أخلاق أهل البيت
تأليف: السيّد مهدي الصدر
القسم الأوّل - الأخلاق العامّة
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )
.
( القرآن الكريم )
( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ )
.
( القرآن الكريم )
( إنّي تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم به لنْ تضلّوا بعدي: كتابَ اللّه حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى الأرض، وعترتي أهلَ بيتي، ولنْ يفترقا حتّى يَرِدا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ).
( الرسول الأعظم )
( أفاضلكم أحسنُكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألَفُون ويُؤلَفون وتُوطأ رِحالهُم ).
( الرسول الأعظم )
مُقدمَة الكِتَابَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد للّه ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين. وبعد:
فإنّ عِلم الأخلاق هو: العِلم الباحث في مَحاسن الأخلاق ومساوِئها، والحثّ على التحلّي بالأُولى والتخلّي عن الثانية.
ويحتلّ هذا العِلم مكانةً مرموقةً، ومحلاًّ رفيعاً بين العلوم، لشرَفِ موضوعه، وسموِّ غايته. فهو نظامها، وواسطة عقدها، ورمز فضائلها، ومظهر جمالها، إذ العلوم بأسرها منوطة بالخُلق الكريم، تزدان بجماله، وتحلو بآدابه، فإنْ خلت منه غدَت هزيلةُ شَوهاء، تثير السخط والتقزّز.
ولا بدع فالأخلاق الفاضلة هي التي تحقّق في الإنسان معاني الإنسانية الرفيعة، وتحيطه بهالة وضّاءة من الجمال والكمال، وشرف النفس والضمير، وسمو العزة والكرامة، كما تمسخه الأخلاق الذميمة، وتحطّه إلى سويّ الهمج والوحوش.
وليس أثر الأخلاق مقصوراً على الأفراد فحسب، بل يسري الى الأُمم والشعوب، حيثُ تعكس الأخلاق حياتها وخصائصها ومبلغ رقيها، أو تخلّفها في مضمار الأُمم.
وقد زخر التاريخ بأحداث وعبر دلّت على أنّ فساد الأخلاق وتفسّخها كان مِعوَلاً هدّاماً في تقويض صروح الحضارات، وانهيار كثير من الدوَل والممالك:
وإذا أُصيب القوم في أخلاقهم
|
|
فأقم عليهم مأتماً وعويلا
|
وناهيك في عظمة الأخلاق، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
أولاها عنايةً كُبرى، وجعلَها الهدف والغاية مِن بعثته ورسالته، فقال:
( بُعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق ).
وهذا هو ما يَهدف إليه عِلم الأخلاق، بما يرسمه من نُظُمٍ وآداب، تُهذِّب ضمائر الناس وتقوّم أخلاقهم، وتوجّههم إلى السيرة الحميدة، والسلوك الأمثل.
وتختلف مناهج الأبحاث الخُلقيّة وأساليبها باختلاف المعنيّين بدراستها مِن القدامى والمحدّثين: بين متزمّتٍ غالٍ في فلسفته الخُلقيّة، يجعلها جافّةً مُرهقةً عسرة التطبيق والتنفيذ. وبين متحكّم فيها بأهوائه، يرسمها كما اقتضت تقاليده الخاصّة، ومحيطه المحدود، ونزعاته وطباعه، ممّا يُجرّدها من صفة الأصالة والكمال. وهذا ما يجعل تلك المناهج مختلفة متباينة، لا تصلح أنْ تكون دستوراً أخلاقيّاً خالداً للبشريّة.
والملحوظ للباحث المقارن بين تلك المناهج، أنّ أفضلها وأكملها هو: النهج الإسلامي المستمدّ من القرآن الكريم، وأخلاق أهل البيتعليهمالسلام
، الذي ازدان بالقصد والاعتدال، وأصالة المبدأ، وسموّ الغاية، وحكمة التوجيه، وحُسن الملائمة لمختلف العصور والأفكار.
وهو النهج الفريد الأمثل الذي يستطيع بفضل خصائصه وميّزاته أنْ يسمو بالناس فرداً ومجتمعاً، نحو التكامل الخُلقي، والمُثل الأخلاقيّة العُليا، بأُسلوبٍ شيّق محبّب، يستهوي العقول والقلوب، ويحقّق لهم ذلك بأقرب
وقتٍ، وأيسر طريق.
هو منهج يمثّل سموّ آداب الوحي الإلهي، وبلاغة أهل البيتعليهمالسلام
، وحكمتهم، وهُم يسيرون على ضوئه، ويستلهمون مفاهيمه، ويستقون من معينه، ليُحيلوها إلى الناس حكمةً بالغة، وأدَباً رفيعاً، ودروساً أخلاقيّة فذّة، تشعّ بنورها وطهورها على النفس، فتزكّيها وتنيرها بمفاهيمها الخيّرة وتوجيهها الهادف البنّاء.
مِن أجل ذلك تعشّقت هذا النهج، وصبَوت إليه، وآثرت تخطيط هذه الرسالة ورسم أبحاثها على ضوئه وهُداه.
ولئن اهتدى به أُناسٌ وقَصُر عنه آخرون، فليس ذلك بقادحٍ في حكمته وسموّ تعاليمه، وإنّما هو لاختلاف طِباع الناس، ونَزَعاتهم في تقبّل مفاهيم التوجيه والتأديب وانتفاعهم بها، كاختلاف المرضى في انتفاعهم بالأدوية الشافية، والعقاقير الناجعة: فمنهم المنتفع بها، ومنهم مَن لا تجديه نفعاً.
وممّا يحزُّ في النفس، ويبعث على الأسى والأسَف البالِغَين، أنّ المسلمين بعد أنْ كانوا قادةَ الأُمم، وروّادها إلى الفضائل، ومكارم الأخلاق، قد خسروا مثاليّتهم لانحرافهم عن آداب الإسلام، وأخلاقه الفذّة، ما جعلهم في حالةٍ مُزريةٍ مِن التخلّف والتسيّب الخُلقيَّين. لذلك كان لزاماً علهيم - إذا ما ابتغوا العزّة والكرامة وطيب السُمعة - أنْ يستعيدوا ما أغفلوه مِن تُراثهم الأخلاقي الضخم، وينتفعوا برصيده المذخور، ليكسبوا ثقة الناس وإعجابهم من جديد، وليكونوا كما أراد اللّه تعالى لهم:(..خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...).
وتلك أمنيةٌ غالية، لا تُنال إلاّ بتضافر جهود المُخلصين من أعلام الأُمّة الإسلاميّة وموجّهيها، على توعية المسلمين، وحثّهم على التمسّك بالأخلاق الإسلاميّة، ونشر مفاهيمها البنّاءة والاهتمام بعرضها عرضاً شيّقاً جذّاباً، يُغري الناس بدراستها والإفادة منها.
وهذا ما حداني إلى تأليف هذا الكتاب، وتخطيطه على ضوء الخصائص التالية:
(١) إنّ هذا الكتاب لم يستوعب علم الأخلاق، وإنّما ضَمَّ أهمَّ أبحاثه، وأبلغها أثراً في حياة الناس. وقد جهدت ما استطعت في تجنّب المصطلحات العلميّة وألفاظها الغامضة، وعرضتها بأُسلوبٍ واضح مركّز، يُمتّع القارئ، ولا يُرهقه بالغموض والإطناب، الباعثَين على الملل والسأم.
(٢) اختيار الأحاديث والأخبار الواردة فيه مِن الكتب المعتبرة والمصادر الوثيقة لدى المحدّثين والرواة.
(٣) الاهتمام بذكر محاسن الخُلق الكريم، ومساوئ الخُلق الذميم، وبيان آثارهما الروحيّة والمادّية في حياة الفرد أو المجتمع.
والجدير بالذكر: أنّ المقياس الخُلقي في تقييم الفضائل الخُلقيّة، وتحديد واقعها هو: التوسّط والاعتدال، المبرّأ من الإفراط والتفريط.
فالخُلق الرضيّ هو: ما كان وسطاً بين المغالاة والإهمال، كنقطة الدائرة مِن محيطها، فإذا انحرف عن الوسط إلى طرف الإفراط أو التفريط غدا خلقاً ذميماً.
فالعفّة فضيلةٌ بين رذيلتَي الشرِّ والجمود: فإنْ أفرط الإنسان بها كان جامداً خاملاً، معرضاً عن ضرورات الحياة ولذائذها المشروعة، وإنْ فرّط فيها وقصّر، كان شرّهاً جشعاً، منهمكاً على اللذائذ والشهوات.
والشجاعة فضيلةٌ بين رذيلتَي التهوّر والجُبن: فإنْ أفرط الشجاع فيها كان متهوّراً مجازفاً فيما يُحسن الأحجام عنه، وإنْ فرَّط وقصّر كان جباناً هيّاباً مُحجماً عمّا يحسن الإقدام عليه.
والسخاء فضيلةٌ بين رذيلتَي التبذير والبُخل: فإنْ أفرط فيها كان مُسرفاً مبذّراً سخيّاً على مَن لا يستحقّ البذل والسخاء، وإنْ فرّط فيها وقصّر كان شحيحاً بخيلاً فيما يجدر الجُود والسخاءُ فيه... وهكذا دواليك.
مِن أجل ذلك كان كسب الفضائل، والتحلّي بها، والثبات عليها، من الأهداف السامية التي يتبارى فيها، ويتنافس عليها، ذوو النفوس الكبيرة، والهمم العالية، ولا ينالها إلاّ ذو حظٍّ عظيم.
ولم أرَ أمثال الرجال تفاوتاً * لدى المجد حتّى عُد ألفٌ بواحدِ
وإنّي لأرجو اللّه عزّ وجل أنْ يتقبّل منّي هذا المجهود المتواضع ويُثيبني عليه، بلطفه الواسع، وكرمه الجزيل، وأنْ يوفّقني وإخواني المؤمنين للانتفاع به، والسير على ضوئه، إنّه وليّ الهداية والتوفيق.
الكاظميّة مهدي السيّد عليّ اللصدر
حُسن الخُلق
حسن الخلق هو: حالةٌ تبعث على حُسن معاشرة الناس، ومجاملتهم بالبشاشة، وطيب القول، ولطف المداراة، كما عرّفه الإمام الصادقعليهالسلام
حينما سُئل عن حدّه فقال: ( تُليّن جناحَك، وتُطيّب كلامك، وتَلقَى أخاك ببشرٍ حسن )
.
من الأماني والآمال التي يطمح إليها كل عاقل حصيف، ويسعى جاهداً في كسبها وتحقيقها، أنْ يكون ذا شخصيّة جذّابة، ومكانةٍ مرموقة، محبّباً لدى الناس، عزيزاً عليهم.
وإنّها لأمنيةٌ غالية، وهدف سامي، لا يناله إلاّ ذوو الفضائل والخصائص التي تؤهّلهم كفاءاتهم لبلوغها، ونيل أهدافها، كالعلم والأريَحيّة والشجاعة ونحوها من الخصال الكريمة.
بيد أنّ جميع تلك القيم والفضائل، لا تكون مدعاة للإعجاب والإكبار، وسموّ المنزلة، ورِفعة الشأن، إلاّ إذا اقترنت بحُسن الخُلق، وازدانت بجماله الزاهر، ونوره الوضّاء. فإذا ما تجرّدت منه فقدت قيمها الأصيلة، وغدَت صوراً شوهاء تثير السأم والتذمّر.
_____________________
لذلك كان حسن الخُلق ملاك الفضائل ونظام عقدها، ومحوَر فلكِها، وأكثرها إعداداً وتأهيلاً لكسب المحامد والأمجاد، ونيل المحبّة والإعزاز.
أنظر كيف يمجّد أهل البيتعليهمالسلام
هذا الخُلق الكريم، ويُطرون المتحلّين به إطراءاً رائعاً، ويحثّون على التمسّك به بمختلَف الأساليب التوجيهيّة المشوقة، كما تصوّره النصوص التالية:
قال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( أفاضلُكم أحسنُكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألَفَون ويُؤلَفون وتُوطأ رحالهم )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( إنّ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهم خُلقاً )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( ما يقدم المؤمن على اللّه تعالى بعملٍ بعد الفرائض، أحبّ إلى اللّه تعالى مِن أنْ يسعَ الناس بخُلُقه )
وقالعليهالسلام
: ( إنّ اللّه تعالى ليُعطي العبد مِن الثواب على حُسن الخُلق، كما يُعطي المجاهد في سبيل اللّه، يغدو عليه و يروح )
.
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( إنّ صاحب الخُلُق الحسن له مثل أجرِ الصائم القائم )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ الخُلق الحسن يُميت الخطيئة، كما تُميت الشمس الجليد )
وقالعليهالسلام
: ( البِرُّ وحُسن الخُلق يُعمّران الديار، ويزيدان
_____________________
في الأعمار )
وقالعليهالسلام
: ( إنْ شئت أنْ تُكرمَ فَلِن، وإنْ شِئت أنْ تُهان فاخشن )
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( إنّكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم )
وكفى بحُسن الخُلق شرَفاً وفضلاً، أنّ اللّه عزّ وجل لم يَبعث رُسله وأنبياءه إلى الناس إلاّ بعد أنْ حلاّهم بهذه السجيّة الكريمة، وزانهم بها، فهي رمزُ فضائلهم، وعنوان شخصيّاتهم.
ولقد كان سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله
المثل الأعلى في حُسن الخُلق، وغيره مِن كرائم الفضائل والخِلال. واستطاع بأخلاقه المثاليّة أنْ يملك القلوب والعقول، واستحقّ بذلك ثناء اللّه تعالى عليه بقوله عزّ من قائل:( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )
.
قال أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
وهو يُصوّر أخلاق رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( كان أجوَد الناس كفّاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجةً، وأوفاهم ذمّةً، وأليَنهم عريكةً، وأكرمهم عِشرةً. مَن رآه بديهة هابه. ومَن خالطهُ فعرفه أحبّه، لم أرَ مثله قبله ولا بعده )
_____________________
وحسبنا أنْ نذكر ما أصابه مِن قريش، فقد تألّبت عليه، وجرّعته ألوان الغُصَص، حتّى اضطرته الى مغادرة أهله وبلاده، فلمّا نصره اللّه عليهم، وأظفره بهم، لم يشكّوا أنّه سيثأر منهم، وينكّل بهم، فما زاد أنْ قال لهم: ( ما تقولون إنّي فاعل بكم ؟ !) قالوا: خيراً، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم. فقال: ( أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء ).
وجاء عن أنَس قال: كنت مع النبيّصلىاللهعليهوآله
وعليه بُردٌ غليظ الحاشية، فجذَبه أعرابي بردائه جذبةً شديدة، حتّى أثّرت حاشية البُرد في صفحة عاتقه، ثُم قال: يا محمّد، احمل لي على بعيرَيّ هذَين مِن مال اللّه الذي عندك، فإنّك لا تحمل لي مِن مالك، ولا مال أبيك. فسكَت النبيّصلىاللهعليهوآله
ثُمّ قال: ( المال مال اللّه، وأنا عبده ).
ثُمّ قال: ( ويُقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي ؟!) قال: لا. قال: ( لِمَ ؟ )، قال: لأنّك لا تكافئ بالسيّئة السيّئة. فضحك النبيّ، ثُمّ أمَر أنْ يحمل له على بعير شعيراً، وعلى الآخر تمراً
.
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام
قال: ( إنّ يهوديّاً كان له على رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
دنانير، فتقاضاه، فقال له: يا يهودي، ما عندي ما أعطيك. فقال: فإنّي لا أفارقك يا محمّد، حتى تقضيني. فقال: إذن أجلس معك، فجلس معه حتّى صلّى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة، وكان أصحاب رسول اللّه يتهدَّدونه
_____________________
ويتوعّدونه، فنظر رسول اللّه إليهم فقال: ما الذي تصنعون به ؟! فقالوا: يا رسول اللّه يهودي يحبسك ! فقال: لم يبعثني ربِّي عزَّ وجل بأنْ أظلم معاهداً ولا غيره. فلمّا علا النهار قال اليهودي: أشهد أنْ لا إله إلا اللّه، وأشهد أنْ محمّداً عبدُه ورسوله، وشطر مالي في سبيل اللّه، أما واللّه ما فعلت بك الذي فعلت، إلاّ لأنظر إلى نعتك في التوراة، فانّي قرأت نعتك في التوراة: محمّد بن عبد اللّه، مولده بمكّة، ومهاجره بطيبة، وليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا متزيّن بالفحش، ولا قول الخنا، وأنا أشهد أنّ لا إله إلاّ اللّه، وأنّك رسول اللّه، وهذا مالي فاحكم فيه بما أنزل اللّه، وكان اليهودي كثير المال )
وهكذا كان الأئمّة المعصومون مِن أهل البيتعليهمالسلام
في مكارم أخلاقهم، وسموّ آدابهم. وقد حمل الرواة إلينا صوراً رائعة ودروساً خالدة مِن سيرتهم المثاليّة، وأخلاقهم الفذّة:
مِن ذلك ما ورد عن أبي محمّد العسكريعليهالسلام
قال: ( وردّ على أمير المؤمنينعليهالسلام
أخوان له مؤمنان، أبٌ وابن، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه، وجلس بين يديهما، ثُمّ أمَر بطعامٍ فأحضر فأكلا منه، ثُمّ جاء قنبر بطست وإبريق خشَب ومنديل، فأخذ أمير المؤمنينعليهالسلام
الإبريق فغسَل يد الرجل بعد أنْ كان الرجل يمتنع من ذلك، وتمرّغ في التراب، وأقسمه أمير المؤمنينعليهالسلام
أنْ يغسل مطمئنّاً، كما كان يغسل لو كان الصابّ عليه قنبر ففعل، ثمُّ ناول الإبريق محمّد بن
_____________________
الحنفيّة وقال: يا بني، لو كان هذا الابن حضَرني دون أبيه لصبَبت على يده، ولكن اللّه عزّ وجل يأبى أنْ يُسوّي بين ابن وأبيه، إذا جمعهما مكان، ولكن قد صبّ الأب على الأب، فليصب الابن على الابن، فصبّ محمّد بن الحنفيّة على الابن ).
ثُمّ قال العسكريعليهالسلام
: ( فمن اتّبع عليّاً على ذلك فهو الشيعي حقّاً )
وورد أنّ الحسن والحسين مرّا على شيخ يتوضّأ ولا يُحسن، فأخذا في التنازع، يقول كلٌّ واحدٍ منهما أنت لا تُحسن الوضوء، فقالا: ( أيّها الشيخ كن حَكَماً بيننا، يتوضأ كلٌّ واحدٍ منّا، فتوضّئا ثُمّ قالا: أيّنا يُحسن ؟) قال: كلاكما تُحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يُحسن، وقد تعلّم الآن منكما، وتاب على يدَيكما ببركتكما وشفقتكما على أُمّة جدّكما
وجنى غلام للحسينعليهالسلام
جنايةً توجِب العقاب عليه، فأمر به أنْ يُضرب، فقال: يا مولاي،( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
). قال: ( خلّوا عنه ). فقال: يا مولاي،( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ).
قال: ( قد عفوت عنك ). قال: يا مولاي،( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )
. قال: ( أنت حرّ لوجه اللّه، ولك ضعف ما كنت أعطيك )
_____________________
وحدّث الصولي: أنّه جرى بين الحسين وبين محمّد بن الحنفيّة كلام، فكتب ابن الحنفيّة إلى الحسين:
( أمّا بعد يا أخي، فإنّ أبي وأباك عليّ لا تفضلني فيه ولا أفضلك، وأمّك فاطمة بنت رسول اللّه، لو كان ملء الأرض ذهباً ملك أُمّي ما وفت بأُمّك، فإذا قرأت كتابي هذا فصر إليّ حتّى تترضاني، فإنّك أحقّ بالفضل منّي، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته )، ففعل الحسين فلم يجرِ بعد ذلك بينهما شيء
وعن محمّد بن جعفر وغيره قالوا: وقف على عليّ بن الحسينعليهالسلام
رجلٌ من أهل بيته فأسمعه وشتمه، فلم يكلّمه، فلمّا انصرف قال لجلسائه: ( لقد سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا أحبّ أنْ تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا منّي ردّي عليه ).
فقالوا له: نفعل، ولقد كنّا نحبّ أنْ يقول له ويقول. فأخذ نعليه ومشى وهو يقول:( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )،
فعلمنا أنّه لا يقول له شيئاً.
قال: فخرج حتّى أتى منزل الرجل، فصرخ به، فقال: قولوا له هذا عليّ بن الحسين. قال: فخرج متوثّباً للشر، وهو لا يشكّ أنّه إنّما جاء مكافئاً له على بعض ما كان منه.
فقال له عليّ بن الحسين: ( يا أخي، إنّك وقفت عليّ آنفاً وقلت وقلت، فإنْ كنت قلت ما فيّ فأستغفر اللّه منه، وإنْ كنت قلت ما ليس فيّ فغَفَر اللّه لك ). قال: فقبّل الرجل بين عينيه، وقال: بل قلت فيك
_____________________
ما ليس فيك وأنا أحقّ به
وليس شيء أدلّ على شرَف حُسن الخُلق، وعظيم أثره في سموّ الإنسان وإسعاده، من الحديث التالي:
عن عليّ بن الحسينعليهالسلام
قال: ثلاثة نفر آلوا باللات والعزّى ليقتلوا محمّداًصلىاللهعليهوآله
، فذهَب أمير المؤمنين وحده إليهم وقتل واحداً منهم وجاء بآخرَين، فقال النبيّ: ( قدّم إليّ أحد الرجُلَين، فقدّمه فقال: قل لا إله إلاّ اللّه، واشهَد أنّي رسول اللّه. فقال: لَنَقْل جبل أبي قُبَيس أحبّ إليّ مِن أنْ أقول هذه الكلمة،. قال: يا عليّ، أخره واضرب عنقه. ثُمّ قال: قدِّم الآخر، فقال: قل لا إله إلاّ اللّه، واشهد أنّي رسول اللّه. قال: ألحقني بصاحبي.
قال: يا عليّ، أخره واضرب عنقه. فأخره وقام أمير المؤمنين ليضرب عُنقه فنزل جبرئيل على النبيّصلىاللهعليهوآله
فقال: يا محمّد، إنّ ربَّك يُقرئك السلام، ويقول لا تقتله فإنّه حَسن الخُلق سخيٌّ في قومه. فقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: يا عليّ، أمسك فإنّ هذا رسول ربِّي يُخبرني أنّه حَسن الخُلق سخيّ في قومه. فقال المُشرك تحت السيف: هذا رسول ربِّك يُخبرك ؟ قال: نعم. قال: واللّه ما ملكت درهماً مع أخٍ لي قط، ولا قطبت وجهي في الحرب، فأنا أشهد أنْ لا اله إلا اللّه، وأنّك رسول اللّه. فقال رسول اللّه: هذا ممّن جرّه حُسن خُلقه وسخائه إلى جنّات النعيم )
_____________________
سُوء الخلق:
وهو: انحراف نفساني، يسبّب انقباض الإنسان وغلظته وشراسته، ونقيض حُسن الخلق.
من الثابت أنّ لسوء الخُلق آثاراً سيّئة، ونتائج خطيرة، في تشويه المتّصف به وحطّ كرامته، ما يجعله عُرضةً للمقت والازدراء، وهدفاً للنقد والذم.
وربّما تفاقَمت أعراضه ومضاعفاته، فيكون حينذاك سبباً لمختلف المآسي والأزمات الجسميّة والنفسيّة الماديّة والروحيّة.
وحسبُك في خِسّة هذا الخُلق وسُوء آثاره، أنّ اللّه تعالى خاطب سيّد رُسله، وخاتم أنبيائه، وهو المثل الأعلى في جميع الفضائل والمكرمات قائلاً:( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ).
مِن أجل ذلك فقد تساند العقل والنقل على ذمّه والتحذير منه، وإليك طَرفاً من ذلك:
قال النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ): ( عليكم بحُسنِ الخُلق، فإنّ حَسنَ الخُلق في الجنّة لا محالة، وإيّاكم وسُوء الخُلق، فإنّ سُوء الخُلق في النار لا محالة )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنْ شئت أنْ تُكرم فلِن، وأنْ شِئت
_____________________
أنْ تُهان فاخشَن )
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( أبى اللّه لِصاحب الخُلق السيّئ بالتوبة، قيل: فكيف ذلك يا رسول اللّه ؟ قال: لأنّه إذا تاب مِن ذنبٍ وقَع في ذنبٍ أعظم منه )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ سُوء الخُلق ليُفسد العمل كما يُفسد الخلّ العسل )
وقالعليهالسلام
: ( مَن ساءَ خُلقه عذّب نفسه )
.
الأخلاق بين الاستقامة والانحراف:
كما تمرض الأجساد وتعروها أعراض المرض مِن شحوب وهزال وضعف، كذلك تمرض الأخلاق، وتبدو عليها سِمات الاعتدال ومضاعفاته، في صور من الهزال الخلقي، والانهيار النفسي، على اختلاف في أبعاد المرض ودرجات أعراضه الطارئة على الأجسام والأخلاق.
وكما تُعالَج الأجسام المريضة، وتستردّ صحّتها ونشاطها، كذلك تُعالَج الأخلاق المريضة وتستأنف اعتدالها واستقامتها، متفاوتةً في ذلك حسب أعراضها، وطباع ذويها، كالأجسام سواء بسواء.
ولولا إمكان معالجة الأخلاق وتقويمها، لحبطت جهود الأنبياء في تهذيب الناس، وتوجيههم وجهة الخير والصلاح، وغدا البشر من جرّاء
_____________________
ذلك كالحيوان وأخسّ قيمة، وأسوأ حالاً منه، حيث أمكن ترويضه، وتطوير أخلاقه، فالفرس الجموح يغدو بالترويض سلِس المقاد، والبهائم الوحشيّة تعود داجنة أليفة.
فكيف لا يجدي ذلك في تهذيب الإنسان، وتقويم أخلاقه، وهو أشرف الخَلق، وأسماهم كفاءةً وعقلاً ؟؟
من أجل ذلك فقد تمرض أخلاق الوادع الخَلُوق، ويغدو عبوساً شرِساً منحرفاً عن مثاليته الخُلقيّة، لحدوث إحدى الأسباب التالية:
(١) - الوهن والضعف الناجمان عن مرض الإنسان واعتدال صحّته، أو طروّ أعراض الهرَم والشيخوخة عليه، ممّا يجعله مرهف الأعصاب عاجزاً عن التصبّر، واحتمال مؤون الناس ومداراتهم.
(٢) - الهموم: فإنّها تذهل اللبيب الخَلُوق، وتحرفه عن أخلاقه الكريمة، وطبعه الوادع.
(٣) - الفقر: فإنّه قد يُسبّب تجهّم الفقير وغلظته، أنَفَةً مِن هوان الفقر وألَم الحِرمان، أو حُزناً على زوال نعمته السالفة، وفقد غناه.
(٤) - الغنى: فكثيراً ما يجمح بصاحبه نحو الزهو والتيه والكِبَر والطغيان، كما قال الشاعر:
لقد كشَف الإثراء عنك خلائقاً * من اللؤمِ كانت تحت ثوبٍ من الفقر
(٥) - المنصب: فقد يُحدث تنمّراً في الخُلق، وتطاولاً على الناس، منبعثاً عن ضعة النفس وضعفها، أو لؤم الطبع وخسّته.
(٦) - العزلة والتزمّت: فإنّه قد يُسبّب شعوراً بالخيبة والهوان، ممّا يجعل المعزول عبوساً متجهّماً.
علاج سوء الخلق:
وحيث كان سُوء الخُلق مِن أسوَأ الخِصال وأخسّ الصفات، فجديرٌ بمَن يرغب في تهذيب نفسه، وتطهير أخلاقه، من هذا الخُلق الذميم، أنْ يتّبع النصائح التالية:
(١) - أنْ يتذكّر مساوئ سُوء الخُلُق وأضراره الفادحة، وأنّه باعِثٌ على سخط اللّه تعالى، وازدراء الناس ونفرتهم، على ما شرحناه في مطلع هذا البحث.
(٢) - أنْ يستعرض ما أسلفناه من فضائل حُسن الخُلق، ومآثره الجليلة، وما ورَد في مدحه، والحثّ عليه، مِن آثار أهل البيتعليهمالسلام
.
(٣) - التريّض على ضبط الأعصاب، وقمع نزَوَات الخُلق السيّئ وبوادره، وذلك بالترّيث في كلّ ما يصدر عنه من قول أو فعل، مستهدياً بقول الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
: ( أفضل الجهاد مَن جاهد نفسَه التي بينَ جنبيه ). يتبّع تلك النصائح من اعتلت أخلاقه، ومرضت بدوافع نفسيّة ؤ، أو خُلقيّة. أما مَن ساء خُلقه بأسباب مرضيّة جسميّة، فعلاجه بالوسائل الطبيّبة، وتقوية الصحّة العامّة، وتوفير دواعي الراحة والطمأنينة، وهدوء الأعصاب.
الصـدق
وهو: مطابقة القول للواقع، وهو أشرف الفضائل النفسيّة، والمزايا الخُلقيّة، لخصائصه الجليلة، وآثاره الهامّة في حياة الفرد والمجتمع.
فهو زينة الحديث ورواؤه، ورمز الاستقامة والصلاح، وسبب النجاح والنجاة، لذلك مجّدته الشريعة الإسلاميّة، وحرضت عليه، قرآناً وسنةّ.
قال تعالى:( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ )
. ( الزمر: ٣٣ - ٣٤ )
وقال تعالى:( هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً )
. ( المائدة: ١١٩ )
وقال تعالى:( أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ).
( التوبة: ١١٩ )
وهكذا كرَّم أهلُ البيتعليهمالسلام
هذا الخُلق الرفيع، ودعوا إليه بأساليبهم البليغة الحكيمة:
قال الصادقعليهالسلام
: ( لا تغترّوا بصلاتهم، ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربّما لهج بالصلاة والصوم حتّى لو تركه استوحش، ولكن إختبروهم عند صِدق الحديث، وأداء الأمانة )
_____________________
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( زينةُ الحديث الصدق )
.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( الزموا الصدق فإنّه منجاة )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مِن صدَق لسانُه زكى عملُه )
أي صار عمله ببركة الصدْق زاكياً نامياً في الثواب ؛ لأنّ اللّه تعالى( إنّما يقبل من المتّقين )،
والصدق من أبرز خصائص التقوى وأهمّ شرائطه.
مآثر الصدق:
من ضرورات الحياة الاجتماعيّة، ومقوّماتها الأصليّة هي:
شيوع التفاهم والتآزر بين عناصر المجتمع وأفراده، ليستطيعوا بذلك النهوض بأعباء الحياة، وتحقيق غاياتها وأهدافها، ومن ثُم ليسعدوا بحياة كريمة هانئة، وتعايش سلمي.
وتلك غاياتٌ سامية، لا تتحقّق إلاّ بالتفاهم الصحيح، والتعاون الوثيق، وتبادل الثقة والائتمان بين أولئك الأفراد.
وبديهيّ أنّ اللسان هو أداة التفاهم، ومنطلق المعاني والأفكار، والترجمان المفسّر عمّا يدور في خلَد الناس من مختلف المفاهيم والغايات، فهو يلعب دوراً خطيراً في حياة المجتمع، وتجاوب مشاعره وأفكاره.
_____________________
وعلى صدقه أو كذبه ترتكز سعادة المجتمع أو شقاؤه، فإنْ كان اللسان صادق اللهجة، أميناً في ترجمة خوالِج النفس وأغراضها، أدّى رسالة التفاهم والتواثق، وكان زائد خيرٍ، ورسول محبّةٍ وسلام.
وإنْ كان متّصفاً بالخداع والتزوير، وخيانة الترجمة والإعراب، غدا رائد شرٍّ، ومدعاة تناكر وتباغض بين أفراد المجتمع، ومعول هَدمٍ في كيانه.
من أجل ذلك كان الصدق من ضرورات المجتمع، وحاجاته الملحّة، وكانت له آثاره وانعكاساته في حياة الناس.
فهو نظام المجتمع السعيد، ورمز خلقه الرفيع، ودليل استقامة أفراده ونُبلهم، والباعث القويّ على طيب السمعة، وحُسن الثناء والتقدير، وكسب الثقة والائتمان من الناس.
كما له آثاره ومعطياته في توفير الوقت الثمين، وكسب الراحة الجسميّة والنفسيّة.
فإذا صدق المتبايعون في مبايعاتهم، ارتاحوا جميعاً من عناء المماكسة، وضياع الوقت الثمين في نِشدان الواقع، وتحرّي الصدق.
وإذا تواطأ أرباب الأعمال والوظائف على التزام الصدق، كان ذلك ضماناً لصيانة حقوق الناس، واستتباب أمنهم ورخائهم.
وإذا تحلّى كافّة الناس بالصدق، ودرجوا عليه، أحرزوا منافعه الجمّة، ومغانمه الجليلة.
وإذا شاع الكذِب في المجتمع، وهت قِيَمُه الأخلاقيّة، وساد التبرّم
والسخط بين أفراده، وعزَّ فيه التفاهم والتعاون، وغدا عرضةً للتبعثر والانهيار.
أقسام الصدق:
للصدق صوَرٌ وأقسام تتجلّى في الأقوال والأفعال، واليك أبرزها:
(١) - الصدق في الأقوال، وهو: الإخبار عن الشيء على حقيقته من غير تزويرٍ وتمويه.
(٢) - الصدق في الأفعال، وهو: مطابقة القول للفعل، كالبرِّ بالقسَم، والوفاء بالعهد والوعد.
(٣) - الصدق في العزم، وهو: التصميم على أفعال الخير، فإنْ أنجزها كان صادق العزم، وإلاّ كان كاذبه.
(٤) - الصدق في النيّة، وهو: تطهيرها من شوائب الرياء، والإخلاص بها الى اللّه تعالى وحده.
الكذِب
وهو: مخالفة القول للواقع. وهو من أبشع العيوب والجرائم، ومصدر الآثام والشرور، وداعية الفضيحة والسقوط. لذلك حرّمته الشريعة الإسلاميّة، ونعت على المتّصفين به، وتوعّدتهم في الكتاب والسنّة:
قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ )
( غافر: ٢٨ )
وقال تعالى:( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ )
( الجاثية: ٧ )
وقال تعالى:( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ )
( النحل:١٠٥ )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( إنَّ اللّه جعل للشرِّ أقفالاً، وجعَل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذِِب شرّ مِن الشراب )
وقالعليهالسلام
: ( كان عليّ بن الحسين يقول لولدِه: إتّقوا الكذِب، الصغير منه والكبير، في كلّ جدّ وهزْل، فإنّ الرجل إذا كذب في الصغير، اجترأ على الكبير، أما عَلِمتم أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
قال: ما يزال العبد يصدق حتّى يكتبه اللّه صديّقاً، وما يزال العبد يكذب حتّى يكتبه اللّه كذّاباً )
_____________________
وقال الباقرعليهالسلام
: ( إنّ الكذب هو خراب الإيمان )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( اعتياد الكذِب يورث الفقر )
وقال عيسى بن مريمعليهالسلام
: ( من كثُر كذِبه ذهب بهاؤه )
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
في حجّة الوداع: ( قد كثُرت عليَّ الكذّابة وستكثُر، فمَن كذب عليَّ متعمّداً، فليتبوّأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه وسنّتي، فما وافق كتاب اللّه فخذوا به، وما خالَف كتاب الله وسنّتي فلا تأخذوا به )
مساوئ الكذِب:
وإنّما حرّمت الشريعة الإسلاميّة ( الكذب ) وأنذرت عليه بالهوان والعقاب، لما ينطوي عليه من أضرار خطيرة، ومساوئ جمّة، فهو:
(١) - باعث على سوء السمعة، وسقوط الكرامة، وانعدام الوثاقة، فلا يُصدّق الكذّاب وإنْ نطق بالصدق، ولا تقبل شهادته، ولا يوثَق بمواعيده وعهوده.
ومن خصائصه أنّه ينسى أكاذيبه ويختلق ما يُخالفها، وربّما لفّق
_____________________
الأكاذيب العديدة المتناقضة، دعماً لكذبة افتراها، فتغدو أحاديثه هذراً مقيتاً، ولغواً فاضحاً.
(٢) - إنّه يضعف ثقة الناس بعضهم ببعض، ويشيع فيهم أحاسيس التوجّس والتناكر.
(٣) - إنّه باعثٌ على تضييع الوقت والجُهد الثمينين، لتمييز الواقع من المزيّف، والصدق من الكذِب.
(٤) - وله فوق ذلك آثار روحيّة سيّئة، ومغبّة خطيرة، نوّهت عنها النصوص السالفة.
دواعي الكذِب:
الكذِب انحراف خُلُقي له أسبابه ودواعيه، أهمّها:
(١) - العادة: فقد يعتاد المرء على ممارسة الكذِب بدافع الجهل، أو التأثّر بالمحيط المتخلّف، أو لضعف الوازع الديني، فيشبّ على هذه العادة السيّئة، وتمتدّ جذورها في نفسه، لذلك قال بعض الحكماء:( من استحلى رضاع الكذِب عسُر فطامه ).
(٢) - الطمع: وهو من أقوى الدوافع على الكذِب والتزوير، تحقيقاً لأطماع الكذّاب، وإشباعاً لنهمه.
(٣) - العِداء والحسَد: فطالما سوّلا لأربابهما تلفيق التُّهَم، وتزويق الافتراءات والأكاذيب، على مَن يُعادونه أو يحسدونه. وقد عانى الصُلَحَاء
والنُّبَلاء الذين يترفّعون عن الخوض في الباطل، ومقابلة الإساءة بمثلها - كثيراً من مآسي التُّهَم والافتراءات والأراجيف.
أنواع الكذب:
للكذِب صورٌ شوهَاء، تتفاوت بشاعتها باختلاف أضرارها وآثارها السيّئة، وهي:
الأُولى: اليمين الكاذبة
وهي مِن أبشع صور الكذِب، وأشدّها خطراً وإثماً، فإنّها جنايةٌ مزدوجة: جرأةٌ صارخة على المولى عزَّ وجل بالحِلف به كَذِباً وبُهتاناً، وجريمةٌ نكراء تمحق الحقوق وتهدر الكرامات.
من أجل ذلك جاءت النصوص في ذمّها والتحذير منها:
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( إيّاكم واليمين الفاجرة، فإنّها تدَع الديار مِن أهلها بلاقع )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( اليمين الصُّبْر الكاذبة، تورث العقب الفقر )
الثانية: شهادة الزور
وهي كسابقتها جريمة خطيرة، وظلمٌ سافرٌ هدّام، تبعث على غمط الحقوق، واستلاب الأموال، وإشاعة الفوضى في المجتمع، بمساندة
_____________________
المجرمين على جرائم التدليس والابتزاز.
أنظر كيف تنذر النصوص شهود الزور بالعقاب الأليم:
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( لا ينقضي كلام شاهد الزور من بين يدَي الحاكم حتّى يتبوّأ مقعده مِن النار، وكذلك مَن كتم الشهادة )
ونهى القرآن الكريم عنها فقال تعالى:( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ )
(الحجّ: ٣٠ )
أضرار اليمين الكاذبة وشهادة الزور:
وإنّما حرُمت الشريعة الإسلاميّة اليمين الكاذبة، وشهادة الزور، وتوعّدت عليهما بصنوف الوعيد والإرهاب، لآثارهما السيّئة، وأضرارهما الماحقة، في دين الإنسان ودنياه، من ذلك:
(١) - أنّ مقترف اليمين الكاذبة، وشهادة الزور، يُسيء إلى نفسه إساءةً كُبرى بتعريضها إلى سخط اللّه تعالى، وعقوباته التي صوّرتها النصوص السالفة.
(٢) - ويُسيء كذلك إلى مَن سانده ومالأه، بالحِلف كذِباً، والشهادة زوراً، حيث شجّعه على بَخس حقوق الناس، وابتزاز أموالهم، وهدر كراماتهم.
_____________________
(٣) - و يَسيء كذلك إلى مَن اختلق عليه اليمين والشهادة المزوّرتين، بخذلانه وإضاعة حقوقه، وإسقاط معنويّاته.
(٤) - ويسيء إلى المجتمع عامّة بإشاعة الفوضى والفساد فيه، وتحطيم قِيمه الدينيّة والأخلاقيّة.
(٥) - ويسيء إلى الشريعة الإسلاميّة بتحدّيها، ومخالفة دستورها المقدّس، الذي يجب اتّباعه وتطبيقه على كلّ مسلم.
الثالثة: خُلف الوعد
الوفاء بالوعد من الخلال الكريمة التي يزدان بها العقلاء، ويتحلّى بها النُبلاء، وقد نوّه اللّه عنها في كتابه الكريم فقال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً )
( مريم: ٥٤ ).
ذلك أنّ إسماعيلعليهالسلام
وعَد رجلاً، فمكَث في انتظاره سنة كاملة، في مكان لا يُبارحه، وفاءاً بوعده.
وإنّه لمن المؤسف أنْ يشيع خُلف الوعد بين المسلمين اليوم، متجاهلين نتائجه السيّئة في إضعاف الثقة المتبادلة بينهم، وإفساد العلاقات الاجتماعيّة، والإضرار بالمصالح العامّة.
قال الصادقعليهالسلام
: ( عِدة المؤمن أخاه نذرٌ لا كفارة له، فمَن أخلَف فبخُلف اللّه تعالى بدأ، ولمَقتهِ تعرّض، وذلك قوله تعالى:(
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ )
)
_____________________
وقالعليهالسلام
: ( إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
وعَد رجلاً إلى صخرةٍ فقال: أنا لك هاهنا حتّى تأتي. قال: فاشتدّت الشمس عليه، فقال أصحابه: يا رسول اللّه، لو أنّك تحوّلت إلى الظلّ. فقال: قد وعدته إلى هاهنا، وإنْ لم يجئ كان منه إلى المحشر )
الرابعة: الكذِب الساخر
فقد يستحلي البعض تلفيق الأكاذيب الساخرة، للتندّر على الناس، والسخريّة بهم، وهو لهو عابث خطير، ينتج الأحقاد والآثام.
قال الصادقعليهالسلام
، ( مَن روى على مؤمنٍ روايةً، يُريد بها شَينه، وهدم مروّته ليَسقط مِن أعيُن الناس، أخرجه اللّه تعالى مِن ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبلُه الشيطان )
علاج الكذب:
فجديرٌ بالعاقل أنْ يُعالج نفسُه من هذا المرض الأخلاقي الخطير، والخُلُق الذميم، مستهدياً بالنصائح التالية:
(١) - أنْ يتدبّر ما أسلفناه مِن مساوئ الكذِب، وسوء آثاره المادّية والأدبيّة على الإنسان.
(٢) - أن يستعرض فضائل الصدق ومآثره الجليلة، التي نوّهنا
_____________________
عنها في بحثِ الصدْق.
(٣) - أنْ يرتاض على التزام الصدق، ومجانبة الكذِب، والدأب المتواصل على مُمارسة هذه الرياضة النفسيّة، حتّى يبرأ مِن هذا الخُلق الماحق الذميم.
مسوّغات الكذب:
لا شك أنّ الكذِب رذيلةٌ مقيتة حرّمها الشرع، لمساوئها الجمّة، بَيد أنّ هناك ظروفاً طارئة تُبيح الكذِب وتسوّغه، وذلك فيما إذا توقّفت عليه مصلحةٌ هامّة، لا تتحقّق إلاّ به، فقد أجازته الشريعة الإسلامية حينذاك، كإنقاذ المسلم، وتخليصه من القتل أو الأسر، أو صيانة عرضه وكرامته، أو حفظ ماله المحترم، فإنّ الكذِب والحالة هذه واجبٌ إسلاميّ محتّم.
وهكذا إذا كان الكذِبُ وسيلةً لتحقيق غايةٍ راجحة، وهدفٍ إصلاحي، فإنّه آنذاك راجحٌ أو مباح، كالإصلاح بين الناس، أو استرضاء الزوجة واستمالتها، أو مخادعة الأعداء في الحروب.
وقد صرّحت النصوص بتسويغ الكذِب للأغراض السالفة.
قال الصادقعليهالسلام
: ( كلّ كذِبٍ مسؤول عنه صاحبُه يوماً إلاّ في ثلاثة: رجلٌ كايَد في حربِه فهو موضوع عنه، أو رجلٌ أصلَح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى هذا يُريد بذلك الإصلاح فيما بينهما، أو رجلٌ وعَد أهله شيئاً وهو لا يُريد أنْ يتمّ لهم )
_____________________
الحِلْم وكظم الغيظ
وهما: ضبط النفس إزاء مثيرات الغصب، وهما من أشرف السجايا، وأعزّ الخصال، ودليلا سموّ النفس، وكرم الأخلاق، وسببا المودّة والإعزاز.
وقد مدَح اللّه الحُلَماء والكاظمين الغيظ، وأثنى عليهم في مُحكَم كتابه الكريم.
فقال تعالى:( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا )
( الفرقان: ٦٣ ).
وقال تعالى:( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )
( فصّلت: ٣٤ - ٣٥ ).
وقال تعالى:( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )
(آل عمران: ١٣٤).
وعلى هذا النسق جاءت توجيهات أهل البيتعليهمالسلام
: قال الباقرعليهالسلام
: ( إنّ اللّه عزَّ وجل يحب الحييّ الحليم )
وسمع أمير المؤمنينعليهالسلام
رجلاً يشتم قنبراً، وقد رام قنبر أنْ يردّ عليه، فناداه أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( مهلاً يا قنبر، دع شاتمك، مُهاناً، تُرضي الرحمن، وتُسخِط الشيطان، وتُعاقب عدوّك، فو الذي فلَق
_____________________
الحبّة وبرأ النسمة، ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحلم، ولا أسخَط الشيطان بمثل الصمت، ولا عُوقِب الأحمق بمثل السكوت عنه )
وقالعليهالسلام
: ( أوّل عِوض الحليم مِن حلمه، أنّ الناس أنصاره على الجاهل )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إذا وقع بين رجُلين منازعة نزل ملكان، فيقولان للسفيه منهما: قلتَ وقلت، وأنت أهلٌ لما قلت، ستُجزى بما قلت. ويقولان للحليم منهما: صبَرت وحلمت، سيغفر اللّه لك، إنْ أتممت ذلك. قال: فإنْ ردَّ عليه ارتفَع الملَكان )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( ما مِن عبدٍ كظم غيظاً، إلاّ زاده اللّه عزَّ وجل عزّاً في الدنيا والآخرة، وقد قال اللّه عزَّ وجل: ( والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، واللّه يحب المحسنين ) وأثابه مكانه غيظه ذلك )
وقال الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
: ( اصبر على أعداء النعم، فإنّك لنْ تُكافئ مَن عصى الله فيك، بأفضل مِن أنْ تُطيع اللّه فيه )
وأحضَرعليهالسلام
وِلده يوماً فقال لهم: ( يا بَنِيّ إنّي موصيكم بوصيّةٍ، فمَن حفظها لم يضِع معها، إنْ أتاكم آتٍ فأَسمَعكم في الإذن اليُمنى مكروهاً، ثُم تحوّل إلى الإذن اليُسرى فاعتذر وقال: لم أقل شيئاً
_____________________
فاقبلوا عذره )
.
وقد يحسب السفهاء أنّ الحلم من دلائل الضعف، ودواعي الهوان، ولكنّ العقلاء يرونه من سمات النُبل، وسموّ الخُلُق، ودواعي العزّة والكرامة.
فكلّما عظُم الإنسان قدراً، كرمت أخلاقه، وسمت نفسه، عن مجاراة السفهاء في جهالتهم وطيشهم، معتصماً بالحِلم وكرم الإغضاء، وحُسن العفو، ما يجعله مثار الإكبار والثناء.
كما قيل:
وذي سفه يخاطبني بجهلٍ
|
|
فآنف أنْ أكون له مُجيبا
|
يَزيد سفاهةً وأزيد حِلماً
|
|
كعودٍ زاده الإحراق طيبا
|
ويقال: إنَّ رجلاً شتَم أحد الحكماء، فأمسك عنه، فقيل له في ذلك قال: ( لا أدخل حرباً الغالب فيها أشرّ مِن المغلوب ).
ومِن أروع ما نظمه الشعراء في مدح الحِلم، ما رواه الإمام الرضاعليهالسلام
، حين قال له المأمون: أنشدني أحسن ما رويت في الحِلم، فقالعليهالسلام
:
إذا كان دوني مَن بُليتُ بجهله
|
|
أبَيت لنفسي أنْ تُقابل بالجهل
|
وإنْ كان مثلي في محلّي مِن النهى
|
|
أخذْت بحلمي كي أجلّ عن المثل
|
وإنْ كنت أدنى منه في الفضل والحِجى
|
|
عرفت له حقّ التقدّم والفضل
|
فقال له المأمون: ما أحسن هذا، هذا مَن قاله ؟ فقال: ( بعض فتياننا )
.
_____________________
ولقد كان الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
والأئمّة الطاهرون من أهل بيته، المثل الأعلى في الحِلم، وجميل الصفح، وحسن التجاوز.
وقد زجَزت أسفار السيَر والمناقب، بالفيض الغمر منها، وإليك نموذجاً من ذلك:
قال الباقرعليهالسلام
: ( إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
أتى باليهوديّة التي سمَت الشاة للنبيّ، فقال لها: ما حمَلَك على ما صنعت ؟ فقالت: قلت: إنْ كان نبيّاً لم يضرّه، وإنْ كان ملَكاً أرحت الناس منه، فعفى رسول اللّه عنه )
وعفىصلىاللهعليهوآله
عن جماعةٍ كثيرة، بعد أنْ أباح دمهم، وأمر بقتلهم.
منهم: هبّار بن الأسود بن المطّلب، وهو الذي روّع زينب بنت رسول اللّه، فألقت ذا بطنها، فأباح رسول اللّه دمه لذلك، فروي أنّه اعتذر إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
من سوء فعله، وقال: وكنا يا نبيّ اللّه أهلَ شِرك، فهدانا اللّه بك، وأنقذنا بك من الهلَكة، فاصفح عن جهلي، وعمّا كان يبلغك عنّي، فإنّي مقرٌّ بسوء فعلي، معترفٌ بذنبي. فقالصلىاللهعليهوآله
: قد عفوت عنك، وقد أحسن الله إليك، حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجبُّ ما قبله.
ومنهم: عبد اللّه بن الربعرى، وكان يهجو النبيّصلىاللهعليهوآله
بمكّة، ويعظم القول فيه، فهرب يوم الفتح، ثّم رجع إلى رسول اللّه
_____________________
واعتذر، فقبِلصلىاللهعليهوآله
عذره.
ومنهم: وحشي قاتل حمزة سلام اللّه عليه، روي أنّه أسلم، قال له النبيّ: ( أَوحشيّ ؟ ) قال: نعم. قال: أخبرني كيف قتلت عمّي ؟ فأخبره، فبكىصلىاللهعليهوآله
وقال: ( غيّب وجهك عنّي )
.
وهكذا كان أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
أحلَم الناس وأصفحهم عن المُسيء:
ظفر بعبد اللّه بن الزبير، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وهُم ألدّ أعدائه، والمؤلّبين عليه، فعفا عنهم، ولم يتعقّبهم بسوء.
وظفَر بعمرو بن العاص، وهو أخطَر عليه مِن جيش ذي عدّة، فأعرض عنه، وتركه ينجو بحياته حين كشف عن سوأَته اتّقاءً لضربته.
وحال جند معاوية بينه وبين الماء، في معركة صفّين، وهُم يقولون له ولا قطرة حتّى تموت عطشاً، فلمّا حمل عليهم، وأجلاهم عنه، سوّغ لهم أن يشربوا منه كما يشرب جنده.
وزار السيدة عائشة بعد وقعة الجمل، وودعها أكرم وداع، وسار في ركابها أميالاً، وأرسل معها مَن يخدمها ويحفّ بها
.
وكان الحسن بن عليّعليهالسلام
على سرّ أبيه وجدّه صلوات اللّه عليهم أجمعين:
فمن حلمه ما رواه المبرّد، وابن عائشة: أنّ شاميّاً رآه راكباً،
_____________________
فجعل يلعنه، والحسن لا يردّ، فلما فرغ، أقبل الحسنعليهالسلام
فسلّم عليه، وضحك، فقال: ( أيّها الشيخ أظنّك غريباً، ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإنْ كنت جائعاً أشبعناك، وإنْ كنت عرياناً كسوناك، وإنْ كنت محتاجاً أغنيناك، وإنْ كنت طريداً آويناك، وإنْ كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعوَد عليك ؛ لأنّ لنا موضعاً رحباً، وجاهاً عريضاً، ومالاً كثيراً ).
فلمّا سمِع الرجل كلامه بكى، ثُمّ قال: أشهد أنّك خليفة اللّه في أرضه، اللّه أعلَم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق اللّه إليّ، والآن أنت أحبُّ خلق اللّه إليّ، وحوّل رحله إليه، وكان ضيفه إلى أنْ ارتحل وصار معتقداً لمحبّتهم
وهكذا كان الحسين بن عليّعليهماالسلام
: جنى غلام للحسينعليهالسلام
جنايةً تُوجِب العقاب عليه، فأمر به أنْ يُضرَب، فقال: يا مولاي، والكاظمين الغيظ. قال: ( خلّوا عنه ). قال: يا مولاي، والعافين عن الناس. قال: ( قد عفوت عنك ). قال: واللّه يحبُّ المحسنين، قال: ( أنت حرٌّ لوجه اللّه، ولك ضعف ما كنت أعطيك )
وإنّي استقرأت سيرة أهل البيتعليهمالسلام
فوجدتها نمطاً فريداً، ومثلاً عالياً، في دنيا السيَر والأخلاق:
_____________________
من ذلك ما قصّه الرواة مِن حِلم الإمام زين العابدينعليهالسلام
، فقد كان عنده أضياف، فاستعجل خادماً له بشواءٍ كان في التنّور، فأقبَل به الخادم مسرعاً، فسقَط منه على رأس بُنيّ لعلي بن الحسينعليهالسلام
تحت الدرجة، فأصاب رأسه فقتله، فقال عليّ للغلام وقد تحيّر الغلام واضطرب: أنت حرّ، فإنّك لم تتعمّده، وأخذ في جهاز ابنه ودفنه
ولُقّب الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
( بالكاظم ) لوفرة حلمه، وتجرّعه الغيظ، في مرضاة اللّه تعالى.
يُحدّث الراوي عن ذلك، فيقول: كان في المدينة رجلٌ مِن أولاد بعض الصحابة يُؤذي أبا الحسن موسىعليهالسلام
ويسبّه إذا رآه، ويشتم عليّاً، فقال له بعض حاشيته يوماً: دعنا نقتل هذا الفاجر.
فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي، وزجرهم، وسأل عنه فذُكر أنّه يزرع بناحية مِن نواحي المدينة، فركب إليه فوجده في مزرعةٍ له، فدخل المزرعة بحماره، فصاح به لا توطئ زرعنا، فوطأهعليهالسلام
بالحمار حتّى وصل إليه، ونزل وجلس عنده، وباسطه وضاحكه، وقال له: ( كم غرمت على زرعك هذا ؟ ) قال: مِئة دينار. قال: ( فكم ترجو أنْ تصيب ؟ ) قال: لست أعلم الغيب. قال له: ( إنّما قلت كم ترجو أنْ يجيئك فيه ). قال: أرجو أنْ يجيء مِئتا دينار. قال: فأخرج له أبو الحسن صرّة فيها ثلاثمِئة دينار وقال: ( هذا زرعك على حاله، واللّه يرزقك فيه ما ترجو ). قال:
_____________________
فقام الرجل فقبّل رأسه، وسأله أنْ يصفح عن فارطه، فتبسّم إليه أبو الحسن وانصرف. قال: وراح إلى المسجد، فوجد الرجل جالساً، فلمّا نظر إليه، قال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته. قال: فوثب أصحابه إليه فقالوا: ما قضيّتك ؟! قد كنت تقول غير هذا.
قال: فقال لهم: قد سمعتم ما قلت الآن، وجعل يدعو لأبي الحسنعليهالسلام
، فخاصموه وخاصمهم، فلمّا رجع أبو الحسن إلى داره، قال لجُلسائه الذين سألوه في قتله: ( أيُّما كان خيراً، ما أردتم أم ما أردت، إنّني أصلَحتُ أمره بالمقدار الذي عرفتم وكُفيت شرّه )
وقد أحسن الفرزدق حيثُ يقول في مدحهم:
من معشر حبّهم دينٌ وبغضهم
|
|
كفرٌ وقُربهم منجىً ومعتصَم
|
إنْ عُدّ أهل التقى كانوا أئمّتهم
|
|
أو قيل مَن خيرُ أهل الأرضِ قيل هُم
|
_____________________
الغضَب
وهو: حالة نفسيّة، تبعث على هياج الإنسان، وثورته قولاً أو عملاً. وهو مفتاح الشرور، ورأس الآثام، وداعية الأزَمات والأخطار. وقد تكاثرت الآثار في ذمّه والتحذير منه:
قال الصادقعليهالسلام
: ( الغضب مفتاح كلّ شر )
.
وإنّما صار الغضب مفتاحاً للشرور، لِما ينجم عنه من أخطار وآثام، كالاستهزاء، والتعيير، والفُحش، والضرب، والقتل، ونحو ذلك من المساوئ.
وقال الباقرعليهالسلام
: ( إنّ الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتّى يدخل النار )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( واحذر الغضب، فإنّه جند عظيم من جنود إبليس )
.
وقالعليهالسلام
: ( الحدّة ضرب من الجنون ؛ لأنّ صاحبها يندم، فإنْ لم يندم فجنونه مستحكَم )
_____________________
وقال الصادقعليهالسلام
: ( سمعت أبي يقول: أتى رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
رجلٌ بدويّ، فقال: إنّي أسكن البادية، فعلِّمني جوامع الكلام. فقال: آمرك أنْ لا تغضب. فأعاد الأعرابي عليه المسألة ثلاث مرات، حتّى رجع الى نفسه، فقال: لا أسأل عن شيء بعد هذا، ما أمرني رسول اللّه إلا بالخير....)
.
بواعِث الغضَب:
لا يحدث الغضب عفواً واعتباطاً، وإنّما ينشأ عن أسباب وبواعث تجعل الإنسان مرهف الإحساس، سريع التأثّر.
ولو تأمّلنا تلك البواعث، وجدناها مجملةً على الوجه التالي:
(١) قد يكون منشأ الغضَب انحرافاً صحيّاً، كاعتلال الصحّة العامّة، أو ضعف الجهاز العصبي، ممّا يسبّب سرعة التهيّج.
(٢) وقد يكون المنشأ نفسيّاً، منبعثاً عن الإجهاد العقلي، أو المغالاة في الأنانيّة، أو الشعور بالإهانة، والاستنقاص، ونحوها من الحالات النفسيّة، التي سرعان ما تستفزّ الإنسان، وتستثير غضبه.
(٣) وقد يكون المنشأ أخلاقيّاً، كتعوّد الشراسة، وسرعة التهيّج، ممّا يوجب رسوخ عادة الغضب في صاحبه.
_____________________
أضرار الغضب:
للغضب أضرار جسيمة، وغوائل فادحة، تضرّ بالإنسان فرداً ومجتمعاً، جسميّاً ونفسيّاً، مادّيّاً وأدبيّاً. فكم غضبة جرحت العواطف، وشحنت النفوس بالأضغان، وفصمت عُرى التحابب والتآلف بين الناس. وكم غضبة زجّت أناساً في السجون، وعرّضتهم للمهالك، وكم غضبة أثارت الحروب: وسفكت الدماء، فراح ضحيّتها الآلاف من الأبرياء.
كلّ ذلك سوى ما ينجم عنه من المآسي والأزمات النفسيّة، التي قد تؤدّي إلى موت الفجأة.
والغضب بعد هذا يحيل الإنسان بركاناً ثائراً، يتفجّر غيطاً وشرّاً، فإذا هو إنسان في واقع وحش، ووحش في صورة إنسان.
فإذا بلسانه ينطلق بالفحش والبذاء، وهتك الأعراض، وإذا بيديه تنبعثان بالضرب والتنكيل، وربّما أفضى إلى القتل، هذا مع سطوة الغاضب وسيطرته على خصمه، وإلاّ انعكست غوائل الغضب على صاحبه، فينبعث في تمزيق ثوبه، ولطم رأسه، وربّما تعاطى أعمالاً جنونيّة، كسبّ البهائم وضرب الجمادات.
الغضب بين المدح والذم:
الغضب غريزةٌ هامّة، تُلهب في الإنسان روح الحميّة والإباء، وتبعثه
على التضحية والفداء، في سبيل أهدافه الرفيعة، ومُثله العليا، كالذود عن العقيدة، وصيانة الأرواح، والأموال، والكرامات. ومتى تجرّد الإنسان من هذه الغريزة صار عُرضةً للهوان والاستعباد، كما قيل:( من استُغضِب فلم يغضب فهو حمار )
.
فيُستَنتج من ذلك: أنّ الغضب المذموم ما أفرط فيه الإنسان، وخرج به عن الاعتدال، متحدّياً ضوابط العقل والشرع. أمّا المعتدل فهو كما عرفت، مِن الفضائل المشرّفة، التي تُعزّز الإنسان، وترفع معنويّاته، كالغضب على المنكرات، والتنمّر في ذات اللّه تعالى.
علاج الغضب:
عرفنا من مطاوي هذا البحث، طرفاً من بواعث الغضب ومساوئه وآثامه، والآن أودّ أنْ أعرض وصْفةً علاجيّة لهذا الخُلُق الخطير، وهي مؤلّفة من عناصر الحكمة النفسيّة، والتوجيه الخُلُقي، عسى أنْ يجد فيها صرعى الغضب ما يُساعدهم على مكافحته وعلاجه.
وإليك العناصر الآتية:
(١) - إذا كان منشأ الغضب اعتلالاً صحّيّاً، أو هبوطاً عصبيّاً كالمرضى والشيوخ ونحاف البنية، فعلاجُهم - والحالة هذه - بالوسائل الطبّية، وتقوية صحّتهم العامّة، وتوفير دواعي الراحة النفسيّة والجسميّة لهم، كتنظيم الغذاء، والتزام النظافة، وممارسة الرياضة الملائمة،
واستنشاق الهواء الطلق، وتعاطي الاسترخاء العضلي بالتمدد على الفراش.
كل ذلك مع الابتعاد والاجتناب عن مرهقات النفس والجسم، كالإجهاد الفكري، والسهر المضني، والاستسلام للكآبة، ونحو ذلك من دواعي التهيّج.
(٢) - لا يحدث الغضب عفواً، وإنّما ينشأ عن أسباب تستثيره، أهمّها: المغالاة في الأنانيّة، الجدل والمراء، الاستهزاء والتعيير، المزاح الجارح. وعلاجه في هذه الصور باجتناب أسبابه، والابتعاد عن مثيراته جهد المستطاع.
(٣) - تذكّر مساوئ الغضب وأخطاره وآثامه، وأنّها تحيق بالغاضب، وتضرّ به أكثر مِن المغضوب عليه، فرُبّ أمرٍ تافه أثار غضبةً عارمة، أودت بصحّة الإنسان وسعادته.
يقول بعض باحثي علم النفس: دع محاولة الاقتصاص من أعدائك، فإنّك بمحاولتك هذه تؤذي نفسك أكثر ممّا تؤذيهم... إنّنا حين نمقت أعداءنا نتيح لهم فرصة الغلبة علينا، وإنّ أعداءنا ليرقصون طرَباً لو علِموا كم يسبّبون لنا من القلق وكم يقتصّون منّا، إنّ مقتنا لا يُؤذيهم، وإنّما يؤذينا نحن، ويحيل أيامنا وليالينا إلى جحيم
وهكذا يجدر تذكر فضائل الحلم، وآثاره الجليلة، وأنّه باعث على إعجاب الناس وثنائهم، وكسب عواطفهم.
وخير محفّز على الحلم قول اللّه عز وجل:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
_____________________
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )
( فصلت: ٣٤ - ٣٥ )
(٤) - إنّ سطوة الغضب ودوافعه الإجراميّة، تعرّض الغاضب لسخط اللّه تعالى وعقابه، وربّما عرّضته لسطوة مَن أغضبه واقتصاصه منه في نفسه أو في ماله أو عزيز عليه. قال الصادقعليهالسلام
: ( أوحى اللّه تعالى إلى بعض أنبيائه: إبنَ آدم أذكرني في غضبك أذكرك في غضبي، لا أمحقك فيمن أمحق، وارض بي منتصراً، فإنّ انتصاري لك خيرٌ مِن انتصارك لنفسك )
(٥) - من الخير للغاضب إرجاء نزَوات الغضب وبوادره، ريثما تخفّ سورته، والتروّي في أقواله وأفعاله عند احتدام الغضب، فذلك ممّا يخفّف حدّة التوتر والتهيج، ويعيده إلى الرشد والصواب، ولا يُنال ذلك إلا بضبط النفس، والسيطرة على الأعصاب.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( إنْ لم تكن حليماً فتحلّم، فإنّه قَلّ من تشبّه بقومٍ إلاّ أوشك أنْ يكون منهم )
(٦) - ومن علاج الغضب: الاستعاذة من الشيطان الرجيم، وجلوس الغاضب إذا كان قائماً، واضطجاعه إنْ كان جالساً، والوضوء أو الغُسل بالماء البارد، ومسّ يد الرحم إنْ كان مغضوباً عليه، فإنّه من مهدّئات الغضب.
_____________________
التواضع
وهو: احترام الناس حسب أقدارهم، وعدم الترفّع عليهم.
وهو خُلقٌ كريم، وخلّة جذّابة، تستهوي القُلوب، وتستثير الإعجاب والتقدير، وناهيك في فضله أنّ اللّه تعالى أمر حبيبه، وسيّد رُسلهصلىاللهعليهوآله
بالتواضع، فقال تعالى:( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )
(الشعراء: ٢١٥)
وقد أشاد أهل البيتعليهمالسلام
بشرَف هذا الخُلُق، وشوّقوا إليه بأقوالهم الحكيمة، وسيرتهم المثاليّة، وكانوا روّاد الفضائل، ومنار الخُلق الرفيع.
قال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ في السماء ملكين موكّلين بالعباد، فمن تواضع للّه رَفَعاه، ومن تكبّر وضَعَاه )
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( إنّ أحبّكم إليّ، وأقربكم منّي يومّ القيامة مجلساً، أحسنكم خُلُقاً، وأشدّكم تواضعاً، وإنّ أبعدكم منّي يوم القيامة، الثرثارون وهُم المستكبرون )
_____________________
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء، طلباً لما عند اللّه، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتّكالاً على اللّه )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مِن التواضع أنْ ترضى بالمجلس دون المجلس، وأنْ تُسلّم على مَن تَلقى. وأنْ تترك المراء وإنْ كُنت محقّاً، ولا تحب أنْ تُحمَد على التقوى )
وجدير بالذكر أنْ التواضع الممدوح، هو المتّسم بالقصد والاعتدال الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، فالإسراف في التواضع داع إلى الخسّة والمهانة، والتفريط فيه باعثٌ على الكِبر والأنانيّة.
وعلى العاقل أنْ يختار النهج الأوسط، المبرّأ مِن الخسّة والأنانيّة، وذلك: بإعطاء كلّ فرد ما يستحقّه من الحفاوة والتقدير، حسب منزلته ومؤهّلاته.
لذلك لا يحسن التواضع للأنانيّين والمتعالين على الناس بزهوهم وصلَفِهم. إنّ التواضع والحالة هذه مدعاة للذلّ والهَوان، وتشجيعٌ لهم على الأنانيّة والكِبَر، كما يقول المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
|
|
وإنْ أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
|
وممّا قيل في التواضع قول المعرّي:
يا والي المصر لا تظلمنّ
|
|
فكم جاء مثلك ثُمّ انصرف
|
تواضع إذا ما رُزقت العُلا
|
|
فذلك ممّا يزيد الشرَف
|
_____________________
وفي المثل:
تواضع الرجل في مرتبته، ذبّ للشماتة عند سقطته.
وقال الطغرائي:
ذريني على أخلاقي الشوس إنّني
|
|
عليم بإبرام العزائم والنقض
|
أزيد إذا أيسرت فضل تواضع
|
|
ويزهى إذا أعسرت بعضي على بعضي
|
فذلك عند اليسر أكسب للثنا
|
|
وهذاك عند العسر أصوَن للعرض
|
أرى الغصن يعرى وهو يسمو بنفسه
|
|
ويوقر حملاً حين يدنو مِن الأرض
|
واليك طرفاً من فضائل أهل البيت، وتواضعهم المثالي الفريد:
كان النبيّصلىاللهعليهوآله
أشدَّ الناس تواضعاً، وكان إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس حين يدخل، وكان في بيته في مهنة أهله، يحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويحمل بضاعته من السوق، ويُجالس الفقراء، ويواكل المساكين.
وكانصلىاللهعليهوآله
إذا سارّه أحد، لا يُنحّي رأسه حتّى يكون الرجل هو الذي ينحّي رأسه، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتّى يرسلها الآخر، وما قعد إليه رجل قط فقامصلىاللهعليهوآله
حتّى يقوم، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبادئ أصحابه بالمصافحة، ولم يُرَ قطّ مادّاً رجليه بين أصحابه، يُكرم من يدخل عليه، وربّما بسَط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويكنّي أصحابه، ويدعوهم بأحبِّ أسمائهم تكرِمةً لهم، ولا يقطع على أحدٍ حديثه، وكان يُقسِّم لحظاته بين أصحابه، وكان
أكثر الناس تبسّماً، وأطيبهم نفساً
.
وعن أبي ذرّ الغفاري: كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
يجلس بين ظهرانيّ أصحابه، فيجئ الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتّى يسأل، فطلبنا إليه أنْ يجعل مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكّاناً من طين فكان يجلس عليها، ونجلس بجانبه.
ورُوي أنّهصلىاللهعليهوآله
كان في سفر، فأمر بإصلاح شاة، فقال رجلٌ: يا رسول اللّه، عليّ ذبحها، وقال آخر: عليّ سلخها، وقال آخر: عليَّ طبخها، فقالصلىاللهعليهوآله
: ( وعليَّ جمع الحطب ). فقالوا: يا رسول اللّه، نحن نكفيك.
فقال: ( قد علمت أنّكم تكفوني، ولكن أكره أنْ أتميَّز عليكم، فإنّ اللّه يكره مِن عبده أنْ يراه متميَّزاً بين أصحابه )، وقام فجمع الحطب
ورُوي أنّه خرج رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
إلى بئرٍ يغتسل، فأمسك حذيفة بن اليمان بالثوب على رسول اللّه وستره به حتّى اغتسل، ثُمّ جلس حذيفة ليغتسل، فتناول رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
الثوب، وقام يستر حذيفة، فأبى حذيفة، وقال: بأبي وأُمّي أنت يا رسول اللّه لا تفعل، فأبى رسول اللّه إلاّ أنْ يستره بالثوب حتّى اغتسل، وقال: ( ما اصطحب اثنان قطُّ، إلاّ وكان أحبّهما إلى اللّه أرفقهما بصاحبه )
_____________________
وهكذا كان أمير المؤمنينعليهالسلام
في سموّ أخلاقه وتواضعه، قال ضرار وهو يصفهعليهالسلام
:
( كان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويُجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن واللّه مع تقريبه إيّانا، وقُربه منّا، لا نكاد نكلّمه هيبةً له، فإنْ تبسَّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يُعظّم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( خرَج أمير المؤمنينعليهالسلام
على أصحابه، فمشوا خلفه، فالتفت إليهم فقال: لكم حاجة ؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، ولكنّا نحبُّ أنْ نمشي معك. فقال لهم: انصرفوا، فإنّ مشي الماشي مع الراكب، مَفسدةٌ للراكب، ومذلّة للماشي )
وهكذا يقصّ الرواة طرفاً ممتعاً رائعاً مِن تواضع الأئمّة الهداةعليهمالسلام
، وكريم أخلاقهم.
فمِن تواضع الحسينعليهالسلام
: أنّه مرّ بمساكين وهُم يأكلون كِسراً لهم على كساء، فسلَّم عليهم، فدعوه إلى طعامهم، فجلس معهم وقال: ( لولا أنّه صدقة لأكلت معكم ). ثُمّ قال: ( قوموا إلى منزلي، فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم )
ومن تواضع الرضاعليهالسلام
:
_____________________
قال الراوي: كنت مع الرضاعليهالسلام
في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدة، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت: جُعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة، فقال: ( مَه، إنّ الربَّ تبارك وتعالى واحد، والأُمّ واحدة، والأبُ واحد، والجزاء بالأعمال )
_____________________
التكبّر
وهو حالة تدعو إلى الإعجاب بالنفس، والتعاظم على الغير، بالقول أو الفعل، وهو: من أخطر الأمراض الخلقيّة، وأشدّها فتكاً بالإنسان، وأدعاها إلى مقت الناس له وازدرائهم به، ونفرتهم منه.
لذلك تواتر ذمّه في الكتاب والسنّة:
قال تعالى:( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )
( لقمان: ١٨ ).
وقال تعالى:( وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً )
( الإسراء:٣٧ ).
وقال تعالى:( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ )
( النحل: ٢٣ ).
وقال تعالى:( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ )
( الزمر: ٦٠ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ في السماء ملَكَين موكَّلين بالعباد، فمَن تواضع للّه رَفَعاه، ومن تكبّر وضعاه )
.
وقالعليهالسلام
: ( ما مِن رجل تكبّر أو تُجبَر، إلاّ لذلةٍ وجدها في نفسه )
.
_____________________
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( إنّ أحبّكم إليّ، وأقربكم منّي يوم القيامة مجلساً، أحسنكم خُلُقاً، وأشدّكم تواضعاً، وإنّ أبعدكم منّي يوم القيامة، الثرثارون، وهُم المستكبرون )
.
وعن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( مرّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
على جماعة فقال: على ما اجتمعتم ؟ فقالوا: يا رسول اللّه، هذا مجنون يُصرع، فاجتمعنا عليه. فقال: ليس هذا بمجنون، ولكنّه المبتلى. ثمّ قال: ألا أخبركم بالمجنون حقّ المجنون ؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: المُتَبختر في مشيه، الناظر في عطفيه، المحرّك جنبيه بمكنبيه، يتمنّى على اللّه جنّته، وهو يعصيه، الذي لا يُؤمنُ شرّه، ولا يُرجى خيره، فذلك المجنون وهذا المبتلى )
.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
في خطبة له: ( فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس، إذ أحبط عمله الطويل، وجهده الجهيد ؟ وكان قد عبد اللّه ستّة آلاف سنة، لا يُدرى أمِن سنيّ الدنيا، أم مِن سنيّ الآخرة، عن كِبر ساعة واحدة، فمَن بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته، كلا ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً، واستعيذوا باللّه من لواقح الكِبر، كما تستعيذون من طوارق الدهر، فلو رخّص اللّه في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه ورُسُله، ولكنّه سُبحانه
_____________________
كرّه إليهم التكابر، ورضي لهم التواضع )
وعن الصادق عن أبيه عن جدّهعليهمالسلام
قال: ( وقع بين سلمان الفارسي وبين رجلٍ كلام وخصومة فقال له الرجل: مَن أنت يا سلمان ؟ فقال سلمان: أمّا أوّلي وأوّلُك فنطفةٌ قذرة، وأمّا آخِري وآخِرُك فجيفةٌ منتنة، فإذا كان يوم القيامة، ووِضِعَت الموازين، فمن ثقُل ميزانه فهو الكريم، ومَن خفّ ميزانه فهو اللئيم )
وعن الصادقعليهالسلام
قال: ( جاء رجلٌ موسر إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
نقيّ الثوب، فجلس إلى رسول اللّه، فجاء رجلٌ مُعسِر، درن الثوب، فجلَس إلى جنب الموسر، فقبض الموسر ثيابه مِن تحت فخذيه، فقال له رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: أخفت أنْ يمسّك مِن فقره شيء ؟ قال: لا. قال: فخِفتَ أنْ يوسّخ ثيابك ؟ قال: لا. قال: فما حملَك على ما صنعت ؟ فقال: يا رسول اللّه، إنّ لي قريناً يُزيّن لي كلّ قبيح ويقبّح لي كلّ حسَن، وقد جعلت له نصف مالي. فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
للمعسِر: أتقبل ؟ قال: لا. فقال له الرجل: لِمَ ؟ قال: أخاف أنْ يدخلني ما دخلك ).
مساوئ التكبّر:
من الواضح أن التكبر من الأمراض الأخلاقية الخطيرة، الشائعة
_____________________
في الأوساط الاجتماعيّة، التي سرت عدواها، وطغت مضاعفاتها على المجتمع، وغدا يعاني مساوئها الجمّة.
فمن مساوئ التكبّر وآثاره السيّئة في حياة الفرد:
أنّه متى استبدّ بالإنسان، أحاط نفسه بهالةٍ من الزهو والخيَلاء، وجُنّ بحبِّ الأنانيّة والظهور، فلا يسعده إلاّ الملِق المزيف، والثناء الكاذب، فيتعامى آنذاك عن نقائصه وعيوبه، ولا يهتمّ بتهذيب نفسه، وتلافي نقائصه، ما يجعله هدفاً لسهام النقد، وعرضة للمقت والازدراء.
هذا إلى أنّ المتكبّر أشدّ الناس عُتوّاً وامتناعاً عن الحقّ والعدل، ومقتضيات الشرائع والأديان.
ومن مساوئ التكبّر الاجتماعيّة:
أنّه يُشيع في المجتمع روح الحقد والبغضاء، ويعكّر صفو العلاقات الاجتماعيّة، فلا يسيء الناس ويستثير سخطهم ومقتهم، كما يستثيره المتكبّر الذي يتعالى عليهم بصلفه وأنانيّته.
إنّ الغطرسة داء يُشقي الإنسان، ويجعله منبوذاً يعاني مرارة العزلة والوحشة، ويشقي كذلك المرتبطين به بصنوف الروابط والعلاقات.
بواعث التكبّر:
الأخلاق البشريّة كريمة كانت أو ذميمة، هي انعكاسات النفس على صاحبها، وفيض نبعها، فهي تُشرق وتُظلم، ويحلو فيضها ويمرّ تبعاً
لطيبة النفس أو لؤمها، استقامتها أو انحرافها. وما مِن خُلُق ذميم إلاّ وله سببٌ من أسباب لؤم النفس أو انحرافها.
فمن أسباب التكبّر: مغالاة الإنسان في تقييم نفسه، وتثمين مزاياها وفضائلها، والإفراط في الإعجاب والزهو بها، فلا يتكبّر المتكبّر إلاّ إذا آنَس من نفسه عِلماً وافراً، أو منصباً رفيعاً، أو ثراءً ضخماً، أو جاهاً عريضاً، ونحو ذلك من مثيرات الأنانيّة والتكبّر.
وقد ينشأ التكبّر من بواعث العِداء أو الحسَد أو المباهاة، ممّا يدفع المتّصفين بهذه الخلال على تحدّي الأماثل والنُبلاء، وبَخس كراماتهم، والتطاول عليهم، بصنوف الازدراءات الفعليّة أو القوليّة، كما يتجلّى ذلك في تصلّفات المتنافسين والمتحاسدين في المحافل والندوات.
درجات التكبّر:
وهكذا تتفاوت درجات التكبّر وأبعاده بتفاوت أعراضه شدّةً وضعفاً.
فالدرجة الأُولى: وهي التي كَمِن التكبّر في صاحبها، فعالجه بالتواضع، ولم تظهر عليه أعراضه ومساوئه.
والدرجة الثانية: وهي التي نما التكبّر فيها، وتجلّت أعراضه بالاستعلاء على الناس، والتقدّم عليهم في المحافل، والتبختر في المشي.
والدرجة الثالثة: وهي التي طغى التكبر فيها، وتفاقمت مضاعفاته، فجُنَّ صاحبها بجنون العظمة، والإفراط في حبّ الجاه والظهور، فطفق
يلهج في محاسنه وفضائله، واستنقاص غيره واستصغاره. وهذه أسوأ درجات التكبّر، وأشدّها صَلفَاً وعتوّاً.
أنواع التكبّر:
وينقسم التكبر باعتبار مصاديقه الى ثلاثة أنواع:
(١) - التكبّر على اللّه عزَّ وجل:
وذلك بالامتناع عن الإيمان به، والاستكبار عن طاعته وعبادته. وهو أفحش أنواع الكفر، وأبشع أنواع التكبّر، كما كان عليه فرعون ونمرود وأضرابهما مِن طغاة الكفر وجبابرة الإلحاد.
(٢) - التكبّر على الأنبياء.
وذلك بالترفّع عن تصديقهم والإذعان لهم، وهو دون الأوّل وقريب منه.
(٣) - التكبّر على الناس:
وذلك بازدرائهم والتعالي عليهم بالأقوال والأفعال، ومن هذا النوع التكبّر على العلماء المخلصين، والترفّع عن مسائلتهم والانتفاع بعلومهم وإرشادهم، ممّا يفضي بالمستكبرين إلى الخُسران والجهل بحقائق الدين، وأحكام الشريعة الغرّاء.
علاج التكبّر:
وحيث كان التكبّر هَوَساً أخلاقيّاً خطيراً ماحقاً، فجدير بكلّ عاقل
أنْ يأخذ حذره منه، وأنْ يجتهد - إذا ما داخلته أعراضه - في علاج نفسه، وتطهيرها مِن مثالبه، وإليك مُجملاً من النصائح العلاجيّة:
(١) - أنْ يعرف المتكبّر واقعه وما يتّصف به مِن ألوان الضعف والعجز: فأوّله نطفةٌ قذرة، وآخره جيفةٌ منتنة، وهو بينهما عاجز واهن، يرهقه الجوع والظمأ، ويعروه السقم والمرض، وينتابه الفقر والضُّر، ويدركه الموتُ والبِلى، لا يقوى على جلب المنافع وردّ المكاره، فحقيق بمن اتّصف بهذا الوهن، أنْ ينبذ الأنانيّة والتكبّر، مستهدياً بالآية الكريمة:( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )
( القصص: ٨٣ ).
فأفضل الناس أحسنهم أخلاقاً، وأكثرهم نفعاً، وأشدّهم تقوى وصلاحاً.
(٢) - أنْ يتذكّر مآثر التواضع ومحاسنه، ومساوئ التكبّر وآثامه، وما ترادف في مدح الأوّل وذمّ الثاني من دلائل العقل والنقل، قال بزر جمهر: ( وجدنا التواضع مع الجهل والبخل، أحمد عند العقلاء من الكِبَر مع الأدب والسخاء، فأنبِل بحسنة غطّت على سيئتين، وأقبح بسيّئةٍ غطّت على حسنتين )
(٣) - أنْ يروّض نفسه على التواضع، والتخلّق بأخلاق المتواضعين، لتخفيف حدّة التكبّر في نفسه، وإليك أمثلةٌ في ذلك:
أ - جديرٌ بالعاقل عند احتدام الجدل والنقاش في المساجلات العلميّة أنْ يذعن لمناظره بالحقّ إذا ما ظهر عليه بحجّته، متفادياً نوازع المكابرة والعناد.
_____________________
ب - أنْ يتفادى منافسة الأقران في السبْق إلى دخول المحافل، والتصدّر في المجالس.
ج - أنْ يخالط الفقراء والبؤساء، ويبدأهم بالسلام، ويؤاكلهم على المائدة، ويجيب دعوتهم، متأسيّاً بأهل البيت ( عليهم أفضل الصلاة والسلام ).
القناعة
وهي: الاكتفاء من المال بقدر الحاجة والكفاف، وعدم الاهتمام فيما زاد عن ذلك.
وهي: صفةٌ كريمة، تُعرِب عن عزّة النفس، وشرف الوجدان، وكرم الأخلاق.
وإليك بعض ما أُثِر عن فضائلها من النصوص:
قال الباقرعليهالسلام
: ( مَن قنع بما رزَقه اللّه فهو مِن أغنى الناس )
.
إنّما صار القانع من أغنى الناس ؛ لأنّ حقيقة الغنى هي: عدم الحاجة إلى الناس، والقانع راض ومكتف بما رزقه اللّه، لا يحتاج ولا يسأل سِوى اللّه.
قيل: لمّا مات جالينوس وُجد في جيبه رقعةً فيها مكتوب:( ما أكلته مقتصِداً فلجسمك، وما تصدّقت به فلِروحك، وما خلّفته فلِغيرك، والمُحسِن حيّ وإنْ نُقلَ إلى دار البلى، والمُسيء ميّت وإنْ بقي في دار الدنيا، والقناعة تستر الخِلة، والتدبير يُكثّر القليل، وليس لابن آدم أنفع من
_____________________
التوكّل على اللّه سبحانه )
وشكى رجلٌ الى أبي عبد اللّهعليهالسلام
أنّه يطلب فيصيب، ولا يقنع، وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه، وقال: علّمني شيئاً أنتفع به. فقال أبو عبد اللّهعليهالسلام
( إنْ كان ما يكفيك يغنيك، فأدنى ما فيها يغنيك، وإنْ كان ما يكفيك لا يُغنيك، فكلّ ما فيها لا يغنيك )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( إيّاك أنْ يطمح بصرك إلى مَن هو فوقك فكفى بما قال الله تعالى لنبيّهصلىاللهعليهوآله
:( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ )
وقال:( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...)
، فإنْ دخلك من ذلك شيءٌ، فاذكر عيش رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، فإنّما كان قوته الشعير، وحلوه التمر، ووقوده السعف إذا وجده )
.
محاسن القناعة:
للقناعة أهميّة كُبرى، وأثرُ بالغ في حياة الإنسان، وتحقيق رخائه النفسي والجسمي، فهي تُحرره من عبوديّة المادّة، واسترقاق الحِرْص والطمَع، وعنائهما المرهِق، وهوانهما المُذلّ، وتنفخ فيه روح العزّة،
_____________________
والكرامة، والإباء، والعفّة، والترفّع عن الدنايا، واستدرار عطف اللئام.
والقانع بالكفاف أسعد حياةً، وأرخى بالاً، وأكثر دعةً واستقراراً، مِن الحريص المتفاني في سبيل أطماعه وحرصه، والذي لا ينفك عن القلق والمتاعب والهموم.
والقناعة بعد هذا تمدّ صاحبها بيقظةٍ روحيّة، وبصيرةٍ نافذة، وتحفّزه على التأهّب للآخرة، بالأعمال الصالحة، وتوفير بواعث السعادة فيها.
ومن طريف ما أُثر في القناعة:
أنّ الخليل بن أحمد الفراهيدي كان يُقاسي الضُّر بين أخصاص البصرة، وأصحابه يقتسمون الرغائب بعلمه في النواحي.
ذكروا أنّ سليمان بن عليّ العبّاسي، وجّه إليه مِن الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خبزاً يابساً، وقال: كُل فما عندي غيره، وما دُمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان. فقال الرسول: فما أُبلغه ؟ فقال:
أبلغ سليمان أنّي عنه في سعة
|
|
وفي غنىً غيرَ أنّي لستُ ذا مال
|
والفقر في النفس لا في المال فاعرفه
|
|
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
|
فالرزْقُ عن قدر لا العجز ينقصه
|
|
ولا يزيدك فيه حول محتال
|
وفي كشكول البهائي: ( أنّه أرسل عثمان بن عفّان مع عبدٍ له كيساً مِن الدراهم إلى أبي ذرٍّ وقال له: إنْ قبِل هذا فأنت حُرّ، فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذرّ، وألحّ عليه في قبوله، فلم يقبل، فقال له: اقبله
_____________________
فإنّ فيه عتقي. فقال: نعم ولكن فيه رِقّي )
( وكان ديوجانس الكلبي من أساطين حُكماء اليونان، وكان متقشّفاً. زاهداً، لا يقتني شيئاً، ولا يأوي إلى منزل، دعاه الاسكندر إلى مجلسه، فقال للرسول قل له: إنّ الذي منعك من المسير إلينا، هو الذي منعنا من المسير إليك، منعك استغناؤك عنّا بسلطانك، ومنعني استغنائي عنك بقناعتي )
وكتب المنصور العبّاسي إلى أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام
: لِمَ لا تغشانا كما يغشانا الناس ؟ فأجابه: ( ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك مِن الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنّيك بها، ولا في نقمة فنعزّيك بها ). فكتب المنصور: تصحبنا لتنصحنا.
فقال أبو عبد اللّهعليهالسلام
: ( من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك )
.
