الثائر من أجل الحسين عليه السلام
المختار الثقفي
عباس غيلان الفياض
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المركز
ليس عصيّاً على البحث التاريخي الموضوعي للفترة التي عاشتها الأُمّة الإسلامية بعد هلاك الطاغية معاوية بن أبي سفيان (سنة / 60 هـ) أن يدرك أسباب التطورات السياسية والأحداث التاريخية السريعة المتلاحقة التي انتهت بمصرع خامس أصحاب الكساء الإمام الحسين السبط الشهيدعليهالسلام ، ويرى كيف فتح دم الحسين فم الأُمّة الصامتة لتقول (لا) ، وكيف مهّد الطريق أمام البركان لينفجر ، ويسحق بعنفوانه جبروت الأوغاد ، ويحطّم هيبة دولتهم التي قامت على أساس البغي والظلم والعدوان والفساد ، إذ سرعان ما تحوّل دم السبط الشهيد إلى وقود دافق يغذي الثورات الشعبية التي انطلقت مطالبة بدمه الشريف.
وسيرى في الجانب الآخر كيف حاولت السلطة الأُموية الغاشمة توجيه حوادث التاريخ الإسلامي بما يمكِّنها من البقاء والتلاعب بمصير الأُمّة ، محاولة لجم الأفواه عن قول الحقّ ، مع تسخير جملة واسعة من ذوي الأطماع والنفوس المريضة التي عاشت على موائدها حقيرة متزلّفة ، همّها علفها ، ودينها دينارها ، حتى اتّخذها الظالمون مطية يركبونها إلى غاياتهم ، وجسراً يعبرون عليه إلى شهواتهم ، ورداء يسترون به فضائحهم على حساب الدين الذي دمروا البلاد وعاثوا في الأرض الفساد باسمه! بعدما أوجدوا من يضع لهم على لسان الشريعة ما يمجّدهم ويحرّم الخروج عليهم وإن فعلوا ما فعلوا!!
وما من شك في وقوف السلطة الأُموية مؤيّدة ومساندة لتلك الحثالات ، وخلق المناخات المناسبة لها وتمكينها من إشاعة ما تفتريه على أوسع نطاق ، سواء كان ذلك على مستوى وضع الحديث ، أو تشويه حقائق التاريخ ، وصياغتها بالشكل الذي تريد.
ومن هنا أصبحت القراءة الحرفية لكتب التاريخ لا تسعف صاحبها في معرفة حقيقة الكثير من الرجال الذين صنعوا لأنفسهم تاريخاً ، بخلاف القراءة الواعية للتحوّلات السياسية والفكرية التي لازمت حياة بناة التاريخ وصانعيه ، وكيف كان تأثيرها على المجتمع في ذلك الحين.
إنّ التعامل مع كل وضع بما يناسب حجمه في إطار موضوعي ، وربط كل حادث بسببه ، وكل معلول بعلّته كما يقتضيه قانون العلّية العامة ، سيؤدّي بالنتيجة إلى فهم الكثير من الحقائق التاريخية المغطّاة بأوهام وخرافات كتب التاريخ ، وتلك هي القراءة الواعية التي لمسناها في هذا الكتاب.
حاول المؤلّف المحترم أن يحلّل أحداث التاريخ تحليلاً علمياً ، ليبيّن من خلالها دسائس السلطة في النيل من الحركات السياسية المناوئة لها وذلك من خلال قنواتها الإعلامية المسخّرة لخدمتها ، واضعاً بذلك شخصية هذا الثائر الكبير (المختار الثقفيرحمهالله ) في الموضع الذي يستحقّه ، بعبارة مختصرة واضحة مدعومة بالتوثيق.
آملين أن يحقّق بعض ما نصبو إليه من الثقافة التاريخية المطلوبة على أكثر من صعيد.
واللّه الهادي إلى سواء السبيل.
مركز الرسالة
المقدّمة
منذ سنوات صباي الأولى ، كنت امتلأت حبّا لذلك الرجل الذي جاد به عدل السماء ليقتصّ من تلك الحثالة الشيطانية التي ارتكبت واحدة من أكبر وأعظم الجرائم في التاريخ البشري عموما ، وفي التاريخ العربي الإسلامي بوجه خاص. يوم العاشر من محرم عام 61 هـ (680 م) ، بعد محاكمة ميدانية شهدها جمع كبير من أهل الكوفة ، تلك الحثالة التي تيبّست ضمائرها ، وأحاسيسها ، ومشاعرها الإنسانية ، إذ لم تكتفِ بقطع الرؤوس الملائكية ، وإنّما أمعنت وتمادت في جريمتها. إذ عمدت إلى التمثيل بالأجساد الطاهرة ورضِّها بحوافر الخيل ، ومن ثم سلبت كل مالها وما عليها حتى أرديتها نزعتها عنها ، لتقوم بعدئذٍ بنهب ما كان لأهلها ، وأحرقت الخيام التي كانت تأوي إليها النساء والأطفال وروّعتهم ، ثم مكثت تنظر إليهم بتشفٍّ لا يمكن للمرء أن يتصوره ، وإن استذكره لا يملك إلاّ أن يصبَّ لعناته وبلا توقف على أولئك المتوحشين ، وعلى من كان من ورائهم من سليلي الشيطان الأموي الجاهلي ، الذي أورث أبناءه وأحفاده كل آسن وعفونة الشرِّ وسواده.
أجل ، منذ تلك السنين ، وأنا أكنُّ لذلك الرجل قدرا عظيما من الحبّ كان يتصاعد في عنفوانه كلما تراءى للمخيلة هول المأساة ، وعظم الجريمة التي سفك مرتكبوها دماءا كانت تتدفّق إيمانا ويقينا بالولاء للّه الحق الواحد الأحد.
تلك الدماء التي شاء اللّه سبحانه ، أن يجعلها من بعد دفقا نورانيا يهتدي به الناس على مرِّ الأجيال.
ولم يمضِ زمان طويل على تلك الجريمة ، إلاّ وقد جاء يوم الحساب الدنيوي الذي أنزل فيه المختار الثقفي العقاب العادل بأولئك المجرمين ، أو عجّل في سوقهم إلى الجحيم.
وكنت عبر السنين أتخيل ذلك القاضي ، والمنفِّذ لعدالة السماء كيفما شاء لي الخيال. وكان بوسعي أيضا أن أستشعر عظمة الضمير عند الذين شاركوه وجاهدوا معه في إنزال القصاص.
ومن المؤكَّد أنني كنت أراه عملاقا متطاولاً ، لا يقارعه أحدٌ في قوته.
عاش فيّ ، وعاش معي الحب أعواما حتى آتاني اللّه ملكة الكتابة عن الرمز ، ومكّنني أعبّر عن تقديري لما أدّاه من عمل عظيم يستحق بجدارة أن يبحث بأكثر من كتاب.
ومن هنا جاء هذا البحث الذي يعلم اللّه كم بذلت لأجله من جهد صادق ، حتى خرج إلى النور على ما هو عليه بين يدي القارئ الكريم.
إن كتب التاريخ والسير لم تعطِ هذا الرجل حقه من الذكر ، إذ لم أجد من خلال تتبّعي لسيرته إلاّ القليل. فحاولت أن أخرج بشيء أضيفه إلى المكتبة الإسلامية التي افتقرت إلى مثله ، حيث لم أعثر رغم بحثي على أي مرجع يتناول حياة وسيرة ذلك الرجل الذي أعاد البسمة للعيون والشفاه بعد غياب طويل ، باستثناء كتاب واحد بعنوان «المختار الثقفي مرآة العصر الأموي» ، لمؤلفه الدكتور علي حسين الخربوطلي ، وهكذا أراني الآن أشعر بالسعادة والرضى ، وأنا أضع بين يدي القرّاء ، سيرة المختار وهو يخطو خلال خضم الأحداث منذ مولده حتى استشهادهرحمهالله وأرضاه.
وكم أتمنى أن أكون قد وفّقت في ذلك ولو قليلاً ، عسى أن أحظى بهذا القليل رضاء اللّه عزّوجلّ وشفاعة نبيه الكريمصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الطاهرينعليهمالسلام .
اسمه ونسبه ولقبه
اسمه ونسبه :
هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف من قبيلة ثقيف ، وأُمّه دومة بنت عمرو بن وهب بن منبه من قبيلة ثقيف أيضا (1).
وثقيف هو جدّهم الأعلى الذي تفرّعت منه هذه السلالة ويحدّثنا (ياقوت الحموي) في هذا الصدد أن ثقيفا اسمه قسيّ بن منبه وقد جاء بـ (قضبان) فغرسها في واد يُقال له (وج) وقد عرف بعد ذلك بالطائف (2) فأنبتت فسُمِّي (ثقيفا) ، وقد بقي (ثقيف) في هذا الوادي حتى كثُر وُلدُه وصاروا أُسرة كبيرة فحصّنوا الطائف وبنوا عليها طوقا ، وكان أن نشبت الحرب بينهم وبين أخوالهم بني عامر حتى انتصروا عليهم ، وكان ثقيفٌ قد تزوّج بابنتي عامر الواحدة بعد الأخرى ـ وأخيرا امتنعوا عن أداء الحق لبني عامر فضُرب المثل باستقلالهم قال أبو طالبرضياللهعنه :
منعنا أرضنا عن كل حي |
كما امتنعت بطائفها ثقيفُ |
|
أتاهم معشر كي يسلبوهم |
فحالت دون ذلكمُ السيوفُ |
وكان جدّه مسعود بن عمرو من أكبر رجالات ثقيف وأشهرها قبل
__________________
(1) أسد الغابة / ابن الأثير 5 : 127 / 4784.
(2) معجم البلدان 6 : 242 (الطائف).
الإسلام ، وإلى هذا تشير الآية الشريفة في حكاية قول رأس المشركين الوليد ابن المغيرة :
( لَوْلاَ نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) (1) ، والقريتان : مكة والطائف ، والرجلان هما : مسعود بن عمرو ، والآخر الوليد بن المغيرة بن عمر ابن مخزوم ، وهو القائل : لو كان ما يقول محمد حقا لنزل عليّ القرآن أو على مسعود بن عمرو (2).
ولادته ، ولقبه ، وقرابته :
فتح المختار عينيه على الدنيا في الطائف خلال أولى سنوات الهجرة ـ سنة 622 م ـ على أرجح الروايات لأنّه كان مع جيش أبي عبيد والده في العراق لقتال الفرس في السنة الثالثة عشر للهجرة (3) وعمره آنذاك ثلاثة عشر عاما.
وكان وراء ميلاده هذا حكاية ، مفادها أن أباه لما أراد أن يتزوّج ، ذكروا له كثيرا من نساء قومه إلاّ أنه لم يختر أيّا منهن ، حتى أتاه آتٍ في المنام فقال :
تزوّج دومة الحسناء الحومة ، فما تسمع فيها للائمٍ لومة.
فأخبر أهله ، فقالوا : قد أمرت ، فتزوّج دومة بنت وهب بن عمر بن معتب.
__________________
(1) سورة الزخرف : 43 / 31.
(2) يقول ابن حجر في الإصابة 3 : 412 ، عن ابن حاتم وابن مردويه عن طريق ابن عباسرضياللهعنه ؛ بأنّها نزلت في رجل من ثقيف ورجل من قريش والثقفي هو (مسعود بن عمرو).
وفي المعارف لابن قتيبة : 175 ، كان جده مسعود هو المراد من قوله تعالى :( لَوْلاَ نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) .
(3) بحار الأنوار 45 : 350.
فلما حملت بالمختار قالت : رأيت في المنام قائلاً يقول :
أبشري بالولد |
أشبه شيء بالأسد |
|
إذا الرجال في كبد |
تقاتلوا على بلد |
كان لـه الحـظ الأشـد (1)
ومن خلال الحكاية المتقدمة يمكننا استنتاج أُمور ثلاثة هي :
1 ـ أن والده قد تريّث كثيرا حتى اختار شريكة عمره.
2 ـ أنّه جاء ثمرة رؤيا ، وهذا يعني أن شيئا من الروحانية كان يحتوي المختار في دنيا الغيب.
3 ـ إذا الوليد (المختار) ، سيكون له شأن غير عادي ولو قدر لوالدته ، أن تعيش حتى أوانه لرأت إذن كيف أنزل القصاص العادل في أعداء اللّه تعالى من قتلة الحسين وأهله وصحبهعليهمالسلام .
لقب المختار بـ (كيسان) ، لا نسبة إلى الكيسانية القائلين بإمامة محمد بن الحنفية كما توهّمه العامة وتبعهم بعض أصحابنا! لأنّ الثابت في نشأة الكيسانية انّها كانت بعد وفاة محمد بن الحنفية لا في حياته ، والمختار رضي اللّه تعالى عنه استُشهد في حياة محمد بن الحنفية بالاتفاق.
وإنّما السبب في لقبه المذكور هو ما رواه الكشي في رجاله بسنده عن الأصبغ بن نباتة قال : «رأيت المختار على فخذ الإمام عليعليهالسلام ، وهو يمسح رأسه ، ويقول :يا كيس يا كيس » (2).
فثني هذا اللفظ تبرّكا فقيل «كيسان» وهو ما نبّه عليه السيد الخوئي في
__________________
(1) بحار الأنوار 45 : 350.
(2) رجال الكشي : 127 / 201.
معجمه (1).
ولم يكن للمختار سوى عمّين ، هما : عروة بن مسعود ، وسعد بن مسعود.
وليس له إخوة ، وله أُخت واحدة اسمها (صفية) ، وهي زوج عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، أدركت النبيصلىاللهعليهوآله وروى عنها نافع مولى ابن عمر وروت صفية عن عائشة وحفصة ، وكانت هذه المرأة أثيرة عند زوجها يحبّها حبّا شديدا وينزلها من نفسه المنزلة السامية ، وقد استطاعت بهذه العاطفة أن تجتذب زوجها وتحرّضه ليفكّ أخاها من سجن عبيد اللّه بن زياد ويتوسّط في إطلاق سراحه ، وعبد اللّه بن عمر كانت له الحظوة عند الأُمراء والولاة ، لأنّه بايع معاوية ويزيد وسائر الحكّام.
أما زوجات المختار فهي :
1 ـ عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري والي يزيد بن معاوية على الكوفة ، وكانت هذه الزوجة على جانب عظيم من الحبّ والموالاة لزوجها ، وعلى جانب عظيم من العقيدة والولاء لآل البيتعليهمالسلام على خلاف أبيها النعمان الذي كان صنيعة من صنائع الأمويين ، عرض عليها مصعب بن الزبير حين قتل زوجها وسبعة آلاف من أهل القبلة على حدّ قول ابن عمر حين عاب عليه ذلك ، فآثرت القتل على شدّة عاطفة المرأة أمام الأمر الواقع ، وهي تقول : «شهادة أرزقها ثم أتركها»! كلاّ إنّها موتة ثم الجنّة ، والقدوم على اللّه وأهل بيته ـ ثم قالت ـ ، واللّه لا يكون آتي مع ابن هند فأتبعه وأترك ابن أبي طالب وشيعته. اللّهمّ اشهد اني متّبعة نبيك وابن بنته وأهل بيته وشيعته. فأمر مصعب
__________________
(1) معجم رجال الحديث 18 : 102 / 12156 في آخر ترجمة المختار بن عبيد الثقفي.
فأخرجت إلى ضواحي الكوفة وقُتلت صبرا (1).
2 ـ أُم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزاري ، نائب زياد بن أبيه في البصرة في عهد معاوية بن أبي سفيان (2).
وهذه عرضت على البراءة فآثرت الحياة ولعنت زوجها وتبرأت منه وقالت : «لو دعوتني إلى الكفر (مع السيف) لأقررت ، أشهد أن المختار كافر» (3).
وليس بخاف كلمة (مع السيف) في هذا المقام من أنها لم تكن لتعتقد بكفر زوجها في هذه الشهادة وإنّما ابقاء على حياتها.
3 ـ أُم زيد الصغرى بنت سعد بن عمر بن نفيل (4).
وللمختار أربعة إخوة من أم واحدة وهم :
(جبر وأبو جبر وأبو الحكم وأبو أمية) (5) ، وله ولدان وهما إسحاق وكنّى به وجبرائيل.
وأمّا عمّه سعد ، فهو من أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، ومن خواص الإمام عليعليهالسلام فيما بعد (6).
__________________
(1) تاريخ الطبري 6 : 112 (سنة 67) ، الأخبار الطوال : 451 ، مروج الذهب 3 : 73.
(2) الكامل في التاريخ 3 : 307.
(3) تاريخ الطبري 6 : 112 (سنة 67) ، الأخبار الطوال : 451.
(4) يراجع : المحبر / محمد بن حبيب الهاشمي : 70.
(5) البحار 45 : 350.
(6) أعيان الشيعة / الأمين 11 : 194 / 7209.
نشأة المختار
ابتدأت المرحلة الأولى من حياة المختار بنشأته في بيت مسلم بكنف أبيه الذي عرف بشجاعته ودوره المتميز في حروب المسلمين مع الفرس.
ومن أبرز ما أداه في حياته ، قيامه بقيادة جيش المسلمين أثناء معركة الجسر (1) بتكليف من عمر بن الخطاب ومن ذلك نستنتج ونحن مطمئنون أنّه كان ذا دراية بفنون القتال وعلى قدر عالٍ من الشجاعة ، لأنّ المراكز القيادية ما كانت تولّى إلاّ لمثل هذا النمط من الرجال.
وقد قدّر لوالده أن يُقْتَل في تلك المعركة وكان المختار حينها معه وهو ابن ثلاثة عشر عاما ، وبعد رحيل أبيه إلى دار الآخرة ، تكفّله عمه سعد بن مسعود ، وهو من أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، ومن أولياء الإمام عليعليهالسلام .
ويبدو أن هناك علاقة ما كانت تربط بين الإمام عليعليهالسلام ، وبين والده وعمه ، وهذا يفسر لنا ما ورد عن الأصبغ بن نباتة ـ كما تقدم ـ أنّه قال : «رأيت المختار على فخذ الإمام عليعليهالسلام ، وهو يمسح رأسه ، ويقول : يا كيس ، يا كيس» (2).
__________________
(1) معركة الجسر هي من المعارك الفاصلة بين جيش المسلمين وجيش الفرس وكان أبو عبيد بن مسعود الثقفي أحد قادة المسلمين فيها.
(2) البحار 45 : 351.
أن هذا يعني ولا شك أن المختار قد نشأ في أوائل طفولته وصباه على مقربة من بيت النبوة ببركات أمير المؤمنينعليهالسلام .
ومن المعروف أن سني الطفولة ، والصبا هي من أهم ما ترتكز عليه شخصية الفرد ، وتنمي سلوكه الذي يتبلور متناسبا مع نمو وعيه وإدراكه لما يحيط به من أحداث ، الأمر الذي تيسر لنا سبب حبّه لأهل البيتعليهمالسلام واتصاله بهم وإنتقامه من أعدائهم. وفي رسالة ابن نما الحلي لم يبرح المختار ما كان عليه منذ العهد العلوي من الانقطاع إلى آل البيت والتزلّف إليهم ولما ولّى معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة غادر المختار العراق حتى أتى إلى مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله وكان يجالس فيها محمد بن الحنفية ويأخذ عنه الحديث.
لقد وجد المختار من أُستاذه محمد بن الحنفيةرضياللهعنه ما دفع به قدما في مجال الحياة الفكرية ، ثم توثّقت أواصر الصلة والودّ بينهما حتى ارتفعت تلك الفروقات التي تكون ـ غالبا ـ بين الأُستاذ والتلميذ.
ثم يذهب هذا التلميذ متأثّرا بأُستاذه ومترسما خطاه ولا سيما في أخذ الحديث عنه ، ومحمد هذا أقل ما يقال عن فضله وعلو كعبه وعمق مادته.
محمد بن هارون قال : « كان محمد بن الحنفية أحد الأبطال في صدر الإسلام وكان ورعا واسع العلم » (1).
ولعلّ هذه الصلة الوثيقة بين المختار ومحمد تفسر لنا اتهامه بـ (الكيسانية) من لدن خصومه وأصدقائه على السواء.
وبعد تلك السنوات غادر المختار المدينة متوجّها إلى العراق ، حين عُيِّن
__________________
(1) تعليقه على وقعة صفين / نصر بن مزاحم : 221.
عمّه سعد واليا على المدائن ، وهو لهذا كان قد تعلم شيئا من أساليب الإدارة والحكم ، وعاش على مقربة من مركز القيادة المركزية للدولة الإسلامية ، وواكب أحداثها حتى عودة الزعامة للإمام عليعليهالسلام ، فكان أن انضمّ إلى جنده وأصحابه ، وهو في عنفوان شبابه ، ومن المؤكد أنه شارك في معارك الإمام جميعها ، أو قسما منها على أقل تقدير. ولقد كان لسنوات الصحبة تلك أثر في نفسه دونما شك وهو يستذكر بفخر ذكريات طفولته ، ولعبه على فخذ الإمام عليعليهالسلام ، ثم يستحضر في مخيلته ما كان يبعثه لقب «كيسان» في نفسه بملاحظة سببه ، فيرى فيه بشارة المجد واعتلاء منصة العدل على رقاب قتلة ذرية الرسولصلىاللهعليهوآله ، ولا شك أنّه وصلت إلى أسماعه كلمات الإمام الحسينعليهالسلام في ساعاته الأخيرة : « اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، وسلِّط عليهم غلام ثقيف ، يسقهم كأسا مصبّرة ، ولا يدع فيهم أحدا ألاّ قتلة بقتلة وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي ، منهم وإليك أنبنا وإليك المصير » (1).
ولا شكّ بأنّه كان يعلم بأنّه هو المقصود بغلام ثقيف ، وإلاّ فقد أخبره ميثم التمّار (2) وهما في سجون عبيد اللّه بن زياد قائلاً : « أنت تخرج ثائرا بدم الحسين بن علي ، فتقتل عبيد اللّه بن زياد ، وتطأ بقدميك على وجنته » (3).
__________________
(1) البحار 45 : 10.
(2) ميثم : هو ميثم التمّار بن يحيى الأسدي ، كان عبدا لامرأة من بني أسد ، اشتراه الإمام عليعليهالسلام وأعتقه. سكن الكوفة ، وصلبه عبيد اللّه بن زياد على جذع نخلة ، وكان ذلك قبل مقدم الحسينعليهالسلام إلى العراق ، بعشرة أيام.
(3) البحار 45 : 353.
وثمة سؤال قد يخطر ببال القارئ الكريم ، عن سبب وجود ميثم التمّار في سجون ابن زياد؟!
نقول : إن السياسة الإرهابية التي اتبعها عبيد اللّه بن زياد وما ارتكبه من قتل ، وتعذيب ، هي التي أوجدت ميثم في سجون عبيد اللّه (لعنه اللّه) ، فقد ذكرت كتب التاريخ والسير ، أن عبيد اللّه بن زياد عندما قدم الكوفة قام بسجن اثني عشر ألفا من محبّي آل محمدعليهمالسلام ، حتى أنه لم يترك واحدا من زعمائهم طليقا.
إذن فقد عايش المختار أحداث التحولات التاريخية بكل ما اعتراها من اضطراب ، وتحمل شيئا من وطأتها ، وثقلها وآلامها.
شهد مصرع الإمام العظيم عليعليهالسلام ، وخذلان الأُمّة إمام زمانها السبط الحسنعليهالسلام ، وما تلاه من معان الزعامة التي هي في حد ذاتها تكليف وواجب شرعي ـ كما كان يراه المختار ، وسواه من شيعة الإسلام ـ إلى ملك دنيوي أو من لبس تاجه ـ معاوية (1) ـ ، معتمدا في ذلك على المكر والجريمة.
__________________
(1) معاوية بن أبي سفيان : من العجب أن يتورط بعض المؤرخين فيحكمون بصدق أيمان معاوية ، ويستدلون على ذلك بأنه كان يؤدي الفرائض ، ويتبرك بآثار النبيصلىاللهعليهوآله ، حتى بأظافره ، ونسي هؤلاء أنه هو ، وأبوه وأمه ، قد أسلموا كرها ، وأن قلوبهم قد ظلت على جاهليتها! وفاتهم أنه كان يخاصم رجلاً لا يمكن أن يساويه في العلم ، ولا في الفضل ، ولا في القدر ، وإذن كان لابد له ـ وهو الداهية الخداع ـ لكي يستقيم أمره ، ويستقر ملكه أن يتذرع بكل وسيله يستطيعها خفية كانت أو مفضوحة ليخدع بها العامة ويحول أنظارهم إليه ، ومن أول هذه الوسائل أن يتظاهر بموالاة النبيصلىاللهعليهوآله ، ويبالغ في محبته لعله يبلغ بذلك مكانة يزاحم بها
وبعد اغتيال معاوية للإمام الحسنعليهالسلام ، انطفأت آخر شمعة في ليل الأمل الساكن بديار شيعة آل محمدصلىاللهعليهوآله ، في الكوفة وسواها من أرض المسلمين.
وما كان لأهل بيت النبوة سوى العودة إلى ديارهم في المدينة في حين مكث المختار في الكوفة ، وهو ثابت الولاء ـ بحكم نشأته ـ لورثة رسول اللّهصلىاللهعليهوآله .
أما ما ورد من روايات أريد بها إثارة الغبار على موقفه ، والتشكك في سلامته ، واستقامته ، ومنه ما جاء من كونه كان قد أشار على عمه (سعد بن مسعود) ، الذي كان يومها واليا على المدائن بأن يتخلّى عن الإمام الحسنعليهالسلام ، وأن يسلِّمه إلى معاوية ، فأمره مردود للأسباب التالية :
1 ـ أن المختار كان يعرفه الإمام عليعليهالسلام بل يحبّه ، بدليل أنهعليهالسلام كان يمسح رأسه ، ويداعبه قائلاً : «يا كيس ، يا كيس».
ويعلِّق المقرم الموسوي على ذلك قائلاً : أن هذه الكلمة دليل على ما
__________________
الإمام علياعليهالسلام ولكن أنّى له ذلك وعلي في السماء منه وإنّه كان أقرب الناس وأحبهم إلى قلب النبيصلىاللهعليهوآله ، حتى جعله كهارون من موسى! ومن كان مواليا للنبي حقا فعليه أن يوالي عليا ، لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال : «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، على أن الايمان ومقره القلب ولا يعلمه إلاّ اللّه ليس أمره سهلاً جاء به أمرا ونهيا ليس في ترخص ، ولا انحراف ، ومثل معاوية بما اقترفه في حكمه من الموبقات لا يصح في عقل عاقل ، أن يعده من المؤمنين الصادقين.
وروى أبو الفدا عن الشافعي ، أنه اسر إلي الربيع ، أن لا تقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم ، معاوية ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة وزياد بن أبيه. وللمزيد راجع كتاب شيخ المضيرة ، أبو هريرة لمؤلفه محمود أبو رية : 166 ، لمعرفة الكثير الكثير عما ارتكبه معاوية ضد الإسلام والمسلمين من جرائم تقشعر لها الأبدان ولا يحصى عددها إلاّ اللّه.
يظهر على يد المختار من مظاهر السداد ، وأن هذه الكلمة الصادرة من أمير المؤمنينعليهالسلام ، من مخبآت المستقبل ، وأنها ألمحت إلى الحوادث التي يقوم بها ، وكان المختار يحسب لهذه البشارة حسابا ، ويحدث نفسه.
2 ـ لا يمكن للمختار ، أن يعرض مثل ذلك على عمه سعد بن مسعود ، لولاء عمّه لأمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وبقاء ولائه لسيد شباب أهل الجنّة الحسن ابن عليعليهماالسلام ، فلا يمكن أن ينقلب هذا الولاء والمحبة الأكيدة إلى عداوة قاسية بين عشية وضحاها ، دون أن يرى من الإمام الحسنعليهالسلام ـ وحاشاه من ذلك ـ شرا ، أو وعيدا أو تهديدا.
3 ـ إن المختار شيعي العقيدة ، فقد كان يعطف على العلويين ، ويميل إليهم وإلى محبّتهم ، بدليل أنه رفض طلب زياد بن أبيه ، حين أراد منه أن يوقع الشكوى ضد حجر بن عدي ، شيخ الشيعة في العراق ، حتى يتخذ من هذه العريضة ذريعة لأقدامه على قتل حجر ، كما أن المختار جعل داره مقرا لسفير الإمام الحسينعليهالسلام ، مسلم بن عقيلعليهالسلام .
4 ـ أن المختار ظلّ مواليا ، بل أنه ضحّى بدمه من أجل آل محمد (عليهم الصلاة والسلام) فكيف يصدر منه مثل ذلك الفعل المشين. وقد لاحظنا من خلال متابعتنا لما ذكر عن سيرة المختار ، أن هناك الكثير من الروايات التي تشكِّك في سلامة عقيدته ، واستقامته في كل ما كان يصدر عنه من فعل ، وقول ، وواضح أن أكثر كتبة التاريخ ورواته قد حرصوا على تشويه الصورة الرائعة ، لمريدي ومحبي أهل البيتعليهمالسلام ، من الصحابة والتابعين ، بسبب ولائهم لبني ـ أمية ـ وغيرهم من أعداء الإسلام ، وكراهيتهم لأهل البيت على وجه الخصوص.
