الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: مركز الرسالة
كتب متنوعة





مقدِّمة المركز:

الحمد للّه المُتعال بما هو أهله، وأتمّ الصلاة وأزكى التسليم على نبيّنا محمد وآله الطاهرين، وصحبه المخلصين، ومن اتّبع الهدى إلى يوم الدين.

وبعد ...

فإنّ الشريعة التي اعتبرت جسد الاُمّة المؤمنة كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، خليقة باقتفاء منهجها، جديرة باقتداء سلوكها، قمينة بالتحلي بآدابها وأخلاقها، أهل للهداية بقبول ما جاء فيها من الدعوة الصريحة إلى كلّ ما فيه الصلاح والأمر به، والتحذير من الفساد والنهي عنه.

ولكي يعلم أفراد الأمّة المسلمة هذه الحقيقة، ويفهموا جيّدا ما هو دورهم في الحياة، فلابدّ وأن يدركوا بأنّ نطق الشهادتين بلا عمل والاهتمام بالوسائل وإغفال المقاصد ليس من الإيمان المطلوب في شيء، وإنّما هو من إسلام المنافقين الذين قال اللّه تعالى فيهم: «إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّه وَاللّه يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّه يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ».

فوعي الظواهر السلبية وإدراكها إذن لا يكفي دون بيانها للناس كافّة كما بيّنها اللّه تعالى لرسوله الكريم، وأمّا التغاضي عنها فلا ريب أنه سيؤدّي إلى تفاقم المنكر بشتى سُبله وألوانه.

ولا شكّ أنّ من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى ضعف المسلمين بعد قوّتهم، وتمزيق شملهم بعد وحدتهم، وما آل إليه أمر شرذمتهم من ضياع شوكتهم، وتبديد كلمتهم، وتفتيت أوصالهم، وانكسار عزيمتهم حتى وصلوا إلى هذه الحال المؤلمة، إنّما هو فقدان الصدق والصراحة إزاء ظواهر النفاق ونظائرها في المجتمع الإسلامي كالمسامحة في اختراق أدب الشريعة، وطغيان المجاملة على حساب الدين الحنيف، فبنيت بذلك أسس الأفعال القبيحة، وتوفّرت مصادرها، فاُقعدت الأمّة عن معرفة الكثير من الحقائق، والتبس الأمر على أفرادها، وأصبح للباطل وجه مقبول نتيجة السكوت عليه، وأُلفه، واستحسانه، والتغاضي عن قول الحقّ.


ولعلّ من أشدّ الأمور رذيلة التساهل مع الظالم الفاسق بالإغماض عن جوره وعتوه، ثمّ ازدياد الطين بلّة بمدحه واطرائه، حتى ليخيّل إليه إنّ الافمّة لا ترضى بسوى الطغيان بدلاً؛ لأنّه الحقّ لذي تنشده!! فيزداد عتوّا وفسادا، فيتوهمه المغفل حقيقة ويرضاه المنافق وسيلة، ويسكت عنه الآخرون خوفا وطمعا، وعندها ترى الاُمّة القبيح حسنا، والضار نافعا، والخائن أمينا وكفى بهذا دلالة على ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يحفظ للاُمّة بقاءها ويصون لكلّ حقّه.

ونحسب أنّ في هذا وغيره مبرّرا كافيا لبحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنّ الفرصة التي ينبغي أن لا تضيع انماهي في إحياء هذه الشعيرة، بل ركن الشريعة الوطيد الذي لو ساد بين أفراد الأمّة لنالت ما ترجوه من حياة حرّة كريمة، خصوصا بعد عجز ساير الحلول الوضعية في إصلاح ما فسدّ من أخلاق وما اعوجَّ من شؤونممّا يعني هذا انحصار الأمر بالرجوع إلى منابع الإسلام الصافية، وإحياء ما في دستور الشريعة الغرّاء من مُثل ونُظم وقوانين وفرائض وشعائر، ويأتي الأمر بالمعروفوالنهي عن المنكر في طليعتها لما فيه من حلّ متين لمشاكل الرد والمجتمع، وصراط مستقيم لنهضتها ورقيها.

وقد حاول الكتاب الماثل بين يديك عزيزي القارئ استنطاق ما في شريعتنا الغرّاء من نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبيّنا غاياتهال وأهدافها وما تنطوي عليه من فوائد كثيرة لها دورها الكبير في إفشاء الطمأنينية والعدل والسماواة والقضاء على كلّ الظواهر السلبية التي مني بها متمعنا المسلم.

آملين أن يكون تدارك ما فات بالتطّلع نحو أفق الإسلام الأرحب والتعلّق بأسبابه نحو حياة أفضل بتدبّر ما في دستوره العظيم من ضرورة التمسّك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

واللّه وليّ الرشاد والتوفيق

مركز الرسالة


المقدِّمة

الحمدُ للّه ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وبعد :

جاءت الرسالة الإسلامية الخاتمة لهداية الإنسان ، وتحريره من جميع ألوان الانحراف في فكره وسلوكه وتحريره من ضلال الأوهام وظُلمة الخرافات ، وتحريره من عبادة الالهة المصطنعة ، وتحريره من الانسياق وراء الشهوات والمطامع ، وتهذيب نفسه من بواعث الانانية والحقد والعدوان ، وتحرير سلوكه من الرذيلة والانحطاط ، بتهيئة العقول والقلوب للتلقي والاستجابة للمنهج الالهي المرسوم ، واستتباعها بالعمل الايجابي ـ وفق المفاهيم والقيم الالهية الثابتة ـ الذي يترجم الآراء والنصوص إلى مشاعر وعواطف وأعمال وممارسات وعلاقات متجسدة في الواقع ، لكي يكون الإنسان والمجتمع بمستوى المسؤولية المناطة به في الحياة ، والمتمثلة بحمل الامانة وخلافة اللّه تعالى في الأرض ، والترقي في سلم الكمال والسمو الروحي والسلوكي.

وهداية الإنسان تعني تغيير محتواه الداخلي في عقله وقلبه وارادته لينسجم مع المنهج الالهي في الحياة ، ويكون فكره وعاطفته وسلوكه وحدة واحدة لا ازدواجية فيها ولا تناقض.

والتغيير ليس أمرا هينا اذا نظرنا إلى طبيعته ، وطبيعة الميدان الذي يحلّ فيه وهو ميدان النفس البشرية ، فهو يواجه محدودية الإنسان


وضعفه وعجلته ، ويواجه شهوات النفس ونزواتها المتجذرة والطارئة والمتقلبة ، ويواجه كبرياء النفس وغرورها ، ويواجه اعتزاز الناس بمفاهيمهم وقيمهم التي أنسوا بها ، وأصبحت جزءا من كيانهم الموروث والمكتسب ، ويواجه ما يتلبس بتلك المفاهيم والقيم من مصالح ذاتية ومطامع شخصية ، ويواجه المغريات الخارجية التي تناغي الرغبات والشهوات وتهتف بالانسان لاشباعها ، ويواجه اصنافا من الناس تختلف بعدا أو قربا من الدين والتديّن ، وتختلف مواقفها من حملة التغيير اندفاعا وانكماشا.

وتتجسد عملية التغيير باداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اداءً ينسجم مع ضخامة الواقع البشري ، وضخامة الاهداف المراد ـ من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ـ تحقيقها في الواقع.

فلا بدّ من عمل دؤوب وحركة متواصلة تبدأ بتغيير النفس أولاً ثم المجتمع ثانيا ، ولا بدّ من اطلاعٍ دقيق وتشخيص واعٍ لمستويات الناس الفكرية والعاطفية والسلوكية ، والمعرفة الواعية للظروف والعوامل المتحكمة في المجتمع ، والقوى المؤثرة فيه ، ليضع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لكلِّ مستوىً ولكلِّ ظرفٍ خطة ، يصلون بها إلى تحقيق الأهداف ، وأُسلوبا ينفذون من خلاله إلى خلجات القلوب ويجعلونها تتهيأ للتلقي والاستجابة ، ثم الانتقال إلى مرحلة العمل الايجابي بعد مرحلة التأثر الوجداني.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم التكاليف التي ينبغي القيام بها ، فيه تقام الفرائض ويتوجه الانسان إلى اللّه تعالى بكل كيانه ومقومات شخصيته ، وبه تتحقق الاستقامة في الفكر والعاطفة والسلوك


ويكون المنهج الالهي هو الحاكم على العقول والقلوب والارادة الانسانية.

وفي هذا البحث ـ ومن خلال استقراء آيات القرآن الكريم والاحاديث الشريفة وسيرة المعصومينعليهم‌السلام ومن خلال التجربة العملية ـ نتطرق إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أربعة فصول : نتناول في الفصل الأول : حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأهميتهما ، ثم نستعرض في الفصل الثاني : وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومراحلهما ، ونتناول في الفصل الثالث : خصائص وصفات الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ـ الذاتية والعملية ـ ونتناول في الفصل الرابع : آثار ونتائج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث الأداء وعدمه.

وحاولنا جهد الامكان استخدام العبارات والمصطلحات الواضحة الميسّر فهمها من قبل جميع المستويات ؛ لتعم الفائدة المتوخاة من متابعة فصوله والامعان في مباحثه.

واللّه وليّ التوفيق



الفصل الأول

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وأهميتهما

تمهيد في معناهما :

جاء في كتب اللغة أن المعروف : ما يستحسن من الافعال ، وكلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه(1) .

والمنكر : كل ما قبّحه الشرع وحرّمه وكرّهه(2) .

وقيل عن المعروف : هو اسم لكلِّ فعل يُعْرَف بالعقل أو الشرع حسنه. والمنكر : ما ينكر بهما(3) ، أي كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه أو تتوقف في استقباحه واستحسانه ، فتحكم بقبحه الشريعة(4) .

وجاء في مجمع البيان أنّ المعروف : الطاعة ، والمنكر : المعصية.

__________________

1) لسان العرب / ابن منظور 9 : 239.

2) لسان العرب 5 : 233.

3) مفردات ألفاظ القرآن / الراغب الاصفهاني : 331.

4) مفردات ألفاظ القرآن : 505.


وكل ما أمر اللّه ورسوله به فهو معروف ، وما نهى اللّه ورسوله عنه فهو منكر(1) .

موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

لا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمورد من الموارد ، ولا مجال من المجالات ، بل هو شامل لجميع ما جاء به الإسلام من مفاهيم وقيم ، فهو شامل للتصورات والمبادئ التي تقوم على أساسها العقيدة الإسلامية ، وشامل للموازين والقيم الإسلامية التي تحكم العلاقات الانسانية ، وشامل للشرائع والقوانين ، وللاوضاع والتقاليد ، وبعبارة اُخرى هو دعوة إلى الإسلام عقيدة ومنهجا وسلوكا ؛ بتحويل الشعور الباطني بالعقيدة إلى حركة سلوكية واقعية ، وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة متفاعلة ومتصلة مع الاوامر والارشادات الإسلامية ، ومنكمشة ومنفصلة عن مقتضيات النواهي الإسلامية.

وقد بيّن الإمام الحسينعليه‌السلام موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائلاً : «بدأ اللّه بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر فريضة منه ، لعلمه بأنّها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هينها وصعبها ؛ وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام ، مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم ، وقسمة الفيء والغنائم ، وأخذ الصدقات من مواضعها ، ووضعها في حقها » (2) .

وقد تجلّت هذه الشمولية بوصية رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمعاذ بن جبل

__________________

1) مجمع البيان في تفسير القرآن / الطبرسي 1 : 483.

2) تحف العقول / ابن شعبة الحرّاني : 168.


حينما ولاّه على أحد البلدان : «يا معاذ علمهم كتاب اللّه وأحسن أدبهم على الاخلاق الصالحة ، وانزل الناس منازلهم ـ خيّرهم وشرهم ـ وانفذ فيهم أمر اللّه وأمت أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام ، واظهر أمر الإسلام كلّه ، صغيره وكبيره ، وليكن أكثر همّك الصلاة فإنّها رأس الإسلام بعد الاقرار بالدين ، وذكّر الناس باللّه واليوم الآخر واتبع الموعظة » (1) .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستتبع جميع مقوّمات الشخصية الانسانية في الفكر والعاطفة والسلوك ، لتكون منسجمة مع المنهج الالهي في الحياة ، وتكون هذه المقومات متطابقة مع بعضها ، فلا ازدواجية بين الفكر والعاطفة ولا بينهما وبين السلوك ، وهي وحدة واحدة يكون فيها الولاء والممارسة العملية للّه وحده ولمنهج التوحيد الذي دعا إليه في جميع مفاهيمه وقيمه.

المبحث الأول

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ الإسلام ليس مجرد تفكير وتدبّر وخشوع يتحرك في داخل العقول والقلوب ، وإنّما هو منهج حياة واقعي ، يدعو إلى استنهاض الهمم والعزائم وتقوية الارادة ؛ لتنطلق في الواقع مجسدة للمفاهيم والقيم الالهية بصورة عملية ، وهو يدعو إلى النهوض بالتكاليف الالهية في عالم الضمير

__________________

1) تحف العقول : 19.


وعالم الواقع على حدٍّ سواء ، والاستقامة على ضوئها.

وبما ان الإنسان يحمل في جوانحه الاستعدادات المختلفة للخير والشر وللفضيلة والفجور ، ويتأثر بالعوامل الخارجية كالمغريات والمثيرات المتنوعة ، اضافة إلى دور الشيطان في الوسوسة والاغراء ، فهو بحاجة إلى من يهديه ويرشده ويقوّم له تصوراته وعواطفه وممارساته العملية ، لتكون موصولة بالعقيدة والشريعة الإسلامية ، ولهذا شرّع الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليقوم به الإنسان المسلم إيقاظا للقلوب البشرية الغافلة ، وتحريكا للارادات الضعيفة لتستقيم على أساس المفاهيم والموازين الالهية.

فأوجب سبحانه وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعله من التكاليف الأساسية ؛ لأنّه غاية الدين كما عبّر عنه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : «غاية الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود » (1) .

وقالعليه‌السلام : «قوام الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود » (2) .

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 332.

2) تصنيف غرر الحكم : 332.


أدلة الوجوب :

أولاً : القرآن الكريم :

اعتمد أغلب الفقهاء على الآيات القرآنية في اثبات الوجوب دون ذكر تفاصيل الاستدلال(1) ، اقرارا منهم بوضوح دلالتها حتّى قيل : (إنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة دينية عند المسلمين يستدلُّ بها ، ولا يستدل عليها)(2) .

وفيما يلي نستعرض الآيات القرآنية الواقعة في مقام الاستدلال على الوجوب.

الآية الاُولى : «وَلتكُن مِنكُم أُمّة يَدعُونَ إلى الخَيرِ ويَأمُرُونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَنِ المنكَرِ وأُولئك هُمُ المفلحِونَ »(3) .

المخاطب بهذه الآية القرآنية هم المؤمنون كافة ، فهم مكلفون بأن (ينتخبوا منهم أُمّة تقوم بهذه الفريضة ، وذلك بأن يكون لكلِّ فرد منهم ارادة وعمل في ايجادها)(4) .

وهي واضحة الدلالة على الوجوب ، فإنّ قوله تعالى : «ولتكن »أمر ، وظاهر الأمر الايجاب هذا من جهة ، ومن جهة اُخرى حصرت الآية الفلاح بهذا العمل.

__________________

1) التبيان 2 : 549. وكشف الغطاء : 419. وجواهر الكلام : 419. وروح المعاني 4 : 21.

2) التفسير المبين : 80.

3) سورة آل عمران : 3 / 104.

4) تفسير المراغي 2 : 22.


و (مِنْ) في (منكم) للتبعيض(1) ، لذا استدلّ أغلب الفقهاء على أن الوجوب كفائي(2) فإذا قام به البعض سقط عن الآخرين.

الآية الثانية : «كُنتُم خَيرَ أُمّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمرُونَ بِالمعرُوفِ وَتَنهونَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤمِنونَ بِاللّه »(3) .

قرنت الآية القرآنية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالايمان باللّه تعالى ، وقدّمتهما عليه (لانهما سياج الإيمان وحفاظه)(4) .

ومعنى الآية : (صرتم خير أُمّة خُلقت ؛ لأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر وإيمانكم باللّه ، فتصير هذه الخصال على هذا القول شرطا في كونهم خيرا)(5) .

وهذه الخيرية ( لا يستحقّها من أقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وصام رمضان ، وحجّ البيت الحرام ، والتزم الحلال ، واجتنب الحرام مع الاخلاص الذي هو روح الإسلام ، إلاّ بعد القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )(6) .

واستدل الفقهاء بهذا الثناء الذي انحصر بهذه المزايا الثلاث على الوجوب (فمدحهم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما مدحهم

__________________

1) الكشاف 1 : 452.

2) التبيان 2 : 549. وفتح القدير 1 : 369. والكشاف 1 : 452.

3) سورة آل عمران : 3 / 110.

4) تفسير المراغي 4 : 30.

5) مجمع البيان في تفسير القرآن 1 : 486.

6) تفسير المنار 4 : 58.


بالايمان باللّه تعالى ، وهذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(1) .

وقد اكتفى كثير من الفقهاء بذكر الآية دليلاً دون تفصيل(2) ، لاقتران الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالايمان باللّه تعالى ، ووقوعهما في مستواه ، وتخصيص الثناء والمدح بالخيرية بهذه الصفات الثلاث.

الآية الثالثة : «لَيسُوا سَوَاءً مِن أهلِ الكِتابِ أُمّةٌ قائمةٌ يَتلُونَ آياتِ اللّه آناءَ الليلِ وَهم يَسجُدُونَ * يُؤمِنُونَ بِاللّه وَاليومِ الآخرِ ويَأمُرُونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَنِ المنكَرِ وَيُسارِعُونَ في الخَيراتِ وأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحينَ » (3) .

جعل اللّه تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات القيام بالواجبات ، ومن علامات الصلاح ، فلم يشهد اللّه تعالى لهم بالصلاح بمجرد الايمان باللّه واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(4) .

ومفهوم الآية هو انّ الذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لا يعدّون من الصالحين ، ولولا الوجوب لما نفى صفة الصلاح عنهم.

الآية الرابعة : «والمؤمِنُونَ والمؤمِناتُ بَعضُهُم أولياءُ بعضٍ يأمرُونَ بالمعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ ويُقيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤتَونَ الزَّكاةَ ويُطيعُونَ اللّه

__________________

1) المقنعة : 808.

2) كشف الغطاء : 419. وجواهر الكلام 21 : 352.

3) سورة آل عمران : 3 / 113 ـ 114.

4) المحجّة البيضاء 4 : 96.


وَرَسولَهُ أولئِكَ سَيرحمُهُمُ اللّه إنَّ اللّه عَزيزٌ حكيمٌ »(1) .

جعل اللّه تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الاوصاف الخاصة بالمؤمنين ، وهما من شؤون ولاية بعض المؤمنين على بعض.

وعلى هذا فالذي يهجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون خارجا عن (هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية)(2) .

واخراج التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جماعة المؤمنين لا يصحّ ولا يستقيم إلاّ إذا كانا واجبين ، وعليهما تترتب الرحمة.

ويؤيد ثبوت الوجوب انّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وردا في سياق الواجبات كاقامة الصلاة وايتاء الزكاة وطاعة اللّه ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهما واجبان بدلالة وحدة السياق ، وتكرّر اقترانهما مع الواجبات يفيد الاطمئنان بوجوبهما.

الآية الخامسة : «لَولا يَنهاهُمُ الرَّبَّانيُونَ والأحبارُ عَن قَولِهِم الإثمَ وأكلِهِمُ السُّحتَ لَبئسَ ما كَانُوا يَصنعُونَ »(3) .

