حياة الإمام الرضا (عليه السلام) الجزء 2

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: باقر شريف القرشي
الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام



حياة الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام

دراسة وتحليل

الجزء الثاني

باقر شريف القرشي

منشورات سعيد بن جبير



بسم الله الرحمن الرحيم

( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ).

صدق الله العليّ العظيم

القرآن الكريم   



تقديم

(1)

في سيرة الإمام الرضاعليه‌السلام ملتقى أصيل للمثل العليا، والقيم الكريمة التي يعتز بها هذا الكائن الحي من بني الإنسان. ولعلّ الجانب الروحي من أظهر مميزاته وسماته، فقد انقطع إلى الله تعالى انقطاعاً كاملاً حتى تفاعل حبّه مع جميع ذاتياته وعناصره، وقد أثّرت روحانيته على الزاهد المعروف بـ‍ (معروف الكرخي ) الذي كان من أعبد أهل زمانه فقد كانت هدايته، ونكرانه لذاته، وانصرافه عن ملاذ حياته على يد الإمامعليه‌السلام ، فقد رأى صرحاً من القداسة والطهر فتكهرب به، وانجذب إليه، وسار على هديه في التجرّد عن الدنيا، والإقبال على الخالق العظيم.

(2)

لقد كانت قيم الإمام العظيم مضرب المثل، في عصره، واستوعبت جميع لغات العصر، فقد شاعت مواهبه وعبقرياته، واحتفاف العلماء والرواة به، وهم ينتهلون من نمير علومه، ويسجّلون ما يفتي به، وما يدلي به من روائع الحكم والآداب... وقد تحدثت الأندية والمجالس عن روعة دفاعه عن الفكر الإسلامي؛ وذلك في مناظراته القيّمة، واحتجاجاته الصارمة على العلماء والفلاسفة من مختلف المذاهب والأديان، وقد خاض القسم الأوفر منها في البلاط العباسي في (خراسان )، وقد ذكرنا نماذج منها في الحلقة الأُولى من هذا الكتاب.

(3)

ولم يعرف السلك الدبلوماسي في العصر الأموي والعباسي مثل المأمون في


صياغته للمخططات السياسية، والتغلّب على مجريات الأحداث مهما كانت غامضة ومعقّدة، فقد أحاطت به أزمات خطيرة وحرجة جداً، كادت أن تقضي على حكومته، وتلفّ لواءها، وكان من أبرزها شيوع الفتن والثورات الشعبية في معظم أرجاء العالم الإسلامي التي سئمت من الحكم العباسي، بالإضافة إلى صراعه المسلّح مع أخيه الأمين، وقتله له، وقد تخلّص من هذه الأحداث بمهارة فائقة فأجبر الإمام الرضاعليه‌السلام على قبول ولاية العهد التي هي أسمى مركز في الدولة العباسية بعد الخلافة، وضرب السكّة الرسمية باسمه، وأخذت وسائل إعلامه تذيع بين المسلمين فضل المأمون وما أسداه من الإحسان إلى أهل البيتعليهم‌السلام ، فقد رشّح سيّدهم وإمامهم لهذا المنصب الخطير، ونقل بذلك الخلافة من بني العباس إلى السادة العلويين الذين هم دعاة العدل الاجتماعي والعدل السياسي في الإسلام، وقد أُخمدت بهذه الخديعة نيران الحروب، وقضي على وسائل الفتن والتمرّد على حكومته.

(4)

وكان الإمام الرضاعليه‌السلام على علم - لا يخامره شك - بنوايا المأمون وزيف ما أظهره من الولاء الكاذب للأُسرة العلوية، وأنّه يضمر له بالذات خلاف ما يظهره، وأنّه يبغي له الغوائل، ويكيده في غلس الليل وفي وضح النهار، فلم يشتركعليه‌السلام مع جهاز حكومته، ولم يبد أي نشاط أو تجاوب بأي عمل من أعمال الدولة، فقد تجرّد تجرّداً تامّاً عن جميع شؤونها، ولم يبق له سوى الاسم أنّه: ولي عهد المأمون. ويلقي هذا الكتاب الأضواء على هذه الجوانب، وما ألمّ بها من أحداث.

(5)

وقد ألمحنا في تقديم الجزء إلى بحوث هذا الكتاب ومحتوياته بجزأيه، وإنّما كرّرنا ذكر بعضها في هذا التقديم نظراً لأهمّيتها، وبعد نظر القرّاء إليها، سائلين من الله تعالى أن يحشرنا يوم نلقاه في زمرة العارفين بفضل أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، اّنه تعالى وليّ القصد والتوفيق.

النجف الأشرف / المؤلِّف باقر شريف القرشي


علل الأحكام وغيرها

وأجمعت العدلية من الشيعة والمعتزلة على أنّ كل حكم صادر من الشارع المقدّس لم يكن عفوياً مطلقاً، وإنّما كان منوطاً بمصلحة شاملة للفرد والمجتمع تعود عليهم بالخير العميم، سواء أكان ذلك الحكم واجباً أم مندوباً، وكذلك إذا كان الحكم محرّماً أم مكروهاً، فإنّه يشتمل على مفسدة ملزمة أو غير ملزمة تعود بالضرر الجسيم على الإنسان، وأنّ من المستحيل أن يصدر حكم من الشارع العظيم خالياً من المصالح أو فيه من المفاسد، فإنّ ذلك يستلزم الطعن في حكمة الشارع، كما يستلزم لغوية التشريع، وعدم فائدته. وخالفت في ذلك الأشاعرة فزعمت أنّ أحكام الشارع كلّها عفوية ومجرّدة عن الحكم والمصالح وهذا الرأي بادي الوهن يترتّب عليه كثير من اللوازم الفاسدة ذكرتها مصادر علم الكلام.

وعلى أي حال فقد أعلن الإمام الرضاعليه‌السلام عن ضرورة اشتمال الأحكام الشرعية على المصالح في جانب الواجبات والمفاسد في جهة المحرمات، وقد أدلى بذلك في تقديم أجوبته عن علل بعض الأحكام التي سأله عنها الفضل بن شاذان، قالعليه‌السلام : (إن سأل سائل هل يجوز أن يكلف الحكيم عبده فعلاً من الأفعال لغير علّة ولا معنى؟ قيل له: يجوز ذلك لأنّه حكيم غير عابث ولا جاهل. فإن قال قائل: فأخبرني لِم كلّف الخلق؟ قيل لعلل كثيرة. فإن قال فأخبرني عن تلك العلل


معروفة موجودة هي أم غير معروفة ولا موجودة قيل: بل هي معروفة موجودة عند أهلها(1) .

وعلى أي حال فقد شاعت في عصر الإمام تساؤلات كثيرة عن علل بعض البحوث الكلامية كما شاعت تساؤلات أخرى عن الحكمة في تشريع بعض الأحكام الشرعية، وهناك تساؤلات أخرى عن أحوال الأنبياء وشؤون الأمم الماضية، وقد عُرضت على الإمام الرضاعليه‌السلام فأجاب عنها وقد عرض عليه كوكبة منها محمد بن سنان كما سمع الفضل بن شاذان جملة منها من الإمامعليه‌السلام وفيما يلي عرض لها:

المسائل الكلامية:

أمّا المسائل الكلامية التي ذكر عللها الإمامعليه‌السلام فهي:

أ - الحكمة في أمر الخلق بالإقرار بالله:

وأدلى الإمامعليه‌السلام بالحكم الوثيقة التي من أجلها وجب على العباد الإقرار بالله تعالى، وبرسله وبما جاء من عنده، قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: لِم أمر الخلق بالإقرار بالله، وبرسوله، وحجّته وبما جاء من عند الله عزّ وجل؟...

وأجاب الإمام بما يلي:

قيل: لعلل كثيرة منها: إنّ مَن لم يقر بالله عزّ وجل ولم يجتنب معاصيه ولم ينته عن ارتكاب الكبائر ولم يراقب أحداً فيما يشتهي، ويستلذ من الفساد والظلم، وإذا فعل الناس هذه الأشياء وارتكب كل إنسان ما يشتهي ويهواه من غير مراقبة لأحد كان في ذلك فساد الخلق أجمعين ووثوب بعضهم على بعض فغصبوا الفروج والأموال وأباحوا الدماء والنساء وقتل بعضهم بعضاً من غير حق ولا جرم فيكون في ذلك خراب الدنيا وهلاك الخلق وفساد الحرث والنسل.

ومنها: أنّ الله عزّ وجل حكيم ولا يكون الحكيم ولا يوصف بالحكمة إلاّ الذي يحظر الفساد ويأمر بالصلاح ويزجر عن الظلم وينهى عن الفواحش، ولا يكون حظر الفساد والأمر بالصلاح والنهي عن الفواحش إلاّ بعد الإقرار بالله عزّ وجل ومعرفة الآمر والناهي.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 99.


ولو ترك الناس بغير إقرار بالله عزّ وجل ولا معرفته لم يثبت أمر بصلاح ولا نهي عن فساد؛ إذ لا آمر ولا ناهي، ومنها إنّا وجدنا الخلق قد يفسدون بأمور باطنة مستورة فلولا الإقرار بالله وخشيته بالغيب لم يكن أحد إذا خلا بشهوته وإرادته يراقب أحداً في ترك المعصية وانتهاك حرمة وارتكاب كبيرة إذا كان فعله مستوراً عن الخلق غير مراقب لأحد فكان يكون في ذلك خلاف الخلق أجمعين فلم يكن قوام الخلق وصلاحهم إلاّ بالإقرار منهم بعليم خبير يعلم السر وأخفى آمر بالصلاح ناه عن الفساد لا تخفى عليه خافية ليكون في ذلك انزجار لهم عمّا يخلون به من أنواع الفساد(1) .

إنّ أوثق عملية لاستئصال الجريمة وإقصائها عن الفرد والمجتمع، وتطهير الأرض من الذنوب والآثام، هو غرس الإيمان بالله تعالى في أعماق النفوس ودخائل القلوب والاعتقاد بأنّه تعالى بالمرصاد لكل مَن يقترف جريمة وإثماً في حق نفسه ومجتمعه، وأنّه سيعاقبه بأقسى ألوان العقاب عليها.

ومن الطبيعي أنّ الإنسان بمقتضى حبه لذاته، وسعيه لطلب الخير له، سوف يمتنع من اقتراف أي ذنب يؤدّي إلى هلاكه وشقائه.

لقد ازدادت الجرائم في هذه العصور وازدادت العمليات الإرهابية كقتل الأبرياء واختطاف الطائرات وما شابه ذلك من الجرائم والموبقات؛ وذلك مسبب عن ضعف الإيمان بالله وقلّة الوازع الديني في النفوس.

إنّ الإيمان بالله تعالى تبتنى عليه قوى الخير والسلام في الأرض، وأنّه أوثق طريق لإشاعة العدل والأمن والرخاء بين الناس، وبقلّة الإيمان وانعدامه ستزداد محنة الإنسان وشقاؤه وبلاؤه.

ب - بالإقرار لله بالوحدانية:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلِمَ أوجب عليهم الإقرار والمعرفة بأنّ الله واحد أحد؟.

قيل لعلل منها: أنّه لو لم يجب عليهم الإقرار والمعرفة لجاز أن يتوهّموا مدبرين أو أكثر من ذلك، وإذا جاز ذلك لم يهتدوا إلى الصانع لهم من غيره؛ لأنّ كل

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 100.


إنسان منهم كان لا يدري لأنّه إنّما يعبد غير الذي خلقه ويطيع غير الذي أمره فلا يكونون على حقيقة من صانعهم وخالقهم، ولا يثبت عندهم أمر آمر ولا نهي ناهٍ إذا لا يعرف الآمر بعينه ولا الناهي من غيره.

ومنها أنّه لو جاز أن يكون اثنين لم يكن أحد الشريكين أولى بأن يُعبد ويُطاع من الآخر وفي إجازة أن يطاع ذلك الشريك إجازة أن لا يطاع الله، وفي إجازة أن لا يطاع الله كفر بالله وبجميع كتبه ورسله، وإثبات كل باطل وترك كل حق وتحليل كل حرام وتحريم كل حلال والدخول في كل معصية والخروج من كل طاعة.

وإباحة كل فساد وإبطال كل حق. ومنها أنّه لو جاز أن يكون أكثر من واحد لجاز لإبليس أن يدعي أنّه ذلك الآخر حتى يضاد الله تعالى في جميع حكمه ويصرف العباد إلى نفسه فيكون في ذلك أعظم الكفر وأشد النفاق...(1) .

وحكى هذا المقطع ضرورة الإيمان بوحدانية الله تعالى واستحالة وجود شريك له، وقد أدلى الإمامعليه‌السلام بأدلته الرائعة على ذلك، وأنّه يلزم من وجود شريك لله تعالى اختلال النظام وفساد الكون وانعدام التوازن في هذه العوالم.

ج - الله ليس كمثله شيء:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أوجب عليهم الإقرار بالله بأنّه ليس كمثله شيء؟

قيل: لعلل منها: أن لا يكونوا قاصدين نحوه بالعبادة والطاعة دون غيره غير مشتبه عليهم أمر ربّهم وصانعهم ورازقهم، ومنها أنّهم لو لا يعلموا أنّه ليس كمثله شيء لم يدروا لعلّ ربّهم وصانعهم هذه الأصنام التي نصبها لهم آباؤهم والشمس والقمر والنيران، إذا كان جائزاً أن يكون عليهم مشتبه وكان يكون في ذلك الفساد وترك طاعاته كلها وارتكاب معاصيه كلها على قدر ما يتناهى إليهم من أخبار هذه الأرباب وأمرها ونهيها، ومنها: أنّه لو لم يجب عليهم أن يعرفوا أن ليس كمثله شيء لجاز عندهم أن يجري عليه ما يجري على المخلوقين من العجز والجهل

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 102.


والتغيير والزوال والفناء والكذب والاعتداء ومَن جازت عليه هذه الأشياء لم يؤمن فناؤه، ولم يوثق بعدله ولم يحقق قوله وأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وفي ذلك فساد الخلق وإبطال الربوبية...)(1) .

ذكر الإمامعليه‌السلام في هذه المقطع العلل الوثيقة التي توجب على العباد الإيمان بأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء ولا شبيه له؛ إذ لو كان له مثل لجرى عليه تعالى ما يجري على المخلوقين من العجز والجهل والفناء وغير ذلك وفي ذلك فساد الخلق وإبطال الربوبية.

د - العلّة في تكليف العباد:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: لم أمر الله تعالى العباد ونهاهم؟

قيل: لأنّه لا يكون بقاؤهم وصلاحهم إلاّ بالأمر، والنهي والمنع من الفساد والتغاصب...)(2) .

أفاد الإمامعليه‌السلام أنّ العلّة في التكاليف الشرعية من الواجبات والمحرمات هي بقاء الإنسان واستمرار وجوده ففيهاً صلاحه والمحافظة على أمنه ومصالحه وسعادته وفي تركها شقاؤه وهلاكه.

ه‍ـ - العلّة في معرفة الرسل:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أوجب عليهم معرفة الرسل والإقرار بهم والإذعان لهم بالطاعة؟

قيل: لأنّه لما أن لم يكن في خلقهم وقواهم ما يكملون به مصالحهم وكان الصانع متعالياً عن أن يرى وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهراً لم يكن بد لهم من رسول بينه وبينهم معصوم يؤدي إليهم امره ونهيه وأدبه ويقفهم على ما يكون به اجترار منافعهم ومضارهم فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته، لم يكن لهم في مجيء الرسول منفعة ولا سد حاجة ولكان إتيانه عبثاً لغير منفعة ولا صلاح وليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شيء...).

وحكى هذا المقطع الأسباب الموجبة لمعرفة الرسل والإقرار بنبوتهم وضرورة تصديقهم وإلاّ كانت معرفتهم عبثاً ولغواً.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 103


و - الحكمة في إطاعة أولي الأمر:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: لهم جعل أولي الامر وأمر بطاعتهم؟

قيل: لعلل كثيرة منها ان الخلق لما وقفوا على حد محدود وأمروا أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل فيه أميناً يمنعهم من التعدّي والدخول فيما حظر عليهم لأنّه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذّته ومنفعته لفساد غيره فجعل عليهم فيما يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والأحكام.

ومنها إنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس ولما لا بد لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لا بد له منه ولا قوام إلاّ به فيقاتلون به عدوّهم ويقسمون فيئهم ويقيم لهم جمعهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم.

ومنها: أنّه لو لم يجعل لهم إماماً قيماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة وذهب الدين، وغيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون وشبهوا ذلك على المسلمين؛ لأنّا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم فلو لم يجعل لهم قيماً حافظاً لما جاء به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله لفسدوا على نحو ما بينا وغيرت الشرايع والسنن والأحكام والإيمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين)(1) .

وتحدث الإمامعليه‌السلام في هذا المقطع عن ضرورة الإمامة، وأنّها عنصر أساس لإقامة الحياة الإسلامية وإقامة حدود الله تعالى وأحكامه وقد أقام الإمام على ذلك المزيد من العلل والأسباب.

ز - الإمامة من نسل النبي:

قالعليه‌السلام فإن قال قائل: فلم لا يجوز أن يكون الإمام من غير جنس الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قيل: لعلل منها أنّه لما كان الإمام مفترض الطاعة لم يكن بد من دلالة تدل عليه ويتميّز بها من غيره وهي القرابة المشهورة والوصية الظاهرة ليعرف من

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 100 - 101.


غيره ويهتدي إليه بعينه، ومنها أنّه لو جاز في غير جنس الرسول لكان قد فضل من ليس برسول على الرسل إذ جعل أولاد الرسول أتباعاً لأولاد أعدائه كأبي جهل وابن أبي معيط؛ لأنّه قد يجوز بزعمهم أن ينتقل ذلك في أولادهم إذا كانوا مؤمنين فيصير أولاد الرسول تابعين وأولاد أعداء الله وأعداء رسوله متبوعين؛ فكان الرسول أولى بهذه الفضيلة من غيره وأحق.

ومنها: أنّ الخلق إذا أقرّوا للرسول بالرسالة وأذعنوا بالطاعة لم يتكبر أحد منهم أن يتبع ولده ويطيع ذرّيّته، ولم يتعاظم ذلك في أنفس الناس وإذا كان ذلك في غير جنس الرسول كان كل واحد منهم في نفسه انهم أولى به من غيره ودخلهم من ذلك الكبر ولم تسخ أنفسهم بالطاعة لـمَن هو عندهم دونهم فكان ذلك داعية إلى الفساد والنفاق والاختلاف(1) .

لقد أقام الإمامعليه‌السلام هذه التعاليل الوثيقة على ضرورة كون الإمام من نسل النبي ومن ذرّيّته فإنّه أدعى لشمل الأمة وجمع الكلمة واجتنابها من ويلات التفرقة والاختلاف، كما حدث ذلك حينما أقصيت العترة الطاهرة عن مراكز الحكم والمسؤولية فاختلفت الأمة وشاعت فيها الأهواء وسادت فيها الفتن والعداوات وكان ذلك من أعظم ما مُنيت به الأمة من الكوارث والخطوب.

علل الأحكام الشرعية:

وأدلى الإمام الرضاعليه‌السلام بكثير من علل الأحكام الشرعية وأسباب تشريعها؛ وذلك فيما كتبه من أجوبة لأسئلة محمد بن سنان، وما نقله عنه الفضل بن شاذان، وتعتبر هذه البحوث من أروع البحوث وأكثرها فائدة؛ لأنّها تلقي الأضواء على الأسباب الوثيقة التي من أجلها قنّن الشارع العظيم أحكامه المقدسة وفيما يلي ذلك:

غسل الجنابة:

وتحدث الإمام عن الأسباب التي دعت الشارع إلى إلزامه بالغسل من الجنابة قالعليه‌السلام : (علّة غسل الجنابة: النظافة وتطهير الإنسان نفسه ممّا أصاب من أذاه

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 102.


وتطهير سائر جسده؛ لأنّ الجنابة خارجة من كل جسده فلذلك وجب عليه تطهير جسده كلّه)(1) .

وبيّن الإمامعليه‌السلام الغايات السامية التي من أجلها شرع الإسلام غسل الجنابة وهي:

أ - النظافة:

وعني الإسلام عناية بالغة بالنظافة واعتبرها من الإيمان؛ لأنّها من أحدث الوسائل في الوقاية من الأمراض التي تنشأ معظمها من الأوساخ والقذارة، والغسل من أظهر وسائل الطهارة والنظافة للجسم.

ب - إعادة الحيوية للجسم:

إنّ الجنابة توجب نحول الجسم وذبوله والغسل يعيد للبدن نشاطه وحيويته وقد أكّدت ذلك البحوث الطبيّة الحديثة.

غسل العيدين والجمعة:

قالعليه‌السلام فيما أجاب به عن أسئلة محمد بن سنان: (وعلّة غسل العيدين والجمعة وغير ذلك من الأغسال لما فيه من تعظيم العبد ربّه، واستقباله الكريم الجليل وطلب المغفرة لذنوبه وليكون لهم يوم عيد معروف يجتمعون فيه على ذكر الله تعالى فجعل فيه الغسل تعظيما لذلك اليوم وتفضيلا له على سائر الأيام وزيادة في النوافل والعبادة، ولتكون تلك طهارة له من الجمعة إلى الجمعة(2) ...).

ويستحب الغسل يوم عيد الأضحى وعيد الفطر ويوم الجمعة وغيرها من المناسبات الدينية كيوم (عيد الغدير ) وزيارة مراقد الأئمة الطاهرينعليهم‌السلام وغير ذلك ممّا ذكره الفقهاء وقد عرض الإمامعليه‌السلام إلى الحكمة في تشريع الغسل في هذه الموارد وهي:

1 - تعظيم الإنسان لخالقه العظيم وطلب العفو والمغفرة منه تعالى.

2 - تعظيم الأعياد وتحفيز المسلمين إلى الاجتماع والتآلف فيما بينهم.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 88.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 88 - 89.


3 - تفضيل تلك الأيام على غيرها من أيام السنة لوقوع هذه المناسبة العظيمة فيها.

4 - زيادة العبادة وإحياء تلك الأيام بذكر الله تعالى.

5 - وأمّا الغسل في يوم الجمعة فحكمته أن يكون البدن على طهارة ونظافة من الجمعة إلى الجمعة.

غسل الميت:

وعلّل الإمامعليه‌السلام وجوب غسل الميت بتعليلين:

الأول: قالعليه‌السلام :

وعلّة غسل الميت، أنّه يغسل لأنّه يطهر، وينظف من أدناس أمراضه وما أصابه من صنوف علله؛ لأنّه يلقى الملائكة ويباشر أهل الآخرة، فيستحب إذا ورد على الله، ولقي أهل الطهارة، ويماسونه ويماسهم أن يكون طاهراً نظيفاً موجهاً به إلى الله ليطلب به ويشفع له...

الثاني: قالعليه‌السلام : وعلّة أخرى أنّه يخرج منه المني الذي منه خلق فيجنب فيكون غسله له...(1) .

وعني الإسلام عناية بالغة بأموات المسلمين، وقد دعا المسلمين إلى تشييعهم ومواساة أهلهم بمصابهم، وأوجب على المسلمين وجوباً كفائياً تغسيلهم والصلاة عليهم ومواراتهم، وقد علّل الإمامعليه‌السلام لزوم تغسيلهم بما يلي:

أ - تطهير الميت من القذارة والجراثيم التي في جسمه من جرّاء مرضه؛ وذلك بغسله بماء السدر والكافور، وهما من معقمات البدن.

ب - إنّ الميت بعد تغسيله يكون طاهراً نظيفاً فإذا كان مؤمناً صافح الملائكة والمؤمنين من أهل الآخرة.

ج - إنّ آخر ما يخرج من الميت هو الحويمن الذي خلق منه، وبهذا يستحق الغسل، وقد أكّدت بعض النظريات الحديثة هذه الجهة وذهبت إلى أنّ الحويمن الذي تكوّن منه الإنسان يبقى حياً ومنه يبعث وينتشر يوم القيامة.

وعلى أيّ حال فإنّ أروع ما قُنّن للأموات من الأحكام هو ما قنّنه الإسلام

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 89.


لهم من التغسيل والمواراة في الأرض.

غسل مسّ الميت:

قالعليه‌السلام : وعلّة اغتسال من غسله أو مسّه فطهارة لما أصابه من نضح الميت؛ لأنّ الميت إذا خرجت الروح منه بقي أكثر آفته؛ فلذلك يتطهّر منه ويطهر(1) إذا لامس الإنسان الميت بعد برده وجب عليه الغسل وكذلك إذا غسله، وقد علّل الإمامعليه‌السلام وجوب الغسل بأنّ الإنسان بعد موته يكون كتلة من الجراثيم فيجب على مَن لامسه الغسل للتخلّص من الإصابة بها.

عدم وجوب الغسل للبول والغائط:

قالعليه‌السلام : وعلّة التخفيف في البول والغائط لأنّه أكثر وأدوم من الجنابة ففرض فيه بالوضوء لكثرته ومشقّته ومجيئه بغير إرادة منهم ولا شهوة والجنابة لا تكون إلاّ باستلذاذ منهم والإكراه لأنفسهم(2) .

وعلّل الإمامعليه‌السلام عدم وجوب الغسل للبول والغائط واكتفى فيه بالطهارة للموضعين؛ لأنّ إيجاب الغسل فيه مشقّة شديدة وحرج لا يطاق فلذا رفعه الشارع.

الوضوء:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أمروا بالوضوء وبدئ به؟ قيل له: لأن يكون العبد طاهراً إذا قام بين يدي الجبّار وعند مناجاته له مطيعاً له فيما أمره نقياً من الأدناس والنجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس وتزكية للفؤاد بين يدي الجبّار(3) .

علّل الإمامعليه‌السلام وجوب الوضوء بالمناحي الروحية وهي:

أ - إنّ الوضوء مقدّمة للصلاة وجوهر الصلاة هو الإقبال على الله خالق الكون وواهب الحياة، وعلى المصلّي أن يتخلّص من شواغل الحياة ويتجه بمشاعره

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 89.

(2) عيون أخبار الرضا 2 /.

(3) عيون أخبار الرضا 2 /.


وعواطفه نحو الله تعالى وكان الإمام الحسن سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا وقف للصلاة ترتعد فرائصه ويصفرّ لونه، وسُئل عن سبب ذلك فقال: إنّه واقف بين يدي ملك جبّار. فالوضوء مقدمة لهذه العبادة العظيمة وهو عبارة عن نظافة الجسم من الأقذار والأدناس وهذا ممّا يناسب عظمة الصلاة.

ب - إنّ الوضوء يطرد الكسل ويذهب النعاس ويهيئ المصلّي للصلاة بنشاط وحيوية.

ج - إنّ في الوضوء تزكية للفؤاد وطهارة للنفس؛ لأنّه مقدمة للوقوف بين يدي الله تعالى.

ويضاف لهذه الفوائد الروحية التي تفضّل بها الإمامعليه‌السلام فإنّ فيه فوائد صحيّة بالغة الأهمية، كان منها: أنّه يقي العيون من الإصابة بالرمد؛ لأنّها تغسل بالماء النظيف عدّة مرات في اليوم.

ومنها غسل الأنف بماء بارد وهو ممّا يقي من الإصابة بالزكام الذي هو مفتاح الأمراض.

ومنها أنّ غسل الوجه واليدين يقيهما من الإصابة بالأمراض الجلدية والالتهابات فقد ذكر في الطب الحديث أنّ كثيراً من (الميكروبات) تصيب الإنسان من طريق اختراق الجلد خصوصاً طفيليات الديدان، ولا شك أنّ الغسل المتكرر للمواضع المكشوفة من بدن الإنسان من أهم طرق الوقاية من الإصابة بها.

ومنها أنّ الجراثيم التي تدخل إلى الفم فإنّما هي من طريق تلويث الأيدي فإذا كانت الأيدي مغسولة نظيفة على الدوام كانت أحسن وقاية من الإصابة بتلك الجراثيم(1) .

أفعال الوضوء:

قالعليه‌السلام فإن قائل: فلم وجب الغسل على الوجه واليدين وجعل المسح على الرأس والرجلين ولم يجعل ذلك غسلاً كلّه أو مسحاً كلّه؟

قيل: لعلل شتّى منها: أنّ العبادة العظمى إنّما هي الركوع والسجود وإنّما

____________________

(1) الإسلام والطب الحديث (ص 62 - 63) للدكتور عبد العزيز.


يكون الركوع والسجود بالوجه واليدين لا بالرأس والرجلين.

ومنها: أنّ الخلق لا يطيقون في كل وقت غسل الرأس والرجلين ويشتد ذلك عليهم في البرد والسفر والمرض وأوقات من الليل والنهار وغسل الوجه واليدين أخف من غسل الرأس والرجلين، وإذا وضعت الفرايض على قدر أقل الناس طاعة من أهل الصحة ثم عم فيها القوي والضعيف.

ومنها: أن الرأس والرجلين ليسا في كل وقت باديين ظاهرين كالوجه واليدين لموضع العمامة والخفين وغير ذلك(1) .

الوضوء عند أهل البيتعليهم‌السلام غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين وقد ذكر الإمامعليه‌السلام علل هذه الأفعال وهي:

أ - إنّ الصلاة التي من أجلها شُرّع الوضوء قوامها: الركوع والسجود، وهما يقومان بالوجه واليدين فالغسل يكون لهما لا لغيرهما.

ب - إنّ في غسل الرأس والرجلين مشقّة عظيمة وحرجاً شديداً، خصوصاً في أيام البرد والسفر والمرض فاكتفى الشارع بالمسح لها.

ج - إنّ الأعضاء البارزة في جسم الإنسان هي الوجه واليدان دون غيرهما فالغسل يكون لها.

وعلّل الإمامعليه‌السلام فيما كتبه لمحمد بن سنان بتعليل آخر يقرب من هذا التعليل قالعليه‌السلام : وعلّة الوضوء التي من أجلها صار غسل الوجه والذراعين ومسح الرأس والرجلين فلقيامه بين يدي الله عزّ وجل، واستقباله إيّاه بجوارحه الظاهرة وملاقاته بهما الكرام الكاتبين.

فغسل الوجه للسجود والخضوع وغسل اليدين ليقبلهما ويرغب بهما ويرهب ويتبتل ومسح الرأس والقدمين لأنّهما ظاهران مكشوفان يستقبل بهما في كل حالاته وليس فيهما من الخضوع والتبتّل ما في الوجه والذراعين(2) .

وهذا التعليل قريب من التعليل الأول وهو ظاهر لا يحتاج لإيضاح.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 104.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 89.


الصلاة:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم أمروا بالصلاة؟

قيل: لأنّ في الصلاة الإقرار بالربوبية وهو صلاح عام لأنّ فيه خلع الأنداد والقيام بين يدي الجبّار بالذل والاستكانة والخضوع والخشوع والاعتراف وطلب الإقالة من سالف الذنوب، ووضع الجبهة على الأرض كل يوم وليلة ليكون العبد ذاكراً لله غير ناسٍ له ويكون خاشعاً وجلاً متذللاً طالباً راغباً في الزيادة للدين والدنيا مع ما فيه من الانزجار عن الفساد، وصار ذلك عليه في كل يوم وليلة لئلاّ ينسى العبد مدبره وخالقه والقيام بين يدي ربه زاجراً له عن المعاصي وحاجزاً ومانعاً له عن أنواع الفساد(1) .

الصلاة معراج المؤمن وقربان كل تقي، وقد أدلى الإمامعليه‌السلام ببعض المصالح والحكم في تشريعها وهي:

أ - من فوائد الصلاة وثمراتها: الإقرار بالعبودية المطلقة لله تعالى الخالق العظيم الذي ليس كمثله شيء، وعلى المصلّي أن يزداد في خشوعه وخضوعه وتذلّله أمام الله ويطلب منه العفو والغفران من ذنوبه التي اقترفها في حياته.

ب - إنّ الصلاة إذا وقعت صحيحة جامعة للشرائط فإنها تقي الإنسان من المعاصي وتزجره عن المنكر وتوجهه نحو الخير.

ج - إنّ تكرار الصلاة في كل يوم من حكمته أن يكون الإنسان على صلة وثيقة ودائمة بخالقه ومدبّر شؤونه ومضافاً لهذه الثمرات التي أدلى بها الإمام عليه السلام فإنّها من أقوى الأسباب التي تمد المجتمع الإنساني بالقوى الروحية الخلاّقة.

إنّ الإنسان إذا لم تتصل روحه بخالقها فإنّه تظهر عليه مظاهر الوحشة والاكتئاب والصلاة تتيح له الاتصال بالمبدأ الفيّاض فتزيل عنه ما ألمّ به من الهلع والوحشة والاكتئاب وتودع فيه قوّة نفسية يستطيع بها أن يقف أمام الأحداث التي يُمنى بها.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 103 - 104.


أذان الصلاة:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: أخبرني عن الأذان لم أمروا به؟ قيل: لعلل كثيرة منها: أن يكون تذكيراً للساهي، وتنبيهاً للغافل، وتعريفاً لـمَن جهل الوقت واشتغل عن الصلاة، وليكون ذلك داعياً إلى عبادة الخالق مرغباً فيها مقرّاً له بالتوحيد مجاهراً بالإيمان معلناً بالإسلام مؤذناً لمن نسيها(1) .

وإنّما يقال: مؤذن لأنّه يؤذن بالصلاة(2) .

وتحدّث الإمامعليه‌السلام عن الحكمة في تشريع أذان الإعلام وهي:

أ - تذكير الساهي للصلاة وتنبيه الغافل ليقوم بتأدية هذه الفريضة.

ب - التعريف بدخول وقت الصلاة ليستعد المسلمون لأدائها جماعة وفرادى.

ج - إن الأذان دعوة لعبادة الخالق العظيم وإقرار له بالتوحيد.

فصول الأذان:

وحكى الإمامعليه‌السلام العلل في فصول الأذان وهي:

أ - البدء بالتكبير:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم بدأ فيه - أي في الأذان بالتكبير - وهو الله أكبر - قبل التهليل - وهو لا اله إلاّ الله.

قيل: لأنّه أراد أن يبدأ بذكره واسمه لأنّ اسم الله تعالى في التكبير في أول الحرف وفي التهليل في آخر الحرف، فبدأ بالحرف الذي اسم الله في أوّله لا في آخره(3) .

عرض الإمامعليه‌السلام إلى الحكمة في افتتاح الأذان ب‍ (الله أكبر) من دون أن يفتتح بـ (لا إله إلاّ الله)؛ وذلك ليبتدأ الأذان ويفتتح باسمه تعالى بخلاف التهليل فإنّ اسمه تعالى يكون في الآخر وهذا غير مناسب لافتتاح الأذان.

ب - التكبير أربعاً:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل التكبير في أول الأذان أربعاً؟

____________________

(1) في العلل (لمن يتساهى).

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 105.

(3) عيون أخبار الرضا 2 / 105.


قيل: لأنّ أول الأذان إنّما يبدأ غفلة وليس قبله كلام ينبّه المستمع له فجعل ذلك تنبيها للمستمعين لما بعده في الأذان(1) .

الغاية من الأذان هي تنبيه المسلمين للاستعداد للصلاة، وجعل فيه التكبير أربعاً لهذه الغاية كما يقول الإمامعليه‌السلام .

ج - فصول الأذان مثنى:

قالعليه‌السلام : فلم جعل - أي الأذان - مثنى، مثنى؟

قيل: لأن يكون مكرّراً في آذان المستمعين مؤكّداً عليهم إن سها أحد عن الأول لم يسه عن الثاني، ولأنّ الصلاة ركعتان، ركعتان، ولذلك جعل الأذان مثنى مثنى(2) .

إنّ في كل فصل من فصول الأذان دعوة إلى الخير ودعوة إلى الفلاح والنجاح فتكرارها إنّما هو لأجل تثبيت هذه المفاهيم في أذهان السامعين.

د - الشهادتان:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل بعد التكبير شهادتين؟

قيل: لأنّ أول الإيمان إنّما هو التوحيد والإقرار لله عزّ وجل بالوحدانية، والثاني الإقرار للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرسالة وإنّ طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان، وإنّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادة فجعل الشهادتين في الأذان كما جعل في سائر الحقوق شهادتين، فإذا أقر لله بالوحدانية وأقر للرسول بالرسالة فقد أقرّ بجملة الإيمان؛ لأنّ أصل الإيمان إنّما هو الإقرار بالله وبرسوله(3) .

ويفتتح الأذان بعد التكبير بالشهادتين: الشهادة لله تعالى بالوحدانية والشهادة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرسالة، وهما أصل الإسلام وشعاره، فمَن قال بهما فتترتب عليه آثار الإسلام فيحقن دمه وماله، كما أنّ سائر الحقوق تثبت بشهادتين فكذلك الإسلام يثبت بالشهادتين.

د - الدعاء للصلاة:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 105.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 105.

(3) عيون أخبار الرضا.


الصلاة؟

قيل: لأنّ الأذان إنّما وضع لموضع الصلاة، وإنّما هو النداء إلى الصلاة فجعل النداء إلى الصلاة في وسط الأذان فقدّم المؤذّن قبلها أربعاً التكبيرتين والشهادتين وأخّر بعدها أربعاً يدعو إلى الفلاح حثّاً على البر والصلاة ثم دعا إلى خير العمل مرغباً فيها وفي عملها وفي أدائها ثم نادى بالتكبير والتهليل ليتم بعدها أربعاً كما أتمّ قبلها أربعاً وليختم كلامه بذكر الله كما فتحه بذكر الله تعالى(1) .

واهتمّ الإسلام اهتماماً بالغاً بالصلاة فجعلها في طليعة طقوسه الدينية، وشرّع الأذان للإعلام بدخول الوقت حتى يتهيأ المسلمون لأداء هذه الفريضة الكبرى، وقد جعل في الأذان بحد الشهادتين وحي على الصلاة وهي دعوة لإقامتها كما أنّ الدعوة إلى الفلاح والى خير العمل في فصول الأذان شاملتان للصلاة فهي من الفلاح كما أنّها من خير الأعمال.

ه‍ـ - التهليل في آخر الأذان:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل آخرها التهليل ولم يجعل آخرها التكبير كما جعل في أوّلها التكبير؟

قيل: لأنّ التهليل اسم الله في آخره فأحبّ الله تعالى أن يختم الكلام باسمه كما فتحه باسمه.

إنّ التهليل في آخر الأذان هو نفي كل معبود وكل إله سوى الله تعالى مبدع الأكوان وخالق الحياة، وكما فتح الأذان بـ‍ (الله أكبر) فقد ختم بـ (لا إله إلاّ الله) فكانت فاتحة الأذان هو اسم الله تعالى وخاتمته كذلك.

و - التهليل دون التسبيح:

قالعليه‌السلام : فإن قائل: فلم لم يجعل بدل التهليل التسبيح والتحميد واسم الله في آخرهما؟ قيل: لأنّ التهليل هو إقرار لله تعالى بالتوحيد وخلع الأنداد من دون الله وهو أول الإيمان وأعظم من التسبيح والتحميد.

وعرض الإمامعليه‌السلام إلى الحكمة في جعل التهليل آخر الأذان دون

____________________

(1) عيون أخبار الرضا.


التسبيح وهو (سبحان الله)، والتحميد وهو (الحمد لله)؛ لأنّ التهليل أعظم منهما فإنّه إقرار لله تعالى بالوحدانية ونفي كل معبود سواه، ولا يعطى التسبيح والتحميد هذا المعنى.

فصول الصلاة:

وتحدّث الإمامعليه‌السلام عن الحكمة الكافية في معظم أجزاء الصلاة وشرائطها وفيما يلي ذلك:

1 - التكبيرات السبع:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل التكبير في الاستفتاح سبع تكبيرات؟

قيل: إنّما جعل ذلك لأنّ التكبير في الركعة الأولى التي هي الأصل سبع تكبيرات تكبيرة الاستفتاح - وهي تكبيرة الإحرام التي يفتتح بها الصلاة - وتكبيرة الركوع - أي حين الهبوط للركوع - وتكبيرتان للسجود فإذا ذكر الإنسان أول الصلاة سبع تكبيرات فقد أحرز التكبير كله فإن سها في شيء منها أو تركها لم يدخل عليه نقص في صلاته...).

لهذه الغاية شرعت التكبيرات السبع حين الدخول في الصلاة وإحدى هذه التكبيرات تكبيرة الإحرام.

2 - قراءة القرآن:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم أمروا بالقراءة - أي بقراءة القرآن - في الصلاة؟

قيل: لئلاّ يكون القرآن مهجوراً مضيعاً وليكون محفوظاً فلا يضمحل ولا يجهل.

ولهذه الحكمة فقد أمر بقراءة الفاتحة وسورة أخرى من القرآن في الصلاة في الركعة الأولى والثانية.

3 - قراءة الفاتحة:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم بدأ بالحمد في كل قراءة دون سائر السور؟

قيل: لأنّه ليس شيء في القرآن والكلام جمع فيه جوامع الخير والحكمة ما


جمع في سورة الحمد؛ وذلك أنّ قوله تعالى:( الحمد لله ) : إنّما هو أداء لما أوجب الله تعالى على خلقه من الشكر وشكر لما وفّق عبده للخير.

( ربّ العالمين ) تمجيد له وتحميد وإقرار وأنّه هو الخالق المالك لا غيره.

( الرحمن الرحيم ) : استعطاف وذكر لآلائه ونعمائه على جميع خلقه.

( مالك يوم الدين ) : إقرار له بالبعث والنشور والحساب والمجازات وإيجاب له ملك الآخرة كما أوجب له ملك الدنيا.

( إيّاك نعبد ) : رغبة وتقرّب إلى الله عزّ وجل وإخلاص بالعمل له دون غيره.

( وإيّاك نستعين ) استزادة من توفيقه وعبادته واستدامته لما أنعم الله عليه وبصّره.

( اهدنا الصراط المستقيم ) : استرشاد لأدبه واعتصام بحبله واستزادة في المعرفة بربّه وبعظمته وبكبريائه.

( صراط الذين أنعمت عليهم ) : توكيد في السؤال والرغبة وذكر لما تقدّم من أياديه ونعمه على أوليائه ورغبة في مثل تلك النعم.

( غير المغضوب عليهم ) : استعاذة من أن يكون من المعاندين الكافرين المستخفّين به وبأمره ونهيه.

( ولا الضآلين ) : اعتصام من أن يكون من الضالين الذين ضلّوا عن سبيله من غير معرفة وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.

فقد اجتمع فيها من جوامع الخير والحكمة في أمر الآخرة والدنيا ما لا يجمعه شيء من الأشياء...).

ولهذه المطالب العظيمة والمعاني السامية فقد أمر الشارع بافتتاح الصلاة بها لا بغيرها من سور القرآن الكريم، فقد أثر عنه أنّه: لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب. وهذا النفي نفي للماهية لو جيء بغير الفاتحة في الصلاة.

4 - التسبيح في الركوع والسجود:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل التسبيح في الركوع والسجود؟


قيل: لعلل منها أن يكون العبد مع خضوعه وخشوعه وتعبّده وتورّعه واستكانته وتذلّله وتواضعه وتقرّبه إلى ربّه مقدّساً له ممجّداً مسبّحاً معظّماً شاكراً لخالقه ورازقه فلا يذهب به الفكر والأماني إلى غير الله).

ولهذه الجهات السامية فقد جعل التسبيح في الركوع والسجود دون غيره من سائر الأذكار.

5 - الركوع والسجدتان:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل ركعة وسجدتان؟

قيل: لأنّ الركوع من فعل القيام والسجود من فعل القعود وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم فضوعف السجود ليستوي بالركوع فلا يكون بينهما تفاوت؛ لأنّ الصلاة إنّما هي ركوع وسجود.

ولهذه العلّة فقد جعل السجود ضعف الركوع ليتساويا من هذه الحيثية كما أفاد الإمامعليه‌السلام .

6 - الدعاء في القنوت:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل الدعاء في الركعة الأولى قبل القراءة؟ ولم جعل في الركعة الثانية القنوت بعد القراءة؟

قيل لأنّه أحب أن يفتح قيامه - أي المصلّي - لربّه وعبادته بالتحميد والتقديس والرغبة والرهبة ويختمه بمثل ذلك، وليكون في القيام عند القنوت أطول).

عرض الإمامعليه‌السلام إلى الحكمة في استحباب الدعاء قبل الدخول في الصلاة؛ وذلك لإظهار العبودية المطلقة لله تعالى وإظهار الخضوع والتذلّل له، وليكون الدعاء في القنوت أطول؛ وذلك لإظهار الانقياد والطاعة لله تعالى.

7 - الجهر والاخفات:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جعل الجهر في بعض الصلوات ولم يجعل في بعض؟

قيل: لأنّ الصلاة التي يجهر فيها إنّما هي صلوات تصلّى في أوقات مظلمة فوجب أن يجهر فيها ليمر المار فيعلم أنّ هاهنا جماعة فإذا أراد أن يصلّي صلّى وإن لم


ير جماعة تصلّي سمع وعلم ذلك من جهة السماع، والصلاتان اللتان لا يجهر فيهما إنّما هما بالنهار وفي أوقات مضيئة فهي تدرك من جهة الرؤية فلا يحتاج فيها إلى السماع).

الصلاة التي يجهر فيها بقراءة الفاتحة والسورة هي صلاة الصبح والعشاءين، وقد علّل الإمام ذلك لتنبيه المار في الظلام ليتحفّز لأداء الصلاة، وأمّا الصلاة التي يخفف بقراءتها فهي صلاة الظهر والعصر فلا موجب للجهر فيها؛ وذلك لعدم وجود ظلمة في الوقت.

8 - رفع اليدين في التكبير:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم يرفع - أي المصلّي - اليدين في التكبير؟

قيل: لأنّ رفع اليدين هو ضرب من الابتهال والتبتّل والتضرّع فأحبّ الله عزّ وجل أن يكون العبد في وقت ذكره له متبتّلاً متضرّعاً مبتهلاً، ولأنّ في رفع اليدين إحضار النيّة وإقبال القلب على ما قاله وقصده.

أمّا رفع اليدين في التكبير فهو ضرب من ضروب العبودية المطلقة لله تعالى كما فيه إحضار للنيّة التي هي بداية الدخول في الصلاة.

9 - أوقات الصلاة:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل الصلوات في هذه الأوقات ولم تقدَّم ولم تؤخَّر؟

قيل: لأنّ الأوقات المشهورة المعلومة التي تعم أهل الأرض فيعرفها الجاهل والعالم أربعة: غروب الشمس معروف مشهور يجب عنده المغرب، وسقوط الشفق مشهور معلوم يجب عنده العشاء الآخرة، وطلوع الفجر مشهور معلوم يجب عنده الغداة، وزوال الشمس مشهور معلوم يجب عنده الظهر، ولم يكن للعصر وقت معلوم مثل هذه الأوقات فجعل وقتها عند الفراغ من الصلاة التي قبلها.

ذكر الإمامعليه‌السلام الحكمة في جعل الأوقات الخاصة للصلاة وأنّها مشهورة معروفة عند جميع أهل الأرض على اختلاف لغاتهم فكما أنّها مضبوطة؛ ولذلك كان من الحكمة جعلها أوقاتاً للصلاة وأضاف الإمامعليه‌السلام لذلك


علّة أخرى، قالعليه‌السلام :

وعلّة أخرى: (إنّ الله أحب أن يبدأ الناس في كل عمل أوّلاً بطاعته فأمرهم أوّل النهار أن يبدؤا بعبادته ثم ينتشروا فيما أحبوا من مرّمة دنياهم فأوجب صلاة الغداة عليهم فإذا كان نصف النهار وتركوا ما كانوا فيه من الشغل وهو وقت يضع الناس فيه ثيابهم ويستريحون ويشتغلون بطعامهم وقيلولتهم فأمرهم أن يبدؤا أولاً بذكره وعبادته فأوجب عليهم الظهر ثم يتفرّغون لما أحبوا من ذلك فإذا قضوا وطرهم وأرادوا الانتشار في العمل لآخر النهار بدؤا أيضاً بطاعته ثم صاروا إلى ما أحبوا من ذلك فأوجب عليهم العصر، ثم ينتشرون فيما شاؤوا من حرمة دنياهم فإذا جاء الليل ووضعوا زينتهم وعادوا إلى أوطانهم ابتدؤا أولاً بعبادة ربّهم ثم يتفرغون لما أحبوا من ذلك فأوجب عليهم المغرب فإذا جاء وقت النوم وفرغوا ممّا كانوا به مشتغلين أحب أن يبدؤا أولاً بعبادته وطاعته ثم يصيرون إلى ما شاؤوا أن يصيروا إليه من ذلك فيكونون قد بدؤا في كل عمل بطاعته وعبادته فأوجب عليهم العتمة(1) فإذا فعلوا ذلك لم ينسوه ولم يغفلوا عنه ولم تقس قلوبهم ولم تقل رغبتهم).

وألم كلام الإمامعليه‌السلام بالحكم والمصالح التي من أجلها شرعت الصلاة في هذه الأوقات الخاصة ولم تشرع في غيرها.

10 - صلاة العصر:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم إذاً لم يكن للعصر وقت مشهور مثل تلك الأوقات أوجبها بين الظهر والمغرب، ولم يوجبها بين العتمة والغداة وبين الغداة والظهر؟

قيل: لأنّه ليس وقت على الناس أخف ولا أيسر ولا أحرى أن يعم فيه الضعيف والقوي بهذه الصلاة من هذا الوقت؛ وذلك أنّ الناس عامتهم يشتغلون في أول النهار بالتجارة والمعاملات والذهاب في الحوائج وإقامة الأسواق فأراد أن لا يشغلهم عن طلب معاشهم ومصلحة دنياهم وليس يقدر الخلق كلهم على قيام الليل ولا يشعرون به، ولا ينتبهون لوقته لو كان واجباً ولا يمكنهم ذلك فخفف

____________________

(1) العتمة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق والعشاء الآخرة.


الله عنهم ولم يجعلها في أشد الأوقات عليهم، ولكن جعلها في أخف الأوقات عليهم، كما قال الله عزّ وجل:( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العـسر ) . ذكر الإمامعليه‌السلام الحكمة في امتداد وقت صلاة العصر من صلاة الظهر إلى آخر وقت النهار؛ وذلك للتخفيف على الناس وإن كان قد جعل وقتاً لفضيلة أداء صلاة العصر وهو صيرورة الظل مثل سبعي الشاخص ومنتهى وقت الفضيلة ذهاب أربعة أسباع الشاخص(1) .

11 - صلاة الجماعة:

قالعليه‌السلام : فإن قائل: فلم جعل - أي الشارع - الجماعة؟

قيل: لئلاّ يكون الإخلاص والتوحيد والإسلام والعبادة لله إلاّ ظاهراً مكشوفاً مشهوراً؛ لأنّ في إظهاره حجّة على أهل الشرق والغرب لله وحده عزّ وجل، وليكون المنافق والمستخف لما أقرّ بظاهر الإسلام والمراقبة وليكون شهادة الناس بالإسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة مع ما فيه من المساعدة على البر والتقوى والذود عن كثير من معاصي الله عزّ وجل.

صلاة الجماعة من أهم العبادات في الإسلام؛ وذلك لما يترتّب عليها من المصالح والمنافع للمسلمين، ومن بينها تعارف المسلمين بعضهم ببعض وشيوع المحبّة والتآلف ببعض منافعها وحكمها في هذا المقطع من كلامه.

12 - صلاة السنّة:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل صلاة السنة أربعاً وثلاثين ركعة؟

قيل لأنّ الفريضة سبع عشرة ركعة فجعلت السنّة مثلي الفريضة كمالاً للفريضة.

أمّا صلاة السنّة فيراد بها الرواتب اليومية وهي ثمان ركعات للظهر قبلها وثمان بعدها قبل العصر للعصر وأربع بعد المغرب لصلاة المغرب وركعتان من

جلوس تعدان بركعة بعد صلاة العشاء وثمان ركعات لصلاة الليل وركعتا الشفع

____________________

(1) منهاج الصالحين 1 / 113.


بعدها وركعة الوتر بعدها وركعتان لصلاة الصبح قبلها فمجموعها تكون أربعاً وثلاثين، وقد علّل الإمامعليه‌السلام ذلك بجعل السنّة مثلي الفريضة ليكون كمالاً لها.

13 - صلاة السنّة في أوقات مختلفة:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم جعل صلاة السنّة في أوقات مختلفة ولم يجعل في وقت واحد؟

قيل: لأنّ أفضل الأوقات ثلاثة: عند زوال الشمس وبعد المغرب وبالأسحار فأحب أن يصلّي له في كل هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنّه إذا فرقت السنّة في أوقات شتّى كان أداؤها أيسر وأخف من أن تجمع كلها في وقت واحد.

لقد ذكر الإمامعليه‌السلام الحكمة في تفريق أوقات صلاة السنّة فقد جعلت في أفضل الأوقات وأحبّها عند الله تعالى مضافاً إلى أنّ أداءها في وقت واحد لا يخلو من حرج وصعوبة.

14 - تحليل الصلاة بالتسليم:

قال: (فإن قال قائل: فلم جعل التسليم تحليل الصلاة، ولم يجعل بدله تكبيراً أو تسبيحاً أو ضرباً آخر قيل: لأنّه لما كان في الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين والتوجّه إلى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين والانتقال عنها وابتداء المخلوقين في الكلام إنّما هو بالتسليم.

ولهذه الحكمة فقد جعل تحليل الصلاة بالتسليم فقد حرّم الشارع على المصلّي عند الشروع في الصلاة الكلام وغيره من سائر الأفعال وينتهي هذا التحريم بالتسليم.

صلاة الجمعة:

وأدلى الإمامعليه‌السلام ببعض الحكم والمصالح في صلاة الجمعة وفيما يلي ذلك:

أ - صلاة الجمعة ركعتين:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل: فلم صارت صلاة الجمعة إذا كانت مع


الإمام ركعتين وإذا كانت بغير إمام ركعتين وركعتين - يعني يصلّي صلاة الظهر -؟

قيل: لعلل شتّى، منها أن الناس يتخطون إلى الجمعة من بعد فأحب الله عزّ وجل أن يخفف عنهم لموضع التعب الذي صاروا إليه.

ومنها: إنّ الإمام يحبسهم للخطبة وهم منتظرون للصلاة ومَن انتظر الصلاة فهو في صلاة في حكم التمام.

ومنها: إنّ الصلاة مع الإمام أتم وأكمل لعلمه وفقهه وعدله وفضله.

وإنّما قصرت صلاة الجمعة فصارت ركعتين لهذه الحكم والعلل التي أدلى بها الإمامعليه‌السلام .

ب - حكمة الخطبة في صلاة الجمعة:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جعلت الخطبة؟

قيل: لأنّ الجمعة مشهد عام فأراد أن يكون الإمام سبباً لموعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم عن المعصية وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليه من الأوقات ومن الأحوال التي لهم فيها المضرّة والمنفعة).

إنّ من أعظم الحكم والمصالح في صلاة الجمعة هي الخطبة التي يدلي بها الإمام فإنّها تستهدف نشر الوعي الديني والسياسي بين المسلمين كما تنمي في نفوسهم النزعات الخيرة وتهديهم إلى سواء السبيل.

ج - خطبتان في صلاة الجمعة:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جعلت خطبتان؟

قيل: لتكون واحدة للثناء والتحميد والتقديس لله عزّ وجل، والأخرى للحوائج والأعذار والإنذار وما يريد أن يعلمهم من أمره ونهيه بما فيه الصلاح والفساد).

وأعرب الإمامعليه‌السلام عن الحكمة في تشريع الخطبتين في صلاة الجمعة فأولى الخطبتين تكون في الثناء على الله تعالى خالق الكون، وواهب الحياة وبيان عظمته فيما أبدعه من العجائب في مخلوقاته والخطبة الثانية تكون لبيان ما يصلح المسلمين في دنياهم، وآخرتهم.


د - خطبة الجمعة قبل الصلاة:

قالعليه‌السلام : فإن قال قائل فلم جعلت الخطبة يوم الجمعة قبل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة؟

قيل: لأنّ الجمعة أمر دائم يكون في الشهر مراراً وفي السنة كثيراً، فإذا كثر ذلك على الناس صلّوا وتركوه ولم يقيموا عليه وتفرّقوا عنه فجعلت قبل الصلاة ليحتسبوا على الصلاة ولا يتفرقوا ولا يذهبوا.

وأمّا العيدان فإنّما هما في السنة مرتان، وهما أعظم من الجمعة والزحام فيهما أكثر والناس منهم أرغب فإن تفرّق بعض الناس بقي عامتهم وليس هما بكثير فيملوا أو يستخفوا بهما).

وعلّق الشيخ الصدوق (نضر الله مثواه) على هذا الحديث بقوله:

جاء الخبر هكذا والخطبتان في الجمعة والعيد بعد الصلاة لأنّهما بمنزلة الركعتين الأخيرتين وأنّ أوّل مَن قدّم الخطبتين عثمان بن عفان؛ لأنّه لما أحدث ما أحدث لم يكن الناس يقفون على خطبته ويقولون: ما نصنع بمواعظه وقد أحدث ما أحدث: فقدم الخطبتين ليقف الناس انتظاراً للصلاة ولا يتفرقوا عنه.

ه‍ـ - تجب صلاة الجمعة على مَن كان على فرسخين:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم وجبت الجمعة على مَن يكون على فرسخين لا أكثر من ذلك؟

قيل: لأنّ ما يقصر فيه الصلاة بريدان ذاهب أو بريد ذاهب وجائي، والبريد: أربع فراسخ فوجبت الجمعة على مَن هو نصف البريد الذي يجب فيه التقصير؛ وذلك أنه يجيء على فرسخين ويذهب فرسخين فذلك أربعة فراسخ وهو نصف طريق المسافر).

ولهذه الجهة التي ذكرها الإمامعليه‌السلام وجبت الجمعة على مَن كان على فرسخين لا أكثر

و - نافلة الجمعة:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم زيد في صلاة السنة يوم الجمعة أربع ركعات؟

قيل: تعظيماً لذلك اليوم وتفرقة بينه وبين سائر الأيام، ويستحب التنفّل يوم


الجمعة بعشرين ركعة وقد زاد أربع ركعات على الست عشرة التي هي نوافل سائر الأيام، ويستحب أن يصلّي ستاً منها عند انبساط الشمس وستاً عند ارتفاعها وستاً قبل الزوال وركعتين عند الزوال).

صلاة المسافر:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم قصرت الصلاة في السفر؟

قيل: لأنّ الصلاة المفروضة أولاً إنّما هي عشر ركعات والسبع إنّما زيدت عليها بعد فخفّف الله عنهم تلك الزيادة لموضع السفر وتعبه ونصبه واشتغاله بأمر نفسه وظعنه وإقامته لئلاّ يشتغل عمّا لا بد له من معيشته رحمة من الله عزّ وجل وتعطّفاً عليه، إلاّ صلاة المغرب فإنّها لم تقصر؛ لأنّها صلاة مقصورة في الأصل).

عرض الإمامعليه‌السلام إلى الحكمة في قصر صلاة المسافر وهي ما يعانيه من المتاعب والمصاعب من سفره، خصوصاً في تلك الأزمات التي كانت فيها وسائل النقل محصورة بالحيوانات وبالسفن وكلاهما يوجبان المشقّة والعناء، فتفضّل الشارع فأسقط عن المسافر نصف الصلاة الرباعية تفضّلاً منه ورحمة بالعباد.

المسافة الموجبة للقصر:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر؟

قيل: لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والأثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم).

بيّن الإمامعليه‌السلام الحكمة في جعل الشارع ثمانية فراسخ مسافة للتقصير ثم عقبعليه‌السلام ذلك بقوله: (فإن قال قائل: فلم وجب التقصير في مسيرة يوم لا أكثر؟

قيل: لأنّه لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة سنة؛ وذلك لان كل يوم يكون بعد هذا اليوم، فإنّما هو نظير هذا اليوم فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثله ولا فرق بينهما).

أفاد الإمامعليه‌السلام أنّه لو لم تجعل المسافة في تقصير الصلاة ثمانية فراسخ التي هي مسيرة يوم للزم منه أن تكون مسافة التقصير في اليوم الثاني إذ هو نظير


اليوم الأول ولا ميزة له عليه وهكذا في اليوم الثالث وما زاد عليه ولازمه التسلسل المجمع على بطلانه، وأردف الإمام كلامه هذا بقوله:

(فإن قال قائل: قد يختلف السير فلم جعلت مسيرة يوم ثمانية فراسخ؟

قيل: لأنّ ثمانية فراسخ مسير الجمال والقوافل وهو سير الذي يسيره الجمّالون والمكارون).

سقوط نوافل النهار:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم ترك تطوّع النهار - أي نوافل النهار - ولم يترك تطوّع الليل؟

قيل: لأنّ كل صلاة لا تقصير فيها فلا تقصير في تطوّعها؛ وذلك أنّ المغرب لا تقصير فيها، فلا تقصير فيما بعدها من التطوّع وكذلك الغداة لا تقصير فيما قبلها من التطوّع).

عرض الإمامعليه‌السلام إلى سقوط نافلة النهار وعدم سقوط نافلة الليل، وقد علّل ذلك بأنّ سقوط النافلة تابع لقصر الصلاة ولا تقصير في صلاة الليل وقد عقّب على هذا بقوله:

(فإن قال قائل: فما بال العتمة - أي صلاة العشاء - مقصورة وليس تترك ركعتاه؟

قيل: إنّ تلك الركعتين ليستا من الخمسين وإنّما هما زيادة في الخمسين تطوّعاً ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوّع).

أفاد الإمامعليه‌السلام بأنّ صلاة العشاء تقصر في السفر فلم لا تسقط نافلتها وهي ركعتان من جلوس، فأجاب الإمامعليه‌السلام : إنّ نافلة العشاء عند الشارع تعادل ركعة من قيام والسبب في ذلك ليتم بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من النافلة ولهذه العلّة فلا تسقط نافلة العشاء عن المسافر فيصلّي صلاة الليل في أوله.

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جاز للمسافر والمريض أن يصلّيا صلاة الليل في أول الليل؟

قيل: لاشتغاله وضعفه ليحرز صلاته فيستريح المريض في وقت راحته ويشتغل المسافر بأشغاله وارتحاله وسفره).


أمّا صلاة الليل فهي في الهزيع الأخير من الليل، وقد أباح الشارع للمسافر والمريض أن يصلّياها في أوّل الليل؛ وذلك تفضّل ومنّة منه عليهما كما أفاد الإمام (ع).

الصلاة على الميت:

وتحدّث الإمامعليه‌السلام عن بعض العلل في أحكام الأموات والتي منها الصلاة قالعليه‌السلام :

(فإن قال قائل: فلم أمروا بالصلاة على الميت؟

قيل: ليشفعوا له ويدعوا بالمغفرة؛ لأنّه لم يكن في وقت من الأوقات أحوج إلى الشفاعة فيه والطلب والاستغفار من تلك الساعة).

إنّ دعاء المؤمنين الذين يصلون على جنازة الميت بالمغفرة والرحمة له، من أهم ما يحتاج إليه الميت فلعل الله يستجيب الدعاء، ويعفو عنه ويمنحه المغفرة والرضوان.

التكبيرات الخمس على الميت:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جعلت خمس تكبيرات دون أن يكبّر أربعاً أو ستاً؟

قيل: إنّ الخمس إنّما أخذت من الخمس صلوات في اليوم والليلة).

إنّ التكبيرات الخمس ترمز إلى الصلاة اليومية التي هي خمس صلوات.

الصلاة على الميت بغير وضوء:

قالعليه‌السلام : (فلم جوّز الصلاة على الميت بغير وضوء؟

قيل: لأنّه ليس فيها ركوع ولا سجود وإنّما هي دعاء ومسألة، وقد يجوز أن تدعو الله وتسأله على أي حال كنت وإنّما يجب الوضوء في الصلاة التي فيها الركوع والسجود).

ولهذا السبب فقد قيل بأنّ الصلاة على الميت دعاء وليست بصلاة حقيقية.

الصلاة على الميت في كل وقت:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جوّزتم الصلاة عليه قبل المغرب وبعد الفجر؟


قيل: لأنّ هذه الصلاة إنّما تجب في وقت الحضور، والعلّة ليست هي مؤقتة كسائر الصلوات وإنّما هي صلاة تجب في وقت حدوث الحدث ليس للإنسان فيه اختيار وإنّما هو حق يؤدّى وجائز أن تؤدّى الحقوق في أي وقت إذا لم يكن الحق مؤقّتاً).

ولم يجعل الشارع وقتاً خاصاً لصلاة الميت وإنّما يصلّي عليه في جميع آنات الزمان؛ لأنّ الصلاة حق من حقوقه على الأحياء والحق يؤدّى في كل وقت.

تغسيل الأموات:

وقد تقدّم الكلام فيه تفصيلاً.

تكفين الأموات:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أمروا بكفن الميت؟

قيل: ليلقى ربّه عزّ وجل طاهر الجسد، ولئلاّ تبدو عورته لـمَن يحمله ويدفنه، ولئلاّ يظهر الناس على بعض حاله وقبح منظره، وتغيّر ريحه، ولئلاّ يقسو القلب من كثرة النظر إلى مثل ذلك للعاهة والفساد، وليكون أطيب لأنفس الأحياء، ولئلاّ يبغضه حميم فيلغي ذكره ومودّته فلا يحفظه فيما خلف وأوصاه وأمره به واجباً كان أو ندباً).

ولهذه الحكم الوثيقة البالغة الأهمية فقد ألزم الشارع العظيم بتكفين الأموات احتراماً لهم وصيانة لأجسادهم التي إن بدت مجّها الأحياء، واحتقروها.

دفن الأموات:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أمر بدفنه؟ قيل: لئلاّ يظهر الناس على فساد جسده وقبح منظره وتغيّر ريحه، ولا يتأذّى الأحياء بريحه وبما يدخل عليه من الآفة والفساد، وليكون مستوراً عن الأولياء والأعداء فلا يشمت عدوّه ولا يحزن صديقه).

ولهذه الحكم الوثيقة فقد أوجب مواراة الأموات ودفنهم للستر عليهم، فإنّه إذا تفسّخت أجسامهم وانتشرت جيفهم فإنهم يشكّلون خطراً على البيئة ويكونون مصدراً للأوبئة بالإضافة إلى قبح منظرهم وكراهة رائحتهم، وغير ذلك ممّا أفاده الإمام (ع).


صلاة الكسوف:

(فإن قال قائل: فلم جعلت للكسوف صلاة؟

قيل: لأنّه آية من آيات الله عزّ وجل لا يدري لرحمة ظهرت أم لعذاب؟

فأحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن تفزع أمته إلى خالقها وراحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرها ويقيهم مكرها، كما صرف عن قوم يونس حين تضرّعوا إلى الله عزّ وجل).

لهذه الجهة فقد أمر الشارع بالصلاة عند كسوف الشمس وخسوف القمر وعند كل مخوف سماوي أو أرضي كالريح السوداء والحمراء والخسف وغير ذلك

ممّا ذكره الفقهاء.

الحكمة في كيفية صلاة الآيات:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جعلت عشر ركعات؟

قيل: لأنّ الصلاة التي نزل فرضها من السماء إلى الأرض أولاً في اليوم والليلة فإنّما هي عشر ركعات فجمعت تلك الركعات، وإنّما جعل فيها السجود؛ لأنّه لا يكون صلاة فيها ركوع إلاّ وفيها سجود، ولكي يختموا أيضاً صلاتهم بالسجود والخضوع، وإنّما جعلت أربع سجدات لأنّ كل صلاة نقص سجودها من أربع سجدات لا تكون صلاة؛ لأنّ أقل الفرض السجود في الصلاة لا يكون إلاّ على أربع سجدات).

صلاة الآيات ركعتان في كل واحدة خمسة ركوعات ينتصب بعد كل واحد فيها وسجدتان بعد الانتصاب من الركوع الخامس ويتشهد بعدهما ويسلم، وقد حكى الإمامعليه‌السلام الحكمة في جعل عشر ركوعات لهذه الصلة وهي أنّها ترمز إلى ما كلف به العباد من الصلاة أولاً وهي عشر ركعات.

عيد الفطر:

قال عليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جعل يوم الفطر عيداً؟

قيل: لكي يكون للمسلمين مجمع يجتمعون فيه ويبرزون إلى الله عزّ وجل فيحمدونه على ما منّ عليهم فيكون يوم عيد ويوم اجتماع ويوم فطر ويوم زكاة، ويوم رغبة، ويوم تضرّع، ولأنّه أول يوم من السنة يحل فيه الأكل والشرب، لأنّ أول شهور السنة عند أهل الحق (شهر رمضان) فأحب الله عزّ وجل أن يكون لهم في ذلك اليوم مجمع يحمدونه فيه، ويقدسونه).


لهذه العلل والحكم التي أدلى بها الإمامعليه‌السلام فقد جعل يوم الفطر عيداً للمسلمين يجتمعون فيه ويبارك بعضهم بعضاً على توفيق الله لهم بصيام شهر رمضان المبارك.

صلاة العيد:

قال عليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جعل التكبير فيها أكثر منه في غيرها

من الصلاة؟

قيل: لأنّ التكبير إنّما هو لله، وتمجيد على ما هدى وعافى، كما قال الله عزّ وجل:( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (1) .

وأعرب الإمامعليه‌السلام عن الحكمة في جعل التكبير في صلاة العيد أكثر من غيره؛ وذلك للتدليل على عظم هذا اليوم الأغر عند الله تعالى.

الصوم:

وتحدث الإمامعليه‌السلام عن الحكمة في تشريع الصوم وعن بعض علل التشريع فيما يتعلّق بأحكام شهر رمضان المبارك.

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أمر بالصوم؟

قيل: لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش فيستدلوا على فقر الآخرة وليكون الصائم خاشعاً، ذليلاً مستكيناً مأجوراً محتبساً عارفاً صابراً على ما أصابه من

الجوع والعطش فيستوجب الثواب مع ما فيه من الانكسار عن الشهوات وليكون ذلك واعظاً لهم في العاجل ورايضاً لهم على ما كلّفهم ودليلاً لهم في الآجل وليعرفوا شدّة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدنيا فيؤدوا إليهم ما افترض الله لهم في أموالهم).

لقد تحدث الإمامعليه‌السلام عن الحكم والفوائد المترتبة على الصوم والتي منها العطف على الفقراء، فإنّ الصائم عندما يجوع يشعر بألم الجوع فيدفعه ذلك للعطف على الفقراء والمساكين، ومن حكم الصوم المساواة بين الأغنياء والفقراء في هذا الواجب.

ومن حكمة تقوية الإرادة في نفس الإنسان؛ وذلك بامتناعه عن الأكل

____________________

(1) سورة البقرة آية 185.


والشرب وغيرهما من متطلبات الجسد وقد وضع (جيهاردت) الألماني كتاباً في تقوية الإرادة، جعل أساسه الصوم، وذهب إلى أنّ الصوم هو الوسيلة الفعّالة لسلطان الروح على الجسد، وأنّ الإنسان يعيش مالكاً زمام نفسه وليس أسيراً لميوله المادية.

هذه بعض حكم وفوائد الصوم، وقد أدلى الإمامعليه‌السلام بالكثير من فوائده.

شهر رمضان:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جعل الصوم في (شهر رمضان) خاصة دون سائر الشهور؟

قيل: لأنّ (شهر رمضان) هو الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن، وفيه فرّق بين الحق والباطل، كما قال الله عزّ وجل:( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (1) .

وفيه نبّئ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وفيها يفرق كل أمر حكيم، وهو رأس السنة يقدّر فيها ما يكون في السنة من خير أو شر أو ضر أو منفعة أو رزق أو أجل؛ ولذلك سميت ليلة القدر).

ولهذه الحكم فرض الله تعالى الصوم في هذا الشهر المبارك وميّزهعلى بقية الشهور.

اقتصار الصوم على شهر رمضان:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أمروا بصوم (شهر رمضان) لا أقل من ذلك ولا أكثر؟

قيل: لأنّه قوة العبادة الذي يعم فيها القوي والضعيف وإنّما أوجب الله الفرايض على أغلب الأشياء وأعم القوي ثم رخص لأهل الضعف ورغب أهل القوّة في الفضل ولو كانوا يصلحون على أقل من ذلك لنقصهم ولو احتاجوا إلى أكثر من ذلك لزادهم).

إنّ حكمة الله تعالى وتدبيره للأشياء اقتضت أن تكون مصلحة العباد صيام

____________________

(1) سورة البقرة آية 185.


ثلاثين يوماً ولو كانت المصلحة أقل من ذلك لنقصهم، كما أنّ المصلحة لو كانت أكثر لزوّدهم عليه.

ترك الحائض للصوم والصلاة:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم إذا حاضت المرأة لا تصوم ولا تصلّي؟

قيل: لأنّها في حد نجاسة(1) فأحب الله أن لا تعبده إلاّ طاهرة ولأنّه لا صوم لـمَن لا صلاة له).

ولهذه الجهة فقد سقط الصوم والصلاة عن الحائض إلاّ أنّها تقضي الصوم دون الصلاة إذا طهرت من الحيض.

قضاء الحائض للصوم:

قال عليه‌السلام : (فلم صارت تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟

قيل لعلل شتّى: فمنها أنّ الصيام لا يمنعها من خدمة نفسها وخدمة زوجها وإصلاح بيتها والقيام بأمرها، والاشتغال بمرمة معيشتها والصلاة تمنعها من ذلك كله لان الصلاة تكون في اليوم والليلة مرارا فلا تقوى على ذلك والصوم ليس كذلك.

ومنها: أنّ الصلاة فيها عناء وتعب واشتغال الأركان وليس في الصوم شيء من ذلك وإنّما هو الإمساك عن الطعام والشراب وليس فيه اشتغال الأركان.

ومنها: أنّه ليس من وقت يجيء إلاّ عليها صلاة جديدة في يومها وليلتها وليس الصوم كذلك؛ لأنّه ليس كلّما حدث يوم وجب عليها الصوم وكلّما حدث وقت الصلاة وجبت عليها الصلاة).

ولهذه العلل الوثيقة فقد أسقط الشارع الصلاة عن الحائض قضاءً؛ لأنّ في الإتيان بها مشقّة وجهداً على المرأة بخلاف الصوم فإنّ قضاءه ليس فيه جهد

وحرج عليها.

____________________

(1) لعلّ الصحيح في حال نجاسة.


قضاء شهر رمضان:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره، أو لم يفق من مرضه حتى يدخل عليه (شهر رمضان) آخر وجب عليه الفداء للأول وسقط القضاء فإذا أفاق بينهما أو أقام ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء؟

قيل: لأنّ ذلك الصوم إنّما وجب عليه في تلك السنة في ذلك الشهر، فأمّا الذي لم يفق فإنّه لما أن مرت عليه السنة كلها، وقد غلب الله تعالى عليه فلم يجعل له السبيل إلى أدائه، سقط عنه، وكذلك كلما غلب الله عليه مثل المغمى عليه الذي يغمى عليه يوماً وليلة فلا يجب عليه قضاء الصلاة، كما قال الصادقعليه‌السلام : كلما غلب الله عليه العبد فهو أعذر له؛ لأنّه دخل الشهر وهو مريض فلا يجب عليه الصوم في شهره ولا سنته للمرض الذي كان فيه ووجب عليه الفداء؛ لأنّه بمنزلة مَن وجب عليه صوم فلم يستطع أداءه فوجب عليه الفداء كما قال الله عزّ وجل:( فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ) (1) ، وكما قال الله عزّ وجل:( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (2) فأقام الصدقة مقام الصيام إذا عسر عليه...).

عرض الإمامعليه‌السلام إلى المريض إذا استمرّ به المرض من رمضان إلى رمضان الآخر ولم يبرأ فإنّه لا قضاء عليه، وإنّما تجب عليه الفدية والسبب في ذلك أنّه لا تكليف له بالقضاء لمرضه، وأمّا مَن برأ في أثناء السنة ولم يصم ما عليه فإنّه يجب عليه القضاء؛ وذلك لتمكّنه كما تجب عليه الفدية، وعقّب الإمام على ذلك بقوله: (فإن قال قائل: فإن لم يستطع إذ ذاك فهو الآن يستطيع؟

قيل له: إنّه لـمّا دخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للماضين؛ لأنّه كان بمنزلة مَن وجب عليه صوم في كفّارة فلم يستطعه فوجب عليه الفداء، وإذا وجب الفداء سقط الصوم والصوم ساقط والفداء لازم، فإن أفاق فيما بينهما ولم يصمه وجب عليه الفداء لتضييعه والصوم لاستطاعته).

____________________

(1) سورة المجادلة: آية 4.

(2) سورة البقرة: آية 196.


الصوم بدل تحرير الرقبة:

قال عليه‌السلام : (فلم وجب في الكفّارة على مَن لم يجد تحرير رقبة الصيام دون الحج والصلاة وغيرهما؟

قيل: لأنّ الصلاة والحج وسائر الفرائض مانعة للإنسان من التقلّب في أمر دنياه ومصلحة معيشته مع تلك العلل التي ذكرناها في الحائض التي تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة).

ولهذه العلل فقد جعل الشارع الصيام بدلاً من تحرير الرقبة، ولم يجعل الصلاة والحج وغيرها عوضاً عنها؛ لأنّ لازم ذلك تعطيل الأعمال وعدم استطاعة الإنسان على تحصيل معاشه.

صيام شهرين متتابعين:

قال عليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم وجب عليه صوم شهرين متتابعين دون أن يجب عليه شهراً واحداً أو ثلاثة أشهر؟

قيل: لأنّ الفرض الذي فرض الله على الخلق وهو شهر واحد فضوعف في هذا الشهر في كفارته توكيداً وتغليظاً عليه).

التتابع في صيام شهرين:

قالعليه‌السلام : (فلم جعلا متتابعين؟

قيل: لئلاّ يهون عليه الأداء فيستخف به لأنّه إذا قضاه متفرقاً هان عليه القضاء).

إنّ التتابع في صيام الشهرين إنّما هو عقوبة لـمَن أفطر متعمّداً منتهكاً حرمات الله تعالى فشدّد عليه تعالى بذلك.

الحج:

وتحدث الإمام عن العلّة في تشريع الحج وعلل بعض الأحكام المتصلة به.

وجوب الحج:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أمر بالحج؟


قيل: لعلّة الوفادة إلى الله عزّ وجل وطلب الزيادة والخروج من كل ما اقترف العبد تائباً ممّا مضى مستأنفاً لما يستقبل مع ما فيه من إخراج الأموال، وتعب الأبدان والاشتغال عن الأهل والولد وحظر الأنفس عن اللذات، شاخص في الحر والبرد ثابت ذلك عليه دايم مع الخضوع والاستكانة والتذلّل مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع في شرق الأرض وغربها ومن في البرد والحر(1) ممّن يحج وممّن لا يحج من بين تاجر وجالب وبائع ومشتري وكاسب ومسكين ومكار وفقير، وقضاء حوائج أهل الأطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيها من النفقة ونقل أخبار الأئمةعليهم‌السلام إلى كل صقع وناحية كما قال الله تعالى:( فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (2) .

الحج مؤتمر عام يهدف إلى غايات عظيمة ومنافع مهمّة تعود بالخير العميم على العالم الإسلامي، وقد أدلى الإمام الرضاعليه‌السلام ببعضها، ولو أردنا أن نستقصي ثمرات الحج وفوائده لضاق بنا المجال وأهم ما فيه تعارف الشعوب الإسلامية بعضها بحاجات البعض منها؛ وذلك للوصول إلى مستوى رفيع بين شعوب العالم وأُمم الأرض، ومضافاً لذلك هي الناحية الاقتصادية فإن لكل شعب من الشعوب الإسلامية صناعات ومنتوجات لا توجد في غيرها وبواسطة الحج يمكن إبرام اتفاقات تجارية فيما بينها لتبادلها.

وعلى أي حال فالحج يرمز إلى رفع مستوى الحياة الفكرية والعملية والاقتصادية للمسلمين، ولا يضاهيه أي مؤتمر من مؤتمرات الدول العالمية.

الحج مرة واحدة:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أمروا بحجّة واحدة لا أكثر من ذلك؟

قيل له: لأنّ الله تعالى وضع الفرايض على أدنى القوم مرة كما قال الله عزّ وجل:( فما استيسر من الهدي ) يعني شاة؛ ليسع له القوي والضعيف، وكذلك سائر الفرائض إنّما وضعت على أدنى القوم قوّة فكان من تلك الفرائض الحج

____________________

(1) لعلّ الصحيح: في البر والبحر.

(2) سورة التوبة: آية 122.


المفروض واحداً، ثم رغب بعد أهل القوّة بقدر طاقتهم).

حجّة الإسلام إنّما تجب على المسلم مرة واحدة ولم يفرض فيها التعدد للحكمة التي أدلى بها الإمامعليه‌السلام ، وهي أنّ الإسلام قد وضع تكاليفه وأحكامه على أدنى الناس قوّة وأدناهم قوّة في البدن والمال لا يتمكن الحج أكثر من مرة واحدة.

فلذا وجب على الجميع مرة واحدة، نعم قد يجب الحج بالنذر وشبهه وبالإجارة، وغير ذلك ممّا ذكره الفقهاء.

الإحرام:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم أمروا بالإحرام؟

قيل: لأن يخشعوا قبل دخول حرم الله عزّ وجل وأمنه ولئلاّ يلهوا ويشتغلوا بشيء من أمر الدنيا وزينتها، ويكونوا جادين فيما بينهم قاصدين نحوه مقبلين عليه بكليتهم مع ما فيه من التعظيم لله تعالى ولبيته، والتذلّل لأنفسهم عند قصدهم إلى الله تعالى ووفادتهم إليه راجين ثوابه راهبين من عقابه ماضين نحوه مقبلين إليه بالذل والاستكانة والخضوع).

إنّ الحاج إذا أحرم للحج أو للعمرة فيجب عليه أن يبتعد عن شهوات نفسه وملذّاتها، ويخرج عن مألوفاتها فتحرم عليه وسائل الرفاهية والزينة من النساء ولبس المخيط والطيب وحلق شعر رأسه ويجتنب هجر الكلام ومره فلا جدال ولا فسوق في الحج.

إنّ الإحرام رياضة للنفس على احتمال المشاق والمكروه وفيها من التعظيم لله تعالى، وإذلال النفس أمامه، إلى غير ذلك من الحكم التي ذكرها الإمامعليه‌السلام .

الطواف بالبيت:

قالعليه‌السلام فيما كتبه لمحمد بن سنان: (وعلّة الطواف بالبيت إن الله تبارك وتعالى قال للملائكة:( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) فردوا على الله تعالى بهذا الجواب فندموا ولاذوا بالعرش واستغفروا فأحب الله عزّ وجل أن يتعبد بمثل تلك العبادة فوضع في السماء الرابعة


بيتاً بحذاء العرش يسمى الضراح ثم وضع في السماء الدنيا بيتا يسمى (المعمور) بحذاء البيت المعمور، ثم أمر آدم فطاف به فتاب الله عزّ وجل عليه وجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة).

إنّ الطواف حول الكعبة المقدسة فيه من الدروس الرفيعة التي منها: أنّه تخليد لذلك المكان العظيم الذي بناه شيخ الأنبياء إبراهيمعليه‌السلام لعبادة الله الواحد القهّار في وقت لم يكن هناك بيت للعبادة سواه، ومنها: أنّ الطواف معراج للمؤمن كالصلاة ففيه سمو للروح واتصال بالخالق العظيم، إلى غير ذلك من الثمرات والفوائد.

استلام الحجر:

قالعليه‌السلام : (وعلّة استلام الحجر: أنّ الله تبارك وتعالى لـمّا أخذ ميثاق بني آدم ألقمه الحجر، فمن ثمّ كلف الناس تعاهد ذلك الميثاق، ومن ثمّ يقال: عند الحجر أمانتي أديتها وميثاق تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، ومنه قول سلمان ليجيء الحجر يوم القيامة مثل أبي قبيس له لسان وشفتان يشهد لـمَن وافاه بالموافاة).

لقد تحدث الإمامعليه‌السلام عن الحكمة في استلام الحجر الأسود الذي هو موضع تقديس وتعظيم عند المسلمين، فقد كرّمه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وقبّله، وممّا لا شبهة أنّ ذلك ينم عن سمو هذا الحجر الذي يشهد لـمَن وافاه يوم القيامة بالموافاة له.

الحج في ذي الحجة:

قالعليه‌السلام : (فإن قال قائل: فلم جعل وقتها عشر ذي الحجّة؟

قيل: لأنّ الله تعالى أحب أن يعبد بهذه العبادة أيام التشريق، وكان أوّل ما حجّت إليه الملائكة وطافت به في هذا الوقت فجعله سنة ووقتاً إلى يوم القيامة فأمّا النبيون: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلّى الله عليه وعليهم أجمعين وغيرهم من الأنبياء إنّما حجّوا في هذا الوقت فجعلت سنّة في أولادهم إلى يوم القيامة).

ولهذه الأسباب فقد جعل الحج في هذا الوقت المبارك دون غيره.


كلمة فيليب حتي في الحج:

ومن الجدير بالذكر أن نختم هذا البحث عن الحج بكلمة للدكتور فيليب حتى قال: (ولا يزال الحج على كرّ العصور نظاماً لا يبارى في تشديد عرى التفاهم الإسلامي والتأليف بين مختلف طبقات المسلمين وبفضله يتسنّى لكل مسلم أن يكون رحّالة مرة في حياته على الأقل، وأن يجتمع مع غيره من المؤمنين اجتماعاً أخويّاً ويوحد شعوره مع شعور مَن سواه من القادمين من أطراف الأرض، وبفضل هذا النظام يتيسّر للزنوج والبربر والصينيين والفرس والترك والعرب وغيرهم - أغنياء كانوا أم فقراء عظماء أم صعاليك - أن يتآلفوا لغةً وإيماناً وعقيدةً، وقد أدرك الإسلام نجاحاً لم يتفق لدين آخر من أديان العالم في القضاء على فوارق الجنس واللون والقومية خاصةً بين أبنائه؛ فهو لا يعترف بفاصل بين أفراد البشر إلاّ الذي يقوم بين المؤمنين وبين غير المؤمنين، ولا شك أن الاجتماع في مواسم الحج أدّى خدمة كبرى في هذا السبيل)(1) .

الزكاة:

قالعليه‌السلام : فيما كتبه لمحمد بن سنان عن أجوبة مسائله في علل الأحكام قال:

(وعلّة الزكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء لأنّ الله تبارك وتعالى كلّف أهل الصحّة القيام بشأن أهل الزمانة - وهم المرضى - والبلوى كما قال الله تعالى:( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ) (2) في أموالكم بإخراج الزكاة وفي أنفسكم بتوطين الأنفس على الصبر، مع ما في ذلك من أداء شكر نعم الله عزّ وجل، والطمع في الزيادة مع ما فيه من الرأفة والرحمة لأهل الضعف والعطف على أهل المسكنة، والحث لهم على المواساة، وتقوية الفقراء، والمعونة على أمر الدين، وهم عظة لأهل الغنى وعبرة لهم؛ ليستدلوا على فقراء الآخرة بهم، وما لهم من الحث في ذلك على الشكر لله تبارك وتعالى لما خولهم وأعطاهم، والدعاء والتضرّع والخوف من أن يصيروا مثلهم في أمور كثيرة في أداء الزكاة والصدقات، وصلة الأرحام،

____________________

(1) تأريخ العرب 1 / 187 ط 2.

(2) سورة آل عمران: آية 186.


واصطناع المعروف).

الزكاة نظام اجتماعي خلاّق يحفظ التوازن بين طبقات الأُمّة، ويقضى على داء الفقر الذي هو مأوى لكل جريمة ففي البيئات التي يشيع الفقر فيها تروّج المذاهب المتطرفة وتستحل الأعمال الوحشية.

إنّ الزكاة تطهّر النفوس من البخل والقسوة والأثرة والطمع، وغير ذلك من أرجاس الرذائل الاجتماعية التي تبعث على الفتن والكراهية والعدوان... وقد تحدث الإمامعليه‌السلام عن ثمراتها ومصالحها التي تعود على المجتمع بالخير العميم.

علل بعض المحرمات:

وأدلى الإمامعليه‌السلام بالعلل التي من أجلها حُرّمت بعض الأعمال في الإسلام ذلك فيما كتبه إلى محمد بن سنان عن أجوبة مسائله وهي:

1 - قتل النفس:

قالعليه‌السلام : (وحرّم الله قتل النفس لعلّة فساد الخلق في تحليله لو أحل وفنائهم وفساد التدبير).

تعتبر جريمة القتل العمد من أخطر الجرائم وأشدّها إخلالاً بالأمن وقد حرّمه الإسلام وشدّد في العقوبة على الجاني قال تعالى:( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ) (1) ولو حلّت هذه الجريمة لأوجبت فساد الخلق وفناءهم.

2 - عقوق الوالدين:

قالعليه‌السلام : (وحرّم الله عقوق الوالدين لما فيه من الخروج عن التوقير...).

إنّ الله تعالى قرن حقوق الوالدين بحقوقه وطاعتهما بطاعته، وإنّ من أفحش المحرّمات عقوقهما والتنكّر لما أسدياه على الولد من ألوان البر والإحسان.

3 - الزنا:

قالعليه‌السلام : (وحرّم الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس وذهاب الأنساب وترك التربية للأطفال، وما أشبه ذلك من وجوه الفساد).

____________________

(1) سورة البقرة: آية 179.


الزنا من أفحش ألوان الرذائل ووصفه القرآن بالفاحشة قال تعالى:( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) (1) .

والزاني يشكل جريمة على المجتمع الإنساني؛ لأنّه إن نشأ منه طفل فإنّه ينشأ بلا أب يرعاه ويصاب بالعقد النفسية، ويقترف أفظع الجرائم، بالإضافة إلى إضاعة الأنساب، بينما الزواج ناموس طبيعي يفرض على المرء أن يبذل حياته لتربية أطفاله تربية صالحة ليكونوا قرّة عينٍ له.

عقوبة الزاني:

قالعليه‌السلام : (وعلة ضرب الزاني على جسده بأشد الضرب لمباشرته الزنا واستلذاذ كله به فجعل الضرب عقوبة له وعبرة لغيره وهو أعظم الجنايات).

وكان من محاسن التشريع الإسلامي أن شرع العقوبات الصارمة لهذه الرذيلة وهي مائة جلدة لغير المحصن والرجم للمحصن قال تعالى:( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (2).

الشهادة المثبتة للزنا:

قالعليه‌السلام : (والعلّة في شهادة أربعة - أي الشهود - في الزنا واثنين في سائر الحقوق لشدة حد المحصن؛ لأنّ فيه القتل فجعلت الشهادة فيه مضاعفة لما فيه من قتل نفسه وذهاب نسب ولده ولفساد الميراث).

إنّ عقوبة الزنا لا تثبت إلاّ بأربعة شهود عدول يرون حقيقة الزنا بالمشاهدة ولا بد أن يشهدوا جميعاً، فإذا تخلّف واحد منهم تعرض الثلاثة الباقون لعقوبة

القذف والحكمة في هذا التشديد لئلاّ يتجرّأ الناس على اتهام بعضهم بعضاً دون مبالاة.

____________________

(1) سورة الإسراء: آية 32.

(2) سورة النور: آية 2.


4 - اللواط والمساحقة:

قالعليه‌السلام : (وعلّة تحريم الذكران للذكران والإناث بالإناث لما ركب في الإناث، وما طبع عليه الذكران، ولما في إتيان الذكران الذكران والإناث الإناث من انقطاع النسل وفساد التدبير وخراب الدنيا).

أمّا اللواط فإنّه من الجرائم الخُلُقية، وفيه خروج عن سنن الطبيعة، وقد سمّاه الله تعالى بالفاحشة قال تعالى:( وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ) (1) .

وعقوبة اللواط القتل؛ لأنّ في هذه الجريمة إضاعة الأنساب وخراب الدنيا كما قال الإمامعليه‌السلام .

وأمّا المساحقة فإنّها من الرذائل الخلقية، وفيها شذوذ عن سنّة الله تعالى وخروج عن طبيعة الإنسان.

5 - النظر إلى شعور النساء:

قالعليه‌السلام : وحرّم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج والى غيرهن من النساء؛ لما فيه من تهيج الرجال، وما يدعو التهييج إليه من الفساد والدخول فيما لا يحل، ولا يحل، وكذلك ما أشبه الشعور إلاّ الذي قال الله تعالى:( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) (2) .

أي غير الجلباب فلا بأس بالنظر إلى شعور مثلهن.

إنّ النظر إلى شعر المرأة وزينتها يكهرب الرجل ويدفعه إلى اقتراف الحرام، أمّا النظر إلى شعر العجائز الطاعنات في السن فإنّه لا يبعث غراماً ولا يولّد شهوة؛ فلذا أباحه الإسلام.

