حياة الإمام الرضا (عليه السلام) الجزء 1

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: باقر شريف القرشي
الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

حياة الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام

دراسة وتحليل

الجزء الأوّل

باقر شريف القرشي

منشورات سعيد بن جبير



بسم الله الرحمن الرحيم



بسم الله الرحمن الرحيم

( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) .

صدق الله العليّ العظيم

القرآن الكريم



تقريظ لسماحة المرجع الديني الإمام السيّد عبد الأعلى السبزواري (دامت بركاته)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد، فإنّ الأئمّة الأطهار (سلام الله تعالى عليهم) وسائط الفيض الأقدس وأسباب الرحمة الإلهية وأُمناء الله جلّ شأنه في الأرض، وقد منحهم سبحانه وتعالى من العلوم والمعارف الربوبية ما أقاموا به أساس الدين وعمود الشريعة، وقد اختص منهم الإمام الهمام الرؤوف المعصوم على بن موسى الرضا (صلوات الله عليه) في تثبيت المعارف الربوبية بالمناظرة مع أرباب الديانات وأصحاب المقالات والأهواء الباطلة، فأقام الحق ودحض الباطل ببياناته الشريفة وصارت كلماته المقدّسة محور الدراسات وأساس الكمالات وقد انبرى جماعة من العلماء ( جزاهم الله تعالى خير الجزاء ) لجمعها وتفسيرها وشرحها، وممّن خصّه الله تعالى بهذه الكرامة العظمى علم الأعلام وشيخ المحدّثين الحجّة الشيخ باقر القرشي (دامت بركاته) الذي وهبه الله تعالى من فيوضاته الخاصة وجعله من الأدلاّء إلى الأئمة الهداةعليهم‌السلام والشارح لكلماتهم الشريفة وسِيَرهم الحسنة، فشكر الله تعالى مساعيه ووفّقه لإعلاء كلمة الحق وإظهار الحقيقة إنّه سميع مجيب

26 ج 2 / 1412      

عبد الأعلى الموسوي السبزواري


الإهداء

إلى... رائد النهضة الفكرية والعلمية في الإسلام

إلى... سليل النبوّة، ومعدن العلم والحكمة

إلى... الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام أرفع لمقامه العظيم هذا المجهود المتواضع الذي بحثت فيه عن سيرة حفيده الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، راجياً التفضّل علي بالقبول ليكون لي ذخرا يوم ألقى الله.

المؤلِّف


تقديم

- 1 -

هذه دراسة عن حياة الإمام الرضاعليه‌السلام الإمام الثامن من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وهو قبس من نور الله تعالى، ونفحة من رحماته، وكنز من كنوز حكمته، وله ولآبائه - قادة الفكر الإسلامي - في مدح الله تعالى غنى عن مدح المادحين ووصف الواصفين، فقد أذهب عنهم الرجس، وطهّرهم من الزيغ، قال تعالى:

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

كما فرض تعالى مودتهم على جميع أبناء الإسلام، قال تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (2) .

وقرنهم جدّهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بمحكم التنزيل، فقد قال: ( إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما... )(3) .

____________________

(1) سورة الأحزاب / آية 22.

(2) سورة آل حم الشورى / آية 23.

(3) صحيح الترمذي 2 / 308، أسد الغابة 2 / 12.


كما جعلهمصلى‌الله‌عليه‌وآله سفن نجاة هذه الأمّة قال:

( إنّما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلف عنها غرق، وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل مَن دخله غفر له )(1) .

ووجّه المأمون سؤالاً لعبد الله بن مطر، وهو من أعلام الفكر والأدب في عمره فقال له: ( ما تقول في أهل البيت؟ ).

فأجابه عبد الله بهذه الكلمة المشرقة قائلاً:

( ما قولي: في طينة عُجنت بماء الرسالة، وغُرست بماء الوحي، هل ينفح منها إلاّ مسك الهدى، وعنبر التقى... ).

وملكت هذه الكلمة الذهبية قلب المأمون، وكان الإمام الرضاعليه‌السلام حاضراً في المجلس، فأمر المأمون أن يحشى فم عبد الله لؤلؤاً(2) .

إنّ جميع القيم الرفيعة، والمبادئ الأصيلة التي يعتز بها هذا الكائن الحي من بني الإنسان كلها ماثلة في أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، فهي من عناصرهم ومن ذاتياتهم.

- 2 -

أمّا نزعات الإمام الرضاعليه‌السلام وعناصره النفسية فهي كنزعات آبائه الأئمة العظام تجرّداً عن الدنيا، وزهداً في مباهجها، وإعراضاً عن زينتها، وإقبالاً على الله، وانقطاعاً إليه، وتمسّكاً بطاعته، وعلماً بأحكام الدين، وإحاطة شاملة بشريعة سيد المرسلين، وعوناً للضعفاء، وغوثاً للمحرومين، وسعياً لقضاء حاجات المحتاجين، إلى غير ذلك من الصفات الكريمة التي جعلتهم في قمّة الشرف والمجد في دنيا العرب والإسلام. وملك الإمام الرضاعليه‌السلام هذه القيم الأصيلة بجميع صورها وألوانها، فقد تجرّد عن الدنيا تجرّداً كاملاً، وطلّقها ثلاثاً كما طلّقها جدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فلم يحفل بزينتها ومباهجها، وقد تجلّى ذلك - بوضوح – حينما

____________________

(1) مجمع الزوائد 9 / 68، الحلية 4 / 306، تاريخ بغداد 2 / 19.

(2) البحار 12 / 71.


تقلّد ولاية العهد التي هي أعظم مركز في الدولة الإسلامية، فقد كان الشخصية الثانية بعد المأمون، فقد رفض جميع مغريات الحكم والسلطان، وكره كأشد ما تكون الكراهية ما يقيمه الناس لملوكهم وحكّامهم من المهرجانات الشعبية، وصنوف العظمة والتكريم، وقد أعلن ذلك بقوله:

( إنّ مشي الرجال خلف الرجال فتنة للمتبوع، ومذلّة للتابع... )(1) .

وكان - فيما يقول الرواة - يدخل حمّام السوق، وصاحب الحمّام لا يعرفه، وقد اتفق أنّ جندياً كان في الحمّام فطلب منه أن يقوم بتدليكه وتنظيفه فانبرى مجيباً لطلبه، وحينما علم الجندي بذلك استولى عليه الفزع والرعب فهدّأ الإمام روعه، وعرّفه أنّه قام بخدمة إنسانية له.

وكان من معالي أخلاقه أنّه كان يأكل مع غلمانه، وخدمه، ويكره أن يتميّز عليهم إلى غير ذلك من سمو أخلاقه التي ورثها من جده الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

- 3 -

ولأئمّة أهل البيتعليه‌السلام سياستهم المشرقة، ومنهجهم النيّر في عالم الحكم والسياسة، فهم يرون أن الحكم يجب أن يكون وسيلة لإقامة العدل الخالص، والحق المحض، ونشر المحبة والأُلفة بين الناس، ولا بد أن يكون أداة لإنعاش الشعوب، ورفاهيتها وأمنها ورخائها، ولا قيمة للحكم عندهم إذا لم يحقق هذه الأهداف النبيلة التي تسعد بها الشعوب، استمعوا إلى ما يقوله سيد العترة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى وزيره ومستشاره عبد الله بن عباس، وقد رفع إليه نعله التي كانت من ليف، فقال له: ( يا بن عباس ما قيمة هذا النعل؟... )

وسارع ابن عباس قائلاً: ( لا قيمة له يا أمير المؤمنين... )

فانبرى الإمام قائلاً: ( إنّه خير من خلافتكم هذه إلاّ أن أقيم حقاً، وأدفع باطلاً... ).

____________________

(1) تأريخ اليعقوبي.


ولم يحفل قاموس السياسة في تقييم الحكم بكلمة أجلّ، ولا أسمى من هذه الكلمة التي أدلى بها عملاق الفكر الإسلامي الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فلا قيمة للسلطة ما لم يقم في ظلّها الحق والعدل، ويقصي فيها الباطل والجور.

إنّ هذا هو منهج الله تعالى الذي يريده لعباده لتستقيم حياتهم، وينعمون في ظل حكم لا خداع فيه، ولا تضليل، ولا تلاعب بما تملكه الأمة من مقدّرات.

- 4 -

وبرز الإمام الرضاعليه‌السلام على مسرح الحياة السياسية في الإسلام كألمع سياسي عرفه التاريخ الإسلامي، فقد كان صلباً في مواقفه السياسية، فلم تخدعه الأساليب البرّاقة، ولا الأماني المزيّفة التي قدّمها له الملك العباسي المأمون من تنازله عن العرش، وترشيحه له، فلم يكن هذا العرض واقعياً، ولا صادقاً بحال من الأحوال، وإنّما كان لأغراض سياسية، لعلّ كان من أهمّها القضاء على الثورات الملتهبة التي كادت أن تحرق الحكم العباسي، وتلف لواءه، والتي منها ثورة أبي السرايا، فقد كان قائداً عسكرياً ملهماً، فهو كأبي مسلم الخراساني الذي أطاح بالحكم الأموي، ومضافاً لذلك جلب عواطف الإيرانيين وسائر القوى الموالية لأهل البيتعليهم‌السلام الذين جهدت الحكومات العباسية المتعاقبة على ظلمهم، والتنكيل بهم، وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية.

ولم تخف على الإمام الرضاعليه‌السلام دوافع المأمون السياسية بتنازله عن رئاسة الدولة، وتقديمها بسخاء له، فامتنععليه‌السلام امتناعاً شديداً من قبولها. ولمّا يئس منه عرض عليه ثانياً ولاية العهد فامتنع كذلك، إلاّ أنّه تهدّده، وتوعّده بالقتل إن لم يستجب لذلك، فاستجاب على كره، وقد شرط عليه شروطاً ألقت الأضواء على كراهيته وعدم رضاه، وهي:

أ - لا يأمر، ولا ينهي.

ب - لا يعزل أحداً عن منصبه.

ج - لا ينصّب أحداً في أي منصب من مناصب الدولة.

ومعنى هذه الشروط أن يكون له مجرّد الشكل الظاهري من أنّه ولي عهد المأمون، كما أنّ معناه أنّ حكومة المأمون ليست شرعية، ولو كانت شرعية لما شرط عليه هذه الشروط.


ولم تمض الأيام حتى استبان للجميع عمق ما ذهب إليه الامام، وزيف ما عرضه المأمون على الامام، وانه انما عمد لذلك للعبة سياسية فلما انتهت قام باغتيال الامام، لأنه لا يمكنه عزله، وسنوضح جميع هذه البحوث في غضون هذا الكتاب.

- 5 -

ومن بين بحوث هذا الكتاب التدليل على مدى الثروات العلمية الهائلة التي يملكها الإمام الرضاعليه‌السلام ، فقد شملت جميع ألوان العلوم والمعارف من الفلسفة، وعلم الكلام، والطب، والفقه، وغيرها، وقد دلّت على ذلك بصورة موضوعية، وواضحة، مناظراته مع كبار الفلاسفة والعلماء الذين جلبهم المأمون من مختلف أقطار الدنيا وأمصارها إلى خراسان لامتحان الإمام، وقد عقد مع كل وفد منهم اجتماعاً خاصاً وسرّيّاً، ووعدهم بالثراء العريض إن أفحموا الإمام، وأعجزوه عن إجابتهم ليتخذ من ذلك وسيلة للطعن والتشهير بما تذهب إليه الشيعة من أنّ أئمة أهل البيتعليهم‌السلام أعلم الأمة وأنّ الله آتاهم من العلم والفضل كما آتى أنبياءهم، وأوصياءهم.

واستجاب العلماء لدعوة المأمون فسألوا الإمام عن أعقد المسائل، وأكثرها غموضاً ويقول المؤرّخون: إنّهم سألوه عن أكثر من عشرين ألف مسألة في أبواب متفرقة فأجابهم عنها جواب العالم الخبير المتخصص، فبهر العلماء من سعة علومه، ودان الكثيرون منهم بإمامته، ممّا اضطرّ المأمون إلى حجب الإمام عن العلماء وغيرهم، وفرض الرقابة الشديدة عليه لئلاّ يفتتن الناس به.

ومن الجدير بالذكر أنّ تلك المناظرات قد دوّنها بعض تلامذة الإمامعليه‌السلام إلاّ إنّا لم نعثر عليها، ولعلّها من جملة المخطوطات التي خسرها العالم العربي والإسلامي.

وعلى أيّ حال فقد نقل مؤرّخو الشيعة طائفة يسيرة من تلك المناظرات وهي ذات أثر مهم للغاية، فإنّها على قلّتها تكشف عن مدى ثروات الإمام العلمية، وتدلل على أنّه من عمالقة الفكر والعلم في دنيا الإسلام.

- 6 -

وأثرت عن الإمام الرضاعليه‌السلام كوكبة من الكتب نصّ عليها المعنيّون بتدوين أسماء الكتب كابن النديم، والطوسي وغيرهما، كما نصّ عليها المترجمون للإمام وهي:


أ - طب الإمام الرضاعليه‌السلام :

وهي رسالة جليلة، كتبها الإمام للمأمون بطلب منه، وسُمّيت بـ‍ (الرسالة الذهبية ) لنفاستها، وقد عرضت بصورة موضوعية وشاملة إلى برامج الأغذية الصحية التي تعتبر الأساس للصحّة العامة، كما عرضت إلى ما يصلح بدن الإنسان، ويقيه من الإصابة بكثير من الأمراض، وكان من جملة تلك الوصفات عدم الإسراف في تناول الطعام، فإنّ الإسراف فيه يعرّض الإنسان للإصابة بارتفاع الضغط الدموي، والإصابة بداء السكر، وتصلّب شرايين القلب، وغير ذلك من الأمراض الخطرة، ومن المؤكّد أنّ وصايا الإمام الصحية لو طُبّقت على مسرح الحياة لجعلت الطب وقائياً.

ونظرا لأهمية هذه الرسالة فقد انبرى جمع من الفضلاء إلى شرحها فكان منهم الدكتور السيد صاحب زيني، فقد شرحها بما يتفق والطب الحديث.

ب - مسند الإمام الرضا:

أو صحيفة الإمام الرضا، وقد احتوت على طائفة من الاخبار يروي الإمامعليه‌السلام بعضها بسنده عن جده الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد طبعت في القاهرة، طبعها، وعلق عليها العلامة عبد الواسع بن يحيى الواسمي.

ج - جوامع الشريعة:

وقد جمعت غرر الأحكام الشرعية، وأُمّهات المسائل الفقهية، وقد أملاها الإمامعليه‌السلام على الفضل بن سهل رئيس وزراء المأمون، وذلك بطلب منه، وذكرت هذه الرسالة في ( تحف العقول ) وغيره من مؤلّفات الشيعة، وقد نقلناها عنهم، وأثبتناها في غضون هذا الكتاب، وهذه الكتب إنّما هي من بعض ثروات الإمام العلمية.

أمّا فقه الإمام الرضا، فقد دللنا على أنّه ليس من مؤلّفاته، وإنّما هو لغيره ومنسوب إليه. وعلى أي حال، فقد ذكر الرواة للإمام طائفة كبيرة من غرر الحكم والآداب هي برنامج للحياة المتطوّرة التي يريدها الإسلام لأبنائه.

- 7 -

وحفل هذا الكتاب بترجمة طائفة من كبار العلماء والرواة ممّن تتلمذ وأشرف على


يد الإمامعليه‌السلام ، ورووا حديثه، وقد ألّف بعضهم نسخاً من أحاديثه وحكمه... ومن المؤكّد أنّ عرض ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبحث عن حياته فإنّه يكشف عن مدى اهتمام الأوساط العلمية في ذلك العصر بتلقّي العلوم والمعارف عنه، فقد كان بإجماع الرواة والمؤرّخين عملاق الفكر الإسلامي، وكانت علومه امتداداً ذاتياً لعلوم آبائه الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام الذين هم خزنة علوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وورثة حكمته.

- 8 -

وتناول هذا الكتاب دراسة عصر الإمام الرضاعليه‌السلام ، وعرض ما فيه من الأحداث السياسية، والاجتماعية والعلمية، والاقتصادية، وغير ذلك ممّا يمس حياة الناس في ذلك العصر.

إنّ دراسة مثل هذه الأمور أصبحت من البحوث النهضية التي لا غنى للباحث عنها؛ لأنّ مجريات الأحداث في كل عصر لها الدخل المباشر في التأثير على حياة الإنسان، وعلى مكوّناته الفكرية، كما أكدت ذلك بحوث علم النفس، وعلم الاجتماع.

وقد حفل عصر الإمامعليه‌السلام بكثير من الأحداث الجسام، كان من بينها الصراع المسلّح بين الأمين والمأمون، والذي كان سببه الرشيد، وهو المسؤول عنه، وقد أدى ذلك الصراع إلى خراب بغداد التي كانت زينة الشرق، والى قتل طائفة كبيرة من الناس ومن بين تلك الأحداث ثورة القائد الملهم أبي السرايا، وغيرها من الثورات الكبرى التي كادت تقضي على الدولة العباسية، وتلف لواءها إلاّ أنّ المأمون قد استطاع بدهائه، وحنكته السياسية أن يتغلّب على جميع الأحداث التي ألمّت به، فأجبر الإمام الرضاعليه‌السلام ، الذي هو أمل الأمة الإسلامية، على قبول ولاية العهد الأمر الذي أدّى إلى فشل تلك الثورات، وإخماد نارها، بالإضافة إلى انشغال الرأي العام بهذا الحادث الخطير.

ومن بين الأحداث المهمة في ذلك العصر فتنة ( خلق القرآن ) وهي مسألة كلامية كانت خفية أو مهملة فأثارها المأمون، وقد أدّت إلى سفك الدماء بغير حق، وشيوع الاضطراب والفتنة بين المسلمين.


- 9 -

ودرسنا بعمق وشمول سيرة ملوك بني العباس الذين عاصرهم الإمام الرضاعليه‌السلام ، فقد كانت سيرتهم شبيهة إلى حد بعيد بسيرة ملوك الأمويين الذين اتخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، وليس في سيرتهم بعد الدراسة الجادة أي جد أو نشاط للعمل الصالح، وما ينفع المسلمين، وإنّما كانت سيرهم غنية بالملذّات، وثرية بالشهوات، فقد أنفقوا علي لياليهم الحمراء، في بغداد، الملايين من أموال المسلمين، وقد حظي بالثراء من قِبلهم المغنّون والعابثون والماجنون، في حين أنّ الفقر والبؤس قد أخذا بخناق الناس.

وكان من مظاهر حكمهم أن شرعت سياطهم، وشهرت سيوفهم، وفتحت أبواب سجونهم للأحرار، وفي طليعتهم السادة العلويون الذين كانوا يطالبون بتحقيق العدالة الاجتماعية، وقد لاقى الزرّاع، وذوو الحرف، وأرباب الصناعات ضروباً قاسية ومرهقة من المحن والخطوب من الجباة الذين كانوا يجلبون الخراج وسائر الضرائب، فكانوا يأخذونها بمنتهى الشدة، والقسوة، إذ قد ألهبت سياطهم أبدان الناس، وأمعنوا في ظلمهم إلى حدٍّ بعيد.

- 10 -

أمّا دراسة التأريخ الإسلامي فيجب أن تكون موضوعية ونزيهة وبعيدة عن التيارات المذهبية، والعواطف التقليدية، فقد خلط التأريخ بكثير من الموضوعات أوجبت خفاء الحق، وستر الحقائق، فمن الواجب بذل المزيد من الجهد لمعرفة الصحيح من السقيم، والحق من الباطل.

وكان من بين ما مُني به التأريخ من الخلط والخبط إضفاء النعوت الكريمة، والألقاب العظيمة على الكثيرين من ملوك بني أمية وبني العباس، فقد لُقّبوا بخلفاء الله في الأرض، وهذا اللقب الكريم يمثّل الحق، والعدل، والقانون، وأعوذ بالله أن يتصف به أمثال يزيد ومروان والوليد، وأمثالهم من ملوك بني العباس الذين حوّلوا حياة الناس إلى جحيم لا يطاق.

إنّ بعض المؤرّخين والكتّاب يرون أنّ المقياس في سمو الشخص وعظيم مكانته استيلاؤه على كرسي الحكم، وتسلّمه لزمام السلطة العامة في البلاد، وهذا ليس بصحيح إطلاقاً، فإنّ المقياس في الفكر الإسلامي هو ما يسديه الحاكم من


الخدمات للأمة في عالم الاقتصاد، والثقافة، والأمن والرخاء... ولو جرّد المؤرّخون، والكتّاب لقب الخليفة، وغيره من الألقاب العظيمة، من هؤلاء الملوك، وأضفوها على الذين خدموا القضايا العظيمة للأمة، لأدّوا بذلك خدمة كبرى إلى التأريخ الإسلامي، فقد تعرّض الإسلام لكثير من النقود من المستشرقين وغيرهم من الحاقدين على الإسلام بسبب ما صدر عن بعض هؤلاء الملوك من الأعمال المجافية لروح العدالة والقانون، معتقدين بأنّهم يمثّلون الإسلام في تصرّفاتهم وأعمالهم، ولو أنّ الناقدين راجعوا أحكام الإسلام لوجدوها نَديّة خلاّقة تساير العدل، وتواكب الفطرة، وليس فيها - والحمد لله - ما يساير الظلم بل فيها ما يناهضه ويناجزه، فالتصرفات الشاذة من بعض ملوك المسلمين لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، ولا يؤاخذ بشيء منها.

- 11 -

وليس هذا أوّل كتاب صدر عن حياة الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، فقد صدرت عن حياته عدة دراسات باللغة العربية وغيرها، ومن أهمّها - فيما أحسب - ( حياة الإمام الرضاعليه‌السلام ) للسيد جعفر مرتضى، فقد كان ثرياً مع تحقيقاته وبحوثه.

ولا يحكي ما أُلف عن هذا الإمام العظيم واقع شخصيته، فذاك أمر بعيد المنال، فقد كانعليه‌السلام يحمل ثراء فكرياً لا حدود له، فهو من أئمة الهدىعليهم‌السلام ، سدنة الإصلاح الاجتماعي، وورثة علوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

- 12 -

وقبل أن أفعل هذا التقديم، وأُنهي هذا العرض الموجز لما في هذا الكتاب من بحوث أرى من الحق عليّ أن أرفع آيات الشكر والامتنان إلى سماحة أستاذنا المعظّم حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ حسين الخليفة على ما أولاني من الرعاية واللطف والمساعدات في طبع بعض كتبي....

كما أنّ من الحق والوفاء أن أشيد بالجهد الخلاق الذي أسداه إلي سماحة الحجّة العلاّمة الكبير أخي الشيخ هادي شريف القرشي من ملاحظاته القيّمة على هذا الكتاب، ومراجعاته لبعض الموسوعات التي استفدت منها


بالإضافة إلى تشجيعه لي في خدمة أهل البيتعليهم‌السلام آملاً من الله تعالى أن يجازيه على ذلك كما يجازي الصالحين من عباده، إنّه تعالى ولي القصد والتوفيق.

النجف الأشرف - باقر شريف القرشي

سنة 1411 هـ 14 شوال


الوليد العظيم

وقبل الحديث عن ولادة الإمام الزكي أبي محمدعليه‌السلام ، وما رافقها من شؤون، نعرض إلى نسبه الوضّاح، ذلك النسب الرفيع المتصل برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الذي هو مصدر الفيض والعطاء، ومصدر الخير والرحمة إلى الناس، فأيّ نسب أسمى وأجل من نسب الإمام الرضاعليه‌السلام ، فهو ثمرة من ثمرات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفرع مشرق من فروعه... وهذه لمحة موجزة عن أصوله الكريمة.

الأب:

أمّا أبو الإمام الرضا فهو الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالبعليهم‌السلام .

وليس في دنيا الأنساب أرفع ولا أزكى من هذا النسب، ومن المؤكّد أنّ هؤلاء الأئمة الطاهرين هم خلفاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأوصياؤه، وسنذكر في البحوث الآتية لمحة عن حياة أبيه الإمام موسىعليه‌السلام .

الأُم:

أمّا أُم الإمام الرضاعليه‌السلام فقد تحلّت بجميع مزايا الشرف والفضيلة التي تسمو بها المرأة المسلمة من العفّة والطهارة، وسمو الذات وهي من السيّدات الماجدات في الإسلام، وكانت أمَةً، وهذا لا ينقص مكانتها؛ لأنّ الإسلام جعل المقياس في تفاوت الناس بالتقوى والعمل الصالح، ولا أثر لغير ذلك.

ونقل الرواة عدة أقوال في كيفية زواج الإمام الكاظمعليه‌السلام بهذه السيدة الماجدة، وهذه بعضها:


1 - إنّها كانت من أشراف العجم، وكانت مِلكاً للسيدة حميدة أُم الإمام موسىعليه‌السلام ، وهي من أفضل النساء في عقلها، ودينها وإعظامها لمولاتها السيدة حميدة، حتى أنّها ما جلست بين يديها من ملكتها إجلالاً، وإعظاماً لها، وقد قالت حميدة لابنها الإمام موسى: يا بني إن تكتم جارية، ما رأيت جارية قط أفضل منها، ولست أشك أنّ الله تعالى سيظهر نسلها، وقد وهبتها لك فاستوص بها خيراً(1) .

2 - روى هشام بن أحمد قال: أبو الحسن الأول - هو الإمام موسى - هل علمت أحداً من أهل المغرب قدم؟

قلت: لا، فقالعليه‌السلام : بلى قد قدم رجل، فانطلق بنا إليه، فركب وركبنا معه، حتى انتهينا إلى الرجل، فإذا رجل من أهل المغرب معه رقيق. فقال له: اعرض علينا، فعرض علينا تسع جوار، كل ذلك يقول أبو الحسن: لا حاجة لي فيها، ثم قال له: اعرض علينا، فقال: ما عندي شيء، فقال له: بلى اعرض علينا قال: لا والله ما عندي إلاّ جارية مريضة، فقال له: ما عليك أن تعرضها، فأبى، ثم انصرفعليه‌السلام ثم إنّه أرسلني من الغد إليه، فقال لي: قل له: كم غايتك فيها؟ فإذا قال: كذا وكذا - يعني من المال - فقل: قد أخذتها، فأتيته، فقال له: ما أريد أن أنقصها من كذا - وعين مبلغاً خاصاً - فقلت: قد أخذتها، وهو لك، فقال: هي لك، ولكن مَن الرجل الذي كان معك بالأمس؟ فقلت: رجل من بني هاشم فقال: من أيّ بني هاشم؟ فقلت: من نقبائهم، فقال: أريد أكثر من هذا، فقلت: ما عندي أكثر من هذا.

فقال: أخبرك عن هذه، إنّي اشتريتها من أقصى المغرب، فلقيتني امرأة من أهل الكتاب، فقالت: مَن هذه الوصيفة معك؟ فقلت: اشتريتها لنفسي، فقالت: ما ينبغي أن تكون عند مثلك، إنّ هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض، فلا تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى تلد منه غلاماً يدين له شرق الأرض وغربها قال: فأتيته بها، فلم تلبث عنده إلاّ قليلاً حتى ولدت له عليّاً(2) .

3 - روي: أنّ الإمام الكاظمعليه‌السلام قال: لأصحابه والله ما اشتريت هذه الجارية إلاّ بأمرٍ من الله ووحيه، وسئُل عن ذلك، فقال: بينما أنا نائم إذ أتاني جدّي وأبي، ومعهما قطعة حرير، فنشراها، فإذا قميص فيه صورة هذه الجارية،

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 1 / 14 - 15.

(2) عيون أخبار الرضا 1 / 17 - 18، أصول الكافي 1 / 487، كشف الغمّة 3 / 102.


فقالا: يا موسى ليكونن لك من هذه الجارية خير أهل الأرض بعدك، ثم أمرني أبي إذا ولد لي ولد أن أسميه عليا، وقالا: إن الله عز وجل سيظهر به العدل والرحمة، طوبى لمن صدقه، وويل لمن عاداه وجحده(1) .

هذه بعض الروايات التي قيلت في كيفية زواج الإمام موسىعليه‌السلام بهذه السيّدة الكريمة، وقد حباها بخالص الحب، وأصفاه، وكانت تنعم بالإكبار والتقدير في بيته.

اسمها:

أمّا اسم هذه السيدة الزكية فقد اختلفت فيه أقوال الرواة، وهذه بعضها:

1 - تكتم: وذهب كثير من المؤرّخين إلى أنّ اسمها تكتم، وفي ذلك يقول الشاعر في مدحه للإمامعليه‌السلام :

ألا إنّ خير الناس نفساً ووالداً

ورهطاً وأجداداً علي المعظّمُ

أتتنا به للعلم والحلم ثامناً

إماماً يؤدّي حجّة الله تكتمُ(2)

وهذا الاسم عربي تسمّى به السيدات من نساء العرب، وفيه يقول الشاعر:

طافَ الخَيالانِ فَهاجا سَقَما

خَيالُ تُكنى وَخَيالُ تَكتَما(3)

2 - الخيزران(4) .

3 - أروى(5) .

4 - نجمة(6) .

5 - أُمّ البنين(7) ، والظاهر أنّه كنية لها.

هذه بعض الأقوال التي قيلت في اسمها، وليس في تحقيق ما هو الصحيح منها

____________________

(1) الدر النظيم في مناقب الأئمّة ليوسف بن حاتم الشافعي من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين تسلسل 2879 ورقة 210.

(2) عيون أخبار الرضا 1 / 15 وجاء فيه أنّه نسب قوم هذا الشعر إلى عمّ أبي إبراهيم بن العباس، ولم أروه، وما لم يقع به رواية ولا سماع فإنّي لا أحقّقه ولا أُبطله.

(3) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 80.

(4) تذكرة الخواص (ص 361) بحر الأنساب (ص 28) البحار 12 / 2.

(5) الصراط السوي للشيخاني القادري ورقة 169 مصور، نور الأبصار ص 138.

(6) كشف الغمّة 3 / 102.

(7) الإرشاد (ص 342).


بذي فائدة على القراء.

تقواها:

وكانت هذه السيدة الزكية من العابدات، فقد أقبلت على طاعة الله إقبالاً شديداً، فقد تأثّرت بسلوك زوجها الإمام الكاظمعليه‌السلام إمام المتقين والمنيبين إلى الله تعالى، وكان من مظاهر عبادتها أنّها لمّا ولدت الإمام الرضاعليه‌السلام قالت: أعينوني بمرضعة، فقيل لها: أنقص الدر؟ قالت: ما أكذب: ما نقص الدر، ولكن علي ورد من صلاتي وتسبيحي(1). أرأيتم هذه النفس الملائكية التي هامت بحب الله، وانقطعت إليه فقد طلبت أن يعاونوها على إرضاع ولدها؛ لأنّه يشغلها عن أورادها من الصلاة والتسبيح.

الوليد العظيم:

وأشرقت الأرض بمولد الإمام الرضاعليه‌السلام ، فقد ولد خير أهل الأرض، وأكثرهم عائدة على الإسلام، وسرت موجات من السرور والفرح عند آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد استقبل الإمام الكاظم النبأ بهذا المولود المبارك بمزيد من الابتهاج، وسارع إلى السيدة زوجته يهنّيها بوليدها قائلاً:

( هنيئاً لك يا نجمة كرامة لك من ربّك... )

وأخذ وليده المبارك، وقد لُفّ في خرقة بيضاء، وأجرى عليه المراسم الشرعية، فأذّن في أُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ودعا بماء الفرات فحنّكه به، ثم ردّه إلى أُمّه، وقال لها: ( خذيه فإنّه بقيّة الله في أرضه... )(2) .

لقد استقبل سليل النبوّة أوّل صورة في دنيا الوجود، صورة أبيه إمام المتقين، وزعيم الموحّدين، وأوّل صوت قرع سمعه هو:

( الله أكبر ).

( لا إله إلاّ الله ).

وهذه الكلمات المشرقة هي سر الوجود، وأُنشودة المتقين.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 1 / أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 80.

(2) كشف الغمّة 3 / 88، عيون أخبار الرضا 1 / 18.


وسمّى الإمام الكاظمعليه‌السلام وليده المبارك باسم جدّه الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، تبرّكاً وتيمّناً بهذا الاسم الذي يرمز لأعظم شخصية خُلقت في دنيا الإسلام، والتي تحلّت بجميع فضائل الدنيا.

ألقابه:

وُلقّب الإمام الرضاعليه‌السلام بكوكبة من الألقاب الكريمة، وكل لقبٍ منها يرمز إلى صفة من صفاته الكريمة، وهذه بعضها:

1 - الرضا:

واختلف المؤرّخون والرواة في الشخص الذي أضفى على الإمامعليه‌السلام هذا اللقب الرفيع، حتى غلب عليه، وصار اسماً يُعرف به، وهذه بعض الأقوال:

أ - المأمون:

وذهب فريق من المؤرّخين إلى أنّ المأمون هو الذي منحه هذا اللقب(1) ؛ لأنّه رضي به، وجعله ولي عهده(2) ، وقد فنّد الإمام الجوادعليه‌السلام ذلك أمام جماعة من أصحابه وقال:

( إنّ الله تبارك وتعالى سمّى ما ترضاه، لأنّه كان رضىً لله عزّ وجل في سمائه، ورضىً لرسوله، والأئمّة من بعده صلوات الله عليهم... ).

فقال له البزنطي: ( ألم يكن كل واحد من آبائك الماضينعليهم‌السلام رضىً لله عزّ وجل ولرسوله، والأئمّة بعده؟ )

( بلى... ).

( لم سُمّي أبوك من بينهم بالرضا؟... ).

( لأنّه رضي به المخالفون من أعدائه، كما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه؛ فلذلك سُمّي من بينهم بالرضا... )(3) .

____________________

(1) تاريخ أبي الفداء 2 / 24، تأريخ ابن الأثير 5 / 183.

(2) البحار 12 / 4.

(3) علل الشرايع، إعلام الورى، البحار 12 / 2.


ب - الإمام موسى:

وذهب بعض الرواة إلى أنّ الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام هو الذي أضفى على ولده هذا اللقب، فقد روى سليمان بن حفص قال: كان موسى بن جعفر سمّى ولده عليّاً الرضا، وكان يقول: ادعو لي ولدي الرضا، وقلت: لولدي الرضا، وقال لي: ولدي الرضا، وإذا خاطبه قال: يا أبا الحسن(1) .

هذه بعض الأقوال في منحه بهذا اللقب الكريم، وقد علّل أحمد البزنطي السبب الذي من أجله لُقّب بالرضا قال:

( إنّما سُمّي الرضا لأنّه كان رضىً لله تعالى في سمائه، ورضىً لرسوله والأئمّة بعده في أرضه )(2) .

2 - الصابر(3) :

وإنّما لُقّب بذلك لأنّه صبر على المحن والخطوب التي تلقّاها من خصومه وأعدائه.

3 - الزكي(4) :

لقد كان الإمام الرضاعليه‌السلام من أزكياء البشر، ومن نبلائهم وأشرافهم.

4 - الوفي(5) :

أمّا الوفاء فهو عنصر من عناصر الإمام، وذاتي من ذاتيّاته، فقد كان وفيّاً لأُمّته ووطنه.

5 - سراج الله(6) :

لقد كان الإمام سراجاً لله يهدي الضال، ويرشد الحائر.

6 - قرّة عين المؤمنين(7) :

ومن ألقابه الكريمة أنّه كان قرّة عين المؤمنين: فقد كان زيناً وفخراً لهم،

____________________

(1) البحار 12 / 3.

(2) البحار 12 / 3.

(3) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام (ص 143).

(4) الصراط السوي، ورقة 199.

(5) تذكرة الخواص (ص 361) الدر النظيم، ورقة 210.

(6) الدر النظيم، ورقة 210.

(7) الدر النظيم، ورقة 210.


وكهفاً وحصناً لهم.

7 - مكيدة الملحدين(1) :

وإنّما لُقّب بذلك لأنّه أبطل شُبَه الملحدين، وفنّد أوهامهم؛ وذلك في مناظراته التي أُقيمت في البلد العباسي، والتي أثبت فيها أصالة القيم والمبادئ الإسلامية.

8 - الصدّيق(2) :

فقد كانعليه‌السلام كيوسف الصدّيق الذي ملك مصر، فقد تزعّم جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكانت له الولاية المطلقة عليه.

9 - الفاضل(3) :

وهو أفضل إنسان، وأكملهم في عصره، ولهذه الظاهرة لُقّب بالفاضل.

هذه بعض الألقاب الكريمة التي لُقّب بها، وهي تنم عن سمو شخصيته وعظيم شأنه.

كُنيته:

واعتاد أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بتكنية أبنائهم منذ صغرهم وهذا من محاسن التربية الإسلامية الهادفة إلى ازدهار الشخصية، وإشعار الطفل بأنّ له مكانة عند أهله، وقد كُنّي الإمام الرضاعليه‌السلام بما يلي:

1 - أبو الحسن:

كنّاه بذلك أبوه الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام (4) فقد قالعليه‌السلام لعلي بن يقطين: يا علي هذا ابني - وأشار إلى الإمام الرضا - سيّد ولدي، وقد نحلته كنيتي(5). لقد كان الإمام الكاظم يُكنّى بأبي الحسن، ولمّا كانت هذه الكنية مشتركة بينهما قيل للإمام الكاظم أبي الحسن الماضي، وللإمام الرضا أبي الحسن الثاني؛ وذلك للتفرقة بين الكنيتين.

2 - أبو بكر:

وهذه الكنية نادرة، ولم يعرف بها إلاّ نادراً، فقد روى أبو الصلت الهروي قال:

____________________

(1) بحار الأنوار 12 / 4.

(2) بحار الأنوار 12 / 4.

(3) بحار الأنوار 12 / 4.

(4) بحار الأنوار 12 / 3.

(5) بحار الأنوار.


سألني المأمون يوماً عن مسألة، فقلت: قال فيها أبو بكر: كذا وكذا، فقال المأمون: مَن هو أبو بكر؟ أبو بكرنا، أو أبو بكر العامة؟ قلت، أبو بكرنا. قال عيسى: قلت لابن الصلت مَن هو أبو بكركم؟ فقال: علي بن موسى، كان يكنّى بها(1) .

سنة ولادته:

واختلف المؤرّخون اختلافاً كثيراً في السنة التي وُلد فيها الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكذلك اختلفوا في الشهر الذي وُلد فيه، وهذه بعض ما أثر عنهم:

1 - أنّه وُلد سنة 147 هـ(2) .

2 - وُلد سنة 148 هـ(3) وهذا هو المشهور بين الرواة.

3 - وُلد سنة 150 هـ(4) .

4 - وُلد سنة 151 هـ(5) .

5 - وُلد سنة 153 هـ(6) وهي السنة التي توفّي فيها جدّه الصادق(7) .

هذه بعض الأقوال في سنة ولادته، وقد اختلف المؤرّخون أيضاً في الشهر الذي وُلد فيه، وهذه بعض أقوالهم:

1 - أنّه وُلد يوم الخميس أو ليلة الخميس لأحد عشر ليلة خلت من ربيع الأول(8) .

____________________

(1) مقاتل الطالبيين (ص 561).

(2) نور الأبصار (ص 138).

(3) غاية الاختصار (ص 148)، بحر الأنساب (ص 28)، أصول الكافي 1 / 486، الإرشاد (ص 341)، الدر المسلوك ورقة 139 مصور، أخبار الدول (ص 114)، جوهرة الكلام (ص 143)، مصباح الكفعمي، روضة الواعظين، مرآة الجنان 2 / 11.

(4) المجدّدون في الإسلام (ص 87).

(5) سر السلسة العلوية (ص 38).

(6) الدر النظيم ورقة 153، كشف الغمّة، دائرة معارف القرن العشرين 6 / 665.

(7) أعيان الشيعة 4 / ق / 77 - 78، وفي الإرشاد أنّه وُلد بعد وفاة جدّه الإمام الصادقعليه‌السلام بخمس سنين، وكذلك جاء في الدر النظيم ورقة 210.

(8) كشف الغمّة 3 / 87.


2 - وُلد في ذي القعدة(1) في الحادي عشر منه يوم الخميس(2) .

3 - وُلد في شوّال في السابع منه وقيل ثامنه، وقيل سادسه(3) .

هذه بعض الأقوال التي أدلى بها المؤرّخون والرواة

صفته:

وذهب كثير من المؤرّخين إلى أنّ الإمامعليه‌السلام كان أسمر شديد السمرة(4) ، وقيل إنّه كان ابيض معتدل القامة(5) ، وإنّه كان شديد الشبه بجدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (6) .

وكما شابه جدّه في ملامحه، فقد شابهه في مكارم أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين.

هيبته:

أمّا هيبة الإمام أبي محمد، فكانت تعنو لها الجباه، فقد بدت عليه هيبة الأنبياء والأوصياء الذين كساهم الله بنوره، وما رآه أحد إلاّ هابه، وكان من هيبته أنّه إذا جلس للناس أو ركب لم يقدر أحد أن يرفع صوته من عظيم هيبته(7) .

ويقول الرواة: إنّه إذا جاء إلى المأمون بادره الحجّاب والخدم بين يديه، ورفعوا له الستر، ولمّا بلغهم أنّ المأمون يريد أن يبايع له بولاية العهد تواصوا على أنّه إذا جاء لا يصنعون له الحفاوة والتكريم الذي كانوا يصنعونه، وجاء الإمام على عادته فأخذتهم هيبته وبادروا إلى تكريمه كما كانوا يصنعون، وتلاوموا فيما بينهم وأقسموا أنّه إذا عاد لا يقابلوه بذلك التكريم ولمّا جاءعليه‌السلام في اليوم الثاني قاموا إليه وسلّموا عليه إلاّ أنّهم لم يرفعوا له الستر، فجاءت ريح فرفعته كعادته، ولمّا أراد الخروج أيضاً رفعت الريح الستر، فقال بعضهم لبعض: إنّ لهذا الرجل شأناً ولله به عناية ارجعوا إلى خدمتكم(8) .

____________________

(1) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 77.

(2) الدر المسلوك، ورقة 139.

(3) مرآة الجنان 2 / 12.

(4) أخبار الدول (ص 114).

(5) الصراط السوي في مناقب آل النبي للشيخاني القادري، ورقة 199.

(6) الدر النظيم، ورقة 210.

(7) حياة الإمام الجواد.

(8) أخبار الدول (ص 114)، جوهرة الكلام (ص 145)، الإتحاف بحب الأشراف (ص 58).


إنّ لائمّة أهل البيتعليهم‌السلام شأناً ومكانةً عند الله تعالى، فهو يؤيّدهم، ويسددهم بما يسدد به أنبياءه ورسله.

نقش خاتمه:

أمّا النقش على الخاتم وما رسم عليه من كلمات فإنّه - على الأكثر - يمثّل اتجاهات الشخص وميوله، وقد وسم على خاتم الإمام الرضاعليه‌السلام ما يلي:

( ولي الله )(1) .

وله خاتم آخر قد نقش عليه:

( العِزّة لله )(2) .

وهذه النقوش تمثّل مدى انقطاعه إلى الله تعالى، وتمسّكه به.

نشأته:

نشأ الإمام الرضاعليه‌السلام في بيت من أجلّ البيوت وأرفعها في الإسلام، إنّه بيت الإمامة، ومركز الوحي ذلك البيت الذي إذن الله أن يرفع، ويُذكر فيه اسمه، في هذا البيت العريق ترعرع الإمام الرضا ونشأ، وقد سادت فيه أرقى وأسمى ألوان التربية الإسلامية الرفيعة، فكان الصغير يحترم ويبجّل الكبير، والكبير يعطف على الصغير، كما سادت فيه الآداب الرفيعة، والأخلاق الكريمة ولا تسمع فيه إلاّ تلاوة كتاب الله، والحث على العمل الصالح وما يقرّب الإنسان من ربّه.

وقد أكّد علماء التربية على أنّ البيت من أهم العوامل في تكوين الشخص، وبناء سلوكه، فإن كان البيت تسوده المحبّة والأُلفة، والعادات الرفيعة والتقاليد الحسنة، ويجتنب فيه هجر الكلام ومره، فإنّ الطفل ينشأ نشأة سليمة وبعيدة عن التعقيد، وازدواج الشخصية، وإن كان البيت مصاباً بالانحراف والشذوذ، وتنتشر فيه البغضاء والكراهية، فإنّ الطفل حتماً يمنى بالتعقيد، والجنوح، والانحراف.

أمّا البيت الذي نشأ فيه الرضاعليه‌السلام فهو من أعزّ البيوت وأمنعها في دنيا الإسلام، فقد كان مركزا من مراكز الفضيلة، ومنبعاً للأخلاق الكريمة، وقد أنجب خيرة البشر وأئمّة الحق والعدل في الإسلام، ويضاف إلى البيت في تكوين

____________________

(1) الدر المسلوك ورقة 139، البحار 12 / 4.

(2) الدر النظيم، ورقة 210.


الشخص البيئة التي نشأ فيها الشخص، وكانت البيئة التي عاش فيها الإمام الرضاعليه‌السلام تضم خيرة الرجال، وخيرة العلماء الذين ينتهلون من خير علوم أبيه الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام .

إنّ جميع عوامل التربية الرفيعة، ومكوّناتها الفكرية توفّرت للإمام الرضاًعليه‌السلام ، فنشأ في إطارها كما نشأ آباؤه العظام الذين هم من ذخائر الإسلام.

سلوكه:

أمّا سلوك الإمام الرضاعليه‌السلام فقد كان أنموذجاً رائعاً لسلوك آبائه الذين عرفوا بنكران الذات، والتجرّد عن كل نزعة لا تمت إلى الحق والواقع بصلة. لقد تميّز سلوك الإمام الرضاعليه‌السلام بالصلابة للحق، ومناهضة الباطل، فقد كان يأمر المأمون العباسي بتقوى الله تعالى، وينعي عليه تصرفاته التي لا تتفق مع واقع الدين، وقد ورم أنف المأمون من ذلك وضاق منه ذرعاً فقدم على اقتراف أفظع جريمة وهي اغتيال الإمامعليه‌السلام كما سنوضح ذلك في غضون هذا الكتاب.

وكان سلوكه مع أهل بيته وإخوانه مثالاً آخر للصرامة في الحق، فمَن شذّ منهم في تصرّفاته عن أحكام الله تعالى جافاه وابتعد عنه، وقد حلف أن لا يكلّم أخاه زيداً حتى يلقى الله تعالى حينما اقترف ما خالف شريعة الله.

أمّا سلوكه مع أبنائه فقد تميّز بأروع ألوان التربية الإسلامية خصوصاً مع ولده الإمام الجوادعليه‌السلام ، فكان لا يذكره باسمه، وإنّما كان يكنيه، يقول: كتب إلي جعفر، كنت كتبت إلى أبي جعفر(1) كل ذلك لتنمية روح العِزّة والكرامة في نفسه.

____________________

(1) معجم رجال الحديث 14 / 283.



عناصره النفسيّة

أمّا عناصر الإمام الرضاعليه‌السلام ومكوّناته النفسية فكانت ملتقى للفضيلة بجميع أبعادها وصورها، فلم تبق صفة شريفة يسمو بها الإنسان إلاّ وهي من ذاتيّاته، ومن نزعاته، فقد وهبه الله كما وهب آباءه العظام بكل مكرمة، وحباه بكل شرف وجعله علما لامة جده، يهتدي به الحائر، ويرشد به الضال، وتستنير به العقول... وهذه بعض خصاله، وعناصر مكارم أخلاقه:

أمّا أخلاق الإمام الرضاعليه‌السلام ، فإنّها نفحة من أخلاق جده الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي امتاز على سائر النبيين بهذه الظاهرة الكريمة، فقد استطاعصلى‌الله‌عليه‌وآله بسمو أخلاقه أن يطوّر حياة الإنسان، وينقذه من أوحال الجاهلية الرعناء، وقد حمل الإمام الرضاعليه‌السلام أخلاق جده، فكانت من أهم عناصره، انظروا ما يقوله إبراهيم بن العباس عن مكارم أخلاقه يقول:

( ما رأيت، ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، ما جفا أحداً قط، ولا قطع على أحد كلامه، ولا ردّ أحداً عن حاجة، وما مد رجليه بين جليسه، ولا اتكأ قبله، ولا شتم مواليه، ومماليكه، ولا قهقه في ضحكة، وكان يجلس على مائدته ومماليكه ومواليه قليل النوم بالليل، يحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى آخرها كثير المعروف والصدقة وأكثر ذلك في الليالي المظلمة )(1) .

وحكمت هذه الكلمات ما اتصف به الإمام من مكارم الأخلاق وهي:

أ - أنّه لم يجفو أيّ أحدٍ من الناس سواء أكانوا من أحبّائه أم من أعدائه، وإنّما كان يقابلهم ببسمات فيّاضة بالبِشر.

____________________

(1) حياة الإمام محمد الجواد (ص 37).


ب - أنّه لم يقطع على أي أحدٍ كلامه، وإنّما يتركه حتى يستوفي حديثه.

ج - من معالي أخلاقه أنّه لم يمدّ رجليه بين جليسه وإنّما يجلس متأدّباً.

د - أنّه لم يتكئ قبل جليسه، وإنّما يتكئ بعده، مراعاة له.

هـ‍ - أنّه لم يشتم أي أحدٍ من مماليكه ومواليه، وإن أساءوا له.

و - أنّه لم يترفّع على مواليه ومماليكه، وكان يجلس معهم على مائدة الطعام.

ز - أنّه كان كثير العبادة، وكان ينفق لياليه بالصلاة وتلاوة كتاب الله.

ح - أنّه كان كثير المعروف والصدقة، على الفقراء وكان أكثر ما يتصدّق عليهم في الليالي المظلمة؛ لئلاّ يعرفه أحد.

هذه بعض مكارم أخلاقه التي شاهدها إبراهيم بن العباس، ومن معالي أخلاقه أنّه كما تقلّد ولاية العهد، التي هي أرقى منصب في الدولة الإسلامية، لم يأمر أحد من مواليه وخدمه في الكثير من شؤونه وإنّما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه، ويقول الرواة: إنّه احتاج إلى الحمّام فكره أن يأمر أحداً بتهيئته له، ومضى إلى حمّامٍ في البلد لم يكن صاحبه يظن أنّ ولي العهد يأتي إلى الحمّام في السوق فيشغل فيه، وإنّما حمامات الملوك في قصورهم.

ولمّا دخل الإمام الحمّام كان فيه جندي، فأزال الإمام عن موضعه، وأمره أن يصب الماء على رأسه، ففعل الإمام ذلك، ودخل الحمّام رجل كان يعرف الإمام فصاح بالجندي هلكت، أتستخدم ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فذعر الجندي، ووقع على الإمام يقبّل أقدامه، ويقول له متضرّعاً: ( يا بن رسول الله! هلاّ عصيتني إذ أمرتك؟ ).

فتبسّم الإمام في وجهه وقال له، برفق ولطف: ( إنّها لمثوبة وما أردت أن أعصيك فيما أثاب عليه )(1) .

ومن سمو أخلاقه أنّه إذا جلس على مائدة أجلس عليها مماليكه حتى السايس والبوّاب، وقد أعطى بذلك درساً لهم، لقاء التمايز بين الناس وأنّهم جميعاً على صعيد واحد، ويقول إبراهيم بن العباس: سمعت علي بن موسى الرضا يقول: حلفت بالعتق، ولا أحلف بالعتق إلاّ أعتقت رقبة، وأعتقت بعدها جميع ما أملك، إن كان

____________________

(1) نور الأبصار (ص 138)، عيون التواريخ 3 / 227 مصوّر.


يرى أنّه خير من هذا، وأومأ إلى عبد أسود من غلمانه، إذا كان ذلك بقرابة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إلاّ أن يكون له عمل صالح فأكون أفضل به منه(1) .

وقال له رجل: والله ما على وجه الأرض أشرف منك أبا.

فقالعليه‌السلام : التقوى شرّفتهم، وطاعة الله أحفظتهم.

وقال له شخص آخر: ( أنت والله خير الناس... )

فرد عليه قائلاً: لا تحلف يا هذا خير منّي مَن كان أتقى الله عزّ وجل، وأطوع له، والله ما نسخت هذه الآية:

( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ) (2) .

وأُثر عنه من الشعر في ذلك قوله:

لبست بالعفّة ثوب الغنى

وصرت أمشي شامخ الراسِ

لست إلى النسناس مستأنساً

لكنّني آنس بالناسِ(3)

إذا رأيت التيه من ذي الغنى

تهت على التائه بالياسِ(4)

ما إن تفاخرت على معدمٍ

ولا تضعفت لإفلاس(5)

ودلّل هذا الشعر على سمو مكارم الإمامعليه‌السلام التي هي ملء فم الدنيا، والتي هي موضع الاعتزاز والفخر للمسلمين.

زهده:

ومن ذاتيات الإمام الرضاعليه‌السلام وعناصره الزهد في الدنيا، والإعراض عن مباهجها وزينتها، وقد تحدّث عن زهده محمد بن عباد قال: كان جلوس الرضا على حصيرة في الصيف، وعلى مسح(6) في الشتاء، ولباسه الغليظ من

____________________

(1) البحار 12 / 28.

(2) البحار 12 / 28.

(3) النسناس: دابة وهمية على شكل الإنسان.

(4) التيه: الكبر.

(5) المناقب 4 / 361.

(6) المسح: الكساء من الشعر.


الثياب حتى إذا برز الناس تزيأ(1) .

ويقول الرواة: إنّه التقى به سفيان الثوري، وكان الإمام قد لبس ثوباً من خز، فأنكر عليه ذلك وقال له: لو لبست ثوباً أدنى من هذا؟

فأخذ الإمامعليه‌السلام يده برفق، وأدخلها في كمّه فإذا تحت ذلك الثوب مسح، وقالعليه‌السلام له: ( يا سفيان الخز للخلق، والمسح للحق... )(2) .

لقد كان الزهد من أبرز الذاتيات في خلق الإمام الرضاعليه‌السلام ومن أظهر مكوّناته النفسية، ويجمع الرواة أنّه حينما تقلّد ولاية العهد لم يحفل بأيّ مظهرٍ من مظاهر السلطة، ولم يقم لها أي وزن ولم يرغب في أي موكب رسمي، وكره مظاهر العظمة التي يقيمها الناس لملوكهم.

سخاؤه:

ولم يكن شيء في الدنيا أحب إلى الإمام الرضاعليه‌السلام من الإحسان إلى الناس والبر بالفقراء، وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من جوده وإحسانه كان منها ما يلي:

1 - إنّه أنفق جميع ما عنده على الفقراء حينما كان في خراسان، وذلك في يوم عرفة فأنكر عليه الفضل بن سهل، وقال له: ( إنّ هذا المغرم... )

فأجابه الإمام: ( بل هو المغنم لا تحدث مغرماً، ما ابتغيت به أجراً وكرماً )(3) .

إنّه ليس من المغرم في شيء صلة الفقراء والإحسان إلى الضعفاء ابتغاء مرضاة الله تعالى، وإنّما المغرم هو الإنفاق بغير وجه مشروع كإنفاق الملوك والوزراء الأموال الطائلة على المغنّيين والعابثين.

2 - ووفد عليه رجل فسلم عليه، وقال له:

أنا رجل من محبّيك ومحبي آبائك، ومصدري من الحج، وقد نفذت نفقتي، وما معي ما أبلغ مرحلة، فإن رأيت أن

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 178، المناقب 4 / 361.

(2) حياة الإمام محمد الجواد (ص 39).

(3) حياة الإمام محمد الجواد (ص 40).


ترجعني إلى بلدي، فإذا بلغت تصدقت بالذي تعطيني عنك، فقال له: اجلس رحمك الله واقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا، وبقي هو وسليمان الجعفري، وحيثمة، فاستأذن الإمام منهم ودخل الدار ثم خرج ورد الباب وخرج من أعلى الباب، وقال: أين الخراساني، فقام إليه فقالعليه‌السلام له: خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مؤونتك ونفقتك، ولا تتصدق بها عنّي، وانصرف الرجل مسروراً قد غمرته نعمة الإمام، والتفت إليه سليمان فقال له: ( جُعلت فداك لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه... ).

فأجابهعليه‌السلام : إنّما صنعت ذلك ( مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أما سمعت حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجّة، والمذيع بالسيئة مخذول... ) أما سمعت قول الشاعر:

متى آته يوماً لأطلب حاجة

رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه(1)

3 - ومن سخائه أنّه إذا أتي بصفحة؟ طعام عمد إلى أطيب ما فيها من طعام، ووضعه في تلك الصفحة، ثم يأمر بها إلى المساكين، ويتلو هذه الآية( فلا اقتحم العقبة ) ثم يقول: علم الله عزّ وجل أن ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل له السبيل إلى الجنّة(2) .

4 - ومن بوادر جوده وكرمه أنّ فقيراً قال له:

( أعطني على قدر مروتك... )

فأجابه الإمام: ( لا يسعني ذلك... )

والتفت الفقير إلى خطأ كلامه فقال ثانياً: ( اعطني على قدر مروتي... ).

وقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبِشر قائلاً: ( إذن نعم... ) وأمر له بمائتي دينار(3) إنّ مروءة الإمام لا تُعد، فلو أعطاه جميع ما عنده فإنّ ذلك

____________________

(1) البحار 12 / 28.

(2) البحار 12 / 28.

(3) المناقب 4 / 361.


ليس على قدر مروءته ورحمته التي هي امتداد لمروءة جدّه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

5 - ومن معالي كرمه ما رواه أحمد بن عبيد الله عن الغفاري، قال: كان لرجل من آل أبي رافع، مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عليّ حق فتقاضاني، وألحّ عليّ، فلمّا رأيت ذلك صلّيت الصبح في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم توجّهت نحو الإمام الرضاعليه‌السلام وكان في العريض، فلمّا قربت من بابه خرج وعليه قميص ورداء فلمّا نظرت إليه، استحييت منه، ووقف لمّا رآني فسلّمت عليه، وكان ذلك في شهر رمضان، فقلت له: جُعلت فداك، لمولاك علي - فلان - عليّ حق، شهرني، فأمرني بالجلوس حتى يرجع فلم أزل في ذلك المكان حتى صلّيت المغرب، وأنا صائم، وقد مضى بعض الوقت فهممت بالانصراف، فإذا الإمام قد طلع وقد أحاط به الناس، وهو يتصدّق على الفقراء والمحوجين، ومضيت معه حتى دخل بيته، ثم خرج فدعاني فقمت إليه، وأمرني بالدخول إلى منزله فدخلت، وأخذت أحدّثه عن أمير المدينة فلمّا فرغت من حديثي قال لي: ما أظنّك أفطرت بعد، قلت: لا فدعاني بطعام، وأمر غلامه أن يتناول معي الطعام ولمّا فرغت من الإفطار أمرني أن أرفع الوسادة، وآخذ ما تحتها فرفعتها فإذا دنانير فوضعتها في كمّي، وأمر بعض غلمانه أن يبلغوني إلى منزلي، فمضوا معي، ولمّا صرت إلى منزلي دعوت السراج ونظرت إلى الدنانير فإذا هي ثمانية وأربعون ديناراً، وكان حق الرجل عليّ ثمانية وعشرين ديناراً، وقد كتب على دينار منها أنّ حق الرجل عليك ثمانية وعشرين ديناراً، وما بقي فهو لك(1) .

هذه بعض بوادر كرمه، وهي تنمّ عن نفس خُلقت للإحسان والبر والمعروف.

تكريمه للضيوف:

كانعليه‌السلام يكرم الضيوف، ويغدق عليهم بنعمه وإحسانه، وكان يبادر بنفسه لخدمتهم، وقد استضافه شخص، وكان الإمام يحدّثه في بعض الليل فتغيّر السراج فبادر الضيف لإصلاحه فوثب الإمام، وأصلحه بنفسه، وقال لضيفه: إنّا قوم لا نستخدم أضيافنا(2) .

____________________

(1) البحار 12 / 28.

(2) البحار 12 / 18.


عتقه للعبيد:

ومن أحب الأمور إلى الإمام الرضاعليه‌السلام عتقه للعبيد، وتحريرهم من العبودية، ويقول الرواة: إنّه أعتق ألف مملوك(1) .

إحسانه إلى العبيد:

وكان الإمامعليه‌السلام كثير البر والإحسان إلى العبيد، وقد روى عبد الله بن الصلت عن رجل من أهل (بلخ)، قال: كنت مع الإمام الرضاعليه‌السلام في سفره إلى خراسان فدعا يوماً بمائدة فجمع عليها مواليه، من السودان وغيرهم، فقلت: جُعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة فأنكر عليه ذلك وقال له: ( إنّ الربّ تبارك وتعالى واحد، والأُمّ واحدة، والجزاء بالأعمال... )(2) .

إنّ سيرة أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام كانت تهدف إلى إلغاء التمايز: بالتقوى والعمل الصالح.

علمه:

والشيء البارز في شخصية الإمام الرضاعليه‌السلام هو إحاطته التامة بجميع أنواع العلوم والمعارف، فقد كان بإجماع المؤرّخين والرواة أعلم أهل زمانه، وأفضلهم وأدراهم بأحكام الدين، وعلوم الفلسفة والطب وغيرها من سائر العلوم، وقد تحدّث عبد السلام الهروي عن سعة علومه، وكان مرافقا له يقول: ( ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا، ما رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة، والمتكلّمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي منهم أحد إلاّ أقرّ له بالفضل، وأقرّ له على نفسه بالقصور، ولقد سمعته يقول: كنت أجلس في ( الروضة ) والعلماء بالمدينة متوافرون فإذا عي الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم، وبعثوا إلي المسألة فأجيب عنها... )(3) .

____________________

(1) الإتحاف بحب الأشراف (ص 58).

(2) البحار 12 / 18.

(3) كشف الغمّة 3 / 107.


لقد كان الإمام أعلم أهل زمانه، كما كان المرجع الأعلى في العالم الإسلامي الذي يرجع إليه العلماء والفقهاء فيما خفي عليهم من أحكام الشريعة، والفروع الفقهية.

ويقول إبراهيم بن العباس:

( ما رأيت الرضا يسأل عن شيء قط إلاّ علم، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأول، إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شئ فيجيب... )(1).

لقد كان الإمام الرضاعليه‌السلام من عمالقة الفكر في الإسلام، وهو ممّن صنع للمسلمين حياتهم العلمية والثقافية.

وقال المأمون: ( ما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل ( يعني الإمام الرضا ) على وجه الأرض... )(2).

وقد دلّلت مناظراته في خراسان والبصرة والكوفة حيث سُئل عن أعقد المسائل، فأجاب عنها جواب العالم الخبير المتخصّص، وقد أذعنت له جميع علماء الدنيا - في عصره - وأقرّوا له بالفضل والتفوّق عليهم.

معرفته بجميع اللغات:

وظاهرة أُخرى من علومه ومعرفته التامة، وإحاطته الشاملة بجميع اللغات، ويدلّل على ذلك ما رواه أبو إسماعيل السندي، قال: سمعت بالهند أنّ لله في العرب حجّة، فخرجت في طلبه، فدللت على الرضاعليه‌السلام فقصدته وأنا لا أُحسن العربية، فسلّمت عليه بالسندية، فرد عليّ بلغتي، فجعلت أكلّمه بالسندية، وهو يرد علي بها، وقلت له: إنّي سمعت أنّ لله حجّة في العرب، فخرجت في طلبه، فقالعليه‌السلام : أنا هو، ثم قال لي: سل عمّا أردته فسألته عن مسائل فأجابني عنها بلغتي(3) عليه‌السلام وقد أكّد هذه الظاهرة الكثيرون ممّن اتصلوا بالإمام، يقول أبو الصلت الهروي: كان الرضاعليه‌السلام يكلّم الناس بلغاتهم، فقلت له: في ذلك فقال:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 180، الإمام الجواد (ص 42)، الإتحاف بحب الأشراف.

(2) أعيان الشيعة 4 / ق 2.

(3) البحار 12 / 15.


( يا أبا الصلت أنا حجّة الله على خلقه، وما أنّ الله ليتخذ حجّة على قوم، وهو لا يعرف لغاتهم، أو ما بلغك قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : أوتينا فصل الخطاب، وهل هو إلاّ معرفته اللغات )(1) .

وروى ياسر الخادم قال: كان لأبي الحسنعليه‌السلام في البيت صقالبة، وروم، وكان أبو الحسن قريباً منهم فسمعهم يتكلّمون بالصقلبية والرومية، ويقولون: إنّا كنّا نقصد كل سنة في بلادنا، ولا نقصد ها هنا، ولمّا كان من الغد بعث إليهم مَن يقصدهم(2) .

ونظم هذه الظاهرة الشيخ محمد بن الحسن الحر في أُرجوزته يقول:

وعلمه بجملة اللغات

من أوضح الإعجاز والآيات(3)

الملاحم والأحداث:

وأخبر الإمام الرضاعليه‌السلام عن كثير من الملاحم والأحداث قبل وقوعها، وتحقّقت بعد ذلك على الوجه الأكمل الذي أخبر به، وهي تؤكّد - بصورة واضحة - أصالة ما تذهب إليه الشيعة من أنّ الله تعالى قد منح أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام المزيد من الفضل والعلم، كما منح رسله، ومن بين ما أخبر به ما يلي:

1 - روى الحسن بن بشار قال:

قال الرضا: إنّ عبد الله - يعني المأمون - يقتل محمداً - يعني الأمين - فقلت له: عبد الله بن هارون يقتل محمد بن هارون، قال نعم: عبد الله الذي بخراسان يقتل محمد بن زبيدة الذي هو ببغداد... وكان يتمثّل بهذا البيت:

وإنّ الضغن بعد الضغن يفشو

عليك، ويخرج الداء الدفينا(4)

ولم تمض الأيام حتى قتل المأمون أخاه الأمين... وسنعرض لذلك في بحوث هذا الكتاب.

2 - ومن بين الأحداث التي أخبر عنها: إنّه لمّا خرج محمد بن الإمام الصادق بمكة، ودعا الناس إلى نفسه، وخلع بيعة المأمون، قصده الإمام الرضا، وقال له: يا عمّ

____________________

(1) المناقب 4 / 333.

(2) المناقب 4 / 334.

(3) نزهة الجليس 2 / 107.

(4) المناقب 4 / 335، جوهرة الكلام (ص 146).


لا تكذب أباك، ولا أخاك - يعني الإمام الكاظمعليه‌السلام - فإنّ هذا الأمر لا يتم، ثم خرج، ولم يلبث محمد إلاّ قليلاً حتى لاحقته جيوش المأمون بقيادة الجلودي، فانهزم محمد ومَن معه، وطلب الأمان، فآمنه الجلودي، وصعد المنبر وخلع نفسه، وقال: إنّ هذا الأمر للمأمون وليس لي فيه حق(1) .

3 - روى الحسين نجل الإمام موسىعليه‌السلام قال: كنّا حول أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، ونحن شبّان من بني هاشم، إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي وهو رثّ الهيئة فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئته، فقال الرضا: لترونه عن قريب كثير المال، كثير التبع، فما مضى إلا شهر ونحوه، حتى ولي المدينة وحسنت حاله(2) .

4 - روى محول السجستاني قال: لمّا جاء البريد بأشخاص الإمام الرضاعليه‌السلام ، إلى خراسان كنت أنا بالمدينة فدخل المسجد ليودّع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فودّعه مراراً كل ذلك يرجع إلى القبر، ويعلو صوته بالبكاء والنحيب، فتقدّمت إليه، وسلّمت عليه، فرد السلام، وهنّأته، فقال: ذرني فإنّي أخرج من جوار جدّي، فأموت في غربة، وأدفن في جنب هارون، قال: فخرجت متبعاً طريقه، حتى وافى خراسان فأقام فيها وقتاً ثم دُفن بجنب هارون(3) .

وتحقّق ما أخبر به فقد مضى إلى خراسان، ولم يعد منها واغتاله المأمون العباسي، ودُفن إلى جانب هارون.

5 - روى صفوان بن يحيى قال: لما مضى أبو إبراهيم - يعني الإمام الكاظمعليه‌السلام - وتكلّم أبو الحسن الرضاعليه‌السلام خفنا عليه فقيل له: إنّك قد أظهرت أمرا عظيما، وإنّا نخاف عليك هذا الطاغية - يعني هارون - فقالعليه‌السلام ليجهد جهده فلا سبيل له علي(4) .

وتحقيق ذلك: فإنّ هارون لم يعرض له بسوء، وقد اكد الامام هذا المعنى لبعض أصحابه، فقد روى محمد بن سنان قال: قلت: لأبي الحسن الرضا في أيام هارون

____________________

(1) البحار 12 / 13.

(2) الفصول المهمّة (ص 229)، بحار الأنوار 12 / 13.

(3) الإتحاف بحب الأشراف (ص 59)، أخبار الدول (ص 114).

(4) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 97.


إنّك قد شهدت نفسك بهذا الأمر، وجلست مجلس أبيك، وسيف هارون يقطر الدم - أي من دماء أهل البيت وشيعتهم – فقالعليه‌السلام : جرأني على هذا ما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة، فاشهدوا أنّي لست بنبي، وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أنّي لست بإمام(1) .

لقد أعلنعليه‌السلام غير مرّة أنّ هارون لا يعرض له بسوء، وأنّه يدفن إلى جانب هارون، فقد روى حمزة ابن جعفر الأرجاني خرج هارون من المسجد الحرام من باب، وخرج علي الرضا من باب فقالعليه‌السلام : ( يا بعد الدار وقرب الملتقى إنّ طوس ستجمعني وإيّاه )(2) .

وأكّد الإمام دفنه بالقرب من هارون في كثير من الأحاديث، فقد روى موسى بن هارون قال: رأيت علياً الرضا في مسجد المدينة، وهارون الرشيد يخطب، قالعليه‌السلام : تروني وإيّاه ندفن في بيت واحد(3) .

6 - ومن بين الأحداث التي أخبر عنها أنّه أخبر عن نكبة البرامكة، فقد روى مسافر قال: كنت مع أبي الحسن علي الرضا، فمرّ يحيى بن خالد البرامكي، وهو مغطٍ وجهه بمنديل من الغبار، فقالعليه‌السلام : مساكين هؤلاء ما يدرون ما يحل بهم في هذه السنة.

وأضاف الإمام قائلاً: وأعجب من هذا أنا وهارون كهاتين، وختم إصبعيه السبابة والوسطى. قال مسافر: فو الله ما عرفت معنى حديثه في هارون إلاّ بعد موت الرضا، ودفنه بجانبه(4) .

7 - روى محمد بن عيسى عن أبي حبيب النباجي قال: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام، قد وافى النباج(5) ونزل في المسجد الذي ينزله الحجاج في كل سنة وكأنّي مضيت إليه، سلّمت عليه، وكان بين يديه طبق من خوص فيه تمر

____________________

(1) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 97.

(2) الإتحاف بحب الأشراف (ص 59).

(3) الإتحاف بحب الأشراف (ص 59).

(4) الإتحاف بحب الأشراف (ص 59).

(5) النباج: منزل لحجّاج البصرة.


صيحاني، وكأنّه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني فعددته فكان ثماني عشر تمرة، فتأوّلت الرؤيا بأنّي أعيش بعدد كل تمرة سنة فلما كان عشرين يوماً كنت في أرض تعمر لي بالزراعة، إذ جاءني مَن أخبرني بقدوم الرضا من المدينة ونزوله في ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه في المنام، وبين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني، فسلّمت عليه، فردّ علي السلام، واستدناني فناولني قبضة من ذلك التمر فعددته فإذا هو بعدد ما ناولني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت: زدني يا بن رسول الله، فقال: لو زادك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لزدناك(1) .

8 - روى جعفر بن صالح قال: أتيت الرضا، فقلت: امرأتي حامل فادع الله أن يجعله ذكرا، فقال: هما اثنان، فانصرفت وقلت: اسمّي أحدهما محمّداً، والآخر عليّاً، ثم أتيته فقال لي: سم واحدا عليّاً والآخر أم عمرو فلمّا قدمت الكوفة رأيتها ولدت غلاماً وبنتاً، فسمّيت الذكر عليّاً، والأُنثى أم عمرو(2) .

وذكر الرواة بوادر كثيرة من الملاحم والأحداث التي أخبر عنها قبل وقوعها، وهي تدلّل على ما منحه الله من العلم بمجريات الأحداث الذي خصّ به أولياءه وعباده الصالحين.

عبادته وتقواه:

ومن أبرز ذاتيّات الإمام الرضاعليه‌السلام انقطاعه إلى الله تعالى، وتمسّكه به، وقد ظهر ذلك في عبادته، التي مثلّت جانباً كبيراً من حياته الروحية التي هي نور وتقوى وورع، يقول بعض جماعته: ما رأيته قط إلاّ ذكرت قوله تعالى:( كَانُوا قَلِيلاً منَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) ويقول الشبراوي عن عبادته: إنّه كان صاحب وضوء وصلاة، وكان في ليله كلّه يتوضّأ ويصلّي، ويرقد وهكذا إلى الصباح(3) .

لقد كان الإمامعليه‌السلام أتقى أهل زمانه، وأكثرهم طاعة لله تعالى؛ اسمعوا ما يرويه رجاء بن أبي الضحاك عن عبادة الإمام، وكان المأمون قد بعثه إلى

____________________

(1) كشف الغمّة 3 / 103، جامع كرامات الأولياء 2 / 156، نور الأبصار.

(2) جوهرة الكلام (ص 146).

(3) الإتحاف بحب الأشراف (ص 59).


الإمام ليأتي به إلى ( خراسان )، فكان معه من المدينة المنورة إلى مرو يقول: ( والله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله منه، ولا أكثر ذكراً له في جميع أوقاته منه، ولا أشد خوفاً لله عزّ وجل، كان إذا أصبح صلّى الغداة فإذا سلّم جلس في مصلاّه يسبّح الله، ويحمده ويكبّره، ويهلّله، ويصلّي على النبي وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار، ثم يقبل على الناس يحدثهم، ويعظهم إلى قرب الزوال، ثم جدّد وضوءه، وعاد إلى مصلاّه، فإذا زالت الشمس قام وصلّى ست ركعات يقرأ في الركعة الأُولى الحمد، وقل يا أيّها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، ويقرأ في الأربع في كل ركعة الحمد لله، وقل هو الله أحد، ويسلّم، وفي كل ركعتين يقنت فيهما في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، ثم يؤذّن، ثم يصلّي ركعتين ثم يقيم، ويصلّي الظهر، فإذا سلّم سبّح الله وحمده، وكبّره، وهلّله ما شاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر، ويقول فيها مائة مرة شكراً لله، فإذا رفع رأسه قام فصلّى ست ركعات، يقرأ في كل ركعة الحمد لله، وقل هو الله أحد، ويسلّم في كل ركعتين، ويقنت في ثانية كل ركعتين قبل الركوع وبعد القراءة، ثم يؤذّن، ثم يصلّي ركعتين ويقنت في الثانية، فإذا سلّم قام وصلّى العصر، فإذا سلّم جلس في مصلاّه يسبّح الله، ويحمده، ويكبّره، ويهلّله، ثم يسجد سجدة يقول فيها: مائة مرة حمداً لله، فإذا غابت الشمس، توضأ وصلّى المغرب ثلاثاً بأذان وإقامة، وقنت في الثانية، قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلاّه يسبّح الله ويحمده، ويكبّره، ويهلّله ما شاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر، ثم يرفع رأسه، ولا يتكلّم، حتى يقوم ويصلّي أربع ركعات بتسليمتين، يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، وكان يقرأ في الأُولى من هذه الأربع الحمد وقل يا أيّها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، ثم يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله حتى يمسي، ثم يفطر، ثم يلبث حتى يمضي من الليل قريب من الثلث، ثم يقوم فيصلّي العشاء والآخرة أربع ركعات، ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة فإذا سلّم جلس في مصلاّه يذكر الله عزّ وجل ويسبّحه ويحمده ويكبّره ويهلّله ما شاء الله، ويسجد بعد التعقيب سجدة الشكر ثم يأوي إلى فراشه، وإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير


والتهليل والاستغفار، فاستاك ثم توضأ ثم قام إلى صلاة الليل، فصلّى ثمان ركعات ويسلّم في كل ركعتين، يقرأ في الأوّلين منها في كل ركعة الحمد وثلاثين مرة قل هو الله أحد.

ويصلي صلاة جعفر بن أبي طالب أربع ركعات يسلّم في كل ركعتين، ويقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع، ويحتسب بها من صلاة الليل، ثم يصلّي الركعتين الباقيتين، يقرأ في الأُولى الحمد وسورة الملك، وفي الثانية الحمد وهل أتى على الإنسان، ثم يقوم فيصلّي ركعتي الشفع، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات، ويقنت في الثانية، ثم يقوم فيصلّي الوتر ركعة يقرأ فيها الحمد، وقل هو الله أحد ثلاث مرات وقل أعوذ برب الفلق مرة واحدة، وقل أعوذ برب الناس مرة واحدة، ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة ويقول في قنوته: ( اللّهم صلِّ على محمد وآل محمد، اللّهم اهدنا فيمَن هديت وعافنا فيمَن عافيت، وتولّنا فيمَن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، فإنّك تقضي ولا يُقضى عليك، إنّه لا يذل مَن واليت، ولا يعز مَن عاديت، تباركت وتعاليت... )

ثم يقول: استغفر الله وأسأله التوبة سبعين مرة، فإذا سلّم جلس في التعقيب ما شاء الله، وإذا قرب الفجر قام فصلّى ركعتين الفجر يقرأ في الأُولى الحمد وقل يا أيّها الكافرون وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، فإذا طلع الفجر أذّن وأقام وصلّى الغداة ركعتين، فإذا سلّم جلس في التعقيب حتى تطلع الشمس، ثم سجد سجدة الشكر حتى يتعالى النهار... )(1) .

لقد عرض هذا الحديث بالتفصيل إلى صلاة الإمام الرضاعليه‌السلام المفروضة ونوافلها، وما يقرأ فيها من سور القرآن الكريم، والتعقيبات التي يؤدّيها، معنى ذلك أنّه كان في أغلب أوقاته مشغولاً بعبادة الله تعالى.

لقد سرى حبّ الله في قلب الإمام، وتفاعل في عواطفه ومشاعره حتى صار عنصراً من عناصره وذاتياً من ذاتيّاته.

دعاؤه في قنوته:

وكان الإمامعليه‌السلام يدعو بهذا الدعاء الجليل في قنوته:

____________________

(1) البحار 12 / 26 - 27 وفي الحديث بقيّة إلى بيان بعض أذكاره وعباداته وقرائته لبعض السور في صلاته المندوبة.


( الفزع، الفزع إليك، يا ذا المحاضرة والرغبة، الرغبة إليك يا من به المفاخرة، وأنت اللّهمّ مشاهد هواجس النفوس، ومراصد حركات القلوب، ومطالع مسرّات السرائر من غير تكلّف ولا تعسّف، وقد ترى اللّهمّ ما ليس عنك بمنظور، ولكن حلمك من أهله عليه جرأة وتمرداً، وعتوّاً وعناداً، وما يعانيه أولياؤك من تعفية آثار الحق، ودروس معالمه، وتزايد الفواحش، واستمرار أهلها عليها، وظهور الباطل، وعموم التغاشم، والتراضي بذلك المعاملات والمتفرقات، قد جرت به العادات، وصار كالمفروضات والمسنونات، اللّهمّ فبادر الذي مَن أعنته به فاز، ومَن أيّدته لم يخف لمز عاز، وخذ الظالم أخذاً عنيفاً، ولا تكن له راحماً ولا به رؤوفاً اللّهمّ بادرهم اللّهمّ عاجلهم اللّهمّ لا تمهلهم اللّهمّ غادرهم بكرة وهجرة، وسحرة وبياتاً، وهم نائمون وضحى وهم يلعبون، ومكراً وهم يمكرون وفجأة وهم آمنون، اللّهمّ بدّدهم، وبدّد أعوانهم، وأقلل أعضادهم واهزم جنودهم وأقلل حدهم، واجتث سنامهم، وأضعف عزائمهم، اللّهمّ امنحنا أكنافهم، وملّكنا أكنافهم، وبدّلهم بالنعم وبدّلنا من محاذرتهم وبغيهم بالسلام، وافنمناهم أكمل المغنم، اللّهمّ لا ترد بأسك الذي إذا حلّ بقوم فساء صباح المنذرين... )(1)

وحكى هذا الدعاء نقمة الإمامعليه‌السلام على الظالمين والمستبدّين من حكّام عصره، الذين أغرقوا العالم الإسلامي بالمحن والخطوب وأرغموا المسلمين على ما يكرهون، وهذا الدعاء من الأدعية السياسية التي حكت الأوضاع الراهنة في ذلك العصر.

دعاؤه في سجدة الشكر:

روى سليمان بن جعفر قال: دخلنا على الإمام الرضاعليه‌السلام ، وهو

____________________

(1) مهج الدعوات (ص 73).


ساجد في سجدة الشكر، فأطال سجوده، ثم رفع رأسه، فسألوه عن إطالة سجوده، فأخبرهم أنّه دعا بهذا الدعاء، وحثّهم عليه، وأمرهم بكتابته فكتبوه، وهذا نصّه:

( اللّهمّ العن اللذين بدّلا دينك، وغيّرا نعمتك، واتهما رسولكصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وخالفا ملّتك، وصدّا عن سبيلك، وكفرا آلاءك، وردّا عليك كلامك، واستهزءا برسولك وقتلا ابن نبيّك، وحرّفا كتابك، وجحدا آياتك، وجلسا في مجلس لم يكن لهما بحق، وحمله الناس على أكتاف آل محمد، اللّهمّ العنهما لعناً يتلو بعضه بعضاً، واحشرهما واتباعهما إلى جهنم زرقاً، اللّهمّ إنّا نتقرّب إليك باللعنة عليهما، والبراءة منهما في الدنيا والآخرة، اللّهم العن قتلة أمير المؤمنين، وقتلة الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اللّهمّ زدهما عذاباً فوق عذاب، وهواناً فوق هوان، وذلاً فوق ذل، وخزياً فوق خزي، اللّهمّ دعّهما في النار دعّاً، واركسهما في أليم عذابك ركساً، اللّهم احشرهما وأتباعهما إلى جهنم زمراً، اللّهمّ فرّق جمعهم وشتّت أمرهم، وخالف بين كلمتهم، وبدّد جماعتهم، والعن أئمّتهم، واقتل قادتهم، وسادتهم، وكبراءهم، والعن رؤساءهم، واكسر راياتهم، والق البأس بينهم، ولا تبق منهم دياراً.

اللّهم العن أبا جهل والوليد لعناً يتلو بعضه بعضاً، ويتبع بعضه بعضاً، اللّهمّ العنهما لعناً يلعنهما به كل ملك مقرّب، وكل نبي مرسل، وكل مؤمن امتحنت قلبه للإيمان اللّهمّ العنهما لعناً يتعوّذ منه أهل النار، اللّهمّ العنهما لعناً لم يخطر لأحدٍ ببال، اللّهمّ العنهما في ستر سرك، وظاهر علانيتك، وعذبهما عذاباً في التقدير وشارك معهما... وأشياعهما ومحبيهما ومَن شايعهما إنّك سميع الدعاء )(1) .

ويمثّل هذا الدعاء مدى نقمة الإمام على بعض الخلفاء الذين استولوا بغير حق على السلطة العامّة في البلاد، فجرّوا الويل والدمار للعالم الإسلامي؛ وذلك بإقصاء العترة الطاهرة عن السلطة، وهي أعلم بشؤون الإسلام وأحكامه من غيرهم، وهذا الدعاء الجليل من الأدعية السياسية.

تسلّحه بالدعاء:

ومن مظاهر حياة الإمام الروحية تسلّحه بالدعاء إلى الله تعالى والتجائه إليه في

____________________

(1) مهج الدعوات (ص 320).


جميع أُموره، وكان يجد فيه متعة روحية لا تعادلها أية متعة من متع الحياة، وقبل أن نعرض لبعض أدعيته، نذكر ما أُثر عنه من أهمّية الدعاء وغيره:

الدعاء سلاح الأنبياء:

حثّ الإمامعليه‌السلام أصحابه على الدعاء إلى الله، فقال لهم: عليكم بسلاح الأنبياء، فقيل له: وما سلاح الأنبياء؟ قال: الدعاء(1) .

إخفاء الدعاء:

وأوصى الإمام أصحابه بإخفاء الدعاء، وأن يدعو الإنسان ربّه سرّاً لا يعلم به أحد، قالعليه‌السلام : دعوة العبد سرّاً دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية(2).

إبطاء الإجابة في الدعاء:

وتحدّث الإمامعليه‌السلام عن الأسباب التي توجب إبطاء الإجابة في الدعاء، فقد روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: قلت لأبي الحسن - يعني الإمام الرضا -: جُعلت فداك إنّي قد سألت الله حاجة منذ كذا وكذا سنة، وقد دخل قلبي من إبطائها شيء؟

فقالعليه‌السلام : يا أحمد إيّاك والشيطان أن يكون له عليك سبيل حتى يقنطك، إنّ أبا جعفر - يعني الإمام الباقر - صلوات الله عليه كان يقول: إنّ المؤمن يسأل الله عزّ وجل حاجته فيؤخّر عنه تعجيل إجابته حبّاً لصوته، واستماع نحيبه، ثم قال: والله ما أخّر الله عزّ وجل عن المؤمنين ما يطلبون من هذه الدنيا خير لهم ممّا عجّل لهم فيها، وأي شيء الدنيا؟ إنّ أبا جعفرعليه‌السلام كان يقول: ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحواً من دعائه في الشدّة، ليس إذا أُعطي فتر، فلا تملّ الدعاء فإنّه من الله عزّ وجل بمكان - أي بمنزلة - وعليك بالصبر، وطلب الحلال، وصلة الرحم، وإيّاك ومكاشفة الناس، فإنّا أهل بيت نصل مَن قطعنا، ونحسن إلى مَن أساء إلينا، فنرى والله في ذلك العاقبة الحسنة، إنّ صاحب النعمة في عينه، فلا يشبع من شيء، وإذا أكثرت النعم كان المسلم من ذلك في خطر للحقوق التي تجب عليه، وما يخاف من الفتنة فيها.

____________________

(1) أصول الكافي 2 / ج 368.

(2) أصول الكافي 2 / 476.


أخبرني عنك لو أنّي قلت لك قولاً، أكنت تثق به منّي؟ وسارع أحمد قائلا: ( جعلت فداك إذا لم أثق بقولك فبمن أثق، وأنت حجّة الله على خلقه... ) فأجابه الإمام: ( فكن بالله أوثق؛ فإنّك على موعد من الله، أليس الله عزّ وجل يقول:( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (1) ، وقال:( لا تقنطوا من رحمة الله ) (2) وقال:( والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ) (3) .

فكن بالله عزّ وجل أوثق منك بغيره، ولا تجعلوا في أنفسكم إلا خيرا فإنه مغفور لكم )(4) .

وأعرب الإمامعليه‌السلام عن الأسباب التي تحجب الدعاء، وتؤخّر إجابته، كما دعا إلى التحلّي بأخلاق أهل البيتعليه‌السلام والاقتداء بهم.

حرزه:

كان الإمامعليه‌السلام يتسلّح بهذا الدعاء الشريف: ( بسم الله الرحمن الرحيم، يا مَن لا شبيه له، ولا مثال، أنت الله لا إله إلاّ أنت، ولا خالق إلاّ أنت، تفني المخلوقين، وتبقى، أنت حلمت عمّن عصاك وفي المغفرة رضاك )(5) .

كما كان متشبّثاً بهذا الدعاء الجليل: ( استسلمت يا مولاي لك وأسلمت نفسي إليك، وتوكّلت في كل أموري عليك، وأنا عبدك وابن عبديك، فأخبأني اللّهمّ في سترك عن شرار خلقك، واعصمني من كل أذىً وسوء بمنّك، واكفني شرّ كل ذي شر، بقدرتك. اللّهم مَن كادني أو أرادني فإنّي أدرأ بك في نحره، فسد عنّي أبصار الظالمين إذ كنت ناصري، لا إله إلاّ أنت يا أرحم الراحمين وإله العالمين، أسألك كفاية الأذى، والعافية والشفاء والنصر على الأعداء، والتوفيق لما تحب ربنا وترضى، يا ربّ العالمين، يا جبّار السماوات والأرضين، يا رب محمد وآله الطيبين الطاهرين،

____________________

(1) سورة البقرة / آية 186.

(2) سورة الزمر / آية 53.

(3) سورة البقرة / آية 268.

(4) أصول الكافي 2 / 489.

(5) مهج الدعوات (ص 44).


صلواتك عليهم أجمعين )(1) .

لقد استسلم الإمامعليه‌السلام ، وأسلم نفسه، وجميع أموره للواحد القهار الذي بيده جميع مجريات الاحداث، وقد احتجت بهذا الدعاء ليرد الله عنه كيد المعتدين، وظلم الظالمين.

من أدعيته:

وأُثرت عن الإمام الرضاعليه‌السلام كوكبة من الأدعية الشريفة كان من بينها ما يلي:

1 - من أدعيته هذا الدعاء يطلب فيه الإمامعليه‌السلام الأمن والإيمان قال: ( يا مَن دلّني على نفسه، وذلّل قلبي بتصديقه، أسألك الأمن والإيمان في الدنيا والآخرة... )(2) .

وحفل هذا الدعاء على إيجازه، بظاهرة من ظواهر التوحيد وهي أنّ الله تعالى دلّل على ذاته، وعرف نفسه لخلقه؛ وذلك بما أودعه، وأبدعه، في هذا الكون من العجائب والغرائب، وكلّها تنادي بوجوده.

2 - وكانعليه‌السلام يدعو بهذا الدعاء الجليل:

( اللّهمّ أعطني الهدى وثبّتني عليه، واحشرني عليه آمنا أمن مَن لا خوف عليه، ولا حزن ولا جزع، إنّك أهل التقوى، وأهل المغفرة... )(3) .

لقد دعا الإمامعليه‌السلام بطلب الهداية، والانقياد الكامل إلى الله الذي هو من أعلى درجات المقرّبين والمنيبين إلى الله تعالى.

3 - من أدعيته هذا الدعاء الشريف، وقد علّمه لصاحبه وتلميذه موسى بن بكير، وقال له: احفظ ما أكتبه لك، وادع به في كل شدّة تخاف منها، وقد جاء فيه بعد البسملة: ( اللّهمّ إنّ ذنوبي وكثرتها قد أخلقت وجهي عندك، وحجبتني عن استيهال رحمتك، وباعدتني عن استيجاب مغفرتك، ولولا تعلّقي بآلائك، وتمسّكي بالدعاء

____________________

(1) المصباح (ص 217).

(2) أصول الكافي 2 / 579.

(3) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 197.


وما وعدت أمثالي من المسرفين، وأشباهي من الخاطئين، وأوعدت القانطين من رحمتك بقولك:

( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم ) وحذّرت القانطين من رحمتك فقلت:( ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون ) ثم ندبتنا برأفتك إلى دعائك فقلت:( ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) . إلهي اليأس علي مشتملاً، والقنوط من رحمتك علي ملتحفاً، إلهي لقد وعدت المحسن ظنّه بك ثواباً، وأوعدت المسئ ظنّه بك عقاباً، اللّهمّ وقد أمسك رمقي حسن الظن بك في عتق رقبتي من النار، وتغمّد زلّتي، وإقالة عثرتي، اللّهمّ قولك الحق الذي لا خلف له، ولا تبديل:( يوم ندعو كل أناس بامامهم ) وذلك يوم النشور، إذا نفخ في الصور، وبعثر ما في القبور، اللّهم فإنّي أؤمن، وأشهد، وأقر، ولا أنكر، ولا أجحد، وأسر وأعلن، وأظهر وأبطن، بأنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمّداً عبدك ورسولكصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ عليّاً أمير المؤمنين سيّد الأوصياء ووارث علم الأنبياء، علم الدين، ومبير المنافقين، ومجاهد المارقين إمامي وحجّتي، وعروتي وصراطي ودليلي وحجّتي، ولا أثق بأعمالي، ولو زكت، ولا أراها منجية لي ولو صلحت إلاّ بولايته والائتمام به، والإقرار بفضائله، والقبول من حملتها، والتسليم لرواتها، وأقرّ بأوصيائه من آبائه أئمّة وحججاً وأدلة وسرجاً، وأعلاماً ومناراً وسادةً وأبراراً، وأومن بسرّهم وجهرهم وظاهرهم وباطنهم وشاهدهم وغائبهم، وحيّهم وميتهم، لا شك في ذلك ولا ارتياب عند تحوّلك، ولا انقلاب.

