المقدّمة
الحمد لله الأوّل قبل الإنشاء ، والآخر بعد تمام الأشياء ، والصلاة والسلام على النور الممجّد ، والنبيّ المؤيّد ، سيّدنا ومولانا أبي القاسم محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلى آله وعترته الهداة المهديّين ، واللعائن الدائمة على أعدائهم أعداء الله أجمعين ، حتى قيام يوم الدين.
لقد منّ الله علينا بخيرة أهل الأرض محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعترتهعليهمالسلام وأخرجنا من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم ، وذلك ببيان ما نحتاجه في حياتنا اليومية من أحكام عمليَّة ، وقد وصل إلينا هذا الفيض الإلهي عن طريق علمائنا الأعلام ، رحم الله تعالى السابقين وحفظ الباقين منهم ، وشكر مساعيهم وأياديهم التي لا تنسى.
وقد ارتأيتُ أن أحمل على عاتقي مهمّة توضيح ما ورد في الرسالة العملية لآية الله العظمى السيد علي السيستاني ( دام ظلّه ) وجعل الله فيئه وارفاً على رؤوس المؤمنين ، وقد جعلتُ عملي مقصوراً على أحكام المرأة والاُسرة ، وذلك للحاجة الماسّة في مجتمع النساء والأُسر لمعرفة الحكم الشرعي وتطبيقه كما هو ، وقد مرّ هذا العمل بمراحل عدّة :
1 ـ استقراء فتاوى آية الله العظمى السيد علي السيستاني ـ حفظه الله ـ في منهاج الصالحين ، والمسائل المنتخبة ، وبعض الاستفتاآت الخطيّة الصادرة بقلمه الشريف ، وبعض المصادر الحاوية على رأيه.
2 ـ استخراج الأحكام المرتبطة بالمرأة والاُسرة.
3 ـ توضيح الأحكام بأُسلوب سلس يفهمه عامّة المكلّفين.
4 ـ بيان المعاني اللغوية للكلمات الصعبة ، وذلك اعتماداً على المصادر اللغويّة المعتبرة.
5 ـ إرسال الأحكام الموضّحة إلى لجنة الاستفتاآت في مكتب سماحته بقم المقدّسة وقد تمّ مراجعة الأحكام وبيان بعض الملاحظات عليها.
شكر وتقدير
ختاماً أتقدّم بجزيل شكري وتقديري إلى كلّ من ساهم في هذا الجهد المبارك ، وأخصّ بالذّكر سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيد جواد الشهرستاني ، الذي كان هو المشجّع الأوّل على هذا المشروع ، وزوجي سماحة حجّة الإسلام الشيخ محمّد الحسّون الذي استفدتُ من إرشاداته العلميّة وخبراته التحقيقيّة في هذا العمل ، وسماحة حجّة الإسلام السيد محسن الهاشمي ، مسؤول لجنة الاستفتاآت في مكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ـ دام ظلّه ـ الذي بذل مجهوداً كبيراً في مراجعة الأحكام ، وبيان بعض ما تحتاج إليه من ملاحظات ، والأخوات الفاضلات في دار الزهراءعليهاالسلام الثقافيّة : الحاجة ماجدة الخوانساري ، والاُخت سرور الموسوي ، والاُخت اُم علاء الحسون اللواتي ساهمن في صفّ الحروف وتصحيح الأخطاء المطبعيّة ، جزاهم الله تعالى جميعاً خير الجزاء ، وأثابهم بما يحبّ ويرضى ، إنّه خير مدعوّ ومجيب.
اُم علي مشكور صفر 1426 ه |
التقليد
1 ـ المرأة التي بلغت مرحلة الاجتهاد وتمكّنت من استنباط الحكم الشرعي ، لا يجوز لها التقليد ويلزمها العمل باجتهادها أو بالاحتياط.
كتاب الطهارة
أحكام التخلّي
1 ـ يجب تطهير مخرج البول بغسله بالماء ، وتكفي المرّة الواحدة بالقليل ، وكذا موضع الغائط إذا تعدّى المخرج أو أصاب المخرج نجاسة اُخرى من الخارج أو الداخل كالدم ، نعم لا يضرّ تنجّسه بالبول في النساء ، وفي غير ذلك يجوز غسله بالماء حتى ينقى ومسحه بحجر أو خرقة أو قرطاس أو محارم ونحوها من الأجسام القالعة للنجاسة.
2 ـ لا يجب على المرأة أن تستبرئ من البول ، وما يخرج منها من بلل مشتبه في كونه بولاً أو لا يُحكم بطهارته ، ولا يجب عليها الوضوء ، والأفضل للمرأة أن تصبر قليلاً وتتنحنح وتعصر فرجها عرضاً ثمّ تغسله.
الوضوء
1 ـ لا بدّ من رفع المانع عند الوضوء ، فلو كان الكحلُ مانعاً وجب رفعه ، وكذلك الوسمة أو الخطاط الذي له جرم.
2 ـ تُطيل بعض النساء أظافرها للجمال ، وتضع دواءً عليها حفظاً لها من التكسّر ، فإذا كان هذا الدواء حاجباً من الوضوء أو الغسل ، أو شكّ في حاجبيّته فلابدّ من إزالته ، ولا يكون هذا السبب مبرّراً لعدم رفعه(1) .
3 ـ لا يجوز المسح على الشعر المكوّر والمجمّع على الناصية ـ الذي يتجاوز بمدّه حدّ الربع المقدّم من الرأس من جميع جوانبه ـ عند الوضوء ، ولذا فلابدّ من فتحه ثمّ المسح على أُصوله في الربع المقدّم ، أو على مقدار منه لا يخرج بمدّه عن حدّ المقدّم من جميع الأطراف.
4 ـ يستحبّ للمرأة في غسل اليدين في الوضوء أن تبدأ بباطن ذراعيها في الغسلة الأُولى الواجبة ، وبظاهرهما في الغسلة الثانية المستحبّة.
الجنابة
1 ـ للمرأة جنابة كما للرجل ، فالماء الخارج منها بشهوة بما يصدق معه الإنزال وهو ما لا يحصل عادة إلاّ مع شدة التهيّج الجنسي فهو بحكم المني دون البلل الموضعي الذي لا يتجاوز الفرج ويحصل بالإثارة الجنسيّة الخفيفة فإنه لا يوجب شيئاً ، كما وتتحقّق الجنابة أيضاً بالجماع في القبل أو الدبر وإن لم تنزل.
2 ـ إذا كان على المرأة أغسال متعدّدة ، كغسل الجنابة والجمعة والحيض وغيرها ، جاز لها أن تغتسل غسلاً واحداً بقصد الجميع ويجزئها ذلك ، كما يجوز لها أن تنوي خصوص غسل الجنابة وهو أيضاً يجزئ عن غيره ، وكذا إذا نوت غير غسل الجنابة فإنّه يجزئها عمّا نوته وعن غيره ، ولكن في إجزاء أيّ غسل عن غسل الجمعة من دون قصده ولو إجمالاً إشكال.
__________________
(1) أي ليس إطلاء الأظافر بالدواء كي لا تتكسّر سبباً مبرّراً لعدم الرفع.
3 ـ الثقب في الأُذن ـ وهو موضع الحلقة أو الخزامة ـ لا يجب غسل باطنه بل يجب غسل الظاهر ، سواء كانت الحلقة موجودة فيه أو لا.
الحيض
1 ـ الحيض : دم تعتاده النساء كلّ شهر في الغالب ، ويعتبر فيه الاستمرار ـ ولو في فضاء الفرج ـ في الثلاثة الاُولى ، وكذا فيما يتوسطها من الليالي ، فلو لم يستمر الدم لم تجر عليه أحكام الحيض ، نعم فترات الانقطاع اليسيرة المتعارفة ـ ولو في بعض النساء ـ لا تخلّ بالاستمرار المعتبر فيه ، كما يعتبر التوالي في الأيام الثلاثة المذكورة وأن يكون بعد البلوغ(1) وقبل سنّ الستّين.
ويجتمع الحيض مع الحمل قبل ظهوره وبعد ظهوره ، نعم الأحوط وجوباً أن تجمع الحامل ذات العادة الوقتية بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة في صورة واحدة ، وهي ما إذا رأت الدم بعد مضيّ عشرين يوماً من أوّل عادتها وكان الدم بصفات الحيض ، وفي غير هذه الصورة حكم الحامل وغير الحامل على حدّ سواء.
2 ـ إذا كانت المرأة ممّن لها عادة وقتية فتتحيّض بمجرّد رؤية الدم في أيام عادتها وإن لم يكن بصفات الحيض ، وكذا إذا رأت الدم قبل العادة بيوم أو يومين أو أزيد ما دام يصدق عليه تعجيل الوقت والعادة بحسب عرف النساء.
وأمّا إذا رأت الدم قبل العادة بزمان أكثر ممّا تقدّم أو رأته بعدها ولو قليلاً فترجع إلى الصفات ، فإن كان واجداً للصفات ـ من الحمرة والحرارة ـ تحيّضت به ، وأمّا مع عدم الصفات فلا تتحيّض إلاّ من حين العلم باستمراره ثلاثة أيام وإن كان ذلك قبل إكمال الثلاثة. ولو كانت تحتمل بقاءه ثلاثة أيام فالأحوط وجوباً لها الجمع
__________________
(1) أي بعد بلوغ تسع سنين قمريّة كاملة.
بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة ، كترك مسّ لفظ الجلالة والآيات ودخول المساجد والمشاهد المشرّفة للمعصومينعليهمالسلام وغير ذلك ، وتأتي بالصلاة طبق وضعها من الاستحاضة.
ثمّ إنّه إن زاد الدم على الثلاثة ولم يتجاوز عن العشرة جعلت الزائد حيضاً أيضاً وإن كان أزيد من عادتها ، وأمّا إذا تجاوز العشرة فعليها أن ترجع في العدد إلى عادتها ، وأمّا في الوقت فإن كان لها تمييز(1) بالصفات يوافق عدد العادة رجعت إليه ، وإن كان مخالفاً له رجعت إليه أيضاً ، لكن تزيد عليه مع نقصانه عن عدد العادة حتى تبلغ العدد وتنقص عنه مع زيادته على عدد العادة حتى تبلغه ، فالنتيجة إنّ الصفات تحدّد الوقت فقط دون العدد ، ومع عدم التمييز بالصفات تجعل العدد في أوّل أيام الدم.
3 ـ إذا انقطع دم الحيض قبل انقضاء أيام العادة وجب عليها الغسل والصلاة حتى إذا ظنّت عود الدم بعد ذلك ، فإذا عاد قبل انقضائها أو عاد بعده ثمّ انقطع في اليوم العاشر أو دونه من أوّل زمان رؤية الدم فهو حيض ، وإذا تجاوز العشرة فما رأته في أيام العادة ـ ولو بعد النقاء المذكور ـ حيض والباقي استحاضة ، وأمّا النقاء المتخلّل بين الدمين(2) من حيض واحد فالأحوط وجوباً فيه الجمع بين أحكام الطاهرة والحائض.
4 ـ من كانت عادتها دون العشرة وتجاوز الدم أيامها ، فإن علمت بانقطاع الدم
__________________
(1) إذا استطاعت المرأة أنّ تشخّص أن هذا الدّم دم حيض أو دم استحاضه من خلال الصفات فإنّها تسمّى ذات تمييز.
(2) كما إذا رأت الدم وانقطع ثمّ رأته مرّة اُخرى فتسمّى المدّة الفاصلة بين الدمين بالنقاء المتخلّل بينهما.
قبل تجاوز العشرة حُكم بكونه حيضاً ، وإن علمت بالتجاوز عنها وجب عليها بعد مضيّ أيام العادة أن تغتسل وتعمل عمل المستحاضة ، وإن لم تعلم شيئاً من الأمرين بأن احتملت الانقطاع في اليوم العاشر أو قبله فالأحوط الأولى(1) أتستظهر بيوم ثمّ تغتسل من الحيض وتعمل عمل المستحاضة ، ولها أن تستظهر أزيد منه إلى تمام العشرة من أوّل رؤية الدم. ( والاستظهار : هو الاحتياط بترك العبادة ).
وجواز الاستظهار إنّما ثبت في الحائض التي تمادى(2) بها الدم كما هو محلّ الكلام ، ولم يثبت في المستحاضة التي اشتبه عليها أيام حيضها ، فإنّ عليها أن تعمل عمل المستحاضة بعد انقضاء أيام العادة.
5 ـ إذا شكّت المرأة في انقطاع دم الحيض وجب عليها الفحص ، ولم يجز لها ترك العبادة بدونه ، وكيفيّة الفحص أن تُدخل قطنة وتتركها في موضع الدم ، وتصبر أزيد من الفترة اليسيرة التي يتعارف انقطاع الدم فيها مع بقاء الحيض ثمّ تخرجها ، فإن كانت نقية فقد انقطع حيضها فيجب عليها الاغتسال والإتيان بالعبادة ، وإلاّ فلا. وإذا اغتسلت من دون فحص حُكم ببطلان غسلها ، إلاّ إذا انكشف أنّ الغسل كان بعد النقاء وقد اغتسلت برجاء أن تكون نقية.
6 ـ إذا رأت الدم قبل أيام العادة واستمر إليها(3) وزاد المجموع على العشرة ، فإن كان في أيام العادة فهو حيض وإن كان بصفات الاستحاضة ، وما كان قبلها استحاضة وإن كان بصفات الحيض ، وإذا رأته أيام العادة وما بعدها وتجاوز المجموع
__________________
(1) الاحتياط هنا استحبابي يجوز تركه.
(2) تمادى أي استمر.
(3) أي واستمر إلى أن أتى وقت عادتها.
العشرة كان ما بعد العادة(1) استحاضة حتى فيما كان منه في العشرة بصفات الحيض ولم يتجاوزها بهذه الصفة.
7 ـ ما تراه المبتدئة(2) أو المضطربة(3) من الدم إذا تجاوز العشرة ، فإمّا أن يكون واجداً للتمييز بأن يكون الدم المستمر بعضه بصفة الحيض وبعضه بصفة الاستحاضة ، وإمّا أن يكون فاقداً له بأن يكون ذا لون واحد وإن اختلفت مراتبه كما إذا كان الكلّ بصفة دم الحيض وإن كان بعضه أسود وبعضه أحمر ، أو كان الجميع بصفة دم الاستحاضة ـ أي أصفر ـ وإن كان مع اختلاف درجات الصفرة :
ففي القسم الأول تجعل الدم الفاقد لصفة الحيض استحاضة ، كما تجعل الدم الواجد لها حيضاً مطلقاً عشرة أيام إذا لم يلزم من ذلك محذور عدم فصل أقلّ الطهر ـ أي عشرة أيام ـ بين حيضتين مستقلّتين ، وإلاّ فعليها جعل الثاني استحاضة أيضاً ، هذا إذا لم يكن الواجد أقلّ من ثلاثة أيام ولا أكثر من العشرة ، وأمّا مع كونه أقلّ أو أكثر فلا بدّ في تعيين عدد أيام الحيض من الرجوع إلى أحد الطريقين الآتيين في القسم الثاني بتكميل العدد إذا كان أقلّ من ثلاثة ، بضمّ بعض أيام الدم الفاقد لصفة الحيض وتنقيصه إذا كان أكثر من العشرة بحذف بعض أيام الدم الواجد لصفة الحيض ولا يحكم بحيضيّة الزائد على العدد.
وأمّا في القسم الثاني فالمبتدئة تقتدي ببعض نسائها(4) في العدد ، ويعتبر في من تقتدي بها أمران :
__________________
(1) أي ما بعد أيام العادة.
(2) المبتدئة : هي التي ترى الدم لأوّل مرّة.
(3) المضطربة : هي التي لم تستقر لها عادة لا من ناحية الوقت ولا العدد.
(4) أي النساء من أقربائها كالأُمّ والاُخت والخالة والعمّة ، وهكذا.
الأوّل : عدم العلم بمخالفتها معها في مقدار الحيض ، فلا تقتدي المبتدئة بمن كانت قريبة من سنّ اليأس مثلاً.
الثاني : عدم العلم بمخالفة عادة من تريد الاقتداء بها مع عادة من يماثلها من سائر نسائها(1) .
وإذا لم يمكن الاقتداء ببعض نسائها فالظاهر أنّها مخيّرة في كلّ شهر في التحيّض فيما بين الثلاثة إلى العشرة.
ولكن ليس لها أن تختار عدداً تطمئن بأنّه لا يناسبها ، والأحوط استحباباً اختيار السبع إذا لم يكن غير مناسب لها.
وأمّا المضطربة فالأحوط وجوباً أن ترجع أوّلاً إلى بعض نسائها ، فإن لم يمكن رجعت إلى العدد على النحو المتقدّم فيهما ، هذا كلّه فيما إذا لم تكن المضطربة ذات عادة أصلاً ، وأمّا إذا كانت ذات عادة ناقصة بأن كان لأيام دمها عدد ( فوق الثلاثة ) لا ينقص عنه ـ كأن لم تكن ترى الدم أقلّ من خمسة أيام ـ أو كان لها عدد ( دون العشرة ) لا تزيد عليه ـ كأن لم تكن ترى الدم أكثر من ثمانية أيام ـ ، أو كان لها عدد من كلا الجانبين ( قلّة وكثرة ) كأن لم تكن ترى الدم أقلّ من خمسة ولا أكثر من ثمانية فليس لها أن تأخذ بأحد الضوابط الثلاثة في مورد منافاتها مع تلك العادة الناقصة.
8 ـ إذا لم تر الدم في أيام العادة أصلاً ورأت الدم قبلها ثلاثة أيام أو أكثر وانقطع يحكم بكونه حيضاً ، وكذا إذا رأت بعدها ثلاثة أيام أو أزيد ، وإذا رأت الدم قبلها وبعدها فكل من الدمين حيض إذا كان النقاء بينهما لا يقلّ عن عشرة أيام.
__________________
(1) أي يجب أن لا تعلم بمخالفة عادة من تريد الاقتداء بها من قريباتها.
9 ـ ذات العادة : هي المرأة التي ترى الدم مرّتين متماثلتين من حيث الوقت والعدد من غير فصل بينهما بحيضة مخالفة ، كأن ترى الدم في شهر من أوّله إلى اليوم السابع ، وترى في الشهر الثاني مثل الأوّل.
10 ـ لا تصح من الحائض الصلاة الواجبة والمستحبة ، ولا قضاء لما يفوتها من الصلوات حال الحيض ، حتى الآيات(1) والمنذورة في وقت معيّن. ولا يصح منها الصوم أيضاً ، لكن يجب عليها أن تقضي ما يفوتها من الصوم في شهر رمضان ، والأحوط وجوباً قضاء المنذور في وقت معيّن. ولا يصح منها أيضاً الاعتكاف ، ولا الطواف الواجب ، وهكذا الطواف المندوب على الأحوط وجوباً.
ويحرم عليها كلّ ما يحرم على الجنب من مسّ لفظ الجلالة ، وكذا سائر أسمائه تعالى وصفاته المختصّة به على الأحوط وجوباً ، ويلحق به مسّ أسماء المعصومينعليهمالسلام على الأحوط الأولى(2) ، وكذا يحرم عليها مسّ كتابة القرآن ، والدخول في المساجد وإن كان لأخذ شيء منها ، ويلحق بها المشاهد المشرّفة على الأحوط وجوباً(3) ، وكذا يحرم المكث في المساجد ووضع شيء فيها على الأحوط وجوباً وإن كان في حال الاجتياز أو من الخارج ، وكذا دخول المسجد الحرام ومسجد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وإن كان على نحو الاجتياز ، ويحرم أيضاً قراءة إحدى آيات العزائم الأربع(4) .
11 ـ يحرم وطء الحائض في قبلها أيام الدم ، ويكره الاستمتاع بما تحت المئزر ممّا بين السرّة والركبة. وإذا نقيت المرأة من الدم جاز وطؤها وإن لم تغتسل ،
__________________
(1) أي حتى صلاة الآيات.
(2) الاحتياط هنا استحبابي.
(3) أي مشاهد المعصومينعليهمالسلام .
(4) وهي آيات السجدة الواجبة في سورة حم السجدة ، والم السجدة ، والنجم ، والعلق.
والأحوط وجوباً ان يكون ذلك بعد غسل الفرج.
12 ـ لا يصح طلاق الحائض ، إلاّ إذا استبان حملها فلا بأس به حينئذ. ولو طلّقت على أنّها حائض فتبيّن أنّها طاهرة صح طلاقها ، ولو كان العكس بطل.
13 ـ لا يجوز وطء الحائض وغيرها في الدبر على الأحوط وجوباً إذا لم تكن راضية به ، ويكره كراهة شديدة مع رضاها.
14 ـ غسل الحيض كغسل الجنابة من حيث الترتيب والارتماس(1) ، والظاهر إغناؤه عن الوضوء وإن كان الأحوط الأفضل الوضوء قبله.
15 ـ لو كانت المرأة حائضاً وكان عليها غسل جنابة ، واغتسلت للجنابة حينها ، صح غسلها وتصح منها الأغسال المستحبة والوضوء ، وفي صحة غسل الجمعة منها قبل النقاء إشكال.
الاستحاضة
1 ـ وهي الدم الذي تراه المرأة حسب ما يقتضيه طبعها غير الحيض والنفاس ، فكلّ دم لا يكون حيضاً ، ولا نفساً ، ولا يكون من دم البكارة ، أو القروح أو الجروح فهو استحاضة.
والغالب في دم الاستحاضة أن يكون أصفراً بارداً رقيقاً ، يخرج بلا لذع وحرقة ، عكس دم الحيض ، ولعلّه يكون بصفة دم الحيض لكنّه في غير أيام الحيض.
ولا يوجد حدّ لقليله ولا لكثيره ولا للمدّة التي ينقطع بها ثمّ يعود مرّة أُخرى ،
__________________
(1) أي يمكن الإتيان به ارتماسيّاً أو ترتيبيّاً بغسل الرأس والرقبة ثمّ الطرف الأيمن ثمّ الأيسر من البدن.
ولا تراه إلاّ المرأة البالغة. وفي تحقّقه بعد سنّ الستّين إشكال ، والأحوط وجوباً العمل فيه بوظائف المستحاضة.
2 ـ الاستحاضة على ثلاثة أقسام ، لكلّ قسم منها حكم خاصّ به ، وهي : الكثيرة ، والمتوسّطة ، والقليلة.
والكثيرة : هي أن يغمس الدم القطنة التي تحملها المرأة ويتجاوزها إلى الخرقة(1) ويلوّثها.
والمتوسّطة : هي أن يغمسها الدم ولا يتجاوزها إلى الخرقة التي فوقها.
والقليلة : هي التي يكون الدم فيها قليلاً بحيث يلوّث القطنة فقط.
3 ـ المستحاضة تختبر حالها قبل الصلاة على الأحوط وجوباً ، حتى تعرف من أي أنواع المستحاضة هي ، وإذا صلّت من دون اختبار بطلت صلاتها ، إلاّ إذا طابق عملها الوظيفة اللازمة لها ، فإن كانت قليلة توضّأت لكلّ صلاة ، والمتوسّطة يجب عليها أن تتوضّأ لكلّ صلاة ، والأحوط وجوباً أن تغتسل غسلاً واحداً في كلّ يوم ، والغسل يكون قبل الوضوء.
وأمّا وقت الغسل فهو لكلّ صلاة حدثت قبلها ، فإذا حدثت الاستحاضة المتوسّطة قبل صلاة الفجر اغتسلت ثمّ توضّأت وصلّت ، وإذا حدثت قبل صلاة الظهر اغتسلت وتوضّأت لها ، وصلّت غيرها من الصلوات بالوضوء ، وإذا حدثت قبل العصر اغتسلت وتوضّأت لها وصلّت ، وهكذا ...
وإذا حدثت قبل صلاة الصبح ولم تغتسل عمداً أو سهواً اغتسلت للظهرين ، والأحوط وجوباً لها إعادة صلاة الصبح.
__________________
(1) أي الحفّاظة.
وأمّا الكثيرة فيجب عليها إذا كان الدم صبيباً(1) ثلاثة أغسال لصلاة الصبح وللظهرين وللعشاءين تجمع بينهما ، وأمّا إذا كان بروزه على القطنة متقطّعاً بحيث تتمكن من الاغتسال والإتيان بصلاة واحدة أو أزيد قبل بروز الدم عليها مرّة اُخرى فالأحوط وجوباً الاغتسال عند بروز الدم ، وعلى ذلك فلو اغتسلت وصلّت ثم برز الدم على القطنة قبل الصلاة الثانية وجب عليها الاغتسال لها ، ولو برز الدم في أثنائها أعادت الصلاة بعد الاغتسال.
4 ـ إذا انتقلت الاستحاضة من الأدنى إلى الأكثر ، كأن كانت متوسّطة وصارت كثيرة ، أو كانت قليلة وصارت متوسّطة ، فعليها أن تعمل عمل التي انتقلت إليها للصلاة الآتية ، وإذا صار انتقال عادتها بعد غسلها للصبح فتعيد الغسل ، ولو ضاق الوقت للغسل تيمّمت ، وإن ضاق الوقت عن التيمّم فالأحوط استحباباً أن تستمر على عملها ، ويجب عليها قضاء الصلاة.
5 ـ حكم المرأة في الاستحاضة القليلة حكم الطاهرة ، وهكذا في الاستحاضة المتوسّطة والكثيرة ، فلا يعتبر الغسل في صحة صومها وإن كان الأحوط استحباباً أن تراعيا فيه الإتيان بالأغسال النهاريّة التي للصلاة.
ولا يحرم وطء المستحاضة ، ولا دخول المساجد ، ولا وضع شيء فيها ولا المكث فيها ، ولا قراءة آيات السجدة قبل طهارتها بالوضوء أو الغسل ، ولكن يحرم عليها مسّ المصحف ونحوه قبل تحصيل الطهارة ، والأحوط(2) أن لا تمسّه قبل
__________________
(1) الصبيب : الدم ، الصحاح 1 : 161 « صَبَبَ ». والظاهر أنّ المقصود منه هنا هو كون الدم مستمراً في جريانه.
(2) الاحتياط هنا استحبابي.
إتمام صلاتها دون ما بعدها ، أي ما بعد الصلاة.
النفاس
1 ـ وهو الدم الذي يقذفه الرحم بالولادة معها ، أو بعدها على نحو يستند خروج الدم إليها عرفاً ، وتسمّى المرأة في هذا الحال بالنفساء.
ولا نفاس لمن لم تر الدم من الولادة أصلاً ، أو رأته بعد فصل طويل بحيث لا يستند إليها عرفاً كما إذا رأته بعد عشرة أيام منها.
ولا حدّ لقليله ، وحدّ كثيره عشرة أيام. والأفضل لها أن تترك ما تتركه النفساء إذا زاد نفاسها على ثمانية عشر يوماً ، وتفعل أفعال المستحاضة.
2 ـ الدم الذي تراه الحامل قبل ظهور الولد ليس بنفاس ، فإن رأته في حالة المخاض وعلمت أنّه من آثار المخاض فهو من دم الجروح ، ولكن إذا رأته قبل حالة المخاض أو فيها ولم تعلم استناده إليه ، سواء كان متصلا بدم النفاس أو منفصلاً عنه بعشرة أيام أو أقلّ ، فإن كان بشرائط الحيض فهو حيض ، وإلاّ فهو استحاضة.
3 ـ مبدأ النفاس اليوم ، فإن كانت الولادة ليلاً كان من النفاس ، ولكنّه خارج العشرة.
4 ـ مبدأ النفاس خروج الدم لا نفس الولادة ، فإن تأخّر خروج الدم عنها كانت العبرة في الحساب بالخروج ، كما أنّ مبدأ النفاس الدم الخارج بعد الولادة وإن كان الخارج حينها نفاساً أيضاً.
5 ـ لو رأت النفساء الدم وتجاوز العشرة ، جعلت نفاسها عشرة أيام ما لم تكن
ذات عادة(1) في الحيض ، والاّ أخذت بمقدار عادتها والباقي استحاضة ، وإذا كانت ناسية لمقدارها جعلت أكبر عدد محتمل عادة لها في هذا المقام وبعده ترجع إلى عادتها الوقتية ـ مع تخلل أقل الطهر بين دم النفاس وبينها طبعاً ـ وتنتظرها وإن اقتضى ذلك عدم الحكم بتحيّضها فيها بعد الولادة بشهر أو أزيد.
ولو رأت الدم حين الولادة ثمّ انقطع ، ثمّ رأته مرّة اُخرى ولم يتجاوز الدم الأخير العشرة ، فما تراه يكون جميعه نفاساً ، وأمّا النقاء المتخلّل فالأحوط وجوباً الجمع فيه بين أحكام الطاهرة والنفساء.
وإذا تجاوز الدم الأخير العشرة ، وكانت ذات عادة عدديّة في الحيض ، فما تراه في مقدار أيام عادتها نفاس ، والأحوط وجوباً في الدم الخارج عن العادة الجمع بين تروك النفساء وأعمال المستحاضة ، وأمّا إذا لم تكن ذات عادة عدديّة في الحيض ، فما تراه في مقدار أيام عادتها نفاس ، والأحوط وجوباً في الدم الخارج عن العادة الجمع بين تروك النفساء وأعمال المستحاضة. وأمّا اذا لم تكن ذات عادة عدديّة في الحيض فما تراه خلال العشرة يكون نفاساً ، وتحتاط وجوباً في النقاء المتخلّل بالجمع بين أعمال الطاهرة وتروك النفساء ، وما يخرج عن العشرة من الدم الأخير يحكم بكونه استحاضة.
6 ـ النفساء بحكم الحائض ، فتفعل كفعل الحائض عند تجاوز الدم على أيام العادة ، فيستحب لها الاستظهار بيوم ، وجاز لها الاستظهار إلى تمام العشرة من حين رؤية الدم. وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ، ويحرم وطؤها ولا يصح طلاقها. والأحوط لزوماً لها ترك قراءة الآيات التي تجب فيها السجدة ، والدخول في
__________________
(1) أي إذا كانت مضطربة لم تستقرّ لها عادة لا من ناحية الوقت ولا من ناحية العدد.
المساجد بغير اجتياز ، والمكث في المساجد ووضع شيء فيها ، ودخول المسجد الحرام ومسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولو على نحو الاجتياز.
غُسل الأموات
1 ـ يجب تغسيل الميت ، وسائر ما يتعلّق بتجهيزه من الواجبات على وليّه ، فعليه التصدّي لها مباشرة أو تسبيباً(1) ، ويسقط مع قيام غيره بها بإذنه بل مطلقاً ـ أي حتى مع عدم إذنه ـ في الدفن ونحوه. نعم مع فقدان الولي أو امتناعه عن القيام به بأحد الوجهين يجب تجهيزه على سائر المكلّفين كفاية(2) ويسقط اعتبار إذنه ، ويختصّ وجوب التغسيل بالمسلم ومن بحكمه كأطفال المسلمين ومجانينهم.
ولا بدّ أن يكون المباشر للغسل مسلماً ، بل ومؤمناً(3) على الأحوط وجوباً ، كما ويعتبر أن يكون مماثلاً للميت في الذكورة والانوثة ، فإن كان أُنثى فلا بدّ أن يكون المغسّل أُنثى ، ويستثنى من ذلك موارد :
1 ـ الطفل غير المميّز ، سواء كان الميت ذكراً أم أُنثى ، مع الثياب أو بدونها ، مع وجود المماثل له أم مع فقده ، فإنّه يجوز في كلّ هذه الحالات أن يختلف الغاسل والميت في الهويّة.
2 ـ إذا كان الميت الزوج أو الزوجة ، فيجوز لكلّ منهما أن يغسّل الآخر مع الثياب أو بدونها ، ومع وجود المماثل أو فقده ، سواء كانت الزوجة دائمة أو منقطعة ـ
__________________
(1) أي يؤجر أحداً حتى يجهّز الميت.
(2) أي إذا قام به شخص سقط عن غيره من المكلّفين.
(3) أي أماميّاً اثني عشرياً.
أي مؤقّتة ـ بل والمطلّقة الرجعيّة وإن كان التغسيل بعد انقضاء العدّة ، بل وإن كانت قد تزوّجت بغيره.
3 ـ المحرم يجوز أن يغسّل محرمه غير المماثل مع فقد المماثل على الأحوط وجوباً ، ويقصد بالمحرم : من يحرم نكاحه مؤبّداً بنسب أو رضاع أو مصاهرة دون المحرم بغيرها كالزنا واللواط واللعان.
ولا يجوز النظر إلى عورة الميت ولا مسّها ، ولو فعل ذلك فلا يؤثّر على صحة الغسل.
2 ـ إذا ماتت المرأة وعليها غسل جنابة أو حيض لا يجب تغسيلها إلاّ غسل الميت ، ولو كانت حاملاً يكره أن يُمسح على بطنها كما يمسح على بطن غيرها.
3 ـ يخرج كفن الزوجة من مال زوجها ، بشرط أن لا يقترن موتها بموته ، وكذلك جميع مؤن التجهيز كالسدر والكافور والماء وغير ذلك.
4 ـ يستحب أن تُقنّع المرأة بمقنعة في كفنها ، وتلف ثدياها بلفافة ، وكذلك خرقة يعصّب بها وسطها.
5 ـ إذا اجتمعت جنائز متعدّدة فيجوز الصلاة عليها بصلاة واحدة ، ولو كان في الجنائز رجال ونساء يُجعل الرجل أقرب إلى المصلّي ويجعل صدر المرأة محاذياً لوسط الرجل.
6 ـ لا فرق في وجوب تغسيل المسلم بين الصغير والكبير حتى السقط إذا تمّ له أربعة أشهر ، بل وإن لم تتمّ له إذا كان مستوي الخلقة على الأحوط وجوباً. ولا تجب الصلاة عليه ، ويجب تكفينه ودفنه على المتعارف. وإذا كان للسقط أقلّ من أربعة أشهر ولم يكن مستوى الخلقة فلا يجب غسله ، بل يُلف في خرقة على
الأحوط وجوباً ويدفن.
7 ـ يكره حضور الحائض عند المحتضر ، كما ويكره أن يمسّ الميت حال النزع فإنّه يوجب أذاه.
8 ـ إذا كان وليّ الميت امرأة جاز لها أن تصلّي عليه مباشرة ، أو أن تأذن لغيرها بالصلاة سواء كان رجلاً أم امرأة.
9 ـ يجوز للمرأة أن تكون إماماً في صلاة الأموات ، بأن تؤمّ النساء إذا لم يكن أحد أولى وأفضل منها موجوداً ، ولكنّ الأحوط وجوباً أن لا تتقدّم على النساء كما في ـ الإمام ـ الرجل بل تقف في وسطهن.
10 ـ تُدفن الحامل الكافرة ـ إذا كان حملها الميت بعد ولوج الروح فيه من مسلم ـ في مقبرة المسلمين على الجانب الأيسر مستدبرة للقبلة على وجه يكون الولد في بطنها مستقبلاً ، أي للقبلة.
11 ـ يجب دفن الجزء المبان من الميت ، وإن كان شعراً أو سنّاً أو ظفراً على الأحوط وجوباً.
12 ـ يستحب تغطية قبر المرأة بثوب عند إدخال المرأة فيه.
13 ـ لو مات الجنين دون أُمه ، فإن أمكن إخراجه صحيحاً وجب أن يُخرج صحيحاً ، وإن لم يمكن وخيف عليها من بقائه وجب التوصّل إلى إخراجه بالأرفق فالأرفق ولو بتقطيعه وإخراجه ، وإن أمكن تقطيعه قليلاً فلا بدّ أن يخرج بتقطيعه قليلاً ويراعى الإرفاق فيه. ويجب أن يكون المباشر النساء ، ويجوز لها اختيار الأرفق بحالها وإن كان هو الأجنبي.
ولكن إذا ماتت الأُمّ دون الجنين وجب إخراجه ولو بشقّ بطنها ، فيشقّ جنبها الأيسر إذا كان شقّه أوثق ببقاء الطفل وأرفق بحاله ، ومع التساوي فهو مخيّر بين شقّ
بطنها وعدمه ، ثمّ تخاط بطنها وتدفن.
14 ـ يجب الغسل على من مسّ الميت ولو من غير رطوبة ، حتى مسّ الظفر منه والشعر بعد برده وقبل إتمام غسله سواء كان الميت مسلماً او كافراً ، بل حتى المسلم الذي لا يجب تغسيله كالشهيد ـ على الأحوط وجوباً ـ ولا فرق بين الكبير والصغير حتى السقط إذا ولجته الروح ، لكن لو غسّله الكافر لعدم وجود المسلم ، أو غسّل بالماء الخالي لعدم وجود السدر والكافور ، فلا يجب الغسل حين مسّه.
الأغسال المستحبة
1 ـ ذكر الفقهاء قدّس الله أسرارهم كثيراً من الأغسال المستحبة ، والثابت منها ستّة وعشرون مورداً مذكورة في الرسالة العمليّة ، وهي تجزئ عن الوضوء ، فلو كانت المرأة حائضاً واغتسلت غسلاً مستحباً بعد نقائها من الدم فإنّه يجزئ عن غسل الحيض ويصح منها قبل النقاء ولكن لا يجزئ عن غسل الحيض.
التيمّم
1 ـ إذا عجزت المرأة عن الغسل في موارد وجوبه فلها أن تتيمّم ، ولكن لا بدّ في الاستحاضة المتوسطة من الوضوء بعد الغسل ، فإن عجزت عن الوضوء تيمّمت عنهما معاً ، فتجتزئ بتيمّم واحد عن الغسل والوضوء.
الطهارة من الخبث
لا بدّ من التزام أفراد الاُسرة ـ وخصوصاً الأطفال ـ فيما يتعلّق بالنجاسات العشرة ، وهي :
(1 و 2) البول والغائط من الإنسان ومن كلّ حيوان له نفس سائلة ـ وهو ما يسيل دمه عند ذبحه ـ ومحرّم الأكل بالأصل أو بالعارض ، أي سواء محرّم الأكل بطبيعته ـ كالخنزير ، أو صار محرّماً بسبب خارجي كالجلاّل ـ وهو الذي يأكل العذرة ـ أو موطوء الإنسان من البهائم.
والأحوط وجوباً الاجتناب عن بول ما لا نفس سائلة له ، إذا عدّ ممّا يؤكل عرفاً ، ويستثنى من الحيوان المحرّم أكله الطائر فإن بوله وخرءه طاهران.
(3) المنيّ من الرجل ومن ذكر كلّ حيوان له نفس سائلة وإن كان أكله حلالاً على الأحوط لزوماً ، وفي حكم منيّ الرجل ما يخرج من المرأة عند ثوران الشهوة بما يوجب صدق الإنزال الموجب لجنابتها.
(4) الميتة من الإنسان والحيوان ذي النفس السائلة ، وإن كان يحلّ أكله حتى الأجزاء المقطوعة منها ، بل ومن الحي أيضاً عدا الأجزاء الصغار كالجلدة التي تنفصل من الشفة.
(5) السقط قبل ولوج الروح فيه نجس ، وأمّا الفرخ في البيض فهو طاهر.
(6) الدم من ذي النفس السائلة ، أمّا ما لا نفس سائلة له كالسمك فدمه طاهر ، وكذا المتخلّف في الذبيحة(1) والمتكوّن في صفار البيض. والدم الذي يكون علقة من بعد كونه نطفة نجس على الأحوط وجوباً.
(7 و 8) الكلب والخنزير البريّان بجميع أجزائهما وفضلاتهما ورطوبتهما ، دون البحريين فهما طاهران.
(9) الخمر ، والمراد به المتخذ من العصير العنبي ، وأمّا غيره من المسكر
__________________
(1) وهو الدم الذي يبقى في الذبيحة بعد غسلها لا الذي يخرج منها حين الذبح.
والكحول المائعة بالأصالة ومنه الاسبرتو بجميع أنواعه فمحكوم بالطهارة.
(10) الكافر : وهو الذي ليس له دين أصلاً ، أو له دين غير الإسلام ، أو أنّه انتحل الإسلام وأنكر ما يُعلم أنّه من الدين الإسلامي بحيث يؤدّي إلى إنكار الرسالة ، ولو بعضها بأن يرجع إلى تكذيب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في بعض ما بلّغه عن الله تعالى في العقائد كالمعاد ، أو في غيرها كالأحكام الفرعيّة مثل الفرائض ومودّة ذي القربى ، وأمّا إذا لم يرجع جحده إلى ذلك بأن كان سببه بُعده عن البيئة الإسلامية ، وجهله بأحكام هذا الدين فلا يحكم بكفره.
وما يكون بحكم الكافر فهم : الغلاة والنواصب والخوارج.
1 ـ الغلاة على طوائف متعدّدة ، فمنهم من يكون تعريفه كتعريف الكافر فيكون نجساً.
وأمّا النواصب فهم الذين يُعلنون عداوتهم لأهل البيتعليهمالسلام .
وأمّا الخوارج فمنهم من يُعلن عداءه لأهل البيتعليهمالسلام فيكون داخلاً في قسم النواصب ، ومنهم من لا يكون كذلك ولكنّه يتبع فقه الخوارج فلا يحكم بنجاسته.
ولكن الحكم بالنجاسة يختصّ بغير الكافر الكتابي والمرتد ، وأمّا الكتابي فالمشهور بين الفقهاء ـ رضي الله عنهم ـ نجاسته ولكن لا يبعد الحكم بطهارته ، وأمّا المرتد فيلحقه حكم الطائفة التي لحق بها.
2 ـ ينجّس الملاقي لأحد هذه النجاسات مع الرطوبة المسرية ، وكذا الملاقي لهذا الملاقي ، بل وكذا الملاقي لهذا المتنجّس الثاني ، وأمّا الملاقي للمتنجّس الثالث فلا يحكم بنجاسته ، وإذا شكّ في نجاسة شيء فهو طاهر ولا يجب الفحص عن حاله.
3 ـ من الأُمور التي ترتبط بالمرأة المغتربة الغسّالات العامة التي يغسل فيها المسلم وغير المسلم ملابسه ، ولا يُعلم أنّ الغسّالة المتّصلة بالكرّ في بعض مراحل الغسل هل تطهّر الملابس أو لا ؟ فإذا كانت الملابس طاهرة قبل الغسل يمكن الصلاة فيها ، وكذلك لو حصل الاطمئنان بزوال عين النجاسة عنها ووصول الماء المطلق إلى جميع مواضعها المتنجّسة مرّتين إذا كانت متنجّسة بالبول حتّى لو كان الماء كرّاً مثل مياه أنابيب الإسالة ، وفي غير البول مرّة واحدة. ولا بدّ في تطهيرها بالقليل أن ينفصل عنها ماء الغسالة بالعصر ونحوه إلاّ إذا كان قليلاً باق فيها ، والغسّالات المتداولة تطهّر الثياب على كلّ حال(1) .
4 ـ لو غسلت المرأة الثياب بالصابون المشتمل على شحم الخنزير فتصير نجسة إذا كانت طاهرة مـن قبل ، وتبقى على نجاستهـا إن كانت نجسة فلا بدّ من تطهيرها(2) .
5 ـ لو أرادت المرأة أن تطهّر الفراش الأرضي المسمّى ب ( الكاربت ) كما في الدول الغربيّة وكان قد تنجّس بالبول أو غير ذلك فيمكنها تطهيره بفتح الحنفيّة عليه حتى يستولي الماء على المكان النجس ، كما ويمكنها تطهيره بالماء القليل بصبّ الماء عليه فإذا استولى على المكان النجس جمعت الماء بقطعة قماش ونحوه ، وتجتنب قطعة القماش طبعاً إلاّ بعد تطهيرها(3) .
نعم إذا علمت أو اطمأنت بسراية البول ونحوه عن الكاربت إلى الأرض فلا بُدَّ
__________________
(1) الفقه للمغتربين : 88.
(2) الفقه للمغتربين : 89.
(3) الفقه للمغتربين : 87.
من تطهير الأرض أيضاً.
6 ـ لو استأجر المسلم بيتاً مؤثّثاً في الغرب ولم يجد أثراً للنجاسة فيه وكان ساكنه مسيحيّاً أو يهوديّاً أو بوذيّاً منكراً لوجود الله تعالى ، فهو طاهر ، إلاّ إذا علم بالتنجّس واطمأن به ، ولو ظنّ بالتنجّس فيحكم بطهارته(1) .
7 ـ لو قدّمت المرأة الكافرة طعاماً للمسلم أو المسلمة وقد جهل المسلمُ المُعْتَقَدَ والدينَ لتلك المرأة فهو طاهر ، سواء مسّته الكافرة مع البلل أم لا ، إلاّ إذا علم باحتوائه على المحرّم فإنّه لا يجوز أكله ، وأمّا اللحوم والشحوم فلها حكم خاصّ بها.
__________________
(1) الفقه للمغتربين : 87.
كتاب الصلاة
1 ـ إذا بلغ الصبيّ في أثناء وقت الصلاة وجبت عليه إذا أدرك مقدار ركعة أو أزيد ، ولو صلّى قبل البلوغ ثمّ بلغ في الوقت في أثناء الصلاة أو بعدها فالأقوى أنّها تكفي ، ولا تجب عليه الإعادة وإن كان الأحوط استحباباً إعادتها في كلتي الحالتين.
2 ـ عورة المرأة في الصلاة جميع بدنها حتى الرأس والشعر ، عدا الوجه بالمقدار الذي يستره الخمار عادةً حينما يضرب على الجيب(1) ، وإن كان الأحوط(2) لها ستر ما عدا المقدار الذي يُغسل في الوضوء ، وعدا الكفّين إلى الزندين والقدمين إلى الساقين ظاهرهما وباطنهما.
3 ـ لا يجب على الصبيّة ستر الرأس والشعر والعنق ، ويجب عليها ستر الباقي كالبالغة.
4 ـ لو ظهر بعض أجزاء جسم المرأة أثناء الصلاة ولم تكن عالمة بذلك وجبت المبادرة إلى ستره مع عدم الاشتغال بشيء من الصلاة في حال الانكشاف على الأحوط لزوماً(3) ، وتصح الصلاة.
5 ـ إذا كان الحجاب ساتراً وحائلاً بين الجبهة وبين موضع السجود ، وكانت
__________________
(1) الجيب : القميص ، الصحاح 1 : 104 « جوب ». والمراد منه هنا إسدال الخمار على الصدر وستره به.
(2) الاحتياط هنا وجوبي ، الفقه للمغتربين : 146.
(3) الاحتياط هنا وجوبي.
المرأة جاهلة بحكم وجوب وضع الجبهة على الأرض دون مانع ، فإن كانت تُعذر في جهلها ـ وهي ما يعبّر عنها بالجاهل القاصر(1) ـ لم تبطل صلاتها ، وإلاّ بطلت.
6 ـ يجب على الأحوط(2) على المرأة أن تخفت في الظهرين ، وتتخيّر في غيرهما مع عدم سماع الأجنبي صوتها ، وأمّا معه فالأحوط وجوباً خفوتهن فيما إذا كان الإسماع محرّماً ، كما إذا كان موجباً للريبة(3) .
7 ـ إذا كان للميّت وارث قاصر ، كالطفل وكذا المجنون والسفيه ، إذا بلغا كذلك ، لم يجز استعمال تركته كاستخدام الثوب في الصلاة ، إلاّ بمراجعة الوليّ الشرعيّ من الأب والجدّ ، ثمّ القيّم عليه ، ثمّ الحاكم الشرعيّ.
8 ـ لو كانت المرأة تصلّي وقد خرج شيء من بدنها من تحت الستر ولم ينكشف لها ذلك أثناء الصلاة فصلاتها صحيحة ، ولا يجب إعلامها بذلك.
9 ـ يجوز للولي أن يُلبس الصبيَّ الحرير أو الذهب وتصح صلاته بهما.
10 ـ الأحوط وجوباً أن لا يتزيّ كلّ من الرجل والمرأة بزيّ الآخر في اللباس ، وأمّا لبس الرجل بعض ملابس المرأة لغرض آخر ، وكذا العكس فلا بأس به ، كما أنّ الأحوط عدم الظهور بالمظهر الخاصّ بالكفّار والتزيّي بزيّهم الخاصّ ، كما ولا يجوز لبس ما يظهر الإنسان في شنعة وقباحة وفظاعة ، وفيما إذا حرم اللبس لم يضرّ بصحّة الصلاة مطلقاً وإن كان ساتراً له حالها.
__________________
(1) الجاهل القاصر : الذي لا يعلم بالحكم لا لتقصير من نفسه بل لعدم وصول الحكم إليه كمن يعيش في بلاد بعيداً عن أحكام الإسلام ولا يستطيع أن يعرفها بأيّ نحو.
(2) الاحتياط هنا وجوبي.
(3) الريبة : هي خوف الوقوع في الحرام.
11 ـ إذا كان الميّت مشغول الذمّة بدين أو زكاة أو نحوهما من الحقوق الماليّة عدا الخمس لم يجز التصرّف في تركته بما ينافي أداء الحقّ منها ، سواء كان مستوعباً لها أم لا ، وأمّا التصرّف بمثل الصلاة في داره فالظاهر جوازه بإذن الورثة.
وإذا كان مشغول الذمّة بالخمس ، فإن كان ممّن يدفع الخمس جرى عليه ما تقدّم ، وإن كان ممّن لا يدفعه عصياناً أو اعتقاداً منه بعدم وجوبه لم يجب على وارثه المؤمن إبراء ذمّته ، وجاز له التصرّف في تركته.
12 ـ الأحوط لزوماً عدم تقدّم المرأة على الرجل ، ولا محاذاتهما في الصلاة في مكان واحد ، فيلزم تأخّرها عنه ولو بمقدار يكون مسجد جبهتها محاذياً لركبتيه حال السجود ، أو يكون بينهما حائل ، أو مسافة أكثر من عشرة أذرع بذراع اليد ( أربعة أمتار ونصف تقريباً ) والأظهر اختصاص المانعيّة والممنوعيّة بصلاة البالغين.
والحكم هذا يجري في حالة الاختيار دون حالة الاضطرار ، وإن كان طارئاً في الأثناء ، فلو شرع الرجل في الصلاة متأخّراً عن المرأة أو محاذياً لها ، فإن كانت متمكّنة في إيجاد الحائل أو الابتعاد عنه لم تصح صلاتها من دونه ، وإلاّ أتمتها ، ولا إعادة عليها ولو في سعة الوقت ، وكذا عند الزحام في المسجد الحرام بمكّة المكرمة فلا يعتبر فيها الشرط المذكور.
13 ـ تجوز الصلاة في كلّ بيت تضمّنته آية جواز الأكل الكريمة ـ وهي الآية الواحدة والستّين من سورة النور ـ بلا استئذان مع عدم العلم أو الاطمئنان بكراهة ربّ البيت لذلك ، فلو علم بذلك لم يجز.
14 ـ لا يجب على المرأة ستر القدمين في الصلاة وإن وجب سترهما عن الأجنبي.
15 ـ يجب على المرأة الستر في الصلاة عن نفسها أيضاً ، بمعنى أن تكون
بحيث لا ترى من نفسها ما يجب ستره في الصلاة ، كالشعر والساعد وغيره.
16 ـ تصحّ صلاة النساء وهي لابسة للذهب ، كما يجوز لبسه للنساء مطلقاً ، بل ورد كراهة ترك لبس الذهب للمرأة.
17 ـ لا بدّ أن يكون الإمام بالغاً ، عاقلاً ، مؤمناً ، عادلاً ، صحيح القراءة ، طاهر المولد ـ أي أن لا يكون ابن زنا ـ ذكراً إذا كان المأموم ذكراً ، ولا بأس بائتمام المرأة بالمرأة ، وأن لا يكون ممّن جرى عليه حدّ شرعيّ على الأحوط(1) ، وأن تكون صلاته عن قيام إذا كان المأموم يصلّي عن قيام ، وتوجّهه إلى الجهة التي يتوجّه إليها المأموم ، فلا يجوز لمن يعتقد أنّ القبلة في جهة أن يأتمّ بمن يعتقد أنّها في جهة اُخرى ، نعم يجوز إذا كان الاختلاف بينهما يسيراً تصدق معه الجماعة عرفاً ، وأن تكون صلاة الإمام صحيحة عند المأموم ، فلا يجوز الائتمام بمن كانت صلاته باطلة بنظر المأموم اجتهاداً أو تقليداً.
18 ـ إذا أمّت المرأة النساء في الصلاة فلا تتقدّم عليهن بل تقف في وسطهن ، وإذا كان الإمام ذكراً وجب أن يتقدّم عليهنّ ، ولا تجب الطمأنينة عن المأموم حال قراءة الإمام.
19 ـ الأفضل للمرأة أن تختار لصلاتها مكاناً مستوراً من البيت أو غيره ، والمكان الأكثر ستراً مرجّحاً على غيره.
20 ـ تجوز الصلاة في الثياب الجلديّة المستوردة من الخارج إذا كان مشكوك التذكية ولو لاحتمال استيرادهم الجلود من البلاد الإسلامية إذا كان الاحتمال احتمالاً منطقيّاً طبعاً ، ولا بأس بنجاسة بدن المصلّي ولباسه من دم القروح والجروح قبل
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
البرء ، ولا سيّما إذا كان التطهير أو التبديل حرجّياً نوعاً ما ، نعم يعتبر في الجرح أن يكون ممّا يعتدُ به ، وله ثبات واستقرار ، وأمّا الجروح الجزئية فيجب تطهيرها.
21 ـ يستحبّ الأذان والإقامة للمرأة كما هي كذلك للرجل ، ولكنّ التأكيد فيهما على الرجل أكثر وخصوصاً الإقامة ، ولا تأكيد عليهما بالنسبة للنساء.
22 ـ يجب الانحناء في الركوع بقصد الخضوع مقدار ما تصل أطراف الأصابع إلى الركبتين ، فلا يكفي في المرأة الانحناء دون ذلك على الأحوط لزوماً.
23 ـ يستحبّ للمرأة أن تضع كفّيها على فخذيها في التشهّد ، وكذلك يستحبّ لها وضع الركبتين ثمّ اليدين على الأرض عن الهويّ والنزول إلى السجود ، وأن تفرش ذراعيها على الأرض وتلصق بطنها بها حين السجود ، وتضمّ أعضاءها ولا ترفع عجيزتها عند النهوض للقيام بل تنهض وهي معتدلة ، ويستحبّ لها ضمّ فخذيها إلى نفسها في التشهّد والتسليم ورفع ركبتيها عن الأرض.
24 ـ أفضل التعقيب هو تسبيح الزهراءعليهاالسلام عقيب كلّ صلاة فريضة أو نافلة ، وهي التكبير أربعاً وثلاثين ، والتحميد ثلاثاً وثلاثين ، والتسبيح ثلاثاً وثلاثين.
25 ـ لو سلّم شخصٌ على المرأة في الصلاة فيجب عليها ردّ السلام ، مماثلاً لما قيل لها وإن كان المسلّم صبيّاً مميّزاً أو رجلاً أجنبيّاً ، فلو قال : « سلام عليكم » قالت : سلام عليكم فلا تزيد عليه ، ولا تقدّم الظرف إذا سلّم عليها مع تقديم السّلام على الأحوط وجوباً(1) . هذا إذا وجب الردّ على المصلّي ، وأمّا إذا لم يجب كان ردّها مُبطلاً لصلاتها ، كما إذا لم يقصد المسلِّم بسلامه تحيّة المصلّي ، وإنّما قصد به أمراً آخر من استهزاء أو مزاح ونحوهما ، وكما إذا سلّم المسلّم على جماعة منهم المصلّي
__________________
(1) أي لا تقول : ( عليكم السلام ) بَل تقول : ( سلام عليكم ) كما قال المسلّم عليها.
فردّ عليه واحد منهم ، فإنّه لو ردّ المصلّي عليه سلامه بطلت صلاته على الأحوط لزوماً.
ولا يجوز لها الابتداء بالسّلام ، ولو تركت الردّ صحّت صلاتها ولكنّها آثمة.
26 ـ إذا سافرت الزوجة بدون إذن زوجها في الحالات الطبيعية حيث لا يجوز لها أن تخرج من بيتها من دون إذنه ، وإن لم يكن منافياً لحقّ الاستمتاع ولم يكن سفرها للقيام بفعل واجب عليها ، كان سفرها سفر معصية ويجب عليها إتمام الصلاة حينئذٍ ، حتى في الإياب وإن تابت عن معصيتها وندمت.
صلاة الآيات
1 ـ تجب صلاة الآيات على كلّ مكلّف عدا الحائض والنفساء.
استحباب تمرين الصبيّ على الفرائض
1 ـ يستحبّ تمرين الصبيّ على أداء الفرائض والنوافل وقضائهما ، بل العبادات جميعاً حتى غير الصلاة منها ، ولو صلاّها الصبيّ ثم بلغ أثناء الوقت أجزأته هذه الصلاة ؛ لأنّها مشروعة.
قضاء الصلاة
1 ـ من لم يؤدّ الفريضة اليوميّة أو أتى بها فاسدة حتى ذهب وقتها يجب عليه قضاؤها خارج الوقت ، عدا ما فات الصبي والمجنون والمغمى عليه إذا لم يكن الإغماء بفعله وإلاّ فالأحوط وجوباً القضاء ، وكذا الكافر الأصلي دون المرتدّ ، وكذا
الصلوات الفائتة من الحائض والنفساء وفاقد الطهورين يجب عليه القضاء ويسقط عنه الأداء ، ومن رجع إلى مذهبنا من سائر الفرق الإسلامية لا يجب عليه قضاء ما صلاّه صحيحاً وفق مذهبه السابق الفاسد.
2 ـ من فاتته الفريضة لعذر ولم يقضها مع التمكن منه حتى مات فالأحوط وجوباً أن يقضيها عنه ولده الأكبر ، والأحوط استحباباً إلحاق الأكبر الذكر في جميع طبقات المواريث على الترتيب في الإرث ، وكذلك الأحوط استحباباً قضاء ما فات عن الأُم.
3 ـ لو كان الولد الأكبر حال موت وليّه صبيّاً أو مجنوناً ، لم يجب عليه القضاء إذا بلغ أو عقل.
4 ـ إن كان للميّت ذكران توأمان فإنّ قضاء أحدهما عن أبيه يسقط القضاء عن الآخر ، ويمكن أن يوزّع القضاء عليهما إذا كانت عليه أكثر من صلاة ، ولو كانت عليه صلاة واحدة فقام أحدهما بها سقطت عن الآخر ؛ لأنّ القضاء عليهما في فرض المسألة واجب كفائيّ.
5 ـ لو استُؤجر الأب للصلاة أو وجب عليه قضاء فوائت أبيه فلم يؤدّها ثمّ مات ، فلا يجب على ولده أداؤها.
6 ـ لو كان الولد الأكبر ممنوعاً عن الإرث بالقتل أو الرقّ أو الكفر فلا يجب عليه القضاء ، ولو مات الولد الأكبر بعد موت أبيه فلا يجب على إخوته الأكبر فالأكبر القضاء ، ولا يجب إخراج القضاء من تركته.
7 ـ إذا تبرّع شخص فقضى عن الميّت الصلاة سقطت عن الولي ، وكذلك تسقط عن الولي لو استأجر شخصاً وقد عمل بالإجارة وقضى عن الميت ، ولو أوصى الميت باستئجار شخص وكانت الوصية واجدة للشرائط ونافذة سقط القضاء عن
الميت بالنسبة للولي.
8 ـ لو مات الأب وشكّ الولد الأكبر في أنّه هل فاته شيء من الصلاة أو لا لم يجب عليه القضاء ، ولو شكّ في مقدار الفائت اقتصر على الأقل ، وإذا علم بفوتها وشكّ في قضاء أبيه لها وجب عليه القضاء على الأحوط لزوماً.
9 ـ المراد من الولد الأكبر : هو الأكبر سنّاً ، لا بلوغاً ولا انعقاداً للنطفة حين تكوين الخلقة.
10 ـ لو بلغ الصبي ، أو أفاق المجنون والمغمى عليه في أثناء وقت الصلاة وجب عليه أداؤها.
11 ـ إذا حاضت المرأة أو طرأها النفاس بعد دخول الوقت وجب عليها القضاء ، أنّ كانت المدّة التي حاضت فيها تسع الإتيان بشرائط الصلاة كالطهارة.
صلاة الاستئجار
1 ـ يجوز استئجار كلاّ من الرجل والمرأة للصلاة عن الرجل والمرأة ، ولا بدّ أن يراعي النائب والأجير الجهر والإخفات ، لا أنّه يتبع من استؤجر عنه ، فيجهر الرجل في الجهريّة وإن كان نائباً عن المرأة ، والمرأة لا جهر عليها وإن نابت عن الرجل ، ويعتبر الوثوق بصدور العمل منه نيابة مع احتمال صحّته.
2 ـ لا بدّ أن يكون الأجير بالغاً ـ على الأحوط وجوباً ـ فلا يجوز استئجار الصبيّ وإن كان مميّزاً. ويجب على الأجير أن يأتي بالعمل على النحو المتعارف إذا لم يشترط في عقد الإجارة كيفيّة خاصة ، وإلاّ لزمه العمل بالشرط.
صلاة الجماعة
1 ـ أقلّ عدد تنعقد به الجماعة اثنان أحدهما الإمام ، حتى إن كان المأموم
صبيّاً أو امرأة ، هذا في غير الجمعة والعيدين فلا تنعقدا إلاّ بخمسة من الرجال أحدهم الإمام ، ويشترط في إمام الجماعة أن يكون مولوداً شرعيّاً وعادلا بالغاً.
2 ـ إذا كان المأموم امرأة فلا بأس بالحائل بينها وبين الإمام إذا كان رجلاً ، ولا بأس بالحائل بينها وبين المأمومين من الرجال. أمّا إذا كان الإمام امرأة فلا يجوز أن يكون حائلاً بينها وبين من ائتمّ بها من النساء.
3 ـ لا بأس أن يفصل الصبيّ المميّز المأموم بين المأمومين البالغين إذا احتمل صحة صلاته.
4 ـ الأحوط استحباباً للمأموم أن يقف عن يمين الإمام محاذياً له إن كان رجلاً واحداً ، وإن كان متعدّداً فالأحوط أن يقف خلفه(1) . وإذا كان المأموم امرأة فالأحوط وجوباً أن تتأخّر عن الإمام الرجل بحيث يكون مسجد جبهتها محاذياً لموضع ركبتيه ، والأحوط استحباباً أن تتأخر عنه بحيث يكون مسجدها وراء موقفه أو يكون بينهما حائل. وإذا كان رجلاً وامرأة وقف الرجل خلف الإمام والمرأة خلف الرجل المأموم ، وإن كانوا أكثر اصطفّوا خلفه وتقدّم الرجال على النساء.
صلاة المسافر
1 ـ يجب على المسافر التقصير في الصلوات الرباعيّة ، بأن يقتصر على الركعتين الأوليين ويسلّم في الثانية ، ولا يشترط أن يكون المسافر مستقلاً في قصد المسافة ، فمن سافر يتبع غيره ـ كالزوجة ـ وجب التقصير عليها إذا علمت أن مسيرها ثمانية فراسخ ، ولو شكّت في ذلك لزمها التمام ولا يجب عليها الاستعلام وإن
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
تمكّنت منه.
وإذا كانت تابعة لزوجها في السفر والإقامة واعتقدت أنّ زوجها لم يقصد الإقامة في المقصد ، أو شكّت في ذلك قصّرت في صلاتها ، فإذا انكشف لها أثناء الإقامة أنّه كان قاصداً لها من أوّل الأمر بقيت على التقصير ، إلاّ إذا علمت بأنّه يقيم بعد ذلك عشرة أيام ، وكذا الحكم في عكس ذلك.
وإذا اعتقدت أنّ مسيره لا يبلغ ثمانية فراسخ أو أنّها شكّت في ذلك فأتمّت صلاتها ثمّ انكشف خلافه لم تجب عليها الإعادة ، ويجب عليها التقصير إذا كان الباقي بنفسه مسافة ، وإلاّ ألزمها الإتمام. نعم إذا كانت قاصدة محلاً خاصّاً معتقدة أنّه لا يبلغ المسافة ثمّ انكشف الخلاف ، أو أنّها شكّت في ذلك فأتمّت صلاتها ثمّ انكشف أنّه كان مسافة أعادتها قصراً فيما إذا بقي الوقت ، ووجب عليها التقصير فيما بقي من سفرها ، وإذا اعتقدت أنّه مسافة فقصّرت صلاتها ثمّ انكشف خلافه أعادت تماماً ، سواء كان الانكشاف في الوقت أو في خارجه ، وتتمّها فيما بقي من سفرها ما لم تنشئ سفراً جديداً.
2 ـ لو كانت الزوجة عازمة على فراق زوجها قبل قطع المسافة الشرعيّة مهما أمكنها أو معلّقة لها على حصول أمر كالطلاق مثلاً ، فمع العلم بعدم تحقّقه قصّرت ، وإذا ظنّت تحقّقه أو احتملت تحقّقه أتمّت ، إلاّ إذا كان الاحتمال بعيداً غايته بحيث لا ينافي صدق قصد المسافة.
3 ـ إذا خرجت الزوجة إلى بيت زوجها فلا يعدّ خروجها هذا إعراضاً عن بلدها الأصلي ، إلاّ إذا نوت عدم العود إليه كوطن ومقرّ أصلاً ، فحينئذٍ لا ينطبق عليه
أنّه وطن فتقصّر صلاتها(1) .
4 ـ إذ حضرت المرأة في بلد زوجها يومين في الأسبوع ، فيوجد إشكال في حكم إتمام الصلاة لديها آنذاك ، ولكن إذا كان مجموع فترة حضورها في بلد زوجها اثني عشر يوماً في الشهر فتتمّ صلاتها فيه.
صلاة الجمعة
1 ـ لا يجب على المرأة الحضور في صلاة الجمعة.
__________________
(1) الاستفتاآت الخاصّة.
كتاب الصوم
المفطرات
1 ـ تعمّد الجماع من المفطرات وإن لم ينزل ، للذكر والأُنثى ، قبلا أو دبراً ، حيّاً أو ميّتاً ، حتى البهيمة على الأحوط وجوباً فيها ، وكذلك الأحوط وجوباً في وطء دبر الذكر للواطئ والموطوء.
2 ـ لو تعمّدت المرأة البقاء على الجنابة أو الحيض أو النفاس حتى يطلع الفجر ، فإنّه مُبطل للصوم في شهر رمضان ، بل وكذلك في قضائه على الأحوط وجوباً ، فتُمسك ذلك اليوم عن المفطرات بقصد القربة المطلقة ثمّ تقضيه. ولكن لو نقت المرأة في وقت لا يسع للطهارة ـ سواء الغسل أو التيمّم ـ أو أنّها كانت جاهلة بالنقاء حتى طلع الفجر صح صومها.
3 ـ يصح الصوم من الصبيّ المميّز ، وهو كغيره من العبادات.
4 ـ لو صام الصبيّ تطوّعاً وبلغ في الأثناء ـ ولو بعد الزوال ـ لم يجب عليه الإتمام ، وإن كان هو الأحوط استحباباً.
5 ـ حكم المرأة في الاستحاضة القليلة حكم الطاهرة ، وهكذا في الاستحاضة المتوسّطة والكثيرة ، فلا يعتبر الغسل في صحة صومها وإن كان الأحوط استحباباً أن تراعيا فيه الإتيان بالأغسال النهارية التي للصلاة.
6 ـ لو تماهلت المرأة وتوانت عن الغسل ولم تبادر إلى التيمّم عند ضيق
الوقت بطل صومها ، أمّا مع عدم التواني فيصح صومها ، كما إذا طهرت قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل ولا التيمّم ، أو لم تعلم بطهرها في الليل حتى دخل النهار ، وكذا إذا نسيت وجوب صوم غد حتى طلع الفجر.
7 ـ من أجنب في شهر رمضان ليلاً ثمّ نام قاصداً ترك الغسل فاستيقظ بعد طلوع الفجر جرى عليه حكم تعمّد البقاء على الجنابة ، وهكذا الحكم فيما لو نام متردّداً في الإتيان بالغسل على الأحوط لزوماً. وأمّا إذا نام وكان ناوياً للغسل مطمئناً بالانتباه في وقت يسع للغسل ـ لاعتياد أو لمنبّه ونحوه ـ فاتّفق أنّه لم يستيقظ إلاّ بعد الفجر ، فلا شيء عليه وصح صومه ، نعم إذا استيقظ ثمّ نام ولم يستيقظ حتى طلع الفجر وجب عليه القضاء ، وكذا في النومة الثالثة.
وإذا أجنب في شهر رمضان ليلاً وأراد النوم ، ولم يكن مطمئناً بالاستيقاظ في وقت يسع الاغتسال قبل طلوع الفجر فالأحوط لزوماً أن يغتسل قبل النوم ، فإن نام ناوياً للغسل ولم يستيقظ فالأحوط وجوباً القضاء حتى في النومة الأُولى.
8 ـ تتمكّن المرأة من ذوق المرق ونحوه وهي صائمة ، وكذلك مضغ الطعام للطفل بشرط أن لا يتعدّى إلى الحلق ، وإذا تعدّى سهواً من غير قصد أو نسياناً فلا يبطل صومها ، أمّا إذا كان عمداً فيبطل حتى لو كان قليلاً ، وكذلك يمكن مضغ العلك ما لم يتفتت. ولا يبطل الصوم أيضاً بمصّ لسان الزوج والزوجة إذا لم ينزل الريق إلى الجوف ، والأحوط استحباباً الترك إذا كانت عليه رطوبة ، أمّا لو لم تستهلك رطوبة اللسان مع الريق فالأحوط وجوباً الترك. ولا بأس بما تستدخله المرأة من المائع أو الجامد في مهبلها ولا يعتبر من الاحتقان بالمائع.
المكروهات
1 ـ يكره للصائم الملامسة والتقبيل والملاعبة إذا كان واثقاً من نفسه بعدم الإنزال ، أمّا لو قصد الإنزال فإنّه قاصد للمفطر.
ويكره الاكتحال بالكحل أو الشيء الذي فيه طعم أو رائحة تصل إلى الحلق كالصبر والمسك ، ويكره جلوس المرأة الصائمة في الماء.
كفّارة الصوم
1 ـ لو أكره الصائم زوجته على الجماع في نهار شهر رمضان وهي صائمة فالأحوط وجوباً أن يعطي الرجل كفّارتين ، ويعزّر بما يراه الحاكم الشرعي. ومع عدم الإكراه ورضى الزوجة بذلك فعلى كلّ منهما كفّارة واحدة ، ويعزّران بما يراه الحاكم الشرعي ، ولا فرق في ذلك بين الزوجة الدائمة والمؤقتة ، أمّا لو أكرهت الزوجة زوجها فلا تلحق بالزوج في هذا الحكم.
2 ـ إذا كان الزوج مفطراً لعذر ما فأكره زوجته الصائمة على الجماع لم يتحمّل عنها الكفّارة وإن كان آثماً ، ولا تجب الكفّارة عليها.
3 ـ إذا كان الزوج فقيراً ولكن بذل للزوجة النفقة على النحو المتعارف فلا تعدّ فقيرة ، ولا يجوز أن تعطى إليها الكفّارة إلاّ إذا كانت محتاجة إلى نفقة غير واجبة على الزوج كوفاء الدين.
4 ـ إذا كان المعطى إليه صغيراً أو كبيراً فيعطيان الكفّارة على حدّ سواء ، كلّ واحد مدّ(1) وإن كان اللازم في الصغير التسليم إلى وليّه ، هذا إذا كان التكفير بنحو
__________________
(1) المدّ ثلاثة أرباع الكيلو.
التسليم ، وأمّا إذا كان بالإشباع فاللازم احتساب الاثنين من الصغار بواحد ، ومن يعجز عن الكفّارة حين إرادة التكفير تصدّق بما يطيق.
شرائط صحة الصوم
1 ـ من شرائط صحة الصوم عدم الضرر ، مثل المرض الذي يضرّ معه الصوم ؛ لإيجابه شدّته أو طول برئه أو شدّة ألمه ، كلّ ذلك بالمقدار المعتدّ به الذي لم تجر العادة بتحمّل مثله ، ويكفي فيه الاحتمال الموجب لصدق الخوف المستند إلى المناشئ العقلائيّة ، كما وإنّ من شرائطه الحضر ، فلو كان في سفر تقصر فيه الصلاة لم يجب الصوم بل ولا يصح منه. ويجب على الأحوط(1) إتمام الصوم على من سافر بعد الزوال ويجتزئ به ، وأمّا من سافر قبل الزوال فلا يصح منه صوم ذلك اليوم ـ على الأحوط لزوماً ـ وإن لم يكن ناوياً للسفر من الليل.