6 - الربا:

وعرض الإمامعليه‌السلام إلى بيان الأسباب والعلل في تحريم الربا؛ وذلك في عدة بيانات وهي:

____________________

(1) سورة العنكبوت: آية 28.

(2) سورة النور: آية 60.


أ - قالعليه‌السلام : (وعلّة تحريم الربا: إنّما نهى الله عنه لما فيه من فساد الأموال؛ لأنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً وثمن الآخر باطلاً فبيع الربا وكس على كل حال على المشتري وعلى البايع فحرّم الله تبارك وتعالى الربا لعلة فساد الأموال كما حظر عل السفيه أن يدفع ماله إليه لما يتخوف عليه من إفساده حتى يؤنس منه رشده فلهذه العلّة حرم الله الربا وبيع الدرهمين يداً بيد).

ب - قالعليه‌السلام : (وعلّة تحريم الربا بعد البينة لما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرم وهي كبيرة بعد البيان، وتحريم الله تعالى لها، ولم يكن ذلك منه - أي من المرابي - إلاّ استخفاف بالتحريم للحرام والاستخفاف بذلك دخول في الكفر).

ج - قالعليه‌السلام : (وعلّة تحريم الربا بالنسيئة لعلّة ذهاب المعروف وتلف الأموال، ورغبة الناس في الربح، وتركهم القرض والفرض، وصنايع المعروف، ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال).

حرّم الإسلام تحريماً شاملاً الربا واعتبره من أفحش أنواع الظلم وهو يتنافى مع تعاليم الإسلام التي تدعو إلى المعونة والمساعدة والرحمة، والربا يسبب العداوة والبغضاء، وينشر البؤس والفقر بين الناس.

إنّ الربا يؤدّي إلى وجود طبقة رأسمالية في المجتمع تتضخم عندها الأموال وهي لا تعمل ولا تبذل جهداً في الحركة الاقتصادية.

وقد ثبت أنّ الربا وسيلة لاستعمار الشعوب واحتلالها، فالحكومات التي تستقرض تتضاعف عليها الفوائد فتعجز عن تسديدها وتقع بذلك تحت شبكة الاستعمار الذي ينهب الثروات ويترك البؤس شائعاً في البلاد.

وجاء تحريم الربا في القرآن تحريماً قاطعاً، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ) (1) ، وقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) (2) .

____________________

(1) سورة آل عمران: آية 130 - 131.

(2) سورة البقرة: آية 278.


وقد لعن الإسلام صاحب رأس المال والمدين والكاتب والشاهد؛ لأنّهما أعانا على ما نهى الله عنه.

7 - أكل مال اليتيم:

قالعليه‌السلام : (وحرم أكل مال اليتيم ظلماً لعلل كثيرة من وجوه الفساد أول ذلك أنّه إذا أكل الإنسان مال اليتيم ظلماً فقد أعان على قتله؛ إذ اليتيم غير مستغن، ولا محتمل لنفسه ولا علم بشأنه، ولا له مَن يقوم عليه ويكفيه كقيام والديه فإذا أكل ماله فكأنّه قد قتله وصيّره إلى الفقر والفاقة مع ما خوف الله عزّ وجل، وجعل من العقوبة في قوله عزّ وجل:( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ) (1) .

ولقول أبي جعفرعليه‌السلام : (إنّ الله عزّ وجل وعد في أكل مال اليتيم عقوبتين: عقوبة في الدنيا، وعقوبة في الآخرة ففي تحريم مال اليتيم استبقاء اليتيم واستقلاله بنفسه والسلامة للعقب أن يصيبه ما أصابه لما وعد الله فيه من العقوبة، مع ما في ذلك من طلب اليتيم بثأره إذا أدرك ووقوع الشحناء والعداوة والبغضاء حتى يتفانوا).

لقد شدّد الإسلام في تحريم أكل مال اليتيم وأمر بصيانة أمواله والمحافظة عليها حتى يبلغ، قال تعالى:( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) (2) .

وقد أدلى الإمامعليه‌السلام بالأسباب الناجمة عن حرمة أكل مال اليتيم.

8 - السرقة:

قالعليه‌السلام : (وحرمة السرقة لما فيه من فساد الأموال، وقتل الأنفس لو كانت مباحة، ولما تأتي في التغاصب من القتل والتنازع والتحاسد، وما يدعو إلى ترك التجارات والصناعات في المكاسب واقتناء الأموال إذا كان الشيء المقتنى لا يكون أحد أحق به من أحد).

____________________

(1) سورة النساء: آية 9.

(2) سورة النساء: آية 6.


أمّا السرقة فهي من أفحش المحرّمات؛ لأنّها أكل لأموال الناس بغير حق فالسارق يأخذ مال الغير الذي أفنى عمره في تحصيله ويترك شبح الفاقة جاثماً عليه، وينعم هو بما سرقه منه وهو من أسوأ ألوان الظلم، وقد جعل الشارع العظيم عقوبة السارق قطع اليد قال تعالى:( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا ) (1).

ويشترط في السرقة التي توجب قطع اليد عدّة شروط ذكرها الفقهاء، فإذا توفّرت فتقطع يد السارق.

قطع يد السارق اليمنى:

قالعليه‌السلام : (وعلّة قطع اليمين من السارق، ولأنّه يباشر الأشياء بيمينه، وهي أفضل أعضائه وأنفعها له، فجعل قطعها نكالاً وعبرة للخلق لئلاّ يبغوا أخذ الأموال من غير حلّها، ولأنّه أكثر ما يباشر السرقة بيمينه.

وحرم غصب الأموال وأخذها من غير حلّها لما فيه من أنواع الفساد، والفساد محرم لما فيه من الفناء وغير ذلك من وجوه الفساد).

ولهذه الأسباب الوثيقة التي أدلى بها الإمامعليه‌السلام فقد أمر الإسلام بقطع يد السارق اليمنى دون اليسرى.

9 - الخمر:

قالعليه‌السلام : (حرّم الله الخمر لما فيها من الفساد، ومن تغييرها عقول شاربيها وحملها إيّاهم على إنكار الله عزّ وجل، والفرية عليه وعلى رسله وساير ما يكون منهم من الفساد والقتل والقذف والزنا وقلّة الاحتجاز من شيء من الحرام؛ فبذلك قضينا على كل مسكر من الأشربة أنّه حرام محرّم لأنّه يأتي من عاقبتها ما يأتي من عاقبة الخمر فليجتنبه مَن يؤمن بالله واليوم الآخر ويتولاّنا وينتحل مودّتنا فإنّه لا عصمة بيننا وبين شاربيها).

أمّا مضار الخمر على الإنسان وعلى المجتمع فهي كثيرة لا تحصى، وقد حرّمها

____________________

(1) سورة المائدة: آية 38.


الإسلام تحريما باتّاً، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ (1) وَالأَنْصَابُ (2) والأزلام (3) رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) (4) .

إنّ الخمر سبب لكل رذيلة ومنشأ لارتكاب كل منكر، وأنّ كثيراً من حوادث الزنا والسرقة وغيرهما من الجرائم تنشأ من الخمر، مضافاً إلى تدميره لصحّة الإنسان فإنّ الكحول التي فيها تتسرب إلى دم الإنسان حتى أنّه لو أخذ مقدار من دم السكران فإنّه يحترق كما يحترق السبيرتو، مضافاً إلى ما يسبّبه من التهاب الجهاز الهضمي وارتفاع الضغط الدموي، وغير ذلك، وقد ذكرنا أضراره الصحيّة في كتابنا(العمل وحقوق العامل في الإسلام) .

10 - الميتة:

قالعليه‌السلام : (وحرّمت الميتة لما فيها من فساد الأبدان والآفة الخ...).

أمّا أكل الميتة فهو يسبب كثيراً من الأمراض، وربّما أدّى الأكل منها إلى الوفاة (5) فإنّ الجراثيم لا تزال ملازمة لها، وإن تعقيم لحم الميتة بطريق النار لا يجدي شيئاً، كما نصّ على ذلك الطب الحديث.

11 - الدم:

قالعليه‌السلام : (وحرّم الله عزّ وجل الدم كتحريم الميتة لما فيه من فساد الأبدان؛ ولأنّه يورث الماء الأصفر، ويبخر الفم، وينتن الريح، ويسيء الخُلُق، ويورث القسوة للقلب، وقلّة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل والده وصاحبه).

وحرم الإسلام شرب الدم؛ لأنّه يحمل إفرازات وسموماً قاتلة، أمّا إذا أخذ من دم حيوان مريض فإنّ الجراثيم التي فيه تنتقل إلى مَن يتناوله، وبإجماع الأطباء أنّ الدم لا يعتبر غذاءً مطلقاً.

____________________

(1) الميسر: هو القمار.

(2) حجارة أو أصنام كان العرب يذبحون قرابينهم عندها.

(3) الأزلام: قطع من الخشب بهيئة السهام كانوا في الجاهلية يستقسمون بها لأجل التفاؤل والتشاؤم.

(4) سورة المائدة: آية 90.

(5) الإسلام والطب الحديث للدكتور عبد العزيز إسماعيل (ص 17).


12 - الطحال:

قالعليه‌السلام : (وحرم الطحال؛ لما فيه من الدم، ولأنّ علته وعلّة الدم والميتة واحدة؛ لأنّه يجرى مجراها في الفساد).

أمّا الطحال فقد حرمه الإسلام واعتبره كالدم والميتة؛ وذلك لما يترتب على تناوله من الأضرار والمفاسد لجسم الإنسان كما أفاد الإمامعليه‌السلام .

13 - الخنزير والقرد:

قالعليه‌السلام : (وحرم الخنزير؛ لأنّه مشوّه، جعله الله عزّ وجل عظة للخلق وعبرة وتخويفاً ودليلاً على ما مسخ على خلقته، ولأنّ غذاءه أقذر الأقذار مع علل كثيرة.

وكذلك حرم القرد؛ لأنه مسخ مثل الخنزير، وجعل عظة وعبرة للخلق ودليلاً على ما مسخ على خلقته وصورته، وجعل فيه شبهاً من الإنسان ليدل على أنّه من الخلق المغضوب عليهم).

لقد حرم الإسلام لحم الخنزير، وقد أنقذ المسلمين بذلك من شر عظيم يقول بيتي وديسكون: إنّ الإصابة بدودة لحم الخنزير تكاد تكون عامة في جهات خاصة من (فرنسا) و (ألمانيا) و (وإيطاليا) و (بريطانيا)، ولكنّها تكاد تكون نادرة الوجود في البلاد الشرقية؛ لتحريم دين أهلها أكل لحم الخنزير، وينقل لحم الخنزير كذلك مرض (الترنجينا) للإنسان.

وفيما يلي بعض الحقائق عن لحم الخنزير ومدى خطورته:

أ - لا يمكن للطبيب الأخصائي أن يقرّر أنّ خنزيراً غير مصاب بهذه الديدان بل أنّ جميعها مصابة بها.

ب - إنّ الأنثى الواحدة من هذه الديدان تضع (1500 جنين) في الغشاء المخاطي المبطّن لأمعاء المصاب فتوزع الملايين المولودة من الإناث جميعاً بطريق الدورة الدموية وتبثها في جميع أجزاء الجسم وتتجمع الأجنة في العضلات.


فتسبّب آلاماً شديدة والتهابات عضلية مؤلمة جداً، ويصاب بعد ذلك بأورام خبيثة.

ج - أنّه لا يوجد علاج لهذا المرض، ومضافاً لذلك فإنّ لحم الخنزير ينقل للإنسان بعض الجراثيم العفنة (والبارا تيفود) وهي تسبب للإنسان تسمّماً حاداً مصحوباً بالتهابات شديدة في الجهاز الهضمي قد تسبب الوفاة في بضع ساعات(1) .

14 - الأرنب:

قالعليه‌السلام : (وحرم الأرنب؛ لأنّها بمنزلة السنور ولها مخالب كمخالب السنّور وسباع الوحش فجرت مجراها مع قذرها في نفسها، وما يكون منها من الدم كما يكون من النساء؛ لأنّها مسخ).

أمّا الأرنب فحرام أكله، وقد ذكر الإمامعليه‌السلام علل ذلك، ولكنّ بعض المذاهب الإسلامية لم تستقذره وأباحت أكله.

15 - سباع الطير والوحش:

قالعليه‌السلام : (وحرم سباع الطير والوحش كلها لأكلها الجيف ولحوم الناس والعذرة وما أشبه ذلك؛ فجعل الله عزّ وجل دلائل ما يحل من الوحش والطير وما حرم كما قال أبيعليه‌السلام : كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام وكل ما كانت له قانصة من الطير فحلال.

وعلّة أخرى يفرق بين ما يحل من الطير وما حرم قولهعليه‌السلام : كل ما دفّ ولا تأكل ما صف).

وحرم الإسلام سباع الطير: كالبازي والرخمة، وكذا يحرم من الطيور ما ليس له قانصة ولا حوصلة ولا صيصية وهي الشوكة خلف رجل الطائر خارجة عن الكف ويكفي وجود واحدة منها في حل الطير(2) .

وقد علّل الإمامعليه‌السلام الحرمة بأنّها تأكل الجيف ولحوم الناس والعذرة، ويتأثّر لحمها بذلك، فلحومها غير صالحة لمعدة الإنسان.

16 - ما أهل به لغير الله:

قالعليه‌السلام : (وحرم ما أُهلّ به لغير الله الذي أوجب الله عزّ وجل

____________________

(1) روح الدين الإسلامي (ص 405) ط الثالثة.

(2) منهاج الصالحين 2 / 274.


على خلقه من الإقرار به وذكر اسمه على الذبائح المحلّلة، ولئلاّ يسوى بين ما تقرب به إليه وبين ما جعل عبادة للشياطين، والأوثان؛ لأنّ في تسمية الله عزّ وجل الإقرار بربوبيته وتوحيده وما في الإهلال لغير الله من الشرك به والتقرّب به إلى غيره؛ ليكون ذكر الله وتسميته على الذبيحة فرقاً بين ما يحل الله وبين ما حرّم الله).

لقد حرّم ما أهل به لغير الله تعالى ممّا يتقرّب به إلى الأصنام والأوثان، وهو ما تعمله الجاهلية الأولى التي لا تملك وعياً ولا فكراً، فهي كالبهائم، وقد حرّم الإسلام ذبائحها استقذاراً لأفكارها وأعمالها وأنّ ذبائحهم غير نظيفة ولا صالحة للأكل.

كراهة أكل لحوم البغال:

قالعليه‌السلام : (وكره أكل لحوم البغال والحمير الأهلية لحاجة الناس إلى ظهورها واستعمالها، والخوف من قلّتها، لا لقذر خلقتها، ولا لقذر غذائها).

لقد كره الإسلام أكل لحوم البغال والحمير الأهلية؛ وذلك لأنّهما من أهم وسائل النقل في تلك العصور، وذبحها ممّا يوجب الشحّة في وسائل النقل؛ فلذا كره الإسلام ذبحها، أمّا لحمها فهو صالح للأكل وليس فيه شيء ممّا يوجب الضرر بالصحّة العامّة.

زواج الرجل بأربعة نسوة:

قالعليه‌السلام : (وعلّة تزويج الرجل أربعة نسوة وتحريم أن تتزوج المرأة أكثر من واحد؟

لأنّ الرجل إذا تزوّج أربع نسوة كان الولد منسوباً إليه، والمرأة لو كان لها زوجان وأكثر من ذلك لم يعرف الولد لـمَن هو؟ إذ هم مشتركون في نكاحها، وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف).

لقد بيّن الإمامعليه‌السلام الحكمة في جواز زواج الرجل بأربع نساء دون المرأة، فليس لها ذلك، فإنّه لو أُبيح لها الزواج بأكثر من زوج واحد في زمان واحد فإنّ مَن يولد منها لـمَن يكون من الزوجين؟ وبذلك تضيع الأنساب وتفسد المواريث.

الطلاق ثلاثاً:

قالعليه‌السلام : (وعلّة الطلاق ثلاثاً لما فيه من المهلة فيما بين الواحدة إلى الثلاث لرغبة تحدث أو سكون غضبه إن كان، وليكون ذلك تخويفاً وتأديباً للنساء وزجراً لهن عن معصية أزواجهن فاستحقّت المرأة الفرقة والمباينة لدخولها


فيما لا ينبغي معصية زوجها).

طلاق العدّة هو أن يطلق الرجل زوجته مع اجتماع الشرائط، ثم يراجع قبل خروجها من العدة فيواقعها، ثم يطلقها في طهر آخر فتحرم عليه حتى تنكح زوجاً آخر، وقد ذكر الإمامعليه‌السلام الحكمة في هذا الطلاق وأسبابه.

المطلقة تسع تطليقات:

قالعليه‌السلام : (وعلّة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات، فلا تحل له أبداً عقوبة لئلاّ يتلاعب بالطلاق، ولا يستضعف المرأة، وليكون ناظراً في أموره متيقظاً معتبراً، وليكون يأسا لهما من الاجتماع بعد تسع تطليقات).

المرأة إذا طُلّقت على النحو المذكور في المسألة السابقة فتزوّجها شخص ثم طلقها فتزوجها زوجها الأول فطلقها ثلاثاً، على النهج السابق، حرمت عليه حتى تنكح زوجاً آخر، فإذا تزوجها آخر وطلقها ثم تزوجها زوجها الأول فطلقها ثلاثاً على النهج السابق حرمت عليه مؤبّداً، وقد علّل الإمامعليه‌السلام ذلك بما ذكره، وأمّا إذا كان الطلاق ليس عدياً فإنّها لا تحرم المطلقة مؤبّداً وإن زاد عدد الطلاق على التسع.

ميراث المرأة:

أما ميراث المرأة فإنّها ترث نصف ما يرث الرجل وقد عللعليه‌السلام ذلك بتعليلين وهما:

الأول: قالعليه‌السلام : (وعلّة إعطاء النساء نصف ما يعطي الرجال من الميراث؛ لأنّ المرأة إذا تزوّجت أخذت والرجل يعطي، فلذلك وفر على الرجال).

الثاني: قالعليه‌السلام : (وعلّة أخرى في إعطاء الذكر مثلي ما تعطى الأنثى؛ لأنّ الأنثى في عيال الذكر إن احتاجت، وعليه أن يعولها، وعليه نفقتها، وليس على المرأة أن تعول الرجل، ولا يؤخذ بنفقته إن احتاج فوفر الله تعالى على الرجال لذلك، وذلك قول الله عزّ وجل:( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا ) (1) .

بما أنّ الرجل مسؤول عن الإنفاق على المرأة بما تحتاجه من المسكن والطعام

____________________

(1) سورة النساء: آية 234.


واللباس، وغير ذلك ممّا ذكره الفقهاء؛ فلذا كان ميراثها نصف ميراث الرجل كما أفاد الإمامعليه‌السلام ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن علل بعض الأحكام التي أُثرت عن الإمامعليه‌السلام .

أحوال الأنبياء والأمم السالفة:

وسُئل الإمامعليه‌السلام عن علل أحوال بعض الأنبياء والأمم السالفة فأجاب وفيما يلي بعضها:

غرق فرعون:

روى إبراهيم بن محمد الهمداني قال: قلت لأبي الحسن على بن موسى الرضاعليه‌السلام : لأيّ علّة أغرق الله عزّ وجل فرعون، وقد آمن به وأقرّ بتوحيده؟

قالعليه‌السلام : (لأنّه آمن عند رؤية البأس، والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول؛ وذلك حكم الله تعالى في السلف والخلف، قال الله عزّ وجل: ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) (1) وقال عزّ وجل: ( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ) (2) وهكذا فرعون لما أدركه الغرق قال: ( آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) فقيل له: ( آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) (3) .

وقد كان فرعون من قرنه إلى قدمه في الحديد وقد لبسه على بدنه، فلمّا أغرق ألقاه الله على نجوة من الأرض ببدنه ليكون لـمَن بعده علامة، فيرونه مع ثقله بالحديد على مرتفع من الأرض وسبيل التثقيل أن يرسب ولا يرتفع وكان ذلك آية وعلامة.

ولعلّة أخرى أغرق الله عزّ وجل فرعون وهي أنّه استغاث بموسى لـمّا أدركه الغرق، ولم يستغث بالله، فأوحى الله عزّ وجل إليه: يا موسى لم تغث فرعون؟ لأنّك لم

____________________

(1) سورة المؤمن: آية 84 - 85.

(2) سورة الأنعام: آية 158.

سورة يونس: آية 90 - 92.


تخلقه ولو استغاث بي لأغثته).

غرق الدنيا أيام نوح:

روى عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت للرضاعليه‌السلام : يا بن رسول الله لأيّ علّة أغرق الله عزّ وجل الدنيا كلها في زمن نوح وفيهم الأطفال، وفيهم مَن لا ذنب له؟

قالعليه‌السلام : (ما كان فيهم الأطفال؛ لأنّ الله عزّ وجل أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائهم أربعين عاماً فانقطع نسلهم، فغرقوا ولا طفل فيهم، وما كان الله عزّ وجل ليهلك بعذابه مَن لا ذنب له، وأمّا الباقون من قوم نوح فأغرقوا بتكذيب المكذبين، ومَن غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهده وأتاه).

معجزة موسى:

قال ابن السكيت للإمام الرضاعليه‌السلام : لماذا بعث الله عزّ وجل موسى بن عمران بالعصا ويده البيضاء آلة السحر، وبعث عيسى بالطب، وبعث محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بالكلام والخطب؟

فقالعليه‌السلام : (إنّ الله تبارك وتعالى لـمّا بعث موسى كان الأغلب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله عزّ وجل بما لم يكن عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجّة عليهم، وإنّ الله تبارك وتعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات - وهي العلل والأمراض - احتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله عزّ وجل بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى وأبرأ لهم الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى، وأثبت به الحجّة عليهم وإن الله تبارك وتعالى بعث محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام، فأتاهم من كتاب الله عزّ وجل ومواعظه وأحكامه، ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجّة عليهم).

وبهر ابن السكيت وراح يقول: تالله ما رأيت مثلك اليوم قط فما الحجّة على الخلق اليوم؟

فقالعليه‌السلام : (العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه).

فقال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب...


أولو العزم:

قالعليه‌السلام : (إنّما سُمّي أُولو العزم بأُولي العزم لأنّهم كانوا أصحاب الشرائع والعزايم؛ وذلك أنّ كل نبي بعد نوح وكل نبي كان في أيام إبراهيم وبعده كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهؤلاء الخمسة أولو العزم، فهم أفضل الأنبياء والرسل، وشريعة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تنسخ إلى يوم القيامة، ولا نبي بعده إلى يوم القيامة، فمَن ادعى بعده نبوّة أو أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل مَن سمع ذلك منه...).

الحواريون:

روى علي بن الحسن بن علي بن فضال عن أبيه قال قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : لم سمّي الحواريون الحواريين؟

قالعليه‌السلام : (أمّا عند الناس فإنّهم سُمّوا حواريين لأنّهم كانوا قصارين يخلصون الثياب من الوسخ بالغسل، وهو اسم مشتق من الخبز الحوار (1) . وأمّا عندنا فسُمّي الحواريون الحواريين لأنّهم كانوا مخلصين في أنفسهم ومخلصين لغيرهم من أوساخ الذنوب بالوعظ والتذكير.

قال: فقلت له: فلم سمّي النصارى؟ قال: لأنّهم من قرية اسمها (ناصرة) من (بلاد الشام) نزلتها مريم وعيسى بعد رجوعهما من مصر).

إبراهيم خليل الله:

روي الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: سمعت أبي يحدث عن أبيهعليه‌السلام أنّه قال: إنّما اتخذ الله عزّ وجل إبراهيم خليله؛ لأنّه لم يرد أحداً، ولم يسأل أحداً قط غير الله عزّ وجل.

إسماعيل صادق الوعد:

روى سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أنّه قال: أتدري لم سمي إسماعيل صادق الوعد؟قلت:

____________________

(1) الخبز الحوار هو الذي نخل مرة بعد مرة. وفي القاموس: إنّه الدقيق الأبيض.


لا أدري فقال: وعد رجلاً فجلس له حولاً ينتظره.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن علل أحوال بعض الأنبياء والأمم السالفة التي أدلى بها الإمامعليه‌السلام .

علل بعض الشؤون الإسلامية:

وأثرت عن الإمامعليه‌السلام كوكبة من الأحاديث في تعليل بعض الشؤون الإسلامية وهي:

القرآن غض:

روى إبراهيم بن العباس عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه روى عن أبيه: أنّ رجلاً سأل الإمام الصادقعليه‌السلام فقال له: ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدراسة إلاّ غضاضة؟

فقالعليه‌السلام : لأنّ الله لم ينزله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة).

إنّ القرآن الكريم المعجزة الكبرى للإسلام؛ وذلك لما فيه من أحكام خلاّقة تساير الزمن وتساير التطوّر، وليس فيها ما يشذ عن سنن الكون ولا ما يخالف الفطرة، مضافاً لروعة فصاحته وعظيم بلاغته، فمهما تداولته الأيام فهو غض جديد.

علي قسيم الجنة والنار:

قال المأمون للرضاعليه‌السلام : يا أبا الحسن أخبرني عن جدّك أمير المؤمنين بأي وجه هو قسيم الجنة والنار؟ وبأي معنى، فقد كثر فكري في ذلك؟

قالعليه‌السلام : يا أمير المؤمنين ألم ترو عن أبيك عن آبائه عن عبد الله بن عباس أنّه قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (حب علي إيمان وبغضه كفر) فقال: بلى.

فقال الرضاعليه‌السلام : (فقسمة الجنة والنار إذا كانت على حبّه وبغضه فهو قسيم الجنة والنار).

فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنّك وارث علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال أبو الصلت الهروي: فلمّا انصرف الرضا إلى منزله أتيته فقلت له: يا بن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما أحسن ما أجبت به المأمون؟ فقال الرضا: (يا أبا الصلت إنّما كلّمته من حيث هو، ولقد سمعت أبي يحدث عن آبائه عن علي


عليه‌السلام أنّه قال: قال رسول الله (ص): يا علي أنت قسيم الجنة يوم القيامة تقول للنار: هذا لي وهذا لك...).

الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام هو رمز لكل مكرمة في الإسلام، فهو قسيم الجنة والنار ليس في ذلك شك، وقد تواترت الأخبار بذلك عن النبي (ص)(1) ، وقد علّل الرضاعليه‌السلام بهذا التعليل الوثيق الذي أعجب به المأمون.

عدم إرجاع فدك:

روى علي بن الحسن بن علي بن فضال عن أبيه عن الرضاعليه‌السلام قال: سألته عن أمير المؤمنينعليه‌السلام لم لم يسترجع فدك لما ولي أمر الناس؟

قالعليه‌السلام : (لأنّا أهل بيت إذا ولينا الله عزّ وجل لا يأخذ لنا حقوقنا ممّن ظلمنا إلاّ هو، ونحن أولياء المؤمنين إنّما نحكم لهم ونأخذ حقوقهم ممن يظلمهم ولا نأخذ لأنفسنا.....).

استولى أبو بكر على فدك وأخذها من يد سيدة نساء العالمين والسبب في ذلك أن لا تقوى شوكة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وهي حرب اقتصادية

الغرض منها شل الحركة المعادية للحكم القائم، وقد ظلت فدك بأيدي الولاة والحاكمين، وقد استرجعت للسادة العلويين أيام عمر بن عبد العزيز وأيام المأمون، والحديث عنها ذو شجون، والحاكم هو الله تعالى يحكم بين عباده بالحق في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

صحابة النبي (ص):

روى محمد بن موسى بن نصر الرازي قال: حدثني أبي قال سُئل الرضاعليه‌السلام عن قول النبي (ص): (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وعن قوله: (دعوا لي أصحابي)، فقالعليه‌السلام : هذا صحيح يريد مَن لم يغير بعده ولم يبدل قيل وكيف يعلم أنهم قد غيروا أو بدلوا؟ قال: لما يرونه من أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال ليذادن(2) برجال من

____________________

(1) الصواعق المحرقة (ص 75) وفي كنز العمال 6 / 402 قال علي: أنا قسيم النار. وفي كنوز الحقائق للمناوي (ص 92) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : علي قسيم النار.

(2) ليذادن: أي ليطردن.


أصحابي يوم القيامة عن حوضي كما تذاد غرايب الإبل عن الماء فأقول: يا رب أصحابي أصحابي فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: بعداً لهم وسحقاً(1) افترى هذا لمن لم يغير ولم يبدل).

وليست الصحبة عاصمة عن الخطأ ففي الصحابة سمرة بن جندب وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، وغيرهم من رؤوس النفاق والضلال.

انحراف الناس عن علي (ع):

روى علي بن الحسن بن علي بن فضال عن أبيه قال: سألت الإمام الرضاعليه‌السلام عن أمير المؤمنينعليه‌السلام كيف مال الناس عنه إلى غيره وقد عرفوا فضله وسابقته ومكانه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قالعليه‌السلام : (إنّما مالوا عنه إلى غيره وقد عرفوا فضله؛ لأنّه كان قتل من آبائهم وأجدادهم وإخوانهم وأعمامهم وأخوالهم وأقربائهم المحادين لله ولرسوله عدداً كثيراً، فكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم فلم يحبوا أن يتولى عليهم، ولم يكن في قلوبهم على غيره مثل ذلك؛ لأنّه لم يكن له في الجهاد بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل ما كان له فلذلك عدلوا عنه ومالوا إلى سواه).

لقد وتر الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام الأقربين والأبعدين في ذات الله تعالى، وحصد رؤوس المشركين بسيفه الذي أقام به الإسلام، وقد أترعت نفوس القوم بالكراهية والبغض له فمالوا عنه وحكّموا غيره.

سكوت الإمام عن أخذ حقه:

روى الهيثم بن عبد الله الرمّاني قال: سألت علي بن موسى الرضاعليه‌السلام فقلت له: يا بن رسول الله أخبرني عن علي بن أبي طالبعليه‌السلام لِم لم يجاهد أعداءه خمساً وعشرين سنة بعد رسول الله (صلّى الله عليه

وآله)، ثم جاهد في أيام ولايته؟

____________________

(1) روى النجاري 6 / 119 ط الأميرية عن عبد الله بن مسعود عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: أنا فرطكم على الحوض وليرفعن معي رجال منكم ثم ليختلجن دوني فأقول: يا رب أصحابي فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وبهذا المضمون روايات كثيرة.


قالعليه‌السلام : (لأنّه اقتدى برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوّة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة تسعة أشهر؛ وذلك لقلّة أعوانه عليهم، وكذلك عليعليه‌السلام ترك مجاهدة أعدائه لقلّة أعوانه عليهم فلمّا لم تبطل نبوّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع تركه الجهاد ثلاث عشر سنة وتسعة أشهر فكذلك لم تعطل إمامة علي مع تركه الجهاد خمساً وعشرين سنة؛ إذ كانت العلّة المانعة لهما واحدة).

إنّ الإمام أمير المؤمنين ترك حقّه ولم يجاهد أعداءه؛ وذلك لقلّة الناصر فقد قالعليه‌السلام : (وطفقت أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى...).

إنّ الإمام لم تكن له فئة ينصرونه، ولم يكن يأوي إلى ركن شديد مع كثرة أعدائه ومناوئيه، فصبر سلام الله عليه وترك حقّه إيثاراً للمصلحة العامة، وحفظاً على كلمة المسلمين.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن علل بعض الشؤون الإسلامية التي أدلى بها الإمامعليه‌السلام .



جوامع الكلم

وأثرت عن الإمام الرضاعليه‌السلام جمهرة من غرر الحكم والآداب والوصايا والنصائح وغيرها ممّا ينفع الناس، وقد دلّلت على أنّه كان المربّي الأكبر للعالم الإسلامي في عصره، وأنّه قد جهد على تهذيب المسلمين وتربيتهم بلباب الحكمة، ونلمح لبعض ما أثر عنه:

فضل العقل:

أمّا العقل فهو أفضل نعمة أنعمها الله به على الإنسان وميّزه به عن الحيوان السائم، وقد تحدث الإمام الرضاعليه‌السلام عنه في بعض أحاديثه وهي:

أ - قالعليه‌السلام : (صديق كل امرئ عقله، وعدوّه جهله)(1) .

ما أروع هذه الكلمة الحكيمة فإنّ العقل هو الصديق الأكبر للإنسان الذي يحميه ويصونه وينقذه من محن الدنيا وخطوبها، وعدو الإنسان الأكبر هو الجهل

الذي يلقي به في متاهات سحيقة من هذه الحياة.

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 11، وسائل الشيعة 11 / 161.


ب - روى أبو هاشم الجعفري قال: كنّا عند الرضاعليه‌السلام فتذاكرنا العقل والأدب فقالعليه‌السلام :

(يا أبا هاشم العقل حباء من الله والأدب كلفة، فمَن تكلّف الأدب قدر عليه، ومَن تكلّف العقل لم يزدد بذلك إلاّ جهلاً)(1) .

أمّا الأدب فهو أمر مكتسب يقدر على تحصيله الإنسان، وأمّا العقل فإنّه هبة ومنحة من الله تعالى لا يتمكّن الإنسان من كسبه.

ج - روى الحسن بن الجهم قال ذكر العقل عند أبي الحسن الرضاعليه‌السلام فقال:

(لا يعبأ بأهل الدين ممّن لا عقل له...) قلت له: جُعلت فداك إنّ ممّن يصف هذا الأمر قوما لا بأس بهم عندنا وليست لهم تلك العقول، فقال: (ليس هؤلاء ممّن خاطب الله، إنّ الله خلق العقل فقال له اقبل فأقبل وقال له: ادبر فأدبر فقال: وعزّتي وجلالي ما خلقت شيئاً أحسن منك أو أحب إليّ منك بك آخذ وبك أعطي...)(2) .

إنّه ليس هناك شيء خلقه الله أفضل من العقل، وعليه يرتكز التكليف، فالذي فقد عقله غير مكلّف وغير مأثوم بما يقترفه من أنواع المحرّمات، فالعقل هو أحد الشروط في صحّة التكليف ونفوذه على المكلف.

د - قالعليه‌السلام : (أفضل العقل معرفة الإنسان نفسه)(3) .

إن الإنسان إذا عرف نفسه كيف صُوّرت، وكيف تنتهي، فقد ظفر بالخير العميم، فإنّ ذلك يبعده عن النزعات الشريرة، ويبعثه نحو النزعات الخيّرة كما يدل ذلك على معرفة خالقه العظيم، وفي الحديث: (مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه).

التفكر في أمر الله:

قالعليه‌السلام : (ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم إنّما العبادة كثرة التفكّر في أمر الله عزّ وجل)(4).

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 23.

(2) أصول الكافي 1 / 11.

(3) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 196.

(4) الميزان 8 / 369، وسائل الشيعة 11 / 153.


إنّ التفكّر في مخلوقات الله، والتأمّل في بدائع خلقه، والنظر فيما يحتويه هذا الكون من الأسرار والعجائب يدلّل ذلك - بصورة واضحة - على الخالق العظيم، وإذا عرف الإنسان ربّه فقد نجا من اقتراف الشر وارتكاب الجريمة، وصار مصدر عطاء وخير لنفسه ومجتمعه.

محاسبة النفس:

قالعليه‌السلام : (مَن حاسب نفسه ربح، ومَن غفل عنها خسر)(1) .

إنّ محاسبة الإنسان لنفسه فيما يعمله من حسنات وسيئات، فيردعها عن اقتراف السيئات، وينمي فيها الخيرات دليل على سمو النفس والظفر بالربح والخير، ومَن غفل عن محاسبة نفسه فإنّها تهبط به إلى مستوى سحيق من الشر ماله من قرار.

الحلم:

قالعليه‌السلام : (لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً) الحديث(2) .

إنّ الحلم من أفضل النزعات الكريمة التي يتصف بها الإنسان، فالحلم عن المسيء، والصفح عن المعتدي عليه من سمو النفس وبلوغها أرقى درجات الكمال، وإنّ الإنسان بالحلم يسود غيره ويكون لمجتمعه رائد خير ودليل هدى.

الصمت:

قالعليه‌السلام : (من علامات الفقه - أي المعرفة - الحلم والعلم، والصمت: إنّ الصمت باب من أبواب الحكمة، إنّ الصمت يكسب المحبّة، إنّه دليل على كل خير)(3) .

إنّ الصمت وحفظ اللسان يقيان الإنسان من شر عظيم، ويجنباه المكاره التي هي وليدة الكلام والنطق.

التواضع:

قالعليه‌السلام : (التواضع أن تعطي الناس ما تحب أن تُعطاه).

____________________

(1) أصول الكافي 2 / 111.

(2) أصول الكافي 2 / 113.

(3) أصول الكافي 2 / 124.


وقالعليه‌السلام فيما كتبه لمحمد بن سنان: (التواضع درجات، منها: أن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم لا يحب أن يأتي لأحد إلاّ مثل ما يؤتي إليه إن أتي إليه بسيئة درأها(1) بالحسنة، كاظم الغيظ، عافٍ عن الناس، والله يحب المحسنين)(2) .

إنّ حقيقة التواضع أن يعطي الإنسان للناس من التكريم والإحسان والبر مثل ما يحب ويتمنى أن يعطى لنفسه.

إنّ التواضع دليل على شرف النفس وسموّها، ومَن تواضع للناس أحبوه وأكرموه، وأحبّه الله ورفعه.

الخصال الكريمة في المؤمن:

قالعليه‌السلام : (لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، وسنّة من نبيّه، وسنّة من وليّه، فأمّا السنّة من ربّه: فكتمان سرّه، قال الله عزّ وجل:( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) ، وأمّا السنّة من نبيّه فمداراة الناس فإنّ الله عزّ وجل أمر نبيّه بمداراة الناس فقال:( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) وأمّا السنّة من وليّه فالصبر في البأساء والضرّاء)(3) .

يا لها من خصال كريمة ترفع مستوى الإنسان إلى قمّة الشرف والكمال، وتجنّبه من الوقوع في المهالك.

أحسن الناس وأسوأ الناس:

قال علي بن شعيب(4) دخلت على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام فقال لي:

- يا علي مَن أحسن الناس معاشاً؟

- يا سيدي أنت أعلم به منّي.

- يا علي مَن حسن معاش غيره في معاشه.

- يا علي مَن أسوأ الناس معاشاً؟

____________________

(1) درأها: أي دفعها.

(2) الدر العظيم ورقة 216.

(3) وسائل الشيعة 11 / 241.

(4) قال صاحب تنقيح المقال: لم اقف على علي بن شعيب بهذا العنوان في كتب الرجال وانما وقفت على

علي بن أبي شعيب المدائني وان له كتابا صغيرا والظاهر كونه اماميا.


- يا سيدي أنت أعلم به منّي.

- مَن لم يعش بخيره في معاشه.

وجعل الإمامعليه‌السلام يوصيه بفعل الخير والإحسان إلى الناس قائلاً:

(يا علي أحسنوا جوار النعم فإنّها وحشية ما نأت عن قوم فعادت إليهم. يا علي إنّ شر الناس مَن منع رفده وأكل وحده وجلد عبده(1) ).

وحوت هذه الكلمات الدعوة إلى فعل الخير والإحسان إلى الناس والبر بهم.

الإيمان والإسلام:

قالعليه‌السلام : (الإيمان فوق الإسلام بدرجة والتقوى فوق الإيمان بدرجة، وما قسم في الناس شيء أقل من التقوى)(2) .

إنّ اليقين بالله من أقوى درجات الإيمان، وهو من صفات المتقين العظام الذين عزّ وجل امتحن الله قلوبهم للإيمان.

العجب المفسد للعمل:

سأل أحمد بن نجم الإمام الرضاعليه‌السلام عن العجب المفسد للعمل؟

فقالعليه‌السلام :

(العجب درجات: منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسناً ويحسب أنّه يحسن صنعاً. ومنها أن يؤمن العبد فيمن على الله، والله المنة عليه فيه)(3) .

إنّ العجب بالمعنى الثاني ناشئ عن فقدان الإيمان وعدم نضوج الفكر وهو المفسد للعمل.

الذنوب:

قالعليه‌السلام : (كلمّا أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون أحدث لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون)(4) .

لقد أحدث الناس ألواناً رهيبة من المعاصي والذنوب ما لم تكن معلومة

____________________

(1) البحار 78 / 341.

(2) مواهب الرحمان 1 / 64.

(3) البحار 78 / 335.

(4) وسائل الشيعة 11 / 240.


ومعروفة من قبل فصب الله عليهم أنواعا من المحن والبلاء ولم يعرفونها من قبل.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قالعليه‌السلام : (لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم!)(1) .

إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهج أصيل في الحياة الإسلامية، وإنّ إهماله له مضاعفاته السيئة التي منها: إشاعة المنكرات، وعدم استجابة دعاء الأخيار.

مَن أحبّ عاصياً:

قالعليه‌السلام : (مَن أحبّ عاصياً فهو عاصٍ، ومَن أحبّ مطيعاً فهو مطيع، ومَن أعان ظالماً فهو ظالم، ومَن خذل ظالماً فهو عادل، إنّه ليس بين الله وبين أحد قرابة، ولا تنال ولاية الله إلاّ بالطاعة)(2) .

إنّ مَن أحب عمل قوم حشر في زمرتهم كما في الحديث، فمَن أحبّ العاصي كان عاصياً ومَن أحبّ المطيع كان مطيعاً.

خيار الناس:

سُئل الإمامعليه‌السلام عن خيار العباد فقالعليه‌السلام : (الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا، وإذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا عفوا)(3) .

حقّاً إنّ مَن يتصف بهذه الصفات الكريمة فهو من أفضل الناس، ومن خيارهم، وإنّه قد بلغ قمّة الكمال والفضل.

شرف العمل:

قالعليه‌السلام : (إنّ الذي يطلب من فضل يكف به عياله أعظم أجراً من المجاهد في سبيل الله)(4) .

____________________

(1) وسائل الشيعة 11 / 394.

(2) وسائل الشيعة 11 / 446.

(3) تحف العقول: (ص 445).

(4) تحف العقول: (ص 445).


إنّ العمل لإعاشة العيال جهاد في سبيل الله، وشرف يكتسبه العامل، ومجد يفخر به.

تمامية العقل:

قالعليه‌السلام : (لا يتم عقل امرئ مسلم حتى يكون فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، يستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه، لا يسأم من طلب الحوائج إليه، ولا يمل من طلب العلم طول دهره، الفقر في الله أحب إليه من الغنى، والذل في الله أحب إليه من العزّ في عدوه، والخمول أشهى إليه من الشهرة).

ثم قالعليه‌السلام : العاشرة وما العاشرة؟ قيل له: ما هي؟

قالعليه‌السلام : (لا يرى أحداً إلاّ قال: هو خير منّي وأتقى، إنّما الناس رجلان: رجل خير منه وأتقى ورجل شر منه وأدنى، فإذا لقي الذي شر منه وأدنى قال: لعلّ خير هذا باطن وهو خير له، وخيري ظاهر وهو شر لي، وإذا رأى الذي هو خير منه وأتقى تواضع له ليلحق به، فإذا فعل ذلك فقد علا مجده وطاب خيره وحسن ذكره وساد أهل زمانه)(1) .

حقّاً إنّ مَن يتصف بهذه الصفات العشر فقد كمل إيمانه، وكمل عقله، وكان على اتصال وثيق بالله تعالى؛ فيعزّه ويعلي ذكره في الدنيا ويمنحه الدرجات العليا يوم القيامة.

حقيقة التوكّل على الله:

سأله رجل عن قول الله تعالى:( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (2) فقالعليه‌السلام : (التوكّل درجات: منها أن تثق به في أمرك كلّه فيما فعل بك فما فعل بك كنت راضياً وتعلم أنّه لم يألك إلاّ خيراً ونظراً، وتعلم أنّ الحكم في ذلك له فتوكّل عليه بتفويض ذلك إليه، ومن ذلك الإيمان بغيوب الله التي لم يحط علمك بها فوكّلت علمها إليه والى أُمنائه عليها ووثقت به فيها وفي غيرها)(3) .

____________________

(1) تحف العقول: (ص 443)

(2) سورة الطلاق: آية 3.

(3) تحف العقول: (ص 443).


وأعطى الإمامعليه‌السلام صورة واضحة عن حقيقة التوكّل على الله تعالى، وهو أن يفوّض الإنسان أموره كلها إليه تعالى، فإنّ ذلك هو محض الإيمان واليقين بالله.

أركان الإيمان:

قالعليه‌السلام : (الإيمان أربعة أركان: التوكّل على الله، والرضى بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والتفويض إلى الله قال العبد الصالح:(1) ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) (2) .

إنّ الإيمان بالله يقوم على هذه الأركان الأربعة فإذا اتصف بها الشخص فقد بلغ ذروة الإيمان ومنتهاه.

خصال كريمة:

قالعليه‌السلام : (خمس مَن لم تكن فيه فلا ترجوه لشيء من الدنيا والآخرة: مَن لم تعرف الوثاقة في أرومته، والكرم في طباعه، والرضى في خلقه، والنبل في نفسه، والمخالفة لربّه)(3) .

إنّ مَن اتصف بهذه الصفات الكريمة قد حاز قصب السبق في الشرف والمروءة، وهو الذي يرجى رفده وكرمه.

شكر النعم:

قالعليه‌السلام : (مَن لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله عزّ وجل)(4) .

إنّ شكر المنعم واجب فمَن لم يشكره وتنكّر له فإنّه لا يشكر الله عزّ وجل على نعمه وألطافه التي أسداها إليه.

وصاياه ونصائحه:

وأدلى الإمامعليه‌السلام ببعض الوصايا والنصائح لخواص شيعته، كان منها ما يلي:

____________________

(1) العبد الصالح: هو مؤمن آل فرعون.

(2) تحف العقول: (ص 445).

(3) تحف العقول: (ص 446).

(4) وسائل الشيعة: 11 / 542.


أ - وصيّته لأحمد:

وأوصى الإمامعليه‌السلام أحمد بن محمد بن أبي نصر بوصية جاء فيها: (لا تمل الدعاء فإنّه من الله بمكان، وعليك بالصبر وطلب الحلال وصلة الرحم، وإيّاك ومكاشفة الناس فإنّا أهل بيت نصل مَن قطعنا ونحسن إلى مَن أساء إلينا فنرى والله في ذلك العاقبة الحسنة)(1).

لقد أوصاه بمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال التي يسمو بها الإنسان.

ب - وصيّته لإبراهيم:

وأوصى الإمامعليه‌السلام إبراهيم بن أبي محمود بوصية جاء فيها: (أخبرني أبي عن آبائه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: مَن أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس. إلى أن قال: يا بن أبي محمود إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالزم طريقتنا فإنّه مَن لزمنا لزمناه ومَن فارقنا فارقناه، فإنّ أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة: هذه نواة ثم يدين بذلك ويبرأ ممّن خالفه يا بن أبي محمود احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا والآخرة)(2) .

وحفلت هذه الوصية بلزوم اتباع أهل البيتعليهم‌السلام والاقتداء بنهجهم والاهتداء بسيرتهم؛ فإنّ ذلك النجاة، والأمن من الهلاك، والفوز برضوان الله تعالى.

ج - نصيحته لأحمد والحسين:

قال أحمد بن عمر والحسين بن يزيد: دخلنا على الرضاعليه‌السلام فقلنا له: إنّا كنّا في سعة من الرزق ونضارة من العيش فتغيّرت الحال بعض التغيّر فادع الله أن يرد ذلك إلينا.

فأجابهما الإمام بلزوم القناعة والرضى بما قسم الله لهما قائلاً:

____________________

(1) وسائل الشيعة 4 / 1129.

(2) وسائل الشيعة 18 / 92.


(أيّ شيء تريدون أن تكونوا ملوكاً؟ أيسرّكم أن تكونوا مثل طاهر(1) وهرثمة(2) وأنّكم على خلاف ما أنتم عليه؟).

فانبرى أحدهما قائلا:

لا والله ما سرّني أنّ لي الدنيا بما فيها ذهباً وفضة وإنّي على خلاف ما أنا عليه - يعني منحرفاً عن أهل البيت -.

فقالعليه‌السلام : (إنّ الله يقول:( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (3) .

أحسن الظن بالله، فإنّ مَن حسن ظنّه بالله كان الله عند ظنّه، ومَن رضي بالقليل من الرزق قبل منه اليسير من العمل، ومَن رضي باليسير من الحلال خفّت مؤونته ونعم أهله وبصّره الله داء الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام)(4).

لقد أوصاهما الإمامعليه‌السلام بالقناعة التي هي كنز لا يفنى، وعرّفهما أنّهما يملكان ما هو أثمن وأغلى من الذهب والفضة، وهو الولاء لأهل البيتعليهم‌السلام الذي هو من أعظم نعم الله على عباده المخلصين.

د - المساواة بين الغني والفقير:

وأوصى الإمام أصحابه بالمساواة بين الغني والفقير بالسلام، فقد قال: (مَن لقي فقيراً مسلماً فسلّم عليه خلاف سلامه على الغني؛ لقي الله عزّ وجل وهو عليه غضبان)(5) .

ومثّلت هذه الوصية الأخلاق العظيمة عند أهل البيتعليهم‌السلام الذين خلقهم الله رحمة لعباده، فقد ألزموا شيعتهم بالمساواة بين أبناء المسلمين حتى بالسلام وكرهوا التمايز بينهم.

____________________

(1) طاهر هو أبو الطيب الملقب بذي اليمنين لأنه ضرب شخصا بيساره فقده نصفين وفيه يقول بعض الشعراء: (كلتا يديك يمين حين تضربه) كان والياً على خراسان من قبل المأمون وهو الذي أطاع بحكومة الأمين وقتله وأقام المأمون مكانه وكان شيعيا من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام .

(2) هرثمة بن أعين كان من قادة المأمون ومن أصحاب الإمام الرضا وخواصه.

(3) سورة سبأ: آية 12.

(4) تحف العقول (ص 448).

(5) وسائل الشيعة 8 / 442.


ه‍ـ - التبسّم في وجه المؤمن:

وأوصى الإمام أصحابه بالتبسّم في وجه المؤمن وعدم مقابلته بالغيظ قال

عليه‌السلام : (مَن تبسّم في وجه أخيه المؤمن كتب الله له حسنة ومَن كتب الله له حسنة لم يعذّبه)(1) .

هذه هي معالي الأخلاق التي كان الأئمةعليهم‌السلام يوصون بها أصحابهم ليكونوا قدوة حسنة إلى الناس.

و - وصيّة عامة:

وأوصى الإمامعليه‌السلام أصحابه وسائر الناس بهذه الوصية القيّمة: (اتقوا الله أيّها الناس في نعم الله عليكم فلا تنفروها عنكم بمعاصيه، واعلموا أنّكم لا تشكرون الله بشيء، بعد الإيمان بالله ورسوله وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أحبّ من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبر لكم إلى جنان ربّهم؛ فإنّ مَن فعل ذلك كان من خاصة الله)(2) .

لقد حفلت هذه الوصية بالحث على: تقوى الله تعالى، ومعونة الإخوان، وإسداء المعروف إليهم.

صلة الأرحام:

وأثرت عن الإمام الرضاعليه‌السلام كوكبة من الأحاديث في حث أصحابه وشيعته على صلة الأرحام كان منها ما يلي:

أ - قالعليه‌السلام : (يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث ستين: فيصيّرها الله ثلاثين سنة ويفعل الله ما يشاء)(3) .

ب - قالعليه‌السلام : (ما نعلم شيئاً يزيد في العمر إلاّ صلة الرحم حتى أنّ الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولاً للرحم فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثاً وثلاثين سنة، ويكون أجله ثلاثاً وثلاثين سنة فيكون قاطعاً للرحم

____________________

(1) وسائل الشيعة 8 / 483.

(2) الدر النظيم ورقة 215.

(3) وسائل الشيعة 15 / 243.


فينقصه الله ثلاثين سنة، ويجعل آجله إلى ثلاث سنين)(1) .

ج - قالعليه‌السلام : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : (صل رحمك ولو بشربة ماء، وأفضل ما توصل به الرحم كفّ الأذى عنها، وصلة الرحم منسأة في الأجل، محبّة في الأهل)(2) .

إنّ خير وسيلة لترابط المجتمع وتضامنه هو البر بالأرحام والإحسان إليهم فإنّ ذلك يوحّد ما بين عواطفهم ومشاعرهم؛ وبذلك تتكوّن الخلايا الصالحة التي ينشأ منها المجتمع.

من حكم بعض الأنبياء:

روى الإمام الرضاعليه‌السلام بعض الحكم القيّمة التي أدلى بها بعض الأنبياءعليهم‌السلام ، وفيما يلي بعضها:

مناجاة موسى:

قالعليه‌السلام : (إنّ موسى بن عمران لـمّا ناجى ربّه قال: يا ربّ أبعيد أنت منّي فأناديك أم قريب فأناجيك؟ فأوحى الله إليه يا موسى أنا جليس مَن ذكرني، قال موسى: إنّي أكون في حالٍ أجل أن أذكرك فيها قال يا موسى اذكرني على كل حال)(3) .

في صحف إبراهيم:

قالعليه‌السلام : (في صحف إبراهيم: أيّها الملك المغرور إنّي لم أبعثك لتبني البناء، ولا لتجمع الدنيا، ولكن بعثتك لترد عنّي المظلوم فإنّي لا أردها ولو كانت من كافر)(4) .

عيسى مع الحواريين:

قالعليه‌السلام : (قال عيسى للحواريين: يا بني إسرائيل لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا، كما لا يأسى أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا أصابوا

____________________

(1) وسائل الشيعة 15 / 245.

(2) أصول الكافي 2 / 151.

(3) الفصول المهمّة (ص 224)، وسائل الشيعة 1 /.

(4) تأريخ اليعقوبي.


دنياهم)(1) .

وقد ألمحنا في البحوث السابقة إلى بعض ما أُثر عن الإمامعليه‌السلام من أحوال الأنبياء، وقد حفلت ببعض ما أدلوا به من الكلمات الحكمية.

وعظ وإرشاد:

ونقل الرواة والمؤرّخون طائفة من كلام الإمام وشعره في الوعظ، والإرشاد كان منها ما يلي:

1 - قال محمد بن عبيدة: دخلت على الرضاعليه‌السلام فبعث إلى صالح بن سعيد فوعظنا جميعاً، وكان من وعظه أنّه قال:

(قال أبو جعفر - يعني الإمام محمد الباقرعليه‌السلام - كن خيراً لا شرّ معه، كن ورقاً لا شوك معه، ولا تكن شوكاً لا ورق معه، وشرّاً لا خير معه).

ثم قال: (إنّ الله يبغض القيل والقال، وإيضاع المال وكثرة السؤال).

ثم قال: (إنّ بني إسرائيل شدّدوا فشدّد الله عليهم قال لهم موسى: اذبحوا بقرة، قالوا: ما لونها؟ فلم يزالوا يشدّدون حتى ذبحوا بقرة بملء جلدها ذهبا).

ثم قال: (إنّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال: إنّ الحكماء ضيّعوا الحكمة لما وضعوها عند غير أهلها)(2) .

2 - كتب المأمون إلى الإمام يطلب منه أن يعظه فكتب إليه هذه الأبيات:

إنّك في دنيا لها مدّة

يقبل فيها عمل العاملِ

أما ترى الموت محيطاً بها

يسلب فيها أمل الآملِ

تعجّل الذنب بما تشتهي

وتأمل التوبة من قابلِ

والموت يأتي أهله بغتةً

ما ذاك فعل الحازم العاقلِ(3)

____________________

(1) أصول الكافي 2 / 137.

(2) البحار 72 / 345.

(3) أعيان الشيعة: 4 / ق 2 / 199، نقلاً عن الاختصاص.


3 - وممّا نظمه في الوعظ هذه الأبيات:

كلنا يأمل مدّاً في الأجل

والمنايا هنّ آفات الأمل

لا تغرّنك أباطيل المنى

والزم القصد ودع عنك العلل

إنّما الدنيا كظلٍّ زائلٍ

حلّ فيه راكبٌ ثمّ ارتحل(1)

4 - قيل له: كيف أصبحت؟ فقالعليه‌السلام : (أصبحت بأجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل بنا!)(2).

5 - قال ياسر الخادم: سمعت عليّاً الرضا بن موسىعليه‌السلام يقول: (أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواضع: يوم ولد إلى الدنيا ويخرج المولود من بطن أُمّه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا. وقد سلّم الله تعالى على يحيى في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال:( وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً ) . وقد سلّم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال:( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ) (3).

6 - شكا إليه رجل أخاه فأنشأعليه‌السلام يقول:

أعذر أخاك على ذنوبه

واستر وغطّ على عيوبه

واصبر على بهت السفيه

وللزمان على خطوبه

ودع الجواب تفضّلاً

وكل الظلوم إلى حبيبه(4)

7 - وأنشد النوفلي للإمامعليه‌السلام هذه الأبيات:

رأيت الشيب مكروهاً وفيه

وقار لا تليق به الذنوبُ

إذا ركب الذنوب أخو مشيبٍ

فما أحد يقول: متى يتوبُ

سأصحبه بتقوى الله حتى

يفرّق بيننا الأجل القريبُ(5)

____________________

(1) عيون التواريخ 3 / 227 مصور في مكتبة الإمام أمير المؤمنين تسلسل 2769، البداية والنهاية10 / 250.

(2) تحف العقول (ص 446).

(3) نور الأبصار (ص 140).

(4) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 198.

(5) عيون التواريخ 3 / 227.


كلماته القصار:

وأثرت عن الإمام الرضا كوكبة من الكلمات القصار حفلت بروائع الحكم والآداب، كان منها ما يلي:

1 - قالعليه‌السلام : (إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً ونشاطاً وفتوراً، فإذا أقبلت بصرت وفهمت وإذا أدبرت كلّت وملّت؛ فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها)(1) .

2 - قالعليه‌السلام : (اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدو بالتحرّز، والعامّة بالبِشر)(2) .

3 - قالعليه‌السلام : (الأجل آفة الأمل، والبر غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة ذي القدرة، والبخل يمزّق العرض، والحب داعي المكاره وتحقيق أمل الآمل، وتصديق مخيلة الراجي، والاستكثار من الأصدقاء في الحياة والباكين بعد الوفاة)(3).

4 - قالعليه‌السلام : (إنّما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن متعظ فأمّا صاحب سوط وسيف فلا)(4) .

5 - قالعليه‌السلام : (مَن تعرّض لسطانٍ جائرٍ فأصابته منه بليّة لم يؤجر عليها ولم يرزق الصبر فيها)(5) .

6 - قالعليه‌السلام للمأمون: (ما التقت فئتان قط إلاّ نصر الله أعظمهما عفواً)(6) .

7 - قالعليه‌السلام : (إنّ مشي الرجال مع الرجل فتنة للمتبوع ومذلّة للتابع)(7).

8 - قالعليه‌السلام : (صاحب النعمة يجب أن يوسّع على عياله) (8) .

____________________

(1) أعيان الشيعة.

(2) أعيان الشيعة.

(3) أعيان الشيعة.

(4) تأريخ اليعقوبي 3 / 181.

(5) تاريخ اليعقوبي 3 / 181.

(6) تاريخ اليعقوبي 3 / 181.

(7) تأريخ اليعقوبي 3 / 181.

(8) بحار الأنوار 78 / 335.


9 - قالعليه‌السلام : (التودّد إلى الناس نصف العقل)(1) .

10 - قالعليه‌السلام : (الأخ الأكبر بمنزلة الأب)(2) .

11 - قالعليه‌السلام : (من أخلاق الأنبياء التنظّف)(3) .

12 - قالعليه‌السلام : (لم يخنك الأمين ولكن ائتمنت الخائن)(4).

13 - قالعليه‌السلام : (ما من شيء من الفضول إلاّ ويحتاج إلى فضول من الكلام)(5) .

14 - قالعليه‌السلام : (إنّ الله يبغض القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال)(6).

15 - سُئل الإمامعليه‌السلام عن السفلة؟ فقال: (مَن كان له شيء يلهيه عن الله)(7) .

16 - قالعليه‌السلام : (من السنّة إطعام الطعام عند التزويج)(8).

17 - قالعليه‌السلام : (السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه)(9) .

18 - قالعليه‌السلام : (إنّا أهل بيت نرى وعدنا علينا ديناً كما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )(10) .

19 - قالعليه‌السلام : (يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء، تسعة منها في اعتزال الناس وواحد في الصمت)(11) .

20 - قالعليه‌السلام : (عونك للضعيف أفضل من الصدقة)(12) .

21 - قالعليه‌السلام لأبي هاشم داود بن القاسم الجعفري: (يا داود إنّ لنا عليكم حقّاً برسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنّ لكم علينا حقّاً فمَن عرف حقّنا وجب حقّه، ومَن لم يعرف حقّنا فلا حقّ له)(13) .

22 - قالعليه‌السلام : (ليس لبخيل راحة، ولا لحسود لذّة، ولا للملوك وفاء، ولا لكذوب مروة)(14) .

23 - قالعليه‌السلام : (إذا ذكرت الرجل وهو حاضر فكنّه، وإذا كان غائباً فسمّه)(15) .

____________________

(1) بحار الأنوار 78 / 335.                           (2) بحار الأنوار 78 / 335.

(3) بحار الأنوار 78 / 335.                           (4) بحار الأنوار 78 / 335.

(5) بحار الأنوار 78 / 335.                           (6) بحار الأنوار 78 / 335.

(7) تحف العقول (ص 446 - 450).                (8) تحف العقول (ص 446 - 450).

(9) تحف العقول (ص 446 - 450).                (10) تحف العقول (ص 446 - 450).

(11) تحف العقول (ص 446 - 450).              (12) تحف العقول (ص 446 - 450).

(13) تحف العقول (ص 446 - 450).              (14) تحف العقول (ص 446 - 450).

(15) تحف العقول (ص 446 - 450).


24 - قالعليه‌السلام : (المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأُمّه، ملعون ملعون مَن اتهم أخاه، ملعون ملعون مَن غشّ أخاه، ملعون ملعون مَن لم ينصح أخاه، ملعون ملعون مَن احتجب عن أخيه، ملعون ملعون مَن اغتاب أخاه)(1) .

25 - قالعليه‌السلام : (مَن استفاد أخاً في الله استفاد بيتاً في الجنّة)(2) .

26 - قالعليه‌السلام : (المؤمن الذي إذا أحسن استبشر، وإذا أساء استغفر، والمسلم الذي يسلم المسلمون من لسانه ويده، وليس منّا مَن لم يأمن جاره بوائقه)(3) .

27 - قال له رجل: سل لي ربّك التقية الحسنة والمعرفة بحقوق الإخوان والعمل بما أعرف من ذلك؛ فقال الرضاعليه‌السلام : (قد أعطاك الله ذلك، لقد سألت أفضل شعار الصالحين ودثارهم ((4) .

28 - قالعليه‌السلام : (لا تبذل لإخوانك من نفسك ما ضرّه عليك أكثر من نفعه لهم)(5) .

29 - قالعليه‌السلام : (مَن فرّج عن مؤمن فرّج الله عنه يوم القيامة)(6) .

30 - قالعليه‌السلام : (لا يجتمع المال إلاّ بخصال خمس: ببخلٍ شديد، وأملٍ طويل، وحرصٍ غالب، وقطيعةٍ لرحم، وإيثار الدنيا على الآخرة)(7) .

31 - قالعليه‌السلام : (إنّ الإنسان إذا ادخر طعام سنته خفّ ظهره واستراح)(8) .

____________________

(1) وسائل الشيعة 8 / 563.

(2) وسائل الشيعة 8 / 565.

(3) وسائل الشيعة 8 / 488.

(4) وسائل الشيعة 11 / 474.

(5) وسائل الشيعة 11 / 544.

(6) وسائل الشيعة 12 / 587.

(7) وسائل الشيعة 12 / 19.

(8) وسائل الشيعة 2 / 320.


32 - قالعليه‌السلام : (مَن كثرت محاسنة مدح بها واستغنى عن التمدّح بذكرها).

33 - قالعليه‌السلام : (مَن طلب الأمر من وجهه لم يزل وإن زال لم تخذله الحيلة).

34 - قالعليه‌السلام : (كفاك ممّن يريد نصحك بالنميمة ما يجد في نفسه من سوء الحساب في العاقبة).

35 - قالعليه‌السلام : (المسكنة مفتاح البؤس).

36 - قالعليه‌السلام : (مَن لم يتابع رأيك في صلاحه فلا تصغ إلى رأيه).

37 - قالعليه‌السلام للحسن بن سهل في تعزيته: (التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة).

38 - قالعليه‌السلام : (إنّ البراءة من أبي موسى الأشعري من محض الإسلام، وإنّه من كلاب أهل النار).

39 - قالعليه‌السلام : (الغوغاء قتلة الأنبياء).

40 - قالعليه‌السلام : (الصغائر من الذنوب طرق إلى الكبائر).

41 - قالعليه‌السلام : (مَن لم يخف الله في القليل لم يخفه في الكثير).

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أثر عنه من روائع الحكم والآداب.


أصحابه ورواة حديثه

وكان الإمام الرضاعليه‌السلام - في عصره - عملاق الفكر الإسلامي وأعلم إنسان على وجه الأرض - كما يقول المأمون - وقد أمدّ العالم الإسلامي بجميع مقوّمات الارتقاء والنهوض، وقد اتخذ الجامع النبوي - زاده الله شرفاً - معهداً لدروسه ومحاضراته، وقد احتفّ به العلماء والرواة وطلبة الفقه وهو ابن نيف وعشرين عاماً(1) وهم يسجّلون فتواه وما يدلي به من روائع الحكم وفنون الآداب.

ووجد العلماء في أحاديثه امتدادا ذاتيا لأحاديث جدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الملهم الأول لقضايا الفكر والعلم في الأرض، وامتداداً مشرقاً لآبائه الأئمّة الطاهرين روّاد النهضة العلمية والحضارية في دنيا الإسلام، ويقول الرواة: إنّه ليس في الأرض سبعة أشراف كتب عنهم الحديث عند الخاص والعام إلاّ علي بن موسىعليه‌السلام (2) .

____________________

(1) تهذيب التهذيب.

(2) البحار 12 / 29.


وبلغ من اهتمام العلماء بأحاديثه أنّه حينما اجتاز في نيسابور ازدحموا عليه، وقد بلغ عددهم ما ينيف على عشرين ألفاً، وهم يحملون المحابر، وطلبوا منه أن يتحفهم بحديث عن جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فروى لهم الحديث - الذي سُمّي بالحديث الذهبي - كما سنذكره، ونظراً لأهميته فقد كتبه بعض أمراء السامانية بالذهب وأوصى أن يدفن معه(1) .

وقد حظي بالرواية عنه بعض تلامذة جدّه الإمام الصادقعليه‌السلام ، وبعض تلامذة أبيه الإمام موسىعليه‌السلام (2) ، كما روى عنه جمهرة من العلماء المعاصرين له، ونعرض إلى تراجم أصحابه ورواة حديثه؛ لأن ذلك - فيما نحسب - من متمّمات البحث عن شخصيته؛ لأنّه يكشف عن جانب مهم عن حياته العلمية.

(أ)

إبراهيم بن العبّاس:

ابن محمد الصولي الشاعر الملهم الكبير يكنّى أبا إسحاق، من ألمع شعراء عصره ومن أكثرهم ولاءً ومحبّةً لائمّة أهل البيتعليهم‌السلام اتصل بالإمام الرضاعليه‌السلام اتصالاً وثيقاً، وكان إبراهيم يكنّ في نفسه أعمق الود وخالصه للإمامعليه‌السلام ، ونعرض إلى بعض الجوانب من حياته.

وفادته على الإمام:

وفد إبراهيم مع شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي على الإمام الرضاعليه‌السلام حينما بايع له المأمون بولاية العهد، وقد أنشده دعبل قصيدته الخالدة التي تُعدّ من محاسن الشعر العربي، وسنذكرها في ترجمته، وانبرى من بعده إبراهيم فأنشده قصيدته التي لم يعرف منها غير هذا البيت:

أزالت عزاء القلب بعد التجلّدِ

مصارع أولاد النبي محمّدِ

ويحكي هذا البيت توجّع الصولي وأساه على ما حلّ بأهل بيت النبوّة من عظيم المحن والخطوب التي صبّها عليهم أعداء الإسلام، وفيما أحسب أنّ القصيدة كلها بهذه الجودة والمتانة والتفجّع على مصائب أهل البيت، ولـمّا فرغ من إنشادها وهب الإمام لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التي عليها اسمه الشريف، أمّا دعبل

____________________

(1) أخبار الدول (ص 115).

(2) رجال البرقي (ص 53).


فصار بجائزته إلى قم المقدّسة فاشترى أهلها كل درهم بعشرة فباع حصّته بمائة ألف درهم، وأمّا إبراهيم بن العباس فلم يزل عنده بعضها حتى مات(1) .

ومن شعره في مدح الإمام الرضاعليه‌السلام هذه الأبيات:

كفى بفعال امرئٍ عالمٍ

على أهله عادلاً شاهدا(2)

أرى لهم طارفاً مونقاً

ولا يشبه الطارف التالدا(3)

يمن عليكم بأموالكم

وتعطون من مائة واحدا(4)

فلا حمد الله مستنصراً

يكون لأعدائكم حامدا

فضلت قسيمك في قعددٍ

كما فضل الوالد الوالدا(5)

وحكت هذه الأبيات عميق إيمانه بأهل البيت، وولائه لهم، وقد كنّى عنهم خوفاً من السلطة العاتية التي كانت تأخذ بالظن والتهمة لكل مَن والى عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

نماذج من شعره:

ويعتبر شعر الصولي من روائع الشعر العربي، ومن مختار شعره قوله:

دنت بأُناس عن ثناء زيادة

وشطّ بليلى عن دنو مزارها

وإنّ مقيمات بمنعرج اللوى

لأقرب من ليلى وهاتيك دارها(6)

وله:

ولربّ نازلةٍ يضيق بها الفتى

ذرعاً وعند الله منها مخرجُ

ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها

فُرجت وكنت أظنّها لا تُفرجُ(7)

____________________

(1) أمالي المرتضى 1 / 485، وجاء في أعيان الشيعة 6 / 16 أنّ الأبيات التي قالها إبراهيم كتبت على ظهر دفتر، وعليها توقيع (متوق خائف)، وإنّه كان يكنّي عن الإمام في مدحه له.

(2) يقول السيد الأمين: في شرحه لهذا البيت: كفى بفعال آل أبي طالب شاهداً على طيب أصلهم.

(3) علّق السيد الأمين على هذا البيت بقوله: الطارف: الحديث، والتالد القديم، كنّى به عن بني العباس بأنّ لهم طارفاً مونقاً بتولّيهم الخلافة، ولكنّه لا يشبه أصلهم بطيب أفعاله.

(4) لم يصرّح إبراهيم باسم المخاطبين، فقد عنى آل أبي طالب وعلى رأسهم الإمام الرضاعليه‌السلام ، وقد منّ عليهم المأمون بما أعطاهم من بعض الهبات التي هي من أموالهم.

(5) المخاطب بقوله: فضلت هو الإمام العظيم الرضاعليه‌السلام والمراد بقسيمه هو المأمون.

(6) وفيات الأعيان 1 / 25.

(7) وفيات الأعيان 1 / 29.


وله أيضاً:

كنت السواد لمقلتي

فبكى عليك الناظرُ

مَن شاء بعدك فليمت

فعليك كنت أحاذرُ(1)

حرقه لديوان شعره:

كان إبراهيم صديقاً لإسحاق بن إبراهيم، فأنسخه شعره في الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، ودفع إليه شيئاً من شعره بخطّه، وكانت النسخة عنده حتى ولي الطاغية المتوكل، وولّى إبراهيم ديوان الضياع، وقد حصل تباعد وكراهية بين إبراهيم وإسحاق فعزله إبراهيم عن ضياع كانت بيده وطالبه بمال وألحّ عليه، وأساء مطالبته، فدعا إسحاق بعض مَن يثق به من أخوانه، وقال له: امض إلى إبراهيم بن العباس فاعلمه أنّ شعره في علي بن موسى بخطّه عندي، وبغير خطّه، والله لئن استمرّ على ظلمي، ولم يزل عنّي المطالبة لأوصلن الشعر إلى المتوكل، قال:

فصار الرجل إلى إبراهيم بن العباس فأخبره بذلك، فاضطرب اضطراباً شديداً وجعل الأمر في ذلك إلى الواسطة، فاسقط عنه جميع ما كان طالبه به، وأخذ الشعر منه، وأحلفه أنّه لم يبق عنده منه شيء، فلمّا حصل عنده عمد إلى إحراقه بحضرته(2) .

نموذج من كتابته:

وكان إبراهيم كاتباً بليغاً، ومن بديع ما كتبه عن بعض ملوك العباسيين إلى بعض البغاة الخارجين يتهدّدهم، ويتوعّدهم:

(أمّا بعد: فإنّ لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام).

وعلّق ابن خلكان على هذه الرسالة بقوله: وهذا الكلام مع وجازته في غاية الإبداع(3) .

وفاته:

توفّي إبراهيم في منتصف شعبان سنة (243 ه‍) بـ (سُرّ مَن رأى)(4) .

____________________

(1) وفيات الأعيان 1 / 29.

(2) أمالي المرتضى 1 / 485.

(3) وفيات الأعيان 1 / 29.

(4) وفيات الأعيان 1 / 29.


2 - إبراهيم بن أبي البلاد:

واسم أبي البلاد يحيى بن سليم الغطفاني، يكنّى أبا إسماعيل، عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال: (كان ثقة فقيهاً قارئاً، وعمّر دهراً طويلاً حتى كاتبه علي بن موسى الرضا برسالة، وروى عنه ابناه يحيى ومحمد، ومحمد بن سهل بن اليسع، وآخرون)(1) .

قال النجاشي: (كان إبراهيم ثقة، قارئاً، أدبياً، وكان أبوه ضريراً راوية للشعر، وله يقول الفرزدق: (يا لهف نفسي على عينيك من رجل ).

وروى إبراهيم عن أبي عبد الله، وأبي الحسن موسى، والرضاعليهم‌السلام .

بعث إليه الإمام الرضا رسالة، وأثنى عليه. له كتاب يرويه عنه جماعة(2) .

3 - إبراهيم بن أبي محمود الخراساني:

وثّقه النجاشي، وقال: (إنّه روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام له كتاب يرويه أحمد بن محمد بن عيسى)(3) .

قال الكشي: (قال نصر بن الصباح: إبراهيم بن أبي محمود كان مكفوفاً، روى عنه أحمد بن عيسى مسائل موسىعليه‌السلام تقدّر بخمس وعشرين ورقة، عاش بعد الرضا).

روى حمدويه قال: حدثنا الحسن بن موسى الخشّاب، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي محمود قال: دخلت على أبى جعفر، ومعي كتب إليه من أبيه فجعل يقرأها، ويضع كتاباً كبيراً على عينيه، ويقول: خط أبي والله، ويبكي حتى سالت دموعه على خدّيه، فقلت له: جعلت فداك قد كان أبوك ربّما قال لي في المجلس الواحد مرات أسكنك الله الجنة، فقال: وأنا أقول لك: أدخلك الله الجنة، فقلت: جعلت فداك تضمن لي على ربّك أن تدخلني الجنة، قال: نعم، قال: فأخذت رجله فقبّلتها(4) .

____________________

(1) لسان الميزان 1 / 41.

(2) النجاشي.

(3) النجاشي.

(4) النجاشي.


4 - إبراهيم بن إسحاق:

النهاوندي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه صالح بن

محمد الهمداني(1) .

5 - إبراهيم بن إسماعيل:

ابن داود، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه موسى بن جعفر

المدائني(2).

6 - إبراهيم بن بشر:

قال النجاشي: (له مسائل إلى الإمام الرضاعليه‌السلام ، روى عنه

محمد بن عبد الحميد(3) .

7 - إبراهيم بن سلامة النيشابوري:

عدّه الشيخ من أصحاب الرضاعليه‌السلام وأضاف أنه

وكيل(4) قال السيد الخوئي: (اختلف في حال الرجل فمنهم من أعتبره حجة، ومنهم

من لم يعتبره، واستدل من قال باعتباره بمقدمتين: الأولى انه كان وكيلا عن الإمام الرضا

عليه‌السلام . الثانية: انهم سلام الله عليهم لا يوكلون الفاسق) وناقش

السيد في كلا المقدمتين(5) .

8 - إبراهيم بن شعيب:

الواقفي قال: كنت جالسا في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإلى

جانبي رجل من أهل المدينة، وحادثته مليا، وسألني من أين أنت؟ فأخبرته أنى رجل

من أهل العراق، قلت له: فمن أنت؟ قال: مولى لأبي الحسن الرضا

عليه‌السلام ، فقلت له: لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قلت: توصل لي إليه

رقعة، قال: نعم إذا شيءت فخرجت، وأخذت قرطاسا، وكتبت فيه: (بسم الله الرحمن

الرحيم إن من كان قبلك من آبائك كان يخبرنا بأشياء فيها دلالات وبراهين، وقد

____________________

(1) التهذيب الجزء السادس باب فضل زيارة أبى الحسن علي بن موسىعليه‌السلام .

(2) التهذيب الجزء الرابع: باب صيام ثلاثة أيام في كل شهر.

(3) النجاشي.

(4) رجال الطوسي.

(5) معجم رجال الحديث 1 / 91.


أحببت أن تخبرني باسمي واسم أبى وولدي).

قال: ثم ختمت الكتاب، ودفعته إليه، فلما كان من الغد أتاني بكتاب مختوم

ففضضته وقرأته، فإذا في أسفل الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم يا أبا إبراهيم إن من

آبائك شعيبا وصالحا، وإن من أبنائك محمدا وعليا وفلانا وفلانة)(1) .

9 - إبراهيم بن شعيب:

العقرقوفي(2) ، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام قال الشيخ المامقاني: (هو عندنا مجهول الحال، والعلم عند الله)(4) .

10 - إبراهيم بن صالح:

عدّه الشيخ في رجاله من غير تلقيب ولا توصيف من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) قال النجاشي: (إبراهيم بن صالح الأنماطي(6) الأسدي ثقة روى عن أبي الحسنعليه‌السلام ووقف، له كتاب يرويه عدّة)(7) .

11 - إبراهيم بن عبد الحميد:

قال الشيخ: إنّه من أصحاب الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام أدرك الإمام الرضاعليه‌السلام ، ولم يسمع منه على قول سعد بن عبد الله، واقفي، له كتاب(8)

وقال: في (الفهرست): (إبراهيم بن عبد الحميد ثقة له أصل أخبرنا به أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المفيد)(9) .

وتوثيق الشيخ له في (الفهرست) يدل على أنّه ليس واقفياً، ويمكن أن يكون أنّه

____________________

(1) الكشي.

(2) العقرقوفي: نسبة إلى عقرقوف، قيل: هي قرية من نواحي الدجيل، وقيل من نواحي نهر عيسى بينها وبين بغداد أربعة فراسخ إلى جانبها تل عظيم عال يرى من مسافة خمسة فراسخ، جاء ذلك في مراصد الاطلاع.

(3) رجال الطوسي. * هكذا ورد هذا الهامش في الكتاب المطبوع من غير رقم له في المتن. [ الشبكة ].

(4) تنقيح المقال.

(5) رجال الطوسي.

(6) الأنماطي: نسبة إلى أنماط جمع نمط وهو ثوب من الصوف يطرح على الهودج له خمل رقيق.

(7) النجاشي.

(8) رجال الطوسي.

(9) فهرست الطوسي.


رجع عن الوقف، ودان بدين الحق.

12 - إبراهيم بن علي:

ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأُمّ علي سيّدة النساء بطلة كربلاء السيدة زينبعليها‌السلام ، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

13 - إبراهيم بن محمد:

الأشعري، القمّي، قال النجاشي: إنّه ثقة، روى عن الإمام موسى، والإمام الرضاعليهما‌السلام ، وأخوه الفضل، وكتابهما شركة رواه الحسن بن أبي علي بن فضال عنهما(2) ، وثّقة ابن داود في رجاله، والفاضل المجلسي وغيرهم(3) .

14 - إبراهيم بن محمد:

الخزاز، روى عن الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه الحسن بن سعيد(4) .

15 - إبراهيم بن محمد:

مولى خراساني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

16 - إبراهيم بن محمد:

الهمداني، كان وكيلاً للإمام الرضاعليه‌السلام (6) ، وعدّه الشيخ من

أصحاب الإمام الرضا والإمام الجواد، والإمام الهاديعليهم‌السلام (7) ، قال الكشي: إنّه حجّ أربعين حجّة(8) .

17 - إبراهيم بن موسى:

روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه محمد بن حمزة(9) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) النجاشي.

(3) تنقيح المقال.

(4) معجم رجال الحديث 1 / 152.

(5) رجال الطوسي.

(6) النجاشي.

(7) رجال البرقي.

(8) الكشي.

(9) معجم رجال الحديث 1 / 162.


18 - إبراهيم بن هاشم:

أبو إسحاق القمّي، أصله من (الكوفة)، وانتقل إلى (قم المقدّسة)، عدّه الشيخ النجاشي من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وقال: إنّ أصحابنا

يقولون: إنّه أوّل مَن نشر حديث الكوفيين ب‍ (قم)، له كتب منها: كتاب النوادر، وكتاب قضايا الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام (1).

19 - إبراهيم بن هاشم:

العباسي(2) ، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) وظاهره أنّه إمامي مجهول الحال(4) ، قال السيد الخوئي: والصحيح هاشم بن إبراهيم لا إبراهيم بن هاشم كما في النجاشي(5) .

20 - أحمد بن أبي نصر:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن محمد(6) .

21 - أحمد بن أشيم:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) روى عن يونس وروى عنه أحمد بن محمد(8) .

22 - أحمد بن عامر:

ابن سليمان بن صالح بن وهب الذي استشهد مع ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حدث ابنه عبد الله قال: ولد أبي سنة (157 ه‍) ولقي الإمام الرضاعليه‌السلام سنة (174 ه‍) ومات الرضا بطوس سنة (202 ه‍) يوم الثلاثاء لثمان عشر خلون من جمادى الأُولى وشاهدت أبا الحسن، وأبا محمدعليهما‌السلام ، وكان أبي مؤذِّناً لهما، هكذا جاء في النجاشي.

____________________

(1) النجاشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) تنقيح المقال 1 / 39.

(5) معجم رجال الحديث 1 / 152.

(6) التهذيب الجزء السادس باب المهور والأجور.

(7) رجال الطوسي.

(8) التهذيب الجزء الأول باب تلقين المحتضر.


23 - أحمد بن عمر:

الحلال، كان يبيع الحل - يعنى الشيرج - روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وله عنه مسائل(1) .

24 - أحمد بن الفيض:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام (2) ، وهو إمامي مجهول الحال.

25 - أحمد بن محمد:

ابن أبي نصر البزنطي، كوفي، ثقة الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكان عظيم المنزلة عنده، وروى عنه كتاباً، وله من الكتب كتاب الجامع، وله كتاب (النوادر)، قال الشيخ في كتابه (الغيبة): (كان واقفاً ثم رجع لما ظهر من المعجزات على يد الإمام الرضاعليه‌السلام الدالة على صحّة إمامته، فالتزم الحجّة وقال بإمامته، وإمامة مَن بعده من ولده.

قال أحمد: كنت عند الإمام الرضاعليه‌السلام فأمسيت عنده، قال: فقلت أنصرف؟ فقال لي: لا تنصرف فقد أمسيت، قال: فأقمت عنده فقالعليه‌السلام : لجاريته هاتي مضربتي ووسادتي فافرشي لأحمد في ذلك البيت، قال: فلمّا صرت في البيت دخلني شيء، فجعل يخطر ببالي من مثلي في بيت ولي الله(3) ، وعلى مهاده، فناداني يا أحمد إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام عاد صعصعة بن صوحان فقال: يا صعصعة لا تجعل عيادتي إيّاك فخراً على قومك، وتواضع لله يرفعك.

وهو ممّن أجمع على الإقرار له بالفضل وتصحيح ما يصح عنه.

توفّي سنة (221 ه‍)(4) .

26 - أحمد بن محمد:

ابن حنبل بن هلال الشيباني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضا

____________________

(1) النجاشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) وفى رواية (فقلت: الحمد لله حجّة الله ووارث علم النبيين أنس بي الخ).

(4) معجم رجال الحديث (237 - 239).


عليه‌السلام (1) قال ابن حجر: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي، نزيل بغداد، أبو عبد الله أحد الأئمة، ثقة، حافظ، فقيه، حجّة، وهو رأس الطبقة العاشرة، مات سنة (241 ه‍) وله سبع وسبعون سنة(2) .

27 - أحمد بن محمد:

ابن عيسى الأشعري، القمّي، شيخ القميين ووجيههم، وكان الرئيس الذي يلقى السلطان، ولقي أبا جعفر الثاني، وأبا الحسن العسكريعليهما‌السلام .

له كتب فمنها: (كتاب التوحيد)، وكتاب (فضل النبي (ص)، وكتاب (المتعة)، وكتاب (النوادر)، وكان غير مبوّب فبوّبه داود بن كورة، وكتاب (الناسخ والمنسوخ)، وكتاب (الأطعمة)، وكتاب (المسوخ)، وكتاب (فضائل العرب)، قال ابن نوح: ورأيت له عند الدبيلي كتاباً في (الحج).

28 - أحمد بن يوسف:

مولى بنى تيم الله، كوفي، كان منزله بالبصرة، وتوفّي ببغداد، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه ثقة(3) .

29 - إدريس بن زيد:

من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ذكره الصدوق في مشيخة الفقيه مع علي بن إدريس أولاً مع توصيفهما بصاحبي الرضاعليه‌السلام ، ووصفه بالقمّي عند ذكر طريقه إليه ثانياً(4) .

30 - إدريس بن عبد الله:

ابن سعد الأشعري، ثقة له كتاب، يروى عن الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) تقريب التهذيب، وترجمة في تهذيب التهذيب.

(3) الكشي.

(4) رجال الطوسي.

(5) معجم رجال الحديث 3 / 9.

(6) النجاشي.* هكذا ورد هذا الهامش في الكتاب المطبوع من غير رقم له في المتن. [ الشبكة ].


31 - إدريس بن عيسى:

الأشعري، القمّي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام ثقة، وروى عنه حديثاً واحداً(1) .

32 - إدريس بن يقطين:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام (2) .

33 - إسحاق بن آدم:

الأشعري، القمّي، روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام كتاب يرويه جماعة(3).

34 - إسحاق بن إبراهيم:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والإمام الجوادعليهما‌السلام (4) قال الكشي: إنّه وصل إلى خدمة الإمام الرضاعليه‌السلام بواسطة الحسن بن سعيد الأهوازي(5) .

35 - إسحاق بن إبراهيم:

الحنظلي يعرف بابن راهويه، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

36 - إسحاق بن محمد:

الحضيني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) .

37 - إسحاق بن الإمام موسى:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، روى عن أخيه وعن عمّه عن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وروى عنه محمد بن مسلم(8) .

____________________

(1) النجاشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) النجاشي.

(4) رجال البرقي.

(5) الكشي.

(6) رجال الطوسي.

(7) رجال الطوسي.

(8) رجال الطوسي.


38 - إسماعيل بن سعد:

الأحوص، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه محمد بن خالد(1) .

39 - إسماعيل بن عباد:

القصري - من قصر بن هبيرة - عدّه البرقي من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام (2) .

40 - إسماعيل بن عيسى:

روى عن الإمام أبى الحسن، والإمام الرضاعليهما‌السلام ، وروى عنه ابنه سعد(3) .

41 - إسماعيل بن قتيبة:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه مجهول(4) .

42 - إسماعيل بن مهران:

ابن أبي نصر السكوني، مولى، كوفي، يكنّى أبا يعقوب، ثقة، معتمد عليه، من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، ألّف مجموعة من الكتب كان منها:

1 - الملاحم.

2 - ثواب القرآن.

3 - الإهليلجة.

4 - صفة المؤمن والفاجر.

5 - خطب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

6 - نوادر.

7 - النوادر(5) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث 3 / 133.

(2) البرقي.

(3) معجم رجال الحديث 3 / 158.

(4) رجال الطوسي.

(5) الكشي.


وقد طعن في حديثه ابن الغضائري، وقال: ليس حديثه بالنقي فيضطرب تارة، ويصلح أخرى، ويروى عن الضعفاء كثيراً ويجوز أن يخرج شاهداً، وبنى سيدنا الخوئي على وثاقته لشهادة جعفر بن محمد بن قولويه، وعلي بن إبراهيم، والشيخ والنجاشي والعياشي بوثاقته، وليس فيما ذكره ابن الغضائري دلالة على عدم وثاقته بل إنّ نفي النقاوة من حديثه من جهة أنّه يروى عن الضعفاء(1) .

43 - إسماعيل بن همام:

ابن عبد الرحمان البصري مولى كندة، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ثقة هو وأبوه وجدّه، له كتاب يرويه عنه جماعة(2) .

44 - أصرم بن مطر:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

45 - أفلح بن يزيد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

46 - أفلح بن يزيد: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكذلك عدّه الشيخ وأضاف إنّه مجهول(5) .

47 - الياس بن عمرو:

الصيرفي الخزاز، خيّر، من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، ولـمّا حضرته الوفاة قال لـمَن حوله: اشهدوا عليّ وليست ساعة الكذب هذه الساعة سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول: (والله لا يموت عبد يحب الله ورسوله ويتولّى الأئمّة فتمسّه النار)(6) .

48 - أيوب بن نوح:

كوفي، مولى النخع، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا

____________________

(1) معجم رجال الحديث 3 / 188 - 189.

(2) النجاشي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.

(6) الكشي.


عليه‌السلام (1) وكان وكيلاً، وتوفّى ولم يخلف إلاّ مائة وخمسين ديناراً، وكان الناس يظنون أنّ عنده مالاً كثيراً؛ لأنّه كان وكيلاً للأئمّةعليهم‌السلام (2) .

(ب)

49 - البائس:

مولى حمزة بن السبع الأشعري، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

50 - بكر بن صالح:

الرازي عده الشيخ البرقي من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) قال الشيخ: له كتاب في درجات الإيمان ووجوه الكفر والاستغفار والجهاد(5).

قال ابن الغضائري: ضعيف جداً، كثير التفرّد بالغرائب(6).

(ت)

51 - ثلج بن أبي ثلج:

اليعقوبي، من ولد داود بن علي اليعقوبي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) .

(ج)

52 - جعفر بن بشير:

البجلي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (8) ، من زهّاد الشيعة وعبّادهم ونسّاكهم، وله مسجد بالكوفة باقٍ في (بجيلة)، يقول النجاشي وأنا وكثير من أصحابنا إذا وردنا الكوفة نصلّي فيه مع المساجد التي يرغب في الصلاة فيها.

توفّي جعفر رحمه الله بـ‍ (الأبواء) سنة (208 ه‍) وكان يلقّب قفة العلم، وله

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) الكشي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال البرقي.

(5) معجم رجال الحديث.

(6) معجم رجال الحديث.

(7) رجال الطوسي.

(8) رجال الطوسي.


من المؤلّفات ما يلي:

1 - كتاب المشيخة.

2 - كتاب الصلاة.

3 - كتاب المكاسب.

4 - كتاب الصيد.

5 - كتاب الذبائح(1) .

قال الشيخ: له كتاب ينسب إلى جعفر بن محمدعليه‌السلام ، وراوية الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام (2) .

53 - جعفر بن إبراهيم:

الحضرمي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

54 - جعفر بن إبراهيم:

روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه إبراهيم بن هاشم(4) .

55 - جعفر بن عيسى:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) ، روى عن الإمام الكاظمعليه‌السلام ، وروى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أخوه محمد بن عيسى(6) .

56 - جعفر بن المثنى:

الخطيب، مولى لثقيف، واقفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) .

____________________

(1) النجاشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) معجم رجال الحديث 4 / 46.

(5) رجال الطوسي.

(6) معجم رجال الحديث 4 / 92.

(7) رجال الطوسي.


57 - جعفر بن محمد:

القزويني، ذكره الشيخ في باب الكنى من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

(ح)

58 - الحسن بن إبراهيم:

الكوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

59 - الحسن بن أسباط:

الكندي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

60 - الحسن بن أسد:

البصري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

61 - الحسن بن بشير:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه مجهول(5) .

62 - الحسن بن بشار:

المدائني، من أصحاب الإمام الكاظم والرضاعليهما‌السلام ثقة صحيح، كان واقفياً ثم رجع(6) .

63 - الحسن بن الجهم:

ابن بكير بن أعين أبو محمد الشيباني، ثقة، روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، له كتاب(7) .

64 - الحسن بن الجهم:

الرازي، من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (8) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.

(6) رجال أبى داود.

(7) النجاشي.

(8) معجم رجال الحديث 4 / 304.


