما ذكر في قوله:( وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ ) إلخ،( بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ) تعليل لزيادة العذاب.
و من هنا يظهر أنّ المراد بالإفساد الواقع في التعليل هو الصدّ لأنّه الوصف الّذي يزيدون به على غيرهم و هو إفساد الغير بصرفه عن سبيل الله، و بتقرير آخر: إفساد في الأرض بالمنع عن انعقاد مجتمع صالح كان من المترقّب حصوله بإقبال اُولئك المصروفين على دين الله و سلوك سبيله.
قوله تعالى: ( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ
شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) إلخ، صدر الآية تكرار ما تقدّم قبل بضع آيات من قوله:( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) غير أنّه كان هناك توطئة و تمهيداً لحديث عدم الإذن لهم في الكلام يومئذ، و هو هاهنا توطئة و تمهيد لذكر شهادتهصلىاللهعليهوآلهوسلم لهؤلاء يومئذ و هو في الموضعين
مقصود لغيره لا لنفسه.
و كيف كان فقوله:( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) يدلّ على بعث واحد في كلّ اُمّة للشهادة على أعمال غيره و هو غير البعث بمعنى الإحياء للحساب بل بعث بعد البعث، و إنّما جعل من أنفسهم ليكون أتمّ للحجّة و أقطع للمعذرة كما يفيده السياق و ذكره المفسّرون حتّى أنّهم ذكروا شهادة لوط على قومه و لم يكن منهم نسبا و وجّهوه بأنّه كان تأهّل فيهم و سكن معهم فهو معدود منهم.
و قوله:( وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) يفيد أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم شهيد على هؤلاء، و استظهروا أنّ المراد بهؤلاء هم اُمّته، و أيضاً إنّهم قاطبة من بعث إليه من لدن عصره إلى يوم القيامة ممّن حضره و من غاب و من عاصره و من جاء بعده من الناس.
و آيات الشهادة من معضلات آيات القيامة على ما في جميع آيات القيامة من الإعضال و صعوبة المنال، و قد تقدّم في ذيل قوله:( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) البقرة: ١٤٣ في الجزء الأوّل من الكتاب نبذة من الكلام في معنى هذه الشهادة.
و من الواجب قبل الورود في بحث الشهادة و سائر الاُمور الّتي تصفها الآيات ليوم القيامة كالجمع و الوقوف و السؤال و الميزان و الحساب أن يعلم أنّه تعالى يعدّ في كلامه هذه الاُمور في عداد الحجج الّتي تقام يوم القيامة على الإنسان لتثبيت ما عمله من خير أو شرّ و القضاء عليه بما ثبت بالحجّة القاطعة للعذر و المنيرة للحقّ ثمّ المجازاة بما يستوجبه القضاء من سعادة أو شقاء و جنّة أو نار، و هذا من أوضح ما يستفاد من آيات القيامة الشارحة لشؤن هذا اليوم و ما يواجه الناس منها.
و هذا أصل مقتضاه أن يكون بين هذه الحجج و أجزائها و نتائجها روابط حقيقيّة بيّنة يضطرّ العقل إلى الإذعان بها، و لا يسع للإنسان بما عنده من الشعور
الفطريّ ردّها و لا الشكّ و الارتياب فيها.
و على هذا فمن الواجب أن تكون الشهادة القائمة هناك بإقامة منه تعالى مشتملة من الحقيقة على ما لا سبيل للمناقشة فيها، و الله سبحانه لو أمر أشقى الناس على أن يشهد على الأوّلين و الآخرين بما عملوه باختيار من الشاهد أو يخلق الشهادة في لسانه بلا إرادة منه، أو أن يشهد بما عملوه من غير أن يكون قد تحمّلها في الدنيا و شهدها شهود عيان بل معتمداً على إعلام من الله أو ملائكته أو على حجّة ثمّ أمضى تعالى ذلك و أنفذه و جازى به محتجّاً في جميع ذلك بشهادته ثانياً عليها لم يكن ذلك ممّا لا تطيقه سعة قدرته و لا يسعه نفوذ إرادته و لا استطاع أحد أن ينازعه في ملكه أو يعقّب حكمه أو يغلبه على أمره.
لكنّها حجّة تحكّميّة غير تامّة لا تقطع بالحقيقة عذراً و لا تدفع ريباً نظير التحكّمات الّتي نجدها من جبابرة الإنسان و الطواغيت العابثين بالحقّ و الحقيقة و كيف يتصوّر لمثل هذه الحجج المختلقة عين أو أثر يوم لا عين فيه إلّا للحقّ و لا أثر فيه إلّا للحقيقة؟.
و على هذا فمن الواجب أن يكون هذا الشهيد ذا عصمة إلهيّة يمتنع عليه الكذب و الجزاف، و أن يكون عالماً بحقائق الأعمال الّتي يشهد عليها لا بظاهر صورها و هيئاتها المحسوسة بل بحقيقة ما انعقدت عليه في القلوب، و أن يستوي عنده الحاضر و الغائب من الناس كما تقدّمت الإشارة إليه في تفسير آية سورة البقرة.
و من الواجب أن تكون شهادته شهادة عن معاينة كما هو ظاهر لفظ الشهيد و ظاهر تقييده بقوله:( مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) في قوله:( شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) غير مستندة إلى حجّة عقليّة أو دليل سمعيّ. و يشهد به قوله تعالى حكاية عن المسيحعليهالسلام :( وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) المائدة: ١١٧.
و بهذا تتلاءم الآيتان مضموناً أعني قوله:( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) و قوله:( وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً
وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) البقرة: ١٤٣.
فإنّ ظاهر آية البقرة أنّ بين النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و بين الناس الّذين هم عامّة من بعث إليهم من زمانه إلى يوم القيامة شهداء يشهدون على أعمالهم، و أنّ الرسول إنّما هو شهيد على هؤلاء الشهداء دون سائر الناس إلّا بواسطتهم، و لا ينبغي أن يتوهّم أنّ الاُمّة هم المؤمنون و غيرهم الناس و هم خارجون من الاُمّة فإنّ ظاهر الآية السابقة في السورة:( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) الآية أنّ الكفّار من الاُمّة المشهود عليهم.
و لازم ذلك أن يكون المراد بالاُمّة في الآية المبحوث عنها:( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) جماعة الناس من أهل عصر واحد يشهد أعمالهم شهيد واحد، و يكون حينئذ الاُمّة الّتي بعث إليها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم منقسمة إلى اُمم كثيرة.
و يكون المراد بالشهيد الإنسان المبعوث بالعصمة و المشاهدة كما تقدّم و يؤيّده قوله:( مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) إذ لو لا المشاهدة لم يكن لكونه من أنفسهم وقع، و لا لتعدّد الشهداء بتعدّد الاُمم وجه فلكلّ قوم شهيد من أنفسهم سواء كان نبيّاً لهم أو غير نبيّهم فلا ملازمة كما يؤيّده قوله:( وَ جِيءَ بِالنبيّينَ وَ الشُّهَداءِ ) الزمر: ٦٩.
و يكون المراد بهؤلاء في قوله:( وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) الشهداء دون عامّة الناس فالشهداء شهداء على الناس و النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم شهيد على الشهداء و ظاهر الشهادة على الشاهد تعديله دون الشهادة على عمله فهوصلىاللهعليهوآلهوسلم شهيد على مقامهم لا على أعمالهم و لذلك لم يكن من الواجب أن يعاصرهم و يتّحد بهم زماناً فافهم ذلك.
و الإنصاف أنّه لو لا هذا التقريب لم يرتفع ما يتراآى ما في آيات الشهادة من الاختلاف كدلالة آية البقرة، و قوله:( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) الحجّ: ٧٨، على كون الاُمّة هم المؤمنين، و دلالة غيرهما على الأعمّ، و دلالتهما على أنّ النبيّ إنّما هو شهيد على الشهداء، و أنّ بينه و بين الناس شهداء و دلالة غيرهما على خلافه و أنّ على الناس شهيداً واحداً هو نبيّهم لأنّ المفروض
حينئذ أنّ شهيد كلّ اُمّة هو نبيّهم، و كون أخذ الشهيد من أنفسهم لغوا لا أثر له مع عدم لزوم الحضور و المعاصرة و أنّ الشهادة إنّما تكون من حيّ كما في الكلام المحكيّ عن المسيحعليهالسلام و إشكالات اُخرى تتوجّه على نجاح الحجّة و مضيّها، تقدّمت الإشارة إليها و الله الهادي.
و قوله:( وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) ذكروا أنّه استئناف يصف القرآن بكرائم صفاته فصفته العامّة أنّه تبيان لكلّ شيء و التبيان و البيان واحد - كما قيل - و إذ كان كتاب هداية لعامّة الناس و ذلك شأنه كان الظاهر أنّ المراد بكلّ شيء كلّ ما يرجع إلى أمر الهداية ممّا يحتاج إليه الناس في اهتدائهم من المعارف الحقيقيّة المتعلّقة بالمبدإ و المعاد و الأخلاق الفاضلة و الشرائع الإلهيّة و القصص و المواعظ فهو تبيان لذلك كلّه.
و من صفته الخاصّة أي المتعلّقة بالمسلمين الّذين يسلّمون للحقّ أنّه هدى يهتدون به إلى مستقيم الصراط و رحمة لهم من الله سبحانه يحوزون بالعمل بما فيه خير الدنيا و الآخرة و ينالون به ثواب الله و رضوانه، و بشرى لهم يبشّرهم بمغفرة من الله و رضوان و جنّات لهم فيها نعيم مقيم.
هذا ما ذكروه و هو مبنيّ على ما هو ظاهر التبيان من البيان المعهود من الكلام و هو إظهار المقاصد من طريق الدلالة اللفظيّة فإنّا لا نهتدي من دلالة لفظ القرآن الكريم إلّا على كلّيّات ما تقدّم، لكن في الروايات ما يدلّ على أنّ القرآن فيه علم ما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة، و لو صحّت الروايات لكان من اللازم أن يكون المراد بالتبيان الأعمّ ممّا يكون من طريق الدلالة اللفظيّة فلعلّ هناك إشارات من غير طريق الدلالة اللفظيّة تكشف عن أسرار و خبايا لا سبيل للفهم المتعارف إليها.
و الظاهر على ما يستفاد من سياق هذه الآيات المسوقة للاحتجاج على الاُصول الثلاثة: التوحيد و النبوّة و المعاد، و الكلام فيها ينعطف مرّة بعد اُخرى عليها أنّ قوله:( وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ) إلخ، ليس باستئناف بل حال عن ضمير الخطاب في
( جِئْنا بِكَ ) بتقدير( قد ) أو بدون تقديرها - على الخلاف بين البصريّين و الكوفيّين من النحاة في الجملة الحاليّة المصدرة بالفعل الماضي -.
و المعنى: و جئنا بك شهيداً على هؤلاء و الحال أنّا نزّلنا عليك من قبل في الدنيا الكتاب و هو بيان لكلّ شيء من أمر الهداية يعلم به الحقّ من الباطل فيتحمّل شهادة أعمالهم فيشهد يوم القيامة على الظالمين بما ظلموا و على المسلمين بما أسلموا لأنّ الكتاب كان هدى و رحمة و بشرى لهم و كنت أنت بذلك هادياً و رحمة و مبشّراً لهم.
و على هذا فصدر الآية كالتوطئة لذيلها كأنّه قيل: سيبعث شهداء يشهدون على الناس بأعمالهم و أنت منهم و لذلك نزّلنا عليك كتاباً يبين الحقّ و الباطل و يميّز بينهما حتّى تشهد به يوم القيامة على الظالمين بظلمهم و قد تبيّن الكتاب و على المسلمين بإسلامهم و قد كان الكتاب هدى و رحمة و بشرى لهم و كنت هادياً و رحمة و مبشراً به.
و من لطيف ما يؤيّد هذا المعنى مقارنة الكتاب بالشهادة في بعض آيات الشهادة كقوله:( وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَ وُضِعَ الْكِتابُ وَ جِيءَ بِالنبيّينَ وَ الشُّهَداءِ :) الزمر: ٦٩، و سيجيء إن شاء الله أنّ المراد به اللوح المحفوظ، و قد تكرّر في كلامه تعالى أنّ القرآن من اللوح المحفوظ كقوله:( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ) الواقعة: ٧٨، و قوله:( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) البروج: ٢٢.
و شهادة اللوح المحفوظ و إن كانت غير شهادة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لكنّهما جميعاً متوقّفتان على قضاء الكتاب النازل.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: أنّ أعرابيّاً أتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فسأله فقرأ عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ) قال الأعرابيّ: نعم. قال:( وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها ) قال الأعرابيّ:
نعم ثمّ قرأ عليه كلّ ذلك يقول: نعم حتّى بلغ( كَذلِكَ يتمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) فولّى الأعرابيّ فأنزل الله:( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) .
في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن الباقرعليهالسلام : في قوله تعالى:( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ) الآية، قال: عرّفهم ولاية عليّ و أمرهم بولايته ثمّ أنكروا بعد وفاته.
أقول: و الرواية من الجري.
و في تفسير العيّاشيّ، عن جعفر بن أحمد عن التركيّ النيشابوريّ عن عليّ بن جعفر بن محمّد عن أخيه موسى بن جعفرعليهالسلام : أنّه سئل عن هذه الآية:( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ) الآية، قال: عرفوه ثمّ أنكروه.
و في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) قال الصادقعليهالسلام : لكلّ زمان و اُمّة شهيد تبعث كلّ اُمّة مع إمامها.
أقول: و ذيل كلامهعليهالسلام : مضمون قوله تعالى:( يَوْمَ نَدْعُوا كلّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .
و في الدرّ المنثور، أخرج عبد بن حميد، و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن قتادة: قال الله:( وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) قال: ذكر لنا أنّ نبيّ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه.
أقول: و الروايات في باب الشهادة يوم القيامة كثيرة جدّاً و قد أوردنا بعضها في ذيل قوله:( وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) البقرة: ١٤٣ و بعضها في ذيل قوله:( وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) النساء: ٤١، و قوله:( وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) النساء: ١٥٩.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه و الخطيب في تالي التلخيص عن البراء: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل عن قول الله:( زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ ) قال: عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنّم.
و في الكافي، بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبداللهعليهالسلام
يقول: قد ولدني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم و أنا أعلم كتاب الله و فيه بدؤ الخلق و ما هو كائن إلى يوم القيامة، و فيه خبر السماء و خبر الأرض و خبر الجنّة و خبر النار و خبر ما كان و خبر ما هو كائن أعلم ذلك كما أنظر إلى كفّي إنّ الله عزّوجلّ يقول: فيه تبيان كلّ شيء.
أقول: و الآية منقولة في الرواية بالمعنى.
و في تفسير العيّاشيّ، عن منصور عن حمّاد اللحّام قال قال: أبوعبداللهعليهالسلام : نحن نعلم ما في السماوات و نعلم ما في الأرض، و ما في الجنّة و ما في النار و ما بين ذلك. قال: فبهتّ أنظر إليه فقال: يا حمّاد إنّ ذلك في كتاب الله تعالى ثمّ تلا هذه الآية:( وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) إنّه من كتاب فيه تبيان كلّ شيء.
و في الكافي، عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن سنان عن يونس بن يعقوب عن الحارث بن المغيرة و عدّة من أصحابنا منهم عبدالأعلى و أبوعبيدة و عبدالله بن بشير الخثعميّ سمعوا أباعبداللهعليهالسلام يقول: إنّي لأعلم ما في السماوات و ما في الأرض و أعلم ما في الجنّة و أعلم ما في النار و أعلم ما كان و ما يكون ثمّ مكث هنيئة فرآى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب الله عزّوجلّ إنّ الله يقول: فيه تبيان كلّ شيء.
و في تفسير العيّاشيّ، عن عبدالله بن الوليد قال قال أبوعبداللهعليهالسلام : قال الله لموسى:( وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كلّ شَيْءٍ ) فعلمنا أنّه لم يكتب لموسى الشيء كلّه، و قال الله لعيسى:( لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) و قال الله لمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم :( وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) .
أقول: و رواه العيّاشيّ بالإسناد عنهعليهالسلام .
( سورة النحل الآيات ٩٠ - ١٠٥)
إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( ٩٠ ) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ( ٩١ ) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( ٩٢ ) وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( ٩٣ ) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٩٤ ) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٩٥ ) مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ٩٦ ) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ٩٧ ) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ( ٩٨ ) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( ٩٩ ) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ
مُشْرِكُونَ( ١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ( ١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ( ١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ( ١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ( ١٠٥)
( بيان)
تذكر الآيات عدّة من الأحكام ممّا يلائم حال الإسلام قبل الهجرة ممّا يصلح به حال المجتمع العامّ كالأمر بالعدل و الإحسان و النهي عن الفحشاء و المنكر و البغي و ما يلحق بذلك كالأمر بإيتاء ذي القربى و النهي عن نقض العهد و اليمين، و تذكر اُموراً اُخرى تناسب ذلك و تثبتها.