2 ـ يشترط في وجوب الصوم البلوغ ، فلا يجب على الصبيّ والصبيّة.
3 ـ لو صام الصبيّ تطوّعاً وبلغ في الأثناء ـ ولو قبل الزوال ـ لم يجب عليه الإتمام وإن كان هو الأحوط استحباباً.
ثبوت الهلال
1 ـ لا يثبت الهلال بشهادة النساء إلاّ إذا حصل اليقين أو الاطمئنان من شهادتهن.
__________________
(1) الاحتياط هنا استحبابي.
أحكام قضاء شهر رمضان
1 ـ لا تجب فدية الزوجة على زوجها ، ولا فدية العيال على المعيل ، ولا فدية واجب النفقة على المُنفق.
2 ـ لا يجب قضاء ما فات في زمان الصبا ، وكذلك إذا ماتت المرأة على حيض أو نفاس ، أو بعدما طهرت قبل مضيّ زمان تتمكّن من القضاء فيه.
3 ـ الأحوط وجوباً أن تترك المرأة الصوم التطوّعي والواجب غير المعيّن مع نهي الزوج عنه وإن لم يكن مزاحماً لحقّه ، والأحوط استحباباً تركه مع المزاحمة لحقّ الزوج بلا إذن منه ، ومع المزاحمة فالأحوط وجوباً تركه.
الاعتكاف
1 ـ الأحوط وجوباً استئذان الزوجة من زوجها للاعتكاف إذا كان منافياً لحقّه ، وإذا كان مكثها في المسجد بدون إذنه حراماً بطل اعتكافها ، وكذلك لا بدّ من إذن الولد من والديه إذا كان اعتكافه موجباً لإيذائهما ومنعهما له شفقة عليه.
2 ـ لا بدّ من ترك الجماع في الاعتكاف ، والأحوط وجوباً ترك اللمس والتقبيل بشهوة ، وأولى منهما بالاحتياط ما يصدق عليه المباشرة بما دون الفرج من التفخيذ ونحوه ، سواء على الرجل أو المرأة.
3 ـ لو جامع المعتكف امرأته الصائمة في شهر رمضان وقد أكرهها وجبت عليه كفارتان : إحداهما لصيام شهر رمضان إذا كان جماعه نهاراً ، والثانية لإفساد الاعتكاف. وكذلك إذا كان الاعتكاف في قضاء شهر رمضان وأفطر بالجماع بعد الزوال. وإن كان الاعتكاف في شهر رمضان منذوراً وجبت كفّارة ثالثة ، وكذلك رابعة لإكراه زوجته على الجماع على الأحوط وجوباً.
4 ـ يجوز للمرأة المعتكفة الخروج من المسجد إذا أرادت الغسل للجنابة مثلاً ، وإذا أمكنها أن تغتسل في نفس المسجد من غير مكث ولم يستلزم محرماً آخر كالتلويث فالأحوط وجوباً أن لا تخرج منه. وأمّا الاغتسال للاستحاضة وكذلك الأغسال المندوبة فالأحوط وجوباً الإتيان بها في المسجد مع الإمكان.
كتابالحجّ
الحجّ من الفرائض الشرعيّة التي تجب على كلّ مكلّف جامع للشرائط ، وقد دلّ على ذلك الكتاب الكريم والسنّة القطعيّة.
أمّا الكتاب فلقوله تعالى :( وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنْ العَالَمِينَ ) (1) .
وأمّا السنّة : فقد روى الشيخ الكليني ـ بطريق معتبر ـ عن أبي عبداللهعليهالسلام قال :« من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام ، لم يمنعه من ذلك حاجة تُجْحفُ به ، أو مرض لا يطيق فيه الحجّ أو سلطان يمنعه ، فليمت يهودياً أو نصرانياً » (2) .
وإنكار هذه الفريضة ـ مع عدم الاستناد إلى شبهة(3) ـ كفر ، فضلاً عن كون تركه ـ مع الاعتراف بثبوته ـ معصية كبيرة.
وأمّا مناسك الحجّ ـ أعمّ من الواجبات والمحرّمات والآداب ـ فمنها ما هو عامّ للرجل والمرأة معاً ، ومنها ما هو خاصّ بالرجل ، ومنها ما هو مختصّ بالمرأة ، وهذا القسم الأخير هو المقصود لدينا.
__________________
(1) آل عمران 3 : 97.
(2) وسائل الشيعة 11 : 29 ـ 30 الحديث 1.
(3) أي إن إنكاره مع عدم الاعتقاد بثبوته في الشرع يؤدّي إلى الكفر والخروج من الإسلام.
وجوب الحجّ
1 ـ البلوغ من الشرائط التي لا بدّ أن تتوفّر في الحاج ، وعليه فلا يجب الحجّ على غير البالغ ، ولكن يستحب للصبيّ المميّز أن يحجّ كما يستحب للولي ( وهو من له حقّ حضانته من الأبوين أو غيرهما ) إحجاج الصبيّ والصبيّة غير المميزين ـ وذلك بأن يلبسهما ثوب الإحرام ويأمرهما بالتلبية ويلقّنهما إياها ـ إن كانا قابلين لذلك ، وإلاّ لبّى عنهما ويجنّبهما عمّا يجب على المحرم الاجتناب عنه ، وكذلك يأمرهما بالإتيان بكلّ ما يتمكّن منه من أفعال الحجّ ، وينوب عنهما فيما لا يتمكّن ويطوف ، ويسعى بين الصفا والمروة ، ويقف في عرفات والمشعر ، ويأمرهما بالرمي إن قدرا عليه ، وإلاّ رمى عنهما ، وكذلك صلاة الطواف وبحلق رأسه وبقية الأعمال.
2 ـ إذا كان للمرأة حليّ تحتاج إليه ولا بدّ لها منه ، ثم استغنت عنه لكبرها ، أو لأمر آخر وجب عليها أداء فريضة الحجّ ولو توقّف ذلك على بيع الحليّ.
3 ـ إذا كان عند المكلّف مقدار من المال يفي بمصاريف الحجّ ، وكان بحاجة إلى الزواج أو شراء دار للسكنى أو غير ذلك ممّا يحتاج إليه ، فإن كان صرف ذلك المال في الحجّ موجباً لوقوعه في الحرج لم يجب عليه الحجّ ، ومع عدم الحرج يجب عليه.
4 ـ لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحجّ إذا كانت مستطيعة ، كما لا يجوز للزوج منعها من غير حجّة الإسلام من الحجّ الواجب عليها ـ كالحجّ المنذور مثلاً ـ نعم يتمكّن الزوج من منع الزوجة عن الخروج للحجّ في أوّل الوقت ، والمطلّقة الرجعية كالزوجة ما دامت في العدة.
5 ـ يشترط في حجّ المرأة المندوب إذن زوجها ، وكذلك المعتدّة الرجعيّة(1) ، ولا يعتبر في البائنة(2) ، ويجوز للمتوفّى عنها زوجها أن تحجّ في عدتها.
6 ـ لا يشترط في وجوب الحجّ على المرأة وجود المَحرم لها إذا كانت مأمونة على نفسها ، ومع عدم الأمن يلزمها استصحاب من تأمن معه على نفسها ولو بأُجرة إذا تمكّنت من ذلك ، وإن لم تتمكّن لم يجب عليها الحجّ.
النيابة
1 ـ لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه ، فتصح نيابة الرجل عن المرأة وبالعكس.
2 ـ لا بأس باستنابة الصرورة عن الصرورة وغير الصرورة ، سواء كان النائب أو المنوب عنه رجلاً أم امرأة. والصرورة : هي حجّة الإسلام الأُولى الواجبة على من استطاع.
أقسام العمرة
1 ـ العمرة المفردة يجب لها طواف النساء ، ولا يجب ذلك لعمرة التمتع.
2 ـ لا تحلّ النساء إلاّ بعد طواف النساء(3) .
3 ـ يتعيّن الخروج عن الإحرام في عمرة التمتع والعمرة المفردة للنساء
__________________
(1) أي المطلّقة رجعيّاً في أيام عدتها.
(2) وهي المطلّقة بالبائن التي لا ترجع إلى الزوج حتى تتزوج زوجاً غيره.
(3) أي لا يجوز للزوج وكذلك الزوجة استمتاع بعضهم ببعض إلاّ بعد طواف النساء.
بالتقصير ، وللرجال بالتقصير في عمرة التمتع ، والحلق أو التقصير في العمرة المفردة.
مواقيت الإحرام
1 ـ مكّة ميقات حجّ التمتع وكذا حجّ القران والإفراد لأهل مكّة والمجاورين لها ، سواء انتقل فرضهم إلى فرض أهل مكّة أم لا ، فإنّه يجوز لهم الإحرام لحجّ القرآن والإفراد من مكّة ، ولا يلزمهم الرجوع إلى سائر المواقيت ، وإن كان الأولى ـ لغير النساء ـ الخروج إلى بعض المواقيت كالجعرانه والإحرام منها.
2 ـ يجب على من يريد الحجّ أو العمرة من المدينة أن يحرم من ذي الحليفة ، والأحوط(1) الإحرام من مسجدها ، وعدم كفاية الإحرام من خارج المسجد لغير الحائض والنفساء وإن كان محاذياً له ، وأمّا فيهما فيجوز لهما الإحرام من خارج المسجد ، ويجوز لهما أيضاً الإحرام في حال الاجتياز بالدخول من باب والخروج من باب آخر.
3 ـ إذا تركت الحائض الإحرام من الميقات لجهلها بالحكم إلى أن دخلت الحرم ، فالأحوط ـ وجوباً ـ لها أن تخرج إلى خارج الحرم وتحرم منه إذا لم تتمكن من الرجوع إلى الميقات ، بل الأحوط وجوباً لها ـ إذا لم تتمكن من الرجوع إلى الميقات ـ أن تبتعد عن الحرم بالمقدار الممكن ثمّ تحرم بشرط أن لا يكون ابتعادها مستلزماً لفوات الحجّ ، وإذا لم تتمكن من الابتعاد فهي وغيرها على حدّ سواء.
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
الإحرام
1 ـ لا تشترط الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر في صحة الإحرام ، فيصح الإحرام كذلك من الحائض والنفساء.
2 ـ ليس على المرأة رفع الصوت بالتلبية أصلاً.
ثوب الإحرام
1 ـ يختصّ وجوب لبس الأزار والرداء بالرجال دون النساء ، فيجوز لهنّ أن يحرمن في ألبستهن العاديّة.
2 ـ لا يحرم على المرأة لبس الحرير في الإحرام ، والأحوط ـ استحباباً ـ ترك لبس الحرير ، بل الأحوط أن لا تلبس شيئاً من الحرير الخالص في جميع أحوال الإحرام ، إلاّ في حال الضرورة كالإتقاء من البرد والحرّ.
3 ـ إذا تنجّس أحد الثوبين أو كلاهما بعد التلبّس بالإحرام ، فالأحوط ـ وجوباً ـ المبادرة إلى التبديل أو التطهير.
تروك الإحرام
وردت هناك تروك للإحرام عامة للرجل والمرأة معاً ، وهي :
1 ـ الصيد البريّ.
2 ـ مجامعة النساء.
3 ـ تقبيل النساء.
4 ـ لمس المرأة وملاعبتها.
5 ـ النظر في المرآة.
6 ـ الاستمناء.
7 ـ عقد النكاح.
8 ـ استعمال الطيب.
9 ـ التكحّل.
10 ـ الفسوق(1) .
11 ـ المجادلة(2) .
12 ـ التزيّن.
13 ـ الإدهان.
14 ـ قتل هوامّ الجسد(3) .
15 ـ إزالة الشعر من البدن.
16 ـ الارتماس في الماء.
17 ـ إخراج الدم من البدن.
18 ـ تقليم الظفر.
19 ـ قلع الضرس على قول.
وهناك إضافة إلى ما تقدّم محرّمات يختصّ بها الرجل دون المرأة ، وهي :
1 ـ لبس الخفّ ـ أي الحذاء ـ والجورب.
__________________
(1) المقصود بالفسوق : الكذب والسبّ ; لقوله تعالى( فَلاَ رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ ) ( البقرة : 197).
(2) المراد بالمجادلة : القسم ، وهو قول المحرم : « لا والله » و « بلى والله ».
(3) هوام الجسد كالقمّل والبق والبرغوث ونحوها.
2 ـ لبس المخيط.
3 ـ التظليل.
ومحرّم واحد يختصّ بالمرأة دون الرجل وهو : ستر الوجه.
والتي توجب الكفّارة من هذه المحرّمات إذا لم يكن ناشئاً عن جهل أو نسيان موارد أربعة :
1 ـ إذا نسي الطواف في الحجّ أو العمرة حتى رجع إلى بلاده وواقع أهله.
2 ـ إذا نسي شيئاً من السعي في عمرة التمتع فأحلّ باعتقاد الفراغ منه.
3 ـ من أَمرَّ يده على رأسه أو لحية عبثاً فسقطت شعرة أو أكثر.
4 ـ ما إذا ادّهن بالدهن الطيّب أو المطيّب عن جهل(1) .
حرمة الجماع
يحرم على المحرم الجماع أثناء عمرة التمتع ، وكذا أثناء العمرة المفردة ، وأثناء الحجّ قبل الإتيان بصلاة طواف النساء ، فلو جامع المتمتع زوجته أثناء عمرته قبلا أو دبراً وطاوعته المرأة عالمة عامدة وجب عليها الكفّارة ، ولو كانت مكرَهة فليس عليها شيء ، ولكن تثبت الكفّارة على زوجها على الأحوط(2) .
ولو جامعها في إحرام الحجّ كذلك وطاوعته عالمة عامدة ، وكان ذلك قبل
__________________
(1) يظهر أنّ الجهل هنا بالموضوع ، يعني أنّ المحرم لا يعلم بكون الدهن طيّب الرائحة بنفسه أو مطيّب بعطر أُضيف له.
(2) الاحتياط هنا وجوبي ، إمّا أن يلتزم به المقلِّد أو يقلّد مرجعاً آخر في خصوص هذه المسألة ، ولكن يراعي الأعلم فالأعلم.
الوقوف بالمزدلفة وجبت عليها الكفّارة ، وإتمام الحجّ وإعادته في العام القابل ، سواء كان الحجّ فرضاً أم نفلاً(1) ، ولو كانت المرأة مكرهة عليه فلا شيء عليها ، وتجب على الزوج المكره كفارتان.
ولو جامعها بعد الوقوف بالمزدلفة ، فإن كان قبل طواف النساء وجبت الكفّارة بالنحو المتقدّم ، ولكن لا تجب الإعادة.
ومن جامع زوجته في العمرة المفردة وجبت الكفارة بالنحو المتقدم ، ولا تفسد عمرته إذا كان الجماع بعد السعي ، وأمّا إذا كان قبله بطلت العمرة ، ووجب عليه الإقامة في مكّة إلى شهر آخر ؛ ليخرج إلى أحد المواقيت الخمسة ، ويحرم منه للعمرة المعادة ، ولا يجزئه الإحرام من أدنى الحلّ على الأحوط(2) .
كفّارة الجماع
1 ـ كفّارة الجماع بدنة(3) ، ومع العجز عنها شاة ، ويجب التفريق بين الزوج والزوجة المتجامعين حين الإحرام ، ولا يجتمعا إلاّ إذا كان معهما ثالث إلى أن يفرغا من مناسك الحجّ ، حتى أعمال منى ، ويرجعا إلى نفس المحلّ الذي وقع فيه الجماع ، ولو رجعا من غير ذلك الطريق جاز أن يجتمعا إذا قضيا المناسك.
وكذلك يجب التفريق بينهما في الحجّة المعادة من حين الوصول إلى محلّ وقوع الجماع إلى وقت الذبح بمنى ، بل الأحوط ـ استحباباً ـ التفريق إلى الفراغ من
__________________
(1) أي واجباً كان الحجّ أو مستحباً.
(2) الاحتياط هنا وجوبي.
(3) البدنة : هي البعير.
تمام الأعمال ، والرجوع إلى المكان الذي وقع فيه الجماع.
2 ـ إذا جامع المحلّ زوجته المحرمة ، فإن كانت مطاوعة وجبت عليها الكفّارة وهي بدنة ، وإن كانت مكرهة فلا شيء عليها ووجبت الكفّارة على زوجها على الأحوط(1) ، بل الأحوط(2) أن يغرم الكفّارة عنها في الصورة الاُولى أيضاً.
3 ـ إذا جامع المحرم زوجته جهلاً أو نسياناً صحت عمرته وحجّه ، ولا تجب الكفّارة ، وإذا قبّل المحلّ زوجته المحرمة فالأحوط وجوباً أن يكفّر عنها بشاة.
4 ـ لا يجوز للمحرم تقبيل زوجته عن شهوة ولا مسّها ولا ضمّها ، وإذا كانت المرأة تتلذّذ بمسّه لها بشهوة حرمت عليها المطاوعة. وإذا فعل ذلك فعليه في التقبيل بدنة إذا أمنى ـ وكذا بالنسبة إلى المرأة إذا خرج منها السائل بشهوة بما يصدق معه الإنزال وهو ما لا يحصل عادة إلاّ مع شدّة التهيّج الجنسي حيث يجب عليها الغسل بذلك ـ وشاة إذا لم يمنِ ، وفي المسّ والحمل والضمّ شاة ، سواء أمنى أم لم يمنِ ، والأحوط وجوباً ترك تقبيلها لا عن شهوة أيضاً.
حرمة عقد النكاح
1 ـ يحرم على المحرم التزويج لنفسه أو لغيره ، سواء كان الغير محلاّ أم محرماً ، وسواء كان التزويج من دوام أو انقطاع ، ويفسد العقد في جميع الصور حتى مع الجهل بالحرمة ، وأمّا مع العلم بها فتحرم عليه مؤبداً ، وأمّا مع الجهل بكونه باق على إحرامه فلا تحرم عليه مؤبداً.
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
(2) الاحتياط هنا استحبابي يمكن تركه.
2 ـ إذا عقد المحرم امرأة فدخل بها ، فعلى كلٍّ من العاقد والرجل والمرأة كفّارة بدنة ، إن كانوا عالمين بالحال ـ حكماً أو موضوعاً(1) ـ وإذا كان بعضهم عالماً دون بعض فلا كفّارة على الجاهل ، ولا فرق فيما ذكر بين أن يكون العاقد والرجل والمرأة محلّين أو محرمين.
3 ـ لا يجوز للمحرم أن يشهد عقد النكاح ، ويحضر وقوعه على المشهور ، والأحوط ـ استحباباً ـ أن يتجنّب أداء الشهادة على العقد أيضاً وإن كان قد تحمّلها في حال كونه محلاً.
4 ـ الأحوط استحباباً أن لا يتعرّض المحرم لخطبة النساء ، نعم يجور له الرجوع إلى المطلّقة الرجعيّة ، كما يجوز له طلاق زوجته.
حرمة الطيب
1 ـ يجوز للمحرم أكل الفواكه والخضروات الطيّبة الرائحة كالتفاح والنعناع ، ولكن الأحوط ـ وجوباً ـ الإمساك عن شمّها حين الأكل ، وكذلك الأدهان الطيّبة كأدهان المكياج ، وعليه أن يمسك أنفه من الروائح الطيّبة كالمرأة حين طبخ الطعام ، إلاّ في حال السعي بين الصفا والمروة ، ويحرم على المحرم استعمال الطيب ، بل وكذا لمن يريد الإحرام ـ على الأحوط(2) ـ إذا كان أثره يبقى بعد ذلك.
__________________
(1) المقصود بالعلم بالحكم : هو العلم بحرمة عقد المحرم على المرأة ، والمقصود بالعلم بالموضوع : هو العلم بكون المرأة محرمة.
(2) الاحتياط هنا وجوبي.
لبس المخيط
1 ـ يجوز للمرأة لبس المخيط مطلقاً ، عدا القفازين ـ الكفوف ـ فإنّه لا يجوز أن تلبسهما في يديها.
حرمة الاكتحال
1 ـ يحرم الاكتحال على المحرم ، سواء قصد به الزينة أم لا ، ولا بأس بالاكتحال للتداوي والعلاج.
وإذا كان الاكتحال بغير الكحل الأسود ممّا يعدّ للزينة فلا يجوز إلاّ إذا قصد به الزينة ، فلو كان قاصداً الزينة فالأحوط ـ وجوباً ـ ترك الاكتحال ، ولا كفّارة للاكتحال ، سواء الأسود أم غيره ، وإن كان الأولى التكفير بشاة إذا اكتحل بما لا يحلّ له.
حرمة التزيّن
1 ـ الأحوط وجوباً ترك التزيّن للمحرم والمحرمة عن كلّ ما يعدّ زينة عرفاً ، سواء قصد التزيّن أم لا ، ومنه استعمال الحنّاء على الطريقة المتعارفة ، نعم لا بأس باستعماله إذا لم يكن زينة ، كما إذا كان للعلاج أو نحوه ، وكذلك لا بأس باستعماله قبل الإحرام وإن بقي أثره إلى حين الإحرام.
2 ـ يحرم على المرأة المحرمة لبس الحلي للزينة ، والأحوط ـ استحباباً ـ أن تترك اللبس وإن لم تقصد به التزيّن ، ويستثنى من ذلك ما كانت تعتاد عليه قبل الإحرام ـ كالحلقة ـ ولكن لا يجوز لها أن تظهره لزوجها ومحارمها من الرجال على الأحوط ـ استحباباً ـ ولا كفّارة في التزيّن في جميع الموارد المذكورة.
حرمة ستر الوجه
1 ـ لا يجوز للمرأة المحرمة أن تستر وجهها بالبرقع ، أو النقاب ، أو البوشية ، أو المروحة ، أو ما شابه ذلك ، والأحوط ـ وجوباً ـ أن لا تستر وجهها بأي ساتر كان ، كما أن الأحوط عدم ستر بعض الوجه أيضاً ، نعم يجوز لها أن تغطّي وجهها حين النوم ، ولا بأس بستر بعض وجهها مقدّمة لستر الرأس في الصلاة إذا لم يتيسّر لها ستره بإسدال الثوب عليه.
ويجب ـ على الأحوط(1) ـ كشفه بعد الصلاة فوراً.
2 ـ للمرأة المحرمة أن تتستر من الأجنبي ، وذلك بأن تسدل ثوبها على وجهها ، وتنزل ما على رأسها من الخمار أو نحوه إلى ما يحاذي أنفها بل نحرها ، والأظهر عدم لزوم تباعد الساتر عن الوجه بواسطة اليد ، ولا يجوز لها لبس المقنعة على الأحوط(2) .
حرمة التظليل
1 ـ لا بأس بالتظليل للنساء والأطفال ، وكذلك للرجال عند الضرورة ، وعليه فتختصّ حرمة التظليل بالرجال حين الاختيار.
الطواف
1 ـ وهو من واجبات الحجّ ويفسد بتركه عمداً وإن كان جاهلاً ، وعلى الجاهل
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
(2) الاحتياط هنا وجوبي.
كفّارة بدنه على الأحوط(1) ، وإذا بطلت العمرة بطل الإحرام.
ويشترط فيه الطهارة من الحدثين ، فيجب على الحائض والنفساء ـ بعد انقضاء أيامهما ـ وعلى المجنب الاغتسال للطواف ، ومع تعذّر الاغتسال واليأس من التمكّن منه يجب الطواف مع التيمّم ، والأحوط استحباباً ـ حينئذٍ ـ الاستنابة أيضاً ، ومع تعذّر التيمّم واليأس من التمكّن منه تتعيّن الاستنابة.
2 ـ إذا حاضت المرأة في عمرة التمتع حين الإحرام أو قبله أو بعده قبل الشروع في الطواف ، فإن وسع الوقت لأداء أعمالها قبل موعد الحجّ صبرت الى أن تطهر ، فتغتسل وتأتي بأعمالها ، وإن لم يسع الوقت لذلك فللمسألة صورتان :
الاُولى : أن يكون حيضها حين إحرامها أو قبل أن تحرم ، ففي هذه الصورة ينقلب حجّها إلى الإفراد ، وبعد الفراغ من الحجّ تجب عليها العمرة المفردة إذا تمكّنت منها.
الثانية : أن يكون حيضها بعد الإحرام ، ففي هذه الصورة يجوز لها الإبقاء على عمرتها ، بأن تأتي بأعمالها من دون الطواف وصلاته ، فتسعى وتقصّر ثمّ تحرم للحجّ ، وبعدما ترجع إلى مكّة بعد الفراغ من أعمال منى تقضي طواف العمرة وصلاته قبل طواف الحجّ.
وإذا تيقّنت المرأة ببقاء الحيض وعدم تمكنها من الطواف حتى بعد رجوعها من منى ولو لعدم الرفقة ـ أي من صاحبها في الحجّ ـ استنابت لطوافها وصلاته ثمّ أتت بالسعي بنفسها.
3 ـ إذا حاضت المحرمة أثناء طوافها ، فإن كان طروء الحيض قبل تمام الشوط
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
الرابع بطل طوافها ، وكان حكمها حكم المسألة المتقدّمة ، وإذا كان بعد الشوط الرابع صحّ طوافها الذي أتت به ، ووجب عليها إتمامه بعد الطهر والاغتسال ، هذا فيما إذا وسع الوقت ، وإلاّ سعت وقصّرت وأحرمت للحجّ ولزمها الإتيان بقضاء ما بقي من طوافها بعد الرجوع من منى ، وقبل طواف الحج على النحو الذي ذكرناه.
4 ـ إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطواف وقبل الإتيان بصلاة الطواف صحّ طوافها وأتت بالصلاة بعد طهرها واغتسالها ، وإن ضاق الوقت سعت وقصّرت وقضت الصلاة قبل طواف الحجّ.
5 ـ إذا طافت المرأة وصلّت ثمّ شعرت بالحيض ، ولم تدر أنّه هل حدث قبل الطواف أو في أثنائه ، أو قبل الصلاة أو في أثنائها ، أو أنّه حدث بعد الصلاة ، بنت على صحة الطواف والصلاة ، وإذا علمت أن حدوثه كان قبل الصلاة أو في أثنائها جرى عليها ما تقدّم في المسألة السابقة.
6 ـ إذا أحرمت المرأة لعمرة التمتع وكانت متمكّنه من أداء أعمالها ، وعلمت أنّها لا تتمكن منه بعد ذلك لطروء الحيض عليها ، وضيق الوقت ، ومع ذلك لم تأت بها حتى حاضت وضاق الوقت عن أدائها قبل موعد الحجّ ، فالظاهر فساد عمرتها ، ويجري عليها حكم ما تقدّم في أوّل الطواف.
ويجوز للحائض عقد الإحرام ، وإن علمت بأنّ حيضها يستمر إلى ما بعد الحجّ والعمرة ولا ينتظرها الرفقة فتستنيب للطواف وصلاته ، وتسعى بنفسها وتقصّر ثمّ تأتي بالحجّ ، وتستنيب لطوافه وصلاته ، ثمّ تسعى هي ، ثمّ تستنيب أيضاً لطواف النساء وصلاته.
7 ـ المستحاضة بالقليلة الأحوط وجوباً لها أن تتوضأ لكلّ من الطواف وصلاته ، وإن كانت مستحاضة بالمتوسّطة فالأحوط وجوباً لها أن تغتسل غسلاً
واحداً لهما معاً ، وتتوضأ لكل منهما ، وأمّا إن كانت مستحاضة بالكثيرة فتكتفي بغسل واحد لهما ، إلاّ إذا كان بروز الدم على القطنة متقطّعاً ، وبرز الدم قبل أن تصلّي للطواف ، فالأحوط وجوباً لها تجديد الغسل لصلاة الطواف ، وليس لها أن تطوف بنفس الغسل الذي أتت به لصلواتها اليومية ، إلاّ إذا كان الدم متقطّعاً واستطاعت الإتيان بصلاتها اليومية وطوافها وصلاته قبل أن يبرز الدم ثانية.
8 ـ إذا حاضت المرأة أثناء طوافها وجب عليها قطعه والخروج من المسجد الحرام فوراً ، وقد مرّ حكم طوافها في المسألة رقم (3).
9 ـ أفضل وقت للإحرام يوم التروية(1) عند الزوال ، ويجوز تقديمه للمرأة التي تخاف الحيض.
الوقوف بالمزدلفة
1 ـ الوقوف بالمزدلفة يكون في تمام الوقت ، وإن كان واجباً في حال الاختيار ، إلاّ أنّ الركن منه هو الوقوف في الجملة ، فإذا وقف بالمزدلفة مقداراً من ليلة العيد ثمّ أفاض قبل طلوع الفجر صح حجّه على الأظهر ، وعليه كفّارة شاة إن كان عالماً ، ولا شيء عليه إن كان جاهلاً ، وإذا وقف مقدار ما بين الطلوعين ولم يقف الباقي متعمّداً صح حجّه أيضاً ، ولا كفّارة عليه وإن كان آثماً ، ويستثنى من ذلك الموقف بهذا المقدار الخائف ، والصبي ، والضعيف ـ كالشيخ والمريض ـ والمرأة ، ومن يتولّى شؤونهم ، فيكفي وقوفهم بالمزدلفة ليلة العيد والإفاضة منها إلى منى قبل طلوع الفجر.
__________________
(1) يوم التروية : هو اليوم الثامن من ذي الحجّة.
التقصير
لا يجوز الحلق للنساء بل يتعيّن عليهنّ التقصير(1) .
طواف الحجّ وطواف النساء
1 ـ يجوز لمن خافت الحيض أو النفاس تقديم طواف الحجّ وصلاته والسعي على الوقوفين في حجّ التمتع.
2 ـ لو طرأ على المرأة حيض أو نفاس ولا يتيسّر لها البقاء لتطوف بعد طهرها وجب عليها الاستنابة للطواف وصلاته ، ثمّ تأتي بالسعي بنفسها بعد طواف النائب.
3 ـ يجب طواف النساء على الرجال والنساء معاً ، فلو تركه الرجل حرمت عليه النساء ، ولو تركته المرأة حرم عليها الرجال ، والنائب عن طواف النساء يأتي به عن المنوب عنه لا عن نفسه.
4 ـ طواف النساء وصلاته كطواف الحجّ وصلاته في الكيفية والشرائط ، وإنّما الاختلاف في النية.
5 ـ لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي ، فإن قدّمه أعاده إلاّ إذا كان عن جهل أو نسيان ، ولكن يجوز تقديم طواف النساء على الوقوفين بالنسبة للحائض والنفساء وغيرهما من المعذورين ، لا تحلّ النساء قبل الإتيان بمناسك منى من الرمي والذبح والحلق.
6 ـ إذا حاضت المرأة ولم تنتظر القافلة أوان طهرها ، ولم تستطع هي التخلّف
__________________
(1) والتقصير : قصّ مقدار قليل من الشعر بعد الانتهاء من السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط.
عن القافلة ، جاز لها ترك طواف النساء ، والخروج مع القافلة ، والأحوط(1) حينئذٍ أن تستنيب لطوافها وصلاته.
7 ـ إن كان طروء الحيض بعد إتمام الشوط الرابع من طواف النساء ، جاز للمرأة ترك الأشواط الباقية ، والخروج مع القافلة ـ إذا لم تنتظر قدومها ـ والأحوط(2) استنابة أحد لباقي الطواف وللصلاة.
8 ـ إذا طاف المتمتع طواف النساء وصلّى صلاته حلّت له النساء ، وإذا طافت المرأة وصلّت كذلك حلّ لها الرجال ، فتبقى حرمة الصيد إلى الظهر من يوم الثالث عشر على الأحوط وجوباً ، وبعده يحلّ المحرم من كلّ ما أحرم منه ، وأمّا محرّمات الحرم فإنّها عامّة للمحل والمحرم معاً.
آداب الحجّ
مستحبات الإحرام
وهي عامّة للرجل والمرأة ، وهي :
1 ـ تنظيف الجسد.
2 ـ تقليم الأظافر.
3 ـ إزالة الشعر عن الإبط والعانة ، وهذه الأُمور كلّها قبل الإحرام طبعاً.
وكذلك يستحبّ الغسل للإحرام ، ويصح من الحائض والنفساء على الأظهر ، ويجزئ الغسل نهاراً إلى آخر الليلة الآتية ، ويجزئ الغسل ليلاً إلى آخر النهار الآتي.
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
(2) الاحتياط هنا استحبابي.
4 ـ من آداب الإحرام رفع الصوت بالتلبية للرجال فقط.
5 ـ يستحبّ الإكثار من التلبية حتى لو كانت المحرمة حائضاً او مستحاضة.
السعي
لا هرولة على النساء كما هي للرجال(1) .
ملحقات
1 ـ يجوز تقديم المرأة على الرجل في الصلاة(2) في مكّة عند الزحام.
2 ـ إذا شكّ بعد الرجوع من مكّة في أنّه هل أتى بطواف النساء للحجّ والعمرة المفردة أو لا ، فلا بدّ أن يعود ويأتي بطواف النساء بنفسه ، وإن لم يتمكّن لتعذّر مباشرته وتعسّرها لمرض ونحوه استناب ، ولا تحلّ له النساء إلاّ إذا أدّاه بنفسه أو نيابة.
__________________
(1) إنّما استحباب الهرولة خاصّ بالرجال فقط ولا يشمل النساء.
(2) المقصود من الصلاة هنا مطلق الصلاة لا صلاة الطواف فقط.
كتاب الزكاة
1 ـ لا تجب الزكاة على الصبيّ ، ولا بدّ من حساب الحول من حين بلوغه.
2 ـ وجود ما يحتاج إليه الإنسان من الألبسة الصيفيّة والشتويّة ، وأثاث البيت من الأواني والفراش ، والكتب وغير ذلك ، لا يمنع من أخذ الزكاة.
3 ـ لا يجوز إعطاء الزكاة لمن تجب نفقته عليه.
4 ـ لا يجوز إعطاء الزكاة للزوجة الفقيرة ، إذا كان الزوج باذلاً لنفقتها ، أو كان قادراً على ذلك مع إجباره عليه.
5 ـ يجوز للزوجة دفع الزكاة إلى زوجها ولو كان واجب الإنفاق عليها.
6 ـ إذا عال بأحد تبرّعاً ـ لا أنّهم واجبي النفقة كالأبوين والزوجة والأولاد ـ فيجوز لمن عال به أن يدفع للمعيل ولغيره الزكاة ، سواء كان قريباً منه أو غريباً عنه.
7 ـ الهاشمي لا يأخذ الزكاة إلاّ من هاشمي ـ إلاّ مع الاضطرار ـ ويقصد بالهاشمي من انتسب شرعاً إلى هاشم بالأب دون الأُمّ.
زكاة الفطرة
1 ـ تجب على من تواجدت فيه شرائط هذه الزكاة أن يخرجها عن نفسه وعن كل من يعول به ، سواء كان واجب النفقة ـ كالأبوين والزوجة والأولاد ـ أولاً ، قريباً أم بعيداً ، صغيراً أم كبيراً.
2 ـ لا يجب على الزوجة إعطاء الفطرة في حين أنّها وجبت على زوجها ، وكذلك كلّ من وجبت عليه نفقة غيره ، ولكن إذا لم يخرجها الزوج أو غيره من واجبي النفقة ـ سواء كان متعمّداً أو ناسياً ـ فالأحوط وجوباً عدم سقوطها ، أمّا إذا كان المعيل فقيراً فإنّها تجب على من عال به إذا توفّرت فيه شرائط الوجوب. ولو أدّاها عنه المعيل الفقير لم تسقط عنه ولزمه إخراجها على الأحوط وجوباً.
3 ـ وقت تحقّق شرائط الوجوب قبل الغروب إلى أوّل جزء من ليلة العيد على المشهور ، ولكن لا يترك الاحتياط في ما إذا تحقّقت الشرائط مقارناً للغروب ، بل بعده أيضاً مادام وقتها باقياً.
4 ـ لو كانت الأُمّ هي المعيلة ، وكان الأولاد هاشميين ، فيجب مراعاة حال الأُمّ حين أخذ الفطرة وإعطائها ، فإن كانت هاشمية لا تأخذ إلاّ من هاشمي ، ولكنها تعطي للهاشمي وغيره ، وأمّا إذا كانت غير هاشمية فإنّها تأخذ من الهاشمي وغيره.
5 ـ يستحبّ تقديم الأرحام والجيران على سائر الفقراء حين إعطاء الفطرة ، وينبغي أن يرجّح ذوي العلم والدين والفضل.
كتاب الخمس
1 ـ يجب الخمس في الهدية ، ولا يجب في المهر والإرث ، إلاّ في الإرث الغير محتسب من غير أب ولا ابن ، على الأحوط وجوباً.
2 ـ لا يجب التخميس في مؤونة تزويج الأولاد ، ولا فيما يتعارف إعداده لهم خلال سنوات ، إذا كان تركه منافياً لشأن الأب أو الأُمّ ولو لعجزهما عن تحصيله لهم في أوانه.
3 ـ إذا تقاسم الزوجان المؤونة براتبهما لا يجب الخمس على الزوجة.
4 ـ الحليّ المستعملة التي تستغني عنها النساء في عصر الشيب لا خمس فيها.
5 ـ لا يشترط في ثبوت الخمس كمال المالك بالبلوغ ، فيثبت في أرباح الصبيّ والمجنون ، وعلى الولي إخراجه منها ، وإن لم يخرجه وجب عليهما ذلك بعد البلوغ والإفاقة ، نعم إذا كان الصبيّ المميّز مقلّداً لمن لا يرى ثبوت الخمس في مال غير البالغ فليس للولي إخراجه منه.
6 ـ المرأة التي تكتسب يجب عليها الخمس في جميع أرباحها ، سواء عال بها الزوج فلم تصرف من مؤونتها ، أو لم يعل بها زوجها وزادت فوائدها على مؤونتها السنويّة.
7 ـ لو تبرّع الولد عن أمّه في إعطاء الخمس والزكاة سقطا عنها ، هذا إذا كان
الخمس منتقلاً إلى ذمّتها بتصرّفها فيه ، أمّا لو كان الخمس في العين ، كما لو بنت بيتاً من أرباحها الواردة عليها سنوياً ولم تسكنه سنة فلا يمكن أداؤه عنها(1) .
8 ـ الجهاز الذي تعدّه الأُمّ لبنتها ولا يستعمل إلاّ بعد الزواج ، لو انتقل الى ملك البنت ولم يستعمل بعد حلول رأس السنة الخمسيّة وجب إخراج خمسه ، وكذا لو اشترت البنت لنفسها من مالها جهازاً طول سنين. أمّا لو لم تستطع توفير جهازها اللائق بها في وقت الزواج ، وقامت بتحصيله تدريجاً فلا خمس عليها ، حتى بعد وقت زواجها وإن لم يستعمل في أثناء السنة الخمسيّة(2) .
__________________
(1) الاستفتاآت الخاصة.
(2) الاستفتاآت الخاصة.
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بما أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات الدينيّة ، لذا نرى علماءنا أفردوا له باباً خاصّاً وبيّنوا شرائطه ومن هذه الشرائط :
1 ـ عدم لزوم الضرر على الآمر سواء على نفسه أو ماله أو عرضه.
2 ـ معرفة المعروف والمنكر ولو بصورة مجملة.
3 ـ احتمال التأثير على المأمور والمنهي.
4 ـ كون الفاعل المنكر والتارك المعروف عاملاً بهما.
ويتأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقّ المكلّف بالنسبة إلى أهله ، فيجب عليه إذا رأى منهم التهاون في الواجبات كالصلاة وأجزائها وشرائطها ، كما إذا أخلّوا بالقراءة أو الأذكار الواجبة ، أو عدم مراعاة شرائط الوضوء ، أو عدم المبالاة في نجاسة الثوب والبدن ، فيجب على المكلّف الأمر بالمعروف ، وكذلك ردعهم عن الذنوب كالغيبة والنميمة والعدوان من بعضهم على بعض ، أو العدوان على غيرهم ، أو غير ذلك من المحرّمات.
والأبوان أحقّ من غيرهما في أداء هذا الواجب ، لذا لا بدّ من تذكّرهم من خلال القول اللين ، أمّا غيره كالضرب ونحوه من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففيها إشكال.
1 ـ لو اعتدت الزوجة على زوجها بالضرب فلا يجوز ضربها ضرباً يبقى أثره ، كي يمنعها من تكرار هذه الحالة ، وله أن يرفع أمرها إلى الحاكم الشرعي(1) .
__________________
(1) الاستفتاآت الخاصة.
2 ـ يوجد إشكال في ضرب المرأة السافرة من باب أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر ، ولا يجوز سبّها وشتمها لذلك.
3 ـ لو كانت الزوجة متهاونة بسترها الشرعي بالنسبة للوجه والكفّين حيث تكشفهما للناظر الأجنبي فلا يُسمح للزوج أن يجبرها على سترهما ، ولكن له أن يمنعها من الخروج من الدار(1) .
4 ـ يجوز الحضور في مجالس ترتكب فيها المعاصي إذا اقترن الحضور بالنهي عن المنكر ، ولو بإظهار الانزعاج والزجر عن المعصية(2) .
5 ـ لا يجوز لغير ولي الطفل أو المأذون من قبله أن يضرب الطفل لتأديبه ، إذا ارتكب فعلاً محرّماً ، أو سبّب أذىً للآخرين ، ويجوز للولي أو المأذون من قبله أن يضرب الطفل للتأديب ضرباً خفيفاً غير مبرّح ، لا يؤدي إلى احمرار الجلد ، بشرط أن لا يتجاوز ثلاث ضربات ، وذلك فيما اذا توقّف التأديب عليه ، ولا يحقّ للأخ الشاب أن يضرب أخاه الطفل إلاّ إذا كان وليّاً أو مأذوناً من قبل الولي ، ولا يجوز ضرب التلميذ في المدرسة بدون إذن الولي أو المأذون من قبله بتاتاً(3) .
6 ـ لا يجوز ضرب البالغ لردعه عن فعل المنكر ، إلاّ وفق ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع الاستئذان في ذلك من الحاكم الشرعي على الأحوط استحباباً(4) .
7 ـ لو أراد الأب أن يرشد ولده نحو السلوك الصحيح فلا يجوز للابن كشف
__________________
(1) الاستفتاآت الخاصة.
(2) الاستفتاآت الخاصة.
(3) الفقه للمغتربين : 210.
(4) الفقه المغتربين : 211.
خصوصيات الصديق الذي يرافقه ، إلاّ إذا توقّف الردع على كشف السلوك(1) .
8 ـ إذا وجد المكلّف منكراً يريد النهي عنه ، أو معروفاً يأمر به ، فلا بدّ أنّ يبدأ بإظهار الكراهة ، والإنكار باللسان ، فإذا لم ينفع انتقل إلى المرتبة الثانية بعد استحصال الإذن من الحاكم الشرعي ، وهي اتخاذ الإجراءات العمليّة مندرجاً فيها من الأخف إلى الأشدّ(2) .
9 ـ يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولوكان المأمور بالمعروف ليس موالياً لأهل البيتعليهمالسلام أو كان من الكتابيين الذين يحتمل التأثير فيهم مع أنّ ضررهم مأمون ، هذا إذا توفّرت بقية الشروط ، ومنها أن لا يكون الفاعل معذوراً في ارتكاب المنكر أو ترك المعروف ، وكذلك الجاهل المقصّر(3) ، فيُرشد إلى الحكم أولاً ثمّ يؤمر أو ينهى إن أراد المخالفة.
10 ـ لو كان المنكر ممّا أُحرز بأنّ الشارع لا يرضى بوقوعه كالإفساد في الأرض وقتل النفس المحترمة ونحو ذلك ، فلا بدّ من الردع عنه ولو كان الفاعل جاهلاً قاصراً(4) .
__________________
(1) الفقه للمغتربين : 285.
(2) الفقه للمغتربين : 110 ، والفتاوى الميسّرة 268 ـ 270.
(3) الجاهل المقصّر : من جهل الحكم الشرعي بتهاون وتقصير من نفسه ، مع توفّر طرق الوصول إليه كمراجعة الفقيه أو شخص آخر يعلّمه الحكم الذي يريده.
(4) الفقه للمغتربين : 233 ، فقه الحضارة : 176 ، والجاهل القاصر : من جهل بالحكم وهو غير قادر على الوصول إليه بأي نحو من الأنحاء ، كمن يعيش في دولة بعيدة عن المعارف الدينية والأحكام كلّ البعد.
كتاب المتاجر
المكاسب المحرّمة
1 ـ يحرم النوح بالباطل أي بالكذب ، ولا بأس بالنوح بالحقّ.
2 ـ يحرم الفحش من القول ، وهو ما يستقبح التصريح به أمّا مع كل أحد ، أو مع غير الزوجة ، فيحرم الأول مطلقاً ، ويجوز الثاني مع الزوجة دون غيرها(1) .
3 ـ لا يجوز التكسّب بالخمر وباقي المسكرات المائعة ، والخنزير والكلب غير الصيود ، ولا يجوز المعاوضة بهذه الأشياء بأي نحو من أنحاء المعاوضة ، ومنها جعلها مهراً في النكاح وعوضاً في الطلاق الخلعي.
4 ـ يجوز بيع أواني الذهب والفضّة للتزيّن ، أو لمجرّد الاقتناء ، إذاً يجوز بيعها لتوضع في معرض غرفة الاستقبال ، وهو ما يسمى ب ( البوفية ) في عرفنا ، والذي يحرم هو استعمالها في الأكل والشرب بل وفي غيرهما أيضاً على الأحوط(2) .
5 ـ الموسيقى المحرّمة : وهي ما تكون مناسبة لمجالس اللهو واللعب وإن لم تكن مثيرة للغريزة الجنسية(3) .
__________________
(1) أي أنّ من الفحش ما يستقبح التصريح به في الكلام سواء مع الزوجة او غيرها فيكون حراماً مع الكل ، ومن الفحش ما يكون قبيحاً مع غير الزوجة فليس حراماً مع الزوجة ويرجع في معرفة نوع الفحش إلى العرف.
(2) الاحتياط هنا استحبابي.
(3) فقه الحضارة : 202.
والموسيقى المحلّلة : هي ما لا تناسب تلك المجالس وإن لم تكن مهدّئة للأعصاب كالموسيقى العسكريّة والجنائزيّة التي تكون في تشييع الجنائز(1) ، وكذا ما يشكّ في كونها من أي القسمين.
6 ـ الغناء كلّه حرام : وهو الكلام اللهوي الذي يؤتى به بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب ، ويلحق بالحرمة قراءة القرآن الكريم والأدعية المباركة ومدائح أهل البيتعليهمالسلام إذا كانت على هذه الألحان.
7 ـ الأحوط وجوباً حرمة الأناشيد الحماسيّة التي تكون بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب ، مع أنّها ليست من الكلام اللهوي ، وأمّا اللحن الذي لا ينطبق عليه التعريف المذكور فليس محرّماً بذاته ، إلاّ إذا اشترك معه شيء يؤدّي إلى حرمته.
8 ـ يجوز الاستماع إلى التواشيح الدينيّة التي لا ينطبق عليها تعريف الغناء.
9 ـ إذا كان قارئ القرآن قد استخدم لحناً غنائيّاً فيه فلا يجوز الاستماع إليه(2) كما أنّه لا يجوز القراءة بهذا النحو.
10 ـ يحرم الغناء والتكسّب به والاستماع إليه ، شعراً كان أو نثراً حتّى غناء النساء في الأعراس على الأحوط وجوباً(3) وإن لم يضمّ إليه محرّم آخر كالضرب في الطبل والتكلّم بالباطل ودخول الرجال على النساء وسماع أصواتهن على نحو يسبب الريبة. وأمّا الحداء للإبل فليس بغناء أصلاً ، ولو شكّ في كونه غناءً أو لا
__________________
(1) فقه الحضارة : 203.
(2) فقه الحضارة : 202.
(3) فقه الحضارة : 204.
يبني على عدم كونه غناءً.
11 ـ الموسيقى المناسبة لمجالس اللهو واللعب محرّمة ، كالعزف بالعود والقانون والطنبور والقيثارة فهي محرّمة كالغناء ، والموسيقى العسكرية تُجتنب على الأحوط استحباباً.
12 ـ لا يجوز اللعب بآلات القمار كالشطرنج والدوملة والطاولي وغيره مع الرهن ، وكذلك يحرّم أخذ الرهن ، ولو أخذه لا يملكه ، وهذا مما لا بدّ أن ينبّه عليه في أوساط الشباب.
وكذلك يحرم اللعب بالنرد والشطرنج حتى مع عدم الرهن وإن كان ذلك في الكمبيوتر ، والأحوط وجوباً تجنّب اللعب مع الكمبيوتر على أن يكون الجهاز هو الطرف الآخر في اللعب ، والأحوط وجوباً ترك اللعب في غير ذلك مما يعدّ من آلات القمار في العرف المستعمل حتّى مع عدم الرهن.
وكذلك تحرم المراهنة على حمل الوزن الثقيل والمصارعة والقفز ونحو ذلك ، ويحرم اللعب بهذه الأُمور مع المراهنة.
13 ـ السِحر : وهو ما يوجب الوقوع في الوهم بالغلبة على البصر أو السمع أو غيرهما. وكذلك يوجد إشكال في تسخير الجنّ أو الملائكة أو الإنسان بالسحر ، ويحرم لو كان التسخير مضرّاً بمن لا يجوز إضراره.
14 ـ تقوم بعض النساء بالسِحر ، وهو محرّم كما أنّ تعلّمه وتعليمه محرّم وكذلك التكسّب به وإن كان لدفع السحر ، لكنّه جائز فيما لو توقّف عليه ما هو أهمّ منه كحفظ النفس المحترمة المسحورة.
البيع الفضولي
1 ـ يجوز للأبّ والجد للأبّ ـ وإن علا ـ التصرّف في مال الصغير بالبيع
والشراء والإجارة وغيرها.
مسائل متفرّقة
1 ـ يجوز استئجار امرأة مدّة معيّنة للانتفاع بلبنها الموجود في ثديها حالاً ، أو الذي يتكوّن في الثدي بعد الاستئجار.
2 ـ لا بأس بأخذ الأُجرة على ذكر مصيبة سيد الشهداءعليهالسلام ، وكذلك فضائل أهل البيتعليهمالسلام والخطب المشتملة على المواعظ ، ومما له فائدة عقلائيّة دينيّة أو دنيويّة.
3 ـ لا يجوز على الأحوط(1) استئجار الصبيّ غير البالغ في الموارد التي يجوز استئجار البالغ فيها للنيابة ، مع العلم بإتيانه على الوجه الصحيح.
4 ـ يجوز للأب والجد المضاربة بمال الصغير ، بشرط وثاقة العامل وأمانته ، فإن دفعه إلى غيره ضمن.
5 ـ لو سلّم الوديعة إلى زوجته أو ولده ليحرزها فتلفت ضَمِنَ المستودَع عنده ، إلاّ أن يكون المستودَع عنده كالآلة ويكون هو المحافظ عليها لكونها مستودَعة بمحضره ، وباطلاّعه ومشاهدته فيكون هو الضامن.
6 ـ لا تصح إعارة الطفل ماله للغير ، وإذا رأى ولي الطفل مصلحة في إعارة مال الطفل جاز أن يجعل الطفل وسيطاً في إيصال العارية إلى المستعير.
7 ـ يستحب أخذ اللقيط ، بل هو واجب كفائي إذا توقّف حفظه على أخذه. والمقصود باللقيط : هو الطفل الضائع الذي لا كافل له ، ولا يتمكن أن يعتمد على نفسه في إيصال المصلحة ودفع الضرر ، ولا يشترط أن يكون هذا الطفل مميّزاً مادام
__________________
(1) الاحتياط هنا استحبابي.
قد صدق عليه أنّه ضائع ولا كافل له.
8 ـ الذي يأخذ اللقيط أحقّ بحضانته من غيره ، وكذلك هو أحقّ بتربيته إلى أن يبلغ ، ولا يمكن لأحد أن ينتزعه منه ويتصدّى لحضانته ما عدا من له حقّ الحضانة كالأبوين والأجداد ، أو وصيّ الأب أو وصيّ الجدّ للأب ، فإذا عثر على أحد هؤلاء فلا ينطبق عليه عنوان اللقيط بعد.
9 ـ يجب على الأب والجدّ والوصيّ لهما أن يتولّوا حضانة اللقيط ، وأخذه من يد من تولّى حضانته ، ولو امتنعوا أجبروا على الانتزاع من يد الآخذ.
10 ـ يشترط في ملتقِط الصبيّ البلوغ والعقل والإسلام إذا كان اللقيط محكوماً بالإسلام.
11 ـ يستطيع اللقيط أن يتولّى بعد بلوغه من شاء ، ولا ولاية للآخذ عليه ، فلو مات ولم يجعل أحداً وليّاً عليه فميراثه للإمامعليهالسلام .
12 ـ لا يجوز للملتقِط [ بالكسر ] أن يتبنّى اللقيط ويُلحقه بنفسه ، ولو فعل ذلك لم يترتّب عليه آثار البنوّة والأُبوّة والأُمومة ، فلا يكون ولداً ولا يكونا له أبوين.
13 ـ لو كان صداق المرأة مؤجّلاً كما يسمى ب ( الغائب ) ومات الزوج قبل حلوله ، استحقّت الزوجة مطالبته بعد موته ، ولكن لو ماتت الزوجة فإنّه ليس لورثتها المطالبة قبل حلول الأجل ، وكذلك لو طلّقها فإنّ حكم موته كحكم الطلاق إذا كان اشتراط التأجيل منصرفاً إلى جواز التأخير ، مع بقاء الزوجيّة كما هو الغالب.
الرهن
1 ـ يجوز لوليّ الطفل رهن ماله ، والارتهان للطفل مع وجود المصلحة.
الحجر
1 ـ الصغير محجور عليه شرعاً ، بمعنى أنّه لا تنفذ تصرّفاته الاستقلاليّة في أمواله ، كالبيع والصلح والهبة والقرض والإجارة والعارية ، ويستثنى من ذلك ما يتصدّى له الصبيّ مما جرت عليه العادة كالخيرات العامة والمبرّات.
2 ـ لا يصح الاقتراض من المحجور عليه ، ولا البيع والشراء في الذمّة بالنسيئة ـ أي استلام البضاعة وتأجيل الثمن أو بالعكس ـ وإن كان وقت الأداء مصادفاً لزمان البلوغ.
ولا يصح منه التزويج ولا الطلاق ، نعم يجوز حيازته المباحات كالاحتطاب ونحوه ، ويكون ملكه بالنية ، وكذلك يملك الجعالة وإن لم يأذن له الولي. والجعالة هي : ما يجعل له مقابل عمل معيّن كما إذا وجد ضالةً لأحد.
3 ـ الصغير : هو الذي لم يبلغ حدّ البلوغ شرعاً ، وهو إكمال تسع سنين هلاليّة للأنثى ، أمّا في الذكر فيتحقّق البلوغ بأحد الأُمور الثلاثة ، وهي :
الأول : نبات الشعر الخشن على العانة ، ولا عبرة في غير الشعر الخشن.
الثاني : خروج المني ، سواء في النوم أم اليقظة ، بالاحتلام أو بالجماع أو غير ذلك.
الثالث : إكمال خمس عشرة سنة هلاليّة على المشهور.
4 ـ ترد تغيّرات على الصبيّ كنبات الشعر الخشن في الخد أو الشارب ، فهي أيضاً من علامات البلوغ ، وأمّا نبات الشعر في الصدر وتحت الابط وكذا غلظة الصوت فليس من علامات البلوغ.
5 ـ الصغير محجور عليه لا يتمكّن من التصرّف في المال ، حتى يتبيّن الرشد
منه ، ولا يكفي البلوغ في عدم الحجر.
6 ـ الولاية في مال الطفل والنظر في مصالحه وشؤونه قبل بلوغه ورشده للأب والجد للأب ، فإذا فقدا فللقيّم الذي ولاّه أحدهما أو أوصى إليه ، وإذا فقد الوصي فالولاية للحاكم الشرعي. وأمّا الجد للأُمّ وكذلك الأُمّ والأخ والأعمام والأخوال فلا ولاية لهم عليه ، ويكون حالهم حال العدول من المؤمنين مع فقد الحاكم ، فيرجع إليهم عند فقد الحاكم الشرعي.
7 ـ لا تشترط العدالة في ولاية الأب والجد ، ولكن متى ما ظهر للحاكم ولو بقرائن الأحوال تعدّيهما على حقوق الطفل في نفسه أو ماله منعهما.
8 ـ الأب والجدّ مشتركان في الولاية ، فينفذ تصرّف السابق منهما ويلغى تصرّف اللاحق ، ولو اقترنا فالأقوى بطلانهما ، إلاّ في عقد النكاح فيُقدّم عقد الجد.
9 ـ لا فرق في الجدّ بين القريب والبعيد ، فلو كان له أب وجدّ الجدّ اشتركوا كلّهم في الولاية.
10 ـ يجوز للولي المضاربة بمال الطفل وتبديله إلى البضاعة ، بشرط وثاقة العامل وأمانته ، فإن دفعه إلى غيره ضمن.
11 ـ يجوز للولي تسليم الصبيّ إلى أمين يعلّمه الصنعة ، أو إلى من يعلّمه القراءة والخطّ والحساب ، والعلوم النافعة لدينه ودنياه. ويلزم عليه أن يصونه عما يؤدّي إلى فساد أخلاقه فضلاً عما يضرّ بعقائده.
12 ـ لو مات والد الطفل فيجوز للولي أن يجمعه مع عائلته ، ويحسبه كأحدهم ، فيوزّع المصارف عليهم على الرؤوس ، ويُشركه معهم في المصارف التي يتشاركون فيها عادةً لا التي تنفرد بشخص دون آخر ، والأمور المشتركة كالمأكل والمشرب والمسكن وما يُعدّ مشتركاً عرفاً ، وأمّا الكسوة فلا بدّ أن ينفرد بها ولا تأخذ
إلاّ ممّا يصرف عليه مستقلاً ، وكذلك لو تعدّد اليتامى فيجوز لمن يتولّى الإنفاق عليهم أن يخلطهم مع أفراد عائلته ، ويوزّع المصارف على الرؤوس بما هو من قبيل المأكول والمشروب دون غيره.
13 ـ لو كان الصغير يطلب غيره مالاً ، جاز للولي أن يصالحه عنه ببعض المال مع المصلحة ، ولا يحلّ للمتصالح باقي المال ، وليس للولي إسقاطه بحال من الأحوال.
14 ـ إذا ادّعى وليّ الطفل الإنفاق عليه بالمقدار اللائق به ، وأنكر بعد بلوغه أصل الإنفاق أو مقداره وكيفيّة الإنفاق فالقول قول الولي بيمينه ، إلاّ إذا كان قوله مخالفاً للظاهر ، ولو كان للصبيّ بيّنة فيقدّم قوله.
15 ـ لا يصح زواج السفيه : وهو الذي ليس له قدرة تبعثه على حفظ ماله والاعتناء بحاله فيتلفه في غير محلّه ، والذي لا يبالي بالانخداع في المعاملة فهو خارج عن طور العقلاء وسلوكهم ، فمثل هذا الفرد لا يتزوّج إلاّ بإذن الولي ، ولكنّه يتمكّن من الطلاق ويصحّ ظهاره وخلعه.
16 ـ لو احتمل الولي حصول الرشد للصبيّ قبل البلوغ فالأحوط أن يَختبر حاله قبله ; ليسلم إليه ماله بمجرد بلوغه لو اُنس منه الرشد ، وإن ادّعى الصبيّ حصول الرشد واحتمله الولي وجب اختبار حاله ، ولا يجب الاختبار مع عدم الادّعاء.
17 ـ الطريقة التي يثبت بها الرشد للرجال هي شهادة الرجال ، وأمّا في النساء فلا يثبت إلاّ بشهادة الرجال ، ويوجد إشكال في ثبوت رشد النساء بشهادة رجل وامرأتين أو بشهادة نساء منفردات.
الضمان
1 ـ الضمان : هو التعهّد بمال لشخص آخر ، ويقع على نحوين :
الأوّل : نقل الدّين من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن للمضمون له.
الثاني : التزام الضامن للمضمون له بأداء مال إليه ، فالنتيجة هنا وجوب الأداء عليه تكليفاً.
والفرق بين النحوين هو أنّ في الأوّل يجب الأداء على الضامن ولو مات يُخرج من تركته ، وفي الثاني لا يجب الإخراج من تركته.
2 ـ يصح أن يضمن شخص للمرأة نفقاتها الماضية ، وأمّا النفقات الآتية فلا يصح التعهّد بها إلاّ على النحو الثاني من الضمان ، وهو الالتزام للمضمون بأداء المال إليه ، وكذلك لا يصح ضمان نفقة الأقارب إلاّ على هذا النحو.
الإقرار
1 ـ لو أقرّ شخص بزواجه من إمرأة ولم تصدّقه نفذ إقراره بالنسبة إلى حرمة تزويجه من أُمّها مثلاً ، لكن لا يجب عليها تمكينه من نفسها ; لأن الإقرار يثبت فيما يتعلق بالمقرّ نفسه.
2 ـ إذا كان للميت ولدان وأقرّ أحدهما بولد آخر له وأنكر الثاني ذلك ، لم يثبت نسب المقرّ به ، فيأخذ المنكر ـ الثاني ـ نصف التركة ويأخذ المقرّ ثلثها.
3 ـ إذا كانت للميت زوجة وإخوة مثلاً ، وأقرّت الزوجة بولد لذلك الميت ، فإن صدّق الإخوة قولها كان ثمن التركة للزوجة والباقي للولد ، وإن لم يصدّقوها أخذت الإخوة ثلاثة أرباع التركة ، وأخذت الزوجة ثُمنها ، والباقي وهو الثُمن للمقرّ به.
4 ـ لو مات صبيّ مجهول النسب ، فأقرّ إنسان بأنّه إبن له ، فيوجد إشكال في
استحقاق ميراثه للمقرّ.
5 ـ لو أقرّ جميع الورثة بدين على الميت أو بشيء من ماله للغير كان مقبولاً ; لأنّه كإقرار الميت ، ولو أقرّ بعضهم وأنكر البعض ـ كأن أقرّ إثنان وكانا عدلين ـ ثبت الدين على الميت أيضاً.
الوكالة
1 ـ تصح الوكالة في النكاح إيجاباً وقبولاً ، وكذلك في الطلاق.
2 ـ يجوز أن يوكّل عنه شخصاً في الطلاق ، سواء كان الزوج حاضراً أم غائباً ، وكذلك يجوز توكيل الزوجة بأن تطلّق نفسه بنفسها ، أو توكّل أحداً عن زوجها أو عن نفسها.
3 ـ لو زوّجه فأنكر الموكِّل الوكالة حلف وعلى الوكيل نصف المهر ، وعلى الموكِّل إن كان كاذباً في إنكاره الزوجيّة طلاقها ، ولو لم يفعل وقد علمت الزوجة بكذبه رفعت أمرها إلى الحاكم ليطلّقها.
الهبة
1 ـ يتمكن الأب والجدّ أن يهب عن الصغير والمجنون إذا بلغ وهو على الجنون.
2 ـ إذا تمّت الهبة وحصل القبض فإن كانت لذي رحم كالأب أو الأُمّ أو الولد لم يكن للواهب الرجوع في هبته ، ولا تلحق الزوجة وكذلك الزوج بالرحم.
3 ـ يستحب العطيّة للأرحام الذين أمر الله تعالى أكيداً بصلتهم ونهى شديداً
عن قطيعتهم ، فقد روي عن الإمام الباقرعليهالسلام في كتاب عليعليهالسلام : « ثلاث لا يموت صاحبهن أبداً حتى يرى وبالهن : البغي ، وقطيعة الرحم ، واليمين الكاذبة يبارز الله بها. وإنّ أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم ، وأنّ القوم ليكونون فجّاراً فيتواصلون فتنمّى أموالهم ويثرون ، وأنّ اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع(1) من أهلها وتنقل الرحم ، وإنّ نقل الرحم انقطاع النسل »(2) .
ولا يخفى التأكيد الوارد في كلمات أهل البيتعليهمالسلام على صلة الوالدين وبرّهما ، ومنها : ما روي عن الصادقعليهالسلام : « أن رجلاً أتى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : أوصني ، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تشرك بالله شيئاً وإن اُحرقت بالنار وعذّبت إلاّ وقلبك مطمئن بالإيمان ، ووالديك فأطعهما ، وبرّهما حيّين كانا أو ميّتين ، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل فإن ذلك من الإيمان »(3) .
وآكد من ذلك ما روى في برّ الأُمّ وصلتها ، فقد روي عن الصادقعليهالسلام أنّه جاء رجل إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا رسول الله من أبرّ ؟ قال : « أُمك » ، قال : ثمّ من ؟ قال : « أمك » ، قال : ثمّ من ؟ قال : « أمك » ، قال : ثمّ من ؟ قال : « أباك »(4) .
4 ـ يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطيّة على كراهيّة ، وربما يحرم إذا كان سبباً لإثارة الفتنة والشحناء والبغضاء المؤدّية إلى الفساد ، ولكن يكون التفضيل لبعضهم أفضل إذا كان له أولويّة موجبة لذلك.
__________________
(1) البلاقع ، جمع بلقع : وهي الأرض القفر التي لا شيء بها ، يقال : منزل بلقع ودار بلقع. الصحاح 3 : 1188 « بلقع ».
(2) وسائل الشيعة 21 : 493 ، الحديث 1.
(3) وسائل الشيعة 21 : 489 ، الحديث 4.
(4) وسائل الشيعة 21 : 491 ، الحديث 1.
الوصيّة
1 ـ يُشترط في وصيّة الصبيّ أن يبلغ عشر سنين ، وتنفذ في الخيرات والمبرّات لأرحامه وأقربائه ، وأمّا الغرباء فيوجد إشكال في نفوذ وصيّته لهم ، وكذلك في نفوذ وصيّة البالغ سبع سنين في الشيء القليل ، فلا بدّ من رعاية مقتضى الاحتياط فيهما(1) .
2 ـ إذا نصّب المجتهد قيّماً على الأطفال فهل تبطل الوصية بموته أو لا ؟ لا يخلو عن إشكال فلا يترك الاحتياط(2) .
3 ـ لو أوصى وصيّةً تمليكيّة(3) لصغير من أرحامه أو من غيرهم بمال ولكنّه جعل أمره إلى غير الأب والجدّ والحاكم ، فلا يصحّ هذا الجعل ، بل يكون أمر ذلك المال للأب والجدّ مع وجودها وللحاكم مع فقدهما ، ولكن لو أوصى أن يبقى المال بيد الوصي حتى يبلغ الصبيّ صح تمليكه أيَّاه ، وكذا إذا أوصى أن يصرف ماله عليه من دون أن يملّكه إياه بشرط أن لا ينافي حقّي الحضانة والولاية.
4 ـ يجوز للأب والجدّ أن يجعلا القيمومة لفردين أو أكثر على الأطفال ، وكذلك يجوز لهم أن يجعلا شخصاً مشرفاً وناظراً على القيّم.
5 ـ لو أوصى بالوصيّة العهديّة ـ وهي تولّي أُموره بعد وفاته ـ بأن يُعطى من ماله شيء لأحفاده الذين لم يولدوا بعد ، إذا كان يتوقّع وجودهم في المستقبل ،
__________________
(1) أي في عطيّة الصبيّ البالغ عشر سنين إذا كانت لغير أقربائه ، والصبيّ البالغ سبع سنين حتى لو كانت العطية شيئاً قليلاً سواء كانت للأقرباء أو للغرباء.
(2) الاحتياط هنا وجوبي.
(3) سيأتي بيان معنى الوصية التمليكيّة.
صحت هذه الوصية ؛ لأنّ الوصيّة العهديّة لا يشترط فيها وجود الموصى له ، فإن وجدوا في ظرف الإعطاء اُعطي لهم ، وإلاّ كان ميراثاً لورثة الموصي إن لم تكن هناك قرينة على كونها من باب تعدّد المطلوب ( بأن تكون وصيّته في وجوه البرّ وكونه لأرحامه ) وإلاّ صرف فيما هو الأقرب إلى نظر الموصي من وجوه البرّ.
6 ـ يشترط في الوصيّ أن يكون بالغاً على المشهور ، فلا تصح الوصاية إلى الصبيّ منفرداً إذا أُريد من الوصاية التصرّف في حال صباه قبل بلوغه مستقلاً ، ولكنّه لا يخلو عن إشكال ، فلو أوصى إليه كذلك(1) فالأحوط أن يكون تصرّفه بإذن الحاكم الشرعي.
7 ـ تجوز الوصاية إلى المرأة وإلى الأعمى والوارث ، وإذا أوصى إلى صبيّ وبالغ فمات هذا الصبيّ قبل البلوغ ، أو أنّه بلغ وهو على الجنون ففي جواز انفراد البالغ بالوصيّة قولان ، أحوطهما الرجوع إلى الحاكم الشرعي فيضمّ إلى البالغ فرداً آخر ، إلاّ إذا كانت هناك قرينة على إرادة الموصي انفراد البالغ بالوصاية في هذه الصورتين(2) .
8 ـ تختصّ الوصيّة التمليكيّة ـ وهي أن يجعل شيئاً ممّا له من مال أو حقّ لغيره بعد وفاته ـ بأنّها تثبت بشهادة النساء منفردات ، فيثبت ربع الوصية بشهادة مسلمة عادلة ، ونصفها بشهادة مسلمتين عادلتين ، وثلاثة أرباعها بشهادة ثلاث مسلمات عادلات ، وجميعها بشهادة أربع مسلمات عادلات مع عدم الحاجة إلى
__________________
(1) أي لو كانت الوصاية للصبيّ بتصرفه في المال ـ حال صباه ـ منفرداً ومستقلاّ بدون إشراف شخص عاقل بالغ قادر على التصرّف وعارف بموازينه ، فلا بدّ أن يأذن الحاكم الشرعي في ذلك حتى تكون الوصية نافذة وصحيحة.
(2) أي في صورة موت الصبي قبل بلوغه ، أو في كونه قد بلغ وهو مجنون.
اليمين ، والوصية العهديّة تثبت بشهادة عدلين من الرجال ، ولا تقبل فيها شهادة النساء منفردات أو منضمّات إلى الرجال.
الوقف
1 ـ يجوز للزوج أن يوصي بتحبيس ثلث بستانه على زوجته حتى تنتفع من وارده مدّة حياتها بشرط أن يعود الثلث بعد وفاة الزوجة إلى ورثة الزوج(1) .
2 ـ إذا وقّف على أولاده الصّغار وأولاد أولاده وكانت العين الموقوفة في يده ، كفى ذلك في تحقّق القبض ، وأمّا إذا كانت العين في يد غير الواقف فلا بدّ من أخذها منه ليتحقّق قبض الولي.
3 ـ يشترط في الواقف البلوغ ، لكن لو أوصى الصبيّ بأن يوقّف ملكه بعد وفاته على وجوه الخير أو المبرّة لأرحامه وأقربائه وكان قد بلغ عشراً نفذت وصيّته.
4 ـ إذا وقّف على المؤمنين اختُص الوقف بمن كان مؤمناً في اعتقاد الواقف ، ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء والأطفال ، فلو كان الواقف اثني عشريّاً اختُص الوقف بالاثني عشريّة.
5 ـ إذا وقّف على إخوته فيشترك إخوته فيه بالسويّة ، سواء كانوا إخوة للأبوين أو إخوة للأب فقط ، أو الأُمّ فقط ، وكذلك إذا وقّف على أجداده أو أعمامه أو أخواله ، وأمّا الإخوة فلا يشمل أولادهم وكذلك الأخوات.
6 ـ إذا وقّف شيئاً على أبنائه لم تدخل البنات في جملة الأبناء ، ولكن إذا وقّف على الذريّة دخل الذكر والأُنثى ، والصلبي وغيره في الوقف.
__________________
(1) الفتاوى الميسّرة : 356.
7 ـ إذا قال : ( هذا وقف على أولادي ما تعاقبوا وتناسلوا ) أي على جميع عقبهم وكلّ من كان من نسلهم ، فيشترك الجميع في الوقف بدون تقدّم واحد على الآخر.
