أوضاع المرأة المسلمة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي

مؤلف: الشيخ حسن الجواهري
المرأة





بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز

الحمدُ لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين أبي القاسم محمّد ، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

لقد حظيت المرأة المسلمة بمراتب عُليا في ظلّ دينها الحنيف ، فبيّضت بمواقفها الصحائف ، وأعلنت شموخ شخصيتها ، من خلال أدوارها المشرّفة في كلّ مجال وحين. فلم تدع فضيلة إلاّ ولها فيها يد ، فالفقه والحديث ، والشعر والنثر ، والجهاد : إمّا بالحضور في سوح المعارك ، وإمّا بإلقاء كلمة الحقّ عند سلاطين الجور.

ولكن ، للأسف لم يطّلع العالم ـ والمرأة خصوصاً ـ على هذه الأسرار ، حيث ضياؤها مخفىّ في غور المكتبات ، وأسماء أعلام نساء الدين الحنيف مبعثرة في أوراق صارت طعاماً للحشرات والآفات ، وذلك ناتج من عدم اهتمام المؤرّخين بالمرأة.

فالدين الإسلامي الحنيف هو القانون الوحيد الذي وضع المرأة في مكانها الواقعي ، ومنحها حقوقها كاملة ، بعد أن حُرمت من أبسط حقوقها في المجتمعات التي سبقت نزول الشريعة الإسلامية المقدّسة ، والمجتمعات التي أعقبت نزولها كذلك.

ومن أجل التعرّف على هذه المكانة التي منحها الباري عزّ وجلّ لها لابُدّ من


دراسة الأدوار التي مرّت بها المرأة ، سواء قبل الإسلام أم في عالمنا المعاصر.

ومن أجل أن نُجيب عن تلك التخرّصات والافتراءات والأراجيف التي يطلقها أعداء الإسلام اليوم ، وما يثيرونه من شُبهات حول حقوق المرأة في الإسلام ، ويدّعون بأنّ النظام الإسلامي قد حرم المرأة من حقوقها ، وجعلها في سجن مفتاحه بيد الرجل ، وأنقصها ميراثها ، وفرض عليها الحجاب ، ومنعها من التعلّم ، إذاً فالمرأة المسلمة مظلومة دون غيرها من النساء.

ومن أجل أن نتعرّف على مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي ، وما أعطاها الإسلام من حقوق وما فرض عليها من واجبات ، لابدّ من دراسة أحوال المرأة وحقوقها في المجتمعات الاُخرى ، سواء تلك التي كانت قبل الإسلام ، أو التي نعاصرها الآن من مجتمعات غربية وشرقية ، والتي تدّعي التحضّر والتمدّن. ثم نقارن بينها وبين ما أعطاه الإسلام للمرأة من حقوق ، ونعرف مَن الذي بخسَ حقّها وظلمها وأنزلها إلى الحضيض وجعلها تبعاً للرجل ، بل لعبة في يده يميل إليها متى جاع وينبذها نبذ النواة متى شبع.

حياة المرأة قبل الإسلام

نستطيع أن نُقسّم الاُمم التي سبقت الإسلام إلى : اُمم متمدّنة ، واُخرى غير متمدّنة.

ونقصد بالمتمدّنة : تلك التي تحكمها بعض الرسوم والعادات الموروثة ، كبلاد الصين والهند ومصر وايران.

وغير المتمدّنة : هي المجتمعات الوحشيّة والهمجيّة التي لا ضابط لها في الحياة غير القوّة والسطوة ، شأنهم في ذلك شأن الحيوان ، كبلاد أفريقيا واستراليا وأمريكا القديمة. وكانت المرأة في المجتمعات المتمدّنة أفضل نوعاً ما من المجتمعات غير المتمدّنة.


الاُمم غير المتمدّنة :

حياة النساء في هذه الاُمم كحياة الحيوانات بالنسبة إلى الرجل ، فكما أنّ للرجل حقّاً في امتلاك الحيوانات والاستفادة من لحمها وشعرها وصوفها وحليبها ، والركوب عليها وحمل الأثقال من مكان إلى آخر ، وغيرها من التصرّفات المشروعة ، بل حتى غير المشروعة من قتل وايذاء. كذلك كانت المرأة عندهم ، كانت حياتها تبعيّة لحياة الرجل ، وأنّها لم تُخلق لذاتها بل خلقت لأجل الرجل ، ووجودها فرع لوجود الرجل ، ومكانتها مكانة الطفيلي بالنسبة للرجل ، وليس لها من حقوق إلاّ ما رآه الرجل حقّاً له أوّلاً.

فكان لوليّها ـ الأب أو الزوج ـ أن يبيعها ، أو يهبها ، أو يقرضها للخدمة أو الفراش أو الاستيلاد ، أو لأىّ غرض من أغراض الإقراض. بل كان له أن يسوسها حتى بالقتل ، أو يتركها حتى تموت ، أو يذبحها ويأكل لحمها في المجاعات.

وفي مقابل هذا كلّه ما كان على المرأة إلاّ أن تطيع الرجل وتنفّذ أوامره ، فهي تقوم بأمر البيت وتربية الأولاد ، وكلّ ما يحتاجه الرجل. بل كانت تقوم بأعمال شاقّة فوق قدرتها وطاقتها ، فهي تحمل الأثقال ، وتعمل الطين وغيرها من الحرف والصناعات.

ولكلّ اُمّة من هذه الاُمم خصائل وخصائص وعادات وتقاليد وآداب وسنن خاصة بها ، ورثتها من التي سبقتها ، نتعرّض لها قريباً إن شاء الله تعالى.

الاُمم المتمدّنة :

كانت المرأة في هذه الاُمم أرفه حالاً بالنسبة إليها من الاُمم غير المتمدّنة ، فلم تقتل ولم يؤكل لحمها ولم تستقرض ، وكان لها حقّ تملّك بعض الأموال من الإرث وغيره ، إلاّ أنّها كانت تحت ولاية الرجل وقيمومته ، فلا استقلال لها ولا حريّة ، فلا تنجز عملاً إلاّ بعد موافقة وليّها ، ولا تتدخل في شؤون الحياة أبداً ، بل كان عليها أن


تختص باُمور البيت والأولاد ، وأن تطيع الرجل في كلّ ما يأمرها ، وتُمنع من أي معاشرة خارج منزلها ، وليس لها أن تتزوّج بعد موت زوجها ، بل إمّا أن تُحرق معه ، أو تبقى ذليلة بعده ، أو يتزوجها بعض محارمها.

وكان للرجال أن يتزوّجوا امرأة واحدة يشتركون في التمتع بها ، ويلحق الأولاد بأقوى الأزواج. وفي أيام الحيض كان عليها أن تنفرد عن عائلتها بمأكلها ومشربها ; لأنّها نجسة خبيثة. ولكلّ اُمة من هذه الاُمم مختصات بحسب اقتضاء المناطق والأوضاع نتعرض لها بإيجاز.

المرأة الآشوريّة :

ساد شرع حامورابي في المجتمع الآشوري ، فكانت القوانين التي تطبّق هي القوانين التي وضعها حامورابي في لوحته المعروفة ، والتي منها تبعيّة المرأة للرجل ، وسقوط استقلالها في الإرادة والعمل.

ومن السلبيات التي كانت سائدة آنذاك أنّ الزوجة إن لم تُطع زوجها ، أو استقلّت بعمل معيّن دون مشاورته ، كان يحقّ للرجل أن يخرجها من بيته ، أو يتزوّج عليها زوجة اُخرى ، ويتعامل مع الاُولى معاملة ملك اليمين. بل إنّ الزوجة إن أخطأت في تدبير شؤون المنزل كان لزوجها أن يرفع أمرها إلى القاضي ، ثمّ يغرقها في الماء.

إذاً فالمرأة الآشورية كانت ملكاً للرجل ، لا فرق بينها وبين الحيوان ، فالرجل يمسكها متى أراد ، ويطلّقها متى شاء. وله الحقّ في أن يحرمها من التملّك ، وما عليها إلاّ تنفيذ أوامر الرجل.

المرأة السومريّة :

لم تكن المرأة السومريّة أفضل من الآشوريّة ، بل كانت تُعامل معاملة فَضّة غليظة ، شأنها شأن المرأة في جميع الشعوب في تلك الأزمنة ولم تكن مكانتها أحسن من أخواتها في البلاد المجاورة ، فكانوا يعاملونها على أنّها تابعة للرجل ،


وما خلقت إلاّ لإسعاد الرجل.

المرأة الروميّة :

تعتبر الروم من أقدم الاُمم وضعاً للقوانين المدنيّة ، وضع القانون فيها أوّل ما وضع في حدود سنة أربعمائة قبل الميلاد ، ثمّ أخذوا في تكميله تدريجياً ، وهو يعطي للبيت نوع استقلال في إجراء الأوامر المختصة به ، ولربّ البيت ـ وهو زوج المرأة وأبو أولادها ـ نوع ربوبيّة كان يعبده لذلك أهل البيت ، كما كان هو يعبد مَن تقدّمه من آبائه السابقين عليه في تأسيس البيت ، وكان له الاختيار التام والمشيئة النافذة في جميع ما يريده ويأمر به على أهل البيت من زوجة وأولاد حتى القتل لو رأى أنّ الصلاح فيه ، ولا يعارضه في ذلك معارض.

وكانت النساء ـ نساء البيت كالزوجة والبنت والاُخت ـ أردأ حالاً من الرجال حتى الأبناء التابعين محضاً لرب البيت ، فإنهنّ لم يكنّ أجزاء للاجتماع المدني ، فلا تسمع لهنّ شكاية ، ولا تنفذ لهنّ معاملة ، ولا تصح منهنَّ في الاُمور الاجتماعية مداخلة ، لكن الرجال أعني الذكور من الأدعياء ـ فإن التبنّي وإلحاق الولد بغير أبيه كان معمولاً شائعاً عندهم ، وكذا في اليونان وايران والعرب ـ كان من الجائز أن يأذن لهم ربّ البيت في الاستقلال باُمور الحياة مطلقاً لأنفسهم.

ولم يكنّ أجزاءً أصيلة في البيت ، بل كان أهل البيت هم الرجال ، وأما النساء فتبع ، فكانت القرابة الاجتماعية الرسمية المؤثرة في التوارث ونحوها مختصة بما بين الرجال ، وأمّا النساء فلا قرابة بينهن كالاُم مع البنت ، والاُخت مع الاُخت ، ولا بينهن وبين الرجال كالزوجين ، أو الاُم مع الابن ، أو الاُخت مع الأخ ، أو البنت مع الأب. ولا توارث فيما لا قرابة رسميّة ، نعم القرابة الطبيعية ـ وهي التي يوجبها الاتصال في الولادة ـ كانت موجودة بينهم ، وربما يظهر أثرها في نحو الازدواج بالمحارم ، وولاية رئيس البيت وربّه لها.


وبالجملة ، كانت المرأة عندهم طفيليّة الوجود ، تابعة للرجل ، زمام حياتها وإرادتها بيد ربّ البيت من أبيها إن كانت في بيت الأب ، أو زوجها إن كانت في بيت الزوج ، أو غيرهما. يفعل بها ربّها ما يشاء ، ويحكم فيها ما يريد ، فربما باعها ، وربما وهبها ، وربما أقرضها للتمتع ، وربما أعطاها في حقّ يراد استيفاؤه منه كدَين وخراج ونحوهما ، وربما ساسها بقتل أو ضرب أو غيرهما ، وبيده تدبير مالها إن ملكت شيئاً بالازدواج ، أو الكسب مع إذن وليها ، لا بالإرث ; لأنّها كانت محرومة منه ، وبيد أبيها أو واحد من قومها تزويجها ، وبيد زوجها تطليقها(1) .

وسادت في مجتمع الروم أيضاً مظاهر الفسق والفجور ، مما يدلّ على امتهان كرامة المرأة وسلبها عفافها ، بل جعلها اُلعوبة بيد الرجل يقضي منها حاجته ، فكثرت الدعارة والفحشاء ، وزيّنت البيوت بصور ورسوم كلّها دعوة سافرة إلى الفجور ، وأصبحت المسارح مظاهر للخلاعة والتبرّج الممقوت ، وانتشر استحمام النساء والرجال في مكان واحد وبمرأى من الناس. أمّا سرد المقالات الخليعة والقصص الماجنة فكان شغلاً مرضياً مقبولاً لا يتحرّج منه أحد ، بل الأدب الذي كان يتلقاه الناس بالقبول هو الذي يُعبّر عنه اليوم بالأدب المكشوف.

المرأة اليونانيّة :

في اليونان كان الأمر عندهم في تكوين البيوت وربوبيّة أربابها فيها قريباً من الوضع عند الروم ، فقد كان الاجتماع المدني وكذا الاجتماع البيتي عندهم متقوّماً بالرجال ، والنساء تبع لهم ، ولذا لم يكن لها استقلال في إرادة ولا فعل إلاّ تحت ولاية الرجال ، لكنّهم جميعاً ناقضوا أنفسهم بحسب الحقيقة في ذلك ، فإنّ قوانينهم الموضوعة كانت تحكم عليهن بالاستقلال ولا تحكم لهنّ بالتبع إذا وافق نفع

__________________

(1) انظر : الميزان في تفسير القرآن 2 : 264.


الرجال ، فكانت المرأة عندهم تُعاقب بجميع جرائمها بالاستقلال ، ولا تثاب لحسناتها ، ولا يراعى جانبها إلاّ بالتبع وتحت ولاية الرجل.

اذاً كانت المرأة في عصر اليونانيين في غاية الانحطاط وسوء الحال من حيث الأخلاق والحقوق القانونية والسلوك الاجتماعية ، فلم تكن لها في مجتمعهم منزلة أو مقام كريم ، فهي تقضي وقتها في المنزل تغزل وتنسج وتخيط ثيابها وثياب زوجها وأطفالها ، وليس لها من الثقافة شيئاً أبداً حيث كانت تمنع من الذهاب إلى المدارس.

المرأة الصينيّة :

كان المجتمع الصيني يعيش حالة فوضى ، فهو أقرب إلى الوحوش من البشر ، لا يضبطهم قانون ولا عادات ، والأبناء يعرفون اُمهاتهم دون آبائهم ، وكانوا يتزاوجون بدون حشمة ولا حياء ، حتى ظهر الحكيم «فوه ـ سي» سنة 2736 قبل الميلاد ، ووضع لهم القوانين وسنّ لهم الأنظمة.

إلاّ أنّ المرأة لم تحصل من هذه القوانين على حقّها ، بل حتى على درجة من الكرامة. فاعتبرها القانون تابعة للرجل ، تنفّذ أوامره وتقضي حاجته ، ولا ميراث لها بل الميراث للذكور فقط. والزواج بالمرأة يعتبر نوعاً من اشتراء نفسها ، ولا تشارك زوجها ولا أبناءها الغذاء ، بل عليها أن تجلس جانباً لوحدها ، ويحقّ لمجموعة من الرجال أن يتزوّجوا امرأة واحدة يشتركون في التمتع بها والاستفادة من أعمالها.

المرأة الهنديّة :

تعتبر بلاد الهند ذات حضارة عريقة تتصف بطابع العلم والتمدّن والثقافة منذ القدم ، ومع ذلك كلّه نراهم يعاملون المرأة معاملة قاسية لا رحمة فيها. فالمرأة عندهم مملوكة لأبيها أو لزوجها أو لولدها الكبير ، محرومة من جميع الحقوق الملكية حتى الإرث ، وعليها أن ترضى بأيّ زوج يقدّمه أبوها أو أخوها ، وهي


مرغمة أن تعيش معه إلى آخر حياته ، ولا يحقّ لها أن تطلب الطلاق مهما كانت الأعذار ، وفي أيام حيضها عليها أن تنفرد بمأكلها ومشربها ، ولا تخالط العائلة ; لأنها نجسة خبيثة.

إضافة إلى هذا كلّه ، فإنّهم يحرقونها مع زوجها إذا مات ، فكان من عادتهم إذا مات رجل منهم يحرقونه بالنار ، ويأتون بزوجته ويلبسونها أفخر ثيابها وحليّها ويلقونها على جثة زوجها المحترقة لتأكلها النيران.

ويعتقد الهنود أيضاً أنّ المرأة هي مصدر الشرّ والإثم والانحطاط الروحي والخلقي.

المرأة المصريّة :

كانت بلاد النيل مهد الحضارات القديمة ، والمجتمع المصري يتميّز بطابع التمدّن والرقي. إلاّ أنّ المرأة كانت تعيش الاضطهاد والحرمان ، وتعامل معاملة حقيرة شأنها شأن الخدم ، وللرجل أن يتزوّج باُخته ، فلا مانع من ذلك ولا رادع ، وكانوا يعتقدون أنّ المرأة لا تصلح لشيء إلاّ لاُمور المنزل وتربية الأولاد ، لذلك فهم لا يدعوها تخرج من البيت إلاّ لعبادة الآلهة.

ويعتقدون أنّ فيضان النيل ناتج عن غضبه عليهم ، لذلك يجب عليهم تقديم قرابين له في كلّ عام ، فيختارون أجمل فتاة عندهم ويلبسونها أفخر الملابس ويزيّنوها كأنها عروس ليلة زفافها ، ثم يلقونها في النيل في مراسم خاصة لئلا يفيض عليهم!!!

فكم أخذ النيل فتيات عرائس نتيجة للخرافات السائدة آنذاك ، وبسبب امتهان كرامة المرأة وظلمها وحرمانها.

المرأة الفارسيّة :

لم تكن المرأة الفارسية أوفر حظّاً من صويحباتها الهنديات والمصريات ،


فالمجتمع الفارسي القديم كان ينظر إلى المرأة نظرة احتقار وازدراء ، وهو يعاقبها لأيّ إساءة أو تقصير في حقّ زوجها.

يقول الدكتور محمود نجم آبادي في كتاب «الإسلام وتنظيم الأُسرة» : نلاحظ أنّ قوانين «زرادشت» كانت جائرة وظالمة بحقّ المرأة ، فإنّها كانت تعاقبها أشد عقوبة إذا صدر عنها أي خطأ أو هفوة ، بعكس الرجل فإنّها قد أطلقت له جميع الصلاحيات ، يسرح ويمرح وليس من رقيب عليه. فله مطلق الحرية ; لأنّه رجل ، ولكن الحساب والعقاب لا يكون إلاّ على المرأة.

ويقول أيضاً : كان أتباع «زرادشت» يمقتون النساء ، وحالما كانت تتجمّع لدى الرجل براهين على عدم إخلاص الزوجة كان لا مفرّ لها من الانتحار ، وقد ظلّ هذا القانون سارياً حتى عهد الاكاديين ، وفي عهد الساسانيين خفّف هذا القانون ، بحيث صارت المرأة تسجن جزاء عدم إخلاصها أوّل مرّة ، حتى إذا كرّرت عملها صار لا مفرّ لها من الانتحار.

ويقول أيضاً : بينما كان يحقّ للرجل من أتباع «زرداشت» أن يتزوّج من امرأة غير زرادشتيه ، فإنّه لم يكن يحقّ للمرأة أن تتزوّج من رجل غير زرادشتي ، وهذا القانون على المرأة كما أسلفنا فقط ، ناهيك عن الاضطهاد والحرمان. وأمّا الرجل فله الحريّة في التصرّف على هواه وهو المالك ; لأنّه رجل.

المرأة عند العرب الجاهلية :

يسكن العرب الجاهيلة في شبه الجزيرة العربية ، وهي منطقة جافة حارّة جدبة الأرض ، معظمهم قبائل بدويّة بعيدة عن الحضارة والمدنيّة. يعيشون بشنِ الغارات والسلب والنهب ، ويتّصلون بإيران من جانب ، وبالروم من جانب ، وببلاد الحبشة من جانب آخر.

إذاً فحياتهم حياة قساوة وتوحّش فرضتها البيئة عليهم ، لهم عاداتهم وتقاليدهم


الخاصة بهم ، وربما تجد عندهم بعض العادات الهنديّة والمصريّة والروميّة والإيرانيّة.

ولم يكن العرب ينظرون إلى المرأة نظرة تقدير واحترام ، ولم يعطوها درجة من الكرامة ، فهي فاقدة الاستقلال في حياتها ، تابعة لأبيها أو لزوجها ، لا يحقّ لها التصرّف بأيّ شيء إلاّ بموافقة وليّها ، ولا تملك شيئاً ولا ترث ـ حتى لو كان من نتاج عملها ـ بل هي وما تملك لوليها. وليس لها المطالبة بأي شيء ; لأنّها لا تذود عن الحِمى في الحرب. وزواجها يرجع إلى أمر وليّها ، وليس لها حقّ الاعتراض ولا المشورة.

ويحقّ للولد أن يمنع أرملة أبيه من الزواج ، بأن يضع عليها ثوبه ويرثها كما ورث أبيه ، ويحقّ له أن يتزوّجها بغير مهر ، أو يزوّجها لمن يشاء ويأخذ مهرها. وبقيت هذه العادة سائدة عندهم حتى بُعث النبّيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحرّم الله هذا الزواج ، حيث إنّ كبشة بنت معن بن عاصم امرأة أبي قيس بن الأسلت انطلقت إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وقالت له : إنّ أبا قيس قد هلك ، وإنّ ابنه من خيار الحمى قد خطبني ، فسكت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم نزلت الآية الكريمة :( وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء ) (1) ، فهي أوّل امرأة حرمت على ابن زوجها.

روي عن ابن عباس أنّه قال :

إذا مات الرجل وترك جارية ، ألقى عليها حميمه ثوبه فيمنعها من الناس ، فإن كانت جميلة تزوّجها ، وإن كانت قبيحة حبسها حتى تموت. وظلّ هذا شأنهم إلى أن نزل الوحي بتحريم ذلك :( وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء ) (2) .

وكان العربي في الجاهلية يغتم ويضيق صدره إذا ولدت زوجته بنتاً ، بينما كان

__________________

(1) النساء : 22.

(2) تفسير الطبري 4 : 207.


يفرح ويستبشر إذا جاءه ولد ، وأشار الله سبحانه إلى هذه الظاهرة بقوله تعالى :( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ) (1) .

كانوا يعاملونها معاملة حقيرة حتى إنّهم جعلوا صفة الضعف والصغار والهوان ملازمة لها ، واستعملوا كلمة المرأة في الاستعارة والكناية والتشبيه ، بها يقرّع الجبان ، ويؤنّب الضعيف ، ويلام المخذول المستهان والمستذل المتظلم.

قال الشاعر زهير بن أبي سلمى يهجو حِصن بن حذيفة الفزاري :

وما أدري وليتَ إخال أدري

أقومٌ آل حصن أم نساء(2)

وقد أكثر الشعراء في وصف حالهم وحال المرأة في ذلك العهد ، وعجزها عن العمل والمقاومة ، في حين أنّ البنين أقوى منهنّ ، ويتاح لهم ما لا يتاح لهنّ.

قال أحدهم :

وزادني رغبة في العيش معرفتي

ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرحم

أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ

وكنتُ أبكي عليها من أذى الكَلم

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً

والموت أكرم نزّال على الحرم

إذا تذكّرت بنتي حين تندبني

فاضت لعبرة بنتي عبرتي بدم

ولعلّ أبرز مظاهر ظلم المرأة في الجاهلية هي مسألة وأد البنات ، تلك العادة القبيحة اللاإنسانية التي كانت واسعة الانتشار في تلك الأيام في الجزيرة العربية عند

__________________

(1) النحل : 58.

(2) الكشّاف 4 : 367 ، الصحاح 5 : 2016 ، لسان العرب 1 : 504 «قوم».


أهل البادية في الصحراء وفي بعض المدن المتحضّرة.

ويختلف سبب الوأد عند القبائل ، فمنهم من يَئد البنات غيرة على العرض ومخافة من لحوق العار ; لأنّهم أهل سطو وغزو ، وكانت الذراري تساق مع الغنائم ، ويؤخذ السبي فتكون بناتهم عند الأعداء ، وهذا منتهى الذلّ والعار.

قال أحد شعرائهم :

القبر أخفى سترة للبنات

ودفنها يروى من المكرمات

وكانت بنو تميم وكندة من أشهر القبائل تئد البنات خوفاً ; لمزيد الغيرة.

ومنهم من يئد البنات لا لغيرة أو خوف من عار ، بل إذا كانت مشوّهة أو بها عاهة ، مثلاً إذا كانت زرقاء أو سوداء أو برشاء أو كساح ، ويمسكون من البنات من كانت على غير تلك الصفات لكن مع ذلّ وعلى كره منهم.

ومنهم من يئد البنات خوف الفقر والفاقة ; لأنّ العرب يعيشون في أرض قاحلة لا كلأ فيها ولا ماء ، فتمرّ عليهم سنون شديدة قاسية ، فيضطرون لأكل العلهز ، وهو الوبر بالدم ، وذلك من شدةّ الجوع ، وإلى هذا أشار تعالى في قوله :

( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَق نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) (1) .

وقال عزّ وجل :

( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْم وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ) (2) .

وقال تعالى :

( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاق نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً

__________________

(1) الأنعام : 151.

(2) الأنعام : 140.


كَبِيراً ) (1) .

وأوّل من وأد بنته هو قيس بن عاصم ، في قصة معروفة يرويها لنا التأريخ ، وهي أنّ بني تميم منعوا الملك النعمان ضريبة الأتاوة التي كانت عليهم ، فجرّد عليهم النعمان أخاه الريان مع إحدى كتائبه ، وكان أكثر رجالها من بني بكر بن وائل ، فاستاق النعمان سبي ذراريهم ، فوفدت وفود بني تميم على النعمان بن المنذر وكلّموه في الذراري ، فحكم النعمان بأن يجعل الخيار في ذلك إلى النساء ، فأية امرأة اختارت زوجها ردّت إليه ، فشكروا له هذا الصنيع. وكانت من بين النساء بنت قيس بن عاصم ، فاختارت سابيها على زوجها ، فغضب قيس بن عاصم ونذر أن يدسّ كلّ بنت تولد له في التراب ، فوأد بضع عشرة بنتاً.

وقيل : إنّ أوّل قبيلة وأدت من العرب هي قبيلة ربيعة ، وذلك على ما يروى أنّ قوماً من الأعراب أغاروا على قبيلة ربيعة وسبوا بنتاً لأمير لهم ، فاستردّها بعد الصلح وبعد أن خيّروها بين أن ترجع إلى أبيها أو تبقى عند مَن هي عنده من الأعداء فاختارت سابيها وآثرته على أبيها ، عند ذلك غضب الأمير وسنّ لقومه قانون الوأد ، ففعلوا غيرة منهم وخوفاً من تكرار هذه الحادثة.

ومن خلال هذه القصة التي سنذكرها ، يتّضح لنا مدى فظاعة هذا العمل وشناعته ، وقساوة قلوب القائمين به وخلوّها من الرحمة والرأفة والشفقة :

روي أنّ رجلاً من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان مغتماً بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مالك تكون محزوناً؟»

فقال : يا رسول الله ، إنّي أذنبت ذنباً في الجاهلية فأخاف ألاّ يغفره الله لي وإن أسلمت.

__________________

(1) الإسراء : 31.


فقال له : «أخبرني عن ذنبك؟».

فقال : يا رسول الله ، إني كنتُ من الّذين يقتلون بناتهم ، فولدت لي بنت ، فتشفّعت إلىّ امرأتي أن أتركها ، فتركتها حتى كبرت وأدركت ، وصارت من أجمل النساء ، فخطبوها فدخلتني الحميّة ، ولم يحتمل قلبي أن اُزوّجها ، أو أتركها في البيت بغير زواج ، فقلت للمرأة : إني اُريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي ، فسرَّت بذلك وزيّنتها بالثياب والحلي ، وأخذت عليَّ المواثيق بألاّ أخونها.

فذهبتُ إلى رأس بئر فنظرتُ في البئر ، ففطنت الجارية أني اُريد أن اُلقيها في البئر ، فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول : يا أبت ماذا تريد أن تفعل بي؟ فرحمتها ، ثم نظرت في البئر فدخلت علىّ الحمية ، ثم التزمتني وجعلت تقول : يا أَبت لا تضيّع أمانة اُمي ، فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها ، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة ، وهي تنادي في البئر : يا أبت قتلتني ، ومكثت هناك حتى انقطع صوتها ، فرجعت.

فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه ، وقال : «لو اُمرت أن اُعاقب أحداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتك».

وفي بعض كتب التأريخ أنّ العرب كانوا يحفرون حفرة ، فإذا ولدت الحامل بنتاً ولم يشأ أهلها الاحتفاظ بها رموها في تلك الحفرة ، أو أنهّم كانوا يقولون للاُم بأن تهي ابنتها للوأد وذلك بتطييبها وتزيينها ، فإذا زيّنت وطيّبت أخذها أبوها إلى حفرة يكون قد احتفرها فيدفعها ويهيل عليها التراب حتى تستوي الحفرة في الأرض.

المرأة في الحضارة الغربيّة والشرقيّة

عرفنا فيما سبق حالة المرأة في المجتمعات التي سبقت الإسلام ، وكيف أنّهم كانوا يعاملونها معاملة مزرية ، وينظرون إليها نظرة تبعيّة ، ويحرمونها من أبسط


حقوقها.

أمّا المرأة العصرية ، والتي تسير تحت ظلّ الحضارة الغربيّة أو الشرقيّة ، فإنّها لم تصبح أحسن حالاً من تلك التي عاشت في العصور السابقة ، مع فارق الأساليب.

فهي تعيش في مجتمع يدّعي الحضارة والمساواة ، ويدّعي أنّه ضمن للمرأة كلَ ما تحتاجه من حقوق ، والواقع عكس ذلك تماماً. فإن كانت المجتمعات السابقة تنظر للمرأة نظرة تبعيّة محضة ، فاليوم يسيطر الرجل على المرأة ، وينال منها ما يريد باسم الحريّة والمساواة.

فالمجتمع الغربي والشرقي يعيش أقصى درجات الانحطاط والتميّع والفساد ، وخير دليل على ذلك شهادة زعيمي الشرق والغرب :

يقول كندي :

إنّ الشباب الأمريكي مائع منحل منحرف غارق في الشهوات ، وإنّه من بين كلّ سبعة شباب يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين بسبب انهماكهم في الشهوات ، واُنذر بأن هذا الشباب خطر على مستقبل أمريكا.

وقال خروشوف :

إنّ الشباب الشيوعي قد بدأ ينحرف ويفسده الترف.

إذاً فالمجتمع الغربي والشرقي يعيش اليوم حياةً بعيدةً عن القيم والأخلاق ، فهمُّ كلّ فرد منهم سدّ حاجته ، لذلك نراهم يلهثون وراء لقمة العيش وبأي اُسلوب كان.

ومن الطبيعي أن تجري المرأة هذا الجريان في حياتها ، حيث انعدام الروابط العائليّة ، فما أن تبلغ البنت سن الرابعة عشر حتى يتوجّب عليها أن تسعى وراء سدّ حاجاتها ، والحصول على ما يكفل لها ذلك.

فالمرأة في الجتمع الغربي والشرقي وإن حصلت على بعض الحقوق من جانب معيّن ، إلاّ أنّها فقدت كرامتها وشرفها وعزّها من جانب آخر. فالرجل لا ينظر لها إلاّ


نظرة تبعيّة ، يسخّرها لما تقتضيه مصلحته ، فينال منها ما يريد لسدّ جوعه الجنسي ، وينبذها عند شبعه ، يجعلها مادة للدعاية المحضة ، يجعل صورتها على كلّ بضاعة بائرة : على الملابس ، السكاير ، قناني المشروبات ، معجون الأسنان ، وحتى على الأحذية ، وغيرها من السِلع.

وأصبح من المحتّم عليها أن تسعى وراء لقمة العيش بأىّ عمل كان ، حتى أنّها تبيع شرفها وكرامتها مقابل ذلك ، ففي إحدى التقارير المرفوعة سابقاً إلى البرلمان البريطاني :

إنّ كثيراً من الزانيات في لندن لسن من المحترفات المتفرّغات لهذه المهنة ، وإنما هنّ من صغار الموظفات ومن طالبات الجامعات أو من المعاهد ، اللواتي يمارسن البغاء إلى جانب أعمالهن ليحصلن على دخل إضافي يمكّنهن من الإنفاق عن سعة على الثياب المغرية وعلى مستحضرات التجميل.

لذلك شاع الفساد والانحلال في هذه المجتمعات ، فهم لا ينظرون إلى المرأة إلاّ أنها اُلعوبة في أيديهمم يتمتّعون بها متى شاؤا. وقلّت نسبة الزواج الشرعي هناك ، فقد جاء في مقال نشرته إحدى الصحف الألمانية : إنّ الأولاد الصغار بين 14 ـ 16 سنة الّذين يتأهلون للعمل يقولون حينما يبحث أمر الزواج أمامهم : أنا أتزوّج؟ لماذا؟! إنني أستطيع الحصول من أي فتاة في العمل على كلّ ما اُريد دون أن أتزوّجها.

وفي بعض الإحصائيات الصادرة عام 1966 م في بريطانيا :

إنّ واحدة من كلّ خمس من الإنكليزيات اللواتي تجاوزن سن الخامسة عشر لا تزال عذراء ، ويتوقّع علماء الاجتماع في سنة 1967 م أن تفقد العذرية معناها في انكلترا.

وأصبحت الفتاة عندهم لا تعبأ إن سلب شرفها واُعتدي على كرامتها ، بقدر ما


يهمها الجانب المادي الذي سيطر على الحياة اليوميّة تماماً. ففي ألمانيا الغربية اعتدى اثنى عشر شاباً في يوم واحد على بنت عمرها 14 سنة ، وبعد انتهاء عملية الاغتصاب توجّهت هذه الفتاة إلى الشرطة لتخبرهم بفقدان محفظتها!!!

وكنتيجة طبيعية لهذا المسلك كثرت الجرائم والاعتداءات وأصبحت شيئاً مألوفاً عندهم ، ففي ألمانيا الغربية لا يمر يوم واحد دون أن تُقترف جريمة غصب واعتداء.

بل وأصبح الشذوذ الجنسي عندهم عملاً مقبولاً ، لا معارض له ، ففي اتلانتا بولاية جورجيا الأمريكية يوجد نادي تنتشر فروعه في كبريات المدن الألمانية ، وهو يدير عمليات تعارف غير مشروعة بين أعضائه من الرجال والنساء ، كما تتم عن طريقه عمليات تبادل مؤقت للزوجات.

أما بريطانيا فتنغمس في الفجور إلى حدود مذهلة ، حتى إنّ الدعوة إلى إباحة الشذوذ الجنسي بين الرجال استطاعت أن تظفر بالاباحة في مجلسي اللوردات والنوّاب ، وبارك هذه الإباحة معظم الشعب الإنكليزي وعلى رأسه أساتذة الجامعات والأطباء والمفكّرون ، بل وحتى رجال الكنيسة!

وما ذكرناه من معلومات واحصائيات فهي قليلة جدّاً وقديمة نشرت قبل أربعين عاماً تقريباً ، فما ظنّك بما يحصل اليوم ، وقد تطوّرت الأساليب والطرق بشكل كبير جداً.

ومن هذا يتضح جليّاً أمام كلّ منصف وواع مدى الانحطاط الذي وصلت إليه المرأة عندهم ، فكرامتها مسلوبة وشرفها مباع ، وهي تعيش في الرذيلة بما لهذه الكلمة من معنى.

والتحدّث عن هذا الجانب واستيعابه يحتاج إلى وقت كبير ، ولا تكفيه هذه المقدّمة المختصرة ، وقد كتب عن هذا الموضوع الكثير من علمائنا ومفكرينا ، فمن شاء الإطلاع أكثر فعليه بتلك الكتب.


والكتاب الذي بين أيدينا الذي ألّفه اُستاذنا العزيز سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ حسن الجواهري حفظه الله ورعاه ، جاء ردّاً علمياً دقيقاً على الاتهامات التي وجهها أعداء الدين الإسلامي الحنيف في ما يتعلق بالمرأة وحقوقها ، فتناول فيه عدّة مسائل حساسة في هذا الموضوع كقيمومة الرجل على المرأة ، وحقوقها في المنزل والمجتمع ، وتوليها القضاء والإفتاء ، وتعدّد الزوجات ، وغيرها من المواضيع المهمة.

ومركز الأبحاث العقائدية إذ يقوم بطبع هذا الكتاب ـ بعد مراجعته من الناحية الفنية ـ ضمن سلسلة «دراسات في الفكر الإسلامي المعاصر في ضوء مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام » ، يدعو الكتّاب والباحثين إلى المشاركة في هذا المشروع الحيوي العصري ورفده بما تجود به أقلامهم المباركة.

محمّد الحسّون

مركز الأبحاث العقائديّة

27 شعبان 1427 هـ

site.aqaed.com / Mohammad

muhammad@aqaed.com


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطيّبين الطاهرين وصحبه الميامين.

نشكر الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي التي أولت لنا هذا البحث القيّم في الدورة السابعة عشر المنعقدة في عمّان ، ونرجو أن يكون بحثنا مقبولاً قبولاً حسناً.

المؤلّف



تمهيد

إنّ موقع المرأة في نظام القِيَم في الإسلام ، وفي نظام الحقوق والواجبات الإسلامية ، متّحد مع موقع الرجل ; وذلك :

1 ـ لأنّهما ينتميان إلى حقيقة واحدة وهي الإنسانية ; فالإنسان نوع واحد في الجنس الحيواني ، وجميع أفراد هذا النوع متّحدة ومتساوية في الإنسانية ، فلا تفاضل بين الناس في الإنسانية ، فلا تفاضل لاُنثى على اُنثى ، ولا لذكر على ذكر ، ولا لذكر على اُنثى ، ولا لاُنثى على ذكر.

وهذا ما أكّده القرآن الكريم حيث قال :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) (1) .

2 ـ المساواة في الولاية : قال سبحانه وتعالى :( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (2) .

فالولاية في الإسلام لله وللرسول ولأهل البيت وللمؤمنين ، ومعنى الولاية في هذا المورد هو الحبّ والودّ والقرب ، والولاية أوسع الروابط وأوشجها في الإسلام ، ومنها الولاية بين المؤمنين والمؤمنات.

3 ـ المساواة في أصل الخلق : فالذكر والاُنثى متّحدان في أصل الخِلقة ، قال

__________________

(1) النساء : 1.

(2) التوبة : 71.


تعالى :( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالاُْنثَى * مِن نُّطْفَة إِذَا تُمْنَى ) (1) .

وقال تعالى :( أَيَحْسَبُ الاِْنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالاُْنثَى ) (2) .

وقال تعالى :( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنسَانَ مِن سُلاَلَة مِّن طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَّكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (3) .

وقد ورد في السنّة ما يؤكّد هذا المعنى في قول الإمام عليعليه‌السلام في عهده لمالك الأشتر حين ولاّه مصر ، فقال له : «واعلم يا مالك إنّ الناس صنفان : إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق»(4) .

4 ـ المساواة في الهدف : إنّ هدف الإنسان ـ ذكراً أو أنثى ـ في هذه الحياة هو هدف واحد أيضاً ، فهدف إيجاد الإنسان هو عبادة الله وإعمار الأرض والتمتّع بها ، قال تعالى :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِْنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (5) .

وقال تعالى :( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (6) .

وقال تعالى مخاطباً الإنسان : (ذكراً أو أنثى أيضاً)( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الاَْرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الاَْرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنَّ

__________________

(1) النجم : 45 ـ 46.

(2) القيامة 36 ـ 39.

(3) المؤمنون : 12 ـ 14.

(4) نهج البلاغة : كتابهعليه‌السلام إلى مالك الأشتر ، رقم 53.

(5) الذاريات : 56.

(6) البقرة : 30.


اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (1) .

وقال تعالى أيضاً :( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَاب مُّنِير ) (2) .

وقال تعالى أيضاً :( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (3) .

5 ـ المساواة في المسؤولية والثواب : إنّ مسؤولية الإنسان ـ ذكراً أو اُنثى ـ عن أعماله في الدنيا والآخرة واحدة ، بمعنى أنّ مسؤولية المرأة ليست أقلّ ولا أكثر ولا أصغر ولا أكبر من مسؤولية الرجل ، بل هما متساويان في المسؤولية أمام الله ، قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الاِْنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) (4) .

وقال تعالى :( وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) (5) .

وقال أيضاً :( وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس إِلاّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (6) .

وقال تعالى :( وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ

__________________

(1) الحج : 65.

(2) لقمان : 20.

(3) الأعراف : 31 ـ 32.

(4) الانشقاق : 6.

(5) الشمس : 7 ـ 10.

(6) الانعام : 164.


الَّذِي وَفَّى * أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلاِْنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الاَْوْفَى ) (1) .

ونفهم من كلّ ما تقدّم أنّ التكليف الإسلامي موجّه إلى الإنسان ككلّ دون تمييز أو تفريق.

وقد روي عن أُمّ المؤمنين «أُم سلمة»رضي‌الله‌عنها أنّها قالت : يا رسول الله لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء؟! فأنزل الله :( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِل مِّنكُم مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) (2) .

وقال تعالى :( وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ُ) (3) .

وقال تعالى :( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) »(4) .

6 ـ المساواة في الإخوّة : ومبدأ الإخوّة بين المؤمنين المصرّح به في القرآن الكريم هو عبارة عن المساواة بين الذكر والاُنثى في المرتبة ، فقال تعالى :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ

__________________

(1) النجم 31 و 36 ـ 41.

(2) آل عمران : 195. راجع تفسير الميزان ج 4 / 90.

(3) التوبة : 72.

(4) الأحزاب : 35.


إِخْوَةٌ ) (1) .

وقال تعالى :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) (2) .

فليس الذكر أصلاً والاُنثى تابعة ، ولا العكس هو الصحيح ، بل هما في رتبة واحدة متساوية.

7 ـ الاختلاف الفسلجي والسيكولوجي : ومع كلّ ما تقدّم من اتّحاد بين الذكر والاُنثى في نظام القِيَم والحقوق والواجبات في انتمائهم إلى الإنسانية والولاية ووحدة الخلق والهدف والمسؤولية والإخوّة ، إلاّ أنّ الاختلاف بين الذكر والاُنثى في الصنف أمر واضح ، فالمرأة تختلف عن الرجل فسلجياً وسيكولوجياً ، وهذا يقتضي تنوعاً في وظيفة كلّ منهما في الاُسلوب والطريقة التي يتبّعها في القيام بدوره في وظيفته العامة ، فلكلّ منهما وظيفة خاصة ينتج منهما الوظيفة العامة للإنسان في الحياة.

فهناك وظيفة عامة يشترك فيها الذكر والاُنثى ، وهناك وظيفة خاصة لكلّ منهما حسب خصوصية صنفه ، وهذه الوظيفة الخاصة لكلّ من الذكر والاُنثى تكون كلّ واحدة منهما مكملّة للاُخرى في تحقيق الوظيفة العامة للنوع الإنساني.

وبمعنى آخر ، أنّ الوظيفة الخاصة لكلّ من الرجل والمرأة تكون علاجاً لنقص أو إيجاداً لكمال في تحقيق الوظيفة العامة ، فالرجل والمرأة بوظائفهما الخاصة يوجدان الينبوع البشري الذي أراده الله لاستمرار الحياة وعبادة الله.

وليس هذا الاختلاف في الصنف مقتصراً على البشر ، بل هو قانون عام في سائر أجناس وأنواع وأصناف المخلوقات. قال تعالى :( لَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنسَانَ فِي أَحْسَنِ

__________________

(1) الحجرات : 10.

(2) آل عمران : 103.


تَقْوِيم ) (1) .

وقال تعالى :( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاَْعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) (2) .

وقال تعالى :( إِنَّا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر ) (3) .

وقال تعالى :( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (4) .

وقال تعالى :( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) (5) .