ذمّ اللّه تعالى ووبَّخ بني اسرائيل لقولهم الأثم وأكلهم السحت ، وذمّ علماءهم لعدم قيامهم بنهيهم ، فذمّ (هؤلاء بمثل اللفظة التي ذم بها اولئك ، وفي هذه الآية دلالة على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه)(4) .

__________________

1) سورة التوبة : 9 / 71.

2) المحجة البيضاء 4 : 97.

3) سورة المائدة : 5 / 63.

4) مجمع البيان في تفسير القرآن 2 : 218.


فالتوبيخ شامل لمرتكب المنكر والساكت عن النهي عنه ، فقد وبَّخ اللّه تعالى (الربانيين والاحبار في سكوتهم عنهم ، وعدم نهيهم عن ارتكاب هذه الموبقات من الآثام والمعاصي ، وهم عالمون بأنّها معاصٍ وذنوب)(1) .

فقد بين اللّه تعالى ان الربانيين والأحبار أثموا بترك النهي عن المنكر والدلالة واضحة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلو لم يكونا واجبين لما ترتب الأثم على تركهما ، ولما وبّخهم اللّه تعالى على سكوتهم ؛ لأنّ التوبيخ يستتبع العمل السيئ ، وترك النهي عن المنكر هو أحد مصاديقه.

الآية السادسة : «لُعِنَ الَّذينَ كَفَرُوا مِن بَني إسرائيلَ عَلى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابنِ مَريَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوا وَّكَانُوا يَعتدُونَ * كَانُوا لا يَتَناهَونَ عَن مُّنكَرٍ فَعلَوهُ لَبِئسَ مَا كَانُوا يَفعَلُونَ »(2) .

لعن اللّه تعالى بني اسرائيل بعصيانهم واعتدائهم ، ثمّ بيّن حالهم ، فقال : «كَانُوا لا يَتَناهَونَ عَن مُّنكَرٍ فَعلُوهُ » أي لم يكن ينهى بعضهم بعضا ، ولا ينتهون أي لا يكفّون عمّا نهوا عنه(3) .

وقد علّل اللّه تعالى استحقاقهم اللعنة (بتركهم النهي عن المنكر)(4) .

فلولم يكن النهي عن المنكر واجبا لما استحقوا اللعنة بتركهم إيّاه؛ لأنّ

__________________

1) الميزان في تفسير القرآن 6 : 31.

2) سورة المائدة : 5 / 78 ـ 79.

3) مجمع البيان في تفسير القرآن 2 : 231.

4) المحجة البيضاء 4 : 97.


اللعنة تختص بترك الواجب.

ويؤيد الوجوب ما روي عن ابن عباس في تفسير رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله للآية، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ، ولتأخذنَّ على يد السفيه ، ولتأطرنه على الحق اطرا أو ليضربنّ اللّه قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم » (1) .

الآية السابعة : «يَا أيُّها الَّذِينَ آمنُوا قُوا أنفُسَكُم وأهلِيكُم نَارا وقُودُها النَّاسُ والحِجارةُ »(2) .

وقاية الأهل من النار تتم (بدعائهم إلى الطاعة وتعليمهم الفرائض ، ونهيهم عن القبائح ، وحثّهم على أفعال الخير)(3) .

والوقاية هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : «لمّا نزلت هذه الآية جلس رجل من المسلمين يبكي ، وقال : أنا عجزت عن نفسي ، كُلّفت أهلي ، فقال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك ، وتنهاهم عمّا تنهى عنه نفسك » (4) .

وفعل الأمر (قوا) يدل على الوجوب ، ويتحقق هذا الفعل ان قام الإنسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهما واجبان ؛ لأنهما مقدمة من مقدمات الهداية والانقاذ من النار.

وقد وردت آيات في غير موضع من القرآن الكريم قرنت الأمر

__________________

1) مجمع البيان في تفسير القرآن 2 : 231.

2) سورة التحريم : 66 / 6.

3) مجمع البيان في تفسير القرآن 5 : 318.

4) الكافي 5 : 62.


بالمعروف والنهي عن المنكر مع سائر الواجبات الشرعية ، كما ورد في سورة الحج(1) ، وسورة لقمان(2) .

ثانيا : الروايات الشريفة :

الروايات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستفيضة ومتواترة عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وقد أكدت السيرة على ذلك ، حتى أصبح سكوت المعصومعليه‌السلام عن عمل معينٍ دليلاً على جوازه ، فلو كان محرّما لنهى عنه ، وكانت سيرة المعصومينعليهم‌السلام تجسيدا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى اللّه تعالى ، بتصحيح اعتقاد الناس وتربية نفوسهم وتهذيب سلوكهم.

عن حذيفة عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والصوم سهم ، وحج البيت سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، والجهاد في سبيل اللّه سهم ، وقد خاب من لا سهم له » (3) .

فقد عدّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جملة الواجبات وجعل الخيبة والخسران نتيجة لمن لا سهم له.

وسلبصلى‌الله‌عليه‌وآله صفة الإسلام والإيمان ممّن لا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فقال : «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقّر كبيرنا ، ويأمر

__________________

1) سورة الحج : 22 / 41.

2) سورة لقمان : 31 / 17.

3) الترغيب والترهيب 3 : 232.


بالمعروف ، وينهى عن المنكر » (1) ومعنى السلب هو قلة الحظ من الدين. وصفة الإسلام والايمان لا تسلب إلاّ ممن لا يؤدي واجبا.

ودلّت الروايات على وجوب نشر العلم وتعليم الجهّال ، ونشر العلم يتحقّق بتبيان العقيدة الصحيحة وأحكام الشريعة كما أنزلت وهي مظهر من مظاهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «ما أخذ اللّه سبحانه على الجاهل أن يتعلّم حتى أخذ على العالم أن يُعَلم » (2) .

ومن مظاهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محاربة البدع وذلك عن طريق اثبات مخالفتها للعقيدة والشريعة ، ثم تبيان الرأي الأصوب والحكم الأصوب والسلوك المنسجم مع المبادئ والقيم الإسلامية. ومحاربة البدع واجبة كما أكّد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله : «اذا ظهرت البدعة في أُمتي فليظهر العالم علمه ، فإن لم يفعل فعليه لعنة اللّه » (3) .

فلو لم يكن اظهار العلم واجبا لما استحقّ تاركه اللعنة.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض العظيمة التي تتوقف عليها اقامة جميع الفرائض كما بيّن ذلك الإمام محمد الباقرعليه‌السلام : «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ، ومنهاج الصالحين ، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب ، وتردّ المظالم ، وتعمّر الأرض ، وينتصف من الاعداء ، ويستقيم الأمر ، فانكروا

__________________

1) الترغيب والترهيب 3 : 232. وبنحوه في : جامع أحاديث الشيعة 14 : 396.

2) تصنيف غرر الحكم : 45.

3) المحاسن : 231.


بقلوبكم ، وألفظوا بألسنتكم ، وصكّوا بها جباههم ، ولا تخافوا في اللّه لومة لائم أوحى اللّه إلى شعيب النبي عليه‌السلام : اني لمعذب من قومك مئة ألف : أربعين ألفا من شرارهم ، وستين ألفا من خيارهم ، فقال : يا ربّ هؤلاء الاشرار ، فما بال الاخيار؟ فأوحى اللّه عزَّ وجلَّ إليه أنهم داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي » (1) .

فقد بيّنعليه‌السلام ان الساكتين عن المعاصي بعدم مواجهتها بنهي عنها أو أمر بمعروف فقد استحقوا العذاب وان كانوا اخيارا ؛ لأنّهم تركوا واجبا ولم يؤدوه.

وقد تظافرت الروايات على أنّ اللّه تعالى يبغض من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وعلى نزول العذاب عليه ، فلو لم يكن واجبا لما ترتب بغض اللّه تعالى لمن تركه أو نزول عذابه عليه.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ اللّه عزَّ وجلَّ ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له ، فقيل له : وما المؤمن الذي لا دين له؟ ، قال : الذي لا ينهى عن المنكر(2) .

فقد اجتمع فيه بغض اللّه له ، وسلب الدين منه.

وعن الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام قال : «كان رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : اذا أُمتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلتأذن بوقاع من اللّه تعالى » (3) .

__________________

1) تهذيب الاحكام 6 : 180 ـ 181.

2) الكافي 5 : 59.

3) تهذيب الاحكام 6 : 177.


ورتب الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام نصر اللّه تعالى لمن نصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وخذلانه لمن خذلهما ، أي بالاداء والترك، فقالعليه‌السلام : «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق اللّه تعالى ، فمن نصرهما أعزه اللّه تعالى ، ومن خذلهما خذله اللّه تعالى » (1) .

وجعلعليه‌السلام عدم القيام بانكار المنكر مبارزة للّه بالعداوة ، فقال : «واذا رأى المنكر فلم ينكره ، وهو يقوى عليه ، فقد أحبّ أن يُعصى اللّه ، ومن أحبّ أن يُعصى اللّه ، فقد بارز اللّه بالعداوة » (2) .

وتترتب على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آثار وخيمة يوم القيامة ، بحيث لا تنفع الإنسان سائر عباداته ان كان غافلاً عن المواعظ الالهية ، فلم يقم بادائها أو الترويج لها واشاعتها بين الناس ، قال أمير المؤمنين عليعليه‌السلام : «وقد سبق إلى جنات عدن أقوام كانوا أكثر الناس صلاة وصياما، فإذا وصلوا إلى الباب ردّوهم عن الدخول، فقيل: بماذا ردّوا؟ ألم يكونوا في دار الدنيا قد صلّوا وصاموا وحجّوا؟ فإذا بالنداء من قبل الملك الأعلى جلّ وعلا : بلى قد كانوا ليس لأحد أكثر منهم صياما ولا صلاة ولا حجا ولا اعتمارا ، ولكنّهم غفلوا عن اللّه مواعظه » (3) .

ثالثا : سيرة المعصومينعليهم‌السلام :

صدع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالدعوة إلى اللّه تعالى ، بنبذ عبادة الاصنام ، والاستسلام له في العبودية ، والتعالي على مفاهيم وقيم الجاهلية ، فقد

__________________

1) الكافي 5 : 59.

2) معاني الاخبار : 253.

3) ارشاد القلوب : 13.


دعاصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المعروف الاكبر وهو الإيمان باللّه تعالى وتوحيده ، ونهى عن المنكر الأكبر وهو الكفر والشرك ، فخاطب العقول ثم القلوب ثم الارادة ، ليكون الولاء للّه ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليكون السلوك والممارسات الاخلاقية منسجمة مع ما أراده اللّه تعالى.

فدعا إلى البر والتقوى ، وإلى الصدق والامانة ، وإلى العدل والرحمة ، وحفظ العهد ، ومطابقة القول للفعل.

ونهى عن الشر والعصيان ، وعن الكذب والخيانة ، وعن الظلم والاعتداء ، وعن الخداع والغش ، وعن سائر الموبقات.

ودعا إلى حسن العلاقات الاجتماعية ونهى عن التقاطع والتدابر.

وكان يدعو الكفار كما يدعو أهل الكتاب ، وكان يذكّر المسلمين بالفضائل والمكارم ، وينهاهم عن الرذائل وسوء الأفعال ، ولم يتوقف عن ذلك في جميع مراحل حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي جميع الظروف في مرحلة العهد المكّي حينما كان مضطهدا ومطاردا من قبل المشركين ، وفي مرحلة العهد المدني بعد تأسيسه للدولة الإسلامية.

وتابع أمير المؤمنينعليه‌السلام سيرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله في القيام باداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع مراحل حياته ، إلى أن وصل إلى مرحلة المجابهة بالسيف على من ارتكبوا المنكر الاكبر وهو التمرد على الامامة الحقّة ، وارادوا شق عصا المسلمين ، فأجابعليه‌السلام من اعترض عليه في مواجهته العسكرية للبغاة في صفيّن : «ولقد أهمّني هذا الأمر وأسهرني ، وضربت أنفه وعينيه ، فلم أجد إلاّ القتال أو الكفر بما أنزل اللّه على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله .


إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، فوجدت القتال أهون عليَّ من معالجة الاغلال في جهنّم » (1) .

ومن وصيتهعليه‌السلام لابنه محمد بن الحنفية : «وكن آخذ الناس بما تأمر به، وأكفّ الناس عمّا تنهى عنه، وأمر بالمعروف تكن من أهله ، فإنّ استتمام الامور عند اللّه تبارك وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2) ».

وحينما وجد الإمام الحسينعليه‌السلام أنّ المنكر قد استحوذ على الحاكم وعلى أجهزته الحكومية ، وتفشى في الاُمّة ، بتحريف المفاهيم وتغيير معالم الدين ، وارتكاب الموبقات بشكل علني دون مراعاة للحرمات والمقدسات ، قام باداء مسؤوليته في أعلى مراتبها ، وهي القيام بالسيف لأنّه الاُسلوب الأمثل للحفاظ على مفاهيم وقيم الرسالة الإسلامية.

وقد أعلن عن أهداف ثورته في وصيته الخالدة: «وانّي لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنّما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أُمّة جدّي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرة أبي علي بن أبي طالب (3) ».

وفي جميع مراحل تحركه كان يدعو إلى أداء الواجب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقد خطب في جيش الحرّ بن يزيد الرياحي قائلاً : «أيُّها الناس إنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من رأى سلطانا جائرا

__________________

1) وقعة صفين : 474.

2) من لا يحضره الفقيه 4 : 387 / 5834.

3) الفتوح 5 : 33.


مستحلاً لحرم اللّه ناكثا لعهد اللّه مخالفا لسُنّة رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يعمل في عباد اللّه بالأثم والعدوان ، فلم يغيّر ما عليه بفعلٍ ولا قول كان حقا على اللّه أن يدخله مدخله » (1) .

وكان بقية الأئمةعليهم‌السلام يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مستخدمين مختلف الأساليب في اصلاح الاُمّة وتغييرها ، بنشر الأحاديث الشريفة عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبنشر العلم ، وباقامة المناظرات مع التيارات المنحرفة ، وببناء الكتلة الصالحة لتوسيع دائرة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقد تعرضوا لشتى ألوان الأذى والمضايقة والاعتقال ثم القتل الهادئ عن طريق السم ؛ لأنّ حكّام زمانهم لا يروق لهم أن يقوم أحد بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وان كانت بالقول فقط.

شروط الوجوب :

يختلف الناس فيما بينهم من حيث الطاقات والامكانيات البدنية والعقلية والروحية ، وفي ضوء ذلك يختلفون في مراتب التكليف والمسؤولية التي تتناسب طرديا مع الطاقات والامكانيات.

ومن هنا فوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعيّن على القادرين على القيام به وادائه بالصورة التي تحقق الهدف المناط به ، ومن شروط الوجوب :

أولاً : العلم بالمعروف وبالمنكر : يجب الأمر بالمعروف والنهي عن

__________________

1) الكامل في التاريخ 4 : 48.


المنكر على العالم بهما ، الذي يعرف مصاديقهما ومواردهما ، وقادر على التشخيص والتمييز بين الأقوال والافعال والممارسات السلوكية ، ويتناسب الوجوب مع درجة العلم والاطلاع ، فوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون آكدا على الفقيه ثم المتفقه في الدين.

سُئل الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الاُمّة جميعا؟ فقال : « لا ، فقيل له : ولِمَ؟ قال :إنّما هو على القوي المطاع ، العالم بالمعروف من المنكر ، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أي من أي يقول من الحق إلى الباطل ، والدليل على ذلك كتاب اللّه عزَّ وجلَّ قوله : «وَلتكُن مِّنكُم أُمّةٌ يَدعُونَ إلى الخَيرِ ويأمُرُونَ بالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَنِ المُنكَرِ »(1) ،فهذا خاص غير عام ».

كما قال اللّه عزَّ وجلَّ : «وَمِن قَومِ مُوسى أُمّةٌ يَهدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعدِلُونَ »(2) ، ولم يقل : على أُمّة موسى ولا على كل قومه ، وهم يومئذٍ أمم مختلفة(3) .

ثانيا : القدرة على التأثير : يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من له القدرة على التأثير، بان يكون قوي النفس قوي الارادة ، قويّ البيان ، له اطلاع كامل على مستويات الناس وطاقاتهم العقلية والنفسية ، ويستطيع الصمود أمام العقبات والتعقيدات التي تواجهه ، وله قوة في شخصيته يستطيع من خلالها التأثير على الآخرين ، بالقول والفعل ،

__________________

1) سورة آل عمران : 3 / 104.

2) سورة الأعراف : 7 / 158.

3) الكافي 5 : 59 ـ 60.


وبالايحاء والتلقين.

لذا نجد ان على رأس الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم الأنبياء والأوصياء والأئمة والفقهاء ، ومن له سلطة روحية أو سياسية أو له مكانة اجتماعية مرموقة.

ومن مصاديق القدرة هي القدرة البدنية في خصوص مرتبة استخدام القوة ، فالمريض والعاجز والضعيف لا يتعيّن عليه العمل المتوقف على القوة.

وعليه فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجبان باللسان واليد (إذا تمكن المكلف من ذلك)(1) .

ثالثا : القطع بالتأثير أو احتماله : إذا نظرنا إلى طبيعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجده تكليفا ليس بالهيّن ولا باليسير ؛ لأنّه يصطدم بشهوات الناس ونزواتهم ، ويصطدم بمصالح البعض ومنافعهم الذاتية الضيقة ، ويصطدم بالغرور والكبرياء اللذين تحملهما النفس الانسانية.

والناس يختلفون فيما بينهم تجاه المعروف والمنكر ، فالبعض يبحث عن الاستقامة في العقيدة والسلوك ، فهو يتأثر بما يقال له وبما يؤمر به أو ينهى عنه ، والبعض مكابر لا يذعن للحجّة وإن قطع بها ، والبعض منغمس في الانحراف ، ويبغض الاستقامة ، والبعض قد آنس بالانحراف العقائدي والسلوكي حتى أصبح جزءا من كيانه ؛ يجد فيه تحقيقا لمصالحه ورغباته ويرفض من يعارضها ويخالفها.

__________________

1) النهاية : 299.


ومن هنا يكون الوجوب مختصا بمن يقطع أو يحتمل تأثير أمره ونهيه على المقابل.

قال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام : «إنّما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتّعظ أو جاهل فيتعلم ، وأمّا صاحب سوط أو سيف فلا » (1) .

فإذا وجد المكلّف مؤمنا أو جاهلاً يبحث عن الحقيقة فيجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أمّا المكابر الذي لا يروم الاستقامة في العقيدة والسلوك ، فلا يجب على المكلّف ان يأمره وينهاه ، ما دام غالقا لمنافذ الهداية في فكره وعاطفته وسلوكه.

وسُئل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن حديث : «إنّ أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمامٍ جائر » ما معناه؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «هذا على أن يأمره بعد معرفته وهو مع ذلك يقبل منه وإلاّ فلا » (2) .

وقد قامت سيرة المعصومينعليهم‌السلام على هذه القاعدة ، فأمير المؤمنينعليه‌السلام أكثر من نصحه لعثمان بن عفان ، وكان يأمره بالمعروف وينهاه عن الممارسات التي يمارسها مع المسلمين خلافا لسُنّة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كتعيينه الولاة الجائرين والفاسقين ، وكان يحذّره من مروان وأمثاله ، ولكنّه حينما يئس من اصلاح وتغيير ممارساته قال له : «ما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك » (3) .

رابعا : الأمن من الضرر : إنّ مهمة الدعوة الإسلامية المتجسدة بالأمر

__________________

1) الكافي 5 : 60.

2) الكافي 5 : 60.

3) الكامل في التاريخ 3 : 165 ـ 166.


بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة شاقة تواجه اصنافا من الناس يختلفون في الاستجابة ، فمنهم من يتفاعل معها ليغيّر مفاهيمه وقيمه وممارساته في ضوء ما يؤمر به ويُنهى عنه ، ومنهم من تصدّه شهواته ونوازعه عنها ، فيعرض عنها معاندا لا ينفتح قلبه لدلائل الهدى ، مصرا على انحرافه الفكري والعقائدي يقابل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بسخرية واستهزاء أو بالاعراض وعدم الاستماع.