اللّهمّ فادعني يوم حشري ونشري بإمامتهم وأنقذني بهم، يا مولاي من حر النيران، وإن لم ترزقني روح الجنان، فإنّك إن أعتقتني من النار كنت من الفائزين، اللّهمّ وقد أصبحت يومي هذا، لا ثقة لي ولا رجاء ولا ملجأ ولا مفزع ولا منجى، غير مَن توسّلت بهم إليك متقرّباً إلى رسولك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم علي أمير المؤمنين والزهراء سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين، وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن، ومن بعدهم يقيم المحجّة إلى الحجّة المستورة، من ولده، المرجو للأمة من بعده.


اللّهمّ فاجعلهم في هذا اليوم وما بعده حصني من المكاره ومعقلي من المخاوف، ونجّني بهم من كل عدو وطاغ وباغ وفاسق ومن شر ما أعرف، وما أنكر، وما استتر عنّي، وما أبصر، ومن شر كل دابة ربّي آخذ بناصيتها إنّك على صراط مستقيم.

اللّهمّ بتوسّلي بهم إليك، وتقرّبي بمحبّتهم، وتحصّني بإمامتهم افتح عليّ في هذا اليوم أبواب رزقك، وانشر عليّ رحمتك وحبّبني إلى خلقك، وجنّبني بغضهم، وعداوتهم إنّك على كل شيءٍ قدير... اللّهمّ ولكل متوسّل ثواب، ولكل ذي شفاعة حق، فأسألك بمَن جعلته وليّك، وقدّمته أمام طلبتي أن تعرفني بركة يومي هذا، وشهري هذا، وعامي هذا، اللّهمّ وهم مفزعي ومعونتي في شدّتي ورخائي وعافيتي وبلائي، ونومي ويقظتي، وظعني وإقامتي، وعسري ويسري، وعلانيتي وسرّي، وإصباحي وإمسائي، وتقلّبي ومثواي وسرّي وجهري، اللّهمّ فلا تخيّبني بهم من نائلك، ولا تقطع رجائي من رحمتك، ولا تؤيسني من روحك، ولا تبتلني بانغلاق أبواب الأرزاق، وانسداد مسالكها، وارتياح مذاهبها، وافتح لي من لدنك فتحاً يسيراً، واجعل لي من كل ضنك مخرجاً، وإلى كل سعة منهجاً، إنّك أرحم الراحمين، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين أمين رب العالمين )(1)

وحكى هذا الدعاء مدى اعتصام الإمامعليه‌السلام بالله تعالى وعبوديّته المطلقة له، كما حكى فضل الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام ، الذين هم أعلام الدين، وسدنة حكمة سيّد المرسلين.

4 - وكان الإمامعليه‌السلام يدعو بهذا الدعاء لطلب الرزق والسعة في العيش، وكان يدعو به عقيب كل فريضة، وهذا نصّه: ( يا مَن يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين لكل مسألة منك سمع حاضر، وجواب عتيد، ولكل صامت منك علم باطن محيط أسألك بمواعيدك الصادقة، وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة، وسلطانك القاهر وملكك الدائم، وكلماتك التامات، يا مَن لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضرّه معصية العاصين ( صلِّ

____________________

(1) مهج الدعوات (ص 315 - 317).


على محمد وآله )، وارزقني من فضلك، واعطني فيما ترزقني العافية برحمتك يا ارحم الراحمين )(1) .

5 - ومن بين ادعيته الشريفة هذا الدعاء العظيم، وجاء فيه، بعد البسملة: ( اللّهمّ يا ذا القدرة الجامعة، والرحمة الواسعة، والمنن المتتابعة والآلاء المتوالية، والأيادي الجميلة، والمواهب الجزيلة، يا مَن خلق فرزق، وألهم فأنطق، وابتدع فشرع، وعلا فارتفع، وقدّر فأحسن، وصوّر فأتقن، واحتجّ فأبلغ، وأنعم فأسبغ، وأعطى فأجزل، ومنح فأفضل، يا مَن سما في العز ففات خواطف الأبصار، ودنا في اللطف فجاز هواجس الأفكار، يا مَن تفرّد بالملك فلا نِدّ له في ملكوت سلطانه، وتوحّد بالكبرياء فلا ضدّ له في جبروت شأنه، يا مَن حارت في كبرياء هيبته دقايق لطائف الأوهام، وانحسرت دون ادراك عظمته خطائف أبصار الأنام، يا عالم خطرات قلوب العالمين، وشاهد لحظات أبصار الناظرين، يا مَن عنت الوجوه لهيبته، وخضعت الرقاب لعظمته وجلاله، ووجلت القلوب من خيفته، وارتعدت الفرائص من فرقة، يا بادئ يا سميع، يا علي يا رفيع صلّ على مَن شرفت الصلاة بالصلاة عليه، وانتقم لي ممّن ظلمني واستخفّ بي، وطرد الشيعة عن بابي، وأذقه مرارة الذل والهوان كما أذاقنيها، واجعله طريد الأرجاس وشريد الأنجاس والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين... )(2).

وحفل هذا الدعاء الشريف بحمد الله والثناء عليه بأجمل ألوان الثناء، كما حفل في آخره على ما جرى عليه من الظلم والأذى، والاضطهاد من قِبل المأمون العباسي، فقد طرد شيعة الإمامعليه‌السلام ، واستخفّ به، لما ظهر للعالم الإسلامي سمو مكانة الإمام وعظيم شخصيته وتفاهة شخصية المأمون، وأنّه لا رصيد له من الدين والأخلاق ما يستحق به مركز الخلافة الإسلامية، ويبدو من هذا الدعاء مدى تألّم الإمام من المأمون حيث دعا عليه بحرارة وألم.

6 - من بين أدعيته الشريفة هذا الدعاء وقد جاء فيه بعد البسملة: ( اللّهمّ لك الحمد على مردّ نوازل البلاء، وملمّات الضرّاء، وكشف نوائب الأدواء - وهي نوازل الدهر - وتوالي سبوغ النعماء، ولك الحمد ربّ على هنيء

____________________

(1) المصباح (ص 168).

(2) المصباح (ص 292)، البحار 12 / 24.


عطائك ومحمود بلائك، ولك الحمد على إحسانك الكثير وخيرك العزيز، وتكليفك اليسير، ودفعك العسير، ولك الحمد على تثميرك قليل الشكر، وإعطائك وافر الأجر، وحطك مثقل الوزر، وقبولك ضيق العذر، ووضعك باهظ الدهر، وتسهيلك موضع الوعر، ومنعك مقطع الأمر، ولك الحمد على البلاء المصروف، ووافر المعروف، ودفع المخوف، وإذلال العسوف، ولك الحمد على قلة التكليف وكثرة التخفيف، وتقوية الضعيف، وإغاثة اللهيف، ولك الحمد على سعة امهالك، ودوام أفضالك، وصرف أمحالك، وحميد فعالك، وتوالي نوالك، ولك الحمد على تأخير معاجلة العقاب، وترك مغافصة العذاب، وتسهيل طرق المآب، وإنزال غيث السحاب إنّك المنّان الوهاب )(1) .

وحوى هذا الدعاء جملاً من آيات الثناء على الله تعالى، خالق الكون وواهب الحياة.

هذه بعض أدعيته وهي تكشف عن جانب من حياته الروحية وهي الانقطاع إلى الله والاتصال به، والاعتصام بحبله، وبها ينتهي بنا الحديث عن بعض معالم شخصيته الكريمة.

____________________

(1) المصباح (ص 415).


معرض الآراء عن شخصيّة الإمامعليه‌السلام

أمّا شخصية الإمام أبي محمد الرضاعليه‌السلام فهي ملء فم الدنيا في فضائلها، ومواهبها، وقد احتلّت عواطف العلماء والمؤلِّفين في كل جيل وعصر، فأدلوا بجمل من الثناء والتعظيم على شخصيته، ومن بينهم ما يلي:

1 - الإمام الكاظم:

وأشاد الإمام الكاظمعليه‌السلام بولده الإمام الرضا، وقدّمه على السادة الأجلاّء من أبنائه، وأوصاهم بخدمته، والرجوع إليه في أمور دينهم، فقال لهم: ( هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سلوه عن أديانكم، واحفظوا ما يقول لكم، فإنّي سمعت أبي جعفر بن محمدعليه‌السلام يقول لي: إنّ عالم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لفي صلبك، وليتني أدركته فإّنه سمي أمير المؤمنين... )(1).

لقد أعلن الإمام الكاظم أنّ نجله المعظم عالم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أعظم وسام قد منحه له، فآل محمد هم معدن العلم والحكمة في الإسلام، والإمام سيّدهم في هذه الظاهرة الكريمة... وسنعرض لكلمات أخرى أُثرت عنه في شأن ولده.

2 - المأمون:

وأعلن المأمون الملك العبّاسي فضل الإمام الرضا وسمو مكانته ومنزلته في كثير من المناسبات، وهذه بعضها:

أ - قال المأمون للفضل بن سهل وأخيه: ( ما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل

____________________

(1) كشف الغمّة 3 / 107، أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 100، البحار.


- يعني الإمام علي بن موسى - على وجه الأرض )(1) فالإمام حسب قول المأمون أعلم علماء الدنيا، وأفضلهم في جميع أنحاء المعارف والعلوم.

ب - أشاد المأمون بالإمام الرضاعليه‌السلام في رسالته التي بعثها للعبّاسيين الذين نقموا عليه تقليده للإمام بولاية العهد قال:

( ما بايع له المأمون - أي للإمام الرضا - إلاّ مستبصراً في أمره عالماً، بأنّه لم يبق أحد على ظهرها - أي على ظهر الأرض - أبين فضلاً، ولا أظهر عفة، ولا أورع ورعاً، ولا أزهد زهدا في الدنيا، ولا أطلق نفسا، ولا أرضى في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات الله منه، وإنّ البيعة له لموافقة لرضى الرب )(2) .

وحدّدت هذه الكلمات بعض الصفات الرفيعة الماثلة في الإمامعليه‌السلام ، والتي تميّز بها على غيره، وهي:

أ - إنّ الإمام أبين الناس فضلاً وعلماً.

ب - إنّه أعفّ إنسان على وجه الأرض.

ج - إنّه أزهد الناس في مباهج الحياة وزينتها.

ه‍ - إنّه أندى الناس كفّاً وأوفرهم جوداً وعطاءً للمحرومين.

و - إنّ الخاصة والعامة قد أجمعت على الإقرار له بالفضل ولم يظفر بذلك أحد غيره.

ز - إنّه من أشد الناس في ذات الله، فإنّه لا يخشى في جنب الله لومة لائم.

ح - إنّ بيعة المأمون للإمام بولاية العهد كانت موافقة لرضى الله تبارك وتعالى.

ج - جاء في الوثيقة التي عهد بها بولاية العهد للإمامعليه‌السلام ما نصّه:

( فكانت خيرته بعد استخارته لله، وإجهاد نفسه في قضاء حقّه في عباده وبلاده في البيتين - أي البيت العبّاسي والأُسرة العلوية زادها الله شرفاً - جميعاً علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لمّا رأى من فضله البارع، وعلمه الناصع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخلّيه من الدنيا، وتسلمه من الناس، وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطية، والألسن عليه متّفقة، والكلمة فيه جامعة، ولمّا لم يزل يعرفه به من الفضل يافعاً وناشئاً وحدثاً

____________________

(1) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 133.

(2) البحار 12 / 63.


ومكتملا فعقد له بالعهد والخلافة من بعده )(1) .

وأشادت هذه الكلمات بالصفات الكريمة التي تميز بها الإمام الرضاعليه‌السلام على الأسرة العلوية والأسرة العباسية وهي:

1 - الفضل البارع، والعلم الناصع.

2 - الورع عن محارم الله تعالى.

3 - عدم إساءته إلى أي إنسان، فقد كان مصدر خير ورحمة للناس.

4 - الزهد في الدنيا.

5 - اجتماع كلمة المسلمين عليه. وقد عرف المأمون هذه الصفات الرفيعة الماثلة في الإمام، وهي التي حفّزته لترشيح الإمام لولاية العهد حسبما يقول.

3 - إبراهيم بن العباس:

الصولي، الكاتب المبدع والشاعر المشهور، قال: ( ما رأيت ولا سمعت بأحدٍ أفضل من أبي الحسن الرضا... ومَن زعم أنّه رأى مثله في فضله فلا تصدّقه... )(2) .

إنّ الإمام نسخة من الفضائل والمواهب لا ثاني لها في عصره، فهو من دعائم الفكر والفضل في دنيا الإسلام.

4 - أبو الصلت الهروي:

قال أبو الصلت عبد السلام الهروي، وهو من أعلام عصره قال:

( ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا، ولا رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجلس له عددا من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة والمتكلّمين فغلبهم عن آخرهم، حتى ما بقي منهم أحد إلا أمر له بالفضل وأقر على نفسه بالقصور... )(3) .

وحكت هذه الكلمات الطاقات العلمية الهائلة التي يملكها الإمامعليه‌السلام ، فهو أعلم أهل زمانه، وأفضلهم، ويدلّل على ذلك المناظرات التي

____________________

(1) كشف الغمّة 3 / 125، البحار 12 / 44.

(2) كشف الغمّة.

(3) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 99 - 100.


عقدها المأمون في بلاطه لامتحان الإمام، وقد جمع جميع علماء الأقطار والأمصار فامتحنوا الإمام بأعقد المسائل، فأجاب عنها جواب العالم المتخصّص، فبهر العلماء واعترفوا بعجزهم، وأقرّوا بالفضل له.

5 - الرجاء بن أبي الضحاك:

أمّا الرجاء بن أبي الضحاك فهو من القادة العسكريين، وقد أعجب بالإمام، يقول:

( والله ما رأيت رجلا كان أتقى لله منه، ولا أكثر ذكرا له منه في جميع أوقاته، ولا أشدّ خوفاً لله عزّ وجل منه... )(1).

وتناولت هذه الكلمات الجانب الروحي من شخصية الإمام فقد كان من اتقى الناس، وأكثرهم ذكراً لله وأشدّهم خوفاً منه.

6 - الشيخ المفيد:

قال زعيم الشيعة محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي الملقّب بالشيخ المفيد:

( كان الإمام القائم بعد أبي الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام ابنه أبا الحسن علي بن موسى الرضاعليهما‌السلام لفضله على جماعة إخوته، وأهل بيته، وظهور علمه وحلمه وورعه، واجتماع الخاصة والعامة على ذلك فيه، ومعرفتهم به منه )(2).

وألمح الشيخ المفيد إلى بعض خصال الإمام الرضاعليه‌السلام التي امتاز بها على بقيّة أخوانه وأهل بيته، وهي:

1 - العلم.

2 - الحلم.

3 - الورع.

وهذه الصفات الكريمة بعض خصائصه، ومكوناته.

7 - الواقدي:

قال الواقدي: ( سمع علي الحديث من أبيه وعمومته، وغيرهم، وكان ثقة يفتي

____________________

(1) بحار الأنوار.

(2) الإرشاد (ص 341).


بمسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو ابن نيّف وعشرين سنة، وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل البيت )(1) .

وعرض الواقدي إلى صفتين من صفات الإمامعليه‌السلام وهما:

1 - الوثاقة.

2 - فتواه بالجامع النبوي وهو ابن نيّف وعشرين سنة.

8 - جمال الدين:

قال جمال الدين أحمد بن علي النسّابة، المعروف بابن عنبة، الإمام الرضا ( يكنّى أبا الحسن ولم يكن في الطالبيين في عصره مثله، بايع له المأمون بولاية العهد، وضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وخطب له على المنابر )(2) .

وعرض السيد جمال الدين إلى أنّه مثل الإمام في عصره؛ وذلك لما يتمتّع به من المواهب والعبقريات التي جعلته نادرة زمانه.

9 - يوسف بن تغري بردي:

قال جمال الدين، أبو المحاسن يوسف بن تغري:

( الإمام أبو الحسن الهاشمي العلوي، الحسيني، كان إماماً عالماً... وكان سيّد بني هاشم في زمانه، وأجلّهم، وكان المأمون يعظّمه ويبجّله ويخضع له، ويتغالى فيه، حتى جعله ولي عهده... )(3) . وألقت هذه الكلمات الأضواء على بعض معالم شخصية الإمامعليه‌السلام ، وهي: أنّه كان عالماً، وأنّه سيّد بني هاشم وأجلّهم، ونظراً لعظم شخصيته فقد جعله المأمون ولي عهده.

10 - ابن ماجة:

قال ابن ماجة: ( كان - أي الإمام الرضا - سيّد بني هاشم، وكان المأمون يعظمه، ويبجّله، وعهد له بالخلافة، وأخذ له العهد... )(4) .

ونظر ابن ماجة إلى شأن من شؤون الإمامعليه‌السلام وهو أنّه سيّد بني

____________________

(1) تذكرة الخواص (ص 361).

(2) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب (ص 198).

(3) النجوم الزاهرة 2 / 74.

(4) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 85 خلاصة تهذيب الكمال (ص 278).


هاشم، ومن الطبيعي أنّه بذلك سيّد البشر في عصره؛ لأنّ بني هاشم سادة الناس في آدابهم وسمو أخلاقهم، وحسن تربيتهم.

11 - ابن حجر:

قال ابن حجر: ( كان الرضا من أهل العلم والفضل مع شرف النسب... )(1) .

12 - اليافعي:

قال اليافعي: ( الإمام الجليل المعظّم، سلالة السادة الأكارم: علي بن موسى الكاظم، أحد الأئمّة الاثني عشر، أولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم، وقصروا بناء مذهبهم عليهم... )(2) .

إنّ الإمام الرضاعليه‌السلام أحد الكواكب المشرقة في دنيا الإسلام فهو من أئمّة أهل البيتعليه‌السلام الذين أضاؤوا الحياة الفكرية ووطّدوا دعائم الحق والعدل في الأرض، وإليهم - بشرف واعتزاز - تُنسب الشيعة كما دانت بولائهم والأخذ بما أُثر عنهم في الأحكام الشرعية، وإنّما دانت الشيعة بذلك لا عن تعصّب أو تقليد أعمى، وإنّما فرضت عليهم ذلك الحجج القاطعة والأدلة الحاسمة التي يجب على المسلم الأخذ بها، فقد فرض القرآن الكريم مودّتهم، وطهّرهم من الرجس والزيغ كما جعلهم النبي سفن النجاة وأمن العباد، وقرنهم بمحكم التنزيل، ولو ساعدت الأدلة الشرعية على الأخذ بغير مذهبهم لأخذت بذلك الشيعة ودانت به.

13 - عامر الطائي:

وعلّق عامر الطائي على كتاب: صحيفة أهل البيتعليهم‌السلام الذي من مؤلّفات الإمام الرضاعليه‌السلام بقوله:

( حدثنا علي بن موسى الرضا إمام المتقين، وقدوة أسباط سيد المرسلين... )(3) .

لقد كان الإمام الرضاعليه‌السلام سيد المتقين وإمام العابدين، وقد ذكرنا في البحوث السابقة أنماطاً من عبادته وتقواه تدلّل على ما ذكره الطائي.

____________________

(1) تهذيب التهذيب 7 / 389.

(2) مرآة الجنان 2 / 11.

(3) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 188.


14 - بعض الأئمّة:

وأدلى بعض الأئمّة بحديث عن الإمام الرضاعليه‌السلام جاء فيه:

( مناقب علي بن موسى الرضاعليه‌السلام من أجل المناقب، وإمداد فضائله، وفواضله متوالية كتوالي الكتائب، وموالاته محمودة البوادر والعواقب، وعجائب أوصافه من غرايب العجائب وسؤدده ونبله قد حلا من الشرف في الذروة والمغارب.

أمّا شرف آبائه فأشهر من المصباح المنير، وأضوأ من عارض الشمس المستدير، وأمّا أخلاقه وسماته وصفاته، ودلائله وعلاماته فناهيك من فخار وحسبك من علوّ مقدار، جاز على طريقة ورثها عن الآباء، وورثها عنه البنون فهم جميعاً في كرم الأرومة، وطيب الجرثومة، كأسنان المشط متعادلون، فشرفاً لهذا البيت، العالي الرتبة، السامي المحلّة، لقد طال السماء علي نبلاً، وسما على الفراقد منزلة ومحلاً، واستوفى صفات الكمال فما يستثنى في شيء منه... )(1) .

وهذا الكلام مرتّب، قد غلب فيه السجع، وهو يدل على ولاء قائله لائمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، منحه الله شفاعتهم.

15 - هاشم معروف:

قال العلاّمة المغفور له السيد هاشم معروف الحسني:

( وامتاز الإمام الرضاعليه‌السلام بخلق رائع ساعده على أن يجتذب بحبّه العامة والخاصة، واستمده من روح الرسالة التي كان من حفظتها، والأُمناء عليها، والوارثين لها... )(2) .

وحكى هذا الكلام ظاهرة من ظواهر الإمامعليه‌السلام وهي سمو الأخلاق، فقد كانت أخلاقه الرفيعة امتداداً ذاتياً لأخلاق جده الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي ساد على جميع النبيين.

16 - الذهبي:

قال الذهبي: ( هو الإمام أبو الحسن بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي

____________________

(1) الفصول المهمّة (ص 245).

(2) سيرة الأئمّة الاثني عشر 2 / 359.


العلوي... وكان سيد بني هاشم في زمانه، وأحلمهم، وأنبلهم، وكان المأمون يعظمه، ويخضع له ويتغالى فيه، حتى أنّه جعله ولي عهده... )(1) .

والذهبي الذي عرف بالبغض والعداء لأهل البيتعليهم‌السلام لم يسعه إلاّ الاعتراف بالواقع والإقرار بفضل الإمام الرضاعليه‌السلام .

17 - محمود بن وهيب:

قال محمود بن وهيب البغدادي: ( وكراماته - أي الرضا - كثيرة رضي الله عنه، إذ هو فريد زمانه... )(2) . لقد كان الإمام الرضا فريد زمانه في علمه وتقواه وورعه وحلمه، وسخائه، ولا يشبهه أحد في فضائله ومواهبه.

18 - عارف تامر:

قال عارف تامر: ( يعتبر - أي الإمام الرضا - من الأئمّة الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث الإسلامية في عصره... )(3) . لقد استطاع الإمام في الفترة القصيرة التي تقلد فيها ولاية العهد أن يبرز القيم الأصيلة في السياسة الإسلامية، فقد أمر المأمون بإقامة العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين، ونهاه عن التبذير بأموال الدولة إلى غير ذلك من الأمور التي سنذكرها في بحوث هذا الكتاب التي تدعم ما ذكره السيد عارف تامر من أنّ الإمام شأنه شأن آبائه الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث الإسلامية.

19 - محمد بن شاكر الكتبي:

قال محمد بن شاكر الكتبي: ( وهو - أي الإمام الرضاعليه‌السلام - أحد الأئمّة الاثني عشر، كان سيد بني هاشم في زمانه... ).

20 - عبد المتعال:

قال عبد المتعال الصعيدي: ( كان - أي الإمام الرضا - على جانب عظيم من العلم والورع، وقد قيل لأبي نواس: علام تركت مدح علي بن موسى والخصال التي تجمعن فيه؟ فقال: لا أستطيع مدح إمام كان جبريل خادماً لأبيه، والله ما تركت ذلك

____________________

(1) تاريخ الإسلام 8 / ورقة 34، وصور في مكتبة الإمام الحكيم تسلسل 323.

(2) جواهر الكلام (ص 143).

(3) عيون التواريخ 3 / ورقة 226 مصوّر في مكتبة السيد الحكيم.


- أي المدح - إلاّ إعظاماً له، وليس يقدر مثلي أن يقول في مثله )(1) .

لقد كان الإمام مجموعة من الفضائل التي لا تحد، فالعلم والورع من بعض صفاته التي تميز بها على غيره.

21 - يوسف النبهاني:

قال يوسف النبهاني: ( علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادقعليهم‌السلام أحد أكابر الأئمّة، ومصابيح الأمّة من أهل بيت النبوّة، ومعادن العلم والعرفان والكرم والفتوّة، كان عظيم القدر، مشهور الذكر، وله كرامات كثيرة، منها أنّه أخبر أنّه يأكل عنباً ورمّاناً فيموت فكان كذلك... )(2) .

إنّ الإمامعليه‌السلام فرع زاكٍ من الأسرة النبوية التي أعزّ الله بها العرب والمسلمين، وبالإضافة لنسبه الوضّاح فقد كان من دعائم الفضل، ومن أعمدة الشرف، وله الكرمات المشهورة كما يقول النبهاني.

22 - عبد القادر أحمد:

قال عبد القادر أحمد اليوسف: ( تأريخ الإمام حافل بجلائل الأعمال، فمن علم لا يدرك مداه، وعصمة متوارثة، وقدسية لا تضارعها قدسية في عصره ومن بعده، إلاّ مَن انحدر من صلبه من الأئمّة المعصومين، فهو علم هدى زمانه، ومثل أعلى في التقوى، والورع والحلم، والأخلاق، وما عساني أن أذكر في حياة وصي من أوصياء الله، وما عسى قلمي أن يكتب في تعريفه، أو لم يكن ذكر اسمه هو التعريف الكامل، فذكره قبس من نور الله يهدي المستجير به نحو السبيل الأقوم المؤدّي للصالح العام.

إنّ حياة الإمام مكرّسة لإعلاء شأن المسلمين، فما من عمل صدر منه إلاّ كان منطلقاً من عقيدة الإيمان، مستهدفاً صلاح الناس، ومنتهياً لما فيه رضى ربّ العالمين )(3) .

لقد حفل تاريخ الإمام بجميع الفضائل التي يعتز بها الإنسان، والتي كان من

____________________

(1) المجدّدون في الإسلام (ص 87).

(2) جامع كرامات الأولياء 2 / 156.

(3) الإمام علي الرضا ولي عهد المأمون (ص 1).


أبرزها العلم، والتقوى، والورع والحلم وسمو الأخلاق والآداب كما يقول عبد القادر، فالإمام هو المثل الأعلى لجميع القيم الإنسانية، ولا يضارعه في صفاته وخصائصه إلاّ السادة من آبائه وأبنائه.

23 - يوسف بن أوغلى:

قال يوسف بن أوغلى سبط ابن الجوزي: ( كان علي بن موسى - كما سمي - رضاً جواداً عدلاً، عابداً، معرضاً عن الدنيا، ولولا خوفه من المأمون لما أجاب إلى ولاية العهد )(1) .

وتوفّرت في شخصية الإمام أبي محمد الرضاعليه‌السلام جميع الصفات الكريمة من الجود والعدالة، والعبادة والإعراض عن الدنيا ممّا جعلته في قمّة الشرف والمجد في دنيا الإسلام.

24 - الزركلي:

قال خير الدين الزركلي: ( علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق أبو الحسن، الملقب بالرضي، ثامن الأئمّة الاثني عشر عند الإمامية ومن أجلاّء السادة عند أهل البيت وفضلائهم... )(2) .

25 - محمد جواد فضل الله:

قال العلاّمة محمد جواد فضل الله: ( الإمام الرضا قاعدة من قواعد الفكر الإسلامي، وأحد منطلقاتها الغنية بالمعرفة، انتهت إليه بعد أبيه الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام أسرار الرسالة، ومفاتيح كنوزها، فكان منهله منها، وعطاؤه من فيضها.

وهو أحد الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت الذين أغنوا الفكر الإسلامي بشتّى صنوف المعرفة ممّا أملوه على تلامذتهم أو أجابوا به مَن سألهم، أو ما نقله لنا التاريخ من محاوراتهم العلمية والعقائدية مع أصحاب المذاهب الأخرى... )(3) .

الإمام الرضا كنز من كنوز الإسلام، وثمرة مشرقة من ثمرات الرسول الأعظم

____________________

(1) مرآة الزمان 6 / ورقة 41 من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين، تسلسل 2864.

(2) الأعلام 5 / 178.

(3) حياة الإمام الرضا.


صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفيض من فيوضاته التي استوعبت جميع لغات الأرض، قد أغنى الله به الفكر وأوضح به القصد، وجعله علماً في بلاده يهدي الحائر، ويسترد به الضال.

26 - أحمد الخزرجي:

قال أحمد الخزرجي: ( علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، أبو الحسن الرضا، روى عن أبيه وعنه عبد السلام بن صالح وجماعة عدة نسخ، وكان سيد بني هاشم، وكان المأمون يعظّمه، ويبجّله، وعهد له بالخلافة وأخذ له العهد، مات مسموماً بطوس )(1) .

وحكى الخزرجي في هذا الكلام أنّ جماعة من تلاميذ الإمامعليه‌السلام رووا عنه عدة نسخ، ومن المؤكّد أنّها تتعلّق بأحكام الشريعة وآداب الإسلام، وسننه، كما حكى أنّه مات مسموماً، وهو ما نذهب إليه أنّ المأمون سقاه السم ليتخلّص منه، بعدما رأى إجماع المسلمين على تعظيمه وتبجيله، وسوف نعرض لهذا في البحوث الآتية.

27 - بعض أحبّته:

قال بعض أحبّته والمعجبين به: ( علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادقعليهم‌السلام فاق أهل البيت شأنه، وارتفع فيهم مكانه، وظهر برهانه حتى أحلّه الخليفة المأمون محلّ مهجته، وأشركه في خلافته، وفوّض إليه أمر مملكته، وعقد على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته، فكانت مناقبه عليه، وصفاته سنية، ونفسه الشريفة هاشمية، وأرومته الكريمة نبوية، كراماته أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر... )(2) .

28 - الشبراوي:

قال الشبراوي: كان (رضي الله عنه) كريماً جليلاً، مهاباً موقراً وكان أبوه موسى الكاظمعليه‌السلام يحبّه حبّاً شديداً، ووهب له ضيعة البسرية التي اشتراها بثلاثين؟ ألف دينار(3).

____________________

(1) خلاصة تهذيب الكمال (ص 678).

(2) الإتحاف بحب الأشراف (ص 88).

(3) الإتحاف بحب الأشراف (ص 88).


كان الإمام موسىعليه‌السلام يخلص لولده الإمام كأعظم ما يكون الإخلاص، فقدمه على بقية أبنائه، وجعله القائم من بعده، وأوصى له بهذه القطعة من الأرض - كما يقول الشبراوي - ولم يكن الإمام مدفوعاً بدافع الحب المنبعث عن العواطف والأهواء وإنّما كان من أجل أنّ ولده قاعدة من قواعد الإسلام، وأنّه أحد أوصياء الرسول الأعظم الذين نصّ عليهم حسبما تواترت الأخبار بذلك.

29 - أبو النواس:

وكان ممّن مدح الإمامعليه‌السلام أبو نواس الشاعر المشهور، وقد قال الشعر فيه مرّتين وأجاد فيهما، وهما:

1 - إنّ الشعراء المعاصرين للإمام قالوا فيه الشعر ومدحوه سوى أبي نواس فعُوتب على ذلك(1) فقال هذه الأبيات الرائعة:

قيل لي أنت أوحد الناس طرّاً

في فنون من المقال النبيه

لك من جوهر الكلام نظام

يثمر الدر في يدي مجتنيه

فلماذا تركت مدح ابن موسى

والخصال التي تجمّعن فيه

قلت: لا أهتدي لمدح إمامٍ

كان جبريل خادماً لأبيه

وهذه الأبيات الشائعة الذكر قد حفظها الناس جيلاً بعد جيل، واعتبروها من روائع الشعر العربي؛ لأنّها عبّرت عن أحاسيسهم تجاه أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، وما يحملون لهم من إكبار وتعظيم، ومن الطريف أنّ الذهبي الذي عرف بالحقد على أهل البيت قد علق على البيت الأخير من هذه الأبيات بقوله: ( قلت: هذا لا يجوز إطلاقه من أنّ جبريل خادم لأبيه والنص معدوم فيه... وقد كذبت الرافضة على علي الرضا... )(2) .

إنّ لأهل البيتعليهم‌السلام منزلة كريمة عند الله تعالى، فقد ناهضوا الضالين من حكّام أمية وبني العباس، وجاهدوا في الله كأعظم ما يكون الجهاد حتى

____________________

(1) ذكر ابن طولون في كتابه ( الأئمّة الاثنى عشر ) ص 98 - 99 إنّ أبا نواس عُوتب على ترك مدح الإمام، فقال له بعض أصحابه: ما رأيت أوقح منك، ما تركت خمراً ولا طوداً ولا مغنّي إلاّ قلت فيه شيئاً، وهذا علي بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً، فقال: والله ما تركت ذلك إلاّ إعظاماً له، وليس يقدر مثلي أن يقول في مثله، ثم أنشد بعد ساعة هذه الأبيات.

(2) تأريخ الإسلام 8 / ورقة 35.


تقطّعت أوصالهم وسبيت نساؤهم، وعانوا من الاضطهاد والتنكيل ما لا يوصف، لمرارته وقسوته كل ذلك في سبيل إعلاء كلمة دين الله ونشر العدل بين الناس، ولكن الذهبي وأمثاله من المنحرفين عن الحق لا يعقلون ذلك.

2 - خرج الإمام الرضاعليه‌السلام يوماً على بغلة فارهة، فدنا منه أبو نواس، وسلّم عليه وقال له: ( يا بن رسول الله قلت: فيك أبياتاً أحبّ أن تسمعها منّي؟ ). وبادر الإمام قائلاً:

( قل: )

فانبرى أبو نواس قائلاً:

مطهّرون نقيّات ثيابهم

تجري الصلاة عليهم كلّما ذكروا

مَن لم يكن علويّاً حين ننسبه

فما له في قديم الدهر مفتخرُ

أُولئك القوم أهل البيت عندهم

علم الكتاب وما جاءت به السورُ(1)

وهذه الأبيات من أصدق الشعر وأروعها قد اقتبس الشطر الأوّل من القرآن الكريم، قال تعالى:

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)

لقد طهّرهم الله من الزيغ، وأذهب عنهم الرجس، وجعلهم قدوة لعباده يهتدي بهم الحائر.

وأعجب الإمام بهذه الأبيات فقال لأبي نواس: ( قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد... )، ثم التفت إلى غلامه فقال له: ما معك من فاضل نفقتنا؟

فقال: ثلاث مائة دينار، قال: ارفعها له، ثمّ لمّا ذهب إلى بيته، قال لغلامه: لعلّه استقلها، سق إليه البغلة(2) (3)

30 - دعبل الخزاعي:

وأكثر دعبل في مدح الإمام الرضاعليه‌السلام ، وفي رثائه، وممّا قاله فيه:

____________________

(1) خلاصة الذهب المسبوك (ص 200).

(2) الإتحاف بحب الأشراف (ص 60)، نزهة المجلس 2 / 105.

(3) كشف الغمّة 3 / 107.


لقد رحل ابن موسى بالمعالي

وسار بيسره العلم الشريفُ

وتابعه الهدى والدين طرّاً

كما يتتبّع الإلف الأليفُ(1)

ومعنى هذا الشعر أنّ الإمام الرضاعليه‌السلام قد حوى جميع صنوف الشرف والمعالي، كما تابعه العلم والهدى والدين، وقد تميّز بهذه الصفات الكريمة التي كانت من ذاتيّاته.

31 - الصاحب بن عباد:

أمّا الصاحب بن عبّاد الوزير، فقد هام بحب الإمام الرضاعليه‌السلام وقد أهدى تحياته العطرة إلى الإمام بهذه الأبيات.

يا سايراً زائراً إلى طوس

مشهد طهر وأرض تقديس

أبلغ سلامي الرضا وحط على

أكرم رمسٍ لخير مرموس

والله والله حلفة صدرت

من مخلص في الولاء مغموس

إنّي لو كنت مالكاً أربي

كان بطوس الغناء تعريسي

لمشهد بالزكاء ملتحف

وبالسنا والثناء مأنوس

إلى أن يقول:

يا بن النبي الذي به قمع الله

ظهور الجبابر الشوس(2)

وابن الوصي الذي تقدّم في

الفضل على البزل القناعيس(3)

وحائز الفخر غير منتقص

ولابس المجد غير تلبيس(4)

ويقول في مقطوعة أخرى:

يا زائراً قد نهضا

مبتدراً قد ركضا

ومَن قد مضى كأنّه

البرق إذا ما أومضا

أبلغ سلامي زاكياً

بطوس مولاي الرضا

سبط النبي المصطفى

وابن الوصي المرتضى

____________________

(1) ديوان دعبل (ص 108).

(2) الشوس: جمع أشوس، وهو الرافع رأسه تكبّراً.

(3) البزل جمع بازل وهو البعير الذي انشق وهو في التاسعة، والقناعيس جمع قنعاس وهو الإبل العظيم ويوصف به الرجل الشديد.

(4) عيون أخبار الرضا 1 / 4.


مَن حاز عزّاً أقعساً(1)

وشاد مجداً أبيضا

وقل له: من مخلصٍ

يرى الولا مفترضا(2)

32 - ابن الحجّاج:

وأثر ابن الحجّاج الشعر الكثير في مدح الإمام الرضاعليه‌السلام كان منه هذان البيتان:

يا ابن من تؤثر المكارم عنه

ومعالي الآداب تمتار منه

من سمى الرضا علي بن موسى

رضي الله عن أبيه وعنه (3)

33 - عبد الله بن المبارك: قال عبد الله بن المبارك في مدح الإمام هذا البيت:

هذا علي والهدى يقوده

من خير فتيان قريشٍ عوده (4)

34 - الصولي:

قال الصولي في مدح الإمام:

إلا إنّ خير الناس نفساً ووالدا

ورهطاً وأجداداً علي المعظم

أتتنا به للحلم والعلم ثامناً

إماماً يؤدّي حجّة الله تكتم (5)

35 - ابن حماد: قال الشاعر ابن حماد في مدح الإمام الرضاعليه‌السلام :

ساقها شوقي إلى طوس

ومن تحويه طوس

مشهد فيه الرضا

العالم والحبر النفيس

ذاك بحر العلم

والحكمة إن قاس مقيس

ذاك نور الله لا يطفى

له قط طميس (6)

36 - الإربلي: قال علي بن عيسى الإربلي في قصيدة يمدح بها الإمام ويتشوّق لزيارة مرقده:

____________________

(1) الأقعس: الشيء الثابت.

(2) عيون أخبار الرضا 1 / 6.

(3) المناقب 4 / 343.

(4) المناقب 4 / 362.

(5) عيون أخبار الرضا 1 / 15.

(6) المناقب 4 / 350.


أيّها الراكب المجد قف العيس

إذا ما حللت في أرض طوسا

لا تخف من كلالها ودع التأديب

دون الوقوف والتعريسا

وألثم الأرض إن رأيت ثرى

مشهد خير الورى علي بن موسى

وأبلغنه تحية وسلاماً

كشذى المسك من علي بن عيسى

قل سلام الإله في كل وقتٍ

يتلقّى ذاك المحلّ النفيسا

منزل لم يزل به ذاكر لله

يتلوا التسبيح والتقديسا

دار عزٍّ ما انفك قاصدها

يزجى إليها آماله والعيسا

بيت مجدٍ ما زال وقفاً عليه

الحمد والمدح والثناء حبيسا

ما عسى أن يقال في مدح قومٍ

أسس الله مجدهم تأسيسا

ما عسى أن أقول في مدح قومٍ

قدّس الله ذكرهم تقديسا

هم هداة الورى وهم أكرم

الناس أُصولاً شريفة ونفوسا

إن عرت أزمة تندوا غيوثاً

أو دجت شبهة تبدّوا شموسا

شرفوا الخيل والمنابر لمّا

افترعوها والناقة العنتريسا(1)

معشر حبّهم يجلي هموماً

ومزاياهم تجلي طروسا

كرموا مولداً وطابوا أصولاً

وزكوا محتداً وطالوا غروسا

ليس يشقى بهم جليس ومَن كان

ابن شوري إذا أرادوا جليسا

قمت في نصرهم بمدحي لمّا

فاتني أن أجرّ فيه خميسا

ملأوا بالولاء قلبي رجاءً

وبمدحي لهم ملأت الطروسا

فتراني لهم مطيعاً حنيناً

وعلى غيرهم أبيّاً شموسا

يا علي الرضا أبثّك ودّاً

غادر القلب بالغرام وطيسا

مذهبي فيك مذهبي وبقلبي

لك حب أبقى جوىً ورسيسا

لا أرى داءه بغيرك يشفى

لا ولا جرحه بغيرك يوسى

أتمنّى لو زرت مشهدك

العالي وقبّلت ربعك المأنوسا

وإذا عزّ أن أزورك يقظان

فزرني في النوم واشف السيسا

____________________

(1) العنتريس: الناقة الغليظة الوثيقة.


في ظلال أبيه

عاش الإمام الرضاعليه‌السلام تسعاً وعشرين سنة وأشهراً في كنف أبيه الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام ، وقد شاهد ضروباً قاسية من المحن والخطوب التي حلّت بأبيه الذي كان مثار قلق وخوف للحكم العبّاسي؛ لأنّه كان محط أنظار المسلمين، وموضع آمالهم في إنقاذهم من الطغمة العبّاسية الحاكمة التي تمادت في ظلم الناس وإرغامهم على ما يكرهون.

وبالإضافة إلى ذلك فقد دان شطر كبير من المسلمين بإمامة الإمام الكاظم، وأنّه الخليفة الشرعي للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأحق بمركزه ومقامه من هارون وغيره من ملوك بني العباس الذين عاصرهم الإمامعليه‌السلام ، وقد اقضّ ذلك مضاجع العبّاسيين وورمت أنوفهم، فاتخذوا جميع الوسائل لاضطهاد الإمام والتنكيل به.

وعلى أيّ حال فإنّا نعرض - بصورة مجملة - إلى شخصية الإمامعليه‌السلام ، وما يتصل بذلك من بعض الشؤون التي ترتبط بحياة الإمام الرضاعليه‌السلام .

أمّا معالم شخصية الإمام الكاظمعليه‌السلام فهي ملء فم الدنيا شرفاً وفضلاً، فقد توفّرت في شخصيته الكريمة جميع عناصر الفضيلة ومقوّمات الحكمة والآداب، والتي منها:

1 - مواهبه العلمية:

والشيء الذي لا شك فيه أنّ الإمام موسىعليه‌السلام كان أعلم أهل عصره، وأدراهم بجميع العلوم، أمّا علم الفقه والحديث فكان من أساطينه، وقد احتف به العلماء والرواة وهم يسجّلون ما يفتي به، وما يقوله من روائع الحكم


والآداب، وقد شهد الإمام الصادقعليه‌السلام عملاق هذه الأمّة ورائد نهضتها الفكرية، بوفرة علم ولده، فقد قال لعيسى: ( إنّ ابني هذا - وأشار إلى الإمام موسى - لو سألته عمّا بين دفّتي المصحف لأجابك فيه بعلم... )(1) .

وقال في فضله: ( وعنده علم الحكمة والفهم والسخاء، والمعرفة بما يحتاج إليه الناس فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم... ).

وقد روى العلماء عنه جميع أنواع العلوم ممّا ملأوا به الكتب، وقد عرف بين الرواة بالعالم، وقال الشيخ المفيد: ( وقد روى الناس عن أبي الحسن فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه )(2) .

لقد قام الإمام موسىعليه‌السلام بتطوير الحياة العلمية، ونموّها، وكان من ألمع أئمّة المسلمين في نشره للثقافة الإسلامية.

2 - عبادته وتقواه:

وأجمع الرواة على أنّ الإمام الكاظمعليه‌السلام كان من أعظم الناس طاعة لله، ومن أكثرهم عبادة له، وكانت له ثفنات كثفنات البعير من كثرة السجود لله، كما كانت لجدّه الإمام زين العابدينعليه‌السلام حتى لُقّب بذي الثفنات، وكان من مظاهر عبادته أنّه إذا وقف مصلّياً بين يدي الخالق العظيم أرسل ما في عينيه من دموع وخفق قلبه، وكذلك إذا ناجى ربّه أو دعاه(3) ، ويقول الرواة: إنّه كان يصلّي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثم يعقّب حتى تطلع الشمس، ويخر لله ساجداً، فلا يرفع رأسه من الدعاء والتمجيد لله حتى يقرب زوال الشمس(4) .

وكان من مظاهر طاعته أنّه دخل مسجد جدّه رسول الله (ص) في أوّل الليل فسجد سجدة واحدة، وهو يقول بنبرات تقطر خوفاً من الله:

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 1 / 138.

(2) الإرشاد (ص 272).

(3) حياة الإمام موسى بن جعفر 1 / 139.

(4) كشف الغمّة.


( عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى، ويا أهل المغفرة... ).

وجعل يردد هذا الدعاء بإنابة وإخلاص وبكاء حتى أصبح الصبح(1).

وحينما أودعه الطاغية الظالم هارون الرشيد العبّاسي في ظلمات السجون؛ تفرّغ للعبادة، وشكر الله على ذلك قائلا: ( اللّهمّ إنّي طالما كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، وقد استجبت لي فلك الحمد على ذلك )(2) .

وكان الطاغية هارون يشرف من أعلى قصره على السجن فيبصر ثوباً مطروحاً في مكان خاص لم يتغيّر عن موضعه، وعجب من ذلك، وراح يقول للربيع:

( ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟ ) فأجابه الربيع قائلاً: ( يا أمير المؤمنين، ما ذاك بثوب، وإنّما هو موسى بن جعفر، له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال... )

وبهر الطاغية، وقال: ( أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم... ).

وسارع الربيع طالباً منه أن يطلق سراح الإمام ولا يضيق عليه في سجنه قائلاً: ( يا أمير المؤمنين، مالك قد ضيّقت عليه في الحبس؟ )

وسارع هارون قائلاً: ( هيهات: لا بد من ذلك... )(3) .

وقد عرضنا بصورة شاملة إلى عبادته، وطاعته لله، وما صدر عنه من صنوف العبادة التي تدل على أنّه كان إمام المتقين وسيد العابدين والموحّدين في عصره.

3 - زهده:

وزهد الإمام الكاظمعليه‌السلام في الدنيا، وأعرض عن مباهجها، وزينتها

____________________

(1) وفيات الأعيان 4 / 293 كنز اللغة (ص 766).

(2) وفيات الأعيان 4 / 293.

(3) حياة الإمام موسى بن جعفر 1 / 142.


وآثر طاعة الله تعالى على كل شيء، وكان بيته خالياً من جميع أمتعة الحياة، وقد تحدث عنه إبراهيم بن عبد الحميد فقال: دخلت عليه في بيته الذي كان يصلّي فيه، فإذا ليس فيه شيء سوى خصفة، وسيف معلّق، ومصحف(1) .

وكان كثيراً ما يتلو على أصحابه سيرة الصحابي الثائر العظيم أبي ذر الغفاري الذي طلّق الدنيا، ولم يحفل بأي شيء من زينتها قائلاً: ( رحم الله أبا ذر، فلقد كان يقول: جزى الله الدنيا عنّي مذمّة بعد رغيفين من الشعير: أتغذى بأحدهما، وأتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف ائتزر بأحدهما وأتردى بالأخرى )(2) .

لقد وضع الإمام موسىعليه‌السلام نصب عينيه سيرة العظماء الخالدين من صحابة جدّه سيد المرسلين يشيد بسيرتهم، ويتلو مآثرهم على أصحابه وتلاميذه لتكون لهم قدوة حسنة في حياتهم.

4 - حلمه:

أمّا الحلم فهو من أبرز صفات سيدنا الكاظمعليه‌السلام ، فقد كان مضرب المثل في حلمه وكظمه للغيظ، ويقول الرواة: إنّه كان يعفو عمّن أساء إليه، ويصفح عمّن اعتدى عليه، وذكر الرواة بوادر كثيرة من حلمه كان منها:

1 - أنّ شخصاً من أحفاد عمر بن الخطاب كان يسئ للإمام موسى ويسب جدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فأراد بعض شيعة الإمام اغتياله فنهاهم عن ذلك، ورأى أن يعالجه بغير ذلك فسأل عن مكانه، فقيل له: إنّ له ضيعة في بعض نواحي يثرب وهو يزرع فيها فركب الإمام بغلته، ومضى متنكراً إليه، فأقبل نحوه فصاح به العمري لا تطأ زرعنا فلم يحفل به الإمام إذ لم يجد طريقاً يسلكه غير ذلك، ولمّا انتهى إليه قابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً له:

( كم غرمت في زرعك هذا!... )

( مائة دينار... ).

( كم ترجو أن تصيب منه؟ )

( أنا لا أعلم الغيب... ).

____________________

(1) البحار 11 / 265.

(2) أصول الكافي 2 / 134.


( إنّما قلت: لك كم ترجو أن يجيئك منه! )

( أرجو أن يجيئني منه مائتا دينار ).

فأعطاه سليل النبوّة ثلاث مائة دينار، وقال: هذه لك وزرعك على حاله، فانقلب العمري رأساً على عقب وخجل على ما فرط في حق الإمام، وانصرف الإمام عنه وقصد الجامع النبوي، فوجد العمري قد سبقه فلمّا رأى الإمام قام إليه، وهو يهتف بين الناس:

( الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمَن يشاء... ).

وبادر أصحابه منكرين عليه هذا التغيير فأخذ يخاصمهم ويذكر مناقب الإمام ومآثره، والتفت الإمام إلى أصحابه قائلاً: ( أيّما كان خيراً؟ ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار )(1)

لقد عامل الإمام مبغضيه ومناوئيه بالإحسان واللطف فاقتلع من نفوسهم النزعات الشريرة، وغسل أدمغتهم التي كانت مترعة بالجهل والنقص، وقد وضع أمامه قوله تعالى:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) .

2 - ومن آيات حلمه أنّه اجتاز على جماعة من أعدائه كان فيهم ابن هياج فأمر بعض أتباعه أن يتعلّق بلجام بغلة الإمام ويدّعي أنّها له، ففعل ذلك، وعرف الإمام غايته فنزل عن البغلة وأعطاها له(2).

وقد أعطى الإمام بذلك مثلاً أعلى للحلم وسعة النفس، وكانعليه‌السلام يوصي أبناءه بالتحلّي بهذه الصفة الكريمة فقد قال لهم:

( يا بنى أوصيكم بوصية مَن حفظها انتفع بها، إذا أتاكم آت، فأسمع أحدكم في الأُذن اليمنى مكروهاً، ثم تحوّل إلى اليسرى فاعتذر لكم، وقال: إنّي لم أقل شيئاً فاقبلوا عذره )(3).

وبهذه الوصية نقف على مدى حلمه وسعة أخلاقه، وعدم مقابلة المسيء بالمثل , وهذه الظاهرة من أهم الوسائل الداعية إلى التآلف وجمع الكلمة بين الناس

____________________

(1) تأريخ بغداد 13 / 28 - 29.

(2) البحار 11 / 277.

(3) الفصول المهمّة (ص 22).


5 - جوده:

وكان الإمام موسىعليه‌السلام من أندى الناس كفّاً، ومن أكثرهم عطاءً للبائسين والمحرومين، ومن الجدير بالذكر أنّه كان يتطلّب الكتمان وعدم ذيوع ما يعطيه؛ مبتغياً بذلك الأجر عند الله تعالى، ويقول الرواة:

إنّه كان يخرج في غلس الليل البهيم فيوصل البؤساء والضعفاء وهم لا يعلمون من أي جهة تصلهم هذه المبرّة، وكانت صلاته لهم تتراوح ما بين المائتين دينار إلى الأربعمائة دينار(1) وكان أهله يقولون: ( عجباً لـمَن جاءته صرار موسى وهو يشتكي القلّة والفقر )(2) .

وقد حفلت كتب التأريخ ببوادر كثيرة من الحاجة والسؤال، ويجمع المترجمون له أنّه كان يرى أنّ أحسن صرف للمال هو ما يرد به جوع جائع، أو يكسو به عارياً، وقد ذكرنا بوادر وأمثلة كثيرة من جوده في كتابنا حياة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام .

6 - إغاثته للملهوفين:

من أبرز ذاتيات الإمام موسىعليه‌السلام إغاثته للملهوفين وإنقاذهم ممّا ألمّ بهم من محن الأيام وخطوبها، وكانت هذه الظاهرة من أحبّ الأمور إليه، وقد أفتى شيعته بجواز الدخول في حكومة هارون بشرط الإحسان إلى الناس، وقد شاعت عنه هذه الفتوى ( كفّارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان ).

ويقول الرواة: إنّ شخصاً من أهالي الري كانت عليه أموال طائلة لحكومة الري، وقد عجز عن تسديدها وخاف من الحكومة أن تصادر أمواله، وتنزل به العقوبة الصارمة، فسأل عن الحاكم فأخبروه أنّه من شيعة الإمام الكاظمعليه‌السلام ، فسافر إلى يثرب فلمّا انتهى إليها تشرّف بمقابلة الإمام وشكا إليه حاله، وضيق مجاله، فاستجابعليه‌السلام بالوقت له، وكتب إلى حاكم الري رسالة جاء فيها بعد البسملة:

( اعلم أنّ لله تحت عرشه ظلاًّ لا يسكنه إلاّ مَن أسدى إلى أخيه معروفاً، أو نفّس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سروراً، وهذا أخوك والسلام... ).

____________________

(1) تأريخ بغداد 13 / 28.

(2) عمدة الطالب (ص 185).


وأخذ الرسالة، وبعد أدائه لفريضة الحج اتجه صوب وطنه فلمّا انتهى إليه، مضى إلى الحاكم ليلاً فطرق باب بيته فخرج غلامه فقال له: ( مَن أنت؟ ).

( رسول الصابر موسى بن جعفر... ).

فهرع إلى مولاه فأخبره بذلك فخرج حافي القدمين مستقبلاً له فعانقه وقبّل ما بين عينيه، وطفق يسأله بلهفة عن حال الإمام وهو يجيبه، ثم ناوله رسالة الإمام، فأخذها بإكبار وقبّلها فلمّا قرأها استدعى بأمواله وثيابه فقاسمه في جميعها، وأعطاه قيمة ما لا يقبل القسمة، وهو يقول له: ( يا أخي هل سررتك؟... ) وسارع الرجل قائلاً: ( أي والله وزدت على ذلك... ) ثم استدعى الحاكم السجل فشطب على جميع الديون التي على الرجل، وأعطاه براءة منها، فخرج وقد غمرته موجات من الفرح والسرور، ورأى أن يجازي إحسانه بإحسان فيمضي إلى بيت الله الحرام ويدعوا له، ويخبر الإمام بما أسداه عليه من المعروف، ولمّا أقبل موسم الحج سافر إلى بيت الله الحرام، ولمّا انتهى إليه دعا للرجل بإخلاص، وأخبره بما أسداه حاكم الري من الإحسان إليه فسرّ الإمام بذلك سروراً بالغاً، والتفت إليه الرجل قائلاً: ( يا مولاي هل سرّك ذلك؟ ).

( أي والله لقد سرّني، وسرّ أمير المؤمنين، والله لقد سرّ جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولقد سرّ الله تعالى )(1) .

وهذه المبادرة تمثّل مدى اهتمامه بإغاثة الملهوفين، وبها نطوي الحديث عن بعض خصائصه وصفاته.

الإمام مع هارون:

وعانى الإمام الكاظمعليه‌السلام ألواناً قاسية من المحن والخطوب في عهد الطاغية هارون الذي جهد على ظلمه والتنكيل به، فقد قضى زهرة حياته في ظلمات

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 1 / 161 - 162.


سجونه، محجوباً عن أهله وشيعته، ونقدّم عرضاً سريعاً إلى ما لاقاه في عهد هارون.

إلقاء القبض على الإمام:

وثقل الإمام على هارون، وورم أنفه منه؛ وذلك لأنّه أعظم شخصية في العالم الإسلامي يكنّ له المسلمون المودّة والاحترام، في حين أنّه لم يحظ بذلك.

ويقول الرواة: إنّ من الأسباب التي أدّت هارون لسجنه للإمام أنّه لمّا زار قبر النبي (ص) وقد احتف به الأشراف والوجوه والوزراء، وكبار رجال الدولة، وأقبل على الضريح المقدّس، ووجّه له التحية قائلاً: ( السلام عليك يا بن العم... ).

ولقد أفتخر على مَن سواه برحمه الماسة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّه إنّما نال الخلافة بهذا السبب، وكان الإمام موسىعليه‌السلام إلى جانبه فسلّم على النبي العظيم قائلاً:

( السلام عليك يا أبت... ). وفقد الرشيد صوابه، وورم أنفه وانتفخت أوداجه، فإنّ الإمامعليه‌السلام أقرب منه إلى النبي، وألصق به من غيره فاندفع الطاغية بنبرات تقطر غضباً قائلاً: ( لم قلت: إنّك أقرب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منّا؟... ). فأدلى الإمام بالحجّة القاطعة التي لا يمكن إنكارها قائلاً:

( لو بُعث رسول الله حيّاً، وخطب منك كريمتك هل كنت تجيبه إلى ذلك؟ ).

وسارع هارون قائلا: ( سبحان الله!! وإنّي لأفتخر بذلك على العرب والعجم... ).

وانبرى الإمامعليه‌السلام يقيم عليه الدليل أنّه أقرب إلى النبي (ص) منه قائلاً:

( ولكنّه لا يخطب منّي، ولا أزوجه لأنّه والدنا لا والدكم فلذلك نحن أقرب إليه منكم ).

وأقام الإمام دليلاً آخر على قوله، فقال لهارون:

( هل يجوز لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يدخل على حرمك وهن كاشفات؟ ).


فقال هارون: لا. وقال الإمام: ( لكن له أن يدخل على حرمي، ويجوز له ذلك، فلذلك نحن أقرب إليه منكم ).(1) .

وثار الرشيد، ولم يجد مسلكاً ينفذ منه لتفنيد حجّة الإمامعليه‌السلام ، وانطوت نفسه على الشر فجاء إلى قبر النبي (ص) وقال له: ( بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله إنّي أعتذر إليك من أمر عزمت عليه إنّي أريد أن آخذ موسى بن جعفر فأحبسه لأنّي قد خشيت أن يلقي بين أمّتك حرباً يسفك فيها دماءهم... ). لقد حسب أنّ اعتذاره إلى النبي (ص) من ارتكاب الجريمة يجديه وينفي عنه المسؤولية في يوم يخسر فيه المبطلون.

وفي اليوم الثاني أصدر أوامره بإلقاء القبض على الإمام، فألقت الشرطة القبض عليه وهو قائم يصلّي عند رأس جدّه النبي (ص) فقطعوا عليه صلاته، ولم يمهلوه لإتمامها، فحمل من ذلك المكان الشريف، وقُيّد وهو يذرف أحر الدموع، ويبث شكواه إلى جدّه قائلاً: ( إليك أشكو يا رسول الله... ). وحُمل الإمام وهو يرسف في القيود، فمثل أمام الطاغية هارون فجفاه، وأغلظ له في القول(2) .

سجنه في البصرة:

وحُمل الإمام مقيّداً إلى البصرة، وقد وكل حسان السري بحراسته، والمحافظة عليه، وفي الطريق التقى به عبد الله بن مرحوم الأزدي، فدفع له الإمام كتباً، وأمره بإيصالها إلى ولي عهده الإمام الرضاعليه‌السلام ، وعرّفه بأنّه الإمام من بعده(3) .

وسارت القافلة تطوي البيداء حتى انتهت إلى البصرة وذلك قبل التروية بيوم(4) فسلّم حسان الإمام إلى عيسى بن جعفر فحبسه في بيت من بيوت المحبس

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 456 - 457.

(2) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 465.

(3) تنقيح المقال.

(4) منتخب التواريخ (ص 518).


وأقفل عليه أبواب السجن، فكان لا يفتحها إلاّ في حالتين: إحداهما خروجه إلى الطهور والأخرى لإدخال الطعام إليه.

واقبل الإمام على العبادة والطاعة فكان يصوم في النهار ويقوم في الليل، ويقضي عامة وقته في الصلاة والسجود والدعاء وقراءة القرآن، واعتبر تفرّغه للعبادة من نعم الله تعالى عليه، فكما يقول: ( اللّهمّ إنّك تعلم أنّي كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللّهمّ وقد فعلت فلك الحمد )(1) .

الإيعاز لعيسى باغتياله:

وأوعز هارون إلى عيسى عامله على البصرة باغتيال الإمامعليه‌السلام وثقل الأمر على عيسى فاستشار خواصه بذلك فمنعوه وخوفوه من عاقبة الأمر، فاستجاب لهم، ورفع رسالة إلى هارون، جاء فيها: ( يا أمير المؤمنين كتب إلي في هذا الرجل، وقد اختبرته طول مقامه بمَن حبسته معه عيناً عليه، لينظروا حيلته وأمره وطويّته ممّن له المعرفة والدراية، ويجري من الإنسان مجرى الدم، فلم يكن منه سوء قط، ولم يذكر أمير المؤمنين إلاّ بخير، ولم يكن عنده تطلع إلى ولدية، ولا خروج، ولا شيء من أمر الدنيا، ولا دعا قط على أمير المؤمنين، ولا على أحد من الناس، ولا يدعو إلاّ بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين من ملازمته للصيام والصلاة والعبادة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره، أو ينفذ مَن يتسلّمه منّي، وإلاّ سرحت سبيله، فإنّي منه في غاية الحرج )(2) .

ودلّت هذه الرسالة على خوف عيسى من الإقدام على اغتيال الإمام، وقد بقي في سجنه سنة كاملة(3) .

سجنه في بغداد:

واستجاب الرشيد لطلب عامله عيسى، فأمره بحمل الإمام إلى بغداد، فحمل إليها، تحفّ به الشرطة والحرس، ولمّا انتهى إليها أمر الرشيد بحبسه عند الفضل بن الربيع، فأخذ الفضل، وحبسه في بيته، ولم يحبسه في السجون العامة؛ وذلك لسمو

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 466.

(2) الفصول المهمّة.

(3) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 468.


مكانة الإمام، وعظم شخصيته، فخاف من حدوث الفتنة واضطراب الرأي العام.

واقبل الإمامعليه‌السلام على العبادة والطاعة، وقد بهر الفضل بعبادته فقد روى عبد الله القزويني قال: دخلت على الفضل بن الربيع، وهو جالس على سطح داره فقال لي: ادن منّي فدنوت حتى حاذيته، ثم قال لي: ( أشرف على الدار... ). وأشرف عبد الله على الدار، فقال له الفضل:

- ما ترى في البيت؟

- أرى ثوباً مطروحاً.

- انظر حسناً.

فتأمّل عبد الله، ونظر مليّاً فقال:

- رجل ساجد.

- هل تعرفه؟

- لا.

- هذا مولاك.

- مَن مولاي؟

- تتجاهل عَلَيّ؟

- ما أتجاهل، ولكن لا أعرف لي مولى.

- هذا أبو الحسن موسى بن جعفر.

وكان عبد الله ممّن يدين بإمامته، وأخذ الفضل يحدثه عن عبادته قائلاً: ( إنّي أتفقّده الليل والنهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلاّ على الحال التي أخبرك بها، إنّه يصلّي الفجر، فيعقّب ساعة في دبر صلاته، إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس، وقد وكل مَن يترصد له الزوال فلست أدري متى يقول الغلام: قد زالت الشمس؟ إذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير أن يجدّد الوضوء، فاعلم أنّه لم ينم في سجوده، ولا أغفى فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلّى العصر سجد سجدة فلا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلّي العتمة، فإذا صلّى العتمة أفطر على شوى يؤتى به، ثم يجدّد الوضوء ثم يسجد، ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة، ثم


يقوم فيجدّد الوضوء، ثم يقوم، فلا يزال يصلّي حتى يطلع الفجر، فلست أدري متى يقول الغلام إنّ الفجر قد طلع؟ إذ قد وثب هو لصلاة الفجر فهذا دأبه منذ حُوّل لي ).

وهكذا كان الإمام سيّد المتقين، وإمام المنيبين قد طبع على قلبه حب الله تعالى، وهام بعبادته وطاعته.

ولمّا رأى عبد الله الفضل للإمام حذّره من أن يستجيب لهارون باغتياله قائلاً له: ( اتق الله، ولا تحدث في أمره حدثاً يكون منه زوال النعمة فقد تعلم أنّه لم يفعل أحد سوء إلاّ كانت نعمته زائلة ).

فانبرى الفضل يؤيّد ما قاله عبد الله.

( قد أرسلوا إليّ غير مرة يأمرونني بقتله فلم أجبهم إلى ذلك )(1) .

لقد خاف الفضل من نقمة الله وعذابه في الدنيا والآخرة إن اغتال الإمام، أو تعرّض له بمكروه.

نصّه على إمامة الرضا:

ونصب الإمام موسىعليه‌السلام ولده الإمام الرضاعليه‌السلام علماً لشيعته ومرجعاً لأمّته وقد خرجت من السجن عدّة ألواح كتب فيها ( عهدي إلى ولدي الأكبر )(2) .

وقد أهتم الإمام موسى بتعيين ولده إماماً من بعده، وعهد بذلك إلى جمهرة كبيرة من أعلام شيعته كان من بينهم ما يلي:

1 - محمد بن إسماعيل:

روى محمد بن إسماعيل الهاشمي قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر، وقد اشتكى شكاة شديدة فقلت له: ( أسأل الله أن لا يريناه - أي فقدك - فإلى مَن؟ ).

قالعليه‌السلام :

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 469 - 471.

(2) نفس المصدر.


( إلى ابني علي، فكتابه كتابي، وهو وصيي، وخليفتي من بعدي )(1) .

2 - علي بن يقطين:

روى علي بن يقطين، قال: كنت عند أبي الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام ، وعنده علي ابنه، فقال: يا علي هذا ابني سيد ولدي، وقد نحلته كنيتي، وكان في المجلس هشام بن سالم فضرب على جبهته، وقال: إنّا لله نعى والله إليك نفسه(2) .

3 - نعيم بن قابوس:

روى نعيم بن قابوس، قال: قال أبو الحسنعليه‌السلام : علي ابني أكبر ولدي، واسمعهم لقولي: وأطوعهم لأمري، ينظر في كتاب الجفر والجامعة، ولا ينظر فيهما إلاّ نبي أو وصي نبي(3) .

4 - داود بن كثير:

روى داود بن كثير الرقي، قال: قلت لموسى الكاظم: جُعلت فداك، إنّي قد كبرت، وكبر سنّي، فخذ بيدي، وأنقذني من النار، مَن صاحبنا بعدك؟

فأشارعليه‌السلام إلى ابنه أبي الحسن الرضا، وقال: هذا صاحبكم بعدي(4) .

5 - سليمان بن حفص:

روى سليمان بن حفص المروزي، قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر وأنا أريد أن أسأله عن الحجّة على الناس بعده، فلمّا نظر إليّ ابتداني، وقال: يا سليمان إنّ عليّاً ابني ووصيي، والحجّة على الناس بعدي، وهو أفضل ولدي، فإن بقيت بعدي فاشهد له بذلك عند شيعتي وأهل ولايتي، المستخبرين عن خليفتي بعدي(5) .

____________________

(1) كشف الغمّة 3 / 88.

(2) كشف الغمّة 3 / 88.

(3) كشف الغمّة 3 / 88.

(4) الفصول المهمّة (ص 225).

(5) عيون أخبار الرضا 1 / 26.


6 - عبد الله الهاشمي:

قال عبد الله الهاشمي: كنّا عند القبر - أي قبر النبي (ص) - نحو ستين رجلاً منا ومن موالينا، إذ أقبل أبو إبراهيم موسى بن جعفرعليه‌السلام ويد علي ابنه في يده فقال: أتدرون من أنا!

قلنا: أنت سيدنا وكبيرنا، فقال: سمّوني وانسبوني، فقلنا: أنت موسى بن جعفر بن محمد، فقال: من هذا؟ - وأشار إلى ابنه - قلنا: هو علي بن موسى بن جعفر، قال: فاشهدوا أنّه وكيلي في حياتي، ووصيي بعد موتي(1).

7 - عبد الله بن مرحوم:

روى عبد الله بن مرحوم قال: خرجت من البصرة أريد المدينة، فلمّا صرت في بعض الطريق لقيت أبا إبراهيم، وهو يذهب به إلى البصرة، فأرسل إليّ فدخلت عليه فدفع إلي كتباً، وأمرني أن أوصلها إلى المدينة، فقلت: إلى مَن ادفعها جُعلت فداك؟ قال: إلى علي ابني، فإنّه وصيي، والقيّم بأمري، وخير بنيّ(2).

8 - عبد الله بن الحرث:

روى عبد الله بن الحرث، قال: بعث إلينا أبو إبراهيم فجمعنا ثم قال: أتدرون لم جمعتكم!

قلنا: لا، قال: اشهدوا أنّ عليّاً ابني هذا وصيي، والقيّم بأمري، وخليفتي من بعدي، مَن كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، ومَن كانت له عندي عدّة فليستنجزها منه، ومَن لم يكن له بد من لقائي فلا يلقني إلاّ بكتابه(3)

9 - حيدر بن أيوب:

روى حيدر بن أيوب، قال: كنّا بالمدينة في موضع يعرف بالقبا فيه محمد بن زيد بن علي، فجاء بعد الوقت الذي كان يجيئنا فيه فقلنا له: جعلنا الله فداك ما حبسك؟ - أي ما أخّرك عن المجيء - قال: دعانا أبو إبراهيم اليوم سبعة عشر رجلاً من ولد علي وفاطمةعليهما‌السلام ، فأشهدنا لعلي ابنه بالوصية والوكالة في حياته وبعد موته، وإنّ أمره جايز - أي نافذ - عليه، وله، ثم قال محمد: والله يا حيدر لقد عقد له الإمامة اليوم، وليقولن الشيعة به من بعده، قلت:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 1 / 26 - 27.

(2) عيون أخبار الرضا.

(3) عيون أخبار الرضا.


بل يبقيه الله، وأي شيء هذا؟

يا حيدر إذا أوصى إليه فقد عقد له بالإمامة(1).

10 - الحسين بن بشير:

قال الحسين بن بشير: أقام لنا أبو الحسن موسى بن جعفر ابنه عليّاً، كما أقام رسول الله (ص)، عليّاً يوم غدير خم، فقال: يا أهل المدينة أو قال: يا أهل المسجد هذا وصيي من بعدي(2) .

11 - جعفر بن خلف:

روى جعفر بن خلف قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر يقول: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام يقول: سعد امرؤ لم يمت حتى يرى منه خلف، وقد أراني الله من ابني هذا خلفا وأشار إليه - يعني الرضا -(3).

12 - نصر بن قابوس:

روى نصر بن قابوس قال: قلت لأبي إبراهيم موسى بن جعفرعليه‌السلام ، إنّي سألت أباك مَن الذي يكون بعدك؟ فأخبرني أنّك أنت هو، فلمّا توفّي أبو عبد الله ذهب الناس يميناً وشمالاً، وقلت: أنا وأصحابي بك، فأخبرني مَن الذي يكون بعدك؟ قال: ابني علي(4) .

13 - محمد بن سنان:

روى محمد بن سنان قال: دخلت على أبي الحسن قبل أن يحمل إلى العراق بسنة، وعلي ابنه بين يديه، فقال لي: يا محمد، فقلت: لبّيك، قال: إنّه سيكون في هذه السنة حركة، فلا تجزع منها، ثم أطرق، ونكت بيده في الأرض، ورفع رأسه إليّ وهو يقول: ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء، قلت: وما ذاك؟

قال: مَن ظلم ابني هذا حقّه، وجحد إمامته من بعدي، كان كمَن ظلم علي بن أبي طالبعليه‌السلام حقّه، وجحد إمامته من بعد محمد (صلي الله عليه وآله). فعلمت أنّه قد نعى إلى نفسه، ودلّ على ابنه، فقلت:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا.

(2) عيون أخبار الرضا.

(3) عيون أخبار الرضا 1 / 30.

(4) عيون أخبار الرضا 1 / 31.


والله لئن مدّ الله في عمري لأسلمن إليه حقه، ولأقرن له بالإمامة، وأشهد أنّه من بعدك حجّة الله تعالى على خلقه، والداعي إلى دينه، فقال لي: يا محمد يمد الله في عمرك، وتدعو إلى إمامته، وإمامة مَن يقوم مقامه من بعده، فقلت: مَن ذاك جُعلت فداك؟ قال: محمد ابنه، قال: قلت: فالرضا والتسليم، قال: نعم كذلك وجدتك في شيعتنا أبين من البرق في الليلة الظلماء، ثم قال: يا محمد إنّ المفضل كان أنسي ومستراحي، وأنت أنسهما ومستراحهما(1) حرام على النار أن تمسّك أبداً(2) .

هذه بعض النصوص التي أُثرت عن الإمام موسىعليه‌السلام على إمامة ولده الإمام الرضاعليه‌السلام ، وقد حفلت باهتمام الإمام موسى في هذا الموضوع، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى تفنيد القائلين بالوقف على إمامته، وإبطال شبههم، وتحذير المسلمين منهم.

وصيّة الإمام:

وأقام الإمام موسىعليه‌السلام ولده الرضا وصيّاً من بعده، وقد أوصاه بوصيّتين، وهما يتضمّنان ولايته على صدقاته، ونيابته عنه في شؤونه الخاصة والعامة، وإلزام أبنائه باتباعه، والانصياع لأوامره، كما عهد إلى السيدات من بناته أن يكون زواجهن بيد الإمام الرضا؛ لأنّه اعرف بالكفؤ من غيره، فينبغي أن لا يتزوجن إلاّ بمؤمن تقي يعرف مكانتهن ومنزلتهن.

أمّا الوصية الثانية فقد ذكرناها في كتابنا حياة الإمام موسىعليه‌السلام فلا حاجة لذكرها فإنّي لا أحب أن أذكر شيئاً قد كتبته.

سجن السندي:

وأمر الرشيد بسجن الإمام في سجن السندي بن شاهك وهو شرّير لم تدخل الرحمة إلى قلبه، وقد تنكّر لجميع القيم، لا يؤمن بالآخرة ولا يرجو لله وقاراً، فقابل الإمام بكل قسوة وجفاء فضيق عليه في مأكله ومشربه، وكبّله بالقيود، ويقول الرواة إنّه قيّده بثلاثين رطلاً من الحديد.

____________________

(1) الضمير يرجع إلى الإمام الرضا وابنه محمد الجواد.

(2) عيون أخبار الرضا 1 / 32 - 33.


وأقبل الإمام على عادته على العبادة فكان في أغلب أوقاته يصلّي لربّه، ويقرأ كتاب الله، ويمجّده ويحمده على أن فرّغه لعبادته.

كتابه إلى هارون:

وأرسل الإمام رسالة إلى هارون أعرب فيها عن نقمته عليه وهذا نصّها: ( إنّه لن ينقضي عنّي يوم من البلاء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء حتى نفنى جميعاً إلى يوم ليس فيه انقضاء، وهناك يخسر المبطلون )(1) .

وحكت هذه الرسالة ما ألمّ بالإمام من الجزع والأسى من السجن وأنّه سيحاكم الطاغية أمام الله تعالى في يوم يخسر فيه المبطلون.

اغتيال الإمام:

وعهد الطاغية إلى السندي أو إلى غيره من رجال دولته باغتيال الإمام، فدسّ له سمّاً فاتكاً في رطب، وأجبره السندي على تناوله، فأكل منه رطبات يسيرة، فقال له السندي: ( زد على ذلك... )..

فرمقه الإمام بطرفه، وقال له: ( حسبك قد بلغت ما تحتاج إليه... ).(2) .

وتفاعل السم في بدن الإمام، وأخذ يعاني الآلام القاسية وقد حفّت به الشرطة القساة، ولازمه السندي، فكان يسمعه مرّ الكلام وأقساه، ومنع عنه جميع الإسعافات ليعجل له النهاية المحتومة.

لقد عانى الإمام في تلك الفترة الرهيبة أقسى ألوان المحن والخطوب، فقد تقطّعت أوصاله من السم، وكان أشق عليه ما يسمعه من انتهاك لحرمته وكرامته من السندي وجلاوزته.

إلى الرفيق الأعلى:

وسرى السمّ في جميع أجزاء بدن الإمامعليه‌السلام ، وأخذ يعاني أقسى ألوان الأوجاع والآلام، واستدعى الإمام السندي فلمّا مثل عنده أمره أن يحضر مولى

____________________

(1) البداية والنهاية 10 / 183.

(2) حياة الإمام موسى بن جعفر 1 / 499 - 500.


له ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولّى تجهيزه، وسأله السندي أن يأذن له في تجهيزه فأبى، وقال: إنّا أهل بيت مهور نسائنا، وحج صرورتنا، وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني(1) واحضر له السندي مولاه فعهد له بتجهيزه.

ولمّا ثقل حال الإمام، وأشرف على النهاية المحتومة استدعى المسيب بن زهرة، وقال له: ( إنّي على ما عرفتك من الرحيل إلى الله عزّ وجل فإذا دعوت بشربة من ماء فشربتها ورأيتني قد انتفخت، واصفرّ لوني واحمرّ، واخضرّ، وأتلوّن ألواناً، فأخبر الطاغية بوفاتي... ).

قال المسيب: فلم أزل أراقب وعده، حتى دعاعليه‌السلام بشربة فشربها، ثم استدعاني فقال: ( يا مسيب إنّ هذا الرجس السندي بن شاهك سيزعم أنّه يتولّى غسلي، ودفني، وهيهات، هيهات أن يكون ذلك أبداً فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فألحدوني بها، ولا ترفعوا قبري فوق أربعة أصابع مفرجات، ولا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبركوا به فإنّ كل تربة لنا محرّمة إلاّ تربة جدّي الحسين بن علي فإنّ الله عزّ وجل جعلها شفاء لشيعتنا وأوليائنا... ).

قال المسيب: ثم رأيت شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه، وكان عهدي بسيّدي الرضاعليه‌السلام وهو غلام فأردت أن أسأله، فصاح بي سيدي موسى وقال: أليس قد نهيتك، ثم إنّه غاب ذلك الشخص، وجئت إلى الإمام فإذا به جثّة هامدة قد فارق الحياة، فانتهيت بالخبر إلى الرشيد(2) .

لقد سمت روح الإمام إلى خالقها العظيم تحفّها ملائكة الرحمن بطاقات من زهور الجنّة، وتستقبلها أرواح الأنبياء والأوصياء والمصطفين الأخيار.

سيّدي أبا الرضا: لقد مضيت إلى دار الخلود بعد أن أدّيت رسالتك، ورفعت كلمة الله عالية في الأرض، ونافحت عن حقوق المظلومين، والمضطهدين، وقاومت الطغيان والاستبداد، فما أعظم عائدتك على الإسلام والمسلمين.

سيّدي أبا الرضا:

____________________

(1) مقاتل الطالبيين (ص 504).

(2) حياة الإمام موسى 2 / 514 - 515.


لقد تجرّعت أنواع المحن والغصص والخطوب من طاغية زمانك فأودعك في سجونه، وضيّق عليك في كل شيء، وحال بينك وبين شيعتك وأبنائك وعائلتك؛ لأنّك لم تسايره ولم تبرّر منكره، فقد تزعّمت الجبهة المعارضة للظلم والطغيان، ورحت تندد بسياسته الهوجاء التي بنيت على سرقة أموال المسلمين، وإنفاقها في ملذّاته، ولياليه الحمراء، فسلام الله عليك غادية ورائحة، وسلام الله عليك يوم ولدت ويوم متّ ويوم تُبعث حيّاً.

تحقيق الشرطة في الحادث:

وقامت الشرطة بدورها في التحقيق في سبب وفاة الإمام، وقد بذلت قصارى جهودها في أنّ الإمام مات حتف أنفه؛ لتبرئ ساحة الطاغية هارون، وقد قام بذلك السندي ابن شاهك، وكان ذلك في مواضع منها ما رواه عمرو بن واقد، قال: أرسل إليّ السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد فخشيت أن يكون لسوء يريده لي، فأوصيت عيالي بما احتجت إليه، وقلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ثم ركبت إليه، فلمّا رآني مقبلاً قال: ( يا أبا حفص لعلّنا أرعبناك وأزعجناك؟... ).

( نعم )...

( ليس هنا إلاّ الخير... ).

( فرسول تبعثه إلى منزلي ليخبرهم خبري... ).

( نعم )... ولمّا هدأ روعه، وذهب عنه الخوف، قال له السندي: ( يا أبا حفص أتدري لم أرسلت إليك؟... )..

( لا ).

( أتعرف موسى بن جعفر؟... ).

( أي والله أعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر... ).

هل ببغداد ممّن يقبل قوله تعرفه أنّه يعرفه؟... ).

( نعم ).

ثم إنّه سمّى له أشخاصاً ممّن يعرفون الإمام، فبعث خلفهم فقال لهم: هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفر؟

فسمّوا له قوماً فأحضرهم، وقد استوعب الليل فعله حتى انبلج نور الصبح، ولمّا كمل عنده من الشهود نيّف وخمسون رجلاً،


أمر بإحضار كاتبه، ويعرف اليوم بكاتب الضبط، فأخذ في تسجيل أسمائهم ومنازلهم وأعمالهم وصفاتهم وبعد انتهائه من الضبط أخبر السندي بذلك فخرج من محلّه، والتفت إلى عمرو فقال له: قم يا أبا حفص فاكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر، فكشف عمرو الثوب عن وجه الإمام، والتفت السندي إلى الجماعة، فقال لهم: انظروا إليه، فدنا واحد منهم بعد واحد، فنظروا إليه جميعاً، ثم قال لهم:

( تشهدون كلّكم أنّ هذا موسى بن جعفر؟... ).

( نعم ).

ثم أمر غلامه بتجريد الإمام من ملابسه، ففعل الغلام ذلك، ثم التفت إلى القوم فقال لهم: ( أترون به أثراً تنكرونه؟... ) فقالوا: ( لا ). ثم سجّل شهادتهم وانصرفوا(1) .

كما استدعى فقهاء بغداد ووجوهها، وفيهم الهيثم بن عدي فسجّل شهادتهم بإنّ الإمام مات حتف أنفه(2). وفعل هارون مثل ذلك من الإجراءات والسبب في ذلك تنزيهه من اقتراف الجريمة، ونفي المسؤولية عنه.

وضعه على الجسر:

ووضع جثمان الإمام سليل النبوّة على جسر الرصافة ينظر إليه القريب والبعيد، وتتفرّج عليه المارّة، وقد احتفت به الشرطة، وكشفت وجهه للناس، وقد حاول الطاغية بذلك إذلال الشيعة والاستهانة بمقدّساتها وكان هذا الإجراء من أقسى ألوان المحن التي عانتها الشيعة؛ فقد كوى بذلك قلوبهم وعواطفهم، يقول الشيخ محمد ملة:

مَن مبلغ الإسلام أنّ زعيمه

قد مات في سجن الرشيد سميما

فالغيّ بات بموته طرب الحشا

وغدا لمأتمه الرشاد مقيما

ملقىً على جسر الرصافة نعشه

فيه الملائك أحدقوا تعظيما

وقال الخطيب المفوّه الشيخ محمد علي اليعقوبي:

مثل موسى يرمى على الجسر ميتاً

لم يشيّعه للقبور موحّد

حملوه وللحديد برجليه هزيج

له الأهاضيب تنهد(3)

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 519.

(2) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 519.

(3) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 521.


النداء الفظيع:

يا لهول المصاب، يا لروعة الخطب، لقد انتهك السندي جميع حرمات الإسلام، فقد أمر الجلادين أن ينادوا على الجثمان المقدس بنداء مؤلم، فبدل أن ينادوا بالحضور لجنازة الطيب ابن الطيب أمرهم أن ينادوا بعكس ذلك، وانطلق العبيد والأنذال يجوبون في شوارع بغداد رافعين أصواتهم بذلك النداء القذر، وأمرهم ثانياً أن ينادوا بنداء آخر: ( هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت فانظروا إليه ميتاً... )(1) .

قيام سليمان بتجهيز الإمام:

وكان سليمان مطلاًّ على نهر دجلة في قصره، فرأى الشرطة وقطعات من الجيش تجوب في الشوارع، والناس مضطربة، فزعة، فهاله ذلك، فالتفت إلى ولده وغلمانه قائلاً: ( ما الخبر؟ ).

فقالوا له: ( هذا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر... ).

وأخبروه بندائه الفظيع، فخاف سليمان من حدث الفتنة وانفجار الوضع بما لا تحمد عقباه، وصاح بولده:

( انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم، فإن مانعوكم فاضربوهم وخرقوا ما عليهم من سواد - وهو لباس الشرطة والجيش - )(2) .

وانطلق أبناء سليمان مسرعين ومعهم غلمانهم وحرّاسهم إلى الشرطة، فأخذوا الجثمان المقدس من أيديهم، ولم تبد الشرطة أيّة مقاومة معهم، فسليمان عم الخليفة وأهم شخصية لامعة في الأسرة العباسية.

وحمل جثمان الإمام إلى سليمان فأمر أن ينادي في شوارع بغداد بنداء معاكس لنداء السندي، وانطلق المنادون رافعين أصواتهم بهذا النداء:

( ألا مَن أراد أن يحضر جنازة الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر فليحضر ).

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر.

(2) حياة الإمام موسى بن جعفر.


وخرج الناس على اختلاف طبقاتهم لتشييع جثمان إمام المسلمين وسيد المتقين والعابدين، وخرجت الشيعة وهي تلطم الصدور وتذرف الدموع وخرجت السيدات من نسائهم، وهن يندبن الإمام، ويرفعن أصواتهن بالنياحة عليه. وسارت مواكب التشييع وهي تجوب شوارع بغداد، وتردد أهازيج اللوعة والحزن، وأمام النعش المقدس مجامير العطور، وانتهى به إلى موضع في سوق سُمّي بعد ذلك بسوق الرياحين، كما بني على الموضع الذي وضع فيه الجثمان المقدس لئلاّ تطأه الناس بأقدامهم تكريماً له(1) ، وانبرى شاعر ملهم فأبّن الإمام بهذه الأبيات الرائعة:

قد قلت للرجل المولّى غسله

هلاّ أطعت وكنت من نصائحه

جنبه ماءك ثم غسّله بما

أذرت عيون المجد عند بكائه

وأزل أفاويه الحنوط ونحّها

عنه وحنّطه بطيب ثنائه

ومر الملائكة الكرام بحمله

كرماً ألست تراهم بإزائه

لا توه أعناق الرجال بحمله

يكفي الذي حملوه من نعمائه(2)

وسارت المواكب متجهة إلى محلّة باب التبن، وقد ساد عليها الوجوم والحزن، حتى انتهت إلى مقابر قريش فحفر للجثمان العظيم قبر، وأنزله فيه سليمان بن أبي جعفر، وهو مذهول اللب، فواراه فيه، وارى فيه الحلم والكرم والعلم، والإباء.

وانصرف المشيعون، وهم يعددون فضائل الإمام، ويذكرون بمزيد من اللوعة الخسارة التي منّي بها المسلمون، فتحيّات من الله على تلك الروح العظيمة التي ملأت الدنيا بفضائلها وآثارها ومآثرها.

تقلّد الإمام الرضا للزعامة الكبرى:

وتقلّد الإمام الرضاعليه‌السلام بعد وفاة أبيه الزعامة الدينية الكبرى، والمرجعية العامة للمسلمين، وقد احتف به العلماء والفقهاء وهم يسجلون آراءه في ميادين الآداب والحكمة، وما يفتي به من المسائل الشرعية وغير ذلك من صنوف المعارف والعلم.

____________________

(1) الأنوار البهية (ص 99).

(2) الإتحاف بحب الأشراف (ص 57).


سفره إلى البصرة:

وبعد وفاة الإمام الكاظمعليه‌السلام سافر الإمام الرضاعليه‌السلام إلى البصرة للتدليل على إمامته، وإبطال شبه المنحرفين عن الحق، وقد نزل ضيفاً في دار الحسن بن محمد العلوي، وقد عقد في داره مؤتمراً عاماً ضمّ جمعاً من المسلمين كان من بينهم عمرو بن هداب، وهو من المنحرفين عن آل البيتعليهم‌السلام والمعادين لهم، كما دعا فيه جاثليق النصارى، ورأس الجالوت، والتفت إليهم الإمام فقال لهم:

( إنّي إنّما جمعتكم لتسألوني عمّا شيءتم من آثار النبوة وعلامات الإمامة التي لا تجدونها إلاّ عندنا أهل البيت، فهلموا أسألكم... ).

وبادر عمرو بن هداب فقال له: ( إنّ محمد بن الفضل الهاشمي أخبرنا عنك أنك تعرف كل ما أنزله الله، وانك تعرف كل لسان ولغة... ).

وانبرى الإمامعليه‌السلام فصدّق مقالة محمد بن الفضل في حقّه قائلاً: ( صدق محمد بن الفضل أنا أخبرته بذلك... ).

سارع عمرو قائلاً: ( إنّا نختبرك قبل كل شيء بالألسن، واللغات، هذا رومي، وهذا هندي، وهذا فارسي، وهذا تركي، قد أحضرناهم... ).

فقالعليه‌السلام : ( فليتكلّموا بما أحبوا، أجب كل واحد منهم بلسانه إن شاء الله... ).

وتقدم كل واحد منهم أمام الإمام فسأله عن مسألة فأجابعليه‌السلام عنها بلغته، وبهر القوم وعجبوا، والتفت الإمام إلى عمرو فقال له: ( إن أنا أخبرتك أنّك ستبتلي في هذه الأيام بدم ذي رحم لك هل كنت مصدقاً لي؟... ).

( لا، فإنّ الغيب لا يعلمه إلاّ الله تعالى... ).

وردّ الإمام عليه مقالته: ( أو ليس الله تعالى يقول:( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رسُولٍ ) فرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك


الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه فعلمنا ما كان، وما يكون إلى يوم القيامة. وإنّ الذي أخبرتك به يا بن هداب لكائن إلى خمسة أيام وإن لم يصح في هذه المدة فإنّي.. وإن صحّ فتعلم أنّك راد على الله ورسوله.

وأضاف الإمام قائلاً: ( أما إنّك ستصاب ببصرك، وتصير مكفوفاً، فلا تبصر سهلاً، ولا جبلاً وهذا كائن بعد أيام، ولك عندي دلالة أخرى، إنّك ستحلف يميناً كاذبة فتضرب بالبرص... ).

وأقسم محمد بن الفضل بالله بأنّ ما أخبر به الإمام قد تحقّق، وقيل لابن هداب: ( هل صدق الرضا بما أخبر به؟... ).

فقال: والله لقد علمت في الوقت الذي أخبرني به أنّه كائن، ولكنّي كنت أتجلّد.

والتفت الإمام إلى الجاثليق فقال له: ( هل دلّ الإنجيل عل نبوّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ ).

وسارع الجاثليق قائلاً: ( لو دلّ الإنجيل على ذلك ما جحدناه... ).

ووجّه الإمام له السؤال التالي: ( اخبرني عن السكنة التي لكم في السفر الثالث؟... ). وأجاب الجاثليق: ( إنّها اسم من أسماء الله تعالى لا يجوز لنا أن نظهره... ).

وردّ عليه الإمام قائلاً: ( فان قربه ربّك أنّه اسم محمد، وأقر عيسى به، وأنّه بشر بني إسرائيل بمحمد لتقربه، ولا تنكره؟... ).

ولم يجد الجاثليق بُدّاً من الموافقة على ذلك قائلاً: ( إن فعلت أقررت، فإنّي لا أرد الإنجيل ولا أجحده... ).

وأخذ الإمام يقيم عليه الحجّة قائلاً: ( خذ على السفر الثالث الذي فيه ذكر محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وبشارة عيسى


بمحمد؟... ).

وسارع الجاثليق قائلا: ( هات ما قلته... ).