65 - الحسن بن الحسين:

الأنباري، روى عن الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه علي بن الحكم(1) .

66 - الحسن بن الحسين:

ابن صالح، روى عن الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه علي بن عبد الغفار(2) .

67 - الحسن بن الحسين العلوي:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، روى عنه أحمد بن محمد.

68 - الحسن بن راشد (3) :

عدّه الشيخ من غير توصيف من أصحاب الإمامعليه‌السلام (4) .

69 - الحسن بن زياد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّ له كتاب(5).

70 - الحسن بن سعيد:

الكوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

71 - الحسن بن شاذان:

الواسطي، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أشكو إليه جفاء أهل (واسط)، وحملهم علي، وكانت عصابة من العثمانية تؤذيني، فوقععليه‌السلام بخطّه: (إنّ الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق أوليائنا على الصبر في دولة الباطل، فاصبر لحكم ربّك، فلو قد قام سيد الخلق لقالوا:( يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ

____________________

(1) معجم رجال الحديث 4 / 313.

(2) معجم رجال الحديث 4 / 315.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.

(6) رجال الطوسي.


مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) (1) .

72 - الحسن بن شعيب:

المدائني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

73 - الحسن بن عباد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

74 - الحسن بن العباس:

المعروفي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام وروى عنه على بن محمد(4) .

75 - الحسن بن علي:

ابن فضال مولى لتيم الرباب، كوفي ثقة(5) قال النجاشي: قال أبو عمرو: قال الفضل بن شاذان: كنت في قطيعة الربيع، مسجد الربيع، أقرأ على مقرئ يقال له: إسماعيل بن عباد، فرأيت قوماً يتناجون، فقال أحدهم: بالجبل رجل يقال له ابن فضال أعبد مَن رأينا أو سمعنا به فإنّه ليخرج إلى الصحراء فيسجد السجدة، فيجئ الطير فيقع عليه فما يظن إلاّ أنّه ثوب أو خرقة، وأنّ الوحش ليرعى حوله، فما تنفر منه لما قد أنست به، وأنّ عسكر الصعاليك ليجيئون يريدون الغارة أو قتال قوم، فإذا رأوا شخصه طاروا في الدنيا فذهبوا - أي خوفاً منه - قال الفيض: فظننت أنّ هذا رجل كان في الزمان الأوّل فبينا أنا بعد ذلك بيسير قاعد في قطيعة الربيع مع أبي رحمه الله، إذ جاء شيخ حلو الوجه، حسن الشمايل عليه قميص نرسي، ورداء نرسي، وفي رجليه نعل مخضر فسلم على أبي فقام إليه أبي فرحّب به، وبجّله، فلمّا أن مضى يريد ابن أبي عمير قلت: مَن هذا الشيخ؟ فقال: هذا الحسن بن علي بن فضال، قلت: هذا ذلك العابد الفاضل؟ قال: هو ذاك، قلت: ليس هو ذلك، ذاك بالجبل، قال: هو ذاك كان يكون بالجبل ما أغفل عقلك من غلام، فأخبرته بما سمعت من القوم فيه قال: هو ذلك، فكان بعد ذلك يختلف إلى أبي، ثم خرجت إليه بعد إلى الكوفة

____________________

(1) معجم رجال الحديث 4 / 367.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) معجم رجال الحديث 4 / 382.

(5) رجال الطوسي.


فسمعت منه كتاب ابن بكير وغيره من الأحاديث، وكان يحمل كتابه ويجئ إلى الحجرة فيقرأه علي، فلمّا حجّ ختن طاهر بن الحسين، وعظمه الناس لقدره وماله، ومكانه من السلطان، وكان قد وصف له، فلم يصر إليه الحسن، فأرسل إليه أحب أن تصير إليّ، فقال: مالي ولطاهر لا أقربهم ليس بيني وبينهم عمل، فعلمت بعد هذا أنّ مجيئه إليّ كان لدينه، وكان مصلاّه بالكوفة في الجامع عند الأسطوانة التي يقال لها السابعة، ويقال لها: أسطوانة إبراهيمعليه‌السلام ، وكان يجتمع هو وأبو محمد الحجال، وعلي ابن أسباط، وكان الحجال يدّعي الكلام فكان من أجدل الناس، فكان ابن فضال يعزي بينه وبيني في الكلام في المعرفة، وكان يحبني حباً شديداً، وكان الحسن عمره كلّه فطحياً مشهوراً بذلك حتى حضره الموت فمات، وقد قال: بالحق رضي الله عنه، وله من الكتب ما يلي:

1 - كتاب الزيارات.

2 - كتاب الثارات.

3 - كتاب النوادر.

4 - كتاب الرد على الغالية.

5 - كتاب الشواهد من كتاب الله.

6 - كتاب المتعة.

7 - كتاب الناسخ من المنسوخ.

8 - كتاب الملاحم.

9 - كتاب الصلاة.

10 - كتاب يرويه عن ابنه علي بن الإمام الرضاعليه‌السلام وكانت وفاته رحمه الله سنة (224 ه‍)(1) .

75 - الحسن بن علي:

ابن زياد الوشّاء، البجلي، الكوفي، من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ومن وجوه هذه الطائفة، وقد روى عن جدّه الياس أنّه لـمّا حضرته الوفاة قال: اشهدوا عليّ، وليست ساعة الكذب هذه الساعة لسمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول: والله لا يموت عبد يحب الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويتولّى الأئمة، فتمسّه النار.

____________________

(1) النجاشي.


ثم أعاد الثانية والثالثة من غير أن أسأله.

وروى أحمد بن محمد بن عيسى قال: خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث فلقيت بها الحسن بن علي الوشا فسألته أن يخرج لي كتاب العلاء بن رزين القلا، وأبان بن عثمان الأحمر فأخرجهما إليّ، فقلت له: أحب أن تجيزهما لي، فقال لي: يا رحمك الله، وما عجلتك؟ اذهب فاكتبهما، واسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لو علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد.

له كتب منها: (كتاب ثواب الحج)، وكتاب (النوادر)، وله (مسائل الرضا)(1) .

76 - الحسن بن علي:

ابن يقطين، بن موسى، مولى بني هاشم كان فقيهاً، متكلّماً روى عن الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام ، له كتاب (مسائل أبى الحسن موسىعليه‌السلام )(2) .

77 - الحسن بن علي:

الديلمي، ذكره الوحيد في التعليقة وقال: مولى الرضاعليه‌السلام (3) .

78 - الحسن بن علي:

مولى تيم الله بن ثعلبة، كوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

79 - الحسن بن علي:

الوشا، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، قال: كنت مع أبي وأنا غلام فتعشّينا عند الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

____________________

(1) النجاشي.

(2) النجاشي.

(3) معجم رجال الحديث 5 / 678.

(4) رجال الطوسي.

(5) معجم رجال الحديث 5 / 75.


80 - الحسن بن عمر:

ابن يزيد، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

81 - الحسن بن فضال:

روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وعن جماعة وروى عنه بنوه: أحمد وعلي ومحمد، وموسى بن عمر(2) .

82 - الحسن بن قارن:

روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه إبراهيم بن هاشم(3) .

83 - الحسن بن القاسم:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) روى الكشي بسنده عن الحسن بن القاسم قال: حضر بعض ولد جعفرعليه‌السلام الموت، فأبطأ عليه الرضاعليه‌السلام فغمني ذلك لإبطائه على عمّه محمد، ثم جاء، فلم يلبث أن قام، فقمت معه، فقلت له: جعلت فداك عمّك في الحال التي هو فيها تقوم وتدعه؟ فقالعليه‌السلام : عمّي يدفن فلاناً - يعني الذي هو عندهم - قال: فو الله ما لبثنا أن تماثل المريض للشفاء، ودفن أخاه الذي كان عندهم صحيحاً، فكان الحسن يعرف الحق بعد ذلك، ويقول به(5) .

84 - الحسن بن محبوب:

السراد، ويقال له الزراد، يكنّى أبا علي، مولى بجيلة، كوفي، ثقة، روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عن ستين رجلاً من أصحاب الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وكان جليل القدر، ألّف مجموعة من الكتب كان منها ما يلي:

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) معجم رجال الحديث 5 / 88.

(3) معجم رجال الحديث 5 / 93.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الكشي.


1 - كتاب المشيخة.

2 - كتاب الحدود.

3 - كتاب الديات.

4 - كتاب الفرائض.

5 - كتاب النكاح.

6 - كتاب الطلاق.

7 - كتاب النوادر، نحو ألف ورقة.

8 - كتاب التفسير.

9 - كتاب العتق.

وعدّه الشيخ الكشي من الفقهاء الذين أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم عند تسمية الفقهاء من أصحاب الإمام الكاظم والإمام الرضاعليه‌السلام توفى سنة (224 ه‍) وله من العمر خمسة وسبعون عاماً(1) .

85 - الحسن بن محمد:

ابن أبي طلحة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

86 - الحسن بن محمد.

ابن سهل النوفلي ضعّفه النجاشي، وقال: لكن له كتاب حسن، كثير الفوائد أسماه: (مجالس الرضا مع أهل الأديان)(3) .

87 - الحسن بن محمد:

القمّي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه الخبيري(4) .

88 - الحسن بن محمد:

النوفلي، الهاشمي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

____________________

(1) الكشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) النجاشي.

(4) التهذيب الجزء السادس باب فضل زيارة أبى الحسن موسى.

(5) معجم رجال الحديث 5 / 138.


89 - الحسن بن النضر:

الأرمني، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن محمد بن عيسى(1) .

90 - الحسن بن يزيد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2)

91 - الحسن بن يونس:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

92 - الحسن التفليسي:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

93 - الحسين بن إبراهيم:

ابن الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا(1) .

94 - الحسين بن أبي سعيد:

المكاري، أبو عبد الله، كان هو وأبوه وجهين في الواقفة، دخل على الإمام الرضاعليه‌السلام ، فقال له: فتحت بابك للناس، وقعدت للناس تفتيهم، ولم يكن أبوك يفعل هذا؟ فقالعليه‌السلام : ليس علي من هارون - أي الرشيد - بأس، ثم قال له: أطفأ الله نور قلبك، وأدخل الفقر بيتك، ويلك أما علمت أنّ الله أوحى إلى مريم أنّ في بطنك نبياً، فولدت مريم عيسىعليه‌السلام ، فمريم من عيسى، وعيسى من مريم، وأنا من أبي، وأبي منّي، فقال له: أسألك عن مسألة؟

فقال له: ما أخالك تسمع مني... سل، فقال له: رجل حضرته الوفاة، فقال: ما ملكته قديماً فهو حر، وما لم يملكه بقديم فليس بحر.

____________________

(1) معجم رجال الحديث 5 / 151.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.


فقالعليه‌السلام له: أما تقرأ هذه الآية:( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) فما ملك الرجل قبل الستة أشهر فهو قديم، وما ملك بعد الستة أشهر فليس بقديم، ثم خرج من عند الإمامعليه‌السلام ولم يلبث أن نزل به الفقر والبلاء(1) .

95 - الحسين بن بشار:

الواسطي، مولى زياد، ثقة، صحيح، روى عن الإمام أبي الحسن موسىعليه‌السلام ، وروى عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام .

ولـمّا توفّي الإمام الكاظمعليه‌السلام خرج الإمام الرضا، وهو غير مؤمن بموت الإمام الكاظم، ولا مقر بإمامة الرضا، وأراد أن يسأله، ولما انتهى إلى الإمام، وكان بـ‍ (الصوي)، فاستأذن عليه ودخل، فرحّب به الإمام، وأدناه إليه ثم قال له:

(يا حسين إن أردت أن ينظر الله إليك من غير حجاب، وتنظر إلى الله من غير حجاب فوال آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ووال ولي الأمر منهم).

وبادر الحسين قائلاً:

(انظر إلى الله عزّ وجل؟).

فقالعليه‌السلام : أي والله.

وجزم الحسين بعد ذلك بموت الإمام الكاظم، وإمامة ولده الرضا من بعده.

والتفت الإمامعليه‌السلام إليه، وقال له: (ما أردت أن آذن لك لشدّة الأمر، وضيقه - وذلك للرقابة التي فرضت عليه من قِبل السلطة العبّاسية - ولكن علمت الأمر الذي أنت عليه - وهو الوقف -).

وأضاف الإمام قائلاً: (خبرت بأمرك).

يعني اطلعت على ما أنت عليه؟ فقال الرجل: بلى(2) .

96 - الحسين بن بشير:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن محمد(3) .

____________________

(1) الكشي.

(2) الكشي.

(3) معجم رجال الحديث 5 / 208.


97 - الحسين بن الجهم:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) ، وذهب الإمام الأستاذ الخوئي إنّه من المحتمل وقوع التحريف في الاسم، والصحيح هو الحسن، وقد تقدمت ترجمته في الحسن بن الجهم الرازي(2) .

98 - الحسين بن خالد:

الصيرفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) ، روى الصدوق بسنده عن صفوان بن يحيى قال: كنت عند الرضاعليه‌السلام فدخل عليه الحسين بن خالد الصيرفي، فقال له: جعلت فداك إنّي أريد الخروج إلى (الأعوض)، فقالعليه‌السلام : حيثما ظفرت بالعافية فالزمه، فلم يقنعه ذلك، فخرج يريد (الأعوض) فقطع عليه الطريق وأخذ كل شيء كان معه من المال(4) .

99 - الحسين بن زياد:

عدّه الشيخ من رواة الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف إنّ له كتاب الرضاعليه‌السلام (5) .

100 - الحسين بن سعيد:

ابن حماد ابن مهران الأهوازي من موالي الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام ، ثقة، روى عن الإمام الرضا، وأبي جعفر الثاني، وأبي الحسن الثالث

عليهم‌السلام ، وأصله كوفي، وانتقل مع أخيه الحسن إلى (الأهواز) ثم تحوّل إلى (قم المقدّسة) فنزل على الحسن بن أبان، وتوفّي ب‍ـ (قم).

وله ثلاثون كتاباً وهي: كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب النكاح والطلاق، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب التجارات، كتاب الإجارات، كتاب الشهادات، كتاب الأيمان والنذور والكفّارات، كتاب الأشربة، كتاب المكاسب، كتاب التقية، كتاب الخمس، كتاب

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) معجم رجال الحديث 5 / 214.

(3) رجال الطوسي.

(4) الكشي.

(5) رجال الطوسي.


المروة والتجمل، كتاب الصيد والذبائح، كتاب المناقب، كتاب المثالب، كتاب التفسير، كتاب المؤمن، كتاب الملاحم، كتاب المزار، كتاب الدعاء، كتاب الرد على الغالية، كتاب العتق والتدبير(1) .

101 - الحسين بن شعيب:

المدائني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

102 - الحسين بن صالح:

الخثعمي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

103 - الحسين بن عبد ربّه:

له مكاتبة إلى الإمام الرضاعليه‌السلام رواها ابنه علي بن الحسين(4) .

104 - الحسين بن علي:

ابن ربيع، مولى بني هاشم، عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

105 - الحسين بن علي:

ابن يقطين، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

106 - الحسين:

ابن عمر، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) .

107 - الحسين بن قياما:

واقفي، روى الكشي بسنده عن الحسين بن بشار قال: استأذنت أنا والحسين بن قياما على الإمام الرضاعليه‌السلام في (صرنا) فأذن لنا، قال - أي الرضا -: أفرغوا من حاجتكم، قال له الحسين: تخلو الأرض من أن يكون فيها إمام؟

____________________

(1) الكشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) معجم رجال الحديث.

(5) رجال البرقي.

(6) رجال الطوسي.

(7) رجال الطوسي.


فقالعليه‌السلام : لا، إلاّ واحد صامت لا يتكلّم، قال: فقد علمت أنّك لست بإمام، قالعليه‌السلام : ومن أين علمت؟ قال: إنّه ليس لك ولد، وإنّما هي في العقب؟! فقالعليه‌السلام له: فو الله لا تمضي الأيام والليالي، حتى يولد ذكر من صلبي يقوم مثل مقامي يحيي الحق، ويمحق الباطل(1) .

108 - الحسين بن موسى:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، كما عدّه من أصحاب الإمام الكاظم، وقال إنّه واقفي(2) ، وللإمامعليه‌السلام رسالة نذكرها عند عرض رسائله.

109 - الحسين بن مياح:

نقل ابن داود عن أبن الغضائري أنّه من أصحاب الإمام الكاظم والرضاعليهما‌السلام ، وأنّه ضعيف غال(3) .

110 - الحسين بن يسار:

المدائني، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه علي بن أحمد بن أشيم(4) .

111 - حماد بن بكر:

ابن محمد الأزدي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

112 - حماد بن عثمان:

ابن عمرو، بن خالد الفزاري، مولاهم كوفي، كان يسكن (عرزم) فنسب إليها، هو وأخوه عبد الله ثقتان رويا عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، وروى حماد عن الإمام الكاظم، والإمام الرضاعليهما‌السلام ، توفّي حماد بالكوفة سنة (190 ه‍)(6) .

____________________

(1) الكشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال ابن داود.

(4) معجم رجال الحديث 6 / 117.

(5) رجال البرقي.

(6) الكشي.


113 - حماد بن عثمان:

الناب، عدّه الشيخ البرقي من أصحاب الإمام أبي عبد الله والكاظم والرضاعليهم‌السلام (1) ، وعدّه الكشي ممّن أجمعت العصابة على ما يصح عنهم، توفّي سنة (190 ه‍) بالكوفة(2) .

114 - حماد بن عيسى:

أبو محمد الجهني، مولى، أصله من (الكوفة)، وسكن (البصرة)، روى عن الإمام أبي عبد الله الصادق عشرين حديثاً، وعن الإمام أبي الحسن وعن الإمام الرضاعليهما‌السلام ، وكان ثقة في حديثه، صدوقاً، قال: سمعت من أبي عبد اللهعليه‌السلام سبعين حديثاً، فلم أزل أدخل الشك على نفسي حتى اقتصرت على هذه العشرين(3) .

وفد على الإمام الكاظمعليه‌السلام ، فقال له: جعلت فداك ادع الله لي

يرزقني داراً وزوجةً وولداً وخادماً والحج في كل سنة فقالعليه‌السلام : اللّهمّ (صلّ على محمد وآل محمد)، وارزقه داراً وزوجةً وولداً وخادماً والحج خمسين سنة، قال حماد: فلمّا اشترط خمسين سنة علمت أنّي لا أحج أكثر من خمسين سنة، قال: وحججت ثماني وأربعين سنة، وهذه داري قد رزقتها، وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي، وهذا ابني، وهذا خادمي قد رزقت كل ذلك، فحجّ بعد هذا الكلام حجّتين تمام الخمسين، ثم خرج بعد الخمسين حاجاً فزامل أبا العباس النوفلي القصير، فلمّا صار في الإحرام دخل يغتسل فجاء الوادي فحمله، فغرق في الماء، وتوفّي قبل أن يحج زيادة على خمسين حجّة(4) .

وقد ألّف مجموعة من الكتب منها: (كتاب الزكاة)، (وكتاب الصلاة)، وغيرها(5) .

____________________

(1) البرقي.

(2) الكشي.

(3) النجاشي.

(4) الكشي.

(5) الكشي.


115 - حمدان بن إبراهيم:

الأهوازي، كوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

116 - حمزة بن بزيع:

الواقفي، فقد استماله إلى الوقف علي بن أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي، حينما طمعوا بالحقوق الشرعية التي أؤتمنوا عليها، وقد بذلوا شيئاً منها إلى حمزة بن بزيع، وابن مكاري، وكرام الخثعمي(2) .

روى إبراهيم بن يحيى بن أبي البلاد قال: قال الرضاعليه‌السلام : ما فعل الشقي حمزة بن بزيع؟ فقلت: هو ذا قد قدم، فقالعليه‌السلام : يزعم أنّ أبي حي هو اليوم شكاك لا يموتون غداً إلاّ على الزندقة(3) .

117 - حيدر بن أيوب:

وهو ممّن روى النص من أبى الحسن موسىعليه‌السلام على إمامة ولده علي الرضاعليه‌السلام (4) .

(خ)

118 - خلف بن سلمة:

البصري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام (5) .

119 - خيران مولى الإمام الرضا:

قال النجاشي: له كتاب أخبرنا به أحمد بن محمد بن هارون الخ(6) .

(د)

120 - دارم بن قبيصة:

قال النجاشي دارم بن قبيصة بن نهشل بن مجمع أبو الحسن التميمي الدارمي

____________________

(1) الكشي.

(2) الكشي.

(3) الكشي.

(4) معجم رجال الحديث 6 / 311.

(5) رجال الطوسي.

(6) النجاشي.


السابح، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام وله عنه (كتاب الوجوه والنظائر) و (كتاب الناسخ والمنسوخ).

وطعن فيه ابن الغضائري، وقال: لا يؤنس بحديثه ولا يوثق(1) .

121 - داود بن سليمان:

ابن جعفر، أبو أحمد القزويني، ذكره ابن نوح في رجاله، له كتاب عن الإمام الرضاعليه‌السلام (2).

122 - داود بن علي:

العبدي، كان من أصحاب المهدي العباسي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3).

123 - داود بن علي:

اليعقوبي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) ، وعدّه النجاشي ممّن روى عن الإمام الكاظمعليه‌السلام ، وأضاف أنّه ثقة، وله كتاب(5) .

124 - داود بن القاسم:

ابن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبو هاشم الجعفري كان عظيم المنزلة عند الأئمةعليهم‌السلام منهم الإمام الرضا والإمام الجواد، والإمام الهادي، والإمام الحسن العسكري، وحجّة الله في أرضه الإمام المنتظرعليهم‌السلام ، وقد روى عنهم كلّهم، وله أخبار ومسائل، وشعر جيد فيهم، وكان مقدما عند السلطان، وله كتاب(6).

روى الكليني بسنده عن داود بن القاسم قال: دخلت على أبي جعفرعليه‌السلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة، واشتبهت عليّ فاغتممت، ثم تناولعليه‌السلام إحداها وقال: هذه رقعة فلان فبهت، فنظر إليّ فتبسّم، فقلت جعلت

____________________

(1) معجم رجال الحديث 7 / 90.

(2) النجاشي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) النجاشي.

(6) معجم رجال الحديث 7 / 121.


فداك إني لمولع بأكل الطين فادع الله لي، فسكت، ثم قال لي: بعد ثلاثة أيام ابتداء منا يا أبا هاشم قد أذهب الله عنك أكل الطين، قال أبو هاشم: فما شيء أبغض إليّ منه اليوم(1).

125 - داود بن مافنة:

الصرمي، مولى بني قرة، ثم بني حرمة، كوفي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام يكنّى أبا سليمان، وبقى إلى أيام أبى الحسن العسكريعليه‌السلام ، وله مسائل إليه(2) .

126 - داود بن النعمان:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) ، وروى الكشي بسنده عن حمدوية عن أشياخه أنّهم قالوا: داود بن النعمان خيّر فاضل، وهو عم الحسن بن علي بن النعمان، وكان علي بن النعمان أوصى بكتبه لمحمد بن إسماعيل بن بزيع(4) .

127 - دعبل بن علي:

الخزاعي، شاعر الإسلام الذي وهب حياته لله، وناهض أئمّة الظلم والجور، ونصر أئمّة الهدى والحق، وجاهد كأعظم ما يكون الجهاد في سبيلهم، فتعرّض لسخط ملوك العباسيين، ونقمتهم، فطاردته أجهزتهم، ومخابراتهم، وبقي صامداً لم يحفل بما عاناه من الأهوال والخطوب، لقد كان دعبل لسان الجبهة المعارضة للحكم العباسي الفاسد الذي استأثر بخيرات البلاد، وأنفقها بسخاء على الدعارة والمجون، وترك البلاد تموج بالفقر والحرمان، وراح دعبل بأدبه الفيّاض يهجو أولئك الملوك، ويثير سخط العامة عليهم.

ونعرض - بإيجاز - إلى ترجمة دعبل، وإعطاء صورة موجزة عن شخصيته الملهمة.

مكانته العلمية:

وبالإضافة لما يتمتع به دعبل من المواهب الأدبية التي جعلته في الرعيل الأوّل

____________________

(1) الكشي.

(2) معجم رجال الحديث.

(3) رجال الطوسي.

(4) الكشي.


من أدباء عصره، فقد كان من العلماء، فقد روى عن الإمام الرضا وأبي جعفر محمد الجوادعليهما‌السلام (1) اللذين هما من مصادر الفقه عند الإمامية، كما روى عن جماعة من الأعلام في عصره كان من بينهم ما يلي:

1 - الحافظ شعبة بن الحجاج المتوفّى (160 ه‍)، وبهذا الطريق يروى عنه الحديث في كتب الفريقين كما في أمالي الشيخ (ص 240) وتأريخ ابن عساكر (5 / 228).

2 - الحافظ سفيان الثوري المتوفّى سنة (161 ه‍) تأريخ ابن عساكر (5 / 228).

3 - إمام المالكية مالك بن أنس المتوفّى سنة (179 ه‍).

4 - أبو سعيد سالم بن نوح البصري المتوفّى بعد المائتين.

5 - أبو عبد الله محمد بن عمرو الواقدي المتوفّى سنة (207 ه‍).

6 - الخليفة المأمون العبّاسي المتوفّى سنة (218 ه‍).

7 - أبو الفضل عبد الله بن سعد الزهري البغدادي المتوفّى سنة (260 ه‍).

8 - محمد بن سلامة يروى عنه بطريقة شيخ الطائفة في أماليه عن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام خطبته (الشقشقية) الشهيرة.

9 - سعيد بن سفيان الأسلمي المدني، أمالي الشيخ (ص 227).

10 - محمد بن إسماعيل.

11 - مجاشع بن عمر.

12 - موسى بن سهل الراسبي.

كما روى عن دعبل جماعة من مشاهير الرواة كان من بينهم:

1 - أبو الحسن على أخو دعبل.

2 - موسى بن حماد اليزيدي.

3 - أبو الصلت الهروي المتوفّى (236 ه‍).

4 - هارون بن عبد الله المهلبي.

5 - علي بن الحكم.

____________________

(1) معجم رجال الحديث 7 / 148.


6 - عبد الله بن سعيد الأقشري.

7 - موسى بن عيسى المروزي.

8 - ابن النادي أحمد بن أبي داود المتوفّى سنة (272 ه‍).

9 - محمد بن موسى البربري(1) .

وقد كشفت هذه الجهة عن مكانته العلمية، وأنّ معارفه لم تقتصر على الآداب والشعر، وإنّما كانت شاملة للحديث والفقه.

مؤلّفاته:

وألّف دعبل كوكبة من الكتب دلّت على قدراته العلمية، كان من بينها:

1 - كتاب طبقات الشعراء:

وهو من الكتب القيّمة، ومن الأصل المعوّل عليها في الأدب والتراجم، وقد نقل عنه أعلام المؤلّفين كابن عساكر، والخطيب البغدادي، وابن خلكان، واليافعي، وغيرهم، وكان من بين أبوابه ما يلي:

1 - أخبار شعراء البصرة.

2 - أخبار شعراء الحجاز.

3 - أخبار شعراء بغداد.

وغير ذلك من الأبواب التي حفل بها، وهو من أُمّهات الكتب.

2 - كتاب الواحدة في مناقب العرب ومثالبها(2) .

3 - ديوان شعر:

وقد جمعه الصولي، ويحتوي على ثلاث مائة ورقة حسبما نصّ عليه ابن النديم(3) ، وليس له وجود في خزائن المخطوطات العربية، وأكبر الظن أنّه قد ضاع كبقية المخطوطات العربية التي خسرها العالم العربي والإسلامي.

وقد انبرى - مشكوراً - الأستاذ المغفور له عبد الصاحب الدجيلي فبذل جهداً شاقاً في عدّه سنين إلى جمع ما عثر عليه من شعر دعبل وأبرزه إلى عالم النشر بعنوان

____________________

(1) الغدير 2 / 273 مقدمة ديوان دعبل (ص 22 - 24) لعبد الصاحب الدجيلي.

(2) الغدير 2 / 371 - 372.

(3) الفهرست (ص 229).


(ديوان دعبل بن علي الخزاعي ) وقد طبع في النجف الأشرف سنة (1382 ه‍) ويحتوي على مقدمة وافية عرض فيها لحياة دعبل وآثاره، وقد أسدى بذلك خدمة للفكر والأدب.

شعره:

أمّا شعر دعبل فهو من مناجم الأدب العربي، وقد صوّر بصدق في كثير من مقطوعاته الحياة السياسية والاجتماعية في عصره، وما عاناه المسلمون من ضروب الجور وأنواع الظلم من حكّام بني العباس الذي كان حكمهم امتداداً للحكم الأموي، بل كان في كثير من الأحيان أشد وأقسى من الحكم الأموي.

مدحه ورثاؤه للعلويين:

ووهب دعبل أدبه وفكره للعلويين الذين هم دعاة العدل الاجتماعي في الإسلام، والذين ناضلوا كأشد ما يكون النضال لإعلان حقوق الإنسان، وإنقاذ الفقراء والمحرومين من ويلات الحكم الأموي والعباسي، وهذه نماذج ممّا قاله في مدحهم ورثائهم:

مدحه للإمام أمير المؤمنين:

ألا إنّه طهر زكيٌّ مطهّرٌ

سريعٌ إلى الخيرات والبركاتِ

غلاماً وكهلاً خير كهلٍ ويافعٍ

وأبسطهم كفاً إلى الكرباتِ

وأشجعهم قلباً، وأصدقهم أخاً

وأعظمهم في المجد والقرباتِ

أخو المصطفى بل صهره ووصيّه

من القوم والستّار للعوراتِ

كهارون من موسى على رغم معشرٍ

سفال لئام شقق الشراتِ

فقال: ألا مَن كنت مولاه منكم

فهذا له مولى بُعيد وفاتي

أخي ووصيي وابن عمّى ووارثي

وقاضي ديوني من جميع عداتي(1)

وليس في هذا الشعر تكلّف، وإنّما هو منسجم مع الواقع، وصادق كل الصدق، فقد حكى بعض صفات الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام والتي منها أنّه طهر طاهر، كما أنّه من أندى الناس كفّاً، ومن أشجعهم قلباً، فقد خاض أهوال الحروب، وهو الأسد الضرغام الذي أباد قوى الشرك والإلحاد، كما أنّه من ألصق

____________________

(1) ديوان دعبل (ص 98 - 99).


الناس برسول الله (ص) فهو أخوه، وصهره ووصيّه، وكان منه بمنزلة هارون من موسى، وقد قال في حقّه يوم (غدير خم ): (مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه)، ولنستمع إلى مقطوعة أخرى من شعره في مدح الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يقول:

نطق القرآن بفضل آل محمّدٍ

وولاية لعلّيه لم تجحدِ

لولاية المختار من خير الورى

بعد النبي الصادق المتودّدِ

إذ جاءه المسكين حال صلاته

فامتد طوعاً بالذراع وباليدِ

فتناول المسكين منه خاتماً

هبة الكريم الأجود بن الأجودِ

فاختصه الرحمان في تنزيله

مَن حاز مثل فخاره فليعددِ

إنّ الإله وليّكم ورسوله

والمؤمنين فمَن يشأ فليجحدِ

يكن الإله خصيمه فيها غداً

والله ليس بمخلف في الموعدِ(1)

وواضح هذا الشعر كل الوضوح فقد حكى فضيلة من فضائل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهي أنّ مسكيناً قصد جامع الرسول في يثرب فطلب من المسلمين أن يسعفوه، فلم يعطه أحد منهم شيئاً، وكان الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يصلّي فأومأ إليه، وأعطاه خاتمه، وهو كل ما يملكه، وحينما فرغ الإمام من صلاته نزل الوحي على الرسول (ص) وهو يقلّد الإمام وساماً من أغلى الأوسمة التي قلّدته بها السماء، فقد نزل الوحي بهذه الآية الكريمة:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (2) ودلالة هذه الآية واضحة فقد حصرت الولاية العامة في الله تعالى والرسول الأعظم، والإمام أمير المؤمنين الذي أدّى الزكاة وهو في حال ركوعه.

وهذه الآية من أوثق الأدلة على إمامة الإمام أمير المؤمنين، وأنّه أحق وأولى بخلافة المسلمين من غيره، فقد قرن تعالى ولايته بولاية الله وولاية رسوله...

ولنستمع إلى أبيات أخرى قالها في الإمامعليه‌السلام :

سقياً لبيعة أحمد ووصيه

أعني الإمام وليّنا المحسودا

أعني الذي نصر النبي محمّداً

قبل البرية ناشئاً ووليدا

أعني الذي كشف الكروب ولم يكن

في الحرب عند لقائها رعديدا

____________________

(1) ديوان دعبل (ص 101).

(2) سورة المائدة: آية 55.


أعني الموحِّد قبل كل موحِّدٍ

لا عابداً وثناً ولا جلمودا

وهو المقيم على فراش محمّدٍ

حتى وقاه مكايداً ومكيدا

وهو المقدّم عند حومات الندا

ما ليس ينكر طارفاً وتليدا(1)

وعرض دعبل في هذه الأبيات إلى نصرة الإمامعليه‌السلام للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو المنافح الأول عن كلمة التوحيد، وبجهوده وجهاده قام دين الإسلام، وقد كشف الكروب عن النبي (ص) في أحلك الظروف وأقساها، ففي واقعة بدر وأحد والخندق وغيرها كان الإمام البطل الأوحد الذي أطاح برؤوس المشركين، وسحق جيوشهم، ورفع راية التوحيد.

وعرض دعبل إلى مبيت الإمامعليه‌السلام على فراش النبي (ص) ووقايته له بمهجته، وقد قام بأروع عملية فدائية في الإسلام، فما أعظم أياديه على هذا الدين، هذا بعض ما قاله دعبل في مدح الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

رثاؤه للإمام الحسين:

وروع المسلمون بكارثة كربلاء التي انتهكت فيها حرمة الرسول (ص) في أبنائه وذرّيّته، فقد أبادت جيوش الأمويين بوحشية قاسية عترة النبي (ص) واقترفت فيهم أفظع الجرائم، وقد اهتزّ لهول هذه الفاجعة الضمير الإنساني، وقد اندفع دعبل الذي هو علوي الفكر إلى رثاء الإمام الحسينعليه‌السلام فرثاه بذوب روحه في مجموعة من روائع نظمه كان من بينها هذه اللوحات:

أأسبلت دمع العين بالعبرات

وبتّ تقاسي شدّة الزفراتِ

وتبكي على آثار آل محمّدٍ

فقد ضاق منك الصدر بالحسراتِ

ألا فابكهم حقّاً وأجر عليهم

عيوناً لريب الدهر منسكباتِ

ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم

بداهية من أعظم النكباتِ

سقى الله أجداثاً على طفّ كربلا

مرابع أمطارٍ من المزناتِ

وصلّي على روح الحسين وجسمه

طريحاً على النهرين بالفلواتِ

قتيلاً بلا جرمٍ ينادي لنصره

- فريداً وحيداً - أين أين حماتي

أأنسى - وهذا النهر يطفح - ظامئاً

قتيلاً ومظلوماً بغير تراتِ

____________________

(1) ديوان دعبل (ص 102).


فقل لابن سعدٍ - أبعد الله سعده -

ستلقى عذاب النار واللعناتِ

سأقنت طول الدهر ما هبّت الصبا

وأقنت بالآصال والغدواتِ

على معشرٍ ضلّوا جميعاً وضيّعوا

مقال رسول الله بالشبهاتِ

لقد رفعوا رأس الحسين على القنا

وساقوا نساءً حسرّاً ولهاتِ

توفّوا عطاشا نازحين وغادروا

مدارس وحى الله مندرساتِ

يعزّ على المختار أن يمكث ابنه

طريحاً بلا دفنٍ لدى الهبواتِ

ويرفع رأس الرمح رأس حبيبه

ويسري به للشام في الحرباتِ

وينكثه بالعود مَن لاكت أمُّهُ

لحمزة كبداً لم يسغ بلهاةِ

مصائب أجرت عين كلّ موحِّدٍ

دماء رماها القلب بالعبراتِ(1)

ومثّلت هذه الأبيات لوعة الخزاعي وأساه على ما حلّ بابن الرسول وريحانته من فوادح الخطب، والمصائب المذهلة التي تذوب من هولها الجبال، فقد قتله البغاة استجابةً لرغبات أسيادهم الأمويين، وتركوا جثمانه الشريف ملقىً على صعيد كربلا لم يواروه، واحتزوا رأسه الشريف، وجعلوا يطوفون به في الأقطار والأمصار تشفّياً منه، وإظهاراً لفرحتهم الكبرى بقتله

ولنستمع إلى مقطوعة أخرى من رثائه للإمام الحسينعليه‌السلام يقول:

رأس ابن بنتِ محمّدٍ ووصيّه

يا للرجال على قناةٍ يرفعُ

والمسلمون بمنظرٍ وبمسمعٍ

لا جازع من ذا ولا متخشّعُ

أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى

وأنمت عيناً لم تكن بك تهجعُ

كحلت بمنظرك العيون عمايةً

وأصمّ نعيك كل أذنٍ تسمعُ

ما روضة إلاّ تمنّت أنّها

لك مضجعٌ ولخط قبرك موضعُ(2)

لقد نعى دعبل ذهاب الحميّة الإسلامية، فقد استسلم المسلمون للذل والهوان، ومدّوا أعناقهم بخنوع لحكومة يزيد التي استهانت بقيمهم ومقدّراتهم، فرفعت رأس ابن بنت نبيّهم على أطراف الأسنّة والرماح يطاف به في الأقطار والأمصار؛ وذلك بمنظر ومسمع من جميع الأوساط، ولم يبد أحد نقمته وسخطه على يزيد، وفيما أحسب أنّ ذلك كان ناجماً من العنف والإرهاب اللذين سادا على الأمّة،

____________________

(1) ديوان دعبل (ص 107).                           (2) ديوان دعبل (ص 99 - 100).


فكانت السلطة تأخذ بالظنة والتهمة، وتأخذ البرئ بالسقيم، والمقبل بالمدبر، ومن الطبيعي أنّ ذلك أوجب انتشار أوبئة الخوف عند المسلمين...

هذه بعض مراثي دعبل لسيّد الشهداءعليه‌السلام .

هجاؤه:

لقد نقم دعبل على ملوك عصره العبّاسيين، وهجاهم بأقذع ألوان الهجاء، ولم يكن بذلك مدفوعاً وراء العواطف والأهواء التي لا تمتّ إلى الحق بصلة، فقد جانب أولئك الملوك الحق، وسخّروا اقتصاد الأمة إلى شهواتهم فانفقوا ملايين الأموال على المغنّين والعابثين وجلبوا لقصورهم ما حرّم الله من الخمر، وأنواع اللهو في حين أنّ الأُمّة كانت تعاني الفقر والحرمان، وقد خيّم عليها البؤس ولنستمع إلى بعض هجائه.

هجاؤه للرشيد:

ولـمّا توفّي الإمام الرضاعليه‌السلام سارع المأمون فدفنه إلى جانب أبيه، وسئُل عن ذلك، فقال: ليغفر الله لهارون بجواره للإمام الرضا، ولـمّا سمع دعبل ذلك هزأ وقال:

قبران في طوس خير الناس كلّهم

وقبر شرّهم هذا من العبرِ

ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا

على الزكي بقرب الرجس من ضررِ

هيهات كل امرئٍ رهن بما كسبت

له يداه فخذ ما شئت أو فذرِ

وأيّ هجاء لهارون أقذع وأمر من هذا الهجاء، فقد عبّر عنه تارة بشر الناس، وأخرى بالرجس، وأنّ قربه من مثوى الإمام لا ينتفع به، فكل امرئ يعامل بما كسبت يداه، ولا عبرة بغير ذلك.

هجاؤه لإبراهيم:

ولـمّا بايع المأمون الإمام الرضاعليه‌السلام بولاية العهد غضب العباسيون وانتفخت أوداجهم، فعمدوا إلى إبراهيم بن المهدي شيخ المغنّين فبايعوه، وانبرى دعبل إلى هجائه فقال:

نعر ابن شكلة بالعراق وأهله

فهفا إليه كل أطلس مائقِ

إن كان إبراهيم مضطلعاً بها

فلتصلحن من بعده لمخارق

ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل

ولتصلحن من بعده للمارقِ


أنّى يكون وليس ذاك بكائنٍ

يرث الخلافة فاسقٌ عن فاسقِ(1)

وأقذع هجاء وأمرّه هذا الهجاء، فإنّ الخلافة لو صلحت لإبراهيم لصلحت لغيره من المغنّين، كمخارق وزلزل ومارق، وبذلك تكون الدولة دولة المغنّين، وأنّ من المستحيل أن تتحوّل الخلافة إلى هذا المستوى السحيق، وأن يرث الخلافة فاسق عن فاسق، ومن الطريف أنّ الجند اجتمعوا حول بلاطه يطالبونه برواتبهم ولم يكن عنده شيء من المال فانبرى أحد الظرفاء فخاطب الجند فقال لهم: سوف يخرج إبراهيم ويغنّي لهذا الجانب بصوت، ويغنّي للجانب الآخر بصوت، وهذا هو أرزاقكم وسمع دعبل بذلك فقال:

يا معشر الأجناد لا تقنطوا

خذوا عطاياكم ولا تسخطوا

فَسَوفَ يُعطيكُم حُنَينِيَّةً

يَلتَذُّها الأَمرَدُ وَالأَشمَطُ(2)

والمعبديات لقوادكم

لا تدخل الكيس ولا تربطُ

وهكذا يرزق أجناده

خليفةٌ مصحفه البربطُ

أرأيتم هذه السخرية؟ وهذا الاستهزاء بشيخ المغنّين الذي يرزق أجناده بالغناء الذي لا يدخل الكيس ولا يربط!؟.

هجاؤه للمعتصم:

أمّا هجاء دعبل للمعتصم فكان مرّاً وقاسياً، وكان المعتصم طاغياً، ظالماً لا عهد له بالرأفة والرحمة، وقد صدق دعبل في هجائه له بهذه المقطوعة:

بكى لشتات الدين مكتئبٌ صبُّ

وفاض بفرط الدمع من عينه غربُ

وقام إمام لم يكن ذا هدايةٍ

فليس له دين وليس له لبُّ

وما كانت الأنباء تأتي بمثله

يملّك يوماً أو تدين له العربُ

ولكن كما قالوا الذين تتابعوا

من السلف الماضين إذ عظم الخطبُ

ملوك بني العبّاس في الكتب سبعة

ولم تأتنا عن ثامنٍ لهم الكتبُ

كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة

كرام إذا عدوا وثامنهم كلبُ

وإنّي لأعلي كلبهم عنك رفعةً

لأنّك ذو ذنبٍ وليس له ذنبُ

____________________

(1) ديوان دعبل (ص 174).

(2) الأمرد: الذي لا لحية له، والأشمط الذي له لحية.


كأنّك إذ ملكّتنا لشقائنا

عجوزٌ عليها التاج والعقد والإتبُ

لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم

وصيف وأشتات وقد عظم الكربُ(1)

ومثلت هذه الأبيات محنة المسلمين وشقاءهم بخلافة المعتصم الذي لم يتمتع بأي صفة كريمة تؤهّله لمركز الخلافة الإسلامية التي هي ظل الله في الأرض، وقد ظل دعبل في عهده مختفياً يطارده الرعب والفزع، فقد أوعز المعتصم إلى شرطته باعتقاله ولكنّهم لم يظفروا به، ولـمّا هلك المعتصم هجاه بهذه الأبيات:

قد قلت: إذ غيبوه وانصرفوا

في شرّ قبرٍ لشرِّ مدفونِ

اذهب إلى النار والعذاب فما

خلتك إلاّ من الشياطينِ

وما زلت حتى عقدت بيعة من

أضر بالمسلمين والدينِ(2)

هجاؤه للواثق:

ولـمّا تولّى الواثق عمد دعبل إلى طومار فكتب فيه الأبيات التالية، ودفعها إلى الحاجب، وقال له: قل له هذه أبيات امتدحك بها دعبل، وهذه الأبيات:

الحمد لله لا صبر ولا جلد

ولا عزاء إذا أهل الهوى رقدوا

خليفة مات لم يحزن له أحدٌ

وآخرٌ قام لم يفرح به أحدُ

فمرّ هذا، ومرّ الشؤم يتبعه

وقام هذا فقام الويل والنكدُ

ولـمّا فضّها الواثق وقرأها تميّز غيظاً وغضباً وطلب دعبل بكل ما يقدر عليه من الطلب فلم يظفر به حتى هلك الواثق(3) .

هذه صور من هجائه، وهي تمثّل اندفاعه نحو الحق، ونصرته للمظلومين والمضطهدين في عصره.

لقد كان دعبل من زعماء المعارضة للحكم العباسي في عصره، ومن الجناية على الفكر أن يوصم الرجل بأنّه خبيث اللسان لم يسلم أحد من الخلفاء من لسانه(4) فإنّ هذا القول رخيص، وبعيد عن الواقع، لقد هام دعبل في حب أهل البيت الذين اضطهدتهم الحكومات العبّاسية، وجهدت في ظلمهم وظلم شيعتهم فاندفع دعبل

____________________

(1) ديوان دعبل (ص 129 - 130).                             (2) ديوان دعبل (ص 209).

(3) ديوان دعبل (ص 149).                                       (4) الأغاني 18 / 29.


بوحي من عقيدته إلى نصرتهم والذب عنهم والتشهير بخصومهم وليس في ذلك أي نقص عليه، وإنّما هو فخر وشرف له.

إلى جنّة المأوى:

وظل دعبل معظم حياته مجاهداً ومناضلاً قد سخر من ملوك عصره الذين استباحوا حرمات الله، فهجاهم بأمرّ وأقذع ألوان الهجاء، وقد طاردته السلطة، ورامت تصفيته جسدياً ولكنّه اختفى، وراح يجوب في الأقطار يلاحقه الفزع والخوف، وهو القائل في تائيّته الخالدة:

لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها

وإنّي لأرجو الأمن بعد وفاتي

وقد أعلن بشجاعة فائقة استعداده للموت فقال: (لي خمسون سنة أحمل خشبتي - أي خشبة الإعدام - على كتفي أدور على مَن يصلبني عليها فما أجد مَن يفعل ذلك).

وكانت نهاية دعبل على يد ذئب من ذئاب عصره وهو مالك بن طوق التغلبي فقد طلبه فهرب إلى البصرة، وكان والياً عليها إسحاق بن العباس العباسي وقد بلغه هجاء دعبل له، فأمر بإلقاء القبض عليه، فجيء به إليه مخفوراً فدعا بالنطع والسيف ليضرب عنقه، فأنكر دعبل القصيدة التي قيلت في ذمّه وأنّ عدداً له قالها ونسبها له ليغري بدمه، وجعل دعبل يتضرّع إليه فأعفاه من القتل إلاّ أنّه دعا بالعصي والمقارع، وانهال عليه ضرباً بوحشيّة قاسية، ثمّ خلّى سبيله فهرب إلى (الأهواز)(1) .

وسارع مالك بن طوق فبعث رجلاً حصيفاً مقداماً وأعطاه سمّاً، وأمره باغتيال دعبل، وأعطاه عوض هذه الجريمة عشرة آلاف درهم، وانبرى الرجل مسرعاً إلى (الأهواز) فجدّ في طلب دعبل فعثر عليه في قرية من نواحي (السوس) فاغتاله بعد صلاة العتمة، فضربه على ظهر قدمه بعكاز له زج مسموم فتسمم بدنه، ومات في غده، ودفن بتلك القرية، وقيل: بل حمل إلى (السوس) فدفُن فيها(2) وانتهت بذلك حياة هذا المجاهد الذي قارع الباطل بشجاعة، وقد رثاه صديقه الشاعر الكبير أبو تمّام الطائي بهذه الأبيات:

____________________

(1) الأغاني 18 / 60.

(2) الأغاني 18 / 60.


قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي

مثوى حبيب يوم مات ودعبل

أخوي لا تزل السماء نحيلة

تغشاكما بسماء مزن مسبل

جدث على الأهواز يبعد دونه

مسرى النعي ورمة بالموصل(1)

رحم الله دعبلاً فقد كان علماً من أعلام الإسلام، وقد استشهد في سبيل المبادئ الكريمة والمثل العليا التي تبنّاها في جميع أدوار حياته.

(ر)

128 - رحيم عبدوس:

الخنجي، روى عن الإمام أب] الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه علي بن الحكم(2) .

129 - ريان بن شبيب:

خال المعتصم العباسي، ثقة سكن (قم)، وروى عنه أهلها، وجمع مسائل الصباح ابن نصر الهندي للإمام الرضاعليه‌السلام (3) ، وقد روى عنه الإمام الرضاعليه‌السلام وروى عنه إبراهيم بن هاشم(4) .

130 - الريان بن الصلت:

الأشعري، القمّي، أبو علي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، ثقة، صدوق، له كتاب جمع فيه كلام الإمام الرضاعليه‌السلام في الفرق بين الآل والأمّة(5) ، وروى معمر بن خلاد قال: قال لي الريان بن الصلت، وكان الفضل بن سهل بعثه إلى بعض كور خراسان: أحب أن تستأذن لي على أبي الحسنعليه‌السلام فأسلّم عليه وأودّعه وأحب أن يكسوني من ثيابه، وأن يهب لي من الدراهم التي ضُربت باسمه، قال: فدخلت عليه، فقال لي مبتدئاً: يا معمر بن ريان، أيحب أن يدخل علينا فأكسوه من ثيابي وأعطيه من دراهمي؟ قال: قلت سبحان الله!! والله ما سألني إلاّ أن أسألك ذلك له، فقال: يا معمر إنّ المؤمن موفّق

____________________

(1) وفيات الأعيان 1 / 180.

(2) معجم رجال الحديث 7 / 183.

(3) النجاشي.

(4) فروع الكافي الجزء السابع كتاب الوصية.

(5) النجاشي.


قل له: فليجئ قال: فأذنت له فدخل عليه فسلّم فدعا له بثوب من ثيابه، فلمّا خرج قلت: أي شيء أعطاك؟ وإذا في يده ثلاثون درهماً(1) .

(ز)

131 - زكريا بن آدم:

ابن عبد الله بن سعد الأشعري، القمّي، ثقة جليل، عظيم القدر، كان له وجه عند الإمام الرضاعليه‌السلام ، له كتاب(2) ، وروى الكشي أنّه سمع من بعض أصحابنا عن أبي طالب عبد الله بن الصلت القمّي، قال: دخلت على أبي جعفر الثانيعليه‌السلام في آخر عمره فسمعته يقول: جزى الله صفوان بن يحيى، ومحمد بن سنان، وزكريا ابن آدم عنّي خيراً، فقد وفوا لي.

وروى محمد بن حمزة عن زكريا بن آدم قال: قلت للرضاعليه‌السلام : إنّي أريد الخروج عن أهل بيتي فقد كثر السفهاء فيهم فقال: لا تفعل، فإنّ أهل بيتك يدفع عنهم - أي البلاء - بك، كما يدفع عن أهل بغداد بأبي الحسن الكاظمعليه‌السلام (3) .

وممّا يدل على جلالة قدره وسمو مكانته ما رواه علي بن المسيب قال: قلت للرضاعليه‌السلام : شقّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كل وقت فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقالعليه‌السلام : من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا، قال علي بن المسيب: فلمّا انصرفت قدمت على زكريا بن آدم فسألته عمّا احتجت إليه.

وروى محمد بن إسحاق والحسن بن محمد قالا: خرجنا بعد وفاة زكريا بن آدم بثلاثة أشهر نحو الحج، فتلقّانا كتابهعليه‌السلام في بعض الطريق فإذا فيه ذكرت ما جرى من قضاء الله به في الرجل المتوفّى رحمه الله يوم ولد، ويوم قبض، ويوم يبعث حيّاً، فقد عاش أيام حياته عارفاً بالحق، قائلاً به: صابراً محتسباً للحق، قائماً بما يحبه الله ورسوله ومضى رحمه الله غير ناكث، ولا مبدّل فجزاه الله أجر نبيّه وأعطاه خير أمنيته، وذكرت الرجل الموصى إليه، ولم تعرف فيه رأينا، وعندنا من المعرفة به أكثر ممّا

____________________

(1) الكشي.

(2) النجاشي.

(3) الكشي.


وصفت - يعني الحسن بن محمد بن عمران -(1) وقد كشفت هذه الرواية عن سمو مكانته عند الإمامعليه‌السلام .

132 - زكريا أبو يحيى:

كوكب الدم، عدّه الشيخ في باب الكنى من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) وقال أبو يحيى الموصلي: كان زكريا أبو يحيى شيخاً من الأخيار(3) وضعفه ابن الغضايري.

133 - زكريا بن إدريس:

ابن عبد الله بن سعد الأشعري، القمّي أبو جرير، روى عن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وأبي الحسن والرضاعليهم‌السلام ، له كتاب(4) ، وروى زكريا قال: دخلت على الرضاعليه‌السلام من أول الليل في حدثان موت أبي جرير فسألني عنه، وترحّم عليه، ولم يزل يحدثني وأحدّثه حتى طلع الفجر، فقامعليه‌السلام فصلّى الفجر(5) .

134 - زكريا بن عبد الصمد:

القمّي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه ثقة، يكنّى أبا جرير من أصحاب أبي الحسن موسىعليه‌السلام (6) .

135 - زكريا بن محمد:

أبو عبد الله المؤمن، روى عن الإمام أبي عبد الله والإمام أبي الحسنعليهما‌السلام ، ولقي الإمام الرضاعليه‌السلام في المسجد الحرام، وحكى عنه ما يدل على الوقف، وكان مختلط الأمر في حديثه له كتاب منتحل الحديث(7) .

____________________

(1) الكشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) معجم رجال الحديث 7 / 272.

(4) النجاشي.

(5) الكشي.

(6) رجال الطوسي.

(7) النجاشي.


136 - زكريا بن يحيى:

روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه بكر بن صالح(1) .

(س)

137 - سعد بن حماد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام وأضاف: إنّه مجهول(2) .

138 - سعد بن سعد:

ابن الأحوص بن سعد بن مالك الأشعري القمّي، ثقة، روى عن الإمام الرضا والإمام أبي جعفرعليهما‌السلام كتابه المبوب، وروى محمد بن خالد عنه مسائله للإمام الرضاعليه‌السلام (3)، وروى عبد الله بن الصلت القمّي قال: دخلت على الإمام أبي جعفر الثاني في آخر عمره... قال: (جزى الله صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان، وزكريا بن آدم، وسعد بن سعد فقد وفوا لي!)(4).

139 - سعد خادم أبي دلف:

قال الشيخ: له مسائل عن الإمام الرضاعليه‌السلام أخبرنا بها عدّة من أصحابنا عن أبي الفضل عن ابن بطة عن أحمد بن عبد الله(5).

140 - سعيد بن جناح:

الأزدي، مولاهم بغدادي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام هو وأخوه أبو عامر، كانا ثقتين له كتاب صفة الجنة والنار، وكتاب قبض روح المؤمن والكافر(6) .

141 - سعيد بن سعيد:

القمّي، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث.

(2) رجال الطوسي.

(3) النجاشي.

(4) الكشي.

(5) فهرست الطوسي.

(6) النجاشي.

(7) رجال الطوسي.


142 - سليمان بن جعفر:

الطالبي الجعفري، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى أبوه عن الإمام أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ، وكانا ثقتين، له كتاب (فضل الدعاء)(1) .

143 - سليمان بن الجعفري:

روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أبو أيوب المدني(2) .

144 - سليمان بن حفص:

روى عن الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه محمد بن إسماعيل(3) .

145 - سليمان بن حفص:

المروزي روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام (4) .

146 - سليمان بن داود:

الخفّاف: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

147 - سليمان بن رشيد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) ، روى عن أبيه وروى عنه محمد بن عيسى (7) .

148 - السندي بن الربيع:

الكوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (8) .

____________________

(1) النجاشي.

(2) معجم رجال الحديث 8 / 242.

(3) معجم رجال الحديث 8 / 244.

(4) معجم رجال الحديث 8 / 262.

(5) رجال الطوسي.

(6) رجال الطوسي.

(7) معجم رجال الحديث.

(8) رجال الطوسي.


149 - سوادة القطان:

روى عن الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه الحسن بن علي ابن فضال(1) .

150 - سهل بن الأشعري:

روى عن الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه ابنه محمد(2) .

151 - سهل بن اليسع:

ابن عبد الله بن سعد الأشعري، القمّي، ثقة، روى عن الإمام موسى والإمام الرضاعليهما‌السلام (3) .

(ش)

152 - شعيب بن حماد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) ، وعدّه البرقي من أصحاب الكاظمعليه‌السلام (5).

(ص)

135 - صالح بن عبد الله:

الخثعمي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6)، وكذلك عدّه البرقي.

154 - صالح بن علي:

ابن عطية، البغدادي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) ، وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الكاظم عليه‌السلام .

____________________

(1) معجم رجال الحديث.

(2) معجم رجال الحديث 8 / 333.

(3) معجم رجال الحديث.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال البرقي.

(6) رجال الطوسي.

(7) رجال الطوسي.


155 - صالح الخباز:

الكوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

156 - صباح بن نصر:

الهندي: له مسائل الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

157 - صدقة الخراساني:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

158 - صفوان بن يحيى:

أبو محمد البجلي، بياع السابري، كوفي، ثقة، روى أبوه عن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، وروى هو عن الإمام الرضاعليه‌السلام ،

وكانت له عنده منزلة شريفة ذكره الكشي في رجال الإمام أبي الحسن موسىعليه‌السلام .

وقد توكّل للإمام الرضا والإمام أبي جعفر الجوادعليهما‌السلام ، وسلم مذهبه من الوقف، وكان على جانب عظيم من الزهد والعبادة، وقد بذل له جماعة من الواقفة أموالاً كثيرة، فلم يستجب لهم، وكان صديقاً حميماً لعبد الله بن جندب، وعلي بن النعمان، وروى أنّهم تعاقدوا في بيت الله الحرام، أنّه مَن مات منهم صلّى مَن بقي صلاته، وصام عنه صيامه، وزكّى عنه زكاته، فماتا وبقي صفوان، فكان يصلّي في كل يوم مائة وخمسين ركعة، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر، ويزكّي زكاته ثلاث دفعات وكل ما يتبرّع به عن نفسه ممّا عدا ما ذكرناه تبرّع عنهما مثله.

ومن شدّة تحرجه وتقواه أنّ إنساناً كلفه حمل دينارين إلى أهله في الكوفة، فقال له: إنّ جمالي مكراة، وأنا استأذن الأجراء، وكان على جانب كبير من الورع والعبادة على ما لم يكن عليه أحد من طبقته.

وقد صنّف ثلاثين كتاباً لم يعرف منها إلاّ ما يلي:

1 - كتاب الوضوء.

2 - كتاب الصلاة.

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) معجم رجال الحديث.

(3) رجال الطوسي.


3 - كتاب الصوم.

4 - كتاب الحج.

5 - كتاب الزكاة.

6 - كتاب النكاح.

7 - كتاب الطلاق.

8 - كتاب الفرائض.

9 - كتاب الوصايا.

10 - كتاب الشراء والبيع.

11 - كتاب العتق والتدبير.

12 - كتاب البشارات.

13 - كتاب النوادر.

وقد ذكرت عنه أحاديث مشرقة في التقوى، كما نقلت عن أئمة الهدى أحاديث في مدحه والثناء عليه... انتقل إلى رحمة الله تعالى سنة (210 ه‍)(1) .

(ط)

159 - طاهر بن حاتم:

ابن ما هوية القزويني، أخو فارس بن حاتم، كان صحيحاً ثم خلط، له كتاب ذكره الحسن بن الحسين(2) قال الشيخ: كان مستقيماً ثم تغيّر، وأظهر القول بالغلو، له روايات(3) .

(ع)

160 - عباد بن محمد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

161 - العبّاس بن جعفر:

ابن محمد، ابن الأشعث، روى الصدوق بسنده إلى الحسن بن علي الوشاء،

____________________

(1) معجم رجال الحديث 9 / 128 - 133.

(2) النجاشي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.


قال: سألني العباس بن جعفر، أن أسأل الإمام الرضاعليه‌السلام أن يحرق كتبه إذا قرأها مخافة أن تقع في يده غيره، فابتدأنيعليه‌السلام قبل أن أسأله... اعلم صاحبك أنّي إذا قرئت كتبه إليّ حرقتها(1) .

162 - العباس بن محمد:

الورّاق، يونسي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

163 - العباس بن معروف:

أبو الفضل مولى جعفر بن عبد الله الأشعري، قمّي، ثقة، له كتاب الآداب، وله نوادر(3).

164 - العباس بن موسى:

النخّاس، كوفي، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

165 - العباس بن هشام:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) ، وقال النجاشي: إنّه من قبيلة بني أسد، وأنّه ثقة جليل في أصحابنا، كثير الرواية، كسر اسمه فقيل عبيس، له كتب منها كتاب الحج، وكتاب الصلاة، وكتاب المثالب سماه كتاب خالات فلان وفلان، وكتاب جامع الحلال والحرام، وكتاب الغيبة، وكتاب نوادر، والرواة كثيرة عنه في هذه الكتب. توفّي رحمه الله سنة (220 ه‍)(6) .

166 - العباس مولى الإمام الرضا:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه محمد بن علي(7) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا.

(2) رجال الطوسي.

(3) النجاشي.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.

(6) رجال النجاشي.

(7) معجم رجال الحديث.


167 - عباس النجاشي:

كوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

168 - عبد الجبار بن المبارك:

النهاوندي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، كما عدّه من أصحاب الإمام الجوادعليه‌السلام (2) .

169 - عبد الحميد بن سعيد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، كما عدّه من أصحاب الإمام الكاظمعليه‌السلام (3) .

170 - عبد الرحمن بن أبي نجران:

مولى كوفي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى أبوه نجران عن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وكان عبد الرحمن ثقة، ثقة، معتمداً على ما يرويه، له كتب كثيرة، قال أبو العباس: لم أر منها إلاّ كتابه في البيع والشراء(4) .

171 - عبد السلام بن صالح:

الهروي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، ثقة صحيح الحديث له كتاب (وفاة الرضاعليه‌السلام )(5) ، روى الصدوق عن محمد بن عبد الله ابن طاهر، قال: كنت واقفاً على رأس أبي، وعنده أبو الصلت الهروي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، فقال أبي: ليحدثني كل رجل منكم بحديث، فقال أبو الصلت الهروي: حدثني علي بن موسى الرضاعليه‌السلام - وكان والله رضي كما سمي - عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالبعليهم‌السلام قال: رسول الله (ص): الإيمان قول وعمل، فلمّا خرجنا قال أحمد بن محمد بن حنبل: ما هذا الإسناد؟ فقال له أبي: هذا سعوط المجانين إذا سعط

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) النجاشي.

(5) النجاشي.


به المجنون أفاق(1) .

172 - عبد العزيز بن مسلم:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) وهو الذي روى عنه رواية مبسوطة في بيان مقام الإمامعليه‌السلام ، وأنّ منزلة الإمامة منزلة الأنبياء، وأنّها خلافة الله وخلافة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومقام الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وميراث الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وفيها الاستدلال بالآيات على انحصار الإمامة في المعصومينعليهم‌السلام (3) .

173 - عبد العزيز بن المهتدي:

الأشعري، القمّي، ثقة، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، له كتاب(4) قال في حقّه الفضل بن شاذان: ما رأيت قمّيّاً يشبهه في زمانه، وقال أيضاً في حقّه:

كان خيّر، قمّي، فيمَن رأيته، وكان وكيل الرضاعليه‌السلام (5) ، كما كان للإمام الجوادعليه‌السلام ، وقد دفع إليه أموالاً من الحقوق فتسلّمها وكتب إليه بعد البسملة (وقد عرفت الوجوه التي صارت إليك منها غفر الله لك ولهم الذنوب ورحمنا وإيّاكم)(6) .

174 - عبد الله بن أبان:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) ، روى عنه الإمام الرضا، وروى عنه علي بن إسماعيل الدغشني(8) .

175 - عبد الله بن إبراهيم:

الأنصاري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (9) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث 10 / 20.

(2) رجال الطوسي.

(3) معجم رجال الحديث 10 / 38.

(4) معجم رجال الحديث.

(5) النجاشي.

(6) الغيبة للطوسي.

(7) رجال الطوسي.

(8) معجم رجال الحديث 10 / 81.

(9) رجال الطوسي.


176 - عبد الله بن أيوب:

الجزيني، أبو محمد، كان منقطعاً إلى الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكان فاضلاً شاعراً أديباً، وقد رثا الإمام الرضاعليه‌السلام ، وقال يخاطب ولده الإمام الجواد:

يا بن الوصي وصيّ أكرم مرسلٍ

أعني النبيَّ الصادق المصدوقا

لا يسبقني في شفاعتكم غداً

أحدٌ فلست بحبّكم مسبوقا

يا بن الثمانية الأئمّة غربوا

وأبا الثلاثة شرّقوا تشريقا

إنّ المشارق والمغارب أنتم

جاء الكتاب بذلكم تصديقا(1)

177 - عبد الله بن جندب:

هو العالم العابد الزاهد، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الصادق تارة، ومن أصحاب الإمام الكاظمعليه‌السلام أخرى، وثالثة من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وهو أحد وكلاء الإمام الكاظم والإمام الرضاعليهما‌السلام ، وقد قال للإمام الكاظمعليه‌السلام ألستَ عنّي راضياً، قالعليه‌السلام : أي والله، ورسول الله عنك راض.

وروى يونس بن عبد الرحمن قال: رأيت عبد الله بن جندب وقد أفاض من عرفات، وكان عبد الله أحد المجتهدين، قال يونس: فقلت له: قد رأى الله اجتهادك منذ اليوم، فقال عبد الله: والله الذي لا إله إلاّ هو لقد وقفت موقفي هذا، وأفضت ما سمعني الله دعوت لنفسي بحرف واحد؛ لأنّي سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول: الداعي لأخيه المؤمن بظهر الغيب ينادى من أعنان السماء لك بكل واحدة مائة ألف، فكرهت أن أدع مائة ألف مضمونة لواحدة لا أدري أُجاب إليها أم لا؟

وروى الحسن بن علي بن يقطين، وكان سيئ الرأي في يونس، قال: قيل لأبي الحسنعليه‌السلام وأنا أسمع أنّ يونس مولى آل يقطين يزعم أنّ مولاكم والمتمسّك بطاعتكم عبد الله بن جندب يعبد الله على سبعين حرفاً. ويقول إنّه شاك، فقالعليه‌السلام : هو والله أولى بأن يعبد الله على حرف، ما له ولعبد الله بن جندب إنّ عبد الله بن جندب لمن المخبتين(2) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث، وحياة الإمام محمد الجواد (ع).

(2) الكشي.


178 - عبد الله بن الحارث:

وهو ممّن روى النص من الإمام الكاظمعليه‌السلام على إمامة ولده الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

179 - عبد الله بن الصلت:

أبو طالب القمّي، مولى بني تيم، ثقة مسكون إلى روايته، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، يعرف له كتاب التفسير(2) ، وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا ومن أصحاب الإمام الجوادعليهما‌السلام (3) .

وقد كتب إلى الإمام الجوادعليه‌السلام أن يأذن له أن يندب أباه، فكتبعليه‌السلام له أن اندبني، واندب أبي(4) وكتب إلى الإمام الجواد

عليه‌السلام بأبيات شعر، وذكر فيها أباه الإمام الرضا، وسأله أن يأذن له ليقول فيه الشعر فقطع الشعر وحبسه، وكتب في صدر ما بقي من القرطاس قد أحسنت فجزاك الله خيراً(5) .

180 - عبد الله بن طاووس:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه عاش مائة سنة(6) .

181 - عبد الله بن علي:

ابن الحسين بن زيد بن علي بن الحسينعليه‌السلام ، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام له نسخة رواها(7) .

182 - عبد الله بن المبارك:

النهاوندي، من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (8) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث نقلاً عن الإرشاد للشيخ المفيد.

(2) النجاشي.

(3) رجال البرقي.

(4) الكشي.

(5) الكشي.

(6) رجال الطوسي.

(7) النجاشي.

(8) معجم رجال الحديث 10 / 35.


183 - عبد الله بن محمد:

الأسدي، الحجال، مولى بني تميم، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا(1) .

وكذلك عدّه البرقي(2) ، قال النجاشي: إنّه ثقة، ثقة ثبت، له كتاب يرويه عدّة من أصحابنا.

184 - عبد الله بن محمد:

ابن حصين الحضيني الأهوازي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ثقة ثقة، له كتاب يرويه عدّة من أصحابنا، أمّا اسم ذلك الكتاب فهو (المسائل للرضاعليه‌السلام )(3) .

185 - عبد الله بن محمد:

ابن علي بن العباس التميمي الرازي، له نسخة عن الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

186 - عبد الله بن المغيرة:

مولى بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب، خزاز كوفي، عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) ، وروى الكشي قال: وحدث بخط أبي عبد الله الشاذاني، قال العبيدي: محمد بن عيسى حدثني الحسن بن علي بن فضال قال: قال عبد الله بن المغيرة كنت واقفاً فحججت على تلك الحالة، فلمّا صرت بمكة خلج في صدري شيء فتعلّقت بالملتزم، فقلت: اللّهمّ قد علمت طلبتي وإرادتي، فأرشدني إلى خير الأديان فوقع في نفسي أن آتي الرضاعليه‌السلام ، فأتيت المدينة فوقفت ببابه فقلت للغلام: قل لمولاك رجل من أهل العراق بالباب، فسمعت نداءه ادخل يا عبد الله بن المغيرة، فدخلت فلمّا نظر إليّ قال: قد أجاب الله دعوتك وهداك لدينه، فقلت: أشهد أنّك حجّة الله وأمينه على خلقه(6) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) رجال البرقي.

(3) النجاشي.

(4) معجم رجال الحديث.

(5) رجال الطوسي.

(6) الكشي.


وروى سهل بن زياد الآدمي قال: لـمّا صنّف عبد الله بن المغيرة كتابه، وعد أصحابه أن يقرأ عليهم في زاوية من زوايا مسجد الكوفة، وكان له أخ مخالف، فلمّا حضروا لاستماع الكتاب جاء أخوه، وجلس فقال عبد الله لهم: انصرفوا اليوم، فقال له أخوه: أين ينصرفون؟ فإنّي جئت لما جاؤوا، فقال: لم جاؤوا؟ قال يا أخي رأيت فيما يرى النائم أنّ الملائكة تنزل من السماء فقلت: لماذا ينزلون؟ فقد قال: ينزلون ليستمعوا الكتاب الذي يخرجه عبد الله بن المغيرة، فأنا أيضاً جئت لهذا، وأنا تائب إلى الله، فسُرّ عبد الله بذلك(1) .

187 - عبد الوهاب:

المعروف بأبي كثير، النهاوندي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

188 - عبيد النصري:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

189 - عبيد الله:

ابن أبي عبد الله، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه السياري(4) .

190 - عبيد الله بن إسحاق:

المدائني، روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه عمرو بن عثمان(5) .

191 - عبيد الله بن عبد الله:

الدهقان، روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه على بن الريان(6) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث 10 / 354.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) معجم رجال الحديث 11 / 72.

(6) معجم رجال الحديث 11 / 82.


192 - عبيد الله بن علي:

ابن عبيد الله، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

193 - عثمان بن راشد:

من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، روى عن معروف بن خربوذ، وروى عنه على بن حديد(2) .

194 - عثمان بن عيسى:

أبو عمرو، العامري، الكلابي، شيخ الواقفة ووجهها، وأحد الوكلاء المستبدّين بأموال الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، وذكر نصر بن الصباح قال:

كان له - يعني للإمام الرضاعليه‌السلام - في يده مال فمنعه، فسخط عليه، وقال:

ثم تاب وبعث إليه بالمال وكان يروى عن ابن حمزة، وقد رأى في المنام أنّه يموت بـ‍ (الحائر الحسيني) فترك منزله بالكوفة، وأقام ب‍ـ (الحائر ) حتى مات، ودُفن هناك.

وصنّف كتباً منها: كتاب المياه.

وقد عدّه ابن شهرآشوب من ثقات الإمام الكاظمعليه‌السلام ، وقال الإمام الخوئي: لا ينبغي الشك في أنّ عثمان بن عيسى كان منحرفاً عن الحق، ومعارضاً للرضاعليه‌السلام ، وهو غير معترف بإمامته، وقد استحلّ أموال الإمامعليه‌السلام ، ولم يدفعها إليه، وأمّا توبته وردّه الأموال بعد ذلك فلم يثبت فإنّها رواية نصر بن الصباح وهو ليس بشيء(3) .

195 - عطية بن رستم:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه مجهول(4) .

196 - عقبة بن رستم:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) معجم رجال الحديث 11 / 116.

(3) معجم رجال الحديث 11 / 126.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.


197 - علي بن أبي ثور:

كوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

198 - علي بن أحمد:

ابن أشيم، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

199 - علي بن إدريس:

صاحب الإمام الرضاعليه‌السلام ، ذكره الصدوق في (المشيخة)، روى عن الإمام الرضا وروى عنه محمد بن سهل(3 ).

200 - علي بن أسباط:

ابن سالم بياع الزطي(4) أبو الحسن المقري، كوفي ثقة، كان فطحياً، وجرت بينه وبين علي بن مهزيار رسائل في ذلك، فرجع علي عن فكرته وقال بإمامة الإمام الجوادعليه‌السلام ، وكان من أوثق الناس وأصدقهم لهجة له كتاب الدلائل(5) .

201 - على بن جعفر:

ابن محمد بن علي بن الحسينعليهم‌السلام ، أبو الحسن جليل القدر وثيق الإيمان، وهو أحد رواة النص على إمامة الإمام الكاظمعليه‌السلام كما كان من ثقاته، ونقل الرواة بوادر من إيمانه وتحرّجه في الدين، وهذه بعضها:

1 - حدث علي بن جعفر، فقال: قال لي رجل أحسبه من الواقفية:

(ما أخوك أبو الحسن - يعني الإمام موسىعليه‌السلام -).

فأجابه:

(قد مات).

(ما يدريك بذلك؟).

فأجابه بمنطق الفصل:

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) رجال الطوسي.

(3) معجم رجال الحديث 11 / 276.

(4) الزطي: نوع من السودان والهنود، مجمع البحرين.

(5) النجاشي.


(اقتسمت أمواله، وأنكحت نساؤه، ونطق الناطق من بعدّه، - أي قام الإمام من بعدّه -).

(من الناطق من بعدّه؟).

(أبو جعفر ابنه).

وانبرى الرجل قائلاً:

(وأنت في سنّك، وقدرك، وأبوك جعفر بن محمد تقول: هذا القول في هذا الغلام؟!).

وأجابه بواقع الإيمان قائلاً:

(ما أراك إلاّ شيطاناً، ثم أخذ بكريمته فرفعها إلى السماء، وقال: ما حيلتي إن كان الله رآه أهلاً لهذا - أي للإمامة - ولم تكن هذه الشيبة أهلاً لها).

إنّ الإمامة بيد الله تعالى، فهو الذي يختار لها من أزكياء عباده، ولا عبرة بتقدّم السن وغيره.

2 - روى أبو جعفر عبد الله الحسين بن الإمام موسىعليه‌السلام قال: كنت عند الإمام أبي جعفر - يعني الإمام الجوادعليه‌السلام - بالمدينة وعنده علي بن جعفر وأعرابي من أهل المدينة جالس، فقال لي الأعرابي:

(مَن هذا الفتى - وأشار إلى الإمام الجواد -).

فقلت له:

هذا وصي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وبهر الأعرابي وقال:

(يا سبحان الله! رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد مات منذ مائتي سنة كذا وكذا سنة... وهذا حدث، كيف يكون وصي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟).

وأوضح له الحسين الأمر قائلاً:

(هذا وصى علي بن موسى، وعلى وصي موسى بن جعفر، وموسى وصي جعفر بن محمد، وجعفر وصي محمد بن علي، ومحمد وصي على بن الحسين، وعلي وصي الحسين، والحسين وصي الحسن، والحسن وصي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب وصي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وعرف الأعرابي وصيّة الإمام الجوادعليه‌السلام للنبي (ص) وكان الإمام


قد بعث إلى طبيب لفصده، فقال علي بن جعفر، فقال:

(يا سيدي يبدأ بي لتكون حدّة الحديد في قبلك).

وانبرى الحسين فخاطب الأعرابي قائلاً: (هذا عمّ أبيه).

ولـمّا فرغ الطبيب من عمليته أراد الإمام أن يخرج، فأسرع علي بن جعفر فسوّى له نعليه حتى يلبسهما).

ودلّ ذلك على عميق إيمانه ومعرفته بالإمام وما له من المنزلة العظيمة عند الله تعالى.

3 - روى محمد بن الحسن بن عمار قال: كنت عند علي بن جعفر جالساً بالمدنية، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه - يعني أبا الحسنعليه‌السلام -: إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضاعليه‌السلام المسجد - أي مسجد النبي (ص) - فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبّل يده وعظّمه، فقال له الإمامعليه‌السلام .

(يا عم اجلس رحمك الله).

فردّ عليه علي بأدب وخضوع قائلاً: (يا سيدي كيف اجلس، وأنت قائم؟).

ولـمّا رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه على تعظيمه للإمامعليه‌السلام قائلين: (أنت عمّ أبيه، وأنت تفعل هذا الفعل؟).

ولم يفهموا حقيقة الإمامة، وأنّ الله تعالى قد منحها للإمام الجواد فأجابهم علي قائلاً: (اسكتوا إذا كان الله عزّ وجل - وقبض على لحيته - لم يؤهّل هذه الشيبة، وأهّل هذا الفتى، ووضعه حيث وضعه، وكيف أنكر فضله؟ نعوذ بالله ممّا تقولون بل أنا له عبد)(1) .

____________________

(1) الكشي.


202 - علي بن حديد:

ابن حكيم، المدائني، الأزدي، الساباطي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) ، وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا والجوادعليهما‌السلام ، وروى الكشي بسنده عن أبي علي بن راشد عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: أبو علي للإمام: جُعلت فداك قد اختلف أصحابنا فأصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قالعليه‌السلام : عليك بعلي بن حديد، قلت: فآخذ بقوله؟ قال: نعم، فلقيت علي بن حديد فقلت: نصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قال: لا.

وفي هذه الرواية - إن صحّت - دلالة على توثيق الرجل، ومدحه.

203 - علي بن الحسن:

ابن رباط، البجلي، الكوفي، ثقة، معوّل عليه، من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، له كتاب الصلاة(2) .

204 - علي بن الحسين:

ابن يحيى، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3).

205 - علي بن سعيد:

المدائني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

206 - علي بن سويد:

السائي(5) عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه ثقة(6) ، وروى الكشي أنّه كتب إلى الإمام الكاظم رسالة حينما كان في السجن يسأله فيها عن حاله، وعن جواب مسائل كتبها إليه، فأجابه برسالة جاء في بعض فصولها بعد البسملة (الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين،

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) النجاشي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) السائي: ينسب إلى قرية قريبة من المدينة يقال لها الساية.

(6) رجال الطوسي.


وبعظمته ونوره عدّه الجاهلون، وبعظمته ابتغى إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة، والأديان الشتّى، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتدي، وسميع وأصم، وبصير وأعمى، وحيران، فالحمد لله الذي عرف وصف دينه بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أمّا بعد: فإنّك امرؤ أنزلك الله من آل محمد (ص) بمنزلة خاصة مودة بما ألهمك من رشدك، وبصّرك في أمر دينك بفضلهم، ورد الأمور إليهم والرضى بما قالوا...).

وجاء في جانب آخر من هذه الرسالة:

(ادع إلى صراط ربّك فينا من رجوت إجابته، ولا تحصر حصرنا، ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنّا أن نسب إلينا: (هذا باطل) وإن كنت تعرف خلافه فإنّك لا تدري لم قلناه؟ وعلى أي وجه وصفناه، آمن بما أخبرتك ولا تفش ما استكمتك، أخبرك أنّ من أوجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئاً ينفعه لا من دنياه ولا من آخرته)(1) .

وفي هذه الرسالة جوانب مهمّة، وقد دلّت على سموّ مكانة علي، وعظيم منزلته عند الإمامعليه‌السلام .

207 - علي بن سيف:

ابن عميرة النخعي، الكوفي، مولى، ثقة، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، له كتاب كبير(2) .

208 - علي بن صاعد:

البربري، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه ابنه الحسين(3) .

209 - علي بن عبد الله:

ابن عمران، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه سعد بن السندي(4) .

210 - علي بن عبيد الله:

ابن الحسين، بن علي بن الحسينعليه‌السلام ، أبو الحسن، كان أزهد آل

____________________

(1) الكشي.

(2) النجاشي.

(3) معجم رجال الحديث 12 / 66.

(4) معجم رجال الحديث 12 / 87.


أبي طالب، وأعبدهم في زمانه، وأختص بالإمام موسى وبالإمام الرضاعليهما‌السلام ، واختلط بالإمامية، ولـمّا أراد محمد بن إبراهيم طباطبا أن يبايع له أبو السرايا بعدّه أبى عليه، ورد الأمر إلى محمد بن زيد... له كتاب الحج يرويه كله عن الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام (1) .

وروى الكشي قال: قرأت في كتاب محمد بن الحسن بن بندار بخطّه: حدثني محمد بن يحيى العطار، قال: حدثني أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن الحكم عن سليمان بن جعفر، قال: قال لي علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام أشتهي أن أدخل على أبي الحسن الرضا أسلّم عليه، قلت: فما يمنعك عن ذلك؟ قال: الإجلال والهيبة له، وأتقي عليه، قال: فاعتل أبو الحسنعليه‌السلام علّة خفيفة، وقد عدّه الناس، فلقيت علي بن عبيد الله فقلت: قد جاءك ما تريد، قد اعتلّ أبو الحسنعليه‌السلام علّة خفيفة وقد عدّه الناس، فإن أردت الدخول عليه فاليوم، قال: فجاء إلى أبي الحسنعليه‌السلام عائداً، فلقيه أبو الحسنعليه‌السلام بكل ما يحب من المكرمة والتعظيم، ففرح بذلك علي بن عبيد الله فرحاً شديداً، ثم مرض علي بن عبيد الله فعدّه أبو الحسنعليه‌السلام ، وأنا معه، فجلس حتى خرج مَن كان في البيت، فلمّا خرجنا أخبرتني مولاة لنا أنّ أم سلمة امرأة علي بن عبيد الله كانت وراء الستر تنظر إليه، فلمّا خرج خرجت، وانكبت على الموضع الذي كان أبو الحسنعليه‌السلام فيه جالساً تقبّله، وتتمسّح به.

قال سليمان: ثم دخلت على علي بن عبيد الله فأخبرني بما فعلت أم سلمة، فخبرت أبا الحسنعليه‌السلام ، فقال: يا سليمان إنّ علي بن عبيد الله وامرأته وولده من أهل الجنة، يا سليمان إنّ ولد علي وفاطمة إذا عرفهم الله هذا الأمر - يعني الإمامة - لم يكونوا كالناس(2) .

211 - علي بن عثمان:

ابن رزين، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

____________________

(1) النجاشي.

(2) الكشي.

(3) رجال الطوسي.


212 - علي بن علي:

ابن رزين الخزاعي، أخو دعبل، له كتاب كبير عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى إسماعيل بن علي عن أبيه علي قال: حدثني أبي سنة اثنتين وسبعين ومائتين، قال: حدثنا أبو الحسن الرضاعليه‌السلام بـ‍ (طوس ) سنة (189 ه‍) وكنّا قصدناه على طريق (البصرة )، ودخلناها فصادفنا بها عبد الرحمن بن مهدي عليلاً فأقمنا أياماً، ومات عبد الرحمن، وحضرنا جنازته والصلاة عليه، ودخلنا على الرضاعليه‌السلام أنا وأخي دعبل فأقمنا عنده إلى آخر سنة (200 ه‍) وخرجنا إلى (قم ) بعد أن خلع الرضا على أخي دعبل، قميص خز أخضر، وأعطاه خاتم فصّه عقيق، ودفع إليه دراهم رضوية، وقال له: يا دعبل مر على (قم ) فإنّك ستفيد بها، وقال له: احتفظ بهذا القميص فقد صلّيت فيه ألف ليلة ألف ركعة، وختمت فيه القرآن ألف ختمة.

قال إسماعيل: وُلد أبي سنة (172 ه‍)، وتوفّي سنة (283 ه‍) فكان عمره (111) سنة، وولد عمّي دعبل سنة (148 ه‍) في خلافة المنصور، ورأى الإمام موسىعليه‌السلام ، ولقي الإمام الرضاعليه‌السلام ، وتوفّي سنة (245 ه‍) أيام المتوكل(1) .

213 - علي بن الفضل:

الواسطي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الكاظمعليه‌السلام ، ووصفه الصدوق بصاحب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

214 - علي بن مهدي:

ابن صدقة الرقي، أبو الحسن، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) ، روى عنه، قال النجاشي: له كتاب عن الرضاعليه‌السلام (4) .

____________________

(1) الكشي.

(2) معجم رجال الحديث 12 / 125.

(3) رجال الطوسي.

(4) النجاشي.


215 - علي بن مهزيار:

الأهوازي، أبو الحسن، دورقي الأصل، من عيون العلماء، ومن كبار الفقهاء، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، والإمام أبى جعفر الجوادعليه‌السلام ، واختص به، وتوكّل له، وكذلك اختص وتوكّل للإمام الهاديعليه‌السلام ، وكان من المتقين العبّاد، ويقول الرواة: إنّه إذا طلعت الشمس سجد، ولا يرفع رأسه حتى يدعو لألف من أخوانه بمثل ما دعا لنفسه، وكان على جبهته سجّادة مثل ركبة البعير.

رسائل الإمام الجواد إليه:

وبعث الإمام أبو جعفر الجواد إليه بعدّة رسائل فيها ثناء وإكبار وتقدير له، ومن بينها ما يلي:

1 - بعث الإمام الجواد هذه الرسالة، وقد جاء فيها بعد البسملة (يا علي أحسن الله جزاك، وأسكنك جنته، ومنعك من الخزي في الدنيا والآخرة، وحشرك الله معنا، يا علي قد بلوتك وخبرتك في النصيحة والطاعة والخدمة والتوقير، والقيام بما يجب عليك، فلو قلت: إنّي لم أر مثلك لرجوت أن أكون صادقاً فجزاك الله جنّات الفرودس نزلاً، وما خفى عليّ متاعك ولا خدمتك في الحر والبرد، والليل والنهار، فأسأل الله إذا جمع الخلائق للقيامة أن يحبوك برحمة تغتبط بها إنّه سميع الدعاء)(1) .

وفي هذه الرسالة ثناء عاطر، وإشادة بمقام هذا العالم الصالح الذي بلغ القمّة في تقواه وصلاحه وولائه لائمّة الهدىعليهم‌السلام .

2 - ومن بين الرسائل التي بعثها الإمام إليه هذه الرسالة، وقد جاء فيها بعد

البسملة: (اسأل الله أن يحفظك من بين يديك ومن خلفك، وفي كل حالاتك، وابشر فإنّي أرجو أن يدفع الله عنك، وأسأل الله أن يجعل لك الخيرة فيما عزم لك من الشخوص في يوم الأحد، فأخّر ذلك إلى يوم الاثنين إن شاء الله، صحبك الله في سفرك، وخلفك في أهلك، وأدّى عنك أمانتك، وسلمت بقدرته الخ...)(2) .

3 - وبعث الإمام الجوادعليه‌السلام هذه الرسالة، وجاء فيها بعد البسملة:

____________________

(1) الغيبة.

(2) الكشي.


(وصل إليّ كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وقد ملأتني سروراً فسرّك الله، وأنا أرجو من الكافي الدافع أن يكفيك كيد كل كائد إن شاء الله تعالى)(1) .

هذه بعض الرسائل التي بعثها الإمام الجوادعليه‌السلام إليه، وهي تكشف عن سموّ مكانة علي بن مهزيار وجلالة شأنه، وما له من الأهمية البالغة في نفس الإمامعليه‌السلام .

مؤلّفاته:

وألّف علي بن مهزيار مجموعة من الكتب، كان معظمها في الفقه الإسلامي، ومن بينها ما يلي:

1 - كتاب الوضوء.

2 - كتاب الصلاة.

3 - كتاب الزكاة.

4 - كتاب الصوم.

5 - كتاب الحج.

6 - كتاب الطلاق.

7 - كتاب الحدود.

8 - كتاب الديات.

9 - كتاب التفسير.

10 - كتاب الفضائل.

11 - كتاب العتق والتدبير.

12 - كتاب التجارات والإجارات.

13 - كتاب المكاسب.

14 - كتاب المثالب.

15 - كتاب الدعاء.

16 - كتاب التجمّل والمروّة.

17 - كتاب المزار.

____________________

(1) الكشي.


18 - كتاب الرد على الغلاة.

19 - كتاب الوصايا.

20 - كتاب المواريث.

21 - كتاب الخمس.

22 - كتاب الشهادات.

23 - كتاب فضائل المؤمنين وبرهم.

24 - كتاب الملاحم.

25 - كتاب التقية.

26 - كتاب الصيد والذبائح.

27 - كتاب الزهد.

28 - كتاب الأشربة.

29 - كتاب النذور والأيمان والكفارات.

30 - كتاب الحروف.

31 - كتاب القائم.

32 - كتاب البشارات.

33 - كتاب الأنبياء.

34 - كتاب النوادر(1) .

هذه بعض مؤلّفاته، وهي تحكي عن قدراته العلمية، وما يتمتّع به من الفضل.

216 - علي بن يحيى:

يكنّى أبا الحسين، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

217 - علي بن يونس:

ابن بهمن، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

218 - عمار بن يزيد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، يروي عنه الحسن

____________________

(1) النجاشي.                                            (2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.


والحسين ابنا سعيد(1) .

219 - عمر بن زهير:

الجزري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

220 - عمر بن فرات:

الكاتب، البغدادي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام وأضاف أنّه فعال(3) ، وفي بعض المصادر أنّه كان بواباً للإمام.

221 - عمرو بن سعيد:

المدائني، ثقة، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام له كتاب يرويه جماعة(4) .

222 - عيسى بن عثمان:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه مجهول(5) .

223 - عيسى بن عيسى:

الكلامي، مولى لبني عامر، كوفي، واقفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

224 - عبيس بن عثمان:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام، وأضاف أنّه مجهول(7) .

(ف)

225 - فضالة بن أيوب:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه عربي

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) النجاشي.

(5) رجال الطوسي.

(6) رجال الطوسي.

(7) رجال الطوسي.


أزدي(1) قال النجاشي: إنّه روى عن الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، وكان ثقة في حديثه، مستقيماً في دينه له كتاب الصلاة(2) .

226 - الفضل بن سنان:

النيسابوري: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه وكيل للإمام(3) .

227 - الفضل بن سهل:

ذو الرياستين، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) ، وهو من ألدّ أعداء الإمام الرضاعليه‌السلام ، وهو وأخوه قد أغريا المأمون على قتل الإمامعليه‌السلام (5) ، وفي الفضل وفي أخيه الحسن يقول الشاعر:

تقول حليلتي لـمّا رأتني

أشدّ مطيّتي من بعد حلِّ

أبعد الفضل ترتحل المطايا

فقلت نعم إلى الحسن بن سهلِ

(ق)

228 - القاسم بن أسباط:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه مجهول(6) .

229 - القاسم بن الفضيل:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه ابن أبي عمير(7) .

230 - القاسم بن يحيى: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ،(8) وله كتاب في آداب الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) النجاشي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) معجم رجال الحديث 13 / 312.

(6) رجال الطوسي.

(7) معجم رجال الحديث 14 / 38.

(8) رجال الطوسي.


(م)

231 - محسن بن أحمد:

القيسي، من موالي قيس غيلان، من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام له كتاب(1) .

232 - محمد بن أبي جرير:

القمّي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن علي الجعفي(2) .

233 - محمد بن أبي عباد:

كان مشتهراً بسماع الغناء، وشرب النبيذ، سأل الإمام الرضاعليه‌السلام عن السماع، فقالعليه‌السلام : لأهل الحجاز رأي فيه، وهو في حيّز الباطل واللهو، أما سمعت الله تعالى يقول:( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ) (3) .