وما أحلى قول أبي فراس الحمداني في القناعة:
إنّ الغنيّ هو الغنيُّ بنفسه
|
|
ولو أنّه عارِ المناكب حافِ
|
ما كلّ ما فوق البسيطة كافياً
|
|
فإذا قنعت فكلّ شيءٍ كافِ
|
_____________________
الحِرص
الحرص: هو الإفراط في حُبّ المال، والاستكثار منه، دون أنْ يكتفي بقدرٍ محدود. وهو من الصفات الذميمة، والخصال السيّئة، الباعثة على ألوان المساوئ والآثام، وحسب الحريص ذمّاً أنّه كلّما ازداد حرصاً ازدادا غباءً وغماً.
وإليك بعض ما ورد في ذمه:
قال الباقرعليهالسلام
: ( مثَل الحريص على الدنيا، مثَل دودة القز كلّما ازدادت مِن القزّ على نفسها لفاً، كان أبعد لها من الخروج، حتّى تموت غمّاً )
لذلك قال الشاعر:
يفني البخيل بجمع المال مدّته
|
|
وللحوادث والأيّام ما يدع
|
كدودة القزّ ما تبنيه يهدمها
|
|
وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
|
وقال الصادق ( عليه السالم ): ( إنّ فيما نزل به الوحي من السماء: لو أنّ لابن آدم واديَين، يسيلان ذهباً وفضّة، لابتغى لهما ثالثاً، يابن آدم إنّما بطنك بحرٌ من البحور، ووادٍ من الأودية، لا يملأه شيء إلاّ التراب )
_____________________
وقالعليهالسلام
: ( ما ذئبان ضاريان، في غنمٍ قد فارقها رعاؤها أحدهما في أوّلها والآخر في آخرها، بأفسد فيها من حبّ المال ( الدنيا خ ل )، والشرف في دين المسلم )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
في ضمن وصيّته لولده الحسنعليهالسلام
: ( واعلم يقيناً أنّك لنْ تبلغ أملك، ولنْ تعدو أجلك، وأنّك في سبيل مَن كان قبلك، فخفّض في الطلب، وأجمل في المكتسَب، فإنّه رُبّ طلبٍ، قد جرّ إلى حرب، فليس كلّ طالبٍ بمرزوق، ولا كلّ مجملٍ بمحروم )
وقال الحسن بن عليّعليهماالسلام
: ( هلاك الناس في ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد، فالكبر هلاك الدين وبه لُعِن إبليس، والحرص عدوّ النفس، وبه أُخرج آدم من الجنّة، والحسد رائد السوء ومنه قتَل قابيل هابيل )
.
مساوئ الحرص:
وبديهي أنّه متى استبدّ الحرص بالإنسان، استرقه، وسبّب له العناء
_____________________
والشقاء، فلا يهمّ الحريص، ولا يشبع جشعه إلاّ استكثار الأموال واكتنازها، دون أنْ ينتهي إلى حدٍّ محدود، فكلّما أدرك مأرباً طمح إلى آخر، وهكذا يلج به الحرص، وتستعبده الأطماع، حتّى يوافيه الموت فيغدو ضحيّة الغنا والخسران.
والحريص أشدّ الناس جهداً في المال، وأقلّهم انتفاعاً واستمتاعاً به، يشقى بكسبه وادخاره، وسرعان ما يفارقه بالموت، فيهنأ به الوارث، من حيث شقِيَ هو به، وحُرِم من لذّته.
والحرص بعد هذا وذاك، كثيراً ما يزجّ بصاحبه في مزالق الشبهات والمحرّمات والتورّط في آثامها، ومشاكلها الأخرويّة، كما يعيق صاحبه عن أعمال الخير، وكسب المثوبات كصلة الأرحام وإعانة البؤساء والمعوزين، وفي ذلك ضرر بالغ، وحرمان جسيم.
علاج الحرص:
وبعد أنْ عرفنا مساوئ الحرص يحسن بنا أنْ نعرض مجملاً مِن وسائل علاجه ونصائحه وهي:
١ - أنْ يتذكر الحريص مساوئ الحرص، وغوائله الدينيّة والدنيويّة وأنْ الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب.
٢ - أنْ يتأمّل ما أسلفناه من فضائل القناعة، ومحاسنها، مستجلياً سيرة العظماء الأفذاذ، من الأنبياء والأوصياء والأولياء، في زهدهم في
الحياة، وقناعتهم باليسير منها.
٣ - ترك النظر والتطلّع إلى مَن يفوقه ثراءً، وتمتّعاً بزخارف الحياة والنظر إلى من دونه فيهما فذلك من دواعي القناعة وكبح جماح الحرص.
٤ - الاقتصاد المعاشي، فإنّه مِن أهمّ العوامل، في تخفيف حدّة الحرص، إذ الإسراف في الإنفاق يستلزم وفرة المال، والإفراط في كسبه والحرص عليه.
قال الصادقعليهالسلام
: ( ضمنت لمن أقتصد أنْ لا يفتقر )
_____________________
الكـرَم
الكرَم ضدّ البُخل، وهو: بذلُ المال أو الطعام، أو أيّ نفعٍ مشروعٍ عن طيب نفس.
وهو من أشرف السجايا، وأعزّ المواهب، وأخلَد المآثر. وناهيك في فضله أنّ كلّ نفيسٍ جليلٍ يوصَف بالكرَم، ويُعزى إليه، قال تعالى:
( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ )
( الواقعة: ٧٧ ). ( وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ )
( الدخان: ١٧ ).( وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ )
(الدخان: ٢٦ ).
لذلك أشاد أهل البيتعليهمالسلام
بالكرم والكرماء، ونوّهوا عنهما أبلغ تنويه:
قال الباقرعليهالسلام
: ( شاب سخيّ مرهق في الذنوب، أحبّ إلى اللّه من شيخ عابد بخيل )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( أتى رجلٌ النبيّصلىاللهعليهوآله
فقال: يا رسول اللّه، أيّ الناس أفضلهم إيماناً ؟ فقال: أبسطهم كفّاً )
وعن جعفر بن محمّد عن آبائهعليهمالسلام
قال: قال رسول اللّه
_____________________
صلىاللهعليهوآله
: ( السخيّ قريبٌ من اللّه، قريبٌ من الناس، قريبٌ من الجنّة. والبخيل بعيدٌ من اللّه، بعيدٌ من الناس، قريبٌ من النار )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( أنفِق وأيقن بالخلَف مِن اللّه، فإنّه لم يبخل عبدٌ ولا أَمَةٌ بنفقةٍ فيما يُرضي اللّه، إلاّ أنفق أضعافها فيما يُسخِط اللّه )
محاسن الكرَم:
لا يسعد المجتمع، ولا يتذوّق حلاوة الطمأنينة والسلام، ومفاهيم الدِّعَة والرخاء، إلاّ باستشعار أفراده روح التعاطف والتراحم، وتجاوبهم في المشاعر والأحاسيس، في سرّاء الحياة وضرائها، وبذلك يغدو المجتع كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضاً.
وللتعاطف صور زاهرة، تشع بالجمال والروعة والبهاء، ولا ريب أنّ أسماها شأناً، وأكثرها جمالاً وجلالاً، وأخلدها ذِكراً هي: عطف الموسرين، وجودهم على البؤساء والمعوزين، بما يخفّف عنهم آلام الفاقة ولوعة الحرمان.
وبتحقيق هذا المبدأ الإنساني النبيل ( مبدأ التعاطف والتراحم ) يستشعر المعوزون إزاء ذوي العطف عليهم، والمحسنين إليهم، مشاعر
_____________________
الصفاء والوئام والودّ، ممّا يسعد المجتمع، ويشيع فيه التجاوب، والتلاحم والرخاء.
وبإغفاله يشقى المجتمع، وتسوده نوازع الحسَد، والحِقد، والبغضاء، والكيد. فينفجر عن ثورة عارمة ماحقة، تزهق النفوس، وتمحق الأموال، وتُهدّد الكرامات.
من أجل ذلك دعت الشريعة الإسلاميّة إلى السخاء والبذل والعطف على البؤساء والمحرومين، واستنكرت على المجتمع أنْ يراهم يتضوّرون سُغَباً وحرماناً، دون أنْ يتحسّس بمشاعرهم، وينبري لنجدتهم وإغاثتهم. واعتبرت الموسرين القادرين والمتقاعسين عن إسعافهم أبعد الناس عن الإسلام، وقد قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم )
وقالصلىاللهعليهوآله
: ( ما آمن بي مَن بات شبعاناً وجاره جائع، وما من أهلِ قريةٍ يبيت فيهم جائع ينظر اللّه إليهم يوم القيامة )
وإنّما حرّض الإسلام أتباعه على الأريحيّة والسخاء، ليكونوا مثلاً عالياً في تعاطفهم ومواساتهم، ولينعموا بحياة كريمة، وتعايش سلمي، ولأنّ الكرم حمام أمن المجتمع، وضمان صفائه وازدهاره.
مجالات الكرَم:
تتفاوت فضيلة الكرَم، بتفاوت مواطنه ومجالاته. فأسمى فضائل
_____________________
الكرم، وأشرف بواعثه ومجالاته، ما كان استجابةً لأمر اللّه تعالى، وتنفيذاً لشرعهِ المُطاع، وفرائضه المقدّسة، كالزكاة، والخُمس، ونحوهما.
وهذا هو مقياس الكرم والسخاء في عرف الشريعة الإسلاميّة، كما قال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( مِن أدّى ما افترض اللّه عليه، فهو أسخى الناس )
.
وأفضل مصاديق البِر والسخاء بعد ذلك، وأجدرها - عيال الرجل وأهل بيته، فإنّهم فضلاً عن وجوب الإنفاق عليهم، وضرورته شرعاً وعرفاً، أولى بالمعروف والإحسان، وأحقّ بالرعاية واللطف.
وقد يشذّ بعض الأفراد عن هذا المبدأ الطبيعي الأصيل، فيغدقون نوالهم وسخاءهم على الأباعد والغرباء، طلباً للسمعة والمباهاة، ويتّصفون بالشحّ والتقتير على أهلهم و عوائلهم، ممّا يجعلهم في ضنك واحتياج مريرين، وهُم ألصق الناس بهم وأحناهم عليهم، وذلك من لؤم النفس، وغباء الوعي.
لذلك أوصى أهل البيتعليهالسلام
بالعطف على العيال، والترفيه عنهم بمقتضيات العيش ولوازم الحياة:
قال الإمام الرضاعليهالسلام
: ( ينبغي للرجل أنْ يوسِع على عياله، لئلاّ يتمنّوا موته )
وقال الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
: ( إنّ عيال الرجل أسراؤه، فمَن أنعم اللّه عليه نعمةً فليوسع على أسرائه، فإنْ لم يفعل
_____________________
أوشك أنْ تزول تلك النعمة )
والأرحام بعد هذا وذاك، أحقّ الناس بالبِر، و أحراهم بالصلة والنوال، لأواصرهم الرحميّة، وتساندهم في الشدائد والأزَمات.
ومن الخطأ الفاضح، حرمانهم من تلك العواطف، وإسباغها على الأباعد والغرباء، ويعتبر ذلك إزدراءً صارخاً، يستثير سخطهم ونفارهم، ويَحرم جافيهم من عطفهم ومساندتهم.
وهكذا يجدر بالكريم، تقديم الأقرب الأفضل، من مستحقّي الصلة والنوال: كالأصدقاء والجيران، وذوي الفضل والصلاح، فإنّهم أولى بالعطف من غيرهم.
بواعِث الكرَم:
وتختلف بواعث الكرم، باختلاف الكرماء، ودواعي أريحيّتهم، فأسمى البواعث غاية، وأحمدها عاقبة، ما كان في سبيل اللّه، وابتغاء رضوانه، وكسب مثوبته.
وقد يكون الباعث رغبة في الثناء، وكسب المحامد والأمجاد، وهنا يغدو الكريم تاجراً مساوماً بأريحيّته وسخائه.
وقد يكون الباعث رغبةً في نفع مأمول، أو رهبةً مِن ضرر مخوف، يحفّزان على التكرّم والإحسان.
_____________________
ويلعب الحبّ دوراً كبيراً في بعث المُحِبّ وتشجيعه على الأريحيّة والسخاء، استمالةً لمحبوبه، واستداراً واستدراراً لعطفه.
والجدير بالذكر أنّ الكرم لا يجمل وقعه، ولا تحلو ثِماره، إلاّ إذا تنزّه عن المنّ، وصفي مِن شوائب التسويف والمطل، وخلا من مظاهر التضخيم والتنويه، كما قال الصادقعليهالسلام
: ( رأيت المعروف لا يصلح إلاّ بثلاث خصال: تصغيره، وستره، وتعجيله. فإنّك إذا صغّرته عظّمته عند مَن تصنعه إليه. وإذا ستَرته تمّمته، وإذا عجّلته هنّيته، وإنْ كان غير ذلك محقته ونكدته )
_____________________
الإيثـار
وهو: أسمى درجات الكرَم، وأرفع مفاهيمه، ولا يتحلّى بهذه الصفة المثالية النادرة، إلاّ الذين جلَوا بالأريحيّة، وبلغوا قمّة السخاء، فجادوا بالعطاء، وهُم بأمَسّ الحاجة إليه، وآثروا بالنوال، وهُم في ضنك من الحياة. وقد أشادَ القرآن بفضلهم قائلاً:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )
( الحشر: ٩ )
وسئُل الصادقعليهالسلام
: أيُّ الصدقة أفضل، قال: ( جُهد المُقِلّ، أما سمعت اللّه تعالى يقول:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )
)
ولقد كان النبيّصلىاللهعليهوآله
المثل الأعلى في عظمة الإيثار، وسموّ الأريحيّة.
قال جار بن عبد اللّه: ما سُئل رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
شيئاً فقال لا.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ رسول اللّه أقبَل إلى الجِعرانة، فقسم فيها الأموال، وجعَل الناس يسألونه فيُعطيهم، حتّى ألجؤوه إلى
_____________________
شجرة فأخذت بُرده، وخدَشت ظهره، حتّى جلَوه عنها، وهُم يسألونه. فقال: ( أيّها الناس ردّوا عليّ بُردي، واللّه لو كان عندي عدد شَجَرِ تهامة نِعماً لقسمته بينكم، ثُمّ ما ألفيتموني جَباناً ولا بَخيلاً...)
وقد كانصلىاللهعليهوآله
يؤثِر على نفسه البؤساء والمعوزين، فيجود عليهم بماله وقوّته، ويظلّ طاوياً، وربّما شدّ حجَر المجاعة على بطنه مواساةً لهم.
قال الباقرعليهالسلام
: ( ما شبَع النبيّ مِن خبز بُر ثلاثة أيّامٍ متوالية، مُنذ بعثَه اللّه إلى أنْ قبَضَه )
وهكذا كان أهل بيتهعليهمالسلام
في كرمهم وإيثارهم:
قال الصادقعليهالسلام
: ( كان عليّ أشبه الناس برسول اللّه، كان يأكل الخبز والزيت، ويطعم الناس الخبز واللحم )
وفي عليّ وأهل بيته الطاهرين، نزلت الآية الكريمة:
( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً )
( الدهر: ٨ - ٩ )
فقد أجمع أولياء أهل البيت على نزولها في عليّ وفاطمة والحسن والحسين... وقد أخرجه جماعة من أعلام غيرهم، وإليك ما ذكره الزمخشري في تفسير
_____________________
السورة من الكشّاف.
قال: ( وعن ابن عبّاس أنّ الحسن والحسين مرِضا، فعادهما رسول اللّه في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذَرت على ولَدَيك، فنذر عليّ وفاطمة وفضّة جاريةً لهما، إنّ برئا ممّا بهما أنْ يصوموا ثلاثةَ أيّام فَشُفيا، وما معهم شيء، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوِع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً، واختبزت خمسةَ أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم اللّه من موائد الجنّة، فآثروه، وباتوا ولم يذوقوا إلاّ الماء، وأصبحوا صياماً، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك.
فلمّا أصبحوا أخذ عليّ بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول اللّه، فلمّا أبصرهم وهُم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: ( ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها، قد التصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها، فساءه ذلك )، فنزل جبرائيل وقال: ( خُذها يا محمّد، هنّاك اللّه في أهل بيتك، فأقرأه السورة )
وقد زخرت أسفار السير بإيثارهم، وأريحيّتهم، بما يطول ذكره في هذا البحث المجمل.
_____________________
البُخـل
وهو: الإمساك عمّا يحسن السخاء فيه، وهو ضدّ الكرَم.
والبخل من السجايا الذميمة، والخلال الخسيسة، الموجبة لهوان صاحبها ومقته وازدرائه، وقد عابها الإسلام، وحذّر المسلمين منها تحذيراً رهيباً.
قال تعالى:( هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ )
.
( محمّد: ٣٨ )
وقال تعالى:( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً )
( النساء: ٣٧ )
وقال تعالى:( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. )
.
( آل عمران: ١٨٠ )
وعن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
: ( أنّ أمير المؤمنين سمِع رجُلاً يقول: إنّ الشحيح أعذرُ من الظالم. فقال: ( كذِبت إنّ الظالم قد يتوب ويستغفر، ويردّ الظلامة عن أهلها، والشحيح إذا شحَّ منع الزكاة، والصدقة، وصلة الرحم، وقرى الضيف، والنفقة في سبيل اللّه تعالى،
وأبواب البِر، وحرام على الجنّة أنْ يدخلها شحيح )
وعن جعفر بن محمّد عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: السخيُّ قريبٌ مِن اللّه، قريبٌ مِن الناس، قريبٌ مِن الجنّة، والبخيل بعيدٌ مِن اللّه، بعيدٌ مِن الناس، قريبٌ من النار )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( عجِبتُ للبخيل يستعجل الفَقر الذي منه هرَب، ويفوته الغِنى الذي إيّاه طلَب، فيعيش في الدنيا عَيش الفقراء ويُحاسَب في الآخرة حِساب الأغنياء )
وسنعرض أخباراً أُخرى في مطاوي هذا البحث.
مساوئ البُخل:
البخل سجيّةٌ خسيسة، وخُلُقٌ لئيم باعثٌ على المساوئ الجمّة، والأخطار الجسيمة في دنيا الإنسان وأُخراه.
أمّا خطره الأُخروي: فقد أعربت عنه أقوال أهل البيتعليهمالسلام
ولخّصه أمير المؤمنينعليهالسلام
في كلمته السالِفة حيث قال: ( والشحيح إذ شحَّ منع الزكاة، والصدقة، وصِلة الرحم، وقِرى الضيف، والنفقة في سبيل اللّه، وأبواب البِر، وحرام على الجنّة أنْ يدخلها شحيح ).
_____________________
وأمّا خطره الدنيوي فإنه داعية المقت والازدراء، لدى القريب والبعيد وربما تمنى موتَ البخيل أقربُهم اليه، وأحبهم له، لحرمانه من نواله وطمعاً في تراثه.
والبخيل بعد هذا أشدّ الناس عناءً وشقاءً، يكدَح في جمع المال والثراء، ولا يستمتع به، وسُرعان ما يخلّفه للوارث، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويُحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
صور البُخل:
والبُخل - وإنْ كان ذميماً مقيتاً - بَيد أنّه يتفاوت ذمّه، وتتفاقم مساوئه، باختلاف صوَرِه وأبعاده:
فأقبح صوره وأشدُّها إثما ً، هو البُخل بالفرائض الماليّة، التي أوجبها اللّه تعالى على المسلمين، تنظيماً لحياتهم الاقتصاديّة، وإنعاشاً لمعوزيهم.
وهكذا تختلف معائب البُخل، باختلاف الأشخاص والحالات:
فبُخل الأغنياء أقبح من بُخل الفقراء، والشحّ على العيال أو الأقرباء أو الأصدقاء أو الأضياف أبشَع وأذمّ منه على غيرهم، والتقتير والتضييق في ضرورات الحياة من طعامٍ وملابس، أسوأ منه في مجالات الترَف والبذخ أعاذنا اللّه مِن جميع صوره ومِثالِيه.
علاج البُخل:
وحيث كان البخل من النزعات الخسيسة، والخلال الماحقة، فجديرٌ
بالعاقل علاجه ومكافحته، وإليك بعض النصائح العلاجيّة له:
١ - أنْ يستعرض ما أسلفناه مِن محاسن الكرَم، ومساوئ البُخل، فذلك يُخفّف من سَورة البُخل. وإنْ لم يُجدِ ذلك، كان على الشحيح أنْ يُخادع نفسه بتشويقها إلى السخاء، رغبةً في الثناء والسمعة، فإذا ما أنَس بالبذل، وارتاح إليه، هذّب نفسه بالإخلاص، وحبّب إليها البذل في سبيل اللّه عزّ وجل.
٢ - للبُخل أسبابٌ ودوافع، وعلاجه منوطٌ بعلاجها، وبدرء الأسباب تزول المسَّببات.
وأقوى دوافع الشحّ خوف الفقر، وهذا الخوف مِن نزَعات الشيطان، وإيحائه المثّبِّط عن السخاء، وقد عالَج القرآن الكريم ذلك بأُسلوبه البديع الحكيم، فقرّر: أنّ الإمساك لا يُجدي البخيل نفعاً، وإنّما ينعكس عليه إفلاساً وحرماناً، فقال تعالى:( هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ..)
(محمّد: ٣٨ ).
وقرّر كذلك أنّ ما يسديه المرء من عوارف السخاء، لا تضيع هدراً، بل تعود مخلوقة على المُسدي، من الرزّاق الكريم، قال عزّ وجل:(...وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )
( سبأ: ٣٩ ).
وهكذا يُضاعِف القرآن تشويقه إلى السخاء، مؤكّداً أنّ المُنفِق في سبيل اللّه هو كالمُقرِض للّه عزّ وجل، وأنّه تعالى بلطفه الواسع يُّرَدُ عليه القرض أضعافاً مضاعفة:( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ
حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )
( البقرة: ٢٦١ ).
أمّا الذين استرقّهم البُخل، ولم يُجدهم الإغراء والتشويق إلى السخاء، يوجّه القرآن إليهم تهديداً رهيباً، يملأ النفس ويهزّ المشاعر:
( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ )
( التوبة: ٣٤ - ٣٥ )
ومن دواعي البُخل: اهتمام الآباء بمستقبل أبنائهم مِن بعدهم، فيضنّون بالمال توفيراً لأولادهم، وليكون ذخيرةً لهم، تقيهم العوَز والفاقة.
وهذه غريزة عاطفيّة راسخة في الإنسان، لا تضرّه ولا تجحف به، ما دامت سويّة معتدلة، بعيدةً عن الإفراط والمغالاة.
بيد أنّه لا يليق بالعاقل، أنْ يسرف فيها، وينجرف بتيارها، مضحّياً بمصالحه الدنيويّة والدينيّة في سبيل أبنائه.
وقد حذّر القرآن الكريم الآباء مِن سطوة تلك العاطفة، وسيطرتها عليهم كيلا يفتتنوا بحبّ أبنائهم، ويقترفوا في سبيلهم ما يُخالف الدين والضمير:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )
( الأنفال: ٢٩ )
وأعظم بما قاله أمير المؤمنينعليهالسلام
في كتابٍ له: ( أمّا بعد، فإنّ الذي في يدَيك من الدنيا، قد كان له أهلٌ قبلَك، وهو صائر إلى
أهلٍ بعدك، وإنّما أنت جامع لأحدِ رجُلَين: رجلٌ عمَل فيما جمعته بطاعة اللّه، فسعِد بما شقيت به، أو رجُل عمَل فيه بمعصية اللّه، فشقِيَ بما جمعت له، وليس أحد هذين أهلاً أنْ تؤثره على نفسك، وتحمل له على ظهرك، فأرجو لِمن مضى رحمة اللّه، ولِمن بقيَ رزق اللّه )
.
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
في قول اللّه تعالى:( كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ )
( البقرة:١٦٧ ). قال: ( هو الرجل يدَع ماله لا ينفقه في طاعة اللّه بُخلاً، ثُمّ يموت فيدعه لِمَن يعمل فيه بطاعة اللّه، أو في معصية اللّه، فإنْ عمِل فيه بطاعة اللّه، رآه في ميزان غيره فرآه حسرةً، وقد كان المال له، وإنْ كان عمِل به في معصية اللّه، قوّاه بذلك المال حتّى عمل به في معصية اللّه )
* * *
وهناك فئة تعشق المال لذاته، وتهيم بحبّه، دون أنْ تتّخذه وسيلةً إلى سعادةٍ دينيّةٍ أو دنيويّة، وإنّما تجد أُنسها ومُتعتها في اكتناز المال فحسب، ومِن ثُمّ تبخل به أشد ّالبُخل.
وهذا هوَس نفسي، يُشقي أربابه، ويوردهم المهالك، ليس المال غاية، وإنّما هو ذريعةً لمآرب المعاش أو المعاد، فإذا انتفت الذريعتان غدا المال تافهاً عديم النفع.
وكيف يكدَح المرء في جمع المال واكتنازه ؟! ثُمّ سرعان ما يَغنمه
_____________________
الوارث، ويتمتّع به، فيكون له المهنى وللمورث الوزر والعناء.
وقد استنكر القرآن الكريم هذا الهَوس، وأنذر أربابه إنذاراً رهيباً:( كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا * كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ )
( الفجر: ١٧ - ٢٦ ).
وقال تعالى:( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ )
( الهمزة ).
وأبلغُ ما أثر في هذا المجال، كلمة أمير المؤمنينعليهالسلام
، وهي في القمّة من الحكمة وسموّ المعنى، قالعليهالسلام
: ( إنّما الدنيا فناءٌ وعناء، وغِيَر وعِبَرِ، فمِن فنائها: أنّك ترى الدهر مُوتِراً قوسَه، مفوّقاً نبله، لا تخطئ سهامه ولا تُشفى جراحه. يرمي الصحيحَ بالسقم، والحيَّ بالموت.
ومِن عنائها: أنَّ المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثُمّ يخرج إلى اللّه لا مالاً حمَل، ولا بناءً نقَل.
ومن غِيَرها: أنّك ترى المغبوط مرحوماً، والمرحوم مغبوطاً، ليس بينهم إلاّ نعيم زال، وبؤس نزَل
ومن عِبَرِها: أنّ المرء يُشرف على أملِه، فيتخطفه أجلُه، فلا أملٌ مدروك، ولا مؤُمَّل مَتروك )
_____________________
العفّة
وهي: الامتناع والترفع عمّا لا يحل أو لا يجمل، من شهوات البطن والجنس، والتحرّر من استرقاقها المُذِل.
وهي من أنبل السجايا، وأرفَع الخصائص. الدالة على سموّ الإيمان، وشرف النفس، وعزّ الكرامة، وقد أشادت بفضلها الآثار:
قال الباقرعليهالسلام
: ( ما من عبادة أفضل عند اللّه من عفة بطن وفرج )
وقال رجل للباقرعليهالسلام
: ( إنّي ضعيفُ العمل، قليل الصلاة قليلُ الصيام، ولكنّي أرجو أنْ لا آكلَ إلاّ حلالاً، ولا أنكَح إلاّ حلالاً. فقال له: ( وأيّ جهاد أفضل من عفّة بطن وفرج )
.
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: ( أكثر ما تلِج به أُمّتي النار، الأجوَفان البطْن والفرج )
.
_____________________
حقيقة العفّة:
ليس المراد بالعفّة، حرمان النفس مِن أشواقها، ورغائبها المشروعة، في المطعَم والجنس. وإنّما الغرَض منها، هو القَصد والاعتدال في تعاطيها وممارستها، إذ كلّ إفراط أو تفريط مضرٌّ بالإنسان، وداعٍ الى شقائه وبُؤسه:
فالإفراط في شهَوَات البطن والجنس، يفضيان به إلى المخاطر الجسيمة، والأضرار الماحقة، التي سنذكرها في بحث ( الشره ).
والتفريط فيها كذلك، باعث على الحرمان مِن متع الحياة، ولذائذها المشروعة، وموجبٌ لهزال الجسد، وضعف طاقاته ومعنويّاته.
الاعتدال المطلوب:
من الصعب تحديد الاعتدال في غريزَتَيّ الطعام والجنس، لاختلاف حاجات الأفراد وطاقاتهم، فالاعتدال في شخصٍ قد يُعتبَر إفراطاً أو تفريطاً في آخر.
والاعتدال النِّسبِي في المأكل هو: أنْ ينال كلّ فردٍ ما يُقيم أودّه ويسدّ حاجته من الطعام، متوقّياً الجشَع المقيت، والامتلاء المرهق.
وخير مقياس لذلك هو ما حدّده أمير المؤمنين، وهو يُحدّث ابنه
الحسنعليهالسلام
: ( يا بني إلاّ أُعلّمك أربع كلمات تستغني بها عن الطبّ ؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: لا تجلس على الطعام إلاّ وأنت جائع، ولا تقم عن الطعام إلاّ وأنت تشتهيه، وجوّد المضغ، وإذا نِمت فأعرض نفسك على الخلاء، فإذا استعملت هذا استغنيت عن الطبّ ).
وقال: ( إنّ في القرآن لآية تجمع الطبّ كلّه:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا )
)( الأعراف: ٣١ )
والاعتدال التقريبي في الجنس هو تلبيةَ نداء الغريزة، كلّما اقتضتها الرغبة الصادقة، والحاجة المحفّزة عليه.
محاسن العفّة:
لا ريب أنّ العفة، هي مِن أنبل السجايا، وأرفع الفضائل، المُعربة عن سموّ الإيمان، وشرف النفس، والباعثة على سعادة المجتمع والفرد.
وهي الخلّة المشرَّفة التي تُزيّن الإنسان، وتسمو به عن مٌُزريات الشره والجشَع، وتصونه عن التملّق للّئام، استدراراً لعطفهم ونوالهم، وتحفّزه على كسب وسائل العيش ورغائب الحياة، بطرقها المشروعة، وأساليبها العفيفة.
_____________________
الشره
وهو: الإفراط في شهوات المأكل والجنس، ضدّ ( العفة ).
وهو: من النزعات الخسيسة، الدالة على ضعف النفس، وجشع الطبع، واستعباد الغرائز، وقد نددت به الشريعة الإسلاميّة وحذّرت منه أشدّ التحذير.
قال الصادقعليهالسلام
: ( كلّ داءٍ مَن التخمة، ما خلا الحُمّى فإنّها ترِد وروداً )
وقالعليهالسلام
: ( إنّ البطن إذا شبع طغى )
وقالعليهالسلام
: ( إنّ اللّه يبغض كثرة الأكل )
وقال أبو الحسنعليهالسلام
: ( لو أنّ الناس قصدوا في المطعم، لاستقامت أبدانهم )
وعن الصادق عن أبيه قال: ( قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: مَن
_____________________
أراد البقاء ولا بقاء، فليخفّف الرداء، وليباكر الغذاء، وليُقل مجامعةَ النساء )
ومَن أراد البقاء أي طول العمر، فليخفّف الرداء أي يُخفّف ظهره مِن ثقل الدين.
وأكل أمير المؤمنينعليهالسلام
من تمرٍ دَقَل، ثُمّ شرب عليه الماء، وضرب يده على بطنه وقال: ( من أدخل بطنه النار فأبعده اللّه ). ثُمّ تمثّل:
وإنّك مهما تُعطِ بطنَك سؤله
|
|
وفرجَك نالا منتهى الذمِّ أجمعا
|
مساوئ الشره:
الشرَهُ مفتاح الشهَوات، ومصدر المهالك. وحسب الشرَه ذمّاً، أنْ تسترقّه الشهوَات العارمة، وتعرّضه لصنوف المساوئ، المعنويّة والمادّية.
ولعلّ أقوى العوامل في تخلّف الأُمَم، استبداد الشرَه بهم، وافتتانهم بزخارف الحياة، ومفاتِن الترف والبذخ، ممّا يفضي بهم إلى الضعف والانحلال.
ولشره الأكل آثار سيئة ومساوئ عديدة:
فقد أثبت الطب: ( أنّ الكثير مِن الأمراض والكثير من الخطوط والتجعّدات التي تُشوّه القسَمات الحلوة في النساء والرجال، والكثير من
_____________________
الشحم المتراكم، والعيون الغائرة، والقُوى المُنهكَة، والنفوس المريضة كلهّا تُعزى الى التخمة المتواصلة، والطعام الدسم المترف ).
وأثبت كذلك أنّ الشرَه يُرهِق المعِدة ويُسبّب ألوان المآسي الصحيّة كتصلّب الشرايين، والذبحة الصدريّة، وارتفاع ضغط الدم، والبول السكري.
وهكذا يفعل الشرَه الجنسي في إضعاف الصحّة العامّة، وتلاشي الطاقة العصبيّة، واضمحلال الحيويّة والنشاط، ممّا يُعرّض المسرفين للمخاطر.
علاج الشرَه:
أمّا شرَه الأكل فعلاجه:
١ - أنَ يتذكّر الشَّرِه ما أسلَفناه مِن محاسن العفّة، وفضائلها.
٢ - أنْ يتدبّر مساوئ الشرَه، وغوائله الماحقة.
٣ - أنْ يروّض نفسه على الاعتدال في الطعام، ومجانبة الشرَه جاهداً في ذلك، حتّى يزيل الجشَع. فإنّ دستور الصحّة الوقائي والعلاجي هو الاعتدال في الأكل وعدَم الإسراف فيه، كما لخّصَته الآية الكريمة:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا )
. ( الأعراف: ٣١ ).
وقد أوضحنا واقع الاعتدال في بحث ( العفّة ).
وأمّا الشره الجنسي فعلاجه:
١ - أنْ يتذكر المَرء أخطار الإسراف الجنسي، ومفاسده المادّيّة والمعنويّة.
٢ - أنْ يكافح مثيرات الغريزة، كالنظر إلى الجمال النسوي، واختلاط الجنسين، وسروح الفكر في التخيّل، وأحلام اليقظة، ونحوها من المثيرات.
٣ - أنْ يمارس ضبط الغريزة وكفّها عن الإفراط الجنسي، وتحرّي الاعتدال فيها، وقد مرَّ بيانه في بحث العفّة.
الأمانة والخيانة
الأمانة هي: أداء ما ائتمن عليه الإنسان من الحقوق، وهي ضدّ ( الخيانة ).
وهي مِن أنبل الخِصال، وأشرَف الفضائل، وأعزّ المآثر، بها يُحرِز المرء الثقة والإعجاب، ويَنال النجاح والفوز.
وكفاها شرفاً أنّ اللّه تعالى مدَح المتحلّين بها، فقال:( وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ )
( المؤمنون: ٨. المعارج:٣٢ )
وضدّها الخيانة، وهي: غَمْط الحقوق واغتصابها، وهي مِن أرذل الصفات، وأبشع المذام، وأدعاها إلى سقوط الكرامة، والفشَل والإخفاق.
لذلك جاءت الآيات والأخبار حاثّة على التحلّي بالأمانة، والتحذير من الخيانة، وإليك طرَفاً منها:
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ...)
( النساء: ٥٨ )
وقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )
( الأنفال:٢٧ )
قال الصادقعليهالسلام
: ( لا تغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم
فإنّ الرجُل ربّما لهِج بالصلاة والصوم حتّى لو ترَكه استوحش، ولكن اختبروهم عند صِدق الحديث وأدَاء الأمانة )
وعنهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( ليس منّا من أخلف الأمانة ).
وقال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( أداء الأمانة يجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر)
وقال الصادقعليهالسلام
:
( اتّقوا اللّه، وعليكم بأداء الأمانة إلى مَن ائتمنكم، فلو أنّ قاتل عليّ بن أبي طالب ائتمنَني على أمانةٍ لأدّيتها إليه )
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( لا تزال أُمّتي بخير، ما لم يتخاونوا، وأدّوا الأمانة، وآتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك، ابتلوا بالقحط والسنين )
محاسن الأمانة ومساوئ الخيانة:
تلعب الأمانة دوراً خطيراً، في حياة الأُمم والأفراد، فهي نظام
_____________________
أعمالهم، وقوام شؤونهم، وعنوان نُبلهم واستقامتهم، وسبيل رُقيّهم المادّي والأدبي.
وبديهيّ أنّ مَن تحلّى بالأمانة، كان مَثار التقدير والإعجاب، وحازَ ثقة الناس واعتزازهم وائتمانهم، وشاركهم في أموالهم ومغانمهم.
ويصدق ذلك على الأُمم عامّة، فإنّ حياتها لا تسمو ولا تزدهر، إلاّ في محيطٍ تسوده الثقة والأمانة.
وبها ملك الغرب أزمّة الاقتصاد، ومقاليد الصناعة والتجارة، وجنى الأرباح الوفيرة، ولكنّ المسلمين، وا أسفاه ! تجاهلوها، وهي عنوان مبادئهم، ورمز كرامتهم، فباؤوا بالخيبة والإخفاق.
مِن أجل ذلك كانت الخيانة من أهم أسباب سقوط الفرد وإخفاقه في مجالات الحياة، كما هي العامل الخطير في إضعاف ثقة الناس بعضهم ببعض، وشيوع التناكر والتخاوف بينهم، ممّا تسبّب تسيّب المجتمع، وفَصْم روابطه، وإفساد مصالحه، وبعثرة طاقاته.
صوَر الخيانة:
وللخيانة صور تختلف بشاعتها وجرائمها باختلاف آثارها، فأسوأها نُكراً هي الخيانة العلميّة التي يقترفها الخائنون المتلاعبون بحقائق العِلم المقدّسة، ويشوبونها بالدسّ والتحريف.
ومِن صورها إفشاء أسرار المسلمين، التي يحرصون على كتمانها،
فإشاعتها والحالة هذه جريمةٌ نكراء، تعرّضهم للأخطار والمآسي.
ومن صورها البشِعة: خيانة الودائع والأمانات، التي أؤتُمِن عليها المرء، فمصادرتها جريمةٌ مضاعفة مِن الخيانة والسرقة والاغتصاب.
وللخيانة بعد هذا صورٌ عديدة كريهة، تثير الفزع والتقزّز، وتضرّ بالناس فرداً ومجتمعاً، مادّياً وأدبياً، كالخداع والغشّ والتطفيف بالوزن أو الكيل، ونحوها من مفاهيم التدليس والتلبيس.
التآخي
التآخي الروحي:
كان العصر الجاهلي مسرحاً للمآسي والأرزاء، في مختلف مجالاته ونواحيه الفكريّة والمادّيّة.
وكان من أبشع مآسيه، ذلك التسيب الخُلقي، والفوضى المدمّرة، ممّا صيّرهم يُمارسون طباع الضواري، وشريعة الغاب والتناكر والتناحر، والفتك والسلب، والتشدق بالثأر والانتقام.
فلما أشرق فجر الإسلام، وأطل بأنواره على البشريّة، استطاع بمبادئه الخالدة، ودستوره الفذ أنْ يُطبّ تلك المآسي، ويحسِم تلك الأوزار، فأنشأ مِن ذلك القطيع الجاهلي:( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )
عقيدةً وشريعة، وعِلماً وأخلاقاً. فأحلّ الإيمان محلّ الكُفر، والنظام محلّ الفوضى، والعِلم محلّ الجهل، والسلام محلّ الحرب، والرحمة محلّ الانتقام.
فتلاشت تلك المفاهيم الجاهليّة، وخلَفتها المبادئ الإسلامية الجديدة، وراح النبيّصلىاللهعليهوآله
يبني ويُنشئ أُمّةً مثاليّةً تَبُذُّ الأُمَمَ نظاماً، وأخلاقاً وكمالاً.
وكلّما سار المسلمون أشواطاً تحت راية القرآن، وقيادة الرسول الأعظم
_____________________
صلىاللهعليهوآله
، توغّلوا في معارج الكمال، وحلقوا في آفاق المكارم، حتّى حقّقوا مبدأ المؤاخاة بأُسلوب لم تحقّقه الشرائع والمبادئ، وأصبحت أواصر العقيدة أقوى من أواصر النسَب، ووشائج الإيمان تسمو على وشائج القوميّة والقبَليّة، وغدا المسلمون أُمّةً واحدة، مرصوصةَ الصف، شامخة الصرح، خفّاقة اللواء، لا تُفرّقهم النعرات والفوارق:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )
وطفق القرآن الكريم يَغرِس في نفوس المسلمين مفاهيم التآخي الروحي، مركّزاً على ذلك بآياته العديدة وأساليبه الحكيمة الفذّة.
فمرّةً شرّع التآخي ليكون قانوناً للمسلمين:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )
وأُخرى يؤكّد عليه محذّراً من عوامل الفرقة، ومذكّراً نعمة التآلف والتآخي الإسلامي، بعد طول التناكر والتناحر الجاهليَّين:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً )
وهكذا جهد الإسلام في تعزيز التآخي الروحي وحِماه مِن نوازِع الفرقة والانقسام، بما شرّعه من دستور الروابط الاجتماعيّة في نظامه الخالد.
_____________________
واليك نموذجاً من ذلك:
١ - تسامى بشعورِ المسلمين وعواطفهم، أنْ تسترقها النعرات العصبيّة، ونزعاتها المُفرّقة، ووجّهها نحو الهدف الأسمى مِن طاعة اللّه تعالى ورضاه: فالحبّ والبغض، والعطاء والمنع، والنصر والخذلان: كلّ ذلك يجب أنْ يكون للّه عزَّ وجل، وبذلك تتوثّق عرى المؤاخاة، وتتلاشى النزعات المُفرّقة، ويغدو المسلمون كالبنيان المرصوص، يَشُدّ بعضُه بعضاً.
وإليك قبَساً مِن آثار أهل البيتعليهمالسلام
في هذا المقام:
عن الباقرعليهالسلام
قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ( ودّ المؤمن للمؤمن في اللّه، من أعظم شعب الايمان، ألا ومن أحبّ في اللّه، وأبغض في اللّه، وأعطى في اللّه، ومنع في اللّه، فهو من أصفياء اللّه )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ المتحابّين في اللّه يوم القيامة، على منابرَ من نور، قد أضاء نورُ وجوهِهم، ونورُ أجسادِهم، ونورُ منابرهِم، كلّ شيءٍ حتّى يُعرفوا به، فيُقال هؤلاء المتحابّون في اللّه )
وقال عليّ بن الحسينعليهالسلام
: ( إذا جمَع اللّه عزّ وجل الأولين والآخرين، قام منادِ يُنادي بصوتٍ يسمَع الناس، فيقول: أين المتحابّون في اللّه ؟ قال: فيقوم عُنُق من الناس، فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنّة
_____________________
بغير حساب ).
قال: ( فتلقّاهم الملائكة فيقولون: إلى أين ؟ فيقولون: إلى الجنّة بغير حساب ).
قال: فيقولون: ( فأيّ ضربٍ أنتم مِن الناس ؟ فيقولون: نحن المتحابّون في اللّه، فيقولون: وأيّ شيءٍ كانت أعمالكم ؟ قالوا: كنّا نحبّ في اللّه، ونبغض في اللّه. قال: فيقولون: نِعم أجرُ العاملين )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( كلّ مَن لم يحب على الدين، ولم يَبغَض على الدين فلا دِين له )
وعن جابر الجعفي عن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( إذا أردت أنْ تعلم أنّ فيك خيراً، فانظر إلى قلبِك، فإنْ كان يُحبُّ أهل طاعة اللّه، ويبغَض أهل معصيته، ففيك خير، واللّه يحبّك، وإنْ كان يبغض أهل طاعة اللّه ويحبّ أهل معصيته، فليس فيك خير، واللّه يبغضك، والمرء مع مَن أحَب )
٢ - رغّب المسلمين فيما يؤلّفهم، ويحقّق لهم العزّة والرخاء، كالتواصي بالحقّ، والتعاون على البِرّ، والتناصر على العدل، والتكافل في مجالات الحياة الاقتصاديّة، فهم في عُرف الشريعة أسرةٌ واحدة، يسعدها ويشقيها
_____________________
ما يسعد أفرادها ويشقيهم.
دستورها:( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )
وشعارها قول الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
: ( مَن أصبَح لا يهتمّ بأُمور المسلمين فليسَ بمُسلم )
٣ - حذّر المسلمين ممّا يبعَث على الفُرقة والعداء، والفحش والبذاء والاغتياب، والنميمة والخيانة والغش، ونحوها مِن مثيرات الفتن والضغائن، ومبدأهم في ذلك قول النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( المؤمن من أمنه الناس على أموالهم ودمائهم، والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمهاجر مَن هجَر السيئات )
.
٤ - أتاح الفُرَص لإنماء العلاقات الودّية بين المسلمين، كالحث على التزاور، وارتياد المحافل الدينيّة، وشهود المجتمعات الإسلاميّة، كصلاة الجماعة ومناسك الحجّ، ونحو ذلك.
_____________________
العصبيّة
هي: مناصرة المَرء قومَه، أو أُسرته، أو وطنه، فيما يُخالف الشرع، ويُنافي الحقّ والعدل.
وهي: مِن أخطر النزَعات و أفتكها في تسيب المسلمين، وتفريق شملهم، وإضعاف طاقاتهم، الروحيّة والمادّيّة، وقد حاربها الإسلام، وحذّر المسلمين من شرورها.
فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: من كان في قلبِه حبّةً مِن خَردَلٍ من عصبيّة، بعثَه اللّه تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهليّة )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( من تعصّب عصّبه اللّه بعصابة من نار )
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( إنّ اللّه تبارك وتعالى قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهليّة، وتفاخرها بآبائها، ألاّ إنّ الناس من آدم، وآدم من تراب، وأكرمهم عند اللّه أتقاهم )
.
_____________________
وقال الباقرعليهالسلام
: ( جلس جماعةٌ مِن أصحابِ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
ينتسبون ويفتخرون، وفيهم سلمان. فقال عمر: ما نسبَك أنت يا سلمان وما أصلك ؟ فقال: أنا سلمان بن عبد اللّه، كنت ضالاًّ فهداني اللّه بمحمّد. وكنت عائلاً فأغناني اللّه بمحمّد، وكنت مملوكاً فأعتقني اللّه بمحمّدٍ، فهذا حسَبي ونسَبي يا عُمَر.
ثُمّ خرج رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، فذكر له سلمان ما قال عُمَر وما أجابه، فقال رسول اللّه: يا معشَر قريش إنّ حَسبَ المرء دينُه، ومروءته خُلُقَه، وأصلَه عقلُه، قال اللّه تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )
.
ثُمّ أقبَل على سلمان فقال له: إنّه ليس لأحدٍ مِن هؤلاء عليكَ فضل إلاّ بتقوى اللّه عزَّ وجل، فمَن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه )
.
وعن الصادق عن أبيه عن جدّهعليهمالسلام
قال: ( وقع بين سلمان الفارسي رضي اللّه عنه، وبين رجل كلام وخصومة، فقال له الرجل: من أنت يا سلمان ؟ فقال سلمان: أمّا أوّلي وأوّلك فنطفةٌ قذِرة. وأمّا آخري وآخرُك فجيفةٌ منتنة، فإذا كان يوم القيامة، ووضِعت الموازين، فمَن ثقُل ميزانه فهو الكريم، ومَن خفّ ميزانه فهو اللئيم )
وأصدق شاهد على واقعيّة الإسلام، واستنكاره النعرات العصبيّة
_____________________
المفرّقة، وجعله الإيمان والتُقى مِقياساً للتفاضل، أنّ أبا لهب - وهو مِن صميم العرب، وعمّ النبيّ - صرّح القرآن بثَلْبه وعذابه:( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ )
، وذلك بكفره ومحاربته للّه ورسوله.
وكان سلمان فارسّياً، بعيداً عن الأحساب العربيّة، وقد منحه الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
وساماً خالداً في الشرَف والعزّة، فقال: ( سلمان منّا أهل البيت ). وما ذلك إلاّ لسموّ إيمانه، وعِظَم إخلاصه، وتفانيه في اللّه ورسوله.
حقيقة العصبيّة:
لا ريب أنّ العصبيّة الذميمة التي نهى الإسلام عنها هي: التناصر على الباطل، والتعاون على الظلم، والتفاخر بالقيم الجاهليّة.
أمّا التعصّب للحقّ، والدفاع عنه…، و التناصر على تحقيق المصالح الإسلامية العامّة، كالدفاع عن الدين، وحماية الوطن الإسلامي الكبير، وصيانة كرامات المسلمين وأنفسهم وأموالهم، فهو التعصّب المحمود الباعث على توحيد الأهداف والجهود، وتحقيق العِزة والمنعة للمسلمين، وقد قال الإمام زين العابدين عليّ بن الحسينعليهماالسلام
: ( إنّ العصبيّة التي يأثم عليها صاحبها، أنْ يرى الرجل شِرار قومِه خيراً مِن خيار قومٍ آخرين، وليس مِن العصبيّة أنْ يحبّ الرجل قومه، ولكِن من العصبيّة أنْ يعين
قومه على الظلم )
غوائل العصبية:
من استقرأ التاريخ الإسلامي، وتتّبع العلل والأسباب، في هبوط المسلمين، عَلِم أنّ النزعات العصبيّة، هي المعول الهدّام، والسبب الأوّل في تناكر المسلمين، وتمزيق شملهم، وتفتيت طاقاتهم، ممّا أدّى بهم إلى هذا المصير القاتم.
فقد ذلّ المسلمون وهانوا، حينما تفشّت فيهم النعرات المفرّقة، فانفصمت بينهم عُرى التحابُب، ووهت فيهم أواصر الإخاء، فأصبحوا مثالاً للتخلّف والتبَعثُر والهَوان، بعد أنْ كانوا رمزاً للتفوّق والتماسك والفِخار، كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه تعالى حيثُ قال:
( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا )
_____________________
العدل
العدل ضدّ الظلم، وهو مناعة نفسيّة، تردع صاحبها عن الظلم، وتحفّزه على العدل، وأداء الحقوق والواجبات.
وهو سيّد الفضائل، ورمز المفاخر، وقوام المجتمع المتحضّر، وسبيل السعادة والسلام.
وقد مجّده الإسلام، وعنى بتركيزه والتشويق إليه في القرآن والسنّة:
قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ )
وقال سُبحانه:( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى )
وقال عزّ وجل:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( العدلُ أحلى مِن الشهد، وأليَن مِن الزبد، وأطيَب ريحاً مِن المِسك )
_____________________
وقال الراوي لعليّ بن الحسينعليهالسلام
أخبرني بجميع شرائع الدين. قال: ( قولَ الحقّ، والحُكم بالعدل، والوفاء بالعهد )
وقال الرضاعليهالسلام
: ( استعمالُ العدل والإحسان مُؤذنٌ بدوام النعمة )
أنواع العدل:
للعدل صورٌ مُشرقةٌ تشعُّ بالجمال والجلال، وإليك أهمها:
١ - عدل الإنسان مع اللّه عزّ وجل: وهو أزهى صور العدل، وأسمى مفاهيمه، وعنوان مصاديقه، وكيف يستطيع الإنسان أنْ يؤدّي واجب العدل للمُنعِم الأعظم، الذي لا تُحصى نعماؤه، ولا تُعَدّ آلاؤه ؟!
وإذا كان عدل المكافأة يُقدّر بمعيار النعم، وشرف المنعم، فمن المستحيل تحقيق العدل نحو واجب الوجود، والغنيّ المطلق عن سائر الخلق، إلاّ بما يستطيعه قصور الإنسان، وتوفيق المولى عزّ وجل له.
وجماع العدل مع اللّه تعالى يتلخّص في الإيمان به، وتوحيده والإخلاص له، وتصديق سُفرائه وحُجَجِه على العباد، والاستجابة لمقتضيات ذلك من التولِّه بحبّه والتشرّف بعبادته، والدأب على طاعته، ومجافاة عِصيانه.
٢ - عدل الإنسان مع المجتمع:
وذلك برعاية حقوق أفراده، وكفّ الأذى والإساءة عنهم،
_____________________
وسياستهم بكرم الأخلاق، وحُسن المداراة وحبّ الخير لهم، والعطف على بؤسائهم ومعوزيهم، ونحو ذلك من محقّقات العدل الاجتماعي.
وقد لخّص اللّه تعالى واقع العدل العام في آيةٍ من كتابه المجيد:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )
وقد رسم أمير المومنينعليهالسلام
منهاج العدل الاجتماعي بإيجاز وبلاغة، فقال لابنه:
( يا بنُيّ اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرِك، فأحبب لغيرك ما تُحبّ لنفسك، واكره له ما تَكره لها، ولا تظلِم كما لا تحبّ أنْ تُظلَم، وأحسِن كما تُحِبّ أنْ يُحسَن إليك، واستقبح مِن نفسِك ما تستقبِح مِن غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم مِن نفسك، ولا تقل ما لا تعلَم وإنْ قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تُحِبّ أنْ يُقال لك ).
أوصىعليهالسلام
ابنه الكريم أنْ يكون عادلاً فيما بينه وبين الناس كالميزان، ثُمّ أوضَح له صور العدل وطرائقه إيجاباً وسلباً.
٣ - عدلُ البشر الأحياء مع أسلافهم الأموات: الذين رحلوا عن الحياة، وخلّفوا لهم المال والثراء، وحُرِموا مِن مُتَعِه ولذائذه، ولم يكسبوا في رحلتهم الأبديّة، إلاّ أذرُعاً مِن أثواب البلى، وأشباراً ضيّقة من بُطون الأرض.
_____________________
فمن العدل أنْ يستشعر الأحياء نحو أسلافِهم بمشاعر الوفاء والعطف وحُسن المكافاة، وذلك بتنفيذ وصاياهم، وتسديد ديونَهم، وإسداء الخيرات و المبرّات إليهم، وطلب الغفران والرضا والرحمة مِن اللّه عزّ وجل لهم.
قال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ الميّت ليفرح بالترحم عليه، والاستغفار له، كما يَفرح الحيّ بالهديّة تُهدى إليه ).
وقالعليهالسلام
: ( من عمل من المسلمين عن ميت عملاً صالحاً، أضعف اللّه له أجره، ونفع اللّه به الميت )
٤ - عدل الحكام:
وحيث كان الحكّام ساسة الرعيّة، وولاة أمر الأُمّة، فهم أجدَر الناس بالعدل، وأولاهم بالتحلّي به، وكان عدلُهم أسمى مفاهيم العدل، وأروعها مجالاً وبهاءً، وأبلغها أثراً في حياة الناس.
بعدلهم يستتبّ الأمن، ويسود السلام، ويشيع الرخاء، وتسعد الرعيّة.
وبجورهم تنتكِس تلك الفضائل، والأماني إلى نقائضها، وتغدو الأُمّة آنذاك في قلَق وحيرة وضنَكٍ وشقاء.
محاسن العدل:
فطرت النفوس السليمة على حُبّ العدل وتعشّقه، وبُغض الظلم واستنكاره. وقد أجمع البشر عبر الحياة، واختلاف الشرائع والمبادئ
_____________________
على تمجيد العدل وتقديسه، والتغنّي بفضائله ومآثره، والتفاني في سبيله.
فهو سرّ حياة الأُمَم، ورمز فضائلها، وقِوام مجدِها وسعادتها، وضمان أمنِها ورخائها، وأجلّ أهدافها وأمانيها في الحياة.
وما دالت الدول الكُبرى، وتلاشت الحضارات العتيدة، إلاّ بضَياع العدل والاستهانة بمبدئه الأصيل، وقد كان أهل البيتعليهمالسلام
المثَل الأعلى للعدل، وكانت أقوالُهم وأفعالهم دروساً خالدة تُنير للإنسانيّة مناهج العدْل والحقّ والرشاد.
وإليك نماذج مِن عدلِهم:
قال سوادة بن قيس للنبيّصلىاللهعليهوآله
في أيّام مرضه: يا رسول اللّه إنّك لمّا أقبْلت مِن الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء، وبيدِك القضيب المَمشوق، فرفَعت القضيب وأنت تُريد الراحلة، فأصاب بطني، فأمره النبيّ أنْ يقتصّ منه، فقال: اكشف لي عن بطنك يا رسول اللّه، فكشف عن بطنه، فقال سوادة: أتأذن لي أنْ أضع فمي على بطنك، فأذِن له فقال: أعوذ بموضع القصاص من رسول اللّه مِن النار يوم النار.
فقالصلىاللهعليهوآله
: ( يا سوادة بن قيس، أتعفو أم تقتص؟ ). فقال: بل أعفو يا رسول اللّه. فقال: اللهمّ أعفُ عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيّك محمّد
وقال أبو سعيد الخدري: جاء أعرابي إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
يتقاضاه دَيناً كان عليه، فاشتدّ عليه حتّى قال له: أُحرّج عليك
_____________________
إلاّ قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك، تدري مَن تُكلّم ؟!! قال: إنّي أطلب حقّي. فقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( هلا مع صاحب الحقّ كنتم )، ثُمّ أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: ( إنْ كان عندك تمر فأقرضينا، حتّى يأتي تمرنا فنقضيك ). فقالت: نعم بأبي أنت وأُمّي يا رسول اللّه.
قال: فأقرضَته فقضى الأعرابي وأطعمه. فقال: أوفيت أوفى اللّه لك ؟ فقال: ( أولئك خيار الناس، إنّه لا قُدّست أُمّةٌ لا يأخذ الضعيف فيها حقّه غير متعتع ).
وقيل: إنّ الإعرابي كان كافراً، فأسلم بمشاهدة هذا الخلق الرفيع، وقال: ( يا رسول اللّه، ما رأيت أصبر منك )
.
وهكذا كان أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
:
قال الصادقعليهالسلام
: ( لمّا ولّيَ عليّ صعد المنبر فحمِد اللّه، وأثنى عليه، ثُمّ قال: إنّي لا أرزؤكم مِن فَيئكم درهماً، ما قام لي عذقٌ بيثرِب، فلتصدقكم أنفسكم، أفتروني مانعاً نفسي ومعطيكم ؟!! قال: فقام إليه عقيل كرّم اللّه وجهَه فقال له: واللّه، لتجعلني وأسود بالمدينة سَواء، فقال: اجلس، أما كان هنا أحدٌ يتكلّم غيرك، وما فضلك عليه إلاّ بسابقة أو بتقوى )
وجاء في صواعق ابن حجَر ص ٧٩ قال: وأخرج ابن عساكر أنّ
_____________________
عقيلاً سأل عليّاًعليهالسلام
فقال: إنّي محتاج، وإنّي فقير فأعطني. قال: ( اصبر حتّى يخرج عطاؤك مَع المسلمين، فأعطيك معهم، فألح عليه )، فقال لرجلٍ: ( خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل له دُقّ هذه الأقفال، وخُذ ما في هذه الحوانيت ). قال: تريد أنْ تتّخذني سارقاً ؟ قال: ( وأنت تريد أنْ تتّخذني سارقاً، أنْ آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم ؟ ).
قال: لآتيَنّ معاوية. قال: ( أنت وذاك ). فأتى معاوية فسأله فأعطاه مِئة ألف، ثُمّ قال: اصعد على المنبر، فاذكر ما أولاك به عليّ وما أوّليتك، فصعد فحمِد اللّه، وأثنى عليه، ثُمّ قال: أيّها الناس إنّي أخبركم أنّي أردْت عليّاًعليهالسلام
على دينه فاختار دينه، وإنّي أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه
ومشى إليهعليهالسلام
ثُلّة من أصحابه عند تفرّق الناس عنه، وفرار كثيرٍ منهم إلى معاوية، طلَباً لما في يدَيه مِن الدنيا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أعطِ هذه الأموال، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجَم، ومَن تخاف عليه من الناس فراره إلى معاوية، فقال لهم أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( أتأمروني أنْ أطلب النصر بالجور، لا واللّه ما أفعل، ما طلعَت شمسٌ، ولاحَ في السماء نجمٌ، واللّه، لو كان مالُهم لي لواسَيت بينهم، وكيف وإنّما هي أموالهم )
وقال ابن عبّاس: أتيتُه ( يعني أمير المؤمنين عليّاً ) فوجدته يخصف
_____________________
نعلاً، ثُمّ ضمّها إلى صاحبتها، وقال لي: ( قوّمها ). فقلت: ليس لهما قيمة.
قال: ( على ذلك ). قلت: كسْر درهم. قال: ( واللّه، لهما أحبّ إليّ مِن أمركم هذا إلاّ أنْ أقيم حدّاً ( حقّاً ) أو ادفع باطلاً )
.
وهو القائل: ( واللّه لئن أبيت على حسَك السعدان مُسهّداً، وأُجَرُّ في الأغلال مُصفّداً، أحَبّ إليّ مِن أنْ ألقى اللّه ورسولَه يوم القيامة ظالِماً لبعض العباد، وغاصباً لشيءٍ من الحُطام، وكيف أظلِم أحداً لنفسٍ يَسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها )
_____________________
الظلم
الظلم لغةً: وضع الشيء في غير موضعه، فالشرك ظلمٌ عظيم، لجعله موضع التوحيد عند المشركين.
وعرفاً هو: بخس الحقّ، والاعتداء على الغير، قولاً أو عمَلاً، كالسباب، والاغتياب، ومصادرة المال، واجترام الضرب أو القتل، ونحو ذلك من صوَر الظُلامات المادّيّة أو المعنويّة.
والظلم من السجايا الراسخة في أغلب النفوس، وقد عانت منه البشريّة في تاريخها المديد ألوان المآسي والأهوال، ممّا جهّم الحياة، ووسمها بطابعٍ كئيب رهيب.
والظلم مِن شيَم النفوس فإنْ تجِد
|
|
ذا عفّة فلعلّة لا يظلِمُ
|
من أجل ذلك كان الظلم جماع الآثام ومنبع الشرور، وداعية الفساد والدمار.
وقد تكاثرت الآيات والأخبار بذمّه والتحذير منه:
قال تعالى:( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ )
( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
_____________________
( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )
( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا )
وقال تعالى:( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ )
وقال سُبحانه:( وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( واللّه لو أعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، على أنْ أعصي اللّه في نملَة أسلُبها جُلب شعيرةٍ ما فعلت، وإنّ دنياكم لأهوَن عليّ مِن ورقةٍ في فمِ جرادة، ما لعليٍّ ونعيمٍ يفنى ولذّة لا تبقى )
.
وعن أبي بصير قال: ( دخَل رجُلان على أبي عبد اللّهعليهالسلام
في مداراةٍ بينهما ومعاملة، فلمّا أنْ سمِع كلامها قال: ( أما إنّه ما ظفَر أحدٌ بخير من ظفَر بالظلم. أما إنّ المظلوم يأخُذ مِن دين الظالم أكثر ممّا يأخذ الظالم من مال المظلوم ). ثُمّ قال: ( مَن يفعل الشرّ بالناس فلا
_____________________
ينكر الشر إذا فُعِل به، أمّا إنّه إنّما يحصِد ابن آدم ما يزرَع، وليس يحصد أحدٌ مِن المرِّ حُلواً، ولا مِن الحُلوِ مرَّاً، فاصطلَح الرجلان قبل أنْ يقوما )
وقالعليهالسلام
: ( مَن أكل مال أخيه ظُلماً ولم يردَّه إليه، أكل جذوةً مِن النار يوم القيامة )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن ظلَم سلّط اللّه عليه من يظلمه، أو على عقِبَه، أو على عقِب عقِبَه ).
قال ( الراوي ): يظلم هو فيسلّط على عقبه ؟
فقال: ( إنّ اللّه تعالى يقول:( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً )
)( النساء: ٩ )
.
وتعليلاً للخبر الشريف: أنّ مؤاخذة الأبناء بجرائم الآباء إنّما هو في الأبناء الذين ارتضوا مظالم آبائهم أو اغتنموا تراثهم المغصوب، ففي مؤاخذتهم زجرٌ عاطفيٌّ رهيب، يردع الظالم عن العدوان خَشيةً على أبنائه الأعزّاء، وبشارةً للمظلوم على معالجة ظالمه بالانتقام، مشفوعة بثواب ظُلامته في الآخرة.
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( مَن أصبح لا يهمّ بظلمٍ غفَر اللّه له ما اجترم )
أي ما اجترم من الذنوب التي بينه وبين اللّه عزَّ وجل في ذلك اليوم.
إلى كثير من الروايات الشريفة التي ستراها في مطاوي هذا البحث.
_____________________
أنواع الظلم:
يتنوع الظلم صوراً نشير إليها إشارة لامحة:
١ - ظلم الإنسان نفسه:
وذلك بإهمال توجيهها إلى طاعة اللّه عزّ وجل، وتقويمها بالخلق الكريم، والسلوك الرضيّ، ممّا يزجّها في متاهات الغواية والضلال، فتبوء آنذاك بالخيبة والهوان.
( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا )
٢ - ظلم الإنسان عائلته:
وذلك بإهمال تربيتهم تربيةً إسلاميّةً صادقة، وإغفال توجيههم وجهة الخير والصلاح، وسياستهم بالقسوةِ والعُنف، والتقتير عليهم بضرورات الحياة ولوازم العيش الكريم، ممّا يُوجب تسيّبهم وبلبلة حياتهم، مادّياً وأدبيّاً.
٣ - ظلم الإنسان ذوي قرباه:
وذلك بجفائهم وخذلانهم في الشدائد والأزَمات، وحرمانهم مِن مشاعر العطف والبِرّ، ممّا يبعث على تناكرهم وتقاطعهم.
٤- ظلم الإنسان للمجتمع:
وذلك بالاستعلاء على أفراده وبخس حقوقهم، والاستخفاف بكراماتهم،
_____________________
وعدم الاهتمام بشؤونهم ومصالحهم. ونحو ذلك من دواعي تسيّب المجتمع وضعف طاقاته.
وأبشع المظالم الاجتماعيّة، ظُلم الضعفاء، الذين لا يستطيعون صدّ العدوان عنهم، ولا يملكون إلاّ الشكاة والضراعة إلى العدل الرحيم في أساهم، وظلاماتهم.
فعن الباقرعليهالسلام
قال: ( لمّا حضر عليّ بن الحسينعليهالسلام
الوفاة، ضمّني إلى صدره، ثُمّ قال: يا بني، أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضَرَته الوفاة، وبما ذكر أنّ أباه أوصاه، قال: يا بني، إيّاك وظلم مَن لا يجِد عليك ناصراً إلاّ اللّه تعالى )
٥ - ظلم الحكّام والمتسلّطين:
وذلك باستبدادهم، وخنقهم حرّيّة الشعوب، وامتهان كرامتها، وابتزاز أموالها، وتسخيرها لمصالحهم الخاصّة، مِن أجل ذلك كان ظلم الحكّام أسوأ أنواع الظُلم وأشدّها نُكراً، وأبلغها ضرراً في كيان الأُمّة ومقدّراتها.
قال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ اللّه تعالى أوحى إلى نبيٍّ مِن الأنبياء، في مملكةِ جبّارٍ مِن الجبابرة: أنْ ائت هذا الجبّار فقل له: إنّي لم استعملك على سفك الدماء، واتّخاذ الأموال، وإنّما استعملتك لتكفّ عنّي أصوات المظلومين، فإنّي لنْ أدَع ظلامتهم وإنْ كانوا كفّاراً )
_____________________
وعن الصادق عن آبائه عن النبيّصلىاللهعليهوآله
أنّه قال: ( تُكلِّم النارُ يوم القيامة ثلاثة: أميراً، وقارئاً، وذا ثروةٍ من المال، فتقول للأمير: يا مَن وهَبَ اللّه له سلطاناً فلَم يعدل، فتزدَرِدَه كما يَزدَرِدَ الطير حبّ السمسم.
وتقول للقارئ: يا مَن تزَيّن للناس وبارَز اللّه بالمعاصي فتزدرده.
وتقول للغني: يا من وهب اللّه له دنيا كثيرةً واسعةً فيضاً، وسأله الحقير اليسير قرضاً فأبى إلاّ بُخلاً فتزدرده )
وليس هذا الوعيد الرهيب مقصوراً على الجائرين فحسب، وإنّما يشمل من ضلع في ركابهم، وارتضى أعمالهم، وأسهم في جورهم، فإنّه وإيّاهم سواسية في الإثم والعقاب، كما صرحت بذلك الآثار:
قال الصادقعليهالسلام
: ( العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به، شركاء ثلاثتهم )
.
لذلك كانت نُصرة المظلوم، وحمايته من عسف الجائرين، من أفضل الطاعات، وأعظم القربات إلى اللّه عزّ وجل، وكان لها وقعها الجميل، وآثارها الطيّبة في حياة الإنسان المادّيّة والروحيّة.
قال الإمام الكاظمعليهالسلام
لابن يقطين: ( اضمَن لي واحدةً أضمنُ لك ثلاثاً، اضمن لي أنْ لا تلقى أحداً مِن موالينا في دار الخلافة إلاّ بقضاء حاجته، أضمن لك أنْ لا يصيبك حدّ السيف أبداً، ولا يظلّك
_____________________
سقف سجن أبداً، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً )
.
وقال أبو الحسنعليهالسلام
: ( إن لله جل وعزّ مع السلطان أولياء، يدفع بهم عن أوليائه ).
وفي خبر آخر: ( أولئك عتقاء اللّه من النار )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( كفّارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان )
وعن محمّد بن جمهور وغيره من أصحابنا قال: كان النجاشي - وهو رجلٌ من الدهاقين - عاملاً على الأهواز وفارس، فقال بعض أهل عمله لأبي عبد اللّهعليهالسلام
: إنّ في ديوان النجاشي عليّ خراجاً، وهو ممّن يَدين بطاعتك، فإنّ رأيت أنْ تكتب لي إليه كتاباً. قال: فكتب إليه أبو عبد اللّه: ( بسم اللّه الرحمن الرحيم سُرَّ أخاك يَسُرّك اللّه ).
فلمّا ورَد عليه الكتاب وهو في مجلِسه، فلمّا خلا ناوله الكتاب وقال: هذا كتاب أبي عبد اللّهعليهالسلام
، فقبّله ووضعه على عينيه ثُمّ قال: ما حاجتك ؟ فقال: عليّ خراج في ديوانك. قال له: كم هو؟ قال: هو عشرة آلاف درهم.
قال: فدعا كاتبه فأمره بأدائها عنه، ثُمّ أخرَج مثله فأمره أنْ يثبتها له لقابل، ثُمّ قال له: هل سررتك ؟ قال نعم. قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم أُخرى فقال له: هل سررتك ؟ قال: نعم جعلت فداك.
_____________________
فأمر له بمركب، ثُمّ أمر به بجاريةٍ وغلام، وتخت ثياب، في كلّ ذلك يقول: هل سررتك ؟ فكلّما قال: نعم، زاده حتّى فرغ، فقال له: احمل فرش هذا البيت الذي كنت جالساً فيه حين دفعتَ إليَّ كتاب مولاي فيه، وارفع إليّ جميع حوائجك. قال: ففعل، وخرج الرجل فصار الى أبي عبد اللّهعليهالسلام
، فحدثه بالحديث على جهته، فجعل يستبشر بما فعله.
قال له الرجل: يابن رسول اللّه، قد سرّك ما فعل بي ؟ قال: ( إي واللّه، لقد سرّ اللّه ورسوله )
وخامة الظلم:
بديهي أنّ استبشاع الظلم واستنكاره، فطريٌّ في البشَر، تأباه النفوس الحرّة، وتستميت في كفاحه وقمعه، وليس شيء أضرّ بالمجتمع، وأدعى الى تسيبه ودماره من شيوع الظلم وانتشار بوائقه فيه.
فالإغضاء عن الظلم يشجّع الطغاة على التمادي في الغيّ والإجرام، ويحفّز الموتورين على الثأر والانتقام، فيشيع بذلك الفوضى، وينتشر الفساد، وتغدو الحياة مسرحاً للجرائم والآثام، وفي ذلك انحلال الأُمم، وفقد أمنها ورخائها، وانهيار مجدها وسلطانها.
_____________________
علاج الظلم:
من العسير جدّاً علاج الظلم، واجتثاث جذوره المتغلغلة في أعماق النفس، بيد أنّ من الممكن تخفيف جماحه، وتلطيف حدته، وذلك بالتوجيهات الآتية:
١ - التذكر لما أسلفناه من مزايا العدل، وجميل آثاره في حياة الأمم والأفراد، من إشاعة السلام، ونشر الوئام والرخاء.
٢ - الاعتبار بما عرضناه من مساوئ الظلم وجرائره المادّيّة والمعنويّة.
٣ - تقوية الوازع الديني، وذلك بتربية الضمير والوجدان، وتنويرهما بقِيَم الإيمان ومفاهيمه الهادفة الموجّهة.
٤ - استقراء سيَر الطغاة وما عانوه من غوائل الجور وعواقبه الوخيمة.
جاء في كتاب حياة الحيوان عند ذكر الحِجْلان: أنّ بعض مقدّميُّ الأكراد حضَر على سِماط بعضِ الأمراء، وكان على السماط حِجْلتان مشويتان، فنظر الكرديُّ إليهما وضحك، فسأله الأمير عن ذلك، فقال: قطعت الطريق في عنفوان شبابي على تاجر فلمّا أردت قتله، تضرّع فما أفاد تضرّعه، فلمّا رآني أقتله لا محالة، التفت إلى حِجْلتين كانتا في الجبل، فقال: اشهدا عليه إنّه قاتلي، فلمّا رأيت هاتين الحجلتين تذكرت حمقه ) فقال الأمير: قد شهدتا، ثُمّ أمر بضرب عنقه
.
_____________________
وفي سراج الملوك لأبي بكر الطرطوسي: أنّ عبد الملك بن مروان أرِق ليلةً، فاستدعى سميراً له يحدّثه، فكان فيما حدّثه أنْ قال: يا أمير المؤمنين، كان بالموصل بومة، وبالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها، فقالت بومة البصرة: لا أفعل إلاّ أنْ تجعلي صداقها مِئة ضيعة خراب! فقالت بومة الموصل: لا أقدر على ذلك الآن، ولكن إنْ دام والينا علينا، سلّمه اللّه تعالى سنةً واحدة فعلت ذلك، فاستيقظ عبد الملك، وجلَس للمظالم، وأنصف الناس بعضهم من بعض، وتفقّد أمر الولاة
.
_____________________
الإخلاص
الإخلاص: ضدّ الرياء، وهو صفاء الأعمال مِن شوائب الرياء، وجعلها خالصةً للّه تعالى.
وهو قوام الفضائل، وملاك الطاعة، وجوهر العبادة، ومناط صحّة الأعمال، وقبولها لدى المولى عزّ وجل.
وقد مجّدته الشريعة الإسلاميّة، ونوّهت عن فضله، وشوّقت إليه، وباركَت جهود المتحلّين به في طائفة مِن الآيات والأخبار:
قال تعالى:( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً )
.
وقال سُبحانه:( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ )
وقال عزَّ وجل:( وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( مَن أخلص للّه أربعين يوماً،
_____________________
فجّر اللّه ينابيع الحكمة مِن قلبه على لِسانه )
.
وقال الإمام الجوادعليهالسلام
: ( أفضل العبادة الإخلاص )
وعن الرضا عن آبائهعليهمالسلام
قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( الدنيا كلّها جهل إلاّ مواضع العِلم، والعِلم كلّه حجّة إلاّ ما عُمِل به، والعمَل كلّه رياءٌ إلاّ ما كان مخلِصاً، والإخلاص على خطر، حتّى ينظُر العبد بما يُختَم له )
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( يا أبا ذر، لا يفقه الرجل كلّ الفقه، حتّى يرى الناس في جنب اللّه أمثال الأباعر، ثُمّ يرجع إلى نفسه فيكون هو أحقر حاقرٍ له )
فضيلة الإخلاص:
تتفاوت قِيَم الأعمال، بتفاوت غاياتها والبواعث المحفّزة عليها، وكلّما سمَت الغاية، وطهُرَت البواعث مِن شوائب الغشّ والتدليس والنفاق، كان ذلك أزكى لها، وأدعى إلى قبولِها لدى المولى عزّ وجل.
وليس الباعث في عرف الشريعة الإسلامية إلاّ ( النيّة ) المحفّزة على الأعمال، فمتى استهدفت الإخلاص للّه تعالى، وصَفَت مِن كدر
_____________________
الرياء نبلت وسعدت بشرف رضوان اللّه وقبوله، ومتى شابها الخِداع والرياء، باءت بسخَطِه ورفْضِه.
لذلك كان الإخلاص حجَراً أساسيّاً في كيان العقائد والشرائع، وشرطاً واقعيّاً لصحّة الأعمال، إذ هو نظام عقدها، ورائدها نحو طاعة اللّه تعالى ورضاه.
وناهيك في فضل الإخلاص أنّه يُحرّر المرء من إغواء الشيطان وأضاليله:( فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ )
.
عوائق الإخلاص:
وحيث كان الإخلاص هو المنار الساطع، الذي ينير للناس مناهج الطاعة الحقّة، والعبوديّة الصادقة، كان الشيطان ولوعاً دؤوباً على إغوائهم وتضليلهم بصنوف الأماني والآمال الخادعة: كحب السمعة والجاه، وكسب المحامد والأمجاد، وتحرّي الأطماع المادّيّة التي تمسخ الضمائر وتمحق الأعمال، وتذرها قفراً يباباً من مفاهيم الجمال والكمال وحلاوة العطاء.
وقد يكون إيحاء الشيطان بالرياء هامساً خفيفاً ماكراً، فيمارس الانسان الطاعة والعبادة بدافع الإخلاص، ولو محصها وأمعن فيها وجدها مشوبةً بالرياء. وهذا مِن أخطر المزالق، وأشدّها خفاءً وخداعاً. ولا يتجنّبها إلاّ الأولياء الأفذاذ.
كما حُكي عن بعضهم أنّه قال: ( قضَيت صلاةَ ثلاثين سنة كنت
صلّيتها في المسجد جماعة في الصفّ الأوّل، لأنّي تأخّرت يوماً لعُذرٍ، وصلّيت في الصفّ الثاني، فاعترتني خَجْلةٌ مِن الناس، حيث رأوني في الصفّ الثاني، فعرفت أنّ نظر الناس إليّ في الصفّ الأوّل كان يسرّني، وكان سبب استراحة قلبي.
نعوذ باللّه مِن سُبات الغفلة، وُخِدَع الرياء والغرور. من أجل ذلك يحرص العارفون على كتمان طاعاتهم وعباداتهم، خَشية من تلك الشوائب الخفيّة.
فقد نُقل: أنّ بعض العبّاد صام أربعين سنة لم يعلَم به أحد مِن الأباعد والأقارب، كان يأخذ غذاءه فيتصدّق به في الطريق، فيظنّ أهله أنّه أكل في السوق، ويظنّ أهل السوق، أنّه أكل في البيت.
كيف نكسب الإخلاص:
بواعث الإخلاص ومحفّزاته عديدة تلخصّها النقاط التالية:
١ - استجلاء فضائل الإخلاص السالفة، وعظيم آثاره في دنيا العقيدة والإيمان.
٢ - إنّ أهمّ بواعث الرياء وأهدافه استثارة إعجاب الناس، وكسب رضاهم، وبديهي أنّ رضا الناس غايةٌ لا تُدرك، وأنّهم عاجزون عن إسعاد أنفسهم، فضلاً عن غيرهم، وأنّ المُسعِد الحقّ هو اللّه تعالى الذي بيده أزِمّة الأُمور، وهو على كلّ شيء قدير، فحريٌّ بالعاقل أنْ يتّجه
إليه ويخلص الطاعة والعبادة له.
٣ - إنّ الرياء والخِداع سرعان ما ينكشفان للناس، ويسفران عن واقع الإنسان، ممّا يفضح المرائي ويعرضه للمقت والازدراء.
ثوب الرياء يشفّ عمّا تحته
|
|
فإذا التحفتَ به فإنّك عاري
|
فعلى المرء أنْ يتّسم بصدق الإخلاص، وجمال الطوية، ليكون مثلاً رفيعاً للاستقامة والصلاح.
فقد جاء في الآثار السالفة: ( إنْ رجلاً مِن بني إسرائيل قال: لأعبدنّ اللّه عبارة أُذكَر بها، فمكث مدّةً مبالِغاً في الطاعات، وجعَل لا يمرّ بملأٍ من الناس إلاّ قالوا: متصنّعٍ مراءٍ، فأقبل على نفسه وقال: قد أتعبت نفسك، وضيّعت عُمرك في لا شيء، فينبغي أنْ تعمل للّه سُبحانه، وأخلص عمله للّه، فجعل لا يمرّ بملأٍ من الناس إلاّ قالوا ورعٍ تقيّ ).
الرياء
وهو: طلب الجاه والرِّفعة في نفوس الناس، بمراءاة أعمال الخير.
وهو مِن أسوأ الخصال، وأفظع الجرائم، الموجبة لعناء المرائي وخسرانه ومقته، وقد تعاضدت الآيات والأخبار على ذمّه والتحذير منه.
قال تعالى في وصف المنافقين:( يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً )
وقال تعالى:( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً )
وقال سبحانه:( كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( كلّ رياء شِرك، أنّه مَن عمِل للناس كان ثوابه على الناس، ومَن عمِل للّه كان ثوابه على اللّه )
وقالعليهالسلام
: ( ما مِن عبدٍ يُسِرُّ خيراً، إلاّ لم تذهب الأيّام
_____________________
حتّى يُظهِر اللّه له خيراً، وما مِن عبدٍ يُسِرُّ شرَّاً إلاّ لم تذهب الأيّام حتّى يُظهِر له شرَّاً )
وعنهعليهالسلام
قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( سيأتي على الناس زمانٌ تخبث فيه سرائرهم، وتحسن فيه علانيتهم، طمَعاً في الدنيا، لا يُريدون به ما عند ربِّهم، يكون دينهم رياءاً، لا يُخالطهم خوف، يعمّهم اللّه بعقاب فيدعونه دعاءَ الغريق فلا يستجيب لهم )
وعن موسى بن جعفر عن آبائهعليهمالسلام
قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( يؤمَر برجال إلى النار، فيقول اللّه جلّ جلاله لمالك: قل للنار لا تحرق لهم أقداماً، فقد كانوا يمشون إلى المساجد، ولا تحرق لهم وجهاً، فقد كانوا يسبغون الوضوء، ولا تحرق لهم أيدِيَاً، فقد كانوا يرفعونها بالدعاء، ولا تحرق لهم ألسُناً، فقد كانوا يُكثرون تلاوة القرآن. قال: فيقول لهم خازن النار: يا أشقياء ما كان حالكم ؟ قالوا: كنّا نعمل لغير اللّه عزّ وجل فقيل لنا خذوا ثوابكم ممّن عملتم له )
_____________________
أقسام الرياء
ينقسم الرياء أقساماً تُلخّصها النقاط التالية:
١ - الرياء بالعقيدة: بإظهار الايمان وإسرار الكُفر، وهذا هو النفاق وهو أشدّها نُكراً وخطَراً على المسلمين ؛ لخفاء كيده، وتستّره بظلام النفاق.
٢ - الرياء بالعبادة مع صحّة العقيدة: وذلك بممارسة العبادات أمام ملأ الناس، مراءاةً لهم، ونبذها في الخَلوة والسرّ، كالتظاهر بالصلاة، والصيام، وإطالة الركوع والسجود والتأنّي بالقراءة والأذكار وارتياد المساجد، وشهود الجماعة، ونحوه من صور الرياء، في صميم العبادة أو مكمّلاتها، وهنا يغدو المُرائي أشدُّ إثماً مِن تارك العبادة، لاستخفافه باللّه عزّ وجل، وتلبيسه على الناس.
٣ - الرياء بالأفعال: كالتظاهر بالخشوع، وتطويل اللحية، ووسم الجبهة بأثر السجود، وارتداء الملابس الخشنة ونحوه من مظاهر الزهد والتقشّف الزائفة.
٤ - الرياء بالأقوال: كالتشدّق بالحكمة، والمراءاة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتذكير بالثواب والعقاب مداجاةً وخداعاً.
دواعي الرياء:
للرياء أسباب ودواع نُجملها فيما يلي:
١ - حُب الجاه: وهو مِن أهمّ أسباب المراءاة ودواعيه.
٢ - خوف النقد: وهو دافع على المراءاة بالعبادة، وأعمال الخير، خشية من قوارص الذم والنقد.
٣ - الطمع: وهو من محفّزات الرياء وأهدافه التي يستهدفها الطامعون، إشباعاً لأطماعهم.
٤ - التستّر: وهو باعث على تظاهر المجرمين بمظاهر الصلاح المزيفة، إخفاءاً لجرائمهم، وتستّراً عن الأعيُن.
ولا ريب أنّ تلك الدواعي هي من مكائد الشيطان، وأشراكه الخطيرة التي يأسر بها الناس، أعاذنا اللّه منها جميعاً.
حقائق:
ولا بدّ من استعراض بعض الحقائق والكشف عنها إتماماً للبحث:
١ - إختلفت أقوال المحقّقين، في أفضليّة اخفاء الطاعة أو اعلانها.
ومجمل القول في ذلك، إنّ الأعمال بالنيات، وأنّ لكلّ امرئ ما نوى، فما صفا مِن الرياء فسَواء إعلانه أو إخفاؤه، وما شابه الرياء فسيّان إظهاره أو إسراره.
وقد يُرجّح الإسرار أحياناً للذين لا يُطيقون مدافعة الرياء لشدّة بواعثه في الإعلان. كما يُرجّح إعلان الطاعة، إنْ خلُصت من شوائب الرياء، وقُصِد به غرضٌ صحيح، كالترغيب في الخير والحثّ على الاقتداء.
٢ - ومَن استهدف الإخلاص في طاعته وعبادته، ثُمّ اطلع الناس
عليها، وُسرّ باطلاعهم واغتبط، فلا يقدح ذلك في إخلاصه، إنْ كان سروره نابعاً عن استشعاره بلطف اللّه تعالى، وإظهار محاسنه والستر على مساوئه تكرماً منه عزّ وجل.
وقد سئل الامام الباقرعليهالسلام
عن الرجل يعمل الشيء مِن الخير فيراه إنسانٌ فيسرّه ذلك، فقال: ( لا بأس، ما مِن أحدٍ إلاّ وهو يحبُّ أنْ يظهر اللّه له في الناس الخير، اذا لم يكن صنع ذلك لذلك )
٣ - وحيث كان الشيطان مجدّاً في إغواء الناس، وصدّهم عن مشاريع الخير والطاعة، بصنوف الكيد والإغواء، لزِم الحذر والتوقّي منه، فهو يُسوّل للناس ترك الطاعة ونبذ العبادة، فإنْ عجَز عن ذلك أغراهم بالرياء، وحبّبه إليهم، فإنْ أخفَق في هذا وذاك، ألقى في خُلدِهم أنّهم مراؤون وأعمالهم مشوبةٌ بالرياء، ليسوّل لهم نبذها وإهمالها.
فيجب والحالة هذه طرده، وعدم الاكتراث بخِدَعه ووَساوِسه، إذ المخلص لا تضرّه هذه الخواطر والأوهام.
فعن الصادق عن أبيهعليهماالسلام
: إنّ النبيّ قال: ( اذا أتى الشيطان أحدكم وهو في صلاته فقال: إنّك مرائي، فليُطل صلاته ما بدا له، ما لم يفته وقت فريضة، واذا كان على شيء من أمر الآخرة فليتمكث ما بدا له، واذا كان علي شيء من أمر الدنيا فليسترح...)
.
_____________________
مساوئ الرياء:
الرياء من السجايا الذميمة، والخِلال المقيتة، الدالّة على ضِعة النفس، وسُقم الضمير، وغباء الوعي، إذ هو الوسيلة الخادعة المُدجَلة التي يتّخذها المتلوّنون والمنحرفون ذريعةً لأهدافهم ومآربهم، دونَما خجَلٍ واستحياءٍ مِن هوانِها ومناقضتها لصميم الدين والكرامة والإباء.
وحسبُ المرائي ذمّاً أنّه اقترف جُرمين عظيمين:
تحدّى اللّه عزّ وجل، واستخفّ بجلاله، بإيثار عباده عليه في الزلفى والتقرّب، ومخادعة الناس والتلبّس عليهم بالنفاق والرياء.
ومثَل المرائي في صفاقته وغبائه، كمَن وقَف إزاء ملِكٍ عظيم مظهِراً له الولاء والإخلاص، وهو رغم موقفه ذلك يخاتل الملِك بمغازلة جواريه أو استهواء غِلمانه.
أليس هذا حريّاً بعقاب الملك ونكاله الفادحين على تلصصه واستهتاره.
ولا ريب أنّ المرائي أشدّ جرماً وجنايةً من ذلك، لاستخفافه باللّه عزّ وجل، ومخادعة عبيده. والمرائي بعد هذا حليف الهم والعناء، يستهوي قلوب الناس، ويتملق رضاهم، ورضاهم غاية لا تنال، فيعود بعد طول المعاناة خائباً، شقيّاً، سليب الكرامة والدين.