ومن نافلة القول بأن تنوّع الوظيفة الخاصة لا يكون نتيجة للأفضلية أو الدونية ; لأن التنوّع تنوّع وظيفي للذكر والاُنثى ناشيء من تحقيق الوظيفة العامة من هذا التنوّع ، وليس تنوّعاً قيميّاً أو أخلاقياً ناشئاً من أسباب تتصل بالإنسانية.

وبمعنى آخر : إنّ الوظيفة العامة للبشر هو استمرار الينبوع البشري ليقوم بعبادة الله وإعمار الأرض ، وهذا يقتضي التناسل والتكاثر. والتناسل والتكاثر المتعارف المرغوب فيه ـ والذي يضمن استمرار البشرية في الكون ـ لا يكون عملية ذاتية لأيّ من الذكر والاُنثى ، بل هو نتيجة تفاعل وتكامل بين الذكر والاُنثى ، لذا هيّأ الله كلّ صنف لجانب من عملية التناسل لا يمكن أن يقوم به الصنف الآخر جسديّاً ونفسيّاً وعاطفيّاً.

وهذه العملية الجنسية بين الذكر والاُنثى تقتضي الحمل ، ونمو الحمل والولادة بعد ذلك ، ثمّ بعدها الحضانة والتربية.

كما أنّ النسل يحتاج إلى القوت والمأوى والكساء ، والإنسان يحصّن بها حياته

__________________

(1) التين : 4.

(2) الأعلى : 1 ـ 3.

(3) القمر : 49.

(4) طه : 50.

(5) الفرقان : 2.


من أخطار الطبيعة وآفات الجسد.

وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون المهمة الأُولى من وظيفة الاُنثى ، وأن تكون المهمة الثانية من وظيفة الذكر.

وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تُخلَق الاُنثى مؤهلة من الناحية النفسية والجسدية لما يناسب مهمة الحمل وما ينتج عنها ، وأن يخلق الذكر مؤهلاً من الناحية النفسية والجسدية لما يناسب مهمة العمل في الطبيعة والمجتمع.

ومعلوم أنّ تقسيم العمل هذا يقتضي تنوّعاً في الوظائف الخاصة ، ولكن هذا التنوّع لم ينشأ عن أفضلية أحد الصنفين على الآخر. فوظيفة كلّ من الذكر والاُنثى عامل محايد بالنسبة للقيمة الإنسانية والأخلاقية لكلّ واحد من الصنفين(1) .

ثمّ إنّ اختلاف الوظيفة الخاصة للذكر عن الاُنثى ، الذي يقتضي الاختلاف في التكوين الجسدي والعاطفي ، يقتضي أيضاً الاختلاف في التشريع الذي ينظّم عمل كلّ واحد من الصنفين ; ليقوم الإنسان بمهمته العامّة للخلافة على الأرض ، لأنّ النظام التشريعي لكلّ كائن يجب أن يتوافق مع نظامه التكويني (الجسدي والنفسي)

__________________

(1) نعم ، الإسلام اعتمد معياراً لتشخيص الأفضلية والدونية ، وهو مدى التزام الإنسان بوظيفته العامة من خلال الالتزام بمقتضيات الوظيفة الخاصة ، وقد عبّر عن هذا الالتزام في نظام القيم الإسلامي بالتقوى ، وفي مصطلح الفقهاء بالعدالة.

كما اعتمد الإسلام معياراً آخر للتفاضل بين البشر ، ألاّ وهو العلم مع الإيمان ، فقد قال تعالى :( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات ) المجادلة : 11.

وقال تعالى :( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الاْخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاَْلْبَابِ ) الزمر : 9.

وهذان المعياران يمكن أن يحصل عليهما كلّ صنف من الذكر والاُنثى على حدٍّ سواء ، فالذكر يمكن أن يكون متقيّاً سائراً على وفق موازين الشرع في تحقيق وظائفه الخاصة والعامة ، وكذا المرأة على حدٍّ سواء ، كما أنّ الذكر والاُنثى يمكن لكلّ واحد منهما أن يحصل على العلم مع الإيمان الذي ينفع به نفسه واُمته.


ووظائفه.

وخلاصة لما تقدم نتمكن أن نقول : إنّ أيّ إنسان (سواء كان رجلاً أو امرأة) إذا وجد فيه الاستعداد للوصول إلى حقّ ما ، فالحقّ موجود له طبيعيّاً ; لأنّ الاستعداد الذي وجد فيه يكون دليلاً على أنّ من حقّه الوصول إلى حقّه الذي وجد فيه استعداد للوصول إليه ، فحركة الإنسان ضمن استعداده الذي وجد فيه هو حقّ طبيعي للإنسان ، وهذا هو طريق الوصول إلى الكمال الذي ينشده الإسلام من خلقه البشر.

وعلى هذا ستكون الحقوق الاجتماعية للفرد (سواء كان رجلاً أو امرأة) هي عبارة عن الاستفادة من المواهب والحقوق الطبيعية ، فيتمكن الفرد أن يصل إلى عمل أو منصب أو فكر أو رأي ، أو طهارة أو تقوى أو علم ، أو أيّ شيء آخر من حقوقه الطبيعية بواسطة الاستفادة من حقوقه الطبيعية.

نعم ، هناك حقوق مكتسبة متفاوتة لوجود تفاوت في القدرات في سبيل الحصول على الحقّ العام ، ولو أردنا أن نساوي بين الحقوق المكتسبة لكان هذا ظلماً لبعض أفراد الإنسان ، ولهذا نرى أنّ بعض الأفراد سيكون رئيساً ، والآخر مرؤوساً ، والثالث عاملاً ، والرابع صانعاً ، والخامس اُستاذاً ، والسادس ضابطاً ، والسابع جنديّاً ، والثامن وزيراً ، وهكذا ، ولا اعتراض على هذا لو كان ناشئاً من اختلاف في القدرات عند إعمال الحقّ العام.


المبدأ الأساسي في فهم دور المرأة في المجتمع

إنّ الوظيفة العامة للاُنثى المساوية للذكر ، والوظيفة الخاصة لها حسب تكوينها الجسدي والنفسي وحسب مهامها الخاصة ، هو الأساس والصورة الواضحة للمرأة ودورها في المجتمع ، وعلى ضوئه تفهم النصوص الواردة في السنّة الشريفة ; لأنّ ما ورد في السنّة الشريفة يكون مكمِّلاً للرؤية القرآنية ، مبيّناً وشارحاً ومفصّلاً لها ، وعلى هذا فإذا ورد حديث (وإن كان معتبراً) إلاّ أنّه كان معارضاً ومصادماً لهذه الرؤية القرآنية ، فيجب عدم الأخذ به ; لأنّ الحديث الحجّة يجب أن لا يكون معارضاً ومصادماً للقرآن.



نظرة الإسلام للمرأة والتديّن

وإذا كانت المرأة مساوية للرجل في الإنسانية ، فهي مدعوّة كالرجل إلى التديّن والالتزام بالشريعة ، فتطهر روحياً من كلّ الأرجاس التي تلحق بالإنسان نتيجة عدم التزامه بالدين والطهارة الروحيّة.

فالقرآن الكريم قد أعطى للمرأة كامل الاستقلال والحريّة في شؤونها والتزاماتها الدينية ، ولم يتحدّث عنها بصفتها تابعة لأحد (زوجاً أو غيره) في اُمور الدين والعبادة.

فقبل الزواج تكون المرأة في بيت أبيها وأُمّها ، وبعد الزواج تكون المرأة في بيت زوجها ، وهذان البيتان عبارة عن الجوّ العائلي الذي تنتمي إليه المرأة وتعيش فيه ، وقد يؤثّر وينعكس على دين المرأة ، لذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «تزوّجوا في الشكاك ولا تزوجوهم ; لأنّ المرأة تأخذ من أدب الرجل ويقهرها على دينه»(1) .

إلاّ أنّ القرآن أراد من المرأة الإنسانة أن تكون مستقلّة عن كلّ أحد في عقائدها ، ولم يقبل منها أيّ نوع من أنواع التبعيّة للغير في أمر التديّن والطهارة الروحية والعقيدة ، وهذا ما نراه في قضية آسية بنت مزاحم زوجة فرعون حيث قال تعالى :( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (2) .

__________________

(1) وسائل الشيعة 14 : باب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ، الحديث 2.

(2) التحريم : 11.


فآسية بنت مزاحم كانت على دين زوجها فرعون ، ولكن عندما شاهدت البيّنات في معجزة نبي الله موسىعليه‌السلام أمام السحرة آمنت به ، ومع اطلاع فرعون على الأمر نهاها مراراً ، لكنّها أبت إلاّ التمسّك بالدين الإلهي وعارضت الملك والسلطة رغم التهديد بالقتل ، بل ووقوع القتل عليها كما تحدّثنا الروايات من أنّ فرعون وتّد لها أربعة أوتاد وأضجعها على ظهرها وجعل على صدرها رحى واستقبل بها عين الشمس(1) .

فآسية بنت مزاحم قد حافظت على طهارتها الروحيّة ، وتحدّت ضغوط الزوج والسلطة والاغراءات التي كان يتباهى بها فرعون ، بل استصغرت تباهي فرعون حيث كان يقول : (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الاَْنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ)(2) ، ولكن آسية جابهت كلّ هذا بإصرارها على قبول الحقّ والبرهان وكانت تقول :( رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ) .

فهذا المثال للمرأة المتديّنة يدلّ على أنّ المرأة التي هي شريكة الرجل في الإنسانية يمكنها أن تصل إلى هذه المرتبة العالية من الطهارة الروحية والتديّن الفعلي ، فتقاوم أشدّ الضغوط عليها في البيت الزوجي ، وقد وردت الروايات الدالّة على مكافأة الله سبحانه لها بعدّة اُمور(3) .

__________________

(1) راجع تفسير الميزان ، للعلاّمة الطباطبائي 19 : 346.

(2) الزخرف : 51.

(3) أراها بيتها في الجنة أثناء تعذيبها ، راجع مجمع البيان ، للعلاّمة الطبرسي 9 : 479.

تبوأت موقعاً بين نساء العالم ، فقد جاء في رواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله «أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». راجع الخصال ، للشيخ الصدوق 1 : 205.

وأصبحت زوجة لرسول الله في الجنّة ، فقد روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه : أنّه دخل رسول الله على خديجة وهى لما بها ، فقال لها : «بالرغم منّا ما نرى بك يا خديجة ، فإذا قدمت على ظرائرك فاقرئيهن


وكما أنّ آسية بنت مزاحم قد تحدّت الضغط العائلي في عقيدتها ودينها ، فإنّ مريم بنت عمران قد تحدّت الضغط الاجتماعي الذي يجرف معه النساء ويحرفهن عن عقيدتهن وتديّنهن بالدين الحقّ ، إلاّ أنّ هذا الضغط الاجتماعي في مخالفة الشريعة لا يكون عذراً للمرأة ، فالدين يُطالب المرأة أن تقاوم كلّ المؤثّرات الاجتماعية السلبية وتحافظ على دينها مهما كلّفها ذلك من ثمن.

فقد كانت البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها مريم لا تعتني بالقيم الدينية ، ولا تعتني بالرموز المتصدية لتجسيم تلك القيم كالأنبياء والأوصياء ، حيث كان قتل الأنبياء من أهون الأُمور لديهم ، فقد كانوا يقتلون في اليوم والليلة سبعين نبياً من أنبيائهم ، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون وكأن لم يصدر منهم أيّ ذنب وجريمة ، وقد حدث ذلك أيضاً مع الأنبياء المعاصرين لمريمعليها‌السلام كزكريا ويحيى وعيسى(1) .

وقد كانت تلك البيئة متهتّكة تنتشر فيها الفاحشة والأوبئة الأخلاقية ، حيث مدح الله مريم بأنّها أحصنت فرجها فقال( الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) (2) ، ومدح الله يحيى بانه( وَسَيِّداً وَحَصُوراً ) (3) .

ومع ذلك فقد ضرب الله لنا مثالاً للمحافظة على العفّة والطهارة والتديّن ، فمن النساء مريم ، ومن الرجال يحيى ، وهذا يدلّ على أنّ الرؤية القرآنية للمرأة

__________________

السلام» فقالت : مَن هنّ يا رسول الله؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله «مريم بنت عمران وكلثم اُخت موسى ، وآسية امرأة فرعون». فقالت بالرفاه يا رسول الله ، راجع من لا يحضره الفقيه ، للشيخ الصدوق 1 : 136.

(1) راجع تفسير الميزان 14 : 28 ، 29.

(2) التحريم : 12.

(3) آل عمران : 39.


المحافظة على الدين والعبادة حيث ضرب لها كفيلها زكريا من دون الناس حجاباً عندما أدركت وبلغت ، فكانت تعبد الله تعالى ولا يدخل عليها إلاّ زكريا.

فمريم رغم البيئة غير المتديّنة( كَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) ، وقال عنها الله تعالى :( يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (1) .

__________________

(1) آل عمران : 43.


نظرة الإسلام للمرأة وسموّها العقلي (العلم)

وهكذا نظر القرآن الكريم إلى المرأة على أنّها مستقلّة في مجال الفكر والمعرفة ، فأعطاها استقلالها في المعرفة ، ونظر إليها على أنّها صاحبة رأي وحكمة.

وهذا يمكن معرفته من تجربة بلقيس بنت شرحبيل (ملكة اليمن) ، التي عرض القرآن لنا تجربتها على أنّها تجربة إنسانية قابلة لأن تكون مورداً للتأسي والاقتداء ، وقد نظر القرآن لها بعين الرضى والقبول حيث لم يقابلها بالنقد والتجريح.

فقد كانت حكمة بلقيس قد تجلّت في استشارتها لمجلسها الذي شكّلته من عدد أفراد القبائل التي كانت ساكنة باليمن ، وفي خضوعها للحقّ من دون مكابرة عندما بيّن لها أن الذي يدعوها للدخول في الدين الجديد هو نبي من أنبياء الله تعالى ، فقد قال تعالى على لسان بلقيس :( قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلاَُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ) (1) ، فهي الملكة والأمر أمرها ولكن لم تتخذ قراراً إلاّ بعد التشاور.

وقد كان قرار المجلس يميل إلى الحرب إذ قالوا لها :( نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأْس شَدِيد ) ، ولكنّها كانت تعلم( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ) (2) فاختارت أن تعرف نوايا صاحب الرسالة (سليمان) هل هو من الملوك الظلمة ، فإنّه سيفرح بهدية تهديها له هذه الملكة ويكفّ عنها ، وإن لم يكفّ فهم قادرون على مقابلته ، وإن كان

__________________

(1) النمل : 32.

(2) النمل : 34.


هو من الأنبياء فسوف يردّ الهدية ، ولا يرضى إلاّ بدخولهم في طاعته ، والنبي لا طاقة للملكة في مقابلته ، ولذا صمّمت على إرسال الهدية له( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّة فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) (1) .

ولكن عندما علمت أنّه لم يقبل الهدية حيث كان الجواب :( فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (2) وهنا علمت بلقيس إنّ هذا الذي يدعوها للدخول في طاعته وقبول رسالته هو نبيّ من أنبياء الله ، وهي وقومها لاطاقة لهم في مقابلة النبيّ ، فصمّمت على الارتحال إلى سليمان وقالت :( إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيَْمانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (3) فاعترفت بالخطأ الذي كانت عليه وأقرّت بالإيمان بكلّ شجاعة.

فالقرآن حينما يسجّل لنا هذه التجربة الإنسانية ، يريد أن يوضّح لنا موقفه من المرأة التي كانت حكيمة وعالمة ، وحيث لم يقابل هذه التجربة بالنقد والتجريح نفهم أن القرآن الكريم يُجيز للمرأة أن تكون قائدة لاُمّة إذا كانت عالمة وقادرة على قيادة هذه الاُمة بالتدبّر والتفكّر والحكمة والعلم.

إلى هنا تبيّن لنا أنّ المرأة تتمكّن أن تواجه الضغط العائلي كما واجهته آسية زوجة فرعون في صمودها على إيمانها وعبادتها ، وتتمكّن أن تواجه الضغط الاجتماعي كذلك كما واجهته مريم بنت عمران وآمنت بالله وعبدته رغم انحراف مجتمعها عن الحقّ والعدل ، وتتمكّن أن تكون صاحبة عقل وفكر وحكمة وعلم كما في بلقيس.

__________________

(1) النمل : 35.

(2) النمل : 36 ـ 37.

(3) النمل : 44.


فالمرأة إذن يمكن أن تكون مثالاً للالتزام والتديّن بما تعتقد به ، ومثالاً للحكمة والعلم والسموّ العقلي ، فهي متكاملة وليست ناقصةً متدنيةً عن الرجال كما يريد أن يصوّرها لنا الآخرون.

قد يقال : إنّ ما ذكره القرآن في قصة آسية زوجة فرعون ومريم بنت عمران وبلقيس ، لا يمكن أن يكون هو القاعدة وهو الفطرة في صنف النساء ، بل هذه النساء استثنيت من النساء نتيجة الاصطفاء الإلهي ، فلايمكن أن يقاس عليها غيرها من النساء.

الجواب : إنّ هذه النساء التي تقدّم الكلام عنها ، وكذا بقية النساء التي لها الأثر في تاريخ مسيرة النبوّة الخاتمة نبوّة نبينا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله كخديجة وفاطمة وغيرهما من النساء البارزات والمميّزات ، لم يرد النصّ بالاصطفاء في أيّهم سوى السيّدة مريم (أم عيسى).

واصطفاء السيّدة مريم لم يكن بمعنى تمييزها عن سائر النساء بمواهب وكفاءات تماثل فيها الرجال ، وتفوق بها النساء ، بل الاصطفاء هنا بمعنى آخر ، إذ قالت الآية الكريمة :( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) (1) .

وقد ذكر المفسّرون أنّ المراد من الاصطفاء الأوّل في الآية : هو تفريغها للعبادة والخدمة في الهيكل ، بعد استثنائها من الحظر المفروض على النساء في هذا الشأن ، وذلك استجابة لنذر أُمّها بتحرير حملها للعبادة المحكي في قوله تعالى :( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي ) (2) .

__________________

(1) آل عمران : 42.

(2) آل عمران : 35.


والاصطفاء الثاني : هو اختيارها لولادة عيسىعليه‌السلام الإعجازية.

فالاصطفاء الأوّل : هو استجابة لدعاء وعوناً على التقوى لإعدادها لموضوع الاصطفاء الثاني ، وهو الحمل الإعجازي.

إذن السيّدة مريم لا تتميّز عن سائر النساء في سائر حالاتها وشؤونها الإنسانية ، فالمرأة بحسب إنسانيّتها وخلقتها الأصليّة قابلة لتولّي المهام في الحياة العامة كالرجل ، فهي كاملة وليست ناقصة ومتدنية عن الرجال في الأعمال العامة إذا سنحت لها الفرصة والتربية والتمرين على ذلك.

نعم ، هناك اصطفاء عام للرجال والنساء ذكره القرآن في موارد ثلاثة :

1 ـ قال تعالى :( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (1) .

2 ـ قال تعالى :( قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) (2)

3 ـ قال تعالى :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (3)

وهذه الآية الثالثة تصرّح بأنّ الاصطفاء لا يعني حتميّة التمييز ; لأنّ في هؤلاء المصطفين من لم يعمل بالكتاب وانحرف عن نهج الله.

إذن سيكون معنى الاصطفاء هو الاختيار للمهمة والمعونة عليها ، ولكنّ الأمر في انجاز المهمة متروك لإرادة الإنسان واختياره ، فلايكون الاصطفاء بمعنى التغيير في حالات النساء والشؤون الإنسانية.

ملاحظة : إنّ الهدف من القصص في القرآن هو التعليم بذكر القدوة العملية في

__________________

(1) آل عمران : 33.

(2) النمل : 59.

(3) فاطر : 32.


مجال الخير ، وذكر أمثلة الانحراف والشرّ للتحذير منها. اذن هي أمثلة للعمل والاتباع ، وليست لمجرّد المعرفة البشرية أو لتوثيق التاريخ أو للتسلية.

اذن يمكن القول : إنّ القصص القرآني يكشف عن مباديء ثابتة في الشريعة الإسلامية ، يمكن للفقيه أن يأخذها في اعتباره عند البحث عن الحكم الشرعي أو الاستدلال عليه في مقام الاجتهاد والاستنباط.

وعليه ستكون نظرة القرآن للمرأة هي المرجع في فهم النصوص التشريعية وتفسيرها ، فلاحظ.



دور المرأة في الأُسرة في النظرة الإسلامية

يتبيّن دور المرأة في الأُسرة لوظائفها الخاصة من نواحي متعددة :

أولها : أنّها زوجة صالحة ، يسكن إليها الزوج حيث يكون الإيمان بالله والعلم الذي تحصل عليه نتيجة ندب الإسلام إليه ، هما القائدان لها لأن تكون زوجة صالحة في بيت الزوجية يسكن إليها الزوح.

قال الله تعالى :( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) (1) .

وقال سبحانه :( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ) (2) .

فالعلاقة الزوجية هدفها السكن (الاطمئنان) لكلا الطرفين ، فكلّ طرف يجد راحة وسعادة في بيت الزوجية بسبب وجود الآخر.

وكلامنا بما أنّه في الزوجة ، فيجب أن تكون الزوجة صالحة توفّر السكن والاطمئنان للزوج وتسعى لنشر السعادة والهدوء في بيت الزوجية ، فيترقّب منها أن تأتي بكلّ ما من شأنه توفير هذه الحالة.

__________________

(1) الأعراف : 189.

(2) الروم : 21.


ومن مميّزات صلاح المرأة أنّها ذات دين تحفظ الزوح إذا غاب عنها في نفسها وماله ، وتسرّه إذا حضر عندها ، وتطيعه إذا أمرها.

فقد ورد في معتبرة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أنّه قال : «ما أفاد عبد فائدة خيراً من زوجة صالحة ، إذا رآها سرّته ، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله»(1) .

وورد في معتبرة بريد بن معاوية العجلي عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله عزّ وجلّ : إذا أردتُ أن أجمع للمسلم خير الدنيا وخير الآخرة جعلت له قلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً وجسداً على البلاء صابراً ، وزوجة مؤمنة تسرّه إذا نظر إليها وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله»(2) .

وورد عن عبدالله بن ميمون القدّاح عن الإمام الصادق عن آبائه قال : «قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما استفاد امرء مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله»(3) .

وقد ورد عن النوفلي عن السكوني عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من سعادة المرء الزوجة الصالحة»(4) .

ثانيها : أنّها أُمّ مربّية ، فمن مسؤوليات المرأة حسب الرؤية الإسلامية (القرآنية) أنّها أُمّ مربّية ، تتبنّى دور الرعاية والتربية للأبناء ، وهو الدور المختصّ بالمرأة ، ولا يمكن أن يتناسب مع تركيبة الرجل وأدواره المكلّف بها.

__________________

(1) وسائل الشيعة 14 : باب 9 من مقدّمات النكاح ، حديث 6.

(2) المصدر السابق : حديث 8.

(3) المصدر السابق : حديث 10.

(4) المصدر السابق : حديث 12.


وفي الخطاب القرآني حيث يؤكّد على برِّ الوالدين من ناحية تربيتهم للولد ، قال تعالى :( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلا كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) (1) .

فبرّ الوالدين بالإحسان لهما له سبب ، وهو الدور التربوي الذي يقومان به ، فالأب له دور تربوي وكذا الأُمّ ، وهذه الآية تؤكّد على الدور التربوي بمعناه العام الذي يشمل الأب والأُمّ.

ولكن هناك نصوص قرآنية تتعلّق بالدور التربوي للأُمّ ، ويتمثل في موردين :

الأوّل : الحمل والرضاعة ، وهو على رأس الأدوار التربوية التي تضطلع به الأُمّ ، فقد جاء في سورة لقمان :( وَوَصَّيْنَا الاِْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْن وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) (2) .

وجاء في سورة الأحقاف :( وَوَصَّيْنَا الاِْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) (3) .

فالأُمّ تقوم بدور عظيم في سنتين ونصف السنة ، ألاّ وهو الحمل والرضاعة.

الثاني : الحنان والرعاية (الحضانة) ، ويظهر هذا الدور من خلال تجربة أُمّ موسى ، فيظهر مستوى الحبّ والحنان الذي كان يتدفّق من قلب أُمّ موسى اتجاه ابنها ، قال تعالى في سورة القصص :( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ

__________________

(1) الإسراء : 23 ـ 24.

(2) لقمان : 14.

(3) الاحقاف : 15.


* وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْن لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لاُِخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُب وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْت يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) (1) .

فخوف أُمّ موسى وحزنها في بداية الأمر ، وقرّة عينها في نهاية الأمر ، تعبير بليغ عن الحبّ والحنان اللذان هما من الشروط التربوية المهمة لرعاية الطفل.

وفي معرض الحديث عن الأُسرة لا بأس بذكر كلمة الرئيس السابق «جورباتشوف» في كتابه عن البروستريكا فقال ما مضمونه : «إنّ المرأة بعد أن اشتغلت في مجالات الانتاج والخدمات والبناء ، وشاركت في النشاط الإبداعي ، لم يعد لديها وقت للقيام بواجباتها اليومية من أعمال المنزل وتربية الأطفال».

وأضاف قوله : «لقد اكتشفنا أنّ كثيراً من مشاكلنا في سلوك الأطفال والشباب وفي معنوياتنا وثقافتنا وإنتاجنا تعود جميعاً إلى تدهور العلاقات الأُسريّة ، وهذه نتيجة طبيعيّة لرغبتنا الملحّة والمسوَّغة سياسياً بضرورة مساواة المرأة بالرجل»(2) .

المرأة والعمل :

بالإضافة إلى أعمال المرأة الخاصة من كونها زوجة وأُمّ ومربيّة وحاضنة ، لها أن

__________________

(1) القصص : 7 ـ 13.

(2) من مقال لمحمود كريم سليمان بعنوان : أساليب تغريب المرأة وآثارها ، مجلة البيان www.albayan ـ magazine.com


تقوم بالأعمال العامة إذا سنحت لها المكنة ، فلا يوجد ردع عن مزاولة الأعمال خارج البيت في عفّة وطهارة منها ، فبالإضافة إلى الخطابات العامة الحاثّة على العمل الشاملة للذكر والاُنثى ، هناك إشارات قرآنية تدلّ على أنّ المرأة بالخصوص لها الحقّ في مزاولة الأعمال خارج نطاق البيت ، فتشارك في الحياة الاجتماعية كالرجل ، ولكن بشرط العفّة وعدم الانزلاق في ما لا يرضى الله نتيجة أعمالها الاجتماعية.

عمل المرأة إذا جاء ضمن حدود الله في الزيّ والعفّة والعلاقات الزوجية :

الإسلام أقرّ عمل المرأة المهني كالرجل ، فهي يجوز لها أن تستثمر طاقتها ووقتها لإغناء المجتمع بالعمل المنتج ، كالتعليم والتمريض والطبّ والجراحة ، وأعمال الخير والتوعية الاجتماعية ، وغيرها. بل هناك واجبات عامة(1) على الأُمّة والمجتمع ، وهي ما تسمّى بالواجبات الكفائية على الأفراد ، إلاّ أنّها واجبات عينية على الأُمّة ، حيث يكون المخاطب بها المجموع ، فتكون المرأة مشمولة بالعمل لهذه الأعمال الواجبة ، وهذا يقتضي أن يعدّ المجتمع (نساءً ورجالاً) للقيام بأعباء الواجبات العامّة من تعليم عليها وإعداد لها مع الستر والعفّة للنساء ، والدليل على ذلك :

1 ـ قوله تعالى :( لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ) (2) ، فدلّت على جواز اكتسابها بالعمل.

2 ـ عموم وإطلاق الأدلّة الأوليّة على إباحة العمل المهني والاجتماعي للإنسان لكسب المال حيث قال تعالى :( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَْرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا

__________________

(1) كحفظ النظام ، والدفاع عن الدين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأمثال ذلك.

(2) النساء : 32.


وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (1) والمشي في مناكب الأرض يراد منه العمل واستخراج الثروة وابتغاء الرزق ، وهذا يشمل كلّ عمل لم يرد فيه تحريم من الشريعة.

وقال تعالى :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الاَْرْضِ ) (2) .

وقال تعالى :( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) (3) .

وقال تعالى :( اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ ) (4) .

فالخطاب في الآيات المتقدّمة لكلّ البشر ، فيشمل النساء والرجال معاً ، ومعنى تسخير الأرض أو السماء هو جعلها في متناول الإنسان لأجل العمل واستخراج الثروة منها.

3 ـ الآيات القرآنية الدالّة على جواز أخذ الاُجرة على عملية الإرضاع ، قال تعالى :( وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ) (5) .

وقال تعالى :( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوف وَإِن

__________________

(1) الملك : 15.

(2) الحج : 65.

(3) لقمان : 20.

(4) الجاثية : 12 ـ 13.

(5) البقرة : 233.


تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ) (1) .

وهاتان الآيتان صريحتان على أنّ الأب له الحقّ في استئجار امرأة لترضع له ابنه ، فيدلّ بالضرورة على جواز إيجار المرأة نفسها لهذا العمل.

4 ـ هناك روايات كثيرة تدلّ على جواز كسب المرأة ، منها الرواية الصحيحة عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : «دخلت ماشطة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لها : هل تركت عملك أو أقمت عليه؟ فقالت : يا رسول الله أنا أعمله إلاّ أن تنهاني عنه فانتهي عنه. فقال : افعلي ، فإذا مشّطت فلا تجلي الوجه بالخرق فإنّه يذهب بماء الوجه ولا تصلي الشعر بالشعر»(2) .

فهي تدلّ على جواز كسب المرأة في عملية تجميل النساء ، ولكن بما أنّه لا خصوصيّة لهذه المهنة ، فنستفيد جواز عمل النساء في كلّ مهنة لم تكن محرّمة.

ومنها حسنة الحسين بن يزيد الهاشمي عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : «جاءت زينب العطّارة (الحولاء) إلى نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (وبناته فكانت تبيع منهن العطر) فجاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فإذا هي عندهن ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أتيتنا طابت بيوتنا. فقالت : بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فإذا بعتِ فأحسني ولا تغشي (ولا تغبني) فإنّه أتقى لله وأبقى للمال»(3) .

فهذه كانت تدخل البيوت للبيع وتختلط بالرجال والنساء ، وقد أقرّها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على عملها.

ولا نرى حاجة إلى سرد الأدلّة الباقية الكثيرة الدالّة على جواز عمل المرأة

__________________

(1) الطلاق : 6.

(2) وسائل الشيعة 12 : باب 19 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 12 : باب 4 من أبواب آداب التجارة ، الحديث 1.


المهني للكسب ; لوضوحه هذا الزمان.

قد يقال : إنّ عمل المرأة إذا كان في بيتها فلابأس به ، ولكن إذا كان ملازماً لاختلاط النساء بالرجال ـ كما في المؤسسات الحكومية والعامة من وجود رئيس ومرؤوس ، أو طالب وطالبة ، أو استاذ وتلميذ ، وقد يؤدي إلى خلوة الرجال بالمرأة ـ فهو عمل لا يجوز ; لأنّه يؤدّي إلى الفساد وإثارة الغرائز تحت ستار العمل.

والجواب : إنّنا نفترض أنّ العمل إذا كان مختلطاً من الرجال والنساء في أوضاع موافقة لأحكام الشريعة «لا مخالفة لها كما في السفور والميوعة ووجود الريبة والاختلاط المحرم» فالاختلاط الحاصل من العمل إذا فرض في حدود الشريعة الإسلامية وآدابها ، فلا دليل على انتهائه إلى الفساد وإثارة الغرائز ، فلا دليل على حرمته ، على أنّ هذا إذا كان دليلاً على الحرمة فهو يدلّ على حرمة بيع الرجال للنساء في الأسواق الإسلامية.

بالإضافة إلى أنّنا نرى لابديّة أن يحرص ربّ العمل أو الجامعة أو الحكومة على تهيئة ظروف نقيّة عند حصول الاختلاط ، بحيث لا يكون أيّ مناخ للنزوات المريبة والممارسات غير الشرعية واللقاءات المريبة البعيدة عن علاقات الدراسة أو العمل.

وقد يقال : إنّ عمل المرأة المتزوّجة يخلّ بعملها في البيت الزوجي واهتمامها بالأولاد والزوج ، وهو يتنافى مع الوظيفة المهمة للمرأة في البيت الزوجي ، فهو يؤدّي إلى تفكيك الأُسرة التي اهتمّ بها الإسلام.

والجواب : إنّ الزوجة ملزمة باستجابتها للاُمور الجنسية المتعارفة وتهيئة السكن اللازم للزوج ، كما أنّه ملزم هو بذلك أيضاً ، وهذا السكن هو أكبر إنجاز للمرأة والرجل إذا تحقّق لهما ، وبعد ذلك يأتي دور العمل خارج البيت ، فيكون جائزاً في


صورة موافقة الزوج عليه بعد التشاور ومراعاة مصلحة الأُسرة والبيت الزوجي ، فإذا اقتنع الزوج بعدم وجود ما يلكأ السكن الروحي لهما إذا عملت خارج البيت ، فهو الذي يجيز خروجها ; لأنّه هو المدبّر لاُمورها والراعي لها والمدافع عنها.

وإذا رأى أنّ خروجها من البيت للعمل سوف يؤدّي إلى الاعتداء عليها وتضييعها وتميعها ، كما إذا كانت قرائن كثيرة تدلّ على ذلك ، فله الحقّ في منعها ; لأنّه القيّم عليها والمحافظ عليها والمدبّر لامورها ، فهو المسؤول عن هداية هذا البيت الزوجي لشاطئ السلامة ، ولا نرى حاجة لتكرار عدم قيمومته عليها إذا كان يتحكّم في عدم خروجها قاصداً أذيّتها ومظهراً لتجبّره وتكبّره عليها.

المرأة البنت :

قد تكون المرأة بنتاً في بيت أبيها ، وفي هذه الحالة ، فالأب له ولاية على بنته غير البالغة ، ولاية مطلقة في الأموال والزواج ، فيتمكّن الأب في هذه الصورة من التصرّف في أموال الصغيرة ، وأن يزوّجها فيما كان فيه مصلحة لهذه البنت الصغيرة. فإن بلغت هذه البنت وبان رشدها فقد ارتفعت ولاية الأب عليها إلاّ في الزواج ، بمعنى أنّ زواجها موقوف على رضى الأب ورضاها معاً(1) .

وطبعاً تكون ولاية الأب في زواجها في هذه الصورة من باب مصلحتها واختيار مايناسبها ، فإنّها تحتاج إلى من له خبرة في هذا الأمر الكبير ، وهو الزواج.

وفي هذه المرحلة يجب على الأب والاُمّ تربية هذه البنت تربية حسنة والرعاية الكاملة لها التي تحتاجها في هذه المرحلة ، كما يلزمها البرِّ بوالديها ، ويحرم عليها

__________________

(1) هذا القول هو المنصور ، وإلاّ فالأقوال خمسة في هذه المسألة ، ولعلّ المشهور هو أنّه لا ولاية عليها إذا بلغت.


أن تكون عاقّة للوالدين ، وقد اعتبرت الروايات العقوق من الكبائر حتى ورد في صحيح عبدالله بن المغيرة عن الصادقعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله : «كن باراً وأقصر على الجنة وإن كنت عاقّاً فاقصر على النار»(1) .

وقد ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : «أدنى العقوق اُفٍّ ، ولو علم الله شيئاً أهون منه لنهى عنه»(2) .

وعلى هذا فإنّ الأب وإن لم يكن له ولاية على البنت بعد بلوغها إلاّ في الزواج ، إلاّ أنها يجب عليها أن لا تقدم على شيء يلزم منه الأذى للاُبوين ; لأنّه من العقوق المحرّم.

وبهذا نفهم أنّ هذه البنت في هذه المرحلة يجب أن تكون علاقاتها بالوسط العام الاجتماعي في مرأى من الأبوين ، فهي بحاجة إلى إجازة وإخبار الأبوين عند مغادرتها البيت ، وإعلام لهما عن وجهتها خارج البيت ، وإخبارهما عن المسائل المهمة التي تصادفها خارج البيت ، وتستشيرهما وتستجيزهما قبل إقدامها على اتخاذ أيّ قرار يتعلّق بمصيرها وسمعتها وما شابه ذلك ، لأنّ هذه الاُمور لو تفاجأ بها الأبوان في حال اشتباه البنت وعدم إخبارها لهما بما تعمله خارج البيت ، لسبب ذلك أذىً شديداً لهما وهو من العقوق.

المرأة الزوجة :

إنّ الزواج الذي يقدم عليه الذكر والاُنثى بالإضافة إلى أنّه حاجة جسدية يطلبها كلّ من الذكر والاُنثى ، إلاّ أنّه له هدفان :

الأوّل : السكن والطمأنينة التي تحصل من الزواج ويقدّمها كلّ صنف للآخر.

الثاني : المعاشرة بالمعروف التي تحقّق السكن لكلّ من الزوجين.

__________________

(1) وسائل الشيعة 14 : باب 104 من أحكام الأولاد ، حديث 1.

(2) المصدر السابق : حديث 2.


أمّا الهدف الأوّل : فأشارت إليه آيتان مباركتان من القرآن الكريم ، قال تعالى :( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ ) (1) .

وقال تعالى :( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) (2)

فالسكن : هو الاطمئنان الذي يقدّمه كلّ من الزوجين للآخر ، وبعبارة أُخرى : هو التعامل اليومي بين الزوجين الذي يزرع بينهما السعادة والاطمئنان والراحة ، فيكون الجوّ العائلي جوّاً ساكناً يبعث على الاطمئنان والهدوء لكلّ من الزوجين ، بعيداً عن التوترات والاضطرابات والمشاحنات التي تنفرّ كلّ واحد من صاحبه.

وقد جاء في الأثر ما عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «من كان له امرأة تؤذيه لم يقبل الله صلاتها ولا حسنة من عملها حتى تعينه وترضيه وإن صامت الدهر وقامت ، وأعتقت الرقاب وأنفقت الأموال في سبيل الله ، وكانت أوّل من ترد النار» ، ثمّ قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «وعلى الرجل مثل ذلك الوزر إذا كان مؤذياً»(3) .

المعاشرة بالمعروف : قال تعالى :( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) (3) ، وهذه الآية تدلّ على أنّ التعامل بين الزوجين الذي يجب أن يؤدي إلى السكن يجب أن يكون بالمعروف الشرعي والعرفي ، فيؤدي كلّ منهما حقّ الآخر بالمستوى المتعارف أو المنصوص عليه بالشكل الذي ينظر إليه العرف العام ، ما لم يلزم منه تجاوز لحكم شرعي آخر.

__________________

(1) الروم : 21.

(2) الأعراف : 189.

(3) عقاب الأعمال ، للشيخ الصدوق : 46.

(4) البقرة : 228.


وبعبارة أُخرى ، المعروف : هو الذي يعرفه الناس إذا سلكوا مسلك الفطرة من هداية العقل وحكم الشرع وفضيلة الخلق وسُنن الآداب.

ثمّ لابدّ أن نعلم أنّ المعروف هو عنوان يختلف من زمان إلى آخر ومن مكان إلى آخر ; لأنّ المراد من المعروف هو الشائع المستساغ وما أمرت به الفطرة ، وهذا يختلف من زمان لآخر ومن مكان لآخر ، قد يكون المستساغ والمعروف في هذا الزمان هو أتمّ وأكمل ممّا كان معروفاً وسائغاً في غابر السنين ، بحيث خرج ذلك الحدّ السابق عن المعروفية والاستساغة الآن نتيجة اختلاف الظروف الفكرية والاجتماعية والاقتصادية ، فسوف يتوسّع عنوان المعروف ممّا عليه سابقاً ، فيجب المعروف في هذه المرتبة من الحقوق ولا تكفى المراتب السابقة التي كانت فيما سبق.

وهذا عبارة عن تدخّل العرف العام والسيرة العقلائية في تكوين الموضوع الشرعي من ناحية التوسعة.

وقد ينعكس الأمر ، كما لو تغيّرت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والفكرية الحالية إلى التدهور والرجوع إلى مجتمع بدائي كالمجتمعات السابقة ، أو سافرنا إلى مجتمع يعيش الحالة السابقة للاقتصاد والتفكير ، وكان المجتمع كلّه على هذا النحو ، فيصدق عنوان المعروف بالحدّ الضيّق السابق.

ولعلّ ما جاء في قصة قضاء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بين علي وفاطمةعليهما‌السلام ، هو من باب المعاشرة بالمعروف في ذلك الزمان ، فقد روى عبدالله بن جعفر في قرب الإسناد عن السندي بن محمّد ، عن أبي البختري ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام عن أبيه أنّه قال : «تقاضى علي وفاطمة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الخدمة ، فقضى على فاطمة بخدمتها ما دون الباب ، وقضى على عليعليه‌السلام بما خلفه. قال : فقالت فاطمة : فلايعلم ما دخلني من السرور


إلاّ الله باكفائي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تحمّل أرقاب الرجال»(1) .

وهو يدلّ على أنّها سلام الله عليها كانت تقوم ببعض أعمال الأُسرة خارج البيت ، وقد كفاها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك بهذا القرار.

وبعد هذه الإلمامة نستفيد أمرين :

الأمر الأوّل : وجوب طاعة الزوجة لزوجها في أمر الجنس وتلبية طلبه ، ولكن بشرط أن يكون طلبه معروفاً ; لأنّها معاشرة له ، وقالت الآية( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ، فإن كان طلبه خارجاً عن حدّ المعروف لا يجب عليها الطاعة.

الأمر الثاني : إنّما تجب الطاعة إذا لم يكن مانع شرعي من ذلك ، وحينئذ إذا توفّر الشرطان يحرم عليها تفويت حقّ الزوج في الاستمتاع الجنسي.

ولعلّ وجوب إطاعة الزوجة لزوجها في الاستمتاع قد يكون لصالح الزوجة ، لأنّ فطرتها وطبيعتها تميل إلى الجنس كما يميل إليه الذكر ، إلاّ أنّ الرجل تكون رغبته دفعيّة ، أمّا رغبة المرأة فتحصل بالتدريج ، فهي قابلة والذكر فاعل.

ولعلّ هذه الطاعة إذا حصلت من قبل الزوجة تكون كافية لاستغناء الزوح عن زوجة اُخرى ، لا يسعى إلى التثنية أو الزيادة عليها ما دام قد استكمل نصيبه وحقّه بطاعة الزوجة له جنسياً.

وفي قبال هذا الحقّ للرجل ، جعل الإسلام وجوب النفقة على الزوج ، فنفقة الزوجة واجبة على الزوج.

__________________

(1) قرب الإسناد ، عبدالله بن جعفر الحميري : 5.


عدم خروج الزوجة من البيت إلاّ بإذن الزوج

هناك حكم شرعي يقول : المرأة الزوجة لا يجوز لها الخروج من بيتها إلاّ بإذن الزوج في غير ما يجب فيه الخروج عقلاً وشرعاً ، وهذا المنع ليس متفرّعاً على وجوب التمكين ، وإنّما هو تكليف مستقلّ ، فلا يجوز لها الخروج من البيت إلاّ بإذن الزوج وإن لم يستلزم من ذلك تفويت حقّ الزوج في الاستمتاع ، وقد دلّ على هذا الدليل الشرعي من النصوص الصحيحة.

وهنا نبحث هذا الحكم ، وهل يعتبر مخالفاً لكون الزوجية سكناً ومعاشرة بالمعروف؟

وهل يكون هذا الحكم تقييداً للزوجة الإنسانة وحدّاً من حريتها؟

وهل يكون هذا الحكم مخالفاً لسلطنة المرأة الزوجة على نفسها وأفعالها؟

والجواب : أوّلاً : يجب علينا أن نفهم أنّ هذا الحكم لا يشمل الخروج الواجب من البيت ، كما إذا كان الخروج لمراجعة الطبيب أو للمداواة أو لأداء واجب كأداء فريضة الحج ، كما أنّه لا يشمل الخروج الضروري الذي يحكم به العقل ، فالخروج الواجب الشرعي والعقلي لا يتوقّف على إذن الزوج بحال من الأحوال.