قوله تعالى: ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) ابتدء سبحانه بهذه الأحكام الثلاثة الّتي هي بالترتيب أهمّ ما يقوم به صلب المجتمع الإنسانيّ لما أنّ صلاح المجتمع العامّ أهمّ ما يبتغيه الإسلام في تعاليمه المصلحة فإنّ أهمّ الأشياء عند الإنسان في نظر الطبيعة و إن كان هو نفسه الفرديّة، لكنّ سعادة الشخص مبنيّة على صلاح الظرف الاجتماعيّ الّذي يعيش هو فيه، و ما أصعب أن يفلح فرد في مجتمع فاسد أحاط به الشقاء من كلّ جانب.
و لذلك اهتمّ في إصلاح المجتمع اهتماماً لا يعادله فيه غيره و بذل الجهد البالغ
في جعل الدساتير و التعاليم الدينيّة حتّى العبادات من الصلاة و الحجّ و الصوم اجتماعيّة ما أمكن فيها ذلك، كلّ ذلك ليستصلح الإنسان في نفسه و من جهة ظرف حياته.
فقوله:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) أمر بالعدل و يقابله الظلم قال في المفردات، العدالّة و المعادلة لفظ يقتضي معنى المساواة، و يستعمل باعتبار المضايفة، و العدل - بفتح العين - و العدل - بكسرها - يتقاربان لكن العدل - بفتح العين - يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، و على ذلك قوله تعالى:( أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) و العدل - بكسر العين - و العديل فيما يدرك بالحاسّة كالموزونات و المعدودات و المكيلات، فالعدل هو التقسيط على سواء.
قال: و العدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، و لا يكون في شيء من الأزمنة منسوخاً و لا يوصف بالاعتداء بوجه نحو الإحسان إلى من أحسن إليك و كفّ الأذى عمّن كفّ أذاه عنك، و عدل يعرف كونه عدلاً بالشرع و يمكن أن يكون منسوخاً في بعض الأزمنة كالقصاص و أروش الجنايات و أصل مال المرتدّ، و لذلك قال:( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) ، و قال:( وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) فسمّي اعتداء و سيّئة.
و هذا النحو هو المعنيّ بقوله:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ) فإنّ العدل هو المساواة في المكافاة إن خيرا فخير و إن شرّاً فشرّ، و الإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه و الشرّ بأقلّ منه، انتهى موضع الحاجة.
و ما ذكره على ما فيه من التفصيل يرجع إلى قولهم إنّ العدل هو لزوم الوسط و الاجتناب عن جانبي الإفراط و التفريط في الاُمور و هو من قبيل التفسير بلازم المعنى فإنّ حقيقة العدل هي إقامة المساواة و الموازنة بين الاُمور بأن يعطى كلّ من السهم ما ينبغي أن يعطاه فيتساوى في أنّ كلّا منها واقع موضعه الّذي يستحقّه، فالعدل في الاعتقاد أن يؤمن بما هو الحقّ، و العدل في فعل الإنسان في نفسه أن يفعل ما فيه سعادته و يتحرّز ممّا فيه شقاؤه باتّباع هوى النفس، و العدل في الناس
و بينهم أن يوضع كلّ موضعه الّذي يستحقّه في العقل أو في الشرع أو في العرف فيثاب المحسن بإحسانه، و يعاقب المسيء على إساءته، و ينتصف للمظلوم من الظالم و لا يبعّض في إقامة القانون و لا يستثني.
و من هنا يظهر أنّ العدل يساوق الحسن و يلازمه إذ لا نعني بالحسن إلّا ما من طبعه أن تميل إليه النفس و تنجذب نحوه و إقرار الشيء في موضعه الّذي ينبغي أن يقرّ عليه من حيث هو كذلك ممّا يميل إليه الإنسان و يعترف بحسنه و يقدّم العذر لو خالفه إلى من يقرعه باللوم لا يختلف في ذلك اثنان، و إن اختلف الناس في مصاديقه كثيراً باختلاف مسالكهم في الحياة.
و يظهر أيضاً أنّ ما عدّ الراغب في كلامه من الاعتداء و السيّئة عدلاً لا يخلو عن مسامحة، فإنّ الاعتداء و السيّئة الّذين يجازى بهما المعتدي و المسيء إنّما هما اعتداء و سيّئة بالنسبة إليهما و أمّا بالنسبة إلى من يجازيهما بهما فهما من لزوم وسط الاعتدال و خصلة الحسن لكونهما من وضع الشيء موضعه الّذي ينبغي أن يوضع فيه.
و كيف كان فالعدل و إن كان منقسما إلى عدل الإنسان في نفسه و إلى عدله بالنسبة إلى غيره، و هما العدل الفرديّ و العدل الاجتماعيّ، و اللفظ مطلق لكنّ ظاهر السياق أنّ المراد به في الآية العدل الاجتماعيّ و هو أن يعامل كلّ من أفراد المجتمع بما يستحقّه و يوضع في موضعه الّذي ينبغي أن يوضع فيه، و هذا أمر بخصلة اجتماعيّة متوجّه إلى أفراد المكلّفين بمعنى أنّ الله سبحانه يأمر كلّ واحد من أفراد المجتمع أن يأتي بالعدل، و لازمه أن يتعلّق الأمر بالمجموع أيضاً فيكلّف المجتمع إقامة هذا الحكم و تتقلّده الحكومة بما أنّها تتولّى أمر المجتمع و تدبّره.
و قوله:( وَ الْإِحْسانِ ) الكلام فيه من حيث اقتضاء السياق كسابقه فالمراد به الإحسان إلى الغير دون الإحسان بمعنى إتيان الفعل حسنا، و هو إيصال خير أو نفع إلى غير لا على سبيل المجازاة و المقابلة كأن يقابل الخير بأكثر منه و يقابل الشرّ بأقلّ منه - كما تقدّم - و يوصل الخير إلى غير متبرّعاً به ابتداء.
و الإحسان على ما فيه من إصلاح حال من أذلّته المسكنة و الفاقة أو اضطرّته النوازل، و ما فيه من نشر الرحمة و إيجاد المحبّة يعود محمود أثره إلى نفس المحسن بدوران الثروة في المجتمع و جلب الأمن و السلامة بالتحبيب.
و قوله:( وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) أي إعطاء المال لذوي القرابة و هو من أفراد الإحسان خصّ بالذكر ليدلّ على مزيد العناية بإصلاح هذا المجتمع الصغير الّذي هو السبب بالحقيقة لانعقاد المجتمع المدنيّ الكبير كما أنّ مجتمع الازدواج الّذي هو أصغر بالنسبة إلى مجتمع القرابة سبب مقدّم مكوّن له فالمجتمعات المدنيّة العظيمة إنّما ابتدأت من مجتمع بيتيّ عقده الازدواج ثمّ بسطه التوالد و التناسل و وسّعه حتّى صار قبيلة و عشيرة و لم يزل يتزايد و يتكاثر حتّى عادت اُمّة عظيمة فالمراد بذي القربى الجنس دون الفرد و هو عامّ لكلّ قرابة كما ذكروه.
و في التفسير المأثور عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام أنّ المراد بذي القربى الإمام من قرابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و المراد بالإيتاء إعطاء الخمس الّذي فرضه الله سبحانه في قوله:( وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ ) ، الآية: الأنفال: ٤١ و قد تقدّم تفسيرها.
و لعلّ التعبير بالإفراد حيث قيل:( ذِي الْقُرْبى ) و لم يقل: ذوي القربى أو اُولي القربى كما في قوله:( وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينُ ) النساء: ٨، و قوله:( وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ ) البقرة: ١٧٧ يؤيّد ذلك.
و احتمال إرادة الجنس من ذي القربى يبعّده ما وقع في سياق آية الخمس من ذكر اليتامى و المساكين معه بصيغة الجمع مع عدم ظهور نكتة يختصّ بها ذوي القربى أو اليتامى و المساكين تقضي بالفرق.
على أنّ الآية لا قرينة واضحة فيها على كون المراد بالإيتاء هو الإحسان ثمّ بالإحسان مطلق الإحسان. و الله أعلم.
قوله تعالى: ( وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )
قال في المفردات: الفحش و الفحشاء و الفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال و الأقوال. انتهى و لعلّ الأصل في معناه الخروج عن الحدّ فيما لا ينبغي يقال: غبن فاحش أي خارج عن حدّ التحمّل و الصبر و السكوت.
و المنكر ما لا يعرفه الناس في مجتمعهم من الأعمال الّتي تكون متروكة عندهم لقبحها أو إثمها كالمواقعة أو كشف العورة في مشهد من الناس في المجتمعات الإسلاميّة.
و البغي الأصل في معناه الطلب و كثر استعماله في طلب حقّ الغير بالتعدّي عليه فيفيد معنى الاستعلاء و الاستكبار على الغير ظلماً و عتوّاً، و ربّما كان بمعنى الزنا و المراد به في الآية هو التعدّي على الغير ظلماً.
و هذه الثلاثة أعني الفحشاء و المنكر و البغي و إن كانت متّحدة المصاديق غالباً فكلّ فحشاء منكر، و غالب البغي فحشاء و منكر لكنّ النهي إنّما تعلّق بها بما لها من العناوين لما أنّ وقوع الأعمال بهذه العناوين في مجتمع من المجتمعات يوجب ظهور الفصل الفاحش بين الأعمال المجتمعة فيه الصادرة من أهله فينقطع بعضها من بعض و يبطل الالتيام بينها و يفسد بذلك النظم و ينحلّ المجتمع في الحقيقة و إن كان على ساقه صورة و في ذلك هلاك سعادة الأفراد.
فالنهي عن الفحشاء و المنكر و البغي أمر بحسب المعنى باتّحاد مجتمع تتعارف أجزاؤه و تتلاءم أعماله لا يستعلي بعضهم على بعض بغيا، و لا يشاهد بعضهم من بعض إلّا الجميل الّذي يعرفونه لا فحشاء و لا منكراً و عند ذلك تستقرّ عليهم الرحمة و المحبّة و الاُلفة و ترتكز فيهم القوّة و الشدّة، و تهجرهم السخطة و العداوة و النفرة و كلّ خصلة سيّئة تؤدّي إلى التفرّق و التهلكة.
ثمّ ختم سبحانه الآية بقوله:( يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أي تتذكّرون فتعلمون أنّ الّذي يدعوكم إليه فيه حياتكم و سعادتكم.
قوله تعالى: ( وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ) إلخ، قال في المفردات: العهد حفظ الشيء و مراعاته حالا بعد حال، و سمّي الموثق
الّذي يلزم مراعاته عهداً. قال: و عهد فلان إلى فلان يعهد أي ألقى إليه العهد و أوصاه بحفظه، انتهى.
و ظاهر إضافة العهد إلى الله تعالى في قوله:( وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ ) أنّ المراد به هو العهد الّذي يعاهد فيه الله على كذا دون مطلق العهد و يأتي نظير الكلام في نقض اليمين.
و قوله:( وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ) نقض اليمين نكثه و مخالفة مقتضاه و المراد باليمين هو اليمين بالحلف بالله سبحانه كأنّ ما عدا ذلك ليس بيمين و الدليل عليه قوله بعد:( وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ) .
و المراد بتوكيدها إحكامها بالقصد و العزم و كونها لأمر راجح بخلاف قولهم: لا و الله و بلى و الله و غيره من لغو الأيمان، فالتوكيد في هذه الآية يفيد ما يفيده التعقيد في قوله تعالى:( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) المائدة: ٨٩.
و نقض اليمين بحسب الاعتبار أشنع من نقض العهد و إن كان منهيّاً عنهما جميعاً، على أنّ العناية بالحلف في الشرع الإسلاميّ أكثر كما في باب القضاء.
و توضيح شناعة نقضه: أنّ حقيقة معنى اليمين إيجاد ربط خاصّ بين النسبة الكلاميّة من خبر أو إنشاء و بين أمر ذي بال شريف بحيث يستوجب بطلان النسبة من جهة ظهور كذبه إن كان خبراً و مخالفة مقتضاه إن كان عزماً أو أمراً أو نهياً كقولنا: و الله لأفعلن كذا و بالله عليك افعل أو لا تفعل كذا أن يذهب بذلك ما يعتقده المقسم من الكرامة و العزّة للمقسم به فيؤل الأمر إلى أنّ المقسم به بما له من الكرامة و العزّة هو المسؤل عن صحّة النسبة الكلاميّة و المقسم هو المسؤل عند المقسم به بما علّق صحّة النسبة على كرامته و عزّته كمن يعقد عقداً أو يتعهّد عملاً ثمّ يعطي لمن عاقده أو تعهّد له موثقاً يثق به من مال أو ولد أو غير ذلك أو يضمن له ذلك شريف بشرافته.
و بهذا يظهر معنى قوله تعالى:( وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ) فإنّ الحالف
إذا قال: و الله لأفعلنّ كذا أو لأتركنّ كذا فقد علّق ما حلف عليه نوعاً من التعليق على الله سبحانه و جعله كفيلاً عنه في الوفاء بما عقد عليه اليمين فإن نكث و لم يف كان لكفيله أن يؤدّيه إلى الجزاء و العقوبة، ففي نكث اليمين إهانة و إرزاء بساحة العزّة و الكرامة مضافاً إلى ما في نقض اليمين و العهد معاً من الانقطاع و الانفصال عنه سبحانه بعد توكيد الاتّصال.
فقوله:( وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ ) إلخ، حال من ضمير الجمع في قوله:( وَ لا تَنْقُضُوا ) و قوله:( إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ) في معنى تأكيد النهي بأنّ العمل مبغوض و هو به عليم.
قوله تعالى: ( وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ) إلى آخر الآية، النقض و يقابله الإبرام إفساد ما اُحكم من حبل أو غزل بالفتل فنقض الشيء المبرم كحلّ الشيء المعقود، و النكث النقض، قال في المجمع و كلّ شيء نقض بعد الفتل فهو أنكاث حبلاً كان أو غزلاً، و الدخل بفتحتين في الأصل كلّ ما دخل الشيء و ليس منه، و يكنّى به عن الدغل و الخدعة و الخيانة، كما قيل: و أربى أفعل من الربا و هو الزيادة.
و قوله:( وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ) في معنى التفسير لقوله في الآية السابقة:( وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ) و هو تمثيل بمرأة تغزل الغزل بقوّة ثمّ تعود فتنقض ما أتعبت نفسها فيه و غزلته من بعد قوّة و تجعله أنكاثاً لا فتل فيه و لا إبرام.
و نقل عن الكلبيّ أنّها امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثمّ تأمرهنّ أن ينقضن ما غزلن و لا يزال ذلك دأبها و اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة، و كانت تسمّى خرقاء مكّة.
و قوله:( تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ ) أي تتّخذون أيمانكم وسيلة للغدر و الخدعة و الخيانة تطيّبون بها نفوس الناس ثمّ تخونون و تخدعونهم بنقضها، و إنّما يفعلون ذلك لتكون اُمّة - و هم الحالفون -
أربى و أزيد سهما من زخارف الدنيا من اُمّة - و هم المحلوف لهم -.
فالمراد بالدخل وسيلته من تسمية السبب باسم المسبّب و( أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ) مفعول له بتقدير اللام، و الكلام نوع بيان لنقض اليمين أو لكونهم كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً و محصّل المعنى أنّكم كمثلها إذ تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم فتؤكّدونها و تعقدونها ثمّ تخونون و تخدعون بنقضها و نكثها و الله ينهاكم عنه.
و ذكر بعضهم أنّ قوله:( تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ ) إلخ، جملة استفهاميّة محذوفة الأداة و الاستفهام للإنكار.
و قوله:( إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ) إلخ، أي إنّ ذلك امتحان إلهيّ يمتحنكم به و اُقسم ليبيّننّ لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون فتعلمون عند ذلك ما حقيقة ما أنتم عليه اليوم من التكالب على الدنيا و سلوك سبيل الباطل لإماطة الحقّ و دحضه و يتبيّن لكم يومئذ من هو الضالّ و من هو المهتدي.
قوله تعالى: ( وَ لَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) إلخ، لما انجرّ الكلام إلى ذكر اختلافهم عقّب ذلك ببيان أنّ اختلافهم ليس بناقض للغرض الإلهيّ في خلقهم و لا أنّهم معجزون له سبحانه و لو شاء لجعلهم اُمّة واحدة لا اختلاف بينهم و لكنّ الله سبحانه جعلهم مختلفين بالهداية و الإضلال فهدى قوماً و أضلّ آخرين.