فأخذ الإمامعليه‌السلام يتلو عليه السفر من الإنجيل الذي فيه ذكر الرسول محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال للجاثليق: ( من هذا الموصوف؟... ).

قال الجاثليق: ( صفه ).

وأخذ الإمامعليه‌السلام في وصفه قائلاً: ( لا أصفه إلاّ بما وصفه الله، وهو صاحب الناقة، والعصا، والكساء، النبي الأمي، الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم، يهدي إلى الطريق الأقصد، والمنهاج الأعدل، والصراط الأقوم. سألتك يا جاثليق بحق عيسى روح الله، وكلمته، هل تجدون هذه الصفة في الإنجيل لهذا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ ).

وأطرق الجاثليق مليّاً برأسه إلى الأرض، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فقد سدّ عليه الإمام كل نافذة يسلك منها، ولم يسعه أن يجحد الإنجيل، فأجاب الإمام قائلاً: نعم هذه الصفة من الإنجيل، وقد ذكر عيسى في الإنجيل هذا النبي ولم يصح عند النصارى أنّه صاحبكم ).

وانبرى الإمام يقيم عليه الحجّة، ويبطل أوهامه قائلاً: ( أما إذا لم تكفر بجحود الإنجيل، وأقررت بما فيه من صفة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخذ على السفر الثاني، فإنّه قد ذكره وذكر وصيّه، وذكر ابنته فاطمة وذكر الحسن والحسين... ).

وقد استبان للجاثليق ورأس الجالوت أنّ الإمامعليه‌السلام عالم بالتوراة والإنجيل، وأنّه واقف على جميع ما جاء فيهما، وفكّرا في التخلص من حجج الإمام فأبديا الشك في أن الذي بشر به موسى والسيد المسيح هو النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وطفقا قائلين:


( لقد بشر به موسى وعيسى جميعاً، ولكن لم يتقرّر عندنا أنّه محمد هذا، فأمّا كون اسمه محمد، فلا يجوز أن نقر لكم بنبوته، ونحن شاكون أنّه محمّدكم أو غيره... ).

وانبرى الإمام ففنّد شبهتهم قائلاً: ( احتججتم بالشك، فهل بعث الله قبل أو بعد من ولد آدم إلى يومنا هذا نبيّاً اسمه محمد أو تجدونه في شيء من الكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء غير محمد؟... ).

وأحجما عن الجواب، ولم يجدا شبهة يتمسكان بها، وأصرّا على العناد والجحود قائلين: ( لا يجوز لنا أن نقر لك بأنّ محمّداً هو محمّدكم، فإنّا إن أقررنا لك بمحمد ووصيّه وابنته وابنيها على ما ذكرتم أدخلتمونا في الإسلام كرهاً... ).

وانبرى الإمام قائلاً: ( أنت يا جاثليق آمن في ذمّة الله، وذمّة رسوله أنّه لا يبدؤك منّا شيء تكرهه... ).

وسارع الجاثليق قائلاً: ( إذ قد آمنتني، فان هذا النبي الذي اسمه محمد، وهذا الوصي الذي اسمه علي، وهذه البنت التي اسمها فاطمة، وهذان السبطان اللذان اسمهما الحسن والحسين في التوراة والإنجيل والزبور، وطفق الإمام قائلاً: ( هل هذا صدق وعدل؟... ).

( بل صدق وعدل... ).

وسكت الجاثليق، واعترف بالحق، والتفت الإمام إلى رأس الجالوت فقال له: ( اسمع يا رأس الجالوت السفر الفلاني من زبور داود... ).

قال رأس الجالوت: ( بارك الله فيك وفيمَن ولدك: هات ما عندك... ).

وأخذ الإمام يتلو عليه السفر الأول من الزبور حتى انتهى إلى ذكر محمد وعلي وفاطمة والحسن الحسين، ووجه الإمام له السؤال التالي: ( سألتك يا رأس الجالوت بحق الله هذا في زبور داود؟... ).

( نعم هذا بعينه في الزبور بأسمائهم... ).


وانبرى الإمام قائلاً: ( بحق عشر الآيات التي أنزلها الله على موسى بن عمران في التوراة هل تجد صفة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين في التوراة منسوبين إلى العدل والفضل؟ ).

ولم يسع رأس الجالوت إلاّ الإقرار والاعتراف بذلك، وأخذ الإمام يتلو في سفر آخر من التوراة، وقد بهر رأس الجالوت من اطلاع الإمام ومن فصاحته وبلاغته، وتفسيره ما جاء في النبي وعلي وفاطمة والحسنين، فقال رأس الجالوت: ( والله يا بن محمد لولا الرياسة التي حصلت لي على جميع اليهود لآمنت بأحمد، واتبعت أمرك، فو الله الذي أنزل التوراة على موسى، والزبور على داود، ما رأيت اقرأ للتوراة والإنجيل والزبور منك، ولا رأيت أحسن تفسيراً وفصاحة لهذه الكتب منك ).

وقد استغرقت مناظرة الإمام معهم وقتاً كثيراً حتى صار وقت صلاة الظهر فقامعليه‌السلام فصلّى بالناس صلاة الظهر، وانصرف إلى شؤونه الخاصة، وفي الغد عاد إلى مجلسه، وقد جاءوا بجارية رومية لامتحان الإمامعليه‌السلام ، فكلّمها الإمام بلغتها، والجاثليق حاضر، وكان عارفاً بلغتها، فقال الإمام للجارية: ( أيّما أحب إليك محمد أم عيسى؟... ).

فقالت الجارية: ( كان فيما مضى عيسى أحب إليّ؛ لأنّي لم أكن أعرف محمداً، وبعد أن عرفت محمداً فهو أحب إليّ من عيسى... ).

والتفت لها الجاثليق فقال لها: ( إذا كنت دخلت في دين محمد فهل تبغضين عيسى؟... ).

وأنكرت الجارية كلامه فقالت: ( معاذ الله بل أحب عيسى، وأومن به، ولكن محمداً أحب إلي... ).

والتفت الإمام إلى الجاثليق فطلب منه أن يترجم للجماعة كلام الجارية، فترجمه لهم، وطلب الجاثليق من الإمام أن يحاجج مسيحيّاً من السند له معرفة بالمسيحية، وصاحب جدل، فحاججه الإمام بلغته، فآمن السندي بالإسلام، وأقرّ للإمامعليه‌السلام بالإمامة، وطلبعليه‌السلام من محمد بن الفضل أن يأخذه إلى الحمام ليغتسل، ويطهر بدنه من درن الشرك، فأخذه محمد إلى الحمّام، وكساه بثياب نظيفة، وأمر الإمام بحمله إلى يثرب ليتلقى من علومه، ثم ودّع الإمام أصحابه


ومضى إلى المدينة المنوّرة(1) .

سفره إلى الكوفة:

وغادر الإمامعليه‌السلام يثرب متوجّهاً إلى الكوفة، فلمّا انتهى إليها استقبل فيها استقبالاً حاشداً، وقد نزل ضيفاً في دار حفص بن عمير اليشكري، وقد احتف به العلماء والمتكلمون وهم يسألونه عن مختلف المسائل، وهو يجيبهم عنها، وقد عقد مؤتمراً عامّاً ضمّ بعض علماء النصارى واليهود، وجرت بينه وبينهم مناظرات أدت إلى انتصاره وعجزهم عن مجاراته، والتفت الإمامعليه‌السلام إلى الحاضرين، فقال لهم: ( يا معاشر الناس، أليس أنصف الناس مَن حاجّ خصمه بملّته وبكتابه، وشريعته؟... ).

فقالوا جميعاً: ( نعم ).

فقالعليه‌السلام : ( اعلموا أنّه ليس بإمام بعد محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ مَن قام بما قام به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله حين يفضي له الأمر، ولا يصلح للإمامة إلاّ مَن حاج الأمم بالبراهين للإمامة... ).

وانبرى عالم يهودي فقال له: ( ما الدليل على الإمام؟... )

فقالعليه‌السلام :

( أن يكون عالماً بالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن الحكيم فيحاج أهل التوراة بتوراتهم، وأهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل القرآن بقرآنهم، وأن يكون عالماً بجميع اللغات حتى لا يخفي عليه لسان واحد، فيحاج كل قوم بلغتهم، ثم يكون مع هذه الخصال تقياً، نقياً من كل دنس، طاهراً من كل عيب، عادلاً، منصفاً، حكيماً، رؤوفاً، رحيماً، غفوراً، عطوفاً، صادقاً، مشفقاً، بارّاً، أميناً، مأموناً... )(2) .

وجرت بينه وبين بعض الحاضرين مناظرات أدّت إلى تمسّك الشيعة بالإمام

____________________

(1) البحار 12 / 21 - 23، بتصرف نقلنا الخبر.

(2) البحار 12 / 23، نقلنا الحديث بتصرف.


عليه‌السلام ، وزيادة إيمانهم بقدراته العلمية الهائلة كما أدّت إلى إفحام القوى المعارضة للإمام، وعجزهم عن مجاراته وبهذا نطوي الحديث عن دور الإمام في ظلال أبيه، وبعد وفاته.



مناظراته واحتجاجاته

واتسم عصر الإمام الرضاعليه‌السلام بشيوع المناظرات والاحتجاجات بين زعماء الأديان والمذاهب الإسلامية وغيرها، وقد احتدم الجدال بينهم في كثير من البحوث الكلامية خصوصاً فيما يتعلّق بأصول الدين، وقد حفلت الكتب الكلامية وغيرها بألوان من ذلك الصراع العقائدي مشفوعة بالأدلة التي أقامها المتكلمون على ما يذهبون إليه.

ومن بين المسائل التي عظم فيها النزاع، واحتدم فيها الجدال بين الشيعة والسنّة: ( الإمامة )، فالشيعة تصر على أنّ الإمامة كالنبوّة غير خاضعة لاختيار الأمّة وانتخابها، وإنّما أمرها بيد الله تعالى فهو الذي يختار لها مَن يشاء من صلحاء عباده ممّن امتحن قلوبهم للإيمان كما يشترطون في الإمام أن يكون معصوماً عن الخطأ، وأن يكون أعلم الأمّة، وأدراها لا في شؤون الشريعة الإسلامية فحسب وإنما في جميع علوم الحياة، وأنكر جمهور أهل السنّة ذلك جملةً وتفصيلاً، ومن الجدير بالذكر أنّ أروقة الملوك والوزراء في عصر الإمام قد عقدت فيها مجالس للمناظرة بين زعماء المذاهب الإسلامية فقد عقدت البرامكة مجالس ضمت المتكلمين من علماء السنة، فناظروا العالم الكبير هشام بن الحكم، وحاججوه في أمر الإمامة، فتغلّب عليهم ببالغ الحجّة، وقوّة البرهان، وممّا لا ريب فيه أنّ عقد البرامكة للخوض في هذه البحوث الحساسة لم تكن بواعثه علمية فقط، وإنّما كانت للاطلاع على ما تملكه الشيعة من الأدلة الحاسمة لإثبات معتقداتها في الإمامة.

ولمّا جعل المأمون ولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام التي لم تكن عن إخلاص، ولا عن إيمان بأنّ الإمام أحق وأولى بالخلافة منه، وإنّما كانت لأسباب سياسية سوف نتحدث عنها في غضون هذا الكتاب، وقد أوعز إلى ولاته في جميع


أنحاء العالم الإسلامي بإحضار كبار العلماء من المتمرّسين في مختلف أنواع العلوم بالحضور إلى خراسان ليسألوا الإمام عن أعقد المسائل العلمية، ولمّا حضروا عنده عرض عليهم الأمر، ووعد بالثراء العريض كل مَن يسأل الإمامعليه‌السلام سؤالاً يعجز عن إجابته، والسبب في ذلك - فيما نحسب - يعود إلى ما يلي:

أوّلاً: إنّ المأمون أراد أن ينسف عقيدة الشيعة ويقضي على جميع معالمها فيما إذا عجز الإمام الرضاعليه‌السلام فإنّه يتخذ من ذلك وسيلة لنقض ما تذهب إليه الشيعة من أنّ الإمام أعلم أهل عصره، وأدراهم بجميع أنواع العلوم، ومن الطبيعي أنّ ذلك يؤدّي إلى زعزعة كيان التشيّع، وبطلان عقيدتهم في أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام .

ثانياً: إنّ الإمام لو عجز عن أجوبة المسائل التي يقدمها العلماء له فإنّ المأمون يكون في سعة من عزله عن ولاية العهد بعد أن استنفذت أغراضه السياسية منها، فقد أظهر للناس في بداية الأمر أنّه إنّما رشّح الإمام لهذا المنصب الخطير لأنّه أعلم الأمّة، ولكن لما ظهر له خلاف ذلك قام بعزله، وفي نفس الوقت تقوم وسائل إعلامه بإذاعة ذلك، والحط من شأن الإمام، وفي ذلك استجابة لعواطف الأسرة العباسية التي غاظها ترشيح المأمون للإمام لولاية العهد.

فعمدت إلى عزله، ومبايعة المغني إبراهيم - كما سنتحدث عن ذلك - وعلى إي حال فقد قام العلماء بالتفتيش عن أعقد المسائل وأكثرها صعوبة وعمقاً في جميع أنواع العلوم، وعرضوها على الإمام فأجاب عنها جواب العالم الخبير المتمرّس فيها، ويقول الرواة: إنّه سُئل عن أكثر من عشرين ألف مسألة في نوب مفرقة عاد فيها بلاط المأمون إلى مركز علمي، وخرجت الوفود العلمية، وهي مليئة بالإعجاب والإكبار بمواهب الإمام وعبقرياته، وأخذت تذيع على الناس ما يملكه الإمام من طاقات هائلة من العلم والفضل كما ذهب معظمهم إلى القول بإمامته، ممّا اضطر المأمون إلى حجب الإمام عن العلماء خوفاً أن يفتتنوا له ولم يذكر الرواة إلا كوكبة يسيرة منها، نعرض لها ولبعض ما أثر عنه هذا الموضوع، وفيما يلي ذلك:

1 - أسئلة عمران الصابئ:

وكان عمران الصابئ من كبار فلاسفة عصر الإمامعليه‌السلام كما كان الزعيم الروحي لطائفة الصابئة، وقد انتدبه المأمون لامتحان الإمام، فاختار له أعمق المسائل الفلسفية وأكثرها تعقيداً وغموضاً. وقد شرحها وعلّق عليها المحقّق الشيخ


محمد تقي الجعفري، قال: وقد اشتمل هذا الاحتجاج على أهم المسائل الإلهية وأغمضها، وهي على إطلاقها عويصات في الحكمة المتعالية، قد أتعبت أفكار الباحثين الناظرين في ذلك الفن، ولم يأت هؤلاء الأساطين بأجوبة كافية لتلك المسائل بل تعقبها أسئلة أخرى ربّما تكون أغمض من نفس الأسئلة، وقد وقعت تلك الغوامض موارد لأسئلة عمران في هذه الرواية، وأجاب عنها الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ثامن حجج الله على عباده وأُمنائه في أرضه، وما بيّنه الإمام في هذا الاحتجاج مناهج واضحة لم يطمسها غبار الحجب المادية التي تثيرها العقول المحدودة في معقل المحسوسات المظلمة، هكذا ينكشف عند المتمسّكين بأذيال أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي حقائق ضل في سبيل الوصول إليها الأفكار الناقصة.

( ونعرض للنص الكامل من أسئلة الصابئ وجواب الإمام عنها حسبما ذكره الشيخ الصدوق في (عيون أخبار الرضا) مع مقتطفات من تعليقات الشيخ الجعفري عليها... لقد قدم الوفد الذي كان مع عمران جملة من المسائل، وبعدما أجاب الإمامعليه‌السلام عن أسئلة الوفد الذي هو من كبار علماء النصارى، واليهود والصابئة، قال لهم: ( يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام، وأراد أن يسأل، فليسأل غير محتشم... )

فانبرى إليه عمران الصابئ، وكان متطلّعاً بصيراً في علم الكلام فخاطب الإمام بأدب وإكبار قائلا: ( يا عالم الناس لولا أنّك دعوت إلى مسألتك، لم أقدم عليك بالمسائل، فلقد دخلت الكوفة والبصرة، والشام، والجزيرة ولقيت المتكلّمين، فلم أقع على أحد يثبت لي واحداً - يعني أنّ الله تعالى واحد لا ثاني له - ليس غيره قائماً بوحدانيته أفتأذن لي أن أسألك... )

عرض الصابئ إلى عمق مسألته، وأنّه لم يهتد لحلها علماء الكوفة والبصرة والشام والجزيرة، ويطلب من الإمامعليه‌السلام حلها، فقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً: ( إن كان في الجماعة عمران الصابئ فأنت هو... ).

( أنا هو )


سل يا عمران، وعليك بالنصفة، وإيّاك والخطل(1) والجور... ).

وأطرق الصابئ بوجهه إلى الأرض، وقال بنبرات تقطر أدباً وإجلالاً للإمام: ( والله يا سيدي ما أريد إلاّ أن تثبت لي شيئاً أتعلق به فلا أجوزه... )

لقد أعرب الصابئ عن نواياه الحسنة وأنّه يريد الحقيقة، والوصول إلى الواقع، ولا صلة له بغير ذلك، فقالعليه‌السلام : ( سل عمّا بدا لك... ).

وكان المجلس مكتظاً بالعلماء والقادة، وفي طليعتهم المأمون فانضم بعضهم إلى بعض، وانقطعوا عن الكلام ليسمعوا أسئلة الصابئ وجواب الإمام عنها، وتقدّم الصابئ بأسئلته.

س1: ( أخبرني عن الكائن الأوّل، وعمّا خلق... ) أمّا المسؤول عنه في هذه الكلمات فهو الشيء الأوّل والمادة الأُولى التي خلق الله تعالى الأشياء منها، وليس المسؤول عنه وجود الله المبدع العظيم فإنّه من الأمور الواضحة التي لا يشك فيها من يملك وعيه وإرادته، فإنّ جميع ما في الكون تدلّل على وجود خالقها فإنّه من المستحيل أن يوجد المعلول من دون علّته... ولنستمع إلى جواب الإمامعليه‌السلام عن هذه المسألة.

ج 1: ( أمّا الواحد فلم يزل واحداً كائنا، بلا حدود، ولا أعراض، ولا يزال كذلك، ثم خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة، لا في شيء أقامه، ولا في شيء حده، ولا على شيء حذاه، ومثله له، فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة، وغير صفوة، واختلافاً وائتلافاً، وألواناً وذوقاً وطعماً لا لحاجة كانت منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلاّ به ولا رأي لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصاناً... ).

وحكى هذا المقطع من جواب الإمامعليه‌السلام ما يلي:

أوّلاً: إنّ الله تعالى واحد لا شيء معه، وهو مجرّد من الحدود والأعراض التي هي من صفات الممكن، فهو كائن واحد، ما زال ولا يزال، وليست وحدته عددية أو نوعية أو جنسية، وإنّما بمعنى عدم ارتباطه بأي شيء مادي أو غير مادي، فهو بمرتبة من الكمال لا يشابهه أي شيء من الممكنات التي نسبتها إليه نسبة الصانع إلى المصنوع، فتبارك الله.

ثانياً: إنّ النظرة البدوية في الأشياء أنّ كل صورة لا بد لها من مادة تقوم وتحل

___________________________

(1) الخطل: المنطق الفاسد.


بها، ولكن هذا بالنسبة إلى غير الواجب تعالى أمّا هو فإنّه يخلق الأشياء لا من شيء كان، ولا من شيء خلق، وإنّما يقول للشيء كن فيكون، فقد ابتدع خلق الأشياء لا على شيء حذاه، ومثله له، فهو القوّة الكبرى المبدعة لخلق الأشياء لا لحاجة منه إليها، فهو المصدر الوحيد للفيض على جميع الكائنات.

والتفت الإمامعليه‌السلام إلى عمران فقال له: ( تعقل هذا يا عمران...؟ ).

( نعم والله يا سيدي... ).

( اعلم يا عمران أنّه لو كان خلق ما خلق لحاجة، لم يخلق إلاّ مَن يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق لأنّ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى، والحاجة يا عمران لا يسعها لأنّه كان لم يحدث من الخلق شيئاً إلاّ حدثت فيه حاجة أخرى؛ ولذلك أقول: لم يخلق الخلق لحاجة ولكن تقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض، وفضل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل، ولا نقمة منه على من أذل... ).

وهذا الكلام متمّم لما قبله من أنّ الله تعالى خلق الخلق في غنى عنهم فهم المحتاجون إلى فيضه ورحمته وعطائه، فهو الجواد المطلق الذي بسط الرحمة والإحسان على جميع الموجودات والكائنات، وكان من فضله أنّه فضّل بعض مخلوقاته على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل، ولا نقمة منه على من أذل.

س 2: ( يا سيدي هل كان الكائن معلوماً في نفسه عند نفسه..؟ ).

وهذا السؤال عميق للغاية، وتوضيحه - حسبما ذكره الشيخ الجعفري - أن تحصل شيء وتحققه في الانكشاف العلمي كواقع ذلك الشيء ينحل إلى هوية نفسه، وطارديته لغيره، وبذلك يكون محدوداً، فإنّ الحجر ما لم يضف إلى هويته عدم جميع أضداده لا يتحصّل تحصلاً علمياً... فإنّ النفس المعلومة ما لم يلاحظ طرد جميع ما سواها عنها لا تكون معلومة ومحصلة عند العالم وكأنّ هذا هو الموجب لسؤال عمران عن كونه تعالى معلوماً عند نفسه، فحينئذٍ لو أجاب الإمام بثبوته لاستشكل عمران هل كان تحصيل نفسه عند نفسه ملازماً لطرد غيره من المعقولات أم لا؟.

ج 2: قالعليه‌السلام : ( إنّما يكون المعلمة بالشيء لنفي خلافه، وليكن الشيء نفسه، بما نفى عنه موجوداً، ولم يكن هناك شيء يخالفه، فتدعوه الحاجة إلى


نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم منها... والتفت الإمام إلى عمران فقال له: ( أفهمت يا عمران؟... ).

( نعم والله يا سيدي... ).

وحاصل ما أجاب به الإمامعليه‌السلام أنّ ما ذكره الصابئ إنّما يصح فيما لو كان المعلوم مقارناً بعدّة أشياء تخالفه فيلزم حينئذٍ نفي تلك الأشياء لتحصيل المعلوم إلاّ أنّ الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ما لم يكن هناك شيء يقارنه فلا حاجة إلى نفيه ليقرّر إرادته بذلك النفي.

س 3: أخبرني بأيّ شيء علم ما علم أبضمير أم بغير ضمير؟

أراد الصابئ بهذا السؤال إلزام الإمام بالقول بالتركيب في ذاته تعالى، من جهة أنّه ذو ضمير.

ج 3: أرأيت إذا علم بضمير هل يجد بداً من أن يجعل لذلك الضمير حداً تنتهي إليه المعرفة؟ أراد الإمام أنّ ذلك الضمير لا بد أن يعرف حقيقته وماهيته، وقد وجّه الإمام إليه السؤال التالي: ( فما ذلك الضمير؟... ).

فانقطع الصابئ عن الكلام ولم يستطع أن يقول شيئاً، فقد سد الإمام عليه كل نافذة يسلك فيها لإثبات ما يذهب إليه، والتفت الإمام إليه قائلاً: ( لا بأس إن سألتك عن الضمير نفسه فتعرفه بضمير آخر؟ فإن قلت: نعم، أفسدت عليك قولك... ).

وأقام الإمام الحجّة الكاملة والبرهان القاطع على بطلان ما التزم به الصابئ من أنّه تعالى يعلم بواسطة الضمير، وعلى هذا فلا بد من ضمير آخر يقع به الإدراك لذاته تعالى، وهذا الضمير الآخر يتوقّف على ضمير غيره، وهكذا فيلزم التسلسل، وهو ما لا نهاية له، وإن توقف الضمير الثاني على الضمير الأول فيلزم منه الدور والأمران ممّا أجمع على فسادهما، لترتب الأمور الفاسدة عليها حسبما ذكره الفلاسفة والمنطقيون وتمم الإمامعليه‌السلام حجته وبرهانه بقوله: ( يا عمران أليس ينبغي أن تعلم أنّ الواحد ليس يوصف بضمير، وليس يقال له: أكثر من فعل وعمل وصنع، وليس يتوهّم منه مذاهب وتجزية كمذاهب المخلوقين وتجزيتهم، فاعقل ذلك، وابن عليه ما علمت صواباً... ).


أراد لإمامعليه‌السلام أنّ صدور الأفعال والأعمال المختلفة من الله تعالى ليست على غرار غيره من الممكنات التي تحتاج إلى العلل والأسباب كالعقل، وغيره من سائر الجوارح الظاهرية، فإنّه تعالى يستحيل عليه ذلك.

س 4: ( يا سيدي ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي؟ وما معانيها؟ وعلى كم نوع يكون؟... ).

واستفسر عمران عن حدود المخلوقات التي تميز بعضها عن بعض فأجابه الإمام:

ج 4: ( قد سألت فاعلم أنّ حدود خلقه على ستة أنواع: ملموس، وموزون، ومنظور إليه، وما لا ذوق له، وهو الروح، ومنها منظور إليه، وليس له وزن، ولا لمس، ولا حس، ولا لون، ولا ذوق، والتقدير والأعراض، والصور، والطول، والعرض، ومنها العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعملها، وتغيّرها من حال إلى حال وتزيدها، وتنقصها، فأمّا الأعمال والحركات فإنّها تنطلق؛ لأنّه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشيء انطلق بالحركة، وبقي الأثر، ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقى أثره... ).

وحفل جواب الإمامعليه‌السلام بذكر الخواص والصفات التي تتميّز بها الأشياء سواء أكانت من الكائنات الحيّة أم من غيرها.

س 5: يا سيدي: ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحداً لا شيء غيره، ولا شيء معه، أليس قد تغيّر بخلقه الخلق... ).

ومعنى هذا السؤال أنّ الحقائق الطبيعية، التي أوجدها الله تعالى، أنّها توجب تغير الخالق العظيم بتغييرها، وهذا إنّما يلزم على القول باتحادها معه تعالى ذاتاً، وهذا مستحيل.

ج 5: ( قديم لم يتغيّر عزّ وجل بخلقه الخلق، ولكن الخلق يتغيّر، بتغييره... ).

وحاصل جواب الإمامعليه‌السلام أنّ الخالق العظيم لما كان هو الصانع والموجد للأشياء، وهو قديم فلا يلزم منه التغيير بتغيير الممكنات والكائنات.

س 6: ( يا سيدي فبأي شيء عرفناه؟... ).

ج 6: ( بغيره... إنّ جميع ما في الكون ممّا يرى، وممّا لا يرى يدلل على وجود الخالق العظيم،


لقد عرفناه بمخلوقاته، وآمنا به بما نشاهده من بدائع صنعته، وقد استبان بصورة واضحة لا غموض فيها في هذه العصور التي غزا الإنسان فيها الفضاء الخارجي، فقد ظهر للبشرية عظيم صنعته تعالى بما أودعه في هذا الفضاء من الكواكب التي لا تحصى ولا تعد، وكلّها تسير بانتظام، ودقّة، ولو اختلفت في مسيرها لحظة لتصادمت، وتلاشت، ولم يبق لها اثر، فسبحان الله المبدع الحكيم.

س 7: أي شيء غيره؟

ج 7: ( مشيئته، واسمه وصفته، وما أشبه ذلك، وكل ذلك محدث، مخلوق، مدبّر... ).

لقد عرفنا الله بمشيئته واسمه وصفاته التي دلّت عليه سبحانه، ففي دعاء الصباح: ( يا مَن دلّ على ذاته بذاته ).

وكل ما في الكون من موجودات تستند إليه استناد المصنوع إلى الصناع.

س 8: يا سيدي أي شيء هو؟

ج 8: ( هو نور، بمعنى أنّه هادٍ خلقه من أهل السماء، وأهل الأرض، وليس لك عليّ أكثر من توحيدي إيّاه... ).

لقد أراد عمران بسؤاله معرفة حقيقة الله تعالى، متوهّماً أنّه تعالى كسائر الممكنات والموجودات، ولمّا كان ذلك مستحيلاً، إذ كيف يحيط الإنسان الذي لا يعرف ذاته وما فيها من الأجهزة الدقيقة، كيف يعرف حقيقة الخالق العظيم المصور والمبدع للأكوان، وقد أجاب الإمامعليه‌السلام أنّه يعرف بأوصافه الظاهرية من هدايته لخلقه وغير ذلك من الأدلة الصريحة الواضحة التي تنادي بوجود خالقها العظيم.

س 9: يا سيدي: أليس قد كان ساكتاً قبل الخلق لا ينطق، ثم نطق...

ج 9: ( لا يكون السكوت إلاّ عن نطق قبله، والمثل في ذلك أنّه لا يقال للسراج: هو ساكت لا ينطق، ولا يقال: إنّ السراج ليضيء، فما يريد أن يفعل بنا لأنّ الضوء من السراج ليس بفعل منه، ولا كون، وإنّما هو ليس شيء غيره، فلمّا استضاء لنا، قلنا: قد أضاء لنا، حتى استضأنا به، فبهذا تستبصر أمرك... ).

ومعنى جواب الإمامعليه‌السلام أنّ السكوت والنطق إنّما يعرضان موضوع قابل لهما، توارد العدم والملكة وحيث إنّ نطق الله تعالى ليس على غرار ما يتصف به الناطقون من الممكنات، فيصح عليه النطق، كما يصح عليه السكوت وقد ذهبت


الشيعة إلى أنّ التكلّم من صفات الأفعال، لا يقوم بذاته تعالى قوام الأوصاف الذاتية، فإنّه تعالى هو الذي خلق النطق والكلام إذا أراده، وقد مثّل الإمامعليه‌السلام لذلك بالسراج فإنّه لا يقال له إنّه ساكت لا ينطق، كما أنّ إسناد الإضافة إلى السراج ليس اختياريا له، هذه بعض الاحتمالات في تفسير كلام الإمامعليه‌السلام .

س 10: ( يا سيدي: فإنّ الذي كان عندي أنّ الكائن قد تغيّر في فعله عن حاله بخلقه الخلق... ).

ج 10: ( يا عمران في قولك إنّ الكائن يتغيّر في وجه من الوجوه، حتى يصيب الذات منه ما يغيره، هل تجد النار تغيرها تغير نفسها، وهل تجد الحرارة تحرق نفسها؟ أو هل رأيت بصيراً قط رأى بصره؟... ).

إنّ هذا السؤال من عمران قد تقدّم، وقد أجابه الإمامعليه‌السلام وقد زادهعليه‌السلام توضيحاً، فقال له إنّ الكائن لا يتغيّر بوجه من الوجوه، فأفعال النفس - مثلاً - التي تصدر منها لا توجب زيادة فيها ولا نقصاناً، وهناك مثال آخر وهو البصر، فإن صدر الرؤية منه لا توجب زيادة فيه ولا نقصانا.

س 11: ( ألا تخبرني يا سيدي أهو في الخلق، أم الخلق فيه؟... )

ج 11: ( أجل هو يا عمران عن ذلك، ليس هو في الخلق، ولا الخلق فيه تعالى عن ذلك، وسأعلمك ما تعرفه، ولا قوّة إلاّ بالله، أخبرني عن المرآة أنت فيها، أم هي فيك؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه، فبأي شيء استدللت بها على نفسك يا عمران...؟ ).

لقد أحال الإمامعليه‌السلام حلول الله تعالى في خلقه، وحلولهم فيه، ومثّل لذلك بالصورة التي تنعكس في المرآة فإنّها لا تحل فيها، وكذلك المرآة لا تحل في الصورة، وإنّما النور هو الذي أوجب رؤية الصورة في المرآة، وهو غير حال في شيء منهما، يقول ابن الفارض:

بوحدته دامت لها كل كثرة

فصحت وقد آنت لها كل علة

فقد صار عين الكل فردا لذاته

وإن دخلت أفراده تحت عدة

نظرت فلم أبصر سوى محض وحدة

بغير شريك فد تغطّت بكثرة

وهنا بحوث فلسفية عميقة أعرضنا عن ذكرها إيثاراً للإيجاز.

س 12: ( بضوء بيني وبينها... ).


وهذا السؤال مرتبط بما قبله، وقد أوضحناه.

ج 12: هل ترى من ذلك الضوء أكثر ممّا تراه في عينك؟

عمران: نعم.

الإمام: فأرناه.

وسكت عمران، ولم يدر ما يقول، فقد سدّ الإمام عليه كل نافذة يسلك منها، وواصل الإمام حديثه قائلاً: ( فلا أرى النور إلاّ وقد دلّك، ودلّ المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالاً ولله المثل الأعلى ).

تأجيل المناظرة:

وحضر وقت الصلاة، ولم يجد الإمام بدّاً من تأجيل المناظرة فالتفت إلى المأمون، فقال له: الصلاة حضرت، وخاف عمران من عدم استئناف الحوار بينه وبين الإمام، فقال له: ( يا سيدي لا تقطع عليّ مسألتي، فقد رقّ قلبي... ).

فأوعده الإمامعليه‌السلام بالعودة إلى مناظرته، ونهض الإمام فأدّى فريضة الصلاة.

استئناف المناظرة:

وعادت الجلسة، وقد حضرها المأمون، وكبار العلماء والقادة، والتفت الإمامعليه‌السلام إلى عمران فقال له: ( سل يا عمران... ).

س 13: ( يا سيدي ألا تخبرني عن الله عزّ وجل، هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف؟... ).

ج 13: إنّ الله المبدأ، الواحد الكائن الأول، لم يزل واحداً لا شيء معه، فرداً لا ثاني معه، لا معلوماً - يعني بحقيقته - ولا مجهولاً، ولا محكماً، ولا متشابهاً، ولا مذكوراً، ولا منسياً، ولا شيئاً يقع عليه اسم شيء من الأشياء، ولا من وقت كان ولا إلى وقت يكون، ولا بشيء قام، ولا إلى شيء يقوم ولا إلى شيء استند، ولا في شيء استكن، وذلك كلّه قبل لخلق(1) إذ لا شيء غيره، وما أوقعت عليه من الكل

____________________

(1) في نسخة قبل خلقه الخلق.


فهي صفات محدثة، وترجمة يفهم بها مَن فهم. واعلم أنّ الإبداع والمشيئة والإرادة معناها واحد، وأسماؤها ثلاثة، وكان أوّل إبداعه ومشيئته وإرادته التي جعلها أصلاً لكل شيء، ودليلاً على كل شيء مدرك، وفاصلاً لكل مشكل، وبتلك الحروف تفريق كل شيء من اسم حق وباطل أو فعل أو مفعول، أو معنى أو غير معنى، وعليها اجتمعت الأمور كلّها ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها، تتناهى ولا وجود لها؛ لأنّها مبدعة بالإبداع. والنور في هذا الموضع أوّل فعل الله الذي هو نور السماوات والأرض، والحروف هي المفعول التي عليها مدار الكلام، والعبادات كلّها من الله عزّ وجل علّمها خلقه، وهي ثلاثة وثلاثون حرفاً، فمنها ثمانية وعشرون حرفاً تدل على لغات العربية، ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفا تدل على لغات السريانية والعبرانية، ومنها خمسة أحرف متحرفة في ساير اللغات من العجم والأقاليم، واللغات كلها، وهي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين حرفاً من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفاً، فأمّا الخمسة المختلفة ( فيتجنح ) لا يجوز ذكرها أكثر ممّا ذكرناه ثم جعل الحروف بعد إحصائها، وأحكام عدتها فعلامته كقوله عزّ وجل:( كن فيكون ) وكن منه صنع، وما يكون به المصنوع، فالخلق الأوّل من الله عزّ وجلّ الإبداع لا بوزن له، ولا حركة، ولا سمع، ولا لون، ولا حس، والخلق الثاني الحروف، لا وزن لها، ولا لون، وهي مسموعة موصوفة، غير منظور إليها، والخلق الثالث ما كان من الأنواع كلها محسوساً، ملموساً، ذا ذوق منظور إليه والله تبارك وتعالى سابقاً للحروف، والحروف لا تدل على غير نفسها. وبهر المأمون، ولم يفهم أكثر محتويات هذه الكلمات العميقة التي تحتاج إلى وقت طويل لبيانها، وقال للإمام: ( كيف لا تدل - أي الحروف - على غير أنفسها؟... ). فأجابه الإمام موضحاً له الأمر قائلاً:

( إنّ الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئاً لغير معنى أبداً، فإذا ألف منها أحرفاً أربعة أو خمسة، أو ستة، أو أكثر من ذلك، أو أقل لم يؤلّفها بغير معنى ولم يكن إلاّ لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئاً... ).

س 14: كيف لنا بمعرفة ذلك؟...

ج 14: أمّا المعرفة فوجه ذلك وبيانه: إنّك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير


نفسها ذكرتها فرداً، فقلت: ا ب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها، فلم تجد لها معنى غير أنفسها، وإذا ألفتها وجعلت منها أحرفاً، وجعلتها اسماً وصفة لمعنى، ما طلبت، ووجه ما عنيت، كانت دليلة على معانيها داعية إلى الموصوف بها، أفهمته؟

( نعم ).

وواصل الإمام حديثه في بيان معاني الحروف عند تركيبها قائلاً: ( واعلم أنّه لا يكون صفة لغير موصوف، ولا حد لغير محدود، والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال، والوجود ولا مثال على الإحاطة، كما تدل الحدود التي هي التربيع والتثليث، والتسديس؛ لأنّ الله عزّ وجل تدرك معرفته بالصفات والأسماء، ولا تدرك بالتحديد، بالطول والعرض، والقلّة والكثرة، واللون والوزن، وما أشبه ذلك، وليس يحل بالله، وتقدس شيء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا. ولكن يدل على الله عزّ وجل بصفاته، ويدرك بأسمائه، ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين، ولا استماع أذن، ولا لمس كف، ولا إحاطة بقلب، ولو كانت صفاته جلّ ثناؤه لا تدل عليه، وأسماؤه لا تدعو إليه، والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه، فلولا أنّ ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله لأنّ صفاته وأسماءه غيره... أفهمت يا عمران؟ )

( نعم يا سيدي زدني... )

وواصل الإمام حديثه الممتع، وقد استولى على مَن حضر من العلماء والقادة، قائلاً: ( إيّاك وقول الجهّال من أهل العمى والضلال الذين يزعمون أن الله جل وتقدس موجود في الآخرة للحساب في الثواب والعقاب، وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء ولو كان في الوجود لله عزّ وجل نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة أبداً، ولكن القوم تاهوا وعموا، وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون، وذلك قوله عزّ وجل:( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) (1) .

يعني أعمى عن الحقائق الموجودة، وقد علم ذوو الألباب أنّ الاستدلال على ما هناك لا

____________________

(1) سورة الإسراء: آية 72.


يكون إلاّ بما ها هنا، ومَن أخذ علم ذلك برأيه، وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلاّ بعداً؛ لأنّ الله عزّ وجل جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون... ).

س 15: ( يا سيدي ألا تخبرني عن الإبداع أخلق هو أم غير خلق؟... ).

علّق الشيخ الجعفري على هذه المسألة بقوله: إنّ هذه المسألة أيضاً ممّا أعيى الأذهان والعقول البشرية؛ لأنّها التي أوجبت افتراق المسالك والفرق المختلفة فمنهم مَن قال: باستحالة الإبداع مطلقاً أكان من الواجب، أم من الممكن، ومن قبيل المواد والصور أو العقول والنفوس وغيرها، ومنهم من جوزه مطلقاً، ومنهم من حصر إمكان الإبداع على الله تعالى على نحو العموم أي إنّه تعالى قادر على أن يبدع أي موجود شاء دون مادة سابقة له، وقع التغير عليه، وقد قالوا: إنّه مقتضى قدرته المطلقة وقابلية الموضوع ومنهم من ذهب مذاهب أخرى(1) .

ج 15: بل خلق ساكن، لا يدرك بالسكون، وإنّما صار خلقاً لأنّه شيء محدث، والله تعالى الذي أحدثه فصار خلقاً له، وإنّما هو الله عزّ وجل خلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما، فيما خلق الله عزّ وجل لم يعد أن يكون خلقه، وقد يكون الخلق ساكناً ومتحركاً ومختلفاً ومؤتلفاً ومعلوماً ومتشابهاً، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عزّ وجل، واعلم أنّ كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس، وكل حاسة تدل عل ما جعل الله عزّ وجل لها في إدراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كله، واعلم أنّ الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقاً مقدراً بتحديد وتقدير، وكان الذي خلق خلقين اثنين: التقدير والمقدر، وليس في كل واحد منهما لون ولا وزن، ولا ذوق، فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بنفسهما، ولم يخلق شيئاً فرداً قائماً بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه واثبات وجوده فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه، ولا يعضده، ولا يكنه، والخلق ممّا يمسك بعضه بعضاً بإذن الله تعالى ومشيئته، وإنّما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيّروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله تعالى بصفة أنفسهم، فازدادوا من الحق بعداً، ولو وصفوا الله عزّ وجل بصفاته،

____________________

(1) تحف العقول (ص 527).


ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين، ولما اختلفوا، فلمّا طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه، ارتبكوا، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم... )

س 16: ( أشهد أنّه كما وصفت، ولكن بقيت لي مسألة... ).

( سل عمّا أردت... ).

( أسألك عن الحكيم في أي شيء هو؟ وهل يحيط به شيء؟ وهل يتحوّل من شيء إلى شيء؟ أو به حاجة إلى شيء...؟ ).

ج 16: أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه، فإنّه مَن أغمض ما يرد على الخلق في مسائلهم، وليس يفهم المتفاوت عقله، العازب حلمه، ولا معجز عن فهمه أولو العقل المنصفون، أمّا أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحول إلى ما خلق لحاجة إلى ذلك، ولكنّه عزّ وجل لم يخلق شيئاً لحاجة ولم يزل ثابتا لا في شيء، ولا على شيء إلاّ أنّ الخلق يمسك بعضه بعضاً، ويدخل بعضه في بعض، ويخرج منه،

والله جلّ وتقدّس بقدرته يمسك ذلك كله، وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه، ولا يؤوده حفظه، ولا يعجز عن إمساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك؟ إلاّ الله عزّ وجل، ومن أطلعه عليه من رسله، وأهل سره، والمستحفظين لأمره وخزانه، القائمين بشريعته، وإنّما أمره كلمح البصر أو هو أقرب، إذا شاء شيئا فإنّما يقول له( كن فيكون ) بمشيئته وإرادته وليس شيء أقرب إليه من شيء، ولا شيء أبعد منه من شيء... أفهمت يا عمران؟... ).

( نعم يا سيدي... ).

إنّ الإنسان مهما أوتي من علم فهو عاجز عن معرفة نفسه وما فيها من الأجهزة الدقيقة المذهلة، فكيف ليعرف أو يحيط علماً بالخالق العظيم، مبدع الأكوان، وواهب الحياة، يقول ابن أبي الحديد:

فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكر عليلا

فكري كلّما دان شبراً منك راح ميلا

أنت حيّرت ذوي اللب، وبلبلت العقولا

إنّ فكر الإنسان محدود فكيف يعرف حقيقة الله تعالى، نعم عرفناه وآمنّا به بمخلوقاته، فكل ذرّة في هذا الوجود تنادي بوجود الخالق العظيم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماء والأرض.


إسلام الصابئ:

ولمّا رأى عمران الصابئ الطاقات الهائلة من العلم التي يتمتع بها الإمامعليه‌السلام ، والتي منها أجوبته الحاسمة من أعمق المسائل الفلسفية التي لا يهتدي لحلّها إلاّ أوصياء الأنبياء الذين منحهم الله العلم وفصل الخطاب، أعلن عمران إسلامه وطفق يقول: ( أشهد أنّ الله تعالى على ما وصفت، ووحدت، وأشهد أنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله عبده المبعوث بالهدى، ودين الحق... ). ثم خرّ ساجداً لله تعالى وأسلم، وبهر العلماء والمتكلمون من علوم الإمام، ومواهبه وعبقرياته، وراحوا يحدثون الناس عن فضل الإمام وسعة علومه، وانصرف المأمون وهو غارق بالألم، قد أترعت نفسه بالحقد والحسد للإمام:

خوف محمد على الإمام:

وخاف عمّ الإمام محمد بن جعفر عليه من المأمون، وكان حاضرا في المجلس، ورأى كيف تغلب على عمران الصابئ الذي هو في طليعة فلاسفة العصر، فاستدعى الحسن بن محمد النوفلي، وكان من أصحاب الإمام فقال له: ( يا نوفلي أما رأيت ما جاء به صديقك - يعني الإمام -؟

لا والله ما ظننت أنّ علي بن موسى الرضا خاض في شيءٍ قط، ولا عرفناه به، إنّه كان يتكلّم بالمدينة، أو يجتمع إليه أصحاب الكلام؟...

( وراح النوفلي يعرفه بعلم الإمام وفضله قائلاً: ( قد كان الحجاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم، وربّما كلم مَن يأتيه يحاججه... ).

وراح محمد يبدي مخاوفه من المأمون على ابن أخيه قائلاً: ( إنّي أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمّه أو يفعل به بليّة، فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء... ).

وكان النوفلي يظن خيراً بالمأمون، ولا يخاف منه على الامام، فقال لمحمد: ) ما أراد الرجل - يعني المأمون - إلاّ امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائه؟... ).

ولم يقنع محمد بكلام النوفلي، فقد كان يظن السوء بالمأمون وراح يقول له: ( قل له: إنّ عمّك قد كره هذا الباب، وأحب أن تمسك عن هذه الأشياء


لخصال شتّى... ).

وكان عمّ الإمام مصيباً في حدسه، عالماً بما تكنّه الأسرة العباسية من العداء والحقد لأهل البيتعليهم‌السلام ، وقد أثارت أسئلة الصابئ وإسلامه على يد الإمام أحقاد المأمون فقدم اغتيال الإمام كما سنوضّح ذلك في غضون هذا الكتاب.

ونقل النوفلي كلمات محمد إلى الإمامعليه‌السلام فشكره على ذلك، ودعا له بالخير.

تكريم الإمام لعمران:

وكسب الإمامعليه‌السلام في مناظرته إسلام عمران الذي هو في طليعة علماء عصره، فقد بعث خلفه، فلمّا مثل عنده رحّب به وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم، ودعا له بكسوة فخلعها عليه وأعطاه عشرة آلاف درهم، ففرح عمران بذلك وأخذ يدعو للإمام ويشكره على ذلك قائلاً: ( جُعلت فداك حكيت فعل جدّك أمير المؤمنين عليه السلام ).

وجعل عمران يتردد على الإمام ويكتسب من فيض علومه وصار بعد ذلك فيما يقول المؤرّخون داعية من دعاة الإسلام، وجعل المتكلمون من أصحاب المقالات والبدع يفدون عليه، ويسألونه عن مهام المسائل وهو يجيبهم عنها، حتى اجتنبوه، وأوصله المأمون بعشرة آلاف درهم، كما أعطاه الفضل بن سهل مالاً، وولاه الإمام على صدقات بلخ فأصاب الرغائب(1) .

أسئلة سليمان المروزي:

أمّا سليمان المروزي فكان متضلّعاً بالفلسفة، ومتمرسا في البحوث الكلامية وكان يعد في طليعة علماء خراسان، وقد انتدبه المأمون لامتحان الإمام الرضاعليه‌السلام وقد قابله بحفاوة وتكريم، وقال له: إنّ ابن عمي علي بن موسى الرضا، قدم علي من الحجاز، وهو يحب الكلام وأصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته... ).

وخاف سليمان من ذلك، فقد ظن أنّ الإمام سوف يعجز عن أجوبة مسائله فيحقد عليه العلويون، وراح يعتذر من المأمون قائلاً:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 1 / 168 - 178، وذكر الطبرسي ما يقرب من ذلك في الاحتجاج، والمجلسي في البحار، والحسن بن شعبة في تحف العقول.


( إنّي أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم، فينتقص عند القوم إذا كلّمني، ولا يجوز الانتقاص عليه... ).

وتعهّد له المأمون، ووعده أن لا يصيبه أي أذى أو مكروه قائلاً: ( إنّما وجهت إليه لمعرفتي بقوتك، وليس مرادي إلاّ تقطعه عن حجّة واحدة فقط... ).

وهذا الكلام يدلل على سوء ما يضمره المأمون للإمام، وما يكنّه له من الحقد والعداء، واطمأن سليمان، من أي اعتداء عليه، وراح يقول للمأمون: ( حسبك يا أمير المؤمنين، اجمع بيني وبينه، وخلّني والذم... ).

ووجّه المأمون في الوقت رسوله إلى الإمام يطلب منه الحضور لمناظرة سليمان فأجابه الإمام إلى ذلك، وحضر معه وفد من أعلام أصحابه ضم عمران الصابئ الذي أسلم على يده وجرى حديث بينه وبين سليمان حول البداء، فأنكره سليمان، وأثبته عمران، وطلب سليمان رأي الإمام فيه فأقره، واستدل عليه بآيات من الذكر الحكيم، والتفت المأمون إلى سليمان فقال له: سل أبا الحسن عما بدا لك وعليك بحسن الاستماع والإنصاف، ووجه سليمان الأسئلة التالية للإمامعليه‌السلام :

س 1: ( ما تقول فيمَن جعل الإرادة اسماً وصفة مثل حي، وسميع، وبصير وقدير؟... ).

ج 1: إنّما تقول: حدثت الأشياء واختلفت لأنّه شاء وأراد، ولم تقولوا: حدثت الأشياء واختلفت لأنّه سميع بصير، فهذا دليل على أنّهما - أي الإرادة والمشيئة - ليستا مثل سميع، ولا بصير، ولا قدير.

وانبرى سليمان قائلاً: ( فإنّه لم يزل مريداً... ).

ورد عليه الإمام: ( يا سليمان فإرادته غيره؟... ).

( نعم... ).

وذهب سليمان إلى التعدد مع أنّ الله تعالى متحد مع إرادته، وأبطل الإمام شبهته قائلاً: ( قد أثبت معه شيئاً غيره لم يزل؟... ).

( ما أثبت... ).


( أهي - أي الإرادة - محدثة؟... ).

( لا ما هي محدثة... ).

وضيق الإمام على سليمان الخناق، وراحت أقواله تتناقض فتارة يقول بقدم الإرادة، وأخرى يقول بحدوثها، فصاح به المأمون، وطلب منه عدم المكابرة، والإنصاف في حديثه قائلاً: ( عليك بالإنصاف، أما ترى من حولك من أهل النظر؟. )

والتفت المأمون إلى الإمام قائلاً: ( كلّمه يا أبا الحسن، فإنّه متكلّم خراسان ).

وسأله الإمام قائلاً: ( أهي محدثة؟... ).

فأنكر سليمان حدوث الإرادة، فردّ عليه الإمام: ( يا سليمان هي محدثة، فإنّ الشيء إذا لم يكن أزلياً كان محدثاً، وإذا لم يكن محدثاً كان أزلياً... ).

وانبرى سليمان قائلاً:

( إرادته - أي الله - منه؟ كما أنّ سمعه وبصره وعلمه منه ).

وأبطل الإمام عليه قوله، وقائلاً: ( فأراد نفسه؟... ).

( لا... ).

وأخذ الإمام يفند مقالته قائلاً له: ( فليس المريد مثل السميع والبصير ).

وراح سليمان يتخبّط خبط عشواء فقد ضيّق الإمام عليه، وسد كل نافذة يسلك منها، قائلاً: ( إنّما أراد نفسه، كما سمع نفسه، وأبصر نفسه، وعلم نفسه... ).

وانبرى الإمام فأبطل مقالته، قائلاً له: ( ما معنى أراد نفسه؟ أراد أن يكون شيئاً، وأراد أن يكون حياً، أو سميعاً، أو بصيرا أو قديراً؟... ).

ولم يدر سليمان ماذا يقول، فأجاب: ( نعم... ).


فقال له الإمام: ( أفبإرادته كان ذلك؟... ).

( نعم... )

وطفق الإمام يبطل مقالته، ويبدي ما فيها من التناقض قائلاً: ( فليس لقولك: أراد أن يكون حياً سميعاً، بصيراً معنى، إذا لم يكن ذلك بإرادته؟... ).

والتبس الأمر على سليمان، وراح يقول: ( بلى قد كان ذلك بإرادته... ). وعجّ المجلس بالضحك، وضحك المأمون والرضاعليه‌السلام من تناقض كلام سليمان، والتفت الإمام إلى الجماعة، وطلب منهم الرفق بسليمان، ثم قال له: ) يا سليمان، فقد حال - أي الله تعالى - عندكم عن حاله وتغير عنها، وهذا ما لا يوصف الله به... ).

وبان العجز على سليمان، وانقطع الكلام، والتفت الإمام إليه ليقيم عليه الحجة قائلاً: ( يا سليمان أسألك عن مسألة...؟ ).

( سل جعلت فداك... ).

( اخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون وتعرفون؟ أو بما لا تفقهون، ولا تعرفون... ).

( بل بما نفقه ونعلم... ).

وأخذ الإمام يقيم الحجّة والبرهان على خطأ ما ذهب إليه سليمان قائلاً: ( فالذي يعلم الناس أنّ المريد غير الإرادة، وأنّ المريد قبل الإرادة، وأنّ الفاعل قبل المفعول، وهذا يبطل قولكم: إنّ الإرادة والمريد شيء واحد... ).

وطفق سليمان قائلاً: ( جعلت فداك، ليس ذلك منه على ما يعرف الناس، ولا على ما يفقهون؟ ).

واندفع الإمام يبطل ما ذهب إليه قائلاً: ( فأراكم ادعيتم علم ذلك بلا معرفة، وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر إذا كان ذلك عندكم على ما لا يعرف، ولا يعقل... ).

وحار سليمان ولم يطق جواباً أمام هذه الطاقات الهائلة من العلم التي يملكها


الإمامعليه‌السلام ، واستأنف الإمام حديثه ليتم عليه الحجة قائلاً: ( يا سليمان هل يعلم الله جميع ما في الجنة والنار؟... ).

وأسرع سليمان قائلاً: ( نعم ).

وانبرى الإمام قائلاً: ( أفيكون ما علم الله تعالى أنه يكون من ذلك؟... ).

( نعم... ).

( فإذا كان حتى لا يبقى منه شيء، إلاّ كان يزيدهم أو يطويه عنهم؟... )

فأجاب سليمان: ( بل يزيدهم... ).

وأبطل الإمام قوله: ( فأراه في قولك: قد زادهم ما لم يكن في علمه، أنّه يكون... ).

وطفق سليمان يقول: ( جعلت فداك فالمريد لا غاية له... ).

ومضى الإمام يفنّد شبه سليمان قائلاً:

( فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غاية ذلك وإذا لم يحط علمه بما يكون فيهما، لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون، تعالى الله عزّ وجل عن ذلك علواً كبيراً... ).

وراح سليمان يعتذر ويوجه ما قاله: ( إنّما قلت: لا يعلمه، لأنه لا غاية لهذا، لان الله عزّ وجل وصفهما بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعاً... ).

وراح الإمامعليه‌السلام يفنّد شبهه وأوصافه قائلاً: ( ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم؛ لأنّه قد يعلم ذلك، ثم يزيدهم ثم لا يقطعه عنهم، وكذلك قال الله عزّ وجل في كتابه:( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ) (1) وقال لأهل الجنّة:( عَطَاءً غَيْرَ

____________________

(1) سورة النساء / آية 56.


مجذوذ ) (1) وقال عزّ وجل:( وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ) (2) فهو عزّ وجل يعلم ذلك لا يقطع عنهم الزيادة... أرأيت ما أكل أهل الجنة، وما شربوا يخلف مكانه؟... ).

( بلى... ).

( أفيكون يقطع ذلك عنهم، وقد أخلف مكانه؟... ).

( لا... ).

ومضى الإمامعليه‌السلام يقرّر ما ذهب إليه قائلاً: ( فكذلك كلما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم... ).

وراح سليمان يتمسك بالشبه والأوهام ثم يزيله عنها هذه الحجج البالغة التي أقامها الإمام قائلاً: ( بلى يقطعه عنهم، ولا يزيدهم... ).

وانبرى الإمام فأبطل ذلك بقوله: ( إذا يبيد فيها، وهذا يا سليمان إبطال الخلود، وخلاف الكتاب؛ لأنّ الله عزّ وجل يقول:( لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ) (3) .

ويقول عزّ وجل: (عطاء غير مجذوذ) ويقول عزّ وجل:( وما هم عنها بمخرجين ) (4).

ويقول عزّ وجل:( خالدين فيها أبداً ) (5)

ويقول عزّ وجل:( وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ) .

ووجم سليمان، وحار في الجواب، وراح يسد عليه كل نافذة يسلك فيها لإثبات شبهة قائلاً له: ( يا سليمان ألا تخبرني عن الإرادة أفعل هي أم غير فعل...؟ ).

( بل هي فعل... ).

ورد الإمام عليه: ( فهي محدثة لأنّ الفعل كله محدث... ). إنّ كل ممكن معلول ومصنوع وحادث إمّا واجب الوجود تعالى فهو عارٍ عن

____________________

(1) سورة هود / آية 108

(2) سورة الواقعة / آية 33.

(3) سورة ق / آية 35.

(4) سورة الحجر / آية 48.

(5) سورة البينة / آية 8.


صفات الممكن، ومستحيلة عليه...

ولم يستطع سليمان أن يقول شيئاً، وراح يناقض نفسه فقال: ( ليست - أي الإرادة - بفعل... ).

وقد اعترف سليمان سابقاً بأنّها فعل، والتفت إليه الإمام فقال: ( فمعه - أي مع الله - غيره لم يزل؟... ).

وراوغ سليمان، ولم يجب الإمام عن سؤاله، وقال: ( الإرادة هي الإنشاء... ).

فأجابه الإمام: ( هذا الذي عبتموه على ضرار(1) وأصحابه من قولهم: إنّ كل ما خلق الله عزّ وجل في سماء أو أرض أو بحر أو بر من كلب، أو خنزير، أو قرد، أو إنسان، أو دابة، إرادة الله، وان إرادة الله تحيى، وتموت، وتذهب، وتأكل وتشرب، وتنكح، وتلذ، وتظلم، وتفعل الفواحش، وتكفر، وتشرك، فيبرأ منها، ويعاد بها وهذا حدها ).

عرض الإمامعليه‌السلام إلى الآراء الفاسدة التي التزم بها ضرار والتي عابها على سليمان وأصحابه فإنّ هذه اللوازم الفاسدة كلها ترد على سليمان إلاّ أنّه لم يع مقالة الإمام، وراح يقول: ( إنّها - أي الإرادة - كالسمع والبصر والعلم... ).

لقد كرّر سليمان ما قاله سابقاً من أنّ الإرادة كالسمع والبصر وقد أبطل الإمام ذلك، فقالعليه‌السلام له: ( أخبرني عن السمع والبصر والعلم أمصنوع؟... ).

( لا... ).

وانبرى الإمام يدلّه على تناقض كلامه قائلاً: ( فكيف نفيتموه؟ قلتم لم يرد، ومرة قلتم: أراد، وليست - أي الإرادة - بمفعول له... ).

وراح سليمان يتخبّط عشواء فقال: ( إنّما ذلك كقولنا: مرة علم، ومرة لم يعلم... ).

فأجابه الإمام ببالغ الحجّة قائلاً:

____________________

(1) ضرار من شيوخ المعتزلة في علم الكلام، وهو من الأباظية.


( ليس ذلك سواء؛ لأنّ نفي المعلوم ليس كنفي العلم، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون؛ لأنّ الشيء إذا لم يرد لم تكن إرادة، فقد يكون العلم ثابتاً، وإن لم يكن المعلوم بمنزلة البصر، فقد يكون العلم ثابتاً، وإن لم يكن المعلوم بمنزلة البصر، فقد يكون الإنسان بصيراً، وإن يكن المبصر وقد يكون العلم ثابتاً، وإن لم يكن المعلوم... ).

وأجاب سليمان: ( إنّها - أي الإرادة - مصنوعة... ).

وأبطل الإمام قول سليمان، قائلاً: ( فهي محدثة، ليست كالسمع والبصر؛ لأنّ السمع والبصر ليسا بمصنوعين، وهذه مصنوعة... ).

فقال سليمان: ( إنّها صفة من صفاته لم تزل... ).

وردّ عليه الإمام قائلاً: ( فينبغي أن يكون الإنسان لم يزل لان صفته لم تزل... ).

وأخذ سليمان يراوغ في كلامه قائلاً: ( لا، لأنّه لم يفعلها... ).

فأنكر الإمام عليه ذلك وقال: ( يا خراساني ما أكثر غلطك، أفليس بإرادته وقوله تكون الأشياء؟... ).

وأصرّ سليمان على خطئه قائلاً: ( لا... ).

فأجابه الإمام: ( إذا لم تكن بإرادته، ولا مشيئته، ولا أمره، ولا بالمباشرة فكيف يكون ذلك؟ تعالى الله عن ذلك... ).

وحار سليمان، فلم يستطع أن يقول شيئاً، وراح الإمام يفند شبه سليمان، وما تمسك به من أوهام قائلاً له: ( ألا تخبرني عن قول الله عزّ وجل:( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ) (1) . يعني بذلك أنّه يحدث إرادة؟... ).

____________________

(1) سورة الإسراء / آية 16.


وسارع سليمان قائلاً: ( نعم... ).

فأجابه الإمام: ( فإذا أحدث إرادة، كان قولك: إنّ الإرادة هي هو أو شيء منه باطلاً؛ لأنّه لا يكون أن يحدث نفسه، ولا يتغير عن حالة تعالى الله عن ذلك... ).

وانبرى سليمان قائلاً: ( إنّه لم يكن عنى بذلك أنّه يحدث إرادة... ).

( فما عنى به؟... )

(عنى فعل الشيء... ).

فزجره الإمام قائلاً: ( ويلك كم تردد هذه المسألة، وقد أخبرتك أنّ الإرادة محدثة؛ لأنّ فعل الشيء محدث... ).

( فليس لها معنى... ).

( قد وصف نفسه عندكم، حتى وصفها بالإرادة بما له معنى فإذا لم يكن لها معنى قديم، ولا حديث بطل قولكم إنّ الله عزّ وجل لم يزل مريداً... ).

وراح سليمان يتمسك بالشبه قائلاً: ( إنّما عنيت أنها - أي الإرادة - فعل من الله تعالى لم يزل... ).

وردّ عليه الإمام قائلاً: ( ألم تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً وقديماً وحديثاً في حالة واحدة ).

وحار سليمان في الجواب، فقد أبطل الإمام جميع شبهه، وأوضح له أنّ كل ممكن حادث وليس أزلياً، وإرادة الله تعالى ليست على غرار صفات الممكن.

وراح الإمام يقيم عليه الحجة قائلاً: ( لا بأس أتمم مسألتك... ).

( أنّ الإرادة صفة من صفاته... ).

وأنكر الإمام عليه تكراره لهذه المسألة قائلاً: ( كم تردد عليّ أنّها صفة من صفاته، فصفته محدثة أو لم تزل؟... ).

( محدثة... ).

( الله أكبر فالإرادة محدثة، إن كانت صفة من صفاته لم تزل فلم يرد شيئاً...


إنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً... ).

وراح سليمان يغالط نفسه قائلاً: ( ليس الأشياء إرادة، ولم يرد شيئاً... ).

وردّ الإمام عليه قائلاً: ( وسوست يا سليمان، فقد فعل، وخلق ما لم يزل خلقه، وفعله وهذه صفة من لا يدري ما فعل؟ تعالى عن ذلك... ).

وغالط سليمان فقال: ( يا سيدي فقد أخبرتك أنّها كالسمع والبصر والعلم... ).

وصاح به المأمون قائلاً: ( ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والتردد؟ اقطع هذا، وخذ في غيره، إذ لست تقوى على غير هذا الرد... ).

والتفت الإمام إلى المأمون، قائلاً: ( دعه يا أمير المؤمنين، لا تقطع عليه مسألته، فيجعلها حجة... ).

ونطر الإمام إلى سليمان قائلاً: ( تكلم يا سليمان... )

ومضى سليمان قائلاً: ( قد أخبرتك أنّها - أي الإرادة - كالسمع والبصر والعلم... ).

فرد عليه الإمام: ( لا بأس اخبرني عن معنى هذه؟ أمعنى واحد أم معان مختلفة؟... ).

( معنى واحد... ).

( فمعنى الإرادات كلها معنى واحد؟... )

( نعم... )

ورد عليه الإمام ببالغ الحجة قائلاً: ( فإذا كان معناها واحدا كانت إرادة القيام وإرادة القعود وإرادة الحياة وإرادة الموت، إذا كانت إرادته واحدة لم تتقدم بعضها بعضاً، ولم يخالف بعضها بعضاً، وكانت شيئا واحداً... ).

وأجاب سليمان قائلاً: ( إنّ معناها مختلف... ).


وأشكل الإمام عليه قائلاً: ( اخبرني عن المريد أهو الإرادة أم غيرها؟... ).

( بل هو الإرادة... ).

فأجابه الإمام: ( المريد عندكم مختلف إذا كان هو الإرادة... ).

( يا سيدي ليس الإرادة المريد... ).

وأشكل الإمام عليه قائلاً: ( فالإرادة محدثة، وإلا فمعه غيره... ).

( إنّها اسم من أسمائه... )

( هل سمى نفسه بذلك؟... ).

( لا، لم يسم نفسه بذلك؟... ).

( فليس لك أن تسميه بما لم يسم به نفسه... ).

وراوغ سليمان، فقال: ( قد وصف نفسه بأنّه مريد... ).

وقال الإمام: ( ليس صفته نفسه، أنّه مريد إخبار عن أنّه إرادة ولا إخبار عن أنّ الإرادة اسم من أسمائه... ).

( لأنّ إرادته علمه... ).

وأجابه الإمام: ( إذا علم الشيء فقد أراده... ).

( أجل... ).

( إذا لم يرده لم يعلمه ).

( أجل... ).

وانبرى الإمام يوضح فساد ما ذهب إليه سليمان قائلاً: ( من أين قلت ذلك؟ وما الدليل على أن إرادته عمله؟ وقد يعلم ما لا يريده أبداً، وذلك قوله عزّ وجل: ( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) (1) فهو يعلم كيف يذهب به، وهو لا يذهب به ابداً... ).

____________________

(1) سورة الإسراء / آية 86.


وقال سليمان: ( لأنّه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئاً... ).

ورد الإمام عليه قائلاً: ( هذا قول اليهود: فكيف قال تعالى:( ادعوني استجب لكم ) (1) .

وأنكر سليمان ذلك وقال: ( إنّما عنى بذلك، أنّه قادر عليه... ).

وأجابه الإمام: ( أفيعد ما لا يفي به؟ فكيف قال:( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ) (2).

وقال عزّ وجل:( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) وقد فرغ من الأمر... ).

وحار سليمان، فقد سد الإمام عليه كل نافذة، فأين ما اتجه فالإمام يواجهه ببالغ الحجة، وقوة البرهان في إبطال ما يذهب إليه...

ومضى الإمامعليه‌السلام في إبطال شبه سليمان قائلاً:

( يا سليمان هل يعلم أنّ إنساناً يكون، ولا يريد أن يخلق إنساناً أبدا، وأنّ إنساناً يموت اليوم، ولا يريد أن يموت اليوم... ).

وسارع سليمان قائلاً: ( يعلم أنّهما يكونان جميعاً... ).

وأجابه الإمام بما يترتب على قوله من التناقض قائلاً: ( إذا يعلم أنّ إنساناً حي ميت، قائم، قاعد، أعمى، بصير، في حالة واحدة، وهذا هو المحال... ).

وراح سليمان يكثر من التناقض في كلامه الذي ألزمه به الإمام قائلاً:

____________________

(1) سورة المؤمن / آية 60.

(2) سورة فاطر / آية 1.

(3) سورة الرعد / آية 39.


( جعلت فداك، فإنه يعلم أنه يكون أحدهما دون الآخر... ).

فقال الإمام: ( لا بأس، فأيّهما يكون الذي أراد أن يكون، أو الذي لم يرد أن يكون؟... ).

وراح سليمان يتخبط خبط عشواء، لم يدر ما يقول، وما يترتب على كلامه من التهافت فقال: ( أراد الذي أن يكون... ).

وغرق القوم في الضحك، وضحك الإمام الرضا، والمأمون، فقال الإمام: ( غلطت، وتركت قولك: إنّه يعلم أنّ إنساناً يموت اليوم، وهو لا يريد أن يموت اليوم، وانه يخلق خلقاً، وأنّه لا يريد أن يخلقهم، وإذا لم يجز العلم عندكم بما لم يرد أن يكون، فإنما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون؟... ).

وراح سليمان يوجّه ما قاله: ( فإنّما قولي: إنّ الإرادة ليست هو ولا غيره... ).

وانبرى الإمام يدله على تناقض قوله: ( إذا قلت: ليست هو فقد جعلتها غيره، وإذا قلت: ليست هي غيره، فقد جعلتها هو... ).

وقال سليمان: ( كيف فهو يعلم - أي الله - كيف يصنع الشيء؟... ).

( نعم... ).

( فإنّ ذلك إثبات للشيء... ).

فأجابه الإمام بمنطق الحكمة والعلم قائلاً: ( أحلت - أي تكلمت بالمحال - لأنّ الرجل قد يحسن البناء وإن لم يبن، ويحسن الخياطة، وإن لم يخط، ويحسن صنعة الشيء وإن لم يصنعه أبداً. يا سليمان هل تعلم أنّه واحد لا شيء معه؟... ).

( نعم... ).

( فيكون ذلك إثباتاً للشيء... ).

وأنكر سليمان ما قاله سابقاً. ( ليس يعلم أنّه واحد لا شيء معه... ).

فأجابه الإمام:


( أفتعلم أنت ذاك؟... ).

( نعم... ).

( فأنت يا سليمان إذا أعلم منه؟... ).

وراح سليمان يقول: ( المسألة محال... ).

فرد الإمام عليه قائلاً: ( محال عندك، إنّه واحد، لا شيء معه وانه سميع بصير، حكيم قادر... ).

( نعم... ).

وأجابه الإمام بمنطق العلم والحكمة قائلاً: ( كيف أخبر عزّ وجل أنّه واحد، حي سميع، بصير، حكيم، قادر عليم، خبير، وهو لا يعلم ذلك، وتكذيبه... تعالى الله عن ذلك ).

وأضاف الإمام قائلاً: ( كيف يريد صنع ما لا يدري صنعه، ولا ما هو؟ وإذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشيء قبل أن يصنعه فإنما هو متحير... تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً... ).

وراح سليمان يتخبط فقال: ( إنّ الإرادة القدرة... ).

فرد الإمام عليه بقوله: ( وهو عزّ وجل يقدر على ما لا يريده أبداً، ولا بد من ذلك؛ لأنّه قال تبارك وتعالى:( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته... ).

وبان العجز على سليمان، ووقف حائراً أمام هذا البحر المتلاطم من العلم والفضل، فانقطع عن الكلام، والتفت إليه المأمون مشيداً بمواهب الإمام وعبقرياته قائلاً: ( يا سليمان هذا أعلم هاشمي... ).

واحتوت هذه المناظرة على بحوث فلسفية بالغة الأهمية دلّت على مدى ما يحمله الإمام الرضاعليه‌السلام من طاقات علمية هائلة أثبتت صدق وواقعية ما تذهب إليه الشيعة الإمامية من أنّ الإمام لا بد أن يكون أعلم أهل عصره؛ وبذلك فقد


باءت بالفشل محاولة المأمون الذي أراد تعجيز الإمام ولو بمسألة واحدة ليتخذ منها وسيلة للطعن في معتقدات الشيعة بالإمام، وقد علّق الشيخ الصدوق نضر الله مثواه على هذه المناظرة بقوله: كان المأمون يجلب على الرضا من متكلّمي الفرق والأهواء المضلة كل مَن سمع به حرصاً على انقطاعه عن الحجة مع واحد منهم، وذلك حسداً منه له، ولمنزلته من العلم، فكان لا يكلمه أحد إلاّ أقر له بالفضل وألزم الحجة له عليه؛ لأنّ الله تعالى ذكره يأبى إلاّ أن يعلي كلمته، ويتم نوره، وينضر حجته، وهكذا وعد تبارك وتعالى في كتابه فقال:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (1) يعني بالذين آمنوا الأئمة الهداة، وأتباعهم العارفين بهم، والآخذين عنهم بنصرهم بالحجة على مخالفيهم ما داموا في الدنيا، وكذلك يفعل بهم في الآخرة وان الله عزّ وجل لا يخلف الميعاد )(2) .

مناظرة أبي قرة للإمام:

وتصدى الإمام الرضاعليه‌السلام لتزييف الشبه وإبطالها، التي أثيرت حول العقيدة الإسلامية، وقد قصد أبو قرة خراسان، لامتحان الإمامعليه‌السلام ، وطلب من صفوان بن يحيى وهو من خواص الإمام أن يستأذن منه للدخول عليه، فأذن الإمام له، فلما تشرف بالمثول أمامه سأله عن أشياء من الحلال والحرام، والفرائض والأحكام فأجابه عنها، ثم سأله عن بعض قضايا التوحيد وهي:

س 1: ( أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى؟... ).

ج 1: ( الله أعلم بأيّ لسانٍ كلّمه بالسريانية أم بالعبرانية... ).

وأخرج أبو قرة لسانه، وقال: إنّما أسألك عن هذا اللسان ومعنى ذلك أنّه هل كلمه بلسان كلسان الإنسان؟

فرد الإمام عليه ذلك بقوله: ( سبحان الله عما تقول: ومعاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلم بمثل ما هم متكلمون، ولكنّه تبارك وتعالى ليس كمثله شيء، ولا كمثله قائل ولا فاعل... ).

وانبرى أبو قرة قائلاً: ( كيف ذلك؟..... ).

____________________

(1) سورة المؤمن / آية 51.

(2) عيون أخبار الرضا 1 / 182 - 191.


فقالعليه‌السلام : ( كلام الخالق لمخلوق، ليس ككلام المخلوق لمخلوق، ولا يلفظ بشق فم ولسان، ولكن يقول: (كن) فكان بمشيئته ما خاطب به موسى من الأمر والنهي من غير تردد في نفس؟... ).

إنّ كلام الله تعالى ليس بواسطة الجارحة كما في كلام الإنسان، فإنّه تعالى يستحيل عليه ذلك، إذ ليس كمثله شيء، ولا قائل.

س 2: ( ما تقول في الكتب؟... ).

ج 2 - ( التوراة والإنجيل والزبور، والفرقان، وكل كتاب انزل كان كلام الله، أنزله للعالمين نورا وهدى، وهي كلها محدثة، وهي غير الله حيث يقول:( أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ) (1) وقال:( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) (2) والله أحدث الكتب كلها التي أنزلها... ).

س 3: ( هل تفنى؟ - أي الكتب - ).

ج 3: ( أجمع المسلمون على أنّ ما سوى الله فان، وما سوى الله فعل الله، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل الله، ألم تسمع الناس يقولون: ( رب القرآن ) وإنّ القرآن يقول يوم القيامة: ( يا رب هذا فلان - وهي أعرف به منه - قد أظمأت نهاره وأسهرت ليله، فشفعني فيه ) وكذلك التوراة والإنجيل والزبور وهي كلها محدثة، مربوبة، أحدثها من ليس كمثله شيء، هدى لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن معه، فقد أظهر: أنّ الله ليس بأوّل قديم، ولا واحد، وان الكلام لم يزل معه، وليس له بدو، وليس بإله... ).

س 4: ( إنّا روينا: إنّ الكتب كلها تجئ يوم القيامة، والناس في صعيد واحد، قيام لربّ العالمين، ينظرون حتى ترجع فيه؛ لأنّها منه، وهي جزء منه، فإليه تصير ).

ج 4: ( هكذا قالت النصارى في المسيح إنّه روحه، جزء منه، ويرجع فيه، وكذلك قالت المجوس: في النار والشمس إنّهما جزء منه ترجع فيه. تعالى ربنا أن يكون متجزياً أو مختلفاً، وإنّما يختلف، ويأتلف المتجزي؛ لأنّ كل متجزي متوهم

____________________

(1) سورة طه / آية 113.

(2) سورة البقرة / آية 21.


والكثرة والقلّة مخلوقة دالة على خالق خلقها... ).

س 5: ( إنّا روينا: إنّ الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين، فقسم لموسى الكلام ولمحمد (صلى الله عليه وآله) الرؤية... ).

ج 5: ( فمن المبلغ عن الله الثقلين: الجن والإنس، إنّه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء، أليس محمد (صلى الله عليه وآله)؟... ).

( بلى... ).

وأوضح الإمامعليه‌السلام له الأمر، وكشف ما التبس عليه قائلاً: ( كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم: أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول: إنّه لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا؟ أن يكون أتى عن الله بأمر ثم يأتي بخلافه من وجه آخر..... ).

س 6: إنّه يقول: ( ولقد رآه نزلة أخرى... )(1) .

ج 6: ( إنّ بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال:( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) يقول: ما كذب فؤاد محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ما رأت عيناه، فقال: ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) فآيات الله غير الله وقال:( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) (2) فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم، ووقعت المعرفة... ).

س 7: ( فنكذب بالرواية؟... ).

ج 7: ( إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنّه - أي الله تعالى - لا يحاط به علماً، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء... ).

لقد وضع الإمامعليه‌السلام لصفة الخبر وزيفه مقياساً وهو أنّ الخبر إن اتفق مع القرآن الكريم فهو صحيح، وإلاّ فهو باطل.

س 8: ما معنى قوله تعالى:( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى... ) (3) ؟

____________________

(1) سورة النجم / آية 13 وما بعدها.

(2) سورة طه / آية 11.

(3) سورة الإسراء / آية 1.


ج 8: ( لقد أخبر الله تعالى أنّه أسرى به، ثم أخبر - أي الله - أنّه لم أسري به - أي أخبر الله عن العلة في هذا الإسراء - فقال:( لنريه من آياتنا ) (1) فآيات الله غير الله، فقد اعذر، وبين لم فعل به ذلك، وما رآه، وقال:( فبأيّ حديث بعد الله وآياته تؤمنون ) (2) .

س 8: ( أين الله؟... ).

ج 8: ( الأين مكان، وهذه مسألة شاهد عن غائب، فالله تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، وهو بكل مكان، موجود مدبّر، صانع، حافظ، ممسك السماوات والأرض... ).

س 9: ( أليس هو فوق السماء دون ما سواها؟... ).

ج 9: هو الله في السماوات، وفي الأرض، وهو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء وهو معكم أينما كنتم، وهو الذي استوى إلى السماء وهي دخان، وهو الذي استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو الذي استوى على العرش، قد كان ولا خلق، وهو كما كان إذ لا خلق، لم ينتقل مع المنتقلين..... ).

س 10: ( فما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟... ).

ج 10: ( إنّ الله استعبد خلقه بضروب من العبادة ولله مفازع يفزعون إليه، ومستعبد فاستعبد عباده بالقول والعلم، والعمل والتوجّه، ونحو ذلك استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة، ووجه إليها الحج والعمرة واستعبد خلقه عند الدعاء، والطلب، والتضرّع ببسط الأيدي، ورفعها إلى السماء حال الاستكانة، وعلامة العبودية والتذلّل له... ).

س 11: ( مَن أقرب إلى الله الملائكة أو أهل الأرض؟... ).

ج 11: ( إن كنت تقول بالشبر والذراع، فإنّ الأشياء كلها باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبر أعلى الخلق من حيث يدبر أسفله، ويدبر أوله من حيث يدبر آخره من غير عناء، ولا كلفة ولا مؤنة، ولا مشاورة، ولا نصب وإن كنت تقول: مَن أقرب إليه في الوسيلة، فأطوعهم له وأنتم ترون أنّ أقرب ما

____________________

(1) سورة الإسراء / آية 1.

(2) سورة الجاثية / آية 5.


يكون العبد إلى الله، وهو ساجد، ورويتم أنّ أربعة أملاك التقوا أحدهم من أعلى الخلق وأحدهم من أسفل الخلق،

وأحدهم من شرق الخلق، وأحدهم من غرب الخلق فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: ( من عند الله ( أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أنّ ذلك في المنزلة دون التشبيه والتمثيل... ).

س 12: ( أتقر أنّ الله محمول؟... ).

ج 12: ( كل محمول مفعول، ومضاف إلى غيره محتاج فالمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل، وهو في اللفظ ممدوح، وكذلك قول القائل: فوق، وتحت، وأعلى، وأسفل، وقد قال الله تعالى:( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) .

ولم يقل في شيء من كتبه إنّه محمول بل هو الحامل في البر والبحر، والممسك للسماوات والأرض، والمحمول ما سوى الله، ولم نسمع أحداً آمن بالله وعظمه قط، قال في دعائه: يا محمول... ).

س 13: ( أفنكذب بالرواية؟ إنّ الله إذا غضب يعرف غضبه الملائكة الذين يحملون العرش، يجدون ثقله في كواهلهم فيخرون سجّداً، فإذا ذهب الغضب، خف فرجعوا إلى مواقفهم... ).

ج 13: ( أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا، والى يوم القيامة، فهو غضبان على إبليس، وأوليائه أو عنهم راض؟... ).

وأيد أبو قرة كلام الإمام قائلاً: ( نعم هو غضبان عليه... ).

وانبرى الإمام قائلاً: ( ويحك كيف تجترئ أن تصف ربّك بالتغير من حال إلى حال، وأنّه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟ سبحانه لم يزل مع الزائلين، ولم يتغير مع المتغيرين... ).

واستولى الذهول على أبي قرة، وحار في الجواب وانهزم من المجلس، وهو مندحر قد أترعت نفسه بالغيظ، والحقد على الإمام.

مناظرته مع الجاثليق:

ومن بين الإجراءات التي اتخذها المأمون لامتحان الإمام لعلّه يظفر بتعجيزه أنّه

____________________

(1) الاحتجاج 2 / 185 - 189.


أوعز إلى وزيره الفضل بن سهل أن يجمع له الأعلام المتكلمين من أصحاب المقالات والأديان، مثل الجاثليق(1) . ورأس الجالوت(2) ، والهربذ الأكبر(3) وأصحاب زردهشت(4) ونسطاس الرومي(5) وسائر المتكلمين فجمعهم الفضل في بلاط المأمون، ثم أدخلهم عليه فقابلهم بمزيد من الحفاوة والتكريم، وعرض عليهم ما يرومه قائلاً: ( إنّما جمعتكم لخير، وأحببت أن تناظروا ابن عمي المدني، القادم علي، فإذا كان بكرة فاغدوا علي، ولا يتخلف منكم أحد... ).

فأجابوه بالسمع والطاعة، والامتثال لأمره، وأمر المأمون ياسر الخادم أن يدعو الإمام لمناظرة علماء الأديان في اليوم الثامن، فخف ياسر إلى الإمام وأبلغه مقالة المأمون فأجابه إلى ذلك والتفت الإمام إلى الحسن بن محمد النوفلي فقال له: ( يا نوفلي أنت عراقي، ورقّة العراقي غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمّي علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات... ).

وعرف النوفلي غاية المأمون، فقال للإمام: ( جعلت فداك يريد الامتحان، ويحب أن يعرف ما عندك، ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان، وبئس والله ما بنى... ).

وسارع الإمام قائلاً: ( وما بناؤه في هذا الباب؟... ).

وعرض النوفلي على الإمام ما يحذره ويخافه عليه منهم قائلاً: ( إنّ أصحاب الكلام والبدع خلاف العلماء؛ وذلك أنّ العالم لا ينكر غير المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون، وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة، إن احتججت عليهم بأنّ الله واحد، قالوا: صحيح وحدانيته، وإن قلت: إنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله رسول، قالوا: ثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل - وهو مبطل عليهم بحجته - ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك... ).

____________________

(1) الجاثليق: رئيس الأساقفة.

(2) الجالوت: هو أحد علماء اليهود.

(3) الهربذ: هو من علماء الهنود.

(4) في نسخة: ( زرادشت ) وهو من تلاميذ بعض الأنبياء، وقيل: إنّه مرسل من قبل بعض الأنبياء إلى بني إسرائيل.

(5) النسطاس: عالم بالطب.


لقد أعرب النوفلي عن مخاوفه من هؤلاء الذين يحاججهم الإمام؛ لأنّهم لا يبغون الوصول إلى الواقع، والتعرف على الحق، وهم دوماً يعتمدون على المغالطات للوصول إلى أهدافهم الرخيصة.

وأزال الإمام ما في نفس النوفلي من المخاوف قائلاً ( أتخاف أن يقطعوا علي حجتي؟... )

إنّهم أمام بحر من العلم، وطاقات هائلة من الفضل، فكيف يقطعون على الإمام حجته، وسارع النوفلي فقال: ( لا والله ما خفت عليك قط، وإنّي لأرجو أن يظفرك الله بهم، إن شاء الله... ).

وانبرى الإمام قائلاً: ( يا نوفلي، أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟... ).

( نعم... )

( إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم، وعلى أهل الروم بروميتهم، وعلى أهل المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف، ودحضت حجته، وترك مقالته، ورجع إلى قولي، علم المأمون أنّ الذي هو بسبيله ليس بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم... ).

لقد كشف الإمام عليه بهذه الكلمات عما يملكه من ثروات علمية لا تحد، وأنّه باستطاعته أن يناظر جميع أهل الأديان والمذاهب، ويفند أوهامهم، ويوضح لهم الحق، وإذا استبان ذلك للمأمون فإنه يندم على هذه الإجراءات، ويظهر له أنّه على غير صواب.

ولما انقضى النهار، واقبل اليوم الثاني خف الفضل بن سهل مسرعاً إلى الإمامعليه‌السلام ، فقال له: ( جعلت فداك إنّ ابن عمك - يعني المأمون - ينتظرك، اجتمع القوم، فما رأيك في اتيانه؟... ).

فأجابه الإمام أنه مستعد للحضور، وانه قادم على المأمون، وخرج الإمام، وهو بهيبة تعنو لها الجباه، فكان يلهج بذكر الله ودخل على المأمون وكان المجلس


مكتظاً بالطالبيين والهاشميين، وقادة الجيش والعلماء، من مسلمين وغيرهم، وقام المأمون وجميع من في المجلس تكريما وتعظيماً للإمام، وجلس الإمام، والناس وقوف احتراماً له، فأمرهم المأمون بالجلوس، وبعدما استقر المجلس بالإمام التفت المأمون إلى الجاثليق، فقال له: ( يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابن علي بن أبي طالبعليه‌السلام فأحب أن تكلمه وتحاجه، وتنصفه... ).

وانبرى الجاثليق قائلاً: ( يا أمير المؤمنين، كيف أحاج رجلاً يحاج علي بكتاب أنا منكره ونبي لا أومن به... ).

لقد حسب الجاثليق أنّ الإمامعليه‌السلام يستدل على ما يذهب إليه بآيات من القرآن الكريم، أو بكلمات من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو لا يؤمن بذلك، وإنما يبغي دليلاً وبرهاناً من كتبهم، وردّ الإمام عليه مقالته: ( يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقر به؟... ).

وسارع الجاثليق قائلاً: ( هل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل، نعم والله أقرّ به... ).

( سل عمّا بدا لك، واسمع الجواب... ).

س 1 - ( ما تقول في نبوّة عيسى، وكتابه هل تنكر منهما شيئاً؟... ).

ج 1 - ( أنا مقر بنبوّة عيسى وكتابه، وما بشّر به أمّته، وأقرّت به الحواريون، وكافر بنبوّة عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه، ولم يبشر به أمّته... ).

وسارع الجاثليق قائلاً: ( أليس إنّما تقطع الأحكام بشاهدي عدل؟... ).

( بلى... ).

( فأقم شاهدين من غير أهل ملّتك على نبوّة محمد ممّن لا تنكره النصرانية، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملّتنا... ).

وصدق الإمام مقالته، فقد جاء بالنصف قائلاً: ( الآن جئت بالنصفة، ألا تقبل مني العدل، والمقدم عند المسيح بن مريم؟... ).


( من هذا العدل سمه لي؟... ).

( ما تقول: في يوحنا الديلمي؟... ).

وسارع الجاثليق قائلاً: ( بخ بخ، ذكرت أحب الناس إلى المسيح... ).

وانبرى سليل النبوة قائلاً: ( أقسمت عليك هل نطق الإنجيل أنّ يوحنا قال: إنّ المسيح أخبرني بدين محمد العربي: وبشرني به، أنّه يكون من بعدي، فبشرت به الحواريين، فآمنوا به... ).

ولم يسع الجاثليق إنكار ذلك إلاّ أنّه قال: إنّ يوحنا لم يسمه لنا، حتى نعرفه.

ورد عليه الإمام: ( فإن جئناك بمَن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد، وأهل بيته، وأمّته أتؤمن به؟... ).

وقال بصوت خافت: ( أمر سديد... ).

والتفت الإمامعليه‌السلام إلى نسطاس الرومي، فقال له: ( كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟... ).

( ما أحفظني له... ).

وخاطب الإمامعليه‌السلام الجاثليق فقال له: ( ألست تقرأ الإنجيل؟... ).

( بلى... )

( خذ على السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي... ). وتلا الإمام عليه السفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله التفت إلى الجاثليق فقال له: ( إنّي أسألك بحق المسيح وأمّه أتعلم أنّي عالم بالإنجيل؟... ).

( نعم... ).

ثم قرأ ما في السفر الثالث من ذكر النبي وأهل بيته وأمته، وأضاف قائلاً: ( ما تقول: هذا قول عيسى بن مريم، فإن كذبت ما نطق به الإنجيل فقد كذبت موسى وعيسى، ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك، القتل لأنّك تكون قد


كفرت بربّك ونبيك، وكتابك... ).

وراح الجاثليق يقول: ( لا أنكر ما قد بان لي من الإنجيل، وإنّي لمقر به... ).

والتفت الإمامعليه‌السلام إلى الحاضرين، فطلب منهم الشهادة على إقراره، ثم قال له: ( يا جاثليق سل عمّا بدا لك... ).

وسارع الجاثليق سائلاً:

س 2 - ( اخبرني عن حواري عيسى بن مريم كم كان عدتهم، وعن علماء الإنجيل كم كانوا؟... ).

ج 2 - ( على الخبير سقطت، أمّا الحواريون فكانوا اثني عشر رجلاً، وكان أفضلهم وأعلمهم (لوقا) وأمّا علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: ( يوحنا ) الأكبر - يا حي - و ( يوحنا ) بقرقيسيا، (ويوحنا ) الديلمي بزخار، وعنده كان ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذكر أهل بيته، وهو الذي بشّر أمّة عيسى وبني إسرائيل به ).

وأضاف الإمام قائلاً: ( والله إنّا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وما ننقم على عيسى شيئاً إلاّ ضعفه، وقلّة صيامه وصلاته... ).

وحينما سمع الجاثليق الكلمات الأخيرة من هذا فصاح: ( أفسدت، والله علمك، وضعف أمرك، وما كنت ظننت إلاّ أنّك أعلم أهل الإسلام... ).

وقابله الإمام بهدوء فقال له: ( وكيف ذلك؟... ).

وفقد الجاثليق صوابه، وراح يقول: ( من قولك: إنّ عيسى كان ضعيفاً، قليل الصوم والصلاة، وما أفطر عيسى يوماً قط، وما نام بليل قط، وما زال صائم الدهر، قائم الليل... ).

وانبرى الإمام ينسف العقيدة المسيحية الزاعمة بأنّ المسيح إله يعبد من دون الله، فقالعليه‌السلام : ( لـمَن كان يصوم - أي المسيح - ويصلّي؟... ).

فانقطع الجاثليق عن الجواب، ولم يدر ما يقول.

والتفت الإمام إليه قائلاً:


( إنّي أسألك عن مسألة؟... ).

( سل فإن كان عندي علمها أجبتك... ).

ووجّه الإمام إليه السؤال التالي: ( ما أنكرت أنّ عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله؟... ). وأجاب الجاثليق: ( أنكرت ذلك من قبل، إنّ مَن أحيى الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص فهو ربّ مستحق لأن يعبد... ).