ثانياً : لابدّ من معرفة حدود هذا الحكم ، فهل يشمل هذا الحكم صورة تحكّم الزوج في منعه الزوجة من الخروج من البيت؟

قال البعض : لا يجوز تحكّم الزوج في منع زوجته من الخروج من البيت ; لأنّ ولايته عليها في هذا الشأن وتسلّطه (إن جعلناه تسلّطاً) إنّما هو لتكميل نقص


الزوجة المولّى عليها ، فيكون المنع دائماً في صالحها. أمّا في صورة التحكّم فليس المنع في صالحها ، فتسقط ولاية الزوج عليها في منعها من الخروج من البيت.

ولكن هذا التصوّر باطل ; لأنّنا لانعترف بنقص المرأة ، بل هي كاملة في إنسانيتها وخلقتها وعقلها وفي أداء وظيفتها ، ولو كانت ولاية الزوج عليها في المنع من خروجها من البيت لنقص فيها للزم جعل هذا الحقّ قبل زواجها للأب أو للأخ ، وبما أنّه لا توجد ولاية على المرأة البالغة الرشيدة قبل زواجها للأب ، بل الولاية جعلت للزوج فقط ، فيفهم أنّ الولاية للزوج في منع زوجته من الخروج من البيت ليس لتكميل نقص المرأة المدعّى.

والجواب الصحيح أن نقول :

1 ـ إنّ هذا الحكم محدود بحدود تبجيل واحترام وتعظيم الزوج ، فهو حكم خاص بالزوج ، ويكشف عن هذا الأمر الكلمات الموجودة في بعض الروايات ، كعنوان الطاعة وعنوان عدم العصيان ، فيكون الحكم بعدم خروجها من بيت الزوج إلاّ بإذنه هو تعبير ثان عن إطاعة الزوجة للزوج ، وهذه الإطاعة واجبة في عدم خروجها إلاّ بإذن الزوج ، فلو خرجت بدون إذنه عدّ ذلك مخالفاً لاحترام الزوج ، ولذا جاز لها الخروج لأداء واجب أو للضرورة حيث يكون الخروج في هاتين الصورتين منسجماً مع احترام الزوج.

وعلى هذا سيكون الرضى الباطني لخروج الزوجة من البيت كافياً لخروجها ، بمعنى أنّ الزوجة لو كانت تعلم بأنّها لو سألت الزوج في خروجها من البيت لوافق على ذلك فيجوز لها أن تخرج حينئذ ; لأنّ الاحترام للزوج المنسِّق للحياة الزوجية موجود بينهما.

وأيضاً لو سافر الزوج سفرة طويلة ، وعند سفره لم ينهها عن الخروج من البيت لزيارة صديقاتها ، ثمّ أصبح منقطعاً عن أجواء زوجته وبيته ، بحيث لو سُئل عن


إجازته لتصرّف زوجته بالخروج لزيارة صديقة معينة ، فلايتمكّن أن يجيب بنعم أو لا ، ففي مثل هذه الصورة لانقول بأنّ خروج الزوجة من البيت لهذا الأمر متوقّف على إجازة الزوج ; لأنّ الزوج محترم ، سواء خرجت لهذا الأمر أو لم تخرج.

وكذا لو نشز الزوج (كما إذا ترك الحقوق الواجبة للزوجة) فهنا لانقول بأنّ خروجها من البيت منوط بإذن الزوج ; لسقوط احترامه بنشوزه.

وكذا لو كان منع الزوج لزوجته من الخروج من البيت تحكّماً صارخاً وعناداً محضاً ، فهنا أيضاً لانقول بأنّ الخروج منوط بإذن الزوج.

ثمّ إنّه إذا تحدّد خروج الزوجة من بيت زوجها في حدود احترام الزوج احتراماً واجباً ، فحينئذ لانفرّق بين أن يكون تصرّفها منوطاً بإذن الزوج لها أو بمنع الزوج لها ، فإنّ عدم الإذن أو المنع المعيّن إذا كان يجعل خروجها من البيت هتكاً للزوج ومخالفاً لاحترامه فهما على حدٍّ سواء.

وكذا يتحدّد هذا الحكم في حدود احترام الزوج لنفسه ، فان كان ظالماً في منعه أو عدم اذنه للخروج أو متحكماً أو مخالفاً للشرع ، فلايكون الخروج متوقّفاً على إذنه أو عدم نهيه ومنعه ; لأنّ من يظلم الآخرين ويتعدّى عليهم فلايحترم أيضاً.

ولهذا ورد في روايات صحيحة أنّه : «لا يمين للزوجة مع زوجها»(1) ، وهذا أيضاً محدّد بحدود احترام الزوج ، وأن لا يكون يمين الزوجة في مورد هتكاً للزوج ومخالفاً لاحترامه ، ونحن نتمكّن أن نقول إذا لم ياذن الزوج في يمين ، أو اذا نهى عن يمين معينة ، فإن اليمين لا ينعقد للزوجة في هذه الصورة حيث يكون يمين الزوجة هتكاً للزوج فلا يجوز.

ولذا نتعدّى من اليمين إلى النذر والعهد فنقول : إنّ النذر والعهد من الزوجة بدون إذن الزوج أو مع نهيه لا يكون صحيحاً ; لأنّه يكون خلاف احترام الزوج الذي دلّت

__________________

(1) وسائل الشيعة 16 : باب 10 من كتاب الايمان ، حديث 2.


الروايات على وجوب احترامه هنا.

2 ـ توجد نكتة اُخرى ـ غير احترام الزوج ـ وهي أنّ الإسلام رأى أنّ قيادة البيت إلى شاطئ السلامة وعدم الانحراف بيد الزوج ، والزوج قد يشكّ في مدى قدرة زوجته على حفظ نفسها من غير المحارم ، أو يشكّ في مدى قدرتها على عدم التميّع عند خروجها من البيت ، أو قد يرى الزوج أنّ هذا الخروج يستوجب دخول بعض الأشخاص في العلاقات الشخصية لحياتهم الزوجية ، وهذا كلّه يوجب عدم إسعاد الحياة المشتركة بين الزوجين ، ففي هذه الحالات يجوز له أن يمنع الزوجة من الخروج من البيت أو من دخول بعض البيوت المعيّنة التي يراها تؤثّر سلباً في إسعاد حياتهم الزوجية.

وكذا إذا خاف الزوج على زوجته من خطر يهدد حياتها ، أو من خطر تسيّب الأطفال الذي يجب على الأب تربيتهم تربية صالحة ، فكلّ هذه الاُمور يُعقل فيها منع الزوج زوجته من الخروج خارج البيت مثلاً.

ولكن حتى مع هذه النكتة الإضافية لاحترام الزوج في ولايته المنطقيّة نقول : يخرج الزوج عن ولايته على زوجته في منعها الخروج من البيت إذا علمنا أنّه يتحكّم في أعمال الولاية ; لأنّ هذا الحكم كان بملاك احترام الزوج وقيادته لبيت الزوجية إلى شاطئ السلامة والأمن ، فالتحكّم ينافي الاحترام كما ينافي قيادة البيت إلى شاطئ السلامة والأمن والسعادة الزوجية ، حيث تواجه المرأة هذا التصرّف بتصرّف معاكس ما يؤدي إلى السلبيات الكثيرة في بيت الزوجية.

ملاحظة :

عندما نقول : إنّ الإسلام أراد للمرأة أن تحترم زوجها في طاعتها له وفي عدم خروجها من بيته إلاّ باذنه ، فليس معنى ذلك أنّ الرجل لا يكترث باحترام الزوجة والمرأة ، بل وردت الروايات الحاثّة للزوج على تكريم الزوجة واحترامها ، وهذه


بعض الإشارات إلى ذلك :

1 ـ الإنفاق والإحسان إلى النساء : فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كان له ثلاث بنات ، فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يغنيهن الله عنه ، أوجب الله تعالى له الجنة البتة ، إلاّ أن يعمل عملاً لا يغفر الله له»(1) .

والإنفاق والإحسان نوع احترام للمرأة.

2 ـ احترام المرأة مقياس للتفاضل : فقد ورد عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «خياركم خيركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي»(2) .

وهذا من فروع التقوى الذي فيه تفاضل ، وهو نوع احترام للمرأة.

3 ـ إدخال الفرح على المرأة : فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما من رجل يدخل فرحة على امرأة وبينه وبينها حرمة إلاّ فرّحه الله يوم القيامة»(3) .

وإدخال الفرح نوع احترام وتقدير.

4 ـ سعة الصدر في المواقف المتشنّجة : فقد روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطى أيوب على بلائه»(4) .

وهذا أيضاً نوع احترام وتقدير لها عند سوء خلقها وعدم مقابلتها بالمثل.

5 ـ تحريم أساليب القوّة المحرّمة : فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من ضرب امرأة بغير حقّ فأنا خصمه يوم القيامة ، لا تضربوا نساءكم ، فمن ضربهن بغير حقّ فقد عصى الله ورسوله»(5) .

__________________

(1) سنن أبي داود 2 : 630.

(2) مجمع الزوائد 4 : 303.

(3) المحجة البيضاء 3 : 119.

(4) مكارم الأخلاق : 245.

(5) تحف العقول : 175.


6 ـ حفظ سرّ المرأة : فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة : الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثمّ يفشي سرّها»(1) .

7 ـ الوصايا بالنساء : فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في آخر وصية له : «الله الله في النساء ، فإنهن عوان عندكم وفي أيديكم ، أخذتموهن بعهد الله»(2) .

وهذا التوصية بها هو نوع احترام لها كما هو واضح.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما أكرم النساء إلاّ كريم ، ولا أهانهن إلاّ لئيم»(3) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أوصاني جبرائيل بالمرأة حتى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة»(4) .

إذاً اتضح ما تقدّم ، فسيكون المفهوم هو أنّ احترام الزوج أقوى وأهم من احترام الزوجة ، كالاحترام بين الابن والأب ، فكلّ منهما محترم إلاّ أنّ احترام الأب أكثر وأقوى من احترام الابن ، كما أنّ العطف على الابن والصغير والمرأة يكون أقوى من العطف على الأب الكبير والرجل.

ولهذا الاحترام للزوج الذي أقوى وأهم من الاحترام للزوجة نرى أنّ الشارع المقدّس قد جعل استحباب إطاعة الزوجة لزوجها في اُمور منها :

1 ـ إطاعة الزوجة زوجها في التصرّف بمالها في الصدقة والعتق والهبة والتدبير والنذر ، فليس لها التصرّف بهذه الاُمور لغير الآخرين إلاّ برضى الزوج.

2 ـ ليس لها أن تصوم تطوّعاً إلاّ باذن الزوج.(5)

__________________

(1) صحيح مسلم 4 : 175.

(2) السيرة النبوية ، لابن هشام 2 : 604.

(3) مختصر تاريخ دمشق 7 : 50.

(4) وسائل الشيعة 14 : 121 ، حديث 4.

(5) ذكر البعض أنّ الأحوط عدم صوم الزوجة بدون إذن الزوج وإن كان الأقوى الجواز إذا لم يمنع من حقّه ، ولا يترك الاحتياط بتركها الصوم إذا نهاها زوجها عنه. راجع منهاج الصالحين / للسيد الخوئي / ج 1 / ص 288 كتاب الصوم.


وبما أنّ الزوج ليس له ولاية على أموال الزوجة وتصرفاتها فيها ، وليس له ولاية على أفعالها العبادية كالصوم والصلاة إذا لم تنافِ حقّ الاستمتاع ، فهي ليست خادمة أو مملوكة للزوج ، فحينئذ ستكون أفعالها هذه إمّا مستحبة أو جائزة أو مكروهة أو محرّمة أو واجبة.

أمّا المحرمة فلايجوز أن تفعلها ، منع منها الزوج أو أجازها.

وكذا التصرّفات الواجبة ، كما لو كانت قد حلفت بإذن الزوج أن تنفق على طفل معيّن ، وأجاز لها الزوج ، فيجب عليها الانفاق عليه ، سواء وافق على ذلك أو امتنع منه.

وحينئذ تبقى أنّ هذه الأفعال إمّا جائزة أو مستحبة أو مكروهة ، وستكون القاعدة الأولية هو جواز فعلها للزوجة ، إلاّ أنّ احترام الزوج ـ الذي إن لم يكن واجباً فهو مستحب ـ يجعل الميزان يتحرّك إلى احترام الزوج عند تعارض احترام الزوج وإجازته ، مع أفعال المرأة المستحبة والجائزة والمكروهة من باب أنّ المستحب يتقدّم على الجائز والمكروه ، وأنّ استحباب إطاعة الزوج تكون أقوى من استحباب هذه الأفعال للمرأة.


الرجال قوّامون على النساء

قال تعالى في سورة النساء :( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) (1) .

وهذه القواميّة هي للأزواج على الزوجات(2) وليست مطلقة ; للقرائن الموجودة في الآية من الإنفاق وخوف النشوز ، والإطاعة وخوف الشقاق.

فهل هذه القواميّة التي جعلها القرآن للزوج على زوجته تكون مخالفة لسلطنة الزوجة على مالها وأفعالها وكونها مستقلّة في تصرّفاتها؟

والجواب : إنّ معنى الآية يتوقّف على معرفة القواميّة التي جعلها الله للأزواج على زوجاتهم (كلّ زوج هو قيّم على زوجته).

وإذا راجعنا كلمات اللغويين في تفسير «قوّام» رأيناها جميعاً لا دلالة لها على إعمال القدرة والسيطرة ، وإعمال الأوامر والنواهي على الزوجة ، بل معناها المحافظة والاهتمام بالشخص وتدبير شؤونه.

__________________

(1) النساء : 34 ـ 35.

(2) خلافاً لصاحب الميزان السيد الطباطبائي حيث قال : إنّها ليست قوامية الأزواج على الزوجات ، بل هي قوامية كلّ الرجال على كلّ النساء ، والقرينة عليه عموم التعليل (بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض). راجع 4 : آية 34.


وإليك المعاني التي ذكرها اللغويون لمادة «قوّام» :

1 ـ ففي المصباح المنير : «قام بالأمر ، يقوم به ، قياماً ، فهو قوّام وقائم»(1) ، فهذه الجملة تشهد على أنّ قوّام بمعنى قائم ، أي صيغة مبالغة لمعنى قائم.

2 ـ وفي أقرب الموارد يقول : «قام الرجلُ المرأة وعليها] أي : قام الرجل على المرأة [مانَها] أي : موّلها [وقام بشأنها](2) .

3 ـ وأيضاً جاء في أقرب الموارد : (القوّام ، كشدّاد : الحَسَنُ القيام بالأمر»(3) .

4 ـ وفي النهاية لابن الأثير نقل عن كتاب أبي موسى محمد بن أبي بكر الأصفهاني يقول : «القوم في الأصل : مصدر قام ، فوصف به ، ثمّ غلب على الرجال دون النساء وسمّوا بذلك لأنّهم قوّامون على النساء بالاُمور التي ليس للنساء أن يقمن بها»(4) .

وهذا معناه أنّ الرجال يقوّمون النساء بأشياء تعجز المرأة عن القيام بها.

5 ـ وجاء في لسان العرب : «قام الرجل على المرأة : مانَها. وإنّه لقوّام عليها مائنٌ لها»(5) .

6 ـ وأيضاً في لسان العرب «وفي التنزيل العزيز( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) وليس يراد ههنا ـ والله اعلم ـ القيام الذي هو المُثُول والتّنصُّب وضدّ القعود ، إنّما هو من قولهم قمتُ بأمرك ، فكأنّه ـ والله اعلم ـ الرجال متكفّلون باُمور النساء معنيّون بشؤونهن»(6) .

7 ـ وقال أيضاً في لسان العرب : «وقد يجيء القيام بمعنى المحافظة والإصلاح ، ومنه

__________________

(1) المصباح المنير : 268 «قوم».

(2) أقرب الموارد 2 : 1053 «قوم».

(3) أقرب الموارد 2 : 1054 «قوم».

(4) النهاية في غريب الحديث والأثر 4 : 109 «قوم».

(5 ـ 6) ـ لسان العرب 12 : 503 «قوم».


قوله تعالى :( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) وقوله تعالى :( إِلاّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ) أي ملازماً محافظاً»(1) .

فاتضح بهذا الذي تقدّم أنّ القوّامية لا تنافي سيطرة الزوجة على مالها وأفعالها ، بل معناها : إنّ الرجال يحافظون ويهتمون بنسائهم وتدبير شؤونهن.

نعم ، هذه القوّامية حينما تنسب إلى المقام عليه إذا كان إنساناً عاقلاً ، فيؤمَر ويُنهى ، باعتبار أنّ المحافظة عليه وإدارة شؤونه تحتاح إلى شيء من الأمر والنهي ، فلا تدلّ الآية على أمر الزوج ونهيه لزوجته في كلّ شيء حتى تنافي سلطنتها على مالها وتصرّفاتها.

إذن سوف يكون معنى الآية : أنّ الرجل له فضل على زوجته ; لأنّه يقوم بأمرها ويحافظ عليها ويدير شؤونها ، ولأنّه ينفق عليها. وهذا المعنى مقبول عرفاً ، وهو الظاهر من الآية ، كما يصح لنا أن نقول : إنّ الزوجة إذا أنفقت على زوجها وكان طريح فراش المرض وقامت بأمره ودارت شؤونه ، فهي صاحبة فضل عليه بهذا المقدار ، فليست الآية ناظرة إلى التفضيل المطلق.

إذن نفهم من الآية أمرين :

الأول : أنّ نفوذ أوامر الزوج على الزوجة لا يشمل الأوامر التحكمية ; لوضوح أنّ الأوامر التحكمية لا تدبّر أمر المرأة ولا تصلحها ولا ترعاها ، فليس حال الآية الكريمة حال روايات الطاعة ، بل الأمر بالعكس ، فالزوج هو بخدمة زوجته يدبّر أمرها ويرعاها ويحافظ عليها ويموّلها ويفعل لها ما لا تستطيع المرأة فعله بنفسها.

وقد يستفاد هذا أيضاً ـ على تأمل ـ من تقييد الآية بقوله تعالى في سورة النساء :

__________________

(1) لسان العرب 12 : 503 «قوم».


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) (1) .

وبقوله تعالى في سورة المائدة :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للهِ ) (2) .

فالقواميّة للزوج على زوجته لا يجوز أن تنطلق من التحكّم والهوى والمزاج ، بل يجب أن تكون قواميّة بما يرضي الله تعالى.

الثاني : أنّ قوّامية الزوح على الزوجة وإن كانت مشتملة بنحو الموجبة الجزئية على نفوذ بعض أوامر الزوج على زوجته ، ولكن ليست هذه الأوامر النافذة عبارة عن كلّ أمر يراه الزوج في صالح هذه المرأة كإنسانة ، وإلاّ لكان المترقّب أن تكون الاُخت والبنت غير المتزوّجة أيضاً تحت ولاية الأخ والأب.

فالزوجة مستقلّة في إنسانيتها لا قائم عليها في الإنسانية ، فهي ليست مملوكة للزوج بالضرورة الفقهية ، وليست نسبة الزوجة لزوجها كنسبة الولد الصغير بالنسبة لوالده الذي يحدّ من حريته كإنسان. ولذا نرى عندما يخاف الشقاق بين الزوجين ـ كما ذكرت الآية التي بعد آية القوامية ـ بصدور الاتهامات بينهما ، فالزوج يقول لها : أنتِ ناشز ، وهي تقول له : أنتَ ناشز ، قالت الآية :( فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا ) (3) ، فإنّ التعبير بكلمة الحكم يعطي معنى الاستقلالية لكلٍّ من الزوجين ، فليست هي تابعة له في كلّ ما يراه صالحاً لها.

إذن تبيّن أنّ ملاك هذه القواميّة التي تكون في صالح المرأة قد ذكرته الآية ، وهو تفضيل الرجال على النساء ، إلاّ أنّ هذا التفضيل ليس في الإنسانية أو الخلق أو العلم أو التقوى ; لأنّ الإسلام جعل المفاضلة الحقيقية في التقوى أو العلم مع الإيمان ، وهما لا يختصان بالرجال.

إذن الأفضلية هي منصب تنفيذي في تنظيم اُمور الزوجة لأقوائية الرجل من

__________________

(1) النساء : 135.

(2) المائدة : 8.

(3) النساء : 35.


المرأة فسيولوجياً ، وغلبة عقله على عاطفته التي تنفع في قيادة البيت إلى شاطئ السلامة والأمن ، وهذا هو القدر المتيقّن في أفضلية الزوج على زوجته.

فهو الأولى في قيادة بيت الزوجية ، فلا إطلاق في الأفضلية(1) .

وعلى هذا ستكون الأفضلية في الآية القرآنية ، نسبية وليست مطلقة ، كما يصح لنا أن نقول : إنّ المرأة أفضل من الرجل في تربية ورعاية وحضانة الأطفال ; لغلبة عاطفتها على عقلها التي يحتاجها الطفل ، فإنّ عاطفة المرأة وحنانها ممّا يحتاج إليه الطفل ليشعر بالسعادة والطمأنينة ، كما يصح لنا أن نقول : إنّ المرأة أفضل من الرجل في عاطفتها ورحمتها ورقّتها (جمال المرأة في هذه الاُمور).

وقد ذكرت الآية ملاكاً آخر للقوّامية ، وهو إنفاق الزوج على زوجته الذي شرّعه الشارع المقدّس.

إذن ليس في الآية ما يدلّ على أنّ القوّامية عبارة عن الحدّ من سيطرة وسلطنة الزوجة على مالها وتصرّفاتها ، وليس فيها سلباً لحرّيتها واختيارها فيما يكون من شؤونها الخاصة والعامة.

ما هي حقوق المرأة التي أصبحت زوجة؟

إنّ المرأة التي أصبحت زوجة بعقد الزوجية لها حقوق كما عليها واجبات.

أمّا الواجبات فقد تقدّم الكلام عنها في حقوق الزوج على زوجته ، وقد تقدّم أنّ حقّه عليها يتلخّص في أمرين :

الأول : حقّ الاستمتاع.

الثاني : حقّ المساكنة الذي يتضمّن قيادته للبيت الزوجي لجعله متماسكاً لا يشوبه التفكيك.

وكلا هذين الحقّين مقيّدان بكونهما معروفاً ، ولا يجوز الخروج بهما عن حدّ

__________________

(1) المراد من الأفضلية هنا هو الأصلحيّة ، فلاحظ.


الاعتدال إلى التحكّم والشذوذ.

أمّا حقوق الزوجة على الزوج الذي يعبّر عنها بواجبات الزوج اتجاه الزوجة ، أو حقّ الزوجة على الزوج ، فهو ما نريد بحثه هنا.

نقول : عندما يوجد عقد الزوجية فهو يتضمّن حقوقاً على الزوج لزوجته وواجبات ، ويوجد فرق بين الحقّ والواجب الذين توجها إلى الزوج ، ويتلخّص الفرق بينهما في :

1 ـ الحقّ : هو سلطنة مجعولة من قبل الشارع المقدّس للإنسان ، وهو هنا المرأة الزوجة ، وهو مرتبة ضعيفة من الملكية ، ويمكن لصاحب الحقّ إسقاط حقّه بالتبرّع أو مقابل عوض(1) .

2 ـ الحكم : هو جعل واعتبار من الشارع المقدّس ـ سواء كان رخصة أو إلزاماً أو وضعاً ـ على المكلّف ، فقد يكون الحكم تكليفاً بالرخصة بالمعنى العام ـ الإباحة أو الاستحباب أو الكراهة ـ وقد يكون الحكم إلزاميّاً ـ وجوباً أو حرمة ـ ، وقد يكون الحكم وضعيّاً ـ كالصحة والفساد ـ وهذا الحكم غير قابل للإسقاط.

والآن نتعرّض إلى حقوق الزوجة ، فنقول : إنّ الزوجة لها حقوق على زوجها تتلخص بما يلي :

1 ـ أنّ لها حقّ الاستمتاع بالزوج وحقّ المساكنة ـ كما كانا للزوج ـ ; لأنّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم :( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (2) فإنّ هذه الآية وإن وردت في الطلاق ، إلاّ أنّها تشمل ما قبله بالأولوية.

__________________

(1) نعم ، يوجد استثناء بعض الحقوق من ذلك حيث ثبت أنّها غير قابلة للإسقاط.

(2) البقرة : 228.


وقال تعالى :( هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) (1) ، فالزوج سكن للمرأة وهي سكن له ، والاستمتاع حقّ للطرفين ، والمساكنة حقّ لهما معاً ، وهذا يقتضي أن تكون الحقوق متقابلة ومتوازنة ، فلكلّ واحد منهما على الآخر من أداء حقّه إليه مثل الذي عليه له ، فالحقوق بينهما متبادلة وهما اكفاء ، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلاّ وللرجل عمل يقابله لها ، فهما متماثلان في الحقوق والأعمال ، كما هما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل.

وقد روي عن ابن عباس أنّه قال : «إنّي أُحبّ أن أتزيّن للمرأة كما أُحبّ أن تتزيّن لي ; لأنّ الله تعالى يقول :( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) »(2) .

نعم ، إنّ الله تعالى قال :( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) عقيب قوله :( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ، فما هي تلك الدرجة التي للرجال على النساء في خصوص الزوجية؟

والجواب : إنّ ابن عباس طبّق(3) الدرجة التي ذكرها الله تعالى في هذا الموضع على الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها ، وإغضاؤه عنه ، فقد قال : «ما أحبّ أن أستنطف ـ أي آخذ ـ جميع حقّي عليها» ; لأنّ الله تعالى قال :( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ... ) .

فكأنّ المرأة تواجه صعوبات كثيرة للقيام بمسؤوليات الزوج والبيت ، فلاينبغي أن يتعامل معها وكأنّها شريك في تجارة ، فيحاسبها على كلّ شيء قد وقع منها يعدّ تعدّياً على حقوقه ، بل يقابل ما وقع منها من تقصير في حقوقه بالصفح والغفران.

__________________

(1) البقرة : 187.

(2) الكشّاف 1 : 207.

(3) راجع التبيان للطوسي 2 : 241 وراجع الجامع لأحكام القرآن للطبري 2 : 453.


ولهذا فقد روي أنّ امرأة جاءت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فسألته عن حقّ الزوجة على الزوج؟ فقال : «... وإذا أذنبت غفر لها ...»(1) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام : «كانت امرأة عند أبيعليه‌السلام تؤذيه فيغفر لها»(2) .

وقد ورد في وصية الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام لولده محمّد بن الحنفية إذ قال له : «ولا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها ، فإنّ ذلك أنعم لها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها ، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، فدارِها على كلّ حال ، وأحسن الصحبة لها ليصفوا عيشك»(3) .

وبهذا يفهم أنّ الأوفق والأصلح لها عدم تحمّل مسؤوليات النفقة وقيمومة البيت.

وعلى كلّ حال ، فإنّ الدرجة في الآية الكريمة إمّا أن تكون بمعنى الصفح والغفران فيما لو تعدّت على بعض حقوق الزوج ، أو تكون بمعنى القيام بأمرها والمحافظة عليها ومساعدتها في الاُمور التي لا تقدر عليها ، كما لو كان هو المتبادر من الدرجة التي للرجال على النساء ، وهذا أمر طبيعي ، فإنّ كلّ من يغفر للآخر تعدّيه عليه أو يقوم بمساعدة الآخرين فهو له فضل درجة علية.

ولهذا نقول : بما أنّ الآية واردة في مقام التماثل بين الزوجين في الحقوق ـ لا في حقوق الرجال على النساء مطلقاً ـ فلايناسب أن يكون معنى الدرجة هو مسؤوليته الجهاد أو حقوق الميراث كما روي ذلك أيضاً ; لأنّ هذا إن كان فضلاً عليها فليس هو مختصّ بالتماثل في حقوق الزوجية التي كانت الآية بصددها.

__________________

(1) وسائل الشيعة 14 : باب 84 من مقدّمات النكاح ، حديث 3.

(2) وسائل الشيعة 14 : باب 88 من مقدّمات النكاح ، حديث 1.

(3) المصدر السابق : باب 87 من مقدمات النكاح ، حديث 3.


وعلى هذا فنرى أنّ الظاهر هو ندب الشارع الرجال إلى الأخذ على النساء بالفضل ، وما ذاك إلاّ العفو عنها ، كما أنّها إذا عفت الزوجة عن الرجل عند تقصيره في إعطاء حقوقها فيكون لها عليه فضل ، ولكن الشارع أراد الفضل للزوج عليها فندب إليه ، كما يظهر من تطبيق ابن عباس للفضل عليها ، أو أنّ الشارع أخبر عن فضل الرجال على زوجاتهم لقيامهم بتدبير اُمورهن ورعايتهن وحفظهن ، فإنّ هذا عبارة عن فضل للزوج على زوجته بالقيام بأمرها ولو كان هذا الفضل بسبب إيجاب الشارع النفقة والمسكن والقيمومة على الزوج.



تجب المواقعة كلّ أربعة أشهر مرّة

أقول : إذا كان للمرأة الحقّ في المعاشرة الجنسية متى احتاجت وطلبت من الزوج ، كما يحقّ للرجل المعاشرة الجنسية مع زوجته استناداً إلى آية( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) من حيث تقابل الحقوق ، فما معنى الروايات الواردة ـ عند الطرفين ـ بأنّ الزوج لا يجب عليه المعاشرة الجنسية إلاّ في كلّ أربعة أشهر مرّة واحدة ، والواجب عليه إدخال مقدار الحشفة فقط؟

ففي صحيحة صفوان بن يحيى عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه سأله عن رجل يكون عنده المرأة الشابة ، فيمسك عنها الأشهر والسنة لا يقربها ، ليس يريد الإضرار بها ، يكون لهم مصيبة ، يكون في ذلك آثماً؟ قالعليه‌السلام : «إذا تركها أربعة أشهر كان آثماً بعد ذلك»(1) .

وصحيحة حفص بن البختري عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : «إذا غاضب الرجل امرأته فلم يقربها من غير يمين أربعة أشهر استعدت عليه ، فإمّا أن يفيء ، وإمّا أن يطلّق ، فإن تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمولي»(2) .

وقد روى أهل السنّة أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب عندما سمع شيئاً من زوجة أحد الصحابة الذاهبين للجهاد ، فسأل ابنته حفصة عن أقصى ما تستطيع المرأة أن تصبر عن زوجها ، فقالت : أربعة أشهر ، فأمر أن لا يزيد فراق الزوجات وإن كان

__________________

(1) وسائل الشيعة 14 : باب 71 من مقدّمات النكاح ، حديث 1.

(2) وسائل الشيعة 15 : باب 1 من الإيلاء ، حديث 2.


للجهاد عن أكثر من أربعة أشهر.

أقول : وأنت ترى أنّ الروايات والقصّة كلّها واردة في حالات استثنائية ، لا يمكن سريانها على الحالات الاعتيادية ، فلا تبقى إلاّ المعاشرة بالمعروف ، فلاحظ.

2 ـ لا يجب على الزوجة الخدمة المنزلية : (من كنس أو طبخ وترتيب البيت) بمقتضى عقد الزوجية ، بل الواجب ـ كما تقدّم ـ مقدّمات الاستمتاع بها من تنظيف وإزالة للمنفر والاستحداد ، والمساكنة مع الزوج وذلك :

1 ـ لعدم وجود أيّ دليل على وجوب الخدمات المنزلية على الزوجة في الروايات.

2 ـ الأصل الأولي هو عدم سلطة أحد على أحد في عمل ما ، سواء كان زوجاً على زوجة أو أجنبي على آخر.

3 ـ روايات تدلّ على استحقاق الاُم الاُجرة على إرضاع ولدها إذا طلبتها ، فقد قال تعالى :( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوف وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ) (1) وهذه الآية وإن وردت في الطلاق ، إلاّ أنّها لا تفرق من ناحية أخذ الاُجرة على الإرضاع إن طلبتها الاُم ، سواء كانت المرأة مطلّقة أم لا ، لأنّ محلّ الورود لا يخصص الوارد ، كما هو محرّر في علم الاُصول.

4 ـ يجب على الزوج الإنفاق على الزوجة ، حيث جعل هو القيّم على تدبير اُمور الزوجة والمحافظة عليها بقوله تعالى :( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَبِمَا أَنفَقُواْ ) .

ولذا قال صاحب الجواهرقدس‌سره معبّراً عن الرأي المشهور بين الشيعة الإمامية فقال : «أوجبوا على الزوج لزوجته نفقة الخادمة إن كانت الزوجة من أهل الإخدام لشرف أو حاجة ، والمرجع فيه العرف ، فإن كانت من أهل بيت كبير ولها شرف وثروة لا تخدم

__________________

(1) الطلاق : 6.


بنفسها فعليه إخدامها وإن تواضعت في الخدمة بنفسها»(1) .

نعم ، يستحب لها الخدمة في بيت الزوج من باب إعانة الزوج وإدخال السرور عليه ، وقد وردت روايات تدلّ على ذلك ، منها ما رواه الصدوق مسنداً إلى الإمام الصادقعليه‌السلام عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «أيّما امرأة رفعت من بيت زوجها شيئاً من موضع إلى موضع تريد به صلاحاً ، نظر الله إليها ، ومن نظر الله إليه لم يعذّبه»(2) .

نعم ، قد يوجد ارتكاز ذهني عند عرف خاص على أنّ الزوجة يجب عليها القيام بأعمال المنزل من طبخ وكنس وترتيب ورعاية الأطفال ، وحينئذ سيكون قيام عقد الزوجية مبتنياً على هذا الارتكاز ، فتكون الخدمة المنزلية ورعاية الأطفال مشروطة في عقد الزواج ، فيجب على الزوجة القيام بها ، ويقتصر في وجوب الخدمة على القدر المتيقّن ، وهذا أمر خارج عن مقتضى عقد الزوجية ، بل هو نشأ من الارتكاز الذهني عند عرف خاص.

3 ـ حقّ الزوجة في الإرواء الجنسي : إنّ الشريعة المقدّسة تعتبر الممارسة الجنسية ليست علاقة غريزية حيوانية محضة ، بل هي ممارسة عاطفية وأخلاقية وجمالية ، كما أنّها ليست امتيازاً للزوج ، لا يكون للزوجة فيها نصيب في المشاركة ، بل إنّ الزوجة هي شريك للرجل ، فيتفاعلان في الممارسة الجنسية ويشتركان في تأهيل نفسيهما لها.

فقد ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام قوله : «إذا جامع أحدكم فلايأتيهن كما يأتي الطير ، ليمكث وليلبث»(3) .

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله

__________________

(1) راجع جواهر الكلام 31 : 336 ـ 338.

(2) وسائل الشيعة : باب 67 من أحكام الأولاد ، حديث 1.

(3) وسائل الشيعة 14 : باب 56 من مقدّمات النكاح ، حديث 1.


فلايعجّلها»(1) .

وعن الصدوق في حديث الأربعمائة : «إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فلايعجّلها ، فإن للنساء حوائج»(2) .

فهذه الروايات وإن لم تكن تفيد حكماً إلزامياً وجوبياً ; لأنّها مقيّدة بإرادة الإنسان ، ولو كان واجباً لما قيّد بالإرادة ، إلاّ أنّه يستفاد منه الإرشاد إلى قضية حقّ المرأة في الإرواء الجنسي ، فالزوج وإن كان حقّ المبادرة للعملية الجنسية هو له ، وعلى الزوجة الاستجابة ، إلاّ أن كيفية العملية الجنسية تشترك فائدتها للطرفين.

وأمّا حقّ العزل عن المرأة فقد وردت روايات تمنع من العزل عن الحرة إلاّ بإذنها ، وروايات تقول بأنّ الماء هو ماء الرجل يضعه حيث شاء. فالاُولى تحرّم العزل عن الحرة إلاّ إذا وافقت على ذلك ، والثانية تجيز العزل ، فحَمَلَ الفقهاء روايات المنع إلاّ بإذنها على الكراهة.

ولكن إذا ثبت أنّ العزل عن المرأة يكون في ضررها ; لعدم استيفائها حاجتها من الإرتواء الجنسي ، أو ثبت أنّ العزل عن المرأة يوجب ضرراً لها كالخلل النفسي والعصبي ، فسوف يكون الجمع بين الروايات المانعة من العزل إلاّ بإذنها وروايات الجواز هو حمل روايات الجواز على العزل الذي لا تتضرّر به الزوجة ، وأمّا روايات المنع إلاّ بإذنها فتُحمل على تضرّرها بالعزل ، فيكون حراماً ، إلاّ إذا وافقت على ضررها ولو لمصلحة عدم حملها ، كأن يكون حملها أكثر ضرراً من ضررها العصبي والنفسي فلاحظ.

4 ـ حقّ الزوجة في المضاجعة : والمضاجعة هو حقّ المبيت عندها في المكان

__________________

(1) المصدر نفسه : حديث 2.

(2) المصدر نفسه : حديث 4.


الذي تنام فيه ليلة من كلّ أربع ليال. وهذا حقّ آخر غير حقّ الوطء ، فالزوج له أن يكتفي بالمبيت فقط ، كما له الحقّ في المجامعة ، فقد ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام قوله : «إنّما عليه أن يبيت عندها ليلتها ويظلّ عندها إلى صبيحتها ، وليس عليه أن يجامعها إذا لم يرد ذلك»(1) .

وقد عرّف صاحب الرياض المضاجعة بقوله : «وهي أن ينام معها قريباً منها عادة ، معطياً لها وجهه دائماً أو أكثرياً ، بحيث لا يعدّ هاجراً وإن لم يتلاصق الجسمان»(2) .

5 ـ حقّ الزوجة في التكريم والعفو عنها إذا أخطأت : فيجب على الزوج أن يتصرّف معها بكرامة إنسانية ومودّة عاطفية ، وإذا أخطأت غفر لها وسامحها. وهذا هو المعنى المتقدّم للمعاشرة بالمعروف ، وأنّ الزوج له عليها درجة في مسامحتها والغفران لها.

فقد ورد في معتبرة صفوان ، عن إسحاق بن عمار ، قال : قلت للصادقعليه‌السلام : ما حقّ المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسناً؟ قال : «يشبعها ويكسوها ، وإن جهلت غفر لها»(3) .

وفي رواية الصدوق عن الإمام زين العابدينعليه‌السلام في رسالة الحقوق قال : «وأمّا حقّ الزوجة فأن تعلم أنّ الله عزّ وجلّ جعلها سكناً وأنيساً ، وتعلم أنّ ذلك نعمة من الله عزّ وجلّ عليك فتكرمها وترفق بها ...»(4) .

ويؤيّد ما تقدّم ما ذكر من روايات أهل السنّة عن حكيم بن معاوية القشيري قال : قلت : يا رسول الله ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال : «أن يطعمها إذا طعمت ،

__________________

(1) وسائل الشيعة باب 5 من النشوز ، حديث 1.

(2) الشرح الصغير على المختصر النافع 2 : 394.

(3) وسائل الشيعة باب 88 مقدّمات النكاح ، حديث 1.

(4) من لا يحضره الفقيه 3 : 378.


ويكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ولا تقبّح ولا تهجر إلاّ في البيت».

أي لا تقول لها قبيحاً ولا تهجرها إذا فعلت ما يوجب التقبيح والهجر إلاّ في البيت ، وهذا هو من مصاديق التكريم حتى إذا أخطأت وفعلت ما يوجب الهجر من دون سبب من الزوج.

ثمّ إنّ الغفران هنا واجب على الزوج ; لأنّه وارد في جواب السؤال عن حقّ الزوجة وفي سياق النفقة الواجبة ، فلاحظ.

المرأة الأُمّ

إنّ القرآن الكريم يوجب الإرضاع للولد الذي ولدته أُمّه فصارت أُمّاً بذلك ، قال تعالى :( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) (1) ، فإنّ جملة «يرضعن» ظاهرة في الإنشاء لا الإخبار ; لعدم تطابقه مع الواقع الخارجي على نحو كلّي.

وقد يقال : إنّ الفقهاء حملوا إرضاع الولد حولين كاملين على الاستحباب ; وذلك لأنّ الآية الكريمة في صدد بيان مدّة الرضاع لمن أراد أن يتمّ الرضاعة ، لا لبيان أصل وجوب الإرضاع عليهن بالذات ، على أنّ الحكم الإلزامي لا يعلّق على إرادة الإنسان.

وحينئذ يقال : إنّ الاستحباب إتمام الرضاعة للحولين كما قالت الآية الكريمة ، فإن لم يكن هناك أدلّة على وجوب إرضاع الاُمّ لولدها على نحو التعيين والتخصيص ، إلاّ أنّه يوجد واجب كفائي على كلّ من يقدر على تغذية هذا المولود

__________________

(1) البقرة : 233.


الجديد ورعايته وحفظه من الموت ، والاُمّ أحد الأفراد المأمورين بذلك خصوصاً اللباء : وهو أول اللبن في النتاج ، فقد قيل : إنّ الولد لا يعيش بدونه(1) ، ولكن الصحيح إنّ الولد لا يقوى ولا تشتد بنيته إلاّ باللباء ، فحينئذ يجب على كلّ الناس ومنهم الاُمّ إرضاع الوليد هذا اللبن ، سواء كان منها أو من غيرها إذا حصلت ولادة مقارنة لها.

ثمّ إنّ مدّة الرضاع هي إحدى وعشرين شهراً ، كما أشارت الآيات القرآنية التي ذكرت أنّ حمله وفصاله ثلاثون شهراً ، فقال تعالى :( وَوَصَّيْنَا الاِْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) (2) .

فإذا عرفنا أنّ مدّة الحمل الطبيعية الغالبة تسعة أشهر ، يتبيّن لنا أنّ مدّة الرضاع هي واحد وعشرون شهراً واجبة على الاُمّ إن لم يكن مرضعة اُخرى له ; لأنّ غذاء الطفل واجب على كلّ من يقدر على تغذيته بالواجب الكفائي.

ولكن هل هذا الرضاع الواجب على كلّ من يقدر عليه يكون بلا أجر؟

الجواب : إنّ الدليل القرآني ذكر أنّ المرأة الزوجة لها الحقّ في أخذ الاُجرة على هذا الرضاع حيث قالت الآية القرآنية في سورة الطلاق( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوف وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ) (3) .

فالحقّ الذي للطفل الذي تقدّم الكلام عليه يبقى كما هو ، إلاّ أنّه حقّ للطفل بأجر كما صرحت بذلك الآية الكريمة وإن كان حقّ الاُمّ في إرضاع ولدها مقدّم على غيرها إذا طالبت أجراً متعارفاً ، ولكن عند التعاسر والطلب غير المتعارف للأجر

__________________

(1) إلاّ أنّ هذه الدعوى يكذّبها الوجدان ، فإننا شاهدنا وعاصرنا من ولد ولم يرضع اللباء ، وعاش عيشة متعارفة ، إلاّ أنّه عليل البدن مريض الحال.

(2) الأحقاف : 15.

(3) الطلاق : 6.


يعطى الحقّ للأب في إعطاء الولد للرضاعة فقط لامرأة اُخرى بأجر متعارف.

ثمّ إنّ الأدلّة الشرعية من الروايات الكثيرة جعلت حقّ حضانة الولد إلى الأُمّ ، فإن كان ذكراً فالحضانة سنتان ، وإن كانت اُنثى فالحضانة سبع سنين على المشهور وإن كان هناك قول قوي يقول : بأنّ الحضانة في الذكر والاُنثى مدّة سبع سنين.