و ذلك أنّه تعالى وضع سعادة الإنسان و شقاءه على أساس الاختيار و عرّفهم الطاعة المفضية إلى غاية السعادة و المعصية المؤدّية إلى غاية الشقاء فمن سلك مسلك المعصية و اجتاز للضلال جازاه الله ذلك، و من ركب سبيل الطاعة و اختار الهدى جازاه الله ذلك و سيسألهم جميعاً عمّا عملوا و اختاروا.
و بما تقدّم يظهر أنّ المراد بجعلهم اُمّة واحدة رفع الاختلاف من بينهم و حملهم على الهدى و السعادة، و بالإضلال و الهداية ما هو على سبيل المجازاة لا الضلال و الهدى الابتدائيّان فإنّ الجميع على هدى فطريّ فالّذي يشاء الله ضلاله فيضلّه هو من اختار المعصية على الطاعة من غير رجوع و لا ندم، و الّذي شاء الله هداه
فهداه هو من بقي على هداه الفطريّ و جرى على الطاعة أو تاب و رجع عن المعصية صراطاً مستقيماً و سنّة إلهيّة و لن تجد لسنّة الله تبديلاً و لن تجد لسنّة الله تحويلاً.
و أنّ قوله:( وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) لدفع ما يسبق إلى الوهم أنّ استناد الضلال و الهدى إليه سبحانه يبطل تأثير اختيارهم في ذلك و تبطل بذلك الرسالة و تلغو الدعوة فاُجيب بأنّ السؤال باق على حاله لما أنّ اختياركم لا يبطل بذلك بل الله سبحانه يمدّ لكم من الضلال و الهدى ما أنتم تختارونه بالركون إلى معصيته أو بالإقبال إلى طاعته.
قوله تعالى: ( وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ) إلى آخر الآية، قال في المفردات: الصدود و الصدّ قد يكون انصرافاً عن الشيء و امتناعاً نحو( يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ) و قد يكون صرفاً و منعاً نحو( وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) . انتهى.
و الآية نهي عن اتّخاذ الأيمان دخلاً بعد النهي عن أصل نقض الأيمان لأنّ لخصوص اتّخاذها دخلاً مفسدة مستقلّة هي ملاك النهي غير المفسدة الّتي لأصل نقض الأيمان و قد أشار إلى مفسدة أصل النقض بقوله:( وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ) إلخ، و يشير في هذه الآية إلى مفسدة اتّخاذها دخلاً بقوله:( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) .
و الملاكان - كما هو ظاهر - متغايران نعم أحدهما كالمقدّمة للآخر كما أنّ نقض الأيمان كالمقدّمة لاتّخاذها دخلا فإنّ الإنسان إذا نقض اليمين لسبب من الأسباب لأوّل مرّة هان عليه أمر النقض و مهّد ذلك السبيل إلى النقض ثانياً و ثالثاً و جعل الحلف ثمّ النقض وسيلة خدعة و خيانة فلا يلبث دون أن تكون حليف دغل و خدعة و خيانة و غرور و مكر و كيد و كذب و زور لا يبالي ما قال و ما فعل و يعود جرثومة فساد يفسد المجتمع الإنسانيّ أينما توجّه، و يقع في سبيل غير سبيل الله الّذي خطّته الفطرة السليمة.
و كيف كان فظاهر قوله:( وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ) نهي استقلاليّ
عن الخدعة باليمين بعد النهي الضمنيّ عنه في الآية السابقة، و قوله:( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ) تفريع على المنهيّ عنه دون النهي أي يتفرّع على اتّخاذها دخلاً أن تزلّ قدم بعد ثبوتها إلخ، و زلّة القدم بعد ثبوتها مثل لنقض اليمين بعد العقد و التوكيد و الزوال عن الموقف الّذي ارتكز فيه فإنّ ثبات الإنسان و استقامته على ما عزم عليه و اهتمّ به من كرائم الإنسانيّة و اُصول فضائلها و عليه بناء الدين الإلهيّ، و حفظ اليمين على توكيده قدم من الأقدام الّتي يتمّ بها هذا الأصل الوسيع، و كأنّه لذلك جيء بالقدم نكرة في قوله:( فَتَزِلَّ قَدَمٌ ) إلخ.
و قوله:( وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) معطوف على قوله:( فَتَزِلَّ قَدَمٌ ) إلخ، و بيان نتيجته كما أنّه بيان نتيجة و عاقبة لقوله:( لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا ) و بذلك يظهر أنّ قوله:( بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) بمنزلة التفسير لقوله:( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ) .
و المراد بالصدود عن سبيل الله الإعراض و الامتناع عن السنّة الفطريّة الّتي فطر الله الناس عليها و دعت الدعوة النبويّة إليها من التزام الصدق و الاستقامة و رعاية العهود و المواثيق و الأيمان و التجنّب عن الدغل و الخدعة و الخيانة و الكذب و الزور و الغرور.
و المراد بذوق السوء العذاب، و قوله:( وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) حال عن فاعل( تَذُوقُوا ) و يمكن أن يكون المراد بذوق السوء ما ينالهم من آثار الضلال السيّئة في الدنيا، و قوله:( وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) إخباراً عمّا يحلّ بهم في الآخرة هذا ما يستفاد من ظاهر الآية الكريمة.
فالمعنى: و لا تتّخذوا أيمانكم وسيلة دخل بينكم حتّى يؤدّيكم ذلك إلى الزوال عمّا ثبتّم عليه و نقض ما أبرمتموه، و فيه إعراض عن سبيل الله الّذي هو التزام الفطرة و التحرّز عن الغدر و الخدعة و الخيانة و الدغل و بالجملة الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، و يؤدّيكم ذلك إلى أن تذوقوا السوء و الشقاء في حياتكم الدنيا و لكم عذاب عظيم في الاُخرى.
و ذكر بعضهم: أنّ الآية مختصّة بالنهي عن نقض بيعة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على ما استقرّت عليه السنّة في صدر الإسلام، و أنّ الآية نزلت في الّذين بايعوا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على نصرة الإسلام و أهله فنهاهم الله عن نقض تلك البيعة، و على هذا فالمراد بالصدّ عن سبيل الله صرف الناس و منعهم عن اتّباع دين الله كما أنّ المراد بزلّة قدم بعد ثبوتها الردّة بعد الإسلام و الضلال بعد الرشد.
و فيه أنّ السياق لا يساعد على ذلك، و على تقدير التسليم خصوص المورد لا ينافي عموم الآية.
قوله تعالى: ( وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلًا إنّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) قال في المفردات:، كلّ ما يحصل عوضا عن شيء فهو ثمنه، انتهى.
و الظاهر أنّ الآية نهي عن نقض العهد بعد ما تقدّم الأمر بالوفاء به اعتناء بشأنه كما جرى مثل ذلك في نقض الأيمان، و الآية مطلقة، و المراد بعهد الله العهد الّذي عوهد به الله مطلقاً، و المراد بالاشتراء به ثمناً قليلاً بقرينة ذيل الآية أن يبدّل العهد من شيء من حطام الدنيا فينقض لنيله فسمّى المبدل منه ثمنا لأنّه عوض كما تقدّم، و الباقي ظاهر.
قوله تعالى: ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللهِ باقٍ ) في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة:( إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) و قد وجّهه بأنّ الّذي عندكم أي في الحياة الدنيا الّتي هي حياة مادّيّة قائمة على أساس التبدّل و التحوّل منعوتة بنعت الحركة و التغيّر زائل نافد، و ما عند الله سبحانه ممّا يعد المتّقين منكم باق لا يزول و لا يفنى و الباقي خير من النافد بصريح حكم العقل.
و اعلم أنّ قوله:( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللهِ باقٍ ) على ما في لفظه من الإطلاق قاعدة كلّيّة غير منقوضة باستثناء، تحتها جزئيّات كثيرة من المعارف الحقيقيّة.
قوله تعالى: ( وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) لما كان الوفاء بالعهد مستلزما للصبر على مرّ مخالفة هوى النفس في نقضه و الاسترسال فيما تشتهيه، صرف الكلام عن ذكر أجر خصوص الموفين بالعهد إلى ذكر أجر مطلق
الصابرين في جنب الله.
فقوله:( وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ ) وعد مؤكّد على مطلق الصبر سواء كان صبرا على الطاعة أو عن المعصية أو عند المصيبة غير أنّه يجب أن يكون صبراً في جنب الله و لوجه الله فإنّ السياق لا يساعد على غيره.
و قوله:( بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) الباء للمقابلة كما في قولنا: بعت هذا بهذا، و ليس المراد بأحسن ما كانوا يعملون الأحسن من أعمالهم في مقابل الحسن منها بأن يميّز الله سبحانه بين أعمالهم الحسنة فيقسّمها إلى حسن و أحسن ثمّ يجزيهم بأحسنها و يلغي الحسن كما ذكره بعضهم فإنّ المقام لا يؤيّده، و آيات الجزاء تنفيه و الرحمة الواسعة الإلهيّة تأباه.
و ليس المراد به الواجبات و المستحبّات من أعمالهم قبال المباحات الّتي أتوا بها فإنّها لا تخلو من حسن كما ذكره آخرون.
فإنّ الكلام ظاهر في أنّ المراد بيان الأجر على الأعمال المأتيّ بها في ظرف الصبر ممّا يرتبط به ارتباطاً، و واضح أنّ المباحات الّتي يأتي بها الصابر في الله لا ارتباط لها بصبره فلا وجه لاعتبارها بين الأعمال ثمّ اختيار الأحسن من بينها.
على أنّه لا مطمع لعبد في أن يثيبه الله على ما أتى به من المباحات حتّى يبيّن له أنّ الثواب في مقابل ما أتى به من الواجبات و المستحبّات الّتي هي أحسن ممّا أتى به من المباحات فيكون ذكر الحسن مستدركاً زائداً.
و من هنا يظهر أن ليس المراد به النوافل بناء على عدم الإلزام فيها فتكون أحسن ما عمل فإنّ كون الواجب مشتملاً من المصلحة الموجبة للحسن على أزيد من النقل معلوم من الخطابات التشريعيّة بحيث لا يرتاب فيه.
بل المراد بذلك أنّ العمل الّذي يأتون به و له في نوعه ما هو حسن و ما هو أحسن فالله سبحانه يجزيه من الأجر على ما أتى به ما هو أجر الفرد الأحسن من نوعه فالصلاة الّتي يصلّيها الصابر في الله يجزيه الله سبحانه لها أجر الفرد الأحسن من الصلاة و إن كانت ما صلّاها غير أحسن و بالحقيقة يستدعي الصبر أن لا يناقش في
العمل و لا يحاسب ما هو عليه من الخصوصيّات المقتضية لخسّته و رداءته كما يفيده قوله تعالى:( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) .
و يستفاد من الآية أنّ الصبر في الله يوجب كمال العمل و في قوله:( وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ ) إلخ، التفات من الغيبة إلى التكلّم مع الغير كما قيل، و الّذي أظنّه أنّه رجوع إلى السياق السابق في الآيات و كان سياق التكلّم مع الغير، و إنّما الالتفات في قوله تعالى قبل بضع آيات:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ) و الوجه فيه أنّ هذه الآية و ما بعدها من الآيات المسرودة إلى هذه الغاية مشتملة على عدّة من الأوامر و النواهي الإلهيّة، و الأنسب بالأمر و النهي أن يستنداً إلى أعظم مقامات مصدرهما و أقواها ليتأيّداً بذلك، و هذه صناعة معمولة في المحاورات فيقال: إنّ الملك يأمر بكذا و إنّ مولاك يقول لك كذا، و لا يقال: فلان بن فلان يأمر أو يقول.
فكان من الأنسب أن يسند هذه التكاليف إلى مقام الجلالة، و يقال بالالتفات من التكلّم مع الغير إلى الغيبة:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ) إلخ. و لذلك استمرّ السياق على هذا النسق في التكاليف التالية أيضاً فقيل:( وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ ) إلخ،( إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ ) إلخ،( وَ لَوْ شاءَ اللهُ ) إلخ،( وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ) إلخ،( وَ ما عِنْدَ اللهِ باقٍ ) .
ثمّ رجع إلى السياق السابق و هو التكلّم مع الغير فقال:( وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا ) و جرى على ذلك حتّى إذا بلغ قوله:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ) و هو حكم التفت ثانياً فقال:( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ) و أحسن ما يجلّي المعنى الّذي ذكرناه قوله تعالى بعده:( وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ) حيث جمع بين الأمرين فأسند تبديل آية مكان آية إلى ضمير التكلّم و الأعلميّة إلى الله عزّ اسمه.
قوله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) إلى آخر الآية. وعد جميل للمؤمنين إن عملوا عملاً صالحاً و بشرى للإناث أنّ الله لا يفرّق بينهنّ و بين الذكور في قبول إيمانهنّ و لا أثر عملهنّ الصالح الّذي هو الإحياء بحياة طيّبة و الأجر بأحسن العمل على الرغم ممّا بنى عليه أكثر الوثنيّة
و أهل الكتاب من اليهود و النصارى من حرمان المرأة من كلّ مزيّة دينيّة أو جلّها و حطّ مرتبتها من مرتبة الرجل و وضعها وضعاً لا يقبل الرفع البتّة.
فقوله:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ ) حكم كلّي من قبيل ضرب القاعدة لمن عمل صالحاً أيّ من كان و قد قيّده بكونه مؤمناً و هو في معنى الاشتراط فإنّ العمل ممّن ليس مؤمناً حابط لا يترتّب عليه أثر، كما قال تعالى:( وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) المائدة: ٥، و قال:( وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) هود: ١٦.
و قوله:( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) الإحياء إلقاء الحياة في الشيء و إفاضتها عليه فالجملة بلفظها دالّة على أنّ الله سبحانه يكرم المؤمن الّذي يعمل صالحاً بحياة جديدة غير ما يشاركه سائر الناس من الحياة العامّة، و ليس المراد به تغيير صفة الحياة فيه و تبديل الخبيثة من الطيّبة مع بقاء أصل الحياة على ما كانت عليه، و لو كان كذلك لقيل: فلنطيّبنّ حياته.
فالآية نظيرة قوله:( أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) الأنعام: ١٢٢، و تفيد ما يفيده من تكوين حياة ابتدائيّة جديدة.
و ليس من التسمية المجازيّة لأنّ الآيات المتعرّضة لهذا الشأن ترتّب عليه آثار الحياة الحقيقيّة كقوله تعالى:( أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) المجادلة: ٢٢، و كقوله في آية الأنعام المنقولة آنفاً:( وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) فإنّ المراد بهذا النور العلم الّذي يهتدي به الإنسان إلى الحقّ في الاعتقاد و العمل قطعاً.
و كما أنّ له من العلم و الإدراك ما ليس لغيره كذلك له من موهبة القدرة على إحياء الحقّ و إماطة الباطل ما ليس لغيره، و قد قال سبحانه:( كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) الروم: ٤٧، و قال:( مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ ) المائدة: ٦٩.
و هذا العلم و القدرة الحديثان يمهّدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها
فيقسّمها قسمين: حقّ باق و باطل فان، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الّذي هو الحياة الدنيا بزخارفها الغارّة الفتانة و يعتزّ بعزّة الله فلا يستذلّه الشيطان بوساوسه و لا النفس بأهوائها و هوساتها و لا الدنيا بزهرتها لما يشاهد من بطلان أمتعتها و فناء نعمتها.
و يتعلّق قلبه بربّه الحقّ الّذي هو يحقّ كلّ حقّ بكلماته فلا يريد إلّا وجهه و لا يحبّ إلّا قربه و لا يخاف إلّا سخطه و بعده، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلّدة لا يدبر أمرها إلّا ربّه الغفور الودود، و لا يواجهها في طول مسيرها إلّا الحسن الجميل فقد أحسن كلّ شيء خلقه، و لا قبيح إلّا ما قبّحه الله من معصيته.
فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء و الكمال و القوّة و العزّة و اللذّة و السرور ما لا يقدّر بقدر، و كيف لا؟ و هو مستغرق في حياة دائمة لا زوال لها و نعمة باقية لا نفاد لها و لا ألم فيها و لا كدورة تكدّرها، و خير و سعادة لا شقاء معها، هذا ما يؤيّده الاعتبار و ينطق به آيات كثيرة من القرآن لا حاجة إلى إيرادها على كثرتها.
فهذه آثار حيويّة لا تترتّب إلّا على حياة حقيقيّة غير مجازيّة، و قد رتّبها الله سبحانه على هذه الحياة الّتي يذكرها و يخصّها بالّذين آمنوا و عملوا الصالحات فهي حياة حقيقيّة جديدة يفيضها الله سبحانه عليهم.
و ليست هذه الحياة الجديدة المختصّة بمنفصلة عن الحياة القديمة المشتركة و إن كانت غيرها فإنّما الاختلاف بالمراتب لا بالعدد فلا يتعدّد بها الإنسان، كما أنّ الروح القدسيّة الّتي يذكرها الله سبحانه للأنبياء لا توجب لهم إلّا ارتفاع الدرجة دون تعدّد الشخصيّة.