وأمّا إذا قال : ( هذا وقف على أولادي نسلاً بعد نسل ) ، فلا بدّ من الترتيب ، فيكون التصرّف حقّاً لمن هو أوّل في النسل.
8 ـ الوقف حسب ما يقفه أهله ، فلو جعله الواقف ترتيبيّاً فهو كذلك ، فإذا جعل الترتيب بين الطبقة السابقة والطبقة اللاحقة ، يراعى الأقرب فالأقرب إلى الواقف ، فلا يشارك الولد أباه ، ولا ابن الأخ عمّته أو عمّه ، ولا ابن الاُخت خالته أو خاله.
9 ـ لو قال الواقف : ( وقّفت على أولادي طبقة بعد طبقة ، وإذا مات أحدهم وكان له ولد فنصيبه لولده ) فلو مات وكان له أكثر من ولد قُسّم النصيب على الرؤوس ، وإذا مات ولم يكن له ولد فنصيبه لمن كان في طبقته.
10 ـ إذا قال الواقف : ( هذا وقف على أولادي ، فإذا انقرض أولادي وأولادهم فهو على الفقراء ) فهو وقف على أولاده الذين من صلبه وغيرهم. ولو قال : ( هذه الدار وقف على أولادي ) جاز لهم الانتفاع بها بغير السكن ، كأُجرتها إلى أحد وتقسيم الأُجرة عليهم ، وإذا عيّن وقف الدار بشرط السكنى فيها فلا يجوز أن يؤجّرها ، وإن لم تسع لسكناهم قسّموها بينهم يوماً فيوماً أو شهراً فشهراً أو سنة فسنة.
11 ـ إذا أوقف شيئاً على إخوته نسلاً بعد نسل ، فيشمل الوقف الذكور والإناث ، ولو عيّن الوقف على الذكور فلا يشمل الإناث.
الصدقة
1 ـ وهي من الأُمور التي تواترت فيها الأحاديث ، فبها ينزل الرزق ، وبها يُشفى المريض ، وبها يُدفع البلاء. ويعتبر فيها البلوغ ، فيوجد إشكال في صحة الصدقة من الصبيّ البالغ عشراً.
ولو دار الأمر بين الصدقة وبين التوسعة على العيال ، فالتوسعة على العيال أفضل من الصدقة.
كتاب النكاح
النكاح من المستحبات التي أُكّد عليها في كلام أهل البيتعليهمالسلام ، وورد أيضاً الذمّ على تركه ، ووصف بأنّه نصف الدين ، وأنّه« ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله » (1) .
وحرصاً من الشريعة السمحاء على هذه المسألة المهمة ، نظر المعصومونعليهمالسلام إلى الصفات التي لا بدّ أن تتوفّر في الزوجة التي يريد الرجل أن يختارها وكذلك العكس.
فقد ورد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال :« اختاروا لنطفكم ، فإنّ الخال أحد الضجيعين » (2) .
وعن الصادقعليهالسلام حيث قال له أحد أصحابه قد هممت أن أتزوج ، فقالعليهالسلام :« اُنظر أين تضع نفسك ، ومن تشركه في مالك ، وتطلعه على دينك وسرّك ، فإن كنت لا بدّ فاعلا فبكراً تنسب إلى الخير وإلى حسن الخلق » (3) .
وكما ينبغي للرجل أن يهتم بصفات المرأة التي يريد الزواج منها ، فلا بدّ أن
__________________
(1) وسائل الشيعة 20 : 40 ، الحديث 10.
(2) وسائل الشيعة 20 : 47 ، الحديث 2.
(3) وسائل الشيعة 20 : 27 ، الحديث 1.
تهتمّ المرأة ـ أيضاً ـ بصفات الرجل الذي تريد أن تجعله شريكاً لها في حياتها ، وهذا دليل على اهتمام الشريعة بالمرأة واحترام شخصيّتها وحفظ كرامتها ، لذا فقد ورد عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال :« من زوّج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها » (1) . وجاء عن رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قال :« النّكاح رقّ ، فإذا أنكح أحدكم وليدة فقد أرقّها ، فلينظر أحدكم لمن يرقّ كريمته » (2) .
1 ـ يستحب لمن أراد التزويج أن يصلّي ركعتين ويدعو ويقول :« اللهمّ إنّي أريد أن أتزوج اللّهم فأقدر لي من النساء أعفّهنّ فرجاً ، وأحفظهنّ لي في نفسها وفي مالي ، وأوسعهنّ رزقاً ، وأعظمهنّ بركة » (3) .
ويستحب أيضاً أن يُشهد على العقد وأن يعلن به ، ويستحب الخطبة ، وتشتمل الخطبة على التحميد ، والصلاة على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمةعليهمالسلام والشهادتين ، والوصيّة بالتقوى ، والدعاء للزوجين ، ويكفي أن يقول : الحمد لله ، والصلاة على محمّد وآلهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ويكره إيقاع العقد والقمر في برج العقرب ، وإيقاعه في محاقّ الشهر.
2 ـ لا بدّ من النظر في حال الخطّاب ، فإذا كان ممّن يرضى خلقه ودينه فلا يردّ ، وهو ما ورد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
3 ـ يكره الخلوة بالزوجة في حضور الأطفال ، فينظرون إليهما ، هذا إذا لم يكن مستلزماً للحرمة كالنظر إلى العورة فيكون محرّماً.
__________________
(1) وسائل الشيعة 20 : 27 الحديث 1.
(2) وسائل الشيعة 20 : 79 ، الحديث 8.
(3) وسائل الشيعة 20 : 113 ، الحديث 1.
4 ـ يستحب التوسّط للتزويج والشفاعة في هذا الأمر لا سيما إرضاء الطرفين به.
5 ـ لو عقد على صبّية لم تبلغ تسع سنين فلا يجوز أن يطأها ، ولو فعل ذلك ولم يفضّ بكارتها فليس عليه إلاّ الإثم ، أمّا لو أفضّها فتجب عليه ديّة الإفضاء ، ولم يحرم عليه وطؤها لا سيما إذا اندمل الجرح بعلاج أو بغيره ، وتجري عليها أحكام الزوجة من التوارث وحرمة زواج الأخت وغير ذلك ، وكذلك تجب عليه نفقتها ، ولو أفضى غير الزوجة بالزنا أو بغيره فتجب عليه الديّة فقط دون النفقة.
6 ـ لا يجوز ترك وطء الزوجة الشابّة أكثر من أربعة أشهر ، إلاّ إذا كان هناك عذر كالحرج والضرر أو أنّها كانت راضية ، أو اشترط عليها حين العقد ، وليس هذا الحكم مختصّاً بالزوجة الدائمة ، فيعمّ المنقطعة أيضاً على الأحوط وجوباً ، وكذلك يعمّ الحكم الحاضر والمسافر على الأحوط وجوباً أيضاً ، ولا يجوز إطالة السفر دون عذر شرعي إذا كان السفر يفوّت حقّها ، وكذلك إذا لم يكن لضرورة عرفية كما إذا كان للتنزّه ، وإذا كانت الزوجة لا تقدر على الصبر إلى أربعة أشهر بحيث خاف الزوج وقوعها في الحرام إذا لم يواقعها فالأحوط وجوباً المبادرة إلى مواقعتها قبل تمام الأربعة أو طلاقها وتخلية سبيلها.
7 ـ يستحب أن يكون الزفاف ليلاً والوليمة قبله أو بعده ، وصلاة ركعتين عند الدخول ، وأن يكون كلّ من الزوجة والزوج على وضوء ، والدعاء بالمأثور بعد أن يضع يده على ناصيتها ، وهو :( اللهمّ على كتابك تزوّجتها ، وفي أمانتك أخذتها ، وبكلماتك استحللت فرجها ، فإن قضيت لي في رحمها شيئاً فأجعله مسلماً سويّاً ، ولا تجعله شرك الشّيطان ) وأمرها بمثله ، ويسأل الله تعالى الولد الذكر.
8 ـ تستحب التسمية عند الجماع ، وأن يكون على وضوء خصوصاً إذا كانت
المرأة حاملاً ، وأن يسأل الله تعالى أن يرزقه ولداً تقيّاً مباركاً زكيّاً ذكراً سويّاً.
9 ـ يجوز العزل عن الزوجة سواء كانت دائمة أم منقطعة ، ويكره في الزوجة الحرّة ، نعم ترتفع الكراهة إذا كان العزل برضاها أو اشترطه الزوج عليها في العقد.
وأمّا امتناع الزوجة عن انزال المني في قبلها فالظاهر حرمته إلاّ برضاه ، أو أشتراطه عليه حين التزويج ، ولا تجب عليها ديّة النطفة على الأقوى.
10 ـ يجوز لكلّ من الزوج والزوجة النظر إلى جسد الآخر ، ظاهره وباطنه حتى العورة ، وكذا لمس كلّ منهما كلّ عضو من الآخر ، سواء مع التلذّذ أو بدونه.
11 ـ يجوز للرجل أن ينظر إلى جسد مماثله ما عدا العورة ، سواء كان المنظور إليه شيخاً أم شاباً ، حسن الصورة أم قبيحها ، بشرط أن لا يلتذ بالنّظر ، وكذلك يحرم النّظر لو خاف على نفسه أن يقع في الحرام ، والحكم كذلك بالنسبة إلى نظر المرأة إلى امرأة أخرى ، ويجب أن يجتنب المكلّف عن النظر إلى عورة الكافر والصبيّ المميِّز على الأحوط وجوباً.
12 ـ يجوز أن ينظر الرجل إلى جسد محارمه ما عدا العورة ، بشرط أن يكون النظر خال من التلذّذ وخوف الوقوع في الحرام ، وكذلك يجوز نظر المحارم إلى جسد المحرم عليهنّ من عدم التلذّذ وخوف الوقوع في الحرام ، والمراد بالمحارم : من يحرم عليه نكاحهنّ أبداً ، سواء من جهة الرضاع ، أو النسب ، أو المصاهرة ، ولا يشمل النكاح المحرّم بغير هذه الأسباب كالزنا واللواط واللّعان.
13 ـ لا يجوز للرجل أن ينظر إلى ما عدا الوجه والكفّين من جسد المرأة الأجنبيّة ، ولا فرق بين أن يكون النظر لجسدها بشهوة أو مع خوف الوقوع في الحرام.
أمّا الوجه والكفّين فلا يجوز له النظر إليهما مع التلذّذ الشهوي ، أو خوف
الوقوع في الحرام ، وأمّا مع عدم وجود هذين الوصفين فلا يبعد جواز النظر وإن كان الأحوط استحباباً تركه.
14 ـ يحرم على المرأة أيضاً أن تنظر إلى بدن الرجل الأجنبيّ مع الالتذاذ الشهوي أو مع خوف الوقوع في الحرام ، والأحوط وجوباً أن لا تنظر إلى غير ما جرت السيرة على عدم الالتزام بستره كالرأس واليدين والقدمين ونحوها وإن كان بلا تلذذ شهوي أو خوف الوقوع في الحرام ، وأمّا نظرها إلى هذه المواضع من بدنه من دون تلذّذ شهوي ودون الخوف من الوقوع في الحرام فالظاهر جوازه وإن كان الأحوط استحباباً تركه أيضاً.
15 ـ لا يجوز لمس بدن الغير وشعره مع الالتذاذ أو الريبة إلاّ الزوجين فيما بينهما ، أمّا بدون الالتذاذ وخوف الوقوع في الحرام فيجوز للمحارم والمماثل ، أي الرجل للرجل والمرأة للمرأة ، ومن هذا تعرف حرمة المصافحة كما يفعل أهل الدول الغربيّة ، وتستطيع المرأة أن تقدّم تلك التحيّة مع الساتر كأن تلبس قفّازات وتصافح الأجنبي(1) .
16 ـ لو قطع عضو من الأجنبيّ أو الأجنبيّة وهو ممّا يحرم النظر إليه قبل القطع ، فلا يجوز النظر إليه بعد القطع إن كان يصدق عليه عرفاً أنّه نظر إلى صاحب العضو المبان ، وأمّا مع عدم صدق ذلك فيجوز النظر إلى ما عدا العورة ، والأحوط استحباباً الاجتناب عن النظر إلى السنّ والظفر.
17 ـ يجب على المرأة أن تستر شعرها وجسدها ما عدا الوجه والكفين ، هذا
__________________
(1) قُيِّد حكم جواز المصافحة مع الكفوف بالضرورة كما إذا عُرّضت المرأة إلى ضرر معتدّ به أو حرج شديد لا يتحمّل عادةً. انظر فقه الحضارة : 180.
أمام غير المحارم والزوج ، إلاّ إذا خافت أن تقع ـ هي ـ في الحرام ، أو أنّها أظهرتهما بداعي إيقاع الرجل في الحرام ، فيحرم عليها إبداؤهما ، حتّى بالنسبة إلى المحارم حينئذ. وأما إذا كانت المرأة كبيرة السنّ لا ترجو نكاحاً فيجوز لها إظهار شعرها وذراعها ونحو ذلك ممّا لا يستره الخمار والجلباب عادة. والخمار : هو ما تغطّي به المرأة رأسها. والجلباب : هو الثوب الواسع. والجواز مشروطٌ بعدم تبرّجها بزينة ، فلو كانت متبرّجة بزينة حرم عليها الإظهار.
18 ـ لا يجب على الرّجل التستّر من المرأة الأجنبيّة ، وإن كان لا يجوز لها ـ على الأحوط وجوباً ـ أن تنظر إلى غير ما جرت السيرة على عدم الالتزام بستره من بدنه.
19 ـ قدّر ديننا الحنيف مواقع الضرورة وجعل لنا قاعدة ( الضرورات تبيح المحضورات ) لذا فحرمة النظر واللمس للأجنبيّة موجودة في غير مواقع الاضطرار ، أمّا مع الاضطرار كالاستنقاذ من الغرق أو الحرق أو الاضطرار الى المعالجة من مرض وكان الرجل الأجنبي أرفق بعلاجها فيجوز ذلك ، ولو كان الطبيب يكتفي حين المعالجة إمّا باللمس أو بالنّظر فلا يجوز له التعدّي أكثر ، فإمّا يعالج بالنظر أو باللمس.
20 ـ يجوز اللمس والنظر من الرجال للصبيّة غير البالغة ـ ما عدا النظر إلى عورتها ـ بشرط عدم التلذّذ الشهوي وخوف الوقوع في الحرام. والأحوط استحباباً الاقتصار على المواضع التي لم تجر العادة بسترها بالملابس المتعارفة وترك ما جرت العادة بستره مثل الصدر والبطن والفخذ ، والأحوط استحباباً أيضاً عدم تقبيلها ووضعها في الحجر إذا بلغت ستّ سنين.
21 ـ يجوز للمرأة أن تنظر إلى الصبيّ غير البالغ ـ ما عدا عورته ـ وتمسّ مواضع بدنه مع عدم التلذّذ وخوف الافتنان ، ولا يجب عليها أن تتستّر منه قبل أن يبلغ سنّاً يمكن أن يترتّب على نظره إليها ثوران الشهوة عنده ، وإذا بلغ ذلك السنّ وجب التستّر منه على الأحوط وإن لم يبلغ البلوغ الشرعي.
22 ـ إذا كان الصبيّ غير مميّز فلا يجب التستر منه ، مع عدم الالتذاذ وخوف الوقوع في الحرام ، وكذلك إذا كانت الصبيّة غير مميِّزة فلا يجب عليها التستر مع عدم الالتذاذ وخوف الوقوع في الحرام أيضاً ، وكذلك المجنون غير المميّز لا تجري عليه أحكام التستّر.
23 ـ يجوز النظر إلى النّساء المتبرّجات المبتذلات اللواتي إذا نُهين عن التكشّف لا ينتهين ـ كما في الغرب ـ بشرط أن يكون النظر بلا تلذّذ وخوف الوقوع في الحرام ، ولا فرق في ذلك بين أن يكنّ كافرات أو غير ذلك ، أو أن يكون النظر إلى وجوههنّ وأيديهنّ أو باقي الأعضاء التي جرت عادتهنّ على عدم ستره.
24 ـ لو كانت المرأة سافرة في صورة لها ولكنّها غير مبتذلة فالأحوط وجوباً أن لا ينظر إليها الرجل الأجنبي إذا كان يعرفها ، ويستثنى من ذلك الوجه والكفّان إذا كان النظر بلا تلذّذ شهوي وخوف الوقوع في الحرام ، وكذلك لا يجوز النظر إليهما مباشرة مع التلذذ وخوف الوقوع في الحرام كذلك.
25 ـ يتعارف عند بعض الناس بأن ينظر الرجل إلى محاسن المرأة ـ كوجهها وشعرها ورقبتها وساقيها ومعاصمها ـ التي يريد التزويج منها فهو جائز ، ولا يشترط في ذلك رضاها ، ويستثنى من ذلك أُمور :
1 ـ أن لا يكون النظر بقصد الالتذاذ الشهوي وإن علم أنّه يحصل بالنظر إليها قهراً ، وأن لا يخاف الوقوع في الحرام بسبب هذه النظرة.
2 ـ أن لا يكون هناك مانع من التزويج بها ، كأنّها في العدّة مثلاً أو أنّها أُخت لزوجته فلا يجوز التزويج منها.
3 ـ أن لا يكون مسبوقاً بحالها كما إذا رآها سابقاً.
4 ـ أن يحتمل الناظر اختيارها زوجةً له.
5 ـ لو كان هناك نساء متعدّدات ولا يعلم أيّاً منهنّ يختار على وجه التعيين فلا يجوز له على الأحوط وجوباً أن ينظر لهنّ جميعاً ، ولا بدّ من قصد الزواج بواحدة منهنّ بالخصوص.
6 ـ يجوز أن يتكرّر النّظر لو لم يحصل الاطّلاع بالنّظرة الأُولى ، ولو حصل له الاطّلاع لا يجوز أن يكرّر النظر مرّة ثانية.
26 ـ يجوز للأجنبي أن يسمع صوت الأجنبية مع عدم الالتذاذ أو خوف الوقوع في الحرام ، وكذلك يجوز لها إسماع صوتها له مع عدم خوف الافتنان ، نعم لا يجوز لها ترقيق الصوت وتحسينه على نحو يكون عادة مهيّجاً للسامع ، وإن كان السامع من محارمها.
عقد النكاح
1 ـ عقد النكاح على قسمين : دائم ، ومنقطع. والعقد الدائم هو عقد لا تعيّن فيه مدّة الزواج ، وتسمّى الزوجة فيه ب ( الدائمة ) ، والعقد المؤقت هو العقد الذي تعيّن فيه مدّة الزواج كساعة أو يوم أو سنة أو أقلّ أو أكثر ، وتسمّى الزوجة فيه ب ( المنقطعة أو المتَمَتّع بها ).
2 ـ يشترط في النكاح ـ سواء كان مؤقتاً أم دائماً ـ الإيجاب والقبول ، ولا بدّ أن
يكونا لفظييّن على الأحوط وجوباً ، فلا يكفي مجرّد التراضي القلبي ، ولا الإشارة المفهِمة هذا في غير الأخرس ، والأحوط وجوباً أن يكون لفظ الإيجاب والقبول بالعربية مع التمكّن منها ، ومع عدم التمكّن من العربية يكفي غيرها من اللّغات المفهمة لمعنى النكاح والتزوج وإن تمكّن أن يوكّل أحداً عنه.
3 ـ الأحوط استحباباً تقديم الإيجاب على القبول ، وإن كان يجوز تقديم القبول على الإيجاب إذا لم يكن القبول بلفظ ( قبلت ) ـ فيكون حينئذٍ الاحتياط لزوميّاً أي واجباً ـ أو نحوه من اللفظ الخالي عن ذكر المتعلّق ، كما إذا قال الرجل للمرأة : ( أتزوّجك على الصّداق المعلوم ) فتقول المرأة : ( نعم ) ، أو يقول الرجل : ( قبلت التزويج بك على الصداق المعلوم ) ، فتقول المرأة : ( زوّجتك نفسي ).
4 ـ الأحوط استحباباً أن يكون الإيجاب من جانب المرأة والقبول من جانب الرجل ، ويجوز العكس بأن يقول الرجل : ( زوّجتك نفسي على الصداق المعلوم ) ، فتقول المرأة : ( قبلت ).
5 ـ الأحوط استحباباً أن يكون الإيجاب في الزواج الدائم بلفظ النكاح أو التزويج ، أي تقول المرأة أو الرجل : ( زوّجتك نفسي ، أو أنكحتك نفسي ) ، كما أنّ الأحوط استحباباً كون الإيجاب والقبول بصيغة الفعل الماضي أي ( زوّجت ) وإن جاز بغيرها أيضاً.
6 ـ يجوز الاقتصار في القبول على لفظ ( قبلت ) أو ( رضيت ) بعد الإيجاب من دون ذكر المتعلّقات التي ذكرت فيه ، فلو قال الموجب ـ الوكيل عن الزوجة ـ للزوج : ( أنكحتك موكّلتي فلانة على المهر المعلوم ) ، فقال الزوج : ( قبلت ) من دون أن يقول : ( قبلت النكاح لنفسي على المهر المعلوم ) صحّ.
7 ـ يجوز أن يباشر الزوجان العقد بنفسهما من دون أن يوكّلا أحداً في ذلك ،
فلو باشرا العقد الدائم وبعد تعيين المهر قالت المرأة مخاطبةً للرجل : ( أنكحتك نفسي ، أو أنكحت نفسي منّك أو لك على الصداق المعلوم ) ، فقال الرجل : ( قبلت النكاح ) صحّ العقد ، وكذا يصح العقد لو قالت المرأة للرجل : ( زوّجتك نفسي ، أو زوّجت نفسي منك أو بك على الصداق المعلوم ) فقال الرجل : ( قبلت التزويج ).
8 ـ لا يشترط المطابقة بين لفظ القبول وعبارة الإيجاب ، بل يصحّ الإيجاب بلفظ والقبول بلفظ آخر ، كأن يقول : ( زوجتك ) فيجيبه ( قبلت النكاح ) ، أو يقول : ( أنكحتك ) فيجيب ( قبلت التزويج ) ، والأحوط استحباباً المطابقة بين اللّفظين.
9 ـ إذا لحن في صيغة العقد بحيث لم يكن المعنى ظاهراً(1) لم يكف ذلك ، وإذا لحن في مادّة الكلام كما إذا قال بدل زوّجتك : ( جوّزتك ) كما هو دارج عند البعض كفى ذلك إذا كان المباشر للعقد من أهل تلك اللغة.
10 ـ لا بدّ أن يتحقّق القصد من العقد ، وهو متوقّف على فهم معنى لفظ ( زوّجت ) أو كلمة اُخرى تقوم مقام ذلك ولو إجمالاً ، ولا يعتبر العلم بخصوصيّات اللفظ ولا تمييز الفعل والفاعل والمفعول مثلاً ، فإذا كان هناك قصد في إيجاد علقة الزواج وقال : ( زوّجت ) وقال الطرف الآخر : ( قبلت ) كفى.
11 ـ تشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول ، بحيث يصدق أنَّ هذا القبول لذلك الإيجاب ، ولا يضرّ الفصل بمتعلّقات العقد من القيود والشروط التابعة له وإن كثرت.
12 ـ يشترط في صحّة النّكاح أن يكون منجّزاً غير معلّق على أمر سوف يحصل في المستقبل ، سواء كان معلوم الحصول أم متوقّع الحصول ، فلو علّقه بطل ،
__________________
(1) أيّ لا يفهم منه أنّه صيغة للعقد.
وهكذا يبطل لو علّقه على أمر حاليّ ولكن يحتمل حصوله وكان ذلك الأمر ممّا تتوقّف عليه صحّة العقد ، أمّا إذا علّقه على أمر موجود حالاً وهو معلوم الحصول لديه ـ كما إذا قالت المرأة في يوم الجمعة وهي عالمة أنّه يوم الجمعة : ( أنكحتك نفسي إن كان اليوم الجمعة ) فيصحّ العقد ـ وكذلك يصحّ لو علّق على أمر مجهول الحصول ولكنّه ممّا يتوقّف عليه صحّة العقد كما لو قالت المرأة : ( أنكحتك نفسي إذا لم أكن اُختك ).
13 ـ يشترط في العاقد ـ وهو الذي يُجري صيغة العقد ـ أن يكون قاصداً للمعنى حقيقةً ، فلا عبرة بعقد الشخص الهازل الذي يقول الصيغة بنحو المزاح ، أو الساهي ، أو الغالط في كلامه ، أو النائم لو قال الصيغة في حال نومه ، وكذلك لا عبرة بعقد السكران الذي لا يفهم ما يقول ولا المجنون ، وإن كان جنونه أدوارياً بأن يؤثّر عليه الجنون ساعة ويفيق منه اُخرى ، إن كان قد أجرى صيغة العقد في حال جنونه.
ومن الشرائط أيضاً كون العاقد بالغاً ، فلا يصحّ عقد الصبيّ لنفسه وإن كان مميّزاً ـ حتّى لو قصد المعنى(1) ـ إذا لم يكن بإذن الوليّ ، أو كان بإذنه ولكن كان الصبيّ مستقلاً في التصرّف ، والأحوط وجوباً أن لا يتولّى الصبي إنشاء الصيغة حتّى لو كان العقد من الولي نفسه وكان الصبيّ وكيلاً عنه في إنشاء الصيغة.
14 ـ نجد البعض ممّن يجبر البنت أو الولد على الزواج غافلين عن اشتراط رضى الزوجين في صحة العقد حسب الواقع لا الظاهر ، فلو أذنت الزوجة وأظهرت الكراهة وعُلم منّها الرضى القلبي صحّ العقد ، ولو تظاهرت بالرضى وعُلم منها الكراهة قلباً بطل العقد ، الاّ إذا كانت البنت باكراً غير مستقلّه في شؤون حياتها
__________________
(1) لأنّ القصد شرط في صحّة العقد ، ولكن إذا كان العاقد بالغاً فلا يكفي القصد في غير البالغ.
وزوّجها الأب بدون رضاها وكان العقد لصالحها حسب النظر العقلائي فإنّ الحكم بالصحّة أو البطلان مشكِل ـ والأحوط وجوباً إذا لم ترض البنت ـ أن يطلّقها الرجل وإذا رضيت بعد الردّ يجدّد العقد.
15 ـ لو كان الزوجان أو أحدهما كارهاً للعقد واُجري على هذه الحالة وبعد ذلك رضيا وأجازا العقد صحّ ، والأفضل إعادة العقد مرّة أخرى.
16 ـ لو كان للأب عدّة بنات وقال للزوج : أزوّجك إحدى بناتي ، فإنّه لا يصح ، فلا بدّ حينئذٍ من التعيين بحيث تمتاز التي يريد تزويجها عن غيرها ، سواء كان التعيين بالاسم أو الإشارة كأن يقول : ( زوّجتك بنتي هذه ) وكذلك يبطل لو قال لأب الزوج : ( زوّجت بنتي أحد أبنيك ، أو أحد هذين ) وهو يشير إليهما معاً.
ولكنّه يصح لو كانا معلومين لدى المتعاقدين ، فلا يشترط عندئذ التعيين عند إجراء الصيغة سواء بالاسم أم بالإشارة ، وكذلك يصحّ لو كانا متقاولين على تزويج بنته الكبرى من ابنه الكبير ـ مثلاً ـ وحين إجراء الصيغة قال : ( زوّجت بنتي من ابنك ) وقَبِل الآخر فالظاهر الصحّة.
17 ـ لو وقع اشتباه بين الزوجة التي عَيّنت بالوصف والاسم وبيّن مَن هي المقصودة في الواقع ، كما إذا قصد تزويج بنته الكبرى وتخيّل أنّ اسمها فاطمة وكانت المسمّاة بفاطمة هي الصغرى وكانت الكبرى مسمّاة بخديجة وقال : ( زوّجتك الكبرى من بناتي فاطمة ) وقع العقد على الكبرى التي اسمها خديجة ولا يقع على فاطمة ، وإن كان المقصود تزويج فاطمة وتخيّل أنّها الكبرى فتبيّن أنّها الصغرى وقع العقد على المسمّاة بفاطمة واُلغي وصفها بأنّها الكبرى ، وكذا لو كان المقصود تزويج المرأة الحاضرة وتخيّل أنّها الكبرى واسمها فاطمة فقال : ( زوّجتك هذه وهي فاطمة
وهي الكبرى من بناتي ) وتبيّن أنّها الصغرى واسمها خديجة وقع العقد على المشار إليها ، ولا عبرة بالاسم والوصف ، ولو كان المقصود العقد على الكبرى فلمّا تصوّر أن هذه المرأة الحاضرة هي تلك الكبرى قال : ( زوّجتك الكبرى وهي هذه ) وقع العقد على تلك الكبرى وتُلغى الإشارة فلا عبرة فيها.
18 ـ لو أوكلت المرأة شخصاً لإجراء العقد عنها فلا يجوز له أن يتزوّجها إلاّ إذ كان كلامها في التوكيل عامّاً ، بحيث يشمل الموكَّل أيضاً ، فلو كان كذلك جاز أن يتزوّجها(1) .
19 ـ يجوز أن يتولّى إجراء العقد كلّ من الزوجين أو يجعلا وكيلاً واحداً عنهما معاً سواء كان العقد دائماً أم مؤقّتاً ، والأحوط استحباباً أن لا يتولّى العقد شخص واحد بل يكون وكيل المرأة غير وكيل الرجل.
20 ـ إذا ادّعت المرأة أنّها غير ذات بعل واحتمل صدقها جاز أن يتزوّج منها ، من غير فحص وسؤال حتّى إذا كان لها زوج سابقاً فادّعت أنّها تطلّقت منه أو مات عنها ، نعم لو كانت متّهمة(2) فالأحوط وجوباً الفحص عن حالها.
21 ـ يصحّ التوكيل في النكاح من طرف الزوج أو الزوجة أو من الطرفين إذا كانا كاملين ، وكذلك يصحّ توكيل وليّهما إن كانا قاصرين ، ويجب على الوكيل أن لا يتعدّى عمّا عيّنه الموكِّل ، من حيث الشخص والمهر والخصوصيات الأُخرى وإن كان على خلاف مصلحة الموكّل ، وإن تعدّى كان فضوليّاً متوقّفاً على إجازته.
22 ـ إذا وكّلا شخصاً في إجراء صيغة العقد لم تجز لهما الاستمتاعات
__________________
(1) أي يجوز للموكَّل نفسه أن يتزوّجها.
(2) أي يشكّ في صدق ادّعائها بأنّها غير ذات بعلٍ.
الزوجيّة حتّى النظر المحرّم قبل الزواج ، وتحلّ لهما الاستمتاعات إذا اطمئنا بأنّ الوكيل أجرى صيغة عقد النكاح ، ولا يكفي ظنّهما بإجراء الصيغة ، ولو أخبر الوكيل خبراً لا يوجب الاطمئنان فلا يجوز لهما الاعتماد على هذا الخبر ، ولكن لو علما أنّه أجرى صيغة عقد النكاح وشكّاً في صحّته فيجوز لهما الاستمتاعات الزوجيّة.
23 ـ إذا ادّعى رجل أنّه زوج لامرأة وأنكرت ـ هي ـ ذلك فيجوز لها أن تتزوّج من غيره ، ويجوز للغير أن يتزوّجها ما لم يحرز كذبها ، ويجوز زواجها من غيره إذا كان قبل إقامة الدعوى عند الحاكم الشرعي ، وإن كان بعد الدعوى وأقام المدّعي البيّنة على أنّه زوجها حَكَم الحاكم الشرعي بإبطال العقد الجديد ولو لم يأتي بالبيّنة لم تُسمع دعواه ، وليس هناك يمين على المرأة ولا على الذي عقد عليها ، هذا فيما إذا كان قد ادّعى أنّه زوجها قبل رفع الأمر إلى الحاكم ، وأمّا إن كان بعد طرح الدعوى عند الحاكم فالأحوط وجوباً الانتظار إلى حين فصل النزاع ، فإذا أتى المدّعي بالبيّنة حُكم له ، وإن لم يكن له بيّنة طلب توجيه اليمين إلى المنكِر ـ أي إلى الزوجة في محلّ كلامنا ـ فإن حلفت حكم لها ، وإن لم تحلف ولم يرد الحاكم اليمين على المدّعي وإن كان عدم الردّ عن غفلة أو جهالة جاز للحاكم أن يحكم على المدّعي ، وللحاكم الولاية بأن يردّ اليمين على المدّعي انتظاراً لفصل النزاع ، وإن ردّ المنكِر أو الحاكم اليمين على المدّعي فحلف المدّعي حُكم له ، وأن نكل(1) المدّعي حكم عليه وأعطي الحقّ للزوجة ، هذا بحسب الموازين القضائيّة ، أمّا بحسب الواقع فيجب على كلّ منهما العمل على ما هو تكليفه بينه وبين الله ، لكي يحلّ النزاع بينهما.
__________________
(1) نكَلَ عن العَدُوِّ وعن اليمينِ يَنْكُلُ بالضمّ ، أي جَبُنَ ، الصحاح 5 : 1835 ، « نكَل ».
24 ـ لو غاب الزوج عن الزوجة غيبة طويلة وانقطع خبره عنها بحيث لم يعلم موته ولا حياته ، وادّعت الزوجة حصول العلم بموته فلا يجوز لمن أراد أن يتزوّجها الاكتفاء بقولها ، ولا يجوز للوكيل عنها الاكتفاء بقولها وإنشاء العقد ، والأحوط وجوباً أن لا يتزوّجها إلاّ من لم يطّلع على حالها ولم يعلم أنّه كان لها زوج وقد فقد.
في أولياء العقد
1 ـ الجدّ له الولاية ولا يشترط في ولايته حياة الأب ولا موته ، ومع وجود الأب يكون كلّ من الأبّ والجدّ مستقلا في ولايته ، فلو زوّج الجد الصغيرة ـ الذي هو ولي عنها ـ فلم يبق محلّ لتزويج الأب لها ، وإن زوّجها الأبّ من شخص وزوّجها الجدّ من شخص آخر وعلم السابق منهما أنّه الجدّ مثلاً كان عقده هو المقدّم ويلغى عقد الأب ، وإن عُلم تقارنهما في الزمن قدّم عقد الجد ولغي عقد الأب.
وأمّا إذا لم يعلم الحال واحتمل أنّ أحدهما سابق على الآخر ، أو احتمل التقارن فيما بينهما ـ سواء علم تاريخ أحد العقدين وجهل الآخر أم جهل التاريخين معاً ـ فيعلم إجمالاً بكون الصغيرة زوجة لأحد الشخصين أجنبيّة عن الآخر فلا يصح تزويجها بغيرهما ، كما أنّه ليس للغير أن يتزوّجها.
وأمّا حالهما بالنسبة إليها ، وحالها هي بالنسبة إليهما فلا تُترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيهما ، ولو بأن يطلّقها أحدهما ويجدّد الآخر نكاحها.
2 ـ يشترط في صحّة تزويج الأبّ والجدّ لمن هو وليّ عنه بأن يكون عقدهُ خالياً من إيصال المفسدة إليه ، والأحوط استحباباً مراعاة المصلحة ، وإن كان التزويج مؤدّياً للمفسدة يكون العقد فضوليّاً ، فيكون حال الولي كحال الأجنبي فتتوقّف حينئذٍ صحّة العقد على إجازة من عُقد له بعد بلوغه أو إفاقته من الجنون ، والضابط
في معرفة المفسدة كونها مفسدة في عرف العقلاء لا مفسدة في واقع الأمر ، فلو زوّجه باعتقاد عدم وجود المفسدة وتبيّن بعد ذلك وجود المفسدة في نظر العقلاء لم يصح العقد ، ولو تبيّن أنّه خال من المفسدة بالنظر إلى واقع الأمر صحّ العقد إن كان خالياً من المفسدة في نظر العقلاء.
3 ـ إذ تولّى الأب أو الجدّ العقد عن الصغير أو الصغيرة ، مع مراعاة عدم المفسدة فيصح العقد ، ولكن يحتمل مع صحّة العقد ثبوت الخيار للمعقود له ـ بمعنى أنّه يتمكّن من فسخ العقد بعد بلوغه ورشده ـ فلو فسخ بعد بلوغه ورشده فلا يترك الاحتياط بتجديد العقد أو الطلاق.
4 ـ لو زوّج الأب أو الجدّ الصغير وكان الصغير لا مال له كان المهر على الوليّ ، وإن كان للطفل مالاً : فإمّا أن يضمنه الولي ، أو لا ، فلو ضمنه كان المهر عليه ، وإن لم يضمنه أُخرج من مال الطفل إذا لم يكن أزيد من المهر المتعارف ، أو كان أزيد لكن وجد الولي المصلحة في تزويجه بهذا المقدار من المهر ، وأمّا إن لم يرى الولي المصلحة في تزويجه بأكثر من المهر المتعارف توقّف ثبوت المهر المسمّى في مال الطفل على إجازته بعد البلوغ ، فإن لم يُجز لم يثبت في ذمّته إلاّ مهر المثل ، أي المتعارف لمن كان له شأن كشأنه.
5 ـ إذا زوّج الوليّ من كان وليّاً عنه لمن له عيب ، فلو كان العيب يؤدّي إلى إيصال مفسدة إليه فتكون صحّته متوقّفة على إجازته بعد البلوغ ، وإن كان خالياً من المفسدة وقع العقد صحيحاً ، نعم إذا كان من العيوب المجوّزة للفسخ ثبت الخيار للمولّى عليه بعد كماله ، كما يثبت للولي قبله إذا كان جاهلاً بالحال.
6 ـ لو جعل الأب أو الجدّ قيّماً على الصغير أو الصغيرة وجعلا له ولاية مطلقة
عليهما فلا تكفي هذه الولاية ولا تشمل تزويجهما ولا تترك مراعاة الاحتياط ، وذلك بالتوافق مع الحاكم الشرعي ، هذا إذا دعت الضرورة إلى تزويجهما.
7 ـ لا ولاية للحاكم الشرعي في تزويج الصغير أو الصغيرة وإذا دعت الضرورة إلى تزويجهما بحيث يؤدّي ترك التزويج إلى المفسدة صارت له الولاية من باب الحسبة ـ أي في خصوص الأُمور التي لا يرضى الشارع بتركها لترتّب المفسدة عليه والتي لا يعيّن أحداً يقوم بها شخصيّاً ـ فيراعي الحاكم حدود الحسبة ، كما إذا اقتضت تزويجه ولو بالعقد المؤقّت لفترة قصيرة لم يتجاوزها إلى مدّة أطول فضلاً عن العقد الدائم ، وهكذا يلاحظ جميع الخصوصيات في هذه الولاية. هذا لو فقد الأب أو الجدّ ، وأمّا مع وجودهما فالأحوط وجوباً أن يتوافق الحاكم الشرعي معهما.
8 ـ يشترط في تزويج الباكر الرشيدة الاستئذان من وليها ، ولا فرق في ذلك بين الزواج الدائم أو المؤقت ، حتّى لو شرط عدم الدخول في ضمن العقد.
9 ـ لا ولاية لأحد على نكاح البالغ الرشيد دائماً أو منقطعاً ، ولا على البالغة الرشيدة إذا كانت ثيّباً ، وأمّا البكر منها فإن كانت مالكة لأمرها ومستقلّة في شؤون حياتها لم يكن لأحد أن يزوّجها من دون رضاها ، والأحوط وجوباً لها أن لا تتزوج إلاّ بإذن أبيها أو جدّها لأبيها ، وإن كانت غير مستقلّة فلا يجوز لها الزواج ولا يصح العقد من دون إذنهما ، والأحوط وجوباً أن لايزوّجاها من دون رضاها.
10 ـ يسقط اعتبار إذن الأب أو الجدّ في نكاح الباكرة الرشيدة إذا منعاها من الزواج بكفئها شرعاً وعرفاً(1) بأن يمنعاها من الزواج على رغم تقدّم الأكفاء
__________________
(1) الكفؤ الشرعي : هو من يُرضى بعقله ودينه لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم « إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه
لخطبتها ، وكذلك إذا رفضاً التدخّل في أمر زواجها مطلقاً(1) ، أو لم يكن لهما صلاحية الولاية عليها بسبب الجنون أو السفاهة ونحو ذلك ممّا يؤدّي إلى سلب صلاحيتهما ، وكذلك يسقط اعتبار الإذن إذا غابا عنها بحيث لا يمكن الاتصال بأحدهما واستئذانه فيه فإنّه يجوز لها الزواج حينئذٍ مع حاجتها المُلِّحة إليه فعلاً من دون إذن أحدهما.
11 ـ البكر هنا : هي من لم يدخل بها زوجها ، فمن تزوّجت ومات عنها زوجها أو طلّقها قبل أن يدخل بها فهي بكر ، وكذلك من ذهبت بكارتها بغير الوطء من وثبة(2) أو نحوها ، بل وإن ذهبت بكارتها بالزنا ، أو بالوطء شبهة أيضاً فهي بمنزلة البكر ، وأمّا من دخل بها زوجها فهي ثيّبة وإن لم يفتضّ بكارتها.
12 ـ يعتبر في الأب والجدّ للأب العقل والإسلام فيما إذا كانت البنت مسلمة ، فلا ولاية للأب الكافر على بنته المسلمة وإن ثبتت على بنته الكافرة.
13 ـ يكفي رضى البنت اللاحق للعقد(3) ، وكذا إذن الولي بعد العقد لتصحيحه إذا كانت البنت مكرهة على العقد حينه ، أو وقع العقد من دون إذن الولي.
__________________
فزوّجوه » وسائل الشيعة 20 : 76. وأمّا الكفؤ العرفي فله مصاديق كثيرة منها : تناسب عمل الخاطب او حرفته مع عمل أب الزوجة أو وليها مثلاً ، أو كونها من ذوات الشرف والعلم وغير ذلك. وفي كثير من الموارد تتحقّق الكفاءة الشرعية دون العرفية.
(1) قد يرفض الأب أو الجد التدخّل في أمر البنت لاختيارها كفؤاً لم يرضيا به ، أو رفضها رجلاً قد ألزمها بالزواج منه فحينما رفضت تركا التدخل في شأن زواجها.
(2) الوثبة : هي القفزة.
(3) أي الرضا الذي يكون بعد العقد.
موجبات فسخ عقد النكاح
1 ـ يحقّ للزوج أن يختار فسخ العقد أو يبقى عليه إذا علم بعد العقد بوجود أحد العيوب الستّة الآتية في الزوجة ، فيكون له الفسخ من دون طلاق ، والعيوب هي :
1) الجنون ولو كان أدواريّاً ، بحيث يصيبها في حين دون آخر ، وليس الإغماء والصرع من الجنون.
2) الجذام : وهو : مرض معدي وخطِر ، سببه عصيّات جرثوميّة خاصة فيها تتيبّس الأعضاء ، ويتناثر اللحم من جراء شدّة الالتهاب ، والدول المعاصرة اليوم تقوم بالاجهزة الصحّية بحجز المصابين بالجذام في مستعمرات خاصة بعيداً عن الآخرين.
3) البرص : وهو بياض يقع في الجسد ، وهو غير البهق الذي يظهر في الجلد نتيجة لقلة صبغة الجلد.
4) العمى : وهو ذهاب البصر عن العينين.
5) العفل : وهو لحم أو عظم ينبت في الرحم ، سواء منع من الحمل أو الوطء في القبل أم لم يمنع.
6) العرج وإن لم يبلغ حدّ الإقعاد والزمانة.
2 ـ لو علم الزوج بأنّ زوجته مفضاة حين العقد فإن رضي بذلك فلا إشكال ، وأمّا إذا فسخ العقد فالأحوط وجوباً له ولزوجته عدم ترتّب أثر الزوجيّة الاّ بعد تجديد العقد وعدم ترتيب آثار الفرقّة إلاّ بعد الطّلاق.
3 ـ العيوب المتقدّمة إذا حدثت بعد العقد فيثبت للزوج حقّ الخيار إمّا بفسخه وإمّا بإمضائه.
الحالات التي يحقّ فيها للزوجة فسخ العقد أو
البقاء عليه
1) إذا كان الزوج مقطوع الذكر بحيث لم يبق منه ما يمكنه الوطء به ، ويسمّى الجبّ.
2) إذا كان الزوج عنّيناً ، والعنّة : هو المرض الذي يمنع من انتشار العضو التناسلي بحيث لا يقدر معه على الإيلاج ، ولها حقّ الخيار سواء كان العنن سابقاً على العقد أو تجدّد بعد العقد وقبل الوطء ، بل وكذا المتجدّد بعد الوطء ولو مرّة.
3) الجنون على إشكال.
4) الإخصاء حين العقد : وهو إخراج الانثيين ، ويسمّى ( سل الانثيين ).
5) الوجاء : وهو رضّ البيضتين بشدّة خارقة تفقد فيها القدرة على العمل.
6) البرص.
7) الجذام.
1 ـ لو اختارت المرأة الفسخ فالأحوط وجوباً أن لا يكون الافتراق الاّ بعد الطلاق ، ولو اختارت البقاء على العقد فالأحوط وجوباً تجديد العقد ، هذا في جميع هذه العيوب المذكورة أخيراً أيّ الجنون ، الإخصاء ، الوجاء ، البرص ، والجذام.
2 ـ يجوز للرجل وكذا المرأة الفسخ لوجود العيب من دون إذن الحاكم الشرعي ، لكن إذا ثبت أن الرجل مصاباً بالعنّة ولم تصبر المرأة على ذلك فلا يحقّ لها الفسخ إلاّ بعد رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي ، فيمهل الحاكم الشرعي الرجل سنة ، فلو وطأها أو وطأ غيرها في هذه المدّة فلا فسخ ، وأما إذا لم يتمكّن من الوطأ حتى بعد السنة فيحقّ لها الفسخ فوراً من دون مراجعة الحاكم الشرعي ، ولو علم بشهادة
الطبيب الأخصّائي عدم قدرته على الوطء أبداً فيجوز لها الفسخ مع عدم الانتظار سنة.
3 ـ إذا فسخ الرجل العقد بأحد العيوب الموجودة عند المرأة ، فإن كان الفسخ بعد الدخول استحقّت المرأة تمام المهر وعليها العدّة كما في الطلاق ، وإن كان الفسخ قبل الدخول لم تستحقّ المرأة شيئاً وليس عليها عدّة.
وإذا فسخت المرأة العقد لعيب الرجل استحقّت تمام المهر إن كان بعد الدخول ، وإن كان قبله لم تستحقّ شيئاً إلاّ في العنن فإنّها تستحقّ عليه فيه نصف المهر المسمّى في العقد.
أمّا إذا كان هناك تدليس : ( وهو أن توصف المرأة للرجل عند إرادة التزويج بالسلامة من العيب مع العلم به بحيث صار سبباً لغروره وخداعه ; وكذا مع السكوت عن بيان العيب مع العلم به ، وإقدام الزوج بارتكاز السلامة منه ، فلو ظهر العيب الذي كان مستوراً وكانت المرأة نفسها هي المدلّسة لم تستحق المهر إذا اختار الرجل الفسخ ، وأمّا إذا اختار الرجل البقاء فعلية تمام المهر لها ، وأمّا إن كان المدلّس غير الزوجة فيجب عليه أن يعطي المهر ، فالمهر المسمّى في العقد يستقرّ على الزوج بالدخول ويحقّ له أن يأخذه من المدلّس.
4 ـ يحقّ للزوج أو الزوجة أن يفسخا لثبوت خيار العيب أو خيار التدليس ، فالموارد التي يثبت بها خيار التدليس لا يثبت بها خيار العيب.
الموارد التي يثبت بها خيار التدليس
1) التستّر على عيب أحد الزوجين إذا كان العيب نقصاً في أصل الخلقة ، كالعور ونحوه.
2) زيادة شيء على أصل الخلقة كاللحية عند المرأة مثلاً.
3) الإيهام بوجود صفات كماليّة لا واقع لها ، كالشرف والنسب والجمال والبكارة ونحو ذلك.
4) لو تزوّج المرأة بعنوان أنّها بكر فبانت أنّها ثيّب وفسخ العقد ـ حيث يكون له الفسخ ـ فإن كان الفسخ قبل الدخول بها لا مهر لها ، وإن كان بعده استقر المهر عليه ورجع وأخذه من المدلّس ، وإن كانت هي المدلّس لم تستحقّ شيئاً ، ولو اختار البقاء على الفسخ أو لم يكن له الفسخ كما في صورة اعتقاد البكارة من دون اشتراط أو توصيف أو بناء ، كان له أن ينقص من مهرها بنسبة ما به التفاوت بين مهر مثلها في حال كونها بكراً أو ثيّباً.
اسبابالتحريم
أوّلا ـ النسب : ويحرم لأجله سبعة أصناف من النساء على سبعة أصناف من الرجال :
1 ـ الأُمِّ ، ويندرج تحتها الجدّات وإن علون ، سواء كنّ لأب أو لأُم واحدة ، فتحرم المرأة على ابنها ، وعلى ابن ابنها ، وعلى ابن بنتها ، وابن بنت بنتها ، وابن بنت ابنها ، وابن ابن بنتها ، وهكذا تحرم على كلّ ذكر ينتمي إليها بالولادة ، سواء كان بلا واسطة أم مع الواسطة ، أو وسائط متعدّدة. وسواء كانت الوسائط بينهما ذكوراً أم إناثاً ، أم بعضها ذكوراً وبعضها إناثاً.
2 ـ البنت ، وتشمل الحفيدة ولو بواسطة واحدة أو عدّة وسائط ، فتحرم على أبيها بما في ذلك الجدّ لأب كان أو لأُم ، فتحرم على الرجل بنته ، وبنت ابنه ، وبنت ابن ابنه ، وبنت بنته ، وبنت بنت بنته ، وبنت ابن بنته ، وبنت بنت ابنه ، وهكذا. وبالجملة ، كلّ اُنثى تنتمي إليه بالولادة بلا واسطة ، أم بواسطة ، أو وسائط ، ذكوراً كانوا أو اناثاً ، أو بالاختلاف أي كان بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً.
3 ـ الأُخت للأب كانت أو للأُمّ أو لهما.
4 ـ بنت الأخ ، سواء كان لأب أم لأُم أم لهما ، وهي كلّ امرأة تنتمي بالولادة إلى أخيه بلا واسطة أو معها وإن كثرت ، سواءً كان الانتماء إليها بالآباء أمْ بالأُمهات أمْ بالاختلاف ، فتحرم عليه بنت أخيه ، وبنت ابنه(1) ، وبنت ابن ابنه ، وبنت بنته ، وبنت
__________________
(1) الضمائر من هنا إلى آخر المسألة تعود على الأخ.
بنت بنته ، وبنت ابن بنته.
5 ـ بنت الأُخت ، وهي كلّ اُنثى تنتمي إلى اُخته بالولادة على النحو الذي ذكر في بنت الأخ.
6 ـ العمّة ، وهي أخت الأب لأب أو لأُم أو لهما ، والمراد بها ما يشمل العاليات أي عمّة الأب وهي أُخت الجد لأب أو لأُم أو لهما معاً ، وعمّة الأُم وهي أخت أبيها لأب أو لأُم أو لهما ، وعمّة الجد للأب والجد للأُمّ ولهما والجدة كذلك ، ومراتب العمّات هي مراتب الآباء فهي كلّ أُنثى تكون أُختاً لأب الشخص أو لذكر ينتمي إليه بالولادة من طرف أبيه أو أُمه أو كليهما.
7 ـ الخالة ، والمراد بها أيضاً ما يشمل العاليات ، فهي كالعمّة إلاّ أنّها اُخت لإحدى اُمّهات الرجل ولو من طرف أبيه ، والعمّة أُخت لأحد أبائه ولو من طرف اُمّه ، فأخت جدّته للأب خالته حيث إنّها خالة لأبيه ، وأُخت جدّه للأُم عمّته حيث أنّها عمّة اُمه.
ملحق للتحريم بالنسب
1 ـ كما يحرم على الرجل الزواج من بعض النساء للنسب الشرعي عن طريق النكاح المشروع ، كذلك يحرم عليه أن يتزوّجهن لارتباطه بهنّ بالنسب غير الشرعي كالزنا ، فلو زنى بالخالة أو العمّة مثلاً قبل أن يعقد على بنتها فتحرم عليه بنتها على الأحوط وجوباً ، وأمّا لو زنى بها بعد العقد لم تحرم عليه بنت الخالة أو العمّة ، والأحوط ـ استحباباً ـ أن لا يتزوّج بها.
2 ـ لو زنى رجل بامرأة ذات بعل ، أو في عدّتها الرجعيّة حرمت عليه مؤبّداً على الأحوط وجوباً ، أمّا لو زنى بامرأة في عدّتها غير الرجعيّة فلا يؤدي الزنا إلى
تحريمها عليه مؤبّداً ، فيمكنه أن يتزوّجها بعد انتهاء عدّتها.
3 ـ لو زنى بامرأة ليس لها زوج ، وليست بذات عدّة ، فلا يجوز له أن يتزوّجها إلاّ بعد توبتها على الأحوط وجوباً ، وأمّا غيره فيجوز له أن يتزوّج منها حتى قبل التوبة ، إلاّ أن تكون مشهورة بالزنا ، فالأحوط وجوباً أن لا يتزوّجها قبل توبتها.
وكذلك الأحوط وجوباً عدم الزواج بالرجل المشهور بالزنا إلاّ بعد توبته ، ولو أراد أن يتزوّج الزانية بعد توبتها صبر قبل الدخول بها مقدار زمن حيضة حتى يطمئن من خلوّ رحمها من ماء الفجور ، سواء كان الذي يريد الزواج منها نفس الزاني أو غيره.
ثانياً : الرضاع ، ولكن ينبغي أن نتعرّف على كيفيّة إثباته بالقرائن الشرعيّة ، ثمّ نتعرّض للأحكام المرتبطة به.
كيف يثبت الرضاع
يثبت الرضاع المحرّم بأمرين :
1 ـ إخبار شخص أو أكثر يوجب إخبارهم إمّا العلم بوقوع الرضاع المحرّم ، أو الاطمئنان به.
2 ـ شهادة عدلين على وقوع الرضاع المحرّم ، ولا يثبت ـ على الأحوط وجوباً ـ بشهادة رجل واحد أو بشهادة نساء أربع.
3 ـ لا يكتفى بالشهادة المطلقة ، بل لا بدّ أن تكون مفصّلة بأن يشهد على كون عدد الرضعات خمس عشرة رضعة متواليات ، وأنّ الإرضاع كان بالامتصاص من الثدي لا بغيره ، ولو لم يفصّل الشاهد سئل منه التفصيل.
4 ـ لو شكّ في وقوع الرضاع من أصله أو في تحقّق أحد شرائطه بنى على العدم وإن كان الاحتياط في ترتّب آثار الحرمة حسناً ، وهكذا في حالة الظنّ والاحتمال. ودرجة الشكّ هي خمسون بالمائة ، ودرجة الظنّ ثمانون بالمائة ، والاحتمال ثلاثون بالمائة مثلاً.
شرائط التحريم في الرضاع
إذا أرضعت امرأة ولد غيرها أوجب ذلك حرمة النكاح لعدد من الرجال والنساء ، ولكن يشترط في ذلك التحريم شروط :
1 ـ أن يكون اللبن الذي في ثدي المرضعة حاصلا لها من ولادة ولد شرعي ، فلو درّ اللبن في ثدي المرأة من دون ولادة أو من ولادة ابن الزنا فلا ينشر ذلك الإرضاع الحرمة.
2 ـ تتحقّق الحرمة بالإرضاع بعد ولادة المرضعة ، سواء وضعت حملها تامّاً أو سقطاً وقد صدق عليه أنّه ولد عرفاً ، وأمّا الرضاع الذي كان سابقاً على الولادة فلا أثر له في التحريم وإن كان قد حصل قبل الولادة.
3 ـ لو ولدت المرأة ولم ترضع فترة ثمّ أرضعت طفلاً ، فإن كانت الفترة قصيرة بحيث صار اللبن مستنداً إلى ولادتها كان موجباً للحرمة وإن علم بجفاف الثدي قبل وجود هذا اللبن المتجدّد ، وأمّا إن كانت الفترة طويلة بحيث لا يصدق على اللبن الثاني استناده للولادة فلا يؤدّي إلى التحريم ، سواء جفّ الثدي قبله أم لا.
4 ـ لا يعتبر في نشر الحرمة بالإرضاع بقاء المرأة في عصمة الرجل ، فلو طلّقها الزوج أو مات وهي حامل منه أو مرضع فأرضعت ولداً كان هذا الإرضاع مؤدّياً للحرمة ، حتّى وإن تزوجت ثانياً ودخل بها ولم تحمل ، أو حملت منه وكان اللبن غير منقطع ، بشرط أن يتمّ الرضاع قبل أن تضع حملها.
5 ـ يشترط في نشر الحرمة حياة المرضعة ، فلا تكون ميتة حال الإرضاع ، ولو أرضعت الطفل بعض الرضعات المعتبرة في التحريم لم تنشر الحرمة ، ولا يضرّ كونها نائمة أو مجنونة أو مكرهة أو مريضة أو قليلة اللبن في ترتّب آثار الحرمة على هذا الإرضاع.
6 ـ لا بدّ أن يكون عمر الطفل ما دون الحولين وهي أربعة وعشرون شهراً هلاليّاً ، فلو رضع وله من العمر أكثر من ذلك ، أو أكمل الرضاع بعد استكمال السنتين فلا يؤدّي ذلك إلى الحرمة.
وأمّا المرضعة نفسها فلا يشترط أن تكون ولادتها ما دون الحولين ، فلو مرّ على ولادتها لحملها ـ الذي حصل لها اللبن به ـ أكثر من حولين فلا يؤثّر في عدم نشر الحرمة ، والمقصود من الحولين أربعة وعشرون شهراً هلاليّاً من حين الولادة ، فلو وقعت الولادة في أثناء الشهر يُكمل من الشهر الخامس والعشرين بمقدار ما مضى من الشهر الأوّل ، فلو ولد في العاشر من الشهر مثلاً يكمل حولاه في العاشر من الشهر الخامس والعشرين.
7 ـ لا بدّ أن يكون اللبن خالصاً في فم الطفل غير ممزوج بشيء آخر مائع كاللبن والدم ، أو جامد كفتيت السكر ، فلو كان مخلوطاً لا يؤدّي الإرضاع إلى الحرمة إلاّ إذا كان الخليط مستهلكاً عرفاً.
8 ـ كون اللبن الذي يرتضعه الطفل منتسباً بتمامه إلى رجل واحد ، فإذا طلّق الزوج زوجته وكانت حاملاً أو طلّقها بعد ولادتها منه فتزوّجت برجل آخر وحملت منه وقبل أن تضع حملها أرضعت بلبن ولادتها السابقة من زوجها الأوّل ثمان رضعات مثلاً ، وأكملت بعد وضعها لحملها بلبن ولادتها الثانية من زوجها الأخير بسبع رضعات من دون تخلّل رضاع امرأة اُخرى في البين بأن يتغذّى الولد في هذه المدّة المتخلّلة بالمأكول والمشروب لم ينشر الحرمة.
9 ـ يشترط في الحرمة بالإرضاع أن تكون المرضعة واحدة في جميع الحولين ، فلو أرضعته امرأة ستّ رضعات مثلاً وأرضعته الأُخرى تسع لم تنشر الحرمة.
10 ـ يجب أن تكون الرضاعة مستمرة بحيث ينبت عليها لحم الطفل ويقوى عظمه ، ولو حصل الشكّ في تحقّق الرضاعة الشرعيّة فيكفي استمرارها يوم وليلة ، أو
بلوغ الرضاعة خمس عشرة رضعة عدداً ، أمّا لو قطع بعدم إنبات لحم الطفل واشتداد عظمه على هذه الرضاعة أو قطع بعدم بلوغ عدد الرضعات خمس عشرة فالأحوط وجوباً عدم ترتّب آثار انتشار الحرمة.
11 ـ المدار في إنبات لحم الطفل واشتداد عظمه بالرضاعة ما يكون كذلك عرفاً ، لا ما يثبت بالمقاييس العلميّة الدقيقة.
12 ـ لو ارتضع الطفل من مرضعتين وكانت رضعة من هذه ورضعة من الأُخرى إلى أن قوي جسمه ، فإن كانت قوّة جسمه مستندة إلى كلّ واحدة منهما أدّى ذلك إلى الحرمة عليهما معاً ، وأمّا إذا كان استناد قوّة جسمه إليهما معاً ـ أي بمجموع لبنهما ـ فلا يؤدّي ذلك إلى حرمة أيّ واحدة منهما.
13 ـ لو أرضعت امرأة طفلاً رضاعةً كاملة ، ثمّ طلّقها زوجها وتزوّجت برجل آخر وعاد اللبن في ثديها مرة أُخرى فأرضعت به طفلاً آخر أو طفلةً لم تحرم هذه الصبيّة على هذا الصبيّ ، ولا أولادهما على أولاد الآخر ; لاختلاف اللبن وعدم وحدته.
مسائل متفرَّقة تتعلّق بالرضاع
1 ـ الأفضل للمرأة أن تمتنع من إرضاع الأطفال خوفاً من نسيان الرضاعة ، وتحقّق الزواج المحرّم مع عدم التفاتها إلى العلاقة الرضاعيّة ، ولا يجوز لها إرضاع ولد الغير إذا كانت الرضاعة مزاحمة لحقّ زوجها إلاّ أن يأذن لها بذلك.
2 ـ إذا أرضعت المرأة طفلاً لزوج بنتها حرمت البنت على زوجها إلى الأبد وبطل نكاحها ، سواء أرضعته بلبن أبي البنت أم بلبن غيره ، وسواء كان هذا الطفل من بنتها أو ضرّتها ; لأنّ زوج البنت أب للمرتضع وزوجته بنت للمرضعة ، فيحرم على
أبي المرتضع أن ينكح من أولاد المرضعة الذين حرموا عليه للنسب.
3 ـ لو أرضعت زوجة الرجل طفلاً لزوج بنته ، سواء كانت البنت أُمّه أو كانت الضرّه ، فالأحوط وجوباً عدم البقاء على الزوجيّة وحرمة النكاح مؤبداً(1) .
4 ـ لو حرمت الزوجة على زوجها ـ كما في المسألتين السابقتين ـ بسبب الرضاع فلا يجوز للزوج تجديد العقد عليها حتّى لو تمّ الرضاع بعد طلاقها ، ولو تمّ الرضاع بعد وفاة الزوجة حرمت عليه أخوات الزوجة فلا يجوز له أن يعقد عليهن.
5 ـ لو أرضعت المرأة طفلاً لابنها فلا تحرم عليه زوجته ، لكن تترتّب الآثار الأُخرى على هذه الرضاعة ، كحرمة المرتضع أو المرتضعة على أولاد عمّه وعمّته لأن يكون عمّاً أو عمةً أو خالا لأولاد المرضعة.
6 ـ لو عقد الولي ابنه الصغير على ابنة أخيه الصغيرة ثمّ أرضعت جدّتهما ـ أي أُمّ الولي أو أُمّ زوجته ـ أحد الصغيرين انفسخ هذا العقد; لأنّ الرضيع إن كان ذكراً وأرضعته جدّته من طرف الأب صار عَمّاً لزوجته ، وإن أرضعته التي من طرف الأُمّ صار خالا لزوجته ، وإن كان المرتضع أُنثى فتكون إمّا عمّةً لزوجها وإمّا خالةً له فيبطل النكاح على أي حال.
7 ـ إذا حصل الرضاع الطارئ المبطل للنكاح ، إمّا أن يبطل نكاح المرضعة نفسها كما إذا أرضعت زوجها الصغير ، وإمّا أن يبطل نكاح المرتضعة كما إذا أرضعت الزوجة الكبيرة المدخول بها ضرّتها الصغيرة ، وإمّا أن يبطل نكاح غيرهما كما إذا أرضعت المرأة طفلاً لزوج بنتها ، ولا يبعد بقاء استحقاق الزوجة للمهر في جميع الفروض المتقدمة إلاّ الفرض الأوّل ، كما إذا أرضعت الزوجة زوجها الصغير وكان
__________________
(1) لأن هذا الرجل أب للمرتضع فتصير زوجته كبنته.
الإرضاع وانفساخ العقد قبل الدخول فالأحوط وجوباً استحقاق المرأة المهر ، ولا تضمن المرضعة المهر الذي يغرمه الزوج قبل الدخول ، والأحوط استحباباً التصالح بين المرضعة والزوج.
ما يحرم على المرتضع والمرتضعة
والمرضعة نفسها
1 ـ يحرم على المرتضع عدّة من النساء : المرضعة نفسها ; لأنّها أُمّه من الرضاعة ، واُمّ المرضعة وإن علت ، نسبيّة كانت أم رضاعيّة ؛ لأنّها جَّدته من الرضاعة ، وبنات المرضعة ولادةً; لأنهنّ أخواته من الرّضاعة ، وأمّا بناتها رضاعة ممّن أرضعتهنَّ من لبن شخص آخر غير الذي ارتضع المرتضِع بلبنه فلا يحرمن على المرتضِع ; لعدم اتّحاد صاحب اللبن.
ما يحرم على المرتضعة
1 ـ كما يحرم على المرتضع عدّة نساء ، كذلك يحرم على المرتضعة عدّة رجال : صاحب اللبن ; لأنّه أبوها من الرّضاعة ، وآباؤه من النسب والرضاع ; لأنّهم أجدادها من الرضاعة ، وأولاده من النسب والرضاع وإن نزلوا ; لأنّها أُختهم أو عمّتهم أو خالتهم من الرّضاعة ، وإخوة صاحب اللبن من النسب والرضاع ، لأنّهم أعمامهم من الرضاعة ، وأعمام صاحب اللبن وأخواله ، وأعمام وأخوال آبائه وأُمّهاته(1) من النسب والرضاع ، وإخوة المرضعة من النسب والرضاع وآباؤها كذلك ، وأبناؤها
__________________
(1) أي وأخوال أمهاته.
ولادة ، وكذا الأولاد النسبيّين والرضاعيّين من أولاد المرضعة ، وأعمام المرضعة وأخوالها ، وأعمام وأخوال آبائها وأُمهاتها من النسب والرضاع.
2 ـ إذا حرم أحد الطفلين على الآخر بسبب ارتضاعهما من لبن منتسب إلى رجل واحدٍ لم يؤدّ ذلك إلى حرمة إخوة أحدهما على إخوان الآخر ، ولا إلى حرمه الإخوة على المرضعة.
3 ـ لا يجوز الزواج ببنت أخ الزوجة وبنت أُختها من الرضاعة إلاّ برضاها ، كما لا يجوز الزواج بهما من النسب إلاّ برضاها فإن الرّضاع بمنزلة النسب ، وكذلك الأُخت الرضاعيّة بمنزلة الأُخت النسبيّة ، فلا يجوز الجمع بين الأُختين الرضاعيتين كما لا يجوز الجمع بين الأُختين النسبيتين ، ويحرم على مَن ارتكب فاحشة اللواط بنت الملوط وأُمّه وأُخته الرضاعيّات كما هو الحال في النسبيات.
الصور التي لم تحرم بها المرأة على زوجها
بسبب الإرضاع
1 ـ لا تحرم المرأة على زوجها إذا أرضعت بلبنه طفلاً من أقربائها ، سواء كان الطفل أخاها أو أحد أولاد أخيها ، أو أُختها أو أحد أولاد اُختها ، أو عمّها أو خالها أو أولادهما ، أو عمّتها أو خالتها أو أولادهما ، أو ابن ابنها.
وكذلك لا تحرم المرأة على زوجها إذا أرضعت بلبنه من كان من أقربائه كأخيه أو أُخته أو عمّه أو عمّته أو خاله أو خالته أو ولد بنته من زوجته الأُخرى أو ولد أُخته.
2 ـ لا تحرم المرأة على زوجها لو أرضعت ولد ولدها ، وان صارت بذلك جدّة لولد زوجها ، ومثله أن ترضع إحدى زوجتي الشخص ولد ولد الأخرى ، فإنّ الأخرى
تصير جدّة لولد زوجها.
3 ـ لو أرضعت المرأة ابن عمّة زوجها أو ابن خالته لا تحرم على زوجها ، ولكنّ الأحوط استحباباً أن لا تتزوّج منه لو طلّقها زوجها أو مات عنها ، وكذلك لا تحرم الزوجة على زوجها إذا ارتضع ابن عمّها من لبن ضرّتها.
4 ـ لا تترتّب على الرضاع أحكام الإرث كما تترتّب على النسب بين الأقرباء.
آداب الرضاع
لقد جعل الله تعالى في لبن الأُمّ ما يقوى به الطفل جسديّاً وروحيّاً ، ولذا نرى الروايات تحث الأُم على إرضاع طفلها ، وأن لا تُوكَل الرّضاعة إلى غير الأُم قدر الإمكان ، فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام أنّه قال :« ما من لبن رضع به الصبيّ أعظم بركة عليه من لبن أُمّه » (1) .
ولأهميّة عمليّة الإرضاع فصّل أهل البيتعليهمالسلام الكلام فيه ، وكيف يتمّ الإرضاع الصحيح ، فقد جاء في الرواية الشريفة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه يقول :« إذا وقع الولدُ في بطن أُمّه ـ إلى أن قال ـ : وجعل اللهُ تعالى رزقهُ في ثديي أُمّه ، في أحدهما شرابه وفي الآخر طعامُه » (2) ، لذا ينبغي أن ترضع الأُم أو المرضع من الثديين لا تقتصر على أحدهما.
وروي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال لأُمّ إسحاق وهي ترضع أحد أولادها :« يا أمّ إسحاق ، لا تُرضعيه من ثديٍ واحد ، وارضعيه من كليهما ، يكون أحدُهما طعاماً
__________________
(1) وسائل الشيعة 21 : 452 ، الحديث 2.
(2) وسائل الشيعة 21 : 453 ، الحديث 2.
والآخرُ شراباً » (1) .
وأمّا المدّة المحدّدة للرضاعة في كلام المعصومينعليهمالسلام فهي واحد وعشرون شهراً ، وإكمال الرضاعة حولين كاملين لقوله تعالى :( وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) (2) ولا ينبغي الإرضاع أكثر من الحولين.
صفات المرضعة
لو اقتضت الضرورة إيكال الرضاعة إلى غير الأُم ، فلا بدّ أن ينظر الأبّ أو من يقوم مقامه في صفات المرضعة التي ترضع ولده ، لما في هذا الأمر من الأهميّة لنشوء الطفل جسماً وروحاً ، ولذا ورد في كلمات المعصومينعليهمالسلام التأكيد على صفات المرضعة ، فلا يصلح أن يكون لبنها من الزنا ، ولا أن تكون يهوديّة أو نصرانيّة أو مجوسيّة أو ناصبيّة.
وجاء عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال :« لا تسترضعوا الحمقاء فإنّ اللبن يشبّ عليه » (3) .
وورد عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله :« لا تسترضعوا الحمقاء ولا العمشاء ، فإنَّ اللبن يعدي » (4) .
والحَمَقُ هو الرعونة ، والعَمَشُ هو مرض يصيب العين يؤدّي إلى سيلان
__________________
(1) وسائل الشيعة 21 : 453 ، الحديث 1.
(2) البقرة 2 : 233.
(3) وسائل الشيعة 21 : 467 ، الحديث 3.
(4) وسائل الشيعة 21 : 467 ، الحديث 4.
الدموع منها حتّى يمنع من النّظر بها.
وكما يكره الرضاع بلبن القبيحة فيستحب الرضاع بلبن المرأة الحسناء لما جاء في الأخبار ، فقد جاء عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام أنّه قال :« استرضع لولدك بلبن الحسان ، وإياك والقباح فإنّ اللبن يعدي » (1) .
المصاهرة
ثالثاً ـ المصاهرة :
والمصاهرة هي العلاقة الحاصلة بين أحد الزوجين مع أقرباء الآخر ، الموجِبة لحرمة النكاح ، إمّا بشكل تعييني كحرمة أُم الزوجة على صهرها ، وإمّا بشكل جمعي كحرمة الأُخت على زوج الأُخت ؛ لعدم جواز الجمع بين الأُختين.
1 ـ بمجرّد أن يتمّ العقد ولو منقطعاً بين الزوجين حرمت على أب الزوج زوجة ابنه ، وكذلك على الجد ، سواء كان الجد للأُم أو للأب ، وكذلك زوجة السبط ، أي ابن البنت ، وسواء دخل بها الزوج أو لم يدخل بها ، وسواء كانت حرمة هؤلاء الأفراد لهذه الزوجة قد ثَبَتَتْ سابقاً بالنسب أو بالرضاع أو لم تثبت ، وتكون هذه الحرمة دائميّة للجميع.