ومن الواضح أنّ جعل حقّ الحضانة بيد الأُم لأجل إعطاء مجال لها لتمارس دورها التربوي خاصة في المراحل المبكّرة للولد ، حيث تكون الأُم هي الأنسب من الأب لما تحمله من رقّة وحنان ، ولأجل إرواء نهمها لأن تكون أمّاً مربية تنعم بولدها في مراحل حياته كلّها.


دور الأُسرة في المجتمع الإسلامي

أقول هناك نظرتان :

الاُولى : نظرة تقول بعدم الحاجة إلى العائلة ، فلنا أن نعيش حياة إباحية ونكون سعداء بذلك ، ومعنى ذلك : إنّنا نرجّح من يقول بأنّ الحياة الاُسرية هي حياة وضعية اختارها الإنسان وليست حياة طبيعية له ، فعلى هذا ستكون العلاقة الجنسية عامة مشتركة بين الأفراد ، ويعيش الرجل منفصلاً عن المرأة ، وهذا يؤدي إلى وجود دور خاصة للأطفال يقوم أفراد معيّنون بتربيتهم وحضانتهم.

أقول : لم يثبت لحدّ الآن وجود عصر من عصور التاريخ لم يعش فيه الإنسان الحياة العائلية ، فحتى القبائل المتوحشة الموجودة في العصر الحاضر ـ والتي تكون نموذجاً لحياة الإنسان القديم ـ لم تكن العلاقة الجنسية بين الذكور والإناث عامة ، بحيث تعيش المرأة منفصلة عن الرجل.

وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على أنّ المشاعر العائلية عند الإنسان الحاصلة من الزواج وعدم الإباحية هو أمر طبيعي وغريزي ، وليس حاصلاً من التمدّن والحضارات الحديثة.

الثانية : نظرة الإسلام التي ترى أنّ سعادة البشرية تكون في الحياة الزوجية العائلية الطبيعية ، وأنّ المجتمع السعيد بلحاظ الحياة الدنيا ـ وبغض النظر عن مسألة الآخرة ـ هو المجتمع المبني من وحدات صغيرد عائلية متماسكة ، وذلك :

1 ـ لأنّ استقرار الحياة ونظامها يتوقّف في نظر الإسلام على الحياة الزوجية العائلية ، فالنظام العائلي هو النظام الأنجح في تأمين ما يحتاج إليه الإنسان من


استقرار ونظمها بأحسن وجه.

2 ـ إنّ الحاجات البشرية ليست كلّها عبارة عن حاجات مادية ، فحتى لو فرضنا أنّ مجتمعاً إباحياً استطاع أن يوفّر الحاجات المادية لكلّ أحد بشكل مستقرّ ، فإنّ هذا لا يكفي لإسعاد البشر ، إذ يوجد جانب روحي في البشر يبقى ضماناً ، وهو جانب السكون النفسي والاُلفة والمحبة والحنان ، فإنّ الزوجة إذا لم تُحِسّ بمن يحنّ عليها فلا تشعر بسعادة ، وكذلك الزوج فضلاً عن الأطفال ، فانّهم إذا لم يُحسوا بالمحبة والحنان يكونوا معقّدين في الحياة ، قال تعالى :( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ ) (1) .

ولهذا فقد جعل الإسلام النفقة والمسكن واجباً على الزوج ، وهذا الوجوب لا يستفاد منه مزيّة للرجل على المرأة التي تحتاج إلى ذلك غالباً ، بل حتى لو كانت الزوجة غنيّة فمع ذلك يجب على الزوج نفقة الزوجة وتهيئة السكن لها ، وما ذاك إلاّ لأن يشعر الرجل بالمسؤولية وبالارتباط بالحياة الزوجية وتكوين الأُسرة التي تكون مفيدة للطرفين ; لما فيها من الحماية والسكن والاستقرار ، فلو فرضنا أنّ المرأة لا تحتاج إلى نفقة وإلى مسكن ، إلاّ أنّها بلاشكّ بحاجة إلى حماية الزوج لها ، وبحاجة إلى السكن الذي هو استقرار روحي ونفسي لها ، ولانجد هذه الفوائد إلاّ بتكوين الأُسرة المتكوّنة من الزواج.

بالإضافة إلى أنّ الأولاد إذا عاشوا في كنف والديهم فسيكونون قد حصلوا على الضمان الكافي لمعيشتهم عيشة يكون الأبوان محامين عنهم عاملين على سعادتهم ، بخلاف دور الرعاية العامة التي تتعرّض لنقص في الحماية على الأطفال ، مثلاً : إذا

__________________

(1) الروم : 21.


مرض الطفل في الأُسرة فإنّ الأبوين سيعملان كلّ ما في وسعهما لإنقاذه من المرض بعرضه على الطبيب وإجراء العملية الجراحية له إن احتاج إليها ، أمّا الطفل في دور الرعاية فلا توجد تلك الحماية له ; لعدم وجود ذلك الحنان الدافع للحماية التامة.

إذن ، استقرار الحياة ونظامها وحاجات البشر تفرض نظام الحياة الزوجية العائلية ، ثمّ إنّ الإسلام جاء لتنظيم هذه الحياة العائلية على أُسس هي :

1 ـ الإيمان بأنّ الحياة الموحّدة بحاجة إلى قيادة موحّدة ، فلابدّ من قيادة في الحياة الزوجية ، ولهذا فرض الإسلام قيادة الزوج على الزوجة ، ولم يفرض قيادة الأب على البنت وقيادة الأخ على الاُخت ، وهذا دليل على أنّ الإسلام يجعل الاُنثى كاُنثى في عرض الرجل في الحقوق البشرية ، ولهذا جعل القيمومة على الزوجية فقط لصالحها وتدبير اُمورها لخصوصية في الزواج تعفي الزوجة من مسؤولية النفقة وترتيب بيت الزوجية.

ثمّ إنّ إعطاء القيادة بيد الزوج قد تمثّل في اُمور عديدة كلّها بيد الزوج على شكل حتم ، مثل النفقة والطلاق والجماع والمهر ، والاذن أو المنع من الخروج من البيت والرجوع في العدّة وأمثالها.

2 ـ الشهوة الجنسية : إنّ الإسلام باعتباره ديناً واقعياً ينظر إلى حاجات الروح والجسم على حدٍّ سواء ، ولا يقبل بإدخال نقص على جانب على حساب جانب آخر ، ولم يكن من دأبه أن يقضي بعض الحاجات دون بعض. بل إنّه دين فطرة يُلبّي جميع الحاجات بشكل مهذّب من دون إسراف. وعلى هذا الأساس كان على الإسلام أن يُلبّي هذه الحاجة الطبيعية ، وتلبيتها عن طريق الإباحية لم يكن صحيحاً على ما مضى في الأساس الأول ، فلبى الحاجة عن طريق سنّ قانون الزواج.

ولأجل أن يؤكّد الإسلام على الاُسلوب الذي يُلبّي الجانب الروحي والنظام ، ولكي يمنع من مفاسد الشهوة الجنسية لو لم يشبع عن طريق محلل ، ورد التأكيد


الشديد على الزواج المبكر فضلاً عن أصل الزواج.

وبما أنّ الشهوة الموجودة عند الرجل تفترق(1) عن الشهوة الموجودة عند المرأة ، حيث تظهر الشهوة عند الرجل بصورة فوران ، أمّا الشهوة عند المرأة فتكون تدريجية ، فلهذا الفرق جعل الإسلام الجماع بيد الزوج. وقد وردت روايات كثيرة تحثّ المرأة على التجاوب مع الرجل ، حيث ذكرت الروايات استحباب أن تلزق المرأة جسمها بجسم الرجل وتطيعه ولو كانت على ظهر قتب.

ملاحظة : بالرغم من أنّ الشروط في ضمن العقود إذا كان متعلّقها مباحاً لا تكون مخالفة للكتاب والسنّة ، فهي ليست من قبيل الالتزام بترك الواجب أو فعل الحرام ، ولكن في خصوص الجماع فإنّ الروايات صريحة في قولها : إذا اشترطت المرأة أن يكون بيدها الجماع والطلاق فإنّها خالفت السنّة ، فكأنّ الرواية ترى أنّ إعطاء حقّ الجماع بيد الزوج هو لإشباع القوامية ، ولوجود مقتضى شديد للزوج. وكذا الأمر في الطلاق ، مع أنّ الجماع والطلاق كلاهما مباحان.

ففي معتبرة محمّد بن قيس عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قضى في رجل تزوّج امرأة وأصدقته هي واشترطت عليه أنّ بيدها الجماع والطلاق؟ قال : «خالفت السنّة ، ووليت حقّاً ليست بأهله ، فقضى أنّ عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق»(2) .

ورغم أنّ شهوة الرجل بحالة الثوران فهو يشبع المرأة جنسياً ، إلاّ أنّ الإسلام أخذ احتياطاته في توصية الرجل ، فأوجب المبيت في كلّ أربع ليالي ليلة واحدة ،

__________________

(1) نعم ، المرأة تفترق عن الرجل في جانبين :

الأول : الصبر على عدم العمل الجنسي كصبر عشرة رجال.

الثاني : المرأة لها قوة عشرة رجال في تقبّل العمل الجنسي ، فهي لها قابلية للعمل الجنسي بقدر عشرة رجال ، ولذتها أيضاً كذلك.

(2) وسائل الشيعة 15 : باب 29 من المهور ، حديث 1.


وأوجب الجماع في حالات خاصّة كلّ أربعة أشهر مرّة ، إلاّ أن تسقط المرأة حقّها ، وجعل المداعبة مستحبة ، وأن لا يكون عمله كعمل الحمار ، ويوجد في الروايات حثّ على مجامعة المرأة حينما ترغب ، حتى عبّرت بعض الروايات بأنّ إصابة الأهل صدقة.

3 ـ السكينة : إنّ السكينة هي أساس الاُلفة والمحبة والمودّة ، فحيث إنّ الحياة الزوجية تختلف عن حياة التاجر مع عملائه أو ما شابه ، فإنّ الارتباطات بين صاحب المصنع وعملائه يمكن افتراضها ارتباطات محددة قاطعة ، ولكن الارتباطات بين الزوج والزوجة لم يكن الهدف منها اشباع الحاجات المادية كما في صاحب المصنع مع عملائه ، فلاتثمر إذا كانت ارتباطات محددة قاطعة ، بل الهدف من ارتباطات الزوج والزوجة هي مادية وروحية ، والارتباطات الروحية لا يمكن تلبيتها إلاّ إذا قامت حياة على الاُلفة والمحبة والمودة ، والإسلام لكي يحفظ المودة والاُلفة خطا ثلاثة خطوات :

1 ـ قام الإسلام بتحسيس المرأة اتجاه حقوق الزوج تحت عنوان احترامه وتعظيمه وتبجيله فقال :( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) ليقرّر أنّ الرجل هو أقوى الموجودَين.

2 ـ قام الإسلام بتحسيس الرجل اتجاه المرأة عن طريق ترقيق عواطف الرجل أمام المرأة فقال مثل : «اتقوا الله في الضعيفين ، يعني بذلك اليتيم والنساء»(1) .

«إنما المرأة لعبة من اتخذها فلايضيّعها»(2) .

«أوصاني جبرائيل بالنساء حتى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة»(3) .

__________________

(1) وسائل الشيعة 14 : باب 86 من مقدّمات النكاح وآدابه ، حديث 3.

(2) وسائل الشيعة 14 : باب 86 من مقدّمات النكاح وآدابه ، حديث 2.

(3) وسائل الشيعة 14 : باب 88 من مقدّمات النكاح وآدابه ، حديث 4.


«المرأة ريحانة وليست بقهرمانة»(1) .

كلّ هذا لتحسيس الرجل أنّ المرأة أضعف الموجودَين.

3 ـ إنّ الحقوق التي جعلها الإسلام للزوج على الزوجة في الحياة الزوجية العامة فهي واجبة ، كالاستمتاع بالزوجة متى أراد ، ولكن توجد حقوق للزوج على زوجته في الاُمور التي هي أمسّ بالحياة الخاصة بالزوجة ، قد جعلها الإسلام مستحبة على الزوجة ، كالتصرّف في أموالها وأعمالها المستحبة ، كالقيام بالطبخ وكلّ عمل يوجب المودّة ، ولم يجعلها واجبة لحفظ حرية المرأة باعتبارها إنسانة تحتاج إلى حرية في أعمالها.

هكذا رغّب الإسلام في الحياة الزوجية العائلية ، ورسمَ لها أُسسها ، وإليك شطراً ممّا يثبت ذلك :

1 ـ روى الحسن بن الفضل الطبرسي في مكارم الأخلاق عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «لا يحلّ لامرأة تنام حتى تعرض نفسها على زوجها ، تخلع ثيابها وتدخل معه في لحافه ، فتلزق جلدها بجلده ، فإذا فعلت ذلك فقد عرضت»(2) .

2 ـ ما رواه أبو بصير بسند معتبر عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : أتت أمرأة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت : ما حقّ الزوج على المرأة؟ قال : «أن تجيبه إلى حاجته وإن كانت على قتب ، ولا تعطي شيئاً إلاّ بإذنه ، فإن فعلت فعليها الوزر وله الأجر ، ولا تبيت ليلة وهو عليها ساخط»(3) .

3 ـ صحيحة سليمان بن خالد عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : «إنّ قوماً أتو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا : يا رسول الله إنّا رأينا أُناساً يسجد بعضهم لبعض ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لو

__________________

(1) وسائل الشيعة : 14 باب 87 من مقدّمات النكاح وآدابه ، حديث 1.

(2) وسائل الشيعة 14 : باب 91 من مقدّمات النكاح ، حديث 5.

(3) المصدر نفسه : باب 79 من مقدّمات النكاح ، حديث 3.


أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»(1) .

4 ـ صحيحة ابن أبي يعفور عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : «نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله النساء أن يتبتّلن ويعطّلن أنفسهنّ من الأزواح»(2) .

5 ـ وروى السكوني عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّما المرأة لعبة مَنْ اتخذها فلايضيّعها»(3) .

6 ـ موثّقة سماعة عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : «اتقوا الله في الضعيفين ، يعني بذلك اليتيم والنساء»(4) .

7 ـ معتبرة إسحاق بن عمّار قال : قلت للإمام الصادقعليه‌السلام : ما حقّ المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسناً؟ قالعليه‌السلام : «يشبعها ويكسوها ، وإن جهلت غفر لها» ، وقال الإمام الصادقعليه‌السلام : «كانت امرأة عند أبيعليه‌السلام تؤذيه فيغفر لها»(5) .

8 ـ صحيحة محمّد بن مسلم عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أوصاني جبرئيل بالمرأة حتى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة»(6) .

وأخيراً اتضح إنّ الحقوق في الأُسرة سوف تكون متفاوتة ، فالاُسرة متكوّنة مثلاً من الزوج والزوجة والأب والاُم والأولاد والإخوة والأخوات ، لا تكون حقوقهم وواجباتهم واحدة ومتساوية ، بل الزوج له حقوق وعليه واجبات ، والزوجة أيضاً لها حقوق وعليها واجبات أُخرى تختلف عن حقوق وواجبات الزوج ، وكذلك

__________________

(1) المصدر نفسه : باب 81 من مقدّمات النكاح ، حديث 1.

(2) وسائل الشيعة 14 : باب 84 من مقدّمات النكاح ، حديث 1.

(3) المصدر نفسه : باب 86 من مقدّمات النكاح ، حديث 2.

(4) المصدر نفسه ، حديث 3.

(5) المصدر نفسه باب 88 من مقدّمات النكاح ، حديث 1.

(6) المصدر نفسه ، حديث 4.


الأبوان والأولاد لكلّ واحد منهما حقوق وواجبات تختلف عن الآخر ، كلّ ذلك لاختلاف الرجل عن المرأة في أُمور متعدّدة أقرّها الجميع من الناحية الجسمية والنفسية والشعورية وغيرها.

والمناداة بتساوي الحقوق والواجبات في الأُسرة الواحدة منبعثاً من التأثّر بالمشاعر ، مردود بالحجج العلمية التي ذكرها علماء الاجتماع والنفس حول اختلاف وظيفة الرجل عن وظيفة المرأة ; نتيجة الاختلاف الجسمي والنفسي والشعورى وأمثال ذلك.

وهذا له مجاله الخاص الخارج عن موضوعنا هذا ، ولكن الذي يقود هذه السفينة ـ الأُسرة ـ إلى شاطئ السلامة هو الزوج(1) .

__________________

(1) لابأس بالتذكير بما تقدّم من كلام الرئيس السابق للاتحاد السوفيتي «جورباتشوف» في كتابه عن البروستريكا حيث ذكر أن مهمّة المرأة في الأُسرة إذا نقصت فسوف تحدث مشاكل عويصة عند الشباب والأطفال ومعنويات المجتمع ، فقال :

«إنّ المرأة إن اشتغلت في مجالات الانتاج والخدمات والبناء ، وشاركت في النشاط الإبداعي لم يعدّ لديها وقت للقيام بواجباتها اليومية من أعمال المنزل وتربية الأطفال».

وأضاف قائلاً : «لقد اكتشفنا أنّ كثيراً من مشاكلنا في سلوك الأطفال والشباب وفي معنوياتنا وثقافتنا وإنتاجنا تعود جميعاً إلى تدهور العلاقات الاُسرية ، وهذه نتيجة طبيعيّة لرغبتنا الملحّة المسوَّغة سياسياً بضرورة مساواة المرأة بالرجل».

«من مقال لمحمود كريم سليمان بعنوان : أساليب تغريب المرأة وآثارها ، مجلة البيان www.albayan ـ magazine.com »

أقول : ولهذا حينما يسمح الإسلام للمرأة في العمل ولو خارج البيت وبرضى الزوج ، فلابدّ أن يؤثر هذا العمل على وظيفتها في داخل البيت في كونها سكناً للزوج واُماً للأطفال ، تقع عليها مسؤولية التربية والرعاية والحضانة وما يلحق ذلك.


الوضع الحالي للمرأة بتأثير البيئة الاجتماعية

والعادات والتقاليد

إنّ ما تقدّم عن موقع المرأة في نظام القيم والحقوق والواجبات في الشريعة الإسلامية في مساواتها للرجل في الوظائف العامة ، قد يشكل عليه بما يراه الفرد من الوضع الحالي للمرأة ، حيث تكون أقلّ كفاءة وأهليّة من الرجل في مجالات الوظائف العامة ، فهل هذه الفروق ذاتية بحيث تجعل جنس الرجل أفضل من جنس المرأة؟

أو تكون كفاءة الرجل أكثر من كفاءة المرأة في الوظائف العامة؟

أو تكون أهلية المرأة للمناصب العامة في الدولة أقلّ من أهلية الرجل لتلك المناصب؟

والجواب على ذلك : ما أشار إليه العلامة شمس الدين : من أنّ هذه الفروق بين جنس الذكر وجنس الاُنثى وإن كانت فروقاً موجودة في الوضع الاجتماعي الذي تعيشه أكثر المجتمعات ، إلاّ أنّها ليست فروقاً ذاتية ، بل هي فروق ناشئة من الظروف التربوية والاجتماعية التي أدّت إلى تكوين ثقافة خاصة بالمرأة جعلتها قاصرة عن تنمية وتطوير المواهب والكفاءات التي تتمتع بها بحسب أصل خلقتها ، فتبدو أقلّ أهلية وأقلّ كفاءة من الرجل في بعض المجالات ، أو تبدوا معدومة الأهلية والكفاءة في مجالات أُخرى.

والحقيقة : أنّ تلك الفروق كانت نتيجة ظروف شاذة جعلت منها مخلوقاً شاذاً


ومتدنياً بالنسبة إلى الرجل.

وهذه الظروف الشاذة استمرت دهوراً طويلة بحيث كوّنت قاعدة مزوّرة مثّلت تدنّي المرأة في أصل الخلقة وحقيقة الفطرة.

وإذا أردت معرفة الحقيقة فلاحظ امرأة نشأت في مناخ اجتماعي وتربوي يوفّر ثقافة لها كما يوفّرها للرجل ، وكانت الفرص لها مماثلة لفرص الرجال في الوظيفة العامة للإنسان ، فإنّك ترى أنّ المرأة تحصل على مواهب وكفاءات مماثلة لما عند الرجل في الوظائف العامة.

وإذا عكستَ الأمر فجعلتَ الرجل ينشأ في مناخ اجتماعي وتربوي ينتج ثقافة مماثلة لثقافة المرأة المنكمشة الممنوعة عن الأنشطة الاجتماعية والسياسية والثقافية ، فإن هذا الرجل ينشأ معدوم المواهب والكفاءات أو ضعيفها(1) .

والخلاصة : أنّ المجتمعات الإسلامية قديماً(2) قد تأثّرت بعادات وأعراف دخيلة

__________________

(1) راجع مسائل حرجة في فقه المرأة ، الكتاب الأول : 27 وما بعدها.

(2) لم تكن المجتمعات الإسلامية لوحدها هي المتأثّرة بعادات وأعراف تمنع المرأة من دخولها الحياة الكريمة وظُلمت واضطهدت في منعها ما يحقّ لها في التعليم والتربية والعمل وغير ذلك ، فهذا قرار للمحكمة الأمريكية ، صدر سنة 1872 يعلل رفض إعطاء المرأة تصريحاً بممارسة مهنة المحاماة ، فقال : إنّ وظيفة المرأة أن تكون زوجة واُمّاً ، وإنّ هذا هو قانون الخالق.

والنصّ بالإنجليزية هو :

In 1872, the Supreme Court of the United States decided that this provision of the Constitution did not prevent Illinois from refusing to license an otherwise qualified woman to practice law in that state. The legislature had said, in effect, that only men could be lawyers. Justice Bradley, writing for himself and two other justices, commented :

The paramount destiny and mission of woman are to fulfil the noble and benign offices


ستحدثة لم تكن موجودة عند الشارع المقدّس ، فكانت هذه العادات والأعراف الدخيلة إرثها الثقافي نتيجة تفاعلها مع أهل الاديان والثقافات غير الإسلامية ، وهذه الأعراف والعادات هي التي ميّزت بين الذكر والاُنثى في الوظائف العامة المشتركة بينهما.

والشاهد على هذا الذي تقدّم : عرض القرآن الكريم لجملة من النساء اللاتي قمن بأدوار بارزة في مجتمعاتهن ، وقمن بأنشطة تعبّر عن مواهبهن وكفاءاتهن التي تضاهي مواهب وكفاءات الرجال ، وتزيد عليها في بعض الأحيان ، كامرأة فرعون والسيدة مريم وابنتي شعيب وبلقيس ملكة سبأ ، ومن تاريخ الإسلام نذكر أم المؤمنين خديجة الكبرى وأم المؤمنين أم سلمة والسيدة فاطمة الزهراءعليها‌السلام والسيدة زينب ، وحتى في تاريخ الأمم حيث نشاهد كثيراً من النساء اللاتي قمن بأعمال كبرى ومارسن أدواراً قيادية ووظائف عامة كالرجال مثل كليوباطرا ملكة مصر وبنت كسرى ملك الفرس مع التزامهن بالاُمومة والزوجية في نطاق الأُسرة.

وهذا القصص القرآني يراد منه التعليم بذكر القدرة العملية في مجال الخير والعمل الصالح فيكون القرآن قد ذكر موقع المرأة في نظام القيم ونظام الحقوق

__________________

of wife and mother. This is the law of the Creator. And the rules of civil society must be adapted to the general constitution of things, and cannot be based upon exceptional cases I am not prepared to say that it is one of her fundamental rights and privileges to be admitted into every office and position, including those which require highly special qualifications and demanding special responsibilities .

انظر :

A practical guide to legal writing and legal method, by John C. Dernbach, Richard V. Singleton II, Cathleen S. Wharton, Joan M. Rothenberg, second edition, 1994, Rothman Colorado U.S.A., p.5 .


والواجبات الإسلامية في الشريعة الإسلامية ، وهذه النصوص تشكّل الإطار التشريعي لكلّ حكم يرد على المرأة في السنّة ، وبواسطتها نفهم النصوص الاُخرى الواردة في حقّ المرأة ، وقبولها أو عدم قبولها ، ولذا فإنّ من جملة ما يميّز الروايات الصحيحة من عدمها عرضها على كتاب الله ، والعمل بما وافق الكتاب منها وردّ ما خالفه.


امتهان المرأة وانتقاص حقوقها

لم يدّع أحد أنّ المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية مسترقّة ، يمارس عليها من قبل الرجال والمجتمع استعباد من الناحية القانونية ، بل الكلّ يعترف بأنّ المرأة من الناحية القانونية حرّة ، ولكن هناك إقرار مطبق على أنّ المرأة تعيش وضعاً غير عادل وغير إنساني يتعلّق بموقعها الإنساني ومركزها الحقوقي أو بهما معاً ، فهي امرأة حرّة كما ينطق بذلك القانون ، إلاّ أنّها لم تتمتّع بآثار الحرية في الاعتراف بشخصيتها الإنسانية المكافئة للرجل ، فهي منتقصة الكرامة ، ولذلك لا يعترف بكرامتها المساوية للرجل. وكذلك فهي لا تتمتع بآثار الحرية في المجال الحقوقي ، فهي منتقصة الحقوق.

بل لقد بلغ الأمر في بعض الاتجاهات الفكرية إلى اعتبارها مخلوقاً آخر أقرب إلى الحيوان الأعجم من الإنسان ، فلا ولاية لها على نفسها ، ولا على مالها ، ولا على عملها ، ولا على تصرّفاتها.

بل هي أداة في يد الرجل ـ أباً أو أخاً أو زوجاً ـ لا تملك لنفسها شيئاً من أمر نفسها ، فهي كائن حيواني موضوع للاستمتاع الجنسي والاستيلاء والخدمة المنزلية والعمل في الزراعة مجاناً.

ولكن هذا الامتهان للمرأة في الكرامة والانتقاص في الحقوق في بعض المجتمعات الإسلامية ، لم يكن نتيجة نظرة الإسلام اليها ، بل هو نتيجة إهمال نظرة
الشريعة اليها وتجاوزها.

إنّ الإسلام نظر إلى المرأة وحرّرها من النظرة الجاهلية ، ورفع منزلتها إلى منزلة الرجل في الإنسانية والكرامة ، وساواها مع الرجل في الحقوق والواجبات والقيم الإنسانية كما تقدّم ذلك.

ولكن انخفاض وعي الناس بالدين أو عدم التزامهم به ; لعدم وجود سلطة لعلماء الدين على المجتمع في كلّ البلاد الإسلامية تقريباً ، وتأثير العادات والتقاليد الوافدة إلى المجتمع الإسلامي من المجتمعات الاُخرى غير المسلمة ، ونظرتها المتدنية إلى المرأة ، والالتزام بالنصوص الدينية الضعيفة ، أو غير الضعيفة المعارضة للنظرة القرآنية التي تحدّ من سلطة المرأة على نفسها وتصرفاتها في بعض المجتمعات الدينية والعلمية ، أدّى إلى تكوين نظرة سيئة ومتدنية اتجاه المرأة في المجتمعات التي تنتسب إلى الدين ، فتقلّصت حريّتها في العلاقة مع المجتمع وفي العمل ، وحُرمت من حقّ التعليم والثقافة وبعض المناصب الاجتماعية.

إذن يحقّ أن نقول : إنّ وضع المرأة في الواقع الاجتماعي في البلدان الإسلامية يختلف عن وضعها في التشريع الإسلامي ـ قرآناً وسنّة ـ كما يختلف عن وضعها في أبحاث الفقهاء الذين لم يتأثروا بالواقع الاجتماعي الطاريء ولم يتأثروا بالعادات والتقاليد الدخيلة على الإسلام ، ولم يتأثروا بالروايات التي تخالف النهج العام القرآني الذي جعل مثالاً يقتدى به للمرأة المسلمة.

فالدين الإسلامي أراد للمجتمع الإسلامي الرقي والصعود في مدارج الكمال في آفاق الحضارة والعلم ، والمرأة التي هي نصف المجتمع مشمولة في هذه الدعوة للصعود في مدارج الكمال علماً وأدباً وعملاً ، ومشاركة في النشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإنساني ، خصوصاً في الأعمال التي تنسجم مع تكوين المرأة الفسيولوجي والنفسي ، كالتعليم والتمريض والطبابة والعمل في الإدارات


الحكومية والمؤسسات الاجتماعية والخيرية والتربوية وما شابه ذلك.

وبهذا تتمكن من سدّ العوز المالي الذي يلحق الأُسرة من جراء النفقات المالية الكبيرة ، كما أنّها تشعر بأنّها عضو فاعل في المجتمع ومستقلّة في تصرّفها النافع مع عفّة وطهارة ، فهي تغني المجتمع بالعمل المنتج وتلبّي حاجاته ، وهذا هو الذي دلّت عليه الأدلّة العامة من الحثّ على العمل النافع للإنسان ، ومن يدّعي خلاف ذلك فعليه أن يثبت دعواه بالدليل.



التنظيم السوي للعلاقة بين الرجل والمرأة

إنّ التنظيم السوي للعلاقة بين الرجل والمرأة يقوم على اُسس هي :

1 ـ المساواة بينهما في نظام القيم ونظام الحقوق والواجبات الإنسانية ، فمسؤوليتهما واحدة متساوية أمام الله تعالى.

2 ـ مساواة المرأة للرجل في عملية التنمية والخدمة الاجتماعية في مختلف المجالات التي تكون المرأة قادرة عليها.

3 ـ يسعى الرجل إلى تأمين المرأة من ناحية الصحة والتعليم وعلاج المرض ، وباقي الاحتياجات اللازمة للمرأة.

4 ـ يتعهد الرجل بمنع العنف ضدّ النساء ومنع العمل الشاق لها ; استناداً إلى كونها ريحانة وليست قهرمانة.

5 ـ يشتركان في تكوين الأُسرة التي هي نواة المجتمع الصالح ، ويجب أن تحكم هذه الأُسرة الاُلفة والمحبّة والحنان بين الزوج وزوجته وبينهما وبين الأولاد ، فبيت الزوجية سكن للجميع ، واختلافهم في الصنف يوجب تنوّعاً في وظيفة كلّ منهما في الوظيفة العامة. وهذا يعني التأكيد على أهمية الاُمومة والعائلة وتربية الأطفال وتقسيم المسؤوليات.

6 ـ إطاعة الزوجة لزوجها في الامور الجنسية بالمعروف ، واحترامها له في قيادة البيت نحو السلامة والأمن. وعليه فلاتخرج من بيته إلاّ بإذنه تطبيقاً لاحترام الزوج ، بدون أن يكون عدم إذنه لها تحكّماً وعناداً وأذيّة لها ، ويسقط هذا الحقّ إذا


كان في خروجها من البيت منسجماً مع احترام الزوج ولا يحمل أيّ هتك له.

7 ـ يجب على الرجل أن ينظر إلى زوجته على أنّها شريكة حياة ، فيبتعد عن كلّ ما فيه تحكّم وعناد ، فالمعاشرة بالمعروف هو الشعار الذي يجب أن يطبّق في الحياة المشتركة بينهما ، والزوج هو المسؤول عن المحافظة على زوجته وتدبير أمرها.

8 ـ كلّ من الرجل والمرأة مدعو إلى التديّن والالتزام بعقائد الدين وأحكامه على حدّ سواء ، فكلّ منهما مدعوّ للتفقّه في الدين على حدّ سواء ، وكلّ منهما مسؤول عن تقصيره في ذلك.

9 ـ المرأة الزوجة بيدها الحضانة والرعاية والرضاع ، والتربية مشتركة بينهما.

10 ـ تسهم المرأة في الحياة السياسية والحكومية كالانتخابات والتعيينات ، ويحقّ لها الإسهام في تدوين السياسات والمشاركة في المؤسسات الاجتماعية والنشاطات الدولية.

11 ـ الابتعاد عن جعل المرأة آلة يستفاد منها للجنس والخدمة والدعايات المروّجة للسلع وغيرها ، ويجب عليها العفّة وعدم خيانة الزوج في نفسها وماله ، فتحافظ على زوجها وماله ، كما يحافظ عليها كذلك.


المرأة في الغرب

إنّ وضع المرأة الإنساني والحقوقي في الدول غير الإسلامية كان وضعاً شاذاً وظالماً لعدّة دهور من الناحية الاجتماعية والميدانية ومن الناحية القانونية أيضاً ، ولكن عند ظهور النهضة الاُوربية حصلت مراجعة نقدية شاملة لذلك الوضع الشاذّ وغير العادل ، فتغيّرت المواقف الفكرية والأخلاقية في شأن المرأة ، ومن جملتها وضع المرأة في الأُسرة والمجتمع.

وتفعّلت هذه المواقف بسبب تحوّل المجتمع من الحياة الزراعية إلى الحياة الصناعية ، فتسبّب في الهجرة الواسعة من الأرياف إلى المدن ، فدخلت المرأة سوق العمل ، فتولّدت شعارات تنادي بتحرير المرأة وحقوقها ، وانتشرت بصورة واسعة نتيجة غلبة المجال العسكري للدول الاُوربية على غيرها.

وكان من الواجب العمل على إلغاء كلّ ما يرتبط بنقص المرأة عن الرجل ودونيتها في الإنسانية والكرامة ، وإعطاء حقوقها في تقرير مصيرها وتصرّفاتها وأعمالها ، مع الاحتفاظ بدورها في الأُسرة ، والمحافظة على عفّتها وطهارتها.

إلاّ أن الأمر اتجه لتحريرها من دور الأُسرة وسلب العفّة عنها ، فانتقدوا عملها في البيت كزوجة وأمّ ، واعتبروا أنّ مسؤوليتها في الأُسرة هو مظهر عبوديتها ، ونادوا بضرورة رفع القيود الأخلاقية والقانويية التي تحكم وتنظّم علاقات الرجال والنساء.


وساعدهم على ذلك نموّ الصناعة الذي جذب المزيد من اليد العاملة الرخيصة ، فاجتذبت النساء إلى المعامل ، وعزلت المرأة عن بيتها وأُسرتها ، فلا وقت عندها لتوفير الحدّ الأدنى من السكن للزوج وللأولاد ولها أيضاً ، مع اختلاط بلا حدّ بالرجال الأجانب ، مع دعوة إلى تحرير الجسد من القيود الأخلاقية والدينية في المجال الجنسي.

فأدّت هذه الحركات التحريرية في الغرب إلى خلط الغث بالسمين والفاسد بالصالح ، فجعلت المرأة دمية للرجل يستغلها في المعمل ويستمتع بها جنسيّاً باسم التحرّر وإن حصلت على بعض حقوقها في الحياة المعاصرة من عمل وعلم ومشاركة ، إلاّ أنّها فقدت قيمتها وشرفها وطهارتها واُسرتها وسكنها ، فهي زوجة ولكن لا تهتم باُمور الأُسرة والأولاد ، ولا تهتم بالسكن الذي جعله الله لها نتيجة الحياة الزوجية. كما أجازوا لها أن ترافق خليلاً معها تنجب منه الأطفال من غير زواج شرعي ، وما إلى ذلك من اُمور باسم التحرّر.

وعلى هذا فيمكن لنا أن نقول : لقد حوّلوا المرأة من ظلم كانت تعاني منه إلى ظلم آخر أشدّ من الأول باسم تحريرها وإعطاء حقوقها.

وبعبارة أُخرى : أرادوا ـ ولا زالوا يحاولون ـ مساواتها بالرجل في كلّ شيء ، ولا يعبأ بالفوارق الجسمية ـ الفسلجية والسيكولوجية ـ الثابتة بين الرجل والمرأة.

ونحن إذ نقرّ لهم بمساواة المرأة للرجل من الناحية الإنسانية والحقوق الفطرية التي يهدي إليها الدين ، إلاّ أننا كمسلمين وكبشر أيضاً نخالفهم في المساواة الجسدية ، إذ نؤمن ككلّ فرد واقعي بوجود الفوارق الجسمية التي تقتضي تقسيم العمل بنحو ينسجم مع الفرق بحسب الخلقة ، وإلاّ فإذا نظرنا إلى المساواة في كلّ شيء ، فإنّ النتيجة ستكون تردي الحالة النفسية والأخلاقية للمرأة حتماً.


نظرة الغرب السلبية للمرأة المسلمة وردّها

1 ـ يصوّر أنصار حقوق المرأة في الإعلام الخارجي صوراً فكاهية للمرأة وهي تكره العائلة ، كما أنّها تكره الرجل ، بل تمتعض من الجنس.

2 ـ أما الإعلام الشعبي فيصوّر المناصرون للمرأة وهم يحتقرون النساء اللاتي يتجهنّ بكل وقتهن لممارسة أدوار الاُمهات وربّات المنازل.

3 ـ كما يصوّر الكاريكاتور الغربي «المرأة المسلمة وهي ترتدي الحجاب» على أنّه وصمة عار.

4 ـ كما يصوّر الكاريكاتور الغربي «المرأة المسلمة وهي ترتدي الحجاب» على أنّها كائنة مضطهدة ، لا تملك أيّ وسيلة للتعبير عن نفسها بحرية.

5 ـ كما إنّ الغرب يفهم من قوامية الرجل على زوجته ، التقليل من شأن المرأة ، واتخاذها مادة هزيلة لأغراض الرجل.

المناقشة :

أولاً : يرد على الفقرة الاُولى عدّة ملاحظات :

أ ـ أثبتت الأبحاث الطبية والنفسية والاجتماعية والعلمية أنّ الرغبة الجنسية هي حاجة طبيعية يجب إشباعها ، وليس من الصحيح كبتها ، وليس من الصحيح أن يصوّر الإنسان الذي يسعى لأجل إشباعها على أنّه رجل منحرف وشيطان.

وعلى هذا ليس من يسعى إلى تأمين ما يحتاج إليه من جنس يكون مرتكباً للكبائر من الذنوب أو متّجهاً إلى القذارة والانحطاط ، بل يكون متّجهاً للشفاء من الكآبة والاضطرابات العقلية الحادة ، لذا فقد وردت الآثار الشرعية الكثيرة الحاثّة على الزواج وجعلته إحرازاً لنصف الدين ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من تزوّج فقد أحرز


نصف دينه» وقال الكليني : (وفي حديث آخر) «فليتق الله في النصف الآخر»(1) .

وقد كتبت المتخصّصة في علم النفس «إيفاهنريت مون» : بأنّه حتى حينما يكون مزاج المرء سيئاً وحينما تكون العلاقة بين الأبوين ليست على ما يرام ، فإنّ على الأبوين أن يحاولا ممارسة الجنس ; لأنّ ذلك سيساهم بنسبة ما في بناء محيط دافيء ، ليبدّل العلاقة الباردة والمرّة بأُخرى أحلى وأكثر دفئاً(2) .

إذن الجنس فعل إيجابي يجب التشجيع على ممارسته ، والإرشاد إليه عن طريق الهدي الرباني.

ب ـ إنّ هذه الرغبة الجنسية هي ثنائية المصدر ، أي أنّها حاجة طبيعية من الجانبين ، فليس الرجل هو يحتاج إلى هذه العملية دون المرأة ، ولا المرأة تحتاج إليها دون الرجل ، وهذا أمر واضح ، اذن الحاجة من الاثنين.

وهي حاجة طبيعية مستمرة ، لذا تبنّى البشر على طول التاريخ مؤسسة الأُسرة ـ العائلة ـ لأنّه يستطيع كلا الطرفين إلى إشباع حاجاتهما العاطفية والمادية والجنسية عن طريق الأُسرة ـ العائلة ـ التي تعيش انسجاماً قلبياً في ظلّ ظروف بهيجة ، تزداد ازدهاراً مع حفظ العفّة.

وهكذا دعا الإسلام إلى الحياة الاُسرية من طريق الزواج ، خلافاً للإباحيين والشيوعيين الذين يستهينون بالقيم الاُسرية ، فليس الاستهانة بالقيم الاُسرية إلاّ استهانة بالحاجة الطبيعية المستمرة للجنس القائم على إشباع الحاجات المستمرة للجنس بطريقة عفيفة وصحيّة وعاطفية تؤمن الينبوع البشري مع حفظ النسب.

__________________

(1) وسائل الشيعة 14 : باب 1 من مقدّمات النكاح ، حديث 11 و 12.

(2) مقتبس من : بحث الشيخ علي الحكيم / الحجاب والنظرية القرآنية : 8 نقلاً عن :.400884 / 20 / 6 / 2004 http / / www.dagbladet.no / magasinet / htm 1


ج ـ من الطبيعي والواضح والذي كشفت عنه الأبحاث العلمية ، أنّ البيت والعائلة التي لا تملك طفلاً تكون عائلة غير موفّقة وغير سعيدة بالمعنى الأعم للسعادة ، فإن المرأة كما أنّها بحاجة إلى أن تكون زوجة لتشبع حاجاتها الجنسية الطبيعية ، هي بحاجة إلى أن تكون أُمّاً تحنو على طفلها وتعطف عليه وتربّيه ; ليكون البيت مشعاً بالسعادة والحنان والمحبة التي تشدّ الأُسرة لشقّ طريقها في الحياة بنشاط وعمل مشفوعاً بالأمل.

والنتيجة التي نصل اليها : هو خطأ وتضليل النقطة الاُولى القائلة : بأنّ المرأة تمتعض من الجنس وتكره الرجل وتكره العائلة.

ثانياً : يرد على الفقرة الثانية :

أ ـ أنّ وظيفة المرأة أولاً وبالذات هو البيت وتنظيم شؤونه وشؤون الاُمومة والحضانة للأولاد وتربيتهم التربية الصالحة ، ولكن عملها لا ينحصر بذلك ، فلها أن تعمل أيّ عمل يناسبها إذا وجدت فيها الكفاءات اللازمة له ، ولا تمنع من ذلك عند حصولها الوقت الكافي لمباشرة العمل خارج البيت إذا توافقت مع الزوج على ذلك.

ب ـ ولو لم تجد المرأة الوقت الكافي للعمل خارج البيت ، فلايجوز أن ننظر إلى عملها داخل البيت باحتقار ; لأنّه عمل مهم وكبير ، حيث يكون عبارة عن تربية الجيل الصاعد وإعدادهم إعداداً جيداً للمستقبل ، فتكون النساء اللاتي يقمن بهذا العمل على وجه الصحة والسلامة قد شاركن في إعداد الجيل للمستقبل ، وكلّما كان هذا الجيل صحيحاً سالماً عقائدياً وفكرياً وبدنياً وأخلاقياً ، فسيكون مؤثّراً في بناء المجتمع الصالح ، وبهذا ستكون الاُم هي المدرسة الأولية للأولاد ، ولذا قال الشاعر :

الاُمّ مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعباً طيّب الأعراق

ثالثاً : ويرد على الفقرة الثالثة والرابعة ما يلي :


أ ـ أنّ الحجاب لا يجب على المرأة المسلمة ـ باستثناء نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ ، وإنّما الواجب على المرأة المسلمة ستر البدن عن الناظر الأجنبي ، وفرق بين ستر البدن والحجاب ، فالحجاب هو عبارة عن التواري عن الرجال مثلاً ، وهذا ليس واجباً على النساء المسلمات ، بل هو واجب على نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقط للآية القرآنية القائلة :( وَإِذَا سَأَلُْتمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) (1)

ب ـ أنّ ستر بدن المرأة لا يكشف عن اضطهاد المرأة ، وتعرّي المرأة لا يكشف عن حريتها ، بل إنّ تعرّي المرأة يمكن أن يكون ناشئاً عن اضطهاد لها ; لعدم إعطاء الزوج لها المؤونة اللازمة للستر ، أو لم يعطِها المجتمع الضمان الاجتماعي اللازم لها.

ج ـ أنّ وجوب ستر البدن لا يشمل إلاّ الأجنبي ، أمّا الزوج وأب الزوج وأبناء الزوج وأخوها وابنها وعمّها وخالها ، وأزواج بناتها وأبناء إخوتها واخواتها ، وجميع النساء والذكور غير المميزين ، والرجال الكبار البُله الذي عبر عنهم القرآن( غَيْرِ أُولِي الاِْرْبَةِ ) فهؤلاء كلّهم لا يجب على المرأة أن تتستّر عنهم.