ومنهم من يترقى به العناد والغرور والكبرياء إلى المواجهة العنيفة ، ويعمل على الحاق الاذى بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، وقد يصل الاذى إلى مرحلة الجرح أو التعويق أو القتل ، ففي مثل هذه الحالة فان الإنسان يسقط عنه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأنّه مشروط بالأمن من الضرر سواء على نفسه أو على غيره.

قال الامام الصادقعليه‌السلام : «والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على من أمكنه ذلك ، ولم يخف على نفسه ولا على أصحابه » (1) .

وكتب الامام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام للمأمون حينما سأله أن يكتب له محض الإسلام : «والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان اذا امكن ، ولم يكن خيفة على النفس » (2) .

والضرر المقصود يحدّد من قبل المكلّف نفسه بعد تشخيصه للمصلحة والمفسدة المترتبة على قيامه بالتكليف أو عدمه ، فيقدّم أهون الضررين.

__________________

1) الخصال 2 : 609.

2) عيون أخبار الرضا 2 : 121 ، 125.


والضرر لا يتحدد بوقت من الاوقات ، قال الشيخ الطوسي : ـ في ذكره لشروط الوجوب ـ : ( وعلم أنّه لا يؤدّي إلى ضررٍ عليه ولا على أحد من المؤمنين لا في الحال ولا في مستقبل الاوقات)(1) .

شروط الترك :

شُرِّع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهداية الناس وارشادهم ، وتغيير المحتوى الداخلي للنفس البشرية وما تحمل من أفكار ومشاعر ؛ لتكون حاكمة على الممارسات العملية من سلوك صالح واخلاق فاضلة وعلاقات حسنة.

والغاية منهما تخليص النفوس من ظلمات الاوهام والانحرافات العقائدية ، وتحريرها من ربقة الشهوات ؛ لتنتصر على الهوى وتتغلب على الشهوة ، عن طريق استحثاث الطاقة الكامنة في كيان الانسان ، وانماء القدرات الممكنة النماء.

كلّ ذلك يتم عن طريق الانذار والايقاظ بالحجة والبرهان والترغيب بالاستقامة والسمو والتكامل ، فإذا أغلق الإنسان منافذ الهداية في كيانه ، ورفض الاستماع أو التلقي غرورا وكبرا ، ولم يستجب للموعظة المراد منها تطهير القلب وتزكية النفس وتحسين الاخلاق ، أو آنس بواقعه العقائدي والسلوكي ، أو كان جاهلاً بما يصلحه جهلاً مركبا مطبقا على كيانه ، فإذا لم توقظه موحيات الايمان وموجبات الهداية ، ورفضت نفسه الوضيعة السمو إلى الكمال ، فانّ المواعظ والارشادات المصحوبة بعدم الاستجابة ستكون اضاعة للوقت ، وصرفا للجهد في غير محلّه.

__________________

1) النهاية : 299.


وفي هذه الحالة فإنّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر سيكون مخيّرا بين الاستمرار في اداء مسؤوليته ، وبين تركها إلى أن تحين الفرص المناسبة لها.

ويمكن تحديد شروط ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنقاط التالية :

أولاً : تجذّر الانحراف : إذا تجذّر الانحراف وأصبح جزءا من كيان الإنسان ، ويئس المكلّف من اصلاحه وتغييره ، فيجوز له ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لانّه لا يغيّر من الواقع شيئا ، بل قد يؤدي إلى نتائج سلبية على المكلّف نفسه.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى اذا رأيت شُحّا مطاعا ، وهوىً مُتّبعا ، ودنيا مؤثرة ، واعجاب كلّ ذي رأي برأيه ، ورأيت أمرا لا يدان لك به ، فعليك خويصة نفسك ، فإنّ من ورائكم أيام الصبر. الصبر فيهنَّ على مثل قبض على الجمر. للعامل فيهنَّ مثل أجر خمسين رجلاً يعملون بمثل عمله » (1) .

ثانيا : انحراف الأكابر : من طبيعة النفس البشرية أنّها تذعن وتخضع للأكابر والمتنفذين وتقتبس المفاهيم والقيم من الشخصيات البارزة في المجتمع ، والمؤثرة فيه ؛ لامتلاكها خصائص التأثير الذاتية والعملية ، كالملوك والعلماء ورؤساء القبائل والوجودات الاجتماعية ، فإذا انحرف هؤلاء انحرف المجتمع ، وهذه حقيقة ثابتة في جميع المجتمعات.

__________________

1) سنن ابن ماجة 2 : 1331 / 4014.


ففي مثل هذه الحالة يتفشى الانحراف ويستشري ويصعب اصلاحه وتغييره ، ولا يكون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي تأثير في العقول والنفوس.

وفي مثل هذا الظرف يكون الواجب على كلِّ مؤمن عالمٍ بالمعروف والمنكر أن يحافظ على نفسه بأن يروّضها بالعمل بالمعروف والترك للمنكر حتى لا يؤثّر فيه الجو العام في المجتمع ، وأن يحافظ أيضا على أهله وذويه ومن يهمّه أمره الذين ينصاعون لأوامره ونواهيه ، صونا لهم من الانحراف والانجراف.

ثالثا : وقوع الفتن : حينما تكون الاهواء حاكمة على الافكار والمواقف دون الرجوع إلى الاُسس الثابتة للمنهج الاسلامي ، وحينما تبتدع الاحكام المخالفة لكتاب اللّه تعالى ، ويتحكم التعصب بولاء الانسان والمجتمع بعيدا عن أسس الولاء التي حددتها الشريعة الإسلامية ؛ فان الفتن ستكون هي الظاهرة القائمة المتفشية في المجتمع الاسلامي ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتَّبع ، وأحكام تُبتدع ، يُخالف فيها كتاب اللّه ، ويتولى عليها رجالٌ رجالاً ، على غير دين اللّه » (1) .

وإذا وقعت الفتن فسيعيش المجتمع ظاهرة الاضطراب الفكري والنفسي والسلوكي بتبادل النظرة السلبية ، والموقف المتشنج ، ويدخل في صراع دائم مستمر بتبادل الاتهامات ودفعها ، ويصبح النبز بالكفر والانحراف والفسق هو الحاكم على العلاقات دون الاستناد إلى الاُصول الواضحة للمنهج الإسلامي.

__________________

1) نهج البلاغة : 88 ، الخطبة / 50.


ويدفع التعصب أفراد المجتمع إلى اتخاذ المواقف تبعا للمتعصّبين له، ويختلط الحق بالباطل ، وتلتبس المفاهيم والقيم على الناس ، فيندفعون دون روية ودون بحث عن الحقيقة أو رغبة في المعرفة ، ويتخلل اندفاعهم جدال لا ينتهي إلى شيء ، تصحبه المواقف المتشنجة من اتهامات وتعيير وتحقير ، فتعمى بصائر المتعصّبين وتنغلق منافذ الهدى في عقولهم ونفوسهم ومواقفهم ، ففي مثل هذه الحالة لا تنفع معهم المواعظ والارشادات والنصائح ، ولا يدركون الخطر المحدق بهم ، بل يحسبون انهم يحسنون صنعا ، فاذا أغلقوا قلوبهم وانفصلوا عن مصدر الاشعاع الفكري والسلوكي ، فلا يجب على المكلفين حينئذٍ القيام بدورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهم يرون المجتمع يعيش في غبش الاوهام وضباب الاهواء ، واضطراب الولاء القائم على اساس التعصب للاشخاص.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ستكون فتن لا يستطيع المؤمن أن يغيّر فيها بيد ولا لسان » ، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «وفيهم يومئذٍ مؤمنون » ، قال : «نعم ».

قالعليه‌السلام : «فينقص ذلك من ايمانهم شيئا؟ ».

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا ، الاّ كما ينقص القطر من الصفا ، أنهم يكرهونه بقلوبهم » (1) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم ، وخفت أماناتهم ، وكانوا هكذا ـ وشبك بين أنامله ـ فالزم

__________________

1) مستدرك الوسائل 12 : 19.


بيتك ، وأملك عليك لسانك ، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر ، وعليك بخاصة أمر نفسك ، ودع عنك أمر العامّة » (1) .

والفتن المقصودة هي التي تقع بين أهل الضلال ، وإلاّ فالذي يقع بين أهل الحق وأهل الباطل لا يسمى فتنة بالمعنى الحقيقي ؛ لأنّ الموقف واضح لا شبهة فيه ، ويستطيع الإنسان ان يشخّص موقفه من الرجال ومن الوجودات ومن الاحداث ، ويجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لارجاع المخالفين إلى المنهج السليم والموقف الصحيح.

المبحث الثاني

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

جاء الإسلام من أجل هداية المجتمع الإنساني ، وايصاله إلى قمّة التكامل والسمو والارتقاء ؛ بتقرير المنهج الالهي في واقع الحياة ، وجعله الحاكم على أفكار الناس ، ومشاعرهم ، ومواقفهم ، لتتحول الافكار والتصورات والمفاهيم إلى صور متجسدة في الواقع ، ذات معالم ومواقف منظورة ومحسوسة.

ولا تتحقق هذه الهداية بمجرد نزول المفاهيم والقيم على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما لم يقم بتبليغها للناس ومتابعة تطبيقها وتجسيدها في الواقع ، وخير وسيلة للتطبيق العملي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لذا جعل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمر من اللّه تعالى اثني عشر إماما عِدلاً للقرآن ، وهم

__________________

1) الفتح الكبير 1 : 112.


القرآن الناطق الذي يقوم بمهمة التطبيق في الواقع ، وفي جميع مجالات المنهج الالهي العقيدي والسلوكي ، وفي جميع مجالات مقومات الشخصية الانسانية : الفكر والعاطفة والسلوك.

فلأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والذي هو بحاجة إلى من يتبنّاه ويقوم به ليواصل المسيرة ويحقق البناء والإصلاح والتغيير الشامل ، لم يترك رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله القرآن وحده بمفاهيمه وقيمه وتشريعاته المجملة والظاهرة والباطنة ـ وهو المرشد الأول للمعروف والناهي عن المنكر ـ عرضة للأهواء والتفسير بالرأي ، بل ترك بجانبه ثقلاً آخر وهم أهل البيتعليهم‌السلام للنهوض بمهمة البيان واستمرار أداء الرسالة ، وتوجيه الاُمّة لصالح الأعمال وردعها عن منكر الفعل والقول.

قال الإمام محمد الباقرعليه‌السلام : «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصالحين ، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب ، وتردّ المظالم ، وتعمّر الأرض وينتصف من الاعداء ، ويستقيم الأمر » (1) .

وتتناسب أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تناسبا طرديا مع أهمية الأهداف والغايات التي تتحقق من خلال القيام به ، والتي يمكن اجمالها بما يلي :

أولاً : نشر المفاهيم العقائدية والقيم التشريعية : بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يهتدي الانسان إلى الفطرة السليمة ؛ بالايمان باللّه تعالى وتوحيده في التصورات والمشاعر والمواقف ، والايمان برسول

__________________

1) تهذيب الاحكام 6 : 180.


اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله والاقتداء به ، والايمان بإمامة أهل البيتعليهم‌السلام ، والايمان باليوم الآخر ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «بعث فيهم رسله ، وواتر اليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول ولم يخلِ اللّه سبحانه خلقَهُ من نبي مرسلٍ ، أو كتابٍ مُنزَلٍ ، أو حجّة لازمة ، أو محجّة قائمة إلى أن بعث اللّه سبحانه محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله فهداهم به من الضلالة ، وانقذهم بمكانه من الجهالة » (1) .

وبرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يهتدي الإنسان إلى القيم التشريعية ويطّلع على أُسسها وقواعدها ، وبه يزاول الاحكام في واقعه السلوكي ، وإلى ذلك أشار أمير المؤمنينعليه‌السلام بقوله : «إنّ اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سُدىً أنزل عليكم الكتاب تبيانا لكلِّ شيء ، وعمَّرَ فيكم نبيّه أزمانا ، حتى أكمل له ولكم ـ فيما أنزل من كتابه ـ دينه الذي رضي لنفسه ، وأنهى إليكم ـ على لسانه ـ محابَّهُ من الاعمال ومكارهه ، ونواهيه وأوامره ، وألقى إليكم المعذرة ، واتخذّ عليكم الحجّة ، وقدّم اليكم بالوعيد ، وانذركم بين يدي عذاب شديد ، فاستدركوا بقية أيامكم » (2) .

وبالعقيدة والشريعة الالهية تصل الاُمّة إلى التكامل والارتقاء والخير والسعادة ، وهي متوقفة على أداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر ، وتعاونوا على البر والتقوى ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات ، وسلّط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في

__________________

1) نهج البلاغة : 43 ـ 44 ، الخطبة / 1.

2) نهج البلاغة : 117 ، الخطبة / 86.


السماء » (1) .

وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتم القضاء على البدع وتحجيم الانحراف العقائدي والتشريعي ، وتثبيت الايمان في القلوب.

ثانيا : اصلاح الأخلاق : بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتهيأ الاجواء الروحية والنفسية للانتصار على الاهواء والشهوات ، والتعالي على أثقال المطامع ؛ لأنّه يتتبع دخائل النفوس ، وينفذ إليها بالكلمة الطيبة والقول السديد.

فإنّ النفوس تتلقى وتستجيب لمن يريد تربيتها واصلاحها ، وإنّها لتتطلع إلى أفق أرحب واهتمامات أرفع ، وتتوجه إلى الفضائل والمكارم وحسن السيرة إذا ما تمّ تعاهدها بالمعروف ، وإبعادها عن ساحة المنكر.

والأمر بالمعروف يدفع إلى العمل الصالح بعد التعالي على جميع أغلال الانحراف والفساد ، فيصبح الانحراف والفساد فلتة عارضة وحادثة منقطعة ، تعود إلى الأصل وهو الاستقامة على المنهج الذي يريده اللّه تعالى.

عن أنس عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «إنّ من الناس ناسا مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وإنّ من الناس ناسا مفاتيح للشر مغاليق للخير ، فطوبى لمن جعل اللّه تعالى مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل اللّه مفاتيح الشر على يديه ».

ويعنيصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك : ان الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هو

__________________

1) المقنعة : 808.


مفتاح للخير ومغلاق للشر(1) .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساعد على العودة إلى الاستقامة بعد الانحراف ، وإلى الأمل بعد اليأس ، فبه يتم الحث على التوبة والاستغفار ، واستثمار الفرص الجديدة لاصلاح النفس وتهذيب الأخلاق.

ثالثا : نصرة المظلومين وردع الظالمين : شُرّع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحفاظ على سلامة العلاقات وعلى الحفاظ على الحرمات ، بالدعوة إلى العدل والرحمة والنهي عن الجور والظلم ، واعطاء كل ذي حقّ حقّه دون اعتداء أو اضطهاد أو استغلال ، فإذا وجد الظالم والجائر من يردعه بقول أو بفعل ؛ فإنّه سيخفف من ممارساته العدوانية أو يتخلّى عنها ، وسيجد الناس إنّ لهم سندا يدافع عن حقوقهم ، فيعيشون الامن والطمأنينة.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «لا يكوننَّ أفضل ما نلت من دنياك بلوغ لذةٍ وشفاء غيظٍ ، وليكن إحياء حقٍ وإماتة باطل » (2) .

وقالعليه‌السلام : «رحم اللّه امرءا أحيى حقا وأمات باطلاً وأدحض الجور وأقام العدل » (3) .

وجعل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلمة العدل عند السلطان الجائر من أفضل الجهاد ؛ لأنّها وسيلة لردعه ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند

__________________

1) تنبيه الغافلين : 94.

2) تصنيف غرر الحكم : 69.

3) تصنيف غرر الحكم : 69.


سلطان جائر » (1) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله » (2) .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شُرِّع لمصلحة العموم ، وبه ردع للسفهاء لكي لا يتمادوا في سفاهتهم ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «والأمر بالمعروف مصلحة للعوام ، والنهي عن المنكر ردعا للسفهاء » (3) .

رابعا : الحفاظ على عزة المسلمين : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقرّر مدى تماسك المسلمين وتعاونهم على تكاليف الإيمان ، ويجعلهم يشعرون جميعا شعورا واحدا بضرورة القيام بأعباء الامانة المناطة بهم ، ويثبِّت بعضهم بعضا فلا يتخاذلون ، ويقوّي بعضهم بعضا فلا يتراجعون أمام المشاق والعقبات ، فيتآزرون على ثقل المسؤولية ، ومشقة الطريق ، منطلقين نحو الهدف السامي وراء وجودهم وكيانهم ، ويتناصرون لمواجهة الاخطار والتحديات المحدقة بهم ، ويستصغرون كل قوة ، وكل عقبة ، وكل كيد ، وهم يشعرون بأنّ اللّه تعالى معهم إن أدّوا مسؤوليتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «من أمر بالمعروف شدّ ظهور المؤمنين ، من نهى عن المنكر أرغم انوف الفاسقين » (4) .

__________________

1) سنن ابن ماجة 2 : 1329 / 4011.

2) الترغيب والترهيب 3 : 225.

3) نهج البلاغة : 512 ، الحكمة / 252.

4) تصنيف غرر الحكم : 332.


وبالتعاون على أداء المسؤولية تتحقق العزّة للمؤمنين ، بأن يكونوا أقوياء متماسكين متآزرين ، مرتبطين بمصدر القوة والعزّة وهو اللّه تعالى.

وإذا تخلّوا عن هذه المسؤولية ، فإنّهم سيعيشون في ذل مستسلمين لغيرهم لا يقوون على النهوض ، ويفقدون مصدر الاسناد كأمر طبيعي لمخالفة أوامره تعالى.

قال الإمام عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام : «لتأمرّنَّ بالمعروف ، ولتنهنَّ عن المنكر ، أو ليستعملنَّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم (1) ».

ولأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدح اللّه تعالى في كتابه العزيز الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ـ كما تقدّم ـ وجعله سببا للفلاح والصلاح.

ولأهميته أكّد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته على فضائله ، وعلى فضائل القائمين به ، وفيما يلي نستعرض جملة من هذه الفضائل :

فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

الإسلام ليس مجرد تفكير وتدبر ، وليس مجرد خشوع وتذلّل للّه تعالى ، وليس مجرد التوجه إلى اللّه تعالى للفوز بالجنان والنجاة من النيران ، بل هو ـ مع ذلك ـ العمل الايجابي الذي ينشأ عن هذا التفكير وعن هذا الخشوع وهذا التوجّه ، ليكون كلُّ ذلك واقعا حركيا ملموسا ، ولا يتحقق ذلك إلاّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي يهيئ الأجواء لتحويل النظرية والمفاهيم العقائدية والقيم التشريعية والسلوكية

__________________

1) الكافي 5 : 56.


إلى واقع.

ومن هنا ففضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مساوقة للدور البارز والإيجابي المهم الذي يقوم به.

ففي وصية رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنينعليه‌السلام قال : «يا عليّ لأن يهدي اللّه على يديك نسمة خير ممّا طلعت عليه الشمس » (1) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أفضل الأعمال بعد الصلاة المفروضة ، والزكاة الواجبة ، وحجة الإسلام ، وصوم شهر رمضان : الجهاد في سبيل اللّه ، والدعاء إلى دين اللّه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » (2) .

وبنحو ذلك قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «الأمر بالمعروف أفضل أعمال الخلق » (3) .

وبما انّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دورا كبيرا في خلق الأجواء لاقامة الفرائض والسنن بما في ذلك الجهاد ، فقد وصفه أمير المؤمنينعليه‌السلام بالقول : «وما أعمال البرّ كلّها والجهاد في سبيل اللّه ، عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلاّ كنفثةٍ في بحر لُجِّيّ ، وإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرِّبان من أجلٍ ، ولا ينقصان من رزقٍ ، وأفضل من ذلك كلّه كلمة عدلٍ عند امام جائرٍ » (4) .