234 - محمد بن أبي عمير:

أبو أحمد الأزدي من موالي المهلّب بن أبي صفرة، بغدادي الأصل والمقام، لقي الإمام أبا الحسن موسىعليه‌السلام ، وسمع منه أحاديث كنّاه الإمام في بعضها فقال: يا أبا أحمد، وروى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، كان جليل القدر، عظيم المنزلة عند الشيعة وأبناء السنّة، ونقل عنه الجاحظ في (البيان والتبين )، قال عنه: (وكان وجهاً من وجوه الرافضة)، وكان حبس في أيام الرشيد، فقيل ليلي القضاء، وقيل بل ليدل على مواضع الشيعة، وأصحاب الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام (4) ، وروى الكشي يسنده عن الفضل بن شاذان، قال: دخلت العراق فرأيت واحداً يعاتب صاحبه، ويقول: له أنت رجل عليك عيال، وتحتاج أن تكتسب عليهم، وما آمن أن تذهب عيناك لطول سجودك، فلمّا أكثر عليه قال له:

أكثرت عليّ ويحك لو ذهبت عين أحد في السجود لذهبت عين ابن أبي عمير، ما ظنّك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما رفع رأسه إلاّ بعد زوال الشمس.

____________________

(1) النجاشي والطوسي.

(2) معجم رجال الحديث 14 / 248.

(3) معجم رجال الحديث 14 / 283.

(4) النجاشي.


وروى الفضل قال: أخذ يوماً شيخي بيدي، وذهب بي إلى ابن أبي عمير فصعدنا إليه في غرفة، وحوله مشايخ له يعظّمونه ويبجّلونه، فقلت: مَن هذا؟ قال أبي: هذا ابن أبي عمير، قلت: الرجل الصالح العابد؟ قال: نعم.

وروى الفضل قال: ضرب ابن أبي عمير مائة خشبة، وعشرين خشبة بأمر هارون تولّى ضربة السندي بن شاهك على التشيّع، وحبس، فأدى مائة وإحدى وعشرين ألفاً حتى خلي عنه، فقلت: كان متموّلاً؟ قال نعم: كان ربّ خمسمائة ألف درهم(1) .

وألّف مجموعة كثيرة من الكتب ذكر ابن بطة أنّ له أربعة وتسعين كتاباً، منها كتاب النوادر، كبير حسن، وكتاب الاستطاعة والأفعال والرد على أهل القدر والجبر، وكتاب الإمامة، وكتاب البداء، وكتاب المتعة، ومسائله للإمام الرضاعليه‌السلام وغير ذلك(2) .

رحم الله محمد ابن أبي عمير، فقد كان من وجوه الشيعة، ومن أعلامهم، والمجاهدين عنهم.

235 - محمد بن أحمد:

ابن غيلان كوفي، مولى له كتاب، ثقة عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

236 - محمد بن إسحاق:

ابن عمار الصيرفي، الكوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) ، وروى الكليني بسنده عن محمد بن إسحاق قال: قلت: لأبي الحسن الأول - وهو الإمام الكاظمعليه‌السلام - ألا تدلّني إلى مَن آخذ عنه ديني؟

فقالعليه‌السلام : هذا ابني علي، إنّ أبي أخذ بيدي فأدخلني إلى قبر رسول الله

صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: يا بني إنّ الله عزّ وجل إذا قال قولاً وفى به(5) . وعدّه

____________________

(1) الكشي.

(2) النجاشي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) أصول الكافي الجزء الأول باب النص على الأئمة.


الشيخ المفيد من خاصة الإمام الكاظمعليه‌السلام ومن ثقاته ومن أهل الورع والعلم والفقه من شيعته(1) .

237 - محمد بن إسحاق:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) ، وروى الكشي بسنده عن يزيد بن إسحاق أخي محمد، وكان من أرفع الناس لهذا الأمر، قال: خاصمني مرة أخي أحمد، وكان مستوياً - أي مؤمناً - فلمّا طال الكلام بيني وبينه، قلت له: إن كان صاحبك بالمنزلة التي تقول: فأسأله أن يدعو الله لي حتى أرجع إلى قولكم، قال: قال لي محمد: فدخلت على الرضاعليه‌السلام ، فقلت له: جعلت فداك إنّ لي أخاً وهو أسنّ منّي، وهو يقول: بحياة أبيك، وأنا كثيراً ما أناظره، فقال لي يوماً: سل صاحبك إن كان بالمنزل الذي ذكرت أن يدعو الله لي حتى أصير إلى قولكم فأنّي أحبّ أن تدعو الله له، قال: فالتفت أبو الحسنعليه‌السلام نحو القبلة، فذكر ما شاء الله أن يذكر، ثم قال: اللّهمّ خذ بسمعه وبصره، ومجامع قلبه حتى ترده إلى الحق، وكان يقول هذا وهو رافع يده اليمنى، قال: فلمّا قدم أخبرني بما كان فو الله ما لبثت إلاّ يسيراً حتى قلت له بالحق(3) .

238 - محمد بن أسلم:

الطبري، الجبلي، أصله من الكوفة، كان يتجر إلى (طبرستان)، يقال: كان غالياً فاسد الحديث، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

239 - محمد بن أسلم:

الطوسي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) ، وهو من رواة الحديث المعروف بالسلسلة الذهبية.

240 - محمد بن إسماعيل:

ابن بزيع، مولى أبي جعفر المنصور، كان من صالحي الشيعة، وثقاتهم(6) قال

____________________

(1) الإرشاد.

(2) رجال الطوسي.

(3) الكشي.

(4) النجاشي.

(5) رجال الطوسي.

(6) النجاشي.


له الإمام الرضاعليه‌السلام :

(إنّ لله تعالى بأبواب الظالمين، من نور الله البرهان، ومكّن له في البلاد، ليدفع بهم أوليائه، ويصلح الله به أمور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمن من الضر، وإليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة، أولئك أُمناء الله في أرضه، أولئك نور في رغبتهم يوم القيامة، ويزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهر الدرية لأهل الأرض، أولئك من نورهم يوم القيامة، تضيء منهم القيامة، خُلقوا والله للجنة، وخُلقت الجنة لهم، فهنيئاً لهم ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله...).

فانبرى محمد قائلاً: (بماذا جعلني الله فداك؟).

قالعليه‌السلام :

(يكون معهم - أي مع الحكومة الجائرة - فيسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد)(1) .

وروى الحسين بن خالد الصيرفي قال: كنا عند الإمام الرضاعليه‌السلام ونحن جماعة، فذكر محمد بن إسماعيل بن بزيع، فقال الإمامعليه‌السلام

لأصحابه: (وددت أن فيكم مثله)(2) .

وألّف مجموعة من الكتب كان منها (كتاب ثواب الحج) و (كتاب الحج)(3)، وقد طلب من الإمام الجوادعليه‌السلام أن يأمر له بقميص من ثيابه ليجعله كفنا له، فبعث إليه بقميص، فقال له كيف أصنع؟ فقالعليه‌السلام : انزع أزراره(4) .

241 - محمد بن أورمة:

أبو جعفر القمّي، اتهمه القميّون بالغلو، وبعثوا إليه مَن يقتله، فلمّا رأوا أنّه يصلّي كفّوا عنه، قال ابن الغضائري: اتهمه القميّون بالغلو، وحديثه نقي لا فساد

____________________

(1) معجم رجال الحديث 10 / 107.

(2) معجم رجال الحديث.

(3) النجاشي.

(4) معجم رجال الحديث.


فيه، ولم أر شيئا ينسب إليه تضطرب منه النفس إلا أوراقا في تفسير الباطن، وما يليق بحديثه، وأظنها موضوعة عليه ورأيت كتاباً بإخراج من أبي الحسن علي بن محمدعليه‌السلام إلى القميص في براءته ممّا قذف به(1) .

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) ألّف مجموعة كبيرة من الكتب، وكتبه صحاح إلاّ كتاباً ينسب إليه ترجمته في تفسير الباطن فإنّه مختلط(3) .

242 - محمد بن بحر:

أخو مغلس، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

243 - محمد بن جذاعة:

الفارسي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

244 - محمد بن جعفر:

العنبي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6).

245 - محمد بن جعفر:

المقنائي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) .

246 - محمد بن جمهور:

قال النجاشي: محمد بن جمهور القمّي ضعيف الحديث، فاسد المذهب، وقيل فيه أشياء الله يعلم بها من عظمها، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وله كتب، كتاب الملاحم الكبير، كتاب نوادر الحج، كتاب أدب العلم(8) قال ابن الغضائري: إنّه غالٍ، فاسد الحديث، لا يكتب حديثه، رأيت له شعراً، يحلّل فيه محرمات الله عزّ وجل(9) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث 15 / 130.

(2) رجال الطوسي.

(3) النجاشي.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.

(6) رجال الطوسي.

(7) رجال الطوسي.

(8) النجاشي.

(9) معجم رجال الحديث 16 / 28.


247 - محمد بن الحسن:

ابن زياد، الميثمي الأسدي، مولاهم، أبو جعفر، ثقة عين، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، له كتاب(1) .

248 - محمد بن الحسين:

ابن يزيد، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه علي بن أسباط(2) .

249 - محمد بن حمزة:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

250 - محمد بن خالد:

البرقي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) ، كان ضعيفاً

في الحديث، وكان أديباً، حسن المعرفة بالأخبار، وعلوم العرب، وله كتب، منها: كتاب التنزيل والتعبير، كتاب يوم وليلة، كتاب التفسير، كتاب مكة والمدينة، كتاب حروب الأوس والخزرج، كتاب العلل، كتاب في علم الباري، كتاب الخطب(5) .

251 - محمد بن الخطيب:

الأهوازي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

252 - محمد بن راشد:

كان باباً للإمام الرضاعليه‌السلام (7).

253 - محمد بن زيد:

الرازمي، خادم الإمام الرضاعليه‌السلام (8) .

____________________

(1) النجاشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) النجاشي.

(6) رجال الطوسي.

(7) معجم رجال الحديث 16 / 89.

(8) النجاشي.


245 - محمد بن زيد:

الطبري، الكوفي الأصل، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) ، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن المثنى ومروك بن عبيد(2) .

255 - محمد بن سالم:

القمي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

256 - محمد بن سليمان:

الديلمي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

257 - محمد بن سماعة:

الصيرفي، كوفي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) ، كان ثقة، ووجهاً من وجوه الشيعة له: (كتاب الوضوء) و (كتاب الحيض) و (كتاب الصلاة) و (كتاب الحج)(6).

258 - محمد بن سنان:

أبو جعفر الزاهري، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وهو ضعيف جداً لا يعول عليه، ولا يلتفت إلى ما تفرّد به، وروى محمد بن عيسى قال: كنت مع صفوان بن يحيى بالكوفة في منزل إذ دخل علينا محمد بن سنان فقال صفوان: إنّ هذا ابن سنان لقد همّ أن يطير غير مرة، فقصصناه حتى ثبت معنا، وهذا يدل على اضطراب كان وزال عنه، وقد صنّف كتبا منها: (كتاب الطرائف) و (كتاب الأظلة) و (كتاب المكاسب) و (كتاب الحج) و (كتاب الصيد والذبائح) و (كتاب الشراء والبيع) و (كتاب الوصية) و (كتاب النوادر).

توفّي سنة (226 ه‍)(7) ، وقد وثّقه السيد الخوئي، وقال: إنّه كان من الموالين،

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) معجم رجال الحديث 16 / 111.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.

(6) النجاشي.

(7) النجاشي.


وممّن يدين الله بموالاة أهل بيت نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو ممدوح، فإن ثبت فيه شيء من المخالفة فقد زال، وقد رضي عنه المعصوم سلام الله عليه؛ ولأجل ذلك عدّه الشيخ ممدوحاً حسن الطريقة(1) .

259 - محمد بن سهل:

الأشعري، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وعن جماعة، وروى عنه جماعة(2) .

260 - محمد بن سهل:

البجلي، الرازي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3).

261 - محمد بن سهل:

ابن اليسع الأشعري، القمّي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام وعن الإمام أبي جعفر الجواد له كتاب(4) .

262 - محمد بن صدقة:

العنبري، البصري، أبو جعفر، روى عن الإمام أبي الحسن موسى وعن الإمام الرضاعليهما‌السلام ، له كتاب عن الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام (5) .

263 - محمد بن عبد الله الصيقل:

الأزدي، عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

264 - محمد بن عبد الله:

الأشعري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7).

____________________

(1) معجم رجال الحديث 16 / 177.

(2) النجاشي.

(3) رجال الطوسي.

(4) النجاشي.

(5) النجاشي.

(6) رجال البرقي.

(7) رجال الطوسي.


265 - محمد بن عبد الله:

الصيقل، روى عن الإمام أبى الحسن الرضاعليه‌السلام (1) .

266 - محمد بن عبد الله:

ابن عمرو، بن سالم الصفار، له نسخة تشبه كتاب الحلبي مبوّبة كبيرة، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

267 - محمد بن عبد الله:

ابن عيسى، الأشعري، القمّي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

268 - محمد بن عبد الله:

الخراساني، خادم الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه(4) .

269 - محمد بن عبد الله:

الطاهري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

270 - محمد بن عبد الله:

الطهوري، عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6).

271 - محمد بن عبد الله:

القمّي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر(7) .

272 - محمد بن عبد الله:

المدائني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (8) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث 16 / 185.

(2) النجاشي.

(3) رجال الطوسي.

(4) معجم رجال الحديث 16 / 283.

(5) رجال الطوسي.

(6) معجم رجال الحديث.

(7) معجم رجال الحديث 16 / 288.

(8) رجال الطوسي.


273 - محمد بن عبيد:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه علي بن سيف(1) .

274 - محمد بن عبيد الله:

الهمداني، روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام (2) .

275 - محمد بن عبيد الله:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن محمد بن أبي نصر(3) .

276 - محمد بن عبيدة:

روى عن الإمام أبي الحسنعليه‌السلام ، وروى عنه إبراهيم بن محمد الهمداني(4) .

277 - محمد بن عرفة:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

278 - محمد بن علي:

ابن جعفر، عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

279 - محمد بن علي:

ابن الحسين بن زيد بن الحسينعليه‌السلام : له نسخة يرويها عن الإمام الرضا

عليه‌السلام (7) .

280 - محمد بن علي:

الهمداني، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه إبراهيم بن هاشم وجماعة(8) .

____________________

(1) معجم رجال الحديث 16 / 296.

(2) معجم رجال الحديث.

(3) معجم رجال الحديث 8 / 298.

(4) معجم رجال الحديث 16 / 306.

(5) رجال الطوسي.

(6) رجال البرقي.

(7) النجاشي.

(8) معجم رواة الحديث.


281 - محمد بن عمار:

ابن الأشعث النهدي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

182 - محمد بن عمارة:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه سعد بن سعد(2) .

283 - محمد بن عمر:

ابن يزيد، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن الجهم(3) .

284 - محمد بن عمر:

ابن يزيد بياع السابري: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

285 - محمد بن عمر:

الساباطي، روي عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن أبي نصر(5) .

286 - محمد بن عمر:

الكناسي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

287 - محمد بن عمرو الزيات:

ابن سعد روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام نسخته ثقة(7) .

288 - محمد بن عيسى:

ابن يقطين، مولى أسد بن خزيمة، أبو جعفر، جليل عند الشيعة ثقة عين،

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) معجم رجال الحديث 17 / 67.

(3) معجم رجال الحديث 17 / 77.

(4) رجال الطوسي.

(5) معجم رجال الحديث 17 / 80.

(6) رجال الطوسي.

(7) النجاشي.


كثير الرواية، حسن التصانيف(1) ، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) ، ألّف مجموعة من الكتب منها: (كتاب الإمامة) و (كتاب الواضح المكشوف في الرد على أهل الوقوف) و (كتاب المعرفة) و (كتاب بعد الإسناد) و (كتاب قرب الإسناد) و (كتاب الوصايا) و (كتاب اللؤلؤ) و (كتاب المسائل المحرمة) و (كتاب الضياء) و (كتاب ظرائف) و (كتاب التجمّل والمروة) و (كتاب الفيء والخمس) و (كتاب الرجال) و (كتاب الزكاة) و (كتاب ثواب الأعمال) و (كتاب النوادر)(3) .

289 - محمد بن عيسى:

القمّي، روى عن الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه مروك بن عبيد(4) .

290 - محمد بن فرات:

الجعفي، كذّاب، منحرف عن الحق، كان يكذب على الإمام الرضاعليه‌السلام ، وقد شكاه إلى يونس، فقال له: يا يونس أما ترى إلى محمد بن الفرات، وما يكذب عليّ؟ فقال يونس: أبعده الله وأشقاه، فقالعليه‌السلام : قد فعل الله به ذلك، أذاقه الله حرّ الحديد، كما أذاق مَن كان قلبه ممّن كذب علينا، يا يونس إنّما قلت ذلك، لتحذر عنه أصحابي، وتأمرهم بلعنه والبراءة منه، فإنّ الله يبرأ منه(5) .

وروى علي بن إسماعيل الميثمي عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه قال: آذاني محمد بن الفرات آذاه الله، وأذاقه حرّ الحديد، آذاني لعنه الله آذى أبو الخطاب لعنه الله جعفر بن محمدعليه‌السلام بمثله، وما كذب علينا خطابي بمثل ما كذب محمد بن الفرات، والله ما من أحد يكذب علينا إلاّ ويذيقه الله حرّ الحديد(6) .

____________________

(1) النجاشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) النجاشي.

(4) معجم رجال الحديث 17 / 136.

(5) الكشي.

(6) الكشي.


ولم يلبث محمد بن فرات بعد دعاء الإمام عليه إلاّ قليلاً حتى قتله إبراهيم بن شكلة أخبث قتلة(1) .

291 - محمد بن الفرج:

الرخجي، ثقة، عدّه الإمام من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) ، كان شديد الولاء لأئمّة الهدىعليهم‌السلام ووثيق الصلة بهم، وله مكاتبات معهم، ذكرها الكشي في ترجمته.

292 - محمد بن الفضل:

الأزدي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

293 - محمد بن الفضل:

ابن عمر، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

294 - محمد بن الفضيل:

الصيرفي، يرمى بالغلو، له كتاب، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

295 - محمد بن الفيض:

المدائني، مولى عمر بن الخطاب، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6).

296 - محمد بن القاسم:

ابن الفضيل: روى عن الإمام الكاظم والإمام الرضاعليهما‌السلام ، وروى عنه جماعة(7) .

____________________

(1) الكشي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.

(6) معجم رجال الحديث 17 / 177.

(7) معجم رجال الحديث.


297 - محمد بن القاسم:

ابن الفضيل بن يسار، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام وروى عنه البرقي(1) .

298 - محمد بن القاسم:

البوشنجاني، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

299 - محمد بن كعب القرطي:

وهو الذي رأى رسول الله (ص) في المنام، فقال له: يا محمد سررت بما تصنع مع أولادي في الدنيا؟ فقال له محمد: لو تركتهم فبمن اصنع؟ فقال (ص): فلا جرم تجزى منّي في العقبى، فكان بين يديه طبق تمر صيحاني فسألته عن ذلك فأعطاني قبضة فيها ثمانية عشر تمرة، فتأوّلت ذلك أن أعيش ثماني عشرة سنة، ونسيت ذلك ورأيت يوماً ازدحام الناس فسألتهم عن ذلك فقالوا: أتى علي بن موسى الرضاعليه‌السلام فرأيته جالساً في ذلك الموضع وبين يديه طبق فيه تمر صيحاني، فسألته عن ذلك فناولني قبضة فيها ثماني عشرة تمرة، فقلت: زدني منه، فقال: لو زادك جدّي لزدناك(3) .

300 - محمد بن كليب:

الأشعري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (4) .

301 - محمد بن منصور:

ابن الأبرد النخعي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (5) .

303 - محمد بن منصور:

الأشعثي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه مجهول(6).

____________________

(1) معجم رجال الحديث 17 / 179.

(2) رجال الطوسي.

(3) معجم رجال الحديث 17 / 199.

(4) رجال الطوسي.

(5) رجال الطوسي.

(6) رجال الطوسي.


304 - محمد بن منصور:

الأشعري، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

305 - محمد بن منصور:

ابن نصر، الخزاعي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

306 - محمد بن منصور:

الكوفي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه محمد بن سعد(3) .

307 - محمد بن يحيى:

ابن حبيب، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن يحيى(4) .

308 - محمد بن يحيى:

الساباطي روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه صفوان(5) .

309 - محمد بن يزيد:

الطبري، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

310 - محمد بن يونس:

ابن عبد الرحمن، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (7) .

311 - محمد مولى الرضا:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (8) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) رجال الطوسي.

(3) معجم رجال الحديث 17 / 312.

(4) معجم رجال الحديث 18 / 37.

(5) معجم رجال الحديث 18 / 44.

(6) معجم رجال الحديث 18 / 55.

(7) رجال الطوسي.

(8) رجال الطوسي.


312 - مرزبان:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام وروى عنه سعد بن سعد(1) .

313 - مرزبان بن عمران:

الأشعري، القمّي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام له كتاب(2) .

314 - مروان بن يحيى.

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه مجهول(3) .

315 - مروك بن عبيد:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه جماعة(4).

316 - مسافر:

مولى الإمام الرضاعليه‌السلام ، أمره الإمام الرضا فقال له: الحق بأبي جعفر - يعني الإمام الجوادعليه‌السلام - فإنّه صاحبك(5) .

317 - معاوية بن حكيم:

ابن معاوية، بن عمار الدهني، ثقة جليل، من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام له كتب، منها: (كتاب الطلاق) و (كتاب الحيض) و (كتاب الفرائض) و (كتاب النكاح و (كتاب الحدود) و (كتاب الديات)، وله نوادر(6) .

318 - معاوية بن سعد:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام وروى عنه محمد بن سنان(7) .

319 - معاوية بن سعيد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (8)، له كتاب(9).

____________________

(1) معجم رجال الحديث. / 245.

(2) معجم رجال الحديث.                              (3) رجال الطوسي.

(4) معجم رجال الحديث.                              (5) الكشي.

(6) النجاشي.                                            (7) معجم رجال الحديث 18 / 237.

(8) رجال الطوسي.                                     (9) النجاشي.


320 - معاوية بن يحيى:

عدّه الشيخ من أصحاب الرضاعليه‌السلام (1) .

321 - معاوية الجعفري:

من رواة النص من الإمام الكاظمعليه‌السلام على إمامة ولده الرضاعليه‌السلام (2) .

322 - معروف الكرخي:

هو أبو محفوظ، ابن فيروز، وقيل فيرزان كان أبواه نصرانيين، من أهالي (بهريان) إحدى قرى (واسط)، سلمه أبوه إلى المعلم، فكان يقول له: قل: ثالث ثلاثة، فيأبى معروف ويقول: هو الواحد، فيضربه المعلم ضرباً مبرحاً، وهو يأبى أن يقول: ثالث ثلاثة، ثم هرب من المعلم، واسلم على يد الإمام الرضاعليه‌السلام (3) ، ورجع إلى منزله فطرق الباب، فقالوا: من في الباب؟ فقال: معروف، فقالوا على أيّ دين أنت؟ قال: على الدين الحنفي، وأسلم أبواه وأهله جميعاً(4) ، وكان بعد إسلامه حاجباً للإمام الرضاعليه‌السلام ، وازدحمت الشيعة على باب الإمام، فكسروا أضلع معروف من شدّة الزحام، وبقي أياماً عليلاً، وقد أوصى أن يتصدق بقميصه الذي كان لابساً له؛ لأنّه أحب أن يخرج من الدنيا كما دخلها عرياناً(5) ، رحم الله معروفاً فقد كان من أفذاذ العارفين والمتقين، ونال الدرجة العليا ببركة الإمام الرضاعليه‌السلام .

323 - معمر بن خلاد:

بغدادي، ثقة روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، له كتاب الزهد(6) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) معجم رجال الحديث 18 / 295.

(3) التصوّف في الشعر العربي (ص 45).

(4) طبقات الصوفية (ص 85).

(5) التصوف في الشعر العربي.

(6) النجاشي.


324 - معن بن خالد:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه ثقة، وله كتاب(1) .

325 - مقاتل بن مقاتل:

البلخي، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأضاف أنّه واقفي خبيث(2) ، إلاّ أنّ الكشي ذكر رواية تدل على استقامته وعدم وقفه، فقد روى الحسين بن عمر بن يزيد قال: دخلت على الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأنا شاك في إمامته، وكان زميلي في الطريق رجلاً يقال له: مقاتل بن مقاتل، وكان قد مضى على إمامته - أي إمامة الرضا - بالكوفة، فقلت له: عجلت، فقال: عندي في ذلك - أي في إمامة الرضا - برهان، وعلم.

قال الحسين: فقلت للإمام الرضاعليه‌السلام : قد مضى أبوك؟ فقال: أي والله، وإنّي لفي الدرجة التي فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومَن كان أسعد ببقاء أبي منّي؟ ثم قال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) العارف للإمامة حين يظهر الإمام، ثم قال: ما فعل صاحبك؟ فقلت: مَن؟ قال: مقاتل بن مقاتل المستوي الوجه، الطويل اللحية، الأقنى الأنف؟ وأضافعليه‌السلام يقول:

(أمّا إنّه ما رأيته، ولا دخل عليّ، ولكنّه آمن وصدق) ثم إنّه أوصاني به، ثم انصرفت من عند الإمام، وإذا بمقاتل أمامي، فقلت له: لك بشارة عندي ألاّ أخبرك بها حتى تحمد الله مائة مرة، وأخبرته بما قال الإمامعليه‌السلام ، وعلّق الإمام الخوئي على هذه الرواية فقال: إنّها صريحة في أنّ الرجل كان قائلاً بإمامة الرضاعليه‌السلام ، وعلى تقدير أنّه كان واقفاً فقد رجع عن وقفه(3) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) رجال الطوسي.

(3) معجم رجال الحديث 18 / 359.


326 - موسى بن أبي الحسن:

الرازي، روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه إبراهيم بن هاشم(1) .

327 - موسى بن جند:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

328 - موسى بن رنجويه:

الأرمني، ضعيف، له كتاب، عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

329 - موسى بن سلمة:

كوفي، له كتاب عن الإمام الرضاعليه‌السلام أخبر به أحمد بن محمد(4) .

330 - موسى بن عيسى:

ابن عبيد اليقطيني، بعث له الإمام الرضاعليه‌السلام هدية رزم ثياب، وغلماناً، وأموالاً يحج بها عنه، وكذلك بعث لأخيه موسى بن عبيد، وليونس بن عبد الرحمن، أموالاً ليحجّوا بها عنه(5) .

331 - موسى بن القاسم:

ابن معاوية، بن وهب البجلي، ثقة، ثقة جليل، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام (6) ، له كتب، منها: (كتاب الوضوء) و (كتاب الصلاة) و (كتاب الزكاة) و (كتاب الصيام) و (كتاب النكاح) و (كتاب الطلاق) و (كتاب الحج) و (كتاب الحدود) و (كتاب الديات) و (كتاب الشهادات) و (كتاب الأيمان والنذور) و (كتاب أخلاق المؤمن) و (كتاب الجامع) و (كتاب الأدب)(7) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) النجاشي.

(5) معجم رجال الحديث.

(6) رجال الطوسي.

(7) النجاشي.


332 - موسى بن معمر:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (1) .

333 - موسى بن مهران:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (2) .

334 - موفق بن هارون:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (3) .

335 - موفق خادم الإمام الرضا:

قال الوحيد في التعليقة: يظهر منه كونه من خدّامه، بل ومن خواصه وأصحاب أسراره(4) .

(ن)

336 - نصر بن قابوس:

اللخمي، القابوسي: روى عن الإمام أبي عبد الله، وأبي إبراهيم، وأبي الحسن الرضاعليهم‌السلام ، وكان ذو منزلة عندهم، له كتاب(5) .

337 - نصر بن مغلس:

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (6) .

(و)

338 - الوليد بن أبان:

روى عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، وروى عنه أحمد بن محمد(7) .

339 - الوليد بن أبان:

الضبي، الرازي، عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام (8) .

____________________

(1) رجال الطوسي.

(2) رجال الطوسي.

(3) رجال الطوسي.

(4) معجم رجال الحديث 19 / 100.

(5) النجاشي.

(6) رجال الطوسي.

(7) معجم رجال الحديث 19 / 237.

(8) رجال البرقي.


3 - تركة الرشيد:

وترك هارون الرشيد (تسعمائة مليون درهم)(1) .

هذه بعض الأموال التي تركوها، وقد استولوا عليها بغير حق، وقد عانى المسلمون في جميع عهودهم الضيق والبؤس والحرمان، هذه بعض معالم السياسة الاقتصادية في الحكم العباسي من أوّله إلى منتهاه، وخلاصة القول فيها إنّها لم تكن مبيّنة على أسس سليمة، ولم تساير الاقتصاد الإسلامي الذي يهدف إلى إنعاش الشعوب ونشر الرخاء والقضاء على البؤس والحاجة، فالملك العباسي كالملك الأموي ظل الله في الأرض يتصرّف في إمكانيات العباد حسب رغباته، ألم يقل الدوانيقي:

(أيّها الناس إنّما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقة وتسديده، وأنا خازنه على فيئه أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، قد جعلني الله عليه قفلاً إذا شاء أن يفتحني فتحني، وإذا شاء أن يقفلني قفلني)(2) .

وهذه السياسة القاتمة لا يقرّها الإسلام، فإنّ أموال المسلمين للمسلمين يجب أن تنفق على صالحهم ورفع مستواهم اقتصادياً وفكرياً، وليس لرئيس الدولة أي سلطان عليها.

كراهة المسلمين للحكم العبّاسي:

وكره المسلمون الحكم العباسي، ونقموا منه كأشد ما تكون النقمة، وتمنّوا رجوع الحكم الأموي على ما فيه من قسوة وعذاب، فقد ساسوا الأمة بسياسة الظلم والجور، يقول عبد الرحمن الإفريقي للمنصور الدوانيقي: (ظهر الجور ببلادنا فجئت لأعلمك، فإذا الجور يخرج من دارك ورأيت أعمالاً سيئة، وظلماً فاشياً، ظننته لبعد البلاد منك فجعلت كلّما دنوت منك كان الأمر أعظم).

فالتاع المنصور من كلامه وأمر بإخراجه(3) وسأل المنصور ابن أبي ذؤيب فقال له:

(أيّ الرجال أنا).

____________________

(1) عصر المأمون.

(2) الطبري.

(3) تأريخ بغداد 10 / 215.


فأجابه بمنطق الأحرار الذي لا يخضع للسلطان قائلاً: (أنت والله عندي شرّ الرجال، استأثرت بمال الله ورسوله، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وأهلكت الضعيف، واتبعت القوي، وأمسكت أموالهم)(1) .

وكانت سياسة ملوك بني العباس متشابهة في الظلم والجور، يقول أحمد بن أبي نعم:

ما أحسب الجور ينقضي وعلى الناس أمير من آل عباس

فنفاه المأمون بسبب هذا لبيت إلى السند(2) ، ويقول أبو عطاء السندي:

يا ليت جور بني مروان دام لنا

وليت عدل بني العباس في النارِ(3)

واستنهض سليم العدوي الأمة لتثور على الحكم العباسي يقول:

حتى متى لا نرى عدلاً نُسرّ به

ولا نرى لولاة الحق أعوانا

مستمسكين بحقٍّ قائمين به

إذا تلوّن أهل الجور ألوانا

يا للرجال لداءٍ لا دواء له

وقائد ذي عمى يقتاد عميانا(4)

ويقول شاعر الأحرار سديف:

إنّا لنأمل أن ترتدّ إلفتنا

بعد التباعد والشحناء والإحنِ

وتنقضي دولة أحكام قادتها

فينا كأحكام قومٍ عابدي وثنِ

وانتشر هذا الشعر، وسمعه المنصور فأوعز إلى عامله عبد الصمد بدفنه حيّاً ففعل(5) .

ويقول الدكتور أحمد محمود صبحي: لكنّ ذلك المثل الأعلى للعدالة والمساواة الذي انتظره الناس من العباسيين قد أصبح وهماً من الأوهام، فشراسة المنصور والرشيد وجشعهم، وجور أولاد علي بن عيسى وعبثهم بأموال المسلمين يذكّرنا بالحجّاج وهشام ويوسف ين عمرو الثقفي، وعمّ الاستياء أفراد الشعب بعد أن استفتح أبو عبد الله المعروف بالسفّاح، وكذلك المنصور بالإسراف في سفك الدماء

____________________

(1) الإمامة والسياسة 2 / 145.

(2) نهاية الإرب 8 / 175.

(3) حياة الإمام الرضا (ص 108).

(4) المستطرف 1 / 97.

(5) العمدة لابن رشيق 1 / 75.


على نحو لم يعرف من قبل(1) .

لقد نقم المسلمون من الحكم العباسي الذي لم يحقق أي هدف من أهدافهم ولا أي أمل من آمالهم، وإنّما كان سادراً في الطيش والعنف، وإرغام الناس على ما يكرهون.

الفتن والثورات الشعبية:

وماجت البلاد الإسلامية بالفتن، وشاعت فيها الثورات الشعبية، وهي من دون شك كانت ناجمة من سوء السياسة العباسية، التي لم ترع بأي حال من الأحوال مصالح المجتمع ورغباته الهادفة إلى تحقيق العدل السياسي، والعدل الاجتماعي بين الناس، ومن أهم الثورات التي اندلعت هي:

ثورة أبي السرايا: أمّا ثورة أبي السرايا فهي من أخطر الثورات التي اندلعت في ذلك العصر، وقد خسر المسلمون فيها مائتي ألف مقاتل، ونتحدث - بإيجاز - عن بعض معالم هذه الثورة، وهي:

مفجر الثورة:

أمّا مفجّر هذه الثورة، وواضع تصاميمها ومخطّطاتها فهو الزعيم العلوي العظيم محمد بن إبراهيم المعروف بالطباطبائي(2) ، فقد رأى هذا العلوي الكريم ما مُني به المسلمون من الظلم والاضطهاد وما عاناه السادة العلويون من التنكيل والإرهاق فتحفّز لإعلان الثورة لإنقاذ المسلمين من الطغمة العباسية الحاكمة، وقدوصفه المؤرخون بأنه كان شديد الرقة والعطف على الفقراء والمحرومين فقد اجتاز في بعض شوارع الكوفة فرأى عجوزاً تتبع أحمال الرطب فتلتقط ما يسقط منها، وتجمعه في كساء رث فسألها عن ذلك، فقالت له: (إنّي امرأة لا رجل لي يقوم بمؤنتي، ولي بنات لا يعدن أنفسهن بشيء، فأنا أتتبع هذا في الطريق، وأتقوّته أنا وولدي).

ولما سمع ذلك انهارت قواه وانفجر باكياً، والتفت إليها قائلاً بحرارة: (والله أنت وأشباهك تخرجوني غداً حتى يسفك دمي)(3) .

____________________

(1) نظرية الإمامة (ص 381).

(2) سمي بهذا الاسم للكنة في لسانه أيام طفولته، وقد لقّبه بذلك أبوه، تاريخ ابن خلدون 4 / 8.

(3) مقاتل الطالبيين (ص 539).


ودفعه هذا الإحساس، والحدب على الفقراء لإعلان الثورة لينقذهم من الظالمين الذين اختلسوا أموال الشعب.

وأخذ محمد في تدبير أموره فاتصل بذوي الرأي والنفوذ من زعماء العرب وشخصيات المسلمين، يطلب منهم الانضمام إليه والاشتراك معه في مقاومة الظلم وقلب الحكم القائم، والتقى بالزعيم العربي الكبير نصر بن شيث فعرض عليه الأمر فانبرى نصر يعلن دعمه له، ويحرّضه على الثورة قائلاً له:

(حتى متى توطئون بالخسف، وتهتضم شيعتكم، وينزى على حقكم)(2)، وألهبت هذه الكلمات عواطفه ومشاعره وتحفّز محمد إلى الإسراع بالثورة لـمّا رأى اختلاف العباسيين وتفرّق كلمتهم، وتشتّت شملهم بسبب الفتنة الكبرى التي حدثت بين الأمين والمأمون، فقد أوجبت تصدّع الحكم، وتطلع المجتمع إلى ثورة تنقذهم من ويلات الحكم العباسي.

انضمام أبي السرايا إلى الثورة:

وممّا زاد في أحكام الثورة، وخطورتها انضمام القائد المحنّك أبي السرايا إليها، وكان علوي الرأي يتحرّق ألماً على ما أصاب السادة العلويين من المآسي والخطوب على أيدي العباسيين، ومن الخير أن نتحدث عن بعض شؤون هذا القائد الملهم.

إنّه السري بن منصور الشيباني الثائر الشجاع من الأمراء العصاميين، خاض كثيراً من الحروب، ولما نشبت الفتنة بين الأمين والمأمون التحق بمعسكر هرثمة بن أعين، وصار معه في ألفي مقاتل، وخوطب بالأمير، ولـمّا قتل الأمين نقص هرثمة من عطايا الجيش ومرتّباتهم فساء ذلك أبا السرايا، وعزم على التخلّي عنه، واستأذنه أن يحج فأذن له، وأعطاه عشرين ألف درهم فأخذها وفرّقها بين أصحابه، وقد استمال بذلك قلوبهم، وأوصاهم باتباعه إلى (عين التمر)، فلمّا انتهوا إليها أخذوا عاملها، ونهبوا أمتعته، ولقوا عاملا آخر لبني العباس فأخذوا أمواله، وقسموها بينهم، ولـمّا انتهت الأنباء إلى هرثمة فقد صوابه، وأرسل جيشاً لمناجزة أبي السرايا، ولـمّا التقى الجيشان دارت بينهم معركة رهيبة فانهزم جيش هرثمة، ومُني بخسارة فادحة وسار أبو السرايا قاصدا نحوا (الأنبار)، فلمّا وصل إليها استولى على الإدارة المحلية، وقتل

____________________

(1) مقاتل الطالبيين (ص 519).


عاملها إبراهيم الشروري، وصادر جميع أمواله.

التقاء أبي السرايا بمحمد:

وأخذ أبو السرايا يواصل الزحف بجيوشه، ولا ينتهي إلى بلد حتى يفتك بعمّال بني العباس، ووصل إلى (الرقة) وفيها التقى بالزعيم الكبير محمد بن إبراهيم، وبعد مباحثات جرت بينهما عرضا فيها ما يعانيه المسلمون من الذل والهوان والقهر من الحكم العباسي صمّما على القضاء عليه، والدعوة إلى بيعة الرضا من آل محمد(1) .

وأسند محمد إلى أبي السرايا القيادة العسكرية العامة ومنحه ثقته، وفوّض إليه جميع شؤون الثورة ومخططاتها.

إعلان الثورة:

وأعلن أبو السرايا الثورة على الحكم العباسي، وزحف بجيوشه نحو (نينوى)، واتجه صوب مرقد أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسينعليه‌السلام ، فزار المرقد الطاهر، وأطال الزيارة، وجعل يتمثّل بأبيات منصور النمري قائلاً:

نَفسي فِداءُ الحُسَينِ يَومَ غَدا

إِلى الـمَنايا غُدوَّ لا قافِل

ذاك يوم أنحى بشفرته

على سنام الإسلام والكاهل

كأنّما أنت تعجبني ألا

ينزل بالقوم نقمة العاجل

لا يعجل الله إن عجلت وما

ربّك عمّا ترين بالغافل

مظلومة والنبي والدها

يدير أرجاء مقلة حافل

ألا مساعير يغضبون لها

بسلّة البيض والقنا الذابل

ورفع عقيرته قائلاً: (مَن كان هاهنا من الزيدية فليقم إلي؟).

فوثب إليه جماعات من الجيش فخطبهم خطبة طويلة أشاد فيها بأهل البيتعليهم‌السلام ، وبيّن مآثرهم وفضائلهم، وما عانوه من الظلم والاضطهاد من

خصومهم وأعدائهم، وعرّج في خطابه على سيد الشهداء الإمام الحسينعليه‌السلام فقال: (أيّها الناس هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه، فما يقعدكم عمن أدركتموه

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 400 - 401 نقلاً عن تأريخ ابن خلدون 7 / 243.


ولحقتموه وهو غدا خارج طالب بثأره وحقه، وتراث آبائه، وإقامة دين الله، وما يمنعكم من نصرته ومؤازرته، إنّني خارج من وجهي هذا إلى الكوفة للقيام بأمر الله، والذب عن دينه والنصر لأهل بيته، فمَن كانت له نيّة في ذلك، فليلحق بي...).

واستجابت له الزيدية وغيرهم، واتجه أبو السرايا بجيوشه نحو الكوفة.

وأمّا محمد فقد أعلن الثورة في نفس اليوم الذي ثار فيه أبو السرايا، وقد التفت حوله الجماهير الحاشدة، وظل محمد يترقّب بفارغ الصبر قدوم أبي السرايا عليه، وقد طالت الأيام حتى يئس منه أصحابه، ولاموا محمداً على الاستعانة به، واغتمّ محمد لتأخّره عنه، وبينما هم في قلق واضطراب إذ طلعت عليهم جيوش أبي السرايا، ففرح محمد وسرّ سروراً بالغاً، ولـمّا قرب منه قام إليه محمد واعتنقه، وبقي معه أياماً ثم اتجه معه صوب الكوفة، فلمّا انتهى إليها استقبله أهلها استقبالاً رائعاً، وأظهروا الفرحة الكبرى بقدومه، وبايعوه بالإجماع(1) .

واحتلت جيوش أبي السرايا الكوفة، ونهبوا جميع ما في قصر الفضل بن عيسى والي الكوفة، ولم يرغب بذلك أبو السرايا فأصدر أوامره المشدّدة إلى الجيش بالكف عن السلب والنهب وإرجاع المنهوبات إلى أهلها.

وأرسل الحسن بن سهل حاكم العراق من قبل المأمون ثلاثة آلاف فارس بقيادة زهير بن الحسن لحرب أبي السرايا، ولـمّا انتهت إلى الكوفة التحمت مع جيوش أبي السرايا، فانهزم الجيش العباسي شرّ هزيمة، واستولى جيش أبي السرايا على جميع أمتعته(2) ، وقد انتصر أبو السرايا انتصاراً رائعاً، وسرى والخوف والرعب في نفوس العباسيين، وأيقن الكثيرون منهم أنّ الثورة قد نجحت، وأنّ مصيرهم في خطر عظيم.

وفاة الزعيم محمد:

ومن المؤسف حقاً أنّ الزعيم الكبير محمد بن إبراهيم قد توفّي، وذهبت معظم المصادر التأريخية إلى أنّه توفّي وفاة طبيعية، وعزت بعض المصادر وفاته إلى أبي السرايا فقد دسّ إليه سمّاً فاغتاله، ليتخلص منه، وأكبر الظن أنّه توفّي حتف أنفه، ولم يكن

____________________

(1) مقاتل الطالبيين (ص 533).

(2) مقاتل الطالبيين.


لأبي السرايا أي ضلع فيها؛ لأنّ الثورة كانت في بدايتها، وليس من الممكن بأي حال من الأحوال أن يقدم أبو السرايا على اغتياله في تلك الظروف الحرجة التي لم يتيقن فيها بنجاح ثورته.

ومهما يكن من أمر فإنّ أبا السرايا قام بتجهيز الجثمان الطاهر فغسّله وأدرجه في أكفانه، وحملوه في غلس الليل البهيم إلى (الغري ) فدفنوه فيه(1) ورجعوا إلى الكوفة، وفي الصبح جمع أبو السرايا الناس، ونعى إليهم الزعيم الكبير محمد وعزاهم بوفاته، فارتفعت الأصوات بالبكاء، والتفت إليهم قائلاً: (ولقد أوصى أبو عبد الله إلى شبيهه، ومَن اختاره وهو أبو الحسن علي بن عبيد الله، فإن رضيتم به فهو الرضي، وإلاّ فاختاروا لأنفسكم).

وساد الوجوم في جميع قطعات الجيش، ولم ينبس أحد ببنت شفة وانبرى العلوي محمد بن محمد بن زيد، وهو غلام حدث السن، فخاطب العلويين قائلاً: (يا آل علي إنّ دين الله لا ينصر بالفشل، وليست يد هذا الرجل - يعني أبا السرايا - عندنا بسيئة، وقد شفى الغليل وأدرك الثأر).

والتفت إلي علي بن عبيد الله، فقال له: (ما تقول: يا أبا الحسن، فقد وصانا بك، أمدد يدك نبايعك).

وأضاف يقول: (إنّ أبا عبيد الله - رحمه الله - قد اختار، فلم يعدم الثقة في نفسه ولم يألوا جهدا في حق الله الذي قلّده، وما رد وصيته تهاوناً بأمره ولا ادع هذا نكولاً عنه، ولكن أتخوّف أن اشتغل به عن غيره، ممّا هو أحمد وأفضل عاقبة، فامض رحمك الله لأمرك، واجمع شمل بني عمّك، فقد قلدناك الرياسة علينا، وأنت الرضي عندنا الثقة في أنفسنا).

ثم التفت إلى أبي السرايا فقال له: (ما ترى أرضيت به؟).

وسارع أبو السرايا قائلاً: (رضاي من رضاك وقولي من قولك).

____________________

(1) مقاتل الطالبيين.


وجذبوا يد محمد بن محمد فبايعوه، وقام محمد في الوقت بعزم ثابت فنظم شؤون حكومته، وبعث عمّاله إلى الأقطار الإسلامية التي فتحها أبو السرايا، وهذه المناطق التي بعث إليها عماله:

1 - الكوفة: وقد ولّى عليها إسماعيل بن علي.

2 - اليمن: وقد ولّى عليها إبراهيم نجل الإمام موسى بن جعفر.

3 - الأهواز: وقد جعل عليها زيد بن موسى.

4 - البصرة: وقد استعمل عليها العباس بن محمد.

5 - مكة: وقد جعل عليها والياً الحسن بن الحسن الأفطس.

6 - واسط: وقد جعل عليها جعفر بن محمد بن زيد وجعل على شرطته روح بن الحجاج، وأسند القضاء إلى عاصم بن عامر.

وضربت النقود بالكوفة، وكتب عليها الآية الكريمة( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) وأخذت الثورة تتسع في مناطق العالم الإسلامي، فقد سئم المسلمون من الحكم العباسي، واستجابوا بفرح وسرور إلى الحكم العلوي.

وأدرك العباسيون الخطر الذي يهدد حياتهم وزوال سلطانهم، فقد مُني والي العراق الحسن بن سهل بهزيمة ساحقة، فكتب إلى طاهر بن الحسين لينضم إليه إلى قتال أبي السرايا، ولكن كتبت إليه رقعة فيها هذه الأبيات، وقد أخفى صاحبها اسمه وهي:

قناع الشك يكشفه اليقينُ

وأفضل كيدك الرأي الرصينُ

تثبّت قبل ينفذ فيك أمر

ويهيج لشره داء دفينُ

أتندب طاهراً لقتال قومٍ

بنصرتهم وطاعتهم يدينُ

سيطلقها عليك معقلات

تصر ودونها حرب زبونُ

ويبعث كامناً في الصدر منه

ولا يخفى إذا ظهر المصونُ

فشأنك واليقين فقد أنارت

معالمه وأظلمت الظنونُ

ودونك ما تريد بعزم رأي

تدبّره ودع ما لا يكونُ

ولـمّا قرأ الحسن هذه الأبيات رجع عن رأيه، وكتب إلى هرثمة بن أعين يسأله التعجيل في القدوم إليه، وأوفد لمقابلته السندي بن شاهك، وكانت بين الحسن


وهرثمة شحناء وتنافر، فلمّا التقى به السندي، وناوله الكتاب، فقرأه، وقال: (نوطئ نحن الخلافة، ونمهّد لهم أكنافها، ثم يستبدّون بالأمور ويستأثرون بالتدبير علينا، فإذا انفتق عليهم فتق بسوء تدبيرهم وإضاعتهم الأمور، أرادوا أن يصلحوه بنا، لا والله، ولا كرامة حتى يعرف أمير المؤمنين - يعني المأمون - سوء آثارهم وقبيح أفعالهم).

وتباعد عنه السندي، ويئس منه، ووردت عليه رسالة من المنصور بن المهدي، فلمّا قرأها استجاب، وقفل راجعاً إلى بغداد، فلمّا صار إلى (النهروان ) خرج البغداديون إلى استقباله، وفي طليعتهم الوجوه وقادة الجيش، وحينما رأوه ترجّلوا جميعاً، ونزل في داره، وأمر الحسن بن سهل بدواوين الجيش فنقلت إليه ليختار من الرجال ما شاء، وأطلقت إليه بيوت الأموال، وأخذ هرثمة يجمع الجيوش ويعد العدة لمناجزة أبي السرايا، ولـمّا كملت جيوشه وكان عددهم ثلاثين ألف مقاتل ما بين فارس وراجل زحف بهم نحو الكوفة واجتاز على(المدائن) فاستولى عليها، وهزم عاملها،

ثم زحف نحو(الكوفة) ، والتقى جيشه بجيش أبي السرايا، فالتحما ودارت بينهما معارك رهيبة، وقد قتل من أصحاب أبي السرايا خلق كثير، وقد انهارت قواه العسكرية، ولم يعد قادراً على حماية(الكوفة) التي هي عاصمته، فهرب نحو(القادسية) ثم منها إلى(السوس) فأغلق أهلها عليه الأبواب، وطلب أبو السرايا منهم أن يفتحوها له ففتحوها، ووقعت الحرب بينهم وبين أهالي السوس فانهزم أبو السرايا قاصداً(خراسان) ، فنزل قرية يقال لها(برقانا) فخرج إليهم عاملها فاجتمع بهم، وأعطاهم الأمان فاستجابوا له، وفي نفس الوقت أرسلهم إلى الحسن بن سهل، وكان مقيماً بالمدائن، فلمّا انتهوا إليه أمر بقتل أبي السرايا، فقتل، ثم أمر بصلب رأسه في الجانب الشرقي من بغداد، كما أمر بصلب بدنه في الجانب الغربي من بغداد(1)، وكانت المدّة بين خروجه وقتله عشرة أشهر(2) .

وانتهت بذلك هذه الحادثة الخطيرة، وقد قتل فيها ما يقرب من مائتي ألف مقاتل، وممّا لا شبهة فيه أنّ هذه الثورة وأمثالها كانت ناجحة من سوء السياسة

العباسية التي لم تألوا جهداً في ظلم الناس وإرغامهم على الذلّ والعبودية للحكم العباسي.

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 403 - 406 نقلاً عن مقاتل الطالبيين وغيره.

(2) تأريخ الطبري 10 / 231 تأريخ ابن الأثير 5 / 177.


وعلى أيّ حال فان الحياة السياسة في عصر الإمامعليه‌السلام كانت مضطربة وبشعة، فقد شاعت الاضطرابات، وانتشر التمرّد على الحكم العباسي في معظم البلاد الإسلامية.

التنكيل بالعلويين:

ومن أقسى المحن التي عاناها السادة العلويون في العصور العباسية الأولى، والتي شاهد بعضها الإمام الرضاعليه‌السلام هو التنكيل القاسي بالعلويين فقد عمد العباسيون بشكل سافر إلى اضطهادهم وتصفيتهم جسدياً.

وكان أول مَن أوقع الفتنة بين العلويين والعباسيين هو المنصور الدوانيقي(1) وهو القائل: (قتلت من ذريّة فاطمة ألفاً أو يزيدون، وتركت سيدهم ومولاهم وإمامهم جعفر بن محمد)(2) .

لقد قتل هذا العدد من أبناء رسول الله (ص) ليجعلهم ذخراً له يقدمهم إلى الله تعالى، والى جدّهم رسول الله (ص)، وهو الذي ترك لولده خزانة رؤوس العلويين، وعلّق بكل رأس ورقة كتب فيها اسم العلوي، وقد حوت رؤوس شيوخ وأطفال وشباب(3) .

وقال للإمام الصادقعليه‌السلام : (لأقتلنك ولأقتلن أهلك حتى لا أُبقي على الأرض منكم قامة سوط)(4) .

وقال أبو القاسم الرسي عندما هرب من المنصور إلى (السند):

لم يروه ما أراق البغي من دمنا

في كل أرض فلم يقصر من الطلبِ

وليس يشفي غليلاً في حشاه سوى

أن لا يرى فوقها ابنا لبنت نبي(5)

إنّ ما اقترفه المنصور من إراقة دماء أبناء النبي (ص) من أسوأ الصفحات في

____________________

(1) تأريخ الخلفاء للسيوطي (ص 261)، مروج الذهب 4 / 222.

(2) الأدب في ظل التشيّع (ص 68).

(3) تأريخ الطبري 10 / 446.

(4) المناقب 3 / 357.

(5) النزاع والتخاصم للمقريزي (51).


تأريخ الدولة العباسية كما يقول السيد أمير علي(1) .

وفي عهد الهادي عانت الأسرة العلوية الخوف والإرهاب، فقد أخافهم خوفاً شديداً، وألح في طلبهم، وقطع أرزاقهم، وأعطياتهم إلى الآفاق بطلبهم(2) وهو صاحب (واقعة فخ ) الشبيهة بكارثة كربلاء في مآسيها، فقد بلغ عدد الرؤوس التي أرسلت إليه مائة ونيفاً، وسبى الأطفال والنساء، وقتل السبي حتى الأطفال(3) .

وأمّا في عهد الرشيد فقد عانى العلويون أشد وأقسى ألوان الظلم يقول الفخري: (لم يكن - أي الرشيد - يخاف الله وأفعاله بأعيان آل علي وهم أولاد بنت نبيه لغير جرم(4) وقد أقسم على تصفيتهم وتصفية شيعتهم، يقول: (حتام أصبر على آل بني أبي طالب والله لأقتلنهم ولأقتلن شيعتهم)(5) وقد أوعز إلى عامله على يثرب بأن يضمن العلويون بعضهم بعضاً(6) وهو الذي هدم قبر سيد الشهداء وريحانة رسول الله (ص) الإمام الحسين، وقطع السدرة التي كان يستظل تحتها الزائرون وقد قام بذلك عامله على الكوفة موسى بن عيسى العباسي(7) .

ومن أعظم ما اقترفه من (الإثم) اغتياله لإمام المسلمين وسيد المتقين الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام بعدما قضى في سجونه حفنة من السنين.

ويصف دعبل الخزاعي في قصيدته العصماء التي رثى بها الإمام الرضاعليه‌السلام ما عاناه العلويون من القتل والسجن والتعذيب من العباسيين يقول:

وليس حي من الأحياء نعلمه

من ذي يمان ومن بكر ومن مضرِ

إلاّ وهم شركاء في دمائهم

كما تشارك أيسار على جزرِ

قتلاً وأسراً وتحريقاً ومنهبةً

فعل الغزاة بأهل الروم والخزرِ

أرى أمية معذورين إن فعلوا

ولا أرى لبني العباس من عذرِ(8)

____________________

(1) مختصر تأريخ العرب (ص 18).

(2) تأريخ اليعقوبي 3 / 136.

(3) حياة الإمام موسى بن جعفر.

(4) الآداب السلطانية (ص 20).

(5) الأغاني 5 / 225.

(6) الولاة والقضاة (ص 198).

(7) أمالي الشيخ (ص 330).

(8) ديوان دعبل.


ويقول منصور النمري:

آل النبي ومَن يحبهم

يتطامنون مخافة القتل

أمن النصارى واليهود وهم

من أمّة التوحيد في أزل

وعرض الشاعر الكبير ابن الرومي في قصيدته التي رثى بها الشهيد الخالد يحيى إلى محن العلويين، وما جرى عليهم من صنوف التعذيب، يقول:

ألا أيهذا الناس طال ضريركم

بآل رسول الله فاخشوا أو ارتجوا

أكل أوانٍ للنبي محمّدٍ

قتيل زكي بالدماء مضرّجُ

تبيعون فيه الدين شرّ أئمّةٍ

فللّه دين الله قد كاد يمرجُ(1)

إلى أن قال:

بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم

لبلواكم عمّا قليل مفرّجُ(2)

أما فيهم راعٍ لحقّ نبيّه

ولا خائف من ربّه يتحرّجُ(3)

وقد عرض أحرار الشعراء إلى ما عانوه السادة من الخطوب والمحن من أئمة الظلم والجور في كثير ممّا نظموه، وقد ذكرنا القسم الكثير منه في مؤلّفاتنا عن أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، مَن أراد الوقوف عليه فليراجعها، ونختم هذا البحث بالرسالة الآتية فقد عرضت ما جرى على العلويين.

رسالة الخوارزمي:

وكشف الخوارزمي في رسالته التي بعثها إلى أهالي (نيشابور) ما جرى على السادة العلويين من ضروب المحن والبلاء التي يعانيها غيرهم وننقل بعض ما جاء منها قال:

(فلما انتهكوا - أي بني أمية - ذلك الحريم، واقترفوا ذلك الاثم العظيم غضب الله عليهم، وانتزع الملك منهم، فبعث عليهم (أبا مجرم) لا أبا مسلم فنظر لا نظر الله إليه إلى صلابة العلوية، والى لين العباسية فترك تقاه واتبع هواه، وباع آخرته بدنياه، بقتله عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وسلّط طواغيت

____________________

(1) أراد بشر الأئمّة العباسيين، ويمرج: أي يفسد ويضطرب.

(2) الشلو: العضو، والمراد قتل أبنائهم.

(3) مقاتل الطالبين (ص 646).


خراسان، وأكراد أصفهان، وخوارج سجستان على آل أبي طالب يقتلهم تحت كل حجر ومدر، ويطلبهم في كل سهل وجبل، حتى سلط الله عليه أحب الناس إليه فقتله كما قتل الناس في طاعته، وأخذه بما أخذ الناس في بيعته، ولم ينفعه أن أسخط الله برضاه، وإن ركب ما لا يهواه، وخلت إلى الدوانيقي الدنيا فخبط فيها عسفاً، وتقضي فيها جوراً وحيفاً، وقد امتلأت سجونه بأهل بيت الرسالة، ومعدن الطيب والطهارة، وقد تتبع غائبهم وتلقط حاضرهم حتى قتل عبد الله بن محمد بن عبد الله الحسني بـ‍ (السند)، على يد عمر بن هشام الثعلبي، فما ظنّك بمَن قرب متناولة عليه ولان مسّه على يديه... وهذا قليل في جنب ما قتله هارون منهم، وفعله موسى قبله بهم، فقد عرفتم ما توجّه على الحسن - والصحيح الحسين - بن علي بـ‍ (فخ) من موسى، وما اتفق على علي بن الأفطس الحسيني من هارون، وما جرى على أحمد بن علي الزيدي، وعلى القاسم بن علي الحسيني من حبسه، وعلى غسان بن حاضر الخزاعي حين أخذ من قبله، والجملة أنّ هارون مات وقد حصد شجرة النبوّة، واقتلع غرس الإمامة وأنتم أصلحكم الله أعظم نصيباً في الدين من الأعمش فقد شتموه ومن شريك فقد عزلوه، ومن هشام بن الحكم فقد أخافوه ومن على بن يقطين فقد اتهموه...)

وعرض بعد هذا إلى بني أمية، ثم عرض ثانياً لبني العباس قائلاً:

وقل في بني العباس فإنّك ستجد بحمد الله مقالاً: وجل في عجائبهم فإنّك ترى ما شئت مجالاً.

يجبي فيؤهم فيفرق على الديلمي، والتركي، ويحمل إلى المغربي والفرغاني، ويموت إمام من أئمّة الهدى، وسيد من سادات بيت المصطفى فلا تتبع جنازته، ولا تجصص مقبرته، ويموت (ظراط) لهم أو لا عجب أو مسخرة، أو ضارب فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة ويسلم فيهم من يعرفونه دهرياً، أو سوفسطائياً، ولا يتعرضون لـمَن يدرس كتاباً فلسفيا ومانوياً، ويقتلون مَن يعرفونه شيعياً، ويسفكون دم مَن سمّى ابنه عليّاً.

ولو لم يقتل من شيعة أهل البيت غير المعلّى بن خنيس قتيل داود بن علي، ولو لم يحبس فيهم غير أبي تراب المروزي لكان ذلك جرحاً لا يبرأ، وثائرة لا تطفأ، وصدعاً لا يلتئم، وجرحاً لا تلتحم.


وكفاهم أنّ شعراء قريش قالوا في الجاهلية أشعاراً، يهجون بها أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ويعارضون فيها أشعار المسلمين فحملت أشعارهم، ودوّنت أخبارهم، ورواها الرواة، مثل: الواقدي، ووهب بن منبه التميمي، ومثل الكلبي، والشرقي بن القطامي، والهيثم بن عدي، ودأب بن الكناني، وإنّ بعض شعراء الشيعة يتكلم في ذكر مناقب الوحي، بل ذكر معجزات النبي (ص) فيقطع لسانه، ويمزّق ديوانه، كما فعل بعبد الله بن عمار البرقي، وكما أريد بالكميت بن زيد الأسدي، وكما نبش قبر منصور بن الزبرقان النميري، وكما دمر على دعبل بن علي الخزاعي، مع رفقتهم من مروان بن أبي حفصة اليمامي، ومن علي بن الجهم الشامي، ليس إلاّ لغلوهما في النصب، واستبحابهما مقت الرب، حتى أنّ هارون بن الخيزران وجعفر المتوكل على الشيطان لا على الرحمن كانا لا يعطيان مالاً، ولا يبذلان نوالاً إلاّ لـمَن شتم آل أبي طالب، ونصر مذهب النواصب مثل: عبد الله بن مصعب الزبيري ووهب بن وهب البختري، ومن الشعراء مثل: مروان بن أبي حفصة الأموي، فأما في أيام جعفر فمثل بكار بن عبد الله الزبيري، وأبي السمط بن أبي الجون الأموي وابن أبي الشوارب العبشمي.

وعرّج بعد هذا الكلام على بني أمية وما اقترفوه من ظلم العلويين، ثم أستأنف الكلام عن العباسيين فقال: وما هذا بأعجب من صياح شعراء بني العباس على رؤوسهم بالحق وإن كرهوه، وبتفصيل من نقصوه وقتلوه، قال منصور بن الزبرقان على بساط هارون:

آل النبي ومَن يحبهم

يتطامنون مخافة القتل

أمن النصارى واليهود وهم

من أمّة التوحيد في أزل

وقال دعبل وهو صنيعة بني العباس وشاعرهم(1) :

ألم تر أنّي مذ ثمانين حجّة

أروح وأغدو دائم الحسراتِ

أرى فيئهم في غيرهم متقسّماً

وأيديهم من فيئهم صفراتِ

وقال على بن العباس الرومي وهو مولى المعتصم:

تأليت أن لا يبرح المرء منكم

يشل على حر الجبين فيعفج

____________________

(1) لم يكن دعبل الخزاعي صنيعة بني العباس، وإنّما هو صنيعة أهل البيت وشاعرهم، وعانى في سبيلهم المصاعب والكوارث.


كذاك بنو العباس تصبر منكم

ويصبر للسيف الكمي المدجج

لكل أوان للنبي محمّدٍ

قتيل زكي بالدماء مضرّج

وقال إبراهيم بن العباس الصولي: وهو كاتب القوم وعاملهم في الرضا لما قربه المأمون:

يمن عليكم بأموالكم

وتعطون من مئة واحدا

وكيف لا ينتقضون قوماً يقتلون بني عمّهم جوعاً وسغباً، ويملأون ديار الترك والديلم فضة وذهباً، يستنصرون المغربي والفرغاني ويجنون المهاجري والأنصاري، ويولون أنباط السود وزارتهم وتلف العجم والطماطم قيادتهم، ويمنعون آل أبي طالب ميراث أمّهم، وفيء جدّهم، يشتهي العلوي الأكلة فيحرمها، ويقترح على الأيام الشهوة فلا يطعمها، وخراج مصر والأهواز، وصدقات الحرمين والحجاز تصرف إلى ابن مريم المديني، وإلى إبراهيم الموصلي، وابن جامع السهمي، والى زلزل الضارب، وبرصوما الزامر، وإقطاع بختيشوع النصراني قوت أهل بلد، وجاري بغا التركي والافشين الاشروسني، كفاية أمة ذات عدد.

والمتوكل زعموا يتسرى باثني عشر ألف سرية، والسيد من سادات أهل البيت يتعفّف بزنجية أو سندية، وصفوة مال الخراج مقصورة على أرزاق الصفاعنة، وعلى موائد المخاتنة، وعلى طعمة الكلابين، ورسوم القرادين، وعلى مخارق وعلوية المغني، زرزر، وعمر بن بانة المهلبي، ويبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة، ويصارفونه على دانق وجبة، ويشترون العوادة بالبدر، ويجرون لها ما يفي برزق عسكر.

والقوم الذين أحلّ لهم الخمس، وحرمت عليهم الصدقة، وفرضت لهم الكرامة والمحبة، يتكفّفون ضرّاً، ويهلكون فقراً، ويرهن أحدهم سيفه، ويبيع ثوبه، وينظر إلى فيئه بعين مريضة، ويشتد على دهره بنفس ضعيفة، ليس له ذنب إلاّ أنّ جدّه النبي (ص)، وأبوه الوصي، وأمّه فاطمة، وجدّته خديجة، ومذهبه الإيمان، وإمامه القرآن، وحقوقه مصروفة إلى القهرمانة والمفرطة وإلى المغمزة، والى المزررة، وخمسه مقسوم على نقار الديكة الدمية، والقردة، وعلى رؤوس اللعبة واللعبة، وعلى مرية الرحلة.

(وماذا أقول في قوم حملوا الوحوش على النساء المسلمات وأجروا العبادة وذويه الجرايات، وحرثوا تربة الحسينعليه‌السلام بالفدان، ونفوا زوّاره إلى البلدان وما


أصف من قوم هم نطق السكارى في أرحام القيان؟ وماذا يقال في أهل بيت منهم

البغا، وفيهم راح التخنيث وغدا، وبهم عرف اللواط؟ كان إبراهيم ابن المهدي مغنياً، وكان المتوكل مؤنثاً موضعاً، وكان المعتز مخنثاً، وكان ابن زبيدة معتوهاً مفركاً، وقتل المأمون أخاه، وقتل المنتصر أباه، وسمّ موسى ابن المهدي أمّه، وسمّ المعتضد عمّه).

وعرض بعد هذا إلى مصائب الأمويين، ثم ختم كلامه بعيوب العباسيين قائلاً: (وهذه المثالب مع عظمها وكثرتها، ومع قبحها وشنعها، صغيرة وقليلة في جنب مثالب بني العباس الذين بنوا مدينة الجبارين، وفرّقوا في الملاهي والمعاصي أموال المسلمين...)(1) .

لا أكاد أعرف وثيقة سياسية جامعة مثل هذه الوثيقة فقد ألـمّت بأحوال ملوك العباسيين، وحكت سوء سياستهم، التي منها قسوتهم البالغة على السادة العلويين، وحرمانهم من جميع حقوقهم الطبيعية، حتى بلغت بها الضائقة إلى حد لا يطاق، في حين أنّ الأموال الطائلة كانت تنفق على الشهوات، وعلى العابثين والمغنّين والماجنين وأهل البيت ومَن يمت إليهم من شيعتهم، لا يجدون الرغيف ولا الستر، ولا غير ذلك من مستلزمات الحياة.

كما حكت هذه الوثيقة أموراً بالغة الأهمية والخطورة، ولا نحتاج إلى بيانها فهي واضحة في مدلولها.

مع الواقفية:

من الأحداث التي جرت في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام ، وأزعجته إلى حدٍّ بعيد هي انتشار مذهب (الواقفية) بين صفوف الشيعة، فقد ذهب القائلون بالوقف: إلى أنّ الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام حي ولم يمت، ولا يموت، وأنّه رفع إلى السماء كما رفع المسيح بن مريم، وأنّه هو القائم المنتظر الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وزعموا أنّ الذي في سجن السندي بن شاهك ليس هو الإمام موسىعليه‌السلام ، وإنّما شبّه وخيّل إلى الناس أنّه هو... ولا بد

____________________

(1) حياة الإمام الرضا (ص 100 - 106) نقلاً عن رسائل الخوارزمي.


من وقفة قصيرة للحديث عن يعض شؤون هذه العصابة:

1 - سبب الوقف:

أمّا سبب الوقف فيعود إلى أنّ الإمام الكاظمعليه‌السلام حينما كان في سجن هارون نصب وكلاء له لبعض الحقوق الشرعية التي كانت ترد إليه من الشيعة، وقد اجتمعت أموال كثيرة عند بعض الوكلاء، فكان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، فلمّا توفّي الإمام الكاظمعليه‌السلام جحدوا موته، واشتروا بالأموال التي عندهم الضياع والدور، وقد طلبها الإمام الرضاعليه‌السلام منهم فأنكروا موت أبيه، وأبوا من تسليمها له(1) .

2 - انتشار الوقف:

وانتشرت أفكار (الواقفية) بسبب الدعاة، فقد بذلوا الأموال الطائلة بسخاء لشراء الضمائر، وإضلال الناس فقد روى يونس بن عبد الرحمن قال: (مات أبو إبراهيم موسىعليه‌السلام وليس من قومه أحد إلاّ وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته طمعاً في الأموال، فكان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، فلمّا رأيت ذلك، وتبيّنت الحق، وعرفت من أمر أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ما عرفت تكلّمت ودعوت الناس إليه، فبعثا إليّ، وقالا: ما يدعوك إلى هذا؟ إن كنت تريد المال فنحن

نعينك، وضمنا لي عشرة آلاف دينار، وقالا: كفّ، فأبيت، وقلت لهما، إنّا روينا عن الصادقينعليهم‌السلام أنّهم قالوا: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه فإن لم يفعل سلب نور الإيمان، وما كنت لأدع الجهاد في أمر الله على كل حال، فناصباني، وأضمرا لي العداوة(2) .

بمثل هذه الأساليب والخدع انتشر مبدأ الوقف، ولكنّه ما لبث أن تحطّم، وانكشف زيفه، وظهر دجل دعاته.

شجب الامام للواقفية:

وأنكر الإمام الرضا عليه لسلام على دعاة الواقفية ما ذهبوا إليه، فقد كتب

____________________

(1) البحار 2 / 308.

(2) البحار 12 / 308.


إليه بعض شيعته يسأله عنهم فأجابهعليه‌السلام : (الواقف حائد عن الحق، ومقيم على سيئة إن مات لها كانت جهنّم مأواه وبئس المصير)(1) .

وسأله بعض الشيعة عن جواز إعطاء الزكاة لهم فنهاه عن ذلك، وقال: إنّهم كفّار مشركون زنادقة(2) ، ووفد محمد بن الفضيل على الإمام الرضا عليه السلام، فقال للإمام يخبره بحال زعماء الوقف:

(جعلت فداك، إنّي خلفت ابن أبي حمزة، وابن مهران وابن أبي سعيد - وهم زعماء الواقفية - أهل الدنيا عداوة لله تعالى...)

فأجابه الإمام:

(ما ضرك مَن ضلّ إذا اهتديت، إنّهم كذبوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكذبوا فلاناً، وفلاناً، وكذبوا جعفر وموسىعليهما‌السلام ، ولي بآبائي أسوة...).

فانبرى محمد قائلاً:

(إنّك قلت لابن مهران: أذهب الله نور قلبك، وأدخل الفقر بيتك...).

فقال الإمام عليه السلام:

(كيف حاله، وحال إخوانه؟).

فأخبره محمد باستجابة دعائه، وأنّهم معانون البؤس والفقر قائلاً: (يا سيدي، هم بأشد حال مكروبون ببغداد، لم يقدر الحسين أن يخرج إلى العمرة...).

لقد تميّز موقف الإمامعليه‌السلام بالشدّة والصرامة تجاه هؤلاء الذين ساقتهم الأطماع إلى التمرّد على الحق، وجحود الإمام.

الإمام مع الحسين بن مهران:

أمّا الحسين بن مهران فهو من أعلام الواقفية، وكان يكتب إلى الإمام الرضاعليه‌السلام بلهجة تنمّ عن نفاقه وعدم إيمانه، فكان يأمر الإمام وينهاه، وقد تخلّى بذلك عن نواميس الأدب، فلم يرع مقام الإمام، وقد كتب إليه الإمام برسالة، وأمر أصحابه باستنساخها؛ لئلاّ يسترها ابن مهران، وهذه صورة الكتاب بعد البسملة:

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 207.

(2) البحار 12 / 909.


(عافانا الله، وإيّاك، جاءني كتابك تذكر فيه الرجل الذي عليه الخيانة والغبن، وتقول: احذره، وتذكر ما تلقاني به، وتبعث إليّ بغيره، فاحتججت، فأكثرت، وزغمت عليه أمراً، وأردت الدخول في مثله... تقول: إنّه عمل في أمري بعقله وحيلته، نظراً فيه لنفسه، وإرادة أن تميل إليه قلوب الناس، ليكون الأمر بيده، وإليه يعمل فيه برأيه، ويزعم أنّي طاوعته فيما أشار به عليّ، وهذا أنت تشير عليّ فيما يستقيم عندك في العقل والحيلة بعدك (بغيرك) لا يستقم الأمر إلاّ بأحد الأمرين:

إمّا قبلت الأمر على ما كان يكون عليه، وإمّا أعطيت القوم ما طلبوا، وقطعت عليهم، وإلاّ فالأمر عندنا معوج، والناس غير مسلمين ما في أيديهم من مالي وذاهبون به، فالأمر ليس بعقلك، ولا لحيلتك يكون، ولا نفعل الذي نحلته بالرأي والمشورة، ولكنّ الأمر إلى الله عزّ وجل وحده لا شريك له، يفعل في خلقه ما يشاء، مَن يهدي الله فلا مضل له، ومَن يضلله فلا هادي له ولن تجد له ولياً مرشداً.

فقلت: واعمل في أمرهم، وأحيل فيه، وكيف الحيلة، والله يقول:

( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) وقوله: عزّ وجل( وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) فلو تجيبهم فيما سألوا عنه استقاموا وسلموا، وقد كان منّي ما أمرتك، وأنكرت وأنكروا من بعدي، ومد لي لقائي، وما كان ذلك منّي إلاّ رجاء الإصلاح لقول أمير المؤمنينعليه‌السلام :

(اقتربوا أو سلوا فإنّ العلم يفيض فيضاً) وجعل يمسح بطنه ويقول: (ما مُلئ طعام ولكن ملأته علماً، والله ما آية نزلت في بر ولا بحر، ولا سهل ولا جبل إلاّ أنا أعلمها، وأعلم في مَن نزلت) وقول أبي عبد اللهعليه‌السلام : (إلى الله أشكو أهل المدينة إنّما أنا فيهم كالشعرة ما انتقل، يريدونني أن لا أقول الحق: (والله لا أزال أقول الحق حتى أموت) فلمّا قلت حقاً أريد به حقن دمائكم، وجمع أمركم على ما

كنتم عليه أن يكون سرّكم مكتوماً عندكم غير فاشٍ في غيركم.

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (سر أسرّه الله إلى جبرئيل، وأسرّه جبرئيل إلى محمد، وأسرّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى علي، وأسرّه علي إلى مَن شاء).

ثم قال: قال أبو جعفرعليه‌السلام : ثم أنتم تحدثون به في الطريق، فأردت


حيث مضى صاحبكم أن ألف أمركم عليكم لئلاّ تضعوه في غير موضعه، ولا تسألوا عنه غير أهله، فتكونون في مسألتكم إيّاهم هلكتم، فكم مَن دعا إلى نفسه، ولم يكن داخلاً، ثم قلتم: لا بد إذا كان ذلك منه يثبت على ذلك، ولا يتحوّل عنه إلى غيره قلت: لأنّه كان من التقية، والكفّ أولى، وأمّا إذا تكلّم فقد لزمه الجواب فيما يسأل عنه، وصار الذي كنتم تزعمون أنّكم تدعون به، فإنّ الأمر مردود إلى غيركم وأنّ الفرض عليكم إتباعهم فيه إليكم فصيرتم ما استقام في عقولكم وآرائكم، وصحّ به القياس عندكم بذلك لازماً لـمّا زعمتم من أن لا يصح أمرنا، زعمتم حتى يكون ذلك علي لكم.

فإن قلتم: إن لم يكن كذلك لصاحبكم فصار الأمر أن وقع إليكم نبذتم أمر ربّكم وراء ظهوركم فلو اتبع أهواءكم قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، وما كان بد من أن تكونوا كما كان من قبلكم قد أخبرتم أنّها السنن والأمثال القذّة بالقذّة.

وما كان يكون ما طلبتم من الكف أولاً ومن الجواب آخراً شفاء لصدوركم ولا ذهاب شكّكم، وما كان بد من أن يكون ما قد كان منكم، ولا يذهب عن قلوبكم حتى يذهبه الله عنكم، ولو قدر الناس كلهم على أن يحبونا ويعرفوا حقّنا، ويسلموا لأمرنا فعلوا، ولكنّ الله يفعل ما يشاء ويهدي إليه مَن أناب.

فقد أجبتك في مسائل كثيرة فانظر أنت ومَن أراد المسائل منها وتدبّرها، فإن لم يكن في المسائل شفاء، وقد مضى إليكم منّي ما فيه حجّة ومعتبر.

وكثرة المسائل معتبة عندنا مكروهة، إنّما يريد أصحاب المسائل المحنة ليجدوا سبيلاً إلى الشبهة والضلال ومَن أراد لبساً لبس الله عليه، ووكله إلى نفسه، ولا ترى أنت وأصحابك أنّي أجبت فذاك إليّ وإن شئت صممت فذاك إليّ لا ما تقوله أنت وأصحابك، لا تدرون كذا وكذا، بل لا بد من ذلك إذ نحن منه على يقين، وأنتم منه في شك)(1) .

وانتهت هذه الرسالة التي بعثها الإمام إلى الحسين بن مهران، وقد احتوت على أمور غامضة، بالإضافة إلى تقطع فصولها، وعدم ترابطها، وأكبر الظن أنّه قد حذف

____________________

(1) الكشي معجم رجال الحديث 6 / 104 - 107.


منها ما يوجب ربطها، وإيضاح المقصود منها.

وعلى أي حال فقد عبّرت هذه الرسالة عن محنة الإمامعليه‌السلام وآلامه من الواقفية الذين غرتهم الدنيا.

2 - الحسين بن عمر:

قال: سمعت يحيى بن أكثم (قاضي سامراء)، بعدما جهدت به، وناظرته، وحاورته، وواصلته، وسألته عن علوم آل محمد، فقال: بينا أنا ذات يوم دخلت أطوف بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فرأيت محمد بن علي الرضاعليه‌السلام ، يطوف به، فناظرته في مسائل عندي، فأخرجها إلي، فقلت له: والله إني أريد أن أسألك مسألة، وإني والله لأستحيي من ذلك!

فقال لي: أنا أخبرك، قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام.

فقلت: هو والله هذا! فقال: أنا هو.

فقلت: علامة؟

فكان في يده عصا، فنطقت وقالت: (إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة!)(1) .

وروي الحسين بن عمر بن يزيد، قال: دخلت على الرضاعليه‌السلام ، وأنا يومئذ واقف، وقد كان أبي سأل أباه عن سبع مسائل، فأجابه في ست، وأمسك عن السابعة، فقلت: (والله لأسألنه عما سأل أبي أباه، فإن أجاب بمثل فسألته، فأجاب بمثل جواب أبيه في المسائل الست، فلم يزد في الجواد واوا ولا ياء، وأمسك عن السابعة.

وقد كان أبي قال لأبيه: إني احتج عليك عند الله يوم القيامة، أنك زعمت أن عبد الله لم يكن إماما، فوضععليه‌السلام يده على عنقه ثم قال له: نعم أحتج علي بذلك عند الله عز وجل، فما كان فيه من اثم فهو في رقبتي الخ(2) .

3 - الوشاء:

روى الوشاء قال: أتيت خراسان، وأنا من الواقفية، وقد حملت معي قناعا،

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 353.

(2) أصول الكافي 1 / 353.


وكان معي ثوب وشي في بعض الرزم، ولم اعرف مكانه فلما قدمت، ونزلت في بعض منازلها لم أشعر إلا ورجل مدني من بعض مولديها، فقال لي أبو الحسن الرضا يقول لك: ابعث إليّ الثوب الوشي الذي عندك، فقلت: ومَن أخبر أبا الحسن بقدومي؟

وأنا قدمت آنفاً، وما عندي ثوب وشي، فرجع إليه، وأخبره فعاد إليّ، فقال لي: يقول لك: هو في موضع كذا وكذا، فطلبته حيث قال فبعثت به إليه(1) وكان ذلك سبباً لهدايته.

هؤلاء بعض المؤمنين الذين هداهم الله، ورجعوا عن الوقف ودانوا بإمامة الإمام الرضاعليه‌السلام .

مشكلة خلق القرآن:

من الأحداث المهمّة في عصر الإمامعليه‌السلام هي مسألة خلق القرآن، فقد اختلف العلماء فيها اختلافاً كثيراً، وعانى منهم جماعة سخط الدولة ونقمتها، وغضب الجمهور.

لقد نشأت هذه الفكرة في آواخر الدولة الأموية، وكان أول مَن ابتدعها الجعد بن درهم معلم مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فهو أول مَن تكلّم بها، وقد حرّر وشرح فصولها وأذاعها في دمشق، فطلبته السلطة فهرب منها ثم نزل الكوفة، فتعلم منه الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية(2) ويقول ابن الأثير: إنّ هشام بن عبد الملك قبض على الجعد وأرسله مخفوراً إلى خالد القسري أمير العراق وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله فبلغ الخبر هشاماً فكتب إليه يلومه ويعزم عليه بقتله، فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه، فلمّا صلّى العيد يوم الأضحى قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا يقبل الله منكم، فاني أريد أن أضحي اليوم بالجعد، فإنّه يقول: ما كلّم الله موسى، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلاً، تعالى الله عمّا يقول الجعد: ثم نزل وذبحه(3) .

وظلّت هذه الفكرة بعد مقتل الجعد تحت الخفاء، وفي طي الكتمان إلى دور

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 354.

(2) سرح العيون (ص 159).

(3) عصر المأمون 1 / 395.


هارون وعند ما ظهر أمر المعتزلة، وانتشرت أفكارهم، أعلنوا القول بخلق القرآن، وكان من أهم الداعين إلى ذلك بشر المريسي، وقد ألّف فيها عدة كتب، وبلغ خبره هارون، فقال: والله لأن أظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلتها أحداً، ولـمّا بلغ بشر ذلك توارى واختفى طيلة حكم هارون(1) .

ولـمّا ولي الحكم المأمون نشطت الحركة، وأخذت الفكرة بالنمو والاتساع وتبنى المأمون القول بخلق القرآن، وحمل الناس على القول بها فمَن خالفها تعرّض للنقمة والعذاب.

وتعتبر هذه المسألة من أهم الأحداث الخطيرة التي حدثت في عصر الإمامعليه‌السلام ، وقد تعرّض لبسطها وإيضاح جوانبها الفلاسفة من المعتزلة وغيرهم، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقا بالكلام النفسي فهي من فروعه، وبحوثه، ولولا خوف الإطالة لتحدثنا عنها بالتفصيل(2) .

الكذب على الأئمّة:

وشاع افتعال الأحاديث والكذب على الأئمةعليهم‌السلام في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام ، وغيره من سائر العصور، وذلك للحط من شأنهم، والتقليل من أهميتهم، ومن بين تلك الأحاديث ما نقله أبو الصلت فقد قال للإمام الرضا: (يا بن رسول الله ما شيء يحكيه الناس عنكم؟).

وسارع الامام قائلاً:

(ما هو؟).

(يقولون: إنكم تدعون أن الناس عبيد لكم...).

فأنكر الإمام ذلك، وتبرّأ منه وقال: (اللّهمّ فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تشهد بأنّي لم أقل ذلك قط، ولا سمعت أحداً من آبائي قاله، وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمّة وإنّ هذه منها.

____________________

(1) النجوم الزاهرة 1 / 147.

(2) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 213.


ثم التفت إلى أبي الصلت فقال له:

(يا عبد السلام إذا كان الناس كلهم عبيدنا على ما يقولون: فعلى مَن نبيعهم؟ يا عبد السلام أمنكر أنت لما أوجب الله عزّ وجل لنا من الولاية كما ينكره

غيرك...).

وعلّق العلاّمة السيد هاشم معروف الحسني (رحمه الله) على هذه الرواية بقوله: لقد أنكر الإمام على السائل ذلك الاتهام الذي أراد أعداؤهم من خلاله التشنيع عليهم، وعدّه من جملة المظالم التي ارتكبتها الأمة بحقهم؛ لأنّ نسبة ذلك لهم يعني أنّهم يخالفون سنن الإسلام، ونصوص القرآن التي لا ترى فضلاً لأحد إلاّ بالتقوى(1) .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عصر الإمام الرضا، وقد ذكرنا بحثاً مفصّلاً عن

هذا العصر في كتابنا (حياة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ) ولا نكرّر ما ذكرناه.

____________________

(1) سيرة الأئمة الاثني عشر 2 / 359.



في عهد الرشيد والأمين والمأمون

عاصر الإمام الرضاعليه‌السلام ثلاثة من ملوك العباسيين: وهم هارون الرشيد، والأمين والمأمون، وفي عهد الرشيد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير؛ وذلك لما اتخذه هارون من إجراءات صارمة وقاسية ضد السادة العلويين عامة، وضد أبيه الإمام الكاظمعليه‌السلام ، كما تحدثنا عنه في فصول هذا الكتاب، ونتحدث - بإيجاز - عن هؤلاء الملوك، وعن مواقفهم مع الإمام الرضاعليه‌السلام .

هارون الرشيد:

وهو من أشهر ملوك بني العباس، فقد انتشر اسمه، وذاع ذكره في الشرق والغرب، واستوسقت له الدنيا، وزها له الملك، وأصبحت عاصمته بغداد عروس الشرق، وامتد حكمه وسلطانه على أغلب أنحاء الأرض، وهو القائل للسحاب: إنّما تمطرين ففي ملكي. وقد ذعنت له ملوك الأرض، وصغرت أمام سلطانه، ونعرض إلى بعض ملامح شخصيته، وهي:


أ - القسوة:

أمّا القسوة فكانت من عناصره ومقوّماته، وكان فيما يقول المؤرّخون جبّاراً سفّاكاً للدماء على نمط ملوك الشرق المستبدين، حسبما يقول الأمير شكيب أرسلان(1) .

وكان من قسوته البالغة فتكه بالسادة العلويين، وتنكيله بهم فقد صبّ عليهم وابلاً من العذاب الأليم لم يألفوه إلاّ في عهد جدّه الطاغية السفّاك المنصور الدوانيقي، وقد عرضنا إلى ما لاقوه في عهده من الضر والمحن والبلاء.

ب - الحقد:

ومن عناصر شخصية الرشيد أنّه كان حقوداً على ذوي الأحساب العريقة والشخصيات اللامعة التي تتمتع بمكانة مرموقة في الأوساط الاجتماعية، وقد حقد على سيد المسلمين الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، فأودعه في ظلمات السجون ثم اغتاله بالسم، وذلك لما للإمام من منزلة عظمي في نفوس المسلمين وهكذا كان حاقداً على كل من ذاع اسمه، وانتشر فضله بين الناس، فقد نكب البرامكة فقتل أعلامهم، وصادر أملاكهم، وتركهم بأقصى مكان من الذلّ والهوان؛ وذلك لما لهم من مكانة عند الناس، فكانت الشعراء تلهج بذكرهم وتذيع جودهم وسخاءهم فغاظه ذلك، وورم أنفه فأنزل بهم عقابه الصارم.

لقد كان الحقد من مقومات شخصية هارون، وعنصراً بارزاً من عناصره.

التحلّل:

ولم يملك هارون أي رصيد من التقوى والإيمان، فكان متحلّلاً منساباً وراء شهواته وملاذه، وكان من مظاهر تحلّله ما يلي:

أ - شربه للخمر:

كان هارون مدمناً على شرب الخمر، وربما كان يتولى بنفسه سقاية ندمائه، وكانت أخته علية تصنع له الخمر الجيد، وتبعثه إليه، وقد ذكرنا عرضا مفصلاً لإدمانه على الخمر، وعكوفه على شربها في كتابنا حياة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام .

____________________

(1) حياة الإمام الرضا (ص 119).


ب - ولعه بالغناء:

ونشأ هارون بين أحضان المغنيات والمطربات، وقد اجتمع في قصره عدد كبير من العازفات والمغنيات، فكان في قصره ثلاثمائة جارية من الحسان يعزفن ويغنين(1) ، وقد جعل المغنين طبقات ومراتب، فكان إبراهيم الموصلي وابن جامع وزلزل الضارب في الطبقة الأولى، وكان زلزل يضرب على العود، ويغني الموصلي وابن جامع، والطبقة الثانية: إسحاق وسليم بن سلام وعمرو بن الغزال، والطبقة الثالثة: أصحاب المعازف والطنابر(2) .

وهام بحب ثلاث مغنيات من جواريه هن: غادر، وماردة، وهيلانة، وخنث وقال فيهن الشعر ومن قوله:

ملك الثلاث الآنسات عناني

وحللن من قلبي أعزّ مكاني

مالي تطاوعني البرية كلها

وأطيعهن وهن في عصيانِ

ما ذاك إلاّ أنّ سلطان الهوى

وبه غلبن أعزّ من سلطاني(3)

وقد عرضنا بصورة مفصّلة إلى هذه الظاهرة من حياة الرشيد في كتابنا(حياة الإمام موسى بن جعفر) .

ج - لعبه بالنرد:

ومن تحلّل هارون وعدم مبالاته باقتراف الحرام لعبه بالنرد(4) وهو من أنواع القمار، وقد لعب مرّة مع إسحاق الموصلي بالنرد، وقد قامره على الخلعة التي عليها فغلبه إسحاق، فقام وخلع ما عليه من ثياب فامتنع الرشيد من لبسها وقال له: ويلك أنا البس ثيابك؟ فقال إسحاق: أي والله إذا أنصفت، وإذا لم تنصف قدرت وأمكنك، قال: ويلك أو أفتدي منك؟ قال نعم: قال الرشيد: وما الفداء؟ قال إسحاق: قل: أنت يا أمير المؤمنين فإنّك أولى بالقوّة، فقال: أعطيك كل ما علي، قال إسحاق: فمر به يا أمير المؤمنين فدعا بغير ما عليه من الثياب، ونزع ما كان عليه

____________________

(1) التمدن الإسلامي 5 / 118.

(2) التاج (ص 40 - 42).

(3) تزيين الأسواق، فوات الوفيات 4 / 225.

(4) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 70.


فدفعه إلى إبراهيم(1) وكان يعلب بالشطرنج إذا سافر في دجلة(2) .

هذه بعض الأعمال التي أثرت عن هارون، وقد دلّت - بوضوح - على تحلّله وعدم تمسّكه بتعاليم الدين الحنيف.

لقد أسرف هارون في الشهوات، وصار بلاطه مسرحاً لجميع ألوان الدعارة والمجون، فلا يكاد يخلو من حفلات الرقص والغناء وشرب الخمور، ولم يعد حكمه بأي حال من الأحوال يمثّل أي جانب من جوانب الحكم الإسلامي.

مع الإمام الرضا:

وحينما اغتال هارون الإمام الرضاعليه‌السلام بعث عصابة من رجال الأمن للاطلاع على شؤون الإمام الرضاعليه‌السلام ومعرفة اتجاهاته وميوله.

وشعر الإمامعليه‌السلام بذلك فأراد التخلّص من هارون فمضى إلى السوق والأمن يتابعه فاشترىعليه‌السلام ديكاً وكلباً وشاة، ورفع رجال الأمن ذلك إلى هارون فلمّا عرف ذلك استراح من جانب الإمام، وعرف أنّه ليس أهلاً لأن يقوم بأي حركة ضده، وأمر رجال أمنه بالتوجّه إلى بغداد.

وانبرى الإمامعليه‌السلام إلى نشر أحكام الله وتعاليم الإسلام، وإيضاح جوانب الإمامة، وفزع بعض أعلام شيعته وخافوا بأنّه لا يصيبه أي مكروه من

هارون، وأنّه لا يخاف جانبه(3) بعد الذي صنعه من شراء الديك والكلب والكبش، وكان ممّن خاف على الإمام وحذرّه من بطش هارون هم:

1 - صفوان بن يحيى:

قال صفوان: لـمّا مضى أبو إبراهيمعليه‌السلام وتكلّم أبو الحسن الرضا خفنا عليه، فقيل له: إنّك قد أظهرت أمراً عظيماً، وإنّا نخاف عليك هذا الطاغية - يعني هارون - فقالعليه‌السلام : ليجهد جهده فلا سبيل له علي(4) .

2 - محمد بن سنان:

قال محمد بن سنان: قلت لأبي الحسن الرضا في أيام هارون، إنّك قد شهرت

____________________

(1) الأغاني 5 / 69 - 70.

(2) الأغاني 9 / 64.

(3) البحار 12 / 32.

(4) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 97.


نفسك بهذا الأمر - أي إظهار الإمامة - وجلست مجلس أبيك، وسيف هارون يقطر من دمائكم!

فقالعليه‌السلام : جرأني على هذا ما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا أنّي لست بنبي وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أنّي لست بإمام(1) .