ورد الإمام عليه مقالته: ( فإنّ اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسىعليه‌السلام ، مشى على الماء، وأحيى الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، فلم لا تتخذه أمّته ربّاً، ولم يعبده أحد من دون الله عزّ وجل، فأحيى خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة، يا رأس الجالوت، أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة اختارهم (بخت نصر) من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس، ثم انصرف بهم إلى بابل، فأرسله الله عزّ وجل إليهم، فأحياهم، هذا في التوراة لا يدفعه إلاّ كافر منكر... ).

وبهر الجاثليق بمعلومات الإمام عنهم، وقال: ( قد سمعنا به، وعرفناه... ).

والتفت الإمام إلى يهودي كان في المجلس، فأمره أن يقرأ إحدى فصول التوراة، فأخذ في قراءتها، وكان فيه ذكر لبعض الأنبياء، وأقبل الإمام على رأس الجالوت فقال له: ( أهؤلاء - يعني الأنبياء - كانوا قبل عيسى، أم عيسى كان قبلهم؟... ).

( بل كانوا قبله... ).

وأخذ الإمام يتلو عليهم بعض معجزات جدّه الرسول الأعظم خاتم الأنبياء قائلاً: ( لقد اجتمعت قريش على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فسألوه أن يحيي لهم موتاهم، فوجّه معهم علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقال له: اذهب إلى الجبانة، فناد بأسماء هؤلاء الرهط، الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك، يا فلان، يا فلان يقول لكم محمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قوموا بإذن الله عزّ وجل، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم، ثم أخبروهم أنّ محمداً قد بعث نبياً، فقالوا: وددنا أنّا أدركناه، فنؤمن به، ولقد أبرأ الأكمه والأبرص


والمجانين، وكلّمته البهائم والطير والجن والشياطين، ولم نتخذه ربّاً من دون الله، ولم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم فإن اتخذتم عيسى ربّاً جاز لكم أن تتخذوا اليسع وحزقيل ربّين؛ لأنّهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم، من إحياء الموتى وغيره، ثم إنّ قوماً من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت، فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل القرية فحظروا عليهم حظيرة، فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم، وصاروا رميماً، فمرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجّب منهم، ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟

قال: نعم. فأوحى الله أن نادهم، فقال أيّتها العظام البالية قومي بإذن الله، فقاموا أحياءً أجمعين ينفضون التراب عن رؤوسهم، ثم إبراهيم خليل الله حين اتخذ الطير فقطعهن قطعاً، ثم وضع على كل جبل منهم جزءا ثم ناداهن فأقبلن سعياً إليه، ثم موسى بن عمران وأصحابه السبعون الذين اختارهم، صاروا معه إلى الجبل، فقالوا له: إنّك قد رأيت الله فأرناه. فقال لهم: إنّي لم أره.

فقالوا: لن نؤمن حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم، فبقي موسى وحيداً.

فقال: يا رب! اخترت سبعين رجلاً من بني إسرائيل فجئت بهم، فارجع أنا وحدي، فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به فلو شيءت أهلكتهم من قبل وإيّاي، أفتهلكنا بما فعل السفهاء منها؟ فأحياهم الله عزّ وجل من بعد موتهم، وكل شيء ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه؛ لأنّ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان كل مَن أحيى الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص والمجانين يتخذ ربّاً من دون الله، فاتخذ هؤلاء كلهم أرباباً، ما تقول يا نصراني؟ ).

لقد نعى الإمامعليه‌السلام على النصارى اتخاذهم السيد المسيح ربّاً من دون الله لأنّه أحيى الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص فقد جرت أمثال هذه المعاجز إلى سيد الأنبياء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعض الأنبياء العظام، ولم يتخذوا أرباباً يعبدون من دون الله تعالى. وانبرى الجاثليق فخاطب الإمام بعد ما سمع منه هذه الكلمات المشرقة فقال:


( القول: قولك، ولا إله إلاّ الله... ).

والتفت الإمام إلى رأس الجالوت، فقال له: ( اقبل عليّ، أسألك بالعشر الآيات التي أُنزلت على موسى بن عمران، هل تجد في التوراة مكتوباً نبأ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمّته إذا جاءت الأمّة الأخيرة أتباع راكب البعير، يسبّحون الرب جداً، جداً، تسبيحاً جديداً في الكنايس الجدد - أراد بها المساجد - فليفزع بنو إسرائيل إليهم، والى ملكهم، لتطمئن قلوبهم، فإنّ ما بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الأمم الكافرة في أقطار الأرض، هكذا هو مكتوب في التوراة... ).

وبهر الجالوت، وراح يقول: ( نعم إنّا لنجد ذلك كذلك... ).

والتفت الإمامعليه‌السلام إلى الجاثليق فقال له: ( كيف علمك بكتاب شعيا؟... ).

( اعرفه حرفاً، حرفاً... ).

وخاطب الإمام الجاثليق ورأس الجالوت فقال لهما: ( أتعرفان هذا من كلامه: يا قوم إنّي رأيت صورة راكب الحمار، لابساً جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوءه ضوء القمر... ).

وطفقا قائلين: ( قد قال ذلك شعيا... ).

والتفت الإمام إلى الجاثليق فقال له: ( أتعرف قول عيسى: إنّي ذاهب إلى ربّكم وربي، و( البارقليطا ) جاء هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له، وهو الذي يفسّر لكم كل شيء، وهو الذي بيده فضائح الأمم، وهو الذي يكسر عمود الكفر... ).

وبهر الجاثليق، وقال: ( ما ذكرت شيئاً من الإنجيل إلاّ ونحن مقرّون به... ).

وراح الإمام يقرره أنّ ما ذكره ثابت في الإنجيل قائلاً: ( أتجد هذا في الإنجيل ثابتاً؟... ).

( نعم... ).

( يا جاثليق: ألا تخبرني عن الإنجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه؟


ومَن وضع لكم هذا الإنجيل؟... ).

وأخذ الجاثليق يتخبط خبط عشواء قائلاً: ( ما افتقدنا الإنجيل إلاّ يوماً واحداً، حتى وجدناه غضاً طرياً، فأخرجه إلينا يوحنا ومتّى... ).

فرد عليه الإمام قائلاً: ( ما أقل معرفتك بسنن الإنجيل وعلمائه، فإن كان كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل؟ وإنّما الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في أيديكم اليوم، فإن كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه، ولكنّي مفيدك علم ذلك، اعلم أنّه لمّا افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم، فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريم، وافتقدنا الإنجيل، وأنتم العلماء فما عندكم؟ فقال لهم الوقا ومرقانوس ويوحنا ومتّى إنّ الإنجيل في صدورنا نخرجه إليكم سفراً في كل أحد، فلا تحزنوا عليه، ولا تخلوا الكنائس فإنّا سنتلوه عليكم في كل أحد سفراً سفراً حتى نجمعه كله.

وأضاف الإمام قائلاً: إنّ الوقا، ومرقانوس، ويوحنا ومتّى وضعوا لكم هذا الإنجيل، بعدما افتقدتم الإنجيل الأول، وإنّما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ الأولين أعلمت ذلك؟... ).

وراح الجاثليق يبدي إكباره للإمام، ويعترف له أنّه لا علم له بذلك قائلاً: ( أمّا قبل هذا فلم اعلمه، وقد علمته الآن، وقد بان لي من فضل علمك بالإنجيل، وقد سمعت أشياء كما علمتها، شهد قلبي أنّها حق، واستزدت كثيراً من الفهم... ).

والتفت الإمامعليه‌السلام إلى المأمون، وإلى مَن حضر من أهل بيته وغيرهم، فطلب منهم أن يشهدوا عليه،

فقالوا: شهدنا، ووجّه كلامه صوب الجاثليق فقال له: ( بحق الابن وأمّه، هل تعلم أنّ ( متّى ) قال في نسبة عيسى إنّه المسيح بن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهود، بن خضرون؟ وقال: ( مرقانوس ) في نسبة عيسى إنّه كلمة الله أحلّها في الجسد الآدمي فصارت إنساناً!! وقال - ( الوقا ): إنّ عيسى بن مريم وأمّه كانا إنسانين من لحم ودم فدخل فيهما


روح القدس؟ ثم إنّك تقول: في شهادة عيسى على نفسه، حقّاً أقول لكم: إنّه لا يصعد إلى السماء إلاّ مَن نزل منها، إلاّ راكب البعير خاتم الأنبياء، فإنّه يصعد إلى السماء وينزل فما تقول في هذا القول؟ )

واعترف الجاثليق بما قالوه في المسيح، وما قاله السيد المسيح في نفسه، فقال: ( هذا قول عيسى لا ننكره... ).

فقال له الإمام: ( فما تقول في شهادة الوقا ومرقانوس ومتّى على عيسى وما نسبوا إليه؟... ).

وراح الجاثليق يزكّي السيد المسيح، ويكذب ما نسبوه له قائلاً: ( كذبوا على عيسى... ).

والتفت الإمامعليه‌السلام إلى مَن حضر في مجلسه من القادة والعلماء قائلاً: ( يا قوم أليس قد زكّاهم، وشهد أنّهم علماء الإنجيل وقولهم حق؟... ).

وبان الانكسار على الجاثليق وراح يلتمس من الإمام أن لا يسأله فقال: ( يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء ).

فأعفاه الإمام، ثم قال له: ( سلني عمّا بدا لك... ).

وبهر الجاثليق من علوم الإمام التي هي امتداد ذاتي لعلوم جدّه سيد الكائنات محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال بخضوع وإكبار للإمام: ( ليسألك غيري، فو الله ما ظننت أنّ في علماء المسلمين مثلك... ).

وأطرق الجاثليق برأسه إلى الأرض، وعجّ المجلس بالتهليل والتكبير، واستبان للمأمون وغيره أنّ الإمامعليه‌السلام نفحة قدسية من نفحات الملّة، فقد وهبه لهذه الأمّة كما وهب آباءه، ومنحهم من العلوم التي لا حد لها.

مناظرته مع رأس الجالوت:

وكان رأس الجالوت، يمثل الطائفة اليهودية في ذلك المجلس الذي أعدّه المأمون لامتحان الإمام، فقال له الإمام: ( تسألني أو أسألك؟... ).

( بل أسألك، ولست أقبل منك حجّة إلاّ من التوراة أو من الإنجيل أو من


زبور داود، أو ما في صحف إبراهيم وموسى... ).

فأجابه الإمام بالموافقة على هذا الشرط قائلاً: ( لا تقبل منّي حجّة إلاّ بما نطق به التوراة على لسان موسى بن عمران، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم، والزبور على لسان داودعليهم‌السلام ... ).

س 1 - ( من أين تثبت نبوّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟... ).

ج 1 - ( شهد بنبوّته موسى بن عمران، وعيسى بن مريم، وداود خليفة الله في الأرض... ).

وطلب رأس الجالوت إثبات ذلك قائلاً: ( أثبت قول موسى بن عمران... ).

فقال الإمام: ( تعلم يا يهودي أنّ موسى أوصى بني إسرائيل، فقال لهم: إنّه سيأتيكم نبي فيه(1) فصدقوا، ومنه فاسمعوا فهل تعلم أن لبني إسرائيل أخوة غير ولد إسماعيل؟ إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل، والنسب الذي بينهما من قبل إبراهيم ).

واعترف رأس الجالوت بذلك قائلاً: ( هذا قول موسى: لا ندفعه... ).

وألزمه الإمام بالحجّة والبرهان قائلاً: ( هل جاءكم من إخوة بني إسرائيل غير محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟... ).

( لا... ).

وانبرى الإمام قائلاً: ( أليس هذا قد صحّ عندكم؟... ).

( نعم، ولكنّي أحب أن تصحّحه لي من التوراة؟... ).

وتلا الإمام عليه قطعة من التوراة قائلاً: ( هل تنكرون التوراة تقول لكم: جاء النور من قبل طور سيناء وأضاء للناس من جبل ساعير، واستعلن علينا من جبل فاران... ).

وأقرّ رأس الجالوت بهذه الكلمات، إلاّ أنّه طلب من الإمام تفسيرها، فقالعليه‌السلام له:

____________________

(1) هكذا في النسخ المخطوطة والمطبوعة، والصواب فيه بالباء والمعنى إن أدركتم صحبته وفيه، أي اقصدوه واسمعوا ما يقوله.


( أنا أخبرك بها، أمّا قوله: جاء النور من قبل طور سيناء فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء، وأمّا قوله: وأضاء للناس في جبل ساعير فهو الجبل الذي أوحى الله عزّ وجل إلى عيسى بن مريم وهو عليه، وأمّا قوله: واستعلن علينا من جبل فاران فذاك جبل من جبال مكة، وبينه وبينها يومان؟ أو يوم... ).

قال شعيا النبي: فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة رأيت راكبين أضاء لهما الأرض أحدهما على حمار، والآخر على جمل، فمَن راكب الحمار، ومَن راكب الجمل؟...

ولم يعرف رأس الجالوت ذلك رغم أنّه موجود في التوراة فطلب من الإمام إيضاح ذلك له، فقالعليه‌السلام : ( أمّا راكب الحمار فعيسى، وأمّا راكب الجمل فمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أتنكر هذا في التوراة؟... ).

ووجّه الإمام إليه السؤال التالي: ( هل تعرف حبقوق النبي؟... ).

( نعم إنّي به لعارف... ).

وأخذ الإمامعليه‌السلام يقرأ ما أثر عنه قائلاً: ( فإنّه قال: - وكتابكم ينطق به - جاء الله تعالى بالبيان من جبل فاران وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأمته، يحمل خيله في البحر، كما يحمل في البر يأتينا بكتاب جديد - يعني القرآن الكريم - بعد خراب بيت المقدس، أتعرف هذا وتؤمن به؟... ).

واعترف رأس الجالوت بذلك، والتفت إليه الإمام فأقام عليه حجة أخرى، وهي ما جاء في الزبور، من التبشير بالرسول الأعظم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قائلاً: ( فقد قال داود في زبوره - وأنت تقرأه - اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة، فهل تعرف نبيا أقام السنة بعد الفترة غير محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟... ).

وأخذ رأس الجالوت يراوغ، وينكر الحق قائلاً: ( هذا قول داود نعرفه ولا ننكره، ولكنّه عنى بذلك عيسى، وأمامه هي


الفترة... ).

فرد عليه الإمام قائلاً: ( جهلت أنّ عيسى موافقاً لسنة التوراة حتى رفعه الله إليه، وفي الإنجيل مكتوب إنّ ابن البرة - أي عيسى - ذاهب، والبارقليطا جاء من بعده، وهو الذي يحفظ الآصار، ويفسّر لكم كل شيء، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل، أتؤمن بهذا في الإنجيل؟... ).

وطفق رأس الجالوت يقول: ( نعم لا أنكره... ).

ووجّه الإمام إليه السؤال التالي: ( أسألك عن نبيّك موسى بن عمران؟... ).

( سل... ).

( ما الحجّة على أنّ موسى تثبتت نبوته؟... )

وأخذ رأس الجالوت يستدل على نبوّة موسى قائلاً: ( إنّه جاء بما لم يجئ به أحد من الأنبياء قبله... ).

( مثل ماذا؟... ).

( مثل فلق البحر، وقلبه العصا حيّة تسعى، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون، وإخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلاماته لا يقدر الخلق على مثلها... ).

وصدق الإمام مقالته قائلاً: ( صدقت في أنها حجة على نبوته... إنّه جاء بما لم يقدر الخلق عل مثله، أفليس كل مَن أدعى أنّه نبي، وجاء بما لم يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟... ).

وأنكر اليهودي مقالة الإمام قائلاً: ( لا، لأنّ موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربّه، وقربه منه، ولا يجب علينا الإقرار بنبوة مَن ادعاها، حتى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء به... ).

ونقض الإمام كلام اليهودي قائلاً: ( فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى، ولم يفلقوا البحر، ولم يفجروا من الحجر اثني عشرة عيناً، ولم يخرجوا أيديهم مثل إخراج موسى يده بيضاء، ولم يقلبوا العصا حيّة تسعى... ).

وأجاب اليهودي:


( قد خبرتك أنّه متى جاءوا على نبوّتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله، ولو جاءوا بمثل ما جاء به موسى أو كانوا على ما جاء به موسى وجب تصديقهم... ).

وردّ الإمامعليه‌السلام حجّته قائلاً: ( يا رأس الجالوت فما يمنعك من الإقرار بعيسى بن مريم وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله... ).

وراوغ اليهودي فقال: ( يقال: إنّه فعل ذلك، ولم نشهده... ).

ورد الإمام عليه ببالغ الحجّة قائلاً: ( أرأيت ما جاء به موسى من الآيات شاهدته؟ أليس إنّما جاءت الأخبار من ثقات أصحاب موسى أنّه فعل ذلك... ).

( بلى... ).

وألزمه الإمام بالحجة القاطعة قائلاً: ( كذلك أيضاً أتتك الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم، فكيف صدقتم بموسى، ولم تصدقوا بعيسى؟... ).

ووجم رأس الجالوت، فقد سدّ عليه الإمام كل نافذة، وأقام عليه الحجة البالغة، وبان عليه العجز، وأضاف الإمامعليه‌السلام يقول: ( وكذلك أمر محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وما جاء به، وأمر كل نبي بعثه الله، ومن آياته أنه كان يتيما فقيراً، راعياً أجيراً، ولم يتعلّم، ولم يختلف إلى معلّم، ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياءعليهم‌السلام وأخبارهم حرفاً، حرفاً، وأخبار مَن مضى، ومَن بقي إلى يوم القيامة، ثم كان يخبرهم بأسرارهم، وما يعملون في بيوتهم، وجاء بآيات كثيرة... ).

وقطع رأس الجالوت على الإمام كلامه قائلاً: ( لم يصح عندنا خبر عيسى، ولا خبر محمد، ولا يجوز أن نقر لهما بما لا يصح... ).

وفنّد الإمامعليه‌السلام كلام اليهودي قائلاً: ( فالشاهد الذي يشهد لعيسى ومحمد شاهد زور؟... ).

وأخرس رأس الجالوت، ووجم، وهو كظيم، وراح يفتش في حقيقة مغالطاته


شبهة يتمسك بها فلم يجد، وسيلة يتمسّك بها لدعم أباطيله.

مناظرته مع الهربذ الأكبر:

وبعدما فشلت رؤساء المذاهب والأديان في امتحان الإمام، وبان عليها العجز، ولم يبق إلاّ الهربذ الأكبر المرجع الأعلى للمجوس، فالتفت إليه الإمامعليه‌السلام فقال له: ( اخبرني عن زردشت الذي تزعم أنّه نبي، ما حجّتك على نبوّته؟... ).

فقال الهربذ: ( إنّه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله، ولم نشهده ولكنّ الأخبار من أسلافنا وردت علينا بأنّه أحلّ بنا ما لم يحلّه لنا غيره، فاتبعناه... ).

وانبرى الإمام فقال له: ( أفليس إنّما أتتكم الأخبار فاتبعتموه؟... ).

( بلى... ).

وراح الإمام يقيم عليه الحجّة التي لا مجال لإنكارها قائلاً: ( فكذلك سائر الأمم السالفة اتتهم الأخبار بما أتى به النبيون وأتى به موسى وعيسى ومحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فما عذركم في ترك الإقرار بهم، إذ كنتم إنّما أقررتم بزردشت من قبل الأخبار الواردة بأنه جاء بما لم يجئ به غيره... ).

واستولت عليه الحيرة والذهول وحار في الجواب، فانقطع عن الكلام، والتفت سليل النبوة إلى مَن حضر من رؤساء الأديان، فقال لهم: ( يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام، وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم )(1) .

مناظرته مع الإمام في طليعة هذا البحث:

لقد أفحمت هذه المناظرات القوى المعادية للإسلام، وأثبتت بوضوح مدى الطاقات الهائلة من العلوم التي منحها الله للإمام، والتي دلّلت على صحة ما تذهب إليه الشيعة من أنّ أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام قد منحهم الله ثروات علمية، وأنّهم أعلم هذه الأمّة لا في المجالات التشريعية، وإنّما في جميع أنحاء العلوم. وقد عجّت أندية خراسان بهذه المناظرات التي تغلّب الإمام فيها على مَن

____________________

(1) الاحتجاج 2 / 199 - 212 عيون أخبار الرضا 2 / 154 - 168.


ناظرهم، وفي نفس الوقت ألهبت مشاعر المأمون وعواطفه بالحقد والعداء للإمامعليه‌السلام ، فقد باء بالفشل لما كان يرومه من تعجيز الإمام؛ ليتخذ من ذلك وسيلة للتشهير به، وعزله عن ولاية العهد، وأخذ يسعى جاهداً للتخلّص من الإمام فرأى أن لا وسيلة له إلاّ باغتياله، ودسّ السمّ إليه؛ وسنوضح ذلك بمزيد من التفصيل في البحوث الآتية.

مناظرته مع زنديق:

وخفّ زنديق متمرّس في الزندقة والإلحاد إلى الإمام الرضاعليه‌السلام وكان في مجلسه جماعة، والتفت الإمام إليه قائلاً: ( أرأيت إن كان القول قولكم - من إنكار الله تعالى - وليس هو كما تقولون: ألسنا وإيّاكم شرعاً سواء، ولا يضرنا ما صلّينا، وصمنا وزكينا، وأقررنا؟... ).

فسكت الزنديق، أمام هذه الحجّة الدامغة، فإنّه لو كان الأمر كما يذهب إليه الزنادقة من إنكار الله تعالى، فما الذي يضر الموحّدين من صلاتهم وصومهم، وأضاف الإمام بعد ذلك قائلاً: ( وإن لم يكن القول قولكم، وهو كما نقول: ألستم قد هلكتم، ونجونا... ).

وأراد الإمام أنّه إذا انكشف الأمر لهم من وجود الخالق العظيم المدبر لهذه الأكوان، فقد هلك الملحدون، وباؤوا بالخزي والعذاب الأليم، وفاز المؤمنون والمتقون.

وقدم الزنديق إلى الإمامعليه‌السلام الأسئلة التالية:

س 1 - رحمك الله، أوجدني كيف هو - يعني الله - وأين هو؟... ).

ج 1 - ( إنّ الذي ذهبت إليه غلط، وهو أين الأين، وكان، ولا أين، وهو كيف الكيف، وكان، ولا كيف ولا يعرف بكيفوفته، ولا بأينونته، ولا يدرك بحاسة، ولا يقاس بشيء... ).

إنّ الله تعالى نور السماوات والأرض، ويستحيل ان يتصف بالأين والكيف وغيرهما من صفات الممكن الذي مثاله إلى العدم، فهو سبحانه لا يدرك بحاسة، ولا يقاس بشيء.

س 2 - ( إذن إنّه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس ).

ج 2 - ( ويلك لمّا عجزت حواسك عن إدراكه، أنكرت ربوبيته، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنّا أنّه ربّنا، وأنّه شيء بخلاف الأشياء... ).


إنّ إدراك الحواس محدود كمّاً وكيفاً، كما أنّها لا تدرك الأشياء الكثيرة من الممكنات، فهي لا تدرك - مثلاً - حقيقة الروح، فكيف تدرك واجب الوجود تعالى وتقدّس؟

س 3 - ( أخبرني متى كان؟... ).

ج 3 - ( أخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان؟... ).

لقد سخر الإمامعليه‌السلام من سؤاله، فالله تعالى حقيقة مشرقة يبصره كل أحد بآثاره، وعظيم صنعه، وبدائع مخلوقاته ففي كل مرحلة من الوجود، هو موجود، ويستحيل إن يقال إنّه متى كان.

س 4 - ( ما الدليل عليه؟... ).

ج 4 - ( إنّي لمّا نظرت إلى جسدي، فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض، والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه، علمت أنّ لهذا البنيان بانياً، فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب، وتصريف الرياح، ومجرى الشمس والقمر، والنجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات علمت أنّ لهذا مقدّراً ومنشئاً... ).

إنّ كل ذرّة في هذا الكون تدلل على وجود الخالق العظيم المكون لها. إنّ الإنسان إذا نظر إلى نفسه، والى ما فيه من الأجهزة والخلايا العجيبة، فإنه يؤمن بالله تعالى، وفي الحديث من عرف نفسه فقد عرف ربّه، لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، فلا يمكن الزيادة أو النقصان في أعضائه ومن المعلوم أنّ خلق الإنسان بهذه الدقة المذهلة يدل على وجود الله، فان الأثر يدل على المؤثر والمعلول يدل على وجود علته - كما يقول المنطقيون -.

ومن آيات الله تعالى دوران الفلك، وإنشاء السحاب، وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر، قال تعالى:( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) فسبحان الله ما أكثر آياته التي تدلّل عليه.

س 5 - ( لم لا تدركه حاسة البصر؟... ).

ج 5 - ( للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسّة الإبصار، منهم ومن غيرهم، ثم هو أجل من أن يدركه بصر، أو يحيط به وهم، أو يضبطه عقل... ).

إنّ حاسّة البصر وغيرها من حواس الإنسان محدودة فكيف تدرك الخالق


العظيم، أو تبصره، وتنظر إليه إنّما تدرك وتبصر بعض الممكنات.

س 6 - ( حدّه - أي الله تعالى - لي؟... ).

ج 6 - ( لا حدّ... ). إنّ الحد أنّما هو للمكنات، وأمّا واجب الوجود فإنّه يستحيل عليه الحد.

س 7 - ( لم - أي لماذا لا يُحد -؟... ).

ج 7 - لأنّ كل متناه محدود متناه، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان فهو غير محدود، ولا متزايد، ولا متناقص ولا متجزي، ولا متوهم... ).

لقد أقام الإمامعليه‌السلام البرهان على استحالة تحديد الواجب العظيم، فإنّ التحديد - كما ذكرنا - إنّما هو من شؤون الممكنات.

س 8 - أخبرني عن قولكم: إنّه لطيف، وسميع، وبصير، وعليم، وحكيم أيكون السميع لا بالأذن، والبصير لا بالعين، واللطيف لا بعمل اليدين، والحكيم لا بالصنعة؟

ج 8 - إنّ اللطيف منّا - أي من المخلوقات - على حد إيجاد الصنعة، أو ما رأيت أنّ الرجل اتخذ شيئاً فيلطف في اتخاذه؟

فيقال: ما ألطف فلاناً، فكيف لا يقال للخالق الجليل ( لطيف ) إذ خلق خلقاً لطيفاً وجليلاً، وركب في الحيوان منه أرواحها وخلق كل جنس مبايناً من جنسه في الصورة، ولا يشبه بعضه بعضاً، فكل به لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته. ثم نظرنا إلى الأشجار، وحملها أطايبها المأكولة منها وغير المأكولة، فقلنا عند ذلك: إنّ خالقنا لطيف لا كلطف خلقه، وقلنا: إنّه سميع لأنّه لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى من الذرّة إلى ما هو أكبر منها في برّها وبحرها، ولا يشتبه عليه لغاتها فقلنا: إنّه سميع لا بأذن، وقلنا: إنّه بصير لا ببصر؛ لأنّه يرى أثر الذرّة السحماء(1) في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها ومفاسدها، وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك: إنّه بصير لا كبصر خلقه(2) .

____________________

(1) السحماء: السوداء.

(2) هناك زيادة على هذه الرواية جاءت في الاحتجاج ولا يخالجنا شك في أنّها منحولة وليست من كلام الإمام؛ وذلك لعدم الدقّة في التعبير وإعراض الشيخ الصدوق عنها.


مناظرته مع علي بن محمد بن الجهم:

ومن مناظرات الإمام مع أهل المقالات والأديان هذه المناظرة التي جرت بينه وبين علي بن محمد بن الجهم، فقد سأل الإمامعليه‌السلام قائلاً: ( يا بن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟.. ).

( نعم )

وأخذ يشكل على الإمام بهذه الآيات قائلاً:

( ما تقول(1) : في قول الله عزّ وجل:( وعصى آدم ربّه فغوى ) (2)

وقوله عزّ وجل:( وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه ) (3)

وفي قوله عزّ وجل في يوسف:( ولقد همّت به وهمّ بها ) (4)، وفي قوله عزّ وجل في داود:( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاه ) (5) وقوله تعالى في نبيّه محمد (صلى الله عليه وآله):( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ) (6) .

وزجره الإمام من التمسّك بظواهر هذه الآيات، وهو لا يعلم تفسيرها وتأويلها، وأخذ يتلو عليه تفسيرها قائلاً: ( ويحك يا علي، اتق الله، ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تتأوّل كتاب الله برأيك، فإنّ الله عزّ وجل قد قال:( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (7) .

وأخذ الإمام في تفسير هذه الآيات قائلاً: ( أمّا قوله عزّ وجل في آدم:( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) فإنّ الله عزّ وجل خلق آدم حجّة في أرضه، وخليفة في بلاده، لم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض، وعصمته تجب أن تكون في الأرض ليتم مقادير أمر الله فلمّا أهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عزّ وجل:( إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) (8) .

____________________

(1) في رواية (فما تعمل).

(2) سورة طه / آية 121.

(3) سورة الأنبياء / آية 87.

(4) سورة يوسف / آية 24.

(5) سورة ص / آية 24.

(6) سورة الأحزاب / آية 37.

(7) سورة آل عمران / آية 7.

(8) سورة آل عمران / آية 3.


وأمّا قوله عزّ وجل:( وذا النون إذ ذهب مغاضباً وظنّ أن لن نقدر عليه ) إنّما ظن بمعنى استيقن أنّ الله لن يضيق عليه رزقه، ألا تسمع قول الله عزّ وجل:( وأمّا إذا ما ابتلاه ربّه فقدر عليه رزقه ) (1) أي ضيّق عليه رزقه ولو ظن أنّ الله لا يقدر عليه فقد كفر. وأمّا قوله عزّ وجل في يوسف:( ولقد همّت به وهمّ بها ) فإنّها همّت بالمعصية، وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما تداخله، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة، وهو قوله عزّ وجل:( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ) يعنى القتل والزنا. والتفت الإمام إلى علي بن الجهم فقال له: ( فما يقول من قبلكم فيه؟... ).

وأخذ علي بن الجهم يتلو على الإمام ما أثر عنهم في تفسير الآية قائلاً: ( يقولون: إنّ داودعليه‌السلام كان في محرابه يصلّي، فتصوّر له إبليس على صورة طير، أحسن ما يكون من الطيور، فقطع داود صلاته، وقام ليأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار، ثم خرج الطير إلى السطح، فصعد في طلبه، فسقط الطير في دار أوريا بن حنان، فاطلع داود في أثر الطير، فإذا بامرأة أوريا تغتسل، فلما نظر إليها هواها، وكان قد خرج أوريا في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا إلى التابوت، فقدم، فظفر أوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت، فقدم فقتل أوريا، فتزوج داود بامرأته... ).

وفي هذه الرواية نسبة الفحشاء والمنكر إلى نبي من أنبياء الله تعالى، مضافاً إلى ما احتوته من الخرافة، من ملاحقة داود إلى الطير، وقد تأثر الإمامعليه‌السلام منها، وقال: ( إنّا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته، حتى خرج في أثر الطير، ثم بالفاحشة، ثم بالقتل... ).

وانبرى ابن الجهم يطلب من الإمام إيضاح الأمر منه قائلاً: ( يا بن رسول الله، فما كانت خطيئته؟... ).

وأجابه الإمام بما هو الواقع من قصة داود قائلاً: ( إنّ داود ظنّ أن ما خلق الله عزّ وجل خلقاً هو أعلم منه، فبعث الله، عزّ

____________________

(1) سورة الفجر / آية 16.


وجل، إليه ملكين، فتسوّر المحراب، فقالا: (خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط. إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة، فقال: اكفلنيها وعزني في الخطاب ) فعجل داود على المدعى عليه، فقال: ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) ولم يسأل المدّعي البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم، لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع الله عزّ وجل يقول:( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهوى ) . وطلب ابن الجهم من الإمام أن يوضح له قصة داود مع أوريا قائلاً: ( يا بن رسول الله فما قصّته مع أوريا؟... ).

وأخذ الإمامعليه‌السلام يشرح له قصته قائلاً: ( إنّ المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها لا تتزوج بعده أبداً، وأول مَن أباح الله له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها كان داودعليه‌السلام فتزوج بامرأة أوريا لمّا قتل، وانقضت عدتها، فذلك الذي شق على الناس من قتل أوريا.

وأمّا محمد (صلى الله عليه وآله) وقول الله عزّ وجل:( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) فإنّ الله عزّ وجل عرّف نبيه أسماء أزواجه في دار الدنيا، وأسماء أزواجه في دار الآخرة، وأنهنّ أمّهات المؤمنين، وإحداهن مَن سمّي له زينب بنت جحش، وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة فأخفى اسمها في نفسه ولم يبده لكيلا يقول أحد المنافقين: إنّه قال في امرأة في بيت رجل إنّها إحدى أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين، فقال الله عزّ وجل: ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) يعني في نفسك، وأنّ الله عزّ وجل ما تولّى تزويج أحد من خلقه إلاّ تزويج حوا من آدم وزينب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله:( فلمّا قضى زيد منها وطراً زوّجناكها ) (1) وفاطمة من عليعليه‌السلام ... ).

ولمّا سمع ذلك علي بن الجهم بكى، وقال: يا بن رسول الله أنا تائب إلى الله عزّ وجل من أن أنطق في أنبياء الله بعد يومي هذا إلاّ بما ذكرته )(2) .

____________________

(1) سورة الأحزاب / آية 37.

(2) عيون أخبار الرضا 1 / 192 - 195.


هذه بعض مناظراته مع كبار الفلاسفة والعلماء من مختلف الأديان، وقد أثبتت تفوقه عليهم، وإقرارهم له بالفضل، واعترافهم بالعجز عن مجاراته، فقد كان سلام الله عليه يملك طاقات هائلة من العلوم لا تحد.

مسائل المأمون وجواب الإمام:

وعرض المأمون على الإمام الرضاعليه‌السلام كوكبة من المسائل وأكبر الظن أنّه أراد امتحانه بها فأجابه الإمام عنها، وفيما يلي ذلك:

س 1 - ( يا بن رسول الله أليس قولك إنّ الأنبياء معصومون؟... ).

( بلى... ).

ما معنى قول الله عزّ وجل: ( فعصى آدم ربّه فغوى؟... ).

ج 1 - ( إنّ الله تبارك وتعالى قال لآدم:( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) وأشار لهما إلى شجرة الحنطة( فتكونا من الظالمين ) ولم يقل لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة، ولا ممّا كان من جنسها، فلم يقربا تلك الشجرة ولم يأكلا منها، وإنّما أكلا من غيرها، ولمّا أن وسوس الشيطان لهما، وقال:( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ) وإنّما ينهاكما أن تقربا غيرها، ولم ينهكما عن الأكل منها( إِلاّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) ولم يكن آدم وحوا شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً، ( فدلاهما بغروره ) فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوة، ولم يكن ذلك بذنب كبير أستحق به دخول النار، وإنّما كان من الصغائر الموهوبة التي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم، فلمّا اجتباه الله تعالى وجعله نبياً كان معصوماً، لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عزّ وجل:( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) (1) وقال عزّ وجل( إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) (2) .

س 2 - ما معنى قول الله عزّ وجل:( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فيما آتاهما ) (3) .

ج 2 - ( إنّ حواء ولدت لآدم خمس مائة بطن ذكراً وأنثى وأنّ آدم وحواء عاهدا

____________________

(1) سورة طه / آية 121 - 122.

(2) سورة آل عمران / آية 34.

(3) سورة الأعراف آية 19.


الله عزّ وجل ودعواه وقالا:( لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً ) من النسل خلقاً سوياً، بريئاً من الزمانة(1) والعاهة، وكان ما آتاهما صنفين: صنفاً ذكراناً، وصنفاً إناثاً، فجعل الصنفين لله تعالى ذكره، شركاء فيما آتاهما، ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزّ وجل، قال الله تبارك وتعالى:( فتعالى الله عمّا يشركون ) (2) .

س 3 - ( أشهد أنّك ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أخبرني عن قول الله عزّ وجل في حق إبراهيم:( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي ) (3) ... ).

ج 3 - إنّ إبراهيمعليه‌السلام وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس، وذلك حين خرج من السرب(4) الذي خفي فيه، فلمّا جن عليه الليل، فرأى الزهرة، قال: هذا ربي، على الإنكار والاستخبار ( فلمّا أفل ) الكواكب، ( قال: لا أحب الآفلين ) لأنّ الأفول من صفات المحدث لا من صفات القدم، ( فلمّا رأى القمر بازغاً قال: هذا ربي ) على الإنكار والاستخبار ( فلمّا أفل قال: لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين )، يقول: لو لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين، فلمّا أصبح ورأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر، من الزهرة والقمر على الإنكار والاستخبار لا على الإخبار والإقرار، فلمّا أفلت قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس( يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وإنّما أراد إبراهيم بما قال: أن يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أنّ العبادة لا لـمَن كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنّما تحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكل ما احتج به على قومه ممّا ألهمه الله تعالى وآتاه، كما قال عزّ وجل:( وتلك حجّتنا آتيناها على قومه )

س 4 - ( لله درّك يا بن رسول الله اخبرني عن قول إبراهيم:

____________________

(1) الزمانة: المرض.

(2) سورة الأعراف / آية 190.

(3) سورة الأنعام / آية 76.

(4) السرب: الكهف، والبيت تحت الأرض.


( ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي )(1) .

ج 4 - إنّ الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى إبراهيمعليه‌السلام إني متخذ من عبادي خليلاً، إن سألني إحياء الموتى أجبته، فوقع في نفس إبراهيم انه ذلك الخليل، فقال: ربّ أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي ) - على الخلّة - قال: ( فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أنّ الله عزيز حكيم ) فأخذ إبراهيم نسراً وطاووساً وبطاً وديكاً فقطعهن وخلطهن ثم جعل على كل جبل من الجبال التي حوله، وكانت عشرة منهن جزء وجعل مناقيرهن بين أصابعه، ثم دعاهن بأسمائهن ووضع عنده حبا وماء فتطايرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض حتى استوت الأبدان، وجاء كل بدن حتى انضم إلى رقبته ورأسه فخلى إبراهيمعليه‌السلام عن مناقيرهن فطرن، ثم وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحب وقلن: يا نبي الله أحييتنا أحياك الله، فقال إبراهيم: بل الله يحيى ويميت وهو على كل شيءٍ قدير.

س 5 - بارك الله فيك يا أبا الحسن، اخبرني عن قول الله عزّ وجل:( فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ) (2) .

ج 5 - إنّ موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها، وذلك بين المغرب والعشاء( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) . فقضى موسى على العدو، وبحكم الله تعالى ذكر،( فوكزه ) فمات( قال هذا من عمل الشيطان ) يعني الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى من قتله إنّه يعني الشيطان( عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ) .

س 6 - ما معنى قول موسى:( ربّ إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي ) .

ج 6 - يعني: إنّي وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة،( فاغفر لي ) أي استرني من أعدائك لئلاّ يظفروا بي فيقتلوني،( فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) قال موسى:( ربّ بما أنعمت عليّ ) من القوّة حتى قتلت رجلاً بوكزة( فلن أكون

____________________

(1) سورة البقرة / آية 26.

(2) سورة القصص / آية 15.


ظهيراً للمجرمين ) بل أجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى ( فأصبح ) موسى في المدينة ( خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ) على آخر( قال له موسى إنّك لغوي مبين ) قاتلت رجلاً بالأمس، وتقاتل هذا اليوم لأوذينك وأراد أن يبطش به ( فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما )( قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) .

س 7 - جزاك الله عن أنبيائه خيرا يا أبا الحسن، ما معنى قول موسى لفرعون:( فعلتها إذاً وأنا من الضآلين ) (1) .

ج 7 - إنّ فرعون قال لموسى لما أتاه:( وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ) بي، قال موسى: ( فعلتها إذا وأنا من الضالين عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي رب حكماً وجعلني من المرسلين ).

وقد قال الله عزّ وجل لنبيه محمد (ص):( ألم يجدك يتيماً فآوى ) (2) يقول: ألم يجدك وحيداً فآوى إليك الناس( ووجدك ضالاً ) يعني عند قومك ( فهدى ) أي هداهم إلى معرفتك( ووجدك عائلاً فأغنى ) يقول: أغناك بأن جعل دعاءك مستجاباً.

س 8 - بارك الله فيك يا بن رسول الله، ما معنى قول الله عزّ وجل:( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ) كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمرانعليه‌السلام لا يعلم أن الله تبارك وتعالى ذكره، لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟.

ج 8 - إنّ كليم الله موسى بن عمران علم أنّ الله تعالى أعز(3) أن يرى بالأبصار، ولكنّه لمّا كلّمه الله عزّ وجل وقرّبه نجيّاً رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله عزّ وجل كلّمه وقرّبه وناجاه فقالوا:( لن نؤمن لك ) حتى نستمع كلامه كما سمعت وكان القوم سبعمائة ألف رجل فاختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّهم فخرج بهم

____________________

(1) سورة الشعراء / آية 20.

(2) سورة الضحى / آية 6.

(3) في نسخة: إنّ الله تعالى منزّه أن يرى بالأبصار.


إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى إلى الطور، وسأل الله تعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه فكلمه الله تعالى ذكره، وسمعوا كلامه، من فوق وأسفل، ويمين، وشمال، ووراء وأمام، لان الله عزّ وجل أحدثه في الشجرة، وجعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا:( لن نؤمن لك ) بأن هذا الذي سمعناه كلام:( حتى نرى الله جهرة ) فلما قالوا: هذا القول العظيم، واستكبروا وعتوا بعث الله عزّ وجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم، فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم، لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله عزّ وجل إياك، فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته، فقال موسى: ( يا قوم إنّ الله لا يرى بالأبصار، ولا كيفية له، وإنّما يعرف بآياته، ويعلم بإعلامه )، فقالوا:( لن نؤمن لك ) حتى تسأله فقال موسى: يا رب إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جل جلاله يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى:( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ) - وهو يهوي -( فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) بآية من آياته( جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ) يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي ( وأنا أول المؤمنين منهم بأنّك لا ترى ).

وطفق المأمون يبدي إعجابه بمواهب الإمام، وسعة معارفه، وعلومه قائلاً: ( لله درك يا أبا الحسن ).

س 9 - اخبرني عن قول الله عزّ وجل:( ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه ) (1) .

ج 9 - لقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت به لكنه كان معصوما، والمعصوم لا يهم بذنب، ولا يأتيه، ولقد حدثني أبي عن أبيه الصادق أنه قال: همت بأن تفعل، وهم بأن لا يفعل.

س 10 - لله درك يا أبا الحسن!! اخبرني عن قول الله عزّ وجل( وذا النون إذ

____________________

(1) سورة يوسف / آية 24.


ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه ) (1) .

ج 10 - ذلك يونس بن متى ذهب مغاضباً لقومه فظن بمعنى استيقن ( أن لن نقدر عليه رزقه ) أين لن نضيّق عليه رزقه، ومنه قوله عزّ وجل( وأمّا إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) (2) أو ضيق وقد ( فنادى في الظلمات ) أي ظلمة البحر، ظلمة بطن الحوت( أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت، فاستجاب الله له، وقال عزّ وجل:( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (3) .

ج 11 - لله درّك يا أبا الحسن! اخبرني عن قول الله عزّ وجل:( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ) (4) .

ج 11 - يقول الله عزّ وجل: ( حتى إذا استيأس الرسل ) من قومهم، وظن قومهم أنّ الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا.

س 12 - لله درّك يا أبا الحسن!! اخبرني عن قول الله عزّ وجل:( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) (5) ؟

ج 12 - لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول الله (ص) لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاث مائة وستين صنماً فلمّا جاءهم (صلى الله عليه وآله) بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم، وعظم، وقالوا:( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاقٌ ) (6).

فلمّا فتح الله عزّ وجل على نبيه مكة قال له: يا محمد:( إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) . عند مشركي أهل مكة بدعائك

____________________

(1) سورة الأنبياء / آية 87.

(2) سورة الفجر / آية 16.

(3) سورة الصافات / آية 143 - 144.

(4) سورة يوسف / آية 110.

(5) سورة الفتح / آية 2.

(6) سورة ص / آية 5 - 7.


إلى توحيد الله فيما تقدم، وما تأخّر لأنّ مشركي مكة أسلم بعضهم، وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد، عليه، إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عند ذلك مغفورا بظهوره عليهم... ).

س 13 - لله درك يا أبا الحسن!! اخبرني عن قول الله عزّ وجل:( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) (1) .

ج 13 - هذا ممّا نزل، بإياك أعني واسمعي يا جارة - خاطب الله عزّ وجل بذلك نبيه، وأراد به أمّته، وكذلك قوله تعالى:( لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) (2) وقوله عزّ وجل:( لولا أن ثبتناك لقد كنت تركن إليهم شيئاً قليلاً ) (3) .

س 14 - إنّ رسول الله (ص) قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمر أراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الذي خلقك وإنّما أراد بذلك تنزيه الباري عزّ وجل عن قول: من زعم أنّ الملائكة بنات الله فقال الله عزّ وجل:( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ) (4) فلمّا عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله (ص) وقوله لها: سبحان الذي خلقك فلم يعلم زيد ما أراد بذلك وظن أنّه قال ذلك لما أعجبته من حسنها فجاء إلى النبي (ص) وقال له: يا رسول الله إن امرأتي في خلقها وإنّي أريد طلاقها فقال له النبي: أمسك عليك زوجك واتق الله وقد كان الله عرفه عدد أزواجه وان تلك المرأة منهن فأخفى ذلك في نفسه، ولم يبده لزيد، وخشي الناس أن يقولوا: إنّ محمّداً يقول لمولاه:

____________________

(1) سورة التوبة / آية 43.

(2) سورة الزمر / آية 65.

(3) سورة الإسراء / آية 74.

(5) سورة الإسراء / آية 40.


 إنّ امرأتك ستكون لي زوجة، يعيبونه بذلك، فأنزل الله عزّ وجل:( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ - يعني بالإسلام -وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ - يعني بالعتق -أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) ثم إنّ زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه، فزوجها الله عزّ وجل من نبيه محمد (ص) وأنزل بذلك قرآنا، فقال عزّ وجل:( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ) .

ثم علم الله عزّ وجل ان المنافقين سيعيبونه بتزويجها، فأنزل الله تعالى( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ) (1) .

وانتهت بذلك هذه المناظرة التي دللت على مدى ثروات الإمام العلمية، وإحاطته الشاملة بكتاب الله العظيم فقد نزه الإمام أنبياء الله العظام عن اقتراف المعصية وأثبت لهم العصمة بهذا المدعم بالأدلة والبراهين الحاسمة.

إشادة المأمون بمواهب الإمام:

وأشاد المأمون بمواهب الإمام، وراح يقول:

شفيت صدري يا بن رسول الله، وأوضحت ما كان ملتبساً علي، فجزاك الله عن أنبيائه، وعن الإسلام خيراً. وانصرف المأمون عن المجلس، وأخذ بيد عم الإمام محمد بن جعفر فقال له: ( كيف رأيت ابن أخيك؟ ).

وانبرى محمد يبدي إعجابه البالغ بالإمام قائلاً: ( إنّه عالم، ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم!! ).

وأوقفه المأمون على حقيقة الأمر قائلاً: ( إنّ ابن أخيك من أهل بيت النبي (ص) الذين قال لهم النبي: ( إلاّ أنّ أبرار عترتي، وأطائب أرومتي، أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً، فلا تعلموهم، فإنّهم أعلم منكم، لا يخرجونكم عن هدى، ولا يدخلونكم في باب ضلالة ).

ونقل علي بن الجهم ثناء المأمون وإطرائه على الإمام، وما قاله فيه محمد بن

____________________

(1) سورة الأحزاب / آية 38.


جعفر فتبسّم الإمام وقال: ( لا يغرنّك ما سمعته منه، فإنّه سيغتالني، والله تعالى ينتقم لي منه )(1) .

وتحقق تنبؤ الإمامعليه‌السلام فقد أترعت نفس المأمون بالكراهية والحسد للإمام على ما وهبه الله من الفضل والعلم، فقدم على اقتراف أفظع جريمة في الإسلام، فدسّ السم له، واغتاله وبذلك فقد قضى على سليل النبوّة، ومعدن العلم والحكمة في الأرض.

مسائل ابن السكيت:

ووفد أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي المعروف بـ ( ابن السكيت )، وهو من أجلاّء علماء عصره على الإمام الرضاعليه‌السلام ، وقدم له السؤال التالي: ( لماذا بعث الله موسى بن عمران باليد البيضاء، وبعث عيسى بآية الطب، وبعث محمداً بالكلام والخطب؟ ).

فأجابه الإمام بحكمة ذلك قائلاً: إنّ الله لمّا بعث موسى كان الغالب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسع القوم مثله، وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث عيسى في وقت قد ظهرت فيه الزمانات، واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام(2) ، فأتاهم من عند الله من مواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجّة عليهم.

وبهر ابن السكيت بعلم الإمام وراح يقول: ( والله ما رأيت مثلك قط، فما الحجة على الخلق اليوم؟ )

فأجابه الإمام: ( العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه ).

وطفق ابن السكيت قائلاً:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا / 195 - 204.

(2) قال الراوي لهذا الحديث: وأظنّه كان الشعر.


( هذا هو والله الجواب )(1) .

لقد خلق الله العقل فجعله الحجة على الإنسان فإذا ما أطاعه جلب الرحمة له، وإذا عصاه جلب الشقاء له، وبه يعرف الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، فهو الحجة من الله على عباده.

احتجاجه على رجل:

ودخل عليه رجل لم يذكر المؤرخون اسمه، فلمّا استقر به المجلس التفت إلى الإمامعليه‌السلام فقال له: ( يا بن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم؟ ) فأجابه الإمام بالدليل الحاسم: ( إنّك لم تكن، ثم كنت وقد علمت أنك لم تكون نفسك ولا كونك من هو مثلك )(2) .

احتجاجه على اصطفاء العترة:

ومن بين احتجاجات الإمام الرضاعليه‌السلام هذا الاحتجاج الذي دلل فيه على اصطفاء العترة الطاهرة، وأقام على ذلك أوثق الأدلة، وكان ذلك بحضور المأمون وجماعة من علماء العراق وخراسان فقد سأل المأمون العلماء عن معنى هذه الآية:( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) (3) .

وبادر العلماء فقالوا: إنّ الذين اصطفاهم الله هم المسلمون كلهم، والتفت المأمون إلى الإمام فقال له: ما تقول: يا أبا الحسن؟.

( لا أقول: كما قالوا: ولكن أقول: أراد الله تبارك وتعالى العترة الطاهرةعليهم‌السلام ).

وسارع المأمون، وقد استفزّه قول الإمام، فقال: ( كيف عنى العترة دون الأمة؟ ).

____________________

(1) الاحتجاج 2 / 224 - 225.

(2) الاحتجاج (2 / 170 - 171).

(3) سورة فاطر / آية 32.


وانبرى الإمام فأقام الدليل القاطع على ما ذهب إليه قائلاً: ( لو أراد الأمة لكانت بأجمعها في الجنة، والله تعالى يقول:( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (1) .

وأضاف الإمام يقول: فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم... هم الذين وصفهم الله في كتابه، فقال:( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) وهم الذين قال رسول الله (ص): ( إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا على الحوض، انظروا كيف تخلفوني فيهما، أيها الناس لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم )(2) .

وسارع العلماء قائلين بصوت واحد: ( أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل، أو غير الآل؟ ).

فقالعليه‌السلام : ( هم الآل... ). واعترضوا على الإمام قائلين: ( هذا رسول الله (ص) يؤثر عنه أنّه قال: أمّتي آلي، وهؤلاء أصحابه يقولون: بالخبر المستفيض الذي لا يمكن دفعه آل محمد أمته... ).

وأخذ الإمام يرد على افتعال الحديث وعدم صحته قائلاً: ( أخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد... ).

( نعم... ).

( هل تحرم - أي الصدقة - على الأمة؟ ).

( لا... ).

وسارع الإمام بعد إقامة الحجة عليهم قائلاً: ( هذا فرق بين الآل، وبين الأمة، ويحكم أين يذهب بكم!! ( أصرفتم عن الذكر صفحا، أم أنتم قوم مسرفون )؟ أما علمتم إنّما وقعت الرواية في الظاهر على المصطفين المهتدين دون سائرهم ).

____________________

(1) سورة فاطر / آية 29.

(2) حديث الثقلين: متواتر، قطعي الصدور روته الصحاح والسنن.


وقالوا جميعاً: ( من أين قلت: يا أبا الحسن؟... ).

وأخذ الإمام يتلو عليهم فضل العترة الطاهرة قائلاً: ( من قول الله:( لقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ) (1)، فصارت وراثة النبوّة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أنّ نوحاً سأل ربّه فقال:( رب إنّ ابني من أهلي وان وعدك الحق ) (2)؛ وذلك أنّ الله وعده أن ينجيه وأهله، فقال له تبارك وتعالى:( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) (3)

وتميز المأمون غضباً وغيظا قائلاً: ( هل فضل الله العترة على سائر الناس؟... ).

وبادر الإمام قائلاً: ( إنّ الله العزيز الجبّار فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه... ).

وراح المأمون يقول: ( أين ذلك من كتاب الله ).

وانبرى الإمام يتلو عليه كوكبة من الآيات الكريمة التي أشادت بفضل أهل البيتعليهم‌السلام قائلاً:( إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرّيّة بعضها من بعض ) (4) .

وقال الله في موضع آخر:( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ) (5) .

ثم رد المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المسلمين فقال:( يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (6) يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة،

____________________

(1) سورة الحديد / آية 26.

(2) سورة هود / آية 40.

(3) سورة هود / آية 46.

(4) سورة آل عمران / آية 32.

(5) سورة النساء / آية 57.

(6) سورة النساء / 59.


وحسدوا عليهما بقوله:( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين، والملك ها هنا الطاعة لهم... ).

وانبرى العلماء قائلين: ( هل فسّر الله تعالى الاصطفاء في الكتاب؟... ).

وأجابهم الإمام: فسّر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعاً:

فأوّل ذلك قول الله: ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) (1) - ورهطك المخلصين - هكذا في قراءة أبي بن كعب، وهي ثابتة في مصحف عبد الله بن مسعود، فلما أمر عثمان زيد بن ثابت أن يجمع القرآن خنس هذه الآية(2) وهذه منزلة رفيعة، وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآل فهذه واحدة.

والآية الثانية: في الاصطفاء قول الله:( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) وهذا الفضل الذي لا يجحده معاند لأنه فضل بين.

الآية الثالثة: حين ميز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيه في آية الابتهال فقال:( قل - يا محمد -تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) (3) فأبرز النبي (ص) عليّاً والحسن والحسين وفاطمةعليهم‌السلام فقرن أنفسهم بنفسه.

ثم التفت الإمام إلى العلماء فقال لهم: ( هل تدرون ما معنى قوله:( وأنفسنا وأنفسكم ) ؟ ).

وأجاب العلماء: ( عنى به نفسه ). فقالعليه‌السلام : ( غلطتم إنّما عنى به عليّاً(4) وممّا يدل على ذلك قول النبي (ص): حين قال:

____________________

(1) سورة الشعراء / آية 214.

(2) خنس: اي ستر.

(3) سورة آل عمران / آية 58 وليس في القرآن كلمة يا محمد، وإنّما هو توضيح منه.

(4) وبالإضافة إلى ما ذكره الإمامعليه‌السلام من الدليل فإنّه لا معنى لأن يدعو الإنسان نفسه فلا بد أن يكون المراد به عليّاًعليه‌السلام .


لينتهي؟؟ بنو وليعة(1) لأبعثن إليهم رجلاً كنفسي يعني عليّاًعليه‌السلام (2) فهذه خصوصية لا يتقدمها أحد، فضل لا يختلف فيه بشر، وشرف لا يسبقه إليه خلق، إذ جعل نفس علي كنفسه، فهذه الثالثة:

وأمّا الرابعة: فإخراجه الناس من مسجده ما خلا العترة، حين تكلّم الناس في ذلك، وتكلّم العباس فقال: يا رسول الله تركت عليّاً، وأخرجتنا، فقال رسول الله (ص): ما أنا تركته وأخرجتكم، ولكنّ الله تركه، وأخرجكم وفي هذا بيان قوله لعليعليه‌السلام : ( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ).

وقال العلماء: ( فأين هذا من القرآن؟ ).

فأجابهم الإمام: إنّ ذلك موجود في القرآن الكريم، فقالوا له: هات، فتلا عليهم قول الله تعالى:( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة ) (3) ، ففي هذه الآية منزلة هارون من موسى، وفيها أيضاً منزلة عليعليه‌السلام من رسول الله (ص) ومع هذا دليل ظاهر في قول رسول الله (ص): ( إنّ هذا المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض إلاّ لمحمد وآل محمد ).

وأنكرت العلماء معرفة ذلك، وقالوا للإمام: ( هذا الشرح، وهذا البيان لا يوجد، أعندكم معشر أهل بيت رسول الله (ص)؟ ).

فأجابهم الإمام: ( ومَن ينكر لنا ذلك؟ ورسول الله (ص) يقول: ( أنتَ مدينة العلم وعلي بابها، فمَن أراد مدينة العلم فليأتها من بابها ) ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا ينكره إلاّ معاند، ولله عزّ وجل الحمد على ذلك، فهذه الرابعة.

____________________

(1) بنو وليعة: حي من كنده.

(2) في العيون: عنى بأنفسنا عليّاً وعنى بالأبناء الحسن والحسين وعنى بالنساء فاطمةعليهم‌السلام ، وقد اتفق جمهور المفسّرين على ذلك.

(3) سورة يونس / آية 87.


وأمّا الخامسة: فقول الله عز وجل:( وآت ذا القربى حقّه ) (1) ، خصوصية خصّهم الله العزيز الجبار بها، واصطفاهم على الأمّة، فلمّا نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أدعو لي فاطمة، فدعوها له، فقال: يا فاطمة، فقالت: لبيك يا رسول الله، فقال: إن فدكا لم يوجف عليها بخيل، ولا ركاب، وهي لي خاصة دون المسلمين، وقد جعلتها لك، لما أمرني الله به، فخذيها لك ولولدك. فهذه الخامسة.

وأمّا السادسة: فقول الله عزّ وجل:( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ) (2) .

فهذه خصوصية للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دون الأنبياء، وخصوصية للآل دون غيرهم، وذلك أنّ الله حكى عن الأنبياء، في ذكر نوحعليه‌السلام : ( ويا قوم! لا أسألكم عليه مالا، إن أجرى إلا على الله، وما أنا بطارد الذين آمنوا، إنّهم ملاقو ربهم، ولكنّي أراكم قوماً تجهلون )(3) .

وحكى عن هود، قال: ( لا أسألكم عليه أجرا، إن أجري إلا على الذي فطرني، أفلا تعقلون )(4) .

وقال لنبيه:( قل لا أسألكم عليه أجرا، إلا المودة في القربى ) ، ولم يفرض الله مودّتهم، إلاّ وقد علم أنّهم لا يرتدون عن الدين أبداً، ولا يرجعون إلى ضلالة أبداً.

وأخرى: أن يكون الرجل وادّاً للرجل، فيكون بعض أهل بيته عدواً له، فلا يسلم قلب، فأحب الله أن لا يكون في قلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على المؤمنين شيء، إذ فرض عليهم مودة ذوي القربى، فمَن أخذ بها، وأحب رسول الله (ص) وأحب أهل بيتهعليهم‌السلام لم يستطع رسول الله (ص) أن يبغضه.

ومَن تركها، ولم يأخذ بها، وأبغض أهل بيت نبيه (ص)، فعلى رسول الله (ص) أن يبغضه؛ لأنّه قد ترك فريضة من فرائض الله، وأي فضيلة، وأي شرف يتقدم هذا؟

ولمّا أنزل الله على نبيّه (ص):( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى ) قام رسول الله (ص) في أصحابه، فحمد الله، وأثنى عليه وقال: ( أيها الناس إنّ الله قد فرض عليكم فرضاً، فهل أنتم مؤدوه؟ فلم يجبه أحد فقام فيهم

____________________

(1) سورة الإسراء / آية 28.

(2) سورة الشورى / آية 22.

(3) سورة هود / آية 31.

(4) سورة هود / آية 53.


يوماً ثانياً، فقال مثل ذلك، فلم يجبه أحد فقام فيهم اليوم الثالث، فقال: ( أيّها الناس! إنّ الله قد فرض عليكم فرضاً، فهل أنتم مؤدّوه؟ فلم يجبه أحد. فقال: ( أيّها الناس إنّه ليس ذهباً ولا فضة، ولا مأكولاً ولا مشروباً، قالوا: فهات إذاً؛ فتلا عليهم هذه الآية فقالوا: أمّا هذا فنعم، فما وفى به أكثرهم.

وأضاف الإمام قائلاً: حدثني أبي عن جدّي عن آبائه عن الحسين بن عليعليهم‌السلام قال: اجتمع المهاجرون والأنصار إلى رسول الله (ص) قالوا: إنّ لك يا رسول الله مؤونة في نفقتك، وفيمَن يأتيك من الوفود، وهذه أموالنا مع دمائنا فاحكم فيها بارّاً مأجورا، اعط ما شئت، وامسك ما شئت من غير حرج، فأنزل الله عزّ وجل عليه الروح الأمين، فقال: يا محمد( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى ) لا تؤذوا قرابتي من بعدي، فخرجوا فقال أناس منهم: ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلاّ ليحثنا على قرابته من بعده، إن هو إلاّ شيء افتراه في مجلسه، وكان ذلك من قولهم عظيماً، فأنزل الله هذه الآية( أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيداً بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ) (1) فبعث إليهم النبي (ص) فقال: هل من حدث؟ فقالوا: أي والله يا رسول الله، لقد تكلّم بعضنا كلاماً عظيماً فكرهناه، فتلا عليهم رسول الله (ص) فبكوا واشتد بكاؤهم فأنزل الله تعالى:( وهو الذي يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ) (2) . فهذه السادسة.

وأمّا السابعة: فيقول الله:( إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً ) (3) وقد علم المعاندون منهم أنّه لمّا نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك، فكيف الصلاة عليك؟

فقال: تقولون: اللّهمّ صلِّ على محمد وآل محمد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد. والتفت الإمام إلى العلماء فقال لهم: ( هل في هذا اختلاف؟ ).

فقالوا جميعاً بصوت واحد.

____________________

(1) سورة الأحقاف / آية 7.

(2) سورة الشورى / آية 24.

(3) سورة الأحزاب / آية 56.


( لا... ).

وانبرى المأمون، فقال: ( هذا ما لا اختلاف فيه، وعليه الإجماع، فهل عندك في الآل شيء أوضح من هذا في القرآن ).

وأخذ الإمام يدلي بمزيد من الأدلة الحاسمة على فضل آل البيتعليهم‌السلام قائلاً: ( أخبروني عن قول الله:( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) فمَن عنى بقوله:( يس ) ؟ ).

فقالت العلماء: ( عنى بذلك محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ما في ذلك شك ).

والتفت الإمام للحاضرين فقال لهم: ( أعطى الله محمداً وآل محمد من ذلك فضلاً لم يبلغ أحد كنه وصفه، لمن عقله؛ وذلك أنّ الله لم يسلّم على أحد إلاّ على الأنبياء صلوات الله عليهم فقال تبارك وتعالى:( سلام على نوح في العالمين ) (1)، وقال:( سلام على إبراهيم ) (2)، وقال:( سلام على موسى وهارون ) (3) ولم يقل: سلام على آل نوح، ولم يقل: سلام على آل إبراهيم، ولا قال: سلام على آل موسى وهارون، وقال عزّ وجل:( سلام على آل يس ) (4) . يعني آل محمد.

والتفت المأمون إلى الإمام فقال له: ( لقد علمت أنّ في معدن النبوّة شرح هذا وبيانه ).

وأمّا الثامنة: فقول الله عزّ وجل:( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (5) فقرن سهم ذي القربى مع سهمه وسهم رسول الله (ص) فهذا فصل بين الآل والأمّة؛ لأنّ الله جعلهم في حيّز وجعل الناس كلّهم في حيّز

____________________

(1) سورة الصافات / آية 77.

(2) سورة الصافات / آية 109.

(3) سورة الصافات / آية 120.

(4) سورة الصافات / آية 130.

(5) سورة الأنفال / آية 42.


دون ذلك، ورضي لهم ما رضي لنفسه، واصطفاهم فيه وابتدأ بنفسه، ثم ثنى برسوله، ثم بذي القربى في كل ما كان من الفيء والغنيمة، وغير ذلك ممّا رضيه عزّ وجل لنفسه، ورضيه لهم، فقال: - وقوله الحق -( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) فهذا توكيد مؤكّد وأمر دائم لهم إلى يوم القيامة في كتاب الله الناطق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) وأمّا قوله:( واليتامى والمساكين ) فإنّ اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من المغانم، ولم يكن له نصيب في المغنم، ولا يحل له أخذه، وسهم ذي القربى إلى يوم القيامة قائم، للغني والفقير؛ لأنّه لا أحد أغنى من الله، ولا من رسوله (ص) فجعل لنفسه منها سهماً، ولرسوله سهماً، فما رضي له ولرسوله رضيه لهم وكذلك الفيء ما رضيه لنفسه ولنبيّه (ص) رضيه لذي القربى، كما جاز لهم في الغنيمة فبدأ بنفسه، ثم برسوله (ص) ثم بهم وقرن سهمهم بسهم الله وسهم رسوله (ص) وكذلك في الطاعة قال عزّ وجل:( يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم ) (1) فبدأ بنفسه ثم برسوله ثم بأهل بيته وكذلك آية الولاية( إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) (2) فجعل ولايتهم مع طاعة الرسول مقرونة بطاعته، كما جعل سهمه مع سهم الرسول مقروناً بأسهمهم في هذا البيت، فلمّا جاءت قصة الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله )(3). فهل تجد في شيء من ذلك أنّه جعل لنفسه سهماً أو لرسوله (ص) أو لذي القربى لأنّه لمّا نزّههم عن الصدقة نزّه نفسه، ونزّه رسوله، ونزّه أهل بيته لا بل حرّم عليهم؛ لأنّ الصدقة محرمة على محمد وأهل بيته، وهي أوساخ الناس لا تحل لهم؛ لأنّهم طُهّروا من كل دنس ووسخ، فلمّا طهّرهم واصطفاهم رضي لهم ما رضي لنفسه، وكره لهم ما كره لنفسه.

وأمّا التاسعة: فنحن أهل الذكر الذين قال الله في محكم كتابه:( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (4) .

____________________

(1) سورة النساء / آية 64.

(2) سورة المائدة / آية 60.

(3) سورة التوبة / آية 60.

(4) سورة النحل / آية 45.


واعترض العلماء على الإمام فقالوا له: ( إنّما عنى بذلك اليهود والنصارى ).

وأبطل الإمام ما ذهبوا إليه فقال: ( وهل يجوز ذلك إذا يدعونا إلى دينهم؟ ويقولون: إنّه أفضل من دين الإسلام؟ ).

والتفت المأمون إلى الإمام يطلب منه المزيد من الإيضاح فيما قاله قائلاً: ( هل عندك في ذلك شرح يخالف ما قالوا؟ ) ونعم: الذكر رسول الله (ص) ونحن أهله، وذلك يبين في سورة الطلاق. ( فاتَّقُوا اللهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ )

فالذكر رسول الله ونحن أهله، فهذه التاسعة.

وأمّا العاشرة: فقول الله عزّ وجل في آية التحريم:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ) (1) .

وخاطب الإمام العلماء فقال لهم: ( أخبروني هل تصلح ابنتي أو ابنة ابني أو ما تناسل من صلبي لرسول الله (ص) أن يتزوجها لو كان حيّاً؟ ).

فقالوا مجمعين: ( لا... ).

وسألهم الإمام ثانيا فقال لهم: ( أخبروني هل كانت ابنة أحدكم تصلح له أن يتزوجها؟ ).

( بلى... ).

( ففي هذا بيان أنّا من آله، ولستم من آله، ولو كنتم من آله لحرمت عليه بناتكم، كما حرمت عليه بناتي؛ لأنّا من آله، وأنتم من أمّته فهذا فرق بين الآل والأمّة؛ لأنّ الآل منه، والأمّة إذا لم تكن الآل فليست منه، فهذه العاشرة.

وأمّا الحادية عشرة: فقوله في سورة المؤمن حكاية عن قول رجل:( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً يقول ربّي الله وقد جاءكم بالبينات من ربّكم ) (2) وكان ابن خال فرعون فنسبه إلى فرعون بنسبه، ولم يضيفه إليه بدينه،

____________________

(1) سورة النساء / آية 22.

(2) سورة المؤمن / آية 28.


وكذلك خصصنا نحن إذ كنا من آل رسول الله (ص) بولادتنا منه، وعممنا الناس بدينه، فهذا فرق بين الآل والأمّة، فهذه الحادية عشرة.

وأمّا الثانية عشرة فقوله: ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) (1) فخصّنا بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع أمره، ثم خصنا دون الأمّة، فكان رسول الله (ص) يجئ إلى باب علي وفاطمةعليهما‌السلام بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر في كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرات: فيقول: الصلاة يرحمكم الله، وما أكرم الله أحداً من ذراري الأنبياء بهذه الكرامة التي أكرمنا بها وخصّنا من جميع أهل بيته، فهذا فرق ما بين الآل والأمّة، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد نبيّه )(2) .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض احتجاجات الإمام الرضاعليه‌السلام وهي تمثّل جانباً من حياته العلمية، ونضاله في الدفاع عن الإسلام.

____________________

(1) سورة طه / آية 132.

(2) تحف العقول 425 - 436، عيون أخبار الرضا، المجالس.



مؤلّفاته

ونقل المؤرّخون والرواة أنّ الإمام الرضاعليه‌السلام ألّف مجموعة من الكتب كان بعضها بطلب من المأمون، وقد خاض في بعضها في بيان أحكام الشريعة، ومهمّات مسائل الفقه، كما دون في بعضها ما أثر عن جدّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من الأحاديث، وقد سُمّي هذا بمسند الإمام الرضاعليه‌السلام ، ومن بين مؤلّفاته الرسالة الذهبية في الطب ذكر فيها الإمامعليه‌السلام ما يصلح بدن الإنسان ومزاجه، وما يفسده، وهي من أمّهات الكتب الموجزة في هذا الفن...

ونعرض فيما يلي لبعض مؤلفاته:

1 - رسالته في جوامع الشريعة:

وأوعز المأمون إلى وزيره الفضل بن سهل أن يتشرّف بمقابلة الإمام الرضاعليه‌السلام ، ويقول له: إنّي أحب أن تجمع لي من الحلال والحرام والفرائض والسنن، فإنّك حجّة الله على خلقه، ومعدن العلم، وأجاب الإمام طلب المأمون، وأمر بدواة وقرطاس فأحضرتا له، وأمر الفضل أن يكتب فأملى عليه بعد البسملة هذه الرسالة الجامعة لغرر أحكام الشريعة، وفيما يلي نصّها:

( حسبنا شهادة أن لا إله إلاّ الله، أحداً، صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، قيوماً، سميعاً، بصيراً، قوياً، قائماً، باقياً، نوراً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنياً لا يحتاج، عدلاً لا يجور خلق كل شيء، ليس كمثله شيء، لا شبه له، ولا ضد، ولا ند، ولا كفو... إنّ محمداً عبده ورسوله، وأمينه وصفوته من خلقه، سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وأفضل العالمين، لا نبي بعده، ولا تبديل لمثله، ولا تغيير، وأنّ جميع ما جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه هو الحق المبين، نصدّق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه وحججه،


ونصدق بكتابه الصادق،( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) وأنّه كتابه المهيمن على الكتب كلّها، وأنّه حق من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، ووعده ووعيده، وناسخه ومنسوخه، وأخباره لا يقدر واحد من المخلوقين أن يأتي بمثله، وأنّ الدليل والحجة من بعده أمير المؤمنين والقائم بأمور المسلمين، والناطق عن القرآن، والعالم بأحكامه أخوه، وخليفته ووصيّه، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين، يعسوب المؤمنين، وأفضل الوصيين بعد النبيين، وبعده الحسن والحسينعليهما‌السلام ، واحداً بعد واحد إلى يومنا هذا، عترة الرسول، وأعلمهم بالكتاب والسنّة، وأعدلهم بالقضية، وأولاهم بالإمامة في كل عصر وزمان، وأنّهم العروة الوثقى، وأئمة الهدى والحجّة على أهل الدنيا حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، وهو خير الوارثين، وأنّ كل من خالفهم ضال مضل، تارك للحق والهدى وأنّهم المعبرون عن القرآن، الناطقون عن الرسول بالبيان من مات لا يعرفهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم مات ميتة جاهلية وان من دينهم الورع والعفة، والصدق والصلاح، والاجتهاد وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، وطول السجود والقيام بالليل واجتناب المحارم، وانتظار الفرج بالصبر، وحسن الصحبة، وحسن الجوار، وبذل المعروف، وكفّ الأذى، وبسط الوجه والنصيحة والرحمة للمؤمنين ).

وحكى هذا المقطع الثناء على الله تعالى وتمجيده، وذكر بعض صفاته، كما حفل بالثناء على الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّه الملهم الأول لفكر الإنسان بالخير والفضل، وأنّه هو الذي اختاره الله تعالى لرسالته، وإنقاذ عباده من حضيض الجهل، وقد أتحفه تعالى بالمعجزة الخالدة، وهي القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو الدستور لإصلاح الإنسان، ومعالجة جميع قضاياه ومشاكله.

كما عرض الإمامعليه‌السلام إلى رائد الحق والعدالة في الإسلام وصي الرسول وخليفته من بعده الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وإمام المتقين وأفضل الوصيين، وأشادعليه‌السلام بالأئمّة الطاهرين الذين هم على الخير أدلة هذه الأمة إلى الجنة ومسالكها، الناطقون عن الرسول (ص) والمعبرون عن القرآن فقد أدوا أمانة الله وأوضحوا أحكامه وبلغوا رسالته...

وبعد هذا العرض شرع الإمامعليه‌السلام في بيان جوامع الشريعة الغراء قال:


( الوضوء كما أمر الله في كتابه غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين، واحد فريضة، واثنان إسباغ، ومَن زاد أثم، ولم يؤجر، ولا ينقض الوضوء إلاّ الريح والبول والغائط، والنوم، والجنابة.

ومَن مسح على الخفين فقد خالف الله ورسوله وكتابه، ولم يجز عنه وضوءه، وذلك أن عليّاًعليه‌السلام خالف في المسح على الخفّين فقال له عمر: رأيت النبي (ص) يمسح، فقال علي: قبل نزول سورة المائدة أو بعدها؟ قال: لا أدري، قال علي: ولكنّي أدري أنّ رسول الله (ص) لم يمسح على خفّيه مذ نزلت سورة المائدة ).

إنّ أوّل ما عرض له الإمامعليه‌السلام من مناهج الشريعة الغراء هو الوضوء الذي هو نور وطهارة للإنسان، وهو من ألمع مقدمات الصلاة التي يسمو بها الإنسان، ويتشرف بالاتصال بخالقه العظيم... وقد تناول عرض الإمام للوضوء ما يلي:

1 - أفعال الوضوء:

أما أفعال الوضوء فهي كما يلي:

أ - غسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى طرف الذقن طولا وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا.

ب - غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع.

ج - مسح الرأس، وهو مقدمه مما يلي الجبهة، ولا بد أن يكون المسح على البشرة أو على الشعر المختص بالمقدم بشرط أن يخرج بمده عن حده.

د - مسح ظاهر القدمين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين، وهما قبّتا القدمين، ويجب أن يكون المسح على البشرة، ولا يجوز المسح على الحائل كالخف والجورب، ومن مسح عليهما فقد خالف كتاب الله، وسنّة رسوله ولم يجز عنه وضوءه حسب ما أعلن الإمامعليه‌السلام ، وتواترت بذلك النصوص عن أئمة أهل البيتعليهم‌السلام .

2 - نواقض الوضوء:

وذكر الإمامعليه‌السلام نواقضاً للوضوء، ومبطلاته وهي:

1 - الريح الذي يخرج من الدبر.

2 - البول.

3 - الغائط.


4 - النوم الغالب على العقل.

5 - الجنابة.

هذه الأمور من نواقض الوضوء، ومن مبطلاته قالعليه‌السلام :

( والاغتسال من الجنابة، والاحتلام، والحيض، والغسل من غسل الميت فرض.

والغسل يوم الجمعة، والعيدين، ودخول مكة والمدينة، وغسل الزيارة، وغسل الإحرام، ويوم عرفة، وأول ليلة من شهر رمضان وليلة تسع عشرة منه، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين منه سنة ).

من روائع التشريع الإسلامي وبدائع حكمه وسننه تشريعه للغسل الذي يقي الأبدان من الإصابة بكثير من الأمراض، وفي نفس الوقت فإنّه موجب لنظافة البدن، وإزالة الأوساخ عنه، وهو على قسمين واجب ومندوب، وقد عرض الإمامعليه‌السلام إلى كل منهما.

1 - الأغسال الواجبة:

ويجب الغسل في الأمور التالية وهي:

أ - غسل الجنابة:

أمّا سبب الجنابة فأمران: الأول: خروج المادة المنوية، التي تتوفّر فيها الشهوة، والدفق، وفتور الجسد، فمَن احتلم وخرجت منه هذه المادة، فهو جنب ويجب عليه الغسل. (الثاني) الجماع، ولو لم ينزل، ويتحقق بإدخال الحشفة في القبل أو الدبر من غير فرق بين الواطئ والموطوء.

ب - غسل الحيض:

الحيض دم تعتاده النساء خلقه الله تعالى في الرحم لمصالح، وهو في الغالب دم أسود أو أحمر له دفع وحدة وحرقة، فإذا عرض للمرأة، وانتهت منه وجب عليها الغسل، ويحرم عليها في أثناء الحيض مسّ اسم الله تعالى وأسماء الأنبياء والأئمة الطاهرين ومسّ كتابة القرآن، واللبث في المساجد، والدخول فيها بغير الاجتياز وغير ذلك.

ج - غسل مسّ الميت:

يجب الغسل بمسّ بدن الإنسان الميت بعد برده، وقبل غسله، أمّا غير الإنسان من الحيوانات فإنّ مسها بعد الموت لا يجب فيه الغسل.


هذه بعض الأغسال الواجبة التي أدلى بها الإمامعليه‌السلام وبقي منها غسل الأموات وغسل المستحاضة، وقد ذكرها الفقهاء بالتفصيل. الأغسال المندوبة:

أمّا الأغسال المندوبة فهي أنواع ثلاثة: زمانية، ومكانية، وفعلية.

أمّا الزمانية فهي:

أ - غسل الجمعة: وهو من أهمّها، ووقته من طلوع الفجر الثاني من يوم الجمعة إلى الزوال.

ب - غسل يوم العيدين: عيد الأضحى، وعيد الفطر، ويستحب أيضاً الغسل يوم الغدير وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وهو اليوم الخالد الذي نصب فيه النبي (ص) سيد عترته، وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام خليفة من بعده.

ج - غسل يوم عرفة.

د - الغسل لأوّل ليلة من شهر رمضان المبارك.

ه‍ـ - الغسل لليلة التاسع عشر من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين منه، وهي الليالي المباركة التي يظن أن تكون فيها ليلة القدر.

وأمّا الأغسال المكانية فهي:

أ - الغسل لدخول مكة المكرّمة.

ب - الغسل لدخول المدينة المنورة.

ج - الغسل لزيارة الأضرحة المقدسة.

وأمّا الأغسال الفعلية فهي:

كالغسل للإحرام، أو الطواف، وغير ذلك حسبما ذكره الفقهاء.

قالعليه‌السلام : ( وصلاة الفريضة: الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة أربع ركعات، والفجر ركعتان، فذلك سبع عشرة ركعة ).

( والسنة أربع وثلاثون ركعة: منها ثمان قبل الظهر، وثمان بعدها، وأربع بعد المغرب، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة، تعد بواحدة، وثمان في السحر،


والوتر ثلاث ركعات(1) وركعتان بعد الوتر )(2) .

وحكى هذا المقطع بعض الصلاة الواجبة التي منها الصلاة اليومية، وهي خمس فرائض: فصلاة الصبح ركعتان، والظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، ومجموعها سبع عشرة ركعة، كما حكى عدد الرواتب اليومية، وهي النوافل المستحبة، فثماني ركعات نافلة الظهر قبلها، وثمان بعدها. قبل العصر للعصر، وأربع ركعات صلاة العشاء للعشاء، وثماني ركعات صلاة الليل، وركعتا الشفع بعدها، وركعة الوتر بعدها، وركعتا الفجر قبل صلاة الصبح، ومجموع هذه الرواتب أربع وثلاثون ركعة.

قالعليه‌السلام : ( والصلاة في أول الأوقات، وفضل الجماعة على الفرد بكل ركعة ألفي ركعة، ولا تصل خلف فاجر، ولا تقتدي إلا بأهل الولاية ).

وحفلت هذه الكلمات بما يلي:

أولاً - إنّ الإمام ندب إلى الصلاة في أول وقتها، وقد تواترت الأخبار عن أئمة الهدىعليهم‌السلام بذلك.

ثانياً - عرض الإمامعليه‌السلام إلى فضل صلاة الجماعة، وأنّ فضل الركعة الواحدة تعد بألف.

ثالثاً - إنّ الإمامعليه‌السلام منع من الاقتداء بإمام الجماعة إذا كان فاجراً أو كان من ولاة الجور.

قالعليه‌السلام : ( ولا تصل في جلود الميتة، ولا جلود السباع ).

عرض الإمامعليه‌السلام لبعض الشرائط التي تعتبر في لباس المصلّي، والتي منها: أن لا يكون من جلود الميتة، ولا من أجزائها التي تحلها الحياة، سواء أكانت من حيوان محلّل الأكل أم محرّم الأكل كما يشترط أن لا يكون من جلود السباع، وبالإضافة إلى ذلك فإنه يشترط أن يكون مباحاً فلا يجوز الصلاة في المغصوب، وأن يكون طاهراً فلا يجوز الصلاة في اللباس النجس، وأن لا يكون من الحرير الخالص للرجال، وغير ذلك من الشرائط التي ذكرها الفقهاء.

____________________

(1) قوله: والوتر ثلاث ركعات: الأوّليان منهما بنية الشفع والأخرى بنية الوتر.

(2) قوله وركعتان بعد الوتر: يعني بهما نافلة الصبح.


قالعليه‌السلام : ( والتقصير في أربع فراسخ بريد ذاهباً، وبريد(1) جائياً، اثنا عشر ميلاً، وإذا قصرت أفطرت ).

وتناول الإمامعليه‌السلام بهذه الكلمات صلاة المسافر التي تقصر فيها الصلاة الرباعية، وذلك بإسقاط الركعتين الأخيرتين منها، ويشترط في السفر قصد قطع المسافة، وهي ثمانية فراسخ امتدادية ذهاباً وإياباً أو ملفقة من أربعة ذهاباً، وأربعة إياباً، وليس قصد قطع المسافة وحده هو الشرط، وإنّما هناك شروط أخرى ذكرها الفقهاء والتي منها أن يكون السفر مباحاً، فإذا كان حراماً كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أم للسرقة وغير ذلك من المحرمات فإنه يجب عليه التمام في صلاته، ومنها استمرار القصد فإذا عدل عن السفر قبل بلوغ الأربعة فراسخ، وجب عليه التمام في صلاته، ومنها أن لا يتخذ السفر عملا له كالمكاري، والتاجر الذي يدور في تجارته والملاّح وغير ذلك. وذكر الإمامعليه‌السلام من أحكام القصر أنّه كلّما قصر الإنسان صلاته، فيجب عليه الإفطار، وقد ورد في الحديث ليس من البر الصيام في السفر.

قالعليه‌السلام : ( والقنوت في أربع صلوات: في الغداة والمغرب، والعتمة(2) ويوم الجمعة، وصلاة الظهر. وكل القنوت قبل الركوع، وبعد القراءة ).

وأمّا القنوت فإنّه من المستحبات في الصلاة، خصوصاً في الصلاة الجهريّة كالصبح، والمغرب، ويوم الجمعة، وفي صلاة الظهرين، وهو كل صلاة مرة بعد القراءة قبل الركوع في الركعة الثانية إلاّ في الجمعة ففيها قنوتان قبل الركوع في الأُولى، وبعده في الثانية وأمّا صلاة العيدين ففي الركعة الأُولى خمس قنوتات وفي الركعة الثانية أربع قنوتات.

قالعليه‌السلام : ( والصلاة على الميت خمس تكبيرات: وليس في صلاة الجنائز تسليم؛ لأنّ التسليم في الركوع والسجود، وليس لصلاة الجنائز ركوع ولا سجود ).

____________________

(1) البريد: أربع فراسخ، واثنا عشر ميلاً، والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد وهو من المرفق إلى طرف الأصابع.

(2) العتمة: الثلث الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق، والمراد بها صلاة العشاء.


تجب الصلاة وجوباً كفائياً على كل ميت مسلم ذكراً كان أم أنثى. وكيفيّتها أن يكبّر المصلّي أوّلاً، ويتشهد الشهادتين، ثم يكبر ثانياً، ويصلّي على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم يكبر ثالثاً ويدعو للمؤمنين، ثم يكبر رابعاً ويدعو للميت، ثم يكبر خامساً وينصرف، ولا يعتبر في هذه الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، وإباحة اللباس، وستر العورة، كما يعتبر ذلك في سائر الصلاة، ومن ثمّ ذهب بعض الفقهاء إلى أنّها دعاء وليست بصلاة حقيقية.

قالعليه‌السلام : ( والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، مع فاتحة الكتاب ). من المستحبات التي ينبغي مرعاتها للمصلّي بالبسملة، ويتأكّد ذلك في الظهرين في الحمد والسورة(1).

قالعليه‌السلام : ( والزكاة المفروضة من كل مائتي درهم خمسة دراهم ولا تجب فيما دون ذلك، وفيما زاد في كل أربعين درهما درهم، ولا تجب فيما دون الأربعينات شيء، ولا تجب حتى يحول الحول، ولا تعطي إلاّ أهل الولاية والمعرفة، وفي كل عشرين ديناراً نصف دينار... ).

الزكاة من أروع الأنظمة الخلاّقة في النظام الاقتصادي في الإسلام، فقد وضعها الإسلام للقضاء على غائلة الفقر، ونشر الرخاء بين الناس وبالإضافة لذلك فإنّها تجمع المسلمين على صعيد المحبة، وتوحد بين صفوفهم، فقد جبلت الناس على حب من يحسن إليها، والزكاة من أظهر مصادق الإحسان والبر.

وقد عرض هذا المقطع من كلام الإمامعليه‌السلام إلى ما يلي:

أوّلاً - بين الإمامعليه‌السلام الحكم في زكاة النقدين:

ويعتبر فيها بلوغ النصاب، فنصاب الفضّة مائتا درهم، ويجب فيها خمسة دراهم، ثم كلمّا زاد أربعين كان فيها درهم بالغاً ما بلغ، وليس فيما دون المائتي، ولا فيما دون الأربعين شيء.

وأمّا نصاب الذهب فعشرون ديناراً، وفيها نصف دينار، وإذا زاد عليها أربع دنانير وجب فيها قيراطان، ويساويان عشر الدينار وكلما زاد على الأربع وجب فيها ذلك، وليس فيما نقص عنها شيء ويعتبر في زكاة النقدين مضي حول عليهما، فإذا لم يمض عليهما الحول فلا زكاة عليهما.

____________________

(1) العروة الوثقى.


ثانياً - إنّ الزكاة تصرف على ثمانية أصناف، منها الفقراء والمساكين، ويشترط فيهم أن لا يكونوا مخالفين للحق، فإن إعطاء الزكاة لهم لا يكون مجزياً.

قالعليه‌السلام : ( والخمس من جميع المال مرة واحدة ).

أمّا الخمس فهو من الضرائب المالية التي فرضها الإسلام، والتزم به شيعة أهل البيتعليهم‌السلام ، ولم يلتزم به غيرهم من الفرق الإسلامية، وقد فرضه الله تعالى للرسول الأعظم، وذرّيّته، زادهم الله شرفاً، عوضاً لهم عن الزكاة، وهو يجب في سبعة أشياء، منها أرباح المكاسب، فما يفضل عن مؤنة السنة للمكلّف ولعياله من فوائد الصناعات، والزراعات والتجارات، والإجارات، وسائر أنواع التكسبات يجب فيه الخمس.

ومن المؤن ما ينفقه الإنسان في حجّه وزياراته، وصدقاته، وصلة أرحامه، وهداياه، ونذوره، وكفاراته، وتزويج أولاده، وغير ذلك ممّا يحتاج إليه، ويصرفه في غير الوجه المحرم، ويقسم الخمس نصفين:

نصف للإمام، صلوات الله عليه، في حال حضوره، وفي حال غيبته يعطى لنائبه الفقيه العادل الجامع للشرائط لينفقه على ترويج الشريعة الإسلامية، ونشر أحكام الدين، ومؤونة أهل العلم، وغير ذلك من الأمور التي يحرز فيها رضى الإمامعليه‌السلام .

وأمّا النصف الثاني فيعطى لأيتام بني هاشم، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم... وفي الخمس بحوث كثيرة عرض لها الفقهاء في رسائلهم العملية.

قالعليه‌السلام : ( والعشر من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وكل شيء يخرج من الأرض من الحبوب، إذا بلغت خمسة أوسق: ففيه العشر إن كان يسقى سيحاً، وإن كان يسقى بالدوالي ففيه نصف العشر، للمعسر والموسر، وتخرج من الحبوب القبضة والقبضتان؛ لأنّ الله لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها، ولا يكلّف العبد فوق طاقته، والوسق: ستون صاعاً، والصاع: ستة أرطال، وهو أربعة أمداد، والمد: رطلان وربع برطل العراقي، وقال الصادقعليه‌السلام : هو تسعة أرطال بالعراقي، وستة أرطال بالمدني ).

عرض الإمامعليه‌السلام في هذا المقطع إلى زكاة الغلاّت الأربع: وهي الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي هذه الغلاّت تجب الزكاة.

وأمّا ما عداها فتستحب فيه الزكاة، فقولهعليه‌السلام : ( وكل شيء يخرج من الأرض من


الحبوب ) وإن كان معطوفاً على الغلاّت الأربع، وظاهره الوجوب إلاّ أنّ هناك حشداً من الأخبار الصحيحة دلّت على عدم الوجوب فتحمل على الاستحباب، وهذا من موارد الجمع بين الأخبار كما أدلى بذلك الفقهاء.

وإنّما تجب الزكاة في الغلاّت الأربع إذ بلغت النصاب وهو خمسة أوسق، وتقدر في هذا العصر بوزن الكيلو بثمانمائة وثمانية وأربعين كيلو تقريبا(1) والمقدار الواجب اخراجه من زكاة الغلاّت هو العشر إذا سقي الزرع سيحاً أو بماء السماء ونصف العشر إذا سقي بالدلاء أو بالمكينة، والناعور ونحو ذلك، وتجب الزكاة على مَن ملك هذا المقدار من الغلّة سواء في ذلك الفلاح ومالك الأرض ويستوي في ذلك الغني والفقير.

قالعليه‌السلام : ( وزكاة الفطر فريضة على رأس كل صغير أو كبير، حر أو عبد، من الحنطة نصف صاع، ومن التمر والزبيب صاع، ولا يجوز أن تعطى غير أهل الولاية؛ لأنّها فريضة... ).