هذا ما يعطيه التدبّر في الآية الكريمة و هو حقيقة قرآنيّة و به يظهر وجه توصيفها بالطيب في قوله:( حَياةً طَيِّبَةً ) كأنّها - كما اتّضح - حياة خالصة لا خبث فيها يفسدها في نفسها أو في أثرها.
و للمفسّرين في الآية وجوه من التفسير:
منها: أنّ الحياة الطيّبة هي الحياة الّتي تكون في الجنّة فلا موت فيها و لا
فقر و لا سقم و لا أيّ شقاء آخر.
و منها: أنّها الحياة الّتي تكون في البرزخ و لعلّ التخصيص من حمل ذيل الآية على جنّة الآخرة.
و منها: أنّها الحياة الدنيويّة المقارنة للقناعة و الرضا بما قسّم الله سبحانه فإنّها أطيب الحياة.
و منها: أنّها الرزق الحلال إذ لا عقاب عليه.
و منها: أنّها رزق يوم بيوم.
و وجوه المناقشة فيها لا تكاد تخفى على الباحث المتدبّر فلا نطيل بإيرادها.
و قوله:( وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) تقدّم الكلام فيه في الآية السابقة، و في معنى الآية قوله تعالى:( وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجنّة يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ) المؤمن: ٤٠.
قوله تعالى: ( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) الاستعاذة طلب المعاذ، و المعنى: إذا قرأت القرآن فاطلب منه تعالى ما دمت تقرؤه أن يعيذك من الشيطان الرجيم أن يغويك، فالاستعاذة الماُمور بها حال نفس القارئ ما دام يقرء و قد اُمر أن يوجدها لنفسه ما دام يقرء، و أمّا قول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو ما يشابهه من اللفظ فهو سبب لإيجاد معنى الاستعاذة في النفس و ليس بنفسها إلّا بنوع من المجاز، و قد قال سبحانه: استعذ بالله، و لم يقل: قل أعوذ بالله.
و بذلك يظهر أنّ قول بعضهم: إنّ المراد بالقراءة إرادتها فهي مجاز مرسل من قبيل إطلاق المسبّب و إرادة السبب لا يخلو عن تساهل.
قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى ربّهم يَتَوَكَّلُونَ ) في مقام التعليل للأمر الوارد في الآية السابقة أي استعذ بالله حين القراءة ليعيذك منه لأنّه ليس له سلطان على من آمن بالله و توكّل عليه.
و يظهر من الآية أوّلاً: أنّ الاستعاذة بالله توكّل عليه فإنّه سبحانه بدّل الاستعاذة في التعليل من التوكّل و نفى سلطانه عن المتوكّلين.
و ثانياً: أنّ الإيمان و التوكّل ملاك صدق العبوديّة كقوله تعالى لإبليس:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) الحجر: ٤٢، فنفى سلطانه عن عباده و قد بدّل العباد في هذه الآية من الّذين آمنوا و على ربّهم يتوكّلون، و الاعتبار يساعد عليه فإنّ التوكّل و هو إلقاء زمام التصرّف في اُمور نفسه إلى غيره و التسليم لما يؤثره له منها أخصّ آثار العبوديّة.
قوله تعالى: ( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) ضمائر الإفراد الثلاثة للشيطان أي ينحصر سلطان الشيطان في الّذين يتّخذونه وليّا لهم يدبّر اُمورهم كما يريد، و هم يطيعونه، و في الّذين يشركون به إذ يتّخذونه وليّا من دون الله و ربّا مطاعا غيره فإنّ الطاعة عبادة كما يشير إليه قوله:( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَ أَنِ اعْبُدُونِي ) يس: ٦١.
و بذلك يظهر أوّلاً: أنّ ذيل الآية يفسّر صدرها، و أنّ تولّي من لم يأذن الله في تولّيه شرك بالله و عبادة لغيره.
و ثانياً: أنّ لا واسطة بين التوكّل على الله، و تولّي الشيطان و عبادته، فمن لم يتوكّل على الله فهو من أولياء الشيطان.
و ربّما قيل: إنّ ضمير الإفراد في قوله:( وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) راجع إليه تعالى، و تفيد الآية حينئذ أنّ سلطانه على طائفتين: المشركين و الّذين يتولّونه من الموحّدين هذا: و لزوم اختلاف الضمائر يدفعه.
قوله تعالى: ( وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) إشارة إلى النسخ و حكمته، و جواب عمّا اتّهموهصلىاللهعليهوآلهوسلم به من الافتراء على الله، و الظاهر من سياق الآيات أنّ القائلين هم المشركون و إن كانت اليهود هم المتصلّبين في نفي النسخ و من المحتمل أن تكون الكلمة ممّا تلقّفه المشركون من اليهود فكثيراً ما كانوا يراجعونهم في أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و قوله:( وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ) قال في المفردات:، الإبدال و التبديل
و التبدّل و الاستبدال جعل شيء مكان آخر، و هو أعمّ من العوض فإنّ العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأوّل، و التبديل قد يقال للتغيير مطلقا و إن لم يأت ببدله قال تعالى:( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) - إلى أن قال - و قال تعالى:( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ ) ( وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ) و( بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ) ( ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ) انتهى موضع الحاجة.
فالتبديل بمعنى التغيير يخالف التبديل بمعناه المعروف في أنّ مفعوله الأوّل هو المأخوذ و المطلوب بخلافه بالمعنى المعروف فمعنى قوله:( وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً ) مَكانَ آيَةٍ معناه وضعنا الآية الثانية مكان الاُولى بالتغيير فكانت الثانية المبدّلة هي الباقية المطلوبة.
و قوله:( وَ اللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ) كناية عن أنّ الحقّ لم يتعدّ مورده و أنّ الّذين أنزله هو الحقّيق بأن ينزّل فإنّ الله أعلم به منهم، و الجملة حاليّة.
و قوله:( قالُوا إنّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) القول للمشركين يخاطبون النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و يتهّمونه بأنّه يفتري على الله الكذب فإنّ تبديل قول مكان قول، و الثبات على رأي ثمّ العدول عنه ممّا يتنزّه عنه ساحة ربّ العزّة.
و قد بالغوا في قولهم إذ لم يقولوا: افتريت في هذه التبديل و النسخ بل قالوا:( إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) فقصروهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الافتراء، و أتوا بالجملة الاسميّة و سمّوه مفتريا، و قد بنوا ذلك على أنّ ما جاء به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من سنخ واحد و هو يسند الجميع إلى ربّه و يقول: إنّما أنا نذير فإذا كان مفتريا في واحد كان مفتريا في الجميع فليس إلّا مفتريا.
و قوله:( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أي أكثر هؤلاء المشركين الّذين يتّهمونك بقولهم:( إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) لا يعلمون حقيقة هذا التبديل و الحكمة المؤدّية إليه على ما سينكشف في الجواب أنّ الأحكام الإلهيّة تابعة لمصالح العباد و من المصالح ما يتغيّر بتغيّر الأوضاع و الأحوال و الأزمنة فمن الواجب أن يتغيّر الحكم
بتغيّر مصلحته فينسخ الحكم الّذي ارتفعت مصلحته الموجبة له بحكم آخر حدثت مصلحته.
فأكثر هؤلاء غافلون عن هذا الأمر و أمّا الأقلّ منهم فهم واقفون على حقيقة الأمر و لو إجمالاً غير أنّهم مستكبرون على الحقّ معاندون له و إنّما يلقون القول إلقاء من غير رعاية جانب الحقّ.
قوله تعالى: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالحقّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) قد تقدّمت في أوّل السورة إشارة إلى معنى الروح، و القدس الطهارة و النزاهة و الظاهر أنّ الإضافة للاختصاص أي روح طاهرة عن قذارات المادّة نزيهة عن الخطإ و الغلط و الضلال، و هو المسمّى في موضع آخر من كلامه تعالى بالروح الأمين، و في موضع آخر بجبريل من الملائكة قال تعالى:( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ ) الشعراء: ١٩٤، و قال:( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فإنّه نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ) البقرة: ٩٧.
فقوله:( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ ) أمر بالجواب و الأسبق إلى الذهن أن يكون الضمير راجعاً إلى القرآن من جهة كونه ناسخاً أي الآية الناسخة، و يمكن أن يكون راجعاً إلى مطلق القرآن، و في التعبير بالتنزيل دون الإنزال إشارة إلى التدريج.
و كان من طبع الكلام أن يقال: من ربّي لكن عدل عنه إلى قوله:( مِنْ رَبِّكَ ) للدلالة على كمال العناية و الرحمة في حقّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كأنّه لا يرضى بانقطاع خطابه فيغتنم الفرصة لتكليمه أينما أمكن، و ليدلّ على أنّ المراد بالقول المأمور به إخبارهم بذلك لا مجرّد التلفّظ بهذه الألفاظ فافهم.
و قوله:( لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ) التثبيت تحكيم الثبات و تأكيده بإلقاء الثبات بعد الثبات عليهم كأنّهم بأصل إيمانهم بالله و رسوله و اليوم الآخر ثبتوا على الحقّ و بتجدّد الحكم حسب تجدّد المصلحة يؤتون ثباتاً على ثبات من غير أن يضعف ثباتهم الأوّل بالمضيّ
على أعمال لا تطابق مصلحة الوقت فإنّ من الواضح أنّ من أمر بسلوك سبيل لمصلحة غاية فأخذ بسلوكه عن إيمان بالآمر الهادي فقطع قطعة منه على حسب ما يأمره به رعاية لمصلحة الغاية بسرعة أو بطؤ أو في ليل أو نهار ثمّ تغيّر نحو المصلحة فلو لم يغيّر الأمر الهادي نحو السلوك و استمرّ على أمره السابق لضعف إيمان السالك و انسلب أركانه لكن لو أمر بنحو جديد من السلوك يوافق المصلحة و يضمن السعادة زاد إيمانه ثباتاً على ثبات.
ففي تنزيل القرآن بالنسخ و تجديد الحكم حسب تجدّد المصلحة تثبيت للّذين آمنوا و إعطاء لهم ثباتاً على ثبات.
و قوله:( وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) و هم الّذين يسلّمون الحكم لله من غير اعتراض فالآية الناسخة بالنسبة إليهم إراءة طريق و بشارة بالسعادة و الجنّة.
و تفريق الآثار بتخصيص التثبيت بالمؤمنين و الهدى و البشرى بالمسلمين إنّما هو لما بين الإيمان و الإسلام من الفرق فالإيمان للقلب و نصيبه التثبّت في العلم و الإذعان و الإسلام في ظاهر العمل و مرحلة الجوارح و نصيبها الاهتداء إلى واجب العمل، و البشرى بأنّ الغاية هي الجنّة و السعادة.
و قد مرّ بعض الكلام في النسخ في تفسير قوله تعالى:( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) البقرة: ١٠٦ في الجزء الأوّل من الكتاب.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) افتراء آخر منهم على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و هو قولهم:( إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) و هو كما يلوح إليه سياق اعتراضهم و ما ورد في الجواب عنه أنّه كان هناك رجل أعجميّ غير فصيح في منطقه عنده شيء من معارف الأديان و أحاديث النبوّة ربّما لاقاه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فاتّهموه بأنّه يأخذ ما يدّعيه وحياً منه و الرجل هو الّذي يعلّمه و هو الّذي حكاه الله تعالى من قولهم:( إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) و في القول إيجاز، و تقديره: إنّما يعلّمه بشر و ينسب ما تعلّمه منه إلى الله افتراء عليه، و هو ظاهر.
و من المعلوم أنّ الجواب عنه بمجرّد أنّ لسان الرجل أعجميّ و القرآن
عربيّ مبين لا يحسم مادّة الشبهة من أصلها لجواز أن يلقي إليه المطالب بلسانه الأعجميّ ثمّ يسبكها هوصلىاللهعليهوآلهوسلم ببلاغة منطقه في قالب العربيّة الفصيحة بل هذا هو الأسبق إلى الذهن من قولهم:( إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) حيث عبّروا عن ذلك بالتعليم دون التلقين و الإملاء، و التعليم أقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ.
و بذلك يظهر أنّ قوله:( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ - إلى قوله -مُبِينٌ ) ليس وحده جواباً عن شبهتهم بل ما يتلوه من الكلام إلى تمام آيتين من تمام الجواب.
و ملخّص الجواب مأخوذ من جميع الآيات الثلاث أنّ ما اتّهمتموه به أنّ بشراً يعلّمه ثمّ هو ينسبه إلى الله افتراء إن أردتم أنّه يعلّمه القرآن بلفظه بالتلقين عليه و أنّ القرآن كلامه لا كلام الله فجوابه أنّ هذا الرجل لسانه أعجميّ و هذا القرآن عربيّ مبين.
و إن أردتم أنّ الرجل يعلّمه معاني القرآن - و اللفظ لا محالة للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم - و هو ينسبه إلى الله افتراء عليه فالجواب عنه أنّ الّذي يتضمّنه القرآن معارف حقّة لا يرتاب ذو لبّ فيها و تضطرّ العقول إلى قبولها قد هدى الله النبيّ إليها فهو مؤمن بآيات الله إذ لو لم يكن مؤمناً لم يهده الله و الله لا يهدي من لا يؤمن بآياته و إذ كان مؤمناً بآيات الله فهو لا يفتري على الله الكذب فإنّه لا يفتري عليه إلّا من لا يؤمن بآياته، فليس هذا القرآن بمفترى، و لا مأخوذاً من بشر و منسوباً إلى الله سبحانه كذباً.
فقوله:( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) جواب عن أوّل شقّي الشبهة و هو أن يكون القرآن بلفظه مأخوذاً من بشر على نحو التلقين، و المعنى: أنّ لسان الرجل الّذي يلحدون أي يميلون إليه و ينوونه بقولهم:( إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) أعجميّ أي غير فصيح بيّن و هذا القرآن المتلوّ عليكم لسان عربيّ مبين و كيف يتصوّر صدور بيان عربيّ بليغ من رجل أعجميّ اللسان؟
و قوله:( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) إلى آخر الآيتين جواب عن ثاني شقّي الشبهة و هو أن يتعلّم منه المعاني ثمّ ينسبها إلى الله افتراء.
و المعنى: أنّ الّذين لا يؤمنون بآيات الله و يكفرون بها لا يهديهم الله إليه و إلى معارفه الحقّة الظاهرة و لهم عذاب أليم، و النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مؤمن بآيات الله لأنّه مهديّ بهداية الله، و إنّما يفتري الكذب و ينسبه إلى الله الّذين لا يؤمنون بآيات الله و اُولئك هم الكاذبون المستمرّون على الكذب، و أمّا مثل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم المؤمن بآيات الله فإنّه لا يفتري الكذب و لا يكذب فالآيتان كنايتان عن أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مهدي بهداية الله مؤمن بآياته و مثله لا يفتري و لا يكذب.
و المفسّرون قطعوا الآيتين عن الآية الاُولى و جعلوا الآية الاُولى هي الجواب الكامل عن الشبهة و قد عرفت أنّها لا تفي بتمام الجواب.
ثمّ حملوا قوله:( وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) على التحدّي بإعجاز القرآن في بلاغته، و أنت تعلم أن لا خبر في لفظ الآية عن أنّ القرآن معجز في بلاغته و لا أثر عن التحدّي، و نهاية ما فيه أنّه عربيّ مبين لا وجه لأن يفصح عنه و يلفظه أعجميّ.
ثمّ حملوا الآيتين التاليتين على تهديد اُولئك الكفرة بآيات الله الرامين لرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالافتراء، و وعيدهم بالعذاب الأليم، و قلب الافتراء و الكذب إليهم بأنّهم أولى بالافتراء و الكذب بما أنّهم لا يؤمنون بآيات الله فإنّ الله لم يهدهم.
ثمّ تكلموا بالبناء عليه في مفردات الآيتين بما يزيد في الابتعاد عن حقّ المعنى.
و قد عرفت أنّ ذلك يؤدّي إلى عدم كفاية الجواب في حسم الإشكال من أصله.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور، أخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاصي قال: كنت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جالساً إذ شخص بصره فقال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ - إلى قوله -تَذَكَّرُونَ ) .
أقول: و رواه أيضاً عن ابن عبّاس عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه.
و في المجمع، و جاءت الرواية أنّ عثمان بن مظعون قال: كنت أسلمت استحياء من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لكثرة ما كان يعرض عليّ الإسلام و لم يقرّ الإسلام في قلبي فكنت ذات يوم عنده حال تأمّله فشخص بصره نحو السماء كأنّه يستفهم شيئاً فلمّا سري عنه سألته عن حاله فقال: نعم بينا أنا اُحدّثك إذ رأيت جبرائيل في الهواء فأتاني بهذه الآية:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ) فقرأها عليّ إلى آخرها فقرّ الإسلام في قلبي.