ومن الثابت أنّ سوء السريرة سرعان ما ينعكس على المرء، ويكشف واقعه، ويبوء بالفضيحة والخُسران.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلم
وقد أعرب النبيّصلىاللهعليهوآله
عن ذلك قائلاً: ( مَن أسرّ سريرةً ردّأه اللّه رِداءها، إنْ خيراً فخير، وإنْ شرَّاً فشر )
علاج الرياء:
وبعد أنْ عرفنا طرَفاً مِن مساوئ الرياء، يجدر بنا أنْ نعرض أهمّ النصائح الأخلاقيّة في علاجه وملافاته، وقد شرحت في بحث الإخلاص طرفاً من مساوئ الرياء ومحاسن الإخلاص فراجعه هناك.
علاج الرياء العمَلي:
وذلك برعاية النصائح المجملة التالية:
١ - محاكمة الشيطان، وإحباط مكائده ونزعاته المرائيّة، بأُسلوب منطقي يقنع النفس، ويرضي الوجدان.
٢ - زجر الشيطان وطرد هواجسه في المراءاة، طرداً حاسماً، والاعتماد على ما انطوى عليه المؤمن من حبّ الاخلاص، ومقت الرياء.
٣ - تجنب مجالات الرياء ومظاهره، وذلك باخفاء الطاعات والعبادات وسترها عن ملأ الناس، ريثما يثق الإنسان بنفسه، ويحرز فيها الاخلاص.
_____________________
ومِن طرائف الرياء والمرائين ماقيل:
إنّ أعرابيّاً دخل المسجد، فرأى رجلاً يُصلّي بخشوعٍ وخضوع، فأعجبه ذلك، فقال له: نعم ما تُصلّي.
قال: وأنا صائم، فإنّ صلاة الصائم، تَضعُف صلاةَ المفطر.
فقال له الأعرابي: تفضّل واحفظ ناقتي هذه، فإنّ لي حاجةً حتّى أقضيها. فخرج لحاجته، فركب المصلّي ناقته وخرَج، فلمّا قضى الأعرابي حاجته، رجع ولم يجد الرجل ولا الناقة، وطلبه فلم يقدر عليه، فخرج وهو يقول:
صلّى فأعجبني وصام فرامني
|
|
منح القَلُوص عن المصلّي الصائم
|
وصلّى أعرابيّ فخفّف صلاته، فقام إليه عليّعليهالسلام
بالدرّة وقال: ( أعِدْها )، فلمّا فرغ، قال: ( أهذه خير أم الأولى ؟) قال: بل الأُولى، قال: ( ولِمَ )، قال: لأنّ الأُولى للّه وهذه للّدرة.
العُجُب
وهو استعظام الإسنان نفسه، لاتّصافه بخِلّةٍ كريمة، ومزيّةٍ مشرّفة، كالعِلم والمال والجاه والعمَل الصالح.
ويتميّز العجُب عن التكبّر، بأنّه استعظام النفس مجرّداً عن التعالي على الغير، والتكبّر هما معاً.
والعُجُب من الصفات المَقيتة، والخلال المنفّرة، الدّالة على ضعة النفس، وضيق الأفق، وصفاقة الأخلاق، وقد نهت الشريعة عنه، وحذّرت منه.
قال تعالى:( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( من دخله العُجب هلك )
وعنهعليهالسلام
قال: ( قال إبليس ( لعنَه اللّه ) لجنوده: اذا استمكنت مِن ابن آدَم في ثلاث لم أُبال ما عمَل، فإنّه غير مقبولٍ منه، إذا استكثر عمَله، ونسيَ ذنبه، ودخلَه العُجُب )
_____________________
وقال الباقرعليهالسلام
: ( ثلاثٌ هن قاصمات الظهر: رجلٌ استكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأعجب برأيه )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( أتى عالمٌ عابداً فقال له: كيف صلاتك ؟ فقال: مثلي يُسأل عن صلاته ؟ وأنا أعبُد اللّه تعالى مُنذ كذا وكذا، قال: فكيف بكاؤك ؟ قال: أبكي حتّى تجري دموعي. فقال له العالِم: فإنّ ضحكك وأنت خائف خير ( أفضل خ ل ) مِن بكائك وأنت مُدِل، إنّ المدل لا يصعّد مِن عمله شيء )
.
وعن أحدهماعليهماالسلام
، قال: ( دخل رجُلان المسجد أحدهما عابدٌ والآخر فاسق، فخرجا من المسجد، والفاسق صدّيق، والعابد فاسق، وذلك: أنّه يدخل العابد المسجد مدلاًّ بعبادته، يُدِلّ بها، فيكون فكرته في ذلك، ويكون فكرة الفاسق في الندم على فسقه، ويستغفر اللّه تعالى لما ذَكَرَ من الذنوب )
وعن أبي عبد اللّه عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: لولا أنّ الذنب خيرٌ للمؤمن من العجُب، ما خلّى اللّه بين عبده المؤمن وبين ذنبٍ أبداً )
والجدير بالذكر: أنّ العُجُب الذميم هو استكثار العمَل الصالح،
_____________________
والإدلال به، أمّا السرور به مع التواضع للّه تعالى، والشكر له على توفيقه لطاعتِه، فذلك ممدوحٌ ولا ضيرَ فيه.
مساوئ العجُب:
للعجُب أضرارٌ ومساوئ:
١ - إنّه سببُ الأنانيّة والتكبّر، فمَن أُعجِب بنفسه إزدهاه العُجُب، وتعالى على الناس، وتجبّر عليهم، وذلك يُسبّب مقت الناس وهوانهم له.
٢ - إنّه يعمي صاحبه عن نقائصه ومساوئه، فلا يهتم بتجميل نفسه، وملافاة نقائصه، ممّا يجعله في غمرة الجهل والتخلّف.
٣ - إنّه باعث على استكثار الطاعة، والإدلال بها، وتناسي الذنوب والآثام، وفي ذلك أضرارٌ بليغة، فتناسي الذنوب يُعيق عن التوبة والإنابة إلى اللّه عزّ وجل منها، ويعرّض ذويها لسخطِه وعقابه، واستكثار الطاعة والعبادة يكدّرها بالعُجب والتعامي عن آفاتها، فلا تنال شرف الرضا والقبول من المولى عزّ وجل.
علاج العُجُب:
وحيث كان العُجب والتكبر صنوين من أصل واحد، وإن اختلفا في الاتجاه، فالعجب كما أسلفنا استعظام النفس مجرداً عن التعالي، والتكبر
هما معاً، فعلاجهما واحد، وقد أوضحناه في بحث التكبّر.
وجدير بالمعجَب بنفسه، أنْ يدرك أنّ جميع ما يبعثه على الزهو والإعجاب، من صنوف الفضائل والمزايا، إنّما هي نِعَمٌ إلهيّة يُسديها المولى إلى مَن شاء مِن عباده، فهي أحرى بالحمد، وأجدَر بالشكر مِن العُجب والخُيَلاء.
وهي إلى ذلك عُرضةً لصروف الأقدار، وعوادي الدهر، فما للإنسان والعجُب !!
ومِن طريف ما نُقِل عن بعض الصُلَحاء في ملافاة خواطر العجُب:
قيل: إنّ بعضهم خرَج في جُنح الظلام متّجهاً إلى بعض المشاهد المشرّفة، لأداء مراسم العبادة والزيارة، فبينا هو في طريقه إذ فاجأه العجُب بخروجه سَحَرَاً، ومجافاته لذّة الدفء وحلاوة الكَرى مِن أجل العبادة.
فلاح له آنذاك، بائع شلغم فانبرى نحوه، فسأله كم تربح في كسبك وعناء خروجك في هذا الوقت ؟ فأجابه: دِرهَمين أو ثلاث، فرجع إلى نفسه مخاطباً لها علام العجُب ؟ وقيمة إسحاري لا تزيد عن دِرهَمين أو ثلاث.
ونُقِل عن آخر: أنّه عمِل في ليلة القدر أعمالاً جمّةً مِن الصلوات والدعوات والأوراد، استثارت عُجُبه، فراح يُعالِجه بحكمةٍ وسداد: فقال لبعض المتعبّدين: كم تتقاضى على القيام بأعمال هذه الليلة، وهي كيت وكيت. فقال: نصف دينار، فرجع إلى نفسه مؤنّباً لها وموحياً إليها، علام العُجُب وقيمة أعمالي كلّها نصف دينار ؟
اليقين
وهو: الاعتقاد بأُصول الدين وضروراته، اعتقاداً ثابتاً، مطابقاً للواقع، لا تُزَعزِعه الشُبَه، فإنْ لم يُطابق الواقع فهو جهلٌ مركّب.
واليقين هو غرّة الفضائل النفسيّة، وأعزّ المواهب الإلهيّة، ورمز الوعي والكمال، وسبيل السعادة في الدارَين. وقد أولته الشريعة اهتماماً بالغاً ومجّدت ذويه تمجيداً عاطراً، وإليك طرفاً منه:
قال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ الإيمان أفضل من الإسلام، وإنّ اليقين أفضل من الإيمان، وما مِن شيءٍ أعزّ مِن اليقين )
وقالعليهالسلام
: ( إنّ العمل الدائم القليل على اليقين، أفضل عند اللّه مِن العمل الكثير على غير يقين )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مِن صحّة يقين المرء المسلم، أنْ لا يُرضي الناس بسخطِ اللّه، ولا يلومَهم على ما لم يأته اللّه، فإنّ الرزق لا يسوقه حِرصُ حريص، ولا يردّه كراهيّة كاره، ولو أنّ أحدَكم فرّ مِن رزقه كما يفرّ مِن الموت، لأدركه رِزقه كما يدركه الموت ).
_____________________
ثمّ قال: ( إنّ اللّه بعدلِه وقسطه جعَل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهمّ والحُزن في الشكّ والسخط )
وعنهعليهالسلام
قال: كان أمير المؤمنينعليهالسلام
يقول: ( لا يَجدُ عبدٌ طعمَ الإيمان، حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يَكن ليُصيبه، وأنّ الضارّ النافع هو اللّه تعالى )
وسُئل الامام الرضاعليهالسلام
عن رجلٍ يقول بالحقّ ويُسرف على نفسه، بشرب الخمر ويأتي الكبائر، وعن رجلٍ دونه في اليقين وهو لا يأتي ما يأتيه، فقالعليهالسلام
: ( أحسنهما يقيناً كالنائم على المحجّة، اذا انتبه ركبَها، والأدوَن الذي يدخله الشكّ كالنائم على غير طريق، لا يدري اذا انتبه أيّهما المحجّة )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
صلّى بالناس الصبح، فنظر إلى شابٍّ في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه، مصفرّاً لونه، قد نحُف جِسمه، وغارَت عيناه في رأسه، فقال له رسول اللّه: كيف أصبحت يا فلان ؟ قال: أصبحت يا رسول اللّه موقناً، فعجِب رسول اللّه مِن قوله، وقال له: إنّ لكلِّ يقينٍ حقيقة، فما حقيقة يقينك ؟
فقال: إنّ يقيني يا رسول اللّه، هو الذي أحزَنني، وأسهرَ ليلي، وأظمأ هواجري، فعزِفَت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتّى كأنّي أنظر إلى
_____________________
عرش ربّي، وقد نصب للحساب، وحُشر الخلائق لذلك، وأنا فيهم، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون، على الأرائك متّكئون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذَّبون، مصطفون، وكأنّ الآن استمع زفير النار يدور في مسامعي.
فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
لأصحابه: هذا عبدٌ نوّر اللّه قلبَه بالإيمان، ثُمّ قال له: إلزَم ما أنت عليه، فقال الشاب: أدع اللّه لي يا رسول اللّه أنْ أُرزق الشهادةَ معك، فدعا له رسول اللّه فلم يلبث أنْ خرَج في بعض غزَوَات النبيّ فاستُشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر )
خصائص الموقنين:
متى ازدهرت النفس باليقين، واستنارت بشُعاعِه الوهّاج، عكَسَت على ذويها ألواناً مِن الجمال والكمال النفسيَّين، وتسامت بهم إلى أوجٍّ روحيٍّ رفيع، يتألّقون في آفاقه تألُّق الكواكب النيّرة، ويتميّزون عن الناس تميّز الجواهر الفريدة مِن الحصا.
فمَن أبرَز خصائصهم ومزاياهم، أنَك تجدهم دائبين في التحلّي بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وتجنّب رذائلها ومساوِئها، لا تخدعهم زخارف الحياة، ولا تُلهيهم عن تصعيد كفاءاتهم ومؤهّلاتهم الروحيّة لنيل الدرجات الرفيعة، والسعادة المأمولة في الحياة الاخرويّة، فهم متفانون في طاعة اللّه
_____________________
عزّ وجل، ابتغاء رضوانه، وحسن مثوبته، متوكّلون عليه، في سرّاء الحياة وضرّائها، لا يرجون ولا يخشون أحداً سِواه، ليقينهم بحسن تدبيره وحكمة أفعاله.
لذلك تُستجاب دَعَواتهم، وتظهر الكرامات على أيديهم، وينالون شرف الحظوة والرعاية مِن اللّه عزّ وجل.
درجات الايمان:
ويحسن بي وأنا أتحدّث عن اليقين أنْ أعرض طَرفاً مِن مفاهيم الإيمان ودرجاته، وأنواعه إتماماً للبحث وتنويراً للمؤمنين.
يتفاضل الناس في درجات الإيمان تفاضلاً كبيراً، فمنهم المجلّي السباق في حلَبة الايمان، ومنهم الواهن المتخلف، ومنهم بين هذا وذاك كما صوّرته الرواية الكريمة:
قال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ الايمان عشر درجات، بمنزلة السُلّم، يُصعَد منه مرقاةً بعد مرقاة، فلا يقولنّ صاحب الاثنين لصاحب الواحد لَستَ على شيء، حتّى ينتهي إلى العاشرة، فلا تُسقط مَن هو دونك، فيسقطك مَن هو فوقَك، وإذا رأيت مَن هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق، ولا تحملَنّ عليه ما لا يطيق فتكسِره، فإنّ مَن كسَر مؤمناً فعليه جبْرُه )
_____________________
أنواع الايمان:
ينقسم الايمان الى ثلاثة أنواع: فطريّ، ومستَودَع، وكَسْبي.
١ - فالفطريّ: هو ما كان هِبةً إلهيّة، قد فطر عليه الإنسان، كما في الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام
، فإنّهم المثلُ الأعلى في قوّة الإيمان، وسموّ اليقين، لا تخالجهم الشكوك، ولا تعروهم الوساوس.
٢ - المستودَع: وهو ما كان صوريّاً طافياً على اللسان، سرعان ما تزعزعه الشبَه والوساوِس، كما قال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ العبد يصبح مومناً، ويُمسي كافراً، ويصبح كافراً، ويُمسي مؤمناً، وقوم يعارون الإيمان ثُمّ يلبسونه، وُيسَمَّون المُعارين )
وقالعليهالسلام
: ( إنّ اللّه تعالى جبَل النبييّن على نبوّتهم، فلا يرتدّون أبداً، وجَبَل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدّون أبداً، وجبل بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدّون أبداً، ومنهم مَن أُعير الإيمان عاريةً، فاذا هو دعا وألحّ في الدعاء مات على الإيمان )
وهكذا تعقّب الامام الصادقعليهالسلام
على حديثَيه السالفَين بحديثٍ ثالثٍ بجعلِه مِقياساً للتمييز بين الإيمان الثابت من المستودع، فيقول: ( إنّ الحسرة والندامة والويل كلّه لِمَن لم ينتفع بما أبصره، ولم يدرِ ما الأمر الذي هو عليه مقيم، أنفْعٌ له أم ضرّ )، قلت ( الراوي ): فَبِم يُعرَف الناجي مِن هؤلاء جُعِلت فداك ؟
_____________________
قال: ( مَن كان فعله لقوله موافقاً، فأثبتُ له الشهادةَ بالنجاة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقاً، فإنما ذلك مستودع»
٣ - الكَسْبي: وهو الايمان الفطري الطفيف الذي نمّاه صاحبه واستزاد رصيده حتى تكامل وسمى الى مستوى رفيع، وله درجات ومراتب.
وإليك بعض الوصايا والنصائح الباعثة على صيانة الجُزء الفطريّ مِن الإيمان، وتوفير الكسبي منه:
١ - مصاحبة المؤمنين الأخيار، ومجانبة الشقاة والعصاة، فإنّ الصاحب متأثّر بصاحبه ومُكتسِب مِن سلوكه وأخلاقه، كما قال الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
: ( المرء على دين خلِيله، فلينظر أحدُكم مَن يُخالِل ).
٢ - ترك النظر والاستماع إلى كتب الضلال، وأقوال المضلّين، المولَعين بتسميم أفكار الناس وحَرْفِهم عن العقيدة والشريعة الإسلاميّتين، وإفساد قِيم الإيمان ومفاهيمه في نفوسهم.
٣ - ممارسة النظر والتفكّر في مخلوقات اللّه عزّ وجل، وما اتّصفت به مِن جميلِ الصنع، ودقّة النظام، وحكمة التدبير، الباهرة المدهشة:( وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ )
٤ - ومن موجبات الإيمان وتوفير رصيده، جهاد النفس، وترويضها على طاعة اللّه تعالي، وتجنّب معاصيه، لتعمر النفس بمفاهيم الإيمان، وتُشرِق بنوره الوضّاء، فهي كالماء الزلال، لا يزال شفافاً رِقراقاً، ما لم تُكدّره
_____________________
الشوائب فيغدو آنذاك آسِناً قاتِماً لا صفاءَ فيه ولا جمال. ولولا صدَأ الذنوب، وأوضار الآثام التي تنتاب القُلوب والنفوس، فتجهّم جمالها وتخبّئ أنوارها، لاستنار الأكثرون بالإيمان، وتألّقت نفوسُهم بشُعاعِه الوهّاج:( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إذا أذنَب الرجل خرَج في قلبه نُكته سَوداء، فإنْ تاب انمحت، وإنْ زاد زادت، حتّى تغلّب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً )
_____________________
الصبر
وهو: احتمال المكاره مِن غير جزَع، أو بتعريفٍ آخر هو: قَسر النفس على مقتضيات الشرع والعقل أوامِراً ونَواهياً، وهو دليل رَجاحة العقل، وسِعة الأفق، وسموّ اخلق، وعظمة البطولة والجَلَد، كما هو معراج طاعة اللّه تعالى ورضوانه، وسبَب الظفَر والنجاح، والدرع الواقي من شماتة الأعداء والحسّاد.
وناهيك في شرف الصبر، وجلالة الصابرين، أنّ اللّه عزّ وجل، أشاد بهما، وباركهما في نَيف وسبعين موطناً من كتابه الكريم:
بشّر الصابرين بالرضا والحبّ، فقال تعالى:( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )
ووعدهم بالتأييد:( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )
.
وأغدق عليهم ألوان العناية واللطف:( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*
____________________
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )
وهكذا تواترت أخبار أهل البيتعليهمالسلام
في تمجيد الصبر والصابرين.
قال الصادقعليهالسلام
:
( الصبرُ مِن الإيمان بمنزلة الرأس مِن الجسَد، فإذا ذهَب الرأس ذهَب الجسَد، وكذلك إذا ذهَب الصبر ذهَب الإيمان )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( الجنّة محفوفةٌ بالمكاره والصبر، فمَن صبَر على المكاره في الدنيا دخل الجنّة، وجهنّم محفوفةٌ باللذات والشهَوات، فمَن أعطى نفسه لذّتها وشهَوتها دخل النار )
وقالعليهالسلام
: ( لمّا حضَرت أبي الوفاة ضمّني إلى صدره، وقال: يا بُني، إصبر على الحقّ وإنْ كان مرّاً، تُوفّ أجرك بغير حساب )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن ابتُليَ مِن المؤمنين ببلاءٍ فصبَر عليه، كان له أجرُ ألف شهيد )
_____________________
ورُبَّ قائلٍ يقول: كيف يُعطى الصابر أجرَ ألف شهيد، والشهداء هُم أبطال الصبر على الجهاد والفداء ؟
فالمراد: أنّ الصابر يستحقّ أجر أُولئك الشهداء، وإنْ كانت مكافأتهم وثوابهم على اللّه تعالى أضعافاً مضاعفة عنه.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( من لم يُنجه الصبر، أهلكه الجزع )
أقسام الصبر
ينقسم الصبر باعتبار ظروفه ومقتضياته أقساماً أهمّها:
(١) الصبر على المكاره والنوائب:
وهو أعظم أقسامه، وأجلّ مصاديقه الدالّة على سموّ النفس، وتفتح الوعي، ورباطة الجأش، ومضاء العزيمة.
فالإنسان عرضةً للمآسي والارزاء، تنتابه قسراً واعتباطاً، وهو لا يملك إزائها حولاً ولا قوّة، وخير ما يفعله المُمتَحَن هو التذرّع بالصبر، فإنّه بلسم القلوب الجريحة، وعزاء النفوس المعذّبة.
ولولاه لانهار الإنسان، وغدا صريع الأحزان والآلام، من أجلّ ذلك حرّضت الآيات والأخبار على التحلّي بالصبر والاعتصام به:
قال تعالى:( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا
_____________________
لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( إنْ صبَرت جرى عليك القدَر وأنت مأجور، وإنْ جزعت جرى عليك القَدرُ، وأنت مأزور )
وممّا يجدر ذكره أنّ الصبر الجميل المحمود، هو الصبر على النوائب التي لا يستطيع الإنسان دفعها والتخلّص منها، كفقد عزيز، أو اغتصاب مال، أو اضطهاد عدوّ.
أمّا الاستسلام للنوائب، والصبر عليها مع القدرة على درئها وملافاتها فذلك حُمقٌ يستنكره الإسلام، كالصبر على المرَض وهو قادر على علاجه، وعلى الفقر وهو يستطيع اكتساب الرزق، وعلى هضم الحقوق وهو قادرٌ على استردادها وصيانتها.
ومِن الواضح أنّ ما يجرّد المرء مِن فضيلة الصبر، ويخرجه عن التجلّد، هو الجزَع المُفرِط المؤدّي إلى شقّ الجيوب، ولطم الخدود، والإسراف في الشكوى والتذمّر.
أمّا الآلام النفسيّة، والتنفيس عنها بالبكاء، أو الشكاية مِن متاعب المرض وعنائه فإنّها مِن ضرورات العواطف الحيّة، والمشاعر النبيلة، كما قالصلىاللهعليهوآله
عند وفاة ابنه ابراهيم: ( تدمع العين، ويَحزَن القلب، ولا نقول ما يُسخِط الربّ ).
_____________________
وقد حكت لنا الآثار طرَفاً رائعاً ممتعاً من قصص الصابرين على النوائب، ممّا يبعث على الإعجاب والإكبار، وحُسن التأسّي بأُولئك الأفذاذ.
حُكي أنّ كسرى سخَط على ( بزرجمهر ): فحبَسه في بيتٍ مظلم، وأمَر أنْ يُصفّد بالحديد، فبقيّ أيّاماً على تلك الحال، فأرسل إليه مَن يسأله عن حاله، فإذا هو منشرح الصدر، مطمئنّ النفس، فقالوا له: أنت في هذه الحالة مِن الضيق ونراك ناعم البال. فقال: اصطنعت ستّة أخلاط وعجنتها واستعملتها، فهي التي ابقتني على ما ترون.
قالوا: صِف لنا هذه لعلّنا ننتفع بها عند البلوى، فقال: نعم.
أمّا الخَلط الأوّل: فالثقة باللّه عزّ وجل.
وأمّا الثاني: فكلّ مقدرٍّ كائن.
وأمّا الثالث: فالصبرُ خير ما استعمله الممتَحن.
وأمّا الرابع: فإذا لم أصبر فماذا أصنع، ولا أعين على نفسي بالجزَع.
وأمّا الخامس: فقد يكون أشدّ ممّ أنا فيه.
وأمّا السادس، فمِن ساعة إلى ساعة فرج.
فبلغ ماقاله كسرى فأطلقه وأعزّه
وعن الرضا عن أبيه عن أبيهعليهمالسلام
قال: ( إنّ سليمان بن داود قال ذات يوم لأصحابه: إنّ اللّه تبارك وتعالى قد وهَب لي مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ مِن بعدي: سخّر لي الريح، والإنس، والجنّ، والطير، والوحش، وعلّمني منطق الطير، وآتاني مِن كلّ شيء، ومع جميع ما أوتيتُ
_____________________
مِن الملك ما تمّ لي سرورٌ يوم إلى الليل، وقد أحبَبت أنْ أدخل قصري في غد، فأصعَد أعلاه، وأنظر إلى ممالِكي، فلا تأذنوا لأحدٍ عليّ لئلاّ يردّ عليّ ما ينغّص عليّ يومي. قالوا: فلمّا كان من الغد أخذ عصاه بيده، وصعد إلى أعلى موضع قصره، ووقَف متّكئاً على عصاه ينظر إلى ممالكه مسروراً بما أُوتي، فرِحاً بما أعطي، اذ نظر إلى شابٍّ حسن الوجه واللباس قد خرَج عليه مِن بعض زوايا قصره، فلمّا بصر به سليمانعليهالسلام
، قال له: من أدخَلك إلي هذا القصر، وقد أردت أنْ أخلو فيه اليوم، فبإذن مَن دخلت ؟
فقال الشاب: أدخلني هذا القصر ربّه، وبإذنه دخلت.
فقال: ربّه أحقّ به منّي، فمَن أنت ؟
قال: أنا ملَك الموت، قال: وفيما جئت ؟
قال: جئت لأقبض روحك.
قال: إمض لِما أُمِرت به، فهذا يومُ سروري، وأبى اللّه أنْ يكون لي سرور دون لقائه. فقبض ملك الموت روحه وهو متّكئ على عصاه...)
.
_____________________
(٢) الصبر على طاعة اللّه والتصبّر عن عصيانه:
مِن الواضح أنّ النفوس مجبولةٌ على الجُموح والشرود مِن النُّظُم الإلزاميّة والضوابط المحدّدة لحُريّتها، وانطلاقها في مسارح الأهواء والشهَوات، وإنْ كانت باعثةً على إصلاحها وإسعادها.
فهي لا تنصاع لتلك النظُم، والضوابط، إلاّ بالإغراء، والتشويق، أو الإنذار والترهيب. وحيث كانت ممارسة طاعة اللّه عزّ وجل، ومجافاة عصيانه، شاقّين على النفس، كان الصبر على الطاعة والتصبّر عن المعصية من أعظم الواجبات، وأجلّ القُرُبات.
وجاءت الآيات الكريمة وأحاديث أهل البيتعليهمالسلام
مشوّقة إلى الأُولى ومحذّرة مِن الثانية بأساليبها الحكيمة البليغة:
قال الصادقعليهالسلام
: ( اصبروا على طاعة اللّه، وتصبّروا عن معصيته، فإنّما الدنيا ساعة، فما مضى فلستَ تجِد له سروراً ولاحزناً، وما لم يأتِ فلست تعرفه، فاصبر على تلك الساعة، فكأنّك قد اغتبطت )
وقالعليهالسلام
: ( إذا كان يوم القيامة، يقوم عُنقٌ مِن الناس، فيأتون باب الجنّة فيضربونه، فيُقال لهم: مَن أنتم ؟ فيقولون: نحن أهل
_____________________
الصبر. فيُقال لهم: على ما صبرتم ؟ فيقولون: كنّا نصبر على طاعة اللّه، ونصبر عن معاصي اللّه، فيقول اللّه تعالى: صدَقوا أدخلوهم الجنّة، وهو قوله تعالى:( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )
( الزمر: ١٠ )
وقالعليهالسلام
:
( الصبر صبران: فالصبر عند المصيبة، حَسَنٌ جميل، وأفضل مِن ذلك الصبر عمّا حرّم اللّه عزّ وجل، ليكون لك حاجزاً )
(٣) الصبر على النِّعَم:
وهو: ضبط النفس عن مسوّلات البطَر والطُّغيان، وذلك من سِمات عظمة النفس، ورجاحة العقل، وبُعد النظر.
فليس الصبر على مآسي الحياة وأرزائها بأَولى مِن الصبر على مسرّاتها وأشواقها، ومفاتنها، كالجاه العريض، والثراء الضخم، والسلطة النافذة، ونحو ذلك. حيث إنّ إغفال الصبر في الضرّاء يفضي إلى الجزع المدمّر، كما يؤدّي إهماله في السرّاء إلى البطَر والطغيان:( إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى )
( العلق: ٦ - ٧ ) وكلاهما ذميمٌ مقيت.
والمراد بالصبر على النِّعَم هو: رعاية حقوقها، واستغلالها في مجالات
_____________________
العطف والإحسان المادّية، أو المعنويّة: كرعاية البؤساء، وإغاثة المُضطهدين، والاهتمام بحوائج المؤمنين، والتوقّي مِن مزالق البطَر والتجبّر.
وللصبر أنواعٌ عديدةٌ أٌخرى:
فالصبر في الحرب: شجاعة، وضدّه الجُبْن.
والصبر عن الانتقام: حِلم، وضدّه الغضب.
والصبر عن زخارف الحياة: زُهد، وضدّه الحِرص.
والصبر على كتمان الأسرار: كتمان، وضدّه الإذاعة والنشر.
والصبر على شهوَتَيّ البطن والفرج: عفّة، وضدّه الشرَه.
فاتّضح بهذا أنّ الصبر نظام الفضائل، وقُطبها الثابت، وأساسها المكين.
محاسن الصبر:
نستنتج من العرض السالف أنّ الصبرَ عِماد الفضائل، وقُطب المكارم، ورأس المفاخر.
فهو عصمة الواجد الحزين، يخفّف وَجده، ويلطّف عناءه، ويمدّه بالسكينة والاطمئنان.
وهو ظمانٌ من الجزَع المدمّر، والهلَع الفاضح، ولولاه لانهار المصاب، وغدا فريسة العلل والأمراض، وعرضة لشماتة الأعداء والحسّاد.
وهو بعد هذا وذاك الأمل المرجّى فيما أعدّ اللّه للصابرين، من عظيم المكافآت، وجزيل الأجر والثواب.
كيف تكسب الصبر:
وإليك بعض النصائح الباعثة على كسب الصبر والتحلّي به:
١ - التأمّل في مآثر الصبر، وما يفيء على الصابرين من جميل الخصائص، وجليل العوائد والمنافع في الحياة الدنيا، وجزيل المثوبة والأجر في الآخرة.
٢ - التفكّر في مساوئ الجزَع، وسوء آثاره في حياة الإنسان، وأنّه لا يشفي غليلاً، ولا يردُّ قضاءً، ولا يُبدّل واقعاً، ولاينتج إلاّ بالشقاء والعناء. يقول ( دليل كارنيجي ): ( لقد قرأتُ خلال الأعوام الثمانية الماضية كلّ كتاب، وكلّ مجلّة، وكلّ مقالة عالجت موضوع القلَق، فهل تريد أنْ تعرف أحكَم نصيحة، وأجداها خرجْتُ بها مِن قراءتي الطويلة ؟ إنّها: ( إرض بما ليس منه بدّ ).
٣ - تفهم واقع الحياة، وأنّها مطبوعة على المتاعب والهموم:
طبعت على كدر وأنت تريدها
|
|
صفواً مِن الأقذار والأكدار
|
فليست الحياة دار هناء وارتياح، وإنّما هي: دار اختبار وامتحان للمؤمن، فكما يُرهق طلاّب العلم بالامتحانات إستجلاء لرصيدهم العلمي، كذلك يُمتحن المؤمن إختباراً لأَبعاد إيمانه ومبلغ يقينه.
قال تعالى:( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
الكاذبين )
( العنكبوت: ٢ - ٣ ).
٤ - الاعتبار والتأسّي بما عاناه العظماء، والأولياء، من صنوف المآسي والأرزاء، وتجلّدهم فيها وصبرهم عليها، في ذات اللّه، وذلك من محفّزات الجلَد والصمود.
٥ - التسلية والترفيه بما يُخفّف آلام النفس، ويُنَهنِه عن الوجد: كتغير المناخ، وإرتياد المناظر الجميلة، والتسلّي بالقصَص الممتعة، والأحاديث الشهيّة النافعة.
الشُّكر
وهو عرفان النعمة من المنعم، وحمده عليها، واستعمالها في مرضاته. وهو من خلال الكمال، وسِمات الطِّيبَة والنُبل، وموجبات ازدياد النِّعَم واستدامتها.
والشكرُ واجبٌ مقدّسٌ للمنعم المخلوق، فكيف بالمنعم الخالق، الذي لا تُحصى نَعماؤه ولا تُعدّ آلاؤه.
والشكر لا يجدي المولى عزّ وجل، لاستغنائه المطلق عن الخلق، وإنّما يعود عليهم بالنفع، لإعرابه عن تقديرهم للنِّعَم الإلهيّة، واستعمالها في طاعته ورضاه، وفي ذلك سعادتهم وازدهار حياتهم.
لذلك دعَت الشريعة إلى التخلّق بالشكر والتحلّي به كتاباً وسنّة:
قال تعالى:( وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ )
(البقرة: ١٥٢).
وقال عزّ وجل:( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ )
(سبأ: ١٥).
وقال تعالى:( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )
( إبراهيم: ٧ ).
وقال تعالى:( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )
( سبأ: ١٣).
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:
( الطاعم الشاكر له مِن الأجر، كأجر الصائم المُحتَسِب، والمُعافى الشاكر له مِن الأجر كأجر المبتلى الصابر، والمُعطى الشاكر له مِن الأجر كأجر المحروم القانع )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن أعطى الشكر أُعطِيَ الزيادة، يقول اللّه عزّ وجل:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ )
) ( إبراهيم: ٧ )
وقالعليهالسلام
: ( شكرُ كلّ نِعمة، وإنْ عظُمَت، أنْ تحمِد اللّه عزَّ وجلّ عليها )
وقالعليهالسلام
: ( ما أنعَم اللّه على عبدٍ بنعمةٍ بالغةً ما بلَغت فحَمدُ اللّه عليها، إلاّ كان حمَدُ اللّه أفضل مِن تِلك النعمة وأوزَن )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( تقول ثلاث مرّات: إذا نظرت إلى المُبتَلَى مِِن غير أنْ تُسمِعه: الحمدُ للّه الذي عافاني ممّا ابتلاك به، ولو شاء فعل. قال: مَن قال ذلك لم يصبه ذلك البلاء أبداً )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ الرجل منكم ليشرب الشربة مِن الماء، فيوجب اللّه له بها الجنّة، ثمّ قال: إنّه ليأخذ الإناء، فيضعه على فيه، فيسمّي ثُمّ يشرب، فينحّيه وهو يشتهيه، فيحمد اللّه، ثُمّ يعود، ثُمّ ينحّيه فيحمد اللّه، ثُمّ يعود فيشرب، ثُمّ يُنحّيه فيحمد اللّه
_____________________
فيُوجب اللّه عزّ وجل له بها الجنّة )
أقسام الشكر:
ينقسم الشكر إلى ثلاثة أقسام: شكر القلب. وشكر اللسان. وشكر الجوارح. ذلك أنّه متى امتلأت نفس الإنسان وعياً وإدراكاً بعِظَمِ نِعم اللّه تعالى، وجزيل آلائه عليه، فاضت على اللسان بالحمدِ والشكر للمنعم الوهّاب.
ومتى تجاوبت النفس واللسان في مشاعر الغبطة والشكر، سرى إيحاؤها إلى الجوارح، فغدت تُعرب عن شكرها للمولى عزّ وجل بانقيادها واستجابتها لطاعته.
من أجل ذلك اختلفت صوَر الشكر، وتنوّعت أساليبه:
أ - فشُكر القلب: هو تصوّر النعمة، وأنّها مِن اللّه تعالى.
ب - وشُكر اللسان: حمد المنعم والثناء عليه.
ج - وشُكر الجوارح: إعمالها في طاعة اللّه، والتحرّج بها عن معاصيه: كاستعمال العين في مجالات التبصّر والاعتبار، وغضّها عن المحارم، واستعمال اللسان في حسن المقال، وتعفّفه عن الفحش، والبذاء، واستعمال اليد في المآرب المباحة، وكفّها عن الأذى والشرور.
وهكذا يجدر الشكر على كلّ نعمة مِن نِعَم اللّه تعالى، بما يلائمها
_____________________
من صور الشكر ومظاهره:
فشُكر المال: إنفاقه في سُبُل طاعة اللّه ومرضاته.
وشُكر العِلم: نشره وإذاعة مفاهيمه النافعة.
وشُكر الجاه: مناصرة الضُّعَفاء والمضطهدين، وإنقاذهم من ظلاماتهم. ومهما بالغ المرء في الشكر، فإنّه لن يستطيع أنْ يوفّي النعم شُكرها الحق، إذ الشكر نفسه مِن مظاهر نعم اللّه وتوفيقه، لذلك يعجز الإنسان عن أداء واقع شكرها: كما قال الصادقعليهالسلام
: ( أوحى اللّه عزّ وجل إلى موسىعليهالسلام
: يا موسى، اشكرني حقَّ شُكري. فقال: يا رب، وكيف أشكرك حقّ شكرك، وليس مِن شكرٍ أشكرك به، إلاّ وأنتَ أنعمت به عليّ. قال: يا موسى، الآن شكَرتَني حين علِمت أنّ ذلك منّي )
فضيلة الشكر:
من خصائص النفوس الكريمة تقدير النعَم والألطاف، وشكر مسديها، وكلّما تعاظمت النِعم، كانت أحقّ بالتقدير، وأجدَر بالشكر الجزيل، حتّى تَتَسامى إلى النعم الإلهيّة، التي يقصُر الإنسان عن تقييمها وشكرها.
فكلّ نظرةٍ يسرحها الطرف، أو كلمةٍ ينطق بها الفم، أو عضوٍ تحرّكه الإرادة، أو نَفَسٍ يردّده المرء، كلّها مِنَحٌ ربّانيّة عظيمة،
_____________________
لا يثمنّها إلاّ العاطلون منها.
ولئن وجَب الشكر للمخلوق فكيف بالمُنعِم الخالق، الذي لا تُحصى نعماؤه ولا تقدّر آلاؤه.
والشكر بعد هذا مِن موجبات الزلفى والرضا من المولى عزّ وجل، ومضاعفة نِعَمه وآلائه على الشكور.
أمّا كفران النعم، فإنّه مِن سِمات النفوس اللئيمة الوضيعة، ودلائل الجهل بقيم النعم وأقدارها، وضرورة شكرها.
أنظر كيف يخبر القران الكريم: أنّ كُفران النعَم هو سبب دمار الأُمم ومحق خيراتها:( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )
( النحل: ١١٢ ).
وسئل الصادقعليهالسلام
: عن قول اللّه عزّ وجل:( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ )
( سبأ: ١٩ ).
فقال: ( هؤلاء قومٌ كانت لهم قُرى متّصلة، ينظر بعضهم إلى بعض، وأنهارٌ جارية، وأموالٌ ظاهرة، فكفروا نِعَم اللّه عزّ وجل، وغيّروا ما بأُنفسهم مِن عافيةِ اللّه، فغيّر اللّه ما بِهم مِن نعمةٍ، وإنّ اللّه لا يُغيّر ما بقومٍ، حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم، فأرسل اللّه عليهم سيل العَرمِ ففرّق قُراهم، وخرّب ديارهم، وذهَب بأموالهم، وأبدَلهم مكان جنّاتهم جنّتين ذواتَي أُكل خمط وأثل وشيءٍ من سِدرٍ قليل، ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلاّ الكفور )
_____________________
وقال الصادقعليهالسلام
في حديث له:
( إن قوماً أفرغت عليهم النعمة، وهُم ( أهل الثرثار )، فعمدوا إلى مُخ الحنطة فجعلوه خُبز هجاء فجعلوا ينجون به صبيانهم، حتّى اجتمع مِن ذلك جبَل، فمرّ رجلٌ على امرأة وهي تفعل ذلك بصبيٍّ لها، فقال: ويحكم، اتّقوا اللّه لا تُغيّروا ما بكم مِن نعمة، فقالت: كأنّك تخوّفنا بالجوع، أما مادام ثرثارنا يجري فإنّا لا نخاف الجوع.
قال: فأسف اللّه عزّ وجل، وضعف لهم الثرثار، وحبس عنهم قطر السماء ونبت الأرض، قال فاحتاجوا إلى ما في أيديهم فأكلوه، ثُمّ احتاجوا إلى ذلك الجبَل فإنّه كان ليقسم بينهم بالميزان )
وعن الرضا عن آبائهعليهمالسلام
قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( أسرَعُ الذنوب عقوبة كُفران النِّعَم )
كيف نتحلّى بالشكر:
إليك بعض النصائح لاكتساب فضيلة الشكر والتحلّي به:
١ - التفكّر فيما أغدقه اللّه على عباده من صنوف النِّعَم، وألوان الرعاية واللطف.
٢ - ترك التطلّع إلى المُترفين والمُنعّمين في وسائل العيش، وزخارف
_____________________
الحياة، والنظَر إلى البؤساء والمعوزين، ومَن هو دون الناظر في مستوى الحياة والمعاش، كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( وأكثر أنْ تنظر إلى مَن فُضِّلْتَ عليه في الرِّزق، فإنّ ذلك مِن أبواب الشُكر )
٣ - تذكّر الإنسان الأمراض، والشدائد التي أنجاه اللّه منها بلُطفه، فأبدله بالسقم صحّة، وبالشدّة رخاءً وأمناً.
٤ - التأمّل في محاسن الشُكر، وجميل آثاره في استجلاب ودّ المنعِم، وازدياد نِعَمه، وآلائه، وفي مساوئ كُفران النِّعم واقتضائه مقت المُنعِم وزوال نِعَمه.
_____________________
التوكّل
هو: الاعتماد على اللّه تعالى في جميع الأمور، وتفويضها إليه، والإعراض عمّا سِواه. وباعثه قوّة القلب واليقين، وعدمه من ضعفهما أو ضعف القَلب، وتأثّره بالمخاوف والأوهام.
والتوكّل هو: من دلائل الإيمان، وسِمات المؤمنين ومزاياهم الرفيعة، الباعثة على عزّة نفوسهم، وترفعهم عن استعطاف المخلوقين، والتوكّل على الخالِق في كسب المنافع ودَرء المضار.
وقد تواترت الآيات والآثار في مَدحِه والتشويق إليه:
قال تعالى:( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )
( الطلاق: ٣ ).
وقال:( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )
( آل عمران: ١٥٩ ).
وقال:( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )
( التوبة: ٥١ ).
وقال تعالى:( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )
( آل عمران: ١٦٠ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ الغنى والعِزّ يجولان، فإذا ظفَرا بموضعِ التوكّل أوطنا )
_____________________
وقالعليهالسلام
: ( أوحى اللّه إلى داودعليهالسلام
: ما اعتصم بي عبدٌ مِن عبادي دون أحدٍ مِن خلقي، عرفت ذلك من نيّته، ثُمّ تكيده السماوات والأرض ومَن فيهن، إلاّ جعلت له المخرج من بينهنّ.
وما اعتصم عبدٌ مِن عبادي بأحدٍ مِن خلقي، عرَفت ذلك من نيّته، إلاّ قطعت أسباب السماوات مِن يديه، وأسَخت الأرض مِن تحته، ولم أُبال بأيّ وادٍ هلَك )
وقالعليهالسلام
: ( من أعطي ثلاثاً، لم يمنع ثلاثاً:
مَن أُعطي الدعاء أُعطي الإجابة.
ومَن أُعطي الشُكر أُعطي الزيادة.
ومَن أُعطي التوكّل أُعطي الكفاية.
ثُمّ قال: أَتلَوت كتاب اللّه تعالى ؟:( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )
( الطلاق: ٣ ).
وقال:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ )
( إبراهيم: ٧ )، وقال:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )
)( غافر: ٦٠ )
وقال أمير المؤمنين في وصيّتهِ للحسنعليهالسلام
:
( وألجئ نفسك في الأُمور كلّها، إلى إلهك، فإنّك تُلجئها إلى كهفٍ حريز، ومانعٍ عزيز )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال أمير المؤمنينعليهالسلام
:
_____________________
( كان فيما وعَظ به لُقمان ابنه، أنْ قال له: يا بني، ليعتبر مَن قصُر يَقينه وضعُفَت نيّته في طلَب الرزق، أنّ اللّه تبارك وتعالى خلَقه في ثلاثةِ أحوال، ضِمن أمره، وآتاه رِزقه، ولم يكُن له في واحدةٍ منها كسبٌ ولا حيلة، أنّ اللّه تبارك وتعالى سيرزقه في الحال الرابعة:
أمّا أوّل ذلك فإنّه كان في رحِم أُمّه، يرزُقه هناك في قرارٍ مكين، حيثُ لا يؤذيه حرٌّ ولا برْد.
ثُمّ أخرجه من ذلك، وأجرى له رِزقاً مِن لبنِ أُمّه، يكفيه به ويربيه ويُنعِشه، من غير حولٍ به ولا قوّة.
ثُمّ فُطِم من ذلك، فأجرى له رِزقاً من كسبِ أبَوَيه، برأفةٍ ورحمة له من قلوبهما، لا يملكان غير ذلك، حتّى أنّهما يُؤثرانه على أنفسهما، في أحوالٍ كثيرة، حتّى إذا كبُر وعقل، واكتسب لنفسه، ضاق به أمره، وظنّ الظنون بربّه، وجحد الحقوق في ماله، وقتّر على نفسه وعياله، مخافة رزقه، وسوء ظنٍ ويقين بالخلَف من اللّه تبارك وتعالى في العاجل والآجل، فبئس العبد هذا يا بني )
حقيقة التوكّل:
ليس معنى التوكّل إغفال الأسباب والوسائل الباعثة على تحقيق المنافع، ودرء المضار، وأنْ يقف المرء إزاء الأحداث والأزَمَات مكتوف اليدين.
_____________________
سليب الإرادة والعزْم، وإنّما التوكّل هو: الثقة باللّه عزّ وجل، والركون إليه، والتوكّل عليه دون غيره من سائر الخلْق والأسباب، باعتبار أنّه تعالى هو مصدر الخير، ومسبّب الأسباب، وأنّه وحده المُصرّف لأُمور العباد، والقادر على إنجاح غاياتهم ومآربهم.
ولا ينافي ذلك تذرّع الإنسان بالأسباب الطبيعيّة، والوسائل الظاهريّة لتحقيق أهدافه ومصالحه كالتزوّد للسفر، والتسلّح لمقاومة الأعداء، والتداوي من المرض، والتحرّز من الأخطار والمضار، فهذه كلّها أسباب ضروريّة لحماية الإنسان، وإنجاز مقاصده، وقد أبى اللّه عزَّ وجل أنْ تجري الأُمور إلاّ بأسبابها.
بيد أنّه يجب أنْ تكون الثقة به تعالى، والتوكّل عليه، في إنجاح الغايات والمآرب، دون الأسباب، وآيةُ ذلك أنّ أعرابيّاً أهمل عَقل بعيره متوكّلاً على اللّه في حفظه، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله
، له: ( إعقل وتوكّل ).
درجات التوكّل:
يتفاوت الناس في مدارج التوكّل تفاوتاً كبيراً، كتفاوتهم في درجات إيمانهم: فمنهم السبّاقون والمجلّون في مجالات التوكّل، المنقطعون إلى اللّه تعالى، والمُعرِضون عمّن سِواه، وهُم الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام
، ومَن دار في فلَكهم من الأولياء.
ومِن أروع صور التوكّل وأسماه، ما رُوي عن إبراهيمعليهالسلام
:
( أنّه لمّا أُلقِي في النار، تلقّاه جبرئيل في الهواء، فقال: هل لك من حاجة ؟ فقال: أمّا إليك فلا، حسبي اللّه ونعم الوكيل. فاستقبله ميكائيل فقال: إن أردتَ أن أخمد النار فانّ خزائن الأمطار والمياه بيدي، فقال: لا أريد. وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت النار. فقال: لا أريد، فقال جبرئيل: فاسأل اللّه. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي )
ومن الناس من هو عديم التوكل، عاطل منه، لضعف إحساسه الروحي، وهزال إيمانه. ومنهم بين هذا وذاك على تفاوت في مراقي التوكّل.
محاسن التوكّل:
الإنسان في هذه الحياة، عرضةٌ للنوائب، وهدفٌ للمشاكل والأزَمات، لا ينفكّ عن جلادها ومقارعتها، ينتصر عليها تارةً وتصرعه أُخرى، وكثيراً ما تُرديه لقاً، مهيض الجناح، كسير القلب.
فهو منها في قلقٍ مضني، وفزَعٍ رهيب، يخشى الإخفاق، ويخاف الفقر، ويرهَب المرض، ويُعاني ألوان المخاوف المهدِّدة لأمنه ورخائه.
ولئن استطاعت الحضارة الحديثة أنْ تُخفّف أعباء الحياة، بتيسيراتها الحضاريّة، وتوفير وسائل التسلية والترفيه، فقد عجَزت عن تزويد النفوس
_____________________
بالطمأنينة والاستقرار، وإشعارها بالسكينة والسلام الروحيّين، فلا يزال القلَق والخوف مخيّماً على النفوس، آخذاً بخناقها، ممّا ضاعف الأمراض النفسيّة، وأحداث الجنون والانتحار في أرقى الممالك المتحضّرة.
ولكن الشريعة الإسلاميّة استطاعت بمبادئها السامية، ودستورها الخُلُقي الرفيع - أنْ تخفّف قلَق النفوس ومخاوفها، وتمدّها بطاقات روحيّة ضخمة، من الجلد والثبات، والثقة والاطمئنان، بالتوكّل على اللّه، والاعتماد عليه، والاعتزاز بحسن تدبيره، وجميل صنعه، وجزيل آلائه، وأنّه له الخلق والأمر وهو على كلّ شيء قدير. وبهذا ترتاح النفوس، وتستبدل بالخوف أمناً، وبالقلق دِعَةً ورخاءً.
والتوكّل بعد هذا مِن أهمّ عوامل عزّة النفس، وسموّ الكرامة، وراحة الضمير، وذلك بترفّع المتوكّلين عن الاستعانة بالمخلوق، واللجوء إلى الخالق، في جلب المنافع، ودرء المضار.
ولعلّ أجدر الناس بالتوكّل أرباب الأقدار والمسؤوليّات الكبيرة، كالمصلحين ليستمدّوا منه العزم والتصميم على مجابهة عَنَتِ الناس وإرهاقهم، والمضيّ قُدماً في تحقيق أهدافهم الإصلاحيّة، متخطّين ما يعترضهم مِن أشواكٍ وعوائق.
كيف تكسب التوكّل:
١ - استعراض الآيات والأخبار الناطقة بفضله وجميل أثره في كسب
الطمأنينة والرخاء.
ومِن طريق ما نُظِم في التوكّل قول الحسينعليهالسلام
:
إذا ما عضّك الدهر فلا تجنَح إلى خلقٍ
|
|
ولا تسأل سِوى اللّه تعالى قاسِم الرزق
|
فلو عِشت وطوّفت مِن الغرب إلى الشرق
|
|
لَما صادَفت مَن يقدِر أنْ يُسعد أو يُشقي
|
وممّا نُسِب لأمير المؤمنينعليهالسلام
:
رضيتُ بما قسَم اللّه لي
|
|
وفوّضت أمري إلى خالقي
|
كما أحسن اللّه فيما مضى
|
|
كذلك يُحسن فيما بقي
|
وقال بعض الأعلام:
كن عن همومك معرضاً
|
|
وكلّ الأُمور إلى القضا
|
فلَرُبَّ أمرٍ مُسخطٍ
|
|
لك في عواقبه رضا
|
ولربَّما اتّسع المضيق
|
|
وربَّما ضاق الفضا
|
اللّه عوّدك الجميل
|
|
فقس على ما قد مضى
|
* * *
٢ - تقوية الإيمان باللّه عزّ وجل، والثقة بحُسن صنعه، وحِكمة تدبيره، وجزيل حنانه ولُطفه، وأنّه هو مصدر الخير، ومسبّب الأسباب، وهو على كلّ شيء قدير.
٣ - التنبّه إلى جميل صنع اللّه تعالى، وسموّ عنايته بالإنسان، في جميع أطواره وشؤونه، مِن لدن كان جنيناً حتّى آخر الحياة، وأنّ مَن توكّل عليه كفاه، ومن استنجده أنجده وأغاثه.
٤ - الاعتبار بتطوّر ظروف الحياة، وتداول الأيّام بين الناس،
فكم فقير صار غنيّاً، وغنيّ صار فقيراً، وأمير غدا صعلوكاً، وصعلوك غدا أميراً متسلّطاً.
وهكذا يجدر التنبّه إلى عظَمة القدرة الإلهية في أرزاق عبيده، ودفع الأسواء عنهم، ونحو ذلك من صوَر العِبَر والعِظات الدالّة على قدرة اللّه عزّ وجل، وأنّه وحده هو الجدير بالثقة، والتوكّل والاعتماد، دون سِواه.
وآية حصول التوكّل للمرء هي: الرضا بقضاء اللّه تعالى وقَدره في المسرّات والمكاره، دون تضجّرٍ واعتراض، وتلك منزلةٌ سامية لا ينالها إلاّ الأفذاذ المقرّبون.
الخوف من اللّه تعالى
وهو: تألّم النفس خَشيةٍ مِن عِقاب اللّه، مِن جرّاء عِصيانه ومخالفته. وهو مِن خصائص الأولياء، وسمات المتّقين، والباعث المحفّز على الاستقامة والصلاح، والوازع القويّ عن الشرور والآثام.
لذلك أولته الشريعة عنايةً فائقة، وأثنت على ذويه ثناءً عاطراً مشرّفاً:
قال تعالى:( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )
( فاطر: ٢٨ ).
وقال:( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ )
( الملك: ١٢ ).
وقال:( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى )
( النازعات: ٤٠ - ٤١ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( خَفِ اللّه كأنّك تراه، وإنْ كنت لا تراه فإنّه يراك، وإنْ كنت ترى أنّه لا يراك فقد كفرت، وإنْ كنت تعلم إنّه يراك ثُمّ برزت له بالمعصية، فقد جعلته مِن أهوَن الناظرين إليك )
وقالعليهالسلام
: ( المؤمن بين مخافَتين: ذنبٌ قد مضى لا يدري ما صنَع اللّه فيه، وعمرٌ قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه مِن المهالك،
_____________________
فهو لا يصبح إلاّ خائفاً، ولا يصلحه إلاّ الخوف )
وقالعليهالسلام
: ( لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتّى يكون عاملاً لِما يخاف ويرجو )
.
وفي مناهي النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ):
( من عرضت له فاحشة، أو شهوة فاجتنبها مِن مخافة اللّه عزّ وجل، حرّم اللّه عليه النار، وآمنه من الفزَع الأكبَر، وأنجز له ما وعده في كتابه، في قوله عزّ وجل:( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ )
)( الرحمن: ٤٦ )
وقال بعض الحكماء: مسكينٌ ابن آدم، لو خاف مِن النار كما يَخاف من الفقر لنجا منهما جميعاً، ولو رغب في الجنّة كما رغِب في الدنيا لفاز بهما جميعاً، ولو خاف اللّه في الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين جميعاً.
ودخل حكيمٌ على المهدي العبّاسي فقال له: عِظني. فقال: أليس هذا المجلس قد جلَس فيه أبوك وعمّك قبلك ؟ قال: نعم. قال: فكانت لهم أعمال ترجو لهم النجاة بها ؟ قال: نعم. قال: فكانت لهم أعمال تخاف عليهم الهلَكة منها ؟ قال: نعم. قال: فانظر ما رجَوت لهم فيه فآتِه، وما خِفت عليهم منه فاجتنبه.
_____________________
الخوف بين المدّ والجزر:
لقد صوّرت الآيات الكريمة، والأخبار الشريفة، أهمّيّة الخوف، وأثره في تقويم الإنسان وتوجيهه وجهة الخير والصلاح، وتأهيله لشرف رضا اللّه تعالى وإنعامه.
بيد أنّ الخوف كسائر السجايا الكريمة، لا تستحقّ الإكبار والثناء، إلاّ إذا اتّسمت بالقصد والاعتدال، الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.
فالإفراط في الخوف يجدب النفس، ويدعها يباباً مِن نضارة الرجاء، ورونَقه البهيج، ويدَع الخائف آيساً آبقاً موغلاً في الغواية والضلال، ومُرهِقاً نفسه في الطاعة والعبادة حتّى يشقيها وينهكها.
والتفريط فيه باعثٌ على الإهمال والتقصير، والتمرّد على طاعة اللّه تعالى واتّباع دستوره.
وبتعادل الخوف والرجاء تنتعش النفس، ويسمو الضمير، وتتفجّر الطاقات الروحيّة، للعمل الهادف البنّاء.
كما قال الصادقعليهالسلام
: ( أرجُ اللّه رجاءً لا يجرئك على معاصيه، وخَف اللّه خوفاً لا يؤيّسك مِن رحمته )
محاسن الخوف:
قِيَم السجايا الكريمة بقدر ما تحقّق في ذويها مِن مفاهيم الإنسانيّة الفاضلة،
_____________________
وقِيم الخير والصلاح، وتؤهّلهم للسعادة والرخاء. وبهذا التقييم يحتلّ الخوف مركز الصدارة بين السجايا الأخلاقيّة الكريمة، وكانت له أهميّة كُبرى في عالم العقيدة والإيمان، فهو الذي يلهب النفوس، ويحفّزها على طاعة اللّه عزَّ وجل، ويفطمها من عصيانه، ومِن ثُمّ يسمو بها إلى منازل المتّقين الأبرار.
وكلّما تجاوبت مشاعر الخشية والخوف في النفس، صقلتها وسَمَت بها إلى أوج ملائكي رفيع، يحيل الإنسان ملاكاً في طيبته ومثاليّته، كما صوّره أمير المؤمنينعليهالسلام
وهو يُقارن بين الملَك والإنسان والحيوان، فقال: ( إنّ اللّه عزّ وجل ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوةً بلا عقل، وركّب في بني آدم كليهما.
فمن غلَب عقلهُ شهوتهَ، فهو خير مِن الملائكة، ومَن غلَب شهوته عقلَه فهو شرٌّ مِن البهائم )
مِن أجل ذلك نجد الخائف مِن اللّه تعالى يستسهلّ عناء طاعته، ويستحلي مرارتها، ويستوخم حلاوة المعاصي والآثام، خَشية من سخطه وخوفاً من عقابه.
وبهذا يسعد الإنسان، وتزدهر حياته الماديّة والروحيّة، كما انتظم الكون، واتّسقت عناصره السماويّة والأرضيّة، بخضوعه للّه عزَّ وجل، وسَيره على وفق نُظُمه وقوانينه.
( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
_____________________
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
( النحل: ٩٧ ).
وما هذه المآسي والأرزاء التي تعيشها البشريّة اليوم مِن شيوع الفوضى وانتشار الجرائم، واستبداد الحيرة والقلق، والخوف بالناس إلاّ لإعراضهم عن اللّه تعالى، وتنكّبهم عن دستوره وشريعته.
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )
( الأعراف: ٩٦ ).
كيف نستشعر الخوف:
يجدر بمَن ضعُف فيه شعور الخوف اتّباع النصائح التالية:
١ - تركيز العقيدة، وتقوية الإيمان باللّه تعالى، ومفاهيم المعاد والثواب والعقاب، والجنّة والنار، إذ الخوف مِن ثمرات الإيمان وانعكاساته على النفس:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )
( الأنفال: ٢ ).
٢ - استماع المواعظ البليغة، والحِكَم الناجعة، الموجبة للخوف والرهبة.
٣ - دراسة حالات الخائفين وضراعتهم وتبتّلهم إلى اللّه عزّ وجل، خوفاً من سَطوته، وخَشيةً مِن عقابه.
وإليك أروَع صورة للضراعة والخوف مناجاة الإمام زين العابدينعليهالسلام
في بعض أدعيته:
( ومالي لا أبكي !! ولا أدري إلى ما يكون مصيري، وأرى نفسي تُخادعني، وأيّامي تخاتلني، وقد خفَقَت عند رأسي أجنحة الموت، فمالي لا أبكي، أبكي لخروج نفسي، أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لِحدي، أبكي لسؤال منكرٍ ونكير إيّايَ، أبكي لخروجي مِن قبري عُرياناً ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري، أنظر مرّة عن يميني، وأُخرى عن شمالي، إذ الخلائق في شأنٍ غير شأني:( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ )
( عبس: ٣٧ - ٤١).
طرف مِن قَصص الخائفين:
عن الباقرعليهالسلام
قال: ( خرَجَت امرأةٌ بغيّ على شباب مِن بني إسرائيل فأفتنتهم، فقال بعضهم: لو كان العابد فلان رآها أفتنتْه!، وسمِعت مقالتهم، فقالت: واللّه لا أنصرف إلى منزلي، حتّى أفتنه. فمَضت نحوه بالليل فدقّت عليه، فقالت: آوي عندك ؟ فأبى عليها فقالت: إنّ بعض شباب بني إسرائيل راودوني عن نفسي، فإنْ أدخلتني وإلاّ لحقوني، وفضحوني، فلمّا سمِع مقالتها فتح لها، فلمّا دخلت عليه رمَت بثيابها، فلمّا رأى جمالها وهيئتها وقعت في نفسه، فضرب يده عليها، ثُمّ رجعت إليه نفسه، وقد كان يوقد تحت قدرٍ له، فأقبل حتّى وضَع يده على النار فقالت: أيّ شيء تصنع ؟ فقال: أحرقها لأنّها عملت العمل، فخرجت
حتّى أتَت جماعة بني إسرائيل فقالت: الحقوا فلاناً فقد وضَع يدَه على النار، فأقبلوا فلحقوه وقد احترقت يده )
.
وعن الصادقعليهالسلام
: ( إنّ عابداً كان في بني إسرائيل، فأضافته امرأة مِن بني إسرائيل، فهمَّ بها، فأقبل كلّما همّ بها قرّب إصبعاً مِن أصابعه إلى النار، فلم يزَل ذلك دأبه حتّى أصبح، قال له ا: أخرجي لبئس الضيف كنت لي )
_____________________
الرجاء من اللّه تعالى
وهو: انتظار محبوب تمهّدت أسباب حصوله، كمَن زرَع بذراً في أرضٍ طيّبه، ورعاه بالسقي والمداراة، فرجا منه النتاح والنفع.
فإنْ لم تتمهّد الأسباب، كان الرجاء حمقاً وغروراً، كمَن زرع أرضاً سبخة وأهمل رعايتها، وهو يرجو نتاجها.
والرجاء: هو الجناح الثاني من الخوف، اللذان يطير بهما المؤمن إلى آفاق طاعة اللّه، والفوز بشرف رضاه، وكرَم نعمائه، إذ هو باعث على الطاعة رغبةً كما يبعث الخوف عليها رهبة وفزعاً.
ولئن تَساند الخوف والرجاء على تهذيب المؤمن وتوجيهه، وجهة الخير والصلاح، بيد أنّ الرجاء أعذب مورداً، وأحلى مذاقاً مِن الخوف، لصدوره عن الثقة باللّه، والاطمئنان بسعة رحمته، وكرم عفوه، وجزيل ألطافه.
وبديهيّ أنّ المطيع رغبةً ورجاءً، أفضل منه رهبةً وخوفاً، لذلك كانت تباشير الرجاء وافرة، وبواعثه جمّة وآياته مشرّقة، وإليك طرَفاً منها:
١ - النهي عن اليأس والقنوط.
قال تعالى:( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )
( الزمر: ٥٣ ).
وقال تعالى: «ولا تيأسوا من روح اللّه إنّه لا ييأس من روح اللّه، الا القوم الكافرون» (يوسف: ٨٧).
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
لرجلٍ أخرجه الخوف إلى القنوط لكثرة ذنوبه: ( أيا هذا، يأسك مِن رحمةِ اللّه أعظمُ مِن ذنوبك )
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( يبعث اللّه المقنّطين يوم القيامة، مغلبّةً وجوهُهُم، يعني غلَبة السواد على البياض، فيُقال لهم: هؤلاء المقنّطون مِن رحمة اللّه تعالى )
٢ - سعة رحمة اللّه وعظيم عفوه:
قال تعالى:( فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ )
( الأنعام: ١٤٧ ).
وقال تعالى:( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ )
( الرعد: ٦ ).
وقال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )
( النساء: ٤٨ ).
وقال تعالى:( وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
( الأنعام: ٥٤ ).
وجاء في حديث عن النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( لولا أنكّم تذنبون فتستغفرون اللّه تعالى، لأتى اللّه تعالى بخلقٍ يذنبون ويستغفرون، فيغفر لهم،
_____________________
إنّ المؤمن مفتن توّاب، أما سمِعت قول اللّه تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ )
)( البقرة: ٢٢٢ ) الخبر
توضيح: المُفتَن التوّاب: هو مَن يقترف الذنوب ويُسارع إلى التوبة منها.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إذا كان يوم القيامة، نشَر اللّه تبارك وتعالى رحمته، حتّى يطمَع إبليس في رحمته )
وعن سليمان بن خالد قال: ( قرأت على أبي عبد اللّهعليهالسلام
هذه الآية:( إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ )
( الفرقان: ٧٠ ).
فقال: ( هذه فيكم، إنّه يؤتَى بالمؤمن المذنب يوم القيامة، حتّى يُوقَف بين يديّ اللّه عزَّ وجل، فيكون هو الذي يلي حسابه، فيوقفه على سيّئاته شيئاً فشيئاً، فيقول: عملْْْت كذا في يوم كذا في ساعة كذا، فيقول أعرف يا ربّي، حتّى يوقفه على سيئاته كلّها، كلّ ذلك يقول: أعرف. فيقول سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، أبدلوها لعبدي حسَنَات.
قال: فتُرفَع صحيفته للناس فيقولون: سُبحان اللّه ! أما كانت لهذا العبد سيّئة واحدة، وهو قول اللّه عزَّ وجل:( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ )
)( الفرقان: ٧٠ )
٣ - حسن الظن باللّه الكريم: وهو أقوى دواعي الرجاء.
_____________________
قال الرضاعليهالسلام
: ( أحسِن الظنّ باللّه، فإنّ اللّه تعالى يقول: أنا عند ظنِّ عبدي بي، إنْ خيراً فخيراً، وإنْ شراً فشراً )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( آخر عبدٍ يؤمر به إلى النار، يلتفت، فيقول اللّه عزَّ وجل: أعجلوه
، فإذا أُتِيَ به قال له: يا عبدي، لِمَ التفتّ ؟ فيقول: يا ربِّ، ما كان ظنِّي بك هذا، فيقول اللّه عزَّ وجل: عبدي وما كان ظنُّك بي ؟ فيقول: يا ربِّ، كان ظنِّي بك أنْ تغفر لي خطيئتي وتُسكنَني جنَّتك. فيقول اللّه: ملائكتي، وعزَّتي وجلالي وآلائي وبلائي وارتفاع مكاني، ما ظنَّ بي هذا ساعة من حياته خيراً قط، ولو ظنَّ بي ساعة من حياته خيراً ما روّعته بالنار، أجيزوا له كذِبه وأدخلوه الجنّة ).
ثُمّ قال أبو عبد اللّهعليهالسلام
: ( ما ظنَّ عبدٌ باللّه خيراً، إلاّ كان اللّه عند ظنِّه به، ولا ظنَّ به سوءاً إلاّ كان اللّه عند ظنِّه به، وذلك قوله عزَّ وجل:( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
)( فصّلت: ٢٣ )
٤ - شفاعة النبيّ والأئمّة الطاهرينعليهمالسلام
لشيعتهم ومحبّيهم:
عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنينعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إذا كان يوم القيامة ولّينا حساب شيعتنا، فمَن كانت مظلمته فيما بينه وبين اللّه عزَّ وجل، حكمنا فيها فأجابنا، ومَن كانت
_____________________
مظلمته فيما بينه وبين الناس استوهبناها فوُهِبَت لنا، ومَن كانت مظلمته فيما بينه وبيننا كنّا أحقُّ مَن عفى وصفَح )
وأخرج الثعلبي في تفسيره الكبير بالإسناد إلى جرير بن عبد اللّه البجَلي قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:
( ألا ومَن مات على حبِّ آل محمّدٍ مات شهيداً، ألا ومَن مات على حبِّ آل محمّدٍ مات مغفوراً له، ألا ومَن مات على حبِّ آل محمّدٍ مات تائباً، ألا ومَن مات على حبِّ آل محمّدٍ مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومَن مات على حبِّ آل محمّدٍ بشّره ملَكُ الموت بالجنّة ثُمّ منكرٌ ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمّد يُزَفّ إلى الجنّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومَن مات على حبِّ آل محمّدٍ فُتِح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومَن مات على حبِّ آل محمّدٍ جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حبِّ آل محمّدٍ مات على السنَّة والجماعة.
ألا ومَن مات على بغض آلِ محمّدٍ، جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيسٌ مِن رحمة اللّه....).
وقد أرسله الزمخشري في تفسير آية المودّة مِن كشّافه إرسال المسلّمات، رواه المؤلّفون في المناقب والفضائل مُرسَلاً مرّة ومسنداً تارات
.
وأورد ابن حجَر في صواعقه ص ١٠٣ حديثاً هذا لفظه:
( إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله
خرَج على أصحابه ذات يوم،
_____________________
ووجهه مشرقٌ كدائرة القمر، فسأله عبد الرحمان بن عوف عن ذلك، فقالصلىاللهعليهوآله
: ( بشارةٌ أتتني مِن ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي، بأنّ اللّه زوّج عليّاً من فاطمة، وأمَر رضوان خازن الجِنان فهزّ شجرةَ طوبى، فحملت رقاقاً ( يعني صكاكاً ) بعدد محبّي أهل بيتي، وأنشأ تحتها ملائكةً من نور، دفع إلى كلّ ملَك صكاً، فإذا استوت القيامة بأهلها، نادت الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محبّ لأهل البيت، إلاّ دَفعت إليه صكاً فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمّي وابنتي فكاكَ رقابِ رجالٍ ونساء مِن أُمّتي من النار )
وجاء في الصواعق ص ٩٦ لابن حجَر: ( أنّه قال: لمّا أنزل اللّه تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ )
( البينة: ٧ - ٨).
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
لعليّعليهالسلام
: ( هُم أنتَ وشيعتُك، تأتي أنتَ وشيعتُك يوم القيامة راضين مرضيّين، ويأتي عدوّك غضابى مقمحين )
.
٥ - النوائب والأمراض كفارة لآثام المؤمن:
قال الصادقعليهالسلام
: ( يا مفضّل، إيّاك والذنوب، وحذّرها شيعتنا، فوَاللّه ما هي إلى أحدٍ أسرع منها إليكم، إنّ أحدكم لتصيبه المعرّة من السلطان، وما ذاك إلاّ بذنوبه، وإنّه ليُصيبه السقَم، وما ذاك إلاّ
_____________________
بذنوبه، وإنّه ليحبس عنه الرزق وما هو إلاّ بذنوبه، وإنّه ليُشدّد عليه عند الموت، وما هو إلاّ بذنوبه، حتّى يقول مَن حضَر: لقد غمّ بالموت.
فلمّا رأى ما قد دخَلني، قال: ( أتدري لِمَ ذاك يا مفضّل ؟ ) قال: قلتُ لا أدري جُعلتُ فِداك.
قال: ( ذاك واللّه أنكم لا تؤاخذون بها في الآخرة وعُجلت لكم في الدنيا )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: قال اللّه تعالى: وعزّتي وجلالي، لا أُخرِج عبداً من الدنيا وأنا أُريد أنْ أرحمه، حتّى أستوفي منه كلّ خطيئةٍ عمِلها، إمّا بسَقمٍ في جسَده، وإمّا بضيقٍ في رزقه، وإمّا بخوفٍ في دنياه، فإنْ بقيت عليه بقيّة، شدّدت عليه عند الموت...)
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( ما يزال الغمّ والهمّ بالمؤمن حتّى ما يدَع له ذنباً )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ المؤمن ليُهوَّل عليه في نومِه فيُغفَر له ذنوبه، وإنّه ليُمتَهَنُ في بدنه فيغفر له ذنوبه )
واقع الرجاء
وممّا يجدر ذكره: أنّ الرجاء كما أسلَفنا لا يُجدي ولا يُثمر، إلاّ
_____________________
بعد توفّر الأسباب الباعثة على نجاحه، وتحقيق أهدافه، وإلاّ كان هوَساً وغروراً.
فمن الحُمق أنْ يتنكّب المرء مناهج الطاعة، ويتعسّف طُرق الغواية والضلال، ثُمّ يُمنّي نفسه بالرجاء، فذلك غرورٌ باطل وخِداع مغرِّر.
ألا ترى عظَماء الخلْق وصفوتهم من الأنبياء والأوصياء والأولياء كيف تفانوا في طاعة اللّه عزَّ وجل، وانهمكوا في عبادته، وهُم أقرب الناس إلى كرم اللّه وأرجاهم لرحمته.
إذاً فلا قيمة للرجاء، إلا بعد توفّر وسائل الطاعة، والعمل للّه تعالى، كما قال الإمام الصادقعليهالسلام
: ( لا يكون المؤمنُ مؤمناً، حتّى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً، حتّى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو )
وقيل لهعليهالسلام
: إنّ قوماً مِن مواليك يَلمّون بالمعاصي، ويقولون نرجو. فقال: ( كذِبوا ليسوا لنا بمَوَالِ، أُولئك قومٌ ترجّحت بهم الأماني، مَن رجا شيئاً عمِل له، ومَن خاف شيئاً هربَ منه )
الحكمة في الترجّي والتخويف
يختلف الناس في طباعهم وسلوكهم اختلافاً كبيراً، فمِن الحكمة في إرشادهم وتوجيههم، رعاية ما هو الأجدر بإصلاحهم مِن الترجّي والتخويف
_____________________
فمِنهم مَن يصلحه الرجاء، وهُم:
١ - العُصاة النادمون على ما فرّطوا في الآثام، فحاولوا التوبة إلى اللّه، بيد أنّهم قنَطوا مِن عفو اللّه وغُفرانه، لفداحة جرائمهم، وكثرة سيّئاتهم، فيُعالج والحالةُ هذه قنوطَهم بالرجاء بعظيم لُطف اللّه، وسعة رحمته وغُفرانه.
٢ - وهكذا يُداوى بالرجاء مَن أنهك نفسه بالعبادة وأضرّ بها.
أمّا الذين يصلحهم الخوف:
فهم المرَدَة العُصاة، المنغمسون في الآثام، والمغترّون بالرجاء، فعلاجهم بالتخويف والزجر العنيف، بما يتهدّدهم مِن العقاب الأليم، والعذاب المُهين.
وما أحلى قول الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
الغرور
وهو: انخداع الإنسان بخِدعةٍ شيطانيّة ورأيٍ خاطئ، كمَن ينفق المال المغصوب في وجوه البرِّ والإحسان، معتقداً بنفسه الصلاح، ومؤمّلاً للأجر والثواب، وهو مغرورٌ مخدوع بذلك.
وهكذا ينخدع الكثيرون بالغرور، وتلتبس به أعمالهم، فيعتقدون صحّتها ونُجحها، ولو محصوها قليلاً، لأدركوا ما تتّسم به مِن غرورٍ وبطلان.
لذلك كان الغرور مِن أخطر أشراك الشيطان، وأمضى أسلحته، وأخوَف مكائده.
وللغرورِ صِوَرٌ وألوانٌ مختلفة باختلاف نزَعات المغرورين وبواعث غرورهم، فمنهم المغترّ بزخارف الدنيا ومباهجها الفاتنة، ومنهم المغترّ بالعلم أو الزعامة، أو المال، أو العبادة، ونحو ذلك من صِوَر الغرور وألوانه.
وسأعرض في البحث التالي أهمّ صور الغرور وأبرَز أنواعه، معقّباً على كلّ نوع منها بنصائح علاجيّة، تجلو غبش الغرور وتخفّف مِن حدّته.
( أ ) الاغترار بالدنيا
وأكثر مَن يتّصف بهذا الغرور هُم: ضُعَفاء الإيمان، والمخدوعون بمباهج الدنيا ومفاتنها، فيتناسَون فناءها وزوالها، وما يَعقبها مِن حياة أبديّة خالدة، فيتذرّعون إلى تبرير اغترارهم بالدنيا، وتهالكهم عليها، بزعمَين فاسِدَين، وقياسَين باطِلَين:
الأوّل: أنّ الدنيا نقد، والآخرة نسيئة، والنقد خيرٌ من النسيئة.
الثاني: أنّ لذائذ الأُولى ومتعها يقينيّة، ولذائذ الثانية - عندهم - مشكوكة، والمتيقّن خيرٌ مِن المشكوك.
وقد أخطأوا وضلّوا ضلالاً مبيناً، إذ فاتهم في زعمهم الأوّل، أنّ النقد خيرٌ من النسيئة إنْ تعادلا في ميزان النفع، وإلاّ فإنْ رجُحت النسيئة كانت أفضل وأنفع من النقد، كمَن يُتاجر بمبلغٍ عاجلٍ من المال، ليربح أضعافه في الآجل، أو يحتمي عن شهَوات ولذائذ عاجلة توخّياً للصحّة في الآجل المديد.
هذا إلى الفارق الكبير، والبون الشاسع، بين لذائذ الدنيا والآخرة، فلذائذ الأُولى فانية، منغّصة بالأكدار والهموم، والثانية خالدة هانئة.
وهكذا أخطأوا بزعمهم الثاني في شكّهم وارتيابهم في الحياة الأخرويّة.
فقد أثبتها الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام
والعلماء، وكثيرٌ من الأُمم البدائيّة الأُولى، وأيقنوا بها يقيناً لا يُخالجه الشكّ، فارتياب المغرورين بالآخرة والحالة هذه، هَوَس يستنكره الدين والعقل.
ألا ترى كيف يؤمن المريض بنجع الدواء الذي أجمع عليه الأطباء ؟! وإنْ كذّبهم فصبيّ غِر أو مُغفّلٌ بليد.
وبعد أنْ عرَفت فساد ذَينك الزعمَين وبطلانهما، فاعلم أنّه لم يُصوِّر واقع الدنيا، ويَعرِض خدعها وأمانيها المُغرِّرة كما صوّرها القرآن الكريم، وعرّفها أهل البيتعليهمالسلام
، فإذا هي برْقٌ خلّب وسرابٌ خادِع.
أنظر كيف يُصوّر القرآن واقع الدنيا وغرورها، فيقول تعالى:
(....أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ...)
( الحديد:٢٠ ).
وقال تعالى:( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
( يونس: ٢٤ ).
وقال عزّ وجل:( فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى )
( النازعات: ٣٧ - ٤١ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( ماذئبان ضاريان في غنمٍ قد فارقها
رعاؤها، أحدُهما في أوّلِها، والآخر في آخرها، بأفسَدَ فيها، من حُبِّ الدنيا [المال] والشرف في دين المسلم )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( مَثَلُ الحريص على الدنيا، مثل دودة القز كلّما ازدادت مِن القزِّ على نفسها لفّاً، كان أبعَد لها من الخروج، حتّى تموتَ غمّاً )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن أصبح وأمسى، والدنيا أكبر همّه، جعل اللّه تعالى الفقر بين عينيه، وشتّت أمره، ولم ينَل مِن الدنيا إلاّ ما قُسِم له، ومَن أصبح وأمسى والآخرة أكبرُ همّه، جعل اللّه تعالى الغنى في قلبه، وجمَع له أمره )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( إنّما الدنيا فناءٌ وعَناء وغِيَرٌ وعِبَر: فمِن فنائها: أنّك ترى الدهر موتِراً قوسه، مفوقاً نبله، لا تُخطئ سهامه، ولا يشفى جراحه، يرمي الصحيح بالسقم، والحيَّ بالموت.
ومِن عنائها: أنّ المرء يجمَع ما لا يأكُل، ويبني ما لا يَسكن، ثُمّ يخرج إلى اللّه لا مالاً حمَل ولا بناءً نقَل.
ومن غِيَرِها أنّك ترى المغبوط مرحوماً، والمرحوم مغبوطاً، ليس بينهم إلاّ نعيمٌ زلّ، وبؤسٌ نزَل.
ومن عِبَرها: إنّ المرء يشرف على أمله، فيتخطّفه أجله، فلا أمَل مدروك، ولا مؤمّل متروك )
_____________________
وقال الإمام موسى بن جعفرعليهماالسلام
: ( يا هشام، إنّ العُقلاء زهدوا في الدنيا، ورغبوا في الآخرة ؛ لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة، والآخرة طالبة ومطلوبة: فمَن طلَب الآخرة طلبته الدنيا، حتّى يستوفي منها رزقه، ومَن طلَب الدنيا طلبته الآخرة، فيأتيه الموت، فيفسد عليه دنياه وآخرته )
القانون الخالد:
تواطأ الناس بأسرهم، على ذمّ الدنيا وشكايتها، لمعاناة آلامها، ففرحها مُكدَّر بالحزن، وراحتها منغصّة بالعَناء، لا تصفو لأحد، ولا يهنأ بها إنسان. وبالرغم مِن تواطئهم على ذلك تباينوا في سُلوكهم وموقفهم من الحياة:
فمنهم مَن تعشّقها، وهام بحبّها، وتكالَب على حُطامها، ما صيَرهم في حالة مُزرية، مِن التنافس والتناحر.
ومنهم مَن زهِد فيها، وانزوى هارباً مِن مباهجها ومُتعها إلى الأديِرَة والصوامع، ما جعلَهُم فلولاً مُبعثَرة على هامش الحياة.
وجاء الإسلام، والناس بين هذين الاتّجاهين المتعاكسين، فاستطاع بحكمته البالغة، وإصلاحه الشامل، أنْ يشرّع نظاماً خالداً، يؤلّف بين الدين والدنيا، ويجمَع بين مآرب الحياة وأشواق الروح، بأُسلوبٍ يُلائم
_____________________
فطرة الإنسان، ويضمن له السعادة والرخاء.
فتراه تارة يحذّر عشّاق الحياة من خُدعها وغرورها، ليحررهم من أسرها واسترقاقها، كما صورته الآثار السالفة.
وأخرى يستدرج المتزمتين الهاربين من زخارف الحياة إلى لذائذها البريئة وأشواقها المرفرفة، لئلاّ ينقطعوا عن ركب الحياة، ويصبحوا عرضة للفاقة والهوَان.
قال الصادقعليهالسلام
: ( ليس منّا مَن ترَك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدُنياه )
.
وقال العالمعليهالسلام
: ( اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً )
وبهذا النظام الفذ ازدهرت حضارة الإسلام، وتوغل المسلمون في مدارج الكمال، ومعارج الرقيّ الماديّ والروحي.
وعلى ضوء هذا القانون الخالد نستجلي الحقائق التالية:
١ - التمتّع بملاذ الحياة، وطيباتها المحلّلة، مُستحسن لا ضير فيه، ما لم يكن مشتملاً على حرام أو تبذير، كما قال سُبحانه:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )
( الأعراف: ٣٢ ).
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( اعلموا عباد اللّه أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم
_____________________
أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سُكِنَت، وأكلوها بأفضل ما أُكِلَت، فحظُوا مِن الدنيا بما حظى به المُترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبّرون، ثُمّ انقلبوا عنها بالزاد المُبلّغ والمتْجر الرابح )
٢ - إنّ التوفر على مقتنيات الحياة ونفائسها ورغائبها، هو كالأوّل مستحسن محمود، إلاّ ما كان مختَلساً مِن حرام، أو صارفاً عن ذكر اللّه تعالى وطاعته.
أمّا اكتسابها استعفافا عن الناس، أو تذرّعاً بها إلى مرضاة اللّه عزَّ وجل كصلة الأرحام، وإعانة البؤَسَاء، وإنشاء المشاريع الخيريّة كالمساجد والمدارس والمستشفيات، فإنّه من أفضل الطاعات وأعظم القُرُبات، كما صرّح بذلك أهل البيتعليهمالسلام
:
قال الصادقعليهالسلام
: ( لا خير فيمَن لا يجمع المال مِن حلالٍ، يكفّ به وجهه، ويقضي به دينه، ويصِل به رحمه )
وقال رجل لأبي عبد اللّهعليهالسلام
: واللّه إنّا لنطلب الدنيا ونحبُّ أنْ نُؤتاها.
فقال: ( تحبُّ أنْ تصنع بها ماذا ؟ ) قال: أعُود بها على نفسي وعيالي، وأصِلُ بها، وأتصدّق بها، وأحجُّ، وأعتمِر. فقال أبو عبد اللّه: ( ليس هذا طلَب الدنيا، هذا طلب الآخرة )
_____________________
٣ - إنّ حبَّ البقاء في الدنيا ليس مذموماً مطلقاً، وإنّما يختلف بالغايات والأهداف، فمن أحبّه لغاية سامية، كالتزود من الطاعة، واستكثار الحسنات، فهو مستحسن. ومن أحبّه لغاية دنيئة، كممارسة الآثام، واقتراف الشهوات، فذلك ذميم مقيت، كما قال زين العابدينعليهالسلام
: ( عَمّرني ما كان عمري بِذلةً في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك ).
ونستخلص ممّا أسلفناه أنّ الدنيا المذمومة هي التي تخدع الإنسان، وتصرفه عن طاعة اللّه والتأهب للحياة الأخرويّة.
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا
|
|
وأقبح الكُفر والإفلاس في الرجل
|
مساوئ الاغترار بالدنيا:
١ - من أبرز مساوئ الغرور أنّه يُلقي حجاباً حاجزاً بين العقل وواقع الإنسان، فلا يتبيّن آنذاك نقائصه ومساويه، من جشعٍ، وحرصٍ، وتكالبٍ على الحياة، ممّا يُسبّب نقصه وذمّه.
٢ - إنّ الغرور يُشقي أربابه، ويدفعهم إلى معاناة الحياة، ومصارعتها، دون اقتناعٍ بالكفاف، أو نظرٍ لزوالها المحتوم، ممّا يُظنيهم ويُشقيهم، كمّا صوّره الخبَر الآنف الذكر: ( مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القزّ، كلّما ازدادت على نفسها لفّاً، كان أبعد لها مِن الخروج، حتّى تموت غماً ).
٣ - والغرور بعد هذا وذاك، مِن أقوى الصوارف والمُلهيات عن
التأهّب للآخرة والتزوّد من الأعمال الصالحة، الموجبة للسعادة الأخرويّة، ونعيمها الخالد.
وقال تعالى:( فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى )
( النازعات: ٣٧ - ٤١ ).
علاج هذا الغرور:
وهو كما يلي مجملاً:
١ - استعراض الآيات والنصوص الواردة في ذم الغرور بالدنيا وأخطاره الرهيبة.
٢ - إجماع الأنبياء والأوصياء والحكماء على فناء الدنيا، وخلود الآخرة، فجديرٌ بالعاقل أنْ يؤثّر الخالد على الفاني، ويتأهّب للسعادة الأبديّة والنعيم الدائم:( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى )
( الأعلى: ١٦ - ١٩ ).
٣ - الإفادة من المواعظ البليغة، والحكم الموجهة، والقصَص الهادفة المعبرة عن ندم الطغاة والجبارين، على اغترارهم في الدنيا، وصرف أعمارهم باللهو والفسوق.
ومِن أبلغ العِظات وأقواها أثراً في النفس كلمة أمير المؤمنين لابنه الحسنعليهالسلام
: ( أحي قلبَك بالموعظة، وأمِته بالزهادة، وقوّه باليقين،
ونوّره بالحكمة، وذلّله بذِكر الموت، وقرّره بالفناء، وبصّره فجائع الدنيا، وحَذّره صَولة الدهر، وفُحش تقلّب الليالي والأيّام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب مَن كان قبلَك مِن الأوّلين، وسِر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا، وعمّا انتقلوا، وأين حلّوا ونزَلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة، وحلّوا ديار الغربة، وكأنّك عن قليلٍ قد صِرت كأحدِهم، فأصلح مثواك، ولا تبِع آخرتَك بدُنياك )
ومن روائع الحِكَم التشبيه التالي:
( فقد شبّه الحُكماء الإنسان وانهماكه في الدنيا، واغتراره بها، وغفلته عمّا وراءها، كشخصٍ مُدلىً في بئر، ووسَطه مشدودٌ بحبل، وفي أسفل ذلك البئر ثُعبانٌ عظيم، متوجّه إليه، منتظرٌ لسقوطه، فاتحٌ فاهُ لالتقامه، وفي أعلى ذلك البئر جرذان أبيضٌ وأسود، لا يزالان يقرِضان ذلك الحبل، شيئاً فشيئاً، ولا يفتران عن قرضِه آناً ما، وذلك الشخص مع رؤيته ذلك الثعبان، ومشاهدته لانقراض الحبل آناً فآناً، قد أقبل على قليلِ عسلٍ، قد لُطِخ به جِدارُ ذلك البئر وامتزج بترابه، واجتمع عليه زنابيرٌ كثيرة، وهو مشغولٌ بلطعه، منهمكٌ فيه، متلذّذٌ بما أصاب منه، مخاصمٌ لتلك الزنابير التي عليه، قد صرف جميعَ باله إلى ذلك، فهو غير ملتفتٍ إلى ما فوقه وما تحته.