أمّا زكاة الفطرة فهي أول فريضة مالية في الإسلام، وتسمى زكاة الأبدان، وإنّما تجب على من استجمع الشرائط من البلوغ والعقل، وعدم الإغماء وعدم الفقر، فإذا توفرت هذه الشروط قبل الغروب ليلة عيد الفطر، وجبت الزكاة، على كل مسلم، وعلى من يعول بهم كباراً كانوا أم صغاراً. ويجب إخراج صاع عن كل إنسان، ومقدار الصاع يساوي ثلاث كيلوات تقريباً... وذهب فقهاء الإمامية أنّ الضابط في جنس الفطرة أن يكون قوتاً شائعاً لأهل ذلك البلد كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والأرز، والذرة، والأقط، والصاع في جميع هذه الأنواع، كما أنّه يشترط إعطاؤها إلى المؤمن، الموالي لأهل البيتعليهم‌السلام ، ولا يجوز إعطاؤها لغيره.

قالعليه‌السلام : ( وأكثر الحيض عشرة أيام، وأقلّه ثلاثة أيام، والمستحاضة تغتسل وتصلّي، والحائض تترك الصلاة ولا تقضي، وتترك الصيام وتقضيه ).

وحكى هذا المقطع ما يلي:

أولاً - إنّ أكثر حيض المرأة عشرة أيام، وأقلّه ثلاثة أيام، فما تراه المرأة من الدم زائداً على العشرة أو ناقصاً عن الثلاثة فهو ليس بدم حيض وإنّما دم استحاضة.

____________________

(1) منهاج الصالحين 1 / 226.


ثانياً - إنّ المستحاضة على ثلاثة أقسام: قليلة، ومتوسّطة، وكثيرة.

أمّا القليلة فحكمها وجوب الوضوء لكل صلاة فريضة، وأمّا المتوسّطة فحكمها، الوضوء لكل صلاة والغسل قبل صلاة الصبح، فحكمها الوضوء لكل صلاة والغسل لصلاة الصبح، والغسل لصلاة الظهرين، والغسل لصلاة العشاءين، وعليها تبديل القطنة التي تمنع من سيلان الدم في جميع الصور المذكورة.

ثالثاً - أمّا حكم الحائض بالنسبة إلى عبادتها، فإنّ الواجب عليها ترك الصلاة، ولا يجب عليها قضاؤها، وأمّا بالنسبة إلى الصوم فلا يجوز لها الصوم، وعليها قضاؤه.

قالعليه‌السلام : ( ويصام شهر رمضان لرؤيته، ويفطر لرؤيته ).

يثبت شهر رمضان المبارك، ونهايته برؤية الهلال؛ وذلك لقولهعليه‌السلام : ( صم للرؤية، وأفطر للرؤية ) ولا يثبت بقول المنجّمين وغيرهم، ويثبت بمضيّ ثلاثين يوماً من شهر شعبان، كما يثبت شهر شوال بمضي ثلاثين يوماً من شهر رمضان. قالعليه‌السلام : ( ولا يجوز التراويح في جماعة ).

أمّا صلاة التراويح فلم تكن مشروعة في عهد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد ابتدعها عمر، وهي عشرون ركعة سوى الوتر، ووقتها بعد صلاة العشاء، ويندب لمن يصلي التراويح أن يجلس بدون صلاة للاستراحة، وسميت صلاة التراويح لهذه الجهة، وتسنّ فيها الجماعة عند المذاهب الأربع(1) ولم يجز الإمامعليه‌السلام الجماعة فيها.

قالعليه‌السلام : ( وصوم ثلاثة أيام في كل شهر سنة، من كل عشرة أيام: يوم الخميس من العشر الأول، والأربعاء من العشر الأوسط، والخميس من العشر الآخر. وصوم شعبان حسن، وهو سنة، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( شعبان شهري، وشهر رمضان شهر الله ) وإن قضيت فائت شهر رمضان متفرقاً أجزأك... ).

عرض الإمامعليه‌السلام لبعض أنواع الصوم المندوب، والتي منه صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل في كيفيتها حسب ما أفاد الإمامعليه‌السلام

____________________

(1) الفقه على المذاهب الأربعة 1 / 340 - 343.


صوم أول خميس من الشهر، وأوّل الأربعاء من العشر الأواسط، وآخر خميس من العشر الآخر. ويستحب صوم تمام شهر شعبان، وقد أفاد الإمامعليه‌السلام أنّ ما فاته صيام شهر رمضان فيخير في قضائه بين أن يوصل في أيام القضاء، أو يفرق بينها، فكل منهما مجز.

قالعليه‌السلام : ( وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، والسبيل زاد وراحلة، ولا يجوز الحج إلاّ متمتعاً، ولا يجوز الإفراد والقران الذي تعمله العامة... والإحرام دون الميقات لا يجوز قال الله:( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ) (1) ولا يجوز في النسك الخصي لأنّه ناقص، ويجوز الموجوء... ).

الحج إحدى الدعائم الخمس التي بني عليها الإسلام، وهو عبادة روحية وسياسية يتدفق بالمنافع والمصالح الروحية والصحية والاقتصاد وهو مؤتمر سياسي يجمع المسلمين في أقدس مكان ليتعارفوا بينهم ويعرض بعضهم على بعض مشاكل بلدهم وقومهم السياسية، والاقتصادية، ويشكّلوا وحدة متراصة فيما بينهم، وغير ذلك من المنافع وتشير الآية الكريمة إلى ذلك، قال تعالى: ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ... ) (2) وقد اتفق المسلمون على وجوب الحج مرة واحدة في العمر... وقد عرض الإمامعليه‌السلام في هذا المقطع إلى كوكبة من أحكام الحج، وهي:

أولاً - إنّ الحج إنّما يجب على المسلم إذا توفّرت له الاستطاعة، وذكر الإمام بندين منها، وهما الزاد والراحلة، وهما من أظهر شروط الاستطاعة ومن شروطها إمكان السير بصحّة البدن، وتخلية السرب.

ثانياً - إنّ أنواع الحج ثلاثة: وهي كما يلي:

أ - حج التمتّع:

وهو فرض مَن نأى عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كل جانب، ومن مميزات

____________________

(1) سورة البقرة / آية 196.

(2) سورة الحج / آية 27 - 28.


هذا الحج أنّ إحرامه من بطن مكة، ووجوب الهدي فيه، وتقديم العمرة فيه على الحج، وارتباط عمرته بحجه حتى كأنّهما كالعمل الواحد.

ب - حج القران:

أمّا حج القران فهو فرض أهالي مكة ومن حولها بشرط أن لا يتجاوز المقدار الذي ذكر لحج التمتع، ويحرم القارن من دويرة أهله، ويعتبر فيه سياق الهدي وإشعاره بشق سنامه من الجانب الأيمن ولطخه بدمه إن كان بدنة، وتقليده بأن يعلّق في رقبته نعلاً قد صلّى فيه إن كان ذلك الهدي غير بدنة.

ج - حج الإفراد:

وهو فرض من قرب من مكة كالقران، ويحرم من دويرة أهله إن كانت أقرب إلى مكة من الميقات وإلاّ فمن الميقات، ومن مميزات القران والإفراد أنّ العمرة فيهما تكون بعد الحج، وينويها مفردة.

ثالثاً - إنّ الإحرام للحج لا بد أن يكون من الميقات، فلا يصح قبل الميقات ولا يجوز للمكلف يتجاوز الميقات بغير إحرام عدا ما استثنى من المتكرر ومن ليس قاصداً دخول مكة عند مروره على الميقات.

رابعاً - إنّه يشترط في الهدي أن يكون تام الخلقة فلا يجزي الأعور، ومقطوع شيء من الإذن، والخصي وهو الذي سلّت خصيتاه ونزعتا منه أمّا رض الخصيتين، المعبّر عنهما بالموجوء فإنّه ليس عيباً، ويكون مجزياً.

قالعليه‌السلام : ( والجهاد مع إمام عادل، ومن قاتل فقتل دون ماله ورحله ونفسه فهو شهيد... ).

أمّا الجهاد فهو باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصّة أوليائه - على حدّ تعبير الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام - وهو على أقسام: وهي:

أ - جهاد المشركين لدعوتهم إلى الإسلام.

ب - جهاد مَن يهاجم المسلمين من الكفّار.

ج - جهاد مَن يريد قتل نفس محترمة، أو أخذ مال أو سبي حريم، وربّما أطلق على هذا الدفاع لا الجهاد.

وإنّما يجب الجهاد بشرط الإمام أو نائبه الخاص، وهو المنصوب للجهاد. ومن قتل في ساحة الجهاد فهو شهيد، يجري عليه حكم الشهيد فيدفن بثيابه


ولا يغسل.

وأمّا مَن قاتل دون ماله ورحله ونفسه فقتل فإنّ له أجر الشهيد، ويغسّل، ويكفّن.

قالعليه‌السلام : ( ولا يحل قتل أحد من الكفار في دار التقية إلاّ قاتل أو باغ؛ وذلك إذا لم تحذر على نفسك، ولا أكل أموال الناس من المخالفين وغيرهم... ).

أمّا الكفار الداخلون في ذمّة الإسلام فدماؤهم محرمة، وأحوالهم مصونة شأنهم شأن المسلمين، ويفقد الكافر هذه الصيانة إذا كان قاتلاً لنفس محترمة أو كان باغياً على السلطة الشرعية في البلاد.

وكذلك يحرم أكل أموال المخالفين وغيرهم، فإنّ الإسلام قد صان أموال الناس كما صان دماءهم وأعراضهم.

قالعليه‌السلام : ( والتقية في دار التقية واجبة، ولا حنث على مَن خلف تقية يدفع بها ظلماً عن نفسه... ). أمّا التقية فقد شرعت في زمان استخدمت فيه السلطات الحاكمة جميع أجهزتها ضد أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، وضد شيعتهم ففي زمان الذئب الجاهلي معاوية بن أبي سفيان كان يقال للرجل زنديق وكافر خير من أن يقال له إنّه من شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقد سار معظم ملوك الأمويين والعباسيين على هذه الخطة الكافرة التي سنها ابن هند، ولولا حكمة الأئمة الطاهرين، وإلزامهم بالتقية لشيعتهم لما بقي ذكر لأهل البيتعليهم‌السلام ، وقد أفتي الإمام الرضاعليه‌السلام بوجوب التقية، وإنّه لا حنث لـمَن حلف تقيه.

قال عليه السلام: ( والطلاق بالسنّة على ما ذكر الله عزّ وجل وسنّة نبيه (صلى الله عليه وآله) ولا يكون طلاق بغير سنّة، وكل طلاق يخالف الكتاب فليس بطلاق، وكل نكاح يخالف السنّة فليس بنكاح.

ولا تجمع بين أكثر من أربع حرائر، وإذا طلقت المرأة ثلاث مرات للسنّة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ( اتقوا المطلقات ثلاثاً فإنّهن ذوات أزواج... ).

الطلاق فصم العلاقة الزوجية، وهو من أشد المبغوضات إلى الله تعالى؛ لأنّه


يؤدّي إلى انهيار الخلايا في المجتمع الإنساني، ويشيع الكراهية والبغضاء بين الناس. وقد حفل هذا المقطع ببعض أحكام الطلاق والزواج كان منها ما يلي:

أولاً - إنّ الطلاق إنّما يحكم بصحّته إذا توفّرت فيه الشروط وهي:

أ - أن يكون المطلق بالغاً، عاقلاً مختاراً، فلا يصح طلاق الصبي والمجنون، والسكران ممّن لا قصد له.

ب - دوام الزوجية فلا يصح طلاق الممتع بها.

ج - خلو الزوجة من الحيض والنفاس إذا كانت مدخولاً بها.

د - الصيغة التي بها الطلاق، وهي أن يقول الزوج: أنت طالق، أو هي طالق.

هـ‍ - سماع شاهدين عدلين صيغة الطلاق.

هذه بعض الشروط التي يجب توفرها في صحة الطلاق، وأمّا غير ذلك من الطلاق كطلاق الهازل توفّرها في صحّة الطلاق، وأمّا غير ذلك من الطلاق كطلاق الهازل والغافل، والساهي فإنّه لا يقع عند الشيعة الإمامية، وتصححه بعض المذاهب الإسلامية(1) كما أنّ الطلاق لا يقع إلاّ بلفظ ( أنت طالق أو هي طالق ) وأجاز بعض المذاهب الإسلامية وقوعه بلفظ الفراق والسراح، وغيرهما.

ثانياً - إنّ النكاح المخالف للسنّة فهو باطل، وذلك كنكاح المكرهة أو من كانت في العدة، أو كانت من المحرمات النسبية أو بالمصاهرة فإنّ النكاح لهن باطل.

ثالثاً - إنّه ليس للرجل أن يجمع أكثر من زوجات أربع بالعقد الدائم.

رابعاً - إنّ المرأة إذا طلّقت ثلاثاً فلا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره.

قالعليه‌السلام : ( والصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في كل الموطن عند الرياح والعطاس، وغيره ذلك. وحب أولياء الله وأوليائهم، وبغض أعدائه، والبراءة منهم ومن أئمتهم... ).

ويستحب الصلاة على الرسول الأعظم منقذ البشرية، ورائدها إلى السعادة والخير في الدنيا والآخرة، فما أعظم عائدته على الإنسانية، ومن حقّه الصلاة عليه في كل موطن، وفي جميع الأحوال.

ومن مناهج الإسلام حب أولياء الله، وأوليائهم، وبغض أعداء الله، والبراءة

____________________

(1) فقه السنّة.


منهم ومن أئمّتهم؛ فإنّ ذلك من عناصر التقوى ومن صميم الدعوة الإسلامية.

قالعليه‌السلام : ( وبرّ الوالدين وإن كانا مشركين فلا تطعهما(1) وصاحبهما في الدنيا معروفاً؛ لأنّ الله يقول:( اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ) (2) قال أمير المؤمنينعليه‌السلام ما صاموا لهم ولا صلّوا ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم ).

ثم قال: ( سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: مَن أطاع مخلوقاً في غير طاعة الله عزّ وجل فقد كفر واتخذ إلهاً من دون الله... ).

من روائع التشريع الإسلامي، ومن بدائع نظمه الخلاّقة إلزامه بالبر والإحسان للوالدين، وجعلهما في المرتبة الثانية بعد الخالق العظيم في الطاعة والانقياد لأمرهما؛ وذلك جزاء لما عانوه من جهد شاق في تربية أبنائهم، خصوصاً الأُم فلولا رعايتها وحنانها وعطفها على ولدها لما أمكن أن يعيش، فهي التي تغذّيه، وتسهر على تربيته، فما أعظم حقّها.

وتجب طاعة الوالدين في غير معصية الله، أمّا في المعصية فلا تجب طاعتهما. قالعليه‌السلام : ( وذكاة الجنين ذكاة أمه ).

عرض الإمامعليه‌السلام إلى حكم الجنين من الحيوانات التي تحل أكلها إذا ذُكّيت أمّه، ومات في جوفها حلّ أكله، وإذا خرج حيّاً فإنّ ذكّي حلّ أكله، وإن لم يذك حرم.

قالعليه‌السلام : ( وذنوب الأنبياء صغار موهوبة لهم بالنبوة... ).

وأكبر الظن أنّ هذه الجملة منحولة، قد وضعت في كلام الإمامعليه‌السلام فإنّ الأنبياء معصومون ويمتنع منهم صدور أي ذنب، وقد أقام الإمام نفسه الأدلة على ذلك في بعض مناظراته.

قالعليه‌السلام : ( والفرائض على ما أمر الله لا عول فيها، ولا يرث مع الوالدين والولد أحد، إلاّ الزوج والمرأة، وذو السهم أحق ممّن لا سهم له، وليست العصبة من دين الله... ).

____________________

(1) في العيون ( وبرّ الوالدين واجب وإن كانا مشركين فلا طاعة لهما في معصية الله ولا لغيرهما؛ فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الله ).

(2) سورة لقمان / آية 14 - 15.


عرض الإمامعليه‌السلام هذا المقطع لبعض أحكام المواريث وهي:

أولاً - إنّ الفرائض التي فرضها الله تعالى والمواريث لا عول فيها؛ وبيان ذلك أنّ الورثة إذا تعددوا وكانت فروضهم زائدة على الفريضة كما إذا ترك الميت زوجاً وأبوين وبنتين، فإنّ السهام في هذا الفرض الربع والسدسان، والثلثان، فذهب أهل السنّة إلى العول، وهو أن يرد النقص على كل واحد من ذوي الفروض على نسبة فرضه، وعند الشيعة يدخل النقص على بعض معين دون بعض، ولا يدخل عل الجميع، وقد دلّلوا على ذلك في بحوث الإرث.

ثانياً - إنّ المرتبة الأُولى في المواريث صنفان:

أحدهما: الأبوان دون الأجداد والجدات.

ثانيهما: الأولاد وإن نزلوا ذكوراً وإناثاً، ويرث مع هذين الصنفين الزوجة فإن لها الربع مع عدم الولد، والثمن معه، وإمّا الزوج فإنّه يرث الربع مع الولد، والنصف مع عدمه.

ثالثاً - إنّ المواريث لا تعصيب فيها عند الشيعة، ويلتزم به غيرهم من أبناء الفرق الإسلامية، ومثال ذلك أنّ الميت إذا ترك بنتاً واحدة فان لها النصف مما ترك بالفريضة، وترث النصف الثاني بالرد، رأي غير الشيعة أنّ النصف الثاني من المال يعطى إلى العصبة، وهم الذكور الذين ينتسبون إلى الميت بغير واسطة أو بواسطة الذكر، وربّما عمّموها للأُنثى على تفصيل عندهم(1) .

قالعليه‌السلام : ( والعقيقة عن المولود الذكر والأنثى يوم السابع، ويحلق رأسه يوم السابع، ويسمّى يوم السابع، ويتصدّق بوزن شعره ذهباً أو فضة يوم السابع... ).

عرض الإمامعليه‌السلام إلى المستحبات الشرعية التي ينبغي إجراؤها على المولود وهي:

أ - العقيقة:

ويستحب أن يعقّ عن المولود في اليوم السابع من ولادته بكبش إن كان ذكراً وشاة إن كان أُنثى، وقد سنّ ذلك الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) حينما ولد سبطه وريحانته سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسنعليه‌السلام وفعل مثل ذلك حينما ولد سبطه الثاني سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسينعليه‌السلام .

____________________

(1) منهاج الصالحين 2 / 279.


ب - حلق رأس الطفل:

ويستحب أن يحلق رأس الطفل في يوم السابع من ولادته ويتصدق بزنته ذهباً أو فضة على المساكين، وقد أجرى النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك على سبطيه وريحانتيه سلام الله عليهما.

ج - تسمية الطفل:

من المستحبات الأكيدة تسمية الطفل يوم السابع من ولادته ويستحب أن يسميه بالأسماء المباركة الميمونة كأسماء النبي (صلى الله عليه وآله) وأسماء أوصيائه الأئمّة المكرمين.

قالعليه‌السلام : ( وإنّ أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير، لا خلق تكوين... ).

أشار الإمامعليه‌السلام إلى أفعال العباد وأعمالهم، فإن الله تعالى عالم بها، ولم يخلقها خلق تكوين ولا استندت إليه. قالعليه‌السلام : ( ولا تقل بالجبر، ولا بالتفويض... )، وحكت هذه الكلمات ما تذهب إليه الشيعة من إبطالهم للجبر، والتفويض، والتزامهم بالأمر ما بين الأمرين، وقد فنّدوا الجبر والتفويض، وحفلت كتبهم الإسلامية بالاستدلال على ذلك قالعليه‌السلام : ولا يأخذ الله عزّ وجل البريء بجرم السقيم، ولا يعذب الله الأبناء والأطفال بذنوب الآباء، وأنّه قال:( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) (1) ( وإن ليس للإنسان إلاّ ما سعى ) (2) ( والله يغفر ولا يظلم... ) إنّ العدل الإلهي قضى بأنّ كل إنسان مسؤول عمّا يقترفه من ذنب ولا تلقى المسؤولية على غيره فلا يؤخذ البريء بذنب السقيم، وقد قضى أعداء الله بعكس ذلك، فقد قال المجرم الأثيم زياد بن أبيه: إنّي أعاقب البريء بذنب السقيم، وأعاقب على الظنة والتهمة، وهذه السياسة الهوجاء يبرأ منها الإسلام، وهي سياسة أعداء الإسلام وخصومه.

ومن عدل الله تعالى أنّه لا يعذب الأبناء بذنوب الآباء، فقد قال الله:( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وإنّه ليس للإنسان إلاّ ما سعى، وهذا هو منتهى العدل.

____________________

(1) سورة الأنعام / آية 164.

(2) سورة النجم / آية 40.


قالعليه‌السلام : ( ولا يفرض الله على العباد طاعة مَن يعلم أنّه يظلمهم ويغويهم، ولا يختار لرسالته، ويصطفي من عباده مَن يعلم أنّه يكفر ويعبد الشيطان من دونه..... ).

إنّ الله تعالى ينشد العدل الخالص لعباده، ويدعوهم إلى التمرّد على الظالمين والمستبدين من الحكام، كما أنّه تعالى إنّما يختار له دواء رسالته، وإصلاح عباده ممّن تتوفّر فيهم جميع صفات الكمال والفضل التي منها أنّه لا يكفر بالله، ولا يعبد الشيطان الرجيم.

قالعليه‌السلام : ( وإنّ الإسلام غير الإيمان، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب حين يشرب الخمر وهو مؤمن، ولا يقتل النفس التي حرّم الله بغير الحق، وهو مؤمن، وأصحاب الحدود لا مؤمنين، ولا كافرين(1) ، وإنّ الله لا يدخل النار مؤمناً، وقد وعده الجنة والخلود فيها، ومَن وجبت له النار بنفاق أو فسق، أو كبيرة من الكبائر، لم يبعث مع المؤمنين، ولا منهم، ولا تحيط جهنّم إلاّ بالكافرين. وكل إثم دخل صاحبه بلزومه النار فهو فاسق، ومَن أشرك أو كفر، أو نافق، أو أتى كبيرة، والشفاعة جائزة للمستشفعين ).

إنّ الإسلام أوسع دائرة، وأعم موضوعاً من الإيمان، فمَن أقرّ بالشهادتين حُكم بإسلامه، وحقن دمه، وماله، وعرضه، سواء أكان مؤمناً أم كان فاسقاً، أمّا الإيمان فهو عبارة عن ملكة تمنع الإنسان من اقتراف الذنوب والجرائم، ويصده عن مخالفة الله تعالى والمؤمن أعد له الله تعالى في دار الخلود المقام الكريم وبوّأه الجنّة يتبوّأ منها حيث ما يشاء، وأمّا الفاسق الذي يقترف الذنوب والكبائر فإنّ مقامه في جهنم وساءت مصيراً.

قالعليه‌السلام : ( والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر باللسان واجب ).

عرض الإمامعليه‌السلام إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما من دعائم الإسلام الذي ينشد إقامة مجتمع كريم تسوده الأعراف الإنسانية، ويجب على كل مسلم أن يؤدي واجبه تجاه دينه ووطنه، فيأمر بإقامة المعروف، وينهي عن المنكر، ولهذا الواجب شروط ذكرها الفقهاء في رسائلهم.

____________________

(1) أي إنّهم مسلمون لا بمؤمنين ولا بكافرين، هكذا جاء في العيون.


قالعليه‌السلام : ( والإيمان أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والإيمان هو معرفة بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان ).

حدّد الإمامعليه‌السلام الإيمان بأنّه أداء فرائض الله واجتناب محارمه، وأنّه نافذ إلى أعماق القلب، ودخائل النفس.

قالعليه‌السلام : ( والتكبير في الأضحى خلف عشر صلوات يبتدئ من صلاة الظهر من يوم النحر، وفي الفطر خمس صلوات بصلاة المغرب من ليلة الفطر ).

من المستحبات المؤكّدة التكبير في عيد الأضحى عقيب عشر صلوات، كما يستحب التكبير في ليلة عيد الفطر عقيب صلاة المغرب وبعدها بأربع صلوات، ويستحب أيضاً تلاوة الأدعية المأثورة عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام .

قالعليه‌السلام : ( والنفساء تقعد عشرين يوماً لا أكثر منها، فإن طهرت قبل ذلك صلّت وإلاّ فإلى عشرين يوماً، ثم تغتسل وتصلّي وتعمل عمل المستحاضة ).

وأكبر الظن أن هذه الفقرة منحولة ليست من كلام الإمامعليه‌السلام فقد اتفق فقهاء الامامية الذين يستندون فيما يفتون به إلى ما أثر عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام على أنّ دم النفاس لا حد لقليله وحد كثيره عشرة أيام من حين الولادة، وإذا رأت الدم بعد العشرة لم يكن دم نفاس، وتجعله دم استحاضة، والنفساء بحكم الحائض يحرم عليها ما يحرم على الحائض، وهنا بحوث مهمّة ذكرها الفقهاء.

قالعليه‌السلام : ( ويؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير، والبعث بعد الموت، والحساب والميزان والصراط ).

إنّ من الواجبات على المسلم أن يعتقد بعذاب القبر إذا كان قد اقترف الجرائم والذنوب، كما يجب عليه أن يعتقد بسؤال منكر ونكير له في قبره، وأنّه سيبعث بعد الموت، ويحاسب على أعماله وتوضع أعماله في الميزان، فمَن رجحت حسناته على سيئاته فاز بالجنة، وإلاّ فمآله إلى النار ويعاقب على مقدار عمله ولا يظلم ربك أحداً، كما أنّه لا بد من الاجتياز على الصراط فإن كان قد عمل صالحا فيمر بيسر وسهولة، وإلاّ فيهوي في النار.


قالعليه‌السلام : ( والبراءة من أئمّة الضلال وأتباعهم، والموالاة لأولياء الله ).

إنّ البراءة من أئمّة الضلال وأشياعهم، وموالاة أولياء الله من العناصر المهمة في العقيدة الإسلامية التي تشجب الظلم وتناهض الجور وتنشد العدالة بين الناس.

قالعليه‌السلام : ( وتحريم الخمر قليلها وكثيرها، وكل مسكر خمر وكلّما أسكر كثيرة فقليله حرام، والمضطر لا يشرب الخمر فإنها تقتله ).

الخمر من الآفات المدمرة للصحة، فهو يؤدّي إلى الإصابة بأمراض خطيرة، كما يؤدي إلى فساد الأخلاق، وانهيار المثل الكريمة التي يعتز بها الإنسان... ويعتبر تحريم الإسلام له من أهم بنوده التشريعية الهادفة إلى رفع مستوى الإنسان...

وقد حذر الإمامعليه‌السلام من شربه سواء أكان كثيرا أم قليلاً، وذلك لما يترتب عليه من الإضرار البالغة.

قالعليه‌السلام : ( وتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الطحال فإنه دم والجري والطافي(1) والمارماهي والزمير(2) وكل شيء لا يكون له قشور، ومن الطير ما لا تكون له قانصة ).

وحرّم الإسلام لحوم بعض الحيوانات؛ وذلك لما فيها من المفاسد التي توجب الإضرار بالصحة العامة، وقد عرض الإمام بعضها وهي:

1 - السباع: ويحرم أكل لحم السباع سواء أكانت برّيّة كالأسود والذئاب والنمور، أم كانت طائرة كالبازي والرخمة وغيرها.

2 - الطحال: ويحرم أكل الطحال؛ لأنّه دم على حد تعبير الإمامعليه‌السلام ، كما يحرم أكل المثانة من الذبيحة والمشيمة والنخاع والغدد وخرزة الدماغ وغيرها ممّا ذكره الفقهاء؛ لأنّها تسبب أضراراً جسيمة.

____________________

(1) الطافي: هو السمك الذي يموت في الماء ويعلو على سطح الماء.

(2) الزمير: سمك له شوك ناتئ على ظهره.


3 - الجري: ويحرم أكل الجري، وهو حيوان مائي لا تأكله الكلاب، وكذلك يحرم أكل السمك الميت الطافي على الماء والمارماهي والزمير، وكل مالا فلس له من الأسماك.

4 - ما لا قانصة له: ويحرم من الطيور ما لا قانصة له، ولا حوصلة، ولا صيصية(1) ويحل من الطيور ما كان دفيفه أكثر من صفيفه.

قالعليه‌السلام : ( ومن البيض كلمّا اختلف طرفاه فحلال أكله، وما استوى طرفاه فحرام أكله ).

أمّا البيض فهو تابع للحيوان، الذي ولد منه في الحلّيّة والحرمة، وقد أعطى الإمامعليه‌السلام قاعدة عامة لمعرفة الحلال والحرام منه، فإنّ كان طرفا البيضة متساويين فحرام أكلها، وإن كانتا مختلفتين فحلال أكلها.

قالعليه‌السلام : ( واجتناب الكبائر: وهي قتل النفس التي حرّم الله، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف وأكل مال اليتامى ظلماً، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أُهلّ به لغير الله من غير ضرورة به، وأكل الربا، والسحت بعد البينة، والميسر، والبخس في الميزان، والمكيال، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، ومعاونة الظالمين، والركون إليهم، واليمين الغموس، وحبس الحقوق من غير عسر، والكبر، والكفر، والإسراف، والتبذير، والخيانة، وكتمان الشهادة، والملاهي، التي تصد عن ذكر الله، مثل الغناء وضرب الأوتار، والإصرار على الصغاير من الذنوب... فهذه أصول الدين والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على نبيّه وآله، وسلّم تسليماً )(2) .

وانتهت بذلك هذه الرسالة الغرّاء التي حفلت ببعض البحوث الكلامية، وبأُمّهات المسائل الفقهية.

2 - رسالته الذهبية في الطب:

ولم تقتصر علوم الإمام الرضاعليه‌السلام على أحكام الشريعة الإسلامية

____________________

(1) الصيصية: هي الشوكة التي تكون خلف رجل الطائر خارجة عن الكف.

(2) تحف العقول (ص 415 - 423).


الغرّاء، وإنّما شملت جميع أنواع العلوم، والتي منها علم الطب، فقد كان علماً من أعلامه، ومتمرّساً بجميع فروعه، وجزئيّاته، ويدلل على ذلك بصورة واضحة هذه الرسالة التي سمّاها المأمون بالرسالة الذهبية، كما منح في تقريضه لها وسام الطبيب على الإمامعليه‌السلام ، وقد وضعت البرامج العامة لإصلاح بدن الإنسان، ووقايته من الإصابة بالأمراض الذي هو القاعدة الأساسية للطب الوقائي في هذه العصور، والذي يعد من أعظم الوسائل في تقدّم الصحّة وازدهارها.

وعلى أي حال فلا بد لنا من وقفة قصيرة للحديث عمّا يتعلّق بهذه الرسالة قبل عرضها، وفيما يلي ذلك:

1 - سبب تأليفها:

وتميز بلاط المأمون بأنّه كان في معظم الأوقات ندوة من ندوات العلم والأدب خصوصاً في عهد الإمام الرضاعليه‌السلام عملاق هذه الأمّة ورائد نهضتها الفكرية والعلمية، فقد تحوّل البلاط العباسي إلى مسرح للبحوث العلمية والفلسفية، كما ذكرنا ذلك في البحوث السابقة.

ومن بين البحوث العلمية التي عرضت في تلك الندوة هو ما يضمّه بدن الإنسان من الأجهزة والخلايا العجيبة، وبدائع تركيب أعضائه التي تجلّت فيها حكمة الخالق العظيم، وروعة قدرته، وخاض القوم فيما يصلح بدن الإنسان ويفسده، وقد ضمّت الجلسة كبار العلماء والقادة، كان في طليعتهم من يلي:

1 - الإمام الرضا.

2 - المأمون.

3 - يوحنا بن ماسويه.

4 - جبريل بن بختيشوع.

5 - صالح بن بهلة الهندي.

وقد خاض هؤلاء القوم سوى الإمام في البحوث الطبية والإمامعليه‌السلام ساكت لم يتكلم بشيء فانبرى إليه المأمون قائلاً له بإكبار:

( ما تقول يا أبا الحسن في هذا الأمر الذي نحن فيه اليوم، والذي لا بد منه من معرفة هذه الأشياء، والأغذية النافع منها والضار، وتدبير الجسد... ).

لقد طلب المأمون من الإمامعليه‌السلام أن يفتح له آفاقاً من العلم فيما يتعلّق بأجهزة بدن الإنسان، ويرشده إلى النافع من الأغذية والضار منها، وما يصلح جسم


الإنسان وما يضره... انبرى الإمام فأجابه: ( عندي ما جربته، وعرفت صحّته بالاختبار ومرور الأيام مع ما وقفني عليه مَن مضى من السلف ممّا لا يسع الإنسان جهله ولا يعذر في تركه، فأنا أجمع ذلك مع ما يقاربه ممّا يحتاج إلى معرفته..... ).

إنّ الإمامعليه‌السلام من خزنة الحكمة، ومن ورثة الأنبياء، وعنده علم ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم، وقد استجاب الإمام إلى طلب المأمون فزوّده بالرسالة الذهبية الآتي نصّها.

2 - شرحها وترجمتها:

ونظراً لأهمية هذه الرسالة، فقد عكف على شرحها وترجمتها جمهرة من العلماء نصّ عليهم في تقديم هذه الرسالة سماحة الحجّة المحقق السيد مهدي الخرسان، وهم:

1 - السيد الإمام ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي الراوندي، المتوفّى سنة (548 ه‍) سمّاه ( ترجمة العلوي للطب الرضوي ).

2 - الولي فيض الله عصارة التستري، وهو معاصر لفتح علي خان له ترجمة الذهبية بالفارسية.

3 - محمد باقر المجلسي المتوفّى سنة (1111 ه‍) ترجمها إلى اللغة الفارسية.

4 - ابن محمد هاشم الطبيب شرحها بالفارسية.

5 - محمد شريف بن محمد صادق الخواتون له شرح عليها ذكره في كتابه ( حافظ الأبدان ).

6 - السيد عبد الله شبّر المتوفّى سنة (242 ه‍) له شرح عليها.

7 - ميرزا محمد هادي بن ميرزا محمد صالح الشيرازي شرحها وأسماها (عافية البرية في شرح الذهبية) وكان معاصراً للسلطان حسين الصفوي.

8 - المولى محمد بن الحاج محمد حسن المشهدي المدرّس.

9 - السيد شمس الدين محمد بن محمد بديع الرضوي المشهدي له شرح الذهبية فرغ من تأليفه سنة (1125 ه‍).

10 - محمد بن يحيى له شرح الذهبية بالفارسية.

11 - نوروز علي البسطامي له شرح على الذهبية أشار إليه في كتابه ( فردوس التواريخ ).


12 - الحاج ميرزا كاظم الموسوي الزنجاني، المتوفى سنة (1292 ه‍)، له شرح عليها اسماه ( المحمودية ).

13 - السيد نصر الله الموسوي الأرومي، له شرح بالفارسية سماه (الطب الرضوي).

14 - مقبول أحمد، له شرح سمّاه ( الذهبية في أسرار العلوم الطبيعة ) باللغة الأوردية طبع بحيدر آباد.

15 - السيد محمود، له مفاتيح الصحّة جمع فيه طب النبي (صلى الله عليه وآله)، وطب الأئمة والرسالة الذهبية مع شرح يسير بالفارسية، طبع سنة (379 ه‍) بالنجف الأشرف.

16 - السيد ميرزا علي، له شرح الرسالة الذهبية بالفارسية.

17 - السيد حسين بن نصر الله الأرومي الموسوي، له ( ترجمة الموسوي في الطب الرضوي ).

18 - أبو القاسم سحاب، له شرح بالفارسية باسم ( بهداشت رضوي ) وقد طبعه في آخر الجزء الأول من كتابه رزندكاني حضرت إمام رضاعليه‌السلام من ص 301 - 350.

19 - الدكتور السيد صاحب زيني، له شرح على الرسالة تناول فيه جوانب على ضوء علم الطب الحديث، طبع في بغداد في سلسلة ملتقى العصرين.

20- عبد الواسع، ترجم الرسالة إلى اللغة الفارسية(1) .

ونظراً لأهميتها البالغة فقد كتبت بخطوط أثرية جميلة، وتوجد نسخة قديمة بخط عبد الرحمان بن عبد الله الكرخي، وقد كتبت سنة (715 ه‍) وهي بمكتبة الإمام الحكيم تسلسل 237.

3 - تقريظ المأمون:

وبعث الإمام الرضاعليه‌السلام برسالته الذهبية إلى المأمون فأعجب بها إعجابا بالغاً، وأمر أن تكتب بالذهب، كما أمر أن تكتب نسخ منها، وتوزع على أولاده وأفراد أسرته، وجهاز دولته، كما أمر أن تودع نسخة منها في بيوت الحكمة، وممّا لا شك فيه أنّها عرضت على أعلام الطب في عصره فأقروها، وقد قرظها المأمون

____________________

(1) توجد الترجمة بخط المؤلّف في مكتبة الإمام أمير المؤمنين تسلسل 377.


بالرسالة، فقد جاء فيها بعد البسملة: ( الحمد لله أهل الحمد ووليه، وله آخره وبدؤه، ذو النعم والأفضال والإحسان، والإجمال، أحمده على نعمه المتظاهرة وفواضله وأياديه المتكاثرة، وأشكره على منحه ومواهبه شكراً يوجب زيادته، ويقرب زلفى، أشهد أن لا إله إلاّ الله شهادة مخلص له بالإيمان غير جاحد، ولا منكر له بربوبيته ووحدانيته، بل شهادة تصدق نسبته لنفسه، وأنّه كما قال عزّ وجل:( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) وكذلك ربّنا عزّ وجل، وصلّى الله على سيد الأوّلين والآخرين محمد بن عبد الله خاتم النبيين.

أمّا بعد: فإنّي نظرت في رسالة ابن عمّي العلوي الأديب والفاضل الحبيب، والمنطقي الطبيب، في إصلاح الأجسام، وتدبير الحمّام، وتعديل الطعام، فرأيتها في أحسن التمام، ووجدتها في أفضل الإنعام، ودرستها متدبّراً، ورددت نظري فيها متفكراً، فكلّما أعدت قراءتها، والنظر فيها ظهرت لي حكمتها، ولاحت لي فائدتها، وتمكّنت من قلبي منفعتها، فوعيتها حفظاً، وتدبّرتها فهما، إذ رأيتها من أنفس العلائق، وأعظم الذخائر، وأنفع الفوائد، فأمرت أن تكتب بالذهب لنفاستها، وحسن موقعها، وعظم نفعها، وكثرت بركتها، وسمّيتها ( المذهبة ) وخزنتها في خزانة الحكمة، وذلك بعد أن نسخها آل هاشم فتيان الدولة، لأنّ بتدبير الأغذية تصلح الأبدان، وبصحّة الأبدان تدفع الأمراض، وبدفع الأمراض تكون الحياة وبالحياة تنال الحكمة، وبالحكمة تنال الجنة وكانت أهلاً للصيانة والادخار، وموضعاً للتأهيل والاعتبار وحكماً يعول عليه، ومشيراً يرجع إليه، ومن معادن العلم آمراً وناهياً ينقاد له، ولأنّها خرجت من بيوت الذين يوردون حكم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى، وبلاغات الأنبياء، ودلائل الأوصياء، وآداب العلماء وشفاء للصدور والمرضى من أهل الجهل والعمى رضوان الله عليهم وبركاته أوّلهم وصغيرهم وكبيرهم؛ فعرضتها على خاصتي وصفوتي من أهل الحكمة والطب وأصحاب التأليف والكتب المعدودين في أهل الدراية والمذكورين بالحكمة، وكل مدحها وأعلاها، ورفع قدرها وأطراها إنصافاً لمصنِّفها، وإذعاناً لمؤلِّفها وتصديقاً له فيما حكاه فيها، فمَن وقعت إليه هذه الرسالة من بعدنا من أبنائنا، وأبناء دولتنا، ورعايانا وسائر الناس على طبقاتهم فليعرف قدرها، والموهبة له، وتمام النعمة له، وليأخذها بشكر فإنّها أنفس من العقيان وأعظم خطراً من الدر والمرجان، وليستعمل حفظها وعرضها على همّته


وفكره ليلاً ونهاراً، فإنّها عائدة عليه بالنفع والسلامة، من جميع الأمراض والأعراض إن شاء الله تعالى، وصلّى الله على رسوله محمد وأولاده الطيبين الطاهرين أجمعين حسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله ربّ العالمين..... ).

وحكى هذا التقريظ على رسالة الإمامعليه‌السلام ما يلي:

1 - محتوياتها الطبية:

أمّا محتويات رسالة الإمامعليه‌السلام حسب ما أدلى به المأمون فهي:

أ - إصلاح الأجسام، ووقايتها من الأمراض، والتمتّع بالصحّة الكاملة فقد وضعت الرسالة البرامج العامة لذلك.

ب - تدبيره الحمّام الذي هو من العناصر الأساسية للصحّة فإنّه كما يعنى بنظافة البدن، كذلك يعنى في بث النشاط في جسم الإنسان.

ج - تعديل الطعام الذي تبتنى عليه صحّة الإنسان ووقايته من الأمراض.

2 - دراسته لها:

ودرس المأمون رسالة الإمام دراسة وثيقة بإمعان وتدبير، وأنّه كلّما جدّد قراءته لها ظهرت له بدائعها، وعظيم حكمتها، وقد وجدها من ذخائر الكتب، ومن مناجم الثروات، فقد حوت أصول الصحّة العامة، وقواعد الطب، في وقت كان الطب في أوّل مراحله، وتعتبر هذه الرسالة تطوّراً في هذا الفن، فقد فتحت آفاقاً مشرقةً له.

3 - عرضها على الأطبّاء:

وعرض المأمون رسالة الإمام على أعلام الطب في عصره، فكل واحد منهم أثنى عليها، وأقرّها، وأطراها، ورفع قدرها، وقد اعترف جميع مَن راجعها من كبار الأطباء بفضل الإمامعليه‌السلام ، وتمرّسه في هذا العلم...

هذه بعض المحتويات في هذا التقريظ.

نصّ الرسالة الذهبية:

أمّا نصّ هذه الرسالة الغرّاء فنحن ننقله عن طب الإمام الرضا من منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، وقد طبع سنة (1385 ه‍)، وقد جاء فيه بعد البسملة والثناء على الإمامعليه‌السلام ، ما نصّه: ( اعلم يا أمير المؤمنين إنّ الله تعالى يبتل عبده المؤمن ببلاء حتى جعل له دواء يعالج به، ولكل صنف من الداء صنف من الدواء وتدبير ونعت ذلك..... ).


وحكى هذا المقطع حكمة الله البالغة في خلقه للإنسان الذي يحتوي على الأجهزة العجيبة، التي هي عرضة للإصابة بأنواع الأمراض، وإنّ الله تعالى لم يخلق مرضاً إلاّ وله دواء يقضي عليه، ويحسمه، فقد طويت في هذه العصور التي بلغ فيها الطب الذروة جمهرة من الأمراض وألقيت في البحر، كمرض السل، والتهاب الأمعاء، والتيفوئيد، وذلك بفضل المضادات الحياتية كالبنسلين والارومايسين وغيرهما، بالإضافة إلى عالم الجراحة التي قضت على كثير من الأمراض، وبهذا فقد تجلّت الحكمة البالغة في كلمة الإمام سليل النبوّة من أنّ الله تعالى قد جعل لكل صنف من الداء صنفاً من الدواء، وسوف يطوى في ملف الطب من أنّ بعض الأمراض لا دواء لها.

قالعليه‌السلام : ( إنّ الأجسام الإنسانية جعلت في مثال الملك، فملك الجسد هو القلب، والعمّال العروق والأوصال، والدماغ، وبيت الملك قلبه، وأرضه الجسد، والأعوان يداه، ورجلاه وعيناه، وشفتاه ولسانه وأذناه، وخزانته معدته وبطنه، وحجابه صدره، فاليدان عونان يقرّبان ويبعدان ويعملان على ما يوحي إليهما الملك، والرجلان تنقلان الملك حيث يشاء، والعينان تدلاّن على ما يغيب عنه؛ لأنّ الملك وراء حجاب لا يوصل إليه إلاّ بهما، وهما سراجاه أيضاً، وحصن الجسد وحرزه، والأذنان لا تدخلان على الملك إلاّ ما يوافقه لأنّهما لا يقدران أن يدخلا شيئاً، حتى يوحي الملك إليهما، فإذا أوحى إليهما أطرق الملك منصتاً لهما حتى يسمع منهما، ثم يجيب بما يريد فيترجم عنه اللسان بأدوات كثيرة، منها ريح الفؤاد، وبخار المعدة، ومعونة الشفتين، وليس للشفتين قوّة إلاّ بالأسنان، وليس يستغني بعضها عن بعض..... ).

عرض الإمام الحكيم إلى بدن الإنسان، هذا البدن العجيب الذي تجلّت فيه قدرة الله الهائلة، وإبداعه المدهش، وتنظيمه المحكم، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ) .

هذا البدن الذي حوى من الأجهزة والخلايا ما يعجز عنه الوصف، ويقول فيه رائد الحكمة والبيان في الإسلام الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام :

أتحسب أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

نعم إنّ الإنسان ليس هيكلاً محدوداً، ولا جرماً صغيراً وإنّما حوى العالم بأسره، فهو مجموعة من الأكوان والعوالم.


وقد شبه سليل النبوة، ومعدن العلم والحكمة بدن الإنسان بالدولة، التي يتكوّن جهازها من الرئيس، والجند والأعوان، والأرض التي يكون حاكما لها، وقد ذكر الإمامعليه‌السلام من أعضاء البدن وأجهزته الرئيسة ما يلي:

أ - القلب:

أمّا القلب فهو من آيات الله الرائعة في جسم الإنسان، فهو يدفع الدم إلى نواحي الجسم جميعها حاملاً معه مواد الغذاء والأوكسجين ليوزعها في كل مكان من الجسم، وليأخذ الفضلات معه لتخليص الجسم منها(1) .

إنّ القلب يدفع الدم إلى الرئتين حيث يأخذ كفايته من الأوكسجين من الهواء الذي يتنفسه، وفي الرئتين يتخلّص الدم من بعض الفضلات التي جمعها من نواحي الجسم على شكل غاز يعرف باسم غاز ثاني أوكسيد الكاربون، والقلب يدفع الدم إلى الكليتين أيضاً(2) ، أمّا تنظيم ضربات القلب فهي سر من أسرار الخلق والإبداع فهو ينبض بمعدل (70) ضربة في الدقيقة الواحدة أي بمعدل يصل (100) ألف مرة يومياً و (40) مليون مرة سنوياً وما يزيد عن (2000) مليون مرة في متوسّط العمر، ولننظر إلى هذا التسبيح العظيم الذي لا يكف ولا يفتر في ليل أو نهار ولننظر إلى هذه الآية الرائعة في الجسم، والتي هي تنظيم الحرارة، إنّ هناك ما يشبه ميزان الحرارة داخل الجسم، فإذا جاءت الأخبار الحسية من الجلد تخبر عن الوسط الخارجي ودرجة حرارته سارعت هذه المناطق الكائنة في الجذع الدماغي وما فوقه إلى جهاز الدوران تستحثّه على أن يحمي الحدود الخارجية، وتأمره أن يقوم بدور العامل المخلّص في هذه الأزمة، ويستجيب جهاز الدوران المرن، وسرعان ما تحدث تقلّصات العروق الدموية ونضح القلب للدم بما يفي حاجة الجلد، فإذا كان بارداً قل تدفّق الدم الذي يحمل الحرارة ليعدل البرودة والعكس بالعكس(3) .

إنّ القلب هو مصدر الحياة للإنسان وغيره، فهو ملك الجسم، وجميع أعضاء الإنسان جنوده وأعوانه.

____________________

(1) جسمك هذا العجيب الغريب (ص 13) تأليف روبرت فولبث.

(2) نفس المصدر.

(3) الطب محراب الإيمان (ص 141 - 142).


2 - العروق:

أمّا العروق فإنّها عصب الحياة، وهي التي تسيطر على الجسم، وتعمل عملها في الغضب، والخوف، سائر الانفعالات، والمباريات، والعمل الجنسي، وغيرها وقسم من الأعصاب يسمّى بالأعصاب الإرادية، وهي التي تسيطر على طائفة معيّنة من العضلات في الجسم وهي التي تسمى بالعضلات المخططة، وهنا بحوث مهمة ذكرت في علم وظائف الأعضاء، وهي تدلل على عظمة الخالق الحكيم.

3 - الدماغ:

أمّا الدماغ فهو من أعظم مخلوقات الله، وهو الذي يهيمن على الجسم كلّه، ويسيطر على جميع حركاته، ويبعثه حيث ما شاء، وبه تميّز الإنسان على سائر الحيوانات، وقد خصّه الله تعالى للإنسان، وشرّفه به على جميع مخلوقاته. إنّ الدماغ دنيا من العجائب المذهلة، فلا يضاهيه في عظمته أي مخلوق آخر، فهو يحوي على مخازن لا تمتلئ، ويحفظ ما يودع فيه من علم وغيره، فسبحان المبدع والخالق له، أمّا البحث عن عجائبه فهو يستدعي وضع كتاب له.

4 - اليدان والرجلان:

من الأجهزة المذهلة في بدن الإنسان اليدان اللذان تقومان بما يحتاج إليه الإنسان من مأكله وشرابه، وتصنعان الأعمال البديعة من الكتابة والصياغة، والبناء، وغير ذلك، بإشارة الدماغ وتوجيهه، فهما عاملان في مصنعه، وكذلك الرجلان يسيران لبلوغ الإنسان إلى حاجاته، ولولاهما لما أمكنه أن يصنع شيئاً فسبحان الخالق الحكيم.

5 - حاسة السمع:

من الأجهزة العجيبة في بدن الإنسان حاسة السمع، وقد حوت ما يلي:

أ - الأذن الخارجية: وهي حيوان الأذن الخارجي مع الممر الذي يوصل إلى غشاء الطبل.

ب - الأذن الوسطى: وفيها ثلاث عظام تشبه أدوات الحداد ( المطرقة والسندان ) وركابة السرج، وعضلتان ( المطرقة والركابة ) ويوجد نفق يوصل ما بين الأذن الوسطى والبلعوم.

ج - الأذن الداخلية: وتحوي على ما يشبه الحلزون، وثلاثة إطارات، وهذه الأقسام متصلة بعضها


ببعض، ومتداخلة، وفي داخل الأقنية، أقنية غشائية تشبه الكيس، وداخل الحلزون الذي يدور دورتين ونصف يوجد عضو كورتي.

والأذن الداخلية هي التي تستقبل الأصوات، وأمّا الأذن الوسطى والخارجية فهما اللذان تنقلان الصوت.

أمّا انتقال الصوت فهو نتيجة اهتزاز جزئيات المادة، ولهذا فان الصوت لا ينتقل ما لم يكن هناك وسط مادي: ( هواء سائل، غازات، أجسام صلبة )...

وهنا بحوث مهمّة تكشف عن عظمة الخالق الحكيم وبديع صنعه، عرضت لها كتب الطب(1) .

6 - البصر:

أمّا العين فإنها من آيات الله العظمى، فبواسطة العين يتلقّى الإنسان النور، والتعرّف على المحيط الخارجي، وبها يتعرّف على الأشياء من ناحية شكلها ولونها.

وهي من أروع غرف التصوير الفنية، فهي غرفة مظلمة، مغلقة بثلاثة جدران هي من الظاهر إلى الباطن: الصلبة وهي التي تعطي اللون الأبيض للعين، والمشيمية وهي التي تروي العين بعروقها، والشبكية وهي التي تحمل العناصر الحساسة، والمستقبلة للضوء وهي المخاريط والعصيات، وفي المقدمة توجد بلورة رقيقة هي القرنية تدخل النور القادم إلى العين، ثم يجتاز النور بعد القرنية سائلاً شفافاً كاسراً للنور هو الخلط المائي الذي يقع ما بين القرنية والقزحية، والقزحية هي التي تعطي العينين لونهما المعهود، وتفتح في مركزها بثقبة واحدة خاصة لاستقبال النور كعدسة المصوّر وهي الحدقة، وإذا دخل النور الحدقة واجه بلورة من نوع جديد هي الجسم البلوري، وهي أعجب بلورة موجودة في الوجود؛ لأنّها تتمدد وتتقلّص بحيث تختلف وجوه تحديدها إلى درجة كبيرة، وبالتالي تتطابق العين مع المناظر التي تقع أمامها، فإذا كانت المسافة المرئيّة قريبة تمددت وتقطعت بما يناسب الحالة، والعكس بالعكس، فهي البلورة الحركية العاقلة، وبعد الجسم البلوري يدخل النور خلطاً جديداً شفّافاً كاسراً للنور هو الخلط الزجاجي، فإذا انتهى النور من عبوره وصل إلى الشبكية حيث تستقبله العصيات والمخاريط، وتنقله بشكل سيالة عصبية إلى الفص القفوي(2) .

____________________

(1) الطب محراب الإيمان (ص 191 - 202).

(2) الطب محراب الإيمان (ص 204 - 206).


ومضافاً إلى عجائب صنعها بدائع حمايتها ووقايتها، فقد جعل الله تعالى العينين في منطقة من الوجه منخفضة يحيط بها ثلاث تلال مرتفعات وهي: الحاجب، والهرم الأنفي والبروز العظمي من الجبهة، وبالإضافة إلى ذلك فإنّهما مغطتان بجفنين يفتحان ويغلقان بمنتهى السرعة كما أحاطهما تعالى بالدمع لتطهيرهما، وترطبهما فسبحان الخالق المبدع العظيم.

هذه بعض الأعضاء التي أشار إليها الإمامعليه‌السلام ، وقد عرض إلى خصوصياتها ووظائفها علم التشريح، ولننتقل إلى فصل آخر من هذه الرسالة.

قالعليه‌السلام : ( والكلام لا يحسن إلاّ بترجيعه في الأنف لأنّ الأنف يزيّن الكلام كما يزين النفخ المزمار، وكذلك المنخران هما ثقبتا الأنف يدخلان على الملك بما يحب من الريح الطيبة، فإذا جاءت ريح تسوء على الملك أوحى إلى اليدين، فحجبتا بين الملك وتلك الريح، وللملك على هذا ثواب وعقاب، فعذابه أشد من عذاب الملوك الظاهرة القاهرة في الدنيا، وثوابه أفضل من ثوابهم، فأمّا عذابه فالحزن، وأمّا ثوابه فالفرح، وأصل الحزن في الطحال، وأصل الفرح في الترب والكليتين(1) ومنهما يوصلان إلى الوجه، فمن هناك يظهر الفرح والحزن فيرى علامتهما في الوجه، وهذه العروق كلّها طرق من العمّال إلى الملك، ومن الملك إلى العمّال. ومصداق ذلك أنّه إذا تناولت الدواء أدته العروق إلى موضع الداء بإعانتها... ).

عرض سليل النبوّة إلى عملية النطق والبيان، وهي أعجوبة بذاتها فالكلام يخرج منسجماً متوازناً يهدف إلى معين، وهو من الظواهر الفذّة العجيبة الدالة على عظمة الخالق العظيم، قال تعالى:( الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) فما يريد أن يؤدّيه الإنسان يتكوّن قبل التلفّظ به في الدماغ، وهو يوحي إلى اللسان بتأديته، وذلك بعملية عجيبة ذكرها المعنيون بهذه البحوث.

وذكر الإمامعليه‌السلام ثواب القلب والدماغ لجسم الإنسان وعقابهما له، وكلاهما يظهران على سحنات الوجه، فالفرح يغطي الوجه بانبساطه، والحزن يغمر الوجه بانقباضه، وأفاد الإمام أنّ أصل الحزن في الطحال، وأصل الفرح في الترب والكليتين، فمن هذه الأعضاء تنبعث هذه الظواهر في جسم الإنسان.

____________________

(1) في بعض النسخ واصل الفرح في الكليتين.


قالعليه‌السلام : ( واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الجسد بمنزلة الأرض الطيبة متى تعوهدت بالعمارة والسقي من حيث لا يزداد في الماء فتغرق، ولا ينقص منه فتعطش دامت عمارتها، وكثر ريعها وزكى زرعها، وإن تغوفل فسدت، ولم ينبت فيها العشب فالجسد بهذه المنزلة، وبالتدبير في الأغذية والأشربة يصلح، ويصلح، وتزكو العافية.

فانظر يا أمير المؤمنين ما يوافقك، ويوافق معدتك، ويقوى عليه بدنك، ويستمريه من الطعام، فقدره لنفسك، واجعله غذاءك.

واعلم يا أمير المؤمنين إنّ كل واحدة من هذه الطبايع تحب ما يشاكلها فاغتذ ما يشاكل جسدك، ومن أخذ من الطعام زيادة لم يغذه، ومن أخذه بقدر لا زيادة عليه ولا نقص في غذائه نفعه، وارفع يديك منه، وبك إليه بعض القرم، وعندك إليه ميل فإنّه أصلح لمعدتك ولبدنك، وأزكى لعقلك، وأخف لجسمك... ).

ووضع الإمام الحكيم المنهج العام للصحّة العامة، وأساسها التوازن، وعدم الإسراف في الأكل والشرب، وقد أعلن القرآن هذه القاعدة في حفظ بدن الإنسان ووقايته من الإصابة بالأمراض، قال تعالى:( كلوا واشربوا ولا تسرفوا ) .

إنّ الجهاز الهضمي من أهم أجهزة الإنسان، وأكثرها حيوية وحسّاسية وهو يتأثّر بالإسراف في الأكل الذي تنجم منه السمنة التي هي من أعظم الآفات المدمّرة لبدن الإنسان.

إنّ العناية بالتغذية خصوصاً في مقتبل العمر لها تأثير كبير على الحالة الصحية في السنوات التالية كما تطيل في فترات الشباب، وهي من أحدث الوسائل في الصحّة الوقائية، فما يصيب الإنسان - على الأكثر - من الأمراض المتنوعة إنّما هي من النتائج المباشرة لإسرافه في الطعام، والشراب، وعدم توازنه في حياته الجنسية وغيرها من شؤون حياته. لقد شبّه الإمام الحكيم بدن الإنسان بالأرض الخصبة، وهو تشبيه بديع للغاية، فإنّ الإنسان إذا اعتنى بأرضه، وسهر على إصلاحها أثمرت وأعطت أطيب الثمرات، وإذا عرض عنها، وأهملها فإنّها تتلف وتموت ولا تعطي أي ثمار، وكذلك بدن الإنسان إذا أصلحه ولم يفسده بكثرة الأكل والشرب فإنه يصلح، ويتمتع بالصحّة التي هي من أثمن ما يظفر به الإنسان في حياته.


لقد أكّد الإمامعليه‌السلام على ضرورة عدم الإسراف في الطعام وان يرفع الإنسان يده منه وعنده ميل إليه فان ذلك أجدي في حفظ صحته ووقايته من الإصابة بالأمراض... إنّ الإفراط في الأكل يؤدّي إلى السمنة، وهي تسبب ما يلي:

أ - عجز القلب.

ب - ارتفاع الضغط الدموي.

إلى غير ذلك من الأمراض الناجمة من الإفراط في تناول الطعام ولننتقل لفصل آخر من هذه الرسالة.

قالعليه‌السلام : ( واعلم يا أمير المؤمنين كل البارد في الصيف، والحار في الشتاء المعتدل في الفصلين على قدر قوّتك وشهوتك، وابدأ بأوّل الطعام بأخف الأغذية التي تغذّي بها بدنك بقدر مادتك، وبحسب طاقتك ونشاطك، وزمانك الذي يجب أن يكون أكلك في كل يوم عندما يمضي من النهار ثمان ساعات أكلة واحدة، أو ثلاث أكلات في يومين، تتغذى باكراً في أول يوم، ثم تتعشى، فإذا كان في اليوم الثاني عند مضي ثمان ساعات من النهار أكلت أكلة واحدة، ولم تحتج إلى العشاء، كذا أمر جدّي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاًعليه‌السلام في كل يوم وجبة وفي غده وجبتين، وليكن ذلك بقدر لا يزيد ولا ينقص، وارفع يديك من الطعام وأنت تشتهيه، وليكن شرابك على أثر طعامك... ).

وحكى هذا المقطع تنظيم الأكل الذي تبتني عليه أُسس الصحّة العامة، وكان من بين ما حفل به:

أ - تناول المواد الباردة في أيام الصيف، فإنّ تناول الأطعمة الثقيلة يعود بالإضرار الجسيمة على بدن الإنسان، وأمّا في الشتاء فبالعكس، فإنّه يحسن تناول الأطعمة الثقيلة التي تحتوي على السمن والسكر، فإنّ البدن يحتاج إليها.

ب - أن يأكل الإنسان من الطعام قدر طاقته، وليس له أن يجهد نفسه ويحملها رهقاً أكثر من ذلك.

ج - أن يتناول الإنسان أخفّ الأغذية، وأيسرها على جهازه الهضمي، وفي نفس الوقت يلاحظ مقدار سنّه، فإنّ الإنسان كلّما تقدّم به السن فينبغي أن يكون طعامه خفيفاً قليل الملح، والسمن؛ لأنّهما يؤديان إلى تصلّب الشرايين خصوصاً مَن تجاوز عمره الخميس عاماً.


د - أن يقلّل الإنسان من وجبات الطعام فيقتصر في اليومين على ثلاث وجبات من الطعام حسبما فصّل الإمامعليه‌السلام ، ولا شبهة أن ذلك مما يوجب استقامة البدن وسلامته من الأمراض.

ذ - وأكّد الإمام على ضرورة أن لا يأكل الإنسان طعاماً إلاّ وهو يشتهيه ولا يمتلئ منه، وهذا من أثمن الوصايا الصحية... ولنقرأ فصلاً آخر من هذه الرسالة:

قالعليه‌السلام : ( ونذكر الآن ما ينبغي ذكره من تدبير فصول السنة، وشهورها الرومية الواقعة فيها في كل فصل على حدة وما يستعمل من الأطعمة والأشربة، وما يجتنب منه، وكيفية حفظ الصحّة من أقاويل القدماء... ).

وهذا المقطع مقدّمة تمهيدية إلى بيان ما يتناوله الإنسان في فصول السنة، وما يجتنب عنه فيها.

قالعليه‌السلام : ( أمّا فصل الربيع فإنّه من روح الزمان، وأوّله: ( آذار ) وعدّة أيامه ثلاثون يوماً، وفيه يطيب الليل والنهار، وتلين الأرض، وتذهب سلطان البلغم، ويهيج الدم، ويستعمل من الغذاء اللطيف واللحوم، ويتقى فيه آكل البصل والثوم والحامض، ويستعمل فيه شرب المسهل، ويستعمل فيه الفصد والحجامة... ).

عرض الإمام إلى فصل الربيع وهو من أزهى فصول السنة، ومن أكثرها عائدة على الكائنات الحيّة، وما أروع قول الإمامعليه‌السلام إنّه روح الزمان، ففيه يطيب الليل والنهار، وتلين الأرض ويهيج الدم، وقد حذّر الإمام من تناول البصل والثوم والحامض؛ لأنّها تسبب أمراضاً سوف يكشفها الطب الحديث، كما ندب الإمام إلى شرب المسهّل، وأخذ شيء من الدم بالفصد أو الحجامة.

قالعليه‌السلام : ( ( نيسان ) ثلاثون يوماً يطول فيه النهار، ويقوّي مزاج الفصل ويتحرّك الدم، وتهب فيه الرياح الشرقية، يستعمل فيه من المآكل المشوية، وما يعمل بالخل ولحوم الصيد، وتعالج بالجماع والتمريغ بالدهن في الحمّام، ويشرب الماء على الريق، ويشم الرياحين والطيب... ).

عرض الإمامعليه‌السلام إلى شهر نيسان، وذكر مميّزاته وهي:

1 - طول النهار، وقصر الليل.


2 - قوة المزاج.

3 - تحرك الدم.

4 - هبوب الرياح الشرقية.

وقد ندب الإمام إلى تناول المآكل المشوية، وما يطبخ بالخل مع لحوم الصيد، فإنّ ذلك يعود بفائدة على الجسم، كما ندب إلى دخول الحمّام، وتمريغ البدن بالدهن، وأوصى بشرب الماء على الريق، ذلك لما له من الأثر في تنظيف المجاري البولية، وإزالة الرمل منها.

قالعليه‌السلام : ( ( أيار ) واحد وثلاثون يوماً، تصفو فيه الرياح، وهو آخر فصل الربيع، وقد نهي فيه عن الملوحات واللحوم الغليظة كالرؤوس ولحوم البقر، واللبن، وينفع فيه دخول الحمّام أوّل النهار وتكره فيه الرياضة قبل الغداء... ).

أمّا أيار فهو على أعتاب الصيف، والجهاز الهضمي لا يتحمّل الأغذية الثقيلة خصوصاً إذا بلغ الإنسان مرحلة الشيخوخة، فإنّ تناول اللحوم الغليظة يؤدّي إلى الأضرار الجسيمة كالإصابة بالضغط الدموي وغيره.

قالعليه‌السلام : ( (حزيران) ثلاثون يوماً يذهب فيه سلطان الدم، ويقبل زمان المرة الصفراء، وينهى فيه عن التعب، وأكل اللحم دائماً، والإكثار منه، وشمّ المسك والعنبر، وينفع فيه أكل البقول الباردة، كالهندباء، والبقلة الحمقا، وأكل الخضر كالخيار والشيرخشت، والفاكهة الرطبة، واستعمال المحمضات، ومن اللحوم المعز الثني، والجدي، ومن الطيور الدجاج، والطيهوج، والدرّاج، والألبان، والسمك الطري... ).

أمّا حزيران فهو أول شهور الصيف، وتضعف فيه الأبدان؛ لأنّها تواجه قسوة الحر، ومرارته، وقد أكّد الإمامعليه‌السلام على اجتناب ما يلي:

1 - عدم التعب.

2 - عدم تناول اللحم بكثرة.

3 - أكل الخضروات، والفواكه؛ وذلك للطافتها، وعدم ثقلها. قالعليه‌السلام : ( (تموز): واحد وثلاثون يوماً فيه شدّة الحرارة، وتغور المياه، ويستعمل فيه


شرب الماء البارد على الريق، وتؤكل فيه الأشياء الباردة الرطبة، وتؤكل فيه الأغذية السريعة الهضم - كما ذكر في حزيران - ويستعمل فيه من الشموم والرياحين الباردة الرطبة الطيّبة الرائحة... ).

أمّا تموز فهو من أثقل فصول السنة، وأشدّها قسوة على الإنسان؛ وذلك لشدّة الحر الذي يسبب غور المياه، وقد أكّد الإمامعليه‌السلام على استعمال الأشياء الباردة، وأكل الأطعمة الخفيفة السريعة الهضم حتى لا يتأثّر الجهاز الهضمي بها، كما أكّد الإمامعليه‌السلام على شمّ الرياحين الباردة الطيبة الرائحة؛ وذلك لما لها من الأثر الفعّال على الجهاز العصبي.

قالعليه‌السلام : ( (آب): واحد وثلاثون يوماً، وفيه تشتد السموم، ويهيج الزكام بالليل، ويهب الشمال، ويصلح المزاج بالتربيد، والترطيب، وينفع فيه شرب اللبن الرائب، ويجتنب فيه الجماع والمسهل ويقل من الرياضة، ويشم الرياحين الباردة... ).

أمّا شهر آب، فهو كشهر تموز في حرارته، وشدّة قسوته، وفيه يشتد الزكام؛ وذلك لضعف الأبدان بسبب الحر، وقد ندب الإمام إلى استعمال الأشياء الباردة لتخفّف من شدّة الحر.

قالعليه‌السلام : ( (أيلول): ثلاثون يوماً فيه يطيب الهواء، وتقوى سلطان المرة السوداء، ويصلح شرب المسهل، وينفع فيه أكل الحلاوات وأصناف اللحوم المعتدلة، كالجداوي، والحوالي من الضأن، ويجتنب لحم البقر، والإكثار من لحم الشواء، ودخول الحمّام ويستعمل فيه الطيب المعتدل المزاج، ويجتنب فيه أكل البطيخ والقثّاء... ).

أمّا في أيلول فقد انكسرت فيه شدّة الحر، وذهبت قسوته، خصوصاً في أواخره، فإنّ الهواء يطيب فيه وينفع فيه أكل أنواع الحلويات بشرط أن لا يكون الشخص يبتلى بداء السكّر أو مصاباً بالسمنة، فإنّ استعمال الحلويات مضر للغاية، كما ينفع أكل اللحوم بجميع أصنافها إلاّ لحم البقر فإنّه مضر، وحذّر الإمام من أكل البطيخ والخيار؛ لأنّهما مضرّان في هذا الفصل.

قالعليه‌السلام :


( (تشرين الأول): واحد وثلاثون يوماً، فيه تهب الرياح المختلفة، ويتنفس فيه ريح الصبا، ويجتنب فيه الفصد، وشرب الدواء، ويحمد فيه الجماع، وينفع فيه أكل اللحم بالتوابل، ويقلّل فيه شرب الماء، وتحمد فيه الرياضة... ).

أمّا تشرين الأوّل فهو من فصول السنة الممتازة التي انطوت فيه مرارة الحر، وهبّت فيه ريح الصبا، وقد حذّر الإمامعليه‌السلام من الفصد، فإنّه يعود بالضرر على الجسم، وأمر بتقليل شرب الماء كما أمر بالرياضة؛ لأنّها تنفع في حيوية الجسم، وبثّ النشاط فيه.

قالعليه‌السلام : ( (تشرين الثاني): ثلاثون يوماً فيه يقع المطر الوسمي، ونهي فيه عن شرب الماء بالليل، ويقلّل من دخول الحمام والجماع، ويشرب بكرة كل يوم جرعة ماء حار، ويجتنب أكل البقول كالكرفس والنعنع والجرجير... ).

أمّا تشرين الثاني فهو من أطيب فصول السنة، فإنّ الناس يستقبلون فيه الشتاء، ويقع فيه المطر الوسمي الذي هو من مصادر الخير والرحمة للناس، فمنه تخضر الأرض، وتأتي ثمراتها، وينبغي لكل إنسان أن يشرب جريعة من الماء الحار في صباحه المبكّر ليسلم من غائلة البرد، وقد حذّر الإمام من أكل الكرفس وبعض الخضروات الأخرى لما فيها من الأضرار البالغة على الإنسان.

قالعليه‌السلام : ( (كانون الأوّل): واحد وثلاثون يوماً تقوى فيه العواصف ويشتد فيه البرد، وينفع فيه كل ما ذكر في (تشرين الثاني) ويحذّر فيه من أكل الطعام البارد، ويتقى فيه الحجامة والفصد ويستعمل فيه الأغذية الحارة بالقوّة والفعل ).

أمّا شهر كانون الأول فهو أوّل شهور الشتاء، ويواجه الناس فيه البرد القارص، وتقوى فيه العواصف، وقد حذر الإمامعليه‌السلام من تناول الأطعمة الباردة؛ وذلك لأنّها تؤثّر على الصحّة، ويصاب الإنسان من جرائها ببعض الأمراض، كما دعا إلى تناول الأغذية الحارة وذلك لما فيها من الفوائد الصحية.

قالعليه‌السلام : ( (كانون الثاني): واحد وثلاثون يوماً يقوى فيه غلبة البلغم، ينبغي أن يتجرّع فيه الماء الحار بالريق، ويحمد فيه الجماع، وينفع الأحساء فيه مثل البقول الحارة كالكرفس، والجرجير، والكرّاث، وينفع فيه دخول الحمّام، والتمريخ بدهن الخيري


وما ناسبه ويحذر فيه الحلو، وأكل السمك الطري واللبن... ).

أمّا كانون الثاني فيواجه الناس فيه قسوة البرد وشدته، وقد ندب الإمام إلى شرب الماء الحار في الصباح الباكر ليتقي فيه الإنسان من مخلفات البرد، كما دعا إلى استعمال البقول الحارة، وذلك لتدفئة الجسم ووقايته من البرد، كما ندب إلى دخول الحمّام؛ لأنّ به تنشط الدورة الدموية، وحذّر من أكل السمك الطري، واللبن، والحلويات فإنه تضر بالبدن.

قالعليه‌السلام : ( (شباط): ثمانية وعشرون يوما تختلف فيه الرياح، وتكثر الأمطار ويظهر العشب، ويجري فيه الماء في الغور، وينفع فيه أكل الثوم، ولحم الطير والصيود والفاكهة، ويقلل من أكل الحلاوات ويحمد فيه كثرة الحركة والرياضة... ).

وبدخول شباط تنتهي قسوة البرد وشدته، وتكثر فيه الأمطار ويظهر العشب، ويجرى الماء، وندب الامام إلى اكل الثوم الذي هو من أعظم البقول عائدة على جسم الإنسان فهو يقي الإنسان من كثير من الأمراض كارتفاع الضغط الدموي، والسكر وغيرهما...

وبهذا ينتهي حديث الإمام عن فصول السنة، وما ينبغي أن يستعمله الإنسان من الأغذية، وما يجتنبه منها في فصولها.

قالعليه‌السلام : ( اعلم يا أمير المؤمنين إن قوة النفس تابعة لأمزجة الأبدان، وأنّ الأمزجة تابعة للهواء، وتتغيّر بحسب الهواء في الأمكنة... ).

من المؤكد أنّ قوة الفكر وسلامته تابعة لصحة الجسم، فإذا كان مصابا ومبتلى بالأمراض فتضعف القوى العقلية وفي المثل ( العقل السليم في الجسم السليم ) كما أنّ من المؤكّد أن طيب الهواء وعذوبته وعدم تلوثه من العناصر الأساسية في الصحة العامة.

قالعليه‌السلام في صفة الشراب الحلال، وكيفية تركيبه: ( صفة الشراب الذي يحل شربه، واستعماله بعد الطعام، وقد تقدم ذكر نفعه في ابتدائنا بالقول على فصول السنة، وما يعتمد فيها من حفظ الصحة، وصفته هو أن يؤخذ من الزبيب المنقى عشرة أرطال(1) فيغسل وينقع في ماء صاف في غمرة،

____________________

(1) الرطل: وزنه قرابة 340 غراماً.


وزيادة عليه أربع أصابع ويترك في إنائه، ذلك ثلاثة في الشتاء، وفي الصيف يوم وليلة ثم يجعل في قدر نظيف، وليكن الماء ماء السماء إن قدر عليه، وإلاّ فمن الماء العذب الذي ينبوعه من ناحية المشرق ماء براقاً، أيضاً خفيفاً، وهو القابل لما يعترضه على سرعة من السخونة والبرودة وتلك دلالة على صفاء الماء، ويطبخ حتى ينتفخ الزبيب وينضج ثم يعصر ويصفى ماؤه ويبرد، ثم يرد إلى القدر ثانياً ويؤخذ مقداره بعود ويغلى بنار ليّنة غلياناً ليّناً رقيقا حتى يمضي ثلثاه، ثم يؤخذ من عسل النحل المصفّى رطل فيلقى عليه، ويؤخذ مقداره مقدار الماء إلى أين كان من القدر ويغلى حتى يذهب قدر العسل، ويعود إلى حده، ويؤخذ خرقة صفيقة(1) فيجعل فيها زنجبيل وزن درهم(2) ومن القرنفل نصف درهم، ومن الدراجين نصف درهم ومن الزعفران درهم، ومن سنبل الطيب نصف درهم ومن الهندباء مثله، ومن مصطكي نصف درهم بعد أن يسحق الجميع كل واحدة على حدة ويجعل في الخرقة ويشد بخيط شداً جيداً وتلقى فيه وتمرس الخرقة في الشراب بحيث تنزل قوى العقاقير التي فيها ولا يزال يعاهدها بالتحريك على نار لينة برفق حتى يذهب عنه مقدار العسل ويرفع القدر، ويبرّد، ويؤخذ(3) مدة ثلاثة أشهر حتى يتداخل مزاجه بعضه ببعض، وحينئذٍ يستعمل، ومقدار ما يشرب منه أوقية إلى أوقيتين من الماء القراح، فإذا أكلت يا أمير المؤمنين مقدار ما وصفت لك من الطعام فاشرب من هذا الشراب مقدار ثلاثة أقداح بعد طعامك، فإذا فعلت ذلك فقد أمنت بإذن الله يومك وليلتك من الأوجاع الباردة المزمنة كالنقرس، والرياح، وغير ذلك من أوجاع العصب والدماغ، والمعدة، وبعض أوجاع الكبد والطحال والأمعاء، والأحشاء فإن صادفت بعد ذلك بشهوة الماء فلتشرب منه مقدار النصف ممّا كان يشرب قبله، فإنّه أصلح لبدن أمير المؤمنين، وأكثر وأشد لضبطه وحفظه. فإنّ صلاح البدن وقوامه يكون بالطعام والشراب، وفساده يكون بهما فإن أصلحتهما صلح البدن، وإن أفسدتهما فسد البدن..... ).

وصف الإمامعليه‌السلام هذا الشراب بأنّه الشراب الحلال الذي يعود على البدن بأهم الفوائد الصحية ويقيها من كثير من الأمراض، وقد ذكر مواد تركيبه

____________________

(1) صفيقة: أي خفيفة.

(2) وزن الدرهم 2 / 5 غراماً.

(3) يؤخذ: أي يترك.


وكيفية صنعه، فقد حوى على عناصر مهمة في تقوية جسم الإنسان كان من بينها الزبيب، وهو يحتوي على كمّيات كبيرة من الفيتامينات، ومن بينها العسل، وهو غني بالفيتامينات، مضافاً إلى العناصر الأخرى التي تضم إلى هذا الشراب، ومن الجدير بالذكر أنّ الإمامعليه‌السلام اعتبر النظافة الكاملة في الزبيب كما اعتبر في الماء أن يكون من ماء السماء أو من ماء عذب، حتى لا يكون ملوّثاً، فيسبب بعض الأمراض ويذهب بفعالية هذا الشراب، يقول الدكتور صاحب زيني: لهذا الشراب الحلال قيمة غذائية كبيرة؛ لما يحويه من عناصر مفيدة تعتبر أهم مصادر ومولّدات الطاقة الحرارية التي يحتاجها الجسم دائماً وبصورة مستمرة، وخاصة في الفصول الباردة، أمّا عن سهولة هضمه، وتمثيل عناصره فحدث عنه ولا حرج، إذ يعتبر سكر العنب (سكر الكلوكوز) من أسهل المواد هضماً، ومن المواد التي يأخذها يمكن الاستغناء عن أكثر أصناف الغذاء الأخرى لسهولة تحويله إلى مادة الكلايكوجين التي تخزن في الكبد كغذاء احتياطي يمكن استعماله في أي وقت من الأوقات.

ويحوي الزبيب كميات كبيرة من الحديد، ويفيد كعنصر يولد كريات الدم الحمراء، ولعلاج مرض فقر الدم، وزيادة عما لهذا الشراب من قيم غذائية عديدة، فهو من أحسن العقاقير لمداواة حالات مرضية كثيرة كسوء الهضم، وبعض حالات التهاب المعدة وتولد الغازات في المعدة والأمعاء، وبعض أمراض الكبد، وحالات ركود الأمعاء والإمساك(1) .

وممّا قاله الإمامعليه‌السلام : ( واعلم يا أمير المؤمنين أنّ النوم سلطان الدماغ، وقوام الجسد وقوّته، فإذا أردت النوم فليكن اضطجاعاً أولاً على شقّك الأيمن، ثم انقلب على الأيسر، وكذلك فقم من مضجعك، ونم على شقّك الأيمن كما بدأت به عند نومك، وعوّد نفسك القعود من الليل، وادخل الخلاء لحاجة الإنسان، والبث فيه بقدر ما تقضي حاجتك، ولا تطل فيه، فإنّ ذلك يورث داء الفيل ).

النوم من العناصر الأساسية لحياة الإنسان، وصحّة جسده، فقد خلق الله في جسم الإنسان بعض الأجهزة التي يتولّد منها النوم، وتقوم في نفس الوقت على إعطاء

____________________

(1) طب الرضا (ص 58 - 59).


الجسد الحيوية والنشاط وتزيل عنه ما عاناه جسمه في أثناء النهار من التعب والجهد وبين الإمامعليه‌السلام كيفية النوم الصحية، وهي:

أن ينام الانسان على شقه الأيمن، فان في ذلك راحة للقلب، وسلامة للجسم كما بينعليه‌السلام كيفية الدخول إلى المرافق، وان من الحكمة أن لا يطيل الانسان المكث فيها بعد قضاء حاجته لئلا يصاب بداء الفيل.

قالعليه‌السلام : ( واعلم يا أمير المؤمنين أنّ أجود ما استكث به ليف الأراك(1) فإنّه يجلو الأراك، ويطيب النكهة، ويشد اللثة، وهو نافع من الحفر(2) إذا كان ذلك باعتدال، والإكثار منه يرق الأسنان، ويزعزعها ويضعف أصولها. فمَن أراد حفظ الأسنان فليأخذ قرن الأيل(3) محرقاً وكزمازجار(4) وسعداً وورداً، وسنبل الطيب، وحب الأثل(5) جزاء سواء، وملحاً إندرانياً(6) ربع جزء، فيدق الجميع ناعماً ويستن به، فإنّه يمسك الأسنان، ويحفظ أصولها من الآفات العارضة، ومَن أراد أن تبيضّ أسنانه فليأخذ جزءاً من ملح اندراني، ومثله زبد البحر فيسحقهما ناعماً، ويستن به... ).

عرض الإمام إلى طب الأسنان، وقد ذكر وصفتين لإصلاح الأسنان،الأُولى: السواك بعود الأراك، وهو من أجود الوصفات في إصلاح الأسنان، فقد حلّل هذا العود فتبيّن أنّه من أروع الأدوية لتطهير الأسنان وصيانتها من الإصابة بالأمراض، وأنّه أصلح بكثير من المعاجن الحديثة(7) .

الوصفة الثانية: هي المعجون، وقد ذكر الإمامعليه‌السلام الأجزاء التي يتألّف منها، وهو ممّا يقضي على تسوس الأسنان.

____________________

(1) ليف الأراك: أراد به غصن الأراك.

(2) الحفر: داء يصيب الأسنان.

(3) الأيل: الوعل وهو تيس الجبل.

(4) الكزمازج: ثمرة شجرة الطرفاء.

(5) حب الأثل: ثمرة شجرة الطرفاء.

(6) الملح الاندراني: يشبه البلور.

(7) ألقى ذلك من دار الإذاعة البريطانية.


قال: ( واعلم يا أمير المؤمنين أنّ أحوال الإنسان التي بناها الله تعالى عليها، وجعله متصرفاً بها أربعة أحوال:

الحالة الأولى: خمس عشرة سنة، وفيها شبابه، وحسنه وبهاؤه، وسلطان الدم في جسمه، ثم الحالة الثانية: من خمس عشرة سنة إلى خمس وثلاثين سنة، وفيها سلطان المرة الصفراء، وقوّة غلبتها على الشخص وهي أقوى ما يكون، ولا يزال كذلك حتى يستوفي المدة المذكورة وهي خمس وثلاثون سنة، ثم يدخل في الحالة الثالثة: إلى أن تتكامل مدة العمر ستون سنة، فيكون في سلطان المرة السوداء وهي سن الحكمة والمعرفة، والدراية، وانتظام الأمور وصحة في العواقب، وصدق الرأي، وثبات الجأش في التصرّفات، ثم يدخل في الحالة الرابعة وهي سلطان البلغم وهي الحالة التي يتحوّل عنها ما بقي إلى الهرم ونكد العيش، وذبول ونقص في القوّة، وفساد في تكوّنه، واستنكار كل شيء كان يعرف من نفسه حتى صار ينام عند القوم ويسهر عند النوم ويتذكّر ما تقدّم وينسى ما يحدث في الأوقات ويذبل عوده ويتغيّر معهوده ويجف ماء رونقه وبهاؤه ويقل نبت شعره وأظفاره ولا يزال جسمه في انعكاس وإدبار ما عاش؛ لأنّه في سلطان البلغم، وهو بارد وجامد، فجموده وبرده يكون فناء كل جسم تستولي عليه في الأخير القوّة البلغمية... ).

حكى هذا المقطع الأدوار من عمر الإنسان، وهي أربعة أدوار، الدور الأول: يبدأ من ولادته وينتهي ببلوغه الخامسة عشرة، وهو دور الصبا، وبداية الشباب الذي هو من أروع أدوار العمر، ومن أكثر ها حيويّة.

الدور الثاني: ويبدأ من الخامسة عشر، وينتهي بالخامسة والثلاثين وهو من أروع فترات العمر ففيه تتكامل قوّة الإنسان، ونشاطه وبهاؤه.

الدور الثالث: ويبدأ من الخامسة والثلاثين، وينتهي بالستين وفي هذا الدور تتكامل معرفة الإنسان، وتنظم فيه أموره، وذلك من خلال تجاربه للأمور، ومعرفته بالأحداث ففي هذا السن يكمل نشاطه الفكري إلاّ أنّ قواه الجسمية تضعف.

الدور الرابع: ويبدأ من الستين حتى يوافيه الأجل المحتوم ففي هذا السن تضعف جميع أجهزته وخلاياه، وتنحلّ قواه، ويكون عالة على غيره خصوصاً إذا أخذ الثمانين عاماً، فتكثر شكواه، وأنينه يقول الشاعر:

إنّ الثمانين وبلغتها

قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

وفي المثل أنّ الشيخوخة سحابة تمطر بالأمراض، أنّ الجسم في هذه السن - كما


يقول الإمام - يذبل عوده، ويجف ماء رونقه، وهو دور فنائه.

قالعليه‌السلام : ( وقد ذكرت لأمير المؤمنين جميع ما يحتاج إليه في سياسة المزاج، وأحوال جسمه، وعلاجه، وأنا أذكر ما يحتاج إلى تناوله من الأغذية والأدوية وما يجب أن يفعله في أوقاته.

فإذا أردت الحجامة فليكن في اثنتي عشر ليلة من الهلال إلى خمس عشرة، فإنّه أصلح لبدنك، فإذا نقص الشهر فلا تحجم إلاّ أن تكون مضطراً إلى ذلك؛ وهو لأنّ الدم ينقص في نقصان الهلال، ويزيد في زيادته ولتكن الحجامة بقدر ما يمضي من السنين، فابن عشرين سنة يحتجم في كل عشرين يوما، وابن الثلاثين في كل ثلاثين يوما مرة واحدة، وكذلك مَن بلغ من العمر أربعين سنة يحتجم في كل أربعين يوماً مرة، وما زاد فبحسب ذلك.

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الحجامة إنّما يؤخذ دمها من صغار العروق المبثوثة في اللحم، ومصداق ذلك ما ذكرته أنّها لا تضعف القوّة، كما يوجد من الضعف عند الفصد، وحجامة النقرة(1) تنفع من ثقل الرأس، وحجامة الأخدعين(2) تخفف عن الرأس والوجه والعينين، وهي نافعة لوجع الأضراس، وربّما ناب الفصد عن جميع ذلك، وقد يحتجم تحت الذقن لعلاج القلدع(3) في الفم، ومن فساد اللثّة، وغير ذلك، من أوجاع الفم، وكذلك الحجامة بين الكتفين تنفع من الخفقان الذي يكون من الامتلاء والحرارة، والذي يوضع على الساقين قد ينقص من الامتلاء نقصاناً بيّناً، وينفع من الأوجاع المزمنة في الكلى والمثانة والأرحام، ويدر الطمث، غير أنّها تنهك الجسد وقد يعرض منها الغشي الشديد إلاّ أنّها تنفع ذوي البثور والدماميل.

والذي يخفف من ألم الحجامة تخفيف المص عند أول ما يضع المحاجم ثم يدرج المص قليلا ً، والثواني أزيد في المص من الأوائل، وكذلك الثوالث فصاعداً، ويتوقّف عن الشرط حتى يحمرّ الموضع جيداً بتكرير المحاجم عليه، ويلين المشراط على جلود ليّنة، ويمسح الموضع قبل شرطه بالدهن وكذلك الفصد فإنّه يقلّل الألم،

____________________

(1) النقرة: حفرة في القفا فوق فقرات العنق بأربع أصابع.

(2) الأخدعان: عرقان خلف العنق من يمينه وشماله في صفحتي العنق.

(3) القلاع: قرحة في جلد الفم واللسان.


وكذلك يلين المشرط والمبضع عند الحجامة، وعند الفراغ منها يلين الموضع بالدهن، ويقطر على العروق إذا فصد شيئاً من الدهن لكيلا يحتجب فيضر ذلك بالمفصود، وليعمد الفاصد أن يفصد من العروق ما كان في المواضع القليلة اللحم؛ لأنّ في قلّة اللحم من فوق العروق قلة الألم، وأكثر العروق ألماً إذا فصد حبل الذراع(1) والقيفال(2) لاتصالهما بالعضد(3) وصلابة الجلد، فأمّا الباسليق(4) والأكحل فإنّهما في الفصد أقل ألماً، إذا لم يكن فوقهما لحم، والواجب تكميد(5) موضع الفصد بالماء الحار ليظهر الدم وخاصة في الشتاء فإنّه يلين الجلد، ويقلّل الألم، ويسهل الفصد، ويجب في كل ما ذكرناه من إخراج الدم اجتناب النساء قبل ذلك باثنتي عشرة ساعة.

ويحتجم في يوم صاح، صاف لا غيم فيه، ولا ريح شديدة، ويخرج من الدم بقدر ما يرى من تغيّره، ولا تدخل يومك ذلك الحمام فإنّه يورث الداء، وصب على رأسك وجسدك الماء الحار، ولا تفعل ذلك من ساعتك.

وإيّاك والحمّام إذا احتجمت فإنّ الحمى الدائمة تكون فيه، فإذا اغتسلت من الحجامة فخذ خرقة مرغزي(6) فالقها على محاجمك أو ثوباً ليّنا من قز أو غيره، وخذ قدر حمصة من الترياق الأكبر(7) واشربه إن كان شتاء، وإن كان صيفاً فاشرب السكنجين العنصلي(8) ، وامزجه بالشراب المفرح المعتدل، وتناوله، أو بشراب الفاكهة، وإن تعذّر ذلك فشراب الأترج، فإن لم تجد شيئاً فتناوله - أي الأترج - بعد علكه ناعماً تحت الأسنان، واشرب عليه جرع الماء الفاتر. وإن كان ذلك في زمان الشتاء والبرد فاشرب عليه السكنجين العسلي فإنّك متى فعلت ذلك أمنت من اللقوة والبرص والبهق والجذام بإذن الله تعالى وامتص من الرمان فإنّه يقوّي النفس ويحيي الدم، ولا تأكل طعام مالحاً بعد ذلك بثلاث ساعات فإنّه يخاف أن يعرض من

____________________

(1) حبل الذراع: الوريد الذي يمتد من الساعد إلى الأعلى.

(2) القيفال: الوريد الذي يظهر عند المرفق.

(3) في نسخة (بالعضل) والصحيح العضد.

(4) الباسليق: الوريد الظاهر من المرفق إلى الساعد.

(5) التكميد: هو لف العضو بلفّاف ونحوه.

(6) المرغزي: هو الزغب الذي تحت شعر العنز.

(7) الترياق الأكبر: هو من الأدوية القديمة.

(8) العنصلي: هو البصل البري، ولعلّ الصحيح العسلي.


ذلك الجرب، وإن شئت فكل من الطياهيج(1) إذا احتجمت، واشرب عليه من الشراب المزكّى الذي ذكرته أولاً، وادهن بدهن الخيري أو شيء من المسك وماء الورد، وصب منه على هامتك ساعة فراغك من الحجامة.

وأمّا في الصيف فإذا احتجمت فكل السكباج(2) والهلام(3) والمصوص(4) والحامض، وصبّ على هامتك دهن البنفسج بماء الورد، وشيئاً من الكافور، واشرب من ذلك الشراب الذي وصفته لك بعد طعامك، وإيّاك وكثرة الحركة والغضب، ومجامعة النساء ليومك... ).

عرض الإمامعليه‌السلام في هذا المقطع للحجامة التي تعود على البدن بأعظم الفوائد، وتعيد له نشاطه، وتنفي عنه الأسقام والأمراض، فهي أعظم وصفة، وأكثرها نجاحاً للمصابين بارتفاع الضغط الدموي، فالدم الذي يخرج إنّما يخرج من صغار العروق المبثوثة في اللحم - على حد تعبير الإمام - وهو لا يوجب ضعفاً في البدن، وقد ذكر الإمام بعض الأمراض التي تعالج بالحجامة وهي:

أ - احتقان الأسنان واللثة.