و أتيت عمّه أبا طالب فأخبرته فقال: يا آل قريش اتّبعوا محمّداً ترشدوا فإنّه لا يأمركم إلّا بمكارم الأخلاق، و أتيت الوليد بن المغيرة و قرأت عليه هذه الآية فقال: إن كان محمّد قاله فنعم ما قال، و إن قاله ربّه فنعم ما قال. قال: فأنزل الله:( أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَ أَعْطى قَلِيلًا وَ أَكْدى ) الحديث.
و فيه، عن عكرمة قال: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قرأ هذه الآية على الوليد بن المغيرة فقال: يا بن أخي أعد فأعاد فقال: إنّ له لحلاوة و إنّ له لطلاوة و إنّ أعلاه لمثمر و إنّ أسفله لمعذق و ما هو قول البشر.
و في تفسير القمّيّ، بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الصادقعليهالسلام : في الآية: ليس لله في عباده أمر إلّا العدل و الإحسان.
و في تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن عمرو بن عثمان قال: خرج عليّعليهالسلام على أصحابه و هم يتذاكرون المروءة فقال: أين أنتم من كتاب الله؟ قالوا يا أميرالمؤمنين في أيّ موضع؟ فقال: في قوله عزّوجلّ:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ) فالعدل الإنصاف و الإحسان التفضّل.
أقول: و رواه العيّاشيّ عن عمرو بن عثمان العاصي عنهعليهالسلام ، و رواه في الدرّ المنثور، عن ابن النجّار في تاريخه من طريق العكلّي عن أبيه عنهعليهالسلام و لفظه: مرّ عليّ بن أبي طالب بقوم يتحدّثون فقال: فيم أنتم؟ فقالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أ و ما كفاكم الله عزّوجلّ ذاك في كتابه إذ يقول الله:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ) فالعدل الإنصاف و الإحسان التفضّل.
أقول: و قد ورد في عدّة روايات تفسير العدل بالتوحيد أو بالشهادتين و تفسير الإحسان بالولاية: و في اُخرى إرجاع تحريم نقض العهد بوجوب الثبات على الولاية.
و في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) الآية، قال: قالعليهالسلام : القنوع.
و في المعاني، بإسناده عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: قيل له: إنّ أبا الخطّاب يذكر عنك أنّك قلت: إذا عرفت الحقّ فاعمل بما شئت، فقال: لعن الله أبا الخطّاب و الله ما قلت هكذا و لكنّي قلت له: إذا عرفت الحقّ فاعمل ما شئت من خير يقبل منك إنّ الله عزّوجلّ يقول:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجنّة يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ) و يقول:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) .
أقول: و هو ما قدّمناه في معنى الآية.
و في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: قلت له:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ - إلى قوله -يَتَوَكَّلُونَ ) فقال: يا محمّد يسلّط و الله من المؤمن على بدنه و لا يسلّط على دينه قد سلّط على أيّوب فشوّه خلقه و لم يسلّط على دينه، و قد يسلّط من المؤمنين على أبدانهم و لا يسلّط على دينهم.
قلت له: قوله عزّوجلّ:( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) قال: الّذين هم بالله مشركون يسلّط على أبدانهم و على أديانهم.
أقول: و رواه العيّاشيّ عن أبي بصير عنهعليهالسلام . و إرجاع ضمير( بِهِ ) إلى
الله أحد المعنيين في الآية.
و في الدرّ المنثور، أخرج الحاكم و صحّحه و البيهقيّ في شعب الإيمان عن ابن عبّاس: في قوله:( إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) قال: قالوا: إنّما يعلّم محمّداً عبدة بن الحضرميّ و هو صاحب الكتب، فقال الله:( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) .
و في تفسير العيّاشيّ، عن محمّد بن عزامة الصيرفي عمّن أخبره عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: إنّ الله عزّوجلّ خلق روح القدس فلم يخلق خلقا أقرب إلى الله منها و ليست بأكرم خلقه عليه، فإذا أراد أمرا ألقاه إليها فألقاه إلى النجوم فجرت به قوله تعالى(١) :( وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ ) و هو لسان أبي فكيهة مولى بني الحضرميّ كان( أعجميّ ) اللسان و كان قد اتّبع نبيّ الله و آمن به، و كان من أهل الكتاب فقالت قريش: هذا و الله يعلّم محمّداً علمه بلسانه، يقول الله:( وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) .
أقول: و الروايات في هذا الرجل مختلفة ففي هذه الرواية أنّه أبو فكيهة مولى بني الحضرميّ، و في الرواية السابقة أنّه عبدة بن الحضرميّ، و عن قتادة أنّه عبدة بن الحضرميّ و كان يسمّى مقيص، و عن السديّ أنّه كان عبداً لبني الحضرميّ نصرانيا، كان قد قرأ التوراة و الإنجيل يقال له أبوبشر، و عن مجاهد أنّه ابن الحضرميّ كان أعجميّا يتكلّم بالروميّة، و عن ابن عبّاس أيضاً في رواية أنّه كان قينا بمكة اسمه بلعام و كان عجميّ اللسان فكان المشركون يرون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يدخل عليه و يخرج من عنده فقالوا: إنّما يعلّمه بلعام.
و المتيقّن من مضامينها أنّه كان رجلاً روميّاً مولى لبني الحضرميّ يسكن مكة نصرانيا له خبرة بكتب أهل الكتاب رموه بأنّه يعلّم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن الضحّاك
__________________________________________________
(١) هذا الّذيل مذكور في تفسير البرهان نقلاً عن العيّاشيّ لكنّه غير موجود في النسخة المطبوعة أخيراً من التفسير.
في الآية قال: كانوا يقولون: إنّما يعلمه سلمان الفارسيّ، فأنزل الله:( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ) .
أقول: و هو لا يلائم كون الآية مكّيّة.
و فيه، أخرج ابن الخرائطي في مساوي الأخلاق و ابن عساكر في تاريخه عن عبدالله بن جراد: أنّه سأل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : هل يزني المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك، قال: هل يسرق المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك، قال: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا، ثمّ أتبعها نبيّ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) .
و في تفسير العيّاشيّ، عن العبّاس بن الهلال عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام : أنّه ذكر رجلاً كذّاباً ثمّ قال: قال الله:( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) .
( سورة النحل الآيات ١٠٦ - ١١١)
مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ١٠٦ ) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( ١٠٧ ) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ( ١٠٨ ) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ١٠٩ ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١١٠ ) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( ١١١ )
( بيان)
في الآيات وعيد على الكفر بعد الإيمان و هو الارتداد و وعد جميل للمهاجرين من بعد ما فتنوا المجاهدين الصابرين في الله، و فيها تعرّض لحكم التقيّة.
قوله تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إلّا مَنْ أُكْرِهَ ) الاطمئنان السكون و الاستقرار، و الشرح البسط، قال في المفردات: أصل الشرح بسط اللحم و نحوه، يقال: شرحت اللحم و شرّحته، و منه شرح الصدر أي بسطه بنور إلهيّ و سكينة من جهة الله و روح منه، قال تعالى:( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ) ( أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) ( أَ فَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ ) و شرح المشكل من الكلام بسطه و إظهار ما يخفى من معانيه. انتهى.
و قوله:( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ ) شرط جوابه قوله:( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ ) و عطف عليه قوله:( وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) و ضمير الجمع في الجزاء عائد إلى اسم الشرط( مَنْ ) لكونه بحسب المعنى كلّيّا ذا أفراد.
و قوله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) استثناء من عموم الشرط و المراد بالإكراه الإجبار على كلمة الكفر و التظاهر به فإنّ القلب لا يقبل الإكراه و المراد أستثني من اُكره على الكفر بعد الإيمان فكفر في الظاهر و قلبه مطمئنّ بالإيمان.
و قوله:( وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ) أي بسط صدره للكفر فقبله قبول رضى و وعاه، و الجملة استدراك من الاستثناء فيعود إلى معنى المستثنى منه فإنّ المعنى ما اُريد بقولي:( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ ) من اُكره و قلبه مطمئنّ بالإيمان و لكن اُريد به من شرح بالكفر صدراً، و في مجموع الاستثناء و الاستدراك بيان كامل للشرط، و هذه هي النكتة لاعتراض الاستثناء بين الشرط و الجزاء و عدم تأخيره إلى أن تتمّ الشرطيّة.
و قيل: قوله:( مَنْ كَفَرَ ) بدل من( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ ) في الآية السابقة، و قوله:( وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ) جملة معترضة، و قوله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) استثناء من ذلك و قوله:( وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ ) مبتدأ خبره أو القائم مقام خبره قوله:( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ ) .
و المعنى - على هذا - إنّما يفتري الكذب الّذين كفروا من بعد إيمانهم إلّا من اُكره و قلبه مطمئن بالإيمان و عند ذلك تمّ الكلام ثمّ بدء فقال: و لكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله.
و الذوق السليم يكفي مؤنة هذا الوجه على ما به من السخافة.
قوله تعالى: ( ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ أَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) بيان لسبب حلول غضب الله بهم و ثبوت العذاب العظيم عليهم و هو أنّهم اختاروا الحياة الدنيا و هي الحياة المادّيّة الّتي لا غاية لها إلّا التمتّع
الحيوانيّ و الاشتغال بمشتهيات النفس على الآخرة الّتي هي حياة دائمة مؤبّدة في جوار ربّ العالمين و هي غاية الحياة الإنسانيّة.
و بعبارة اُخرى هؤلاء لم يريدوا إلّا الدنيا و انقطعوا عن الآخرة و كفروا بها و الله لا يهدي القوم الكافرين و إذ لم يهدهم الله ضلّوا عن طريق السعادة و الجنّة و الرضوان فوقعوا في غضب من الله و عذاب عظيم.
قوله تعالى: ( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) إشارة إلى أنّ اختيار الحياة الدنيا على الآخرة و الحرمان من هداية الله سبحانه هو الوصف الّذي يوصف به الّذين طبع الله على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم و الّذين يسمّون غافلين.
فإنّهم باختيارهم الحياة الدنيا غاية لأنفسهم و حرمانهم من الاهتداء إلى الاُخرى انقطعوا عن الآخرة و تعلّقوا بالدنيا و جعلوها غاية لأنفسهم فوقف حسّهم و عقلهم فيها دون أن يتعدّياها إلى ما وراءها و هو الآخرة فليسوا يبصرون ما يعتبرون به و لا يسمعون عظة يتّعظون بها و لا يعقلون حجّة يهتدون بها إلى الآخرة.
فهم مطبوع على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم فلا تنال قلوبهم و لا سمعهم و أبصارهم ما يدلّهم على الآخرة، و هم غافلون عنها لا يتنبّهون لشيء من أمرها.
فظهر أنّ ما في الآية السابقة من الوصف بمنزلة المعرّف لما في هذه الآية من الطبع و من الغفلة فعدم هداية الله إيّاهم إثر ما تعلّقوا بالدنيا هو معنى الطبع و الغفلة، و الطبع صنع إلهيّ منسوب إليه تعالى فعله بهم مجازاة و الغفلة صفة منسوبة إليهم أنفسهم.
قوله تعالى: ( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) لأنّهم ضيّعوا رأس مالهم في الدنيا فبقوا لا زاد لهم يعيشون به في اُخراهم، و قد وقع في نظير المقام من سورة هود:( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ) هود: ٢٢، و لعلّ وجه التشديد هناك أنّه تعالى أضاف إلى صفاتهم هناك أنّهم صدّوا عن سبيل الله فراجع.
قوله تعالى: ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا
وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) الفتنة في الأصل إدخال الذهب النار ليظهر جودته ثمّ استعمل في مطلق البلاء و التعذيب، و قد كانت قريش و مشركو مكّة يفتنون المؤمنين ليردّوهم عن دينهم و يعذّبونهم بأنواع العذاب حتّى ربّما كانوا يموتون تحت العذاب كما فتنوا عمّاراً و أباه و اُمّه فقتل أبواه و ارتدّ عمّار ظاهراً فتفصّى منهم بالتقيّة و في ذلك نزلت الآيات السابقة كما سيأتي إن شاء الله في البحث الروائيّ.
و من هنا يظهر أنّ للآية اتّصالاً بما قبلها من قوله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) و هي في معنى قولنا: و بعد ذلك كلّه إنّ الله غفور رحيم للّذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثمّ جاهدوا و صبروا.
فقوله:( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ) وعد جميل للمهاجرين من بعد ما فتنوا بالمغفرة و الرحمة يوم القيامة قبال ما اُوعد غيرهم بالخسران التامّ يومئذ و قد قيّد ذلك بالجهاد و الصبر بعد المهاجرة.
و قوله:( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) بمنزلة تلخيص صدر الكلام - لطوله - ليلحق به ذيله، و يفيد فائدة التأكيد كقولنا: زيد في الدار زيد في الدار كذا و كذا، و يفيد أنّ لما ذكر من قيود الكلام دخلاً في الحكم فالله سبحانه لا يرضى عنهم إلّا أن يهاجروا و لا عن هجرتهم إلّا أن يجاهدوا بعدها و يصبروا.
قوله تعالى: ( يَوْمَ تَأْتِي كلّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَ تُوَفَّى كلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ ) إتيان النفس يوم القيامة كناية عن حضورها عند الملك الديّان، كما قال:( فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) الصافّات: ١٢٧ و الضمير في قوله:( عَنْ نَفْسِها ) للنفس و لا ضير في إضافة النفس إلى ضمير النفس فإنّ النفس ربّما يراد بها الشخص الإنسانيّ كقوله:( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ) المائدة: ٢٢، و ربّما يراد بها التأكيد و يتّحد معناها بما تقدّمها من المؤكّد سواء كان إنساناً أو غيره، كما يقال: الإنسان نفسه و الفرس نفسه و الحجر نفسه و السواد نفسه، و يقال: نفس الإنسان و نفس الفرس و نفس الحجر و نفس السواد، و قوله:( عَنْ نَفْسِها ) المراد فيه بالمضاف
المعنى الثاني و بالمضاف إليه المعنى الأوّل، و قد دفع التعبير بالضمير بشاعة تكرار اللفظ بالإضافة، و في هذا المقدار كفاية عن الأبحاث الطويلة الّتي أوردها المفسّرون.
و قوله:( يَوْمَ تَأْتِي كلّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها ) الظرف متعلّق بقوله في الآية السابقة:( لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) و مجادلة النفس عن نفسها دفاعها عن نفسها و قد نسيت كلّ شيء وراء نفسها على خلاف ما كانت عليه في الدنيا من التعلّق بكلّ شيء دون نفسها بنسيانها و ليس ذلك إلّا لظهور حقيقة الأمر عليها و هي أنّ الإنسان لا سبيل له إلى ما وراء نفسه، و ليس له في الحقيقة إلّا أن يشتغل بنفسه.
فاليوم تأتي النفس و تحضر للحساب و هي تجادل و تصرّ على الدفاع عن نفسها بما تقدر عليه من الأعذار.
و قوله:( وَ تُوَفَّى كلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ ) التوفية إعطاء الحقّ تامّاً من غير تنقيص، و قد علّق التوفية على نفس العمل إذ قيل:( ما عَمِلَتْ ) فاُفيد أنّ الّذي اُعطيته نفس العمل من غير أن يتصرّف فيه بتغيير أو تعويض، و فيه كمال العدل حيث لم يضف إلى ما استحقّته شيء و لا نقص منه و لذلك عقّبه بقوله:( وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ ) .
ففي الآية إشارة:
أوّلاً: إلى أنّ نفساً لا تدافع يوم القيامة و لا تجادل عن غيرها بل إنّما تشتغل بنفسها لا فراغ لها لغيرها كما قال:( يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شيئاً ) الدخان: ٤١، و قال:( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ ) الشعراء: ٨٨، و قال:( يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ ) البقرة: ٢٥٤.
و ثانياً: إلى أنّ الجدال لا ينفعها في صرف ما استحقّتها من الجزاء شيئاً فإنّ الّذي تجزاه هو عين ما عملت و لا سبيل إلى تغيير هذه النسبة و ليس من الظلم في شيء.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور، أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن ابن عبّاس قال: لما أراد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: تفرّقوا عنّي فمن كانت به قوّة فليتأخّر إلى آخر الليل و من لم تكن به قوّة فليذهب في أوّل الليل فإذا سمعتم بي قد استقرّت بي الأرض فالحقوا بي.
فأصبح بلال المؤذّن و خبّاب و عمّار و جارية من قريش كانت أسلمت فأصبحوا بمكّة فأخذهم المشركون و أبو جهل فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى فجعلوا يضعون درعا من حديد في الشمس ثمّ يلبسونها إيّاه فإذا ألبسوها إيّاه قال: أحد أحد، و أمّا خبّاب فجعلوا يجرّونه في الشوك.