وشاية عيسى بن جعفر بالإمام:

وانبرى عيسى بن جعفر نحو هارون حينما توجّه من (الرقة) إلى (مكة) فقال له: (أذكر يمينك التي حلفت بها في آل أبي طالب، فإنك حلفت إن ادعى أحد بعد موسى الإمامة ضربت عنقه صبراً، وهذا علي ابنه يدعي الأمر - أي الإمامة - ويقال فيه، ما في أبيه...).

فلم يحفل هارون بكلامه، ونظر إليه وقال له: (وما ترى؟ أتريد أن أقتلهم كلّهم؟).

وكان في المجلس موسى بن مهران فبادر إلى الإمام الرضاعليه‌السلام فأخبره بالأمر، فقالعليه‌السلام : (مالي ولهم لا يقدرون إلي على شيء)(2) .

وشاية يحيى بالإمام:

وممّن وشى بالإمام يحيى البرمكي، فقد قال لهارون: هذا علي الرضا بن موسى قد تقدم، وادعى الأمر لنفسه، فلم يحفل به هارون وقال له: يكفينا ما فعلنا بأبيه أتريد أن نقتلهم جميعاً(3) ، وقد باءت بالفشل جميع المحاولات التي حيكت ضده.

دعاء الإمام على البرامكة:

وكان للبرامكة دور خطير في التنكيل بالإمام الكاظمعليه‌السلام ، فقد أوغروا صدر الطاغية هارون عليه، وكان الإمام الرضاعليه‌السلام عالماً بذلك

____________________

(1) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 97.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 226.

(3) الإتحاف بحب الأشراف (ص 59).


فراح يدعو عليهم فقد روى محمد بن الفضيل قال: لـمّا كان في السنة التي بطش فيها بالبرامكة، ونزل بهم من البلاء ما نزل أبو الحسن الرضا واقفاً بعرفة يدعو ثم طأطأ رأسه فسئل عن ذلك، فقال: إنّي كنت أدعو الله تعالى على البرامكة بما فعلوا بأبي فاستجاب الله لي اليوم فيهم، ولم يلبث يسيراً حتى بطش هارون بجعفر ويحيى وتغيّرت أحوالهم(1) .

وروى الحسن بن علي الوشاء عن مسافر قال: كنت مع أبي الحسن الرضاعليه‌السلام بـ (منى)، فمرّ يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك، فقالعليه‌السلام : (مساكين هؤلاء لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة).

وأضاف الإمام قائلاً:

(وا عجبي من هذا، هارون وأنا كهاتين، وضمّ بأصبعه)

قال مسافر: فو الله ما عرفنا معنى حديثه حتى دفنّاه معه(2) .

لقد استجاب الله دعاء وليّه فأنزل عقابه الصارم بالبرامكة، فأزال نعتهم وأباد أعلامهم، فقد نكل بهم هارون كأفظع وأقسى ما يكون التنكيل، فقتل جعفر،

وقسمه نصفين، وجعل كل نصف في الأماكن الحسّاسة في بغداد وألقى يحيى مع بقية أبنائه في سجونه، وصادر أموالهم المنقولة، وغير المنقولة.

كبس دار الإمام:

ولـمّا ثار محمد بن جعفر بن محمد على هارون أرسل الجلودي إلى مناجزته وأمره أن يغير على دور العلويين في المدينة، ويسلب ما على نسائهم من ثياب وحلي، ولا يدع على واحدة منهن إلاّ ثوباً واحداً.

وهجم الجلودي على دار الإمام الرضاعليه‌السلام ، فقام الإمام وجمع السيدات من بنات رسول الله (ص) في بيت ووقف على باب البيت فقال الجلودي:

للإمام لا بد أن أدخل البيت فأسلبهن كما أمرني الرشيد، فقال له الإمام: أنا أسلبهن لك، وأحلف أنّي لا أدع عليهنّ شيئاً إلاّ أخذته، فلم يزل الإمام يطلب إليه، ويتوسّل حتى سكن، وقامعليه‌السلام إلى البيت فأخذ ما على العلويات من حلي

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 225.

(2) عيون أخبار الرضا، البحار.


وحلل، ولم يدع عليهن شيئاً حتى أقراطهن وخلاخيلهن وأزرارهن، وسلّم جميع ذلك إلى الجلودي ليقوم بتسليمه إلى طاغية بغداد(1) .

وتأثّر الإمام الرضاعليه‌السلام كأشد ما يكون التأثّر من هذا الاعتداء الصارخ على بيته، فلم يرع هارون كرامة الإمام، ولا كرامة بنات رسول الله (ص) واقترف معهن ما اقترفه جند يزيد مع عائلة ريحانة رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسينعليه‌السلام بعد مقتله، فقد تدافعوا كالكلاب المسعورة إلى نهب ما على العلويات من حلي وحلل.

وعلى أي حال فإنّ هارون لم يقم - فيما أحسب - بإجراء آخر ضد الإمامعليه‌السلام غير هذا الإجراء... ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام قد انطوت نفسه على حزن عميق على ما حلّ بأبيه الإمام موسىعليه‌السلام من المحن والخطوب التي صبّها عليه هارون، فقد أودعه في ظلمات سجونه حفنة من السنين، وقابله بمزيد من التوهين، ثم اغتاله بالسم، وكذلك صبّ جام غضبه على السادة العلويين فأنزل بهم العقاب الصارم، وقتلهم تحت كل حجر ومدر ولم يرع فيهم أواصر النسب، وقرابتهم من رسول الله (ص) التي هي أولى بالرعاية والعطف من كل شيء.

رسالة سفيان لهارون:

من الخير أن ننهي الحديث عن هارون بهذه الرسالة القيّمة التي بعثها سفيان الثوري أو (سفيان بن عينية) إلى هارون، فإنّها تكشف عن الكثير من جوانب حياته، فقد كتب إليه هارون رسالة يطلب فيها ودّه، والاتصال به، فأجابه سفيان بما يلي:

(من العبد الميت سفيان إلى العبد المغرور بالآمال هارون الذي سلب حلاوة الإيمان، ولذّة قراءة القرآن، أمّا بعد: فإنّي كتبت إليك أعلمك أنّي قد صرمت حبلك، وقطعت ودّك، وإنّك جعلتني شاهداً عليك بإقرارك على نفسك في كتابك، بما هجمت على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقّه، وأنفذته بغير حكمه، ولم ترض بما فعلته، وأنت ناءٍ عنّي، حين كتبت إليّ تشهدني على نفسك، فأمّا أنا فأنّي قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك، وسنؤدّي الشهادة غدا بين يدي الله الحكم العدل.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 161، البحار 49 / 166.


يا هارون: هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلّفة قلوبهم، والعاملون عليها في أرض الله، والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل؟ أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم - يعني العاملين - أم رضى بفعلك الأيتام والأرامل؟ أم رضي بذلك خلق من رعيتك، فشد يا هارون مئزرك، وأعد للمسألة جواباً، وللبلاء جلباباً، واعلم أنّك ستقف بين يدي الله الحكم العدل، فاتق الله في نفسك إذا سلبت حلاوة العلم والزهد ولذة قراءة القرآن، ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالماً، وللظالمين إماماً.

يا هارون: قعدت على السرير، ولبست الحرير، وأسبلت ستوراً دون بابك، وتشبّهت بالحجّة بربّ العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك، يظلمون الناس، ولا ينصفون، ويشربون الخمر، ويحدون الشارب، ويزنون، ويقتلون القاتل، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن يحكموا بها علىالناس، فكيف بك يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله احشروا الظلمة وأعوانهم، فتقدّمت بين يدي الله، ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يكفهما إلاّ عدلك وإنصافك والظالمون حولك، وأنت لهم إمام أو سائق إلى النار وكأنّي بك يا هارون وقد أخذت بضيق الخناق، ووردت المساق، وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيئات غيرك في ميزانك على سيئاتك بلاء على بلاء، وظلمة فوق ظلمة، فاتق الله يا هارون في رعيّتك واحفظ محمداً (ص) في أمّته، واعلم أنّ هذا الأمر يصر إليك إلاّ وهو صائر إلى غيرك، وكذلك الدنيا تفعل بأهلها واحداً بعد واحد ÷، فمنهم مَن تزوّد زاداً نفعه، ومنهم مَن خسر دنياه وآخرته، وإيّاك ثم إيّاك أن تكتب إليّ بعد هذا فإنّي لا أجيبك والسلام...).

ثم بعث بالكتاب من غير طي ولا ختم(1) ، وحكى هذا الكتاب تصرّف هارون بأموال المسلمين، وإنفاقها في غير جهاتها المشروعة كما حكت هذه الرسالة إيمان سفيان وقوّة شخصيته، ونكرانه لذاته... وبهذه الرسالة نطوي الحديث عن حكومة هارون.

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 55 - 57 نقلاً عن حياة الحيوان للدميري 2 / 188.


حكومة الأمين:

وتسلّم الأمين بعد وفاة أبيه القيادة الإسلامية، وكان بإجماع المؤرّخين غير مؤهّل لهذا المنصب الرفيع؛ وذلك لما يتصف به من نزعات وضيعة كان منها ما يلي:

1 - انهماكه في اللذات:

وانصرف الأمين بعد تقلّده للخلافة إلى اللهو والطرب، وعهد بأمور الدولة إلى الفضل بن الربيع فجعل يتصرف في شؤون الدولة حسب رغباته وميوله(1)، وقد جدّ في طلب الملهين(2) ، كما اشتغل بالخصيان ورقص النساء(3) .

2 - كراهته للعلم:

من صفات الأمين بغضه للعلم، وكراهته للعلماء، وكان أميّاً، لا يقرأ ولا يكتب(4).

وإذا كان بهذه الصفة فكيف قلّده هارون شؤون المسلمين وجعله حاكماً على أعظم إمبراطورية في العالم كلّه؟ لقد قلّده الخلافة استجابة لعواطف السيدة زبيدة، وسائر الأسرة العباسية الذين كانت ميولهم معه.

3 - ضعف الرأي:

ولم يتمتع الأمين برأي حصيف، فلم تصقله التجارب، ولم تهذّبه الأيام، وقد أعطي الملك العريض، ولم يحسن أي شيء، وقد وصفه المسعودي بقوله: (كان قبيح السيرة، ضعيف الرأي يركب هواه، ويهمل أمره، ويتكل في جليلات الخطوب على غيره ويثق بمَن لا ينصحه)(5) .

ووصفه الكتبي بقوله: (وكان قد هان عليه القبيح فاتبع هواه ولم ينظر في شيء من عقباه، وأنّه كان من أبخل الناس على الطعام، وكان لا يبالي أين قعد، ولا مع مَن شرب)(6) .

____________________

(1) حياة الإمام محمد الجواد (ص 284).

(2) مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1 / 285 روضة الأعيان ورقة 99، وجاء فيه أنّه اشترى عربية المغنية بمائة ألف دينار.

(3) تأريخ الخلفاء للسيوطي (ص 134)، مختصر تأريخ الدولة (ص 134).

(4) السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي 1 / 16.

(5) التنبيه والإشراف (ص 302).

(6) عيون التواريخ 3 / ورقة 212.


ويقول عنه الفخري: (انه لم يجد للأمين شيئا من سيرته يستحسنه فيذكره)(1) .

احتجابه عن الرعية:

ومن نزعاته أنّه كان ينفر من الناس تكبّراً عليهم، فقد احتجب عن رعيّته وأهالي مملكته، وقد خفّ إليه إسماعيل بن صبيح، وكان أثيراً عنده، فقال له:

(يا أمير المؤمنين إنّ قوّادك وجندك وعامة رعيتك قد خبثت نفوسهم وساءت ظنونهم، وكبر عندهم ما يرون من احتجابك عنهم، فلو جلست لهم ساعة من نهار فدخلوا عليك فإنّ في ذلك تسكيناً لهم ومراجعة لآمالهم...).

واستجاب الأمين لهذه النصيحة، فجلس في بلاطه، ودخل عليه الشعراء فمدحوه في قصائدهم، وهو لا يفهم ما يقولون، ثم انصرف عن الناس فركب الحراقة إلى (الشماسية)، واصطفّت له الخيل، وعليها الرجال، وقد اصطفوا على ضفاف دجلة وحملت معه مطابخ القصر، وما فيه من الخزائن.

أمّا الحراقة التي ركبها فكانت سفينة صنعت شبيهة بالأسد، وما رأى الناس منظراً أبهى ولا أجمل من ذلك المنظر، وكان معه في السفينة أبو نواس ينادمه وقال يصف تلك السفينة:

سخر الله للأمين مطايا

لم تسخّر لصاحب المحرابِ(2)

فإذا ما ركابه سرن بحراً

سار في الماء راكباً ليث غابِ

أسداً باسطاً ذراعيه يعدو

أهرت الشدق كالح الأنيابِ(3)

لا يعانيه باللجام ولا السوط

ولا غمز رجله في الركابِ

عجب الناس إذ رأوك على صورة

ليث يمر مرّ السحابِ

سبّحوا إذ رأوك سرت عليه

كيف لو أبصروك فوق العقابِ(4)

ذات زور ومنسر وجناحين

تشف العباب بعد العبابِ

تسبق الطير في السماء إذ ما

استعجلوها بجيئةٍ وذهابِ

____________________

(1) الآداب السلطانية (ص 212).

(2) صاحب المحراب: هو سليمان بن داود الذي بنى بيت المقدس.

(3) أهرت الشدق: واسعه، كالخ الأنياب: أي كاشرها.

(4) العقاب: إحدى السفن التي كانت معدّةً للأمين.


بارك الله للأمين وأبقاه

له رداء الشبابِ

ملك تقصر المدائح عنه

هاشمي موفّق للصوابِ(1)

هذه بعض نزعات الأمين وصفاته وهي تحكي صورة انسان تافه قد اتجه صوب ملذّاته وشهواته، ولم يعن بأيّ حالٍ من الأحوال في شؤون الدولة الإسلامية، وإنّما كان متجهاً نحو شهواته.

خلعه للمأمون:

وتقلّد الأمين الخلافة يوم وفاة أبيه الرشيد، وقد تسلم خاتم الخلافة، والبردة، والقضيب التي كان يتسلمها الملوك من قبله من بنى العباس.

ولم يمض زمان طويل من الوقت حتى فسدت العلائق ما بين الأمين والمأمون، فقد لعبت الحواشي المحيطة بهما في خلق الأزمات بينهما وتبودلت الرسائل بينهما وهي تحمل السباب والشتائم، لكل منهما وليس فيها أي دعوة إلى المودة والصفاء، وعمد الأمين فخلع رسميا أخاه المأمون عن ولاية العهد وجعلها لولده موسى وهو طفل صغير في المهد، وسماه الناطق بالحق، وأرسل إلى الكعبة المقدسة من جاء بكتاب العهد الذي علقه فيها الرشيد، وجعل فيه ولاية العهد إلى المأمون، وحينما أتى به مزقه، ولم يف به، وكان ذلك فيما يقول المؤرخون برأي الفضل بن الربيع، وبكر بن المعتمر في نكثه للعهد وبيعته لولده يقول رجل أعمى من أهل بغداد:

أضاع الخلافة غشّ الوزير،

وفعل الإمام، ورأى المشير

وما ذاك إلاّ طريق الغرور

وشر المسالك طرق الغرور

فعال الخليفة أعجوبة

وأعجب منه فعال الوزير

وأعجب من ذا وذا أنّنا

نبايع للطفل فينا الصغير

ومَن ليس يحسن مسح أنفه

ولم يخل من متنه حجر ظير

وما ذاك إلاّ بباغٍ وغاو

يريدان نقض الكتاب المنير

وَهَذانِ لَولا اِنقِلابُ الزَمانِ

أَفي العيرِ هَذانِ أَم في النَفير

وَلَكِنَّها فِتَنٌ كَالجِبالِ

تَرَفَّعَ فيها الوَضيعُ(2) الحَقير

____________________

(1) أبو نواس (ص 103 - 104) لابن منظور.

(2) مروج الذهب 3 / 309.


الرشيد هو المسؤول عن هذه الأحداث:

وألقى الرشيد العداء والفتنة بين أبنائه فقد نصب الأمين ملكاً من بعده، وجعل المأمون ولي عهده، وكتب بذلك العهود والمواثيق، وأشهد عليها، وعلّقها في جوف الكعبة، مع علمه بالعداء العارم بين الأخوين فكانت النتيجة هي الأحداث المؤسفة التي ذهب ضحيّتها عشرة آلاف من المواطنين، وتخربت بغداد، وقد أعرب بعض الشعراء عن أسفه العميق على ما فعله الرشيد يقول:

أقول لغمّة في النفس منّي

ودمع العين يطّرد اطرادا

خذي للهول عدته بحزمٍ

ستلقي ما سيمنعك الرقادا

فإنّك إن بقيت رأيت أمراً

يطيل لك الكآبة والسهادا

رأى الملك المهذّب شرّ رأي

بقسمته الخلافة والبلادا

رأى ما لو تعقّبه بعلم

لبيض من مفارقة السوادا

أراد به ليقطع عن بنيه

خلافهم ويبتذلوا الودادا

فقد غرس العداوة غير آل

وأورث شمل ألفتهم بدادا

وألقح بينهم حرباً عواناً

وسلس لاجتنابهم القيادا

فويل للرعيّة عن قليل

لقد أهدى لها الكرب الشدادا

وألبسها بلاءً غير فانٍ

وألزمها التضعضع والفسادا

ستجري من دمائهم بحور

زواخر لا يرون لها نفادا

فوزر بلائهم أبداً عليه

أغيّاً كان ذلك أم رشادا(1)

الحروب الطاحنة:

وبعد ما خلع الأمين أخاه المأمون رسمياً عن ولاية العهد، وأبلغه ذلك ندب إلى حربه علي بن عيسى، ودفع إليه قيداً من ذهب، وقال له: أوثق المأمون ولا تقتله حتى تقدم به إليّ، وأعطاه مليوني دينار سوى الأثاث والكراع، ولـمّا انتهت الأنباء من بغداد بالإجراءات التي أتخذها الأمين ضد أخيه، بادر المأمون فخلع أخاه، ونصب نفسه حاكماً عاماً على العالم الإسلامي وقطع الخراج عن الأمين، وألغى اسمه من الطراز والدراهم والدنانير، وأعلن الخروج عن طاعته، وندب إلى قتاله طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، وجهّزهما بجيش.

____________________

(1) تاريخ الطبري حوادث سنة 186 ه‍ـ.


والتقى الجيشان بـ‍ (الري)، والتحما في معركة رهيبة، جرت فيها أنهار من الدماء، وأخيراً انتصر جيش المأمون على جيش الأمين، وقتل القائد العام لقواته المسلحة، وانتهت جميع أمتعته وأسلحته، وكتب طاهر بن الحسين إلى الفضل بن سهل وزير المأمون يخبره بهذا الانتصار الرائع، ويهنئه فيه، وجاء في رسالته (كتبت إليك ورأس علي بن عيسى في حجري وخاتمه في يدي والحمد لله ربّ العالمين).

وبادر الفضل فسلّم عليه بالخلافة وبشّره بهذا الانتصار، وأيقن المأمون بالنصر فبعث إلى طاهر بالهدايا والأموال، وشكره شكراً جزيلاً على ذلك وسمّاه (ذا اليمينين، وصاحب خيل اليدين) وأمره بالتوجّه إلى العراق لاحتلال بغداد، والقضاء على أخيه.

ولـمّا علم الفضل بن الربيع وزير الأمين بهزيمة الجيش، ومقتل علي بن عيسى بن ماهان أسقط ما في يده، وأيقن بالرزء القاصم الذي حل بهم، وفي ذلك يقول الشاعر:

عجبت لمعشر يرجون نجحاً

لأمر ما تتمّ به الأمورُ

وكيف يتم ما عقدوا وراموا

وأس بنائهم فيه الفجورُ

أهاب إلى الضلال بهم غوي

وشيطان مواعده غرورُ

يصيب بهم ويلعب كل لعب

كما لعبت بشاربها الخمورُ

وكادوا الحق والمأمون غدراً

وليس بمفلح أبداً غرورُ

هو العدل النجيب البر فينا

تضمّن حبّه منّا الصدورُ

وعاقبة الأمور له يقينا

به شهد الشريعة والزبورُ(1)

وحكى هذا الشعر انتصار المأمون، وأنّه الفائز بالخلافة وأنّه لا يتم أمر الأمين؛ لأنّ الذين ناصروه كان أسُّ بنائهم قائماً على الفجور والبغي، وأنّ أنصاره قد أهاب بهم الضلال والغي، وأنّ المنتصر هو المأمون فإنّه العدل النجيب الذي عقد له الولاء في قلوب الناس.

محاصرة بغداد:

وخفّت جيوش المأمون إلى احتلال بغداد بقيادة طاهر بن الحسين، وقد

____________________

(1) مروج الذهب 3 / 310.


حاصرت بغداد، وأيقن الأمين بالهزيمة فكتب إلى طاهر يطلب منه الأمان لنفسه وعائلته، وأنصاره، وأنّه يستقيل من الخلافة لأخيه، فقال طاهر: (الآن ضيّق خناقه، وهيض جناحه، وانهزم فساقه، لا والذي نفسي بيده حتى يضع يده في يدي، وينزل على حكمي).

ولم يجبه إلى شيء ممّا أراد.

ودام الحصار على بغداد مدة طويلة حتى تخربت فيها معالم الحضارة، وعمّ الفقر والبؤس جميع سكّانها وكثر العابثون والشذّاذ فقاموا باغتيال الأبرياء ونهب الأموال، ومطاردة النساء، وانبرى جماعة من خيار الناس بقيادة رجل يقال له سهل بن سلامة فمنعوا العابثين من إيذاء الناس، وتصدّوا لهم بقوة السلاح حتى أخرجوهم من بغداد.

وعلى أي حال فقد منيت بغداد بأفدح الخسائر، وفقدت زينتها وشبابها، وشاع الثكل والحزن والحداد في جميع أنحائها، وقد رثاها جماعة من الشعراء يقول الأعمى في قصيدة له:

وأبكي لإحراق وهدم منازل

وقتل وانهاب اللهى والذخائرِ

وإبراز ربات الخدور حواسراً

خرجن بلا خمرٍ ولا بمآزرِ

تراها حيارى ليس تعرف مذهباً

نوافر كأمثال الظباء النوافرِ

كأن لم تكن بغداد أحسن منظراً

وملهى رأته عين لاهٍ وناظرِ

بلى هكذا كانت فأذهب حسنها

وبدّد منها الشمل حكم المقادرِ

وحلّ بهم ما حلّ بالناس قبلهم

فأضحوا أحاديثاً لبادٍ وحاضرِ

أبغداد يا دار الملوك ومجتنى

صفوف المنى يا مستقر المنابرِ

ويا جنّة الدنيا ويا مطلب الغنى

ومستنبط الأموال عند المتاجرِ

أبيني لنا أين الذين عهدتهم

يحلّون في روض من العيش ناضرِ

وأين الملوك في المواكب تغتدي

تشبّه حسناً بالنجوم الزواهرِ

والقصيدة كلها توجّع وألم على ما حلّ ببغداد من الدمار الشامل في الأموال والأنفس، ويصف شاعر آخر حالة بغداد، وما حلّ بها من الخراب يقول:

____________________

(1) مروج الذهب 3 / 313.


مَن ذا أصابك يا بغداد بالعين

ألم تكوني زماناً قرّة العينِ

ألم يكن فيك قوم كان قربهم

وكان مسكنهم زيناً من الزينِ

صاح الزمان بهم بالبين فانقرضوا

ماذا لقيت بهم من لوعة البينِ(1)

ورثى شاعر آخر بغداد وما حلّ بأهلها من الخطوب والنكبات يقول:

بكت عيني على بغداد لـمّا

فقدت غضارة العيش الأنيقِ

تبدّلنا هموماً من سرورٍ

ومن سعةٍ تبدّلنا بضيقِ

أصابتنا من الحسّاد عينٌ

فأفنت أهلنا بالمنجنيقِ

فقوم أحرقوا بالنار قسراً

ونائحة تنوح على غريقِ

وصائحة تنادي يا صحابي

وقائلة تقول أيا شقيقي

وحوراء المدامع ذات دلٍّ

مضمّخة المجاسد بالخلوقِ

تنادي بالشفيق فلا شفيق

وقد فقد الشفيق مع الرقيقِ

وقوم أخرجوا من ظل دنيا

متاعهم يباع بكل سوقِ

ومغترب بعيد الدار ملقى

بلا رأس بقارعة الطريقِ

توسّط من قتالهم جميعاً

فما يدرون من أي الفريقِ

فلا ولد يقيم على أبيه

وقد هرب الصديق عن الصديقِ(2)

وحكت هذه القصيدة الحالة الراهنة في بغداد من انتشار القتل، وفقدان الأمن، وشيوع الخوف في جميع أرجاء بغداد.

قتل الأمين:

وكان الأمين في تلك المحنة الحازبة مشغولاً بلهوه وطربه، وقد أحاطت به جيوش المأمون، ويروي المؤرّخون أنّه كان يصطاد سمكاً مع جماعة من الخدم، وكان من بينهم (كوثر) وكان مغرماً به فخرج ينظر إلى الجيش المحيط بالقصر فأصابته شجة في وجهه فجعل يبكي، فوجّه الأمين من جاء به فجعل يمسح الدم من وجهه وهو يقول:

ضربوا قرّة عيني ومن أجلي ضربوه

أخذ الله من قلبي لأناس حرقوه(3)

____________________

(1) مروج الذهب 3 / 316.                                       (2) مروج الذهب 3 / 317.

(3) روضة الأعيان في أخبار مشاهير الزمان، مصوَّر في مكتبة السيد الحكيم تسلسل 3902 ورقة 103.


وكانت الأنباء تتوافد عليه بهزيمة جيشه، ومحاصرة قصره فلم يعن بذلك كله، وكان مشغولاً مع كوثر في صيد الأسماك التي جعلها في حوض كبير له، وكان يقول: (يصطاد كوثر ثلاث سمكات وما صدت إلاّ سمكتين).

وكان بهذه الحالة المزرية مشغولاً بلهوه حتى هجمت عليه طلائع جيش المأمون فأجهزت عليه، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح، وتلا قوله تعالى:( اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ) (1) .

وهجاه بعض الشعراء بقوله:

إذا غدا ملك باللهو مشتغلاً

فاحكم على ملكه بالويل والخربِ

أما ترى الشمس في الميزان هابطة

لما غدا وهو برج اللهو والطربِ(2)

وبعث طاهر برأس الأمين إلى المأمون في (خراسان) فلمّا رآه حزن وتأسّف فقال له الفضل:

(الحمد الله على هذه النعمة الجليلة فإنّ محمّداً كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته).

وأمر المأمون بنصب رأس أخيه في صحن الدار وقد وضع على خشبة، وأعطى الجند، وأمر كل مَن قبض رزقة أن يلعنه فكان الجندي يقبض رزقه ويلعن الرأس وقبض بعض العجم عطاءه فقيل له: العن هذا الرأس فقال: لعن الله هذا ولعن

والديه وأدخلهم في كذا وكذا من أمهاتهم، فقيل له: لعنت أمير المؤمنين، وكان المأمون يسمعه فتغافل عنه، وأمر بحط رأس أخيه وردّه إلى العراق فدُفن مع جثّته(3) .

وانتهت بذلك حياة الأمين، وقد حكت عن قساوة المأمون وعدم رأفته على أخيه، فقد سلب الرحمة من نفسه، وما ذاك إلاّ لحرصه على الملك.

ولم تظهر لنا أيّة بوادر للإمام الرضاعليه‌السلام في عهد الأمين، لعلّ السبب في ذلك هو انشغاله في الحرب مع أخيه فقد أشغلته هذه الحرب عن التعرّض للإمامعليه‌السلام بأيّ مكروه.

____________________

(1) عيون التواريخ 3 / ورقة 211.

(2) حياة الحيوان للدميري 1 / 78.

(3) مروج الذهب (ص 225 - 226).


حكومة المأمون:

وقبل أن نتحدث عن شؤون الإمام الرضاعليه‌السلام في عهد المأمون، نعرض - بإيجاز - إلى إعطاء صورة عنه، وهي كما يلي:

أُمّه:

أمّا أم المأمون فكانت أمة وهي إحدى خادمات قصر الرشيد، وقد عهد إليها بطبخ الطعام، ويصفها المؤرّخون بأنّها كانت أشوه وأقذر جارية في مطبخ الرشيد، أمّا السبب في ملامسة الرشيد لها فتعزوه بعض المصادر إلى أنّ السيدة زبيدة لعبت مع الرشيد الشطرنج فغلبته، فحكمت عليه أن يطأ أقبح جارية في المطبخ، وهي (مراجل) فأبى هارون ذلك، وبذل لها خراج مصر والعراق لتعفيه، فأبت، ولم تقبل، وانصاع إلى حكمها فوطأ (مراجل) فعلقت منه المأمون(1) ، وقد ولد سنة (170 ه‍) وهي السنة التي استخلف بها الرشيد، فلمّا بشّر به سمّاه المأمون تيمّناً بذلك(2) ، وقد توفّيت أمّه في النفاس، وقد تولّى تربيته الفضل بن سهل.

وقد اتخذ الحاقدون على المأمون من أمّه وسيلة لهجائه والتشهير به، وعدم لباقته لتولّي منصب الخلافة، يقول له أخوه الأمين:

وإذا تطاولت الرجال بفضلها

فاربع فإنّك لست بالمتطاولِ

أعطاك ربّك ما هويت وإنّما

تلقى خلاف هواك عند مراجلِ

تعلو المنابر كل يوم آملاً

ما لست من بعدي بواصلِ(3)

وفي أيام الفتنة عيّره بأمّه وكتب إليه:

يا بن التي بيعت بأبخس قيمةٍ

بين الملا في السوق هل من زائدِ

ما فيك موضع غرزة من أبوة

إلاّ وفيه نطفة من واحدِ

فردّ عليه المأمون:

وإنّما أمّهات الناس أوعية

مستودعات وللأحساب آباءُ

فلربّ معربة ليست بمنجبةٍ

وطالما أنجبت في الخدر عجماءُ(4)

____________________

(1) حياة الحيوان للدميري 1 / 72.

(2) عصر المأمون 1 / 210.

(3) تأريخ الخلفاء للسيوطي (ص 304).

(4) محاسن بغداد دار السلام (ص 121).


وقال الرقاشي في مدحه للأمين وهو يعرض بمراجل أم المأمون: لم تلده أمة تعرف في السوق التجار(1)، وليس على المأمون أي نقص من جهة أمّه، فقد هدم الإسلام هذه النعرات الجاهلية، وساوى بين جميع أجناس البشر فليس لأحد على أحد فضل إلاّ بالتقوى.

صفات المأمون:

أمّا صفات المأمون ونزعاته النفسية فهي كما يلي:

الغدر:

أمّا الغدر فهو من ذاتيات المأمون، ومن عناصره فقد بايع الإمام الرضاعليه‌السلام بولاية العهد، وبعد ما انتهت مآربه السياسية غدر به فدسّ له سمّاً

قاتلاً فقتله - كما سنوضّح ذلك في البحوث الآتية - وقد غدر بطائفة من أعلام عصره ممّن كان يحذر منهم وهم:

1 - عبد الله بن موسى الهادي:

وكان يندّد المأمون، وكان يعربد عليه إذا شرب معه فساء المأمون ذلك، فحبسه في منزله، وأقعد على بابه حرسا ثم أنّه أظهر له الرضى، وصرف الحرس عن بابه، وكان عبد الله مغرماً بالصيد فدس إلى خادم من خدمه فسقاه سمّاً في دراج وهو بـ (موسى باد) ولـمّا أحسّ بالسم قال لأصحابه: هو آخر ما تروني(2) .

2 - إسحاق بن موسى:

الهادي، وقد احتفت به فصائل من الجيش حينما كان المأمون في (خراسان) وأمرته، فاستولى على بعض المناطق فدسّ إليه المأمون ابنه وخادماً له فقتلاه وقاد به ابنه وقتل الخادم بالسياط(3) .

3 - حميد بن عبد الحميد:

الطوسي، دعاه المأمون لتناول الطعام، وكان عنده أحمد بن أبي خالد الأحول وهو من الحاقدين على حميد ومن أعدائه، ولـمّا قربت المائدة أجلس المأمون أحمد إلى

____________________

(1) الآداب السلطانية (ص 212).

(2) أسماء المغتالين (ص 200).

(2) أسماء المغتالين (ص 199).


جانبه فساء ذلك حميد، وقال للمأمون: (يا أمير المؤمنين لا أماتني الله حتى يريني الدنيا عليك سهلة حتى ترى أينا أنفع لك).

وانتهز أحمد هذه الفرصة فقال للمأمون: (يا أمير المؤمنين إنّما يتمنى فساد ملكك والفتنة).

فغضب المأمون وقام عن المائدة، ولم يتم غذاءه، وقد أضمر ذلك في نفسه، ولـمّا أراد البناء بـ‍ (بوران) قال لحميد: يا أبا غانم قد أذنت لك في الحج، فانصرف حميد مسروراً وأمر بتهيئة أسباب السفر، ودخل جبريل بن بختيشوع على حميد فقال له: يا أبا غانم طر بدنك فإنّي أرجو أن تأتي بكل جارية معك حاملاً، وكان حميد مغرماً بالنكاح ثم سقاه شربة، وكان في مجلسه عبد الله الطيفوري، وكان متطبباً فلمّا رأى الشربة فهم الأمر، فقال لجبريل: (أبو غانم قد ضعف عن هذه؟).

وقصد بذلك أنّه انكشف له ما دبّر لأبي غانم من الاغتيال، وتناول أبو غانم الشربة، فأثرب به في الوقت، وجعل الطيفوري يداويه حتى تماثل للشفاء قليلاً إلاّ أنّه بعد ذلك أشربه السم وقضى عليه(1) .

4 - الفضل بن سهل:

واغتال المأمون الفضل بن سهل، وكان وزيره ومستشاره إلاّ أنّه خشي منه فدسّ إليه مَن قتله في الحمّام، وسنوضح ذلك في البحوث الآتية.

هؤلاء بعض الذين اغتالهم المأمون، ومقتدياً بمعاوية فهو أوّل الملوك الذين فتحوا باب الاغتيال والغدر في الإسلام.

القسوة:

وظاهرة أخرى من صفات المأمون وهي القسوة وانعدام الرأفة من نفسه، فقد قتل أخاه، وحمل رأسه إليه، ولو كانت عنده نزعة من الرحمة لعفا عن

أخيه بعد ما طلب العفو والأمان وتسليم السلطة إليه، ومن قسوته أنّه بعد ما اغتال الإمام الرضاعليه‌السلام قابل السادة العلويين بمنتهى الشدّة والصرامة، فعهد إلى

____________________

(1) أسماء المغتالين (ص 199).


جلاّديه بقتلهم والتنكيل بهم أينما وجدوا(1) .

الدهاء:

ولم تعرف الدبلوماسية الإسلامية في العصر العباسي مَن هو أدهى من المأمون، ولا مَن هو أدرى منه في الشؤون السياسية، فقد كان سياسياً من الطراز الأول، فقد استطاع بدهائه أن يتغلب على كثير من الأحداث الرهيبة التي ألـمّت به، وكادت تطوي حياته وسلطانه، فقد استطاع بمهارة فائقة أن يقضي على أخيه الأمين الذي كان يتمتع بتأييد مكثف من قبل الأسرة العباسية والقيادات العسكرية العليا، كما استطاع أن يقضى على أعظم ثورة مضادة له، تلك ثورة القائد الملهم أبي السريا، التي اتسع نطاقها فشملت معظم الأقاليم الإسلامية، وقد سقط معظمها بأيدي الثوار، وكان شعار الثورة الدعوة إلى الرضا من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد حمل الإمام الرضاعليه‌السلام قسراً إلى (خراسان)، وهو الزعيم الأوحد للأسرة العلوية، والمرجع العام للعالم الإسلامي، فأرغمه على قبول ولاية العهد وعهد إلى جميع أجهزة حكومته بإذاعة مآثر الإمام أمير المؤمنين وباقي أفراد الأئمة الطاهرين، كما ضرب السكة باسم الإمام الرضاعليه‌السلام ، وقد أوهم الثوّار والقوى العسكرية التي كان معظمها يدينون بالولاء لأهل البيتعليهم‌السلام بأنّه علوي العقيدة وأنّه جاد في تحويل الخلافة إلى العلويين حتى أيقنوا أنّه لا حاجة لاستمرار الثورة، وإراقة الدماء وقضى بذلك على الثورات كما تعرّف في نفس الوقت على العناصر الشيعية التي عجز آباءه عن معرفتهم، وهذا التخطيط السياسي - فيما أحسب - من أروع المخططات السياسية التي عرفها العالم في جميع مراحل التأريخ(2) .

الميل إلى اللهو:

وكان المأمون شديد الميل إلى اللهو، وكان بعض ما أثر عنه في ذلك ما يلي:

أ - لعبه بالشطرنج:

وأهم لعبة عند المأمون وأحبها إليه هي الشطرنج(3) فقد هام فيها، وقد وصفها بهذه الأبيات:

____________________

(1) حياة الإمام الرضا.

(2) حياة الإمام محمد الجواد (ص 231 - 232).

(3) العقد الفريد 3 / 254.


أرض مربعة حمراء من أدم

ما بين إلفين موصوفين بالكرمِ

تذاكرا الحرب فاحتلاّ لها شبهاً

من غير أن يسعيا فيها بسفك دمِ

هذا يغير على هذا وذاك على

هذا يغير وعين الحرب لم تنمِ

فانظر إلى الخيل قد جاشت بمعركةٍ

في عسكرين بلا طبلٍ ولا علمِ(1)

وألمّ هذا الشعر بوصف دقيق للشطرنج، وفيما أحسب أنّه أسبق من نظم فيه، وأحاط بأوصافه ودقائقه وقد تعلم هذه اللعبة من أبيه الرشيد الذي كان من الماهرين فيها، وقد أهدى إلى ملك (فرنسا) أدوات الشطرنج، ولم تكن معروفة فيها، وتوجد حاليا تلك الأدوات التي أهداها الرشيد في متاحف (فرنسا)(2) .

ب - ولعه بالموسيقى:

وكان المأمون مولعاً بالغناء والموسيقى، ويقول المؤرّخون أنّه كان معجباً كأشد ما يكون الإعجاب بأبي إسحاق الموصلي الذي كان من أعظم العازفين والمغنّين في العالم العربي وقال فيه: (كان لا يغني أبداً إلاّ وتذهب عنّي وساوسي المتزايدة من الشيطان)(3) .

وكان يحيي لياليه بالغناء والرقص والعزف على العود كأبيه الرشيد الذي لم يمر على قصره اسم الله تعالى، وإنّما كانت لياليه الليالي الحمراء.

ج - شربه للخمر:

وعكف المأمون على الإدمان على الخمر، فكان يشربها في وضح النهار وفي غلس الليل، ولم يتأثّم في اقتراف هذا المحرَّم الذي هو من أفحش المحرّمات في الإسلام.

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعات المأمون وصفاته.

التحف الثمينة التي أهديت للمأمون:

وقام الأُمراء والأشراف بتقديم الهدايا القيّمة والتحف الثمينة للمأمون تقرّباً إليه، وكان من بعض ما أُهدي إليه ما يلي:

____________________

(1) المستطرف 2 / 306.

(2) حياة الإمام محمد الجواد (ص 233).

(3) الحضارة العربية لجاك س. ريسلر (ص 108).


1 - أهدى أحمد بن يوسف للمأمون سفطاً من الذهب فيه قطعة عود هندي في طوله وعرضه، وكتب فيه هذا يوم جرت فيه العادة بإتحاف العبيد للسادة، وقد قلت:

على العبد حق وهو لا شك فاعله

وإن عظم المولى وجلّت فواضله

ألم ترنا نهدي إلى الله ماله

وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله

ولو كان يهدي للجليل بقدره

لقصّر عنه البحر يوماً وساحله

ولكنّنا نهدي إلى مَن نجلّه

وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله(1)

2 - أهدى أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي إلى المأمون في يوم مهرجان مائة حمل زعفران قد وضعت في أكياس من الإبريسم، وقد حملتها أتان شهب وحشية، فجاءت الهدايا والمأمون عند حرمه، فأخبر بالهدية، فسارع إلى النظر إليه، فلمّا رآها عجب بها وسأل عن الحمر التي حملت الزعفران هل هن ذكور أم إناث؟ فقيل له إنّها إناث فسُرّ بذلك، وقال: قد علمت أنّ الرجل أعقل من أن يوجه على غير أتن(2).

3 - أهدى ملك الهند جملة من الهدايا، وفيها جام ياقوت أحمر، ومعها رسالة جاء فيها: نحن نسألك أيّها الأخ أن تنعم في ذلك بالقبول، وتوسع عذراً في التقصير(3) .

هذه بعض الهدايا التي قدّمت للمأمون تقرّباً له، وطمعاً في الظفر ببعض الوظائف منه.

تظاهره بالتشيّع:

وذهب بعض المؤرخين والباحثين إلى أن المأمون قد اعتنق مذهب التشيع، وقد استندوا إلى ما يلي:

من علمه التشيع:

إنّه أعلن أمام حاشيته وأصحابه أنّه اعتنق مذهب التشيّع وذلك في الحديث التالي: روى سفيان بن نزار، قال: كنت يوماً على رأس المأمون، فقال لأصحابه: (أتدرون مَن علّمني التشيّع؟).

____________________

(1) صبح الأعشى 2 / 420.

(2) التحف والهدايا (ص 109).

(3) نفس المصدر.


فقالوا جميعاً: لا والله ما نعلم؟.

فقال: علمنيه الرشيد فانبروا قائلين:

(كيف ذلك والرشيد كان يقتل أهل البيت؟).

قال: كان يقتلهم على الملك لان الملك عقيم، لقد حججت معه سنة، فلمّا صار إلى المدينة تقدم إلى حجاجه، وقال لهم: (لا يدخلن على رجل من أهل المدينة ومكة، ولا من المهاجرين والأنصار وبني هاشم، وسائر بطون قريش إلا نسب نفسه... وأمتثل الحجاب ذلك، فكان الرجل إذا أراد الدخول عليه عرف نفسه إلى الحجاب، فإذا دخل فيصله بحسب مكانته ونسبه، وكانت صلته خمسة آلاف دينار إلى مائتي دينار، يقول المأمون وبينما أنا واقف إذ دخل الفضل بن الربيع، فقال: (يا أمير المؤمنين، على الباب رجل يزعم أنّه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب).

فاقبل الرشيد على أبنائه، وعلى سائر القواد، وقال لهم: احفظوا على أنفسكم، ثم قال للفضل ائذن له، ولا ينزل إلاّ على بساطي، يقول المأمون: ودخل شيخ مسخد(1) قد أنهكته العبادة كأنّه شنّ بال(2) قد كلم(3) السجود وجهه وأنفه فلمّا رأى الرشيد أنّه أراد أن ينزل من دابته، فصاح لا والله إلاّ

على بساطي فمنعه الحجّاب من الترجّل، ونظر إليه الجميع بإجلال وإكبار وتعظيم ووصل الإمام إلى البساط والحجّاب والقوّاد محدقون به، فنزل عن راحلته فقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط، وقبّل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتى صيره في صدر المجلس وأجلسه معه، وأقبل عليه يحدثه، ويسأله عن أحواله، ثم قال له: (يا أبا الحسن ما عليك من العيال؟).

قال هارون: أولاد كلهم؟ قال الإمام: لا، أكثرهم موالي وحشم، أمّا الولد فلي نيف وثلاثون، وذكر عدد الذكور، وعدد الإناث، والتفت إليه هارون فقال له:

____________________

(1) المسخد: مصفر الوجه.

(2) الشن البالي: القربة البالية.

(3) كلم: أي جرح.


- لم لا تزوج النسوان من بني عمومتهن وأكفائهن؟

- اليد تقصر عن ذلك.

- ما حال الضيعة؟

تعطي في وقت وتمنع في آخر!.

- هل عليك دين؟

- نعم.

- كم هو؟

- عشرة آلاف دينار.

- يا بن العم أنا أعطيك من المال ما تزوّج به الذكران والنسوان، وتقضي به الدين، وتعمر به الضياع.

فشكره الإمام على ذلك وقال له: (وصلتك رحم يا بن العم، وشكر الله هذه النية الجميلة والرحم ماسة، والقرابة واشجة، والنسب واحد، والعباس عم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصنو أبيه، وعمّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام وصنو أبيه، وما أبعدك الله من أن تفعل ذلك، وقد بسط يدك، وأكرم عنصرك وأعلى محتدك(1)) .

فقال هارون: أفعل ذلك وكرامة.

وأخذ الإمامعليه‌السلام يوصيه بالبر والإحسان إلى عموم الفقراء قائلاً:

(يا أمير المؤمنين إنّ الله قد فرض على ولاة العهد، أن ينعشوا فقراء الأمّة، ويقضوا عن الغارمين، ويؤدوا عن المثقل، ويكسوا العاري، ويحسنوا إلى العاني(2) ، فأنت أولى مَن يفعل ذلك...).

فانبرى هارون قائلاً: افعل ذلك يا أبا الحسن، ثم قام الإمامعليه‌السلام فقام الرشيد تكريما له، وقبل عينيه ووجهه ثم اقبل على أولاده فقال لهم: (يا عبد الله، ويا محمد، ويا إبراهيم امشوا بين يدي عمكم وسيدكم خذوا بركابه، وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله).

وانصرف الإمامعليه‌السلام ، وفي نفس الطريق أسرّ إلى المأمون فبشره

____________________

(1) المحتد: الأصل.

(2) العاني: الغفير.


بالخلافة، وقال له:

(إذا ملك هذا الأمر فأحسن إلى ولدي).

ومضى الإمام مشيَّعاً من قبل أبناء هارون إلى منزله، ورجع المأمون إلى منزله، فلما خلا المجلس من الناس التفت إلى أبيه قائلاً:

(يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي قد أعظمته، وأجللته وقمت من مجلسك إليه، فاستقبلته، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟).

فقال هارون:

(هذا إمام الناس، وحجّة الله على خلقه، وخليفته على عباده...).

وبهر المأمون فقال لأبيه: (يا أمير المؤمنين أليست هذه الصفات لك وفيك؟).

فأجابه هارون بالواقع قائلاً: (أنا أمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنّه لاحق بمقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منى ومن الخلق جميعاً، ووالله إن نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإنّ الملك عقيم).

ولـمّا أراد الرشيد الانصراف من المدينة إلى بغداد أمر بصرة فيها مائتا دينار، وقال للفضل بن الربيع اذهب بها إلى موسى بن جعفر، وقل له: يقول لك أمير المؤمنين: نحن في ضيقة، وسيأتيك برنا بعد الوقت، فقام المأمون، وقال لأبيه: (تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش، ومن لا تعرف حسبه ونسبه خمسة آلاف دينار ما دونها، وتعطي موسى بن جعفر، وقد عظمته، وجللته مائتي دينار أخسّ عطية أعطيتها أحدا من الناس).

فزجره هارون، وقال له:

(اسكت لا أُمّ لك، فإنّي لو أعطيت هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم).

وأعرب هارون عن خشيته من الإمامعليه‌السلام ، وقضت سياسته في


محاربته اقتصاديا لئلا يقوى على مناهضته وكان في المجلس مخارق المغني فتألم وانبرى إلى هارون قائلاً: (يا أمير المؤمنين، قد دخلت المدينة، وأكثر أهلها يطلبون مني شيئا، وإن خرجت ولم أقسم فيهم شيئا لم يتبيّن لهم فضل أمير المؤمنين علي، ومنزلتي عنده).

فأمر له هارون بعشرة آلاف دينار، فقال له مخارق: (يا أمير المؤمنين هذا لأهل المدينة، وعلى دين احتاج أن أقضيه).

فأمر له بعشرة آلاف دينار، ثم قال له: بناتي أريد أن أزوجهن فأمر له بعشرة آلاف دينار، وقال له: لا بد من غلّة تعطينيها ترد علي وعلى عيالي وبناتي فأمر له باقطاع(1) تبلغ وارداتها في السنة عشرة آلاف دينار، وأمر أن يعجل ذلك له، وقام مخارق مسرعا إلى بيت الإمام الكاظمعليه‌السلام ، فلمّا انتهى إليه استأذن على الإمام فأذن له فقال له: (قد وقفت على ما عاملك هذا الطاغية، وما أمر لك به، وقد احتلت عليه لك، وأخذت منه صلات ثلاثين ألف دينار وأقطاعا تغل في السنة عشرة آلاف دينار، ولا والله يا سيدي ما احتاج إلى شيء من ذلك، ما أخذته إلاّ لك وأنا اشهد لك بهذه القطاع، وقد حملت المال لك).

فشكره الإمامعليه‌السلام على ذلك، وقال له: (بارك الله لك في مالك، وأحسن جزاءك، ما كنت لآخذ منه درهماً واحداً، ولا من هذه الأقطاع شيئاً، وقد قبلت صلتك وبرّك، فانصرف راشداً ولا تراجعني في ذلك).

وقبل مخارق يد الإمامعليه‌السلام ، وانصرف عنه(2) .

وحكت هذه الرواية ما يلي:

1 - احتفاء الرشيد بالإمام الكاظمعليه‌السلام في حين أنّه لم يحفل بأي إنسان كان، فقد سيطر على أغلب أنحاء الأرض وسرى اسمه في الشرق والغرب.

2 - اعتراف هارون بأنّ الإمام الكاظمعليه‌السلام هو حجّة الله على

____________________

(1) الأقطاع: القطعة من الأرض الزراعية.

(2) عيون أخبار الرضا 1 / 88 - 93.


العالمين وأنّه إمام هذه الأمة، وقائد مسيرتها الزمنية والروحية، وأنّ هارون زعيم هذه الأمة بالقهر والغلبة لا بالاستحقاق.

3 - حرمان الإمام الكاظم من العطاء الذي يستحقه؛ وذلك من أجل أن لا يقوى على مناهضة هارون والخروج على سلطانه.

4 - إعطاء المغني (مخارق) الأموال الطائلة، وحرمان أبناء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من حقوقهم التي نهبها هؤلاء البغاة... هذه بعض المعالم في هذه الرواية:

رد فدك للعلويين:

من الأمور التي يستند القائلون إلى تشيّع هارون ردّه لـ‍ (فدك) للعلويين بعد أن صادرتها الحكومات السابقة منهم، وكان الغرض من مصادرتها إشاعة الفقر والحرمان بين العلويين، وفرض الحصار الاقتصادي عليهم كي لا يتمكّنوا من مناهضة أولئك الحكّام، وقد قام المأمون بردّها عليهم، وقد رفع عنهم الضائقة الاقتصادية التي كانت آخذة بخناقهم، وقد مدحه شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي على هذه المكرمة التي أسداها على العلويين بقوله:

أصبح وجه الزمان قد ضحكا

بردّ مأمون هاشم فدكا

واعتبر الكثيرون من الباحثين هذا الإجراء دليلاً على تشيّع المأمون.

إشادته بالإمام أمير المؤمنين:

وأشاد المأمون بالإمام أمير المؤمنين رائد الحق والعدالة في الإسلام، فقد كتب إلى جميع الآفاق بان علي بن أبي طالبعليه‌السلام أفضل الخلق بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) ، وقد روى الصولي أشعاراً له في فضل الإمام أمير المؤمنين عليه كان منها ما يلي:

لا تقبل التوبة من تائب

إلاّ بحب ابن أبي طالب

أخو رسول الله حلف المهدي

والأخ فوق الخل والصاحب

إن جمعا في الفضل يوماً فقد

فاق أخوه رغبة الراغب

فقدم الهادي في فضله

تسلم من اللائم والعائب

ومن شعره الذي يرد به على مَن عابه في قربه لأبناء النبي (ص) يقول:

____________________

(1) تذكرة الخواص (ص 366).


ومن غاو يغص عليّ غيظاً

إذا أدنيت أولاد الوصي

فقلت: أليس قد أوتيت علماً

وبان لك الرشيد من الغوي

وعرفت احتجاجي بالمثاني

وبالمعقول والأثر القوي

بأيّة خلّة وبأيّ معنى

تفضّل ملحدين على علي

علي أعظم الثقلين حقّاً

وأفضلهم سوى حق النبي(1)

ومن شعره قاله في أهل البيتعليهم‌السلام هذه الأبيات:

إن مال ذو النصب إلى جانب

ملت مع الشيعي في جانبِ

أكون في آل بني الهدى

خير بني من بني غالبِ

حبهم فرض نؤدّي به

كمثل حج لازم واجب(2)

وهذا الشعر صريح في ولائه لأهل البيتعليهم‌السلام وتقديمه بالفضل على غيرهم.

وروى له الصولي هذه الأبيات في الإمام عليعليه‌السلام :

ألام على حب الوصي أبي الحسن

وذلك عندي من عجائب ذي الزمن

خليفة خير الناس والأول الذي

أعان رسول الله في السر والعلن

ولولاه ما عدت لهاشم إمرة

وكانت على الأيام تقضي وتمتهن

فولى بني العباس ما اختص غيرهم

ومن منه أولى بالتكرّم والمنن

فأوضح عبد الله بالبصرة الهدى

وفاض عبيد الله جوداً على اليمن

وقسم أعمال الخلافة بينهم

فلا زال مربوطاً بذا الشكر مرتهن(3)

وحكى هذا الشعر الأيادي البيضاء التي أسداها الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى الأسرة العباسية حينما ولي الخلافة فقد قلد ولاية (البصرة) إلى عبد الله بن العباس، وكان وزيره ومستشاره الخاص، كما قلد عبيد الله بن العباس ولاية اليمن، ولكن الأسرة العباسية قد تنكرت لهذا المعروف فقابلت أبناء الإمام بالقتل والتنكيل وارتكبت معهم ما لم ترتكبه معهم الأسرة الأموية وقد أوضحنا في

____________________

(1) المحاسن والمساوئ 1 / 105 للبيهقي.

(2) تذكرة الخواص (ص 367).

(3) تذكرة الخواص (ص 366).


هذا الكتاب جوانب كثيرة من اضطهادهم للسادة العلويين، فلم يرعوا فيهم أنّهم أبناء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّهم وديعته في أمته، فعمدوا إلى قتلهم تحت كل حجر ومدر.

ونسب إلى المأمون هذان البيتان:

إذا المرجّى سرّك أن تراه

يموت لحينه من قبل موته

فجدّد عنده ذكرى عليٍّ

وصلِّ على النبي وآل بيته

فردّ عليه إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة:

إذا الشيعي جمجم في مقال

فسرّك أن يبوح بذات نفسه

فصلّ على النبي وصاحبيه

وزيريه وجاريه برمسه(1)

ومن الطريف ما ذكره الصولي أنّه كان مكتوباً على سارية من سواري جامع البصرة:

(رحم الله عليّا

إنّه كان تقيّا)

وكان يجلس إلى تلك السارية حفص أبو عمر الخطابي وكان أعور فعمد إلى محو ذلك، وكتب بعض المجاورين إلى الجامع إلى المأمون يخبره بمحو الخطابي للكتابة، فشقّ على المأمون ذلك، وأمر بإشخاصه إليه، فلمّا مثل عنده قال له:

(لم محوت اسم أمير المؤمنين من السارية؟).

فقال الخطابي: (وما كان عليها؟).

قال المأمون: كان عليها:

(رحم الله عليّا

انه كان تقيّا)

فقال: إنّ المكتوب رحم الله عليا إنّه كان نبيّا، فقال المأمون كذبت، بل كانت القاف أصح من عينك الصحيحة، ولولا أن أزيدك عند العامة نفاقاً لأدبتك، ثم أمر بإخراجه(2) .

____________________

(1) مروج الذهب 3 / 329.

(2) تذكرة الخواص (ص 367).


انتقاصه لمعاوية:

واستدلّ القائلون بتشيّع المأمون إلى أنّه أمر بسب معاوية بن هند وانتقاصه في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فقد أمر أن ينادي المنادي (أن برئت الذمّة من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدمه على أحد من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )(1) .

وهذا لا يصلح دليلاً على تشيّع المأمون؛ لأنّ معاوية قد انكشف، وظهر واقعه، فقد تسالمت على قدحه جميع الأوساط، وأنّه الخصم اللدود للإسلام، وأنّه صاحب الأحداث والموبقات.

استدلاله على إمامة الإمام علي:

ومن أهم ما استدل به القائلون على تشيّع المأمون عقده للمؤتمرات العلمية، واستدلاله ببالغ الحجة على إمامة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وانه القائد الأول للمسيرة الإسلامية بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أولى بمقامه، وأحق بمركزه من غيره.

ومن أروع المؤتمرات التي أقامها المأمون في بلاطه، ومن أكثرها أهمية هذا المؤتمر الذي حضره أربعون من علماء الحديث، وعلماء الكلام انتخبهم يحيى بن أكثم من بين علماء بغداد، وقد أدلوا بحججهم على ما يذهبون إليه من تفضيل الخلفاء على الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلاّ أنّ المأمون فنّد حججهم بأدلة حاسمة دلّت على براعته واطلاعه الواسع في البحوث الكلامية، ونحن ننقل النص الكامل لهذه المناظرة الرائعة لما لها من الأهمية البالغة، وفيما يلي ذلك:

المأمون:

ولـمّا مثل العلماء أمام المأمون، التفت إليهم بعد ترحيبه بهم، فقال لهم: (إنّي أريد أن أجعلكم بيني وبين الله تبارك وتعالى في يومي حجّة، فمن كان حاقناً(2) أو له حاجة فليقم إلى قضاء حاجته، وانبسطوا، وسلوا خفافكم، وضعوا أرديتكم).

____________________

(1) مروج الذهب 3 / 361.

(2) الحاقن: الذي يضايقه البول.


ففعلوا ما أمرهم به، والتفت المأمون لهم قائلاً: (أيّها القوم إنّما استحضرتكم لأحتج بكم عند الله تعالى، فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم، وإمامكم، ولا يمنعكم جلالتي، ومكاني من قول الحق حيث كان، ورد الباطل، على من أتى به، وأشفقوا على أنفسكم من النار، وتقرّبوا إلى الله تعالى، برضوانه، وإيثار طاعته، فما أحد تقرب إلى مخلوق بمعصية الخالق، إلاّ سلّطه الله عليه، فناظروني بجميع عقولكم.

إنّي رجل أزعم أنّ عليّاًعليه‌السلام خير البشر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإن كنت مصيباً فصوّبوا قولي، وإن كنت مخطئاً فردّوا عليّ وهلمّوا، فإن شئتم سألتكم، وإن شئتم سألتموني...).

وليس في هذا الكلام أي التواء، أو خروج عن المنطق، وإنّما صاحبه يريد الحقيقة الناصعة.

علماء الحديث:

وسارع علماء الحديث قائلين: (بل نحن نسألك...).

وانبرى المأمون فأرشدهم إلى طريق الحوار قائلاً: (هاتوا وقلدوا كلامكم رجلاً واحداً منكم، فإذا تكلّم فإن كان عند أحدكم زيادة فليزده وإن أتى بخلل فسدّدوه...)

الدليل الأوّل:

وأدلى عالم من علماء الحديث بحجّته على أنّ أبا بكر هو خير هذه الأمة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قائلاً:

(نحن نزعم أنّ خير الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبو بكر، من قبل الرواية المجمع عليها جاءت عن الرسول (ص) قال: (اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر) فلما أمر نبي الرحمة بالاقتداء بهما، علمنا أنّه لم يأمر بالاقتداء إلاّ بخير الناس...).

جواب المأمون:

وناقش موضوع الحديث المنسوب إلى النبي (ص) نقاشاً موضوعياً فقال: (الروايات كثيرة، ولا بد من أن تكون كلها حقاً، أو كلها باطلاً، أو بعضها


حقاً، وبعضها باطلاً، فلو كانت كلها حقاً، كانت كلها باطلاً من قبل أن بعضها ينقض بعضها، ولو كانت كلها باطلاً كان في بطلانها بطلان الدين، ودرس الشريعة(1) فلمّا بطل الوجهان ثبت الثالث بالاضطرار، وهو أنّ بعضها حق، وبعضها باطل، فإذا كان كذلك فلا بد من دليل على ما يحق منها، ليعتقد، أو ينفي خلافه، فإذا كان دليل الخبر في نفسه حقاً كان أولى ما اعتقده، وأخذ به.

وروايتك هذه من الأخبار التي أدلتها باطلة في نفسها، وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحكم الحكماء، وأولى الخلق بالصدق، وأبعد الناس من الأمر بالمحال، وحمل الناس على التدين بالخلاف، وذلك أنّ هذين الرجلين لا يخلو من أن يكونا متفقين من كل جهة كانا واحداً في العدد والصفة والصورة والجسم، وهذا معدوم أن يكون اثنان بمعنى واحد من كل جهة.

وإن كانا مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما، وهذا تكليف بما لا يطاق؛ لأنّك إذا اقتديت بواحد خالفت الآخر، والدليل على اختلافهما، أنّ أبا بكر سبى أهل الردة، وردّهم عمر أحراراً، وأشار عمر بعزل خالد لقتله مالك بن نويرة فأبى أبو بكر عليه، وحرم عمر المتعتين ولم يفعل ذلك أبو بكر، ووضع عمر ديوان العطية، ولم يفعله أبو بكر، واستخلف أبو بكر ولم يفعل ذلك عمر، ولهذا نظائر كثيرة...).

وردّ المأمون وثيق للغاية، فقد زيف الحديث، وأثبت أنّه من الموضوعات، ولا نصيب له من الصحّة.

الدليل الثاني:

وانبرى عالم آخر من علماء الحديث فاستدل على أفضلية الشيخين وتقدّمهما على الإمام أمير المؤمنين بالحديث المنسوب إلى النبي (ص).

قال: (إنّ النبي (ص) قال: لو كنت متخذاً خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً...).

جواب المأمون:

وزيف المأمون هذا الحديث قائلاً: هذا مستحيل من قبل أنّ رواياتكم قد صرّحت أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، آخى بين أصحابه، وأخّر عليّاً

____________________

(1) أي إماتة الشريعة.


عليه‌السلام ، فقال له: في ذلك فقال: وما أخرّتك إلاّ لنفسي، فأيّ الروايتين ثبتت بطلت الأخرى...).

إنّ مناقشة المأمون للحديث مناقشة موضوعية ليس فيها أي تحيّز، وإنّما كانت خاضعة للدليل الحاسم.

الدليل الثالث:

وانبرى محدّث آخر فقال: إنّ عليّاًعليه‌السلام قال على المنبر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر...).

مناقشة المأمون:

وناقش المأمون هذا الحديث قائلاً: هذا مستحيل لأنّ النبي (ص) لو علم أنّهما أفضل ما ولى عليهما مرة عمرو بن العاص ومرة أسامة بن زيد، وممّا يكذب هذه الرواية قول علي لـمّا قبض النبي (ص): وأنا أولى بمجلسه منّي بقميصي، ولكن أشفقت أن يرجع الناس كفّاراً، وقولهعليه‌السلام : أنّى يكونان خيراً مني؟ وقد عبدت الله قبلهما، وعبدته بعدهما، وأبطل المأمون الحديث، وبين زيفه، فلم يصلح لأن يكون دليلاً للخصم.

الدليل الرابع:

وقال عالم من علماء الحديث: إنّ أبا بكر أغلق بابه وقال: هل من مستقيل فأقيله، فقالعليه‌السلام : قدّمك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فمَن ذا يؤخرك؟).

ردّ المأمون للحديث:

ورد المأمون الحديث قائلاً: هذا باطل لأنّ عليّاًعليه‌السلام قعد عن بيعة أبي بكر، ورويتم أنّه قعد عنها حتى قبضت فاطمةعليها‌السلام ، وأنّها أوصت أن تدفن ليلاً لئلاّ يشهدا جنازتها.

ووجه آخر وهو أنّ النبي (ص) لو كان استخلفه فكيف كان له أن يستقيل، وهو يقول للأنصار: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أبا عبيدة وعمر...).

الدليل الخامس:

وقال عالم آخر: إنّ عمرو بن العاص قال: يا نبي الله مَن أحب الناس إليك


من النساء؟ قال: عائشة، فقال: من الرجال؟ فقال: أبوها...).

ردّ المأمون:

ورد المأمون هذا الحديث فقال: هذا باطل لأنّكم رويتم أن النبي (ص) وضع بين يديه طائر مشوي، فقال: اللّهمّ ايتني بأحبّ خلقك إليك، فكان عليّاً، فأي رواياتكم تقبل؟).

إنّ حديث الطائر المشوي مجمع عليه، وهو يدل بوضوح على أنّ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أحبّ الخلق عند الله، وأقربهم إليه.

الدليل السادس:

وانبرى عالم آخر فقال: (إنّ عليّاً قال: مَن فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حد المفتري...).

جواب المأمون:

وأجاب المأمون عن هذا الحديث المنسوب إلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بقوله:

(كيف يجوز أن يقول علي: أجلد الحد على مَن لا يجب حد عليه، فيكون متعدّياً لحدود الله، عاملاً بخلاف أمره، وليس تفضيل من فضله عليهما فرية، وقد رويتم عن إمامكم أنّه قال: وليتكم ولست بخيركم، فأي الرجلين أصدق عندكم أبو بكر على نفسه، أو علي على أبي بكر، مع تناقض الحديث في نفسه، ولا بد له من أن يكون صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً فأنّى عرف ذلك بوحي؟ فالوحي منقطع أو بالتظنين فالمتظنّي متحيّر، أو بالنظر، فالنظر بحث وإن كان غير صادق، فمن المحال أن يلي أمر المسلمين، ويقوم بأحكامهم ويقيم حدودهم كذاب...).

الدليل السابع:

وقال عالم آخر: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة).

جواب المأمون:

قال المأمون: هذا الحديث محال لأنّه لا يكون في الجنة كهل، ويروى أن (أشحمية) كانت عند النبي (ص) فقال: لا يدخل الجنة عجوز فبكت، فقال لها


النبي (ص): إنّ الله تعالى يقول:( أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُباً أَتْرَاباً ) (1) فإن زعمتم أنّ أبا بكر ينشأ شاباً إذا دخل الجنة، فقد رويتم أنّ النبي (ص) قال للحسن والحسين: إنّهما سيّدا شباب أهل الجنة من الأولين والآخرين وأبوهما خير منهما).

ومناقشة المأمون للحديث مناقشة منطقية غير خاضعة للأهواء والتيارات المذهبية.

الدليل الثامن:

وقال عالم آخر من علماء الحديث: (إنّ النبي (ص) قال: لو لم أكن أبعث فيكم لبعث عمر...).

جواب المأمون:

قال المأمون في تفنيد هذا الحديث: هذا محال لأنّ الله تعالى يقول:( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) (2) ، وقال تعالى:( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) (3) ، فهل يجوز أن يكون من لم يؤخذ ميثاقه على النبوّة مبعوثاً؟ ومن أخذ ميثاقه على النبوّة مؤخراً؟...).

إنّ مناقشة المأمون لهذه الأحاديث مبنيّة على الفكر والمنطق وليس فيها ما يشذ عنهما.

الدليل التاسع:

وانبرى عالم آخر فأدلى بحجّته قائلاً: (إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نظر إلى عمر يوم عرفة فتبسم، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى باهى بعباده عامة، وبعمر خاصة...).

جواب المأمون:

وقال المأمون في ردّه على هذا الحديث: هذا مستحيل لأنّ الله تبارك وتعالى لم يكن ليباهي بعمر ويدع نبيه، فيكون عمر في الخاصة والنبي في العامة.

وليست هذه الروايات بأعجب من روايتكم أنّ النبي (ص) قال: دخلت الجنة

____________________

(1) سورة الواقعة: آية 35 - 37.

(2) سورة النساء: آية 163.

(3) سورة الأحزاب آية 7.


فسمعت خفق نعلين فإذا بلال مولى أبي بكر سبقني إلى الجنة، فقلتم: عبد أبي بكر خير من الرسول (ص) لأنّ السابق أفضل من المسبوق...).

الدليل العاشر:

وانبرى محدّث آخر فقال: إنّ النبي (ص) قال: لو نزل العذاب ما نجا إلاّ عمر بن الخطاب...).

جواب المأمون:

قال المأمون: هذا خلاف الكتاب أيضاً؛ لأنّ الله تعالى يقول لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) (1) فجعلتم عمر مثل الرسول (ص)!!...).

الدليل الحادي عشر:

وقال محدث آخر: لقد شهد النبي (ص) لعمر بالجنة في عشرة من الصحابة.

مناقشة المأمون:

قال المأمون: لو كان كما زعمتم لكان عمر لا يقول لحذيفة: نشدتك بالله أمن المنافقين أنا؟ فإن كان قد قال له النبي: أنت من أهل الجنة، ولم يصدقه حتى زكاه حذيفة، فصدق حذيفة، ولم يصدق النبي (ص) فهذا على غير الإسلام، وإن كان قد صدق النبي (ص) فلم سأل حذيفة؟ وهذان الخبران متناقضان في أنفسهما).

الدليل الثاني عشر:

وقال عالم آخر: قال النبي (ص): (وضعت في كفّة الميزان ووضعت أمّتي في كفة أخرى فرجحت بهم، ثم وضع مكاني أبو بكر فرجح بهم، ثم عمر فرجح بهم ثم رُفع الميزان).

جواب المأمون:

وفنّد المأمون هذا الحديث فقال: هذا محال لأنّه لا يخلو من أن يكون أجسامهما أو أعمالهما، فإن كانت الأجسام فلا يخفى على ذي روح أنّه محال؛ لأنّه لا يرجح أجسامهما بأجسام الأمة، وإن كانت أفعالهما فلم تكن بعد فكيف بما ليس؟.

والتفت المأمون إلى العلماء فقال لهم:

____________________

(1) سورة الأنفال: آية 33.


(أخبروني بماذا يتفاضل الناس؟).

وانبرى بعض العلماء فقال: (يتفاضلون بالأعمال الصالحة).

وعلّق المأمون على هذا الكلام قائلاً: (أخبروني ممّن فضل صاحبه على عهد النبي (ص)، ثم إنّ المفضول عمل بعد وفاة الرسول (ص) بأكثر من عمل الفاضل على عهد النبي (ص) ثم أيلحق به؟ فإن قلتم: نعم أوجدتكم في عصرنا هذا من هو أكثر جهاداً، وحجّاً، وصوماً، وصلاة، وصدقة من أحدهم...).

فانبروا جميعاً قائلين: (صدقت لا يلحق فاضل دهرنا بفاضل عصر النبي (ص)).

فقال لهم المأمون: (انظروا فيما روت أئمتكم الذين أخذتم عنهم أديانكم في فضائل عليعليه‌السلام وقيسوا إليها ما ورد في فضائل تمام العشرة الذين شهدوا لهم بالجنة فإن كانت جزءاً من أجزاء كثيرة فالقول قولكم، وإن كانوا قد رووا في فضائل عليعليه‌السلام أكثر فخذوا عن أئمتكم ما رووا ولا تتعدّوه...).

وحار القوم في الجواب، فقد سدّ عليهم المأمون كل ثغرة يسلكون فيها للدفاع عمّا يذهبون إليه، والتفت إليهم المأمون قائلاً:

(ما لكم سكتّم؟...).

فقالوا: (قد استقصينا)، إذ لم تبق عندهم حجّة يتمسّكون بها، فقال لهم المأمون: (إنّي سائلكم، أخبروني أي الأعمال كان أفضل يوم بعث الله نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ...).

فقالوا جميعاً: (السبق إلى الإسلام؛ لأنّ الله تعالى يقول:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (1) ...).

____________________

(1) سورة الواقعة: آية 10 - 11.


وسارع المأمون قائلاً: (فهل علمتم أحداً أسبق من علي إلى الإسلام؟...).

وارتفعت أصواتهم قائلين: (إنّه - أي علي - سبق حدثاً لم يجر عليه حكم، وأبو بكر أسلم كهلاً قد جرى عليه الحكم - أي التكليف - وبين هاتين الحالتين فرق...).

وأجاب المأمون قائلاً: (خبروني عن إسلام علي بالهام من قبل الله تعالى أم بدعاء النبي (ص)؟ فإن قلتم: بإلهام فقد فضلتموه على النبي (ص)؛ لأنّ النبي لم يلهم بل أتاه جبرئيل عن الله تعالى داعياً، ومعرفاً، وإن قلتم بدعاء النبي (ص) فهل دعاه من قبل نفسه أو بأمر الله تعالى، فإن قلتم: من قبل نفسه فهذا خلاف ما وصف الله تعالى به نبيّه في قوله:( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) (1) وفي قوله تعالى:( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (2) ، وإن كان من قبل الله تعالى فقد أمر الله تعالى نبيّه (ص) بدعاء علي من بين صبيان الناس وإيثاره عليهم، فدعاه ثقة به، وعلماً بتأييد الله تعالى.

وخلّة أخرى: خبروني عن الحكيم هل يجوز أن يكلّف خلقه ما لا يطيقون، فإن قلتم: نعم فقد كفرتم، وإن قلتم: لا، فكيف يجوز أن يأمر نبيه (ص) بدعاء من لا يمكنه قبول ما يؤمر به لصغره وحداثة سنّه، وضعفه عن القبول.

وعلّة أخرى هل رأيتم النبي (ص) دعا أحداً من صبيان أهله وغيرهم فيكونوا أسوة مع علي، فإن زعمتم أنّه لم يدع أحداً غيره، فهذه فضيلة لعلي على جميع صبيان الناس).

والتفت المأمون إلى العلماء فقال لهم: (أي الأعمال بعد السبق إلى الإيمان؟...).

فقالوا جميعاً: (الجهاد في سبيل الله...).

وانبرى المأمون يقيم عليهم الحجّة في تقديم الإمام علي غيره بالفضل قائلاً:

____________________

(1) سورة الواقعة: آية 10 - 11.

(2) سورة ص: آية 3 - 4.


هل تجدون لأحد من العشرة في الجهاد ما لعليعليه‌السلام في جميع مواقف النبي (ص) من الأثر؟ هذه (بدر) قتل من المشركين فيها نيف وستون رجلاً، قتل علي منهم نيفاً وعشرين، وأربعون لسائر الناس...).

وانبرى عالم من علماء الحديث فقال: (كان أبو بكر مع النبي (ص) في عريشه يدبّرها).

فردّ عليه المأمون قائلاً: (لقد جئت بهذا عجيبة!! كان يدبّر دون النبي (ص) أو معه فيشركه، أو لحاجة النبي (ص) إلى رأي أبي بكر؟ أي الثلاث أحب إليك؟).

وأجاب العالم: (أعوذ بالله من أن أزعم أنّه يدبّر دون النبي (ص) أو يشركه أو بافتقار من النبي إليه).

(وردّ عليه المأمون قائلاً: فما الفضيلة في العريش؟ فإن كانت فضيلة أبي بكر بتخلّفه عن الحرب، فيجب أن يكون كل متخلّف فاضلاً أفضل من المجاهدين والله عزّ وجل يقول:( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) (1) .

ووجّه المأمون خطابه إلى إسحاق بن حماد بن زيد، وهو من كبار علماء الحديث فقال له: (اقرأ سورة هل أتى).

وأخذ إسحاق في قراءة السورة فلمّا انتهى إلى قوله تعالى:( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إلى قوله:وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) (2) .

قال له المأمون:

____________________

(1) سورة النساء: آية 95.


(فيمَن نزلت هذه الآيات؟).

(في علي...).

وانبرى المأمون قائلاً: (هل بلغك أنّ عليّاًعليه‌السلام قال حين أطعم المسكين واليتيم والأسير( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً ) (1) على ما وصف الله تعالى في كتابه.

(لا...).

(إنّ الله تعالى عرف سريرة علي ونيّته فاظهر ذلك في كتابه تعريفا لخلقه أمره...

هل علمت أنّ الله تعالى وصف في شيء ممّا وصف في الجنة، ما في هذه السورة:( قوارير من فضة... ) .

(لا...).

(فهذه فضيلة أخرى، كيف تكون القوارير من فضة؟).

(لا أدري).

(يريد كأنّها من صفائها من فضة يرى داخلها كما يرى خارجها، وهذا مثل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (يا إسحاق رويدا شوقك بالقوارير) وعنى به نساء كأنّها القوارير رقّة، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (ركبت فرس أبي طلحة فوجدته بحراً) أي كأنّه بحر من كثرة جريه وعدوه، وكقول الله تعالى:( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ) (2) أي كأنّه يأتيه الموت، ولو أتاه من مكان

واحد مات.

يا إسحاق ألست ممّن يشهد أنّ العشرة في الجنة؟).

(بلى...).

(أرأيت لو أنّ رجلاً قال: ما أدري أصحيح هذا الحديث أم لا أكان عندك

____________________

(1) سورة الدهر: آية 9.

(2) سورة إبراهيم: آية 17.


كافراً؟...).

(لا...).

(أرأيت لو قال: ما أدري هذه السورة قرآناً أم لا، أكان عندك كافراً؟...).

(بلى...).

(يا إسحاق خبرني عن حديث الطائر المشوي أصحيح عندك؟).

(بلى...).

(بان والله عنادك، لا يخلو هذا من أن يكون كما دعاه النبي أو يكون مردوداً، أو عرف الله الفاضل من خلقه، وكان المفضول أحب إليه، أو تزعم أن الله لم يعرف الفاضل من المفضول، فأيّ الثلاث أحب إليك؟...).

وحار إسحاق ولم يهتد إلى الجواب، وبقي يتأمّل فوجد مسلكاً يدافع يه عن فكرته، فقال: (يا أمير المؤمنين إنّ الله تعالى يقول في أبي بكر:( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (1) فنسبه الله إلى صحبة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وسارع المأمون في الرد عليه قائلاً: (سبحان الله!! ما أقل علمك باللغة والكتاب، أما يكون الكافر صاحباً للمؤمن، فأيّ فضيلة في هذا؟ أما سمعت قول الله تعالى:( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ) (2) ، فقد جعله له صاحباً، وقال الهزلي شعراً:

ولقد غدوت وصاحبي وحشية

تحت الرداء بصيرة بالمشرق

وقال الأزدي:

ولقد دعوت الوحش فيه وصاحبي

محض القوادم من هجانٍ هيكل

فصيّر فرسه صاحبه، وأمّا قوله:( إنّ الله معنا ) فإنّ الله تبارك وتعالى مع البر والفاجر، أما سمعت قوله تعالى:( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا

____________________

(1) سورة التوبة: آية 40.

(2) سورة الكهف: آية 34.


خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ) (1) .

وأمّا قوله:( لا تحزن ) فأخبرني عن حزن أبي بكر كان طاعة أو معصية، فإن زعمت أنّه طاعة فقد جعلت النبي (ص) ينهى عن الطاعة، وهو خلاف صفة الحكيم، وإن زعمت أنّه معصية فأيّ فضيلة للعاصي؟ وأخبرني عن قوله تعالى:( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) على مَن؟.

وانبرى إسحاق فقال: (نزلت - أي السكينة - على أبي بكر؛ لأنّ النبي (ص) منزّه عن صفة السكينة.

فأجابه المأمون:

(اخبرني عن قوله تعالى:( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (2).

أتدري مَن المؤمنون الذين أرادهم الله في هذا الموضع؟).

(لا...).

وأخذ المأمون يشرح لإسحاق معنى الآية الكريمة قائلاً: (إنّ الناس انهزموا يوم حنين فلم يبق مع النبي (ص) إلاّ سبعة من بني هاشم، عليعليه‌السلام يضرب بسيفه، والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله (ص) والخمسة محدقون بالنبي (ص) خوفاً من أن يناله سلاح الكفّار حتى أعطى الله تبارك وتعالى رسوله (ص) الظفر، عنى بالمؤمنين في هذا الموضع عليا، ومَن حضر من بني هاشم، فمَن كان أفضل أمن كان مع النبي (ص) فنزلت السكينة على النبي (ص) وعليه، أم مَن كان في الغار مع النبي (ص) ولم يكن أهلاً لنزولها عليه يا إسحاق، مَن أفضل؟ مَن كان مع النبي (ص) في الغار أو مَن نام على مهاده وفراشه، ووقاه بنفسه حتى تم للنبي (ص) ما عزم عليه من الهجرة.

إنّ الله تبارك وتعالى أمر نبيّه (ص) أن يأمر عليّاً بالنوم على فراشه، ووقايته بنفسه فأمره بذلك، فقال علي: أتسلم يا نبي الله؟ فقال: نعم، قال: سمعاً وطاعة، ثم أتى مضجعه، وتسجّى بثوبه وأحدق المشركون به لا يشكون في أنّه النبي (ص)

____________________

(1) سورة المجادلة: آية 7.

(2) سورة التوبة: آية 25 - 26.


وقد اجمعوا على أن يضربه من كل بطن من قريش رجل ضربة؛ لئلاّ يطلب الهاشميون بدمه، وعليعليه‌السلام يسمع بأمر القوم فيه من التدبير في تلف نفسه، فلم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع أبو بكر في الغار، وهو مع النبي (ص) وعلي وحده، فلم يزل صابراً محتسباً، فبعث الله تعالى ملائكته تمنعه من مشركي قريش، فلمّا أصبح قام فنظر القوم إليه فقالوا أين محمد؟ قال: وما علمي به؟ قالوا: فأنت غدرتنا ثم لحق بالنبي (ص)، فلم يزل عليعليه‌السلام أفضل لما بدا منه، إلاّ ما يزيد خيراً حتى قبضه الله تعالى إليه، وهو محمود مغفور له.

يا إسحاق أما تروي حديث الولاية؟).

(نعم...).

(أروه...).

فرواه له، فقال المأمون:

(أما ترى أنّه أوجب لعليعليه‌السلام على أبي بكر وعمر من الحق ما لم يوجب لهما عليه؟).

فقال إسحاق:

(إنّ الناس يقولون: إنّ هذا قاله بسبب زيد بن حارثة).

فأنكر المأمون ذلك وقال:

(وأين قال النبي (ص) هذا؟).

فأجاب إسحاق:

(قاله بغدير خم بعد منصرفه من حجّة الوداع).

وسارع المأمون لإبطال ذلك قائلاً:

(متى قتل زيد بن حارثة؟... أليس قد قتل قبل غدير خم؟).

(بلى...).

(أخبرني لو رأيت ابناً لك أتت عليه خمس عشرة سنة، يقول: مولاي مولى ابن عمّي أيّها الناس فاقبلوا أكنت تكره له ذلك؟).

(بلى...).

وكرّ المأمون منكراً عليه قائلاً:

(أتنزّه ابنك عمّا لا تنزّه عنه النبي (ص)...).

والتفت إليه المأمون ليقيم عليه الحجّة قائلاً:


(أتروي قول النبي (ص) لعلي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى)؟.

(نعم...).

(أما تعلم أنّ هارون أخو موسى لأبيه وأُمّه؟).

(بلى...).

(فعلي كذلك؟).

(لا...).

سارع المأمون قائلاً: (هارون نبي، وليس علي كذلك، فما المنزلة الثالثة إلاّ الخلافة، لقد قال المنافقون: إنّه استخلفه استثقالاً، فأراد أن يطيب نفسه، وهذا كما حكى الله تعالى عن موسى، حيث قال: لهارون( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (1) .

وانبرى إسحاق قائلاً: (إنّ موسى خلف هارون في قومه، وهو حي، ثم مضى، إلى ميقات ربّه تعالى، وإنّ النبي (ص) خلف عليّاً حين خرج إلى غزاته...).

وردّ عليه المأمون: (اخبرني عن موسى حين خلف هارون أكان معه حيث مضى إلى ميقات ربّه عزّ وجل أحد من أصحابه؟).

(نعم...).

(أو ليس قد استخلفه على جميعهم؟...).

(بلى...).

(فكذلك علي خلفه النبي (ص) حين خرج إلى غزاته في الضعفاء والنساء والصبيان، إذ كان أكثر قومه معه، وإن كان قد جعله خليفة على جميعهم، والدليل على أنّه جعله خليفة عليهم في حياته إذا غاب وبعد موته قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (علي منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي) وهو وزير النبي (ص) أيضاً بهذا القول؛ لأنّ موسى قد دعا الله تعالى، وقال فيما دعا( وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي *

____________________

(1) سورة الأعراف: آية 142.


هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وأشركه في أمري ) (1) فإذا كان علي منه بمنزلة هارون من موسى فهو وزيره، كما كان هارون وزير موسى، وهو خليفته كما كان هارون خليفة موسى...).

مع علماء الكلام:

وبعدما حاجج المأمون علماء الحديث، وتغلّب عليهم بمناقشته للأحاديث التي تمسّكوا بها، في الاستدلال على ما يذهبون إليه، التفت بعد ذلك إلى علماء الكلام فقال لهم:

(أسألكم أو تسألوني؟...).

(بل نسألك...).

س - والتفت عالم منهم، فقال للمأمون: (أليست إمامة عليعليه‌السلام من قبل الله عزّ وجل؟ نقل ذلك عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من نقل الفرائض مثل الظهر أربع ركعات، وفي مأتي درهم خمسة دراهم، والحج إلى مكة؟) فقال المأمون: بلى، فقال المتكلّم: فما بالهم لم يختلفوا في جميع الفرائض، واختلفوا في خلافة علي وحدها؟...).

ج - المأمون:

(لأنّ جميع الفرائض لا يقع فيها من التنافس والرغبة مثل ما يقع في الخلافة).

س - متكلّم:

وانبرى متكلّم آخر فقال: ما أنكرت أن يكون النبي (ص) أمرهم باختيار رجل منهم يقوم مقامه رأفة ورقّة عليهم من غير أن يستخلف هو بنفسه، فيعصي

خليفته فينزل بهم العذاب...).

ج - المأمون:

وأجاب المأمون: أنكرت ذلك من قبل أنّ الله تعالى أرأف بخلقه من النبي (ص)، وقد بعث نبيّه إليهم وهو يعلم أنّ فيهم عاص ومطيع، فلم يمنعه تعالى ذلك من إرساله.

____________________

(1) سورة طه: آية 29 - 32.


وعلّة أخرى: لو أمرهم باختيار رجل منهم كان لا يخلو من أن يأمرهم كلهم أو بعضهم، فلو أمر الكل مَن كان المختار؟ ولو أمر بعضاً دون بعض كان لا يخلو من أن يكون على هذا المعنى علامة، فإن قلت: الفقهاء فلا بد من تحديد الفقيه وسمته).

وانبرى متكلّم فقال: (روى أنّ النبي (ص) قال: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح...).

فردّ عليه المأمون هذه المقالة الفاسدة التي تستلزم التصويب المجمع على بطلانه، وهو أن ليس لله تعالى في كل واقعة حكم يصيبه مَن يصيبه، ويخطئه مَن يخطئه، وهذا جواب المأمون: (هذا القول لا بد أن يكون يريد كل المؤمنين أو البعض، فإن أراد الكل فهذا مفقود؛ لأنّ الكل لا يمكن اجتماعهم، وإن كان البعض، فقد روى كل في صاحبه حسناً مثل رواية الشيعة في علي، ورواية الحشوية في غيره، فمتى يثبت ما تريدون من الإمامة؟).

وقال متكلّم آخر: (فيجوز أن تزعم أنّ أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أخطأوا).

فأجابه المأمون: (كيف نزعم أنّهم أخطأوا، واجتمعوا على ضلالة وهم لم يعلموا فرضاً ولا سنّة؛ لأنّك تزعم أنّ الإمامة لا فرض من الله تعالى، ولا سنّة من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فكيف يكون فيما ليس عندك بفرض ولا سنّة خطأ؟.

وسارع متكلّم آخر فقال للمأمون: (إن كنت تدّعي لعلي من الإمامة دون غيره فهات بيّنتك على ما تدّعي...).

مناقشة المأمون:

(ما أنا بمدع، ولكنّي مقر، ولا بينة على مقر، والمدّعي مَن يزعم أنّ إليه التولية والعزل، وأنّ إليه الاختيار، والبيّنة لا تعرى من أن تكون من شركائه، فهم خصماء، أو تكون من غيرهم، والغير معدوم، فكيف يؤتى بالبيّنة على هذا؟).

وقال متكلّم آخر:

(فما كان الواجب على عليعليه‌السلام بعد مضي رسول الله (صلّى الله عليه


وآله)؟).

وأجاب المأمون:

(قد فعله - أي فعل ما يجب عليه -).

وأشكل المتكلّم قائلاً:

(أفما وجب عليه أن يعلم الناس أنّه إمام؟).

وسارع المأمون قائلاً:

(إنّ الإمامة لا تكون بفعل منه في نفسه، ولا بفعل من الناس فيه من اختيار أو تفضيل أو غير ذلك، وإنّها تكون بفعل من الله تعالى فيه، كما قال لإبراهيم:( إنّي جاعلك للناس إماماً ) (1) ، وكما قال تعالى لداود:( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ ) (2) وكما قال عزّ وجل للملائكة في آدم( إنّي جاعل في الأرض خليفة ) (3) .

فالإمام إنّما يكون إماماً من قبل الله تعالى، وباختياره إيّاه في بدء الصنيعة والتشريف في النسب والطهارة في المنشأ والعصمة في المستقبل، ولو كانت بفعل منه في نفسه كان من فعل ذلك الفعل مستحقّاً للإمامة، وإذا عمل خلافها اعتزل فيكون خليفة من قبل أفعاله).

وأشكل متكلّم آخر فقال:

(لم أوجبت الإمامة لعلي بعد الرسول (ص)؟).

وأجاب المأمون:

(لخروجه من الطفولة إلى الإيمان كخروج النبي من الطفولية إلى الإيمان، والبراءة من ضلالة قومه عن الحجّة، واجتنابه الشرك كبراءة النبي (ص) من الضلالة، واجتنابه للشرك؛ لأنّ الشرك ظلم ولا يكون الظالم إماماً، ولا من عبد وثناً بإجماع، ومن شرك فقد حلّ من الله تعالى محلّ أعدائه، فالحكم فيه الشهادة عليه بما اجتمعت عليه الأمة حتى يجيء إجماع آخر مثله، ولأنّ من حكم عليه مرة، فلا يجوز أن يكون حاكماً، فيكون الحاكم محكوماً عليه مرة، فلا يكون حينئذٍ فرق بين الحاكم والمحكوم عليه...).

____________________

(1) سورة البقرة: آية 124.

(2) سورة ص: آية 26.

(3) سورة البقرة: آية 30.


وأشكل شخص أخر من المتكلّمين فقال:

(لم لا يقاتل عليعليه‌السلام أبا بكر وعمر، كما قاتل معاوية؟).

وأجاب المأمون:

(المسألة محال؛ لأنّ لِمَ اقتضاء، ولم يفعل نفي، والنفي لا يكون له علة، إنّما العلة، للإثبات، وإنّما يجب أن ينظر في أمر علىعليه‌السلام امن قبل الله أم من قبل غيره، فإن صحّ أنّه من قبل الله تعالى، فالشك في تدبيره كفر لقوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)(1) فأفعال الفاعل تبع له صلة، فإن كان قيامه عن الله تعالى، فأفعاله عنه، وعلى الناس الرضى والتسليم، وقد ترك رسول الله (ص) القتال يوم (الحديبية) يوم صد المشركون هديه عن البيت، فلمّا وجد الأعوان وقوي حارب، كما قال الله تعالى: في الأول: (فاصفح الصفح الجميل)(2) ، ثم قال عز وجل:( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) (3) .

وانبرى متكلّم آخر فقال:

(إذا زعمت أنّ إمامة عليعليه‌السلام من قبل الله تعالى، وأنّه مفترض الطاعة، فلم لا يجوز إلاّ التبليغ والدعاء للأنبياءعليهم‌السلام ، وجاز لعلي أن يترك ما أمر به من دعوة الناس إلى طاعته؟...).

جواب المأمون:

(إنّا لم نزعم أنّ عليّاًعليه‌السلام أمر بالتبليغ فيكون رسولاً، ولكنّه وضع علماً بين الله تعالى وبين خلقه، فمن تبعه كان مطيعاً، ومَن خالفه كان عاصياً، فإن وجد أعواناً يتقوّى بهم جاهد، وإن لم يجد أعواناً فاللوم عليهم لا عليه؛ لأنّهم أمروا بطاعته على كل حال ولم يؤمر هو بمجاهدتهم إلاّ بقوّة، وهو بمنزلة البيت، على الناس الحج إليه، فإذا حجّوا أدّوا ما عليهم، وإذا لم يفعلوا كانت اللائمة عليهم لا على البيت).

____________________

(1) سورة النساء: آية 65.

(2) سورة الحجر: آية 85.

(3) سورة التوبة: آية 5.


وقال متكلّم آخر:

(إذا وجب أنّه لا بد من إمام مفترض الطاعة بالاضطرار، كيف يجب بالاضطرار أنّه (علي) دون غيره؟...).