ب - أمراض الكلى المزمنة والمثانة والرحم.

ج - قلّة الحيض.

د - البثور والدمامل. وقد وصف الإمام عملية الحجامة، وأحاط بجميع جوانبها، وما ينبغي أن يستعمله الإنسان بعدها، وما ينبغي له تركه من الأطعمة والأشربة.

كما عرض الإمام إلى الفصد، وذكر الأوردة التي تفصد كحبل الذراع والقيفال، وذكر أيضاً ما ينبغي استعماله بعد الفصد من شرب بعض المشروبات المنعشة، كما منع من بعض الأطعمة التي تسبّب بعض المخاطر.

قالعليه‌السلام : ( واحذر يا أمير المؤمنين أن تجمع بين البيض والسمك في المعدة في وقت واحد

____________________

(1) الطباهيج: نوع من الطيور.

(2) السكباج: حساء مع الخل.

(3) الهلام: هو السكباج المصفى من الدهن، أو لحم البقر والعجل والمعز يسلق بماء الملح، ثم يؤخذ اللحم المسلوق، ويوضع على البقول المسلوقة مع الخل.

(4) المصوص: لحم يطبخ ويوضع في الخل أو لحم الطير خاصة.


فإنّهما متى اجتمعا في جوف الإنسان ولّدا عليه النقرس والقولنج والبواسير، ووجع الأضراس.

واللبن والنبيذ الذي يشربه أهله إذا اجتمعا ولّدا النقرس والبرص، ومداومة أكل البصل(1) يعرض منه الكلف(2) في الوجه وأكل الملوحة، واللحمان المملوحة، وأكل السمك المملوح بعد الفصد والحجامة يعرض منه البهق والجرب، وأكل كلية الغنم وأجواف الغنم يعكّر المثانة.

ودخول الحمّام على البطنة يولد القولنج، والاغتسال بالماء البارد بعد أكل السمك يورث الفالج، وأكل الأترج في الليل يقلب العين، ويوجب الحول، وإتيان المرأة الحائض يورث الجذام في الولد. والجماع من غير إهراق الماء على إثره(3) يوجب الحصاة، والجماع بعد الجماع من غير فصل بينهما بغسل يورث الولد الجنون، وكثرة أكل البيض(4) وإدمانه يولد الطحال، ورياحاً في رأس المعدة والامتلاء من البيض المسلوق يورث الربو والانبهار(5) ، واكل اللحم النيئ يولد الدود في البطن، وأكل التين يقل منه الجسد إذا أدمن عليه.

وشرب الماء البارد عقيب الشيء الحار والحلاوة يذهب بالأسنان، والإكثار من أكل لحوم الوحش والبقر يورث تغيير العقل، وتحيّر الفهم، وتبلّد الذهن، وكثرة النسيان ).

حذّر الإمامعليه‌السلام - في هذا المقطع - من الجمع بين ألوان من الأطعمة في الأكل، وذلك لما تورثه من الأمراض، وكان من بين ما حذّر منه الجمع بين أكل السمك والبيض؛ وذلك لما يعقبه من الأمراض التالية:

1 - داء النقرس.

2 - القولنج.

3 - البواسير.

____________________

(1) في نسخة البيض.

(2) الكلف: مرض يعلو الوجه.

(3) إهراق الماء: أراد به عدم البول بعد العملية الجنسية.

(4) في نسخة البصل.

(5) الانبهار: ضيق النفس.


4 - وجع الأضراس.

كما حذّر من تناول الطعام المالح؛ لأنّه يؤدّي إلى تصلّب الشرايين، وارتفاع ضغط الدم. وكان من بين ما حذّر منه الإمام شرب الماء البارد عقيب الشيء الحار أو عقيب أكل الحلويات، فإنّه يوجب تدمير الأسنان كما أكّد ذلك أطبّاء الأسنان، فقد ذكروا أنّ ذلك ممّا يوجب تدمير الأسنان.

لقد حوى المقطع على فوائد صحيّة في غاية الأهمية لو أخذ بها الناس لأصبح الطب وقائياً، وما احتاجوا إلى عيادة الأطباء.

قالعليه‌السلام : ( وإذا أردت دخول الحمّام، وأن لا تجد في رأسك ما يؤذيك فابدأ عند دخول الحمّام بخمس أكف ماء حار تصبها على رأسك فإنّك تسلم إن شاء الله تعالى من وجع الرأس والشقيقة.

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الحمام ركب على تركيب الجسد، للحمّام أربعة بيوت مثل طبايع الجسد، البيت الأول: - وهو المسلخ الذي ينزع فيه الثياب - بارد يابس، والثاني: بارد رطب، والثالث: حار رطب، والرابع: حار يابس، ومنفعة الحمّام عظيمة يؤدّي إلى الاعتدال، وينقي الدرن، ويلين العصب والعروق، ويقوّي الأعضاء الكبار، ويذيب الفضول، ويذهب العفن.

فإذا أردت أن لا يظهر في بدنك بثرة ولا غيرها فابدأ عند دخول الحمام بدهن بدنك بدهن البنفسج، وإذا أردت استعمال النورة، ولا يصيبك قرح، ولا شقاق ولا سواء فاغتسل بالماء البارد قبل أن تتنور، ومَن أراد دخول الحمّام للنورة، فليجتنب الجماع قبل ذلك باثنتي عشرة ساعة، وهو تمام يوم، وليطرح في النورة شيئاً من الصبر والأقاقيا(1) والحضض، أو يجمع ذلك ويأخذ منه اليسير إذا كان مجتمعا أو متفرقا، ولا يلقي في النورة شيئا من ذلك حتى تماث النورة بالماء الحار الذي طبخ فيه بابونج ومرزنجوش أو ورد بنفسج يابس أو جميع ذلك اجزاء يسيرة مجموعة أو متفرقة بقدر ما يشرب الماء رائحته، وليكن الزرنيخ مثل سدس النورة، ويدلك الجسد بعد الخروج منها بشئ يقلع رائحتها كورق الخوج، وثجير العصفر، والحناء والورد، والسنبل

____________________

(1) الأقاقيا: الشوكة المصرية.


مفردة أو مجتمعة.

ومَن أراد أن يأمن من إحراق النورة فليقلل من تقليبها، وليبادر إذا عمل في غسلها، وأن يمسح البدن بشيء من دهن الورد، فإن أحرقت البدن - والعياذ بالله - يؤخذ عدس مقشّر، ويسحق ويداف في ماء ورد وخل ويطلى به الموضع الذي أثرّت فيه النورة، فإنّه يبرأ بإذن الله تعالى... والذي يمنع من آثار النورة في الجسد هو أن يدلك الموضع بخل العنب الثقيف، ودهن الورد دلكا جيّداً... ).

الحمّام ضرورة ملحّة للإنسان لا غنى له عنه، فيه نظافته، وسلامة بدنه من الأوساخ، والأقذار، التي تسبّب الأمراض الجلدية، وقد تحدّث عنه سليل النبوّة، ومعدن العلم والحكمة عن جميع نواحيه ووجوهه، ومنافعه التي منها اعتدال البدن، ونقايته من الدرن وذهاب العفن.

إنّ حديث الإمامعليه‌السلام عن الحمّام كان حديثاً مفصّلاً؛ لأنّه من الوسائل الصحيّة، ومن مصادر الطهارة والنظافة التي تزيل ما ران على الجسد من الأوساخ الخارجية، وإفرازات الدهن السطحية، كما تحدّثعليه‌السلام بصورة شاملة عن النورة التي يزال بها الشعر المتراكم في البدن، والتي يؤدّي إزالته إلى إنعاش البدن، ونظافته.

قالعليه‌السلام : ( ومَن أراد أن لا يشتكي مثانته فلا يحبس البول، ولو على ظهر دابته. ومَن أراد أن لا تؤذيه معدته فلا يشرب بين طعامه ماء حتى يفرغ، ومَن فعل ذلك رطب بدنه، وضعفت معدته، ولم تأخذ العروق قوّة الطعام فإنّه يصير في المعدة فجّاً إذا صب الماء على الطعام أولاً فأولاً.

ومَن أراد أن لا يجد الحصاة وحصر البول فلا يحبس المني عند نزول الشهوة، ولا يطل المكث عند النساء.

ومَن أراد أن يأمن من وجع السفل، ولا يظهر به وجع البواسير فليأكل كل ليلة سبع ثمرات برني بسمن البقر، ويدهن بين أنثييه بدهن زنبق خالص.

ومَن أراد أن يزيد حافظته فليأكل سبع مثاقيل زبيب على الريق، ومَن أراد أن يقل نسيانه ويكون حافظاً فليأكل كل يوم ثلاث قطع زنجبيل مربى بالعسل،


ويصطبغ(1) بالخردل مع طعامه في كل يوم، ومَن أراد أن يزيد في عقله يتناول كل يوم ثلاث هيليجا بسكر أبلوج(2) ومَن أراد أن لا ينشق ظفره، ولا يميل إلى الصفرة، ولا يسود حول ظفره فلا يقلم ظفره إلاّ يوم الخميس، ومَن أراد أن لا تؤلمه أذنه فليجعل فيها عند النوم قطنة. ومَن أراد ردع الزكام مدة أيام الشتاء فليأكل كل يوم ثلاث لقم من الشهد... ).

عرض الإمامعليه‌السلام في هذا المقطع إلى وصايا صحية بالغة الأهمية، فقد أعطى وصفات صحية للسلامة والوقاية من كثير من الأمراض، كان منها:

1 - سلامة الجهاز البولي.

2 - سلامة المعدة.

3 - الوقاية من الحصاة.

4 - الوقاية من البواسير. إلى غير ذلك من الوصايا التي تتضمّن سلامة البدن من الإصابة بالأمراض.

قالعليه‌السلام : ( واعلم يا أمير المؤمنين أنّ للعسل دلائل يعرف بها نافعه من ضاره، وذلك أنّ منه شيئاً إذا أدركه الشم عطس، ومنه شيء يسكر، وله عند الذوق حرقة شديدة فهذه الأنواع من العسل قاتلة.

ولا يؤخر شم النرجس فإنه يمنع الزكام في مدة أيام الشتاء، وكذلك الحبة السوداء، وإذا خاف الإنسان الزكام في أيام الصيف فليأكل كل يوم خيارة، وليحذر الجلوس في الشمس.

ومَن خشي الشقيقة(3) والشوصة(4) فلا يؤخّر أكل السمك الطري صيفاً أو شتاء، ومَن أراد أن يكون صالحاً خفيف الجسم واللحم فليقلّل من عشائه بالليل، ومَن أرد أن لا يشتكي سرته فليدهنها متى دهن رأسه، ومَن أراد أن لا تشقق شفتاه،

____________________

(1) مصطبخ: أي يجعله صبغاً وإداماً.

(2) سكر ابلوج: نبات.

(3) الشقيقة: وجع يصيب نصف الرأس والوجه.

(4) الشوصة: وجع في البطن أو ريح تعقب في الأضلاع.


ولا يخرج فيها باسور(1) فليدهن حاجته من دهن رأسه، ومَن أراد أن لا تسقط أذناه(2) ولهاتاه فلا يأكل حلوا حتى يتغرغر بعده بخل، ومَن أراد أن لا يصيبه اليرقان فلا يدخل بيتاً في الصيف أوّل ما يفتح بابه، ولا يخرج منه أوّل ما يفتح بابه في الشتاء غدوة، ومَن أراد أن لا يصيبه ريح في بدنه فليأكل الثوم كل سبعة أيام مرة، ومَن أراد أن لا تفسد أسنانه فلا يأكل حلواً إلاّ بعد كسرة خبز، ومَن أراد أن يستمري طعامه فليتكئ بعد الأكل على شقّه الأيمن، ثم ينقلب بعد ذلك على شقّه الأيسر حتى ينام، ومَن أراد أن يذهب البلغم من بدنه، وينقصه، فليأكل كل يوم بكرة شيئاً من الجوارش(3) الحريف، ويكثر دخول الحمّام ومضاجعة النساء، والجلوس في الشمس، ويجتنب كل بارد من الأغذية فإنّه يذهب البلغم ويحرقه، ومَن أراد أن يطفئ لهب الصفراء فليأكل كل يوم شيئاً رطباً بارداً ويروح بدنه، ويقل الحركة، ويكثر النظر إلى مَن يحب.

ومَن أراد أن يحرق السوداء فعليه بكثرة القيء وفصد العروق، ومداومة النورة، ومَن أراد أن يذهب بالريح البارد فعليه بالحقنة، والأدهان الليّنة على الجسد وعليه بالتكميد بالماء الحار بالأبزن(4) ومَن أراد أن يذهب عنه البلغم فليتناول بكرة كل يوم من الأطريفل الصغير مثقالاً واحداً... ).

عرض الإمامعليه‌السلام في أكثر فصول هذا المقطع إلى صحّة أعضاء الإنسان، فوضع الوصفات الصحية لسلامتها ووقايتها من الإصابة بالأمراض، فقد وضع الأسس الكفيلة للوقاية من الزكام الذي هو فاتحة الأمراض وقد أعطى الوصفة في الشتاء، ووصفة أخرى في أيام الصيف.

لقد أبدى الإمامعليه‌السلام نصائحه الطبية لسلامة أجهزة بدن الإنسان، ووضع لها الوصفات الناجحة التي تحسم الداء.

قالعليه‌السلام : ( واعلم يا أمير المؤمنين أن المسافر ينبغي له أن يتحرز من الحر إذا سافر وهو ممتلئ من الطعام، ولا خالي الجوف، وليكن على حد الاعتدال، وليتناول من الأغذية

____________________

(1) في نسخة باثور وهو الأصح.

(2) سقوط الأذن واللهاة تراخيهما ولعلّه يريد بالأذن اللوزيتين.

(3) الجوارش الحريف: كالكمون والفلافل وأشباههما.

(4) الأبزن: ظرف فيه ماء حار توضع فيه الأدوية الخاصة لجلوس المريض فيه.


الباردة مثل الغريض(1) والهلام، والخل والزيت وماء الحصرم، ونحو ذلك من الأطعمة الباردة.

واعلم يا أمير المؤمنين أنّ السير الشديد في الحر الشديد ضار بالأبدان المنهوكة إذا كانت خالية من الطعام، وهو نافع بالأبدان الخصبة، وأمّا صلاح المياه للمسافر، ودفع الأذى عنه فهو أن لا يشرب من ماء كل منزل يرده إلاّ بعد أن يمزجه بماء المنزل الذي قبله أو بشراب واحد غير مختلف يشوبه بالمياه على اختلافها، والواجب أن يتزوّد المسافر من تربة وطنه التي ربي عليها، وكل ما ورد إلى منزل طرح في إنائه الذي يشرب منه الماء شيئاً من الطين الذي تزوّده من بلده، ويشوب الماء بالطين في الآنية بالتحريك، ويؤخر قبل شربه حتى يصفو صفاءً جيداً، وخير الماء شرباً لـمَن هو مقيم أو مسافر ما كان ينبوعه من الجهة الشرقية من الخفيف الأبيض، وأفضل المياه ما كان مخرجها من مشرق الشمس الصيفي، وأصحّها وأفضلها ما كان بهذا الوصف الذي نبع منه، وكان مجراه في جبال الطين؛ وذلك لأنّها تكون في الشتاء باردة، وفي الصيف مليّنة للبطن نافعة لأصحاب الحرارات. وما الماء المالح والمياه الثقيلة فإنّها تيبس البطن، ومياه الثلوج والجليد ردية لساير الأجساد، وهي كثيرة الضرر جداً. وأمّا مياه السحب فإنّها خفيفة عذبة صافية نافعة للأجسام إذا لم يطل خزنها وحبسها في الأرض. وأمّا مياه الجب فإنّها عذبة نافعة إن دام جريها، ولم يدم حبسها في الأرض، وأمّا البطايح والسباخ فإنّها حارة غليظة في الصيف لركودها، ودوام طلوع الشمس عليها، وقد يتولّد من دوام شربها المرة الصفراوية، وتعظم به أطلحتهم... ).

ووضع الإمامعليه‌السلام البرامج الحيّة لسلامة المسافر ووقايته من الأمراض، فقد أوصى بعدم السفر إذا كان الشخص ممتلئ البطن فإنّ ذلك لا يساعده على جهد السفر وعنائه، كما ينبغي أن لا يكون خالي الجوف فإنّه لا يقوى على السفر، ونهى الإمام عن السفر في الحر الشديد فإنّ ذلك يعرض المسافر للخطر.

كما عرض الإمامعليه‌السلام إلى المياه فذكر أنواعها، وما ينبغي أن يشرب

____________________

(1) الغريض: اللحم الطري.


منها، وما ينبغي أن لا يشرب لأنه مما يضر بالصحة العامة لقد كان وصف الامام للمياه وصفا دقيقا، لم يسبق أن عرض لها بهذه الكيفية غيره.

قالعليه‌السلام : ( وقد وصفت لك يا أمير المؤمنين فيما تقدّم من كتابي هذا ما فيه كفاية لـمَن أخذ به، وإنّما أذكر أمر الجماع، فلا تدخل النساء من أول الليل صيفاً، ولا شتاء؛ وذلك لأنّ المعدة والعروق تكون ممتلية، وهو غير محمود، ويتولّد منه القولنج والفالج واللقوة، والنقرس، والحصاة والتقطير، والفتق، وضعف البصر، ورقنه، فإذا أردت ذلك فليكن في آخر الليل فإنّه أصلح للبدن، وأرجى للولد وأزكى للعقل في الولد، الذي يقضي الله بينهما.

ولا تجامع امرأة حتى تلاعبها، وتكثر ملاعبتها، وتغمز ثدييها فإنّك إذا فعلت ذلك غلبت شهوتها، واجتمع ماؤها لأنّ ماءها يخرج من ثدييها، والشهوة تظهر من وجهها وعينيها، واشتهت منك مثل الذي تشتهيه منها، ولا تجامع النساء إلاّ وهي طاهرة، فإذا فعلت ذلك، فلا تقم قائماً ولا تميل جالساً، ولكن تميل على يمينك، ثم انهض للبول إذا فرغت من ساعتك شيئاً، فإنّك تأمن من الحصاة بإذن الله تعالى. ثم اغتسل واشرب من ساعتك شيئاً من الموميائي بشراب العسل أو بعسل منزوع الرغوة، فإنّه يرد من الماء مثل الذي خرج منك. واعلم يا أمير المؤمنين أنّ جماعهن، والقمر في برج الحمل أو الدلو من البروج أفضل، وخير من ذلك أن يكون في برج الثور لكونه شرف القمر(1) .

ومَن عمل فيما وصفت في كتابي هذا، ودبر به جسده أمن بإذن الله تعالى من كل داء، وصحّ جسمه بحول الله وقوّته، فإنّ الله يعطي العافية لـمَن يشاء ويمنحها إيّاه والحمد لله أوّلاً وآخراً، وظاهراً وباطناً... ).

وتناول الإمامعليه‌السلام - في هذا المقطع - الحياة الجنسية، وقد أدلى بكثير من الجوانب المهمّة التي يجهلها الناس، فقد حذّر من إتيانها في أوّل الليل، وذلك لما يترتّب عليها من الأضرار التي منها الإصابة بما يلي:

أ - بالقولنج.

____________________

(1) قال المجلسي: ولعلّ ذكر هذه الأمور - إن كان منه - لبعض المصالح موافقة لما اشتهر في ذلك الزمان عند المأمون وأصحابه من العمل بآراء الحكماء.


ب - الفالج.

ج - اللقوة.

د - النقرس.

ه‍ـ - الحصاة.

و - الفتق.

ز - ضعف البصر.

ودعا إلى استعمالها في الهزيع الأخير من الليل، كما نبّه على كثير من الفوائد.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن هذه الرسالة الذهبية التي هي من ذخائر كتب الطب.

3 - صحيفة الرضاعليه‌السلام :

من مؤلّفات الإمام الرضاعليه‌السلام هذه الرسالة الغرّاء التي سُمّيت بـ‍ (صحيفة الرضا ) وسمّاها فريق من الرواة بـ (مسند الإمام الرضا ) وهذه التسمية أقرب إلى وضع الكتاب؛ لأنّه حوى بعض ما يرويه من الأخبار عن جدّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعن آبائه الأئمّة الطاهرينعليهم‌السلام ، وقد نصّ جمهرة من المحققين على أنّ هذه الرسالة من مؤلّفات الإمامعليه‌السلام (1) .

وعلى أيّ حال فإنّ هذه الرسالة من ذخائر النبوّة، وكنوز أهل البيت ومواريث الأئمّة التي بلغت من علوّ الإسناد ذروة الشرف، وكاهل العِزّ - كما يقول الدكتور حسين علي محفوظ(2) .

ونحن ننقل بعض هذه الرسالة عن نسخة طُبعت في القاهرة بمطبعة المعاهد بجوار الأزهر سنة (1340 ه‍)، وقد طبعها العلاّمة عبد الواسع بن يحيى الواسمي، ورتّبها على عشرة أبواب، وهي:

____________________

(1) كشف الظنون 2 / 1076، هداية العارفين 1 / 668، معجم المؤلفين 7 / 250، الذريعة 15 / 17 - 18، كشف الحجب والأستار (ص 366 - 367) البحار 1 / 11، مستدرك الوسائل 3 / 344 النجاشي (ص 159) الأمالي، التوحيد، العيون وغيرها.

(2) صحيفة الرضا (ص 2).


الباب الأوّل

في الذكر

وبعد مقدّمة ذكرها الشيخ عبد الواسع تتعلّق بضرورة ذكر السند، قال: أروي هذه الصحيفة بالسند الصحيح المتصل إلى الإمام القاسم بن محمدعليه‌السلام ، عن شيخه السيد أمير الدين بن عبد الله، عن السيد أحمد بن عبد الله الوزير، عن الإمام المطهر بن محمد بن سليمان، عن الإمام المهدي أحمد بن يحيى، عن سليمان بن إبراهيم بن عمر العلوي، عن أبيه إبراهيم، عن رضاء الدين إبراهيم بن محمد الطبري، عن الإمام نجم الدين التبريزي، عن (الحافظ ابن عساكر)، عن زاهر السنحاني عن (الحافظ البيهقي):

1 - عن أبي القاسم المفسّر، عن إبراهيم بن جعدة، عن أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي بالبصرة، قال: حدثني علي بن موسى الرضاعليه‌السلام سنة (194 ه‍) قال: حدثني أبي موسى بن جعفر قال: حدثني أبي جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال حدثني أبي علي بن الحسين، قال حدثني أبي الحسين بن علي، قال حدثني أبي علي بن أبي طالب سلام الله عليهم أجمعين آمين إلى يوم الدين، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

( يقول الله تعالى: لا إله إلاّ الله حصني، فمَن دخل حصني أمن من عذابي... ).(1) .

إنّ هذه الكلمة المشرقة هي سرّ الوجود، ومصباح المتقين، ودليل العارفين فمَن قالها عن معرفة وإيمان دخل حصن الله الذي من دخله فاز برضوان الله تعالى وأمن من عذابه.

2 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن أنعم الله عليه بنعمة فليحمد الله عليها، ومَن استبطأ الرزق فليستغفر الله، ومَن أحزنه أمر فليقل لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم... ).

إنّ ذكر الله تعالى، والانقطاع إليه يستوجب المزيد من نعمه، وألطافه، ومَن قال هذه الكلمات في هذه المواضع شملته رحمة الله، وظفر بالخير العميم.

____________________

(1) في رواية الطبرسي بشرطها وشروطها وأنا من شروطها. وسنتكلّم عن هذا الحديث الشريف في بعض غضون هذا الكتاب.


3 - وباسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الإيمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالأركان... ).

الايمان شعلة من النور تضئ القلب، وتسري سريان الحياة في نفوس المتقين والعارفين، وتستولي على عواطفهم ومشاعرهم.

4 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يقول الله: ( ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلاّ قطعت أسباب السماوات والأرض من دونه، فإن سألني لم أعطه، وإن دعاني لم أجبه، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي إلاّ ضمنت السماوات والأرض برزقه فإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن استغفرني غفرت له... ).

لقد خاب، وباء بالفشل والخسران، مَن يرجو غير الله تعالى الذي بيده مجريات الأحداث يقول بعض الشعراء:

تربت يد سألت سواك وأجدبت

أرض بغير سحاب جودك توسمُ

فالعِزّ إلاّ من لديك محرم

والمال إلاّ من يديك محرّمُ

إنّ العبد إذا انقطع إلى الله، واعتصم به، فقد ظفر بالخير، وفاز بالنعم في دنياه وآخرته.

5 - وبإسناده قال:... ( حدثني علي بن الحسينعليه‌السلام ، أنّ يهودياً سأل علي ابن أبي طالبعليه‌السلام قال: اخبرني عمّا ليس لله وعمّا ليس عند الله وعمّا لا يعلمه الله؟ فقال عليعليه‌السلام : أمّا مالا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود عزير ابن الله، والله لا يعلم له ولداً، وأمّا ما ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعبيد، وأمّا ما ليس لله فليس لله شريك، قال اليهودي، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله... ).

إنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام هو باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه وآله) وهو عملاق هذه الأمّة، ورائد نهضتها الفكرية والعلمية، ومن المقطوع به أنّه لو ثنيت له الوسادة، وتسلّم قيادة الحكم بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لما بقي يهودي، ولا نصراني، ولا مجوسي، إلاّ ودخلوا في حظيرة الإسلام، وانتهلوا من نميره العذب.

6 - وبإسناده قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شكّ فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور، وأوّل مَن يدخل الجنة


شهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربّه، ونصح لسيّده، ورجل عفيف متعفّف ذو عيال، وأوّل مَن يدخل النار إمام مسلط لم يعدل، وذو ثروة من المال لم يقض حقّه، وفقير فخور... ).

وألمّ هذا الحديث الشريف بأفضل الأعمال، وأكثرها مثوبة وأجراً عند الله تعالى، وهو الإيمان بالله تعالى الذي لا يخامره شك، والغزو الذي لا غلول فيه وإنّما يقصد فيه نشر كلمة الله في الأرض، وحج بيت الله الحرام.

كما حكى هذا الحديث الشريف أفضل الرجال عند الله تعالى، وأكرمهم عليه، وهم: الشهداء في سبيل الله لا في سبيل مغنم أو شيء من متع الحياة، والعبد المملوك المؤمن بربّه والناصح لسيّده، والرجل العفيف ذو العيال الذي يسعى لإعاشة عياله.

وحكى هذا الحديث أيضاً أبغض الرجال إلى الله، والذين يستحقون نار جهنّم، وأوّل مَن يدخلونها من العصاة والمجرمين: الحاكم الذي يظلم عباد الله، ولا يسير بين الناس بالحق والعدل، وصاحب الثراء العريض الذي يبخل بحقوق الله ولا يسعف الفقير، والفقير الفخور الذي يفخر بنفسه وأُسرته، ويتجبّر ويتكبّر على خلق الله.

7 - وبإسناده قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( من حفظ على أمّتي أربعين حديثاً، ينتفعون بها؛ بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً... ).

إنّ الأحاديث النبوية شعلة من النور تهدي الحائر، وترشد الضال وتنير الطريق؛ لأنّها من ينابيع الحكمة، فمَن أذاعها بين المسلمين فقد ساهم في بناء الفكر الإسلامي، وقد وعده الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يبعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً.

8 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ( مَن أفتى الناس بغير علم لعنته السماوات والأرض... ).

إنّ من أكثر الجرائم بشاعة، وأكثرها إثماً فتوى الناس بغير علم؛ فإنّه تضليل للناس، وإشاعة للكذب، وافتراء على الله.

9 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( التوكّل، والتوحيد نصف الدين، واستنزلوا الرزق من عند الله بالصدقة... ).


إنّ التوكّل على الله، والإقرار له بالتوحيد إنّما هو من صميم الدين، وعنصر أساس في كيانه... وحثّ الإمام على الصدقة؛ لأنّ بها إسعافاً للفقراء والمحرومين، ووعد المتصدّق بأنّ الله تعالى يمنحه الرزق والعطاء.

10 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ موسى بن عمران سأل ربّه فقال: بعيد أنت يا رب فأُناديك أم قريب فأُناجيك، فأوحى الله إليه يا موسى أنا جليس مَن ذكرني... ).

إنّ الله تعالى قريب لكل مَن يناجيه، ويدعوه، وينيب إليه، فيشمله برحمته ولطفه.

11 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( دعاء أطفال أُمّتي مستجاب، ما لم يقارفوا الذنوب... ).

إنّ دعاء أطفال المؤمنين مستجاب، فلا يرد الله لهم دعوة، ولكن إذا لم يقترفوا الجرائم والذنوب.

12 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن مرّ على المقابر، وقرأ قل هو الله إحدى عشرة مرّة، ثمّ وهب أجره للأموات؛ أُعطي له من الأجر بعدد الأموات... ).

إنّ قراءة سورة التوحيد للأموات المسلمين له الأجر المضاعف عند الله، والثواب الجزيل.

13 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ( الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض فعليكم بالدعاء، وأخلصوا النيّة... ).

وحكى هذا الحديث أهمّية الدعاء، فهو سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض، وقد حاز بذلك أسمى مكانة عند الله تعالى.

14 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا أراد أحدكم حاجة فليباكر في طلبها يوم الخميس، وليقرأ إذا خرج من منزله آخر آل عمران، وآية الكرسي، وإنّا أنزلناه في ليلة القدر، وأُمّ الكتاب، فإنّ فيها قضاء حوائج الدنيا والآخرة... ).

وحوى هذا الحديث المنهاج لقضاء الحوائج، فقد حدّد الزمان، وحدّد ما يقرأ.


فيه من الآيات والسور من كتاب الله العزيز.

15 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ستة من المروءة: ثلاثة منها في الحضر: وثلاثة في السفر: أمّا التي في الحضر: فتلاوة القرآن، وعمارة المساجد، واتخاذ الإخوان في الله، وأمّا التي في السفر فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي الله... ).

إنّ هذه الخصال الستة تحكي شرف الإنسان، ومروءته، وحسن طويته.

16 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( اللّهمّ ارحم خلفائي ثلاث مرات: قيل: يا رسول الله مَن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي، ويروون أحاديثي وسنّتي، ويعلّمونها الناس من بعدي... ).

إنّ الذين يروون أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ويذيعونها بين الناس، ويعلمّونهم معالم الدين، وأحكام الشريعة هم خلفاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأقرب الناس إليه.

17 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( إنّ هذا العلم خزائن الله، ومفاتيحه السؤال فاسألوا يرحمكم الله فإنّه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلّم، والمستمع، والمجيب... ).

حثّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الجاهل على السؤال عمّا لا يعلمه من شؤون دينه وغيره فإنّ في ذلك إذاعة للعلم، ونشراً له.

18 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن قرأ إذا زُلزلت الأرض أربع مرّات كان كمَن قرأ القرآن كلّه... ).

إنّ قراءة هذه السورة الكريمة أربع مرات يترتّب عليها هذا الأثر العظيم، وهو قراءة القرآن كلّه.

19 - وبإسناده قال، حدثني أبي محمد بن عليعليهما‌السلام قال: قالعليه‌السلام : خمسة لو دخلتم فيهن ما قدرتم على مثلهن لا يخاف عبد إلاّ ذنبه، ولا يرجو إلاّ ربّه، ولا يستحي الجاهل إذا سُئل عمّا لم يعلم أن يقول: الله ورسوله أعلم، ولا يستحي الذي لا يعلم أن يتعلّم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لـمَن لا صبر له... ).

وتجسّدت الحكمة في هذه الأمور، التي يسمو بها الإنسان لو أخذ بها، ويكون


مثلاً أعلى للفضيلة والأدب.

19 - وبإسناده قال:... حدثني الحسين بن عليعليهما‌السلام ، قال: ( وجد لوح تحت حائط مدينة من المدائن مكتوب فيه أنا الله لا إله إلاّ أنا، ومحمد نبيي، عجبت لـمَن أيقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لـمَن أيقن بالقدر كيف يحزن؟! وعجبت لـمَن اختبر الدنيا كيف يطمئن إليها؟! وعجبت لـمَن أيقن بالحساب كيف يذنب؟! وحوى هذا اللوح موعظة جليلة لو تأمّلها الإنسان لابتعد عن كل ذنب، وعمل كل ما يقرّبه إلى الله زلفى ).

20 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أتاني ملك، فقال: يا محمد إنّ ربّك يقرئك السلام، ويقول لك: إن شئت جعلت لك بطحاء مكة ذهباً، قال فرفع رأسه إلى السماء، فقال: يا رب أشبع يوماً فأحمدك، وأجوع يوماً فأسألك... ).

لقد زهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الدنيا، وأعرض عن زخارفها، واتجه صوب الله تعالى، وكان ذلك من خصائصه التي امتاز بها على سائر النبيين.

الباب الثاني

في الأذان

21 - وبإسناده قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : لمّا بدأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بتعليم الأذان أتى جبريل بالبراق فاستصعب عليه، ثم أتاه بدابة يقال لها براقة فاستصعبت عليه فقال لها جبريل اسكني فما ركبك أحد أكرم على الله منه فسكنت، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فركبتها حتى انتهت إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تبارك وتعالى فخرج ملك من وراء الحجاب فقال: الله أكبر، الله أكبر، قال: فقلت: يا جبريل مَن هذا الملك، قال: والله الذي أكرمك بالنبوّة ما رأيت هذا الملك قبل ساعتي هذه، فقال: الله أكبر، الله أكبر، فنودي من وراء الحجاب صدق عبدي أنا أكبر، أنا أكبر، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فقال الملك أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، فنودي من وراء الحجاب صدق عبدي أنا الله لا إله إلاّ أنا، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فقال الملك: أشهد أنّ محمداً رسول الله، أشهد أنّ محمداً رسول الله فنودي من وراء الحجاب


صدق عبدي أنا أرسلت محمداً رسولاً، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فقال الملك: حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، فنودي من وراء الحجاب صدق عبدي، ودعا إلى عبادتي، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال الملك: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، فنودي من وراء الحجاب صدق عبدي، ودعا إلى عبادتي، وقد أفلح مَن واظب عليها(1) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أكمل الله لي الشرف على الأوّلين والآخرين... ).

لقد أجمعت الشيعة على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي شرع الأذان بهذه الكيفية التي ذكرت في هذا الحديث أو بما يقرب منها في حين أنّ أبناء السنّة والجماعة ذكروا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لما قدم المدينة صعب على الناس معرفة أوقات صلاته فتشاوروا في أن ينصبوا علامة يعرفون وقت صلاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كيلا تفوتهم الجماعة، فأشار بعضهم بالناقوس فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : هو للنصارى، وأشار بعضهم بالبوق فقال: هو لليهود، وأشار بعضهم بالدف فقال: هو للروم، وأشار بعضهم بإيقاد النار، فقال: ذلك للمجوس، وأشار بعضهم بنصب راية، فإذا رآها الناس أعلم بعضهم بعضاً فلم يعجبهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك، فقامصلى‌الله‌عليه‌وآله مهتمّاً، فبات عبد الله بن زيد مهتمّاً باهتمام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرأى في نومه مَلَكاً علّمه الأذان والإقامة، فأخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك، وقد وافقت الرؤيا الوحي، فأمر بهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (2) وهذا بعيد جداً لأنّ الأذان والإقامة من مقدّمات الصلاة، شأنهما شأن بقية المقدمات من الطهارة واستقبال القبلة وإباحة المكان، وجميع هذه المقدمات، مع بيان الصلاة قد نزل بها الوحي، ثم لماذا رأى عبد الله بن زيد الملك، ولم يره بقية الصحابة ممن هم أجل شأنا منه.

الباب لثالث

في الحثّ على الصلوات الخمس وصفة صلاة الجنائز

22 - وبإسناده قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا يزال الشيطان

____________________

(1) أورد الحديث في تأريخ الخميس بلفظه مع زيادة (حيّ على خير العمل) ونصّت مصادر الحديث والفقه عند الشيعة على ذلك.

(2) الفقه على المذاهب الأربعة 1 / 311.


ذاعراً(1) من ابن آدم ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيّعهن تجرأ عليه، وأوقعه في العظائم... ).

إنّ الله تعالى شرف الإنسان وكرمه، بالصلاة والمثول بين يديه في الصلوات الخمس، وإنّ الشيطان الرجيم ليعبث بالإنسان، ويجهد على أن يحرمه من هذه الفضيلة والمنزلة الكريمة.

23 - وبإسناده قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن أدّى فريضة فله عند الله دعوة مستجابة... ).

إنّ أداء الفريضة سواء أكانت صلاة أم صوماً أم حجّاً أم غيرها، فإنّ لها من الأجر عند الله تعالى أن يستجيب له دعوة.

24 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا تزال أُمّتي بخير ما تحابوا، وأدّوا الأمانة واجتنبوا الحرام، وأقروا الضيف، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإن لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالسنين والقحط... ).

دعا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمّته إلى المحافظة على هذه الخصال الكريمة، ووعدهم أن يكونوا بخير ما داموا يؤدّونها، فإذا أهملوها فان الله تعالى يصيبهم ببلاء عظيم.

25 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا لم يستطع الرجل أن يصلّي قائماً صلّى جالساً، فإن لم يستطع أن يصلّي جالساً فليصلّ مستلقياً على قفاه رجليه حيال القبلة يومي إيماء... ).

من أهم الفرائض الإسلامية الصلاة، ولا تسقط عن المكلّف بحال من الأحوال، فإذا كان قادراً صلّى من قيام، وإذا كان عاجزاً صلى من جلوس، وهكذا حيث ما ذكر في الرواية.

26 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( حافظوا على الصلوات الخمس، فإنّ الله عزّ وجل إذا كان يوم القيامة يدعو العبد فأوّل شيء يسأل عنه الصلاة، فإذا جاء بها تامة، وإلاّ زجّ في النار... ).

إنّ أوّل ما يسأل عنه المكلّف في حشره ونشره هي الصلاة فإذا جاء بها تامة فقد

____________________

(1) ذاعراً: أي فزعاً.


سلم من عقاب الله تعالى، وإذا لم يأت بها أو كانت فاقدة لبعض شروطها فإنّه يُزجّ في النار.

27 - وبإسناده قالعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه: ( لا تضيعوا صلاتكم فإنّ مَن ضيّع صلاته حُشر مع قارون وفرعون وهامان، وكان حقّاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين، والويل لـمَن لم يحافظ على صلاته وأداء سنّة نبيّه... ).

لقد اهتمّ الإسلام بالصلاة اهتماماً بالغاً، وميّزها على بقيّة العبادات فمَن أدّاها كان مسلماً، ومَن أنكرها مات ميتة جاهلية، وحشر مع الظالمين والكافرين.

27 - وبإسناده قال: قال علي صلوات الله عليه: صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلاة السفر فقرأ في الأُولى الحمد، وقل يا أيّها الكافرون، وفي الأخرى الحمد، وقل هو الله أحد، ثم قال: قرأت لكم ثلث القرآن وربعه... ).

وتقصر الصلاة الرباعية في السفر، وقد قرأ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الركعة الأُولى بعد الفاتحة سورة( قل يا أيّها الكافرون ) وفي الركعة الثانية قرأ بعد الفاتحة سورة التوحيد، وبيّنصلى‌الله‌عليه‌وآله ثواب ذلك بأنّه قد قرأ ثلث القرآن في الركعة الأُولى، وربع القرآن الكريم في الركعة الثانية.

28 - وبإسناده قال: سُئل محمد بن عليعليه‌السلام عن الصلاة فزعم أنّ أباه كان يقصر الصلاة في السفر... ).

أمّا تقصير الصلاة في السفر فإنّها من ضروريات مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ، وقد دلّ على ذلك الكتاب والسنّة.

29 - وبإسناده قال:... ( رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كبّر على عمّه حمزةعليه‌السلام خمس تكبيرات، وكبّر على الشهداء بعده خمس تكبيرات، فلحق بحمزة سبعون تكبيرة... ).

أمّا الصلاة على الأموات فهي من الواجبات الكفائية فإذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، أمّا كيفيتها فهي: أن يأتي بخمس تكبيرات يأتي بالشهادتين بعد الأُولى، والصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد الثانية، والدعاء للمؤمنين


والمؤمنات بعد الثالثة، والدعاء للميت بعد الرابعة، ثم يكبر الخامسة وينصرف(1) وقد تضافرت بذلك الاخبار عن أئمة الهدىعليهم‌السلام (2) أما أهل السنة فإنهم ذهبوا إلى أن التكبيرات أربع، وينصرف المصلي بعد الرابعة(3) .

30 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا علي إذا صلّيت على جنازة فقل: اللّهمّ إنّ هذا عبدك، وابن أمتك ماض في حكمك، ولم يكن شيئاً مذكوراً، زارك، وأنت خير مزور، اللّهمّ لقّنه حجّته، وألحقه بنبيّك، ونوّر له في قبره، ووسع عليه في مدخله، وثبّته في القول الثابت، فإنّه افتقر إليك، واستغنيت عنه، وكان يشهد أن لا إله إلاّ أنت فاغفر له، اللّهمّ لا تحرمنا أجره ولا تفتنّا بعده.

يا علي إذا صلّيت على امرأة فقل: اللّهمّ أنت خلقتها، وأنت أحييتها، وأنت أمتّها، وأنت أعلم بسرّها وعلانيتها جئناك شفعاء لها، فاغفر لها، اللّهمّ لا تحرمنا أجرها، ولا تفتنّا بعدها.

يا علي إذا صليت على طفل، فقل اللّهمّ اجعله لأبويه سلفاً وذخراً واجعله فرطاً، واجعله لهما نوراً ورشداً، وأعقب والديه الجنّة، إنّك على كل شيءٍ قدير... ).

أمّا كيفية الصلاة على الأموات فقد ذكرناها.

وأمّا هذا الدعاء فهو بعد التكبيرة الرابعة، وأمّا الصلاة على الطفل فإن كان قد توفّي وسنّه ست سنين فيصلّى عليه صلاة الجنائز، وجوباً وإذا لم يبلغ هذه السن فيستحب عليه الصلاة.

الباب الرابع

في فضل أهل البيت

وهو على ثلاثة أقسام

القسم الأوّل: في فضل علي بن أبي طالبعليه‌السلام :

31 - وبإسناده قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا علي أنا سيّد المرسلين، وأنت يعسوب المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجّلين... ).

أمّا الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام فهو رائد الفكر والحكمة في الإسلام،

____________________

(1) العروة الوثقى 1 / 170

(2) وسائل الشيعة أبواب صلاة الجنازة.

(3) الفقه على المذاهب الأربعة 1 / 519.


وهو نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وباب مدينة علمه، ووصيّه من بعده، وقد أشاد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بسموّ منزلته، وعظيم مكانته، ولم يؤثر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه أشاد بأحد من أصحابه كما أشاد بالإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام والغرض من ذلك هو التدليل على خلافته من بعده.

32 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لمّا أُسري بي إلى السماء أخذ جبرئيل بيدي، وأقعدني على درنوك(1) من درانيك الجنّة، ثم ناولني سفرجلة منها، وهي معدّة بما فيها للإمام عليعليه‌السلام ).

إنّ الله تعالى أعدّ لعليعليه‌السلام في الدار الآخرة جميع ما فيها من نعم، وبوّأه الفردوس الأعلى يتبوّأ منه حيثما يشاء.

33 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا علي إنّي سألت ربّي فيك خمس خصال فأعطاني، أمّا أوّلهنّ فسألت ربّي أن تنشق عنّي الأرض، وانفض التراب عن رأسي وأنت معي، فأعطاني، وأمّا الثانية فسألت ربّي أن يوقفني عند كفّة الميزان وأنت معي فأعطاني، وأمّا الثالثة فسألت ربّي أن يجعلك حامل اللواء، وهو لواء الله الأكبر، تحته المفلحون الفائزون في الجنة فأعطاني، وأمّا الرابعة فسألت ربّي أن تسقي أمتي من حوضي فأعطاني، وأمّا الخامسة فسألت ربّي أن يجعلك قائد أمتي إلى الجنة فأعطاني، ربي، والحمد لله الذي من علي بذلك... ).

لقد خصّ الله الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بكل مكرمة وحباه بكل فضيلة، وقد استجاب دعاء نبيه فيه أن يمنحه هذه الخصال الكريمة.

34 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذت شيعة ولدك بحجزتهم(2) فترى أين يؤم بنا... ).

إنّ للإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام منزلة كريمة عند الله تعالى يسمو بها على

____________________

(1) الدرنوك: بساط من بسط الجنة.

(2) قال أبو القاسم الطائي: سألت أبا العباس ابن ثعلب عن الحجزة؟ قال: هي السبب، وسألت ابن نفطويه النحوي فقال هي السبب.


جميع الصالحين والمتقين، ويتميز بها هو وأبناؤه وشيعته يوم حشر الناس وبعثهم.

35 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا علي إنك قسيم الجنة والنار، وانك تقرع باب الجنة فتدخلها بلا حساب... ).

وهذا الحديث رواه جمهور العلماء من الشيعة والسنّة، وهو يحكي فضل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وعظيم شأنه عند الله، وانه بلغ منزلة من الله لم يبلغها أي أحد من الناس سوى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

36 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا علي إذا كان يوم القيامة كنت أنت وولدك على خيل بلق متوّجون بالدر والياقوت فيأمر الله بكم إلى الجنة، والناس ينظرون... ).

ما أعظم منزلة الامام وأبنائه الطيبين عند الله، فقد خصهم بكل مكرمة، وميزهم على جميع خلقه.

37 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي بن أبي طالب... ).

وخصّ الله نبيّه العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله بجميع ألوان الفضل التي منه أنّه من ذريّة إبراهيم خليل الله، وأنّ أخاه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام المنافح عن كلمة التوحيد، والذاب عن قيم الإسلام ومبادئه.

38 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ الله أمرني بحب أربعة: علي، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد بن الأسود... ).

إنّ هؤلاء الأربعة قد ساهموا في بناء الإسلام، ورفعوا مشعل التوحيد، وقد أمر الله تعالى نبيه بحبهم لأنهم من عناصر التقوى والصلاح.

39 - قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا علي إنّ الله قد غفر لك، ولذريّتك، ولشيعتك، ولمحبّي شيعتك، ولمحبّي محبي شيعتك، فابشر فإنّك الأنزع البطين منزوع من الشرك، مبطون من العلم... ).

ولعظيم اتصال الإمامعليه‌السلام بالله تعالى، فقد منحه هذه الفضيلة الكبرى بأن غفر له ولأبنائه وشيعته ومَن يتعلّق بهم.


40 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن كنت مولا ه فعلي مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، واخذل مَن خذله، وانصر مَن نصره... ).

أعلن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الكلمات المشرقة التي هي من أغلى الأوسمة التي منحها للإمام يوم غدير خم، وهو من أهم أعياد المسلمين، فقد نصب الإمام خليفة من بعده، وأمر المسلمين بمبايعته، وقد بايعته حتى نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبذلك اليوم الخالد تمت النعمة الكبرى على المسلمين، ونزلت فيه الآية الكريمة: ( اليوم أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ).

41 - وبإسناده قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا علي لولاك ما عرف المؤمنون بعدي... ).

إنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام هو المحك الذي يعرف به المؤمن من الفاسق فمَن أحبّه كان مؤمناً، ومَن عاداه فهو فاسق، تقول عائشة:

إذا ما التبر حك على محك

تبيّن غشّه من غير شكِّ

وفينا الغش والذهب المصفّى

علي بيننا شبه المحكِّ(1)

42 - وبإسناده قال: حدثني علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال: ورثت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كتابين: كتاب الله تعالى، وكتابا في قراب سيفي، قيل يا أمير المؤمنين: وما الكتاب في قراب سيفك؟ قال: من قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه فعليه لعنة الله... ).

لقد ورث الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام جميع صفات الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومقوماته، والتي منها ما ذكرهعليه‌السلام .

43 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يا علي إنّك أُعطيت ثلاثاً ما أعطيت أنا مثلهن، قلت: فداك أبي وأمي ما أعطيت؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أعطيت صهراً مثلي، وأعطيت مثل زوجتك فاطمة سلام الله عليها، وأعطيت مثل ولديك الحسن والحسين ).

لقد خصّ الله تعالى الإمام أمير المؤمنين بهذه الخصال الثلاث التي ما حُبي أحد بمثلهن.

____________________

(1) نور الأبصار للشبلنجي.


44 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ليس في القيامة راكب غيرنا، ونحن أربعة، فقام إليه رجل من الأنصار، فقال له: يا رسول الله مَن هم؟

فقال: أنا على دابة البراق، وأخي صالح على ناقة الله التي عُقرت، وعمّي حمزة على ناقتي العضباء، وأخي علي بن أبي طالبعليه‌السلام على ناقة من نوق الجنة وبيده لواء الحمد، ينادي لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله (ص) فيقول الآدميون: ما هذا إلاّ ملك مقرّب، أو نبي مرسل أو حامل عرش، فيجيبهم ملك من بطنان العرش، يا معشر الآدميين، ليس ملكاً مقرّباً ولا نبياً مرسلاً، ولا حامل عرش، هذا علي بن أبي طالب... ).

إنّ الله تعالى ليظهر يوم القيامة مكانة وليّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وسمو منزلته عنده، حتى لا يبقى ملك مقرّب ولا نبي مرسل، ولا ولي ولا خلق غير ذلك إلاّ عرّفهم مدى أهمية الإمامعليه‌السلام عنده.

45 - وبإسناده قال: قال عليعليه‌السلام : ( مَن أحبّني وجدني عند مماته بحيث ما يحب، ومَن أبغضني وجدني عند مماته بحيث يكره... ).

وقد تضافرت الأخبار بأنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ليحضر عند ممات كل أحد، مؤمناً كان أو كافراً، فإن كان مؤمناً أوصى ملك الموت بالرفق به، وإن كان كافراً أوصى بالشدّة به.

القسم الثاني: في فضل فاطمةعليها‌السلام

46 - قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّما سُمّيت فاطمة لأنّ الله تعالى فطمها وفطم مَن أحبّها من النار... ).

يعرض هذا القسم إلى ما أثر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في فضل بضعته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها، والتي منها هذا الحديث الشريف، وقد أعلن أنّ الله تعالى قد فطم سيدة نساء العالمين من النار كما فطم شيعتها ومحبّيها من النار.

47 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها... ).

وهذا الحديث مجمع عليه، وهو يدل على سمو منزلة بضعة الرسول وريحانته


عند الله، وأنّها قد احتلّت عنده تعالى مكانة متميّزة لم يحتاجها غيرها من المؤمنات.

48 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة، ومعها ثياب مصبوغة بدم الحسين فتعلق بقائمة من قوائم العرش، فتقول: يا رب احكم بيني وبين قاتل ولدي، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فيحكم لابنتي وربّ الكعبة... ).

إنّ فاجعة سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد اهتزّ لهولها العالم بأسره، وإنّ من أعظم المصابين بكارثته ورزيته سيدة النساء، وبضعة الرسول، وأنّها سوف ترفع قميصه ملطّخاً بدمائه الزكية إمام الله تعالى شاكية ما جرى على ولدها من عظم الرزايا.

يقول الشاعر:

لا بدّ أن ترد القيامة فاطم

وقميصها بدم الحسين ملطّخُ

ويقول أبو العلاء:

ثبتا في قميصه ليجئ الحشر

مستعدياً إلى الرحمان

49 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( تحشر ابنتي فاطمة، وعليها حلّة الكرامة، وقد عجنت بماء لحياة فينظر إليها الخلائق فيتعجبون، ثم تكسى أيضاً حلّتين من حلل الجنة مكتوب على كل حلّة بخط أخضر: ادخلوا بنت محمد الجنة، مكتوباً على أحسن الصورة، وأحسن الكرامة، وأحسن المنظر، فتزف إلى الجنة كما تزف العروس، ويوكل بها سبعون ألف جارية... ).

إنّ الله تعالى سيظهر يوم القيامة فضل سيدة النساء التي جاهدت كأعظم ما يكون الجهاد في سبيل الإسلام، التي أقامت التشيع بخطبها الخالدة، ومواقفها البطولية التي لم يقفها أحد غيرها.

50 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش، يا معشر الخلايق غضّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ... ).

وهذا من مواطن التكريم والتعظيم لسيّدة النساء سلام الله عليها يوم حشر الناس أمام ربّ العالمين.

51 - وبإسناده قال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : كنّا مع النبي (صلّى الله


عليه وآله) في حفر الخندق إذ جاءت فاطمةعليها‌السلام ومعها كسيرة من خبز فدفعتها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما هذه الكسيرة؟ قالت: قرص خبز شعير خبزته للحسن والحسين جئتك منه بهذه الكسيرة، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا فاطمة أما أنّه أوّل طعام دخل فيّ أبيك منذ ثلاثة أيام... ).

ويكشف هذا الحديث عن مواساة أهل البيتعليهم‌السلام بعضهم لبعض، والإيثار فيما بينهم كما يكشف عن زهدهم، وإعراضهم عن زخارف الحياة.

51 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أتاني ملك فقال: يا محمد إنّ الله عزّ وجل يقرؤك السلام، ويقول: قد زوّجت فاطمة من علي، فزوّجها منه، وأمرت شجرة طوبي أن تحمل الدر والمرجان واليواقيت، وأنّ أهل السماء قد فرحوا بذلك، وسيولد لهما ولدان سيّدا شباب أهل الجنة، وبهما تزين أهل الجنة فابشر يا محمد فأنت خير الأوّلين والآخرين... ).

وتضافرت الأخبار أنّ زواج سيدة النساء وبضعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بالإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إنّما كان بأمر من الله تعالى ليعطي بذلك مثلاً أعلى للقران في الإسلام، وأنّه مبني على الكرامة والفضيلة، ولا شأن فيه بأيّ حال من الأحوال للاعتبارات المادية التي مآلها إلى الزوال، فقد زوّج الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله سيدة النساء من الإمام أمير المؤمنين في حين أنه كان أفقر المسلمين، ولم يكن عنده من متع الحياة سوى درعه وسيفه، فباع درعه، وجعله صداقاً لسيدة النساء، واشترى بثمنه جهازاً أزهد جهاز في ذلك العصر، ولكنّه أنفس وأغلى جهاز في الإسلام؛ لأنه قائم على الفضيلة والشرف، وسمو الذات... فسلام الله على أهل البيت الذين مثلوا جوهر الإسلام في جميع شؤونهم وأحوالهم.

52 - وبإسناده قالعليه‌السلام : حدثني أبي علي بن الحسين قال: حدثتني أسماء بنت عميس قالت: كنت عند جدتك فاطمةعليها‌السلام إذ دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي عنقها قلادة من ذهب كان علي بن أبي طالب اشتراها من فئ له، فقال لها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا يغرنك الناس أن يقولوا: بنت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليك لبس الجبابرة فقطعتها فباعتها، واشترت رقبة وأعتقتها فسرّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك... ).

لقد أراد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أن تكون سيدة النساء قدوة حسنة،


ومثلاً أعلى للفضيلة، ونكران الذات، وأن تشارك البائسات من النساء المسلمين في فقرهن، ولا يكون لها أي امتياز عليهن

القسم الثالث: في فضل الحسنين، وولادتهما، وأهل البيتعليهم‌السلام عموماً

52 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما... ).

إنّ سبطي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيدا شباب أهل الجنة، وسراجان لها فسلام الله عليهما وعلى أبيهما سيّد العترة الطاهرة.

53 - قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الولد ريحانة، وريحانتاي الحسن والحسين... ).

إنّ الإمامين الزكيّين ريحانتا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووديعتاه في أُمّته، وقد أخلص لهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كأعظم ما يكون الإخلاص.

54 - قالعليه‌السلام :... ( حدثني علي بن أبي طالبعليه‌السلام أنّ الحسن والحسين كانا يلعبان عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى مضى عامة الليل ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : انصرفا إلى أُمّكما فبرقت برقة فما زالت تضيء لهما حتى دخلا على فاطمة، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ينظر إلى البرقة، فقال: الحمد لله الذي أكرمنا أهل البيت ).

لقد خصّ الله تعالى السبطينعليهما‌السلام بكل مكرمة، وحباهما بالمزيد من ألطافه، واصطفاهما من بقيّة خلقه.

55 - وبإسناده قالعليه‌السلام : ( قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي وأولادي أمان لأُمّتي ).

إنّ أهل البيتعليهم‌السلام أمان لأهل الأرض بهم يستدفع البلاء، وتنزل الرحمة، ويعم الخير.

56 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( حرمت الجنّة على مَن ظلم أهل بيتي، وقاتلهم، والمعين عليهم، ومَن سبّهم أُولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكّيهم ولهم عذاب اليم


الويل كل الويل لـمَن جحد ولاية أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، وسنّ ظلامتهم، والويل لـمَن ظلمهم، وناهضهم، فقد حرم من الجنة وباء بغضب من الله ورسوله ).

57 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة: المكرّم لذرّيتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطرّوا إليها، والمحب بقلبه ولسانه ).

إنّ مَن يحب أهل البيتعليهم‌السلام وقام بتكريمهم وتعظيمهم فقد ظفر بالخير العميم، ونال شفاعة جدّهم سيد المرسلين.

58 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وأُمرنا بإسباغ الوضوء، وأن لا ننزي حماراً على عتيقة ).

لقد حرمت الصدقة الواجبة كالزكاة على أهل البيتعليهم‌السلام ، وكذلك على مَن انتسب إليهم من العلويين زادهم الله شرفاً.

59 - وبإسناده قالعليه‌السلام : ( مَن سب نبيّاً قُتل، ومَن سبّ صاحب نبي جُلد ).

60 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها زُجّ في النار ).

إنّ أهل البيتعليهم‌السلام سفن النجاة وأمن العباد، مَن تبعهم فقد نجا ومَن تخلّف عنهم فقد غرق، وقد شبّههم النبي (ص) بهذا الحديث - المجمع على صحّته - بسفينة نوحعليه‌السلام التي كانت نجاة للمؤمنين من أصحابه حينما أحاطت بهم أمواج من الماء غرق فيها كل مَن زاغ عن الحق، ونجا مَن كان على سفينة نوح من المؤمنين، فكذلك أهل بيت النبوّة سلام الله عليهم فمَن أقرّ بولايتهم فقد فاز، ومَن كذبهم وظلمهم فقد هوى إلى أسفل درك من النار.

61 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الويل لظالمي أهل بيتي عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار ).


الويل كل الويل لـمَن ظلم واعتدى على أهل بيت النبوّة الذين هم مصدر الوعي والفكر لا لهذه الأمّة فحسب، وإنّما للناس أجمعين، إنّ مصير الظالمين لهم هو العذاب الدائم في الدار الآخرة، وإنّ الله تعالى لا يغفر لهم، ولا ينجيهم من العذاب الأليم.

62 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( كأنّي قد دعيت فأجبت، وإنّي تارك فيكم الثقلين: أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عزّ وجل، حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ ).

لقد قرن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بين كتاب الله العظيم، وبين العترة الطاهرة، فلو لم يكونوا أهل بيته معصومين من الخطأ لما صحّت المقارنة بين القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبين العترة الطاهرة، وكما أنّ التمسّك بالكتاب سبب النجاة فكذلك التمسّك بأهل البيتعليهم‌السلام .

63 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( اشتد غضب الله، وغضب رسوله على مَن أهرق دم ذرّيّتي، أو آذاني في عترتي ).

لقد اسشف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من وراء الغيب على ما يجري على ذرّيّته من الظلم والاعتداء من خصوم الإسلام وأعدائه، فقد أراقوا دماءهم وصبوا عليهم من الظلم والجور ما لم يشاهد مثله في جميع أدوار التاريخ.

64 - وبإسناده قال:... جعفر بن محمدعليهما‌السلام : السبت لنا والأحد لشيعتنا، والاثنين لبني أميّة، والثلاثاء لشيعتهم، والأربعاء لبني العباس، والخميس لشيعتهم، والجمعة لله وليس فيه سفر قال الله تعالى:( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) .

قسّم الإمامعليه‌السلام أيام الأسبوع إلى هذه الأقسام، وخصّ يوم الجمعة بالمزيد من الفضل وجعله الله تعالى، ومن خصوصياته أنّه يكره السفر فيه قبل الزوال حتى يؤدّي المكلّف صلاة الجمعة.

65 - وبإسناده قال: ( حدثني أبي موسى بن جعفر - يعني الإمام الصادقعليه‌السلام - قال: كان على خاتم محمد بن علي: ظنّي بالله حسن، وبالنبي المؤتمن، وبالوصي ذي المنن، وبالخيرين الحسين والحسن ).


وتتجلّى مظاهر العبودية والطاعة لله تعالى، في كل مظهر من مظاهر حياة الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم، والتي منها ما كانوا يكتبونه من كلمات التوحيد على الأحجار التي يتختّمون بها.

66 - وبإسناده قالعليه‌السلام : ( قال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( سادات الناس في الدنيا الأسخياء، وسادات الناس في الآخرة الأتقياء ).

67 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( العافية ملك خفي... ).

إنّ من نعم الله الكبرى على الإنسان هي العافية، فهي أعظم نعمة على الإنسان وكلّ ما يتمتع به الإنسان من النعم لا أثر له إذا كان فاقداً للصحّة.

68 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم: ( مَن اصطنع صنيعه إلى واحد من أولاد عبد المطلب، ولم يجازه عليها فأنا أُجازيه غداً إذا لقيته يوم القيامة ).

69 - وبإسناده قال... علي بن الحسينعليه‌السلام : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أذن في أُذن الحسن والحسين بالصلاة -أي بأذان الصلاة - يوم ولدا ).

لقد أجرى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على سبطيه وريحانتيه يوم وُلدا المراسم الشرعية التي منها: أنّه أذّن في الأُذن اليمنى وأقام في اليسرى، وقد صار ذلك سنّة شرعيّة تجري على كل مولود مسلم.

70 - وبإسناده قال... حدثني أبي علي بن الحسينعليه‌السلام قال: حدثتني أسماء بنت عميس، قالت: قبلت جدتك فاطمة بالحسن والحسينعليهما‌السلام ، فلمّا ولد الحسنعليه‌السلام جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: يا أسماء هاتي ابني فدعته في خرقة صفراء فرمى بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا أسماء ألم أعهد إليك أن لا تلفّي المولود في خرقة صفراء فلففته في خرقة بيضاء، فدفعته إليه فأذّن في أُذنه اليمنى، وأقام في أُذنه اليسرى، ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : بأي شيء سمّيت ابني هذا يا علي؟ قالعليه‌السلام : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله، وقد كنت أحب أن أسمّيه حرباً، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّي لا أسبق باسمه ربّي عزّ وجل، ثم هبط جبريلعليه‌السلام ، فقال: يا محمد العلي


الأعلى يقرئك السلام، ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى، ولا نبي بعدك، فسمّ ابنك هذا باسم ابن هارون، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما اسم ابن هارون يا جبريل؟ فقال: شبر فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله لساني عربي، فقال: سمّه الحسن، فقالت أسماء فسمّاه الحسن فلمّا كان يوم سابعه عقّ عنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بكبشين أملحين فأعطى القابلة فخذ كبش، وحلق رأسه، وتصدّق بوزن الشعر ورقاً، وطلى رأسه بالخلوق(1) ثم قال: يا أسماء الدم فعل الجاهلية(2) فقالت أسماء: فلمّا كان بعد حول من مولد الحسنعليه‌السلام وُلد الحسينعليه‌السلام فجاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال يا أسماء هلمّي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء فأذّن في أُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ووضعته في حجره، فبكى، فقالت أسماء: فداك أبي وأُمّي! ممّ بكاؤك؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله من ابني هذا، قلت إنّه وُلد الساعة، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي. ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تخبري فاطمة فإنّها حديثة عهد بولادته، ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي: بأي شيء سمّيت ابني هذا؟ قالعليه‌السلام : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله، وقد كنت أحب أن اسمّيه حرباً، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما كنت لا سبق باسمه ربّي فأتاه جبريلعليه‌السلام فقال: الجبار يقرئك السلام، ويقول: سمه باسم ابن هارون، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : وما اسم ابن هارون؟ فقال: شبير، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لساني عربي، فقال: سمّه الحسين، فسمّاه، ثم عق عنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم السابع بكبشين أملحين، وحلق رأسه وتصدّق بوزن شعره ورقاً، وطلى رأسه بالخلوق، وقال: الدم فعل الجاهلية، وأعطى القابلة فخذ كبش ).

والذي نراه أنّ بعض الفقرات من هذا الحديث من الموضوعات، وهي رغبة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في تسمية السبطين باسم (حرب) وهذا اللفظ لا يحمل أي طابع من الجمال، وهو اسم لجد الأسرة الأموية التي حاربت الإسلام

____________________

(1) الخلوق: نوع من الطيب.

(2) من عادة الجاهلية أنّ المولود منهم يطلونه بالدم، والإسلام قد نهى عن ذلك، وجعل مكانه أن يطلى بالطيب.


وجهدت على إطفاء نور الله، بالإضافة إلى أنّ الإسلام دين السلام، وهو تحية المسلمين فيما بينهم، وقد نصّت كتب الفقه الإمامي على كراهة تسمية المولود باسم حرب.

71 - وبإسناده، قال:... ( حدثني أبي علي بن الحسينعليهما‌السلام إنّه سمّى حسناً يوم سابعه، واشتق من اسم الحسن الحسين، وذكر أنّه لم يكن بينهما إلاّ الحمل ).

إنّ أغلب مراسم الولادة الشرعية إنّما تجري على المولود في اليوم السابع من عمره والتي منها تسميته.

72 - وبإسناده قال: ( حدثني أبي علي بن الحسنعليهما‌السلام أنّ فاطمةعليها‌السلام عقّت عن الحسن، والحسين فأعطت القابلة فخذ شاة وديناراً ).

73 - وبإسناده قال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : ( كأنّي بالقصور، وقد شيّدت حول قبر الحسين، وكأنّي بالأسواق وقد حفّت حول قبره، ولا تذهب الأيام والليالي حتى يسار إليه من الآفاق، وذلك عند انقطاع بني مروان ).

لقد تحقّق ما تنبّأ به الإمامعليه‌السلام فقد شُيّدت القصور والأسواق في كربلاء مدينة الشرف والإباء، وصار قبر الإمام الشهيد العظيم مزاراً ومقصداً لكل مسلم ولكل إنسان يؤمن بإنسانيّته، فهو أقدس مزار في جميع آفاق الكون.

74 - وبإسناده قال: ( سئُل جعفر بن محمدعليه‌السلام عن زيارة قبر الحسينعليه‌السلام قال: أخبرني أبي قال: مَن زار قبر الحسين بن علي عارفاً بحقّه كتبه الله في أعلى عليين، ثم قال: إنّ حول قبره لسبعين ألف ملك شعثاً غبراً يبكون عليه إلى أن تقوم الساعة ).

لقد تضافرت الأخبار عن أئمّة أهل الهدىعليهم‌السلام في الحثّ على زيارة سيد الشهداء وصانع الكرامة الإنسانية الإمام الحسينعليه‌السلام ، فإنّ في زيارته صلة للرسول الأعظم وتكريماً لهذا الإمام الذي رفع مشعل التوحيد، ولولا تضحيته لقضى الأمويون على الإسلام، ومحوا جميع أحكامه.

75 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ قاتل الحسين في تابوت من النار، عليه نصف عذاب أهل النار وقد شدّت يداه ورجلاه بسلاسل من نار فينكس في النار حتى يقع في قعر جهنّم، وله ريح يتعوّذ


أهل النار إلى ربّهم من شدّة نتنه، وهو فيها خالد، ذائق العذاب الأليم، كلمّا نضجت جلودهم بدّل الله الجلود ليذوقوا العذاب الأليم، لا يفتر عنهم ساعة، ويسقون من حميم جهنم، فالويل لهم من عذاب الله عزّ وجل ).

الويل لكل أثيم مجرم حارب سيد شباب أهل الجنة، الذي ثار من أجل حقوق المظلومين والمضطهدين، وإنقاذهم من الحكم الأموي الإرهابي الذي استهان بأرواح الناس وكرامتهم إن الله تعالى أعد العذاب الأليم، والعقاب الشديد الذي لم يعاقب بمثله المجرمون لكل مَن اشترك في حرب ريحانة رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة.

76 - وبإسناده قال: ( حدثني أبو القاسم الطائي، قال: حدثني علي بن موسى الرضاعليه‌السلام قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر بن محمد قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال: حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي قال: حدثني أبي علي بن أبي طالبعليهم‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّ موسى بن عمران رفع يديه، وقال: يا رب إنّ أخي هارون قد مات فاغفر له فأوحى الله تعالى إليه يا موسى لو سألتني في الأوّلين والآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين فإنّي لا أغفر له، وانتقم من قاتله ).

إنّ الله تعالى الذي وسعت رحمته جميع عباده فإنّها لا تشمل قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام الذي انتهكت في قتله جميع حرمات الله، وحرمات رسوله.

الباب الخامس:

في فضل المؤمن، وحسن الخلق وفضل مَن أسمه محمد وأحمد

77 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مثل المؤمن عند الله كمثل ملك مقرّب، وإنّ المؤمن عند الله أفضل من ملك مقرّب، وليس شيء أحب إلى الله من مؤمن تائب، أو مؤمنة تائبة ).

إنّ المؤمن مَن له الكرامة، والمنزلة الرفيعة ما ليست لأحد من خلقه فقد يسمو المؤمن بمثله فيكون أسمى من الملائكة، وأقرب إلى الله تعالى منهم.

78 - وبإسناده، قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل في أهله، وولده، وإنّه أكرم عنده


من ملك مقرّب... ).

79 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أتاني جبريل عن ربّه، وهو يقول، ربّي عزّ وجل يقرئك السلام ويقول: يا محمد بشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويؤمنون بك، ويحبون أهل بيتك بالجنة فإنّ لهم عندي جزاء الحسنى وسيدخلون الجنة ).

إنّ المؤمنين الذين يتصفون بهذه الصفات لهم المنزلة الكريمة في الفردوس الأعلى يتبوءون فيه حيثما شاؤوا.

80 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن عامل الناس ولم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو مؤمن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت محبته، وحرمت غيبته ).

إنّ هذه الصفات الكريمة إذا تحلّى بها الإنسان فإنّه يكون كامل الإيمان والمروءة والعدالة، وعلى الناس أن يخلصوا له، ويجتنبوا غيبته.

81 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله على تل(1) من نار حتى يخرج ممّا قال فيه ).

إنّ للمؤمن حرمة عند الله، وقد ألزم تعالى بصيانته، فليس لأحد أن ينال من كرامته، ويطعن في شخصيته.

82 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( من كرامة المؤمن على الله أن لا يجعل لأجله وقتاً معلوماً حتى يهم ببائقة قبضه الله رأفة ).

ومعنى هذا الحديث أنّ الله تعالى يمد بعمر المؤمن لكنّه إذا اقترف ذنباً قصر عمره، وقد قال الإمام الرضاعليه‌السلام : اجتنبوا البوائق يمد الله لكم في الأعمار.

83 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( عليكم بحسن الخلق، فإنّ حسن الخلق في الجنة لا محالة ).

____________________

(1) التل: هو المجتمع من التراب أو الرمل كما في القاموس.


ومن أهم المبادئ الإسلامية العليا حسن الأخلاق، وهي من أجمل وأكمل صفات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله التي امتاز بها على سائر النبيين وقد أكّد الإسلام على ضرورة الاتصاف بهذه الصفة الكريمة، وحثّ الأمم في حال بداوتها فتمايز فيما بينها بالقوّة البدنية فإذا ارتقت تمايزت بالعلم، فإذا بلغت من الارتقاء غايته تمايزت بالأخلاق.

84 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لو يعلم العبد ما له من حسن الخلق لعلم أنّ ما يحتاج إلاّ أن يكون له حسن الخلق ).

وفي هذا الحديث الدعوة إلى التحلّي بحسن الخلق، وأنّ الله تعالى أعدّ الثواب الجزيل لـمَن يتصف بهذه الصفة الكريمة.

85 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا كان يوم القيامة تجلّى الله لعبده المؤمن فيوقفه على ذنوبه ذنباً، ذنباً، ثم يغفر الله له، ولا يطلع الله على ذلك ملكاً مقرّباً ولا نبياً مرسلاً، وستر عليه ما يكره أن يقف عليه أحد، ثم يقول لسيئاته كنّ حسنات... ).

وحكى هذا الحديث رحمة الله الواسعة، وعفوه الشامل لعباده المؤمنين وأنّه تعالى سيمنحهم بلطفه، ويغفر للمسيئين منهم، نسأله تعالى أن يشملنا برحمته.

86 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن استذلّ مؤمناً أو مؤمنة أو حقره لفقره، وقلّة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم يفضحه... ).

من الذنوب التي يعاقب الله عليها إذلال المؤمن وإهانته وتحقيره، فإنّ الله تعالى قد رفع شأنه وأعلى منزلته فمن استهان به فقد استهان بالله تعالى.

87 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ العبد ينال بحسن الخلق درجة الصائم القائم... ).

لقد أكّد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على ضرورة الاتصاف بهذه الصفة الكريمة ليسمو المسلم، ويتميّز على غيره.


88 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق ).

89 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .: ( الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ).

لقد حذّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من الأخلاق السيئة التي تلقي الناس في شر عظيم، بالإضافة إلى أنّها تفسد ما يعمله الإنسان من الأعمال الصالحة.

90 - وبإسناده قالعليه‌السلام :... حدثني علي بن أبي طالبعليه‌السلام ( من كنوز البر إخفاء العمل، والصبر على الرزايا، وكتمان المصائب ).

إنّ من أميز صفات الإنسان هذه الصفات الكريمة التي هي من كنوز البر وتدلل على سمو الشخص.

91 - وبإسناده قالعليه‌السلام :... حدثني علي بن أبي طالبعليه‌السلام : ( حسن الخلق خير قرين، قال: أكملكم إيماناً أحسنكم أخلاقاً ).

إنّ حسن الخلق خير قرين، وخير حارس، فهو يقي الإنسان من كثير من المشاكل والمصاعب، وفي نفس الوقت دليل على كمال إيمان الشخص.

92 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( عنوان صحيفة المسلم حسن الخلق ).

إنّ السمت البارز في شخصية المسلم - كما يريد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أُمّته - هو حسن الخلق.

93 - وبإسناده عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: ( سُئل رسول الله ما أكثر مَن يدخل الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، وسُئل عن أكثر ما يدخل النار؟ قال: الأجوفان: البطن والفرج... ).

إنّ تقوى الله، والتجنب عن معاصيه والاتصاف بحسن الخلق من أوثق الأسباب التي يفوز بها الإنسان في مرضاة الله، ويدخل الجنة كما أنّ عدم المبالاة في أكل الحرام، والعملية الجنسية الغير مشروعة ممّا توجب دخول النار.

94 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أقربكم منّي مجلساً يوم القيامة، أحسنكم خلقاً، وخيركم خيركم لأهله ).


إنّ مَن تزيّن بحسن الخلق فهو من ألصق الناس وأقربهم إلى الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم القيامة، كما أنّ أقرب الناس إلى رسول الله (ص) مَن كان خيراً لأهله رؤوفاً بهم، عطوفاً عليهم، قائماً بشؤونهم.

95 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أحسن الناس إيماناً أحسنهم خلقاً، وألطفهم بأهله، وأنا ألطفكم بأهلي ).

وهذا الحديث يؤكّد على حسن الأخلاق، والبر بالأهل والإحسان إليهم، وإنّ ذلك من صفات الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

96 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا سمّيتم الولد محمّداً فأكرموه، وأوسعوا له المجلس، ولا تقبّحوا له وجهاً ).

لقد ندب الإسلام إلى تسمية المولود من المسلمين باسم النبي (محمد)صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ مَن سمّي بهذا الاسم فيستحق التكريم والتبجيل، ويوسع له في المجلس، ولا يستقبل بالإعراض.

97 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم مَن أسمه محمد أو أحمد فأدخلوه في المشورة إلاّ خير لهم ).

وفي هذا الحديث دعوة إلى تسمية المسلمين أبنائهم باسم النبي العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن يبجّلوا ويكرموا مَن سمّي بهذا الاسم المبارك.

98 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ما من مائدة وُضعت فقعد عليها مَن اسمه محمد أو أحمد إلاّ قدّس الله ذلك المنزل في كل يوم مرّتين ).

الباب السادس:

في ذكر الأطعمة، والفواكه والأدهان

99 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( سيّد طعام الدنيا والآخرة اللحم، وسيّد شراب الدنيا والآخرة الماء، وأنا سيد


ولد آدم، ولا فخر، والفقر فخري ).

إنّ سيد الأطعمة هي اللحوم؛ وذلك لما فيها من الفيتامينات التي هي ضرورة لحفظ البدن، كما أنّ سيد الشراب هو الماء القراح.

وأعرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - في هذا الحديث - أنّه سيد ولد آدم، وأنّ الفقر فخر له، فقد توفّيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يخلف من متاع الدنيا شيئاً.

100 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( سيّد طعام الدنيا والآخرة اللحم والأرز )... حكى هذا الحديث فضل اللحم والأرز، وأنّهما من سادات الأطعمة وخيارها؛ وذلك لما فيها من الفوائد التي تنمّي الجسم.

101 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا طبختم فأكثروا القرع فإنه يشد قلب الحزين ).

102 - وبإسناده قالعليه‌السلام :... حدثني علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال: ( عليكم في القرع فإنّه يزيد في الدماغ ).

وحثّ هذا الحديث وما قبله على أكل اليقطين؛ وذلك لما فيه من الفوائد الغذائية فهو، يحتوي على فيتامين ( آ ) وعلى الحديد والكلس، وغيرهما كما أن تناول بذوره يطرد الدودة الوحيدة من الأمعاء.

103 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إذا أكلتم الثريد فكملوا من جوانبه فإن الذروة - أي أعلاها - فيها بركة ).

ومع هذا الحديث دعوة إلى آداب الأكل، وأنّ مَن يأكل الثريد فليتناول من جوانب الإناء لا من أعلاه.

104 - وبإسناده قالعليه‌السلام :... حدثني علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن أراد البقاء، ولا بقاء فليباكر الغذاء، ويجيد الحذاء، ويخفف الرداء، ويقل غشيان النساء ).

وحكى هذا الحديث بعض الوصايا الصحيحة التي تمد في عمر الإنسان وهي:

أ - التبكير في الغذاء.


ب - المحافظة على لبس الحذاء.

ج - تخفيف الرداء.

د - التقليل من العملية الجنسية.

105 - وبإسناده قالعليه‌السلام : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أكل طعاما قال: ( اللهم بارك لنا فيه، وارزقنا خيرا منه، وإذا شرب لبنا قال: اللهم بارك فيه وارزقنا منه خيرا ).

وحفل هذا الحديث بدعاء النبي (ص) عند تناوله للطعام وعند شربه للبن، وهو من الآداب الشرعية التي تربط الإنسان دوما بخالقه العظيم.

106 - وبإسناده قالعليه‌السلام : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا شرب لبنا مضض فاه وقال: إنّ له دسماً.

لقد كره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أن يبقى في فمه الشريف أثراً من آثار الدسم الذي في الحليب؛ وذلك لإضراره بالصحة.

107 - وبإسناده قال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : أوتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بطعام فادخل إصبعه فإذا هو حار، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( دعوه حتى يبرد فإنّه أعظم بركة، فإنّ الله تعالى لم يطعمنا الحار ).

لقد كره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تناول الطعام الحار؛ وذلك لأنّه مضر ضرراً شديداً بالصحّة خصوصاً على الأسنان والفم، وغيرها من الأجهزة الهضمية.

108 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( عليكم باللحم فإنّه ينبت اللحم، ومَن ترك اللحم أربعين يوماً ساء خلقه ).

أمّا اللحم فهو من أنفع الأغذية للجسم؛ وذلك لما يحويه من المواد الزلالية، والأملاح المعدنية، والكلس، والبروتايين وغيرهما من المواد التي هي ضرورة لبناء الجسم واستقامته خصوصاً إذا استعمل معه الخضروات فإنّه يحقق للإنسان تغذية كاملة.

109 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( عليكم بالعدس فإنّه مبارك، مقدّس، يرق القلب ويكثر الدمعة، وأنّه قد


بارك فيه سبعون نبيّاً آخرهم عيسى بن مريمعليه‌السلام ).

أمّا العدس فهو من أغنى الأغذية بما يحوي من القيم الغذائية فهو معادل للحم من حيث الغذاء، ويحتوي على الكالسيوم والحديد والفوسفور، وفيتامين (ب) ونسبة البروتين تفوق بكثير سائر البقول، فهو مبارك(1) ومن ثمراته رقّة القلب، وتكثير الدمع.

110 - وبإسناده قالعليه‌السلام : ( مَن بدأ بالملح أذهب الله عنه سبعين داءً أوّلها الجذام ).

تختلف حاجة الإنسان إلى الملح باختلاف المناطق التي يعيش فيها، فسكّان المناطق الاستوائية الحارة يحتاجون إلى الملح باعتبار أنّ ما يخرج من أجسامهم من العرق يطرح منها جانباً كبيراً ممّا يتناولونه من الطعام التي فيها ملح، ولعلّ الحديث ناظر إليهم، وأمّا في المناطق الباردة كسيبريا فإنّ سكّانها لا يحتاجون إلى الملح بل يمجّونه.

111 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ليس شيء أبغض إلى الله من بطن ملآن ).

إنّ الامتلاء من الطعام والإكثار منه يعود بالإضرار الجسيمة على الإنسان، والتي منها أنّه يصبح عرضة للإصابة بضغط الدم، وتصلّب الشرايين، والسكّر وغيرها؛ فلهذا نهى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عنه.

112 - وبإسناده قالعليه‌السلام : (... حدثني أبي علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال أبو جحيفة: أتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا أتجشأ فقال لي: يا أبا جحيفة اكفف جشأك فإنّ أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة، قال فما ملأ أبو جحيفة بطنه من طعام حتى لقي الله تعالى ).

وفي هذا الحديث الشريف التحذير من الإكثار في الطعام الذي هو آفة مدمّرة للجسم.

113 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا تسترضعوا الحمقاء، ولا العمشاء فإنّ اللبن يتعدى ).

____________________

(1) الغذاء لا الدواء (ص 561).


إنّ للبن تأثيراً على طباع الطفل، فالطفل الذي يتغذّى من امرأة حمقاء أو عمشاء فإنّه يصاب بالحمق في مستقبل حياته وقد أكّدت ذلك البحوث الطبية الحديثة، وقد أوضحنا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا ( نظام الأسرة في الإسلام ).

114 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ليس للصبي لبن خير من لبن أُمّه ).

إنّ الطفل الذي يتغذى بلبن أُمّه يكون بمنجى عن الإصابة بكثير من الأمراض، ويكون في صحّة جيدة؛ لأنّ لبن أُمّه مزوّد بجميع ما يحتاج إليه من الغذاء، أمّا لبن غير أُمّه خصوصاً في هذه العصور من تغذية الأطفال بالوسائل المعروفة فإنّه يكون عرضة للإصابة بالأمراض الناجمة عن عدم تعقيم (المحة) وعدم اتفاق الحليب الصناعي مع بدن الطفل.

115 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن يحسن النفقة فله حسنة ).

وفي هذا الحديث دعوة خلاّقة إلى الاقتصاد الإسلامي الذي منه التوازن في الصرف والإنفاق وعدم الإسراف والتقتير، وهو يقي الإنسان من الأزمات الاقتصادية الخانقة.

116 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( نعم الأدام الخل، ولم يفتقر أهل بيت عندهم الخل ).

إنّ الخل له فوائده الكثيرة، فهو مصرف للطعام، ومن أحسن الأشربة، وفي العصور السابقة كان الخل هو الأدام الشائع بين الناس.

117 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( كلوا التمر على الريق فإنّه يقتل الديدان في البطن ).

إنّ التمر غني بالفيتامينات فهو يحتوي بنسبة عالية علي فيتامين ( آ ) وهو ممّا يساعد على نمو الأطفال، ويطلق عليه الأطباء اسم (عامل النمو) ويحفظ رطوبة العين وبريقها، وجحوظ الكرة العينية، كما يعمل على تكوين الأرجوان الشبكي.

كما أنّه يعمل على تقوية الأعصاب السمعية إلى غير ذلك من الفوائد المهمّة التي ذكرها الأطباء، وقد أكّد الإسلام على تناوله؛ وذلك لما فيه من الفوائد العظيمة.

118 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال علي بن أبي طالبعليه‌السلام :


( جاء جبريلعليه‌السلام إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: عليكم بالتمر البرني فإنه خير تمركم، يقرب من الله ويبعد من النار ).

ولعلّ السبب في الحثّ عليه أنّ فيه تنمية للفكر، وصفاء للنفس ومن الطبيعي أنّ النفس إذا تجرّدت من الأوهام، فإنّها تتجه نحو خالقها العظيم، وتعمل كل ما يقرّبها إليه زلفى؛ ولهذه الجهة حثّ النبي (ص) على تناول التمر البرني الذي هو من خيرة التمور.

119 - وبإسناده قال أبي الحسين بن عليعليه‌السلام قال: ( كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يأمرنا إذا أكلنا أن لا نشرب حتى نتمضمض ثلاثاً ).

وحكى هذا الحديث الدعوة إلى تنظيف الأسنان قبل تناول الطعام؛ وذلك لما له من أثر فعّال في الصحّة.

120 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : ( كلوا الرمان بشحمه فإنّه دبّاغ المعدة ).

أمّا الرمان فهو من الفواكه الغنية بالفيتامين، فهو يحتوي على حامض الليمون، والسكر، وفيتامين (ث) ومن خصائص شحمه أنه يصلح الجهاز الهضمي.

121 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( كلوا العنب حبة، فإنّه أمرأ وأهنأ ).

أمّا العنب فهو من أغنى الفواكه؛ وذلك بما يحتوي عليه من فيتامين ( آ ) و ( ب ) و ( ث ) وله دور فعّال في بناء الجسم، وتقوية أنسجته، وهو طعام لذيذ سريع الهضم، وهو يفيد في حالات سوء الهضم، والحصاة الكبدية، والحصاة البولية والتسمّم، ويفيد المصابين بفقر الدم، ونقص الكلس ويقول الدكتور: (كارليه) إنّ من الضروري إعطاء العنب للمصابين بفقر الدم، والذين خرجوا من عمليات جراحية إلى غير ذلك من الفوائد التي ذكرتها كتب الطب.

122 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( عليكم بالزبيب فإنّه يكشف المرة، ويذهب بالبلغم، ويشد العصب، ويحسن الخلق، ويطيب النفس، ويذهب الهم ).

أمّا الزبيب فهو العنب المجفّف، وهو يحتفظ بأكثر خواص العنب الطري وبما


فيه من الفيتامينات، وقد تحدثنا عن فوائد العنب وخواصه ومن بينها ما ذكر في هذا الحديث الشريف.

123 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إن يكن في شيء شفاء ففي شرطة الحجام أو شربة من عسل ).

ذكرنا في البحوث السابقة ما في الحجامة والعسل من الفوائد العظيمة والمنافع المهمّة.

124 - وبإسنادهعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا تردوا شربة من عسل من أتاكم بها ).

125 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( الطيب يسر، والعسل يسر، والنظر إلى الخضرة يسر، والركوب يسر )(1) .

إنّ هذه الأمور تبعث على الانشراح، والسرور.

126 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول الله (ص): ( ادهنوا بالبنفسج فإنّه بارد في الصيف، حار في الشتاء ).

البنفسج هو من النباتات العطرة الجميلة، وحوى الحديث على بعض الخصائص في دهنه التي برودته في الصيف وحرارته في الشتاء.

الباب السابع:

في بِرّ الوالدين، وصلة الأرحام

127 - وبإسناده قالعليه‌السلام :... حدثني أبو جعفرعليه‌السلام قال: ( أدنى العقوق أف، ولو علم الله شيئاً أهون من أف لنهى عنه ).

وأوجب الإسلام احترام الأبوين، وحرم الاعتداء عليهما، ولو بكلمة ( أف ) قال تعالى:( ولا تقل لهما أف ) ولو كان هناك كلمة أقل من ( أف ) لنهى عنها - كما يقول الإمام -.

128 - وبإسنادهعليه‌السلام قال:... حدثني أبو جعفرعليه‌السلام قال:

____________________

(1) في نسخة شره.


حدثني أبو عبد اللهعليه‌السلام : ( صلة الرحم، وحسن الأخلاق زيادة في الإيمان ).

إنّ حسن الأخلاق، وصلة الأرحام دليلان على إيمان الإنسان، وصلته بالله تعالي.

129 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن ضمن لي واحدة ضمنت له أربعاً، يصل رحمه، فيحبه أهله، ويوسع عليه في رزقه، ويزاد في أجله، ويدخله الله الجنة التي وعده ).

إنّ صلة الرحم من أفضل الأعمال التي ندب إليها الإسلام؛ لأنّها توجب ترابط المجتمع ووحدته وتضامنه.

130 - وبإسناده قال:... حدثني محمد بن عليعليه‌السلام قال: ( صلة الأرحام، وحسن الجوار زيادة في الأموال ).

إنّ من محاسن الأعمال التي حث عليها الإسلام البر بالأرحام والإحسان إلى الجار فإنّ ذلك ممّا يوجب وحدة المسلمين وانتشار المحبة والمودة فيما بينهم.

131 - وبإسناده قال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ( إنّي أخاف عليكم استخفافاً بالدين، وبيع الحكم، وقطيعة الرحم، وأن تتخذوا القرآن مزامير، تقدمون أحدكم، وليس بأفضلكم في الدين.

إنّ هذه الأمور التي حذر منها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله توجب هلاك المجتمع وتدميره وانحرافه عن المثل العليا التي تبنّاها الإسلام.

الباب الثامن:

في التحذير من الغش والغيبة والنميمة

132 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ليس منا من غش مسلما أو ضره، أو ما كره ).

إنّه ليس من الإسلام في شيء غش المسلم أو إضراره أو ممّا كرته لأنها توجب انتشار البغضاء وانعدام الثقة بين المسلمين.

133 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :


( إيّاكم والظلم فإنّه يخرب قلوبكم ).

وحارب الإسلام الظلم، وتواترت الأخبار عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام في التحذير منه، وأنّ الله تعالى بالمرصاد للظالمين يخرب ديارهم وينتقم منهم كأشد ما يكون الانتقام.

134 - وبإسناده قالعليه‌السلام :... حدثني أبي الحسين بن عليعليه‌السلام قال: خطبنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وقال: ( سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يده، ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى:( ولا تنسوا الفضل بينكم إنّ الله بما تعملون بصير ) وسيأتي على الناس زمان يقدم الأشرار، ويستذل الأخيار، ويبيع المضطرون، وقد نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن بيع الغرر، وعن بيع التمر قبل أن يدرك... فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم واحفظوني في أهلي ).

وطليعة هذه الكلمات التي أدلى بها باب مدينة علم النبي (ص) من الملاحم، وقد تحققت على مسرح الحياة في هذه العصور، فقد عض الموسر على ما في يده، ولم ينفق شيئاً من أمواله في سبيل الله تعالى، كما تقدم الأشرار والأنذال، واستذل الصالحون والمتقون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

135 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( مَن كفّ عن أعراض الناس أقال الله عثرته يوم القيامة ).

إنّ من أحكام الإسلام ومن تعاليمه الكف عن أعراض الناس وعدم تناولها بسوء صيانة للأعراض، وحفاظاً على وحدة المسلمين.

136 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال علي بن الحسينعليه‌السلام : ( إيّاكم والغيبة فإنّها أدام كلاب أهل النار ).

عرض الإمام سيد المتقين علي بن الحسينعليه‌السلام إلى حرمة الغيبة وهي من أفحش المحرمات؛ لأنّها تؤدي إلى انتشار الرذيلة، وشيوع الفحشاء بين المسلمين.

137 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ الله يبغض الرجل يدخل عليه الرجل في بيته فلا يقابله ).