و أمّا عمّار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيّة، و أمّا الجارية فوتد لها أبوجهل أربعة أوتاد ثمّ مدّها فأدخل الحربة في قلبها حتّى قتلها ثمّ خلّوا عن بلال و خبّاب و عمّار فلحقوا برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبروه بالّذي [كان] من أمرهم و اشتدّ على عمّار الّذي كان تكلّم به فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كيف كان قلبك حين قلت الّذي قلت؟ أ كان منشرحا بالّذي قلت أم لا؟ قال: لا قال و أنزل الله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .
أقول: و الجارية المذكورة في الرواية هي سميّة اُمّ عمّار، و كان معهم ياسر أبو عمّار، و قيل: و كان أبوعمّار أوّل شهيدين في الإسلام، و قد استفاضت الروايات على قتلهما بالفتنة و إظهار عمّار الكفر تقيّة و نزول الآية فيه.
و فيه، أخرج عبدالرزّاق و ابن سعد و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الحاكم و صحّحه و البيهقيّ في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار عن أبيه قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسر فلم يتركوه حتّى سبّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و ذكر آلهتهم بخير ثمّ تركوه.
فلمّا أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ما وراءك شيء؟ قال: شرّ. ما تركت حتّى
نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنّ بالإيمان. قال: إن عادوا فعد، فنزلت:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .
و في المجمع، عن ابن عبّاس و قتادة: إنّ الآية نزلت في جماعة اُكرهوا و هم عمّار و ياسر أبوه و اُمّه سميّة و صهيب و بلال و خبّاب عذّبوا و قتل أبو عمّار و اُمّه و أعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه ثمّ أخبر سبحانه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال قوم: كفر عمّار فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّا إنّ عمّارا مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه و اختلط الإيمان بلحمه و دمه.
و جاء عمّار إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : و هو يبكي فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم ما وراءك؟ فقال: شرّ يا رسول الله ما تركت حتّى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يمسح عينيه و يقول: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت فنزلت الآية.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم قال: كان عمّار بن ياسر يعذّب حتّى لا يدري ما يقول، و كان صهيب يعذّب حتّى لا يدري ما يقول، و كان أبوفكيهة يعذّب حتّى لا يدري ما يقول، و بلال و عامر و ابن فهيرة و قوم من المسلمين و فيهم نزلت هذه الآية:( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ) .
أقول: و سمّي منهم في بعض الروايات عبّاس بن أبي ربيعة و في بعضها الآخر هو و الوليد بن أبي ربيعة و الوليد بن الوليد بن المغيرة و أبوجندل بن سهيل بن عمرو و أجمع رواية في ذلك ما عن ابن عبّاس: أنّ هذه الآية نزلت فيمن كان يفتن من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ) .
و في الكافي، بإسناده عن أبي عمرو الزبيريّ عن أبي عبداللهعليهالسلام في حديث قال: فأمّا ما فرض على القلب من الإيمان الإقرار و المعرفة و العقد و الرضا و التسليم بأن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً لم يتّخذ صاحبة و لا ولداً و أنّ محمّداً عبده و رسوله، و الإقرار بما جاء به من عند الله من نبيّ أو كتاب: فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار و المعرفة و هو عمله و هو قول الله عزّوجلّ:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ) .
و فيه، بإسناده عن مسعدة بن صدقة قال: قيل لأبي عبداللهعليهالسلام : إنّ الناس يروون أنّ عليّاعليهالسلام قال على منبر الكوفة: يا أيّها الناس إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ثمّ تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرؤوا منّي. قال: ما أكثر ما يكذبون الناس على عليّعليهالسلام ثمّ قال: إنّما قال: إنكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ثمّ تدعون إلى البراءة و إنّي لعلى دين محمّد و لم يقل: و لا تبرؤوا منّي.
فقال له السائل: أ رأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ قال: و الله ما ذاك عليه و ما له إلّا ما مضى عليه عمّار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكّة و قلبه مطمئنّ بالإيمان فقال له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عندها: يا عمّار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عذرك( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) و أمرك أن تعود إن عادوا.
أقول: و روى هذا المعنى العيّاشيّ في تفسيره، عن معمر بن يحيى بن سالم عن أبي جعفرعليهالسلام ، و قولهعليهالسلام :( و أمرك أن تعود إن عادوا) يستفاد ذلك من الآية حيث لم يرد الاستثناء فيها من الشخص بل وردت على العنوان و هو إكراه من اطمأنّ قلبه بالإيمان، و أمّا كونه أمراً منه تعالى كما أمر به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلعلّ الوجه أنّ صريح الاستثناء هو الجواز و مع جواز ذلك لا مساغ للإباء الّذي هو عرض النفس للقتل و إلقاؤها في التهلكة فيجامع هذا الجواز الوجوب دون الإباحة.
و في تفسير العيّاشيّ، عن عمرو بن مروان قال: سمعت أبا عبداللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : رفع عن اُمّتي أربعة خصال: ما أخطؤا و ما نسوا و ما اُكرهوا عليه و ما لم يطيقوا، و ذلك في كتاب الله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .
( سورة النحل الآيات ١١٢ - ١٢٨)
وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( ١١٢ ) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ( ١١٣ ) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( ١١٤ ) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١١٥ ) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ( ١١٦ ) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ١١٧ ) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( ١١٨ ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١١٩ ) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٢٠ ) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( ١٢١ ) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( ١٢٢ ) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٢٣ ) إِنَّمَا جُعِلَ
السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( ١٢٤) ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ( ١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ( ١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ( ١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ( ١٢٨)
( بيان)
تتمّة آيات الأحكام السابقة تذكر فيها محرّمات الأكل و محلّلاته و نهي عن التحليل و التحريم ابتداعاً بغير إذن الله و ذكر بعض ما شرّع لليهود من الأحكام الّتي نسخت بعد، و في ذلك عطف على ما تقدّم من حديث النسخ في قوله:( وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ) و إشارة إلى أنّ ما اُنزل على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما هو دين إبراهيمعليهالسلام المبنيّ على الاعتدال و التوحيد مرفوعاً عنه ما في دين اليهود من التشديد عليهم قبال ظلمهم.
و في آخرها أمر بالعدل في المعاقبة و ندب إلى الصبر و الاحتساب، و وعد جميل بالنصرة و الكفاية إن اتّقوا و أحسنوا.
قوله تعالى: ( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً ) إلى آخر الآية، الرغد من العيش هو الواسع الطيّب.
هذا مثل ضربه الله تعالى فوصف فيه قرية آتاها ما تحتاج إليه من نعم
الحياة، و أتمّ ذلك كلّه بنبيّ بعثه إليهم يدعوهم إلى ما فيه صلاح دنياهم و اُخراهم فكفروا بأنعمه و كذّبوا رسوله فبدّل الله نعمته نقمة و عذّبهم بما ظلموا بتكذيب رسوله، و في المثل تحذير عن كفران نعمة الله بعد إذ بذلت و الكفر بآياته بعد إذ اُنزلت.
و فيه توطئة و تمهيد لما سيذكره من محلّلات الأكل و محرّماته و ينهى عن تشريع الحلال و الحرام بغير إذن الله كلّ ذلك بالاستفادة من سياق الآيات فإنّ كلّ سابقة منها تسوق النظر إلى اللاحقة.
و قيل: إنّ هذه القرية هي مكّة عذّبهم الله بالجوع سبع سنين لما كفروا بأنعم الله و قد وسّعها عليهم و كذّبوا رسوله و قد أرسله إليهم فابتلوا بالقحط و كان يغار عليهم قوافلهم بسخط من الله سبحانه لما دعا عليهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ذكره في المجمع، و نسبه إلى ابن عبّاس و مجاهد و قتادة.
و فيه أن لا إشكال في أنّه في نفسه يقبل الانطباق على ما ذكر لكن سياق الآيات إنّما يلائم كونه مثلاً عامّاً مذكوراً توطئة و تمهيداً لما بيّناه.
فقوله:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً ) وصف القرية بثلاثة أوصاف متعاقبة غير أنّ الأوسط منها و هي الاطمئنان كالرابط بين الطرفين فإنّ القرية إذا أمنت المخاطرات كمهاجمة الأشرار و شنّ الغارات و قتل النفوس و سبي الذراري و نهب الأموال و كذا أمنت الحوادث الطبيعيّة كالزلازل و غيرها اطمأنّت و سكنت فلم يضطرّ أهلها إلى الجلاء و التفرّق.
و من كمال اطمئنانها أن يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكان و لا يلجأ أهلها إلى الاغتراب و قطع الفيافي و ركوب البحار و تحمّل المشاقّ البالغة في طلب الرزق و جلبه إليها.
فاتّصاف القرية بصفاتها الثلاث المذكورة: الأمن و الاطمئنان و إتيان رزقها إليها من كلّ مكان يتمّ و يكمل لها جميع النعم المادّيّة الصوريّة، و سيضيف سبحانه إليها النعم المعنويّة في الآية التالية:( وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ ) فهي قرية أتمّ الله نعمه عليها و أكملها.
و قوله:( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ ) التعبير بأنعم الله و هو جمع قلّة للإشارة بها إلى الأصناف المذكورة و هي ثلاثة: الأمن و الاطمئنان و إتيان الرزق، و الإذاقة استعارة للإيصال اليسير فإذاقة الجوع و الخوف مشعر بأنّ الّذي يوصلهما قادر على تضعيف ذلك و تكثيره بما لا يقدّر بقدر كيف لا؟ و هو الله الّذي له القدرة كلّها.
ثمّ إضافة اللباس إلى الجوع و الخوف و فيها دلالة على الشمول و الإحاطة كما يشمل اللباس البدن، و يحيط به، تشعر بأنّ هذا المقدار اليسير من الجوع و الخوف الّذي أذاقهم شملهم كما يشمل اللباس بدن الإنسان و هو سبحانه قادر على أن يزيد على ذلك فهو المتناهي في قهره و غلبته و هم المتناهون في ذلّتهم و هوانهم.
ثم ختم الآية بقوله:( بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) للدلالة على أنّ سنّة المجازاة في الشكر و الكفر قائمة على ساق.
و المعنى: ضرب الله مثلاً مثل قرية كان أهلها آمنين من كلّ شرّ و سوء يهدّدهم في نفوسهم و أعراضهم و أموالهم ساكنين غير مضطرّين يأتيهم رزقهم طيّباً واسعاً من كلّ مكان من غير أن يضطرّوا إلى السفر و الاغتراب فكفر أهلها بهذه النعم الإلهيّة و لم يشكروه سبحانه فأنالهم الله شيئاً يسيراً من نقمته - بسلب هذه النعم - و هو الجوع و الخوف اللّذان عمّاهم و شملاهم قبال ما استمرّوا عليه بكفران الأنعام جزاء لكفرانهم.
قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ هُمْ ظالِمُونَ ) و هذا هو النعمة المعنويّة الّتي أضافها إلى نعمة المادّيّة المذكورة، و كان فيها صلاح معاشهم و معادهم و تحذير لهم من الكفران بأنعم الله و شرح ما فيه من الشؤم و الشقاء لكنّهم كذّبوا رسولهم الّذي هو منهم يعرفونه و يدرون أنّه إنّما يدعوهم لأمر إلهيّ و يهديهم إلى سبيل الرشاد و سعادة الجدّ فظلموا ذلك فأخذهم العذاب بظلمهم.
و بهذا التقرير يظهر ما في القيود المأخوذة في الآية من النكات.
قوله تعالى: ( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّباً ) إلى آخر الآية تفريع على ما تحصّل من المثل نتيجة، و التقدير إذا كان الحال هذا الحال و كان في كفران هذا الرزق الرغد عذاب و في تكذيب الدعوة عذاب فكلوا ممّا رزقكم الله حال كونه حلالاً طيّباً أي لستم بممنوعين منه و أنتم تستطيبونه فكلوا منه و اشكروا نعمة الله إن كنتم إيّاه تعبدون.
و قد ظهر بذلك:
أوّلاً: أنّ الآية مسوقة لتحليل طيّبات الرزق مطلقا فلا سبيل إلى ما ذكره بعضهم أنّ المراد فكلوا ممّا رزقكم الله من الغنائم رزقاً حلالاً طيّباً بناء على أنّ الآية نزلت بعد وقعة بدر و المثل السابق مثل مضروب لأهل مكّة، و المراد بالرسول الّذي كذّبوه هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و بالعذاب الّذي أخذهم هو القتل الذريع لصناديدهم يوم بدر.
و هذا كلّه ممّا لا دليل عليه من طريق لفظ الآيات. على أنّه قد تأيّد سابقا أنّها مكّيّة.
و ثانياً: أنّ المراد بالحلّ و الطيب كون الرزق بحيث لم يحرم منه الإنسان طبعاً و طبعه يستطيبه أي الحلّ و الطيب بحسب الطبع و ذلك ملاك الحلّيّة الشرعيّة الّتي تتبع الحلّيّة بحسب الفطرة فإنّ الدين فطريّ لإنّ الله سبحانه فطر الإنسان مجهّزاً بجهاز التغذية و جعل أشياء أرضيّة من الحيوان و النبات ملائمة لقوامه يميل إليها طبعه من غير نفرة فله أن يأكل منها و هو الحلّ.
و ثالثاً: أنّ قوله:( فَكُلُوا ) أمر مقدّميّ بالنسبة إلى قوله:( وَ اشْكُرُوا ) نعمة الله و ذكر النعمة تلويح إلى سبب الحكم فإنّ كون الشيء نعمة هو السبب في وجوب الشكر عليه.
و رابعاً: أنّ قوله:( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) خطاب للمؤمنين فإنّهم هم الّذين يعبدون الله و لا يعبدون غيره، و القصر في الجملة الّذي يدلّ عليه تقديم المفعول
على الفعل قصر القلب، و غيرهم و هم المشركون إنّما يعبدون الأصنام و الآلهة من دون الله.
و جعل الخطاب للمشركين و دعوى أنّ المراد بالعبادة في قوله:( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) الإطاعة أو أنّ المعنى إن صحّ زعمكم أنّكم تقصدون بعبادتكم لآلهتكم عبادته تعالى، لا يرجع إلى طائل فإنّ جعل العبادة بمعنى الإطاعة يحتاج إلى قرينة و لا قرينة و المشركون لا يعبدون الله سبحانه و لو بإشراكه في العبادة و لا يقصدون بعبادة آلهتهم عبادته تعالى بل ينزّهونه تعالى عن عبادتهم لكونه أجلّ من أن يناله إدراك أو ينتهي إليه توجّه.
و كون الخطاب في الآية للمؤمنين يوجب كون المثل مضروباً لأجلهم و رجوع سائر الخطابات التشريعيّة فيما قبل الآية و ما بعدها متوجّهة إليهم، و ربّما قيل: إنّ الخطاب لعامّة الناس أعمّ من المؤمن و الكافر و تطبيقه على الآيات لا يخلو من تكلّف و إن كان دون تخصيص الخطاب بالمشركين إشكالاً.
قوله تعالى: ( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فإنّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) تقدّم الكلام في معنى الآية في تفسير سورة البقرة الآية ١٧٣ و سورة المائدة الآية ٣ و سورة الأنعام الآية ١٤٥.
و الآية بمعناها على اختلاف ما في لفظها واقعة في أربعة مواضع من القرآن: في سورتي الأنعام و النحل و هما مكّيّتان من أوائل ما نزلت بمكّة و أواخرها، و في سورتي البقرة و المائدة و هما من أوائل ما نزلت بالمدينة و أواخرها، و هي تدلّ على حصر محرّمات الأكل في الأربع المذكورة: الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما اُهلّ لغير الله به كما نبّه عليه بعضهم.
لكن بالرجوع إلى السنّة يظهر أنّ هذه هي المحرّمات الأصليّة الّتي عني بها في الكتاب و ما سوى هذه الأربع من المحرّمات ممّا حرّمه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بأمر من ربّه و قد قال تعالى:( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) الحشر: ٧، و قد تقدّم بعض الروايات الدالّة على هذا المعنى.
قوله تعالى: ( وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) إلخ،( لِما ) في قوله:( لِما تَصِفُ ) مصدريّة و الكذب مفعول( تَصِفُ ) أي لا تقولوا هذا حلال و هذا حرام بسبب وصف ألسنتكم لغاية افتراء الكذب على الله.
و كون الخطاب في الآيات للمؤمنين على ما يؤيّده سياقها كما مرّ أو لعامّة الناس يؤيّد أن يكون المراد بقوله:( وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ ) النهي عن الابتداع بإدخال حلال أو حرام في الأحكام الجارية في المجتمع المعمولة بينهم من دون أن ينزل به الوحي فإنّ ذلك من إدخال ما ليس من الدين في الدين و افتراء على الله و إن لم ينسبه واضعه إليه تعالى.