فالبئر هو الدنيا، والحبل هو العمر، والثعبان الفاتح فاه هو الموت،
_____________________
والجرذان هُما الليل والنهار القارضان للأعمال، والعسَل المختلط بالتراب هو لذات الدنيا الممزوجة بالكدَر والآثام، والزنابير هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها ).
ومِن العِبر البالغة في تصرّم الحياة وإنْ طالت: ما رُوي أنّ نوحاًعليهالسلام
عاش ألفَين وخمسمِئة عام، ثمّ إنّ ملَك الموت جاءه وهو في الشمس، فقال: السلام عليك. فرّد عليه نوحعليهالسلام
وقال له: ما حاجتك يا ملك الموت ؟ قال: جئت لأقبض روحك. فقال له: تدَعني أتحوّل من الشمس إلى الظلّ. فقال له: نعم. فتحوّل نوحعليهالسلام
، ثمّ قال: يا ملك الموت، فكأنّ ما مرّ بي في الدنيا مثل تحوّلي من الشمس إلى الظلّ !! فامضِ لما أُمِرت به. فقبض روحهعليهالسلام
.
ومِن عِبَر الطُّغاة والجبّارين ما قاله المنصور لمّا حضرته الوفاة: ( بعنا الآخرة بنومة ).
وردّد هارون الرشيد وهو ينتقي أكفانه عند الموت:( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ )
( الحاقّة: ٢٨ - ٢٩ ).
وقيل لعبدِ الملك بن مروان في مرَضه: كيف تجدك يا أبا مروان ؟ قال: أجدُني كما قال اللّه تعالى:( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ..)
( الأنعام: ٩٤ ).
ورأى زيتون الحكيم رجُلاً على شاطئ البحر مهموماً محزوناً، يتلهّف على الدنيا، فقال له: يا فتى، ما تلهفك على الدنيا ! لو كنت في غاية الغنى، وأنت راكبٌ لجّةَ البحر، وقد انكسرت بك السفينة،
وأشرفت على الغرَق، أما كانت غاية مطلوبك النجاة، وإنْ يفوتك كلّ ما بيدك. قال: نعم.
قال: ولو كنت ملِكاً على الدنيا، وأحاط بك مَن يريد قتلك، أما كان مرادك النجاة مِن يده، ولو ذهب جميع ما تملك. قال: نعم.
قال: فأنتَ ذلك الغنيُّ الآن، وأنت ذلك الملكُ، فتسلّى الرجل بكلامه.
وقال بعض العارفين لرجلٍ مِن الأغنياء: كيف طلبك للدنيا ؟ فقال: شديد. قال: فهل أدركت منها ما تريد ؟ قال: لا. قال: هذه التي صرَفت عُمرك في طلبِها لم تحصَل منها على ما تريد فكيف التي لم تطلبها !!
ولا ريب أنّ تلك العِظات لا تنجع إلاّ في القلوب السليمة، والعقول الواعية، أما الذين إسترقّتهم الحياة، وطبعت على قلوبهم، فلا يجديهم أبلغ المواعظ، كما قال بعض العارفين: إذا أُشرب القلبُ حبَّ الدنيا لم تنجع فيه كثرة المواعظ، كما أنّ الجسَد إذا استحكم فيه الداء، لم ينجع فيه كثرة الدواء.
( ب ) غرور العلم
ومن صوَر الغرور ومفاتنه، الاغترار بالعلم، واتّساع المعارف، ممّا يثير في بعض الفضلاء الزهو والتيه، والتنافس البشِع على الجاه، والتهالك على الأطماع، ونحوها من الخلال المقيتة، التي لا تليق بالجُهّال فضلاً عن العلماء.
وربّما أفرط بعضهم في الزهو والغرور، فَجُنَّ بجنون العظَمَة، والتطاول على الناس بالكِبَر والازدراء.
وفات المغترّين بالعِلم، أنّ العِلم ليس غايةً في نفسه، وإنّما هو وسيلةٌ لتهذيب الإنسان وتكامله، وإسعاده في الحياتين الدنيويّة والأُخروية، فإذا لم يحقّق العِلم تلك الغايات السامية، كان جُهداً ضائعاً، وعَناءً مُرهِقاً، وغروراً خادعاً:( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا...)
( الجمعة: ٥ ).
وقد أحسن الشاعر حيث يقول:
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم
|
|
ولو عَظّموه في النفوس لعَظُما
|
ولكن أهانوه فهان وجهّموا
|
|
محيّاه بالأطماع حتّى تجهّما
|
فالعلم كالغيث ينهلّ على الأرض الطيبة، فيحيلها جناناً وارفة،
تزخر بالخير والجمال، وينهلّ على الأرض السبخة فلا يجديها نفعاً.
وهكذا يفيء العلم على الكرام طيبةً وبهاءً، وعلى اللئام خُبثاً ولُؤماً.
وكيف يغترُّ العالِم بعلمه، ولم يكن الوحيد في مضماره، فقد عرَف الناس قديماً وحديثاً عُلماءً أفذاذاً جَلّوا في ميادين العلم، وحَلّقوا في آفاقه، وكانت لهم مآثرهم العلميّة الخالدة.
وعلى مَ الاغترار بالعلم، ومسؤوليّة العالم خطيرة، ومؤاخذته أشدّ من الجاهل، والحجّة عليه ألزَم، فإنْ لم يهتَدِ بنور العلم، ويعمل بمقتضاه، كان العلم وبالاً عليه، وغدا قدوة سيّئة للناس.
أنظر كيف يصوّر أهل البيتعليهمالسلام
جرائر العلماء المنحرفين، وأخطارهم:
فعن جعفر بن محمّد عن أبيهعليهماالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: صنفان مِن أُمّتي إذا صلُحا صلُحت أُمّتي، وإذا فسَدا فسدت أُمّتي ) قيل: يا رسول اللّه ومَن هما ؟ قال: الفقهاء والأمراء )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( يُغفر للجاهل سبعون ذنباً، قبل أنْ يُغفَر للعالم ذنبٌ واحد )
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( يطلع قومٌ من أهل الجنّة إلى قومٍ مِن أهل النار، فيقولون: ما أدخلَكم النار وقد دخلنا الجنّة لفضلِ تأديبكم وتعليمكم ؟ فيقولون: إنّا كنّا نأمر بالخير ولا نفعله )
_____________________
فجديرٌ بالعلماء والفُضلاء أنْ يكونوا قدوةً حسنةً للناس، ونموذجاً للخُلق الرفيع، وأنْ يتفادوا ما وسعهم مزالِق الغرور، وخلاله المَقيتة، وأنْ يستشعروا الآية الكريمة:
( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )
( القصص: ٨٣ ).
( ج ) غرور الجاه
ويُعتبَر الجاه والسُّلطة مِن أقوى دواعي الغرور، وأشدَّ بواعثه، فترى المتسلّطين يتيهون على الناس زهواً وغروراً، ويستذلّون كراماتهم صَلَفاً وكِبراً.
وقد عاش الناس هذه المأساة في غالب العصور، وعانوا غرور المتسلّطين وتحدّيهم، بأسىً ولوعةٍ بالِغَين.
وفات هؤلاء المغرورين بمفاتن السُّلطة والرِّعَة، أنّ الإسراف في الغرور والأنانيّة أمرٌ يستنكره الإسلام ويتوعّد عليه بصنوف الإنذار والوعيد، في عاجل الحياة وآجلها، كما يعرّضهم لمقت الناس وغضبهم ولعنهم، ويخسرون بذلك أغلى وأخلَد مآثر الحياة: حبَّ الناس وعطفَهم، وكان عليهم أنْ يستغلّوا جاههم، ونفوذهم في استقطاب الناس، وتوفير رصيدهم الشعبي، وكسب عواطف الجماهير وودّهم.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
|
|
فطالما استعبَد الإحسان إنسانا
|
وأقوى عامل على تخفيف حدّة هذا الغرور، وقمع نَزَواته العارمة، هو التأمّل والتفكّر فيما ينتاب هؤلاء المغرورين مِن صروف الدهر، وسطوة الأقدار، وتنكّر الزمان. فصاحب السلطان كراكب الأسد، لا يدري أمَدَ
غضَبه وافتراسه.
وقد زخَر التاريخ بصنوف العِبَر والعِظات الدالّة على ذلك:
ومنها: ما ذكره عبد اللّه بن عبد الرحمان صاحب الصلاة بالكوفة،
قال: دخلت إلى أُمّي في يوم أضحى، فرأيت عندها عجوزاً في أطمارٍ رثّة، وذلك في سنة ١٩٠، فإذا لها لسانٌ وبيان، فقلت لأُمّي: مَن هذه ؟ قالت: خالتك عباية أُمّ جعفر بن يحيى البرمكي. فسلّمت عليها، وتحفّيت بها، وقلت: أصارك الدهر إلى ما أرى ؟!
فقالت: نعم يا بني، إنّا كنّا في عواري ارتَجَعها الدهر منّا. فقلت: فحدّثيني ببعض شأنك.
فقالت: خذه جملة، لقد مضى عليّ أضحى، وعلى رأسي أربعمِئة وصيفة، وأنا أزعم أنّ ابني عاق، وقد جئتك اليوم أطلب جلدَتَي شاة، اجعل إحداهما شِعاراً، والأُخرى دِثاراً.
قال فرَفَقت لها، ووهبْت لها دراهم، فكادت تموت فرحاً
.
ودخل بعض الوعّاظ على الرشيد، فقال: عِظني، فقال له: أتراك لو مُنِعتَ شربةً من ماء عند عطشِك، بِمَ كنت تشتريها ؟ قال: بنصف مُلكي.
قال: أتراها لو حُبِسَت عند خروجها بِمَ كنت تشتريها ؟ قال: بالنصف الباقي.
_____________________
قال: فلا يغرّنّك مُلك قيمته شربة ماء
.
فجديرٌ بالعاقل أنْ يدرك أنّ جميع ما يزهو به، ويدفعه على الغرور من مال، أو علم، أو جاه، ونفوذ، إنّما هي نِعَمٌ وألطافٌ إلهيّة أسداها المنعم الأعظم، فهي أحرى بالحمد، وأجدر بالشكر، منها بالغرور والخُيَلاء.
الجاه بين المدح والذم:
ليس طلب الجاه مذموماً على الإطلاق، وإنّما هو مختلف باختلاف الغايات والأهداف، فمن طلبه لغايةٍ مشروعة، وهدَفٍ سامٍ نبيل، كنصرة المظلوم، وعون الضعيف، ودفع المظالم عن نفسه أو غيره، فهو الجاه المحبّب المحمود.
ومَن توخّاه للتسلّط على الناس، والتعالي عليهم، والتحكّم بهم، فذلك هو الجاه الرخيص الذميم.
وقد تلتبس الغايات أحياناً في بعض صور الجاه، كالتصدّي لإمامة الجماعة، وممارسة توجيه الناس وإرشادهم، وتسنّم المراكز الروحيّة الهامّة.
فتتمّيز الغايات آنذاك بما يتّصف به ذووها من حسن الإخلاص، وسموّ الغاية، وحُبّ الخير للناس، أو يتّسمون بالأنانيّة، والانتهازيّة، وهذا مِن صور الغرور الخادعة، أعاذنا اللّه منها جميعاً.
_____________________
(د) غرور المال
وهكذا يستثير المال كوامن الغرور، ويعكِس على أربابه صوَراً مَقيتة من التلبيس والخداع.
فهو يفتن الأثرياء من عشّاق الجاه، ويحفّزهم على السخاء والأريحيّة، بأموالٍ مشوبةً بالحرام، ويحبسون أنّهم يحسنون صنعاً، وهُم مخدوعون مغرورون.
وقد يتعطّف بعضهم على البؤساء والمعوزين جهراً ويشحّ عليهم سرّاً، كسباً للسمعة والإطراء، وهو مغرورٌ مفتون.
ومنهم مَن يمتنع عن أداء الحقوق الإلهية المحَتّمة عليه بُخلاً وشُحّاً، مكتفياً بأداء العبادات التي لا تتطلّب البذل والإنفاق، كالصلاة والصيام، زاعماً براءة ذِمّته بذلك، وهو مفتونٌ مغرور، إذ يجب أداء الفرائض الإلهيّة ماديّة وعباديّة، ولكلِّ فرضٍ أهميّته في عالم العقيدة والشريعة.
ومِن أجل ذلك كان المال من أخطر بواعث الغرور ومفاتنه.
فعن الصادقعليهالسلام
قال: ( يقول إبليس: ما أعياني في ابن آدم فلن يُعييني منه واحدة من ثلاثة: أخذُ مالٍ من غير حلّه، أو مَنعه من حقّه، أو وضعِه في غير وجهه )
_____________________
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إنّ الدينار والدرهم أهلَكا مَن كان قبلكم، وهُما مهلكاكم )
المال بين المدح والذم:
للمال محاسنه ومساوئه، ومضارّه ومنافعه، فهو يُسعِد ويُشقي أربابه تبَعاً لوسائل كسبه وغايات إنفاقه.
فمن محاسنه: أنّه الوسيلة الفعّالة لتحقيق وسائل العيش، ونيل مآرب الحياة، وأشواقها الماديّة، والسبب القويّ في عزّة ملاكه واستغنائهم عن لئام الناس، والذريعة الهامّة في كسب المحامد والأمجاد. كما قال الشريف الرضي رحمه اللّه:
اشتر العِزّ بما بِيع
|
|
فما العز بغالي
|
بالقصار الصفر إنْ
|
|
شِئت أو السمر الطوالِ
|
ليس بالمغبون عقلاً
|
|
مَن شرى عزَّاً بمالِ
|
إنما يُدَّخَر المالُ
|
|
لحاجاتِ الرجالِ
|
والفتى مَن جَعل
|
|
الأموال أثمان المعالي
|
كما أنّ المال مِن وسائل التزوّد للآخرة، وكسب السعادة الأبديّة فيها.
ومِن مساوئ المال: أنّه باعثٌ على التورّط في الشُّبُهات، واقتراف المحارم والآثام، كاكتسابه بوسائل غير مشروعة، أو منع الحقوق الإلهيّة
_____________________
المفروضة عليه، أو إنفاقه في مجالات الغواية والمنكرات، كما أوضحت غوائله النصوص السالفة.
وهو إلى ذلك من أقوى الصوارف والملهيات عن ذكر اللّه عزّ وجل، والتأهّب للحياة الأخرويّة الخالدة.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )
( المنافقون: ٩ ).
فليس المال مذموماً إطلاقاً، وإنّما يختلف باختلاف وسائله وغاياته، فإنْ صحّت ونَبُلَت كان مَدعاة للحمد والثناء، وإنْ هبطت وأسفّت كان مَدعاة للذمّ والاستنكار.
ولمّا كانت النفوس مشغوفةً بالمال، ومولعةً بجمعه واكتنازه، فحريٌّ بالمؤمن الواعي المستنير، أنْ لا ينخدع ببريقه، ويغترّ بمفاتنه، وأنْ يتّعظ بحرمان المغرورين به، والحريصين عليه، من كسب المثوبة في الآخرة، وإفلاسهم ممّا زاد عن حاجاتهم وكفافهم في الدنيا، فإنهم خزّان أمناء، يكدحون ويشقون في ادخاره، ثمّ يخلّفونه طعمة سائغة للوارثين، فيكون عليهم الوزر ولأبنائهم المُهنّى والاغتباط.
( هـ ) غرور النسب
وقد يغترُّ بعضهم برفعة أنسابهم، وانحدارهم من سلالة أهل البيتعليهمالسلام
، فيحسبون أنّهم ناجون بزلفاهم، وإنْ انحرفوا عن نهجِهم، وتعسّفوا طُرق الغواية والضلال.
وهو غرور خادع حيث إنّ اللّه تعالي يُكرم المطيع ولو كان عبداً حبشيّاً، ويهين العاصي ولو كان سيّداً قرشيّاً.
وما نال أهل البيتعليهمالسلام
تلك المآثر الخالدة، ونالوا شرف العزّة والكرامة عند اللّه عزَّ وجل، إلاّ باجتهادهم في طاعة اللّه، وتفانيهم في مرضاته.
فاغترار الأبناء بشرف آبائهم وعراقتهم، وهُم منحرفون عن سيرتهم، من أحلام اليقظة ومفاتن الغرور.
أرأيت جاهلاً غدا عالماً بفضيلة آبائه ؟ أو جباناً صار بطلاً بشجاعة أجداده ؟ أو لئيماً عاد سخيّاً معطاءً بجود أسلافه ؟ كلا، ما كان اللّه تعالى ليساوي بين المطيع والعاصي، وبين المجاهد والوادع.
أنظر كيف يقصّ القرآن الكريم ضراعة نوحعليهالسلام
إلى ربِّه في استشفاع وليده الحبيب ونجاته من غَمَرات الطوفان الماحق، فلم يُجده
ذلك لكفر ابنه وغوايته:( وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ )
( هود: ٤٥ - ٤٦ ).
واستمع إلى سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله
كيف يُملي على أسرته الكريمة درساً خالداً في الحثِّ على طاعة اللّه تعالى وتقواه، وعدم الاغترار بشرف الأنساب والأحساب، كما جاء عن أبي جعفرعليهالسلام
أنّه قال: ( قام رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
على الصفا، فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطّلب، إنّي رسول اللّه إليكم، وإنّي شفيقٌ عليكم، وإنّ لي عملي، ولكلِّ رجلٍ منكم عملُه، لا تقولوا إنّ محمّداً منّا، وسنُدخَل مُدخله، فلا واللّه، ما أوليائي منكم، ولا مِن غيركم، يا بني عبد المطّلب إلاّ المتّقون، ألا فلا أعرفكم يوم القيامة، تأتون تحملون الناس على ظهوركم، ويأتي الناس يحملون الآخرة، ألا إنّي قد أُعذِرت إليكم، فيما بيني وبينكم، وفيما بيني وبين اللّه تعالى فيكم )
.
فجديرٌ بالعاقل أنْ يتوقّى فتنة الغرور بشرف الأنساب، وأنْ يسعى جاهداً في تهذيب نفسه وتوجيهها وجهة الخير والصلاح، متمثّلاً قول الشاعر:
إنّ الفتى مَن يقول ها أنذا
|
|
ليس الفتى مَن يقول كان أبي
|
_____________________
الحسَد
وهو تمنّي زوال نعمة المحسود، وانتقالها للحاسد، فإنْ لم يتمنَّ زوالها، بل تمنّى نظيرها، فهو غبطة، وهي ليست ذميمة.
والحسَد مِن أبشع الرذائل وألأم الصفات، وأسوَأ الانحرافات الخُلقيّة أثراً وشرّاً، فالحَسود لا ينفكّ عن الهمّ والعِناد، ساخطاً على قضاء اللّه سُبحانه في رعاية عبيده، وآلائه عليهم، حانقاً على المحسود، جاهداً في كيده، فلا يستطيع ذلك، فيعود وبال حسده عليه، ويرتدّ كيده في نحره.
ناهيك في ذمّ الحسَد والحُسّاد، وخطرها البالغ، أنّ اللّه تعالى أمر بالاستعاذة من الحاسد، بعد الاستعاذة من شرّ ما خلَق قائلاً:( وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ )
( الفلق: ٥ ).
لذلك تكاثرت النصوص في ذمّه والتحذير منه:
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( ما رأيت ظالماً أشبَهُ بمظلومٍ مِن
_____________________
الحاسد، نَفَس دائم، وقلب هائم، وحُزنٍ لازِم )
.
وقال الحسن بن عليّعليهالسلام
: ( هلاك الناس في ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد.
فالكِبَر: هلاك الدين وبه لُعِن إبليس.
والحرص: عدوّ النفس، وبه أُخرج آدم من الجنّة.
والحسَد: رائد السُّوء، ومنه قَتْلُ قابيل هابيل )
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
ذات يوم لأصحابه: ( ألا إنّه قد دبَّ إليكم داءُ الأُمم مِن قبلكم، وهو الحسَد، ليس بحالق الشَّعر، لكنّه حالق الدين، ويُنجي منه أنْ يكُفَّ الإنسان يدَه، ويخزن لسانه، ولا يكون ذا غمزٍ على أخيه المؤمن )
بواعث الحسَد:
للحسَد أسبابٌ وبواعث نجملها في النقاط التالية:
١ - خُبث النفس:
فهناك شِذاذ طُبِّعوا على الخُبث واللؤم، فتراهم يحزنون بمباهج الناس
_____________________
وسعادتهم، ويُسَرّون بشقائهم ومآسيهم، ومِن ثمّ يحسدونهم على ما آتاهم اللّه من فضله، وإنْ لم يكن بينهم تِرة أو عداء. وذلك لخُبثِهم ولؤم طباعهم.
٢- العِداء:
وهو أقوى بواعث الحسَد، وأشدّها صرامةً على مكايدة الحسود واستلاب نعمته.
٣ - التنافس:
بين أرباب المصالح والغايات المشتركة: كتحاسد أرباب المِهَن المتّحدة وتحاسد الأبناء في الحظوة لدى آبائهم، وتحاسد بطانة الزعماء والأمراء في الزلفى لديهم.
وهكذا تكثر بواعث الحسَد بين فئات تجمعهم وحدة الأهداف والروابط، فلاتجد تحاسداً بين متباينين هدفاً واتجاهاً، فالتاجر يَحسُد نظيره التاجر دون المهندس والزارع.
٤ - الأنانيّة:
وقد يستحوِذ الحسَد عن ذويه بدافع الأثرة والأنانيّة، رغبةً في التفوّق على الأقران، وحبّاً بالتفرّد والظهور.
٥ - الازدراء:
وقد ينجم الحسَد على ازدراء الحاسد للمحسود، مستكثراً نِعَمِ اللّه عليه، حاسداً له على ذلك.
وربّما اجتمعت بواعث الحسَد في شخص، فيغدو آنذاك بُركاناً ينفجر حسَداً وبغياً، يتحدّى محسوده تحدّياً سافراً مليئاً بالحُنق واللؤم، لا يستطيع
كتمان ذلك، ممّا يجعله شريراً مجرماً خطيراً.
مساوئ الحسَد:
يختصّ الحسَد بين الأمراض الخلقيّة بأنّه أشدّها ضرراً، وأسوأها مغبّةً في دين الحاسد ودُنياه.
١ - فمِن أضراره العاجلة في دنيا الحاسِد، أنّه يُكدّر عليه صفوَ الحياة، ويجعله قرين الهمّ والعناء، لتبرّمه بنِعَم اللّه على عباده، وهي عظيمةٌ وفيرة، وذلك ما يُشقيه، ويتقاضاه عِلَلاً صحيحة ونفسيّة ماحقة.
كما يُفجعه في أنفس ذخائر الحياة: في كرامته، وسُمعته، فتَراه ذميماً مُحَقّراً، منبوذاً تمقته النفوس، وتنبذه الطباع.
ويُفجِعه كذلك في أخلاقه، فتراه لا يتحرّج عن الوقيعةِ بمحسوده، بصنوف التُّهم والأكاذيب المحرّمة في شُرعة الأخلاق، ولا يألو جُهداً في إثارة الفتَن المفرّقة بينه وبين أودّائه، وذَوي قُرباه، نكايةً به وإذلالاً له.
وأكثر الناس استهدافاً للحسَد، ومعاناة لشروره وأخطاره، اللامعون المتفوّقون مِن أرباب العلم والفضائل، لما ينفسه الحسّاد عليهم من سموّ المنزلة، وجلالة القدر، فيسعون جاهدين في ازدرائهم واستنقاصهم، وشنّ الحمَلات الظالمة عليهم.
وهذا هو سرّ ظلامة الفضَلاء، وحرمانهم من عواطف التقدير والإعزاز، وربّما طاشت سهام الحسَد، فأخلَفت ظنّ الحاسَد، وعادت
عليه باللوعة والأسى، وعلى المحسود بالتنويه والإكبار كما قال أبو تمام:
وإذا أراد اللّه نصر فضيلة
|
|
طُويَت أتاح لها لسان حسُود
|
لولا اشتعال النار فيما جاورت
|
|
ما كان يُعرف طيبُ عَرف العُود
|
لولا التخوّف للعواقب لم يزل
|
|
للحاسِد النعمى على المسحود
|
ويقول الآخر:
اصبر على حسَد الحسُود
|
|
فإنّ صبَرك قاتله
|
فالنار تأكُل بعضَها
|
|
إنْ لم تجِد ما تأكله
|
٢ - وأمّا أضرار الحسَد الآجلة:
فقد عرفت ما يتذرّع به الحاسِد من صنوف الدس والتخريب في الوقيعة بالمحسود، وهدر كرامته. وهذا ما يعرض الحاسِد لسخط اللّه تعالى وعقابه، ويأكل حسَناته كما تأكل النار الحطب.
هذا إلى تنمّر الحاسد، وسخطه على مشيئة اللّه سُبحانه، في إغداق نعمه على عباده، وتلك جرأة صارخة تبّوئه السخط والهَوان.
علاج الحسَد:
وإليك بعض النصائح العلاجيّة للحسَد:
١ - تَركُ تطلّع المرء إلى مِن فوقه سعادة ورخاءً وجاهاً، والنظر إلى من دونه في ذلك، ليستشعر عناية اللّه تعالى به، وآلائه عليه، فتخفّ بذلك نوازع الحسَد وميوله الجامحة.
٢ - تذكّر مساوئ الحسَد. وغوائله الدينيّة والدنيويّة، وما يُعانيه الحسّاد من صنوف المكاره والأزَمات.
٣ - مراقبة اللّه تعالى، والإيمان بحكمة تدبيره لعباده، والاستسلام لقضائه، متوقّياً بوادر الحسَد، ومقتضياته الأثيمة مِن ثلب المحسود والإساءة إليه، كما قالصلىاللهعليهوآله
: ( ويُنجي منه أنْ يكفّ الإنسان يده، ويخزن لسانه، ولا يكون ذا غمزٍ على أخيه المؤمن ).
ولو لم يكن في نبْذ الحسَد إلاّ استهجانه، والترفّع عن الاتّصاف بمثالبه المقيتة، لوجوب نبذه ومجافاته.
وجدير بالآباء أنْ لا يميّزوا بين أبنائهم في شمول العناية والبِرِّ. فيبذروا في نفوسهم سموم الحسَد، ودوافعه الأثيمة.
الغيبة
وهي: ذِكر المؤمن المُعيّن بما يكره، سَواءً أكان ذلك في خَلقِه، أم خُلُقه، أو مختصّاته.
وليست الغيبة محصورةٌ باللسان، بل تشمل كلّ ما يُشعر باستنقاص الغير، قولاً أو عمَلاً، كنايةً أو تصريحاً.
وقد عرّفها الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
قائلاً: ( هل تدرون ما الغيبة ؟) قالوا: اللّه ورسوله أعلم.
قال: ( ذِكرُك أخاكَ بما يَكره ).
قيل له: أرأيت إنْ كان في أخي ما أقول ؟ قال: ( إنْ كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإنْ لم يكن فيه فقد بهتّه ).
وهي مِن أخسّ السجاياً، وألأم الصفات، وأخطَر الجرائم والآثام، وكفاها ذمّاً أنّ اللّه تعالى شبّه المُغتاب بآكل لحم الميتة، فقال:( يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ )
( الحجرات: ١٢).
وقال سُبحانه ناهياً عنها:( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً )
( النساء: ١٤٨ ).
وهكذا جاءت النصوص المتواترة في ذمّها، والتحذير منها:
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( الغيبةُ أسرَع في دين الرجل المسلم مِن الآكلة في جوفه )
وقال الصادقعليهالسلام
( مَن روى على مؤمنٍ روايةً يُريد بها شَينه، وهدْم مروّته، ليسقط مِن أعين الناس، أخرجه اللّه عزّ وجل مِن ولايته إلى ولاية الشيطان )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( لا تَغتَب فتُغتَب، ولا تَحفُر لأخيك حُفرة، فتقَع فيها، فإنّك كما تَدين تُدان )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن أذاع فاحشةً كان كمبتدئها، ومِن عيّر مؤمناً بشيءٍ لا يموت حتّى يركبه )
التصامُم عن الغيبة:
وجديرٌ بالعاقل أنْ يترفّع عن مجاراة المغتابين، والاستماع إليهم،
_____________________
فإنّ المستمع للغيبة صنو المستغيب، وشريكُه في الإثم.
ولا يعفيه مِن ذلك إلاّ أنْ يستنكر الغيبة بلسانه، أو يطوّر الحديث بحديثٍ بريء، أو النفار من مجلس الاغتياب، فإنْ لم يستطع ذلك كلّه، فعليه الإنكار بقلبه، ليأمن جريرة المشاركة في الاغتياب.
قال بعض الحكماء: ( إذا رأيت مَن يغتاب الناس، فاجهد جُهدَك أنْ لا يعرفك، فإنّ أشقى الناس به معارفه ).
وكما يجب التوقّي مِن استماع الغيبة، كذلك يجدر حفظ غَيبة المؤمن، والذب عن كرامته، إذا ما ذُكر بالمزريات، فعن الصادقعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن رَدَّ عن عرض أخيه المسلم وجبَت له الجنّة ألبتّة )
وجدير بالذكر أنّ حُرمة الاغتياب مختصّةٌ بمَن يعتقد الحق، فلا تسري إلى غيره من أهل الضلال.
بواعث الغيبة:
للغيبة بواعثٌ ودوافع أهمّها ما يلي:
١ - العِداء أو الحسَد، فإنّهما أقوى دواعي الاغتياب والتشهير بالمعادي أو المحسود. نكايةً به، وتشّفياً منه.
_____________________
٢ - الهزل: وهو باعث على ثلب المستغات، ومحاكاته إثارة للضحِك والمجون.
٣ - المباهاة: وذلك بذكرِ مساوئ الغير تشدّقاً ومباهاةً بالترفّع عنها والبراءةِ منها.
٤ - المجاراة: فكثيراً ما يندفع المرء على الاغتياب مجاراةً للأصدقاء والخُلَطاء اللاهين بالغيبة، وخشيةً مِن نفرتهم إذا لم يُحاورهم في ذلك.
مساوئ الغيبة:
مِن أهمّ الأهداف والغايات التي حقّقها الإسلام، وعنى بها عنايةً كبرى، اتّحاد المسلمين وتآزرهم وتآخيهم، ليكونوا المثَل الأعلى في القوّة والمنعة، وسموّ الكرامة، والمجد. وعزّز تلك الغاية السامية بما شرّعه من نُظُم وآداب، لتكون دستوراً خالداً للمسلمين، فحثّهم على ما ينمّي الأُلفة والمودّة، ويوثّق العلائق الاجتماعيّة، ويحقّق التآخي والتآزر، كحُسن الخُلق، وصِدق الحديث، وأداء الأمانة، والاهتمام بشؤون المسلمين، ورعاية مصالحهم العامّة. ونهاهم عن كلّ ما يعكّر صفو القلوب، ويثير الأحقاد والضغائن الموجِبة لتناكر المسلمين، وتقاطعهم كالكذِب، والغش، والخيانة، والسُّخرية.
وحيث كانت الغيبة عاملاً خطيراً، ومِعولاً هدّاماً، في تقويض صرح المجتمع، وإفساد علاقاته الوثيقة، فقد حرّمها الشرع الإسلامي،
وعدّها مِن كبائر الآثام.
فمن مساوئها: أنّها تبذر سموم البغضة والفُرقة في صفوف المسلمين، فتعكّر صفو المحبّة، وتفصم عُرى الصداقة، وتقطع وشائج القرابة.
وذلك بأنّ الغيبة قد تبلغ المغتاب، وتستثير حَنَقَه على المستغيب، فيثأر منه، ويُبادله الذمّ والقدح، وطالما أثارت الفتَن الخطيرة، والمآسي المحزونة.
هذا إلى مساوئها وآثامها الروحيّة التي أوضحتها الآثار، حيث صرّحت أنّ الغيبة تنقل حسنَات المستغيب يوم القيامة إلى المُستغاب، فإنْ لم يكن له حسَنات طُرِح عليه مِن سيئات المُستغاب، كما جاء عن النبيّصلىاللهعليهوآله
أنّه قال: ( يُؤتى بأحدِكم يوم القيامة، فيُوقف بين يدَيّ اللّه تعالى، ويُدفّع إليه كتابه، فلا يَرى حسَنَاته، فيقول: إلهي ليس هذا كتابي فإنّي لا أرى فيه طاعتي. فيقول له: إنّ ربَّك لا يضلّ ولا ينسى، ذهَب عملُك باغتياب الناس.
ثمّ يُؤتى بآخر ويُدفع إليه كتابه، فيرى فيه طاعات كثيرة، فيقول: إلهي ما هذا كتابي، فإنّي ما عمِلت هذه الطاعات، فيقول له: إنّ فلاناً اغتابك فدُفعت حسَناته إليك )
مسوّغات الغيبة:
الغيبة المحرّمة هي ما قُصِد بها استنقاص المؤمن وإذلاله، فإنّ لم
_____________________
يُقصد بها ذلك، وتوقّف عليها غرضٌ وجيه، فلا حُرمة فيها. وإليك ما ذكره العلماء من الموارد المسوّغة للغيبة:
١ - شكاية المتظلّم لإحقاق حقّه عند الحاكم، فيصُحّ نسبة الجناية والظلم إلى الغير في هذه الحالة.
٢ - نُصح المستشير في أمرٍ ما كالتزويج والأمانة، فيحقّ للمستشار أنْ يذكر مثالب المسؤول عنه.
ويصحّ كذلك تحذير المؤمن من صُحبةِ فاسقٍ أو مُضلّ، بذكر مساوئهما مِن الفِسق والضلال، صيانةً له مِن شرّهما وإضلالهما، ويصحّ جرح الشاهد إذا ما سُئل عنه.
٣ - ردّ مَن أدّعى نسَباً مزوّراً.
٤ - القدح في مقالةٍ فاسدة، أو إدعاءٍ باطل شرعاً.
٥ - الشهادة على مقترفي الجرائم والمحارم.
٦ - ضرورة التعريف: وذلك بذكر الألقاب المقيتة، التي يتوقّف عليها تعريف أصحابها، كالأعمش والأعرج ونحوهما.
٧ - النهي عن المنكر: وذلك بذكر مساوئ شخصٍ عند من يستطيع إصلاحه ونهيه عنها.
٨ - غيبة المتجاهر بالفسق كشرب الخمر، ولعب القمار، بشرط الاقتصار على ما يتجاهر به، إذ ليس لفاسقٍ غيبة.
ولا بُدّ للمرء أنْ يستهدف في جميع تلك الموارد السالفة، الغاية النبيلة، والقصد السليم، مِن بواعث الغيبة، ويتجنّب البواعث غير النبيلة، كالعِداء والحسَد ونحوهما.
علاج الغيبة:
وذلك باتّباع النصائح التالية:
١ - تذكّر ما عرضناه من مساوئ الغيبة، وأخطارها الجسيمة، في دنيا الإنسان وأُخراه.
٢ - الاهتمام بتزكية النفس، وتجميلها بالخُلُق الكريم، وصونها عن معائب الناس ومساوئهم، بدلاً مِن اغتيابهم واستنقاصهم.
قيل لمحمّد بن الحنفيّة: مَن أدّبك ؟ قال:( أدّبني ربّي في نفسي، فما استحسنته مِن أُولي الألباب والبصيرة تبِعتهم به فاستعملته، وما استقبحت من الجُهّال اجتنبته وتركته متنفراً، فأوصلني ذلك إلى كنوز العلم )
٣ - استبدال الغيبة بالأحاديث الممتعة، والنوادر الشيقة، والقصص الهادفة الطريفة.
٤ - ترويض النفس على صون اللسان، وكفّه عن بوادر الغيبة وقوارصها، وبذلك تخف نوازع الغيبة وبواعثها العارمة.
كفّارة الغيبة:
وسبيلها بعد الندم على اقترافها، والتوبة من آثامها، التودّد إلى
_____________________
المُستغاب، واستبراء الذمّة منه، فإنْ صفح وعفى، وإلاّ كان التودّد إليه، والاعتذار منه، مكافئاً لسيّئة الغيبة.
هذا إذا كان المُستغاب حيّاً، ولم يثر الاستيهاب منه غضبه وحقده، فإنْ خيف ذلك، أو كان ميّتاً أو غائباً، فاللازم - والحالة هذه - الاستغفار له، تكفيراً عن اغتيابه، فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( سُئل النبيّصلىاللهعليهوآله
ما كفّارة الاغتياب ؟ قال: تستغفر اللّه لِمَن اغتبته كلّما ذكرته )
قولهصلىاللهعليهوآله
: ( كلّما ذكرته ) أي كلّما ذكرت المُستغاب بالغيبة.
_____________________
البهتان
وعلى ذِكر الغيبة يَحسُن الإشارة إلى البُهتان: - وهو اتّهام المؤمن، والتجنّي عليه بما لم يفعله، وهو أشدُّ إثماً وأعظَمُ جُرماً مِن الغيبة، كما قال اللّه عزَّ وجل:
( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً )
( النساء: ١١٢ ).
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:
( مَن بَهَت مؤمناً أو مومنة، أو قال فيه ما ليس فيه، أقامَهُ اللّه تعالى يوم القيامة على تلٍّ مِن نار، حتّى يخرج ممّا قاله فيه )
_____________________
النميمة
وهي: نقل الأحاديث التي يَكره الناس إفشاءها ونقلها مِن شخصٍِِِ إلى آخر، نكايةً بالمَحكي عنه ووقيعةً به.
والنميمة مِن أبشع الجرائم الخُلقيّة، وأخطرها في حياة الفرد والمجتمع، والنمّام ألأم الناس وأخبثهم، لاتّصافه بالغيبة، والغدْر، والنفاق، والإفساد بين الناس، والتفريق بين الأحبّاء.
لذلك جاء ذمّه، والتنديد في الآيات والأخبار:
قال تبارك وتعالى:
( وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ )
( القلم: ١٠ - ١٣ ).
والزنيم هو الدعيّ، فظهر مِن الآية الكريمة، أنّ النميمة مِن خلال الأدعياء، وسجايا اللُّقَطاء.
وقال سُبحانه:( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ )
، فالهُمَزَة النمّام واللُّمزة المغتاب.
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال:
( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ألا اُنبئكم بشراركم. قالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبراء العيب )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( محرّمةٌ الجنّةُ على العيّابين المشّائين بالنميمة )
وقال الصادقعليهالسلام
للمنصور: ( لا تقبَل في ذي رحِمك، وأهل الرعاية مِن أهل بيتك، قولَ مَن حرّم اللّه عليه الجنّة، وجعل مأواه النار، فإنّ النمام شاهدُ زُور، وشريكُ إبليس في الإغراءِ بين الناس، فقد قال اللّه تعالى:( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )
( الحُجُرات: ٦ )
_____________________
بواعث النميمة:
للنميمة باعثان:
١ - هتك المحكيّ عنه، والوقيعة به.
٢ - التودّد والتزلّف للمحكيّ له بنمّ الأحاديث إليه.
مساوئ النميمة:
تَجمع النميمة بين رذيلتين خطيرتين: الغيبة والنمِّ، فكلّ نميمةٍ غيبة، وليست كلّ غيبة نميمة، فمساوئها كالغيبة، بل أنكى منها وأشّد، لاشتمالها على إذاعة الأسرار، وهتك المحكيّ عنه، والوقيعة فيه، وقد تسوّل سفك الدماء، واستباحة الأموال، وانتهاك صنوف الحُرُمات، وهدر الكرامات.
كيف تعامل النمّام:
وحيث كان النمّام مِن أخطر المُفسدين، وأشدّهم إساءة وشراً بالناس، فلزِم الحذر منه، والتوقّي مِن كيده وإفساده، وذلك باتّباع النصائح الآتية:
١ - أنْ يُكذَّب النمّام، لِفِسقه وعدم وثاقته، كما قال تعالى:( إِنْ
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )
( الحُجُرات: ٦ ).
٢ - أنْ لا يَظنّ بأخيه المؤمن سُوءاً، بمجرّد النمّ عليه، لقوله تعالى:( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ )
( الحجرات: ١٢ ).
٣ - أنْ لا تبعثه النميمة على التجسّس والتحقّق عن واقع النمّام، لقوله تعالى:( وَلا تَجَسَّسُوا )
(الحجرات: ١٢).
٤ - أنْ لا ينمّ على النمّام بحكاية نميمته، فيكون نمّاماً ومُغتاباً، في آنٍ واحد.
وقد رُوي عن أمير المؤمنينعليهالسلام
: أنّ رجلاً أتاه يَسعى إليه برجل. فقال: ( يا هذا، نحن نسأل عمّا قُلت، فإنْ كنت صادقاً مَقتْناك، وإنْ كُنت كاذباً عاقبناك، وإنْ شئت أنْ نقيلك أقلناك. قال: أقلني يا أمير المؤمنين )
وعن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن موسىعليهالسلام
قال: قلت له: جُعِلتُ فِداك، الرجل مِن إخوتي يَبلُغني عنه الشيء الذي أكره له، فأسأله عنه فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قومٌ ثقات.
فقال لي: ( يا محمّد، كَذِّب سمَعك وبصرك عن أخيك، فإنْ شهد عندك خمسون قسامة، وقال لك قولاً فصدّقه وكذّبهم، ولا تذيعنّ عليه شيئاً تشينه به، وتهدم به مروّته، فتكون من الذين قال اللّه عزَّ وجل:( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ
_____________________
الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ )
( النور: ١٩ )
السعاية:
ومن متممات بحث النميمة (السعاية): وهي أقسى صور النميمة، وأنكاها جريرة وإثماً، إذ تسهدف دمار المسعى به وهلاكه بالنمّ عليه، والسعاية فيه لدى المرهوبين، من ذوي السلطة والسطوة.
وأكثر ضحايا السعاية هم المرموقون من العظماء والأعلام، المحسودون على أمجادهم وفضائلهم، مما يحفز حاسديهم على إذلالهم، والنكاية بهم، فلا يستطيعون سبيلا إلى ذلك، فيكيدونهم بلؤم السعاية، إرضاءا لحسدهم وخبثهم، بيد أنه قد يبطل كيد السعاة، وتخفق سعايتهم، فتعود عليهم بالخزي والعقاب، وعلى المسعي به بالتبجيل والاعزاز.
لذلك كان الساعي من ألأم الناس، وأخطرهم جناية وشرا، كما جاء عن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
عن النبي صلى الله عليه وآله قال: شر الناس المثلث؟ قيل: يا رسول الله ومن المثلث؟ قال: الذي يسعى بأخيه إلى السلطان، فيهلك نفسه، ويهلك أخاه، ويهلك السلطان
.
____________________
الفُحش والسَّب والقَذف
الفحش هو: التعبير عمّا يقبح التصريح به، كألفاظ الوقاع، وآلاته ممّا يتلَفّظ به السُّفهاء، ويتحاشاه النُّبلاء، ويعبّرون عنها بالكناية والرمز كاللمس والمس، كناية عن الجُماع.
وهكذا يُكنّي الأُدباء عن ألفاظ ومفاهيم يتفادون التصريح بها لياقةً وأدباً، كالكناية عن الزوجة بالعائلة، وأُمّ الأولاد، وعن التبوّل والتغوط، بقضاء الحاجة، والرمز إلي البرَص والقرْع بالعارض مثلاً، إذ التصريح بتلك الألفاظ والمفاهيم مُستهَجَن عند العُقلاء والعارفين.
وأمّا السبّ فهو: الشتم، نحو ( يا كلب، يا خنزير، يا حمار، يا خائن ) وأمثاله من مصاديق الإهانة والتحقير.
وأمّا القذف: نحو يا منكوح، أو يا ابن الزانية، أو يا زوج الزانية، أو يا أخت الزانية.
وهذه الخصال الثلاث مِن أبشع مساوئ اللسان، وغوائله الخطيرة، التي استنكرها الشرع والعقل، وحذّرت منها الآثار والنصوص.
أمّا الفُحش
فقد قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
في ذمّه: ( إنّ اللّه حرّم الجنّة على كلّ فحّاش بذيء، قليل الحَياء، لا يُبالي
ما قال ولا ما قيل له، فإنّك إنْ فتّشته لم تجده إلاّ لِغيِّة، أو شِرك شيطان )، فقيل يا رسول اللّه، وفي الناس شِرك شيطان ؟! فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:
( أما تقرأ قول اللّه تعالى:( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ )
)( الإسراء: ٦٤ )
المراد بمشاركة الشيطان للناس في الأموال دفعهم على كسبها بالوسائل المحرّمة، وإنفاقها في مجالات الغواية والآثام. وأمّا مشاركته في الأولاد: فبمشاركته الآباء في حال الوقاع إذا لم يُسمُّوا اللّه تعالى عنده، وولد غيِّة أي ولد زنا.
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إنّ مِن شِرار عِباد اللّه مَن تُكرَه مُجالَستُه لِفُحشِه )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن خاف الناسُ لسانه فهو في النار )
وقالعليهالسلام
لنفرٍ من الشيعة: ( معاشِر الشيعة كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حُسناً، واحفظوا ألسنتكم، وكفّوها عن الفضول وقبيح القول )
وأمّا السبّ
فعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: سَبَابُ المؤمن فُسوق، وقتاله كُفر، وأكل لحمه
_____________________
معصية، وحُرمة ماله كحُرمة دمِه )
وعن أبي الحسن موسىعليهالسلام
في رجُلَين يتسابّان فقال: ( البادئ منهما أظلَم، ووزْره ووزر صاحبه عليه، ما لَم يتعدّ المظلوم )
.
وأمّا القذف
فقد قال الباقرعليهالسلام
: ( ما مِن إنسانٍ يَطعنُ في مؤمنٍ، إلاّ مات بشرِّ ميتة، وكان قَمِناً أنْ لا يرجع إلى خير )
وكان للإمام الصادقعليهالسلام
صديقٌ لا يكاد يُفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينما هو يمشي معه في الحذّائين، ومعه غلام سِندِي يمشي خلفهما، إذ التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرات فلم يره، فلمّا نظر في الرابعة قال: يابن الفاعلة أين كنت ؟!
قال الراوي: فرفَع الصادق يدَه فصلَتَ بها جبهة نفسه، ثُمّ قال: سُبحان اللّه تقذف أُمّه !! قد كنت أريتَني أنّ لك ورَعاً، فإذا ليس لك ورَع. فقال: جُعلت فِداك إنّ أُمّه سنديّة مُشركة.
فقال: ( أما علِمت أنّ لكلّ أُمّة نكاحاً، تنَحّ عنّي ).
قال الراوي: فما رأيته يمشي معه، حتّى فرّق بينهما الموت
_____________________
بواعِث البَذاء
مِن الواضح أنّ تلك المُهاتَرات والقوارص، تنشأ غالِباً عن العِداء، أو الحسَد، أو الغضب، وسُوء الخُلق، وكثيراً ما تنشأ عن فساد التربية، وسُوء الأدَب، باعتياد البَذاء وعدَم التحرّج مِن آثامه ومساوئه.
مساوئ المُهاتَرات:
لا ريبَ أنّ لتِلك المُهاتَرات مِن الفُحش، والسبِّ، والقذْف، أضراراً خطيرة وآثاماً فادحة:
فمن مساوئها: أنّها تُجرّد الإنسان مِن خصائص الإنسانية المهذّبة، وأخلاقها الكريمة، وتَسِمَهُ بالسفالة والوحشيّة.
ومنها: أنّها داعية العِداء والبَغضاء، وإفساد العلاقات الاجتماعيّة، وإيجابها المَقت والمُجافاة مِن أفراد المجتمع.
ومنها: أنّها تعرّض ذويها لسخط اللّه تعالى وعقابه الأليم، كما صوّرته النصوص السالفة.
لذلك جاء التحريض على رعاية اللسان، وصونه عن قوارص البَذاء.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( اللسان سبع إنْ حُلّي عنه عقر ).
وستأتي النصوص المُشعِرة بذلك في بحث الكلِم الطيّب.
السُّخرية
وهي: محاكاة أقوال الناس، أو أفعالهم، أو صِفاتهم على سبيل استنقاصهم، والضَّحِك عليهم، بألوان المُحاكاة القوليّة والفعليّة.
وقد حرّمها الشرع لإيجابها العِداء، وإثارة البَغضاء، وإفساد العلاقات الودّية بين أفراد المسلمين.
وكيف يجرؤ المرء على السُّخرية بالمؤمن ؟! واستنقاصه، وإعابته، وكلّ فردٍ سِوى المعصوم، لا يخلُوا من معائب ونقائص، ولا يأمن أنْ تجعله عوادي الزمن يوماً ما هدَفاً للسُّخرية والازدراء.
لذلك ندّد القرآن الكريم بالسُّخرية وحذّر منها:
فقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
( الحُجرات: ١١ ).
وقال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ )
( المطفّفين: ٢٩ - ٣٢ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن روى على مؤمنٍ روايةً يُريدُ بها شَينه، وهدْم مروّته، ليسقُط مِن أعيُن الناس، أخرجَه اللّه تعالى مِن ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبلُه الشيطان )
وعنهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: لا تطلبوا عثَرَات المؤمنين، فإنّه مَن تتبّع عثَرَات المؤمنين تَتَبّع اللّه عثَرَاته، ومَن تتبّع اللّه عثَرَاته يفضَحُه ولو في جوف بيته )
فجديرٌ بالعاقل أنْ ينبذ السُّخرية تحرّجاً مِن آثامها وتوقّياً مِن غوائلها، وأنْ يُقدّر الناس على حسب إيمانهم وصلاحهم، وحُسن طويتهم غاضّاً عن نقائصهم وعيوبهم، كما جاء في الخبَر: ( إنّ اللّه تعالى أخفى أولياءه في عباده، فلا تستصغرنَّ عبداً مِن عباد اللّه، فربَّما كان وليّه وأنت لا تعلم ).
_____________________
الكلِم الطيّب
مَن استقرأ أحداث المشاكل الاجتماعيّة، والأزَمات المعكِّرة لصفو المجتمع، علِم أنّ منشأها في الأغلَب بوادِر اللسان، وتبادل المُهاتَرات الباعثة على توتّر العلائق الاجتماعيّة، وإثارة الضغائن والأحقاد بين أفراد المجتمع.
مِن أجل ذلك كان صون اللسان عن تلك القوارص والمباذل، وتعويده على الكلِم الطيّب والحديث المهذّب النبيل، ضرورة حازمة يفرضها أدَب الكلام وتقتضيها مصلحة الفرد والمجتمع.
فطيبُ الحديث، وحُسنُ المَقال، مِن سِمات النبيل والكمال، ودواعي التقدير والإعزاز، وعوامل الظفَر والنجاح.
وقد دعت الشريعة الإسلاميّة إلى التحلّي بأدَب الحديث، وطيب القول، بصنوف الآيات والأخبار، وركّزت على ذلك تركيزاً متواصلاً، إشاعة للسلام الاجتماعي، وتعزيزاً لأواصر المجتمع.
قال تعالى:( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا )
( الإسراء: ٥٣ ).
وقال سُبحانه:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً )
( البقرة: ٨٣ ).
وقال عزّ وجل:( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )
( فُصِّلت: ٣٤ ).
وقال تعالى:( وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ )
( لقمان: ١٩ ).
وقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )
( الأحزاب: ٧٠ - ٧١ ).
وقال رجلٌ لأبي الحسنعليهالسلام
: أوصني. فقال: ( احفظ لسانك تعزّ، ولا تمكّن الناس مِن قيادك فتَذِلّ رقبتك )
وجاء رجلٌ إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
فقال: يا رسول اللّه، أوصِني. قال: ( احفظ لسانَك ). قال: يا رسول اللّه، أوصني. قال: ( احفظ لسانَك ). قال: يا رسول اللّه، أوصني. قال: ( احفظ لسانَك ، ويحَك وهل يُكبّ الناسُ على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم !!)
وقال الصادقعليهالسلام
لعبّاد بن كثير البصري الصوفي: ( ويحَك يا عبّاد، غرّك أنّ عُفّ بطنُك وفرجُك، إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ )
( الأحزاب: ٧٠ - ٧١ ).
إنّه لا يتقبّل اللّه منك شيئاً حتّى تقول قولاً عدْلاً )
وقال عليّ بن الحسينعليهماالسلام
: ( القول الحسَن يثري المال، وينمّي الرزق، وينسئ في الأجل، ويُحبّب إلى الأهل، ويُدخِل الجنّة )
_____________________
ويُنسب للصادقعليهالسلام
هذا البيت:
عوّد لسانَك قول الخير تحظَ به
|
|
إنّ اللسان لِما عوّدت معتادُ
|
وعن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائهعليهمالسلام
قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( رحم اللّه عبداً قال خيراً فغنِم، أو سكَت عن سُوءٍ فسلِم )
ونستجلي من تلك النصوص الموجّهة ضرورةَ التمسُّك بأدَب الحديث، وصَون اللسان عن البَذاء، وتعويدَه على الكلِم الطيِّب، والقَول الحسَن.
فللكلام العفيف النبيل حلاوته ووقْعُه في نفوس الأصدقاء والأعداء معاً، ففي الأصدقاء ينمّي الحبُّ، ويَستديم الودّ، ويمنَع نَزْغ الشيطان، في إفساد علائق الصداقة والمودّة.
وفي الأعداء يلطّف مشاعر العِداء، ويُخفّف مِن إساءتهم وكيدهم.
لذلك نجِد العُظماء يرتاضون على ضبط ألسنتهم، وصيانتها مِن العثَرات والفلَتَات.
فقد قيل أنّه اجتمع أربعة ملوك فتكلّموا:
فقال ملك الفُرس:ما ندِمت على ما لم أقُل مرّة، وندِمت على ما قُلت مراراً
.
وقال قيصر:أنا على ردِّ ما لم أقُل أقدَر منّي على ردّ ما قُلت
.
وقال ملك الصين:ما لَم أتكلّم بكلمةٍ ملكتها، فإذا تكلّمت بها ملكتني
.
وقال ملك الهند:العجَب ممّن يتكلّم بكلمةٍ إنْ رُفعت ضرّت، وإنْ
_____________________
لم تُرفَع لم تنفع
وليس شيءٌ أدلّ على غباء الإنسان، وحماقته، مِن الثرثرة، وفضول القول، وبَذاءة اللسان.
فقد مرّ أمير المؤمنين برجلٍ يتكلّم بفضول الكلام، فوقف عليه فقال: ( يا هذا إنّك تُملي على حافظيك كتاباً إلى ربّك، فتكلّم بما يعنيك ودَع ما لا يعنيك )
وقالعليهالسلام
: ( مَن كثُر كلامه كثُر خطأه، ومَن كثُر خطأه قلّ حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قلّ ورَعُه، ومَن قلّ ورَعُه مات قلبُه، ومَن مات قلبُه دخل النار )
وعن سليمان بن مهران قال: دخلتُ على الصادقعليهالسلام
وعنده نفرٌ مِن الشيعة، فسمعته وهو يقول: ( معاشِر الشيعة كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حُسناً، واحفظوا ألسنتكم، وكفّوها عن الفضول وقبيح القول )
وتوقّياً مِن بوادر اللسان ومآسيه الخطيرة، فقد حثّت النصوص على الصمت، وعفّة اللسان، ليأمن المرء كبوَتَه وعثَرَاته المدمّرة:
قال الصادقعليهالسلام
: ( الصمتٌ كنزٌ وافر، وزينُ الحليم،
_____________________
وسِترُ الجاهل )
.
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( كان أبو ذر يقول: يا مُبتغي العِلم إنّ هذا اللسان مفتاح خيرٍ، ومفتاح شرٍّ، فاختم على لسانك، كما تختم على ذهَبك ووَرَقِك )
ونُقِل أنّه اجتمع قس بن ساعدة وأكثَم بن صيفي، فقال أحدُهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم مِن العيوب ؟ فقال: هي أكثر مِن أنْ تُحصَر، وقد وجدت خصلةً إنْ استعملها الإنسان ستَرَت العُيوب كلّها. قال: ما هي ؟ قال: حِفظ اللسان.
_____________________
غوائل الذنوب
إنّ بين الأمراض الصحيّة التي يعانيها الإنسان، وبين الذنوب التي يقترفها شبَهاً قويّاً في نشأتهما، وسُوء مغبّتهما عليه.
فكما تنشأ أغلَب الأمراض عن مخالفة الدساتير الصحيّة التي وضَعها الأطباء، وقايةً وعلاجاً للأبدان، كذلك تنشأ الذنوب عن مخالفة القوانين الإلهيّة، والنُظُم السماويّة، التي شرّعها اللّه تعالى لإصلاح البشَر وإسعادهم.
وكما يختصّ كلّ مرضٍ بأضرارٍ خاصّة، وآثارٍ سيّئة، تنعكس على المريض في صور من الاختلاطات والمضاعفات المَرَضيّة، كذلك الذنوب، فإنّ لكلّ نوعٍ منها مغبّةً سيّئة، وضرراً فادحاً، وآثاراً خطيرة، تُسبّب للإنسان ألوان المآسي والشقاء.
ولئن اشتركت الأمراض والذنوب في الإساءة والأذى، فإنّ الذنوب أشدّ نكايةً، وأسوأ أثراً من الأمراض، لسهولة معالجة الأجسام، وصعوبة مباشرة النفوس.
لذلك كانت الذنوب سموماً مُهلكة، وجراثيم فاتكة، تعيث في الإنسان فساداً، وتُعرّضه لصُنوف الأخطار والمهالك.
انظر كيف يَعرض القرآن الكريم صوَراً رهيبةً مِن غوائل الذنوب،
وأخطارها الماحقة في سلسلةٍ مِن آياته الكريمة:
قال تعالى:( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً )
( الإسراء: ١٦ ).
وقال تعالى:( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ )
( الأنعام: ٦ ).
وقال تعالى:( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )
( الأعراف: ٩٦ ).
وقال تعالى:( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
( الأنفال: ٥٣ ).
وقال تعالى:( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ )
( الشورى: ٣٠ ).
وقال تعالى:( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
( الروم: ٤١ ).
وهكذا جاءت أحاديث أهل البيتعليهمالسلام
مُحَذِّرةً غوائل الذنوب، ومآسيها العامّة، وأوضحَت أنّ ما يُعانيه الفرد والمجتمع، مِن ضروب الأزَمَات، والمِحَن، كشيوع المظالم، وانتشار الأمراض، وشُحّ الأرزاق، كلّ ذلك ناشئ مِن مقارفة الذنوب والآثام، وإليك طرَفاً منها:
عن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّه ( صلّى اللّه
عليه وآله ): عجِبتُ لِمَن يحتمي مِن الطعام مخافة الدّاء، كيف لا يحتمي مِن الذنوب مخافة النار ؟!!)
وعن الرضا عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: يقول اللّه تبارك وتعالى: يابن آدم ما تنصفني، أتَحَبّب إليك بالنِّعَم، وتَتَمَقّت إليّ بالمعاصي، خيري عليك مُنزَل، وشرّك إليَّ صاعد، ولا يزال ملَكٌ كريمٌ يأتيني عنك في كلّ يومٍ وليلة بعملٍ قبيحٍ، يابن آدم لو سمِعْت وصفَك مِن غيرك، وأنت لا تعلَم مَن الموصوف، لسارعت إلى مقته )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إذا أذنَب الرجل خرَج في قلبِه نكتةً سَوداء، فإنْ تاب انمَحَت، وإنْ زاد زادَت، حتّى تَغلِب على قلبِه فلا يُفلِح بعدها أبداً )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( إنّ العبدَ يسأل اللّه الحاجة، فيكون مِن شأنه قضاؤها إلى أجلٍ قريب أو إلى وقتٍ بطيء، فيذنب العبدُ ذنباً، فيقول اللّه تبارك وتعالى للمَلَك: لا تقضِ حاجته، واحرمه إيّاها، فإنّه تعرّض لسخَطي، واستوجَب الحرمان منّي )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( كان أبيعليهالسلام
يقول: إنّ اللّه قضى قضاءً حتماً ألاّ يُنعِم على العبدِ بنعمةٍ فيسلُبها إيّاه، حتّى يُحدِث
_____________________
العبدُ ذنباً يستحقّ بذلك النقمة )
.
وقال الرضاعليهالسلام
: ( كلّما أحدَث العِباد مِن الذنوب ما لم يكونوا يعلمون، أحدَث اللّه لهُم مِن البلاء ما لَم يكونوا يعرفون )
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( إذا غضِب اللّه عزّ وجل على أُمّةٍ، ولَم يُنزِل بها العذاب، غلَت أسعارها، وقَصُرت أعمارها، ولَم يربَح تِجّارُها، ولَم تَزكُ ثِمارها، ولم تَغزَر أنهارها، وحُبِس عنها أمطارها، وسلّط عليها شرارها )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( وجدنا في كتاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إذا ظهر الزنا مِن بعدي كثُر موتُ الفجأة، وإذا طُفِّفَ المِكيال والميزان، أخذهم اللّه تعالى بالسنين والنقص، وإذا منعوا الزكاة، مَنعَتْ الأرضُ برَكَتها مِن الزرع والثمار والمعادن كلّها، وإذا جاروا في الأحكام، تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهد سلّط اللّه عليهم عدوّهم، وإذا قطعوا الأرحام جُعلت الأموال في أيدي الأشرار، وإذا لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهَوا عن المنكر، ولم يتّبعوا الأخيار مِن أهل بيتي، سلّط اللّه عليهم شرارهم، فيدعو أخيارهم فلا يُستجاب لهم )
وعن المفضّل قال: قال الصادقعليهالسلام
: ( يا مفضل، إيّاك
_____________________
والذنوب، وحذِّرها شيعتنا، فواللّه ما هي إلى أحدٍ أسرع منها إليكم، إنّ أحدَكم لتُصيبه المَعَرّة مِن السلطان، وما ذاك إلاّ بذنوبه، وإنّه ليصيبه السقَم وما ذاك إلاّ بذنوبه، وإنّه ليُحبَس عنه الرزق وما هو إلاّ بذنوبه، وإنّه ليُشدّد عليه عند الموت وما هو إلاّ بذنوبه، حتّى يقول مَن حضر: لقد غُمّ بالموت ).
فلمّا رأى ما قد دخلني، قال: ( أتدري لم ذاك يا مفضل ؟ ) قلتُ: لا أدري جُعلت فداك.
قال: ( ذاك واللّه أنّكم لا تؤاخَذون بها في الآخرة، وعُجّلت لكم في الدنيا )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( توقّوا الذنوب، فما مِن بليّةٍ، ولا نقصِ رِزقٍ، إلاّ بذنبٍ، حتّى الخَدْش، والكبوَة، والمصيبة، قال اللّه عزّ وجل:( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ )
)
وربّما لبّس الشيطان على بعضٍ الأغراء، بأنّ الذنوب لو كانت ماحقة مدمّرة، لأشقّت المنهمكين عليها، السادرين في اقترافه ا، وهُم رَغم ذلك في أرغَد عيش وأسعَدِ حياة.
وخفِيَ عليهم أنّ اللّه عزَّ وجل لا يُعجزه الدرك، ولا يخاف الفوت، وإنّما يُمهِل العُصاة، ويُؤخّر عقابهم، رعايةً لمصالحهم، عسى أنْ يثوبوا إلى الطاعة والرشد، أو يُمهَلَهم إشفاقاً على الأبرياء والضُّعَفاء مِمّن تضرّهم
_____________________
معاجلةُ المذنبين وهُم بُرَءاءُ مِن الذنوب.
أو يُصابِر المجرمين استدراجاً لهم، ليزدادوا طُغياناً وإثماً، فيأخُذهم بالعقاب الصارم، والعذاب الأليم، كما صرّحت بذلك الآيات والروايات.
قال اللّه تعالى:( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )
( آل عمران: ١٧٨ ).
وقال سُبحانه:( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )
( فاطر: ٤٥ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إذا أرادَ اللّهُ بعبدٍ خيراً، فأذنَب ذنباً، أتبَعهُ بنقمةٍ، ويُذكّره الاستغفار، وإذا أراد بعبدٍ شراً، فأذنب ذنباً، أتبعه بنعمةٍ، ليُنسيه الاستغفار، ويتمادى بها، وهو قول اللّه تعالى:( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ )
( القلم: ٤٤ ) بالنِّعَم عند المعاصي )
.
وقال الإمام موسى بن جعفرعليهماالسلام
: ( إنّ للّه عزّ وجل في كلِّ يومٍ وليلة مُنادِياً يُنادي: مهلاً مهلاً، عبادَ اللّه عن معاصي اللّه، فلولا بهائمٌ رُتّع، وصبيةٌ رُضّع، وشيوخٌ ركّع، لصُبّ عليكم العذاب صبّاً، تُرَضّون به رضّاً )
وقد يختلِج في الذهن أنّ الأنبياء والأوصياء معصومون مِن اقتراف الذنوب والآثام، فكيف يؤاخذون بها، ويعانون صنوف المِحَن والأرزاء ؟
وتوجيه ذلك: أنّ الذنوب تختلف، وتتفاوَت باختلاف الأشخاص،
_____________________
ومبلغ إيمانهم، وأبعاد طاعتهم وعبوديّتهم للّه عزَّ وجل.
فرُبّ متعةٍ بريئة، يتعاطاها فردان: يحسبها الأوّل طيّبةً مباحة، ويحسبُها الثاني جريرةً وذنباً، حيث ألهته عمّا يتعشّقه مِن ذكر اللّه عزّ وجل وعبادته.
وحيث كان الأنبياءعليهمالسلام
هُم المَثل الأعلى في الإيمان باللّه، والتفاني في طاعته والتولّه بعبادته، أعتُبر تركُ الأولى منهم ذنباً وتقصيراً، كما قيل:( حسَنات الأبرار سيّئات المقربّين )
.
هذا إلى أنّ معاناة المحن لا تنجم عن اقتراف الآثام والذنوب فحسب، فقد تكون كذلك.
وقد تكون المحن والأرزاء وسيلة لاستجلاء صبر الممتَحن، وجَلَده على طاعة اللّه، ونافذ قَدَرِه ومشيئته، وقد تكون وسيلةً لمضاعفة أجر المبتلى، وجزيل ثوابه، بصبره على تلك المعاناة، وتفويض أمره إلى اللّه عزّ وجل.
التوبة
لقد عرَفتَ في البحث السابق غوائل الذنوب، وأضرارها الماديّة والروحيّة، والتشابه بينهما وبين الأمراض الجسميّة في فداحتها، وسوء آثارها على الإنسان.
فكما تجدرُ المسارعة إلى عِلاج الجِسم مِن جراثيم الأمراض قبل استفحالها، وضعف الجسم عن مكافحتها، كذلك تجِب المبادرة إلى تصفية النفس، وتطهيرها مِن أوضار الذنوب، ودنَس الآثام، قبل تفاقم غوائلها، وعِسرِ تداركها.
وكما تُعالَج الأمراض الصحيّة بتجرّع العقاقير الكريهة، والاحتماء عن المطاعم الشهيّة الضّارة، كذلك تعالَج الذنوب بمعاناة التوبة والإنابة، والإقلاع عن الشهَوات العارمة، والأهواء الجامحة، ليأمن التائب أخطارها ومآسيها الدنيويّة والأخرويّة.
حقيقة التوبة:
لا تتحقّق التوبة الصادقة النصوح، إلاّ بعد تبلورها، واجتيازها
أطواراً ثلاثة:
فالطور الأوّل: هو طور يَقظَة الضمير، وشعور المذنب بالأسى والندَم على معصية اللّه تعالى، وتعرّضه لسخَطِه وعِقابه، فإذا امتلأت نفس المذنب بهذا الشعور الواعي انتقل إلى:
الطور الثاني: وهو طور الإنابة إلى اللّه عزَّ وجل، والعزم الصادق على طاعته، ونبذ عصيانه، فإذا ما أنس بذلك تحوّل إلى:
الطور الثالث: وهو طور تصفية النفس مِن رواسِب الذنوب، وتلافي سيّئاتها بالأعمال الصالحة الباعثة على توفير رصيد الحسَنَات، وتلاشي السيّئات، وبذلك تتحقّق التوبة الصادقة النصوح.
وليست التوبةُ هزلاً عابثاً، ولقلقة يتشدَّق بها اللسان، وإنّما هي: الإنابة الصادقة إلى اللّه تعالى، ومجافاة عصيانه بعزمٍ وتصميم قويّين، والمستغفِر بلسانه وهو سادر في المعاصي مستهترٌ كذّاب، كما قال الإمام الرضاعليهالسلام
:
( المُستغفِر مِن ذنبٍ ويفعلُه كالمستهزئ بربِّه ).
فضائل التوبة:
للتوبة فضائل جمّة، ومآثر جليلة، صَوّرها القرآن الكريم، وأعربَت عنها آثار أهل البيتعليهمالسلام
.
وناهيك في فضلها أنّها بلسَمُ الذنوب، وسفينة النجاة، وصمّام الأمن
مَن سُخطِ اللّه تعالى وعِقابه.
وقد أبَت العناية الإلهيّة أنْ تُهمِل العُصاة يتخبّطون في دياجير الذنوب، ومجاهل العِصيان، دون أنْ يسَعَهم بعطفه السامي، وعفوه الكريم، فشوّقهم إلى الإنابة، ومهّد لهم التوبة، فقال سُبحانه:
( وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
( الأنعام: ٥٤).
وقال تعالى:( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )
( الزمر: ٥٣ ).
وقال تعالى حاكياً:( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً )
(نوح: ١٠ - ١٢ ).
وقال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )
( البقرة: ٢٢٢ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إذا تابَ العبد توبةً نصوحاً، أحبّه اللّه تعالى فستَر عليه في الدنيا والآخرة ).
قال الراوي: وكيف يستر اللّه عليه ؟ قال: ( ينسي ملَكَيه ما كَتَبَا عليه مِن الذنوب، ثمّ يُوحي اللّه إلى جوارِحه اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بِقاع الأرض اكتمي عليه ما كان يعمل عليك مِن الذنوب، فيَلْقى اللّه تعالى حين يلقاه، وليس شيءٌ يشهدُ
عليه بشيءٍ مِن الذنوب )
وعن الرضا عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: التائبُ مِن الذنب كمَن لا ذنبَ له ).
وقالصلىاللهعليهوآله
في حديثٍ آخر: ( ليس شيءٌ أحبُّ إلى اللّه مِن مؤمنٍ تائب، أو مؤمنةٍ تائبة )
وعن أبي عبد اللّه أو عن أبي جعفرعليهماالسلام
قال: ( إنّ آدم قال: يا ربِّ، سلّطت عليّ الشيطان وأجريته مجرى الدم منّي فاجعل لي شيئاً.
فقال: يا آدم، جعلتُ لك أنّ مَن همّ مِن ذرّيتك بسيّئة لم يُكتَب عليه شيء، فإنْ عملها كُتِبَت عليه سيّئة، ومَن همّ منهم بحسنةٍ فإنْ لم يعملها كُتِبَت له حسنة، فإنْ هو عمِلَها كُتِبت له عشراً.
قال: يا رب زدني. قال: جعلتُ لك أنّ مَن عمِل منهم سيّئة ثمّ استغفرني غفرت له.
قال: يا ربّ، زدني. قال: جَعلتُ لهم التوبة، حتّى يبلغ النفس هذه. قال: يا ربّ حسبي )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( العبد المؤمن إذا أذنب ذنباً أجّله اللّه سبْعَ ساعات، فإنْ استغفر اللّه لم يُكتَب عليه، وإنْ مضت الساعات ولم يستغفر كتبت عليه سيّئة، وإنّ المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتّى
_____________________
يستغفر ربّه فيغفر له، وإنّ الكافر لينساه مِن ساعته )
وقالعليهالسلام
: ( ما مِن مؤمنٍ يُقارف في يومه وليلته أربعين كبيرة فيقول وهو نادم: ( أستغفر اللّه الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيّوم، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، وأسأله أنْ يُصلّي على محمّدٍ وآل محمّدٍ، وأنْ يتوب عليّ ) إلاّ غفرها اللّه له، ولا خير فيمن يُقارف في يومه أكثر مِن أربعين كبيرة )
وجوب التوبة وفوريّتها:
لا ريبَ في وجوب التوبة، لدلالة العقل والنقل على وجوبها:
أمّا العقل: فمن بديهيّاته ضرورة التوقّي والتحرّز عن موجبات الأضرار والأخطار الموجبة لشقاء الإنسان وهلاكه. لذلك وجَب التحصّن بالتوبة، والتحرّز بها مِن غوائل الذنوب وآثارها السيّئة، في عاجل الحياة وآجلها.
وأمّا النقل: فقد فرضتها أوامر القرآن والسنّة فرضاً محتّماً، وشوّقت إليها بألوان التشويق والتيسير.
فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن تاب قبل موته بسنة قّبِل اللّه توبته )، ثمّ قال: ( إنّ السنةَ
_____________________
لكثير، مَن تاب قبل موتِه بشهرٍ قَبِل اللّه توبته ).
ثمّ قال: ( إنّ الشهرَ لكثير، مَن تاب قبل موتِه بجُمعة قَبِل اللّه توبته ).
ثمّ قال: ( إنّ الجُمعة لكثير، مَن تاب قَبل موته بيومٍ قبِل اللّه توبته ).
ثمّ قال: إنّ يوماً لكثير، مَن تابَ قَبل أنْ يُعايَن قبِل اللّه توبته )
وعن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إنّ للّه عزَّ وجل فضولاً مِن رِزقه، يُنحله مَن يشاء مِن خلقه، واللّه باسطٌ يدَيه عند كلّ فجر لمذنبٍ الليل هل يتوب فيغفر له، ويبسط يدَيه عند مغيب الشمس لمذنب النهار هل يتوب فيغفر له )
تجديد التوبة:
مِن الناس مَن يهتدي بعد ضلال، ويستقيم بعد انحراف، فيتدارك آثامه بالتوبة والإنابة، مُلبّياً داعي الإيمان، ونِداء الضمير الحُر.
بَيد أنّ الإنسان كثيراً ما تخدعه مباهج الحياة، وتسترقّه بأهوائها ومغرياتها، فيُقارف المعاصي مِن جديد، منجَرفاً بتيّارها العَرم ِ، وهكذا يعيش صِراعاً عنيفاً بين العقل والشهَوات، ينتصر عليها تارة، وتنتصر عليه أُخرى، وهكذا دواليك.
وهذا ما يعيق الكثيرين عن تجديد التوبة، ومواصلة الإنابة خَشية النكول
_____________________
عنها، فيظلّون سادرين في المعاصي والآثام.
فعلى هؤلاء أنْ يعلموا أنّ الإنسان عرضةً لأغواء الشيطان، وتسويلاته الآثمة، ولا ينجو منها إلاّ المعصومون مِن الأنبياء والأوصياءعليهمالسلام
، وأنّ الأجدر بهم إذا ما استزلّهم بخِدَعِه ومغرياته، أنْ يُجدّدوا عهد التوبة والإنابة بنيّةٍ صادقة، وتصميمٍ جازم، فإنْ زاغوا وانحرفوا فلا يُقنطَهم ذلك عن تجديدها كذلك، مُستشعِرين قول اللّه عزّ وجل:
( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )
( الزمر: ٥٣ ).
وهكذا شجّعت أحاديث أهل البيتعليهمالسلام
على تجديد التوبة، ومواصلة الإنابة، إنقاذاً لصرعى الآثام مِن الانغماس فيها، والانجراف بها، وتشويقاً لهم على استئناف حياة نزيهة مستقيمة.
فعن محمّد بن مسلم قال: قال الباقرعليهالسلام
: ( يا محمّد بن مسلم، ذنوب المؤمن إذا تاب عنها مغفورةٌ له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، أما واللّه إنّها ليست إلاّ لأهل الإيمان ).
قلت: فإنْ عاد بعد التوبة والاستغفار في الذنوب، وعاد في التوبة.
فقال: ( يا محمّد بن مسلم، أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر اللّه تعالى منه ويتوب ثمّ لا يقبل اللّه توبته!! قلتُ: فإنّه فعل ذلك مراراً، يذنب ثمّ يتوب ويستغفر. فقال: كلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة، عاد اللّه عليه بالمغفرة، وإنّ اللّه غفورٌ رحيم، يقبل التوبة، ويعفو عن السيّئات،
فإيّاك أنْ تُقنّط المؤمنين مِن رحمة اللّه تعالى )
وعن أبي بصير قال: ( قلتُ لأبي عبد اللّهعليهالسلام
:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً )
( التحريم: ٨ ) ؟ قال: ( هو الذنب الذي لا يعود إليه أبداً ). قلت: وأيّنا لم يعد.
فقال: ( يا أبا محمّد، إنّ اللّه يُحبّ مِن عباده المفتن التوّاب )
المراد بالمفتن التوّاب: هو مَن كان كثير الذنب كثير التوبة.
ولا بدع أنْ يحبّ اللّه تعالى المفتن التوّاب، فإنّ الإصرار على مقارفة الذنوب، وعدم ملافاتها بالتوبة، دليلٌ صارخٌ على موت الضمير وتلاشي الإيمان، والاستهتار بطاعة اللّه عزّ وجل، وذلك من دواعي سخَطِه وعقابه.
منهاج التوبة:
ولا بدّ للتائب أنْ يعرف أساليب التوبة، وكيفيّة التخلّص مِن تبِعات الذنوب، ومسؤوليّاتها الخطيرة، ليكفّر عن كلّ جريرةٍ بما يلائمها مِن الطاعة والإنابة.
فللذنوب صور وجوانب مختلفة:
منها ما يكون بين العبد وخالقه العظيم، وهي قِسمان: تركُ الواجبات، وفِعل المحرّمات.
_____________________
فترْك الواجبات: كترْك الصلاة والصيام والحجّ والزكاة ونحوها مِن الواجبات. وطريق التوبة منها بالاجتهاد في قضائها وتلافيها جُهدَ المستطاع.
وأمّا فعل المحرّمات: كالزنا وشرب الخمر والقمار وأمثالها مِن المحرّمات، وسبيل التوبة منها بالندم على اقترافها، والعزم الصادق على تركها.
ومِن الذنوب: ما تكون جرائرها بين المرء والناس، وهي أشدّها تبعةً ومسؤوليّة، وأعسرها تلافياً، كغصبِ الأموال، وقتل النفوس البريئة المحرّمة، وهتك المؤمنين بالسبِّ والضرب والنمّ والاغتياب.
والتوبة منها بإرضاء الخصوم، وأداء الظُّلامات إلى أهلها، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإنْ عجَز عن ذلك فعليه بالاستغفار، وتوفير رصيد حسَنَاته، والتضرّع إلى الله عزَّ وجل أنْ يرضيهم عنه يوم الحساب.
قبول التوبة:
لا ريب أنّ التوبة الصادقة الجامعة الشرائط مقبولة بالإجماع، لدلالة القرآن والسنّة عليها:
قال تعالى:( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ )
( الشورى: ٢٥ ).
وقال تعالى:( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ )
( غافر: ٣ ).
وقد عرضنا في فضائل التوبة طرفاً مِن الآيات والأخبار الناطقة بقبول التوبة، وفوز التائبين بشرف رضوان اللّه تعالى، وكريم عفوه، وجزيل آلائه.
وأصدَقُ شاهدٍ على ذلك ما جاء في معرض حديث للنبيّصلىاللهعليهوآله
حيث قال: ( لولا أنّكم تذنبون فتستغفرون اللّه، لخلق اللّه خلقاً، حتّى يذنبوا ثمّ يستغفروا اللّه فيغفر لهم، إنّ المؤمن مفتنٌ توّاب، أما سمِعت قول اللّه:( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )
)( البقرة: ٢٢٢ )
.
أشواق التوبة:
تََتلخّص النصائح الباعثة على التوبة والمشوّقة إليها فيما يلي:
١ - أنْ يتذكّر المُذنب ما صوَّرته الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة، مِن غوائل الذنوب، ومآسيها الماديّة والروحيّة، في عاجل الحياة وآجلها، وما توعّد اللّه عليها مِن صنوف التأديب وألوان العِقاب.
٢ - أن يستعرض فضائل التوبة ومآثر التائبين، وما حباهم اللّه به من كريم العفو، وجزيل الأجر، وسمو العناية واللطف، وقد مرّ ذلك في بداية هذا البحث.
وكفى بهاتين النصيحتين تشويقاً إلى التوبة، وتحريضاً عليها، ولا يرغب عنها إلا أحمق بليد، أو ضعيف الايمان والبصيرة.
_____________________
محاسبة النفس ومراقبتها
المحاسبة هي: محاسبة النفس كلّ يوم عمّا عمِلته مِن الطاعات والمبرّات، أو اقترفته من المعاصي والآثام، فإنْ رجُحت كفّة الطاعات على المعاصي، والحسَنات على السيّئات، فعلى المحاسِب أنْ يشكُر اللّه تعالى على ما وفّقه إليه وشرّفه به مِن جميل طاعته وشرف رضاه.
وإنْ رجُحت المعاصي، فعليه أنْ يؤدّب نفسه بالتأنيب والتقريع على شذوذها وانحرافها عن طاعة اللّه تعالى.
وأمّا المراقبة: فهي ضبطُ النفس وصيانتها عن الإخلال بالواجبات ومقارفة المحرّمات.
وجديرٌ بالعاقل المُستنير بالإيمان واليقين، أنْ يروّض نفسه على المحاسبة والمراقبة فإنّها ( أمّارة بالسوء ): متى أُهمِلَت زاغت عن الحقّ، وانجرفت في الآثام والشهَوات، وأودَت بصاحبها في مهاوي الشقاء والهلاك، ومتى أُخِذَت بالتوجيه والتهذيب، أشرقت بالفضائل، وازدهرت بالمكارم، وسمت بصاحبها نحو السعادة والهناء:( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا )
( الشمس: ٧ - ١٠ ).
هذا إلى أنّ للمحاسبة، والمراقبة أهميّة كُبرى في تأهّب المؤمن، واستعداده لمواجهة حساب الآخرة، وأهواله الرهيبة، ومِن ثمّ اهتمامه بالتزوّد مِن أعمال البِر والخير الباعثة على نجاته وسعادة مآبه.
لذلك طفِقَت النصوص تُشوّق، وتحرّض على المحاسبة والمراقبة بأساليبها الحكيمة البليغة:
قال الإمام الصادقعليهالسلام
: ( إذا أراد أحدكم أنْ لا يسأل ربَّه شيئاً إلاّ أعطاه، فلِيَيأس مِن الناس كلّهم، ولا يكون له رجاء إلاّ مِن عند اللّه تعالى، فإذا علِم اللّه تعالى ذلك مِن قلبهِ لم يسأل شيئاً إلاّ أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أنْ تُحاسَبوا عليها، فإنّ للقيامة خمسين موقفاً، كلّ موقفٍ مقام ألف سنة، ثمّ تلا:( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ )
( المعارج: ٤ )
.
وقال الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
: ( ليس منّا مَن لم يُحاسِب نفسه في كل ّيوم، فإنْ عمِل حسنةً استزاد اللّه تعالى، وإنْ عمِل سيّئةً استغفر اللّه تعالى منها وتاب إليه )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( إنّ رجُلاً أتى النبيّصلىاللهعليهوآله
فقال له: يا رسول اللّه، أوصني.
فقال له رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: فهل أنت مستوصٍ إنْ أنا أوصيتك ؟ حتّى قال له ذلك ثلاثاً، وفي كلّها يقول له الرجل: نعم
_____________________
يا رسول اللّه.
فقال له رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: فإنّي أوصيك، إذا أنت همَمْتَ بأمرٍ فتدبّر عاقبته، فإنْ يكُ رُشداً فأمضِه، وإنْ يكُ غيّاً فانته عنه )
.
وقال الصادقعليهالسلام
لرجلٍ: ( إنّك قد جُعلتَ طبيب نفسك، وبُيّن لك الدَّاء، وعُرّفت آية الصحّة، ودُلِلْتَ على الدواء، فانظر كيف قياسك على نفسك )
.
وعن موسى بن جعفرعليهالسلام
عن آبائهعليهمالسلام
قال:
( قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
بعث سريّة، فلمّا رجعوا قال: مرحباً بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر، وبقيَ عليهم الجهاد الأكبر.
قيل: يا رسول اللّه، وما الجهاد الأكبر ؟ قال: جهاد النفس. ثمّ قال: أفضل الجهاد مَن جاهد نفسه التي بين جنبيه )
دستور المحاسبة:
لقد ذكر المعنيّون بدراسة الأخلاق دستور المحاسبة والمراقبة بأُسلوب مفصّل، ربّما يشقّ على البعض تنفيذه، بيد أنّي أعرضه مُجملاً ومُيسّراً في
_____________________
أمرين هامّين:
١ - أوّل ما يجدر محاسبةُ النفس عليه، أداء الفرائض التي أوجَبها اللّه تعالى على الناس، كالصلاة والصيام والحجِّ والزكاة ونحوها من الفرائض، فإنْ أدّاها المرء على الوجه المطلوب، شكَر اللّه تعالى على ذلك ورجّى نفسه فيما أعدَّ اللّه للمطيعين مِن كرَم الثواب وجزيل الأجر.
وإنْ أغفلها وفرّط في أدائها خوّف نفسه بما توعّد اللّه العُصاة والمتمرّدين عن عباده بالعقاب الأليم، وجدّ في قضائها وتلافيها.
٢ - محاسبة النفس على اقتراف الآثام واجتراح المنكرات، وذلك: بزجرها زجراً قاسياً، وتأنيبها على ما فرّط مِن سيّئاتها، ثمّ الاجتهاد بملافاة ذلك بالندم عليه، والتوبة الصادقة منه.
ولقد ضرب النبيّصلىاللهعليهوآله
أرفع مثَل لمحاسبة النفس، والتحذير مِن صغائر الذنوب ومحُقَّراتها:
قال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ رسول اللّه نزَل بأرضٍ قَرعاء، فقال لأصحابه: ائتونا بحطب. فقالوا: يا رسول اللّه، نحن بأرضٍ قَرعاء ما بها من حطب. قال: فليأت كلّ إنسانٍ بما قدَر عليه، فجاءوا به حتّى رموا بين يدَيه بعضه على بعض، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: هكذا تجتمع الذنوب.
ثمّ قال: إيّاكم والمحقّرات مِن الذنوب، فإنّ لكلّ شيء طالباً، ألا وأنّ طالبها يكتب:
(... مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ )
)( يس: ١٢ )
.
وكان بعض الأولياء يُحاسب نفسه بأُسلوبٍ يستثير الدهشة والإكبار:
من ذلك ما نُقِل عن توبة بن الصمّة، وكان مُحاسباً لنفسه في أكثر أوقات ليله ونهاره، فحسب يوماً ما مضى مِن عمره، فإذا هو ستّون سنة، فحسِب أيّامها فكانت إحدى وعشرين ألف يوم وخمسمِئة يوم، فقال: يا ويلتاه !!، ألقى مالكاً بإحدى وعشرين ألف ذنب، ثمّ صُعِق صَعقةً كانت فيها نفسه
وما أحلى هذا البيت:
إذا المرء أعطى نفسه كلَّ شهوةٍ
|
|
ولم ينهها تاقت إلى كلِّ باطلٍ
|
اغتنام فرصة العمر:
لو وازن الإنسان بين جميع مُتَع الحياة ومباهجها، وبين عمره وحياته لوَجد أنّ العمر أغلى وأنفس منها جميعاً، وأنّه لا يعدله شيء مِن نفائس الحياة وأشواقها الكُثر، إذ من المُمكن اكتسابها أو استرجاع ما نفَر منها.
أمّا العمر فإنّه الوقت المُحدّد الذي لا يستطيع الإنسان إطالة أمده، وتمديد أجلِه المقدّر المحتوم:( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ )
( الأعراف: ٣٤ ).
_____________________
كما يستحيل استرداد ما تصرّم مِن العمر، ولو بذَل المرء في سبيل ذلك جميع مقتنيات الحياة.
وحيث كان الإنسان غفولاً عن قِيَم العمر وجلالة قدره، فهو يُسرِف عابثاً في تَضييعه وإبادته، غير آبهٍ لما تصرّم منه، ولا مُغتنِم فرصته السانحة.