وأن تلك الرواية تنتمي إلى جنس ما وضعه أهل الأقلام المأجورة ، الذين دأبوا على النيل من رموز الشيعة وقادتها استجابة للسواد المقيم في نفوسهم المريضة الحاقدة والممتلأة غيظا على الذين انتصروا للرسالة المحمدية ممثلة بأهل بيته الأطهارعليهمالسلام .
وثمة روايات أخرى مماثلة للرواية التي تقدم ذكرها ، سنفرد لتناولها مكانا خاصا ، نقف فيه على قيمتها وحقيقتها.
وزيادة على ما تقدم ، فإنّ المختار كان على قدر كبير من الفضل في الدين والورع ، ويكفي ولاؤه لأهل البيتعليهمالسلام ، دليلاً على سلامة دينه.
كما كان ذا منزلة وفضل توارثه عن أبيه وعمه ، ثم زاد فيه بما أوتي هو شخصيا من خلق ، مع علوِّ الهمّة ، وطموحه في القضاء على دولة الباطل والإطاحة بكل رموزها ، ومحاولة إعادة الحق المغتصب إلى أهله ، ولو كلّفه ذلك حياته.
ومن ذلك الولاء صعد نداء ثورته على الظالمين ، ورفضه للواقع الأموي ممثلاً بيزيد بن معاوية ثاني ملوك الشجرة الملعونة في القرآن الكريم.
ومن هنا نجد ، أن مسلم بن عقيل (1) ، رسول الحسينعليهالسلام حين وصل
__________________
(1) أرسل الإمام الحسينعليهالسلام ، ابن عمه مسلم بن عقيل الذي كان من الأبطال والعلماء وأصحاب الرأي إلى الكوفة ليأخذ البيعة من الناس للإمامعليهالسلام وتمكن مسلم أن يأخذ من أهل الكوفة (18000) بيعة للإمام الحسينعليهالسلام وكتب له رسالة يدعوه للتحرك نحو الكوفة. ومع دخول عبيد اللّه بن زياد إلى الكوفة وتعيينه من قبل يزيد حاكما لها تفرّق الناس عن مسلم وتركوه وحيدا واستغل
الكوفة كان قد آوى إلى بيت المختار ، واتّخذ منه مقرا لسفارته الحسينية. ومن المقر الجديد باشر مسلمعليهالسلام ، بأداء مهمته بأخذ البيعة للإمام الحسينعليهالسلام أداءً للعهد الذي قطعوه للإمام الحسينعليهالسلام ، في كتبهم ورسائلهم إليه.
وهكذا تحوّل بيت المختار إلى مقر للمعارضة ، وكان ذلك من أبرز الأسباب التي ساعدت على نجاح الشهيد البطل مسلم بن عقيل في مهمته أول الأمر ، إذ أن الارتباط العائلي للمختار بوالي الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري ، باعتباره والد زوجته (1) ، قد يكون من بين أسباب عدم قيام الوالي بأي فعل ردعي لمسلم بن عقيل مادام في بيت المختار ، الأمر الذي حدا بيزيد ابن معاوية إلى عزله ، ومن ثم تولية عبيد اللّه بن زياد (2) ، وعلى أثر ذلك غادر مسلمعليهالسلام بيت المختار ولجأ إلى دار هاني بن عروة المرادي (3) ، لما علم بإلقاء القبض عليه من قبل شرطة ابن زياد وللأسباب التالية :
1 ـ لم يكن المختار قد كوّن حزبه السياسي.
2 ـ لم يكن له جيش قوي في الكوفة يكفي لحماية مسلم بن عقيلعليهالسلام من شرطة ابن زياد.
__________________
عبيد اللّه بن زياد الظرف الحاصل ودعى الناس إلى عدم مبايعة الإمام الحسينعليهالسلام وقتل مسلما.
وقد استُشهد مسلم بن عقيلعليهالسلام في التاسع من ذي الحجة عام 60 للهجرة (680 م).
(1) تاريخ الطبري 6 : 112 في حوادث (سنة 67 هـ).
(2) الفتوح / ابن أعثم 5 : 36.
(3) الفتوح / ابن أعثم 5 : 40.
3 ـ كما أن والد زوجته ، النعمان بن بشير ، والي الكوفة كان قد عُزل من قبل يزيد بن معاوية ، وبذلك فقد المختار جانبا مهما من المساندة والنفوذ السياسي ، وجدير بنا أن ننوِّه ، بأن المختار لم يطلب من مسلمعليهالسلام أن يغادر داره إلى بيت هاني بن عروة ، بل خرج مسلمعليهالسلام من تلقاء نفسه ، ولو طال بقاء مسلمعليهالسلام عنده لكان مصيره مثل مصير المختار وبذلك نهاية حياته ، ومن ثم الحيلولة دون قيامه بالفعل التاريخي العظيم.
ولما علمت أُخت المختار وهي زوجة عبد اللّه بن عمر بن الخطاب بسجن أخيها ، طلبت من زوجها أن يعمل على الإفراج عنه ، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع في المختار.
واستجاب يزيد لطلبه ، وكتب إلى ابن زياد يأمره بالإفراج عن المختار ، واضطر ابن زياد إلى طاعة أمر يزيد ، فأطلق سراح المختار ، ولكنه قرر نفيه خارج العراق وأمهله أن يغادره خلال ثلاثة أيام ، وإلاّ ضرب عنقه بعدها ، وخرج المختار من العراق إلى الحجاز وهو يقول : «واللّه لأقطعن أنامل عبيد اللّه بن زياد ولأقتلن بالحسين بن علي عدد من قتل بدم يحيى بن زكريا» (1).
وبرّ المختار بقسمه ، فقد لقى ابن زياد مصرعه على يد المختار ، كما نجح المختار فيما بعد بقتل كل من اشترك في قتل الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام في كربلاء.
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 : 571 ـ 572 (سنة 64 هـ)
موقف المختار من التحوّلات السياسية
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله
من الثابت تاريخيا تشيّع المختار وموالاته لأهل بيت نبيهصلىاللهعليهوآله ، ولكن المعروف أنّ أقطاب التشيع والمحدثة في ذلك الحين لم ينهضوا بأعباء تغيير الواقع التاريخي الذي ساد بعد غياب الرسولصلىاللهعليهوآله لأمور كثيرة ، أوضحها لدينا الاقتداء بأمير المؤمنينعليهالسلام الذي صرح في بعض خطبه بالسكوت والصبر بعد أن لم يجد ناصرا ولا معينا ، ومن هنا اتخذ شيعته موقف المسالمة حفظا على بيضة الإسلام الذي كانت تحيطه الأخطار من كل حدب وصوب ، ولم يكن هذا الموقف ثابتا في تاريخ التشيّع ، إذ تغير بعد بروز نجم الأمويين بعد أن تمهّدت السبل إليهم ، وهنا يبرز المختار كشخصية شيعية معارضة فنراه قد فتح أبواب بيته لمبعوث الحسين بن عليعليهماالسلام ، إلى أهل الكوفة مسلم بن عقيلعليهالسلام ، وهذا يساعدنا على اعتبار أن ثورتهرحمهالله كانت أمرا طبيعيا ومنتظرا من رجل شجاع ومخلص مثل المختاررضياللهعنه (1).
وحيث انتهى مصير الإمام الحسين إلى ما انتهى إليه من ثورة عملاقة على طغاة العصر وفراعينه كتبها الدهر بأحرف من نور ، وحيث لم تسنح الفرصة
__________________
(1) الأخبار الطوال : 341 ، الكامل في التاريخ 3 : 386 (سنة60) ، بحار الأنوار 45 : 353.
للمختار بالاشتراك في تلك الثورة ، إذ كان في سجن ابن زياد كما تقدم. وما ان أفرج عنه إلاّ وقد صمّم الانتقام من الشجرة الملعونة وأتباعها من اشترك في قتل ريحانة الرسولصلىاللهعليهوآله وسبطه الإمام الحسينعليهالسلام .
علاقة المختار بمسلم بن عقيل
لقد بلغ يزيد بن معاوية الطاغية المستبد لعنه اللّه الذروة في الشراسة والعنف ، فزرع الأحقاد والضغائن في كل مكان ، ومثل المجازر الدموية على مسرح الشهوات ، وأصبح الإسلام على حافة الهاوية والدمار ، يستعمله أداة لتحقيق أطماعه الجشعة. فقد وضع مصلحته الخاصة فوق كل الاعتبارات المقدسة ، وأطلق أيدي الأذناب والخونة والمرتزقة لتعبث بأموال الناس ، وتعبث في الأرض فسادا ، وتطعن الأمة الإسلامية في أقدس قضاياها.
وكان لاستهتار ذلك الوغد اللعين بمقدرات الأُمّة ، والأوزار الثقيلة التي نجمت عن تصرفاته الطائشة قد فجرت في نفس الإمام الحسينعليهالسلام ، آلاما لا حدّ لها ، نتيجة لإحساسه بالمساوئ التي كان يعجّ بها المجتمع الإسلامي ، فاتّقدت الحمية في قلبه الشريف واستعر نارها ، تلك النار المحرقة لكل ظالم مستبد ، وجهر بإعلانه على التصميم والمضي قدما على طريق الكفاح ، التصميم الكامل على خوض المعركة الضارية مع المنحرفين ، وأشعل البركان الذي لا ينطفئ ، منغمرا في زحمة النضال ، مهما يتطلّب هذا النضال من تضحيات ، ما دام الإسلام في خطر عظيم ، وهوعليهالسلام يعلم بأن كل ما يبذله في تصحيح المسار من ثمن ضد الذين لا يضمرون للإسلام إلاّ الحقد الأسود ، والعداء السافر ، هو بعين اللّه محسوب.
وقد زاده ألما وملأه حسرة ، من أن يكون (يزيد) الماجن الخليع حاكما على المسلمين ، فيعمل على الانسلاخ من المبادئ السامية ، والطباع العربية الأصيلة ، فيرتمي في أحضان الخيانة ، ويخضع لأحقاده الموروثة على آل محمدصلىاللهعليهوآله !
فما كان من الإمام الحسينعليهالسلام وقد بلغته من الكتب ما يقرب من إثني عشر ألف كتاب ، فقرر عند ذلك السفر إلى العراق ولكنه بعث ابن عمه مسلم بن عقيل ليستوثق من البيعة ، وعلى أثر ذلك التفويض خرج مسلم ابن عقيلعليهالسلام من مكة للنصف من شهر رمضان سنة ستين للهجرة (1) ، وبعد معاناة وصل مسلم الكوفة ، فنزل بدار المختار بن عبيد الثقفي (2) ، وكان شريفا في قومه ، كريما عالي الهمة ، مقداما مجربا قوي النفس شديد على أعداء أهل البيتعليهمالسلام .
وليس نزول مسلمعليهالسلام في بيت المختار بالشيء اليسير إذا نظرناه من وجهة الظروف الراهنة آنذاك ، ومن وجهة دعوة جديدة يُراد بها قلب نظام جماعي يدين بالولاء لبني أمية ، فهو على أية حال يعطينا صورة واضحة عن عقيدة هذا الرجل الذي جعل من بيته ندوة ينشر منها دعوة الحسينعليهالسلام ، بالرغم من كثرة أزلام السلطة الأموية في الكوفة التي كانت تراقب كل شيء.
ومن بيت المختار راح مسلمعليهالسلام ينشر دعوته ، ويجمع الأنصار من حوله ، وجدَّ في ذلك حتى بلغ عدد من بايعوه ثمانية عشر ألفا (3) ، وقيل
__________________
(1) مروج الذهب 2 : 86 ، الإرشاد / المفيد : 228.
(2) الطبري 6 : 199.
(3) المختار الثقفي / أحمد الدجيلي : 31 ، نقلاً عن الطبري 6 : 211.
خمسة وعشرين ألفا (1) ، حيث اكتظّت شوارع الكوفة بجماهير الهاتفين بتحيات الاستقبال ، وامتلأت الدار على سعتها بالمزدحمين من مختلف الطبقات على الترحيب به ، حاملين وسام حفلة الحفاوة بقدومه ، رافعين شعار التهاني والابتهاج بتشريفه.
وكان من جملة من بايعه ودعا الناس إليه هو المختار ، وكان أمير الكوفة يومئذٍ هو النعمان بن بشير ، ولكن جماعة من بني أمية لم يسكتوا عن تحركات مسلمعليهالسلام فكتبوا إلى يزيد بجلية الحال. فقد كتب عبد اللّه بن مسلم الباهلي (2) كتابا إلى يزيد يخبره فيه بنشاط مسلم بن عقيلعليهالسلام وما كان من يزيد إلاّ أن يبعث (عبيداللّه بن زياد) ، واليه على البصرة ويضمّ إليه الكوفة. ثم تدور الدائرة وإذا بعبيداللّه بن زياد أميرا على الكوفة (وسيفه وسوطه على من ترك أمره وخالف نهيه) ، وإذا بأهل الكوفة الذين بايعوا مسلما بالأمس القريب يتخاذلون عنه ، فهم بين متخاذل وخائف مرتاب.
إنّ مجيء ابن زياد إلى الكوفة واليا عليها من قبل يزيد الفاسق الملعون كان سببا في خنق حركة مسلم بن عقيل ، حيث ان أول عمل قام به هو القضاء عليها ، وذلك بتثبيط عزائم قادتها ، وهناك ظفر بهم فسجنهم في بيوتهم ، وجعل عليهم رقابة شديدة ، ومنهم من ألقي في غياهب السجون.
أما المختار فلم يك يعلم بما حدث ، ولم يدر بخلده أن يتخاذل الناس عن مسلم ثم يسلّمونه للسيوف وهم يتفرّجون ، لأنّه يُروى أنه كان في قرية خارج الكوفة تسمى (القفا) وحين علم بذلك أقبل بمواليه وطائفة من قبيلته
__________________
(1) ابن شهرآشوب 2 : 31.
(2) وقيل عبد اللّه بن مسلم الحضرمي ، حليف بني أمية.
لتلافي الموقف ومعه (عبد اللّه بن الحرث) ، وهو يحمل رايته الخضراء حتى انتهى به المطاف إلى (باب الفيل).
ولكن رأى فور وصوله ما لم يكن يقدر أن يراه ، رأى الكوفة وهي تموج بحركة قوية عنيفة وعلى رأسها السفاح (عبيد اللّه بن زياد) يصفعها بالسيف والسوط ، فماذا يكون موقفه ضد ذلك التيار الجارف؟ أتراه يقاتل بتلك الجماعة الضئيلة؟ كلاّ ، ولكنه الاستسلام والخضوع للأمر الواقع وليدخر ما عنده من قوى إلى فرصة أخرى ، فلبث وهو لا يدري ما يصنع حتى أُشير عليه أن يجلس تحت راية (عمرو بن حريث) ـ راية الأمان ـ ليأمن على حياته من هذا الطاغية ، فقبل مشورة ذلك الرجل الذي أشار عليه بالدخول تحت الطاعة والخضوع ، ولكنه قال ما يدل على تأثره وانزعاجه (أصبح رأيي مرتجيا لعظم خطيئتكم) ، وأكد عمرو هو الآخر أن يشهد له بالبراءة أن بلغ الأمير عنه ما يريب.
ولكنه سرعان ما مثل بين يدي اللعين ابن زياد :
ابن زياد : أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل وتتولّى أبا تراب وولده.
المختار : أما علي وأولاده فإنّي أحبّهم لمحبّة رسول اللّه. وأما نصرتي لمسلم فلم أفعل.
فانبرى عمرو عند ذلك وشهد له بالبراءة ، ولكن ابن زياد أبى أن يستجيب لهذه الشهادة والعمل على إخلاء سبيله ، بل عمد إلى سوط واستعرض به وجهه ضربا حتى أدماه ، كما أصاب عينه فشترها ، وهذا المشهد العدواني لاشك قد أثر في نفسه تأثيرا قويا وأومى إليه بالقسوة والانتقام وبخاصة من (ابن زياد) ، الذي حاول أن ينفذ فيه القتل ولكن شهادة عمرو
خفّفت من حدّة الموقف فأمر به فغُيِّب (1).
في غيابة السجن :
أدخل المختار إلى السجن ، ولم يداخله اليأس من العودة إلى الحياة الحرة لمواصلة ثورته ، لأنّ البطل الذي يقوم بما قام به المختار من أعمال جبارة لايمكن أن يتسرب إليه اليأس والنكوص ، فإذا عرفنا بأنّه لم يكن رجلاً عاديا ولا من سائر الناس ، أدركنا بأنه رجل ملئ بالثقة والاطمئنان شأنه في ذلك شأن بقية الأبطال الثائرين ، فمن المؤكد بأنه لا يدري بوثوق بأن الحركات السياسية معرضة للفشل كما أنها معرضة للانتصار ، وهو يدري بأنه هو وأمثاله ينبغي لهم أن يعيدوا الكرة مرة أخرى إذا هم فشلوا في حركاتهم ومن شأنهم أنهم يحاولون مرة بعد أخرى حتى ينتصروا ، أما اليأس والتراجع فهما من صفات الجبناء المغفلين لامن صفات الأبطال الناهضين ، لذلك تملكه الأمل والرجاء في المستقبل.
فبقى صامدا ينتظر الساعة التي يخرج من السجن ويعمل في الحياة السياسية الثورية ، آملاً أن يحقق ذلك بعد أن يعمد إلى الخلاص من السجن حين تنتهي هذه الظروف أو تأتي فرصة تسمح له بالخروج ، فهو واثق من تحطيم أغلال السجن ويعيد العمل في الأمر الذي نذر نفسه من أجله وهو الطلب بثأر الحسينعليهالسلام .
وظل بهذه الخواطر ونحوها وهو في محبسه بـ (قصر الإمارة) ، حتى انبثقت في ذهنه فكرة كانت بمثابة الخلاص من السجن ، وهي أن يكتب إلى عبد اللّه بن عمر ليتولّى مسألة إطلاق سراحه ، يقول المؤرخون أن شقيقته
__________________
(1) المختار الثقفي / أحمد الدجيلي : 34.
ـ صفية ـ قامت بدورها في هذا المضمار بنصرته فحرّضت زوجها (عبد اللّه بن عمر) أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بهذا الكتاب :
« أما بعد فإنّ عبيد اللّه قد حبس المختار وهو صهري ، وأنا أحب أن يعفى ويصلح من حاله فإن رأيت ـ رحمنا اللّه وإياك ـ أن تكتب إلى ابن زياد فتأمره بتخليته والسلام».
وكتب يزيد إلى واليه (عبيد اللّه) بهذا الكتاب :
« أما بعد فخلِّ سبيل المختار حين تنظر في كتابي هذا. ».
وحالما وصل الكتاب إلى واليه ابن زياد ، أمر باحضار المختار وأطلق سراحه ولكنّه قال له : « قد أجّلتك ثلاثا فإن أدركتك بالكوفة فقد برئت منك الذمّة ». وهكذا أخرج المختار من محبس عبيد اللّه بن زياد ليتوجّه إلى الحجاز ولكنه يصادف في الطريق بمكان يدعى (واقصة) رجلاً يسمى (ابن عرق) ـ وهو مولى لثقيف ، فقال هذا الرجل : مالي أرى عينك على هذا الحال؟ قال فعل بي ذلك (ابن الزانية) ويعني به (ابن زياد) قتلني اللّه إن لم أقطع أنامله وأعضاءه إربا ، ولأقتلن بالحسين عدد الذين قتلوا بيحيى بن زكريا ، وهم سبعون ألفا (1).
مع ابن الزبير :
كان ابن الزبير ممن يطلب الخلافة لنفسه بعد هلاك معاوية ، وحينما جاء المختار إلى مكة بعد استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام ، علم ابن الزبير بمقدمه ثم حضر عنده وسأله بدوره عن نفسيات أهل الكوفة وما هم عليه فأجابه المختار : « هم في السرّ أعداء ، وفي العلانية أولياء ».
فقال ابن الزبير : « هذه واللّه صفة عبيد السوء ، إذا حضر مواليهم خدموهم ،
__________________
(1) تاريخ الطبري 7 : 59.
وإذا غابوا عنهم شتموهم ».
ذرني من هذا وابسط يدك لأبايعك واعطني ما أرضى به لأكون لك من الدعاة في الحجاز ، فسكت ابن الزبير وكأنه لم يصادف هوى من نفسه بهذا الشرط الأخير ، فتركه المختار ومضى إلى الطائف بعد أن رأى ما لا يعجبه فقال : «وإني لما رأيت استغنى عني ، أحببت أن أريه أني مستغنٍ عنه».
بقي المختار في الطائف عاما كاملاً ثم عاد ثانية إلى مكة وحضر عند ابن الزبير وبايعه. وهنا قد يخطر في البال ، لماذا بايع المختار ابن الزبير ، وقد رفض بيعته أول الأمر؟ وجوابه :
أولاً : إنّه كان يعلم عداء ابن الزبير للأمويين وسعيه للوصول إلى السلطة فانضم إليه بهدف الاطاحة بالحكم الأموي لا إيمانا بقضية ابن الزبير ولا حبا وإخلاصا له.
ثانيا : قد تكون بيعة المختار لابن الزبير وسيلة لا غاية ، يهدف من خلالها إلى تحقيق أهدافه وآماله الثورية والسياسية التي وضعها على نفسه في أخذ ثار الحسينعليهالسلام ، وحين علم أن ابن الزبير لا يحقق ما كان يصبو إليه ولا ينفذ طلباته ولا يفي له بالشروط التي اشترطها عليه انسحب عنه.
وبمعنى آخر : كانت هذه البيعة السبب المباشر للقضاء على الذين اشتركوا في قتل الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأنصاره ، وإلاّ لتمتّع هؤلاء القتلة المجرمون بالعيش الهانئ والقصور الفارهة التي أقرّها لهم النظام الأموي.
ثالثا : ربما أن البيعة تمّت بطلب من عبد اللّه بن الزبير ، بدليل أن المختار فرض عدّة شروط من أجل أن يبايع ابن الزبير ، كما ذكر الطبري (1) ، والشروط
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 : 445.
كما يلي :
1 ـ أُبايعك على أن لا تقضي الأمور دوني.
2 ـ أكون أول من تأذن له ، وآخر من يخرج من عندك.
3 ـ إذا ظهرت ، استعنت بي على أفضل عملك.
على أية حال ، فكل ذلك يدلّنا بجلاء ووضوح من أن المختار لم يبايع ابن الزبير لا لكونه خارجا عن طاعة بني أمية فحسب ، بل يضاف إلى ذلك أن المختار لم يكن بالرجل العادي الذي يعترف لابن الزبير بالخلافة حتى يمد إليه يده صاغرا ، وهو يعرفه جيدا بأنّه الرجل الممالئ المنحرف في عقيدته ومذهبه ، وأنّه قد شبّ على عداء آل محمدصلىاللهعليهوآله حتى ظهر العداء فيه واضحا حين ترك الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله أثناء خطبه حتى نقده الناس ولاموه ، فقال كلماته النكراء التي توضّح مدى عقيدته :
«إن له ـ أي النبيصلىاللهعليهوآله ـ أهل بيت إذا ذكرته اشرأبت نفوسهم إليه وفرحوا فلا أحب أن أقرأ ذلك في عينهم».
وبعد كل ذلك ، وبعد أن تيقّن للمختار عدم صدق عبد اللّه بن الزبير معه قرر السفر إلى الكوفة على أن يجد ما يصبو إليه من الثورة والأخذ بالثأر من قتلة الإمام الحسينعليهالسلام .
المختار قائدا
لا نشك ، في أن موقف المختار من تولّي معاوية للخلافة كان من موقف الإمام الحسينعليهالسلام ، وإنّما دعاه إلى موقفه السلبي هو الظروف السائدة حينها ، إذ باتت بوادر ثورة الإمام الحسينعليهالسلام ، من خلال رفضه لمبايعة يزيد ، وإرساله مسلم بن عقيلعليهالسلام ، ممثِّلاً عنه إلى أهل الكوفة.
برز دور المختار واضحا في مساندته للإمام الحسينعليهالسلام ، من خلال تحويل بيته إلى مقرّ للسفارة الحسينية ، وملتقى للمعارضة الشيعية ، غير أن استشهاد مسلمعليهالسلام ، بأساليب ابن زياد التي نوّهنا عنها سابقا ، وما أعقبها من إلقاء القبض على المختار ، وزجِّه في السجن ، وشتر إحدى عينيه ، الأمر الذي حال بينه وبين الاشتراك في القتال إلى جانب الإمام الحسينعليهالسلام ، وكان غيابه الذي أكره عليه قد أثّر في نفسه أثرا شديدا ، ومن هنا نذر نفسه على الانتقام ، والثأر من قتله الإمام الحسينعليهالسلام ، وما كان له ـ والوضع في الكوفة يدعوا للخيبة واليأس ـ إلاّ أن يباشر حركته تلك ، خصوصا وأن ابن زياد كان قد أمره بمغادرة الكوفة بعد أن أخرجه من السجن بواسطة عبد اللّه بن عمر ، فكان أن توجه إلى بلاد الحجاز ، وهناك التقى بعبد اللّه بن الزبير الذي لم يجرؤ على أن يدعو لنفسه والإمام الحسينعليهالسلام على قيد الحياة. وإذ لقى الحسين ربه ، أظهر ابن الزبير دعوته على الملأ ، وبيّن للناس حقّه في الخلافة ،
ووقف يخطب بالناس ، فهاجم أهل الكوفة لغدرهم بالحسينعليهالسلام (1) ، وكان لكلماته رنّة السحر في نفوس العلويين وأهل الحجاز خاصة ، والساخطين على الحكم الأموي عامة ، فالتفّوا حوله ، وناصروه ورأوا فيه الزعيم الذي يأخذ بثار شهيدهم الحسينعليهالسلام ، ويقضي على الحكم الأموي ، ولما طلبوا منه أن يبايع لنفسه ، لم يجبهم إلى طلبهم كأنّما يريد أن يظهر للناس زهده في الخلافة (2).
وقد ذكر خروج المختار من الكوفة إلى الحجاز ولقائه بابن الزبير ومبايعته له على شروط قبلها المختار للأسباب التالية :
أ ـ خوف ابن الزبير على السلطة التي لم يكن يحلم أن تؤول إليه بهذه السهولة.
ب ـ تخوّف ابن الزبير من المختار الذي أصبحت له منزلة عظيمة بين أشراف المسلمين ، وفي قلوب الشيعة بشكل خاص.
ج ـ أو ربما لاسترضاء عبد اللّه بن عمر بن الخطاب صهر المختار والذي كان ابن الزبير بأمسِّ الحاجة إلى كسب ودِّه.
ولمّا تبيّن لدى المختار ، أن ابن الزبير ليس بالرجل المؤتمَن الذي يتولّى تحقيق وتلبية مطالب الشيعة وطموحاتهم بالقضاء على الحكم الأموي والأخذ بثار الإمام الحسينعليهالسلام ، ومن ثم إقامة حكومة تلبّي مطالب عامة الناس من الفقراء ، والمعوزين ، وكان من بينهم الموالي الذين عانوا من الاضطهاد الأموي الكثير الكثير. لذلك فقد حزم المختار أمره وجاء إلى الكوفة
__________________
(1) انظر الخطبة في تاريخ الطبري 4 : 364.
(2) المختار الثقفي / الخربوطلي 4 : 364 ، نقلاً عن الطبري.
ليتولّى بنفسه قيادة الجموع وذلك في يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان عام 64 هـ (السادس من مايس عام 674م) (1). بعد هلاك يزيد بن معاوية لعنهما اللّه بنحو سنة وبضعة أشهر إذ هلك يزيد لعنه اللّه في يوم الخميس لأربع عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول (سنة / 63 هـ).
وكان يصحب المختار رجل واحد هو عبد اللّه بن كامل الهمداني ، وقد لقيا بـ (العذيب) ، هاني بن أبي حبة الوداعي (2) ، فسأله المختار عن أخبار الكوفة ، فقال : تركت الناس كالسفينة تجول بلا ملاح عليها. فقال المختار : أنا ملاحها الذي يقيمها (3).
ثم سار المختار حتى انتهى إلى نهر الحيرة ، فنزل واغتسل ولبس ثيابه ، وتقلّد سيفه ، وركب فرسه ، ودخل الكوفة نهارا ، والناس يتهيئون للصلاة ، فجعل لا يمر بملأ إلاّ وقف وسلّم ، وقال : «ابشروا بالفرج ، فقد جئتكم بما تحبّون ، وأنا المسلّط على الفاسقين ، والطالب بدم أهل بيت نبي رب العالمين». ثم دخل الجامع وصلّى فيه ، فرأى الناس ينظرون إليه ، ويقول بعضهم لبعض : هذا المختار ما قدم إلاّ لأمر ونرجو به الفرج.
وخرج من الجامع ، ونزل داره ، ثم بعث إلى وجوه الشيعة وعرفهم أنه جاء من محمد بن الحنفية ، وعلي بن الحسين السجّادعليهالسلام ، للطلب بدماء أهل البيتعليهمالسلام . فقالوا : « أنت موضع ذلك وأهل ».
__________________
(1) الطبري ج8 ، طبقات ابن سعد 5 : 71.
(2) المصادر نفسها.
(3) كذا.