ومن أجل اثبات فضيلته نرى الإمام الحسينعليه‌السلام يتوجه إلى العراق تاركا

__________________

1) مجمع البيان في تفسير القرآن 3 : 75.

2) مسند الامام زيد : 314.

3) تصنيف غرر الحكم : 331.

4) نهج البلاغة : 542 ، الحكمة / 374.


مراسيم الحج ، فيخرج في يوم التروية ؛ ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

وبما انّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد أعمدة الإسلام ، جعله رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله مساوقا للصلاة ، فقال : «أمرك بالمعروف ، ونهيك عن المنكر صلاة » (1) .

ومن الفضائل أنْ جعله رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله صدقة ، فعن أبي ذررضي‌الله‌عنه قال : إنَّ اُناسا قالوا : يا رسول اللّه ذهب أهل الدثور ـ يعني المال الكثير ـ بالاُجور ، يصلّون كما نصلّي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون بفضول أموالهم.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أوليس قد جعل اللّه لكم ما تصدّقون به؟ إنَّ بكلِّ تسبيحة صدقة ، وبكل تكبيرة صدقة ، وبكل تحميدة صدقة ، وبكلِّ تهليلة صدقة ، وأمرٌ بالمعروف صدقة ، ونهي عن منكر صدقة » (2) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما تصدّق مؤمن بصدقة أحبُّ إلى اللّه من موعظة يعظ بها قوما ؛ يتفرّقون وقد نفعهم اللّه بها ، وهي أفضل من عبادة سنة » (3) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما أهدى المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة ؛ تزيده هدى ، أو تردّه عن ردى » (4) .

وتتجسد فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن جعله اللّه تعالى

__________________

1) الترغيب والترهيب 3 : 224.

2) الترغيب والترهيب 2 : 224.

3) ارشاد القلوب : 13.

4) ارشاد القلوب : 13.


بابا إلى الرحمة والفلاح ، وجعل تركه سببا لنزول العقاب والعذاب في دار الدنيا ، وفي دار الآخرة.

فضائل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر :

تقدمت الآيات القرآنية الدالة على فضل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ـ ضمن أدلة الوجوب ـ فقد وصفتهم بالخيرية والفلاح ، والصلاح ، وأكّد القرآن الكريم على انّ لهم البشرى والرحمة وحسن الثواب.

والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر خليفة اللّه ورسوله وكتابه كما وصفه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، فهو خليفة اللّه في أرضه ، وخليفة رسول اللّه ، وخليفة كتابه » (1) .

ولا أعظم من مقام الخلافة بالنسبة للانسان ، فهو محور التكريم والرحمة.

وهو خير الناس لقيامه بحمل الدعوة والانطلاق بها في واقع الحياة من أجل تقريرها وتحكيمها في العقول والقلوب والارادة.

جاء رجل إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وهو على المنبر ـ فقال : يا رسول اللّه من خير الناس؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «خير الناس أتقاهم للربِّ عزَّ وجلَّ ، وأوصلهم للرحم ، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر » (2) .

وذُكر عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجلان ، كان أحدهما يصلي المكتوبة ، ويجلس

__________________

1) الفردوس بمأثور الخطاب 3 : 586.

2) الترغيب والترهيب 3 : 230.


فيعلّم الناس الخير ، وكان الآخر يصوم النهار ، ويقوم الليل ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فضل الأول على الثاني كفضلي على الأنام » (1) .

وجعل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله الآمر بالمعروف كفاعل المعروف في الأجر فقال : «الآمر بالمعروف كفاعله » (2) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من أمر بمعروف أو نهى عن منكر ، أو دلّ على خير ، أو أشار به فهو شريك ، ومن أمر بسوء ، أو دلّ عليه ، أو أشار به ، فهو شريك » (3) .

وللناهين عن المنكر أجر الاوائل كعمّار بن ياسر ، وسلمان الفارسي ، والمقداد ، وأبي ذر الغفاري ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ من أمتي قوما يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر » (4) .

وجعل أمير المؤمنينعليه‌السلام من يقوم بهذه المهمة في عداد الاتقياء الذين ذكرهم في احدى كلماته وعدد صفاتهم بقوله : «يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، لا يدخل في الباطل ، ولا يخرج من الحقّ »(5) .

وللآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر منازل ومقامات عالية في يوم القيامة تجعلهم موضع غبطة من قبل الأنبياء والشهداء ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ألا أخبركم بأقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء؟ يغبطهم يوم

__________________

1) ارشاد القلوب : 13.

2) كنز العمّال 3 : 73.

3) الخصال 1 : 138.

4) مجمع الزوائد 7 : 271.

5) مكارم الاخلاق : 477.


القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من اللّه ، على منابر من نور يعرفون ».

قالوا : من هم يا رسول اللّه؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الذين يحببون عباد اللّه إلى اللّه ، ويحببون اللّه إلى عباده ، ويمشون على الأرض نصحاء ».

ثم وضّحصلى‌الله‌عليه‌وآله كيفية تحبيب عباد اللّه إلى اللّه فقال : «يأمرونهم بما يحبّ اللّه ، وينهونهم عمّا يكره اللّه ، فإذا أطاعوهم أحبّهم اللّه عزَّ وجلَّ » (1) .

وجعلصلى‌الله‌عليه‌وآله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بمنزلة الشهيد فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر شهيد » (2) .

__________________

1) كنز العمال 3 : 685.

2) مسند الامام زيد : 316.



الفصل الثاني

وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ومراحلهما

المبحث الأول

وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وكما ذكرنا غير مرة فإنّ مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية عظيمة وشاقة لأنّها تصطدم بالاهواء والشهوات التي أصبحت جزءا من كيان الكثير من الناس ، وتصطدم بالاعتزاز بالقيم السائدة الموروثة والطارئة وما يتلبس بها من مصالح مادية ونفعية ، وتصطدم مع أعداء الإسلام الذين يرفضون الهداية ويكيدون لمن حمل لواءها ، وتصطدم مع ما يحمله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من رغبات في حب الراحة ، والخلود إلى الرخاء ؛ لذا فالاُسلوب الأفضل لانجاح هذه المسؤولية هو تكوين الكتلة الصالحة كما يعبّر عنها القرآن الكريم : «وَلتَكُن مِّنكُم أُمّةٌ يَدعُونَ إلى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ


وأُولئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ »(1) .

فالمسؤولية بحاجة إلى تجميع الطاقات وتكثيف الجهود ، وتنسيق الخطط والبرامج ، وتنظيم الأعمال ، وتوزيع المسؤوليات ، ولا يتم ذلك إلاّ عبر تكوين الاُمّة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر.

وبتكوين هذه الاُمّة أو الجماعة ، التي ينبغي أن تكون لافرادها الخبرة بأحوال المجتمع المراد اصلاحه وتغييره ، من حيث الافكار والعادات والتقاليد ، ومن حيث الاطلاع على الاشخاص والوجودات المؤثرة في حركة المجتمع، وعلى الحالة النفسية التي يعيشها المجتمع ازاء القضايا والأحداث.

وبهذه الخبرة يتم اختيار الوسائل المنسجمة مع الاوضاع، ومع الأشخاص، فيتخذ كل فرد من أفراد الاُمّة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر الوسيلة المناسبة المنسجمة مع طاقاته وامكانياته ، ومع المستويات المراد اصلاحها وتغييرها ، ويغيّر الوسائل من ظرف لآخر ، ومن محيط لآخر ، أو ينوع الوسائل مع المراد اصلاحهم وتغييرهم ، تبعا لاختلاف الامزجة ، واختلاف مستويات التلقي والقبول ، واختلاف الأجواء.

ولهذا تعددت وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن أهم هذه الوسائل :

أولاً : اُسلوب الخطاب :

إنّ آيات القرآن الكريم والسُنّة النبوية حافلة بالخطابات ، والبيانات التي تخاطب العقول ، وتخاطب المشاعر ، وتخاطب الارادة ، لتنفتح أمام

__________________

1) سورة آل عمران : 3 / 104.


الحقائق وأنوار الهداية ، وتستجيش عناصر الخير والصلاح ، وتطارد عناصر الشر والانحراف ، وتستثير حالة الحذر من مزالق الشيطان والنفس الامارة بالسوء.

ففي بداية الدعوة الإسلامية جمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله عشيرته الاقربين وكانوا يومئذٍ أربعين رجلاً وقال : «يا بني عبدالمطلب ، اني واللّه ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه » (1) .

ثم صدع بأمر الدعوة ، وكان يخاطب المشركين في أماكن تجمعهم ، وفي المسجد الحرام ، يدعوهم إلى التوحيد وإلى اصلاح نفوسهم وأعمالهم.

وكان يخاطب القبائل في منازلهم ، ونواديهم التي يجتمعون فيها ، وهكذا استمر في استخدام هذه الوسيلة بعد قيام الدولة الاسلامية.

وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يعلّمهم موارد المعروف وموارد المنكر ، ثم يحثّهم على الالتزام بالمعروف ، والانتهاء عن المنكر ، ويتابعهم في سيرتهم ، ويستطلع قربهم وبعدهم عمّا دعاهم إليه.

وكان للمنبر دور في تهيئة الأجواء لممارسة الخطابات النبوية ، ولا زال إلى يومنا هذا.

واستمر أهل البيتعليهم‌السلام على هذا النهج في استخدام الخطاب لتعليم الناس وارشادهم وحثهم على تبني المفاهيم السليمة وممارسة الاعمال

__________________

1) تاريخ الطبري 2 : 319.


الصالحة.

والخطاب أهم وسيلة لتحريك العقل الجمعي وتوجيهه الوجهة الصالحة ، وبه يتم اللقاء بأكبر عدد من الناس.

ويمكن عن طريقه ممارسة بقية الوسائل الاصلاحية الاُخرى ، فهو شامل لها جميعا ومتنوعا بتنوعها.

ثانيا : القصص :

القصص بطبيعتها تشد المستمع إليها وتجعله متعلقا بسمعه ووجدانه بفصولها ، متتبعا لاحداثها وتسلسلها المنتظم ، وتجعله دائم التأمل في مفاهيمها ومعانيها ، والتأثر بأبطالها وشخصياتها ، وتبقى عالقة في ذهنه ووجدانه ؛ لسهولة حفظها ونقلها.

وقد حفلت الآيات القرآنية باحسن القصص منذ النشأة الاولى للبشرية ، وتطرقت إلى قصص الانبياء والصالحين وخصومهم واعدائهم ، وإلى مواقفهم وممارساتهم العملية ، وما قدّموه للبشرية من أعمال في طريق هدايتها.

وللقصة دور كبير في تحريك العقول للتفكّر ، والوصول إلى الحقيقة وتجسيدها في الواقع ، قال تعالى : «فَاقصُصِ القَصَصَ لَعلّهُم يَتَفكَّرُونَ »(1) .

ولكلِّ نبي ورسول قصصا في مسيرته إلى اللّه تعالى ، لها دور في ارشاد الناس واصلاحهم ، لما فيها من مفاهيم وقيم متنوعة في جميع مجالات

__________________

1) سورة الأعراف : 7 / 176.


الحياة الفردية والاجتماعية ، وفي جميع مجالات النفس الانسانية في أفكارها وعواطفها وارادتها.

ولو تابعنا قصة يوسفعليه‌السلام ـ مثلاً ـ لوجدناها حياة واقعية كاملة ، ابتداءً بحسد اخوانه له ؛ لتفضيل أبيه له عليهم ، وتحوّل الحسد إلى حقد ثم تآمر على يوسف ، ثم الكذب على أبيهم ، وإلقائه في البئر. فيتوجه يوسف ـ وهو في هذه الحال ـ بكل كيانه إلى اللّه تعالى ، فينقذه مما هو فيه ، ويعيش الغربة والفراق صابرا ، ثم تتسلسل القصة وتصل إلى رفض الانسياق للشهوة ، والاعتصام من الانحراف ، وتحمّل السجن ، وفي داخل السجن يبقى متعلقا باللّه تعالى طالبا منه العون ، ثم تنفتح له الحياة فيصبح في مقام حكومي عالٍ ، ويعفو عن اخوانه ويجمع اللّه تعالى شمله مع والديه.

وهنالك قصص من سيرة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام في الاخلاص للّه تعالى ، والصبر على المصائب ، والعمل من أجل المصلحة الإسلامية الكبرى ، وحسن الخلق مع الموالين والمخالفين ، وهي بنفسها أمر بمعروف ونهي عن منكر.

ثالثا : الأمثال :

استخدم القرآن الكريم ضرب الأمثال كوسيلة من وسائل الدعوة إلى الهداية وإلى الاستقامة ، والحث على الالتزام بأوامر اللّه ونواهيه ، قال تعالى : «وَيَضربُ اللّه الأمثالَ لِلنّاسِ لَعلّهُم يَتَذكَّرُونَ »(1) .

فقد مثَّل القرآن الكريم الذين اتخذوا من دون اللّه أولياء في عقيدتهم

__________________

1) سورة إبراهيم : 14 / 25.


ومنهجهم في الحياة «كَمَثَلِ العَنكبُوتِ اتَّخذَت بَيتا وإنَّ أوهَنَ البُيُوتِ لَبَيتُ العَنكَبُوتِ لَو كَانُوا يَعلَمُونَ »(1) .

وضرب اللّه تعالى مثلاً للموحدين للّه تعالى ولغير الموحدين التائهين في التوجيهات المتناقضة «ضَرَبَ اللّه مَثلاً رَّجُلاً فيهِ شُركاءُ مُتَشاكِسُون وَرَجُلاً سَلَما لِرجُلٍ هَل يَستَويانِ مَثَلاً الحَمدُ للّه بَل أكثرُهُم لا يَعلمُونَ »(2) .

وضرب اللّه مثلاً في عبد أتاه اللّه الآيات فانسلخ منها واستسلم للشيطان : «وَلَو شِئنَا لَرَفعنَاهُ بِهَا وَلَكنَّهُ أخلَدَ إلى الأرضِ واتَّبعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إن تَحمِل عَليهِ يَلهَث أو تَترُكَهُ يَلهَث ذَلكَ مَثلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ... »(3) .

ومثَّل القرآن الكريم العلماء الذين لم يجسّدوا علومهم في سلوكهم العملي بالحمار يحمل اسفارا : «مَثَلُ الَّذينَ حُمّلوا التَوراةَ ثُم لَم يَحمِلُوها كَمَثلِ الحِمَارِ يَحمِلُ أسفارا ... »(4) .

والقرآن الكريم مليء بالأمثال ، وكذا السيرة النبوية وسيرة أهل البيتعليهم‌السلام .

وضرب الأمثال يقرّب المعنى إلى الاذهان ويجعله متفاعلاً في الضمير والوجدان البشري ، وهو سهل الحفظ والنقل ، وله تأثير محسوس على جميع مقومات الشخصية ، لذا استخدم كوسيلة من وسائل الأمر

__________________

1) سورة العنكبوت : 29 / 41.

2) سورة الزمر : 39 / 29.

3) سورة الأعراف : 7 / 176.

4) سورة الجمعة : 62 / 5.


بالمعروف والنهي عن المنكر.

رابعا : العبرة والموعظة :

المنهج الإسلامي يتّخذ من العبرة والموعظة مادة تنبيه وتوجيه وتنوير للعقل والقلب ، تُستلخص منها المفاهيم والقيم الكامنة وراء المواقف والحوادث التاريخية المتسلسلة ، فهو يستحضرها ليعمّقها في أغوار النفس الانسانية.

وبالعبرة والموعظة يعي الإنسان مداولة الأيام ، وتعاقب الشدة والرخاء ، وأسباب التقدم والتأخر للمجتمعات والحضارات وهي تربية للنفوس واعداد لها لشق طريقها متوجهة إلى اللّه تعالى.

وبالعبرة والموعظة يرتدع الإنسان عن الانحراف والرذيلة وانتهاك المقدسات ، وينطلق لاصلاح نفسه ومجتمعه ، حينما يرى مسيرة الاُمم السابقة ، فقد أغرق اللّه تعالى قوم نوح ونجّى المؤمنين ، وعذّب قوم لوط وأهلكهم ، وأهلك ملوكا واستخلف آخرين.

ومن مظاهر الموعظة التذكير بالموت والهلاك ، والتذكير بما يصيب الاُمم المتمردة على المنهج الالهي من قلق واضطراب عقلي ونفسي ومن نقص في الثمرات والانفس.

والقرآن الكريم والسُنّة النبوية وامتدادها في أهل البيتعليهم‌السلام مليئة بالعبر والمواعظ ، وقد ورد في نهج البلاغة كثير منها فكانعليه‌السلام يدعو للاعتبار بالانبياء والصالحين ، وبالاقوام السالفة ، ويحذّر المسلمين مما أصاب الاقوام المتمردة على طول التاريخ.


خامسا : التمثيل العملي :

التمثيل العملي يوصل المفاهيم والافكار إلى العقول أو يقرّبها إليها ، ويوصل القيم كذلك ، والناس يتفاعلون مع المظاهر الحسيّة أكثر من المفاهيم النظرية ، اضافة إلى ذلك فان التمثيل العملي يستشري في المجتمع أكثر فأكثر عن طريق الانتقال من لسان إلى لسان ، ومن محفل لآخر.

ومن الأمثلة على ذلك قصة إبراهيمعليه‌السلام مع قومه ، فحينما كسَّر الاصنام وضع المعول في رقبة صنم كبير ، فلما جاء المشركون واجتمع الناس معهم : «قَالُوا أأنتَ فَعلتَ هَذا بآلِهَتِنا يَا إبراهيمُ * قَالَ بَل فَعلَهُ كَبِيرُهُم هَذا فاسألُوهُم إن كانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إلى أنفُسِهِم فَقَالوا إنّكُم أنتُمُ الظَّالِمُونَ »(1) .

وبهذه العملية استطاع إبراهيمعليه‌السلام ان يشككهم في معتقداتهم ، حينما أيقنوا أنّ الأصنام لا تنطق ولا تضرّ ولا تنفع.

وعن الامام الصادقعليه‌السلام قال : «إنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله نزل بأرض قرعاء ، فقال لأصحابه : ائتوا بحطب ، فقالوا : يا رسول اللّه نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب ، قال : فليأت كل إنسان بما قدر عليه ، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه ، بعضه على بعض ، فقال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : هكذا تجتمع الذنوب ، ثم قال : إيّاكم والمحقّرات من الذنوب ، فإنّ لكلِّ شيء طالبا ، ألا وإنّ طالبها يكتب ما قدّموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين » (2) .

__________________

1) سورة الانبياء : 21 / 62 ـ 64.

2) الكافي 2 : 288.


وقد يدخل الفن والتمثيل المسرحي والسينمائي في هذه الوسيلة ، لذا نجد ان أعداء الإسلام استخدموها للتشكيك في العقيدة الإسلامية واشاعة الفساد الاخلاقي في مجتمعاتنا.

سادسا : الحوار :

الحوار من الوسائل المفضلة في أداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فبه يتم إيقاظ العقول والقلوب ، وتحريك العواطف والمشاعر ، وخصوصا لمن يبحث عن الحقيقة ، فهو يساعد على معرفة مستويات المشاركين في الحوار ، وما يطرحونه من شبهات فكرية وسلوكية ، فيطالب المحاور غيره بالحجّة والدليل ، ويعلّمه في الوقت نفسه طريقة الاستدلال الصحيح ، ويأخذ عليه طريق الادعاء بلا بينة أو ببينة مضطربة.

وينبغي أن يكون الحوار في مفهوم أو موقف واقعي ، لا في الألفاظ والتعاريف ، وان يبدأ الحوار من القضايا المشتركة ثم إلى القضايا المختلف فيها.