جواب المأمون:

وردّ المأمون هذه الشبهة بقوله: إنّ الله تعالى لا يفرض مجهولاً، ولا يكون المفروض - أي الإمامة وغيرها من التكاليف - ممتنعا، إذ المجهول ممتنع من قبل أن الله تعالى لا يفرض مجهولاً، ولا يكون المفروض ممتنعاً، فلا بد من دلالة الرسول (ص) على الفرض ليقطع العذر بين الله وبين عباده، أرأيت لو فرض الله تعالى على الناس صوم شهر فلم يعلم الناس أي شهر هو؟ ولم يوسم بوسم وكان على الناس استخراج ذلك بعقولهم حتى يصيبوا ما أراد الله تعالى، فيكون الناس حينئذٍ مستغنين عن الرسول المبين لهم، وعن الإمام الناقل لهم خبر الرسول إليهم...).

وأشكل متكلّم أخر فقال:

(من أين أوجبت أنّ عليا كان بالغاً حين دعاه النبي (ص) فإنّ الناس يزعمون أنّه كان صبياً حين دعي، ولم يكن جاز عليه الحكم، ولا بلغ مبلغ الرجال...).

جواب المأمون:

(أنّه لا يرى في ذلك الوقت من أن يكون ممّن أرسل إليه النبي (ص) ليدعوه، فإن كان كذلك فهو محتمل التكليف، قوي على أداء الفرائض الخ...).

وجوم العلماء:

ووجم علماء الحديث وعلماء الكلام، فقد أفحمهم المأمون، وألزمهم الحجّة، واستدلّ على إمامة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بأوثق الأدلة وأنصعها.

أسئلة المأمون للعلماء:

ووجّه المأمون أسئلة إلى العلماء، كان منها ما يلي:

1 - س: أليس قد روت الأمّة بإجماع منها أنّ النبي (ص) قال: (مَن كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار) فقال العلماء بأجمعهم:

(بلى يا أمير المؤمنين).

وعرض عليهم المأمون حديثاً نبوياً آخر فقال:

(ورووا عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: (مَن عصى الله بمعصية صغرت أو


كبرت ثم اتخذها ديناً، ومضى مصرّاً عليها فهو مخلد بين أطباق الجحيم).

وصدق العلماء الحديث وأقرّوا به، فقال لهم المأمون:

خبروني عن رجل تختاره الأمّة، هل يجوز أن يقال له: خليفة رسول الله (ص) ومن قبل الله عزّ وجل، ولم يستخلفه الرسول (ص)؟ فإن قلتم نعم، فقد كابرتم، وإن قلتم: لا وجب أن يكون فلان غير خليفة لرسول الله (ص).

وأقبل المأمون يعظهم بعد حديث جرى بينه وبين العلماء في هذا الموضوع قائلاً: (اتقوا الله، وانظروا لأنفسكم، ودعوا التقليد، وتجنّبوا الشبهات، فو الله ما يقبل الله تعالى إلاّ من عبد لا يأتي إلاّ بما يعقل، ولا يدخل إلاّ فيما يعلم أنّه حق، والريب شك، وإدمان الشك كفر بالله تعالى، وصاحبه في النار...).

والتفت إليهم بعد هذا التأنيب، قائلاً:

(أخبروني عن النبي (ص) هل استخلف حين مضى؟ أم لا).

فقالوا جميعاً:

(لم يستخلف).

وأشكل عليهم المأمون قائلاً:

(فتركه ذلك - أي الاستخلاف لأحد من بعده - هدى أم ضلال؟...).

فأجابوا:

(بلى هدى).

وانبرى المأمون يقيم الدليل على بطلان ما ذهبوا إليه قائلاً:

(فعلى الناس أن يتبعوا الهدى، ويتركوا الباطل ويتنكّبوا الضلال؟...).

فأجابوا:

(وقد فعلوا ذلك - أي اتبعوا الهدى -).

وأخذ المأمون يقيم أروع الحجج والبراهين على زيف ما قالوه: قائلاً:

(لم استخلف الناس بعده - أي بعد النبي (ص) - وقد تركه هو، فترك فعله ضلال، ومحال أن يكون خلاف الهدى هدى... وإذا كان ترك الاستخلاف هدى، فلم استخلف أبو بكر ولم يفعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ ولم جعل عمر الأمر بعده شورى بين المسلمين خلافاً على صاحبه، لأنّكم زعمتم أنّ النبي (ص) لم يستخلف،


وأنّ أبا بكر استخلف، وعمر لم يترك الاستخلاف كما فعل أبو بكر، وجاء بمعنى ثالث، وهو الشورى التي نصّ عليها لتعيين الخليفة من بعده فخبروني أي ذلك ترونه صواباً، فإن رأيتم فعل النبي (ص) صواباً فقد أخطأتم أبا بكر، وكذلك القول في بقية الأقاويل وخبروني أيّهما أفضل ما فعله النبي (ص) بزعمكم من ترك الاستخلاف، أو ما صنعت طائفة من الاستخلاف؟.

وخبروني هل يجوز أن يكون تركه من الرسول (ص) هدى وفعله من غيره هدى؟ فيكون هدى ضد هدى؟ فأين الضلال حينئذٍ.

وخبروني هل ولي أحد بعد النبي (ص) باختيار الصحابة منذ قبض النبي (ص) إلى اليوم؟ فإن قلتم: لا، فقد أوجبتم أنّ الناس كلهم عملوا ضلالة بعد النبي (ص).

وإن قلتم: نعم، كذبتم الأمة، وأبطل قولكم: الوجود الذي لا يدفع.

وخبروني عن قول الله عزّ وجل:( قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ ) (1) .

أصدق هذا أم كذب؟.

فأجابوا:

(نعم - إنّه صدق -).

وانبرى المأمون قائلاً:

(أليس ما سوى الله لله إذ كان محدثه ومالكه؟).

(نعم...).

وثار المأمون فقال:

(ففي هذا بطلان ما أوجبتم من اختياركم خليفة، تفرضون طاعته، وتسمونه خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنتم استخلفتموه وهو معزول عنكم إذا غضبتم عليه، وعمل بخلاف محبتكم، ومقتول إذا أبى الاعتزال...).

وتكلّم بعد هذا الكلام بعنف مع القوم، ثم استقبل القبلة ورفع يديه قائلاً: (اللّهمّ إنّي قد أرشدتهم، اللّهمّ إنّي قد أخرجت ما وجب عليّ إخراجه من عنقي.

____________________

(1) سورة الأنعام: آية 12.


اللّهمّ إنّي أدين بالتقرّب إليك بتقديم عليعليه‌السلام على الخلق بعد نبيك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما أمرنا به رسولكصلى‌الله‌عليه‌وآله ...(1) ).

ووجم القوم، ولم يجدوا منفذاً يسلكون فيه للدفاع عمّا يرونه، وكان معظم استدلال المأمون على إمامة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قائماً على المنطق والدليل، ولا أكاد أعرف حقيقة ناصعة واضحة وضوح الشمس كإمامة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقد فرضته مواهبه وعبقرياته، وشدة إنابته إلى الله وزهده، وتخلّيه من الدنيا، كل ذلك جعله أولى بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من غيره، فلم يملك أحد من الصحابة، ولا من أقرباء النبي (ص) وأرحامه مثل ما يملكه من الطاقات الندية الخلاقة من العلم والنزاهة والشرف، وغير ذلك من الصفات الكريمة والنزعات العظيمة، وبهذه الجهة كان أولى بمركز النبي ومقامه، وأمّا قرابته من النبي فليس لها أي أثر في ترجيحه على غيره من المسلمين، فإنّ هذه الجهة لا تصلح دليلاً تثبت به أحقيّة الإمامعليه‌السلام بالخلافة.

وعلى أيّ حال فإن ما أقامه المأمون من هذه الأدلة على إمامة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يكن المقصود منها إلاّ التقرّب إلى الإمام الرضاعليه‌السلام حتى ينال ثقته منه، وقد صرّح بذلك إسحاق بن حماد فقال: لم يكن الغرض في تفضيله الإمام عليعليه‌السلام على جميع الصحابة إلاّ تقرّباً للإمام أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، وكان الإمام نفسه يقول لأصحابه الذين يثق بهم: لا تغترّوا بقوله، فما يقتلني والله غيره، ولكن لا بد لي من الصبر حتى يبلغ الكتاب أجله(2) .

عقده بولاية العهد للإمام:

وثمّة دليل آخر اعتمد عليه الذاهبون إلى تشيّع المأمون، وهو عقده بولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام ، وبذلك فقد عرّض الخلافة التي تقمّصها العباسيون إلى الخطر، وتسليمها إلى السادة العلويين.

هذه أهم الأدلة التي استند إليها القائلون بتشيّع المأمون وأنّه علوي الفكر والرأي:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 184 - 199 البحار.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 185.


زيف تشيّعه:

والذي نراه بمريد من التأمّل والتحقيق أنّ المأمون لم يكن من الشيعة، ولم يعتنق ولاء أهل البيتعليهم‌السلام ، وإنّما بدرت هذه البوادر التي ذكرها لأغراض سياسية، لا علاقة لها مطلقاً بدعوى التشيّع، ويدعم ذلك ما يلي:

1 - إنّه من الأسرة العباسية التي عرفت بالبغض والعداء لأهل البيتعليهم‌السلام ، فلم تنجب هذه الأسرة إلاّ الجبابرة الطغاة الذين صبّوا جام غضبهم على آل النبي (ص) وعترته، فقد عمدوا إلى قتلهم وتشريدهم، والتنكليل بهم، وقد اقترفوا معهم ما لم تقترفه الأسرة الأموية، بل إنّ الأسرة الأموية على ما عرفت به من العداء العارم لأبناء النبي (ص) فإنّها لم تقابلهم بمثل ما قابلتهم به بنو العباس، وقد كانت لبني أمية من الفواضل ما ليست لبني العباس، وقد أوضحنا بعض ما عانوه العلويون منهم في فصول هذا الكتاب.

وعلى أي حال، فإنّه من المستبعد جداً أن يتحوّل المأمون عن خطّة آبائه، ويغيّر منهجهم وسلوكهم بين عشيّة وضحاها فيكون علوي الرأي، وموالياً لخصوم آبائه، ويعرّض دولته إلى الخطر.

2 - أمّا انتقاصه لمعاوية، والحكّام الذين سبقوه، وتفضيل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام عليهم، فإنّه لم يكن جديّاً، وإنّما كان صورياً لأغراض سياسية، فقد روى التغلبي، وكان معاصراً له، قال المأمون: (وظنّوا أنّه لا يجوز تفضيل علي إلاّ بانتقاص غيره من السلف، والله ما استجيز أن انتقص الحجّاج بن يوسف، فكيف بالسلف الطيب)(1) .

إنّه يتمنّع من انتقاص الإرهابي المجرم الحجّاج الذي أغرق العراق لما سفكه من دماء الأبرياء.

ونسب له من الشعر ما يدعم ذلك، فقد قال:

أصبح ديني الذي أدين به

ولست منه الغداة معتذرا

حب علي بعد النبي ولا

اشتم صدّيقاً ولا عمرا

ثم ابن عفّان في الجنان مع الـ

أبرار ذاك القتيل مصطبرا

____________________

(1) حياة الإمام الرضا نقلاً عن عصر المأمون 1 / 369.


ألا ولا أشتم الزبير ولا

طلحة إن قال قائل غدرا

وعائش الأم لست أشتمها

من يفتريها فنحن منه برا(1)

إلى غير ذلك من الشواهد والأدلة التي تثبت زيف تشيّعه، وأنّه لا علاقة له مطلقاً بأهل البيتعليهم‌السلام .

3 - اغتياله للإمام الرضاعليه‌السلام بعد ما نفذت أغراضه السياسية ولم يكتف بذلك، وإنّما أوعز إلى عامله على مصر بغسل المنابر التي كان يخطب عليها بولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام (2) ، وهذا يكشف عمّا يكنّه في أعماق نفسه من البغض والعداء للإمام.

لقد استبان بصورة واضحة للأسرة العلوية زيف ما يدّعيه المأمون من الولاء لهم، وأنّه كان صورياً لا واقع له، ويقول الرواة إنّه كتب إلى عبد الله شقيق الإمام الرضا يعطيه الأمان، ويضمن له ولاية العهد بعده كما صنع مثل ذلك بأخيه الإمام الرضا، وقد جاء في كتابه: (وما ظننت أنّ أحداً من آل أبي طالب يخافني بعدما عملته بالرضا...).

فأجابه برسالة كشف فيها عن نوايا المأمون، وهذا نصّها: (وصل كتابك، وفهمته تختلني فيه عن نفسي ختل القانص، وتحتال عليّ حيلة المغتال القاصد لسفك دمي. وعجبت من ذلك العهد، وولاية لي بعدك، كأنّك تظن أنّه لم يبلغني ما فعلته بالرضا، ففي أي شيء ظننت أنّي أرغب من ذلك؟ أفي الملك الذي قد غرّتك نضرته وحلاوته؟ فو الله لئن أقذف وأنا حي، في نار تتأجّج أحبّ إليّ من أن ألي أمراً بين المسلمين أو أشرب شربة من غير حلها مع عطش شديد قاتل.

أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا أم ظننت أنّ الاستتار قد أملّني وضاق به صدري؟ فو الله إنّي لذلك، ولقد مللت الحياة، وأبغضت الدنيا ولو وسعني في ديني أن أضع يدي في يدك حتى تبلغ من قبلي مرادك لفعلت ذلك، ولكن الله قد حظر علي المخاطرة بدمي، وليتك قدرت من غير أن أبذل نفسي لك فتقتلني، ولقيت الله عزّ وجل بدمي ولقيته قتيلاً مظلوماً، فاسترحت من هذه الدنيا.

____________________

(1) البداية والنهاية 10 / 277.

(2) الولاية والقضاة للكندي.


واعلم أنّي رجل طالب النجاة لنفسي، واجتهدت فيما يرضي الله عزّ وجل عنّي، وفي عمل أتقرّب به إليه، فلم أجد رأياً يهدي إلى شيء من ذلك، فرجعت إلى القرآن الذي فيه الهدى والشفاء، فتصفّحته سورة سورة، وآية، آية، فلم أجد شيئاً أزلف للمرء عند ربّه من الشهادة في طلب مرضاته.

ثم تتبّعته ثانية أتأمّل الجهاد أيّه أفضل، ولأي صنف، فوجدته جلّ وعلا يقول: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة) فطلبت أيّ الكفّار أضر على الإسلام، وأقرب من موضعي فلم أجد أضر على الإسلام منك؛ لأنّ الكفار أظهروا كفرهم فاستبصر الناس في أمرهم، وعرفوهم فخافوهم، وأنت ختلت المسلمين بالإسلام، وأسررت الكفر، فقتلت بالظنة، وعاقبت بالتهمة، وأخذت مال الله من غير حلّه، وشربت الخمر المحرمة صراحاً، وأنفقت مال الله على الملهين، وأعطيته المغنّين ومنعته من حقوق المسلمين، فغششت بالإسلام، وأحطت بأقطاره إحاطة أهله، وحكمت فيه للمشرك، وخالفت الله ورسوله في ذلك خلافة المضاد المعاند.

فإن يسعدني الدهر، ويعينني الله عليك، بأنصار الحق أبذل نفسي في جهادك بذلاً يرضاه منّي، وأن يمهلك ويؤخّرك ليجزيك بما تستحقّه في منقلبك، أو تختر منّي الأيام قبل ذلك، فحسبي من سعيي ما يعلمه الله عزّ وجل من نيّتي والسلام...)(1) .

ووضعت هذه الرسالة المأمون على طاولة التشريح، فأظهرت زيفه، وكشفت خداعه، ودجله، وأنّه لا واقع بأي حال من الأحوال إلى ما يزعمه من الولاء والحب لأهل البيت.

أما الفصول الأخيرة من هذه الرسالة، فقد ألحقت المأمون بقافلة الكفار الذين يجب جهادهم، والإطاحة بهم، كما بيّنت سياسة المأمون، وأنّها تأخذ الناس بالظنّة، وتعاقبهم بالتهمة وبالإضافة إلى ذلك، فقد أعربت عن تحلّل المأمون؛ وذلك بشربه للخمر، وإنفاقه لأموال المسلمين على الملاهي والمغنّين والعابثين والماجنين.

لقد كانت هذه الرسالة صرخة مدوّية في وجه الطاغية المأمون، وهي من الصفحات المشرقة في مناهضة الظلم والطغيان.

____________________

(1) مقاتل الطالبيين (ص 630 - 631).


ومن الجدير بالذكر أنّه يروي جانب آخر من هذه الرسالة، أو من رسالة أخرى بعثها هذا السيد الجليل إلى المأمون يقول فيها:

(هبني لا ثأر لي عندك، وعند آبائك المستحلّين لدمائنا الآخذين حقّنا، الذين جاهروا في أمرنا فحذّرناهم، وكنت ألطف حيلة منهم بما استعملته من الرضا بنا والتستّر لمحننا، تختل واحدا فواحدا منا، ولكنني كنت امرأ حبب إلى الجهاد، كما حبب إلى كل امرئ بغيته، فشحذت سيفي، وركبت سناني على رمحي، واستفرهت فرسي.

ولم أدر أي العدو أشد ضرراً على الإسلام، فعلمت أنّ كتاب الله يجمع كل شيء فقرأته فإذا فيه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) .

ومن بنود هذه الرسالة:

(وتدبّرت فإذا أنت أضرّ على الإسلام والمسلمين من كل عدو لهم؛ لأنّ الكفار خرجوا منه، وخالفوه، فحذرهم الناس وقاتلوهم، وأنت دخلت فيه ظاهراً، فأمسك الناس، وطفقت تنقض عراه، عروة، عروة، فأنت أشدّ أعداء الإسلام ضرراً عليه...) (1).

وحكمت هذه الفصول بعض الجوانب من السياسة العباسية التي تركّزت على ظلم السادة العلويين، والتنكيل بهم، كما حكت تعطش السيد الجليل نجل الإمام موسىعليه‌السلام إلى الجهاد للإطاحة بحكم المأمون الذي هو من ألد أعداء الإسلام، فقد نقض عراه، عروة، عروة على حد تعبير هذه الرسالة.

4 - إبادته للسادة العلويين بعد اغتياله للإمام الرضاعليه‌السلام فقد عمدت مخابراته ورجال أمنه إلى مطاردتهم، واستئصالهم، وقد اغتال كوكبة من أبناء الإمام موسىعليه‌السلام ، وقد استخدم السمّ كأعظم سلاح لتصفية أبناء النبي (ص)، فقد اغتال بالسم السيد الشريف الجليل إبراهيم نجل الإمام موسىعليه‌السلام ، ولـمّا توفّي أنزله في ملحودة قبره الفقيه أبن السمّاك، وأنشد حينما ألحده:


مات الإمام المرتضى مسموما

وطوى الزمان فضائلاً وعلوما

قد مات في الزوراء مظلوماً

كما أضحى أبوه بكربلا مظلوما

فالشمس تندب موته مصفرّة

والبدر يلطم وجهه مغموما(1)

إنّ اغتياله للسادة العلويين، ومطاردتهم حتى هربوا خوفا منه مختفين في الأقطار والأمصار ينسف دعوى تشيّعه، وأنّه لا علاقة له بالولاء لأهل البيت شأنه شأن آبائه الذين هم من ألد أعداء أبناء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أسباب تظاهره بالتشيّع:

ولا بد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن بعض الأسباب التي دعت المأمون لتظاهره بالولاء لأهل البيتعليه‌السلام ، وإعلان تشيّعه في المحافل الرسمية، وفيما أحسب أنّ الذي دعاه لذلك ما يلي:

أ - إنّه كان مختلفاً كأشد ما يكون الاختلاف مع أسرته العباسية، الذين كانت ميولهم مع أخيه الأمين؛ لأنّ أمه السيدة زبيدة، وهي من صميم الأسرة العباسية، وكانت من أندى الناس كفّاً، ومن أكثرهم عطاء وصلة للعباسيين، أمّا أم المأمون فهي (مراجل)، وكانت من إماء القصر، وكان العباسيون يحتقرون المأمون من جهة أمّه، فأراد بما أظهره من الولاء للعلويين، وعقده بولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام إرغامهم، وإذلالهم، وقهرهم.

ب - إنّه أراد بإظهاره التشيّع إرضاء قادة جيشه الذين كانت لهم ميول ومحبّة لأهل البيتعليهم‌السلام .

ج - وإنّما عمد المأمون إلى العطف على العلويين، وإذاعة فضائل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام جلب عواطف الشعب البار، الذين أترعت عواطفهم وقلوبهم بالمحبة والولاء لأهل البيتعليهم‌السلام وقد تسلّح بهم في محاربته لأخيه الأمين.

د - ومن الأسباب الوثيقة جداً التي دعت المأمون إلى التظاهر بالتشيّع وعقده بولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام هو القضاء على الثورة العارمة التي فجّرتها الشيعة بقيادة السادة العظام من أبناء الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، فقد التهمت الكثير من مناطق العالم الإسلامي، وكادت تقضي على الحكم العباسي، ولكنّه

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 48 نقلاً عن مختصر الخلفاء.


استطاع بدهاء منقطع النظير القضاء عليها وذلك بعقده بولاية العهد للإمام الرضا الذي هو سيد العلويين وزعيمهم بلا منازع، والذي يدين شطر كبير من هذه الأمة بإمامته.

لقد أخمد المأمون الثورة، واستأصلها من جذورها بعطفه المصطنع لأهل البيت، وترشيحه للخلافة الإمام الرضا ثم مبايعته له بولاية العهد، وضربه للسكة باسمه.

ه‍ـ - ولعلّ من جملة الأسباب التي حفّزت المأمون إلى تظاهره بالتشيّع، هو كشف الشيعة، ومعرفة السلطة بأسمائهم وأماكنهم، بعد ما كانوا خلايا تحت الخفاء، فقد عجزت الحكومات العباسية السابقة على حكومة المأمون عن معرفتهم، والوقوف على نشاطاتهم ومعرفة خلاياهم، فأراد المأمون بما صدر منه من الإحسان إلى العلويين، وانتقاصه للخلفاء، وذمّه لمعاوية، وغير ذلك ممّا صدر منه كشف الشيعة حتى تطاردهم أجهزة أمنه، وشرطته، وقد دلّت على ذلك بعض الوثائق الرسمية التي صدرت منه... هذه بعض الأسباب التي دعت المأمون إلى التظاهر بالولاء لأهل البيتعليهم‌السلام .

منهج حكمه:

ونهج المأمون في أيام حكومته منهج معاوية بن هند، فقد ذكر المؤرخون أنّه عرضت عليه سيرة أبي بكر وعمر وعثمان وعليعليه‌السلام فأبى أن ينهج نهجهم، ويسير بسياستهم، ولكنّه قبل أن يسير بسيرة معاوية الذئب الجاهلي الذي كان يأخذ الأموال من وجوهها، ويضعها كيف يشاء، وقال المأمون: إن كان فهذا(1) ، لقد اقتدى بمعاوية ونهج نهجه فعمد إلى اغتيال الأبرياء فدسّ إليهم سمّاً قاتلاً فقضى عليهم كما فعل معاوية بخصومة، وهو القائل: (إنّ لله جنوداً من عسل) لقد كان المكر والخداع من أبرز صفاته، كما كان معاوية.

____________________

(1) حياة الإمام الرضا (ص 181) نقلاً عن المحاسن والمساوئ للبيهقي (ص 295).


الإمام الرضاعليه‌السلام وولاية العهد

نحن أمام حدث تأريخي مهم بالغ الخطورة، أشغل الرأي العام، وأذهل كافة الأوساط السياسية، وهو عقد المأمون بولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام ، الأمر الذي يؤذن بتحوّل الخلافة من بني العباس إلى خصومهم السادة العلويين، فقد بهر الناس، وتساءلوا: كيف تحوّلت السياسة العباسية بين عشيّة وضحاها إلى هذا الخط المعاكس للخط السياسي الذي سلكه العباسيون منذ بداية حكمهم، وهو قهر السادة العلويين وإبادتهم، فقد أفنوا شبابهم فدفنوهم أحياءً وألقوا بأطفالهم في حوض دجلة، واستعملوا معهم جميع ألوان الإبادة...

والمأمون - فيما عرفه الناس، وعرفه التأريخ - هو من أبناء هذه الأسرة الظالمة لأهل البيتعليهم‌السلام ، لم يشذ في سلوكه عن سلوك آبائه، ولم ينحرف عن اتجاههم المعادي للعلويين، قد تغذّى وتربّى على بغضهم وعدائهم، فجدّه المنصور وأبوه الرشيد، وهما قد سلكا جميع الطرق لتصفية العلويين جسدياً، وسخّرا جميع أجهزتهم السياسية والاقتصادية للحط من شأن العلويين وكرامتهم، وإبعادهم عن الساحة السياسية في دنيا العرب والإسلام.


وبعد هذا فما الذي دعا المأمون إلى هذا التغيير المفاجئ والعدول عن خطّة آبائه ومنهجهم، فعقد ولاية العهد إلى الإمام الرضاعليه‌السلام ؟ كما أنّه كيف انصاع الإمام الرضا إلى ذلك مع علمه بانحراف المأمون، وما يكنّه في ذخائر نفسه من البغض لأهل البيتعليهم‌السلام ؟ وهذا ما سنتحدث عنه.

دوافع المأمون:

ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في الأسباب والدوافع التي دعت المأمون إلى

عقده بولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام ، وهذه بعضها:

1 - إنّه لم يكن له مركز قوي في الدولة الإسلامية، فقد كانت الأسرة العباسية تحتقره، وذلك من جهة أمّه (مراجل) التي كانت من خدم القصر، مضافاً إلى صلته القوية بالفضل بن سهل، وتوليته جميع أموره، وهو فارسي الأصل، وكذلك كان أخوه الأمين يبغضه ويبغي له الغوائل، ويكيده من جهة منافسته له على السلطة، فأراد المأمون تدعيم مركزه، وتقوية نفوذه، والتغلّب على الحاقدين عليه، فعقد بولاية العهد لأعظم شخصية في العالم الإسلامي وهو الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام فهو ابن الإمام الصادق الملهم الأول لقضايا الفكر والعلم في الإسلام، كما يدين بإمامته والولاء له شطراً كبير من المسلمين، فلذا بادر إلى تعيينه لهذا المنصب الخطر في الدولة الإسلامية.

2 - وقبل أن يتسلّم المأمون قيادة الدولة الإسلامية كان على علم بما يكنّه المجتمع الإسلامي من الكراهية والبغض للأسرة العباسية؛ وذلك لما اقترفوه من

الظلم والاستبداد بأمور المسلمين، وما صبّوه على السادة العلويين دعاة العدل الاجتماعي من أنواع الجور والطغيان، حتى تمنّى المسلمون عودة الحكم الأموي على ما فيه من قسوة وعذاب يقول الشاعر:

يا ليت جور بني مروان عاد لنا

وليت عدل بني العباس في النارِ

ويقول شاعر آخر:

ما أحسب الجور ينقضي وعلى

الأمّة والٍ من آل عباسِ

فأراد المأمون أن يفتح صفحة جديدة للمواطنين، ويلقي الستار على سياسة آبائه، فعيّن الإمام الرضاعليه‌السلام ، والذي هو أمل الأمّة الإسلامية لولاية العهد.


3 - إنّ معظم جيش المأمون ضبّاطاً وجنوداً كانوا من الشيعة الذين يدينون بإمامة الإمام الرضاعليه‌السلام فأراد أن يكسب ودّهم وإخلاصهم.

4 - إنّ الثورة ضد الحكم العباسي قد اندلعت في معظم الأقاليم الإسلامية، وكان شعار الثوّار الذي رفعوه الدعوة إلى الرضا من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد استجاب الثوّار لهذه البيعة التي عقدها للإمام، وفي نفس الوقت فقد أضفى على الإمام لقب الرضا ليجلب بذلك المأمون عواطف الثوّار، وبالفعل فقد بايع الثوّار المأمون واستراح من الخطر المحدق بدولته الذي كاد أن يلفّ لواءها، ويطوي معالمها، وكانت خطّة المأمون، وأنّه من الطراز الأول في السلك الدبلوماسي فقد استطاع أن يتغلّب على الأحداث المحيطة وينقذ حكومته من أعظم خطر محدق بها.

5 - وفي بيعة المأمون للإمام الرضاعليه‌السلام بولاية العهد فقد أكسب

المأمون حكومته الشرعية، وأنّها ليست ظالمة كحكومة آبائه، وعلى هذا فالخروج عليه غير مشروع، ويجب على المسلمين مناهضة الثائرين عليه.

6 - ومن المكاسب التي ظفر بها المأمون في هذه البيعة هو أنّه تعرّف على عناصر الشيعة، وتعرّف على هوياتهم، ولم يعودوا يعملون في السر والخفاء فقد كانت خلاياهم سرّية للغاية، وبعد البيعة ظهر أمرهم، وانكشفوا للسلطة.

7 - ومن الأهداف التي كان ينشدها المأمون في هذه البيعة هو إظهار الإمامعليه‌السلام أنّه ليس من الزاهدين في الدنيا، وإنّما كان من عشّاقها في قبوله لهذه البيعة، ولم تكن تخفى على الإمام جميع أهداف المأمون، فقد أبطلها؛ وذلك بالشروط التي اشترطها على المأمون أن لا ينصب ولا يعزل، ويكون بمنحى عن الحكم كما سنوضح ذلك.

هذه بعض الأهداف التي دعت المأمون إلى عقده ولاية العهد إلى الإمام الرضاعليه‌السلام (1) ، ونعود للحديث عن ولاية العهد، وموقف الإمامعليه‌السلام منها، وبعض المواضيع التي ترتبط بها، وفيما يلي ذلك:

____________________

(1) عرض بصورة موضوعية وشاملة السيد جعفر مرتضى إلى الأهداف التي دعت المأمون لترشيح الإمام ولي عهده، وقد أحصاها إلى إحدى عشر هدفاً في كتابه حياة الإمام الرضا.


رسالة الفضل إلى الإمام:

وأرسل الفضل بن سهل رسالة إلى الإمام الرضاعليه‌السلام يطلب فيها القدوم إلى (خراسان)، ليتسلّم الخلافة من المأمون وهذا نصّها بعد البسملة:

لعلي بن موسى الرضا، وابن رسول الله المصطفى، والمهتدي بهديه، والمقتدي بفعله، الحافظ لدين الله، الخازن لوحي الله، من وليّه الفضل بن سهل، الذي بذل في ردّ حقّه إليه مهجته، ووصل ليله فيه بنهاره.

سلام عليك أيها المهتدي ورحمة الله وبركاته، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو وأسأله أن يصلّي على محمّدٍ عبده.

أمّا بعد: فإنّي أرجو أنّ الله قد أدّى لك، وإذن لك في ارتجاع حقّك ممّن استضعفك، وأن يعظم مننه عليك، وأن يجعلك الإمام الوارث، ويري أعداءك،

ومَن رغب عنك منك ما كان يحذرون.

وإنّ كتابي هذا عن إزماع من أمير المؤمنين عبد الله الإمام المأمون ومنّي على رد مظلمتك عليك، وإثبات حقوقك في يديك، والتخلّي منها إليك، على ما اسأل الله الذي وقف عليه: أن تبلغني ما أكون بها أسعد العالمين، وعند الله من الفائزين، ولحق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المؤدّين، ولك عليه من المعاونين، حتى أبلغ في تولّيك ودولتك كلتا الحسنتين.

فإذا أتاك كتابي - جُعلت فداك - وأمكنك أن لا تضعه من يدك، حتى تسير إلى أمير المؤمنين، الذي يراك شريكاً في أمره، وشفيعاً في نسبه، وأولى الناس بما تحت يده... فعلت ما أنا بخيرة الله محفوفاً، وبملائكته محفوظاً، وبكلاءته محروساً، وإنّ الله كفيل لك بكل ما يجمع حسن العائدة عليك، وصلاح الأمّة بك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته)(1) .

وحفلت هذه الرسالة التي رفعها أكبر مسؤول في الدولة العباسية بما يلي:

1 - إضفاء الألقاب الكريمة، والنعوت الرفيعة على الإمامعليه‌السلام ، من أنّه حافظ لدين الله تعالى، وخازن لوحيه، وهذه الألقاب هي التي تضفيها الشيعة على أئمّتهم.

____________________

(1) حياة الإمام الرضا (ص 442 - 443) نقلاً عن كتاب التدوين لعبد الكريم الرافعي الشافعي.


2 - إعلام الإمامعليه‌السلام بإرجاع الخلافة إليه، وأنّ الله تعالى قد شاء أن يرجع ويعود هذا الحق السليب الذي تناهبته أيدي الظالمين إلى أهله، وأصحابه، وهم أهل بيت النبوّة وسيّدهم الإمام الرضاعليه‌السلام .

3 - إنّ هذه الرسالة لم تكن بإيحاء وتدبير من الفضل وحده، وإنّما كانت منه ومن المأمون فهو الذي عزم على التخلّي عن الخلافة وتسليمها للإمام.

4 - واحتوت هذه الرسالة على طلب الفضل من الإمام مغادرة يثرب فوراً والتوجّه إلى (خراسان) ليتسلّم قيادة الحكم.

موقف الإمام:

ولم تظهر المصادر التي بأيدينا جواب الإمام عن هذه الرسالة، إلاّ أنّه من المؤكّد أنّ الإمام رفض رفضاً باتّاً الاستجابة لها؛ وذلك لعلمه بنوايا المأمون وأنّه لا واقع لرسالة الفضل إليه وإنّما كانت هناك دوافع سياسية ومدبّرة تحت الكواليس هي التي دفعت الفضل والمأمون إلى هذا العرض.

رسل المأمون إلى الإمام:

وأرسل المأمون وفداً رسمياً لإشخاص الإمام الرضا (ص) من (يثرب) إلى (خراسان)، أمّا الشخص الذي كان يرأس الوفد فقد ذهب أكثر المؤرّخين إلى أنّه الرجاء بن أبي الضحاك، وقيل إنّه عيسى بن يزيد المعروف بالجلودي، واستبعد ذلك السيد الأمين، وقال: إنّ الجلودي كان من قوّاد الرشيد وكان عدوّاً للإمام الرضاعليه‌السلام ، وليس من الحكمة أن يبعثه المأمون لإشخاص الإمام(1) .

وقد عهد المأمون إلى رئيس الوفد أن يأتي بالإمامعليه‌السلام على طريق (البصرة)، و (الأهواز) و (فارس)، وأن لا يأتي به على طريق (الكوفة) و (قم)(2) ، كما كتب المأمون إلى الإمام الرضاعليه‌السلام أن لا يأخذ على طريق الجبل وقم، وإنّما يأخذ على طريق البصرة والأهواز وفارس(3) .

وواضح كل الوضوح السر في إصرار المأمون واهتمامه على أن لا يأتي الإمام من

____________________

(1) أعيان الشيعة 4 / 121.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 149.

(3) أعيان الشيعة البحار.


طريق الكوفة وقم هو أنّ هاتين المدينتين من مراكز الشيعة، وأهلها ممّن يدينون بالولاء للإمامعليه‌السلام ويقولون بإمامته، ومن الطبيعي أنّه إذا اجتاز عليهما فسوف يقابل بمزيد من الحفاوة والتكريم، الأمر الذي يعزّز مركز الإمامعليه‌السلام ، ويشكّل ذلك خطراً على الدولة العباسية، أمّا مرور الإمام على (البصرة) فلا مكسب فيه للإمام؛ لأنّها كانت عثمانية الهوى، كما كانت تدين بالولاء للعباسيين، وهذا الإجراء يكشف عن زيف خطّة المأمون في التخلّي عن الحكم، وإرجاعه للعلويين.

الإمام يودّع قبر النبي:

ولم يجد الإمامعليه‌السلام بدّاً من إجابة المأمون، فمضى إلى قبر جدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فودّعه الوداع الأخير، وعلم أنّه لا عودة له إلى جواره، روى محول السجستاني قال:

لـمّا ورد البريد بإشخاص الإمام الرضا إلى (خراسان) كنت أنا بالمدينة فدخل المسجد ليودّع قبر جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فودّعه مراراً، وكان صوته يعلو بالبكاء والنحيب، فتقدّمت إليه، وسلّمت عليه، فردّ السلام، وهنّأته بما يصير إليه.

فقالعليه‌السلام :

(ذرني فإنّي أخرج من جوار جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله فأموت في غربة وأُدفن في جنب هارون).

قال محول: فخرجت متبعاً طريق الإمام حتى مات بـ‍ (طوس)، ودُفن بجنب هارون(1) .

الإمام يأمر أهله بالبكاء عليه:

وكان الإمام الرضاعليه‌السلام على علم لا يخامره أدنى شك أن لا عودة له إلى أهله ووطنه، فودّعهم الوداع الأخير، وجمع عياله وأمرهم بالبكاء والنحيب عليه، وهو يسمع ذلك، ووزّع عليهم أثني عشر ألف دينار(2) وعرّفهم أنّه لا يرجع إليهم أبداً.

____________________

(1) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 122.

(2) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 123 كشف الغمة 3 / 95.


إقامة ولده الجواد مقامه:

وأقام الإمام الرضاعليه‌السلام ولده الجواد مقامه وهو ابن سبع سنين أو يزيد على ذلك، وأدخله مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ووضع يده على حافة القبر الشريف وألصق ولده بالقبر، واستحفظه عند جدّه الرسول (ص) وقال له: أمرت جميع وكلائي، وحشمي، بالسمع والطاعة لك، وعرف أصحابه أنّه القيّم من بعده(1) .

إلى بيت الله الحرام:

وقبل أن يتوجّه الإمام إلى (خراسان)، يمّم وجهه نحو بيت الله الحرام ليودعه الوداع الأخير، وقد صحب معه معظم عائلته، وكان من بينهم ولده الإمام الجوادعليه‌السلام ، ولـمّا انتهى إلى بيت الله المعظم أدّى التحية فطاف بالبيت وصلّى بمقام إبراهيم، وسعى، وطاف معه ولده الإمام الجواد فلمّا انتهى إلى حجر إسماعيل جلس فيه، وأطال الجلوس فانبرى إليه موفق الخادم، وطلب منه القيام فأبى، وقد بدا عليه الحزن والأسى، فأسرع موفق نحو الإمام الرضا، وأخبره بشأن ولده، وبادر الإمام الرضا نحو ولده فطلب منه القيام فأجابه بنبرات مشفوعة بالبكاء والحسرات قائلاً:

(كيف أقوم وقد ودّعت يا أبتي البيت وداعاً لا رجوع بعده؟).

لقد رأى الإمام الجوادعليه‌السلام ما بدا على أبيه من الوجل والأسى، فاستشفّ من ذلك أنّه النهاية الأخيرة من حياة أبيه، وفعلاً قد تحقق ذلك، فإنّ الإمام الرضا لم يعد في سفرته إلى الديار المقدّسة، وقضى شهيداً مسموماً على يد المأمون العباسي.

إلى خراسان:

وغادر الإمام الرضاعليه‌السلام بيت الله الحرام متوجّهاً إلى خراسان، وقد قوبل بمنتهى الحفاوة والتكريم والإجلال في كل بلد أو حي اجتازه، فقد سارع المسلمون إلى الاحتفاء به، وهم يتبرّكون بتقبيل يديه، ويعرضون عليه التشرّف بضيافته وتقديم الخدمات له، كما يسألونه عن أحكام دينهم، وهوعليه‌السلام يجيبهم عن ذلك.

____________________

(1) الدر النظيم.


في نيسابور:

وطوت قافلة الإمام البيداء تجذ في السير، لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى (نيسابور)(1) وقد استقبل فيها استقبالاً شعبياً منقطع النظير، فلم تشاهد (نيسابور) في جميع تأريخها مثل ذلك الاستقبال، وكان في طليعة المستقبلين كبار العلماء والفضلاء ورجال الحديث، وقد رووا عنه الحديث الذهبي الذي سنذكره.

ونزل الإمامعليه‌السلام في محلّة الغربي أو الفروي في دار شخص سمّاه أهل

نيسابور (بسندة) وهي كلمة فارسية معناها في العربية (مرضي)، لأنّ الإمامعليه‌السلام ارتضاه من دون الناس فنزل في داره، وزرع الإمام في تلك الدار لوزة فنبتت، وصارت شجرة وأثمرت في سنة، ولـمّا علم الناس جعلوا يستشفون بلوزها فمَن أصابته علّة تبرّك بالتناول من لوزها فعوفي ببركة الإمام العظيم، وقد قطع بعض أغصانها شخص فعمي، وقطع تلك الشجرة ابن حمدان فأصابه العمى(2) .

وكان في (نيسابور) حمّام فدخل فيه الإمامعليه‌السلام فاغتسل فيه ثم خرج منه وصلّى على ظهره، وأخذ أهالي (نيسابور) يتبرّكون بذلك الحمّام فيغتسلون فيه ويشربون منه التماساً للبركة، ويصلّون على ظهره ويدعون الله عزّ وجل في حوائجهم فتقضى لهم ببركة الإمام العظيم(3).

الحديث الذهبي:

وأحاط العلماء ورواة الحديث بالإمامعليه‌السلام ، وكان على بغلة شهباء،

____________________

(1) نيسابور: قال ياقوت الحموي: نيسابور مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، لم أر فيما طوّفت من البلاد كانت مثلها، وقال في مدحها أبو العباس الزوزني المعروف بالمأموني:

ليس في الأرض مثل نيسابور

بلدٌ طيب وربٌّ غفور

وقال المرادي: يذم أهلها:

لا تنزلن بنيسابور مغترباً

إلاّ وحبلك موصول بسلطانِ

أو فلا أدب يجدي ولا حسب

يغني ولا رحمة ترعى لإنسانِ

وقد تخرّج منها من أئمّة العلم ما لا يحصى، منهم: الحافظ الإمام أبو علي الحسين بن علي بن زيد بن داود بن يزيد النيسابوري الصائغ، معجم البلدان 5 / 331 - 332.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 133.

(3) عيون أخبار الرضا 2 / 135.


وقد لبس عمامته، وكان في مقدمة العلماء يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن رافع، وأحمد بن حرب، وغيرهم(1) ، لـمّا رأته الجماهير الحاشدة وهو بتلك الهيئة التي تحكي هيئة جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تعالت أصواتهم بالتهليل والتكبير مشفوعة بالأسى والبكاء، وقد ضجّت البقعة بالبكاء فنادى العلماء والحفاظ:

(معاشر الناس انصتوا، وعوا، ولا تؤذوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في عترته).

وألقى الإمامعليه‌السلام على العلماء هذا الحديث الشريف فقال:

(سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهم‌السلام يقول: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (لا إله إلاّ الله حصني فمَن دخل حصني أمن من عذابي).

ولـمّا مرّت الراحلة نادى أهل (نيسابور) فقال: (ولكن بشروطها، وأنا من شروطها)(2) .

إنّ كلمة لا إله إلاّ الله حصن من حصون الله تعالى، ولكنّها ليست على إطلاقها موجبة للنجاة من العذاب، والأمن من العقاب، ولكن بشروط، منها: الإقرار بإمامة الإمام الرضاعليه‌السلام الذي هو أحد أوصياء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد كتب هذا الحديث الشريف ما ينيف على عشرين ألفاً(3) من العلماء والحفّاظ، أمّا أسند هذا الحديث الشريف فهو من أجل وأروع الأحاديث المسندة،

يقول أحمد بن حنبل: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جُنّته(4) ، وقد أوصى

____________________

(1) المنتظم لابن الجوزي مصوّر في مكتبة السيد الحكيم (ج 10 ورقة 67).

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 135 ونال هذا الحديث أهميّة كبرى عند العلماء فذكروا له عدّة طرق وأدرجوه في الأخبار المتواترة التي هي قطعية الصدور.

(3) أخبار الدول (ص 115).

(4) الصواعق المحرقة.


بعض أمراء السامانية أن يكتب هذا الحديث بالذهب ويدفن معه(1) .

إلى طوس:

وسرت قافلة الإمامعليه‌السلام من (نيسابور)، وهي تطوي الصحراء حتى انتهت إلى (سناباد)، وفيه جبل كانت تنحت منه القدور، فاستند إليه، قال: اللّهم انفع به، وبارك فيما يجعل فيه، وفيما ينحت منه، ثم أمر بأن ينحت منه قدور له فنحتت له، وقال: لا يطبخ ما آكله إلاّ فيها.

وفي (سناباد) دار حميد بن قحطبة الطائي التي فيها قبر هارون الرشيد فمضى إليها الإمام، وانتهى إلى قبر هارون فخطّ بيده إلى جانبه، وقال لمن حوله: هذه تربتي، وفيها أدفن، وسيجعل الله هذا المكان مختلف شيعتي، وأهل محبتي، والله ما يزورني منهم زائر، ولا يسلّم عليّ منهم مسلّم إلاّ وجب له غفران الله ورحمته بشفاعتنا أهل البيت، ثم استقبل القبلة فصلّى ركعتين ودعا بدعوات، ولـمّا فرغ من صلاته سجد سجدةً طال مكثه فيها فأحصيت له فيها خمسمائة تسبيحة(2) ، ثم ناولعليه‌السلام بعض ثيابه إلى حميد لغسلها، فأخذها حميد وأعطاها إحدى جواريه فأخذتها، وسرعان ما أقبلت وقالت: وجدت رقعة في قميص أبي الحسن، فناولتها إلى حميد، وسارع بها إلى الإمامعليه‌السلام وقال له: ما فيها يا بن رسول الله (ص)؟

فقالعليه‌السلام :

(هذه عوذة من أمسكها في جيبه كان مدفوعاً عنه، وكانت له حرز من الشيطان الرجيم، ومن السلطان...).

وطلب حميد من الإمام أن يمليها عليه فأملاها وهذا نصّها بعد البسملة:

بسم الله إنّي أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيّاً أو غير تقي، أخذت بالله السميع البصير على سمعك وبصرك، لا سلطان لك علي، ولا على سمعي وبصري، ولا على شعري، ولا على بشري، ولا على لحمي، ولا على دمي، ولا على مخّي، ولا على عصبي، ولا على عظامي، ولا على أهلي، ولا على مالي، ولا على ما رزقني ربّي، سترت بيني وبينك بستر النبوّة الذي استتر به أنبياء الله من سلطان الفراعنة، جبرئيل

____________________

(1) أخبار الدول (ص 115).

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 136 - 137.


عن يميني، وميكائيل عن يساري، وإسرافيل من ورائي ومحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أمامي، والله مطّلع على ما يمنعك ويمنع الشيطان منّي.

اللّهم لا يغلب جهله أناتك أن يستفزني ويستخفني، اللّهمّ إليك التجأت، اللّهمّ إليك التجأت، اللّهمّ إليك التجأت(1) .

استقبال المأمون للإمام:

وأمر المأمون باستقبال الإمام استقبالاً رسمياً، فخرجت القوّات المسلّحة لاستقباله وسائر أبناء الشعب، وكان المأمون في مقدمة مستقبليه، ومعه الفضل ابن سهل، وبقيّة وزرائه ومستشاريه، فصافح الإمام ورحّب به ترحيباً حارّاً، وخصّص له داراً فخمة، مزوّدة بالخدم والحشم، وسائر ما يحتاج إليه، وعني به عناية فائقة.

عرض الخلافة على الإمام:

وعرض المأمون الخلافة على الإمامعليه‌السلام ، تنازله عن الخلافة رسميّاً، وتقليد الإمامعليه‌السلام بها فقال له:

(يا بن رسول الله قد عرفت فضلك، وعلمك وزهدك وورعك، وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة منّي...).

فأجابه الإمام:

(بالزهد بالدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله...).

لقد أعرب الإمامعليه‌السلام عن زهده في الدنيا، وورعه عن محارم الله تعالى مبتغياً بذلك الفوز في الدار الآخرة والرفعة عند الله.

وسارع المأمون قائلاً:

(إنّي رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة، وأجعلها لك...).

ولم تخف على الإمام نوايا المأمون، وإنّه إنّما قام بذلك تنفيذاً لأغراضه السياسية، وكيف يتنازل عن الخلافة وقد قتل أخاه الأمين من أجلها، وخرّب بغداد، ونشر في ربوع العالم الإسلامي الثكل والحزن والحداد، فكيف يسلّمها للإمامعليه‌السلام ؟

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 138.


وأجابه الإمام بجواب حاسم أغاظ المأمون، وورم منه أنفه قائلاً له: (إن كانت هذه الخلافة لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسكه الله، وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز أن تجعل لي ما ليس لك...).

وأفحم المأمون، فقد سدّ الإمام عليه كل نافذة يسلك منها، وراح يقول مهدّداً للإمام:

(لا بد لك من قبول هذا الأمر...).

فأجابه الإمام:

(لست أفعل ذلك طائعاً أبداً...).

وبهر ذو الرياستين، وراح يقول:

(وا عجبا!! رأيت الميمون أمير المؤمنين يفوّض أمر الخلافة إلى الرضا، ورأيت الرضا يقول: لا طاقة لي بذلك، ولا قدرة لي عليه، فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منها...).

لقد كان الإمامعليه‌السلام عالماً بزيف هذا العرض، وعدم جدّيته فالمأمون من الأسرة العباسية الحاقدة على آل البيتعليهم‌السلام ، فقد ارتكب معهم من المجازر ما لم ترتكبه الأسرة الأموية، فقتلوهم في وضح النهار وفي غلس الليل، وقد جهدوا أن لا يبقى علوياً على وجه الأرض، والمأمون ليس أقل خبثاً، فقد اغتال سيد العلويين الإمام الرضا وقتل غيره من السادة الأطهار، فكيف يثق الإمام به؟.

المبرّرات المزعومة للمأمون:

أمّا المبررات المزعومة للمأمون في عرضه للخلافة على الإمام الرضاعليه‌السلام فهي:

1 - إنّه وجّه دعوة إلى الفضل بن سهل والى أخيه الحسن بن سهل، فلمّا مثلا عنده عرض عليهما ما نواه من تقليد الإمام للخلافة فجعل الحسن يعظم ذلك عليه، ويعرفه مضاعفات ذلك، فقال المأمون: (إنّي عاهدت الله أن أخرجها - أي الخلافة - إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع، وما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل - يعني الإمام الرضا -)(1) .

____________________

(1) مقاتل الطالبيين (ص 562 - 563)، الفصول المهمّة (ص 241).


ومعنى هذا أنّه عقد عهداً مع الله يجب الوفاء به إن تمّ القضاء على أخيه، وظفر به، أن يعطي الخلافة إلى أفضل رجل من آل أبي طالب، وكان أفضلهم في عصره هو الإمام الرضاعليه‌السلام ، ولكن لا واقع لذلك مطلقاً كما دلّت على ذلك الأحداث.

2 - إنّه حاول بنقل الخلافة إلى العلويين أن يكافئ الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام على ما أسداه إلى العباسيين من فضل حينما ولي الخلافة، فقد جعل عبد الله بن عباس وزيراً له كما قلّده إمارة البصرة، وكذلك قلّد عبيد الله بن العباس ولاية اليمن، وغير ذلك من الأيادي التي أسداها إليهم، فأراد المأمون بما عمله مكافأة الإمام في ولده(1).

3 - إنّه إنّما عمل ذلك طاعة لله وطلباً لمرضاته، والخير للأمّة، ومصلحة المسلمين(2) .

هذه بعض المبرّرات التي تذرّع بها المأمون لنقل الخلافة إلى الإمام الرضاعليه‌السلام .

زيف مبرّراته:

ولا واقع مطلقاً لهذه المبررات، فلو كان المأمون صادقاً فيها لما منع مرور الإمام على الكوفة في مجيئه من يثرب؛ وذلك خشية من أن يكون له استقبال شعبي في هذه المدينة التي هي من مراكز الشيعة في العالم الإسلامي، وكذلك منع اجتيازه على (قم) للعلّة ذاتها، ومضافاً لذلك فإنّ عبد الله بن أبي سهل النوبختي الذي كان عالماً بالنجوم أخبره أنّ وقت البيعة للإمام الرضا في الوقت الذي قرّره المأمون ليس بصالح ولا يتم، فأمر المأمون على تنفيذ بيعته للإمام في ذلك الوقت(3) الأمر الذي ينم عن خبثه ودجله في هذا الأمر.

عرض ولاية العهد على الإمام:

وحاول المأمون بجميع الطرق والوسائل إقناع الإمامعليه‌السلام على قبول الخلافة أو ولاية العهد من بعده، فامتنع من إجابته امتناعاً شديداً، وقد استمرّت

____________________

(1) الآداب السلطانية (ص 219).

(2) أعلن المأمون ذلك في وثيقة العهد التي سنذكرها.

(3) فرج المهموم (ص 142)، تأريخ الحكماء (ص 222 - 223).


المحاولات على إقناعه أكثر من شهرين إلاّ أنّها لم تجد شيئاً وأصرّ الإمام على رفضه وامتناعه عن قبول أيّ منصب من مناصب الدولة.

إرغام الإمام:

ونفدت جميع الطرق الدبلوماسية التي سلكها المأمون لإقناع الإمامعليه‌السلام على قبول ولاية العهد، فرأى أن يسلك طريقاً آخر وهو التهديد والتوعيد للإمام، فقد بعث إلى الإمام فلمّا مثل عنده جرى حوار بينهما فقالعليه‌السلام له: (والله ما كذبت منذ خلقني ربّي عزّ وجل، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإني لاعلم ما تريد؟...).

وسارع المأمون قائلاً:

(ما أريد؟...).

وطلب الإمام منه الأمان إن صارحه بالحقيقة قائلاً:

(الإمام على الصدق؟).

(لك الأمان...).

وبيّن الإمام دوافع المأمون في إصراره على تقليده بولاية العهد قائلاً: (تريد بذلك أن يقول الناس: إنّ علي بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة؟...).

وغضب المأمون وورم أنفه، فصاح بالإمام قائلاً:

(إنّك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد، وإلاّ أجبرتك على ذلك فإن فعلت، وإلاّ ضربت عنقك...)(1) .

وانبرى الإمامعليه‌السلام يتضرّع إلى الله تعالى ويدعو قائلاً:

(اللّهمّ إنّك قد نهيتني من الإلقاء بيدي إلى التهلكة، وقد أكرهت واضطررت، كما أشرفت من قبل عبد الله المأمون على القتل إن لم اقبل ولاية عهده، وقد أكرهت واضطررت كما اضطر يوسف ودانيالعليهما‌السلام إذ قبل كل واحد منهما الولاية من طاغية زمانه.

____________________

(1) أمالي الصدوق (ص 43)، عيون أخبار الرضا 2 / 140.


اللّهمّ لا عهد إلاّ عهدك، ولا ولاية لي إلاّ من قبلك، فوفّقني لإقامة دينك، وإحياء سنّة نبيّك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّك أنت المولى، وأنت النصير، ونعم المولى أنت، ونعم النصير...)(1) .

وقبل الإمام ولاية العهد وهو باكٍ حزين(2) ، قد طافت به الآلام والهموم.

شروط الإمام:

وشرط الإمامعليه‌السلام على المأمون شروطاً تكشف عن عدم رضاه بولاية العهد، وإجباره على قبول هذا المنصب، وهي:

أ - لا يولّي أحداً.

ب - لا يعزل أحداً.

ج - لا ينقض رسماً.

د - يكون مشيراً من بعيد في شؤون الدولة(3) .

وأجاز المأمون هذه الشروط التي تتصادم مع أهدافه، وتفضح نواياه.

نص وثيقة ولاية العهد:

ولم تقتصر ولاية العهد بين الإمامعليه‌السلام وبين المأمون على البحوث الكلامية، وإنّما دوّنت في وثيقة رسميّة، وقّع عليها الإمام والمأمون، وشهد عليها كبار رجال الدولة، وقد نقلتها جمهرة من مصادر التأريخ، وقد اطلع عليها ابن الجوزي وقال: ابتاعها خالي بمأتي دينار، وحملها إلى سيف الدولة صدقة بن منصور، وكان فيها خطوط جماعة من الكتّاب مثل الصولي عبد الله بن العباس، والوزير المغربي(4) ، وقد اطلع عليها علي بن عيسى الإربلي، ونقل نصّها في كتابة (كشف الغمّة ) وذلك في سنة (670 ه‍)(5) ، ونحن ننقل نصّها فقد جاء فيها بعد البسملة:

(هذا كتاب كتبه عبد الله بن هارون الرشيد، أمير المؤمنين لعلي بن موسى بن جعفر.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 1 / 19.

(2) ينابيع المودّة (ص 284).

(3) عيون أخبار الرضا 2 / 140.

(4) مرآة الزمان 5 / ورقة 148 مصوّر.

(5) كشف الغمّة.


أمّا بعد: فإنّ الله عزّ وجل اصطفى الإسلام ديناً، واصطفى من عباده رسلاً دالين عليه، وهادين إليه، ويبشّر أوّلهم بآخرهم، ويصدّق تاليهم ماضيهم، حتى انتهت نبوّة الله إلى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على فترة الرسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي، واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين، وجعله شاهداً لهم، ومهيمناً عليهم وأنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، بما أحلّ وحرم ووعد وأوعد، وحذر وأنذر، وأمر به، ونهى عنه لتكون له الحجة البالغة على خلقه، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيى عن بيّنة، وإنّ الله لسميع عليم.

فبلغ عن الله رسالته، ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ثم بالجهاد والغلظة، حتى قبضه الله إليه، واختار له ما عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا انقضت النبوّة، وختم الله بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الوحي والرسالة، وجعل قوام الدين، ونظام أمر المسلمين بالخلافة، وإتمامها وعزّها، والقيام بحق الله فيها بالطاعة التي يقام بها فرائض الله تعالى وحدوده، وشرائع الإسلام وسننه، ويجاهد بها عدوّه.

فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم، ومعاونتهم على إقامة حق الله وعدله، وأمن السبيل،

وحقن الدماء وصلاح ذات البين، وجمع الألفة، وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين، واختلالهم، واختلاف ملّتهم وقهر دينهم، واستعلاء عدوّهم، وتفرّق الكلمة، وخسران الدنيا والآخرة.

فحق على مَن استخلفه الله في أرضه، وائتمنه على خلقه أن يجهد الله نفسه، ويؤثر ما فيه رضي الله وطاعته، ويعتمد لما الله مواقفه عليه، ومسائله عنه، ويحكم بالحق، ويعمل بالعدل فيما أحله الله وقلده، فإن الله عز وجل يقول لنبيه داود:( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) وقال الله عز وجل:( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ، وبلغنا أنّ عمر بن الخطاب قال: (لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوّفت أن يسألني الله عنها).


وأيم الله إنّ المسؤول عن خاصة نفسه، الموقوف على عمله فيما بينه وبين الله، ليعرض على أمر كبير، وعلى خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمّة، وبالله الثقة، وإليه المفزع، والرغبة في التوفيق والعصمة، والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجّة، والفوز من الله بالرضوان والرحمة، وأنظر الأمة لنفسه، وأنصحهم لله في دينه وعباده من خلائقه في أرضه، من عمل بطاعة الله وكتابه وسنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في مدّة أيامه وبعدها، وأجهد رأيه فيمَن يوليه عهده، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده، وينصبه علماً لهم، ومفزعاً في جمع ألفتهم، ولمّ شعثهم، وحقن دمائهم والأمن بإذن الله من فرقتهم، وفساد ذات بينهم، واختلافهم ورفع نزغ الشيطان وكيده عنهم، فإنّ الله عزّ وجل جعل العهد بعد الخلافة من تمام الإسلام وكماله، وعزّه وصلاح أهله، وألهم خلفاءه الخلافة من توكيده لـمَن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة وشملت فيه العافية، ونقض الله بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة والسعي والفرقة والتربص للفتنة.

ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها، وثقل محملها، وشدّة مؤونتها، وما يجب على مَن تقلّدها من ارتباط طاعة الله، ومراقبته فيما حمله منها، فانصب بدنه، وأسهر عينه، وأطال فكره فيما فيه عزّ الدين، وقمع المشركين، وصلاح الأمّة ونشر العدل، وإقامة الكتاب والسنّة، ومنعه ذلك من الخفض والدعة، ومهنأ العيش، علما بما الله سائله عنه، ومحبة أن يلقى الله مناصحاً له في دينه وعباده، ومختاراً لولاية عهده، ورعاية الأمّة من بعده أفضل من يقدر عليه، في دينه وورعه وعمله، وأرجاهم للقيام في أمر الله وحقّه، مناجياً بالاستجارة في ذلك ومسألته، وإلهامه ما فيه رضاه وطاعته في آناء ليله ونهاره، ومعملاً في طلبه والتماسه في أهل بيته من ولد عبد الله بن العباس، وعلي بن أبي طالب فكره ونظره، مقتصراً ممّن علم حاله ومذهبه منهم على علمه، وبالغا في المسألة عمن خفي عليه أمره جهده وطاقته، حتى استقصى أمورهم معرفة، وابتلى أخبارهم مشاهدة، واستبرأ أحوالهم معاينة، وكشف ما عندهم مسألة.

فكان خيرته بعد استخارته الله، وإجهاده نفسه في قضاء حقّه في عباده وبلاده في البيتين جميعاً:


علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام .

لـمّا رأى من فضله البارع، وعلمه النافع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخلّيه من الدنيا، وتسلّمه من الناس.

وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة والألسن عليه متفقة، والكلمة فيه جامعة، ولـمّا لم يزل يعرفه به من الفضل يافعاً، وناشئاً، وحدثاً ومكتهلاً، فعقد له بالخلافة من بعده، واثقاً بخيرة الله في ذلك، إذ علم الله أنّه فعله إيثارا له، وللدين ونظراً للإسلام والمسلمين، وطلباً للسلامة، وثبات الحجّة والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لربّ العالمين.

ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصته وقوّاده وخدمه، فبايعوا مسرورين عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى في ولده، وغيرهم ممّن هو أشبك منه رحماً وأقرب قرابة.

وسمّاه الرضا، إذ كان رضا عند أمير المؤمنين، فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين، ومن بالمدينة المحروسة من قواده وجنده وعامة المسلمين لأمير المؤمنين، وللرضا من بعده علي بن موسى على اسمه وبركته، وحسن قضائه لدينه وعباده، بيعة مبسوطة إليها أيديكم منشرحة لها صدورهم، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها، وآثر طلعة الله، والنظر لنفسه ولكم فيها، شاكرين الله على ما ألهم أمير المؤمنين بها من قضاء حقّه في رعايتكم، وحرصه على رشدكم، وصلاحكم، راجين عائدة ذلك في جمع إلفتكم، وحقن دمائكم، ولمّ شعثكم، وسدّ ثغوركم وقوّة دينكم، ورغم عدوّكم، واستقامة أموركم، وسارعوا إلى طاعة الله، وطاعة أمير المؤمنين، فإنّه الأمن إن سارعتم إليه، وحمدتم الله عليه، عرفتم الحظ فيه إن شاء الله...)(1) .

وانتهت هذه الوثيقة وكان تأريخها يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين هجرية.

وطلب المأمون من الإمام الرضاعليه‌السلام أن يكتب بيده الشريفة بقبول هذا العهد، فكتبعليه‌السلام بخطّه بعد البسملة ما يلي:

____________________

(1) صبح الأعشى 9 / 362 - 366.


(الحمد الله الفعّال لما يشاء، ولا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وصلاته على نبيّه خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين.

أقول: وأنا علي بن موسى بن جعفر: إنّ أمير المؤمنين عضده الله بالسداد، ووفّقه للرشاد، عرف من حقّنا ما جهله غيره، فوصل أرحاماً قُطعت، وأمن أنفساً فزعت، بل أحياها وقد تلفت، وأغناها إذ افترقت، ومبتغياً رضى ربّ العالمين، لا يريد جزاءً من غيره، وسيجزي الله الشاكرين، ولا يضيع أجر المحسنين.

وأنّه جعل إلى عهده، والإمرة الكبرى إن بقيت بعده، فمَن حلّ عقدة أمر الله بشدّها، وفصم عروة أحبّ الله إيثاقها، فقد أباح الله حريمه، وأحلّ محرمه، إذ كان بذلك زارياً على الإمام منتهكاً حرمة الإسلام، بذلك جرى السالف، فصبر منه على الفلتات، ولم يعترض على العزمات، خوفاً من شتات الدين، واضطراب حبل المسلمين، ولقرب أمر الجاهلية، ورصد فرصة تنتهز وبائقة تبتدر.

وقد جعلت الله على نفسي إن استرعاني أمر المسلمين وقلّدني خلافة العمل فيهم - عامة، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة - بطاعته وطاعة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن لا أسفك دماً حراماً، ولا أبيح فرجاً، ولا مالاً إلاّ ما سفكته حدود الله، وأباحته فرائضه، وأن أتخيّر الكفاة جهدي وطاقتي، وجعلت بذلك على نفسي عهداً مؤكّداً، يسألني الله عنه، فإنّه عزّ وجل يقول: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) .

وإن أحدثت أو غيرت أو بدلت كنت للغير مستحقاً وللنكال متعرضاً، وأعوذ بالله من سخطه، وإليه أرغب في التوفيق لطاعته، والحول بيني وبين معصيته، في عافية لي وللمسلمين.

والجامعة والجفر يدلاّن على ضد ذلك، وما أدري ما يفعل بي، ولا بكم، إن الحكم إلاّ لله يقضي بالحق، وهو خير الفاصلين، ولكنّي امتثلت أمر أمير المؤمنين، وآثرت رضاه، والله يعصمني وإيّاه، وأشهدت الله على نفسي بذلك وكفى بالله شهيداً...).

وكتبت بخطّي، وبحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه والفضل بن سهل، وسهل بن الفضل، ويحيى بن أكثم، وبشر بن المعتمر، وحماد بن النعمان، في شهر رمضان سنة إحدى ومائتين.


وكتب الفضل بن سهل وزير المأمون ما صورته:

(رسم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه قراءة مضمون هذا المكتوب ظهره وبطنه بحرم سيّدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين الروضة والمنبر على رؤس الأشهاد، ومرأى ومسمع من وجوه بني هاشم، وسائر الأولياء والأجناد، وهو يسأل الله أن يعرف أمير المؤمنين وكافة المسلمين الحجّة به على جميع المسلمين وإبطال الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين:( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ) .

وكتب الفضل بن سهل في التأريخ المعين فيه.

وكتب يحيى بن أكثم القاضي ما صورته: (شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذه الصحيفة ظهرها وبطنها، وكتب بخطّه بالتأريخ.

وكتب حماد بن النعمان ما صورته: (شهد حماد بن النعمان بمضمون ظهره وبطنه).

وكتب بشر بن المعتبر ما صورته: (شهد بمثل ذلك بشر بن المعتمر وكتب بخطّه بالتأريخ)(1) .

ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في وثيقة المأمون، وما كتبه الإمام الرضاعليه‌السلام ، وما شهد به الفضل بن سهل، وفيما يلي ذلك:

محتويات وثيقة ولاية العهد:

وحفلت وثيقة ولاية العهد التي وقّعها المأمون والإمام الرضا بما يلي:

أوّلاً - الإشادة بالإسلام، وبكتاب الله العظيم: الذي هو المنهج الكامل والدستور الشامل لسعادة الإنسان وصلاحه.

ثانياً - الإشادة بالرسول العظيم داعية الله الأكبر، ورافع مشعل التوحيد، والنقطة الفكرية في الأرض.

ثالثاً - بيان أهمية الخلافة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فبها قوام الدين، ونظام أمر المسلمين، وهي ظل الله في الأرض.

رابعاً - لزوم طاعة المسلمين للخلفاء، فإنّ عدم طاعتهم تنجم منه الإضرار البليغة

____________________

(1) صبح الأعشى 9 / 392 - 393.


على العالم الإسلامي.

خامساً - إنّ على الخلفاء مسؤوليات خطيرة، والتي منها إيثار طاعة الله على كل شيء، والحكم بالحق والعدل بين الناس، إلى غير ذلك من المسؤوليات الجسام التي عرضتها الوثيقة بصورة شاملة.

سادساً - إنّ من أهم مسؤوليات الخلفاء تعيين ولاة العهد من بعدهم، وأن يكون التعيين قائماً على الاختيار التام والفحص الشديد في أمر مَن يعيّنه من بعده، وأن لا يكون الاختيار خاضعاً للمحاباة والأهواء، فإنّ في ذلك تعريض الأمّة لأخطار جسام تُمنى بها.

سابعاً - إنّ المأمون قد بذل جهداً شاقاً وعسيراً في اختيار ولي عهده، فلم يجد في الأسرة العلوية، ولا في الأسرة العباسية من هو أفضل من الإمام الرضاعليه‌السلام ؛ وذلك لما يتمتع به من الصفات الكريمة التي منها:

أ - الفضل البارع.

ب - العلم النافع.

ج - الزهد الخالص في الدنيا.

د - الورع عن محارم الله تعالى.

وهذه الصفات الكريمة هي التي دفعت المأمون لانتخاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، وترشيحه لولاية العهد من بعده.

محتويات ما كتبه الإمام:

أمّا محتويات ما كتبه الإمام الرضاصلى‌الله‌عليه‌وآله على وثيقة ولاية العهد، فهي كما يلي:

أولاً - الإشادة بصلات المأمون للسادة العلويين، فقد أنعشهم بها بعد ما عانوا من الضيق والحرمان، والظلم من حكّام بني العباس الذين جهدوا على أن لا يبقى علوي على وجه الأرض، فقد دفنوهم أحياء، وقتلوهم تحت كل حجر ومدر، وألقوا بأطفالهم في حوض (دجلة) حتى ماتوا، إلى غير ذلك من المآسي التي صبّها العباسيون على العلويين.

ثانياً - أشار الإمامعليه‌السلام بقوله: (إذ كان بذلك زارياً على الإمام الخ) إلى


جدّه الإمام أمير المؤمنين باب مدينة علم النبي (ص)، ورائد حكمته، الذي أقصاه القوم عن منصبه الذي قلّده النبي (ص) له في يوم (غدير خم )، وقد عانت الأمّة من جرّاء ذلك ألواناً رهيبة من المآسي والويلات، فقد أصبحت الخلافة بأيدي الجناة أمثال: معاوية ويزيد ومروان والوليد والمنصور وغيرهم من أئمّة الظلم والجور، الذين لم يألوا جهداً في ظلم الناس وإرغامهم على ما يكرهون.

وأشار الإمامعليه‌السلام بقوله: (فصبر منه على الفلتات) إلى قول عمر بن الخطاب الذي وصم بيعة أبي بكر بأنّها فلتة وقى الله المسلمين شرّها فقد صبر الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام على هذه الفلتة (وفي العين قذى وفي الحلق شجى) - على حدّ تعبيره - وذلك حرصاً منه على كلمة الإسلام من الانهيار، ووحدة المسلمين من التصدّع؛ وذلك لقرب المسلمين من الجاهلية، وتربّص القوى المعادية للإسلام للفتك والانقضاض عليه إذا حدث انقسام بين صفوف المسلمين، الأمر الذي دعا الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام للصبر على نهب تراثه.

ثالثاً - إنّ الإمامعليه‌السلام قد قطع على نفسه عهداً مسؤولاً عنه أمام الله، وأمام المسلمين أن يسوس الناس سياسة قوامها العدل الخالص، والحق المحض، ويعيد للناس سيرة جدّه الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويختار لجهاز الحكم الأكفّاء الصالحين الذين يخشون الله تعالى ويبتغون الدار الآخرة... بكل هذه الأهداف العظيمة التي سيحققها الإمام إذا تقلّد خلافة المسلمين.

رابعاً - واستشفّ الإمامعليه‌السلام من وراء الغيب أنّه لا يتقلّد الخلافة، ولا تنعم الأمة في حكمه، فقد قرأ في(الجامعة) و(الجفر) اللذين هما من ودائع النبوّة، وفيهما علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة أنّ الخلافة لا تنتهي إلى الإمامعليه‌السلام ، وأنّ تقلّده لولاية العهد إنّما هو خداع وتضليل من قبل المأمون.

محتوى كتابة الفضل:

أمّا ما كتبه الفضل بن سهل على وثيقة ولاية العهد فإنّه يشير إلى أنّ هذه الوثيقة متى أمر المأمون بقراءتها في الجامع النبوي بين الروضة والمنبر الشريف على رؤوس الأشهاد من وجوه الهاشميين، والقوّات المسلّحة وسائر الناس؛ ليكون ذلك أبلغ في توكيد العهد، ودفع آراء الجاهلين والمغرضين.

هذه بعض محتويات الوثيقة وملحقاتها، وقد كانت صريحة في محتوياتها، وليس


فيها أيّ لبس أو غموض.

البيعة للإمام:

وعقد المأمون لبيعة الإمام الرضاعليه‌السلام مهرجاناً شعبياً عاماً خضرته الوزراء، وكبار رجال الدولة، وقادة القوات المسلحة وبقيّة أبناء الشعب، وفي طليعتهم العلويون والعباسيون، وكان ذلك في يوم الثلاثاء في اليوم الثاني من شهر رمضان المبارك(1) سنة (201 ه‍)(2) .

وجلس المأمون على دست الخلافة، ووضع للإمام الرضاعليه‌السلام وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلس المأمون، وعليه عمامة، وقد تقلّد سيفاً، وأمر المأمون ولده العباس أن يبايع للإمام فكان أوّل مَن بايعه(3) ثم بايعه الناس.

كيفية البيعة:

أمّا كيفية بيعة الناس للإمامعليه‌السلام فكانت فريدة لم يألفها ملوك الأمويين والعباسيين، فقد رفععليه‌السلام يده، وتلقّى بظهرها وجهه الشريف،

وباطنها وجوه المبايعين، وبهر المأمون من ذلك، وراح يقول للإمام:

(ابسط يدك للبيعة...).

فأجابهعليه‌السلام :

(إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هكذا كان يبايع)(4) ولعلّ ذلك يستند إلى

قوله تعالى:( يد الله فوق أيديهم ) فلا يصح أن تكون يد المبايع فوق يد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو فوق يد الإمامعليه‌السلام .

الإمام يخبر بعدم تمامية هذا الأمر:

ولـمّا جلس الإمام الرضاعليه‌السلام ذلك المجلس، وقد لبس الخلع، والخطباء والشعراء يشيدون بفضله، ويدعون الناس إلى مبايعته نظرعليه‌السلام

إلى بعض مواليه، وقد داخله السرور، وعمّته الأفراح، فأشار إليه فأسرع نحوه فأسرّ إليه قائلاً:

____________________

(1) عيون التواريخ 3 / ورقة 221.

(2) سر السلسلة العلوية (ص 38) مرآة الزمان 6 / ورقة 40 تأريخ القضاعي.

(3) البحار.

(4) مقاتل الطالبيين.


(لا تشعل قلبك بشيء ممّا ترى من هذا الأمر، ولا تستبشر فإنه لا يتم)(1)، وتحقّق ما أخبر به الإمامعليه‌السلام فإنّه لم تتم هذه البيعة للإمام، وخاس المأمون بعهده ووعده، فغدر بالإمام ودسّ إليه سمّاً فاغتاله.

خطبة المأمون:

ولـمّا انتهت مراسيم البيعة قام المأمون فاعتلى المنبر، وخطب الناس فقال في جملة خطابه:

(أيّها الناس جاءتكم بيعة علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، والله لو قرأت هذه الأسماء على الصم البكم لبرأوا بإذن الله عزّ وجل)(2) .

خطبة الإمام الرضا:

ولـمّا تمّت البيعة للإمام الرضاعليه‌السلام ، وطلب منه المأمون أن يعتلي المنبر، ويخطب الناس، فصعد المنبر وقال بعد حمد الله والثناء عليه:

(أيّها الناس إنّ لنا عليكم حقا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكم علينا حق به، فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم...).

ولم يذكر الإمام غير هذه الكلمات(3) التي أعرب فيها عن حقّه على الناس؛ لأنّه ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي برّ بدينهم ودنياهم، وأخرجهم من حياة التيه والضياع، فإذا وفوا له بحقّه، وأقاموه خليفة عليهم فقد وجب عليه أن يقيم في ربوعهم الحق، بجميع رحابه ومفاهيمه.

خطبة العبّاس:

وانبرى العباس الخطيب، فخطب خطاباً رائعاً بليغاً، وختم خطابه بهذا البيت:

____________________

(1) الفضول المهمة (ص 238).

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 147.

(3) عيون أخبار الرضا.


لا بد للناس من شمس، ومن قمر

فأنت شمس، وهذا ذلك القمر(1)

الممتنعون من البيعة للإمام:

وامتنع جماعة من البيعة للإمامعليه‌السلام ، فقد حقدوا عليه، وكرهوه، ونقموا على المأمون ببيعته بولاية العهد للإمام وهم:

1 - عيسى الجلودي.

2 - علي بن عمران.

3 - أبو يونس(2) .

وأمر المأمون بإلقاء القبض عليهم وإيداعهم في السجن.

تنفيذ حكم الإعدام فيهم:

وأمر المأمون بإخراج هؤلاء الثلاثة الممتنعين من البيعة للإمام من السجن، فلمّا مثلوا عنده رأوا الإمام إلى جانبه فتميزوا غيظاً وغضباً، وانبرى علي بن أبي عمران فقال للمأمون:

(أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تخرج هذا الأمر الذي جعله الله لكم، وخصكم به، وتجعله في أيدي أعدائكم، ومن كان آباؤك يقتلونهم، ويشردونهم في البلاد...).

فصاح المأمون: (يا بن الزانية، وأنت بعد على هذا؟...).

ثم أمر بضرب عنقه، فنفذ ذلك فيه، وأدخل عليه أبو يونس فلمّا رأى الإمام إلى جانب المأمون محاطاً بهالة من الحفاوة والتكريم ساءه ذلك، وخاطب المأمون قائلاً:

(يا أمير المؤمنين هذا الذي بجنبك، والله صنم يعبد من دون الله...).

فأمر المأمون بإعدامه فأعدم، ودخل عليه الجلودي، وكان من أعدي الناس لأهل البيتعليهم‌السلام ، وهو الذي بعثه الرشيد لسلب بنات رسول الله (ص) في

____________________

(1) تذكرة الخواص (ص 364).

(2) عيون أخبار الرضا.


يثرب، ومصادرة ما عليهنّ من حلي وحلل، فجاء إلى بيت الإمام الرضاعليه‌السلام وأراد الهجوم على بيت الإمام، وسلب ما على العلويات من ثبات فأبى الإمام فلم يعن به الجلودي، وأخذ الإمام يتوسّل إليه، ويعده بأن يأتي ما أراد فانصاع لقوله، ودخل الإمام إلى بيته فجمع له كل ما على العلويات من حلي وحلل فجاء به إلى الجلودي فأخذه، وقد طلب الإمام من المأمون أن يهب له الجلودي، فقال المأمون:

(يا سيدي هذا الذي فعل ببنات محمد (ص) ما فعل من سلبهن؟...).

ونظر الجلودي إلى الإمام وهو يكلّم المأمون ويتوسّل إليه في العفو عنه فظن الغبي أنّه يريد الانتقام منه لما فعله معه، فقال للمأمون:

(يا أمير المؤمنين أسألك بالله، وبخدمتي للرشيد أن لا تقبل قول هذا في...).

والتفت المأمون إلى الإمام الرضا فقال له:

(يا أبا الحسن قد استعفى، ونحن نبرّ قسمه...).

وخاطب المأمون الجلودي فقال له:

(لا والله لا أقبل قوله فيك...).

ثم التفت إلى الشرطة، وقال لهم: ألحقوه بصاحبيه، فقُدّم وضربت عنقه(1) .

قرارات هامّة:

وأصدر المأمون قرارات هامّة بمناسبة عقده ولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام ، وهي:

1 - إعطاء الجنود رواتبهم سنة كاملة.

2 - ترك لباس الأسود الذي كان لباس العباسيين(2) ولبس اللباس الأخضر؛ لأنّ ذلك فيما أحسب هو لباس أهل الجنة، قال تعالى:( وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ) (3) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 161 - 162.

(2) ورد في بعض الأخبار أنّ جبرئيل هبط على النبي (ص) في قباء أسود فقال (ص): له يا جبرئيل ما هذا الزي؟ فقال: زي ولد عمّك العبّاس، يا محمد ويل لولدك من ولد عمّك العباس، جاء ذلك في وسائل الشيعة 3 / 279.

(3) سورة الكهف: آية 31.


3 - ضرب الدراهم والدنانير باسم الإمام الرضاعليه‌السلام وقد أورد السيد عبد القادر أحمد اليوسف نماذج من تلك النقود ما يلي:

(الدينار)

كتب في مركز وجهه: (لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له).

وكتب على النطاق: بسم الله ضرب هذا الدينار بسمرقند سنة اثني ومائتين.

وكتب على الطوق:( لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ) .

وكتب في مركز القفا: الله، محمد رسول الله، المأمون خليفة الله، ممّا أمر الأمير الرضا ولي عهد المسلمين علي بن موسى بن علي بن أبي طالب.

وكتب على طوق مركز القفا: (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).

(الدرهم)

نقل عبد القادر صورة الدرهم من متحف برلين المرقّم (1295) صورة الكتابة في مركز الوجه: (لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له) سنة ثلاث ومائتين.

كتابة الطوق( لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ) .

كتابة القفا: (الله، محمد رسول الله، المأمون خليفة الله، ممّا أمر به الرضا).

كتابة الطوق: (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ولو كره المشركون).

صورة أخرى من الدرهم الموجود في المتحف البريطاني في لندن تحت رقم (289).

مركز الوجه: كتب عليه (لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له).

النطاق: كتب عليه سنة اثنين.

الطوق: كتب عليه (لله الأمر من قبل ومن بعد).

مركز القفا: مر به...

... المسلمين علي بن موسى

... علي بن أبي طالب


... ذو الرياستين.

الطوق: محمد رسول الله.

إنّ هذه النقاط هي حروف ممحاة لأنّها مصوّرة هكذا (الكتلوكات) العالمية، ومسحت هذه الكتابة نتيجة قدم هذه النقود، وتداولها الكثير، وتوجد نماذج من الدراهم ضربت سنة (704 ه‍) تيمّناً بسكّة الإمام، وقد كتب عليها ما كتب على السكّة الأصلية(1) .

زواج الإمام بابنة المأمون:

وعرض المأمون على الإمام الرضاعليه‌السلام أن يتزوّج الأميرة السيدة أم حبيب(2) فقبل الإمام ذلك وتزوّج بها، وإنّما عمد المأمون تقرّباً للإمام، وحتى تقوى العلاقة بينهما، ويرى بعض المحلّلين للأخبار أنّ سبب ذلك أن تكون ابنته عيناً لأبيها على جميع تصرّفات الإمام وتحرّكاته، وهذا ليس ببعيد عن سياسة المأمون ودهائه.

البيعة للإمام في جميع الأقطار:

وأمر المأمون جميع ولاته وعمّاله في جميع الأقطار والأقاليم الإسلامية بأخذهم البيعة للإمام الرضا بولاية العهد من جميع المواطنين، وهذه بعض الأقاليم التي أخذ منها البيعة.

1 - يثرب:

واستقبلت يثرب بجميع قطاعاتها الشعبية نبأ ولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام بمزيد من الأفراح والابتهاج، وسارع والي يثرب عبد الجبار المساحقي إلى الجامع النبوي ليأخذ البيعة من أهالي المدينة إلى الإمام بعد أن أمره المأمون بذلك، واعتلى أعواد المنبر فخطب الناس وكان من جملة خطابه: أيّها الناس هذا الأمر الذي كنتم فيه ترغبون، والعدل الذي كنتم تنتظرون، والخير الذي كنتم ترجون، هذا على بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم.

____________________

(1) الإمام علي الرضا ولي عهد المأمون (ص 62 - 65).

(2) ذكر أبو الفرج ان الإمام الرضا تزوج بابنة المأمون أم الفضل، وهو خطأ والصحيح انه تزوج بأم حبيب.


ستة آباؤهم من خير من يشرب صوب الغمام(1) .

لقد كانت البيعة للإمام الرضا من أهم ما تصبوا إليه الأمة الإسلامية، ومن أغلى أمانيها، فهي تتقرّب بفارغ الصبر رجوع الحكم للإمام؛ ليقيم فيها العدل الخالص، وينشر الأمن والرخاء في ربوعها، وينقذها من جور العباسيين وظلمهم.

2 - مصر:

وكتب المأمون إلى عامله على مصر (السري) يأمره بأخذ البيعة من المصريين لولي عهده الإمام الرضا، وقد ورد الكتاب على (السري) في شهر محرّم سنة (202 ه‍) وقام (السري) بأخذ البيعة إلى الإمامعليه‌السلام ، إلاّ أنّ إبراهيم بن المهدي شيخ المغنّين ببغداد قام في إفساد هذه البيعة فقد كتب إلى وجوه الجند وقادتهم بمصر يأمرهم بخلع المأمون وولي عهده، وبالوثوب على (السري)، وقد استجاب له جماعة منهم الحارث بن زرعة بن محزم بالفسطاط، و عبد العزيز الوزير الجروي بأسفل الأرض، وسلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي بالصعيد، وسليمان بن غالب بن جبريل، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الجبار الأزدي فناهضوا (السري)، ودعوا الناس إلى بيعة إبراهيم وجعلوا الوالي على مصر عبد العزيز الأزدي، فحاربهم (السري)، وظفر بعبد العزيز، وبجمع من أهل بيته فقتل بعضهم، وبعث ببعضهم مع ابنه عبد العزيز إلى المأمون فقتلهم، وهرب الباقون إلى الحروري وذلك لمنعته(2) وأخمدت بذلك الثورة، وبايع الناس إلى الإمام.

3 - مكّة:

ووجّه المأمون إلى مكّة المكرّمة عيسى الجلودي ليأخذ البيعة من أهلها للإمام، وكان في مكة مقيماً إبراهيم أخو الإمام الرضاعليه‌السلام ، ودعا عيسى المكيين إلى بيعة الإمام (علله السلام) والى لبس اللباس الأخضر، فاستجابوا له فرحين شاكرين، داعين للمأمون على تحقيق أمنيتهم، وأملهم في هذه البيعة(3).

4 - الكوفة:

وتلقّت الأكثرية الساحقة في الكوفة بمزيد من الفرح والسرور نبأ البيعة للإمام،

____________________

(1) العقد الفريد 5/226.

(2) الولاة وكتاب القضاء (ص 168).

(3) تاريخ اليعقوبي 3/277.


وقد عهد المأمون لأخذ البيعة من الكوفيين العباس نجل الإمام موسىعليه‌السلام ، وأمدّه إبراهيم بن عبد الحميد بمائة ألف درهم، وقال له: قاتل عن أخيك فإنّ أهل الكوفة يجيبونك إلى ذلك، وأنا معك، وقام العباس بهذه المهمّة فاستجاب له جمهور كبير منهم، وقال له قوم: إن كنت تدعو للمأمون ثم من بعده لأخيك فلا حاجة لنا في دعوتك، وإن كنت تدعو إلى أخيك أو بعض أهل بيتك أو إلى نفسك أجبناك، فقال لهم العباس: أنا أدعو إلى المأمون أوّلاً، ثم من بعده لأخي الرضا.

وامتنع هؤلاء من البيعة للإمام، وأخذوا يندّدون بمَن بايع، ويدعونهم إلى نكث البيعة، ولـمّا علم إبراهيم بن المهدي تخاذل أهل الكوفة أوعز إلى جيشه المقيم في النيل بقيادة سعيد، وأبي البيط، لإخضاع الكوفة، والقضاء على التمرّد، وسرت جيوش إبراهيم حتى انتهت إلى (القنطرة) قرب (دير الأعور) فاعترضتهم قوّة عسكرية بقيادة العلوية علي بن محمد بن جعفر، وأبي عبد الله شقيق الزعيم الكبير أبي السرايا فالتحمت معها، وأخيراً انتصرت جيوش إبراهيم بن مهدي.

وزحفت جيوش إبراهيم نحو (الكوفة)، وقد ارتدت اللباس الأسود، وكان شعارها (يا منصور لا طاعة للمأمون) وجبن أهل الكوفة من مناجزتهم فأرسلوا وفداً لطلب الأمان للعباس وجماعته من القائد العام لجيش إبراهيم فأجابهم إلى ذلك، وشرط عليهم أن يخرج العباس وأصحابه من الكوفة، وأقبل الوفد إلى العباس، وهو لا يعلم بذلك فقالوا له: إنّ عامة مَن معك غوغاء، وقد ترى ما يلقى الناس من الحرب والنهب والقتل فاخرج من بين أظهرنا لا حاجة لنا فيك(1) .

وخرج العباس من الكوفة وقد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير، واستبان له أنّ أهل الكوفة لا ذمّة لهم، ولا وفاء لهم بعهد ووعد ودخلت جيوش إبراهيم الكوفة، ولم تحدث أيّة مصادمات بينها وبين الجماعة التي بايعت الإمام بولاية العهد.

هذه بعض المناطق التي أخذت فيها البيعة للإمام الرضاعليه‌السلام بولاية العهد.

____________________

(1) تأريخ الطبري.


ناقدون للإمام:

ووجّه جماعة من الشيعة وغيرهم نقداً للإمام الرضاعليه‌السلام على قبوله لولاية العهد من قبل المأمون العباسي كان منهم:

1 - محمد بن عرفة:

واقبل محمد بن عرفة نحو الإمام، وقال له: (يا بن رسول الله ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟).

فأجابه الإمام:

(ما حمل جدّي أمير المؤمنينعليه‌السلام على الدخول في الشورى)(1)

لقد أرغم الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام على الدخول في الشورى التي عقدها عمر بن الخطاب لانتخاب الخليفة من بعده، وقد أعلن الإمام عن أساه

وحزنه لانضمامه مع أعضاء الشورى، قائلاً: (فيا لله وللشورى متى اعترض الريب في مع الأول حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر) وكما أرغم جده وأكره على الدخول في الشورى فكذلك أرغم هو على قبول ولاية العهد.

2 - رجل:

وأنكر عليه رجل تقلّده لولاية العهد قائلاً له:

(كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟).

فقالعليه‌السلام له:

- أيّهما أفضل النبي أو الوصي؟

- النبي.

- أيّهما أفضل المسلم أو المشرك؟

- لا بل المسلم.

- إنّ العزيز (عزيز مصر) كان مشركاً، وكان يوسف نبياً، وإنّ المأمون مسلم، وأنا وصي، ويوسف سأل العزيز أن يولّيه حين قال له: اجعلني على خزائن الأرض، وأنا أُجبرت على ذلك(2) .

____________________

(1) وسائل الشيعة 12 / 148.

(2) وسائل الشيعة 12 / 146.


3 - الريّان بن الصلت:

ودخل الريان بن الصلت على الإمام الرضاعليه‌السلام فقال له: (يا بن رسول الله إنّ الناس يقولون: إنّك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا؟)

فأجابه الإمام:

(قد علم الله كراهتي لذلك، فلمّا خيّرت بين قبول ذلك، وبين القتل اخترت القبول على القتل، ويحهم إنّ يوسف كان نبياً رسولاً، فلمّا دفعته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز، قال له: اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك، على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلاّ دخول خارج منه، فإلى الله المشتكى، وهو المستعان)(1) .

وأعرب الإمام عن كراهته البالغة وبغضه الشديد لهذا المنصب إلاّ أنّه أرغم وأجبر على ذلك.

4 - خارجي:

وأقبل خارجي يشتد نحو الإمام فقال له: أخبرني عن دخولك لهذا الطاغية فيما دخلت فيه، وهم عندك كفّار، وأنت ابن رسول الله (ص)، فما حملك على هذا؟

فقالعليه‌السلام :

وهؤلاء أكفر عندك أم عزيز مصر وأهل مملكته؟ أليس هؤلاء على حال يزعمون أنّهم موحِّدون، وأولئك لم يوحّدوا الله ولم يعرفوه، ويوسف بن يعقوب نبي ابن نبي، فسأل العزيز وهو كافر فقال:( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) وكان يجلس مجلس الفراعنة، وإنّما أنا رجل من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أجبرني على هذا الأمر، وأكرهني عليه، ما الذي أنكرت، ونقمت عليّ وراح الخارجي يقول: (أشهد أنّك ابن رسول الله، وانك صادق)(2) .

وأعرب الإمامعليه‌السلام في أحاديثه مع الناقدين له عن إرغامه على قبول ولاية العهد، فقد خيّر بينها وبين القتل فاختار ولاية العهد لإنقاذ نفسه من الهلاك الذي لا يعود بأيّة فائدة على القضية الإسلامية.

____________________

(1) وسائل الشيعة 12 / 147.

(2) وسائل الشيعة 12 / 149 - 150.


الناقمون على المأمون:

ونقمت القوى المعادية لأهل البيتعليهم‌السلام على المأمون لعقده بولاية العهد للإمام الرضا، واعتبروا ذلك تحويلاً للخلافة عن الأسرة العباسية التي ينعمون في ظلالها.

وكان من أشد الناقمين على المأمون الأسرة العباسية، فقد اعتبرت ذلك خطراً على مملكتهم، وقد قامت قيامتهم، وورمت أنوفهم، وقاموا بما يلي من الإجراءات:

خلع المأمون:

وخلع العباسيون بيعة المأمون، واعتبروها لاغيه، وأعلنوا أمام الجماهير عصيانهم للمأمون، وطلبوا من المواطنين رفض بيعته، وبيعة ولي عهده، فاستجاب لهم خلق كثير، وبذلك فلم تعد بيعة للمأمون في أعناقهم.