وخلال ذلك هرب ابن زياد من الكوفة إلى الشام (1) ، وبعد أُسبوع من وصول المختار ، أرسل عبد اللّه بن الزبير واليا من قبله على الكوفة هو ، عبد اللّه ابن يزيد الخطمي ، ومعه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللّه عاملاً على الخراج (2).
__________________
(1) لم يحدد لنا كتبة التاريخ والسير ، تاريخ هروب ابن زياد من الكوفة. لكننا حصرنا ذلك بعام 64 هـ ، لأنّ ابن زياد حين علم بوفاة يزيد سنة 64 هـ ، وطرد واليه على البصرة ، ثم هروب أكثر الولاة الأمويين من الولايات التابعة للمملكة الأموية ، التحق هو مع من هرب إلى عاصمة الأمويين ـ الشام ـ ، حيث جرى تسليم الحكم في الكوفة إلى رجل اتفق عليه بالإجماع من قبل زعماء الكوفة وأشرافها ، وهو عامر بن مسعود ، الذي ما لبث أن دان بالولاء لعبد اللّه بن الزبير ، الذي تمكن من توحيد مركزه في العراق. راجع : الطبري 7 : 21 ، الخوارج والشيعة / فلهوزن : 190.
(2) الطبري 5 : 560.
التوّابون
كان لاستشهاد الإمام الحسينعليهالسلام بهذه الصورة المأساوية نتائج خطيرة في تاريخ العراق والدولة الأموية عامة. فقد عاشت الشيعة بشكل خاص ، والمسلمين بشكل عام عقدة الذنب مثقلاً بمرارة الموقف الانهزامي الذي وقفته إزاء كربلاء.
وتحرّج النظام الأموي الذي لم يقدر فظاعة المأساة ، وكان عليه أن يجابه نتائجها السريعة والمستقبلية التي أخذت تنعكس منذ ذلك الحين على بنية هذا النظام.
وليس ثمة شك في أن ـ يزيد ـ كان المسؤول الأوّل والأخير عن مجزرة كربلاء ، وكان مسوقا إلى ارتكابها بدافع ما كان يمتلئ به صدره من حقد ، وغيظ وحسد ، للإمام الحسينعليهالسلام ، وللهاشميين عموما باعتباره امتدادا لذلك الأسن الأموي الجاهلي مما غيّب عنه الرؤيا الصحيحة للواقع السياسي كما كان ذلك علامة وسببا لفشله في تبوّء مركز السلطة ، ذلك المركز الذي بذل في سبيله أبوه الطليق الباغي معاوية كل إمكانياته ، وصرف كل جهوده من أجل الحفاظ عليه (1).
__________________
(1) سليمان بن صرد الخزاعي / د. إبراهيم بيضون : 79.
كانت مأساة كربلاء لا تزال ماثلة في أذهان أهل الكوفة بالذات ، وكان كثير منهم يشعرون بالندم ، ويعتبرون أنفسهم مسؤولين عن دم الإمام الحسينعليهالسلام وآل بيته وأنصاره ، وباتوا يتطلّعون إلى الأخذ بثاره ، فأخذوا يبحثون عن زعيم يقودهم لتحقيق هذا الغرض.
فأدرك المختار هذه الحقيقة ، ورأى أن يكون هو ذلك الزعيم المنشود ، فقد ذكر المسعودي : « أنه بعد استقرار المختار في الكوفة ، راح يبكي على الطالبيين ، وشيعتهم ، ويحثّ على أخذ الثار لهم ، والمطالبة بدمائهم ، فمالت الشيعة إليه ، وصاروا من جملته لاحقا » (1).
إلاّ أنه لاحظ أن عدد الذين التفّوا حوله ، لا يمكنه بهم أن يحقِّق أهدافه مع انضمام الكثير إلى حركة التوابين التي قادها سليمان بن صرد الخزاعي (2) ، وأربعة من كبار زعماء الكوفة ، وهم : المسيب بن نجبة (3) الفزاري ، وعبد اللّه ابن سعد بن نفل الأزدي ، وعبد اللّه بن وائل التميمي ، ورفاعة بن شدّاد البجلي ، الذين هيَّأوا مستلزمات الثورة من جمع الأسلحة واستمالة الناس ، كما واتفقوا على أن يعقدوا لقاءات دورية لتقويم النشاطات التي قاموا بها ،
__________________
(1) مروج الذهب 3 : 21.
(2) وكان اسمه في الجاهلية (يسار). سماه رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، سليمان وكان خيرا فاضلاً ، له دين وعبادة ، وشرف وقدر في قومه. شهد صفين مع الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وكان ممن كتب إلى الإمام الحسينعليهالسلام ، يسأله القدوم إلى الكوفة ، فلما قدمها ترك القتال معه ضد المعتدين ، ثم ندم على ذلك ، وقد روى عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وعن الإمام عليعليهالسلام .
انظر الاستيعاب بهامش الاصابة 2 : 63 ، والاصابة / ابن حجر 2 : 76.
(3) ورد في البداية والنهاية / ابن نجية 8 : 247. أدرك النبيصلىاللهعليهوآله ، وشهد القادسية وفتح العراق. فيما ذكر ابن سعد ، أنه كان مع الإمام عليعليهالسلام ، في مشاهده.
والانجازات التي حققوها ، ومن ثم لتحديد موعد للخروج وإعلان الثورة ، واستقرّ رأيهم على أن يكون التجمع في النخيلة (1) ، في نهاية ربيع الآخر من سنة 65 للهجرة (2) ومن هنا فإنّنا نعتقد أن سبب اجتماع هذه النخبة يعود إلى :
1 ـ الشعور بهول المأساة ، وفداحة الإثم.
2 ـ الإسراع باتخاذ موقف انتقامي من المسؤولين عن مقتل الإمام الحسينعليهالسلام ، سواء الأمويين ، أم المتواطئين معهم.
3 ـ الإلحاح في طلب التوبة عن طريق التضحية بالنفس.
4 ـ إنقاذ الأمة الإسلامية من جور وطغيان الأمويين اللامتناهي.
5 ـ فضح بني أمية وإظهارهم على حقيقتهم الظالمة وكما هو حالهم حيث تمسّكهم بالحكم والكرسي ، وهذا معناه أنهم لا يعترفون بدين ، ولا بشريعة ، وأنهم على استعداد تام أن يفعلوا أي منكر وقبيح ما داموا لا يعترفون بجنّة ولا بنار.
6 ـ تحريك عواطف المسلمين من أجل تكوين حركات كفاحية أُخرى ضد جبروت المملكة الأموية ، لأنّ التصميم على الكفاح ينتج عنه ضرورة التغيير.
ومهما كان شكل هذا الاجتماع المحفوف بالخطر ، فإنّه أفضل من الانتظار الجامد.
كانت سنة خمس وستين للهجرة (684م) ، قد حلّت وفي هذه السنة انتقلت ثورة التوابين من محتواها التخطيطي ، وإطارها التبشيري إلى مرحلة
__________________
(1) النخيلة : مكان بالقرب من الكوفة.
(2) ابن الأثير 8 : 247.
التنفيذ الحاسم. وكان من شعارات التوابين التي كثر ترديدها حينئذٍ :
« من أراد الجنّة فليلتحق بسليمان في النخيلة ».
« من أراد التوبة فليلتحق بسليمان » (1).
إلى غير ذلك من الشعارات التي لم تخرج عن إطار الغفران والتكفير عن الذنب.
وبعد تشاورٍ ، رأى زعماء الحركة ، أن قتلة الإمام الحسينعليهالسلام ، موزعون في أنحاء الأرض ، وليس سهلاً أن تطالهم سيوف التوابين كما يتصور البعض ، لذلك ارتأوا أخيرا أن تكون الشام ـ قاعدة الطغيان ـ والمسؤولة قبل أي أحد عن مقتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وفي رأيهم أن النظام هو الذي ينبغي أن يحاسب وليس الأشخاص (2) لأنّ أولئك القتلة كانوا فقط الأداة التي نفّذت الأوامر ، وقامت بما طلب منها بأبشع ما يكون.
وبعد هذا كله غادر التوابون الكوفة ليلة الجمعة في الخامس من ربيع الثاني سنة 65 هـ التاسع عشر من تشرين الثاني سنة 684م ، ووجهتهم (النخيلة) ، المكان الذي ستلتقي فيه وفود المتطوعين الذي تعاهدوا على الالتحاق بإخوانهم في الموعد المحدد.
وبعد إقامة سليمان ورفاقه أياما ثلاثة (3) ، في المعسكر لم تكن الاستجابة بالمستوى المقدَّر لها ، وانخفض العدد الذي التزم بالخروج مع زعيم الحركة إلى الربع تقريبا ، حيث قدر أن آخر ما وصل إليه تجمع التوابين في
__________________
(1) قيل إن عدد المتطوعين ارتفع إلى نحو عشرين ألفا. انظر ابن كثير 8 : 251.
(2) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية 2 : 58.
(3) الطبري 7 : 67 ، ابن الأثير 2 : 252.
النخيلة لم يتجاوز الأربعة آلاف مقاتل (1) ، وربما انخفض إلى ثلاثة آلاف وثلاثمائة مقاتل (2) إبان المعركة الفاصلة ، وكان من أبرز المتخلفين شيعة المدائن والبصرة (3) ، فضلاً عن تخلّف عدد غير قليل من شيعة الكوفة.
وما كان لعزوف الكثيرين عن تلبية دعوة سليمان في (النخيلة) ، أي تأثير على معنويات زعماء الحركة أو أي انعكاس على عزائمهم الثابتة.
فقد بلغ بهم الإيمان حدّا جعلهم لا يفكرون إلاّ بالهدف الذي خرجوا من أجله ، ولن يعيقهم عن الحقيقة عائق مهما بدت الطريق إليه صعبة وشائكة. ثم كانت وفاة يزيد وما تبعه من انقسام بني أمية.
فاعتبرها التوابون نصرا لهم ، وظن ابن صرد ، أن وفاة الطاغية الملعون يزيد ستؤدي إلى التفاف الناس حوله ، فما يكتب لحركة التوابين النصر.
تقدم (التوابون) ، حتى بلغوا قبر الإمام الحسينعليهالسلام ، وهناك استرحموا عليه ، وبكوا بكاءً مرا ، وهم يردّدون في خشوع :
« اللهمّ إنا نشهدك على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم وأولياء محبّيهم ، اللهمّ إنا خذلنا ابن بنت نبيناصلىاللهعليهوآله ، فاغفر لنا ما مضى منا ، وتب علينا ، وارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين ، وإنا نشهدك إنا على دينهم وعلى ما قتلوا عليه ، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
وبقي سليمان آخر من بقي من أصحابه يتضرّع عند القبر الشريف ، ويستغفر لذنوبه ، ويأتي آخر وهو (وهب بن زمعة) فيبكي الحسين بأبيات
__________________
(1) الطبري 7 : 67 ، ابن الأثير 2 : 252.
(2) الفتوح / ابن الاعثم الكوفي 5 : 214.
(3) الطبري 7 : 69.
(عبد اللّه بن الحر الجعفي) كأنه أراد أن يواسي أميره بالبكاء واللوعة والتوبة :
تبيت النشاوى من أُمية نوما |
وبالطف قتلى ما ينام حميمها |
|
فأقسمت لا تنفك نفسي حزينة |
وعيني تبكي لا تجف سجومها |
|
حياتي أو تلقى أُمية خزية |
يذلّ لها ـ حتى الممات ـ قروحها |
ثم ساروا إلى الأنبار ومنها إلى قرقيسيا ، وكان بها زفر بن الحارث الكلابي عامل ابن الزبير ، فقدم لهم المال والمؤن ، وعرض عليهم البقاء في قرقيسيا وتوحيد جهودهم ليسهّل لهم القضاء على ابن زياد ، ولكن ابن صرد أصرّ على المسير لقتال ابن زياد قاتل الإمام الحسينعليهالسلام .
وكان ابن زياد في طريقه إلى قرقيسيا فأتته الأنباء بوفاة مروان بن الحكم ، وتولّيه ابنه عبد الملك ، الذي أرسل إليه يقرّه على ما ولاّه أبوه مروان ، فسار ابن زياد حتى لقى (التوابين) ، عند عين الوردة (1) فطلب منهم أن يبايعوا الخليفة الأموي الجديد عبد الملك ، فردّ عليه ابن صرد طالبا منه الاستسلام ، كما دعا جند الشام إلى خلع عبد الملك ومساعدة التوابين في إخراج عمال ابن الزبير من العراق ، وتسليم الأمر إلى أهل بيت الرسولصلىاللهعليهوآله (2) وكأن التوابين كانوا يعبرون تماما في ذلك الحين عن آراء المختار ومبادئه ، فقد كان المختار يدعو إلى القضاء على كل من النفوذين الأموي والزبيري بالعراق ، كما يدعو إلى إقامة خلافة علوية ، ولكن التوابين والأمويين أبوا إلاّ أن يقاتلوا في سبيل
__________________
(1) رأس عين نبع على بضعة أميال إلى الشمال من قرقيسيا على نهر الفرات ، انظر ابن الأثير 4 : 76.
(2) أنساب الأشراف / البلاذري 5 : 21.
الأغراض التي خرجوا من أجلها.
وكان من البديهي ، أن يرفض القائد الأموي شروط زعيم التوابين ، وكان معنى ذلك أن الحرب أصبحت وشيكة الوقوع.
وفعلاً اندفع التوابون من مواقعهم بقيادة سليمان بن صرد ، والتحموا مع قوات الحصين بن نمير السكوني ، والأموية التي تفوقهم كثيرا في العدد ، وذلك في يوم الأربعاء في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة 65 هـ (4 كانون الثاني 685م) بعد خمسة أيام من نزولهم في (عين الوردة) (1).
ويظهر من سير الاشتباكات الأولية ، أن وضع (التوابين) ، ـ برغم قلّتهم العددية ـ كان جيدا ، ومعنوياتهم بارتفاع دائم ، أما الحماس فقد بلغ حدّا لا يوصف ، وكانت تستثيره نداءات سليمان في صخب المعركة فتزيده التهابا وتأجّجا : «يا شيعة آل محمد ، يا من يطلبون بدم الشهيد ابن فاطمة ، أبشروا بكرامة اللّه عزّوجلّ ، فواللّه ما بينكم ودخول الجنّة ، والراحة من هذه الدنيا إلاّ فراق الأنفس ، والتوبة ، والوفاء بالعهد) ، وفي وسط المعمعة كان صوت سليمان يخترق الأذان مردّدا : «عباد اللّه ، من أراد البكور إلى ربّه والتوبة من ذنبه ، والوفاء بعهده فإليّ» (2).
وكانت هذه الكلمات آخر ما ردّده القائد التوّابي وهو يشقّ بسيفه صفوف الأمويين بكلّ جرأة ، ورباطة جأش.
وانتهت معركة عين الوردة بقتل سليمان بن صرد ومعظم أصحابه (3).
__________________
(1) الخوارج والشيعة / فلهوزن : 195.
(2) الطبري 7 : 76.
(3) تاريخ الطبري 5 : 599 ، البداية والنهاية 8 : 254.
وهكذا أخفقت ثورة التوابين في تحقيق أهدافها وتحطّمت قوتها الأساسية في (عين الوردة) للأسباب التالية :
1 ـ الاختلال الظاهر في ميزان القوى بين الجيش الأموي والتوابي ، حيث كان عدد أفراد الجيش التوابي ، أربعة آلاف ، أو أقل. في حين تجاوز تعداد الجيش الأموي العشرين ألفا (1) وهناك تقديرات أخرى تشير إلى أن الجيش الأموي بلغ الستين ألفا (2).
هذا مع عدم وفاء بعض القبائل العربية بعهودها لقاء الثورة بسبب الضغوط الأموية أو بسبب رشوتهم. حيث قيل أن عدد متطوعي ثورة التوابين ارتفع إلى نحو عشرين ألفا ، قبل الشروع في المعركة ، في حين أن الذين اشتركوا مشاركة فعلية في تلك المعركة قدر عددهم بأربعة آلاف ، أو أقل بكثير.
2 ـ عدم قضاء الثوار على زعماء الكوفة ، والموالين للأمويين والذين قد شاركوا مشاركة فعلية في قتل الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأنصاره ، أولئك الزعماء ، باتوا يعملون المستحيل للحيلولة دون التحاق المزيد من الثوار بحركة سليمان بن صرد.
3 ـ عدم تعاون الثوار مع ابن الزبير والذي كان يسعى هو الآخر للإطاحة بالأمويين أيضا. إذ كان من الممكن أن يمدّهم بشيء من أسباب الانتصار كما انهم لم يتحالفوا مع المختار ، كما يقتضي الحال بوحدة هدفهم (الأخذ بثار الإمام الحسين) ، والحق أننا لم نقف على سبب يحول دون تحقيق ذلك التحالف ، وبإمكاننا أن نعلّل ذلك بتأثير جماعة سليمان بما روّجه الأمويون
__________________
(1) البداية والنهاية / ابن كثير 8 : 251 ، ابن الأثير 8 : 252.
(2) الطبري 5 : 583 ، تاريخ خليفة 1 : 331.
من كون المختار كان يهدف إلى الوصول للسلطة.
4 ـ كان الإعلام للثورة ضعيفا جدا ، إذ انحصر موطنه في الكوفة وأطرافها ، ولم يتعدَّ هذه الحدود ، ولو كان قد امتدّ إلى ما وراء تلك الحدود لجذب أنصارا آخرين لصفوف الثورة.
5 ـ عدم اهتمام الثوار بالقاعدة ، فلو سيطر سليمان على الكوفة سيطرة كاملة لكانت فرص النجاح بالنسبة إليه أكثر ، لكنه فكر في رأس عبيد اللّه وجعله الهدف الأساسي لثورته.
6 ـ كان يفترض بسليمان أن يحارب الانحراف السائد في مجتمعه ، وبالتالي أن يهيء المجتمع للقيام بالثورة. وبمعنى أدقّ كان عليه أن يحارب من أجل الأهداف التي خرج بسببها الإمام الحسينعليهالسلام .
7 ـ لم يعتمد سليمان على الموالي المعروفين بحبّهم وولائهم لآل البيت إذ كانوا يشكّلون الأكثرية المسحوقة ، والمحرومة ، والمستضعفة في الكوفة قاعدة الثورة ، كما فعل المختار في ثورته.
وعلى أية حال : تبقى عدّة أسئلة تدور في الذهن حول أهم الأسباب التي أدّت إلى اندلاع ثورة التوابين منها :
هل إن التوابين نهضوا بوحي من آل الزبير الذين كانوا ـ بلا ريب ـ يودّون في قرارة أنفسهم أضعاف بني أمية والقضاء على حكمهم؟ أم أنهم ثاروا بتحريض من بعض الأحزاب المعارضة للدولة الأموية آنذاك ، ولو كانت الدعوة العباسية في بدايتها لاحتملنا أن تكون هذه الحركة من تحريضها فعلى هذا التقريب لم تكن هذه المحتملات صحيحة ولا قريبة من الواقع.
وإتماما لذلك نرى أن احتمالاً أخيرا قد يخطر على الذهن يتعلّق
بسليمان بن صرد ـ زعيم الحركة ـ كونه المؤثّر الخارجي على هؤلاء الجماعة لأجل أن يستغلّها للحصول على السيطرة أو الزعامة ، ولكننا نقول على الفور من أن هذا الاحتمال باطل كسوابقه حيث أن التاريخ لم يذكر لنا هذا الاحتمال الذي يمكن بسهولة أن يتقول به الأمويون وهم في سلطانهم بعدما فشل سليمان في حركته وقتل ، ومعروف ما في الأمويين من صفة التهريج والتشنيع على معارضيهم ، فالذين يتّهمون الإمام الحسين ـ ابن بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ـ بأنّه خارجي فمن السهل إذن أن يتّهموا سليمان بأشنع التهم وأفظعها ، وعلى هذا فإنّ سليمان بريء من احتمال حيازة السلطة أو الزعامة إلى نفسه ، وحقيقة الأمر كما نرى أنه رجل كسائر التوابين غير أنه امتاز عليهم بالحنكة السياسية والدهاء العسكري ، ولذا وقع عليه الاختيار وتزعّم الحركة التوابية.
وعلى الرغم من فشل ثورة التوابين لكنها أعطت الغذاء والقاعدة لثورة المختار فيما بعد.
بوادر ثورة المختار
بعد أن خرج سليمان بن صرد الخزاعي ، واتباعه لقتال ابن زياد ، وأهل الشام ، أثارت نشاطات المختار شكوك قادة الكوفة ، الذين كان كثير منهم قد شارك في قتل الإمام الحسينعليهالسلام .
فقد حذروا الوالي الزبيري من المختار قائلين : «أن المختار أشد عليكم من سليمان بن صرد. أن سليمان إنّما خرج يقاتل عدوكم ، ويذللهم لكم ، وقد خرج عن بلادكم ، وأن المختار ، إنّما يريد ، أن يثب عليكم في مصركم».
ولو حللنا مضمون تحذير زعماء الكوفة للوالي الزبيري من المختار لاستنتجنا ، أن من وراء هذا التحذير أسبابا خاصة منها :
1 ـ أن أغلبهم كانوا متهمين بالاشتراك مع النظام الأموي في واقعة الطف. وبما أن المختار ، توعّد كل من اشترك ، أو قام بالتواطئ على قتل الحسينعليهالسلام ، فمن مصلحتهم والحال هكذا ، أن يحذروا الوالي من تحرك المختار.
2 ـ لعلّ والي الكوفة هو الذي بثّ مثل هذا الخبر ، خوفا على منصبه الذي سيخرجه منه المختار رغم أنفه فيما بعد ، ولخشيته أن لا يُحرج مع ابن الزبير في حالة تعاطفه مع المختار.
3 ـ أو ربما أن ابن الزبير هو الذي كلّف زعماء الكوفة لإشاعة مثل هذا
الخبر ، للإيقاع بالمختار ، لتخوّفه منه ، إذ قد يعد المختار جيشا ويزحف به إليه ، ويقصيه عن عرشه.
ونتيجة لذلك قُبِضَ على المختار وسجن ، حيث بقى حتى رجوع أتباع سليمان بن صرد من المعركة (عين الوردة) ، 63ه ، التي استُشهد فيها سليمان ومعظم أتباعه ، ولما قدم أصحاب سليمان بن صرد من الشام ، كتب إليهم المختار من الحبس :
« أما بعد : فإنّ اللّه أعظم لكم الأجر ، وحطّ عنكم الوزر ، بمفارقة القاسطين ، وجهاد المحلين ، إنكم لن تنفقوا نفقة ، ولم تقطعوا عقبة ، ولم تخطوا خطوه ، إلاّ رفع اللّه لكم بها درجة ، وكتب لكم حسنة ، فابشروا فإنّي لو خرجت إليكم ، جرّدت فيما بين المشرق والمغرب من عدوكم بالسيف بإذن اللّه ، فجعلتهم ركاما ، وقتلتهم فردا ، وتوأما ، فرحم اللّه لمن قارب واهتدى ولا يبعد اللّه إلاّ من عصى وأبى ، والسلام يا أهل الهدى » (1).
فلما جاء كتابه ، وقف عليه جماعة من رؤساء القبائل وأعادوا الجواب : « قرأنا كتابك ، ونحن حيث يسرك ، فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك من الحبس فعلنا ». فأخبره الرسول ، فسرّ باجتماع الشيعة له ، وقال : « لا تفعلوا هذا فإنّي أخرج في أيامي هذه » ، وكان المختار قد بعث إلى عبد اللّه بن عمر بن الخطاب : « أما بعد فإنّي حبست مظلوما ، وظن بي الولاة ظنونا كاذبة ، فأكتب فيّ رحمك اللّه إلى هذين الظالمين ، وهما عبد اللّه بن يزيد الخطمي ، وإبراهيم ابن محمد ، كتابا عسى اللّه أن يخلّصني من أيديهما بلطفك ومنِّك ، والسلام
__________________
(1) البحار 45 : 363.
عليك » (1).
فكتب إليهما ابن عمر : « أما بعد فقد علمتما الذي بيني وبين المختار من الصهر ، والذي بيني وبينكما من الودّ ، فأقسمت عليكما لما خلّيتما سبيله ، حين تنظران في كتابي هذا والسلام عليكما ، ورحمة اللّه وبركاته » (2).
فلما قرءا الكتاب ، طلبا من المختار كفلاء فأتاهم بجماعة من أشراف الكوفة ، فاختار منهم عشرة ضمنوه ، وحلفوه أن لا يخرج عليهما ، فإن هو خرج فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة ، ومماليكه كلهم أحرار. فخرج وجاء داره.
قال حميد بن مسلم ، سمعت المختار يقول : « قاتلهم اللّه ما أجهلهم ، وأحمقهم حيث يرون أني أفي لهم بايمانهم هذه. أما حلفي باللّه فإنّه ينبغي إذا حلفت يمينا ، ورأيت ما هو أولى منها أن أتركها ، وأعمل الأولى ، وأكفر عن يميني ، وخروجي خير من كفيّ عنهم ، وأما هدي ألف بدنة فهو أهون علي من بصقة ، فوددت أن يتمّ لي أمري ولا أملك بعده مملوكا أبدا (3).
ويبدو لنا ، أن المختار كان قد حلف على أساس من التقوى ، وهو مضطر معتمدا على فحوى قوله تعالى :( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الاْءَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ
__________________
(1) الطبري 6 : 8.
(2) الطبري 6 : 8.
(3) الطبري 6 : 9.
تَشْكُرُونَ» (1) وهنا يجب أن نلتفت إلى أمرين ، هما :
الأمر الأول : أنّ المختار كان متعطّشا لملاقاة قتلة الإمام الحسينعليهالسلام ، خاصة وأنّه قد أحسّ بأنّهم أمنوا الطلب ، وأن الناس قد هرمت قلوبهم ، وقد استسلموا للكسل في طلب ثار آل محمدصلىاللهعليهوآله ، وعليه فقد أراد أن يكسب وقتا ليحرّك فيه الناس ويدبر دوافع الثورة والثأر.
الأمر الثاني : استهانة المختار بملك الدنيا ، والمتمثل بالمال والعبيد الذين كان يملكهم.
على أية حال ، استقرالمختار في داره ، واختلف إليه الناس ، واجتمعت عليه ، واتفقوا على الرضا به ، وكان قد بويع له وهو في السجن ولم يزالوا يكثرون ، وأمرهم يقوى ويشتد. وقد أدرك عبد اللّه بن الزبير في هذا الوقت خطر المختار وحركته ، فعيّن واليا جديدا على الكوفة هو عبد اللّه بن مطيع. الذي قدمها في 27 رمضان سنة 65 (6 مايس سنة 685م) وقد مكن قدوم هذا الوالي الجديد ، المختار من العمل بحرية أكثر ، إذ لم تكن بينهما أية ارتباطات أو عهود (2).
وفي خطبته الأولى أخبر ابن مطيع أهل الكوفة بأنّه سيسير معهم بسيرة عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وحذّرهم من الفرقة وإثارة المتاعب (3).
وعلى الرغم من ذلك فقد عارض الكوفيون هذا الوالي علنا ، حتى أجبروه على التراجع فأعلن في النهاية أنه سيتّبع السياسة التي تعجبهم (4).
__________________
(1) سورة المائدة : 5 / 89.
(2) الخلافة الأموية / د. عبد الأمير دكسن : 70.
(3) الطبري 6 : 10.
(4) الطبري 6 : 11.
لقد ظهرت هذه المعارضة العلنية للوالي الجديد بصورة واضحة ، وعدم إطاعتهم لعبداللّه بن الزبير ، وكذلك عكست القوة التي أصبح عليها المختار وأتباعه.
في هذا الوقت بدأ المختار ، يستعد للسيطرة على الكوفة في محرم 66 هـ (آب 685م) ، فأرسل لأتباعه وأخذ يجمعهم في الدور حوله ، وبينما هو منشغل في التحضير للثورة ، شك جماعة من بين أتباعه في ادعائه أن ابن الحنفية (1) أرسله إليهم ، فقرروا الذهاب إلى مكة ليسألوه عن ادعاء المختار هذا ، وفي مكة التقى الوفد بمحمد بن الحنفية ، فلما سمع كلامهم قال لهم : «قوموا بنا إلى إمامي ، وإمامكم علي بن الحسين» ، فلما دخل ودخلوا
__________________
(1) هو محمد بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي وكنيته أبو عبد اللّه وقيل أبا القاسم ، أمه خولة بنت جعفر بن قيس بن بكر بن وائل. ويقال أنها من سبي اليمامة فصارت إلى الإمام عليعليهالسلام ، وأخو الحسن والحسينعليهماالسلام ابني فاطمة الزهراءعليهاالسلام . وأما سبب تسميته بابن الحنفية ، أن أباه أمير المؤمنينعليهالسلام ، كان له ثلاثة أولاد محاميد وهم محمد الأكبر ، ومحمد الأوسط ، ومحمد الأصغر. أما الأصغر فكنيته أبو بكر ، وأمه ليلى بنت مسعود ، وهو الذي استشهد مع اخوته في واقعة الطف بكربلاء. وأما الأكبر فلقب بلقب أمه خولة كي يميزه عن الآخرين ، الأوسط والأصغر.