والحوار وسيلة استخدمها جميع الانبياء والمرسلين في مسيرتهم ، كحوار نوحعليه‌السلام مع قومه ، وإبراهيمعليه‌السلام مع النمرود ، وموسىعليه‌السلام مع فرعون ، وعيسىعليه‌السلام مع بني اسرائيل ، ورسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع المشركين من قريش ومن أهل الكتاب ، ومع المسلمين أنفسهم ، وأهل البيتعليهم‌السلام مع حكّام زمانهم ومع أئمة المذاهب الاُخرى.

وقد دعا القرآن الكريم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الحوار مع الآخرين بطريقة


«ادعُ إلى سَبِيلِ رَبّكَ بِالحِكمةِ والموعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالتي هِيَ أحسَنُ »(1) .

والحوار يختلف حسب اختلاف المعتقدات ، فهو يتركّز على المفاهيم والافكار مع غير المسلمين ، وعلى اثارة العواطف مع المسلمين الذين آمنوا بالاسلام فكرا وعاطفة وسلوكا.

فقد كان حوار رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع المشركين حول التوحيد والنبوّة واليوم الآخر ، أمّا حواره مع المسلمين فقد كان حول الممارسات العملية باثارة عواطفهم اتجاه الافكار والمفاهيم الإسلامية لتجسيدها في الواقع العملي ، فحينما وزّعصلى‌الله‌عليه‌وآله الاموال على المؤلفة قلوبهم ، اعترض الانصار وكثر الكلام ، فحاورهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قائلاً : «أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم لولا الهجرة لكنت أمرأً من الأنصار » ، فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم ، وقالوا : رضينا باللّه ربّا ورسوله قسما(2) .

سابعا : الاقتداء :

من الثوابت في حركة الناس أنّهم يقتدون بمن له القدرة على التأثير على عقولهم وقلوبهم وإراداتهم ، وأصحاب القدرة هم الشخصيات التي يحترمهم الناس ، ويكرمونهم ، ويبجّلونهم ، وهم الطبقة العليا في المجتمع ، كالرؤساء والقادة وجميع من يتصدر المناصب الحساسة السياسية والدينية والاجتماعية.

__________________

1) سورة النحل : 16 / 125.

2) صحيح البخاري 4 : 37 باب مناقب الأنصار.


والاقتداء بالاسلاف أكثر من الاقتداء بالطبقة العليا ؛ لأنّ الناس يتأثرون بالتراث الفكري والسلوكي لأسلافهم.

وإذا كانت الشخصية المؤثرة تتصف بصفات فريدة ونادرة فإنّها تساعد على تشبّه الناس بها في جميع المقومات إلى أن يصل الأمر إلى التشبّه بها في المظاهر الخارجية كاللباس وطريقة العيش.

ويمكن للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقوم بواجبه من خلال دعوته الصامتة ليقتدي به المجتمع في أقواله وأفعاله ، إن كان يملك الموقع الذي يؤهله للتأثير.

فحينما يجد أفراد المجتمع القدوة الصالحة فإنّهم يقتبسون منه ما يمارسه من أعمال وأفعال ، ويتشبهون به ، ويحاكونه في سيرته ليصبح الاقتباس والتشبّه والمحاكاة تقليدا ؛ في علاقته باللّه تعالى ، وفي ارتباطه بالقرآن وولائه لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وفي زهده وتقواه وتواضعه وصدقه وايثاره.

قال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : «من نصَّب نفسه للناس إماما ، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه » (1) .

وكلّما ازداد عدد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، حتى إذا كانوا أُمّة وجماعة ، فإنّ الاقتداء بهم سيكون آكد وأشدّ.

وخير أُسلوب لتعميق الاقتداء هو الترويج المتزايد والمستمر لسيرة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام والسلف الصالح من أتباعهم.

__________________

1) شرح نهج البلاغة 18 : 220.


المبحث الثاني

مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المرحلية سنّة تاريخية أودعها اللّه تعالى في الكون والحياة والمجتمع ، فكل أمر وظاهرة لا تتم إلاّ عن طريق المراحل ، والتدرج في النشوء ، والتكوين ، والترعرع ، والاستمرار في الوجود باتجاه السمو والارتقاء.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يخضع لهذه السُنّة ، فقد قام بادائه الأنبياء والمرسلون على مراحل من حيث اللين والشدّة ، والاندفاع والانكماش ، والاساليب والوسائل.

وتختلف مظاهر المرحلية باختلاف الظروف التي يعيشها المجتمع من حيث درجات القرب والبعد عن المفاهيم والقيم الإسلامية وباختلاف الامكانيات والطاقات التي تملكها الاُمّة والجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، وباختلاف المؤهلات التي يتصف بها المنضوون تحت لوائها ، وطبيعة الانحراف الذي تواجهه ، وخصائص المخالفين والمعارضين ـ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ كما ونوعا ، اضافة إلى الزمن المستغرق في اداء التكليف للوصول إلى الهدف.

وسنستعرض مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن مجموعتين هما :

أولاً : المراحل الوقائية :

ويتم العمل بها ابتداءً ، بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام ، أو دعوة المسلمين إلى التمسك بما آمنوا به من مفاهيم وقيم ، ومن خلالها يتم


تقرير مبادئ الإسلام في واقع الحياة بصورة عملية منظورة ومحسوسة عن طريق :

1 ـ تفنيد أُسس المفاهيم والعقائد الجاهلية : إنّ غريزة التديّن من الغرائز المشتركة بين جميع الاجناس البشرية ، وان الاهتمام بمعنى الإله وبما فوق الطبيعة هو (احدى النزعات العالمية الخالدة للانسانية)(1) .

وتختلف مظاهر هذا التدين من انسان إلى آخر ومن مجتمع لآخر. ومن يؤمن بالخالق بالكيفية التي ورثها أو اقتبسها ، فإنّه يشعر بالانتماء ، فيكون عقله وقلبه مشدودين لهذا الإيمان وان كان خاطئا ، ولهذا يصعب ابعاده عن إيمانه في الوهلة الاُولى ، وهو بحاجة إلى تفنيد تصوراته الخاطئة ، ومتبنياته العقائدية الواهية ، عن طريق الأدلة والبراهين والحجج، وتبيان نقاط الضعف في الاُسس التي تقوم عليها ، عن طريق اللفتات والاضاءات والاثارات التي تخاطب العقل لتوقظه.

وقد كانت سيرة الانبياء والمرسلين والأئمة والصالحين قائمة على أساس تفنيد أُسس المفاهيم والعقائد الباطلة ، كالشرك باللّه تعالى ، والإيمان بالاوهام والخرافات ، وبالوجودات الوهمية المتحكمة في الكون. فإذا ثبت بطلانها، فإنّ الإنسان سيتخلّى عنها ان كان طالبا للحقيقة.

2 ـ الحيلولة بين الناس ومعتقداتهم الباطلة : الاستئناس بالمعتقدات أمر طبيعي في داخل الشخصية الإنسانية ، حتى إنّ عواطف الإنسان وأحاسيسه كلّها تدور حول محور تلك المعتقدات التي يتبناها ؛ وبذلك

__________________

1) الدين / محمد عبداللّه دراز : 82 ، دار القلم ـ الكويت 1390 ه ، عن : معجم لاروس للقرن العشرين.


يتم الاستقرار داخل النفس بوحدة الافكار والعواطف والممارسات.

وتزداد الاُلفة والاُنس بمرور الوقت ، وخصوصا إذا أصبح الأمر جزءا من التراث ومن معتقدات الاسلاف.

قال تعالى : «وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنزَلَ اللّه قَالُوا بَل نَتَّبِعُ مَا ألفَينَا عَليهِ آباءَنَا ... »(1) .

وتزداد كلّما كان المتبني لها من الشخصيات المؤثرة في نفوس الناس ، كالرؤساء والقادة والأبطال ، وتزداد أيضا كلّما وجد الإنسان أنّ جمهورا غفيرا من الناس يتبنى نفس معتقداته تأثرا بالعقل الجمعي.

وإذا اطبق الاُنس على عاطفته ، فإنّه سيغلق منافذ الهداية ، وفي هذه الحالة فان المرحلة الثانية لا بدّ أن تنحصر بكسر هذا الاُنس ، وتحطيم الأواصر المألوفة بين الإنسان ومعتقداته الباطلة.

ويتم كسر الاُلفة والاُنس عن طريق استخدام وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ التي تقدّمت ـ والعمل على ابعاد الإنسان عن المحيط الذي ألفه ، بإحاطته بمجموعة من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، ليتأثر بما يسمى بالعقل الجمعي المحيط به.

فإذا آمن بخطأ معتقداته السابقة، فإنّ كسر الاُلفة والاُنس بها سيكون أسهل.

3 ـ تحطيم الحواجز النفسية بين الناس والعقيدة الإسلامية : حينما يؤمن الإنسان بعقيدة جاهلية أو منحرفة ويأنس إليها ويألفها ، فإنّ ذلك يؤدي إلى أن تشكّل هذه العقيدة حاجزا نفسيا بينه وبين غيرها ، وهو أمر

__________________

1) سورة البقرة : 2 / 170.


طبيعي ، خاصة إذا كانت تحقق رغباته وشهواته.

فعلى المكلّف بتحمّل مسؤولية الهداية أن يحطّم هذه الحواجز النفسية عن طريق التدرج في الحجّة والبرهان ، والتدرج في التلقين ، وزرع الايمان في قلب ذلك الإنسان الذي يُراد هدايته ، عن طريق الشواهد الحسيّة ، ثم تبيان مظاهر التوحيد ، وتحريك العقل للايمان بانّ لطف اللّه تعالى يتجسد ببعثة الأنبياء ؛ ليؤمن بالنبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إيمانا حقيقيا من حيث العصمة والتسديد الالهي ، ثم يتم التدرج في اقناعه بضرورة الإمامة في كلِّ زمان ، مصحوبا كل ذلك بتركيز البعث والنشور والايمان باليوم الآخر ، وبالتدريج تتحطّم الحواجز النفسية بينه وبين العقيدة الإسلامية ، فيتقبل ما يقال له باسلوب شيّق وجذّاب.

وخير أُسلوب على هذا التحطيم هو أُسلوب الترغيب والترهيب بالجنّة والنار ، وبابراز نماذج من الشخصيات التي سعدت واستقرت نفسيا ؛ لايمانها باللّه تعالى وبالعقيدة الإسلامية.

4 ـ إبعاد الناس عن السلوك الجاهلي : السلوك تتحكم به الافكار والعواطف ، فإذا آمن الإنسان بخطأ أفكاره ومعتقداته ، وانكسرت الاُلفة معها ، وتحطّمت الحواجز النفسية بينه وبين العقيدة السليمة ، عندها يسهل إبعاده عن السلوك الجاهلي ؛ لأنّه سيتّبع ما تمليه عليه عقيدته الجديدة وعواطفه اتجاهها. وقد حفلت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة بالاوامر والنواهي الهادية للإنسان في سلوكه وممارساته العملية ، فقد بيّنت الآثار السلبية للسلوك الجاهلي كالكذب والغيبة والبهتان والتنابز بالالقاب ، وبيّنت مضار الخمر والزنا ، ومضار التقاطع والتدابر ، ثم زرعت الخوف من العقاب الالهي في الدنيا والآخرة في نفوس الناس ، وقصّت


عليهم قصص الغابرين الذين تعرضوا له.

وأبرز القرآن الكريم والاحاديث الشريفة نماذج من الشخصيات التي يمكن الاقتداء بها في السلوك والخُلق الرفيع.

وينبغي على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ان يوجّه الناس طبقا للارشادات والتعاليم القرآنية ، وتعاليم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وان يوضّح لهم آثار الانحراف السلوكي على الفرد والمجتمع الذي يبتعد عن الإسلام ، حيث الامراض البدنية والروحية ، من اضطراب وبلبلة وفقدان الاستقرار والاطمئنان والسعادة ، وخصوصا في البلدان الغربية.

وإذا عرف الانسان مضرة السلوك الجاهلي ، وابتعد عنه فإنّه سيتوجه إلى الالتزام بالسلوك الاسلامي.

قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : «من لم يعرف مضرّة الشر لم يقدر على الامتناع عنه » (1) .

«لن تتحقق الخير حتى تتبرأ من الشر » (2) .

«من ترك الشر فتحت عليه أبواب الخير » (3) .

«للعادة على كلِّ انسان سلطان » (4) .

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 106.

2) تصنيف غرر الحكم : 106.

3) تصنيف غرر الحكم : 106.

4) تصنيف غرر الحكم : 322.


«غيّروا العادات تسهل عليكم الطاعات » (1) .

«لن تهتدي إلى المعروف حتى تضلّ عن المنكر » (2) .

5 ـ تمرين الناس على السلوك الإسلامي : السلوك الإسلامي يستدعي التحرر من ضغط الشهوات ، وثقلة المطامع ، وتهذيب العواطف والانفعالات ، والابتعاد عن المثيرات والمغريات الخارجية التي تدعو إلى اشباع الشهوات والمطامع باسلوب غير مشروع.

وهذه بدورها تحتاج إلى تمرين متدرج ، ورياضة متسلسلة ؛ لكي يكون السلوك الإسلامي جزءا من شخصية الإنسان ، ويتحقق ذلك عن طريق الدعوة لامتثال التكاليف كالصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر والداعية إلى السلوك الصالح ، والصوم الذي يهذب الغريزة ، والزكاة التي تزرع في القلب روح الايثار وحب الانفاق وهكذا في بقية التكاليف ، والتي هي تكاليف هينة يسيرة ، ثم التدرج لتحمّل التكاليف الأكبر للوصول إلى السمو والكمال السلوكي.

وينبغي ربط الإنسان بالشخصيات التي جعلها اللّه تعالى موضع قدوة ، وتبيان مظاهر سلوكها وخُلقها.

والتركيز على الآثار الايجابية للسلوك الرفيع في دار الدنيا والآخرة ، وما يحصل جراؤه من ثواب ورضوان من اللّه تعالى.

الاجواء المساعدة في المرحلة الوقائية :

إذا ترك الإنسان لوحده فإنّه قد تهجم عليه الشكوك ، وتنتابه

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 322.

2) تصنيف غرر الحكم : 322.


الهواجس ، وتطغى عليه الغرائز ، وتثيره المغريات ، فهو بحاجة إلى أجواء فكرية وسلوكية تساعده على اصلاح وتغيير أفكاره وعواطفه وممارساته ، ومن هذه الأجواء :

1 ـ حلقات الذكر : هنالك تجمعات يذكر فيها اسم اللّه تعالى ، وتسودها اجواء الإيمان والتقوى ، فينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يشجِّع الآخرين على حضورها ، أو يصطحبهم معه إليها.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « بادروا إلى رياض الجنة » ، قالوا : وما رياض الجنة ، قال : « حلق الذكر(1) .

وتتنوع حلقات الذكر بتنوع الظروف ، كمجالس العلماء الاتقياء ، ومجالس الصالحين ، وجلسات الدرس ، وجلسات حفظ القرآن وتلاوته ، والجلسات الدوّارة التي تنعقد في بيوت مختلفة.

ومنها مجالس العزاء على الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويلحق بها الاحتفالات والمهرجانات التي تقام على مدار السنة في الاعياد ومناسبات ولادة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمةعليهم‌السلام ، ويوم المبعث ، ويوم الغدير وغير ذلك.

2 ـ ارتياد المساجد : المسجد من أهم الأجواء الايمانية التي لها دور كبير في اصلاح الإنسان وتغييره.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «من اختلف إلى المسجد أصاب احدى الثمان : أخا مستفادا في اللّه ، أو علما مستطرفا ، أو آية محكمة ، أو رحمة منتظرة ، أو كلمة تردّه عن ردى ، أو يسمع كلمة تدله على هدى ، أو يترك ذنبا خشية

__________________

1) أمالي الصدوق : 297.


أو حياء » (1) .

3 ـ زيارة قبور الأنبياء والأئمة عليهم‌السلام والصالحين : لزيارة قبور الأنبياء والأولياء المعصومين وعباد اللّه الصالحين تأثير واضح محسوس على الإنسان ، حيث يرتبط من خلالها بأرقى الشخصيات الإسلامية ، ويندفع للاقتداء بها في أفكارها وعواطفها وسلوكها ، ويستمد منها روح السمو والارتقاء ، ويعاهدها على التقيّد بسيرتها.

وقد وردت أحاديث عديدة في الحث على زيارة قبور الأئمة الأطهار وأولياء اللّه الأخيار والصالحين من عباده وأفضل من الزيارة الفردية القيام بزيارات جماعية من قبل المؤمنين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إلى تلك الأماكن المتبركة ، فإنّ لها وقعا أشدّ ، وتأثيرا أكبر على الإنسان المراد إصلاحه ؛ لأنّه سيتأثر حيئنذ بهذا الجمع المؤمن المتجه إلى اللّه تعالى بالدعاء وبالتوسل بأوليائه الصالحين.

4 ـ الجليس الصالح : من وصية رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي ذر الغفاري قال : « الجليس الصالح خير من الوحدة ، والوحدة خير من جليس السوء ، واملاء الخير خير من السكوت ، والسكوت خير من املاء الشر» (2) .

ويلحق بهذه الاجواء المشاركة في السفرات الجماعية ، والحضور في المكتبات الإسلامية العامّة وأمثال ذلك.

__________________

1) أمالي الصدوق : 319، وينسب هذا القول إلى الإمام الحسنعليه‌السلام كما ورد في : تحف العقول : پ 166.

2) مكارم الاخلاق : 466.


ثانيا : المراحل العلاجية :

وهي المراحل العملية المقارنة واللاحقة لوقوع الممارسات السلبية في الواقع الخارجي ، وهي خطوات علاجية الهدف منها معالجة الواقع المنحرف ، بإيقاف المنكر أو تطويقه وتحجيمه ؛ لمنع استشرائه في العقول والقلوب والارادة.

ويمكن تصنيفها إلى صنفين :

1 ـ المراحل العلاجية المقارنة للتلبس بالمنكر :

إنّ اللّه تعالى فتح للإنسان أبواب الهداية من خلال البيّنات الظاهرة ، والبراهين الواقعية ، وانزل الكتاب لارشاده وتوجيهه إلى الاستقامة والاعتدال ، ودعا إلى تكوين الاُمّة والجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، ووضع منهجا متكاملاً لوقايته من الانحراف عن طريق غلق منافذه إلى النفس ، ومعالجة الأسباب المؤدية إليه ، وتهيئة الاجواء لتهذيب السلوك والخُلق ، فإذا خالف الإنسان جميع هذه المؤهلات ، وانحرف عن الاستقامة في سلوكه غرورا منه أو استسلاما لشهواته وغرائزه ، وارتكب المنكر بصورة علنية متحديا قيم المجتمع ، فيجب على الآخرين ردعه وايقاف أو تحجيم انحرافه ، وأول مراحل الردع هي التغيير باليد التي تعبّر عن القوة ، ثم باللسان ، ثم بالقلب.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان » (1) .

__________________

1) صحيح مسلم 1 : 69 ، كتاب الايمان باب 20 / 78.


والتغيير باليد مقدّم على غيره ؛ لأنّه يقتلع المنكر من جذوره ويمنع من استمراره الذي قد يضر بالمصلحة العامّة وخصوصا ما يتعلق بالاعتداء على حقوق الآخرين ، كالاعتداء على أرواحهم أو أعراضهم أو أموالهم ، فلا يجوز التهاون به ، والسكوت عنه ، وهو يتوقف على القدرة والطاقة التي يمتلكها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، التي تساعده على العمل الفوري في التغيير ، ولذا فإنّ الحكمة من تكوين الاُمّة أو الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، هي تظافر الطاقات والجهود لازالة المنكر الواقع ، وردع المتلبس به.