البيعة لإبراهيم بن شكلة:

وعمد العباسيون إلى بيعة عميدهم إبراهيم بن شكلة(1) شيخ المغنّين، والموسيقين في بغداد، ودعي له بالخلافة، وسمّي بالمرضي(2) وكانت خلافته موضع استهزاء وسخرية من قبل الأوساط الواعية والمفكّرة؛ وذلك لاستهتاره، وتحلّله من جميع القيم والأعراف وفيه يقول الشاعر الاجتماعي الثائر دعبل الخزاعي:

نصر ابن شكلة بالعراق وأهله

فهفا إليه كل أطلس مائقِ(3)

إن كان إبراهيم مضطلعاً بها

فلتصلحن من بعده لمخارقِ

ولتصلحن من بعد ذاك لزلزلٍ

ولتصلحن من بعده للمارقِ

أنّى يكون وليس ذاك بكائنٍ

يرث الخلافة فاسقٌ عن فاسقِ(4)

لقد سخر دعبل من الخلافة التي تولاّها هذا المائق المتحلّل، وإذا صلحت له فلتصلح من بعده لأقرانه المغنّين أمثال: زلزل ومخارق، ومن سخرية الأقدار أن تؤول الخلافة الإسلامية لإبراهيم، ويتولّى شؤون المسلمين وكان إبراهيم - فيما يقول

____________________

(1) شكلة: أم إبراهيم وكانت جارية سوداء، وكان إبراهيم شديد عظيم الجثة حتى قيل له التنين، وفيات الأعيان 1 / 20.

(2) تأريخ اليعقوبي.

(3) نعر: صاح، والأطلس: الذئب، والمائق: المغيظ الباكي.

(4) وفيات الأعيان 1 / 21، تأريخ بغداد لطيفور (ص 160).


المؤرّخون - من أعدى الناس لآل عليعليه‌السلام ، وحينما علم بعقد ولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام ورم أنفه وانتفخت أوداجه غيظاً وغضباً وأثر عنه من الشعر في ذلك هذه الأبيات:

فلا جزيت بنو العباس خيراً

على زعمي ولا اغتبطت بري

أتوني مهطعين وقد أتاهم

بوار الدهر بالخير الجلي

وحلّ عصائب الأملاك منها

وشدّت في رؤوس بني علي

فضجّت أن تشد على رؤوس

تطالبها بميراث النبي(1)

وفي عهده أصيبت الخزينة المركزية بالعجز، واجتمع الأجناد على بلاطه مطالبين بأرزاقهم، فخرج إليهم رسوله، وقال لهم: إنّه لا مال عنده، وطلب أحد الظرفاء، فقال: بدلاً من المال فليخرج الخليفة فيغنّي لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل ذلك الجانب ثلاثة أصوات(2) .

ونظم دعبل هذه الصورة المضحكة بقوله:

يا معشر الأجناد لا تقنطوا

وارضوا بما كان ولا تسخطوا

فسوف تعطون حنينية

يلتذّها الأمرد والأشمط(3)

والمعبديات لقوادكم

لا تدخل الكيس ولا تربط(4)

وهكذا يرزق قوّاده

خليفة مصحفه البربط(5)

قد ختم الصك بأرزاقكم

وصحّح العزم فلا تسخطوا

بيعة إبراهيم مشؤومة

يقتل فيها الخلق أو يقحطوا(6)

رسالة المأمون للعبّاسيين:

وتبودلت رسائل السب والقذف بين المأمون وأعمامه وأقربائه العباسيين، وكان من بينها هذه الرسالة التي بعثها المأمون للعباسيين(7) ، وهذا نصّها بعد البسملة:

____________________

(1) الولاة وكتاب القضاة (ص 168).                              (2) وفيات الأعيان 1 / 21.

(3) الأمرد: الذي لا لحية له، الأشمط: الذي له لحية.

(4) المعبديات: أصوات من الغناء تنسب إلى معبد المغني.

(5) البربط: الطبل.                                                  (6) عصر المأمون 3 / 255 - 256

(7) وهي جواب عن رسائلهم التي بعثوها للمأمون، وطلبوا منه الإجابة عليها فأجابهم بهذه الرسالة التي جرّدتهم من كل محتوى نبيل وشريف.


(الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآل محمد على رغم أنف الراغمين، أمّا بعد:

عرف المأمون كتابكم، وتدبير أمركم، ومخض زبدتكم، وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم، وعرفكم مقبلين ومدبرين، وما آل إليه كتابكم قبل كتابكم في مراوضة الباطل، وصرف وجوه الحق عن مواضعها، ونبذكم كتاب الله والآثار، وكلّما جاءكم به الصادق محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتى كأنّكم من الأمم السالفة، التي هلكت بالخسفة والغرق، والريح والصيحة والصواعق والرجم.

أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ والذي هو أقرب إلى المأمون من حبل الوريد، لولا أن يقول قائل: إنّ المأمون ترك الجواب عجزاً لما أجبتكم، من سوء أخلاقكم، وقلّة أخطاركم وركاكة عقولكم، ومن سخافة ما تأوون إليه من آرائكم، فليستمع مستمع، فليبلغ شاهد غائباً...).

وحفل هذا المقطع من كلام المأمون بما يلي:

1 - إنّه ابتدأ رسالته بالصلاة على النبي، ثم عطف عليه آله فصلّى عليهم وعقّب ذلك بقوله: (على رغم الراغمين) وعنى الراغمين بني العباس الذين جهدوا على محو ذكر آل النبي (ص)، وإزالة أرصدتهم الروحية والفكرية من دنيا الإسلام.

2 - إنّ المأمون مطّلع على خفايا نفوس العباسيين، وعالم بدخائل قلوبهم، عرفهم مقبلين ومدبرين، عرفهم مندفعين نحو الباطل نابذين للحق، تاركين لكتاب الله، وما جاء به الرسول الأعظم (ص).

3 - إنّه إنّما أجابهم عن رسائلهم لا عناية بهم، وإنّما كي لا يقال إنّه عاجز عن الجواب... ولنعد لنقرأ الفصل الثاني من رسالة المأمون.

(أمّا بعد: فإنّ الله تعالى بعث محمداً (ص) على فترة من الرسل، وقريش في أنفسها وأموالها، لا يرون أحداً يساميهم، ولا يباريهم، فكان نبينا (ص) أميناً من أوسطهم بيتاً، وأقلّهم مالاً فكان أول مَن آمن به خديجة بنت خويلد، فواسته بمالها، ثم آمن به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو ابن سبع سنين، لم يشرك بالله شيئاً طرفة عين، ولم يعبد وثناً، ولم يأكل رباً، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم، وكانت عمومة رسول الله إمّا مسلم مهين أو كافر معاند، إلاّ حمزة فإنّه لم يمتنع من الإسلام،


ولا يمتنع الإسلام منه، فمضى لسبيله على بينة من ربّه.

وأمّا أبو طالب فإنّه كفله وربّاه، ولم يزل مدافعاً عنه، ومانعاً منه، فلمّا قبض الله أبا طالب فهم القوم، واجتمعوا عليه ليقتلوه فهاجر إلى القوم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون مَن هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون...).

عرض هذا المقطع إلى بعثة الرسول الأعظم (ص) في مجتمع متكبّر يرى أنّه لا يدانيه، ولا يساويه أحد، وفي فجر الدعوة المشرقة ما آمن به إلاّ أم المؤمنين السيدة خديجة، وقد رصدت لدعوته جميع أموالها، ومن بعدها آمن به الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، وكان عمره الشريف سبع سنين، ولم يسجد لصنم ولم يعبد وثناً، وإنّما عبد الله تعالى عن إيمان وإخلاص.

أمّا أعمام النبي (ص) فكان فيهم المشرك والحاقد والضال، وهو أبو لهب.

وكان فيهم بطل الإسلام أسد الله الشهيد حمزة الذي أعزّ الله به الإسلام، ونافح عن الرسول بكل بسالة حتى استشهد.

وخيرة أعمام النبي (ص) هو أبو طالب الذي آمن بالإسلام واعتنق أهدافه ومبادئه، ووقف إلى جانب الرسول (ص) يحميه، ويدفع عنه كيد المعتدين، ولـمّا انتقل هذا العملاق العظيم إلى حظيرة القدس، فقد النبي (ص) المحامي والمدافع عنه، وهمّت قريش بقتله فخرج (ص) مهاجراً إلى (يثرب) فاتخذها مقرّاً لدعوته، وعاصمة لحكومته، فقد وجد فيها الصفوة الصادقة المتفانية في الذب عنه، ولنعد إلى فصل آخر من فصول هذه الرسالة:

(ولم يقم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي طالب، فإنه آزره، ووقاه بنفسه، ونام في مضجعه، ثم لم يزل بعد مستمسّكاً بأطراف الثغور، وينازل الأبطال، ولا ينكل عن قرن، ولا يولّي عن جيش، منيع القلب يؤمر على الجميع، ولا يؤمر عليه أحد، أشد الناس وطأة على المشركين، وأعظمهم جهادا في الله، وأفقههم في دين الله، وأقرأهم لكتاب الله وأعرفهم بالحلال

والحرام.

وهو صاحب الولاية في حديث (غدير خم) وصاحب قوله (ص): (أنت منّي


بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي) وصاحب يوم الطائف، وكان أحب الخلق إلى الله تعالى والى رسول الله (ص)، وصاحب الباب فتح له، وسد أبواب المسجد وهو صاحب الراية يوم خيبر، وصاحب عمرو بن عبد ود في المبارزة، وأخو رسول الله (ص) حين آخى بين المسلمين.

وهو منيع جزيل، وهو صاحب آية( ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ) وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، وهو ختن خديجة، وهو ابن عم رسول الله (ص) رباه وكفله، وهو ابن أبي طالب في نصرته وجهاده، وهو نفس رسول الله (ص) في يوم المباهلة.

وهو الذي لم يكن أبو بكر وعمر يتقلدان أمرا حتى يسألانه عنه، فما رأى أنفذاه، ولم يره ردّاه، وهو دخل من بني هاشم في الشورى، ولعمري لو قدر أصحابه على دفعه عنه، كما دفع العباس رضوان الله عليه، ووجدوا إلى ذلك سبيلاً لدفعوه.

فأمّا تقديمكم العباس عليه، فإنّ الله تعالى يقول:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ) .

والله لو كان ما في أمير المؤمنين من المناقب والفضائل والآي المفسّرة في القرآن خلّة واحدة في رجل من رجالكم أو غيره؛ لكان مستأهلاً للخلافة، مقدّماً على أصحاب رسول الله (ص) بتلك الخلّة، ثم لم تزل الأمور تترقّى به إلى أن ولي أمور المسلمين فلم يعن بأحد من بني هاشم إلاّ بعبد الله بن عباس، تعظيماً لحقه، ووصلة لرحمه، وثقة به فكان من أمره الذي يغفر الله له...).

وعرض هذا المقطع إلى بعض فضائل الإمام أبي الحسين رائد الحكمة والعلم في دنيا الإسلام، والتي منها دفاعه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد آزره، ووقاه بنفسه ومهجته، وبات على فراشه حينما احتمت قريش على قتلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد نازل الأبطال، فحصد رؤوسهم دفاعا عن الإسلام، فكان من أشدّ الناس وطأة على الكافرين والملحدين، فما أعظم عائدته على الإسلام!

ومن فضائله أنّه كان أعلم المسلمين، وأفقههم، وأكثرهم إحاطة ودراية بأحكام الدين، وشريعة سيد المرسلين وقد عقد النبي (ص) له الولاية، وجعله خليفة من بعده في (غدير خم) وقال مقالته الذائعة: (مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه


اللهم من والاه، وعاد من عاداه)، وأشاد النبي (ص) به مرّة أخرى فقال له: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي).

وكان من سموّ منزلته، وعظيم شأنه عند النبي (ص) أنّه أمر بسد جميع الأبواب التي كانت على جامعه الأعظم، ولم يستثن منها إلاّ باب علي فإنّها ظلّت مفتوحة، لم تغلق، ومن مناقبه أنّه صاحب الراية (يوم خيبر )، فهو الذي فتح حصون (خيبر ) وقضى على اليهود، وهو صاحب عمرو بن عبد ود الذي جبن المسلمون عن منازلته، فلم يبرز إليه سوى بطل الإسلام وحاميه الإمامعليه‌السلام .

ومن مناقب الإمام أمير المؤمنين أنّ النبي (ص) لـمّا آخى بين المسلمين، فبقي علي وحده فآخاه النبي (ص) وقال له: يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة.

ومن مناقبه وفضائله أنّه نزلت فيه وفي ولديه وزوجته سيدة نساء العالمين الآية الكريمة( ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ) .

ومن مناقبه أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله زوّجه بسيدة نساء المسلمين وبضعته فاطمة الزهراءعليها‌السلام فلم يكن لها كفوء سواه.

ومن عظيم مناقبه أنّه نفس النبي (ص) كما دلّت على ذلك بوضوح آية المباهلة، فكان سلام الله عليه بمواهبه وعبقرياته امتداداً ذاتياً لشخصية الرسول

الكريم التي ملأت الآفاق نوراً.

ونظراً لسموّ ذاته، وعظيم مكانته كان أبو بكر وعمر لا ينفذان أمراً حتى يأخذا رأيه فيه، ومن الطبيعي أنّ ذلك الأمر ممّا يتعلّق بأحكام الدين.

وفي هذا المقطع أنّه لو وجدت بعض فضائل الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في رجل من المسلمين لكان أهلاً ليتقلّد الخلافة والإمرة على المسلمين، هذا بعض ما قاله المأمون في هذا المقطع، ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الرسالة يقول:

(ثم نحن وهم يد واحدة - كما زعمتم - حتى قضى الله تعالى بالأمر إلينا،

فأخفناهم، وضيّقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إيّاهم، ويحكم إنّ بني أمية إنّما قتلوا مَن سلّ منهم سيفاً، وإنّا معشر بني العباس قتلناهم جملاً فلتسألن أعظم الهاشمية، بأيّ ذنبٍ قتلت، ولتسألن نفوساً ألقيت في دجلة والفرات، ونفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء، هيهات، إنّه مَن عمل مثقال ذرة خير يره، ومَن يعمل مثقال


ذرة شراً يره).

عرض هذا المقطع إلى بعض ما جرى على آل النبي (ص) من المأسي من حكّام بني العباس، فقد جهدوا على ظلمهم، وتصفيتهم جسدياً، يقول المنصور الدوانيقي للإمام الصادقعليه‌السلام : (لأقتلنّك، ولأقتلن أهلك، حتى لا أبقي منكم قامة سوط)(1) .

وقال المنصور: (قتلت من ذرّية فاطمة ألفاً أو يزيدون، وتركت سيّدهم ومولاهم جعفر بن محمد...)(2) .

وقال إسماعيل الديباج عندما هرب من المنصور:

لم يروه ما أراق البغي من دمنا

في كل أرض فلم يقصر من الطلبِ

وليس يشفي غليلاً في حشاه سوى

أن لا يرى فوقها ابنا لبنت نبي(3)

وقد عرض المأمون إلى ألوان رهيبة ممّا صبّه العباسيون على السادة العلويين من المآسي، والتي منها:

أ - إبادة العلويين جملاً.

ب - إلقاؤهم وهم أحياء في حوض دجلة والفرات حتى ماتوا غرقاً.

ج - دفنهم وهم أحياء في بغداد والكوفة.

إلى غير ذلك من صنوف الإرهاق والتنكيل الذي عاناه أبناء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من العباسيين...

ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الرسالة:

(وأمّا ما وصفتم في أمر المخلوع، وما كان فيه من لبس، فلعمري ما لبس عليه أحد غيركم، إذ هونتم عليه النكث، وزينتم له الغدر، وقلتم له: ما عسى أن يكون من أمر أخيك، وهو رجل مغرب، ومعك الأموال والرجال، نبعث إليه فيؤتى به، فكذبتم ودبرتم، ونسيتم قول الله تعالى:( ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ) وأعرب المأمون - في هذا المقطع - عن الأحداث التي جرت بينه وبين أخيه الأمين، وإنّها

____________________

(1) المناقب 3 / 357، البحار 47 / 178.

(2) الأدب في ظل التشيع (ص 68).

(3) النزاع والتخاصم للمقريزي (ص 51).


تستند إلى العباسيين فهم الذين حبّبوا إليه خلع المأمون والنكاية به، ولم يكن ما وقع عن رأي الأمين وتدبيره، وهذا فصل آخر من هذه الرسالة:

(وأمّا ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا فما بايع له المأمون إلاّ مستبصراً في أمره، عالماً بأنّه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلاً، ولا أظهر عفّة، ولا أورع ورعاً، ولا أزهد زهداً في الدنيا، ولا أطلق نفساً، ولا أرضى في الخاصة والعامة، ولا أشد في ذات الله منه، وأنّ البيعة له لموافقة رضى الربّ عزّ وجل، ولقد جهدت وما أجد في الله لومة لائم.

ولعمري لو كانت بيعتي محاباة لكان العباس ابني وسائر ولدي أحبّ إلى قلبي، وأحلى في عيني، ولكن أردت أمراً، وأراد الله أمراً، فلم يسبق أمري أمر الله).

وحكى هذا المقطع بيعته للإمام الرضاعليه‌السلام بولاية العهد، وأنّها لم تكن محاباة، أو اندفاعاً وراء العواطف والأهواء، وإنّما كانت عن اجتهاد وتبصّر، وتدبّر في أمور المسلمين؛ وذلك لما يتمتّع به الإمام العظيم من الصفات الرفيعة، والتي منها:

أ - إنّ الإمام أفضل إنسان على وجه الأرض.

ب - إنّ الإمام أعفّ إنسان.

ج - الورع عن محارم الله.

د - إجماع المسلمين على تعظيمه، وتقديمه بالفضل على غيره.

ه‍ - إنّهعليه‌السلام لا تأخذه في الله لومة لائم.

وهذه الصفات هي التي دفعت المأمون إلى البيعة للإمام بولاية العهد، ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الرسالة يقول:

(وأمّا ما ذكرتم ممّا مسّكم من الجفاء في ولايتي فلعمري ما كان ذلك إلاّ منكم بمظافرتكم علي، وممايلتكم إيّاه، فلمّا قتلته، وتفرّقتم عباديد فطوراً أتباعاً لابن أبي خالد، وطوراً أتباعاً لأعرابي، وطوراً أتباعاً لابن شكلة، ثم لكل مَن سلّ سيفاً عليّ، ولولا أنّ شيمتي العفو، وطبيعتي التجاوز ما تركت على وجهها منكم أحداً، فكلكم حلال الدم محل بنفسه).

وأعرب المأمون عن الجفاء والحرمان الذي لحق بالعباسيين في عهده، فإنّهم هم السبب في ذلك، فقد أيّدوا الأمين وناصروه، ولـمّا قُتل انضموا إلى كل مَن أعلن


التمرّد على حكومته أمثال: إبراهيم بن شكلة، وغيره؛ وبذلك فقد ملأوا قلب المأمون حقداً عليهم، ولولا أنّ طبيعته التجاوز - كما يقول - لما أبقى عباسياً على وجه الأرض، وهذا فصل آخر من رسالته يقول:

(وأمّا ما سألتم من البيعة للعباس ابني... أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ويلكم إنّ العباس غلام حدث السن، ولم يؤنس رشده، ولم يمهل وحده، ولم تحكمه التجارب، تدبّره النساء، وتكلّفه الإماء، ثم لم يتفقّه في الدين، ولم يعرف حلالاً من حرام إلاّ معرفة لا تأتي به رعية، ولا تقوم به حجّة، ولو كان مستأهلاً قد أحكمته التجارب، وتفقّه في الدين، وبلغ مبلغ أمير العدل في الزهد في الدنيا، وصرف النفس عنها ما كان له عندي إلاّ ما كان لرجل من عك وحمير، فلا تكثروا من هذا المقال فإنّ لساني لم يزل مخزوناً عن أمور وأنباء كراهية أن تخنث النفوس عندما تنكشف، علماً بأنّ الله بالغ أمره، ومظهر قضاه يوماً.

فإذا أبيتم إلاّ كشف الغطاء، وقشر العظاء، فالرشيد أخبرني عن آبائه، عمّا وجده في كتاب الدولة وغيرها، أنّ السابع من ولد العباس، لا يقوم لبني العباس بعده قائمة، ولا تزال النعمة متعلّقة عليهم بحياته، فإذا أودعت فودعها، إذا فقدتم شخصي فاطلبوا لأنفسكم معقلاً، وهيهات مالكم إلاّ السيف، يأتيكم الحسني الثائر البائر، فيحصدكم حصداً، أو السفياني المرغم، والقائم المهدي لا يحقن دماءكم إلاّ بحقّها...).

وحفل هذا المقطع بذكر الأسباب التي دعت المأمون إلى عدم ترشيح ولده العباس لولاية العهد، فإنّه لم يستجمع الشرائط التي ينبغي توفّرها في ولي العهد من العلم والفضل والتقوى وغيرها، فقد كان العباس غلاماً لم تهذّبه الأيام، ولم تصقله التجارب، ولم يقم على تكوينه علم أو ثقافة، وإنّما كان صبياً تدير أموره النسوان، وتدبّر شؤونه الأمهات، فكيف يصح أن يرشّحه لهذا المنصب الخطير؟

وأضاف المأمون بعد هذا إلى أنّ الرشيد أخبره عمّا وجده في كتاب الدولة من أنّ نهاية الدولة العباسية تكون بعد الملك السابع من بني العباس، وبعده لا تقوم للعباسيين قائمة.

وقد أخطأ الرشيد فقد استمرّت الدولة العباسية بعد السابع من ملوكهم، وكانت نهايتها على يد هولاكو التتار، فقد حصد رؤوس العباسيين، وأزال ملكهم


وسلطانهم... ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الرسالة يقول:

(وأمّا ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى بعد استحقاق لها في نفسه، واختيار منّي له، فما كان ذلك منّي إلاّ أن أكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم، باستدامة المودّة بيننا وبينهم، وهي الطريق أسلكها في إكرام آل أبي طالب، ومواساتهم في الفيء بيسير ما يصيبهم منه...).

وأعرب المأمون أنّ بيعته للإمام الرضاعليه‌السلام كانت من أجل صالح العباسيين، ففي هذه البيعة قد حقن دماءهم، ولعلّ سبب ذلك هو انفجار البلاد

بثورات متصلة تنادي للرضا من آل محمد (ص) ليقيم في ربوع الوطن العدل السياسي والعدل الاجتماعي، وحينما جاء بالإمام الرضا ونصبه ولي عهده خمدت تلك الثورات، ولو استمرّت لقضت على الحكم العباسي، وقضت على العباسيين...

ونعود لفصل آخر من هذه الرسالة يقول:

(وإن تزعموا أنّي أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة فإنّي في تدبيركم والنظر لكم ولعقبكم، وأبنائكم من بعدكم وأنتم ساهون، لاهون، تائهون، في غمرة تعمهون لا تعلمون ما يراد بكم، وما أظللتم عليه من النقمة، وابتزاز النعمة، همّة أحدكم أن يمسي مركوباً، ويصبح مخموراً، تباهون بالمعاصي، وتبتهجون بها، وآلهتكم البرابط، مخنّثون مأفونون، لا يتفكّر متفكّر منكم في إصلاح معيشة، ولا استدامه نعمة، ولا اصطناع مكرمة، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ مَن أتى الله بقلب سليم.

أضعتم الصلاة، واتبعتم الشهوات، وأكببتم على اللذات فسوف تلقون غيّاً، وأيم الله لربّما أفكر في أمركم فلا أجد أمّة من الأمم استحقوا العذاب حتى نزل بهم لخلّة من الخلال إلاّ أصبت تلك الخلّة بعينها فيكم، مع خلال كثيرة لم أكن أظن أنّ إبليس اهتدى إليها، ولا أمر بالعمل بها، وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز عن قوم صالح أنّه كان فيهم تسعة رهط يفسدون في الأرض، وقد اتخذتموهم شعاراً ودثاراً، استخفافاً بالمعاد وقلّة يقين بالحساب، وأيّكم له رأي يتبع أو روية تنفع فشاهت الوجوه، وعفرت الخدود...).

لقد وصف المأمون أسرته بأقبح الصفات التي لا يتصف بها إلاّ أراذل البشر، وشذّاذ الآفاق، لقد صوّرهم بصورة تشمئز منها النفوس، ويترفّع عنها أقل الناس


إحساساً...

ولنستمع إلى فصل آخر من رسالته يقول:

(وأمّا ما ذكرتم من العثرة كانت في أبي الحسن نوّر الله وجهه، فلعمري إنّها عندي للنهضة والاستقلال الذي أرجو به قطع الصراط، والأمن والنجاة من الخوف يوم الفزع الأكبر، ولا أظن عملاً هو عندي أفضل من ذلك إلاّ أن أعود بمثلها إلى مثله، وأين لي بذلك وأين لكم بتلك السعادة...).

لقد رد المأمون على أسرته التي عابت عليه عقده بولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام ، وأنّه قد عثر بذلك عثرة لا تغفر، فأجابهم أنّه قد خطا بذلك خطوة كبرى لنهضة الأمّة واستقلالها، فقد رشّح لزعامتها أفضل إنسان على وجه الأرض يقيم الحق، وينشر العدل، ويعيد للإسلام كرامته...

وهذا فصل آخر من هذه الرسالة يقول:

(وأمّا قولكم: إنّي سفهت آراء آبائكم، وأحلام أسلافكم، فكذلك قال مشركو قريش:( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) ويلكم إن الدين لا يؤخذ إلا من الأنبياء، فافقهوا، وما أراكم تعقلون).

وردّ المأمون بهذا الكلام على ما زعمته أسرته من أنّه سفه آراء آبائه، وأفسد أحلام أسلافه، وذلك ببرّه وإحسانه إلى آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّ هذا المنطق الهزيل قد تمسك به المشركون من قبل حينما دعاهم الرسول الأعظم إلى كلمة التوحيد فرفضوا ذلك فقالوا: (انا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)...

ولنستمع إلى الفصل الأخير من هذه الرسالة يقول:

(وأمّا تعييركم إياي: بسياسة المجوس، وإيّاكم فما أذهبكم (الأنفة) في ذلك، ولو ساستكم القردة والخنازير، وما أردتم إلاّ أمير المؤمنين، ولعمري لقد كانوا مجوساً فأسلموا كآبائنا وأمهاتنا في القديم، فهم المجوس الذين أسلموا، وأنتم المسلمون الذين ارتدوا، فمجوسي أسلم خير من مسلم ارتد فهم يتناهون عن المنكر، ويأمرون بالمعروف، ويتقربون من الخير، ويتباعدون من الشر، ويذبون عن حرم المسلمين، يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر، ويتباشرون بما نال الإسلام وأهله من الخير... منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.


وليس منكم إلاّ لاعب بنفسه، مأفون في عقله، إمّا مغن، أو ضارب دف، أو زامر، والله لو أنّ بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا فقيل لهم: لا تأنفوا من معائب تنالوهم بها لما زادوا على ما صيّرتموه لكم شعاراً ودثاراً، وصناعة وأخلاقاً.

ليس منكم إلاّ مَن إذا مسّه الشر جزع، وإذا مسّه الخير منع، ولا تأنفون، ولا ترجون إلاّ خشية، وكيف يأنف من يبيت مركوباً، ويصبح بإثمه معجباً، كأنّه قد اكتسب حمداً، غايته بطنه وفرجه، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل، أو ملك مقرّب، أحب الناس مَن زيّن له معصية، أو أعانه في فاحشة، تنظفه المخمورة، وتربده المطمورة، مشتّت الأحوال، فإن ارتدعتم ممّا أنتم فيه من السيئات والفضائح، وما تهذرون به من عذاب ألسنتكم وإلاّ فدونكم تعلو بالحديد، ولا قوّة إلاّ بالله، وعليه توكّلي وهو حسبي...)(1) .

وانتهت هذه الرسالة، وقد أدلى المأمون في أواخرها بعيوب أسرته وفضائحها، ولا أعلم أنّ أسرة عربية قد وصمت بمثل الفضائح التي ذكرها المأمون، والتي انتهت بهذه الأسرة إلى مستوى سحيق ماله من قرار.

____________________

(1) البحار 49 / 208 - 214 الطبعة الحديثة، حياة الإمام الرضا (ص 453 - 460) وقد نقلناها منه.


شؤون الإمام في (خراسان)

ولا بد لنا من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون الإمام الرضاعليه‌السلام حينما كان مقيماً في (خراسان)، وفيما يلي ذلك:

وفادة الشعراء على الإمام:

وبادرت كوكبة من أعلام الشعر العربي في ذلك العصر نحو الإمام الرضاعليه‌السلام تقدّم له تهانيها، وتبريكاتها لتولّيه ولاية العهد، كان منهم: الشاعر الكبير دعبل الخزاعي، الثائر على الظلم والجور، والمعبّر عن آلام المظلومين والمضطهدين، ومنهم: الشاعر الملهم إبراهيم بن العباس الصولي نابغة عصره في الأدب نظماً ونثراً(1) ، ومنهم: الأديب الكبير الشاعر رزين بن علي شقيق دعبل الخزاعي.

وقبل سفرهم إلى (خراسان) قال دعبل لإبراهيم:

إنّي أريد أن أصحبك إلى خراسان؟ فقال له إبراهيم:

(حبذا أنت صاحباً ومصحوباً، إن كنّا على شريطة بشار...).

____________________

(1) عرضنا لترجمته في البحث عن أصحاب الإمام ورواة حديثه.


وبادر دعبل قائلاً:

(ما شريطته؟...).

قال قوله:

أخ خير من آخيت أحمل ثقله

ويحمل عنّي إذا حملته ثقلي

أخ إن نبا دهر بنا كنت دونه

وإن كان كون كان لي ثقة مثلي

أخ ماله لي لست أرهب بخله

ومالي له لا يرهب الدهر من بخلي(1)

وفي أثناء سفرهم قطع عليهم الطريق فاضطرّوا إلى ركب حمير تحمل الشوك، فقال إبراهيم:

أعيدت بعد حمل الشوك أحمالاً من الخزف

نشاوى لا من الخمر بل من شدّة الضعف

وقال: لرزين أجز هذا، فقال:

فلو كنتم على هذا تصيرون إلى النصف

تساوت حالكم فيه ولم تبقوا على الخصف

ثم قال لدعبل: أجز هذا يا أبا علي، فقال:

إذا فات الذي فات فكونوا من ذوي الظرف

وخفوا نقصف اليوم فإنّي بايع خفي(2)

وانتهت قافلة هؤلاء الأعلام تطوي البيداء لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى خراسان، وفور وصولهم، بادروا إلى مقابلة الإمامعليه‌السلام فأنشده دعبل تائيته الخالدة التي سنذكرها، وأنشده إبراهيم بن العباس قصيدته التي لم يرو المؤرّخون منها إلاّ هذا البيت:

أزالت عناء القلب بعد التجلّدِ

مصارع أولاد النبي محمّدِ

واحتفى بهم الإمام، وقابلهم بمزيد من الحفاوة والتكريم.

جائزة الإمام لدعبل:

ووهب الإمام إلى دعبل صرّة فيها عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه(3) ، ولم تكن تلك الدراهم قد وقعت في يد أحد قبل دعبل، فرفض دعبل

____________________

(1) تأريخ ابن عساكر 5 / 331.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 141 - 142.

(3) الأغاني 18 / 29، معجم الأدباء 4 / 194، وفي رجال الكشي (ص 314) أنّه أعطاه ست مائة دينار، وفي الإتحاف أنّه أعطاه مائة دينار وهو بعيد عمّا عرف به الإمام من الكرم والسخاء.


أخذها، وقال: لا والله ما هذا أردت، ولا له خرجت، وإنّما جئت للتشرّف به، والنظر إلى وجهه، وطلب من خادم الإمام أن يهب الإمام له ثوباً من ثيابه، فأنفذ إليه الإمام بجبّة خز(1) مع الدراهم، وقال له: خذ هذه الصرة فإنّك ستحتاج إليها.

وانصرف دعبل حتى انتهى إلى (قم)، وقد أذيع فيها حديث جبّة الإمامعليه‌السلام فسارع القميّون إلى دعبل، وسألوه أن يبيع إليهم الجبّة بثلاثين ألف درهم(2) فأبى وسار عن (قم) فلحقه قوم من القميّين، وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال، وإلاّ فأنت أعلم، فقال لهم: إنّي والله لا أعطيكم إيّاها طوعاً، ولا تنفعكم غصباً، فإنّها إنّما تراد لله عزّ وجل، وهي محرّمة عليكم، وحلف أن لا يبيعها إليهم إلاّ أن يعطوه بعضها لتكون في كفنه فأعطوه كمّاً واحداً فكان في أكفانه(3) ، ويقول الرواة:

إنّ جارية لدعبل كانت أثيرة عنده قد مرضت فعصبها دعبل بما عنده من جبّة الإمامعليه‌السلام فبرأت(4) .

وأمّا الدراهم فقد باع دعبل كل درهم منها بعشرة دراهم إلى أهالي (قم) فبلغت حصّته مائة ألف درهم(5) .

جائزة إبراهيم من الإمام:

ومنح الإمامعليه‌السلام إبراهيم الصولي عشرة آلاف درهم من الدراهم التي ضُرب عليها اسمه الشريف، ولم يبعها إبراهيم وإنّما بقيت عنده(6) فتصرّف في بعضها، وبقي الآخر عنده حتى توفّي.

القصيدة الخالدة لدعبل:

وتعد قصيدة دعبل التي ألقاها على الإمام الرضاعليه‌السلام من ذخائر

____________________

(1) مقدمة ديوان دعبل (ص 52).

(2) في رجال النجاشي (ص 197) وفي البحار 12 / 71 أنّ الإمام خلع عليه قميصاً أخضر، وخاتماً فصّه عقيق، وقال له: احتفظ بهذا القميص فقد صلّيت فيه ألف ليلة بألف ركعة، وختمت فيه القرآن ألف ختمة.

(3) الأغاني 18 / 29. معجم الأدباء 4 / 194.

(4) البحار 12 / 71.

(5) أمالي المرتضى 1 / 484.

(6) أمالي المرتضى 1 / 484.


الأدب العربي، ومن مناجم التراث الإسلامي، وهي من أشهر قصائد دعبل، وقد أثرّت في نفس الإمام تأثيراً بالغاً، حتى بكى، وأغمى عليه ثلاث مرات(1) ؛ لأنّه عرض فيها الفجائع القاسية التي حلّت بأهل البيتعليهم‌السلام ، وقد كتبها دعبل في ثوب وأحرم فيه وأوصى أن يكون في أكفانه(2) .

وقد انتشرت قصيدة دعبل انتشاراً هائلاً في ذلك العصر، وقد سمعها المأمون فأعجب بها، وطلب من دعبل أن يقرأها عليه، وقال له: لا بأس عليك ولك الأمان من كل شيء فيها، وقد رويتها إلاّ إنّي أحب أن أسمعها من فيك، فأنشدها والمأمون يبكي حتى اخضلّت لحيته من دموعه(3) .

ومن طريف ما ينقل عن هذه القصيدة الغرّاء أنّ دعبل لـمّا سار من (مرو) في قافلة قطع عليهم اللصوص الطريق، وأخذوا كل ما معهم، واتفق أنّ لصّاً كان ينهب ما عند دعبل وينشد بيتاً من قصيدته التي ألقاها على الإمام وهو:

أرى فيئهم في غيرهم متقسماً

وأيديهم من فيئهم صفرات

فقال له دعبل: لـمَن هذا البيت؟ فقال له لرجل من خزاعة يقال له دعبل، فقال له: أنا دعبل، ثم أنشده القصيدة فذهل ونادى ببقية اللصوص أن يردوا على القافلة ما أخذوه منها تكريماً لشاعر أهل البيت فردّوه عليهم(4) .

ونظراً لأهمية هذه القصيدة فقد انبرى جمع من الأعلام إلى شرحها، ومن بين هذه الشروح:

1 - شرح السيد نعمة الله الجزائري.

2 - شرح كمال الدين محمد بن محمد الشيرازي.

3 - شرح الحاج ميرزا علي التبريزي(5) .

نصّ القصيدة:

ونقل المغفور له الفاضل عبد الصاحب الدجيلي نصّ القصيدة في ديوان دعبل

____________________

(1) الأغاني 18 / 42.

(2) معجم الأدباء 4 / 194.

(3) الأغاني 18 / 42.

(4) نور الأبصار (ص 147)، الإتحاف (ص 163) البحار 12 / 71، مقدمة ديوان دعبل (ص 53).

(5) الذريعة.


عن جمهرة من المصادر المخطوطة والمطبوعة ونحن ننقلها عنه، وهذا نصها:

1 - تجاوبن بالإرنان والزفرات = نوائح عجم اللفظ والنطقاتِ

2 - يخبرن بالأنفاس عن سرّ أنفسٍ = أسارى هوى ماضٍ وآخر آتِ

3 - فأسعدن أو أسعفن حتى تقوّضت = صنوف الدجى بالفجر منهزماتِ

4 - على العرصات الخاليات من المها = سلام شجٍ صبٍّ على العرصاتِ

5 - فعهدي بها خضر المعاهد مألفاً = من العطرات البيض والخفراتِ

6 - ليالي يعدّين الوصال على القلى = وبعد تدانينا على الغرباتِ

7 - وإذ هنّ يلحظن العيون سوافراً = ويسترن بالأيدي على الوجناتِ

8 - وإذ كل يوم لي بلحظي نشوة = يبيت لها قلبي على نشواتِ

9 - فكم حسراتٍ هاجها بمحسّر = وقوفي يوم الجمع من عرفاتِ(1)

10 - ألم تر للأيام ما جرّ جورها = على الناس من نقصٍ وطول شتاتِ

11 - ومن دول المستهترين ومن غدا = بهم طالباً للنور في الظلمات(2)

12 - فكيف ومن أنّى يطالب زلفةً = إلى الله بعد الصوم والصلواتِ

13 - سوى حبّ أبناء النبي ورهطه = وبغض بني الزرقاء والعبلاتِ(3)

14 - وهند وما أدّت سمية وابنها = أولو الكفر في الإسلام والفجراتِ(4)

15 - همُ نقضوا عهد الكتاب وفرضه = ومحكمه بالزور والشبهاتِ(5)

16 - ولم تك إلاّ محنة كشفتهم = بدعوى ضلالٍ من هن وهناتِ

17 - تراثٌ بلا قربى وملكٌ بلا هدى = وحكمٌ بلا شورى بغير هداتِ(6)

18 - رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرةً = وردّت أُجاجاً طعم كل فراتِ

19 - وما سهلت تلك المذاهب فيهم = على الناس إلاّ بيعة الفلتاتِ(7)

____________________

(1) محسّر وعرفات: اسمان لموضعين في مكة المكرّمة.

(2) دول المستهترين: هي دول بني أمية، ودول بني العباس، الذين استهانوا بجميع الأعراف والقيم الإسلامية.

(3) بنو الزرقاء: هم أبناء مروان طريد رسول الله (ص)، والزرقاء أمّه، وهي من النساء الفاجرات في الجاهلية، والعبلات إحدى قبائل قريش.

(4) هند: أم معاوية الصحابي المزعوم صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام، وسمية: اسم لام زياد الإرهابي المجرم.

(5) يشير إلى الحكم الأموي الذي نقض عهد الله، وخاس بجميع القيم الإسلامية.

(6) يشير إلى أنّ الحكم الأموي لم يستند إلى الشورى ولا إلى القربى.

(7) يشير إلى بيعة أبي بكر التي وصمها عمر بقوله: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها.


20 - وما نال أصحاب السقيفة إمرة = بدعوى تراثٍ، بل بأمر تراتِ(1)

21 - ولو قلّدوا الموصى إليه زمامها = لزمت بمأمون من العثراتِ(2)

22 - أخا خاتم الرسل المصفّى من القذى = ومفترس الأبطال في الغمراتِ(3)

23 - فإن جحدوا كان الغدير شهيده = وبدر وأحد شامخ الهضباتِ(4)

24 - وآي من القرآن تتلى بفضله = وإيثاره بالقوت في اللزباتِ(5)

25 - وغرُّ خلالٍ أدركته بسبقها = مناقب كانت فيه مؤتنفاتِ

26 - مناقب لم تدرك بكيدٍ ولم تنل = بشيء سوى حد القنا الذرباتِ

27 - نجيٌّ لجبريل الأمين وأنتمُ = عكوف على العزى معاً ومناةِ(6)

28 - بكيت لرسم الدار من عرفات = وأذريت دمع العين بالعبراتِ

29 - وفك عرى صبري وهاجت صبابتي = رسوم ديارٍ أقفرت وعراتِ

30 - مدارس آياتٍ خلت من تلاوةٍ = ومنزل وحيٍ مقفر العرصاتِ(7)

31 - لآل رسول الله بالخيف من منى = وبالركن والتعريف والجمراتِ(8)

32 - ديار عليٍّ والحسين وجعفرٍ = وحمزة والسجّاد ذي الثفناتِ(9)

____________________

(1) السقيفة: التي أرادها دعبل هي سقيفة بني ساعدة التي تآمروا فيها على الخلافة، والنبي مسجّى لم يدفن، وقد أسفر هذا المؤتمر عن إقصاء الإمام أمير المؤمنين عن مركز الخلافة الأمر الذي جرّ للمسلمين الويلات والدمار.

(2) الوصي: هو الإمام أمير المؤمنين وصي رسول الله وباب مدينة علمه، ولو تقلّد الخلافة لصان المسلمين من العثرات.

أخو خاتم الرسل: وهو الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام فقد قال له النبي: يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة.

(4) الغدير: هو الموضع المعروف الذي عقد فيه النبي (ص) البيعة للإمام أمير المؤمنين، وبيعة الغدير جزء من الإسلام فمَن أنكرها فقد أنكر الإسلام كما يقول بعض أعلام العصر.

(5) الآيات الواردة في الإمام علي منها: آية المباهلة، وآية المودّة، وآية التطهير، وآية التصدّق بالخاتم، وغيرها من الآيات التي أشادت بعملاق الإسلام.

(6) العزى ومناة: صنمان لقريش كانوا يعبدونهما من دون الله.

(7) يشير إلى بيوت السادة أبناء النبي الذين حصدتهم سيوف الأمويين والعباسيين حتى أقفرت بيوتهم من تلك الكواكب المشرقة بنور الإيمان والتوحيد.

(8) هذه المواضع المقدّسة التي ذكرها دعبل هي التي كان يقيمون فيها السادة العلويون فيحيون لياليهم فيها بالعبادة إلى الله وتلاوة كتابه.

(9) ذو الثفنات: هو لقب لسيّد الساجدين والعابدين الإمام زين العابدين فقد كانت له ثفنات كثفنات البعير في مواضع سجوده من كثرة سجوده لله.


33 - ديار لعبد الله والفضل صنوه = نجي رسول الله في الخلواتِ

34 - منازل وحي الله ينزل بينها = على أحمد المذكور في السوراتِ

35 - منازل قوم يهتدي بهداهم = فتؤمن منهم زلّة العثراتِ

36 - منازل كانت للصلاة وللتقى = وللصوم والتطهير والحسناتِ

37 - منازل جبريل الأمين يحلّها = من الله بالتسليم والرحماتِ

38 - منازل وحي الله معدن علمه = سبيل رشادٍ واضح الطرقاتِ

39 - ديار عفاها جور كل منابذٍ = ولم تعف للأيام والسنواتِ

40 - فيا وارثي علم النبي وآله = عليكم سلام دائم النفحاتِ

41 - قفا نسأل الدار التي خفّ أهلها = متى عهدها بالصوم والصلواتِ

42 - وأين الألى شطّت بهم غربة النوى = أفانين في الآفاق مفترقاتِ

43 - هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا = وهم خير ساداتٍ وخير حماةِ

44 - مطاعيم في الإعسار في كل مشهدٍ = لقد شرفوا بالفضل والبركاتِ(1)

45 - وما الناس إلاّ حاسدٌ ومكذِّبٌ = ومضطغنٌ ذو إحنةٍ وتراتِ

46 - إذا ذكروا قتلى ببدرٍ وخيبرٍ = ويم حنينٍ أسبلوا العبرات(2)

47 - فكيف يحبون النبي ورهطه = وهم تركوا أحشاءهم وغراتِ(3)

48 - لقد لاينوه في المقال وأضمروا = قلوباً على الأحقاد منطوياتِ(4)

49 - فإن لم تكن إلاّ بقربى محمّدٍ = فهاشم أولى من هن وهناتِ

50 - سقى الله قبراً بالمدينة غيثه = فقد حلّ فيه الأمن بالبركاتِ

51 - نبي الهدى صلّى عليه مليكه = وبلّغ عنه روحه التحفاتِ

52 - وصلّى عليه الله ما ذرّ شارق = ولاحت نجوم الليل مبتدراتِ

53 - أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً = وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ

54 - إذن للطمت الخدّ فاطم عنده = وأجريت دمع العين في الوجناتِ

____________________

(1) يشير دعبل إلى كرم أهل البيت، وأنّهم مطاعيم في الإعسار للفقراء والمحرومين.

(2) يشير دعبل إلى القوى المعادية لأهل البيت الذين وترهم سيف علي وسيوف المؤمنين، فإنّهم إذا ذكروا قتلاهم بكوا عليهم أحرّ البكاء.

(5) إنّ القوى المنحرفة عن أهل البيت كيف يحبون النبي وأهله.

(4) أراد دعبل أنّ المعادين للإسلام لاينوا النبي بكلامهم ولكنّ قلوبهم قد انطوت على عدائه.


55 - أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي = نجوم سماواتٍ بأرض فلاةِ

56 - قبورٌ بكوفانٍ وأخرى بطيبةٍ = وأخرى بفخٍّ نالها صلواتِ(1)

57 - وأخرى بأرض الجوزجان محلّها = وقبر بباخمرى لدى الغرباتِ(2)

58 - وقبرٌ ببغدادٍ لنفسٍ زكيّةٍ = تضمّنها الرحمن في الغرفاتِ(3)

59 - فأما الممضات التي لست بالغا = مبالغها مني بكنه صفات

60 - قبورٌ لدى النهر من أرض كربلا = معرّسهم فيها بشطِّ فراتِ

61 - توفّوا عطاشا بالفرات فليتني = توفّيت فيهم قبل حين وفاتي

62 - إلى الله أشكوا لوعةً عند ذكرهم = سقتني بكأس الذلِّ والفظعاتِ

63 - أخاف بأن أزدارهم فيشوقني = مصارعهم بالجزع فالنخلاتِ

64 - تقسّمهم ريب الزمان كما ترى = لهم عفرة مغشية الحجراتِ

65 - سوى أنّ منهم بالمدينة عصبة = - مدى الدهر - أنضاءً من الأزماتِ

66 - قليلة زوار سوى بعض زور = من الضبع والعقبان والرخمات

67 - لهم كل حين نومة بمضاجعٍ = ثوت في نواحي الأرض مختلفاتِ

68 - وقد كان منهم بالحجاز وأهلها = مغاوير يختارون في السرواتِ

69 - تنكّب لأواء السنين جوارهم = فلا تصطليهم جمرة الجمراتِ(4)

70 - حمى لم تزره المذنبات وأوجه = تضئ لدى الأستار في الظلماتِ

____________________

(1) أشار دعبل إلى مراقد السادة العلويين، وأوّل مرقد لهم قبر الإمام علىعليه‌السلام في النجف التي هي في ظهر الكوفة، وقبر الشهيد مسلم بن عقيل، وفي طيبة قبور أئمّة البقيععليهم‌السلام ، وفي فخ قبر الحسين بن علي بن الحسن وغيره من العلويين.

(2) الجوزجان: فيها قبر الشهيد العظيم يحيى بن زيد الذي استشهد أيام الوليد الأموي، وباخمرى: هي موضع بين الكوفة وواسط فيها استشهد إبراهيم بن عبد الله بن الحسن في أيام الطاغية الدوانيقي.

(3) أمّا القبر الذي ببغداد فهو قبر باب الحوائج الإمام الكاظم وقبر حفيده الإمام الجواد، ونعت كثير من المصادر أنّ دعبل لـمّا انتهى إلى هذا البيت قال له الإمام الرضا أفلا الحق لك بهذا الموضع بيتين، فقال: بلى يا بن رسول الله فقالعليه‌السلام .

وقبر بطوس يا لها من مصيبة

ألحّت على الأحشاء بالزفراتِ

إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً

يفرّج عنّا الغمِّ والكرباتِ

فقال دعبل: هذا القبر الذي بطوس قبر مَن؟ قال الإمامعليه‌السلام : هو قبري. جاء ذلك في المناقب 3 / 450 وغيره.

(4) اللأواء: الشدّة.


71 - إذا أوردوا خيلاً تسعّر بالقنا = مساعر جمر الموت والغمراتِ

72 - وإن فخروا يوماً أتوا بمحمّدٍ = وجبريل والفرقان والسوراتِ

73 - وعدوا عليّاً ذا المناقب والعلا = وفاطمة الزهراء خير بناتِ

74 - وحمزة والعبّاس ذا الهدي والتقى = وجعفر الطيّار في الحجباتِ

75 - أولئك لا منتوج هند وحزبها = سمية من نوكى ومن قذراتِ(1)

76 - ستسأل تيم عنهم وعديّها = وبيعتهم من أفخر الفجراتِ(2)

77 - هم منعوا الآباء من أخذ حقّهم = وهم تركوا الأبناء رهن شتاتِ(3)

78 - وهم عدلوها عن وصي محمّدٍ = فبيعتهم جاءت على الغدراتِ(4)

79 - ملامك في أهل النبي فإنّهم = أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي

80 - تخيّرتهم رشداً لأمري فإنّهم = على كل حالٍ خيرة الخيراتِ

81 - نبذت إليهم بالمودّة صادقاً = وسلّمت نفسي طائعاً لولاتي

82 - فيا ربّ زدني من يقيني بصيرةً = وزد حبّهم يا ربّ في حسناتي

83 - سأبكيهم ما حجّ لله راكب = وما ناح قُمْريٌّ على الشجراتِ

84 - بنفسي أنتم من كهولٍ وفتيةٍ = لفك عناةٍ أو لحمل دياتِ

85 - وللخيل لـمّا قيّد الموت خطوها = فأطلقتم منهن بالذرباتِ(5)

86 - أحبّ قصيّ الرحم من أجل حبكم = وأهجر فيكم أسرتي وبناتي(6)

87 - وأكتم حبيكم مخافة كاشحٍ = عنيدٍ لأهل الحق غير مواتِ

88 - فيا عين بكّيهم وجودي بعبرة = فقد آن للتسكاب والهملاتِ(7)

____________________

(1) النوكي: الحمق.

(2) أراد بتيم: أبو بكر، وأراد بعدي عمر بن الخطاب، ويرى دعبل أنّهما مسؤولان عمّا لحق بأهل البيت من المآسي والنكبات فهما اللذان أقصيا الإمام أمير المؤمنين عن الخلافة وسببا للعترة الطاهرة ألوانا مريرة من المصائب.

(3) أشار دعبل إلى أنّ الملوك السابقين هم الذي منعوا السادة العلويين من أخذ حقهم، وتركوا السادة من أبنائهم رهن شتات.

(4) الوصي هو الإمام أمير المؤمنين وصي رسول الله وباب مدينة علمه وقد شجب دعبل تحوّل الخلافة عنه، وتقليدها لغيره.

(5) الذربات: الداهيات.

(6) يريد دعبل أنّه يحب ويخلص لـمَن أحب وأخلص لأهل البيت عليهم، وإن كانوا بعاداً عنه في النسب، ويعادي مَن عاداهم، وإن كانوا أُسرته وبناته.

(7) الهملات: هي الدموع.


89 - لقد حفّت الأيام حولي بشرّها = وإنّي لأرجو الأمن بعد وفاتي(1)

90 - ألم تر أنّي من ثلاثين حجّة = أروح وأغدو دائم الحسراتِ

91 - أرى فيئهم في غيرهم متقسّماً = وأيديهم من فيئهم صفراتِ(2)

92 - فكيف أداوي من جوى بي والجوى = أميّة أهل الفسق والتبعاتِ

93 - فآل رسول الله نحف جسومهم = وآل زياد حفل القصراتِ(3)

94 بنات زيادٍ في القصور مصونةٌ = وآل رسول الله في الفلواتِ

95 - سأبكيهم ما ذرّ في الأرض شارقٌ = ونادى منادى الخير بالصلواتِ

96 - وما طلعت شمسٌ وحان غروبها = وبالليل أبكيهم وبالغدواتِ

97 - ديار رسول الله أصبحن بلقعاً = وآل زيادٍ تسكن الحجراتِ

98 - وآل رسول الله تدمى نحورهم = وآل زيادٍ آمنوا السرباتِ

99 - وآل رسول الله تُسبى حريمهم = وآل زيادٍ ربّة الحجلاتِ

100 - إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم = أكفّاً عن الأوتار منقضبات(4)

101 - فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدٍ = تقطّع نفسي إثرهم حسراتِ

102 - خروج إمام لا محالة خارجٌ = يقوم على اسم الله والبركات(5)

103 - يميّز فينا كلَّ حقٍ وباطلٍ = ويجزي على النعماء والنقمات

104 - سأقصر نفسي جاهداً عن جدالهم = كفاني ما ألقى من العبراتِ

105 - فيا نفس طيبي ثم يا نفس أبشري = فغير بعيدٍ كل ما هو آتٍ

106 - ولا تجزعي من مدّة الجور إنّني = أرى قوّتي قد آذنت بشتاتِ

107 - فإن قرّب الرحمن من تلك مدّتي = وأخّر من عمري لطول حياتي

108 - شفيت ولم أترك لنفسي رزيّة = وروّيت منهم منصلي وقناتي(6)

____________________

(1) في رواية: لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها، وفي رواية أنّ دعبل لـمّا أنشد هذا البيت رفع الإمامعليه‌السلام يديه بالدعاء، وقال له: آمنك الله يا خزاعي يوم الفزع الأكبر.

(2) في رواية أنّ دعبل لـمّا بلغ إلى هذا البيت جعل الإمام الرضا يقلب كفّه ويقول: (أجل والله منقبضات).

(3) القصرات: جمع مفرده قصرة، وهي أصل العنق.

(4) في رواية أنّ دعبل لـمّا فرغ من إنشاد هذا البيت جعل الإمام الرضاعليه‌السلام يقلب كفّيه ويقول: أجل والله منقبضات.

(5) عندما انتهى دعبل من إنشاد هذا البيت، والبيت الذي بعده قال له الإمام: (يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك) المناقب 3 / 450.

(6) المنصل: حديدة السهم والرمح والسكّين.


109 - فإنّي من الرحمن أرجوا بحبّهم = حياةً لدى الفردوس غير بتاتِ(1)

110 - عسى الله أن يأوي لذا الخلق إنّه = إلى كل قومٍ دائم اللحظاتِ

111 - فإن قلت عرفاً أنكروه بمنكرٍ = وغطّوا على التحقيق بالشبهاتِ

112 - أحاول نقل الشمس عن مستقرّها = وأسمع أحجاراً من الصلداتِ

113 - فمن عارفٍ لم ينتفع ومعاندٍ = يميل مع الأهواء والشهواتِ

114 - قصارى منهم أن أموت بغصّةٍ = تردّد في صدري وفي اللهواتِ

115 - كأنّك بالأضلاع قد ضاق رحبها = لِمَا ضُمّنت من شدّة الزفراتِ(2)

وانتهت هذه القصيدة العصماء التي نالت رضا الإمام ودعاءه لدعبل بالفوز يوم الفزع الأكبر.

وقد تأثّر الإمام كأشدّ ما يكون التأثّر في الأبيات التي رثى بها دعبل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فقد بكى الإمام أمرّ البكاء، وأغمي عليه غير مرة، فقد نخبت قلبه فاجعة كربلاء، وكان يقول: إنّ أمر الحسين أسهر جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا، يا أرض كرب وبلاء أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحط الذنوب والعظام(3) .

ويشتد حزن الإمام ويتضاعف أساه إذا حلّ شهر المحرم، وقد قال: كان أبي صلوات الله عليه إذا دخل شهر محرّم لا يرى ضاحكاً، وكانت الكارثة تغلبه حتى تمضي منه عشرة أيام، فإذا كان اليوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، وكان يقول: (هذا اليوم الذي قتل فيه الحسين)(4) .

وقالعليه‌السلام : إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلة يحرّمون فيه القتال، فاستحلّت فيه دماؤنا، وانتهكت فيه حرمتنا، وسبيت فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهبت ما فيه من ثقلنا، ولم يرعوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حرمة في أمرنا(5) .

____________________

(1) غير بتات: أي غير منقطعة، وإنّما هي حياة خالدة ودائمة.

(2) ديوان دعبل.

(3) الأنوار النعمانية 3 / 238.

(4) الأنوار النعمانية 3 / 238.

(5) الأنوار النعمانية 3 / 238.


وروى الريان بن شبيب قال: دخلت على الرضا في أول يوم من المحرم فقال لي:

(يا بن شبيب أصائم أنت؟).

(لا...).

وأخذ الإمام يعرفه حرمة ذلك اليوم قائلاً:

(هذه اليوم الذي دعا فيه زكريا ربّه عزّ وجل، فقال: يا رب هب لي من لدنك ذرية طيبة، إنّك سميع الدعاء، فاستجاب الله له وأمر الملائكة فنادت زكريا وهو قائم يصلّي في المحراب: إنّ الله يبشرك بيحيى، فمَن صام هذا اليوم، ثم دعا الله عزّ وجل استجاب له، كما استجاب لزكريا.

يا بن شبيب إنّ المحرّم هو الشهر الذي كان فيه أهل الجاهلية - فيما مضى - يحرّمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها، ولا حرمة نبيّها، لقد قتلوا في هذا الشهر ذرّيته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله ذلك لهم أبداً.

يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك الحسين بن علي بن أبي طالب، فإنّه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السماوات السبع، والأرضون لقتله، ولقد نزلت إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصرته فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائمعليه‌السلام فيكونون معه من أنصاره وشيعته، وشعارهم: (يا لثارات

الحسين)(1) .

لقد أخلدت كارثة كربلاء الحزن والأسى لأهل البيتعليهم‌السلام فهم وشيعتهم في حزن مستمر لا ينسون ما حلّ بسبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من عظيم المحن والرزايا، فقد انتهكت في يوم عاشوراء حرمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يرع في ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان أيّ حرمة لله، ولا لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد عمد جيش ابن مرجانة إلى قتل سبط رسول الله (ص) بتلك القتلة المروعة...

ولنعد بعد هذا إلى متابعة شؤون الإمام في (خراسان).

____________________

(1) الأنوار النعمانية 3 / 239.


إنفاق جميع ما عنده:

وأنفق الإمامعليه‌السلام جميع ما يملك (بخراسان) على الفقراء والبؤساء فأنكر عليه الفضل بن سهل، وقال له:

(إنّ هذا المغرم...).

فرد عليه الإمام ببالغ الحجّة قائلاً:

(بل هو المغنم، لا تعدن مغرماً ما اتبعت به أجراً وكرماً)(1) .

إنّه ليس من المغرم في شيء إنفاق الإمام جميع ما عنده على الفقراء والمحرومين، وإنقاذهم من غائلة الفقر وويلات البؤس، وإنّما المغرم ما كان ينفقه ملوك العبّاسيين وإخوانهم الأمويون من الأموال الطائلة على شهواتهم ولياليهم الحمراء، ولم ينفقوا أي شيء على فقراء المسلمين.

خطبة الإمام في التوحيد:

وتعتبر هذه الخطبة من غرر خطب أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، ومن روائع ما أثر عنهم في قضايا التوحيد، ولو ولم يكن للإمام الرضاعليه‌السلام من تراث إلاّ هذه الخطبة لكفى بها للتدليل على إمامته، وبلوغه مرتبة سامية من العلم والفضل لم يبلغها إلاّ الأئمّة المعصومون سلام الله عليهم... ونظراً لأهميتها البالغة فقد تصدى سماحة المغفور له يحيى بن محمد علي إلى شرحها، وقد جاء في مقدمتها:

(إنّ الخطبة المعروفة الواردة في التوحيد إلى جناب الحضرة المقدّسة والساحة المطهّرة... ثامن أئمّة الدين إمام الورى علي بن موسى الرضا عليه التحيّة والثناء، لما كانت بحراً عميقاً، محتوياً على فوائد ومعارف... جامعة من فنون العلم وصنوف المعروفة ما لا يجمعه سواها الخ...)(2) .

أمّا سبب إنشاء الإمام لهذه الخطبة فهو أنّ المأمون لـمّا أراد أن يولّي الإمام ولاية العهد حسده بنو هاشم - وهم بنو العباس - وقالوا له:

أتولّي رجلاً جاهلاً ليس له بصر(3) بتدبير الخلافة؟ فابعث إليه رجلاً يأتينا به

____________________

(1) بحار الأنوار 12 / 29.

(2) شرح خطبة الإمام الرضا في التوحيد مخطوطة في مكتبة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام تسلسل (1728).

(3) في نسخة ليس له بصيرة.


فترى من جهله ما يستدل به عليه، فبعث إليه فأتاه فقال له بنو هاشم: يا أبا الحسن اصعد المنبر، وانصب لنا علماً نعبد الله عليه، فصعد المنبر، فقعد مليّاً لا يتكلّم، ثم انتفض واستوى قائماً، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي وأهل بيته، ثم قال: (أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أنّ كل صفة وموصوف مخلوق(1) وشهادة كل مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة، ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فليس الله عرف، من عرف بالتشبيه ذاته(2) ولا إيّاه وحده من اكتنهه(3) ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق مَن نهاه(4) ، ولا صمد صمده مَن أشار إليه(5) ولا إيّاه عنى من شبهه، ولا له تذلّل من بعضه، ولا إيّاه أراد من توهمه. كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجّته(6) ، خلق الله الخلق حجاباً بينه وبينهم، ومباينته إيّاهم مفارقته إنّيتهم، وابتداؤه إيّاهم دليلهم على أن لا ابتداء له لعجز كل مبتدئ عن ابتداء غيره، وأدوات إيّاهم دليل على أن لا أداة فيه لشهادة الأدوات بفاقة المتأدين.

وأسماؤه تعبير، وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغبوره تحديد لما سواه، فقد جهل الله مَن استوصفه، وقد تعدّاه مَن اشتمله(7) وقد أخطأه مَن اكتنهه، ومَن قال: كيف فقد شبّهه، ومَن قال: لم؟ فقد علّله، ومَن قال:

____________________

(1) أراد كل صفة وموصوف متعددان ذاتاً أو اعتباراً فإنّهما من صفات الممكن، أمّا الواجب تعالى فإنّ صفاته عين ذاته، ولا تعدّد بينه وبين صفاته.

(2) يريد أنّه لا يعرف الله، مَن يشبه ذات الله تعالى.

(3) يريد: أنّ مَن يطلب كنهه تعالى وحقيقته فهو ليس من الموحّدين؛ لأنّه قد جعله من الممكنات التي يمكن معرفتها.

(4) أراد أنّه لم يصدق بالله تعالى مَن جعل له نهاية.

(5) يعنى أنّ مَن أشار إلى الله تعالى فقد ضلّ عن الطريق؛ لأنّ الله ليس له جهة خاصة حتى يشار؛ لأنّه أينما تولّوا فثمّ وجه الله تعالى.

(6) أراد أن الله معروف ومعلوم بالفطرة الأصيلة وبالعقول النيّرة المستقيمة، فإنّ جميع الوجود تدلّل عليه.

(7) المعنى: إنّه قد توهّم، وبعد عن الصواب مَن تصوّر أنّه أحاط بمعرفة الخالق العظيم.


متى؟ فقد وقّته، ومَن قال: فيم؟ فقد ضمّنه، ومَن قال: إلام؟ فقد نهاه، ومَن قال: حتام فقد غيّاه(1) ، ومَن غيّاه فقد غاياه، ومَن غاياه فقد جزّأه ومَن جزّأه وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه، لا يتغيّر الله بانغيار المخلوق، كما لا يتحدّد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلٍّ لا باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة، مبائن لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسّم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحول فكرة(2) ، مدبِّر لا بحركة، مريد لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرك لا بمجسّة(3) ، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة.

لا تصحبه الأوقات، ولا تضمنه الأماكن، ولا تأخذه السنات(4) ، ولا تحدّه الصفات، ولا تقيّده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده(5) والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له(6) ، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأمور عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والجلاية بالبهم، والجسو(7) بالبلل، والصرد(8) بالحرور، مؤلّف بين متعادياتها، مفرّق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، ذلك قوله عزّ وجل:( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (9) ففرّق بها بين قبل وبعد، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غيرها.

____________________

(1) المعنى: إنّه من سأل عن حد أو نهاية أو غاية ذلك فيما يتعلق بذات الخالق العظيم، فإنّه قد ضل ضلالاً بعيداً، وانحرف عن الحق إذ كيف يصل الإنسان المحدود فكره إلى معرفة الله تعالى.

(2) لا بحول فكرة: أي لا بقوّة الفكر.

(3) المجسّة: آلة الحس.

(4) السنة: النعاس.

(5) أي سبق وجوده العدم.

(6) عرف أنّ لا مشعر له: يعني أنّه تعالى لعلوّه عن مرتبة المصنوع عرف أن لا مشعر له.

(7) الجسو: المس.

(8) الصرد: بفتح الصاد، وكسر الراء من يجد البرد سريعاً، ومنه رجل مصراد لـمَن يشتد عليه البرد ولا يطيقه، مجمع البحرين.

(9) سورة الذاريات: آية 49 والآية استشهاد للمضادة، والمعنى من كل شيء خلقنا ضدين كالأمثلة المذكورة بخلافة تعالى فإنّه لا ضدّ له.


له معنى الربوبية إذ لا مربوب(1) ، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه(2) ، ومعنى العالم ولا معلوم، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئية، كيف ولا تغيبه من، ولا تدنيه قد، ولا تحجبه لعل، ولا توقّته متى، ولا تشمله حين، ولا تقارنه مع(3) ، إنّما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها(4) ، وفي الأشياء يوجد أفعالها(5) ، منعتها قد الأزلية(6) وجنبتها لولا التكملة افترقت فدلّت على مفرقها، وتباينت فأعربت عن مباينها لما تجلّى صانعها للعقول، وبها احتجب عن الرؤية، وإليها تحاكم الأوهام،

وفيها أثبتت غيره(7) ، ومنها أنيط الدليل، وبها عرفها الإقرار، وبالعقول يعتقد التصديق بالله، وبالإقرار يكمل الإيمان به، ولا ديانة إلاّ بعد المعرفة، ولا معرفة إلاّ بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع أثبات الصفات للتشبيه (8) ، فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه من صانعه لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود إليه ما هو ابتدأه إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه.

____________________

(1) المراد أنّ كل صفة كمالية في الوجود ثابته له تعالى بذاته إذ أنها حاصلة له من غيره وهذا مفاد (أنّ الواجب الوجود لذاته واجب لذاته من جميع الوجوه).

(2) المراد أنّه تعالى هو المالك للتصرّف، والعبد مألوه له تعالى يتصرّف في شؤونه.

(3) المراد أنّه كيف لا يستحق الخالق أن يكون قبل الخلق والحال أنّه تغيبه من التي هي لابتداء الزمان عن فعله أي يكون فعله متوقفاً على زمان حتى يكون غالياً عن فعله بسبب عدم الوصول بذلك الزمان، منتظراً لحضور ابتدائه، كما لا تقربه التي هي لتقريب زمان الفعل فلا يقال: قد قرب وقت فعله، لأنّه لا ينتظر وقتاً ليفعل فيه، بل كل الأوقات سواء بالنسبة إليه، ولعلّ لا تحجبه عن مراده، لعلّ التي هي للترجّي لأنّه إذ يترجّى شيئاً، وإنّما أمر إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، كما لا توقّته في مبادئ أفعاله متى، فلا يقال: متى علم متى قدر لان صفاته الكمالية ومبادئ أفعاله، أزلية كوجوده كما لا تشمله ولا تحدّده ذاتاً وصفة وفعلاً (حين) لأنّه فاعل الزمان، كما لا تقارنه بشيء (مع) إذ ليس معه شيء ولا في مرتبته شيء، ومَن كان كذلك فهو خالق بارئ قبل الخلق.

(4) المراد إنّما يتقيد في الفعل والتأثير بالأدوات أمثالها في المحدودية والجسمانية.

(5) الأمور الممكنة هي التي تتأثّر وتؤثّر بالآلات وأمّا الحق فمنزّه عن ذلك.

(6) المراد أنّ أنصاف الأشياء بمعاني منذ وقد ولولا وتقييدها بها يمنعها من الاتصاف بالقِدم والأزلية.

(7) أي في الأشياء أثبت الله التغيير والاختلاف وذلك بحسب حدودها الإمكانية.

(8) أي لا نفي لتشبيهه تعالى بالمخلوق مع إثبات الصفات الزائدة له. أخذنا هذه التعاليق من هامش الكتاب وهي للسيد هاشم الحسيني الطهراني.


ولـمّا كان للباري معنى غير المبروء، ولو حد له وراء إذاً حد له أمام، ولو التمس له التمام إذاً لزمه النقصان، كيف يستحق الأزل مَن لا يمتنع من الحدث، وكيف ينشيء الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء إذاً لقامت فيه آية المصنوع، ولتحوّل دليلاً بعد ما كان مدلولاً عليه، ليس في محال القول حجّة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه له تعظيم، ولا في إباءته عن الخلق ضيم إلاّ بامتناع الأزلي أن يثني، وما لا بدء له أن يبدأ، لا إله إلاّ الله العلي العظيم، كذب العادلون بالله، وضلّوا ضلالاً بعيداً، وخسروا خسراناً مبيناً، وصلّى الله على محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين)(1) .

وحوت هذه الخطبة العظيمة غوامض البحوث الفلسفية والكلامية، وقد ظهرت فيها القدرات العلمية الهائلة للإمام الرضاعليه‌السلام ، وانكشف للعباسيين زيغ ما ذهبوا إليه من عجز الإمام وعدم قدرته على الخوض في البحوث العلمية، ومن المؤكّد أنّ معظم المستمعين لخطاب الإمام لم يفقهوا هذه المسائل الفلسفية التي عرضها الإمامعليه‌السلام ، والتي تناولت أهم قضايا التوحيد.

الخطبة التي كتبها الإمام للمأمون:

وطلب المأمون من الإمام الرضاعليه‌السلام أن يكتب له خطبة ليقرأها على الناس حينما يصلّي بهم، فكتبعليه‌السلام له هذه الخطبة الجليلة وقد جاء فيها بعد البسملة:

(الحمد لله الذي لا من شيء كان، ولا على صنع شيء استعان، ولا من شيء خلق، كما كون منه الأشياء، بل قال له: كن فيكون.

وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، الجليل عن منابذة الأنداد،

ومكابدة الأضداد، واتخاذ الصواحب والأولاد، وأشهد أنّ محمداً عبده المصطفى، وأمينه المجتبى، أرسله بالقرآن المفصّل، ووحيه، الموصل، وفرقانه المحصل، فبشّر بثوابه، وحذّر من عقابه،صلى‌الله‌عليه‌وآله .

أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي يعلم سرّكم وجهركم ويعلم ما تكتمون، فإنّ الله لم يتركم سدى، ولم يخلقكم عبثاً، ولم يمكنكم هدى... الحذر، والحذر عباد الله فقد حذركم الله نفسه، فلا تعرضوا للندم، واستجلاب النقم، والمصير إلى

____________________

(1) التوحيد (ص 34 - 41).


عذاب جهنّم، إنّ عذابها كان غراماً، إنّها ساءت مستقراً ومقاماً، لا تطفى، وعيون لا ترقى، ونفوس لا تموت، ولا تحيى في السلاسل والأغلال، والمثلات والنكال، كلمّا نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، إنّ الله كان عزيزاً حكيماً، نار أحاط بها سرادقها، فلا يسمع لهم نداء، ولا يجاب لهم دعاء ولا يرحم لهم بكاء، ففروا عباد الله إلى الله بهذه الأنفس الفانية، في الصيحة المتوالية، في الأيام الخالية، من قبل أن ينزل بكم الموت، فيغصبكم أنفسكم، ويفجعكم بمهجكم، ويحول بينكم وبين الرجعة هيهات حضرت آجالكم، وختمت أعمالكم، وجفّت أقلامكم، فلا للرجعة من سبيل، ولا إلى الإقامة من وصول عصمنا الله وإيّاكم بما عصم به أولياءه الأبرار، وأرشدنا وإياكم لما أرشد له عباده الأخيار...)(1) .

وحفلت هذه الخطبة بالدعوة إلى فعل الخير، واجتناب الحرام والزهد في الدنيا، والتحذير من عذاب الله وعقابه.

المأمون يطلب من الإمام محاسن الشعر:

وطلب المأمون من الإمامعليه‌السلام أن ينشده أحسن ما رواه في الحلم، فقالعليه‌السلام أحسن ما رويته هذه الأبيات:

إن كان دوني من بليت بجهله

أبيت لنفسي أن أقابل بالجهلِ

وإن كان مثلي في محلّي من النهى

هربت لحلمي كي أجل عن المثلِ

وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجى

عرفت له حق التقدّم والفضلِ

وأعجب المأمون بهذه الأبيات وانبرى يقول:

(مَن قائله؟...).

(بعض فتياننا...).

وقال المأمون: أنشدني أحسن ما رويته في السكوت عن الجاهل، فقالعليه‌السلام هذه الأبيات:

إنّي ليهجرني الصديق تجنّباً

فأريه أنّ لهجره أسبابا

وأراه إن عاتبته أغريته

فأرى له ترك العتاب عتابا

وإذا ابتُليت بجاهلٍ متغافلٍ

يجد المحال من الأمور صوابا

أوليته منّي السكوت وربّما

كان السكوت عن الجواب جوابا

____________________

(1) الدر النظيم ورقة 215.


وبهر المأمون، وقال: ما أحسن هذا؟ من قاله: فقالعليه‌السلام : لبعض فتياننا، ثم قال المأمون: أنشدني: أحسن ما رويته في استجلاب العدو وحتى يكون صديقاً، فأنشده الإمام هذه الأبيات:

وذي غلّة سالمته فقهرته

فأوقرته منّي لعفو التحمّلِ

ومن لا يدافع سيئات عدوه

باحسانه لم يأخذ الطول من علِ

ولم أر في الأشياء أسرع مهلكاً

لغمر قديم من وداد معجل(1)

فقال المأمون:

- ما أحسن هذا مَن قاله؟

- قاله بعض فتياننا.

- أنشدني أحسن ما رويته في كتمان السر.

فأنشده:

وإنّي لأنسى السر كي لا أذيعه

فيا مَن رأى سرّاً يصان بأن ينسى

مخافة أن يجري ببالي ذكره

فينبذه قلبي إلى ملتوى الحشا

فيوشك من لم يفش سرّاً وجال في

خواطره أن لا يطيق له حبسا(2)

وراح المأمون يبدي اعجابه بما حفظه الإمامعليه‌السلام من روائع الشعر

رسالة الإمام إلى ولده الجواد:

وأرسل الإمام الرضاعليه‌السلام من (خراسان) إلى ولده الإمام الجواد هذه الرسالة وقد جاء فيها بعد البسملة:

(فدتك نفسي بلغني أنّ الموالي إذا ركبت أخرجوك من باب البستان الصغير،

وإنّما ذاك من بخل بهم لئلا ينال أحد منك خيرا، فأسألك بحقي عليك، لا يكن

مدخلك ومخرجك إلاّ من الباب الكبير، وإذا ركبت إن شاء الله فليكن معك ذهب وفضة لا يسألك أحد شيئاً إلاّ أعطيته، ومن سألك من عمومتك أن تبره فلا تعطه أقل من خمسين ديناراً، والكثير إليك، ومَن سألك من عمّاتك فلا تعطها أقل من خمسين ديناراً، والكثير إليك، ومَن سألك من قريش فلا تعطه أقل من خمسة

____________________

(1) الغمر: الحقد.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 174 - 175.


وعشرين ديناراً، والكثير إليك، إنّي إنّما أريد أن يوفقك الله، فاتق الله، واعط ولا تخف من ذي العرش إقتارا...)(1) .

أرأيتم هذه النفس الملائكية التي طبعت على البر والمعروف والإحسان إلى الناس... لقد كان الكرم عنصراً من عناصر الإمام ومقوماً من مقوّماته، فقد حثّ ولده الجواد على صلة أرحامه، والبرّ بالبؤساء.

لقد حكت هذه الرسالة لوناً من ألوان التربية الرفيعة لأهل البيتعليهم‌السلام فقد كانوا يربون أبنائهم على الشرف والفضيلة، ويغرسون في نفوسهم مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات، ليكونوا أمثلة للخير، وقدوة حسنة لهذه الأمّة.

كتاب الحباء والشرط:

نسب هذا الكتاب إلى الإمام الرضاعليه‌السلام ، وقد حفل بالثناء على الفضل بن سهل، والإشادة بجهوده الجبارة في إقامة ملك المأمون، ودحر الناهضين له من أخيه الأمين وأبي السرايا وغيرهما، فقد بذل جميع طاقاته حتى قضى على تلك الثورات العارمة، وقد جزاه المأمون فمنحه الثراء العريض، ووهبه الأموال الطائلة، كما وهب مثل ذلك لأخيه الحسن بن سهل مجازاة لهما على عظيم إخلاصهما للمأمون، وها هو نص الكتاب بعد البسملة: (أمّا بعد: فالحمد لله البادئ الرفيع، القادر، القاهر، الرقيب على عباده المقيت على خلقه، الذي خضع كل شيء لملكه، وذل كل شيء لعزته واستسلم كل شيء لقدرته، وتواضع كل شيء لسلطانه، وعظمته، وأحاط بكل شيء علمه، وأحصى عدده، فلا يؤوده كبير، ولا يعزب عنه صغير، الذي لا تدركه أبصار الناظرين، ولا تحيط به صفة الواصفين، له الخلق والأمر والمثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم.

والحمد لله الذي شرع للإسلام ديناً، ففضله، وعظمه، وشرفه، وكرمه، وجعله الدين القيم الذي لا يقبل غيره، والصراط المستقيم الذي لا يضل من لزمه، ولا يهتدي من صرف عنه، وجعل فيه النور والبرهان، والشفاء والبيان، وبعث به من

____________________

(1) الدر النظيم ورقة 215 - 216.


اصطفى من ملائكته إلى من اجتبى من رسله في الأمم الخالية، والقرون الماضية حتى انتهت رسالته إلى محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) فختم به النبيين وقفّى به على آثار المرسلين، وبعثه رحمة للعالمين، وبشيراً للمؤمنين المصدقين، ونذيراً للكافرين المكذّبين لتكون له الحجّة البالغة، وليهلك من هلك عن بينة، وان الله لسميع عليم.

والحمد لله الذي أورث أهل بيته مواريث النبوّة واستودعهم العلم والحكمة، وجعلهم معدن الإمامة والخلافة، وأوجب ولايتهم، وشرف منزلتهم، فأمر رسوله أمّته بمسألة مودّتهم إذ يقول:( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ) (1) وما وصفهم به من إذهاب الرجس عنهم، وتطهيره إيّاهم في قوله:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .

ثم أن المأمون بر برسول الله (صلى الله عليه وآله) في عترته، ووصل أرحام أهل بيته، فردّ ألفتهم، وجمع فرقتهم، ورأب صدعهم، ورتق فتقهم، وأذهب الله به الضغائن والإحن بينهم، وأسكن التناصر، والتواصل والمودة والمحبة قلوبهم، فأصبحت بيمنه وحفظه وبركته وبرّه وصلته أيديهم واحدة، وكلمتهم جامعة، وأهواؤهم متفقة، ورعى الحقوق لأهلها، ووضع المواريث مواضعها، وكافأ إحسان المحسنين، وحفظ بلاء المبتلين، وقرّب وباعد على الدين، ثم اختص بالتفضيل، والتقديم والتشريف من قدمته مساعيه، فكان ذلك ذا الرياستين الفضل بن سهل، إذ رآه له مؤازرا، وبحقه قائماً، وبحجّته ناطقاً، ولنقبائه نقيباً، ولخيوله قائداً، ولحروبه مدبّراً ولرعيّته سائساً، وإليه داعياً، ولـمَن أجاب إلى طاعته مكافياً، ولـمَن عدل عنها منابذاً، وبنصرته متفرداً، ولمرض القلوب والنيات مداوياً، لم ينهه عن ذلك قلة مال ولا عواز رجال ولم يمل به الطمع، ولم يلفته عن نيته وبصيرته وجل، بل عندما يهول المهولون، ويرعد ويبرق له المبرقون والمرعدون وكثرة المخالفين والمعاندين، من المجاهدين والمخاتلين أثبت ما يكون عزيمة، وأجرأ جناناً، وأنفذ مكيدة، وأحسن

____________________

(1) سورة الشورى: آية 20 قال العلامة: روى الجمهور في الصحيحين وأحمد بن حنبل في مسنده والثعلبي في تفسيره عن ابن عباس رحمه الله قال: لما نزلت:( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ) قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين أوجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما.

(2) سورة الأحزاب: آية 33، قال العلاّمة: أجمع المفسّرون وروى الجمهور كأحمد بن حنبل وغيره أنّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام .


تدبيراً، وأقوى في تثبيت حق المأمون، والدعاء إليه حتى غصم أنياب الضلالة، وفلّ حدهم، وقلم أظفارهم، وحصد شوكتهم، وصرعهم مصارع الملحدين في دينهم، والناكثين لعهده، الوانين في أمره، والمستخفّين بحقّه الآمنين لما حذر من سطوته وبأسه مع آثار ذي الرياستين في صنوف الأمم من المشركين، وما زاد الله به في حدود دار المسلمين، ممّا قد وردت أنباؤه عليكم، وقرئت به الكتب على منابركم، وحملة أهل لآفاق إليكم إلى غيركم فانتهى شكر ذي الرياستين بلاء أمير المؤمنين عنده، وقيامه بحقه، وابتذاله مهجته، ومهجة أخيه أبي محمد الحسن بن سهل الميمون النقيبة، المحمود السياسة إلى غاية تجاوز بها الماضيين، وفاز بها الفائزون.

وانتهت مكافأة أمير المؤمنين إياه إلى ما حصل له من الأموال والقطايع، والجواهر، وإن كان ذلك لا يفي بيوم من أيامه، ولا بمقام من مقاماته، فتركه زهداً فيه، وارتفاعاً من همته عنه، وتوفيراً له على المسلمين، واطراحاً للدنيا، واستصغاراً لها، وإيثاراً للآخرة ومنافسة فيها.

وسأل أمير المؤمنين ما لم يزل له سائلاً، وإليه فيه راغباً من التخلّي والتزاهد، فعظم ذلك عنده وعندنا، لمعرفتنا بما جعل الله عزّ وجل في مكانه الذي هو به من العز للدين والسلطان، والقوة على صلاح المسلمين، وجهاد المشركين، وما أرى الله به من تصديق نيته، ويمن نقيبته، وصحة تدبيره، وقوّة رأيه، ونجح طلبته، ومعاونيه على الحق والهدى، والبر والتقوى، فلمّا وثق أمير المؤمنين وثقنا منه، بالنظر للدين، وإيثار ما فيه صلاحه، وأعطيناه سؤاله الذي يشبه قدره، وكتبنا له كتاب حباء وشرط، قد نسخ في أسفل كتابي هذا، وأشهدنا الله عليه، ومن حضرنا من أهل بيتنا والقواد، والصحابة، والقضاة والفقهاء والخاصة والعامة.

وأمر أمير المؤمنين بالكتاب إلى الآفاق ليذيع، ويشيع في أهلها ويقرأ على منابرها، ويثبت عند ولاتها وقضاتها، فسألني أن أكتب بذلك، وأشرح معانيه وهي على ثلاثة أبواب:

ففي الباب الأول:

البيان عن كل آثاره التي أوجب الله بها حقّه علينا، وعلى المسلمين.

الباب الثاني:

البيان عن مرتبته في إزاحة علته في كل ما دبر، ودخل فيه ولا سبيل عليه، فيما


ترك وكره؛ وذلك لما ليس لخلق ممن في عنقه بيعة إلا له وحده ولأخيه، ومن إزاحة العلّة تحكيمها في كل من بغى عليهما وسعى بفساد علينا وعليهما وعلى أوليائنا لئلاّ يطمع طامع في خلاف عليهما، ولا معصية لها، ولا احتيال في مدخل بيننا وبينهما.

الباب الثالث:

البيان عن عطائنا إيّاه ما أحب من ملك التخلي وحلية الزهد، وحجّة التحقيق لما سعى فيه من ثواب الآخرة بما يتقرر في قلب مَن كان شاكاً في ذلك منه، وما يلزمنا له من الكرامة والعز والحباء الذي بذلناه له ولأخيه في منعهما ما نمنع منه أنفسنا؛ وذلك محيط بكل ما يحتاط فيه محتاط في أمر دين ودنيا...).

وانتهت هذه الكلمة، وقد أشادت بالجهود الجبارة التي بذلها الفضل بن سهل في توطيد حكومة المأمون، وإقامة دولته، كما أشادته بنزاهته، ورفضه للجوائز والهبات الكثيرة، وطلبه للتقاعد، وقد رفض ذلك، وكانت هذه الكلمة مقدمة لكتاب الحباء والشرط، وهذا نصه بعد البسملة:

(هذا كتاب حباء وشرط من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وولي عهده علي بن موسى الرضا لذي الرياستين الفضل بن سهل في يوم الاثنين لسبع ليال خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وهو اليوم الذي تمم الله فيه دولة أمير المؤمنين، وعقد لولي عهده، والبس الناس اللباس الأخضر، وبلغ أمله في إصلاح وليه، والظفر بعدوه، إنّا دعوناك إلى ما فيه بعض مكافأتك، على ما قمت به من حق الله، تبارك وتعالى، وحق رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحق أمير المؤمنين، وولي عهده على بن موسى، وحق هاشم التي بها يرجى صلاح الدين، وسلامة ذات البين بين المسلمين، إلى أن يثبت النعمة علينا وعلى العامة بذلك، وبما عاونت عليه أمير المؤمنين من إقامة الدين والسنة، وإظهار الدعوة الثانية وإيثار الأولى، مع قمع المشركين، وكسر الأصنام، وقتل العتاة وساير آثارك الممثلة للأمصار في المخلوع - وهو الأمين - وقابل، وفي المسمّى بـ‍ (الأصفر) المكنّى بأبي السرايا، وفي المسمّى بالمهدي محمد بن جعفر الطالبين، والترك الحوليه، وفي طبرستان وملوكها إلى بندار هرمز بن شروين، وفي الديلم وملكها (مهورس) وفي كابل وملكها هرموس ثم ملكها الأصفهيد، وفي ابن البرم، وحبال بدار بنده، وعرشستان، والغور وأصنافها، وفي خراسان وبلون صاحب جبل التبت، وفي كيمان والتغرغر، وفي أرمينية والحجاز،


وصاحب السرير، وصاحب الخزر وفي المغرب وحروبه، وتفسير ذلك في ديوان السيرة.

وكان ما دعواك إليه وهو معونة لك الف ألف درهم، وغلّة عشرة ألف ألف درهم جوهر أسواماً أقطعك أمير المؤمنين قبل ذلك، وقيمة مائة ألف ألف درهم جوهراً يسيراً عندنا ما أنت له مستحق فقد تركت مثل ذلك حين بذله لك المخلوع، وآثرت الله ودينه، وإنّك شكرت أمير المؤمنين وولي عهده، وآثرت توفير ذلك كلّه على المسلمين، وجدت لهم به.

وسألتنا أن نبلّغك الخصلة التي لم تزل لها تائقاً من الزهد والتخلّي ليصح عند مَن شك في سعيك للآخرة دون الدنيا وتركك الدنيا، وما عن مثلك يستغني في حال، ولا مثلك رد عن طلبه، ولو أخرجتنا طلبتك عن شطر النعيم علينا فكيف نأمر؟ رفعت فيه المؤنة، وأوجبت به الحجّة، على مَن كان يزعم أنّ دعاك إلينا للدنيا لا للآخرة، وقد أجبناك إلى ما سألت به، وجعلنا ذلك لك مؤكّداً بعهد الله وميثاقه اللذين لا تبديل لهما، ولا تغيير، وفوّضنا الأمر في وقت ذلك إليك، فما أقمت فعزيز مزاح العلّة، مدفوع عنك الدخول فيما تكرهه، من الأعمال، كائناً ما كان، نمنعك ممّا نمنع به أنفسنا في الحالات كلها، وإذا أردت التخلي فمكرم، مزاح البدن، وحق لبدنك بالراحة والكرامة ثم نعطيك مما تتناوله، ممّا بذلناه لك في هذا الكتاب، فتركته اليوم.

وجعلنا للحسن بن سهل مثل ما جعلناه لك، فنصف ما بذلناه من العطية، وأهل ذلك هو لك، وبما بذل من نفسه في جهاد العتاة، وفتح العراق مرتين، وتفريق جموع الشيطان بيده حتى قوى الدين، وخاض نيران الحروب، ووقانا عذاب السموم بنفسه وأهل بيته، ومن ساس من أولياء الحق، وأشهدنا الله وملائكته وخيار خلقه، وكل من أعطانا بيعته، وصفقة يمينه في هذا اليوم وبعده على ما في هذا الكتاب، وجعلنا الله علينا كفيلاً، وأوجبنا على أنفسنا الوفاء بما اشترطنا من غير استثناء بشيء ينقصه في سر ولا علانية، والمؤمنون عند شروطهم، والعهد فرض مسؤول، وأولى الناس بالوفاء مَن طلب من الناس الوفاء، وكان موضعا للقدرة، قال الله تعالى:( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاّ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (1) .

____________________

(1) سورة النحل: آية 91.


وانتهت هذه الوثيقة التي عرفت بوثيقة الحباء والشرط وقد وقع عليها المأمون، والإمام الرضاعليه‌السلام .

توقيع المأمون:

وقد جاء فيه بعد البسملة: (قد أوجب أمير المؤمنين على نفسه جميع ما في هذا الكتاب، وأشهد الله تعالى، وجعله عليه داعياً وكفيلاً) وكتب بخطّه في صفر سنة (202) تشريفاً للحباء، وتوكيداً للشروط.

توقيع الإمام الرضا:

وجاء في توقيع الإمامعليه‌السلام بعد البسملة (قد ألزم علي بن موسى الرضا نفسه بجميع ما في هذا الكتاب، على ما أكّد فيه، في يومه وغده ما دام حيّاً، وجعل الله تعالى عليه داعياً وكفيلاً، وكفى بالله شهيداً).

وكتب بخطّه في هذا الشهر - أي صفر - وفي هذه السنة - أي سنة (202 ه‍) والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله وسلّم، وحسبنا الله، ونعم الوكيل(1) .

وانتهت هذه الوثيقة، وقد حكت صوراً رهيبة من لاضطراب السياسي الذي مُنيت به البلاد الإسلامية، فقد انتشرت فيها الثورات الشعبية، وعمّت فيها الفتن، وهذا ممّا يؤكّد بعض المصادر من أنّ عصر المأمون كان عصر فتن، واضطراب وقد أخمد هذه الثورات، واستأصل جذورها الفضل بن سهل، فقد كان خبيراً، ومضطلعاً بإخماد الثورات وقد أريقت أنهار من الدماء، وانتشر الحزن والحداد في معظم الأقطار الإسلامية، ومن الطبيعي أنّ تلك الثورات كانت ناجمة عن الظلم والجور، السائدين في ذلك العصر، فقد ساس العباسيون العالم الإسلامي سياسة قائمة لا بصيص فيها من نور العدل والحق.

وعلى أيّ حال فإنّ هذه الوثيقة بقسيمتها لم تكن من إنشاء الإمام الرضاعليه‌السلام ، وإنّما كانت من إنشاء الجهاز الحاكم وأعوانه، ونسبت إلى الإمام الرضا، لتكسب الجهة الشرعية، وتكون غير قابلة للنقض ويدعم ذلك ما يلي:

أوّلاً: إنّ هذه الوثيقة قد منحت الملايين من الأموال إلى الفضل بن سهل، ووهبته

____________________

عيون أخبار الرضا 2/154 - 159.


الثراء العريض جزاءً لخدماته للمأمون وقمعه للثورات المعادية له، ومن الطبيعي أنّ تلك الأموال انما هي من الخزينة المركزية التي هي ملك لجميع المسلمين، ومما لا شبهة فيه أنه لا يجوز التفريط بأقل القليل من أموال المسلمين ولا يجوز أن تعطى مكافأة أو غير ذلك إلى أي شخص، وانما يجب انفاقها على صالح المسلمين وتطوير حياتهم، وانعاشهم ونشر الرخاء عليهم، فكيف جاز للامام ان يجيز ذلك ويقر منح هذه الأموال للفضل.