2 ـ تحرم على الزوج أُم زوجته وجدّات الزوجة جميعاً ـ سواء كنّ جدّاتها لأبيها أم لإمّها ـ بالنسب أو الرضاع حرمة دائميّة ، وسواء دخل الزوج بزوجته أم لا ، أو عقد عليها مؤقتاً أو دائماً ، صغيرةً كانت أو كبيرة.
3 ـ تحرم على الزوج بنت زوجته التي دخل بها لقوله تعالى :( وَرَبَائِبُكُمْ
__________________
(1) وسائل الشيعة 21 : 468 ، الحديث 1.
اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) (1) .
سواء كانت هذه البنت للزوجة مباشرةً أو لأبنها أو بنتها ، ولكن لا تحرم البنت على ابن الزوج ولا على أبيه ، كما لا تحرم عليه بنت زوجته التي لم يدخل بها ، وتكون الحرمة بينهما على نحو الجمع لا على نحو التعيين(2) ، فلو طلّق الأُمّ أو ماتت عنه جاز له الزواج من بنتها ، وأمّا قبل ذلك فيحتاط بعدم الزواج ، ولو تزوّج ولم يراع الاحتياط لم يحكم بصحة زواج البنت ، ولا ببقاء زوجيّة الأُم.
4 ـ تحرم بنت الزوجة سواء كانت في حجر الزوج(3) أم لم تكن ، وسواء كانت موجودة في زمان زوجيّة أُمّها أو أنّها ولدت بعد خروج الأُم عن الزوجيّة ، فلو عقد على امرأة ودخل بها ثمّ طلّقها ثمّ تزوّجت زوجاً ثانياً فولدت بنتاً من الزوج الثاني حرمت هذه البنت على الزوج الأوّل.
5 ـ لا يصح نكاح بنت الأخ على العمّة ، وبنت الأُخت على الخالة ، الاّ بإذن العمّة أو الخالة ، سواء كان النكاح دائماً أو مؤقتاً ، أو كان أحدهما دائماً والآخر مؤقتاً ، وسواء علمت العمّة أو الخالة أو جهلتا بالنكاح حال العقد ، أو اطّلعتا بعد ذلك أو لم تطّلعا أبداً ، ولو تزوّجها توقّفت صحة الزواج على إذنهما ، فان أجازتا صح العقد وإلاّ بطل ، ولو علمتا بالتزويج فسكتتا ثمّ صدرت منهما الإجازة بعد ذلك صح الزواج أيضاً.
__________________
(1) النساء 4 : 23.
(2) أي لا يجوز له الزواج من هذه البنت مادامت أُمّها مقيّدة بعصمة الزواج منه ، كما إذا كانت في بيته مثلاً.
(3) كانت في حجره : أي كان هو المربيّ لها.
6 ـ يجوز نكاح العمّة والخالة على بنت الأخ وبنت الأُخت ، سواء علمت الخالة أو العمّة أو جهلتا ، ولا يحقّ لهما فسخ عقد أنفسها ، ولا فسخ عقد بنتي الأخ والأُخت على الأقوى.
7 ـ ما مر من الحكم في اشتراط الإجازة من العمّة والخالة في زواج بنتي الأخ والأُخت يشمل العمّة والخالة الدنيا والعليا ، أي سواء كانت أُخت الأب والأُمّ مباشرة أو عمّتهما أو خالتهما ، وسواء كانت عمةً أو خالةً بالنسب أو الرضاع ، فالحكم في الجميع واحد.
8 ـ لو أذنت العمّة أو الخالة ثمّ تراجعتا عن الإذن ، فإن كان الرجوع بعد العقد لم يبطل ، وإن كان قبله بطل الإذن السابق ، ولو لم يعلم الزوج بالرجوع وتزوّج اعتماداً على الرخصة الأُولى توقّفت صحة الزواج على الإجازة اللاحقة ، ولا عبرة بالإذن السابق.
9 ـ الظاهر أن اعتبار إذنهما ليس حقّاً لهما كالخيار فلا يسقط بالإسقاط(1) ، فلو اشترط(2) في ضمن عقدهما أن لا يكون لهما حقّ الإذن في زواج بنتي الأخ أو الأُخت لم يؤثّر ذلك الشرط في العقد ، ولو اشترط عليهما أن يكون له العقد على بنت الأخ أو الأُخت فرضيتا كان هذا الرضى منهما إذناً له ، ولكن يحقّ لهما أن يرجعا عن إذنهما قبل إجراء العقد ، ولو جعل الإذن شرطاً في العقد عليهما وجب عليهما الوفاء بالشرط ولو تخلفتا استحقتا الإثم ولا يصح العقد إن لم تأذنا.
__________________
(1) أيّ إنّ إذن العمّة والخالة من الحقوق التي لا تسقط حتّى لو شرطت في ضمن العقد ، لا كالحقوق الأُخرى التي يمكن التنازل عنها لو اشترطت فيه.
(2) أيّ الزوج في ضمن عقد الخالة والعمة.
10 ـ إذا عقد على العمّة وابنة أخيها وشكّ في كون أيّهما سابقاً على الآخر حُكم بصحة العقدين ، وكذلك يصح لو تزوّج بابنة الأخ أو الأُخت وشكّ أنّه كان بإذن العمّة أو الخالة. ولو طلّق العمّة أو الخالة ، فإن كان الطلاق بائناً صح العقد على بنت الأخ أو الأُخت بمجرّد وقوع الطلاق ، وإن كان الطلاق رجعيّاً لم يجز العقد على بنت الأخ أو الأُخت إلاّ بعد انتهاء العدّة.
11 ـ إذا زنى بخالته أو عمّته قبل أن يعقد على بنتها حرمت عليه بنتيهما على الأحوط وجوباً ، وأمّا لو زنى بامرأة أجنبية فالأحوط استحباباً أن لا يتزوّج ببنتها ، ولو زنى بامرأة فالأحوط استحباباً أن لا يتزوّج بها أبوه وإن علا ، ولا ابنه وإن نزل.
12 ـ لا يلحق بالزنا الوطء اشتباهاً ، ولا الأقسام الأُخرى من أنواع التمتّع غير النكاح كالنظر والتقبيل واللمس المحرّمين للعمة أو الخالة ، فلو قام بهذه المحرّمات لم تحرم عليه بنتيهما.
13 ـ إنّما يؤدّي الزنا بالعمّة أو الخالة إلى حرمة بنتيهما إذا كان قبل العقد عليهما ، أمّا إذا كان بعد العقد والدخول بها لم تحرم عليه ، وكذلك فيما إذا كان الزنا بهما بعد العقد على البنت وقبل الدخول بها على الأظهر(1) ، ولو علم بالزنا وشكّ في كونه قبل العقد أو بعده بنى على كونه بعد العقد.
14 ـ من الموارد التي يحرم فيها الزواج جمعاً ، زواج الأُختين والجمع بينهما ، سواء كانتا أُختين بالنسب أو بالرضاع ، وسواء كان العقد دائماً أو منقطعاً ، أو دائماً في إحداهما ومنقطعاً في الأُخرى ، فإذا تزوّج بالأُخرى بطل عقد الثانية دون الاُولى ، سواء دخل بالأُولى أم لا ، ولو اقترن عقدهما بأن تزوجهما بعقد واحد أو عقد هو على واحدة ووكيلة
__________________
(1) كلمة الأظهر تدل على الفتوى.
على الثانية في زمان واحد بطل عقدهما معاً.
15 ـ إذا عقد على الأُختين وجهل تاريخ أحد العقدين أو تاريخهما ، فإن احتمل تقارنهما زمنيّاً حكم ببطلان كلا العقدين ، وإن لم يحتمل التقارن بينهما ، ولكنه لم يعلم السابق منهما من اللاحق فقد علم إجمالاً بصحة أحدهما وبطلان الآخر ، فلا يجوز له أن يتعامل مع إحداهما معاملة الزوجة ما دام هذا الاشتباه موجود ، وحينئذٍ فلو طلّقهما أو طلّق الزوجة الواقعيّة منهما ، أو رضيتا بالصبر على عدم ترتّب آثار الزوجيّة ، سواء أنفق عليهما أم لم ينفق فلا إشكال ، وإن أبى الزوج عن الطلاق ولم ترضيا بالصبر أجبره الحاكم الشرعي على الطلاق ، ولو بأن يطلّق إحداهما على وجه التعيين ويجدّد العقد على الأُخرى برضاها بعد انقضاء عدّة طلاق الأُولى; إذا كانت الأُولى مدخولاً بها ، وأمّا لو لم يدخل بها فيجوز له العقد على الثانية بمجرّد طلاق الأُولى.
16 ـ إذا طلق زوجته ، فإن كان الطلاق رجعيّاً فلا يجوز نكاح أُختها ، ولا يصح العقد على الأُخت ما لم تنقض عدّة الأُولى ، وأمّا إن كان الطلاق بائناً كالتطليقة الثالثة ، أو كون المطلّقة ممّن لا عدّة لها كالصغيرة ، وغير المدخول بها واليائسة ، فيجوز له العقد على أُختها في الحال ، ولو كانت الأُولى متمتّعاً بها وانقضت مدّة عقدها ، أو أنّه وهب لها المدّة فالأحوط وجوباً عدم جواز العقد على أُختها قبل انقضاء العدّة وإن كانت بائنة.
17 ـ يجوز أن يتزوّج فاطميّتين في وقت واحد ، ولكن الأحوط استحباباً ترك ذلك.
18 ـ لو زنت الزوجة فلا تحرم على زوجها ولو كانت مصرّةً على الزنا ، والأفضل للزوج طلاقها إن لم تتب.
19 ـ لو زنى بامرأة لها زوج فعلاً حرمت عليه أبداً على الأحوط وجوباً ، فلا يجوز له نكاحها بعد موت زوجها ، أو انفصالها عنه بموت أو بطلاق أو فسخ لعقدها ، أو انقضاء مدّة أو هبتها ، إلى غير ذلك من أسباب زوال العقد ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون زواجها دائماً أم مؤقّتاً ، أو كونها مسلمة أو كافرة ، صغيرة أو كبيرة ، مدخولاً بها أو لا ، عالمة كانت بالحكم أو لا ، كان بعلها صغيراً أو كبيراً ، وكذلك لا فرق إن كان الزاني عالماً بكونها ذات بعل أو جاهلاً ، أو كان متعمّداً في زناه أم مكرهاً عليه.
20 ـ لو زنى بامرأة قد فُقِدَ زوجها ثمّ تبيّن أنّ الزوج قد مات قبل وقوع الزنا فلم تحرم هذه المرأة على الزاني ، فيجوز له أن يتزوّجها بعد انقضاء مدّة الوفاة ، وأمّا إن لم يتبيّن موته ، وشكّ في كونه حيّاً أو ميتاً قبل الزنا فلا يجوز له أن يتزوّجها على الأحوط وجوباً.
21 ـ لو زنى بامرأة في عدّتها الرجعيّة حرمت عليه أبداً ، أمّا لو كانت عدّتها عدّة البائنة أو عدّة الوفاة أو عدّة المتعة أو الوطء اشتباهاً ، فلا يؤدي هذا الزنا إلى حرمتها أبداً ، ويجوز للزاني أن يتزوّجها بعد انتهاء العدّة.
ولكن لو علم بأنّها ذات عدّة ، ولا يعلم بأنّها رجعيّة أو بائنة فلا يحرم عليه الزواج منها ما دام شاكّاً ، نعم لو علم أنّ عدّتها رجعيّة وشكّ في انقضائها فيحرم عليه أن يتزوّجها.
22 ـ الأحوط وجوباً ترك الزواج من المرأة التي زنى بها ولم تكن صاحبة بعل ، ولا ذي عدّة قبل توبتها ، وأمّا غيره فيجوز له الزواج منها مطلقاً. إلاّ إذا كانت معروفة ومشتهرة بالزنا فالأحوط وجوباً على الجميع ترك الزواج منها قبل التوبة ، والأحوط استحباباً أن يستبرئ رحمها بحيضة واحدة فلا يجامعها إلاّ بعد الحيضة كي يطمئن
من خلوّ رحمها من ماء الفجور ، وكذلك لا يجوز على الأحوط وجوباً زواج المرأة من الرجل المشهور بالزنا إلاّ بعد توبته.
الاعتداد
إنّ مسألة الاعتداد من المسائل الفقهيّة المهمّة التي شغلت حيّزاً في الرسائل العمليّة وكُتب الفقهاء ، والمراد منه صبر المرأة بعد الطلاق أو الوفاة مدّة معيّنة شرعاً ، فلا يجوز لها الزواج في هذه المدّة ، مضافاً إلى الحداد الذي يجب على المرأة المتوفى زوجها ـ والذي هو عبارة عن ترك التزيّن في اللباس والبدن ـ كما سيأتي ، وقد يقال : إن العلّة في صبر المرأة عن الزواج ـ هذه المدّة ـ هو الاطمئنان من عدم وجود جنين في رحمها ، ولكن نجد في بعض الأحيان جريان هذا الحكم حتى على من يتيقّن من عدم قدرتها على الحمل لمرض مثلاً ، ولذا نستطيع أن نقول : إنّه لم يخلُ حكم في الشريعة من وجود مصلحة وترك مفسدة ، فالغاية من تشريع هذا الحكم احترام كيان الزوج ، وتقديس العلاقة والرابطة التي بنيت بين الزوجين ، ولذا فانّ انفكاك هذه العلقة يترتّب عليه حكم العدّة ، وصبر المرأة عن الزواج وعدم التسرّع في قطع جميع الأواصر التي كانت بين الزوجين.
وكما احترم الإسلام العلاقة بين الزوجين فقد حفظ المرأة من الوقوع في أشراك المعصية ، فحلّل لها الزواج بعد انقضاء عدّتها خلافاً لما نرى في المجتمعات التي تتظاهر بالإسلام وخصوصاً العربيّة منها فقد جعلت الزواج على المرأة بعد موت زوجها أو طلاقها منه عاراً وشناراً ، حتّى أدّى ذلك إلى كثرة الفساد في أجواء غير المتديّنات ، ووجود العقد النفسيّة والأمراض الروحيّة عند المتديّنات.
وأُريد أن أسأل هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم بأصحاب الغيرة ، أليست الغيرة موضوعاً من صلب الإسلام ، أترانا نحرّم شيئاً حلّلته الشريعة ، أم أنّنا نقدّر المصالح والضرورات أكثر من أئمتناعليهمالسلام وساداتنا ؟ لماذا نحرّم شيئاً أحلّه الله تعالى ، ونحمل على المرأة التي تريد الزواج بكلّ موضوعيّة ومع حفظ وصون شخصيّتها ، ومع اتّزان تصرّفها وكونه وفقاً للمعايير الإلهيّة ؟
وهل يستطيع الأب أو الأخ أو الابن أن يقوم مقام الزوج الذي يعتبر وجوده ظلاً وارفاً على رأس المرأة ، وسؤدداً ترتفع به شخصيتها ، وتشيّد به كرامتها ؟ ناهيك عن هؤلاء النسوة اللاتي لم يبق لهن حتى أخ أو ابن أو أب !!
أسأل الله تعالى أن تكون جميع تصرّفاتنا وفقاً لما تريده الشريعة السمحاء لنا إن شاء الله.
أحكام الاعتداد
1 ـ يحرم الزواج بالمرأة دواماً أو متعةً في عدّتها من الغير ، رجعيّة كانت أو بائنة ، عدّة الوفاة أو غيرها(1) ، من نكاح دائم أو منقطع أو من وطء شبهة أو غيرها ، فلو علم الرجل أو المرأة بأنّها في العدّة وبحرمة الزواج فيها وتزوّج بها حرمت عليه أبداً وإن لم يدخل بها بعد العقد ، وإذا كانا جاهلين(2) بأنّها في العدّة أو بحرمة الزواج فيها وتزوّج بها بطل العقد ، فإن كان قد دخل بها ـ ولو دبراً ـ حرمت عليه مؤبّداً أيضاً ، وإلاّ جاز الزواج بها بعد اتمام العدّة.
2 ـ إذا وكّل أحداً في تزويج امرأة ولم يعيّن الزوجة ، فزوّجه امرأة ذات عدّة
__________________
(1) أي سواء كانت في عدة الطلاق الرجعي أم البائن ، في عدة الوفاة أو غيرها.
(2) أي إذا جهل الرجل والمرأة كون المرأة ذات عدّة.
وقع العقد فضوليّاً متوقّفاً على إجازة الموكِّل لهذا العقد ، فلو أمضاه قبل خروجها من العدّة جرى عليه حكم الزواج في العدّة ، فيجري فيه التفصيل الذي ذكرناه في الفرع السابق ، وإن لم يمضه قبل خروجها من العدّة كان العقد لغواً ولا يوجب الحرمة ، ولو زوّج الصغيرَ وليّه من امرأة ذات عدّة فلا يوجب الحرمة إلاّ إذا أمضى العقد بعد البلوغ والرشد قبل انقضاء عدّتها وحرمت عليه على التفصيل المذكور ، ولا فرق في ذلك سواء كان الوكيل والوليّ عالماً بالحال أو لا.
3 ـ لو وكّل أحداً في تزويج امرأة معيّنة في وقت معيّن ، فزوّجه إيّاها في ذلك الوقت وهي ذات عدّة ، فإن كان الزوج الموكِّل عالماً بالحكم والموضوع(1) حرمت عليه أبداً وإن كان الوكيل جاهلاً بهما.
أما لو كان الموكّل ( الزوج ) جاهلاً بهذين الأمرين وإن كان الوكيل عالماً بهما فإنّها لا تحرم عليه ، إلاّ مع الدخول بها أو أنها كانت عالمةً بالحال.
4 ـ ليس الزواج في حال العدّة كالوطء شبهةً ، أو الزنى بالمرأة المعتدّة ، فلو زنى بإمرأة أو وطئها شبهةً في حال عدّتها لم تحرم عليه مؤبّداً ، أيّة عدّة كانت ، إلاّ العدّة الرجعيّة فإذا زنى بها فيها فإنّه يوجب الحرمة على الأحوط وجوباً.
5 ـ يعتبر في الدخول ـ الذي هو شرط للحرمة الأبديّة في صورة الجهل ـ أنَّ يكون في العدّة ، فلا يكفي وقوع العقد في العدّة ، إذا كان الدخول قد تحقّق بعد انقضائها.
6 ـ لو شكّ الرجل في كون المرأة التي يريد الزواج منها أنّها في العدّة أو لا جاز له أن يتزوّجها ، وأن يبني على كونها غير ذات عدّة ، ولا يجب عليه الفحص عن
__________________
(1) علمه بالحكم : أيّ بحرمة الزواج بذات العدّة ، وعلمه بالموضوع : أي بكونها ذات عدّة.
حالها ، وكذلك يجوز له الزواج منها لو علم بأنّها كانت في العدّة وإذا أخبرت هي بالانقضاء ما لم تكن متهمة(1) ، وإلاّ فالأحوط لزوماً تركه ، ما لم يتمّ التحقّق من صدقها.
7 ـ لا يجوز التصريح بالخطبة ـ أيّ الدعوة إلى الزواج صريحاً ـ ولا التعريض بها ـ بمعنى أنّه يشعرها برغبته في تزويجها بالكلام من دون تصريح بالخطبة ـ لذات البعل ، ولذات العدّة الرجعيّة مع عدم الأمن من كون التعريض سبباً لنشوزها ، وخروجها عن طاعة الزوج ، والأحوط وجوباً ترك التعريض حتّى لو أمن النشوز ، وأمّا ذات العدّة البائنة ، سواء كانت عدة الوفاة أم غيرها فيجوز ـ لمن لا مانع شرعاً من زواجه منها لولا كونها معتدّة ـ التعريض لها بالخطبة بغير الألفاظ المستهجنة المنافية للحياء ، بل لا يبعد جواز التصريح لها بذلك ولو من غير زوجها السابق.
8 ـ من كان عنده أربع زوجات دائمة تحرم عليه الخامسة ، ما دامت الأربع في عصمته الزوجيّة ، فلو طلّق إحداهنّ طلاقاً رجعيّاً لم يجز له الزواج بالأُخرى إلاّ بعد خروجها من العدّة ، وانقطاع عصمة الزوجيّة بينهما ، وأمّا لو طلّقها طلاقاً بائناً فالمشهور عند الفقهاء جواز التزويج بالخامسة قبل انقضاء عدّتها ، والأحوط وجوباً أن يصبر الزوج حتى انتهاء العدّة ، وهكذا لو ماتت إحداهن فإنّ الأحوط وجوباً أن يصبر على التزويج من الخامسة بعد انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام من موتها ، وأمّا لو فارق إحداهنّ بفسخ العقد(2) ، أو بطروء شيء أدّى إلى انفساخ العقد(3) فالأظهر عدم وجوب الصبر إلى انقضاء المدّة ، ولو لم تكن عليها(4) كغير المدخول بها
__________________
(1) أي ما لم يُشكّ في صدق ادّعائها انقضاء العدة.
(2) كما إذا فسخه أحد الزوجين لعيب أو نحوه.
(3) كالارتداد أو الرضاع أو غير ذلك.
(4) أي كانت ممن ليس عليها عدّة.
واليائسة فلا موضوع لوجوب الصبر.
9 ـ إذا عقد من له زوجات ثلاث على زوجتين اثنتين مرتّباً ـ أي بالتوالي لا بعقد واحد ـ بطل عقد الثانية ، وأمّا لو عقد عليهما معاً في وقت واحد فالعقد باطل.
10 ـ يجوز الجمع بين أكثر من أربع زوجات إذا كان عقد عليهن بالعقد المؤقت ، وان كان عنده أربع زوجات دائميّات.
الكفر وعدم الكفاءة
لقد جاء الكتاب الكريم حاملاً لواء الدفاع عن كرامة المرأة المسلمة ، فما أراد أن تقع تحت سيطرة الكافر بأيّ نحو تتصوّر فيه السيطرة ، وهكذا كلّ فرد من المسلمين ، ولهذا يشير قوله تعالى :( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيل ) (1) ، وبما أنّ الزواج يحمل في طيّاته ولايةً على المرأة كما جاء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :« النكاح رقّ ، فإذا أنكح أحدكم وليدةً فقد أرقّها ، فلينظر أحدكُم لمن يرق كريمته » (2) لذا حرّم الاسلام زواج المسلمة من الكافر ، سواء كان الزواج دائماً أم مؤقتاً ، وسواء كان الكافر كتابيّاً كاليهودي والمسيحي والمجوسي ، أم لم يكن كذلك ، أو كان مرتّداً عن فطرة أي أنّ أحد أبويه أو كليهما كانا مسلمين ، وأظهر إسلامه بعد التمييز ثمّ خرج عن الإسلام واختار الكفر ، أو عن ملّة وهو من يقابل الفطري ، وكذا لا يجوز للمسلم أن يتزوّج غير الكتابيّة من أصناف الكفّار ، ولا المرتدّة ، سواء كانت عن فطرة أو عن ملّة. وأما النصرانيّة واليهوديّة فيجوز له أن يتزوّجها متعة(3) ، والأحوط وجوباً أن لا يتزوّجها دواماً.
__________________
(1) النساء 4 : 141.
(2) وسائل الشيعة 20 : 79 ، الحديث 8.
(3) ولا يجوز الزواج من الكتابيّة إلاّ بعد الاستئذان من زوجته المسلمة ـ إن كان له زوجة ـ سواء كان الزواج دائماً أم مؤقتاً ، بل الاحوط وجوباً ترك التزويج منها مؤقتاً حتى مع اذن الزوجة المسلمة كما سيأتي.
1 ـ الأحوط وجوباً ترك زواج المسلم من المجوسيّة حتّى لو كان الزواج مؤقتاً ، وأما الصابئة فلم يعرف حقيقة دينهم ، وقد يقال : إنّهم على قسمين : الصابئة الحرّانيين وهم الوثنية فلا يجوز الزواج منهم ، والصابئة المندلائيين : وهم طائفة من النصارى فيكون حكمهم حكم النصارى ، هذا إذا ثبت كونهم منهم ، وان لم يثبت فالأحوط وجوباً ترك الزواج منهم مطلقاً من أي فرقة كانوا.
2 ـ لو كان عنده زوجة مسلمة فلا يجوز له أن يتزوّج بالكتابيّة حتّى مؤقتاً إلاّ بإذنها ، بل الأحوط وجوباً ترك التزويج مؤقتاً حتّى مع إذن المسلمة.
3 ـ لو كان عنده أكثر من أربع زوجات غير كتابيات وأسلم على هذه الحالة وأسلمنّ معه أيضاً فيختار أربعاً منهنّ وينفسخ نكاح الأُخريات ، ولو أسلم وعنده أربع زوجات كتابيّات بقي معهنّ على النكاح وثبت عقده الأوّل ولم يبطل ، ولو كن أكثر اختار أربعاً وبطل عقد الباقي.
4 ـ إذا ارتدّ الزوج عن ملّة أو ارتدّت الزوجة عن ملّة أو عن فطرة ـ وقد مرّ بيان معنى هذين النوعين من الارتداد ـ فان كان الارتداد قبل الدخول بها ، أو كانت الزوجة يائسة أو صغيرة بطل نكاحها وليس عليها عدّة ، وأمّا إن كان الارتداد بعد الدخول وكانت المرأة في سنّ من تحيض وجب عليها أن تعتدّ عدّة الطلاق ، وتوقّف بطلان نكاحها عل انقضاء العدّة ، فإذا رجع المرتد عن ارتداده إلى الإسلام قبل انقضاء العدّة بقي الزواج على حاله ، والاّ انكشف بطلانه من حين الارتداد.
5 ـ إذا ارتدّ الزوج عن فطرة ـ حرمت عليه زوجته ، ووجب عليها أن تعتدّ عدّة الوفاة ، والأحوط لزوماً ثبوت الحكم لها حتّى إذا كانت يائسة أو صغيرة أو غير مدخول بها ، وأمّا إذا رجع إلى الإسلام قبل انقضاء العدّة فالأحوط لزوماً عدم ترتّب
آثار الزوجيّة أو الفراق إلاّ بعد تجديد العقد أو الطلاق.
6 ـ العقد الواقع بين الكفّار لو وقع عندهم صحيحاً ، وعلى طبق مذهبهم تترتّب عليه آثار العقد الصحيح عندنا ، فلا يجوز الزواج من زوجاتهم ، إلى غير ذلك من الآثار ، سواء كانا كتابيّين أم غير ذلك ، أم كان أحدهما كتابيّاً والآخر غير كتابيّ.
ولو أسلما معاً دفعةً واحدة أُقرّا على نكاحهما ، ولا حاجة لعقد جديد على طبق مذهبنا ، بل وكذا لو أسلم أحدهما أيضاً في بعض الحالات التي سيأتي بيانها ، نعم لو كان نكاحهم مشتملاً على ما يقتضي الفساد عندنا ابتداءً ـ كنكاح اُمّ الزوجة مثلاً ، أو أنّه عرض عليه ما أفسده كما لو عقد على أُخت زوجته ـ جرى على زواجهما هذا حكم الإسلام بعد إسلامهما أو إسلام أحدهما.
7 ـ إذا أسلم زوج الكتابيّة بقيا على نكاحهما الأوّل ، ولا حاجة لعقد جديد ، سواء كان قبل إسلامه كتابيّاً أم لم يكن ، وسواء كان إسلامه قبل الدخول بها أم بعده ، وأمّا إذا أسلم زوج غير الكتابيّة ـ سواء كان كتابيّاً أم لا ـ فإن كان إسلامه قبل الدخول بها انفسخ النكاح فوراً ، وإن كان إسلامه بعد الدخول بها يفرّق بينهما وينتظر إلى إنتهاء عدّتها ، فإن أسلمت الزوجة قبل انقضائها بقيا على نكاحهما ، وإن لم تسلم انفسخ العقد وتبيّن انفساخه من حين إسلام الزوج.
8 ـ إذا أسلمت زوجة غير المسلم ، سواء كانت كتابيّة أم غيرها ، فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال ، وإن كان بعده فالأحوط لزوماً أن يفترقا بالطلاق أو يجدّد العقد إذا أسلم قبل انقضاء العدّة.
9 ـ لا يجوز للمؤمن ـ وهو الشيعي الاثنا عشري ـ أو المؤمنة أن ينكح ـ مؤقتاً أو دائماً ـ بعض المنتحلين لدين الإسلام ممّن يحكم بنجاستهم كالنواصب وغيرهم.
10 ـ يجوز زواج المؤمن من المخالفة غير الناصبيّة ، كما يجوز زواج المؤمنة
من المخالف غير الناصبي على كراهة ، ولو خيف على الزوج أو الزوجة الضلال والانحراف عن العقيدة الحقّة حرم الزواج.
مسائل تتعلّق بالزواج
1 ـ لا يتشرط في صحة الزواج تمكّن الزوج من النفقة ـ نعم لو زوّج الولي البنت الصغيرة بغير القادر على الإنفاق عليها وكان في ذلك مفسدة بالنسبة إلى الصغيرة من دون مزاحمة تلك المفسدة لمصلحة غالبة عليها ، وقع العقد فضولياً فيتوقّف على إجازتها بعد كمالها.
2 ـ القدرة على الإنفاق وإن لم تكن شرطاً في صحة العقد ولا في لزومه ، فلا يثبت الخيار(1) للمرأة لو تبيّن عدم تمكّن الزوج منها حين العقد ، فضلاً عمّا لو تجدّد عجز الزوج عن النفقة بعد ذلك ، ولكن لو دلّس الرجل نفسه على المرأة وأظهر نفسه بأنّه غنيّ قبل العقد عند الخطبة والمقاولة ثمّ وقع العقد مبنيّاً عليه ، ثمّ تبيّن خلافه ثبت الخيار لها ، فضلاً عمّا لو ذكر اليسار والقدرة على الإنفاق بنحو الاشتراط أو التوصيف في متن العقد ثمّ تبيّن عدمه.
3 ـ يصح نكاح المريض بالمرض المتصل بموته بشرط الدخول ، فإذا مات ولم يدخل بها بطل العقد ولا مهر لها ولا ميراث ولا عدّة عليها بعد موته ، وكذا لو ماتت المرأة في أيام مرض زوجها ـ المتصل بموته ـ قبل أن يدخل بها فإنّه يبطل نكاحها.
__________________
(1) اي ليس لها أن تختار البقاء على العقد أو فسخه لأن هذا المورد ليس من الموارد التي يثبت فيها الخيار.
4 ـ المرض الذي تحدّثنا عنه هو خصوص مرض الموت ـ الذي يكون معه المريض في معرض الهلاك ـ فلا يشمل مثل حمّى يوم خفيف اتفق إن مات بها على خلاف العادة.
5 ـ ورد عنوان الكفؤ في باب ولاية الأب والجدّ للأب على البنت الباكرة الرشيدة ، ويكفي فيه أن يكون الخاطب مؤمناً عاقلاً ، فالمؤمن كفؤ المؤمنة حتّى لو كان أعجميّاً(1) وكانت هي عربيّة ، أو كان عاميّاً وكانت هاشميّة أو بالعكس ، وكذلك لو كانت تنحدر من بيوتات شريفة ومعروفة اجتماعياً وكان هو ممّن له صنعة وحرفة دنيئة عرفاً كالكنّاس وغيره ، وهذا الأمر يدلّ على أنّ الإسلام لا يعتبر هذه القضايا العرفيّة ، والمدار عنده في الكفاءة الإيمان والعقل الذان يوصلان الإنسان لكلّ شيء ، وينال بهما خير الدنيا والآخرة.
__________________
(1) المقصود من الأعجمي هو غير العربي.
الزواج المؤقت
إباحة المتعة
قال الله تعالى :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) (1) .
جاء في تفسير هذه الآية الكريمة قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن المتعة ؟ فقال : « نزلت في القرآن » ، وتلا هذه الآية الكريمة(2) .
وفي عيون الأخبار عن الفضل بن شاذان ، عن الرضاعليهالسلام في كتابه إلى المأمون : « محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله ـ إلى أن قال ـ : وتحليل المتعتين اللّتين أنزلهما الله في كتابه ، وسنّهما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : متعة النساء ، ومتعة الحجّ »(3) .
ولكننا ـ مع الأسف ـ نرى البعض ممّن يتخذها غاية لا وسيلة ، ويستغلّ هذا الأمر المشروع لأجل أغراضه الشخصيّة ، ولذا نرى أئمتناعليهمالسلام قد وضعوا لهذا الأمر ضوابط وشرائط ينبغي للمؤمن تطبيقها.
فقد جاء عن الفتح بن يزيد قال : سألت أبا الحسنعليهالسلام عن المتعة فقال : « هي حلال مباح مطلق لمن لم يغنه الله بالتزويج فليستعفف بالمتعة ، فإن استغنى عنها
__________________
(1) النساء 4 : 24.
(2) وسائل الشيعة 21 : 5 ، الحديث1.
(3) وسائل الشيعة 21 : 9 ، الحديث 15.
بالتزويج فهي مباح له إذا غاب عنها »(1) .
وعن الحسن بن شمون قال : كتب أبو الحسنعليهالسلام إلى بعض مواليه : « لا تلحّوا على المتعة إنّما عليكم إقامة السنّة ، فلا تشتغلوا بها عن فرشكم وحرائركم ، فيكفرن ويتبرّين ويدعين على الآمر بذلك ويلعنونا »(2) .
استحباب المتعة
جاء عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال :« يستحب للرجل أن يتزوّج المتعة ، وما أُحبّ للرجل منكم أن يخرج من الدنيا حتى يتزوّج المتعة ولو مرّة » .
وكذلك ما جاء عنه عليهالسلام في رواية أُخرى وهو يسأل أحد أصحابه ـ محمد بن مسلم ـ قال له : « تمتّعت؟ » .
قال : لا ، قال عليهالسلام : « لا تخرج من الدنيا حتّى تحيي السنّة » (3) .
وممّا سبق تبيّن إباحة المتعة ومشروعيّتها فضلاً عن استحبابها والإثابة على القيام بها إحياءً للسنّة.
ولكن المشكلة التي يعاني منها مجتمعنا وبالخصوص معشر النساء هو الأثر السلبي الذي تتركه المتعة على نفوس الرجال ، ممّا يؤدّي إلى تهديد بناء الأُسرة بالسقوط والانهيار ، والجواب على هذا الإشكال واضح ; لأنّ الشريعة لا تقرّ بشيء يكون مصدراً للمفسدة ، ولا تقبل بعمل يؤدّي إلى انحطاط كيان المرأة ، والتلاعب
__________________
(1) وسائل الشيعة 21 : 22 ، الحديث 2.
(2) وسائل الشيعة 21 : 23 ، الحديث 4.
(3) وسائل الشيعة 21 : 15 ، الحديث 11.
بشخصيتها ، ولا يسمح لأيّ فرد سواء من داخل الأُسرة أم من خارجها أن يحول بين استحكام ورّص العلاقة بين الزوجين ، بل الذي نشاهدُه في الكتاب الكريم وكلمات المعصومينعليهمالسلام هو التأكيد على حفظ البيت المسلم ، وإعطاء المرأة المكانة اللائقة بها.
ولم تشرّع المتعة إلاّ لغرض السير على الجادة المستقيمة التي رسمها لنا الشارع المقدّس.
أحكام زواج المتعة
1 ـ وهو النكاح المؤجّل ، والذي يتمّ العقد فيه لمدّة معيّنة زمناً ، وهو كالعقد الدائم من حيث توقّفه على الإيجاب والقبول اللفظيّين ، فلا يكفي في وقوع العقد مجرّد الرضى القلبي من الطرفين ، كما لا يكفي المعاطاة ولا الكتابة ولا الإشارة إلاّ للأخرس ، والأحوط وجوباً أن يكون لفظ الإيجاب والقبول باللغة العربية لمن يتمكّن منها ، وأمّا الذي لا يتمكّن فيكفية اللغة المفهِمة للطرف المقابل وإن كان قادراً على أن يوكّل أحداً غيره.
2 ـ ألفاظ الإيجاب في هذا العقد ثلاثة : ( متَّعتُ ) ، و ( زوَّجْت ) ، و ( أنكحت ). فأيّ واحد من هذا الألفاظ حصل ، وقع الإيجاب ، ولا ينعقد بغير هذه الألفاظ كلفظ ( ملّكت ) أو ( وهبتُ ) او ( أجّرتُ ).
وأمّا القبول فإنّه يتحقّق بكل لفظ دالّ على إنشاء الرضى بذلك الإيجاب كقوله : ( قبِلتُ المتعة ، أو التزويج ، أو النكاح ) ولو قال : ( قبلتُ ) أو ( رضيتُ ) واقتصر كفى ذلك.
3 ـ إذا باشر الزوجان العقد المؤقت وعقدا لأنفسهما من دون وكالة إلى أحد ،
وبعد تعيين المدّة والمهر قالت المرأة مخاطبة الرجل : ( أنكحتك نفسي ، أو أنكحت نفسي منك أو لك في المدّة المعلومة على الصداق المعلوم ) فقال الرجل : ( قبلت النكاح ) صح العقد ، وكذا إذا قالت المرأة : ( زوّجتك نفسي ، أو زوّجت نفسيّ منك في المدّة المعلومة على الصداق المعلوم ) فقال الرجل : ( قبلت التزويج ) وهكذا إذا قالت المرأة : ( متّعتك نفسي إلى الأجل المعلوم بالصداق المعلوم ) فقال الرجل : ( قبلت المتعة ).
4 ـ لو وكّلا غَيرهما وكان اسم الرجل أحمد واسم المرأة فاطمة مثلاً ، فقال وكيل المرأة : ( أنكحتُ موكِّلَك أحمد موَكّلَتي فاطمة ، أو أنكحت موَكّلَتي فاطمة موكِّلِك ، أو من موكِّلِك ، أو لموكِّلِك أحمد في المدّة المعيّنة على الصداق المعلوم ) فقال وكيل الزوج : ( قبلت النكاح لموكّلي أحمد في المدّة المعلومة على الصداق المعلوم ) صح العقد.
وكذا لو قال وكيلها : ( زوّجت موكِّلَك أحمد موكِّلَتي فاطمة ، أو زوّجت موكِّلَتي فاطمة موكّلَك ، أو من موكّلِك ، أو بموكّلِك أحمد في المدّة المعيّنة على الصداق المعلوم ) فقال وكيله : ( قبلت التزويج لموكّلي أحمد في المدّة المعيّنة على الصداق المعلوم ).
وهكذا لو قال وكيلها : ( متّعتُ موكَّلَك أحمد موَكّلَتي فاطمة إلى الأجل المعلوم بالصداق المعلوم ) ، فقال وكيل الزوج : ( قبلتُ المتعة لموكّلي أحمد إلى الأجل المعلوم بالصداق المعلوم ).
ولو كان المباشر للعقد وليهما ، فقال ولي المرأة : ( أنكحت ابنك أو حفيدك أحمد ابنتي أو حفيدتي فاطمة ، أو أنكحت ابنتي أو حفيدتي فاطمة ابنك أو
حفيدك ، أو من ابنك أو حفيدك ، أو لإبنك أو حفيدك أحمد في المدّة المعلومة على الصداق المعلوم ) أو قال ولي المرأة : ( زوّجت ابنك أو حفيدك أحمد ابنتي أو حفيدتي فاطمة ، أو زوّجت ابنتي أو حفيدتي فاطمة ابنك أو حفيدك ، أو من ابنك أو حفيدك أو بابنك أو حفيدك أحمد في المدّة المعلومة على الصداق المعلوم ) أو قال ولي المرأة : ( متّعتُ ابنك أو حفيدك أحمد ابنتي أو حفيدتي فاطمة إلى الأجل المعلوم بالصداق المعلوم ) فقال وليّ الزوج : ( قبلت النكاح أو التزويج أو المتعة لابني أو لحفيدي أحمد في المدّة المعلومة على الصداق المعلوم ) صح العقد.
5 ـ كلّ من لا يجوز نكاحها دواماً ، سواء كان عيناً كالزواج من أُم الزوجة ، أو جمعاً كالزواج من الأُختين ، ذاتاً كالأُخت والعمّة والخالة ، أو عرضاً كالتي تَحرم بالرّضاعة مثلاً لا يجوز نكاحها متعة حتّى بنت أخ الزوجة أو بنت أختها فلا يجوز التمتع بهما من دون إذن الزوجة التي تكون عمّتها أو خالتها ، نعم لا بأس بالتّمتع بالنصرانيّة واليهوديّة متعة(1) وإن كان لا يجوز الزواج منهما دواماً على الأحوط وجوباً كما مر.
6 ـ يشترط في النكاح المؤقّت ذكر المهر ، فلو عقد بلا ذكر في العقد عمداً أو جهلاً أو نسياناً أو غفلة ، أو لغير ذلك بطل ، وكذا لو جعل المهر ممّا لا يملكه المسلم كالخمر والخنزير وكذلك لو جعله من مال الغير مع عدم إذنه وردّه بعد العقد.
7 ـ يجوز أن يجعل المهر عيناً خارجيةً كقطعة أرض مثلاً ، أو كليّاً في الذمّة كألف دينار ، كما يصح أن يجعل المهر منفعة كإجارة بيت أو محلّ عمل ، أو أن يكون المهر عملا محلّلا صالحاً للعوضيّة وإعطاء الأُجرة ، وكذلك يجوز أن يكون حقّاً من
__________________
(1) ويشترط فيه إذن الزوجة المسلمة بل الأحوط وجوباً الترك حتى مع رضاها كما مر.
الحقوق الماليّة القابلة للانتقال ، كحقّ التحجير مثلاً ، كما إذا وجد أرضاً مواتاً فجعل لها جداراً حتّى لا يتصرّف فيها أحد فعملُه هذا مقدّمة لإحياء هذه الأرض.
8 ـ يعتبر أن يكون المهر في الزواج المؤقّت معلوماً ، فلا تصح المتعة بالمهر المجهول ، فالأحوط وجوباً أن يكون معلوماً على النحو المعتبر في المعاوضات ، بأن يكن معلوماً بالكيل إذا كان مكيلاً ، وبالوزن إذا كان موزوناً ، وبالعدّ كذلك إذا كان معدوداً ، وبالمشاهدة فيما يعتبر فيه المشاهدة.
9 ـ لا تقدير للمهر شرعاً بل يصح بأيّ مقدار تراضيا عليه ، قليلاً كان أم كثيراً ، ولو كان كفّاً من الطعام.
10 ـ تملك المرأة المتمتّع بها تمام المهر بالعقد ، ولكن استقراره بتمامه مشروط بعدم إخلالها بالتمكين الواجب عليها بمقتضى العقد ، فلو أخلّت به ولم تمكّنه من نفسها في بعض المدّة ، فيحقّ له أن ينقص من مقدار المهر بنسبة ما أخلّت من المدّة ، فإذا أخلّت مثلاً بنصف مدّة نكاحها فينقص النصف ، وإذا كان ثلثاً من المدّة فينقص الثلث من المهر ، وهكذا.
وأمّا الأيام التي يحرم عليها التمكين بالوطء فيها كالحيض ، وكذا ما يحرم فيه الوطء على الزوج دونها كحال إحرامه فلا ينقص من المهر شيء ، وكذا فترات عدم تمكينها لعذر يتعارف حصوله للمرأة خلال المدّة المعيّنة للعقد من مرض مدنف(1) أو سفر لازم أو غيرهما.
11 ـ لو خاف الزوج من تخلّف الزوجة المتمتّع بها عن التمكين في تمام المدّة ، جاز له تقسيط المهر ودفعه إليها أقساطاً حسبما تمكّنه من نفسها.
__________________
(1) مدنف ، من دَنِفَ المريض بالكسر ، أي ثقل ، فهوُ مدنِفٍ ومُدْنَف ، الصحاح 4 : 1361 « دنف ».
12 ـ لو حُبس الزوج أو سافر أو مرض مثلاً أو مات أو تركها اختياراً حتى مضت المدّة المحدّدة للنكاح حين العقد ولو بتمامها ، لا يسقط من المهر شيء وإن كان ذلك قبل الدخول ، وكذا لا يسقط من المهر شيء لو ماتت هي أثناء المدّة على الأحوط وجوباً.
13 ـ لو وهبها المدّة ولم يكملها معها ، فإن كان ذلك قبل الدخول يجب عليه أن يعطي نصف المهر ، وإن كان بعده أعطى جميع المهر حتّى وإن مضت من المدّة ساعة وبقيت منها شهور أو أعوام.
14 ـ لو تبيّن فساد العقد بأن ظهر للمرأة المتمتّع بها زوج ، أو كانت أُخت زوجة الرجل الذي يريد أن يتمتّع بها أو أمّها مثلاً ، فلا تستحقّ المهر قبل الدخول ، ولو كانت قد أخذته المرأة أرجعته إليه ، ولو تلف وجب عليها إعطاء بدله ، وكذلك الحال لو دخل بها وكانت عالمة بفساد العقد ، وأمّا إن كانت جاهلة بفساد العقد فلها أقلّ الأمرين من المهر المسمّى ومهر المثل في الزواج المؤقت لا الدائمي ، فلو كان المهر المسمّى خمسة آلاف ديناراً ومهر المثل الذي يعطى للمرأة المتمتّع بها عادة أربعة آلاف ديناراً مثلاً فيعطيها أربعة آلاف ، فإن كان الذي أخذته أكثر من المقدار أرجعت الباقي.
15 ـ يشترط في النكاح المؤقت ذكر المدّة ، فلو لم يذكرها عمداً أو نسياناً أو غفلةً أو حياءً أو لسبب آخر ، بطل العقد متعة بل ودائماً أيضاً.
16 ـ لا تقدير للأجل في العقد المؤقت شرعاً ، بل هو إليهما يتراضيان على ما أرادا ، طال أو قصر ، نعم لا يجوز جعله أزيد من محتمل عمر أحد الزوجين أو عمرهما معاً ، ولو جعلاه أزيد من ذلك بطل العقد ، كما يشكل جعله أقلّ من مدّة تسع شيئاً من الاستمتاع بالنسبة إليهما ، ومن هنا يشكل العقد على الصغير أو الصغيرة مع
عدم قابلية المدّة المعيّنة للاستمتاع فيها من الصغيرة ، أو لاستمتاع الصغير فيها بوجه.
17 ـ لا بدّ في الأجل أن يكون معيّناً بالزمان بنحو لا يحتمل الزيادة ولا النقصان ، فلو كان مقدّراً بالمرّة أو المرّتين من دون تقدير بالزمان ، أو كان مقدّراً بزمان مجهول ، كشهر من السنة أو يوم من الشهر ، أو كان مردّداً بين الأقلّ والأكثر كشهر أو شهرين أو قدوم الحاج أو نضوج الثمرة بطل العقد ، نعم لا بأس بما يكون مضبوطاً في نفسه وإن توقّف تشخيصه على الفحص.
18 ـ بعض الأشهر الهلاليّة تنقص عن الثلاثين يوماً ، وهذا لا يؤدّي إلى بطلان العقد فيما لو جعل المدّة شهراً هلاليّاً مع أنّه مردّد بين الثلاثين والتسعة والعشرين يوماً ، وكذلك لا بأس لو جعل المدّة إلى آخر هذا الشهر ، أو آخر هذا اليوم مع عدم معرفة ما بقي منهما.
19 ـ لو قالت المرأة المتمتّع بها : ( زوّجتك نفسي شهراً ، أو إلى مدّة شهر ) مثلاً وأطلقت ولم تعيّن أيّ شهر هو ، أو إلى أيّ شهر ، بدأ الحساب من حين العقد ، ولا تنفصل المدّة عنه ، ولا يجوز على الأحوط وجوباً أن تُجعل المدّة منفصلة عن العقد ، بأن يكون مبدؤها بعد أُسبوع من حين وقوعه ، نعم لا مانع من اشتراط تأخير الاستمتاع مع كون التزويج من حال العقد.
20 ـ لو جعل للعقد مدّة معيّنة ثمّ شكّ في انتهائها ، فيبني على عدم انتهائها حتّى يتيقّن من الانتهاء.
21 ـ لا يصح تجديد العقد على المرأة المتمتّع بها ، سواء أراد أن يجعل العقد الجديد دائماً أم منقطعاً ، قبل أن تنقضي المدّة السابقة ، أو قبل أن يهبها لها ، فلو كانت المدّة شهراً وأراد أن تكون شهرين فلا بدّ أن يهبها المدّة أوّلاً ثمّ يعقد عليها مرةً
أُخرى ، ويجعل المدّة شهرين ، ولا يجوز أن يعقد عليها عقداً آخر ويجعل المدّة شهراً آخر بعد الشهر الأوّل فيكون المجموع شهرين.
22 ـ لا طلاق في المتعة ، وإنّما تبين المرأة المتمتّع بها عن الرجل بانقضاء المدّة المذكورة في العقد ، أو أن يهبها لها ، فإذا انفصلت عنه وجبت عليها العدّة ، ولا رجعة الزوج في عدّتها وإنّما يجوز أن يجع عليها بعقد جديد فقط.
23 ـ إذا كان الزوج صغيراً فيحقّ للولي أن يهبّ المدّة لزوجته المتمتّع بها قبل انتهائها إذا كان في الإبراء مصلحةً للصبيّ ، وإن كانت المدّة تزيد على زمن صباه كما إذا كان عمر الصبيّ سنتان وكانت مدّة المتعة أربع عشرة سنة مثلاً.
24 ـ لا يثبت بالنكاح المنقطع التوارث بين الزوجين ، ولو شرطا التوارث بينهما أو خصوص توريث أحدهما كتوريث المرأة ففي نفوذ الشرط إشكال ، فالأحوط وجوباً تصالح الورثة معها ، أو الرجوع في هذه المسألة إلى الغير مع رعاية الأعلم فالأعلم.
25 ـ لا تجب نفقة الزوجة المتمتّع بها على زوجها وإن حملت منه ، ولا تستحقّ من زوجها المبيت عندها الاّ إذا اشترطت ذلك في العقد ، أو شرطته عليه في ضمن عقد آخر لازم كعقد البيع مثلاً.
26 ـ لو جهلت الزوجة بعدم استحقاقها النفقة والمبيت لا يؤثّر جهلها هذا على صحة العقد ، ولا يثبت لها حقّ على الزوج من جهة جهلها ، ويحرم عليها الزوج من الدار بغير إذن زوجها إذا كان خروجها منافياً لحقّ الاستمتاع ، والأحوط استحباباً أن لا تخرج من دون إذنه حتى إذا لم يكن الخروج منافياً لحقّه أيضاً.
27 ـ إذا انقضت مدّة المتعة أو وهبها للمرأة قبل الدخول بها فلا عدّة عليها ، وإن وهبها المدّة بعد الدخول ولم تكن صغيرة أو يائسة فيجب عليها أن تعتدّ ،
ومقدار عدّتها حيضتان كاملتان ، ولا تكفي فيها حيضة واحدة على الأحوط وجوباً ، وإن كانت لا تحيض لمرض أو سبب آخر وهي في سنّ من تحيض وليست في سنّ اليأس فعدّتها خمسة وأربعون يوماً ، ولو حلّ الأجل أو وهبها المدّة في أثناء الحيض لم تحسب تلك الحيضة من العدّة ، بل لا بدّ من حيضتين تامتين بعد هذه الحيضة إذا لم تكن حاملاً ، أما إذا كانت حاملاً فعدّتها إلى أن تضع حملها وإن كان الأحوط استحباباً أن تعتدّ بأبعد الأجلين ، والأجلين هما : وضع حملها وانقضاء حيضتين أو مضى خمسة وأربعين يوماً.
وأما عدّة المتمتّع بها في الوفاة فهي أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملاً ، وإن كانت حاملاً فتعتدّ بأبعد الأجلين من أربعة أشهر وعشرة أيام ووضع حملها كالدائمة.
28 ـ يستحب أن تكون المرأة المتمتّع بها مؤمنة عفيفة ، وأن يسأل عن حالها قبل الزواج مع عدم التهمة من أنّها ذات بعل أو ذات عدّة أم لا ، وأمّا بعد الزواج فلا يستحب السؤال ، وليس السؤال عن حالها والفحص شرطاً في الصحة.
29 ـ يجوز التمتّع بالزانية على كراهة ، نعم إذا كانت مشهورة بالزنا فالأحوط وجوباً ترك التمتّع بها إلاّ بعد توبتها.
في المهر
لقد احترم الإسلام المرأة وجعل لها كياناً واستقلاليّة ، بخلاف ما يدّعيه البعض من حجبها وعدم الاعتراف بشخصيّتها ، لذا شرّع لها المهر الذي تأخذه من الزوج مقابل ما تقدّم له من طاقات أفنت في طلبها عمرها ، وليس ذلك ثمناً لأن العمر لا يثمّن ، ولكنّها سنّة إلهيّة جعلها الإسلام شرطاً في الزواج الذي هو أسمى من أن يقيّم بالمادّيات ، وممّا يؤسف له أنّ البعض حوّلوا المهور إلى تجارة والمرأة إلى بضاعة ، فأضاعوا الهدف السامي الذي سُنّ الزواج لأجله وشُرّع المهر لِسببه.
وقد يكون التعامل السلبي لبعض الرجال مع زوجاتهم أدّى بالأولياء أن ينظروا للمهر هذه النظرة ، والحقّ معهم لأنّهم أرادوا أن يضمنوا مستقبل بناتهم ، ويجعلوهنّ في أمان من تهوّر بعض الأزواج ، ولكن لا يُقطع دابر المعروف بسبب عدم أهليّة البعض له ، ولا نجعل غلاء المهور سبباً مخوّفاً للشباب ورادعاً إيّاهم عن الزواج ، بل كما قالعليهالسلام : إعمل المعروف مع أهله فإن لم يكن له أهل فانت أهله.
بعض المسائل التي ترتبط بالمهر
1 ـ ويسمّى المهر الصداق أيضاً : وهو ما تستحقّه المرأة بجعله في العقد أو بتعيّنه بعده أو بسبب الوطئ ، أو ما هو بحكمه من مبلغ أو شيء آخر يمكن أن يملكه المسلم ، بشرط أن يكون قابلاً للانتقال عرفاً على الأحوط لزوماً ، سواء كان ديناً في ذمّة الزوج ، أو عيناً يملكها كدار مثلاً ، أو منفعة لعين مملوكة من دار أو عقار
أو حيوان أو نحوهما ، وكذلك يصح أن يكون المهر عمل الزوج نفسه كتعليمها قراءة سورة من القرآن الكريم مثلاً أو تعليمها صنعة وحرفة ، وهكذا كلّ عمل محلّل ، بل ويجوز أن يجعله حقّاً ماليّاً قابلاً للنقل والانتقال كحقّ التحجير(1) .
2 ـ لا يوجد مقدار معيّن للمهر شرعاً من جانب القلّة ، ويكفي ما تراضيا عليه الزوجان ولو كان حبّة حنطة ، وكذلك لا تقدير له من جانب الكثرة ، ولكن يستحب أن لا يجوز مهر السّنّة ، وهو المهر الذي كان لمولاتنا فاطمة الزهراءعليهاالسلام ومقداره خمسمائة درهم ، فلو أراد أن يجعله أكثر جعل الزائد عن مهر السنّة هدية لها.
3 ـ لا بدّ من تعيين المهر بما يخرجه عن الإبهام والترديد ، فلو أمهرها أحد شيئين مردّداً أو خياطة أحد ثوبين بطل المهر ولم يبطل العقد وكان بهاء(2) الدخول بها مهر المثل وهو مهر النساء اللواتي مثلها بحسب شأنها إلاّ إن يزيد على أقلهما قيمة فيتصالحان في مقدار التفاوت. ولا يعتبر أن يكون المهر معلوماً على النحو المعتبر في البيع وشبهه من المعاوضات ، فيكفي مشاهدة عين حاضرة وإن جهل كيلها أو وزنها ، أو الصبرة من الطعام أيّ ( الكومه ) منه ، أو قطعة من الذهب ، أو طاقة ( طول ) مشاهدة من القماش أو صبرة حاضرة من الجوز ، وأمثال ذلك.
4 ـ لو تزوّج كافران من أهل الذمّة وكان المهر في زواجهما خمراً أو خنزيراً صحّ العقد والمهر ، ولو أسلما قبل القبض فللزوجة قيمته عند مستحليّه(3) ، ولو أسلم أحدهما قبله فلا يبعد لزوم القيمة أيضاً.
__________________
(1) وقد مرّ بيان المقصود من حقّ التحجير في أحكام زواج المتعة المسألة رقم (7).
(2) البهاء هو الثمن.
(3) أي عند من يعتقد صحّة تملّك الخمر والخنزير.
ولو تزوّج المسلم على أحدهما(1) صحّ العقد وبطل المهر ، وللمرأة ـ إذا دخل بها ـ مهر المثل ، إلاّ أن يكون المسمّى أقلّ قيمة منه فيتصالحا في مقدار التفاوت.
5 ـ ذكر المهر ليس شرطاً في صحة العقد الدائم ، فلو عقد على امرأة ولم يذكر لها مهراً أصلاً ، بأن قالت الزوجة للزوج مثلاً : ( زوجّتك نفسي ) ، أو قال وكيلها : ( زوجت موكّلتي فلانه ) ، فقال الزوج : ( قبلت ) صحّ العقد ، بل لو صرّحت الزوجة بعدم المهر بأن قالت : ( زوّجتك نفسي بلا مهر ) فقال الزوج ( قبلت ) صحّ العقد ، ويقال لذلك تعويض المبلغ.
6 ـ لو عقد المرأة ولم يعيّن لها مهراً جاز أن يتراضيا بعد العقد على شيء ، سواء كان المقدار الذي يتراضيا عليه بمقدار مهر أمثالها أو أقلّ منه أو أكثر ، فيصبح ذلك مهراً لها كالمهر المذكور في العقد.
7 ـ لو عقد على المرأة ولم يسمّ لها مهراً ، ولم يتفقا على تعيينه بعده لم تستحقّ المرأة شيئاً قبل الدخول ، إلاّ إذا طلّقها فحينئذٍ تستحقّ أن يعطيها شيئاً بحسب حاله من الفقر والغنى واليسار والإعسار ، ويسمّى ذلك الشيء الذي يعطى ( بالمتعة ) ولهذا يشير قوله تعالى :( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُحْسِنِينَ ) (2) .
أمّا لو انفصلا قبل أن يدخل بالمرأة بأمر غير الطلاق لم تستحقّ المرأة شيئاً عليه بسبب عدم الدخول ، وهكذا لو مات أحدهما قبل الدخول ، أمّا لو دخل بها
__________________
(1) أي لو جعل المسلم المهر في زواجه خمراً أو خنزيراً.
(2) البقرة 2 : 236.
فإنّها تستحقّ مهر أمثالها من النساء.
8 ـ المعتبر في مهر المثل ملاحظة حال المرأة وصفاتها من السنّ والبكارة والنجابة ، والعفة والعقل والأدب ، والشرف والجمال والكمال و بل يلاحظ كلّ ماله دخل في العرف والعادة في ارتفاع المهر ونقصانه ، فتلاحظ أقاربها وعشيرتها وبلدها ، وغير ذلك من الخصوصيّات التي يختلف المهر باختلافها ، والظاهر دخالة حال الزوج في ذلك أيضاً.
9 ـ إذا عقد امرأةً على مهر معيّن وكان في نيّته أن لا يدفعه إليها صحّ العقد ، ووجب عليه دفع المهر.
10 ـ إذا جعل المهر مشتركاً بين الزوجة وبين أبيها ، بأن يعطي نصفاً لها ونصفاً لأبيها مثلاً ، أو جعل مهرها عشرين على أن يكون عشرة لها وعشرة لأبيها ، سقط ما سمّاه للأب ولا يستحقّ أبوها شيئاً ، ولو لم يجعل المهر شراكة بينهما ولكن اشترط عليها أن تعطيه شيئاً من مهرها صحّ.
وكذلك يصحّ لو جعل شيئاً زائداً عن مهرها لشرطها عليه ذلك ، أمّا لو شرط الزوج اشتراك المهر بينها وبين أبيها خارج العقد ولم يجعل العقد مترتّباً عليه فلا يصحّ هذا الشرط ولا يستحقّ الأب شيئاً.
11 ـ المبلغ الذي يأخذه الأب أو بعض الأقارب وهو ما يسمى ب ( شيربها )(1) ليس جزءاً من المهر ، بل هو شيء آخر يؤخذ زائداً عليه ، ويجوز إعطاؤه وأخذه إن كان على نحو الجعالة ، كأن يجعله الزوج لأحد الأقارب مقابل عمل مباح كتوسّط
__________________
(1) شيربها : عبارة فارسية والمقصود منها ثمن الحليب الذي رضعته المرأة حينما كانت طفلة ، وهو معروف عند العوام.
الأخ مثلاً في البين بأن يرضي أخته في التزويج منه ، ويسعى في رفع بعض الموانع التي تعيق زواجه منها ، فلا يوجد إشكال في هذا العطاء ، ويستحقّ الأخ ما جُعل له ، ولا يمكن للزوج أو أحد أقربائه استرجاعه بعد إعطائه.
وإن لم يكن ما أعطاه من باب الجعاله ، فإن كان إعطاء الزوج للقريب عن طيب نفس منه وإن كان لأجل جلب خاطره وإرضائه ، سواء كان رضاه في نفسه مقصوداً له أم لتوقّف رضى البنت على رضاه ، ففي هذه الحالة يجوز للقريب أخذه ، ويجوز للزوج استرجاعه منه بعد ذلك مادام المال موجوداً عنده بعينه.
وأمّا مع عدم رضى الزوج قلباً ، وكون إعطائه من جهة استخلاص البنت ؛ لأن هذا القريب مانع من تمشية الأمر ، مع أنّها راضية بالتزويج بما بذل لها من المهر ، فلا يجوز للقريب أخذه ، ويجوز للزوج استرجاعه باقياً كان أو تالفاً.
12 ـ يجوز أن يجعل المهر كلّه حالاً ـ أي بلا أجل ـ ومؤجّلا ، وأن يجعل بعضه حالاً وبعضه مؤجّلاً(1) ، ولكن لا بدّ في المؤجّل من تعيين الأجل ولو في الجملة مثل ورود المسافر ووضع الحمل ونحو ذلك. ولو كان الأجل مبهماً بحتاً(2) مثل زمان ما ، أو ورود مسافر ما صحّ العقد ، وصح المهر أيضاً على الاظهر ولغي التأجيل.
13 ـ يجب على الزوج تسليم المهر ، وهو مضمون عليه حتى يسلّمه(3) ، فلو تلف قبل التسليم ولو من دون تفريط كان ضامناً له أيضاً ، فإن كان له مثل أعطى للزوجة مثله ، وإن كان من الأشياء القيميّة فيعطيها قيمته ، ولو كان الإتلاف بفعل
__________________
(1) حالاً : أي المهر الحاضر ، ومؤجّلاً أي الغائب.
(2) أي غير معيّن أصلاً.
(3) بمعنى أنّه يجب عليه حفظه في مكان آمن وعدم التفريط به.
شخص أجنبيّ غير الزوج تخيّرت المرأة بين الرجوع على الأجنبيّ أو على الزوج نفسه ، وإن كان لو رجعت على الزوج جاز له الرجوع به على الأجنبي(1) .
وإذا حدث في المهر عيب قبل أن يُسلّم بيد الزوجة فالأحوط وجوباً التصالح بين الزوجين.
14 ـ لو كان المهر جميعه حالاً فللزوجة الامتناع من التمكين حتى استلامه ، ولو مكّنته من نفسها قبل الاستلام على أمل أنّها تأخذه بعد ذلك فلا يجوز لها أن تمنعه بعد هذا التمكين ، وأمّا لو كان المهر كلّه أو بعضه مؤجّلاً وقد أخذت بعضه الحالّ فلا يجوز لها الامتناع عن التمكين وإن حلّ الأجل ولم تقبض المهر بعد.
15 ـ المهر ملك للمرأة يمكنها التصرّف به ، فإذا شاءت وهبته(2) أو أهدته إلى أحد ، أو اشترت به أو باعته ، ويمكن لها التصرّف به حتى قبل استلامه ، نعم لا تستقر ملكيّتها لتمامه إلاّ بعد أن يدخل بها.
16 ـ إذا جعل مهرها تعليمها لصنعة أو حرفة ما ، ثمّ طلّقها قبل الدخول كان لها نصف أُجرة التعليم ، ولو كان قد علّمها قبل الطلاق أرجع إليها نصف الأُجرة.
__________________
(1) أي يحق للزوج أن يأخذ مثل المهر التالف أو قيمته من الأجنبي الذي أتلفه لو أخذته الزوجة منه أيّ من الزوج.
(2) الهبة غير الهدية ؛ لأنّ للهبة أحكام خاصّة ، وقد مر ذكرها في باب الهبة.
في الحقوق الزوجيّة
النشوز لغة : هو : أن تستعصي المرأة على بعلها وتبغضه ؟
ونشوز الرجل امرأته هو أن يضربها ويجفوها ، ومنه قوله تعالى :( وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً ) (1) ،
والشقاق : هو الخلاف والعداوة.
وبما أنّ الأُسرة معرّضة لهذه الحوادث ومهددّة بهذه الأخطار ، لذا جعل الإسلام ـ وهو الدين المعالج لكلّ معضلة من معضلات الحياة ـ حلاً لهذه الخلافات والمشاكل ، وقرّر حقوقاً لكلّ من الزوجين على الآخر ، بعضها واجب وبعضها مستحب ، فالواجب منها على ثلاثة أقسام :
الأوّل : حقّ الزوج على الزوجة : وهو أنّ تمكّنه من نفسها للمقاربة وغيرها من الاستمتاعات الثابتة له حسب ما اقتضاه عقد النكاح ، فمِن حقّه الاستمتاع بها في أيّ وقت شاء ، ولا يجوز لها أن تمنعه إلا لعذر شرعي.
ولا أن تخرج من بيتها إلا بإذنه ، سواء كان الخروج منافياً لحقّ استمتاعه بها أولا ، بخلاف بقيّة الأفعال غير الخروج من البيت ، فإنّه لا يحرم عليها ممارستها من دون إذن الزوج إلا إن كانت منافيةً لحقّه في الاستمتاع منها.
1 ـ ينبغي للرجل أن يأذن لزوجته في زيارة أقربائها وعيادة مرضاهم ، وتشييع
__________________
(1) النساء 4 : 128.
جنائزهم ونحو ذلك وإن لم يجب عليه ذلك ، وليس له منعها من الخروج إذا كان للقيام بفعل واجب.
2 ـ لا يستحقّ الزوج على الزوجة خدمة البيت وحوائجه التي لا تتعلّق بالاستمتاع ، من الكنس أو الخياطة أو الطبخ ، أو تنظيف الملابس أو غير ذلك ، حتّى سقي الماء وتمهيد الفراش وإن كان يستحب لها أن تقوم بذلك.
الثاني : حقّ الزوجة على الزوج : وهو أن ينفق عليها بالغذاء واللباس والمسكن ، وسائر ما تحتاجه إليه بحسب حالها وما يليق بشأنها بالقياس إلى زوجها ، أي بما هي زوجة فلان.
وأن لا يؤذيها ، أو يظلمها أو يشاكسها من دون وجه شرعي ، وقد أكّد الإمام الصادقعليهالسلام على هذا الحقّ في كلماته النورانيّة حيث قال لسائل سأله عن حقّ الزوجة على زوجها : « يشبعها ويكسوها وان جهلت غفر لها » ، وقالعليهالسلام أيضاً « كانت امرأة عند أبيعليهالسلام تؤذيه فيغفر لها(1) ».
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم « أوصاني جبرئيل بالمرأة حتى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنه » (2) .
وعن يونس بن عمّار قال : زوّجني ابو عبداللهعليهالسلام جارية لإبنه إسماعيل فقال :« أحسن إليها » ، قلت : وما الاحسان ؟ قال : « أشبع بطنها ، واكسو جنبها ، واغفر ذنبها » (3) .
__________________
(1) وسائل الشيعة 20 : 169 ، الحديث 1.
(2) وسائل الشيعة 20 : 170 ، الحديث 4.
(3) وسائل الشيعة 20 : 170 ، الحديث3.
ويكفيك قوله تعالى :( وَعَاشِروُهَنَّ بالمَعْرُوفِ ) (1) .
كما وإنّ من حقوق الزوجة على زوجها أن لا يهجرها ، وأن لا يجعلها معلّقةً لا هي ذات بعل ولا هي مطلّقة.
ولا يجوز له أن يترك مقاربتها أكثر من أربعة أشهر ، بل الأحوط لزوماً ـ إذا لم تقدر على الصبر هذه المدّة ، بحيث خاف الزوج وقوعها في الحرام ـ أن يطلّقها ويخلّي سبيلها.
الثالث : حقّ كلّ من الزوجين على الآخر : وهو ما يسمّى ( بالقِسم ) ، أي بيتوتة الزوج عند زوجته ليلة واحدة من كلّ أربع ليال ، فهذا حقّ مشترك بين الزوجين ، يجوز لكلّ منهما مطالبة الآخر به ، ويجب على الآخر الاستجابة إليه ، ولو أسقطه أحد الزوجين فمن حقّ الآخر أن يطالبه به أو يتركه فلا يطالب به ، هذا بخلاف الحقوق المختصّة بكلّ واحد منهما ، كالنفقة مثلاً فهي حقّ للزوجة يمكن أن تتنازل عنه وتسقطه ، ولا يجب عليها قبول النفقة لو أنفق الزوج عليها ، وكذلك التمكين الذي هو من الحقوق المختصّة بالزوج على زوجته ، فيجوز له أن يتخلّى ويتنازل عنه ، ولا يجب عليه القبول لو مكّنته الزوجة من نفسها ، بخلاف حقّ القِسم الذي تجب فيه الإجابة لكلّ منهما.
1 ـ إذا كان للرجل زوجتان أو أكثر فبات عند إحداهنّ ليلة ، يجب عليه أن يبيت عند غيرها أيضاً ، فإذا كنّ أربع وبات عند إحداهنّ طاف عليهنّ في أربع ليال لكلّ منهنّ ليلة ، ولا يفضّل بعضهنّ على بعض ، وإذا كانت عنده ثلاث فإذا بات عند إحداهنّ ليلة يجب عليه أن يبيت عند الأُخرتين في ليلتين ، ويحقّ له أن يفضّل
__________________
(1) النساء 4 : 19.
إحداهن على الأُخرى بالليلة الرابعة. وإذا كانت عنده زوجتان وبات عند إحداهما في ليلة لزمه المبيت في ليلة اُخرى عند الاُخرى ، ويحقّ له أن يجعل لإحداهما ثلاث ليال وللثانية ليلة واحدة ، وبعد ذلك إن شاء ترك المبيت عند الجميع وإن شاء شرع فيه على الترتيب المتقدّم.
2 ـ يختصّ وجوب المبيت على الزوج عند الزوجة الدائمة لا المؤقتة ، سواء كانت المؤقتة واحدة أو أكثر ، والأحوط وجوباً النوم قريباً منها على النحو المتعارف ، وأن يعطيها وجهه بعض الوقت ، ولا يجب عليه مواقعتها في ليلتها بل يكفي المضاجعة معها في الفراش.
3 ـ يجوز للزوجة أن تهب حقّها في المبيت وتتركه لزوجها إمّا بعوض أو بدون عوض ، وأمّا الزوج فهو مخيّر بين القبول وعدمه ، فإن قبل أن تترك الزوجة المبيت عنده فيحقّ له أن يقضي ليلته فيما يشاء ، ويحقّ لها أن تهب ليلتها لضرّتها. برضى الزوج ، فيكون حقّ القسم للضرّة إذا قبلت.
4 ـ لا يثبت حقّ المبيت للزوجة الصغيرة ، ولا المجنونة في وقت جنونها ، ولا الناشزة ـ وهي المرأة العاصية لزوجها والتاركة لحقوقه ـ ، ولو سافر الزوج أو الزوجة سقط حقّ المبيت وليس له قضاء.
5 ـ لو تزوّج بالمرأة البكر فيستحب له أن يخصّص لها سبع ليال من أوّل عرسها ، وأمّا إن كانت ثيّباً فيخصّص لها ثلاث ليالي ، تتفضلان بذلك على غيرهما من الزوجات ، ولا يجب عليه أن يقضي تلك الليالي مع زوجاته السابقات.