و ذلك أنّ الدين في عرف القرآن هو سنّة الحياة و قد تكرّر منه سبحانه قوله:( يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً ) أو ما يقرب منه، فالدين لله و من زاد فيه شيئاً فقد نسبه إليه تعالى افتراء عليه و إن سكت عن الإسناد أو نفى ذلك بلسانه.
و ذكر الجمهور أنّ المراد بالآية النهي عمّا كان المشركون يحلّونه كالميتة و الدم و ما اُهلّ لغير الله به أو يحرّمونه كالبحيرة و السائبة و غيرهما و السياق - كما مرّ - لا يؤيّده.
ثمّ قال سبحانه في مقام تعليل النهي:( إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ) ثمّ بيّن حرمانهم من الفلاح بقوله:( مَتاعٌ قَلِيلٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .
قوله تعالى: ( وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ) إلخ، المراد بقوله:( ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ) - كما قيل - ما قصّه تعالى على نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في سورة الأنعام - و قد نزلت قبل سورة النحل بلا إشكال - بقوله:( وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كلّ ذِي ظُفُرٍ ) إلى آخر الآية الأنعام: ١٤٦.
و الآية في مقام دفع الدخل و فيها عطف على مسألة النسخ المذكورة سابقاً كأنّ قائلاً يقول: فإذا كانت محرّمات الأكل منحصرة في الأربع المذكورة: الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما اُهلّ لغير الله به، و كان ما وراءها حلالاً فما هذه
الأشياء المحرّمة على بني إسرائيل من قبل؟ هل هذا إلّا ظلم بهم.
فأجاب عنه بأنّا حرّمنا عليهم ذلك و ما ظلمناهم في تحريمه و لكنّهم كانوا يظلمون أنفسهم فنحرّم عليهم بعض الأشياء أي إنّه كان محللّا لهم مأذونا فيه لكنّهم ظلموا أنفسهم و عصوا ربّهم فجزيناهم بتحريمه عقوبة كما قال سبحانه في موضع آخر:( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) الآية، و لو أنّهم بعد ذلك كلّه رجعوا إلى ربّهم و تابوا عن معاصيهم تاب الله عليهم و رفع الحظر عنهم و أذن لهم فيما منعهم عنه إنّه لغفور رحيم.
فقد ظهر أنّ الآية متّصلة بما قبلها من حديث التحليل و التحريم، و أنّها كالجواب عن سؤال مقدّر، و أنّ ما بعدها من قوله:( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ ) الآية، متّصل بها متمّم لمضمونها.
قوله تعالى: ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) الجهالة و الجهل واحد و هو في الأصل ما يقابل العلم لكنّ الجهالة كثيراً ما تستعمل بمعنى عدم الانكشاف التامّ للواقع و إن لم يخل المحلّ عن علم ما مصحّح للتكليف كحال من يقترف المحرّمات و هو يعلم بحرمتها لكنّ الأهواء النفسانيّة تغلبه و تحمله على المعصية و لا تدعه يتفكّر في حقيقة هذه المخالفة و المعصية فله علم بما ارتكب و لذلك يؤاخذ و يعاقب على ما فعل و هو مع ذلك جاهل بحقيقة الأمر و لو تبصّر تمام التبصّر لم يرتكب.
و المراد بالجهالة في الآية هذا المعنى إذ لو كان المراد هو الأوّل و كان ما ذكر من عمل السوء مجهولاً من حيث حكمه أو من حيث موضوعه لم يكن العمل معصية حتّى يحتاج إلى التوبة فالمغفرة و الرحمة.
و الآية - كما تقدّمت الإشارة إليه - متّصلة بما قبلها متمّمة لمضمونها، و معنى الآيتين أنّا لم نظلم بني إسرائيل في تحريم الطيّبات الّتي حرّمناها، لهم بل هم الّذين ظلموا أنفسهم حيث ارتكبوا المعاصي و أصرّوا عليها فأدى ذلك إلى تحريم الطيّبات عليهم، و بعد ذلك كلّه باب المغفرة و الرحمة مفتوح و إنّ ربّك للّذين عملوا السوء
أي عملوا عملا سوء و هو السيّئة بجهالة ثمّ تابوا من بعد ذلك و أصلحوا حتّى يتبيّن التوبة و تستقرّ إنّ ربّك من بعدها أي من بعد التوبة لغفور رحيم.
و في تقييد التوبة أوّلاً بالإصلاح ثمّ إرجاع الضمير أخيراً إليها وحدها في قوله:( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ ) دلالة على أنّ شمول المغفرة و الرحمة من تبعات التوبة، و أمّا الإصلاح فإنّما هو لتبيين التوبة و ظهور كونها توبة حقيقيّة و رجوعاً جدّيّاً لا مجرّد صورة خالية عن المعنى.
و قوله في ذيل الآية:( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها ) تلخيص لتفصيل قوله في صدرها:( إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ ) إلخ، و فائدته حفظ فهم السامع عن التشوّش و الضلال و إبراز العناية ببعديّة المغفرة و الرحمة بالنسبة إلى التوبة نظير ما مرّ من قوله:( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
قوله تعالى: ( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) الآية، و ما يتلوها على اتّصالها بما تقدّم من حصر محرّمات الأكل في الأربع و تحليل ما وراءها، و هذه الآية إلى تمام أربع آيات بمنزلة التفصيل لما تقدّمها كأنّه قيل: هذا حال ملّة موسى الّتي حرّمنا فيها على بني إسرائيل بعض ما اُحلّ لهم من الطيّبات، و أمّا هذه الملّة الّتي أنزلناها إليك فإنّما هي الملّة الّتي تحقّق بها إبراهيم فاجتباه الله و هداه إلى صراط مستقيم و أصلح بها دنياه و آخرته، و هي ملّة معتدلة جارية على الفطرة تحلّل الطيّبات و تحرّم الخبائث يجلب العمل بها من الخير ما جلبه لإبراهيمعليهالسلام منه.
فقوله:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ) قال في المفردات، و قوله:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ ) أي قائماً مقام جماعة في عبادة الله نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة، انتهى. و هو قريب ممّا نقل عن ابن عبّاس، و قيل: معناه الإمام المقتدى به، و قيل: إنّه كان اُمّة منحصرة في واحد مدّة من الزمان لم يكن على الأرض موحّد يوحّد الله غيره.
و قوله:( قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) القنوت: الإطاعة و العبادة أو دوامها، و الحنف: الميل من الطرفين إلى حاقّ الوسط و هو الاعتدال.
قوله تعالى: ( شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) الاجتباء من الجباية و هو الجمع و اجتباء الله الإنسان هو إخلاصه لنفسه و جمعه من التفرّق في المذاهب المختلفة. و في تعقيب قوله:( شاكِراً لِأَنْعُمِهِ ) بقوله:( اجْتَباهُ ) إلخ، مفصولاً إشعار بالعلّيّة و ذلك يؤيّد ما تقدّم في سورة الأعراف في تفسير قوله:( وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) الأعراف: ١٧، أنّ حقيقة الشكر هو الإخلاص في العبوديّة.
قوله تعالى: ( وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) الحسنة هي المعيشة الحسنة فقد كانعليهالسلام ذا مال كثير و مروّة عظيمة.
و قد بسطنا الكلام في معنى الاجتباء في تفسير سورة يوسف عند الآية ٦، و في معنى الهداية و الصراط المستقيم في تفسير الفاتحة عند قوله:( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) الآية ٦، و في معنى قوله:( وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) البقرة: ١٣٠، فراجع.
و في توصيفه تعالى إبراهيمعليهالسلام بما وصفه من الصفات إشارة إلى أنّها من مواهب هذا الدين الحنيف، فإن انتحل به الإنسان ساقه إلى ما ساق إليه إبراهيمعليهالسلام .
قوله تعالى: ( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) تكرار اتّصافه بالحنف و نفي الشرك لمزيد العناية به.
قوله تعالى: ( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) إلى آخر الآية، قال في المفردات: أصل السبت القطع و منه سبت السير قطعه و سبت شعره حلقه، و أنفه اصطلمه، و قيل: سمّي يوم السبت لأنّ الله تعالى ابتدء بخلق السماوات و الأرض يوم الأحد فخلقها في ستّة أيّام كما ذكره فقطع عمله يوم السبت فسمّي بذلك.
و سبت فلان صار في السبت، و قوله:( يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ) قيل: يوم قطعهم للعمل( وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ ) قيل: معناه لا يقطعون العمل و قيل: يوم لا يكونون في
السبت و كلاهما إشارة إلى حالة واحدة، و قوله:( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ) أي ترك العمل فيه:( وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ) أي قطعاً للعمل و ذلك إشارة إلى ما قال في صفة الليل:( لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) انتهى.
فالمراد بالسبت على ما ذكره نفس اليوم لكن معنى جعله جعل ترك العمل فيه و تشريعه، و يمكن أن يكون المراد به المعنى المصدريّ دون اليوم المجعول فيه ذلك كما هو ظاهر قوله:( تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ) الأعراف: ١٦٣.
و كيف كان فقد كان من طبع الكلام أن يقال: إنّما جعل السبت للّذين حتّى، يفيد نوعاً من الاختصاص و الملك و أنّ الله شرّع لهم في كلّ اُسبوع أن يقطعوا العمل يوماً يفرغون فيه لعبادة ربّهم و هو يوم السبت كما جعل للمسلمين في كلّ اُسبوع يوماً يجتمعون فيه للعبادة و الصلاة و هو يوم الجمعة.
فقوله:( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) بتعدية جعل بعلى دون اللام من قبيل قولهم: لي عليك دين و هذا عليك لا لك فتفيد معنى التكليف و التشديد و الابتلاء أي إنّما جعل للتشديد عليهم و ابتلائهم و امتحانهم فقد كان هذا الجعل عليهم لا لهم كما انجرّ أمرهم فيه إلى لعن طائفة منهم و مسخ آخرين و قد اُشير إلى ذلك في سورة البقرة الآية ٦٥ و سورة النساء الآية ٤٧.
و الأنسب على هذا أن يكون المراد بقوله:( اخْتَلَفُوا فِيهِ ) أي في السبت اختلافهم فيه بعد التشريع فإنّهم تفرّقوا فيه فرقاً ممّن قبله و ممّن ردّه و ممّن احتال للعمل فيه على ما اُشير إلى قصصهم في سور البقرة و النساء و الأعراف لا اختلافهم فيه قبل التشريع بأن يعرض عليهم أن يسبتوا في كلّ اُسبوع يوماً للعبادة ثمّ يجعل ذلك اليوم هو الجمعة فيختلفوا فيه فيجعل عليهم يوم السبت كما وقع في بعض الروايات.
و المعنى إنّما جعل يوم السبت أو قطع العمل للعبادة يوماً في كلّ اُسبوع تشديداً و ابتلاء و فتنة و كلفة على اليهود الّذين اختلفوا فيه بعد تشريعه بين من قبله
و من ردّه و من احتال فيه للعمل مع التظاهر بقبوله و إنّ ربّك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
و بالبناء على هذا يكون وزان الآية وزان قوله السابق:( وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ) إلخ، في أنّها في معنى الجواب عن سؤال مقدّر عطفاً على ما مرّ من حديث النسخ، و التقدير و أمّا جعل السبت لليهود فإنّما جعل لا لهم بل عليهم ليبتليهم الله و يفتنهم به و يشدّد عليهم كما قد تكرّر نظائره فيهم لكونهم عاتين معتدين مستكبرين و بالجملة الآية ناظرة إلى الاعتراض بتشريع بعض الأحكام غير الفطريّة على اليهود و نسخه في هذه الشريعة.
و إنّما لم يضمّ إلى قوله سابقاً:( وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ) إلخ، لكون مسألة السبت مغايرة لسنخ مسألة تحليل الطيّبات و استثناء محرّمات الأكل، و قد عرفت أنّ الكلام على اتّصاله من قوله:( وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا ) إلى قوله:( وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) سبع آيات تامّة ثمّ اتّصلت بها هذه الآية و هي ثامنتها الملحقة بها.
و من هنا يظهر الجواب عمّا اعترض به أنّ توسيط جعل السبت بين حكاية أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم باتّباع ملّة إبراهيمعليهالسلام و بين أمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالدعوة إليها و بعبارة اُخرى وقوع قوله:( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ) إلخ، بين قوله:( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) إلخ، و قوله:( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ ) إلخ، كالفصل بين الشجر و لحائه.
و محصّل الجواب أنّ قوله:( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) الآية من تمام السياق السابق، و قوله:( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ) الآية، متّصل بما تقدّمه كما عرفت، و أمّا قوله:( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ ) الآية، فهو استئناف و أمر بالدعوة إلى سبيل الله بفنون الخطاب لا إلى ملّة إبراهيم حتّى يتّصل بالآية السابقة نوع اتّصال و إن كان سبيل الله هو ملّة إبراهيم بعينها لكن للّفظ حكم و للمعنى بحسب المآل حكم آخر، فافهم.
و للقوم في تفسير الاختلاف اختلاف عميق فمنهم من قال: إنّ المراد إنّما جعل
السبت على الّذين اختلفوا على نبيّهم فيه حيث أمرهم بتعظيم الجمعة فعدلوا عنه و أخذوا السبت فجعله الله عليهم تشديداً فالاختلاف اختلاف سابق على الجعل لا لاحق به و ربّما جعل( في ) للتعليل فإنّ الاختلاف على هذا لم يقع في السبت بل من أجل السبت.
و ربّما قيل: الاختلاف بمعنى المخالفة فإنّهم خالفوا نبيّهم في السبت و لم يختلفوا فيه.
و ربّما قيل: إنّهم اُمروا باتّخاذ الجمعة من غير تعيين و وكل ذلك إلى اجتهادهم فاختلفت أحبارهم في تعيينه و لم يهدهم الله إليه و وقعوا في السبت.
و ربّما قيل: إنّ المراد أنّهم اختلفوا فيما بينهم في شأن السبت فطائفة منهم فضّلته على الجمعة و طائفة منهم عكست الأمر و فضّلت الجمعة عليه. إلى غير ذلك ممّا قيل، و الأصل في ذلك ما ورد في بعض الروايات من القصّة.
و أنت خبير بأنّ شيئاً من الأقوال لا ينطبق على لفظ الآية ذاك الانطباق فالمصير إلى ما قدّمناه.
قوله تعالى: ( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) إلى آخر الآية لا شكّ في أنّه يستفاد من الآية أنّ هذه الثلاثة: الحكمة و الموعظة و المجادلة من طرق التكليم و المفاوضة فقد اُمر بالدعوة بأحد هذه الاُمور فهي من أنحاء الدعوة و طرقها و إن كان الجدال لا يعدّ دعوة بمعناها الأخصّ.
و قد فسّرت الحكمة - كما في المفردات - بإصابة الحقّ بالعلم و العقل، و الموعظة كما عن الخليل - بأنّه التذكير بالخير فيما يرقّ له القلب، و الجدال - كما في المفردات - بالمفاوضة على سبيل المنازعة و المغالبة.
و التأمّل في هذه المعاني يعطي أنّ المراد بالحكمة - و الله أعلم - الحجّة الّتي تنتج الحقّ الّذي لا مرية فيه و لا وهن و لا إبهام و الموعظة هو البيان الّذي تلين به النفس و يرقّ له القلب، لما فيه من صلاح حال السامع من الغبر و العبر و جميل الثناء و محمود الأثر و نحو ذلك.
و الجدال هو الحجّة الّتي تستعمل لفتل الخصم عمّا يصرّ عليه و ينازع فيه من غير أن يريد به ظهور الحقّ بالمؤاخذة عليه من طريق ما يتسلّمه هو و الناس أو يتسلّمه هو وحده في قوله أو حجّته.
فينطبق ما ذكره تعالى من الحكمة و الموعظة و الجدال بالترتيب على ما اصطلحوا عليه في فنّ الميزان بالبرهان و الخطابة و الجدل.
غير أنّه سبحانه قيّد الموعظة بالحسنة و الجدال بالتي هي أحسن، ففيه دلالة على أنّ من الموعظة ما ليست بحسنة و من الجدال ما هو أحسن و ما ليس بأحسن و لا حسن و الله تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة و من الجدال بأحسنه.
و لعلّ ما في ذيل الآية من التعليل بقوله:( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) يوضح وجه التقييد، فمعناه أنّه سبحانه أعلم بحال أهل الضلال في دينه الحقّ، و هو أعلم بحال المهتدين فيه فهو يعلم أنّ الّذي ينفع في هذا السبيل هو الحكمة و الموعظة الحسنة و الجدال الأحسن لا غير.