مِن أجل ذلك جاءت توجيهات آل البيتعليهمالسلام
موضّحة نفاسة العمر، وضرورة استغلاله وصرفه فيما يوجِب سعادة الإنسان ورخائه في حياته العاجلة والآجلة.
قال سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله
في وصيّته لأبي ذر: ( يا أبا ذر، كُن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك )
.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( إنّما الدنيا ثلاثة أيّام: يومٌ مضى بما فيه فليس بعائد، ويومٌ أنت فيه فحقّ عليك اغتنامه، ويومٌ لا تدري أنت مِن أهله، ولعلك راحل فيه.
أمّا اليوم الماضي فحكيم مُؤدّب، وأمّا اليوم الذي أنت فيه فصديقٌ مودّع، وأمّا غد فإنّما في يديك منه الأمل ).
وقالعليهالسلام
: ( ما مِن يومٍ يمرُّ على ابن آدم، إلاّ قال له ذلك اليوم: أنا يومٌ جديد، وأنا عليك شهيد، فقل فيّ خيراً، واعمل
_____________________
فيّ خيراً، أشهد لك به يوم القيامة، فإنّك لنْ تراني بعد هذا أبداً )
وروي أنّه جاء رجلٌ إلى عليّ بن الحسينعليهماالسلام
يشكو إليه حاله، فقال: ( مسكينٌ ابن آدم، له في كلّ يومٍ ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدةٍ منهنّ، ولو اعتبَر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا:
فأمّا المصيبة الأُولى: فاليوم الذي ينقص من عمره. قال: وإنْ ناله نُقصان في ماله اغتمّ به، والدهر يخلف عنه والعمر لا يردّه شيء.
والثانية: أنّه يستوفي رزقه، فإنْ كان حلالاً حُوسِبَ عليه، وإنْ كان حراماً عوقِب.
قال: والثالثة أعظم من ذلك.
قيل: وما هي ؟ قال: ما مِن يومٍ يمسي إلاّ وقد دنا مِن الآخرة مرحلة، لا يدري على جنّةٍ أم على نار ).
وقال: ( أكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يولد مِن أمّه ).
( قالت الحُكَماء ما سبَقه إلى هذا أحد )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( اصبروا على طاعة اللّه، وتصبّروا عن معصية اللّه، فإنّما الدنيا ساعة، فما مضى فلستَ تجِد له سروراً ولا حزناً، وما لم يأتِ فلستَ تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنّك قد اغتبطت )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( لا يغرّنك الناس من نفسك،
_____________________
فإنّ الأمر يصل إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكذا وكذا، فإنّ معك مَن يحفِظ عليك عملك، فأحسن فإنّي لم أرَ شيئاً أحسن درَكاً، ولا أسرَع طلَباً، مِن حسنةٍ محدّثة لذنب قديم )
.
وعن جعفر بن محمّد، عن آبائهعليهمالسلام
قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( بادر بأربَع قبل أربَع، بشبابك قبل هرَمك، وصحّتك قبل سقمك، وغِناك قَبل فقرك، وحياتك قَبل موتك )
وعن الباقرعليهالسلام
عن النبيّصلىاللهعليهوآله
قال: ( لا يزولُ قدمَ ( قدما ) عبدٍ يوم القيامة مِن بين يدَي اللّه، حتّى يسأله عن أربَع خِصال: عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك مِن أين اكتسبته وأين وضَعته، وعن حبّنا أهل البيت ؟)
وقال بعض الحكماء: إنّ الإنسان مسافر، ومنازله ستّة، وقد قطع منها ثلاثة وبقي ثلاثة:
فالتي قطعها: -
١ - مِن كتم العدَم إلى صُلب الأب وترائب الأُم.
٢ - رحِم الأُم.
٣ - مِن الرحم إلى فضاء الدنيا.
وأمّا التي لم يقطعها: -
_____________________
فأوّلها القبر. وثانيها فضاء المحشَر. وثالثها الجنّة أو النار.
ونحن الآن في قطع مرحلة المنزل الثالث، ومدّة قطعها مدّة عمرنا، فأيّامنا فراسخ، وساعاتنا أميال، وأنفاسنا خُطوات.
فكم مِن شخصٍ بقي له فراسخ، وآخر بقيَ له أميال، وآخر بقيَ له خُطوات.
وما أروع قول الشاعر:
دقّات قلبِ المرء قائلةٌ له
|
|
إنّ الحياةَ دقائقٌ وثَواني
|
العمل الصالح
لقد عرَفت في البحث السالِف نَفاسَة الوقت، وجلالة العُمر، وأنّه أعزَّ ذخائر الحياة وأنفسها.
وحيثُ كان الوقت كذلك، وجَب على العاقل أنْ يستغلّه فيما يليق به، ويكافئه عزةً ونفاسة مِن الأعمال الصالحة، والغايات السامية، الموجِبة لسعادته ورخائه المادّي والروحي، الدنيوي والأُخروي، كما قال سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآله
: ( ليس ينبغي للعاقل أن يكون شاخصاً إلا في ثلاث: مرمّة لمعاش، أو تزوّد لمعاد، أو لذّة في غير محرم )
.
فهذه هي الأهداف السامية، والغايات الكريمة التي يجدر صَرْف العمر النفيس في طلبها وتحقيقها.
_____________________
وحيث كان الإنسان مدفوعاً بغرائزه وأهدافه وأهوائه إلى كسب المعاش، ونيل المُتَع واللذائذ الماديّة، والتهالك عليها، ممّا يصرفه ويُلهيه عن الأعمال الصالحة، والتأهّب للحياة الآخرة، وتوفير موجبات السعادة والهناء فيها. لذلك جاءت الآيات والأخبار مشوّقة إلى الاهتمام بالآخرة، والتزوّد لها مِن العمل الصالح.
قال تعالى:( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )
( الزلزلة: ٧ - ٨ ).
وقال تعالى:( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
( النحل: ٩٧ ).
وقال تعالي:( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ )
( غافر: ٤٠ ).
وقال تعالى:
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ )
( الجاثية: ١٥ ).
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( يا أبا ذر، إنّك في ممرِّ الليل والنهار، في آجالٍ منقوصة، وأعمالٍ محفوظة، والموت يأتي بغتة، ومَن يزرع خيراً يوشَك أنْ يحصِد خيراً، ومَن يزرع شرَّاً يوشِك أنْ يحصدَ ندامة، ولكلّ زارعٍ مثل ما زرَع )
وقال قيس بن عاصم: وفدت مع جماعة مِن بني تميم إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
، فقلت: يا نبيّ اللّه، عِظنا موعظةً ننتفع بها، فإنّا قومٌ
_____________________
نعمّر في البرّية.
فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( يا قيس، إنّ مع العزِّ ذُلاًّ، وإنّ مع الحياة موتاً، وإنّ مع الدنيا آخرة، وإنّ لكلّ شيء حسيباً، وعلى كلِّ شيءٍ رقيباً، وإنّ لكلّ حسنة ثواباً، ولكلّ سيّئة عقاباً، ولكلِّ أجلٍ كتاباً. وإنّه لا بدَّ لك يا قيس من قرينٍ يُدفَن معك وهو حيّ، وتدفَنُ معه وأنت ميّت، فإنّ كان كريماً أكرمك، وإنْ كان لئيماً أسلمك، ثمّ لا يحشر إلاّ معك، ولا تُبعث إلاّ معه، ولا تُسأل إلاّ عنه، فلا تجعله إلاّ صالحاً، فإنّه إنْ صلُح أُنست به، وإنْ فسُد لم تستوحش إلاّ منه، وهو فعلك )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( إنّ العبد إذا كان في آخر يوم مِن أيّام الدنيا، وأوّل يوم مِن أيّام الآخرة، مُثّل له، ماله، وولده، وعمله، فيلتفت إلى ماله، فيقول: واللّه إنّي كنت عليك حريصاً شحيحاً فمالي عندك ؟ فيقول: خذ منّي كفنك.
قال: فيلتفت إلى ولده فيقول: واللّه إنّي كنت لكم محبّاً، وإنّي كنت عليكم محامياً، فمالي عندكم ؟ فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك فنواريك فيها
قال: فيلتفت إلى عمله فيقول: واللّه إنّي كنت فيك لزاهداً، وإنّك كنت عليّ لثقيلاً، فمالي عندك ؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم
_____________________
نشرك، حتّى أُعرض أنا وأنت على ربّك )
قال: ( فإنْ كان للّه وليّاً، أتاه أطيب الناس ريحاً، وأحسنهم منظراً وأحسنهم رياشاً، فقال: أبشر بروح وريحان، وجنّة نعيم، ومقدمك خير مقدم، فيقول له: مَن أنت ؟ فيقول: أنا عملُك الصالح، ارتحل مِن الدنيا إلى الجنّة...)
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إذا وضع الميت في قبره، مُثّل له شخص، فقال له: يا هذا، كنّا ثلاثة: كان رزقك فانقطع بانقطاع أجلك، وكان أهلك فخلّوك وانصرفوا عنك، وكنت عملك فبقيت معك أما إني كنت أهون الثلاثة عليك )
وعن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن أحسَن فيما بقي من عمره، لم يُؤخَذ بما مضى من ذنبه، ومن أساء فيما بقي من عمره أخذ بالأول والآخر ).
وقد أحسن الشاعر بقوله:
والناس همهم الحياة ولا أرى
|
|
طول الحياة يزيد غير خيال
|
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد
|
|
ذخراً يدوم كصالح الأعمال
|
_____________________
طاعة اللّه وتقواه:
الإنسان عنصر أصيل مِن عناصر هذا الكون، ونمط مثالي رفيع بين أنماطه الكثُر، بل هو أجلّها قدراً، وأرفعها شأناً، وذلك بما حباه اللّه عزّ وجل، وشرّفه بصنوف الخصائص والهِبات التي ميّزته على سائر الخلق:( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً )
(الإسراء: ٧٠ ).
وكان مِن أبرز مظاهر العناية الإلهيّة بالإنسان، ودلائل تكريمه له: أنْ استخلفه في الأرض، واصطفى مِن عيون نوعه وخاصّتهم رُسُلاً وأنبياءً، بعثهم إلى العباد بالشرائع والمبادئ الموجِبة لتنظيم حياتهم، وإسعادهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة.
ولكنّ أغلب البشر، وا أسفاه ! تستعبدهم الأهواء والشهَوات، وتطفي عليهم نوازع التنكّر والتمرّد على النُظُم الإلهيّة، وتشريعها الهادف البنّاء، فيتيهون في مجاهل العصيان، ويتعسّفون طُرُق الغواية والضلال، ومِن ثمّ يعانون ضروب الحيرة والقلق والشقاء، ولو أنّهم استجابوا لطاعة اللّه تعالى، وساروا على هدي نظمه ودساتيره، لسعدوا وفازوا فوزاً عظيماً:( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ).
أرأيت كيف انتظم الكون، واتّسقت عناصره، واستتبّ نظامه ملايين الأجيال والأحقاب ؟! بخضوعه للّه عزَّ وجل، وسيره على مقتضيات دساتيره وقوانينه ؟!
أرأيت كيف ازدهرت حياة الأحياء، واستقامت بجريها على وفق مشيئة اللّه تعالى، وحكمة نظامه وتدبيره ؟!!.
أرأيت كيف يُطبِّق الناس وصايا وتعاليم مخترعي الأجهزة الميكانيكيّة ليضمنوا صيانتها واستغلالها على أفضل وجه ؟!
أرأيت كيف يخضع الناس لنصائح الأطباء، ويعانون مشقّة العلاج ومرارة الحمية، توخّياً للبرء والشفاء ؟!.
فلِمَ لا يطيع الإنسان خالقه العظيم، ومدبّره الحكيم، الخبير بدخائله وأسراره، ومنافعه ومضارّه ؟!.
إنّه يستحيل على الإنسان أنْ ينال ما يَصبو إليه مِن سعادة وسلام، وطمأنينة ورخاء، إلاّ بطاعة اللّه تعالى، وانتهاج شريعته وقوانينه.
أنظر كيف يشوّق اللّه عزّ وجل، عباده إلى طاعته وتقواه، ويحذّرهم مغبّة التمرّد والعصيان، وهو الغنيّ المُطلق عنهم.
قال تعالى:( وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً )
( الأحزاب: ٦١ ).
وقال سُبحانه:( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً )
( الفتح: ١٧ ).
وأمّا التقوى، فقد علّق اللّه خير الدنيا والآخرة، وأناط بها أعزَّ الأماني والآمال، وإليك بعضها:
١ - المحبّة مِن اللّه تعالى، فقال سُبحانه:( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )
( التوبة: ٤ ).
٢ - النجاة مِن الشدائد وتهيئة أسباب الارتزاق، فقال:( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ )
( الطلاق: ٢ - ٣ ).
٣ - النصر والتأييد، قال تعالى:( إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ )
( النحل: ١٢٨ ).
٤ - صلاح الأعمال وقبولها، فقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ )
( الأحزاب: ٧٠ - ٧١ )
وقال:( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ).
٥ - البشارة عند الموت، قال تعالى:( الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ *، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ )
( يونس:٦٣ - ٦٤ ).
٦ - النجاة من النار، قال تعالى:( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا )
( مريم: ٧٢ ).
٧ - الخلود في الجنّة، قال تعالى:( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ )
( آل عمران: ١٣٣).
فتجلّى مِن هذا العرض، أنّ التقوى هي الكنز العظيم، الحاوي لصنوف الأماني والآمال الماديّة والروحيّة، الدينيّة والدنيويّة.
حقيقة الطاعة والتقوى:
والطاعة: هي الخضوع للّه عزّ وجل، وامتثال أوامره ونواهيه.
والتقوى: مِن الوقاية، وهي صيانة النفس عمّا يضرّها في الآخرة، وقصرها على ما ينفعها فيها.
وهكذا تواترت أحاديث أهل البيتعليهمالسلام
حاثّة ومرغّبةً على طاعة اللّه تعالى وتقواه، ومحذّرة مِن عِصيانه ومخالفته.
قال الإمام الحسن الزكيعليهالسلام
في موعظته الشهيرة لجُنادة: ( اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً، وإذا أردت عزّاً بلا عشيرة، وهيبةً بلا سلطان، فاخرج مِن ذُلّ معصية اللّه إلى عزِّ طاعة اللّه عزَّ وجل ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( اصبروا على طاعة اللّه، وتصبّروا عن معصية اللّه، فإنّما الدنيا ساعة، فما مضى فلستَ تجد له سروراً ولا حزناً، وما لم يأتِ فلستَ تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها، فكأنّك قد اغتبطت )
وقالعليهالسلام
: ( إذا كان يوم القيامة يقوم عنُقٌ مِن الناس، فيأتون باب الجنّة فيضربونه، فيُقال لهم: مَن أنتم ؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، فيُقال لهم: على ما صبرتم ؟ فيقولون: كنّا نصبر على طاعة اللّه
_____________________
ونصبر عن معاصي اللّه. فيقول اللّه عزَّ وجل: صدقوا، أدخلوهم الجنّة، وهو قول اللّه عزّ وجل:( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ )
)( الزمر: ١٠)
وقال الباقرعليهالسلام
: ( إذا أردت أنْ تعلم أنّ فيك خيراً، فانظر إلى قلبِك، فإنْ كان يُحبُّ أهل طاعة اللّه عزّ وجل، ويَبغض أهل معصيته ففيك خير، واللّه يُحبُّك.
وإنْ كان يَبغض أهل طاعة اللّه، ويُحِبّ أهل معصيته فليس فيك خير، واللّه يبغضك، والمرء مع مَن أحب )
وقالعليهالسلام
: ما عرَف اللّه مَن عصاه، وأنشد:
تَعصي الإله وأنتَ تُظهر حُبّه
|
|
هذا لعمرك في الفِعال بديعُ
|
لو كان حُبّك صادقاً لأطَعته
|
|
إنّ المحبّ لِمن أحبّ مطيع
|
وعن الحسن بن موسى الوّشا البغدادي قال: كنت بخُراسان مع عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام
في مجلسه، وزيد بن موسى حاضر، وقد أقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم ويقول: نحن ونحن، وأبو الحسن مُقبلٌ على قومٍ يحدّثهم، فسمِع مقالة زيد، فالتفت إليه.
فقال: ( يا زيد، أغرّك قولُ بقّاليّ الكوفة، إنّ فاطمة أحصنت فرجها، فحرّم اللّه ذرّيتها على النار، واللّه ما ذلك إلاّ للحسن والحسين، وولد بطنها خاصّة، فأمّا أنْ يكون موسى بن جعفر يطيع اللّه، ويصوم نهاره، ويقوم ليله،
_____________________
وتعصيه أنت، ثمّ تجيئان يوم القيامة سَواء، لأنتَ أعزّ على اللّه منه ! إنّ عليّ بن الحسين كان يقول: ( لمُحسِننا كِفلان مِن الأجر، ولمُسيئنا ضِعفان مِن العذاب ).
قال الحسن بن الوشّا: ثمّ التفت إليّ وقال: يا حسن، كيف تقرأون هذه الآية ؟:( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ )
)( هود: ٤٦ ).
فقلت: مِن الناس مَن يقرأ:( عَمِلَ غيرَ صالح )
، ومنهم مَن يقرأ:( عَمَلَ غيرَ صالح )
نَفاهُ عن أبيه.
فقالعليهالسلام
: ( كلا لقد كان ابنه، ولكن لمّا عصى اللّه عزَّ وجل، نفاه اللّه عن أبيه، كذا مَن كان مِنّا ولم يُطِع اللّه فليس منّا، وأنت إذا أطَعت اللّه فأنت منّا أهل البيت )
.
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
على الصفا، فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المُطّلب، إنّي رسول اللّه إليكم، وإنّي شفيقٌ عليكم، وإنّ لي عملي، ولكلِّ رجلٍ منكم عمله، لا تقولوا إنّ محمّداً منّا وسنُدخَل مُدخله، فلا واللّه ما أوليائي منكم ولا مِن غيركم، يا بني عبد المطّلب، إلاّ المتّقون، ألا فلا أعرفكم يوم القيامة، تأتون تحملون الدنيا على ظهوركم، ويأتي الناس يحملون الآخرة، ألا إنّي قد أعذرت إليكم فيما بيني وبينكم، وفيما بيني وبين اللّه تعالى فيكم )
.
وعن جابر قال: قال الباقرعليهالسلام
: ( يا جابر، أيكتفي مَن انتحل
_____________________
التشيّع، أنْ يقول بحبّنا أهل البيت ؟! فو اللّه ما شيعتنا إلاّ مَن اتّقى اللّه وأطاعه - إلى أنْ قال: فاتّقوا اللّه واعملوا لما عند اللّه، ليس بين اللّه وبين أحدٍ قرابة، أحبّ العباد إلى اللّه تعالى وأكرمهم عليه أتقاهم، وأعملهم بطاعته.
يا جابر، واللّه ما يُتَقرّب إلى اللّه إلاّ بالطاعة، ما معنى براءة من النار، ولا على اللّه لأحدٍ مِن حجّة، مَن كان للّه مطيعاً فهو لنا وليّ، ومَن كان للّه عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تُنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورَع )
.
وعن المفضّل بن عُمر قال: كنت عند أبي عبد اللّهعليهالسلام
فذكرنا الأعمال، فقلت أنا: ما أضعف عملي. فقال: ( مه ؟! استغفر اللّه ).
ثمّ قال: ( إنّ قليلَ العمل مع التقوى خيرٌ مِن كثيرٍ بلا تقوى ). قلت: كيف يكون كثير بلا تقوى ؟
قال: ( نعم، مثل الرجل يطعم طعامه، ويرفق جيرانه، ويوطئ رحله، فإذا ارتفع له الباب مِن الحرام دخل فيه، فهذا العمل بلا تقوى. ويكون الآخر ليس عنده شيء، فإذا ارتفع له الباب مِن الحرام لم يدخل فيه )
.
قال الشاعر:
ليس من يقطع طريقاً بطلا
|
|
إنّما مَن يتّق اللّه البطل
|
فاتق اللّه فتقوى اللّه ما
|
|
جاورت قلب امرئ إلا وصل
|
_____________________
الثبات على المبدأ
للنُظم والمبادئ أهميّةٌ كُبرى، وأثرٌ بالغ في حياة الأُمَم والشعوب، فهي مصدر الإشعاع والتوجيه في الأُمّة، ومظهر رُقيّها أو تخلّفها، وكلّما سمَت مبادئ الأُمّة، ونُظمِها الإصلاحيّة، كان ذلك برهاناً على تحضّرها وازدهارها.
وكلّما هزُلَت وسخفت المبادئ، كان دليلاً على جهل ذويها وتخلّفهم
وخير المبادئ وأشرفها هو: ما ينظّم حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً، ويصون حرّيته وكرامته، ويُحقّق أمنه ورخاءه، ويوفّر له وسائل السعادة والسلام في مجالَي الدين والدنيا.
وبديهيّ أنّ المبادئ مهما سمَت، وزخرت بجلائل المزايا والخلال، فإنّها لا تُحقّق أماني الأُمّة وآماله، ولا تفيء عليها بالخير المأمول، إلاّ إذا اعتنقتها وحرَصت على حمايتها وتنفيذها في مختلف مجالات الحياة، وإلاّ كانت عديمة الجدوى والنفع.
لذلك كان الثبات على المبدأ الحق مِن أقدس واجبات الأُمّة وفروضها الحتميّة، فهو الذي يرفع معنويّاتها، ويُعزّز قيمتها، ويحقّق أهدافها وأمانيها.
ولم تعرف البشريّة في تاريخها المديد، أكمل وأفضل مِن المبادئ
الإسلاميّة الحائزة على جميع الخصائص والفضائل التي أهلتها للخلود، وبوّأتها قمّة الشرائع والمبادئ.
فهي المبادئ الوحيدة التي تلائم الفِطَر السليمة، وتؤلّف بين القِيَم الماديّة والروحيّة، وتكفُل لمعتنقيها سعادة الدين والدنيا.
ناهيك في جلالتها إنّها إستطاعت أنْ تحقّق في أقلِّ مِن رُبع قرن مِن فتوحات الإيمان، ومعاجز الإصلاح، ما عجزت عن تحقيقه سائر الشرائع والمبادئ.
وأنشأت من الأُمّة العربيّة المُتخلّفة في جاهليّتها خير أُمّةٍ أُخرِجت للناس، حضارةً ومجداً وعِلماً وأخلاقاً.
وما ساد المسلمون الأوّلون وانفردوا بحضارتهم وزعامتهم العلميّة، إلاّ بثباتهم على مبادئهم الخالدة، وتفانيهم في حمايتها ونصرتها.
وما فُجِع المسلمون اليوم، وانتابتهم النكسات المُتتالية، إلاّ بإغفال مبادئهم، وانحرافهم عنها.
أنظر كيف يُمجّد القرآن الكريم المسلمين الثابتين على مبادئهم الرفيعة، المُستمسكين بقِيَم الإيمان ومُثُله العليا:
( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ )
( فصّلت: ٣٠ - ٣٢ )
ولقد كان الرسول الأعظم وأهل بيته الطاهرون، المثل الأعلى في الثبات على المبدأ وحمايته والتضحية في سبيله، بأعزّ النفوس والأرواح.
كانصلىاللهعليهوآله
كلّما اكفهرّت في وجهه أعاصير المِحن، وتألّبت عليه قِوى الكُفر والطغيان ازداد صموداً ومُضيّاً على نشر رسالته، ضارباً في سبيل ذلك أرفع الأمثال: ( لو وضِعَت الشمسُ في يميني، والقمر في يساري ما تركتُ هذا الأمر حتّى يُظهره اللّه، أو أهلك في طلبه ).
وبهذا الصمود والشموخ انهارت قِوى الشرك، واستسلَمت صاغرةً للنبيّصلىاللهعليهوآله
.
وكان أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
على سرّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، ومثاليّته في الثبات على المبدأ والاعتصام به، عُرِضَت عليه الخلافة مشروطةً بكتاب اللّه وسنّة رسوله وسيرة الشيخين، فأبى معتدّاً بمبدئه السامي، ورأيه الأصيل قائلاً: ( بل على كتاب اللّه، وسنّة رسوله، واجتهاد رأيي ).
وألحّ عليه نفرٌ من خاصّته ومواليه أنْ يستميل مَن أغوتهم زخارف الأطماع فسئموا عدل الإمام ومساواته، واستهواهم إغراء معاوية ونواله الرخيص ( يا أمير المؤمنين، أعط هذه الأموال، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرَب وقريش على الموالي والعجَم، ومَن تخاف عليه مِن الناس فراره إلى معاوية ).
فقالعليهالسلام
لهم وهو يُعرِب عن ثباته وتمسّكه بدستور الإسلام، وترفّعه عن الوسائل الاستغلاليّة الآثمة: ( أتأمروني أنْ أطلب النصر بالجور ؟! لا واللّه، ما أفعل ما طلَعت شمسٌ ولاح في السماء نجم، واللّه لو كان مالهم لي لواسيت بينهم، وكيف وإنّما هي أموالهم ؟! ).
وهكذا سرَت مثاليّة الإمامعليهالسلام
إلى الصفوة المختارة مِن أصحابه وحواريه، فكانوا نماذج فذّة، وأنماطاً فريدةً في الثبات على المبدأ والتمسّك بالحقّ، والذود عنه، رغم معاناتها ضروب الإرهاب والتنكيل.
وقد ازدانت أسفار السيَر بطرائف أمجادهم، وطيب ذكراهم، ممّا خلّدت مآثرهم عِبر القرون والأجيال، وإليك طرفاً منها:
قال الحجّاج بن يوسف الثقفي ذات يوم: أحبّ أنْ أصيب رجلاً مِن أصحاب أبي تراب فأتقرّب إلى اللّه بدمه. فقيل له: ما نعلم أحداً كان أطول صُحبةً لأبي تراب من قنبر مولاه. فبَعث في طلبه فأُتي به، فقال له: أنت قنبر ؟ قال: نعم. قال: أبو همدان. قال: نعم. قال: مولى عليّ بن أبي طالب. قال: ( الله مولاي وأمير المؤمنين عليّ وليّ نعمتي ).
قال: ابرأ من دينه، قال: فإذا برئت مِن دينه تدلّني على دينٍ غيره أفضل منه. قال: إنّي قاتلك، فاختر أيّ قتلةٍ أحبّ إليك. قال: صيّرت ذلك إليك. قال: ولِم ؟ قال: لأنّك لا تقتلني قتلةً إلاّ قتلتك مثلها، وقد أخبرني أمير المؤمنين أنّ منيّتي تكون ذبحاً، ظُلماً بغير حقّ.
قال: فأمر به فذُبِح
ورُوي أنّ معاوية أرسل إلى أبي الأسود الدُّؤَلـي هديةً منها حَلواء، يُريد بذلك استمالته وصرفه عن حبِّ عليّ بن أبي طالب، فدخلت ابنة صغيرة له فأخذت لقمة مِن تلك الحلواء وجعلتها في فمها، فقال لها أبو
_____________________
الأسود: يا بنتي، ألقيه فإنّه سُمّ، هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن أمير المؤمنينعليهالسلام
، ويردّنا عن محبّة أهل البيت. فقالت الصبيّة: قبّحه اللّه، يخدعنا عن السيّد المُطهّر بالشهد المُزعفَر ! تبّاً لمُرسِله وآكله، فعالَجت نفسها، حتّى قاءت ما أكلتها، ثمّ قالت:
أبا لِشَهد المزعفر يابن هندٍ
|
|
نبيع عليك أحساباً(إسلاما-خل)ودينا
|
معاذَ اللّه كيف يكون هذا
|
|
ومولانا أميرُ المؤمنينا
|
وكان رشيد الهَجَري من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين، أُتِيَ به إلى زياد لعنه اللّه.
فقال زياد: ما قال لك خليلُك أنّا فاعلون بك ؟ قال: تقطعون يدَيّ ورجلَيّ وتصلبونني.
فقال زياد: أما واللّه لأُكذبنّ حديثه، خلّوا سبيله. فلمّا أراد أنْ يخرج، قال: رُدّوه لا نجد لك شيئاً أصلح ممّا قال صاحبُك، إنّك لن تزال تبغي سوءاً إنْ بقيت، اقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلّم، وقال: أُصلبوه خنقاً في عنقه
ولنستمع إلى كلمات أصحاب الإمام الخالدة، والمُعرِبة عن شدّة حبّهم للإمامعليهالسلام
، وثباتهم على موالاته، وتفانيهم في سبيله:
فهذا عمرو بن الحمق يُخاطب أمير المؤمنينعليهالسلام
فيقول: ( والله يا أمير المؤمنين، إنّي ما أجبتك ولا بايعتك على قرابةٍ بيني وبينك،
_____________________
ولا إرادة مالٍ تؤتينه، ولا إرادة سُلطانٍ ترفع به ذِكري، ولكنّي أجبتك بخصالٍ خمس:
إنّك ابن عمّ رسول اللّه، وأوّل مَن آمن به، وزوج سيّدة نِساء الأُمّة فاطمة بنت محمّد، ووصيّه، وأبو الذريّة التي بقيَت فينا من رسول اللّه، وأسبق الناس إلى الإسلام، وأعظم المهاجرين سهماً في الجهاد.
فلو أنّي كُلّفت نقلَ الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي، حتّى يؤتى عليّ في أمرٍ أُقوّي به وليّك، وأهينُ به عدوّك، ما رأيت أنّي قد أدّيت فيه كلّ الذي يحقّ عليّ مِن حقّك.
فقال عليّعليهالسلام
: ( اللهم نوّر قلبه بالتقى، واهده إلى صراطك المستقيم، ليت أنّ في جندي مِئةً مثلك )، فقال حجر: إذاً واللّه يا أمير المؤمنين، صحّ جندك، وقلّ فيهم مَن يغشك
ورُوي أنّ أمير المؤمنين قال لحِجر بن عَدِي الطائي: ( كيف بك إذا دُعيت إلى البراءة منّي، فما عساك أنْ تقول ؟) فقال: واللّه يا أمير المؤمنين، لو قُطّعت بالسيف إرباً إرباً، وأضرمت لي النار وألقيت فيها، لآثرت ذلك على البراءة منك. فقال: ( وُفّقت لكلِّ خيرٍ يا حِجر، جزاك اللّه خيراً عن أهل بيت نبيّك )
وقال هاشم المرقال، وكان على ميسرةِ أمير المؤمنين بصفّين: واللّه ما أحبّ أنّ لي ما على الأرض ممّا أقلّت، وما تحت السماء ممّا أظلّت،
_____________________
وإنّي واليت عدوّاً لك أو عاديت وليّاً لك.
فقال له أمير المؤمنين: ( اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك، والمرافقة لنبيّك )
ورُوي أنّ أسوَداً دخل على عليّعليهالسلام
فقال: يا أمير المؤمنين * إنّي سرقت فطهّرني.
فقال: لعلّك سرقت مِن غير حِرز ونحّى رأسه عنه. فقال: يا أمير المؤمنين، سرقت مِن حِرزٍ فطهّرني. فقالعليهالسلام
: لعلّك سرقت غير نصاب، ونحّى رأسه عنه. فقال: يا أمير المؤمنين، سرقت نصاباً، فلمّا أقرّ ثلاث مرّات قطعه أمير المؤمنين، فذهب وجعل يقول في الطريق: قطعني أميرُ المؤمنين، وإمام المُتّقين، وقائد الغرّ المُحجّلين، ويعسوب الدين، وسيّد الوصيّين، وجعل يمدحه. فسمِع ذلك منه الحسن والحسين وقد استقبلا فدخلا على أمير المؤمنينعليهالسلام
وقالا: ( رأينا أسوَداً يمدحك في الطريق )، فبعث أمير المؤمنينعليهالسلام
مَن أعاده إلى عنده، فقالعليهالسلام
: ( قطعتك وأنت تمدحني ). فقال: يا أمير المؤمنين، إنّك طهّرتني، وإنّ حبّك قد خالط لحمي وعظمي، فلو قطّعتني إرباً إرباً لما ذهب حبّك مِن قلبي. فدعا له أمير المؤمنينعليهالسلام
، ووضَع المقطوع إلى موضعه فصحّ وصلح كما كان
ولقد سما الحسينعليهالسلام
وأهل بيته الطاهرون وأصحابه الأكرمون
_____________________
إلى أوجّ رفيع، تنحطّ دونه الهِمم والآمال في الثبات على المبدأ والتمسّك بالحقّ، رغم حراجة الموقف، ومعاناة أفدح الخطوب والأهوال.
وقف الحسينعليهالسلام
يوم عاشوراء، وقد أحاط به ثلاثون ألف مقاتل، يبغون إذلاله وقتله، فصرَخ في وجوههم صرخته المدوّية، وأعلن عن إبائه وشموخه بكلماته الخالدة المُجلجلة في مسمع الدهر، والتي لا تزال دستوراً حيّاً يُقدّسه الأباة والأحرار:
( ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ، قد ركَز بين اثنتين، بين السِّلة والذّلة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى اللّه ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهُرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة، مِن أنْ نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ).
ويؤكّد الحسينعليهالسلام
ثباته على المبدأ مؤثراً في سبيله القتل والفداء على الحياة الخانعة الذليلة: ( واللّه لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد ).
( إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برَماً ).
وهكذا اقتفى أصحاب الحسينعليهمالسلام
نهجه ومثاليّته في الصمود والثبات على المبدأ، ومُفاداته بأعزّ النفوس والأرواح. خطبهم الحسينعليهالسلام
خطبةً مِلؤها الحبّ والإعجاب والإشفاق:
( أمّا بعد فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً مِن أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبرّ ولا أوصل ولا أفضل مِن أهل بيتي، فجزاكم اللّه عنّي خيراً، ألا وإنّي لأظنّ يوماً لنا مِن هؤلاء الأعداء، ألا وإنّي قد أذنت لكم
فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذِمام، هذا الليل قد غًشِيَكم فاتّخذوه جملاً، ثمّ ليأخذ كلّ رجلٍ منكم يدَ رجلٍ مِن أهل بيتي، ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يُفرّج اللّه، فإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو قد أصابوني لَلَهوا عن طلبِ غيري ).
فقام إليه مسلم بن عوسجة فقال: أنحن نخلّي عنك !! ولمّا نعذر إلى اللّه في أداء حقّك، أما واللّه حتّى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي، ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به، لقذفتهم بالحجارة، واللّه لا نخلّيك حتّى يعلم اللّه أنّا قد حفظنا عيبة رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
فيك.
واللّه لو علمت أنّي أُقتل، ثُمّ أُحيى، ثمّ أُقتل، ثمّ أحرق، ثمّ أذرى، ثمّ يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك، حتّى ألقى حمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة العظمى التي لا انقضاء لها أبداً.
وقام إليه زهير بن القين فقال: واللّه لوددت أنّي قُتلت، ثمّ انتشرت، ثمّ قُتلت، حتّى أُقتل هكذا ألف مرّة، وأنّ اللّه جلّ وعزّ يدفع بذلك القتل عن نفسك ونفوس هؤلاء الفتيان مِن أهل بيتك.
وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً، فقالوا: واللّه لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قُتلنا كنّا وفّينا وقضينا ما علينا
_____________________
وهكذا طفق أصحاب الحسينعليهالسلام
يُعربون عن ثباتهم وتفانيهم في ولائه ونُصرته والذبّ عنه، بأروَع مفاهيم البطولة والفداء.
وما أحوَج المسلمين اليوم أنْ يستلهموا جهاد أولئك العظماء الأفذاذ، ويقتفوا آثارهم، في التمسّك بالدين، والثبات على المبدأ، والتفاني في نصرة الحقّ، ليستردّوا مجدهم الضائع، وعزّهم السليب، وينقذوا أنفسهم مِن هوان الهزائم الفاضحة والنكسات المتتالية، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم.
القسم الثاني - في الحقوق والواجبات
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ )
قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
:
( الحقُّ أوسَع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحدٍ إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له، ولو كان لأحدٍ أنْ يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً للّه سُبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كلّ ما جرت عليه صروف قضائه. ولكن جعل حقّه على العباد أنْ يطيعوه، وجعل جزاءهم عليها مضاعفة الثواب تفضّلاً منه، وتوسّعاً بما هو مِن المزيد أهله. ثُمّ جعل سُبحانه مِن حقوقه حقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجِب بعضها بعضاً، ولا يستوجِب بعضها إلاّ ببعض ).
تمهيد
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ )
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.
وبعد:
فإنّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع، لا يستغني عن أبناء جنسه، ولا يستطيع اعتزالهم والتخلّف عن مُسايرة ركبهم، فإنّه متى انفرد عنهم أحسَّ بالوحشة والغُربة، واستشعر الوهن والخذلان، إزاء طوارئ الأقدار وملمّات الحياة، وعجَز عن تحقيق ما يصبو إليه مِن أماني وآمال، لا يتسنّى له تحقيقها إلاّ بالتضامن والتآزر الاجتماعيّين.
فهو فرعٌ من دوحةٍ أسريّة وشجت على الآباء، وتفرّعت عن الأبناء، فالأعمام والأخوال، وامتدّت أغصانها حتّى انتضمت سائر الأقرباء والأرحام.
وهو عنصرٌ مِن عناصر المجتمع، ولبنةٌ في كيانه، تتجاذبه أواصرٌ شتّى وصِلاتٌ مختلفة: من العقيدة، والصداقة، والثقافة، والمهنة، وغيرها من الصِلات الكُثر.
وهذا الترابط الاجتماعي، أو المجتمع المترابط، لا بدّ له من دستورٍ ينظّم حياته، ويوثق أواصره، ويحقّق العدل الاجتماعي في ظلاله، بما يرسمه من حقوقٍ وواجبات، فرديّة واجتماعيّة، تضمن صالح المجتمع، وتصون حقوقه وحرماته المقدّسة.
وبذلك يغدو المجتمع زاهراً، سعيداً بالوئام والسلام، والخير والجمال. وبإغفال ذلك يغدو المجتمع بائساً شقيّاً، تسوده الفوضى، ويشيع فيه التسيّب، وتنخر في كيانه عوامل التخلّف والانهيار.
وقد حوت الشريعة الإسلاميّة - فيما حوَته مِن ضروب المعجزات الإصلاحية - أنّها جاءت بدستورٍ أخلاقيٍّ هادف بنّاء، يُنظّم حياة الفرد وحياة المجتمع أفضل وأكمل تنظيم، بما يرسم له مِن حقوقٍ وآدابٍ اجتماعيّة في مختلف الحقول والمجالات، ما يحقّق للمسلمين مفاهيم السلام والرخاء، ويكفل إسعادهم أدبيّاً وماديّاً.
مِن أجل ذلك كان لزاماً على المسلم أنْ يستلهم ذلك الدستور، ويعرف ماله وعليه من الواجبات والحقوق، ويعنى بتطبيقه والسير على هُداه، ليكون مثَلاً رفيعاً في جمال السيرة وحُسن السلوك، ورعاية حقوق مَن ينتسب إليهم، ويرتبط بهم من صنوف الروابط والصلات الاجتماعيّة، وليُحقّق بذلك ما يهفو إليه مِن توقير وحبٍّ وثناء.
وهذا ما حداني إلى وضع هذا الكتاب، الذي خططته ورسمت مفاهيمه على ضوء القرآن الكريم، وأخلاق أهل البيتعليهمالسلام
ووصاياهم الحكيمة الجليلة. وعرضت فيه طائفة مِن أهمّ الحقوق، وأبلغها أثراً في حياة الفرد
والمجتمع، مبتدئاً فيه بحقوق اللّه على العباد، فحقوق رسوله الأعظمصلىاللهعليهوآله
، فحقوق الأئمّة المعصومين من آلهعليهمالسلام
. ثمّ استعرضت الحقوق واحداً إثر آخر، متدرجاً من حقوق العلماء إلى حقوق الأساتذة والطلاب، فالوالدين والأولاد، والزوجيّة والرحميّة، إلى الحقوق الاجتماعيّة الأُخرى التي يجدها المُطالع في حقول الكتاب.
وأملي أنْ يجد فيه المؤمنون رائد خير، وداعيةَ صلاح، ومنار هداية. وأنْ يحظى بشرف قبول اللّه تعالى، وجميل رضوانه، وواسع لُطفه ورحمته، إنّه قريب مجيب.
الحقوق الإلهيّة
تتفاوت الحقوق بتفاوت أربابها، وقِيم عطفهم وفضلهم على المحسنين إليهم.
فللصديق حقٌّ معلوم، ولكنّه دون حقّ الشقيق البار العطوف، الذي جمع بين آصرة القربى وجمال اللطف والحنان.
وحقّ الشقيق دون حقّ الوالدين، لجلالة فضلهما على الولد وتفوقه على كلّ فضل.
وبهذا التقييم ندرك عظمة الحقوق الإلهيّة، وتفوّقها على سائر الحقوق، فهو المنعم الأعظم الذي خلق الإنسان، وحباه مِن صنوف النِّعَم والمواهب ما يعجز عن وصفه وتعداده:( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً )
( لقمان: ٢٠ ).
( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا )
(ابراهيم: ٣٤).
فكيف يستطيع الإنسان حدّ تلك الحقوق وعرضها، والاضطلاع بواجب شكرها، إلاّ بعون اللّه تعالى وتوفيقه.
فلا مناص من الإشارة إلى بعضها والتلويح عن واجباتها، وهي بعد إحراز الإيمان باللّه، والاعتقاد بوحدانيّته، واتّصافه بجميع صِفات الكمال وتنزيهه عمّا لا يليق بجلال إلوهيّته.
١ - العبادة:
قال عليّ بن الحسينعليهالسلام
: ( فأمّا حقُّ اللّه الأكبر فإنّك تعبدُه، لا تُشرك به شيئاً، فإذا فعلت ذلك بإخلاص، جعل لك على نفسه أنْ يكفيك أمر الدنيا والآخرة، ويحفظ لك ما تحبُّ منها )
والعبادة لغةً: هي غاية التذلّل والخضوع، لذلك لا يستحقّها إلاّ المُنعم الأعظم الذي له غاية الأفضال والإنعام، وهو اللّه عزَّ وجل.
واصطلاحاً هي: المواظبة على فعل المأمور به.
وناهيك في عظمة العبادة وجليل آثارها وخصائصها في حياة البشر:
إنّ اللّه عزَّ وجل جعلها الغاية الكُبرى من خلقهم وإيجادهم، حيث قال:
( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ )
( الذاريات: ٥٦ - ٥٨ ).
وبديهي أنّ اللّه تعالى غنيٌّ عن العالمين، لا تنفعه طاعة المطيعين وعبادتهم، ولا تضرّه معصية العصاة وتمرّدهم، وإنّما فرض عبادته على الناس لينتفعوا بخصائصها وآثارها العظيمة، الموجبة لتكاملهم وإسعادهم.
فمِن خصائص العبادة: أنّها مِن أقوى الأسباب والبواعث على تركيز العقيدة ورسوخ الإيمان في المؤمن، لتذكيرها باللّه عزَّ وجل ورجاء ثوابه، والخوف مِن عقابه، وتذكيرها بالرسول الأعظم، فلا ينساه ولا ينحرف عنه.
_____________________
فإذا ما أغفل المؤمن عبادة ربِّه نساه، وتلاشت في نفسه قِيَم الإيمان ومفاهيمه، وغدا عُرضةً للإغواء والضلال. فالعقيدة هي الدوحة الباسقة التي يستظلُّ المسلمون في ظلالها الوارفة النديّة، والعبادة هي التي تصونها وتمدّها بعوامل النموّ والازدهار.
والعبادة بعد هذا مِن أكبر العوامل على التعديل والموازنة، بين القوى الماديّة والروحيّة، التي تتجاذب الإنسان وتصطرع في نفسه ولا تتسنّى له السعادة والهناء إلاّ بتعادلها. ذلك، أنّ طُغيان القوى الماديّة واستفحالها يسترق الإنسان بزخرفها وسلطانها الخادع، وتجعله ميّالاً إلى الأثرة والأنانيّة، واقتراف الشرور والآثام، في تحقيق أطماعه الماديّة.
فلا مناصّ - والحالة هذه - من تخفيف جماح المادّة والحدّ من ضراوتها، وذلك عن طريق تعزيز الجانب الروحي في الإنسان، وإمداده بطاقات روحيّة، تعصمه من الشرور وتوجّهه وجهة الخير والصلاح. وهذا ما تحقّقه العبادة بإشعاعاتها الروحيّة، وتذكيرها المتواصل باللّه تعالى، والدأب على طاعته وطلب رضاه.
والعبادة بعد هذا وذاك: اختبار للمؤمن واستجلاء لأبعاد إيمانه. فالإيمان سرٌّ قلبيٌّ مكنون، لا يتبيّن إلاّ بما يتعاطاه المؤمن مِن ضروب الشعائر والعبادات، الكاشف عن مبلغ إيمانه وطاعته للّه تعالى.
وحيث كانت العبادة تتطلّب عناءً وجهداً، كان أداؤها والحفاظ عليها دليلاً على قوّة الإيمان ورسوخه، وإغفالها دليلاً على ضعفه وتسيّبه.
فالصلاة.. كبيرةٌ إلاّ على الخاشعين، والصيام.. كفّ النفس عن لذائذ الطعام والشراب والجنس، والحجّ.. يتطلّب البذل والمعاناة
في أداء مناسكه، والزكاة.. منح المال الذي تعتزّ به النفس وتحرص عليه، والجهاد: هو الإقدام على التضحية والفداء في سبيل الواجب، وكلّها أمورٌ شاقّة على النفس.
من أجل ذلك كان أداء العبادة والقيام بها بُرهاناً ساطعاً على إيمان صاحبها وطاعته للّه عزّ وجل.
٢ - الطاعة:
وهي الخضوع للّه عزّ وجل وامتثال جميع أوامره ونواهيه.
ولا ريب أنّها مِن أشرف المزايا، وأجل الخلال الباعثة على سعادة المطيع وفوزه بشرف الدنيا والآخرة، كما نوّهت بها الآيات الكريمة والأخبار الشريفة:
قال تعالى:( وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً )
( الأحزاب: ٧١ ).
وقال سُبحانه:( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً )
( الفتح: ١٧ ).
وقال الإمام الحسن الزكيعليهالسلام
: ( وإذا أردت عزّاً بلا عشيرة، وهيبةً بلا سلطان، فاخرج مِن ذلّ معصية اللّه إلى عزِّ طاعة اللّه عزّ وجل ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( اصبروا على طاعة اللّه، وتصبّروا عن
معصية اللّه، فإنما الدنيا ساعة، فما مضى فلست تجد له سروراً ولا حزناً، وما لم يأت فلست تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنّك قد اغتبطت )
٣ - الشكر:
وهو: عرفان نعمة المنعم، وشكره عليها، واستعمالها في مرضاته.
والشكر خلّة مثاليّة يقدّسها العقل والشرع، ويحتمها الضمير والوجدان، إزاء المحسنين من الناس. فكيف بالمنعم الأعظم الذي لا تحصى نعماؤه، ولا تُعدّ آلاؤه ؟
مِن أجل ذلك حثّت الشريعة على التحلّي به، في نصوص عديدة مِن الآيات والروايات.
قال تعالى:( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )
( إبراهيم: ٧ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن أُعطِيَ الشكر أُعطِي الزيادة، يقول اللّه عزّ وجل:( لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ )
)
.
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( الطاعم الشاكر، له مِن الأجر كأجر الصائم المحتسب، والمعافى الشاكر، له مِن الأجر كأجر
_____________________
المبتلى الصابر. والمعطى الشاكر، له من الأجر كأجر المحروم القانع )
٤ - التوكّل:
وهو: الاعتماد على اللّه عزّ وجل في جميع الأُمور، وتفويضها إليه، والإعراض عمّا سواه.
والتوكّل، هو من أجل خصائص المؤمنين ومزاياهم المشرفة، الموجبة لعزّتهم وسموّ كرامتهم وارتياح ضمائرهم، بترفعهم عن الاتّكال والاستعانة بالمخلوقين، ولجوئهم وتوكّلهم على الخلاق العظيم القدير في كسب المنافع ودرء المضار.
لذلك تواترت الآيات والآثار في تمجيد هذا الخُلق، والتشويق إليه.
قال تعالى:( إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ )
( آل عمران: ١٦ ).
وقال تعالى: (
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )
( الطلاق: ٣ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ الغنى والعزّ يجولان، فإذا ظفرا بموضع التوكّل أوطنا )
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
في وصيّته للحسنعليهالسلام
: ( وألجئ نفسك في الأُمور كلّها إلى إلهك، فإنّك تلجئها إلى كهف حريز، ومانع عزيز )
_____________________
حقوق النبيّصلىاللهعليهوآله
كان نبيّنا الأعظم محمّدصلىاللهعليهوآله
، المثل الأعلى في سائر نواحي الكمال، اصطفاه اللّه مِن الخَلق واختاره من العباد، وحباه بأرفع الخصائص والمواهب التي حبا بها الأنبياءعليهمالسلام
، وجمع فيه ما تفرّق فيهم مِن صنوف العظمات والأمجاد ما جعله سيّدهم وخاتمهم.
وناهيك في عظمته أنّه استطاع بجهوده الجبّارة ومبادئه الخالدة، أنْ يحقّق في أقلِّ من ربع قرن من الانتصارات الروحيّة والمكاسب الدينيّة، ما لم يستطع تحقيقه سائر الأنبياء والشرائع في أكثر مِن قرون.
جاء بأكمل الشرائع الإلهيّة، وأشدّها ملائمة لأطوار الحياة، وأكثرها تكفّلاً بإسعاد الإنسان ماديّاً وروحيّاً، ديناً ودنياً، فأخرج الناس من ظلمة الكُفر إلى نور الإسلام، ومِن شقاء الجاهليّة إلى السعادة الأبديّة. وجعل أُمّته أكمل الأُمم ديناً، وأوفرهم عِلماً، واسماهم أدباً وأخلاقاً، وأرفعهم حضارةً ومجداً.
وقد عانى في سبيل ذلك مِن ضروب الشدائد والأهوال، ما لم يعانه أيُّ نبيّ.
من أجل ذلك، فإن القلم عاجز عن تعداد أياديه، وحصر حقوقه
على المسلمين سيّما في هذه الرسالة الوجيزة. فلا بدّ من الإشارة إليها والتلويح عنها.
وهي، بعد الإيمان بنبوته، وتصديقه فيما جاء به من عند اللّه عزّ وجل، والاعتقاد بأنّه سيّد الرسل، وخاتم الأنبياء:
١ - طاعته:
وطاعة النبيّ فرضٌ محتّمٌ على الناس، كطاعة اللّه تعالى، إذ هو سفيره إلى العباد، وأمينه على الوحي، ومنار هدايته الوضّاء.
وواقع الطاعة هو: إتباع شريعته، وتطبيق مبادئه الخالدة، التي ما سعِد المسلمون ونالوا آمالهم وأمانيهم، إلاّ بالتمسّك بها والحفاظ عليها. وما تخلفوا واستكانوا إلا بإغفالها والانحراف عنها.
أنظر كيف يحرض القرآن الكريم على طاعة النبيّصلىاللهعليهوآله
، ويحذّر مغبّة عصيانه ومخالفته، حيث قال:
( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )
( الحشر: ٧ ).
وقال تعالى:( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً )
( الأحزاب: ٣٦ ).
وقال سُبحانه:( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ )
( النساء: ١٣ - ١٤ ).
وقال عزّ وجل:( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ )
(المجادلة: ٢٠ - ٢١).
٢ - محبّته:
تختلف دواعي الحبّ والإعجاب باختلاف نزَعات المُحبّين وميولهم، فمِن الناس مَن يحب الجمال ويُقّدسه، ومنهم مَن يحبّ البطولة والأبطال ويمجدهم، ومنهم من يحب الأريَحيّة ويشيد بأربابها.
وقد اجتمع في النبيّ الأعظمصلىاللهعليهوآله
كلّ ما يفرض المحبّة ويدعو إلى الإعجاب، حيث كان نموذجاً فذاً، ونمطاً فريداً بين الناس. لخصّ اللّه فيه آيات الجمال والكمال، وأودع فيه أسرار الجاذبيّة، فلا يملك المرء إزائه إلاّ الحبّ والإجلال، وهذا ما تشهد به شخصيّته المثاليّة، وتأريخه المجيد.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام
وهو يصف شمائل رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:
( كان نبيُّ اللّه أبيضَ اللون، مُشرباً حمرة، أدعج العين، سبط الشعر، كث اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة، كأنّما عنقه إبريق فضّة يجري في تراقيه الذهب، له شعر مِن لبَّتِه إلى سرّته كقضيب خيط، وليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى
كأنّه ينقلع مِن صخر، إذا أقبل كأنّما ينحدر مِن صب، إذا التفت التفت جميعاً بأجمعه، ليس بالقصير ولا بالطويل، كأنّما عرَقه في وجهه اللؤلؤ، عرقه أطيبُ مِن المسك )
وقالعليهالسلام
وهو يصف أخلاق الرسولصلىاللهعليهوآله
:
( كان أجود الناس كفّاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجةً، وأوفاهم ذمّةً، وأليَنُهم عريكةً، وأكرمهم عِشرةً، مَن رآه بديهة هابه، ومَن خالطه فعرفه أحبّه، لم أر مثله قبله ولا بعده )
ولأجل تلك الشمائل والمآثر، أحبّه الناس على اختلاف ميولهم في الحبّ: أحبّه الأبطال لبطولته الفذّة التي لا يجاريه فيها بطلٌ مغوار، وأحبّه الكرام إذ كان المثل الأعلى في الأريحيّة والسخاء، وأحبّه العُبَّاد لتولّهه في العبادة وفنائه في ذات اللّه، وأحبّه أصحابه المخلصون لمثاليّته الفذّة في الخَلق والخُلق.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( جاء رجلٌ مِن الأنصار إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
، فقال: يا رسول اللّه، ما استطيع فراقك، وإنّي لأدخل منزلي فأذكرك، فأترك ضَيعتي وأقبِل حتّى أنظر إليك حبّاً لك، فذكرت إذا كان يوم القيامة، وأدخلتَ الجنّة، فرُفِعت في أعلى عِليّين، فكيف لي بك يا نبيّ اللّه ؟، فنزل:( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ
_____________________
رَفِيقاً )
(النساء: ٦٩)
فدعا النبيّصلىاللهعليهوآله
الرجلَ فقرأها عليه وبشّره بذلك )
وقال أنَس: جاء رجلٌ من أهل البادية، وكان يُعجبنا أنْ يأتي الرجل من أهل البادية يسأل النبيّصلىاللهعليهوآله
، فقال: يا رسول اللّه متى قيام الساعة ؟
فحضرت الصلاة، فلمّا قضى صلاته، قال: ( أين السائل عن الساعة ؟)
قال: أنا يا رسول اللّه. قال: ( فما أعددتَ لها ؟)
قال: واللّه ما أعددت لها مِن كثير عمل صلاة ولا صوم، إلا أنّي أحبّ اللّه ورسوله.
فقال له النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( المرء مع من أحبّ ).
قال أنَس: فما رأيت المسلمين فرِحوا بعد الإسلام بشيء أشدّ مِن فرحهم بهذا
.
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
، قال: ( كان رجلٌ يبيع الزيت، وكان يحبّ رسول اللّه ( صلّي اللّه عليه وآله ) حبّاً شديداً، كان إذا أراد أنْ يذهب في حاجة لم يمضِ حتّى ينظر إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، قد عُرِف ذلك منه، فإذا جاء تطاول له حتّى ينظر إليه. حتّى إذا كان ذات يوم، دخل فتطاول له رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
حتّى نظر إليه ثمّ مضى في حاجته، فلم يكن بأسرع مِن أنْ رجَع، فلمّا رآه رسول اللّه
_____________________
صلىاللهعليهوآله
قد فعل ذلك، أشار إليه بيده اجلس، فجلس بين يديه، فقال: مالك فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله قبل ؟
فقال: يا رسول اللّه، والذي بعثك بالحقّ نبيّاً، لغشى قلبي شيء مِن ذكرك، حتّى ما استطعت أنْ أمضي في حاجتي، رجعت إليك. فدعا له وقال له خيراً.
ثمّ مكث رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
أيّاماً لا يراه، فلمّا فقده سأل عنه، فقيل له: يا رسول اللّه، ما رأيناه منذ أيّام. فانتعل رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
وانتعل معه أصحابه، فانطلق حتّى أتى سوق الزيت، فإذا دكان الرجل ليس فيه أحد، فسأل عنه جيرته، فقالوا: يا رسول اللّه، مات... ولقد كان عندنا أميناً صدوقاً، إلاّ انّه قد كان فيه خصلة، قال: وما هي ؟ قالوا: كان يَزهَق ( يعنون، يتبع النساء ). فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: لقد كان يحبّني حُبّاً، لو كان بخّاساً لغفر اللّه له )
.
٣ - الصلاة عليه:
قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
( الأحزاب: ٥٦ ).
_____________________
درَج الناس على إجلال العظماء وتوقيرهم بما يستحقّونه من صور الإجلال والتوقير، تكريماً لهم وتقديراً لجهودهم ومساعيهم في سبيل أُممهم.
ومن هنا كان السلام الجمهوري والتحيّة العسكريّة فرضاً على الجنود، تبجيلاً لقادتهم وإظهاراً لإخلاصهم لهم.
فلا غرابة أنْ يكون من حقوق النبيّصلىاللهعليهوآله
على أمته - وهو سيّد الخلق وأشرفهم جميعاً - تعظيمه والصلاة عليه، عند ذكر اسمه المبارك أو سماعه، وغيرهما من مواطن الدعاء.
وقد أعرَبت الآية الكريمة عن بالغ تكريم اللّه تعالى وملائكته للنبيّصلىاللهعليهوآله
:( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ )،
ثمّ وجّهَت الخطاب إلى المؤمنين بضرورة تعظيمه والصلاة والسلام عليه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ).
وجاءت نصوص أهل البيتعليهمالسلام
توضّح خصائص ورغبات الصلاة عليه، بأُسلوبٍ شيّق جذّاب.
فمِن ذلك ما جاء عن ابن أبي حمزة عن أبيه، قال: سألت أبا عبد اللّهعليهالسلام
عن قول اللّه عزَّ وجل:( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
.
فقال: ( الصلاة مِن اللّه عزّ وجل رحمة، ومِن الملائكة تزكية، ومِن الناس دُعاء. وأمّا قوله عزّ وجل:( وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
، فإنّه يعني بالتسليم له فيما ورد عنه ). قال: فقلت له: فكيف نصلّي على محمّدٍ وآله ؟
قال: ( تقولون: صلوات اللّه وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع
خلقه على محمّدٍ وآل محمّدٍ، والسلام عليه وعليهم ورحمة اللّه وبركاته ).
قال: فقلت فما ثواب من صلّى على النبيّ وآله بهذه الصلاة ؟
قال: الخروج من الذنوب، واللّه، كهيئة يومٍ ولدته أُمّه
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( من صلّى على محمٍّد وآل محمّدٍ عشراً صلّى اللّه عليه وملائكته مِئة مرّة، ومَن صلىّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ مِئة صلّى اللّه عليه وملائكته ألفاً، أما تسمع قول اللّه تعالى:( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً )
( الأحزاب: ٤٣ ).
وقال الصادقعليهالسلام
: ( كلّ دعاء يُدعى اللّه تعالى به، محجوبٌ عن السماء حتّى يُصلّى على محمّدٍ وآل محمّد )
وعن احدهماعليهماالسلام
قال: ( ما في الميزان شيءٌ أثقل من الصلاة على محمّدٍ وآل محمّد، وإنّ الرجل ليوضَع أعمالَه في الميزان فيميل به، فيُخرجصلىاللهعليهوآله
( الصلاة عليه ) فيضعها في ميزانه، فيرجح به )
.
وقال الرضاعليهالسلام
: ( مَن لم يقدر على ما يُكفّر به ذنوبه، فليُكثر مِن الصلاة على محمّد وآله، فإنّها تهدِم الذنوب هَدماً )
_____________________
وجاء في الصواعق (ص ٨٧)، قال: ويُروى ( لا تصلّوا عليَّ الصلاة البتراء ). فقالوا: وما الصلاة البتراء ؟ قال: ( تقولون: اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وتمسكون، بل قولوا: اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد )
٤ - مودّة أهل بيته الطاهرين:
الذين فرضَ اللّه مودّتهم في كتابه، وجعلها أجر الرسالة، وحقّاً مفروضاً من حقوق النبيّصلىاللهعليهوآله
، فقال تعالى:( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )
( الشورى: ٢٣ ).
وقد اتّصف أهل البيتعليهمالسلام
بجميع دواعي الإعجاب والإكبار، وبواعث الحبِّ والولاء، كما وصَفهم الشاعر:
مِن معشرٍ حُبّهم دينٌ وبُغضهم
|
|
كفرٌ وقُربهم منجىً ومعتصمُ
|
إنْ عُدّ أهلُ التقى كانوا أئمّتهم
|
|
أو قيل مِن خيرِ أهل الأرضِ قِيل هُمُ
|
نَعَم هُم صفوةُ الخَلق، وحُجج العباد، وسُفن النجاة، وخير مَن أقلّته الأرض وأظلّته السماء - بعد جدّهم الأعظمصلىاللهعليهوآله
- حسَباً ونسَباً وفضائل وأمجاداً.
وكيف يرتضي الوجدان السليم محبّة النبيّصلىاللهعليهوآله
دون أهل بيته الطاهرين، الجديرين بأصدَق مفاهيم الحبِّ والودِّ، إنّها ولا ريب
_____________________
محبّةٌ زائفة تنُمّ عن نفاقٍ ولؤم، كما جاء عن عبد اللّه بن مسعود قال: كنا مع النبيّصلىاللهعليهوآله
في بعض أسفاره، إذ هتَف بنا أعرابي بصوتٍ جمهور، فقال: يا محمّدٍ. فقال له النبيّصلىاللهعليهوآله
: ما تشاء ؟ فقال: المرء يحبّ القوم ولا يعمل بأعمالهم.
فقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( المرء مع من أحبّ ). فقال: يا محمّد، اعرض عليَّ الإسلام. فقال: ( أشهد أنْ لا إله إلاّ اللّه، وانّي رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحجّ البيت ).
فقال: يا محمّد، تأخذ على هذا أجرأ ؟ فقال: ( لا، إلاّ المودّة في القربى ).
قال: قرباي أو قرباك ؟ فقال: ( بل قرباي ). قال: هلمّ يدك حتّى أُبايعك، لا خير فيمن يودّك ولا يودّ قرباك
وقد أجمع الإماميّة أنّ المراد بالقربى في الآية الكريمة، هُم الأئمّة الطاهرون مِن أهل البيتعليهمالسلام
، ووافقهم على ذلك ثُلّة مِن أعلام غيرهم مِن المفسّرين والمحدّثين، كأحمد بن حنبل، والطبراني، والحاكم عن ابن عبّاس. كما نصّ عليه ابن حجَر، في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر من صواعقه، قال: لمّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول اللّه مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قالصلىاللهعليهوآله
:
( عليّ وفاطمة وابناهما )
.
_____________________
انظر، كيف يحرّض النبيّصلىاللهعليهوآله
أُمّته على مودّة قرباه وأهل بيته، كما يحدّثنا به رواة الفريقين:
فمّما ورد من طرقنا:
عن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن أحبّنا أهل البيت فليحمد اللّه على أوّل النِّعَم ).
قيل: وما أوّل النعم ؟ قال: ( طيب الولادة، ولا يحبّنا إلاَّ مَن طابت ولادته )
.
وعن أبي جعفر الباقر عن أبيه عن جدّهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: حُبّي وحبُّ أهل بيتي نافعٌ في سبعةِ مواطن، أهوالهنّ عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط )
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: لو أنّ عبداً عبَد اللّه ألف عام، ثمّ يُذبح كما يُذبح الكبش، ثمّ أتى اللّه ببغضنا أهل البيت، لرُدّ اللّه عليه عمله )
وعن الباقرعليهالسلام
عن النبيّصلىاللهعليهوآله
قال: ( لا تزول قدَم (قدما خ ل) عبدٍ يوم القيامة مِن بين يدَيّ اللّه، حتّى يسأله عن أربع خِصال: عمرِك فيما أفنيته، وجسدِك فيما أبليته، ومالك من أين
_____________________
اكتسبته وأين وضعته، وعن حبنا أهل البيت )
.
وعن الحكم بن عتيبة، قال: بينا أنا مع أبي جعفرعليهالسلام
، والبيت غاصٌّ بأهله، إذ أقبل شيخٌ يتوكّأ على عنزة له، حتّى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك يابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، ثمّ سكت. فقال أبو جعفر: ( وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته ).
ثمّ أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال: السلام عليكم، ثمّ سكت، حتّى أجابه القوم جميعاً وردّواعليهالسلام
.
ثمّ أقبل بوجهه على أبي جعفرعليهالسلام
، ثمّ قال: يابن رسول اللّه، أدنني منك، جعلني اللّه فداك، فو اللّه إنّي لأحبّكم وأحبُّ مَن يحبّكم، وواللّه ما أحبّكم وما أحبّ مَن يحبّكم لطمعٍ في دنيا. وإنّي لأبغض عدوّكم وأبرأ منه، وواللّه ما أبغضه وأبرأ منه لوترٍ كان بيني وبينه. واللّه إنّي لأُحلّ حلالكم، وأُحرّم حرامكم، وأنتظر أمركم. فهل ترجو لي، جعلني اللّه فِداك ؟!
فقال أبو جعفرعليهالسلام
: ( إليّ... إليّ )، حتّى أقعَده إلى جنبه.
ثمّ قال: ( أيّها الشيخ، إنّ أبي عليّ بن الحسينعليهالسلام
، أتاه رجلٌ فسأله عن مثل الذي سألتني عنه، فقال له أبي: إنْ تمُت ترِد على رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وعليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسينعليهمالسلام
، ويثلج قلبُك، ويبرد فؤادُك، وتقرّ عينيك، وتستقبل بالرَّوح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسك هاهنا - وأهوى بيده إلى حلقه - وإنْ تعش ترَ ما يقرُّ اللّه به عينك، وتكون معنا في السنام
_____________________
الأعلى ) - الخ
وممّا جاء مِن طُرق إخواننا:
وأخرج ابن حنبل والترمذي، كما في الصواعق ص ٩١: أنّهصلىاللهعليهوآله
أخذ بيد الحسنَين، وقال: ( مَن أحبّني، وأحبَّ هذين وأباهما وأُمّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة )
وأخرج الثعلبي في تفسيره الكبير، قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:
( ألا مَن مات على حبِّ آل محمّدٍ مات شهيداً، ألا ومَن مات على حبِّ آل محمّدٍ مات مغفوراً له، ألا ومَن مات على حبّ آل محمّدٍ مات تائباً، ألا ومَن مات على حبِّ آل محمّدٍ مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حبِّ آل محمّدٍ بشّره ملَك الموت بالجنّة، ثمّ منكر ونكير، ألا ومات على حبِّ آل محمّدٍ يُزَفُّ إلى الجنّة كما تُزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومِن مات على حبّ آل محمّدٍ فُتِح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبِّ آل محمّد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا ومن مات على بُغض آل محمّدٍ جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيسٌ مِن رحمة اللّه ) - الحديث
وأورد ابن حجَر ص ١٠٣ من صواعقه حديثاً، هذا نصّه:
_____________________
إنّ النبيّ خرَج على أصحابه ذات يوم، ووجهه مشرقٌ كدائرة القمر. فسأله عبد الرحمان بن عوف عن ذلك، فقالصلىاللهعليهوآله
: ( بشارةٌ أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي، بأنّ زوِّج عليّاً من فاطمة، وأمَر رَضوان خازن الجِنان فهزّ شجرة طوبى، فحملت رِقاقاً ( يعني صكاكاً ) بعدد مُحبّي أهل بيتي، وأنشأ تحتها ملائكةً مِن نور، دفع إلى كلّ ملَك صكّاً، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محبٌّ لأهل البيت إلاّ دفعت إليه صكّاً فيه فكاكه مِن النار، فصار أخي وابن عمّي وابنتي فِكاك رِقاب رجالٍ ونِساءٍ من أُمّتي مِن النار )
وجاء في مستدرك الصحيحين ج ٣، ١٢٧، عن ابن عبّاس قال: نظر النبيّصلىاللهعليهوآله
إلى عليّعليهالسلام
فقال: ( يا عليّ، أنت سيّدٌ في الدنيا وسيّدٌ في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب اللّه، وعدوّك عدوّي، وعدوّي عدوّ اللّه، والويل لِمَن أبغضك بعدي )
وأخرج الحافظ الطبري، في كتاب الولاية، بإسناده عن عليّعليهالسلام
أنّه قال: ( لا يحبّني ثلاثة: ولدُ زنا، ومنافق، ورجلٌ حمَلت به أُمّه في بعض حيضها )
وأخرج الطبراني في الأوسط، والسيوطي في إحياء الميّت، وابن حجَر في صواعقه في باب الحثّ على حبّهم:
_____________________
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( الزموا مودّتنا أهل البيت، فإنّه مَن لقيَ اللّه وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا )
إلى كثير من النصوص التي يطول عرضها في هذا المختصر.
ولا ريب أنّ المراد بأهل البيتعليهمالسلام
، هُم الأئمّة الاثنا عشر المعصومون صلوات اللّه عليهم، دون سواهم ؛ لأنّ هذه الخصائص الجليلة، والمزايا الفذّة، لا يستحقّها إلاّ حُججُ اللّه تعالى على العباد، وخلفاء رسوله الميامين.
_____________________
حقوق الأئمة الطاهرينعليهمالسلام
فضلهم:
لقد حاز الأئمّة الطاهرون من أهل البيتعليهمالسلام
السبق في ميادين الفضل والكمال، ونالوا الشرف الأرفع في الأحساب والأنساب. فهم آل رسول اللّه وأبناؤه، نشأوا في ربوع الوصي، وترعرعوا في كنَف الرسالة، واستلهموا حقائق الإسلام ومبادئه عن جدّهم الأعظم، فكانوا ورَثه علمه، وخزّان حكمته، وحماة شريعته الغرّاء، وخُلفاءه الميامين.
وقد جاهدوا في نصرة الدين وحماية المسلمين، جهاداً منقطع النظير، وفدوا أنفسهم في سبيل اللّه تعالى، حتّى استشهدوا في سبيل العقيدة والمبدأ، لا تأخذهم في اللّه لومةُ لائم، ولا تخدعهم زخارف الحياة.
وكم لهم مِن أيادٍ وحقوق على المسلمين، ينوء القلم بشرحها وتعدادها. بيد أنّي أُشير إليها إشارةً خاطفة، وهي:
١ - معرفتهم:
كما جاء في الحديث المتواتر بين الفريقين، وفي الصحاح المعتبرة، قولهصلىاللهعليهوآله
:
( مَن مات ولم يعرف إمام زمانه ماتَ ميتةً جاهليّة )
الإمام هو خليفة النبيّصلىاللهعليهوآله
، وممثله في أُمّته، يبلغها عنه أحكام الشريعة، ويسعى جاهداً في تنظيم حياتها، وتوفير سعادتها، وإعلاء مجدها. وحيث كان الإمام كذلك، وجَب على كلّ مسلم معرفته، كما صرّح بذلك الحديث الشريف، ليكون على بصيرةٍ مِن عقيدته وشريعته، وليسير على ضوء توجيهه وهداه.
فإذا أغفل المسلم معرفة إمامه، ولم يستهد به، وهو الدليل المُخلص، والرائد الأمين، ضلّ عن نهج الإسلام وواقعه، ومات كافراً منافقاً.
وقد أشعر الحديث بضرورة وجود الإمام ووجوب معرفته مدى الحياة ؛ لأنّ إضافة الإمام إلى الزمان تستلزم استمراريّة الإمامة، وتجدّدها عبر الأزمنة والعصور.
وهكذا توالت الأحاديث النبويّة، المتواترة بين الفريقين، والمؤكّدة على ضرورة معرفة الأئمّة الطاهرين، والاهتداء بهم، كقولهصلىاللهعليهوآله
: ( في كلٍّ خلف مِن أُمّتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين، وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين. ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى اللّه، فانظروا مَن توفدون )
وقالصلىاللهعليهوآله
، ( كما جاء في صحيح مسلم ):
_____________________
( لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش ).
وهذا الحديث شاهدٌ على وجود الإمامة حتّى قيام الساعة، وقصرها على الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهمالسلام
، دون غيرهم من ملوك الأمويين والعباسيين لزيادتهم عن هذا العدد.
٢ - موالاتهم:
معرفة الإمام لا تجدي نفعاً، ولا تحقّق الأماني والآمال المعقودة عليه، إلاّ إذا اقترنت بولائه، والسير على هداه. ومتى تجرّدت المعرفة مِن ذلك غدت هزيلةً جوفاء.
ذلك أنّ الإمام هو خليفة رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وحامل لواء الإسلام، ورائد المسلمين نحو المثل الإسلاميّة العليا، يبيّن لهم حقائق الشريعة، ويجلو أحكامها، ويصونها من كيد المُلحدين ودسّهم، ويعمل جاهداً في حماية المسلمين، ونصرهم، وإسعادهم ماديّاً وروحيّاً، ديناً ودُنياً.
من أجل ذلك كان التخلّف عن موالاة الإمام والاهتداء به، مَدعاةً للزيغ والضلال، والانحراف عن خطّ الإسلام ونهجه المرسوم. كما نوّه النبيّصلىاللهعليهوآله
عن ذلك، وأوضح للمسلمين أنّ الهدى والفوز في ولاء الأئمة الطاهرين من أهل البيتعليهمالسلام
، وأنّ الضلال والشقاء في مجافاتهم ومخالفتهم.
قالصلىاللهعليهوآله
: ( إنّما مثَل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق )
وقالصلىاللهعليهوآله
: ( إنّي تركت فيكم ما إنْ تمسّكتم به لنْ تضلّوا بعدي: كتاب اللّه حبلٌ ممدودٌ مِن السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولنْ يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما )
وقد أوضح أمير المؤمنينعليهالسلام
معنى العترة:
فعن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
قال: سئل أمير المؤمنينعليهالسلام
عن معنى قول رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلين، كتاب اللّه وعترتي )، مَن العترة ؟
فقال: ( أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة مِن ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب اللّه ولا يفارقهم، حتّى يردا على رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
حوضه )
وهذا الحديث يدلّ بوضوح أنّ القرآن الكريم والعترة النبويّة الطاهرة، صِنوان مقترنان مدى الدهر، لا ينفكّ احدهما عن قرينه، وأنّه كما يجب أنْ يكون القرآن دستوراً للمسلمين وحجّةً عليهم، كذلك وجَب أنْ يكون في كلّ عصر إمامٍ من أهل البيتعليهمالسلام
يتولّى إمامة المسلمين، ويوجّههم وجهة الخير والصلاح.
_____________________
وقالصلىاللهعليهوآله
: ( مَن أحبَّ أنْ يحيى حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعَدَني ربّي وهي جنّة الخُلد، فليتولّ عليّاً وذرّيته من بعده، فإنهم لنْ يخرجوكم مِن باب هدىً، ولنْ يدخلوكم باب ضلالة )
.
إلى كثير من الأحاديث النبوية المحرضة على موالاة أهل البيتعليهمالسلام
والاقتداء بهم.
٣ - طاعتهم:
قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )
( النساء: ٥٩).
ولقد أوجب اللّه تعالى على المسلمين في الآية الكريمة طاعة الأئمّة مِن آلِ محمّدٍ بِصفتهم خُلفاء رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وأُمراء المسلمين، وقادة الفكر الإسلامي، ليستضيئوا بهُداهم، وينتفعوا بتوجيههم الهادف البنّاء، ولا ينحرفوا عن واقع الإسلام، ونهجه الأصيل.
فرَض طاعتهم، كما فرض طاعته وطاعة رسوله، سَواء ٌبسواء. وهذا ما يشعر بخلافتهم الحقّة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وعصمتهم مِن الآثام ؛ لأنّ الطاعة المطلقة لا يستحقّها إلاّ الإمام المعصوم، الذي فرض اللّه طاعته على العباد.
_____________________
فمِن الخطأ الكبير تأويل ( أُولي الأمر ) وحملها على سائر أُمراء المسلمين، لمخالفة الكثيرين منهم للّه تعالى ورسوله، وانحرافهم عن خطّ الإسلام.
يُحدّثنا زرارة، وهو مِن أجلّ المحدّثين والرواة، عن فضل موالاة الأئمّة مِن أهل البيتعليهمالسلام
، وضرورة طاعتهم، عن أبي جعفرعليهالسلام
، قال: ( بُني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، والولاية ) قال زرارة: فقلت وأيّ شيء مِن ذلك أفضل ؟ قال: ( الولاية ؛ لأنّها مفتاحهنّ، والوالي هو الدليل عليهن..)
إلى أنْ قال: ثمّ قالعليهالسلام
: ( ذروة الأمر، وسنامه، ومفتاحه، وباب الأشياء، ورضا الرحمان.... الطاعة للإمام، بعد معرفته. إنّ اللّه عزّ وجل يقول:
( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً )
( النساء: ٨٠ ).
أما لو أنّ رجلاً قام ليله، وصام نهاره، وتصدّق بجميع ماله، وحجّ دهره، ولم يَعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه حقٌّ في ثواب، ولا كان من أهل الإيمان ) الخبر
وقال الصادقعليهالسلام
: ( وصل اللّه طاعة وليّ أمره.. بطاعة رسوله، وطاعة رسوله... بطاعته، فمَن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع
_____________________
اللّه ولا رسوله )
٤ - أداء حقّهم مِن الخُمس:
قال تعالى:( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )
( الأنفال: ٤١ ).
وهذا الحقّ فرضٌ محتّم على المسلمين، شرّعه اللّه عزّ وجل لأهل البيتعليهمالسلام
ومَن يمُتّ إليهم بشرف القُربى والنسَب.
وهو حقٌّ طبيعي يفرضه العقل والوجدان، كما يفرضه الشرع. فقد درجت الدوَل على تكريم موظّفيها والعاملين في حقولها، فتمنحهم راتباً تقاعديّاً يتقاضوه عِند كبر سنّهم، ويورّثونه لأبنائهم، وذلك تقديراً لجهودهم في صالح أُممهم وشعوبهم.
وقد فرض اللّه الخُمس لآل محمّد وذراريهم، تكريماً للنبيّصلىاللهعليهوآله
، وتقديراً لجهاده الجبّار، وتضحياته الغالية، في سبيل أُمّته، وتنزيهاً لآله عن الصدقة والزكاة.
وقد أوضح أمير المؤمنينعليهالسلام
مفهوم ذي القربى، فقال: ( نحن واللّه الذين عنى اللّه بذي القربى، الذين قرنهم اللّه بنفسه ونبيّه، فقال:( مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ )
( الحشر:٧ )
منّا خاصّة ؛ لأنّه لم يجعل لنا سَهماً
_____________________
في الصدقة، وأكرم اللّه نبيّه، وأكرمنا أنْ يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس )
وعن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام
: أصلحك اللّه، ما أيسر ما يدخل به العبد النار ؟ قال: ( مِن أكل مال اليتيم درهماً، ونحن اليتيم )
وقد دار الجدال والنقاش بين الإمامية وغيرهم، حول مفهوم الغنيمة، أهي مختصّة بغنائم الحرب، أم عامّة لجميع الفوائد والمنافع ؟ وتحقيق ذلك يخرج هذا الكتاب عن موضوعه الأخلاقي، ومرجعه المصادر الفقهيّة.
٥ - الإحسان إلى ذرّيتهم:
من دلائل مودّة الأئمّة الطاهرينعليهمالسلام
، ومقتضيات ولائهم، والوفاء لهم... رعاية ذراريهم، والبِرّ بِهم، والإحسان إليهم. وهم جديرون بذلك، لشرف انتمائهم إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، وانحدارهم مِن سلالة أبنائه المعصومينعليهمالسلام
.
وقد أعرب النبيّصلىاللهعليهوآله
عن اغتباطه وحبّه لمُبجّليهم ومكرميهم، كما أوضح استنكاره وسخطه على مؤذيهم والمسيئين إليهم.
فعن الرضا عن آبائه عن عليّعليهالسلام
، قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: أربعةٌ أنا لهم شفيع يوم القيامة: المُكرم لذُرّيتي مِن
_____________________
بعدي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمولهم عند اضطرارهم، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه )
وعن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إذا قمتُ المقام المحمود، تشفّعت في أصحاب الكبائر مِن أُمّتي، فيُشفّعني اللّه فيهم. واللّه لا تشّفعت فيمَن آذى ذرّيتي )
٦ - مدحهم ونشر فضلهم:
طبع النُّبلاء على تقدير العظماء والمجلّين في ميادين الفضائل والمكرمات، فيطرونهم بما يستحقّونه مِن المدح والثناء، تكريماً لهم وتخليداً لمآثرهم.
وحيث كان الأئمّة الطاهرون أرفع الناس حسباً ونسباً، وأجمعهم للفضائل، وأسبقهم في ميادين المآثر والأمجاد، استحقّوا مِن مواليهم ومحبّيهم أنْ يعربوا عمّا ينطوون عليه مِن عواطف الحبّ والولاء، وبواعث الإعجاب والإكبار، وذلك بمدحهم، ونشر فضائلهم، والإشادة بمآثرهم الخالدة، تكريماً لهم، وتقديراً لجهادهم الجبّار، وتضحياتهم الغالية في خدمة الإسلام والمسلمين.
وناهيك في فضلهم أنّهم كانوا غياث المسلمين، وملاذهم في كلّ خَطب، لا يألون جُهداً في إنقاذهم، وتحريرهم مِن سطوة الطغاة والجائرين،
_____________________
وإمدادهم بأسمى مفاهيم العزّة والكرامة، ما وسَعهم ذلك حتّى استشهدوا في سبيل تلك الغاية السامية.
والناس إزاء أهل البيت، فريقان:
فريقٌ حاقد مُبغض، ينكر فضائلهم ومُثلهم الرفيعة ويتعامى عنها، رغم جمالها وإشراقها، فهو كما قال الشاعر:
ومَن يك ذا فَمٍ مُرّ مريضٍ
|
|
يجِد مُرّاً به الماء الزلالا
|
وفريقٌ والهٌ بحبّهم وولائهم، شغوفٌ بمناقبهم، طروبٌ لسماعها، ويلهج بترديدها والتنويه عنها، وإنْ عانى في سبيل ذلك ضروب الشدائد والأهوال. وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنينعليهالسلام
بقوله:
( لو ضَربتُ خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أنْ يبغضني ما أبغضني، ولو صبَبت الدنيا بجماتها على المنافق، على أنْ يحبّني ما أحبّني، وذلك أنّه قضى فانقضى على لسان النبيّ الأُمّيصلىاللهعليهوآله
، أنّه قال: يا علي، لا يبغضك مؤمن، ولا يحبّك منافق ).
مِن أجل ذلك كان العارفون بفضائلهم، والمتمسّكون بولائهم، يتبارون في مدحهم، ونشر مناقبهم، معربين عن حبّهم الصادق وولائهم الأصيل، دونما طلبِ جزاءٍ ونوال.
وكان الأئمّةعليهمالسلام
يستقبلون مادحيهم بكلّ حفاوة وترحاب، شاكرين لهم عواطفهم الفيّاضة، وأناشيدهم العذبة، ويكافؤنهم عليها بما وسِعت يداهم مِن البرِّ والنوال، والدعاء لهم بالغفران، وجزيل الأجر والثواب.
فقد جاء في ( خزانة الأدب ): حكى ( صاعد ) مولى الكميت، قال: دخلت مع الكميت على عليّ بن الحسينعليهالسلام
فقال: إنّي قد مدحتك بما أرجو أنْ يكون لي وسيلة عند رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، ثمّ أنشده قصيدته التي أوّلها:
مَن لقلب متيم مستهام
|
|
غير ما صبوة ولا أحلام
|
فلمّا أتى على آخرها، قال له: ( ثوابك نعجز عنه، ولكن ما عجزنا عنه فإنّ اللّه لا يعجز عن مكافأتك، اللهمّ اغفر للكميت ). ثمّ قسط له على نفسه وعلى أهله أربعمِئه ألف درهم، وقال له: ( خذ يا أبا المستهل ). فقال له: لو وصلتني بدانق لكان شرفاً لي، ولكن إنْ أحببت أنْ تحسن إليّ فادفع إليّ بعض ثيابك أتبرّك بها، فقام فنزع ثيابه ودفعها إليه كلّها، ثمّ قال: ( اللهم إنّ الكميت جاد في آل رسولك وذرّية نبيّك بنفسه حين ضنّ الناس، وأظهر ما كتمه غيره من الحقّ، فأحيه سعيداً، وأمته شهيداً، وأره الجزاء عاجلاً، وأجزل له المثوبة آجلاً، فإنّا قد عجزْنا عن مكافأته ).
قال الكُميت: مازلت أعرف بركة دعائه
.
وقال دعبل: دخلت على عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام
- بخراسان - فقال لي: ( أنشدني شيئاً ممّا أحدثت )، فأنشدته:
مدارس آياتٍ خلت مِن تلاوة
|
|
ومنزل وحي مقفرٍ العرصات
|
حتّى انتهيت إلى قولي:
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم
|
|
أكفّاً عن الأوتار منقبضاتِ
|
_____________________
فبكى حتّى أُغمي عليه، وأومأ إليّ خادم كان على رأسه: أنْ اسكت، فسكتُّ فمكث ساعة ثمّ قال لي: أعد. فأعدتُ حتّى انتهيت إلى هذا البيت أيضاً، فأصابه مثل الذي أصابه في المرّة الأولى، وأومأ الخادم إليّ أنْ أسكت، فسكت. فمكث ساعة أُخرى، ثمّ قال لي: أعد. فأعدت حتّى انتهيت إلى آخرها، فقال لي: أحسنت، ثلاث مرّات. ثمّ أمر لي بعشرة آلاف درهم، ممّا ضرب باسمه، ولم تكن دُفِعت إلى أحدٍ بعد. وأمر لي مِن في منزله، بحليّ كثيرٍ أخرجه إليّ الخادم، فقدِمت العراق، فبعت كلّ درهم منها بعشرة دراهم، اشتراها منّي الشيعة، فحصل لي مِئة ألف درهم، فكان أوّل مالٍ اعتقدته.
قال ابن مهرويه: وحدّثني حذيفة بن محمّد، أنّ دعبلاً قال له: إنّه استوهب مِن الرضاعليهالسلام
ثوباً قد لبسه، ليجعله في أكفانه. فخلع جبّةً كانت عليه، فأعطاه إيّاها. فبلغ أهل قم خبرها، فسألوه أنْ يبيعهم إيّاها بثلاثين ألف درهم، فلم يفعل، فخرجوا عليه في طريقه، فأخذوها منه غصباً، وقالوا له: إنْ شئت أنْ تأخذ المال فافعل، وإلاّ فأنت أعلم. فقال لهم: إنّي واللّه لا أعطيكم إيّاها طوعاً، ولا تنفعكم غصباً، وأشكوكم إلى الرضاعليهالسلام
. فصالحوه، على أنْ أعطَوه الثلاثين ألف درهم وفردكم مِن بطانتها، فرضي بذلك. فأعطوه فردَكم فكان في أكفانه
وكم لهذه القصص مِن أشباهٍ ونظائر، يطول عرضها وتعدادها في هذا المجال المحدود.
_____________________
٧ - زيارة مشاهدهم:
ومِن حقوقهم على مواليهم وشيعتهم، زيارة مشاهدهم المشرّفة، والتسليم عليهم. فإنّها مِن مظاهر الحبّ والولاء، ومصاديق الوفاء والإخلاص فهم سيّان، أحياءً وأمواتاً.
قال الشيخ المفيد أعلى اللّه مقامه:
( إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
والأئمّة مِن عترته خاصّة، لا يخفى عليهم بعد الوفاة أحوال شيعتهم في دار الدنيا، بإعلام اللّه تعالى لهم ذلك حالاً بعد حال، ويسمعون كلام المناجي لهم في مشاهدهم المكرّمة العظام، بلطيفةٍ من لطائف اللّه تعالى، بيّنهم بها مِن جمهور العباد، وتبلغهم المناجاة من بُعد، كما جاءت به الرواية، وهذا مذهب فقهاء الإمامية كافّة...
وقد قال اللّه تعالى فيما يدلّ على جملته:( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءً عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )
( آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠ )
وقال في قصّة مؤمن آل فرعون:( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ )
( ياسين: ٢٦- ٢٧ ).