واختلفت الآراء في وفاتهرضياللهعنه فقيل توفي في أول محرم 72 ـ 73 هـ بالمدينة المنورة ، ودفن بالبقيع وقيل إنّه توفي ببلاد أيلة. وايليا اسم مدينة ببيت المقدس ، وقيل معناه بيت اللّه. وقد سمي بيت المقدس ايليا بقول الفرزدق :
وبيتان بيت اللّه نحن ولاته |
وقصر بأعلى إيليا مشرق |
معجم البلدان / الحموي البغدادي 1 : 294 ، أجوبة المسائل الدينية / السيّد عبد الرضا الحسيني المرعشي الشهرستاني 3 : 85.
عليه ، أخبر خبرهم الذي جاءوا لأجله. قال : «يا عم لو أن عبدا زنجيا تعصّب لنا أهل البيت ، لوجب على الناس مؤازرته ، وقد ولّيتك هذا الأمر ، فاصنع ما شئت ».
فخرجوا وقد سمعوا كلامه ، وهم يقولون : « أذن لنا زين العابدين ، ومحمد ابن الحنفية » (1). وبعد شهر عاد الوفد ، وأخبر المختار بأن ابن الحنفية أمرهم بتأييده ، ونصرته. عند ذلك جمع المختار أهل الكوفة وأعلن لهم تأييد علي ابن الحسينعليهماالسلام ومحمد بن الحنفية له.
وقد أكّد ذلك رئيس الوفد وأتباعه الذين خطبوا بهذه المناسبة ، ثم أن المختار جمع من كان قريبا فقال :
« يا معشر الشيعة ، إن نفرا أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به ، فخرجوا إلى إمام الهدى ، والنجيب المرتضى ، وابن المصطفى المجتبى ، علي زين العابدينعليهالسلام ، فعرفهم ، أني ظهيره ، ورسوله ، وأمركم باتباعي وطاعتي » (2).
ويرى البلاذري أن وجوها من الشيعة جاءوا لمحمد بن الحنفية وقالوا : « أنكم أهل بيت قد خصّكم اللّه بالفضيلة وشرّفكم بالنبوة وقد أصبتم بحسينرحمهالله ، وأتانا المختار يزعم أنه جاء من تلقائك يطلب بدمه فمرنا بأمرك؟» فقال ابن الحنفية : « إنّ الفضل من اللّه يؤتيه من يشاء وما جاءكم المختار إليه فواللّه لوددت أن اللّه انتصر لنا بمن شاء » (3).
فقالوا : هذا إذن منه رخصة.
__________________
(1) البحار 45 : 365.
(2) البحار 45 : 365.
(3) أنساب الأشراف 5 : 221.
أما اليعقوبي ، فيؤكّد أن محمدا كان يشجّع دعوة المختار شأنه في ذلك شأن من سبقه حيث قال ابن الحنفية لهم حينما سألوه : « ما أحبّ إلينا من طلب بثأرنا وأخذ لنا حقّنا وقتل عدونا » (1).
والمقدسي يرى أن محمد بن الحنفية كان سبب قيام المختار بالدعوة (2).
ولكن (محمد بن الحنفية) ، لم يستقل بإعطاء الرأي وحده دون أن يأخذ رأي ابن أخيه علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام ، فقد قال له كما تقدم : «يا عم لو أن عبدا زنجيا تعصّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته وقد ولّيتك هذا الأمر فاصنع ما شئت ».
وبذلك ، أصبح المختار قائدا ، وواليا رسميا على الكوفة وحواضرها. فلنمضِ سوية مع المختار القائد. لنشاهده وهو يهوي بسيف الحق على رقاب الذي أضلّوا طريق اللّه.
ولا بأس أن تشير قبل الحديث عن المختار القائد إلى أن أذناب الشجرة الملعونة ورواتها قد أشاعوا الكذب على المختار الثقفيرحمهالله لا سيّما إمامهم الشعبي سفير طاغية بلاط الشام وسفيره إلى الروم ، ومن ثم تلقّفت مزاعمه كثير من الأبواق المأجورة المحسوبة على الخط الأموي ، ولم تزل كذلك إلى يوم الناس هذا.
__________________
(1) التاريخ 2 : 308.
(2) البدء والتاريخ 6 : 20.
المختار ، وابن الأشتر
كان المختار يرى أن انضمام إبراهيم بن مالك الأشتر (1) إلى قواته ، سيؤدّي إلى ترجيح كفته ، وسيساعده على تحقيق النصر ، خاصة وأنه مقبل على رحلة صعبة ومعقّدة ، تتمثّل بمواجهة الأمويين الذين بدّلوا نهج اللّه ورسوله بنهج أبي سفيان وجاهليته.
إن تصرفا مثل هذا لا يصدر إلاّ عن ذي عقل راجح ، فمكانة إبراهيم بين أفراد قبيلته (مذحج) عظيمة جدا ، إذ أن وجود إبراهيم إلى جانب المختار سيزيد من احتمالات تحقيق انتصاره على الأمويين بشكل عام ، وعلى قتلة الإمام الحسينعليهالسلام بشكل خاص.
إن عقل المختار يهضم ما قد يصعب فهمه على بعضهم فهو جمّ من
__________________
(1) قال الطبري في التاريخ ، الأشتر مالك بن الحارث بن عبيد بن يغوث بن مسلمة ابن ربيعة بن الحارث بن جديمة بن سعد بن مالك بن النخع بن مذحج. وهو والد إبراهيم.
ولد في عصر الجاهلية ، وكان رئيس قومه ، لقب بالأشتر ، لضربه من قبل رجل من أياد يوم اليرموك على رأسه فسالت الجراحة إلى عينيه فشتر به.
مات الأشتررحمهالله سنة 39 هـ في مصر ، سمه الوغد معاوية بن أبي سفيان. وكان مالك رضي اللّه تعالى عنه من أصحاب الإمام عليعليهالسلام ، وشهد معه الجمل ، وصفين ومشاهده كلها.
التواضع والرحمة ، واللين ، وشديد ، وصلب عنيف في المواقف الصعبة ، ولا ينقص من قدر المختار ، أو يناله بسوء ما ذهب إليه ، وروّجه بعض كتبة التاريخ والسير الدائرين في فلك الأفق المعادي لأهل البيتعليهمالسلام من أن المختار كان يهدف إلى غاياته الخاصة ، حيث يطمح بالاستحواذ على الكوفة والسلطة ، غير أن الحقيقة عكس ذلك. لأنّ وجهته كانت للّه ولرسولهصلىاللهعليهوآله ، ولآلهعليهمالسلام ، واستشهاده في سبيل ذلك خير دليل ، وشهادة متينة على ما نقول.
وبعد أن استقرّ الوضع للمختار ، رحّب إبراهيم بالزعيم الجديد ترحيبا حارا افتتح المختار معه الكلام : « إنَّ اللّه أكرمك وأباك في موالاة بني هاشم ونصرتهم ومعرفة فضلهم وما أوجب اللّه من حقهم ـ ثم قال ـ وهذا كتاب محمد بن علي وهو خير أهل الأرض اليوم وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم بعد أنبياء اللّه ورسله يأمرك أن تنصرنا وتؤازرنا ، فإن فعلت اغتبطت ، وإن امتنعت فهذا الكتاب حجّة عليك ، وسيغني اللّه محمدا وأهل بيته عنك ».
يقول الشعبي وهو من رواة الشجرة الملعونة : «وكان المختار قد دفع إليّ كتابا مختوما حين خرجنا إلى المنزل فلما فرغ من كلامه هذا ، قال : ادفع الكتاب إلى إبراهيم ، فدفعه إليه ففضّه وقرأه فإذا فيه :
بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر. سلام عليك فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو.
أما بعد فإني قد بعثت إليكم وزيري وأميني الذي ارتضيته لنفسي بقتال عدوي والطلب بدماء أهل بيتي ، فانهض معه بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك فإنّك إن نصرتني وأجبت دعوتي ، كانت لك بذلك عندي فضيلة ، ولك أعنَّة الخيل وكل جيش غازٍ وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة
وأقصى بلاد الشام.
عليّ الوفاء بذلك ، عليَّ عهد اللّه فإن فعلت نلت به عند اللّه أفضل الكرامة ، وإن أبيت هلكت هلاكا لاتستقيله أبدا » (1).
تلكّأ إبراهيم بادي الأمر ، لكنه سرعان ما قبل الفكرة ، وبايع المختار حينما شهد له مشيخة المصر والثقاة فيهم.
وبعد مداولات ناجحة قام بها المختار مع إبراهيم ، انضم إبراهيم إلى قوات المختاررضياللهعنه .
كان لانضمام إبراهيم بن الأشتر إلى المختار كسبا عظيما لحركته ، فقد كان ابن الأشتر من أبرز شخصيات عصره ، كما كان عصبة قوية أصبحت تضمّها صفوف المختار.
وقد انتهى بانضمام ابن الأشتر ورجاله إلى المختار دور الاستعداد للثورة ، وبدأ الدور الإيجابي ، دور الثورة.
وكان إبراهيم ظاهر الشجاعة ، واري زناد الشهامة ، نافذ حد الصراحة ، مشمّرا في محبّة أهل البيتعليهمالسلام عن ساعديه ، متلقّيا راية النصح بكلتا يديه ، فجمع عشيرته ، وإخوانه ، وأهل مودّته ، وأعوانه ، وكان يتردّد بهم إلى المختار في هامة الليل ، ومعه حميد بن مسلم الأزدي ، حتى تصوب النجوم ، وتنفض الرجوم ، وقد اجتمع رأي المختار ، وأصحابه على الثورة وحدّدوا يوم الخميس 14 ربيع الأول سنة 66 هـ الثلاثاء (19 تشرين الأول سنة 685م).
وكان إياس بن مضارب صاحب شرطة عبد اللّه بن مطيع أمير الكوفة ،
__________________
(1) جمهرة رسائل العرب 2 : 126.
فقال له : « إنّ المختار خارج عليك لا محالة ، فخذ حذرك ، ثم خرج إياس مع الحرس ، وبعث ولده راشد إلى الكناسة (1) وجاء هو إلى السوق ، وأنفذ ابن مطيع إلى الجبايات ، بالرجال يحرسها من أهل الريبة.
تقدم قائد المختار الكبير إبراهيم على رأس فرقة من مائة جندي مسلح ، والتقى في طريقه بإياس بن مضارب رئيس الشرطة ، وقام صدام مسلح بين الفريقين انتهى بمصرع إياس.
وأقبل إبراهيم إلى المختار ، وعرفه ذلك فاستبشر وتفاءل بالنصر ، والظفر ، ثم أمر بإشعال النار في هرادي القصب ، وبالنداء :
« يا لثارات الحسين » ، ولبس درعه ، وسلاحه ، وهو يقول :
قد علمت بيضاء حسناء الطلل |
واضحة الخدين عجزاء الكفل |
|
أني غداة الروع مقدام بطل |
لا عاجز فيها ولا وغد فشل |
فأقبل الناس من كل ناحية وجاء عبيد اللّه بن الحر الجعفي في قومه ، وتقاتلوا ، قتالاً عظيما ، فانهزم الناس ومن كان في الطريق ، والجبانات من أصحاب السلاح ، وتفرّقوا في الأزقة خوفا من إبراهيم ، وأشار شبث بن ربعي على الأمير ابن مطيع بالقتال ، فعلم المختار ، فخرج مع أصحابه حتى نزل (دير هند) ، مما يلي بستان زائدة في السبخة ، ثم جاء أبو عثمان النهدي في جماعة من أصحابه إلى الكوفة ونادوا « يا لثارات الحسين » ، « يا منصور أمت » وهذه علامة بينهم ، يا أيها الحيُّ المهتدون ، ألا إن أمين آل محمد ، قد خرج فنزل (دير هند) ، وبعثني إليكم داعيا ، ومبشرا ، فاخرجوا إليه
__________________
(1) مكان خارج الكوفة ، يتخذ سوقا ، للمباريات الأدبية وكان يشبه في ذلك مربد البصرة حاليا.
رحمكم اللّه.
قال الوالبي ، وحميد بن مسلم ، والنعمان بن أبي الجعد :
« خرجنا مع المختار ، فواللّه ما انبلج الفجر حتى فرغ من تعبئة عسكره ، فلما أصبح تقدّم ، وصلّى بنا الغداة فقرأ ، والنازعات ، وعبس ، فواللّه ما سمعنا إماما أفصح لهجة منه » (1) ، ونادى ابن مطيع في أصحابه ، فلما جاءوا ، بعث بشبث بن ربعي في ثلاثة آلاف ، وراشد بن إياس في أربعة آلاف ، وحجّار بن أبجر العجلي في ثلاثة آلاف ، وعكرمة بن ربعي ، وشدّاد بن أبجر ، وعبد الرحمن بن سويد في ثلاثة آلاف.
وتتابعت العساكر نحوا من عشرين ألفا ، فسمع المختار أصواتا مرتفعة ، وضجّة ما بين سليم ، وسكة البريد ، فأمر باستعلام ذلك ، فإذا هو شبث بن ربعي ، ومعه خيل عظيمة ، وأتاه في الحال ، سعد بن أبي سعر الحنفي ، وهو ممن بايع المختار ، يركض من قبل مراد ، فلقي راشد بن إياس ، فأخبر المختار ، فأرسل المختار ابن الأشتر في تسعمائة فارس ، وستمائة راجل ، ونعيم بن هبيرة في ثلاثمائة فارس ، وستمائة راجل ، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة فقاتلهم حتى أدخلوهم البيوت ، وقتل من الفريقين جمع قتل نعيم بن هبيرة ، وجاء إبراهيم ، فلقي راشد بن إياس ، ومعه أربعة آلاف فارس ، فقال إبراهيم لأصحابه ، لا يهولنكم كثرتهم ، فلرب فئة قليلة غلبت فئة كبيرة ، واللّه مع الصابرين.
فاشتد قتالهم ، وبصر خزيمة بن العبسي براشد وحمل عليه فطعنه فقتله ،
__________________
(1) الطبري 6 : 23 ، البحار 45 : 368.
ثم نادى خزيمة ، قتلت راشدا ، ورب الكعبة ، فانهزم القوم ، وانكسروا ، وجفلوا ، إجفال النعام ، وأطلوا عليهم كقطع الغمام واستبشر أصحاب المختار وحملوا على أهل الكوفة ، وواصلوا سوقهم ، حتى أوصلوهم إلى السكك ، وادخلوهم الجامع ، وحاصروا الأمير ابن مطيع ثلاثا في القصر ، ونزل المختار بعد هذه الواقعة جانب السوق ، وولي حصار القصر إبراهيم بن الأشتر.
فلما ضاق الحصار عليه وعلى أصحابه وعلموا أنه لا تعويل لهم على مكر ، ولا سبيل للمفرّ ، أشاروا عليه أن يخرج ليلاً في زي امرأة ، ويستتر في بعض دور الكوفة ، ففعل ، وخرج حتى صار إلى دار الحقود أبي موسى الأشعري ، فآواه.
وأما جماعته فإنهم طلبوا الأمان ، فآمنهم ، وخرجوا ، وبايعوه ، وصار يُمنّيهم ، ويحسن السيرة فيهم (1).
قد يفسر البعض ، أن تصرّف المختار هذا ، مع أعدائه على أنه نوع من أنواع الخدعة ، أو المجاملة ، فهو يريد من خلال ذلك كسب ودّ أعدائه بهذه الطريقة الغريبة نوعا ما ، لكن هذه هي حقيقة أخلاق المختار ، رجل رحوم حتى مع ألدّ أعدائه ، وإن لم يكن في كسب ودّ الأعداء ، وتحييدهم ضير ، بل هو بحدّ ذاته هدف يسعى إليه كل صاحب دعوة على مرّ التاريخ ، وقد مارس رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، ذلك بقدر ما حينما جعل لأبي سفيان منزلة عند دخولهصلىاللهعليهوآله مكة منتصرا ، كما جعل اللّه سبحانه وتعالى للمؤلّفة قلوبهم حصّة من الصدقات ، حيث قال تعالى :( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ
__________________
(1) البحار 45 : 369.
عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّه وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّه وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (1).
وبسبب طيبته ، وحلمه قام المختاررضياللهعنه ، بمدّ يد العون إلى ابن مطيع الوالي السابق على الكوفة ، وهو عدو له وعفى عنه ، ومنحه مبلغا قدره مائة ألف درهم وطلب ، منه أن يترك الكوفة ، كما أنه طلب من أتباعه أن لا يقتلوا أحدا من أصحابه (2).
نقف ومن خلال تحليلنا لموقف المختار على أنه كان متمسكا بهدف مركزي هو تنبيه الغافلين بمنكر الأمويين ، وفحشاء (يزيد) ، والأخذ بثار الإمام الحسينعليهالسلام ، ليس إلاّ.
يتحدّث البلاذري عن المختار فيقول : «وكان المختار قد وجد في بيت مال الكوفة تسعة آلاف ألف درهم ـ أي تسعة ملايين درهم ـ فأعطى أصحابه ، ومن بايعه ، وأحسن المختار مجاورة أهل الكوفة ، والسير فيهم وأكرم الأشراف».
كان المختار على جانب كبير بعلم النفس ، والإلمام بوسائل الدعاية ، والإعلام ، فقد كان يخاطب عواطف الناس ، كما كان يخاطب عقولهم ، وكان لا يكتفي بوسائل الدعاية المعروفة حينذاك كالخطابة ، والشعر ، بل لجأ إلى وسائل كثيرة للدعاية ، ومنها التمثيل ـ التشابيه ـ ، والمظاهرات والإشاعات.
كما لجأ إلى ما نسميه الآن بالانقلاب العسكري ، حينما انتزع الكوفة من
__________________
(1) سورة التوبة : 9 / 60.
(2) تاريخ الطبري 6 : 33 (سنة 66) ، البحار 45 : 370.
ولاة ابن الزبير.
وهكذا استولى المختار على الكوفة ، وأصبح في اليوم التالي يعلن سياسته ، ويخطب في المسجد فيقول : « الحمد للّه الذي وعد وليه النصر وعدوه الخسر ، وجعلها منّة إلى آخر الدهر ، قضاءا مقضيا ووعدا مأتيا ، قد سمعنا دعوة الداعي وقبلنا ، قول الداعي ، فكم من باغٍ وباغية قتل في الواعية ، ألا بعدا لمن طغى وجحد وبغى وعصى وكذّب وتولى. ألا فهلموا ـ عباد اللّه ـ إلى بيعة الهدى ومجاهدة الأعداء والذبّ عن السعداء من آل محمد المصطفى ».
ثم أضاف يقول : « فلا والذي جعل السماء سقفا مكفوفا ، والأرض فجاجا وسبلاً ، ما بايعتم بعد علي بن أبي طالب أهدى منها ».
وبعد ذلك فرّق عماله على الثغور والأمصار كل حسب كفاءته فكانوا على البيان التالي :
1 ـ أرمينية : بعث إليها عبد اللّه بن الحارث الأشتر وعقد له راية.
2 ـ آذربيجان : بعث إليها رجلاً يقال له محمد بن عمير بن عطارد.
3 ـ الموصل : بعث إليها عبد الرحمن بن سعيد بن قيس.
4 ـ المدائن : بعث إليها سعيد بن حذيفة بن اليمان.
5 ـ الري : بعث إليها يزيد بن بحية.
6 ـ أصفهان وأعمالها : بعث إليها يزيد بن معاوية البجلي.
7 ـ بهقباذ الأعلى : بعث إليه قدامة بن أبي عيسى بن ربيعة النصري.
8 ـ بهقباذ الأوسط : بعث إليه محمد بن كعب بن قرظة.
9 ـ بهقباذ الأسفل : بعث إليه حبيب بن منقذ الثوري.
وخضعت له جميع الأقاليم الإسلامية سوى الحجاز والشام ومصر
والبصرة والجزيرة ، وهذا الإقليم صار تحت قبضته فيما بعد عندما استولى عليه إبراهيم بن مالك الأشتر بقتاله عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه وانتصاره عليه ، ولما فرغ من توزيع عماله أخذ ينظّم أعماله الداخلية ، فوضع على شرطته عبد اللّه بن كامل الشاكري ، وعلى حرسه كيسان ـ أبا عمرة ـ مولى عرينة ، وأقرّ شريح القاضي على وظيفته في القضاء ، ولكنه ما لبث أن عزله وأحلّ محلّه عبد اللّه بن عتبة بن مسعود ثم إن عبداللّه مرض ، فجعل مكانه عبداللّه بن مالك الطائي قاضيا (1) ، وذلك حينما علم بأنه خبيث عثماني العقيدة ، ويكفي دليلاً على خبثه ولعنه أنه هو الذي شهد على حجر بن عدي الكندي بالقتل.
ومن أبرز عوامل نجاح هذه الثورة هي :
1 ـ الاعتماد بشكل أساسي على الفئات الشعبية من العرب وغيرهم الذين ضاقوا بالاضطهاد الأموي ثم الزبيري ، ووجدوا في ثورة المختار متنفسا لتحقيق مطالبهم الإصلاحية.
2 ـ انتساب ثورة المختار إلى محمد بن الحنفية ، الأمر الذي أدّى إلى اقتناع القواعد الشعبية الشيعية ، بمصداقية هذه الثورة ، وبالتالي الإخلاص من أجلها ، ومساندة زعيمها المختار ، الذي كان هو الآخر على استعداد للاستشهاد في سبيل الطلب بدماء أهل البيتعليهمالسلام .
3 ـ إنّ الحكم الزبيري لم يقم بأي تغيير سياسي في الكوفة ، ولم يكن لديه أي برنامج إصلاحي ، بل كاد يكون بمناهجه استمرار للحكم الأموي مما أدّى إلى تذمر تلك القواعد منه ، والتفاتهم حول المختار.
4 ـ إشراك العامل الزبيري بعض قتلة الإمام الحسينعليهالسلام في الحكم ، وفي
__________________
(1) تاريخ الطبري 6 : 35.
حرب المختار ، لا سيما أخيه مصعب الذي كان على البصرة فقد آوى قتلة الحسين وأمّنهم. وقد ترك ذلك انطباعا سيئا في صفوف المقاتلين معه ، وأخذت مجموعات منهم تنصرف إلى معسكر المختار.
5 ـ انضمام ابن الأشتر إلى المختار ، أدّى إلى ترجيح كفّته ، وساعده على تحقيق النصر ، ذلك أن تأثير ابن الأشتر كان نابعا من قوته القبلية ، ومكانته البارزة في قبيلته مذحج ، فضلاً عن امكانياته الشخصية كقائد عسكري ومقاتل شجاع موهوب ومغامر (1).
__________________
(1) المختار الثقفي / الخربوطلي : 43.
تمرُّد الكوفيِّين
بعد الانتصار العظيم الذي حقّقه المختار بقيادة قائده إبراهيم بن مالك الأشتر ، وسيطرته على الكوفة كليّا ، وطرده ابن مطيع واليها من قبل ابن الزبير ، راح ابن الزبير ، وعبد الملك بن مروان ، يحسبان ألف حساب للمختار ، فهما يعرفان عنه من الجرأة والأقدام في الأمور الصعبة ما يكفي لتخوّفها منه ، ومن هنا حاولا تخويف العرب من شخصه بقولهما ، إنّما المختار يريد أن يتسلّط على رقاب العرب ، كما وأنه ينوي إذلال أشرافهم.
ومقابل ذلك فإنّ المختار هو الآخر لم يُؤْثِر الراحة والدعة ، إذ ربما يقوم ابن الزبير بتحالف مع مروان للقضاء على المختار ، لذا قرّر أن لا يتوقّف عند مرحلته الأولى ، أي طرد ابن المطيع ، بل يمضي قدما لتقويض حكم ابن الزبير الثعلب المراوغ الذي كان يطالب كذبا بثار الإمام الحسينعليهالسلام ، قبل تسلّمه دست الحكم ، ولما بويع بالخلافة صار يفكر بنفسه وبتثبيت ملكه حتى وإن أدّى ذلك إلى احتضان قتلة الإمام الحسينعليهالسلام !
وكان المختار قد تجاوز بنفوذه منطقة الكوفة ، وما حولها حيث امتدّ إلى مناطق شملت الموصل والبصرة ، وإن أصحبت فيما بعد تحت حكم الزبيريين وغيرها من حواضر الدولة في حينه.
لذا أسرع المختار بتصفية المراكز القريبة منه ، وعمل على توحيد قواته
التي ضمّت آلاف الموالي بينها ، فأرسل جيشا بقيادة إبراهيم ، ليتولّى تطهير أرض الجزيرة وما يحيط بها من قبضة الأمويين ، لما علم عبد الملك بن مروان ، أرسل عبيد اللّه بن زياد بثمانين ألفا من أهل الشام لينهب الكوفة ، ويقضي على المختار وأنصاره. وقد وصل عبيد اللّه هذا إلى الموصل ، وكان عامل المختار عليها عبد الرحمن بن سعيد بن قيس ، فوجه إليه عبيد اللّه رجاله ، فانحاز عبد الرحمن إلى تكريت ، وكتب إلى المختار يعرفه ذلك ، فكتب الجواب ، بصواب رأيه ، وبحمد مشورته ، وأن لا يفارق مكانه حتى يأتيه ، أمره إن شاء اللّه.
التقى الجمعان في 9 ذي الحجة سنة 66 هـ (686م) عند الفجر قرب الموصل ، وكان جيش أهل الشام ضعف جيش المختار ، ومع ذلك فقد انتصر جيش المختار انتصارا ساحقا بعد قتال دام يومين.
وكان يزيد بن أنس ، الذي أرسله المختار لنجدة عبد الرحمن بن سعيد ، هو القائد العام لجيش المختار ، فقاد المعركة ، وهو مشرف على الموت ، من مرض أصابه ، وما لبث أن فارق الحياة.
فتولّى أمر الجيش بعده القائد ورقاء بن عازب الأسدي الذي ما لبث أن جمع أصحابه ، وقال لهم : « ماذا ترون ، أنه قد بلغني أن ابن زياد ، قد أقبل إليكم في ثمانين ألفا. وإنّما أنا رجل منكم فأشيروا علي ، فإنّي لا أرى لنا بأهل الشام طاقة على هذه الحال ، وقد هلك يزيد وتفرّق عنّا بعض من معنا ».
فقالوا : نِعْمَ ما رأيت. وتفرّق جند جيش المختار (1).
__________________
(1) الكامل / ابن الأثير 4 : 97.
وعلم المختار ، وأهل الكوفة بما حلّ بهذا الجيش ، وانتشرت في الكوفة إشاعة تقول ، أنّ الشيعة هزمهم أهل الشام «فأرجف الناس بالمختار ، وقالوا ، أن يزيد قُتل ولم يصدقوا أنه مات» (1).
ولكن المختار لم يستسلم للأحدات ، بل ظلّ ثابت الجنان ، وأصرّ على إنزال الهزيمة بالجيش الأموي ، فأسرع في إعداد جيش جديد تألّف من سبعة آلاف جندي ، وولّى على قيادته قائده العربي المشهور إبراهيم ابن الأشتر ، وأمر بأن يسرع السير إلى ميدان المعركة لإنقاذ الموصل.
وقيل : خرج في إثني عشر ألفا ، أربعة آلاف من القبائل ، وثمانية آلاف من الحمراء (2) ، وشيّع إبراهيمَ مشيا فقال : «اركب رحمك اللّه ». فقال المختار : «إنّي لأحتسب الأمر في خطاي معك ، وأحبّ أن تتغبّر قدماي في نصرة آل محمدعليهمالسلام ، والطلب بدم الحسينعليهالسلام ».
نعم ، كانت وجهة المختار خالصة للّه ولرسولهصلىاللهعليهوآله ، لِمَ لا ، وهو الذي أخذ على نفسه عهدا ، أن يقضي على قتلة الإمام الحسينعليهالسلام ، فلا بأس أن يكون طريقه مزروعا بالأشواك. ما دامت النتيجة والصفقة رابحةً.
يقول اللّه تعالى :
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *تُؤْمِنُونَ بِاللّه وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه بَأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن
__________________
(1) المصدر نفسه.
(2) وهم المسلمون من غير العرب.
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللّه وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (1)
ثم أن المختار ، ودّع الجيش وانصرف ، وبات إبراهيم بموضع يقال له ، (حمام أعين) ، ثمّ رحل حتى وافى ساباط المدائن.
فحينئذٍ توسّم أهل الكوفة في المختار القلّة والضعف ، فخرج أهل الكوفة عليه ، وجاهروه بالعداوة ، ولم يبقَ أحد ممن اشترك في قتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وكان مختفيا إلاّ وظهر ، ونقضوا بيعته وسلو عليه سيفا واحدا ، واجتمعت القبائل عليه من قبيلة بجيلة ، والأزد ، وكندة.
فبعث المختار من ساعته رسولاً إلى إبراهيم وهو في ساباط :
« لا تضع كتابي حتى تعود بجميع من معك ».
فلما جاءهم كتابه نادى بالرجوع ، فواصلوا السير بالسرى ، والمختار يشغل أهل الكوفة بالتسويف والملاطفة حتى يرجع إبراهيم بعسكره.
وبعد ثلاثة أيام من خروجه رجع إبراهيم إلى الكوفة ، ومعه أهل النجدة والقوة ، فلما علموا بقدومه ، افترقوا فرقتين ، ربيعة ومضر على حدة ، واليمن على حدة ، فخير المختار إبراهيم إلى أي الفرقتين تسير ، فقال : إلى أيّهما أحببت.