وإذا عجزت الطاقات والجهود المتاحة من تغيير المنكر باليد ، فتأتي مرحلة الانكار باللسان عن طريق تبيان أضرار المنكر ، وتحقير فاعله ، وترذيله وتقبيحه ، وتخويفه من العواقب السيئة المترتبة على هذا المنكر ، وتهديده وتخويفه من ردعه بالقوة أو تخويفه بالاستعانة بالغير لانزال العقاب الصارم به ، أو تهديده بالمحاصرة الاقتصادية والاجتماعية ، وكل كلام يساعد على ردعه.

وإذا عجز الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عن التغيير باللسان ينتقل إلى مرحلة التغيير بالقلب وهو الانكار والاشمئزاز وعدم الرضا بعمل المنكر ، والتصميم على اعداد القوة البدنية والبيانية لتغييره في الظروف المؤاتية.

وملاك التكليف هو القدرة ، وهي التي تحدّد مراحل التغيير باليد واللسان والقلب ، وقد تجتمع هذه المراحل لتنطلق في آن واحد تبعا لقدرة الافراد ، فتستخدم اليد من قبل البعض واللسان من قبل البعض الآخر ، والقلب من قبل البقية المتبقية.


قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما من نبي بعثه اللّه في أمة قبلي ، إلاّ كان له من أُمّته حواريون وأصحاب ، يأخذون بسُنّته ، ويقتدون بأمره ، ثم انها تخلفُ من بعدهم خلوف ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لايؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الايمان حبّة خردل » (1) .

ويجب استخدام القوة المناسبة للردع وتغيير المنكر ، فالمنكرات الفردية التي يقوم بها الافراد ، قد لا تحتاج إلى مزيد من القوة ، أما المنكرات الجماعية التي يرتكبها جمع من الناس أو كتلة منهم ، أو تقوم بها مؤسسات أو جمعيات تمتلك طاقات متنوعة اعلامية ومالية وبشرية ، فإنّها لا ترتدع إلاّ باستخدام القوة الموازية لها.

وتختلف القوة المستخدمة باختلاف نوعية المنكر المرتكب ، من الناحية الفكرية والسلوكية ، فهنالك منكر له تأثير ملحوظ على أصل الوجود الاسلامي كيانا وقيادةً وافرادا ، وهنالك منكر له تأثير على اضطراب المعتقدات وبلبلة الافكار ، وهنالك منكر له تأثير على أخلاق المجتمع بإفساده لأفراده ، ومن هنا شرّع اللّه تعالى الجهاد لإيقاف المنكر الأكبر الذي يستهدف القضاء على الوجود الاسلامي.

نماذج من السيرة النبوية :

إنّ الموقف من المنكر بتغييره باليد أو اللسان أو القلب تحدده عدة عوامل :

__________________

1) صحيح مسلم 1 : 70 ، كتاب الايمان ، باب 20 / 80.


الأول : الظروف.

الثاني : مصلحة الإسلام كعقيدة وتشريع.

الثالث : مصلحة المسلمين الانية والمستقبلية.

ففي العهد المكي لم تكن الظروف مؤاتية لاستخدام القوة في القضاء على المنكر ، ولا مصلحة في ذلك لانها تؤدي إلى قتل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ظرف لا يملك القوة اللازمة للقضاء على رؤوس الكفر أو ردعهم عن منكراتهم ، فاكتفىصلى‌الله‌عليه‌وآله بالتغيير باللسان.

وحينما هاجر إلى المدينة تغيّر الموقف حيث امتلك القوة اللازمة لخوض مهمة التغيير بقوة اليد ، فاستخدمهاصلى‌الله‌عليه‌وآله لردع العدوان على الإسلام والمسلمين.

كما استخدمصلى‌الله‌عليه‌وآله القوة لإزالة المنكرات الواقعية ، فأمر بطرد بعض المنافقين من المسجد ، وأمر باحراق منزل سويلم اليهودي لاجتماع المنافقين به ، وأمر باحراق مسجد ضرار(1) .

وحينما تمادى رأس المنافقين عبداللّه بن أبي سلول في نفاقه بخلقه للفتن داخل المجتمع الإسلامي ، رفض رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله اقتراح البعض في قتله ؛ لأنّ قتله يؤدي إلى حدوث الخلل في تماسك جبهة المسلمين لأنّ له أنصارا وأعوانا وعشيرة مترامية الأطراف ، وقد أثبتصلى‌الله‌عليه‌وآله صحة موقفه قائلاً لمن حرّضه على قتله : «أما واللّه لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له

__________________

1) السيرة النبوية / ابن هشام 4 : 160 ـ 177.


أنف ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته » (1) .

فالظروف والمصلحة الإسلامية هي التي تحدّد الموقف العملي من تغيير المنكر ، فقد يؤدي استخدام القوة احيانا إلى إلحاق الضرر بالإسلام والمسلمين فلا يجب بل لا يجوز استخدامها ، ويجب أن تؤجل إلى الظرف المناسب ، وقد يؤدي التخلي عن استخدامها إلى الحاق الضرر بالاسلام والمسلمين ، فيجب النهوض بها ، كما هو الحال في تنوع مواقف أئمة أهل البيتعليهم‌السلام من رؤوس المنكر واجهزتهم الممتدة في المجتمع الاسلامي ، بين هدنة وحركة ملحة ، واعداد العدة للظرف المناسب.

2 ـ المراحل العلاجية اللاحقة لوقوع المنكر :

إنّ اتخاذ الموقف من المرتكبين للمنكر ، وتصنيفه أو توزيعه على مراحل ، يعتمد على إكتشاف الواقع وإدراكه ، وليس على وضع مراحل نظرية متدرجة ، فالظرف والواقع الذي يعيشه المكلف ويعيشه المرتكب للمنكر ، ونوعية المنكر كمّا ونوعا ، ومن حيث التكرار وعدمه ، كل ذلك له مدخلية في تحديد المراحل والخطوات.

وللوهلة الاُولى تحدّد هذه المراحل من خلال استقراء مسيرة المصلحين والمغيّرين على طول التاريخ ، والتي تكون قريبة من الواقع :

1 ـ اظهار الكراهية والتعريف بالمنكر : اظهار الكراهية للمنكرات والموبقات المرتكبة يساهم في ردع المرتكب لها ، أو على الأقل التستر بها كخطوة اُولى ، واظهار الكراهية يبدأ بالوجه ثم باللسان الكاشف عن

__________________

1) السيرة النبوية / ابن هشام 3 : 305.


الكراهية القلبية.

والتعريف بالمنكر غالبا ما يكون مقارنا في مقطعه الزمني لاظهار الكراهية ، فهو تذكير لمن يعرفه ، وتعليم لمن لا يعرفه ويرتكبه جهلاً منه بحرمته.

قال تعالى : «وإلى مَدينَ أخاهُم شُعَيبا قالَ يَا قَومِ اعبُدُوا اللّه مَا لَكُم مِّن إلهٍ غَيرُهُ * ويَا قَومِ أوفُوا المِكيَالَ وَالمِيزَانَ بِالقِسطِ وَلا تَبخَسُوا النَّاسَ أشياءَهُم وَلا تَعثَوا في الأرضِ مُفسِدِينَ * بَقِيّتُ اللّه خيرٌ لَّكُم إن كُنتُم مُّؤمِنِينَ ... »(1) .

ومن سيرة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه كان يظهر كراهيته لبعض الممارسات الخاطئة ، ويرتقي المنبر من أجل ذلك ، فحينما بعثصلى‌الله‌عليه‌وآله خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيا لا مقاتلاً ، فلمّا وضعوا السلاح أمر بقتلهم ، فلمّا انتهى الخبر إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله رفع يديه إلى السماء ، ثم قال : «اللهمّ إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد » (2) .

وحينما سمع بريدة يقع في عليّعليه‌السلام قال لهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا تقع في عليّ فانه منّي وأنا منه وهو وليّكم بعدي » (3) .

فقد أظهرصلى‌الله‌عليه‌وآله كراهيته لهذا العمل ، ثم عرف بريدة بكون ما ارتكبه منكرا.

فالبعض قد يرتكب ما ينافي الأوامر الالهية ولا يعلم بحرمة ذلك ،

__________________

1) سورة هود : 11 / 84 ـ 86.

2) السيرة النبوية / ابن هشام 4 : 72.

3) كنز العمال 11 : 608.


فلا بدّ من توضيح ذلك إليه.

2 ـ الوعظ والنصح : بعد التعريف بالمنكر أو التذكير به يأتي دور الوعظ والنصح ، فإنّ الموعظة والنصيحة لها تأثير ملموس على الإنسان ، لذا فإنّ الأنبياء والأئمةعليهم‌السلام لم يتوقفوا عن ابداء المواعظ والنصائح لأتباعهم وللمخالفين لهم.

ويتم ذلك عن طريق التنبيه لمضار الانحراف الفكري والسلوكي وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع. والتنبيه إلى الرقابة الالهية المحيطة بالإنسان والعالمة بسكناته وحركاته ، وما يسرّ وما يُعلن. وتذكيره بالثواب والعقاب يوم القيامة ، وتخويفه من غضب اللّه تعالى في دار الدنيا. وتذكيره بحقوق اللّه تعالى وحقوق الناس ، وتوجيهه إلى الآثار الايجابية للاستغفار والتوبة والعودة إلى الاستقامة ، وابداء المعونة له للتغلب على الأسباب التي تدفعه للانحراف ، والمساهمة في معالجة المشاكل التي تواجهه.

وقد حفل القرآن الكريم وكتب السيرة بالمواعظ والنصائح للمنحرفين. وأفضل أُسلوب في هذا المجال هو الترغيب والترهيب.

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : «من اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات.

من أشفق من النار اجتنب المحرّمات.

من خاف العقاب انصرف عن السيئات.


ذكر الآخرة دواء وشفاء » (1) .

وقال الإمام موسى الكاظمعليه‌السلام : «يا هشام ثم وعّظ أهل العقل ورغّبهم في الآخرة ثم خوِّف الذين لا يعقلون عذابه » (2) .

3 ـ الزجر والتغليظ بالكلام : حينما يصرُّ مرتكب المنكر على انحرافه ، ولم تنفع معه المواعظ والنصائح المتكررة من قبل الفرد أو الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، فلا بدّ من استخدام الاساليب الرادعة له ، والانتقال مع الاساليب من الأسهل إلى الاشد.

وكثيرا ما يكون الكلام اللاذع مؤثرا في ردع الانحراف ؛ لأنّه سيكون بمثابة المطرقة الموقِظة التي تنبه العقل والضمير والارادة ، وتدفع المنحرف إلى التخلي عن انحرافه تجنبا للزواجر الموجهة إليه.

ومن ذلك قول إبراهيمعليه‌السلام ـ كما ورد في القرآن الكريم ـ : «قَالَ أفتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللّه مَالا يَنفَعُكُم شَيئا ولا يَضُرُّكُم * أُفٍّ لَّكُم وَلِما تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللّه أفلا تَعقِلُونَ »(3) .

وقد سمّى القرآن الكريم اصنافا من المسلمين بالفاسقين والمنافقين لكي يرتدعوا.

وفي السيرة النبوية بعض الشواهد على ذلك ، فحينما عصى بعض الصحابة أوامرهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالتوجه إلى جيش اُسامة ، غضبصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال :

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 146.

2) تحف العقول : 287.

3) سورة الأنبياء : 21 / 66 ـ 67.


«جهزوا جيش اُسامة ، لعن اللّه من تخلّف عنه » (1) .

وقد يرتدع البعض خوفا من الصاق الالقاب المذمومة بهم.

4 ـ المقاطعة والهجران : حينما يتمادى المنحرف في انحرافه تاركا للمعروف عاملاً بالمنكر ، عنادا منه واصرارا ، ولم يستجب لكلِّ موحيات الهداية والاستقامة ، ولم تنفعه الزواجر والتهديدات ، واغلق منافذ الهداية في قلبه وارادته ، تأتي مرحلة المقاطعة والهجران لاشعاره بانه عنصر غير مرغوب فيه من قبل الصالحين ، والاستفادة من الوقت للتفرّغ إلى هداية الآخرين وتغييرهم.

قال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام : «لو انكم إذا بلغكم عن الرجل شيء تمشيتم إليه ، فقلتم : يا هذا إمّا أن تعتز لنا وتجتنبنا ، وإمّا أن تكفّ عن هذا ، فإن فعل وإلاّ فاجتنبوه » (2) .

وقالعليه‌السلام لقوم من أصحابه : «إنّه قد حقّ لي أن آخذ البريء منكم بالسقيم ، وكيف لا يحقّ لي ذلك ، وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرون عليه ، ولا تهجرونه ، ولا تؤذونه حتى يتركه » (3) .

وقالعليه‌السلام : «من مشى إلى صاحب بدعة فوقّره فقد مشى إلى هدم الإسلام » (4) .

والمقاطعة كان معمولاً بها من قبل رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام .

__________________

1) الملل والنحل / الشهرستاني 1 : 29. وشرح نهج البلاغة 6 : 52.

2) وسائل الشيعة 16 : 146.

3) المقنعة : 809.

4) بحار الانوار 2 : 304.


فقد أمر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمقاطعة ثلاثة من الصحابة تخلفوا عن غزوة تبوك وقال لبقية أصحابه : «لا تكلمنَّ أحدا من هؤلاء الثلاثة » فاعتزلوهم خمسين يوما ، ثم أبلغهمصلى‌الله‌عليه‌وآله بتوبة اللّه عليهم(1) .

وقاطع أهل البيتعليهم‌السلام الغلاة والواقفة وبعض التيارات الهدّامة بعد ان يئسوا من اصلاحهم.

5 ـ اظهار التكفهر والعبوس : بعد مرحلة الهجران والمقاطعة تأتي مرحلة التكفهر والعبوس في وجوههم أثناء اللقاء في الطرقات والاماكن العامّة ، لكي يرتدعوا ويعودوا إلى الاستقامة.

قال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : «أمرنا رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة » (2) .

وقالعليه‌السلام : «أدنى الانكار أن يُلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة (3) ».

وهذه المراحل أو الخطوات يتوقف اُسلوب العمل بها على طبيعة المجتمع من حيث درجة قربه وبعده عن الإسلام ، وعلى عدد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وطبيعة أصحاب المنكرات وعددهم ، فإذا كان الإسلام هو القاعدة الفكرية للنظام القائم وللمجتمع فإنّ هذه المراحل ستكون أقرب إلى تحقيق الهدف ، أمّا إذا كان الإسلام مقصيّا عن الحياة ، وكان المجتمع بعيدا عنه في فكره وعاطفته وسلوكه ، فلا تحقق هذه المراحل أهدافها في الآن وفي المستقبل القريب إلاّ بمضاعفة

__________________

1) السيرة النبوية / ابن هشام 4 : 175 ، 179 ، 180.

2) الكافي 5 : 58.

3) تهذيب الاحكام 6 : 176.


الجهود ، والاقدام الدائم على اداء المسؤولية دون تردد أو تراجع أمام المعوقات والمصائب ، والصبر على الأذى والبلاء ، فكل ذلك يؤدي إلى الاصلاح والتغيير ولو بعد حين.

6 ـ التهديد والتخويف : حينما يزداد الانحراف ، ولا يرتدع مرتكبه بشتى الأساليب المعمول بها معه ، فقد يكون التهديد والتخويف نافعا بحقّه ، والتهديد والتخويف لا ينحصر باُسلوب معيّن ، بل يتناسب مع شخصية المنحرف ومدى انعكاسه عليها ، كالتهديد بالمحاصرة الاقتصادية أو الاجتماعية أو كليهما ، أو التهديد بالحاق الأذى البدني به ، أو التهديد بكشف انحرافاته، أو التهديد بالسجن واحيانا بالقتل تبعا لدرجات انحرافه.

فحينما اشتد اذى المنافقين والمنحرفين لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وللمسلمين، هددهم القرآن الكريم بالقول : «لَّئِن لَّم يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذينَ في قُلُوبِهِم مَّرضٌ وَالمرجِفُونَ في المدِينَةِ لَنُغرِينَّكَ بِهِم ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلاّ قَلِيلاً »(1) .

__________________

1) سورة الأحزاب : 33 / 60.


الفصل الثالث

خصائص وصفات

الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية كبيرة وتكليف شاق ؛ لأنّه ليس مجرد ألفاظ تردّد أو كلام يقال ، وليس مجرد أمر ونهي ، وإنّما هو اصلاح وتغيير للمحتوى الداخلي للإنسان ، وصياغة جديدة للأفكار والعواطف والسلوك.

ولهذا فلابدّ ان يتّصف الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بخصائص وصفات متميزة ، تؤهلهم لخوض غمار المسؤولية إلى نهاية الشوط في تغيير ذهنية المجتمع إلى ذهنية اسلامية ، وتغيير سلوكه إلى سلوك اسلامي.

وبما إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تكليف شرعي فيجب أن يكون المكلّف ـ في جميع أحواله وفي جميع مراحل المسؤولية ـ مخلصا للّه تعالى ، وان يتوكل عليه ، ويستمد العون والنصرة منه وحده ، وان يستخدم الاساليب المشروعة في ادائه للتكليف والمسؤولية ، وان


يكون متفائلاً بالنجاح ، وان يندفع ذاتيا للعمل لا ينتظر أجرا ولا جزاءً بشريا من أحدٍ ، وإنّما أجره على اللّه تعالى.

ويمكن تصنيف الخصائص والصفات إلى :

أولاً : خصائص وصفات ذاتية.

ثانيا : خصائص وصفات عملية أو سلوكية.

ونبحثها تباعا في مبحثين :

المبحث الأول

الخصائص والصفات الذاتية

أولاً : العلم والمعرفة :

من أهم الخصائص والصفات أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عالما بقواعد وأسس المنهج الإسلامي ؛ ليصلح ويغيّر على ضوئها ، والحد الأدنى من العلم أن يكون مطّلعا اطلاعا إجماليا على اُصول العقيدة الإسلامية ، واُصول العقائد السائدة في المجتمع ، وان يكون على علم بالاحكام الشرعية التي تصنّف إلى : معروف ومنكر ، وتصنّف أيضا إلى : واجب ومستحب ، وحرام ومكروه ، ومباح ، والحد الأدنى أن يكون على علم بمسائل يبتلي بها أفراد المجتمع.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلاّ من


كان فيه ثلاث : عالما بما يأمر به عالما بما ينهى عنه » (1) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام : «إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك : إيّاك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم » (2) .

وينبغي أن يطّلع المكلّف على السيرة النبوية وسيرة أهل البيتعليهم‌السلام وسيرة المصلحين ؛ ليكون أكثر خبرة في أداء العمل.

وأن يكون على معرفة بأحوال المجتمع وخصائص أفراده من حيث أفكارهم وعواطفهم وممارساتهم العملية ، وأن يكون مطّلعا على الأحداث والمواقف ليتخذ الاُسلوب الانجح في حركته الإصلاحية ، وأن يكون قادرا على تشخيص ما ينبغي أن يعمله تبعا للظروف من حيث اللين والشدّة ، أو الحيطة والحذر ، أو الاسراع والتأني. وأن يكون مطّلعا على الفوارق الطبيعية بين بلدٍ وآخر ، أو قوم وآخرين.

وعدم المعرفة بالاوضاع الاجتماعية والفردية ، أو بعدم استخدام الاُسلوب الأنجح ، أو عدم الاطّلاع على أساسيات المفاهيم والقيم الإسلامية ، قد تؤدي إلى نتائج عكسية ومنها النفور من الإسلام أو من الداعين له.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح » (3) .

__________________

1) الجعفريات : 88.

2) الكافي 1 : 42.

3) تحف العقول : 33.


وقال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام : «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلاّ بعدا » (1) .