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( مَن سلّم عليّ عند قبري سمعته،
ومَن سلّم عليّ مِن بعيد بلغته ). سلام اللّه عليهم ورحمته وبركاته.
ثمّ الأخبار في تفصيل ما ذكرناه، مِن الجُمل عن أئمّة آل محمّد، بما وصفناه نصّاً ولفظاً، أكثر
وقد تواترت نصوص أهل البيتعليهمالسلام
، في فضل زيارة مشاهدهم، وما تشتمل عليه من الخصائص الجليلة، والثواب الجم.
فعن الوشّا، قال: سمعت الرضاعليهالسلام
يقول: ( إنّ لكلّ إمامٍ عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ مِن تمام الوفاء بالعهد وحُسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبةً في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه، كان أئمّتهم شفعاءهم يوم القيامة )
وعن زيد الشحّام قال: قلت لأبي عبد اللّهعليهالسلام
: ما لِمَن زار واحداً منكم ؟ قال: ( كمَن زار رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
وعن أبي الحسن موسىعليهالسلام
قال: ( إذا كان يوم القيامة، كان على عرش الرحمان أربعةٌ مِن الأوّلين، وأربعةٌ مِن الآخرين، فأمّا الأربعة الذين هُم مِن الأوّلين: فنوحٌ وإبراهيم وموسى وعيسى، وأمّا الأربعة مِن الآخرين: محمّدٌ وعليّ والحسن والحسينعليهمالسلام
. ثمّ يُمدّ الطعام فيقعد
_____________________
معنا مَن زار قبور الأئمّة، ألا إنّ أعلاهم درجة وأقربهم حبوةً زوّار قبر ولدي )
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: زارنا رسول اللّه، وقد أهدت لنا أُمّ أيمن لبناً وزبداً وتمراً، قدّمنا منه، فأكل، ثمّ قام إلى زاوية البيت فصلّى ركعات، فلمّا كان في آخر سجوده بكى بكاءً شديداً، فلَم يسأله أحدٌ منّا إجلالاً وإعظاماً، فقام الحسين في الحجرة وقال له: يا أبه لقد دخلت بيتنا، فما سررنا بشيء كسرورنا بدخولك، ثمّ بكيت بكاءً غمّاً، فما أبكاك ؟ فقال: يا بني، أتاني جبرئيل آنفاً، فأخبرني أنّكم قتلى ؟ وأنّ مصارعكم شتّى. فقال: يا أبه، فما لِمَن يزور قبورنا على تشتّتها ؟ فقال: يا بني، أُولئك طوائف من أُمّتي، يزورونكم، فيلتمسون بذلك البركة، وحقيقٌ عليّ أنْ آتيهم يوم القيامة حتّى أُخلّصهم مِن أهوال الساعة مِن ذنوبهم، ويسكنهم اللّه الجنّة )
_____________________
حقُوق العلماء
فضل العلم والعلماء:
العلم... أجلّ الفضائل، وأشرف المزايا، وأعزّ ما يتحلّى به الإنسان. فهو أساس الحضارة، ومصدر أمجاد الأُمم، وعنوان سموّها وتفوّقها في الحياة، ورائدها إلى السعاة الأبديّة، وشرف الدارين.
والعلماء... هُم ورثة الأنبياء، وخزّان العلم، ودُعاة الحقّ، وأنصار الدين، يهدون الناس إلى معرفة اللّه وطاعته، ويوجهونّهم وُجهة الخير والصلاح.
مِن أجل ذلك تضافرت الآيات والأخبار على تكريم العِلم والعُلماء، والإشادة بمقامهما الرفيع.
قال تعالى:( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )
( الزمر: ٩).
وقال تعالى:( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )
(المجادلة: ١١).
وقال تعالى:( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء )
( فاطر: ٢٨).
وقال تعالى:( وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ )
( العنكبوت:٤٣ ).
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن سلَك طريقاً يطلب فيه عِلماً، سلَك اللّه به طريقاً إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وإنّه يستغفر لطالب العِلم مَن في السماء ومَن في الأرض، حتّى الحوت في البحر. وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر. وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورّثوا العلم، فمَن أخذ منه أخذ بحظٍّ وافر )
.
وقال الباقرعليهالسلام
: ( عالمٌ يُنتفع بعلمه أفضل مِن سبعين ألفَ عابد )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إذا كان يوم القيامة، جمع اللّه عزّ وجل الناس في صعيد واحد، ووضعت الموازين، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مِداد العلماء على دماء الشهداء )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إذا كان يوم القيامة، بعث اللّه عزّ وجل العالم والعابد، فإذا وقفا بين يدي اللّه عزّ وجل، قيل للعابد انطلق إلى الجنّة، وقيل للعالم قِف تشفّع للناس بحسن تأديبك لهم )
_____________________
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( يا كُميل، هلك خزّان الأموال وهُم أحياء، والعلماء باقون ما بقيَ الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
، قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: يجيء الرجل يوم القيامة، وله مِن الحسنات كالسحاب الركام، أو كالجبال الراوسي، فيقول: يا ربِّ، أنّى لي هذا ولم أعملها ؟ فيقول: هذا عِلمك الذي علّمته الناس، يُعمل به مِن بعدك )
ولا غرابة أنْ يحظى العُلماء بتلك الخصائص الجليلة، والمزايا الغرّ. فهم حماة الدين، وأعلام الإسلام، وحفَظَة آثاره الخالدة، وتراثه المدخور. يحملون للناس عبر القرون، مبادئ الشريعة وأحكامها وآدابها، فتستهدي الأجيال بأنوار علومهم، ويستنيرون بتوجيههم الهادف البنّاء.
وبديهيّ أنّ تلك المنازل الرفيعة، لا ينالها إلاّ العلماء المخلصون. المجاهدون في سبيل العقيدة والشريعة، والسائرون على الخطّ الإسلامي، والمتحلّون بآداب الإسلام وأخلاقه الكريمة.
ولهؤلاء فضلٌ كبير، وحقوقٌ مرعيّة في أعناق المسلمين، جديرةٌ بكلّ عنايةٍ واهتمام، وهي:
_____________________
١ - توقيرهم:
وهو في طليعة حقوقهم المشروعة، لتحلّيهم بالعلم والفضل، وجهادهم في صيانة الشريعة الإسلامية وتعزيزها، ودأبهم على إصلاح المُجتمع الإسلامي وإرشاده.
وقد أعرب أهل البيتعليهمالسلام
عن جلالة العلماء، وضرورة تبجيلهم وتوقيرهم، قولاً وعملاً، حتّى قرّروا أنّ النظر إليهم عبادة، وأنّ بُغضهم مَدعاة للهلاك، كما شهِد بذلك الحديث الشريف:
فعن موسى بن جعفر عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قالصلىاللهعليهوآله
: النظر في وجه العالم حبّاً له عبادة )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: أغد عالماً أو متعلّماً، أو أُحِبَّ العلماء، ولا تكُن رابعاً فتهلَك ببغضهم )
وهكذا كانواعليهمالسلام
يبجّلون العلماء، ويرعونهم بالحفاوة والتكريم، يحدّثنا الشيخ المفيد (ره)، عن توقير الإمام الصادقعليهالسلام
لهشام بن الحكم - وكان مِن ألمع أصحابه وأسماهم مكانة عنده -: ( أنّه دخل عليه بمنى، وهو غلامٌ أوّل ما اختلط عارضاه، وفي مجلسه شيوخ الشيعة، كحمران بن أعيَن، وقيس الماصر، ويونس بن يعقوب، وأبي جعفر الأحوَل
_____________________
وغيرهم، فرفَعه على جماعتهم، وليس فيهم إلاّ مَن هو أكبر سنّاً منه ).
فلمّا رأى أبو عبد اللّهعليهالسلام
أنّ ذلك الفعل كبر على أصحابه، قال: ( هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده )
وجاء عن أحمد البزنطي، قال: ( وبعث إليّ الرضاعليهالسلام
بحمارٍ له، فجئت إلى صريا، فمَكث عامّة الليل معه، ثمّ أتيت بعشاء، ثمّ قال: ( افرشوا له ). ثمّ أتيت بوسادة طبريّة ومرادع وكساء قياصري وملحفة مروي، فلمّا أصبت مِن العشاء، قال لي: ( ما تريد أنْ تنام ؟).
قلت: بلى، جُعلت فداك. فطرح عليّ الملحفة والكساء، ثمّ قال: ( بيّتك اللّه في عافية ).
وكنّا على سطح، فما نزل مِن عندي، قلت في نفسي: قد نلت مِن هذا الرجل كرامة ما نالها أحدٌ قطّ
٢ - بِرّهم:
همّة العلماء، وهدفهم الأسمى، خدمة الدين، وبثّ التوعية الإسلاميّة، وتوجيه المسلمين نحو الخُلق الكريم والسُلوك الأمثل، وهذا ما يقتضيهم وقتاً واسعاً، وجهداً ضخماً، يعوقهم عن اكتساب الرزق وطلب المعاش كسائر الناس.
فلا بدّ والحالة هذه، للمؤمنين المعنيين بشؤون الدين، والحريصين على
_____________________
كيانه... أنْ يوفّروا للعُلماء وسائل الحياة الكريمة، والعيش اللائق. وذلك بأداء الحقوق الشرعيّة إليهم، التي أمر اللّه بها، وندب إليها، مِن الزكاة والخُمس، ووجوه الخيرات والمبرّات. فهم أحقّ الناس بها، وأهمّ مصاديقها، ليستطيعوا تحقيق أهدافهم، والاضطلاع بمهامّهم الدينيّة، دون أنْ يعوقهم عنها طلب المعاش.
وقد كان الغيارى مِن المسلمين الأوّلين، يتطوّعون بأريحيّة وسخاء، في رصد الأموال، وإيجاد الأوقاف، واستغلالها لصالح العلماء، وتوفير معاشهم.
وكلّما تجاهل الناس أقدار العلماء، وغمطوا حقوقهم، أدّى إلى قلّة العلماء، وهبوط الطاقات الروحيّة، وضعف النشاط الديني. ممّا يُعرّض المجتمع الإسلامي لغزو المبادئ الهدّامة، وخطر الزيغ والانحراف.
٣ - الاهتداء بهم:
لا يستغني كلّ واعٍ مستنير، عن الرجوع إلى الأخصّائيّين في مختلف العلوم والفنون، للإفادة من معارفهم وتجاربهم، كالأطباء والكيمياويّين والمهندسين ونحوهم من ذوي الاختصاص.
وحيث كان العلماء الروحانيّون متخصّصين بالعلوم الدينيّة، والمعارف الإسلاميّة، قد أوقفوا أنفسهم على خدمة الشريعة الإسلاميّة، ونشر مبادئها وأحكامها، وهداية الناس وتوجيههم وجهة الخير والصلاح.. فجدير
بالمسلمين أنْ يستهدوا بهم ويجتنوا ثمرات علومهم، ليكونوا على بصيرةٍ من عقيدتهم وشريعتهم، ويتفادوا دعايات الغاوين والمُضلّلين مِن أعداء الإسلام.
فإذا ما تنكّروا للعلماء المخلصين، واستهانوا بتوجيههم وإرشادهم... جهلوا واقع دينهم ومبادئه وأحكامه، وغدوا عرضةً للزيغ والانحراف.
أنظروا كيف يحرض أهل البيتعليهمالسلام
على مجالسة العلماء، والتزوّد من علومهم وآدابهم، في نصوص عديدة:
فعن الصادق، عن أبيه عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة )
والمراد بأهل الدين، علماء الدين العارفون بمبادئه، العاملون بأحكامه.
وجاء في حديث الرضا عن آبائهعليهمالسلام
، قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مجالسة العلماء عبادة )
وقال لقمان لابنه:( يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإنّ اللّه عزّ وجل يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء )
.
وعن الرضا عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: العلم خزائن، ومفتاحه (مفتاحها خ ل) السؤال، فاسألوا
_____________________
يرحمكم اللّه، فإنّه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحبّ لهم )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّما يهلك الناس لأنّهم لا يسألون )
_____________________
حقوق الأساتذة والطلاب
الأساتذة المخلصون، المتحلّون بالإيمان والخلق الكريم، لهم مكانة سامية، وفضلٌ كبير على المجتمع، بما يسدون إليه مِن جهودٍ مشكورة في تربية أبنائهم، وتثقيفهم بالعلوم والآداب. فهم رواد الثقافة، ودعاة العلم، وبناة الحضارة، وموجهو الجيل الجديد.
لذلك كان للأساتذة على طلابهم حقوق جديرة بالرعاية والاهتمام. وأوّل حقوقهم على الطلاب، أنْ يوقّروهم ويحترموهم احترام الآباء، مكافأة لهم على تأديبهم، وتنويرهم بالعلم، وتوجيههم وجهة الخير والصلاح. كما قيل للإسكندر: إنّك تعظّم معلّمك أكثر مِن تعظيمك لأبيك !!! فقال: لأنّ أبي سبب حياتي الفانية، ومؤدّبي سبب الحياة الباقية.
قم للمعلّم وفّه التبجيلا
|
|
كاد المعلّم أنْ يكون رسولا
|
أرأيت أكرم أو أجلّ مِن الذي
|
|
يبني ويُنشئ أنفساً وعُقولا
|
وحسبُك في فضل المعلّم المُخلص وأجره الجزيل، ما أعربت عنه نصوص أهل البيتعليهمالسلام
:
فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: يجيء الرجل يوم القيامة، وله مِن الحسنات كالسحاب الركام،
أو الجبال الراوسي. فيقول: يا ربِّ، أنّى لي هذا ولم أعملها ؟ فيقول: هذا علمك الذي علمته الناس، يعمل به من بعدك )
.
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( مَن علّم بابَ هدىً فله مثل أجرِ مَن عمِل به، ولا ينقص أولئك مِن أُجورهم شيئاً، ومَن علّم بابَ ضلالٍ كان عليه مثل أوزار مَن عمِل به، ولا ينقص مِن أوزارهم شيئاً )
ومِن حقوق الأساتذة على الطلاّب: تقدير جهودهم ومكافأتهم عليها بالشكر الجزيل، وجميل الحفاوة والتكريم، واتّباع نصائحهم العلميّة، كاستيعاب الدروس وإنجاز الواجبات المدرسيّة.
ومِن حقوقهم كذلك: التسامح والإغضاء عمّا يبدر منهم مِن صرامة أو غلظة تأديبيّة، تهدف إلى تثقيف الطالب وتهذيب أخلاقه.
وأبلغ وأجمع ما أُثر في حقوق الأساتذة المربّين، قول الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليهالسلام
: ( وحقّ سايسك بالعلم: التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأنْ لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتّى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدّث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً، وأنْ تدفع عنه إذا ذُكر عندك بسوء، وأنْ تستر عيوبه، وتظهر مناقبه ولا تجالس له عدوّاً، ولا تعادِ له وليّاً. فإذا فعلت ذلك، شهد لك ملائكة اللّه بأنّك قصدته، وتعلّمت علمه للّه جلّ اسمه، لا للناس )
_____________________
حقوق الطلاّب
لطلاّب العلم فضلهم وكرامتهم، باجتهادهم في تحصيل العِلم، وحفظ تراثه، ونقله للأجيال الصاعدة، ليبقى الرصيد العلمي زاخراً نامياً مدى القرون والأجيال.
من أجل ذلك، نوّهت أحاديث أهل البيتعليهمالسلام
بفضل طلاب العلم، وشرف أقدارهم وجزيل أجرهم.
فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: طالب العِلم بين الجهّال كالحيّ بين الأموات )
.
وعن أبي عبد اللّه، قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن سلَك طريقاً يطلب فيه عِلماً، سلَك اللّه به طريقاً إلى الجنّة. وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العِلم رضاً به، وإنّه ليستغفر لطالب العلم مَن في السماء ومَن في الأرض حتّى الحوت في البحر. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر )(٢).
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:
_____________________
( طلب العِلم فريضة على كلّ مسلمٍ، ألاّ إنّ اللّه يحبّ بُغاة العلم )
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: العالم والمتعلّم شريكان في الأجر، للعالم أجران وللمتعلّم أجرٌ، ولا خيرَ في سِوى ذلك )
ومِن الواضح أنّ تلك الخصائص الرفيعة، والمزايا المشرّفة، لا ينالها إلاّ طلاّب العلم المخلصون، المتذرّعون بطلبه إلى تزكية نفوسهم وتهذيب أخلاقهم، وكسب معرفة اللّه عزَّ وجل وشرف طاعته ورضاه، فإذا ما تجرّدوا مِن تلك الخصائص والغايات، حُرِموا تلك المآثر الخالدة، ولم يجنوا إلاّ المآرب الماديّة الزائلة.
وإليك مجملاً مِن حقوق الطلاّب:
١ - يجدر بأولياء الطلاّب والمعنيّون بتربيتهم وتعليمهم، أنْ يختاروا لهم أساتذة أكفّاء، متحلّين بالإيمان وحُسن الخُلق، ليكونوا قدوةً صالحة ونموذجاً حسناً لتلامذتهم.
فالطالب شديد التأثّر والمحاكاة لأساتذته ومربّيه، سرعان ما تنعكس في نفسه صفاتهم وأخلاقهم، ومِن هنا وجب اختيار المدرّسين المتّصفين بالاستقامة والصلاح.
٢ - ومن حقوق الطلاب: أنْ يستشعروا مِن أساتذتهم اللطف والإشفاق، فيُعامَلون معاملة الأبناء، ويتفادون جهدهم عن احتقارهم واضطهادهم ؛ لأنّ ذلك يحدث ردّ فعلٍ سيّئٍ فيهم، يوشك أنْ ينفّرهم مِن
_____________________
تحصيل العلم.
لذلك كان مِن الحكمة في تهذيب الطلاّب وتشجيعهم على الدرس، مكافأة المُحسن بالمدح والثناء، وزجر المقصّر منهم بالتأنيب والتقريع، الذي لا يجرح العاطفة ويهدر الكرامة ويُحدث ردّ فعلٍ في الطالب.
انظر كيف يوصي الإمام زين العابدين بالمتعلّمين، في رسالته الحقوقيّة، فيقولعليهالسلام
: ( وأمّا حقّ رعيتك بالعلم، فإنّ تعلّم أنّ اللّه عزَّ وجل إنّما جعلك قيّماً لهم فيما أتاك من العلم، وفتح لك مِن خزائنه، فإنْ أحسنت في تعليم الناس ولم تخرق بهم، ولم تضجر عليهم، زادك اللّه مِن فضله، وإن أنت منعت الناس علمك أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك، كان حقّاً على اللّه عزّ وجل أنْ يسلبك العلم وبهاءه، ويسقط من القلوب محلك ).
٣ - وهكذا يجدر بالأساتذة أنْ يُراعوا استعداد الطالب ومستواه الفكري، فيتدرّجوا به في مراقي العِلم حسب طاقته ومؤهّلاته الفكريّة، فلا يطلعونهم على ما يسمو على أفهامهم، وتقصر عنه مداركهم. مراعين إلى ذلك اتّجاه الطالب ورغبته فيما يختار مِن العلوم، حيث لا يحسن قسرِه على علم لا يرغب فيه، ولا يميل إليه.
٤ - ويحقّ للطلاّب على أساتذتهم أنْ يتعاهدوهم بالتوجيه والإرشاد، في المجالات العلميّة وغيرها من آداب السيرة والسلوك، لينشأ الطلاّب نشأةً مثاليّة، ويكونوا نموذجاً رائعاً في الاستقامة والصلاح.
وألزم النصائح وأجدرها بالإتّباع، أنْ يعلم الطالب اللبيب أنّه يجب أنْ تكون الغاية مِن طلب العلم هي - كما أشرنا إليه - تزكية النفس،
وتهذيب الضمير، والتوصّل إلى شرف طاعة اللّه تعالى ورضاه. وكسب السعادة الأبديّة الخالدة.
فإنْ لم يستهدف الطالب تلك الغايات السامية، كان ماديّاً هزيل الغاية والمأرب، لم يستثمر العلم استثماراً واعياً.
وأصدق شاهد على ذلك، الأُمم المتحضّرة اليوم، فإنّها رغم سبقها وتفوّقها في ميادين العلم والاكتشاف، تعيش حياة مزرية مِن تفسّخ الأخلاق، وتسيّب القِيَم الروحيّة، وطغيان الشرور فيها لنزعتها الماديّة، وتجرّدها مِن الدين والأخلاق، وغدت مِن جرّاء ذلك تتبارى بأفتك الأسلحة للقضاء على خصومها ومنافسيها، ممّا صيّر العالم بركاناً يُنذر البشريّة بالدمار والهلاك.
هذه لمحات خاطفة من حقوق الأساتذة والطلاّب، ومَن شاء التوسّع فيها فليرجع إلى ما كتبه علماء الأخلاق في آداب المعلّمين والمتعلّمين، وحقوق كلٍّ منهما على الآخر.
حقوق الوالدين والأولاد
حقوق الوالدين
كيف يستطيع هذا القلم أنْ يصوّر جلالة الأبوين، وفضلهما على الأولاد، فهما سبب وجودهم، وعماد حياتهم، وقوام فضلهم، ونجاحهم في الحياة.
وقد جهد الوالدان ما استطاعا في رعاية أبنائهما ماديّاً ومعنويّاً، وتحمّلا في سبيلهم أشدّ المتاعب والمشاقّ. فاضطلعت الأُمّ بأعباء الحمل، وعناء الوضع، ومشقّة الإرضاع، وجهد التربية والمداراة.
واضطلع الأب بأعباء الجهاد، والسعي في توفير وسائل العَيش لأبنائه، وتثقيفهم وتأديبهم، وإعدادهم للحياة السعيدة الهانئة.
تحمّل الأبوان تلك الجهود الضخمة، فرحين مغتبطين، لا يريدان مِن أولادهما ثناءً ولا أجراً.
وناهيك في رأفة الوالدين وحنانهما الجمّ، أنّهما يُؤثران تفوّق أولادهم عليهم في مجالات الفضل والكمال، ليكونوا مثاراً للإعجاب ومدعاةً للفخر والاعتزاز، خلافاً لما طبع عليه الإنسان مِن حبّ الظهور والتفوّق على غيره.
من أجل ذلك كان فضل الوالدين على الولد عظيماً وحقّهما جسيماً، سما على كلّ فضل وحقٌّ، بعد فضل اللّه عزّ وجل وحقّه.
برّ الوالدين:
وهذا ما يحتّم على الأبناء النُّبلاء أنْ يُقدّروا فضل آبائهم وعظيم إحسانهم، فيجازونهم بما يستحقّونه مِن حُسن الوفاء، وجميل التوقير والإجلال، ولطف البرّ والإحسان، وسموّ الرعاية والتكريم، أدبيّاً وماديّاً.
أنظر كيف يعظم القرآن الكريم شأن الأبوين، ويحضّ على إجلالها ومصاحبتهما بالبرّ والمعروف، حيث قال:( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً )
( لقمان: ١٤ - ١٥ ).
وقال تعالى:( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً )
( الإسراء: ٢٣ - ٢٤ ).
فقد أعربت هاتان الآيتان عن فضل الوالدين ومقامهما الرفيع، وضرورة مكافأتهما بالشكر الجزيل، والبرِّ والإحسان اللائقين بهما، فأمرت الآية الأُولى بشكرهما بعد شكر اللّه تعالى، وقرنت الثانية الإحسان إليهما بعبادته عزّ وجل، وهذا غاية التعزيز والتكريم.
وعلى هدي القرآن وضَوئه تواترت أحاديث أهل البيتعليهمالسلام
:
قال الباقرعليهالسلام
: ( ثلاث لم يجعل اللّه تعالى فيهنّ رخصة: أداء الأمانة إلى البَرِّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبَرِّ والفاجر، وبرّ الوالدين بريّن كانا أو فاجرين )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ رجُلاً أتى النبيّصلىاللهعليهوآله
، فقال: يا رسول اللّه، أوصني. فقال: لا تشرك باللّه شيئاً، وإنْ حُرِقت بالنار وعذّبت إلاّ وقلبك مطمئنٌّ بالإيمان. ووالديك، فأطعهما وبرّهما حيّين كانا أو ميّتين، وإنْ أمَراك أنْ تخرج مِن أهلِك ومالك فافعل، فإنّ ذلك من الإيمان )
وعن أبي الحسنعليهالسلام
قال ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: كن بارّاً، واقتصر على الجنّة، وإنْ كنت عاقّاً فاقتصر على النار )
وعنهعليهالسلام
، عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: نظر الولد إلى والدَيه حبّاً لهما عبادة )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن أحبّ أنْ يُخفّف اللّه عزّ وجل عنه سكَرات الموت، فليكن لقرابته وصولاً، وبوالديه بارّاً، فإذا كان كذلك هوّن اللّه عليه سكَرات الموت، ولم يُصبه في حياته فقرٌ أبداً )
_____________________
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
: ( إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
أتته أُختٌ له مِن الرضاعة، فلمّا نظر إليها سرّ بها وبسط ملحفته لها، فأجلسها عليها، ثمّ أقبل يُحدّثها ويضحك في وجهها. ثمّ قامت فذهبت، وجاء أخوها فلم يصنع به ما صنّع بها. فقيل له: يا رسول اللّه، صنعت بأُخته ما لم تصنع به، وهو رجل ! فقال: ( لأنّها كانت أبرّ بوالديها منه )
.
* * *
وفي الوقت الذي أوصت الشريعة الإسلامية ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما، فقد آثرت الأُمّ بالقسط الأوفر مِن الرعاية والبر، نظراً لما انفردت به مِن جهودٍ جبّارة وأتعابٍ مُضنية في سبيل أبنائها، كالحمل والرضاع، ونحوهما مِن وظائف الأُمومة وواجباتها المُرهقة.
فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( جاء رجلٌ إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
فقال: يا رسول اللّه، مَن أبرّ ؟ قال: أُمّك. قال: ثمّ مَن ؟ قال: أُمّك. قال: ثمّ مَن ؟ قال: أُمّك. قال: ثمّ مَن ؟ قال: أباك )
وعن إبراهيم بن مهزم قال: خرجت مِن عند أبي عبد اللّهعليهالسلام
ليلةً ممسياً، فأتيت منزلي في المدينة، وكانت أُمّي معي. فوقع بيني وبينها كلام، فأغلظت لها. فلمّا كان مِن الغد، صلّيت الغداة، وأتيت أبا عبد اللّهعليهالسلام
، فلمّا دخلت عليه، قال لي مبتدئاً: ( يا أبا مهزم، مالك ولِخالدة ؟ أغلظت في كلامها البارحة، أما علِمت أنّ بطنها منزلٌ قد سكنته،
______________________________
وأنّ حِجرها مهدٌ قد غمزته، وثديها وعاءٌ قد شربته ؟ ) قال قلت: بلى. قال: فلا تغلظ لها
واستمع إلى الإمام السجّادعليهالسلام
، وهو يوصي بالأمّ، مُعدّداً جهودها وفضلها على الأبناء، بأُسلوبٍ عاطفيٍّ أخّاذ، فيقولعليهالسلام
:
( وأمّا حقّ أُمّك: أنْ تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحدٌ أحداً، وأعطتك مِن ثمرة قلبها ما لا يُعطي أحدٌ أحداً، ووَقَتك بجميع جوارحها، ولم تُبال أنْ تجوع وتُطعِمك، وتَعطش وتسقيك، وتعري وتكسوك، وتَضحى وتظلّك، وتهجر النوم لأجلك، ووَقَتك الحرّ والبرد لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها إلاّ بعون اللّه وتوفيقه )
* * *
وبِرّ الوالدين، وإنْ كان له طيبتُه ووقعه الجميل في نفس الوالدين، بيد أنّه يزداد طيبةً ووقْعاً حسَناً عند عجزهما وشدّة احتياجهما إلى الرعاية والبر، كحالات المرض والشيخوخة، وإلى هذا أشار القرآن الكريم:( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ).
وقد ورد أنّ رجلاً جاء إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
، فقال:
_____________________
يا رسول اللّه، إنّ أبَويّ بلغا مِن الكِبَر أنّي ألي منهما ما ولياني في الصغر، فهل قضيتهما حقّهما ؟ قال: ( لا، فإنّهما كانا يفعلان ذلك وهُما يحبّان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما )
.
وعن إبراهيم بن شعيب قال: قلت لأبي عبد اللّهعليهالسلام
: إنّ أبي قد كبُر جدّاً وضعُف، فنحن نحمله إذا أراد الحاجة.
فقال: ( إنْ استطعت أنْ تلي ذلك منه فافعل، ولقّمه بيدك، فإنّه جنّةٌ لك غداً )
* * *
وليس البرّ مقصوراً على حياة الوالدين فحسب، بل هو ضروري في حياتهما وبعد وفاتهما، لانقطاعهما عن الدنيا وشدّة احتياجهما إلى البرّ والإحسان.
فعن الصادقعليهالسلام
قال: ( ليس يتبع الرجل بعد موته مِن الأجر إلاّ ثلاث خصال: صدقةٌ أجراها في حياته وهي تجري بعد موته، وسنّة هدىً سَنّها فهي يُعمل بها بعد موته، أو ولدٌ صالح يدعو له )
مِن أجل ذلك فقد حرّضت وصايا أهل البيتعليهمالسلام
على برّ الوالدين بعد وفاتهما، وأكّدت عليه وذلك بقضاء ديونهما الماليّة أو العباديّة، وإسداء الخيرات والمبرّات إليهما، والاستغفار لهما، والترحّم عليهما. واعتبرت إهمال ذلك ضرباً مِن العقوق.
_____________________
قال الباقرعليهالسلام
: ( إنّ العبد ليكون بارّاً بوالديه في حياتهما، ثمّ يموتان فلا يقضي عنهما دينهما ولا يستغفر لهما، فيكتبه اللّه عاقّاً، وإنّه ليكون عاقّاً لهما في حياتهما غير بارٍّ بهما، فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما، فيكتبه اللّه تعالى بارّاً )
وعن الصادق عن أبيه عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: سيّد الأبرار يوم القيامة، رجلٌ برّ والديه بعد موتهما )
.
عقوق الوالدين
مِن الواضح أنّ نكران الجميل ومكافأة الإحسان بالإساءة، أمران يستنكرهما العقل والشرع، ويستهجنهما الضمير والوجدان، وكلّما عظُم الجميل والإحسان، كان جحودها أشدّ نكراً وأفظع جريرةً وإثماً.
وبهذا المقياس ندرك بشاعة عقوق الوالدين وفظاعة جرمه، حتّى عدّ مِن الكبائر الموجبة لدخول النار. ولا غرابة فالعقوق - فضلاً عن مخالفته المبادئ الإنسانيّة، وقوانين العقل والشرع - دالٌّ على موت الضمير، وضعف الإيمان، وتلاشي القِيَم الإنسانية في العاق.
_____________________
فقد بذل الأبوان طاقات ضخمة وجهوداً جبّارة، في تربية الأبناء وتوفير ما يبعث على إسعادهم وازدهار حياتهم مادّيا وأدبيّاً، ما يعجز الأولاد عن تثمينه وتقديره.
فكيف يسوغ للأبناء تناسي تلك العواطف والألطاف ومكافأتها بالإساءة والعقوق ؟
مِن أجل ذلك حذّرت الشريعة الإسلاميّة مِن عقوق الوالدين أشدّ التحذير، وأوعدت عليه بالعقاب العاجل والآجل.
فعن أبي الحسنعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: كن بارّاً، واقتصر على الجنّة، وإنْ كنت عاقّاً، فاقتصر على النار )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( لو عِلم اللّه شيئاً هو أدنى مِن أُفٍّ، لنهى عنه، وهو مِن أدنى العقوق، ومِن العقوق أنْ ينظر الرجل إلى والديه، فيحدّ النظر إليهما )
وقال الباقرعليهالسلام
: ( إنّ أبي نظر إلى رجلٍ ومعه ابنه يمشي، والابن مُتّكئ على ذراع الأب،قال:
فما كلّمه أبيعليهالسلام
مقتاً له حتّى فارق الدنيا )
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ثلاثة مِن الذنوب، تعجّل عقوبتها ولا تؤخّر إلى الآخرة: عقوق
_____________________
الوالدين، والبغي على الناس، وكفر الإحسان )
مساوئ العقوق:
وللعقوق مساوئٌ خطيرة، وآثارٌ سيّئة تنذر العاقّ وتتوعّده بالشقاء الدنيوي والأُخروي.
فمن آثاره أنّ العاقّ يعقّه ابنه... جزاءً وفاقاً على عقوقه لأبيه. وقد شهِد الناس صوراً وأدواراً مِن هذه المكافأة على مسرح الحياة.
مِن ذلك ما حكاه الأصمعي قال: حدّثني رجلٌ مِن الأعراب قال: خرجت من الحيّ أطلب أعقّ الناس وأبرّ الناس. فكنت أطوف بالأحياء، حتّى انتهيت إلى شيخ في عنقه حبل، يستقي بدلو لا تطيقه الإبل في الهاجر والحرّ الشديد، وخلفه شاب في يده رشاء من قدٍّ ملوي، يضربه به، قد شقّ ظهره بذلك الحبل.
فقلت له: أما تتّقي اللّه في هذا الشيخ الضعيف، أما يكفيه ما هو فيه مِن هذا الحبل حتّى تضربه ؟
قال: إنّه مع هذا أبي.
قلت: فلا جزاك اللّه خيراً.
قال: اسكت، فهكذا كان يصنع هو بأبيه، وكذا كان يصنع أبوه بجدّه.
_____________________
فقلت: هذا أعقّ الناس.
ثمّ جلت أيضاً حتّى انتهيت إلى شابٍّ في عنقه زبيل، فيه شيخ كأنّه فرخ، فيضعه بين يديه في كلّ ساعة، فيزقّه كما يزقّ الفرخ.
فقلت له: ما هذا ؟
فقال: أبي، وقد خرف، فأنا أكفله.
قلت: فهذا أبرّ العرب. فرجعت وقد رأيت أعقّهم وأبرّهم
ومِن آثار العقوق:
أنّه موجبٌ لشقاء العاق، وعدم ارتياحه في الحياة، لسخط الوالدين ودعائهما عليه.
وقد جاء في الحديث النبوي: ( إيّاكم ودعوة الوالد، فإنّها أحدّ مِن السيف ).
ومن آثار العقوق:
أنّ العاق يُشاهد أهوالاً مريعة عند الوفاة، ويُعاني شدائد النزع وسكرات الموت.
فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
: ( إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
حضَر شابّاً عند وفاته، فقال له: قل لا إله إلاّ اللّه. قال: فاعتقل لسانه مراراً ).
فقال لامرأة عند رأسه: ( هل لهذا أُم ؟ )
قالت: نعم، أنا أُمّه.
_____________________
قال: أَ فساخطةٌ أنتِ عليه ؟
قالت: نعم، ما كلّمته مُنذ ستّ حجج.
قال لها: ( ارضِ عنه ). قالت: رضي اللّه عنه برضاك يا رسول اللّه.
فقال له رسول اللّه: قل لا إله إلاّ اللّه. قال: فقالها.
فقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ما ترى ؟
فقال أرى رجلاً أسوداً قبيح المنظر، وسِخ الثياب، منتن الريح، قد وليَني الساعة فأخذ بكظمي.
فقال له النبيّ: قل: ( يا مَن يقبل اليسير ويعفو عن الكثير، اقبل مّني اليسير واعفُ عن الكثير، إنّك أنت الغفور الرحيم ). فقالها الشاب.
فقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: أنظر، ماذا ترى ؟
قال: أرى رجلاً أبيض اللون، حسن الوجه، طيّب الريح، حسن الثياب قد وليَني، وأرى الأسود قد تولّى عنّي.
قال: أعد، فأعاد.
قال: ما ترى ؟ قال: لست أرى الأسود، وأرى الأبيض قد وليَني ثمّ طغى على تلك الحال )
ومِن آثار العقوق:
أنّه مِن الذنوب الكبائر التي توعّد اللّه عليها بالنار، كما صرّحت بذلك الأخبار.
والجدير بالذكر، أنّه كما يجب على الأبناء طاعة آبائهم وبرّهم والإحسان
_____________________
إليهم، كذلك يجدر بالآباء أنْ يسوسوا أبناءهم بالحكمة، ولطف المداراة، ولا يخرقوا بهم ويضطروهم إلى العقوق والعصيان.
فعن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: يلزم الوالدين مِن العقوق لولدهما، إذا كان الولد صالحاً، ما يلزم الولد لهما )
وقالصلىاللهعليهوآله
: ( لعن اللّه والدين حمَلا ولدَهما على عقوقهما، ورحِم اللّه والدَين حمَلا ولدَهما على برّهما )
حقوق الأولاد:
الأولاد الصُلحاء هم زينة الحياة، وربيع البيت، وأقمار الأسرة، وأعزّ آمالها وأمانيها، وأجل الذخائر وأنفسها. لذلك أثنى عليهم أهل البيت وغيرهم من الحكماء والأدباء.
عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: الولد الصالح ريحانةٌ مِن رياحين الجنّة )
وفي حديثٍ آخر، قالصلىاللهعليهوآله
: ( مِن سعادة الرجل الولدُ الصالح )
_____________________
وقال أبو الحسنعليهالسلام
: ( إنّ اللّه تعالى إذا أراد بعبدٍ خيراً لم يُمِته حتّى يريه الخلَف )
.
وقال حكيمٌ في ميّت: ( إنّ كان له ولد فهو حي، وإنْ لم يكن له ولد فهو ميّت ).
وفضل الولد الصالح ونفعه لوالديه لا يقتصر على حياتهما فحسب، بل يسري حتّى بعد وفاتهما، وانقطاع أملهما من الحياة.
عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( ليس يتبع الرجل بعد موته مِن الأجر إلاّ ثلاث خِصال: صدقةٌ أجراها في حياته وهي تجري بعد موته، وسنّة هدىً سنّها فهي يُعمل بها بعد موته، أو ولدٌ صالح يدعو له )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مرّ عيسى بن مريم بقبرٍ يُعذّب صاحبه، ثمّ مرّ به مِن قابل فإذا هو لا يعذّب. فقال: يا ربّ، مررت بهذا القبر عام أوّل وكان يُعذّب !. فأوحى اللّه إليه. إنّه أدرك له ولدٌ صالح فأصلح طريقاً، وآوى يتيماً، فلهذا غفرت له بما فعل ابنه. ثمّ قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ميراث اللّه من عبده المؤمن ولدٌ يعبده مِن بعده ).
ثمّ تلا أبو عبد اللّهعليهالسلام
آية زكريّا على نبيّنا وآله وعليهالسلام
:(
فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً )
( مريم: ٥ - ٦ )
_____________________
ومِن الواضح أنّ صلاح الأبناء واستقامتهم لا يتسنّيان عفَواً وجزافاً، وإنّما يستلزمان رعايةً فائقة، واهتماماً بالغاً في إعدادهم وتوجيههم وجهة الخير والصلاح.
مِن أجل ذلك وجَب على الآباء تأديب أولادهم وتنشئتهم على الاستقامة والصلاح، ليجدوا ما يأملون فيهم مِن قرّة عين، وحسن هدىً وسلوك.
قال الإمام السجادعليهالسلام
: ( وأمّا حقّ ولدك: فأنْ تعلم أنّه منك، ومضافٌ إليك في عاجلِ الدنيا بخيره وشرّه. وإنّك مسؤولٌ عمّا وليته من حسن الأدب، والدلالة له على ربّه عزَّ وجل، والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمَلَ مَن يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه، معاقبٌ على الإساءة إليه )
فالآباء مسؤولون عن تهذيب أبنائهم وإعدادهم إعداداً صالحاً، فإنْ أغفلوا ذلك أساؤا إلى أولادهم، وعرّضوهم لأخطار التخلّف والتسيّب الديني والاجتماعي.
ويحسن بالآباء أنْ يبادروا أبناءهم بالتهذيب والتوجيه، منذ حداثتهم ونعومة أظفارهم، لسرعة استجابتهم إلى ذلك قبل تقدّمهم في السن، وروسوخ العادات السيّئة والأخلاق الذميمة فيهم، فيغدون آنَ ذاك أشدُّ استعصاءً على التأديب والإصلاح.
_____________________
حكمة التأديب:
وهكذا يجدر بالآباء أنْ يتحرّوا القصد، والاعتدال في سلطتهم، وأساليب تأديب أبنائهم، فلا يسوسونهم بالقسوة والعنف ممّا يعقّدهم نفسيّاً، ويبعثهم على النفرة والعقوق. ولا يتهاونوا في مؤاخذتهم على الإساءة والتقصير، فيستخفّون بهم ويتمرّدون عليهم، فإنّ ( مَن أمِن العقوبة أساء الأدب ).
وخير الأساليب في ذلك هو التدرّج في تأديب الأبناء وتقويمهم، وذلك بتشجيعهم على الإحسان، بالمدح والثناء وحسن المكافأة، وبنصحهم على الإساءة. فإنْ لم يجدهم ذلك، فبالتقريع والتأنيب، وإلاّ فبالعقوبة الرادعة، والتأنيب الزاجر.
المدرسة الأولى للطفل:
والبيت هو المدرسة الأولى للطفل، يترعرع في ظلاله، وتتكامل فيه شخصيّته، وتنمو فيه سجاياه، متأثّراً بأخلاق أبَويه وسلوكهما. فعليهما أنْ يكونا قدوةً حسنة، ومثلاً رفيعاً، لتنعكس في نفسه مزاياهم وفضائلهم.
منهاج التأديب:
١ - وأوّل ما يُبدأ به في تهذيب الطفل، تعليمه آداب الأكل والشرب: كغسل اليدين قبل الطعام وبعده، والأكل بيمينه، وإجادة المضغ، وترك النظر في وجوه الآكلين، والرضا والقنوع بالمقسوم مِن الرزق. ونحو ذلك مِن الآداب.
٢ - ويراضُ الطفلُ على أدب الحديث، والكلام المهذّب، والقول الحسن، ومنعه عن الفُحش، والبَذاء، والاغتياب، والثرثرة، وما إلى ذلك من مساوئ اللسان وأنْ يُحسن الإصغاء، كما يُحسن الحديث، فلا يقاطع متحدثاً حتى ينتهي من حديثه.
٣ - وأهمّ ما يعني به في توجيه الأولاد، غرس المفاهيم الدينيّة فيهم، وتنشئتهم على العقيدة والإيمان، بتعليمهم أُصول الدين وفروعه بأُسلوبٍ يلائم مستواهم الفكري، ليكونوا على بصيرةٍ مِن عقيدتهم وشريعتهم، مُحصنّين ضدّ الشُّبَه المُضلِّلة مِن أعداء الإسلام:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )
( التحريم: ٦ ).
٤ - وعلى الآباء أنْ يروّضوا أبناءهم على التخلّق بالأخلاق الكريمة والسجايا النبيلة: كالصدق، والأمانة، والصبر، والاعتماد على النفس.
وتحريضهم على حسن معاشرة الناس: كتوقير الكبير، والعطف على
الصغير، وشكر المُحسن، والتجاوز ما وسعهم عن المسيء، والتحنّن على البؤساء والمعوزين.
٥ - ومِن المهمّ جدّاً منع الأبناء مِن معاشرة القرناء المنحرفين الأشرار، وتحبيذ مصاحبة الأخدان الصلحاء لهم، لسرعة تأثّرهم بالأصدقاء، واكتسابهم مِن أخلاقهم وطباعهم، كما قال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ).
وقد شهِد الناس كثيراً مِن مآسي الشباب الذين انحرفوا عن النهج السويّ، وتدهوروا في مهاوي الرذيلة والفساد، لتأثّرهم بقُرناء السوء، وأخدان الشر.
٦ - وهكذا يُحسن بالآباء أنْ يستطلعوا مواهب أبنائهم وكفاءاتهم، ليوجّهوهم، في ميادين الحياة وطرائق المعاش، حسب استعدادهم ومؤهّلاتهم الفكريّة والجسميّة: مِن طلب العلم، أو ممارسة الصناعة، أو التجارة ؛ ليستطيعوا الاضطلاع بأعباء الحياة، ويعيشوا عيشاً كريماً.
الحقوق الزوجيّة
فضل الزواج
الزواج: هو الرابطة الشرعيّة المقدّسة، وشركة الحياة بين الزوجين. شرّعه اللّه عزّ وجل لحفظ النوع البشري وتكاثره، وعمران الأرض وازدهار الحياة فيها.
وقد رغّبت فيه الشريعة الإسلاميّة وحرّضت عليه كتاباً وسنّة:
قال تعالى:( وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )
( النور: ٣٢ ).
وقال سُبحانه:( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
( الروم:٢١ ).
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ما بُنيَ بناءً في الإسلام أحبُّ إلى اللّه مِن التزويج )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن تزوّج أحرَز نصف دينه، فليتقّ اللّه في النصف الآخر )
وقالصلىاللهعليهوآله
: ( النكاح سنّتي، فمَن رغِب عن سنّتي، فليس منّي )
_____________________
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الأُمَم غداً يوم القيامة، حتّى أنّ السقط يجيء محبنطئاً على باب الجنّة، فيُقال له أدخل، فيقول: لا، حتّى يدخل أبواي قبلي )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( ركعتان يُصلّيهما المتزوّج أفضل مِن سبعين ركعة يُصلّيها أعزب )
وقال النبيّصلىاللهعليهوآله
: ( لركعتان يُصلّيهما متزوّج، أفضل مِن رجلٍ عزب يقوم ليله ويصوم نهاره )
وقالصلىاللهعليهوآله
: ( رذاّل موتاكم العزّاب )
١ - فوائد الزواج:
ولا عجَب أنْ تؤكّد هذه النصوص على الزواج تأكيدها المُلِحّ، وتُحرّض عليه بالترغيب تارةً ويالترهيب أُخرى، لما ينطوي عليه مِن صنوف الخصائص والمنافع:
١ - فمِن خصائصه: أنّه الوسيلة الوحيدة لكسب الذريّة الطيبة،
_____________________
والأبناء الصُلَحاء، وهُم زينةُ الحياة الدنيا، وأعزُّ ذخائرها، وألذُّ مُتَعِها وأشواقها، بهم يستشعر الآباء العِزَّة والمُتعة، وامتداد الحياة، وطيب الذكر، وحُسن المكافأة، وجزيل الأجر عند اللّه عزّ وجل، كما أوضَحته النصوص السالفة في فضل الولد الصالح.
٢ - ومِن منافع الزواج:
أنّه باعث على عفّة المتزوّج وحصانته ضدّ الفجور والآثام الجنسيّة، وهذا ما عناه النبيّصلىاللهعليهوآله
بقوله: ( مَن تزوّج أحرَز نصف دينه، فليتق الّله في النصف الآخر ).
مِن أجل ذلك كان عقاب الزاني المُحصَن رجماً بالحجارة حتّى الموت، لتحصّنه بالزواج، واستهتاره بقدسيّة الأعراض وكرامتها المصونة.
٣ - ومِن آثار الزواج:
أنّه مِن دواعي رغَد العيش، وسكينة النفس، وراحة الضمير والوجدان. ذلك أنّ الرجل كثيراً ما يُعاني أزَمات الحياة، ومتاعب الكِفاح في سبيل العيش، فيجد في ظلاله زوجته الحبيبة المُخلصة مِن حسن الرعاية ولطف المؤانسة، ورقّة الحنان، ما يُخفّف عناءه ويسري عنه الكثير مِن المتاعب والهموم:( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ).
وعن أبي عبد اللّه عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ما استفاد امرؤٌ مسلمٌ فائدةً بعد الإسلام أفضل مِن زوجةٍ مسلمة، تسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها، في نفسها وماله )
السعادة الزوجيّة:
ومِن الثابت أنّ السعادة الزوجيّة لا تتحقّق، ولا ينال الزوجان ما يصبوان إليه مِن رغَد وهناء، إلاّ إذا أحسَن كلٌّ منهما اختيار صاحبه، وشريك حياته، واصطفاه على ضوء القِيَم الأصيلة والمقاييس الثابتة، التي مِن شأنها أنْ توثّق الروابط الزوجيّة، وتنشر السعادة والسلام في ربوع الحياة الزوجيّة. كما أنّ سوء الاختيار كثيراً ما يُعرّضها للفشل والإخفاق.
وقد عالج أهل البيتعليهمالسلام
هذا الجانب الموضوعي مِن حياة الناس، فأوضحوا محاسن ومساوئ كلٍّ من الرجل والمرأة، ليكون كلٌّ منهما على بصيرةٍ مِن اختيار زوجه وشريك حياته.
الزوج المثالي:
والزوج المثالي: هو الرجل الكفوء الذي تُسعد المرأة في ظلاله،
_____________________
وتنعم بحياة زوجيّة هانئة.
فليست الكفاءة كما يتوهّمها غالب الناس - منوطةً بالزخارف الماديّة فحسب، كالقصر الفخم، أو السيّارة الفارهة، أو الرصيد المالي الضخم.
وليست هي كذلك منوطة بالشهادة العالية، أو الوظيفة المرموقة، أو الحسَب الرفيع.
وفقد تتوفّر هذه الخلال في الرجل، وهي رغم ذلك لا تحقّق سعادة الزوجة وأمانيها في الحياة، كما أعرَبت عن ذلك زوجة معاوية، وقد سئمت في كنفه مظاهر الترَف والبذَخ والسلطان والثراء، وحنّت إلى فتى أحلامها، وإنْ كان خلواً مِن كلِّ ذلك:
لبيتٌ تخفق الأرواح فيه
|
|
أحبّ إليّ مِن قصرٍ مُنيفِ
|
ولبسُ عباءةٍ وتقرّ عيني
|
|
أحبّ إليّ مِن لبس الشفوفِ
|
وخرق مِن بني عمّي نجيب
|
|
أحبُّ إليّ مِن عِلج عنيفِ
|
فالكفاءة الحقّة، هي مزيج مِن عناصر ثلاث: التمسّك بالدين، والتحلّي بحسن الخُلق، والقدرة على إعالة الزوجة ورعايتها ماديّاً وأدبيّاً. وبذلك يغدو الرجل كُفئاً وزوجاً مثاليّاً في عُرف الإسلام.
فعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إذا جاءكم مَن ترضون خُلقه ودينه، فزوّجوه، إنْ لا تفعلوه تكُن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( الكفوء أنْ يكون عفيفاً وعنده يسار )
_____________________
لذلك كان مكروهاً في الشريعة الإسلاميّة تزويج الفاسق، وشارب الخمر، والمخنّث، وسيّئ الخُلق، ونحوهم ممّن لا يُوثَق بدينه وأخلاقه.
الزوجة المثاليّة:
والزوجة المثاليّة: هي المتحلّية بالإيمان، والعفاف، وكرَم الأصل، وجمال الخَلق والخُلق، وحسن العشرة مع زوجها.
وقد صوّرت نصوص أهل البيتعليهمالسلام
خصائص النساء، وصفاتهن الكريمة والذميمة، لتكون علامة فارقة بين الزوجة المثاليّة وغيرها.
عن جابر بن عبد اللّه قال: كنّا عند النبيّصلىاللهعليهوآله
فقال: ( إنّ خير نِسائكم الولود، الودود، العفيفة، العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرّجة مع زوجها، الحِصان على غيره، التي تسمَع قوله وتطيع أمره، وإذا خلا بها بذلت له ما يريد منها، ولم تبذل كتبذل الرجل ).
ثمّ قال: ( ألا أخبركم بشرار نسائكم ؟ الذليلة في أهلها، العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود، التي لا تورع مِن قبيح، المتبرّجة إذا غاب عنها بعلُها، الحِصان معه إذا حضَر، لا تسمع قوله، ولا تطيع أمره، وإذا خلا بها بعلُها تمنّعت منه، كما تمنع الصعبة مِن ركوبها، ولا تقبل له عذراً ولا تغفر له ذنباً )
.
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
عن أبيه عن آبائهعليهمالسلام
قال:
_____________________
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( أفضل نساء أُمّتي أصبَحهُنَّ وجهاً، وأقلّهُنَّ مهراً )
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن تزوج امرأة لا يتزوّجها إلاّ لجمالها لم يرَ فيها ما يحب، ومَن تزوّجها لمالها لا يتزوّجها إلاّ له وكله اللّه إليه، فعليكُم بذات الدين )
وقام النبيّصلىاللهعليهوآله
خطيباً فقال: ( أيّها الناس، إيّاكم وخضراء الدمَن. قيل يا رسول اللّه: وما خضراء الدمَن ؟ قال: ( المرأة الحسناء في منبت السوء )
وقد نهى الحديث عن تزوّج المرأة الوضيئة الحسناء إذا كانت مِن أسرة مغموزة في عفّتها ونجابتها.
رعاية الحقوق:
والزوجان بعد هذا لا يكسبان السعادة الزوجيّة والهناء العائلي، إلاّ برعاية كلٍّ منهما حقوق الآخر وأداء واجباته، جرياً على قانون الأخذ والعطاء. وبذلك ينعمان بحياة سعيدة، آمنة مِن مثيرات النكَد والتنغيص.
وقد أولَت الشريعة الإسلاميّة الحياة الزوجيّة عنايةً بالغةً، بصفتها
_____________________
الخليّة الأُولى مِن خلايا المجتمع الكبير، ورعتها بالتنظيم والتوجيه، وقرّرت الحقوق المشتركة بين الزوجين، والحقوق الخاصّة بكلٍّ منهما على انفراد.
فالحقوق المشتركة التي يجدر تبادلها بين الزوجين، هي: الإخلاص، الثقة، الأمانة، التعاطف، والتآزر. وهذه هي عناصر الحياة الزوجيّة الناجحة، ومقوّماتها الأصيلة.
وأمّا الحقوق الخاصّة فسنعرضها في مطاوي هذا البحث:
حقوق الزوج
للزوج حقوقٌ على زوجه بحكم رعايته لها وقوامته عليها، وهي:
١ - الطاعة:
وهي أوّل متطلّبات الزوج وحقوقه المفروضة على زوجه. فهي مسؤولة عن طاعته وتلبية رغَباته المشروعة، ومفاداة كلّ ما يسيئه ويغيظه، كالخروج مِن الدار بغير رضاه، والتبذير في ماله، وإهمال وظائفها المنزليّة، ونحو ذلك ممّا يُعرّض الحياة الزوجيّة لأخطار التباغض والفرقة.
فعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( جاءت امرأة إلى النبيّصلىاللهعليهوآله
فقالت: يا رسول اللّه، ما حقّ الزوج على المرأة ؟ فقال لها: ( أنْ تطيعه ولا تعصيه، ولا تصّدّق مِن بيته إلاّ بإذنه، ولا تصوم طوعاً
إلاّ بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإنْ كانت على ظهر قتَب، ولا تخرج مِن بيتها إلاّ بإذنه، وإنْ خرجَت بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء وملائكة الأرض، وملائكة الغضَب وملائكة الرحمة، حتّى ترجع إلى بيتها. فقالت: يا رسول اللّه، مَن أعظم الناس حقّاً على الرجل ؟
قال: والده.
قالت: فمَن أعظم الناس حقّاً على المرأة ؟
قال: زوجها...)
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( إنّ رجُلاً مِن الأنصار على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
، خرَج في بعض حوائجه، فعهد إلى امرأته عهداً، أنْ لا تخرج مِن بيتها حتّى يقدِم ).
قال: ( وإنّ أباها مرض، فبعثت المرأة إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
فقالت: إنّ زوجي خرَج وعهد إليّ أنْ لا أخرج مِن بيتي حتّى يقدِم، وإنّ أبي قد مرِض، فتأمرني أنْ أعوده ؟
فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: لا، اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك.
قال: فثقل، فأرسلت إليه ثانياً بذلك، فقالت: فتأمرني أنْ أعوده ؟
فقال: اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك.
قال: فمات أبوها، فبعثت إليه: إنّ أبي قد مات، فتأمرني أنْ أصلّي عليه ؟
_____________________
فقال: لا، اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك.
قال: فدفن الرجل، فبعث إليها رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إنّ اللّه تعالى قد غفَر لك ولأبيك بطاعتك لزوجك )
وقال أبو عبد اللّهعليهالسلام
: ( أيّما امرأة باتت وزوجها عليها ساخطٌ في حقٍّ، لم تُقبل منها صلاة حتّى يرضى عنها )
٢ - المداراة:
وعلى الزوجة أنْ تحيط زوجها بحسن العشرة، وجميل الرعاية، ولطف المداراة، وذلك بتفقّد شؤونه، وتوفير وسائل راحته النفسيّة والجسميّة، وحسن التدبير المنزلي، ورعاية عياله، ليستشعر منها العطف والولاء، وتغدو الزوجة بذلك حظيّة عند زوجها، أثيرة لديه، يُبادلها الحبّ والإخلاص. وتكون إلى ذلك قدوةً حسنةً لأبنائها، يستلهمون منها كريم الأخلاق وحُسن الأدب.
ومِن أهمّ صور المداراة أنْ تتفادى المرأة جهدها، عن إرهاق زوجها بالتكاليف الباهضة، والمآرب التي تنوء بها إمكاناته الاقتصاديّة، فذلك ممّا يُسبّب إرباكه واغتمامه، ومِن ثمّ يستثير سخَطه ونفاره مِن زوجته.
_____________________
فعن أبي إبراهيمعليهالسلام
قال: ( جهاد المرأة حُسن التبعّل )
ولا ريبَ أنّ حُسن تبعّل الزوجة وكرَم أخلاقها، يشُدّ أزر الزوج، ويرفع معنويّاته، ويمدّه بطاقات جسميّة ونفسيّة ضخمة، تضاعف مِن قدرته على مواصلة الكفاح والجهاد في سبيل العيش، ويزيده قوّةً وصلابة على معاناة الشدائد والأزمات، كما أنّ شراستها وتمرّدها يُوهن كيانه، ويُضعف طاقته، ويهرمه قبل أوان الهرَم، وفي التاريخ دلائل وشواهد على ذلك.
منها: قصّة الإخوة الثلاثة مِن بني غنّام، حينما جاءهم نفرٌ يحكّمونهم في مشكلة أعياهم حلّها، فانتهوا إلى واحدٍ منهم، فرأوا شيخاً كبيراً، فقال لهم: ادخلوا إلى أخي ( فلان ) فهو أكبر منّي، فاسألوه.
فدخلوا عليه، فخرَج شيخٌ كهل، فقال: سلوا أخي الأكبر منّي.
فدخلوا على الثالث، فإذا هو في المنظر أصغر. فسألوه أولاً عن حالهم، ثمّ أوضح مبيّناً لهم، فقال:
أمّا أخي الذي رأيتموه أوّلاً، هو الأصغر، فإنّ له امرأةُ سوء تسوؤه وقد صبَر عليها مخافة أنْ يُبتلى ببلاءٍ لا صبرَ له عليه، فهَرَمته.
وأمّا أخي الثاني فإنّ عنده زوجة تسوؤه وتسرّه، فهو متماسك الشباب.
وأمّا أنا، فزوجتي تسرّني، ولا تسوؤني، لم يلزمني منها مكروهٌ قط مُنذ صحِبَتني، فشبابي معها متماسك
_____________________
وهذه وصيّةٌ بليغةٌ لأعرابيّةٍ حكيمة، توصي بها ابنتها ليلة البناء بها: ( أي بنيّة، إنّك فارقت بيتك الذي منه خرَجتِ، وعشّكِ الذي فيه درَجتِ، إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، فكوني له أمةً يكن لك عبداً، واحفظي له خِصالاً عشراً:
أمّا الأُولى والثانية: فاصحبيه بالقناعة، وعاشريه بحُسن السمع والطاعة.
وأمّا الثالثة والرابعة: فالتفقّد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشمّ منك إلاّ أطيب ريح.
وأمّا الخامسة والسادسة: فالتفقّد لوقت منامه وطعامه، فإنّ تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
وأمّا السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والارعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حُسن التقدير، وفي العِيال حُسن التدبير.
وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمراً، ولا تفشين له سرّا، فإنّك إنْ خالفتيه أغَرْت صدره، وإنْ أفشيت سرّه لم تأمني غدره.
ثمّ إيّاك والفرح بين يديه إذا كان مهتمّاً، والكآبة بين يديه إذا كان فرِحاً، فانّ الخصلة الأُولى مِن التقصير، والثانية مِن التكدير.
وكوني له أشدّ الناس له إعظاماً يكن أشدّهم لك إكراماً، واعلمي أنّك لا تصلين إلى ما تحبّين، حتّى تُؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحبَبت وكرهت. واللّه يخير لك )
_____________________
٣ - الصيانة:
وأهمّ واجبات الزوجة، صيانة شرف زوجها وسمعته، فتتفادى جهدها عمّا يسيئهما ويخدشهما، كالخلاعة والميوعة، وإفشاء أسرار الزوج، وكشف ما يحرص على إخفائه مِن صور الفاقة والعوز، فذلك ممّا يضعف ثقة الزوج بها ويهدّدها بالنفرة والفرقة.
حقوق الزوجة
وهكذا أولت الشريعة الإسلامية الزوجة عنايةً كُبرى ومنحتها حقوقها الماديّة والأدبيّة، إزاء حقوق الزوج عليها. مُشرّعةً ذلك على أساس الحكمة والعدل، ورعاية مصلحة الزوجين وخيرهما معاً، وهي أُمور:
١ - النفقة:
وهي حقٌّ محتّم على الزوج، يجب أداؤه إليها، وتوفير حاجاتها المعاشيّة، مِن الملبَس والمطعَم والمسكَن، ونحو ذلك مِن مستلزمات الحياة حسب شأنها وعادتها.
والنفقة حقٌّ معلومٌ للزوجة، تتقاضاه من زوجها، وإنْ كانت ثريّةً موسرة، لا يسقط إلاّ بنشوزها وتمرّدها على الزوج. وليس له قسرها على الخدمات المنزليّة، أو إرضاع طفله، إلاّ أنْ تتطوّع بذلك عن رغبةً وإيثاراً.
التوسعة على العيال:
وقد يسترقّ البُخل بعض النفوس فتنزع إلى الشحّ والتقتير على العيال، متغاضية عن أشواقهم ومآربهم. ومن هنا جاءت أحاديث أهل البيتعليهمالسلام
مُحذّرةً من ذلك الإمساك، ومرغّبةً في البِرّ بهم، والتوسعةِ عليهم.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( خيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي )
وقالصلىاللهعليهوآله
: ( عيال الرجل أُسراؤه، وأحبّ العباد إلى اللّه تعالى أحسنُهم صنيعاً إلى أُسرائه )
وقال أبو الحسن موسى بن جعفرعليهماالسلام
: ( عيال الرجل أُسراؤه، فمَن أنعم اللّه عليه نعمةً فليوسّع على أُسرائه، فإنْ لم يفعل أوشك أنْ تزول تلك النعمة )
وهكذا أثبتت أحاديثهمعليهمالسلام
وباركت جهود الكادحين، في طلب الرزق الحلال، لتموين أزواجهم وعوائلهم، وتوفير وسائل العيش لهم.
_____________________
فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه )
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( مَن طلب الرزق في الدنيا، استعفافاً عن الناس، وسعياً على أهله، وتعطّفاً على جاره لقيَ اللّه عزّ وجل يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر )
٢ - حسن العشرة:
والزوجة أنيسة الرجل، و شريكة حياته، تشاطره السرّاء والضرّاء، وتواسيه في الأفراح والأحزان، وتنفرد بجهود شاقّة مُضنية مِن تدبير المنزل، ورعاية الأُسرة، ووظائف الأُمومة. فعلى الرجل أنْ يُحسن عشرتها، ويسوسها بالرفق والمداراة، تلطيفاً لمشاعرها، ومكافأةً لها على جهودها، وذلك ممّا يسلّيها، ويخفّف متاعبها، ويضاعف حبّها وإخلاصها لزوجها.
وقد يستبدّ الصلَف والغرور ببعض الأزواج، فيحسبون أنّ قوّة الشخصيّة وسِمات الرجولة لا تبرز فيهم إلاّ بالتحكّم بالزوجة، والتجهّم لها، والتطاول عليها بالإهانة والتحقير. وتلك خلال مقيتة، تنمّ عن شخصيّةٍ هزيلةٍ معقّدة، تعكّر صفو الحياة الزوجيّة، وتنغّص الهناء العائلي.
والمرأة بحكم عواطفها ووظائفها، مرهفة الإحساس، سريعة التأثّر،
_____________________
قد تسيء إلى زوجها بكلمةٍ نابية، أو تقريعٍ جارح، صادرين عن ثورةٍ نفسيّة، وهِياج عاطفيّ. فعلى الرجل أنْ يضبط أعصابه، ويُقابل إساءتها بحُسن التسامح والإغضاء، لتسير سفينة الأُسرة آمنةً مطمئنّة، في محيط الحياة، لا تزعزعها عواصف النفرة والخلاف.
فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إنّما مثَل المرأة مثَل الضلع المعوَج، إنْ تركته انتفعت به، وإنْ أقمته كسرته )
فإذا تمادت المرأة في عِصيان زوجها وتمرّدها عليه، فعليه أنْ يتدرّج في علاجها وتأديبها، بالنصح والإرشاد، فإنْ لم يجْدِها ذلك أعرَض عنها، واعتزال مضاجعتها، فإنْ لم يجْدِها ذلك ضرَبها ضرباً تأديبياًّ، مُبرّءاً مِن القسوة، والتشفّي الحاقد:( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً )
( النساء:٣٤ ).
٣ - الحماية:
والزوج بحكم قوامته على الزوجة، ورعايته لها، مسؤولٌ عن حمايتها وصيانتها عمّا يسيئها ويضرّها أدبيّاً ومادّياً، وعليه أنْ يكون غيوراً عليها، صائنا لها ممّا يشوّه سُمعتها، ويثلب كرامتها من التخلّع والاختلاط المُريب، ومعاشرة المريبات مِن النساء.
_____________________
وما أسوأ الذين يزجّون أزواجهم في الندَوات الخليطة، والحفَلات الداعرة، يخالِطنَ ويراقصن مَن شِئن مِن الرجال، متعامين عن أضرار ذلك الاختلاط، وأخطاره الدينيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة، التي تُهدّد كيان الأُسرة، وتنذرها بالتبعثر والانحلال.
وعلى المرء أنْ يحمي زوجه وأُسرته مِن دسائس الغزو الفكري، ودعاياته المُضلّلة، التي انخدع بها أغرار المسلمين، نساءً ورجالاً، وتلقّفوها تلقّف الببغاء، دونما وعيٍ وتمحيص في واقعها وأهدافها، وذلك بتعليمهم أُصول الدين الإسلامي ومفاهيمه حسب مستواهم الثقافي والفكري، تحصيناً لهم مِن تلك الدسائس والشرور.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )
( التحريم:٦ )
* * *
الحقوق المزيّفة
وتمخّض العصر الحديث عن ضلالات ومبادئ غزت الشرق الإسلامي، وسمّمت أفكاره ومشاعره. وكان ذلك بتخطيط وكيد من أعداء الإسلام، لإطفاء نوره الوهّاج.
واستجاب الأغرار والبلهاء لتلك المفاهيم الوافدة، المناقضة لدينهم وشريعتهم، وطفَقوا يحاكونها، وينادون بها كأنّها مِن
صميم مبادئهم. وانطمست تلك الصورة الإسلاميّة التي كانت بالأمس القريب تشعّ بالجمال والنور والمثاليّة، وخلّفتها صورٌ مسيخةٌ شوهاء يستبشعها الضمير المسلم، ويستنكرها واقع الإسلام، وغدا يستشعر الغُربة والوحشة في ربوعه وبين أتباعه ومعتنقيه. وراحت المفاهيم الجاهليّة الأُولى تحتلّ مواقعها مِن مشاعر المسلمين وضمائرهم، لتحيلها قفراً يباباً مِن قِيَم الإسلام ومُثله الرفيعة.
وانطلقت حناجر، وصرّت أقلام أجيرة، تُطالب بالمزيد مِن تلك الأعراف الجاهليّة، لتشيع مفاهيمها الدارسة من جديد، في المحيط الإسلامي، وعلى حساب المرأة المسلمة، والتغاير على حقوقها وتحريرها ومساواتها بالرجل، ونحو ذلك مِن صور الدعايات المُدجلة.
١ - السفور:
لقد عزّ على دعاة التحرر أن يروا المرأة المسلمة محصنة بالصون والحجاب، عصية الطلب، بعيدة المنال. فأغروها بالسفور والتبرج، ليستزلوها من علياء برجها وخدرها. واستجابت المرأة لتلك الدعوة الماكرة وراحت تُنظي حجابها وتبرز جمالها ومفاتنها، تستهوي العيون والقلوب، دونما تحرج او استحياء.
وما خدعت المرأة المسلمة وغرّر بها في تاريخها المديد بمثل ذلك الخُداع والتلبيس، متجاهلة عمّا يترصدها مِن جراء ذلك من الأخطار والمزالق.
ليس الحِجاب كما يصوّره المتحلّلون تخلّفاً ورجعيّة، وإنّما هو حشمة وحصانة، تصون المرأة من التبذّل والإسفاف، ويقيها تلصّص الغواة والداعرين، وتجنّبها مزالق الفِتَن والشرور.
وحسب المسلمين ان يعتبروا بما أصاب الأُمم الغربيّة مِن ويلات السفور والتبرّج، واختلاط الجنسين، ما جعلها في وضعٍ سيّئ وحالةٍ مزرية، من التسيّب الخُلقي، وغدَت تعاني ألوان المآسي الأخلاقيّة والصحّية والاجتماعيّة
الأضرار الخُلقيّة:
لقد أحدَث التبرّج والاختلاط في الأوساط الغربيّة مضاعفات أخلاقيّة خطيرة، تثير الفزع والتقزّز، فأصبحوا لا يستنكرون الرذائل الجنسيّة، ولا يستحيون مِن آثامها ومعائبها، وراح الوباء الخُلقي يجتاحهم ويفتك بهم فتكاً ذريعاً، حتّى انطلقت صيحات الغيارى منهم معلنةً بالتذمّر والاستنكار، ومُنذرةً بالخطر الرهيب.
فقد صوّر( بول بيودر )
انهيار الأخلاق في بلاده حيث قال: ( لم يعد الآن مِن الغريب الشاذ وجود العلاقات الجنسيّة بين الأقارب في النسَب، كالأب والبنت، والأخ والأُخت في بعض الأقاليم الفرنسيّة، وفي النواحي المزدحمة في المدن ).
وجاء في تقرير ( اللجنة الأربعة عشريّة ) المعنيّة بالفحص عن مكامن الفجور: ( إنّ كلّ ما يوجد في البلاد الأمريكيّة مِن المراقص والنوادي
الليليّة، ومجالي الزينة، وأماكن التدريم، وحجرات التدليك، ومراكز تمويج الشعر، قد أصبح جُلّها مواطن للفجور ودوراً للبغاء، بل هي أقبح منها وأشنع، لما يُرتكب فيها مِن الرذائل التي لا تصلح للذكر ).
وممّا يُخمّنه القاضي:( لندسي )
الأمريكي: ( أنّ خمساً وأربعين في المِئة مِن فتَيات المدارس يدنّسن أعراضهنّ قبل خروجهن منها، وترتفع هذه النسبة كثيراً في مراحل التعليم التالية ).
وقال( جورج رائيلي اسكات )
في كتابه( تاريخ الفحشاء )
وهو يشير إلى حالة بلاده في الغالب: ( وقد بلغ عدد هؤلاء العاهرات غير المحترفات في هذه الأيام مبلغاً لم يعهد قط فيما قبل، فهؤلاء يوجدن في كل طبقة من طبقات المجتمع من الدنيا والعليا.... وقد أصبح تعاطي الفجور وعدم التصوّن بل اتّخاذ الأطوار السوقيّة، معدوداً عند فتاة العصر، من أساليب العيش المُستجدّة ).
وقد سرت عدوى هذا التفسّخ الخُلقي إلى الصبية والصبايا مِن أولئك الأقوام، لتأثّرهم بالمحيط الفاسد والمثيرات الجنسيّة.
يقول الدكتور( راديت هوكو )
في كتابه( القوانين الجنسيّة ):
( إنّه ليس مِن الغريب الشاذّ حتّى في الطبَقات المُثقّفة المُترفة، أنّ بنات سبع أو ثماني سنين منهم، يخادن لداتهن من الصبية، وربّما تلوّثن معهم بالفاحشة ).
وقد جاء في تقرير طبيب مِن مدينة( بالتي مور )
: ( أنّه قد رفع إلى المحاكم في تلك المدينة أكثر مِن ألف مرافعة في مدّة سنة واحدة، كلّها
في ارتكاب الفاحشة مَع صبايا دون الثانية عشرة من العمر ).
ولم تقف الفوضى الخُلقيّة عند هذا الدرك السافل، فقد تفاقمت حتّى أصبحت العلاقات الجنسيّة الطبيعيّة... لا تشبع نهَمَهم الجنسي، فراحوا يتمرّغون في مقاذر الشذوذ الجنسي وانحرافاته النكراء. وعاد مِن المألوف لديهم أنْ يتزوج الفتى فتىً مثله، بتشجيع من القانون، ومرأى ومسمَع من الناس، وهُم يُباركون هذا العرس !!
ويقول الدكتور( هوكر ):
( إنّه لا تزال تحدث في مثل هذه المدارس والكلّيات ودور التربية للممرّضات، والمدارس الدينيّة، مِن تسافح الوالدين من الجنس الواحد فيما بينهما، وقد تلاشى أو كاد... ميلهم الطبيعي إلى الجنس المُخالف ).
والآن فلنساءل الببغاوات مِن دُعاة التحرّر والتبرّج، أهذا الذي ينشدونه لأنفسهم وأُمّتهم الإسلامية... أم أنّهم لا يفقهون ما ينادون به ويدعون إليه ؟
إنّ كلّ داعية إلى التبرّج والاختلاط هو بلا ريب، معول هدّام، في كيان المجتمع الإسلامي، ورائد شر ودعارة لأُمته وبلاده.
( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
( النور: ١٩ ).
* * *
الأضرار الصحيّة:
وكان من الطبيعي لأُمّةٍ شاع فيها الفساد، وتلاشت فيها قِيَم الدين والأخلاق، أنْ تُعاني نتائج شذوذها وتفسّخها، فتنهار صحّتها كما انهارت أخلاقها مِن قبل.
وهذا ما حدَث فعلاً في الأوساط الغربيّة، حيث استهدفتها الأمراض الزهريّة، وكبّدتها خسائر فادحة في الأرواح والأموال، وجاءت تقارير أطّباء الغرب معلنةً أبعاد تلك الأمراض ومآسيها الخطيرة في أرقى تلك الأُمَم وأكثرها تشدّقاً بالحضارة والمدنيّة.
قال الدكتور الفرنسي( ليريد ):
( إنّه يموت في فرنسا ثلاثون ألف نسَمة بالزهريّ، وما يتّبعها مِن الأمراض الكثيرة في كلّ سنة. وهذا المرض هو أفتك الأمراض بالأُمّة الفرنسيّة بعد حُمّى الدق ).
وجاء في دائرة المعارف البريطانيّة ج ٢٣ ص ٤٥: ( إنّه يُعالج في المستشفيات الرسميّة هناك ( أي القطر الأمريكي ) مِئتا ألف مريض بالزهري ومِئة وستّون ألف مصاب بالسَيَلان البنّي في كلّ سنة بالمعدل. وقد اختصّ بهذه الأمراض الجنسيّة وحدها ستّمِئة وخمسون مستشفى، على أنّه يفوق هذه المستشفيات الرسميّة نتاج الأطبّاء غير الرسميّين الذين يراجعهم ١٦% مِن مرضى الزهري و ٨٩% مِن مرضى السيَلان ).
وجاء في كتاب القوانين الجنسيّة:
إنّه ( يموت في أمريكا ما بين ثلاثين وأربعين ألف طفل بمرض الزهري الموروث وحده، في كلّ سنة. وإنّ الوفيّات التي تقَع بسبب جميع الأمراض - عدا السلّ - يربو عليها جملة عدد الوفيات الواقعة مِن مرض الزهري وحده ).
وكلّ هذه الخسائر والمآسي تدفعها الأُمم الغربية الداعرة... ضريبة من صحتها وحياتها جزاءً وفاقاً، على تفسّخها وتمرّغها في مقاذر الجِنس ومباءته.
الأضرار الاجتماعيّة:
وكان حتماً مقضيّاً على تلك الأُمم المُتحلّلة أنْ تُعاني - إلى جانب خسائرها الأخلاقيّة والصحيّة - عللاً اجتماعيّة خطيرة.
فقد جنت على حياتها الأسرية والاجتماعيّة، بإغفالها مبادئ العفّة والوفاء، واستهتارها بشرائط الزوجيّة الصالحة. وطفَق الزوجان منهم يهيمان في متاهات الغواية والفساد، تنطلق الزوجة خليعة متجمّلة بأبهى مظاهر الجمال، وبواعث الفتنة والإغراء، وينطلق الزوج هائماً في مراتع التبذّل والإسفاف، وسرعان ما ينزلق هذا أو تلك في مهاوي الرذيلة، حينما تستهوي بهما شخصيّةً جذّابة أروع جمالاً وأشدّ إغراءً مِن شريك حياته، فيزورُّ عنه طالباً صيداً جديداً، ومتعةً جديدة، بين فتيان الهوى وفتياته السائحات. فتزعزع بذلك كيان الأُسرة، وانفَرَط عقدها، ووَهَت
العلائق الزوجيّة، وغدَت تنفصم لأتفه الأسباب، كما شهِدت بذلك تقارير الخُبَراء.
وقد كتب القاضي( لندسي )
في بلدة( دنور )
سنة ١٩٢٢:
( أعقَب كلّ زواج تفريق بين الزوجين، وبإزاء كل زواجين عرضت على المحكمة قضيّة الطلاق. وهذه الحال لا تقتصر على بلدة دنور، بل الحقّ أنّ جميع البلدان الأمريكيّة على وجه التقريب تماثلها في ذلك قليلاً أو كثيراً ).
ويمضي في كتابته فيقول: ( إنّ حوادث الطلاق والتفريق بين الزوجين لا تزال تكثر وتزداد، وإنْ اطردت الحال على هذا - كما هو المرجو - فلا بدّ أنْ تكون قضايا الطلاق المرفوعة إلى المحاكم في معظم نواحي القطر على قدَر ما يمنح فيها مِن الامتيازات للزواج ).
وهكذا توالت على الأُمَم الغربيّة أعراض الشذوذ واختلاطاته المقيتة فقد زهَد الكثيرون منهم في الحياة الزوجيّة، وآثروا العزوبة إشباعاً لهَوَسهم الجنسي وتحرّراً مِن قيود الزواج وتكاليفه.
فقد جاء في مقال نشرته جريدة( بدترويت )
:
( إنّ ما قد نشأ بيننا اليوم من قلّة الزواج، وكثرة الطلاق، وتفاحش العلاقات غير المشروعة بين الرجال والنساء، يدلّ كلّه على أنّنا راجعون القهقرى غلى البهيميّة. فالرغبة الطبيعيّة في النسل إلى التلاشي، والجيل المولود ملقى حبله على غاربه، والشعور بكون تعمير الأُسرة والبيت لازماً لبقاء المدنيّة، والحكم المستقل يكاد ينتفي مِن النفوس، وبخلاف ذلك أصبح
الناس ينشأ فيهم الإغفال عن مآل المدنيّة والحكومة وعدم النصح لهما ).
ولو تحرّينا مردّ تلك المآسي التي اجتاحت الغرب لرأيناه ماثلاً في التبرّج والخلاعة والاختلاط، وشيوع المثيرات الجنسيّة، كالأفلام الداعرة والقصص الخلاعيّة والأغاني المخنّثة، التي مسخت القِيَم الأخلاقيّة وأشاعت الإسفاف والتهتّك في المجتمع الغربي، كما شهِد بذلك القوم أنفسهم.
وقد كتب( أميل بوريسي )
في تقريره الذي قدمّه إلى الجلَسة العامّة الثانية لرابطة منع الفواحش:
( هذه الفوتوغرافات الداعرة المتهتّكة تصيب أحاسيس الناس بأشدّ ما يُمكن من الهيَجان والاختلال، وتحثّ مشتريها البؤساء على المعاصي والإجرام التي تقشعرّ من تصوّرها الجلود. وإنّ أثرها السيّئ المُهلِك في الفتية والفَتَيات لَمِمّا يَعجز عنه البيان. فكثير مِن المدارس والكلّيات قد خربت حالتها الخلقيّة والصحيّة لتأثير هذه الصور المهيّجة، ولا يمكن أنْ يكون للفَتَيات على الأخصّ شيءٌ أضرّ وأفتَك مِن هذهِ )
* * *
ونستنتج مِن هذا العرض السالف: أنّ الشريعة الإسلاميّة، إنّما أمرت المرأة المسلمة بالحِجاب، ونهَتها عن التبرّج والاختلاط المُريب، حِرصاً على كرامتها وصيانتها مِن دوافع الإساءة والتغرير، ووقايةً للمجتمع الإسلامي مِن المآسي والأرزاء التي حاقَت بالأُمَم الغربيّة، ومسَخت أخلاقها وضمائرها وأورَدَتها موارد الشقاء والهلاك.
_____________________
أنظر كيف أهاب الإسلام بالمرأة المسلمة أنْ تتحصّن بالحِجاب، وتتوقّى به مزالق الفِتَن والشرور:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ )
( الأحزاب: ٥٩ ).
هذه هي إحدى الآيات الكريمة الناطقة بوجوب الحِجاب، والمُحرّضة عليه، بأُسلوبٍ جادٍّ صريح، حيث خاطَب اللّه عزَّ وجل رسوله الأعظم:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ )،
وذلك بإسدال الجِلباب - وهو ما تستتر به المرأة من ملحفة أو ملاءة - على وجوههن وأبدانهن.
ثم بين سبحانه علة الحِجاب وجدواه:( ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ )
، حيثُ إنّ الحِجاب يستر محاسن المرأة ومفاتنها، ويحيطها بهالةٍ من الحصانة والمنعة، تقيها تلصّص الغواة والداعرين وتحرّشاتهم الإجراميّة العابثة بصون النساء وكرامتهنّ.
ويمضي القرآن الكريم في تركيز مَبدأ الحِجاب والحثّ عليه في آياتٍ مُتتالية، وأساليبٍ بلاغيّة فذّة:
( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى )
( الأحزاب: ٣٢ - ٣٣ ).
وهنا يُخاطب اللّه عزّ وجل، زوجات النبيّصلىاللهعليهوآله
:( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء )
في الشرف والفضل، فأنتنّ أرفع شأناً
وأسمى منزلةٍ منهنّ، لشرفِ انتمائكن لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله
( إِنِ اتَقَيْتُنَّ )
معصيةَ اللّه تعالى ورسوله، وفي هذا الشرط إشعارٌ لهنّ إنّ انتسابهنّ إلى الرسولصلىاللهعليهوآله
فحسب لا يوجِب تفوّقهنّ على غيرهن مِن النساء، إلاّ بتحلّيهن بتقوى اللّه عزّ وجل، الذي هو مفتاح الفضائل، وقوام حياة الإيمان.
( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ )
فلا تخاطبن الأجانب بأُسلوبٍ لينّ رقيقٍ يستثير نوازِع القلوب المريضة بالدنَس والفجور.
( وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً )
مستقيماً مُشعِراً بالحِشمة والترفّع والوقار. ثمّ أمَرهنّ بالاستقرار في بيوتهن، ونهاهنّ عن التبرّج وإظهار المحاسن والزينة للأجانب، كما كنّ يُظهرنها النساء الجاهليّات( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ).
وفي ذلك ضمان لعفاف المرأة وكرامتها، وصيانتها مِن مزالق الخطيئة، وخوالج الشكّ والارتياب.
وهكذا يواصل القرآن الكريم غرس الفضيلة والعفّة في نفوس المؤمنين بمُثله العليا، وآدابه الرفيعة:
( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ
أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ )
( النور: ٣٠ - ٣١ ).
أمر اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة النبيّصلىاللهعليهوآله
أنْ يصدَع بآداب القرآن ووحي السماء، ويوجّه المؤمنين على ضوئهما توجيهاً هادفاً بنّاءً.
( قُل )
يا محمّد (لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
) بأنْ ينقصوا مِن نظراتهم وتطلّعاتهم نحو النساء الأجنبيّات، لِما في ذلك مِن ضروب الأخطار والأضرار، فكم نظرةً طامحة إلى الجمال أورَثت حسرةً طويلة، واسترقّت صاحبها بأسر الحبّ وعناء الهيام.
وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً
|
|
لقلبِك يوماً أتعبتك المناظر
|
رأيت الذي لا كلّه أنت قادر
|
|
عليه ولا عن بعضه أنت صابر
|
وقد تزجّ النظرة الآثمة في مهاوي الرذيلة والفساد:
نظرة فابتسامة فسلامٌ
|
|
فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
|
ثمّ أمر المؤمنين بحفظ الفروج بعد أمرهم بغضّ الأبصار( وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ )
عن الآثام الجنسيّة أو يستروها عن الناظر المحترم، وقد أوصد اللّه تعالى بهذين الأمرين - غض الأبصار وحفظ الفروج - أخطر منافذ الشرور الخلقيّة وبوائقها العارمة، وحصّن المؤمنين بالعفّة والنزاهة( ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ )
أطهر لنفوسهم وأخلاقهم، وأنفع لدينهم ودنياهم.
ثمّ عمَد إلى توعية الضمائر، وتصعيد قِيَمها الأخلاقيّة بالإيحاء النفسي بهيمنة اللّه سُبحانه عليهم ورقابته لهم( لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ )
بأبصارهم وفروجهم وجميع أعمالهم.
ثمّ عطَف اللّه تعالى على النساء المؤمنات، فأمرهنّ بما أمر به الرجال المؤمنين مِن غضّ الأبصار وحفظ الفروج، لاتحاد الجنسين، وتساويهما في الغرائز والميول، وانجذاب كلٍّ منهما نحو الآخر.
وخصّ النساء بتوجيهات تنظّم سلوكهنّ، وتذكّي فيهن مشاعر الحِشمة والعزّة والوقار:( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ )
لا يظهرن مواضع الزينة لغير المحارم،( إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا )
كالثياب أو الوجه والكفّين،( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ )
وليسدلْن الخُمر والمقانع على نحورِهنّ وصدورهِنّ تستّراً مِن الأجانب.
ثمّ رخّصهنّ في إبداء زينتهن للمحارم، ومَن يؤمَن مِن الافتتان والإغراء منهنّ وعليهنّ، لنفرة الطباع مِن ذلك( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ )
وهنّ الإماء.
( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ )
وهُم الذين يتبعون الناس طمَعاً في برّهم ونوالِهم مَن لا يهفو إلى النساء، ولا حاجة له فيهنّ، كالبلَه مِن الرجال أو الشيوخ العاجزين الصلحاء.
(أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء )
وأُريد به جمع الأطفال الذين لا يعرفون عورات النساء لسذاجتهم، وضعف غريزتهم الجنسيّة.
( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ )
للإعلام عن خلخالها أو إسماع صوته.
( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
( النور: ٣١ ) تسعدون في الدارين.
* * *
وهكذا جاءت أحاديث أهل البيتعليهمالسلام
تحضّ على العفاف، وغضّ الأبصار عن النظرة المحرّمة، فضلا عن الاختلاط، سيّان في ذلك الرجال والنساء.
قال الصادقعليهالسلام
: ( النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، وكم نظرةً أورَثت حسرةً طويلة )
وقالعليهالسلام
: ( أوّل النظرة لك، والثانية عليك، والثالثة فيها الهلاك )
وقالعليهالسلام
: ( نهى رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
أنْ يدخل الرجل على النساء إلاّ بإذن أوليائهنّ )
.
وعن أبي جعفر وأبي عبد اللّهعليهماالسلام
قالا: ( ما مِن أحدٍ إلاّ وهو يصيب حظّاً مِن الزنا، فزنا العين النظر، وزنا الفم الغيبة، وزنا اليَدين اللمس، صدّق الفرج ذلك أم كذّب )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن نظر إلى امرأةٍ فرفع بصره إلى
_____________________
السماء، لم يرتد إليه بصره حتّى يزوّجه اللّه مِن الحور العين )
.
وعنه، عن أبيهعليهماالسلام
قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( كلّ عينٍ باكية يوم القيامة إلاّ ثلاث أعين: عينٌ بكَت مِن خَشية اللّه، وعينٌ غضّت عن محارم اللّه، وعينٌ باتت ساهرةً في سبيل اللّه )
* * *
_____________________
منزلة المرأة في الإسلام
أجدني وأنا أتحدّث عن الحقوق الزوجيّة منساقاً إلى التحدّث عن منزلة المرأة في الإسلام، ورعايته لها وعطفه عليها، ما جعلها حظيّة سعيدة في ظلاله.