وكان المختار ذا عقل وافر ، ورأي حاضر فأمره بالسير إلى مضر بالكناسة وسار هو إلى اليمن إلى جبانة السبيع ، فبدأ بقتال رفاعة بن شداد ، فقاتل قتالاً شديد البأس ، حتى قتل ، وقاتل حميد بن مسلم وهو يقول :
__________________
(1) سورة الصف : 61 / 10 ـ 13.
لأضربن عن ابن حكيم. مفارق الأعبد والحميم.
ثم انكسروا ، كسرة هائلة ، وجاء البشير إلى المختار ، انهم ولَّوا مدبرين ، فمنهم من اختفى في بيته ، ومنهم من لحق بمصعب بن الزبير ، ومنهم من خرج إلى البادية.
ثمّ أحصوا عدد القتلى فكانوا ستمائة وأربعين رجلاً ثم استخرج من دور الوادعين خمسمائة أسير كما ذكر الطبري وغيره ، فجاؤا بهم إلى المختار فعرضوهم عليه ، فقال :
«كلُّ من حضر فيهم قتل الحسينعليهالسلام فاعلموني به».
فلا يُؤتى بمن حضر قتلهعليهالسلام إلاّ قيل هذا ، فيضرب عنقه ، حتى قتل منهم مائتين وثمانية وأربعين رجلاً ، وقتل أصحابُ المختار جمعا كثيرا بغير علمه ، وأطلق الباقين ، ثم علم المختار ، أن شمر بن ذي الجوشن لعنة اللّه عليه ، خرج هاربا ومعه نفر ، ممن اشترك في قتل الحسينعليهالسلام ، فأمر عبدا له ، أسود يقال له رزين ، ومعه عشرة ، أن يتبعه ، فأتاه برأسه.
والغريب في هذا ، إنّ عبد المؤمن بن شبث بن ربعي التميمي ، كان يحارب بشجاعة ضد أبيه الملعون إلى جانب المختار (1).
وعلى الرغم من انتصار المختار العظيم على أشراف الكوفة ، فإنّه لم يستطع القضاء نهائيا على أولئك المتمرّدين ، فقد هرب خلق كثير منهم إلى البصرة ، وانضمّوا إلى مصعب بن الزبير ، وهؤلاء راحوا يحرّضون مصعب ضدّ المختار ، وكانوا عاملاً مهمّا ساعدوا على الإطاحة بثورته.
__________________
(1) الطبري 2 : 654.
مقتل ابن زياد لعنه اللّه
كان خطر الجيش الأموي بقيادة عبيد اللّه بن زياد الملعون ابن الملعون قد داهم الموصل ، وأراد المختار كما رأينا أن ينقذ الموصل فبعث قائده إبراهيم ابن مالك الأشتر لصدّ الأمويين ، ولكن المختار اضطرّ إلى استدعاء قائده ليخمد الانقلاب الذي أعلنه أنصار الشجرة الملعونة في الكوفة ، ونجح المختار في القضاء على هذه الفتنة وشعر بالاستقرار والهدوء في الداخل ممّا مكّنه من التفرّغ لعدوه ابن زياد.
وبعد يومين بعث المختار ، قائده الباسل ابن الأشتر ، في أواخر ذي الحجّة سنة 66ه لقتال جيش الشام ، وأمره أن يهاجمهم متى لقيهم ، وأن يجدّ في السير قبل أن يدخل أرض العراق ، وكان ابن زياد قد استطاع بجيشه الكثيف أن يحتل الموصل ، وصحب المختار جيشه إلى نهر الفرات ووعدهم بالنصر ، ممّا رفع روحهم المعنوية وبثّ الحماس فيهم.
التقى جيش المختار بجيش الشام عند قرية (بارشيا) وهي قرية تقع على ضفاف نهر الخازر (1) قرب مدينة الموصل.
وكان ابن الأشتر حسن الحظ ، فقد تقدم إليه سرا أحد قواد ابن زياد وهو
__________________
(1) رافد للزاب الكبير ، وهو فرع من فروع دجلة.
عمير بن الحباب السلمي وعرض عليه الانضمام إليه وترك ابن زياد ، ويرجع ذلك إلى أن عميرا كان قيسيا ، وكان الأمويون في ذلك الحين يقرّبون الكلبيّين اليمنيين ، ويُبعدون القيسيين ، وكانت نار العصبية كثيرا ما تشتعل بينهم ، وقد صوّر ابن الأثير الموقف فقال :
« وأرسل عمير بن الحباب السلمي وهو من أصحاب ابن زياد إلى ابن الأشتر أن ألقني. وكانت قيس كلها مضطغنة على ابن مروان ـ أي عبد الملك ـ من وقع مرج راهط وجنّدَ عبد الملك يومئذ كلبا ، فاجتمع عمير وابن الأشتر فأخبره عمير على مسيرة ابن زياد وواعده أن ينهزم الناس. ونفذ ابن الحباب خطّته وبرّ بوعده » (1).
وقال المسعودي : « وكان في نفسه ما فعل بقومه من مضر وغيرهم من نزار يوم مرج راهط ، فصاح يا لثارات قيس ، يا لمضر ، يا لنزار فتزاحمت نزار من مضر وربيعة على من كان معهم في جيشهم من أهل الشام من قحطان » (2).
وفي يوم الواقعة ، عبّأ إبراهيم جيشه منذ الفجر ، ووضع الأمراء مواضعهم ، ودعا بفرس له فركبه ، ثمّ مرّ على أصحاب الرايات كلها ، فكلّما مرّ على راية وقف عليها ، ثم قال : «يا أنصار الدين ، وشيعة الحق وشرطة اللّه ، هذا عبيد اللّه بن مرجانة ، قاتل الحسين بن علي ، ابن فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله الذي حال بينه وبين بناته ، ونسائه وشيعته ، وبين ماء الفرات أن يشربوا منه ، وهم ينظرون إليه ، ومنعه أن ينصرف إلى رحله وأهله ، ومنعه الذهاب في
__________________
(1) الكامل 4 : 110.
(2) مروج الذهب 3 : 42.
الأرض العريضة حتى قتله وقتل أهل بيته ، فواللّه ما عمل فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، قد جاءكم اللّه به وجاءه بكم. فواللّه إنّي لأرجو أن لا يكون اللّه جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلاّ ليشفي صدوركم بسفك دمه على أيديكم. فقد علم اللّه أنكم خرجتم غضبا لأهل بيت نبيكم » (1).
وهكذا سار في الناس في الميمنة والميسرة ، فرغّبهم في الجهاد ، وحرّضهم على القتال. ثم رجع حتى نزل تحت رايته. وأمر الناس بالزحف.
وبدأت المعركة بين الجيش الأموي ، وجيش المختار وذلك في مطلع سنة 67 للهجرة في أوائل شهر محرم (آب سنة 686م). وحمى وطيس القتال وسقطت كثرة من القتلى من الجانبين ، واستطاع جيش المختار أن يحوز النصر رغم أن عدد جيش الشام كان يبلغ عشرة أضعاف عدد الجيش المختاري ، بفضل مهارة قائدهم ، وبفضل حماسة الجند لا سيّما الشيعة منهم ، وسقط رؤساء جند الشام قتلى ، وقتل الكلب اللعين ابن اللعين عبيد اللّه بن زياد قاتل الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام ، وقتل الحصين بن نمير السكوني الذي حاصر ابن الزبير في الكعبة في أواخر عهد يزيد بن معاوية وكان المختار إلى جانب ابن الزبير أثناء الحصار ، كما قتل أيضا من كبار قواد الشام شرحبيل بن ذي الكلاع ، واحتز ابن الأشتر رأس ابن زياد ثم حرق جثته ، وبعد هزيمة جند الشام تتبعهم جند المختار ، فسقط عدد كبير في نهر خازر غرقى ، واستولى المختاريون على كثير من الغنائم ، وبعث ابن الأشتر إلى المختار يبشره بالنصر
__________________
(1) الكامل 4 : 110.
العظيم ، وكان المختار مقيما حينئذ في المدائن ، وأرسل إليه أيضا برؤوس ابن زياد وقوّاده ، ودخل ابن الأشتر الموصل ، وبعث أخاه ـ لأمه ـ عبد الرحمن بن عبد اللّه ليتولّى أمور نصيبين. واستطاع فيها أن يسيطر على سنجار ، كما ولّى زفر بن الحارث ، مدينة قرقيسيا ، وحاتم بن النعمان على حران ، وأقام ابن الأشتر في الموصل يحكمها باسم المختار (1). وقد مدح الشعراء ابن الأشتر بانتصاره ، وأنشده شاعره « عبيد اللّه بن عمرو » قصيدة أشاد فيها بفوزه جاء في أولها :
اللّه أعطاك المهابة والتقى |
وأحلّ بيتك في العديد الأكثر |
|
وأقرّ عينك يوم وقعة خازر |
والخيل تعثر بالقنا المتكسّر |
وهكذا أراد اللّه أن ينتقم من قتلة سيد الشهداءعليهالسلام ، فَقُتلوا جميعا ـ إلاّ من هرب ـ في مثل اليوم الذي لقى فيه استشهاده قبل ذلك بنحو خمس سنوات ، فسبحان المنتقم الجبار.
ولما وصلت الرؤوس إلى المختار ، وضع رأس ابن زياد في سلة وبعث به إلى محمد بن الحنفية وعلي بن الحسين السجّادعليهالسلام ، وسائر بني هاشم في الحجاز فلما رأى علي بن الحسينعليهماالسلام ، رأس عبيد اللّه بن زياد ، ترحّم على الحسينعليهالسلام ، وقال : « أتى عبيد اللّه بن زياد برأس الحسينعليهالسلام ، وهو يتغدّى ، وأتيت برأس عبيد اللّه ونحن نتغدّى ».
ولم يبقَ أحد من بني هاشم إلاّ قام خطيبا ، وأطنب في الثناء على المختار والدعاء له وجميل القول فيه ، وكان ابن عباس يقول : «أصاب بثأرنا
__________________
(1) الكامل / ابن الأثير 4 : 11.
وأدرك وترنا ، وآثرنا ، ووصلنا» ، فكان يظهر الجميل فيه للعامة.
ويروي اليعقوبي (1) ، أن علي بن الحسينعليهماالسلام ، لم يُرَ ضاحكا منذ قتل أبوه ، إلاّ في ذلك اليوم.
ثم بعث المختار إلى محمد بن الحنفية برسالة جاء فيها :
« إني بعثت أنصاركم وشيعتكم إلى عدوكم ، فخرجوا محتسبين آسفين فقتلوهم. فالحمد للّه الذي أدرك لكم الثار ، وأهلكهم من كلّ فجٍّ عميق ، وأغرقهم في كل بحر ، وشفى اللّه صدور قوم مؤمنين ».
وأرفق المختار رسالته إلى ابن الحنفية بثلاثين ألف دينار ، فخرّ ابن الحنفية ساجدا للّه ودعا للمختار وقال :
« جزاه اللّه خير الجزاء ، فقد أدرك لنا ثأرنا ، ووجب حقّه على كل من ولد عبد المطلب بن هاشم ، اللهمّ واحفظ إبراهيم بن الأشتر سعيه وانصره على الأعداء ، ووفّقه لما تحبّ وترضى ، واغفر له في الآخرة والأولى ».
ويروي المزرباني بإسناده عن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام ، أنه قال :
« ما اكتحلت هاشمية ولا اختضبت حتى قُتل عبيد اللّه بن زياد ».
وعن فاطمة بنت عليعليهالسلام : « ما اكتحلت امرأة منّا ولا أجالت في عينيها مرودا ، ولا امتشطت حتى بعث المختار رأس عبيد اللّه بن زياد ».
سطع نجم المختار بعد معركة الخازر (2) وقضائه على الجيش الأموي ،
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 3 : 6.
(2) وقد حدثت واقعة (الخازر) في يوم عاشوراء من المحرم سنة 67 هجرية ، في يوم ذكرى استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام ، فقتل ابن زياد في نفس ذلك اليوم ، فسبحان المنتقم الجبار.
وقتل الفاسق الكافر اللعين ابن اللعين عبيد اللّه بن زياد ، واستفاد المختار من هذا النصر العظيم فائدة عظمى ، فعلا صيته في أرجاء العالم الإسلامي ، وتنفّست الشيعة الصعداء ، فقد أخذ بثأرها ، وشفى غليلها ، ونحن نعرف حرص العرب دائما على الأخذ بالثأر ، وقد آلَم مقتل الحسين بن عليعليهماالسلام ، جميع المسلمين ، إلاّ أنصار الشجرة الملعونة من الأمويين والمروانيين وآل زياد لعنهم اللّه. وبرّ المختار بوعده الذي قطعه للشيعة ، فقد تعهّد بالقضاء على قتلة الإمام الحسينعليهالسلام جميعا ، كما نال تأييد محمد بن الحنفية وسائر بني هاشم. وكان العراقيون يكرهون عبيد اللّه بن زياد كراهية شديدة نتيجة سياسة القتل والتعذيب التي اتّبعها خلال حكمه لبلاد العراق ، فشعروا بكثير من الارتياح لمقتله وحمدوا ذلك للمختار ، وإن لم يكونوا من أنصاره.
وكانت موقعة (الخازر) ، خير سلاح للدعاية لثورة المختار ، فقد سلّطت جميع الأضواء على المختار.
ولم يبقَ أمام المختار لتأمين نجاحه واستقلاله إلاّ طرد الزبيريين من البصرة من هنا يجب أن نلتفت إلى أهم العوامل التي ساعدت على انتصار إبراهيم بن الأشتر على الجيش الأموي ، رغم التفاوت الكبير بين الجيشين ، ومن أهم هذه العوامل :
1 ـ شجاعة إبراهيم ، وكفاءته العسكرية.
2 ـ الحماس الديني الذي كان ينتاب الجمع عند نشوب المعركة بين الطرفين ، حيث التقى جيش إبراهيم ، وجها لوجه مع ابن زياد قاتل الإمام الحسينعليهالسلام .
3 ـ انسحاب القيسيين من جيش عبيد اللّه بن زياد ، رغم شكنا في ذلك ،
لأنّ البلاذري ، والطبري ، وابن الأثير ، والنويري يذكرون ، أن عميرا ، قائد القيسيين ، هرب عندما رأى جيش أهل الشام على وشك الهزيمة ، بينما حارب بكل قوة في بداية المعركة ، ويضيف الطبري هنا ، أن عميرا ، أرسل إلى إبراهيم بن الأشتر عندما رأى تراجع أهل الشام قائلاً : « أجيئك الآن ». فقال : « حتى تسكن فورة شرطة اللّه فإنّي أخاف عليك عاديتهم » (1). ولو صدر هنا منه قبل التحام الجيشين لرحّب به ولما قال له ذلك ، ولكنّه على كل حال ساعد موقف ابن الأشتر في ذلك الحين.
4 ـ التثقيف الإسلامي ، والأعلام الهادف الذي كان يحثّ جيش ابن الأشتر على الإطاحة بأنصار الشجرة الملعونة ، قبل نشوب المعركة ، ممّا ساعد هذا على انضمام أعداد كثيرة من غير الشيعة إلى قوات المختار.
5 ـ الانقسامات ، والخلافات العسكرية في قوات ابن زياد ، والتي ساعدت على إضعاف القاعدة المركزية في قوات الأمويين ، والتي سهّلت لإبراهيم أن يستغلّها بشكل ذكي ، في كسر قوات ابن زياد ، وتحقيق النصر عليها.
أما هزيمة (يوم الخازر) ، من وجهة نظر بني أمية وعبد الملك فقد كانت كارثة ، حيث تبدّد جيش الشام ، ومُزِّق شذر مذر ، وقُتل كثير من كبار قوادهم وذهبوا ، إلى جهنّم وبئس المصير.
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 : 555.
المختار والموالي
لقد جاء الإسلام للقضاء على عبودية الإنسان لأخيه الإنسان ، فعمد إلى ترسيخ هذا المبدأ الأساس على ما هو حدّي ، ولا تساهل فيه على الإطلاق ، ويتمثّل ذلك في كون العبودية المتناهية هي للّه وحده ، وليس لأي أحد من خلقه أن يمتلك البشر. ولأنّ الرقّ كان أمرا طبيعيا وسائدا في المجتمع الجاهلي ، شأنه شأن الخمرة. فقد اعتمد الإسلام من خلال القرآن الكريم وسنّة النبي محمدصلىاللهعليهوآله ، لذلك الأسلوب التدريجي حتى ينتزع من عرب الجاهلية ما كان راسخا في عقولهم من تفشّي الرقّ بينهم.
فجعل على سبيل المثال ، عتق العبيد طريقا إلى الخلاص من عقابه سبحانه وتعالى ، حيث جاء في الذكر الحكيم قوله عزّوجلّ :
«فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَةٍ » (1).
كما جعل من العتق كفّارة للذنوب. وفرضها على الذين يخالفون أحكام الدين ، كما فرض الصدقات وإطعام المساكين.
عن أبي عبد اللّهعليهالسلام : «أنَّ رجلاً من بني فهد كان يضرب عبدا له ، والعبد يقول : أعوذ باللّه ، فلم يقلع عنه ، فقال : أعوذ بمحمد ، فأقلع الرجل
__________________
(1) سورة البلد : 90 / 11 ـ 13.
عنه الضرب ، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : يتعوَّذ باللّه فلا تعيذه ، ويتعوَّذ بمحمد فتعيذه ، واللّه أحقّ أن يجار عائذه من محمد ، فقال الرجل : هو حرّ لوجه اللّه ، فقال : والذي بعثني بالحق نبيّا ، لو لم تفعل لواقع وجهك حرّ النار » (1).
نعم ، جاء الإسلام ، ليردّ لهؤلاء البشر إنسانيتهم. جاء ليقول للسادة عن الرقيق :( بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ ) (2) ، جاء ليقرّر وحدة الأصل والمنشأ والمصير « أنتم بنو آدم وآدم من تراب ».
ويذكر ، أن أول من أعتقهم الرسولصلىاللهعليهوآله ، هم بلال ، وعمار ، وصهيب ، وخباب ، فقد آثر عن الرسولصلىاللهعليهوآله ، أنه قال عن بلال الحبشي ، أنه أول ثمار الحبشة ، وعن صهيب إنه أول ثمار الروم ، وكذلك قال عن سلمان الذي كان أول من تحوّل من الفرس والذي كان رقيقا أيضا.
وممّا يدلّ على دعوى هموم هذا الدين لكل العالم هذه الرواية التي نقلناها عن الطبري (3) ، والتي تنصّ على أن النبيصلىاللهعليهوآله ، قد أرسل الدعاة لنشر السلام بين جميع الأمم.
وخصّص لفكّ رقاب المستعبدين وجها أو بابا من أبواب صرف أموال الصدقات. قال تعالى :( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا .وَفِي الرِّقَابِ .) (4).
وبهذا حبّب الدين الإسلامي السمح ، الناس في الإسراع في عتق
__________________
(1) الوسائل 22 : 401 / 2.
(2) سورة آل عمران : 3 / 195.
(3) الطبري 3 : 85.
(4) سورة التوبة : 9 / 60.
أرقّائهم ، وعبيدهم ، وأخلى سبيلهم رغبة وطمعا في المغفرة من الذنوب.
نحن نعلم ، أن للإنسان مكانة رفيعة في تعاليم الإسلام ، أساسها أن اللّه خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسبغ عليه نعمه ، وجعل فجاج الأرض ، وآفاق السماء مسخّرة له ، وفي ذلك يقول جلّ شأنه :( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (1).
ولمّا كان مكانة الإنسان على هذا المستوى الرفيع ، فإنّ الشارع ضمن له حقوقا تصونه ، وتدعمه ، وتمنع عنه أسباب الزلل والهبوط ، لعلّ أولها أن يحيا موفور الكرامة عزيز النفس لا يشكو حيفا ولا هوانا.
لقد كان الرقّ قبل الإسلام منتشرا ، ومتمكّنا ، لكن انتصار الإسلام ، هدّم هذه الظاهرة اللا إنسانية ، فأصبح الناس إخوانا كما قال الرسول العظيم محمدصلىاللهعليهوآله ، يتقاسمون الحياة مطعما ، وملبسا ، وأعمالاً ، وآدابا ، في محبّة خالصة ومشاركة عادلة.
وكان النبيصلىاللهعليهوآله ، يعتق من الإرقاء من يُعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة ، أو يؤدّي خدمة مماثلة للمسلمين. ونصّ القرآن الكريم على أن كفّارة بعض الذنوب هي عتق الرقاب. كما كان النبيصلىاللهعليهوآله يحثّ على العتق تكفيرا عن أي ذنب يأتيه الإنسان ، وذلك للعمل على تحرير أكبر عدد ممكن منهم.
فالموالي ، هم المسلمون من غير العرب ، وكانوا في الأصل أسرى حرب
__________________
(1) سورة الإسراء : 17 / 70.
في منزلة الرقيق ، ثمّ أسلموا فاعتقوا ، وأصبحوا موالي.
فمنهم من أصبحت له منزلة عظيمة أمثال : زيد بن حارثة ، الذي كانت تمتلكه خديجة ، والذي أعتقه وتبنّاه رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، ثمّ زوّجه زينب بنت جحش ، بنت عمّته أميمة ، وكانت من أجمل وأشرف بنات هاشم ، وهذا أول مظهر من مظاهر المساواة بين الناس.
ومنهم ، عمار بن ياسر مولى بني مخزوم ، وبلال بن رباح مولى بني جمح ، وخباب بن الأرت مولى أم أنمار ، وسلمان الفارسي من موالي يهود بني قريظة ، وصهيب بن سنان الروحي ، مولى عبد اللّه بن جدعان. وسالم مولى امرأة من الأنصار ، وقد تبنّاه أبو حذيفة بن عقبة بن ربيعة وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عقبة ، وأمثالهم كثير.
فهؤلاء ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ كانوا أرقّاء ، ومن أوطان وجنسيات متعدّدة ، وذوي ألوان مختلفة ، فلمّا أظلّهم الإسلام ، تحرّروا من أسر الرقّ وصاروا أحرارا!
والموالي كفئة مسحوقة لم تحقّق الحدّ النسبي من حقوقها الاجتماعية ، خاصة حقّها الكامل في المساواة. ولقد عاشت هذا الاستغلال مزدوجا ، سواء تحت قبضة ، ملاكي الأرض ، أو حين التجأت إلى الإسلام تخلّصا من الضرائب ، فاصطدمت بسلطة قمعية على رأسها الحجّاج بن يوسف الثقفي. وكان الموالي قد تلمّسوا بداية الطريق إلى موقعهم الطبيعي من السلطة الأموية ، وذلك مع ثورة المختار الثقفي.
أجل ، لقد كان عصر سيادة المختار في العراق ، بداية مرحلة جديدة في تاريخ الموالي ، فقد بدأ فترة من التسامح ، والمساواة ، والعدل ، وبهذا أعاد
المختاررضياللهعنه ، سيرة الرسول محمدصلىاللهعليهوآله ، وآل بيته في معاملة الموالي ، ونبذ سياسة التفرقة التي اتّبعها الولاة والأمويين.
بينما ترى أميرالمؤمنين وأحسن الإمام علي بن أبيطالبعليهالسلام قد أحسن معاملة الموالي ، وكان جيشه يضمّ 16 ألف من الموالي والعبيد (1).
إنّ انخفاض منزلة الموالي الاجتماعية إبان حكم الأمويين أدّت بكثير منهم أن يكونوا مستعدّين للانضمام إلى أيِّ حركة معارضة ضدّ الوضع القائم ، محاولة منهم للحصول على العدالة والمساواة.
حتى إذا ظهر المختار وجد الموالي فيه الزعيم المنشود ، فأسرعوا إلى نبذ طاعة ابن الزبير. وقد رأوا في دعوة المختار فرصة يحقّقون بها آمالهم في التساوي بالعرب.
فانضمّوا إليه ، فساوى بينهم ، وبين العرب في الحقوق والواجبات. وجعل عطاءهم جميعا واحدا. كما أباح لهم مشاركة العرب بالفيء ، وركوب الخيل (2).
وكان يلقبهم بـ (شيعة الحقّ) وبـ (شيعة المهدي) (3).
كما أنّه عيّن كيسان أبو عمرة مولى عرينة على حرسه ، وربما كان هذا التعيّن لأنّه يثقّ به أكثر من غيره أو لأنّه كان أكثر نفوذا بين الموالي من مؤيّديه.
وأعلن المختار أن كلّ عبد ينضمّ إليه يكون حرّا (4) ، وهذا ساعد على
__________________
(1) الفصول المهمة لابن الصباغ : 81.
(2) الطبري 2 : 43 ـ 44 ، كتاب الفتوح / ابن أعثم الكوفي 6 : 260.
(3) الأعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام / البياسي : 129.
(4) أنساب الأشراف / البلاذري 6 : 448.
ازدياد عدد الموالي والعبيد بين أتباعه إلى درجة كبيرة. فبعد أن كانوا في بداية الثورة خمسمائة فقط ، انضمّ إليه جميع الموالي في الكوفة تقريبا وهو في قمّة انتصاره ، وللمختار الفضل في أنه أول من أدرك أن الموالي كانوا عنصرا سياسيا مهمّا في المجتمع.
فيذكر المدائني : أن المغيرة بن شعبة كان أول من جلب انتباه المختار إلى ذلك حيث قال له : « أما واللّه أني لأعرف كلمة لو دعا بها أريب لاستمال بها أقواما فصاروا له أنصارا ». قال المختار : « وما هي؟ قال : يدعوهم إلى نصرة آل محمد والطلب بدمائهم » (1).
وعلى الرغم من أن مصلحة الأشراف كانت تتعارض تعارضا تاما مع مصالح الموالي ، فإنّ المختار ضمّهم إلى جيشه ، ولم يكتفِ المختار بذلك فقد جعلهم شركاء مع الأشراف في أمور حياتهم اليومية.
وقد غضب لذلك أشراف العرب ، فتوجّهوا إلى المختار يعاتبونه ، ففسّر لهم تقريبه الموالي بقوله : « لا يبعد اللّه غيركم ، أكرمتكم فشمختم بأنوفكم ، ولّيتكم فكسرتم الخراج ، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم ، وأوفى ، وأسرع إلى ما أريد » (2).
__________________
(1) أنساب الأشراف 6 : 387 ، والأريب : العاقل. انظر مختار الصحاح / محمد بن أبي بكر القادر الرازي : 13 ، مادة (أربَ). لكن حياة المغيرة بن شعبة وسلوكه تجاه أهل البيتعليهمالسلام يدلان على وضع هذه الحكاية لتلطيف وجهه بخلاف ما هو عليه من النصب والعداء لآل محمدصلىاللهعليهوآله .
(2) الأخبار الطوال / الدينوري : 306.
ويرى الشهرستاني ، أن اعتماد المختار على الموالي لم يكن السبب فيما وصل إليه من نجاح ونفوذ ، وإنّما نسب نجاحه إلى عاملين :
أولهما : أنه أعلن أنه نائب ابن الحنفيةرضياللهعنه .
وثانيهما : إقدامه على الأخذ بثأر الإمام الشهيد الحسين بن عليعليهماالسلام ، وقتلى كربلاء ، واشتغاله ليلاً ، ونهارا بقتال الظلمة الذين اجتمعوا على قتل الحسينعليهالسلام (1).
كانت الظروف والأحداث التي شهدتها فترة سيادة المختار في العراق إنّما هي نتيجة تطور لأحداث سابقة. وفي الحقيقة ورث المختار تركة مثقلة بالأعباء ، ولم يكن بإمكانه أن يحلّ جميع المشاكل التي تبلورت في عهده ونمت وتطورت في سنوات كثيرة ، كما أن المختار انشغل طوال فترة حكمه بقتال أعدائه ، فكان يحارب في عدّة ميادين ، حارب الزبيريين والأمويين ، وأشراف الكوفة وقتلة الحسينعليهالسلام وغيرهم.
كان طبيعيا والمختار في بلاد العراق أن يستعين بالموالي وهم الغالبية العظمى من السكان ، وكانوا يحتكرون المواد الاقتصادية ، إلى جانب ما كان لهم من نشاط سياسي وثقافي باعتبارهم ورثة الحضارة الفارسية.
وقد وصفهم المختار بأنّهم : « أولاد الأساور من أهل فارس ، والمرازبة » (2).
ورغم عطف المختار على الموالي ، وتحسينه أوضاعهم الاجتماعية
__________________
(1) الملل والنحل 1 : 237.
(2) الأخبار الطوال / الدينوري : 432.
والاقتصادية ، فقد اختار جميع ولاته ، وقواده من العرب ، وكانوا كلّهم من طبقة النبلاء (1).
فقد أرسل القائد العربي شرحبيل بن ورس ، لإنقاذ ابن الحنفية من عبد اللّه بن الزبير ، ومعه جيش قوامه ثلاثة آلاف رجل ، سبعمائة فقط من العرب اليمنيين ، أما الباقي فكانوا من الموالي (2).
نستنتج مما تقدّم ، أن المختار ، كان رجلاً ، تحرّريا لا يعرف جنسا ، ولا يتعصّب لعنصر أو لون ، فكان يرى جميع البشر على مستوى واحد بغضّ النظر عن قوميتهم أو لونهم ، لهذا ضمّ الموالي إلى ثورته ، وشاركهم مع العرب بالفيء ، والزواج من العربيات ، كما وعيّن كيسان أبا عمرة مولى عرينة على حرسه.