6 ـ لو كان عنده أكثر من زوجة فهو مخيّر أن يبتدئ بأيّ منهنّ شاء في المبيت ، وإن كان الأحوط استحباباً أن يقرع بينهنّ فمن خرجت في القرعة جعل
الابتداء منها.
7 ـ تستحب التسوية بين الزوجات في الانفاق والالتفات إليهن وطلاقة الوجه والمواقعة ، وكذلك يستحب أن يكون في صبيحة كلّ ليلة عند صاحبتها ، أي صاحبة تلك الليلة.
أحكام النشوز والشقاق
1 ـ النشوز بمعنى الترفّع ومنع أداء الحقوق كراهةً ، وتارةً يكون من الزوجة ، واُخرى من الزوج.
فأمّا نشوز الزوجة فيتحقّق بخروجها عن طاعة الزوج الواجبة عليها ، وذلك بعدّة أُمور :
منها : عدم تمكينه من حقّه في الاستمتاع بها ، ويدخل في عدم التمكين عدم إزالة الأُمور التي تنفّر الزوج عن التمتّع والالتذاذ منها ، وكذلك ترك تنظيف بدنها ، وتزيّنه حسب ما تقتضيه طبيعة الزوج لذلك.
ومنها أيضاً خروجها من بيتها من دون إذنه ، ولا يتحقّق النشوز بترك غير الواجب عليها كعدم خدمتها في البيت ونحو ذلك.
وأمّا نشوز الزوج فيتحقّق بمنع الزوجة من حقوقها التي وجبت عليه ، كترك الإنفاق عليها ، أو المبيت عندها في ليلتها ، أو هجرها وتركها بالمرّة ، أو إيذائها ومخالفتها دون مبرّر شرعي.
أمّا لو صارت الزوجة ناشزة ، فهل تسقط حقوقها الواجبة على الزوج أم لا ؟
الجواب : نعم ، فلو منعت الزوج أن يستمتع بها دائماً من دون عذر شرعي فلا تستحقّ النفقة عليه ، سواء خرجت الزوجة من عنده أم كانت معه في البيت ، أمّا لو امتنعت من التمكين في بعض الأحيان بلا عذر شرعي ، أو خرجت من بيتها دون إذنه
فلا تسقط نفقتها بذلك على الأحوط لزوماً ، وأمّا المهر فلا يسقط استحقاقها له إذا نشزت.
2 ـ لو نشزت الزوجة سقط حقّها من المبيت والمواقعة كلّ أربعة أشهر ، ويستمر الحال كذلك ما دامت ناشزة وعاصيّة لزوجها ، فلو رجعت وتابت رجعت إليها هذه الحقوق مرّة اُخرى.
3 ـ إذا عصت الزوجة زوجها وصارت ناشزة فيمكن للزوج أن يرجعها إلى طاعته ، وذلك بطرق متعدّدة ، يعمل بها تدريجاً ، فيعظها أوّلاً ، فإن لم تتعظ هجرها وأدار وجهه عنها في الفراش ، أو ترك النوم معها على فراش واحد إذا كان يشاركها في مضجعها من قبل أن تعصيه ، هذا إذا احتمل أن تعود لطاعته بالهجر.
فإن لم يؤثّر ذلك أيضاً ضربها إذا كان يأمل رجوعها إلى الطاعة ، ولا يجوز له أن يضربها ضرباً مبرّحاً(1) ، بل يكتفي بأقلّ مقدار يحتمل معه التأثير وحصول الغرض من الضرب ، الذي هو تركها النشوز.
وإن لم يجد في الضرب القليل فائدة تدرّج فيه الأقوى فالأقوى ، ولا يحقّ له أن يضربها حتّى يخرج الدم من بدنها ، أو يجعله أسود أو أحمر ، ويشترط أن يكون الضرب لإصلاحها لا التشفّي والانتقام منها ، كما يقوم بعض الرجال بضرب الزوجة سخطاً على أهلها أو أقربائها ; لأنّه لا يستطيع أن يصبّ غيظه إلاّ عليها !!!
ولو ضربها وأدّى إلى إدمائها أو اسوداد بدنها فعليه الغرامة ، كما هو المحدّد في باب الجنايات من نوع الجناية ومقدار الغرامة.
ولو لم تنفع معها هذه ، الإجراءات جميعاً ، وأصرّت على العصيان ، فلا يجوز
__________________
(1) الضرب المبرّح : هو الذي يترك الأثر على البدن.
للزوج أن يتّخذ ضدّها إجراءً آخر ، كأن يهدّدها قائلاً : أقتلك أو أقطع لسانك ، أو يعدها بأيّ شيء آخر لا يجوز له فعله ، ويجوز له أن يعدها بما هو جائز له كأن يقول لها : إن لم تطيعي أمري أتزوّج عليك أو أطلّقك ، وكذلك لا يجوز له تهديدها بالفعل ، كفرك إذنها أو جرّ شعرها أو حبسها ، أو غير ذلك من الإجراءات ، نعم يجوز له أن يرفع أمرها إلى الحاكم الشرعيّ ليلزمها بما يراه مناسباً له من التعزير وغيره.
4 ـ إذا نشز الزوج على زوجته ـ بمعنى أنّه منعها من حقوقها الواجبة عليه ـ فيحقّ لها أن تطالبه بذلك وتعظه وتحذّره من تركه حقوقها ، فان لم ينفع فيجوز لها أن ترفع الأمر إلى الحاكم الشرعيّ ، ولا يجوز لها أن تهجره أو تضربه أو تعتدي عليه بأيّ نحو كان.
5 ـ لو امتنع الزوج عن بذل نفقة الزوجة المستحقّة لها ، لا التي لم تستحقّها من قبيل الزوجة العاصية كما مرّ ، وكانت أيضاً تطالبه بها لا أنّها ساكته ، ففي هذه الأحوال يجوز لها أن تأخذ نفقتها من أمواله بدون إذنه ، ويجوز لها أيضاً أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعيّ حتى يجبره على الإنفاق ، فإن لم تتمكّن من رفع أمرها لسبب مّا ـ كما إذا كانت في بلد بعيد عن الحاكم الشرعيّ مثلاً ـ واضطرت أن تتخذ وسيلة لتحصيل معاشها لم يجب عليها إطاعته حال اشتغالها وتهيئة معيشتها بنفسها ، وأمّا في غير وقت اشتغالها فالأحوط وجوباً أن لا تترك إطاعته.
6 ـ إذا امتنع الزوج عن الإنفاق مع قدرته عليه ، فرفعت الزوجة أمرها إلى الحاكم الشرعيّ ، أبلغه الحاكم باختيار أحد الأمرين : إما أن ينفق عليها أو يطلّقها ، فإن امتنع عن الأمرين معاً ـ فإن أمكن الإنفاق عليها من ماله ولو ببيع عقاره إذا توقّف الإنفاق عليه ، وإن لم يمكن الإنفاق عليها مطلقاً ولم يمكن إجباره على الطلاق
وإعطائها النفقة جاز للحاكم أن يطلّقها إذا طلبت ذلك.
وإذا كان الزوج غير قادر على الإنفاق على زوجته وجب عليه طلاقها إذا لم ترض بالصبر معه بدون نفقة ، فإن لم يفعل فيجوز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي فيأمر الزوج بالطلاق ، فإن امتنع وكان إجباره على الطلاق غير ممكن طلّقها الحاكم بنفسه ، ويكون الطلاق في هاتين الحالتين من نوع الطلاق البائن لا الرجعي ، وهذا الحكم شامل لما إذا كان الزوج غائباً عنها أيضاً.
7 ـ قد نرى بعض الأزواج يمتنعون عن أداء نفقة أزواجهم ، أو يكونون عاجزين عنها ، فيتعمّدون إخفاء محلّ سكونتهم وإقامتهم كي لا يتسنّى للحاكم الشرعيّ أن يتّخذ بشأنهم الإجراءات اللازمة لو رفعت المرأة أمرها إليه ، وحينئذٍ يجوز للحاكم الشرعيّ أن يطلّقها لو طلبت منه ذلك إذا تعذّر عليه القيام بالإجراءات التي سبق ذكرها من إبلاغه وإجباره وغير ذلك.
8 ـ تقدّم في المسائل السابقة أنّه لا يجوز للرجل هجر زوجته دون مبرّر شرعيّ ، فلو هجرها بالمرّة فصارت كالمعلّقة لا هي صاحبة زوج ولا هي مطلّقة ، جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعيّ ، فيُلزم الزوج ويخيّره بين الرجوع إليها وترك هجرها ، أو طلاقها لتتمكّن من الزواج من رجل آخر ، فإذا امتنع الزوج عن كلا هذين الأمرين جاز للحاكم أن يطلّقها إذا طلبت ذلك ، وبعد تنفيذ كلّ الإجراءات الشرعيّة حتى حبسه ـ لو أمكن من أجل اجباره على وضع حلّ لهذه المشكلة ـ وفي هذه الحالة يقع الطلاق بائناً أو رجعيّاً حسب اختلاف الموارد ، وتجري هذه الأحكام على الزوج سواء كان باذلاً لها نفقتها أو تاركاً ذلك.
9 ـ إذا كان الزوج غير قادر على العود إلى زوجته لسبب ، كما إذا كان محكوماً عليه بالحبس مدّة طويلة فصارت كالملّعقة بغير اختيار الزوج ، فلا هي صاحبة زوج
فعلاً ولا هي مطلّقة ، ولم ترض بالصبر على هذا الوضع ، فيجب على الزوج أن يطلّقها على الأحوط وجوباً ، ولكن لو امتنع وجب عليها الانتظار حتى يفرّج الله تعالى عنه.
10 ـ إذا كان الزوج يؤذي زوجته ويظلمها دون مبرر شرعيّ ، جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي لينهاه عن الإيذاء والظلم ، ويأمره بحسن المعاشرة ، فإن غيّر أُسلوبه معها ونفعت فيه الموعظة فبها ونعمت ، وإن لم تنفع عزّره وضربه بالمقدار الذي يراه كافياً ، فإن لم ينفع التعزير جاز للمرأة أن تطلب الطلاق من الزوج ، فلو امتنع عنه طلّقها الحاكم الشرعيّ.
11 ـ يجوز للمرأة أن تبذل مالا للزوج أو تتنازل عن بعض حقوقها من المبيت والنفقة لجلب رضاه ، ولكي يسمح لها بالخروج من الدار للنزهة أو زيارة العتبات المقدّسة مثلاً ، أو طلبها للعلوم المفيدة أو لقيامها ببعض العبادات المستحبة كصوم المستحب فيما لو كان الزوج مخالفاً لذلك ، أو غيره من الحقوق الغير واجبة عليه ، أو كان يحدّث نفسه بطلاقها لأنّه يكرهها ، أو أراد الزواج عليها بمرأة اُخرى ، ويحلّ له التصرّف بهذا المال وترك الحقوق التي وهبتها إليه لهذه الأسباب.
أمّا لو ترك بعض حقوقها الواجبة ، أو آذاها بالضرب أو الشتم أو غير ذلك ، فبذلت له مالاً لإرجاع حقّها إليها وترك أذاها ، أو ليطلّقها فتتخلّص من يده فيحرم عليه أخذه ، حتّى لو كان يظلمها لا لغرض حصوله على هذا المال وإلجائها إلى بذله إياه.
12 ـ لو حصل خلاف شديد وشقاق ومنافرة بين الزوجين فلا يمكن التسرّع في الطلاق ـ الذي هو أبغض حلال عند الله تعالى ـ بل ينبغي التأنّي فيه ومحاولة حلّ المشاكل الزوجيّة بما هو أحسن ، فلو رفع الأمر إلى الحاكم الشرعيّ يقوم الحاكم
ببعث حكمين ، حكماً من جانب الزوج وآخر من جانب الزوجة كي يتمّ بواسطتهما الإصلاح ، ورفع الخلافات بما رأياه صالحاً من الفراق أو الجمع بين الزوجين.
ويجب على الحكمين البحث بدقّة عن حال الزوجين ، والأسباب التي دعت إلى نشوب هذا الخلاف والشقاق بينهما ، وبعد ذلك يسعيان في أمرهما ، فكلّما استقرّ عليه رأيهما وحكما به نفذ على الزوجين ويلزم عليهما الرضى به بشرط أن يكون سائغاً وغير محرّم شرعاً ، كما إذا شرطاً على الزوج أن يُسكِن الزوجة في بلد معيّن ، أو في مسكن مخصوص أو عند أبويها ، أو لا يُسكن معها في الدار أمّه واُخته ، ولو في بيت منفرد ، أو لا تسكن معها ضرّتها في دار واحدة ونحو ذلك.
وكذلك يمكن أن يشرطا عليها أن تؤجّل المهر الحالّ(1) إلى مدّة من الزمن ، أو تردّ على الزوج ما أخذته من المهر فيكون قرضاً عليه ونحو ذلك ، فتصحّ جميع هذه الشروط ، بخلاف الشروط المحرّمة من قبيل أن يترك الزوج بعض حقوق الضرّة كالنفقة والمبيت أو غير ذلك.
13 ـ إذا استقرّ رأي الحكمين على أن يفرّقا بين الزوجين مع الفدية أو بدونها لم ينفذ حكمهما بذلك ، إلاّ إذا كانا قد شرطا على الزوجين ـ حين بعثهما ـ بأنّ الأمر أمرهما ، إن شاءا جمعا ، وإن شاءا فرّقا ، أو أنّهما استأذنا الزوجين في الطلاق وبذل الفدية حينما يريدان ذلك ، وحيث إنّ التفريق لا يتحقق إلاّ بالطّلاق فلابدّ من وقوع الطلاق عند اجتماع شرائطه ، ومنها أن تكون المرأة طاهرة من الحيض ، ولا يواقعها الزوج حال طهرها هذا ، ومنها أن يقع الطلاق بحضور عدلين وغير ذلك من شرائط الطلاق.
__________________
(1) الحالّ : أي الحاضر.
14 ـ الأحوط وجوباً أن يكون الحكمان من أهل الزوج والزوجة ، فإن لم يكن لهما أهل ، أو لم تكن لهم الأهليّة والقدرة على أن يكون منهم حكم تعيّن الحَكَم من غيرهم ، ولا يعتبر أن يكون من جانب كلّ منهما حَكَم واحد بل لو اقتضت المصلحة بعث أكثر من واحد تعيّن.
من يصوّر الجنين في الرحم
لو فكّرنا قليلاً في قدرة الله تعالى على الإنشاء وكيف صوّرنا في الأرحام ، لارتقينا إلى مدارج الكمال.
والتفكّر من أفضل العبادات التي يثاب الإنسان عليها ، ويعرج من خلالها إلى معارج المعرفة ، ويسبح في غمرات الربانيّين.
من الذي يصوّر الجنين في رحم أُمّه ؟
هذا السؤال حيّر عقول الفلاسفة والعظماء ، لا سيما ارسطو وتلامذته ومن كان قبلهم وبعدهم ، وقفوا لا يهتدون إلى شيء ولا يجدون حلاً لهذا اللّغز العظيم ، والكلّ يبدي برأيه ويتحاور مع صاحبه كي يتوصّل إلى الحلّ.
ولكنّ الجواب لا يتأتّى إلاّ على يد منقذ البشرية ، الذي خاطبه خبر السماء يا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم :( إِنَّا خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِنْ نُطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) (1) .
والأمشاج : كناية عن اختلاط النطفة وتداخلها ، فلا الطبيعة المحتاجة ولا كلّ ممكن يقوم بهذا الإنشاء ويصوّر هذا المخلوق في الرحم.
قال البعض : إنّ الجنين يتصوّر بطبيعته ، وطبيعته هي التي تصوّره ، وبها يتكوّن وينمو ، وقد غفلوا أنَّ المصوَّر والمصوِّر سيكونا شيئاً واحداً ، ولو أمكن ذلك لجاز أن
__________________
(1) الانسان 76 : 2.
يكون المؤلِّف والمولَّف شيئاً واحد.
وقال آخر : إنّ في الرحم قالب يصوّر الجنين ، فيقال لهم : هل شاهدتم قطعة من الطين توضع في القالب ثمّ تقذف بعد تسعة أشهر ؟ وهل في البيضة قالب يتصوّر فيه الفرخ ؟ وهل توجد قوالب في أجواف الغنم وأرحام إناثها التي تمّ تشريحها على يد الأخصائيّين ؟ هذا إذا قيل بعدم إمكان تشريح رحم المرأة ، الذي صار ممكناً مع تقدّم العلم وتطوّره.
وقال ثالث : إنّ الجنين بمنزلة النبات.
ونقول في جوابه : وهل يمكن أن يبقى إذا قطع رأسه ، كما يبقى النبات لو قطعت أُصوله ، أو قُصّرت أغصانه فإنّ ذلك يؤدّي إلى حيويّته.
وكذلك قالوا : إنّ كلّ عضو يتخلّق من مثيله ، بمعنى أنّ كلّ جزء من أجزاء ( الأب ) يخرج منه جزءاً شبيهاً له ، ولو صحّ هذا لخرج من الأب الأعمى ولد أعمى مثله ، وهكذا باقي العاهات الموجودة في بدن الأبوين ، وها هو القرآن الكريم يعطي الجواب الفصل بقوله :( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (1) .
__________________
(1) آل عمران 3 : 6.
في أحكام الأولاد والولادة
1 ـ لا يجوز إسقاط الحمل وإن كان من سفاح ـ أي من زنا ـ إلاّ فيما إذا خافت الأُمّ الضرر على نفسها من استمرار وجوده ، أو كان موجباً لوقوعها في حرج شديد لا يتحمّل عادةً ، فإنه يجوز لها حينئذٍ إسقاطه ما لم تلج فيه الروح.
وقد ثبت علميّاً أنّ ولوج الروح في الجنين يتمّ بعد انتهاء الشهر الثالث ، وأمّا بعد ولوج الروح فلا يجوز الإسقاط حتى إذا خافت الاُمّ الضرر على نفسها أو استلزم الحرج على الأحوط وجوباً ، وإذا أسقطت الأُمّ حملها وجبت عليها ديّته لأبيه أو غيره من ورثة الأب ، وإن كان الأب هو الجاني والمسقط للجنين كانت ديّته لأُمّه ، وإن أسقطه غير الأبوين كالطبيب لزمته الديّة لهما وإن كان الإسقاط بطلبهما ، ولمستحقّها العفو عنها(1) .
2 ـ يكفي في ديّة الحمل بعد ولوج الروح فيه دفع خمسة آلاف ومائتين وخمسين مثقالاً من الفضة إن كان ذكراً ، ونصف ذلك إن كان اُنثى ، سواء كان موته بعد خروجه حيّاً أم مات في بطن اُمّه على الأحوط وجوباً ويكفي في ديّته قبل ولوج الروح فيه دفع مائة وخمسة مثاقيل إن كان علقة ، وثلاثمائة وخمسة عشر مثقالاً إن كان مضغة ، وأربعمائة وعشرين مثقالاً إن كانت قد بنيت له العظام ، وخمسمائة وخمسة وعشرين مثقالاً إن كان تامّ الأعضاء والجوارح ، ولا فرق في ذلك بين الذكر
__________________
(1) أي يحقّ لهما أن يعفوا عن الطبيب أو غيره ممّن أسقط الجنين.
والاُنثى على الأحوط وجوباً(1) .
3 ـ يجوز للمرأة استعمال ما يمنع الحمل من العقاقير المعدّة لذلك بشرط أن لا يلحق بها ضرراً بليغاً ، بلا فرق في ذلك بين رضى الزوج وعدمه.
في أحكام الولادة وما يلحقها
للولادة والمولود سنن وآداب بعضها واجبة وبعضها مستحبة ، وأهمها ما يلي :
1 ـ ينبغي مساعدة المرأة عند ولادتها بل يجب ذلك كفاية ؛ بمعنى أنّه إذا قام به شخص سقط عن الآخرين ، هذا إذا خيف على المرأة أو على جنينها من التلف ، أو ما بحكمه ، كالضرر الذي يلحق بأحدهما نتيجة عدم مساعدة المرأة ؛ ولو توقّفت ولادة المرأة على النظر أو اللمس المحرّمين على الرجال الأجانب لزم أن يتكفّلها الزوج ، أو النساء ، أو محارمها من الرجال.
ولو توقّفت الولادة على النظر أو اللمس من غير الزوج وكان متمكّناً من توليدها من دون عسر ولا حرج فلا يبعد تعيّن اختياره ، إلاّ أن تكون القابلة أرفق بحالها ، فيجوز للمرأة حينئذٍ أن تختار القابلة كي تولّدها ، هذا في حال الاختيار ، أمّا في حال الاضطرار فيجوز أن يولّدها الأجنبي ، بل قد يجب ذلك ، نعم لا بدّ معه من الاقتصار في كلّ من اللمس والنظر على مقدار الضرورة ، فإنّ الضرورات تقدّر بقدرها.
2 ـ يستحب غسل المولود عند وضعه ، مع الأمن عليه من الضرر ، والأذان في أُذنه اليمنى والإقامة في اليسرى ، فإنّه عصمة من الشيطان الرجيم كما ورد في الخبر ، ويستحب أيضاً تحنيكه بماء الفرات وتربة الحسينعليهالسلام ، والتحنيك هو : أن يدلك
__________________
(1) والجنس الذي يعطى فيه الديّة يكون فضّة في جميع مقاديره.
بهما حنك الوليد أي باطن أسفل الفم من الداخل(1) .
وجاء عن الكليني عن أبي جعفرعليهالسلام :« حنّكوا أولادكم بماء الفرات وبتربة قبر الحسين عليهالسلام ، فإن لم يكن فبماء السماء » (2) .
استحباب تسمية الوليد
من الأُمور التي أكد عليها أهل بيت الرحمة ( عليهم الصلاة والسلام ) في كلماتهم هو تسمية الوليد لما في ذلك أثر على شخصيته ، فقد ورد استحباب التسمية قبل أن يولد الطفل ، وإن لم يسمّه قبل الولادة سمّاه بعدها ، حتّى إن كان الوليد سقطاً ، وإن اشتبه أنّه ذكر أو اثنى فيختار له اسماً مشتركاً ، وفي هذا الباب جاء عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال :« سمّوا أولادكم قبل أن يولدوا ، فإن لم تدروا أذكر أم اُنثى فسمّوهم بالأسماء التي تكون للذكر والاُنثى ، فإنّ أسقاطكم إذا لقوكم في القيامة ولم تسمّوهم يقول السقط لأبيه : ألاّ سمّيتني وقد سمّى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم محسناً قبل أن يولد » ؟(3)
3 ـ يستحب تسمية الوليد بالأسماء المستحسنة ، فإنّ ذلك من حق الولد على والده ، وفي الخبر : « إنّ أصدق الأسماء ما يتضمّن العبودية لله جلّ شأنه(4) ، وأفضلها
__________________
(1) حنكت لسان الصبي وحنّكته ، إذا مضَغتَ تمراً أو غيره ثمّ دلكته بحنكه ، الصحاح 4 : 1581 « حنَكَ ».
(2) وسائل الشيعة 21 : 407 ، الحديث 3.
(3) وسائل الشيعة 21 : 387 ، الحديث 1.
(4) المقصود ما يكون نحو : عبدالله وعبدالرحيم وعبدالكريم.
أسماء الأنبياء »(1) صلوات الله عليهم ، وكذا أسماء الأئمةعليهمالسلام ، وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : « من ولد له أربعة أولاد لم يسمّ أحدهم بأسمي فقد جفاني »(2) .
وجاء عن أبي هارون مولى آل جعدة قال :كنت جليساً لأبي عبدالله عليهالسلام بالمدينة ، ففقدني أيّاماً ، ثم إنّي جئتُ إليه فقال : « لم أرك منذ أيام يا أبا هارون » ؟ فقلت : وُلد لي غلام ، فقال : « بارك الله لك ، فما سمّيته » ؟ قلت : سمّيته محمّداً ، فأقبل بخدّه نحو الأرض وهو يقول : « محمّد محمّد محمّد » ، حتّى كادّ يلصق خدّه بالأرض ، ثمّ قال : « بنفسي وبولدي وبأهلي وبأبويَّ ، وبأهل الأرض كلّهم جميعاً الفداء لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا تسبّه ، ولا تضربه ، ولا تسئ إليه ، وأعلم أنّه ليس في الأرض دار فيها اسم محمّد الاّ وهي تقدَّس كلّ يوم » (3) .
ولا يخفى تكريم الله تعالى لاسم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد روي أيضاً عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : « ما من قوم كانت لهم مشورة فحضرها من إسمه محمّد أو أحمد فأدخلُوه في مشورتهم إلاّ كان خيراً لهم(4) ».
وكذلك ورد عن أهل البيتعليهمالسلام استحباب التسمية بعلي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، ونهي عن ضرب وسب البنت التي سميّت بفاطمة.
كما وجاء عنهمعليهمالسلام استحباب تغيير اسم الولد أو البنت إن لم يكونا
__________________
(1) وسائل الشيعة 21 : 391 ، الحديث 1.
(2) وسائل الشيعة 21 : 393 ، الحديث 2.
(3) وسائل الشيعة 21 : 393 ، الحديث 4.
(4) وسائل الشيعة 21 : 392 ، الحديث 8.
حسنين(1) .
4 ـ يكره أن يكنّى الوليد ( أبا القاسم ) إذا كان اسمه محمّد(2) ، كما يكره تسميته بأسماء أعداء أهل البيت صلوات الله عليهم(3) .
5 ـ يستحب أن يحلق رأس الوليد ( الذكر ) في اليوم السابع من عمره ، وأن يتصدّق بوزنه ذهباً أو فضّة ، ويكره أن يحلق موضعاً ويترك موضعاً.
استحباب الوليمة
جاء عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال :« لا وليمة إلاّ في خمس : في عُرس ، أو خُرس ، أو عِذار ، أو وِكار ، أو ركاز. فالعُرس التزويج ، والخُرس النُفاس بالولد ، والعِذار الختان ، والوِكار الرجل يشتري الدّار ، والرّكاز الرجل يقدم من مكّة » (4) .
6 ـ تستحب الوليمة عند الولادة ، وهي إحدى الخمس التي سُنَّ فيها الوليمة ، كما أن إحداها عند الختان ، ولا يعتبر في وليمة الوليد إيقاعها في يوم الولادة ، فلا بأس بتأخيرها عنه بأيام قلائل ، والظاهر أنّه إن ختن في اليوم السابع فأولم ( أي عمل وليمةً ) في يوم الختان بقصدهما ـ أي الولادة والختان ـ تتأدّى السنّة.
أحكام الختان
7 ـ الختان واجب لنفسه ، أي ليس واجباً لغيره ، كالوضوء الذي يجب للصلاة
__________________
(1) وسائل الشيعة 21 : 388 ، الحديث 6.
(2) وسائل الشيعة 21 : 4 ، الحديث 2.
(3) وسائل الشيعة 21 : 398 الحديث 4.
(4) وسائل الشيعة 20 : 95 ، الحديث 5.
وغير ذلك ، ولكنّه شرط في صحة الطواف ، واجباً كان أم مندوباً ، عدا طواف الصبيّ غير المميّز الذي يطوّفه وليّه.
ولا فرق في الطواف الواجب بين ماكان جزءاً لحجّ أو عمرة ، واجبين أو مندوبين ، وليس الختان شرطاً في صحة الصلاة فضلاً عن سائر العبادات.
8 ـ لا بأس أن يكون الختّان كافراً حربيّاً أو ذميّاً ، فلا يعتبر فيه الإسلام.
9 ـ لو ولد الصبيّ مختوناً سقط الختان عنه وإن استحب إمرار الموسى على المحلّ لإصابة السنّة.
10 ـ يستحب للولي أن يختن الصبيّ في اليوم السابع من ولادته ، ولا بأس بتأخيره عنه ، ويجوز له أن يترك ختانه حتى يبلغ ، ولكن الأحوط استحباباً عدم تأخيره حتّى البلوغ ، وإذا لم يُختَن الصبيّ حتى بلغ وجب عليه أن يختن نفسه ـ بمعنى أنّه يذهب إلى الختّان كي يختنه ، لا أن يختن نفسه بنفسه ـ حتّى الكافر إذا أسلم وهو غير مختون فيجب عليه الختان وإن طعن في السنّ ما لم يتضرّر به.
كلام في الختان
ليس الختان سنّة إسلامية فحسب ، بل هو من سوابق عقائد اليهود كما دلّ على ذلك كتابهم المقدّس ، فالقاعدة الأساسيّة في التوراة هي وجوب الختان لكلّ مولود ذكر يهوديّ في يومه الثامن ، وحملت هذه القاعدة في طياتها عدّة مشاكل :
أوّلها : تعيين مَن هو اليهودي ؟
والثانية : هل يختن الذكر إذا وقع موعد الختان يوم السبت ؟
والثالثة : هل يمكن تأخير الختان أو تركه في حالة المرض والخوف من خطر
الموت ؟
فأمّا من هو اليهوديّ حسب التعاليم اليهودية ؟ فجوابه : إنّه من ولد من أُمّ يهوديّة ، مهما كان دين والده ، وإذا أصبحت الأُمّ يهوديّة قبل ميلاد الطفل ـ وإن كان في زمن الحمل ـ فإنّ طفلها يصبح يهوديّاً بالتبعيّة ، أمّا إذا أصبحت يهوديّة بعد ولادته فيجب أن يحوّل الطفل يهوديّاً قبل أن يختن.
وقد كان هناك جدل عام 1864 م في « نيو أورليانز » حول ختان أطفال من أب يهوديّ وأُمّ غير يهوديّة ، وقد قرّر أحد الحاخامات اليهود وأيّده على ذلك الحاخامات الاوربيون. إلاّ أن الحاخام « تسفي هيرش كاليشرى » أيّد ختان الأطفال غير اليهود عموماً ، والأطفال من أب يهوديّ خاصة ؛ لأنّ التوراة في رأيه لجميع البشريّة ، وقد خصّ بها اليهود قديماً بسبب حالة الشعوب في ذلك الوقت ، وعليه فيجب إجراء كلّ ما يمكن أن يشجّع الآخرين لقبول التوراة. وبما أنّ الختان على كبر قد يكون مانعاً لتحوّل البالغين لليهوديّة ، لذلك ينصح بإجرائه على الأطفال الذين كانوا من أب يهوديّ ، إذ أنّهم من بذر يهوديّ ، وهكذا يسهل عليهم التحوّل إلى اليهوديّة عندما يكبرون(1) .
سِنّ الختان ويوم السبت
أمّا سِنّ الختان عند اليهود فقد ذهبوا إلى أنّه في اليوم الثامن كما في التوراة ، فإذا تمّ الختان في اليوم السابع بدلاً من اليوم الثامن لا يعتبر ختاناً ، بل جرحاً كغيره من الجروح ، والخاتن يأثم ، ولو غلط الأب فختن أحد طفليه في التاريخ المحددّ
__________________
(1) ختان الذكور والإناث : 142.
لختن الثاني ، أي ختن الطفل الثاني يوم السبت وختن الأوّل قبله أو بعده ، يأثم ويجب عليه إعطاء الكفّارة.
وكانت شريعة اليهود تقدّس يوم السبت وتحترمه ، وتعاقب من يستبيح حرمته بالقتل. وكما مر في ختن الأطفال الأحرار عند اليهود كذلك فرض على اليهوديّ أن يختن عبيده ، وكانت العادة أنّهم يختنوهم عند شرائهم ، ولكن لا يمكن ختانهم يوم السبت إذ أنّ للسبت حرمة لا تخرق.
ولا يسمح بالختان إلاّ لطفل يكون يومه الثامن يوم السبت.
وأمّا المسيحيّون فقد رفضوا سنّة الختان التي ورثت من اليهود ، رغم أنّ بعضهم كان يمارسها !! ولكن رفضهم للختان لا ينطلق من دليل منطقي كاحترام الجسد وعدم إيصال الأذى إليه ، كما يتصوّر البعض من كون الختان جرحاً مضرّاً لطفل برئ ، غافلين عن الفوائد الصحيّة والأثار الإيجابيّة التي تترتّب عليه ، بل ألغوه عن منطق لاهوتي سياسي ( كي يجذبوا الوثنين للدخول في الدين الجديد ) ، ومن العجيب أنّ المسيح الذين رفضوا الختان آمنوا ببتر الأعضاء وإخصاء الذكر.
فتروي الاُسطورة المسيحيّة أن « أتيس » عشيق أحد الآلهة قد بتر أعضاءه الجنسيّة في حمية الشوق ، ومات من نزيف الدم تحت شجرة ، وكلّ من يريد أن يصبح خادماً ل ( سيبيل ) وهو أحد الآلهة كان عليه أن يبتر أعضاءه الجنسيّة مثل عشيقها ضمن احتفالات دينيّة صاخبة ، ويرميها على جموع الحاضرين !!
ومع إنكار المسيح للختان فإنّهم يحتفلون باليوم الأوّل من السنة لذكرى اليوم الثامن من ميلاد المسيح ، وهو يوم ختانه ، ولتكريم العذراء مريمعليهالسلام ، ولا يعرف دقيقاً تاريخ دخول هذا الحدث في شعائرهم ، وأوّل من ذكره هو المجمع الذي عقد
في مدينة « توز » الفرنسيّة عام 567 م ، وهذا المجمع تكلّم عنه وكأنّه عادة قديمة يتمّ الاحتفال بها في أولّ يوم من السنة ، وهذا اليوم يصادف في روما وفي مدن رومانيّة اُخرى عيداً وثنياً شهيراً لتكريم « يانوس » ، ومن هنا جاء اسم الشهر « يناير » وهو يوم عبث وفواحش ، والقصد من وضع العيد المسيحي في هذا اليوم هو تجنّب المسيحيين المشاركة في العيد الوثني ، والتفكير بالصلاة والصوم بدلاً عن الآثام التي تقترف في هذا اليوم ، فانظر إلى السياسة كيف تغسل الأذهان ، وكيف تتداخل مع الدين فتفسد الأهداف التي من أجلها شرّعت الأحكام ؟!!
الختان في الشريعة الإسلامية المقدّسة
من كمال العقل أن يعتقد الإنسان للواجبات والمحرّمات ملاكات لا يعلمها إلاّ الله تعالى والراسخون في العلم ، وكلّ حكم شرعيّ قبل أن يُجعل يسبق بمرحلتين هما : الإرادة ، والملاك. أي وجود غرض لأجله يتمّ تشريع هذا الحكم ، أعمّ من كونه واجباً أو محرّماً أو مستحباً أو مكروهاً أو مباحاً اقتضائياً.
فلوكان واجباً كان ملاكه وجود المصلحة ، ولو كان محرّماً فملاكه وجود المفسدة الناتجة من القيام به ، وهي التي قد غفل عنها كثير من العصاة.
وما نحن فيه من مسألة الختان التي وجبت في شرعنا المقدّس على الذكور من مصاديق ما ذكر ، وهنا سؤال يطرح نفسه : هل يوجد دليل من القرآن الكريم على وجوب الختان ؟
والجواب : نعم ، فقد جاء في تفسير القرطبي في قوله تعالى :( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ
أَحْسَنُ مِنْ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) (1) : أن الصبغة هي الختان ، وهو صبغة الله للمسلم التي تحلّ محلّ العماد الذي يصبغ به المسيحيون أطفالهم بقصد الطهارة.
وقد استدلّوا على تشريع الختان ووجوبه أيضاً بقوله تعالى :( وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) (2) ففسروا حنيفاً بمعنى أنّه كان مختوناً.
وقال العلاّمة الطباطبائي في الميزان(3) نقلاً عن تفسير القمي لقوله تعالى :( قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ المُشْرِكِينَ ) : أنزل الله على ابراهيم الحنيفيّة ، وهي الطهارة ، وهي عشرة ، خمسة في الرأس وخمسة في البدن ، فأمّا التي في الرأس : فأخذ الشارب ، وإعفاء اللحى ، وضفر الشعر(4) ، والسواك ، والخلال. وأمّا التي في البدن : فأخذ الشعر من البدن ، والختان ، وقلم الأظفار ، والغسل من الجنابة ، والطهور بالماء. وهي الحنيفيّة التي جاء بها إبراهيمعليهالسلام فلم تنسخ ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وجاء عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّه قال :« ما أبقت الحنيفيّة شيئاً حتى أنّ منها قصّ الشارب وقلم الأظفار والختان » (5) .
__________________
(1) البقرة 2 : 138.
(2) البقرة 2 : 136.
(3) الميزان 1 : 306.
(4) الضفر : نسج الشعر وغيره ، والضفيرة : العقيصة : يقال : ضفرت المرأة شعرها. الصحاح 2 : 721 ، « ضفر ».
(5) تفسير الميزان 1 : 310.
وجاء عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم :« من كرامتي على ربّي أنّي ولدت مختوناً ، ولم ير أحدٌ سوأتي » (1) أي لأجل الختان ، وقد يقال : إنّه لم يتمّ ختانه بل تممّه ملكان أو جدّه عبدالمطلبعليهالسلام .
فوائد الختان
قال أحد اساتذة الجامعة الدمشقيّة في مقدّمة كتابه الختان بين الطب والشريعة : أمّا السبب الذي دفعني لأن أتطرّق لموضوع الختان ، فهو أحد الأساتذة من الأطباء كان يتهجّم على عمليّة الختان أثناء إلقائه لمحاضرة أمام الطلاب ، وكان يصفها بالعمليّة الوحشيّة الهمجيّة ، إضافة الى زعمه أنّ الله لم يخلق شيئاً زائداً عند الإنسان يحتاج إلى قطع.
كما أنّه كان يشجّع على إيقاف عملّية الختان والإقلاع عنها ، لكنّه بعد أن تبيّن لي أثناء حياتي العمليّة فوائد الختان العديدة من النواحي الطبيّة ، ومنها الوقاية من سرطانات الأعضاء التناسلية ، راحت ذاكرتي تشكّ بأحد الأمرين اللذين يجولان في تفكير ذلك الأستاذ وهما : أن يكون الاُستاذ الكريم يجهل فنون الطب ، أو تفكيره ينطوي على نيّة خبيثة غايتها محاربة هذه الشعيرة التي أقرّها الدين القويم(2) .
11 ـ تستحب العقيقة عن المولود ذكراً كان أو اُنثى ، ويستحب أن يعقّ عنه في اليوم السابع ، وإن تأخّر لعذر أو لغير عذر لم يسقط ـ أي لم يسقط استحباب العقيقة ـ بل لو لم يعقّ عن الصبيّ حتّى بلغ وكبر عقّ عن نفسه ، بل لو لم يعقّ عن نفسه في
__________________
(1) ختان الذكور والإناث : 278.
(2) ختان الذكور والإناث : 271.
حياته فلا بأس أن يعقّ عنه بعد موته ، ولا بدّ أن تكون من أحد الأنعام الثلاثة : الغنم ـ ضأناً كان أو معزاً ـ والبقر ، والإبل. ولا يجزئ عنها التصدّق بثمنها ، نعم يجزئ عنها الأُضحية ، فمن ضُحّي عنه أجزأته عن العقيقة.
ويستحب أن تكون العقيقة سمينة ، وفي بعض الأخبار ( أن خيرها أسمنها )(1) .
وقيل : يستحب أن تجتمع فيها شروط الأُضحية ، من كونها سليمة من العيوب ، وعدم كون سنّها أقلّ من خمس سنين كاملة في الإبل ، وأقلّ من سنتين في البقر والمعز ، وأقلّ من سبعة أشهر في الظأن ، ولكن لم يثبت ذلك.
وفي بعض الأخبار ( إنّما هي شاة لحم ليس بمنزلة الأُضحية يجزئ منها كلّ شيء )(2) .
12 ـ ينبغي تقطيع العقيقة من غير كسر عظامها ، ويستحب أن تختصّ القابلة منه بالربع ، وأن تكون حصّتها مشتملة على الرجل والورك ، ويجوز تفريق العقيقة لحماً أو مطبوخاً ، كما يجوز أن تطبخ ويدعى عليها جماعة من المؤمنين ، والأفضل أن يكون عددهم عشرة فما زاد يأكلون منها ويدعون للولد ، ويكره أن يأكل منها الأب أو أحد ممّن يعوله ، ولا سيما الأُمّ ، بل الأحوط استحباباً للأُمّ الترك.
__________________
(1) وسائل الشيعة 21 : 425 ، الحديث 2.
(2) وسائل الشيعة 21 : 425 ، الحديث 1.
بعض الأحكام المتعلّقة بحضانة الطفل
1 ـ لا يجب على الأُم إرضاع ولدها ، لا مجاناً ولا بأُجرة ، إذا لم يتوقّف حفظه عليه ، أي على الإرضاع ، كما لا يجب عليها إرضاعه مجاناً وإن توقّف حفظه عليه ، بل لها ـ أي يحقّ لها ـ المطالبة بأُجرة إرضاعه في الحولين ، لا في الزائد عليهما ، من مال الولد إذا كان له مال ، ومن أبيه إذا لم يكن له مال وكان الأب مؤسراً. نعم لو لم يكن للولد مال ، ولم يكن الأب مؤسراً ، أو كان متوفى ، وكذا جدّه ـ أي لم يكن قادراً على إعطاء الاُجرة أو كان متوفّى ـ وإن علا ، أي جدّ الأب أو جدّ الجدّ ، تعيّن على الأُم إرضاعه مجاناً إمّا بنفسها أو باستئجار مرضعة اُخرى ، وتكون أُجرتها عليها ـ أي تكون اُجرة المرضعة على الأم ـ بناءً على وجوب إنفاقها عليه كما هو الأحوط وجوباً.
2 ـ الأُم أحقّ بإرضاع ولدها من غيرها ، فليس للأب تعيين غيرها لإرضاع الولد ، إلاّ إذا طالبت بأُجره ، وكانت غيرها تقبل الإرضاع بأُجرة أو بدون أُجرة ، فإنّ للأب حينئذٍ أن يسترضع له اُخرى ، وفي هذه الصورة إذا لم تقبل الأُم بإرضاع الغير ولدها وأرضعته هي بنفسها لم تستحقّ بإزائه شيئاً من الأجرة.
3 ـ إذا إدّعى الأب وجود متبرّعة بالإرضاع ، وأنكرت الأُم ، ولم يكن له بيّنة على وجودها كان القول قولها بيمينها.
4 ـ ينبغي أن يرضع الصبيّ بلبن أُمّه ، ففي النصّ « ما من لبن رضع به الصبيّ أعظم بركة عليه من لبن أمّه »(1) ، نعم إذا كان هناك مرجّح لغيرها ـ أي لغير الأُمّ ـ كشرافتها وطيب لبنها بخلاف الأُمّ ، فلا بأس باسترضاعها له.
5 ـ يحسن إرضاع الولد واحداً وعشرين شهراً ، ولا ينبغي إرضاعه أقلّ من
__________________
(1) وسائل الشيعة 21 : 452 ، الحديث 2.
ذلك ، كما لا ينبغي إرضاعه فوق حولين كاملين ، ولو اتّفق أبواه على فطامة قبل ذلك كان حسناً.
6 ـ حضانة الولد وتربيته وما يتعلّق بها من مصلحة حفظه ورعايته تكون في مدّة الإرضاع ـ أعني حولين كاملين ـ من حقّ أبويه بالسويّه ، فلا يجوز للأب أن يفصله عن أُمّه خلال هذه المدّة وإن كان اُنثى ـ والأحوط استحباباً أن لا يفصله عنها حتى يبلغ سبع سنين وإن كان ذكراً.
7 ـ إذا افترق الأبوان بفسخ أو طلاق قبل أن يبلغ الولد السنتين لم يسقط حقّ الأُمّ في حضانته ما لم تتزوّج من غيره ، فلا بدّ من توافقهما على ممارسة حقّهما المشترك بالتناوب ، أو بأيّ كيفية أُخرى يتفقان عليها.
8 ـ إذا تزوّجت الأُمّ بعد مفارقة الأب سقط حقّها من حضانة الولد ، وصارت الحضانة من حقّ الأب خاصّة ، ولو فارقها الزوج الثاني عاد حقّ حضانة الطفل إليها مرّة ثانية.
9 ـ إذا مات الأب بعد اختصاصه بحضانة الولد ـ كما مرّ ـ أو قبله فالأُمّ أحقّ بحضانته ـ إلى أن يبلغ ـ من الوصي لأبيه ومن جدّه وجدّته له ، وغيرهما من أقاربه ، سواء تزوّجت أم لا.
10 ـ إذا ماتت الأُمّ في زمن حضانتها اختصّ الأب بحضانة الطفل ، وليس لوصيّها ولا لأبيها ولا لأمها ـ فضلاً عن باقي أقاربها ـ حقّ في ذلك.
11 ـ إذا فقد الأبوان فالحضانة للجدّ من طرف الأب ، فإذا فقد ـ أي هذا الجدّ ـ ولم يكن له وصيّ ، ولا للأب وصيّ أيضاً ، فالأحوط وجوباً التراضي بين أقارب الولد في حضانته مع الاستئذان من الحاكم الشرعي.
12 ـ إذا سقط حقّ الأُمّ في إرضاع ولدها لطلبها اُجرة مع وجود المتبرّع ، أو لعدم اللبن لها أو لغير ذلك فلا يسقط حقّها من حضانته ; لعدم التنافي بين سقوط حقّ الإرضاع وثبوت حقّ الحضانة ، لإمكان كون الولد في حضانة الأُمّ مع كون رضاعه من امرأة اُخرى ، إمّا بحمل الولد إلى المرضعة عند الحاجة إلى اللبن ، أو بإحضار المرضعة عنده مثلاً.
13 ـ يشترط فيمن يثبت له حقّ الحضانة من الأبوين أو غيرهما أن يكون عاقلاً مأموناً على سلامة الولد ، وأن يكون مسلماً إذا كان الولد مسلماً ، فلو كان الأب مجنوناً أو كافراً ، والولد محكوم بالإسلام ، أي كان أحد أبويه مسلمين ، اختصت أُمّه بحضانته إذا كانت مسلمة عاقلة ، ولو انعكس الأمر كانت حضانته من حقّ أبيه خاصّة ، وهكذا الحال في غيرهما ، أي في غير الأبوين من الأقارب.
14 ـ الحضانة كما هي حقّ للأُمّ والأب أو غيرهما على التفصيل المتقدّم ، كذلك هي حقّ للولد عليهم ، فلو امتنعوا اُجبروا عليها ، ولا يجوز لمن يثبت له حقّ الحضانة أن يتنازل عنه لغيره فينقل إليه ـ أي إلى ذلك الغير ـ بقبوله ـ أي مع قبول الغير ـ نعم يجوز لكلّ من الأبوين التنازل عنه ـ أيّ عن حقّ الحضانة ـ للآخر بالنسبة إلى تمام مدّة حضانته أو بعضها.
15 ـ لا تجب المباشرة في حضانة الطفل ، فيجوز لمن عليه الحضانة إيكالها إلى الغير مع الوثوق بقيامه بها على الوجه اللازم شرعاً.
16 ـ الأُمّ تستحقّ أخذ الأُجرة على حضانة ولدها ، إلاّ إذا كانت متبرّعة بها ، أو وجد متبرّع بحضانته ، ولو فصل الأبُ أو غيره الولدَ عن أُمّه ولو عدواناً لم يكن عليه تدارك حقّها في حضانته بقيمة أو نحوها.
17 ـ تنتهي الحضانة ببلوغ الولد رشيداً ، فإذا بلغ رشيداً لم يكن لأحد حقّ
الحضانة عليه حتّى الأبوين فضلاً عن غيرهما ، بل هو المالك لنفسه ذكراً كان أم اُنثى ، فله الخيار في الانضمام إلى من شاء منهما أو من غيرهما ، نعم إذا كان انفصاله عنهما يوجب أذيّتهما الناشئة من شفقتهما عليه لم يجز له مخالفتهما في ذلك.
النفقات
تجب النفقة بأحد أسباب أربعة : الزوجيّة ، والقرابة ، والملك ، والاضطرار.
1 ـ تجب نفقة الزوجة على الزوج فيما إذا كانت دائمة ومطيعة له فيما يجب إطاعته عليها ، فلا نفقة للزوجة المتمتّع بها إلاّ مع الشرط ـ أي إلاّ إذا شرطت ذلك عليه ضمن العقد ـ كما لا نفقة للزوجة الناشزة على تفصيل تقدّم سابقاً ، وقد تقدّم أيضاً بيان ما يتحقّق به النشوز ، وإن سقوط نفقة الناشزة مشروط بعدم توبتها ، فإذا تابت وعادت إلى الطاعة رجع الاستحقاق.
2 ـ لا فرق في وجوب الإنفاق على الزوجة بين المسلمة والكتابيّة ، وأمّا المرتدّة فلا نفقة لها ، فإن تابت قبل مضيّ العدّة استحقّت النفقة ، وإلاّ بانت من زوجها ، أي فصلت عنه بسبب الارتداد.
3 ـ الظاهر ثبوت النفقة للزوجة في الزمان الفاصل بين العقد والزفاف ، إلاّ مع وجود قرينة على الإسقاط ، أيّ على إسقاط حقّ الزوجة من النفقة ولو كانت هي التعارف الخارجي ، أي ولو كانت هذه القرينة قد ثبتت عرفاً ، كما إذا كانت الزوجة في بيت أبيها مثلاً ، فلا هي تستحقّ النفقة ولا هو يستحقّ الاستمتاع عليها.
والأظهر عدم ثبوت النفقة للزوجة الصغيرة غير القابلة للاستمتاع منها على زوجها ، خصوصاً إذا كان الزوج صغيراً غير قابل للتمتّع والتلذّذ ، وكذا الزوجة الكبيرة إذا كان زوجها صغيراً غير قابل لأن يستمتع منها ، نعم لو كانت الزوجة مراهقة ، وكان الزوج مراهقاً أو كبيراً ، أو كان الزوج مراهقاً وكانت الزوجة كبيرة ، لم يبعد استحقاق الزوجة للنفقة مع تمكينها له من نفسها على ما يمكنه من التلذّذ والاستمتاع منها.
4 ـ لا تسقط نفقة الزوجة بعد تمكينها له من نفسها لعذر من حيض أو نفاس أو
إحرام أو اعتكاف واجب أو مرض مدنف ـ أي ثقيل منعها من تمكين زوجها ـ أو غير ذلك ، ومن العذر ما لو كان الزوج مبتلى بمرض معد خافت من سرايته إليها بالمباشرة.
5 ـ إذا استصحب الزوج زوجته في سفره كانت نفقتها عليه وإن كانت أكثر من نفقتها في الحضر ، وكذا يجب عليه بذل اُجور سفرها ونحوها ممّا تحتاج إليه من حيث السفر ، وهكذا الحكم فيما لو سافرت الزوجة بنفسها في سفر ضروري يرتبط بشؤون حياتها ، كأن كانت مريضة وتوقّف علاجها على السفر إلى طبيب ، فإنّه يجب على الزوج بذل نفقتها واُجور سفرها.
وأمّا في غيره من السفر الواجب ، كما إذا كان أداءً لواجب في ذمّتها ، كأن استطاعت للحجّ ، أو نذرت الحجّ الاستحبابي بإذن الزوج ، وكذا في السفر غير الواجب الذي أذن فيه الزوج ، فليس عليه بذل اُجوره ، ويجب عليه بذل نفقتها فيه كاملة وإن كانت أزيد من نفقتها في الحضر ، نعم إذا علّق الزوج إذنه لها في السفر غير الواجب على إسقاطها لنفقتها فيه كلاّ أو بعضاً ـ أي جعل إسقاط جميع نفقتها أو بعضها ـ في السفر غير الواجب ـ شرطاً في إذنه وترخيصه لها بالسفر ـ وقبلت هي بذلك لم تستحقّها عليه.
6 ـ تثبت النفقة لذات العدّة الرجعيّة ما دامت في العدّة كما تثبت لغير المطلّقة ، من غير فرق بين كونها حائلاً أو حاملاً ـ أي حامل أو لا ـ ولو كانت ناشزة وطُلّقت في حال نشوزها لم تثبت لها النفقة ، إلاّ إذا تابت ورجعت إلى الطاعة ، كالزوجة الناشزة غير المطلّقة ، وأمّا ذات العدّة البائنة ـ أي التي لا رجوع فيها ـ فتسقط نفقتها سواء أكانت عن طلاق أو فسخ ـ أي سواء بانت عن الزوج بالطلاق أو بفسخ العقد ـ إلاّ إذا كانت عن طلاق وكانت حاملاً فإنّها تستحقّ النفقة والسكنى حتّى تضع
حملها ، ولا تلحق بها المنقطعة ـ أي الزوجة المؤقتة ـ والحامل الموهوبة : وهي التي وهب لها الزوج المدّة قبل أوانها أو المنقضية مدّتها ، وكذا الحامل المتوفّى عنها زوجها ، فإنّه لا نفقة لها مدّة حملها ، لا من تركة زوجها ولا من نصيب ولدها على الأقوى.
7 ـ إذا ادّعت المطلقة بائناً أنّها حامل ، فإن حصل الوثوق بصحة دعواها استناداً إلى الأمارات التي يستدلّ بها على الحمل عند النساء ، أو تيسّر استكشاف حالها بإجراء الفحص الطبيّ عند الثقة من أهل الخبرة فهو ، وإلاّ ففي وجوب قبول قولها والإنفاق عليها بمجرّد دعواها إشكال ، بل منع ، أي لا يقبل قولها اعتماداً على قولها فقط دون قرائن اُخرى.
ولو أنفق عليها ثمّ تبيّن عدم الحمل استُعيد منها ما دُفع إليها ، ولو انعكس الأمر ـ أي لم يدفع إليها باعتقاد أنّها حائل ثمّ تبيّن بعد ذلك أنّها حامل ـ دفع إليها نفقتها أيام حملها.
8 ـ لا تقدير للنفقة شرعاً ، بل الضابط القيام بما تحتاج اليه الزوجة في معيشتها من الطعام والادام ، هو الشيء الذي يؤكل معه الخبز(1) .
والكسوة والفراش والغطاء ، والمسكن والخدم ، وآلات التدفئة والتبريد وأثاث المنزل ، وغير ذلك ممّا يليق بشأنها بالقياس إلى زوجها ، ومن الواضح اختلاف ذلك نوعاً وكمّاً وكيفاً ، بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والحالات والأعراف والتقاليد اختلافاً فاحشاً أي كثيراً.
__________________
(1) الأُدْمُ والإدَام ما يؤتدم به ، تقول منه : أدم الخبز باللحم بأدمه بالكسر ، الصحاح 5 : 1859 « أدم ».
فبالنسبة إلى المسكن مثلاً ربّما يناسبها كوخ ، أو بيت شعر في الريف أو البادية ، وربّما لا بدّ لها من دار أو شقّة أو حجرة منفردة المرافق في المدينة ، وكذا بالنسبة إلى الألبسة ربّما تكفيها ثياب بدنها من غير حاجة إلى ثياب اُخرى ، وربّما لا بدّ من الزيادة عليها بثياب التجمّل والزينة.
نعم ، ما تعارف عند بعض النساء من تكثير الألبسة النفيسة خارج عن النفقة الواجبة ، فضلاً عمّا تعارف عند جمع منهنّ من لبس بعض الألبسة مرّة أو مرّتين في بعض المناسبات ، ثمّ استبداله بآخر مختلف عنه نوعاً أو هيئة في المناسبات الأُخرى.
9 ـ من النفقة الواجبة على الزوج اُجرة الحمّام عند حاجة الزوجة إليه ، سواء أكان للاغتسال أو للتنظيف ، إذا لم تتهيّأ لها مقدّمات الاستحمام في البيت ، أو كان ذلك عسيراً عليها لبرد أو غيره ، كما أنّ منها مصاريف الولادة واُجرة الطبيب والأدوية المتعارفة التي يكثر الاحتياج إليها عادة ، بل لا يبعد أن يكون منها ما يصرف في سبيل علاج الأمراض الصعبة التي يتفق الابتلاء بها وإن احتاج إلى بذل مال كثير ما لم يكن ذلك حرجيّاً على الزوج.
10 ـ النفقة الواجبة للزوجة على قسمين :
القسم الأوّل : ما يتوقّف الانتقاع به على ذهاب عينه ـ أي لاذهاب قيمته ـ كالطعام والشراب والدواء ونحوها ، وفي هذا القسم تملك الزوجة عين المال بمقدار حاجتها عند حلول الوقت المتعارف لصرفه ، فلها مطالبة الزوج بتمليكه إيّاها وتسليمه لها تفعل به ما تشاء ، ولها الاجتزاء ـ كما هو المتعارف ـ بما يجعله تحت تصرّفها في بيته ويبيح لها الاستفادة منه ، فتأكل وتشرب ممّا يوفّره في البيت من
الطعام والإدام والشراب حسب حاجتها إليه ، وحينئذٍ يسقط ما لها عليه من النفقة ، فليس لها أن تطالبه بها بعدد ذلك.
11 ـ لا يحقّ للزوجة مطالبة الزوج بنفقة الزمان المستقبل ، ولو دفع إليها نفقة أيام كاسبوع أو شهر مثلاً وانقضت المدّة ولم تصرفها على نفسها ، إمّا بأن أنفقت من غيرها ، أو أنفق عليها أحد ، كانت ملكاً لها ، وليس للزوج استردادها ، نعم لو خرجت عن الاستحقاق قبل انقضاء المدّة بموت أحدهما ـ أي أحد الزوجين ـ أو نشوزها أو طلاقها بائناً ، يوزّع المدفوع على الأيام الماضية والآتية ، ويستردّ منها بالنسبة إلى ما بقي من المدّة ، بل الظاهر ذلك أيضاً فيما إذا دفع إليها نفقة يوم واحد وعرضت إحدى تلك العوارض في أثناء اليوم ، فيستردّ الباقي من نفقة ذلك اليوم.
12 ـ يتخيّر الزوج بين أن يدفع إلى الزوجة عين المأكول كالخبز والطبيخ واللحم المطبوخ وما شاكل ذلك ، وأن يدفع إليها موادها كالحنطة والدقيق والأُرز واللحم ونحو ذلك ممّا يحتاج في إعداده للأكل إلى علاج ومؤونة ، فإذا اختار الثاني كانت مؤونة الإعداد ـ أي الطبخ ونحوه ممّا يجعل الطعام قابلاً للأكل ـ على الزوج دون الزوجة.
13 ـ إذا تراضيا على بذل الثمن وقيمة الطعام والأدام وتسلّمته ملكته وسقط ما هو الواجب على الزوج ، ولكن ليس للزوج إلزامها بقبول الثمن ، وليس لها إلزامه ببذله ، فالواجب ابتداءً هو العين ، أي لا ثمنها.
القسم الثاني : ما ينتفع به مع بقاء عينه ، وهذا إن كان مثل المسكن فلا إشكال في أنّ الزوجة لا تستحقّ على الزوج أن يدفعه إليها بعنوان التمليك ـ أي يكفي أن يدفعه إليها بعنوان الانتفاع به ـ والظاهر أنّ الفراش والغطاء وأثاث المنزل أيضاً كذلك ، وأمّا الكسوة فلا يبعد كونها بحكم القسم الأوّل فتستحقّ على الزوج تمليكها
إيّاها ، ولها الاجتزاء بالاستفادة بما هو ملكه أو بما استأجره أو استعاره ، أي ممّا ليس بملك له ، ولكن يحقّ له التصرّف فيه.
14 ـ إذا دفع إليها كسوة قد جرت العادة ببقائها مدّة ، فلبستها فخلقت ـ أي استهلكت ـ قبل تلك المدّة أو سرقت لا بتقصير منها في الصورتين ، وجب عليه دفع كسوة اُخرى إليها. ولو انقضت المدّة والكسوة باقية ليس لها مطالبة كسوة اُخرى ، ولو خرجت في أثناء المدّة عن الاستحقاق لموت أو نشوز أو طلاق ، فإن كان الدفع إليها على وجه الإمتاع والانتفاع ـ كما في البيت وأثاثه ـ جاز له استردادها إن كانت باقية ، وأمّا إذا كان على وجه التمليك ـ كما في الطعام والشراب ـ فليس له ذلك.
15 ـ يجوز للزوجة أن تتصرّف فيما تملكه من النفقة كيفما تشاء ، فتنقله إلى غيرها ببيع أو هبة أو إجارة أو غيرها ، إلاّ إذا اشترط الزوج عليها ترك تصرّف معيّن فيلزمها ذلك ، أي يكون هذا الشرط لازماً لا يجوز لها مخالفته للإمتاع والانتفاع به ، فلا يجوز لها نقله إلى الغير ولا التصرّف فيه بغير الوجه المتعارف إلاّ بإذن من الزوج.
16 ـ النفقة الواجب بذلها للزوجة هو ما تقوّم به حياتها من طعام وشراب وكسوة ومسكن وأثاث ونحوها ، دون ما تشتغل به ذمّتها ممّا تستدينه لغير نفقتها ـ أي أنّ الدين الذي في ذمّتها لا يحسب من نفقتها ـ وما تنفقه على من يجب نفقته عليها ، وما يثبت عليها من فدية أو كفّارة أو أرش جناية ـ أي غرامة الجناية التي ارتكبتها ـ ونحو ذلك.
17 ـ إذا لم يكن عنده ما ينفقه على زوجته وجب عليه تحصيله بالتكسّب اللائق بشأنه وحاله ، وإذا لم يكن متمكّناً منه أخذ من حقوق الفقراء من الأخماس والزكوات والكفّارات ونحوها بمقدار حاجته في الإنفاق عليها ، وإذا لم يتيسّر له ذلك
تبقى نفقتها ديناً عليه ، ولا يجب عليه تحصيلها بمثل الاستيهاب والسؤال.
وهل يجب عليه الاستدانة لها إذا أمكنه ذلك من دون حرج ومشقّة ، وعلم بالتمكين من الوفاء فيما بعد ؟ الظاهر ذلك ، أي يجب عليه الاستدانة. وأمّا إذا احتمل عدم التمكّن من الوفاء احتمالاً معتدّاً به ـ أي ليس احتمالاً قليلاً لا يؤخذ بعين الاعتبار ـ ففي وجوبها عليه إشكال ، هذا في نفقة الزوجة ؟
وأمّا نفقة النفس ـ أي نفقة نفسه لا غيرها ـ فليست بهذه المثابة ، فلا يجب السعي لتحصيلها إلاّ بمقدار ما يتوقّف عليه حفظ النفس والعرض ، والتوقّي عن الإصابة بضرر بليغ ، وهذا المقدار يجب تحصيله بأيّة وسيلة حتى بالاستعطاف ـ أي بطلب العطف والاسترحام من الآخرين ـ والسؤال ، فضلاً عن الاكتساب والإستدانة.
18 ـ إذا كان الزوج عاجزاً عن تأمين نفقة زوجته ، أو امتنع من الإنفاق عليها مع قدرته ، جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي كما تقدّم.
19 ـ إذا لم تحصل الزوجة على النفقة الواجبة لها كلاّ أو بعضاً ، كمّاً أو كيفاً ـ أي من ناحية مقدارها أو نوعيّتها ـ لفقر الزوج أو امتناعه ، بقي ما لم تحصله منها ديناً في ذمّته كما تقدّمت الإشارة إليه ، فلو مات اُخرج من أصل تركته كسائر ديونه ، ولو ماتت انتقل إلى ورثتها كسائر تركتها ، سواء طالبته بالنفقة في حينه أو سكتت عنها ، وسواء قدّرها ـ أي النفقة ـ الحاكم وحكم بها أم لا ، وسواء عاشت بالعسر ـ أي بالضيق ـ أو أنفقت هي على نفسها ـ باقتراض أو بدونه ـ أو أنفق الغير عليها تبرّعاً من نفسه ، ولو أنفق الغير عليها ديناً على ذمّة زوجها مع الاستئذان في ذلك من الحاكم الشرعي اشتغلت له ذمّة الزوج ـ أي بقي ديناً في ذمّته ـ بما أنفق ، ولو أنفق ـ أي الغير ـ عليها تبرّعاً عن زوجها لم تشتغل ذمّة الزوج له ولا للزوجة ، أي لا يكون ذلك الإنفاق ديناً لا في ذمّتها ولا في ذمّة الزوج.
20 ـ لا يعتبر في استحقاق الزوجة النفقة على زوجها فقرها وحاجتها ، بل تستحقّها على زوجها وإن كانت غنيّة غير محتاجة.
21 ـ نفقة النفس مقدّمة على نفقة الزوجة ، فإذا لم يكن للزوج مال يفي بنفقة نفسه ونفقة زوجته أنفق على نفسه ، فإن زاد شيء صرفه إليها.
22 ـ المقصود بنفقة النفس المقدّمة على نفقة الزوجة مقدار قوت يومه وليلته ، وكسوته وفراشه وغطائه ، وغير ذلك ممّا يحتاج إليه في معيشته ، بحسب حاله وشأنه.
23 ـ إذا اختلف الزوجان في الإنفاق وعدمه مع اتفاقهما على استحقاق النفقة ، فالقول قول الزوجة مع يمينها ، إذا لم تكن للزوج بيّنة ، أي شاهدين من الرجال.
24 ـ إذا كانت الزوجة حاملاً ووضعت ، وقد طُلّقت رجعيّاً ، فادّعت الزوجة أنّ الطلاق كان بعد الوضع ـ أي وضع حملها ـ فتستحقّ عليه ـ أي على الزوج ـ وادّعى الزوج أنّه كان ـ أي استحقاقها للإنفاق ـ قبل الوضع وقد انقضت عدّتها فلا نفقة لها ، فالقول قول الزوجة مع يمينها ، فإن حلفت استحقّت النفقة ، ولكن الزوج يلزم باعترافه ـ لأنّه اعترف بانقضاء عدّتها ـ فلا يجوز له الرجوع إليها.
25 ـ إذا اختلفا في الإعسار واليسار ـ أي في كون الزوج قادراً على الإنفاق أو غير قادر عليه لفقره ـ فادّعى الزوج الإعسار وأنّه لا يقدر على الإنفاق ، وادّعت الزوجة يساره ـ أي قدرته عليه ـ كان القول قول الزوج مع يمينه. نعم إذا كان الزوج مؤسراً وادّعى تلف أمواله وأنّه صار معسراً فأنكرته الزوجة كان القول قولها مع يمينها.
القرابة
1 ـ يثبت للأبوين حقّ الإنفاق على ابنهما ، كما يثبت للولد ـ ذكراً كان أو أُنثى ـ حقّ الإنفاق على أبيه.
2 ـ يشترط في وجوب الإنفاق على القريب فقره ، بمعنى عدم وجدانه لما يحتاج إليه في معيشته فعلاً ، من طعام وأدام وكسوة وفراش وغطاء ومسكن ونحو ذلك ، فلا يجب الإنفاق على الواجد لنفقته فعلاً وإن كان فقيراً شرعاً ، أي لا يملك مؤونة سنته.
وأمّا غير الواجد لها ، فإن كان متمكّناً من تحصيلها بالاستعطاء أو السؤال لم يمنع ذلك من وجوب الإنفاق عليه بلا إشكال ، نعم لو استعطى فاُعطي مقدار نفقته الفعليّة لم يجب على قريبه الإنفاق عليه ، وهكذا الحال لو كان متمكّناً من تحصيلها بالأخذ من حقوق الفقراء من الأخماس والزكوات والصدقات وغيرها ، أو كان متمكّناً من الاقتراض ولكن بحرج ومشقة ، أو مع احتمال عدم التمكّن من وفائه فيما بعد احتمالاً معتدّاً به ، وأمّا مع عدم المشقّة في الاقتراض ووجود محلّ الإيفاء فالظاهر عدم وجوب الإنفاق عليه.
ولو كان متمكّناً من تحصيل نفقته بالاكتساب ، فإن كان ذلك بالقدرة على تعلّم صنعة أو حرفة يفي مدخولها بنفقته ولكنّه ترك التعلّم فبقي بلا نفقة ، وجب على قريبه الإنفاق عليه ما لم يتعلّم ، وهكذا الحال لو أمكنه الاكتساب بما يشقّ عليه تحمّله كحمل الأثقال ، أو بما لا يناسب شأنه كبعض الأشغال المناسبة لبعض
الأشخاص ولم يكتسب لذلك ، فإنّه يجب على قريبه الإنفاق عليه.
وإن كان قادراً على الاكتساب بما يناسب حاله وشأنه ، كالقويّ القادر على حمل الأثقال ، والوضيع اللائق بشأنه بعض الأشغال ، ومن كان كسوباً وله بعض الأشغال والصنائع ، وقد ترك ذلك طلباً للراحة ، فالظاهر عدم وجوب الإنفاق عليه ، نعم لو فات عنه زمان اكتسابه بحيث صار محتاجاً فعلاً بالنسبة إلى يوم أو أيام ، غير قادر على تحصيل نفقتها وجب الإنفاق عليه وإن كان ذلك العجز قد حصل باختياره ، كما أنّه لو ترك الاشتغال بالاكتساب لا لطلب الراحة بل لاشتغاله بأمر دنيويّ أو دينيّ مهم كطلب العلم الواجب ، لم يسقط بذلك التكليف بوجوب الإنفاق عليه.
3 ـ إذا أمكن المرأة التزويج بمن يليق بها ويقوم بنفقتها دائماً أو منقطعاً ، فلا يجب على أبيها أو إبنها الانفاق عليها.
4 ـ لا يشترط في ثبوت حقّ الإنفاق كون المُنفِق أو المُنفَق عليه مسلماً أو عادلاً ، ولا في المنفَق عليه كونه ذا علّة من عمىً وغيره ، نعم يعتبر فيه ـ فيما عدا الأبوين ـ أن لا يكون كافراً حربيّاً ـ أي غير كتابيّ من أصناف الكفّار الذين لا ينتسبون إلى الاسلام ـ أو من بحكمه ، أي الكتابيّ الذي بغى واعتدى على المسلمين ، أو الذي أخلّ بشرائط الذمّة من اليهود والنصارى والمجوس ، وغير ذلك من أقسام الكفّار ، وكذلك الخوارج والغلاة والنواصب.
5 ـ هل يشترط في ثبوت حقّ الإنفاق كمال المنفِق بالبلوغ والعقل ، أم لا ؟
وجهان ، أقربهما العدم ، فيجب على الولي أن ينفق من مال الصبيّ والمجنون على من يثبت له حقّ الإنفاق عليهما.
6 ـ يشترط في وجوب الإنفاق على القريب قدرة المنفِق على نفقته بعد نفقة
نفسه وزوجته الدائمة ، فلو حصل له قدر كفاية نفسه وزوجته خاصة لم يجب عليه الإنفاق على أقربائه ، ولو زاد من نفقة نفسه وزوجته شيء صرفه في الإنفاق عليهم ، والأقرب منهم مقدّم على الأبعد ، فالولد مقدّم على ولد الولد ، ولو تساووا وعجز عن الإنفاق عليهم جميعاً فالأظهر وجوب توزيع الميسور عليهم بالسويّة إذا كان ممّا يقبل التوزيع ويمكنهم الانتفاع به ، والاّ فالأحوط الأولى أن يقترع بينهم وإن كان الأقرب أنّه يتخير في الانفاق على أيّهم شاء.
7 ـ إذا كان بحاجة إلى الزواج ، وكان ما لديه من المال لا يفي بنفقة الزواج ونفقة قريبة معاً ، جاز له أن يصرفه في زواجه وإن لم يبلغ حدّ الاضطرار إليه أو الحرج في تركه.
8 ـ إذا لم يكن عنده ما ينفقه على قريبه ، وكان متمكّناً من تحصيله بالاكتساب اللائق بشأنه ، وجب عليه ذلك ، وإلاّ أخذ من حقوق الفقراء أو استدان لذلك.
9 ـ لا تقدير لنفقة القريب شرعاً ، بل الواجب القيام بما يقيم حياته من طعام وأدام وكسوة ومسكن وغيرها ، مع ملاحظة حاله وشأنه زماناً ومكاناً ، حسبما مرّ في نفقة الزوجة.
10 ـ ليس من الإنفاق الواجب للقريب ـ ولداً كان أو والداً ـ بذل مصاريف زواجه من الصداق وغيره وإن كان ذلك أحوط ـ وجوباً ـ لا سيّما في الأب مع حاجته ـ أي مع حاجة الأب أو الابن ـ الى الزواج وعدم قدرته على نفقاته.