من الآداب الإسلامية تكريم كل مَن يدخل بيت إنسان وعدم الإعراض عنه، وقضاء حاجته خصوصا الفقراء والمحوجين.


الباب التاسع:

في فضل الغزو والجهاد

138 - وبإسناده قال علي بن الحسين صلوات الله عليه بينما أمير المؤمنينعليه‌السلام يخطب الناس، ويحضهم على الجهاد إذ قام إليه شاب فقال: يا أمير المؤمنين اخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله، فقالعليه‌السلام : كنت رديف رسول الله (ص) على ناقته العضباء ونحن مقفلون من غزوة ذات السلاسل، فسألته عمّا سألتني عنه، فقال: إنّ الغزاة إذا هموا بالغزو كتب الله لهم براءة من النار، وإذا تجهزوا باهى الله بهم الملائكة الخ ).

والحديث طويل، عرض فيه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى فضل الغزو والجهاد في سبيل الله الذي هو باب من أبواب الجنة فتحه الله تعالى لخاصة أوليائه - على حد تعبير الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام -.

الباب العاشر:

في أحاديث متفرقة

139 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يقول الله تعالى: ( يا بن آدم أما تنصفني، أتحبب إليك بالنعم، وتتمقت إليّ بالمعاصي، خيري إليك منزل، وشرّك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح. يا بن آدم لو سمعت وصفك من غيرك، وأنت لا تدري من الموصوف لسارعت إلى مقته ).

وهذا الحديث الشريف من المواعظ التي تدعو الناس إلى فعل الخير، وتحذرهم من فعل الشر.

140 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( يقول الله عزّ وجل: يا بن آدم لا يغرنك ذنب الناس عن ذنب نفسك ولا نعمة الناس عن نعمة الله عليك، ولا تقنط الناس من رحمة الله عليهم، وأنت ترجوها لنفسك ).

وأهاب هذا الحديث بالإنسان أن لا تغره ذنوب الناس عن ذنوب نفسه فإن


كل إنسان مسؤول أمام الله عمّا يقترفه من ذنب، كما لا تغره النعم التي أفاضها الله على عباده عن نعمه تعالى عليه، فما أعظم نعمه على العبد فليس له أن يستصغرها حينما يرى نعم الله على عباده.

141 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ثلاث أخافهن على أُمّتي بعدي: الضلالة بعد المعرفة، ومضلات الفتن، وشهوة البطن والفرج ).

إنّ هذه الفتن الثلاثة تصد الإنسان عن الله تعالى، وتلقيه في شر عظيم.

142 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : في تفسير قوله تعالى:( يوم ندعو كل أناس بإمامهم ) قال: يدعى كل قوم بإمام زمانهم، وكتاب ربّهم، وسنّة نبيّهم ).

عرض هذا الحديث الشريف إلى حشر الناس يوم القيامة وان كل قوم يحشرون مع إمامهم وكتاب ربّهم وسنّة نبيّهم فإن كانوا ملتزمين بها وعاملين بأحكامها فقد فازوا ونجوا من عذاب الله وإن خالفوها فقد باؤوا بالخسران المبين.

143 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ الله يحاسب كل خلق إلاّ مَن أشرك بالله، فإنّه لا يحاسب، ويؤمر به إلى النار ).

144 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( اختنوا أولادكم يوم السابع، فإنّه أطهر، وأسرع نباتاً للحم ).

من روائع التشريع الإسلامي دعوته إلى ختان الطفل في اليوم السابع من ولادته، فإنّ الختان في هذه السن يكون سريع الشفاء بالنسبة لجرحه كما لا يعاني الطفل المزيد من الآلام أمّا إذا تجاوز تلك السن خصوصاً إذا زاد عمره على سنتين أو ثلاث فإنّ الختان يكون صعباً، ويعاني الطفل الكثير من الآلام.

145 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( المغبون لا محمود، ولا مأجور ).

أمّا المغبون إذا كان جاهلاً فإنّه لا يستحق الحمد ولا الأجر؛ لأنّه قصّر في معاملته، وأمّا إذا كان عالماً، وقدم على الغنى فإنه يستحق اللوم والذم.

146 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :


( اصنع المعروف إلى أهله، وإلى مَن ليس بأهله، فإن تصب أهله فهو له أهل، وإن لم تصب أهله فأنت من أهله ).

وفي هذا الحديث دعوة خلاقة إلى صنع المعروف والإحسان لجميع الناس، وهذا من محاسن التعاليم الإسلامية التي أقيمت على البر والإحسان.

147 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( رأس العقل بعد الدين، التودّد إلى الناس، واصطناع الخير إلى كلّ برٍّ وفاجر ).

إنّ التودّد إلى الناس، واصطناع المعروف معهم دليل على نضوج الفكر، وسلامة العقل، وبعد النظر.

148 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّ أفواهكم طرق من طرق ربكم فنظموها ).

دعا هذا الحديث إلى تنظيف الأفواه، وذلك باجتنابها عن قول الفحشاء والمنكر، والتحلّي بالصدق والآداب وغير ذلك ممّا يزينها.

149 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( مَن صام يوم الجمعة صبراً واحتساباً أعطي أجر عشرة أيام غر زهر، لا تشابههن أيام الدنيا ).

وفي هذا الحديث ترغيب في صوم يوم الجمعة الذي هو من أجل أيام الأسبوع، ففي صيامه الأجر الجزيل والثواب العظيم.

150 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( اختاروا الجنة على النار، ولا تبطلوا أعمالكم فتقذفوا في النار، منكسين خالدين فيها أبداً ).

دعا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الفوز بالفردوس الأعلى، وذلك بالإخلاص في العمل، وعدم إبطاله بالرياء وغيره التي توجب فساده، كما حذّرصلى‌الله‌عليه‌وآله من النار أعاذنا الله منها.

151 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا اعتكاف إلاّ بالصوم ).

أمّا الاعتكاف فقوامه الصوم، وأن يكون في أحد مساجد الله، والصوم فيه ثلاثة أيام، وليس للمعتكف من سبيل إلى الخروج من الجامع إلاّ بعد ثلاثة أيام.


152 - وبإسناده قالعليه‌السلام : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لو رأى العبد أجله، وسرعته لأبغض الأمل، وطلبة الدنيا ).

إنّ الإنسان لو فكّر وتأمّل في مصيره إلى القبر، وسرعة الخروج من هذه الدنيا لأبغض الأمل وكره الدنيا.

153 - وبإسناده قال: حدثني علي بن أبي طالبعليه‌السلام : ( مَن عرض نفسه للتهمة والدخول فيما يوجب هدر كرامته، فقد سلّط على نفسه سوء الظن به، وهو الذي جر له ذلك ).

154 - وبإسناده قال علي بن أبي طالبعليه‌السلام : ( لا دين لـمَن دان لمخلوق في معصية الخالق ).

إنّ كل مَن يدين لمخلوق في معصية خالقه فهو عارٍ من الدين لا تربطه مع الله تعالى صلة.

155 - وبإسناده قالعليه‌السلام : حدثني الحسين بن عليعليه‌السلام : ( إنّ أعمال هذه الأمّة ما من صباح إلاّ تعرض على الله عزّ وجل ).

إنّ أعمال المسلمين في كل يوم تعرض على الله تعالى سواء أكانت حسنات أم سيئات، فهنيئاً لـمَن عمل صالحاً، واتقى ربّه.

156 - وبإسناده قالعليه‌السلام : حدثني أبي علي بن أبي طالبعليه‌السلام في قوله تعالى:( لولا أن رأى برهان ربّه ) قال: قامت امرأة العزيز على صنم فسترته فقالت: إنّه يرانا، فقال لها يوسف: ما هذا؟ قالت: استحي من الصنم أن يراني فقال لها يوسف: أتستحي ممّن لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر ولا تستحي ممّن خلق الأشياء، وعلم بها فذلك قوله تعالى:برهان ربه... ).

157 - وبإسناده قالعليه‌السلام : كان علي بن أبي طالبعليه‌السلام إذا رأى المريض قد برئ قال: ( يهنيك الطهور من الذنوب ).

وتضافرت الأخبار عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام أنّ المرض مطهّر للشخص من الذنوب التي اقترفها، وأنّه يزيد في حسنات الشخص.

158 - وبإسناده قال:... حدثني أبي علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال: ( أخذنا ثلاثة من ثلاثة: الصبر من أيوب، والشكر من نوح، والحسد من بني


يعقوب ).

159 - وبإسناده قالعليه‌السلام : سُئل محمد بن علي بن الحسينعليهم‌السلام لم أوتم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أبويه؟ قالعليه‌السلام : ( لئلاّ يوجد عليه حق لمخلوق ).

وعلّل يتم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا التعليل في كثير من الأخبار، وثمّة تعليل آخر هو أنّ هذا اليتيم قد استطاع أن يغيّر مجرى تأريخ العالم، وينقذ الإنسان من خرافات الجاهلية، وعاداتها، ويقيم في الأرض دولة قد رفعت مشعل التوحيد، وأنارت آفاق الدنيا بما أقامته من معالم الحق، والعدل.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن مسند الإمام الرضاعليه‌السلام وصحيفته، وقد أسقطنا منها طائفة من الأخبار؛ لأنّها فيما نحسب مدسوسة في هذه الصحيفة، وليست من أخبار أهل البيتعليهم‌السلام ، ولعلّ هذا السبب أوجب توقّف بعض العلماء في نسبة هذا الكتاب إلى الإمامعليه‌السلام وعدم اعتمادهم عليه كحجّة في الاستدلال به على بعض الأحكام الشرعية. الفقه الرضوي.

ونسب للإمام الرضاعليه‌السلام كتاب ( الفقه الرضوي ) ولم يكن معروفاً في الأوساط العلمية الإمامية الأولى، وإنّما ظهر متأخّراً في زمان الفاضل المجلسي يقول رحمه الله: كتاب ( فقه الرضاعليه‌السلام ) اخبرني به السيد الفاضل المحدث القاضي أمير حسين طاب ثراه بعدما ورد أصفهان قال: قد اتفق في بعض سني مجاورتي بيت الله الحرام، أن أتاني جماعة من أهل قم حاجين، وكان معهم كتاب قديم يوافق تأريخه عصر الرضا صلوات الله عليه، وسمعت الوالد رحمه الله أنّه قال: سمعت السيد يقول: كان عليه خطه صلوات الله عليه، وكان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء، وقال السيد: حصل لي العلم بتلك القرائن أنّه تأليف الإمامعليه‌السلام فأخذت الكتاب وكتبته، وصححته، فأخذ والدي قدّس الله روحه هذا الكتاب من السيد، واستنسخه، وصححه، وأكثر عباراته مواقف لما يذكره الصدوق رحمه الله في كتاب ( مَن لا يحضره الفقيه ) من غير سند، وما يذكره والده في رسالته إليه، وكثير من الأحكام التي ذكرها أصحابنا ولا يعلم مستندها مذكورة فيه )(1) .

____________________

(1) البحار 1 / 11.


وقد أقرّ به، واعتمد عليه جمهور من أعلام الفقه الإمامي كالفاضل الكاشاني، وصاحب الرياض، والمحدث البحراني وغيرهم. وأنكره فريق آخر من كبار العلماء والمحققين، ولا يزال مثار الجدل بين الأعلام. والمتأمّل في الكتاب، تواجهه بعض المؤاخذات التي تبعد نسبته للإمامعليه‌السلام وهي:

أوّلاً - إنّ هذا الكتاب لو كان للإمام لما كان مغموراً عدة قرون لم يطلع عليه أحد من قدامي فقهاء الإمامية، وأصحاب الحديث مع اهتمامهم البالغ بجميع ما أثر عن أئمة الهدىعليهم‌السلام ، فلم يشر إليه أحد منهم بكلمة.

ثانياً - إنّ الشيخ الصدوق رحمه الله الذي دون جميع الآثار الواردة من الإمام الرضاعليه‌السلام في كتابه (عيون أخبار الرضا) فإنّه لم يشر إليه في هذا الكتاب ولا في جميع مؤلفاته.

ثالثاً - إنّ فيه بعض الأخبار المخالفة لعقيدة التشيّع كالغلو الذي حاربه الأئمّة الطاهرون، وبنوا على كفر مَن يذهب إليه، فقد جاء في هذا الكتاب في باب استقبال القبلة في الصلاة ( واجعل واحداً من الأئمّة نصب عينيك ) وهذا غلو فاحش، فإنّ المصلّي عليه أن يتجه بقلبه وعواطفه ومشاعره أمام الله خالق الكون وواهب الحياة.

هذه بعض المؤاخذات التي تواجه هذا الكتاب، وهي تبعد نسبته للإمامعليه‌السلام ، وقد نشر هذا الكتاب المؤتمر العالمي للإمام الرضاعليه‌السلام في مشهد المقدسة، وقامت بتحقيقه مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لإحياء التراث في قم زادها الله شرفاً، وقد قدّمه سماحة المحقق الكبير الشيخ جواد الشهرستاني، وعرض إلى ما قاله المثبتون لهذا الكتاب والنافون له من الأدلة.


بحوث عقائدية

وخاض الإمام الرضاعليه‌السلام في بحوثه ومحاضراته الكثير من المسائل العقائدية، ونفى ما يحوم حولها من الشبه والأوهام التي آثرها الحاقدون على الإسلام والجاهلون بأحكامه، وقد عرضنا إلى قسم كبير منها في مناظراته مع علماء الفرق والأديان، والتي نالت إعجاب العلماء، وإيمانهم بالقدرات العلمية الهائلة التي يملكها الإمام، وقد عجت بها أروقة السياسة وأندية أهل العلم...

ونعرض إلى جانب آخر من تلك البحوث التي لم تكن في إطار المناظرات وهي:

1 - قضايا التوحيد:

وأُثيرت كثير من التساؤلات حول قضايا التوحيد أجاب عنها الإمامعليه‌السلام ، وفنّد ما الصق بها من شكوك وأوهام، وكان من بينها ما يلي:

أ - استحالة المعرفة الكاملة بذات الله:

إنّ من المستحيل أن يوصف الله تعالى بصفة تلم بحقيقة ذاته المقدّسة، وقد انبرى أبو هاشم الجعفري، وهو من أعلام عصره في فضله وعلمه وتقواه فقال للإمام الرضاعليه‌السلام : ( هل يوصف الله؟ ) وقد أراد بذلك الوقوف والإحاطة بمعرفة الله فأجابه الإمامعليه‌السلام : ( أما تقرأ القرآن؟ ).

( بلى... ).

وأحال الإمام عليه الجواب على كتاب الله تعالى

فقال: ( أما تقرأ قوله تعالى:( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) .


وأسرع أبو هاشم قائلاً: ( ما هي... )

وأجاب أبو هاشم عمّا يعرفه عن الأبصار قائلاً: ( أبصار العيون... ) فأنكر الإمامعليه‌السلام ذلك قائلاً: ( إنّ أوهام القلوب أكبر من بصار العيون، فهو لا تدركه الأوهام، وهو يدرك الأوهام... )(1) .

إنّ نظرة العقل أوسع، وأكثر شمولاً من رؤية البصر، وإنّ العقل بجميع مدركاته وتصوّراته أيضاً محدود، ولا يمكن أن يحيط علماً بمعرفة ذات الله تعالى.

ب - استحالة رؤية الله:

من المستحيل رؤية الله تعالى، وقد شاع في بعض أوساط ذلك العصر أنّ النبي محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله قد رآه وقد خف كل من إبراهيم بن محمد الخزاز، ومحمد بن الحسين إلى الإمام الرضاعليه‌السلام يسألانه عن ذلك وقالا له: ( إنّ محمداً رأى ربّه في صورة الشاب الموفق في سن أبناء ثلاثين سنة؟... ).

وأسندا هذه المقالة إلى جماعة من أعلام الشيعة، وأنّهم قالوا: إنّه تعالى أجوف إلى السرة، والبقية صمد، ولا شبهة أنّ ذلك مدسوس عليهم ولا علاقة لهم بهذه المنكرات واضطراب الإمام حينما سمع هذه الأباطيل، وخر ساجداً لله تعالى، وجعل يخاطبه بتذلّل وخشوع: ( سبحانك ما عرفوك، ولا وحدوك، فمن أجل ذلك وصفوك، سبحانك لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك، سبحانك كيف طاوعتهم أنفسهم أن يشبهوك بغيرك، اللّهمّ لا أصفك إلاّ بما وصفت به نفسك، ولا أشبهك بخلقك، أنت أهل لكل خير، فلا تجعلني من القوم الظالمين... ).

ثم التفتعليه‌السلام إليهم فقال: ( ما توهمتم من شيء، فتوهموا الله غيره... ).

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 99.


يعني أنّ كل ما يتوهّمه الإنسان، ويتصوّره بالنسبة إلى ذات الله تعالى، فليتصوّر بأنّ الله تعالى غير الذي تصوّره ثم التفت إلى محمد بن الحسين فقال له: نحن آل محمد النمط الأوسط الذي لا يدركنا الغالي ولا يسبقنا التالي، يا محمد إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين نظر إلى عظمة ربه كان (ص) في هيئة الشاب الموفق وسن أبناء ثلاثين سنة! يا محمد عظم ربي عزّ وجل أن يكون في صفة المخلوقين.

وانبرى محمد بن الحسين قائلاً: ( مَن كانت رجلاه في خضرة؟ ).

فأجابه الإمام: ( ذاك محمد كان إذا نظر إلى ربه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب، حتى يستبين له ما في الحجب، إنّ نور الله منه أخضر ومنه أحمر، ومنه أبيض، ومنه غير ذلك، يا محمد ما شهد له الكتاب والسنة فنحن القائلون به )(1) .

ج - نفي الشبه عن الله:

ونفى الإمامعليه‌السلام جميع ألوان الشبه، والصور عن الله تعالى؛ وذلك في حديث جرى بينه وبين الفتح بن يزيد الجرجاني، وهو في طريقه إلى خراسان، فقد قال الإمامعليه‌السلام له: ( يا فتح مَن أرضى الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومَن أسخط الخالق فقمين أن يسلّط عليه سخط المخلوقين، وإنّ الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطوات أن تحده، والأبصار عن الإحاطة به. جل عما وصفه الواصفون، وتعالى عمّا ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب في نأيه فهو في بعده قريب، وفي قربه بعيد، كيف الكيف، فلا يقال له: كيف، وأين الأين فلا يقال له أين، إذ هو مبدع الكيفوفية، والأينونية. يا فتح كل جسم مغذي بغذاء إلا الخالق الرازق، فإنّه جسم الأجسام، وهو ليس بجسم، ولا صورة، لم يتجزأ، ولم يتناه ولم يتزايد، ولم يتناقص، مبرأ من ذات

____________________

(1) أصول الكافي (1 / 101 - 102).


ما ركب في ذات من جسمه(1) وهو اللطيف الخبير، السميع البصير، الواحد الأحد الصمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، منشيء الأشياء، ومجسم الأجسام، ومصور الصور، لو كان كما يقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا الرازق من المرزوق، ولا المنشئ من المنشأ لكنه المنشئ، فرق بين جسمه وصوره، وشيئه وبينه إذ كان يشبهه شيء.

وانبرى الفتح قائلاً: ( الله واحد، والإنسان واحد فليس قد تشابهت الواحدانية؟ وفنّد الإمام هذه الشبهة قائلا: أحلت - أي أتيت بالمحال - ثبتك الله إنما التشبيه في المعاني فاما الأسماء فهي واحدة(2) وهي دالة على المسمى وذلك أن الإنسان وإن قيل واحد فإنه يخبر أنه جثة واحدة وليس باثنين والإنسان نفسه ليس بواحد لان أعضاءه مختلفة غير واحدة وهو أجزاء مجزأ ليس سواء، دمه غير لحمه ولحمه غير دمه وعصبه غير عروقه وشعره غير بشره وسواده غير بياضه، وكذلك سائر جميع الخلق، فالإنسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى. والله جلّ جلاله واحد، لا واحد غيره، ولا اختلاف فيه ولا تفاوت، ولا زيادة ولا نقصان، فأمّا الإنسان المخلوق المصنوع المؤلف من أجزاء مختلفة وجواهر شتّى غير أنّه بالاجتماع شيء واحد ).

إنّ إطلاق الواحد على الله تعالى يغاير إطلاق الواحد على الإنسان، فإنّ الإنسان مؤلّف من أجزاء مختلفة ومتباينة كالقلب والرئتين والعينين والكليتين وغيرهما من الخلايا والأعضاء، وباجتماعها أطلق عليها الواحد، أمّا بالنسبة إلى الخالق العظيم تعالى فإنه لم يكن مركبا ولا مؤلفا من عدة أجزاء مجتمعة كي يطلق عليه لفظ الواحد.

وقال الفتح: ( فسّر لي اللطيف، فإنّي أعلم أنّ لطفه خلاف لطف غيره للفصل... ). وأجابه الإمامعليه‌السلام

____________________

(1) أي أنّه تعالى منزّه من ذوات الأشياء والأجزاء التي ركبها وجعلها في ذات من أوجده جسماً.

(2) المراد أنّ التشبيه الذي ينفى عنه تعالى إنّما هو في الحقائق لا في الأسماء والألفاظ فإنّه يقع فيه وتعالى وفي غيره، فيصح إطلاق الواحد على الإنسان وعلى الله تعالى.


( يا فتح إنّما قلت: اللطيف للخلق اللطيف، ولعلمه بالشيء اللطيف، ألا ترى إلى أثر صنعه - أي صنع الخالق العظيم - في النبات اللطيف وغير اللطيف، وفي الخلق اللطيف من أجسام الحيوان من الجرجس والبعوض وما هو أصغر منهما مما لا يكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الأنثى، والمولود من القديم، فلما رأينا صغر ذلك في لطفه، واهتدائه للفساد، والهرب من الموت، والجمع لما يصلحه بما في لجج البحار، وما في لحاء الأشجار والمفاوز والقفار، وإفهام بعضها عن بعض منطقها، وما تفهم به أولادها عنها، ونقلها الغذاء إليها، ثم تأليف ألوانها، حمرة مع صفرة، وبياض مع حمرة، علمنا أنّ خالق هذا الخلق لطيف، وإنّ كل صانع شيء فمن شيء صنع، والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شيء... ).

وحكى هذا المقطع الآثار المدهشة لبدائع خلق الله تعالى وذلك في خلقه لأجسام الحيوانات الصغار من الجرجس والبعوض وما هو أصغر منهما ممّا لا يتميز فيها الذكر من الأنثى فقد وهبها الله تعالى الإدراك فاهتدت إلى السفاد لبقائها واستمرارها على الأرض، كما وهبها الإدراك للفرار من الأخطار التي تواجهها فسبحان، الخالق اللطيف، ومضافاً لذلك ما تتمتّع به من الألوان الزاهية الجالبة للنظر، واتخاذها لحاء الأشجار والمفاوز والقفار مقراً وبيوتاً لها، إلى غير ذلك من ألطاف الله التي تحيط بها، فسبحان الخالق العظيم ما أعظم ألطافه على جميع الكائنات الحيّة.

وانبرى الفتح قائلاً: ( جُعلت فداك، وغير الخالق الجليل خالق؟ ) فأجابه الإمامعليه‌السلام : ( إنّ الله تبارك وتعالى يقول:( تبارك الله أحسن الخالقين ) (1) فقد أخبر أنّ في عباده خالقين منهم عيسى ابن مريم خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فصار طائراً بإذن الله، والسامري خلق لهم عجلاً جسداً له خوار... ).

واعترض الفتح على الإمام قائلاً: ( إنّ عيسى خلق من الطين طيراً دليلاً على نبوّته، والسامري خلق عجلاً جسداً

____________________

(1) سورة المؤمنون / آية 14.


انقض نبوّة موسىعليه‌السلام ، وشاء الله أن يكون ذلك كذلك؟ إنّ هذا لهو العجب!!.

وأجابه الإمام ببالغ الحجّة قائلاً: ( يا فتح إنّ لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أنه نهى آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة، وهو يشاء ذلك، ولو لم يشأ لم يأكلا، ولو أكلا لغلبت مشيئتهما مشيئة الله وأمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل، وشاء أن لا يذبحه، ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله عزّ وجل... ).

وفنّد الإمامعليه‌السلام شبهة الفتح؛ وذلك بتقسيمه إرادة الله تعالى إلى قسمين: إرادة عزم، وهي الإرادة التشريعية التي يسمّيها علماء الكلام، وهي عبارة عن أوامر الله تعالى ونواهيه لعباده التي فيها توازنهم وصلاحهم في سلوكهم في هذه الحياة، ولا يستحيل فيها تخلّف المراد عن الإرادة، فقد يطيع العبد وقد يعصي.

القسم الثاني: من الإرادة

وهي الإرادة الحتمية التي يسمّيها المتكلّمون بالإرادة التكوينية، ويستحيل في هذه الإرادة أن يتخلف عنها المراد فإنّه تعالى إذا قال للشيء كن فيكون، وقصّة آدم وإبراهيمعليهما‌السلام إنّما هي من النوع الأول من الإرادة... وقد بهر الفتح بكلام الإمام وراح يقول: فرّجت عنّي فرج الله عنك غير أنّك قلت: السميع البصير هل هو سميع بالأذن بصير بالعين؟

فأجابه الإمام: إنّه - أي الله - يسمع بما يبصر ويرى بما يسمع بصير لا بعين مثل عين المخلوقين وسميع لا بمثل سمع السامعين لكن لما لم يخف عليه خافية من أثر الذرة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء تحت الثرى والبحار قلنا: بصير لا بمثل عين المخلوقين، ولما لم يشتبه عليه ضروب اللغات، ولم يشغله سمع عن سمع قلنا: سميع لا مثل سمع السامعين... ).

وأزاح الإمامعليه‌السلام الشبهة عن الفتح، وأوضح له أنّ بصر الله تعالى وسمعه ليسا على غرار سمع الإنسان وبصره. وطفق الفتح يقول للإمام:


( جُعلت فداك بقيت مسألة؟ ).

( هاتها... ).

( قلت: يعلم القديم، الشيء، الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون؟... ). فقالعليه‌السلام : ( أما سمعت الله يقول:( لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا ) (1) وقوله:( ولعلا بعضهم على بعض ) (2) وقال: يحكي قول أهل النار:( أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنّا نعمل ) (3) وقال:( ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ) (4) فقد علم الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون... ).

وبهر الفتح بعلم الإمامعليه‌السلام وإحاطته بهذه المسائل الكلامية المعقّدة، وقد حاول أن يقبّل يد الإمام ورجله، فلم يمكنه من ذلك فقبّل رأسه الشريف، وخرج وهو جذلان مسرور؛ لأنّ الإمام أزال عنه ما يختلج في نفسه من الشكوك والأوهام(5) .

وقد أحاط الإمامعليه‌السلام في حديثه مع الفتح بكثير من قضايا التوحيد، وأوضح الغوامض من مسائله.

حقيقة التوحيد:

وأدلى الإمامعليه‌السلام ببعض الأحاديث عن حقيقة التوحيد كان منها ما يلي:

1 - مسألة محمد بن يزيد عن التوحيد فأملى عليه ما يلي:

( الحمد لله فاطر الأشياء إنشاء ومبتدعها ابتداء بقدرته وحكمته لا من شيء فيبطل الاختراع، ولا لعلّة فلا يصح الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء متوحداً بذلك الإظهار حكمته، وحقيقة ربوبيته لا تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة وكلّت دونه الأبصار،

____________________

(1) سورة الأنبياء / آية 22.

(2) سورة المؤمنون / آية 91.

(3) سورة فاطر / آية 37.

(4) سورة الأنعام / آية 28.

(5) التوحيد (ص 60 - 65).


وضلّ فيه تصاريف الصفات، احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور عرف بغير رؤية، ووصف بغير صورة، ونعت بغير جسم لا إله إلاّ الله الكبير المتعال... )(1) .

وحكى هذا الحديث الشريف القدرة البالغة للخالق العظيم الذي فطر الأشياء، وأنشأها لا من شيء، ولا من مثال سبقها فسبحانه ما أعظمه لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأوهام، ولا تحيط بكنه عظمته الألفاظ.

2 - وتشرّف بمقابلة الإمامعليه‌السلام محمد بن عيسى بن عبيد فسأله الإمام: ( ما تقول: إذا قيل لك اخبرني عن الله عزّ وجل شيء هو أم لا؟... ).

فأجابه محمد جواب العالم الخبير قائلاً: ( قد أثبت الله عز وجل نفسه شيئا حيث يقول:( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ) (2) فأقول: إنّه شيء لا كالأشياء إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه ).

واستحسن الإمام جوابه فقال له: ( صدقت وأصبت ). وأضاف الإمام قائلاً: ( للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز؛ لأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبهه شيء، والسبيل هي الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه... )(3) .

قدرة الله:

سأل محمد بن عرفة الإمامعليه‌السلام السؤال التالي: ( خلق الله الأشياء بالقدرة أم بغير القدرة؟... )(4) .

فأجابه الإمام: ( لا يجوز أن يكون خلق الأشياء بالقدرة لأنّك إذا قلت: خلق الأشياء بالقدرة فكأنّك جعلت القدرة شيئاً غيره، وجعلتها آلة له بها خلق الأشياء، وهذا شرك، وإذا

____________________

(1) التوحيد (ص 98) أصول الكافي 1 / 105.

(2) سورة الأنعام / آية 19.

(3) التوحيد (ص 107).

(4) التوحيد (ص 130).


قلت: خلق الأشياء بقدرة، فإنّما تصفه أنّه جعلها باقتدار عليها وقدرة ولكن ليس هو بضعيف، ولا عاجز، ولا يحتاج إلى غيره ).

ومعنى كلام الإمامعليه‌السلام أنّ الله تعالى قادر، وهذه الصفة عين ذاته، ولم يخلق الأشياء بقدرة خارجة عن ذاته، فإنّ جميع صفاته الكريمة عين ذاته حسب ما دلل عليه في علم الكلام.

وقد أكّد الإمامعليه‌السلام ذلك في كلامه ( سبحان مَن خلق الخلق بقدرته، وأتقن ما خلق بحكمته، ووضع كل شيء منه موضعه بعلمه، سبحان مَن يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير )(1) .

قدم الخالق العظيم وصفاته:

من البحوث المهمّة التي أدلى بها الإمامعليه‌السلام هي قدم الخالق العظيم وصفاته، قالعليه‌السلام لبعض أصحابه:

( اعلم علمك الله الخير أنّ الله تبارك وتعالى قديم والقدم صفته التي دلّت العاقل على أنّه لا شيء قبله ولا شيء معه في ديموميته فقد بان لنا بإقرار العامة معجزة الصفة أنّه لا شيء قبل الله ولا شيء مع الله في بقائه، وبطل قول مَن زعم أنّه كان قبله أو كان معه شيء؛ وذلك أنّه لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقاً له لأنّه لم يزل معه، فكيف يكون خالقاً لـمَن لم يزل معه، ولو كان قبله شيء كان الأول ذلك الشيء لا هذا، وكان الأول أولى بأن يكون خالقاً للأول.

ثم وصف نفسه تبارك وتعالى بأسماء دعا الخلق إذ خلقهم وتعبدهم، وابتلاهم إلى أن يدعوه بها، فسمّى نفسه سميعاً بصيراً، قادراً: قائماً، ناطقاً، ظاهراً، باطناً، لطيفاً خبيراً قوياً، عزيزاً، حكيماً، عليماً، وما أشبه هذه الأسماء، فلمّا رأى ذلك من أسمائه القالون المكذبون، وقد سمعونا نحدث عن الله، أنّه لا شيء مثله، ولا شيء من الخلق في حاله، قالوا: أخبرونا إذا زعمتم أنّه لا مثل لله، ولا شبه له، كيف شاركتموه في أسمائه الحسنى فتسمّيتم بجميعها، فإنّ في ذلك دليلاً على أنّكم مثله في حالاته كلها أو في بعضها دون بعض إذ جمعتم الأسماء الطيبة؟

____________________

(1) التوحيد (ص 137).


قيل لهم: إنّ الله تبارك وتعالى ألزم العباد أسماء من أسمائه على اختلاف المعاني، وذلك كما يجمع الاسم الواحد معنيين مختلفين، والدليل على ذلك قول الناس الجائز عندهم الشيء، وهو الذي خاطب الله به الخلق فكلّمهم بما يعقلون ليكون عليهم حجّة في تضييع ما ضيّعوا، فقد يقال للرجل: كلب، وحمار وثور، وسكرة، وعلقمة، وأسد، كل ذلك على خلافه وحالاته لم تقع الأسامي على معانيها التي كانت بنيت عليها؛ لأنّ الإنسان ليس بأسد، ولا كلب، فافهم ذلك رحمك الله. وإنّما سمّي الله تعالى بالعلم(1) بغير علم حادث علم به الأشياء، استعان به على حفظ ما يستقبل من أمره والروية فيما يخلق من خلقه، ويفسد ما مضى ممّا أفنى من خلقه، ممّا لو لم يحضره، ويغيبه كان جاهلاً ضعيفاً كما أنّا لو رأينا علماء الخلق إنّما سمّوا بالعلم لعلم حادث(2) إذ كانوا فيه جهلة، وربّما فارقهم العلم بالأشياء فعادوا إلى الجهل، وإنّما سمي الله عالماً لأنّه لا يجهل شيئاً، فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم، واختلف المعنى على ما رأيت.

وسمّي ربنا سميعاً لا بخرق فيه يسمع الصوت، ولا يبصر به كما أن خرقنا الذي به نسمع لا نقوى به على البصر، ولكنّه أخبر أنّه لا يخفى عليه شيء من الأصوات، ليس على حد ما سمينا نحن، فقد جمعنا الاسم بالسمع، واختلف المعنى وهكذا البصر لا بخرق منه أبصر، كما أنّا نبصر بخرق منا لا ننتفع به في غيره، وهكذا البصر لا بخرق منه أبصر، كما أنّا نبصر بخرق منا لا ننتفع به في غيره، ولكنّ الله بصير لا يحتمل(3) شخصاً، منظوراً إليه، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى وهو قائم ليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد كما قامت الأشياء، ولكن قائم(4) يخبر أنّه حافظ كقول الرجل: القائم بأمرنا فلان، والله هو القائم على كل نفس بما كسبت، والقائم أيضا كلام الناس: الباقي، والقائم أيضاً يخبر عن الكفاية، كقولك للرجل قم بأمر بني فلان أي أكفهم، والقائم منا قائم على ساق، فقد جمعنا الاسم، ولم يجمعنا المعنى وأمّا اللطيف فليس على قلّة وقصافة وصغر، ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء، والامتناع من أن يدرك كقولك للرجل: لطف عنّي هذا الأمر،

____________________

(1) في نسخة بالعالم وهو الأصح.

(2) في التوحيد ( سموا بالعالم لعلم حادث إذ كانوا قبله جهلة ).

(3) في التوحيد ( لا يجهل شخصاً ).

(4) في التوحيد ( ولكن أخبر أنّه قائم يخبر أنّه حافظ ).


ولطف فلان في مذهبه، وقوله: يخبرك أنه غمض فيه العقل، وفات الطلب، وعاد متعمقا، متلطفا لا يدركه الوهم، فكذلك لطف الله تبارك وتعالى عن أن يدرك بحد أو يحد بوصف، واللطافة منا الصغر والقلة، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى.

وأمّا الخبير فالذي لا يعزب عنه شيء، ولا يفوته، ليس للتجربة، ولا للاعتبار بالأشياء، فعند التجربة والاعتبار علمان ولولاهما ما علم لان من كان كذلك كان جاهلاً، والله لم يزل خبيرا بما يخلق الخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلم، فقد جمعنا الاسم، واختلف المعنى وأمّا الظاهر فليس من أجل أنّه علا الأشياء بركوب فوقها، وقعود عليها وتسنّم لذراها، ولكن ذلك لقهره ولغلبته الأشياء وقدرته عليها كقول الرجل:

ظهرت على أعدائي، وأظهرني الله على خصمي، يخبر عن الفلج والغلبة فهكذا ظهور على الأشياء، ووجه آخر أنّه الظاهر لمن أراده، ولا يخفى عليه شيء وأنّه مدبر لكل ما برأ، فأي ظاهر أظهر وأوضح من الله تبارك وتعالى لأنّك لا تعدم صنعته حيثما توجهت، وفيك من آثاره ما يغنيك، والظاهر منا البارز بنفسه، والمعلوم بحده فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى.

وأمّا الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علماً وحفظاً وتدبيراً كقول القائل: أبطنته: يعني خبرته، وعلمت مكتوم سرّه، والباطن منّا الغايب في الشيء المستتر وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى وأمّا القاهر فليس على معنى علاج ونصب واحتيال، ومدارة ومكر كما يقهر العباد بعضهم بعضاً، والمقهور منهم يعود قاهراً والقاهر يعود مقهوراً، ولكن ذلك من الله تبارك وتعالى على أنّ جميع ما خلق ملبس به الذل لفاعله، وقلة الامتناع لما أراد به، لم يخرج منه طرفة عين، أن يقول له:( كن فيكون ) والقاهر منا على ما ذكرت ووصفت، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى، وهكذا جميع الأسماء، وإن كنا لم نستجمعها كلها فقد يكتفي الاعتبار بما ألقينا إليك، والله عونك وعوننا في إرشادنا وتوفيقنا... )(1) .

وحفلت هذه الرسالة بالاستدلال على قدم الخالق العظيم المبدع والمكوّن

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 120 - 123.


للأشياء على اختلاف أنواعها، كما حفلت بذكر بعض أسماء الله تعالى، وأنّها وإن أطلقت على الإنسان إلاّ أنّ المعنى مختلف، فإطلاقها على الله غير إطلاقها على الإنسان المفتقر إلى الله تعالى في جميع شؤونه وأحواله، ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الرسالة وصفها الكليني بأنّها مرسلة، وليست بمسندة.

نزاهة الخالق عن المكان:

وتنزّه الخالق العظيم عن المكان والزمان اللذين هما من لوازم الموجودات التي تستند في وجودها إلى الله تعالى،

وقد خفّ رجل من وراء نهر بلخ نحو الإمام الرضاعليه‌السلام فقال له: ( إنّي أسألك عن مسألة فإن أجبتني فيها بما عندي قلت بإمامتك... ).

( سل عما شئت... ).

وعرض مسألته على الإمام قائلاً: ( أخبرني عن ربّك متى كان؟ وكيف كان اعتماده؟... ).

وأجابه الإمام ببالغ الحجّة قائلاً: ( إنّ الله تبارك وتعالى أين الأين بلا أين، وكيف الكيف بلا كيف، وكان اعتماده على قدرته... ).

إنّ الله تعالى هو الذي أوجد المكان والزمان فهما من مخلوقاته فكيف يتصف بهما؟

وبهر الرجل من جواب الإمام وسارع فقبل رأسه وقال: ( أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله وأنّ عليّاً وصي رسول الله، والقيّم بعده بما أقام به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّكم الأئمة الصادقون، وأنّك الخلف من بعدهم )(1) .

لقد كان الإمام من مصادر الهداية والنور في الأرض فأشاع في عصره الإيمان بالله، وأقام الحجّة على الخلق.

امتناع رؤية الله:

وكتب محمد بن عبيد إلى الإمام الرضاعليه‌السلام يسأله عن الرؤية - أي رؤية الله تعالى - وما ترويه العامة والخاصة في ذلك، وسأل الإمام أن يشرح له ذلك فكتب الإمام إليه الرسالة التالية:

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 88.


( اتفق الجميع لا تمانع بينهم، أنّ المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فإذا جاز أن يرى الله بالعين وقعت المعرفة ضرورة، ثم لم تخل تلك المعرفة من أن تكون إيماناً أو ليست بإيمان، فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية إيماناً، فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنّها ضده، فلا يكون في الدنيا مؤمن لأنّهم لم يروا الله عزّ ذكره، وإن لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيماناً لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب أن تزول، ولا تزول في المعاد، فهذا دليل على أنّ الله عزّ وجل لا يرى بالعين، إذ العين تؤدي إلى ما وصفنا... )(1) .

وأبطل الإمام بهذه الحجة البالغة رؤية الخالق العظيم بالعين لا بالفكر والعقل، فإن الإيمان به تعالى لو كان مرتبطاً بها للزم أن يكون الإيمان الناشئ من الأدلة الوجدانية على وجود الله ليس إيماناً، وهو باطل، وإن كانت معرفة الله تعالى الناشئة من الرؤية ليست إيماناً، فلازمه أن لا تكون المعرفة الناشئة من الأدلة موجبة للإيمان وهو باطل أيضاً. إنّ الإيمان بالخالق تعالى من الضروريات التي لا ينكرها إلاّ مَن زاغ فكره، وضل عقله، والله تعالى أبرز حقيقة ظاهرة في هذا الوجود تدلل عليه مخلوقاته إبطال التفويض والجبر. أمّا التفويض فهو يتصادم مع الدين الإسلامي، وكذلك الجبر فإنّه ليس من الإسلام في شيء، وقد سأل الحسن بن علي الوشاء الإمام عن ذلك فقال له: ( الله فوض الأمر إلى العباد؟... ).

وسارع الإمام في إبطال ذلك قائلاً: ( الله أغر من ذلك... ).

وانبرى الحسن قائلاً: ( جبرهم على المعاصي؟... ).

فردّه الإمام قائلاً: ( الله أعدل، وأحكم من ذلك... ).

وأضاف الإمام قائلاً: ( قال الله: يا بن آدم، أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك منّي،

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 96 - 97.


عملت بالمعاصي بقوتي التي جعلتها فيك... )(1) .

إنّ الله تعالى منح عباده الإرادة الكاملة، فهم بمحض إرادتهم يطيعون أو يعصون، وليسوا مجبرين على شيء منهما.

وممّا أثر عن الإمام الرضاعليه‌السلام في إبطال الجبر والتفويض ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري قال: ذكر عند الإمام الرضاعليه‌السلام الجبر والتفويض فقال: ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا يخاصمكم عليه أحد إلاّ كسرتموه...

فقال أصحابه: إن رأيت ذلك.

فقالعليه‌السلام : ( إنّ الله تعالى لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، وهو المالك لما ملكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صادراً، ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل ففعلوا، فليس هو الذي أدخلهم فيه... ).

وعقب هذا البرهان الحاسم قالعليه‌السلام لأصحابه: من يضبط حدود هذا الكلام فقد خاصم من خالفه... ).(2) .

وأكّد الإمام هذا الأمر في حديثه مع علي بن أسباط فقد سأله عن الاستطاعة، فأجابه: ( يستطيع العبد بعد أربع خصال: أن يكون مخلى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح، له سبب وارد من الله... ).

وانبرى علي قائلاً: ( جعلت فداك فسّر لي هذا... ).

وأوضح الإمامعليه‌السلام هذه الأمور بقوله: ( أن يكون العبد مخلى السرب، صحيح الجسم، سليم الجوارح يريد أن يزني فلا يجد امرأة، ثم يجدها، فأمّا أن يعصم نفسه فيمتنع، كما امتنع يوسفعليه‌السلام أو يخلي بينه وبين إرادته فيزني فيسمّى زانياً، ولم يطع الله بإكراه، ولم

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 157.

(2) عيون أخبار الرضا 1 / 144.


يعصه بغلبة... )(1).

لقد عرض الإمام الرضاعليه‌السلام ، وبقيّة أئمّة أهل الهدىعليهم‌السلام إلى بطلان الجبر والتفويض، وأثبتوا بصورة حاسمة لا تقبل الشك أنّ الأمر بين الأمرين، لا جبر ولا تفويض...

تفنيده لآراء القدرية:

وفنّد الإمام الرضاعليه‌السلام آراء القدرية، وأبطل شبههم في حديث له مع يونس بن عبد الرحمان قالعليه‌السلام : ( يا يونس لا تقل: بقول القدرية، فإنّ القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة، ولا بقول أهل النار ولا بقول إبليس فإنّ أهل الجنة قالوا:( الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ) وقال أهل النار:( قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ ) ، وقال إبليس:( ربّ بما أغويتني... ) الآية.

وأنكر يونس أن يقول بمقالتهم قائلاً: ( والله ما أقول بقولهم: ولكنّي أقول: لا يكون إلاّ بما شاء الله وأراد وقدّر وقضى... ).

وردّعليه‌السلام قائلاً: ( يا يونس ليس هكذا، لا يكون إلاّ ما شاء الله، وأراد، وقدّر وقضى، يا يونس تعلم ما المشيئة؟... ).

قال يونس: لا.

وأوضح الإمام له حقيقة المشيئة قائلاً: ( هي الذكر الأول. تعلم ما الإرادة؟... ).

قال يونس: لا.

وبيّن الإمام له واقع الإرادة قائلاً: ( هي العزيمة على ما يشاء. تعلم ما القدر؟... ). قال يونس: لا.

فقالعليه‌السلام :

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 160 - 161.


( هي الهندسة، ووضع الحدود من البقاء والفناء، والقضاء هو الإبرام، وإقامة العين... ).

وانحنى يونس إكباراً وإجلالاً للإمام، وقبّل رأسه، وقال له: ( فتحت لي شيئا كنت عنه في غفلة... )(1) .

الإمامة:

ومن بين البحوث العقائدية التي خاضها الإمام الرضاعليه‌السلام هي الإمامة، فقد عرض لها في كثير من مناظراته وبحوثه، كان منها ما يلي:

1 - أهمّيّة الإمامة:

الإمامة من أهم المراكز الحسّاسة في الإسلام؛ لأنّها تصون الأمّة وتحميها من الاعتداء، وتوفّر لها الكرامة والحرية، وتحقق لها جميع ما تصبو إليه.

وقد أدلى الإمامعليه‌السلام بحديث شامل إلى عبد العزيز بن مسلم عرض فيه بصورة موضوعية عن أهمية الإمامة، وأنّها من أهم الأهداف، والمبادئ التي تبنّاها الإسلام، فالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل أن ينتقل إلى حظيرة القدس، قد أقام القائد، والمرجع لأُمّته، وهو الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، رائد الحكمة في دنيا الإسلام، استمعوا إلى حديث الإمام الرضا عن الإمامة.

قالعليه‌السلام : ( يا عبد العزيز جهل القوم، وخدعوا عن أديانهم، إن الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء، بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه كملا فقال عزّ وجل:( ما فرطنا في الكتاب من شيء... ) (2) وأنزل في حجّة الوداع وهي آخر عمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) (3) وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض (صلّى الله عليه

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 157.

(2) سورة الأنعام / آية 38.

(3) سورة المائدة / آية 67، نزلت هذه الآية الكريمة في يوم عبد الغدير، وهو اليوم الخالد الذي أقام فيه الرسول (ص) الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قائداً لأمّته من بعده، وعيد الغدير جزء من رسالة الإسلام.


وآله) حتى بين لأُمّته، معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد الحق، وأقام لهم علياً إماماً، وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلاّ بينه، فمن زعم أن الله عزّ وجل لم يكمل دينه قد؟ رد كتاب الله عزّ وجل ومَن رد كتاب الله تعالى فهو كافر...

وحكى هذا المقطع الأهمية البالغة للإمامة عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فهي من أهم العناصر في رسالته الخالدة فبها كمال الدين وإتمام النعمة وقد اختارصلى‌الله‌عليه‌وآله لهذا المنصب الخطير أخاه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، فقد أقامه خليفة من بعده، وأمر المسلمين بمبايعته في غدير خم، وقد أوضحصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك السبيل لأمّته، ولم يترك الأمر فوضى من بعده...

ولنستمع إلى بند آخر من حديثهعليه‌السلام يقول: ( هل يعرفون قدر الإمامة، ومحلّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم؟ إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شاناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس، بعقولهم أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم إنّ الإمامة خصّ الله بها إبراهيم الخليلعليه‌السلام بعد النبوّة، والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها، وأشاد بها ذكره، فقال عزّ وجل:( إنّي جاعلك للناس إماماً ) (1) .

فقال الخليل: سروراً بها:( ومن ذريتي ) قال الله عز وجل:( لا ينال عهدي الظالمين ) فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة،، وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله عزّ وجل بأن جعلها في ذرّيته أهل الصفوة والطهارة فقال عزّ وجل:( ووهبنا له اسحق ويعقوب نافلة وكلاًّ جعلنا أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) (2) فلم يزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال الله عزّ وجل:( إنّ أولى الناس للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) (3) فكانت له خاصة، فقلدهاصلى‌الله‌عليه‌وآله عليا بأمر الله عزّ وجل على رسم ما فرضها الله عز وجل فصارت في ذرّيته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عزّ وجل:( فقال الذين أوتوا العلم

____________________

(1) سورة البقرة / آية 121.

(2) سورة الأنبياء / آية 72 و 73.

(3) سورة آل عمران / آية 67.


والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ) (1) فهي في ولد علي خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فمن أين يختار هؤلاء الجهّال؟ ).

عرض الإمامعليه‌السلام في هذا المقطع إلى استحالة الاختيار والانتخاب للإمامة وأنّها غير خاضعة لإرادة الجماهير الذين لا علم لهم بواقع الأمور وحقيقة الأشياء، وإنّما أمرها بيد الله تعالى فهو الذي يختار لقيادة عباده ممّن تتوفّر فيه الصفات الرفيعة من التقوى والحريجة في الدين، والعلم بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها ليضمن لها حياة كريمة لا ظل فيها للقهر والظلم والغبن، والفقر.

الإمامة كالنبوّة في أنّ أمرها بيد الله تعالى، وقد منحها لأفضل عباده وهو إبراهيم الخليلعليه‌السلام ، وانتقلت من بعده إلى أفاضل ذريته كإسحاق ويعقوب، ثم انتقلت إلى سيد الأنبياء الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقلّدها من بعده إلى باب مدينة علمه، وأفضل أمّته الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ثم من بعده إلى الأئمّة الطاهرين من ذريته الذين هم صفوة خلق الله تعالى.

ولننتقل إلى فصل آخر من كلام الإمامعليه‌السلام يقول: ( إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إنّ الإمامة خلافة الله عزّ وجل، وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين، وميراث الحسن والحسينعليهم‌السلام إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين. إنّ الإمامة أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة، والزكاة، والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء، والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف.

الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجّة البالغة. الإمام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى، والبيد القفار، ولجج البحار، والإمام على البقاع(2) الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك، مَن فارقه هالك.

____________________

(1) سورة الروم / آية 56.

(2) البقاع: هو التل المشرف.


الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة، الإمام الأمين، الرفيق، والوالد الرقيق والأخ الشفيق، ومفزع العباد في الداهية. الإمام أمين الله في أرضه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاده، الداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله.

الإمام المطهر من الذنوب، المبرأ من العيوب، مخصوص بالعلم مرسوم بالحلم، نظام دين، وعز المسلمين، وغيظ المنافقين وبوار الكافرين.

الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل، ولا له مثل، ولا نظير، مخصوص بالفعل كلّه، من غير طلب منه، له، ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمَن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره؟ هيهات، هيهات، ضلت العقول وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسرت العيون وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، أو فضيلة من فضائله فأقرت بالعجز والتقصير وكيف يوصف له أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقام مقامه ويغنى غناه كيف وأنّى وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟ أظنوا أن يوجد ذلك؟ في غير آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله كذبتهم والله أنفسهم، وفتنهم الباطل، فارتقوا مرتقى صعبا، دحضا نزل عنه إلى الحضيض أقدامهم... ).

حفل هذا المقطع من كلام الإمامعليه‌السلام بأهمّية الإمام، وأنّه ظل الله في الأرض، وعليه تدور جميع مصالح الأمّة، وما تنشده من أهداف، كما ترتبط به إقامة الحدود، وصيانة الثغور، وتحليل الحلال، وتحريم الحرام، وتطبيق أحكام الله تعالى على واقع الحياة العامة التي يعيشها المسلمون ومن المؤكّد أنّ هذه الأهداف الأصيلة والمبادئ العليا، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يحقّقها على مسرح الحياة إلاّ أئمّة الهدىعليهم‌السلام الذين أقصتهم أئمّة الظلم والجور عن مراكزهم التي منحها الله لهم، فعانت الأمة من جراء ذلك جميع ألوان الظلم والجور. ويواصل الإمامعليه‌السلام حديثه بالإشادة بأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، ومناهضة أئمّة الجور، وينعى على الذين أقاموهم، يقول


عليه‌السلام : ( راموا إقامة الإمام بعقول جائرة بائرة ناقصة وآراء مضلّة، فلم يزدادوا إلاّ بعداً قاتلهم الله أنّى يؤفكون، لقد راموا صعباً، وقالوا: إفكاً وضلوا ضلالاً بعيداً، ووقعوا في لحيرة، إذ تركوا عن بصيرة، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وما كانوا مستبصرين، ورغبوا عن اختيار الله، واختيار رسوله إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم( وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عمّا يشركون ) (1) وقال الله عزّ وجل:( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) (2) وقال عزّ وجل:( مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ) (3) .

وقال عزّ وجل:( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (4) أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، أم( قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) (5) ( وقالوا سمعنا وعصينا ) (6) بل هو( فضل الله يؤتيه مَن يشاء والله ذو الفضل العظيم ) (7) .

فكيف لهم باختيار الإمام؟! والإمام عالم لا يجهل، راع لا ينكل معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة، والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو نسل المطهرة البتولعليها‌السلام لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، فالنسب من قريش، والذروة من هاشم، والعترة من آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والرضا من الله، شرف الأشراف والفرع من عبد مناف، نامي العلم،

____________________

(1) سورة القصص / آية 68.

(2) سورة الأحزاب / آية 36.

(3) سورة القلم / آية 36 - 41.

(4) سورة محمد / آية 24.

(5) سورة الأنفال / آية 21 - 23.

(6) سورة البقرة آية 93.

(7) سورة الحديد / آية 21.


كامل الحلم، مضطلع بالإمامة عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عزّ وجل ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله. إنّ الأنبياء والأئمّة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق كل علم أهل زمانهم، في قوله تعالى:( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدي إِلاّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (1) وقوله عزّ وجل:( ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً ) (2) وقوله عزّ وجل في طالوت:( إنّ الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ) (3) وقال عزّ وجل لنبيه:( وكان فضل الله عليك عظيماً ) . وقال عزّ وجل في الأئمّة من أهل بيته وعترته وذرّيته:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) (4) . إنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجل لأمور عباده شرح الله صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاماً، فلم يع بعده بجواب، ولا يحيد عنه الصواب، وهو معصوم مؤيد، موفق مسدد قد أمن الخطايا والزلل والعثار يخصّه الله بذلك ليكون حجته على عباده، وشاهد على خلقه( وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء والله ذو الفضل العظيم ) فهل يقدرون على مثل هذا؟ فيختاروه أو يكون مختارهم بهذه الصفة؟ فيقدموه؟ فعدوا وبيت الله الحق، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنّهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوه واتبعوا أهواءهم فذمهم الله ومقتهم، وأتعسهم، فقال عزّ وجل:( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (5) وقال عزّ وجل:( فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) (6)

وقال عزّ وجل:( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) (7) (8) .

____________________

(1) سورة البقرة / آية 269.

(2) سورة البقرة / آية 247.

(3) سورة النساء / آية 113.

(4) سورة النساء / آية 54 و 55.

(5) سورة القصص / آية 50.

(6) سورة محمد / آية 8.

(7) سورة المؤمن / آية 35.

(8) عيون أخبار الرضا 1 / 216 - 222، أصول الكافي 1 / 199.


وانتهى هذا الحديث الشريف الذي هو من أوثق الأدلة، وأشملها على ضرورة الإمامة، وأنّها من أهم المراكز الحسّاسة في الإسلام، وليست خاضعة لاختيار الأمة وانتخابها، وإنّما أمرها بيد الخالق العظيم، فهو الذي يعين، وينتخب أفضل عباده، وأتقاهم لهذا المنصب الخطير ليقيم بين الناس العدل الخالص، والحق المحض، ويسوسهم بسياسة الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

علامات الإمام:

وأدلى الإمامعليه‌السلام بحديث عن علامات الإمام، وصفاته جاء فيه: ( للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس... )(1) .

ويجب أن تتوفّر في الإمام هذه الصفات حتى يصلح لقيادة الأمة ورفع مستواها اجتماعياً واقتصادياً.

الأئمّة خلفاء الله:

روى أبو مسعود الجعفري قال: سمعت الإمام أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يقول: الأئمّة خلفاء الله عزّ وجل في أرضه(2) والشيء الذي لا ريب فيه أنّ أئمة أهل البيتعليهم‌السلام هم خلفاء الله تعالى في أرضه وحججه على عباده، وأُمنائه في بلاده، فهم قادة هذه الأمة، والأدلاء على مرضاة الله تعالى وطاعته.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 1 / 213.

(2) أصول الكافي 1 / 193.


في رحاب القرآن الكريم


كان الإمام الرضاعليه‌السلام حليف القرآن الكريم يتلوه باستمرار، ويتأمّل آياته بإمعان، وكان يجد في تلاوته له متعة لا تعادلها أيّة متعة في الحياة، ويقول الرواة: إنّ جميع كلامه تأثّر تأثيراً مباشراً بالقرآن فكان جوابه، وتمثّله انتزاعات منه(1) وبلغ من شغفه وولعه بالقرآن أنّه كان يختمه في كل ثلاثة أيام، ويقول: لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة أيام لفعلت، ولكنّي ما مررت بآية قط إلاّ فكّرت فيها وفي أي شيء نزلت، وفي أي وقت؟ فلذلك صرت أختم في كل ثلاثة أيام(2) .

ومعنى ذلك أنّه كان في أغلب أوقاته مشغولاً بتلاوة القرآن الكريم، والإمعان في تفسيره، وأسباب نزول آياته. ويقول المؤرّخون: إنّه كان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن فإذا مرّ بآية فيها ذكر الجنّة أو النار بكى، وسأل الله الجنّة، وتعوّذ به من النار(3).

وقبل أن نعرض لنماذج من تفسيره لبعض الآيات نلمح لبعض الجهات التي ترتبط بالموضوع:

تعقيبه على بعض الأمور:

كان الإمامعليه‌السلام إذا قرأ بعض سور القرآن الكريم عقّب عليها ببعض الكلمات، ومن بينها هذه السور:

1 - سورة التوحيد.

وكان إذا فرغ من تلاوة سورة التوحيد عقّب عليها بقوله: ( كذلك الله ربّنا ) يقول ذلك ثلاثاً.

2 - سورة الجحد: وإذا فرغ من قراءة سورة الجحد قال ثلاثا ( ربّي الله وديني الإسلام ).

3 - سورة التين: وبعد الفراغ من قراءتها يقول: ( بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ).

4 - سورة القيامة: وإذا قرأ سورة القيامة قال: ( سبحانك اللّهمّ... ).

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 180.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 180، البحار 12 / 23.

(3) عيون أخبار الرضا 2 / 180.


5 - سورة الفاتحة: وبعد فراغه من قراءة سورة الفاتحة يقول: ( الحمد لله ربّ العالمين... ).

6 - سورة سبح اسم ربّك: وإذا تلى هذه السورة قال: ( سبحان ربّي الأعلى )(1) .

البسملة:

تطرّق الإمامعليه‌السلام إلى بعض شؤون البسملة في جملة من أحاديثه، كان منها ما يلي:

1 - أهمّيّة البسملة:

إنّ للبسملة أهمية خاصة عند أئمة أهل البيتعليهم‌السلام فقد روي عن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام أنّها ( أوّل كل كتاب نزل من السماء بسم الله الرحمن الرحيم ) وروي عن الإمام الرضاعليه‌السلام : ( إنّها أقرب إلى اسم الله الأعظم من ناظر العين إلى سوادها )(2).

2 - البسملة جزء من السورة:

وأعلن الإمامعليه‌السلام أنّ البسملة جزء من سورة القرآن الكريم، فقد روي أنّه قيل للإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : أخبرنا عن بسم الله الرحمن الله الرحيم أهي من فاتحة الكتاب؟

فقال: نعم كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقرأها ويعدها آية منها، ويقول: فاتحة الكتاب هي السبع المثاني(3) .

3 - الجهر بالبسملة في الصلاة:

وكان الإمام الرضاعليه‌السلام يجهر بالبسملة في جميع صلواته بالليل والنهار(4) وشجب مَن يخفت بها، فقال: ( ما بالهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها )(5) .

نماذج من تفسيره للقرآن:

وأهتمّ الإمام الرضاعليه‌السلام اهتماماً بالغاً في تفسير القرآن الكريم فأولاه

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 183.

(2) مواهب الرحمان في تفسير القرآن 1 / 21.

(3) مواهب الرحمان في تفسير القرآن 1 / 20.

(4) عيون أخبار الرضا 2 / 180.

(5) مواهب الرحمان في تفسير القرآن 1 / 20.


المزيد من العناية في محاضراته وبحوثه التي ألقاها على الفقهاء والعلماء وسائر طلاّبه، وقد نقلها الرواة والمفسّرون للقرآن، وهذا بعضها:

1 - قوله تعالى:( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (1) .

قالعليه‌السلام في تفسير هذه الآية: ( الختم هو الطبع على قلوب الكفّار عقوبة على كفرهم... )(2) .

2 - قوله تعالى:( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) (3) .

قالعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى:( وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) ( إنّ الله لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضلالة، فمنعهم المعاونة واللطف، وخلّى بينهم وبين اختيارهم )(4) .

3 - قوله تعالى:( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) (5) سأل عبد السلام بن صالح الهروي الإمام الرضاعليه‌السلام فقال له: يا بن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء ما كانت؟ فقد اختلف الناس فيها فمنهم من يروي أنّها الحنطة، ومنهم مَن يروي أنّها العنب ومنهم مَن يروي أنّها شجرة الحسد؟

فقالعليه‌السلام : كل ذلك حق، فقال عبد السلام: ما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟ فقالعليه‌السلام : يا بن الصلت إنّ شجرة الجنة تحمل أنواعاً، وكانت شجرة الحنطة، وفيها عنب، وليست كشجرة الدنيا(6) .

وعلّق الإمام السبزواري على هذه الرواية بقوله: ( لا ريب في أنّ تلك الجنة، ولو كانت من الدنيا لها خصوصية ليست تلك الخصوصية في جميع جنات الدنيا، ومن جهة قلة التزاحم والتنافي في تلك الجنة أو عدمهما فصح أن تحمل شجرة منها أنواعاً

____________________

(1) سورة البقرة / آية 7.

(2) مواهب الرحمن 1 / 85.

(3) سورة البقرة / آية 20.

(4) مواهب الرحمن 1 / 106.

(5) سورة البقرة / آية 35.

(6) عيون أخبار الرضا.


4 - قوله تعالى:( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة... ) (1).

قالعليه‌السلام في تفسير الآية الكريمة: إنّهم - أي الذين قالوا لموسى هذا القول - السبعون الذين اختارهم موسىعليه‌السلام وصاروا معه إلى الجبل، فقالوا: إنّك قد رأيت الله فأرناه كما رأيته، فقال لهم: إنّي لم أره، فقالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة(2) .

5 - قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) (3) .

وأدلى الإمامعليه‌السلام بتفسير هذه الآيات، فقد روى أحمد بن أبي نصر البزنطي، قال: سمعت أبا الحسن الرضا يقول: إنّ رجلاً من بني إسرائيل قتل قرابة له، ثم أخذه وطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل ثم جاء يطلب بدمه، فقالوا لموسىعليه‌السلام إنّ سبط آل فلان قتلوا فلاناً، فأخبرنا مَن قتله؟ قال: ايتوني ببقرة( قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ولو أنّهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم، ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ ) يعني لا صغيرة ولا كبيرة( عوانٌ بين ذلك ) ولو أنّهم عمدوا إلى أي بقرة أجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) ولو أنّهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم

____________________

(1) سورة البقرة / آية 55.

(2) مواهب الرحمن 1 / 255.

(3) سورة البقرة / آية 67 - 71.


( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ) فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل، فقال: لا أبيع إلاّ بملء مسكها ذهباً فجاؤوا إلى موسىعليه‌السلام ، وقالوا له ذلك، فقال اشتروها فاشتروها، وجاؤوا بها فأمر بذبحها ثم أمر أن يضربوا الميت بذنبها، فلمّا فعلوا ذلك حيي المقتول، وقال: يا رسول الله إنّ ابن عمّي قتلني دون مَن يدّعي عليه قتلي، فعلموا بذلك قاتله فقال لرسول الله موسى بعض أصحابه: إنّ هذه البقرة لها نبأ، فقال موسى: ما هو؟ قالوا إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّاً بأبيه، وأنّه اشترى بيعاً، فجاؤوا إلى أبيه والأقاليد (مقاليد) تحت رأسه فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع، فاستيقظ أبوه، فأخبره، فقال له: أحسنت هذه البقرة فهي لك عوضاً لما فاتك، قال: فقال له رسول الله موسى: انظر إلى البر ما بلغ أهله(1) .

6 - قوله تعالى:( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنّما نحن فتنة... ) الآية(2) .

قالعليه‌السلام في تفسير هذه الآية: ( وأمّا هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليتحرزوا به عن سحر السحرة، ويبطلوا كيدهم وما علما أحدا من ذلك شيئاً إلاّ قالا له:( إنّما نحن فتنة فلا تكفر ) ، فكفر قوم باستعمالهم لما أمروا بالاحتراز عنه، وجعلوا يفرقون بما يعلّمونه بين المرء وزوجه، قال الله تعالى:( ما هم بضارين به من أحد إلاّ بإذن الله ) (3).

7 - قوله تعالى:( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي... ) (4)

قالعليه‌السلام في تفسير هذه الآية: ( يعني شاة، وضع على أدنى القوم قوة ليسع القوي والضعيف )(5) .

8 - قوله تعالى:( وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ) (6) .

____________________

(1) تفسير العياشي.

(2) سورة البقرة / آية 102.

(3) مواهب الرحمان 2 / 355.

(4) سورة البقرة / آية 196.

(5) مواهب الرحمان.

(6) سورة البقرة / آية 205.


هذه الآية الكريمة نزلت في الأخنس بن شريك حليف بني زهرة أقبل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة، وقال: جئت أريد الإسلام ويعلم الله أنّي لصادق فأعجب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله منه، ثم إنّه خرج من عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فمرّ بزرع لقوم من المسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر(1) وقد فسّر الإمام الرضاعليه‌السلام النسل بالذرية والحرث بالزرع(2) .

9 - قوله تعالى:( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ) (3) .

سأل ابن فضال الإمام الرضاعليه‌السلام عن تفسير هذه الآية فأجابه: ( هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام وهكذا نزلت، وعن قول الله عزّ وجل:( وجاء ربّك والملك صفاً صفاً ) فقالعليه‌السلام : إنّ الله لا يوصف بالمجيء والذهاب تعالى عن الانتقال، وإنّما يعني بذلك وجاء أمر ربّك والملك صفاً صفاً )(4)

وعلق السيد السبزواري على تفسير الإمام بقوله: ( ما ورد في الحديث حسن جدا للآية الشريفة كما هو شأنهعليه‌السلام في بيان الآيات المتشابهات، والمراد بقولهعليه‌السلام : هكذا نزلت هو النزول البياني والتفسيري على قلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )(5) .

10 - قوله تعالى:( وإذ قال إبراهيم ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي... ) (6) .

سأل صفوان بن يحيى الإمام الرضاعليه‌السلام عن هذه الآية، وقال له: أكان في قلب إبراهيم شك؟ فقالعليه‌السلام : لا، كان على يقين ولكنّه أراد من الله الزيادة في يقينه.(7) .

11 - قوله تعالى:( إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم على العالمين ذرّيّة

____________________

(1) الدر المنثور.

(2) تفسير العياشي.

(3) سورة البقرة / آية 210.

(4) مواهب الرحمان 3 / 270.

(5) مواهب الرحمان 4 / 270.

(6) سورة البقرة / آية 260.

(7) تفسير القمّي.


بعضها من بعض ) (1) .

استدل الإمام الرضاعليه‌السلام بهذه الآية الكريمة حينما سأله المأمون هل فضل الله العترة على سائر الأمة؟ فقالعليه‌السلام : إنّ الله عزّ وجل أبان فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه، فقال المأمون: وأين ذلك من كتاب الله؟ فقالعليه‌السلام : في قوله عزّ وجل:( إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرّيّة بعضها من بعض ) إنّ العترة داخلون في آل إبراهيم لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من ولد إبراهيم وهو دعوة إبراهيم، وعترته منه(2) وكلام الإمامعليه‌السلام ليس من التفسير، وإنّما هو من الاستدلال بظاهر الآية على ما ذكره.

12 - قوله تعالى:( قال الله يا عيسى إنّي متوفيك ورافعك إليّ ) (3) .

قالعليه‌السلام في تفسير الآية: ( إنّه ما شبه أمر أحد من أنبياء الله، وحججه على الناس إلاّ أمر عيسى وحده؛ لأنّه رفع من الأرض حياً، وقبض روحه بين السماء والأرض ثم رفع إلى السماء، ورد عليه روحه، وذلك قوله عزّ وجل:( إذ قال الله يا عيسى إنّي متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك ) وقال الله حكاية عن عيسى يوم القيامة:( وكنت شهيداً عليهم ما دمت فيهم فلمّا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيداً ) (4) .

وعلّق السيد السبزواري على هذا الحديث بقوله: الحديث يدل على توفّي عيسىعليه‌السلام وموته قبل رفعه إلى السماء وبهذا يمكن أن يجمع بين جميع الأقوال لفرض صراحة الحديث بأنّه مات ما بين السماء والأرض ثم ارجع الله روحه إليه، ورفعه(5) .

13 - قوله تعالى:( هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) (6) فسّر الإمام الرضاعليه‌السلام الدرجات والتفاوت بين المتقين يوم القيامة فقال

____________________

(1) سورة آل عمران / آية 33 - 34.

(2) مواهب الرحمان 5 / 328.

(3) سورة آل عمران / آية 55.

(4) عيون أخبار الرضا.

(5) مواهب الرحمان.

(6) سورة آل عمران / آية 163.


عليه‌السلام : ( الدرجة ما بين السماء والأرض )(1) إنّ الدرجات بين الأخيار والصالحين تختلف اختلافاً كثيراً، فدرجة الأنبياء غير درجة المتقين، وهكذا بالنسبة إلى المتقين.

14 - قوله تعالى:( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ... ) (2) .

قالعليه‌السلام : في تفسير هذه الآية، لتبلونّ في أموالكم بإخراج الزكاة، وفي أنفسكم بالتوطين على الصبر(3) .

15 - قوله تعالى:( يا أيّها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ) (4) . قالعليه‌السلام : إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ أين الصابرون؟ فيقوم فئام(5) من الناس، فقال له بعض أصحابه: جُعلت فداك، ما الصابرون؟ قالعليه‌السلام : على أداء الفرائض، والمتصبرون على اجتناب المحارم(6) .

16 - قوله تعالى:( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع... ) (7) . دلت الآية الكريمة على جواز زواج الرجل بأربع نساء من دون أن يسمح للمرأة بذلك، وقد تحدث الإمامعليه‌السلام عن بعض الحكم والمصالح في هذا التشريع قالعليه‌السلام : علّة تزويج الرجل بأربع نسوة، وتحريم أن تزوج المرأة أكثر من واحد؛ لأنّ الرجل إذا تزوّج أربع نسوة كان الولد منسوباً إليه، والمرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لـمَن هو؟ إذ هم مشتركون في نكاحها وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف(8) .

17 - قوله تعالى:( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ... ) (9) .

____________________

(1) تفسير العياشي.

(2) سورة آل عمران / آية 186.

(3) مواهب الرحمان 6 / 162.

(4) سورة آل عمران / آية 200.

(5) الفئام: الجماعة من الناس.

(6) تفسير القمّي.

(7) سورة النساء / آية 2.

(8) مواهب الرحمان 7 / 279.

(9) سورة النساء / آية 26.


سئل الإمام الرضاعليه‌السلام عن إرادة العباد، وإرادة الله تعالى، فقال: إنّ الإرادة من العباد الضمير، وما يبدو بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله عزّ وجل فالإرادة للفعل إحداثه إنّما يقول: كن فيكون بلا تعب وكيف(1) .

18 - قوله تعالى:( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ... ) (2) .

استشهد الإمام بهذه الآية الكريمة في جوابه لمحمد بن سنان حينما سأله عن العلّة في إعطاء المرأة نصف ما يعطى الرجل من الميراث فقالعليه‌السلام : ( علّة إعطاء النساء نصف ما يعطى الرجال من الميراث لأنّ المرأة إذا تزوّجت أخذت، والرجل يعطي فلذلك وفر على الرجال.

وعلّة أخرى في إعطاء الذكر نصف ما تعطى الأنثى لأنّ الأنثى من عيال الذكر إذا احتاجت، وعليه أن يعولها وليس على المرأة أن تعول الرجل، ولا تؤخذ بنفقته إذا احتاج، فوفّر على الرجال لذلك؛ وذلك قول الله عزّ وجل:( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) (3) .

19 - قوله تعالى:( إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) (4) .

سأل بريد العجلي الإمام الرضاعليه‌السلام عن تفسير هذه الآية فقالعليه‌السلام : هم الأئمة من آل محمد (ص) أن يؤدوا الأمانة إلى من بعده، ولا يخص بها غيره، ولا يزويها عنه(5) .

ودلّت هذه الرواية على أنّ أمر الإمامة بيد الله تعالى، وأنّه تعالى يهبها لأفضل عباده، وأتقاهم، وأنّ الإمامة أمانة عند الإمام فعند ارتحاله إلى حظيرة القدس لا بد أن يعهد بها إلى من هو المنصوص عليه من قبل النبي (ص) وليس له أن يقلدها لأي شخص كان.

____________________

(1) مواهب الرحمان 8 / 140.

(2) سورة النساء / آية 34.

(3) مواهب الرحمن 8 / 195

(4) سورة النساء / آية 58.

(5) مواهب الرحمان 8 / 367.


20 - قوله تعالى:( واتخذ الله إبراهيم خليلاً... ) (1) .

قالعليه‌السلام : سمعت أبي يحدث عن أبيهعليه‌السلام أنّه قال: إنّما اتخذ الله إبراهيم خليلاً لأنّه لم يرد أحداً، ولم يسأل أحداً قط غير الله عزّ وجل(2) .

21 - قوله تعالى:( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) (3) .

قالعليه‌السلام : في تفسير الآية الكريمة ( إذا سمعت الرجل يجحد الحق، ويكذب به، ويقع في أهله فقم من عنده ولا تقاعده )(4) .

22 - قوله تعالى:( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ) (5) .

قالعليه‌السلام : في تفسير الآية لن يجعل الله للكافر على المؤمنين حجة، ولقد أخبر الله تعالى عن كفار قتلوا نبيهم بغير الحق، ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلا(6) .

22 - قوله تعالى:( يخادعون الله وهو خادعهم... ) (7) .

قالعليه‌السلام في تفسير الآية الكريمة ( الله تبارك وتعالى لا يخادع ولكنّه يجازيهم جزاء الخديعة )(8) .

23 - قوله تعالى:( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ... ) (9) .

____________________

(1) سورة النساء / آية 124.

(2) الميزان 5 / 96.

(3) سورة النساء / آية 140.

(4) الميزان 5 / 120.

(5) سورة النساء / آية 141.

(6) الميزان 5 / آية 120.

(7) سورة النساء / آية 142.

(8) الميزان.

(9) سورة المائدة / آية 33.


سئل الإمام الرضاعليه‌السلام عن تفسير الآية الكريمة، وقيل له: ما الذي إذا فعله استوجب واحدة من هذه الأربع؟

فقالعليه‌السلام : إذا حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً فقتل قتل به، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن شهر السيف فحارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي من الأرض.

قلت كيف ينفى من الأرض وما حد نفيه؟

قالعليه‌السلام : ينفى من المصر الذي فعل فيه ما فعل إلى مصر غيره، ويكتب إلى أهل ذلك المصر أنّه منفي فلا تجالسوه، ولا تبايعوه، ولا تناكحوه، ولا تؤاكلوه ولا تشاربوه، فيفعل ذلك به سنة، فإن خرج من ذلك المصر إلى غيره كتب إليهم بمثل ذلك حتى تتم السنة.

قلت: فإن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها؟

قالعليه‌السلام : إن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها(1) .

24 - قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (2).

استشهد الإمامعليه‌السلام بهذه الآية الكريمة في جوابه عن مسائل أحمد بن محمد، قالعليه‌السلام : أولم تنهوا عن كثرة المسائل فأبيتم أن تنتهوا، إياكم وذلك، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، قال الله تبارك وتعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) .(3) .

25 - قوله وتعالى:( قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) (4) .

قالعليه‌السلام : للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي وتشبيه وإثبات بغير تشبيه فمذهب النفي لا يجوز ومذهب التشبيه لا يجوز؛ لأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبهه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه ).

____________________

(1) الميزان 5 / 331.

(2) سورة المائدة / آية 101.

(3) تفسير العياشي.

(4) سورة الأنعام / آية 19.


وأوضح السيد الطباطبائي هذه المذاهب الثلاثة قال: المراد بمذهب النفي نفي معاني الصفات عنه تعالى كما ذهبت إليه المعتزلة، وفي معناه إرجاع الصفات الثبوتية إلى نفي ما يقابلها كالقول بأنّ معنى القادر انه ليس بعاجز، ومعنى العالم أنّه ليس بجاهل إلاّ أن يرجع إلى ما ذكرهعليه‌السلام من المذهب الثالث.

والمراد بمذهب التشبيه أن يشبهه تعالى بغيره - وليس كمثله شيء - أي أن يثبت له من الصفة معناه المحدود الذي فينا المتميز من غيره من الصفات بأن يكون قدرته كقدرتنا وعلمه كعلمنا وهكذا، ولو كان ماله من الصفة كصفتنا احتاج كاحتياجنا فلم يكن واجبا تعالى عن ذلك.

والمراد بمذهب الإثبات من غير تشبيه أن يثبت له من الصفة أصل معناه، وتنفى عنه خصوصيته التي قارنته في الممكنات المخلوقة أي تثبت الصفة وينفى الحد(1) .

26 - قوله تعالى:( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) (2) .

استشهد الإمامعليه‌السلام بالآية الكريمة في حديثه التالي، قالعليه‌السلام : إنّ الله عزّ وجل لم يقبض نبينا حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء يبين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً، وقال عزّ وجل:( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) (3) .

27 - قوله تعالى:( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي ) (4) .

سأل المأمون الإمام الرضاعليه‌السلام عن عصمة الأنبياء، فأجابه أنّهم معصومون، واعترض عليه المأمون بهذه الآية انه كيف يقول: للكوكب هذا ربي، وهذا ممّا ينافي العصمة فأجابه الإمامعليه‌السلام بما يلي:

____________________

(1) الميزان 7 / 41.

(2) سورة الأنعام / آية 38.

(3) الميزان 7 / 106.

(4) سورة الأنعام / آية 76.


( إنّ إبراهيم وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس، وذلك حين خرج من السرب الذي أخفي فيه، فلمّا جنّ عليه الليل رأى الزهرة، قال: هذا ربي، على الإنكار والاستخبار، فلمّا أفل الكوكب قال: لا أحب الآفلين؛ لأنّ الأفول من صفات المحدث لا من صفات القديم، فلمّا رأى القمر بازغاً قال: هذا ربي، على الإنكار والاستخبار، فلمّا أفل قال: لئن لم يهدني ربي لأكونّن من القوم الضالين، فلمّا أصبح رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي هذا أكبر من الزهرة والقمر: فلمّا أفلت قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة، والقمر، والشمس، يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون إنّي وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين. وإنّما أراد إبراهيم بما قال: أن يبني لهم بطلان دينهم ويثبت عندهم أنّ العبادة لا تحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنّما تحق العبادة لخالقها، وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتجّ به على قومه ما ألهمه الله عزّ وجل وآتاه، كما قال عزّ وجل، تلك حجّتنا آتيناها إبراهيم على قومه... )

ولم يملك المأمون إعجابه بهذا الجواب الحاسم، فقال للإمام: لله درّك يا بن رسول الله(1) .

28 - قوله تعالى:( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ... ) (2) . سأل سليمان النيشابوري الإمام الرضاعليه‌السلام عن تفسير هذه الآية الكريمة فقال: ( فمن يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا، والى جنته، ودار كرامته، في الآخرة، يشرح صدره للتسليم لله، والثقة به والسكون إلى ما وعد من ثوابه حتى يطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيقاً حرجاً حتى يصير كأنّما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون )(3) .

____________________

(1) الميزان 7 / 205.

(2) سورة الأنعام / آية 125.

(3) الميزان 7 / 348.


29 - قوله تعالى:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ... ) (1) .

استشهد الإمامعليه‌السلام بهذه الآية الكريمة في حديثه التالي: روى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: قال لي الإمام الرضا: ما تقول في اللباس الخشن؟ فقلت: بلغني أنّ الحسن كان يلبس، وأنّ جعفر بن محمد كان يأخذ الثوب الجديد.

فيأمر به فيغمس في الماء، فقالعليه‌السلام : البس وجمل فإن علي بن الحسين كان يلبس الجبة الخز بخمس مائة درهم والمطرف الخز بخمسين دينارا، فيشتو فيه، فإذا خرج الشتاء، باعه وتصدق بثمنه، وتلا هذه الآية:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (2) .

30 - قوله تعالى:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) (3) .

قالعليه‌السلام في تفسير هذه الآية: إنّه أعطي بلعم بن باعور الاسم الأعظم، وكان يدعو به فيستجاب له، فمال إلى فرعون، فلما أمر فرعون في طلب موسى وأصحابه قال فرعون لبلعم: ادع الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا فركب حمارته فاقبل يضربها فأنطقها الله عزّ وجل، فقالت: ويلك على ماذا تضربني؟ أتريد أن أجئ معك لتدعو على نبي الله وقوم مؤمنين؟

ولم يزل يضربها حتى قتلها فانسلخ من لسانه وهو قوله:( فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) وهو مثل ضربه الله(4) .

31 - قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ) (5) .

قالعليه‌السلام في تفسير هذه الآية المباركة ( حرّم الله الفرار من الزحف لما

____________________

(1) سورة الأعراف / آية 32.

(2) قرب الإسناد.

(3) سورة الأعراف / آية 175.

(4) تفسير القمّي.

(5) سورة الأنفال / آية 15.


فيه من الوهن في الدين، والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة، وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة لهم على ترك ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية، وإظهار العدل، وترك الجور، وإماتة الفساد، لما في ذلك من جراءة العدو على المسلمين، وما يكون في ذلك من السبي والقتل، وإبطال دين الله عزّ وجل وغيره من الفساد )(1) .

32 - قوله تعالى:( فلو كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين... ) (2) .

عرضعليه‌السلام في حديث له إلى قصة يونس لما رفع الله عنهم العذاب، قالعليه‌السلام : ان يونس أمره الله بما أمره، فأعلم قومه فأظلهم العذاب ففرقوا بينهم وبين أولادهم وبين البهائم وأولادها ثم عجوا إلى الله، وضحوا فكف الله العذاب عنهم(3) .

33 - قوله تعالى:( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ... ) (4) .

إنّ نوحعليه‌السلام قال لقومه مضمون هذه الآية الكريمة، وقد علّق الإمام الرضاعليه‌السلام على ذلك بقوله: الأمر إلى الله يهدي ويضل(5) .

34 - قوله تعالى:( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ... ) (6) .

روى الحسن بن علي الوشاء عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، قال: سمعته يقول: قال أبي: قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : إنّ الله عزّ وجل قال لنوح: ( إنّه ليس من أهلك ) لأنّه كان مخالفاً له، وجعل من اتبعه من أهله.

قال - أي الحسن - وسألني كيف يقرؤن هذه الآية في ابن نوح؟

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه.

(2) سورة يونس / آية 98.

(3) تفسير العياشي.

(4) سورة هود / آية 34.

(5) تفسير العياشي.

(6) سورة هود / آية 45.


فقلت: يقرؤها الناس على وجهين: إنه عمل - جعلوه مصدرا - وانه عمل - جعلوه فعلا ماضيا - فقال: كذبوا هو ابنه ولكن الله نفاه حين خالفه في دينه. قال السيد الطباطبائي: وكأن المراد من قراءة الآية تفسيرها والراوي يشير بايراد القراءتين إلى تفسير من فسر الآية بأن المراد أن امرأة نوح حملت الابن من غيره فألحقه بفراشه(1) .

35 - قوله تعالى:( ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه... ) (2) .

سأل علي بن محمد بن الجهم الإمام الرضاعليه‌السلام في مجتمع حاشد فقال له: ( يا بن رسول الله أتقول: بمهمة الأنبياء؟ ).

( نعم... ).

( ما تقول: في قوله عزّ وجل في يوسف ولقد همت به، وهم بها؟ ). ( فأجابهعليه‌السلام بتفسير الآية وأنّه ليس كما توهّم من الأخذ بظاهره قائلاً: ( إنّها - أي زليخا - همّت بالمعصية، وهمّ يوسف بقتلها إن أجبرته لعظيم ما تداخله، فصرف الله عنه قتلها، وهو قوله عزّ وجل:( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) والسوء القتل والفحشاء الزنا )(3)

36 - قوله تعالى:( قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبلة إلا قليلا مما تأكلون ) (4).

فسّر الإمام الرضاعليه‌السلام الآية وما قبلها بالحديث التالي: روى الحسن بن علي بن الياس قال: سمعت الرضاعليه‌السلام يقول: واقبل يوسف على جمع الطعام في السبع سنين المخصبة يكسبه في الخزائن، فلمّا مضت تلك السنون، وأقبلت السنون المجد به أقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير، حتى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم إلا صار في ملك يوسف.

____________________

(1) الميزان 11 / 245.

(2) سورة يوسف / آية 24.

(3) الميزان 11 / 166.

(4) سورة يوسف / آية 47.


وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجوهر حتى لم يبق بمصر وما حولها حلي ولا جوهر إلا صار في ملكه، وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا أمة إلا صار في ملكه، وباعهم في السنة الخامسة بالدور والفناء حتى لم يبق في مصر وما حولها دار ولا فناء إلا صار في ملكه وباعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار حتى لم يبق بمصر وما حولها نهر ولا مزرعة إلا صار في ملكه وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حر إلا صار عبدا ليوسف. فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم، وقال الناس: ما سمعنا بملك أعطاه الله الملك ما اعطى هذا الملك حكما وعلما وتدبيرا، ثم قال يوسف للملك: ما ترى فيما خولني ربي من ملك مصر وما حولها؟ أشر علينا برأيك، فإنني لم أصلحهم لأفسدهم ولم أنجهم من البلاء ليكون بلاء عليهم ولكن الله أنجاهم بيدي، قال الملك: الرأي رأيك قال يوسف: أني اشهد الله وأشهدك أيها الملك أني قد أعتقت أهل مصر كلهم ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليك الملك وخاتمك وسريرك وتاجك على أن لا تسير إلا بسيرتي ولا تحكم إلا بحكمي. قال الملك: إن ذلك توبتي وفخري، أن لا أسير إلا بسيرتك، ولا احكم إلا بحكمك، ولولاك ما توليت عليهم ولا اهتديت له، وقد جعلت سلطاني عزيزا ما يرام، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وانك رسوله، فأقم على ما وليتك فإنك لدينا مكين أمين(1)

37 - قوله تعالى:( قال اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم ) (2) استشهد الإمام الرضاعليه‌السلام بالآية الكريمة في حديثه مع رجل قال له: ( أصلحك الله كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟... ) لقد أنكر على الإمام قبوله لولاية العهد من قبل المأمون فردّ الإمام عليه قائلاً: ( أيّما أفضل النبي أو الوصي؟... )

( لا، النبي... ).

____________________

(1) البرهان.

(2) سورة يوسف / آية 55.


( أيّما أفضل مسلم أو مشرك؟... )

( لا بل مسلم... )

وأدلى الإمامعليه‌السلام بالحجّة القاطعة قائلاً: ( فإنّ عزيز مصر كان مشركاً، وكان يوسف نبياً، وإنّ المأمون مسلم، وأنا وصي، ويوسف سأل العزيز أن يوليه حتى قال:( استعملني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم ) والمأمون أجبرني على ما أنا فيه.

وفسّر الإمام: قوله تعالى:( حفيظ عليم ) بأنّه - أي يوسف - حافظ على ما في يده عالم بكل لسان(1) .

38 - قوله تعالى:( قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ) (2) .

قالعليه‌السلام : في تفسير هذه الآية الكريمة ( كان لإسحاق النبي منطقة يتوارثها الأنبياء والأكابر، وكانت عند عمّة يوسف، وكان يوسف عندها، وكانت تحبه فبعث إليها أبوه، أن ابعثيه إلي وارده إليك، فبعثت إليه أن دعه عندي الليلة لأشمه ثم أرسله إليك غدوة فلما أصبحت أخذت المنطقة فربطتها في حقوه وألبسته قميصا، فبعثت به إليه، وقالت: سرقت لمنطقة فوجدت عليه، وكان إذا سرق أحد في ذلك الزمان دفع إلى صاحب السرقة، فأخذته فكان عندها )(3).

39 - قوله تعالى:( وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون ) (4).

قالعليه‌السلام : في تفسير الآية إنه شرك لا يبلغ به الكفر(5) والمعنى أنّه شرك في طاعتهم للشيطان، وليس شرك عبادة ليلحقوا بقافلة الكفار.

____________________

(1) الميزان 11 / 207.

(2) سورة يوسف / آية 77.

(3) تفسير العياشي.

(4) سورة يوسف / آية 106.

(5) تفسير العياشي.


40 - قوله تعالى:( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) (1) .

وطلب المأمون من الإمام الرضاعليه‌السلام تفسير الآية الكريمة فقالعليه‌السلام : يقول الله: ( حتى إذا استيئس من قومهم، فظن قومهم أن الرسل قد كذبوا، جاء الرسل نصرنا )(2) .

41 - قوله تعالى:( هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً ) (3) .

قالعليه‌السلام في تفسير الخوف والطمع في الآية ( خوفاً للمسافر وطمعا للمقيم )(4) .

42 - قوله تعالى:( إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم... ) (5) .

قالعليه‌السلام في تفسير الآية الكريمة: إنّ الأمر صار إلى الله تعالى(6) .

43 - قوله تعالى:( فاصفح الصفح الجميل... ) (7) .

فسّر الإمامعليه‌السلام الصفح الجميل بالعفو من غير عتاب(8) .

44 - قوله تعالى:( قال له موسى هل أتبعك على أن تعلّمني ممّا عملت رشداً... ) (9) .

روى محمد بن علي بن بلال عن يونس في كتاب رفعوه إلى الإمام الرضاعليه‌السلام يسألونه عن العالم الذي أتاه موسى أيّهما كان أعلم؟ وهل يجوز أن يكون على موسى حجة في وقته، فكتبعليه‌السلام في الجواب: ( أتى موسى العالم فأصابه في جزيرة من جزائر البحر، إمّا جالساً وإمّا متكئاً،

____________________

(1) سورة يوسف / آية 110.

(2) الميزان 11 / 282.

(3) سورة الرعد / آية 12.

(4) المعاني.

(5) سورة الرعد / آية / 11.

(6) تفسير العياشي.

(7) سورة الحجر / آية 85.

(8) الميزان 11 / 297.

(9) سورة الكهف / آية 66.


فسلّم عليه موسى فأنكر السلام إذ كان الأرض ليس بها سلام.

قال: من أنت؟

قال أنا موسى بن عمران:

( أنت موسى بن عمران الذي كلّمه الله تكليماً؟ ).

( نعم... ).

( ما حاجتك؟... ).

( جئت لتعلمني ممّا علمت رشداً... ).

( إنّي وكلت بأمر لا تطيقه، ووكلت بأمر لا أطيقه... ).

وساق له الأمرين(1) .

45 - قوله تعالى:( وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ) (2) .

استشهد الإمام الرضاعليه‌السلام بهذه الآية الكريمة على عصمة الملائكة قالعليه‌السلام : ( إنّ الملائكة معصومون، محفوظون عن الكفر والقبائح بألطاف الله تعالى قال الله تعالى فيهم:( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) .