ثانيا : القدوة :

إن لم يكن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر قدوة لغيره فإنّ عمله لا يثمر ، ولا يستطيع أن ينفذ إلى القلوب لتتبناه الجوارح في ممارسات عملية ، فالناس ينظرون إلى شخصية من يريد اصلاحهم وتغييرهم ومدى تجسيده للمفاهيم والقيم التي يدعوهم إلى التمسك بها ، ومقدار ابتعاده عن النواهي التي يدعو للانتهاء عنها.

قال تعالى : «كَبُرَ مَقتا عِندَ اللّه أن تَقُولُوا مَالا تَفعَلُونَ »(2) .

وقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا بن مسعود لا تكوننَّ ممّن يهدي الناس إلى الخير ويأمرهم بالخير وهو غافل عنه » (3) .

ودعا أمير المؤمنين عليعليه‌السلام إلى تجسيد المفاهيم والقيم في النفس والارادة والسلوك العملي قبل دعوة الناس إليها ، فقالعليه‌السلام : «ائتمروا بالمعروف وأمروا به ، وتناهوا عن المنكر وانهوا عنه » (4) .

«احصد الشرّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك » (5) .

__________________

1) الكافي 1 : 43.

2) سورة الصف : 61 / 3.

3) مكارم الاخلاق : 457.

4) تصنيف غرر الحكم : 332.

5) تصنيف غرر الحكم : 106.


«كفى بالمرء غواية أن يأمر الناس بما لا يأتمر به ، وينهاهم عمّا لا ينتهي عنه » (1) .

وعدم الالتزام بموارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل الآمرين به والناهين عنه يكون حجة عليهم ، ولا ينتفع الناس بهم ، قال الإمام الصادقعليه‌السلام : «من لم ينسلخ عن هواجسه ، ولم يتخلص من آفات نفسه وشهواتها ، ولم يهزم الشيطان ، ولم يدخل في كنف اللّه وأمان عصمته ؛ لا يصلح له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأنّه إذا لم يكن بهذه الصفة ، فكلّما أظهر أمرا كان حجة عليه ، ولا ينتفع الناس به » (2) .

وقالعليه‌السلام : «فإنّ مثل الواعظ والمتعظ كاليقظان والراقد ، فمن استيقظ عن رقدته وغفلته ومخالفاته ومعاصيه ، صلح أن يوقظ غيره من ذلك الرقاد » (3) .

وقالعليه‌السلام : «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ؛ ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير ، فإنّ ذلك داعية » (4) .

وقد جسّد أهل البيتعليهم‌السلام دور القدوة في حركتهم الاصلاحية والتغييرية.

قال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : «أيُّها الناس ، إنّي واللّه ما أحثكم على طاعة إلاّ وأسبقكم إليها ، ولا أنهاكم عن معصية إلاّ وأتناهى قبلكم

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 333.

2) مستدرك الوسائل 12 : 203.

3) مستدرك الوسائل 12 : 203.

4) الكافي 2 : 78.


عنها »(1) .

وحينما دعا الإمام الحسينعليه‌السلام إلى الجهاد تجسيدا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، تقدّم بنفسه وأهل بيته وعياله ، فكان قدوة لأصحابه في جميع قيم الايثار والتضحية ، والاخلاص للّه تعالى.

ثالثا : الشجاعة :

إنّ مواجهة الناس ومواجهة الاحداث والمواقف لتغييرها بالإسلام بحاجة إلى الشجاعة والاقدام ؛ لأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والداعي له سيصطدم بشهوات البعض ، وبالضعف النفسي لهم ، ويصطدم بالجاهلين الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ويصطدم بالمنحرفين الذين يبغضون الصلاح والسمو الروحي والسلوكي ، ويصطدم بمخططات ومؤامرات أعداء الإسلام أو التيارات الفكرية المنحرفة التي لا يروق لها انتشار مبادئ الإسلام في المجتمع ، ويصطدم بالقوى الشريرة التي تقابله بالاذى والتكذيب والاستهزاء ، ويصطدم بالمثبطين له عن الانطلاق في التكليف أو الاستمرار به.

ولذا فهو بحاجة إلى أن يتسلح بالشجاعة وان تكون احدى خصائصه وصفاته ؛ لينطلق دون خوف أو وجل أو تردد أو تراجع.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يحقر أحدكم نفسه » ، قالوا : يا رسول اللّه كيف يحقر أحدنا نفسه؟ ، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يرى أمرا للّه عليه فيه مقال ، ثم لا يقول فيه ، فيقول اللّه عزَّ وجلَّ له يوم القيامة : ما منعك أن تقول في كذا

__________________

1) نهج البلاغة : 250 ، الخطبة : 175.


وكذا؟ فيقول : خشية الناس ، فيقول : فإيّاي كنتَ أحق أن تخشى » (1) .

والشجاعة لها دور كبير في التغيير ؛ لأنّ الناس يتأثرون لا إراديا بالشجاع ، ويكون له تأثير لا شعوري على سلوكهم وممارساتهم العملية كما اثبتت التجارب الاجتماعية.

رابعا : الإيثار :

للايثار دور كبير في خلق الاجواء الروحية والنفسية لنمو حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالناس ستنشدّ عواطفهم ومشاعرهم للمتصفين بهذه الصفة ، وهذا الانشداد يمكن استثماره للتأثير على أفكارهم ومواقفهم العملية.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا علي ما كرهته لنفسك فاكره لغيرك ، وما احببته لنفسك فاحببه لأخيك ، تكن عادلاً في حكمك ، مقسطا في عدلك ، محببا في أهل السماء ، مودودا في صدور أهل الأرض » (2) .

وقال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : «بالإيثار يُسترقّ الأحرار » (3) .

خامسا : الزهد :

الزهد في أموال الناس وممتلكاتهم ، والزهد الذاتي في الحياة الدنيا ، يساعد على زرع ثقة الناس بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، فيشعرون بانه لا يرجو دنيا ولا جاها في قيامه وتبنّيه لحركة الاصلاح

__________________

1) سنن ابن ماجة 2 : 1328.

2) تحف العقول : 12.

3) تصنيف غرر الحكم : 396.


والتغيير ، وإنّما يعمل لذات المسؤولية تقربا إلى اللّه تعالى.

وبالزهد يكتسب محبة الناس ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «تحبّب إلى الناس بالزهد فيما بأيديهم تفز بالمحبة منهم » (1) .

وبمحبة الناس إليه يستطيع التأثير على قلوبهم وارادتهم ، ليجعلها منسجمة مع مفاهيم وقيم الإسلام.

والطمع يمنع من ابداء الآراء أو النهي عن بعض الممارسات التي تصطدم مع آراء وممارسات الآخرين الذين يطمع المكلف بأموالهم خوفا من عدم الحصول عليها. قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الطمع يذهب الحكمة من قلوب العلماء » (2) . وغير الزاهد يستسلم للمغريات وقد يؤدي بالنهاية إلى تخلّيه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلّما ازدادت أمامه المغريات.

سادسا : البشاشة وطلاقة الوجه ولين الكلام :

البشاشة وطلاقة الوجه ولين الكلام تساعد على جذب الناس وامتلاك عواطفهم ومشاعرهم ، وتوجيهها توجيها رساليا ؛ لأنّ الناس غالبا ما يتأثرون بالاشخاص قبل التأثر بالافكار والقيم.

وفي ذلك قال إمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : « طلاقة الوجه بالبشر والعطية وفعل البر وبذل التحية داعٍ إلى محبة البرية.

عليك بالبشاشة فإنّها حبالة المودّة.

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 437.

2) كنز العمال 3 : 495.


عوّد لسانك لين الكلام وبذل السلام يكثر محبّوك ويقل مبغضوك.

من عذب لسانه كثر إخوانه »(1) .

المبحث الثاني

الخصائص والصفات العملية والسلوكية

أولاً : المداراة :

يجد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر اصنافا من الناس يختلفون في طاقاتهم وامكاناتهم الفكرية والعاطفية والسلوكية ، فلابدّ وأن يتصف بالمداراة ليستطيع التأثير على تعدد أصناف الناس المنتمين إلى مدارس عقائدية وفكرية متنوعة ، والمتوزعين على ولاءات متعددة قبلية وقومية وطائفية.

ومداراة الناس من أولويات العمل في أوساطهم ، كما أكّد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ذلك بقوله : «أمرني ربّي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض » (2) .

«رأس العقل بعد الإيمان باللّه مداراة الناس في غير ترك الحق » (3) .

«رأس العقل المداراة ، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 434 ـ 436.

2) الكافي 2 : 117.

3) تحف العقول : 29.


الآخرة » (1) .

وقال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : «من سالم الناس كثر اصدقاؤه وقلّ أعداؤه. المداراة أحمد الخلال. رأس الحكمة مداراة الناس » (2) .

وتتمثل المداراة بتكليم الناس على قدر عقولهم ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم » (3) . وأن يتحدث المكلف بكلام مفهوم من قبل الجميع بلا حاجة إلى استخدام العبارات الغامضة ، والمصطلحات غير الواضحة ، قال أمير المؤمنين عليعليه‌السلام : «أحسن الكلام ما زانه حُسنُ النظام ، وفهمه الخاص والعام » (4) .

ومن المداراة اختصار الكلام وعدم التطويل المؤدي إلى الملل ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : « الكلام كالدواء قليله ينفع وكثيره قاتل.

أقل المقال ، وقصّر الآمال ، ولا تقل ما يكسبك وزرا وينفِّر عنك حرا (5) .

ومن مصاديق المداراة ، مراعاة الدوافع النفسية للانحراف ، ومراعاة الضعف البشري وعدم ترتيب الأثر في بعض الحالات ، فحينما سرّب حاطب بن أبي بلتعة أخبار مسير رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لفتح مكة إلى قريش دعاهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال له : «يا حاطب ، ما حملك على هذا؟ » فقال : يا رسول

__________________

1) كنز العمال 3 : 407.

2) تصنيف غرر الحكم : 445.

3) أمالي الصدوق : 341.

4) تصنيف غرر الحكم : 210.

5) تصنيف غرر الحكم : 211.


اللّه ، أما واللّه إنّي لمؤمن باللّه ورسوله ، ما غيّرت ولا بدّلت ، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أهل وعشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل ، فصانعتهم عليهم ، ولم يستجبصلى‌الله‌عليه‌وآله لقول عمر بن الخطاب ، حينما قال : (دعني فلأضرب عنقه ، فإنّ الرجل قد نافق)(1) .

وينبغي ان تكون المداراة في (غير ترك الحق) كما تقدم الحديث عنه.

ومن المداراة كشف الحقائق في حال التشكيك بشخص الآمر والناهي ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام ـ في وصيته لأحد ولاته ـ : «وان ظنّت الرعية بك حيفا ، فاصحر لهم بعذرك ، واعدل عنك ظنونهم باصحارك ، فان تلك رياضة منك لنفسك ، ورفق منك برعيتك ، واعذار تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحقّ في خفض واجمال » (2) .

ثانيا : الرفق :

الإنسان غالبا ما يأنس بآرائه وأفكاره ومواقفه حتى تصبح جزءا من كيانه ، يرى فيها كرامته وكبرياءه ، ولا يتنازل عنها أحيانا ؛ لأنّه يرى في ذلك تنازلاً عن كرامته ، ولهذا فالتعامل مع هكذا إنسان يجب أن يكون برفق وهدوء ، لذا كان الرفق صفة وخاصية مستحسنة لدى المكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلاّ من كان فيه ثلاث : رفيقا بما يأمر به ، رفيقا بما ينهى عنه » (3) .

__________________

1) السيرة النبوية / ابن هشام 4 : 41.

2) تحف العقول : 97.

3) الجعفريات : 88.


والرفق ييسّر الصعاب ويذلل الشدائد ، كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «الرفق ييسّر الصعاب ويسهّل شديد الأسباب.

من استعمل الرفق لان له الشديد » (1) .

وجعل الإمام علي بن الحسينعليه‌السلام الرفق من حقوق المستنصح فقال : «وحقّ المستنصح : أن تؤدي إليه النصيحة ، وليكن مذهبك الرحمة والرفق به » (2) .

وذكر الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام آثار عدم الرفق في الدعوة إلى الإسلام في قصة المسلم وجاره الكافر ، فبعد أن آمن بالإسلام اصطحبه إلى المسجد ليصلي معه الفجر في جماعة فلمّا صلّى : «قال له : لو قعدنا نذكر اللّه عزَّ وجلَّ حتى تطلع الشمس فقعد معه ، فقال له : لو تعلّمت القرآن إلى أن تزول الشمس وصمت اليوم كان أفضل ، فقعد معه ، وصام حتى صلّى الظهر والعصر ، فقال : لو صبرت حتى نصلي المغرب والعشاء الآخرة كان أفضل ، فقعد معه حتى صلّى المغرب والعشاء الآخرة ، ثم نهضا ، وقد بلغ مجهوده وحمل عليه ما لا يطيق ، فلمّا كان من الغد غدا عليه ، وهو يريد به مثل ما صنع بالأمس فدّق عليه الباب ثم قال له : اخرج حتّى نذهب إلى المسجد ، فأجابه : أن انصرف عنّي ، فإنّ هذا دين شديد لا أطيقه ».

ثم قالعليه‌السلام : «فلا تخرقوا بهم أما علمت أنّ إمارة بني أُميّة كانت بالسيف والعسف والجور ، وان امارتنا بالرفق والتآلف والوقار والتقيّة وحسن الخلطة

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 244.

2) مكارم الاخلاق : 423.


والورع والاجتهاد، فرغّبوا الناس في دينكم وفيما أنتم فيه (1) ».

ومن الرفق طرح المفاهيم والقيم الإسلامية بشكل شيّق وجذّاب ، وبمرونة ويسر ، قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « يسّروا ولا تعسّروا ، وسكّنوا ولا تنفّروا(2) . فالإسلام واضح في عقيدته ومنهجه في الحياة فلا تعقيد ولا تعسير. قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا حدّثتم الناس عن ربّهم ، فلا تحدّثوهم بما يفزعهم ويشقّ عليهم » (3) .

فينبغي التحدث عن لطف اللّه تعالى ورأفته ورحمته وغفرانه أكثر من الحديث عن عقوبته وغضبه ؛ لكي لا يدّب اليأس والقنوط في نفوس المذنبين والعاصين.

وقال الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام : «قولوا ما قيل لكم ، وسلموا لما روي لكم ولا تكلِّفوا ما لم تُكلَّفوا ، فإنّما تبعته عليكم فيما كسبت أيديكم ولفظت ألسنتكم ، أو سبقت إليه غايتكم » (4) .

ومن الرفق عدم الاشارة إلى اسماء المخالفين لمفاهيم الإسلام وقيمه ، وعدم تشخيصهم أمام الناس ، لمنحهم فرصة جديدة للاستقامة ، فكان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أراد أن يوضّح اخطاء البعض يقول : «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا » (5) .

__________________

1) الخصال 2 : 354 ـ 355.

2) مسند أحمد بن حنبل 3 : 587.

3) الفتح الكبير 1 : 101.

4) تحف العقول : 104.

5) مسند أحمد بن حنبل 4 : 126.


ورخّصصلى‌الله‌عليه‌وآله في بعض الأمر ، فرغب عنه رجال ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما بال رجال آمرهم بالأمر يرغبون عنه ، واللّه إنّي لأعلمهم باللّه عزَّ وجلَّ وأشدّهم له خشية » (1) .

ومن الرفق أيضا أن تكون الموعظة سرّا ، فإنّها أكثر ايقاعا وقبولاً ، قال الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام : «من وعّظ أخاه سرّا فقد زانه ، ومن وعّظه علانية فقد شانه » (2) .

ثالثا : الاحسان :

الاحسان صفة محمودة يستطيع بها الإنسان أن يؤثر على عواطف الآخرين ومن ثم عقولهم وسلوكهم ؛ لأنّ النفس الإنسانية مجبولة على حب من أحسن إليها.

والإحسان يؤدي إلى كسب ودّ الآخرين وثقتهم ، كما قال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : «بالاحسان تملك القلوب.

بالإحسان تسترقّ الرقاب.

من كثر احسانه كثر خدمه وأعوانه.

احسن إلى المسيء تملكه »(3) .

فالاحسان الذي يرافق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يساعده في استهواء الآخرين وشدّهم إلى ما يمليه عليهم من أفكار وقيم ، ومن

__________________

1) مسند أحمد بن حنبل 7 : 260.

2) تحف العقول : 368.

3) تصنيف غرر الحكم : 385 ـ 386 ، 388.


نصائح وارشادات ، ويدفعهم لمراجعة نفوسهم وسلوكهم ، واصلاحها حياءً أو قناعة في مقابل الاحسان إليهم.

فقد استطاع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يؤثر على الكثيرين ويوجههم للانتماء إلى الإسلام بالاحسان اليهم ، فقد أسلم مالك بن عون كبير هوازن لاحسان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله إليه وأسلم عدي بن حاتم واخته بسبب الإحسان إليهم(1) .

وقدم رجل المدينة وكان يبغض عليّاعليه‌السلام فقطع به ، ولم يكن له زاد ولا راحلة ، فشكا ذلك إلى بعض أهل المدينة ، فقال له : عليك بحسن بن علي ، فقال الرجل : ما لقيت هذا إلاّ في حسن وأبي حسن ، فقيل له : فإنّك لا تجد إلاّ خيرا منه ، فأتاه فشكا إليه ، فأمر له بزاد وراحلة ، فقال الرجل : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته ، وقيل للإمام الحسنعليه‌السلام : (أتاك رجل يبغضك ويبغض أباك فأمرت له بزاد وراحلة)؟! ، قالعليه‌السلام : «أفلا اشتري عرضي منه بزاد وراحلة؟ » (2) .

رابعا : التعايش مع الناس :

من أهم الصفات التي تجعل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر قادرا على الاصلاح والتغيير هي عدم الانعزال عن الناس ؛ لأنّ التكليف وأداء الواجب لا يقتصر على إلقاء الخطب في مجالس محدودة ، وإنّما هو حركة وعمل دؤوب في وسط الناس ، يشاركهم في أعمالهم ، ويعيش معهم كواحد منهم يفرح لافراحهم ويحزن لأحزانهم ، ويكون شريكا لهم في

__________________

1) السيرة النبوية / ابن هشام 4 : 133 ، 226.

2) مختصر تاريخ دمشق 7 : 26.


آمالهم وآلامهم ، وهذه الصفة تجعله قادرا على التأثير على أفكارهم وعواطفهم وممارساتهم العملية ، فقد كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعود المريض ، ويتبع الجنازة ، ويجيب دعوة المملوك(1) .

وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يعطي كلاً من جلسائه نصيبه ، حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه. وكان يضحك ممّا يضحكون ويتعجب مما يتعجبون(2) .

فعن زيد بن ثابت قال : كنّا إذا جلسنا إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن أخذنا في حديث في ذكر الآخرة أخذ معنا ، وإن أخذنا في ذكر الدنيا أخذ معنا ، وإن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا(3) .

وينبغي أن لا تكون لقاءاته مجرد أحاديث ، وأقوال خطابية ، مقتصرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويكون الآخرون مجرد مستمعين ، بل ينبغي أن يسمع منهم مثل ما يسمعون منه ، ويستمع إلى اقتراحاتهم وتوجيهاتهم ، فلا ينبغي أن يكون الحديث من جانب واحد يصدر من الأعلى إلى الأدنى.

خامسا : الصبر والحلم :

إنّ طريق الدعوة والاصلاح والتغيير طريق طويل مليء بالمعوقات والعراقيل ، فلا بدّ وأن يتحلّى من تبنّاه بصفة الصبر ، ولابدّ وان يتحمل التكاليف المترتبة عليه ، وان يصبر على ردود الأفعال الاجتماعية

__________________

1) مكارم الأخلاق : 15.

2) مكارم الأخلاق : 14 ـ 15.

3) مكارم الأخلاق : 21.


والدوافع النفسية التي تدعوه إلى الراحة والهدوء.