د ـ أن وجوب ستر البدن ، الذي هو عبارة عن لباس الحشمة مقابل السفور ، هو واجب على المرأة ، كما هو واجب على الذكر ، والقصد من هذا الوجوب هو صيانة المجتمع من الانزلاق إلى الفساد ، وإيجاد العفّة في المجتمع ، لذا قال القرآن الكريم مخاطباً المؤمنات :( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي

__________________

(1) الأحزاب : 53.


إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الاِْرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء ) (1) .

وقال تعالى مخاطباً الرجال المؤمنين قبل الآية المتقدّمة :( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ... ) (2)

فنفهم من هاتين الآيتين : أنّ على كلّ الجنسين ـ الذكور والاناث ـ العفّة واللباس المحتشم في المجتمع ، رغم وجود خلاف طفيف بين الجنسين في لباس الحشمة ، إلاّ أنّ هذا الاختلاف لا يلغي وجوب الحشمة في اللباس على كلا الجنسين.

لذا لم يجوّز العلماء ظهور الرجال نصف عراة أمام النساء حتماً في المجالس الحسينية ومواكب اللطم ، وإذا حدث ذلك فلا يجوز للنساء أن ينظرن إليهم على نحو الاحتياط الوجوبي. كما أنّ الإسلام لا يجيز للرجال أن يكشفوا عوراتهم أمام الرجال فضلاً عن النساء.

هـ ـ أنّ غالبية البحوث حول حالات الاغتصاب الذي يقوم بها الرجال للنساء ، قد ألقت اللوم على النساء المتعرّيات ـ غير المستورات بدنياً ـ على اعتبارهن الدافع المحرّك وراء سلوك الرجال البالغين الذين تحرّشوا بهنّ واغتصبوهن(3) .

وهذه الدراسات أوضحت فكرة في فهم العنف الجنسي وظروف جرائم الاغتصاب ، فالنساء العاريات تسهّل الأمر على المغتصبين عن طريق لبسهن ملابس مثيرة تستحث بشدّة أُولئك المرضى على أن يهاجموا النساء ، فالنساء العاريات هنّ من يدعُنّ المغتصبين الجنسيين إلى مهاجمتهن.

وبدون شكّ لانقصد من هذا :

__________________

(1) النور : 31.

(2) النور : 30.

(3) نحن نشاهد حالات التحرّش والتعدّي يشمل حتى الملتزمة المستورة البدن البعيدة عن الإثارة ، فكيف بمن تثير الآخرين بكشف الجسد أو غير ذلك؟!


1 ـ أنّ المغتصب لا يعدّ جانياً ، ويكون معذوراً بعمله الإجرامي الذي تعدّى فيه على امرأة قد أغرّته بلباسها غير المحتشم ، بل إنّ المغتصب والمهاجم والمتحرّش قد قام بعمل إجرامي بلاشكّ ، وأنّه يعاقب أقصى العقوبة لهذه الجريمة إن كانت زنا بعنف. بل نريد هنا أن نضيف شيئاً وهو : إنّ المرأة المتعرّية قد أغرته وحرّكته في اغتصابها ، فهي إذن شريكة المغتصب في عمله الشنيع.

2 ـ كما لانقصد إظهار المجتمعات الإسلامية على أنّها مثالية أو خالية من أيّة حالة من حالات الاغتصاب ، نتيجة وجود الستر للبدن عند ظهور المرأة في المجتمع.

3 ـ كما لانقصد أنّ المجتمعات غير الملتزمة بستر البدن لا يوجد فيها نساء طاهرات بعيدات عن العمل الفاسد ، وهو الزنا وما يجرّ إليه.

بل كلّ ما في الأمر أردنا ببياننا السابق : أنّ التعرّي يقوم بإغراء الجناة ، والإغراء يؤدّي إلى ارتكاب الجريمة غالباً ، وأنّ المرأة المتعرّية تكون مسؤولة عن الجناية التي تتعرّض لها ; لأنّها باشرت عملاً حثّ بعض الذكور على فعل جريمتهم ، فالإغراء والفتنة من قبلها جرّ الطرف الآخر إلى الرغبة الجنسية بلا بصيرة ولكن عن اختيار منه وإرادة.

بل حتى اللباس المثير الذي يستر البدن الذي يحرّك الغريزة الجنسية ، أو العطر المحرّك للرجال ، أو حتى الأعمال غير الأخلاقية كرقص النساء أمام الرجال ، أو الكلام المثير الرقيق المحرّك للشهوات كالغناء ، أو اللمس المثير ، فكلّها تساهم في إعداد عمل يحثّ الذكور على فعل جريمة الاغتصاب أو التحرّش على أقلّ تقدير(1) .

__________________

(1) قال تعالى مخاطباً النساء :( وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ) النور : 31 ، فالعمل الذي يجذب انتباه الرجال فتتحرّك شهواتهم ومشاعرهم الجنسية لا يجوز.


وقد يدّعي المغتصب لهذه المرأة بأنّها هي التي أعطته إشارات واضحات لميلها إلى الملاطفة الجنسية ، فتقرّب منها بالتحرّش والعمليات الجنسية ، وحتى إذا امتنعت من العملية الجنسية فإنّ هذا لا يبرّر عملها الذي يدّعي الرجل أنّه دعوة له من قبلها ، وهذا غير موجود في المرأة التي كانت محتشمة في لباسها وقولها وعملها ، فهي تعطي إشارات واضحة وعديدة على أنّها ليست لها أدنى علاقة بأيّ شكل من أشكال الملاطفات الجنسية.

ولذا حرّم الإسلام كلّ هذه الأعمال التي يكون فيها إغراء وإثارة ولا يمكن إشباعها ; لعدم وجود علاقة زوجية بين المرأة المثيرة والرجل المثار ، ممّا يسبب وجود حالات تحرّش واعتداء جنسي ، أو حتى اغتصاب مهان ، ممّا تكون الحالة فيه مأساوية جداً.

ولا بأس بالإشارة إلى الحالات النادرة التي يكون الرجل فيها مثيراً لشهوات النساء ، حيث يقوم بأعمال من شأنها إغراء النساء خارج نطاق الزوجية ، كالغناء وكشف بعض البدن الذي قد يجر إلى إثارة الشهوة عند النساء خارج نطاق الزوجية ، فهذا أيضاً عمل محرّم ، تكون المسؤولية فيه على الطرفين ; لأنّه يصدر بإرادة واختيار من الرجل ومن المرأة معاً.

وبهذا الذي تقدّم تنهار الأفعال والكاريكاتورات التي تنظر إلى المرأة الساترة لبدنها والمحتشمة على أنّها وصمة عار ، أو أنّها مضطهدة في فعلها هذا.

رابعاً : ويرد على الفقرة الخامسة : ما تقدّم من معنى القوامية ، حيث قلنا : هو عبارة عن قيام الزوج بأمر الزوجة في تدبير أمرها والمحافظة عليها ، وليس من معناها سيطرة الزوج على فعل زوجته أو مالها الذي يلزمه التقليل من شأنها ، فلا تحكّم في قواميّة الرجل على زوجته ; لأنّ التحكّم لا يدبّر أمر الزوجة.


كما أنّ المرأة ليس هي مادة هزيلة لأغراض الرجل ، إذ هي أيضاً بحاجة إلى الرجل لإشباع شهوتها ، فالحياة الزوجية فيها احتياج كلّ جنس للآخر ، والمعاشرة بالمعروف هي الدستور الأول للحياة الزوجية ، فلا سلطة ولا سيطرة ولا استغلال لأحد الجنسين للآخر ، بل الحياة الزوجية مسؤولية طاهرة بين الزوجين ، يقوم الرجل بأمر المرأة ويدبّر شؤونها ، ويعمل لها كلّ ما لم تتمكّن المرأة من عمله لأجل تحسين الحياة الزوجية ويحافظ عليها ، وهي التي تطيعه فيما يحتاج إليه من العمليات الجنسية والاُنس والسكن الذي يحتاج إليه ، وهو مسؤول عن توفير هذه المعاني لها ; لأنّها بحاجة إلى أُنس وسكن ليقوم البيت الزوجي بدوره الأساسي في نظافة المجتمع.

التضليل الإعلامي في الغرب

1 ـ يعرض الإعلام الغربي صوراً ثلاث للمرأة :

الصورة الاُولى : إظهار المرأة الساترة لبدنها على الطريقة الإسلامية على أنّها مخلوقة مضطهدة ، أُجبرت على وضع الستر على بدنها ، لذا فإنّهم سوف يأسفون لها ، بل يحاولون مساعدتها في رفع الاضطهاد وإزالة الجبر الذي تعرضت له.

الصورة الثانية : إظهار المرأة العارية تماماً على أنّها مجنونة أو غير مستقرة عقلياً.

الصورة الثالثة : إظهار المرأة السافرة الرأس والصدر والقدمين والساقين مع إظهار الزينة والمكياج والعطور ، على أنّها امرأة متحرّرة متطوّرة عصرية ، يجب الاقتداء بها.

أقول : التضليل هنا يكمن في الاستنتاج غير العادل ، فإنّ المرأة في الصورة الاُولى لو كانت مضطهدة ، وكانت المرأة في الصورة الثالثة هي المرأة المتحرّرة المتطورة


العصرية ، فإذا طبقاً لذلك المنطق لابدّ أن تكون المرأة في الصورة الثانية هي الأكثر تحرّراً ، فلماذا حكموا عليها بأنّها مجنونة وغير مستقرة عقلياً؟!!

وإذا كانت المرأة في الصورة الثانية مجنونة وغير مستقرة عقلياً ، فعلى هذا المنطق ستكون المرأة في الصورة الثالثة غير مجنونة ، وعليه فستكون المرأة في الصورة الاُولى هي المرأة المثالية التي يجب أن يقتدى بها ، فلماذا وصفت بأنّها مضطهدة وشعروا بالأسف لها؟!!

هذا هو المعيار المزدوج ، فإنّ عدم ستر بعض البدن كالصدر والساق وشعر الرأس ، الذي تعدّ من زينة المرأة ، وهي التي تهيّج الرجال وتوجد الفتنة والإغراء ، اعتبرت في ذلك المنطق متحضرة ومتحرّرة وقدوة يقتدى بها ، لكن المرأة التي لا تضع على جسمها أي غطاء اعتبرت مجنونة ، بينما كان يجب أن تكون أكثر تحرّراً وتحضراً إذا كانت الاُولى متحرّرة ومتحضرة.

وإذا كانت العارية مجنونة ـ كما يقولون ـ فهذا يقتضي أن تكون الساترة لبدنها ما عدا الوجه والكفين عاقلة يقتدى بها ، لا أنّها مضطهدة يؤسف لها.

2 ـ يعرض الغرب ستر البدن على أنّه يحدّ من نشاط المرأة في حياتها الشخصية.

والجواب : أنّ ستر البدن لا يحدّ من نشاط المرأة في أعمالها كما نراها عاملة محتشمة ونظيفة في كلّ مجال أعمالها التي تقدر عليها ، بل ستر البدن يتيح لها كرامة واحتراماً عند الآخرين حينما تعكس لهم أنّها لا تنوي أي ملاطفات جنسية في مجال عملها خارج نطاق الزوجية ، فهو يمنحها شعوراً بالأمان والحماية ما دامت ترفع هذا الشعور ، كما أنّه قد تقدّم أنّ العفة والحشمة واجبة على الرجال أيضاً بحدود معينة.


3 ـ يقول الغرب : إنّ تعرّي المرأة ليس أمراً خطيراً ، فهو وإن كان يغري الرجال ويعطيهم إيحاء خاطئاً ، إلاّ أنّ الذنب هو ذنب الرجال الذين أصبحوا فريسة هذه الإغراءات ، فعليهم أن يجتنبوا السعي وراء رغباتهم الشيطانية الفاسدة ، وليس هناك ذنب على تعرّي المرأة.

الجواب : إنّ في تعرّي المرأة جذباً لانتباه الرجال وفتنة لهم ، وهذا ذنب قامت به المرأة ، كما أنّ انجرار الرجل وراء الإغراء هو ذنب آخر مستقلّ عن الأول ، فالمرأة المتعرية والرجل المنجرّ وراء من غرّه وخدعه كلاهما مشتركان في العملية الجنسية أو الاغتصاب المحرّم ، لذا جعل الإسلام وقاية من الذنب الأول ستر الجسد والحشمة الكاملة ، وحرّم على الرجل النظر وإن لم تستر المرأة بدنها إذا كانت هناك فتنة من نظره إليها.

4 ـ أنّ ستر بدن المرأة أو ما يطلق عليه (الحجاب) يعيق الرجل من معرفة شخصية المرأة التي يريد الاقتران بها ، وهذا يقلل من فرص الاقتران للنساء ، فلابدّ من رفعه حتى يحصل الاقتران الذي هو علاقة تليق بالطرفين.

والجواب :

أ ـ أنّ الشريعة سمحت للمرأة أن تكشف عن بعض جسمها للرجل الذي يريد الاقتران بها ، وسمحت للرجل أن ينظر إليها وإلى شعرها وصدرها وساقها ، وينظر إليها قائمة وماشية ، وترقّق له الثياب حتى يعرف جسمها ومفاتنها.

ب ـ أنّ المرأة تُعرف من خلال النظر إلى عينيها ووجهها ، فإنّ الوجه يكشف عن جميع محاسن البدن.

ج ـ أنّ فهم شخصية المرأة لا يفهم من خلال النظر إلى مفاتن الجسم ، بل تعرف من خلال معرفة طريقة التفكير والأخلاق والمشاعر ، وهي تحصل عن طريق الكلام معاً ، لا من كشف البدن ، فلاحظ.


5 ـ أنّ ستر البدن على المرأة يخلق تمييزاً في المعاملة بين الرجل والمرأة ، حيث إنّ الزوج لا يجب عليه ستر البدن كالمرأة ، وهذا يؤدي إلى عدم المساواة بين الرجل والمرأة.

والجواب :

أ ـ في الحقيقة ـ كما تقدّم ـ أنّ الرجال والنساء متساوون في ستر البدن ، حيث يجب عليهم الحشمة والعفة في لباسهم ، فيجب على الجميع ارتداء اللباس وستر البدن ، ولكن هناك اختلاف بين مقدار مساحة ما يخفى من البدن ; لاختلاف الجنسين في الأعضاء التي يعتبر كشفها مغرياً للجنس الآخر.

فالمرأة يمكن لها أن تغري الرجل بشعر رأسها أو بساقيها أو بعنقها وثديها ، فكانت هذه كلّها التي تعدّ من محاسن المرأة يحرم كشفها ويحرم نظر الرجل إليها ، بينما الرجل فإنّه يتمكن أن يغري المرأة بكشف صدره وبطنه وفخذيه وما شابه ذلك ، فحرم عليه ذلك في محيط توجد فيه النساء ، كما حرم على النساء النظر إلى هذه المواضع من الرجل.

كما أنّ الغناء والرقص والخضوع في القول والإشارات والكنايات إلى الأعمال الجنسية من كلّ من الطرفين يمكن أن تغري الآخر ، لذا حرّمها الإسلام على كلا الطرفين ، فلاحظ.

ثمّ إنّ الرجل والمرأة متساويان في الإنسانية والكرامة والقيمة الروحية والطهارة والحقوق الإنسانية والواجبات الإنسانية ، ولكنّهما يختلفان في كيفية الجسم ، وهذا أمر واضح لا حاجة للخوض فيه ، قال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيراً وَنِسَاء ) (1) .

__________________

(1) النساء : 1.


وقال تعالى :( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (1) .

وذكرت السنّة النبوية : «إنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة» ، كما تقدّم منّا جواز تقلّد المرأة أي عمل مهني وعلمي وحكومي (إذا كان خالياً من القضاء والحكم في التنازع)(2) ، وقد صرّح بذلك العلاّمة الطباطبائيقدس‌سره فقال :

«يتقاسم كلّ من الرجال والنساء حصصاً متساوية من مواهب التفكير والإرادة التي تكون الأساس في حرية الاختيار ، لذا يجب أن تكون المرأة حرة بشكل متساو مع الرجل في تفكيرها وإرادتها ، ويجب أن تكون لها حرية الاختيار.

وبتعبير آخر : يجب أن تكون المرأة حرة في إدارة شؤون حياتها اليومية والاجتماعية ، إلاّ إذا كان هناك سبب يفرض العكس. وقد أعطاها الإسلام هذه الحرية وهذا الاستقلال بكلّ معاييره ، وبذلك فقد أصبحت للمرأة بنعمة الله شخصيتها المستقلّة ، ولم تعدّ مقيدة في إرادتها وأفعالها بما يريده الرجال ، أو بما يريده من له الولاية عليها ، وقد نالت ما أنكره العالم عليها على طول وجودها على هذه الأرض منذ بدء الخليقة بما لم يكن له مثيل في تاريخ المرأة يقول الله تعالى :( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَما فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (3) .

ومع أنّ المرأة تقاسم الرجل في هذه الصفات الأساسية ، إلاّ أنّها تختلف عنه من طرائق اُخرى ، فمتوسط المرأة يختلف عن متوسط الرجل في التركيبة الجسمانية وفي وظيفة أعضاء الجسم ، كالدماغ والقلب والأوردة والأعصاب والطول والوزن ، وتفاصيل هذه الحقيقة يمكن ملاحظتها في أيّ كتاب مختصّ بعلم التشريح.

__________________

(1) النحل : 97.

(2) كما سوف يأتي الدليل على ذلك فيما بعد.

(3) البقرة : 234.


ونتيجة لذلك فإنّ جسم المرأة هو أرق وأئنق من جسم الرجل الذي يكون عادة أمتن وأخشن.

أمّا العواطف الرقيقة كالحب والحنان والميل للجمال وللزينة ، فهي عند المرأة أكثر مما هي عند الرجل. ومن جهة أخرى ، فإنّ القوة العقلية عند الرجل أبرز ممّا هي عليه عند المرأة. تعيش المرأة حياة عاطفية ويعيش الرجل حياة عقلية»(1) .

6 ـ أليس وجوب ستر البدن على المرأة يكون وسيلة لحرمانها من مناصب معينة؟ أو يكون تأكيداً على أنّ المرأة هي رمز الإغراء في المجتمع وأنّها لا تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل؟

الجواب :

أ ـ أنّ وجوب ستر البدن ـ كما قلنا ـ ليس مختصاً بالمرأة ، بل يشمل الرجل أيضاً ، ولكن بمساحة تختلف عن مساحة المرأة ، فالستر هو حقّ عام على الجنسين ; لأنّه رمز للعفة والكرامة.

ب ـ نعم ، إنّ النساء يغرين الرجال ـ غالباً ـ ويجلبن انتباههم ويسهّل عملية إغرائهم ، بخلاف الرجال فإنّهم نادراً ما يغرّون النساء ، لذا فإنّ من الحكمة أن لا يترك الإغراء والإغواء الهدام يعبث في المجتمعات المسلمة ويرمي سمومه فيها ، ومن الواضح أنّ اللباس المحتشم يكشف القِيَم التي يحملها صاحب اللباس المحتشم ، كما أنّ التعرّي يكشف عن قيم صاحبه ، فالأول يصرّح بعدم أيّ علاقة بالجنس ومقدّماته خارج نطاق الأُسرة والزوج ، والثاني يصرح ويغري بالعكس ـ وإن كان صاحب التعرّي لا يقصد ذلك ـ ولذلك صرّح علماء النفس والتربية بأنّ المرأة المتعرّية هي المعينة على نفسها إذا اغتصبت من قبل الرجال ، كما تقدّم ذلك.

__________________

(1) بحث الشيخ علي الحكيم / الحجاب / النظرية القرآنية : 16 نقلاً عن الميزان في تفسير القرآن للعلاّمة الطباطبائي ، الترجمة الانجليزية 75 : 4 ـ 78 ، ترجمة سيد سعيد أختر رضوي.


ج ـ ليس لستر البدن أيّ صلة أو تعبير عن حرمان المرأة من حريّتها في حياتها الاجتماعية والعملية والسياسية.

7 ـ قال الغرب : إنّ ستر البدن يحمل معاني متعدّدة :

منها : أنّها تدعوا النساء الاُخريات لدينها ، وهذه الدعوة لا تتحمل في النظام الذي فصل بين الكنيسة والدولة ـ كنظام فرنسا ـ فكلّ شيء ياخذ طابعاً ديناً لابدّ أن يحظر ، فيكون لمثل هذه الدول الحقّ في منع ستر البدن بالكيفية التي تكون عليها المرأة المسلمة.

ومنها : ما قاله «جافيير تيرتيسيان» : إنّه يحمل معنى جبر المرأة المسلمة على الحجاب ، بينما يريد لها المشرّع الفرنسي أن تكون حرّة.

ومنها : أنّه معنى سياسياً وليس واجباً دينياً.

ومنها : أنّه يساء استخدامه من قبل الاُصوليين الإسلاميين ، فيهدّدون الجمهورية الفرنسية العلمانية(1) .

والجواب :

1 ـ نعم ، لاننكر أنّ ستر البدن فيه دعوة للاقتداء به ; لأنّه الأمر الذي تفضّله المرأة من الستر ، وهو أيضاً يحمل معنى سياسياً. إلاّ أنّه لا يهدد مبادئ فرنسا ولا يهدد العلمانية ، فالعلمانية مبدأ خلاف الدين ، والدين مبدأ خلاف العلمانية ، والفرد الحرّ مختار في تبنّيه لأيّ من الفلسفتين ، فإذا كانت فرنسا عندها مبدأ الحرية في الاختيار فلابدّ أن تسمح للنساء باختيار الدين أو اختيار العلمانية ، وأمّا مسألة ستر البدن فهي لاربط لها بتهديد مبادئ فرنسا العلمانية.

__________________

(1) راجع المصدر نفسه : 17 نقلاً عن جلسة سؤال وجواب عقدها الموقع الالكتروني الإسلامي العربي (اسلام اونلاين) في 12 / 7 / 2004 م استضاف فيها «جافيير تيرتيسيان» الذي يمتلك عموداً في الشؤون الدينية في صحيفة «لوموند» الفرنسية.


بالإضافة إلى أنّ ستر البدن للمرأة واجب ديني ، وهو موجود قبل قيام الثورة الفرنسية ومبادئها بقرون ، ولو كان يتعارض ـ كواجب ديني ـ مع العلمانية ومبادئ فرنسا ، فلماذا غاب هذا عن المشرّعين الفرنسيين في بادئ الأمر والتفت إليه الآن؟!! ولماذا لم تلتفت إليه الدول العلمانية الاُوربية الاُخرى ، حيث تسمح بالحجاب في الجامعات وفي المؤسسات الرسمية للدولة؟!!

2 ـ وأمّا بالنسبة لإجبار المرأة المسلمة على ستر البدن ، فلو كانت هذه الدعوى صحيحة فلماذا تتظاهر المرأة في الغرب احتجاجاً ضدّ هذا التشريع ، فهل أجبرنَ على التظاهر ضدّ قانون منع الحجاب أيضاً؟!!

وإذا كان إجبار المرأة لا يجوز على ستر البدن فلماذا تجبر على العهر؟!!

تقول «بيت هرتز فيلد» في مقالة(1) : إنّه حينما تذكر العبودية ، فإنّه يتبادر إلى ذهن كثير من الناس تلك الصور المأساوية القديمة لتجارة العبيد عبر الأطلسي ، والتي كانت تعتمد على بيع وشراء الناس. ويبدو أنّ العالم الحديث قد ترك هذا السلوك خلف ظهره. وتصرّ «هرتزفيلد» على أنّ العبودية ليست موجودة حالياً فحسب ، بل إنّها في توسع ، وهذه حقيقة.

وتتنبأ الكاتبة أنّ هناك حالياً حوالي سبعة وعشرين مليون امرأة وطفل ورجل يتم استعبادهم في العالم ، فنساء أُوربا الشرقية يتم استعبادهم ليمارسن البغاء في أوربا الغربية ، والعبودية المعاصرة تقبل بأيّ إنسان مهما كان عمره أو جنسه أو عرقه في كلّ قارات العالم وفي أكثر الدول تقدّماً صناعياً ، ثمّ تعطي الكاتبة أمثلة على الطريقة التي يمكن من خلالها للآمال المبنية على البناء الاجتماعي أن تزيد من قابلية النساء للسقوط في ممارسات تشبه العبودية.

__________________

(1) راجع المصدر نفسه : 18 نقلاً عن المقالة التي نشرت في مجلة «فبدراند دفلوبمنت» (الجنس والتطور) : 50 ـ 55 من المجلد العاشر / العدد الأول الصادر في 1 آذار 2002 م.


ومن المؤسف أنّه لم يتخذ أيّ إجراء قانوني أو لم يسنّ أي قانون لمنع حدوث هذه الظاهرة ، وكم نسمع من صيحات حول هذا الأمر ، ولكن لانرى أي فعل.

وقد عقد في موسكو في العام 1997 م مؤتمر دولي حول تجارة تسفير النساء الروسيات خارج البلد من أجل البغاء ، وقد كتب «فرانسين بيكب» مقالة حول هذه الآفة الاجتماعية تحت عنوان : «ما أكثر الكلام وما أقل الفعل! الهجرة القسرية والاتجار بالنساء».

وتبحث المقالة في وجهات النظر المختلفة الكثيرة حول قضية الاتجار بالنساء والسياسات المختلفة المرتبطة بهذه القضية(1) .

وفي تقرير نشرية المنظمة العالمية للهجرة حول الهجرة غير المنتظمة من جورجيا إلى اُوربا ، نشر في أول أيلول عام 2001 م تحت عنوان «أما المشقة خارج الوطن أو الجوع في الوطن» يشير هذا التقرير إلى أنّ المهرّبين في جورجيا كانوا يتاجرون بالنساء الجورجيات ، حيث يرتّبون لهن مستلزمات الهجرة إلى عدد كبير من دول غربية ، أكثرها شعبية هي المانيا وبلجيكا والولايات المتحدة.

وفي مورد آخر من نفس التقرير نقرأ ما يلي : «إنّ حوالي نصف ضحايا الاتجار بالنساء حسب المقابلة التي أجرتها معهن منظمة الهجرة العالمية (حيث استجابت 58 امرأة من بين 121 وهو العدد الكلي للمستجيبات) اُجبرن إما على العمل في النوادي الليلية ، أو على التعرّي أمام النظارة (السترتبيز) ، أو ممارسة البغاء ، وفي أكثر الحالات لم توضح أولئك النسوة طبيعة النشاطات التي كنّ يقمن بها ، لأنّ أكثرهن فضّلن وصف عملهن كمادة للترفيه بدلاً من استخدام تعابير أكثر تحديداً. فالنساء الجورجيات أجبرن على ممارسة أعمال الجنس في كلّ البلدان التي ذهبن إليها ، كما جاء في التقرير.

__________________

(1) المصدر نفسه : 44 ـ 51 من المجلد السادس العدد الأول الصادر في 1 / اذار / 2002 م.


ويبدو واضحاً من تلك المقابلات. أنّ الولايات المتحدة (حسب ما قالت 12 من تلك النساء التي اُجريت معهن المقابلة) وتركيا (حسب ما قالت 8 من تلك النساء) احتلتا المركز الأول من بين الدول التي انتهى المطاف بتلك النسوة إليها والتي أُجبرن فيها على ممارسة أعمال الجنس ، ثمّ تأتي بعد ذلك فرنسا وأسبانيا واليونان ، حسب ما قالت ستة من تلك النساء التي اُجريت معهن المقابلة».

وفي تقرير آخر تحت عنوان «تقرير الاتجار بالأشخاص لعام 2003 م» نشر في 11 / 6 / 2003 حيث كانت فرنسا هي مادة التقرير الذي نشر تحت رعاية وزارة الخارجية الأمريكية ، أنّ فرنسا هي المحطة الأخيرة للضحايا ، ومعظمهم من النساء اللواتي تمّ الاتجار بهن من أفريقيا ومن وسط وشرق أوروبا ومن دول الاتحاد السوفيتي السابق لغرض ممارسة البغاء والخدمة المنزلية. وتقدّر الشرطة الفرنسية بأنّ تسعين بالمائة من الخمس عشرة ألف مومس اللواتي يعملن في فرنسا هنّ من ضحايا الاتجار بالنساء ، وإنّ من ثلاثة إلى ثمانية آلاف طفلة تم إجبارهم على العمل في سلك البغاء والأعمال العسيرة بما في ذلك التسوّل(1) .

وأمّا إساءة استخدام ستر البدن من قبل الاُصوليين الإسلاميين فيهدّدون فرنسا ، فهو إنّما يصح لنوع خاص من ستر البدن كالعباءة العربية والجادر الإيراني ، أمّا ستر البدن بواسطة المانتو وستر الساقين بواسطة البنطرون وستر الرأس بواسطة المقنعة ، فهو مما لا إساءة فيه لتهديد فرنسا إطلاقاً.

__________________

(1) انظر : المصدر نفسه : 18 ـ 19 نقلاً عن :

212750 / 2003 http : / / www.stategov / g / tip / r / s / tiprpt / htm .



المرأة في المجتمعات الإسلامية

إنّ المرأة(1) في العالم الإسلامي تعاني من التخلّف والقيود غير المشروعة بسبب الجهل بالشريعة الإسلامية التي شرّعت لها حقوقها وجعلتها مساوية للرجل في الإنسانية والكرامة والحقوق والواجبات الفطرية التي تهدي إليها الشريعة ، وبسبب سيطرة التقاليد والأعراف الجاهلية الموروثة والدخيلة الطارئة من المجتمعات التي دخلت في الإسلام.

بل إنّ المرأة في المجتمعات الإسلامية قد لا تعرف وظيفتها الخاصة في الأُسرة كزوجة وأُمّ ، فهي تدخل الحياة الزوجية ولا تعرف شيئاً عن هذه الاُمور الخاصة بها.

إذن لابدّ من قيام حركة إصلاحية لوضع المرأة على أساس الإسلام بحيث تعاد كرامة المرأة ويعاد دورها الفاعل في بناء المجتمع ، ولابدّ من تربية المرأة وتعليمها وتأهيلها لما يناسب وظيفتها العامة في المجتمع ، وما يناسب وظيفتها الخاصة في الأُسرة ، ولا نهمل العناية في الجانب الخاص لحساب الجانب العام الاجتماعي.

هذا ، ولكنّ الذي حصل : أنّ بعض المتأثرين بالفكر الغربي من المسلمين وغيرهم نادوا بتحرير المرأة في المجتمعات الإسلامية ومساواتها بالرجل ، ونقدوا

__________________

(1) بل وحتى الرجل الشاب والطفل يعانون من التخلّف وعدم الوعي في وظائفهم العامة والخاصة التي ذكرتها الشريعة لهم وأوجبت عليهم القيام بها ، فالتخلّف والظلم عام للمرأة وغيرها أهداها لنا الاستعمار ، ولابدّ لنا من نهضة دينية علمية يصلح بها الوضع السيء الذي مني به المسلمون لو ترك لنا الغرب الفرصة في هذه النهضة ولم يعمل على إفشالها.


حكم الشريعة الإسلامية في جملة من التشريعات التي هي متفرّعة على اختلاف وظيفة الرجل والمرأة «كوجوب ستر الجسد ، وقواميّة الزوج ، والطلاق ، والميراث ، والشهادة» فدعوا إلى إلغاء هذه الأحكام الشرعية التي ادّعوا أنّها سبب تمييز بين الرجل والمرأة ، وسيأتي الكلام حول هذه الوظائف في ثنايا البحث.

ولكننا نقول :

1 ـ إنّ المساواة التي ينادي بها الإسلام تكمن في الإنسانية والحقوق والواجبات الفطرية الطبيعية والقيم ، وليس المماثلة في جميع الجهات. أمّا الاختلاف بين الرجل والمرأة في الشكل الذي يكون موضوعاً للاختلاف في الوظيفة الخاصة لكلّ من الرجل والمرأة ، والذي يقتضي توزيع المسؤوليات والأدوار في الأُسرة والجميع ، فهو أمر واقعي لابدّ منه ، كالاختلاف بين الرجال في اختصاصاتهم وعلمهم الذي يقتضي توزيع المسؤوليات والأدوار نتيجة هذا الاختلاف.

2 ـ رأينا فيما تقدّم : أنّ قواميّة الزوج الناشئة من عقد الزواج تعني المحافظة على الزوجة والاهتمام بها وتدبير شؤونها ، فهو امتياز لها لا يجوز سلبه عنها بحجة حقوقها ، أي إنّه حقّ لها لا عليها. كما أنّ حقّ الطاعة ـ الذي أوجبه الإسلام على الزوجة للزوج ـ لا يعدو أن يكون حكماً احترامياً للزوج ، ولا يحدّ من حرية المرأة وكرامتها وإنسانيتها وتصرّفاتها وأعمالها ، وكذا خروجها من البيت بإذن الزوج ، فهو لاحترام الزوج وقيمومته على تسيير سفينة البيت الزوجي إلى شاطئ السلامة ، بدون أن يدخل المتطفّلون في بيت الزوجية لتخريبه وإفساده.

وأمّا الميراث : فهو ليس كما يصوّره غير العارفين بالشريعة الإسلامية من كون حصة المرأة في الميراث نصف حصة الذكر ، فهو ظلم للمرأة ; لأنّ بعض النساء يكون لهنّ نصيب من الإرث أكثر من الرجل ، كما فيما إذا ترك الميّت أباً وأماً وبنتاً ، فإنّ البنت قد فرض الله لها في هذا الفرض نصف التركة ، أمّا الأب فله السدس وكذا الأمّ ، والباقي وهو السدس يقسّم أخماساً ، فتأخذ البنت ثلاثة أخماس ، ويأخذ


الأب خمساً ، وكذا الاُم ، فتكون البنت قد أخذت ضعفي الذكر.

وكذا يكون للمرأة أكثر من الذكر فيما إذا كان للميت بنتان وأب ، فإنّ للبنتين الثلثين ، لكلّ واحدة ثلث التركة ، أمّا الأب فله السدس ، والباقي وهو السدس يقسم على خمسة أقسام ، كلّ بنت تأخذ خمسين ، ولكن الأب يأخذ خمساً واحداً ، فتكون كلّ بنت قد أخذت ضعف الأب.

والسؤال هنا : لماذا لم تتصاعد الأصوات للدفاع عن الرجل في هاتين الصورتين وأمثالهما الذي يكون للاُنثى أكثر من الذكر؟! أين من ينادي بالمساواة من هذه الفروض؟

ولماذا لم يعترض على وجوب النفقة على الزوج ، ووجوب إعطاء المهر للزوجة من قبل الزوج في عملية جنسية وإنشاء بيت ينتفع به الطرفان؟!

نعم ، هناك إشكالات ثلاثة في سهم الإرث يكون للذكر فيها ضعف الاُنثى :

الإشكال الأول : في سهم الزوجين الذي ذكره القرآن الكريم ، فإنّ الزوجة إن لم يكن للزوج ولد فإنّها ترث منه الربع ، وإن كان له ولد فإنّها ترث منه الثمن ، أمّا الزوج فإن لم يكن للزوجة ولد فله النصف ، وإن كان لها ولد فله الربع قال تعالى :( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الُّثمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن ) (1) .

فيقال : لماذا هذا التفريق؟ أليس هذا ظلماً للزوجة؟

__________________

(1) النساء : 12.


الإشكال الثاني : وهو ما إذا كان أولاد الميت ذكوراً واناثاً ، فيأخذ الولد ضعف الاُنثى كما قال تعالى :( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) (1) .

الإشكال الثالث : يتوجّه على مسلك الإمامية من حرمان الزوجة من الأرض عيناً وقيمة إذا مات الزوج ، بخلاف ما إذا ماتت الزوجة فإنّ الزوج يرث من زوجته كلّ شيء حتى من الأرض.

والجواب : ويجاب عادة عن الإشكال الأول والثاني : بأنّ الرجل ـ سواء كان زوجاً أو ابناً ـ فهو الذي يتحمّل مسؤولية الإنفاق على الزوجة والأطفال دون الزوجة ، فهو يحتاج إلى المال أكثر من حاجة الزوجة.

وهو بحاجة إلى المهر إذا أراد الزواج ثانياً ، بخلاف الزوجة إذا تزوجت بعد وفاة زوجها فإنّها تستلم المال والمهر ولا تدفع مالاً.

والأولاد الذكور أيضاً بحاجة إلى المهر عند زواجهم ، بخلاف البنت حيث يُدفع إليها المهر ، وهم بحاجة إلى النفقة ، بخلاف البنت التي تزوجت فإنّها تُكفى المؤونة من قبل الزوج ، لهذا جعل الله حصة الذكر (الزوج ، والولد) أكثر من حصة الاُنثى (الزوجة والبنت) ، فالعدالة موجودة في هذا التقسيم ، فلا إشكال على الآية الكريمة.

ويُجاب عن الإشكال الثالث بما ذكرته الروايات الكثيرة من عدم إرثها من الأرض ثمناً وقيمة حيث قالت يخشى من هذه الزوجة أن تدخل على أولاد الرجل رجلاً غريباً عنهم ، فإنّها إذا أرادت الزواج وكان لها حصة من الأرض فيحقّ لها إدخال زوجها في البيت وهو غريب عن الأولاد ، بينما إذا لم يكن لها نصيب في الأرض فسوف تذهب هي إلى بيت زوجها الجديد ، ولا يزاحَم الأولاد في إدخال عنصر غريب عليهم.

__________________

(1) النساء : 11.


أقول :

1 ـ لا معنى للإشكال على النصّ القرآني لو كنّا مسلمين ، إذ يقول الله تعالى :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (1) ومعنى الإطاعة هو العمل بما ثبت في القرآن والسنّة الكريمة عن أحكام الله تعالى.

وقال تعالى :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ... ) (2) فإذا ثبت لدينا أنّ التشريع فيه نصّ قرآني أو نبوي ، فتكمُّ الألسن ولا يحقّ الاعتراض على ما ثبت من الدين حقيقة إن كنّا مسلمين.

2 ـ لا يرد الاعتراض بالظلم في هذه الموارد الثلاثة المتقدّمة ، كما لا يرد الاعتراض بالظلم على صورة أخذ الاُنثى أكثر من الذكر في بعض الموارد التي ذكرناها سابقاً ; لأنّ الظلم هو عبارة عن أخذ الحقّ من صاحب الحقّ والتعدّي عليه ، وهنا لا يوجد لأيّ وارث حقّ في مال أبيه أو مال من مات ممن له علاقة معه ; لأنّ التركة التي تركها الميت هي ملك من مات ، وقد حصل عليها نتيجة عمله ونماءات أعيانه ، وقد مات ، فلا يوجد أيّ حقّ للورثة في تركة الميت.

وحينئذ إذا شرّع الله هذا التشريع فيكون قد وزّع المال الذي لا يستحقه الورثة بالكيفية التي أرادها المالك الحقيقي لكلّ ما في الوجود ، وهو الله تعالى ، دون حقّ مسبق فيها للورثة ، فهل يمكن أن يقال لهذا : إنّه ظلم للورثة؟

مثلاً إذا كان عندي كمية من المال وأردت أن اُقسّمه على جماعة في سبيل الله ، فأعطيت إلى واحد نصف المال ، وإلى آخر ربعه ، وإلى ثالث ثمنه ، وإلى رابع ثمنه الآخر ، مع عدم وجود حقّ لهم عندي ، فهل يصح أن يقال للمقسم : إنّه ظلم الثاني والثالث والرابع ; لأنّه أعطاهم أقلّ ممّا أعطى الأول؟!

__________________

(1) النساء : 59.

(2) الاحزاب : 36.


والجواب : لا يمكن اتصاف هذا العمل بالظلم ، بل هو إحسان ، غاية الأمر الإحسان على الأول أكثر من الباقي.

فهكذا نقول في قضية الإرث.

وأمّا التستر عن الأجنبي ـ الذي فرضه القرآن على الإناث ، كما فرض التستر على الرجل ولكن بمساحة أقلّ ممّا فرضه على المرأة ـ فهو لا يعتبر قيداً على المرأة بمقدار ما يكون وقاراً واحتراماً لها ، ومنعاً من إثارة الرجل بالتعرّي وبكلّ ما من شأنه إثارة الرجل من دون إشباع لهذه الإثارة عن طريق الزواج ، فلايجوز أن تكون المرأة آلة يتفرّج عليها المتسولون ، وقد تصل الحاجة إلى التحرّش والاعتداء والاغتصاب المهين الذي تتعرّض له النساء عادة بإثارة الرجل. ولا يجوز أن يتحوّل المجتمع إلى دار مجون ومتعة وجنس بلا ضوابط.

بل نريد من المرأة ـ التي هي نصف المجتمع ـ أن تقوم بدورها في الأُسرة والحياة الاجتماعية العامة بطهارة وإخلاص إذا سنحت لها الفرصة في العمل الاجتماعي وكانت قادرة على ذلك ومؤهلة له ، فتجلب للمجتمع السعادة والرقي ، وهذا هو المنسجم تماماً مع التستر والعفّة ، والإنسانية والكرامة الذي يسعى الإسلام للحفاظ عليها ، ولا يكون ستر البدن مانعاً من عملها العام في المجتمع ; لأننا لانوجب عليها العباءة والجادر وإن كان هذا أفضل لباس محتشم لها ، إذ يكفي ستر البدن بأيّ ساتر كان كالمانتو العريض والمقنعة الساترة للرأس.

ثمّ إنّ الملاحظ عند من يهاجم الإسلام في وجوب التستر عن الأجنبي ، التعبير بأنّ الحجاب للمرأة يسلب حرّيتها وهو تقييد وظلم لها.

ولكن نحن نقول :

1 ـ إنّ الواجب على المرأة هو ستر بدنها عن الأجانب وعدم إظهار زينتها للأجانب ، قال تعالى :( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ


لِبُعُولَتِهِنَّ ... ) فلا يوجد حجاب للمرأة عن الرجل ، وعلى فرض وجوب الحجاب على المرأة ، فهو حجاب عن الأجانب لا احتجاب عنهم ، فكم فرق بين ستر البدن والحجاب والاحتجاب.

2 ـ إذا كان التستر حدّاً لحرية المرأة ، فإنّ الرجل أيضاً قد حدّد بذلك ، حيث أوجب الله عليه الغض من بصره للنساء الأجانب ، وأوجب الله عليه التستر بمساحة أقل ، حيث لا يجوز له المشي عارياً في الأماكن التي يوجد فيها إنسان محترم.

3 ـ إنّ التستر على المرأة بمساحة أوسع من الرجل وعدم إظهار زينتها للأجانب مبتني على الفوارق الجسمية (الفسيولوجية والسيكولوجية) بين الجنسين ، فالمرأة مثار للشهوة ، والإثارة بدون إشباع صحيح وشرعي يؤدّي إلى كوارث بشرية واعتداءات فاضعة واغتصاب مهين للمرأة.

ولهذا فقد حرّم الإسلام على الرجل النظر إلى الأجنبية ; لأنّه يؤدي إلى إثارة شهوته بدون إشباع لها بطريق محلل. كما حرّم الإسلام على المرأة والرجل كلّ ما يثير الشهوات ، كالصوت الرقيق ، والخضوع بالقول ، والإشارات والأعمال المنافية للعفة ، وكلّ ما يثير الشهوات ، فإنّ في إثارة الشهوات بدون إشباع لها بالزواج يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه ، فاحتياطات الشارع المقدّس بتحريم الرقص والغناء والخضوع بالقول والإشارة المغرية والابتسامة والخلوة بالأجنبية ، كلّ هذه لأجل أن لا تحصل إثارات بدون إشباع.