وقال عزّ وجل: ( وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ - يعني الملائكة -لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) (3).

46 - قوله تعالى:( ووهبنا اسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) (4) .

استشهد الإمام الرضاعليه‌السلام بالآيتين الكريمتين على طهارة الأنبياء، وأنّهم صفوة خلق الله قالعليه‌السلام :

____________________

(1) الميزان.

(2) سورة الأنبياء / آية 19.

(3) الميزان 14 / 281.

(4) سورة الأنبياء / آية 72 - 73.


( ثم أكرمه الله عزّ وجل - يعني إبراهيم - - بأن جعلها - - يعني الإمامة - في ذريته وأهل الصفوة والطهارة، فقال عزّ وجل:( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) .

فلم تزل - يعني الإمامة - في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا قرنا، حتى ورثها النبي (ص) فقال الله جل جلاله:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) .

فكانت خاصة فقلدها عليا بأمر الله عزّ وجل على رسم ما فرض الله تعالى، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله تعالى:( قال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ) .

فهي - أي الإمامة - في ولد علي بن أبي طالب خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله)(1) .

47 - قوله تعالى:( ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات... ) (2) .

تحدث الإمام الرضاعليه‌السلام عن المنافع في الحج، والغاية من تشريعه قالعليه‌السلام : ( وعلّة الحج الوفادة إلى الله عزّ وجل، وطلب الزيادة والخروج من كل ما اقترف، وليكون تائبا مما مضى مستأنفا لما يستقبل وما فيه من استخراج الأموال، وتعب الأبدان، وخطرها عن الشهوات واللذات والتقرب بالعبادة إلى الله عزّ وجل والخضوع والاستكانة والذل شاخصا في الحر والبرد، والأمن والخوف دائباً في ذلك دائماً.

وما في ذلك لجميع الخلق من المنافع، والرغبة، والرهبة إلى الله تعالى، ومنه ترك قسوة القلب، وخساءة النفس، ونيسان الذكر، وانقطاع الرجاء والأمل، وتجديد الحقوق، وحظر النفس عن الفساد، ومنفعة من في شرق الأرض وغربها ومن في البر والبحر، ممّن يحج، ومن لا يحج من تاجر وجالب وبائع ومشتر، وكاسب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا

____________________

(1) الميزان 14 / 308.

(2) سورة الحج / آية 28.


منافع لهم )(1) .

48 - قوله تعالى:( ثم ليقضوا تفثهم... ) (2) .

فسّر الإمامعليه‌السلام التفث بتقليم الأظفار، وطرح الوسخ وطرح الإحرام عنه - أي عن الحاج بعد قضائه لعملية الحج -(3) .

49 - قوله تعالى:( الله نور السماوات والأرض ) (4) قالعليه‌السلام في تفسير الآية: الله هاد لأهل السماوات وهاد لأهل الأرض(5) .

50 - قوله تعالى:( فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ) (6) .

وجه المأمون إلى الإمام الرضاعليه‌السلام السؤال التالي فقال له: ( يا بن رسول الله أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون؟ ).

( بلي... ).

( اخبرني عن قول الله فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان؟... ).

فأجابه الإمام عن تفسير الآية: ( إنّ موسى دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء، فوجد فيها رجلين يقتتلان، هذا من شيعته وهذا من عدوه، فقضى على العدو بحكم الله تعالى ذكره فوكزه فمات، قال هذا من عمل الشيطان، يعني الاقتتال الذي وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى من قتله (إنّه) يعني الشيطان عدو معضل مبين ).

وطفق المأمون قائلاً:

____________________

(1) الميزان 14 / 377 - 378.

(2) سورة الحج / آية 29.

(3) مَن لا يحضره الفقيه.

(4) سورة النور / آية 35.

(5) الميزان 15 / 139.

(6) سورة القصص / آية 15 - 16.


( فما معنى قول موسى:( ربّ إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي ) .

فأجابه الإمام عن معنى الآية الكريمة: ( يقول: وضعت نفسي غير موضعها بدخول هذه المدينة فاغفر لي، أي استرني من أعدائك لئلاّ يظفروا بي فيقتلوني فغفر له انه هو الغفور الرحيم، قال موسى: ربّ بما أنعمت علي من القوة حتى قتلت رجلاً بوكزة فلن أكون ظهيراً للمجرمين بل أجاهدهم بهذه القوة حتى ترضى.

فأصبح موسى في المدينة خائفاً يترقب، فإذا الذي يستصرخه بالأمس يستصرخه على آخر قال موسى له: إنّك لغوي مبين: قاتلت رجلاً بالأمس، وتقاتل هذا اليوم لأؤدبنك وأراد أن يبطش به، فلمّا أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما وهو من شيعته قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟ إن ترد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين ).

فقال المأمون: جزاك الله عن أنبيائه خيرا يا أبا الحسن(1) .

51 - قوله تعالى: ( كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ) (2) .

قالعليه‌السلام : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما نزلت( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) قلت: يا رب أيموت الخلق كلهم، ويبقى الأنبياء؟ فنزلت( كل نفس ذائقة الموت ) (3) .

52 - قوله تعالى:( خلق السماوات بغير عمدٍ ترونها ) (4) .

استشهد الإمامعليه‌السلام بالآية الكريمة في الحديث التالي روي الحسين بن خالد قال: قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : اخبرني عن قول الله:( والسماء ذات الحبك ) قال: هي محبوكة إلى الأرض وشبك بين أصابعه، فقلت: كيف تكون محبوكة إلى الأرض. والله تعالى:( خلق السماوات بغير عمدٍ ترونها ) فقالعليه‌السلام : سبحان الله! أليس الله يقول( بغير عمدٍ ترونها ) فقلت بلى:

____________________

(1) الميزان 16 / 22 - 23.

(2) سورة العنكبوت / آية 57.

(3) الميزان 16 / 146.

(4) سورة لقمان / آية 10.


وقتها ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل(1) .

20 - وقت صلاة الظهرين:

روى إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضاعليه‌السلام : ذكر أصحابنا أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء إلاّ أنّ هذه قبل هذه في السر والحضر، وأنّ وقت المغرب إلى ربع الليل، فكتب: كذلك الوقت غير أنّ وقت المغرب ضيّق(2) .

21- قضاء النوافل:

روى محمد بن يحيى قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام : تكون علي الصلوات النافلة متى أقضيها؟ فكتبعليه‌السلام في أي ساعة شئت من ليل أو نهار(3) .

وأفتى فقهاء الإمامية على ضوء هذه الرواية وغيرها ممّا أثر عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام في استحباب قضاء الرواتب، وإذا عجز عن القضاء استحب له الصدقة عن كل ركعتين بمد(4).

22 - صلاة الليل لذوي الأعذار:

يجوز تقديم صلاة الليل في أول الليل لذوي الأعذار، فقد روى الفضل بن شاذان عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه قال: إنّما جاز للمسافر والمريض أن يصلّيا صلاة الليل في أول الليل لاشتغاله وضعفه، وليحرز صلاته فيستريح المريض في وقت راحته، وليشتغل المسافر بأشغاله وارتحاله وسفره(5) .

23 - عدم جواز الصلاة في جلود السباع:

ولا تجوز الصلاة في جلود السباع، فقد روى إسماعيل بن سعد الأحوص قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن الصلاة في جلود السباع، فقال: لا تصل فيها(6) .

____________________

(1) منهاج الصالحين.

(2) وسائل الشيعة.

(3) وسائل الشيعة 3 / 68.

(4) منهاج الصالحين.

(5) مَن لا يحضره الفقيه 1 / 147.

(6) فروع الكافي 1 / 111 وسائل الشيعة 3 / 257.


24 - الصلاة في الخز:

وجوّز الإمامعليه‌السلام الصلاة في الخز، فقد روى معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن الصلاة في الخز؟ فقال: صل فيه(1) .

وروى سعد بن سعد عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن جلود الخز، فقال: هوذا نحن نلبس، فقلت: ذاك الوبر جعلت فداك قال: إذا حلّ وبره حلّ جلده(2) .

25 - كراهة الصلاة في الطرق:

وأفتى فقهاء الإمامية بكراهة الصلاة في الطرق، ومن أدلّتهم على ذلك ما رواه الحسن بن الجهم عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: كل طريق يوطأ فلا تصل عليه، قلت له: إنّه قد روي عن جدك أنّ الصلاة في الظواهر لا بأس بها، قال: ذاك ربّما سايرني عليه الرجل، قال: قلت: فإن خاف الرجل على متاعه؟ قال: فإن خاف فليصل(3) .

26 - الصلاة إلى جانب قبر النبي:

وتجوز الصلاة إلى خلف قبر المعصوم، أو إلى أحد جانبيه، فقد روى الحسن بن علي بن فضال، قال: رأيت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام وهو يريد أن يودع للخروج إلى العمرة فأتى القبر من موضع رأس النبي (ص) ولزق بالقبر ثم انصرف حتى أتى القبر فقام إلى جانبه يصلّي فألزق منكبه الأيسر بالقبر قريباً من الأسطوانة المخلقة التي عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله) فصلّى ست ركعات أو ثمان ركعات(4) .

27 - الصلاة في المسجد الحرام:

وحثّ الإمام على الصلاة في المسجد الحرام فقد روى موسى بن سلام قال: اعتمر أبو الحسن الرضاعليه‌السلام ، فلمّا ودّع البيت وصار إلى باب الحناطين

____________________

(1) التهذيب 1 / 96 وسائل الشيعة 3 / 261.

(2) التهذيب 1 / 242 وسائل الشيعة 3 / 266.

(3) وسائل الشيعة 3 / 445.

(4) وسائل الشيعة 3 / 455.


ليخرج منه وقف في صحن المسجد في ظهر الكعبة، ثم رفع يديه فدعا، ثم التفت إلينا فقال: نعم المطلوب به الحاجة إليه الصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره بستين سنة وأشهراً، فلمّا صار عند الباب قال: اللّهمّ إنّي خرجت على أن لا إله إلاّ أنت(1) .

28 - الصلاة في الحطيم:

روى الحسن بن الجهم قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن أفضل موضع في المسجد يصلّي فيه؟ قال: الحطيم ما بين الحجر وباب البيت، قلت: والذي يلي ذلك في الفضل؟ فذكر أنه عند مقام إبراهيم، قلت: ثم الذي يليه في الفضل قال: في الحجر، قلت ثم الذي يلي ذلك، قال: كل ما دنا من البيت(2) .

29 - الصلاة في المسجدين:

روى الحسن بن علي الوشا عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن الصلاة في المسجد الحرام والصلاة في مسجد الرسول في الفضل سواء؟ فقال: نعم، والصلاة فيما بينهما تعدل ألف صلاة(3) .

30 - استحباب الدعاء عند الخروج من المنزل:

وحثّ الإمام الرضاعليه‌السلام على الدعاء عند الخروج من المنزل فقال: كان أبي إذا خرج من منزله قال: بسم الله الرحمن الرحيم خرجت بحول الله وقوّته لا حول منّي، ولا قوّة لي، بل بحولك وقوّتك، يا ربّ متعرضاً لرزقك فأتني به في عافية(4).

31 - الجلوس بين الأذان والإقامة:

روى محمد بن أبي نصر البزنطي عن الرضاعليه‌السلام ، قال: سألته عن القعدة بين الأذان والإقامة؟ فقال: القعدة بينهما إذا لم يكن بينهما نافلة(5) .

32 - الأذان:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام أنّه قال: يؤذّن

____________________

(1) وسائل الشيعة 3 / 53.

(2) فروع الكافي 1 / 308 الوسائل 3 / 538.

(3) التهذيب 1 / 324 الوسائل 3 / 550.

(4) وسائل الشيعة 3 / 579.

(5) وسائل الشيعة 3 / 633.


الرجل وهو جالس، ويؤذّن وهو راكب(1) .

33 - الإقامة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: تؤذّن وأنت جالس، ولا تقيم إلاّ وأنت على الأرض وأنت قائم(2) .

34 - الجهر والإخفات في الصلاة:

كان الإمام الرضاعليه‌السلام يجهر بالقراءة في صلاة المغرب والعشاء وصلاة الليل والشفع والوتر والغداة - أي صلاة الصبح - ويخفي القراءة في الظهر والعصر(3) .

يجب الجهر بالقراءة على الرجال في صلاة الصبح، والركعتين الأوليتين من المغرب والعشاء، ويجب الإخفات في صلاة الظهر والعصر في غير يوم الجمعة، وأمّا فيه فيستحب الجهر في صلاة الجمعة، وإذا أخل بذلك عمداً بطلت صلاته، وإن كان ناسياً أو جاهلاً صحت صلاته(4).

35 - تأخير بعض القراءة في النافلة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي صاحب الإمام الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن رجل أراد أن يقرأ مائة آية أو أكثر في نافلة فتخوف أن يضعف ويكسل هل يصلح أن يقرأها وهو جالس؟ قال: ليصل ركعتين بما أحب، ثم لينصرف فليقرأ ممّا بقي عليه ممّا أراد قراءته فإنّ ذلك يجزيه مكان قراءته وهو قائم، فإن بدا له أن يتكلم بعد التسليم من الركعتين فليقرأ فلا بأس(5) .

إنّ الرجل الذي أحب أن يقرأ مائة آية أو أكثر في نافلة ولم يكن ملزماً بذلك بنذر وشبهه، فهو بالخيار إن شاء أن يصلي ركعتين جالساً ويقرأ بما أحب أن يقرأه من الآيات، وإن شاء أن يصلي ركعتين ويسلم، ويقرأ ما أحبه من الآيات بعد الصلاة.

36 - الالتفات في الصلاة:

روى البزنطي قال: سألته - أي الرضا - عن الرجل يلتفت في صلاته، هل

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 1 / 91.

(2) قرب الإسناد (ص 159) وسائل الشيعة 4 / 630.

(3) وسائل الشيعة 4 / 765.

(4) وسائل الشيعة.

(5) السرائر (ص 469).


يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلّى ولا يعتد به(1) .

إنّ الالتفات إلى الخلف يمحو صورة الصلاة، وكل ما يمحو صورتها فهو مبطل لها.

37 - زكاة الفطرة:

روى محمد بن القاسم بن الفضل قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أسأله عن الوصي أيزكي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال؟ قال، فكتب: لا زكاة على يتيم(2) .

أمّا زكاة الفطرة فلا تجب على اليتيم، ولا على وليه، وليس له أن يخرجها من مال اليتيم كما دلت على ذلك الرواية، وأفتى بمضمونها الفقهاء، وذلك لعدم تكليف اليتيم حتى يبلغ.

38 - زكاة الوديعة والقرض:

روى إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت: لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام الرجل يكون له الوديعة والدين فلا يصل إليهما ثم يأخذهما متى يجب عليه الزكاة؟ قال: إذا أخذهما ثم يحول عليه يزكّي(3) .

من شروط الزكاة التمكن من التصرف، فلا تجب في المال الذي لا يتمكن مالكه من التصرف فيه بأن كان غائباً عنه، فمال الوديعة إذا كان بإمكانه استرجاعه فتجب على زكاته، وكذلك الدين إنّما تجب الزكاة فيه بعد قبضه، ومضي حول عليه.

39 - زكاة الغلات:

روى سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب متى تجب على صاحبها؟ قال: إذا ما صرم، وإذا خرص(4) .

ذهب المشهور من الفقهاء إلى أن وقت تعلّق الزكاة بالغلات ففي الحنطة

____________________

(1) السرائر (ص 469).

(2) وسائل الشيعة 6 / 455 فروع الكافي 1 / 153.

(3) التهذيب 1 / 358.

(4) فروع الكافي 1 / 147.


والشعير عند انعقاد حبهما، وفي ثمر النخل حين اصفراره أو احمراره، وفي ثمرة الكرم عند انعقادها حصرماً وقيل غير ذلك(1) .

40 - زكاة العلوي للعلوي:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن الصدقة تحل لبني هاشم؟ فقال: لا ولكن صدقات بعضهم على بعض تحل لهم(2) .

41 - إخراج الزكاة عند حلولها:

روى سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن الرجل تحل عليه الزكاة في السنة في ثلاث أوقات: أيؤخرها حتى يدفعها في وقت واحد؟ فقال: متى حلت أخرجها(3) .

إنّ الشخص إذا كان مالكاً لعدة أعيان زكوية بان كان مالكاً للغلات والإنعام والنقدين، فيخرج زكاة كل نوع عند استحقاق دفعها.

42 - فطرة من خرج عن العيال:

روى عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلاّ أنّه يتكلّف له نفقته وكسوته أتكون عليه فطرته؟ فقال: لا إنّما تكون فطرته على عياله صدقة دونه، وقال: العيال الولد والمملوك والزوجة أم الولد(4) .

تجب زكاة الفطرة على كل مكلف، وعلى من يعول به حين دخول ليلة الفطر من غير فرق بين واجب النفقة عليه وغيره، ولا بين الصغير والكبير ولا تجب على من يتكلف نفقته وكسوته، وهو خارج عن العيال، والمدار هو صدق العيلولة حسبما ذكر الفقهاء.

43 - الخمس:

روى علي بن الحسن بن علي بن فضال عن أبيه عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام (في حديث) قال: كان لعبد المطلب خمس من السنن: أجراها الله له في الإسلام، حرم نساء الآباء على الأبناء، ومن الدية في القتل مائة من الإبل، وكان

____________________

(1) العروة الوثقى.

(2) قرب الإسناد (ص 163) وسائل الشيعة 6 / 190.

(3) فروع الكافي 1 / 147 الوسائل 6 / 213.

(4) مَن لا يحضره الفقيه 1 / 64.


يطوف بالبيت سبعة أشواط ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس، وسمى زمزم حين حفرها سقاية الحاج(1).

44 - وجوب الخمس في الكنز:

روى الشيخ المفيد بسنده قال: سُئل الإمام الرضاعليه‌السلام عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس، فقال: ما يجب فيه الزكاة من ذلك بعينه ففيه الخمس، وما لم يبلغ حد ما تجب فيه الزكاة فلا خمس فيه(2) .

الكنز هو المال المذخور في الأرض، سواء أكان من الذهب أم الفضة المسكوكين أم غير المسكوكين، أم من غيرهما ويشترط فيه بلوغ النصاب وهو عشرون ديناراً، فإذا لم يبلغ هذا المقدار فلا خمس فيه.

45 - إيصال الخمس إلى الإمام:

روى محمد بن زيد الطبري قال: كتب رجل من تجّار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضاعليه‌السلام يسأله الإذن في الخمس فكتب إليه بعد البسملة: ( إنّ الله واسع كريم، ضمن على العمل الثواب، وعلى الضيق الهم، لا يحل مال إلاّ من وجه أحلّه الله، إنّ الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا، وعلى موالينا، وما نبذله ونشتري من أعراضنا ممّن نخاف سطوته، فلا تزووه عنّا، ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا، ما قدرتم عليه، فإنّ إخراجه مفتاح رزقكم، وتمحيص ذنوبكم، وما تمهدون لأنفسكم ليوم فاقتكم، والمسلم من يفي لله بما عهد إليه، وليس المسلم من أجاب باللسان، وخالف بالقلب. والسلام )(3).

46 - دفع الخمس للإمام:

روى محمد بن زيد قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام فسألوه أن يجعلهم في حل من الخمس فقال: ما أحل هذا، تمحضونا المودة بألسنتكم، وتزوون عنّا حقاً جعله الله لنا، وجعلنا له وهو الخمس، لا نجعل، لا نجعل، لا نجعل، لأحد منكم في حل(4) .

____________________

(1) وسائل الشيعة 6 / 345.

(2) المقنعة (ص 46).

(3) المقنعة (ص 46) الوسائل 6 / 375.

(4) المقنعة (ص 46) الوسائل 6 / 375.


ودلّ هذا الحديث وما قبله على لزوم إيصال الخمس إلى الإمامعليه‌السلام ، هذا في حضور الإمام أمّا في حال غيبته فيدفع إلى نائبه وهو المرجع العالم للعالم الإسلامي.

47 - كفارة الإفطار على المحلل والمحرم:

روى عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضاعليه‌السلام : يا بن رسول الله قد روى عن آبائكعليهم‌السلام فيمن جامع في شهر رمضان، أو أفطر فيه، ثلاث كفارات، وروي عنهم أيضاً كفارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ؟ قال: بهما جميعاً، متى جامع الرجل حراماً، أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً، وقضاء ذلك اليوم، وإن كان نكح حلالاً أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة، وإن كان ناسياً فلا شيء عليه(1) .

على ضوء هذه الرواية وغيرها ممّا أثر عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام فقد أفتى فقهاء الإمامية بأنّ الصائم إذا أفطر على محرّم في أثناء النهار كما إذا شرب خمراً أو أكل مغصوباً، ونحو ذلك فإنّه تجب عليه كفارة الجمع وهي عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً وإذا أفطر على مباح بأن شرب ماء - مثلاً - فتجب عليه خصلة واحدة من هذه الخصال الثلاث مخيّراً بينها.

48 - الاحتقان بالمائع:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أنّه سأل الإمام الرضاعليه‌السلام عن الرجل يحتقن في شهر رمضان؟ فقالعليه‌السلام : لا يجوز له أن يحتقن(2) .

واستند فقهاء الإمامية إلى هذه الرواية ونظرائها ممّا أثر عن أئمة أهل البيتعليهم‌السلام فأفتوا بأنّ الاحتقان بالمائع من المفطرات.

49 - السواك في رمضان:

روى موسى بن أبي الحسن الرازي عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سأله بعض جلسائه عن السواك في شهر رمضان؟ قال: جائز، فقال بعضهم: إنّ السواك تدخل رطوبته في الجوف، فقال: ما تقول في السواك الرطب تدخل رطوبته

____________________

(1) التهذيب 1 / 411 من لا يحضره الفقيه 2 / 121.

(2) وسائل الشيعة 8 / 39.


في الحلق؟ فقال: الماء للمضمضة أرطب، فإن قال قائل: لا بد من الماء للمضمضة من أجل السنّة، فلا بد من السواك من أجل السنّة التي جاء بها جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله)(1) .

وأفتى الفقهاء بعدم فساد الصوم في السواك، وأنّه لا يضر بصحّته.

50 - نية السفر في الليل:

روى صفوان عن الرضاعليه‌السلام في حديث قال: لو أنّه يريد النهروان ذاهباً وجائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً والإفطار، فإن هو أصبح ولم ينو السفر فبدا له من بعد أن أصبح في السفر قصر، ولم يفطر يومه ذلك(2) .

وعلى ضوء هذه الرواية فقد أفتى الإمام الخوئي بأنّ المسافر لا بد أن ينوي السفر من الليل، فإذا لم ينو وسافر قبل الزوال وجب عليه إتمام الصيام والقضاء.

51 - لا قضاء للصوم المندوب:

روى المرزبان بن عمران قال: قلت للرضاعليه‌السلام : أريد السفر فأصوم لشهري الذي أسافر فيه؟ قال: لا. قلت: فإذا قدمت أقضيه؟ قال: لا، كما لا تصوم كذلك لا تقضي(3) .

ومثل هذه الرواية ما رواه سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن صوم ثلاثة أيام الشهر هل فيه قضاء على المسافر؟ قال: لا(4) .

52 - صوم يوم الشك:

روى محمد بن سنان قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن يوم الشك، فقال: إنّ أبي كان يصومه، فصمه(5) ، إذا شك في هلال شهر رمضان أنّه هلّ أم لا، فقد أمر الإمامعليه‌السلام بصيامه، ونية الصوم حسبما ذكر الفقهاء أنه ينويه من شعبان ندباً، أو قضاء عمّا في ذمته، فإذا تبيّن أنّه من رمضان، فإنّه يجزيه، وأمّا إذا صامه بنيّة رمضان بطل

____________________

(1) التهذيب 1 / 416 الوسائل 8 / 133.

(2) التهذيب 1 / 416 الوسائل 7 / 133.

(3) فروع الكافي 1 / 168 الوسائل 7 / 198

(4) فروع الكافي 1 / 198.

(5) المقنعة (ص 48).


صومه(1) .

53 - مَن كان عليه قضاء رمضان:

روى الفضل بن شاذان عن الرضاعليه‌السلام (في حديث) قال: إن قال: فلم إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يقو من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأول وسقط القضاء، وإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء؟

قيل لأنّ ذلك الصوم إنّما وجب عليه في تلك السنة في هذا الشهر، فأمّا الذي لم يفق فإنّه لما مر عليه السنة كلها، وقد غلب الله عليه، فلم يجعل له السبيل إلى أدائها سقط عنها، وكذلك كل ما غلب الله عليه، مثل المغمى الذي يغمى عليه يوم وليلة فلا يجب عليه قضاء الصلوات كما قال الصادقعليه‌السلام : ( كل ما غلب الله عليه فهو أعذر له ) لأنّه دخل الشهر وهو مريض فلم يجب عليه الصوم في شهره ولا في سنته للمرض الذي كان فيه، ووجب عليه الفداء لأنه بمنزلة من وجب عليه الصوم فلم يستطع أداءه فوجب عليه الفداء، كما قال الله تعالى:( فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.... فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) وكما قال:( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) فأقام الصدقة مقام الصيام إذا عسر عليه، فإن قال: فان لم يستطع إذ ذاك والآن يستطع، قيل: لأنّه لمّا دخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء وإذا وجب عليه الفداء سقط الصوم، والصوم ساقط والفداء لازم، فإن أفاق فيما بينهما ولم يصمه وجب عليه الفداء لتضييعه والصوم لاستطاعته(2) .

إذا فات المكلّف شهر رمضان أو بعضه لمرض واستمرّ به العذر إلى رمضان الثاني سقط عنه القضاء وتصدق عن يوم بمد من طعام. أمّا إذا فاته لعذر غير المرض وجب القضاء وتجب الفدية أيضاً(3) .

54 - الصوم المندوب:

روى إسماعيل بن داود قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن الصيام - أي

____________________

(1) منهاج الصالحين كتاب الصوم.

(2) وسائل الشيعة 7 / 246 - 247.

(3) منهاج الصالحين 1 / 287 للإمام الخوئي، وأفتى الإمام الحكيم بوجوب القضاء دون الفدية، وقال: وإن كان إلحاق السفر بالمرض محتملاً فالأحوط الجمع بين القضاء والفدية.


الصيام المندوب - فقال: ثلاثة أيام في الشهر، الأربعاء والخميس والجمعة(1) .

55 - صوم يوم عيد الغدير:

روى الفياض بن محمد بن عمر الطوسي أنّه شهد أبا الحسن علي بن موسى الرضاعليه‌السلام في يوم الغدير، وبحضرته جماعة من خاصته، قد احتبسهم للإفطار، وقد قدم إلى منازلهم الطعام والبر والصلات والكسوة حتى الخواتيم، والنعال، وقد غير من أحوالهم وأحوال حاشيته، وجددت له آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه، وهو يذكر فضل اليوم وقدمه فكان من قوله:... حدثني الهادي أبي عن آبائه عن أمير المؤمنينعليهم‌السلام أنّه اتفق في زمانه الجمعة والغدير، فصعد المنبر على خمس ساعات من نهار ذلك اليوم، ثم ذكر خطبتهعليه‌السلام بطولها (إلى أن قال): ثم إنّ الله تعالى جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين لا يقوم أحدهما إلاّ بصاحبه ليكمل عندكم جميل صنيعه، ثم ذكر من فضل يوم الغدير شيئاً كثيراً جداً إلى أن قال: فالدرهم فيه بمائة ألف درهم، والمزيد من الله عزّ وجل، وصوم هذا اليوم ممّا ندب الله تعالى إليه، وجعل الجزاء العظيم كفاء له عنه، حتى لو تعبد عبد من العبيد في الشبيبة من ابتداء الدنيا إلى تقضيها صائماً نهارها، قائماً ليلها إذا أخلص المخلص في صومه لقصرت إليه أيام الدنيا عن كفائه، ومن أسعف أخاه مبتدئاً، وبرّه راغباً فله كأجر مَن صام هذا اليوم، وقام ليلته، ومَن أفطر مؤمناً في ليلته فكأنّما فطر فياماً وفياماً يعدها بيده عشرة فنهض ناهض، فقال: يا أمير المؤمنين، وما الفيام؟ قال: مائة ألف نبي وصديق، وشهيد فكيف بمن تكفّل عدداً من المؤمنين والمؤمنات، وأنا ضمينه على الله تعالى الأمان من الكفر والفقر، وإن مات في ليلته أو يومه أو بعده إلى مثله من غير ارتكاب كبيرة فأجره على الله ومن استدان لإخوانه وأعانهم فأنا الضامن على الله إن بقاه قضاه، وإن قبضه حمله عنه، وإذا تلاقيتم فتصافحوا بالتسليم، وتهابوا النعمة في هذا اليوم، وليبلغ الحاضر الغائب، والشاهد الباين، وليعد الغني الفقير والقوي على الضعيف، أمرني رسول الله بذلك ثم أخذعليه‌السلام في خطبته، وجعل صلاة جمعته صلاة عيد، وانصرف بولده وشيعته إلى منزل الحسن بن

____________________

(1) التهذيب 1 / 438.


عليعليه‌السلام بما أعد له من طعام، وانصرف غنيّهم وفقيرهم برفده إلى عياله(1) .

إنّ عيد الغدير من أهم الأعياد الإسلامية، ففي هذا اليوم الخالد أقام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام أمير المؤمنين خليفة من بعده، ومرجعاً لأُمّته، وقد أثرت الأخبار عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام باستحباب صومه، وترتيب آثار العيد عليه وقد وفقت الطائفة الإمامية لإحيائه، وإقامة المهرجانات الأدبية التي تتلى فيها آيات الشعر وروائع الكلمات التي تشيد بفضل أبي الحسينعليه‌السلام كما تؤم مرقده الشريف آلاف الزائرين في هذا اليوم إحياءً لذكراه.

56 - استحباب الحج بالمؤمنين:

روى الحسن بن علي الديلمي مولى الإمام الرضاعليه‌السلام قال: سمعت الرضا يقول: مَن حجّ بثلاثة من المؤمنين فقد اشترى نفسه من الله عزّ وجل بالثمن(2) .

ودلّ هذا الحديث على استحباب دعوة المؤمنين للحج والقيام بنفقاتهم، فإنّ هذا من أفضل الأعمال التي تقرّب الإنسان إلى الله.

57 - الحج عن الميت:

روى محمد بن عبد الله قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن الرجل يموت، فيوصي بالحج من أين يحج عنه؟ قال: على قدر ماله، إن وسعه ماله فمن منزله، وأن لم يسعه ماله فمن الكوفة، فإن لم يسعه من الكوفة فمن المدينة(3) .

58 - النيابة عن الحي:

روى محمد بن عيسى اليقطين قال: بعث إليّ أبو الحسن الرضاعليه‌السلام رزم ثياب وغلماناً، وحجّة لي وحجّة لأخي موسى بن عبيد، وحجّة ليونس بن عبد الرحمان، وأمرنا أن نحج عنه فكانت بيننا مائة دينار أثلاثاً فيما بيننا(4) .

واستند الفقهاء لهذه الرواية وغيرها في جواز الاستنابة عن الحي في الحج

____________________

(1) مصباح المتهجدين (ص 524) الوسائل 7 / 326.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 1 / 77 وسائل الشيعة.

(3) فروع الكافي 1 / 250 الوسائل 8 / 117.

(4) التهذيب 2 / 261 الوسائل 8 / 147.


المندوب، كما أفتوا بجواز الاستنابة عن الحج الواجب كحجّة الإسلام عن الحي فيما إذا كان المكلّف عاجزاً عن الحج.

59 - الإحرام قبل الميقات:

قالعليه‌السلام : لا يجوز الإحرام دون الميقات(1) .

60 - المرور على الميقات:

روى صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: كتبت إليه إنّ بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل، وعليهم في ذلك مؤنة شديدة ويعجلهم أصحابهم وجمالهم من وراء بطن عقيق بخمسة عشر ميلاً منزل فيه ماء وهو منزلهم الذي ينزلون فيه، فترى أن يحرموا من موضع الماء لرفقة بهم، وخفته عليهم؟.

فكتب: إنّ رسول لله (صلى الله عليه وآله) وقت المواقيت لأهلها ومن أتى عليها من غير أهلها وفيها رخصة لمن كانت به علّة، فلا تجاوز الميقات إلاّ من علة(2) .

إنّ كل مَن اجتاز على ميقات وهو يريد مكة المكرمة وجب عليه الإحرام كما دلت على ذلك الرواية وغيرها.

61 - العدول من الحج إلى عمرة التمتع:

روى أحمد بن محمد قال: قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضاعليه‌السلام : كيف أصنع إذا أردت أن أتمتع؟ فقال: لبّ بالحج، وانو المتعة، فإذا دخلت مكة طفت بالبيت، وصلّيت الركعتين خلف المقام، وسعيت بين الصفا والمروة وقصّرت، فنسختها وجعلتها متعة(3) .

ودلّت هذه الرواية على جواز نية الحج والتلبية له الذي ينعقد بها الإحرام، ثم يأتي ببقية الأعمال من الطواف بالبيت الحرام والصلاة خلف مقام إبراهيم، ثم السعي سبعة أشواط بين الصفا والمروة، ثم يقصر، ويجعلها عمرة تمتّع.

62 - قطع التلبية:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه سُئل عن

____________________

(1) وسائل 8 / 232.

(2) فروع الكافي 1 / 324.

(3) التهذيب 1 / 471 الوسائل 9 / 31.


المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال: إذا نظر إلى عراش مكة عقبة ذي طوى، قلت: بيوت مكة؟ قال: نعم(1) .

إنّ الحاج إذا أحرم من إحدى المواقيت استحب له التلبية طيلة الوقت حتى ينتهي إلى مكة، فإذا شاهد بيوتها قطع التلبية.

63 - شراء المحرم للجواري:

روى سعد بن سعد الأشعري القمّي عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن المحرم يشتري الجواري، ويبيعها؟ قال: نعم(2) .

ويحرم على المحرم أن يعقد على امرأة ويتزوّج بها، وكذلك يحرم عليه أن يجري عقد النكاح للغير، أمّا شراء الجواري وبيعها فلا حرمة فيه حسبما دلّت عليه هذه الرواية.

64 - جواز لبس الخاتم للمحرم:

روى محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: رأيت على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام وهو محرم خاتماً(3) .

65 - مشي المحرم تحت الظل:

روى محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت إلى الرضاعليه‌السلام هل يجوز للمحرم أن يمشي تحت ظل المحمل؟ فكتبعليه‌السلام : نعم(4) .

من جملة التروك للمحرم ترك التظليل، أمّا المشي تحت الظلال فلا مانع منه، وقد أثارت هذه المسألة كثيراً من التساؤلات فقد روى الطبرسي قال: سأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام بمحضر من الرشيد، وهم بمكة، فقال له: أيجوز للمحرم أن يظلل عليه محمله؟

فقال له الإمام: لا يجوز له ذلك مع الاختيار، فقال له محمد بن الحسن: أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختاراً؟

فقال له: نعم، فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك، فقال له الإمام: أتعجب من سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ وتستهزئ بها، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(1) وسائل 9 / 57.

(2) فروع الكافي 1 / 267 وسائل 9 / 92.

(3) وسائل 9 / 127.

(4) فروع الكافي 1 / 262.


كشف ظلاله في إحرامه، ومشى تحت الظلال وهو محرم إنّ أحكام الله يا محمد لا تقاس، فمَن قاس بعضها على بعض فقد ضلّ سواء السبيل(1) .

66 - كفارة قتل الحمامة في الحرم:

روى صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: مَن أصاب طيراً في الحرم وهو محل فعليه القيمة، والقيمة درهم يشتري علفاً لحمام الحرم(2) .

67 - فدية التظليل:

روى سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن المحرم يظل على نفسه؟ فقال: أمن علّة؟ فقلت: يؤذيه حر الشمس وهو محرم، فقال: هي علّة يظلل ويفدي(3) .

وروى إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضاعليه‌السلام : المحرم يظلل على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضران به؟ قال: نعم، قلت: كم الفداء قال: شاة(4) .

68 - الدعاء عند الركن اليماني:

روى سعد بن سعد عن الإمام الرضاعليه‌السلام قال: كنت معه في الطواف فلمّا صرنا بحذاء الركن اليماني قامعليه‌السلام فرفع يده إلى السماء ثم قال: ( يا الله يا ولي العافية، وخالق العافية، ورازق العافية، والمنعم بالعافية، والمنّان بالعافية، والمتفضّل بالعافية علي وعلى جميع خلقك، يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمها، صلِّ على محمد وآل محمد، وارزقنا العافية، وتمام العافية، وشكر العافية في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين... )(5) .

69 - طواف الفريضة:

قالعليه‌السلام : طواف الفريضة لا ينبغي أن يتكلّم فيه إلاّ بالدعاء، وذكر

____________________

(1) وسائل 9 / 51.

(2) تهذيب 1 / 536.

(3) تهذيب 1 / 536.

(4) وسائل 9 / 287.

(5) وسائل 9 / 417.


الله وتلاوة القرآن، والنافلة - أي الطواف المستحب - يلقى الرجل أخاه ويحدثه بالشيء من أمر الآخرة والدنيا لا بأس به(1) .

وليس هذا الحكم إلزامياً وإنّما هو مندوب، ويستحب أن لا يتكلّم المحرم إلاّ بذكر الله تعالى في طوافه.

70 - رمي الجمرة:

روى إسماعيل بن همام قال: سمعت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يقول: لا ترم الجمرة يوم النحر - أي يوم العيد - حتى تطلع الشمس(2) . والنهي ظاهره المنع عن الرمي قبل طلوع الشمس.

71 - إجزاء الهدي عن جماعة:

روى سوادة وعلي بن أسباط عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قالا: قلنا له: جُعلنا فداك عزّت الأضاحي علينا بمكة أفيجزي اثنين أن يشتركا في شاة؟ فقال: نعم وعن سبعين(3) .

هذا في الحج المندوب، وأمّا في الحج الواجب فلا يجزي الهدي الواحد إلاّ عن واحد ولا يجزى عن اثنين.

72 - عدم بيع الثياب لشراء الهدي:

روى علي بن أسباط عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: قلت له: رجل تمتّع بالعمرة إلى الحج وفي عيبته ثياب له، أيبيع من ثيابه شيئاً ويشتري هديه؟ قال: لا، هذا يتزيّن به المؤمن، يصوم ولا يأخذ من ثيابه شيئا(4) إذا عجز المكلف عن الهدي كما في هذه الصورة فينتقل إلى الصوم فيصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله.

73 - استحباب زيارة النبي:

روى الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام أيّهما أفضل رجل يأتي مكة، ولا يأتي المدينة، أو رجل يأتي النبي، ولا يأتي مكة؟ قال: فقال لي: أي شيء تقولون أنتم؟ فقلت: نحن نقول في الحسينعليه‌السلام فكيف بالنبي؟ فقال: أما لئن قلت ذلك، لقد شهد أبو عبد اللهعليه‌السلام عيدا بالمدينة

____________________

(1) وسائل 9 / 465.

(2) وسائل الشيعة.

(3) وسائل الشيعة 10 / 114.

(4) الوسائل 10 / 171 فروع الكافي 1 / 348.


فدخل على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فسلم عليه، ثم قال لـمَن حضره: لقد فضلنا أهل البلدان كلهم مكة فما دونها لسلامنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

74 - حرمة الفرار من الزحف:

روى محمد بن سنان أنّ أبا الحسن الرضاعليه‌السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: حرم الله الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين، والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة، وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة لهم على ترك ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية، وإظهار العدل، وترك الجور، وإماتة الفساد؛ لما في ذلك من جراءة العدو على المسلمين، وما يكون في ذلك من السبي والقتل، وإبطال دين الله عزّ وجل، وغيره من الفساد(2) .

وحرم الإسلام الفرار من الزحف؛ وذلك لما فيه من الأضرار البالغة التي يمنى بها المسلمون، والتي منها تسلط القوى الكافرة على الإسلام، وقيامها بمحق الإسلام، والتنكيل بالمؤمنين.

75 - حرمة التعرّب بعد الهجرة:

روى محمد بن سنان أنّ أبا الحسن الرضاعليه‌السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: ( وحرّم الله التعرّب بعد الهجرة للرجوع عن الدين، وترك الموازرة للأنبياء والحجج عليهم السلام، وما في ذلك من الفساد وإبطال حق كل ذي حق لعلّه سكنى البدو، ولذلك لو عرف الرجل الدين كاملاً لم يجز له مساكنة أهل الجهل والخوف عليه؛ لأنّه لا يؤمن أن يقع منه ترك العلم والدخول مع أهل الجهل والتمادي في ذلك... )(3) .

وحرم الإسلام التعرّب بعد الهجرة؛ وذلك لأنّه يوجب الرجوع عن الدين، والتخلق بأخلاق الجهلة فان الحياة الاجتماعية حياة تأثير وتأثر فكل إنسان يتأثر فيمن حوله كما هو يؤثر فيمن حوله، ولهذه العلّة فقد حرّم الإسلام ذلك، وهذه الحرمة إنّما تخص الجهّال من المسلمين أمّا مَن تسلّح بالعلم والفضل فلا حرمة عليه؛ لأنّه لا يخاف عليه من الانجراف بأخلاق الجهّال.

76 - جواز شراء سبايا الكفار:

روى محمد بن عبد الله قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن قوم

____________________

(1) كامل الزيارات (ص 331) الوسائل 10 / 273.

(2) وسائل 11 / 65.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 2 / 188 وسائل 11 / 75.


خرجوا، وقتلوا أُناساً من المسلمين، وهدموا المساجد وأنّ المتولي هارون بعث إليهم فأخذوا، وقتلوا، وسبي النساء والصبيان، هل يستقيم شراء شيء منهم، ويطأهن أم لا؟.

قالعليه‌السلام : لا بأس بشراء متاعهن، وسبيهن(1) . وروى زكريا بن آدم قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن قوم من العدو صالحوا ثم خفروا، ولعلّهم إنّما خفروا لأنّه لم يعدل عليهم، أيصلح أن يشترى من سبيهم؟ قالعليه‌السلام : إن كان من عدو قد استبان عداوتهم فاشتر منه، وإن كان قد نفروا وظلموا، فلا يباع من سبيهم(2) .

وفصل الإمامعليه‌السلام في الحديث الثاني بين الخارجين على الحكومة الإسلامية فإن كان خروجهم عن ظلم عانوه لأنّ الحكومة لم تف بمعاهداتها، وخاست بوعودها لهم فلا سبيل لشراء شيء من سباياهم، وإن كان خروجهم عداء للإسلام، وحقداً على المسلمين، فيباح للمسلمين شراء سباياهم.

77 - حكم الخراج:

وفصل الإمام الرضاعليه‌السلام حكم الخراج في الأراضي، وفي حديثه مع أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: ذكرت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام الخراج، وما سار به أهل بيته فقال: العشر ونصف العشر على من أسلم طوعاً، تركت أرضه في يده، وأخذ منه العشر ونصف العشر فيما عمر منها، وما لم يعمر منها أخذه الوالي فقبله ممّن يعمره، وكان للمسلمين، وليس فيما كان أقل من خمسة أو ساق شيء، وما أخذ بالسيف فذلك إلى الإمام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بخيبر قبل أرضها ونخلها، والناس يقولون: لا تصلح قبالة الأرض والنخل إذا كان البياض أكثر من السواد، وقد قبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خيبر، وعليهم في حصصهم العشر ونصف العشر(3) .

____________________

(1) وسائل الشيعة 11 / 99.

(2) التهذيب 2 / 53.

(3) الوسائل 11 / 120 التهذيب 1 / 383.


78 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قالعليه‌السلام : لتأمرن بالمعروف، ولتنهين عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم(1) .

وقالعليه‌السلام : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ( إذا أُمّتي تواكلت الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله... )(2) .

إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدتان أساسيتان في الاسلام يبتنى عليهما تطور الأمة وأمنها وسلامتها من الفتن والزيغ، وقالعليه‌السلام : ( والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجبان إذا أمكن، ولم يكن خيفة على النفس.... )(3) .

إنّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطا كان منها عدم الخوف على النفس والأهل والمال أما إذا ما خرمت هذه الشروط فان الوجوب يسقط.

79 - الانتفاع بألية الغنم المبانة من حي:

روى البزنطي صاحب الإمام الرضاعليه‌السلام قال: سألته - أي الإمام الرضا - عن الرجل تكون له الغنم يقطع من أليائها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال: نعم يذيبها، ويسرج بها، ولا يأكلها ولا يبيعها(4) .

ودلّت هذه الرواية على جواز الانتفاع بإلية الغنم المبانة من الحي، ولكن الانتفاع بها محدود في الاستصباح لا غير.

80 - الأجرة على كتابة المصحف:

سئل الإمام الرضاعليه‌السلام عن الأجرة على كتابة المصحف فقالعليه‌السلام : لا بأس(5) .

81 - الميسر هو القمار:

وحرّم الإسلام الميسر، وقرنه بالخمر، وقد فسّر الإمام الرضاعليه‌السلام

____________________

(1) فروع الكافي 1 / 343.

(2) فروع الكافي 1 / 344 الوسائل 11 / 364.

(3) الوسائل 11 / 402.

(4) قرب الإسناد (ص 115) السرائر (ص 469).

(5) الوسائل 11 / 117.


الميسر بالقمار(1) .

وقالعليه‌السلام : إنّ الشطرنج والنرد، وأربعة عشر، وكل ما قومر عليه منها فهو ميسر(2) .

82 - العمل للسلطان الجائر:

روى سليمان الجعفري قال: قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : ما تقول في أعمال السلطان؟ فقال: يا سليمان الدخول في أعمالهم، والعون لهم، والسعي في حوائجهم عديل الكفر، والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار(3) .

وقد سوّغ الإمام الرضاعليه‌السلام الولاية من قبل الجائر ولكن بشرط نفع المؤمنين ودفع الأذى عنهم قالعليه‌السلام : إنّ لله مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه(4) .

وروى الحسن بن الحسين الأنباري عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: كتبت إليه أربع عشرة سنة أستأذنه في عمل السلطان، فلمّا كان في آخر كتاب كتبته إليه أذكر أني أخاف على خيط عنقي، وأنّ السلطان يقول لي إنّك رافضي، ولسنا نشك في أنّك تركت العمل للسلطان للرفض. فكتب إلى أبو الحسنعليه‌السلام . فهمت كتابك، وما ذكرت من الخوف على نفسك، فان كنت تعلم أنك إذا وليت عملت في عملك بما أمر به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم تصيّر أعوانك وكتابك أهل ملتك، وإذا صار إليك شيء واسيت به فقراء المؤمنين حتى تكون واحداً منهم، كان ذا بذا وإلاّ فلا(5) .

83 - خيار الحيوان:

روى علي بن أسباط عن الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري وفي غير الحيوان أن يفترقا(6) .

وعلى ضوء هذه الرواية وغيرها فقد أفتى الفقهاء بأنّ للمشتري حق الخيار في الحيوان إلى ثلاثة أيام وفي غيره ما لم يفترقا وسمّي ذلك بخيار المجلس.

____________________

(1) تفسير العياشي 1 / 336.

(2) تفسير العياشي 1 / 339.

(3) تفسير العياشي 1 / 238 الوسائل 12 / 138.

(4) المقنع (ص 31).

(5) فروع الكافي 1 / 359 الوسائل 12 / 145.

(6) فروع الكافي 1 / 390.


84 - تبديل السكّة:

روى يونس قال: كتبت إلى الرضاعليه‌السلام أن لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام، وليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم يبن الناس؟ قال: فكتب لي: لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس، كما أعطيته ما ينفق بين الناس(1) .

85 - بيع الثمر قبل بدء صلاحه:

روى الحسن بن علي الوشاء قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام هل يجوز بيع النخل إذا حمل - أراد بيع الثمر - قال لا يجوز بيعه حتى يزهو، قلت: وما الزهو؟ جعلت فداك، قال: يحمر ويصفر، وشبه ذلك(2) .

86 - حرمة شراء أبناء أهل الذمّة:

روى زكريا بن آدم قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن أهل الذمّة أصابهم جوع فأتاه رجل بولده، فقال، هذا لك أطعمه وهو لك عبد، فقال: لا تبتع حرّاً فإنّه لا يصلح لك، ولا من أهل الذمّة(3) .

إنّ أهل الذمّة أحرار، ولا يجوز بيعهم.

87 - الإمام يقضي ديون الغارمين:

روى محمد بن سليمان عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا محمد. قال: سأل الرضاعليه‌السلام رجل، وأنا أسمع فقال له: جعلت فداك ان الله عزّ وجل يقول:

( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) اخبرني عن هذه النظرة التي ذكر الله عزّ وجل في كتابه لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر إليه لا بد له أن ينتظر وقد أخذ مال هذا الرجل، وأنفقه على عياله، وليس له غلّة ينتظر إدراكها، ولا دين ينتظر محلّه، ولا مال غائب ينتظر قدومه.

قالعليه‌السلام : نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام فيقضي ما عليه من الدين من سهم الغارمين، إذا كان أنفقه في طاعة الله عزّ وجل، فإن كان أنفقه في

____________________

(1) فروع الكافي 1 / 401 وسائل 12 / 481.

(2) فروع الكافي 1 / 378.

(3) فروع الكافي 1 / 388 وسائل 13 / 28.


معصية الله عزّ وجل فلا شيء له على الإمام. قلت فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله أم في معصيته؟ قال: يسعى له في ماله فيرده عليه وهو صاغر(1) .

88 - شراء الدين:

روى محمد بن الفضيل قال: قلت للرضاعليه‌السلام : رجل اشترى ديناً على رجل، ثم ذهب إلى صاحب الدين، فقال له: ادفع إليّ ما لفلان عليك. فقد اشتريته منه، قال: يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين، وبرئ الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه(2) .

89 - عدم التضييق على المستدين:

روى على بن إسماعيل عن رجل من أهل الشام أنّه سأل الرضاعليه‌السلام عن رجل عليه دين قد فدحه، وهو يخالط الناس وهو يؤتمن بسعة شراء الفضول من الطعام والشراب، فهل يحل له أم لا؟ وهل يحل أن يتطلع من الطعام أم لا يحل له إلاّ قدر ما يمسك به نفسه ويبلغه؟ قالعليه‌السلام : لا بأس بما أكل(3) .

وظاهر الحديث انه لا يضيق على المستدين، وأنّه في سعة من أمره في شراء ما يحتاجه من الطعام.

90 - كراهة استعمال الأجير قبل تعيين أجرته:

روى سليمان بن جعفر الجعفري قال: كنت مع الرضاعليه‌السلام في بعض الحاجة فأردت أن أنصرف إلى منزلي، فقال لي: انصرف معي فبت عندي الليلة، فانطلقت معه فدخل إلى داره مع المغيب فنظر إلى غلمانه يعملون في الطين أو أري الدواب وغير ذلك وإذا معهم أسود ليس منهم فقال: ما هذا الرجل معكم؟ قالوا: يعاوننا ونعطيه شيئاً، قال: قاطعتموه على أجرته، قالوا: لا هو يرضى بما تعطيه... وغضب لذلك غضباً شديداً، فقلت: جعلت فداك لم تدخل على نفسك؟ فقال: إنّي قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرة أن يعمل معهم أحد، حتى يقاطعوه على أجرته، واعلم أنّه ما من أحد يعمل لك شيئاً بغير مقاطعة ثم زدته لذلك الشيء ثلاثة أضعاف

____________________

(1) تفسير العياشي 1 / 155 وسائل 13 / 91.

(2) فروع الكافي 1 / 355.

(3) التهذيب 2 / 61 وسائل 13 / 115.


على أجرته إلاّ ظن أنّك قد نقصته أجرته، وإذا قاطعته ثم أعطيته أجرته حمدك على الوفاء، فإن زدّته حبة عرف ذلك لك، ورأى أنّك قد زدته(1) .

إنّ من محاسن التشريع الإسلامي معاملة الأجير وقطع أجرته قبل عمله، فإذا لم تعيّن أجرته، فمهما أعطي فإنّه لا يرضى، ويكون ذلك مدعاة للنزاع والخصومة.

91 - الإجارة لا تبطل بيع العين:

روى يونس قال: كتبت إلى الرضاعليه‌السلام أسأله عن رجل تقبل من رجل أرضاً أو غير ذلك سنين مسماة، ثم إنّ المقبل أراد بيع أرضه التي قبلها قبل انقضاء السنين المسماة، هل للمتقبل أن يمنعه من البيع قبل انقضاء أجله الذي تقبلها منه إليه، وما يلزم المتقبل له؟ قالعليه‌السلام : له أن يبيع إذا اشترط على المشتري أن المتقبل من السنين ما له(2) .

لا مانع من بيع العين المستأجرة ولكن يشترط إعلام المشتري بالأمر، فيبيعه عليه مسلوبة المنفعة إلى مدة انقضاء الإجارة وإذا لم يعلمه بذلك فله خيار الفسخ.

92 - الرجوع في الهبة قبل القبض:

روى صفوان بن يحيى قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن رجل كان له مال فوهبه لولده الأكبر، فذكر له الرجل المال الذي له عليه، فقال: إنّه ليس عليك منه شيء في الدنيا والآخرة - ومعنى ذلك أنّه وهبه له - يطيب له ذلك، وقد كان وهبه لولده؟ قالعليه‌السلام : نعم يكون وهبه له ثم نزعه فجعله لهذا(3) .

إنّ الهبة قبل القبض يجوز ارتجاعها، وهي من العقود الجائزة التي يجوز الرجوع فيها نعم الهبة لذوي الأرحام أو المعوضة تكون لازمة بعد القبض لا قبله.

93 - مجوسي أوصى بمال للفقراء:

روى أبو طالب عبد الله بن الصلت قال: كتب الخليل بن هاشم إلى ذي الرياستين، وهو والي نيسابور أنّ رجلاً من المجوس مات وأوصي للفقراء بشيء من ماله فأخذه قاضي نيسابور فجعله في فقراء المسلمين فكتب الخليل إلى ذي الرياستين بذلك فسأل المأمون عن ذلك، فقال: ليس عندي في هذا شيء فسأل أبا الحسن.

____________________

(1) فروع الكافي 1 / 414 وسائل 13 / 245.

(2) وسائل 13 / 267.

(3) التهذيب 2 / 378.


عليه‌السلام ، فقال أبو الحسن: إنّ المجوسي لم يوص لفقراء المسلمين، ولكن ينبغي أن يؤخذ مقدار ذلك المال من مال الصدقة فيرد على فقراء المجوس(1) .

وروى مثل ذلك علي بن إبراهيم عن ياسر الخادم قال: كتب من نيسابور إلى المأمون أنّ رجلاً من المجوس أوصى عند موته بمال جليل يفرق في المساكين والفقراء، ففرقه قاضي نيسابور في فقراء المسلمين، فقال المأمون للرضا: ما تقول في ذلك؟ فقال الرضاعليه‌السلام : إنّ المجوس يتصدقون على فقراء المسلمين، فاكتب إليه أن يخرج بقدر ذلك من صدقات المسلمين فيتصدق به على فقراء المجوس(2) .

94 - مسلمة أوصت للنصارى:

روى الريان بن شبيب (ابن الصلت) قال: أوصت ماردة لقوم نصارى فراشين بوصية، فقال أصحابنا: اقسم هذا في فقراء المؤمنين من أصحابك، فسألت الرضاعليه‌السلام فقلت: إنّ أختي أوصت بوصية لقوم نصارى، وأردت أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا، مسلمين، فقالعليه‌السلام : امض الوصية على ما أوصت به، قال الله تعالى: فإنّما إثمه على الذين يبدلونه(3) .

95 - دفع مال اليتيم إذا بلغ:

روى سعد بن إسماعيل عن أبيه قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن وصي أيتام، يدرك أيتامه فيعرض عليهم أن يأخذوا الذي لهم فيأبون عليه، كيف يصنع؟ قال: يرد عليهم، ويكرههم عليه(4).

إنّ اليتيم إذا بلغ وكان رشيداً فإنّه لا سلطان للوصي من قبل أبيه عليه، ويجب عليه إرجاع المال إليه، وإذا امتنع فيجبره الحاكم الشرعي على قبوله.

96 - رجل أوصى بسهم من ماله للإمام:

روى صفوان وأحمد بن محمد بن أبي نصر قالا: سألنا الرضاعليه‌السلام عن رجل أوصى لك بسهم من ماله، ولا ندري السهم أي شيء هو؟ فقالعليه‌السلام : ليس عندكم فيما بلغكم عن جعفر ولا عن أبي جعفر فيها شيء؟

____________________

(1) فروع الكافي 2 / 238 وسائل الشيعة 13 / 415.

(2) وسائل الشيعة 13 / 415.

(3) فروع الكافي 2 / 238.

(4) وسائل الشيعة 13 / 436.


فقلنا له: ما سمعنا أصحابنا يذكرون شيئا من هذا عن آبائكعليهم‌السلام ، فقال: السهم واحد من ثمانية - إلى أن قال - قول الله عزّ وجل:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) ثم عقد بيده ثمانية، قال: وكذلك قسمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ثمانية أسهم، فالسهم واحد من ثمانية(1) .

97 - الوصيّة بالسيف:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي جميلة عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن رجل أوصى لرجل بسيف وكان في جفن وعليه حلية فقال له الورثة: إنّما لك النصل، وليس لك السيف، فقالعليه‌السلام : لا بل السيف بما فيه(2) .

98 - حكم الوصيّة في نفي الولد:

روى سعد بن سعد قال: سألته - يعني أبا الحسن الرضا - عن رجل كان له ابن يدعيه، فنفاه وأخرجه من الميراث، وأنا وصيّه فكيف أصنع؟ فقالعليه‌السلام : لزمه الولد لإقراره بالمشهد لا يدفعه الوصي عن شيء قد علمه(3) .

إنّ إقرار الرجل بأنّ الولد ابنه، يلزمه ذلك، ولا ينفيه عنه إذا نفاه.

99 - الزوجة الصالحة:

روى صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: ما أفاد عبد فائدة خيراً من زوجة صالحة إذا رآها سرته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله(4) .

100 - جواز الزواج بامرأة مع الزواج بأُمّ ولد أبيها:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة ويتزوّج أم ولد أبيها، قالعليه‌السلام : لا بأس بذلك، قلت: بلغنا عن أبيك أنّ علي بن الحسينعليه‌السلام تزوّج ابنة الحسن بن عليعليه‌السلام وأم ولد الحسن فقال: ليس هكذا إنّما تزوّج علي بن

____________________

(1) وسائل الشيعة 13 / 438.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 2 / 282.

(3) وسائل الشيعة 13 / 476، مَن لا يحضره الفقيه 2 / 282.

(4) وسائل الشيعة 14 / 22.


الحسين ابنة الحسن وأم ولد لعلي بن الحسين المقتول عندكم(1) .

101 - كراهة زواج المرأة بسيئ الخلق:

روى الحسين بن بشار الواسطي قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام : أنّ لي قرابة قد خطب إلي وفي خلقه سوء، قال: لا تزوّجه إن كان سيئ الخلق(2) .

وحمل هذا النهي على الكراهة لا على التحريم.

102 - الزواج في الليل:

روى الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سمعته يقول: في التزويج، قال: من السنّة التزويج بالليل؛ لأنّ الله جعل الليل سكناً والنساء إنّما هنّ سكن(3).

103 - الإطعام عند الزواج:

روى الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سمعته يقول: لمّا خطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آمنة بنت أبي سفيان فزوّجه دعا بطعام ثم قال: إنّ من سنن المرسلين الإطعام عند التزويج(4) .

104 - حرمة النظر إلى شعر المرأة الأجنبية:

قالعليه‌السلام فيما كتبه إلى محمد بن سنان عن جواب مسائله وحرّم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج، والى غيرهن من النساء لما فيه من تهيج الرجال، وما يدعو إليه التهييج من الفساد والدخول فيما لا يحل، ولا يحمل، وكذلك ما أشبه الشعور إلاّ الذي قال الله تعالى:( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) أي غير الجلباب فلا بأس بالنظر إلى شعور مثلهن(5) .

105 - عدم جواز النظر إلى شعر أُخت الزوجة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن

____________________

(1) فروع الكافي 2 / 15.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 2 / 131.

(3) وسائل الشيعة 14 / 62.

(4) فروع الكافي 2 / 26.

(5) الوسائل.


الرجل يحل له أن ينظر إلى شعر أخت امرأته؟ فقال: لا إلاّ أن تكون من القواعد، قلت له: أخت امرأته والغريبة سواء؟ قال: نعم... الحديث(1) .

106 - الزواج بامرأة ادعى شخص أنّها زوجته:

روى عبد العزيز بن المهتدي قال: سألت الرضاعليه‌السلام ، قلت: جعلت فداك إنّ أخي مات وتزوّجت امرأته، فجاء عمّي، فادعى أنّه كان تزوّجها سرّاً فسألتها عن ذلك فأنكرت أشد الإنكار، وقالت: ما كان بيني وبينه شيء قط، فقالعليه‌السلام : يلزمك إقرارها، ويلزمه إنكارها(2).

ومعنى ذلك أنّ القول قول المرأة، وينفذ إنكارها في حق عم الزوج.

107 - بطلان العقد مع قصد المزاح:

روى ابن أبي نصر عن المشرقي عن الإمام الرضاعليه‌السلام قال: قلت له: ما تقول في رجل ادعى أنّه خطب امرأة إلى نفسها وهي مازحة، فسألت عن ذلك، فقالت نعم: فقال: ليس بشيء، قلت: فيحل للرجل أن يتزوّجها؟ قال: نعم(3) .

108 - زواج الولد بابنة جارية أبيه:

روى علي بن إدريس قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن جارية كانت في ملكي فوطئتها ثم خرجت من ملكي فولدت جارية يحل لابني أن يتزوّجها؟ قال: نعم لا بأس به قبل الوطء وبعده(4) .

109 - حرمة الجمع بين الأُختين:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن رجل تكون عنده امرأة يحل أن يتزوّج أُختها متعة؟ قالعليه‌السلام : لا(5) .

لا يجوز الجمع بين الأختين سواء أكان العقدين دواماً أم متعة نعم إذا توفيت زوجته الأولى أو طلقها طلاقاً بائناً، وانتهت العدة جاز له أن يتزوّج بأختها.

____________________

(1) الوسائل.

(2) قرب الإسناد (ص 160).

(3) فروع الكافي 2 / 77.

(4) التهذيب 2 / 240.

(5) وسائل الشيعة 14 / 367.


110 - عدم حرمة الزواج بالقابلة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الإمام الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن المرأة تقبلها القابلة فتلد الغلام يحل للغلام أن يتزوج قابلة أُمّه؟ قال: سبحان الله وما يحرم عليه من ذلك!!(1) .

111 - التمتّع بالذمّيّة:

روى الحسن التفليسي أنّه سأل أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يتمتع الرجل اليهودية والنصرانية، فقال الرضاعليه‌السلام : يتمتّع من الحرّة المؤمنة، وهي أعظم حرمة منها(2) .

112 - إسلام الزوجة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن الرجل تكون له الزوجة النصرانية فتسلم هل يحل لها أن تقيم معه؟ قال: إذا أسلمت لم تحل له... الحديث(3) .

113 - اختيار الزوجة المأمونة:

روى محمد بن إسماعيل عن الرضاعليه‌السلام في حديث قال: لا ينبغي لك أن تتزوّج إلاّ بمأمونة إنّ الله عزّ وجل يقول: ( الزاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلاّ زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين )(4) .

114 - تصديق المرأة في نفي الزوج:

روى محمد بن عبد الله الأشعري قال: قلت للرضاعليه‌السلام : الرجل يتزوج بالمرأة فيقع في قلبه أنّ لها زوجاً، فقال: وما عليه؟ أرأيت لو سألها البينة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج(5) .

115 - التمتّع بالأمة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته يتمتّع

____________________

(1) قرب الإسناد (ص 17).

(2) وسائل الشيعة 14 / 415.

(3) التهذيب 2؟ / 200.

(4) فروع الكافي 2 / 44.

(5) التهذيب 2 / 187.


بالأمة بإذن أهلها؟ قال: نعم، إنّ الله عزّ وجل يقول:فانكحوهن بإذن أهلهن )(1) .

116 - عدّة المتعة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: قال أبو جعفر: عدّة المتعة خمسة وأربعون يوماً، والاحتياط خمسة وأربعون ليلة(2) .

117 - الأجل في المتعة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: قلت له: الرجل يتزوج المرأة متعة سنة أو أقل أو أكثر، قال: إذا كان شيئاً معلوماً إلى أجل معلوم، قال: قلت: وتبين بغير طلاق؟ قال: نعم(3) .

118 - عدم الميراث في المتعة:

روى محمد بن أحمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: تزويج المتعة نكاح بميراث، ونكاح بغير ميراث، إن اشترطت كان، وان لم تشترط لم يكن(4) .

119 - نقل المتمتّع بها من بلد إلى بلد:

روى معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن الرجل يتزوّج المرأة متعة فيحملها من بلد إلى بلد، فقال: يجوز النكاح الآخر ولا يجوز هذا(5) .

ودلّ الحديث على جواز نقلها من بلد إلى آخر ولا مانع من ذلك.

120 - تحليل الزوجة جاريتها لزوجها:

روى إسماعيل بن بزيع أنّه سأل الرضاعليه‌السلام عن امرأة أحلّت لزوجها

____________________

(1) تفسير العياشي 1 / 134.

(2) فروع الكافي 2 / 45.

(3) فروع الكافي 2 / 45.

(4) فروع الكافي 2 / 47.

(5) وسائل الشيعة 14 / 494.


جاريتها، فقال: ذلك له، قال: فإن خاف أن تكون تمزح قال: فإن علم أنّها تمزح فلا(1) .

121 - جواز أخذ الهبة من أُمّ ولده:

روى إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن الرجل يأخذ من أُمّ ولده ما وهبه لها من خدم أو متاع أيجوز ذلك له؟ قال: نعم إذا كانت أُمّ ولده(2) .

122 - زيادة المهر عن مهر السنّة:

روى الوشاء عن الرضاعليه‌السلام قال: سمعته يقول: لو أنّ رجلاً تزوّج المرأة وجعل مهرها عشرين ألفاً، وجعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزاً والذي جعله لأبيها فاسداً(3) .

أمّا الذي جعله لأبيها فقد كان جزءاً من المهر، وهو لا يستحقه فلذلك كان فاسداً.

123 - حكم ما لو شرط لزوجته عدم التوارث:

روى سعد بن إسماعيل عن أبيه قال: سألت الرضاعليه‌السلام رجل تزوج امرأة بشرط أن لا يتوارثا، وأن لا يطلب منها ولداً قالعليه‌السلام : لا أحب(4) .

ودلّت الرواية على عدم لزوم هذا الشرط، وعدم لزوم الوفاء به.

124 - التهنئة بالطفل يوم السابع:

روى الحسين بن خالد قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن التهنئة بالولد متى هي؟ قال: إنّه لمّا ولد الحسن بن عليعليه‌السلام هبط جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالتهنئة في اليوم السابع، وأمره أن يسمّيه ويكنّيه، ويحلق رأسه، ويعق عنه، ويثقب أذنه وكذلك حين ولد الحسينعليه‌السلام أتاه في اليوم السابع فأمره بمثل ذلك. الحديث(5) .

125 - مدّة رضاع الطفل:

روى سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال:

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 2 / 147.

(2) التهذيب 2 / 309.

(3) فروع الكافي 2 / 23.

(4) وسائل الشيعة 15 / 51.

(5) فروع الكافي 2 / 90.


سألته عن الصبي هل يرضع أكثر من سنتين؟ فقال: عامين، فقلت: فإن زاد على سنتين هل على أبويه من ذلك شيء؟ قال: لا(1) .

126 - تفضيل بعض الأبناء على بعض:

روى سعد بن سعد الأشعري قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن الرجل يكون بعض ولده أحب إليه من بعض، ويقدم بعض، ويقدم بعض ولده على بعض، فقال: نعم قد فعل ذلك أبو عبد اللهعليه‌السلام نحل محمداً، وفعل ذلك أبو الحسن، نحل أحمد شيئاً، فقمت أنا به حتى حزته له، فقلت: الرجل تكون بناته أحب إليه من بنيه، فقال: البنات والبنون في ذلك سواء، إنّما هو بقدر ما ينزلهم الله عزّ وجل(2) .

127 - إمساك المرأة بمعروف:

روى أبو القاسم الفارسي، قال: قلت للرضاعليه‌السلام : جُعلت فداك إنّ الله يقول في كتابه:( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) وما يعني بذلك؟ فقال: أمّا الإمساك بالمعروف فكفّ الأذى، وإحباء النفقة، وأمّا التسريح بإحسان فالطلاق على ما نزل به الكتاب(3) .

128 - التوسعة على العيال:

روى محمد بن علي بن الحسين قال: قال أبو الحسن الرضاعليه‌السلام ينبغي للرجل أن يوسّع على عياله لئلاّ يتمنّوا موته(4) .

129 - بطلان الطلاق الفاقد للشروط:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن رجل طلّق امرأته بعدما غشيها بشاهدين عدلين، قال: ليس هذا طلاقاً، فقلت له: فكيف طلاق السنّة؟ فقال: يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين فإن خالف ذلك ردّ إلى كتاب الله عزّ وجل، قلت: فإنّه طلّق من غير جماع بشهادة رجل وامرأتين، قال: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق(5) .

____________________

(1) فروع الكافي 2 / 63.

(2) فروع الكافي 2 / 95.

(3) تفسير القمّي (ص 686).

(4) وسائل الشيعة 15 / 249.

(5) وسائل الشيعة 15 / 276.


130 - طلاق السكران:

روى زكريا بن آدم قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن طلاق السكران، والصبي، والمعتوه، والمغلوب على عقله، ومَن لم يتزوّج بعد، فقال: لا يجوز(1) .

إنّ طلاق هؤلاء لا يصح، فالسكران لا يحفل بطلاقه، لأنّه لا وعي له، وأمّا الصبي فقد رفع القلم عنه، فلا يصح طلاقه، وكذلك المعتوه، ولا يصح طلاق مَن لم يتزوج، أي لم يعقد على امرأة، فأنّ طلاقه لاغ.

131 - طلاق الأخرس:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أنّه سأل أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلّم، قال: أخرس هو؟ قلت: نعم، ويعلم منه بغضه لامرأته، وكراهته لها، أيجوز أن يطلّق عنه وليّه؟ قال: لا ولكن يكتب ويشهد على ذلك، قلت: فإنّه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلقها؟ قال: بالذي يعرف من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه(2) .

132 - صحّة الطلاق أمام الحاضرين:

روى أحمد محمد بن بن أبي نصر عن صفوان عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال سُئل عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال: فلانة طالق، وقوم يسمعون كلامه، ولم يقل لهم: اشهدوا أيقع الطلاق عليها؟ قال: نعم هذه شهادة(3) .

133 - الطلاق الثلاث بعد العدّة:

قالعليه‌السلام في كتابه إلى المأمون: وإذا طلّقت المرأة بعد العدّة ثلاث مرّات لم تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره(4) .

134 - يشترط في المحلل البلوغ:

روى علي بن الفضل الواسطي قال: كتبت إلى الرضاعليه‌السلام : رجل طلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره فتزوّجها غلام لم يحتلم،

____________________

(1) التهذيب 2 / 270.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 2 / 168.

(3) فروع الكافي 2 / 101 وسائل 15 / 302.

(4) وسائل الشيعة 15 / 317.


قال: لا حتى يبلغ، فكتبت إليه: ما حد البلوغ؟ فقال: ما أوجب الله على المؤمنين الحدود.

135 - الخصي لا يحلّل المطلقة ثلاثاً:

روى محمد بن مضارب قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن الخصي يحلّل؟ قال: لا يحلّل(2) .

136 - الشهود على رجعة الزوج:

روى سعد بن سعد عن المرزبان قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن رجل قال لامرأته: اعتدي فقد خليت سبيلك - وذلك بأن طلقها طلاقاً جامعاً للشرائط - ثم أشهد على رجعتها بعد ذلك بأيام، ثم غاب عنها قبل أن يجامعها حتى مضت لذلك أشهر بعد العدّة أو أكثر فكيف تأمره؟ فقال: إذا أشهد على رجعته فهي زوجته(3) .

137 - الطلاق الثاني من دون جماع:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن رجل طلّق امرأته بشاهدين ثم راجعها ولم يجامعها بعد الرجعة حتى طهرت من حيضها، ثم طلّقها على طهر بشاهدين أيقع عليها التطليقة الثانية وقد راجعها ولم يجامعها؟ قال: نعم(4) .

138 - إخراج ذات العدّة الرجعية من منزلها:

سأل المأمون الإمام الرضاعليه‌السلام عن قول الله عزّ وجل:( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: يعني بالفاحشة المبيّنة أن تؤذي أهل زوجها فإذا فعلت فإن شاء أن يخرجها من قبل أن تنقضي عدّتها فعل(5) .

139 - الفرق بين عدّة الطلاق وعدّة الوفاة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: سأله

____________________

(1) فروع الكافي 2 / 103.

(2) وسائل الشيعة 15 / 369.

(3) فروع الكافي 2 / 102.

(4) وسائل الشيعة 15 / 378.

(5) فروع الكافي 2 / 110.

هكذا وردت الهوامش في الكتاب؛ فلاحظ. [ الشبكة ].


صفوان، وأنا حاضر عن رجل طلق امرأته وهو غائب فمضت أشهر، فقال: إذا قامت البيّنة أنّه طلّقها منذ كذا وكذا وكانت عدّتها قد انقضت فقد حلت للأزواج، قال: فالمتوفّي عنها زوجها، فقال: هذه ليست مثل تلك، هذه تعتد من يوم يبلغها الخبر لأنّ عليها أن تحد(1) .

140 - المختلعة إذا رجعت في البذل:

روى إسماعيل بن بزيع عن الرضاعليه‌السلام في حديث الخلع قال: وإن شاءت أن يرد إليها ما أخذ منها، وتكون امرأته فعلت(2) .

إنّ المختلعة إذا رجعت فيما بذلت صار الطلاق رجعياً وللزوج أن يرجع بها.

141 - الظهار لا يقع من الغضب:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: الظهار لا يقع على الغضب(3) .

يشترط في صحّة الظهار أن يقع عن اختيار ورضى فإذا كان غضباناً أو مكرها فلا أثر له.

142 - الظهار يقع على الأمة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن الرجل يظاهر من أمته؟ فقال: كان جعفرعليه‌السلام يقول: يقع على الحرة والأمة الظهار(4) .

143 - حكم من ظاهر من نسائه:

سأل الحسين بن مهران الرضاعليه‌السلام عن رجل ظاهر من أربع نسوة، قال: يكفّر لكل واحدة كفّارة، وسأله عن رجل ظاهر من امرأته وجاريته ما عليه؟ قال: عليه لكل واحدة منهما كفارة، عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً(5) .

____________________

(1) قرب الإسناد (ص 159) وسائل 15 / 445.

(2) وسائل الشيعة 15 / 499.

(3) فروع الكافي 2 / 128.

(4) وسائل الشيعة 15 / 527.

(5) وسائل الشيعة.


144 - الإيلاء من الأمة:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن الرجل يؤلي من أمته؟ فقال: لا كيف يؤلي وليس لها طلاق(1) .

145 - عتق العبد القديم:

دخل ابن أبي سعيد المكاري على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام فقال له: رجل قال عند موته: كل مملوك لي قديم فهو حر لوجه الله قال: نعم إنّ الله يقول في كتابه:( حتى عاد كالعرجون القديم... ) فما كان من مماليكه أتى ستة أشهر فهو قديم حر(2) .

146 - رجل دبر جاريته الحبلى:

روى الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن رجل دبر جاريته وهي حبلى؟ فقال: إن كان علم بحبل الجارية فما في بطنها بمنزلتها، وإن كان لم يعلم فما في بطنها رق(3) .

لا بد أن يكون مفروض المسألة في الجارية التي دبرها الرجل وقال لها: أنت حرة بعد وفاتي أن تكون حبلى من غيره وإلاّ فإن كانت منه فهي أم ولد، وتعتق من نصيب ولدها بعد وفاته.

147 - حكم اليمين فاسدة:

روى إسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن رجل حلف في قطيعة رحم، فقال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة رحم(4) اليمين والنذر انما ينعقدان في الشيء الراجح أمّا المرجوح فلا ينعقدان به.

148 - الحلف باليمين الكاذبة:

روى إسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام في حديث قال: سألته عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف قال: لا

____________________

(1) قرب الإسناد (ص 160).

(2) وسائل الشيعة 16 / 40.

(3) فروع الكافي 6 / 184.

(4) فروع الكافي 7 / 440 وسائل الشيعة 16 / 157.


جناح عليه، وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف لينجو به منه قال: لا جناح عليه، وسألته هل يخلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله؟ قال: نعم(1) .

اليمين إنّما ينعقد إذا كان بالله تعالى، أمّا اليمين بالطلاق من دون ذكر لفظ الجلالة فلا أثر له، وإذا حلف بالله تعالى لدفع الظلم عنه وعن إخوانه أمام السلطان الجائر فيجوز ولا كفارة عليه.

149 - الطير في الليل:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن طروق الطير بالليل في وكرها؟ فقال: لا بأس بذلك(2) .

وأكّد جواز ذلك في حديثه التالي: روى يونس بن عبد الرحمان عن الرضاعليه‌السلام قال: قلت له: جعلت فداك، ما تقول: في صيد الطير في أوكارها والوحش في أوطانها ليلاً، فإنّ الناس يكرهون ذلك؟ فقال: لا بأس بذلك(3) .

150 - صيد الطير الذي له صاحب:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن الرجل يصيد الطير يساوي دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين فيعرف صاحبه أو يجيئه فيطلبه من لا يتهمه، فقال: لا يحل له إمساكه يرده عليه، فقلت: فإن صاد ما هو مالك لجناحيه لا يعرف له طالباً؟ قال: هو له(4).

151 - حلية السمك الربيثا:

روى محمد بن إسماعيل قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام اختلفت الناس عليّ في الربيثا، فما تأمرني به فيها؟ فكتبعليه‌السلام لا بأس بها(5) .

____________________

(1) فروع الكافي 7 / 440.

(2) فروع الكافي 6 / 215.

(3) وسائل الشيعة.

(4) فروع الكافي 6 / 222.

(5) التهذيب، وسائل 16 / 407.


152 - تحريم لحم النسر:

روى سليمان بن جعفر الهاشمي قال: حدثني أبو الحسن الرضاعليه‌السلام قال: طرقنا ابن أبي مريم ليلة وهارون بالمدينة، فقال: إنّ هارون وجد في خاصرته وجعاً في هذه الليلة، وقد طلبنا له لحم النسر، فأرسل إلينا منه شيئاً، فقال: إنّ هذا شيء لا نأكله، ولا ندخله في بيوتنا، ولو كان عندنا ما أعطيناه(1) .

153 - لحم الضأن:

روى سعد بن سعد قال: قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام إنّ أهل بيتي يأكلون لحم الماعز، ولا يأكلون لحم الضأن، قال: ولم؟ قلت: يقولون إنّه يهيج المرارة، قالعليه‌السلام : لو علم الله خيراً من الضأن لفدى به إسحاق(2) .

154 - حرمة الخمر:

روى محمد بن أحمد عن العمركي قال: قلت للرضاعليه‌السلام : إنّ ابن داود ذكر أنّك قلت له: شارب الخمر كافر، فقال: صدق قد قلت ذلك له(3) .

155 - الفقّاع حرام:

روى محمد بن عيسى عن الوشا، قال كتبت إليه - يعني الرضاعليه‌السلام - أسأله عن الفقّاع، قال: فكتب: حرام وهو خمر(4) .

156 - بيع المرعى في الملك الخاص:

روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن محمد بن عبد الله قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن الرجل تكون له الضيعة، وتكون لها حدود تبلغ حدودها عشرين ميلاً أو أقل أو أكثر يأتيه الرجل فيقول: اعطني من مراعي ضيعتك وأعطيك كذا وكذا درهماً، فقال: إذا كانت الضيعة له فلا بأس(5) .

157 - المرأة القريبة ترث المال إذا لم يكن غيرها:

روى القاسم بن الفضيل عن الرضاعليه‌السلام في رجل مات وترك امرأة

____________________

(1) التهذيب 9 / 20.

(2) فروع الكافي 6 / 310.

(3) وسائل الشيعة 17 / 256.

(4) وسائل الشيعة 17 / 287.

(5) فروع الكافي 5 / 276.


قريبة ليس له قرابة غيرها، قال: يدفع المال كله إليها(1) .

158 - شهادة النساء:

روى محمد بن الفضيل قال. سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه، وليس معهن رجل، وتجوز شهادتهن في النكاح إذا كن معهن رجل وتجوز شهادتهن في حد الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة في الزنا أو الرجم، ولا تجوز شهادتهن في الطلاق ولا في الدم(2) .

159 - حد المحارب لله:

روى عبيد الله المدايني عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سئُل عن قول الله عزّ وجل:( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ) الآية، فما الذي إذا فعله استوجب واحدة من هذه الأربع؟ فقال: إذا حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فقتل قتل به، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن شهر السيف وحارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً ولم يقتل، ولم يأخذ المال نفي من الأرض(3) .

160 - نفي المحارب:

روى عبيد الله المدايني عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام في حديث المحارب، قال: قلت: كيف ينفى؟ وما حد نفيه؟ قال ينفى من المصر الذي فعل فيه ما فعل إلى مصر غيره، ويكتب إلى أهل ذلك المصر أنّه منفي فلا تجالسوه، ولا تبايعوه، ولا تناكحوه، ولا تواكلوه، ولا تشاربوه فيفعل ذلك به سنة، فإن خرج من ذلك المصر إلى غيره كتب إليهم بمثل ذلك حتى تتم السنة، قلت: فإن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها؟ قال: إن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها قوتل أهلها(4) .

161 - دم اللص هدر:

روى محمد بن الفضيل ن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن لص دخل

____________________

(1) وسائل الشيعة 17 / 480.

(2) وسائل الشيعة 18 / 259.

(3) فروع الكافي 7 / 246.

(4) وسائل الشيعة 18 / 539.


على امرأة وهي حبلى، فقتل ما في بطنها، فعمدت المرأة إلى سكين فوجأته فقتلته، فقال: هدر دم اللص(1)

162 - حكم مَن أغاث فقتل شخصاً:

روى محمد بن سليمان، ويونس بن عبد الرحمان، قالا: سألنا أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن رجل استغاث به قوم لينقذهم من قوم يغيرون عليهم ليستبيحوا أموالهم، ويسبوا ذراريهم، فخرج الرجل يعدو بسلاحه في جوف الليل ليغيث القوم الذين استغاثوا به، فمر برجل قائم على شفير البئر يستقي منها فدفعه، وهو لا يريد ذلك، ولا يعلم فسقط في البئر فمات، ومضى الرجل فاستنقذ أموال أولئك القوم الذين استغاثوا به، فلمّا انصرف إلى أهله قالوا له: ما صنعت؟ قال: قد انصرف القوم عنهم وأمنوا وسلموا، فقالوا له: أشعرت أنّ فلان ابن فلان سقط في البئر فمات؟ فقال: أنا والله طرحته، قيل: وكيف ذلك؟ فقال: إنّي خرجت أعدو بسلاحي في ظلمة الليل، وأنا أخاف الفوت على القوم الذي استغاثوا بي، فمررت بفلان وهو قائم يستقي من البئر فزحمته، ولم أرد ذلك فسقط في البئر فمات، فعلى مَن دية هذا؟ فقالعليه‌السلام : ديّته على القوم الذين استنجدوا الرجل فأنجدهم وأنقذ أموالهم ونساؤهم وذراريهم، أما إنّه لو كان بأجرة لكانت الدية عليه وعلى عاقلته دونهم، وذلك أنّ سليمان بن داود أتته امرأة عجوز تستعديه على الريح، فقالت: يا نبي الله، إنّي كنت نائمة على سطح لي وإنّ الريح طرحتني من السطح فكسرت يدي فأعدني على الريح، فدعا سليمان بن داود الريح فقال لها: ما دعاك إلى ما صنعت بهذه المرأة؟ فقالت: صدقت يا نبي الله إنّ ربّ العزّة عزّ وجل بعثني إلى سفينة بني فلان لأنقذها من الغرق، فخرجت في سنن، وعجلني إلى ما أمرني الله عزّ وجل به فمررت بهذه المرأة، وهي على سطحها فعثرت بها، ولم أردها فسقطت فانكسرت يدها، فقال سليمان: يا رب بما أحكم على الريح؟ فأوحى إليه يا سليمان، احكم بأرش كسر يد هذه المرأة على أرباب السفينة التي أخذتها الريح من الغرق، فإنّه لا يظلم لدي أحد من العالمين.

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 4 / 122، وسائل الشيعة 19 / 42.


وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأحكام التي أثرت عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وقد شملت معظم أبواب الفقه من العبادات والمعاملات والإيقاعات وغيرها من السنّة - عند الشيعة - والتي يفتي على ضوئها الفقيه الإمامي.

ومن الجدير بالذكر أنّ للإمام الرضاعليه‌السلام جمهرة أخرى من الأخبار المتعلّقة بالأحكام الشرعية ذكرت في موسوعات الفقه الاستدلالي، وهي تحتاج إلى دراسة وتأمّل، عرضت لها بصورة موضوعية كتب الفقه، ولم نعرض لها؛ لأنّ هذا الكتاب ليس من كتب الفقه، وإنّما ذكرنا هذه النماذج من فقهه للتدليل على ثرواته العلمية، وأنّه كان المرجع الأعلى في عصره للفتيا في العالم الإسلامي.


الفهرس

تقريظ لسماحة المرجع الديني الإمام السيّد عبد الأعلى السبزواري (دامت بركاته) 7

الإهداء 8

تقديم. 9

الوليد العظيم. 19

الأب: 19

الأُم: 19

اسمها: 21

تقواها: 22

الوليد العظيم: 22

ألقابه: 23

كُنيته: 25

سنة ولادته: 26

صفته: 27

هيبته: 27

نقش خاتمه: 28

نشأته: 28

سلوكه: 29

عناصره النفسيّة 31

زهده: 33

سخاؤه: 34

تكريمه للضيوف: 36

عتقه للعبيد: 37

إحسانه إلى العبيد: 37

علمه: 37


معرفته بجميع اللغات: 38

الملاحم والأحداث: 39

عبادته وتقواه: 42

دعاؤه في قنوته: 44

دعاؤه في سجدة الشكر: 45

تسلّحه بالدعاء: 46

إخفاء الدعاء: 47

إبطاء الإجابة في الدعاء: 47

حرزه: 48

من أدعيته: 49

معرض الآراء عن شخصيّة الإمام عليه‌السلام.... 54

1 - الإمام الكاظم: 54

2 - المأمون: 54

3 - إبراهيم بن العباس: 56

4 - أبو الصلت الهروي: 56

5 - الرجاء بن أبي الضحاك: 57

6 - الشيخ المفيد: 57

7 - الواقدي: 57

8 - جمال الدين: 58

9 - يوسف بن تغري بردي: 58

10 - ابن ماجة: 58

11 - ابن حجر: 59

12 - اليافعي: 59

13 - عامر الطائي: 59

14 - بعض الأئمّة: 60


15 - هاشم معروف: 60

16 - الذهبي: 60

17 - محمود بن وهيب: 61

18 - عارف تامر: 61

19 - محمد بن شاكر الكتبي: 61

20 - عبد المتعال: 61

21 - يوسف النبهاني: 62

22 - عبد القادر أحمد: 62

23 - يوسف بن أوغلى: 63

24 - الزركلي: 63

25 - محمد جواد فضل الله: 63

26 - أحمد الخزرجي: 64

27 - بعض أحبّته: 64

28 - الشبراوي: 64

29 - أبو النواس: 65

30 - دعبل الخزاعي: 66

31 - الصاحب بن عباد: 67

32 - ابن الحجّاج: 68

33 - عبد الله بن المبارك: 68

34 - الصولي: 68

35 - ابن حماد: 68

36 - الإربلي: 68

في ظلال أبيه 70

1 - مواهبه العلمية: 70

2 - عبادته وتقواه: 71


3 - زهده: 72

4 - حلمه: 73

5 - جوده: 75

6 - إغاثته للملهوفين: 75

الإمام مع هارون: 76

إلقاء القبض على الإمام: 77

سجنه في البصرة: 78

الإيعاز لعيسى باغتياله: 79

سجنه في بغداد: 79

نصّه على إمامة الرضا: 81

وصيّة الإمام: 85

سجن السندي: 85

كتابه إلى هارون: 86

اغتيال الإمام: 86

إلى الرفيق الأعلى: 86

تحقيق الشرطة في الحادث: 88

وضعه على الجسر: 89

النداء الفظيع: 90

قيام سليمان بتجهيز الإمام: 90

تقلّد الإمام الرضا للزعامة الكبرى: 91

سفره إلى البصرة: 92

سفره إلى الكوفة: 97

فقال عليه‌السلام: 97


مناظراته واحتجاجاته 100

1 - أسئلة عمران الصابئ: 101

استئناف المناظرة: 109

إسلام الصابئ: 114

خوف محمد على الإمام: 114

تكريم الإمام لعمران: 115

أسئلة سليمان المروزي: 115

مناظرة أبي قرة للإمام: 129

مناظرته مع الجاثليق: 133

مناظرته مع رأس الجالوت: 143

مناظرته مع الهربذ الأكبر: 148

مناظرته مع الإمام في طليعة هذا البحث: 148

مناظرته مع زنديق: 149

مناظرته مع علي بن محمد بن الجهم: 152

مسائل المأمون وجواب الإمام: 155

إشادة المأمون بمواهب الإمام: 162

مسائل ابن السكيت: 163

احتجاجه على رجل: 164

احتجاجه على اصطفاء العترة: 164

مؤلّفاته 176

1 - رسالته في جوامع الشريعة: 176

2 - رسالته الذهبية في الطب: 197

3 - صحيفة الرضا عليه‌السلام: 229


الباب الأوّل: في الذكر 230

الباب الثاني: في الأذان. 235

الباب لثالث: في الحثّ على الصلوات الخمس وصفة صلاة الجنائز 236

الباب الرابع: في فضل أهل البيت وهو على ثلاثة أقسام 239

القسم الأوّل: في فضل علي بن أبي طالب عليه‌السلام: 239

القسم الثاني: في فضل فاطمة عليها‌السلام.... 243

القسم الثالث: في فضل الحسنين، وولادتهما، وأهل البيت عليهم‌السلام عموماً 246

الباب الخامس: في فضل المؤمن، وحسن الخلق وفضل مَن أسمه محمد وأحمد. 252

الباب السادس: في ذكر الأطعمة، والفواكه والأدهان. 256

الباب السابع: في بِرّ الوالدين، وصلة الأرحام 262

الباب الثامن: في التحذير من الغش والغيبة والنميمة 263

الباب التاسع: في فضل الغزو والجهاد 265

الباب العاشر: في أحاديث متفرقة 265

بحوث عقائدية 271

1 - قضايا التوحيد: 271

القسم الثاني: من الإرادة 276

حقيقة التوحيد: 277

قدرة الله: 278

قدم الخالق العظيم وصفاته: 279

نزاهة الخالق عن المكان: 282

امتناع رؤية الله: 282

تفنيده لآراء القدرية: 285

الإمامة: 286


في رحاب القرآن الكريم. 293

تعقيبه على بعض الأمور: 294

البسملة: 295

نماذج من تفسيره للقرآن: 295


حياة الإمام الرضا (عليه السلام) الجزء ١

حياة الإمام الرضا (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: باقر شريف القرشي
الناشر: انتشارات سعيد بن جبير
تصنيف: الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
الصفحات: 363