فعليه يجب أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر صابرا على طول الطريق ، رغم كثرة المعوقات والمثبطات ؛ يصبر على التكذيب والاستهزاء والأذى المادي والمعنوي ، ويصبر أمام ضغط النفس التي تروم حب الراحة والسكينة ، وان يصبر على الوحشة في حالة فقدان الناصر والمعين.

قال تعالى : «وَاصبِر عَلى مَا يَقُولُونَ وَاهجُرهُم هَجرا جَمِيلاً »(1) .

وقال تعالى : «وَاصبِر عَلى مَا أصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزمِ الاُمُورِ »(2) .

ولا بدّ من صبرٍ على الشدائد المحيطة بالمصلح والمغيّر ، فقد حدّد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الشدائد بقوله : «المؤمن بين خمس شدائد : مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه ، وكافر يقاتله ، وشيطان يضلّه ، ونفس تنازعه » (3) .

كما أن عليه التصبّر والاستمرار في حركته ، قال تعالى : «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ »(4) .

وينبغي هنا أن يكون الصابر حليما حتى ينال احترام وتقدير الآخرين ، ويملك قلوبهم بحلمه.

قال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : «بالحلم تكثر الأنصار.

__________________

1) سورة المزمل : 73 / 10.

2) سورة لقمان : 31 / 17.

3) المحجة البيضاء 5 : 115.

4) سورة آل عمران : 3 / 200.


بالاحتمال والحلم يكون لك النّاس أنصارا وأعوانا.

أُحْلُمْ تُكْرَمْ.

ضادّوا الغضب بالحلم تحمدوا عواقبكم في كلِّ أمر »(1) .

والصبر هو أهم وسائل الاستمرار في الدعوة ، فقد صبر رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثة عشر عاما على التكذيب والاستهزاء والأذى ، وصبر على المغريات والمساومات ، وصبر على أذى أهل الكتاب وأذى المنافقين ، وأذى أصحابه في العهد المدني ، وصبر أمير المؤمنينعليه‌السلام على ازاحته من منصبه ، وصبر الإمام الحسينعليه‌السلام في حركته حتّى انه قدّم أولاده وأهل بيته صابرا محتسبا من أجل اعلاء كلمة اللّه تعالى.

سادسا : عدم الانشغال في امور هامشية :

من الخصائص التي ينبغي أن يعتمدها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر هي الاستمرار في أداء التكليف والمسؤولية ، وعدم الانشغال بامور هامشية تقضي على الوقت وتصرف العمل عن هدفه ، وتحرفه عن مساره ، وهو مدعو مع هذا للاعراض عن الاشخاص والمواقف التي تشغله عن أداء الواجب. قال تعالى : «خُذِ العَفوَ وأمُر بِالعُرفِ وأعرِض عَنِ الجاهِلينَ »(2) .

والاعراض هو الترك والاهمال ، وعدم الدخول في جدال يضيع معه الوقت والجهد دون ان يحقق شيئا في طريق الواجب.

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 287.

2) سورة الأعراف : 7 / 199.


ونهى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام عن الدخول في الخصومات ، والمراء فقال : «المخاصمة تبدي سفه الرجل ولا تزيد في حقّه » (1) .

«جماع الشر اللجاج وكثرة المماراة » (2) .

وللخصومة آثار سلبية أشار إليها الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام بقوله : «إياكم والخصومة في الدين ، فإنّها تشغل القلب عن ذكر اللّه عزَّ وجلَّ ، وتورث النفاق ، وتكسب الضغائن ، وتستجيز الكذب » (3) .

سابعا : القدرة على التقييم الموضوعي :

التقييم الموضوعي للاشخاص والوجودات يساهم في انجاح الاعمال والنشاطات المتعلقة بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فينبغي لمن تحمّل المسؤولية أن يقيّم الاشخاص على أسس وموازين اسلامية من حيث درجة قربهم وبعدهم عن الإسلام فكرا أو سلوكا ، فلكلِّ فرد تقييمه الخاص ليكون الموقف اتجاهه منسجما مع شخصيته.

والتقييم الموضوعي الذي يصحبه التعامل الموضوعي يساهم في تشجيع المحسنين على الاحسان والعمل الصالح ، ودفع المسيئين والمذنبين إلى العودة إلى الاستقامة.

قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام : «لا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فإن ذلك تزهيد لأهل الاحسان في الاحسان ،

__________________

1) تصنيف غرر الحكم : 461.

2) تصنيف غرر الحكم : 463.

3) أمالي الصدوق : 340.


وتدريب لأهل الإساءة على الاساءة ، فألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه أدبا منك ينفعك اللّه به ، وتنفع به أعوانك » (1) .

فالتقييم الموضوعي يستنهض الهمم ويستجيش العزائم ليبدأ الإنسان باصلاح وتغيير شخصيته في جميع مقوماتها : في الفكر والعاطفة والارادة ، من سيء إلى حسن ، ومن حسن إلى أحسن ، وموازين التقييم التي حددها القرآن الكريم هي : الايمان ، والتقوى ، والعلم ، والعمل الصالح.

فينبغي تقييم الاشخاص في ضوء من تلك الموازين ، والتعامل مع الناس في ضوء درجات قربهم وبعدهم عنها ، فلكلٍّ تقديره المناسب واحترامه المناسب قدر ما يمتلك من تلك المؤهلات.

__________________

1) تحف العقول : 87.


الفصل الرابع

آثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ونتائج التخلّي عنهما

المبحث الأول

آثار الأداء

من خلال ما تقدّم من آيات كريمة وأحاديث شريفة نستطيع القول : إنّ أهم الآثار التي يحققها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي هداية الإنسان فردا كان أم مجتمعا هداية تجعله يحكّم مفاهيم الإسلام وقيمه في عقله وقلبه وارادته ؛ لتكون الأفكار والعواطف والممارسات العملية مطابقة للمنهج الالهي في الحياة ، عن طريق اقامة فرائض الدين القويم وشريعته السمحاء.

ومن خلال الالتزام باداء المسؤولية يتعمق الايمان باللّه تعالى في العقول والقلوب ، وتتوثق الصلة مع اللّه تعالى والتي تضفي السكينة والطمأنينة على جميع جوارح الإنسان ومقوّمات شخصيته في الفكر والعاطفة والسلوك ، فيتحرر من الالحاد واللاانتماء ، ومن الضياع


والتخبط ، ومن الضلال والعمى والحيرة ، ويتخلص من الاوهام والخرافات ، ويتوجه إلى اللّه تعالى مستمدا منه العون والإسناد ، فيستشعر الامان والصفاء وهو عميق الصلة بمنعم الوجود ، وبالركن الركين الذي تتهاوى جميع مظاهر الإسناد أمامه ، وتستقيم نفسه ومشاعره.

ويكون الحفاظ على نظام الحياة على أحسن صورة عن طريق جلب المصالح ودرء المفاسد ، فيصبح المجتمع في قمة السعادة وهو يسعى إلى الاعمار والبناء الحضاري ، ويعمّ الخير والصلاح جميع مرافق الحياة ؛ لسمو المقاصد ونبل الاهداف المراد تقريرها وتحقيقها في الواقع.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ان قام به المجتمع فانه يحقق الأمن والسلام والطمأنينة ، فيقضى بواسطة ادائه على جميع ألوان العدوان والاضطهاد والاستغلال ، ويتحقق العدل ، وتحفظ كرامة الإنسان وحريته ، ويتم الحفاظ على سلامة الارواح والاعراض والأموال ، ويُقضى من خلال أدائه على جميع ألوان الاعتداء فيعيش الناس آمنين مطمئنين.

فمن آثار أداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعميق الاواصر الاسلامية ، وتوحيد الصف الاسلامي في ضوء وحدة العقيدة ووحدة السلوك ووحدة المصالح ووحدة المصير ، ويعيش المجتمع حياة الاخاء والتعاون والتآزر والتكاتف والتناصر.

ومن آثار أداء المسؤولية القضاء على جميع الوان الانحراف والفساد ، واشاعة الاخلاق الحسنة في العلاقات الاجتماعية لتقوم على قواعد وأسس الشريعة ، حيث الصدق والوفاء ، والتراحم والتناصح ، واداء الامانة ، والرفق والاحسان ، والانطلاق لإسعاد المجتمع.


ومن آثاره السياسية الشعور بالمسؤولية من قبل الجميع ، وايصال عدول الفقهاء الى موقعهم الريادي ، وتطبيق حكم اللّه في الارض طبقا لقواعد الشريعة ، وزوال الفوارق بين الحكام والمحكومين ، والتآزر من أجل الاهداف الواحدة ، ومنع المنحرفين من الوصول الى المراكز الحساسة في السلطة السياسية.

ومن آثاره الاقتصادية اقامة التوازن الاقتصادي ، الذي يتحقق عن طريق التكافل والحث على الانفاق الطوعي في وجوه الخير ، والدعوة الى القناعة والكفاف وعدم التبذير ، والنهي عن الغش واكل الاموال بالباطل، وأداء الواجبات المالية كالزكاة والخمس ، اضافة الى قيام الدولة بواجباتها فى اقامة التوازن ، فتتحقق الرفاهية للمجتمع باشباع حاجات الفقراء والمستضعفين.

وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يزداد الوعي في صفوف المجتمع ، وتتفتح آفاق العقول لتنطلق نحو الابداع الخلاّق ، وتتقدم العلوم ، لتكون خادمة للمفاهيم والقيم الإسلامية.

ومن آثاره لطف اللّه تعالى بعباده ورحمته لهم ، ورضوانه عليهم ، قال تعالى : «وَلَو أنَّ أهلَ القُرى آمنُوا واتَّقَوا لَفَتَحنَا عَليهِم بَرَكَاتٍ مِن السَّماءِ وَالأرضِ »(1) .

وقال تعالى : «وألّوِ استَقَامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لأسقَيناهُم مَّاءً غَدَقا »(2) .

__________________

1) الأعراف : 7 / 96.

2) سورة الجن : 72 / 16.


وقد وردت آيات عديدة في فلاح الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وفي رحمة اللّه لهم.

ومن آثاره القضاء على جميع الامراض والاسقام التي تنتج من الانحراف السلوكي ، كما نشاهد عند غير الملتزمين بالاسلام ، كالامراض النفسية ، والامراض الجسدية المتعلقة بالانحراف الجنسي ، والادمان ، والانتحار ، والتشتت الأُسري وغير ذلك كثير.

المبحث الثاني

آثار التخلي عن أداء مسؤولية

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ ارادة اللّه تعالى قد جعلت للحياة سننا ثابتة ونواميس راسخة لا تختلف ولا تتخلف في جميع مراحل الحياة الانسانية ، وان موافقة هذه السنن والنواميس والسير في ضوئها تثمر ثمارها وتنتج نتائجها الايجابية في حركة المجتمع ، كما ان مخالفتها وعدم السير في دائرة ضوئها تنتج العكس والسلبية ، وحين توجد الاسباب تتبعها النتائج.

ومن هذه السنن : «إنَّ اللّه لا يُغَيّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأنفُسِهِم »(1) .

وقوله تعالى : «ذَلِكَ بأنَّ اللّه لَم يَكُ مُغَيَّرا نّعِمةً أنعَمَهَا على قَومٍ حَتّى يُغَيّرُوا

__________________

1) سورة الرعد : 13 / 11.

2) سورة الأنفال : 8 / 53.


مَا بِأنفُسِهِم »(2) .

ويرتّب اللّه تعالى في ضوء هذه السنن والنواميس آثارا ونتائج سلبية إن ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتخلّوا عن اداء المسؤولية ، ومن هذه الآثار والنتائج :

أولاً : العقاب الالهي :

حين يتخلى الناس عن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، سيزداد الانحراف لفقدان الموجّه والمرشد والرادع ، فيفقد كل شيء استقامته ، وتفقد الموازين سلامتها ، ولا يكون إلاّ العوج الذي لا يستقيم ، وكل ذلك مدعاة إلى سلب الرحمة منهم ، وانزال العقاب بالجميع ، المنحرفين والمتقاعسين عن الدعوة والاصلاح معا ، والعقاب يمثل الوخزة الموقظة التي تعيد الناس الى الاستقامة.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «والذي نفس محمد بيده لتأمرنّ بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكنّ اللّه ان يبعث عليكم عقابا من عنده ، ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم » (1) .

ويكون العذاب شاملاً لا يختصّ بالمرتكبين للمنكر فقط ، بل يعمّ غيرهم ممّن لم يرتكبه ؛ لأنّهم سكتوا عن تغييره.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ اللّه عزَّ وجلَّ لا يعذّب العامة بعمل الخاصة

__________________

1) كنز العمال 3 : 68.

2) مجمع الزوائد 7 : 267.

3) سورة الأنعام : 6 / 65.


حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذّب اللّه العامّة والخاصة » (2) .

والعقاب الالهي له مظاهر وألوان مختلفة ، فقد يكون بنزع البركات ، أو بالآفات السماوية ، أو اذاقة البعض بأس البعض الآخر.

قال تعالى : «قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلى أن يَبعثَ عَليكُم عَذَابا مِّن فَوقِكُم أو مِن تَحتِ أرجُلِكُم أو يَلبِسَكُم شِيعا وَيُذِيقَ بَعضَكُم بَأس بَعضٍ ... »(3) .

ثانيا : اللعنة الإلهية :

من آثار ونتائج التخلي عن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، شمول الناس اللعنة الالهية ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «وإنّ عندكم الأمثال من بأس اللّه وقوارعه ، وأيّامه ووقائعه ، فلا تستبطئوا وعيده جهلاً بأخذه ، وتهاونا ببطشه ، ويأسا من بأسه ، فإنّ اللّه سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلاّ لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلعن اللّه السفهاء لركوب المعاصي والحلماء لترك التناهي » (1) .

واللعنة إن نزلت على المجتمع جعلته يعيش بعيدا عن اللطف والرأفة والرحمة ، فلا يؤيدهم اللّه تعالى ، ولا يثبتهم ، ولا يؤنسهم ، ويدعهم لوحدهم دون اسناد ، ليواجهوا مصيرهم بأنفسهم ؛ حيث القلق والاضطراب والازمات النفسية ، بسبب الانحراف والظلم والاعتداء وفقدان الطمأنينة.

__________________

1) نهج البلاغة : 399 ، الخطبة : 192.

2) سورة الأنفال : 8 / 24.


ثالثا : الهلاك :

إنّ تطبيق المنهج الإسلامي في الحياة هو احياء للعقل والقلب والارادة ، قال تعالى : «يَا أيُّها الَّذين آمَنُوا استَجِيبُوا للّه وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُم لِما يُحيِيكُم »(2) .

والإحياء هو الفاعلية والنمو والامتداد والبناء ، والازدهار الحضاري ، والتأثر والتأثير في واقع الحياة.

ونقيض الإحياء هو الهلاك المتجسد بالسلبية والخمود وايثار الراحة والبلادة التي تميت عناصر الحيوية في جميع مقومات الإنسان العقلية والروحية والسلوكية ، وخنق الطاقات والقابليات.

ولذا فإنّ التخلي عن المسؤولية الهادفة إلى احياء الإنسان في فكره وعاطفته وسلوكه ، يؤدي إلى الهلاك بالخمود والجمود ثم الاضمحلال ، كما اضمحلت الامم والحضارات في التاريخ.

رابعا : الانقلاب :

إنّ التخلي عن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى الانقلاب والتراجع ، حيث تنقلب المفاهيم والقيم ، وتنقلب مقومات الشخصية الانسانية وينقلب كل شيء في حياة الفرد والمجتمع ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهادُ بأيديكم ، ثم بألسنتكم ، ثم بقلوبكم ، فمن لم يعرف بقلبه معروفا ، ولم ينكر منكرا ، قُلِبَ

__________________

1) نهج البلاغة : 542 ، الحكمة : 375.

2) مشكاة الأنوار : 49.


فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه » (1) .

فيبدأ الانقلاب بالفكر ثم العاطفة ثم السلوك ، فيعود الإنسان والمجتمع إلى حياة الاوهام والخرافات ، ويعيش أواصر الضلال والظلمات ، ثم تنقلب عاطفته فيوالي من أمره اللّه تعالى بالتبري منهم ، وفي السلوك حيث يعيش الانحراف والانحطاط والرذيلة.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «كيف بكم إذا فسدت نساؤكم ، وفسق شبابكم ، ولم يأمروا بمعروفٍ ولم ينهوا عن منكر » ، فقيل له : ويكون ذلك يا رسول اللّه؟ ، فقال : « نعم ، وشرُّ من ذلك ، فكيف بكم إذا آتيتم المنكر ونهيتم عن المعروف؟ » ، فقيل له : يا رسول اللّه ويكون ذلك ، فقال : «نعم ، وشرُّ من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا ، والمنكر معروفا (2) ».

فتنقلب المفاهيم والقيم والموازين ، ويكون هذا الانقلاب هو الحاكم على تقييم الاحداث والمواقف والوجودات ، وتقوم الحياة على أساسه ، فلا يبقى مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الامزجة ، وتصادم المصالح والمنافع.

خامسا : سيطرة الأشرار على مقاليد الاُمور :

التخلي عن أداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يؤدي إلى ازدياد عدد المنحرفين والأشرار ، وانحسار عدد الصالحين والاخيار ، ويؤدي إلى خلق الظروف الملائمة لتمادي المنحرفين والاشرار في انحرافهم وشرّهم إثر غياب الرادع لهم ، والمتابع عليهم زلاتهم وفسادهم ، حيث يأمنون من

__________________

1) نهج البلاغة : 542 ، الحكمة : 375.

2) مشكاة الأنوار : 49.


عدم الاعتراض وعدم الملاحقة ، فتنطلق إرادتهم الضعيفة أمام الشهوات ، وأنفسهم الشريرة من عقالها ، فيعملون ما يحلو لهم ، ثم يكون الأمر لهم ليسيطروا على مقاليد الاُمور ، ويوجهون الناس حسبما يرون ويشاؤون ، وتكون الكرّة لهم لملاحقة ومطاردة الاخيار والصالحين في جميع ميادين الحياة ، ولا يبقى للاخيار والصالحين أي منفذٍ للنجاة أو النهوض بالأمر من جديد ، فيعيشون الذل والامتهان اضافة إلى الاذى والتعذيب ، وأعظم من ذلك تخلي الرعاية الالهية عنهم ، وعدم استجابة اللّه تعالى لدعائهم.

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لتأمرنّ بالمعروف وتنهونَّ عن المنكر ، أو ليسلطنَّ اللّه عليكم شراركم فليسومُنّكم سوء العذاب ، ثم ليدعو خياركم فلا يستجاب لهم ، لتأمرن بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر ، أو ليبعثنَّ اللّه عليكم من لا يرحم صغيركم ، ولا يوقّر كبيركم » (1) .

وإذا تسلط الاشرار عمّ الظلم والجور والاعتداء على الأنفس والاعراض والأموال ، والاعتداء على جميع الحرمات والمقدسات ، وعمّ فساد الأخلاق وتحلّلها ، وضعف العلاقات الاجتماعية ، وتفكك كيان الاُسرة التي هي نقطة البدء في اصلاح الجيل الناشئ ، والحفاظ على سلامته الروحية ، وحينئذٍ سيُفتقد الأمان والاستقرار والطمأنينة.

__________________

1) كنز العمال 3 : 687 / 8464.



المحتويات

المقدِّمة..................................................................... 7

الفصل الأول.............................................................. 11

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..................................... 11

تمهيد في معناهما :......................................................... 11

أدلة الوجوب :........................................................ 15

أولاً : القرآن الكريم :............................................. 15

الفصل الثاني.............................................................. 49

الفصل الثالث............................................................. 79

الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر....................................... 79

الفصل الرابع.............................................................. 99

المحتويات............................................................... 109


الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: مركز الرسالة
تصنيف: كتب متنوعة
الصفحات: 109