11 ـ ليس من الإنفاق الواجب للقريب أداء ديونه ، ولا دفع ما ثبت عليه من فدية أو كفّارة أو أرش جنايةٍ ـ أي غرامة الجناية ـ ونحو ذلك.
12 ـ يجب على الولد نفقة والده دون أولاده ـ أي سواء كانوا إخوته من أبيه أو من اُمّه وأبيه ـ لأنّهم إخوته ، ودون زوجته ـ أي زوجة الأب ـ ويجب على الوالد نفقة
ولده دون زوجته ـ أي زوجة الولد ـ ونفقة أولاد ولده ـ أي أحفاده ـ أيضاً بناءً على ما تقدّم من وجوب نفقة الولد على جدّه.
13 ـ يجزئ في الإنفاق على القريب بذل المال له على وجه الإمتاع ـ أي على نحو يمكنه الاستفادة منه ـ والانتفاع ، ولا يجب تمليكه له ، فإن بذله له من دون تمليك لم يكن له ـ أي لا يحقّ له ـ أن يملّكه أو يبيحه للغير ، إلاّ إذا كان مأذوناً في ذلك من قبل المالك ، ولو ارتزق بغيره وجبت عليه إعادته إليه ـ أي إلى المالك ـ ما لم يكن مأذوناً بالتصرّف فيه حتى على هذا التقدير.
14 ـ يجزئ في الإنفاق على القريب بذل الطعام والأدام ونحوهما له في دار المُنفِق ، ولا يجب نقلها إليه في دار اُخرى ، ولو طلب المنفَق عليه ذلك لم تجب إجابته ، إلاّ إذا كان له عذر من استيفاء النفقة في بيت المنفِق من حرّ أو برد أو وجود من يؤذيه هناك أو نحو ذلك.
15 ـ نفقة الأقارب تقبل الإسقاط بالنسبة إلى الزمان الحاضر على الأظهر ، ولا تقبل الإسقاط بالنسبة إلى الأزمنة المستقبلة.
16 ـ لا تُقضى ولا تُتدارك نفقة الأقارب لو فاتت في وقتها وزمانها ولو بتقصير من المُنفِق ، ولا تستقرّ في ذمّته ـ أي في ذمّة المنفق ـ بخلاف نفقة الزوجة كما مرّ ـ أي لا تسقط وإن فات وقتها ـ نعم لو أخلّ بالإنفاق الواجب عليه ورفع من له الحقّ ـ أي الذي تجب نفقته ـ أمره إلى الحاكم الشرعي فأذن له في الاستدانة عليه ـ أي يستدين من شخص ويكون الوفاء على الذي يجب أن ينفِق ـ ففعل اشتغلت ذمّته بما استدانه ووجب عليه أداؤه.
17 ـ إذا دافع وامتنع من وجبت عليه نفقة قريبة عن بذلها جاز لمن له الحقّ
إجباره عليه ، ولو باللجوء إلى الحاكم وإن كان جائراً. وإن لم يمكن إجباره ، فإن كان له مال جاز له أن يأخذ منه بمقدار نفقته بإذن الحاكم الشرعي ، وإلاّ ـ أي وإن لم يكن له مال ـ جاز له ـ أي لمن له الحقّ ـ أن يستدين على ذمّته بإذن الحاكم ، فتشتغل ذمّته ـ أي ذمّة من وجب عليه الانفاق ـ بما استدانه ويجب عليه قضاؤه ، وإن تعذّر عليه ـ أي على صاحب الحقّ ـ مراجعة الحاكم رجع إلى بعض عدول المؤمنين ، واستدان عليه بإذنه ، فيجب عليه أداؤه.
كتاب الطلاق
شروط المطلِّق
يشترط في المطلِّق أُمور :
الأمر الأوّل البلوغ : فلا يصح طلاق الصبيّ ، لا مباشرة ولا بتوكيل الغير وإن كان مميّزاً ـ والمميِّز : هو الذي يدرك الطلاق ويعقله ـ وإن لم يبلغ عشر سنين ، وأمّا طلاق من بلغها ـ أي العشر سنين ـ ففي صحته إشكال ، فلا يترك مقتضى الاحتياط فيه(1) .
2 ـ كما لا يصح طلاق الصبيّ بالمباشرة ولا بالتوكيل ، لا يصح طلاق وليّه عنه ، كأبيه وجدّه فضلاً عن الوصي والحاكم الشرعي.
الأمر الثاني العقل : فلا يصح طلاق المجنون وإن كان جنونه أدواريّاً ـ أي غير مستغرق لجميع الوقت ، بل يجنّ في بعض الأوقات ويرجع إلى عقله في الأوقات الاُخرى ـ إذا كان الطلاق في دور جنونه.
3 ـ يجوز للأب والجدّ للأب أن يطلّق عن المجنون المطبق ـ أي غير الإدواري ـ زوجته مع مراعاة مصلحته ، سواء بلغ مجنوناً ـ أي وصل إلى سنّ البلوغ وهو مجنون ـ أو عرض عليه الجنون بعد البلوغ ، فإن لم يكن له أب ولا جدّ كان الأمر إلى الحاكم الشرعي.
وأمّا المجنون الإدواري فلا يصح طلاق الولي عنه وإن طال دوره ، بل يطلّق هو
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
حال إفاقته ، وكذا السكران والمغمى عليه فإنّه لا يصح طلاق الولي عنهما ، بل يطلّقان حال إفاقتهما.
الأمر الثالث القصد : بأن يقصد الفراق حقيقةً ، فلا يصح طلاق السكران ونحوه ممّن لا قصد له معتدّاً به ، وكذا لو تلفّظ بصيغة الطلاق في حالة النوم ، أو هزلاً ، سهواً أو غلطاً أو في حال الغضب الشديد الموجب لسلب القصد ، فإنّه لا يؤثر في الفرقة ، وكذا لو أتى بالصيغة للتعليم أو الحكاية أو التلقين ، أو مداراةً لبعض نسائه مثلاً ولم يردّ الطلاق جدّاً.
4 ـ إذا طلّق ثمّ ادّعى عدم القصد فيه ، فإن صدّقته المرأة فهو ـ أي فلا يقع الطلاق ـ وإلاّ ـ أي وإن لم تصدّقه ـ لم يسمع منه ، أي يقع الطلاق.
الأمر الرابع الاختيار : فلا يصح طلاق المكرَه ومن بحكمه ، أي المضطرّ على الطلاق لسبب ما.
5 ـ الإكراه : وهو إلزام الغير بما يكرهه بالتوعيد على تركه بما يضرّ بحاله ممّا لا يستحقّه ، مع حصول الخوف له من ترتّبه ، أي من ترتّب الضرر ، ويلحق به ـ موضوعاً أو حكماً ـ ما إذا أمره بإيجاد ما يكرهه مع خوف المأمور من إضراره به لو خالفه وإن لم يقع منه توعيد أو تهديد(1) ، وكذا لو أمره بذلك وخاف المأمور من قيام الغير بالإضرار به على تقدير مخالفته ، وهذا هو مثال ما يلحق به حكماً.
ولا يلحق به موضوعاً ولا حكماً ما إذا أوقع الفعل مخافة إضرار الغير به على تقدير تركه من دون إلزام منه إيّاه ، كما لو تزوّج امرأة ثمّ رأى أنّها لو بقيت في عصمته
__________________
(1) الإلزام بما يكرهه موضوعاً : بمعنى أن الآمر يريد منه إيجاد شيء يكرهه ـ مع خوف المأمور من الضرر ـ حتى وإن لم يوعده أو يهدّده.
لوقعت عليه وقيعة من بعض أقربائها ، فالتجأ إلى طلاقها فإنّه لا يضرّ ذلك بصحة الطلاق.
وهكذا الحال فيما إذا كان الضرر المتوعّد به ممّا يستحقّه ، كما إذا قال وليّ الدم للقاتل : طلّق زوجتك وإلاّ قتلتك ، أو قال الدائن للغريم : طلّق زوجتك وإلاّ طالبتك بالمال ، فطلّق فإنّه يصح طلاقه في مثل ذلك.
6 ـ المقصود بالضرر الذي يخاف من ترتّبه ـ على تقدير عدم الإتيان بما اُلزم به ـ ما يعمّ الضرر الواقع على نفسه وعرضه وماله ، وعلى بعض من يتعلّق به ممّن يهمّه أمره.
7 ـ يعتبر في تحقّق الإكراه أن يكون الضرر المتوعّد به ممّا لا يتعارف تحمّله لمثله تجنّباً عن مثل ذلك العمل المكروه ، بحيث يعدّ عند العقلاء مُلجِأً إلى ارتكابه ، وهذا أمر يختلف باختلاف الأشخاص في تحمّلهم للمكاره ، وباختلاف العمل المكروه في شدّة كراهته وضعفها ، فربّما يعدّ الإيعاد بضرر معيّن على ترك عمل مخصوص موجِباً ـ أي مؤدّياً ـ لإلجاء شخص إلى ارتكابه ، ولا يعدّ موجِباً لإلجاء آخر إليه ، وأيضاً ربّما يعدّ شخص مُلجأ إلى ارتكاب عمل يكرهه بإيعاده بضرر معيّن على تركه ، ولا يعدّ ملجأً إلى ارتكاب عمل آخر مكروه له أيضاً بإيعاده بمثل ذلك الضرر ، أي ربّما يكون شخص واحد يتحمّل مشقّة وضرر الإكراه على عمل دون عمل آخر.
8 ـ يعتبر في صدق الإكراه عدم إمكان التفصّي ـ أي التخلّص ـ عنه بغير التورية ممّا لا يضرّ بحاله كالفرار والاستعانة بالغير ، ويعتبر فيه ـ أي في صدق عنوان الإكراه ـ عدم إمكان التفصّي بالتورية ولو من جهة الغفلة عنها ـ أي عن التورية ـ أو الجهل بها ، أو حصول الاضطراب المانع من استعمالها ، أو نحو ذلك.
9 ـ إذا أكرهه على طلاق إحدى زوجتيه ـ أي لا على وجه التعيين ـ فطلّق إحداهما المعيّنة تجنّباً من الضرر المتوعّد به بطل ، ولو طلّقهما معاً بإنشاء واحد صحّ فيهما ـ وكذا لو أكرهه على طلاق كلتيهما بإنشاء واحد فطلّقهما تدريجاً ـ أي لا دفعة واحدة ـ أو طلّق إحداهما فقط.
وأمّا لو أكرهه على طلاقهما ولو متعاقباً ـ أي واحدة بعد الأُخرى ـ وأوعده على ترك مجموع الطلاقين فطلّق إحداهما عازماً على طلاق الأُخرى أيضاً ، ثمّ بدا له فيه وبنى على تحمّل الضرر المتوعّد به فالأظهر بطلان طلاقها ، أي لا يقع طلاق واحدة منهما.
10 ـ لو أكرهه على أن يطلّق زوجته ثلاث طلقات بينها رجعتان ، فطلّقها واحدة أو اثنتين ، ففي بطلان ما أوقعه إشكال بل منع ـ أي لا يبطل الطلاق ـ إلاّ إذا كان متوعّداً بالضرر على ترك كلٍّ منها أو كان عازماً في حينه على الإتيان بالباقي ثمّ بدا له فيه وبنى على تحمّل الضرر المتوعّد به ، أو أنّه احتمل قناعة المكره بما أوقعه وإغماضه عن الباقي فتركه ونحو ذلك.
11 ـ إذا أوقع الطلاق عن إكراه ثمّ رضي به لم يفد ذلك في صحته ، وليسَ كالعقد المكره عليه الذي تعقّبه الرضى.
12 ـ لا حكم للإكراه إذا كان على حقّ ، فلو وجب عليه أن يطلّق وامتنع منه فاُكره عليه فطلّق صحّ الطلاق.
شروط المطلَّقة
يشترط في المطلَّقة اُمور :
الأمر الأوّل : أن تكون زوجة دائمة ، فلا يصحّ طلاق المتمتَع بها ، بل فراقها يتحقّق بانقضاء المدّة أو بذلها لها بأن يقول الرجل : ( وهبتك مدّة المتعة ) ، ولا يعتبر في صحة البذل الشروط المعتبرة في الطلاق من الإشهاد والخلوّ عن الحيض والنفاس وغيرهما.
الأمر الثاني : أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس ، فلا يصح طلاق الحائض ولا النفساء ، والمراد بهما ذات الدمين ـ أي دم الحيض والنفاس ـ فعلاً ، فلو نقيتا من الدمين ولمّا تغتسلا ـ أي قبل أن تغتسلا ـ من الحدث صحّ طلاقهما. وأمّا الطلاق الواقع في النقاء المتخلّل بين دمين من حيض أو نفاس واحد ، فلا يترك الاحتياط فيه بالاجتناب عنها ، وتجديد طلاقها بعد تحقّق الطهر ، أو مراجعتها ثمّ تطليقها.
وتستثنى من اعتبار الطهر ـ أي اشتراطه في طلاق المرأة ـ موارد :
أولا ـ أن لا تكون مدخولاً بها ، فيصح طلاقها وإن كانت حائضاً.
ثانياً ـ أن تكون مستبينة الحمل ـ أي قد ظهر حملها وصار معلوماً ـ فإنّه يصحّ طلاقها وإن كانت حائضاً بناءً على اجتماع الحيض والحمل ، كما مرّ في كتاب الطهارة.
مسائل متفرقة في شروط المطلقة
1 ـ لو طلّق زوجته غير مستبينة الحمل وهي حائض ، ثمّ علم أنّها كانت حاملاً وقتئذٍ بطل طلاقها ، وإن كان الأولى رعاية الاحتياط فيه ولو بتطليقها ثانياً ، أي يطلّقها
مرّة ثانية بعد ظهور حملها.
2 ـ أن يكون المطلِّق غائباً ، فيصحّ منه طلاقها وإن صادف أيام حيضها ، ولكن مع توفير شرطين :
أحدهما : أن لا يتيسّر له استعلام حالها ولو من جهة الاطمئنان الحاصل من العلم بعادتها الوقتيّة ، أو بغيره من الأمارات الشرعيّة.
ثانيهما : أن تمضي على انفصاله عنها مدّة شهر واحد على الأحوط وجوباً ، وأحوط منه مضيّ ثلاثة أشهر ، ولو طلّقها مع الإخلال بأحد الشرطين المذكورين وصادف أيام حيضها لم يحكم بصحة الطلاق.
3 ـ الظاهر أنّه لا فرق في صحة طلاق الغائب مع توفّر الشرطين المتقدّمين بين أن يكون المطلِّق هو الزوج ، أو الوكيل الذي فوّض إليه أمر الطلاق.
4 ـ الاكتفاء بمضيّ المدّة المذكورة في طلاق الغائب يختص بمن كانت تحيض ، فإذا كانت مسترابة ـ أي لا تحيض وهي في سنّ من تحيض ـ فلا بدّ من مضيّ ثلاثة أشهر من حين الدخول بها ، وحينئذٍ يجوز له طلاقها وإن احتمل طروء الحيض عليها حال الطلاق.
5 ـ إذا كان المطلِّق حاضراً ، لكن لا يصل الى الزوجة ليعلم حالها ; لمرض أو خوف أو سجن أو غير ذلك ، فهو بمنزلة الغائب ، فالمناط انفصاله عنها بحيث لا يعلم حالها من حيث الطهر والحيض ، وفي حكمه ما إذا كانت المرأة تكتم حالها عنه وأراد طلاقها فإنّه يجوز له أنّ يطلّقها مع توفّر الشرطين المتقدّمين.
6 ـ إذا انفصل عنها وهي حائض لم يجز له طلاقها ، إلاّ بعد مضيّ مدّة يقطع بانقطاع ذلك الحيض وعدم طروء حيض آخر ، ولو طلّقها بعد ذلك في زمان لم يعلم بكونها حائضاً صح طلاقها مع توفّر الشرطين المذكورين آنفاً ، وإن تبيّن وقوعه في
حال الحيض.
الأمر الثالث : أن تكون طاهراً طهراً لم يقاربها زوجها فيه ولو بغير انزال ، فلو قاربها في طهر لزمه الانتظار حتى تحيض وتطهر ، ثم يطلّقها من قبل أن يواقعها ، وتستثنى من ذلك :
أولا ـ الصغيرة واليائسة ، فإنّه يصحّ طلاقهما في طهر المواقعة.
ثانياً ـ الحامل المستبين حملها ، فانّه يصح طلاقها في طهر المواقعة أيضاً ، ولو طلّق غير المستبين حملها في طهر المجامعة ، ثم ظهر أنّها كانت حاملاً فالأظهر بطلان طلاقها ، وان كان الأولى رعاية الاحتياط ـ الاستحبابي ـ في ذلك ولو بتطليقها ثانياً.
ثالثاً ـ المسترابة ، أي التي لا تحيض وهي في سنّ من تحيض ، سواء أكان لعارض إتفاقي ، أم لعادة جارية في أمثالها ، كما في أيام إرضاعها أو في أوائل بلوغها فإنّه إذا أراد تطليقها اعتزلها ثلاثة أشهر ثمّ طلّقها فيصحّ طلاقها حينئذٍ وإن كان في طهر المواقعة ، وأمّا إن طلّقها قبل مضيّ المدّة المذكورة فلا يقع الطلاق.
7 ـ لا يشترط في تربّص ـ أي في انتظار ـ ثلاثة أشهر في المسترابة أن يكون اعتزاله عنها لأجل ذلك ، وبقصد أن يطلّقها بعد ذلك ، فلو واقعها ثمّ لم يتفق له المواقعة بسبب من الأسباب إلى أن مضى ثلاثة أشهر ثمّ بدا له أن يطلّقها صحّ طلاقها في الحال ، ولم يحتج إلى تجديد الاعتزال.
8 ـ إذا انفصل الزوج عن زوجته في طهر واقعها فيه لم يجز له طلاقها مادام يعلم بعدم انتقالها من ذلك الطهر إلى طهر آخر ، وأمّا مع الشكّ فيجوز له طلاقها بالشرطين المتقدّمين في شرطيّة عدم الحيض وعدم تيسّر استعلام حالها ومضيّ مدّة شهر واحد ولا يضرّ مع توفرهما ـ أي توفّر الشرطين ـ انكشاف وقوع الطلاق في طهر
المواقعة ، ولو طلّقها مع الإخلال بأحد الشرطين المذكورين لم يحكم بصحة الطلاق إلاّ إذا تبيّن وقوعه في طهر لم يجامعها فيه.
9 ـ إذا واقعها في حال الحيض عمداً أو جهلاً أو نسياناً لم يصح طلاقها في الطهر الذي بعد تلك الحيضة ، بل لا بدّ من إيقاعه في طهر آخر بعد حيض آخر ، لأنّ ما هو شرط في الحقيقة هو كونها مستبرأة بحيضة بعد المواقعة ، لا مجرّد وقوع الطلاق في طهر غير طهر المواقعة.
10 ـ إذا طلّق زوجته اعتماداً على استصحاب الطهر أو استصحاب عدم الدخول صحّ الطلاق ظاهراً ، وأمّا صحته واقعاً فتتّبع تحقّق الشرط واقعاً.
11 ـ إذا أخبرت الزوجة أنّها طاهرة فطلّقها الزوج أو وكيله ، ثمّ أخبرت أنّها كانت حائضاً حال الطلاق لم يقبل خبرها إلاّ بالبيّنة ـ أي مع إقامة الشهادة من عدلين ـ ويكون العمل على خبرها الأوّل ـ أي كونها طاهرة ـ ما لم يثبت خلافه.
12 ـ إذا طلَّقها ثمّ ادّعت بعده أنّ الطلاق وقع في حال الحيض ، وأنكره الزوج ، كان القول قوله مع يمينه ما لم يكن مخالفاً للظاهر.
الأمر الرابع : تعيين المطلَّقة ، بأن يقول : ( فلانة طالق ) أو يشير إليها بما يرفع الإبهام والإجمال ، فلو كانت له زوجة واحدة فقال : ( زوجتي طالق ) صحّ ، ولو كانت له زوجتان أو أكثر وقال : ( زوجتي طالق ) ، فإن نوى معيّنة منهما أو منهنّ صحّ وقُبل تفسيرة من غير يمين ، وإن نوى غير معيّنة بطل على الأقوى.
شروط الطلاق
1 ـ يشترط في صحة الطلاق أُمور :
الأمر الأوّل : الصيغة الخاصّة ، وهي قوله : ( أنتِ طالق ) ، أو ( فلانة طالق ) ، أو
( هذه طالق ) وما أشبه ذلك من الألفاظ الدالّة على تعيين المطلّقة والمشتملة على لفظة ( طالق ) ، فلا يقع الطلاق بقوله : ( أنتِ أو هي مطلّقة ، أو طلاق ، أو الطلاق ، أو طلّقت فلانه أو طلقتك ) ، فضلاً عن الكنايات كقوله : ( أنتِ خليّة أو بريّة ، أو حبلك على غاربك ، أو إلحقي بأهلك ) وغير ذلك ، فإنّه لا يقع به الطلاق وإن نواه حتى قوله : ( اعتدّي ) المَنْويّ به الطلاق على الأقوى.
2 ـ يجوز إيقاع طلاق أكثر من زوجة واحدة بصيغة واحدة ، فلو كانت عنده زوجتان أو ثلاث فقال : ( زوجتاي طالقان أو زوجاتي طوالق ) صح طلاق الجميع.
3 ـ لا يقع الطلاق بما يرادف الصيغة المذكورة من سائر اللغات مع القدرة على إيقاعه بتلك الصيغة ، وأمّا مع العجز عنه وعدم تيسّر التوكيل أيضاً فيجزئ إيقاعه بما يرادفها بأيّة لغة كانت.
4 ـ لا يقع الطلاق بالإشارة ولا بالكتابة مع القدرة على النطق ، وأمّا مع العجز عنه ـ كما في الأخرس ـ فيصح منه إيقاعه بالكتابة وبالإشارة المفهمة على نحو يبرز سائر مقاصده ، والأحوط الأولى ـ أي استحباباً ـ تقديم الكتابة لمن يعرفها على الإشارة.
5 ـ إذا خيّر زوجته وقصد تفويض الطلاق إليها فاختارت نفسها بقصد الطلاق لم يقع به الطلاق على الأظهر ، وكذا لو قيل له : هل طلّقت زوجتك فلانة ؟ فقال : نعم ، بقصد إنشاء الطلاق فإنّه لا يقع به الطلاق على الأقوى.
6 ـ يجوز للزوج أن يوكّل غيره في تطليق زوجته بالمباشرة أو بتوكيل غيره ، سواء أكان الزوج غائباً أم حاضراً ، بل وكذا له أن يوكّل الزوجة في تطليق نفسها بنفسها أو بتوكيل غيرها.
7 ـ يجوز أن يوكّلها في طلاق نفسها مطلقاً ـ أي في كلّ وقت وعلى أي حال ، أو في حالات خاصة ـ أي في حال سفره وغيبته مثلاً ـ ولا يشترط فيها أن يكون الشرط قيداً للموكَّل فيه ـ أي لا يشترط أن تقول الزوجة للزوج في عقد نكاحها معه : أقبلتَ أن أزوجك نفسي بشرط أن تجعلني وكيلةً عنك في طلاقي منك ؟ بل يجوز أن يكون تعليقاً لأصل الوكالة(1) .
الأمر الثاني : التنجيز ، فلو علّق الطلاق على أمر مستقبلي ـ أي يحصل في المستقبل ـ معلوم الحصول أو متوقّع الحصول ، أوامر حالي ـ أي أمر يتحقّق في الوقت الحاضر ـ محتمل الحصول مع عدم كونه مقوّماً لصحة الطلاق ـ كتعليقه على كونها زوجته ـ بطل ، فلوقال : إذا طلعت الشمس فأنت طالق ، أو : إذا جاء زيد فأنت طالق ، بطل. وإذا علّقه على أمر حالي معلوم الحصول كما إذا اشار الى يده وقال : إن كانت هذه يدي فانت طالق ، أو علّقة على أمر حالي مجهول الحصول ولكنّه كان مقوِّماً لصحة الطلاق كما إذا قال : إن كنتِ زوجتي فأنت طالق صح.
الأمر الثالث : الإشهاد ، بمعنى إيقاع الطلاق بحضور رجلين عدلين يسمعان الإنشاء ، سواء قال لهما : اشهدا ، أولم يقل.
ويعتبر اجتماعهما حين سماع الانشاء ، فلو شهد أحدهما وسمع في مجلس ثم كرّر ـ أي المطلِّق ـ اللفظ وسمع الآخر ـ أي الشاهد الآخر ـ في مجلس آخر بانفراده لم يقع الطلاق ، نعم لو شهدا ـ أي لو شهدا ـ أي كلاهما ـ بإقراره بالطلاق لم يعتبر
__________________
(1) أي يجوز أن يجعل المرأة وكيلةً له في طلاق نفسها في حال سفره أو حبسه من دون ذكر أداة الشرط في ضمن الوكالة فيقول مثلاً ( أنتِ وكيلتي في طلاق نفسك في حالة حبسي او سفري ).
اجتماعهما ـ أي لا يشترط أن يكونا معاً ـ لا في تحمل الشهادة ـ أي حينما سمعا إقراره ولا في أدائها حينما شهدا بإقراره. ولا اعتبار بشهادة النساء ـ أي لا يعتمد على شهادتهن ـ وسماعهنّ ، لا منفردات ولا منضمّات إلى الرجال.
8 ـ لا يعتبر في الشاهدين معرفة المرأة بعينها بحيث تصح الشهادة عليها ، فلو قال : ( زوجتي هند طالق ) بمسمع الشاهدين صحّ وإن لم يكونا يعرفان هنداً بعينها ، بل وإن اعتقدا غيرها.
9 ـ إذا طلّق الوكيل عن الزوج لا يكتفى به مع عدل آخر في الشاهدين ـ أي لا بدّ من وجود شاهدين غير الوكيل في إجراء الصيغة ـ كما أنّه لا يكتفى بالموكَّل مع عدل آخر ، ويكتفى بالوكيل عن الزوج في توكيل الغير مع عدل آخر.
10 ـ المقصود بالعدل هنا ما هو المقصود به في سائر الموارد ممّا رتّب عليه بعض الأحكام ، وهو من كان مستقيماً في جادّة الشريعة المقدّسة لا ينحرف عنها بترك واجب أو فعل حرام من دون مؤَمِّن ـ كفتوى مرجعه أو جهله القصوري أو اضطراره ونحو ذلك ـ وهذه الاستقامة تنشأ غالباً من خوف راسخ في النفس ، ويكفي في الكشف عنها حسن الظاهر ، أي حسن المعاشرة والسلوك الديني.
11 ـ إذا كان الشاهدان فاسقين ـ في الواقع ـ بطل الطلاق واقعاً وإن اعتقد الزوج أو وكيله أو هما معاً عدالتهما حين وقوع الطلاق ، ولو انعكس الحال بأن كانا عدلين في الواقع صحّ الطلاق واقعاً وإن اعتقد الزوج أو وكيله أو هما معاً فسقمها ، فمن اطّلع على واقع الحال عمل بمقتضاه ، وأمّا الشاكّ فيكفيه احتمال إحراز عدالتهما عند المطلِّق ، فيبني على صحة الطلاق ما لم يثبت عنده الخلاف ، ولا يجب عليه الفحص عن حالهما ، أي عن عدالتهما.
12 ـ لا يعتبر في صحة الطلاق اطّلاع الزوجة عليه فضلاً عن رضاها به.
في أقسام الطلاق
الطلاق على قسمين :
القسم الأوّل : الطلاق البدعي ، وهو : الطلاق غير الجامع للشرائط المتقدّمة : كطلاق الحائض الحائل ـ أي غير الحامل ـ أو النفساء حال حضور الزوج مع إمكان معرفة حالها أو مع غيبته ، كذلك.
والطلاق في طهر المواقعة مع عدم كون المطلَّقة يائسة أو صغيرة أو مستبينة الحمل.
والطلاق المعلّق ، أي الطلاق يعلّقه على أمر ما لو حصل تكون الزوجة طالقاً.
وطلاق المسترابة ـ وهي المرأة التي لا تحيض وكانت في سنّ من تحيض ـ قبل انتهاء ثلاثة أشهر من انعزالها.
والطلاق بلا إشهاد عدلين.
وطلاق المُكْرَه.
وطلاق الثلاث ، أي يقول : طلقتك ثلاثاً ، أو يقول : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، وغير ذلك.
والجميع باطل عند الإمامية ، إلاّ طلاق الثلاث على تفصيل يأتي فيه ، ولكن غيرهم من أصحاب المذاهب الإسلامية يرون صحتها كلاّ أو بعضاً ، أي يرون صحة كلّ هذه الأنواع من الطلاق أو بعضها.
1 ـ من أقسام الطلاق البدعي ـ كما مرّ ـ طلاق الثلاث ، إمّا مرسلاً بأن يقول : ( هي طالق ثلاثاً ) ، وإمّا ولاءً بأن يكرّر صيغة الطلاق ثلاث مرّات كأن يقول : ( هي
طالق ، هي طالق ، هي طالق ) من دون تخلّل رجعة في البين قاصداً تعدّد الطلاق.
وفي النحو الثاني يقع الطلاق واحداً ويلغي الآخران ، وأمّا في النحو الأوّل فإن أراد به ما هو ظاهره من إيقاع ثلاث طلقات أي قصد طلاقها ثلاث مرّات واقعاً ـ فالأظهر بطلانه وعدم وقوع طلاق به أصلاً ، وكذا إذا قصد به إيقاع البينونة ـ أي الانفصال والفرقة ـ الحاصلة بالطلاق ثلاث مرّات ـ أي الموجبة للحرمة حتى تنكح زوجاً غيره ، وأمّا إذا أراد إيقاع الطلاق بقوله : ( هي طالق ) أوّلاً ثمّ اعتبره بمثابة ثلاث طلقات بقوله : ( ثلاثاً ) ثانياً ـ بأن احتوت هذه الكلمة إنشاءً مستقلاً عن إنشاء الطلاق قبلها بقوله : ( هي طالق ) ـ فالظاهر وقوع طلاق واحد به.
2 ـ إذا طلّق غير الإمامي زوجته بطلاق صحيح على مذهبه ، فاسد حسب مذهبنا جاز للإمامي ـ إقراراً له على مذهبه ـ أن يتزوّج مطلَّقته بعد انقضاء عدّتها إذا كانت ممّن تجب عليها العدّة في مذهبه ، كما يجوز للمطلَّقة نفسها إذا كانت من الإماميّة أن تتزوّج من غيره كذلك.
وهكذا إذا طلّق غير الإمامي زوجته ثلاثاً ، وهو يرى وقوعه ثلاثاً وحرمتها عليه حتى تنكح زوجاً غيره ، اُقِرَّ على مذهبه ـ أي لا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره ـ فلو رجع إليها حُكِمَ ببطلان رجوعه ، فيجوز للإمامي أن يتزوّج مطلَّقته ـ بعد انقضاء عدّتها إذا كانت ممّن تجب عليها العدّة في مذهبه ، كما يجوز لمطلّقته الإماميّة أن تتزوّج من غيره كذلك.
3 ـ إذا طلّق غير الإمامي زوجته بطلاق صحيح على مذهبه فاسد عندنا ، ثمّ رجع إلى مذهبنا ، يلزمه ترتيب آثار الصحة على طلاقه السابق ، وكذا زوجته غير الإماميّة ترتّب عليه آثار الطلاق الصحيح ، وإن رجعت إلى مذهبنا ، فلو كان الطلاق
رجعيّاً على تقدير وجدانه للشرائط المعتبرة عندنا جاز له الرجوع إليها في العدّة ، ولا يجوز له ذلك بعدها إلاّ بعقد جديد.
4 ـ إذا طلّق غير الإمامي زوجته طلاق الثلاث بأحد الأنواع الثلاثة المتقدّمة معتقداً تحقّق البينونة الحاصلة بطلاق الثلاث به ـ أي الموجبة للحرمة المؤقتة حتى تنكح زوجاً غيره ـ ثمّ رجع إلى مذهبنا ، فالظاهر أنّه لا يلزمه عندئذ إلاّ ترتيب آثار طلاق واحد صحيح عليه ، ولا يلزمه حكم طلاق الثلاث الواجد للشرائط عندنا لكي لا يسعه الرجوع إليها إلاّ بمحلّل.
القسم الثاني : الطلاق السنّي بالمعنى الأعمّ ، وهو : الطلاق الجامع للشرائط المتقدّمة ، وهو على قسمين : بائن ، ورجعي.
والأوّل : ما ليس للزوج الرجوع إلى المطلّقة بعده ، سواء أكانت لها عدّة أم لا.
والثاني : ما يكون للزوج الرجوع إليها في العدّة ، سواء رجع إليها أم لا.
وسواء أكانت العدّة بالأقراء ـ أي تحسب المرأة عدّتها بالقروء ـ وهي ثلاث أطهار ، أم بالشهور ، أم بوضع الحمل.
وهناك قسم ثالث يسمّى ب ( الطلاق العدّي ) وهو مركّب من القسمين الأوّلين على ما سيأتي تفصيله.
كما أنّ هناك مصطلحين آخرين للطلاق السنّي غير ما تقدّم :
أحدهما : الطلاق السنّي ، في مقابل الطلاق العدّي ، ويراد به : أن يطلّق الزوجة ثمّ يراجعها في العدّة من دون جماع.
والثاني : الطلاق السنّي بالمعنى الأخصّ ، ويقصد به أن يطلّق الزوجة ولا يراجعها حتى تنقضي عدّتها ، ثمّ يتزوّجها من جديد.
الطلاق البائن
(1) طلاق الصغيرة التي لم تبلغ التسع وإن دخل بها عمداً أو اشتباهاً.
(2) طلاق اليائسة.
(3) الطلاق قبل الدخول ، وهذه الثلاث ليس لها عدّة كما سيأتي.
(4) الطلاق الذي سبقه طلاقان إذا وقع منه رجوعان ـ أو ما بحكمها(1) ـ في البين دون ما لو وقعت الثلاث ـ أي الرجوعات الثلاث ـ متوالية كما تقدّم.
(5) طلاق الخلع والمباراة ـ وسيأتي بيان حقيقتها ـ مع عدم رجوع الزوجة فيما بذلت ، وإلاّ كانت له الرجعة.
(6) طلاق الحاكم الشرعي زوجة الممتنع عن الطلاق وعن الإنفاق عليها.
هذه أقسام الطلاق البائن ، وأمّا غيرها فهو طلاق رجعي يحقّ للمطلّق أن يراجع المطلّقة مادامت في العدة.
1 ـ إذا طلّق زوجته غير المدخول بها ولكنّها كانت حاملاً منه بدخول مائه في قبلها بعلاج أو بدونه ، كان طلاقها رجعيّاً وتعتّد منه عدّة الحامل.
2 ـ المطلّقة بائناً بمنزلة الأجنبيّة من مطلّقها ; لانقطاع العصمة بينهما تماماً بمجرّد الطلاق ، فلا يجب عليها إطاعته أثناء العدّة ، ولا يحرم عليها الخروج من بيتها بغير إذنه ، ولا تستحقّ عليه النفقة ، نعم إذا كانت حاملاً منه استحقّت النفقة عليه حتى تضع حملها.
__________________
(1) العقد الجديد بحكم الرجوع في الطلاق.
الطلاق الرجعي
المطلّقة رجعيّاً زوجة حقيقة أو حكماً ـ أي حكمها حكم الزوجة الحقيقة ـ مادامت في العدّة ، فيجب عليها تمكينه من نفسها فيما يستحقّ من الاستمتاعات الزوجيّة ، ويجوز بل يستحب لها إظهار زينتها له ، ولا يجوز لها الخروج من بيته بغير إذنه ، وتستحقّ عليه النفقة إذا لم تكن ناشزة ـ أي خارجة عن حدّ الطاعة ـ ويكون كفنها وفطرتها(1) عليه ، ولا يجوز له النكاح من اُختها أو من الخامسة ـ أي يتزوّج زوجة خامسة ـ قبل انقضاء عدّتها ، ويتوارثان إذا مات أحدهما أثناءها ـ أي أثناء العدّة ـ وغير ذلك من الأحكام الثابتة للزوجة أو عليها.
3 ـ لا يجوز لمن طلّق زوجته رجعيّاً أن يخرجها من دار سكناها عند الطلاق حتى تنقضي عدّتها ، إلاّ أن تأتي بفاحشة مبيّنة وأبرزها الزنا ، وكذا لا يجوز لها الخروج منها بدون إذنه إلاّ لضرورة أو لأداء واجب مضيّق.
4 ـ قد ظهر ممّا تقدّم أنّه لا توارث بين الزوجين في الطلاق البائن مطلقاً ، وفي الطلاق الرجعي بعد انقضاء العدّة ، ولكنّه إذا كان الطلاق في حال مرض الزوج ومات وهو على هذا الحال قبل انقضاء السنة ـ أي اثنا عشر شهراً هلالياً ـ من حين الطلاق ورثت الزوجة منه على تفصيل سيأتي في كتاب الإرث إن شاء الله تعالى.
5 ـ إذا طلّق الرجل زوجته ثلاثاً مع تخلّل رجعتين أو ما بحكمهما(2) حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره ، سواء واقعها بعد كلّ رجعة وطلّقها في طهر آخر غير طهر المواقعة ـ أي غير الطهر الذي واقعها فيه أم لم يواقعها ، وسواء وقع كلّ طلاق في
__________________
(1) أي يجب عليه أن يعطي زكاة فطرتها ، لأنّه معيل بها وهي واجبة النفقة عليه.
(2) وهو العقد الجديد كما مرّ.
طهر أم وقع الجميع في طهر واحد ، فلو طلّقها مع الشرائط ، ثم راجعها ثمّ طلّقها ، ثمّ راجعها ثمّ طلقها في مجلس واحد حرمت عليه ، فضلاً عما إذا طلّقها ثمّ راجعها ثمّ تركها حتى حاضت وطهرت ، ثمّ طلّقها وراجعها ، ثمّ تركها حتى حاضت وطهرت ثم طلّقها.
6 ـ العقد الجديد بحكم الرجوع في الطلاق ، فلو طلّقها ثلاثاً بينها عقدان مستأنفان حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره ، سواء لم تكن لها عدّة ـ كما إذا طلّقها قبل الدخول ثمّ عقد عليها ثمّ طلقها ثمّ عقد عليها ثمّ طلّقها ـ أم كانت ذات عدّة وعقد عليها بعد انقضاء العدّة.
7 ـ الطلقات الثلاث إنّما توجب التحريم إذا لم تتزوّج المطلَّقة في أثنائها من رجل آخر ، وإلاّ انهدم حكم الطلاق السابق عليه ، وتكون كأنّها غير مطلّقة.فلو طلّق مرّة أو مرّتين فتزوّجت المطلّقة زوجاً آخر ثمّ فارقته فتزوّجها الأوّل لم تحرم عليه إذا طلّقها الثالثة ، بل يتوقّف التحريم على ثلاث تطليقات مستأنفة.
8 ـ إذا طلّقها ثلاثاً وانقضت مدّة فادّعت أنّها تزوّجت ، وفارقها الزوج الثاني ومضت العدّة ، فإن لم تكن متّهمة في دعواها صُدّقت ـ أي يؤخذ بكلامها إن اطمئن من صدقها ـ فيجوز للزوج الأوّل أن ينكحها بعقد جديد من غير فحص وتفتيش ، وإن كانت متّهمة فيما تدّعي فالأحوط لزوماً عدم العقد عليها قبل الفحص عن حالها.
9 ـ إذا دخل المحلّل ـ وهو المقصود في قوله تعالى( فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) (1) ـ فادّعت الدخول ولم يكذّبها صُدّقت وحَلّت للزوج الأوّل ، وإن كذّبها فيحتمل قبول قولها أيضاً ، ولكن الأحوط الاقتصار على صورة
__________________
(1) البقرة 2 : 230.
حصول الاطمئنان بصدقها.
ولو ادّعت الإصابة(1) ثمّ رجعت عن قولها ، فإن كان قبل أن يعقد الأوّل عليها لم تحل له ، وإن كان بعد العقد عليها لم يقبل رجوعها.
10 ـ لا فرق في الوطء المعتبر في المحلِّل(2) بين المحرَّم والمحلَّل ـ أي بين الوطء المحلّل أو المحرّم ـ فلو وطئها محرَّماً ، كالوطء في حال الإحرام ، أو في الصوم الواجب ، أو في الحيض ونحو ذلك كفى في حصول التحليل للزوج الأوّل.
11 ـ لو شكّ الزوج في إيقاع أصل الطلاق على زوجته لم يلزمه الطلاق ، بل يحكم ظاهراً ببقاء علقة النكاح ، ولو علم بأصل الطلاق وشكّ في عدده بنى على الأقلّ ، سواء أكان الطرف الأكثر الثلاث أم التسع ـ أي شكّ بين التسع وما دونها أو الثلاث وما أقلّ منها ـ أم غيرهما ، فلا يحكم مع الشكّ بالحرمة غير المؤبّدة في الأوّل ـ أي حالة الشكّ بين الثلاث وما دونها ـ ولا بالحرمة الأبديّة في الثاني أي حالة الشكّ بين التسع ودونها ـ ولوشكّ بين الثلاث والتسع فالأظهر البناء على الأوّل فتحلّ له بالمحلِّل.
12 ـ إذا ادّعت الزوجة أنّ زوجها طلّقها وأنكر هو كان القول قوله بيمنه ، وإن انعكس الأمر بأن ادّعى الزوج أنّه طلّقها وأنكرت فالأظهر أنّ القول قولها بيمينها ، ولو كان نزاعهما في زمان وقوع الطلاق بعد ثبوته ، أو اتفاقهما عليه بأن ادّعى أنّه طلّقها قبل سنة مثلاً حتى لا تستحقّ عليه النفقة وغيرها من حقوق الزوجيّة في تلك المدّة ، وادّعت هي تأخّره ، فالظاهر أنّه لا إشكال في تقديم قولها بيمينها.
__________________
(1) أي إصابة قولها للواقع ، وصدّق مدّعاها.
(2) الوط المحلِّل هو الذي تحل به المرأة لزوجها السابق الذي طلّقها.
ثمّ إنّ تقديم قول الزوج أو الزوجة مع اليمين في هذه الموارد منوط بعد كونه مخالفاً للظاهر ، وإلاّ قدّم قول خصمه بيمينه إذا لم يكن كذلك كما مرّ في نظائرها.
في أحكام الرجعة
تتحقّق الرجعة بأحد أمرين :
الأوّل : أن يتكلّم بكلام دالّ على إنشاء الرجوع كقوله : ( راجعتُكِ أو رجعتُكِ أو ارتجَعتُكِ إلى نكاحي ) ونحو ذلك ، ولا يعتبر فيه العربية ، بل تقع بكلّ لغة إذا كان بلفظ يفيد المعنى المقصود في تلك اللغة.
الثاني : أن يأتي بفعل يقصد به الرجوع إليها ، فلا تتحقّق بالفعل الخالي عن قصد الرجوع حتى مثل النظر بشهوة على الأظهر ، نعم في تحقّقه باللمس والتقبيل بشهوة من دون قصد الرجوع إشكال ، وأمّا الوطء فالظاهر تحقّق الرجوع به مطلقاً وإن لم يقصد به ذلك ، بل يحتمل قوياً تحقّق الرجوع به وإن قصد العدم.
نعم ، لا عبرة بفعل الغافل والساهي والنائم ونحوهم ممّن لم يقصد الفعل ، كما لا عبرة بالفعل المقصود به غير المطلّقة ، كما لو واقعها باعتقاد أنّها غيرها.
1 ـ لا يعتبر الإشهاد ـ أي الإتيان بالشهود ـ في الرجعة ، فتصحّ بدونه وإن كان الإشهاد أفضل ؛ حذراً عن وقوع التخاصم والنزاع ، وكذا لا يعتبر فيها اطّلاع الزوجة عليها ـ أي على الرجعة ـ فلو راجعها عند نفسه من دون اطلاع أحد صحت الرجعة.
2 ـ يصح التوكيل في الرجعة ، فإذا قال الوكيل : ( أرجعتُكِ إلى نكاح موكّلي ) أو ( رَجَعتُ بك ) قاصداً ذلك صحّ.
3 ـ لو أنكر الزوج أصل الطلاق وهي في العدّة كان ذلك رجوعاً وإن علم كذبه.
4 ـ يثبت الرجوع بمجرّد ادّعاء الزوج وإخباره به إذا كان في أثناء العدّة ، ولو
ادّعاه بعد انقضائها ولم تصدّقة الزوجة لم تقبل دعواه إلاّ بالبيّنة ، غاية الأمر أنّ له استحلافها ـ أي يطلب منها أن تحلف ـ على نفي الرجوع في العدّة لوأنكرته ، ولو قالت : لا أدري ، فله أن يستحلفها على نفي العلم ، أي يطالبها بأن تخلف على أنّها لا تعلم بالرجعة.
5 ـ تثبت دعوى الرجوع بعد انقضاء العدّة بشهادة رجلين عادلين ، والأقرب ثبوتها بشهادة رجل عادل وامرأتين عادلتين ، ولا تثبت بشهادة رجل عادل ويمين الزوج على الأظهر.
6 ـ إذا رجع الزوج فادّعت الزوجة انقضاء عدّتها وأنكر كان القول قولها بيمينها ما لم تكن متّهمة ـ أي ما لم يشكّ بصدقها في دعواها ـ كما إذا ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث مرّات فانقضت عدّتها ـ فإنّه لايقبل قولها حينئذٍ إلاّ بالبيّنة.
7 ـ إذا اتفقا على الرجوع وانقضاء العدّة واختلفا في المتقدّم منهما ، فادّعى الزوج أنّ المتقدّم هو الرجوع ، وادّعت هي أنّ المتقدّم انقضاء العدّة ، فالأقرب أنّ القول قول الزوجة بيمينها ما لم تكن متّهمة ، سواء أكان تاريخ انقضاء العدّة معلوماً وتاريخ الرجوع مجهولا ، أم كان الأمر بالعكس ، أم كانا مجهولي التاريخ.
8 ـ إذا طلّق وراجع فأنكرت الدخول بها قبل الطلاق ; لئلا تكون عليها عدّة ولاتكون له الرجعة ، وادّعى هو الدخول ، كان القول قولها مع يمينها إلاّ إذا كان مخالفاً للظاهر ، كما إذا عاشا معاشرة من دون وجود مانع شرعي أو غيره لأيّ منهما عن الدخول.
9 ـ الظاهر أنّ جواز الرجوع في الطلاق الرجعي حكم شرعي غير قابل للإسقاط ، وليس حقّاً قابلاً للإسقاط كالخيار في البيع الخياري ، فلو قال الزوج :
( أسقطت ما كان لي من حقّ الرجوع ) لم يسقط وكان له الرجوع بعد ذلك ، وكذلك إذا صالح عنه بعوض أو غير عوض.
العُدد
عدّة الطلاق
1 ـ الصغيرة التي لم تكمل تسع سنوات ، فإنّه لا عدّة عليها وإن دخل بها زوجها اشتباهاً أو على وجه محرّم.
2 ـ اليائسة ، لا تجب عليها العدّة وإن كانت مدخولاً بها ، ويتحقّق اليأس بعد انقطاع دم الحيض وعدم رجاء عوده لكبر سنّ المرأة ببلوغها خمسين سنة قمريّة ، سواء في ذلك القرشيّة(1) وغيرها على الأظهر.
3 ـ إذا طُلّقت ذات الإقراء ـ أي التي تكون عدّتها بالقروء ـ قبل بلوغ سنّ اليأس ورأت الدم مرّة أو مرّتين ثمّ يئست أكملت العدّة بشهر أو شهرين ، وكذلك ذات الشهور إذا اعتدّت شهراً أو شهرين ثمّ يئست أتمّت ثلاثة.
4 ـ إذا ادّعت المرأة أنّها بلغت سنّ اليأس لم يقبل قولها إلاّ بالبيّنة على الأظهر.
5 ـ المطلّقة التي تجب عليها العدّة على أقسام :
القسم الأوّل : المطلّقة غير الحامل التي يكون الطهر الفاصل بين حيضتين منها أقلّ من ثلاثة أشهر ، وعدّتها ثلاثة قروء ، سواء أكانت مستقيمة الحيض بأن كانت تحيض في كلّ شهر مرّة كما هو المتعارف في أغلب النساء ، أم كانت تحيض في كلّ شهر أزيد من مرّة ، أو كانت تحيض في كلّ شهرين مرّة ، وسواء أكانت معتادة
__________________
(1) القرشية : هي التي تنتسب إلى قريش من طرف الأب ، والتي تسمّى في عرفنا بالعلوية.
بأقسامها ـ أي سواء كانت وقتية ، أم عدديّة ، أم وقتية وعدديّة ، مضطربة ـ أم لا.
6 ـ المراد بالقروء الأطهار ، ويكفي في الطهر الأوّل مسمّاه ولوكان قليلاً ، فلو طلّقها فحاضت بحيث لم يتخلّل زمان طهر بين إجراء صيغة الطلاق والحيض ، لم يحسب ذلك الطهر الذي وقع فيه الطلاق من الأطهار الثلاثة ، واحتاجت في انتهاء عدّتها إلى أطهار ثلاثة اُخرى ، فتنتهي عدّتها برؤية الحيضة الرابعة ، ولو تخلّل زمان طهر بين الطلاق والحيض ولوكان لحظة احتسب ذلك الطهر اليسير من الأطهار الثلاثة وانتهت عدّتها برؤية الحيضة الثالثة ، والظاهر أنّه لا فرق بين الحيض الطبيعي وماكان بعلاج ، وكذا الحال في الطهر.
7 ـ بناءً على ما تقدّم من كفاية مسمّى الطهر في الطهر الأوّل ولو لحظة ، وإمكان أن تحيض المرأة في شهر واحد أزيد من مرّة ، فأقلّ زمان يتمكّن أن تنقضي به العدّة ستّة وعشرون يوماً ولحظتان ، بان كان طهرها الأوّل لحظة ثمّ تحيض ثلاثة أيام ، ثمّ ترى أقلّ الطهر عشرة أيام ، ثمّ تحيض ثلاثة أيام ، ثمّ تحيض ، فبمجرّد رؤية الدم الأخير لحظة من أوّله تنقضي العدّة ، وهذه اللحظة الأخيرة خارجة عن العدّة ، وإنّما يتوقّف عليها تماميّة الطهر الثالث.
القسم الثاني : المطلّقة غير الحامل التي يكون الطهر الفاصل بين حيضتين منها ثلاثة أشهر أو أزيد ، وعدّتها ثلاثة أشهر.
القسم الثالث : المطلّقة غير الحامل التي تكون مسترابة ، وهي من لا تحيض مع كونها في سنّ من تحيض ، إمّا لكونها صغيرة السنّ لم تبلغ الحدّ الذي ترى الحيض فيه غالب النساء ، وإمّا لانقطاع حيضتها لمرض أو رضاع أو استعمال دواء ونحو ذلك ، وعدّتها ثلاثة أشهر أيضاً.
8 ـ المدار في الشهور على الشهر الهلالي ـ أي الهجري القمري ـ فإذا طلّقها في أوّل الشهر اعتدّت إلى ثلاثة أشهر هلاليّة ، وإذا طلّقها في أثناء الشهر اعتدّت بقيّة شهرها وشهرين هلاليّين آخرين ، ومقداراً من الشهر الرابع تكمل به نقص الشهر الأوّل ثلاثين يوماً على الأحوط وجوباً ، فمن طلّقت في غروب يوم العشرين من شهر رجب مثلاً ، وكان الشهر تسعة وعشرين يوماً ، وجب عليها أن تكمل نقص شهر رجب بالاعتداد إلى غروب اليوم الحادي والعشرين من شوال ليكتمل بضمّ ما اعتدّت به من شوال إلى أيّام العدّة من رجب ثلاثين يوماً.
9 ـ قد عُلم ممّا تقدم أنّ المرأة إذا كانت تحيض بعد كلّ ثلاثة أشهر مرّة ، فطلّقها زوجها في أوّل الطهر ومرّت عليها ثلاثة أشهر بيض ، فقد خرجت من العدّة وكانت عدّتها الشهور لا الأطهار ، وأنّه إذا كانت تحيض في كلّ ثلاثة أشهر مرّة بحيث لا تمرّ عليها ثلاثة أشهر بيض لا حيض فيها فهذه عدّتها الأطهار لا الشهور ، وأمّا إذا اختلف حالها فكانت تحيض في الحَرّ مثلاً في أقلّ من ثلاثة أشهر مرّة وفي البرد تحيض بعد كلّ ثلاثة أشهر مرّة اعتدّت بالسابق من الشهور والأطهار. فإن سبق لها ثلاثة أشهر بيض كانت عدّتها ـ أي كانت عدّتها بالشهور ـ وإن سبق لها ثلاثة أطهار كانت عدّتها أيضاً ، أي كانت عدّتها بالأطهار.
نعم إذا كانت مستقيمة الحيض ، فطلَّقها زوجها ورأت الدم مرّة ، ثمّ ارتفع على خلاف عادتها وجهل سببه وأنّه حَمْل أو سبب آخر ، فالمشهور أنّها تنتظر تسعة أشهر من يوم طلاقها ، فإن لم تضع اعتدّت بعد ذلك بثلاثة أشهر وخرجت بذلك عن العدّة ، ولكنّ هذا لا يخلو عن إشكال وإن كان هو الأحوط(1) .
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
القسم الرابع : المطلّقة الحامل ، وعدّتها مدّة حملها وإن كان حملها بإراقة ماء زوجها في فرجها من دون دخول ، وتنقضي عدّتها بأن تضع حملها ولو بعد الطلاق بساعة.
10 ـ الحمل الذي يكون وضعه منتهى عدّة الحامل ، شامل لما كان سقطاً تامّاً وغير تامّ حتى لو كان مضغة أو علقة.
11 ـ إذا كانت المطلّقة حاملاً باثنين أو أزيد لم تخرج من العدّة بوضع أحدهما ، بل لا بدّ من وضع الجميع.
12 ـ لا بدّ من العلم بوضع الحمل أو الاطمئنان به ، فلا يكفي الظنّ ـ وهو ماكان بدرجة 80% به فضلاً عن الشكّ ، نعم يكفي قيام الحجّة ـ أي الدليل ـ على ذلك كالبيّنة ـ أي شهادة عدلين ـ وإن لم تفد الظنّ.
13 ـ إنّما تنقضي العدّة بالوضع إذا كان الحمل ملحقاً بمن له العدّة ـ فلا عبرة بوضع من لم يلحق به في انقضاء عدّته ، فلو كانت حاملاً من الزنا قبل الطلاق ـ أي الطلاق الذي انفصلت به عن زوجها الشرعي لا الزاني بها ـ أو بعده لم تخرج من العدّة بالوضع ، بل يكون انقضاؤها بالإقراء والشهور كغير الحامل ، فوضع هذا الحمل لا أثر له أصلاً لا بالنسبة إلى الزاني لأنّه لا عدّة له ـ كما سيأتي ـ ولا بالنسبة إلى المطلِّق لأن الولد ليس له.
نعم ، إذا حملت من وطء الشبهة قبل الطلاق أو بعده بحيث يلحق الولد بالواطئ لا بالزوج ، فوضعه موجب لانقضاء العدّة بالنسبة إلى الواطئ ، لا بالنسبة إلى الزوج المطلِّق.
14 ـ لو وُطئت شبهةً ـ أي وطأها غير الزوج اشتباهاً ـ فحملت واُلحق الولد
بالواطئ ـ لبُعد الزوج عنها ، أو لغير ذلك ـ ثمّ طلّقها الزوج ، أو طلّقها ثمّ وطئت شبهة على نحو اُلحق الولد بالواطئ ، فعليها الاعتداد منهما جميعاً ، فتعتدّ أوّلاً لوطء الشبهة وتنقضي بالوضع ـ أي وضع الحمل ـ وتعتدّ بعده للطلاق ويكون مبدؤها بعد انقضاء نفاسها.
15 ـ إذا ادّعت المطلَّقة الحامل أنها وضعت فانقضت عدّتها وأنكر الزوج ، أو انعكس فادّعى الوضع وأنكرت هي ، أو ادّعت الحمل وأنكر ، أو ادّعت الحمل والوضع معاً وأنكرهما ، يقدّم قولها بيمينها في جميع ذلك من حيث بقاء العدّة وانقضائها ، لا من حيث سائر آثار الحمل ، ويشترط في تقديم قولها أن لا تكون متّهمة في دعواها ، وإلاّ لم تقبل إلاّ بالبيّنة.
16 ـ إذا اتفق الزوجان على إيقاع الطلاق ووضع الحمل ، واختلفا في المتقدّم والمتأخّر منهما ، فقال الزوج مثلاً : ( وضعتِ بعد الطلاق فانقضت عدتك ) ، وقالت الزوجة : ( وضعتُ قبل الطلاق فأنا بعدُ في العدّة ) ، أو انعكس فقال الزوج : ( وضعتِ قبل الطلاق فأنت بعدُ في العدّة ) وأراد الرجوع إليها ، وادّعت الزوجة خلافة ، فالظاهر أنّه يقدّم قولها بيمينها في بقاء العدّة وانقضائها ما لم تكن متّهمة ، بلا فرق في ذلك بين ما لم يتفقا على زمان أحدهما وما اتفقا عليه.
17 ـ مبدأ عدّة الطلاق من حين وقوعه ، حاضراً كان الزوج أو غائباً ، بلغ الزوجة الخبر أم لا ، فلو طلّقها غائباً ولم يبلغها إلاّ بعد مضيّ مدّة بمقدار العدّة ، فقد انقضت عدّتها وليس عليها عدّة بعد بلوغ الخبر إليها.
18 ـ لو علمت بالطلاق ولم تعلم وقت وقوعه حتى تحسب العدّة من ذلك الوقت ، اعتدّت من الوقت الذي تعلم بعدم تأخّره عنه ، والأحوط أن تعتّد من حين
بلوغ الخبر إليها ، بل هذا الاحتياط لا يترك(1) .
19 ـ تقدّم آنفاً أنّ المطلّقة غير المدخول بها لا تثبت عليها العدّة ، فإذا طلّق الرجل زوجته رجعيّاً بعد الدخول ثمّ رجع ، ثمّ طلّقها قبل الدخول ، فربّما يقال : إنّه لا عدّة عليها ; لأنّه طلاق قبل الدخول ، ولكنّه غير صحيح بل يجب عليها العدّة من حين الطلاق الثاني ، ولا فرق في ذلك بين كون الطلاق الثاني رجعيّاً أو بائناً.
ولو طلّقها بائناً بعد الدخول ، ثمّ جدّد نكاحها في أثناء العدّة ، ثمّ طلّقها قبل الدخول ، ففي جريان حكم الطلاق قبل الدخول عليه ـ في عدم ثبوت العدّة ؛ لأنّ الطلاق قبل الدخول لا عدّة فيه ـ وعدمه وجهان ، أقواهما الثاني ـ أي لا تجب العدّة ـ ولكنّه لا يجب عليها استئناف(2) العدّة ، بل اللازم إكمال عدّتها من الطلاق الأوّل.
20 ـ لو اختلفا في انقضاء العدّة وعدمه قُدّم قولها بيمينها ، سواء ادّعت الانقضاء أو عدمه ـ أي انقضاء العدّة وعدم انقضائها ـ وسواء أكانت عدّتها بالإقراء أو بالشهور ، نعم إذا كانت متّهمة(3) ـ كما لو ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاث مرّات فانقضت عدّتها ـ لم يقبل قولها إلاّ بالبيّنة.
عدّة الفسخ والانفساخ
1 ـ إذا فسخ الزوج أو الزوجة عقد النكاح لعيب أو نحوه ، أو انفسخ العقد
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
(2) أي لا يجب عليها إعادة العدّة مرة اُخرى من بدء.
(3) أي يُشك في صدق ادّعائها.
بينهما ، لارتداد أو رضاع أو غيرهما ، فإن كان ذلك قبل الدخول وما بحكمه(1) ـ أي دخول ماء الزوج في فرجها ـ أو كانت صغيرة أو يائسة لم تثبت عليها العدّة ، وإلاّ اعتدّت نظير عدّة المطلّقة ، فإن كانت حاملاً فعدّتها فترة حملها ، وإن كانت غير حامل فعدّتها بالإقراء أو الشهور على ما تقدّم ، وتستثنى من ذلك حالة واحدة وهي ما إذا حصل الانفساخ بارتداد الزوج عن فطرة(2) فإنّه يجب على زوجته أن تعتدّ عدّة الوفاة ـ الآتي بيانها ـ وإن كانت غير مدخول بها أو يائسة أو صغيرة على الأحوط لزوماً.
2 ـ مبدأ عدّة الفسخ والانفساخ من حين حصولهما ، فلو فسخ الزوج لعيب مثلاً ولم يبلغ ذلك الزوجة إلاّ بعد مدّة كانت عدّتها من حين حصول الفسخ لا من حين بلوغ الخبر إليها.
__________________
(1) المقصود من قوله ( بحكمه ) أي بحكم ما قبل الدخول ، كما إذا كانت صغيرة أو يائسة.
(2) الارتداد عن فطرة : هو خروج المسلم ـ الذي كان أحد أبويه أو كلاهما مسلماً ـ عن الإسلام.
3 ـ عدّة الوطء بالشبهة
1 ـ إذا وطئ الرجل امرأة شبهة باعتقاد أنّها زوجته وجبت عليها العدّة ، سواء علمت بكون الرجل أجنبيّاً أم لم تعلم بذلك ، وسواء أكانت ذات بعل أم كانت خليّة ، أي ليست بذات بعل.
2 ـ إذا زنى بامرأة مع العلم بكونها أجنبيّة لم تجب عليها العدّة ، سواء حملت من الزنا أم لا ، فلو كانت ذات بعل جاز لبعلها أن يقاربها من غير تربّص(1) ، وإن كانت خليّة(2) جاز التزوّج بها كذلك وإن كان الأحوط الأولى ـ أي الأفضل ـ استبراء رحمها من ماء الفجور بحيضة قبل التزوّج بها ـ أي يترك مقاربتها إلى أن تحيض وتطهر حتى تطمئن من عدم كونها حاملاً من الزنا ـ سواء ذلك بالنسبة إلى الزاني وغيره ـ أي سواء أراد الزاني أن يتزوّجها أو غير الزاني ، هذا إذا كانت المرأة عالمة بالحال ـ أي إذا علمت بأنّ الذي زنى بها أجنبيّ وليس زوجها ـ وأمّا إذا اعتقدت أنّ الزاني زوجها فطاوعته في الوطء فالأحوط وجوباً ثبوت العدّة عليها بذلك.
3 ـ عدّة وطء الشبهة كعدّة الطلاق بالأقراء والشهور وبوضع الحمل لو حملت من هذا الوطء ، ومن لم يكن عليها عدّة طلاق كالصغيرة واليائسة ليس عليها هذه العدّة أيضاً.
4 ـ إذا كانت الموطوءة شبهة ذات بعل لا يجوز لزوجها وطؤها في مدّة عدّتها ، وهل يجوز له سائر الاستمتاعات منها أم لا ؟ قولان : أقواهما الأوّل ـ أي يجوز الاستمتاع بها وإن كان الاحتياط في محلّه والظاهر أنّه لا تسقط نفقتها في أيّام العدّة.
5 ـ إذا كانت الموطءة شبهة خلية ـ أي ليست بذات بعل ـ يجوز لواطئها أن
__________________
(1) التربّص : هو الانتظار.
(2) خليّة : أي ليست ذات بعل.
يتزوّج بها في زمن عدّتها بخلاف غيره ـ أي غير الواطئ ـ فإنّه لا يجوز له ذلك على الأقوى.
6 ـ لا فرق في حكم وطء الشبهة من حيث العدّة ونحوها بين أن يكون مجرّداً عن العقد أو معه ، بأن وطئ المعقود عليها بتوهّم صحّة العقد مع فساده واقعاً ـ أي لو كان قد اعتقد صحة العقد ولكنّه كان باطلاً في الواقع ـ فلا يسقط وجوب العدّة على المرأة التي وُطئت اشتباهاً على هذا النحو.
7 ـ إذا كانت الموطوءة شبهة معتدّة بعدّة الطلاق أو الوفاة فوُطئت شبهة ، أو وُطئت شبهة ثمّ طلّقها زوجها أو مات عنها فعليها عدّتان ـ على الأحوط وجوباً ـ فإن كانت حاملاً من أحدهما تقدّم عدّة الحمل ، فبعد وضعه تستأنف العدّة الاُخرى أو تستكمل الاُولى ـ أي تتمّم ما بقي من العدّة ، وإن لم تكن حاملاً تقدّم الأسبق منهما ، وبعد تمامها تستقبل عدّة اُخرى من الآخر ، وهكذا الحكم فيما إذا وطئ المرأة رجل شبهة ثمّ وطئها آخر كذلك فإنّ عليها عدّتان منهما من غير تداخل ـ على الأحوط وجوباً ـ أي لكلّ سبب عدّة على حدة ـ نعم لا إشكال في التداخل إذا وطئها رجل شبهة مرّة بعد اُخرى.
8 ـ إذا طلّق زوجته بائناً ثمّ وطئها شبهةً ، فهل تتداخل العدّتان ، تستأنف عدّة للوطء وتشترك معها عدّة الطلاق ، أو لا تتداخل ؟ قولان أقواهما الأوّل من دون فرق بين كون العدّتين من جنس واحد أو من جنسين ، بأن يطلّقها حاملاً ثمّ يطأها شبهة ، أو يطلّقها حائلاً ثمّ يطأها شبهة فتحمل منه.
9 ـ مبدأ عدّة وطء الشبهة المجرّدة عن التزويج حين الفراغ من الوطء ، وأمّا إذا كان مع التزويج الفاسد فهل هو كذلك ، أو من حين تبيّن الحال ؟ وجهان ، والأحوط
لزوماً الثاني.
عدة المتمتع بها
1 ـ عدّة المتمتع بها في الحامل مدّة حملها ، وفي الحائل ـ أي غير الحامل ـ المدخول بها ـ غير الصغيرة واليائسة ـ حيضتان كاملتان ، ولا تكفي فيها حيضة واحدة على الأحوط وجوباً ، هذا إذا كانت ممّن تحيض ، وإن كانت لا تحيض وهي في سنّ من تحيض فعدّتها خمسة وأربعون يوماً.
2 ـ مبدأ عدّة المتمتع بها من حين انقضاء المدّة أو هبتها ـ أي يبرأها الزوج ويهبها المدّة ـ فإذا انقضت مدّتها وهي لا تدري ، أو وهبها لها ولم يبلغها الخبر إلاّ بعد مدّة حاضت خلالها مرّتين مثلاً ، فقد انقضت عدّتها وليس عليها عدّة بعد بلوغ الخبر إليها.
3 ـ إذا مات زوج المتمتع بها في أثناء مدّتها وجبت عليها عدّة الوفاة كما في الدائمة ، وأمّا لو مات بعد انقضاء المدّة أو هبتها وقبل تمام عدّتها لم تنقلب عدّتها إلى عدّة الوفاة ؛ لأنّها بائنة وقد انقطعت عصمتها ، وأمّا إذا مات مقارناً للانقضاء ـ أي كان وقت موته مقارناً لانقضاء العدّة ، فيحتملّ وجوب عدّة الوفاة عليها ، ولكنّ الأظهر عدم ثبوتها أيضاً.
4 ـ إذا عقد على امرأة بالعقد المنقطع ، ثمّ وهبها المدّة بعد الدخول ، ثمّ تزوّجها دواماً أو انقطاعاً ، ثمّ طلّقها أو وهبها المدّة قبل الدخول ، ففي جريان حكم الطلاق ، أو هبة المدّة قبل الدخول في عدم ثبوت العدّة عليها وعدمه ـ أي وعدم جريان حكم الطلاق ـ وجهان أقواهما الثاني ، ولكنّه لا يجب عليها استئناف العدّة ، بل اللازم إكمال
عدّتها الاُولى.
5 ـ عدّة الوفاة
1 ـ إذا توفّي الزوج وجب الاعتداد على زوجته ، صغيرة كانت أم كبيرة ، يائسة كانت أم غيرها ، مسلمة كانت أم كتابيّة ، مدخولاً بها أم غيرها ، دائمة كانت أم متمتعاً بها ، ولا فرق في الزوج بين الكبير والصغير والعاقل وغيره.
ويختلف مقدار العدّة تبعاً لوجود الحمل وعدمه ، فإذا لم تكن الزوجة حاملاً اعتدّت أربعة أشهر وعشرة أيام ، وإن كانت حاملاً كانت عدّتها أبعد الأجلين أكثرهما مدّة من هذه المدّة أي الأربعة شهر وعشرة أيام ووضع الحمل ، فتستمر الحامل في عدّتها إلى أن تضع ، ثمّ ترى فإن كان قد مضى على وفاة زوجها حين الوضع أربعة أشهر وعشرة أيام فقد انتهت عدّتها ، وإلاّ استمرت في عدّتها إلى أن تكمل هذه المدّة.
2 ـ المراد بالأشهر هي الهلاليّة ـ أي الهجريّة القمريّة ـ فإن توفي الزوج أول رؤية الهلال اعتدّت زوجته بأربعة أشهر هلاليّات ، وضمّت إليها من الشهر الخامس عشرة أيام ، وإن مات في أثناء الشهر فعليها أن تجعل ثلاثة أشهر هلاليّات في الوسط ، وتكمل نقص الشهر الأوّل من الشهر الخامس ثلاثين يوماً على الأحوط وجوباً ، وتضيف إليها عشرة أيام أخرى ، والأحوط الأولى ـ أي الأفضل ـ أن تحتسب الشهور عدديّة بأن تعدّ كلّ شهر ثلاثين يوماً ، فتكون المدّة مائة وثلاثين يوماً.
3 ـ إذا طلّق زوجته ثمّ مات قبل انقضاء العدّة ، فإن كان الطلاق رجعيّاً بطلت عدّة الطلاق واعتدّت عدّة الوفاة من حين بلوغها الخبر ، فإن كانت حائلاً اعتدّت
أربعة أشهر وعشراً ، وإن كانت حاملاً اعتدّت بأبعد الأجلين منها ومن وضع الحمل كغير المطلّقة ، وإن كان الطلاق بائناً اقتصرت على إتمام عدّة الطلاق ولا عدّة عليها بسبب الوفاة.
4 ـ كما يجب على الزوجة أن تعتّد عند وفاة زوجها ، كذلك يجب عليها الحداد مادامت في العدّة ، والمقصود به ترك ما يعدّ زينة لها سواء في البدن أم في اللباس ، فتترك الكحل والطيب والخضاب والحمرة والخطاط ، ونحوها ، كما تجتنب لبس المصوغات الذهبيّة والفضيّة وغيرها من أنواع الحلي ، وكذا اللباس الأحمر والأصفر ونحوهما من الألوان التي تعدّ زينة عند العرف ، وربّما يكون اللباس الأسود كذلك إمّا لكيفيّة تفصيلة أو لبعض الخصوصيّات المشتمل عليها مثل كونه مخطّطاً ، أي مقلّماً.
وبالجملة ، عليها أن تترك في فترة العدّة كلّ ما يعدّ زينة للمرأة بحسب العرف الاجتماعي الذي تعيشه ، ومن المعلوم اختلافه بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة والتقاليد ، وأمّا ما لا يعدّ زينة لها مثل تنظيف البدن واللباس وتقليم الأظفار والاستحمام وتمشيط الشعر ، والافتراش بالفراش الفاخر ، والسكنى في المساكن المزيّنة وتزيين أولادها فلا بأس به.
5 ـ لا فرق في وجوب الحداد بين المسلمة والكتابيّة ، كما لا فرق بين الدائمة والمتمتع بها ، وهل يجب على الصغيرة والمجنونة أم لا ؟ قولان ، أشهرهما الوجوب ، بمعنى وجوبه على وليّهما فيجنّبهما التزيين ما دامتا في العدّة ، وفيه إشكال ، بل لا يبعد عدم وجوبه عليها(1) .
6 ـ لا فرق في الزوج المتوفّى بين الكبير والصغير ، ولا بين العاقل والمجنون ،
__________________
(1) أي لا يجب الحداد على الصغيرة والمجنونة.
فيجب الحداد على زوجة الصغير والمجنون عند وفاتهما ، كما يجب على زوجة الكبير والعاقل عندها.