كما كان المختار يرى أن الموالي هم أطوع من الأشراف وأوفى ، لذلك استعان بهم للقضاء على كل من النفوذ الأموي ، والنفوذ الزبيري ، بدليل أنهم لم يتخلّوا عنه عندما حاصره مصعب بن الزبير في قصره ، في حين تركه العرب ، ولجأوا إلى قبائلهم. ويدافع (فلهوزن) عن المختار فيقول : « وجد المختار الموالي وقد أصبحوا من جماعته ، ولم يكن يرمي إلى إثارتهم ضدّ العرب ، بل اتّبع سياسة المهادنة والتوفيق ، وكانت الناس من ورائه حتى استطاع أن يجتذب إليه كبار التجار العرب. وشاء القضاء على الفوارق بين المسلمين من الطبقة الأولى والمسلمين من الطبقة الثانية ممن يأخذ عليه ذلك ، لا يكن له
__________________
(1) الخوارج والشيعة / فلهوزن : 211.
(2) الطبري 6 : 73.
الحق في أن يأخذ على الحجاج أنه عمل العكس فأكد الفوارق بكل قوة وأعادها إلى ما كانت عليه.
والحق أن المختار خليق بالمديح لكونه أسبق من غيره في إدراك أن الأحوال القائمة آنذاك لا يمكن أن تبقى كما هي ، إذ لم يكن الإسلام بل العنصر العربي هو الذي يتمتّع بالحقوق المدنية الكاملة في الحكومة الدينية» (1).
ولم يكن المختار أول من قرّب الموالي. فقد اعتمد الإمام عليعليهالسلام ، على الموالي في حروبه ، وساوى بين العرب والموالي في جميع النواحي.
__________________
(1) الخوارج والشيعة / فلهوزن : 152.
ارتداد إبراهيم عن نصرة المختار الثقفي
كان العاشر من محرم سنة 67 هـ (1) ، مشؤوما على آل الزبير ، والأمويين بشكل خاص ، حيث انتصر المختار على جيش الشام بقيادة قائده إبراهيم بن الأشتر الذي قتل عبيد اللّه بن زياد لعنهما اللّه ، المسؤول الثاني بعد يزيد بن معاوية لعنهما اللّه ، عن مقتل الإمام الحسين بن علي وآل بيتهعليهمالسلام والصفوة الكرام من أنصاره عليهم الرحمة والرضوان ، وأرسل برأسه القذر إلى المختار ، الذي قام بدوره بإرساله إلى كل من الإمام علي بن الحسين السجّادعليهالسلام وإلى عمّه محمد بن الحنفيةرضياللهعنه ، وبعد أن استقرّت الأوضاع لإبراهيم على الجزيرة وتوابعها ، وفرض سيطرته عليها ، قام بتعيين ولاة ينوبون عنه فيما اتّخذ هو الموصل مقرّا لخلافته (2).
على أيّ حال ، أصبح إبراهيم واليا على الجزيرة وتوابعها ، فماذا يعنيه بعد هذا من أمر المختار؟
حتى أن الشكّ قد ساور بعض المقرّبين ، الذي كانوا قد رافقوا إبراهيم في قتاله لعبيد اللّه بن زياد في سلامة نيّته وموقفه من المختار ، فانفضوا عنه.
__________________
(1) البداية والنهاية / ابن كثير 8 : 286.
(2) الأخبار الطوال : 434.
يقول ابن أعثم الكوفي : «أن محمد بن الأشعث ، رسول مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة ، قال للمهلب ، بعد أن طلب منه الانضمام إلى قوات مصعب بن الزبير : أن إبراهيم بن مالك الأشتر قد غلب على بلاد الجزيرة وخالف على المختار ، والمختار اليوم ليس معه جيش ، وإنّما هو في شرذمة قليلة» (1).
ثم يذكر ابن أعثم ، أن المختار لما سمع عن استعدادات مصعب بن الزبير ، خطب بأتباعه وأخبرهم أن ابن الأشتر إبراهيم قد خذله ، وقعد عن نصرته ، وسألهم أن ينضمّوا إلى جيش أحمر بن شميط (2).
ولعلّ سؤالاً يطرح نفسه ، لماذا بقي ابن الأشتر في بلاد الجزيرة ، في وقت كان المختار في أمس الحاجة إليه؟؟ وإلى خبرته العسكرية!؟
نحن نعلم ، أن انضمام إبراهيم إلى ثورة المختار كان طوعيا ، وبعد أن تبين لإبراهيم صدق نية المختار ، ظل يؤازره ، ويندفع أمامه في أخطر الخطوب. وإننا لنستغرب هذه الانعطافة الخطرة في حياة إبراهيم ، علما أن
__________________
(1) الفتوح / ابن اعثم الكوفي 6 : 284.
(2) الفتوح / ابن اعثم 6 : 286. وأحمر بن شميط هو قائد جيش المختار الذي أرسله لقتال جيش مصعب بن الزبير ، مع رؤوس الأرباع ، حيث استشهد هناك. ويقصد بـ (رؤوس الأرباع) ، أي التكتلات العسكرية في الكوفة ، حيث أصبحت أربعة مناطق تدعى بالأرباع وذلك بعد ضم كل قسمين من الأقسام الأولى ، بعد أن كانت سبعة وإليك كيفيتها :
1 ـ أهل العالية 2 ـ تميم وهمدان
3 ـ ربيعة (بكر وكندة). 4 ـ مذحج وأسد.
أنظر كتاب خطط الكوفة تحقيق كامل سليمان الجبوري : 60 / 61.
المختار كتب لعدة مرّات يطلب مساعدة إبراهيم ، لكن إبراهيم رفض ذلك (1).
في حين نراه بعد استشهاد المختار يتحالف مع مصعب قاتل المختار ضدّ عبد الملك بن مروان ، ومصعب هذا لم يكن يضع ثقته التامة في إبراهيم ما لم يكن متأكّدا من أنّه لم يعد يهتم بقضية المختار مطلقا. ومؤكّدا لو أن إبراهيم لم يترك المختار لكانت نتيجة معركتي المذار وحوراء مختلفة.
لكننا ، ينبغي أن نلتفت إلى أهم الأسباب التي دعت إبراهيم للتخلّي عن نصرة قوات المختار وهم يواجهون آل الزبير فهي من وجهة نظرنا :
1 ـ أن إبراهيم قد استطاب ملك الجزيرة ، بجعلها عاصمة لدولته الناشئة ، حتى صار لا يكترث بما حدث في الكوفة عاصمة قائده المختار من شغب ، بل كان جلّ همه منصبا على بلاد الجزيرة وما حولها فقط.
وهذا نصّ خطبة المختار والتي يبيّن فيها خيانة إبراهيم وتخاذله عن نصرته :
« أما بعد يا أهل الكوفة فإنّ أهل مصركم قد بغوا عليكم كما قتلوا ابن بنت نبيكم ، وقد لجئوا إلى أمثالهم من الفاسقين الملحدين فاستعانوا بهم عليكم ، وذلك حينما علموا بأن ابن الأشتر قد خذلني وقصّر عن نصرتي ، وقد بلغني أنهم خرجوا من البصرة يريدون قتلي ليضمحلّ الحقّ وينتعش الباطل ويقتلوا أولياء اللّه ، ألا فانهدوا مع الأحمر بن شميط».
2 ـ اقتناع ابن الأشتر ، أنه بقتله ابن زياد ، قد قضى على قتلة الإمام الحسينعليهالسلام ، وهذا جعله يعتقد ، أن مهمّته قد انتهت ، وليس ثمة ضير أن
__________________
(1) الفتوح / ابن أعثم الكوفي 2 : 29.
يستقلّ بنفسه حيث هو.
3 ـ وليس من المستبعد أن يكون آل الزبير هم الذين شجّعوا إبراهيم بعدم الانصياع إلى أوامر المختار ، وكما يقال شأن ـ الماكر الماهر ـ ، أن يعكّر الماء ليصطاد فيه.
فقد ذكر ابن خلدون في تاريخه (1) ، أن مصعبا كتب إلى إبراهيم أكثر من مرّة يدعوه إلى طاعته ، ووعده بوعود كثرة ، كما وكتب إليه عبد الملك بن مروان بولاية العراق ، واختلفت عليه أصحابه ، فجنح إلى مصعب خشية من أصحاب ابن زياد ، وأشراف أهل الشام ، وكتب إلى مصعب بالإجابة ، وسار إليه ، فبعثه على عماله بالموصل ، والجزيرة ، وأرمينية ، وآذربيجان ، وهذا يعني أن هناك اتّفاقا مسبقا تمّ في حياة المختار بين آل الزبير وإبراهيم ، مفاده أن يتخلّى إبراهيم عن نصرة المختار مقابل اعترافهم بقيادته.
ولغرض إكمال الفائدة نورد نصّ الرسالتين للإطلاع عليهما :
قال أبو مخنف ، حدّثني أبو حباب الكلبي ، أن كتاب مصعب قدم على ابن الأشتر ، وفيه : أما بعد ، فإنّ اللّه قد قتل المختار وشيعته الذين دانوا بالكفر وكادوا بالسحر ، وإنا ندعوك إلى كتاب اللّه وسنّة نبيه وإلى بيعة أمير المؤمنين (2) ، فإن أحببت إلى ذلك فأقبل إليَّ ، فإنّ لك أرض الجزيرة ، وأرض المغرب كلّها ما بقيت وبقي سلطان آل الزبير ، لك بذلك عهد اللّه ، وميثاقه ، وأشدّ ما أخذ اللّه على النبيين من عهد أو عقد. والسلام.
__________________
(1) تاريخ ابن خلدون 3 : 30.
(2) يقصد بذلك : عبد اللّه بن الزبير الذي كان يعلن نصبه وعداوته لآل محمدصلىاللهعليهوآله .
وكتب إليه عبد الملك بن مروان.
أما بعد :
« فإنّ آل الزبير ، انتزوا على أئمة الهدى (1) ، ونازعوا الأمر أهله ، وألحدوا في بيت اللّه الحرام ، واللّه ممكن منهم ، وجاعل دائرة السوء عليهم ، وأني أدعوك إلى اللّه وإلى سنّة نبيه ، فإن قبلت وأجبت فلك سلطان العراق ما بقيت ، وبقي عليّ بالوفاء بذلك عهد اللّه وميثاقه. والسلام » (2).
نستنتج من رواية الطبري عدّة أمور منها :
1 ـ أن مصعبا لم يتحرّك لقتال المختار ما لم يحصل على موافقة إبراهيم بعدم مناصرة قوات المختار ، وهذا يعود إلى أن مصلحة مصعب الخاصة كانت تقتضي فعل مثل ذلك ، في حين نفسّر تصرّف إبراهيم هذا بأنّه خيانة للقضية الشيعية التي ارتكب بحقّها ، ما جرّ الويلات والدمار على الشيعة من قبل آل الزبير ، والمروانيين الأمويين.
ولا شك أن المختار لما علم باستعدادت مصعب ، قد راسل إبراهيم كما ذكر ابن أعثم الكوفي ذلك (3).
ورسائل المختار لإبراهيم هي بمثابة الميزان الكاشف عن درجة همّته في نصره واستعداده للفداء من أجل ديمومة حكومة المختار ، من أجل أن
__________________
(1) بل أئمة الضلالة والظلم والجور من طغام الشجرة الملعونة قبحهم اللّه تعالى.
(2) الطبري 7 : 111 حوادث عام 67 هـ. ولا شك أن رسائل كثيرة دارت بين الإثنين (مصعب وإبراهيم) ، مصعب يريد تأكيد سلطته ، وإبراهيم يتثبت من أجل الإبقاء على ما في يده من سلطان. المؤلف.
(3) الفتوح / ابن أعثم الكوفي 6 : 287.
لا يقوم مصعب وأخيه عبد اللّه بنفس الدور الذي لعبه أبوهما الزبير وخالتهما عائشة ضدّ الإمام عليعليهالسلام في بداية حكمه (1) ، ومن أجل إقامة الحجّة على إبراهيم. أمام الجيل المعاصر لإبراهيم وأمام الأجيال المتأخّرة عنه.
فلو استُشهد إبراهيم مع قوات المختار لكان ذلك أكثر أجرا وأعلى مقاما ، ولنال بذلك ما ناله المختار من مقامات عُليا. لأنّ ثورتهرحمهالله كانت في سبيل اللّه ، ومن أجل القصاص من قتلة ابن بنت رسول اللّه الحسين بن علي وآل بيته وأنصارهعليهمالسلام .
2 ـ أن آل الزبير ومن البداية كانوا يسعون جاهدين لفصل إبراهيم عن جيش المختار ، ولما تحقّق لهم ذلك نرى انكسار قوات المختار أمام جيش مصعب ، في أول جولة بينهما ، فقُتل من قُتل ، وفرّ من فرّ.
3 ـ أن ابن الأشتر فضّل مصلحته الخاصة على مصلحة الأُمّة لمّا تأكّد له أن النصر قريب من مصعب ، فخلع المختار وانحاز إلى مصعب الذي قتل ستة آلاف من مسلمي الكوفة في يوم واحد ، وقتل أولاد حجر بن عدي
__________________
(1) قال ابن قتيبة في عيون الأخبار 1 : 421 ، دخلت أم أفعى على عائشة أم المؤمنين فقالت : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في امرأة قتلت ابنا صغيرا لها؟ قالت : وجبت لها النار. قالت : فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفا (أي عدد من قتلوا في وقعة الجمل). قالت عائشة : خذوا بيد اللعينة عدوة اللّه.
وروى البلاذري في أنساب الأشراف : عرضت لعائشة حاجة فبعثت إلى ابن أبي عتيق ، أن أرسل إلي بغلتك لأركبها في حاجة ، فقال لرسولها وكان مازحا : قل لأم المؤمنين عائشة ما كفاها عار يوم الجمل! فتريدين أن تأتينا بيوم البغلة.
الاثنين ، وقتل ابن حذيفة بن اليمان ، وقطع أكف المختار ، وسمرها جنب المسجد (1).
نستنتج الآن ممّا تقدّم الأُمور التالية :
1 ـ إنّ إبراهيم قد خان قائده ـ المختار ـ الذي أجلسه أميرا على بلاد الجزيرة وما وراءها ، ولولا خيانته وارتداده لما انتهت حركة المختار بهذه السرعة ولوجدت لها من أسباب البقاء ما يطيل في أمدها.
2 ـ لا شك أن عدم مناصرة إبراهيم للمختار ، قد بيّن للمجتمع المسلم أن إبراهيم كان يعيش انشطارا في الشخصية ، لكونه اختار وقتا غير مناسب لخيانته وارتداده ، وكان يتصرّف وكأنّه أعمى البصيرة. وهذا الأمر (الخيانة والارتداد) ، أدّيا إلى تحوّل أعداد كثيرة من أنصاره إلى جانب المعسكر المعادي ، وهو ما لا يرضاه إبراهيم لنفسه باعتباره أحد من كبار الشيعة ، الذي بايعوا على كتاب اللّه وسنّة نبيه ، والطلب بدماء آل البيت وجهاد المجاهدين مع المختار (2).
3 ـ أن إبراهيم كان يقصد من وراء خيانته وارتداده قصدا دنيويا هزيلاً ، وكأنّه يريد أن يلاقي اللّه بهذه الصورة الزائفة.
4 ـ عن ابن أعثم الكوفي (3) ، أن المختار طلب مساعدة إبراهيم عدّة مرّات ولكنّه رفض ذلك ، وكان هذا النداء بمثابة إلقاء الحجّة على إبراهيم ، فلو استجاب إبراهيم لهذا النداء لكان رحمة له. والواقع أن عدم ذهاب إبراهيم إلى
__________________
(1) أنساب الأشراف / البلاذري 5 : 270 ـ 271.
(2) الطبري 2 : 108 ـ 147 حوادث سنة 67 هـ.
(3) الفتوح / ابن أعثم الكوفي 6 : 287.
« الكوفة » ، قد فوّت على المختار فرصة الانتصار على مصعب ، وهذا يذكّرنا بقول الشاعر الفرزدق للإمام الحسينعليهالسلام ، حين قابله وهو متوجّه إلى أهل العراق « قلوبهم معك وسيوفهم عليك » (1).
5 ـ أن قتل المختار وأنصاره بهذه الصورة المروعة من قبل آل الزبير قد فضحهم ، ومن كان على شاكلتهم من يومهم إلى يوم القيامة ، وكشف للناس زيف سلطتهم القائمة على سفك الدماء مهما كانت حرمتها.
ولو افترضنا أن انضمام إبراهيم إلى آل الزبير قد تمّ بعد استشهاد المختاررحمهالله فالأجدر بإبراهيم ، أن لا ينضمّ إلى قوات ابن الزبير ، وللأسباب ، والمؤشّرات التالية :
1 ـ أن مصعبا قتل رئيس حكومته المسلم الشجاع (المختار الثقفي) ، الذي طالما قاتل إبراهيم تحت أمرته ، دفاعا عن بقاء دين الحق ، وإنزال العقاب الإلهي العادل بحقّ قتلة الإمام الحسين وآل بيته وأنصاره الكرام.
2 ـ أن مصعبا تتبّع الشيعة بالقتل ، وملأ السجون بقادتهم حتى لكأنّه انسلخ عن الإسلام بقتله ستّة آلاف من المسلمين والموالي ، والذين أعطاهم مصعب الأمان ، حتى لقب على أثر هذه المجزرة بـ (الجزّار) ، فيما وصف اليعقوبي ، المأساة بأنّها أحد الغدرات المشهورة في الإسلام (2).
__________________
(1) تاريخ الطبري 2 : 303.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 263 ـ 264. يُروى أن مصعبا لقي عبد اللّه بن عمر فسلم عليه وقال له أنا ابن أخيك ، مصعب. فقال له ابن عمر : نعم ، أنت قاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة! عش ما استطعت!
فقال مصعب : أنهم كانوا كفرة سحرة.
فقال ابن عمر : واللّه لو قتلت عدتهم غنما من ميراث أبيك لكان ذلك سرفا. راجع تاريخ الطبري 2 : 745.
ومع هذا فالتاريخ الأعمى لا زال يصوّر مصعبا بغير الصورة التي يستحقّها.
3 ـ إن أغلب جيش مصعب بن الزبير ، كان من قتلة الإمام الحسينعليهالسلام وهذا إن دلّ على شيء ، فإنّما يدلّ على كفر مصعب وعدم ايمانه برسالة محمدصلىاللهعليهوآله ، وبذلك يكون حال إبراهيم كما يقال : «أن الراضي بفعل قوم كفاعله».
4 ـ كان التناقض واضحا في المواقف ، والأهداف بين ابن الأشتر إبراهيم ، ومصعب بن الزبير ، فلم يكن بينهما أي رابط مبدئي. والغريب في الأمر أن إبراهيم أطاع مصعب ، بل وظلّ له مخلصا حتى الممات. ومن هنا نعتقد أن ابن الأشتر ، قد أخطأ خطأً فظيعا حين سوّد صحيفة أعماله ، فباء بغضب اللّه سبحانه وتعالى وأوجب سوء ظنّ الناس والتاريخ به ، وكان جديرا به والحال هكذا ، أن يتّبع إحدى سياستين :
1 ـ إما أن يمدَّ جيش المختار بالمال والجند والسلاح ، وبالتالي الوصول إلى الكوفة لفكّ الحصار المضروب عليها من قبل قوات مصعب. فإن بقي المختار وانتصر بقي معه ، وإن قُتل المختار قُتل معه. حيث يذكر الواقدي أن حصار الكوفة استمرّ أربعة أشهر أو أربعين يوما على ما يذكر الدينوري (1).
__________________
(1) الأخبار الطوال / الدينوري : 447 ، تاريخ الطبري 6 : 115 ، سنة 67.
2 ـ أو أن يحاول إبراهيم ، ثني آل الزبير عن عزمهم عن قتال المختار ، وينصحهم بالتريّث ، من أجل إبرام اتفاقية بين الطرفين ضدّ آل مروان.
ولكن ابن الأشتر تردّد بين هاتين السياستين ، فنراه أول الأمر يحضّ المختار ضدّ آل الزبير ، وآل مروان ، وبالتالي يخذل المختار ، بل ويسلّمه لقمة مستساغة لمصعب بن الزبير ، حين شعر بضعف المختار ، وقلّة عدد جنده.
ويرى البعض ، أن سبب انفصال إبراهيم عن المختار ، يعود إلى أن إبراهيم عند خروجه إلى قتال أهل الشام قابل بعض الشيعة ، ومعهم كرسي فارغ وضعوه على ظهر بغل أشهب (1) مدّعين أنّه كرسي الإمام عليعليهالسلام ، وأن هذا العمل ولّد لدى إبراهيم امتعاضا ، واتّهم المختار بتدبير ذلك.
إلاّ أننا نرى ذلك غير صحيح ، وغير كافٍ لكي يتخلّى إبراهيم عن نصرة المختار ، فقد ذكر الطبري (2) ، أن ابن طفيل كان بحاجة ماسّة إلى المال ، فرأى كرسيا عند جار له (زيّات) (3) ، فأخذه منه بعد أن غسله ، وزيّته ، وذهب به إلى المختار قائلاً : أنّه الكرسي الذي كان جعدة بن هبيرة (4) يجلس عليه ، فأمر المختار فجيء به ، وأمر للطفيل بأثني عشر ألف درهم.
أما رواية أبي (مخنف) ، الذي ينقل عنه كل من البلاذري والطبري (5) ،
__________________
(1) الأنساب 5 : 247 ، والطبري 2 : 700 ـ 702 ، والكامل 2 : 212.
(2) الطبري 2 : 702 ـ 703.
(3) الزيات ، أي الذي يبيع الدهن.
(4) جعدة بن هبيرة ، هو ابن أخت الإمام عليعليهالسلام ، صفية بنت أبي طالب ، انظر الطبري 2 : 705.
(5) الطبري 5 : 706 ، والأنساب 5 : 241.
والتي جعلت من المختار مسؤولاً عن وجود هذا الكرسي ، نرى أن هذه الرواية قد تعرّضت إلى التشويه ، والإضافة من قبل البلاذري ، والطبري الأمر الذي جعلنا نشك بصحّتها. وللأسباب التالية :
1 ـ للإساءة والطعن بشخصية المختار ، الأمر الذي فعله الكثير من خصومه ، حيث أن أعداء المختار كانوا كثيرين من بني أمية وبني الزبير وأنصارهما ، وماذا يرتجى من العدو غير الكيد بالطرق الآخر ولو عن طريق الأكاذيب وبثّ الاشاعات ، وهو ما حصل من أعداء المختار.
2 ـ وإن صحّ وجود هذا الكرسي ، نرى أن الغرض منه ، لمنح المقاتلين النصر ، ولزيادة حماس المحاربين ، فقد يكون للنصر الذي أحرزه إبراهيم ، أسباب أحدها وجود هذا الكرسي.
3 ـ وقد تكون هذه الرواية من وضع البلاذري ، أو الطبري. حيث روى الطبري (1) في موضع آخر رواية بهذا الصدد عن طفيل بن جعدة بن هبيرة مفادها ، أن الذي روَّج دعاية الكرسي هو عبد اللّه بن نوف ، ويقول : المختار أمرني به ، ولما علم المختار بذلك تبرّأ منه.
وبناء على ذلك فإننا نميل إلى تفضيل رواية (ابن طفيل) ، على رواية (أبي مخنف) التي تعرّضت إلى التحريف والزيادة (2) لنستنتج من كل ذلك ، أن آل الزبير (3) هم السبب الرئيس في تخلّي وارتداد إبراهيم عن المختار ،
__________________
(1) الطبري 2 : 203 ـ 207.
(2) الخلافة الأموية / د. عبد الأمير دكسن : 102.
(3) في الحديث الشريف : «يلحد بمكة كبش اسمه عبداللّه عليه نصف عذاب أهل النار».
روى الحديث هذا كثير من حفاظ أهل السنة ، رواة ابن قتيبة في الإمامة والسياسة في مقتل عثمان 1 : 35. ورواه الهيتمي الشافعي في الصواعق المحرقة : 66 ـ 67. والمحب الطبري الشافعي في الرياض النضرة 2 : 128 بطريقين ذكر أنهما خرجهما أحمد بن حنبل ، وفي الرياض أيضا : 129 ، عن عبد اللّه بن الزبير نفسه أنه قال لعثمان ، حين حصر : عندي نجائب أعددتها فهل لك أن تحول عليها إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك. قال «يعني عثمان». لا ، إنّي سمعت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله يقول : «يلحد بمكة كبش من قريش عليه أوزار نصف الناس». ورواه برهان الدين الحلبيالشافعي في سيرته 1 : 183.
ويمكننا اعتبار إبراهيم بن الأشتر مسؤولاً ، رئيسيا عن انكسار المختار ومن ثم مقتلهرحمهالله .
غير أنّه لم يمرّ مقتل المختاررحمهالله ، دون ثار. فقد قُتِل إبراهيم في جمادي الآخرة سنة إحدى وسبعين قتله عبيدة بن ميسرة مولى بن عذرة وحمل رأسه إلى عبد الملك ، وقال مصعب لما سمع بذلك : وا إبراهيماه ولا إبراهيم لي اليوم (1).
أما مصعب بن الزبير فقد قتله زائدة بن قدامة الثقفي أحد أقرباء المختار ومن مؤيّديه المخلصين الذي هتف وهو يضربه الضربة القاضية : (يا لثارات المختار).
__________________
(1) انظر : الأنساب 5 : 334 ، الإمامة والسياسة 2 : 23 ، الطبري 2 : 809 ، ابن عساكر 1 : 171 ، الذهبي 3 : 110 ، وجاء في مشكاة الأدب : «أن إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي قتل عند دير الجاليق واحرق جسده بالنار في سنة سبع وستين من الهجرة ، وقبره بنواحي الدجيل».
قال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّه وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّه وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1).
__________________
(1) سورة آل عمران : 3 / 77.
المحكمة الميدانية
قال تعالى :( وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاْءَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ *وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الاْءَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (1).
وقال تعالى :( وَمَن قُتِلَ مُظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً ) (2).
وقال تعالى :( الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُمْ فِي الاْءَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ ) (3).
في أجواء ما تقدّم من آيات الذكر الحكيم ، ومن خلالها نفهم حقيقتين بأنّ اللّه سبحانه لابدّ أن ينتصر بشكل مادّي مباشر لعباده المؤمنين( كَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (4) ، فالآيات الأولى. تتحدّث عمّا كان عليه طغيان فرعون وقائده (هامان) ، وما فعله حين ذاك بالمستضعفين من قومه ، ومن اليهود إذ أهلكهما غرقا ونجّى رسوله موسىعليهالسلام ، ومن تبعه من الصالحين. وهكذا أصبح مستضعفو الأمس سادة اليوم فكان النصر حينها فعلاً ، إلـهيا ،
__________________
(1) سورة القصص : 28 / 5 ـ 6.
(2) سورة الإسراء : 17 / 33.
(3) سورة الحج : 22 / 41.
(4) سورة الروم : 30 / 47.
إعجازيا يتمثّل بانفلاق البحر ، وعبور موسى ، وأصحابه ومن ثمّ انغلاق البحر على فرعون وجنوده (1).
أما الآية( وَمَن قُتِلَ مُظْلُوماً ) ، فإنّها تعني أن اللّه سبحانه تعالى ، لابدّ أن يؤتي للقتيل المظلوم حقّه فيجعل من خلال القوة التي يمنحها لوليه فيما بعد ، وكان قد تجسّد هذا ، وتجلّى فيما سبب سبحانه وتعالى لأولياء الحسينعليهالسلام ، والذين استُشهدوا معه من قوة عكست انتصارهم بحقّ ، لأنّ النصر من وجهة النظر الإلهية لا يقتصر على الجانب المادي ، ولا الدنيوي فقط. إنّما يتركّز أساسا في الجانب الروحي ، وهو انتصار الإنسان على ذاته أولاً. وذلك الانتصار ما بعده انتصار آخر. إنّه الخلود في الجنّة ، والخلود في ضمير الإنسانية ما دامت موجودة على وجه الأرض.
ولا نشك أبدا ، في أن المختار ، ومن قاتل معه هم من أولياء أولئك الأبطال الذين زهدوا بالحياة الدنيا ابتغاء مرضاة اللّه تعالى ، فقد ابتدأوا ثورتهم طلبا بثارات الحسينعليهالسلام ، ولما كتب اللّه لهم النصر المبين في القضاء على ابن زياد ، أرادوا أن يقيموا احتفالاً كبيرا ينفّذون خلاله شعارهم المركزي بشكل حرفي ، وما كان ذلك ليتمّ إلاّ بإقامة محكمة ميدانية عظيمة المساحة والأبعاد. أجل فقد جرت المحاكمة على مسرح كبير.
لذا بدأ المختار ، ينفّذ ما وعد به الإمام علي بن الحسين ومحمد بن
__________________
(1) وأجلى مصاديق الآية الشريفة ـ كما في كثير من رواياتنا عن أهل البيتعليهمالسلام ، هو الإمام المهديعليهالسلام في آخر الزمان الذي سيمن عليه آخر المطاف ويحقق له ما وعد سبحانه ، ولا يمنع هذا من جريانها في مصاديقها الأخرى ، لوضوح أن سبب النزول لا يخصص المورد.