إذن ، لا يمكن لنا أن نصف المجتمع الإسلامي بالتخلّف نتيجة هذه الأحكام الشرعية المتفرّعة على اختلاف الصنف ، الذي هو يقتضي اختلافاً في الوظيفة الخاصة وفي المجتمع ; لأنّ المعيار في التخلّف الحضاري والتقدّم الحضاري لابدّ أن


يستند إلى خصوصيات هذه التشريعات وفلسفتها والنظرة الكلية للكون والحياة والإنسان في الحضارة الإسلامية ، فالتقدّم والتأخّر مرتبط بنظام القيم والحقوق والواجبات ، لا بالنظر إلى ، بعض الأحكام الشرعية المستندة إلى موضوعات مختلفة في الصنف.

تعدّد الزوجات

قد جعل الإسلام للرجل جواز تعدد زوجاته دون المرأة ، وقد يعبّر البعض بأنّ الإسلام قد حدّد تعدّد الزوجات الذي كان سابقاً بدون حدّ ، فهل هذا الحكم ـ سواء كان تجويزاً لتعدّد الزوجات أو تحديداً لتعدّد الزوجات الذي كان موجوداً ; لأنّه لا فرق بين تشريع شيء جديد أو تحديد لما كان جائزاً ـ يخالف الوجدان ويكون ظلماً للمرأة؟ أي هل يحكم العقل العملي بقبح صدور هذا العمل من قبل الزوج؟

الجواب : إنّ الإسلام لم ير أيّ ظلم في مسألة تعدّد الزوجات ، والسرّ في ذلك : هو أنّ ما يمكن أن يفترض أن يكون تعدّد الزوجات ظلماً هو أحد أُمور ثلاثة :

الأمر الأول : حالة الغيرة (غيرة الرجال على النساء والعرض والناموس) فكما أنّ الرجل يغار على امرأته حينما يُنظر اليها وتُلاعَب من قبل غيره ، فكذا هذه الغيرة موجودة في المرأة ، فإنّها تغار حينما تجد امرأة اُخرى تتعامل مع زوجها بالملاطفة والملاعبة.

ولكن يمكن القول بأنّ عامل الغيرة ليس عاملاً أصيلاً وتكوينياً في البشر ، وإنّما هو عامل تربوي ، فحينما يتربّى الرجل في مجتمع على خلاف الغيرة فهو لا يغار. والإسلام له تربيته الخاصّة ، وقد رأى أن يربي الرجال على الغيرة دون النساء.


وقد رأينا أنّ السيدة خديجة سلام الله عليها عندما طلب منها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّها إذا دخلت الجنة فلتقرأ السلام على ضرائرها (زوجات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنة) وهنّ : مريم بنت عمران ، وكلثم اُخت موسى ، وآسية بنت مزاحم (امرأة فرعون) ، فأجابت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت : بالرفاء يا رسول الله(1) .

وقد وردت روايات كثيرة تدلّ على أنّ النساء ليس من حقهنّ الغيرة ، منها صحيحة جميل بن دراج عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : «لا غيرة في الحلال» بعد قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا تحدثا شيئاً حتى أرجع اليكما» (خطاب إلى زوجاته) فلمّا أتاهما أدخل رجليه بينهما في الفراش(2) .

الثاني : حالة الحسد ، فإنّ هذه الحالة أصيلة في طبيعة الإنسان ، والزوجة تحسد الزوجة الاُخرى وتتوهم أنّها تزاحمها ويجب أن تحصر زوجها في نفسها.

ولكن الحسد وإن كان أمراً أصيلاً في طبيعة الإنسان ، إلاّ أنّ هناك شيئاً آخر أيضاً هو أصيل في الإنسان ، وهو العقل والوجدان الذي يحكم بأنّ الحسد قبيح.

والإسلام أخذ بجانب العقل العملي وحارب هذه الحالة الموجودة في الإنسان وربّاه ضدّ الحسد ، وأكدّ على عدم تطبيق الحسد والجري العملي عليه وترتيب أثره على الأقل إن لم يتمكّن من القضاء عليه في قرارة نفسه. اذن لا يكون الزواج الثاني قبيحاً من هذه الناحية ، بل الحسد هو القبيح بعد حصول التعدّد.

__________________

(1) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق 1 : 136 ، والرواية هي : دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على خديجة وهي لما بها ، فقال لها : «بالرغم منّا ما نرى بك يا خديجة ، فإذا قدمت على ضرائرك فاقرئيهن السلام» فقالت : من هنّ يا رسول الله؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مريم بنت عمران ، وكلثم اُخت موسى ، وآسية امرأة فرعون» فقالت : بالرفاء يا رسول الله.

(2) وسائل الشيعة 14 : باب 135 من مقدّمات النكاح ، الحديث الوحيد في هذا الباب.


الثالث : إنّ الحبّ والود والوئام المنشود من الزواج ، قد لاحظه الإسلام وشرّع الحياة الزوجية لملاكات ، من أهمها إشباع الجانب الروحي المتعطش إلى المودة ، وتعدّد الزوجات ينافي ذلك ; لأنّ القلب لا يتقسم ، والعواطف بين الزوجين لا يمكن تقسيمها على زوجات متعدّدة. فيكون تعدّد الزوجات منافياً للوّد والحبّ المنشود من الزواج ، فيكون تشريعه مخالفاً لهذا الملاك المهم من تشريع الزواج ، فيكون مخالفاً للوجدان وقبيحاً.

والجواب : إنّنا لانعترف بأنّ الحبّ والود والعواطف القلبية وما إليها تتنافى مع تعدّد الزوجات ، فإنّ الروح الإنسانية تتسع لحب أكثر من زوجة ، وذلك لمشاهدتنا بكلّ وضوح أنّ الأب قد يكون له عشرة أولاد أو أكثر ، ومع ذلك فهو يحبّ كلّ واحد منهم حباً مفرطاً إلى درجة التفاني ، فليكن الأمر كذلك بالنسبة للزوج مع زوجاته.

نعم ، إنّنا نرى أحياناً أنّ تعدّد الزوجات يولّد نقصاً في الحبّ المتبادل بين الزوجين ، ولكنّ هذا إنّما يحصل لأجل عوامل اُخرى كعامل الغيرة والحسد أو عدم تحقيق العدالة وما شابهها ممّا حاربه الإسلام ونهى عنه.

إذن ، بعد ردّ كلّ ما يمكن أن يجعل تعدّد الزوجات مخالفاً للوجدان ، لم نجد أيّ مشكلة في تعدّد الزوجات.

نعم ، الشيء الوحيد الذي قد ينتج من تعدّد الزوجات عبارة عن عدم تحقّق العدالة والمساواة العملية بين الزوجات ، وقد حسب الإسلام لهذه المشكلة حساباً ، فأمر أمراً إلزامياً بدرجة من العدالة ، وهي التي قد نهى عن تركها وقال :( فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ) ، وأمّا سائر الدرجات من العدالة فقد جعلها مستحبة بعد إعطاء كلّ زوجة حقّها.


وعلى هذا فسيكون الزواج الثاني مكروهاً عند الخوف من عدم العدالة بدرجة ملحوظة عند العرف ، وتوضيح ذلك : قال الله تعالى في كتابه الكريم :( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) (1) .

وقال تعالى :( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ) (2) .

والمستفاد من الآيتين هو :

1 ـ النهي عن ترك العدالة بحيث تجعل المرأة كالمعلّقة ، فلا هي بلا زوج حتى تتمكن أن تتزوّج ، ولا هي عندها زوج كبقية الأزواج ، فالزوج موجود ولكنّه تارك لها وظالم لها لا تتمكن من الزواج وهي تحتاج إلى زوج ، وهذا مستفاد من ذيل الآية الثانية( فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ) .

2 ـ كراهة تعدّد الزوجات عند الخوف من عدم العدالة بدرجة عرفية ، وهذا مستفاد من ذيل الآية الاُولى :( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) أمّا صدر الآية الثانية القائلة :( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... ) فإنّها تشير إلى العدالة الحقيقية في الحبّ وما يتفرّع عليه من أعمال فإنّها غير ممكنة للزوج ، ولكن إذا أعطى كلّ زوجة حقّها ، وكان خائفاً من الميل إلى إحداهن والعمل لها أكثر من حقّها ، بحيث يكون عند العرف غير عادل ، ففي هذه الصورة يكون الزواج مكروهاً.

3 ـ جواز تعدّد الزوجات : وهو مستفاد من صدر الآية( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ) وإنّما قلنا بالجواز لا بالاستحباب من باب أنّ تعليق الحكم على رغبة المكلّف يعطيها ظهوراً في الإباحة.

__________________

(1) النساء : 3.

(2) النساء : 129.


إذن ، الخوف الوحيد من تعدّد الزوجات هو عدم تحقيق العدالة والمساواة العملية بين الزوجات ، وقد حلّه الإسلام بما تقدّم.

ولكن قد توجد ملاكات لتعدّد الزوجات ، مثل احتياج النساء للزواج عند زيادتهن على الرجال ، فلأجل أن لا تبقى امرأة بلا زوج شرّع تعدّد الزوجات.

ومثل عدم شبع الرجل بزوجة واحدة ، أو الاشتياق إلى الأولاد وحبّهم ، كلّ هذا أدّى إلى تشريع تعدّد الزوجات مع الكراهة ، حيث لا يمكن إعطاء مقياس مفهوم لدى الناس من أجل إعمال مصالح الزواج ومفاسده ، فجعل الشارع الزواج الثاني جائزاً مع كراهته عند خوف عدم العدالة ، وهذه الكراهة لا تمنع من التعدّد للزوجات عند وجود ملاك آخر للتعدّد ، حيث إن الاحكام الكراهتية حيثية.

إذن ، يمكن القول بأنّ الإسلام إنّما سمح بتعدّد الزوجات لأمرين :

الأمر الأول : لم يجد ما يمنع من تعدّد الزوجات كما تقدّم ذلك.

الأمر الثاني : وحتى لو كان هناك ما يمنع من تعدّد الزوجات للرجل ، إلاّ أنّه توجد عوامل عديدة توجب تعدّد الزوجات وتحكم بضرورته من قبيل حاجة الرجل الجنسية أحياناً إلى زوجات عديدة ، ومن قبيل حبّه للأولاد ، ومن قبيل غلبة النساء المفتقرات إلى الزواج على الرجال المفتقرين إليه من الناحية الكمية(1) .

لماذا لم يشرّع تعدّد الأزواج للزوجة الواحدة؟

وهذا السؤال كثيراً ما يذكره بعض من يدافع عن المرأة وحقوقها فيقول : كما أجاز الإسلام تعدّد الزوجات للزوج الواحد ، فلماذا لم يجز للمرأة تعدّد الأزواج ، فإنّها أيضاً قد تحتاج إلى أكثر من زوج إذا كان زوجها الأول ضعيفاً من الناحية الجنسية ، أو كان غائباً عنها ، أو معانداً لها مضاراً بحالها؟!

__________________

(1) راجع الملحق رقم (2).


والجواب على ذلك : إنّ الإسلام اهتم بأمرين نتج منهما جواز تعدّد الزوجات ، وعدم جواز تعدّد الأزواج ، وإليك هذان الأمران :

الأمر الأول : إنّ الإسلام اهتمّ بموضوع تمييز النسل وتشخيص الأب والاُم ، ولا يقرّ اختلاط المياه إطلاقاً. ويتفرّع على هذا الاهتمام لابديّة أن يحقّق ضماناً لتحقيقه ، وكان يكفي كضمان لتمييز النسل أن يمنع عن تعدّد الأزواج للمرأة الواحدة ، فلايسمح لها بالزواج مع رجلين أو أكثر في عرض واحد ، دون الحاجة إلى المنع من تعدد الزوجات للرجل الواحد ، وذلك لأنّ الزوج إذا كان واحداً وتعدّدت زوجاته فسوف يتميز النسل ويتعين الأبوان ، أمّا إذا تعدّد الزوج واتحدت الزوجة فإنّ الأب سوف يضلّ مجهولاً.

الأمر الثاني : أنّ الإسلام اهتمّ بتكوين الحياة الزوجية في المجتمع ، ولا يرضى بمجتمع ليس فيه حياة زوجية ، ويتفرّع على هذا الاهتمام لابديّة أن يقدّم ضماناً لتحقيقها ، وكان يكفي كضمان لإيجاد الحياة الزوجية هو الدعوة إلى الزواج ، والزواج المبكّر وجعله ثواباً ، وهذه الحياة الزوجية تحصل إذا تعدّدت الزوجات واتّحد الزوج ; لأنّ القائم على هذه الزوجات والمدير لشؤونها هو شخص واحد. على العكس مما إذا تعدّد الأزواج على زوجة وعائلة واحدة ، فإنّ القائم عليها والمدير لشؤونها يكون متعدّداً ، فتفسد الحياة الزوجية والعائلية بذلك.

والملفت للنظر في هذا المجال هو أنّ الله تبارك وتعالى تفضّل على النساء تكويناً ، فجعلها أقدر على الرجال على الصبر عن العمل الجنسي ، فصبر المرأة على زوج واحد أكثر من صبر الرجل على زوجة واحدة.

ولاية الأب والجد للأب في زواج البنت الباكر

فنقول :

1 ـ إنّ الإسلام منح المرأة حريتها وشخصيتها واستقلالها الفكري والاقتصادي ،


واعترف بحقوقها الطبيعية إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة ، وكذا بالنسبة للذكر البالغ العاقل الرشيد ، لا يوجد هناك لأحد حقّ للإشراف عليهما أو التدخل في شؤونهما من هذه النواحي المتقدّمة.

2 ـ إنّ الفتى إذا بلغ وكان عاقلاً رشيداً ، فإنّه يملك أمره في الزواج ، فلا يحق لأحد أن يفرض عليه شيئاً في موضوع زواجه.

3 ـ أمّا الفتاة فإن كانت ثيّباً ، فهي أيضاً تملك أمرها في الزواج واختيار الزوج المناسب لها ، كما في الفتى البالغ العاقل الرشيد.

4 ـ وأمّا الفتاة البالغة العاقلة الرشيدة البكر إذا كانت مالكة لأمرها ومستقلّة في شؤون حياتها ، فيجوز لها أن تتزوّج بدون إذن الأب والجد للأب على رأي بعض العلماء ; لوجود رواية صحيحة تدلّ على ذلك ، وكأنّ استقلالها في شؤون حياتها يدلّ على أنّها ناضجة من الناحية الاجتماعية بحيث أعطاها الأب إجازة في تصرّفاتها كلّها ومنها اختيار الزوج.

5 ـ أمّا الفتاة البالغة العاقلة الرشيدة الباكر إذا لم تكن مالكة لأمرها ومستقلّة في شؤون حياتها ، ولكن تعذّرت استجازة الأب والجد للأب في أمر زواجها ; لغيبتهما أو حبسهما ونحو ذلك ، وكانت البنت بحاجة إلى الزواج وأرادت الزواج بفرد معيّن ، ففي هذه الصورة تسقط الاستجازة من الأب أو الجد للأب في أمر زواجها.

6 ـ أمّا الفتاة البالغة العاقلة الرشيدة الباكر إن لم تكن مالكة لأمرها وليست مستقلّة في شؤون حياتها ، وكان الأب أو الجدّ للأب موجوداً معها ، فلايجوز للأب والجد للأب تزويجها من دونه رضاها. ومعنى ذلك عدم وجود سلطة مطلقة لهما عليها ، ولكن هل يجوز لها أن تتزوج بدون إذن الأب والجد للأب؟


هنا يذهب جمله من الفقهاء(1) إلى عدم صحة زواجها من دون رضاها ورضى أحد الأبوين (الأب أو الجد للأب) ، ومعنى ذلك أنّ هذا المورد تكون فيه للأب أو للجد للأب نوع ولاية على البنت الباكر ، فلايصح زواجها من دون موافقة أحد الأبوين.

فهل هذا الأمر يكون من باب أنّ الفتاة قاصرة ، أو أقلّ من الرجل في النضج الاجتماعي؟

والجواب :

1 ـ ليس الأمر كذلك وإلاّ لما كان هناك فرق بين الثيب والبكر ; لتكون الثيب البالغة من العمر خمسة عشر عاماً مستغنية عن موافقة الأب والجد للأب ، بينما تحتاج البكر البالغة ثمانية عشر عاماً إلى الموافقة.

2 ـ وإذا كان الإسلام يعتبر قصوراً في الفتاة في إدارة اُمورها ، فلماذا أعطى البنت البالغة الرشيدة استقلالها الاقتصادي وصحح معاملاتها المالية حتى لو كانت خطيرة ، دون الحاجة إلى موافقة الأب أو الجد للأب أو الاخ؟

إذن هناك سبب آخر هو الذي جعل الإسلام زواجها بحاجة إلى رضاها ورضى أحد الأبوين ، فما هو ذلك السبب؟

أقول : إنّ هذا السبب لا يرتبط بقصور المرأة وعدم نضجها العقلي ، إذ تقدّم منّا مراراً أنّ النساء البالغات العاقلات كاملات من كلّ النواحي ، ولعلّ نضجها العقلي يكون أسرع من نضج الذكر ، ولذا فقد كلّفت بالعبادات قبل تكليف الذكر ، وهذا واضح.

__________________

(1) وهناك جملة كبيرة من الفقهاء ولعلّ مشهور المتقدّمين يقول بعدم الحاجة إلى إجازة الأب والجد في أمر زواجها.


ولكن لعلّ ما قاله علماء النفس : من أنّ سرعة اطمئنان المرأة بالرجل الذي يظهر لها المحبة والإخلاص ، يجعلها أسيرة كلمات المحبة والإخلاص التي تسمعها من فم الرجل ، هي الباعثة على جعل إجازة أحد الأبوين ضماناً للأمان من وقوعها في أسر المحبة بدون تثبّت ومن دون مراعاة للاُمور التي يجب أن تتوفّر في الزوج اللائق لها المناسب لشأنها ، فجعل الإسلام إجازة أحد الأبوين لأجل أن لا تقع المرأة في مكان غير مناسب لشأنها ; لمجرّد إظهار المودة والمحبة الزائفة ، وهذا كما ترى احتياط لها ودليل ينير لها الطريق لئلا تقع في هوّة سحيقة لا تتمكن أن تخرج منها نتيجة فعلها المنفرد ، أمّا إذا كان الزواج نتيجة عمل مشترك من رضاها ورضا الأب أو الجد للأب ، ونتيجة تدبّر يحصل من الأب عادة ، فسوف يقل احتمال وقوع البنت في مكان غير مناسب لشأنها ومضرّ لها.

ولهذا كان الفقهاء يذكرون : أنّ الأب الذي لا يأذن في زواج بنته الباكر ولم يكن له سبب معقول لذلك ، بل يظهر من فعله التحكّم والتسلّط ، فإنّ ولايته على البنت تسقط ، ويحقّ للبنت الباكر أن تختار الزوج المناسب لها بانفرادها.

إذن من كلّ ما تقدّم نفهم : أنّ القانون الإسلامي لم يحتقر المرأة الباكر بجعل وليّ لها في الزواج يشترك معها فيه ، بل هذا الحكم يكون حماية للبنت الباكر واحتراماً لها وليس احتقاراً.

النظرة السلبية للمرأة

إذا نظرنا إلى الكون نظرة مادية (في حدود الطبيعة) التي عبّر عنها القرآن على لسان الملحدين فقال تعالى :( مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا الاَّ الدَّهْرُ ) (1) ، فلابدّ أن ننظر إلى الإنسان نظرة مادية ونقول : إنّه ليس إلاّ جسم فقط ،

__________________

(1) الجاثية : 24.


فالبدن يشكّل حقيقة الإنسان ، وهذا البدن يكون على شكلين : مرّة على شكل رجل ، ومرّة على شكل امرأة. وحينئذ لا توجد فضائل عند الإنسان ، بل الإنسان كالنبات والحيوان والمعدن مادة وجسم فقط.

وعلى هذا التفكير فلا يوجد تمايز بين الرجل والمرأة ، وهذا ما يسعى إليه الإنسان الغربي في ما يسمّى بعصر النهضة (بين منتصف القرن السابع عشر وحتى القرن الثامن عشر) ورواج الروح العلمية والعقلية في الابتعاد عن الدين ، وقد وافقت الاُمم المتحدة في 3 سبتمبر 1979 م على اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضدّ المرأة. وتعدّ هذه الاتفاقية تتويجاً للحركة الفيمنيّة التي انطلقت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في الغرب لغرض استرجاع المرأة حقوقها.

وعلى هذه النظرة ، فلابدّ أن تلاحظ المرأة على أنّها أداة لتأمين غريزة الشهوة ، لذا كثرت الدعوات من هذا الفريق لإزالة الحجاب كمقدّمة لإشباع الغريزة منها ، وتصوّروا أنّ سرّ تخلّفها كامن في الحجاب والعفّة. وفي هذا الفريق من البشر تُنتزَع الرحمة ويزول العطف وتضمحل الرقة ; لأنّ نصف المجتمع ـ وهو المرأة ـ ينظر إليها نظرة سلبية ، وتربّى المرأة على إشباع الغرائز ، وبهذا تفقد المرأة مكانتها في تربية المجتمع على العاطفة والرأفة والرقة التي كانت المرأة هي مصدر تزريقها في المجتمع الإنساني ، فلايوجد في هذا الفريق غير القوّة والشهوة والقمع.

نظرة الإسلام للمرأة

إنّ الإسلام نظر إلى الإنسان على أنّه مكوّن من روح ومادة ، والإنسان رجل وامرأة ، فالمرأة أيضاً تتكون من روح ومادة.

والروح : لا امتياز فيها بين الرجال والنساء ، وهي التي تتكامل بالمعارف والعلوم والأخلاق والمزايا الفاضلة التي تتلخص كلّها في التقوى. وهذه الامتيازات للروح


تكون بمثابة الملك لها ، لا يمكن سلبها عنها إذا حصلت عليها الروح ، قال تعالى :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْق عِندَ مَلِيك مُّقْتَدِر ) (1) .

وقال تعالى :( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (2) .

والمكافاة لهذه الامتيازات الروحية هي الجنة التي هي مقسّمة حسب مراتب هذا التفاضل ، فالأكثر إيماناً وعلماً وعقيدة (أي الأكثر تقوى) له مراتب أعلى من غيره الذي هو عالم مؤمن متقي.

وأمّا المادة : وهو الجسم ، فليس له إلاّ التنفيذ.

وفي المادة توجد امتيازات وتوجد فوارق ، إلاّ أنّها ليست من باب الكمال وإن كانت فضيلة ومزية ، إلاّ أنّها ليست معياراً للتفاضل ، فتأتي هنا قضية قواميّة الرجل على المرأة التي قلنا سابقاً : إنّها فضيلة القوة ، بينما تحوز المرأة فضيلة العاطفة والرحمة والرقة (المتمثلة في جمال المرأة) التي قال عنها الإسلام إنّها ريحانة وليست قهرمانة.

وقد أراد الله تعالى أن يسخّر المجتمع لعواطف المرأة ورقتها ورحمتها ، بمعنى أنّه أراد للمجتمع أن يتربّى على العواطف والرحمة ، فإدخلها إلى المجتمع مع الحجاب والعفة ليستفيد من عاطفتها ورقتها ولطفها وصفائها ووفائها.

فالتفاضل موجود في جسم الإنسان (الرجل والمرأة) ولكنّه ليس هو التكامل المنشود ، فالرجل عادةً وغالباً فيه امتياز على جسم المرأة بالقوة ، وجسم المرأة عادة وغالباً فيه امتياز على جسم الرجل باللين والعاطفة ، وأراد الإسلام أن يمزج

__________________

(1) القمر : 54 ـ 55.

(2) الفجر : 27 ـ 30.


بين القوة واللين أو بين العقل والعاطفة ; ليتم صرح بناء المجتمع من مادة لينة ومادة صلبة ، فيكون بناء المجتمع بناء محكماً وقوياً.

ولكن إذا نظرنا إلى المرأة على أنّها مادة فقط خُلقت لاشباع الغريزة الجنسية فقط ، فقد سلبنا من المرأة لينها وعاطفتها ورقتها (جمالها) وتربّت على غير وظيفتها ، فتحوّل المجتمع كلّه إلى صرح كلّه قوّة وكلّه حجر وكلّه صلابة ، والصرح لا يقوم على الصلابة من دون مادة ليّنة ، فيكون عرضة للسقوط.

إذاً الإسلام أراد من الامتيازات بين جسم الرجل وجسم المرأة تقسيم المناصب التنفيذية ، والمناصب التنفيذية هي أمانة ، فالرجل له مناصب معينة ينفذها ، والمرأة لها مناصب معينة تنفذها ، ولا حقّ للاعتراض على تقسيم هذه المناصب حسب الامتيازات البدنية ; لأنّه ليس شيئاً يكون فارقاً بين الرجل والمرأة في الفضيلة.

وهذه المناصب التنفيذية تقابلها مسؤوليات.

فإذا ثبت أنّ الرجل له هذا المنصب الخاص ، والمرأة لها هذا المنصب الخاص ، فلا يوجب هذا تفاضلاً ، بل هو من تقسيم المسؤوليات حسب اختلاف الأجسام.

وكمثال على ذلك إعطاء القيمومة للرجل على زوجته ، وهذه القيمومة هي عبارة عن تنظيم اُمور المرأة ورعايتها ، ممّا فضّل الله الرجل على المرأة في قوة البدن ، وبما أنفق من ماله لترتيب المسكن الذي يوجب سكناً لهما ، فلا اعتراض على ذلك ; لأنّه وظيفة يقابلها مسؤولية ، كما أنّ المرأة لها وظيفة الرضاعة والحضانة والرعاية والقيام بشؤون الأولاد ، وهذا يقابله مسؤولية على المرأة في وظيفتها ، فلا يعتبر هذا فارقاً في التفاضل.

هذا كلّه في الوظائف الخاصة بكلّ منهما ، أمّا الأعمال العامة في المجتمع فهي مشتركة بينهما إذا وجدت المؤهلات اللازمة لها ، وكان هناك وقت كافي بعد إنجاز المهام الخاصة بكلّ واحد منهما.



هل للمرأة أهلية تولّي السلطة؟

تمهيد : إنّ ولاية أيّ إنسان على آخر هو خلاف الأصل الأولي الشرعي الذي يقول : إنّ الأصل عدم الولاية ، فهل هنا تقييد لهذا الأصل الأولي في ولاية الإنسان على غيره؟

الجواب : نعم ، ثبت هذا التقييد بولاية الأنبياء والأوصياء على المجتمع ، وهو يقتضي مشروعية تشكيل الدولة والحكومة للمجتمع. والتجربة الكاملة التي شهدتها البشرية هي ولاية نبي الإسلام الذي شكّل دولة الإسلام ، ولكن بعد رحيله إلى بارئه حدث اتجاهان :

الاتجاه الأول يقول : إنّ الذي له ولاية على المجتمع هو الإمام الذي نصّ عليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالإمام المنصوص عليه المعصوم هو الذي له ولاية على الناس ، فهو رئيس الدولة.

الاتجاه الثانى يقول : إنّ الذي له ولاية على المجتمع لتكوين الدولة هو ما عينته الشورى بواسطة الاختيار.

وأصحاب الاتجاه الأول يقولون (بعد حصول الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر) : إنّ الأوصياء نصبوا المجتهد العادل نائباً عنهم في التصدي للحكومة على الاُمة.

وحينئذ يصح «على كلا الاتجاهين» أن نتسائل : لو أنّ فرداً (سواء كان رجلاً أو امرأة) إذا انتخب من قبل الاُمة (وكان مجتهداً) على الطريقة الديمقراطية (الأكثرية)


هل يصح له أن يتصدى لرئاسة الدولة؟(1)

والجواب على هذا السؤال متوقّف على البحث الذي سيأتي في جواز تصدي المرأة للقضاء ، فإنّ رئاسة الدولة هنا يراد منها الخلافة العامة والسلطة المطلقة التي يمارسها الحاكم ، أي أن يحكم الرئيس (المجتهد على رأي الإمامية) بما يراه من حكم الله المستنبط من القرآن والسنّة مستقلاً ، فإنّ هناك قولا قوياً يقول لابدية الرجل للقضاء حسب الأدلة الشرعية ولابدية الذكورة فقط للخلافة العامة والسلطة المطلقة المستندة إلى مهمة الحكم الشرعي.

ولكن لنا أن نقول : إنّ رئاسة الدولة اليوم لا تعني أن يحكم رئيس الدولة بما يراه من حكم الشرع مستنبطاً من القرآن والسنّة ، بل رئيس الدولة وحكومته لا يعدو أن يكون منفذاً لما يصدر من مجلس الشورى من أحكام حكومية تنظيمية ، ولا يعدو أن يكون منفذاً للدستور الذي يكون قانوناً أساسياً للدولة ، فهو لا يتصدّى إلى حكم حكومي في التنازع ، بل لا يتصدّى لأيّ حكم شرعي أصلاً.

فهل يجوز في هذه الحالة أن تتصدّى المرأة لرئاسة الدولة ، حيث تكون مقيّدة بقانون أساسي وبمجالس تشريعية حكومية بعيدة عن أيّ حكم يصدر منها بالاستقلال؟

__________________

(1) أقول : إنّ الانتخاب الشعبي (الذي يسمّى بالديمقراطية) يجعل ولاية للمنتخب على الاُمة بواسطة أحد اُمور أربعة :

الأول : بواسطة تباني العقلاء على طاعة من يفوز بالانتخاب.

الثاني : قد يقال : إنّ العقل العملي يحكم بلزوم طاعة من يفوز بالانتخاب.

الثالث : كما يمكن أن يقال : إنّ وجوب طاعة من يفوز بالانتخاب بحيث تكون له ولاية على الاُمة داخل تحت البيعة ، فكأن الاُمة بايعت هذا الشخص وتعهدت على أن تكون مطيعة له بمجرّد فوزه في الانتخاب.

الرابع : أنّ مرجع الاُمة الناظر في الحلال والحرام قد يحكم بأنّ من ينتخب من قبل الأكثرية يكون هو الأفضل لحفظ النظام وإجراء الدستور والقيام بتنفيذ الأحكام الحكومية النابعة من المجالس الاستشارية.


وعلى هذا الأساس لا حاجة إلى كون رئيس الدولة مجتهداً ما دام هو رئيس القوة التنفيذية لإقرار القانون وما يشرّعه المجلس التشريعي.

وإذا كان الجواب بالإيجاب ، فمن الواضح يكون للمرأة الحقّ في التصدّي لأيّ منصب حكومي آخر (بشرط أن لا يكون فيه قضاء في المنازعات).

الأدلة على الجواز :

1 ـ لا يوجد منع شرعي من ذلك المنصب بهذه القيود المقدّمة ، بعد أن ثبت أنّ المرأة تتمتع بأهلية كاملة. وقصة بلقيس التي ذكرها القرآن من دون ردع عنها يؤكد عدم وجود الردع عن ذلك.

2 ـ يوجد دليل على الجواز ، وهو وجوب تحمل المرأة مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع ، ومسؤولية الاهتمام بأُمور المسلمين ، حيث ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «من أصبح لا يهتم باُمور المسلمين فليس بمسلم»(1) .

وقال تعالى :( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) (2)

ومنصب رئاسة الدولة هو أهمّ منصب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأعلى منصب للاهتمام باُمور المسلمين.

وأمّا عدم تصدّي أيّ امرأة لرئاسة الدولة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو ناشيء من كون رئيس الدولة يحكم مستقلاً ويقضي بين المتنازعين مستقلاً بما يستنبطه من القرآن

__________________

(1) اُصول الكافي 2 : 163 حديث 1.

(2) التوبة : 71.


والسنّة ، وقد قلنا : إنّ مسألة القضاء يشترط فيها الذكورة كما سيأتي.

وتلك الرئاسة قد قيّدتها النصوص بالرجولة ، فقد ذكرت النصوص أنّ الأئمة والخلفاء من قريش (اثنى عشر رجلاً كلّهم من قريش) وعلى رأي الإمامية أنّهم معيّنون بالنصّ ، فلا مجال لتصدّي المرأة لرئاسة الدولة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

أدلة المنع :

هناك أدلة استدل بها جمع من فقهاء الإمامية المعاصرين وغيرهم على اشتراط الذكور في رئيس الدولة.

وأهم الأدلة هي :

أولاً : قال تعالى :( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) (1) .

والاستدلال بها موقوف على أنْ يستفاد من الولاية ولاية الرجل على المرأة في التصرّف في كلّ شؤون النساء ، فولاية كلّ رجل على كلّ النساء ; لأنّ الله فضّل الرجل عليهن باُمور كثيرة ، فلاتصلح المرأة أن تكون قيّمة على أيّ شيء ، ومنها رئاسة الدولة ; لأنّها قاصرة في قيمومتها على الرجل.

ويرد عليه :

1 ـ إنّ القواميّة هنا هي بمعنى تدبير أمر المرأة والمحافظة عليها والقيام بشؤونها ، ولا يراد منها ولاية التصرّف في أموالها وشؤونها ، كما تقدّم ذلك.

2 ـ إنّ هذه القواميّة هي خاصة بالزوج على زوجته وليست عامة ، ومع هذا لا منافاة بين أن يكون عليها قيّم في الأُسرة تجب طاعته في اُمور البيت ، وهي قيّمة على المجتمع ، كما يمكن أن نتصوّر أنّ القيّم على المجتمع يمكن أن يكون له أبوان

__________________

(1) النساء : 34.


يجب عليه إطاعتهما ، وهذا الوجوب عليه لا يقدح في أهليته لرئاسة الدولة.

ثانياً : قوله تعالى :( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) (1) .

والاستدلال بها متوقّف على أنّ نفهم منها أن الرجال هم أعلى من النساء ، فهم أفضل مطلقاً ، وهذا هو الذي يقتضي اختصاصهم بالولاية كرئاسة الدولة مثلاً وفروعاتها.

ويرد عليه :

1 ـ لانسلّم أنّ الرجل أفضل من المرأة ; لأنّ خلقهما كامل ، فكل واحد منهما إنسان كامل في خلقته ، قال تعالى :( لَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم ) (2) .

وقال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ) (3)

نعم ، هناك امتياز للرجل على المرأة ، وامتياز للمرأة على الرجل ، وهذا لا يجعل الرجل أفضل من المرأة مطلقاً.

2 ـ لقد تقدّم أنّ الأفضلية هنا هي للزوج على زوجته حيث يقوم بأمرها ويحافظ عليها ، وقد ورد أيضاً ـ كما تقدّم ـ أنّ هذا الفضل له قد يكون من ناحية عفوه عن ما يصدر منها من خطأ ، فالذي يعفو هو أفضل من المعفو عنه في مورد خاص لا مطلقاً.

ثالثاً : وردت في السنّة الشريفة بطرق متعدّدة وألسِنَة مختلفة قالوا عن بعضها بالصحيح : إنّه لما بلغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى ،

__________________

(1) البقرة : 228.

(2) التين : 4.

(3) الحجرات : 13.


قال : «لن يفلح قوم ولّو أمرهم امرأة»(1) .

ويرد عليه :

1 ـ إنّ لسان «لن يفلح» وما شابهه الوارد في الطرق المتعدّدة للرواية ، يدلّ على أنّ القوم قد أخطأوا في توليتهم للمرأة ، ولا يترتّب الغرض من تولية المرأة في قوة الدولة مثلاً وتماسك المجتمع ، وهذا غير المدّعى الذي هو عدم صحة الولاية وضعاً ، فتكون الولاية باطلة.

2 ـ إنّ مورد الرواية هو الدولة الكسروية القائمة على الاستبداد وغير مقيّدة بقانون أساسي (دستور) ولم تملك مجالس استشارية وقانونية ، فيكون معنى ما أفلح قوم ولّو أمرهم أمرأة : هو أنّ قوماً من المحيطين بالملك هم الذين ولوا الأمر إلى بنت كسرى ، وهذا غير ما نحن فيه من الانتخاب الاختياري على طريقة أكثرية الاُمة.

وعلى هذا سيكون الرجل الذي جاء بهذه الطريقة غير صالح لجبر الناس على إطاعته ; لأنّه لا بيعة له ولا تباني من العقلاء على طاعته ولا عقل عملي يحكم بوجوب طاعته ، فلايكون هذا فلاحاً وصلاحاً ; لعدم وجود مبرّر لولايته وطاعته.

رابعاً : روى الصدوق عن جابر بن يزيد الجعفي عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال : سمعت أبا جعفر (الامام محمد الباقرعليه‌السلام ) يقول : «ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا جمعة ولا جماعة ، ولا عيادة المريض ولا اتباع الجنائز ، ولا الإجهار بالتلبية ، ولا الهرولة بين الصفا والمروة ، ولا استلام الحجر الأسود ، ولا دخول الكعبة ولا الحلق ، وإنّما يقصرن من شعورهن ، ولا تولي المرأة القضاء ولا تلي الإمارة ولا تستشار ، ولا تذبح إلاّ من

__________________

(1) صحيح البخاري ، كتاب المغازي / باب كتاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى كسرى وقيصر 3 : 90 ، الخلاف للشيخ الطوسي 3 : 311.

(1) الخصال للصدوق 2 : 585 حديث 12 ، وراجع وسائل الشيعة 14 : باب 117 من مقدمات النكاح حديث 6 ، وباب 123 حديث 1.


اضطرار»(1) .

والاستدلال بها قولهعليه‌السلام «ولا تولى القضاء ولا تلي الإمارة» فالنهي عن تولي المرأة منصب الولاية (رئاسة الدولة وما يتفرع منها) واضح ، والنهي يقتضي الفساد ، فحينئذ تقع ولايتها باطلة.

ويرد على هذا :

1 ـ إنّ الرواية ضعيفة السند بطريقيها فليست بحجّة.

2 ـ إنّ المنفي بـ (ليس) هو الحكم التكليفي ، ففي جملة من الموارد نفي الوجوب كما في الجمعة والجماعة وعيادة المريض ، وهذا إرفاق بها ، ولكنّها إذا فعلت الجمعة والجماعة صحّ العمل ، وكذا إذا زارت المريض صح وترتّب عليه الأثر.

وفي جملة من موارد الرواية نفي الاستحباب المؤكّد كما في الأذان والإقامة ، وفي جملة من موارد الآية نفي الوجوب للفعل الذي يكون فعله محرّماً عليها وهو الحلق (في العمرة والحج).

وحينئذ لانعلم أنّ نفي الولاية عنها هل هو من قبيل نفي الوجوب أو الاستحباب بحيث يكون صحيحاً إذا وقع منها ، أو من قبيل نفي الوجوب الذي يكون فعله باطلاً فتكون ولايتها باطلة وليس لها أن تتقدّم لها ولا يجوز أن يقدمها فرد لهذه الولاية؟ فهي مجملة من هذه الناحية ، ولابدّ من معرفة الأمر من الرجوع إلى الأدلة الاُخرى لولاية المرأة لنرى أنّها صحيحة أو باطلة ، حتى نحمل هذه الجملة على ما يثبت في أدلة اُخرى ، وإلاّ فإنّ هذه الجملة مجملة لا يمكن معرفة المراد منها هنا.

إذن لا يظهر من الرواية نفي الأهلية لتولّي السلطة وفروعاتها.

3 ـ إذا استظهر ففيه من جملة (ولا تلي الإمارة) عدم أهليتها لذلك ، فتحمل على

__________________

(1) الخصال للصدوق 2 : 585 حديث 12 ، وراجع وسائل الشيعة 14 : باب 117 من مقدمات النكاح حديث 6 ، وباب 123 حديث 1.


الإمارة التي تكون المرأة فيها هي المتفردة في إصدار الأحكام بحسب فهمها ، وهي المصدر للقرارات الدكتاتورية من دون تقييدها بمجالس استشارية وبدستور ، فتخرج عن موضوع بحثنا هنا.

خامساً : من وصية الإمام عليعليه‌السلام إلى ابنه الإمام الحسنعليه‌السلام أو ابنه محمّد بن الحنفية ، وقد رويت بعدة طرق ، واليك النصّ برواية الشريف الرضي : وهو

«وإياك ومشاورة النساء ، فإنّ رأيهن إلى أفن(1) ، وعزمهن إلى وهن ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها ، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة»(2) .

والاستدلال بالرواية من أمرين :

الأول : أنّ المرأة إذا لم تكن أهلاً للاستشارة لضعف رأيها ، فعدم أهليتها لتولي الحكم ثابت بالاولوية.

الثاني : النهي عن تمليكها من أمرها ما جاوز نفسها ، يستلزم عدم مشروعية تولّيها لأمر غيرها ، فضلاً عن تولي رئاسة الدولة.

ويرد على ذلك :

1 ـ الرواية مرسلة في بعض طرقها وضعيفة في بعضها.

2 ـ أنّ التحذير من مشاورة النساء ورد له قيد في بعض الطرق ، والقيد هو «إلاّ من جرّبت بكمال عقل»(3) ، وهذا يكشف أنّ النهي هو عن استشارة النساء غير المجرّبات بالتعقل والحكمة لا مطلقاً.

3 ـ لا إشكال ولا ريب في أنّ المرأة تملك أمر نفسها (باستثناء زواجها إذا كانت بكراً على رأي بعض فإنّها بحاجة إلى رضى الأب أو الجد للأب ، وباستثناء حقّ

__________________

(1) الأفن : النقص ، ورجل أفين ومأفون : أي ناقص العقل (لسان العرب).

(2) وسائل الشيعة 14 : باب 96 من مقدمات النكاح حديث 2.

(3) راجع بحار الأنوار 100 : 253 باب أحوال الرجال والنساء حديث 56.


استمتاع الزوج بها بالمعروف إذا كانت زوجة) وتملك الاُمور التي تشترك فيها مع الرجل كما إذا كانت شريكة له في عقار أو غيره. ولها أن تتدخل في أمر غيرها إذا أصبحت وكيلة فيه.

نعم ، ليس لها أن تتدخل في أمر الغير ، اذا لم تكن وكيلة فيه ، وهذا أمر يكون الرجل فيه معها على حدّ سواء.

إذاً الفقرة الثانية غير صحيحة ، فيجوز لها أن تكون وكيلة عن الغير في مجالس الشورى وتولّي السلطة إذا كان ذلك بوكالة عن الشعب عن طريق الانتخاب كما تقدّم ، مقيّدة بالمجالس الاستشارية وبالدستور.

والخلاصة : إنّ ما ورد في ذمّ المرأة من الروايات ، إمّا أن يكون ضعيف السند ، أو محمولاً على المرأة غير المجربة بعقل لا مطلقاً.

سادساً : استدلّ جماعة بالإجماع على أنّ رئيس الدولة يشترط فيه أن يكون رجلاً.

أقول : وبما أنّ مسألة رئيس الدولة وشروطه حادثة ، فلم تبحث هذه عند الفقهاء ، فلا يمكن ادعاء الوفاق فضلاً عن الإجماع على اعتبار الذكورة في رئيس الدولة ، ولكن يمكن تصوير الإجماع موقوفاً على أمرين :

1 ـ أنّ الذكورة شرط في القاضي (بالإجماع)

2 ـ توجد ملازمة بين القضاء ورئاسة الدولة باعتبار أنّ القضاء شعبة من الولاية.

ويرد عليه :

1 ـ هناك تشكيك في شرطية الذكورة في القاضي ، وهذا ما سيأتي الكلام عنه.

2 ـ على فرض اشتراط الذكورة في القاضي ، فإنّه لا ملازمة بين القضاء الذي


يحتاج إلى اجتهاد وحكم بين المتخاصمين ، وبين رئاسة الدولة التي لا تحتاج إلى اجتهاد وحكم ، بل هي صالحة لغير المجتهدين الذين يرأسون الدولة مقيدين بالمجالس الاستشارية والدستور ، فتكون رئاسة الدولة لأجل حفط النظام لا للحكم.