7 ـ الظاهر أنّ الحداد ليس شرطاً في صحة العدّة ، بل هو تكليف استقلالي في زمانها ، فلو تركته عصياناً أو جهلاً أو نسياناً في تمام المدّة أو في بعضها لم يجب عليها إستئنافها ، أو تدارك مقدار ما اعتدّت بدونه ، فيجوز لها التزوّج بعد انقضاء العدّة على كلّ تقدير.
8 ـ لا يجب على المعتدّة عدّة الوفاة أن تبقى في البيت الذي كانت تسكنه عند وفاة زوجها ، فيجوز لها تغيير مسكنها والانتقال إلى مسكن آخر للاعتداد فيه.
كما لا يحرم عليها الخروج من بيتها الذي تعتدّ فيه ، إذا كان لضرورة تقتضيه ، أو لأداء حقّ أو فعل طاعة ، أو قضاء حاجة ، نعم يكره لها الخروج لغير ما ذكر ، كما يكره لها المبيت خارج بيتها على الأقرب.
9 ـ مبدأ عدّة الوفاة فيما إذا كان الزوج حاضراً من حين وقوعها ، وأمّا إذا كان غائباً فمن حين بلوغ الخبر الى زوجته ، بل لا يبعد ذلك في الحاضر أيضاً إذا لم يبلغها خبر وفاته ، إلاّ بعد مدّة لمرض أو حبس أو غير ذلك فتعتدّ من حين إخبارها بموته ، وفي عموم الحكم للصغيرة والمجنونة إشكال ، فلا تترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيه ، أي يشمل هذا الحكم الصغيرة والمجنونة على الأحوط وجوباً.
10 ـ هل يعتبر في الإخبار الموجب للاعتداد من حينه أن يكون حجّة شرعاً ، كأن يكون بيّنة عادلة أو موجباً للعلم أو الاطمينان ؟ وجهان ، أظهرهما ذلك ـ أي يعتبر في الإخبار أن يكون عن طريق بيّنة أو يكون موجباً للعلم والاطمئنان ـ فلو أخبرها شخص بوفاة زوجها الغائب ولم تثق بصحة خبره لم يجب عليها الاعتداد من حينه ،
ولو اعتدّت ثمّ ظهر صحّة الخبر لم تكتفِ بالاعتداد السابق ، بل عليها أن تعتدّ من حين ثبوت وفاته عندها.
في أحكام المفقود زوجها
المفقود المنقطع خبره عن أهله على قسمين :
القسم الأوّل : من تعلم زوجته بحياته ولكنّها لا تعلم في أيّ بلد هو ، وحكمها حينئذٍ لزوم الصبر والانتظار إلى أن يرجع إليها زوجها ، أو يأتيها خبر موته أو طلاقه أو ارتداده ، فليس لها المطالبة بالطّلاق قبل ذلك وإن طالت المدّة ، بل وإن لم يكن له مال ينفق منه عليها ولم ينفق عليها وليّه من مال نفسه.
نعم ، إذا ثبت لدى الحاكم الشرعي أنّه قد هجرها تاركاً أداء ما لها من الحقوق الزوجيّة ، وقد تعمّد إخفاء موضعه لكي لا يتسنّى للحاكم الشرعي ـ فيما إذا رفعت الزوجة أمرها إليه ـ أن يتّصل به ويلزمه بأحد الأمرين : إمّا أداء حقوقها ، أو طلاقها. ويطلّقها ـ أي الحاكم الشرعي ـ لو تعذّر إلزامه بأحدهما ، ففي هذه الحالة يجوز للحاكم الشرعي أن يطلّقها فيما إذا طلبت منه ذلك.
القسم الثاني : من لا تعلم زوجته حياته ولا موته ، وفيه حالتان :
الحالة الاُولى : أن يكون للزوج مال ينفق منه على زوجته ، أو يقوم وليّه بالإنفاق عليها من مال نفسه ، وفي هذه الحالة يجب على الزوجة الصبر والانتظار كما في القسم الأوّل المتقدّم ، وليس لها المطالبة بالطلاق مادام ينفق عليها من مال زوجها أو من مال وليّه وإن طالت المدّة.
الحالة الثانية : أن لا يكون للزوج مال ينفق منه على زوجته ، ولا ينفق عليها وليّه
من مال نفسه ، وحينئذٍ يجوز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي أو المأذون من قبله في ذلك ، فيؤجّلها أربع سنين ويأمر بالفحص عنه خلال هذه المدّة ، فإن انقضت السنين الأربع ولم تتبيّن حياته ولا موته أمر الحاكم وليّه بطلاقها ، فإن لم يقدم على الطّلاق أجبره على ذلك ، فإن لم يمكن إجباره ، أو لم يكن له وليّ طلّقها الحاكم بنفسه أو بوكيله فتعتدّ أربعة أشهر وعشرة أيام ، فإذا خرجت من العدّة صارت أجنبيّة عن زوجها ، وجاز لها أن تتزوّج ممّن تشاء. والظاهر اختصاص هذا الحكم بالنكاح الدائم فلا يجري في المتعة.
1 ـ ظاهر كلمات جمع من الفقهاء قدّس الله أسرارهم أنّه كما لا يحقّ لزوجة المفقود غير المعلوم حياته أن تطالب بالطلاق إلاّ مع عدم توفّر مال للزوج ينفق منه عليها ، وعدم إنفاق وليّه عليها من مال نفسه ، كذلك لا يحقّ لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي مطالبة إيّاه بتأجيلها أربع سنوات ، والفحص عن زوجها خلال ذلك إلاّ بعد انقطاع الإنفاق عليها من مال الزوج ومن مال وليّه ، ولكنّ الظاهر أنّه يحقّ لها المطالبة بالتّأجيل والفحص في حال الإنفاق عليها أيضاً ، إذا احتمل نفاد مال الزوج وانقطاع وليّه عن الإنفاق عليها قبل تبيّن حياته أو وفاته.
وفائدة ذلك أنّه لو انقضت السنوات الأربع وقد فحص خلالها عن الزوج ولم تتبيّن حياته ولا مماته جاز لزوجته المطالبة بالطّلاق ، متى انقطع الإنفاق عليها من ماله ومن مال وليّه من غير حاجة إلى الانتظار أربع سنوات اُخرى ، وتجديد الفحص خلالها عنه.
2 ـ إذا كان للمفقود الذي لا تعلم حياته زوجات اُخرى لم يرفعن أمرهن إلى الحاكم ، ويجوز للحاكم طلاقهنّ إذا طلبن ذلك ، فيجتزئ بمضيّ المدّة المذكورة
والفحص عنه بعد طلب إحداهنّ.
3 ـ المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم أنّه لا يحقّ لزوجة المفقود غير المعلوم حياته المطالبة بالطلاق وإن مضى على فقده أربع سنوات ، مع تحقّق الفحص خلالها عنه إذا لم يكن ذلك بتأجيل من الحاكم الشرعي وأمره بالفحص عنه خلال تلك المدّة ، ولكن لا يبعد الاجتزاء بالفحص عنه أربع سنوات بعد فقده مع وقوع جزء من الفحص بأمر الحاكم الشرعي وإن لم يكن بتأجيل منه ، فلو رفعت الزوجة أمرها إلى الحاكم بعد أربع سنوات مثلاً ـ من فقد زوجها ـ مع قيامها بالفحص عنه خلال تلك المدّة أمر الحاكم بتجديد الفحص عنه مقداراً ما ـ مع احتمال ترتّب الفائدة عليه ـ فإذا لم يبلغ عنه خبر أمر بطلاقها على ما تقدّم.
4 ـ تقدّم أنّه لا يحقّ لزوجة المفقود غير المعلوم حياته المطالبة بالطّلاق مادام للمفقود مال ينفق منه عليها ، أو ينفق وليّه عليها من مال نفسه ، وليس الحكم كذلك فيما إذا وجد متبرّع بنفقتها من شخص أو مؤسسة حكوميّة أو أهليّة ، فيجوز لها المطالبة بالطّلاق بالشروط المتقدّمة إذا لم ينفق عليها من مال الزوج أو من مال وليّه ، وإن وجد من ينفق عليها من غير هذين الطريقين.
5 ـ الولي الذي لا يحقّ لزوجة المفقود المطالبة بالطّلاق منه مادام ينفق عليها من مال نفسه ، والذي يأمره الحاكم الشرعي ـ مع عدم إنفاقه عليها ـ بطلاقها ، ويجبره على الطلاق لو امتنع منه ، هو أبو المفقود وجدّه لأبيه ، وإذا كان للمفقود وكيل مفوّض إليه طلاق زوجته كان بحكم الولي من جهة الطلاق.
6 ـ لا فرق في المفقود ـ فيما ذكر من الأحكام ـ بين المسافر والهارب ، ومن كان في معركة قتال ففقد ، ومن انكسرت سفينته في البحر فلم يظهر له أثر ، ومن أخذه
قطّاع الطّرق أو الأعداء فذهبوا به ، ومن اعتقلته السلطات الحكوميّة فانقطعت أخباره ولم يعلم مكان اعتقاله.
7 ـ ليس للفحص عن المفقود كيفيّة خاصة ، وطريقة معيّنة ، بل المدار على ما يعدّ طلباً وفحصاً وتفتيشاً ، ويختلف ذلك باختلاف أنواع المفقودين ، فالمسافر المفقود يبعث من يعرفه باسمه وشخصه أو بحليته(1) إلى مظانّ وجوده للظفر به ، أو يكتب إلى من يعرفه ليتفقّد عنه فيما يحتمل وجوده فيه من البلاد ، أو يطلب من المسافرين إليها من الزوّار والحجّاج والتّجار وغيرهم أن يتفقّدوا عنه في مسيرهم ومنازلهم ومقامهم ، ويستخبر منهم إذا رجعوا من أسفارهم.
وأمّا المفقود في جبهات القتال فتراجع بشأنه الدوائر المعنيّة بأحوال الجنود المشاركين في المعركة ، أو يُسأل عنه رفاقه العائدون من الجبهات ، والأسرى العائدون من الأسر.
وأمّا المعتقل المفقود فتسأل عنه دوائر الشرطة والجهات الأمنيّة ذات العلاقة ، وهكذا.
8 ـ مقدار الفحص بحسب الزمان أربعة أعوام ـ كما تقدّم ـ ولا يعتبر فيه الاتّصال التّام ، بل يكفي فيه تصدّي الطلب عنه بحيث يصدق عرفاً أنّه قد فحص عنه في تلك المدّة.
9 ـ المقدار اللازم من الفحص هو المتعارف لأمثاله ، فالمسافر المفقود في بلد مخصوص أو جهة مخصوصة إذا دّلت القرائن على عدم انتقاله منها كفى البحث عنه في ذلك البلد أو تلك الجهة ، ولا يعتبر استقصاء البلد والجهات ، ولا يعتنى باحتمال
__________________
(1) الحلية : أي العلامة التي تدل عليه كالرقم أو الشيء الذي كان معه.
وصوله الى بلد احتمالاً بعيداً.
10 ـ المسافر المفقود إذا علم أنّه كان في بلد معيّن في زمان ثمّ انقطع أثره ، يتفحّص عنه أوّلاً في ذلك البلد على النحو المتعارف ، بأن يسأل عنه في جوامعه ومجامعه وفنادقه وأسواقه ومنتزهاته ومستشفياته وسجونه ونحوها ، ولا يلزم استقصاء تلك المحال بالتفتيش والسؤال ، بل يكتفي بالبعض المعتدّ به من مشاهيرها ، ويلاحظ في ذلك زيّ المفقود وصنعته وحرفته ، فيتفقّد عنه في المحالّ المناسبة له ويسأل عنه أبناء صنفه وحرفته ، فإذا كان من طلبة العلم ـ مثلاً ـ فالمحل المناسب له المدارس ومجامع العلم ، فيسأل عنه العلماء وطلبة العلم ، وهكذا بقيّة الأصناف كالتّجار ، والحرفيّين والأطباء ونحوهم.
فإذا تمّ الفحص في ذلك البلد ولم يظهر منه أثر ، ولم يعلم موته ولا حياته ، فإن لم يحتمل انتقاله منه إلى محلّ آخر بقرائن الأحوال سقط الفحص والسؤال ، واكتفي بانقضاء مدّة التربص أربع سنين كما تقدّم ، وإن احتمل الانتقال احتمالاً معتدّاً به ، فإن تساوت الجهات في احتمال انتقاله منه إليها تفحّص عنه في تلك الجهات ، ولا يلزم الاستقصاء بالتفتيش في كلّ قرية قرية ، ولا في كلّ بلدة بلدة ، بل يكتفي ببعض الأماكن المهمّة والمعروفة في كلّ جهة ، مراعياً للأقرب فالأقرب إلى البلد الأوّل ، وإذا كان احتمال انتقاله إلى بعضها أقوى فالّلازم جعل محلّ الفحص ذلك البعض ، ويكتفي بالفحص فيه إذا بعد احتمال انتقاله إلى غيره.
هذا فيما إذا علم أنّ المسافر المفقود كان في بلد معيّن في زمان ، وأمّا إذا علم أنّه كان في بعض الأقطار كإيران والعراق ولبنان والهند ثمّ انقطع أثره ، كفى الفحص عنه مدّة التربّص في بلادها المشهورة التي تشدّ إليها الرحال مع ملاحظة صنف
المفقود وحرفته في ذلك.
وإذا علم أنّه خرج من منزله قاصداً التوجّه إلى بلد معيّن ـ كالعراقي إذا خرج برّاً يريد زيارة الإمام الرضاعليهالسلام في مشهده المقدّس بخراسان ثمّ انقطع خبره ـ يكفي الفحص عنه في البلاد والمنازل الواقعة على طريقه إلى ذلك البلد ، وفي نفس ذلك البلد ، ولا يجب الفحص عنه في الأماكن البعيدة عن الطريق ، فضلاً عن البلاد الواقعة في أطراف ذلك القطر.
وإذا علم أنّه خرج من منزله مُريداً للسفر ، أو هرب ولا يدري إلى أين توجّه ، وانقطع أثره ، لزم الفحص عنه مدّة التربّص في الأطراف والجوانب التي يحتمل وصوله إليها احتمالاً معتدّاً به ، ولا ينظر إلى ما بَعُد احتمال توجّهه إليه.
11 ـ يجوز للحاكم الاستنابة في الفحص وإن كان النائب نفس الزوجة ، فإذا رفعت أمرها إليه فقال : تفحصّوا عنه إلى أن تمضي أربع سنوات ، ثم تصدّت الزوجة أو بعض أقاربها للفحص والطلب حتى مضت المدّة كفى.
12 ـ لا تشترط العدالة في النائب وفيمن يستخبر منهم عن حال المفقود ، بل يكفي الاطمئنان بصحة أقوالهم.
13 ـ إذا تعذّر الفحص فالظّاهر عدم سقوطه ، فيلزم زوجة المفقود الانتظار إلى حين تيسّره ، نعم إذا علم أنّه لا يجدي في معرفة حاله ، ولا يترتّب عليه أثر أصلاً فالظاهر سقوط وجوبه ، ولكن لا يجوز طلاقها قبل مضيّ المدّة على الأحوط.
14 ـ إذا تحقّق الفحص التامّ قبل انقضاء المدّة ، فإن احتمل الوجدان بالفحص في المقدار الباقي ولو بعيداً ـ أي ولو كان احتمال الوجدان ضعيفاً ـ لزم الفحص ، وإن تيقّن عدم الوجدان سقط وجوب الفحص ، ولكن يجب الانتظار إلى تمام المدّة على
الأحوط(1) .
15 ـ إذا تمّت السنوات الأربع واحتمل وجدانه بالفحص بعدها لم يجب ، بل يكتفي بالفحص في المدّة المضروبة ـ أي المحدّدة شرعاً ـ وهي الأربعة أشهر وعشرة أيام.
16 ـ يجوز للزوجة اختيار البقاء على الزوجيّة بعد رفع الأمر إلى الحاكم قبل أن تطلَّق ولو بعد تحقّق الفحص وانقضاء الأجل ، فليست هي ملزَمة ـ أي لا يجب عليها ـ باختيار الطلاق ، ولها أن تعدل عن اختيار البقاء إلى اختيار الطّلاق ، وحينئذٍ لا يلزم تجديد ضرب الأجل والفحص ـ أي لا يجب عليها الفحص مرّة اُخرى ـ بل يكتفي بالأوّل.
17 ـ العدّة الواقعة بعد الطلاق من الولي أو الحاكم عدّة طلاق وإن كانت بقدر عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشراً ـ أي بعد انتهاء مدّة الفحص تبدأ العدّة ـ وهو طلاق رجعيّ فتستحقّ النفقة أيّامها ـ أي في أيّام العدّة ـ وإذا حضر الزوج أثناء العدّة جاز له الرجوع إليها ـ وإذا مات أحدهما في العدّة ورثه الآخر ، ولو مات ـ أي أحدهما ـ بعد العدّة فلا توارث بينهما ، وليس عليها حداد بعد الطّلاق في أيّام العدّة.
18 ـ إذا تبيّن موت الزوج المفقود قبل انقضاء المدّة أو بعده قبل الطلاق وجب عليها عدّة الوفاة ، وإذا تبيّن انقضاء العدّة ـ أي عدّة الطلاق اكتفى بها ـ أي بمدّة البحث عن الزوج ـ سواء أكان التبيّن ـ أي العلم بموت الزوج ـ قبل التزوّج من غيره أم بعده ، وسواء أكان موته المتبيّن وقع قبل الشروع في العدّة أم بعدها ، أم في أثنائها أم بعد التزوّج من الغير ، وأمّا لو تبيّن موته في أثناء العدّة تستأنف عدّة الوفاة من حين
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي.
التبيّن ، أي تعيدها حين تبيّن وفاة الزوج.
19 ـ إذا جاء الزوج بعد الفحص وانقضاء الأجل ، فإن كان قبل الطلاق فهي زوجته ، وإن كان بعده ، فإن كان في أثناء العدّة فله الرجوع إليها كما تقدّم ، كما أنّ له إبقاءها على حالها حتى تنقضي عدّتها وتبين ـ أي تنقطع بينهما صلة الزوجيّة فليست بزوجته بعد انتهاء العدة ـ منه ، وإن كان بعد انقضائها ـ أي بعد انتهاء العدّة ـ فإن تزوّجت من غيره فلا سبيل له عليها ـ يعني أنّ زواجها صحيح ولا حقّ للزوج السابق عليها ـ وإن لم تتزوّج ففي جواز رجوعها إليه وعدمه قولان ، أقواهما الثاني ، أي لا يجوز رجوعها إليه إلاّ بعقد جديد.
20 ـ إذا تبيّن بعد الطلاق وانقضاء العدّة عدم وقوع المقدّمات على الوجه المعتبر شرعاً ، كأن تبيّن عدم تحقّق الفحص على وجهه ـ أي لم يكن الفحص على الطريقة المطلوبة شرعاً ـ أو عدم انقضاء مدّة أربع سنوات ، أو عدم تحقّق شروط الطلاق أو نحو ذلك ، لزم التدارك ولو بالاستئناف(1) ، وإذا كان ذلك ـ أي عدم وقوع المقدّمات على الوجه المعتبر ـ بعد تزوّجها من الغير كان باطلاً ـ أي كان زواجها الثاني باطلاً ـ وإن كان الزوج الثاني قد دخل بها جاهلاً بالحال حرمت عليه أبداً على الأحوط وجوباً ، نعم إذا تبيّن أنّ العقد عليها وقع بعد موت زوجها المفقود وقبل أن يبلغ خبره إليها فالعقد وإن كان باطلاً إلاّ أنّه لا يوجب الحرمة الأبديّة حتى مع الدخول ؛ لعدم كونها حين وقوعه ذات بعل ولا ذات عدّة.
21 ـ إذا حصل لزوجة الغائب بسبب القرائن وتراكم الأمارات العلم بموته جاز لها ـ بينها وبين الله تعالى ـ أن تتزوّج بعد العدّة من دون حاجة إلى مراجعة الحاكم ،
__________________
(1) المقصود من الاستئناف اعادة الفحص والطلاق والعدّة جميعاً.
وليس لأحد عليها اعتراض ما لم يعلم كذبها في دعوى العلم ، نعم في جواز الاكتفاء بقولها لمن يريد الزواج بها ، وكذا لمن يصير وكيلاً عنها في إيقاع العقد عليها إشكال ، أي لا يمكن لمن يريد الزواج منها أو من يريد أن يكون وكيلاً عنها الاكتفاء بقولها ، ولا بدّ من الاعتماد على قول الحاكم الشرعي.
طلاق الخلع والمباراة
الخلع في اللغة : هو الإزالة والنّزع ، فإذا قيل : خلعت ثوبي ، فمعنى ذلك أنّه نزعه من جسده.
وقد ذهب الفقهاء إلى أنّ إطلاق اسم الخلع على هذا النوع من الطلاق مستوحى من الآية الكريمة في قوله تعالى :( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) (1) ، فوصفت الآية الكريمة أنّ كلاً من الزوجين بمثابة اللّباس والستر للآخر ، وحينما يقع الطلاق يخلع هذا اللباس.
1 ـ الخلع في اصطلاح الفقهاء : هو الطلاق بفدية من الزوجة الكارهة لزوجها ، وإذا كانت الكراهة من الطرفين كان مباراة ، وإن كانت الكراهة من طرف الزوج خاصة لم يكن خلعاً ولا مباراة.
فالخلع والمباراة نوعان من الطلاق ، فإذا انضمّ إلى أحدهما تطليقتان حرمت المطلَّقة على المطلِّق حتى تنكح زوجاً غيره ، أي لا تصبح المرأة بائناً في طلاق الخلع إلاّ إذا انضمّ إليه تطليقتان.
2 ـ يشترط في الخلع جميع ما تقدّم اعتباره في الطلاق ، وهي ثلاثة أُمور :
__________________
(1) البقرة 2 : 187.
الأوّل : الصيغة الخاصّة ، وهي هنا قوله : ( أنتِ أو فلانة أو هذه طالق على كذا ) ، ـ أي يذكر الشيء الذي تفدي به المرأة وتعطيه للزوج حتى يطلّقها ـ وهو الشيء المعلّق عليه طلاق الخلع ، أو يقول للزوجة : ( خلعتك على كذا ) ، أو ( أنتِ أو فلانه أو هذه مختلِعة على كذا ) بكسر كلمة مختلعة ، وفي صحته بالفتح إشكال(1) ، ولا يعتبر في الأوّل ـ أي في عبارة ( أنتِ أو فلانه أو هي طالق على كذا ) ـ إلحاقها بقوله : ( أنتِ أو فلانه أو هي مختلِعة على كذا ) ، أي لا يجب أن يقول هذه العبارات بعد أن قال العبارة الأولى ، كما لا يعتبر في الأخيرتين ـ أي عبارة : أنتِ أو فلانه أو هي مختلِعة على كذا ـ إلحاقهما بقوله : ( فهي أو فأنت طالق على كذا ) وإن كان الإلحاق أحوط استحباباً وأولى.
ولا يقع الخلع بالتقايل ـ أي لا يقع طلاق الخلع بفسخ العقد بين الزوجين ـ كما لا يقع بغير لفظي الطلاق والخلع ، أي بلفظ ( فديتك أو أبرأتك على كذا ) أو أي لفظ آخر لا يشتمل على كلمة الطلاق أو الخلع.
الثاني : التنجيز ، فلو علّق الخلع على أمر مستقبليّ معلوم الحصول ـ كما إذا قال : ( أنتِ مختلِعة على كذا لو صار فصل الصيف ) أو متوقّع الحصول كما إذا قال : ( أنتِ مختلِعة على كذا لو قدم الحاج أو المسافر بعد اسبوع ) أو أمر حاليّ محتمل الحصول كما إذا قال : ( أنتِ مختلِعة على كذا لو ثبت أنّ اليوم آخر شهر رمضان ) وكان لا يعلم طبعاً بأنّه آخر الشهر ، من غير أن يكون مقوّماً لصحة الخلع بطل ، أي الخلع.
ولا يضرّ تعليقه على أمر حاليّ معلوم الحصول ولكنّه كان مقوّماً لصحة الخلع ، كما لو قال : ( إن كنتِ زوجتي ، أو إن كنتِ كارهةً لي ).
__________________
(1) أي لا يقع الخلع لو قال : ( انتِ أو فلانة ، أو هذه مختَلَعة ).
الثالث : الإشهاد ، بمعنى إيقاع الخلع بحضور رجلين عادلين يسمعان الإنشاء.
3 ـ يشترط في الزوج الخالع جميع ما تقدّم اعتباره في المطلِّق من البلوغ والعقل والقصد ـ أي لم يكن هازلاً ـ والاختيار ـ أي عدم كونه مُجبراً ـ والإشكال المتقدّم في طلاق من بلغ عشر سنين جار في خلعه أيضاً ، فلا يترك مقتضى الاحتياط فيه ـ أي لا يصحّ خلع الزوج زوجته إن كان عمره عشر سنين ـ.
ويشترط في الخالع مضافاً إلى ذلك أن لا يكون كارهاً لزوجته ، وإلاّ لم يقع خلعاً ، بل يكون مباراة إذا كانت هي أيضاً كارهة لزوجها كما مرّ.
4 ـ يشترط في الزوجة المختلِعة جميع ما تقدّم اعتباره في المطلّقة من كونها زوجة دائمة ، وكونها معيّنة بالاسم أو بالإشارة الرافعة للإبهام ، وكونها طاهرة من الحيض والنفاس ، إلاّ في الموارد المستثناة ، وهي : أن لا يكون مدخولاً بها ، وأن تكون مستبينة الحمل ، وأن يكون المطلّق غائباً ، ولا يعتبر فيها البلوغ ولا العقل ، فيصحّ خلع الصغيرة والمجنونة ، ويتولّى وليّهما بذل الفداء ، أي الشيء الذي يُعطى للزوج في مقابل خلعه وطلاقه للمرأة.
5 ـ يشترط في المختلِعة ـ مضافاً إلى ما تقدّم ـ أمران آخران :
الأمر الأوّل : بلوغ كراهتها له حدّاً يحملها على تهديده بترك رعاية حقوقه الزوجيّة ، وعدم إقامة حدود الله تعالى فيه.
6 ـ الكراهة المعتبرة في الخلع أعمّ من أن تكون ذاتيّة ناشئة من خصوصيّات الزوج كقبح منظره وسوء خلقه وفقره وغير ذلك ، وأن تكون عرضيّة من جهة عدم إيفائه بعض حقوقها المستحبّة ، أو قيامه ببعض الأعمال التي تخالف ذوقها كالتزوّج عليها بأُخرى.
وأمّا إذا كان منشأ الكراهة وطلب المفارقة إيذاء الزوج لها بالسبّ والشتم والضرب ونحوها ، فأرادت تخليص نفسها منه فبذلت شيئاً ليطلّقها ، فالظاهر عدم صحّة البذل ، وبطلان الطلاق خلعاً ، بل مطلقاً على الأقرب ، أي لا يقع الطلاق أصلاً بأيّ نحو من أنحائه.
ولو كان منشأ الكراهة عدم وفاء الزوج ببعض حقوقها الواجبة كالقسم ـ أي حقّ المبيت عندها ـ والنفقة ، فهل يصحّ طلاقها خلعاً أم لا ؟ فيه وجهان ، أقربهما الأوّل ، أي يصح الخلع حينئذ.
7 ـ لو طلّقها بعوض مع عدم كراهتها لم يصحّ الخلع ، ولم يملك الفدية ، ولكن هل يصح الطلاق ؟ فيه إشكال ، والأقرب البطلان ـ أي لا يصحّ الطّلاق ـ إلاّ إذا أوقعه بصيغة الطّلاق أو أتبعه بها ـ أي قال : ( أنتِ مختلعة وأنتِ طالق ) وملك الفدية بسبب مستقلّ قد أخذ الطّلاق شرطاً فيه ، كما إذا صالحته على مال واشترطت عليه أن يطلّقها فإنّه بعقد الصلح المذكور يملك المال وعليه الطلاق ، ولا يكون الطلاق حينئذٍ خلعيّاً بل يكون رجعيّاً في مورده ـ أي في هذا المورد بالخصوص ـ حتى إذا اشترطت عليه عدم الرجوع إلاّ أنّه يحرم عليه مخالفة الشرط ، غير أنّه إذا خالف ورجع صحّ رجوعه ، ويثبت للزوجة الخيار في فسخ عقد الصلح من جهة تخلّف الشرط.
الأمر الثاني : ممّا يعتبر في المختلِعة أن تبذل الفداء لزوجها عوضاً عن الطّلاق ، ويعتبر في الفداء أن يكون مما يصحّ تملّكه ـ أي لا يكون ممّا لا يملك كالكلب والخنزير والخمر ـ أو ما بحكمه كأن تبذل ديناً لها في ذمّته.
وأن يكون ـ أي الفداء ـ متموّلا ـ أي مالاً قابلاً للتملّك ـ عيناً كان أو ديناً أو منفعة
وإن زاد على المهر المسمّى ـ أي المذكور حين العقد ـ وأن يكون معلوماً ، فلو خالعها على ألف ولم يعيّن ـ أي لم يقل : ألف دينار ، أو ألف تومان مثلاً ـ بطل الخلع ، بل الأحوط لزوماً أن يكون معلوماً على النحو المعتبر في المعاوضات ـ أي في البيع والشراء ـ بأن يكون معلوماً بالكيل في المكيل ، وبالوزن في الموزون ، وبالعدّ في المعدود ، وبالمشاهدة فيما يعتبر بها ـ أي المشاهدة ـ نعم إذا كان المبذول مهرها المسمّى فالظاهر كفاية العلم به على نحو العلم المعتبر في المهر ، فيكفي مشاهدة عين حاضرة وإن جهل كيلها أو وزنها أو عدّها أو ذرعها. ويصحّ جعل الفداء إرضاع ولده ولكن مشروطاً بتعيين المدّة ، واذا جعل كليّاً في ذمّتها ـ كألف دينار ـ يجوز جعله حالاً ومؤجّلا مع ضبط الأجل ـ أي إمّا أن تسلّمه الفداء كلّه وقت الخلع ، أو تجعله في ذمّتها لمدّة معينة.
8 ـ يعتبر في الفداء أن يكون بذله باختيار الزوجة ، فلا يصحّ مع إكراهها على البذل ، سواء أكان الإكراه من الزوج أم من غيره.
9 ـ يعتبر في الفداء أن يكون مملوكاً للمختلعة أو ما بحكمه كألف دينار على ذمّتها ، أو منفعة دارها إلى عشر سنوات مثلاً ، ولا يصحّ لو كان مملوكاً للغير ، فلو تبرّع الأجنبي ببذل الفداء لزوجها لم يصحّ طلاقها خلعاً ، نعم لا يبعد صحّة البذل والطّلاق إذا أوقعة بصيغة الطّلاق ـ أي لا بصيغة الخلع ـ أو أتبعه بها ـ أي : يقول : ( أنتِ مختلِعة على كذا فأنتِ طالق ) ـ ويكون رجعيّاً أو بائناً على حسب اختلاف موارده.
وهكذا الحال ـ أي يصحّ الطّلاق والبذل ولا يكون خلعاً ـ فيما إذا أذن الغير لها في الافتداء بماله فبذلته لزوجها ليطلّقها ، أو قام الغير ببذل الفداء له من ماله على وجه مضمون عليها ، كما لو قالت لشخص : ( أبذل لزوجي ألف دينار ليطلّقني ) فبذل
له ذلك فطلّقها ، فإنّه يصحّ البذل والطّلاق ، ويحقّ للباذل الرجوع به عليها لوقوع البذل منه بطلبها ـ أي يحقّ للباذل بعد ذلك أن يأخذ الفداء منها.
10 ـ لو جعلت الفداء مال الغير من دون إذنه ، أو ما لا يملكه المسلم كالخمر مع العلم ـ أي مع علمها بأنّه مال الغير ، أو أنّه ممّا لا يملكه مسلم بذلك بطل البذل فيبطل الخلع بل يبطل مطلقاً حتى الطّلاق ، إلاّ إذا كان بصيغة الطّلاق ، أو أتبعه بها قاصداً ـ في الحقيقة ـ طلاقها من غير عوض فإنّه يصحّ حينئذٍ رجعيّاً أو بائناً على حسب اختلاف الموارد.
ولو جعلت الفداء مال الغير مع الجهل بأنّه مال الغير فالمشهور صحّة الخلع وضمانها للمثل أو القيمة ، وفيه إشكال ، بل لا يبعد بطلانه مطلقاً ، أي يبطل الطلاق والبذل ولا يترتّب عليها أيّ أثر.
وكذا لوجعلت الفداء خمراً بزعم أنّها خلّ ـ أي لا يصحّ الخلع ولا الطّلاق ولا البذل ؛ لأنّ ما وقع لم يقصد ـ ثمّ بان الخلاف إلاّ إذا كان المقصود جعل ذلك المقدار من الخلّ فداء فيصحّ خلعاً.
11 ـ إذا خالعها على عين معيّنة فتبيّن أنّها معيبة ، فإن رضي بها صحّ الخلع ، وإلاّ ـ أي وإن لم يرض بها ـ ففي صحته إشكال وإن كان لا يخلو من قوة ، والأحوط لهما ـ أي للزوجين ـ المصالحة في الفداء ولو بدفع الأرش ـ أي الغرامة ـ أو تعويضه بالمثل أو القيمة ـ أي لو كان له مثل فيعطى للزوج وإن لم يكن له مثل فتعطى القيمة.
12 ـ إذا قال أبوها للزوج : ( طلّقها وأنتَ بريء من صداقها ) ، أي من مهرها وكانت بالغة رشيدة ، فطلّقها لم تبرأ ذمّته من صداقها ، وهل يصحّ طلاقها رجعيّاً أو بائناً على حسب اختلاف الموارد ؟ فيه إشكال ، والأقرب البطلان ـ أي لا يقع الطلاق ـ
نعم إذا كان عالماً بعدم ولاية أبيها على إبرائه من صداقها فطلّقها بصيغة الطّلاق ـ أي قال : ( أنتِ طالق ) ، أو قال : خلعتك على كذا فأنت طالق ـ أو أتبعه بها قاصداً في الحقيقة طلاقها من غير عوض صحّ كذلك ، أي صح الطلاق.
13 ـ الخلع وإن كان قسماً من الطّلاق وهو من الإيقاعات إلاّ أنّه ـ كما عرفت ـ يشبه العقود في الاحتياج إلى طرفين وإنشاءين : بذل شيء من طرف الزوجة ليطلّقها الزوج ، وإنشاء الطّلاق من طرف الزوج بما بذلت ، ويقع ذلك على نحوين :
الأوّل : أن يقدّم البذل من طرفها على أن يطلّقها ، فيطلّقها على ما بذلت.
الثاني : أن يبتدئ الزوج بالطّلاق مصرّحاً بذكر العوض فتقبل الزوجة بعده ، والأحوط أن يكون الترتيب على النحو الأوّل.
14 ـ يعتبر في صحّة الخلع الموالاة بين إنشاء البذل والطّلاق ، بمعنى تعقّب أحدهما بالآخر قبل انصراف صاحبه عنه منه ، فلو بذلت المرأة فلم يبادر الزوج إلى إيقاع الطّلاق حتى انصرفت المرأة عن بذلها لم يصح الخلع ، واشترط بعض الفقهاء ـ رضوان الله عليهم ـ الفوريّة العرفيّة بين البذل والطّلاق ، ولكن لا دليل على اعتبارها وإن كانت رعايتها أحوط(1) .
15 ـ يجوز أن يكون البذل والطّلاق بمباشرة الزوجين أو بتوكيلهما الغير أو بالاختلاف ـ أي توكّل المرأة غيرها في البذل مثلاً ويباشر الزوج الطّلاق بنفسه ـ ويجوز أن يوكّلا شخصاً واحداً ليبذل عنها ويطلّق عنه ، بل الظاهر أنّه يجوز لكلّ منهما أن يوكّل الآخر فيما هو من طرفه ، فيكون أصيلاً فيما يرجع إليه ، ووكيلاً فيما يرجع إلى الطرف الآخر.
__________________
(1) الاحتياط هنا استحبابي.
16 ـ يصح التوكيل في الخلع في جميع ما يتعلّق به من شرط العوض وتعيينه ، وقبضه وإيقاع الطّلاق ، أي يصحّ أن يوكّل غيره في جميع هذه الأُمور ، ومن المرأة في جميع ما يتعلّق بها من استدعاء الطّلاق وتقدير العوض وتسليمه.
17 ـ إذا وقع الخلع بمباشرة الزوجين ، فإمّا أن تبدأ الزوجة وتقول : ( بذلتُ لكَ ، أو أعطيتُكَ ما عليك من المهر ، أو الشيء الكذائيّ لتطلِّقني ) ، فيقول الزوج : ( أنتِ طالق ، أو مختلِعة ـ بكسر اللام ـ على ما بذلتِ ، أو على ما أعطيتِ ) وإمّا أن يبتدئ الزوج ـ بعد ما تواطئا ـ أي اتّفقا ـ على الطّلاق بعوض ـ فيقول : ( أنتِ طالق أو مختلِعة بكذا أو على كذا ) فتقول الزوجة : ( قبلتُ أو رضيتُ ).
وإن وقع البذل والطّلاق من وكيلين يقول وكيل الزوجة مخاطباً وكيل الزوج : ( عن قِبَل موكّلتي فلانه بذلتُ لموكِّلِكَ ما عليه من المهر أو المبلغ الكذائيّ ليخلعها أو ليطلِّقَها ) فيقول وكيل الزوج : ( زوجة موكِّلي طالق على ما بذَلَتْ ) أو يقول : ( عن قِبلِ موكّلي خلعتُ موكِّلَتَكَ على ما بَذَلَتْ ).
وإن وقع من وكيل أحدهما مع الآخر ، كوكيل الزوجة مع الزوج ، يقول وكيلها مخاطباً الزوج : ( عن قِبَل موكِّلتي فلانة ، أو زوجَتك بَذلتُ لك ما عليك من المهر ، أو الشيء الكذائيّ على أن تطلّقها ) فيقول الزوج : ( هي أو زوجتي طالق على ما بَذَلَتْ ) ـ اي الزوجة ـ أو يبتدئ الزوج مخاطباً وكيلها : ( موكِّلتكَ أو زوجتي فلانه طالق على كذا ) فيقول وكيلها : ( عن قِبَل موكِّلَتي قبلتُ ذلك ).
وإن وقع ممّن كان وكيلاً عن الطّرفين يقول : ( عن قِبَل موكّلتي فلانة بذلت لموكّلي فلان الشيء الكذائيّ ليطلّقها ) ، ثم يقول : ( زوجة موكّلي طالق على ما بذلتْ ) ، أو يبتدئ من طرف الزوج ويقول : ( زوجة موكّلي طالق على الشيّ
الكذائيّ ) ، ثمّ يقول من طرف الزوجة : ( عن قِبَل موكّلتي قبلتُ ).
ولو فرض أنّ الزوجة وكّلت الزوج في البذل يقول : ( عن قِبَل موكّلتي زوجتي بذلتْ لنفسي كذا لأطلّقها ) ، ثمّ تقول : ( هي طالق على ما بَذَلَتْ ).
18 ـ إذا استدعت الطلاق من زوجها بعوض معلوم فقالت له : ( طلّقني أو اخلعني بكذا ) ، فقال الزوج : ( أنت طالق أو مختلِعة بكذا ) ففي وقوعه إشكال فالأحوط اتباعه بالقبول منها بأن تقول بعد ذلك : ( قبلت ).
19 ـ طلاق الخلع بائن لا يقع فيه الرجوع ما لم ترجع المرأة فيما بذلتْ ، ولها الرجوع فيه مادامت في العدّة ، فإذا رجعت كان له الرجوع اليها.
20 ـ الظاهر اشتراط جواز رجوعها في المبذول بإمكان رجوعه بعد رجوعها ، فلو لم يجز له الرجوع بأن كان الخلع طلاقاً بائناً في نفسه ككونه طلاقاً ثالثاً ، أو كانت الزوجة ممّن لا عدّة لها كاليائسة وغير المدخول بها ، أو كان الزوج قد تزوّج بأختها أو برابعة قبل رجوعها بالبذل ، أو نحو ذلك لم يكن لها الرجوع فيما بذلتْ ، وهكذا الحال فيما لو لم يعلم الزوج برجوعها في الفدية حتى فات زمان الرجوع ، كما لو رجعت عند نفسها ولم يطلّع عليه الزوج حتى انقضت العدّة ، فإنّه لا أثر لرجوعها حينئذ.
21 ـ لا توارث بين الزوج والمختلِعة لو مات أحدهما في العدّة ، إلاّ إذا رجعت في الفدية فمات أحدهما بعد ذلك قبل انقضائها.
22 ـ المباراة كالخلع في جميع ما تقدّم من الشروط والأحكام ، وتختلف عنه في اُمور ثلاثة :
1 ـ أنّها تترتّب على كراهة كلّ من الزوجين لصاحبه ، بخلاف الخلع فإنّه يترتّب على كراهة الزوجة دون الزوج كما مر.
2 ـ أنّه يشترط فيها أن لا يكون الفداء أكثر من مهرها ، بل الأحوط الأولى أن يكون أقلّ منه ، بخلاف الخلع فإنّه فيه على ما تراضيا به ، ساوى المهر أم زاد عليه أم نقص عنه.
3 ـ أنّه إذا أوقع إنشاءها بلفظ ( بارأتُ ) فالأحوط لزوماً أن يتبعه بصيغة الطّلاق ، فلا يجتزئ بقوله : ( بارأتُ زوجتي على كذا ) حتى يتبعه بقوله ( فأنت طالق ، أو هي طالق ) ، بخلاف الخلع إذ يجوز أن يوقعه بلفظ الخلع مجرّداً ، أي بدون أن يذكر لفظ الطّلاق.
ويجوز في المباراة ـ كالخلع ـ إيقاعها بلفظ الطّلاق مجرّداً بأن يقول الزوج ـ بعد ما بذلت له شيئاً ليطلّقها : ( أنت طالق على ما بذلت ).
23 ـ طلاق المباراة بائن كالخلع لا يجوز الرجوع فيه للزوج ما لم ترجع الزوجة في الفدية قبل انتهاء العدّة ، فإذا رجعت فيها في العدّة جاز له الرجوع إليها على نحو ما تقدّم في الخلع.
الظّهار
الظّهار لغة : هو قول الزوج لزوجته : ( أنت عليّ كظهر أُمّي )(1) ( أو أنت عليّ كظهر ذات رحم ) والظّهار كان في الجاهلية طلاقاً ، فلمّا جاء الإسلام نهى عنه وأوجب على مرتكبه الكفّارة.
وأصله مأخوذ من الظّهر ، وأخذ من الظهر لأنّه موضع الركوب ، واُقيم الظّهر هنا مقام الرّكوب لأنّه مركوب ، وأقام الرّكوب مقام النّكاح لأن الناكح راكب ، وهو من
__________________
(1) الصحاح 2 : 732 ، « ظهر ».
لطيف الاستعارات للكناية.
وقيل : إنّ إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان حراماً عندهم في الجّاهلية ، وكان أهل المدينة يقولون : إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول ، فلقصد الرجل ـ المطلِّق ـ منهم التغليظ في تحريم امراته عليه شبّهها بالظّهر ، ثمّ لم يقنع بذلك حتى جعلها كظهر أمّه ، وكان الرجل عندهم إذا ظاهر المرأة تركها وتجنّبها ، لذا تضمّن الظّهار معنى التباعد(1) .
1 ـ الظّهار حرام ، وموجب لتحريم الزوجة المظاهَر منها ، ولزوم الكفّارة بالعود إلى مقاربتها كما سيأتي تفصيله.
2 ـ صيغة الظّهار أن يقول الزوج مخاطباً للزوجة : ( أنت عليّ كظهر اُمّي ) ، أو يقول بدل أنت : ( هذه ) مشيراً إليها ، أو ( زوجتي ) ، أو ( فلانة ). ويجوز تبديل ( عليّ ) بقوله : ( منّي ) ، أو ( عندي ) ، أو ( لديّ ) ، بل الظّاهر عدم اعتبار ذكر لفظة ( عليّ ) وأشباهها أصلاً ، بأن يقول : ( أنت كظهر اُمّي ).
3 ـ لو شبّه زوجته بجزء آخر من أجزاء الاُمّ ـ كرأسها أو يدها أو بطنها ـ قاصداً به تحريمها على نفسه ، ففي وقوع الظّهار به قولان ، أظهرهما عدم الوقوع وإن كان الاحتياط(2) في محلّه.
4 ـ لو شبّهها باُمّه جملة بأن قال : ( أنت كأُمّي ) ، أو ( أنت اُمّي ) قاصداً به التّحريم لا علو المنزلة والتعظيم ، أو كبر السنّ وغير ذلك ، فالأظهر عدم وقوع الظّهار به وإن كان الأحوط استحباباً خلافه.
5 ـ لو شبّهها بإحدى المحارم النسبيّة غير الاُمّ كالبنت والاُخت والعمّة والخالة
__________________
(1) لسان العرب : 8 : 280 « ظهر ».
(2) الاحتياط هنا استحبابي.
فقال : ( أنت عليّ كظهر اُختي ) فالأقرب وقوع الظهار به ، وفي إلحاق المحرّمات بالرّضاع وبالمصاهرة بالمحرّمات النسبيّة في ذلك إشكال ، فلا تترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيه ، أي لو قال للزوجة : ( أنت عليّ كأختي من الرّضاعة ، أو كخالتي ، أو كأختك ) مثلاً فالأحوط وجوباً أن يعتبر هذا الظّهار ، ولو قال لها : ( أنت عليّ حرام ) من غير أن يشبّهها ببعض محارمه لم تحرم عليه ولم يترتّب عليه أثر أصلاً.
6 ـ الظّهار الموجب للتحريم ماكان من طرف الرجل ، فلو قالت المرأة لزوجها : ( أنت عليّ كظهر أبي أو أخي ) لم يؤثّر شيئاً.
7 ـ يعتبر في الظّهار وقوعه بحضور عدلين يسمعان قول المظاهر كالطّلاق ، ويعتبر في المظاهِر ـ أي في الزوج الذي يظاهر زوجته ـ البلوغ والعقل والاختيار ـ أي لا يكون الزوج مجبراً ـ والقصد ـ أي لا يكون هازلاً ـ وعدم الغضب ، وأن لا يكن ـ أي الغضب ـ سالباً للقصد والاختيار على الأقوى.
ويعتبر في المظاهَر منها ـ وهي الزوجة ـ خلوّها عن الحيض والنفاس ، وكونها في طهر لم يواقعها فيه على التفصيل المتقدّم في المطلّقة ، وكونها مدخولاً بها على الأصحّ ، وهل يعتبر كونها زوجة دائميّة فلا يقع الظّهار على المتمتع بها ؟ فيه إشكال ، فالاحتياط لا يترك ، أي أنّ الأحوط وجوباً وقوع الظّهار حتى على الزوجة المؤقّتة.
8 ـ لا يقع الظّهار إذا قصد به الإضرار بالزوجة ، كما لا يقع في يمين بأن كان غرضه زجر نفسه عن فعل كما لو قال : ( إن كلّمتك فأنت عليّ كظهر اُمّي ) ، أو بعث نفسه على فعل كما لو قال : ( إن تركتُ الصلاة فأنتِ عليّ كظهر اُمّي ).
9 ـ يقع الظّهار على نحوين : مطلق ، ومعلّق. والأوّل ما لم يكن منوطاً بوجود
شيء(1) بخلاف الثاني ، ويصحّ التعليق على الوطء كان يقول : ( أنت عليّ كظهر اُمّي إن قاربتُكِ ) ، كما يصحّ التعليق على غيره حتى الزمان على الأقوى كأن يقول : ( أنت عليّ كظهر اُمّي إن جاء يوم الجمعة ) ، نعم لا يصحّ التعليق على الإتيان بفعل بقصد زجر نفسه عنه ، أو على ترك فعل بقصد بعثها نحوه كما مرّ آنفاً.
10 ـ لو قيّد الظّهار بمدّة كشهر أو سنة ففي صحّته إشكال ، والأقرب البطلان ، أي لا اعتبار لهذا الظّهار.
11 ـ إذا تحقّق الظهار بشرائطه ، فإن كان مطلقاً حرم على المظاهِر وطء المظاهَر منها ، ولا يحلّ له حتى يكفِّر ، فاذا كفّر حلّ له وطؤها ، ولا تلزمه كفارة أُخرى بعد الوطء ، ولو وطئها قبل أن يكفّر لزمته كفّارتان : إحداهما للوطء ، والاُخرى لإرادة العود إليه ـ أي للوطء ـ والأظهر عدم حرمة سائر الاستمتاعات عليه قبل التكفير ، وأمّا إذا كان ـ أي الظّهار ـ معلّقاً فيحرم عليه الوطء بعد حصول المعلَّق عليه ، فلو علّقه على نفس الوطء ، كما لو قال : ( إذا وطأتك فأنت عليّ كظهر أمّي ) لم يحرم الوطء المعلَّق عليه ولا تجب به الكفّارة.
12 ـ تتكرّر الكفّارة بتكرّر الوطء قبل التكفير ، كما أنّها تتكرّر بتكرّر الظّهار مع تعدّد المجلس ـ أي إذا كان الظّهار في أوقات مختلفة ـ وأمّا مع اتحاده ففيه إشكال ، فلا يترك الاحتياط ـ أي تتكرّر الكفّارة على الأحوط وجوباً لو تعدّد الظّهار في مجلس واحد.
13 ـ كفّارة الظّهار عتق رقبة ، وإذا عجز عنه فصيام شهرين متتابعين ، وإذا عجز عنه فإطعام ستّين مسكيناً.
__________________
(1) أي غيره مشروط بشيء مّا.
14 ـ إذا عجز عن الاُمور الثلاثة صام ثمانية عشر يوماً ، وإن عجز عنه لم يجزئه الاستغفار على الأحوط لزوماً.
15 ـ إذا ظاهر من زوجته ثمّ طلّقها رجعيّاً لم يحلّ له وطؤها حتى يكفّر ، بخلاف ما إذا تزوّجها بعد انقضاء عدّتها ، أو كان الطّلاق بائناً وتزوّجها في العدّة ، فإنّه يسقط حكم الظّهار ويجوز له وطؤها بلا تكفير ، ولو ارتدّ أحدهما ، فإن كان قبل الدخول ، أو كانت المرأة يائسة أو صغيرة ، أو كان المرتدّ هو الرجل عن فطرة ثمّ تاب المرتدّ وتزوّجها سقط حكم الظّهار ، وجاز له وطؤها بلا تكفير ، وأمّا لو كان الارتداد بعد الدخول ولم تكن المرأة يائسة ولا صغيرة وكان المرتدّ هو الرجل عن ملّة أو هي ـ أي المرأة ـ مطلقاً فحكمه حكم الطّلاق الرجعي ، فإن تاب المرتدّ ـ أي الملّي الذي أسلم ثمّ ارتدّ ولم يكن أبواه أو أحدهما مسلماً ـ في العدّة لم يجز له أن يطأها حتى يكفّر ، وإن انقضت عدّتها ثم تزوّجها جاز له وطؤها من دون كفّارة ، ولو ظاهر من زوجته ثمّ مات أحدهما لم تثبت الكفّارة.
16 ـ إذا صبرت المظاهَر منها على ترك وطئها فلا اعتراض ، وإن لم تصبر رفعت أمرها إلى الحاكم ، فيحضره ويخيّره بين الرجعة بعد التكفير وبين طلاقها ، فإن اختار أحدهما ، وإلاّ أنظره ثلاثة أشهر من حين المرافعة ، فإن انقضت المدّة ولم يختر أحد الأمرين حبسه وضيّق عليه في المطعم والمشرب حتى يختار أحدهما ، ولا يجبره على خصوص أحدهما ، وإن امتنع عن كليهما طلّقها الحاكم على الأقوى.
الإيلاء
قال تعالى مشيراً إلى هذا المفهوم( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ
أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *وإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) (1) .
والإيلاء لغة : عبارة عن اليمين مطلقاً ، وأمّا في اصطلاح الفقهاء : فهو حلف الزوج أن لا يطأ زوجته أربعة أشهر فأكثر ، وشرائط اُخرى لا يتحقّق الإيلاء بدونها ، فإذا حلف الزوج قيل للمرأة : « آلية » ، وللجمع « أوال ».
ولم يشرّع الإيلاء ـ مع ما فيه من حرمان للمرأة عن حقّها الطبيعي إلاّ لتأديبها ، وإلزامها على ترك معصية الزوج كي تعود الحياة الزوجيّة إلى الوئام والاستقرار.
1 ـ الإيلاء : هو الحلف على ترك وطء الزوجة الدائمة قُبلاً ، إمّا أبداً أو مدّة تزيد على أربعة أشهر لغرض الإضرار بها ، فلا يتحقّق الإيلاء بالحلف على ترك وطء المتمتع بها ، ولا بالحلف على ترك وطء الدائمة مدّة لا تزيد على أربعة أشهر ، ولا فيما إذا كان لدفع ضرر الوطء عن نفسه أو عنها ، أو لنحو ذلك ، أي لو حلف أن لا يطئها لأنّها مريضة ، أو لوجود مانع ، فلا يدخل ذلك في بحث الإيلاء ، كما يعتبر فيه أيضاً أن تكون الزوجة مدخولاً بها ولو دبراً فلا يتحقّق بالحلف على ترك وطء غير المدخول بها ، نعم تنعقد اليمين في جميع ذلك وتترتب عليها مع اجتماع شروطه ، أي شروط اليمين.
2 ـ يعتبر في المؤلي ـ أي الزوج الحالف على أن لا يقارب زوجته أكثر من أربعة أشهر لغرض إيصال الضرر اليها ـ أن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً ـ أي غير مجبر ـ قاصداً ـ أي لا هازلاً ولا حالفاً في حال نومه ، فلا يقع الإيلاء من الصغير والمجنون والمكره والهازل والسكران ، ومن اشتدّ به الغضب حتى سلبه قصده أو اختياره.
وهل يعتبر أن يكون قادراً على الإيلاج فلا يقع من العنّيين والمجبوب ؟ فيه
__________________
(1) البقرة 2 : 226.
وجهان أقربهما الأوّل ـ أي لا يصدق الإيلاء على الزوج الغير قادر على مقاربة زوجته كالعنّيين وهو من فيه مرض مانع من انتشار العضو بحيث لا يقدر معه على الايلاج.
والمجبوب هو مقطوع العضو التناسلي بحيث لم يبق منه ما يمكنه الوطء به.
3 ـ لا ينعقد الإيلاء ـ كمطلق اليمين ـ أي كما لا ينعقد مطلق اليمين ـ إلاّ باسم الله تعالى المختص به ، أو ما ينصرف إطلاقه إليه ـ أي لله تعالى كما لو قال : باسم الرّحمن ، أو باسم الرحيم ، وكذلك صفاته عزّ وجلّ الاُخرى المشتركة بينه وبين غيره ولو في مقام الحلف ، ولا يعتبر فيه العربية ، ولا اللّفظ الصريح في كون المحلوف عليه ترك الجماع قُبلاً ، بل المعتبر صدق كونه حالفاً على ترك ذلك العمل بلفظ ظاهر فيه ، فيكفي قوله : ( لا أطأُكِ ) ، أو ( لا اُجامِعُك ) ، أو ( لا أمسُّكِ ) ، بل وقوله : ( لا جمع رأسي ورأسك وسادة أو مخدّة ) إذا قصد به ترك الجماع.
4 ـ إذا تمّ الإيلاء بشرائط ، فإن صبرت المرأة مع امتناعه ـ أي امتناع الزوج ـ عن المواقعة فهو ـ أي يجري عليها حكم الإيلاء ـ وإلاّ فلها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي فينظره ـ أي ينتظره ـ الحاكم أربعة أشهر ، فإن رجع وواقعها في هذه المدّة فهو ـ أي فهو زوجها دون أيّ مانع شرعي ـ وإلاّ ـ أي وإن لم يرجع ـ ألزمه بأحد الأمرين إمّا الرجوع أو الطّلاق ، فإن فعل أحدهما وإلاّ حبسه وضيّق عليه في المطعم والمشرب حتى يختار أحدهما ، ولا يجبره على أحدهما معيّناً ، وإن امتنع عن كليهما ـ أي عن الرجوع والطّلاق ـ طلّقها الحاكم ، ولو طلّق وقع الطّلاق رجعيّاً أو بائناً على حسب اختلاف موارده.
5 ـ إذا عجز المؤلي عن الوطء كان رجوعه بإظهار العزم على الوطء على تقدير القدرة عليه ، أي لو كان قادراً عليه.
6 ـ المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم أنّ الأشهر الأربعة ـ التي ينظر فيها المؤلي ثم يجبر على أحد الأمرين بعدها ـ تبدأ من حين الترافع إلى الحاكم ، وقيل : من حين الإيلاء ، فعلى هذا لو لم ترافع حتى انقضت المدّة ألزمه الحاكم بأحد الأمرين من دون إمهال وانتظار مدّة ، وهذا القول لا يخلو من قوّة ، ولكن مع ذلك لا تترك مراعاة مقتضى الاحتياط في ذلك ، أي الأحوط وجوباً أن ينتظره الحاكم الشرعي ويمهله مدّة ويكون مبدأ حسابها وقت الترافع لا حين الإيلاء.
7 ـ إذا اختلفا في الرجوع والوطء فادّعاهما المؤلي ـ أي الزوج ـ وأنكرت هي فالقول قوله بيمينه ، أي يؤخذ بقول الزوج لو حلف.
8 ـ يزول حكم الإيلاء بالطّلاق البائن وإن عقد عليها في العدّة ، بخلاف الطّلاق الرجعي فإنّه وإن خرج به ـ أي بالطّلاق ـ من حقّها فليست لها المطالبة والترافع إلى الحاكم ، لكن لا يزول حكم الإيلاء إلاّ بانقضاء عدّتها ، فلو راجعها في العدّة عاد إلى الحكم الأوّل ـ أي إلى الإيلاء ـ فلها المطالبة بحقّها والمرافعة إلى الحاكم.
9 ـ متى وطأَها الزوج بعد الإيلاء لزمته الكفّارة ، سواء أكان ـ يعني الوطء ـ في مدّة التربّص ـ أي الانتظار ـ أو بعدها أو قبلها لو جعلناها من حين المرافعة ؛ لأنّه قد حنث اليمين ـ أي خالفها ـ على كلّ حال وإن جاز له هذا الحنث بل وجب ـ أي الحنث ـ بعد انقضاء المدّة ومطالبتها وأمر الحاكم به تخييراً بينه وبين الطّلاق ، وبهذا تمتاز هذه اليمين عن سائر الأيمان ، كما أنّها تمتاز عن غيرها بأنّه لا يعتبر فيها ما يعتبر في غيرها من كون متعلّقها ـ أي الشيء الذي يعلّق عليه هذا اليمين ـ راجحاً شرعاً ـ أي لا يشترط أن يكون ما علّق عليه اليمين محلّلا وجائزاً شرعاً ـ أو كونه غير مرجوح شرعاً مع رجحانه بحسب الأغراض الدنيوية العقلائية.
10 ـ إذا آلى من زوجته مدّة معيّنة فدافع عن الرجوع والطّلاق إلى أن انقضت المدّة لم تجب عليه الكفّارة ، ولو وطئها قبله ـ يعني قبل انقضاء المدّة ـ لزمته الكفّارة.
11 ـ لا تتكرّر الكفّارة بتكرّر اليمين إذا كان الزمان المحلوف على ترك الوطء فيه واحداً.
اللّعان
1 ـ الّلعان : مباهلة خاصّة بين الزوجين أثرها دفع حدّ أو نفي ولد ، ويثبت في موردين :
المورد الأوّل : فيما إذا رمى الزوج زوجته بالزّنى.
2 ـ لا يجوز للرجل قذف زوجته بالزّنى مع الرّيبة ـ أي مع الشكّ في أنّها زنت أو لا ، وهو درجة خمسين بالمائة ـ ولا مع غلبة الظنّ ـ أي بدرجة ثمانين بالمائة ـ لبعض الأسباب المريبة ، بل ولا بالشّياع ـ أي لكونه شائعاً ـ ولا بإخبار شخص ثقة ، نعم يجوز مع اليقين ولكن لا يُصدّق إذا لم تعترف به الزوجة ، ولم يكن له بيّنه ، بل يحدَّ ـ أي يقام على الزوج حدّ القذف مع مطالبتها ـ أي بالحدّ ـ إلاّ إذا أوقع اللّعان الجامع للشروط الآتية فيدرأ عنه الحدّ.
3 ـ يشترط في ثبوت اللّعان بالقذف أن يدّعي المشاهدة ، فلا لعان فيمن لم يدّعها ، ومن لم يتمكّن منها كالأعمى ، فيحدّان مع عدم البيّنة ، كما يشترط في ثبوته ـ أي اللعان ـ أن لا تكون له بيّنة على دعواه ـ أي على ادّعائه بأنّها زنت ـ فإن كانت له بيّنه تعيّن إقامتها لنفي الحدّ ولا لعان ، أي لا يثبت اللعان.
4 ـ يشترط في ثبوت اللّعان في القذف أن يكون القاذف بالغاً عاقلاً ، وأن تكون المقذوفة بالغة عاقلة سالمة عن الصمم والخرس ، كما يشترط فيها أن تكون زوجة
دائمة ، فلا لعان في قذف الأجنبيّة ـ أي غير الزوجة ـ بل يحدّ القاذف مع عدم البيّنة ، وكذا في المتمتع بها على الأقوى ـ أي يقام الحدّ على الزوج الذي قذف زوجته المؤقّتة ـ ويشترط فيها أيضاً أن تكون مدخولاً بها ، فلا لعان فيمن لم يدخل بها ، وأن تكون غير مشهورة بالزنى وإلاّ فلا لعان ، بل ولا حدّ على الزوج القاذف حتى يدفع باللّعان ، نعم عليه التعزير في غير المتجاهرة بالزّنى إذا لم يدفعه عن نفسه بالبيّنة.
المورد الثاني : فيما إذا نفى ولديّة من ولد على فراشه ـ أي أنكر أنّ هذا المولود من صلبه ـ مع لحوقه به ظاهراً كما سيتوضّح.
5 ـ لا يجوز للزوج أن يُنكر ولديّة من تولّد على فراشه مع لحوقه به ظاهراً بأن دخل ـ أي الزوج ـ بأُمّه ـ أي اُمّ المولود ـ وأنزل في فرجها ولو احتمالاً ، أو أنزل على فرجها واحتمل دخول مائه فيه بجذب أو نحوه ، وكان قد مضى على ذلك إلى زمان وضعه ستة أشهر فصاعداً ولم يتجاوز أقصى مدّة الحمل ، فإنّه لا يجوز له في هذه الحالة نفي الولد عن نفسه ، وإن كان قد فجر أحدٌ بأمّه فضلاً عمّا إذا اتّهمها بالفجور ، بل يجب عليه الإقرار بولديّته ، أي يجب عليه أن يعترف ويقرّ بأنّ هذا الولد له.
نعم ، يجوز له أن ينفيه ـ ولو باللّعان ـ مع علمه بعدم تكوّنه من مائه من جهة علمه باختلال شروطه الالتحاق به ، بل يجب عليه نفيه إذا كان يلحق به بحسب ظاهر الشرع ـ أي انّه من اُمّه التي دخل بها أو أنّه أقرّ ذلك ثمّ نفاه لولا نفيه ـ أي لولا أنّ الزوج نفاه عنه ولم يعتبره ولداً له لوجب الالتزام بظاهر الشرع الذي يثبت أنّه ولده حقّاً ، مع كونه في معرض ترتّب أحكام الولد عليه من الميراث والنّكاح والنظر إلى محارمه وغير ذلك.
6 ـ إذا نفى ولديّة من ولد على فراشه ، فإن علم أنّه ـ أي الوالد ـ قد أتى بما
يوجب لحوقه به بسببه في ظاهر الشرع أو أقرّ هو ـ أي الزوج ـ بذلك ومع ذلك نفاه لم يسمع منه هذا النفي ولا ينتفي ـ أي الولد ـ منه لا باللّعان ولا بغيره.
وأمّا لو لم يعلم ذلك ولم يقرّبه ـ أي الزوج ـ وقد نفاه إمّا مجرّداً عن ذكر السبب بأن قال : ( هذا ليس ولدي ) وإما مع ذكر السبب بأن قال : ( إنّي لم اُباشر اُمّه منذ ما يزيد على عام قبل ولادته ) فحينئذٍ وإن لم ينتف عنه بمجرّد نفيه لكن ينتفي عنه باللّعان.
7 ـ إنما يشرّع اللّعان لنفي الولد فيما إذا كان الزوج عاقلاً والمرأة عاقلة ، وفي اعتبار سلامتها من الصمم والخرس إشكال وإن كان الاعتبار أظهر.
ويعتبر أيضاً أن تكون ـ أي الأُمّ ـ منكوحة بالعقد الدائم ، وأمّا ولد المتمتع بها فينتفي بنفيه من دون لعان ، وإن لم يجز له نفيه مع عدم علمه بالانتفاء ولو عُلم أنّه أتى بما يوجب اللّحوق به في ظاهر الشرع ـ كالدخول باُمّه مع احتمال الإنزال أو أقرّ بذلك ومع ذلك نفاه لم ينتف عنه بنفيه ولم يسمع منه ذلك كما هو كذلك في الدّائمة.
8 ـ يعتبر في اللّعان لنفي الولد أن تكون المرأة مدخولاً بها ، فلا لعان مع عدم الدخول ، نعم إذا ادّعت المرأة المطلّقة الحمل منه فأنكر الدخول فأقامت بيّنة على إرخاء الستر فالأقرب ثبوت اللّعان.
9 ـ لا فرق في مشروعيّة اللّعان لنفي الولد بين كونه حملاً ـ أي قبل الولادة وحال كونه جنيناً في بطن اُمّه ـ أو منفصلاً أي مولوداً.
10 ـ من المعلوم أنّ انتفاء الولد عن الزوج لا يلازم كونه ولد زنى لاحتمال كونه عن وطء شبهة أو غيره ، فلو علم الرجل بعدم التحاق الولد به ـ وإن جاز بل وجب عليه نفيه عن نفسه على ما سبق ـ لكن لا يجوز له أن يرمي أمّه بالزنى وينسب ولدها
إلى الزّنى ما لم يتيقّن ذلك.
11 ـ إذا أقرّ بالولد لم يسمع إنكاره له بعد ذلك ـ أي بعد نفيه عنه ـ سواء أكان إقراره بالصريح أو بالكناية مثل أنّ يبشّر به ويقال له : ( بارك الله لك في مولودك ) فيقول : ( آمين ) أو ( إن شاء الله تعالى ) بل قيل : إنّه إذا كان الزوج حاضراً وقت الولادة ولم ينكر الولد مع انتفاء العذر لم يكن له إنكاره بعد ذلك ، ولكنّه محلّ إشكال بل منع.
12 ـ لا يقع اللّعان إلاّ عند الحاكم الشرعي ، وفي وقوعه عند المنصوب من قبله لذلك إشكال ـ أي لا تقع عند من نصّبه الحاكم للّعان ـ وصورة اللّعان أن يبدأ الرجل ويقول بعد قذفها أو نفي ولدها : ( أشهد بالله إنّي لمن الصّادقين فيما قلت من قذفها أو نفي ولدها ) يقول ذلك أربع مرّات ، ثم يقول مرّة واحدة : ( لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين ) ثم تقول المرأة بعد ذلك أربع مرات : ( أشهد بالله إنّه لمن الكاذبين في مقالته من الرّمي بالزّنا أو نفي الولد ) ، ثمّ تقول مرّة واحدة : ( إنّ غضبَ اللهِ عليَّ إن كان من الصّادقين ) ، وقد مرّت هذه المعاني في صريح القرآن الكريم(1) .
13 ـ يجب أن تكون الشهادة واللّعن بالألفاظ المذكورة ، فلو قال أو قالت : ( أحلف ) أو ( أُقسم ) أو ( شهدتُ ) أو ( أنا شاهد ) أو أبدلا لفظ الجلالة ب ( الرحمن ) أو ب ( خالق البشر ) أو ب ( صانع الموجودات ) ، أو قال الرجل : ( إنّي صادق ) أو ( لصادق ) أو ( من الصّادقين ) من غير ذكر الّلام ، أو قالت المرأة : ( إنّه لكذّاب ) أو ( كاذب ) أو ( من الكاذبين ) لم يقع ، وكذا لو أبدل الرجل اللّعنة بالغضب والمرأة بالعكس ـ أي لو قال : ( غضب اللهِ عليّ إن كنت من الكاذبين ).
__________________
(1) انظر سورة النور 24 : 6 ـ 9.
14 ـ يجب أن تكون المرأة معيّنة ، وأن يبدأ الرجل بشهادته ، وأن تكون البدأة في الرجل بالشّهادة ثمّ باللّعن ، وفي المرأة بالشّهادة ثم بالغضب.
15 ـ يجب أن يكون إتيان كلّ منهما باللّعان بعد طلب الحاكم منه ذلك ، فلو بادر قبل أن يأمر الحاكم به لم يقع.
16 ـ الأحوط ـ لزوماً ـ أن يكون النّطق بالعربيّة مع القدرة عليها ، ويجوز بغيرها مع التعذّر.
17 ـ يجب أن يكونا قائمين ، أي لا جالسين ولا مضطجعين أو أي هيئة اُخرى غير القيام عند التلفّظ بألفاظهما الخمسة ، وهل يعتبر أن يكونا قائمين معاً عند تلفّظ كلّ منهما ، أو يكفي قيام كلّ منهما عند تلفّظه بما يخصّه ؟ وجهان ، ولا تترك مراعاة الاحتياط ، أي بالقيام معاً عند أداء اللعان وألفاظه المختصّة به ، سواء كان المتكلّم فعلاً هو الرجل أم المرأة.
18 ـ يستحب أن يجلس الحاكم مستدبر القبلة ويقف الرجل على يمينه ، وتقف المرأة على يساره ، ويحضر من يستمع اللّعان ، ويعظهما ـ أي الزوّجين ـ الحاكم قبل اللّعن والغضب.
19 ـ إذا وقع اللّعان الجامع للشرائط منهما يترتّب عليه أحكام أربعة :
1 ـ انفساخ عقد النكاح والفرقة بينهما ، أي مباشرة بعد تحقق اللّعان بلا طلاق.
2 ـ الحرمة الأبديّة ، فلا تحلّ له أبداً ولو بعقد جديد ، وهذان الحكمان ثابتان في مطلق اللّعان ، سواء أكان للقذف أم لنفي الولد.
3 ـ سقوط حدّ القذف عن الزوج بلعانه وسقوط حدّ الزناء عن الزوجة بلعانها ،
فلو قذفها ثمّ لاعَنَ ونكلت(1) هي عن اللّعان تخلّص الرجل عن حدّ القذف وحُدّت المرأة حدّ الزانية ـ أي اُقيم عليها نفس الحدّ الذي يقام على الزانية ـ لأنّ لعان الزوج بمنزلة البيّنة على زنا الزوجة.
4 ـ انتفاء الولد عن الرجل دون المرأة إن تلاعنا لنفيه ـ بمعنى أنّه لو نفاه وادّعت كونه له فتلاعنا ، لم يكن توارث بين الرجل والولد ، فلا يرث أحدهما الآخر ، وكذا لا توارث بين الولد وكلّ من انتسب إليه بالاُبوّة كالجدّ والجدّة والأخ والأخت للأب ، وكذا الأعمام والعمّات ، بخلاف الاُمّ ومن انتسب إليه بها حتى أنّ الإخوة للأب والأُمّ بحكم الإخوة للاُم ، أي لا يؤثّر هذا اللّعان في نفي التوارث بينهم جميعاً وبين الولد.
5 ـ إذا قذف امرأته بالزنى ولاعنها ، ثمّ كذّب نفسه بعد اللّعان ـ أي أقرّ على نفسه بالكذب ـ لم يحدّ للقذف ولم يزل التحريم ، ولو كذّب في أثنائه ـ أي في أثناء الملاعنة ـ يحدّ(2) ولا تثبت أحكام اللّعان ، ولو اعترفت المرأة بعد اللّعان بالزنى أربعاً ففي الحدّ تردّد ، والأظهر العدم ، أي لا يقام عليها الحدّ.