و الاعتبار الصحيح يؤيّد ذلك فإنّ سبيله تعالى هو الاعتقاد الحقّ و العمل الحقّ و من المعلوم أنّ الدعوة إليه بالموعظة مثلاً ممّن لا يتّعظ بما يعظ به دعوة عملا إلى خلاف ما يدعو إليه القول، و الدعوة إليه بالمجادلة مثلاً بالمسلّمات الكاذبة الّتي يتسلّمها الخصم لإظهار الحقّ إحياء لحقّ بإحياء باطل و إن شئت فقل إحياء حقّ بإماتة حقّ إلّا أن يكون الجدال على سبيل المناقضة.
و من هنا يظهر أنّ حسن الموعظة إنّما هو من حيث حسن أثره في الحقّ الّذي يراد به بأن يكون الواعظ نفسه متّعظا بما يعظ و يستعمل فيها من الخلق الحسن ما يزيد في وقوعها من قلب السامع موقع القبول فيرقّ له القلب و يقشعرّ به الجلد و يعيه السمع و يخشع له البصر.
و يتحرّز المجادل ممّا يزيد في تهييج الخصم على الردّ و العناد و سوقه إلى المكابرة و اللجاج، و استعمال المقدّمات الكاذبة و إن تسلّمها الخصم إلّا في المناقضة و يحترّز سوء التعبير و الإزراء بالخصم و بما يقدّسه من الاعتقاد و السبّ و الشتم و أيّ
جهالة اُخرى فإنّ في ذلك إحياء للحقّ بإحياء الباطل أي إماتة الحقّ كما عرفت.
و الجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة و لذلك أجاز سبحانه من الموعظة حسنتها و لم يجز من المجادلة إلّا الّتي هي أحسن.
ثمّ إنّ في قوله:( بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) أخذاً بالترتيب من حيث الأفراد فالحكمة مأذون فيها بجميع أفرادها، و الموعظة منقسمة إلى حسنة و غير حسنة و المأذون فيها منهما هي الموعظة الحسنة، و المجادلة منقسمة إلى حسنة و غير حسنة ثمّ الحسنة إلى الّتي هي أحسن و غيرها و المأذون فيها منها الّتي هي أحسن، و الآية ساكتة عن توزيع هذه الطرق بحسب المدعوّين بالدعوة فالملاك في استعمالها من حيث المورد حسن الأثر و حصول المطلوب و هو ظهور الحقّ.
فمن الجائز أن يستعمل في مورد جميع الطرق الثلاث و في آخر طريقان أو طريق واحد حسب ما تستدعيه الحال و يناسب المقام.
و منه يظهر أنّ قول بعضهم إنّ ظاهر الآية أن يجمعصلىاللهعليهوآلهوسلم في دعوته بين الطرق الثلاث ليس في محلّه إذ لا دليل على لزوم الجمع بينها بالنسبة إلى كلّ مدعوّ و أمّا بالنسبة إلى جميع المدعوّين فهو حاصل.
و كذا ما ذكره بعضهم أنّ الطرق الثلاث المذكورة في الآية مترتّبة حسب ترتّب أفهام الناس في استعدادها لقبول الحقّ فمن الناس الخواصّ و هم أصحاب النفوس المشرقة القويّة الاستعداد لإدراك الحقّائق العقليّة و شديدة الانجذاب إلى المبادئ العالية و كثيرة الاُلفة بالعلم و اليقين فهؤلاء يدعون بالحكمة و هي البرهان.
و منهم عوامّ و هم أصحاب نفوس كدرة و استعداد ضعيف مع شدّة اُلفتهم بالمحسوسات و قوّة تعلّقهم بالرسوم و العادات قاصرة عن تلقّي البراهين من غير أن يكونوا معاندين للحقّ و هؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة.
و منهم أصحاب العناد و اللجاج الّذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحقّ
و يكابرون ليطفؤا نور الله بأفواههم رسخت في نفوسهم الآراء الباطلة، و غلب عليهم تقليد أسلافهم في مذاهبهم الخرافيّة لا ينفعهم المواعظ و العبر، و لا يهديهم سائق البراهين و هؤلاء هم الّذين اُمر بمجادلتهم بالّتي هي أحسن.
و فيه أنّه لا يخلو من دقّة لكن لا ينتج اختصاص كلّ طريق بما يناسبه من مرتبة الفهم فربّما انتفع الخواصّ بالموعظة و المجادلة و ربّما انتفعت العوامّ و هم اُلفاء العادات و الرسوم بالمجادلة بالّتي هي أحسن، و لا دلالة في لفظ الآية على ما ذكر من التخصيص.
و كذا ما ذكره بعضهم أنّ المجادلة بالّتي هي أحسن ليست من الدعوة في شيء بل الغرض منها شيء آخر مغاير لها و هو الإلزام و الإفحام. قال: و لذلك لم يعطف الجدال في الآية على ما تقدّمه بل غيّر السياق و قيل:( وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) .
و فيه غفلة عن حقيقة القياس الجدليّ فالإفحام و إن كان غاية للقياس الجدليّ لكنّه ليس غاية دائميّة فكثيراً ما يتألّف قياس من مقدّمات مقبولة أو مسلّمة و خاصّة في الاُمور العمليّة و العلوم غير اليقينيّة كالفقه و الاُصول و الأخلاق و الفنون الأدبيّة و لا يراد به الإلزام و الإفحام.
على أنّ في الإلزام و الإفحام دعوة كما أنّ في الموعظة دعوة و إن اختلفت صورتها باختلاف الطرق نعم تغيير السياق لما في الجدال من معنى المنازعة و المغالبة.
قوله تعالى: ( وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) قال في المفردات: العقوبة و العقاب و المعاقبة تختصّ بالعذاب، انتهى. و الأصل في معناه العقب و هو مؤخّر الرّجل و عقيب الشيء و عاقبة الأمر ما يليه من ورائه أو آخره، و التعقيب الإتيان بشيء عقيب شيء و معاقبتك غيرك أن تأتي بما يسوءه عقيب إتيانه بما يسوؤك فينطبق على المجازاة و المكافأة بالعذاب.
فقوله:( وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ) الخطاب فيه للمسلمين - على ما يفيده السياق - و لازمه أن يكون المراد بالمعاقبة مجازاة المشركين و الكفّار، و
بقوله:( عُوقِبْتُمْ بِهِ ) عقاب الكفّار إيّاهم و مجازاتهم لهم بما آمنوا بالله و رفضوا آلهتهم.
و المعنى: و إن أردتم مجازاة الكفّار و عذابهم فجازوهم على ما فعلوا بكم بمثل ما عذّبوكم به مجازاة لكم على إيمانكم و جهادكم في الله.
و قوله:( وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) أي صبرتم على مرّ ما عوقبتم به و لم تعاقبوا و لم تكافؤا لهو خير لكم بما أنّكم صابرون لما فيه من إيثار رضي الله و ثوابه فيما أصابكم من المحنة و المصيبة على رضي أنفسكم بالتشفّي بالانتقام فيكون العمل خالصاً لوجهه الكريم، و لما في الصفح و العفو من إعمال الفتوّة و لها آثارها الجميلة.
قوله تعالى: ( وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إلّا بِاللهِ ) إلى آخر الآية أمر للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالصبر و بشرى له أنّ الله قوّاه على الصبر على مرّ ما يلقاه في سبيله فإنّه تعالى يذكر أنّ صبره إنّما هو بحول و قوّة من ربّه ثمّ يأمره بالصبر و لازم الأمر قدرة المأمور على المأمور به ففي قوله:( وَ ما صَبْرُكَ إلّا بِاللهِ ) إشارة إلى أنّ الله قوّاك على ما أمرك به.
و قوله:( وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) أي على الكافرين، لكفرهم و قد تقدّم تفسير هذا المعنى سابقاً في السورة و غيرها.
و قوله:( وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) الظاهر أنّ المراد النهي عن التحرّج من مكرهم في الحال أو على سبيل الاستمرار دون مجرّد الاستقبال.
قوله تعالى: ( إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) أي إنّ التقوى و الإحسان كلّ منهما سبب مستقلّ في موهبة النصرة الإلهيّة و إبطال مكر أعداء الدين و دفع كيدهم فالآية تعليل لقوله:( وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) و وعد بالنصر.
و هذه الآيات الثلاث أشبه مضموناً بالآيات المدنيّة منها بالمكّيّة و قد وردت روايات من طرق الفريقين أنّها نزلت في منصرف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن اُحد و سيأتي في
البحث الروائيّ و إن كان من الممكن توجيه اتّصالها بما قبلها بوجه كما تصدّى له بعضهم.
و ممّا يجب أن يتنبّه له أنّ الآية الّتي قبل الثلاثة أجمع لغرض السورة من هذه الثلاث، و أنّ لآيات السورة مع الإغماض عن قوله:( وَ الَّذِينَ هاجَرُوا ) الآية، و قوله:( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ ) إلى تمام بضع آيات، و قوله:( وَ إِنْ عاقَبْتُمْ ) إلى آخر السورة، سياقاً واحداً متّصلاً.
( بحث روائي)
في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا ) الآية، قال: قالعليهالسلام نزلت في قوم كان لهم نهر يقال له الثرثار و كانت بلادهم خصبة كثيرة الخير، و كانوا يستنجون بالعجين و يقولون: هو ألين لنا، فكفروا بأنعم الله و استخفّوا فحبس الله عنهم الثرثار فجدبوا حتّى أحوجهم الله إلى أكل ما يستنجون به حتّى كانوا يتقاسمون عليه.
أقول: و رواه في الكافي، عنه بإسناده عن عمرو بن شمر عن أبي عبداللهعليهالسلام مفصّلاً، و العيّاشيّ عن حفص و زيد الشحّام عنه.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما من عبد يشهد له اُمّة إلّا قبل الله شهادتهم، و الاُمّة الرجل فما فوقه إنّ الله يقول:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
أقول: و قد تقدّم في تفسير آيات الشهادة ما له تعلّق بالحديث.
و في تفسير العيّاشيّ، عن سماعة بن مهران قال: سمعت أباعبداللهعليهالسلام يقول: لقد كانت الدنيا و ما كان فيها إلّا واحد يعبدالله و لو كان معه غيره لأضافه إليه حيث يقول:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) فصبر بذلك ما شاء الله ثمّ إنّ الله تبارك و تعالى آنسه بإسماعيل و إسحاق فصاروا ثلاثة.
أقول: و رواه في الكافي بإسناده عن سماعة عن عبد صالح.
و في الدرّ المنثور، أخرج الشافعيّ في الاُمّ و البخاريّ و مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنّهم اُوتوا الكتاب من قبلنا و اُوتيناه من بعدهم ثمّ هذا يومهم الّذي فرض عليهم يوم الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا و النصارى بعد غد:
أقول: و روي مثله عن أحمد و مسلم عن أبي هريرة و حذيفة عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : و لم ترد الرواية في تفسير الآية.
و فيه، أخرج ابن مردويه عن أبي ليلى الأشعريّ أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: تمسّكوا بطاعة أئمّتكم و لا تخالفوهم فإنّ طاعتهم طاعة الله و معصيتهم معصية الله فإنّ الله إنّما بعثني أدعو إلى سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة فمن خالفني في ذلك فهو من الهالكين و قد برئت منه ذمّة الله و ذمّة رسوله و من ولّي من أمركم شيئاً فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين.
و في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال: قالعليهالسلام : بالقرآن.
و في الكافي، عنه بإسناده عن أبي عمرو الزبيريّ عن أبي عبداللهعليهالسلام : في قوله تعالى:( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ، قال بالقرآن.
أقول: ظاهره أنّه تفسير( بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) و محصّله الجدال على سنّة القرآن الّذي فيه أدب الله.
و في تفسير العيّاشيّ، عن الحسن بن حمزة قال: سمعت أباعبداللهعليهالسلام يقول: لما رآى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما صنع بحمزة بن عبد المطّلب قال اللّهمّ لك الحمد و إليك المشتكى و أنت المستعان على ما أرى ثمّ قال: لئن ظفرت لأمثلنّ و لأمثلنّ و لأمثلنّ قال: فأنزل الله:( وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أصبر أصبر.
و في الدرّ المنثور، أخرج ابن المنذر و الطبرانيّ و ابن مردويه و البيهقيّ في الدلائل عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم قتل حمزة و مثل به: لئن ظفرت بقريش لأمثلنّ بسبعين رجلاً منهم، فأنزل الله:( وَ إِنْ عاقَبْتُمْ ) الآية، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : بل نصبر يا ربّ فصبر و نهى عن المثلة.
أقول: و روي أيضاً ما في معناه عن اُبيّ بن كعب و أبي هريرة و غيرهما عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
تمّ و الحمد لله.
استدراك
تعليق علي ص ٣٤٢ قوله:( فصدر الآية) هذا بالنظر إلي متن الآية لكن مقتضي سياق الآيات السابقة عليها كون الدين بمعني الجزاء، يؤيّده قوله:( يوفّيهم ) .
الفهرس
( سورة إبراهيم مكّيّة و هي اثنتان و خمسون آية ) ٢
( سورة إبراهيم الآيات ١ - ٥ ). ٢
( بيان ). ٢
( بحث روائي ). ١٥
( سورة إبراهيم الآيات ٦ - ١٨ ). ١٧
( بيان ). ١٨
( بحث روائي ). ٣٤
( سورة إبراهيم الآيات ١٩ - ٣٤ ). ٣٧
( بيان ). ٣٨
( بحث روائي ). ٦١
( سورة إبراهيم الآيات ٣٥ - ٤١ ). ٦٧
( بيان ). ٦٧
( بحث روائي ). ٨٠
( سورة إبراهيم الآيات ٤٢ - ٥٢ ). ٨٢
( بيان ). ٨٢
( كلام في معنى الانتقام و نسبته إليه تعالى ). ٨٧
( بحث روائي ). ٩٣
( سورة الحجر مكّيّة و هي تسع و تسعون آية ) ٩٧
( سورة الحجر الآيات ١ - ٩ ). ٩٧
( بيان ). ٩٧
( بحث روائي ). ١٠٤
( كلام في أنّ القرآن مصون عن التحريف في فصول ). ١٠٦
( الفصل ١- الاستدال علي نفي التحريف بالقرآن ). ١٠٦
( الفصل ٢- الاستدلال عليه بالحديث ). ١١٠
( الفصل ٣- كلام مثبتي التحريف و جوابه ). ١١١
( الفصل ٤- الجمع الأوّل للمصحف ). ١٢٢
( الفصل ٥- الجمع الثاني ). ١٢٥
( الفصل ٦- حول روايات الجمعين ). ١٢٨
( الفصل ٧- الكلام حول روايات الإنساء ). ١٣٧
( سورة الحجر الآيات ١٠ - ١٥ ). ١٣٩
( بيان ). ١٣٩
( سورة الحجر الآيات ١٦ - ٢٥ ). ١٤٣
( بيان ). ١٤٣
( بحث روائي ). ١٥٤
( سورة الحجر الآيات ٢٦ - ٤٨ ). ١٥٧
( بيان ). ١٥٨
( كلام في الأقضية الصادرة في بدء خلقة الإنسان ). ١٨٢
( بحث روائي ). ١٨٣
( سورة الحجر الآيات ٤٩ - ٨٤ ). ١٨٨
( بيان ). ١٨٩
( بحث روائي ). ١٩٧
( سورة الحجر الآيات ٨٥ - ٩٩ ). ١٩٨
( بيان ). ١٩٨
( بحث روائي ). ٢٠٨
( بحث فلسفي في كيفيّة وجود التكليف و دوامه ). ٢١٠
( سورة النحل مكّيّة، و هي مائة و ثمان و عشرون آية ) ٢١٣
( سورة النحل الآيات ١ - ٢١ ). ٢١٣
( بيان ). ٢١٤
( بحث روائي ). ٢٣٥
( سورة النحل الآيات ٢٢ - ٤٠ ). ٢٣٩
( بيان ). ٢٤٠
( بحث روائي ). ٢٦٤
( سورة النحل الآيات ٤١ - ٦٤ ). ٢٦٨
( بيان ). ٢٦٩
( بحث روائي ). ٣٠٣
( سورة النحل الآيات ٦٥ - ٧٧ ). ٣٠٦
( بيان ). ٣٠٧
( بحث روائي ). ٣٢٩
( سورة النحل الآيات ٧٨ - ٨٩ ). ٣٣٢
( بيان ). ٣٣٣
( بحث روائي ). ٣٤٨
( سورة النحل الآيات ٩٠ - ١٠٥ ). ٣٥١
( بيان ). ٣٥٢
( بحث روائي ). ٣٧٤
( سورة النحل الآيات ١٠٦ - ١١١ ). ٣٧٨
( بيان ). ٣٧٨
( بحث روائي ). ٣٨٣
( سورة النحل الآيات ١١٢ - ١٢٨ ). ٣٨٦
( بيان ). ٣٨٧
( بحث روائي ). ٤٠٣