نعم ، توجد ملازمة بين ثبوت القضاء والحاكمية بمعنى الحكم في المجتمع الذي يكون برأي رئيس الدولة وما يفهمه من الإسلام بالاستقلال حيث يعتبر الاجتهاد في الأمرين معاً ، ولكن هذه الملازمة ليست من الطرفين ، بل هي عموم وخصوص من وجه ، بمعنى أنّ كلّ حاكم ورئيس للدولة هو قاض ، ولكن ليس كلّ قاضي هو رئيس دولة وإن كانا يشتركان في الاجتهاد كشرط فيهما ، فيكون حالهما كحال رئيس القضاء (رئيس القوة القضائية) مع القاضي ، فليس كلّ قاضي هو رئيس للقوة القضائية ، ولكن كلّ رئيس للقوة القضائية فهو قاض واقعاً وإن كانا يشتركان في الاجتهاد.

إذاً لا دليل على شرط الذكورة والاجتهاد معاً في رئيس الدولة القائمة على مؤسسات الشورى والدستور لأجل حفط النظام.

هذه هي أهم الأدلة التي ذكرت لاشتراط الذكورة في رئيس الدولة ، ونكتفي بها عن بعض الوجوه الاستحسانية التي لم تصمد أمام المناقشة ولم تثبت صحتها ، مثل كون الرجل أكثر عقلاً وتدبيراً من المرأة ، أو أنّ وجوب الحجاب وعدم الخروج من البيت إلاّ بإذن الزوج ينافي حضور محافل الرجال والحديث معهم ممّا يحتاجه رئيس الدولة لإقرار النظام.


هل يشترط الذكورة في القاضي؟

نعم ، لقد اشترط الفقهاء في القاضي الذكورة ، وذلك لعدة أدلة ، أهمها هو موثقة أبي خديجة التي يرويها الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بإسناده عن أحمد بن عائذ ، عن أبي خديجة (سالم بن مكرّم الجمّال) (وأبو خديجة سالم بن مكرّم ثقة بشهادة النجاشيقدس‌سره ) عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فأجعلوه بينكم ، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه»(1) .

وقد ذكر السيد الخوئيقدس‌سره : إنّ هذا الحديث راجع إلى قاضي التحكيم (لا القاضي المنصوب) لأنّ قولهعليه‌السلام «قد جعلته قاضياً» متفرّع على «فاجعلوه بينكم» وهو القاضي المجعول(2) .

ولكن الصحيح أنّه وارد في القاضي المنصوب ; لأنّ «فاجعلوه بينكم» هو أمر بالجعل للرجل أن يكون حكماً بينهم وإلزام بذلك ، وقد علّل هذا الإلزام بأنّه قد جعله قاضياً ، وهذا يعني ثبوت النصب في المرتبة السابقة على جعل الرجل بينهم قاضياً ، وأنّ جعل الرجل بينهم واجب على أساس النصب السابق.

__________________

(1) وسائل الشيعة 18 : باب 1 من صفات القاضي حديث 5.

(2) راجع مباني تكملة المنهاج 1 : 8.


وعلى كلّ حال ، فإنّ حمل هذا الحديث على قاضي التحكيم ، ثبتت الرجولة في القاضي المنصوب بطريق أولى ، وإن حمل على القاضي المنصوب «كما هو الظاهر منه» ثبت في القاضي المنصوب اعتبار الذكورة.

ويؤيّد هذا الحكم برواية الإمام الباقرعليه‌السلام عن آبائهعليهم‌السلام في وصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام قال : «يا علي ليس على المرأة جمعة ـ إلى أن قال ـ ولا تولّى القضاء»(1) ; لضعف الرواية ، مع إمكان حملها على عدم الوجوب ، لا شرط الذكورية في القاضي بحيث يكون جعلها قاضياً باطلاً.

وهناك دليل آخر يستفاد من مسيرة المسلمين من أول رسالة الرسول مروراً بالأئمة سلام الله عليهم والصحابة والتابعين ، حيث كانت هناك نساء في أعلى مراتب الكمال والفضل ولم تجعل واحدة منهن قاضية لإنهاء التخاصم والتنازع ، وهذا العمل من المسلمين يكشف عن رأي الشريعة.

وبعبارة أُخرى : إنّ الجوّ التشريعي في ذلك الزمان الذي لم يجعل للمرأة صلاحية إمامة الرجال في الصلاة يمنع من انعقاد الإطلاق في أدلة القضاء الشامل للنساء لوكان هناك إطلاق وقلنا : إنّ كلمة «الرجل» في معتبرة سالم بن مكرّم هى من باب الغلبة لا التعبّد ، وإذا منع الإطلاق في ذلك الجوّ التشريعي فحينئذ لا يكون عندنا إطلاق يدلّ على صحة قضاء المرأة.

وعلى كلّ حال ، فاحتمال وجود ارتكاز متشرعي على أنّ القاضي يجب أن يكون رجلاً ، يمنع من التمسك بإطلاق أدلّة القضاء للرجل وللمرأة ; لأنّ احتمال ما يصلح للقرينة يبطل الإطلاق كما حقّق ذلك في الاُصول. وحينئذ لا يوجد عندنا دليل على جواز تولّي المرأة القضاء.

__________________

(1) وسائل الشيعة 18 : باب 2 من صفات القاضي حديث 1.


هل حرمان المرأة من منصب القضاء يعدّ توهيناً وظلماً لها؟

الجواب :

1 ـ أنّ الإسلام بعد أن اعترف بمساواة المرأة للرجل في الإنسانية والكرامة والحقوق والواجبات الفطرية ، آمن أنّ المرأة تضعف عن مقاومة الضغوط والمشاكلّ ، وأنّ عاطفتها غالبة على الجانب العقلي فيها ، فأعفاها عن القضاء والجهاد لما فيهما من مشاكلّ كثيرة لا تتحملهما المرأة. وهذا الإعفاء عن المخاطر لا يعدّ توهيناً ولا ظلماً ، بل احتراماً وتوقيراً.

2 ـ أنّ من يتربّى بتربية الإسلام لا ينظر إلى الجهاد والقضاء على أنّه مغنم من المغانم ، بل ينظر إليهما كمسؤولية عظمى ، كثيراً ما تزل فيها الأقدام ، وقد يخرج منهما الداخل مهزوزاً منكسراً ، فاُعفيت المرأة من هذه المسؤوليات والأعباء ، غاية الأمر الإعفاء في الجهاد رخصة وفي القضاء عزيمة.



هل للمرأة أن تكون مرجعاً للأُمّة؟

إن تسلّم منصب المرجعية وقيادة الاُمة (الخلافة العامة) هل يمكن أن تكون للمرأة؟

الجواب :

1 ـ أنّ هناك أدلّة ذكرت لفظ «الرجل» في من يحكم بين المتنازعين ، مثل معتبرة سالم بن مكرم الجمال(1) . ومن المعلوم أنّ منصب الإفتاء والمرجعية العامة هو أرقى وأعلى من منصب القضاء ، وأنّ القضاء حكم شخصي بين اثنين أو بين جماعة رفعاً للتخاصم ، والفتوى من المرجع هي حكم كلّي يبتلي به عامة المسلمين ، بالإضافة إلى قيادة الاُمّة التي يقوم بها المرجع ، فإذا ثبتت الرجولة في باب القضاء كانت الرجولة معتبرة في باب المرجعيّة بطريق أولى.

2 ـ لو كانت كلمة «رجل» في معتبرة سالم بن مكرّم الجمّال قد أخذت من باب الغلبة في الرواية ، لا من جهة التعبّد وحصر القضاء في الرجال ، فنقول : إنّ الجوّ التشريعي الذي صدرت فيه الروايات المطلقة التي تقول : أما لكم من مفزع تستريحون إليه (أي أمالكم من عالم في الشريعة ترجعون إليه في أخذ أحكامكم منه) لا يمكن المصير إليها وإلى إطلاقاتها ; لأنّ احتمال أن يكون ارتكاز متشرعي يقول : إنّ المراد ممّن يرجع إليه في الفتوى هو الرجل فقط كان موجوداً في ذلك

__________________

(1) وسائل الشيعة 18 : باب 1 من صفات القاضي حديث 5.


الجو الذي منع أن تكون المرأة امامه لجماعة الرجال ، وهذا الارتكاز المتشرّعي يمنع من التمسك بالإطلاقات ، أي أنّ الإطلاق في ذلك الجو التشريعي والارتكاز المتشرعي عند المتشرعة لا ينعقد ، وحينئذ نبقى فاقدين للدليل على جواز أن تتصدّى المرأة لمنصب الخلافة العامة وإن كانت مجتهدة تعمل برأيها.

وبعبارة أُخرى : إنّ احتمال وجود ارتكاز متشرعي لاشتراط الرجولة في المقلَّد في زمن الأئمة سلام الله عليهم يخرّب ظهور الإطلاقات في رجوع الجاهل إلى العالم ، فيسقط الإطلاق ، ويبقى احتمال إرادة إمكان أن تكون المرأة مرجعه في التقليد ، لكن لا دليل عليه.

3 ـ إذا نظرنا واستقرأنا حالة لحالة الديانات السماوية قبل الإسلام وفي زمن الإسلام وبعد زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نرى أنّ الأنبياء كلّهم من الرجال والأوصياء كلّهم من الرجال ، ولا يوجد حالة واحدة تصدّت فيها المرأة لذلك المنصب العظيم.

وبما أنّ منصب الخلافة العامة والمرجعية العليا هو وكالة عن منصب الأوصياء ، ويكون المرجع مبيّناً لأحكام الشريعة ، كما كان يبينها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو الوصي مع فارق واضح في إصابة النبي والوصي لأحكام الشريعة ومطابقتها للواقع ، فيكون قولهم وعملهم وإقرارهم حجة.

بخلاف المرجع الذي قد يصيب الواقع وقد يخطؤه ، إلاّ أنّه مع ذلك هو وكيل عن الوصي في رئاسة هذه الاُمة ، فيكون هذا المنصب كمنصب الأنبياء والأوصياء مختصاً بالرجال ، لوجود السيرة المتشرعية على ذلك ، التي تكشف عن وجودها عند أصحاب الشرائع الكاشف عن إقرار الشرائع لها ، ولهذا يثبت الدليل على اعتبار الذكورة ويكسر الإطلاق اللفظي أو الناشيء من السيرة العقلائية على رجوع الجاهل إلى العالم (الشامل للعالم الذكر والاُنثى).


ديّة المرأة نصف ديّة الرجل

إنّ ما ثبت في الشريعة الإسلامية من كون ديّة المرأة نصف ديّة الرجل ، هل يدلّ على أنّ المرأة في الإسلام لم تكن في حقّ الحياة وفي حقّ السلامة بمستوى الرجل؟

والجواب : هو أنّ الحكم بنقصان ديّة المرأة عن ديّة الرجل لا يدلّ على أن حقّ الحياة والسلامة للمرأة دون حقّ الرجل ; وذلك لأنّ الإسلام أعطى حقّ المرأة القصاص كاملاً من الرجل ولكن مع دفع نصف الديّة ، فالإسلام لم يحرم المرأة من القصاص والتنزل إلى نصف الديّة ، وهذا يدلّ على أنّ النكتة في باب الديّة ليست هي حقّ الحياة والسلامة ، بل النكتة في الديّة تكمن في الجانب الاقتصادي والفوارق الفسيولوجية والسيكولوجية بين الرجل والمرأة ، حيث يقوم نوع الرجل بأكثر ممّا تقوم نوع المرأة به ، والأحكام تنظر إلى الغالب حتماً وإن وجدت امرأة ما تقوم بعمل أكثر من الرجل.



حقّ الطلاق للرجل

إنّ الإسلام أعطى سلطة الطلاق والولاية عليه بيد الزوج ، فهل هذا يدلّ على أنّ الزوج أكمل من المرأة؟

الجواب : إنّ إعطاء سلطة الطلاق بيد الزوج لا يدلّ على أنّه أكمل من الناحية الإنسانية ، بل من أجل أنّ الطلاق إجراء خطير جداً يؤدي إلى حلّ كيان الأُسرة من العلاقة الزوجية ، وهو إجراء مكروه اشدّ الكراهة في الشريعة في غير حالات الضرورة الانفصالية بين الزوجين.

فالاُسرة مؤسسة يكون الزوج مسؤول فيها وعنها ، وهي لا تخلو من خلافات في المسلك الاختياري ، وخلافات خارجة عن إرادتهما كالعقم أو المرض أو العجز الجنسي مثلاً.

فجعل الطلاق بيد الزوج هو أسلم من جعله بيد الزوجة فقط أو بيد كلّ منهما. وتوضيح ذلك :

1 ـ إذا جعلنا الطلاق بيد الزوجة فقط على نحو الاستقلال ، فهو إجراء فاسد ; لأنّ المرأة لها تكوين نفسي عاطفي ، وهو حالة صحيّة وجيّدة وفضيلة لها إذا كان مجالها الأُسرة الأبوية أو الزوجية حيث تكون هذه العاطفة سبباً للتلاحم والاستقرار.

أمّا التكوين النفسي والعاطفي إذا كان في مجال سلطة الطلاق ، فإنّه سوف يؤدي إلى تفكيك الأُسرة الزوجية وحلّها ، فتكون العاطفة هنا عاملاً سلبياً ضارّاً يهدد الأُسرة بالتفكيك والانحلال ; لأنّ سرعة التأثر العاطفي عند المرأة تدفع المرأة إلى


الاستجابة باستخدام سلطة الطلاق عند أيّ خلاف بين الزوجين.

بالإضافة إلى أنّ المرأة تنظر إلى أنّها قد استلمت المهر من الزوج الأول ، فما هو المانع من حلّ هذه العلاقة واقتران بزوج جديد بمهر جديد؟ ما دام أنّ الزواج الثاني يوفّر لها أجواء جديدة ومهراً جديداً ، فهي قد تقدم على هدم هذا البيت الزوجي التي لم تساهم في إنشائه.

فإنّ الزوج هو الذي دفع المهر إلى الزوجة ، وهو الذي دفع نفقات العرس والزفاف ، وهو الذي أوجد البيت ، وهو الذي أثّثه ، وهو المنفق على الزوجة والأولاد ، وهو الذي يدفع نفقة الزوجة أثناء عدّتها بعد الطلاق ، والزوجة هي المستفيدة من كلّ هذه الاُمور ، فإن جعلنا الطلاق بيدها يعني ذلك أننا قد سلّطنا المرأة على تدمير مؤسسة البيت الزوجي من دون أن تتحمل في تكوينها أيّ نفقات ، وبهذا سوف نعرّض الزواج إلى نكبة اقتصادية من دون أن يكون له أي اختيار في ذلك.

2 ـ إذا جعلنا سلطة الطلاق بيد طرف ثالث (كالمحكمة) فهو أمر فاسد أيضاً ; وذلك لأنّه يجعل أسرار الحياة الزوجية (الجنسية وغيرها) عرضة للهتك والتداول بين الناس ، وقد تنمو الاتهامات وتتحول إلى حقائق تمسّ شرف الزوجين وعفتهما ، وحينئذ يستعصي الحلّ لهذه الخلافات والأسرار الزوجية ، وهذا ما يؤدي إلى الطلاق أو شلّ الحياة الزوجية وتعطيلها من دون طلاق.

إذاً لم يبق لدينا إلاّ أن يكون الطلاق بيد الزوج مستقلاً فهو الحل الأنجع ; لأنّ الزوج هو الذي أقام هذه المؤسسة الزوجية بتقديم المهر ونفقات الزواج وتهيئة البيت والأثاث والنفقة ، فإن أراد أن يهدم هذه المؤسسة فهو المتضرّر الأول والأخير من الطلاق ، وهو الذي سيتحمّل نفقات ومهراً جديداً لبناء بيت زوجي جديد ، ولهذا فسوف يفكّر كثيراً في الطلاق ولا يقدم عليه إلاّ في حالات نادرة.


ومع هذه فقد جعل الشارع شروطاً للطلاق الصحيح لعلّ المقصود منها زيادة التفكير في قرار الطلاق ، ومن هذه الشروط أن يقع الطلاق في طهر لم يواقعها فيه ، وأمام شاهدين عادلين (على مذهب الإمامية) ، ولا تحصل البينونة بمجرّد الطلاق اللفظي ، بل لابدّ من اعتداد الزوجة في بيت الزوجية بثلاث حيضات ، وهذه الاُمور كثيراً ما تدفع الزوج إلى مراجعة قراره السابق بالطلاق وإعادة العلقة الزوجية.

ثمّ إنّه تتمكن الزوجة أن تكون وكيلة عن الزوج (في عقد زواجها) في طلاق نفسها في موارد معيّنة ، كحبس الزوج لمدة طويلة ، أو إذا ثبت اعتياده على المخدرات ، أو إذا قصّر في القيمومة الملقاة على عاتقه ، فإذا حصل أحد هذه الاُمور فهي تطلّق نفسها عن الزوج وكالة عنه (وهذه الوكالة غير قابلة للعزل)(1) .

كما أنّ الزوجة لها الحقّ في رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي طالبة منه الطلاق في حالة عدم انفاق الزوج على زوجته ، أو في حالة عدم الانسجام التام بين الزوجين بحيث تحولّت حياتهما الزوجية إلى جحيم دائم ، ولم يوافق الزوج على الانفاق واتخذ طريق العناد والاضرار بالزوجة. ولم يوافق على قبول الخلع لأجل طلاق زوجته منه الكارهة له التي لا تتمكن من الحياة معه ، ففي هذه الصور ، إذا ثبت عند الحاكم الشرعي معاندة الزوج لزوجته وإصراره على أذيّتها فينذره بالطلاق الاختياري أو يطلّق هو عنه ، فإن لم يطلّق اختياراً طلّق الحاكم الشرعي هذه الزوجة في هذه الحالة.

__________________

(1) وقد أفتى بعض الفقهاء ومنهم السيد الخوئي فقال : «كما يجوز «للمرأة» أن تشترط الوكالة على طلاق نفسها عند ارتكابه (الزوج) بعض الاُمور من سفر طويل أو جريمة موجبة لحبسه أو غير ذلك ، فتكون حينئذ وكيلة على طلاق نفسها ، ولا يجوز له عزلها ، فإذا اطلّقت نفسها فصحّ طلاقها» راجع منهاج الصالحين 2 : كتاب الطلاق مسألة 1359.


وطلاق الزوجة نفسها هنا ليس كما في صورة إعطاء حقّ الطلاق للزوجة استقلالاً ; لأن الزوج في صورة جعلها وكيلة عنه في طلاق نفسها في موارد معينة مثلاً يكون قد مارس حقّه في الطلاق بتفويض زوجته ، فهو الذي أعطاها هذه السلطة باختياره عن وعي منه.


شهادة المرأة في القضاء

قال تعالى :( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ) (1) .

وهنا قد يقال بأنّ شهادة المرأة تكون نصف شهادة الرجل ، فهذا ظلم لها وتوهين لمقامها.

أقول :

1 ـ إنّ شهادة المرأة في القضاء ليست مرتبطة بحقوق المرأة ، بل هي مرتبطة بأدوات الإثبات الجنائي.

2 ـ ذكر المفسّرون بأنّ المراد من الضلال في الآية هو النسيان الذي يصيب أكثر النساء نتيجة مزاجها الخاص وعلاقاتها الخاصة ، ولسان الآية هو لسان التعليل لاعتبار التعدّد الهادف إلى التذكير في حالة النسيان(2) . وكأنّ هذه الحالة التي تطرأ على أكثر النساء توجب تحرّزاً لحقوق الناس من الضياع ، فاعتبرت الشريعة التعدّد في شهادة المرأة وعدم الاكتفاء بشهادة المرأة الواحدة في بعض الموارد.

3 ـ إذا كان هذا السبب ـ وهو النسيان ـ حالة عند بعض الذكور بحيث كان يؤثّر على ضبطه لخصوصيات الموضوع المشهود عليه ويعرّضه لنسيان بعض التفاصيل والخصوصيات المحيطة بالموضوع ، فإنّه لا يصلح للشهادة ، ولا تكفي شهادته أيضاً ; لوجود هذا العامل الموضوعي.

__________________

(1) البقرة : 282.

(2) راجع التبيان للطوسي 2 : 373 ، وابن كثير 1 : 335 ، والفخر الرازي 7 : 114 ـ 115 ، والقرطبي 3 : 397 ، والمراغي 3 : 74 والطبرسي في تفسيرهم.


إذاً تعدّد شهادة النساء ليس لنقص في الكرامة والأهلية والإنسانية ، ويؤكّد هذا هو قبول شهادة المرأة وحدها فيما يختصّ بشؤون النساء ممّا لا يطلع عليه ـ غالباً ـ سوى النساء من قبيل البكارة والثيبوبة والولادة والعاهات والعيوب الجنسية في المرأة وما شابهها ممّا يعود لشؤون النساء ، وهذا يثبت إنّ تعدّد الشهادة في بعض الموارد ليس لنقص في الإنسانية أو الكرامة «أو الأهلية» ، كما أنّ ذلك ليس ظلماً لها ; لأنّه ليس مرتبطاً بحقوق المرأة كما تقدّم.

4 ـ لقد ثبت بالدليل الشرعي أنّ شهادة المرأة لوحدها في الوصية تكون مقبولة تثبت بها ربع الوصية ، وهذا ليس موجوداً في الرجل إذا شهد على الوصية لوحده أنّه لا يثبت به شيء من الوصية(1) .

ملاحظة : إنّ ما ذكر من الفوارق بين الرجل والمرأة في الأحكام الإسلامية إنّما يمثّل مصالح وحكم التشريعات في الإسلام بحسب فهمنا وقناعتنا وإقناعاً لبعض أفراد المجتمع ، ولكن الحقيقة هي أنّ أحكام الشريعة الإسلامية تقبل تعبّداً بعد ثبوت الخالق والنبوة والقرآن (كمعجزة خالدة) ، وثبوت السنّة النبوية بأنّها وحي يوحي ، كما صرح بذلك القرآن الكريم ، فإنّ هذه الاُمور الثابتة بالعقل تلزمنا بالتعبّد بما جاءت به شريعة السماء ، على أنّ الإنسان لا يعرف ما يصلحه وما يفسده بالشكل الذي يعرفه خالق الكون وخالق الإنسان المطلّع على ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله والمطلع على كلّ شيء من عالمنا والكون أجمع.

قال تعالى :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (2) .

__________________

(1) وكذا ثبت هذا الأمر في الإرث ، إذا شهدت على مولود تحرّك فمات ، فإنّه يثبت بشهادتها لوحدها ربع الميراث له. وكذا إذا شهدت على رجل قتل رجلاً ، فيثبت بشهادتها ربع الدية.

(2) الأحزاب : 36.


توحيد الموقف الإسلامي اتجاه

(اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة)

وافقت الاُمم المتحدة في 3 سبتمبر 1979 م على اتفاقية(1) تمنع كلّ أشكال التمييز بين الرجل والمرأة.

وهذه الاتفاقية هي نتاج للنهضة الغربية التي انطلقت ما بين منتصف القرن السابع عشر وحتى الآن ، فالمفكرين الغربيين والفلاسفة الذين رفضوا الدين والذين انتهجوا المنهج الحسي أو العقلي ، لهم دور في ذلك.

ولم يكن لهؤلاء الذين رفضوا الدين أن يكتفوا بالقوانين التي يشرّعونها لهم ، بل أرادوا تصدير قوانينهم التي تعكس ثقافتهم إلى كلّ أرض المعمورة باعتبار ذلك مصدر السعادة البشرية ، وهاهم اليوم ينادون بفكرة النظام العالمي الجديد (القرية العالمية).

لذا فقد تأسّست المنظمات الدولية واُوكلت بعض المهام لها من أجل تحقيقها ،

__________________

(1) لازالت المساعي متواصلة لتكريس هذه الاتفاقية ، فقد عقد في بكين سنة 1995 م مؤتمراً ضخماً للمرأة تحت شعار (المساواة والتنمية والسلام) بدعوة من الجمعية العامة للاُم المتحدة ، شاركت فيه المنظمات الحكومية وغير الحكومية ، فكان عدد النساء أربعين الف امرأة ، خرج ببيان يحتوي على (365) فقرة في 149 صفحة بعنوان برنامج عمل في مجالات متنوعة بهدف تحسين أوضاع المرأة وضمان حقوق تكفل مساواتها بالرجل ، وأكّد على ضرورة انعقاد مثل هذه المؤتمرات. وكان الملحوظ في هذا المؤتمر هو التأكيد على إباحة الحقوق الجنسية المتعلّقة بالإنسان خارج إطار الزواج ، كما يركّزون على الحرية من دون تقييد لها بالمسؤولية ، كما كانوا يؤكّدون على الشذوذ الجنسي الذي يقولون عنه : إنّه حقيقة راهنة.

انظر ملحق رقم (1) : فيه نصّ الاتفاقية مع سلبياتها.


مع سيطرة الدول الغربية الكبرى على هذه المنظمات ممّا يجعل التحرك لصالحها. وقد اُعطيت المشروعية الدولية لهذه المنظمات لتتمكّن من التدخّل في مختلف شؤون الدول الاُخرى.

إذن يمكننا القول بأنّ هذه الاتفاقية التي وافقت عليها الاُمم المتحدة هي عبارة عن فرض هيمنة الثقافة الغربية المبتعدة عن الدين على كلّ الثقافات الاُخرى. ومع هذه فإنّ الاتفاقية تحفل بكثير من الايجابيات.

ايجابيات الاتفاقية :

1 ـ تؤكّد الاتفاقية على حقوق الإنسان الأساسية ، ومنها المساواة في المنزلة والقيمة بين الرجل والمرأة ، ورفض أي تمييز بينهما من ناحية المنزلة والقيمة (الإنسانية).

2 ـ تؤكّد على مشاركة المرأة في عملية التنمية في مختلف المجالات.

3 ـ تؤكّد على تحقيق سعادة المجتمع والعائلة وأهمية الاُمومة وتربية الأطفال وتقسيم المسؤوليات.

4 ـ التأكيد على محو التمييز «الإنساني» والاستعمار بأشكاله والعنف والاحتلال والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.

5 ـ تحكيم السلام العالمي ومنع التوتر ، والتعاون المتبادل بين الأقطار.

6 ـ نزع السلاح العام والكامل خصوصاً السلاح النووي ; لأنّه يساهم في تحقيق الهدف (من التنمية والمساواة).

هذه هي إيجابيات الاتفاقية ، ثمّ تأتي بعد ذلك ثلاثون مادة في فصول ستة تؤكّد على رفع التمييز بين الرجل والمرأة في كلّ المجالات الحياتية ، وتطالب إدانة التمييز بكل أشكاله والعقاب عليه.


أقول :

1 ـ إذا نظرنا إلى المرأة من الناحية الإنسانية والكرامة التي تحملها والرسالة التي يجب أن توصلها ، فهي كالرجل تماماً من هذه النواحي ، كما تقدّمت النصوص القرآنية المؤكّدة على هذه الناحية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) فكلّ تمييز من ناحية الكرامة والإنسانية فهو مرفوض ، سواء كان التمييز والتفضيل للذكر على الاُنثى أو العكس.

لذا يحقّ للمرأة كلّ ما يحقّ للرجل من الإسهام في الحياة السياسية والحكومية ، كالانتخابات والتعيينات وتدوين السياسات ، والمشاركة في المؤسسات الاجتماعية والنشاطات الدولية ، كما أنّها كالرجل تماماً في مجال تحصيل العلم والتعليم في كلّ مستوياته المتساوية في المنح الدراسية والبرامج التكميلية.

كما أنّها تُمنح فرص العمل المهني بكلّ أنواعه كالرجل ، وتُمنح فرص التمتّع بالحماية الطبية خصوصاً في أدوار الحمل والولادة والإرضاع ، وهي تساوي الرجل في النشاطات التفريحية والثقافية والرياضية وما شابه ذلك.

كما أنّ لها الحقّ في أعمالها الخاصة بالبيت والحضانة لأولادها ورعايتهم.

كما أنّ لها الحقّ في العمل التخصصي في كلّ العلوم ، ولها حقّ الملكية والكسب والإدارة.

كما لها الحقّ في سموها الديني والأخلاقي لتكون طاهرة نقية تقية بكل ما لهذه الألفاظ من المعاني.

2 ـ ولكن إذا نظرنا إلى المرأة على أنّها جسم لطيف وخفيف يختلف عن جسم الرجل ، فلابدّ أن يكون لها امتيازات عن الرجل ، كما أن للرجل عليها بعض الامتيازات التي لا تخدش بالإنسانية والكرامة ، بل لعلّ كرامتها واحترامها وتقديرها


يكون بذلك. فمثلاً جعل الإسلام لها الحقّ في تدبير أُمورها والمحافظة والنفقة عليها من قبل الزوج ، وهو ما يسمّى بقيمومة الزوج على زوجته.

وجعل الإسلام لها المهر في عقد الزواج.

وجعل الإسلام لها (إذا كانت بنتاً لم تتزوج) شريكاً يعينها في اختيار الزوج اللائق لها ، وهو ما يسمّى برضى الأب في زواجها وإذنه في ذلك.

وقد أوجب عليها ستر الجسد من الأجانب خشية الوقوع في مطبات تؤدي إلى انتهاك حقوقها العامة ، والاثارات الجنسية المؤدية إلى فساد المجتمع بدل إصلاحه ، كما أوجب على الرجل الغضّ من البصر للنساء الأجنبيات ليكون المجتمع نظيفاً من الممارسات الفاسدة غير المسؤولة بتحريم إظهار الجسد من قبل النساء وتحريم النظر المؤدي إلى الفساد والفجور ، فالإصرار على إظهار الجسد أو عدم ستر الرأس هو انتهاك لحقوق المرأة المؤمنة ، بل هذا فساد للمجتمع فضلاً عن كونه فساداً للمرأة.

كما أنّها تستحقّ من الإرث أقلّ من الرجل في بعض الموارد مثل (الزوج تكون حصته أكثر من الزوجة) (والأخ الذكر أكثر من أُخته الاثنى) لأنّها كزوجة واُنثى لا تكلّف مهراً ولا نفقة إذا دخلت بيت الزوجية بل تحصل عليهما ، بينما الزوج والولد يتكلّف مهراً ونفقة إذا دخل بيت الزوجية ، فالإصرار على التساوي يعني عدم التساوي إذا كان الرجل هو المسؤول عن النفقة والمهر.

كما أنّها تمنع من الزواج بالكافر ، كما يمنع الزوج من الزواج بالكافرة أيضاً ، فهما متساويان في ذلك في شرع الإسلام ، فالإصرار على حقّها في اختيار الزوج حتى الكافر وعلى حقّ الرجل باختيار الكافرة يكون عبارة اُخرى عن فرض ثقافة لا تؤمن بالدين على ثقافة تؤمن بالدين على أساس البراهين العقلية ، وهذا يؤدي إلى سلب حقوق الآخرين.


كما أنّ الإسلام يحرّم الزواج بالمحارم كالاُخت والبنت ، كما يحرّم الزواج باُخت الزوجة مثلاً ، ويحرّم الزواج في حالة الإحرام ويحرّم الزنا ، فإذا أصرّت الاتفاقية على جواز كلّ تلك الاُمور فقد تعدّت على ثقافة المسلمين المعتقدين بحرمة هذه الاُمور حسب الدليل العلمي الذي يعتقدون به ، وهو تعدّ صارخ على الآخرين رجالاً ونساءً ، فيكون ما أرادوه من الحريّة وحقوق الآخرين قد أنتج عدم الحريّة وعدم احترام حقوق الآخرين في الاعتقاد ، إذ أنّ المواد المندرجة في اللائحة تجبر الدول على عدم التمييز في هذه الاُمور ، ومعناه مصادرة حقوق الآخرين الذين يرون أنّ التمييز هنا أوجدته شريعة سماوية يعتقدون بصحتها وسلامتها ، وعندهم أدلة عقلية على ذلك.

كما جعل الإسلام الطلاق بيد الزوج الذي بنى بيته الزوجي بنتائج عمله الطويل ، فهو الذي لا يفرّط فيه إلاّ في الحالات القصوى الضرورية. بينما إذا جعلنا الطلاق حقّاً للمرأة فمعنى ذلك قد أعطينا حقّ تهديم البيت الزوجي لمن لم يساهم في إنشائه ، وحينئذ تتمكّن المرأة من تهديم هذا البيت للحصول على بيت آخر بمهر آخر ، وهو ما لا ينسجم مع العدالة في حقّ كلّ إنسان في المحافظة على بيته الذي هو المساهم في إيجاده وله الحقّ في تهديمه مع إعطاء حقّ الزوجة المهر الذي طلبته منه عند العقد.

ثمّ إنّ الإسلام حرّم الزنا الذي يؤدّي إلى اختلاط الأنساب وتفتيت البيت العائلي والأُسرة ، فإباحة الزنا والحرية فيه كحقّ من حقوق المرأة والمعاشرة الجنسية غير القائمة على الزواج هو لا ينسجم مع المحافظة على الأُسرة غالباً ، واذا كان المراد من الزنا هو إيجاد بيت عائلي فهو ينسجم مع الزواج الشرعي ولكن مع شروط يجب أن تحقّق من أجل ذلك.

كما أنّ الإسلام أجاز تعدّد الزوجات ، وهو أمر لابدّ منه إذا كان الإنسان الذكر


يحتاج إلى معاشرة جنسية اُخرى ، وهو أمر لابدّ منه إذا كانت النساء أكثر من الرجال ، فهو حقّ من حقوقهن ، وهو لا يؤدّي إلى ضياع الأنساب كما لو كانت المرأة قد عدّدت الأزواج ، ولا يؤدي إلى تفتيت العائلة ما دام المسؤول عن هذه الزوجات زوج واحد ، فهو المسؤول عن المحافظة وترتيب اُمور الزوجات من نفقة ومسكن وما إلى ذلك ، بخلاف ما إذا كان الأزواج متعدّدين على زوجة واحدة ، فالإصرار على عدم تعدّد الأزواج يؤدّي إلى المعاشرات الجنسية غير النظيفة التي تؤدّي إلى خراب الأُسرة وتضييع الأنساب ، وهو ما لاتُحمد عقباه.

وأوجب الإسلام العدّة على المطلقة ، كما حرّم الإجهاض.

والأول يؤدي إلى عدم اختلاط الأنساب ، كما أن الثاني يؤدّي إلى احترام الإنسان في أول نشوءه فإنّ أول ما ينشأ نطفة وقد حرّم الإسلام الاجهاض ولم يستثني حتى النُطف على رأي الشيعة الإمامية ، وهو احترام ما بعده احترام لحقّ الإنسان في الحياة في أول مراتب نشوءه ، فما هو الداعي إلى الإصرار بعدم احترام هذين الامرين؟!!

والخلاصة : إنّ الاتفاقية فيها إيجابيات كثيرة ، إلاّ أنّ فيها سلبيات ناشئة بعضها من عمومات الألفاظ وإطلاقها ، وناشيء بعضها من مخالفة الشريعة الإسلامية التي يؤمن بها جماعة كبيرة من الناس.

فإن كان المراد من الاتفاقية إلزام المسلمين بها ، فهو تعدٍّ على حقوقهم في الاعتقاد بالدين الإسلامي ، فتكون الاتفاقية قد خالفت روحها من حقوق المرأة ، وإلاّ فإنّ المرأة إذا أرادت التستّر من الأجانب وهو حقّ لها ، فلماذا تحرم من دخول الجامعات في الغرب ، إلاّ يكون هذا غمطاً لحقوقها في تحصيل العلم والاعتقاد؟

وبعبارة أخرى : إنّ الجاهلية القديمة كانت تنظر إلى المرأة على أنّها بمستوى الحيوان أو أتعس منه ، ولا تعدّ في صنوف الإنسان ، وقد نطق بذلك الكتاب الكريم


مستنكراً ذلك إذ قال :( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) (1) .

وقال تعالى :( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنب قُتِلَتْ ) (2) .

وأمّا نظر الجاهلية اليوم (في بداية القرن الواحد والعشرين) التي تدّعي أنّها ترى المرأة إنساناً كالرجل ، فهي من ناحية ترى أنّ المرأة في عرض الرجل ومثله في الإنسانية والكرامة ، ولكن من ناحية ثانية تفعل أو تتغافل عن الفوارق الفسلجية والسيكولوجية الثابتة فيما بينهما.

ولكنّ الإسلام نظر إليها من ناحية أنّ المرأة في عرض الرجل ومثله في الإنسانية والكرامة ، ومن ناحية أُخرى لم يغفل الفوارق بينهما الفسيولوجية والسيكولوجية الثابتة بحسب طبيعة الخلقة ، كغلبة الجانب العقلي في الرجل من دون أن يكون نقص في عقل المرأة ، وكغلبة الجانب العاطفي في المرأة من دون أن يكون الرجل ناقصاً في عاطفته ، وقوة بنية الرجل وقدرته على تحمل المصاعب وصموده في خضم مشاكلّ الحياة ، وضعف المرأة عن ذلك ، وكون المرأة مثاراً للشهوة أكثر من الرجل ، وما إلى ذلك من اختلافات بدنية توجب اختلافاً في الوظيفة لكلّ منهما ، إلاّ أنّ اختلاف الوظيفة شيء ، وكونها أدون من الرجل شيئاً آخر ، فالأول صحيح والثاني خطأ.

إذاً التغافل عن الفوارق الفسيولوجية سوف يؤدي إلى تعاسة المرأة لا إسعادها ، وتردّي حالتها النفسية والأخلاقية معاً ، وهو تعدّي على حقّ المرأة في السعادة الدنيوية.

__________________

(1) النحل : 58 ـ 59.

(2) التكوير : 8 ـ 9.


ولهذا نقول : إنّ الاتفاقية المتقدّمة قد أصابت في الدعوة إلى الإيمان بالمساواة بين الرجل والمرأة في الإنسانية والحقوق الإنسانية (وهذا هو ما يؤمن به الإسلام).

وكلّ تشريع في الاتفاقية راجع إلى هذه الدعوة ، فهو أمر مقبول وصحيح ولابدّ من تكريسه في العالم ، إلاّ أنّها غفلت أو تغافلت عن أمر واقع ، وهو الفوارق الفسيولوجية والسيكولوجية بين الرجل والمرأة ، وهذا تعدّي صارخ على أمر واقع وملموس ويعترف به علمياً من قبل جميع العلماء والعقلاء والفلاسفة والمفكرين ، فكل تشريع في الاتفاقية مبنيّ على عدم الاعتراف بالفوارق المذكورة يعدّ باطلاً وتعدّياً ، وهذا ما يكون واضحاً جداً من كلّ ما تقدّم في هذا البحث المختصر.

مثلاً : الدعوة إلى إباحة العمليات الجنسية من دون زواج ، والذي يصرّ عليها من لا يؤمن بشريعة السماء ، لا ينظر إلى المرأة إلاّ أنّها جسم مادي وُجد لاشباع شهوة الرجال ، بينما يعدّ الإسلام المرأة جسماً وروحاً ، فلأن أشبعت جسمها من الشهوة كالرجل عن طريق إباحة العمليات الجنسية غير المسؤولة (من دون زواج شرعي له مقرراته في تنظيم الأُسرة والأولاد ورعاية الزوجة والأولاد وما إلى ذلك) فإنّ هذا لا يشبع النفس البشرية التي هي بحاجة إلى مسألة الحبّ والوداد والعطف والرحمة ، كما هي بحاجة إلى الغذاء ، فإنّ من أهمّ واجبات الإنسان الروحية أن يتبادل الحبّ ويقيم علاقة الود والتعاطف مع الآخرين ، وحتى الطفل بطبيعته الروحية يحتاج إلى من ينظر إليه بعين الرأفة والملاطفة والمداعبة ويمتلك قلبه ، كما أنّ الرجل بحاجة إلى ريحانة يحبّها وينشيء معها علاقة الود والرعاية إلى جنب العلاقة الجنسية ، قال تعالى :( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِّقَوْم يَتَفَكَّرُونَ ) (1) .

__________________

(1) الروم : 21.


الإسلام ودعوته إلى التنمية الاجتماعية

ونعني بالتنمية الاجتماعية هو تحرّك المجتمع المنظّم والواعي (على الصعيد المادي والمعنوي) نحو الأفضل إنسانياً.

فهناك التحرّك الإرادي الواعي لكل المجتمع.

وهناك التنظيم والتنسيق بين الأهداف المادية والمعنوية ولا يصار إلى هدف على حساب الآخر.

أمّا تنمية الإنتاج التي تنادي بها المؤسسات الحديثة كشعار لها فهو ممّا شجّع عليه الإسلام بدون اعتداء وعنف ، فقد قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (1) .

وممّا جاء في كتاب الإمام عليعليه‌السلام لمحمّد بن أبي بكر أنّه قال : «يا عباد الله إنّ المتّقين حازوا عاجل الخير وآجله ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت وأكلوها بأفضل ما أكلت وشاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيّبات ما يأكلون ، وشربوا من طيّبات ما يشربون ...»(2) .

وقد جعل الإسلام العمل عبادة ، والعامل لقوتهِ أفضل من العابد ، وقد رفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يد عامل مكدود فقبّلها ، وقال : «طلب الحلال فريضة على كلّ مسلم ومسلمة»(3) .

__________________

(1) المائدة : 87.

(2) نهج البلاغة ، شرح صبحي الصالح : 383 ، وراجع الأمالي 1 : 25.

(3) أسد الغابة 2 : 269 ، بحار الأنوار 103 : 9.


وقال تعالى :( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَْرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (1) .

وقد شرّع الإسلام تشريعات كثيرة تدفع إلى الإنتاج ، وعدم تعطيل الأرض والمصادر الطبيعية ، كما حرّم الكسب بلا عمل ، وحرّم الربا الذي هو أيضاً من مصاديق الكسب بلا عمل ، كما حرّم القمار والسحر ، ومنع من الاكتناز للنقود بوضعه ضريبة على المكتنز للنقود الذهبيّة والفضيّة ، كما حرّم اللهو والمجون الذي يمنع من العمل ، كما حرّم الاستجداء والإسراف والتبذير ، وأوجب تعلّم الصناعات والفنون بالواجب الكفائي «وكلّ هذا يمكن تفصيله في البحوث الفقهية» ، وجعل للدولة حق الإشراف على الإنتاج والتخطيط له ; ليكون الإنتاج منظّماً خالياً من الفوضى.

والمرأة بما أنّها إنسانة (أُمّاً أو أُختاً أو بنتاً أو زوجة) والإنسان هو محوَر التنمية ، إذاً ستكون المرأة هي ركن التنمية كالرجل ، لابدّ من الاستفادة منها في التنمية لخير المجموع بأفضل ما يمكن.

نعم ، هناك تقسيماً رحيماً بين وظائف الرجل ووظائف المرأة في التنمية.

فالزوجة لها دور في التنمية الاجتماعية والإنتاجية يختلف عن دور الزوج ، كما أنّ دور الولد يختلف عن دور الوالد ، وكلّ واحد يكمّل الآخر للوصول إلى الهدف.

فالزوجة والأُم : تعدّ وتهيّء البيئة العائليّة السليمة ، والعائلة الصالحة هي قوام المجتمع الصالح.

كما هي التي تقوم بتربية الجيل الصاعد القوي الفاعل ليتمكّن من العمليّة الاجتماعية والتنمية.

وبهذا نعرف أنّ أيّ ضربة للعائلة ستكون ضربة قويّة للمجتمع الصالح القوي

__________________

(1) الملك : 15.


الفاعل ، فيتحوّل إلى مجتمع لإصلاح فيه ولا قوّة ولا فاعليّة.

وللمرأة ـ بعد هذا الدور العظيم ـ أن تدخل مناحي الحياة العلمية والأدبية والسياسية والاقتصادية لتكون فاعلة في كلّ ما تكون قادرة عليه بحسب بنيتها وعاطفتها ، ومجال ذلك واسع جدّاً ، فهي شريكة الرجل في العملية الاجتماعية والإنسانية والإنتاجية ، وقد تقدّم كلّ ما يسمح للمرأة من التصدّي له من المناصب العالية حتى منصب رئاسة الدولة (بالمعنى المألوف في الدول الحالية) ، وتمكّنها من الترشيح والإنتخاب والمشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية باستثناء القضاء الذي منع منه الإسلام المرأة كما تقدّم ، وهو إعفاء عن مسؤوليّة عظمى ، وليس نقصاً في حقوقها ، ولها أيضاً المشاركة في كلّ من شؤون القضاء دون نفس الحكم القضائي ، وباستثناء الخلافة العامّة التي تستوجب قيادة الأُمّة.