ثانياً: إنّ هذه الوثيقة قد حوت آيات من المدح والثناء على المأمون والفضل بن سهل، والطعن في ثورة أبي السرايا وثورة جعفر بن محمد الطالبين، وكل ذلك ليس من خلق الإمام الرضاعليه‌السلام ، فهو لا يمدح أحداً حتى يكون جديرا بالمدح والثناء، ولا يذم كذلك أحداً حتى يكون جديراً بالذم والتوهين، كانت هذه سيرته ومنهجه، فكيف يمنح المأمون هذا الثناء، وكيف يمدح هذا الفضل بهذا المدح؟ مع العلم أنّه سلام الله عليه كان يكن في أعماق نفسه ودخائل ذاته الكراهية والبغضاء لهما؛ وذلك لعلمه بما انطوت عليه نفوسهما من الشر، والحقد عليه، وإنّما قام المأمون بتكريم الإمام ومنحه ولاية العهد لمناورة سياسية لم تكن خافية عليه.

ثالثاً: إنّ هذه الوثيقة تتنافى مع ما اشترطه الإمامعليه‌السلام على المأمون في قبوله لولاية العهد أن لا يتدخّل في أي أمر من أمور الدولة، ويكون بمعزل عن جميع الأحداث السياسية، فكيف يتدخّل في أمر الفضل، ويجازيه على إخلاصه للمأمون، وعلى سعيه في إخماد الثورات الملتهبة التي اندلعت ضد المأمون؟!!.

هذه بعض المؤاخذات التي تواجه نسبة هذه الوثيقة للإمام الرضاعليه‌السلام .

مع أخيه زيد:

وانضم زيد إلى الثورة التي أعلنها أبو السرايا داعية محمد بن إبراهيم الحسني، وقد قلّد زيدا ولاية (الأهواز)، فسار إليها ليتولّى مهام منصبه، فاجتاز على (البصرة)، وكانت خاضعة للحكم العباسي فأحرق دور بني العباس، ومن أجل ذلك لقب بزيد النار، ولـمّا فشلت ثورة أبي السرايا، واستتر زيد فطلبه الحسن بن سهل فظفر به، فحبسه، ولم يزل في الحبس حتى ظفر إبراهيم شيخ المغنّيين المعروف بابن شكلة،

فهجم البغداديون على السجن، وأخرجوا زيداً من السجن، ومضى إلى يثرب، ودعا


لبيعة محمد بن جعفر فبعث المأمون جيشاً فقضى على الثورة، وأسر زيد وجيء به مخفوراً إلى المأمون فقال له:

(يا زيد خرجت بالبصرة، وتركت أن تبدأ بدور أعدائنا من أمية وثقيف، وغنى، وباهلة، وآل زياد، وقصدت دور بني عمّك - يعني بني العباس -).

فقال له زيد بمرح:

(يا أمير المؤمنين أخطأت من كل جهة، وإن عدت للخروج بدأت بأعدائنا).

وضحك المأمون، وبعثه إلى الإمام الرضاعليه‌السلام وقال له: وقد وهبت لك جرمه فأحسن أدبه(1) ، ولـمّا مثل أمام الإمامعليه‌السلام قال له:

ويلك يا زيد، فعلت بالمسلمين بالبصرة ما فعلت، وتزعم أنّك ابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والله لأشد الناس عليك رسول الله (ص) يا زيد ينبغي لمن أخذ برسول الله أن يعطي به...).

ولـمّا انتهى كلام الإمام إلى المأمون بكى، وقال: هكذا ينبغي أن يكون أهل بيت رسول الله (ص)(2).

مع أخته فاطمة:

وكتب الإمام الرضاعليه‌السلام وهو في (خراسان) إلى السيدة الزكية فاطمة المعروفة بالسيدة معصومة أن تلحق به، فقد كانت أثيرة عنده، عزيزة عليه، ولـمّا انتهى الكتاب إليها تجهّزت وسافرت إليه(3) ولـمّا وصلت إلى (ساوه) مرضت فسألت عن المسافة بينها وبين (قم) فقيل لها: عشرة

فراسخ فأمرت بحملها إلى (قم)، فحملت إليها، ونزلت في بيت موسى بن خزرج بزمام ناقتها، وأقدمها إلى داره فبقيت عنده سبعة عشر يوماً ثم انتقلت إلى حظيرة القدس، فقام موسى بتجهيزها، ودفنها في أرض كانت له، وبنى على مرقدها الطاهر

____________________

(1) تنقيح المقال 1 / 471.

(2) مرآة الجنان 2 / 13.

(3) جوهرة الكلام (ص 146).


سقيفة من البواري إلى أن بنت عليها السيدة زينب بنت محمد بن علي الجواد قبّة(1) ، وأصبح مرقدها الطاهر من أعزّ أمكنة العبادة، والمراقد المطهّرة في الإسلام، كما أصبحت تلك المدينة المقدّسة جامعة من جوامع العلم، ومركزاً من مراكز الثقافة في الإسلام.

ويقول الحسن بن محمد القمّي: كنت عند الإمام الصادقعليه‌السلام فقال: (إنّ لله حرماً وهو مكّة، ولرسوله (ص) حرماً وهو المدينة، ولأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، ولنا حرماً وهو (قم)، وستدفن فيه امرأة من ولدي تسمّى فاطمة، مَن زارها وجبت له الجنة)(2) وقد أعلن الإمام الصادقعليه‌السلام ذلك قبل ولادتها.

صلاة العيد:

وطلب المأمون من الإمام الرضاعليه‌السلام أن يصلّي بالناس صلاة العيد، ويخطب بعد الصلاة، لتطمئن بذلك قلوب العامة، ويعرفوا فضله، فامتنع الإمام من إجابته، وقال له: قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط، وهي عدم تدخّله في أي أمر من الأمور، فقال المأمون: إنّما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامة والجند، والشاكرية، هذا الأمر فتطمئن قلوبهم، ويقرّوا لما فضّلك الله به، وأصرّ المأمون عليه، فاضطرّ إلى إجابته، ولكنّه شرط عليه أن يخرج إلى الصلاة كما كان يخرج جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجدّه الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال له المأمون: اخرج كيف شئت، وأوعز المأمون إلى القوات المسلحة، والى سائر الناس باستقبال الإمام الرضاعليه‌السلام ، وخرجت الجماهير تنتظر خروج الإمام، وقد غصّت بهم الطرقات وأشرفوا من أعلى منازلهم، ولـمّا طلعت الشمس قام الإمام فاغتسل، ولبس عمامة بيضاء وألقى طرفاً منها على صدره الشريف، وطرفاً بين كتفه، وأمر مواليه أن يصنعوا مثل صنعه، ثم أخذ بيده عكّازة، وخرج بتلك الحالة التي تعنو لها الجباه، ورفع رأسه الشريف إلى السماء فكبّر أربع تكبيرات، وقد تهيأ الجيش، وتزين بأحسن زينة، ثم وقف على الباب فكبر أربعاً وقال: (الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام الحمد لله على ما أبلانا...).

____________________

(1) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 439.

(2) تحفة العالم (ص 36) البحار.


وضجّت الأرض بالتكبير، وماج الناس، وعلت أصواتهم بالتكبير وتذكّروا في صورة الإمامعليه‌السلام صورة جدّه الرسول (ص) الذي طوّر الحياة الفكرية في الأرض، وتبيّن لهم زيغ أولئك الملوك الذين حكموهم بالظلم والجور.

وكان الإمام العظيم سلام الله عليه يمشي على قدميه، ويقف في كل عشر خطوات، ويكبّر الله تعالى أربع مرات، وتخيّل الناس أنّ السماء والأرض، والحيطان تجاوبه، وصارت (مرو) ضجّة واحدة، وبلغ المأمون ذلك فارتاع، وفزع، وانبرى إليه الفضل بن سهل فقال له:

(يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله أن يرجع...).

وبعث المأمون بعض جلاوزته إلى الإمام فسأله الرجوع، فدعاعليه‌السلام بخفّه فلبسه ورجع من دون أن يصلّي بالناس(1) ، وقد أظهرت هذه البادرة روحانية الإمام، وزهده في الدنيا، ورفضه لمباهج الملك والسلطان، ويصف البحتري خروج الإمامعليه‌السلام إلى الصلاة بهذه الكيفية بقوله:

ذكروا بطلعتك النبي فهلّلوا

لـمّا طلعت من الصفوف وكبّروا

حتى انتهيت إلى المصلّى لابساً

نور الهدى يبدو عليك فيظهرُ

ومشيت مشية خاضعٍ متواضعٍ

لله لا يزهو ولا يتكبّرُ

ولو انّ مشتاقاً تكلّف غير ما

في وسعه لمشى إليك المنبرُ(2)

ويقول الرواة: إنّ خروج الإمام إلى الصلاة بهذه الكيفية كانت من أهم العوامل التي أدّت إلى حقد المأمون على الإمام، وإقدامه على اغتياله.

استسقاء الإمام:

وحُبس المطر عن الناس، فعزى ذلك بعض الحاقدين على الإمامعليه‌السلام ذلك إلى تولّيه ولاية العهد، وأخذوا يذيعون ذلك وينشرونه في الأوساط الشعبية للطعن بشخصية الإمامعليه‌السلام وبلغ المأمون ذلك، فثقل

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 189 - 190 عيون أخبار الرضا 2 / 150 - 151، المناقب 4 / 371 - 372، كشف الغمّة.

(2) المناقب 4 / 372.


عليه، وعرض ذلك على الإمام وطلب منه أن يدعو الله تعالى لينزل المطر على الناس، فأجابه الإمام: إنّي أفعل ذلك يوم الاثنين، فقال له المأمون: ولم ذلك، فقالعليه‌السلام :

(إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أتاني البارحة، ومعه أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، وقال: يا بني انتظر بوم الاثنين، فابرز إلى الصحراء واستسق، فإنّ الله تعالى سيسقيهم، وأخبرهم بما يريك الله ممّا لا يعلمون من حالهم ليزدادوا علماً بفضلك ومكانك من ربّك عزّ وجل...).

وانتظر المأمون، وباقي حاشيته الاثنين، وقد أوعز إلى جميع الأوساط الشعبية بالخروج إلى الصحراء يوم الاثنين، ولـمّا حلّ هذا اليوم هرعت الناس إلى الصحراء، وخرج الإمامعليه‌السلام وعليه هيبة الأنبياء فلمّا انتهى إلى الصحراء نصب له منبر وقد حفّت به الجماهير، وقد علت أصواتهم بالتهليل والتكبير.

دعاء الإمام:

واعتلى الإمام المنبر فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: (اللّهمّ يا رب أنت عظمت حقّنا أهل البيت، فتوسّلوا بنا كما أمرت، وأملوا فضلك، ورحمتك، وتوقّعوا إحسانك، ونعمتك، فاسقهم سقياً نافعاً، عامّاً، غير رايث(1) ولا ضائر، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارهم...

وأضاف الإمام قائلاً:

(فوالذي بعث محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحق نبياً، لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم، وأرعدت وأبرقت...).

ولـمّا سمعت الجماهير كلام الإمام أرادت الرجوع إلى أهلها لئلاّ يصيبهم المطر، فقالعليه‌السلام : ليست هذه السحابة التي أطلّت عليكم لكم، وإنّما هي لبلد وسمّاه لهم.

وهكذا أطلّت على الجماهير عشر سحب متوالية، ويخبر الإمام عن كل سحابة أنّها تهطل في بلد وسمّاه، وأطلّت السحابة الحادية عشر، فقالعليه‌السلام :

____________________

(1) غير رايث: أي غير بطئ.


(أيّها الناس: هذه سحابة بعثها الله عزّ وجل لكم، فاشكروا الله على تفضّله عليكم، وقوموا إلى مقاركم، ومنازلكم، فإنّها مساقة لكم، ولرؤوسكم ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا إلى مقاركم، ثم يأتيكم من الخير ما يليق بكرم الله تعالى وجلاله...).

ثم نزل من على المنبر، وسارعت الجماهير إلى بيوتها، فلمّا انتهت إليها هطلت السحابة بوابل من المطر لم يسبق له مثيل فملئت الأودية والحياض، والغدران، والفلوات.

وأيقن الناس بكرامة أهل البيت، وما لهم من المنزلة الوثيقة عند الله تعالى، وقالوا: هنيئاً لولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كرامات الله عزّ وجل لهم، وكانت هذه الكرامة من كرامات هذا الإمام العظيم.

خطاب الإمام:

وخطب الإمامعليه‌السلام في حفل كبير حاشد على أثر هذه الكرامة فقالعليه‌السلام :

(أيّها الناس: اتقوا الله في نعم الله عليكم، فلا تنفروها عنكم بمعاصيه بل استديموها بطاعته، وشكره على نعمه وأياديه، واعلموا أنّكم لا تشكرون الله تعالى بشيء بعد الإيمان بالله، وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أحب إليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبر لهم إلى جنان ربّهم، فإنّ مَن فعل ذلك من خاصة الله تبارك وتعالى وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك قولاً ما ينبغي لقائل أن يزهد في فضل الله عليه فيه إن تأمّله وعمل عليه؟

قيل: يا رسول الله هلك فلان يعمل من الذنوب كيت، وكيت، فقال رسول الله: بل قد نجا، ولا يختم الله عمله إلاّ بالحسنى، وسيمحو الله عنه السيئات، ويبدلها حسنات، إنّه كان يمر مرة في طريق، عرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر فسترها عليه، ولم يخبره مخافة أن يخجل، ثم إنّ ذلك المؤمن عرفه في مهواه(1) فقال له: أجزل الله لك الثواب وأكرم لك المآب، ولا ناقشك في الحساب، فاستجاب الله له فيه، فهذا العبد لا يختم الله له إلاّ بخير بدعاء ذلك

____________________

(1) المهواة: المطمئن من الأرض ما بين جبلين.


المؤمن، فاتصل قول رسول الله (ص) بهذا الرجل فتاب وأناب، وأقبل على طاعة الله عزّ وجل، فلم تأت سبعة أيام حتى أغير على سرح(1) المدينة، فوجّه رسول الله (ص) في أثرهم جماعة ذلك الرجل أحدهم فاستشهد...).

وانتهى خطاب الإمام، وقد حفل بالدعوة إلى تقوى الله تعالى والتعاون والتآلف بين المسلمين، واعتبر ذلك من أفضل الطاعات والقربات إلى الله تعالى.

عتاب وتحذير:

وتحدثت الأندية والمجالس عن استسقاء الإمامعليه‌السلام وهطول الأمطار الغزيرة بدعائه، وقد ورمت أنوف العباسيين وعملائهم، وتميّزوا غيظاً وغضباً فقد ظهر فضل العلويين، وما لهم من المنزلة العظيمة عند الله تعالى وقد اشتد وغد خبيث كالكلب نحو المأمون، وجعل يعاتبه، ويحذّره من عقده ولاية العهد للإمام وظهور هذه الكرامة له قائلاً:

(يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تكون تأريخ الخلفاء(2) في إخراجك هذاالشرف العميم، والفخر العظيم من بيت ولد العباس إلى بيت ولد علي.

لقد أعنت على نفسك وأهلك، وجئت بهذا الساحر، ولد السحرة، وقد كان خاملاً فأظهرته، ومتضعاً فرفعته، ومنسيّاً فذكرت به، ومستخفاً فنوّهت به، وقد ملا الدنيا مخرقة(3) وتشوقاً بهذا المطر الوارد عند دعائه، وما أخوفني أن يخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العباس إلى ولد علي، بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك، والتواثب(4) على مملكتك، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك؟...).

وحكى هذا منطق الجاهلية الرعناء التي حكمت على الرسول الأعظم أنّه ساحر، وذلك لظهور المعاجز والآيات على يده، وكذلك حكموا على حفيده بهذا

الحكم.... ولنستمع إلى جواب المأمون:

____________________

(1) السرح: المال السائم.

(2) قوله: أن تكون تأريخ الخلفاء: كناية عن عظيم الواقعة وهي عقده بولاية العهد للإمام، وأنّها ستكون موضع تأريخ للناس، ويحتمل أن يكون المراد أنت آخر الخلفاء.

(3) المخرقة: الشعبذة.

(4) وفي نسخة البحار (الريث).


(وقد كان هذا الرجل - يعني الإمام - مستتراً عنّا، يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا، وليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالملك والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به أنّه ليس ممّا ادعى في قليل ولا كثير، وأنّ هذا الأمر لنا من دونه، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه ما لا نسده، ويأتي علينا منه ما لا نطيقه، والآن فإذ قد فعلناه، وأخطأنا في أمره بما أخطأنا، وأشرفنا من الهلاك بالتنويه على ما أشرفنا فليس يجوز التهاون في أمره، ولكنّا نحتاج أن نضع منه قليلاً، قليلاً، حتى نصوّره عند الرعايا بصورة مَن لا يستحق لهذا الأمر ثم ندبّر فيه بما يحسم عنّا مواد بلائه...)(1) .

لقد كشف المأمون الغطاء عن الدوافع التي دعته لعقد ولاية العهد للإمامعليه‌السلام وهي:

أولاً: إنّ الإمامعليه‌السلام كان يدعو الناس إلى نفسه سرّاً وبتقليده لولاية العهد يكون دعاؤه للمأمون، ويعترف بملكه وخلافته.

ثانياً: إنّه أراد أن يظهر للملأ أنّ الإمامعليه‌السلام لم يكن زاهداً في الحكم، ومبتغياً الدار الآخرة.

وقد اعترف أخيراً بالخطأ في ترشيحه لهذا المنصب، وانتدابه للقيام بالاستسقاء وغيره التي ظهرت روحانيته، وعظيم مكانته عند الله، ولكنّه سوف يبغي له الغوائل، ويكيده حتى يقضى عليه.

خشية المأمون من الإمام:

وخشي المأمون من الإمام، وفزع من التفاف الجماهير حوله، وخاف على ملكه من الزوال، فقد استبان للناس فضل الإمامعليه‌السلام وروحانيته، وأنّه هو القادر على أن يبسط العدل السياسي، والعدل الاجتماعي في ربوعهم، وأنّ بني العباس لا لايقة لهم لزعامة الأمة والتحكّم في سلطان المسلمين.

قرارات هامّة:

وأخذ المأمون يطيل التفكير، ويقلب الرأي على وجوهه مع مستشاريه للتخلّص من الإمام، فاتخذ من القرارات ما يلي:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 169 - 170.


أولاً: عقد المؤتمرات العلمية التي تضم كبار علماء الدنيا لامتحان الإمام لعلّه يعجز عن الإجابة فيتخذ من ذلك وسيلة للطعن في شخصية الإمام، وإبطال مذهب التشيّع الذي ينص على أنّ الإمام لا بد أن يكون أعلم أهل عصره، كما أنه إذا عجز الإمام فإنّه يكون في فسحة من عزله عن ولاية العهد.

وقد فشلت هذه الخطة فشلاً ذريعاً، فقد حلّق الإمام، وارتفع صيته، وأقرّت جميع الوفود العلمية التي سألته بأنّه يملك طاقات هائلة من العلوم لا تحد، وأنّه فوق العلماء في مواهبه وعبقرياته، الأمر الذي أوجب أن يقر بإمامته طائفة من كبار العلماء الذين امتحنوه.

ثانياً: فرض الرقابة عليه، وإحاطته بقوى مكثّفة من الأمن تحصي عليه أنفاسه، وقد أسندت مديرية الرقابة التي تشرف عليه إلى هشام بن إبراهيم الراشدي الهمداني، وكان إبراهيم فيما يقول الرواة عالماً أديباً، وكانت أمور الإمام الرضاعليه‌السلام قبل أن يحمل إلى (خراسان) تجري من عنده وعلى يده، كما أنّ الأموال التي كانت ترسل إلى الإمام كانت تبعث على يده، ولـمّا حمل الإمام إلى (خراسان) اتصل إبراهيم بذي الرياستين فأغراه بالمنصب والأموال، فتغلب هواه على دينه فانحرف عن الحق،

فصار عيناً على الإمام فجعل ينقل جميع أخباره وشؤونه إلى الفضل والى المأمون، وقد أسند إليه المأمون حجابة الرضا، فكان لا يصل إليه إلاّ مَن أحب، وضيّق على الإمام غاية التضييق، وكان لا يتكلم بشيء قلّ أو كثر إلاّ أورده على المأمون وعلى وزيره الفضل(1) ؛ وبذلك فقد سيطر المأمون على جميع شؤون الإمام، وعرف جميع مَن يتصل به.

ثالثاً: طرد الشيعة من الحضور في مجالس الإمام والاستماع إلى حديثه، وقد عهد المأمون للقيام بذلك إلى حاجبه محمد بن عمرو الطوسي فطرد الشيعة، وزبرهم من الالتقاء بالإمامعليه‌السلام ، وقد قابل المأمون الإمام بشراسة فغضبعليه‌السلام ، وقام فصلّى ركعتين، وقال في قنوته:

(اللّهم يا ذا القدرة الجامعة والرحمة الواسعة، والمنن والمتتابعة والآلاء والمتوالية، والأيادي الجميلة، والمواهب الجزيلة، يا مَن لا يوصف بتمثيل، ولا يمثل بنظير، يا

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 153.


مَن خلق فرزق، وألهم فأنطق وابتدع فشرع، وعلا فارتفع، وقدّر فأحسن، وصوّر فأتقن، وأجنح فأبلغ، وأنعم فأسبغ، وأعطى فأجزل، يا مَن سما في العز ففات خواطف الأبصار، ودنا في اللطف فجاز هواجس الأفكار.

يا مَن تفرّد بالملك فلا ندّ له في ملكوت سلطانه، وتوحّد بالكبرياء فلا ضدّ له في جبروت شأنه، يا مَن حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأوهام، وحسرت دون إدراك عظمته خطايف أبصار الأنام، يا عالم خطرات قلوب العارفين وشاهد لحظات أبصار الناظرين، يا من عنت الوجوه لهيبته وخضعت الرقاب لجلالته، ووجلت القلوب من خيفته، وارتعدت الفرايض من فرقه، يا بدئ يا بديع، يا قوي يا منيع، يا علي، يا رفيع، صلّي على مَن شرفت الصلاة بالصلاة عليه، وانتقم لي ممّن ظلمني، واستخفّ بي، وطرد الشيعة عن بابي وأذاقه مرارة الذل والهوان كما أذاقنيها، واجعله طريد الأرجاس وشريد الأنجاس...)(1) .

واستجاب الله دعاء الإمامعليه‌السلام فقد ثارت الغوغاء على المأمون حتى كادت أن تقضى عليه ولاقى من الرعب والهوان ما لا يوصف.

وقام المأمون مرة أخرى بطرد الشيعة، وحاول النكاية بالإمام فلمّا علمعليه‌السلام بذلك قام فاغتسل وصلّى ركعتين ودعا في قنوته بهذا الدعاء:

(اللّهمّ أنت الله الحي، القيوم، الخالق، الرازق، المحي المميت، المبدئ، البديع، لك الكرم، ولك الحمد، ولك المن، ولك الأمر، وحدك لا شريك لك، يا واحد، يا أحد يا فرد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، صلِّ على محمد وآل محمد...).

ثم دعا الله بصرف ما أهمه، فكشف عنه كيد المأمون وبغيه(2) .

عدم محاباة الإمام للمأمون:

ولم يجار الإمامعليه‌السلام المأمون، ولم يصانعه، وإنّما وقف منه موقفاً يتسم بالجد والصراحة، والنقد اللاذع لبعض أعماله وكان المأمون يتميز غيظاً، ويكتم ذلك، مجاراة للإمامعليه‌السلام وكان من بين مواقفه مع المأمون ما يلي:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 172 - 173.

(2) هامش المصباح (ص 293).


1 - إنّ المأمون لما عرض الخلافة على الإمام، وقال له: (إنّي رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة، وأجعلها لك، وأبايعك...).

وانظروا إلى صراحة الإمام في جوابه قالعليه‌السلام :

(إن كانت هذه الخلافة لك، والله جعلها لك فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسكه الله، وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز أن تجعل لي ما ليس لك...)(1) .

أرأيتم هذا المنطق الفياض، والحجّة الدامغة الحافلة بالحق والصدق، وقد فقد المأمون إهابه، فلم يدر ماذا يقول فالتجأ إلى الصمت والسكوت.

2 - ولـمّا امتنع الإمام عليه من قبول الخلافة عرض عليه المأمون ولاية العهد، فأجابه بهذا الجواب قائلاً:

(تريد بذلك - أي بتقليده لولاية العهد - أن يقول الناس: إنّ علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد؟...).

والتاع المأمون، وورم أنفه، وصاح بالإمامعليه‌السلام قائلاً: (إنّك تتلقاني أبدا بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد، وإلاّ أجبرتك على ذلك، فان فعلت وإلا ضربت عنقك...)(2) .

إنّ الإمامعليه‌السلام في جميع خطواته وأعماله قد آثر رضى الله تعالى، فلم يحاب أحداً، ولم يصانع مخلوقاً، ولو صانع المأمون وتقرّب إليه، وأرضى عواطفه لما قدم المأمون على اغتياله وقتله.

3 - وكان من صراحة الإمامعليه‌السلام وعدم محاباته للمأمون أنّ المأمون قال له: (يا أبا الحسن إنّي فكرت في شيء، فنتج لي الفكر الصواب فيه، فكرت في أمرنا وأمركم، نسبنا ونسبكم، فوجدت الفضيلة فيه واحدة، ورأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولاً على الهوى والعصبية...).

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 139.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 140.


فقال له الإمام:

(إنّ لهذا الكلام جواباً، إن شئت ذكرته لك، وإن شئت أمسكت...).

وسارع المأمون قائلاً:

(إنّي لم أقله إلاّ لأعلم ما عندك منه...).

وانبرى يقيم له الحجّة على أنّ العلويين أحق بالنبي، وأقرب إليه من العباسيين قائلاً: (أنشدك بالله يا أمير المؤمنين، لو أنّ الله تعالى بعث نبيّه محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله فخرج علينا من وراء أكمة من هذه الآكام يخطب إليك ابنتك كنت مزوّجه إيّاها؟

فقال المأمون: (يا سبحان الله!! وهل أحد يرغب عن رسول الله (ص)؟.

وبادر الإمام الرضا قائلاً:

(افتراه كان يحل له أن يخطب إلي؟...).

وأفحم المأمون ولم يجد منفذاً يسلك فيه لتبرير قربهم من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد أقام الإمام حجّة دامغة لا مجال لإنكارها والشك فهم أبناء بنته البضعة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وأبناؤها أبناؤه، وراح المأمون يقول:

(أنتم والله أمس برسول الله رحماً...)(1) .

وليس استحقاق أهل البيت للخلافة باعتبار أنّهم ألصق الناس برسول الله (ص) وأقربهم إليه، وإنّما لمواهبهم وعبقرياتهم ودراياتهم بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها الإدارية والاقتصادية.

الإمام يرفض تعيين الولاة:

وعرض المأمون على الإمام الرضاعليه‌السلام تعيين مَن يشاء ويختار ليكون والياً على بعض الأقاليم الإسلامية، ورفض الإمامعليه‌السلام الاستجابة لهذا الطلب، وقال له:

(إنّي إنّما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر ولا أنهى، ولا أعزل ولا أشير حتى

____________________

(1) كنز الفوائد (ص 166).


يقدمني الله قبلك، فوالله إنّ الخلافة لشيء ما حدثت به نفسي، ولقد كنت بالمدينة أتردد في طرقها على دابتي، وأنّ أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم، فيصيرون كالأعمام لي وإنّ كتبي لنافذة في الأمصار، وما زدتني من نعمة هي عليّ من ربّي)(1) .

لقد رفض الإمامعليه‌السلام رفضاً تاماً التدخّل في أيّ شأن من شؤون الدولة، وذلك للتدليل على عدم شرعية دولة المأمون، وأنّه إنّما دخل فيها عن كره وإجبار.

الإمام يخبر بعدم دخوله بغداد:

وقال المأمون للإمام الرضاعليه‌السلام ندخل بغداد، وعرض عليه ما يفعله فيها، فقالعليه‌السلام له: تدخل أنت بغداد، وسمع بعض الشيعة هذا الكلام ففزع لأنه يؤذن بعدم دخول الإمام إلى بغداد، واختلى بالإمام، وقال له: إنّي سمعت شيئا غمني، وذكر له ما قاله الإمام، فقالعليه‌السلام له: (ما أنا وبغداد، لا أرى بغداد، ولا تراني...)(2) .

وكان ذلك من دلائل إمامته، فإنّه لم يفارق (خراسان)، حتى اغتاله المأمون، ولم ير بغداد.

الإمام والفضل بن سهل:

أمّا الفضل بن سهل(3) ، فهو أقوى شخصية في دولة المأمون، ويتمتّع

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 166 - 167.                        (2) عيون أخبار الرضا 2 / 224 - 225.

(3) الفضل بن سهل السرخسي أسلم على يد المأمون سنة (190 ه‍) وكان من أخبر الناس بعلم النجوم، وقد طلب المأمون من والدة الفضل أن ترسل إليه بما خلفه ابنها فأرسلت إليه صندوقاً صغيراً مختوماً ففضّه، فإذا فيه درج، وفي الدرج رقعة من حرير مكتوب فيها بخطّه بعد البسملة هذا ما قضى الفضل بن سهل على نفسه، قضى أنّه يعيش 48 سنة، ثم يقتل ما بين ماء ونار، وقد عاش هذه المدة، ثم قتله غالب خال المأمون بسرخس، ومن بديع ما قاله إبراهيم بن العباس الصولي في مدحه:

لفضل بن سهل يد

تقاصر عنها المثل

فنائلها للغني

وسطوتها للأجل

وباطنها للندى

وظاهرها للقبل

ويقول في مدحه أبو محمد عبد الله بن محمد:

لعمرك ما الأشراف في كل بلدةٍ

وإن عظموا للفضل إلاّ صنائعُ

ترى عظماء الناس للفضل خشّعاً

إذا ما بدا والفضل لله خاشعُ

تواضع لـمّا زاده الله رفعةً

وكل جليل عنده متواضعُ

وأصيب الفضل بابن يقال له العباس فجزع عليه جزعاً شديداً فدخل عليه إبراهيم نجل الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام فعزاه وأنشده.

خير من العباس أجرك بعده

والله خير منك للعباسِ

فقال له الفضل صدقت، وجاء ذلك في وفيات الأعيان 3 / 209 - 211.


بصلاحيات واسعة النطاق، فقد سيطر على جميع أجهزة الدولة فكان دوره في حكومة المأمون كدور البرامكة أيام هارون الرشيد وكان ماهراً في الشؤون السياسية، ويقول فيه إبراهيم بن العباس:

وإذا الحروب غلت بعثت لها

رأياً تفل به كتائبها

رأياً إذا نبت السيوف مضى

عزم به فشفى مضاربها

أجرى إلى فئة بدولتها

وأقام في أخرى نوادبها(1)

وحكى هذا الشعر عن مهارة الفضل في الشؤون السياسية، وأنّه برأيه يستطيع أن يقضي على دولة ويقيم أخرى كما فعل في إسقاط دولة الأمين، وإقامة دول المأمون.

وعلى أيّ حالٍ فقد كان الفضل أحد المفاوضين للإمام الرضاعليه‌السلام في قبوله لولاية العهد، وقد هدّد الإمام، وتوعّده إن رفض ذلك، ونعرض فيما يلي إلى بعض شؤون الإمامعليه‌السلام معه.

عرض كاذب لاغتيال المأمون:

وقام الفضل بن سهل وهشام بن إبراهيم بعملية لخداع الإمام الرضاعليه‌السلام والقضاء عليه، فقد طلبا منه أن يخلّي مجلسه من كل أحد، ليفوضاه في

سر، وأخلى الإمام مجلسه، فاخرج الفضل يميناً مكتوبة بالعتق والطلاق، وما لا كفارة له، وقالا له:

(إنّما جئناك لنقول كلمة الحق والصدق، وقد علمنا أنّ الإمرة أمرتكم، والحق حقّكم يا بن رسول الله، والذي نقوله بألسنتنا عليه ضمائرنا، إلاّ ينعتق ما نملك، والنساء طوالق، وعلينا ثلاثون حجّة راجلين، على أن نقتل المأمون، ونخلص لك الأمر، حتى يرجع الحق إليك...).

____________________

(1) الأغاني 9 / 31 - 32.


ولم يخف على الإمام خداعيهما، وزيف قوليهما، فلو كانا صادقين في القول لقاما بذلك، قبل أن يفاوضا الإمام، وهما يعلمان انهعليه‌السلام يرفض كل محاولة لا يقرّها الإسلام، والتي منها عملية الاغتيال، فزجرهما، وقال لهما: (كفرتما النعمة، فلا تكون لكما السلامة، ولا لي إن رضيت بما قلتما...).

وبادرا نحو المأمون فاخبراه بمقالة الإمام فجزاهما خيراً، وسارع الإمام نحو المأمون، وأعلمه بالأمر، وذلك لتبرير ساحته، وتبيّن للمأمون أن الإمام لا يضمر له سوءاً(1) وأكبر الظن أنّ هذه العملية كانت بتدبير من المأمون للاطلاع على نوايا الإمام تجاهه.

وشاية بالإمام:

وعرضت البحوث الواعية في دراسة التأريخ الإسلامي إلى أنّ الفضل بن سهل لم يكن علوي الفكر(2) ، فقد قام بخطوات رهيبة معادية للإمام الرضاعليه‌السلام ، والتي كان منها وشايته بالإمام إلى المأمون، فقد قال له: (إنّك جعلت ولاية العهد لأبي الحسن، وأخرجتها من بني أبيك والعامة، والعلماء، والفقهاء، وآل عباس لا يرضون بذلك وقلوبهم متنافرة عنك...)(3) .

أرأيتم كيف حرّض الفضل على النكاية بالإمام، والوشاية به فقد ملأ قلب المأمون حقداً وكراهية للإمامعليه‌السلام .

معارضته للإمام:

وكان الفضل شديد المعارضة للإمام، فإذا ذهب الإمام إلى رأي عاكسه، ودعا المأمون إلى نقضه، وكان ذلك ما نقله الرواة أنّ المأمون دخل على الإمام، وقرأ عليه كتاباً، فيه أنّ بعض قوّاته فتحت بعض قرى (كابل)، فقال له الإمام:

(أو سرّك فتح قرية من قرى الشرك؟...).

وسارع المأمون قائلاً:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 167.

(2) يراجع في ذلك إلى كتاب الإمام الرضا للسيد جعفر مرتضى، فقد نفى عن الفضل نسبة التشيّع بصورة جازمة خلافاً لما ذهب إليه ابن خلكان في وفيات الأعيان 3 / 209 وغيره من أنّه كان شيعياً.

(3) عيون أخبار الرضا 2 / 160.


(أو ليس في ذلك سرور؟...).

والتفت إليه فأرشده إلى موضع السرور الذي ينبغي أن يسلكه قائلاً:

(يا أمير المؤمنين اتق الله في أمّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما ولاّك الله من هذا الأمر، وخصّك به، فإنّك قد ضيّعت أمور المسلمين، وفوّضت ذلك إلى غيرك يحكم فيهم بغير حكم الله، وقعدت في هذه البلاد - يعني (خراسان) - وتركت بيت الهجرة، ومهبط الوحي، وإنّ المهاجرين والأنصار يظلمون دونك، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه، ويعجز عن نفقته، ولا يجد مَن يشكو إليه حاله ولا يصل إليك.

فاتق الله يا أمير المؤمنين في أمور المسلمين، وارجع إلى بيت النبوّة ومعدن المهاجرين والأنصار، أما علمت أنّ والي المسلمين مثل العمود في وسط الفسطاط، من أراده أخذه؟...).

وحكت هذه الكلمات الصراحة والنصيحة الخالصة، وليس فيها أيّ محاباة للمأمون ولا مجاراة لعواطفه وميوله، والتفت إلى الإمام فقال له:

(يا سيدي فما ترى؟...).

وأشار الإمام عليه بالحق الذي فيه نجاته قائلاً:

(أرى أن تخرج من هذه البلاد، وتتحوّل إلى موضع آبائك وأجدادك وتنظر في أمور المسلمين، ولا تكلهم إلى غيرك، فإنّ الله تعالى سائلك عمّا ولاّك...).

واستجاب المأمون لرأي الإمام وقال له:

(نعم ما قلت: يا سيدي، هذا هو الرأي...).

وأمر أن تقدم النوائب(1) للخروج إلى (يثرب)، وبلغ ذلك الفضل فغمّه الأمر، وسارع نحو المأمون فقال له:

(ما هذا الرأي الذي أمرت به؟...).

وعرض المأمون بما أشار عليه الإمامعليه‌السلام ، من اتخاذ المدينة المنورة عاصمة للملك، وانبرى الفضل يفند هذه الفكرة، ويشير عليه بعكس ما أشار عليه الإمام قائلاً:

____________________

(1) النوائب: هي الجيوش والعساكر المعدة للنوائب.


(يا أمير المؤمنين ما هذا الصواب، قتلت بالأمس أخاك، وأزلت الخلافة عنه، وبنو أبيك معادون لك، وجميع أهل العراق، وأهل بيتك والعرب، ثم أحدثت هذا الحدث الثاني، إنّك ولّيت ولاية العهد لأبي الحسن، وأخرجتها من بني أبيك، والعامة والفقهاء والعلماء وآل العباس لا يرضون بذلك وقلوبهم متنافرة عنك.

فالرأي أن تقيم بخراسان حتى تسكن قلوب الناس على هذا، ويتناسون ما كان من أمر محمّد أخيك، وها هنا مشايخ قد خدموا الرشيد، وعرفوا الأمر فاستشرهم في ذلك، فإن أشاروا بذلك فامضه).

فقال المأمون:

(مَن هم؟...).

فقال الفضل:

مثل علي بن أبي عميران وأبي يونس، والجلودي - هؤلاء الذين نقموا بيعة أبي الحسن، ولم يرضوا بها...).

وأخيراً استجاب المأمون لرأي الفضل، وأعرض عمّا أشار عليه الإمام من اتخاذ (يثرب) عاصمة للملك(1) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 160.


نهاية المطاف

ولم يمض قليل من الوقت على تقليد الإمام الرضاعليه‌السلام لولاية العهد حتى تنكّر له المأمون كأشد ما يكون التنكّر، وأضمر له السوء والغدر، وأخذ يبغي له الغوائل، ويكيده في غلس الليل، وفي وضح النهار، ففرض عليه الرقابة الشديدة، وحبسه في بيته ومنع العلماء والفقهاء من الاتصال به، والانتهال من غير علومه كما منع سواد شيعته من التشرّف بمقابلته.

وقد ورم أنف المأمون، وتميّز غضباً وغيظاً بما يتمتّع به الإمامعليه‌السلام من المكانة العظمى في نفوس المسلمين، وقد ترسّخت وازدادت حينما أُسندت إليه ولاية العهد، فقد رأوا ترسّله، وعدم تكلّفه، وبعده عن مغريات الحياة، وزهده في الدنيا، ومشاركته للناس في آلامهم، وحنوّه على الضعفاء، وعطفه على البؤساء، وسعة علومه، وإحاطته بما تحتاج إليه الأمّة في جميع شؤونها، وشدّة إنابته إلى الله تعالى وتقواه إلى غير ذلك من معالي أخلاقه التي يحار الفكر فيها، والتي هي امتداد ذاتي إلى أخلاق جدّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي طوّر الحياة، وقضى على جميع التخلّف والانحراف في دنيا العرب والمسلمين.

رأى الناس الأخلاق العلوية الماثلة في الإمام الرضاعليه‌السلام فهاموا


بحبّه، وآمنوا بإمامته، في حين أنّ المأمون وسائر ملوك بني العباس قد اتصفوا بضد ما اتصف به الإمام فإنّهم من حين أن تقلّدوا الخلافة لم يؤثر عن أي أحد منهم مكرمة أو فضيلة فقد انسابوا وراء شهواتهم وملذاتهم، وأنفقوا الملايين من أموال المسلمين على لياليهم الحمراء، ورحم الله أبا فراس الحمداني الشاعر الملهم والثائر على الظلم والجور فقد قارن في رائعته الخالدة بين الحياة الرفيعة التي عاشها السادة العلويون، وبين الحياة الوضيعة المليئة بالإثم والمنكرات التي عاشها العباسيون يقول:

تمسي التلاوة في أبياتهم سحراً

وفي بيوتكم الأوتار والنغمُ

إذا تلوا آيةً غنّى إمامكم:

(قف بالديار التي لم يعفها قدمُ)

ومنكم عليه أم منهم وكان لكم

شيخ المغنّين إبراهيم، أم لهمُ؟

ما في بيوتهم للخمر معتصر

ولا بيوتهم للشر معتصمُ

ولا تبيت لهم خنثى تنادمهم

ولا يرى لهم قرد له حشمُ

الركن والبيت والأستار منزلهم

وزمزم والصفا والحجر والحرمُ

إنّ سيرة العلويين مشرقة كالشمس بنور الإيمان، وسيرة خصومهم العباسيين مظلمة قاتمة لا بصيص فيها بنور الإيمان، وهدى الإسلام وعلى أي حال فقد جهد المأمون أن يظهر للمجتمع الإسلامي عدم زهد الإمام الرضاعليه‌السلام في تقليده لولاية العهد إلاّ أنّه باء بالفشل فقد ظهر الإمام عليه كألمع شخصية عرفها العلم الإسلامي في تقواه وورعه، وإقباله على طاعة الله وعبادته، وعدم إشتراكه بأيّ منحى من المناحي السياسية.

ومهما يكن الأمر فإنّ هذا البحث هو الفصل الأخير من هذا الكتاب، ونعرض فيه إلى الشؤون الأخيرة من حياة الإمامعليه‌السلام ، وفيما يلي ذلك:

نصيحة الإمام للمأمون:

وقدّم الإمامعليه‌السلام نصيحة خالصة للمأمون، نقيّة من كثير من المشاكل السياسية، فقد أشار عليه أن يعفيه من ولاية العهد ويعفي الفضل بن سهل

من الوزارة، وبذلك يتخلّص من كيد العباسيين وبغيهم عليه(1) إلاّ أن المأمون لم يعفهما، وإنّما قام باغتيالهما كما سنعرض ذلك.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 145.


عزم المأمون على الرجوع إلى بغداد:

وأخذ المأمون يطيل التفكير، ويقلّب الرأي على وجوهه في الرجوع إلى (بغداد)، عاصمة آبائه، وزينة الشرق، ولكن يصدّه عن تحقيق هذه الأمنية الغالية أمران:

الأول: وجود الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ولي عهده الذي تحقد عليه الأسرة العباسية كأشد ما يكون الحقد، فقد خلعت بيعة المأمون، وبايعت ابن شكلة شيخ المغنّين انتقاماً منه لتقليده للإمام بولاية العهد.

الثاني: وجود وزيره الفضل بن سهل على المسرح السياسي فقد نقم عليه العباسيون، معتقدين أنّه هو الذي حبّذ للمأمون عقد ولاية العهد للإمام الرضاعليه‌السلام .

ورأى المأمون أن يتخلّص من الإمام والفضل، ويصفّيهما جسدياً ليخلو له الجو، وينال بذلك رضى العباسين، ويزيل عنه سخطهم وانتقامهم، وهذا ما سنعرضه.

حمّام سرخس:

ورأى المأمون أن يتخلّص من الإمام الرضاعليه‌السلام ، ومن الفضل بن سهل دفعة واحدة حتى تخلص له الأسرة العباسية فأوعز إلى عصابة مجرمة من عملائه القيام باغتيال الإمام والفضل في حمّام (سرخس)، وطلب منهما الدخول في الحمّام في وقت واحد، ويكون هو معهما، وذلك لتغطية الأمر، وعدم انكشافه لأيّ أحد، وكان الإمامعليه‌السلام يقظاً حسّاساً فلم تخف عليه هذه المكيدة فرفض إجابته، فكتب المأمون إليه ثانياً يلتمسه، ويترجّاه فأجابه الإمام:

(لست بداخل غداً الحمّام، فإنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام في هذه الليلة يقول لي: يا علي لا تدخل الحمّام غداً، فلا أرى لك يا أمير المؤمنين، ولا للفضل أن تدخلا الحمّام غداً...).

فأجابه المأمون:

(صدقت يا سيدي، وصدق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لست بداخل الحمّام غداً، والفضل فهو أعلم وما يفعله...).

وتتضح مكيدة المأمون بالنسبة إلى الفضل فقد خلاّه وشأنه ليلاقي مصرعه على


أيدي عصابته.

مصرع الفضل:

وبادر الفضل إلى الحمّام، فحينما دخل فيه تناهبت جسمه سيوف العصابة فخرّ على الأرض صريعاً يتخبّط بدمه، وما هي إلاّ لحظات وإذا به جثّة هامدة لا حراك فيها، وبذلك فقد حقّق المأمون شطراً من مهمّته.

وحينما قتل الفضل سارع أصحابه نحو المأمون ليأخذوا الثأر منه، فقد علموا أنّه هو الذي أوعز بقتله، وبادر حرّاس قصر المأمون إلى غلق أبوابه خوفاً من هجوم الثوّار على المأمون إلاّ أنّ الثوّار حملوا أقبسة من النار لحرق أبواب القصر، ولـمّا علم المأمون بذلك فزع، والتجأ إلى الإمام الرضاعليه‌السلام فاحتمى به، وخرج الإمامعليه‌السلام إلى الثوار، وأمرهم بالانصراف فاستجابوا له، ونجا المأمون ببركة الإمامعليه‌السلام (1) ، أمّا الذين قتلوا الفضل فكانوا خمسة أشخاص من حاشية المأمون كان من بينهم غالب خاله، وقد قبضت عليهم الشرطة، وجاءت بهم إلى المأمون، فقالوا له: أنت أمرتنا بقتله، فقال لهم: أنا أقتلكم بإقراركم، وأمّا ما ادعيتموه من أني أنا أمرتكم بذلك فدعوى ليس لها بينة، ثم أمر بهم فضربت أعناقهم، وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل، وأظهر عليه الحزن الكاذب(2) .

اغتيال الإمام:

وقام المأمون باغتيال إمام المسلمين، سبط الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمام الرضاعليه‌السلام ، فدس له سمّاً قاتلاً في العنب، أو الرمّان، كما سنذكره، وبذلك فقد قضى المأمون على ألمع شخصية في العالم الإسلامي، كانت مصدر الوعي والفكر في دنيا الإسلام.

أقوال شاذّة:

وحاول بعض المؤرّخين تنزيه المأمون من اقتراف هذه الجريمة النكراء، وأنّه لم يقدم على اغتيال الإمامعليه‌السلام ، وهذه بعض أقوالهم:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 164.

(2) تأريخ أبن خلدون 3 / 249، الكامل 5 / 191 حكيا ذلك قولاً، الآداب السلطانية والدول الإسلامية (ص 218) بحر الأنساب (ص 28).


1 - موته حتف أنفه:

ذهب (ابن خلدون) إلى أنّ الإمامعليه‌السلام مات حتف أنفه فجأة على أثر عنب أكله(1)، وكذا ذهب غيره إلى هذا القول(2) .

2 - اغتيال العباسيين للإمام:

قال ابن الجوزي: لـمّا رأى العباسيون أنّ الخلافة قد خرجت من أيديهم إلى أولاد علي بن أبي طالب سمّوا علي بن موسى الرضا فتوفّى في قرية من قرى (طوس) يقال لها (سناباد)... وقد زعم قوم أنّ المأمون سمّه، وليس كما ذكر، فإنّ المأمون حزن عليه حزناً لم يحزنه على أحد، وكتب إلى الآفاق يعزّونه(3) .

3 - موته بالسم:

وذكر فريق من المؤرّخين أنّ الإمامعليه‌السلام توفّي مسموماً(4) ولم يذكروا غير ذلك.

هذه بعض الأقوال التي ذكرت وهي شاذة لا نصيب لها من الواقع، فإنّ من المقطوع به هو أنّ المأمون هو الذي اغتال الإمام لا الأسرة العباسية، ولا غيرها، ولم يمت الإمام حتف أنفه، ولقد قدم المأمون على اقتراف هذه الجريمة للتخلّص من الإمام الذي شاع ذكره في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فقد ظهرت للعيان دلائل إمامته، وهام المسلمون بحبّه؛ وذلك لما يتمتّع به من معالي الأخلاق، وسموا الآداب، والإقبال على الله، والزهد في الدنيا، وغير ذلك من صفاته العظيمة في حين أن المأمون وسائر ملوك بني العباس كانوا خالين من كل نزعة كريمة، وصفة رفيعة.

وعلى أي حال فقد أجمع معظم المؤرّخين والرواة أنّ المأمون هو الذي دسّ السم إلى الإمام لا غيره، فقد اغتال بهذه الطريقة كوكبة من أعلام عصره خاف منهم(5) .

____________________

(1) تأريخ ابن خلدون 3 / 250.

(2) وفيات الأعيان تأريخ الإسلام للذهبي 8 / ورقة 35.

(3) تذكرة الخواص (ص 364) المنتظم 10 / ورقة 67.

(4) البحار.

(5) ذكرنا أسماء الذي اغتالهم المأمون في البحوث السابقة.


إلى جنّة المأوى:

وامتحن الإمام امتحاناً عسيراً في تقلده لولاية العهد، فقد ضيق عليه المأمون غايد التضييق، ففرض عليه الرقابة الشديدة، وأحاطه بقوى مكثفة من الأمن، وقد سئم الإمام من الحياة، وراح يدعوا الله تعالى أن ينقله من دار الدنيا إلى دار الخلود قائلاً: (اللّهمّ إن كان فرجي ممّا أنا فيه بالموت فعجّل لي الساعة...).

واستجاب الله دعاء وليه العظيم فنقله من دار الدنيا المحفوفة بالمكاره والآلام إلى دار الحق، ونعرض إلى كيفية وفاته، فقد دعا الإمامعليه‌السلام في غلس الليل البهيم هرثمة بن أعين، فلمّا مثل عنده قال له: (يا هرثمة هذا آوان رحيلي إلى الله تعالى، ولحوقي بجدي وآبائيعليهم‌السلام ، وقد بلغ الكتاب أجله، وقد عزم هذا الطاغي - يعني المأمون - على سمّي في عنب ورمّان مفروك، فأمّا العنب فإنّه يغمس السلك في السم ويجذبه بالخيط بالعنب، وأمّا الرمان فإنه يطرح السم في كف بعض غلمانه، ويفرك الرمان بيده ليتلطّخ حبّه في ذلك السم، وإنّه سيدعوني في اليوم المقبل، ويقرب إلى الرمان والعنب،، ويسألني أكلها، فآكلها ثم ينفذ الحكم، ويحضر القضاء.

فإذا أنا مت فسيقول: أنا أغسله بيدي، فإذا قال: ذلك، فقل له عنّي: بينك وبينه، أنّه قال لي: لا تتعرّض لغسلي، ولا لتكفيني ولا لدفني، فإنّك إن فعلت ذلك عاجلك من العذاب ما أُخّر عنك، وحلّ بك اليم ما تحذر فإنّه سينتهي.

وأضاف الإمام قائلاً:

فإذا خلّى بينك وبين غسلي حتى ترى، فيجلس في علو من أبنيته مشرفاً على موضع غسلي لينظر، فلا تتعرّض يا هرثمة لشيء من غسلي حتى ترى فسطاطاً أبيض قد ضرب في جانب الدار، فإذا رأيت ذلك فاحملني في أثوابي التي أنا فيها، وضعني من وراء الفسطاط، وقف وراءه، ويكون مَن معك دونك ولا تكشف عني الفسطاط حتى تراني فتهلك.

وإنّه - أي المأمون - سيشرف عليك، ويقول لك: يا هرثمة أليس زعمتم أنّ


الإمام لا يغسّله إلاّ إمام مثله، فمَن يغسّل أبا الحسن علي بن موسى، وابنه محمد بالمدينة من بلاد الحجاز ونحن بـ‍ (طوس)؟

فإذا قال ذلك: فقل له: إنّا نقول: إنّ الإمام لا يجب أن يغسله إلا إمام مثله، فإن تعدّى متعد فغسل الإمام لم تبطل إمامة الإمام لتعدي غاسله، ولا بطلت إمامة الإمام الذي بعده، بأن غلب على غسله أبيه، ولو ترك أبو الحسن على بن موسى الرضا (ع) بالمدينة لغسّله ابنه محمد ظاهراً مكشوفاً، ولا يغسله الآن أيضاً إلاّ هو من حيث يخفى، فإذا ارتفع الفسطاط فسوف تراني مدرجاً في أكفاني، فضعني على نعشي، واحملني، فإذا أراد أن يحفر قبري، فإنّه سيجعل قبر أبيه هارون الرشيد قبلة لقبري، ولا يكون ذلك أبداً، فإذا ضربت المعاول ينب عن الأرض(1) ولم يحفر لهم منها شيء، ولا مثل قلامة ظفر، فإذا اجتهدوا في ذلك وصعب عليهم، فقل لهم عني: إنّي أمرتك أن تضرب معولاً واحداً في قبلة قبر أبيه هارون الرشيد، فإذا ضربت تقذفه في الأرض إلى قبر محفور، وضريح قائم، فإذا انفرج القبر فلا تنزلني حتى يفور من ضريحه الماء الأبيض فيملئ منه ذلك القبر... فإذا غار الماء فأنزلني في ذلك القبر وألحدني في ذلك الضريح(2) .

وأمر الإمامعليه‌السلام هرثمة بحفظ ما قاله، فأجابه هرثمة إلى ما أراد، وفي اليوم الثاني بعث المأمون خلف الإمام، فلمّا حضر عنده قام إليه فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه إلى جانبه، وأقبل عليه يحادثه، وأمر بعض غلمانه أن يأتيه بعنب ورمّان، قال هرثمة: فلم أستطع الصبر وأصابتني رعدة.

وناول المأمون الإمام العنقود من العنب، وقال له: (يا بن رسول الله ما رأيت عنبا أحسن من هذا؟...).

فرد عليه الإمام:

(ربّما كان عنبا حسناً منه في الجنة...).

وطلب من الإمام أن يتناول منه شيئاً فامتنععليه‌السلام منه، فصاح المأمون:

____________________

(1) ينسب عن الأرض أي يمتنع ولا يؤثر فيها.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 247، وقريب منه في نور الأبصار (ص 145).


(لعلّك تتهمنا بشيء؟...).

وتناول المأمون ثلاث حبّات، ثم رمى به، وقام، فقال له المأمون:

(إلى أين؟...).

فنظر إليه الإمام، وقال له بنبرات خافته:

(إلى حيث وجهتني...)(1) .

وسارع الإمام إلى الدار، وقد تفاعل السم في جميع أجزاء بدنه، وقد أيقن بنزول الرزء القاصم، وبعث إليه المأمون يطلب منه وصيته ونصيحة له، فقالعليه‌السلام لرسوله:

(قل له: يوصيك أن لا تعطي أحداً ما تندم عليه...)(2).

وسرى السم في جميع أجزاء بدن الإمام، وأخذ يعاني من أقسى الآلام وقد علم أنّ لقاءه بربّه لقريب فأخذ يتلو آيات من الذكر الحكيم، ويستغفر الله تعالى، ويدعو للمؤمنين، ويقول الرواة: إنّه لما ثقل حاله امتنع أهل بيته وأصحابه من الأكل والشرب، فالتفتعليه‌السلام إلى ياسر وقال له:

(هل أكل الناس شيئاً؟...).

فردّ عليه بصوت خافت حزين النبرات قائلاً: (مَن يأكل مع ما أنت فيه).

فانتصبعليه‌السلام ثم قال: هاتوا المائدة، ولم يدع أحداً من حشمه إلاّ أجلسه على المائدة، وجعل يتفقّد واحداً بعد واحد، ولـمّا فرغوا من تناول الطعام، أمر بحمله إلى النساء، ولـمّا فرغوا من الأكل أغمي عليه(3) .

وفي غلس الليل البهيم كان الإمام يتلوا آيات من الذكر الحكيم، وكان آخر آية قرأها قوله تعالى:( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) (4) ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ) (5) ثم فاضت نفسه الزكية إلى بارئها(6)

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 243.

(2) عيون التواريخ 3 / 227.

(3) عيون أخبار الرضا 2 / 241.

(4) سورة آل عمران: آية 154.

(5) سورة الأحزاب: آية 38.

(6) عيون أخبار الرضا 2 / 241.


تحفّها ملائكة الرحمن، وتستقبلها في رياض الخلد أرواح الأنبياء والأوصياء، لقد أظلمت الدنيا بفقده، وأشرقت الآخرة بقدومه، وكانت وفاته رزءاً على

العلماء والفقهاء ورجال الفكر الذين كانوا ينتهلون من نمير علومه، كما كانت وفاته رزءاً شعبياً عامّاً، فقد فقدت الأوساط الشعبية مَن كان يسهر على مصالحهم، ويناضل عن قضاياهم.

لقد انتقل الإمام إلى حضيرة القدس بعد ما أدى رسالة ربّه، فلم يشترك بأي عمل إيجابي في جهاز دولة المأمون، ورفض أي تعاون معه، وقد سلب بذلك شرعية حكومة المأمون وأنّها لم تكن قائمة على حكم الله تعالى، وقد عانى من أجل ذلك جميع ألوان الاضطهاد حتى قضى عليه المأمون.

رياء المأمون:

وأظهر المأمون الحزن، والجزع الكاذب، على وفاة الإمام فقد خرج حافياً، حاسراً، يضرب على رأسه، ويقبض على لحيته، ويبكي، وقد رفع عقيرته ليسمعه الناس قائلاً:

(ما أدري أي المصيبتين أعظم عليّ، فقدي لك، وفراقي إيّاك، أو تهمة الناس لي أنّي اغتلتك وقتلتك...)(1) .

لقد أظهر المأمون الأسى على وفاة الإمامعليه‌السلام لتبرير ساحته ودفع التهمة عنه بأنّه هو الذي اغتاله، ولكن سرعان ما انكشف رياؤه، واتضح للمجتمع بأنّه هو المسؤول عن اغتياله.

إخفاء موت الإمام:

وأخفى المأمون موت الإمامعليه‌السلام يوماً وليلة(2) ، وفيما أحسب أنّه استعد لحالة الطوارئ، والخوف من الانتفاضة الشعبية عليه، فقد أوعز إلى رجال من أمنه، وقوّاته المسلحة بالاستعداد لكل حادث يحدث.

تشييع جثمان الإمام:

وشيّع جثمان الإمام تشييعاً حافلاً لم تشاهد مثله (خراسان) في جميع أدوار

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 241.

(2) مقاتل الطالبيين (ص 567)، إرشاد المفيد (ص 316).


تأريخها، فقد أغلقت الدوائر الرسمية، والمحلاّت التجارية، وهرع الناس بجميع طبقاتهم إلى تشييع الجثمان المقدّس، وهم ما بين باكٍ وواجم، ورفعت الأعلام السود، وسالت الدموع كل مسيل، وتعالى الصراخ من كل جانب على الفقيد العظيم الذي كان ملاذاً لهم، ويتقدّم النعش المأمون وهو حاسر، وخلفه الوزراء وكبار رجال الدولة، وقادة الجيش، وهم يذكرون فضائل الإمام، وما مُنيت به الأمة من الخسارة العظمى بفقده.

في مقرّه الأخير:

وجيء بالجثمان المقدّس تحت هالة من التكبير والتعظيم إلى مقرّه الأخير، فحفر له قبر بالقرب من قبر هارون قاتل أبي الإمام فواراه المأمون فيه، وقد وارى معه كل ما تسمو به الإنسانية من الصفات الرفيعة، والنزعات الكريمة.

وأقبلت الجماهير تعزّي المأمون، وسائر العلويين والعباسيين على مصابهم الأليم، وقد نخر الأسى والحزن قلوب الجميع، فقد فقدوا إمام المسلمين، وسيّد المتقين والمنيبين، ومن الجدير بالذكر أنّ المأمون سئل عن السبب في دفن الإمام إلى جانب قبر أبيه؟ فأجاب: ليغفر الله لهارون بجواره للإمام الرضاعليه‌السلام ، وقد فنّد ذلك الشاعر الملهم دعبل الخزاعي بقوله:

أربع بطوس على قبر الزكي بها

إن كنت تربع من دين على وطرِ

ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا

على الزكي بقرب الرجس من ضررِ

هيهات كل امرئ رهن بما كسبت

له يداه فخذ ما شئت أو فذرِ

قبران في طوس خير الناس كلهم

وقبر شرهم هذا من العبرِ

إقامة المأمون على قبر الإمام:

وأقام المأمون عند القبر الشريف ثلاثة أيام صائماً نهاره، قارئاً للقرآن الكريم، ويترحّم على الإمامعليه‌السلام ؛ وذلك لتنزيهه من اقتراف هذه الجريمة، وإظهار إخلاصه وحبه للإمام، إلاّ أنّ ثوب الرياء يشف عمّا تحته، فقد ظهر للجميع زيف ذلك، وأنّه لا واقع لحزنه المزعوم.

المأمون مع هرثمة:

ودعا المأمون هرثمة بن أعين، وطلب منه أن يحدثه بما سمع من الإمام وما قاله له في سمّه بالعنب والرمان، وجعل هرثمة يحدثه بذلك والمأمون يصفر وجهه مرة،


ويحمر أخرى وهو يقول بنبرات تقطر أسى وحسرات على ما اقترفه في حق الإمام قائلاً: (ويل للمأمون من الله، ويل له من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويل له من علي بن أبي طالب، ويل للمأمون من فاطمة الزهراء، ويل للمأمون من الحسن والحسين، ويل للمأمون من علي بن الحسين، ويل للمأمون من محمد بن علي، ويل للمأمون من جعفر بن محمد، ويل له من موسى بن جعفر، ويل للمأمون من علي بن موسى الرضا... هذا والله الخسران المبين!

وأمر المأمون هرثمة بكتمان قول الإمام معه، وعدم إذاعته، وتلا قول الله تعالى:( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) (1) .

والويل للمأمون على ما اقترفه من عظيم الذنب، فقد اغتال سيد المسلمين، وإمام المتقين وفلذّة من كبد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

عمر الإمام:

أمّا عمر الإمامعليه‌السلام الحافل بالمكرمات والفضائل فقد اختلف المؤرّخون في مدّته، وهذه بعض الأقوال:

1 - 47 سنة(2) .

2 - 48 سنة(3) .

3 - 49 سنة(4) .

4 - 50 سنة(5) .

5 - 51 سنة(6) .

6 - 55 سنة(7) .

____________________

(1) أعيان أخبار الرضا 2 / 249.

(2) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 78.

(3) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 78.

(4) عيون التواريخ 3 / ورقة 226 كشف الغمة 3 / 56.

(5) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 78.

(6) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 78.

(7) أصول الكافي 1 / 486 كفاية الطالب (ص 458)، نور الأبصار (ص 144)، بحر الأنساب (ص 28).


7 - 57 - و 49 يوماً أو 79 يوماً(1) .

ومنشأ هذا الاختلاف هو الاختلاف في تأريخ ولادتهعليه‌السلام ويرى السيد الأمين أنّ منشأ هذا التضارب هو التسامح بعد السنة الناقصة سنة كاملة(2) .

رثاء الإمام:

كان نبأ وفاة الإمام كالصاعقة على رؤوس المسلمين، فقد تلقوا النبأ المؤلم بأسى، وحزن عميق، فقد فقدوا بموته ما كانوا يأملونه، ويحلمون به من رجوع الخلافة الإسلامية إلى معدنها الأصيل، ويتخلّصون من ذئاب البشرية، وأئمّة الظلم والجور، ويقام في ربوعهم العدل السياسي والعدل الاجتماعي، لقد خابت الآمال بموت الإمام العظيم، وقد نخر الحزن القلوب، وسالت الدموع كل مسيل، وقد انبرت كوكبة من الشعراء فرثوا الإمام بذوب روحهم، وكان من بينهم ما يلي:

1 - أشجع بن عمرو السلمي:

ورثى أشجع بن عمرو السلمي الإمام بقصيدة عصماء حكت حزنه العميق على فقد إمام المسلمين، وصورت مدى الخسارة الكبرى التي مُني بها العالم الإسلامي، وهذا نصّها:

يا صاحب العيس يحدي في أزمّتها

اسمع وأسمع غداً يا صاحب العيسِ

إقر السلام على قبر بطوس ولا

تقر السلام، ولا النعمى على طوسِ

فقد أصاب قلوب المسلمين بها

روع وأفرخ فيها روع إبليسِ

وأخلست واحد الدنيا وسيّدها

فأيّ مختلس منّا ومخلوسِ

ولو بدا الموت حتى يستدير به

لاقى وجوه رجال دونه شوسِ

بؤساً لطوس فما كانت منازله

ممّا تخوّفه الأيام بالبؤسِ

معرّس حيث لا تعريس ملتبس

يا طول ذلك من نأي وتعريسِ

إنّ المنايا أنالته مخالبها

ودونه عسكر جمّ الكراديسِ

أوفى عليه الردى في خيس أشبله

والموت يلقى أبا الأشبال في الخيسِ

ما زال مقتبساً من نور والده

إلى النبي ضياء غير مقبوسِ

في منبت نهضت فيه فروعهم

بباسقٍ في بطاح الملك مغروسِ

____________________

(1) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 78.

(2) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 78.


والفرع لا يرتقي إلاّ على ثقةٍ

من القواعد والدنيا بتأسيسِ

لا يوم أولى بتخريق الجيوب ولا

لطم الخدود ولا جدع المعاطيسِ

من يوم طوس الذي نادت بروعته

لنا النعاة وأفواه القراطيسِ

حقّاً بأنّ الرضا أودى الزمان به

ما يطلب الموت إلاّ كل منفوسِ

ذا اللحظتين وذا اليومين، مفترش

رمسا كآخر في يومين مرموسِ

بمطلع الشمس وافته منيّته

ما كان يوم الردى عنه بمحبوسِ

يا نازلاً جدثاً في غير منزله

ويا فريسة يوم غير مفروسِ

صلّى عليك الذي قد كنت تعبده

تحت الهواجر في تلك الأماليسِ

لولا مناقضة الدنيا محاسنها

لما تقايسها أهل المقاييسِ

أحلّك الله داراً غير زائلة

في منزل برسول الله مأنوسِ(1)

أرأيتم هذه الأحزان الموجعة التي حلت بالعالم الاسلامي على فقد واحد الدنيا وسيدها الامام العظيم؟!

لقد صور أشجع السلمي برائعته مدى الخسارة العظمى التي مني بها المسلمون، والتي هي جديرة بشق الجيوب ولطم الخدود، فقد أودى الزمان بقائد الأمة، وسيدها وإمامها.

وقد ذاعت هذه القصيدة، وحفظها الناس فخاف أشجع فغير ألفاظها وجعلها في الرشيد(2).

2 - دعبل الخزاعي:

وبكي دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت الإمام الرضاعليه‌السلام أمر البكاء ورثاه بذوب روحه، وكان مما قاله في رثائه له هذه القصيدة:

هو النفس إلاّ أنّ آل محمّدٍ

لهم دون نفسي في الفؤاد كمين

أضرّ بهم إرث النبي فأصبحوا

يساهم فيه ميتة ومنون

دعتهم ذئاب من أميّة وانتحت

عليهم دراكاً أزمة وسنون

وعاثت بنو العباس في الدين عيثة

تحكّم فيه ظالم وظنين

وسمّوا رشيداً ليس فيهم لرشده

وها ذاك مأمون وذاك أمين

____________________

(1) مقاتل الطالبيين (ص 568 - 570).

(2) مقاتل الطالبيين (ص 568).


فما قبلت بالرشد منهم رعاية

ولا لولي بالإمامة دين

رشيدهم غاو، وطفلاه بعده

لهذا رزايا دون ذاك مجون

ألا أيّها القبر الغريب محلّه

بطوس عليك الساريات هتون

شككت فما أدري أمسقى شربة

فأبكيك أم ريب الردى فيهون

وأيهما ما قلت: إن قلت شربة

وإن قلت موت إنّه لقمين

أتعجب للأجلاف أن يتخيّفوا

معالم دين الله وهو مبين

لقد سبقت فيهم بفضلك آية

لدي ولكن ما هناك يقين(1)

وقال في رثاء الإمام:

ألا ما لعيني بالدموع استهلّتِ

ولو فقدت ماء الشؤون لقرّتِ

على مَن بكته الأرض واسترجعت له

رؤوس الجبال الشامخات وذلّتِ

وقد أعولت تبكي السماء لفقده

وأنجمها ناحت عليه وكلّتِ

رزينا رضي الله سبط نبينا

فأخلفت الدنيا له وتولّتِ

فنحن عليه اليوم أجدر بالبكا

لمرزئة عزّت علينا وجلّتِ

وما خير دنيا بعد آل محمّدٍ

ألا لا نباليها إذا ما اضمحلّتِ

تجلت مصيبات الزمان ولا أرى

مصيبتنا بالمصطفين تجلّتِ(2)

وممّا قاله في رثاء الإمام:

يا حسرة تتردد

وعبرة ليس تنفد

على علي بن موسى

بن جعفر بن محمّد

قضى غريباً بطوس

مثل الحسام المجرّد

يا طوس طوباك قد

صرت لابن أحمد مشهد

ويا جفوني استهلّي

ويا فؤادي توقّد(3)

ومن رثائه للإمام هذه المقطوعة:

لقد رحل ابن موسى بالمعالي

وسار بسيره العلم الشريفُ

وتابعه والدين طرّاً

كما يتتبع الألف الأليفُ

____________________

(1) مقاتل الطالبيين (ص 571).

(2) ديوان دعبل (ص 99).

(3) ديوان دعبل (ص 101).


فيا وفد الندى عودوا خفاف ال‍

حقائب لا تليد ولا طريفُ

وقد كنّا نؤمّل أن سيبقى

إمام هدى له رأي حصيفُ

ترى سكناته فتقول: عز

وتحت سكونه الفضل المنيفُ

له سمحاء تغدو كل يومٍ

بنائلة وسارية تطوفُ

فأهدى ريحه قدر المنايا

مزار دونه نأي قذوفُ

فقل للشامتين به رويداً

فما تبقي امرأ يمشي الحتوفُ

سررتم بافتقاد فتىً بكاه

رسول الله والدين الحنيفُ(1)

وقال في رثائه:

يا نكبة جاءت من الشرق

لم تتركن منّي ولم تبقِ

موت علي بن موسى الرضا

من سخط الله على الخلقِ

وأصبح الإسلام مستعبراً

لثلمة باينة الرتقِ

سقى الغريب المبتنى قبره

بأرض طوس مسبل الودقِ

أصبح عيني مانعاً للكرى

وأولع الأحشاء بالخفقِ(2)

وحكى هذا الرثاء لوعة دعبل، وحزنه العميق على وفاة إمام المسلمين وسيد المتقين الإمام الرضاعليه‌السلام الذي ترك فقده ثلمة في الإسلام.

3 - ابن المشيع المدني:

وممّن اكتوى بنار الحزن على فقد الإمامعليه‌السلام ابن المشيع المدني قال في رثاء الإمام:

يا بقعة بها سيدي

ما مثله في الناس من سيّدِ

مات الهدى من بعده والندى

وشمر الموت به يقتدي(3)

لا زال غيث الله يا قبره

عليك منه رائحاً مغتدي

كان لنا غيثاً به نرتوي

وكان كالنجم به نهتدي

إنّ عليّ بن موسى الرضا

قد حلّ والسودد في ملحدِ

____________________

(1) ديوان دعبل (ص 108).

(2) ديوان دعبل (ص 108 - 109).

(3) قال المجلسي: في البحار: (وشمر الموت) لعلّ المعنى أنّ الموت شمر ذيلة وتهيأ لإماتة سائر الأخلاق الحسنة، أو الخلائق.


يا عين فابكي بدمٍ بعده

على انقراض المجد والسودد(1)

4 - الخوافي:

ومن الشعراء الذي رثوا الإمامعليه‌السلام علي بن أبي عبد الله الخوافي قال:

يا أرض طوس سقاك الله رحمته

ماذا حويت من الخيرات يا طوس

طابت بقاعك في الدنيا وطيبها

شخص ثوى بسناآباد مرموس(2)

شخص عزيز على الإسلام مصرعه

في رحمة الله مغمور ومغموس

يا قبره أنت قبر قد تضمّنه

حلم وعلم وتطهير وتقديس

فخراً فإنّك مغبوط بجثّته

وبالملائكة الأبرار محروس(3)

5 - الضبي:

ومن جيّد ما رثى به الإمام هذه القصيدة للشاعر الضبي قال الشيخ الصدوق وجدتها في كتاب لمحمد بن حبيب الضبي، وأكبر الظن أنّها له كما أعلن ذلك في آخر القصيدة:

قبر بطوس به أقام إمامُ

حتم إليه زيارة ولمامُ

قبر أقام به السلام وإن غدا

تهدى إليه تحية وسلامُ

قبر سنا أنواره تجلو العمى

وبتربه قد تدفع الأسقامُ

قبر يمثّل للعيون محمد

ووصيه والمؤمنون قيامُ

خشع العيون لذا وذاك مهابة

في كنهها تتحيّر الأفهامُ

قبر إذا حلّ الوفود بربعه

رحلوا وحطت عنهم الآثامُ

وتزوّدوا أمن العقاب وأومنوا

من أن يحل عليهم الإعدام

الله عنه به لهم متقبل

وبذاك عنهم جفّت الأقلامُ

إن يغن عن سقي الغمام فإنّه

لولاه لم تسق البلاد غمامُ

قبر علي بن موسى حلّه

بثراه يزهو الحل والإحرامُ

فرض إليه السعي كالبيت الذي

من دونه حق له الإعظامُ

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 3 / 250.

(2) المرموس: المدفون.

(3) عيون أخبار الرضا 2 / 251.


من زاره في الله عارف حقّه

فالمسّ منه على الجحيم حرامُ

ومقامه لا شكّ يحمد في غدٍ

وله بجنّات الخلود مقامُ

ولو بذاك الله أوفى ضامن

قسماً إليه تنتهي الأقسامُ

صلّى الإله على النبي محمّدٍ

وعلى علي نصرة وسلامُ

وكذا على الزهراء صلّى سرمداً

ربٌّ بواجب حقّها علاّمُ

وعليه صلّى ثم بالحسن ابتدى

وعلى الحسين لوجهه الإكرامُ

وعلى عليٍّ ذي التقى ومحمّدٍ

صلّى وكل سيد وهمامُ

وعلى المهذّب والمطهّر جعفر

أزكى الصلاة وإن أبى الأقزامُ

الصادق المأثور عنه علم ما

فيكم به تتمسّك الأقوامُ

وكذا على موسى أبيك وبعده

صلّى عليك وللصلاة دوامُ

وعلى الرضا ابن الرضا الحسن الذي

عمّ البلاد لفقده الأظلامُ

وعلى خليفته الذي لكمُ به

تمّ النظام فكان فيه تامُ

فهو المؤمّل أن يعود به الهدى

غضّاً وأن تستوثق الأحكامُ

لولا الأئمّة واحدٌ عن واحد

درس به واستسلم الإسلامُ

كلٌّ يقوم مقام صاحبه إلى

أن تنتهي بالقائم الأيامُ

يا بن النبي وحجة الله التي

هي للصلاة وللصيام قيامُ

ما من إمام غاب عنكم لم يقم

خلف له تشفى به الإرغامُ

إنّ الأئمّة تستوي في فضلها

والعلم كهل منكم وغلامُ

أنتم إلى الله الوسيلة والأولى

علموا الهدى فهمُ له أعلامُ

أنتم ولاة الدين والدنيا ومَن

لله فيه حرمة وذمامُ

ما الناس إلاّ مَن أقرّ بفضلكم

والجاحدون بهائم وسوامُ

بل هم أضلّ عن السبيل بكفرهم

والمقتدى منهم بهم أزلامُ

يدعون في دنياكم وكأنّهم

في جحدهم أنعامكم إنعامُ

يا نعمة الله التي يحبو بها

من يصطفي من خلقه المنعامُ

إن غاب منك الجسم عنّا إنّه

للروح منك إقامةٌ ونظامُ

أرواحكم موجودة أعيانها

إن عن عيون غُيّبت أجسامُ

الفرق بينك والنبي نبوّة

إذ بعد ذلك تستوي الأقدامُ


قبران في طوس الهدى في واحدٍ

والغي في لحدٍ يراه ضرامُ

قبران مقترنان هذا ترعة(1)

جنوية فيها يزار إمامُ

وكذاك ذلك من جهنّم حفرة

فيها يجدّد للغوي هيامُ

قرب الغوي من الزكي مضاعف

لعذابه ولأنفه الإرغامُ

إن يدن منه فإنّه لمباعد

وعليه من خلع العذاب ركامُ

وكذاك ليس يضرّك الرجس الذي

يدنيه منك جنادل ورخامُ

لا بل يريك عليك أعظم حسرة

إذ أنت تكرم واللعين يسامُ

سوء العذاب مضاعف تجري به

الساعات والأيام والأعوامُ

يا ليت شعري هل بقائمكم غداً

يغدو ويكفي للقراع حسامُ

تطفى يداي به غليلاً فيكم

بين الحشا لم ترو منه أوامُ

ولقد يهيجني قبوركم إذا

هاجت سواي معالم وخيامُ

من كان يغرم بامتداح ذوي الغنى

فبمدحكم لي صبوة وغرامُ

وإلى أبي الحسن الرضا أهديتها

مرضية تلتذّها الأفهامُ

خذها عن الضبي عبدكم الذي

هانت عليه فيكم الألوامُ

إن اقض حق الله فيك فإنّ لي

حق القرى للضيف إذ يعتامُ

فاجعله منك قبول قصدي إنّه

غنم عليه حداني استغنامُ

مَن كان بالتعليم أدرك حبّكم

فمحبّتي إيّاكم إلهامُ(2)

لم اقرأ شعراً ألذّ ولا أطيب من هذا الشعر فقد حفل بروح الولاء والمودّة الخالصة لأهل البيت دعاة الله والأدلاّء على مرضاته، مضافاً إلى ما فيه من جزالة الألفاظ وجمال الأسلوب، فليس في هذه القصيدة كلمة غريبة يمجّها السمع، وينفر منها الطبع، وإنّما كانت جميع كلماتها متناسقة عذبة خفيفة على الطبع، كما حفلت بحشد من القيم العليا التي تؤمن بها الشيعة في محبتهم لأهل البيت.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما قاله الشعراء في تأبين الإمام، وهو يكشف عن مدى الرزيّة الشاملة، والرزء القاصم الذي مُني به المسلمون في فقدهم للإمام العظيم.

____________________

(1) الترعة: الروضة، وفي الحديث: إنّ منبري هذا على ترع من ترع الجنّة.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 252 - 254.


فضل زيارة الإمام:

وأصبح مرقد الإمام الرضاعليه‌السلام في (خراسان) من أعز المراقد في الاسلام فقد حظي بهالة من الاكبار والتقديس بما لم يحظ به مرقد من مراقد أولياء الله تعالى، فقد تهافتت على زيارته ملايين المسلمين متقربين بذلك إلى الله تعالى، يقول محمد بن المؤمل: خرجنا مع امام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة، وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشايخنا، وهم إذ ذاك متوافدون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا بطوس، فرأيت من تعظيم ابن خزيمة لتلك البقعة، وتواضعه لها، وتضرعه عندها ما حيرنا(1) .

إنّ الله تعالى خصّ قبر وليه الإمام الرضاعليه‌السلام بفضيلة فقد جعله ملاذاً للمنكوبين، وملجأ لذوي الحاجات، وقد شاعت هذه المكرمة عند جميع الأوساط، وقد كتب على بعض جوانب القبر الشريف بيتين من الشعر.

مَن سرّه أن يرى قبراً برؤيته يفرج الله عمن رآه كربه فليأت ذا القبر أنّ الله أسكنه سلالة من رسول الله منتجبة(2) .

وقد تواترت الأخبار، بفضل زيارة الإمام الرضاعليه‌السلام ، وهذه بعضها:

1 - روى جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت وصي الأوصياء، ووارث علم الأنبياء أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام يقول: حدثني سيد العابدين علي بن الحسين عن سيد الشهداء الحسين بن علي عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ستدفن بضعة منّي بأرض (خراسان) ما زارها مكروب إلاّ نفس الله كربته، ولا مذنب إلاّ غفر الله ذنوبه(3) .

2 - روى محمد بن عمارة عن أبيه عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، عن آبائه عن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

____________________

(1) تهذيب التهذيب 7 / 388.

(2) الدر النظيم ورقة 214.

(3) عيون أخبار الرضا 2 / 258.


(ستدفن بضعة منّي بأرض (خراسان) لا يزورها مؤمن إلاّ أوجب الله عزّ وجل له الجنّة، وحرّم جسده على النار)(1) .

3 - روى الحسن بن علي الوشاء قال: قال أبو الحسن الرضاعليه‌السلام : إني سأقتل بالسم مظلوماً، فمَن زارني عارفاً بحقّي غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر(2) .

4 - روى سليمان بن جفص المروزي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام يقول: إنّ ابني عليّاً مقتول بالسم ظلماً، ومدفون إلى جنب هارون بطوس، مَن زاره كمَن زار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (3) .

5 - روى الصقر بن دلف(4) قال: سمعت سيدي علي بن محمد بن علي الرضاعليه‌السلام يقول: مَن كانت له إلى الله حاجة فليزر قبر جدّي الرضاعليه‌السلام بطوس، وهو على غسل، وليصلِّ عند رأسه ركعتين، وليسأل الله حاجته في قنوته، فإنّه يستجيب له ما لم يسأل في إثم، أو قطيعة رحم، وإنّ موضع قبره لبقعة من بقاع الجنّة لا يزورها مؤمن إلاّ أعتقه الله من النار وأحلّه إلى دار القرار(5).

إلى غير ذلك من الأخبار التي أثرت عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام وهي تحث على زيارة مرقد الإمام الرضاعليه‌السلام ، وتذكر المزيد من الأجر لـمَن حظي بزيارته.

ولمرقد الإمامعليه‌السلام أهمية بالغة عند ملوك المسلمين، فقد قام الملك الشاه عباس بتذهيب القبّة الشريفة التي هي على القبر، وقد بذل لها من خالص ماله، وقد استغرقت مدّة بنائها ست سنين، ولـمّا تمّ بناؤها في سنة (1016 ه‍) مضى شاه عباس ماشياً من (أصفهان) إلى (خراسان) لزيارة المرقد الطاهر(6) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 2 / 255.

(2) عيون أخبار الرضا 2 / 261.

(3) عيون أخبار الرضا 2 / 260.

(4) في رواية المصقر بن خلف.

(5) عيون أخبار الرضا 2 / 262.

(6) أعيان الشيعة 4 / ق 2 / 214.


وقد حظي المرقد المعظّم بعناية بالغة من قَبل الملوك الإيرانيين ووزرائهم، وسائر المحسنين من ذوي الثراء العريض فأوقفوا له العمارات، والأراضي الواسعة، وأرصدوا له بنوكاً خاصة تدر بملايين الأموال، وقد تولّى فريق من الجيش الإيراني حراسة المرقد والقيام بخدمته، كما أقيمت بالقرب من المرقد مكتبة نفيسة، تعد في طليعة مكتبات الشرق الأوسط، فقد حفلت بما يزيد على أربعين ألف مخطوط، أمّا الكتب المطبوعة فتعد بمئات الآلاف، وقد حوت جميع أنواع العلم القديمة والحديثة، وبالقرب من المرقد الشريف أقيم مضيف للإمام الرضاعليه‌السلام يتولّى إطعام الزائرين وينفق على جميع ذلك من المصارف والبنوك التي هي وقف للإمام الرضاعليه‌السلام .

وبهذا تنطوي الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب، وأكرّر ما أعلنته في مقدّمة الكتاب من أنّ فضائل الإمامعليه‌السلام ، وما أثر عنه من روائع الحكم والآداب لم يلم بها هذا الكتاب، وإنّما احتوى على دراسة موجزة ويسيرة عنه، سائلاً من الله أن يتقبّل ذلك، إنّه تعالى وليّ التوفيق.



الفهرس

تقديم. 8

علل الأحكام وغيرها 10

المسائل الكلامية: 11

علل الأحكام الشرعية: 16

غسل العيدين والجمعة: 17

غسل الميت: 18

غسل مسّ الميت: 19

الوضوء: 19

أفعال الوضوء: 20

الصلاة: 22

أذان الصلاة: 23

فصول الأذان: 23

فصول الصلاة: 26

صلاة الجمعة: 32

صلاة المسافر: 35

المسافة الموجبة للقصر: 35

سقوط نوافل النهار: 36

الصلاة على الميت: 37

التكبيرات الخمس على الميت: 37

تغسيل الأموات: 38

تكفين الأموات: 38

دفن الأموات: 38

صلاة الكسوف: 39

الحكمة في كيفية صلاة الآيات: 39

عيد الفطر: 39

صلاة العيد: 40


الصوم: 40

شهر رمضان: 41

اقتصار الصوم على شهر رمضان: 41

ترك الحائض للصوم والصلاة: 42

قضاء الحائض للصوم: 42

قضاء شهر رمضان: 43

الصوم بدل تحرير الرقبة: 44

صيام شهرين متتابعين: 44

التتابع في صيام شهرين: 44

الحج: 44

وجوب الحج: 44

الحج مرة واحدة: 45

الإحرام: 46

الطواف بالبيت: 46

استلام الحجر: 47

الحج في ذي الحجة: 47

كلمة فيليب حتي في الحج: 48

الزكاة: 48

علل بعض المحرمات: 49

عقوبة الزاني: 50

الشهادة المثبتة للزنا: 50

كراهة أكل لحوم البغال: 58

زواج الرجل بأربعة نسوة: 58

الطلاق ثلاثاً: 58

المطلقة تسع تطليقات: 59

ميراث المرأة: 59

أحوال الأنبياء والأمم السالفة: 60


غرق فرعون: 60

أولو العزم: 62

الحواريون: 62

علل بعض الشؤون الإسلامية: 63

القرآن غض: 63

علي قسيم الجنة والنار: 63

عدم إرجاع فدك: 64

صحابة النبي (ص): 64

انحراف الناس عن علي (ع): 65

سكوت الإمام عن أخذ حقه: 65

جوامع الكلم. 68

فضل العقل: 68

التفكر في أمر الله: 69

محاسبة النفس: 70

الحلم: 70

الصمت: 70

التواضع: 70

الخصال الكريمة في المؤمن: 71

أحسن الناس وأسوأ الناس: 71

العجب المفسد للعمل: 72

الذنوب: 72

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 73

مَن أحبّ عاصياً: 73

خيار الناس: 73

شرف العمل: 73

تمامية العقل: 74

حقيقة التوكّل على الله: 74


أركان الإيمان: 75

خصال كريمة: 75

شكر النعم: 75

وصاياه ونصائحه: 75

صلة الأرحام: 78

من حكم بعض الأنبياء: 79

مناجاة موسى: 79

في صحف إبراهيم: 79

عيسى مع الحواريين: 79

وعظ وإرشاد: 80

كلماته القصار: 82

أصحابه ورواة حديثه 86

إبراهيم بن العبّاس: 87

وفادته على الإمام: 87

حرقه لديوان شعره: 89

نموذج من كتابته: 89

وفاته: 89

هجاؤه: 124

هجاؤه للرشيد: 124

هجاؤه للمعتصم: 125

هجاؤه للواثق: 126

إلى جنّة المأوى: 127

كراهة المسلمين للحكم العبّاسي: 176

الفتن والثورات الشعبية: 178

مفجر الثورة: 178

انضمام أبي السرايا إلى الثورة: 179

التقاء أبي السرايا بمحمد: 180


إعلان الثورة: 180

وفاة الزعيم محمد: 181

التنكيل بالعلويين: 185

رسالة الخوارزمي: 187

مع الواقفية: 191

شجب الامام للواقفية: 192

الإمام مع الحسين بن مهران: 193

مشكلة خلق القرآن: 197

الكذب على الأئمّة: 198

في عهد الرشيد والأمين والمأمون. 201

هارون الرشيد: 201

التحلّل: 202

مع الإمام الرضا: 204

وشاية عيسى بن جعفر بالإمام: 205

وشاية يحيى بالإمام: 205

دعاء الإمام على البرامكة: 205

كبس دار الإمام: 206

رسالة سفيان لهارون: 207

حكومة الأمين: 209

احتجابه عن الرعية: 210

خلعه للمأمون: 211

الرشيد هو المسؤول عن هذه الأحداث: 212

الحروب الطاحنة: 212

محاصرة بغداد: 213

قتل الأمين: 215

حكومة المأمون: 217

صفات المأمون: 218


رد فدك للعلويين: 227

إشادته بالإمام أمير المؤمنين: 227

انتقاصه لمعاوية: 230

استدلاله على إمامة الإمام علي: 230

المأمون: 230

علماء الحديث: 231

مناقشة المأمون: 233

جواب المأمون: 235

مع علماء الكلام: 245

أسئلة المأمون للعلماء: 249

عقده بولاية العهد للإمام: 252

زيف تشيّعه: 253

أسباب تظاهره بالتشيّع: 257

منهج حكمه: 258

الإمام الرضا عليه‌السلام وولاية العهد. 259

دوافع المأمون: 260

رسالة الفضل إلى الإمام: 262

موقف الإمام: 263

رسل المأمون إلى الإمام: 263

الإمام يودّع قبر النبي: 264

الإمام يأمر أهله بالبكاء عليه: 264

إقامة ولده الجواد مقامه: 265

إلى بيت الله الحرام: 265

إلى خراسان: 265

في نيسابور: 266

الحديث الذهبي: 266

إلى طوس: 268


استقبال المأمون للإمام: 269

عرض الخلافة على الإمام: 269

المبرّرات المزعومة للمأمون: 270

زيف مبرّراته: 271

عرض ولاية العهد على الإمام: 271

إرغام الإمام: 272

شروط الإمام: 273

نص وثيقة ولاية العهد: 273

محتويات وثيقة ولاية العهد: 278

محتويات ما كتبه الإمام: 279

محتوى كتابة الفضل: 280

البيعة للإمام: 281

كيفية البيعة: 281

الإمام يخبر بعدم تمامية هذا الأمر: 281

خطبة المأمون: 282

خطبة الإمام الرضا: 282

خطبة العبّاس: 282

الممتنعون من البيعة للإمام: 283

تنفيذ حكم الإعدام فيهم: 283

قرارات هامّة: 284

زواج الإمام بابنة المأمون: 286

البيعة للإمام في جميع الأقطار: 286

ناقدون للإمام: 289

الناقمون على المأمون: 291

خلع المأمون: 291

البيعة لإبراهيم بن شكلة: 291

رسالة المأمون للعبّاسيين: 292


شؤون الإمام في (خراسان) 303

وفادة الشعراء على الإمام: 303

جائزة الإمام لدعبل: 304

جائزة إبراهيم من الإمام: 305

القصيدة الخالدة لدعبل: 305

إنفاق جميع ما عنده: 315

خطبة الإمام في التوحيد: 315

الخطبة التي كتبها الإمام للمأمون: 319

المأمون يطلب من الإمام محاسن الشعر: 320

رسالة الإمام إلى ولده الجواد: 321

كتاب الحباء والشرط: 322

توقيع المأمون: 327

توقيع الإمام الرضا: 327

مع أخيه زيد: 328

مع أخته فاطمة: 329

صلاة العيد: 330

استسقاء الإمام: 331

دعاء الإمام: 332

خطاب الإمام: 333

عتاب وتحذير: 334

خشية المأمون من الإمام: 335

عدم محاباة الإمام للمأمون: 337

الإمام يرفض تعيين الولاة: 339

الإمام يخبر بعدم دخوله بغداد: 340

الإمام والفضل بن سهل: 340

عرض كاذب لاغتيال المأمون: 341

وشاية بالإمام: 342

معارضته للإمام: 342


نهاية المطاف.. 345

نصيحة الإمام للمأمون: 346

عزم المأمون على الرجوع إلى بغداد: 347

حمّام سرخس: 347

مصرع الفضل: 348

اغتيال الإمام: 348

أقوال شاذّة: 348

إلى جنّة المأوى: 350

رياء المأمون: 353

إخفاء موت الإمام: 353

تشييع جثمان الإمام: 353

في مقرّه الأخير: 354

إقامة المأمون على قبر الإمام: 354

المأمون مع هرثمة: 354

عمر الإمام: 355

رثاء الإمام: 356

فضل زيارة الإمام: 363


حياة الإمام الرضا (عليه السلام) الجزء ٢

حياة الإمام الرضا (عليه السلام)

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: باقر شريف القرشي
الناشر: انتشارات سعيد بن جبير
تصنيف: الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
الصفحات: 375