ولا يستطيع الباحث أنْ يتبيّن أبعاد حظوتها وسعادتها في عهده الزاهر، إلاّ بالمقارنة بينها وبين غيرها مِن النساء اللاتي سبَقْنها أو تخلّفن عنها في التأريخ، ليستجلي عزّتها وتفوّقها عليهنّ.
ولا يستطيع أنْ يتبيّن ذلك إلاّ بدراسته على ضوء المبادئ السماويّة الخالدة، والقِيَم المنطقيّة المبرّأة مِن نوازع الهوى والجهل، وسيطرة الأعراف والتقاليد التي لا تصلح أنْ تكون مقياساً ثابتاً وحكَماً عدلاً في تمحيص الحقائق وتقييمها، واستجلاء الواقع مِن المزيّف منها، لتلوّنها بالمحيط الذي نبَعت منه، والظرف الذي شاعت فيه، فطالما استحسَن العُرف خِلالاً قبيحة واستقبح سجاياً كريمة، متأثّراً بدوافع هذا أو ذاك.
وإنّما يصلُح العُرف في التحكيم إذا كان مستنيراً بهدي اللّه تعالى وتوجيهه السديد الحكيم، فإنّه آنذاك لا يُخطئ في حكمه، ولا يزيغ عن العدل والصواب.
المرأة في التاريخ القديم
لقد اضطرب المِعيار الاجتماعي في تقييم المرأة وتحديد منزلتها الاجتماعيّة في عصور الجاهليّة القديمة أو الحديثة. وتأرجَح بين الإفراط والتفريط، وبين التطفيف والمُغالاة، دون أنْ يستقرّ على حالٍ رضيَ مِن القصد والاعتدال.
فاعتُبرت حيناً مِن الدهر مخلوقاً قاصراً منحطّاً، ثمّ اعتُبرت شيطاناً يسوّل الخطيئة ويوحي بالشرِّ، ثمّ اعتُبرت سيّدة المجتمع تحكم بأمرها وتصرّفه بمشيئتها، ثمّ اعتبرت عاملةً كادحة في سبيل عيشها، وحياتها.
وكانت المرأة في أغلب العصور تعاني الشقاء والهَوان، مهدورة الحقّ مستَرقّة للرجل، يسخّرها لأغراضه كيف يشاء.
وهي في تقييم الحضارة الرومانيّة في تأرجح واضطراب، بين التطفيف والمُغالاة: اعتبرتها رقيقاً تابعاً للرجل، يتحكّم فيها كما شاء. ثمّ غالت في قيمها فحرّرتها من سلطان الأب والزوج، ومنحتها الحقوق الملكيّة والإرثيّة وحريّة الطلاق، وحريّة التبذّل والإسفاف، فكانت الرومانيّة تتزوّج الرجل بعد الآخر دونما خجَل أو استحياء.
فقد كتب ( جوونيل ٦٠ - ١٤٠ م ) عن امرأة تقلّبت في أحضان ثمانية أزواج في خَمس سنَوات. وذكر القدّيس ( جروم ٣٤٠ - ٤٢٠ م ) عن امرأةٍ تزوّجت في المرّة الأخيرة الثالث والعشرين مِن أزواجها، وكانت
هي الحادية والعشرين لبعلها
ثمّ أباحوا لها طُرق الغواية والفساد، ممّا سبّب تفسّخ المجتمع الروماني ثمّ سقوطه وانهياره.
وهي في عرف الحضارة اليونانيّة تعتبر مِن سقط المتاع، تُباع وتُشترى، وتُعتبر رجساً مِن عمَل الشيطان.
وقضت شرائع الهند القديمة ( أنّ الوباء والموت والجحيم والسم والأفاعي والنار... خير مِن المرأة ) وكان حقّها في الحياة ينتهي بانتهاء أجل زوجها الذي هو سيّدها ومالكها، فإذا رأت جثمانه يُحرق ألقت بنفسها في نيرانه، وإلاّ حاقت عليها اللعنة الأبديّة.
وأمّا رأي التوراة في المرأة، فقد وضّحه سِفر الجامعة في الكلمات الآتية: ( درت أنا وقلبي لأعلم ولأبحث ولأطلب حكمة وعقلاً، ولأعرّف الشرّ أنّه جهالة، والحماقة أنّها جنون، فوجدت أمرّ مِن الموت، المرأة، التي هي شباك، وقلبها شِراك، ويداها قيود )( الاصحاح ١٤ الفقرة ١٧)
وكانت المرأة في وجهة نظر المسيحيّة - خلال العصور الوسطى - مخلوقاً شيطانيّاً دنساً، يجب الابتعاد عنه.
قال ( ليكي ) في كتاب تأريخ أخلاق أوربّا: ( وكانوا يفرّون مِن ظلّ النساء، ويتأثّمون مِن قربهنّ والاجتماع بهنّ، وكانوا يعتقدون أنّ
_____________________
مصادفتهنّ في الطريق والتحدّث إليهنّ - ولو كُنَّ أُمّهات وأزواجاً أو شقيقات - تحبط أعمالهم وجهودهم الروحيّة )
وهكذا كان المجتمع الغربي فيما خلا تلك العصور، يستخفّ بالمرأة ولا يقيم لها وزناً. ( فقد عُقِد في فرنسا اجتماع سنة ٥٨٦ م يبحث شأن المرأة، وما إذا كانت تُعَدّ إنساناً أو لا تُعَدّ إنساناً. وبعد النقاش، قرّر المجتمعون أنّ المرأة إنسان ولكنّها مخلوقةٌ لخدمة الرجل )
وفي انجلترا حرّم ( هنري الثامن ) على المرأة الانجليزيّة قراءة الكتاب المقدّس، وظلّت النساء حتّى سنة ١٨٥٠ م غير معدودات مِن المواطنين، وظللن حتّى سنة ١٨٨٢ م ليس لهنّ حقوق شخصيّة، ولا حقّ لهنّ في التملّك الخالص، وإنّما كانت المرأة ذائبة في أبيها أو زوجها
المرأة في المجتمع العربي الجاهلي:
وقد لخّص الأستاذ الندوي حياة المرأة في المجتمع العربي الجاهلي، حيث قال:
( وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة غَبنٍ وحَيف، تُؤكَل حقوقها وتُبتزّ أموالها، وتُحرم مِن إرثها، وتُعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج مِن أنْ تنكح زوجاً ترضاه، وتورَث كما يُورَث المتاع أو الدابّة، وكانت المرأة
_____________________
في الجاهليّة يُطفَّف معها الكيل، فيتمتّع الرجل بحقوقه ولا تتمتّع هي بحقوقها، ومِن المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرّم على الإناث، وكان يسوغ للرجل أنْ يتزوّج ما يشاء مِن النساء مِن غير تحديد.
وقد بلغت كراهة البنات إلى حدّ الوأد، وكانوا يقتلون البنات بقسوة، فقد يتأخّر وأد الْمَوْؤُودَةُ لسفَر الوالد وشغله، فلا يئدها إلاّ وقد كبُرت وصارت تعقل، وكان بعضهم يلقي الأُنثى مِن شاهق )
المرأة في الحضارة الغربية الحديثة:
ولمّا بلغت الحضارة الغربيّة الحديثة أوجّها، نالت المرأة فيها - بعد جهادٍ شاقٍّ وتضحياتٍ غالية - حرّيتها وحقوقها، وغدت تستشعر المساواة بالرجل، وتشاطره الأعمال في الدوائر والمتاجر والمصانع، ومختلف الشؤون والنشاطات الاجتماعيّة.
وابتهجت المرأة الغربيّة بهذه المكاسب التي نالتها بالدموع والمآسي، متجاهلة واقع غبنها وخُسرانها في هذا المجال. ولو أنّها حاكمت وعادلت في ميزان المنطق بين المغانم التي حقّقتها والمغارم التي حاقَت بها... لأحسّت بالأسى والخيبة والخُسران.
فقد خدعها دُعاة التحرّر في هذه الحضارة الماديّة، وغرّروا بها واستغلّوا سذاجتها استغلالاً ماكراً دنيئاً. استغلّوها لمضاربة الرجل،
_____________________
ومكايدته حينما بدأ يُطالب بمضاعفة أُجور العمل وتخفيف ساعاته، فاستجابت لذلك... تعمل أعمال الرجل قانعةً بأجرٍ دون أجره.
واستغلّوا أُنوثتها في الحقل التجاري لمضاعفة الأرباح الماديّة، لقدرتها على اجتذاب الزبائن وتصريف البضائع، مستثيرين كوامن الجِنس في نفوسهم فأيّ استغلال أنكى وأسوأ مِن هذا الاستغلال ؟
وكان عليها بعد هذا أنْ تضطلع بمهامّها النسويّة مِن الحمل والوضع والتربية والتدبير المنزلي، إلى جانب كفاحها في سبيل العيش كيلا يمسّها السغب والحرمان لنكول الرجل عن إعالتها في الغالب.
وبالرغم ممّا حقّقته المرأة الأُوربيّة مِن صنوف الانجازات والمكاسب، فإنّها تُعتبر في المعيار المنطقي خاسرةً مُخفقة، قد خَسِرت إزاء تحرّرها دينها وأخلاقها وكرامتها، وأصبحت في حالة مزرية مِن التبذّل والإسفاف. كما شهِد به الغربيّون أنفسهم ممّا أوضحناه سالفاً ونزيده إيضاحاً في الأبحاث التالية.
تحرير المرأة في الإسلام
وندرك مِن هذا العرض السالف مبلغ التخبّط والتأرجُح في تقييم المرأة عِبر العصور القديمة والحديثة، دون أنْ تهتدي الأُمَم إلى القصد والاعتدال، ممّا أساء إلى المرأة والمجتمع الذي تعيشه إساءةً بالغة.
فلمّا انبثق فجر الإسلام وأطلّ على الدنيا بنوره الوضّاء، أسقط تلك التقاليد الجاهليّة وأعرافها البالية، وأشاد للإنسانيّة دستوراً خالداً يُلائم
العقول النيّرة والفطرة السليمة، ويُواكب البشريّة عِبر الحياة.
فكان مِن إصلاحاته أنّه صحّح قِيَم المرأة وأعاد إليها اعتبارها، ومنَحها حقوقها الماديّة والأدبيّة بأُسلوبٍ قاصدٍ حكيم، لا إفراط فيه ولا تفريط، فتبوّأت المرأة المسلمة في عهده الزاهر منزلةً رفيعةً لم تبلغها نِساء العالم.
لقد أوضح الإسلام واقع المرأة، ومساواتها بالرجل في المفاهيم الإنسانية، واتّحادها معه في المبدأ والمعاد، وحرمة الدم والعرض والمال، ونيل الجزاء الأُخروي على الأعمال، ليُسقط المزاعم الجاهليّة إزاء تخلّف المرأة عن الرجل في هذه المجالات.
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )
( الحجرات: ١٣ ).
( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )
( النحل: ٩٧ ).
وكان بعض الأعراب يئدُ البنات ويقتلهنّ ظُلماً وعدواناً، فجاء ناعياً ومُهدّداً على تلك الجريمة النكراء، ومنَح البنت شرف الكرامة وحقّ الحياة.
( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ )
( التكوير: ٨ - ٩ ).
( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً )
( الإسراء: ٣١ ).
وقضت الأعراف الجاهليّة أنْ تسوم المرأة ألوان التحكّم والافتئات، فتارة تقسرها على التزويج ممّن لا ترغب فيه، أو تعضلها مِن الزواج.
وأُخرى تُورَث كما يُورث المَتاع، يتحكّم بها الوارث كيف يشاء، فله أنْ يزوّجها ويبتزّ مهرها، أو يعضلّها حتّى تفتدي نفسها منه أو تموت، فيرثُها كُرهاً واغتصاباً. وقد حرّرها الإسلام من ذلك الأسر الخانق والعبوديّة المقيتة، ومنَحها حريّة اختيار الزوج الكفوء، فلا يصحّ تزويجها إلاّ برضاها، وحرّم كذلك استيراثها قسراً وإكراها:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ )
( النساء: ١٩ ).
وكانت التقاليد الجاهليّة، وحتّى الغربيّة منها، إلى عهدٍ قريب تُمنع المرأة حقوق الملكيّة، كما حرمتها الجاهليّة العربيّة حقوق الإرث ؛ لأنّ الإرث في عرفهم لا يستحقّه إلاّ رجال القبيلة وحماتها المدافعون عنها بالسيف. وقد أسقط الإسلام تلك التقاليد الزائفة، ومنح المرأة حقوقها الملكيّة والإرثيّة، وقرّر نصيبها من الإرث.. أُمّاً كانت، أو بِنتاً، أو أُختا أو زوجة:
( لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ )
( النساء: ٣٢ ).
( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ )
( النساء: ٧ ).
وفرض للزوجة على زوجها حقّ الإعالة، ولو كانت ثريّةً موسرة.
وقد عرَضنا في حقوق الزوجة طرَفاً مِن وصايا أهل البيتعليهمالسلام
في رعايتها وتكريمها، تعرب عن اهتمام الشريعة الإسلاميّة بشؤون المرأة ورفع معنوياتها.
واستطاع الإسلام بفضل مبادئه وسموّ آدابه أنْ يجعل المرأة المسلمة
قدوةً مثالية لبناء الأُمم، في رجاحة العقل وسموّ الإيمان وكرم الأخلاق، ورفع منزلتها الاجتماعيّة، حتّى استطاعت أنْ تناقش وتحاجّ الخليفة الثاني إبّان خلافته، وهو يخطب في المسلمين وينهاهم عن المُغالاة في المهور، فانبَرت له امرأةٌ مِن صفّ الناس، وقالت: ما ذاك لك.
فقال: ولِمَه ؟
أجابت: لأنّ اللّه تعالى يقول:( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً )
( النساء: ٢ ).
فرجع عمر عن رأيه، وقال: أخطأ عمر وأصابت امرأة.
وقد سجّل التاريخ صفحات مشرّقة بأمجاد المرأة المسلمة ومواقفها البطوليّة في نصرة الإسلام، يقصّها الرواة بأُسلوب رائع ممتع يستثير الإعجاب والإكبار.
فهذه ( نسيبة المازنيّة ) كانت تخرج مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
في غزَواته، وكان ابنها معها، فأراد أنْ ينهزم ويتراجع، فحملت عليه، فقالت: يا بني، إلى أين تفرّ عن اللّه وعن رسوله ؟ فردّته.
فحمل عليه رجل فقتله، فأخذت سيف ابنها، فحملت على الرجل فقتلته. فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( بارك اللّه عليك يا نسيبة ).
وكانت تقي رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
بصدرها وثديها، حتّى أصابتها جراحات كثيرة
وحجّ معاوية سنة من سنيّه، فسأل عن امرأة مِن بني كنانة كانت
_____________________
تنزل بالجحون، يُقال لها: ( دارميّة الجحون ) وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها، فبعث إليها. فجيء بها، فقال: ما حالك يابنة حام ؟ قالت: لستُ لحام إنْ عبتني، إنّما أنا امرأةٌ من بني كنانة، ثمت من بني أبيك.
قال: صدقت، أ تدرين لِمَ بعثت إليك ؟
قالت: لا يعلم الغيب إلاّ اللّه.
قال: بعثت إليك لأسألك، علامَ أحببت عليّاً وأبغضتني، وواليته وعاديتني ؟
قالت: أوَ تعفيني يا أمير المؤمنين.
قال: لا أعفيك.
قالت: أمّا إذا أبيت، فأنّي أحببتُ عليّاً على عدلِه في الرعيّة، وقسمه بالسويّة. وأبغضتُك على قتالِ مَن هو أولى منك بالأمر، وطلْبَتك ما ليس لك بحق. ووالَيت عليّاً على ما عقَد له رسول اللّه مِن الولاء، وعلى حبّه للمساكين، وإعظامه لأهل الدين، وعاديتك على سفكِ الدماء، وشقّك العصا وجَورك في القضاء، وحكمك بالهوى.
قال: فلذلك انتفخ بطنك.
قالت: يا هذا، بهندٍ واللّه، يُضرب المثل في ذلك لا بي.
قال معاوية: يا هذه، أربعي، فإنّا لم نقل إلاّ خيراً، فرجَعت وسكَنَت.
فقال لها: يا هذه، هل رأيت عليّاً ؟
قالت: أي واللّه لقد رأيته.
قال: فكيف رأيتيه.
قالت: رأيته واللّه، لم يفتنه المُلك الذي فتَنَك، ولم تشغَلُه النِّعمة التي شغَلَتك.
قال: هل سمِعتِ كلامه ؟
قالت: نعم واللّه، كان يجلو القلوب مِن العمى كما يجلو الزيت الصدأ.
قال: صدَقتِ، فهل لك مِن حاجة ؟
قالت: أوَ تفعل إذا سألتك ؟ قال: نعم.
قالت: تعطيني مِئة ناقة حمراء فيها فحلُها وراعيها.
قال: تصنعين بها ماذا ؟
قالت: أغدو بألبانها الصغار، واستحيي بها الكبار، واكتسب بها المكارم، وأصلح بها العشائر.
قال: فإنْ أعطيتك ذلك، فهل أحلّ عندك محلّ عليّ ؟
قالت: ماء ولا كصدّاء، ومرعى ولا كالسعدان، وفتى ولا كمالك.
ثمّ قال: أما واللّه لو كان عليّ حيّاً ما أعطاك منها شيئاً.
قالت: لا واللّه، ولا وبْرة واحدة مِن مال المسلمين.
* * *
واستدعى معاوية امرأة مِن أهل الكوفة تُسمّى ( الزرقاء بنت عديّ ) كانت تعتمد الوقوف بين الصفوف وترفع صوتها صارخة، يا أصحاب عليّ، تُسمِعهم كلامها كالصوارم، مستحثّة لهم بقولٍ لو سمعه الجبان لقاتل،
والمُدبر لأقبَل، والمسالِم لحارب، والفارّ لكرّ، والمتزَلزِل لاستقر.
فلمّا قدِمت على معاوية، قال لها: هل تعلمين لِم بعثتُ إليك ؟
قالت: لا يعلم الغيب إلاّ اللّه سُبحانه وتعالى.
قال: ألستِ الراكبة الجَمل الأحمر يوم صفّين، وأنتِ بين الصفوف توقدين نار الحرب، وتحرّضين على القتال ؟
قالت: نعم. قال: فما حمَلَك على ذلك ؟
قالت: يا أمير المؤمنين، إنّه قد مات الرأس، وبُتِرَ الذنَب، ولنْ يعود ما ذهَب، والدهر ذو غِيَر، ومَن تفكّر أبصَر، والأمر يحدُث بعده الأمر.
قال: صدَقت، فهل تعرفين كلامك وتحفظين ما قلت ؟
قالت: لا واللّه، ولقد أنسيته.
قال: للّه أبوك، فلقد سمِعتك تقولين: ( أيّها الناس، ارعوا وارجعوا، إنّكم أصبحتم في فتنة، غشّتكم جلابيب الظلم، وجارَت بكم عن قَصد المحجّة، فيا لها فتنةٌ عمياء صمّاء بكماء، لا تسمع لِناعِقها ولا تَسلس لقائدها. إنّ المصباح لا يضيء في الشمس، وإنّ الكواكب لا تنير مع القمر، وإنّ البغل لا يسبق الفرس، ولا يُقطع الحديد إلاّ بالحديد، ألا مَن استرشَد أرشدناه، ومَن سألَنا أخبرناه.
أيّها الناس: إنّ الحقّ كان يَطلب ضالّته فأصابها، فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار على الغصص، فكأنّكم وقد التأم شمل الشتات، وظهَرت كلمة العدل، وغلَب الحقّ باطله، فإنّه لا يستوي المُحقّ والمبطِل. أفمن
كان مؤمناً كمَن كان فاسقاً لا يستوون. فالنزال النزال، والصبر الصبر، ألا إنّ خضاب النساء الحنّاء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير الأُمور عاقبة، أئتوا الحرب غير ناكصين، فهذا يوم له ما بعده ).
ثمّ قال: يا زرقاء، أليس هذا قولك وتحريضك ؟
قالت: لقد كان ذلك.
قال: لقد شاركت عليّاً في كلّ دمٍ سفَكَه.
فقالت: أحسنَ اللّه بشارتك أمير المؤمنين، وأدام سلامتك، فمثلك مَن بشّر بخير، وسرّ جليسه.
فقال معاوية: أوَ يسرّك ذلك ؟
قالت: نعم واللّه، لقد سرّني قولك، وأنّى لي بتصديق الفعل. فضحِك معاوية، وقال: واللّه لوفاؤكم له بعد موته أعجبُ عندي مِن حبّكم له في حياته
.
وهذه أمّ وهَب ابن عبد اللّه بن خباب الكلبي، قالت لابنها يوم عاشوراء: قم يا بني، فانصر ابن بنت رسول اللّه.
فقال: أفعَل يا أمّاه ولا أقصّر.
فبرَز وهو يقول رجزه المشهور، ثمّ حمَل فلَم يزَل يقاتل، حتّى قتَل منهم جماعة، فرجع إلى أُمه وامرأته، فوقف عليهما فقال: يا أماه، أرضيت ؟
فقالت: ما رضيت، أو تُقتَل بين يديّ الحسينعليهالسلام
.
_____________________
فقالت امرأته: باللّه، لا تفجعني في نفسك.
فقالت أُمّه: يا بني، لا تقبل قولها وارجع فقاتل بين يديّ ابن بنت رسول اللّه، فيكون غداً في القيامة شفيعاً لك بين يدي اللّه.
فرجَع ولم يزَل يُقاتل حتّى قتَل تسعة عشر فارساً واثني عشَر راجلاً، ثمّ قُطِعت يداه. وأَخذَت أُمّه عموداً وأقبَلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأُمّي، قاتل دون الطيّبين - حرم رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
-. فأقبل كي يردّها إلى النساء، فأخذت بجانب ثوبه: ( لنْ أعود أو أموت معك ).
فقال الحسينعليهالسلام
: ( جُزيتم مِن أهل بيتٍ خيراً، ارجعي إلى النساء، رحِمَك اللّه ).
فانصرفت. وجعل يُقاتل حتّى قُتِل رضوان اللّه عليه
.
هذه لمحة خاطفة مِن عرضٍ تاريخي طويل زاخر بأمجاد المرأة المسلمة، ومواقفها البطوليّة الخالدة، اقتصرنا عليها خشية الإطالة.
وأين مِن هذه العقائل المصونات، نِساء المسلمين اليوم، اللاتي يتشدّق الكثيرات منهنّ بالتبرّج، ونبذ التقاليد الإسلاميّة، ومحاكاة المرأة الغربيّة، في تبرّجها وخلاعتها. فخسِرن بذلك أضخم رصيد ديني وأخلاقي تملكه المرأة المسلمة وتعتزّ به، وغدَونَ عاطلات مِن محاسن الإسلام، وفضائله المثاليّة.
_____________________
المساواة بين الرجل والمرأة
لقد غزَت الشرق فيما غزاه مِن صنوف البِدَع والضلالات، فكرة المساواة التامّة بين الرجل والمرأة، ومشاطرتها له في مختلف نشاطاته السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.
وانخدع أغرار المسلمين بهذه الفكرة، وراحوا يُنادون بها ويدعون إليها، جهلاً بزيفها ومخالفتها مبادئ الفطرة والوجدان، للفوارق العديدة بين الجِنسين، واختلاف مؤهّلاتهما في مجالات الحياة.
ومتى ثبتت المُفارقات بين الرجل والمرأة، تجلّى خطأ هذه الفكرة، واستبان ما فيها مِن تفريط وتضييع لخصائص كلٍّ منهما وكفاءته.
فالرجل غالباً: هو أضخم هيكلاً مِن المرأة، وأصلَب عوداً، وأقوى جلداً على معاناة الشدائد والأهوال، كما هو أوسع أُفقاً، وأبعَد نظراً، وأوفَر خبرةً في تجارب الحياة.
والمرأة غالباً، هي أجمل صورة مِن الرجل، وأضعَف جِسماً وطاقة، وأرقَّ عاطفةً، وأرهف حسّاً، تيسيراً لما أُعدّت له مِن وظائف الأُمومة ورسالتها الإنسانيّة في الحياة.
ويزداد التغاير والتباين بين الجنسين فيما ينتاب الإناث خاصّة، مِن أعراض الحيض والحمل والإرضاع، ممّا يؤثّر تأثيراً بالغاً في حياة المرأة وحالتها الصحيّة.
فهي تُعاني أعراضاً مرَضيّة خلال عاداتها الشهريّة، تخرجها عن طورها المألوف.
قال الطبيب( جب هارد )
: ( قلّ مِن النساء مَن لا تعتلّ بعلّة في المحاض، ووجَدنا أكثرهن يَشكينَ الصداع والنصَب والوجَع تحت السرّة،
وقِلّة الشهوة للطعام، ويصبحن شرِسات الطباع، مائلات إلى البكاء. فنظراً لهذه العوارض كلّها يصحّ القول، أنّ المرأة في محاضها تكون في الحقّ مريضة، وينتابها هذا المرض مرّةً في كلّ شهر، وهذه التغييرات في جسم المرأة تؤثّر لا محالة في قواها الذهنيّة وفي أفعال أعضائها ).
وهكذا أعرب الباحثون عن امتناع المساواة بين الجنسين.
قال الباحث الطبيعي الروسي( انطون نميلاف )
في كتابه الذي أثبت فيه عدم المساواة الفطريّة بينهما، بتجارب العلوم الطبيعيّة ومشاهداته: ( ينبغي أنْ لا نخدع أنفسنا بزعم أنّ إقامة المساواة بين الرجل والمرأة في الحياة العمليّة أمرٌ هيّنٌ ميسور. الحقّ أنّه لم يجتهد أحد في الدنيا لتحقيق هذه المساواة بين الصنفين مثل ما اجتهدنا في روسيا السوفيتيّة، ولم يوضع في العالم مِن القوانين السمحة البريئة من التعصّب في هذا الباب مثل ما وضِع عندنا، ولكنّ الحقّ إنّ منزلة المرأة قلّما تبدّلت في الأُسرة، ولا في الأُسرة فحسب، بل قلّما تبدّلت في المجتمع أيضاً ).
ويقول في مكان آخر: ( لا يزال تصوّر عدم مساواة الرجل والمرأة ذلك التصوّر العميق راسخاً، لا في قلوب الطبَقات ذات المستوى الذهني البسيط، بل في قلوب الطبقات السوفيتيّة العُليا أيضاً )
وقال الدكتور( الكسيس كاريل )
الحائز على جائزة نوبل: ( يجب أنْ يبذل المربّون اهتماماً شديداً للخصائص العضويّة والعقليّة في الذكر والأنثى، كذا لوظائفهما الطبيعيّة، فهناك اختلافات لا تُنقض بين الجنسين
_____________________
ولذلك فلا مناصَ مِن أنْ نحسب حساب هذه الاختلافات في إنشاء عالَم متمدّن )
ولا يعتبر تفوّق الرجل على المرأة في المجالات العمليّة والنظريّة مِقياساً عامّاً شاملاً لجميع الرجال، فقد تَبُذُّ المرأة الرجل وتفوقه في ذلك، ولكن هذا لا ينفي تخلّفها عن أغلب الرجال.
وعزا بعضهم تخلّف المرأة عن الرجل إلى التقاليد الاجتماعيّة، والنظُم التربويّة التي تكتنف حياتها.
وفاتهم أنّ تلك التقاليد والنظُم قد تلاشت في أغلب الدول المُتحلّلة، وانعدمت فيها الفوارق بين الجنسين، وغدَت المرأة تتمتّع بجميع فرَص التكافؤ التي يتمتّع بها الرجل. وبالرغم مِن ذلك فإنّها تعتبر في المرتبة الثانية منه.
ومِن هنا ندرك امتناع المساواة المُطلقة بين الرجل والمرأة، ونعتبرها ضرباً مِن الحماقة والسُّخف.
فهل يسع دعاة المساواة أنْ يطوّروا واقع الرجل ويجعلوه مشاركاً للمرأة في مؤهّلاتها الخاصّة، ووظائفها النسويّة التي يعجز عنها هو، كذلك لا يسعهم أنْ يسترجلوا المرأة ويمنحوها خصائص الرجل ووظائفه التي تعجز عنها هي.
إنّ الحكمة الإلهيّة قد كيّفت كلاًّ مِن الجنسين وأعدّته إعداداً خاصّاً، يؤهّله لأداء وظائفه ومهمّاته في الحياة، فلا مناص مِن تنويع الأعمال بينهما
_____________________
حسب كفاءتهما ومؤهّلاتهما... وكُل مُيسّر لما خُلق له.
فوظيفة الرجل هي: ممارسة الأعمال الشاقّة، والشئون الخارجيّة عن المنزل، والكدح في توفير وسائل العيش لأُسرته، والدأب على حمايتها وإسعادها ماديّاً وأدبيّاً، ممّا تنوء به المرأة ولا تستطيع إتقانه وإجادته.
ووظيفة المرأة هي: أنْ تكون ربّة بيت وراعيةَ منزل، وأُمّاً مثاليّةً تُنشئ الأكفّاء من الرجال، وهي وحدها التي تستطيع أنْ تجعل البيت فردوساً للرجل، يستشعر فيه الراحة مِن متاعب الحياة، وينعم الأطفال فيه بدفء الحنان ودواعي النموّ والازدهار.
فإقحام المرأة في ميادين الرجل، ومنافستها له في أعماله... تضييع لكفاءتها ومؤهّلاتها، ثمّ هو تجميد للرجل عن ممارسة نشاطاته الحيويّة التي يجيدها ولا تجيدها المرأة، وتعطيل له عن إنشاء أُسرةٍ وتكوين بيت.
وقد أحدَثت منافسة المرأة للرجل في وظائفه ونشاطاته الخاصّة في الجاهليّة الحديثة... شروراً أخلاقيّة واجتماعيّة ونفسيّة خطيرة، وكانت مضّارها أكثر مِن نفعها أَضعافاً مُضاعفة.
وأصبحت المرأة هناك تُعاني مرارة الكفاح ومهانة الابتذال في سبيل العيش، كي لا تمسّها الفاقة لنكول الرجل عن إعالتها، ممّا عاقها عن أداء وظائفها الخاصّة من تدبير المنزل ورعاية الأُسرة وتربية الأبناء تربيةً صالحة.
وبتقاعس المرأة عن أداء واجبها الأصيل، وانخراطها في المجتمع الخليط، أُصيبت الأُسرة هناك بالتبعثر والتسيّب والشقاء، وشاع فيها التفسّخ والتهتّك والانهيار الخُلقي، كما شهِد بذلك الباحث الطبيعي الروسي( انطون
نيميلاف ) في كتابه الآنف الذكر:
( الحقّ أنّ جميع العمّال قد بدت فيهم أعراض الفوضى الجنسيّة، وهذه حالة جدّ خطرة، تُهدّد النظام الاشتراكي بالدمار، فيجب أنْ نُحارب بكلّ ما أمكن مِن الطُرق ؛ لأنّ المحاربة في هذه الجبهة ذات مشاكل وصعوبات، ولي أنْ أدُلّكم على آلافٍ مِن الأحداث، يُعلم منها أنّ الإباحية الجنسيّة قد سرَت عدواها لا في الجهّال الأغرار فحسب، بل في الأفراد المثقّفين مِن طبقة العمّال )
وحسبُنا هذه الشهادة عِظةً وعبرةً على بطلان المساواة بين الجنسين، وأضرار اختلاطهما في الوظائف والأعمال، فهل مِن متّعظ ؟!
فإقحام المرأة في ميدان أعمال الرجال خطأٌ فاضح، وجنايةٌ كُبرى على المرأة والمجتمع الذي تعيشه، وهدرٌ لكرامتهما معاً.
نعم... يُستساغ للمرأة أنْ تمارس أعمالاً تخصّها وتليق بها، كتعليم البنات، وتطبيب النساء وتوليدهن، وفي حالة فقدان المرأة مَن يعولها، أو عجزِه عن إعالتها، فإنّها والحالة هذه تستطيع مزاولة الأعمال والمكاسب التي يؤمَن عليها مِن مفاتن المجتمع الخليط، ويُؤمن عليه مِن فتنتها كذلك.
ولكنّ الإسلام، صان كرامة المرأة المعوزة، وكفل رزقها من بيت المال، دون أنْ يحوجها إلى تلك المعاناة، فلو أدّى المسلمون زكاة أموالهم ما بقيَ محتاج.
_____________________
فماذا يريد دعاة المساواة ؟ أ يُريدون إعزاز المرأة وتحريرها من الغبن الاجتماعي ؟ فقد حرّرها الإسلام ورفَع منزلتها ومنَحها حقوقها الماديّة والأدبيّة، أم يريدون مخادعة المرأة وابتذالها، لتكون قريبةً من عيون الذئاب ومغازلاتهم ؟
وماذا تريد المرأة المتحرّرة ؟ أَ تُريد المساواة التامّة بالرجل، أَم تريد حريّة الخلاعة والابتذال ؟
وكلّها غايات داعرة، حرّمها الإسلام على المرأة والرجل ليقيهما مزالق الفتن ومآسي الاختلاط.
التمايز بين الجنسين
لقد حرّر الإسلام المرأة من تقاليد الجاهليّة وأعرافها المَقيتة، وأعزّها ورفَع منزلتها، وقرّر مساواتها بالرجل في الإنسانيّة ووحدة المبدأ والمعاد، وحرمة الدم والعرض والمال، ونيل الجزاء الأُخروي على الأعمال.
وحدّد قِيم المرأة ومنزلتها مِن الرجل تحديداً عادلاً حكيماً ؛ فهو يُساوي بينها وبين الرجل فيما تقتضيه الحكمة والصواب، ويُفرّق بينهما في بعض الحقوق وبعض الواجبات والأحكام، حيث يجدر التفريق ويَحسن التمايز نظَراً لاختلاف خصائصهما ومسؤوليّاتهما في مجالات الحياة.
وهو في هذا وذاك يستهدف الحكمة والصلاح، والتقييم العادل لطبائع البشر وخصائصهم الأصيلة. فلم يكن في تمييزه الرجل في بعض الأحكام
ليستهين بالمرأة أو يبخس حقوقها، وإنما أراد أنْ يحقّق العدل، ويمنح كلاً منهما ما يستحقّه ويلائم كفاءته وتكاليفه.
وسنبحث في المواضيع التالية أهمّ مواطن التفريق والتمايز بين الرجل والمرأة ؛ لنستجلي حكمة التشريع الإسلامي وسموّ مبادئه في ذلك.
١ - القوامة:
الأُسرة هي الخليّة الأُولى، التي انبثقت منها الخلايا الاجتماعيّة العديدة، والمجتمع الصغير الذي نما واتّسع منه المجتمع العام الكبير.
ومِن الثابت أنّ كلّ مجتمع - ولو كان صغيراً - لا بدّ له مِن راعٍ كفؤ يرعى شئونه، وينظم حياته، ويسعى جاهداً في رُقيّه وازدهاره.
لذلك كان لا بدّ للأُسرة مِن راعٍ وقِيَم، يسوسها بحُسن التنظيم والتوجيه ويوفّر لها وسائل العيش الكريم، ويحوطها بالعزّة والمنَعة، وتلك مهمّةٌ خطيرة تستلزم الحنكة والدُّربة، وقوّة الإرادة، ووفرة التجربة في حقول الحياة.
فأيّ الشخصين الرجل أو المرأة أحقّ برعاية الأُسرة والقوامة عليها ؟
إنّ الرجل بحكم خصائصه ومؤهّلاته أكثرُ خبرةً وحذَقاً في شئون الحياة مِن المرأة، وأكفأ منها على حماية الأُسرة ورعايتها أدبيّاً وماديّاً، وأشدّ قوّةً وجَلَداً على تحقيق وسائل العيش ومستلزمات الحياة ؛ لذلك كان هو أحقّ برعاية الأُسرة والقوامة عليها، وهذا ما قرّره الدستور الإسلامي
الخالد:( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ )
( النساء: ٣٤ ).
وليس معنى القوامة هو التحكّم بالأُسرة وسياستها بالقسوة والعنف، فذلك منافٍ لأخلاق الإسلام وآدابه. والقوامة الحقّة هي التي ترتكز على التفاهم والتآزر والتجاوب الفكري والعاطفي بين راعي الأُسرة ورعيّته:( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ )
( البقرة: ٢٢٨ ).
أمّا المرأة فإنّها بحكم أُنوثتها، رقيقةَ العاطفة، مُرهفة الحسّ، سريعة التأثّر، تتغلّب عواطفها على عقلِها ومشاعرها ؛ وذلك ما يؤهّلها لأداء رسالة الأُمومة، ووظائفها المستلزمة لتلك الخلال، ويقصيها عن مركز القيادة في الأُسرة الذي يتطلّب الحنكة، واتّزان العواطف، وقوّة الجَلَد والحزْم، المتوفّرة في الرجل، وهذا ما يُؤثره عليها في رعاية الأُسرة والقوامة.
هذا إلى أنّ المرأة السويّة بحكم أُنوثتها تستخفّ بالزوج المائع الرخو، وتكبره إذا كان ذا شخصيّة قويّة جذّابة، تستشعر في ظلال رجولته مفاهيم العزّة والمنعة، وترتاح إلى حُسن رعايته وتدبيره.
٢ - إيثار الرجل على المرأة في الإرث:
وهكذا قضت حكمة التشريع الإسلامي أنْ تُؤثر الرجل على المرأة،
بضعف نصيبها من الإرث، ممّا حسِبَه المغفّلون انتقاصاً لكرامة المرأة وبَخساً لحقوقها
لا... لم يكن الإسلام لِيَستهين بالمرأة أو يَبخَس حقوقها، وهو الذي أعزّها ومنَحها حقوقها الأدبيّة والماديّة، وإنّما ضاعف نصيب الرجل عليها في الإرث تحقيقاً للعدل والإنصاف، ونظراً لتكاليفه ومسؤوليّاته الجسيمة.
فالرجل مكلّفٌ بالإنفاق على زوجته وأُسرته وتوفير ما تحتاجه مِن طعام وكِساء وسكن، وتعليم وتطبيب، والمرأة معفوّة من كلّ ذلك. وكذلك هو مسؤول عن حماية الإسلام والجهاد في نصرته، والمرأة غير مكلّفة به. والرجل مكلّف بالإسهام في ديّة العاقلة ونحوها مِن الالتزامات الاجتماعيّة، والمرأة مُعفاة منها.
وعلى ضوء هذه الموازنة بين الجهد والجزاء، نجد أنّ مِن العدل والإنصاف تفوّق الرجل على المرأة في الإرث، وإنّها أسعد حالاً، وأوفَر نصيباً منه، لتكاليفه الأُسريّة والاجتماعيّة، التي هي غيرُ مسؤولةٍ عنها. وهذا ما شرّعه الإسلام:( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ )
( النساء: ١١ ) على أنّ تفضيل الرجل على المرأة في الإرث لا يعمّ حقوقها الملكيّة، وأموالها المكتسبة، فإنّها والرجل سيّان، ولا يحقّ له أنْ يبتزّ فِلساً واحداً منها إلا برضاها وإذنها.
٣- الشهادة:
وهكذا تجلّت حكمة التشريع الإسلامي في تقييم شهادة المرأة، واعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجلٍ واحد. وقد أراد الإسلام بهذا الإجراء أنْ
يصون شهادة المرأة عن التزوير والافتراء، ليحفظ حقوق المتخاصمين عن البَخس والضياع.
فالمرأة سُرعان ما تستبدّ بها عواطفها الجيّاشة، وشعورها المرهَف، وانفعالها السريع، فتزيغ عن العدل، وتتناسى الحقّ والواجب، متأثّرةً بنوازعها نحو أحد المُتداعيين، قريباً لها أو عزيزاً عليها. وتفادياً من ذلك، قرَن الإسلام بين المرأتين في الشهادة، لتكون إحداهما مذكّرةً للأُخرى ورادعةً لها عن الزيغ والمُمالاة:( وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى )
( البقرة: ٢٨٢ ).
هذا إلى أنّ الطبّ الحديث قد اكتشف أنّ بعض النساء إبّان عادتهنّ الشهريّة، قد تضعف طاقاتهن الذهنيّة ويغدون آنذاك مظنّةً للنسيان، كما أوضحته التقارير السالفة، في بحث المساواة
وهذا ما يؤيّد ضرورة اقتران امرأتين في الشهادة، إذ باقترانهما وتذكير إحداهما للأُخرى يتجلّى الحقُّ ويتّضح الواقع.
٤ - تعدّد الزوجات:
وما فتئ أعداء الإسلام يشنّون الحملات الظالمة على الدين الإسلامي وشريعته الغرّاء، في صور مِن النقد اللاذع، والتنديد الرخيص، الكاشف
_____________________
عن حِقدهم وكيدهم للإسلام.
فمن ذلك تشنيعهم على الإسلام بإباحته تعدّد الزوجات، وأنّها على زعمهم إضرار بالزوجة وإرباك لحياتها.
وقد جهل الناقدون أو تجاهلوا أنّ الإسلام لم يكن المشرّع الأوّل لذلك، فقد شرّعته الأديان السماويّة والقوانين الوضعيّة قبل الإسلام بآمادٍ وقرونٍ مديدة.
( فلا حجر على تعدّد الزوجات في شريعةٍ قديمة سبَقت قبل التوراة والإنجيل، ولا حجْر على تعدّد الزوجات في التوراة أو في الإنجيل، بل هو مباحٌ مأثور عن الأنبياء أنفسهم، مِن عهد إبراهيم الخليل إلى عهد الميلاد. ولم يرد في الإنجيل نصٌّ واحد يُحرّم ما أباحه العهد القديم للآباء والأنبياء، ولِمَن دونهم من الخاصّة والعامّة.
وما ورد في الإنجيل يُشير إلى الإباحة في جميع الحالات، والاستثناء في حالة واحدة، وهي: حالة الأسقف حين لا يطيق الرهبانيّة فيقنع بزوجة واحدة اكتفاءً بأهوَن الشرور...
وقال( وسترمارك )
العالِم الثقة في تاريخ الزواج: إنّ تعدّد الزوجات باعتراف الكنيسة بقيَ إلى القرن السابع عشر، وكان يتكرّر كثيراً في الحالات التي لا تحصيها الكنيسة والدولة...
فالإسلام لم يأتِ ببدعةٍ فيما أباح من تعدّد الزوجات، وإنّما الجديد الذي أتى به: أنّه أصلَح ما أفسدَته الفوضى من هذه الإباحة، المطلقة مِن كلّ قيد، وأنّه حسَب حساب الضرورات التي لا يغفل عنها الشارع الحكيم، فلم يُحرّم أمراً قد تدعو إليه الضرورة الحازبة.
ويجوز أنْ تكون إباحته
خيراً مِن تحريمه في بعض ظروف الأُسرة، أو بعض الظروف الاجتماعيّة العامّة )
إنّ الذين استنكروا إباحة تعدّد الزوجات في التشريع الإسلامي، قد مارسوه فعلاً بطُرق الغواية والعلاقات الأثيمة بالخليلات والعشيقات، وتجاهلوا واقعهم السيّئ وتحلّلهم من القِيَم الأخلاقيّة، كأنّما يَحلُو لهم أنْ يتنكّبوا النهج السويّ المشروع، ويتعسّفوا الطرُق الموبوءة بالفساد.
ولو أنّهم فكّروا وأمعنوا النظر بتجرّدٍ وإنصاف في حكمة ذلك التشريع الإسلامي، لأيقنوا أنّه العلاج الوحيد لحلّ المشاكل والأزَمات التي قد تنتاب الفرد وتنتاب المجتمع ويُصلحها إصلاحاً فريداً لا بديل له ولا محيص عنه.
أ - المبرّرات:
ونستطيع أنْ نستجلي أهداف الشريعة الإسلاميّة في تعدّد الزوجات على ضوء المبرّرات التالية:
١- قد تمرض الزوجة جسميّاً أو عقليّاً، وتعجز آنذاك عن أداء رسالتها الزوجيّة، ولا تستطيع تلبية رغَبَات الزوج، ورعاية الأُسرة والأبناء، ممّا يفضي بهم إلى القلق والتسيّب.
ولا ريب أنّها أزمة خانقة تستدعي العلاج الحاسم الحكيم، وهو
_____________________
لا يخلو من فروضٍ ثلاثة:
أ - إمّا أنْ يُترك الزوج هملاً يُعاني مرارة الحِرمان مِن حقوقه الزوجيّة، ويغدو عرضةً للتردّي في مهاوي الرذيلة والإثم، وتُترك الأُسرة كذلك نهباً للفوضى والتبعثر، وهذا إجحافٌ بالزوج والأُسرة، وإهدارٌ لحقوقهما معاً.
ب - وإمّا أنْ يتخلّص الزوج من زوجته المريضة بالطلاق، والتخلّي عنها، ويدَعها تُقاسي شدائد المرض ووحشة النبذ والانفراد، وهذا ما يأباه الوجدان لمنافاته مبادئ الإنسانيّة وسجايا النُبل والوفاء.
ج - وإمّا أنْ يتسرى الزوج على زوجه المريضة، متّخذاً زوجة أُخرى تُلبّي رغَباته، وتلمّ شعث الأُسرة، وتحيط الأُولى بحسن الرعاية واللطف، وهذا هو أفضل الحلول وأقربها إلى الرُشد والصواب.
٢ - وقد تكون الزوجة عقيمة محرومة مِن نعمة النسل والإنجاب، فماذا يصنع الزوج والحالة هذه، أيظلّ محروماً من الأبناء يتحرّق شوقاً إليهم، وتلهفّاً عليهم مستجيباً لغريزة الأبوّة ووخزها المُلحّ في النفس. فإن هو صبَر على ذلك الحرمان مؤثِراً هوى زوجته على هواه، فذلك نُبلٌ وتضحية وإيثار. أو يتسرّى عليها بأُخرى تنجب له أبناءً يملأون فراغه النفسي، ويكونون له قرّة عينٍ وسلوةَ فؤاد.
وهذا هو منطق الفطرة والغريزة الذي لا يحيد عنه إلاّ نفرٌ قليلٌ من الناس.
٣ - والنساء - في الغالب - أوفر عدداً وأكثر نفوساً من الرجال، وذلك لأمرين:
أ - إنّ الرجال أكثر تعرّضاً لإخطار العمل وأحداث الوفاة مِن النساء، لممارستهم الأعمال الشاقّة الخطيرة، المؤديّة إلى ذلك، كالمعامل والمناجم والمطافي ونحوها، ممّا يُسبّب تلفهم وقلّتهم عن النساء.
أضف إلى ذلك، أنّ الرجال أضعف مناعةً مِن النساء وأكثرُ إصابة بعدوى الأوبئة والأمراض، ممّا يجعلهم أقلّ عدداً منهنّ، ( ويعزو عُلماء الحياة ذلك إلى ما تتميّز به المرأة على الرجل بدنيّاً. وإلى أنّ الأمراض كلّها تقريباً تهلك من الرجال أكثر ممّا تهلك من النساء، ولذا فإنّ في الولايات المتّحدة في الوقت الحاضر (٧٠٠،٠٠٠و٧ أرملة )، ويتنبّأ مكتب التعداد الأمريكي بأنّ هذه الفِئة سيرتفع عددها في أمريكا بمعدّل مليونين كلّ ١٠ سنين.
وأنّ الدكتورة(ماريون لانجر)
العالمة الاجتماعيّة المتخصّصة في استشارات الزواج تقول: إنّ لدى المجتمع حَلّين مُمكنين فقط لتغطية النقص المتزايد في الرجال إمّا تعدّد الزوجات، أو إيجاد طريقة ما لا طالة أعمار الرجال...)
ب - الحروب:
فإنّها تفني أعداداً ضخمة مِن الرجال وتُسبّب هبوط نسبتهم عن النساء هبوطاً مريعاً. فقد كان المصابون في الحرب العالميّة الأولى ( واحداً وعشرين مليون نسمة ) بين قتيلٍ وجريح. وكانت ضحايا الحرب العالميّة الثانية ( خمسين
_____________________
مليون نسمة ).
وقد أحدَث ذلك فراغاً كبيراً في صفوف الرجال وأثار أزمة عالميّة تستدعي العلاج الحاسم الناجع.
أمّا الأُمم الغربيّة، فقد وقفت إزاء هذه الأزمة موقف العاجز الحائر في علاجها وملافاتها... لمنعها تعدّد الزوجات، فراحت تُعالجه عن طريق الفساد الخُلُقي، ممّا دنّسها وأشاع فيها البغاء وكثرة اللقطاء، وعمّتها الفوضى الأخلاقيّة.
وأمّا الإسلام، فقد عالج ذلك علاجاً فذّاً فريداً يُلائم الفطرة البشريّة، ومقتضيات الظروف والحالات. حيث أباح التعدّد وقاية للفرد والمجتمع مِن تلك المآسي التي عانتها الأُمم المحرّمة له،( فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً )
( النساء:٣ ).
وحين شرّع الإسلام التعدّد لم يطلقه إرسالا وجزافاً، فقد اشترط فيه العدل والمساواة بين الأزواج صيانةً لحقوق المرأة وكرامتها.
بيد أنّ ذلك العدل مشروطٌ في مستلزمات الحياة المادّية، كالمطعم والملبَس والمسكن، ونحوها من المآرب الحسّية المتاحة للإنسان، والداخلة في نطاق وسعه وقدرته.
أمّا النواحي الوجدانيّة والعاطفيّة، كالحبّ والميل النفسي، فإنها خارجة عن طوق الإنسان، ولا يستطيع العدل فيها والمساواة، لوهنه إزاء سلطانها الآسر،( وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ )
( النساء: ١٢٩ ).
وقد يعترض البعض، أنّ المرأة الغربيّة قادرة على مُمارسة الأعمال وكسب المعاش، فهي غنيّة عن الزواج.
وهو زعمٌ باطلٌ يُكذّبه واقع الفطرة الإنسانيّة وغرائزها الراسخة في النفس. فحاجة المرأة إلى الرجل ليست مقصورة على المآرب الماديّة فحسب، وإنّما هي حاجة نفسيّة مُلحّة تستكمل به كيانها وتشعر بوجودها كحاجة الرجل إليها على سَواء.
٤- ومِن مُبرّرات التعدّد أنّه قد يتّصف بعض الرجال بطاقة جنسيّة عارمة، تتطلّب المزيد من التنفيس والإفضاء وتستدعي الأزواج، فإنْ تيسّر له ذلك، وإلاّ نفّس عن طاقته بالدعارة والفساد، كما حدَث ذلك في الأُمم التي حرّمت التعدّد المشروع، فابتلت بالتعدّد الموبوء مِن الخليلات والعشيقات.
* * *
الطلاق في الإسلام
وهكذا انطلقت حناجرٌ لاغية، تتشدّق بانتقاد الإسلام على تشريع الطلاق، بأنّه يُهدّد كيان المرأة وسعادتها، فتغدو بنزوة مِن نزوات الرجل ولَوثة مِن لوثاته الغاضبة، طريدةً كسيرة القلب مهدورة الكيان.
وهذا مِن صور التجنّي والتشنيع على الإسلام، إذ لم يكن هو المشرّع الأوّل للطلاق، ولا المقنّن الوحيد له، وإنّما كان شائعاً في أغلب الأُمم ومِن أقدم العصور. وكان آنذاك بأُسلوبٍ فوضويٍّ يهدِر حقوق الزوجة
وكرامتها، ويجعلها طريدةً شريدة هائمة حيثُ تشاء.
فقد شاع عند اليونانيّين دون قيدٍ أو شرط، وأباحهُ الرومانيّون دينيّاً ومدنيّاً بعد أنْ حرّمته الأجيال الأُولى منهم.
وحينما جاءت الشريعة الموسويّة قلّصت مِن نطاق الطلاق وأباحته في حالاتٍ ثلاث: الزنا والعقم والعيب الخَلقي والخُلقي.
وأمّا الشريعة المسيحيّة فقد حرّمته إلاّ في حالتين: اقتراف أحد الزوجين أو كلاهما جريمة الفسق، أو في حالة العقم.
وهذا ما دفع الأُمم الغربيّة الحديثة، بضغط الحاجة الملحّة إلى تقنين الطلاق المدني وجعله قانوناً ثابتاً، وإنْ خالف دينها وشريعتها.
ولمّا أطلّ الإسلام بعهده الزاهر وتشريعه الكافل، أقرّ الطلاق وأحاطه بشروطٍ مِن التدابير الوقائيّة والعلاجيّة، لتقليصه وملافاة أزَماته ومشاكله.
فهو أبغضُ الحلال إلى اللّه عزَّ وجل، ولكنّ الضرورة تبيح المحذور، فهناك حالات يتّسع الخلاف فيها بين الزوجين ويشتدّ الخِصام وتغدو الحياة الزوجيّة أتوناً مُستعراً بالشحناء والبغضاء، ممّا يتعذّر فيها التفاهم والوفاق.
وهنا يُعالج الإسلام هذه الحالة المتوتّرة والجوّ المكفهرّ المحموم بحكمة وتدرّج بالغَين، فهو ( لا يسرع إلى رباط الزوجيّة المقدّس فيفصمه لأوّل وهلة، ولأوّل بادرةٍ مِن خلاف، إنّه يشدّ على هذا الرباط بقوّة، ويستمسّك به في استماتة، فلا يدعه يفلت إلاّ بعد المحاولة واليأس.
إنّه يهتف بالرجال:( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً )
( النساء: ١٩ ).
فيميل بهم إلى التريّث والمصابرة حتّى في حالة الكراهيّة.
فإنْ تجاوَز الأمر مسألة الكُره والحب إلى النشوز والنفور، فليس الطلاق أوّل خاطر يهدي إليه الإسلام، بل لا بدّ مِن محاولة يقوم بها الآخرون وتوفيق يحاوله الخيّرون:( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً )
( النساء: ٣٥)،( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ )
( النساء: ١٢٨ ).
فإنْ لم تجدِ هذه الوساطة فالأمر إذن جدّ، وهناك ما لا تستقيم معه هذه الحياة، وإمساك الزوجين على هذا الوضع محاولةٌ فاشلة، ويزيدها الضغط فشلاً. ومن الحكمة التسليم بالواقع وإنهاء هذه الحياة - على كُرهٍ من الإسلام - فإنّ أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق.
ولعلّ هذه التفرقة تثير في نفس الزوجين رغبةً جديدة لمعاودة الحياة فكثيراً ما نرى حسَنَات الشيء عندما نحرمه، والفرصة لم تضَع:( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ )
( البقرة: ٢٢٩ ).
وهناك فترة العدّة في حال الدخول بالزوجة، وعليه أنْ ينفق عليها في هذه الفترة ولا يقتر. وفي خلالها يجوز له - إنْ كان قد ندم - أنْ يُراجع زوجه، وأنْ يستأنفا حياتهما بلا أيّ إجراءٍ جديد.
فإنْ تركَت مدّة العدّة تمضي دون مراجعة، ففي استطاعتهما أنْ يستأنفا هذه الحياة متى رغبا. ولكن بعقدٍ جديد.
وتلك هي التجربة الأُولى وهي تكشف لكلا الزوجين عن حقيقة
عواطفهما، وعن جِدّية الأسباب التي انفصلا بسببها، فإذا تكرّرت هذه الأسباب، أو جدّ سواها، واندفع الزوج إلى الطلاق مرّة أُخرى، فعندئذٍ لا تبقى سِوى فرصةٌ واحدة، هي الثالثة.
فإذا كانت الثالثة، فالعلّة إذن عميقة والمحاولة غير مُجدية، ومِن الخير له ولها أنْ يُجرّب كلٌّ منهما طريقه، ومِن الخير كذلك أنْ يتلقّى الزوج - إنْ كان عابثاً - نتيجة عبَثه أو تسرّعه:( فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ )
( البقرة: ٢٣٠)
فماذا ينقم الثرثارون على الإسلام بتشريع الطلاق ؟ أيريدون إلغاءه وتحريمه، لتشيع المآسي في المجتمع الإسلامي، التي عاشتها الأُمم الكاثوليكيّة، التي حرّمت الطلاق وحرّمت تعدّد الزوجات، ممّا اضطرّهم إلى اتّخاذ العشيقات والأخدان، وتعسّف مسالك الغواية والآثام الخلقيّة ؟
* * *
_____________________
حقوق الأقرباء
فضل الأقرباء:
الأقرباء: هُم الأُسرة التي ينتمي إليها الإنسان، والدوحة التي تفرع منها وهُم ألصَق الناس نسَباً به، وأشدُّهم عطفاً عليه، وأسرعهم إلى نجدته ومواساته.
وقد وصفهم أمير المؤمنينعليهالسلام
فقال: ( أيّها الناس، إنّه لا يستغني الرجل وإنْ كان ذا مالٍ عن عشيرته، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهُم أعظم الناس حيطة مِن ورائه، وألمّهم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به )
وأفضل الأقرباء وأجدرهم بالإعجاب والثناء هُم: المتحابّون المتعاطفون المتآزرون على تحقيق أهدافهم ومصالحهم.
وكلّما استشعر الأرحام وتبادلوا مشاعر التضامن والتعاطف كانوا أعزّ قدراً، وأمنع جانباً، وأشدّ قوّة على مجابهة الأعداء ومُعاناة الشدائد والأزَمات.
مِن أجل ذلك أولت الشريعة شؤون الأُسرة عنايةً بالغة، ورعتها بالتنظيم والتوجيه لمكانتها الاجتماعيّة وازدهار حياته وأثرها في إصلاح المجتمع الإسلامي.
صلة الرحم:
وفي طليعة المبادئ الخلقيّة التي فرضتها الشريعة وأكّدَت عليها صلة
_____________________
الأرحام، وهُم ( المتّحدون في النسب ) وإنْ تباعدَت أواصر القُربى بينهم وذلك بالتودّد إليهم والعطف عليهم وإسداء العون المادّي لهم ودفع المكاره والشرور عنهم ومواساتهم في الأفراح والأحزان.
وإليك طرَفاً مِن نصوص أهل البيتعليهمالسلام
في صلة الأرحام ورعايتهم:
عن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: أُوصي الشاهد مِن أُمّتي والغائب منهم، ومَن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة. أنْ يصِل الرحم وإنْ كان منه على مَسيرةِ سنة فإنّ ذلك مِن الدين )
وعن عليّ بن الحسينعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن سرّه أنْ يمُدّ اللّه في عمره، وأنْ يبسط في رزقه، فليَصِل رحِمَه، فإنّ الرحم لها لسان - يوم القيامة - ذلق، تقول: يا ربِّ، صِل مَن وصَلَني واقطَع مَن قطعني )
وعن الرضا عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: من ضمِن لي واحدة ضمِنت له أربعة: يصِل رحِمه، فيحبّه اللّه تعالى،
_____________________
ويوسّع عليه رِزقه، ويزيدُ في عمُره، ويدخله الجنّة التي وعده )
وقال أبو عبد اللّهعليهالسلام
: ( ما نعلم شيئاً يزيد في العمر إلا صلة الرحم، حتّى أنّ الرجل يكون أجله ثلاث سنين، فيكون وَصُولاً للرَّحِم، فيزيد اللّه في عمُره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثاً وثلاثين سنة فيكون قاطعاً للرحم فينقصه اللّه تعالى ثلاثين سنة، ويجعل أجله إلى ثلاث سنين )
وقالعليهالسلام
: ( إنّ صِلةَ الرحم والبِرَّ ليُهوّنان الحساب، ويَعصِمان مِن الذنوب، فصلوا أرحامكم، وبرّوا بإخوانكم ولو بحُسنِ السلام وردّ الجواب )
وقال أبو جعفرعليهالسلام
: ( صلة الأرحام تُزكّي الأعمال، وتُنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسئ في الأجل )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
: ( إنّ رجُلاً أتى النبيّ ( صلّى اللّه عليه
_____________________
وآله ) فقال: يا رسول اللّه، أهل بيتي أبَوا إلاّ توثّباً عليّ، وقطيعةً لي وشتيمةً، فأرفضهم ؟
قالصلىاللهعليهوآله
: إذاً يرفضكم اللّه جميعاً.
قال: فكيف اصنع ؟
قالصلىاللهعليهوآله
: تصِل مَن قطَعك، وتُعطِي مَن حرَمك، وتعفو عمّن ظلَمك، فإنّك إذا فعلت ذلك كان لك مِن اللّه عليهم ظهيراً )
وقد أحسن بعض الشعراء المتقدّمين حيثُ قال:
وإنّ الذي بيني وبين بني أبي
|
|
وبين بني عمّي لمختلف جدّا
|
فإنْ أكلوا لحمي وفّرت لحومهم
|
|
وإنْ هدَموا مجدي بنَيتُ لهم مَجدا
|
وإنْ ضيّعوا غَيبي حفِظتُ غيوبَهم
|
|
وإنْ هُم هَوَوا عنّي هوَيت لهم رُشدا
|
لهم جُلّ مالي إنْ تَتَابع لي غِنىً
|
|
وإنْ قلّ مالي لم أُكلّفهم رفدا
|
خصائص صلة الرحم:
ولا غرابة أنْ نلمس في هذه النصوص قوّة التركيز والتأكيد على صِلة الرحم، وذلك لِما تنطوي عليه مِن جليل الخصائص والمنافع.
فالأُسرة الرحمية تضمّ عناصرَ وأفراداً متفاوتين حالاً وأَقداراً، فيهم الغنيُّ والفقير، والقويُّ والضعيف، والوجيهُ والخامل، وهي بأسرها فرداً وجماعةً لا تستطيع أنْ تنال أماني العزّة والمنَعة والرخاء، وتُجابه مشاكل
_____________________
الحياة ومناوأة الأعداء بجلَدٍ وثبات، إلاّ بالتضامن والتعاطف اللذين يشُدّان أزرها ويجعلانها جبهةً متراصّةً لا تُزعزعها أعاصير المشاكل والأحداث، ولا يستطيع مكابدتها الأعداء والحسّاد.
وقد جسّدأكثم بن صيفي
هذا الواقع في حكمته الشهيرة حيث:
( دعى أبناءه عند موته، فاستدعى إضمامةً مِن السهام، فتقدّم إلى كلّ واحد منهم أنْ يكسرها فلم يقدر أحدٌ على كسرها.
ثمّ بدّدها فتقدّم إليهم أنْ يكسروها فاستسهلوا كسرها، فقال:
كونوا مجتمعين ليعجز مِن ناوأكم عن كسرِكم كعجزِكم عن كسرها مجتمعة، فإنّكم إنْ تفرقتم سهل كسركم وأنشد:
كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى
|
|
خطب ولا تتفرّقوا آحادا
|
تأبى القداح إذا اجتمعن تكسّراً
|
|
وإذا افترقن تكسّرت أفرادا
|
هذا إلى ما في صِلة الرحم مِن جليل الخصائص والآثار التي أوضحتها النصوص السالفة.
فهي:
مدعاة لحبّ الأقرباء وعطفهم وإيثارهم وموجبةً لطيلة العمُر، ووفرة المال، وزكاة الأعمال الصالحة ونحوها في الرصيد الأُخروي، ومنجاة من صروف الأقدار والبلايا.
قطيعة الرحم:
وهي:
فعل ما يسخط الرحم ويؤذيه قولاً أو فعلاً، كسبه واغتيابه وهجره
وقطع الصلات الماديّة وحرمانه مِن مشاعر العطف والحنان.
وتعتبر الشريعة الإسلاميّة قطيعة الرحم جرماً كبيراً وإثماً ماحقّاً توعد عليها الكتاب والسنّة.
قال تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ )
( محمّد: ٢٢ ).
وقال سُبحانه:( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )
( البقرة: ٢٧ ).
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: ( أربعةٌ أسرع شيءٍ عقوبة: رجلٌ أحسنت إليه فكافأك بالإحسان إساءة، ورجلٌ لا تبغي عليه وهو يبغي عليك، ورجلٌ عاهدتّه على أمرٍ فوفّيت له وغدَر بك، ورجلٌ وصل قرابته فقطعوه )
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( في كتابِ عليّعليهالسلام
ثلاثُ خِصال لا يموت صاحبهنّ أبداً، حتّى يرى وبالهُنّ: البغي، وقطيعة الرحم، واليمين الكاذبة يُبارز اللّه بها.
وإنْ أعجل الطاعات ثواباً لصِلة الرحم، وإنّ القوم ليكونون فجّاراً فيتواصلون فتنمو أموالهم ويَثرون، وإنّ اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتَذَران الديار بلاقع مِن أهلها، وتثقل الرحم، وإنْ ثقل الرحم انقطاع النسل )
_____________________
وعن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام
قال: قُلت له: ( إنّ إخوتي وبني عمّي قد ضيّقوا عليّ الدار والجأوني منها إلى بيت، ولو تكلّمت أخذت ما في أيديهم ).
قال: فقال لي: ( اصبر فإنّ اللّه سيجعل لك فرجاً ).
قال: فانصرفت، ووقَع الوباء سنة ( ١٣١ هجري ) فماتوا واللّه كلّهم فما بقيَ منهم احد.
قال: فخرجت فلمّا دخلت عليه قال: ( ما حال أهل بيتك ؟)
قال: قلت: قد ماتوا واللّه كلّهم، فما بقيَ منهم أحد.
فقال: ( هو بما صنعوا بك، وبعقوقهم إيّاك وقطع رحمهم بُتروا، أتحبُّ أنّهم بقوا وأنّهم ضيقوا عليك )، قال: قلت أي واللّه
وفي خبَر شُعيب العقرقوفي في دخول يعقوب المغزَلي على موسى بن جعفرعليهالسلام
وقولهعليهالسلام
له: ( يا يعقوب، قدِمت أمس ووقَع بينك وبين أخيك شرٌّ في موضع كذا وكذا حتّى شتَم بعضكم بعضاً، وليس هذا ديني ولا دين آبائي، ولا نأمر بهذا أحداً مِن الناس، فاتّق اللّه وحده لا شريك له، فإنّكما ستفترقان بموت، أما إنّ أخاك سيموت في سفَرِه قبل أنْ يصل إلى أهله، وستندم أنت على ما كان منك، وذلك أنّكما تقاطعتما فبَتَر اللّه أعماركما ).
فقال له الرجل: فأنا - جُعلت فداك - متى أجلي ؟
_____________________
فقالعليهالسلام
: ( أما إنّ أجلَك قد حضَر، حتّى وصَلْت عمّتك بما وصلْتها به في منزل كذا وكذا فزيد في أجلَك عشرون ).
قال شعيب: فأخبرني الرجل ولقيته حاجّاً، أنّ أخاه لم يصِل إلى أهله حتّى دفنه في الطريق )
مساوئ قطيعة الرحم:
ونستنتج مِن هذه النصوص أنّ لقطيعة الرحم مغبّةً سيّئةً وآثاراً خطيرة تنذر القاطع وتعاجله بالفناء، وقصف الأعمار، ومحق الديار، والخسران المبين في دينه ودنياه.
_____________________
حقوق الأصدقاء
فضل الأصدقاء
الإنسان مدنيّ بالطبع، لا يستطيع اعتزال الناس والانفراد عنهم ؛ لأنّ اعتزالهم باعثٌ على استشعار الغُربة والوحشة والإحساس بالوَهن والخُذلان إزاء طوارئ الأحداث وملمّات الزمان.
مِن أجل ذلك كان الإنسان توّاقاً إلى اتّخاذ الخلاّن والأصدقاء، ليكونوا له سنَداً وسلواناً، يسرون عنه الهموم ويُخفّفون عنه المتاعب، ويشاطرونه السرّاء والضرّاء.
وقد تضافرت دلائل العقل والنقل على فضل الأصدقاء والترغيب فيهم، وإليك طرفاً منها:
قال أمير المؤمنينعليهالسلام
في حديث له: ( عليك بإخوان الصدق، فأكثر من اكتسابهم، فإنّهم عدّة عند الرخاء، وجنّة عند البلاء )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( لقد عظُمت منزلة الصديق، حتّى إنّ أهل النار يستغيثون به ويدعونه قبل القريب الحميم ).
قال اللّه سُبحانه مخبراً عنهم:( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ
_____________________
حَمِيمٍ )
( الشعراء: ١٠٠ - ١٠١).
وقال بعض الحكماء: ( إنّ إخوان الصدق هُم خيرُ مكاسب الدنيا، زينةٌ في الرخاء، وعدّة في الشدّة، ومعونةٌ على خير المعاش والمعاد ).
وقيل الحكيم: ( أيّما أحبّ إليك، أخوك أمّ صديقك ؟
فقال: إنّما أحبّ أخي إذا كان صديقاً لي.
واقع الصداقة والأصدقاء:
قد يحسِب الناس أنّ الصديق هو مَن يحسن مجاملتهم ويظهر البشاشة والتودّد إليهم، ويعتبرونه خِلاّ ًوفيّاً وصديقاً حميماً، فإذا اختبروا في واقعة، أسفر عن صديق مزيّف، وخلٍّ مُخادع عاطلٍ مِن خِلال الصداقة الحقّة وواقعها الأصيل.
ومِن هنا كثُرت شكاوى الأُدباء قديماً وحديثاً مِن تنكّر الأصدقاء وجفائهم وخذلانهم،رغم ما يكنّونه لهم مِن حبٍّ وإخلاص.
وأغلب الظنّ أنّ سبب تلك المأساة أمران:
الأوّل: الجهل بواقع الصداقة والأصدقاء، وعدم التمييز بين خصائص وخِلال الواقعيّين مِن المزيّفين منهم.
الثاني: اتّصاف أغلب الأصدقاء بنقاط الضعف الشائعة في الأوساط
_____________________
الاجتماعيّة مِن التلون والخِداع وعدَم الوفاء التي سرعان ما يكشفهما محكّ الاختبار. وقد أوضح أمير المؤمنينعليهالسلام
واقع الأصدقاء وأبعاد صداقتهم فيما رواه أبو جعفر الباقرعليهالسلام
فقال: ( قام رجلٌ بالبصرة إلى أمير المؤمنينعليهالسلام
فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الإخوان.
فقالعليهالسلام
: الإخوان صنفان: إخوان الثقة، وإخوان المكاشرة.
فأمّا إخوان الثقة: فهُم الكفّ والجناح، والأهل والمال، فإذا كنت مِن أخيك على حدِّ الثقة، فابذل له مالك، وبدنك، وصافِ مَن صافاه وعادِ مَن عاداه، واكتم سرّه وعيبه، واظهر منه الحسَن، واعلم أيها السائل، إنّهم أقلّ مِن الكبريت الأحمر.
وأمّا إخوان المكاشرة: فإنّك تصيب لذّتك منهم، فلا تقطعنّ ذلك منهم، ولا تطلبنّ ما وراء ذلك مِن ضَمِيرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك مِن طلاقةَ الوجه، وحلاوةَ اللسان )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( لا تكون الصداقة إلاّ بحدودها، فمَن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة، ومَن لم يكن فيه شيءٌ منها، فلا تنسبه إلى شيءٍ مِن الصداقة: فأوّلها: أنّ تكون سريرته وعلانيَته لك واحدة، والثانية: أنْ يرى زَينك زينه وشَينك شينه، والثالثة: أنْ لا تغيّره عليك ولايةٌ ولا مال.
_____________________
والرابعة: أنْ لا يمنعك شيئاً تناله مقدرته.
والخامسة: وهي تجمع هذه الخِصال أنْ لا يسلّمك عند النكَبات )
وقال بعض الحكماء: المودّات ثلاث: مودّة في اللّه عزَّ وجل لغير رغبةٍ ولا رهبة، فهي التي لا يشوبها غدرٌ ولا خيانة.
ومودّةٌ مقارنة ومعاشرة، ومودّة رغبةٍ أو رهبة، وهي: شرّ المودّات، وأسرعها انتقاضاً.
وقال مهيار الديلمي:
ما أنا مِن صبغة أيّامكم
|
|
ولا الذي إنْ قلبوه انقلبا
|
ولا ابن وجهَين ألمّ حاضراً
|
|
مِن الصديق وألوم الغُيّبا
|
قلبي للإخوان شطّوا أو دنَوا
|
|
وللهوى ساعف دهر أو نبا
|
مِن عاذري مِن متلاشٍ كلّما
|
|
أذنَب يوماً وعذَرتُ أذنَبا
|
يضحك في وجهي ملء فمه
|
|
وإنْ أغب وذكِر اسمي قطّبا
|
يطير لي حمامةً فإنْ رأى
|
|
خصاصةً دبّ ورائي عقربا
|
ما أكثر الناس وما أقلّهم
|
|
وما أقلّ في القليل النُّجَبا
|
اختيار الصديق:
للصديق أثرٌ بالغ في حياة صديقه وتكييفه فكريّاً وأخلاقيّاً، لِما طُبِع
_____________________
عليه الإنسان مِن سرعة التأثّر والانفعال بالقُرَناء والأخلاّء، ما يحفّزه على محاكاتهم والاقتباس مِن طِباعهم ونَزَعاتهم.
مِن أجل ذلك كان التجاوب قويّاً بين الأصدقاء، وكانت صِفاتهم سريعةَ العدوى والانتقال، تنشر مفاهيم الخير والصلاح تارة، ومفاهيم الشرِّ والفساد أُخرى، تَبَعاً لخصائصهم وطَبائعهم الكريمة أو الذميمة، وإنْ كانت عدوى الرذائل أسرع انتقالاً وأكثر شيوعاً مِن عدوى الفضائل.
فالصديق الصالح: رائدُ خير، وداعية هدى، يهدي إلى الرشد والصلاح.
والصديق الفاسد: رائدُ شرٍّ، وداعيةُ ضلالٍ، يقود إلى الغيّ والفساد. وكم انحرف أشخاصٌ كانوا مثاليّين هدياً وسلوكاً، وضلّوا في متاهات الغواية والفساد، لتأثّرهم بالقُرَنَاء والأخلاّء المنحرفين.
وهذا ما يحتّم على كلّ عاقل أنْ يتحفّظ في اختيار الأصدقاء، ويصطفي منهم مَن تحلّى بالخُلق المرضي والسُّمعة الطيّبة والسلوك الحميد.
خِلال الصديق المثالي:
وأهم تلك الخِلال وألزمها فيه هي:
١ - أنْ يكون عاقلاً لبيباً مبرّءاً مِن الحُمق. فإنْ الأحمق ذميم العشرة مقيت الصحبة، مجحف بالصديق، وربّما أراد نفعه فأضره وأساء إليه لسوء تصرّفه وفرّط حماقته، كما وصفه أمير المؤمنينعليهالسلام
في حديثٍ له فقال: ( وأمّا الأحمق فإنّه لا يشير عليك بخير، ولا يُرجى لصرفِ السوء
عنك ولو أجهد نفسه، وربّما أراد منفعتك فضرّك، فموته خيرٌ مِن حياته وسكوته خيرٌ من نطقه، وبعده خيرٌ من قُربه )
٢ - إنّ يكون الصديق متحلياً بالإيمان والصلاح وحسن الخلق، فإن لم يتحلّ بذلك كان تافهاً مُنحرفاً يُوشك أنْ يغوي إخلاّءه بضلاله وانحرافه.
انظر كيف يصوّر القرآن ندم النادمين على مخادنة الغاوين والمضلّلين وأسفَهم ولوعتهم على ذلك:
( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً )
( الفرقان: ٢٧ - ٢٩ ).
وعن الصادقعليهالسلام
عن آبائه قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: المرء على دين خليله، فلينظر أحدُكم مَن يُخالِل )
وعن أبي جعفرعليهالسلام
عن أبيه عن جدّهعليهالسلام
قال: ( قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: مجالسةُ الأشرار تُورث سُوء الظنِّ بالأخيار، ومجالسة الأخيار تلحق الأشرار بالأخيار، ومجالسة الإبرار للفُجّار تلحق الأبرار بالفُجّار، فمَن اشتبه عليكم أمرُه، ولم تعرفوا دينه، فانظروا إلى خُلطائه، فإنْ كانوا أهل دين اللّه، فهو على دين اللّه، وإنْ كانوا على
_____________________
غيرِ دين اللّه فلا حظّ له مِن دين اللّه ؛ إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
كان يقول: مَن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يؤاخين كافراً، ولا يخالطن فاجراً، ومَن آخى كافراً، أو خالَط فاجراً كان كافراً فاجراً )
وهكذا يحذَر أهل البيتعليهمالسلام
عن مخادنة أنماط مِن الرجال اتّسموا بأخلاقٍ ذميمة وسجايا هابطة باعثة على النفرة وسوء الخلّة.
وعن أبي عبد اللّه عن أبيهعليهماالسلام
قال: ( قال لي أبي عليّ بن الحسينعليهالسلام
: يا بني، انظر خمسة فلا تُصاحبهم، ولا تحادثهم، ولا ترافقهم، فقلت: يا أبه، مَن هُم ؟ عرّفنيهم.
قال: إيّاك ومصاحبة الكذّاب فإنّه بمنزلة السراب يُقرّب لك البعيد ويُبعّد لك القريب، وإيّاك ومصاحبة الفاسق فإنّه بايعك بأكلة أو أقلّ مِن ذلك، وإيّاك مِن مصاحبة البخيل فإنّه يخذلك في ماله أحوَج ما تكون إليه، وإيّاك ومصاحبة الأحمق فإنّه يُريد أنْ ينفعك فيضرّك، وإيّاك ومصاحبة القاطع لرحمه فإنّي وجدتّه ملعوناً في كتاب اللّه عزّ وجل في ثلاث مواضع )... الخبر
.
_____________________
وقال أبو العتاهية:
اصحب ذو العقل وأهل الدين
|
|
فالمرءُ منسوبٌ إلى القرين
|
وقال أبو نؤاس:
ولقد نهَزت مع الغواة بدَلوِهم
|
|
وأسَمَت سرْح اللهوِ حيثُ أساموا
|
وبلغتُ ما بلَغ امرؤٌ بشبابه
|
|
فإذا عصارة كلّ ذاكَ أثام
|
٣ - أنْ يكون بين الصديقين تجاوبٌ عاطفي ورغبةٌ متبادلة في الحبّ والمؤاخاة، فذلك أثبتُ للمودّة وأوثَق لعُرى الإخاء، فإنْ تلاشت في أحدهما نوازع الحبّ والخِلّة وهَت علاقة الصداقة وغدا المجفو منها الحريص على توثيقها عرضةً للنقد والازدراء.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( زُهدُك في راغبٍ فيك نُقصانُ عقلٍ (حظ) ورغبتُك في زاهدٍ فيك ذلُّ نفس )
وقال الشهيد الأوّل رحمه الله:
غنينا بنا عن كلّ مَن لا يُريدنا
|
|
وإنْ كثُرت أوصافه ونُعوته
|
ومَن صدّ عنّا حسبُه الصدُّ والقلا
|
|
ومَن فاتنا يكفيه أنّا نفوته
|
وقال الطغرائي:
جامِل أخاك إذا استربت بودّه
|
|
وانظر به عقب الزمان العائدِ
|
فإنْ استمرّ به الفساد فخلِّهِ
|
|
فالعضوُ يُقطعُ للفسادِ الزائدِ
|
_____________________
مقاييس الحبّ
وقد تلتبس مظاهر الحبّ في الأخلاّء خاصّة والناس عامّة، وتخفى سماته وعلائمه، ويغدو المرء آنذاك في شكٍّ وارتياب مِن ودّهم أو قلاهم، وقد وضع أهلُ البيتعليهمالسلام
مقاييس نفسيّة تستكشف دخائل الحبِّ والبُغض في النفوس وتجلو أسرارها الخفيّة.
قال الراوي: سمِعت رجُلاً يسأل أبا عبد اللّهعليهالسلام
فقال:
الرجل يقول أودّك، فكيف أعلم أنّه يودّني ؟
فقالعليهالسلام
: ( امتحن قلبك، فإنْ كنت تودّه فإنّه يودّك )
وقالعليهالسلام
في موطنٍ آخر: ( انظر قلبك، فإنْ أنكر صاحبك، فاعلم أنّه أحدث )
يعني قد أحدَث ما يُوجب النفرة وضعف المودّة.
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال:
( لمّا احتضر أمير المؤمنينعليهالسلام
جمع بنيه، حسناً وحُسيناً وابن الحنفيّة والأصاغر فوصّاهم، وكان في آخر وصيّته: - يا بنيّ، عاشروا الناس عشرة، إنْ غبتم حنّوا إليكم، وإنْ فقدتم بكوا عليكم، يا بنيَّ، إنّ القُلوب جنودٌ مجنّدة تتلاحظ بالمودّة، وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض،
_____________________
فإذا أحببتم الرجل مِن غير خيرٍ سبَقَ منه إليكم فارجوه، وإذا أبغضتم الرجل مِن غير سوءٍ سبَق منه إليكم فاحذروه )
الصداقة بين المدّ والجزر:
اختلف العقلاء في أيّهما أرجح وأفضل، الإكثار مِن الأصدقاء أو الإقلال منهم.
ففضّل بعضهم الإكثار منهم والتوفّر عليهم، لما يؤمل فيهم مِن جمال المؤانسة وحُسن المؤازرة والتأييد.
ورجّح آخرون الإقلال منهم، لِما ينجم عن استكثارهم مِن ضروب المشاكل المؤديّة إلى التباغض والعِداء، كما قال ابن الرومي:
عدوّك مِن صديقِك مستفادٌ
|
|
فلا تستكثرنَّ مِن الصحاب
|
فإنّ الداء أكثر ما تراه
|
|
يكون مِن الطعام أو الشراب
|
والحقّ أنّ قِيَم الأصدقاء ليست منوطة بالقلّة أو الكثرة، وإنّما هي فيما يتحلّون به من صِفات النُّبل والإخلاص والوفاء، التي لا تجتمع إلاّ في المثاليّين منهم، وهُم فئةٌ قليلةٌ نادرةٌ تتألّق في دنيا الأصدقاء تألّق اللآليّ بين الحصا.
_____________________
وصديقٌ مخلصٌ وفيٌّ خيرٌ من ألفِ صديقٍ عديمِ الإخلاص والوفاء، كما قال الإسكندر: المُستكثر مِن الإخوان مِن غير اختيارٍ كالمستوفر مِن الحِجارةِ، والمقلّ مِن الإخوان المتخيّر لهم كالذي يتخيّر الجوهر.
حقوق الأصدقاء:
وبعد أنْ أوضح أهلُ البيتعليهمالسلام
فضل الأصدقاء الأوفياء، رسَموا لهم سياسةً وآداباً وقرّروا حقوق بعضهم على بعض، ليوثقوا أواصر الصداقة بين المؤمنين، ومِن ثمّ لتكون باعثاً على تعاطفهم وتساندهم. وإليك طرَفاً مِن تلك الحقوق:
١ - الرعاية الماديّة:
قد يقَع الصديق في أزمةٍ اقتصاديّة خانقة، ويُعاني مرارة الفاقة والحِرمان ويغدو بأمَسّ الحاجة إلى النجدة والرعاية الماديّة، فمَن حقه على أصدقائه النُّبلاء أنْ ينبروا لإسعافه، والتخفيف من أزمته بما تجود به أريحيّتهم وسخاؤهم، وذلك مِن ألزم حقوق الأصدقاء وأبرَز سمات النبل والوفاء فيهم، وقد مدح اللّه أقواما تحلّوا بالإيثار وحُسن المواساة فقال تعالى:( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ )
( الحشر: ٩ ).
وقال الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
لرجل من خاصّته:
( يا عاصم، كيف انتم في التواصل والتواسي ؟)
قلتُ: على أفضل ما كان عليه أحد.
قالعليهالسلام
: ( أَ يأتي أحدُكم إلى دُكان أخيه أو منزله، عِند الضائقة، فيستخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج إليه، فلا ينكر عليه ؟ ) قال: لا.
قالعليهالسلام
: ( فلستم على ما أحب في التواصل )
وعن أبي إسماعيل قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام
: جُعلتُ فداك، إنّ الشيعة عندنا كثير، فقالعليهالسلام
:
( فهل يعطف الغنيُّ على الفقير؟ وهل يتَجاوز المُحسِن عن المُسيء ؟ ويتواسون ). فقلت: لا.
فقالعليهالسلام
: ( ليس هؤلاء شيعة، الشيعة مَن يفعل هذا )
وقال أبو تمّام:
أولى البريّة حقّاً أنْ تراعيه
|
|
عند السرور الذي آساك في الحُزن
|
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا
|
|
مَن كان يألفَهم في المنزل الخشن
|
وقال الواقدي:
كان لي صديقان: أحدهما هاشمي، وكنّا كنفسٍ واحدة، فنالتني ضيقةٌ شديدة وحضَر العيد، فقالت امرأتي: أمّا نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدّة، وأمّا صبياننا هؤلاء فقد قطّعوا قلبي رحمةً لهم،
_____________________
لأنّهم يرَون صبيان الجيران وقد تزيّنوا في عيدهم، وأصلحوا ثيابهم، وهُم على هذه الحال مِن الثياب الرثّة ! فلو احتلت بشيءٍ تصرفه في كسوتهم! فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليّ، فوجّه إليّ كيساً مختوماً، ذكر إنّ فيه ألف درهم، فما استقرّ قراري حتّى كتب إلي الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صاحبي، فوجّهت إليه الكيس بحاله، وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه ليلي مُستحياً مِن امرأتي.
فلمّا دخلت عليها استحسنت ما كان منّي، ولم تعنّفني عليه.
فبينما أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: أصدقني عمّا فعلته فيما وجهّت إليك ؟
فعرّفته الخبَر على وجهه، فقال: إنّك وجّهت إليّ وما أملك على الأرض إلاّ ما بعثت به إليك، وكتبتُ إلى صديقنا اسأله المواساة فوجّه إليّ بكيسي! فتواسينا الآلاف أثلاثاً !
ثمّ نمي الخبَر إلى المأمون فدعاني، فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكلِّ واحدٍ ألفا دينار وللمرأة ألف دينار!
٢ - الرعاية الأدبيّة:
وهكذا تنتاب الصديق ضروب الشدائد والأرزاء ما تسبّب إرهاقه وبلبلة حياته، ويغدو آنذاك مفتقراً إلى النجدة والمساندة لإغاثته وتفريج كربه.
_____________________
فحقيقٌ على أصدقائه الأوفياء أنْ يسارعوا إلى نصرته والذبِّ عنه، لساناً وجاهاً، لإنقاذه مِن أعاصير الشدائد والأزَمات، ومواساته في ظرفه الحالك.
هذا هو مقياس الحبّ الصادق والعلاّمة الفارقة بين الصديق المُخلص مِن المزيّف.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( لا يكون الصديق صديقاً، حتّى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته )
وقال الشريف الرضي:
يعرّفك الإخوانُ كلٌّ بنفسه
|
|
وخيرُ أخٍ مَن عرّفتك الشدائد
|
* * *
٣ - المداراة:
والأصدقاء مهما حسُنت أخلاقهم، وقويت علائق الودّ بينهم فإنّهم عرضة للخطأ والتقصير، لعدَم عصمتهم عن ذلك. فإذا ما بدرت مِن أحدهم هناةٌ وهفوةٌ في قولٍ أو فعلٍ، كخُلفِ وعد، أو كلمةٍ جارحة أو تخلّف عن مواساة في فرح أو حزن ونحو ذلك مِن صوَر التقصير.
فعلى الصديق إذا ما كان واثقاً بحبّهم وإخلاصهم، أنْ يتغاضى عن إساءتهم
_____________________
ويصفح عن زلَلهم حِرصاً على صداقتهم واستبقاءً لودّهم، إذ المُبالغة في نقدهم وملاحاتهم، باعثة على نفرتهم والحِرمان منهم.
ومَن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها
|
|
كفى المرءُ نُبلاً أنْ تُعدّ معائبه
|
انظر كيف يوصي أمير المؤمنينعليهالسلام
ابنه الحسنعليهالسلام
بمداراة الصديق المُخلص والتسامح معه والحفاظ عليه:
( احمل نفسك مِن أخيك عند صرفه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدّته على اللين، وعند جرمه على العذر، حتّى كأنّك له عبد، وكأنّه ذو نعمةٍ عليك.