6 ـ إذا كذّب نفسه بعد ما لاعن لنفي الولد ، لحق به الولد فيما عليه من الأحكام لا فيما له منها ـ أي تجب حقوق الولد على هذا الرجل بصفته أب له ، ولكن لا تجب حقوق الأب على هذا الولد لأنّه نفاه عنه ـ فيرثه الولد ولا يرثه الأب ـ أي لا يرث الأب الولد ـ ولا من يتقرّب به ، وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الميراث إن شاء الله تعالى.
__________________
(1) النكول : نَكَلَ عن العدوِّ وعن اليمين ينكُلُ بالضمّ ، أي جَبُنَ. الصحاح 5 : 1835 « نكَل ».
(2) أي يقام عليه الحدّ.
مسائل متفرّقة
تتعلّق بالمرأة والاُسرة وخصوصاً الشباب
1 ـ نرى في الغرب المدارس المختلطة بين الإناث والذكور ، فلا يجوز الحضور في هذه المدارس إذا كان الاختلاط يؤدّي إلى وقوع الطالب أو الطالبة في المحرّم ، وأمّا مع الوثوق من الحفاظ على سلامة الدين والقيام بالالتزامات الشرعيّة ومنها الحجاب والتجنّب عن النّظر واللّمس المحرّمين ، وعدم التأثّر بما يحيط بهما من أجواء التحلّل والإنحراف فلا بأس به.
2 ـ لو أدّى دخول البنات في المدارس الغربيّة إلى إفساد أخلاقهن ، والإخلال بعقائدهن والتزامهن بالشريعة ، فلا يجوز الدخول في هذه المدارس.
3 ـ لا يجوز اصطحاب الفتيات مع الشباب المسلم في السفرات الجامعيّة لغرض التنزّه والتفريح ، إلاّ مع الأمن من الوقوع في الحرام.
4 ـ لا يجوز لوليّ الطّفل أن يجعل طفله في مدرسة اُوربيّة يتولّى التدريس فيها أساتذة لا تؤمن بوجود الله ، مع الاحتمال القويّ بالتأثير على عقيدة الطّفل ، والولي يتحمّل المسؤوليّة الكاملة في ذلك.
5 ـ لا يجوز الحضور في أماكن الفساد مطلقاً على الأحوط وجوباً ، ومن هذه الأمكنة المسابح المختلطة ، سواء كان لغرض السّباحة أو للتنزّه.
6 ـ تعتبر المصافحة في الغرب من وسائل التحيّة وتبادل الاحترام ، وقد يؤدّي تركها إلى الإخراج من العمل أحياناً أو الحرمان من الدراسة ، أو الاستحقار للمسلم ،
فلو لم يكن مناصّ للتخلّص من المصافحة ، وأدّى تركها إلى الضّرر أو الحرج الشديد تلبس المسلمة أو المسلم الكفوف إن أمكن ويصافحها الأجنبيّ أو الأجنبيّة.
7 ـ الأحوط وجوباً ترك رقص النّساء أمام النّساء ، والرجال أمام الرّجال ، ويحرم رقص النساء أمام الرّجال ، ولكن يجوز رقص الزوجة لزوجها وبالعكس إذا لم يكن بمنظر الغير.
8 ـ لو كان درس الرّقص غير مقترن بالغناء والموسيقي المحرّمة ، وهو جزء من المادّة الدراسية التي لا يسمح بتركها ، ونافت التربية الدينيّة ، فيحرم حضور هذا الدرس ، بل وإن لم تنافيها على الأحوط وجوباً.
9 ـ يجوز للمسلم أن يرسل ابنه إلى معاهد تعلّم الموسيقي باعتبارها فنّ من الفنون ، إن لم يقترن بالعزف المحرّم عمليّاً ، بشرط أن يحرز عدم تأثير ذلك على تربية الولد وتديّنه.
10 ـ يجوز للمرأة المسلمة أن تلتحق بالكلّيات المختلطة في الغرب ، هذا إذا وثقت من نفسها بأنّها سوف تلتزم بالشريعة ، ولا يؤدّي ذلك إلى ارتكابها للمحرّم ، وإن لم تثق من نفسها فلا يجوز لها الالتحاق(1) .
11 ـ لو تحدّث الرّجل مع عدّة نساء أجنبيّات بقصد الاقتناع بواحدة منهنّ ، واختيار إحداهنّ للزواج فلا بأس فيه ، مادام خالياً من الحديث المحرّم الذي لا يجوز مع الأجنبيّة ، وتجرّد عن النظر المحرّم وخوف الإنجرار إلى الوقوع في الحرام.
12 ـ الأحوط وجوباً ترك النظر إلى صورة امرأة محجّبة يعرفها وقد ظهرت في الصورة من دون حجاب ، هذا في غير الوجه والكفّين ، أمّا الوجه والكفّين فيجوز
__________________
(1) فقه الحضارة : 183.
النظر لهما من دون تلذّذ وريبة.
13 ـ لو احتفظ بصورة صبيّة وقد بلغت سنّ التكليف الآن فلا يجوز على ـ الأحوط وجوباً ـ أن ينظر لتلك الصورة إن كانت مطابقة لأوصافها بعد تكليفها ، ويجوز له النظر إلى وجهها وكفّيها مع عدم الالتذاذ وخوف الافتتان.
14 ـ نجد في أسواق الغرب الأجهزة التناسلية المصطنعة ـ للمرأة والرجل ـ للالتذاذ ، فلا يجوز ذلك إذا كان قد قصد الإمناء ، أو كان من عادته ذلك ، والأحوط وجوباً له الاجتناب حتى مع الاطمئنان من عدم الإمناء.
مسائل تتعلّق بالجنس
1 ـ المقصود من التلذّذ الشهوي ـ الذي هو مقياس للحرمة ـ ليس هو مطلق التلذّذ ، بلّ خصوص التلذّذ الجنسي ، ولا يشمل التلذّذ الروحيّ الذي يحصل للإنسان أثر مشاهدة الطبيعة اللطيفة ، كالنظر إلى حديقة زاهية أو منظر جميل ، ولكنّه بعيد في المورد ممّن لم يفقد القوة الشهويّة.
والمراد من الريبة هو خوف الافتتان والوقوع في الحرام ، وهو مقياس آخر للحرمة ، وأمّا الحدّ الأدنى في الالتذاذ المحرّم هو حصول أوّل درجة من درجات الإحساس الجنسي حتى مع عدم إفراغ الشهوة كلّها.
2 ـ هناك فرق بين النّظرة الأُولى والثانية ، فإذا نظر الرجل إلى المرأة ـ أو بالعكس ـ بالنّظرة الأُولى فلا يترتّب على ذلك حرمة شرعاً ، والمقصود من النّظرة الأُولى هي النّظرة العابرة الصدفيّة الخالية من أيّ التذاذ أو ريبة ، بخلاف النظرة الثانية التي يتقصّد الإنسان فيها ، ويلتذّ بها نوعاً مّا ، وهي التي تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة كما جاء عن المعصومعليهالسلام .
وكذلك تحرم النّظرة الثانية وإن كانت خالية من الالتذاذ ; لأنّها قد توقع الإنسان في الحرمة ، فتحرم من باب خوف الريبة.
3 ـ لا يجوز النّظر إلى بدن المحارم بشهوة أو خوف الوقوع في الحرام ، والمحارم من يحرم الزواج منهم أبداً إلى آخر العمر ، سواء من جهة النسب كالأُمّ والأُخت
وغيرهنّ ، أو من جهة الرّضاعة كالأُخت في الرضاعة ، أو من جهة المصاهرة كأُمّ الزوجة وأب الزوج مثلاً.
4 ـ لا يجوز للشاب أن يجلس مع الشابّة فيبادل معها الحديث من غير شهوة ولا خوف الوقوع في الحرام ، إذا كانت المناظر استفزازيّة لا يؤمن معها من الانجرار إلى الحرام ، وأمّا مجرّد التحدّث من غير شهوة ولا خوف الانجرار إلى الحرام فلا بأس به.
مرض الإيدز
من الأمراض الخطيرة التي شاعت وخصوصاً في الدول الغربيّة مرض الإيدز ، وذلك نتيجة للاختلاط الجنسي المفرط ، ومن المؤسف أنّ لهذا المرض قابليّة الانتشار والسريان عن طرق متعدّدة مضافاً إلى الجنس ، كانتقاله بالدم والأجنّة الملوّثة من الأُمّ المصابة إلى جنينها ، أو انتقاله إلى الأولاد أثناء وضع الحمل.
ولخطورة هذا المرض يجب عل المصاب أن يتوقّى عن الأسباب الناقلة للمرض حتى لا يصاب به غيره ، وكذلك يجب على الآخرين المراقبة والوقاية منه ، ولا يجوز منعه عن الحضور في الأمكنة العامّة كالمساجد ونحوها مع الأمن من انتقال العدوى إلى غيره.
كتاب الإرث
موجبات الإرث
موجبات الإرث على نوعين : نسب ، وسبب.
أمّا النسب فله ثلاث طبقات :
الطبقة الأُولى : صنفان : أحدهما الأبوان المتّصلان ـ اي الوالدان ـ دون الأجداد والجدّات ، وثانيهما الأولاد وإن نزلوا ـ أي أولاد الأولاد وأولاد البنات ـ ذكوراً وإناثاً.
الطبقة الثانية : صنفان أيضاً : أحدهما الأجداد والجدّات وإن علوا ـ أي أجداد الأجداد ، وأجداد الجدّات ، وثانيهما : الإخوة والأخوات وأولادهم وإن نزلوا.
الطبقة الثالثة : صنف واحد وهم : الأعمام والأخوال وإن علوا ، كأعمام الآباء والاُمهات وأخوالهم وأعمام الأجداد والجدّات وأخوالهم ، وكذلك أولادهم ـ وإن نزلوا ـ كأولاد أولادهم ، وأولاد أولاد أولادهم ، وهكذا بشرط صدق القرابة للميّت عرفاً.
وأما السّبب فهو قسمان : زوجيّه ، وولاء.
والولاء ثلاث طبقات : ولاء العتق ، ثمّ ولاء ضمان الجّريرة ، ثم ولاء الإمامة ، أي أنّ الإمامعليهالسلام يرث من ليس له سبب أو نسب.
في أقسام الوارث
ينقسم الوارث إلى خمسة أقسام :
1 ـ من يرث بالفرض ـ أي المقدار المعيّن في الشريعة ، وهو ما ورد في القرآن الكريم في آية المواريث من سورة النساء(1) ، وهو الزوجة فإنّ لها الربع مع عدم الولد ، والثمن معه ، ولا يُردّ عليها أبداً ـ أي لا تأخذ أكثر ممّا فرض لها أصلاً ولا تستحقّ شيئاً ممّا زاد من السّهام.
2 ـ من يرث بالفرض دائماً وربما يرث بالردّ ـ كالاُم فإنّ لها السّدس مع الولد ، والثلث مع عدمه إذا لم يكن حاجب ، وربما يردّ عليها زائداً على الفرض كما إذا زادت الفريضة على السهام ، وكالزوج فإنّه يرث الربع مع الولد والنّصف مع عدمه ، ويردّ عليه إذا لم يكن وارث إلاّ الإمام.
3 ـ من يرث بالفرض تارة وبالقرابة اُخرى ، كالأب فإنّه يرث بالفرض مع وجود الولد وبالقرابة مع عدمه ، والبنت والبنات فإنّهن يرثن مع الابن بالقرابة ـ أي بسبب القرابة ـ وبدونه بالفرض ، والاُخت والأخوات للأب أو للأبوين فإنّهن يرثن مع الأخّ بالقرابة ومع عدمه بالفرض ، وكالإخوة والأخوات من الاُم فإنّهم يرثون بالفرض إذا لم يكن جدّ للاُمّ ، وبالقرابة معه.
4 ـ من لا يرث إلاّ بالقرابة ، كالابن ، والإخوة للأبوين أو للأب ، والجدّ والأعمام والأخوال.
5 ـ من لا يرث بالفرض ولا بالقرابة بل يرث بالولاء ، وهو المُعتِق وضامن الجريرة ، والإمامعليهالسلام .
__________________
(1) النساء 4 : 11 ـ 12.
في أنواع السهام
الفرض هو السهم المقدّر في الكتاب المجيد ، وهو ستة أنواع ، وأصحابها ثلاثة عشر ، كما يلي :
1 ـ النصف ، وهو للبنت الواحدة ، والأُخت للأبوين أو للأب فقط إذا لم يكن معها أخ ، وللزوج مع عدم الولد للزوجة وإن نزل.
2 ـ الرّبع ، هو للزوج مع الولد للزوجة وإن نزل ـ أي لو ماتت الزوجة وكان لها ولد أو ولد الولد فيأخذ الزوج ربع الإرث ـ وللزوجة مع عدم الولد للزوج وإن نزل ، والزوجة تأخذ الربع فإن كانت واحدة اختصّت به وإلاّ فهو لهنّ بالسوية.
3 ـ الثمن ، وهو للزوجة مع الولد للزوج وإن نزل ، فإن كانت واحدة اختصّت به ، وإلاّ فهو لهنَّ بالسويّة أي وإن كنّ أكثر من واحدة فيقسّم الثمن عليهن جميعاً.
4 ـ الثلثان ، وهو للبنتين فصاعداً مع عدم الابن المساوي ، وللاُختين فصاعداً ـ أي إن كنّ الأخوات أكثر من اثنتين ـ للأبوين أو للأب فقط مع عدم الأخ.
5 ـ الثلث ، وهو سهم الأُم مع عدم الولد وإن نزل ، وعدم الإخوة ـ أي إذا لم يكن للميّت ولد أو ولد الولد ، أو إخوة ـ على تفصيل يأتي(1) ، وللأخ والاُخت من الاُم مع التعدّد.
6 ـ السدس ، وهو لكلّ واحد من الأبوين مع الولد ـ أي إن كان لهما ولد ـ وإن نزل ، وللاُم مع الإخوة للأبوين ـ أي مع وجود الإخوة إن كانوا من طرف الأبوين ـ أو الأب فقط ، وللأخ الواحد من الأُم والاُخت الواحدة منها.
__________________
(1) التفصيل مذكور في ارث الطبقة الأولى فراجع.
في بطلان العول والتعصيب
العول هنا : هو ارتفاع الفريضة وازدياد السّهام ، فيدخل النقصان على بعض معيّن من أهل الفرائض دون البعض الآخر ، ففي إرث الطبقة الأُولى يدخل النقص على البنت أو البنات ، وفي إرث الطبقة الثانية كما إذا ترك زوجاً أو اُختاً واُختين من الأمّ فإنّ سهم الزوج النصف ، وسهم الأُخت من الأبوين النصف ، وسهم الاُختين من الأمّ الثلث ، ومجموعها زائد على الفريضة ، يدخل النّصف على المتقرّب بالأبوين كالاُخت في المثال دون الزوج ، ودون المتقرّب بالأُم.
والتعصيب من العصبة : وهم الرجال ما بين العشرة إلى الأربعين ، ويقصد به هنا قلّة الورثة ، وزيادة مقدار عن القسمة فلمن يعطى هذا الزائد ؟ قال علماؤنا : يقسّم الزائد على ذوي الفروض فيرثون الإضافة بالردّ ، كالبنت مثلاً ترث النّصف بالفرض والنّصف الآخر بالردّ.
هذا إذا كان الورثة جميعاً ذوي فروض ، وأمّا إذا لم يكونوا جميعاً ذوي فروض فيقسّم المال بينهم ، وإذا كان بعضهم ذا فرض دون آخر اُعطي ذو الفرض فرضه ، واُعطي الباقي لغيره.
4 ـ إذا تعدّد الورثة فتارة يكونون جميعاً ذوي فروض ـ أي مذكورين في آية المواريث ـ واُخرى لا يكونون جميعاً ذوي فروض ، وثالثة يكون بعضهم ذا فرض دون بعض.
وإذا كانوا جميعاً ذوي فروض ، فتارة تكون فروضهم مساوية للفريضة ـ أي بمقدار ما ذكر في الكتاب الكريم ـ واُخرى تكون زائدة عليها ، وثالثة تكون ناقصة
عنها :
فالاُولى ـ أي ما كانت متساوية بالفروض ، مثل أن يترك الميت أبوين وبنتين ، فإن سهم كلّ واحد من الأبوين السّدس ، وسهم البنتين الثلثان ، ومجموعها مساوٍ للفريضة ؛ لأنّ السدسين متساويان مع الثلث.
والثانية : مثل أن يترك الميّت زوجاً وأبوين وبنتين ، فإنّ السهام في الفرض الربع والسدسان والثلثان ، وهي زائدة على الفريضة.
موانع الإرث
أوّلا : الكفر
1 ـ لا يرث الكافر من المسلم وإن كان قريباً ، وإن كان ابنه وغير ذلك ، ويختصّ إرثه بالمسلم وإن كان بعيداً ، فلوكان له ابن كافر وللابن ابن مسلم يرثه ابن الابن دون الابن ، وكذا إذا كان له ابن كافر وأخ أو عمّ أو ابن عمّ مسلم يرثه المسلم دونه ـ أي دون الابن الكافر ـ بل وكذا إذا لم يكن له وارث من ذوي الأنساب وكان له معتِق أو ضامن جريرة مسلم يختصّ إرثه به ، أي المسلم دون الكافر.
وإذا لم يكن له وارث مسلم في جميع الطّبقات من ذوي الأنساب وغيرهم إلاّ الإمامعليهالسلام كان إرثه له ، ولم يرث الكافر منه شيئاً. ولا فرق في الكافر بين الأصلي ذميّاً كان أم حربيّاً ـ أي أنّ الكافر لا يرث سواء كان من أهل الكتاب أو لم يكن منهم ـ والمرتدّ فطريّاً ـ أي سواء كان من أبوين مسلمين ، أو كان أحدهما مسلماً ـ أم مليّاً ـ أي كان من أبوين كافرين وقد أسلم هو ثم ارتدّ بعد ذلك ـ كما لا فرق في المسلم بين الإماميّ وغيره.
2 ـ المسلم يرث الكافر ويمنع من إرث الكافر للكافر وإن كان المسلم بعيداً والكافر قريباً ، فلو مات كافر وله ولد كافر وأخ مسلم ، أو عمّ مسلم ، أو معتِق أو ضامن جريرة مسلم ، ورثة ـ أي المسلم ـ ولم يرثه الكافر ، نعم إذا لم يكن له وارث مسلم إلاّ الإمامعليهالسلام لم يرثه ـ أي لا يرث الإمام الكافر مع عدم وجود مسلم من أقربائه ـ بل تكون تركته لورثته الكفّار حسب قواعد الإرث ، هذا إذا كان الكافر أصليّاً ـ أي إذا لم يكن مرتدّاً ـ أمّا إذا كان مرتدّاً عن ملّة أو فطرة فالمشهور أنّ وارثه الإمامعليهالسلام ، ولا يرثه الكافر ، وكان بحكم المسلم ولكن لا يبعد أن يكون المرتدّ كالكافر الأصليّ ، ولا سيما إذا كان مليّاً ـ أي أنّ الإمام لا يرث هذا المرتدّ ويرثه أقرباؤه من الكفّار مع فقدان المسلم الضامن لجريرته أو الذي أعتقه.
3 ـ إذا مات الكافر وله ولد صغير ـ أو أكثر ـ محكوم بالكفر تبعاً ـ أي تبعاً للأب ـ وكان له وارث مسلم من غير الطّبقة الأولى واحداً كان أو متعدّداً ، دفعت تركته إلى المسلم ـ أي وإن كان من غير الطّبقة الأُولى ـ والأحوط لزوماً ـ أي وجوباً ـ أن ينفق منها على الصغير إلى أن يبلغ ـ فإن أسلم ـ أي الصغير بعد بلوغه ـ حينئذٍ وبقي شيء من التركة دفعه إليه ، وإن أسلم قبل بلوغه سلّم الباقي إلى الحاكم الشرعي ليتصدّى للإنفاق عليه ، فإن بقي مسلماً إلى حين البلوغ دفع إليه المتبقي من التركة ـ إن وجد ـ وإلاّ دفعه إلى الوارث المسلم.
4 ـ لو مات مسلم عن ورثة كفّار ليس بينهم مسلم ، فأسلم واحد منهم بعد موته بلا فصل معتدّ به ـ أي بلا فاصلة زمنيّة معتبرة عرفاً ـ اختص هو ـ أي المسلم ـ بالإرث ولم يرثه الباقون ، ولم ينته الأمر إلى الامامعليهالسلام .
ولو أسلم أكثر من واحد دفعة أو متتالياً ورثوه جميعاً مع المساواة في الطّبقة ـ
أي إن كانوا جميعاً من الطّبقة الأُولى أو الثانية مثلاً ـ وإلاّ اختصّ به من كان مقدّماً بحسبها.
5 ـ لو مات مسلم أو كافر وكان له وارث كافر ووارث مسلم غير الإمامعليهالسلام وأسلم وارثة الكافر بعد موته ، فإن كان وارثه المسلم واحداً اختصّ بالإرث ، ولم ينفع لمن أسلم إسلامه ، نعم لو كان الواحد هو الزوجة وأسلم قبل القسمة بينها وبين الإمامعليهالسلام نفعه إسلامه ، فيأخذ نصيبه من تركته ، وأمّا لو كان وارثه المسلم متعدّداً فإن كان إسلام من أسلم بعد قسمة الإرث لم ينفعه إسلامه ولم يرث شيئاً ، وأمّا إذا كان إسلامه قبل القسمة فإن كان مساوياً في المرتبة مع الوارث المسلم شاركه ، وإن كان مقدّماً عليه بحسبها ـ أي إذا كان من الطّبقة الأولى مثلاً ، أو طبقة مقدّمة على غيرها ـ انفرد بالميراث ، كما إذا كان إبناً للميّت والوارث المسلم إخوة له ، وتستثنى من هذا الحكم صورة واحدة تقدمت في المسألة رقم(3) .
6 ـ المراد من المسلم والكافر ـ وارثاً وموروثاً وحاجباً ـ أي مانعاً من الإرث ـ ومحجوباً ـ أي ممنوعاً ـ أعمّ من المسلم والكافر بالأصالة وبالتبعيّة ، ومن الثاني المجنون والطفل غير المميّز ، والمميّز الذي لم يختر الإسلام أو الكفر بنفسه ، فكلّ طفل غير مميّز أو نحوه كان أحد أبويه مسلماً حال انعقاد نطفته بحكم المسلم ـ أي تجري عليه أحكام المسلم ـ فيمنع من إرث الكافر ، ولا يرثه الكافر بل يرثه الإمامعليهالسلام ، لأنّه بحكم المسلم إذا لم يكن له وارث مسلم ، وكلّ طفل غير مميّز أو نحوه ـ أي المجنون ـ كان أبواه معاً كافرين حال انعقاد نطفته بحكم الكافر ، فلا يرث المسلم مطلقاً كما لا يرث الكافر ، إذا كان له وارث مسلم غير الإمام على كلام في بعض الصور تقدّم في المسألة رقم(3) ، نعم إذا أسلم أحد أبويه قبل بلوغه تبعه في
الإسلام ، وجرى عليه حكم المسلمين كما مرّ.
7 ـ المسلمون يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب والأُصول والعقائد ـ أي وإن كان بعضهم من السنّة والآخر من الشيعة مثلاً ـ نعم المنتحلون للإسلام المحكومون بالكفر ـ كالنواصب والخوارج والغلاة ـ ممّن تقدّم ذكرهم في كتاب الطهارة لا يرثون من المسلم ويرث المسلم منهم.
8 ـ الكفّار يتوارثون وإن اختلفوا في الملل والنحل ، فيرث النصرانيّ من اليهوديّ وبالعكس ، بل يرث الحربيّ من الذمّي وبالعكس ، لكن يشترط في إرث بعضهم من بعض فقدان الوارث المسلم كما تقدّم.
9 ـ المرتدّ : وهو من خرج عن الإسلام واختار الكفر على قسمين : فطريّ ، ومليّ. والفطريّ من ولد على إسلام أحد أبويه أو كليها ثمّ كفر ، وفي اعتبار إسلامه بعد التمييز قبل الكفر وجهان أقربهما الاعتبار.
وحكم الفطري أنّه يقتل في الحال ، وتبين منه زوجته ـ أي يفرّق بينه وبينها ـ بمجرّد ارتداده ، وينفسخ نكاحها بغير طلاق ، وتعتدّ عدّة الوفاة ثم تتزوّج إن شاءت ، وتُقسّم أمواله التي كانت له حين ارتداده بين ورثته بعد أداء ديونه كالميّت ولا ينتظر موته.
وأمّا بالنسبة إلى ما عدا الأحكام الثلاثة المذكورات فالأقوى قبول توبته ـ أي لا تؤثّر توبته في وجوب قتله ، والتفريق بينه وبين زوجته ، وتقسيم أمواله باطناً وظاهراً ، فيطهر بدنه ، وتصحّ عباداته ، ويجوز تزويجه من المسلمة ، بل له تجديد العقد على زوجته السابقة ، حتى قبل خروجها من العدّة على القول ببينونتها عنه بمجرّد الارتداد ، والظّاهر أنّه يملك الأموال الجديدة بأسبابه الاختيارية ـ كالنجارة والحيازة ـ
والقهريّة ـ كالإرث ـ ولو قبل توبته.
وأمّا المرتد المليّ ـ وهو من يقابل الفطريّ ـ فحكمه أنّه يستتاب ـ أي يطالب بالتوبة ـ فإن تاب وإلاّ قتل ، وانفسخ نكاح زوجته ـ أي المسلمة ـ إذا كان الارتداد قبل الدخول أو كانت يائسة أو صغيرة ولم تكن عليها عدّة ، وأمّا إذا كان الارتداد بعد الدخول وكانت المرأة في سنّ من تحيض وجب عليها أن تعتدّ عدّة الطّلاق من حين الارتداد ، فإن رجع عن ارتداده إلى الإسلام قبل انقضاء العدّة بقي الزواج على حاله على الأقرب ، وإلاّ انكشف أنّها قد بانت عنه عند الارتداد.
ولا تقسّم أموال المرتدّ المليّ إلاّ بعد موته ـ أي لا حين الارتداد كما في المرتدّ الفطريّ ـ بالقتل أو غيره ، وإذا تاب ثمّ ارتدّ ففي وجوب قتله من دون استتابة في الثالثة أو الرابعة إشكال.
هذا إذا كان المرتدّ رجلاً ، وأمّا لو كان امرأة فلا تقتل ولا تنتقل أموالها عنها إلى الورثة إلاّ بالموت ، وينفسخ نكاحها بمجرّد الارتداد بدون اعتداد ـ أي بدون عدّة ـ مع عدم الدخول ـ أي مع عدم كونها مدخولاً بها ـ أو كونها صغيرة أو يائسة ، وإلاّ توقّف الانفساخ على انقضاء العدّة وهي بمقدار عدّة الطلاق.
وتحبس المرتدّة ويضيّق عليها ، وتضرب على الصلاة حتى تتوب ، فإن تابت قبلت توبتها ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون مرتدّة عن ملّة أو عن فطرة.
10 ـ يشترط في ترتيب الأثر على الارتداد البلوغ ، وكمال العقل ، والقصد والاختيار ، فلو أكره على الارتداد فارتدّ كان لغواً ، وكذا إذا كان غافلاً أو ساهياً ، أو هازلاً أو سبق لسانه ، أو كان صادراً عن الغضب الذي لا يملك معه نفسه ويخرج به عن الاختيار ، أو كان عن جهل بالمعنى.
ثانياً : القتل
1 ـ لا يرث القاتل من المقتول إذا كان القتل عمداً وظلماً ، ويرث منه إذا كان بحقّ قصاصاً أو حدّاً ، أو دفاعاً عن نفسه أو عرضه أو ماله ، وكذا إذا كان خطأ محضاً ـ أي ليس خطأ شبيهاً بالعمد ـ كما إذا رمى طائراً فأخطأ وأصاب قريبه المورِّث فإنّه يرثه ، نعم لا يرث ـ أي القاتل ـ من ديّته ـ أي ديّة المقتول ـ التي تتحملها العاقلة(1) على الأقوى.
وأمّا إذا كان القتل خطأً شبيهاً بالعمد ـ وهو ما إذا كان قاصداً لإيقاع الفعل على المقتول غير قاصد للقتل ، وكان الفعل ممّا لا يترتّب عليه القتل في العادة ، كما إذا ضربه بما لا يقتل عادة ، قاصداً ضربه غير قاصداً قتله ، فأدّى إلى قتله ، ففي كونه مثل العمد مانعاً عن الإرث أو كالخطأ المحض ـ فلا يمنع منه ـ قولان ، أقواهما الثاني.
2 ـ لا فرق في مانعيّة القتل العمدي ـ ظلماً ـ عن الإرث بين أن يكون ـ أي القتل ـ بالمباشرة ـ كما لو ضربه بالسيف أو أطلق عليه الرّصاص فمات ، وأن يكون بالتسبيب كما لو ألقاه في مسبعة فافترسه السّبع ، أو حبسه في مكان زماناً طويلاً بلا قوت فمات جوعاً أو عطشاً ، أو أحضر عنده طعاماً مسموماً من دون علم منه ـ أي المقتول فأكله ، أو أمر مجنوناً أو صبيّاً غير مميّز بقتله فقتله ، الى غير ذلك من التسبيبات التي ينسب ويستند معها القتل إلى المسبِّب ، نعم بعض التسبيبات التي قد يترتّب عليها التلف ممّا لا ينسب ولا يستند إلى المسبِّب كحفر البئر وإلقاء المزالق والمعاثر في الطّرق والمعابر وغير ذلك ، من دون أن يقصد بها القتل وإن أوجب الضمان والديّة على
__________________
(1) عاقلة الرجل : عصبته ، وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون ديّة من قتله خطأً. الصحاح 5 : 1771 ، « عقل ».
مسبّبها ، إلاّ أنّها غير مانعة من الإرث ، فيرث حافر البئر في الطّريق عن قريبه الذي وقع فيها ومات إذا لم يقصد به قتله ، ولم يكن ممّا يترتّب عليه الموت غالباً ، وإلاّ كان قاتلاً عمداً فلا يرث منه.
3 ـ إذا أمر شخصاً عاقلاً بقتل مورّثه ، متوعّداً بإيقاع الضّرر عليه أو على من يتعلق به إن لم يفعل ، فامتثل ـ أي الشخص الثالث ـ أمره باختياره وإرادته فقتله ، لم يحرم الآمر ـ أي بالقتل ـ من ميراثه ; لأنّه ليس قاتلاً حقيقة وإن كان آثماً ، ويحكم بحبسه مؤبّداً إلى أن يموت ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ما توعّد به هو القتل أو دونه.
4 ـ كما أنّ القاتل ممنوع عن الإرث من المقتول كذلك لا يكون حاجباً ـ أي مانعاً ـ عمّن هو دونه في الدرجة ، ومتأخّر عنه في الطبقة ، فوجوده كعدمه ، فلو قتل شخص أباه وكان له ـ أي للقاتل ـ ابن ولم يكن لأبيه أولاد غير القاتل يرث ابن القاتل عن جدّه ، وكذا لو انحصر وارث المقتول من الطّبقة الأولى في ابنه القاتل وله إخوة كان ميراثه لهم ـ أي للإخوة ـ دون ابنه ، بل لو لم يكن له وارث إلاّ الإمامعليهالسلام ورثه ـ أي الإمامعليهالسلام ـ دون إبنه.
5 ـ لا فرق في مانعيّة القتل بين أن يكون القاتل واحداً أو متعدّداً ، وعلى الثاني ـ أي إذا كان القاتل أكثر من واحد ـ فلا فرق بين كون جميعهم ورّاثاً ، أو بعضهم دون البعض.
6 ـ إذا أسقطت الأُمّ جنينها كانت عليها ديّته لأبيه أو غيره من ورثته ، وإذا كان الأب هو الجاني على الجنين كانت ديّته لأمّه(1) .
__________________
(1) وأمّا مقدار الديّة فهو موجود في كتاب الديّات فمن أراد فليراجع.
7 ـ الديّة في حكم مال المقتول ، فتقضى منها ديونه ، وتخرج منها وصاياه أوّلاً قبل الإرث ثمّ يوزّع الباقي على ورثته كسائر الأموال ، ولا فرق في ذلك بين كون القتل خطأ محضاً ، أو شبه عمد ، أو عمداً محضاً فأخذت الديّة صلحاً ، أو لتعذّر القصاص ، بموت الجاني أو فراره ، كما لا فرق في مورد الصّلح بين أن يكون ما يأخذونه أزيد من الديّة أو أقل أو مساوياً ، وهكذا لا فرق بين أن يكون المأخوذ من أصناف الديّة أم من غيرها.
ويرث الديّة كلّ وارث سواء أكان ميراثه بالنسب أم السبب ـ أي بالزوجيّة أو الولاء ـ حتى الزوجين في القتل العمديّ وإن لم يكن لهما حقّ القصاص ، لكن إذا وقع الصلح والتراضي بالديّة ورثا نصيبهما منها ، نعم لا يرث منها الأخ والاُخت للاُم ، بل لا سائر من يتقرّب بها وحدها كالأخوال والأجداد من قبلها.
8 ـ إذا كانت الجناية على الميّت بعد الموت لم تدفع الديّة إلى الورثة ، بل تصرف في وجوه البرّ عنه ، وإذا كان عليه دين ففي وجوب قضائه منها إشكال ، والأظهر الوجوب ـ أي يجب على الورثة وفاء الدّين وإخراجه من الدية ـ.
ثالثاً : الرقّ
1 ـ الرقّ ـ أي كون الإنسان عبداً ليس حرّاً ـ مانع من الإرث في الوارث والمورِّث ، فلا يرث الرقّ من الحرّ ، وكذا العكس.
رابعاً : الولادة من الزّنى
2 ـ لا توارث بين ولد الزنى وبين أبيه الزاني ، ومن يتقرّب به ـ أي لا إرث بين ولد الزنا وأقرباء أبيه أيضاً ـ فلا يرثهم كما لا يرثونه ، وفي ثبوت التوارث بينه وبين أُمّه الزانية ومن يتقرّب بها وعدمه قولان ، أقواهما العدم ، أي لا توارث بين ولد الزنا وبين
اُمّه كذلك فلا يرثها ولا ترثه.
2 ـ إذا كان الزّنى من أحد الأبوين دون الآخر ، بأن كان الفعل من الآخر شبهة ـ أي اشتباهاً لا عمداً ـ انتفى التوارث بين الولد والزاني ومن يتقرّب به ـ أي بالزاني ـ خاصّة ، ويثبت بينه وبين الذي لا يكون زانياً من أبويه ومن يتقرّب به.
3 ـ يثبت التوارث بين ولد الزاني وأقربائه من غير الزّنى(1) ، كالولد وكذا الزوج أو الزوجة فيرثهم ويرثونه ، وإذا مات مع عدم الوارث فإرثه للمولى المعتِق ، ثمّ الضّامن ، ثمّ الامامعليهالسلام .
4 ـ الولادة من الوطء المحرّم غير الزنا لا يمنع من التوارث بين الولد وأبويه ومن يتقرّب بهما ، فلو وطئ الزوج زوجته في حال الإحرام أو في شهر رمضان مثلاً عالمَين بالحال فعلقت منه وولدت ثبت التوارث بينه وبينهما.
5 ـ المتولّد من وطء الشبهة كالمتولّد من الوطء المستحقّ شرعاً ، في ثبوت التوارث بينه وبين أبويه ومن يتقرّب بهما ، وكذلك المتولّد من وطء مستحقّ بحسب سائر الملل والمذاهب فيثبت التوارث بينه وبين أقاربه من الأب والاُمّ وغيرهما.
خامساً : اللّعان
1 ـ يمنع اللّعان من التّوارث بين الولد ووالده ، وكذا بينه وبين أقاربه من قبله كالأعمام والأجداد والإخوة للأب ، ولايمنع من التّوارث بين الولد واُمّه ، وكذا بينه وبين أقاربه من قبلها من إخوة وأخوال وخالات ونحوهم.
فولد الملاعنة ـ الذي تلاعنا عند الحاكم الشرعي لنفيه ـ ترثه أُمّه ومن يتقرّب بها ، وأولاده والزوج والزوجة ، ولا يرثه الأب ولا من يتقرّب به ـ أي بالأب ـ وحده ، فإن
__________________
(1) كالوطء شبهةً مثلاً.
ترك اُمّه منفردة كان لها الثّلث فرضاً والباقي يردّ عليها على الأقوى ـ أي يردّ عليها المقدار الذي حرم منه الأب ـ وإن ترك مع الاُمّ أولاداً كان لها السدس والباقي لهم للذّكر ضعف حظّ الاُنثى ، إلاّ إذا كان الولد بنتاً فلها النّصف ويردّ الباقي أرباعاً عليها وعلى الاُمّ ، وإذا ترك زوجاً أو زوجة كان له نصيبه كغيره ، وتجري الأحكام الآتية في طبقات الإرث جميعاً ، ولا فرق بينه وبين غيره من الأموات إلاّ في عدم التوارث بينه وبين الأب ومن يتقرّب به وحده أي بالأب.
2 ـ لو كان بعض إخوته أو أخواته من الأبوين وبعضهم من الأمّ خاصّة ورثوه بالسويّة من جهة انتسابهم إلى الاُمّ خاصّة ، ولا أثر للانتساب إلى الأب.
3 ـ لو اعترف الرجل بعد اللّعان ـ أي بعد نفي الولد ـ بأنّ الولد له لحق به فيما عليه لا فيما له ، فيرثه الولد ولا يرثه الأب ولا من يتقرّب به ـ أي بالأب ـ ولا يرث الولد من يتقرّب بالأب إذا لم يعترف الأب به ، وهل يرثهم إذا اعترف به ؟ قولان ، أقواهما العدم.
4 ـ لا أثر لإقرار الولد ولا سائر الأقارب في التوراث بعد اللّعان ، بل الذي يؤثّر هو إقرار الأب فقط في إرث الولد منه.
5 ـ إذا تبرّأ الأب من جريرة(1) ولده ومن ميراثه ثمّ مات الولد قيل : كان ميراثه لعصبة اُمّه دون أبيه ، ولكنّ الأقوى أنّه لا أثر للتبرّي المذكور في نفي التوارث.
__________________
(1) الجريرة : أي الجناية وهي القتل.
في كيفية الإرث حسب طبقاته
أوّلا : إرث الطبقة الاُولى :
1 ـ للأب المنفرد تمام تركة الميت بالقرابة ، وللاُمّ المنفردة تمام تركته أيضاً ، الثّلث منها بالفرض والزائد عليه بالرّد. ولو اجتمع أحد الأبوين مع الزوج كان له النّصف ، ولو اجتمع مع الزوجة كان لها الربع ويكون الباقي لأحد الأبوين للأب قرابةً وللاُمّ فرضاً وردّاً ، أي تأخذ الاُمّ ما فرض لها في آية المواريث ، وكذلك تأخذ باقي الإرث لعدم وجود وارث غيرها وهو معنى الردّ.
2 ـ إذا اجتمع الأبوان وليس للميّت ولد ولا زوج أو زوجة كان للاُمّ ثلث التّركة فرضاً والباقي للأب ، إن لم يكن للاُمّ حاجب ـ أي مانع ـ من إخوة الميّت أو أخواته ـ وأمّا مع وجود الحاجب فللاُمّ السّدس والباقي للأب ، ولا ترث الإخوة والأخوات شيئاً وإن حجبوا الاُمّ عن الثّلثّ.
ولو كان مع الأبوين زوج كان له النّصف ، ولو كان معهما زوجة كان لها الربع ، ويكون الثّلث للاُمّ مع عدم الحاجب والسّدس معه والباقي للأب.
3 ـ إنّما يحجب الإخوة أو الأخوات الأمّ عن الثلث إلى السّدس إذا توفّرت فيهم شروط معيّنة وهي ستة :
(1) وجود الأب حين موت الولد.
(2) أن لا يقلّوا عن أخوين ، أو أربع أخوات ، أو أخ واُختين.
(3) أن يكونوا إخوة الميّت لأبيه واُمه ، أو للأب خاصّة.
(4) أن يكونوا مولودين فعلاً ، فلا يكفي الحمل.
(5) أن يكونوا مسلمين.
(6) أن يكونوا أحراراً.
4 ـ للابن المنفرد ـ أي إذا لم يكن له وارث ـ تمام تركة الميّت بالقرابة ، وللبنت المنفردة تمام تركته أيضاً لكنّ النّصف بالفرض والباقي بالرّد ـ وللابنين المنفردين فما زاد تمام التركة بالقرابة ، وتقسّم بينهم بالسّويّة ـ أي لكلّ واحد منهم نصف ـ وللبنتين المنفردتين فما زاد الثلثان فرضاً ، ويقسّم بينهم بالسويّة والباقي يردّ عليهنّ كذلك.
5 ـ إذا اجتمع الابن والبنت منفردين أو الأبناء والبنات منفردين كان لهما أو لهم تمام التّركة للذّكر مثل حظّ الاُنثيين.
6 ـ إذا اجتمع الأبوان مع بنت واحدة فإن لم يكن للميّت إخوة ـ تتوفّر فيهم شروط الحجب المتقدّمة ـ قسّم المال خمسة أسهم ، فلكلّ من الأبوين سهم واحد فرضاً وردّاً ـ أي يأخذ الأبوان بالفرض والردّ ـ وللبنت ثلاثة أسهم كذلك ـ أي بالفرض وبالردّ ـ وأمّا إذا كان للميّت إخوة تجتمع فيهم شروط الحجب ، فلا تترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيما به التفاوت بين الخمس والسّدس من حصّة الأمّ.
7 ـ إذا اجتمع الأبوان مع ابن واحد كان لكلّ من الأبوين السّدس والباقي للابن ، وإذا اجتمعا ـ أي الأبوان ـ مع الأبناء أو البنات فقط ، كان لكلّ واحد منهما السّدس ، والباقي يقسّم بين الأبناء أو البنات بالسويّة ، وإذا اجتمعا مع الأولاد ذكوراً وإناثاً كان لكلّ منهما السّدس ، ويقسّم الباقي بين الأولاد جميعاً للذّكر مثل حظ الاُنثيين.
8 ـ إذا اجتمع أحد الأبوين مع البنت الواحدة لا غير ـ أي كان للميّت مع أبويه بنت واحدة فقط ـ كان لأحد الأبوين الربع فرضاً وردّاً والباقي للبنت كذلك ، وإذا اجتمع أحد الأبوين مع البنتين فما زاد ـ لا غير ـ كان له الخمس فرضاً وردّاً ، والباقي للبنتين أو البنات بالفرض والردّ يقسّم بينهنّ بالسويّة.
وإذا اجتمع أحد الأبوين مع ابن واحد كان له ـ اي لأحد الأبوين ـ السّدس فرضاً والباقي للابن ، وإذا اجتمع أحد الأبوين مع الأولاد الذّكور كان له السدّس فرضاً ، والباقي يقسّم بين الأبناء بالسويّة ، ولو كان مع الإبن الواحد أو الأبناء بنت أو بنات كان لأحد الأبوين السّدس فرضاً ، والباقي يقسّم بين الأولاد للذّكر مثل حظّ الاُنثيين.
9 ـ إذا اجتمع أحد الأبوين مع أحد الزوجين ومعهما البنت الواحدة كان للزّوج الربع وللزّوجة الثمن ، ويقسّم الباقي أرباعاً ، ربع لأحد الأبوين فرضاً وردّاً ، والباقي للبنت كذلك.
ولو كان معهما ـ أي مع الأبوين ـ بنتان فما زاد فلأحد الزوجين نصيبه الأدنى ـ أي الأقلّ ـ فإن كان زوجة فلها الثّمن ويقسّم الباقي أخماساً ، خمس لأحد الأبوين فرضاً وردّاً ، وأربعة أخماس للبنتين فما زاد كذلك ، وإن كان زوجاً فله الرّبع ولأحد الأبوين السّدس ، والبقيّة للبنتين فصاعداً ، فيرد النقص عليهنّ.
ولو كان معهما ابن واحد أو متعدّد أو أبناء وبنات ، فلأحد الزوجين نصيبه الأدنى من الرّبع أو الثّمن ، ولأحد الأبوين السّدس ، والباقي للبقيّة ، ومع الاختلاف فللذّكر مثل حظّ الاُنثيين.
10 ـ إذا اجتمع الأبوان والبنت الواحدة مع أحد الزوجين ، فإن كان زوجاً فله الرّبع ، وللأبوين السّدسان ، والباقي للبنت فينقص من فرضها ـ وهو النصف ـ نصف السّدس ، وإن كان زوجة فلها الثّمن ، ويقسّم الباقي أخماساً ، يكون لكلّ من الأبوين سهم واحد فرضاً وردّاً ، وثلاثة أسهم للبنت كذلك ، هذا إذا لم يكن للميّت اُخوة تتوفّر فيهم شروط الحجب ، وإلاّ ففي كون الحكم كذلك ، أو أنّهم يحجبون الاُمّ عن الردّ فيكون لها السدس ، ويقسّم الباقي بين الأب والبنت أرباعاً خلاف وإشكال ، ولا
تترك مراعاة الاحتياط في المسألة ـ أي أنّ الحكم يكون كما مرّ(1) اذا لم يكن للميّت إخوة يحجبون البنت والأبوين بناءً على الإحتياط الواجب.
11 ـ إذا اجتمع الأبوان وبنتان فصاعداً مع أحد الزوجين فللزوج أو الزوجة النّصيب الأدنى من الرّبع أو الثّمن ، والسّدسان للأبوين ، ويكون الباقي للبنتين فصاعداً يقسّم بينهن بالسويّة ، فيردّ النقص عليهنّ بمقدّر نصيب الزوجين : الرّبع إن كان زوجاً ، والثّمن إن كان زوجة.
ولو كان مكان البنتين فصاعداً ابن واحد أو متعدّد أو أبناء وبنات ، فلأحد الزوجين نصيبه الأدنى من الرّبع أو الثّمن ، وللأبوين السّدسان ، والباقي للولد أو الأولاد ، ومع الاختلاف يكون للذّكر ضعف حظّ الاُنثى.
12 ـ إذا اجتمع أحد الزوجين مع ولد واحد أو أولاد متعدّدين ، فلأحدهما نصيبه الأدنى من الثّمن أو الرّبع ، والباقي للولد أو الأولاد ، ومع الاختلاف ـ أي إذا كانوا ذكوراً وإناثاً ـ يكون للذّكر مثل حظّ الاُنثيين.
13 ـ أولاد الأولاد وإن نزلوا ـ أي الأحفاد وأولاد الأحفاد وهكذا ، يقومون مقام الأولاد في مقاسمة الأبوين وحجبهما ـ أي الأبوين ـ عن أعلى السهمين إلى أدناهما ، ومنع من عداهم من الأقارب ـ أي أنّ أولاد الأولاد حكمهم حكم الأولاد في جميع هذه الأُمور ، ولا يشترط في توريثهم فقد الأبوين على الأقوى.
14 ـ لا يرث أولاد الأولاد إذا كان للميّت ولد وإن كان اُنثى ، فإذا ترك بنتاً وابن ابن كان الميراث للبنت.
15 ـ أولاد الأولاد مترتّبون في الإرث ، فالأقرب منهم يمنع الأبعد ، فإذا كان
__________________
(1) اُنظر المسألة رقم (6) من فصل : كيفيّة الإرث حسب طبقاته ، بحث إرث الطّبقة الاُولى.
للميّت ولدُ ولدٍ ، وولدُ ولدِ ولدٍ ، كان الميراث لولد الولد ، دون ولدِ ولدِ الولد.
16 ـ يرث أولاد الأولاد نصيب من يتقرّبون به ، فيرث ولد البنت نصيب اُمّه ـ لأنّها أقرب إليه من كلّ أحد ـ ذكراً كان أم اُنثى ـ وهو النصف ـ سواء انفرد أو كان مع الأبوين ، ويردّ عليه ـ وإن كان ذكراً ـ كما يردّ على اُمّه لو كانت موجودة ، ويرث ولد الابن نصيب أبيه ذكراً كان أم اُنثى ، فإن انفرد كان له جميع المال ، ولو كان معه ذو فرض فله ـ أي لولد الابن ـ ما فضل عن حصّته ، أي حصّته في الفرض.
17 ـ لو كان للميّت أولاد بنت وأولاد ابن ، كان لأولاد البنت الثلّث نصيب اُمّهم ، يقسّم بينهم للذّكر مثل حظّ الاُنثيين ، ولأولاد الابن الثّلثان نصيب أبيهم ، يقسّم بينهم كذلك.
18 ـ تقدّم أنّ أولاد الأولاد عند فقد الأولاد يشاركون أبوي الميّت في الميراث ; لأنّ الأبوين مع أولاد الأولاد صنفان من طبقة واحدة ، ولا يمنع قرب الأبوين إلى الميّت إرثهم منه.
فإذا ترك أبوين وولد ابن كان لكلّ من الأبوين السّدس ، ولولد الابن الباقي ، وإذا ترك أبوين وأولاد بنت كان للأبوين السّدسان ولأولاد البنت النّصف ، ويردّ السّدس على الجميع بالنّسبة ، إذا لم يكن للمّيت إخوة تتوفّر فيهم شروط الحجب ، فيقسّم مجموع التّركة أخماساً ثلاثة ، منها لأولاد البنت فرضاً وردّاً ، وإثنان منها للأبوين كذلك ، وأمّا مع وجود الإخوة فيجري الاحتياط المتقدّم.
وإذا ترك أحد الأبوين مع أولاد بنت كان لأولاد البنت ثلاثة أرباع التركة فرضاً وردّاً ، والربع الرابع لأحد الأبوين كذلك كما تقدّم ، فيما إذا ترك أحد الأبوين وبنتاً ، وهكذا الحكم في بقيّة الصور.
وإذا ترك زوجاً وأبوين وأولاد بنت كان للزوج الربع وللأبوين السّدسان ، ولأولاد البنت سدسان ونصف سدس ، فينقص عن سهم البنت ـ وهو النّصف ـ نصف سدس فيرد النقص على أولاد البنت ، كما يرد على البنت فيما إذا ترك زوجاً وأبوين وبنتاً.
أحكام الحبوة
1 ـ يحبى الولد ـ أي يُعطى ـ الأكبر مجّاناً ـ أي بدون عوض ـ ثياب بدن الميّت وخاتمه وسيفه ، دون غيرها من مختصاته كساعته وكتبه ونحوها ، وفي دخول مثل الدّرع والطّاس والمغفر(1) ، ونحوها من معدّات الحرب في الحبوة إشكال ، والأظهر العدم ـ أي لا تعدّ هذه الأُمور من الحبوة ، نعم الأحوط لزوماً ـ في البندقيّة والخنجر وما يشبهها من الأسلحة ، وكذا الرّحل(2) ـ التّصالح مع سائر الورثة ، ولا يبعد تبعيّة غمد السيف ـ أي غطاؤه ـ وقبضته ، وبيت المصحف وحمائلهما لهما ، وفي دخول ما يحرم لبسه ـ كالخاتم من الذهب والثوب من الحرير ـ في الحبوة إشكال ـ أي لا يعتبر من الحبوة ـ.
وإذا كان الميّت مقطوع اليدين فلا يكون السيف من الحبوة ، ولو كان أعمى فالمصحف ليس منها ، نعم لو طرأ ذلك اتفاقاً وكان قد أعدّهما قبل ذلك لنفسه كانا منها.
2 ـ لا فرق في الثّياب بين الواحد والمتعدّد ، كما لا فرق فيها بين الكسوة الشتائيّة والصيفيّة ، ولا بين القطن والجلد وغيرهما ، ولا بين الصغيرة والكبيرة فيدخل
__________________
(1) المغفر : زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس ، يلبس تحت القلنسوة. الصحاح 2 : 771 « غَفَرَ ».
(2) الرحل : مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث. الصحاح 4 : 1706 « رحل ».
فيها مثل القلنسوة ، وفي دخول الجورب والحزام والنّعل إشكال ، وإن كان الأظهر الدخول ، ولا يتوقّف صدق الثّياب ونحوها على اللبس والاستعمال ، بل يكفي إعدادها لذلك ، نعم إذا أعدها للتّجارة أو لكسوة غيره من أهل بيته وأولاده وخدّامه لم تكن من الحبوة.
3 ـ إذا تعدّد غير الثياب من المذكورات ، كما لو كان له سيفان أو مصحفان فالأحوط المصالحة مع باقي الورثة.
4 ـ إذا كان على الميّت دين ، فإن كان مستغرقاً للتّركة وجب على المحبوّ صرف حبوته في أداء الدّين أوفكّها بما يخصّها منه ، واذا لم يكن مستغرقاً ، فإن كان مزاحماً لنقص ما تركه غيرها عن وفائه كان على المحبوّ المساهمة في أدائه من الحبوة بالنسبة ، أو فكّها بما يخصّها منه ، وإذا لم يكن مزاحماً فالأحوط له أن يساهم أيضاً في أدائه بالنسبة ، فلوكان الدّين يساوي نصف مجموع التّركة صرف نصف الحبوة في هذا السّبيل ، وفي حكم الدّين ـ فيما ذكر ـ كفن الميّت وغيره من مؤونة تجهيزه التي تخرج من أصل التّركة.
5 ـ إذا أوصى الميّت بتمام الحبوة أو ببعضها لغير المحبوّ نفذت وصيّته ، وحرم المحبوّ منها إلاّ إذا كانت زائدة على الثلث ، فيحتاج في الزائد الى إجازة الولد الأكبر ، ولو أوصى بثلث ماله أخرج الثلث منها ـ أي من الحبوة ـ ومن غيرها ، وكذلك إذا أوصى بمائة دينار مثلاً فإنّها تخرج من مجموعة التّركة ، بالنّسبة إذا كانت المائة تساوي ثلثها ـ أي ثلث التّركة ـ أو تنقص عنه ، وأمّا مع زيادتها على الثلث فيحتاج في الحبوة الى إذن الولد الأكبر ، وفي غيرها الى إذن جميع الورثة ، ولو كانت أعيانها أو بعضها مرهونة وجب فكّها من مجموع التّركة.
6 ـ لا يعتبر في الحبوة أن تكون بعض التّركة ، فإذا انحصرت التّركة فيها يحبى الولد الأكبر على الأقوى ـ أي إذا لم يكن للميّت شيء سوى الحبوة ـ وإن كان الاحتياط في محله.
7 ـ إذا لم تكن الحبوة أو بعضها فيما تركه الميّت لا يعطى الولد الأكبر قيمتها.
8 ـ تختصّ الحبوة بالأكبر من الذكور بأن لا يكون ذكر أكبر منه ، ولو تعدّد الذكر مع التساوي في السّن ولم يكن أكبر منهم ، تقسّم الحبوة بينهم بالسّويّة ، ولو كان الذكر واحداً يحبى بها ، وكذا لو كان معه أُنثى وإن كانت أكبر منه.
9 ـ المقصود بالأكبر الأسبق ولادة لا علوقاً(1) ، وإذا اشتبه فالمرجع في تعيينه القرعة.
10 ـ الظاهر اختصاص الحبوة بالولد الصلبيّ ، فلا تكون لولد الولد.
11 ـ لا يعتبر بلوغ الولد حين وفاة الأب ، بل لا يعتبر انفصاله بالولادة حيّاً حين وفاته ، فتعزل الحبوة له كما يعزل نصيبه من سائر التّركة ، فلو انفصل بعد موت الأب حيّاً يحبى ، وإلاّ ـ أي إذا ولد وكان ميّتاً ـ قسّمت على سائر الورثة بنسبة سهامهم.
12 ـ لا يشترط في المحبوّ كونه عاقلاً رشيداً ، كما لا يشترط فيه أن يكون إماميّاً يعتقد ثبوت الحبوة للولد الأكبر ، نعم إذا كان مخالفاً لا يرى ثبوتها ـ أي الحبوة ـ وكان مذهبه هو القانون النافذ على الجميع ، بحيث يمنع الإماميّ منها أيضاً ، أمكن إلزامه بعدم ثبوت الحبوة له ، أي يُلزم بما يوافق مذهبه.
13 ـ إذا اختلف الذكر الأكبر وسائر الورثة في ثبوت الحبوة أو في أعيانها ، أو في غير ذلك من مسائلها ، لاختلافهم في الاجتهاد أو في التقليد ـ اي اذا لم يقلّدوا مرجعاً
__________________
(1) لا علوقاً : أي ليس المقصود بالأكبر من انعقدت نطفته قبل غيره ، بل الذي يولد أوّلاً.
واحداً ، وقد اختلفت آراء مراجعهم ، أو كانوا هم مجتهدين وقد اختلفت اجتهاداتهم رجعوا الى الحاكم الشرعي في فصل خصومتهم.
14 ـ يستحب لكلّ من الأبوين الوارثين لولدهما إطعام الجدّ والجدة المتقرّب به سدس الأصل إذا زاد نصيبه على السّدس ، فلو خلّف الميّت أبويه وجدّاً لأب ، أو اُمّ ، يستحب للاُمّ أن تطعم أباها السّدس ، وهو نصف نصيبها ، ويستحب للأب أن يطعم أباه سدس أصل التّركة ، وهو ربع نصيبه ـ وفي اختصاص الحكم المذكور بصورة اتّحاد الجد ، فلا يشمل التعدّد ، أو صورة فقد الولد للميّت فلا يشمل صورة وجوده ـ إشكال.
إرث الزوج والزوجة
1 ـ يرث الزّوج من زوجته نصف تركتها إذا لم يكن لها ولد ، ويرث الرّبع مع الولد وإن نزل ، وترث الزّوجة من زوجها ربع تركته إذا لم يكن له ولد ، وترث الثّمن مع الولد وإن نزل.
2 ـ إذا كان للميّت زوجتان فما زاد اشتركن في الثمن بالسويّة مع وجود الولد للزوج ، وفي الربع بالسويّة مع عدم الولد له.
3 ـ يتوارث الزّوجان إذا انفصلا بالطّلاق الرّجعي ما دامت العدّة باقية ، فإذا انتهت أو كان الطّلاق بائناً فلا توارث ، نعم إذا طلّق الرّجل زوجته في حال المرض ومات قبل انقضاء السّنة ـ أي اثني عشر شهراً هلاليّاً ـ من حين الطّلاق ورثت الزّوجة عنه ، سواء أكان الطّلاق رجعيّاً أم بائناً ، عند توفّر ثلاثة شروط :
الأوّل : أن لا تتزوّج المرأة بغيره إلى موته أثناء السنة ، وإلاّ فالأظهر عدم ثبوت
الإرث ، وإن كان الصلح أحوط.
الثاني : أن لا يكون الطّلاق بأمرها ورضاها ، بعوض أو بدونه ، وإلاّ لم ترثه على الأقوى.
الثالث : موت الزّوج في ذلك المرض بسببه أو بسبب آخر ، فلو برئ من ذلك المرض ومات بسبب آخر لم ترثه الزّوجة ، إلاّ إذا كان موته في أثناء العدّة الرجعيّة كما مرّ.
4 ـ يرث الزوج من جميع ما تركته الزّوجة منقولاً وغيره ، أرضاً وغيرها ، وترث الزّوجة مما تركه الزوج من المنقولات والسفن والحيوانات ولا ترث من الأرض ، لا عيناً ولا قيمة ، وترث مما ثبت فيها من بناء وأشجار وآلات ونحو ذلك.
5 ـ الظاهر أنّ الزّوجة تستحقّ من عين ثمرة النخل والشجر والزّرع الموجودة حال موت الزوج ، وليس للوارث إجبارها على قبول القيمة.
6 ـ إذا تأخّر الوارث لعذر أو لغير عذر في دفع القيمة إلى الزّوجة مما ترث من قيمته دون عينه ، فحصل له زيادة عينيّه خلال ذلك ، كما لو كان فسيلاً مغروساً فنما وصار شجراً ، فهل ترث من ذلك النّماء أم لا ؟ وكذا إذا كان شجرة فأثمرت في تلك المدّة فهل تستحقّ الحصّة من الثمرة أم لا ؟ وأيضاً إذا كان بناءً فهلّ لها المطالبة باُجرته أم لا ؟ الأوجه في الجميع العدم ، وإن كان الاحتياط(1) في محلّه ـ أي ترث النّماء والثّمرة ، ويحقّ لها المطالبة باُجرة البناء ـ.
7 ـ المدار في القيمة على قيمة يوم الدّفع لا يوم الموت ، فلو زادت قيمة البناء ـ مثلاً ـ على قيمته حين الموت ترث منها ، ولو نقصت نقص من نصيبها ، وإن كان
__________________
(1) الاحتياط هنا استحبابي.
الأحوط مع تفاوت القيمتين التصالح(1) .
8 ـ لا يجوز للزّوجة التّصرف في الأعيان التي ترث من قيمتها بلا رضى سائر الورثة ، كما لا يجوز لسائر الورثة التّصرف فيها قبل أداء حصّتها من قيمتها من دون رضاها على الأظهر.
ولاء الإمامة
1 ـ إذا فقد الوارث النسبيّ ، والمولى المعتِق ، وضامن الجريرة ، كان الميراث للإمامعليهالسلام ، إلاّ إذا كان له زوج فإنّه يأخذ النّصف بالفرض ويردّ الباقي عليه ، أو كانت له زوجة فيكون لها الرّبع والباقي يكون للإمامعليهالسلام كما تقدّم.
2 ـ ما يرثه الإمامعليهالسلام بولاء الإمامة يكون أمره في عصر الغيبة بيد الحاكم الشرعيّ ، وسبيله سبيل سهمهعليهالسلام من الخمس ، فيصرف في مصارفه ـ أي في موارد الخمس نفسها ـ.
3 ـ إذا أوصى من لا وارث له إلاّ الإمامعليهالسلام بجميع ماله للفقراء والمساكين وابن السبيل ، فالأقرب عدم نفوذ وصيّته إلاّ بمقدار الثّلث ، كما هو الحال فيما لو أوصى بجميع ماله في غير الأُمور المذكورة.
في ميراث الحمل والمفقود
1 ـ الحمل يرث ويورث إذا انفصل حيّاً بأن بقيت فيه الحياة بعد انفصاله وإن مات من ساعته ، وإن انفصل ميّتاً لم يرث ، وإن علم أنّه كان حيّاً حال كونه حملاً.
__________________
(1) الاحتياط هنا وجوبي ، إمّا أن يعمل به ، أو يقلّد أعلم الموجودين في خصوص المسألة التي ورد فيها الاحتياط الوجوبي.
2 ـ لا يشترط ولوج الروح في الحمل حين موت مورّثه ، بل يكفي انعقاد نطفته حينه ، فإذا مات أحد وتبيّن الحمل في زوجته بعد موته ، وكان بحيث يلحق به شرعاً يرثه إذا انفصل حياً.
3 ـ تعرف حياة الحمل بعد انفصاله وقبل موته من ساعته بالصّياح والحركة البيّنة التي لا تكون إلاّ في الإنسان الحي ، لا ما تحصل أحياناً ممّن مات قبل قليل ، ويثبتان بإخبار من يوجب خبره العلم ـ أي الطبيب أو القابلة مثلاً ـ أو الاطمئنان ، واحداً كان أو متعدداً ، وكذا بشهادة عدلين ، وفي ثبوتهما بشهادة رجل مع امراتين أو نساء أربع إشكال.
4 ـ لا فرق في وارثيّة الحمل أو مورّثيّته بعد انفصاله حيّاً ، بين كونه كامل الأعضاء وعدمه ، ولا بين سقوطه بنفسه ، وسقوطه بجناية جان.
5 ـ إذا ولد الحمل وكان حياً في آن ثمّ مات كان نصيبه من الإرث لوارثه.
فهرست المصادر
1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ الاستفتاءات الخاصة.
3 ـ الإنسان هذا الكائن العجيب : الدكتور تاج الدين محمود الجاعوني ـ ط 1 ـ 1413 ه / 1993 م ـ دار عمار ـ عمان ـ الأردن.
4 ـ تفسير الميزان : العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ـ ط 1 ـ 1417 ه / 1997 م ـ منشورات مؤسسة الاعلمي ـ بيروت ـ لبنان.
5 ـ ختان الذكور والإناث : سامي الذيب ـ ط 1 ـ 2000 م ـ رياض الريس للكتب والنشر.
6 ـ الصحاح في اللغة : اسماعيل بن حمّاد الجوهري ـ ط 4 ـ 1407 ه / 1987 م ـ دار العلم للملايين ـ بيروت ـ لبنان.
7 ـ الطلاق : السيد عز الدين بحر العلوم ـ ط 1 ـ 1409 ه / 1989 م ـ دار الزهراء ـ بيروت ـ لبنان.
8 ـ الفتاوى الميسّرة السيّد عبد الهادي محمد تقي الحكيم ـ ط 1 ـ 1416 ه ، مكتب آية الله العظمى السيّد السيستاني ، قم.
9 ـ فقه الحضارة : الدكتور محمد حسين على الصغير ـ ط 1 ـ 1420 ه / 2000 م ـ دار المؤرخ العربي ـ بيروت ـ لبنان.
10 ـ الفقه للمغتربين : السيد عبد الهادي محمد تقي الحكيم ـ ط 2 ـ
1419 ه / 1999 م ـ نشر مكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني.
11 ـ الكافي : ثقة الاسلام ابو جعفر محمد بن يعقوب الكليني ـ تحقيق علي اكبر الغفاري ـ ط 1 ـ 1405 ه / 1985 م ـ دار الاضواء بيروت ـ لبنان.
12 ـ المسائل المنتخبة : آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني ـ ط 3 ـ 1414 ه / 1193 م ـ مؤسسة المنار ـ قم ـ ايران.
13 ـ مناسك الحج : آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني ط 2 ـ 1414 ه ـ مطبعة ستارة ـ نشر مكتب آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني ـ قم ـ ايران.
14 ـ منهاج الصالحين : آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني ط 4 و 5 1416 ـ 1417 ه ـ مكتب آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني قم ـ ايران.
15 ـ موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية : المستشار محمد عزمي البكري ـ ط 9 ـ 1999 م ـ دار محمود للنشر والتوزيع ـ مصر.
16 ـ وسائل الشيعة : الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي ـ ط 1 ـ 1409 ه ـ مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لاحياء التراث ـ قم ـ ايران.
فهرس الموضوعات
المقدّمة.................................................................... 4
التقليد.................................................................... 6
كتاب الطهارة............................................................... 7
أحكام التخلّي............................................................. 7
الوضوء.................................................................... 7
الجنابة.................................................................... 8
الحيض.................................................................... 9
الاستحاضة.............................................................. 15
النفاس.................................................................. 18
غُسل الأموات............................................................ 20
الأغسال المستحبة........................................................ 23
التيمّم................................................................... 23
الطهارة من الخبث........................................................ 23
كتاب الصلاة.............................................................. 28
صلاة الآيات............................................................. 33
استحباب تمرين الصبيّ على الفرائض........................................ 33
قضاء الصلاة............................................................ 33
صلاة الاستئجار.......................................................... 35
صلاة الجماعة............................................................ 35
صلاة المسافر............................................................. 36
صلاة الجمعة............................................................. 38
كتاب الصوم.............................................................. 39
المفطرات................................................................. 39
المكروهات............................................................... 41
كفّارة الصوم............................................................. 41
شرائط صحة الصوم....................................................... 42
ثبوت الهلال............................................................. 42
أحكام قضاء شهر رمضان................................................. 43
الاعتكاف............................................................... 44
كتاب الحجّ............................................................... 45
وجوب الحجّ.............................................................. 46
النيابة................................................................... 47
أقسام العمرة............................................................. 47
مواقيت الإحرام........................................................... 48
الإحرام.................................................................. 49
ثوب الإحرام............................................................. 49
تروك الإحرام............................................................. 49
حرمة الجماع............................................................. 51
كفّارة الجماع............................................................. 52
حرمة عقد النكاح......................................................... 53
حرمة الطيب............................................................. 54
لبس المخيط............................................................. 55
حرمة الاكتحال.......................................................... 55
حرمة التزيّن.............................................................. 55
حرمة ستر الوجه.......................................................... 56
حرمة التظليل............................................................. 56
الطواف................................................................. 56
الوقوف بالمزدلفة.......................................................... 59
التقصير................................................................. 60
طواف الحجّ وطواف النساء................................................ 60
آداب الحجّ.............................................................. 61
مستحبات الإحرام........................................................ 61
السعي.................................................................. 62
ملحقات................................................................ 62
كتاب الزكاة............................................................... 63
زكاة الفطرة............................................................... 63
كتاب الخمس............................................................. 65
كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.................................... 67
كتاب المتاجر............................................................. 70
المكاسب المحرّمة.......................................................... 70
البيع الفضولي............................................................ 72
مسائل متفرّقة............................................................ 73
الرهن................................................................... 74
الحجر................................................................... 75
الضمان................................................................. 78
الإقرار................................................................... 78
الهبة..................................................................... 79
الوصيّة.................................................................. 81
الوقف.................................................................. 83
الصدقة................................................................. 85
كتاب النكاح.............................................................. 86
عقد النكاح.............................................................. 93
في أولياء العقد.......................................................... 100
موجبات فسخ عقد النكاح............................................... 104
الحالات التي يحقّ فيها للزوجة فسخ العقد أو................................ 105
البقاء عليه............................................................. 105
اسباب التحريم........................................................... 108
أوّلا ـ النسب :......................................................... 108
ملحق للتحريم بالنسب.................................................. 109
كيف يثبت الرضاع....................................................... 111
شرائط التحريم في الرضاع................................................. 111
مسائل متفرَّقة تتعلّق بالرضاع.............................................. 114
ما يحرم على المرتضع والمرتضعة............................................ 116
والمرضعة نفسها......................................................... 116
ما يحرم على المرتضعة.................................................... 116
الصور التي لم تحرم بها المرأة على زوجها..................................... 117
بسبب الإرضاع......................................................... 117
آداب الرضاع........................................................... 118
صفات المرضعة......................................................... 119
المصاهرة............................................................... 120
الاعتداد................................................................. 127
أحكام الاعتداد......................................................... 128
الكفر وعدم الكفاءة...................................................... 132
مسائل تتعلّق بالزواج...................................................... 136
الزواج المؤقت........................................................... 138
استحباب المتعة......................................................... 139
أحكام زواج المتعة....................................................... 140
في المهر................................................................ 148
بعض المسائل التي ترتبط بالمهر............................................ 148
في الحقوق الزوجيّة...................................................... 154
أحكام النشوز والشقاق................................................... 159
من يصوّر الجنين في الرحم............................................... 166
في أحكام الأولاد والولادة................................................ 168
استحباب تسمية الوليد.................................................. 170
استحباب الوليمة....................................................... 172
أحكام الختان........................................................... 172
كلام في الختان......................................................... 173
سِنّ الختان ويوم السبت.................................................. 174
الختان في الشريعة الإسلامية المقدّسة....................................... 176
فوائد الختان............................................................ 178
بعض الأحكام المتعلّقة بحضانة الطفل...................................... 180
النفقات................................................................. 184
القرابة................................................................... 192
كتاب الطلاق............................................................ 197
شروط المطلِّق........................................................... 197
شروط المطلَّقة.......................................................... 201
شروط الطلاق.......................................................... 204
في أقسام الطلاق....................................................... 208
الطلاق الرجعي......................................................... 212
في أحكام الرجعة........................................................ 215
العُدد................................................................... 218
عدّة الطلاق............................................................ 218
عدّة الفسخ والانفساخ................................................... 223
3 ـ عدّة الوطء بالشبهة.................................................. 225
عدة المتمتع بها.......................................................... 227
5 ـ عدّة الوفاة.......................................................... 228
في أحكام المفقود زوجها................................................. 231
طلاق الخلع والمباراة..................................................... 239
الظّهار................................................................... 248
الإيلاء.................................................................. 252
اللّعان................................................................... 256
مسائل متفرّقة............................................................ 262
مسائل تتعلّق بالجنس..................................................... 265
مرض الإيدز........................................................... 266
كتاب الإرث............................................................. 267
موجبات الإرث......................................................... 267
في أقسام الوارث........................................................ 268
في أنواع السهام......................................................... 269
في بطلان العول والتعصيب............................................... 270
موانع الإرث............................................................ 271
في كيفية الإرث حسب طبقاته........................................... 281
أحكام الحبوة........................................................... 286
ولاء الإمامة............................................................ 291
في ميراث الحمل والمفقود................................................. 291