الحنفية ، بثأر الحسينعليهالسلام ، وسائر الشهداء في كربلاءعليهمالسلام :
فقد ذكر الطبري في تاريخه (1) ، أن المختار قال : «اطلبوهم فإنّه لا يسوغ لي الطعام والشراب ، حتى أُطهِّر الأرض منهم».
أو قوله : «ما من ديننا أن نترك قتلة الحسين». أو يُخاطب عبد اللّه بن كامل ، وكان هذا من أخصّ بطانته وقد استجار عنده (محمد بن الأشعث) : «أتستحلّ أن تجير قتلة ابن نبيك؟» (2).
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 : 553.
(2) الطبري 4 : 533 ، والإمامة والسياسة 2 : 19 ، تحقيق طه محمد الزيني. قال صاحب المعارف : 246؛ إنّه قتل ابن عمر بن سعد بن أبي الوقاص حفص وكان ابن أخت المختار. وهذا يدل على حب وولاء المختار لآل البيت ، وإنّه أكبر دليل على إيمانه وعقيدته الثابتة. وكان عمر بن سعد قد أخذ الأمان له ولعائلته. (من قبل جعدة بن هبيرة بن أخت الإمام عليعليهالسلام ) وهذا نص وثيقة الأمان بسم اللّه الرحمن الرحيم : هذا أمان المختار بن أبي عبيد لعمر بن سعد بن أبي وقاص إنّك آمن بأمان اللّه على نفسك وأهلك ومالك وولدك لاتؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت وأطعت وألزمت إلاّ أن تحدث حدثا فمن لقى عمرا من شرطة اللّه وشيعة آل محمد فلا يتعرض إلاّ بسبيل خير.). ويفسر لنا الطبري وأكثر المؤرخين عند التعرض لهذه الحادثة معنى هذا الحديث الذي أخذه المختار شرطا وثيقا وأقرّ به عمر راضيا عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقرعليهالسلام قال : «إنّما أراد المختار بقوله أن لا يحدث حدثا هو أن يدخل بيت الخلاء» ولا مراء ـ عندنا ـ بصحه هذا القول لصحة (التورية) التي تطلق على معنيين قريب وبعيد ، وأراد به البعيد في نفسه ليظفر بعدوه فيقتله).
على أيّة حال : لم يهدأ للمختار بال ، فراح يسجع في ابن سعد ويقول : «لأقتلن رجلاً عظيم الفخذين غائر العينين مشرق الحاجبين يهز الأرض برجليه يسر قتله المؤمنين والملائكة المقربين».
قال موسى بن عامر ، فأوّل من بدأ به من الذين وطئوا الحسين بخيلهم ، وأنامهم على ظهورهم ، وضرب سكك الحديد في أيديهم وأرجلهم ، وأجرى عليهم الخيل حتى قطعتهم وحرقهم بالنار ، ثم أخذ رجلين اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل وفي سلبه ، كانا في الجبانة فضرب أعناقهما ثم أحرقهما بالنار. ثم أحضر مالك بن بشير فقتله في السوق ، وبعث أبا عمرة فأحاط بدار خولي بن يزيد الأصبحي ، وهو حامل رأس الحسينعليهالسلام ، إلى عبيد اللّه بن زياد ، فخرجت امرأته إليهم وهي النوار ابنة مالك ، كما ذكر الطبري في تاريخه ، وقيل اسمها العيوف ، وكانت محبّة لأهل البيت ، قالت : لا أدري أين هو؟ وأشارت بيدها إلى بيت الخلاء فوجدوه وعلى رأسه قوصره ، فأخذوه ، وقتلوه ثم أمر بحرقه. وكانت امرأته ممن حضر موته ، وكانت تناصبه العداوة حين جاء برأس الحسينعليهالسلام (1).
كما نجح المختار في قتل اللعين شمر بن ذي الجوشن (2) ، ورأس الكفر والضلال عمر بن سعد بن أبي وقّاص لعنه اللّه قائد جيش الأمويين في كربلاء ، ولما قتله أحضر المختار ابنه حفص بن عمر ، وأطلعه على رأس أبيه ، سأله
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 : 533 ، الإمامة والسياسة 2 : 19 ، تحقيق طه محمد الزيني.
(2) الشمر لعنه اللّه ، هو أول من حمل على السبط الشهيد الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء. وقد قبض عليه في قرية (سادماه) ، وقيل أنها (المذار) ، قرب البصرة وقتله المختار وبعث برأسه إلى محمد بن الحنفية بالمدينة. ويروي صاحب كتاب (سفينة البحار) ، عن كتاب (المثالب) لهشام بن السائب أن أم (شمر) ، مرت براعي فواقعها ، فحملت بشمر. ثم قال : ولذا قال الإمام الحسينعليهالسلام يوم كربلاء «يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا».
عمّا إذا كان يعرف من هو صاحب الرأس ، قال : نعم ولا خير في العيش بعده. فقال له : صدقت ، فإنّك لا تعيش بعده. وأمر المختار بقتل حفص ، ووضع رأسه إلى جانب رأس أبيه عمر بن سعد ، وأشار المختار إلى الرأسين ، وقال : هذا بحسين ، وهذا بعلي بن الحسين ، واللّه لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله (1) ثم أن المختار بعث برأس عمر بن سعد ، وابنه حفص إلى علي بن الحسينعليهماالسلام ، ومحمد بن الحنفية ، وأخبرهما أن اللّه بعثه نقمة على أعدائهم. وأقسم باللّه ، أن لا يبقى من شرك في دم الحسين أحدا (2).
وبعث عبد اللّه بن كامل إلى حكيم بن الطفيل السنبسي وكان قد أخذ سلب العباسعليهالسلام ، ورماه بسهم ، فالتجأت نسوته بعدي بن حاتم الطائي ، ليشفع عند المختار ، فأخذوه قبل وصول المختار ، ونصبوه هدفا ، ورموه بالسهام حتى مات ، وبعث إلى قاتل علي الأكبر ، وهو مرّة بن منقذ العبدي لعنه اللّه ، فأحاطوا بداره ، فخرج وبيده الرمح ، وهو على فرس جواد فطعنه عبيد اللّه ابن ناجية الشامي ولم تضرّه الطعنة ، وضربه ابن كامل بالسيف فاتّقاها بيده اليسرى ، فأشرع فيها السيف وتمطرت به الفرس ، فأفلت ولحق بمصعب ، وشلّت يده بعد ذلك ، وأحضر زيد بن رقاد فرماه بالنبل والحجارة وأحرقه ، وهرب سنان بن أنس إلى البصرة فهدم داره ، ثم خرج من البصرة نحو القادسية وكان عليه عيون فأخبروا المختار فأخذه بين العذيب والقادسية ، فقطع أنامله ثم يديه ورجليه ، وجزر حرملة بن كاهل ، ثم قال : النار النار ، فأتى بنار
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 : 533 ، الإمامة والسياسة 2 : 19 تحقيق طه محمد الزيني.
(2) المصدران السابقان.
وقصب فأحرق.
وقطع يدي ورجلي بجدل بن سليم الكلبي ، الذي أخذ خاتم الإمام الحسينعليهالسلام فلم يزل ينزف حتى مات (1).
وتواصل العدالة الإلهية مؤاخذاتها للظالمين. فقد أرسل المختار رجاله ليأتوا برأس محمد بن الأشعث (2) ، الذي استعان به زياد بن أبيه ، في تمكينه من أسر حجر بن عديرضياللهعنه ـ غدرا ـ فأحاطوا بقصره ، ولكنّه فرّ هاربا ، ولحق بمصعب بن الزبير ، فلما عرف المختار بذلك ، أمر بهدم داره ، وبني بلبنها وطينها دار حجر بن عدي التي كان زياد أمر بهدمها (3) ، كما وتمكّن إبراهيم بن مالك الأشتر من قتل الحصين بن نمير في وقعة الزاب وهو يقاتل تحت راية ابن زياد فأرسل المختار رأسه إلى الإمام زين العابدين ومحمد بن الحنفية (4).
وقتل مالك بن النسر ورجلين معه ، وهما : عبد اللّه بن أسد الجهني ، وحمل ابن مالك المجازي.
وحين جيء بهما مخفورين قال المختار لهما : يا أعداء اللّه وأعداء رسوله لماذا قتلتم الحسين بن علي؟
قالا : بعثنا الأمير عبيد اللّه بن زياد ، ونحن كارهون ، فامنن علينا بعفوك.
__________________
(1) البحار 45 : 376.
(2) هو أخو جعدة بنت الأشعث التي سمت الإمام الحسنعليهالسلام بأمر من معاوية بن أبي سفيان. أنظر : أسد الغابة في معرفة الصحابة 1 : 118.
(3) الطبري 5 : 254.
(4) النظرية السياسية للإمام زين العابدين / محمود البغدادي : 286.
فقال المختار : فهلاّ مننتم على الحسين ابن بنت نبيكم واستبقيتموه حيّا وسقيتموه ماءا؟!
ثمّ توجّه إلى مالك بن النسر ، وقال له : أنت صاحب برنس الحسين! فسبقه أحد الشيعة وقال : نعم هو هو. فأمر الختار عند ذلك بقطع يديه ورجليه فقطعت والدم ينزف منه حتى هلك وألحق الرجلين به فهلكا لعنهم اللّه.
وبعد ذلك أرسل جنوده إلى شمر بن ذي الجوشن ، وكان أبرصا كريه المنظر يدعي المذهب الخارجي ليحمله حجّة يحارب بها عليا وأبنائه.
وقد اختلف المؤرّخون في قتل هذا الوغد الأثيم ، فبعضهم يرى كما في البحار : إنّه هرب إلى البادية فصادفه (أبو عمرة) أثناء الطريق ودارت بينهما معركة أسفرت عن جرح شمر بجروح بليغة وقيد بعدها إلى الأمير المختار ثم قُتل. وقيل : إنّه هرب إلى البصرة ونزل قرية تدعى (الكيسانية) على شاطئ الفرات فقتله (أبو عمر) ، مع طائفة من شيعته وبعث برؤوسهم إلى المختار.
ولم يزل المختار يتبع قتلة الإمام الحسينعليهالسلام ، حتى قتل خلقا كثيرا ، وهزّم الباقين ، فهدم دورهم ، وأنزلهم من المعاقل والحصون إلى المفاوز والصحون. وبذلك حقّق المختار هدفه الذي قطعه على نفسه : «الأخذ بثأر الإمام الحسينعليهالسلام من قتلته».
وأهم أصحاب الدور التي هدمها المختار :
1 ـ دار عبد اللّه بن عروة الخثعمي ؛ وكان هذا قد رمى الحسينعليهالسلام بإثني عشر سهما.
2 ـ دار عبد اللّه بن عقبة الغنوي ؛ وكان هذا قاتل أبي بكر بن أمير المؤمنينعليهالسلام .
3 ـ دار أسماء بن خارجة ؛ وقد سعى هذا في قتل مسلم بن عقيلعليهالسلام .
المختار وولاية علي بن الحسين عليهما السلام
لقد استتب الأمر للمختار في الكوفة ، وامتدتّ سلطته إلى أطراف أخرى من العراق ، ومن ثمّ تجاوزت حتى شملت أجزاء من بلاد فارس (1) ، ويكون بهذا قد أرسى قواعد الدولة التي أراد. وإزاء وضع كهذا يبدو من حق المرء أن يتساءل عن سبب عدم قيامه بتسليم مقاليد السلطة للعلويين ليباشروا الحكم بشكل مباشر ، وهل يعتبر موقفه هذا مُدخلاً للتشكك بصدق نيّته؟ ولماذا لم يبادر الإمام علي السجّادعليهالسلام إلى المطالبة بحقّه باعتباره المؤهّل الوحيد لهذه المهمّة بحكم (إمامته) ، كما فهمناها عنهم أهل البيتعليهمالسلام ، أنّها مجرّد تساؤلات لكن نرى فيها شيئا من الموضوعية.
وللإجابة عليها نقول : أن المرحلة التي سبقت مأساة كربلاء كانت قد أظهرت ملامح الارتداد والنكوص والتردّي في إيمان الأُمّة ، ثم جاءت واقعة الطفّ لتؤكّد ذلك الانحدار ، والهبوط في المستوى الإيماني. الشأن الذي يتطلّب فعلاً روحانيا مزلزلاً للواقع ، لكل ما سيطر عليه من شهوات ومطامع دنيوية على آمال الخلود الأخروي.
فمن يتولّى أداء ذلك الفعل المزلزل وكيف؟
__________________
(1) بحار الأنوار 45 : 340.
أننا الآن إزاء حاضر فاسد يتطلّب ولا شك إصلاحا انقلابيا بعمل يناقضه. وما كان لغير الإمام السجّادعليهالسلام أن يتولّى هذا ، لذلك نراهعليهالسلام قد انصرف بكليته في اللجوء إلى اللّه تعالى ليس بدافع الخيبة والحزن الذي ملأ روحه وقلبه ، لأنّ حزن الإمامعليهالسلام ، لم يكن شخصيا مجرّدا عن الأُمّة ، وإنّما هو حزن إلهي يمتدّ بعنفوانه لينتهي على الأُمّة ذاتها. وعليه فإنّه أرادعليهالسلام أن يكتب لها سبيل الخلاص من العقد التي التفت حول عنقها حتى ضاقت به الصدور.
فجاءت أدعية الإمامعليهالسلام في الصحيفة السجادية ، لتمثّل بحقّ مادة الدرس السماوي ، والطريق لإعادة تربية الإنسان ، إذ نراها مشتملة على كل الحالات ذات العلاقة بشؤون الدين والحياة.
والدعاء لون من ألوان العبادة العالية يقرّب الإنسان من اللّه ويرسّخ فيه جذور الإيمان بكونه سبحانه وتعالى ، هو وحده القادر على تغيير الأحوال ، إن شاء لما هو أفضل.
كما أن الدعاء يتضمّن اعتراف المرء بذنوبه ، ومن ثم الاستغفار والتحوّل عما هو حرام وسيء من السلوك إلى ما هو خير.
وهناك معادلة طردية بين الفعل الإلهي التغييري وبين حال الإنسان وسلوكه ، كما هو واضح في قوله تعالى :( إِنَّ اللّه لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (1).
ثمّ نعود إلى القول بأنّه ما دام الإنسان هو الفاعل وإن لم يكن بمعزل عن أمر اللّه بهذا الشكل أو ذاك فينبغي أن يكون بمستوى الطموح الإلهي بغضّ النظر
__________________
(1) سورة الرعد : 13 / 11.
عما يستغرقه ذلك من زمن. لأنّ ردّ الفعل العاطفي الآني قد يأتي بنتائج إيجابية أوّل الأمر ، لكنّه سرعان ما يتبدّد إن لم يكن قويّا وراسخا ، ومتأصّلاً. وهذا ما حصل فعلاً للأُمّة في مجمل الأحداث. فبعد أن انتصر المختار ، وأدّى ما عليهرحمهالله ، دفع حياته ثمنا من أجل ما أراد. وببساطة انقلبت موازين القوى من حوله. وتحوّل قسم ممن كانوا معه عليه. لماذا؟ وهل هناك غير الضعف ، والجور الذي أصاب السواد الأعظم من الأُمّة. بكلّ ما تخلّل الظروف من جهل ، واضطهاد ، وتجويع؟
وكان الإمام السجّادعليهالسلام ، على بيّنة ممّا ستؤول إليه النتائج والأُمور بالتأكيد ، لأنّه يعرف النتيجة فقد حرصعليهالسلام على ترسيخ قواعد الإيمان من خلال نشر ما انتهى إليه من علوم الرسولصلىاللهعليهوآله ، باعتباره وديعة لديه يتوجّب عليه أداؤها. وأن هذا الوجوب يلجؤهُ إلى المحافظة على حياته أطول مدّة ممكنة بعيدا عمّا يمكن أن يُنهيها ، أو أن يحجبه عن أداء مهمّته العظيمة تلك.
إذن ، ما كان للإمام أن يزجّ نفسه في آتون الحركات الثورية المسلّحة بشكل مباشر حتى لا يكون ضحية وهو إن ذهب مبكرا ستذهب معه ثروة الدين التي ورثها عن بيت النبوة.
فالأمانة ثقيلة جدا ، ولعلّ بقاء الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام بالشكل الذي عرفناه ، ونجاته من مجزرة الجاهلية الأموية يؤكّد لنا صحّة موقفه ، وسلوكه في تلك الفترة.
وهذا ما يفسّر لنا عدم التأييد العلني المباشر لثورة المختار ، ولو فعل لما تيسّر له إنشاء تلك المدرسة العظيمة التي بدأت بالازدهار في عهد ابنه الإمام الباقرعليهالسلام ، ثمّ لتتوسّع مجالاتها في عهد الإمام الصادقعليهالسلام ، أن المختار قد
تفهّم ذلك الأمر فهو حتى لم يقم بالدعوة للإمام السجّادعليهالسلام ، أو التحدّث باسمه ، أنّما فضّل أن يردّ ذلك إلى عمّه محمد بن الحنفيةرضياللهعنه ، حرصا منه على أبعاد الأنظار عن بقية علم النبوة.
عمل ذلك كلّه رغم ولائه العميق لأهل البيتعليهمالسلام ذلك الولاء الذي عبّر عنه في كثير من المواقف ذات الدلالات الكبيرة.
وأننا لنجد استشهاده أكبر دليل على ولائه المطلق ، إذ بقي منقادا إلى زعامة الإمام عقائديا من بداية ثورته وانتهاءً برحيله مرورا على جسر انتصاره المؤزر الذي لم يدم طويلاً.
استشهاده
لما علم المختار بخروج مصعب بن الزبير والمهلب ، جمع جنده وأنصاره ، وولي عليهم أحمر بن شميط قائدا عاما للجيش ، وولي أبا عمرة قائدا لفرقة الموالي.
استمرّ مصعب وجيشه في التقدّم نحو الكوفة ، وحتى دخلوها من جهة السبخة (1) وحاصروا المختار. ولأجل منع وصول التجهيزات للأخير وأتباعه أرسل مصعب ، عبيد اللّه بن الجعفي إلى جبانة (2) الصائديين ، وعباد ابن الحصين الحبطي إلى جبانة كندة ، كما أمر المهلب بحراس الطرق من والي الكوفة (3) وهجم جيش مصعب على مشاة ابن شميط ، فألحقوا بهم خسارة كبيرة ، وأقبل أشراف الكوفة ، الذي كانوا قد لجأوا إلى البصرة ، بقيادة محمد ابن الأشعث ، يهاجمون جند المختار الموالي ، وابن الأشعث يصيح في فرسانه : دونكم ثأركم.
ودبّت الحماسة في قلوب الموالي ـ جند المختار ـ فأوقعوا الهزيمة بجند
__________________
(1) أي الضيعة ، أو المزرعة المأهولة. انظر خطط الكوفة / ترجمه تقي محمد المصعبي : 139.
(2) الجبانة ، أي المقبرة.
(3) أنساب الأشراف / البلاذري 6 : 439.
البصرة فكانوا (لا يدركون منهزما إلاّ قتلوه ، ولا يأخذون أسيرا فيعفون عنه ، فلم ينجُ من ذلك الجيش إلاّ طائفة من أصحاب الخيل ، وأما الرجّالة فأبيدوا إلاّ قليلاً).
ولكن سرعان ما دارت الدائرة على جيش المختار ، ولم يظهر جند مصعب أية رحمة ، وكان أشدّهم قسوة الكوفيين الهاربين إلى البصرة الذين أباد المختار معظمهم ونجا القليل منهم ، وخلال ذلك كتب المختار ، إلى إبراهيم ، يطلب مساعدته ، ولكنّه رفض (1).
كانت هذه النتيجة صدمة عنيفة أصابت المختار ، فرأى أن يقاتل حتى يُقْتَل ، فقال : « ما من الموت بد ، وما من ميتة أحبّ من أن أموت ميتة ابن شميط ».
أي أن يموت في ساحة القتال.
وزحف جيش مصعب إلى الكوفة ، وخرج المختار لقتالهم فنزل (حروراء) بعد أن حصن القصر ومسجد الكوفة.
وكان في القصر مع المختار عدد كبير من الموالي ، وقليل من العرب.
وخلال الحصار الذي استمرّ تبعا لما يذكره الواقدي (2) أربعة أشهر أو أربعين يوما على ما يذكر الدينوري (3) ، ترك العرب المخبأ ولجأوا إلى قبائلهم ، بينما بقي الموالي مع المختار حتى استشهادهرحمهالله .
وبعد أن أدرك المختار أن هذا الحصار سوف يضعف مقاومتهم حثّ أصحابه على الخروج معه ليقاتلوا حتى يموتوا أو ينتصروا ، إلاّ أنّهم رفضوا ذلك ، وقرّروا الاستسلام والنزول على حكم مصعب بن الزبير دون قيد أو شرط.
__________________
(1) الفتوح / ابن أعثم الكوفي 6 : 287.
(2) تاريخ الطبري 2 : 120.
(3) الأخبار الطوال / الدينوري : 447.
لذلك خرج المختار وتسعة عشر شخصا من أتباعه فقط للقتال ، وقد قُتل المختار بعد أن أبدى شجاعة نادرة.
وقد ذكر أنّه قال حتى معركته الأخيرة هذه قبل وفاته للسائب بن مالك الأشعري :
« إنّما أنا رجل من العرب ، رأيت ابن الزبير انتزى على الحجاز ، ورأيت نجدة انتزى على اليمامة ، ومروان على الشام ، فلم أكن دون أحد من رجال العرب فأخذت هذه البلاد فكنت كأحدهم ، إلاّ أني قد طلبت بثأر أهل بيت النبي عليهم الصلاة والسلام ، إذ نامت عنه العرب » (1).
قتلهرحمهالله أخوان من بني حنيفة قبيلة سجاح التي ادّعت النبوة. وكان استشهادهرضياللهعنه ، في الرابع عشر من شهر رمضان سنة 67 هـ (الثالث من نيسان سنة 687م) ، وكان له من العمر سبع وستون سنة (2).
وقد وصف المسعودي (3) ، ساعات المختار الأخيرة ، فقال : « ودخل المختار قصر الإمارة وتحصّن فيه ، وكان يخرج كل يوم لمحاربة مصعب وأصحابه وأهل الكوفة وغيرهم ، فخرج إليهم ذات يوم وهو على بغلة شهباء فحمل عليه رجل من بني حنيفة ، يقال له عبد الرحمن بن أسد ، فقتله واحتزّ
__________________
(1) أنساب الأشراف 6 : 440 ، تاريخ الطبري 6 : 107 ، الأخبار الطوال / الدينوري : 447.
(2) تاريخ الطبري 6 : 108 و 116 ، وذكر البلاذري ، بأن مقتل المختار كان سنة 69 هـ.
(3) مروج الذهب 3 : 72 ويقصد المسعودي بـ (أهل الكوفة) ، الذين هربوا من الكوفة وانضموا إلى قوات مصعب في البصرة ، وأغلبهم ممن اشترك بقتل الإمام الحسينعليهالسلام .
رأسه ، وتنادوا بقتله ، فقطعه أهل الكوفة ، وأصحاب مصعب. وأبى مصعب أن يعطي الأمان لمن بقي في القصر من أصحابه ، فحاربوا إلى أن أضرّ بهم الجهد ، ثم أمّنهم وقتلهم بعد ذلك ». وهكذا خصلة كل مجرم غادر.
وفي اليوم التالي لاستشهاد المختار ، تقدّم جند مصعب إلى القصر ، وحاول أحد أنصار المختار أن يجمع المختارية ليحارب بهم مصعب ، وهو بحير بن عبد اللّه المسكي ، ولكن رجال المختار أبوا إلاّ الاستسلام لمصعب «فأبوا عليه وأمكنوا أصحاب مصعب من أنفسهم ونزلوا على حكمه فأخرجوهم مكتفين ، فأراد إطلاق العرب وقتل الموالي فأبى أصحابه عليه ، فعرضوا عليه فأمر بقتلهم جميعا» (1).
وأمر مصعب بقطع كفّ المختار ، فقُطّعت وسمّرت بمسمار إلى جانب المسجد ، وظلّت هناك حتى قدم الحجّاج بن يوسف الثقفي واليا لعبد الملك بن مروان على الكوفة ، فأمر بنزعها وربّما كان هذا راجعا إلى انتساب كل منهما إلى قبيلة ثقيف (2).
قتل مصعب بن الزبير جميع من استسلم من رجال المختار ، وكانوا بين ستة وثمانية آلاف ، وأطلق مصعب العنان لانتقام مجرمي الكوفة الذين أرادوا الثأر لدماء آبائهم وأقربائهم من الموالي فاستحقّ من أجل ذلك ، أن يلقّب بلقب (الجزّار) ، وتتبّع شيعة بالقتل كما فعل عبيد اللّه بن زياد من قبل.
وقد وصف اليعقوبي ، المأساة بأنّها :
__________________
(1) ابن الأثير 4 : 68.
(2) المختار الثقفي / الخربوطلي : 309.
« أحد الغدرات المذكورة المشهورة في الإسلام » (1).
وبمصرع المختاررحمهالله ، شعر المسلمون وبنوهاشم بشكل خاص بخسارة فادحة. فيذكرابن الأثير ، « أنّه لما قُتل المختار تضعضعت الأُمّة الإسلامية ، واحتاجت إليه » (2).
رحم اللّه المختار فقد أدّى مهمته. وصدق إذ قال : حين قدم إلى العراق إنّه : « إذا أدرك بثأر النبيّين وشفى صدور المؤمنين لم يحفل بالموت إذا أتى». فمات كريما ، بطلاً ، شجاعارحمهالله (3).
والآن تبقى بعض الأسئلة المهمّة التي قد تخطر على البال والتي نرى أنّها كانت سببا مساعدا عجّل في سقوط دولة المختار :
أولاً : كان الواجب يقتضي على المختار أن لا يفرّق بين قتلة الإمام الحسينعليهالسلام وأعدائه ومناوئيه من أنصار الشجرة الملعونة ، بل يجعل الكلّ في خندق واحد ، ولكنّا نراه قتل قتلة الإمام الحسينعليهالسلام ، وترك المتحزّبين للدولة الأموية أحرارا في تصرّفهم وغير منصاعين لقوانين دولته ، وهؤلاء شكّلوا قوى وأحزاب معارضة كانت سببا في سقوط دولته.
ثانيا : كان على المختاررحمهالله أن يُخرج عن الكوفة وحواضرها أصحاب الضمائر الميتة كالشعبي الخبيث وأمثاله من أنصار الشجرة الملعونة ، وأصحاب القلوب المريضة من الكوفيين وغير الكوفيين الذين انغمسوا في حبّ الدنيا والسلطان والذين شكّلوا طابورا معاديا في إشاعة الفتن وفي تفرّق الناس عن نصرته في أزماته السياسية والحربية ، وكانوا سببا رئيسيا في
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 264.
(2) الكامل 4 : 106.
(3) عبد الملك بن مروان / دكتور ضياء الدين الريس : 174.
دخول قوات مصعب إلى الكوفة دون مقاومة.
ثالثا : إنّه لم يرسل بعيونه إلى الحجاز لتأتيه بكل صغيرة وكبيرة عن آل الزبير ، حيث أن عبد اللّه بن الزبير كان يعتقد أن الكوفة بما فيها هي تبع له ولسلطانه ، وقد روى الطبري (1) أن عبد اللّه بن الزبير أرسل (عمر بن عبد الرحمن بن هشام المخزومي) واليا على الكوفة بدلاً من المختار ، لكن المختار طرده. ومنه يتبيّن أن المجابهة العسكرية حاصلة بين الطرفين شاء المختار أم أبى ، لذلك كان الواجب على المختار أن يبدأ بقتال عبد اللّه بن الزبير قبل أن تدور الدائرة عليه.
رابعا : إنّهرحمهالله لم يضع رقابة شديدة من أجل مراقبة الأوضاع داخل وخارج الكوفة بشكل دقيق ، كما وإنّه لم يُعيّن لجان أمنية لملاحقة الغرباء والمشبوهين الوافدين من الأمصار المجاورة لدولته ، فقد ذكر الطبري (2) أن عبد اللّه بن الزبير وعبد الملك بن مروان وهما من ألدّ أعداء المختار أرسلا مئات الجواسيس للتجسّس ونقل الأخبار عن كل ما يجري في الكوفة.
خامسا : إنّه لم يبثّ خبرا ، مفاده أن إبراهيم بن مالك الأشتر مقبل بقوات لا قبل لقوات مصعب بن الزبير ، ولا لغيرها وذلك ليشدّ من عزم قواته التي راحت تتفرّق عنه سرّا وتسلّم نفسها كأسرى حرب لقوات مصعب.
سادسا : إنّه لم يعطِ إشارة لإبراهيم بن مالك الأشتر قائده العظيم بالعودة إلى الكوفة بعد انتصاره على عبيد اللّه بن زياد في الموصل ليكون له عونا في حال تعرّض عاصمته إلى أيّ خطر خارجي.
__________________
(1) تاريخ الطبري 1 : 135 غير محقق.
(2) المصدر نفسه.