وإيّاك أنْ تضَع ذلك في غير موضعه أو تفعله بغير أهله، لا تتخذنّ عدوَّ صديقِك صديقاً فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنةً كانت أو قبيحة، وتجرّع الغيظ ؛ فإنّي لم أرَ جرعةً أحلى منها عاقبةً ولا ألذُّ مغبّة، ولِن لِمَن غالَظك فإنّه يُوشك أنْ يلين لك، وخُذ على عدوّك بالفضل فإنّه أحلى الظَفَرين، وإنْ أردت قطيعة أخيك فاستبقِ له مِن نفسِك بقيّةً ترجع إليها إنْ بدا له ذلك يوماً ما، ومَن ظنَّ بك خيراً فصدّق ظنّه، ولا تضيّعنّ حقّ أخيك اتّكالاً على ما بينك وبينه ؛ فإنّه ليس لكَ بأخٍ مَن أضعت حقّه )
وقال الإمام الحسنعليهالسلام
لبعض ولده:
( يا بُنَيّ، لا تؤاخِ أحداً حتّى تعرف موارده ومصادره، فإذا استبطنت
_____________________
الخبرة، ورضيت العِشرة، فآخه على إقالة العثرة، والمواساة في العشرة )
وقال أبو فراس الحمداني:
لم أُواخذك بالجفاء لأنّي
|
|
واثقٌ منك بالوداد الصريح
|
فجميل العدوّ غير جميل
|
|
وقبيح الصديق غير قبيح
|
وقال بشّار بن بُرد:
إذا كُنت في كلّ الأُمور معاتباً
|
|
صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
|
فعِش واحداً أو صِل أخاك فإنّه
|
|
مقارفُ ذنبٍ مرّة ومجانبه
|
إذا أنتَ لم تشرَب مِراراً على القذى
|
|
ظمِئت وأي الناس تصفو مشاربه
|
وقال أبو العلاء المعرّي:
مَن عاشَ غير مداج مَن يعاشره
|
|
أساء عِشرة أصحابٍ وأخدان
|
كم صاحبٍ يتمنّى لو نُعيتَ له
|
|
وإنْ تشكّيت راعاني وفدّاني
|
ومِن أروع صوَر مداراة الأصدقاء وأجملها وقْعاً في النفوس: الإغضاء عن إساءتهم والصفْح عن مسيئهم.
ولذلك مظاهرٌ وأساليبٌ رائعة:
١ - أنْ يتناسى الصديق الإساءة ويتجاهلها ثقةً بصديقه، وحسن ظنٍّ به، واعتزازاً بإخائه، وهذا ما يبعث المُسيء على إكبار صديقه وودّه والحِرص على صداقته.
٢ - أنْ يتقبل معذرة صديقه عند اعتذاره منه، دونما تشدّد أو تعنّت في قبولها، فذلك مِن سِمات كرم الأخلاق وطهارة الضمير والوجدان.
_____________________
٣ - أنْ يستميل صديقه بالعتاب العاطفي الرقيق، استجلاباً لودّه، فترك العتاب قد يُشعر بإغفاله وعدم الاكتراث به، أو يُوهمه بحنق الصديق عليه وإضمار الكيد له.
ولكنّ العتاب لا يجدي نفعاً ولا يستميل الصديق، إلاّ إذا كان عاطفيّاً رقيقاً كاشفاً عن حبِّ العاتب ورغبته في استعطاف صديقه واستدامة ودّه، إذ العشرة فيه والإفراط منه يُحدّثان ردّ فعلٍ سيّئ يُضاعف نفار الصديق ويفصم عُرى الودِّ والإخاء.
لذلك حثّت الشريعة الإسلامية على الصفح والتسامح عن المسيء، وحسن مداراة الأصدقاء خاصّة، والناس عامّة.
قال تعالى:( وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ )
( آل عمران: ١٥٩ ).
وقال سُبحانه:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )
( حم السجدة: ٣٤ - ٣٥ ).
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: أمرني ربّي بمداراة الناس، كما أمَرني بأداء الفرائض )
وقالصلىاللهعليهوآله
: ( أعقَل الناس أشدُّهم مداراةً للناس )
_____________________
والجدير بالذكر أنّ مِن أقوى عوامل ازدهار الصداقة وتوثيق أواصر الحبّ والإخلاص بين الأصدقاء، هو أنْ يتفادى كلٌّ منهم جهده عن تصديق النمّامين والوشاة المُغرَمين بغرس بذور البغضاء والفرقة بين الأحباب وتفريق شملهم، وفصم عُرى الإخاء بينهم. وهؤلاء هُم شرار الخلْق كما وصَفَهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
حيث قال: ( ألا أُنبئكم بشراركم ؟ ).
قالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: ( المشّاؤون بالنميمة، المُفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبراء المعايب )
* * *
الاعتدال في حبّ الصديق والثقة به:
ومِن الحكمة أنْ يكون العاقل معتدلاً في محبّة الأصدقاء والثقة بهم والركون إليهم دون إسرافٍ أو مغالاة، فلا يصحّ الإفراط في الاطمئنان إليهم واطلاعهم على ما يخشى إفشاءه من إسراره وخفاياه.
فقد يرتدّ الصديق ويغدو عدوّاً لدوداً، فيكون آنذاك أشدّ خطَراً وأعظم ضرَراً مِن الخصوم والأعداء.
وقد حذّرت وصايا أهل البيتعليهمالسلام
وأقوال الحكماء والأدباء، نظماً ونثراً مِن ذلك:
قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أنْ
_____________________
يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما، عسى أنْ يكون حبيبك يوماً ما )
وقال الصادقعليهالسلام
لبعض أصحابه:
( لا تُطلِع صديقك مِن سرِّك، إلاّ على ما لو اطّلع عليه عدوّك لم يضرّك فإنّ الصديق قد يكون عدوّك يوماً ما )
قال المعرّي:
خف مَن تودّ كما تخاف معادياً
|
|
وتمارَ فيمَن ليس فيه تمار
|
فالرزء يبعثه القريب وما درى
|
|
مضرٌّ بما تجنى يدا أنمار
|
وقال أبو العتاهية:
ليَخلُ امرؤٌ دون الثقات بنفسه
|
|
فما كلّ موثوق ناصح الحبّ
|
* * *
_____________________
حقوق الجِوار
التآزر والتعاطف:
لقد جهد الإسلام في حثّ المسلمين وترغيبهم في التآزر والتعاطف، ليجعلهم أُمّةً مثاليّةً في اتّحادها وتعاضدها على تحقيق أهدافها، ودفع الأزَمَات والأخطار عنها.
ودأَبَ على غرْس تلك المفاهيم السامية في نُفوس المسلمين ؛ ليزدادوا قوّة ومنعة وتجاوباً في أحاسيس الودّ ومشاعر الإخاء.
( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ
)
( الفتح: ٢٩ ).
( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )
( المائدة:٢ ).
وكان مِن ذلك تحريض المسلمين على حُسن الجِوار ورعاية الجار، ليُنشئ مِن المُتجاورين جماعةً متراصّة متعاطفة تتبادل اللطف والإحسان، وتتعاون على كسب المنافع ودرء المضار، ليستشعروا بذلك الدِّعة والرخاء والقوّة على معاناة المشاكل والأحداث.
ولقد أوصى القرآن الكريم برعاية الجار والإحسان إليه فقال:
( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ )
( النساء: ٣٦ ).
والمُراد - بالجار ذي القربى - الجار القريب داراً أو نسَباً - والجار الجنب - هو البعيد جواراً أو نسباً.
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: كلّ أربعينَ داراً جيران مِن بين يدَيه ومِن خلفه، وعن يمينه وعن شماله )
و - الصاحب بالجَنب - الرفيق في السفر، أو الزميل في التعليم، أو في الحرفة.
و - ابن السبيل - المُسافر أو الضيف.
- وما ملَكت أيمانكم - الأهل والخدَم.
وناهيك في حرمة الجار وضرورة رعايته قول النبيّصلىاللهعليهوآله
فيه: ( ما زال جبرئيل يُوصيني بالجار، حتّى ظننتُ أنّه سيورّثه )
.
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ): حُسن الجوار يُعمّر الديار، ويُنسئ في الأعمار )
وقال الصادقعليهالسلام
، ( ليس منّا مَن لم يُحسن مجاورةَ مَن جاوره )
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
ما آمن بي مَن بات شبعان وجارُه جائع، وما مِن أهل قريةٍ يبيت فيهم جائع ينظر اللّه إليهم يوم القيامة )
_____________________
وقال الصادقعليهالسلام
: ( إنّ يعقوب لمّا ذهب منه بنيامين نادى، يا ربّ أما ترحمني، أذهَبت عيني، وأذهَبت ابني. فأوحى اللّه تعالى إليه: لو أمتّهما لأحييتهما لك حتّى أجمع بينك وبينهما، ولكن تذكر الشاة التي ذبحتها، وشويتها وأكلت، وفلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئاً )
وفي روايةٍ أُخرى قال: ( وكان بعد ذلك يعقوب يُنادي مناديه كلّ غداة، مِن منزله على فرسخ، ألا مَن أراد الغداء فليأتِ إلى يعقوب. وإذا أمسى نادى: ألا مَن أراد العشاء فليأتِ إلي يعقوب )
حقوق الجار:
وخلاصتها أنْ يُساس الجار باللطف وحُسن المداراة، كابتدائه بالسلام وعيادته في المرض، وتهنئته في الأفراح، وتعزيته في المصائب، وعدَم التطلّع إلى حرمه، والإغضاء عن هفَواته، وكفّ الأذى عنه، وإعانته ماديّاً إذا كان معوزاً، وإعادة ما يستعيره مِن الأدوات المنزليّة، ونصحه إذا ما زاغ وانحرف عن الخطّ المستقيم.
ومِن طريف ما يُحكى في حُسن الجوار:
( إنّ رجُلاً كان جاراً لأبي دلف ببغداد، فأدركته حاجة، وركِبه دينٌ فادحٌ حتّى احتاج إلى بيع داره، فساوموه فيها، فسمّى لهم ألف
_____________________
دينار، فقالوا له: إنّ دارك تساوي خمسمِئة دينار. فقال: أبيع داري بخمسمِئة، وجوار أبي دلَف بخمسمِئة، فبلغ أبا دلَف الخبَر، فأمَر بقضاء دينه ووصله، وقال: لا تنتقل مِن جوارنا. فانظر كيف صار الجوار يُباع كما تُباع العقار ).
* * *
حقوق المجتمع الإسلامي
فضل المجتمع الإسلامي:
كان المجتمع الإسلامي إبّان رُقيّه وازدهاره، نموذجاً فذّاً ونمَطاً مثاليّاً بين المجتمعات العالميّة المتحضّرة، بخصائصه الرفيعة، ومزاياه الغُرّ التي بوّأته قمَم المفاخر والأمجاد، وأنشأت مِن أفراده أُسرةً إسلاميّةً مرصوصةَ الصفّ، خفّاقةَ اللواء، مرهوبةَ الجانب، موصوفةً بالفضائل والمُكرمات.
لقد كان فذّاً في عقيدته التي حوَت أسرار التوحيد، وأوضحت خصائص الإلوهيّة وصفاتها الحقّة، وجلّت واقع النبوّة والأنبياء، وفصلت حقائق المعاد، وما يجيش به مِن صوَر النعيم والعذاب.
حوَت كلّ ذلك، وصوّرته تصويراً رائعاً يستهوي العقول والقلوب ويقنع الضمائر حتّى باركها اللّه واصطفاها بين العقائد والأديان.
( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
( آل عمران: ٨٥ ).
وكان فذّاً في شريعته الغرّاء، تلك التي تكاملت بها شرائع السماء وبلَغت قمّة الوحي الإلهي ما جعلها الشريعة الخالدة عبر الحياة، والدستور الأمثل للبشريّة جمعاء.
وكان فذّاً في أخلاقه، فقد ازدهرت في ربوعه القِيّم الأخلاقيّة وتكاملت
حتّى أصبحَت طابعاً مميّزاً للمسلم الحقّ، كما وصفه الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله
بقوله: ( المؤمن مَن أمنه الناسُ على أموالهم ودمائهم، والمُسلم من سلِم المسلمون مِن يدِه ولِسانه، والمُهاجر مَن هجَر السيّئات )
وكان مثلاً رفيعاً في آدابه الاجتماعيّة:
قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: ( يا بني، اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك، فأحبِب لغَيرِك ما تُحبُّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تَظلِم كما لا تحبّ أنْ تُظلم، وأحسن كما تُحبُّ أنْ يُحسن إليك، واستقبح مِن نفسك ما تستقبح مِن غيرك، وارضَ مِن الناس بما ترضاه لهم مِن نفسك، ولا تقُل ما لا تعلم، وإنْ قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحبّ أنْ يُقال لك )
وكان فريداً في تآخيه: فقد أعلن مبدأ المؤاخاة وحقّقه بين أفراده بأُسلوبٍ لم تستطِع تحقيقه سائر الشرائع والمبادئ:
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )
( الحجرات:١٠ ).
وأصبح المجتمع أُسرةٌ واحدة تستشعر روح الإخاء، وتتجاوب في عواطفها ومشاعرها، وكان ذلك مِن أعظم منجزات الإسلام وفتوحاته الإصلاحيّة.
وكان مثاليّاً في أريحيّته وتكافله: فالمسلم معنيٌّ بشؤون المجتمع والاهتمام بمصالحه، والعطف على بؤسائه ومعوزيه.
_____________________
فعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ): مَن أصبح لا يهتمّ بأُمور المسلمين فليس بمسلم )
وعنهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: الخلق عيالُ اللّه، وأحبُّ الخلقِ إلى اللّه مَن نفَع عيالَ اللّه، وأَدخَل على بيتٍ سروراً )
حقوق المجتمع الإسلامي:
للفرد قيمتهُ ومنزلته في المجتمع، بصفته لبنةً في كيانه، وغصناً مِن أغصان دَوحته، وبمقدار ما يَسعَد الفرد، وينال حقوقه الاجتماعيّة يَسعّد المجتمع، وتشيع فيه دواعي الطمأنينة والرخاء، وبشقائه وحِرمانه يشقَى المجتمع وتسوده عوامل البَلبَلَة والتخلّف.
لذلك كان حتماً مقضيّاً على المجتمع رعاية مصالح الفرد، وصيانة كرامته، ومنحه الحقوق الاجتماعيّة المشروعة، ليستشعر العزَّة والسكينة والرخاء، في إطار أُسرته الاجتماعيّة، وإليك أهمّ تلك الحقوق:
١ - حقُّ الحياة:
وهو حقٌّ طبيعيٌّ مقدّس يجب رعايته وصيانته، ويَعتبر الإسلام هدرَه
_____________________
والاعتداء عليه جنايةً نَكراء، وجُرماً عظيماً يتوعّد عليه بالنار:( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً )
( النساء: ٩٣ ).
ولم يكتفِ الإسلام بإنذار السفّاكين، ووعيدهم بالعقاب الأُخروي، فقد شرّع القَصاص مِن القاتل عمداً، والديَة عليه خطأً، حمايةً لدِماء المسلمين، وحسماً لإحداث القتل وجرائمه:( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
( البقرة: ١٧٩ ).
وليس للإنسان أنْ يُفرّط في حياته ويزهقها بالانتحار، وإنّما يجِب عليه حفظها وصيانتها مِن الأضرار والمهالك:( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )
( البقرة: ١٩٥ ).
وقد بالغ الإسلام في قدسيّة الأرواح وحمايتها، حتّى حرّم قتل الجنين وإجهاضه تخلّصاً منه، وفرَض الديَة على قاتله.
٢ - حقُّ الكرامة:
لقد شرّف اللّه المؤمن وحَباه بصنوفِ التوقير والإعزاز، وألوان الدعمِ والتأييد. فحفَظ كرامته، وصَان عِرضه، وحرّم ماله ودمه، وضمِن حقوقه، ووالى عليه ألطافه، حتّى أعلن في كتابه الكريم عنايته بالمؤمن ورعايته له في الحياة العاجلة والآجلة:( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ
تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ )
( حم السجدة: ٣٠ - ٣١ ).
( الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ )
( يونس: ٦٣ - ٦٤ ).
( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ )
( غافر:٥١ ).
وحرّم الإسلام بعد هذا كلّ ما يبعث على استهانة المؤمن، وخدْشِ كرامته وتلويث سُمعته باغتيابه والتجسّس عليه، والسخريةِ منه ؛ ليُطهّر المجتمع الإسلامي مِن عوامل التباغض والفُرقه. ولِيُشِع في رُبوعه مفاهيم العزّة والكرامة.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ )
( الحجرات: ١٢).
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
( الحجرات: ١١ ).
وهكذا حرص الإسلام على إعزاز المؤمن وحماية شرفه وكرامته حتّى بعد وفاته، فجعَل حُرمته ميّتاً كحرمتهِ حيّاً، وفرَض على المسلمين تجهيزه بعد الممات وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وحرّم كلّما يثلب كرامته كالمُثلة به ونبشِ قبره، واستغابته والطعن فيه.
وقد جهد الإسلام في حماية المسلمين، وضمان كرامتهم فرداً ومجتمعاً،ماديّاً وأدبيّاً:
فشرّع الحدود والديات صيانةً لأرواحهم وأموالهم وحرماتهم، وردعاً للمجرمين العابثين بأمنِ المجتمع ومقدّراته.
( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
( البقرة: ١٧٩ ).
( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ )
( المائدة: ٣٣ ).
وبالَغ الإسلام في عقوبة الزاني لاستهتاره بقُدسيّة أعراض الناس، وانتهاكه صميم كرامتهم وشرفهم.
( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ )
( النور: ٢ ).
وقرّر الحدّ الصارم على السارق حسماً لإجرامه وحِرصاً على أمن المسلمين واطمئنانهم.
( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ )
( المائدة: ٣٨ ).
وهكذا أعلن أهل البيتعليهمالسلام
شرف المؤمن وعزّته، وأحاطوه بهالة مِن التوقير والإجلال وألوان الحصانة والصيانة:
فعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه
وآله ): سُباب المؤمن فسوق، وقتالُه كُفر، وأكلُ لحمه مَعصية، وحُرمة مالهِ كحُرمة دمِه )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال:
( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: قال اللّه عزّ وجل: مَن أهان لي وليّاً، فقد أرصد لمُحاربتي. وما تقرّب إليّ عبدٌ بشيءٍ أحبُّ إليّ ممّا افترضت عليه، وإنّه ليتقرّب إليّ بالنافلة حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمَع به، وبصره الذي يُبصرُ به، ولِسانه الذي ينطق به، ويدُه التي يَبطش بها، إنْ دعاني أجبته، وإنْ سألني أعطَيته، وما تردّدت عن شيءٍ إنّا فاعله كتردّدي عن موت عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته )
وعنهعليهالسلام
قال:
( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: يا معشر مَن أسلَم بلسانه، ولم يخلُص الإيمان إلى قلبه، لا تذمّوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنّه مَن يتّبع عوراتهم يتّبع اللّه عورته، ومَن يتّبع اللّه عورته يفضَحه ولو في بيته )
وعنهعليهالسلام
قال:
( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن أذاع فاحشةً كان كمبتدئها
_____________________
ومَن عيّر مؤمناً بشيءٍ، لم يمُت حتّى يركبه )
٣ - حقُّ الحريّة:
والحريّة هي: انعتاق الإنسان وتحرّره مِن أسرِ الرقّ والطغيان، وتمتّعه بحقوقه المشروعة. وهي مِن أقدَس الحقوق وأجلّها خطراً، وأبلغُها أثَراً في حياة الناس.
لذلك أقرّ الإسلام هذا الحقَّ وحرَص على حمايته وسيادته في المجتمع الإسلامي.
وليست الحريّة كما يفهمها الأغرار: هي التحلّل مَن جميع النظم والضوابط الكفيلة بتنظيم المجتمع، وإصلاحه وصيانة حقوقه وحُرُماته، فتلك هي حريّة الغاب والوحوش الباعثة على فساده وتسيّبه.
وإنّما الحريّة الحقّة هي: التمتّع بالحقوق المشروعة التي لا تناقض حقوق الآخرين ولا تجحف بهم.
وإليك طرفاً مِن الحريّات:
أ - الحريّة الدينيّة:
فمِن حقِّ المسلم أنْ يكون حرّاً طليقاً في عقيدته وممارسة عباداته، وأحكام شريعته. فلا يجور قسره على نبذها أو مخالفة دستورها، ويُعتبر ذلك عدواناً صارخاً على أقدَس الحرّيات، وأجلّها خطراً في دنيا الإسلام
_____________________
والمسلمين. وعلى المسلم أنْ يكون صُلباً في عقيدته، صامداً إزاء حملات التضليل التي يشنّها أعداء الإسلام، لإغواء المسلمين وإضعاف طاقاتهم ومعنويّاتهم.
ب - الحريّة المدنيّة:
ومِن حقّ المسلم الرشيد أنْ يكون حرّاً في تصرّفاته، وممارسة شؤونه المدنيّة، فيستوطن ما أحبّ مِن البلدان، ويختار ما شاء من الحرف والمكاسب ويتخصّص فيما يهوى مِن العلوم، وينشئ ما أراد مِن العقود، كالبيع والشراء والإجارة والرهن ونحوها. وهو حرٌّ في مزاولة ذلك على ضوء الشريعة الإسلاميّة.
ج - حريّة الدعوة الإسلاميّة:
وهذه الحريّة تخصّ الأكفاء مِن المسلمين القادرين على نشر التوعية الإسلاميّة، وإرشاد المسلمين وتوجيههم وجهة الخير والصلاح. وذلك ما يبعث على تصعيد المجتمع الإسلامي ورقيّه دينيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً، ويعمل على وقايته وتطهيره مِن شرور الرذائل والمنكرات.
( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
( آل عمران: ١٠٤ ).
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
:
( لا يزال الناسُ بخيرٍ ما أمروا بالمعروف، ونهَوا عن المُنكر، وتعاونوا
على البرِّ، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزِعَت منهم البرَكات، وسُلّط بعضُهم على بعض، ولم يكُن لهم ناصرٌ في الأرض ولا في السماء )
.
٤ - حقُّ المساواة:
كانت الأُمَم العالميّة تعيش حياة مُزرية، تسودُها الأُثرة والأنانيّة، وتُفرّقها نوازع الامتيازات الطبقيّة. فكان التفاوت الطبَقي مِن أبرَز مظاهر العرَب الجاهليّين، إذ كانوا يضطهدون الضُّعفاء ويستعبدونهم كالأرقّاء، ولا يؤاخذون الأشراف على جنايةٍ او جُرمٍ تمييزاً لهم عن سوَقَة الناس.
وحسبُك ما كان عليه مُلوك العرَب يومذاك مِن الأنانيّة واستذلال الناس.
(
فكان عَمْر بن هِند ملِكاً عربيّاً: وقد عوّد الناس أنْ يُكلّمهم مِن وراء حِجاب، وقد استكثر على سادة القبائل أنْ تأنَف أُمّهاتهم مِن خدمته في داره.
وكان النُّعمان بن المُنذر قد بلَغ به العسف أنْ يتّخذ لنفسه يوماً للرضى، يغدِق فيه النِّعم على كلّ قادِم إليه خبط عشواء، ويوماً للغضَب يقتل فيه كلّ طالع عليه مِن الصباح إلى المساء.
ومِن القصص المشهورة: قصّة ( عمليق ) ملِك طسم وجديس.
_____________________
كان يستبيح كلّ عروسٍ قبل أنْ تُزَفُّ إلى عروسها)
وهكذا كانت الأُمم الغربيّة في تمايزها الطبَقي حتّى قيام الثورة الفرنسيّة التي طفقت تنادي بالمساواة، وتحفّز عليها ممّا أيقَظ الغربيّين وأثار فيهم شعور المساواة.
ولكنّ رواسب الطبقة لا تزال عالِقة في نفوس الغربيّين تُستشَفّ مِن خلال أقوالهم وتصرّفاتهم:
فالألمانيّة النازيّة: تُقدّس الجِنس الآري، وتفضّله على سائر الأجناس البشريّة.
والأُمَم الأمريكيّة: لا يزال الصراع فيها قائماً بين البيض والسود مِن جرّاء أنانيّة البيض وترفّعهم عن مخالطة السود، ومشاركتهم في المدارس والمطاعم وسائر مرافق الحياة.
وهكذا درَجَت بريطانيا على إشاعة التفاوت الطبَقي بين البيض والملوّنين في جنوب إفريقيا، حيثُ جعلَت البيض سادةً مدلّلين، والسود أرقّاء مُستعبَدين لهم.
وكذلك نجد التمايز والتفاوت واضحَين في ظِلال الحكم الشيوعي بين العامل ورئيسه، والجندي وقائده، والفنّانين والكادحين، ولم يستطيع رغم تشدّقه بالمساواة: محو الطبقيّة بين أتباعه.
_____________________
المساواة في الإسلام
لقد شرّع الإسلام مبدأ المساواة، ونشَر ظِلاله في رُبوع المجتمع الإسلامي بأُسلوبٍ مثاليٍّ فريد، لم تستطع تحقيقه سائرُ الشرائع والمبادئ. فأفراد المجتمع ذكوراً وإناثاً، بيضاً وسوداً، عرباً وعجماً، أشرافاً وسَوَقَة، أغنياءً وفقراء، كلّهم في شرعة الإسلام سواسيةً كأسنان المشط، لا يتفاضلون إلاّ بالتقوى والعمل الصالح.
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )
( الحجرات: ١٣ ).
والقوانين الإسلاميّة والفرائض الشرعيّة نافذةً عليهم جميعاً دون تمايز وتفريق بين الأجناس والطبَقات. وما انفك النبيّصلىاللهعليهوآله
عن تركيز مبدأ المساواة وتصعيده حتّى استطاع تطويره والتسامي به إلى المؤاخاة الروحيّة بين المؤمنين.
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )
( الحجرات: ١٠ ).
حسبُك في ذلك أنّ الملوك كانوا يحسبون أنّهم فوق مستوى البشر، ويترفّعون عنهم في أبراجٍ عاجيّة يطلّون منها زهواً وكِبَراً على الناس.
يأمر القرآن الكريم سيّد المُرسلين أنْ يعلن واقعه للناس:( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ )
( الكهف:١١٠ ).
لذلك كان هوصلىاللهعليهوآله
، وذرّيته الأطهار: المثل الأعلى في تطبيق مبدأ المساواة والدعوة إليه قولاً وعملاً.
قالصلىاللهعليهوآله
: ( إنّ اللّه تبارك وتعالى قد أذهب بالإسلام نخوةَ الجاهليّة وتفاخرها بآبائها، ألا إنّ الناس مِن آدم، وآدم مِن تراب، وأكرمهم عند اللّه اتقاهم )
ويُحدّثنا الرواة: أنّهصلىاللهعليهوآله
كان في سفَر فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول اللّه، عليّ ذبحها، وقال آخر: عليّ سلخها، وقال آخر: عليّ طبخها، فقالصلىاللهعليهوآله
: ( وعليّ جمع الحطَب ).
فقالوا يا رسول اللّه، نحن نكفيك، فقال:
( قد علِمت أنّكم تكفوني، ولكن أكره أنْ أتميّز عليكم، فإنّ اللّه يكره مِن عبدهِ أنْ يراه متميّزاً بين أصحابه وقام فجمع الحطب )
ويحدّث الرواة: أنْ سوادة بن قيس قال للنبيّصلىاللهعليهوآله
في أيّام مرضه: يا رسول اللّه، إنّك لمّا أقبلت مِن الطائف استقبلتك، وأنت على ناقتك العضباء، وبيَدِك القضيب المَمْشوق، فرفعت القضيب وأنتَ تريد الراحلة فأصاب بطني، فأمره النبيّصلىاللهعليهوآله
أنْ يقتصّ منه فقال: اكشف لي عن بطنك يا رسول اللّه، فكشَف عن بطنه. فقال سوادة: أتأذن لي أنْ أضع فمي على بطنك، فأذن له فقال: أعوذ بموضع القصاص مِن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
النار يوم النار، فقال
_____________________
صلىاللهعليهوآله
: ( يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص ؟ ) فقال: بل أعفو يا رسول اللّه.
فقال: ( اللهمّ اعفُ عن سَوادة بن قيس كما عفَى عن نبيّك محمّد )
وهكذا كان أمير المؤمنينعليهالسلام
:
قال الصادقعليهالسلام
: ( لما وِلّيَ عليّعليهالسلام
صعَد المنبر فحمِد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّي لا أرزؤكم مِن فَيئكم درهماً ما قام لي عذق بيثرب، فلتصدقكم أنفسكم، أ فَتروني مانعاً نفسي ومُعطيكم ؟.
قال: فقام إليه عقيل كرّم اللّه وجهه فقال له: اللّه ! لتجعلني وأسوَد بالمدينة سَواء. فقالعليهالسلام
: اجلس أما كان هنا أحدٌ يتكلّم غيرك ؟ وما فضلك عليه إلاّ بسابقةٍ أو تقوى )
( ومشى إليه ثُلّة مِن أصحابه عند تفرّق الناس عنه، وفرار كثير منهم إلى معاوية طلَباً لِما قي يدَيه مِن الدنيا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أعطِ هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف مِن العرَب وقُرَيش على المَوالي والعجَم ومَن تخاف عليه مِن الناس فراره إلى معاوية.
فقال لهم أمير المؤمنينعليهالسلام
: أ تأمروني أنْ أطلب النصر بالجور ؟ لا واللّه ما أفعل، ما طلَعت شمسٌ ولاحَ في السماء نجم، واللّه لو كان مالهم
_____________________
لي لواسَيت بينهم، وكيف وإنّما هي أموالهم )
( وقال عُمَر بن الخطّاب للناس يوماً: ما قولكم لو أنّ أميرَ المؤمنين شاهدَ امرأةَ على معصية - يعني أتكفي شهادته في إقامة الحدّ عليها - ؟.
فقال له عليّ بن أبي طالب: ( يأتي بأربعةِ شهود، أو يُجلَد حدّ القذف شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين )
وفقد انبهر الكاتب الغربي( جَـب )
بمبدَأ المساواة في الإسلام، وراح يُعرِب عن إعجابه وإكباره لذلك، فقال في كتابه - مع الإسلام -:
ليس هناك أيّة هيئة سِوى الإسلام يُمكن أنْ تنجح مثله نجاحاً باهراً في تأليف هذه الأجناس البشريّة المُتنافرة في جبهةٍ واحدة أساسها المساواة.
وإذا وضعت منازعات دول الشرق والغرب العظمى موضع الدرس فلا بدّ مِن الالتجاء إلى الإسلام لحزم النزاع.
وبتقرير مبدأ المساواة استشعر المسلمون مفاهيم العزّة والكرامة، ومعاني الوئام والصفاء، وغدَوا قادة الأُمم وروّادها إلى العدل والحريّة والمساواة.
وفي الوقت الذي قرّر الإسلام فيه المساواة، فإنّه قرّرها بأُسلوبٍ منطقيٍّ حكيم يُلائم العقول النيّرة والفطَر السليمة، ويُساير مبادئه الخالدة في إشاعة العدل، وإتاحة فُرَص التكافؤ بين عامّة المسلمين، وإناطة التفاضل
_____________________
والتمايز بينهم فيما هو مقدور لهم وداخلٌ في إمكاناتهم، مِن أعمال الخير والصلاح دون ما كان خارجاً عن طاقتهم وإرادتهم، مِن وَفرة المال أو سعة الجاه.
( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )
( الحجرات: ١٣ ).
فهو يشرّع المساواة تحقيقاً لمبادئه العادلة البنّاءة ويقرّر التمايز كذلك نظَراً لبعض القِيَم والكفاءات التي لا يجوز إغفالها وهدرها.
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )
( الزمر:٩ ).
لذلك فضّل اللّه الأنبياء بعضهم على بعض، لاختلاف كفاءتهم وجهادهم في سبيل اللّه تعالى، وإصلاح البشَر وإسعادهم.
( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ )
( البقرة: ٢٥٣ ).
وفضّل العلماء على الجهّال، والمؤمنين بعضَهم على بعض، لتفاوتهم في مدارج العِلم والتُّقى والصلاح.
( يرفع اللّه الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )
( المجادلة: ١١).
وهكذا فاضَل بين الناس في الرزق، لاختلاف كفاءاتهم وطاقاتهم في إجادة الأعمال، ووفرة الإنتاج، فلَيس مِن العدل مساواة الغبيّ بالذكيّ، والكسول بالمُجِد والعالِم المُخترع بالعامل البسيط، إذ المساواة والحالة هذه مدعاة لخَفق العبقريّات والمواهب وهدر الطاقات والجهود.
( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ
بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ )
( الزخرف: ٣٢ ).
٥ - حقّ العِلم:
للفرد قيمتُه وأثَره في المجتمع بصِفته عضواً مِن أعضائه، ولبنةً في كيانه، وعلى حسَب كفاءته ومؤهّلاته الفكريّة والجسميّة تُقاس حياة المجتمع وحالته رُقيّاً أو تخلّفاً، ازدهاراً أو خمولاً، للتفاعل القويّ بين الفرد والمجتمع.
مِن أجل ذلك دأَبت الأمَم المتحضّرة على تربية أبنائها وتثقيفهم بالعلم، حتّى فرَضوا التعليم الإجباري ويسّروه مجّاناً في مراحله الأُولى، دَعماً لحضارتهم وتصعيداً لكفاءاتهم.
وقد كان المسلمون إبّان حضارتهم مثلاً رفيعاً وقدوةً مثاليّةً في إشاعة العِلم لطلاّبه وتمجيد العُلماء وتكريمهم، حتّى استطاعت المعاهد الإسلاميّة أنْ تُخرّج أُمّةً مِن أقطاب العِلم وأعلامه.
كانوا قادةَ الفكر وبُناة الحضارة الإسلاميّة، وروّاد الأًمم إلى العلم والعرفان، وعليهم تَتلْمذ الغرب ومنهم اقتبس علمه وحضارته.
قال( سديو )
في كتابه تاريخ العرب:
- كان المسلمون في القرون الوسطى منفردين في العِلم والفلسفة والفنون وقد نشروها اينما حلت اقدامهم، وتسربت عنهم إلى أُوربا، فكانوا هُم سبباً لنهضتها وارتقائها.
وقال( جوستاف لويون )
في كتابه حضارة العرب:
- ثبت الآن أنّ تأثير العرَب في الغرب عظيمٌ كتأثيرهم في الشرق، وأنّ أوربّا مدينةٌ للعرب بحضارتها.
وكان مِن أقوى بواعث ازدهار العلوم الإسلاميّة واتّساع آفاقها، أنّ حقَّ التعليم - في المجتمع الإسلامي - كان مضموناً ومتاحاً لكلّ طالبٍ مهما كان عنصره ومستواه شريفاً أو وضيعاً، غنيّاً أو فقيراً، عربيّاً أو أعجميّاً.
وأنّ الشريعة الإسلاميّة كما فرضت على كلّ مسلمٍ طلَب العِلم والتحلّي به والانتفاع بثماره اليانعة، حتّمت على العالِم أنْ ينشر علمه ويذيعه بين المسلمين ولا يكتمه عنهم.
قال الباقرعليهالسلام
: ( عالمٌ يُنتفعُ بعلمه، أفضل مِن سبعين ألف عابد )
فلَم يعرف المسلمون تلك الإثرة العلميّة، التي اتّصف بها رجال الدين الغربيّون، حتّى قيام النهضة الحديثة، وبذلك أصبَح المسلمون مَشعلاً وهّاجاً بالعِلم والعرفان.
٦ - حقّ الملكيّة:
لم يشهد التاريخ فتنةً أثارت الجدل الحادّ والنزاع الضاري كفتنة المال والملكيّة في هذا العصر، فقد انقسم العالَم فيها إلى فريقين متناحرين: أحدهما
_____________________
يبيح الملكيّة الفرديّة بغير حدٍّ أو شرط، وهو الفريق الرأسمالي.
وثانيهما يستنكرها ويمنعها وهو الفريق الاشتراكي. وغدا العالَم مِن جرّاء هذَين المبدَأين المتناقضين يُعاني ضروب الأزَمات والمشاكل.
وقد حسَم الإسلام هذه الفتنة، وعالَجها علاجاً ناجحاً حكيماً، لا تجِد البشريّة أفضل منه أو بديلاً عنه لتحقيق سعادتها وسلامتها.
فهو: لا يمنع الملكيّة الفرديّة، ولا يبيحها مِن غير شرط
لا يمنعها: لأنّ الإنسان مفطور على غريزة التملّك، وحُبّ النفع الذاتي، وهما نَزعَتان راسختان في النفس، لا يستطيع الانفكاك منهما والتخلّي عنهما، وإنْ تجاهلتهما النظريّات الخياليّة التي لا تؤمن بغرائز الإنسان وميوله الفطريّة.
هي حقٌّ طبيعي يُحقّق كرامة الفرد، ويُشعره بوجوده، ويُحرّره مِن عبوديّة السلطة التي تحتكر أرزاق الناس وتستعبدهم بها.
هي حقٌّ يُفجّر في الإنسان طاقات المواهب والعبقريّات، وينفخ فيه روح الأمل والرجاء، ويُحفّزه على مضاعفة الجهود ووفرة الإنتاج وتحسينه.
وفي الوقت الذي منح الإسلام حقّ الملكيّة، فإنّه لم يمنحه على طرائق الجاهليّة الرأسماليّة، التي تُجيز اكتساب المال واستثماره بأيّ وجهٍ كان، حلالاً أم حراماً ؛ ممّا يُوجِب اجتماع المال واكتنازه في أيدٍ قليلة وحِرمان أغلَب الناس منه، ووقوعهم في أسرِ الأثرياء يتحكّمون فيهم ويستغلون جهودهم كما يشاؤون.
إنّه أباح الملكيّة بأُسلوبٍ يضمن صالح الفرد، ويَضمن صالح الجماعة
ولا يضرّ بهذا ولا بأُولئك، وذلك بما وضَع لها مِن شروط:
١ - فهو لا يجيز اكتساب المال وتملّكه إلاّ بطرقٍ مشروعة محلّلة، وحرّم ما سِوى ذلك كالربا والرشا والاحتكار، واكتناز المال الذي فرَض اللّه فيه نصيباً للفقراء، أو ابتزازه غصباً.
٢ - شرّع قانون الإرث المُوجب لتفتيت الثراء وتوزيعه على عدَد مِن الورّاث في كلّ جيل.
٣ - شرّع الفرائض الماليّة لإعانة الفقراء وإنعاشهم، كالزكاة والخُمس والكفّارات وردّ المظالم.
وقد استطاع الإسلام بمبادئه الاقتصاديّة الحكيمة أنْ يُشيع بين المسلمين روح التعاطف والتراحم، ويحقّق العدل الاجتماعي فيهم، فلا تجِد بينهم جائعاً إزاء مُتخَم، ولا عارياً إزاء مكتسٍ بالحرير.
٧ - حق الرعاية الإسلاميّة:
كان مِن أبرَز خصائص المجتمع الإسلامي ومزاياه، ذلك التجاوب العاطفي، والأحاسيس الأخويّة المتبادلة بين أفراده، ما جعلهم كالبُنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، أو كالجسَد الواحد إذا اشتكى عضوٌ تألّمت له سائر الأعضاء.
فما كان للمسلم الحقّ أنْ يتغاضى عن الاهتمام بشؤون مجتمعه، ورعاية مصالحه العامّة، والحرص على رقيّه وازدهاره، كما قال النبيّصلىاللهعليهوآله
:
( مَن أصبح لا يهتم بأُمور المسلمين فليس بمسلم )
وقالصلىاللهعليهوآله
: ( ما آمَن بي مَن بات شبْعان وجاره جائع، وما مِن أهل قريةٍ فيهم جائع ينظر اللّه إليهم يوم القيامة )
وما كان للمجتمع الإسلامي أنْ يتغاضى عن رعاية أفراده البؤساء، وهُم يعانون مرارة الفاقة ومضض الحرمان، دون أنْ يتحسّس بمشاعرهم ويتطوّع لإغاثتهم والتخفيف مِن ضُرّهم.
وحسبُك في شرف المؤمن وضرورة دعمه وإسناده، دعوة أهل البيتعليهمالسلام
وحثّهم على توقيره وإكرامه ورعايته مادّياً ومعنويّاً ما لو طبَقه المسلمون اليوم لكانوا أسعد الأُمم، وأرغدهم عيشاً وأسماهم منعةً وجاهاً.
وإليك نماذج مِن وصاياهم في ذلك:
أ - إطعامه وسقيه:
قال عليّ بن الحسينعليهالسلام
: ( مَن أطعَم مؤمناً مِن جوعٍ، أطعمه اللّه مِن ثِمار الجنّة، ومَن سقى مؤمناً سقاه اللّه مِن الرحيق المختوم )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن أطعم مؤمناً حتّى يشبعه لم يدرِ أحدٌ مِن خلقِ اللّه ماله مِن الأجر في الآخرة، لا ملَكٌ مُقرّب، ولا نبيٌّ مُرسل إلاّ اللّه ربّ العالمين ).
ثمّ قال: ( مِن مُوجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان )، ثمّ تلا قول اللّه
_____________________
تعالى:( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ )
( البلد: ١٤ـ١٥ـ١٦ )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن سقى مؤمناً شُربةً مِن ماء مِن حيثُ يقدّر على الماء، أعطاه اللّه بكلّ شربةٍ سبعينَ ألفَ حسنةٍ، وإنْ سقاه مِن حيث لا يقدِر على الماء، فكأنّما أعتق عشرَ رِقاب مِن وِلد إسماعيل )
ب - إكساء المؤمن:
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن كسا أخاه كسوةً، شتاءً أو صيف، كان حقّاً على اللّه أنْ يكسوه مِن ثياب الجنّة، وأنْ يهوّن عليه مِن سكَرات الموت وأنْ يوسّع عليه في قبره، وأنْ يلقى الملائكة إذا خرَج مِن قبره بالبشرى، وهو قوله تعالى في كتابه:( وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ )
)
( الأنبياء:١٠٣ ).
وقالعليهالسلام
: ( مَن كسا أحداً مِن فُقراء المسلمين ثوباً مِن عري، أو أعانة بشيءٍ ممّا يقوته مِن معيشته، وكّل اللّه تعالى به سبعة آلاف ملَك مِن الملائكة، يستغفرون لكلِّ ذنبٍ عمِله إلى أنْ يُنفخ في الصور..)
وعن أبي جعفرعليهالسلام
قال:( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: مَن كسا أحداً.. ) الحديث مثله - إلاّ أنّ فيه سبعين ألف ملَك
.
_____________________
ج - قضاء حاجة المؤمن:
عن المفضّل عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: قال لي: ( يا مفضل، اسمع ما أقول لك، واعلم أنّه الحقّ، وافعله واخبر به علية إخوانك )، قلت: جُعلت فِداك وما علية إخواني ؟
قال: ( الراغبون في قضاء حوائج إخوانهم )، قال: ثمّ قال:
( ومَن قضى لأخيه المؤمن حاجة، قضى اللّه تعالى له يوم القيامة مِئة ألف حاجة، مِن ذلك أوّلها الجنّة، ومِن ذلك أنْ يدخل قرابته ومعارفه وإخوانه الجنّة، بعد أنْ لا يكونوا نصاباً )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلاّ ناداه اللّه تعالى: عليّ ثوابك، ولا أرضى لك بدون الجنّة )
وقالعليهالسلام
: ( إنّ المؤمن منكم يوم القيامة ليمرّ به الرجل له المعرفة به في الدنيا وقد أُمر به إلى النار، والملَك ينطلق به، قال: فيقول له: يا فلان، أغثني فقد كُنت أصنع إليك المعروف في الدنيا، وأُسعفك في الحاجة تطلبها منّي، فهل عندك اليوم مكافأة ؟ فيقول المؤمن للملَك الموكّل به خلّ سبيله، قال: فيسمع اللّه قول المؤمن، فيأمر الملَك أنْ يَجبر قول المؤمن، فيُخلّي سبيله )
_____________________
د - مسرّة المؤمن:
عن أبي عبد اللّهعليهالسلام
، عن أبيه، عن عليّ بن الحسينعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إنّ أحبَّ الأعمال إلى اللّه تعالى إدخال السرور على المؤمنين )
وعن أبي عبد اللّهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: الخَلْق عِيال اللّه، فأحبُّ الخَلْق إلى اللّه مَن نفَعَ عِيالَ اللّه، وأدخَل على أهل بيتٍ سروراً )
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن أدخَل على مؤمن سروراً، خلَق اللّه مِن ذلك السرور خلْقاً فيَلقاه عند موته فيقول له: أبشِر يا ولي اللّه بكرامة من اللّه ورضوان، ثمّ لا يزال معه حتّى يدخله قبره، فيقول له مثل ذلك فإذا بُعِث يلقاه فيقول له مثل ذلك، ثمّ لا يزال معه عند كلّ هول يُبشّره ويقول له مثل ذلك، فيقول له: مَن أنت رحِمَك الله ؟ فيقول له: أنا السرور الذي أدخلته على فلان )
_____________________
هـ - زيارة المؤمن:
عن أبي عزّة قال: سمِعت أبا عبد اللّهعليهالسلام
يقول: ( مَن زار أخاه في اللّه، في مرضٍ أو صحّة، لا يأتيه خِداعاً ولا استبدالاً، وكّل اللّه به سبعين ألفَ ملَك، ينادونه في قَفاه: أنْ طِبتَ وطابَت لك الجنّة، فأنتم زوّار اللّه وأنتم وفد الرحمان، حتّى يأتي منزله )
وقالعليهالسلام
: ( إنّ ضيفَ اللّه عزّ وجل: رجلٌ حجّ واعتمر فهو ضيفُ اللّه حتّى يرجع إلى منزله، ورجلٌ كان في صلاته فهو كنَف اللّه حتّى ينصرف، ورجلٌ زار أخاه المؤمن في اللّه عز وجل فهو زائر اللّه في ثوابه وخزائن رحمته ).
_____________________
الحاكمون وواجباتهم
الإنسان مدنيٌّ بالطبع، لا يستغني عن إفراد نوعه، والأُنس بهم والتعاون معهم على إنجاز مهامّ الحياة، وكسب وسائل العيش.
وحيث كان أفراد البشَر متفاوتين في طاقاتهم وكفاءاتهم الجسميّة والفكريّة، فيهم القويّ والضعيف، والذكيّ والغبيّ، والصالح والفاسد، وذلك ما يُثير فيهم نوازع الإثرة والأنانيّة والتنافس البغيض على المنافع والمصالح، ممّا يُسبّب بلبلة المجتمع، وهدْر حقوقه وكرامته ؛ لذلك كان لا بدّ للأُمم مِن سلطةٍ راعيةٍ ضابطة، ترعى شؤونَهم وتحمي حقوقهم، وتشيع الأمن والعدل والرخاء فيهم.
ومِن هنا نشأت الحكومات وتطوّرت عِبر العصور مِن صورها البدائيّة الأُولى حتّى بلغَت طورها الحضاري الراهن، وكان للحكّام أثرٌ بليغ في حياة الأٌمم والشعوب وحالاتها رقياً أو تخلفاً، سعادة أو شقاءً، تبعاً لكفاءة الحكام وخصائصهم الكريمة أو الذميمة.
فالحاكم المثالي المُخلص لامته هو: الذي يسوسها بالرفق والعدل والمساواة، ويحرص على إسعادها ورفع قيمتها المادية والمعنويّة.
والحاكم المستبدّ الجائر هو: الذي يستعبد الأُمّة ويسترقّها لأهوائه ومآربه ويعمَد على إذلالها وتخلّفها، وقد أوضحت آثار أهل البيتعليهمالسلام
أهميّة الحكّام وآثارهم الحسنة أو السيّئة في حياة الأُمّة، فأثنت على العادلين المُخلصين منهم، وندّدت بالجائرين وأنذرتهم بسوء المغبّة والمصير.
فعن الصادق عن أبيهعليهماالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: صنفان مِن أُمّتي إذا صلُحا صلحت أُمّتي، وإذا فسدا فسدت. قيل يا رسول اللّه ومن هما؟ قال: الفقهاء والأُمراء )
.
وعن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
عن النبيّصلىاللهعليهوآله
قال: ( تُكلّم النار يوم القيامة ثلاثة: أميراً، وقارياً، وذا ثروةٍ مِن المال، فتقول للأَمير: يا مَن وهَب اللّه له سُلطاناً فلَم يعدِل، فتزدرده كما يزدرد الطير حبَّ السمسم، وتقول للقارئ: يا من تزيّن للناس وبارَز اللّه بالمعاصي فتزدرده،
وتقول للغنيّ: يا من وهَب اللّه له دُنياً كثيرةً واسعةً فيضاً، وسأَله الحقير اليسير فرضاً فأَبى إلاّ بُخلاً فتزدرده )
ولم يكتفِ أهل البيتعليهمالسلام
بالإعراب عن سخَطِهم على الظلم والظالمين ووعيدهم، حتّى اعتبروا أنصارهم والضالعين في رِكابهم شُركاء معهم في الإثم والعقاب.
فعن الصادق عن أبيهعليهماالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ. أين الظَّلَمة وأعوانهم، ومَن لاقَ لهم دواة، أو ربط لهم كيساً، أو مدّ لهم مدّة قلم ؟ فاحشروهم معهم )
والطغاة مهما تجبروا وعتوا على الناس، فإنّهم لا محالة مؤاخذون بما
_____________________
يستحقّونه مِن عقابٍ عاجلٍ أو آجل، فالمكر السيّئ لا يحيق إلاّ بأهلهِ ولعنةُ التاريخ تُلاحق الطواغيت، وتمطرهم بوابلٍ الذمِّ واللعن، وتنذرهم بسوءِ المغبّة والمصير، وفي التاريخ شواهدٍ جمّة على ذلك.
منها ما حكاه الرواة عن ابن الزيّات: إنّه كان قد اتّخذ في أيّام وزارته تنّوراً مِن حديد، وإطراف مساميره محدودة إلى داخل وهي قائمة مثل رؤوس المسال، وكان يعذّب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال، فكيف ما انقلب واحدٌ منهم أو تحرّك مِن حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه، فيجدون لذلك أشدّ الألَم ولم يسبقه أحدٌ إلى هذه المعاقبة.
فلمّا تولّى المتوكّل الخلافة اعتقل ابن الزيّات، وأمر بإدخاله التنّور وقيّده بخمسة عشَر رطلاً مِن الحديد، فأقام في التنّور أربعين يوماً ثمّ مات
.
ومنها: الحجّاج بن يوسف الثقفي.
فإنّه تأمّر عشرين سنة، و أُحصي مَن قتله صبراً سِوى مَن قُتِل في عساكره وحروبه فوجد - مِئة ألف وعشرين ألفاً - وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهنّ ستّة عشر ألفاً مُجرّدة، وكان يحبس النساء والرجال في موضعٍ واحد، ولم يكن للحبس سترٌ يستُر الناس مِن الشمس في الصيف، ولا مِن المطر والبرد في الشتاء.
ثمّ لاقى جزاء طُغيانه وإجرامه خِزياً ولعناً وعذاباً، وكانت عاقبة أمره أنّه ابتلي بالآكلة في جوفه، وسلّط اللّه عزّ وجل عليه الزمهرير،
_____________________
فكانت الكوانين المتوقّدة بالنار تُجعَل حوله، وتُدنى منه حتّى تحرق جِلده وهو لا يحسّ بها، حتّى هلَك عليه لعائن اللّه.
حقوق الرعيّة على الحاكم:
والحاكم بصفته قائد الأُمّة وحارسها الأمين مسؤول عن رعايتها وصيانة حقوقها، وضمان أمنها ورخائها، ودرء الأخطار والشرور عنها.
وإليك أهمّ تلك الحقوق:
أ - العدل:
وهو أقدس واجبات الحكّام، وأجلّ فضائلهم، وأخلَد مآثرهم، فهو أساس المُلك، وقوام حياة الرعيّة، ومصدر سعادتها وسلامها. وكثيراً ما يُوجب تمرّد الناس على اللّه تعالى، وتنكبّهم عن طاعته ومنهاجه تسلّط الطغاة عليهم واضطهادهم بألوان الظُّلامات كما شهدت بذلك أحاديث أهل البيتعليهمالسلام
:
فعن الصادقعليهالسلام
عن آبائه عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
قال:
( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
: قال اللّه جلّ جلاله: أنا اللّه لا إله إلاّ أنا خلقت الملوك وقلوبهم بيدي، فأيُّما قومٍ أطاعوني جعلتُ قلوبَ الملوك عليهم رحِمَة، وأيُّما قومٍ عصوني جعلتُ قلوبَ الملوك عليهم سخِطة، ألا لا تشغلوا أنفسكم بسبِّ الملوك، توبوا إليّ أعطف قلوبهم عليكم )
.
_____________________
وقد بحثت في القسم الأوّل مِن هذا الكتاب موضوع العدل وفضائله وأنواعه فراجعه هناك.
ب - الصلاح:
ينزع غالب الناس إلى تقليد الحكّام والعظماء تشبّهاً بهم ومحاكاةً لهم، ورغبةً في جاههم ومكانتهم.
ولهذا وجَب اتّصاف الحاكم بالصلاح وحُسن الخُلُق وجمال السيرة والسلوك ليكون قدوةً صالحة ونموذجاً رفيعاً تستلهمه الرعيّة وتسير على هديه ومنهاجه.
وانحراف الحاكم وسوء أخلاقه وأفعاله يدفع غالب الرعيّة إلى الانحراف وزجّها في متاهات الغواية والضلال، فيعجز الحاكم آنذاك عن ضبطها وتقويمها.
ونفسك فاحفظها مِن الغيّ والردى
|
|
فمتى تغواها تغوي الذي بكَ يَقتدي
|
وفي التأريخ شواهدٌ جمّة على تأثّر الشعوب بحكّامها، وانطباعها بأخلاقهم وسجاياهم حميدةً كانت أو ذميمة كما قيل: - الناس على دين ملوكهم.
ج - الرفق:
ويجدر بالحاكم أنْ يسوس الرعيّة بالرفق وحُسن الرعاية، ويتفادى سياسة العُنف والإرهاب، فليس شيءٌ أضرّ بسمعة الحاكم وزعزعة كيانه مِن الاستبداد والطغيان.
وليس شيءٌ أضرّ بالرعيّة، وأدعى إلى إذلالها وتخلّفها مِن أنْ تُساس بالقسوة والاضطهاد.
فعن أبي جعفرعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
إنّ الرفق لم يوضع على شيء إلاّ زانه، ولا نُزِع مِن شيءٍ إلاّ شانه )
.
_____________________
وقال الصادقعليهالسلام
: ( مَن كان رفيقاً في أمره، نال ما يُريد مِن الناس )
.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام
في عهده إلى مالك الأشتَر: ( وأشعِر قلبَك الرحمة للرعيّة، والمحبّة لهم واللطف بهم، ولا تكوننّ سبُعاً ضارياً تغتنم أكلَهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظيركَ في الخلق، يفرط منهم الزلَل، وتعرُض لهم العِلل، ويُؤتي على أيديهم في العمد والخطأ، فاعطهم مِن عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ وترضى أنْ يعطيك اللّه مِن عفوه وصفحه، فإنّك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، واللّه فوق مَن ولاّك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم ).
وبديهيّ أنّ الرفق لا يجمل وقعه ولا يحمد صنيعه إلاّ مع النبلاء الأخيار، أمّا الأشرار العابثون بأمن المجتمع وحرماته فإنّهم لا يستحقّون الرفق ولا يليق بهم، إذ لا تجديهم إلاّ القسوة الزاجرة والصرامة الرادعة عن غيّهم وإجرامهم.
إذا أنتَ أكرمت الكريم ملكته
|
|
وإنْ أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
|
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
|
|
مضرٌ كوضعِ السيف في موضع الندى
|
مظاهر الرفق:
وللرفق صورٌ رائعة ومظاهر خلاّبة، تتجلّى في أقوال الحاكم وأفعاله.
_____________________
أ - فعليه أنْ يكون عف اللسان، مهذّب القول، مجانباً للبذاء.
ب - وأنْ يكون عطوفاً على الرعيّة يتحسّس بآلامها ومآسيها، فإذا داهمها خطر، وحاق بها بلاءٌ سارَع لنجدتها ومواساتها والتخفيف مِن بؤسها وعنائها.
ج - وأنْ يتفادى إرهاق الرعيّة بالإتاوات الباهضة، والضرائب الفادحة الباعثة على شقائها وعنتها.
آثار الرفق:
للرفق خصائص وآثار طيّبة تفيء على الحاكم والمحكوم بالخير والوئام. فهو مدعاة حبّ الرعيّة للراعي وإخلاصها له وتفانيها في سبيله.
كما هو عاصم للرعيّة عن الملق والنفاق الناجمين مِن رهبة الحاكم المتجبّر والخوف مِن بطشة وفتكه. وقد مدح اللّه رسوله الأعظم بالرفق والعطف فقال تعالى:
( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )
( آل عمران: ١٥٩ ).
د - اختبار الأعوان:
لا يستطيع الحاكم مهما أوتي مِن قدرة وكفاءة أنْ يستقلّ بسياسة الرعيّة، ويضطلع بمهامّ الحُكم وإدارة جهازه، فهو لا يستغني عن أعوان يؤازرونه على تحقيق أهدافه وإنجاز أعماله.
ولهؤلاء الأعوان أثرٌ كبيرٌ وخطير في توجيه الحاكم وتكييف أخلاقه وآرائه حسبما تتّصف به مِن خلالٍ وميولٍ رفيعةٍ أو وضيعة.
لذلك كان على الحاكم أنْ يختار بطانته وأعوانه مِن ذوي الكفاءة والنزاهة والصلاح، لتمحضه النصيحة، وتؤازره على إسعاد الرعيّة وتحقيق آمالها وأمانيها، دونما نزوع إلى إثرة أو محاباة تضرّ بصالح الرعيّة وتجحف بحقوقها.
هـ - محاسبة العمّال والموظفين:
كثيراً ما يزهو الموظّف بمنصبه ونفوذه، ويستحوذ عليه الغرور فيتحدّى الناس، ويتعالى عليهم، ويمتهن كرامتهم ويهمل أعمالهم ولا ينجزها إلاّ بدافعٍ مِن الطمع أو المُحاباة، الخوف أو الرجاء ممّا يُعرقل مهمّاتهم ويستثير سخطِهم وحنقهم على جهاز الحكم. لهذا يجب على الحاكم مراقبة الموظفين ومحاسبتهم على أعمالهم ومكافأة المُحسن منهم على إحسانه، ومعاقبة المُسيء على إساءته، ليؤدّي كلّ فردٍ منهم واجبة نحو المجتمع، وليستشعر الناس مفاهيم العزّة والكرامة والرخاء.
وبذلك تتّسق شؤون الرعيّة، ويسودها العدل، وتنجو مِن مآسي الملَق والتزلّف إلى الموظّفين بالرشا وألوان الشفاعات.
و - إسعاد الرعيّة:
والحاكم بوصفه قائد الأُمّة وراعيها الأمين، فهو مسؤول عن رعايتها والعناية بها، والحرص على إسعادها ورقيّها مادّياً وأدبيّاً. وذلك: بتفقّد شؤون الرعيّة، ورعاية مصالحها وضمان حقوقها وإشاعة الأمن والعدل والرخاء فيها، وتصعيد مستوياتها العلميّة والصحيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة
والعمرانيّة: بنشر العِلم وتحسين طُرق الوقاية والعلاج وتهذيب الأخلاق والاهتمام بالتنمية الصناعيّة والزراعيّة والتجارية، بالأساليب العلميّة الحديثة واستغلال الموارد الطبيعيّة، وتشجيع المواهب والطاقات على الإبداع في تلك المجالات على أفضل وجه مُمكن.
وبذلك تتوطّد دعائم المُلك، وتعلو أمجاد الأُمم، وتتوثّق أواصر الودّ والإخلاص بين الحاكم والمحكوم، ويتبوّأ الحاكم عرش القلوب. ويحظى بخلود الذكر وطيب الثناء.
وقد عرضت في حقوق المجتمع الإسلامي طرَفاً مِن حقوق أفراده تندّرج في حقوق الرعيّة على الحاكم، باعتباره المسؤول الأوّل عن رعايتها وصيانة حقوقها، وضمان أمنها ورخائها.
حقوق الحاكم على الرعيّة
الحاكم العادل هو: قطب رَحى الأُمّة، ورائد نهضتها، وباني أمجادها، وحارسها الأمين، وهو عنصرٌ فعّال مِن عناصر المجتمع، وجزءٌ أصيل لا يتجزّأ عنه، لهذا وجَب أنْ يكون التجاوب في العواطف والمشاعر قويّاً بين الحاكم والمحكوم، والراعي والرعيّة ؛ ليستطيع الأوّل أداء رسالته الإصلاحيّة لأُمّته، وتحقيق أهدافها وأمانيّها، ولتنال الأُمّة في ظلال حكمه مفاهيم الطمأنيّنة والحريّة والرخاء.
لذلك كان للحاكم حقوق على الرعيّة إزاء حقوقها عليه، وكان على
كل منهما رعاية حقوق الآخر، والقيام بواجبه نحوه.
وهذا ما أوضحه أمير المؤمنينعليهالسلام
حيث قال:
( فليست تصلح الرعيّة إلاّ بصلاح الولاة، ولا تصلُح الولاة إلاّ باستقامة الرعيّة، فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه، وأدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، وقامت مناهج الدين واعتدلَت معالِم العدل، وجرت على إذلالها السُنن، فصلُح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء.
وإذا غلبَت الرعيّة واليها، وأجحَف الوالي برعيّته، اختلفت هناك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثُر الإدغال في الدين، وتُرِكت محاجّ السنن، فعُمِل بالهوى وعُطّلت الأحكام، وكثُرت عِلل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقٍّ عُطّل، ولا لعظيم باطلٍ فُعِل، فهناك تذلّ الأبرار، وتعزّ الأشرار، وتعظُم تَبِعات اللّه عند العباد )
وإليك مُجملاً مِن حقوق الحاكم:
١ - الطاعة: للحاكم حقّ الطاعة على رعيّته فيما يرضي اللّه عزّ وجل، حيثُ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
والطاعة هي: المشجّع الأوّل للحاكم على إخلاصه للرعيّة، وتحسّسه بمشاعرها وآلامها، ودأبه على إسعادها وتحقيق آمالها وأمانيها.
أمّا التمرّد والعصيان والخُذلان فهي خلال مقيتة تستفزّ الحاكم وتستثير نقمته على الرعيّة، وبطشه بها، وتقاعسه على إصلاحها ورقيّها، ومِن
_____________________
ثمّ إحباط جهوده الهادفة البنّاءة في سبيلها.
انظر كيف يوصي الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
شيعته بطاعة الحاكم: ( يا معشَر الشيعة، لا تذلّوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فإنْ كان عادلاً فاسألوا اللّه إبقاءه، وإنْ كان جائراً فاسألوا اللّه إصلاحه، فإنّ صلاحكم في صلاح سلطانكم، وإنّ السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم، فأحبّوا له ما تحبّون لأنفسكم، واكرهوا له ما تكرهون لأنفسكم )
.
٢ - المؤازرة: والحاكم مهما سمت كفاءته ومواهبه، فإنّه قاصر عن الاضطلاع بأعباء الملك، والقيام بواجبات الرعيّة وتحقيق منافعها العامّة، ومصالحها المشتركة إلاّ بمؤازرة أكفائها، ودعمهم له، ومعاضدتهم إيّاه بصنوف الجهود والمواهب الماديّة والمعنويّة، الجسميّة والفكريّة. وبمقدار تجاوبهما وتضامنهما يستتبّ الأمن، ويعمّ الرخاء ويسعد الراعي والرعيّة.
٣ - النصيحة: كثيراً ما يستبدّ الغرور بالحاكم، وتستحوذ عليه نشوة الحكم وسكرة السلطان، فينزع إلى التجبّر والطغيان، واستعباد الرعيّة، وخنق حرّيتها، وامتهان كرامتها، واستباحة حرماتها، وسومها سوء المذلّة والهوان.
وهذا ما يُحتّم على الغيارى مِن قادة الرأي، وأعلام الأُمّة أنْ يبادروا إلى نصحه وتقويمه، والحدّ من طغيانه، فإنْ أجدى ذلك، وإلاّ فقد أعذر المصلحون وقاموا بواجب الإصلاح.
وقد جاء في الحديث عن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
عن النبيّ
_____________________
صلىاللهعليهوآله
قال:
( السلطان ظلّ اللّه في الأرض، يأوي إليه كلّ مظلوم، فمَن عدَل كان له الأجر، وعلى الرعيّة الشكر، ومَن جار كان عليه الوزر وعلى الرعيّة الصبر، حتّى يأتيهم الأمر )
.
أمّا في العصر الحاضر وقد تطوّرت فيه أساليب الحياة، ووسائل الإصلاح، فلَم يعد الحكّام يستسيغون العظة والنصح ولا تجديهم نفعاً.
مِن أجل ذلك فقد استجازت الحكومات المتحضّرة نقد حكّامها المنحرفين عن طريق البرلمانات والصحف والمذكّرات التي تندّد بأثرتهم وأنانيّتهم، وتنذرهم عليها بلعنة الشعب، وثورته الماحقة على الطغاة والمستبدين.
_____________________
حاجات الجسم والنفس
يتألّف الإنسان مِن عنصرين: عنصر الجسَد، وعنصر الروح، وهما مترابطان ترابطاً وثيقاً، ومتفاعلان تفاعلاً قويّاً، لا ينفكّ أحدهما عن الثاني إلاّ بتصرّم العمر، ونهاية الحياة، وسعادة الإنسان وهناؤه الجسمي والفكري منوطٌ بصحّة هذين العنصرين وسلامتهما معاً.
لهذا كان على ناشد السعادة ومبتغيها أنْ يعني بهما عناية فائقة تضمن صحّتهما وازدهارهما، وصيانتهما مِن المضار.
ولكلّ مِن الجسم والروح أشواقه وحاجاته:
فحاجات الجسم هي: المآرب الماديّة الموجبة لنموه وصحّته وحيويّته، كالغذاء والشراب والكساء ونحوها مِن ضرورات الحياة.
وحاجات الروح هي: الأشواق الروحيّة والنفسيّة التي تتعشّقها الروح، وتهفو إليها، كالمعرفة، والحريّة، والعدل، وراحة الضمير ورخاء البال وما إلى ذلك من المثل العليا والأماني الروحيّة. ولا مناص مِن تلبية هذه المآرب والرغائب الجسميّة والروحيّة لتحقيق صحّة الجسم والروح، وضمان هنائهما المرجو.
فحرمان الجسم مِن أشواقه يفضي به إلى الضعف والسقم والانحلال
وحرمان الروح والنفس من أمانيها، يقودها إلى الحيرة والقلق والشقاء.
والسعادة الحقّة منوطة بصحّة الجسم والنفس وازدهارهما معاً ورعاية حقوقهما الماديّة والروحيّة.
حقوق الجسَد:
وتتلخّص هذه الحقوق في رعاية القوانين الصحيّة، وأتباع الآداب الإسلاميّة الكفيلة بصحّة الجسم وحيويّته ونشاطه، كالاعتدال في الطعام والشراب وتجنّب الكحول والعادات الضارّة، كالخمر والحشيش والأفيون والتوقّي مِن الشهوات الجنسيّة الآثمة، واعتياد النظافة، وممارسة الرياضة البدنيّة، ومعالجة الأمراض الصحيّة ونحو ذلك مِن مقوّمات الصحّة وشرائطها ممّا هو معروف لغالب الناس لتوفّر التوعية الصحيّة، والنصائح الطبّية في حقول الإعلام الصحفي والإذاعي. فلا أجد حاجة إلى تفصيله والإطناب فيه.
حقوق النفس:
بيد أنّ صحّة النفس ووسائل وقايتها وعلاجها، وعوامل رقيّها وتكاملها، ورعاية حقوقها وواجباتها، يجهلها أو يتجاهلها الكثيرون لقلّة احتفائهم بالقيم الروحيّة والمفاهيم النفسيّة، وجهلهم بعلل النفس وانحرافاتها، وما تعكسه مِن آثار سيّئة على حياة الناس.
فالأمراض الجسميّة تبرز سماتها وأعراضها على الجسم في صورٍ مِن الشحوب والهزال والانهيار.
أمّا العلل النفسيّة والروحيّة فإنّ مضاعفاتها لا يتبيّنها إلاّ العارفون مِن الناس، حيث تبدو في صورٍ مقيتة مِن جموح النفس، وتمرّدها على الحقّ، ونزوعها إلى الآثام والمنكرات، وهيامها بحبّ المادّة وتقديسها وعبادتها، ونبذها للقيم الروحيّة ومثلها العليا، ممّا يوجِب مسخها وهبوطها إلى درك الحيوان.
مِن أجل ذلك كانت العِلَل الروحيّة والنفسيّة أصعب علاجاً، وأشدّ عناءً من العلل الجسميّة، لعُسر علاج الأُولى، ويُسرّ الثانية في الغالب.
وكانت عناية الحكماء والأولياء بتهذيب النفس، وتربية الوجدان أضعاف عنايتهم بالجسَد.
وهذا ما يحتم على كلّ واعٍ مستنير أن يعني بتركيز نفسه، وتصعيد كفاءتها، وتهذيب ملكاتها، ووقايتها مِن الشذوذ والانحراف، وذلك برعاية حقوقها، وحسن سياستها وتوجيهها.
وإليك طرَفاً مِن طلائع حقوق النفس:
١ - تثقيف النفس:
وذلك: بتنويرها بالمعرفة الإلهيّة والعقيدة الحقّة، وتزويدها بالمعارف النافعة، التي تنير للإنسان سبُل الهداية وتوجّهه وجهة الخير والسداد. وهذه هي
أسمى غايات النفس وأشواقها.
فهي تصبو إلى العقيدة، وتهفو إلى الإيمان باللّه عزّ وجل، وتتعشّق العِلم، وتهفو إلى استجلاء الحقائق، واستكشاف أسرار الكون وألغاز الحياة. تتطلّع إلى ذلك تطلّع الظمآن إلى الماء، وتلتمس الذي لنفسها كما يلتمسه هو سَواءً بسواء، فإنْ ظفَرَت بذلك أحسّت بالطمأنينة والارتياح، وإنْ فقدَته شعَرت بالقلق والسأم.
٢ - إصلاح السريرة:
للإنسان صورتان: صورة ظاهريّة تتمثّل في إطار جسده المادّي، وصورة باطنيّة تتمثّل فيها خصائصه النفسيّة، وسجاياه الخلقيّة.
وكما تكون الصورة الظاهريّة هدفاً للمدح أو الذمّ، ومدعاة للحبِّ أو الكره نظراً لصفاتها الجميلة أو القبيحة.
كذلك الصورة الباطنيّة يعروها المدح والذم، وتبعث على الإعجاب أو الاستنكار، تبعاً لما تتّسم به مِن طيبةٍ أو خُبث، مِن تلألؤٍ أو ظلامٍ.
وكما يهتمّ العقلاء بتجميل صورهم المادّية، وإظهارها بالمظهر اللائق الجذّاب، كذلك يجدوا الاهتمام بتجميل صورهم الباطنيّة، وتزيينها بالطيبة وصفاء السريرة وجمال الخلق. لتغدو وضّاءة مشعّة بألوان الخير والجمال. وذلك بتطهيرها مِن أوضار الرياء والنفاق، والحسَد والمكر ونحوها من السجايا الهابطة المقتية.
من أجل ذلك حرّض أهل البيتعليهمالسلام
على تهذيب النفس وإصلاح السريرة، وحسن الطوية ؛ لتكون ينبوعاً ثرّاً فيّاضاً بشرف الفضائل وحُسن الأخلاق.
فعن الصادق عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: كانت الفقهاء والحكماء إذا كاتَب بعضهم بعضاً، كتبوا بثلاثٍ ليس معهن رابعة:
مَن كانت الآخرة همّه كفاه اللّه همّه مِن الدنيا، ومَن أصلَح سريرته أصلح اللّه علانِيَته، ومَن أصلح فيما بينه وبين اللّه عزّ وجل أصلح اللّه له فيما بينه وين الناس )
.
وقال الصادقعليهالسلام
: ( ما مِن عبدٍ يسرّ خيراً، إلاّ لم تذهب الأيّام حتّى يظهر اللّه له خيراً، وما مِن عبدٍ يسرّ شراً، إلاّ لم تذهب الأيّام حتّى يظهر اللّه له شرّاً )
.
وعنهعليهالسلام
قال: ( قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
سيأتي على الناس زمان، تخبث فيه سرائرهم، وتحسن فيه علانيتهم، طمعاً في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياءً، لا يخالطهم خوف، يعمّهم اللّه بعقاب، فيدعونه دعاء الغريق، فلا يستجيب لهم )
_____________________
٣ - ضبط النفس:
تنزع النفس بغزائرها وشهواتها إلى الشذوذ والانحراف، وتخدع أربابها بسحرها الفاتن وأهوائها المضلّة، حتّى تجمح بهم في متاهات الغواية والضلال:( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي )
( يوسف: ٥٣ ).
وهذا ما يُحفّز كلّ واعٍ مستنير، أنْ يُعني بضبط نفسه، والسيطرة عليها وتحصينها ضد المعاصي والآثام، وترويضها على طاعة اللّه تعالى، وأتباع شرعته ومنهاجه.
وقد حثّ القرآن الكريم علي ضبط النفس، والحدّ مِن جماحها وتوجيهها شطر الخير والصلاح.
قال تعالى:( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا )
( الشمس: ٧ - ١٠ ).
وقال تعالى:( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى )
( النازعات: ٤١).
( فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى )
( النازعات: ٣٧).
وهكذا حرّض أهل البيتعليهمالسلام
على ضبط النفس، وقمع نزَواتها، معتبرين ذلك أفضل صور الجهاد.
فعن موسى بن جعفر عن آبائهعليهمالسلام
قال: ( قال أمير المؤمنينعليهالسلام
: إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله
بعث سريّة، فلمّا رجعوا
قال: مرحباً بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر. قيل: يا رسول اللّه، وما الجهاد الأكبر ؟
قالصلىاللهعليهوآله
: جهاد النفس.
ثمّ قال: أفضل الجهاد مَن جاهد نفسه التي بين جنبيه )
وعن عبد اللّه بن الحسن، عن أُمّه فاطمة بنت الحسين بن عليّعليهالسلام
عن أبيهاعليهالسلام
قال:
( قال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ): ثلاث خصال، مَن كُن فيه، استكمل خصال الإيمان: الذي إذا رضيَ لم يُدخله رضاه في إثمٍ ولا باطل، وإذا غضِب لم يُخرجه الغضَب مِن الحقّ، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له )
٤ - محاسبة النفس:
والمراد منها هو: محاسبة النفس في كلّ يوم عمّا عملته مِن الطاعات والمعاصي، والموازنة بينهما، فإنْ رجُحت كفّة الطاعات، شكَر المُحاسب اللّه على توفيقه لها، وفوزه بشرف طاعته ورضاه.
وإنْ رجُحت كفّة المعاصي أدّب المحاسب نفسه بالتقريع والتأنيب على إغفال الطاعة، والنزوع للآثام.
قال الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام
: ( ليس منا من لم يحاسب
_____________________
نفسه في كلّ يوم، فإنْ عمل حسنةً استزاد اللّه تعالى، وإنْ عمل سيّئة استغفر اللّه تعالى منها وتاب إليه )
وقد بحثت هذا الموضوع في القسم الأوّل مِن هذا الكتاب فراجعه هناك.
هذه لمحات خاطفة مِن حقوق النفس، تفاديت الإطناب فيها خَشية السأم والملل.
وقد وقع الفراغ مِن هذه الأبحاث على يد مؤلّفها مهدي ابن المغفور له العلاّمة الحجّة السيّد علي الصدر ابن آية اللّه العظمى السيّد حسن الصدر- أعلى اللّه مقامهما - في ليلة الأربعاء ١٧ شوّال سنة ١٣٩٠ هجريّه والحمد للّه أوّلاً وآخراً.
_____________________
فهرست تفصيلی
القسم الأوّل - الأخلاق العامّة ١
مُقدمَة الكِتَابَ.. ٥
حُسن الخُلق. ١١
سُوء الخلق: ١٩
الأخلاق بين الاستقامة والانحراف: ٢٠
علاج سوء الخلق: ٢٢
الصـدق. ٢٣
مآثر الصدق: ٢٤
أقسام الصدق: ٢٦
الكذِب.. ٢٧
مساوئ الكذِب: ٢٨
دواعي الكذِب: ٢٩
أنواع الكذب: ٣٠
أضرار اليمين الكاذبة وشهادة الزور: ٣١
علاج الكذب: ٣٣
مسوّغات الكذب: ٣٤
الحِلْم وكظم الغيظ. ٣٥
الغضَب.. ٤٣
بواعِث الغضَب: ٤٤
أضرار الغضب: ٤٥
الغضب بين المدح والذم: ٤٥
علاج الغضب: ٤٦
التواضع. ٤٩
التكبّر ٥٥
مساوئ التكبّر: ٥٧
بواعث التكبّر: ٥٨
درجات التكبّر: ٥٩
أنواع التكبّر: ٦٠
علاج التكبّر: ٦٠
القناعة ٦٣
محاسن القناعة: ٦٤
الحِرص.. ٦٧
مساوئ الحرص: ٦٨
علاج الحرص: ٦٩
الكـرَم ٧١
محاسن الكرَم: ٧٢
مجالات الكرَم: ٧٣
بواعِث الكرَم: ٧٥
الإيثـار ٧٧
البُخـل. ٨٠
مساوئ البُخل: ٨١
صور البُخل: ٨٢
علاج البُخل: ٨٢
العفّة ٨٨
حقيقة العفّة: ٨٩
الاعتدال المطلوب: ٨٩
محاسن العفّة: ٩٠
الشره ٩١
مساوئ الشره: ٩٢
علاج الشرَه: ٩٣
الأمانة والخيانة ٩٥
محاسن الأمانة ومساوئ الخيانة: ٩٦
صوَر الخيانة: ٩٧
التآخي. ٩٩
التآخي الروحي: ٩٩
العصبيّة ١٠٤
حقيقة العصبيّة: ١٠٦
غوائل العصبية: ١٠٧
العدل. ١٠٨
أنواع العدل: ١٠٩
محاسن العدل: ١١١
الظلم. ١١٦
أنواع الظلم: ١١٩
وخامة الظلم: ١٢٣
علاج الظلم: ١٢٤
الإخلاص.. ١٢٦
فضيلة الإخلاص: ١٢٧
عوائق الإخلاص: ١٢٨
كيف نكسب الإخلاص: ١٢٩
الرياء ١٣١
أقسام الرياء ١٣٣
دواعي الرياء: ١٣٣
حقائق: ١٣٤
مساوئ الرياء: ١٣٦
علاج الرياء: ١٣٧
علاج الرياء العمَلي: ١٣٧
العُجُب.. ١٣٩
مساوئ العجُب: ١٤١
علاج العُجُب: ١٤١
اليقين. ١٤٣
خصائص الموقنين: ١٤٥
درجات الايمان: ١٤٦
أنواع الايمان: ١٤٧
الصبر. ١٥٠
أقسام الصبر. ١٥٢
(١) الصبر على المكاره والنوائب: ١٥٢
(٢) الصبر على طاعة اللّه والتصبّر عن عصيانه: ١٥٦
(٣) الصبر على النِّعَم: ١٥٧
محاسن الصبر: ١٥٨
كيف تكسب الصبر: ١٥٩
الشُّكر ١٦١
أقسام الشكر: ١٦٣
فضيلة الشكر: ١٦٤
كيف نتحلّى بالشكر: ١٦٦
التوكّل. ١٦٨
حقيقة التوكّل: ١٧٠
درجات التوكّل: ١٧١
محاسن التوكّل: ١٧٢
كيف تكسب التوكّل: ١٧٣
الخوف من اللّه تعالى. ١٧٦
الخوف بين المدّ والجزر: ١٧٨
محاسن الخوف: ١٧٨
كيف نستشعر الخوف: ١٨٠
طرف مِن قَصص الخائفين: ١٨١
الرجاء من اللّه تعالى. ١٨٣
واقع الرجاء ١٨٩
الحكمة في الترجّي والتخويف.. ١٩٠
الغرور ١٩٢
( أ ) الاغترار بالدنيا ١٩٣
القانون الخالد: ١٩٦
مساوئ الاغترار بالدنيا: ١٩٩
علاج هذا الغرور: ٢٠٠
( ب ) غرور العلم. ٢٠٤
( ج ) غرور الجاه ٢٠٧
الجاه بين المدح والذم: ٢٠٩
(د) غرور المال. ٢١٠
المال بين المدح والذم: ٢١١
( هـ ) غرور النسب.. ٢١٣
الحسَد. ٢١٥
بواعث الحسَد: ٢١٦
مساوئ الحسَد: ٢١٨
علاج الحسَد: ٢١٩
الغيبة ٢٢١
التصامُم عن الغيبة: ٢٢٢
بواعث الغيبة: ٢٢٣
مساوئ الغيبة: ٢٢٤
مسوّغات الغيبة: ٢٢٥
علاج الغيبة: ٢٢٧
كفّارة الغيبة: ٢٢٧
البهتان. ٢٢٩
النميمة ٢٣٠
بواعث النميمة: ٢٣٢
مساوئ النميمة: ٢٣٢
كيف تعامل النمّام: ٢٣٢
السعاية: ٢٣٤
الفُحش والسَّب والقَذف.. ٢٣٥
بواعِث البَذاء ٢٣٨
مساوئ المُهاتَرات: ٢٣٨
السُّخرية ٢٣٩
الكلِم الطيّب.. ٢٤١
غوائل الذنوب.. ٢٤٦
التوبة ٢٥٣
حقيقة التوبة: ٢٥٣
فضائل التوبة: ٢٥٤
وجوب التوبة وفوريّتها: ٢٥٧
تجديد التوبة: ٢٥٨
منهاج التوبة: ٢٦٠
قبول التوبة: ٢٦١
أشواق التوبة: ٢٦٢
محاسبة النفس ومراقبتها ٢٦٣
دستور المحاسبة: ٢٦٥
اغتنام فرصة العمر: ٢٦٧
العمل الصالح. ٢٧٢
طاعة اللّه وتقواه: ٢٧٦
حقيقة الطاعة والتقوى: ٢٧٩
الثبات على المبدأ ٢٨٣
القسم الثاني - في الحقوق والواجبات.. ٢٩٣
تمهيد. ٢٩٥
الحقوق الإلهيّة ٢٩٩
١ - العبادة: ٣٠٠
٢ - الطاعة: ٣٠٢
٣ - الشكر: ٣٠٣
٤ - التوكّل: ٣٠٤
حقوق النبيّ صلىاللهعليهوآله.... ٣٠٥
١ - طاعته: ٣٠٦
٢ - محبّته: ٣٠٧
٣ - الصلاة عليه: ٣١٠
٤ - مودّة أهل بيته الطاهرين: ٣١٣
حقوق الأئمة الطاهرين عليهمالسلام.... ٣٢٠
فضلهم: ٣٢٠
١ - معرفتهم: ٣٢٠
٢ - موالاتهم: ٣٢٢
٣ - طاعتهم: ٣٢٤
٤ - أداء حقّهم مِن الخُمس: ٣٢٦
٥ - الإحسان إلى ذرّيتهم: ٣٢٧
٦ - مدحهم ونشر فضلهم: ٣٢٨
٧ - زيارة مشاهدهم: ٣٣٢
حقُوق العلماء ٣٣٥
فضل العلم والعلماء: ٣٣٥
١ - توقيرهم: ٣٣٨
٢ - بِرّهم: ٣٣٩
٣ - الاهتداء بهم: ٣٤٠
حقوق الأساتذة والطلاب.. ٣٤٣
حقوق الطلاّب.. ٣٤٥
حقوق الوالدين والأولاد ٣٤٩
حقوق الوالدين. ٣٤٩
برّ الوالدين: ٣٥٠
عقوق الوالدين. ٣٥٥
مساوئ العقوق: ٣٥٧
حقوق الأولاد: ٣٦٠
حكمة التأديب: ٣٦٣
المدرسة الأولى للطفل: ٣٦٣
منهاج التأديب: ٣٦٤
الحقوق الزوجيّة ٣٦٦
فضل الزواج. ٣٦٦
١ - فوائد الزواج: ٣٦٧
٢ - ومِن منافع الزواج: ٣٦٨
٣ - ومِن آثار الزواج: ٣٦٨
السعادة الزوجيّة: ٣٦٩
الزوج المثالي: ٣٦٩
الزوجة المثاليّة: ٣٧١
رعاية الحقوق: ٣٧٢
حقوق الزوج. ٣٧٣
١ - الطاعة: ٣٧٣
٢ - المداراة: ٣٧٥
٣ - الصيانة: ٣٧٨
حقوق الزوجة ٣٧٩
١ - النفقة: ٣٧٩
التوسعة على العيال: ٣٨٠
٢ - حسن العشرة: ٣٨١
٣ - الحماية: ٣٨٢
الحقوق المزيّفة ٣٨٣
١ - السفور: ٣٨٤
الأضرار الخُلقيّة: ٣٨٥
الأضرار الصحيّة: ٣٨٨
الأضرار الاجتماعيّة: ٣٨٩
منزلة المرأة في الإسلام ٣٩٨
المرأة في التاريخ القديم. ٣٩٩
المرأة في المجتمع العربي الجاهلي: ٤٠١
المرأة في الحضارة الغربية الحديثة: ٤٠٢
تحرير المرأة في الإسلام ٤٠٣
المساواة بين الرجل والمرأة ٤١٢
التمايز بين الجنسين. ٤١٧
١ - القوامة: ٤١٨
٢ - إيثار الرجل على المرأة في الإرث: ٤١٩
٣- الشهادة: ٤٢٠
٤ - تعدّد الزوجات: ٤٢١
أ - المبرّرات: ٤٢٣
ب - الحروب: ٤٢٥
الطلاق في الإسلام ٤٢٧
حقوق الأقرباء ٤٣١
فضل الأقرباء: ٤٣١
صلة الرحم: ٤٣١
خصائص صلة الرحم: ٤٣٤
قطيعة الرحم: ٤٣٥
مساوئ قطيعة الرحم: ٤٣٨
حقوق الأصدقاء ٤٣٩
فضل الأصدقاء ٤٣٩
واقع الصداقة والأصدقاء: ٤٤٠
اختيار الصديق: ٤٤٢
خِلال الصديق المثالي: ٤٤٣
مقاييس الحبّ.. ٤٤٧
الصداقة بين المدّ والجزر: ٤٤٨
حقوق الأصدقاء: ٤٤٩
١ - الرعاية الماديّة: ٤٤٩
٢ - الرعاية الأدبيّة: ٤٥١
٣ - المداراة: ٤٥٢
الاعتدال في حبّ الصديق والثقة به: ٤٥٦
حقوق الجِوار ٤٥٨
التآزر والتعاطف: ٤٥٨
حقوق الجار: ٤٦٠
حقوق المجتمع الإسلامي. ٤٦٢
فضل المجتمع الإسلامي: ٤٦٢
حقوق المجتمع الإسلامي: ٤٦٤
١ - حقُّ الحياة: ٤٦٤
٢ - حقُّ الكرامة: ٤٦٥
٣ - حقُّ الحريّة: ٤٦٩
أ - الحريّة الدينيّة: ٤٦٩
ب - الحريّة المدنيّة: ٤٧٠
ج - حريّة الدعوة الإسلاميّة: ٤٧٠
٤ - حقُّ المساواة: ٤٧١
المساواة في الإسلام ٤٧٣
٥ - حقّ العِلم: ٤٧٨
٦ - حقّ الملكيّة: ٤٧٩
٧ - حق الرعاية الإسلاميّة: ٤٨١
أ - إطعامه وسقيه: ٤٨٢
ب - إكساء المؤمن: ٤٨٣
ج - قضاء حاجة المؤمن: ٤٨٤
د - مسرّة المؤمن: ٤٨٥
هـ - زيارة المؤمن: ٤٨٦
الحاكمون وواجباتهم. ٤٨٧
حقوق الرعيّة على الحاكم: ٤٩٠
أ - العدل: ٤٩٠
ب - الصلاح: ٤٩١
ج - الرفق: ٤٩١
مظاهر الرفق: ٤٩٢
آثار الرفق: ٤٩٣
د - اختبار الأعوان: ٤٩٣
هـ - محاسبة العمّال والموظفين: ٤٩٤
و - إسعاد الرعيّة: ٤٩٤
حقوق الحاكم على الرعيّة ٤٩٥
حاجات الجسم والنفس.. ٤٩٩
حقوق الجسَد: ٥٠٠
حقوق النفس: ٥٠٠
١ - تثقيف النفس: ٥٠١
٢ - إصلاح السريرة: ٥٠٢
٣ - ضبط النفس: ٥٠٤
٤ - محاسبة النفس: ٥٠٥
|