مسجد الكوفة ، ومرقد المختار
تقع مدينة الكوفة على بعد بضعة أميال (10 كم) ، من مدينة النجف الأشرف. وكانت هذه المدينة قد أُسّست من قبل سعد بن أبي وقّاص أحد قادة الفتح الإسلامي في العراق سنة 17 هجرية في عهد عمر بن الخطاب ، لتكون مركز الجيش الإسلامي (1). ويقال أنها بُنيت على أثر بناء قديم من عهد نوحعليهالسلام يسمّى كونان (2). ويقع المسجد المسمى بإسمها في أبواب المدينة ويحتوي على عدد من المراقد ، والمقامات.
أما المراقد فهي مرقد الشهيد مسلم بن عقيل ، سفير الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام إلى أهل الكوفة ، ويقع بجانبه مرقد المختار الثقفي (3) ، وعلى مقربة
__________________
(1) ابن خياط : 109 ، المعارف / ابن قتيبة : 565 ، الفتوح / البلاذري : 274.
(2) نخبة الدهر / الدمشقي : 186.
(3) أن العلاّمة الشيخ عبد الحسين الطهراني (قدس اللّه سره) لما يمّم الأعتاب المقدسة بالعراق ، ونهض بعمارتها ، فحص عن مرقد المختار في مناحي مسجد الكوفة ليجدد عمارته ، وكانت علامة قبره في صحن مسلم بن عقيلعليهالسلام ، الملاصق بالجامع ، وفوق الدكة الكبيرة أمام حرم هاني بن عروةرضياللهعنه .
فحفروها فظهر فيها علامات لحمام وبان أنه ليس بقبره فمحى الأثر ، ثم لم يزل الشيخ يفحص عنه فانهى إليه عن العلاّمة الكبير السيد الرضا بن آية اللّه بحر العلوم الطباطبائيرحمهالله ، أن أباه كان إذا اجتاز على الزاوية الشرقية بجني الحائط القبلي من مسجد الكوفة ـ حيث يعرف بقبره الآن ـ يقول لنقرأ سورة الفاتحة للمختار فيقرأها ، فأمر الشيخ بحفر الوضع فظهرت صخرة منقوش عليها : (هذا قبر المختار بن أبي عبيد الثقفي) ، فعلم المكان قبرا له ، وهو خارج عن باحة المسجد ، وإن كان مدخله منه. وكانت سنة عمارته في حدود سنة 1285 هجرية ، وقد نقل ذلك عن جماعة من الأعلام منهم العلاّمة الحجة الشيخ ميرزا حسين ابن الميرزا خليل الطهراني النجفيقدسسره .
.. انظر كتاب تاريخ الكوفة لمؤلفه السيد حسين البراقي النجفي : 65.
منهما يقع ضريح الشهيد ـ هاني بن عروة ـ الذي هو من أبرز أشراف الكوفة وقرائها ، وله منزلة عظيمة في الكوفة ، وكان شيخا لبني مراد ، وهو من المقرّبين للإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، قتله عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه ، بسبب مساندته ، وإيوائه للشهيد مسلم بن عقيلعليهالسلام .
وفي شمال المسجد يقع مقام ضريح خديجة بنت الإمام عليعليهالسلام ، وهي أُخت العباسعليهالسلام ، شهيد كربلاء ، توفّيت في سنّ مبكر ، دفنها والدهاعليهالسلام ، في دكان الصحابي الجليل ميثم التمّار (1).
أما المقامات الموجودة في مسجد الكوفة ، فهي :
1 ـ مقام آدمعليهالسلام (مصلّى التوبة) ، ويقع أمام محراب الإمام عليعليهالسلام ، على الجهة اليسرى.
2 ـ مقام جبرئيلعليهالسلام ، ويقع على يمين مقام آدمعليهالسلام .
3 ـ مقام إبراهيمعليهالسلام ويقع بالقرب من (باب الفيل) (2) ، على يسار القبلة.
__________________
(1) هذا ما رواه لي خادم ضريح خديجة (رحمها اللّه) ، الحاج عبد الرسول عباس.
(2) باب الفيل : هذا الباب يدخل منه إلى المسجد اليوم ، وكان يمسى بـ (باب
4 ـ مقام نوحعليهالسلام ، ويقع في الزاوية الغربية للمسجد ، وهو البيت الذي نجر فيه نوحعليهالسلام سفينته.
5 ـ مقام الخضرعليهالسلام ويقع بجوار مقام إبراهيم الخليلعليهالسلام على الجهة اليسرى.
6 ـ مقام الإمام عليعليهالسلام الذي استُشهد فيه ، ويقع إلى الشمال الشرقي من سور المسجد.
__________________
الثعبان) ، وللتسمية شأن ذكره علماء الحديث مسندا. للحارث الهمداني قال : كان الإمام عليعليهالسلام ، يخطب في المسجد الأعظم إذ أقبل أفعى من هذ الباب ، واضطرب الناس وماجوا فصعد المنبر وسار مليا صوب الإمام عليعليهالسلام ثم خرج من هذ الباب ، فسئل عليعليهالسلام عنه ، قال : «إنّ الجن التبست عليهم مسألة فجاءني هذا يسأل عنها ، واختلف أولياؤه وأعداؤه فمن مؤمن مصدِّق ومن منافق مرتاب». قال المجلسي في مزار البحار 97 : 406 ، والسيد هاشم البحراني في مدينة المعاجز 1 : 139 / 78 ، كان هذا الباب يعرف بباب الثعبان وبعده حدثت التسمية (بباب الفيل) ولزمته.
وحدث البلاذري في فتوح البلدان : 296 في سبب ذلك قال : لما فتح المسلمون المدائن أصابوا بها فيلاً اشتراه رجل من أهل الحيرة ، فكان يطوف به القرى ، فرغبت في النظر إليه أم أيوب بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط امرأة المغيرة بن شعبة ، وخلف عليها من بعده زياد بن أبيه وكانت تنزل دار أبيها إلى جنب المسجد الأعظم فأتوا به إليها وربط بباب المسجد ووهبت لصاحبه شيئا وصرفته فلم يخط إلاّ خُطّا يسيرة ومات فاشتهر الباب بـ (باب الفيل).
وفي تاريخ الطبري 6 : 103 ، أن زيادا كان يأمر بفيل كان عنده فيوقف فتنظر إليه أم أيوب فسمى بـ (باب الفيل). وللمزيد راجع كتاب زيد الشهيد / المقرم الموسوي : 136.
7 ـ مقام بيت الطشت ، ويقع على يسار مقام الخضرعليهالسلام .
8 ـ مقام دكة القضاء ، ويقع أمام مقام الخضرعليهالسلام .
9 ـ مقام السجن.
10 ـ مقام درج نوحعليهالسلام
11 ـ مقام النبي محمدصلىاللهعليهوآله ، ويقع في وسط المسجد.
12 ـ مقام الإمام الصادقعليهالسلام .
13 ـ مقام زين العابدين علي السجّادعليهالسلام ، ويقع أمام مقام نوحعليهالسلام .
14 ـ المزولة (الساعة).
وللمزيد من التوضيح اُنظر المخطط رقم (1) بقلمنا لمسجد الكوفة.
في نقاء المختار ، ومبدئيّته
ممّا لا جدال فيه ، أنّ لكل شخصية بارزة في التاريخ محبّين ، وخصوم سواء ممن عاصروا تلك الشخصية ، أو جاءوا في زمن متأخّر عنها.
وهكذا نرى ، أن شخصيةً فاعلةً مثل المختار لا يمكن أن تخرج عن هذا القانون ، ومن هنا كان من الطبيعي أن تحتوي كتب السير والتاريخ ، وجهات نظر المحبّين والمخاصمين ، باعتبارها مرآة للحركة ، وموقف المجتمع في فتراته المتعاقبة وهي تعكس الرؤيا المتناقضة حول هذه الشخصية التاريخية أو تلك ، ومن أجل أن يقف المرء على الرأي الصائب نرى أن عليه التأمّل فيما بين يديه من وجهتي النظر المتناقضتين محتكما إلى الفعل التاريخي الثابت للشخص المعني وما كان يحكم ذلك الشخص من مبادئ ، وهنا نتساءل ترى ما هو موقف الأمويين ، والعباسيين ، ومن شايعهم من المختار؟ ثمّ ما هو موقف الهاشميين ، والشيعة منه؟ وأخيرا ما هو موقف الذين أعادوا كتابة التاريخ من غير العرب والمسلمين ، ونعني بهم (المستشرقين) ، على وجه الخصوص؟
إنّ الإجابة عن هذه التساؤلات هي التي ستقودنا دونما شك إلى الرأي الصائب وعلى أساسها يصبح بإمكاننا غربلة ما ورد من خليط الأخبار ، والروايات لنرمي من ثم النخالة جانبا.
فموقف الأمويين ، والعباسيين ، هو العداء ، وما دمنا نعرف ذلك فلا يخرج ما ورد من حكايات عن المختار ، عن دائرة العداء المطلق.
ومن الطبيعي أن يتّخذ هذا العداء أشكالاً شتّى منها : لصق التهم بالطرف المقابل ، واختلاق شتّى المعايب به. ولما كان كتبة التاريخ منقسمين بدورهم إلى طرفي النزاع يصبح من البديهي ، أن يختلقوا ما شاء لهم الخيال من وقائع ، وأحداث يصبّ كل منها في المجرى الذي يعنيه ، ولكوننا نعلم أن كتابة التاريخ والروايات التاريخية نشأت في أحضان الانحراف السياسي والأخلاقي والتربوي والديني لرموز السلطة ، فجاءت تلك الكتابة لإرضاء السلطة الذين سخّروا بدورهم أيادي قذرة كثيرة لتشوّه حقائق التاريخ ، والمعلوم أن التاريخ كان في بداياته يعتمد على الرواية الشفهية فقد ناله كثير من الوضع والاختلاق ، وحين ابتدأ التدوين كان الغالب على معظم المدوّنين جمع أكبر ما سمع من الروايات دون تمحيص ، هذا لو افترضنا فيه الإنصاف.
فالمادة الأولى للتاريخ هي ليست أكثر من خليط احتوى الكذب ، والحقيقة.
أما موقف الذين أعادوا كتابة التاريخ من المستشرقين ، وأشياعهم ، فيعتمد على أمور من المؤكّد أن تنتهي بهم إلى الإيغال في العداء ، والإساءة للإسلام ، والمسلمين بشكل عام ، وإن تستّروا بالمنهجية العصرية ، وبكونهم دعاة يبحثون عن الحقيقة التاريخية ، وموقفهم هذا واضح ، وعليه شواهد كثيرة لسنا بمقام تناولها هنا ، لأنّ ذلك الموضوع قد أخذ مكانه في كتابات كثيرة أبطلت ما ابتدعه المستشرقون وافتراه موظفو الدوائر اليهودية ، والرأسمالية ، والاستعمارية ونأتي الآن بذكر ما يعنينا ، وهو ما يتعلّق
بشخصية المختار ، فقد ذكروا أنّه ادّعى النبوة (1) ، وأنّه يأتيه جبرائيل.
وهذه الفرية واضحة البطلان من خلال كون المختار مسلما في عقيدته ، وسيرته كما ذكرنا ذلك فيما تقدّم ، كما ذكروا بأنّه كان يبتغي من وراء ثورته ، ومواقفه نيل الجاه ، والسلطان ، والتحكّم بأمور المسلمين ، إلى جانب كونه قد تذبذب في مواقفه السياسية ، كما ورد في كتاب (المختار الثقفي لمؤلّفه الدكتور علي حسني الخربوطلي) ، نقلاً عشوائيا عن البلاذري ، وتبنّيا منه لآراء بعض المستشرقين.
وكما ورد عن الأئمةعليهمالسلام ، بشأنه من فضائل ، ونحن في مقام الردّ على ممن شكّك في سلامة دين المختار ـ وموقفه المبدئي ـ خير مادة لإبطال مفترياتهم تلك ، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، أنّه قال : « إنّ بعض بني إسرائيل أطاعوا فأكرموا ، وبعضهم عصوا فعذّبوا فلذلك تكونون أنتم» ، فقالوا : فمن العصاة يا أمير المؤمنين؟ قال : «الذين أمروا بتعظيمنا أهل البيت وتعظيم حقوقنا ، فخانوا وخالفوا ذلك ، وجحدوا حقوقنا واستخفّوا بها ، وقتلوا أولادنا ، أولاد رسول اللّه الذين أمروا بإكرامهم ومحبّتم ».
قالوا : يا أمير المؤمنين إن ذلك لكائن.
قال : « بلى خبرا حقّا ، وأمر كائنا سيقتلون ولديّ هذين الحسن والحسين ».
ثم قالعليهالسلام : « وسيصيب الذين ظلموا رجزا في الدنيا بسيوف بعض
__________________
(1) الخلافة الأموية / د. عبد الأمير دكسن : 111.
من يسلّط اللّه تعالى عليهم للانتقام بما كانوا يفسقون كما أصاب بني إسرائيل الرجز» ، قيل ومن هو؟
قال : « غلام من ثقيف ، يُقال له المختار بن أبي عبيد » (1).
وقال الإمام علي بن الحسينعليهماالسلام : (فكان ذلك بعد قوله هذا بزمان.
وأن هذا الخبر اتّصل بالحجّاج بن يوسف لعنه اللّه من قول علي بن الحسينعليهالسلام ). قال : « أما رسول اللّه ما قال هذا ».
وأما علي بن أبي طالب فأنا أشك ، هل حكاه عن رسول اللّه ، وأما علي بن الحسين فصبي مغرور ، يقول الأباطيل ويغرّ بها متبّعوه ، أطلبوا لي المختار ، فطلب فأخذ فقال ، قدموه إلى النطع فاضربوا عنقه ، فأتى بالنطع فبسط وأبرك عليه المختار ، ثم جعل الغلمان يجيئون ويذهبون لايأتون بالسيف. قال الحجاج : ما بالكم؟ قالوا : لسنا نجد مفتاح الخزانة وقد ضاع منا والسيف في الخزانة. فقال المختار : لن تقتلني ، ولن يكذب رسول اللّه ، ولئن قتلتني ليحييني اللّه حتى أقتل منكم ثلاثمائة وثلاثة وثمانين ألفا ، فقال الحجاج لبعض حجابه ، أعط السياف سيفك يقتله ، فأخذ السياف سيفه ، وجاء ليقتله به والحجاج يحثه ، ويستعجله ، فبينما هو في تدبيره إذ عثر والسيف بيده فأصاب السيف بطنه فشقه فمات ، فجاء بسياف آخر ، وأعطاه السيف فلما رفع يده ليضرب عنقه لدغته عقرب فسقط فمات ، فنظروا وإذا العقرب فقتلوها.
فقال المختار : يا حجاج إنك لا تقدر على قتلي ، ويحك يا حجاج أما تذكر ما قال نزار بن معد بن عدنان لسابور ذي الأكتاف حين كان يقاتل
__________________
(1) بحار الأنوار 45 : 304.
العرب ، فأمر نزار ولده ، فوضع في (زبيل) في طريقه فلمّا رآه قاله له ، من أنت؟ قال : أنا رجل من العرب أريد أن أسألك ، لم تقتل هؤلاء العرب ولا ذنب لهم إليك ، وقد قتلت الذين كانوا مذنبين في عملك والمفسدين؟ قال : لأني وجدت في الكتاب إنّه يخرج منهم رجل يقال له محمد يدّعي النبوة فيزيل دولة ملوك الأعاجم ، ويفنيها فأقتلهم حتى لا يكون منهم ذلك الرجل ، فقال نزار : لئن كان ما وجدته في كتب الكذّابين فما أولاك أن تقتل البراء غير المذنبين وإن كان ذلك من قول الصادقين فإنّ اللّه سيحفظ ذلك الأصل الذي يخرج منه هذا الرجل ، ولن تقدر على إبطاله ويجري قضاءه وينفذ أمره ولو لم يبقَ من جميع العرب إلاّ واحدا ، فقال سابور ، صدقت هذا نزار يعني بالفارسية ـ المهزول ـ كفّوا عن العرب ، فكفّوا عنهم ، ولكن يا حجّاج اللّه قد قضى أن أقتل منكم ثلاثمائة ألف وثلاثة وثمانين ألف رجل ، فإن شئت فتعاط قتلي ، وإن شئت فلا تتعاط ، فإنّ اللّه إما أن يمنعك عنّي ، وإما أن يحييني بعد قتلك ، فإنّ قول رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، حقّ لا مرية فيه.
فقال للسيّاف : إضرب عنقه. فقال المختار : إنّ هذا لن يقدر على ذلك أحبّ أن تكون أنت المتولّي لما تأمره فكان يسلّط عليك أفعى كما سلّط على هذا الأوّل عقربا.
فلمّا همّ السيّاف أن يضرب عنقه إذا برجل من خواص عبد الملك بن مروان قد دخل فصاح بالسيّاف كفّ عنه ، ومعه كتاب من عبد الملك بن مروان ، فإذا فيه :
(أما بعد يا حجّاج بن يوسف فإنّه قد سقط إلينا طير عليه رقعة إنّك أخذت المختار بن أبي عبيد ، تريد قتله ، تزعم أنه حكى عن رسول اللّه فيه ، إنّه
سيقتل من أنصار بني أمية ثلاثمائة وثلاثة وثمانين ألف رجل ، فإذا أتاك كتابي هذا فخلِّ عنه ولا تعرض له إلاّ سبيل خير فإنّه زوج ظئر ابني الوليد بن عبد الملك بن مروان ، وقد كلّمني فيه الوليد ، وإنّ الذي حكى إن كان باطلاً فلا معنى لقتل رجل مسلم بخبر باطل وإن كان حقّا فإنّك لا تقدر على تكذيب قول رسول اللّه). فخلّى عنه الحجاج (1).
ونحن نرى ، أن الذي عقب على قول الإمام المتقدّم لم يكن الحجّاج ، وإنّما هو عبيد اللّه بن زياد ، وذلك لأنّ الحجّاج لم يأتِ إلى الكوفة إلاّ في سنة 72 هجرية. أي بعد استشهاد المختاررحمهالله بخمسة سنوات ، ضمن الجيش الذي قاده عبد الملك بن مروان لمحاربة مصعب بن الزبير ، وبعد مقتل مصعب توجّه الحجّاج لقتال عبد اللّه بن الزبير في مكة ، وبعد مصرع عبد اللّه ، ولاّه عبد الملك حكم مكة والمدينة ، واستمرّ الحجّاج واليا على الحجاز واليمن واليمامة ثلاثة أعوام ، ثم ولاّه عبد الملك على الكوفة والبصرة في رجب من عام 75 هجرية (694م) (2).
كما ورد عن الإمام الحسينعليهالسلام ، أنه حذّر جيش المملكة الأموية بعذاب اللّه النازل عليهم حيث قالعليهالسلام : «تبّا لكم وترحا أيتها الجماعة ، حين استصرختمونا والهين ، فاصرخناكم موجفين مستعدّين ، سللتم علينا سيفا لنا في إيمانكم ، وحثثتم علينا نارا قد أجّجناها على عدوكم ، وعدونا. إلى أن يقول عليهالسلام : اللهمّ احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم
__________________
(1) بحار الأنوار 45 : 341.
(2) أنساب الأشراف / البلاذري 5 : 257 ، مروج الذهب 3 : 56 ، الإمامة والسياسة 2 : 23 ـ 24 تحقيق طه محمد الرايني ، تاريخ ابن الأثير 5 : 135.
سنين كسني يوسف ، وسلّط عليهم غلام (ثقيف) ، يسقيهم كأسا مصبّرة ، ولا يدع فيه أحدا إلاّ قتلة بقتلة وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي ، منهم فإنّهم غرّونا وكذبونا ، وخذلونا وأنت ربّنا عليك توكّلنا ، وإليك أنبنا وإليك المصير » (1).
ونحن نجد أن لفظة (غلام ثقيف) من غير الممكن أن يكون المقصود بها هو الحجّاج ، لأنّ الحجّاج لم يقم بقتل قتلة الإمام الحسينعليهالسلام ، وأهل بيته ، وأصحابه ، وإنّما الذي قام بذلك هو المختار الثقفي.
وروي (2) ، أنه دخل جماعة على الإمام الباقرعليهالسلام وفيهم عبد اللّه بن شريك ، قال : فقعدت بين يديه إذ دخل عليهم شيخ من أهل الكوفة ، فتناول يده ليقبّلها ، فمنعه ثم قال : من أنت؟
قال : أنا أبو الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي ، وكان متباعدا منهعليهالسلام ، فمدّ يده فأدناه حتى كان يقعده في حجره ، فقال : أصلحك اللّه ، أن الناس قد أكثروا في أبي ، والقول واللّه قولك ، قال : وأي شيء يقولون؟ قال : يقولون كذّاب ، ولا تأمرني بشيء إلاّ قبلته.
فقالعليهالسلام «سبحان اللّه أخبرني أبي أن مهر أمي مما بعث به المختار إليه ، أو لم يبن دورنا ، وقتل قاتلنا ، وطلب بثأرنا ، فرحم اللّه أباك ـ كرّرها ثلاثا ـ ما ترك حقّا عند أحد ، إلاّ طلبه ».
ويجدر بنا أن نلاحظ على هذه الرواية أمرين هما :
__________________
(1) بلاغة الحسين / مصطفى محسن الموسوي : 76 ـ 80.
(2) بحار الأنوار 45 : 343.
أولاً : أنّها لا تصحّ إلاّ إذ كانت مرويّة عن زيد بن علي وليس عن الإمام الباقرعليهالسلام ، لأنّ الباقر كان موجودا أثناء واقعة الطف ، وهو ابن سنتين وشهور ، وقيل خمس سنوات (1) ، ومن المعروف أن أُمّه هي فاطمة بنت الإمام الحسين ابن عليعليهماالسلام ، وأن المرأة التي أرسلها المختار إلى الإمام علي السجّادعليهالسلام ، هي (حورية) ، أم زيد بن علي السجّادعليهماالسلام (2).
الأمر الثاني : فواضح في أن مضمونها يدلّ على شكر وتقدير لأعماله الحسنة.
يذكر الأستاذ حسين باقر في كتابه (3) ، أن المختار أرسل إلى الإمام علي ابن الحسينعليهماالسلام ، عشرين ألف دينار فتقبّلها وبني بها دار لعقيل بن أبي طالب وكذلك دورهم التي هدمت. ثم أرسل له بعد ذلك بأربعين ألفا فرفضها الإمامعليهالسلام ، بعد ما أظهر الكلام الذي أظهر (أي المختار) فردّها ولم يقبلها منه. وينقل روايته تلك عن كتاب رجال الكشي (4) ، ثمّ يستطرد حسين باقر فيقول ، أن المختار أرسل بهدايا إلى الإمام السجّادعليهالسلام ، وأن الإمام لم يتقبّلها بل قال : «نحن لا نقبل هدايا الكذّابين» ، وأن رسل المختار محو العنوان وكتبوا المهدي محمد بن علي بن الحنفية.
وهذه الرواية ساقطة عن الاعتبار لأنّها ضعيفة جدا كما صرح بذلك السيد الخوئي في ترجمة المختار بن أبي عبيدة الثقفي (5).
__________________
(1) اللهوف / ابن طاووس. حيث ولد الإمامعليهالسلام في 3 صفر سنة 57 هـ وتوفي في 7 ذي الحجة سنة 114 هـ.
(2) مقاتل الطالبيين : 86.
(3) الإمام السجاد : 106.
(4) رجال الكشي : 186.
(5) معجم رجال الحديث 18 : 97 / 12156.
مكانته في التاريخ
في ضوء ما قدّمناه من حقائق عن سيرة المختار الثقفي ، وأعماله ، نستطيع أن نقول بأن مكانته في التاريخ أصبحت واضحة ، فهذه المكانة تحدّدها الجوانب الرئيسية التالية :
1 ـ أنّه نَبّه الناس بجرائم الأمويين ، وبنى قاعدة ثورية أخذت على عاتقها حماية رسالة اللّه ، التي بشّر بها نبيّنا محمدصلىاللهعليهوآله ، وذلك من خلال الثورات التي حدثت بعد ثورتهرحمهالله سواء كانت من الثورات العلوية أو من غيرها والتي اشتركت جميعا في هدم دولة الخبيث معاوية التي كانت وبالاً على الإسلام والمسلمين.
وبهذا يكون المختاررضياللهعنه من أوائل من عجّلوا بسقوط تلك الدولة الخبيثة التي اجتُثّت من عروقها فما لها من قرار.
2 ـ أنّه ساوى جميع طبقات المجتمع العربي من العرب ، والموالي ، وأهل الذمّة ، والرقيق ، عندما استولى على الكوفة ، وأظهر العدالة والأمن للجميع.
3 ـ أنّه قتل جميع أولئك الذين استطاع أن يجدهم ، ممن شاركوا في مقتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وهدم بيوت الذين تمكّنوا من الهرب إلى البصرة ، إذ نامت العرب عن ذلك (1).
__________________
(1) الدينوري : 313.
4 ـ أشرك الموالي ، ضمن جيشه وجعلهم يشاركون العرب بالفيء ، وركوب الخيل بعد أن اضطهدهم الأمويون ، ومنعوهم عن ذلك.
5 ـ أنّه لم يبايع لنفسه بالخلافة ، وهذا إن دلّ ، إنّما يدلّ على عدم رغبته في الملك ، وعدم رغبته في متاع الدنيا. ولما كان خصومه هم الغالبون ، فمن الطبيعي أن تُصاغ هذه الأكاذيب في روايات مسندة ، لتدخل التاريخ بوجه (مشروع) حين يكون منهج المؤرّخ هو جمع الأخبار ، دون التحقيق فيها.
6 ـ أنّه استُشهد من أجل الدين ، ومن أجل قضيته التي نذر نفسه إليها (أخذ الثأر) ، وقد استمرّت الثورات التحررية بعد ثورة المختار ، محتفظة بنفس طابعها التحرري في مقارعة الظلم والطغيان الأموي ، لأنّ ثورة المختاررحمهالله كسرت حاجز الخوف بين الناس وبين الثورة ، التي أسقطت دولة البغي الأموية عام 132 هـ.
7 ـ وأخيرا ، وإذا كان المختار قد استُشهد وقُتل بسبب تفكّك أنصاره وقلّة إخلاص القادة الذين حوله أمثال إبراهيم بن مالك ، الذي بايع للمختار علانية ، وارتداده في وقت كان المختار في أشدّ الحاجة إليه ، وقد أثّرت دعاية محمد بن الأشعث : «والمختار اليوم ليس معه جيش ، إنّما هو في شرذمة قليلة» (1) ، القوية على معنويات جيش المختار وعلى قادته وأنصاره من القبائل الأخرى.
إذا كان كلّ ذلك قد حدث فإنّه لم يحدث بسبب القابليات الخارقة لجيش مصعب ذلك إنّنا يجب أن نحذر من المبالغات والدعايات التي بثّها أنصار مصعب وهي الكتلة التي انتصرت في نهاية المطاف للأسباب أعلاه.
__________________
(1) الفتوح / ابن أعثم الكوفي 6 : 284.
وكذلك نلاحظ الكثير من الروايات التي أوردها الكُتّاب والرواة كانت إلى جانب مصعب ، وهم حين يذكرون المختاررحمهالله ، يلقون عليه لقب (الكذّاب) ، بغضا للشيعة وأهل البيت ، ويثنون على مصعب المجرم ابن الناكث بيعة إمام زمانه ومن شابه أباه فما ظُلم.
لقد استُشهد المختار رضوان اللّه تعالى عليه وقُتل فيما بعد بسنوات قليلة فقط ابنا الزبير الناكث ، وظلّ اسم المختار شامخا عظيما. مثل حضارة أهل البيتعليهمالسلام ، واختفى هؤلاء الذين حاربوه في حياته. فلم نعد نسمع لهم صوتا. اللهمّ إلاّ نقيق الضفادع ، الذي (يزعج) هدوء الليل وسكونه. ومنعه في دورة الحياة واستمرارها.
المحتويات
الثائر من أجل الحسين عليه السلام........................................... 1
المختار الثقفي............................................................... 1
مقدّمة المركز................................................................ 5
المقدّمة..................................................................... 7
اسمه ونسبه ولقبه............................................................ 9
اسمه ونسبه :.............................................................. 9
ولادته ، ولقبه ، وقرابته :.................................................. 10
نشأة المختار.............................................................. 14
موقف المختار من التحوّلات السياسية...................................... 23
علاقة المختار بمسلم بن عقيل............................................. 25
في غيابة السجن :........................................................ 29
مع ابن الزبير :........................................................... 30
المختار قائدا.............................................................. 33
التوّابون................................................................... 37
بوادر ثورة المختار......................................................... 47
المختار ، وابن الأشتر...................................................... 54
تمرُّد الكوفيِّين............................................................. 64
مقتل ابن زياد لعنه اللّه...................................................... 69
المختار والموالي........................................................... 76
ارتداد إبراهيم عن نصرة المختار الثقفي...................................... 85
المحكمة الميدانية......................................................... 98
المختار وولاية علي بن الحسين عليهما السلام............................. 106
استشهاده............................................................... 110
مسجد الكوفة ، ومرقد المختار........................................... 116
في نقاء المختار ، ومبدئيّته................................................ 121
مكانته في التاريخ........................................................ 129
المحتويات.............................................................. 132