وهذا كلّه تقدّم فلا نعيد.



التوازن بين الحقوق والواجبات

نعم ، تقدّم ذكرنا لحقوق المرأة ، ولكن هناك حقوقاً عليها لابدّ من مراعاتها ليحصل التوازن بين الحقوق التي لها والحقوق التي عليها.

فمن الحقوق التي عليها (كما تقدّم ذلك) :

1 ـ أنّها ثقل بيت الزوجية والعائلة التي يتكوّن منها المجتمع ، فلابدّ من العمل على إبقاء الأُسرة كما هي ، وتكون هي السكن للزوج ، كما يكون الزوج سكناً لها ، وتعمل جاهدة مع زوجها على تربية الأولاد في هذا المحيط النقي الذي يكون دافئاً بالحبّ والرأفة والرحمة.

كما أنّها تجاهد لاحترام زوجها ، كما أنّ العكس صحيح ، فخروجها من البيت الزوجي لابدّ أن يكون لأمر واجب أو ضروري ، أو يكون بتفاهم مع الزوج الذي له حقّ المحافظة عليها ، والقيام بمصالحها ، وتدبير أُمورها ، وإلاّ فسوف يتحطّم هذا البيت الزوجي أو تزول الفائدة منه.

2 ـ استجابتها للأُمور الجنسيّة مع زوجها بالصورة المتعارفة انطلاقاً من قوله تعالى :( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (1) .

3 ـ التزامها بستر البدن عن الأجانب من أجل أن لا تكون الإثارة للغير من قبلها بدون إشباع للإثارة بصورة صحيحة ، فتجرّ المجتمع إلى الفساد.

__________________

(1) النساء : 19.


كما يلزم الرجال بغض النظر عن الأجنبيّات لنفس النكتة.

4 ـ تقسيم المسؤوليات تبعاً لمقتضيات العدالة الإنسانية وفق القيم الشرعية ، والمسؤولية في البيت تقدّم على أيّ قيم أُخرى عند التعارض ، كالعمل خارج البيت حتّى للإنتاج والتنمية.

5 ـ يجب عليها أن تمتنع بشدّة عن كلّ المحاولات لاستغلالها جنسيّاً من قبل الآخرين ، ولا يسمح لها بأيّ شذوذ جنسي مع مثيلاتها ممّا يؤدّي إلى إيجاد علاقات خارج البيت الزوجي ، وهو الذي يؤدّي إلى الفساد ، وتحطيم البيت الزوجي.

وبعبارة جامعة : عليها الالتزام بالقيم الدينية ، وتهتم بدور الدين في الحياة ، وأثر العناصر المعنوية فيه.

من قبيل : ابتعاد المرأة عن الدنس ، باقترابها من الله تعالى بطهارتها الروحية التي تكون دخيلة في تكوين شخصية المرأة المؤمنة العاملة على تكوين مجتمع طاهر يؤمن بالعدل والإنصاف وإحترام الآخرين.

ولكن هناك محاولات عديدة تحاول طمس مهمّة العائلة والأُسرة في المجتمع بشعارات التحرير والتطوير ، وهم يحاولون تغيير تعريف العائلة ، وتغيير نوعية العلاقة بين الرجل والمرأة في المحيط العائلي باسم المساواة الحسابية دون أيّ لحاظ للاعتبارات الأُخرى ، فكأنّ المساواة هي العدالة ، وكأنّ المساواة لا تتعارض مع أيّ قيمة أُخرى ، وكأنّ الناس كلّهم بحاجة إلى خبز على نسق واحد من دون إحتياج الطفل والشيخ إلى اللبن بدلاً من الخبز.

وهناك من يحاول أن يفرض ثقافته على الآخرين رغم أنّ الآخر يعتقد صحة ثقافته وفائدتها ، ولا يعتقد صحة ثقافة الغير وفائدتها ، فالغرب يعترض على المسلمين إجبار المرأة على التستّر ; لأنّهم يرونه عائقاً عن العمل والإنتاج والحرية ،


ولكنّهم الآن مع اتّخاذهم التبرّج والسفور منهجاً لهم يجبرون المسلمات على التبّرج ، وإلاّ فتحرم المرأة من حقّ تحصيل العلم في الجامعات ، وتحرم من العمل ، وهذا من حقوق المرأة بلا ريب ، فيكون عملهم اعتداء صارخاً على حقّ إنساني تراه المرأة المسلمة من صميم عقيدتها ، كما تراه النافع لها وللمجتمع معاً.

والمرأة تمتلك من القدرة أن تجرّ المجتمع إلى الفضيلة إذا سلكت مسلك الفضيلة والقيم ، وتتمكن أن تجرّه إلى الفساد والغواية إذا سلكت مسلك الحريّة المطلقة ، وأطلقت غرائزها وحرّكت شهوات الآخرين بتبرّجها وحركاتها وأفعالها التي تسقط معها عفّتها وقيمها فتغوي الآخرين بافتتانها.

وإذا سلكت المرأة الطريق الثاني : فبالإضافة إلى كونها غرضاً لإشباع شهوات الآخرين ولو بالاغتصاب المهين ، فإنّها سوف تفقد شخصيّتها العليا وإنسانيّتها.

وقد ضرب القرآن مثلاً للمرأة اذا سلكت الطريق الأوّل ، فقال تعالى :( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ) (1) .

التحديّات والخطّة المعاكسة

كلّ مسلم يشعر بوجود تحديّات تواجه العالم الإسلامي للاتجاه نحو العولمة ، وفرض الثقافة الأجنبية ـ المخالفة للإسلام ـ على المسلمين ، كما نشاهد إطلاق الشعارات البرّاقة التي يتستر خلفها أعداء الإسلام والإنسان لجرّ البشرية جمعاء إلى ما يقصده النمر الأحمر من فهم مادي للحياة والكون.

فجاءت دعوات حقوق الإنسان ، وحقوق المرأة وتحريرها ، والمساواة بينها وبين الرجل ، والتنمية ، فعقدت المؤتمرات والندوات العالمية والدراسات الشاملة

__________________

(1) التحريم : 11.


لجرّ المرأة أوّلاً : إلى ما تخطط له الفئات المعادية للدين ، فإن فسدت المرأة فسد المجتمع ، وطمس الدين ، وسيطرت الدول الكافرة على العالم الإسلامي ، فاستغلّ موضوع المرأة وحقوقها والظلم الواقع عليها ووجوب مساواتها بالرجل في رفع أيّ تمييز بينهما لصالح المفاهيم التحلّلية واللاأخلاقية المنحطّة التي تجرّ إلى ترك كلّ ثقافة مستندة إلى الدين الذي يحفظ العدالة الإنسانية ، ويقف في وجه الاستعمار الجديد للسيطرة على العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً.

فالخلاصة : إنّ المعركة دائرة بين الدين واللادين.

والثاني : (في هذا القرن الواحد والعشرين) مجهّز بأحدث الأجهزة الفتّاكة والفاسدة ، فما هو العمل للوقوف في وجه هذا التحدّي الصارخ أمام الدين؟

أقول : يجب على المهتمّين بشؤون الإسلام والمسلمين من التركيز على عملين في وقت واحد :

العمل الأوّل : هو الصحوة الإسلامية من التخلّف الذي شمل جميع مناحي الحياة ، خصوصاً قسم المرأة المسلمة التي لا تملك اليوم دورها المطلوب في الحياة.

العمل الثاني : تحسين حالة المرأة والعائلة.

وهذان العملان يتوقّفان على خطّة تنموية شاملة تعتمد على :

1 ـ تعميم التوعية بين المسلمين ـ رجالاً ونساءً ـ بحقوق المرأة ودورها في الحياة (المادية والمعنوية) ، والعمل على تغيير النظرة الاجتماعية للمرأة في حقّ العمل الذي تصاحبه العفّة والطهارة الروحية.

2 ـ التركيز على تعليم المرأة ، والارتقاء بها في مجال التخصّصات العالية في جميع العلوم.

3 ـ توفير فرص العمل التي تنسجم مع المرأة ، كالادارة والتخطيط والتطبيب


والتعليم والتربية والمهن التي تتفق مع تطلّعات المرأة المسلمة ، وما شابه ذلك.

4 ـ مشاركة المرأة الكفوءة في السياسية والثقافة والإدارة لتتسلّم مراكز عالية في الدولة ، ولا تقتصر على المشاركة المتدنيّة في تلك الحقول إذا كانت عندها الكفاءة العالية لذلك.

5 ـ إيجاد المؤسسات والمنظّمات النسوية الشعبية والحكومية ، ودعمها لأجل تحقيق مطاليبها المشروعة في كلّ شعب الحياة.

6 ـ العمل على تقوية المرأة وتخليصها من حالات الضعف والأوبئة ، وتشجيع حصولها على كلّ ما من شأنه تقوية جسمها وصحتها وسلامتها ، مثل : التربية البدنية والرياضة المناسبة لها بعيداً عن الاستغلال والتحلّل.

7 ـ كما يجب الاهتمام الصحي بأُمور الولادة ، وتنفيذ برامج صحيّة اجتماعية غير إجبارية لتنظيم النسل الذي يؤدّي إلى تحسين الحالة العائلية للزوجين ، وتنظيم السكان.

8 ـ الإشراف على الأُسرة من ناحية المشاورة الطبيّة ، وحلّ مشاكلّ الزوجين.

9 ـ العمل على محو الأُمّية للنساء ، لتنعم المرأة بالقراءة والكتابة.

10 ـ العمل على إشاعة النتائج الفاسدة والمدمّرة لثقافة الغرب اتجاه المرأة بحجّة تحريرها وإعطاء حقوقها ، مع بيان النتائج المفيدة الحاصلة للمرأة الغربية من دخولها الحياة من أوسع أبوابها ، حيث حصلت على العلم والمعرفة والمشاركة السياسية والادارية وغيرها ، إلاّ أنّها فقدت في أكثر الأحيان إنسانيتها وكرامتها بسلبها الدين والأُمور المعنوية.

والدول الإسلامية هي المدعوّة لإيجاد الخطّة المعاكسة لهجمة الغرب اتجاه المرأة ; لوجود خصوصيتين مشتركتين بينها تجعلها قادرة على مواجهة تحرير


المرأة من الدين :

الخصوصية الأولى : خصوصية الانتساب إلى العقيدة الإسلامية ، والتشريع الإسلامي (قرآناً وسنّة).

الخصوصية الثانية : خصوصية الأخلاق الإنسانية الإسلامية التي تدعوا إلى الفضائل والقيم وترك الفساد والصور اللاأخلاقية ، والتي تلعب الغرائز الجنسيّة دوراً مهماً فيها لإبداء الصورة غير صحيحة للمرأة.

ولهذا نرى أيضاً عدّة ضرورات يجب أن تقوم بها الدول الإسلامية بصورة جماعية :

أوّلاً : من الضروري جدّاً أن يصدر إعلان إسلامي يمثّل صنوف المرأة تتبّناه الدول الإسلامية تطبيقاً ، يحقّق الآمال لنهضة المرأة ، ويتسّم بالواقعية والأصالة الإسلامية مع التركيز على الفوارق الحقيقية بين الجنسين الموجبة لاختلاف بعض الأحكام والحقوق.

ثانياً : يجب على الدول الإسلامية رصد ما يصدر عن الاعلام الغربي حول موضوعات المرأة ، وتحليل مضامينه بعناية ، وبيان سلبياته وإيجابياته ; لأجل أن لا يختلط الغث بالسمين في المعركة بين الفكر المادي وغير المادي.

ثالثاً : يجب على الدول الإسلامية أن تجعل لها هيئات خاصّة تكون مهمّتها التنسيق لتوحيد المواقف تجاه المؤتمرات العالمية حول المرأة والأُسرة ، بحيث يكون لها حضور فعّال من المختصّين والمختصّات بشؤون المرأة والأُسرة ، ليكون لها الأثر الفعّال والواضح اتّجاه المواثيق الدولية التي يراد إجراؤها.


أحببنا أن نذكر في آخر الكتاب القرار الصادر من مجلس مجمع الفقه الإسلامي (جدّة) حول أوضاع المرأة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي ، وإليك القرار :

قرار رقم 159 (8 / 17)

أوضاع المرأة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي

إنّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي ، المنعقد في دورته السابعة عشر بعمان (المملكة الأردنية الهاشمية) من 28 جمادى الأولى إلى 2 جمادى الآخرة 1427 هـ ، الموافق 24 ـ 28 حزيران (يونيو) 2006 م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع أوضاع المرأة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي ، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.

وبعد الاطلاع على القرار رقم 114 (8 / 12) بشأن موضوع «الإعلان الإسلامي لدور المرأة في تنمية المجتمع المسلم» ، الذي بيّن الدور المتكامل لكلّ من الرجل والمرأة في تكوين مجتمع إسلامي متوازن ، يكون لكلّ من الرجل والمرأة دور فيه ، واعتبر أنّ الأُسرة هي حجر الزاوية في هذا البناء ، ورفض أيّة صورة أُخرى مزعومة للأُسرة ، كما نصّ على أنّ الأُمومة هي أهمّ الوظائف الطبيعية للمرأة في حياتها ، وأنّ الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية ، وأنّ للمرأة من الحقوق وعليها من الواجبات ما يلائم فطرتها وقدراتها وتكوينها ، وشدّد على احترام المرأة في جميع


المجالات ، ورفض ما يثار ضدّها من تحقير لشخصيتها وامتهان لكرامتها ، وأنكر بقوّة ما يقع من بعض الحكومات لمنع المرأة المسلمة من الالتزام بدينها.

قرّر المجمع ما يلي :

أوّلاً : إنّ المؤتمرات الدولية التي تعقد في مجال حقوق المرأة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية والثقافية (مؤتمرات التنمية والسكان) تنطلق من مفهوم فصل الحياة ـ بجوانبها المختلفة ـ عن الدين ، بل تعتبر بعض مبادئ الإسلام وأحكامه شكلاً من أشكال التمييز ضدّ المرأة.

ثانياً : يجب الحذر من اتخاذ شعار المساواة بين الرجل والمرأة مبرراً لأُمور وممارسات مخالفة للإسلام.

ثالثاً : ضرورة حماية المرأة المسلمة من الممارسات والعادات والتقاليد التي تعرّضها للظُلم ، وتنتهك حقّها في الحفاظ على دينها وعرضها وشرفها ومالها ، وغيرها من الحقوق التي تقرّها مبادئ حقوق الإنسان الدولية ، فضلاً عن مبادئ الشريعة الإسلامية.

رابعاً : إنّ مؤتمرات التنمية والسكان والاتفاقات الصادرة عنها اهتمت بالنواحي المادية دون اعتداد بالأهداف الروحية ، وتجاهلت الوظيفة الفطرية والأساسية للمرأة وهي أن تكون ربّة أُسرة ومسؤولة عن تنشئة الأطفال التنشئة السليمة ، ودعتها إلى الانحلال ، ولا يعني هذا التقليل ممّا اشتملت عليه تلك الاتفاقيات من جوانب إيجابية.

خامساً : إنّ هذه المؤتمرات أهملت دور الأُسرة في البناء الاجتماعي وهمّشته ، وأباحت العلاقات الشاذة بشتى صورها.

سادساً : نظراً للمستجدّات الدولية المتلاحقة يرى المجمع ضرورة مواكبة تلك المستجدّات وعرضها على الأحكام الإسلامية ، ومتابعة أعمال المؤتمرات المتعلّقة


بقضايا المرأة ، وتوحيد جهود الدول والمنظمات الإسلامية لتصدر قراراتها بما لا يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها.

ويوصي المجمع بما يأتي :

(1) المشاركة الفاعلة في المؤتمرات الدولية التي تعقد بشأن المرأة ، وطرح البديل الإسلامي في المسائل الاجتماعية.

(2) ضرورة التعريف بموقف الإسلام من قضايا المرأة وبخاصة ما يتعلّق بحقوقها وواجباتها من المنظور الإسلامي ، ونشر ذلك باللغات الحيّة في جميع أنحاء العالم.

(3) قيام أمانة المجمع بتنظيم حلقات عمل أو ندوات لدراسة :

(أ) الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بالتنمية والسكان وشؤون المرأة ، بهدف الوصول إلى الموقف الإسلامي الموحّد من جميع ما ورد فيها.

(ب) موضوع المشاركة السياسية وحدودها وضوابطها في ضوء المبادئ والأحكام الشرعية.

والله أعلم

هذا آخر ما أوردنا بيانه في هذه الوريقات عن أوضاع المرأة ، ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي ، والحمد لله أوّلاً وآخراً.

حسن الجواهري

قم / في شهر رمضان المبارك 1426 هـ ق


الملحق رقم (1)

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة

اعتمدتها الجمعية العامّة ، وعرضتها للتوقيع والتصديق والانضمام بقرار 34 / 180 المؤرخ في 18 كانون الأول / ديسمبر 1979

تاريخ بدء النفاذ : 3 ايلول / سبتمبر 1981 ، طبقاً لأحكام المادة 27

نصّ الاتفاقية

إنّ الدول الأطراف في هذه الاتفاقية ، إذ تلحظ أنّ ميثاق الأُمم المتحدة يؤكّد من جديد الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية ، وبكرامة الفرد وقدره ، وبتساوي الرجل والمرأة في الحقوق.

وأن تلحظ أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكّد مبدأ عدم جواز التمييز ، ويعلن أنّ جميع الناس يولدون أحراراً ، ومتساوين في الكرامة والحقوق ، وأنّ لكل إنسان حق التمتّع بجميع الحقوق والحريّات الواردة في الإعلان المذكور ، دون أىّ تمييز ، بما في ذلك التمييز القائم على الجنس.

وأن تلحظ أنّ على الدول الأطراف في العهدين الدوليين الخاصّين بحقوق الإنسان واجب ضمان مساواة الرجل والمرأة في حق التمتّع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية.

وأن تأخذ بعين الاعتبار الاتفاقيات الدولية المعقودة برعاية الأُمم المتحدة والوكالات المتخصّصة ، التي تشجّع مساواة الرجل والمرأة في الحقوق.

وأن تلحظ أيضاً القرارات والإعلانات والتوصيات التي اعتمدتها الأُمم المتحدة


والوكالات المتخصّصة للنهوض بمساواة الرجل والمرأة في الحقوق.

وأن يساورها القلق مع ذلك ; لأنّه لا يزال هناك ـ على الرغم من تلك الصكوك المختلفة ـ تمييز واسع النطاق ضدّ المرأة.

وأن تشير إلى أنّ التمييز ضدّ المرأة يشكّل انتهاكاً لمبدأي المساواة في الحقوق واحترام كرامة الإنسان ، ويعدّ عقبة أمام مشاركة المرأة ، على قدم المساواة مع الرجل ، في حياة بلدهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، ويعوق نموّ ورخاء المجتمع والأُسرة ، ويزيد من صعوبة التنمية الكاملة لإمكانات المرأة في خدمة بلدها والبشرية.

وأن يساورها القلق ، وهي ترى النساء ، في حالات الفقر ، لا ينلن إلاّ أدنى نصيب من الغذاء والصحة والتعليم والتدريب وفرص العمالة والحاجات الأُخرى.

وأن تؤمن بأنّ إقامة النظام الاقتصادي الدولي الجديد ، القائم على الإنصاف والعدل ، سيسهم إسهاماً بارزاً في النهوض بالمساواة بين الرجل والمرأة.

وأن تنّوه بأنّه لابدّ من استئصال شأفة الفصل العنصري ، وجميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري ، والاستعمار الجديد ، والعدوان والاحتلال الأجنبي ، والسيطرة الأجنبية ، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول إذا أريد للرجال والنساء أن يتمتّعوا بحقوقهم تمتّعاً كاملاً.

وأن تجزم بأنّ من شأن تعزيز السلم والأمن الدوليين ، وتخفيف حدّة التوتّر الدولي ، وتبادل التعاون فيما بين جميع الدول بغضّ النظر عن نظمها الاجتماعية والاقتصادية ، ونزع السلاح العام الكامل ، ولاسيّما نزع السلاح النووي في ظل رقابة دولية صارمة وفعّالة ، وتثبيت مبادئ العدل والمساواة والمنفعة المتبادلة في العلاقات بين البلدان ، وإعمال حقّ الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية والاستعمارية والاحتلال الأجنبي في تقرير المصير والاستقلال ، وكذلك من شأن احترام السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية ، النهوض بالتقدّم الاجتماعي والتنمية


والإسهام ، نتيجة لذلك في تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة.

وإيماناً منها بأنّ التنمية التامة والكاملة لأىّ بلد ، ورفاهية العالم وقضية السلم ، تتطلّب جميعاً مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل أقصى مشاركة ممكنة في جميع الميادين.

وأن تضع نصب عينيها دور المرأة العظيم في رفاهية الأُسرة ، وفي تنمية المجتمع الذي لم يعترف به حتّى الآن على نحو كامل ، والأهمية الاجتماعية للأمومة ، ولدور الوالدين كليهما في الأُسرة ، وتنشئة الأطفال.

وأن تدرك أنّ دور المرأة في الإنجاب لا يجوز أن يكون أساساً للتمييز ، بل إنّ تنشئة الأطفال تتطلّب بدلاً من ذلك تقاسم المسؤولية بين الرجل والمرأة والمجتمع ككل.

وأن تدرك أنّ تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة يتطلّب إحداث تغيير في الدور التقليدي للرجل ، وكذلك في دور المرأة في المجتمع والأُسرة.

وقد عقدت العزم على تنفيذ المبادئ الواردة في إعلان القضاء على التمييز ضدّ المرأة ، وعلى أن تتخذ ـ لهذا الغرض ـ التدابير التي يتطلّبها القضاء على هذا التمييز بجميع أشكاله ومظاهره ، قد اتفقت على ما يلى :

الجزء الأول

المادة 1

أغراض هذه الاتفاقية يعني : مصطلح التمييز ضدّ المرأة أىّ تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتّم على أساس الجنس ، ويكون من آثاره أو أغراضه توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الإساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنيّة أو في أىّ ميدان آخر ، أو توهين أو إحباط تمتّعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها ، بصرف النظر عن حالتها الزوجية ، وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل.


المادة 2

تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة ، وتتّفق على أن تنتهج ، بكلّ الوسائل المناسبة ودون إبطاء ، سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضدّ المرأة ، وتحقيقاً لذلك تتعهّد بالقيام بما يلى :

(أ) إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأُخرى ـ إذا لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن ـ وكفالة التحقيق العلمي لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة.

(ب) اتخاذ المناسب من التدابير ، تشريعية وغير تشريعية ، بما في ذلك ما يناسب من جزاءات ، لحظر كل تمييز ضدّ المرأة.

(ج) فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل ، وضمان الحماية الفّعالة للمرأة ، عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأُخرى في البلد ، من أىّ عمل تمييزي.

(د) الامتناع عن مباشرة أىّ عمل تمييزي أو ممارسة تمييزية ضدّ المرأة ، وكفالة تصرّف السلطات والمؤسسات العامة بما يتّفق وهذا الالتزام.

(هـ) اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة من جانب أي شخص أو منظّمة أو مؤسسة.

(و) اتخاذ جميع التدابير المناسبة ، بما في ذلك التشريعي منها ، لتغيير أو إبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكّل تمييزاً ضدّ المرأة.

(ز) إلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكّل تمييزاً ضدّ المرأة.

المادة 3

تتّخذ الدول الأطراف في جميع الميادين ، ولاسيّما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، كلّ التدابير المناسبة ، بما في ذلك التشريعي


منها ، لكفالة تطوّر المرأة وتقدّمها الكاملين ، وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية ، والتمتّع بها على أساس المساواة مع الرجل.

المادة 4

1 ـ لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصّة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزاً بالمعنى الذي تأخذ به هذه الاتفاقية ، ولكنّه يجب ألاّ يستتبع ـ على أي نحو ـ الإبقاء على معايير غير متكافئة أو منفصلة ، كما يجب وقف العمل بهذه التدابير متى تحققت أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة.

2 ـ لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصه تستهدف حماية الأُمومة ، بما في ذلك تلك التدابير الواردة في هذه الاتفاقية ، إجراءً تمييزّياً.

المادة 5

تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتحقيق ما يلي :

(أ) تغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة ، بهدف تحقيق القضاء على التحيّزات والعادات العرفية ، وكلّ الممارسات الأُخرى القائمة على الاعتقاد بكون أيّ من الجنسين أدنى أو أعلى من الآخر ، أو على أدوار نمطيّة للرجل والمرأة.

(ب) كفالة تضمين التربية العائلية فهماً سليماً للأُمومة بوصفها وظيفة اجتماعية ، والاعتراف بكون تنشئة الأطفال وتربيتهم مسؤولية مشتركة بين الأبوين على أن يكون مفهوماً أنّ مصلحة الأطفال هي الاعتبار الأساسي في جميع الحالات.


المادة 6

تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة ، بما في ذلك التشريعي منها ، لمكافحة جميع أشكال الاتّجار بالمرأة واستغلال بغاء المرأة.

الجزء الثاني

المادة 7

تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد ، وبوجه خاص تكفل للمرأة ، على قدم المساواة مع الرجل ، الحق في :

(أ) التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة ، والأهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب أعضاؤها بالاقتراع العام.

(ب) المشاركة في صياغة سياسة الحكومة ، وفي تنفيذ هذه السياسة ، وفي شغل الوظائف العامة على جميع المستويات الحكومية.

(ج) المشاركة في أيّة منظّمات وجمعيّات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد.

المادة 8

تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للمرأة ، على قدم المساواة مع الرجل ، ودون أيّ تمييز ، فرصة تمثيل حكوماتها على المستوى الدولي والاشتراك في أعمال المنظّمات الدولية.

المادة 9

1 ـ تمنح الدول الأطراف المرأة حقوقاً مساوية لحقوق الرجل في اكتساب


جنسيتها أو تغييرها أو الاحتفاظ بها.

وتضمن بوجه خاص ألاّ يترتّب على الزواج من أجنبي ، أو على تغيير الزوج لجنسيته أثناء الزواج ، أن تتغيّر تلقائياً جنسية الزوجة ، أو أن تصبح بلا جنسية ، أو أن تفرض عليها جنسية الزوج.

2 ـ تمنح الدول الأطراف المرأة حقّاً مساوياً لحقّ الرجل فيما يتعلّق بجنسية أطفالهما.

الجزء الثالث

المادة 10

تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة لكي تكفل لها حقوقاً مساوية لحقوق الرجل في ميدان التربية ، وبوجه خاص لكي تكفل ، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة :

(أ) شروط متساوية في التوجيه الوظيفي والمهني ، والالتحاق بالدراسات والحصول على الدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية على اختلاف فئاتها ، في المناطق الريفية والحضرية على السواء ، وتكون هذه المساواة مكفولة في مرحلة الحضانة وفي التعليم العام والتقني والمهني والتعليم التقني العالي ، وكذلك في جميع أنواع التدريب المهني.

(ب) التساوي في المناهج الدراسية ، وفي الامتحانات ، وفي مستويات مؤهلات المدرّسين ، وفي نوعية المرافق والمعدّات الدراسية.

(ج) القضاء على أيّ مفهوم نمطي عن دور المرأة والرجل ودورهما في جميع مراحل التعليم بجميع أشكاله ، عن طريق تشجيع التعليم المختلط وغيره من أنواع التعليم التي تساعد في تحقيق هذا الهدف ، ولا سيّما عن طريق تنقيح كتب الدراسة والبرامج المدرسية ، وتكييف أساليب التعليم.


(د) التساوي في فرص الحصول على المنح والإعانات الدراسية الاُخرى.

(هـ) التساوي في فرص الإفادة من برامج مواصلة التعليم ، بما في ذلك برامج تعليم الكبار ، ومحو الأُميّة الوظيفي ، ولاسيّما البرامج التي تهدف إلى التعجيل بقدر الإمكان بتضييق أيّ فجوة في التعليم قائمة بين الرجل والمرأة.

(و) خفض معدّلات ترك الطالبات للدراسة ، وتنظيم برامج للفتيات والنساء اللآتي تركن المدرسة قبل الأوان.

(ز) التساوي في فرص المشاركة النشطة في الألعاب الرياضية والتربية البدنية.

(ح) إمكانية الحصول على معلومات تربوية محدّدة تساعد على كفالة صحة الأُسر ورفاهها. بما في ذلك المعلومات والإرشادات التي تتناول تنظيم الأُسرة.

المادة 11

1 ـ تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها ، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة ، نفس الحقوق ، ولا سيما :

(أ) الحق في العمل بوصفه حقاً ثابتاً لجميع البشر.

(ب) الحق في التمتّع بنفس فرص العمالة ، بما في ذلك تطبيق معايير اختيار واحدة في شؤون الاستخدام.

(ج) الحق في حرية اختيار المهنة ونوع العمل ، والحق في الترقية ، والأمن على العمل ، وفي جميع مزايا وشروط الخدمة ، والحق في تلقي التدريب وإعادة التدريب المهني ، بما في ذلك التلمذة الحرفية والتدريب المهني المتقدّم والتدريب المتكرر.

(د) الحق في المساواة في الأجر ، بما في ذلك الاستحقاقات ، والحق في المساواة في المعاملة فيما يتعلّق بالعمل ذي القيمة المساوية ، وكذلك المساواة في المعاملة في تقييم نوعية العمل.


(هـ) الحق في الضمان الاجتماعي ، ولا سيّما في حالات التقاعد والبطالة والمرض والعجز والشيخوخة وغير ذلك من حالات عدم الأهلية للعمل ، وكذلك الحق في إجازة مدفوعة الأجر.

(و) الحق في الوقاية الصحية وسلامة ظروف العمل ، بما في ذلك حماية وظيفة الإنجاب.

2 ـ توخّياً لمنع التمييز ضدّ المرأة بسبب الزواج أو الأُمومة ، وضماناً لحقها الفعلي في العمل ، تتّخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة :

(أ) حضر الفصل من الخدمة بسبب الحمل أو إجازة الأُمومة ، والتمييز في الفصل من العمل على أساس الحالة الزوجية ، مع فرض جزاءات على المخالفين.

(ب) إدخال نظام إجازة الأُمومة المدفوعة الأجر أو المشفوعة بمزايا اجتماعية مماثلة دون فقدان للعمل السابق أو للأقدمية أو للعلاوات الاجتماعية.

(ج) لتشجيع توفير الخدمات الاجتماعية المساندة اللازمة لتمكين الوالدين من الجمع بين الالتزامات العائلية وبين مسؤوليات العمل والمشاركة في الحياة العامة ، ولا سيّما عن طريق تشجيع إنشاء وتنمية شبكة من مرافق رعاية الأطفال.

(د) لتوفير حماية خاصة للمرأة أثناء فترة الحمل في الأعمال التي يثبت أنّها مؤذية لها.

3 ـ يجب أن تستعرض التشريعات الوقائية المتصلة بالمسائل المشمولة بهذه المادة استعراضاً دورياً في ضوء المعرفة العلمية والتكنولوجية ، وأن يتم تنقيحها أو إلغاؤها أو توسيع نطاقها حسب الاقتضاء.

المادة 12

1 ـ تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة في ميدان الرعاية الصحية من أجل أن تضمن لها ـ على أساس المساواة بين الرجل


والمرأة ـ الحصول على خدمات الرعاية الصحية ، بما في ذلك الخدمات المتعلّقة بتنظيم الأُسرة.

2 ـ بالرغم من أحكام الفقرة 1 من هذه المادة تكفل الدول الأطراف للمرأة خدمات مناسبة فيما يتعلّق بالحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة ، موفّرة لها خدمات مجانية عند الاقتضاء ، وكذلك تغذية كافية أثناء الحمل والرضاعة.

المادة 13

تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة في المجالات الأُخرى للحياة الاقتصادية والاجتماعية لكي تكفل لها ـ على أساس المساواة بين الرجل والمرأة ـ نفس الحقوق ، ولا سيّما :

(أ) الحق في الاستحقاقات العائلية.

(ب) الحق في الحصول على القروض المصرفية ، والرهون العقارية وغير ذلك من أشكال الائتمان المالي.

(ج) الحق في الاشتراك في الأنشطة الترويحية والألعاب الرياضية ، وفي جميع جوانب الحياة الثقافية.

المادة 14

1 ـ تضع الدول الأطراف في اعتبارها المشاكل الخاصة التي تواجهها المرأة الريفية ، والأدوار الهامة التي تؤدّيها في توفير أسباب البقاء اقتصادياً لأُسرتها ، بما في ذلك عملها في قطاعات الاقتصاد غير النقدية ، وتتّخذ جميع التدابير المناسبة لكفالة تطبيق أحكام هذه الاتفاقية على المرأة في المناطق الريفية.

2 ـ تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة في المناطق الريفية لكي تكفل لها ـ على أساس المساواة بين الرجل والمرأة ـ أن


تشارك في التنمية الريفية وتستفيد منها ، وتكفل للريفية بوجه خاص الحق في :

(أ) المشاركة في وضع وتنفيذ التخطيط الإنمائي على جميع المستويات.

(ب) الوصول إلى تسهيلات العناية الصحية الملائمة ، بما في ذلك المعلومات والنصائح والخدمات المتعلّقة بتنظيم الأُسرة.

(ج) الاستفادة بصورة مباشرة من برامج الضمان الاجتماعي.

(د) الحصول على جميع أنواع التدريب والتعليم ، الرسمي وغير الرسمي ، بما في ذلك ما يتصل منه بمحو الأُميّة الوظيفي ، وكذلك التمتّع خصوصاً بكافة الخدمات المجتمعية والإرشادية ، وذلك لتحقق زيادة كفاءتها التقنية.

(هـ) تنظيم جماعات المساعدة الذاتية والتعاونيات من أجل الحصول على فرص اقتصادية مكافئة لفرص الرجل عن طريق العمل لدى الغير أو العمل لحسابهنّ الخاص.

(و) المشاركة في جميع الأنشطة المجتمعية.

(ز) فرصة الحصول على الائتمانات والقروض الزراعية ، وتسهيلات التسوية والتكنولوجيا المناسبة ، والمساواة في المعاملة في مشاريع إصلاح الأراضي والإصلاح الزراعي ، وكذلك في مشاريع التوطين الريفي.

(ح) التمتّع بظروف معيشة ملائمة ، ولا سيّما فيما يتعلّق بالإسكان ، والمرافق الصحية ، والإمداد بالكهرباء والماء والنقل والمواصلات.

الجزء الرابع

المادة 15

1 ـ تعترف الدول الأطراف للمرأة بالمساواة مع الرجل أمام القانون.

2 ـ تمنح الدول الأطراف المرأة ، في الشؤون المدنية ، أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل ، وتساوي بينها وبينه في فرص ممارسة تلك الأهلية ، وتكفل للمرأة ،


بوجه خاص ، حقوقاً مساوية لحقوق الرجل في إبرام العقود وإدارة الممتلكات ، وتعاملهما على قدم المساواة في جميع مراحل الإجراءات القضائية.

3 ـ تتّفق الدول الأطراف على اعتبار جميع العقود وسائر أنواع الصكوك الخاصة التي يكون لها أثر قانوني يستهدف الحدّ من الأهلية القانونية للمرأة باطلة ولاغية.

4 ـ تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلّق بالتشريع المتصل بحركة الأشخاص ، وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم.

المادة 16

1 ـ تتّخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة في كافة الأُمور المتعلّقة بالزواج والعلاقات العائلية ، وبوجه خاص تضمن ، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة :

(أ) نفس الحق في عقد الزواج.

(ب) نفس الحق في حرية اختيار الزوج ، وفي عدم عقد الزواج إلاّ برضاها الحر الكامل.

(ج) نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه.

(د) نفس الحقوق والمسؤوليات بوصفهما أبوين ، بغض النظر عن حالتهما الزوجية ، في الأُمور المتعلّقة بأطفالهما ، وفي جميع الأحوال يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول.

(هـ) نفس الحقوق في أن تقرر ، بحرية وبإدراك للنتائج ، عدد أطفالها والفاصل بين الطفل والذي يليه ، وفي الحصول على معلومات التثقيف والوسائل الكفيلة بتمكينها من ممارسة هذه الحقوق.

(و) نفس الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلّق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنّيهم ، أو ما شابه ذلك من الأعراف ، حين توجد هذه المفاهيم في


التشريع الوطني ، وفي جميع الأحوال يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول.

(ز) نفس الحقوق الشخصية للزوج والزوجة بما في ذلك الحق في اختيار اسم الأُسرة والمهنة ونوع العمل.

(ح) نفس الحقوق لكلا الزوجين فيما يتعلّق بملكية وحيازة الممتلكات والإشراف عليها وإدارتها والتمتّع بها والتصرّف فيها ، سواء بلا مقابل أو مقابل عوض.

2 ـ لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أيّ أثر قانوني وتتّخذ جميع الإجراءات الضرورية بما في ذلك التشريعي منها ، لتحديد سن أدنى للزواج ، ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمراً إلزامياً.

الجزء الخامس

المادة 17

1 ـ من أجل دراسة التقدّم المحرز في تنفيذ هذه الاتفاقية ، تنشأ لجنة للقضاء على التمييز ضدّ المرأة (يشار إليها فيما يلي باسم اللجنة) تتألّف ، عند بدء نفاذ الاتفاقية ، من ثمانية عشر خبيراً ، وبعد تصديق الدولة الطرف الخامسة والثلاثون عليها أو انضمامها إليها من ثلاثة وعشرين خبيراً من ذوي المكانة الخلقية الرفيعة والكفاءة العالية في الميدان الذي تنطبق عليه هذه الاتفاقية ، تنتخبهم الدول الأطراف من بين مواطنيها ، ويعملون بصفتهم الشخصية ، مع إيلاء الاعتبار لمبدأ التوزيع الجغرافي العادل ، ولتمثيل مختلف الأشكال الحضارية ، وكذلك النظم القانونية الرئيسية.

2 ـ ينتخب أعضاء اللجنة بالاقتراع السري من قائمة أشخاص ترشحهم الدول الأطراف ، ولكل دولة طرف أن ترشح شخصاً واحداً من بين مواطنيها.

3 ـ يجري الانتخاب الأوّل بعد ستة أشهر من تاريخ بدء نفاد هذه الاتفاقية. وقبل


ثلاثة أشهر على الأقل من تاريخ كل انتخاب يوجّه الأمين العام للأمُم المتحدة رسالة إلى الدول الأطراف يدعوها فيها إلى تقديم ترشيحاتها في غضون شهرين. ويعدّ الأمين العام قائمة ألفبائية بجميع الأشخاص المرشّحين على هذا النحو ، مع ذكر الدولة الطرف التي رشّحت كّلاًمنهم ، ويبلّغها إلى الدول الأطراف.

4 ـ تجري انتخابات أعضاء اللجنة في اجتماع للدول الأطراف يدعو إليه الأمين العام في مقرّ الأُمم المتحدة. وفي ذلك الاجتماع ، الذي يشكّل اشتراك ثلثي الدول الأطراف فيه نصاباً قانونياً له يكون الأشخاص المنتخبون لعضوية اللجنة هم المرشّحون الذين يحصلون على أكبر عدد من الأصوات وعلى أكثرية مطلقة من أصوات ممثلي الدول الأطراف الحاضرين والمصوّتين.

5 ـ ينتخب أعضاء اللجنة لفترة مدّتها أربع سنوات. غير أنّ فترة تسعة من الأعضاء المنتخبين في الانتخاب الأول تنقضي في نهاية فترة سنتين ، ويقوم رئيس اللجنة ، بعد الانتخاب الأول فوراً ، باختيار أسماء هؤلاء الأعضاء التسعة بالقرعة.

6 ـ يجرى انتخاب أعضاء اللجنة الإضافيين الخمسة وفقاً لأحكام الفقرات 4 ، 3 ، 2 ، من هذه المادة بعد التصديق أو الانضمام الخامس والثلاثين. وتنتهي ولاية اثنين من الأعضاء الإضافيين المنتخبين بهذه المناسبة في نهاية فترة سنتين ويتمّ اختيار إسميهما بالقرعة من قبل رئيس اللجنة.

7 ـ لملء الشواغر الطارئة ، تقوم الدولة الطرف التي كفّ خبيرها عن العمل كعضو في اللجنة بتعيين خبير آخر من بين مواطنيها ، رهناً بموافقة اللجنة.

8 ـ يتلقّى أعضاء اللجنة ، بموافقة الجمعية العامة ، مكافآت تدفع من موارد الأُمم المتحدة بالأحكام والشروط التي تحدّدها الجمعية ، مع إيلاء الاعتبار لأهمية المسؤوليات المنوطة باللجنة.

9 ـ يوفّر الأمين العام للأُمم المتحدة ما يلزم اللجنة من موظفين ومرافق للاضطلاع بصورة فعّالة بالوظائف المنوطة بها بموجب هذه الاتفاقية.


المادة 18

1 ـ تتعّهد الدول الأطراف بأن تقدّم إلى الأمين العام للأُمم المتحدة ، تقريراً عمّا اتّخذته من تدابير تشريعية وقضائية وإدارية وغيرها من أجل إنفاذ هذه الاتفاقية. وعن التقدّم المحرز في هذا الصدد ، كيما تنظر اللجنة في هذا التقرير ، وذلك :

(أ) في غضون سنة واحدة من بدء النفاذ بالنسبة للدولة المعنيّة.

(ب) وبعد ذلك كل أربع سنوات على الأقل ، وكذلك كلّما طلبت اللجنة ذلك.

2 ـ يجوز أن تبيّن التقارير العوامل والصعاب التي تؤثّر على مدى الوفاء بالالتزامات المقرّرة في هذه الاتفاقية.

المادة 19

1 ـ تعتمد اللجنة النظام الداخلي الخاص بها.

2 ـ تنتخب اللجنة أعضاء مكتبها لفترة سنتين.

المادة 20

1 ـ تجتمع اللجنة ـ عادة ـ مدى فترة لا تزيد على أسبوعين سنوياً للنظر في التقارير المقدّمة وفقاً للمادة 18 من هذه الاتفاقية.

2 ـ تعقد اجتماعات اللجنة ـ عادة ـ في مقر الأُمم المتحدة أو في أىّ مكان مناسب آخر تحدّده اللجنة.

المادة 21

1 ـ تقدّم اللجنة تقريراً سنوياً عن أعمالها إلى الجمعية العامة للأُمم المتحدة بواسطة المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، ولها أن تقدّم مقترحات وتوصيات عامّة مبنّية على دراسة التقارير والمعلومات الواردة من الدول الأطراف وتدرج تلك


المقترحات والتوصيات العامة في تقرير اللجنة مشفوعة بتعليقات الدول الأطراف ، إن وجدت.

2 ـ يحيل الأمين العام تقارير اللجنة إلى لجنة مركز المرأة ، لغرض إعلامها.

المادة 22

يحقّ للوكالات المتخصّصة أن توفد من يمثّلها لدى النظر في تنفيذ ما يقع في نطاق أعمالها.

الجزء السادس

المادة 23

ليس في هذه الاتفاقية ما يمسّ أيّة أحكام تكون أكثر مواتاة لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة تكون واردة :

(أ) في تشريعات دولة طرف مّا.

(ب) أو في أيّة اتفاقية أو معاهدة أو اتفاق دولي نافذ إزاء تلك الدولة.

المادة 24

تتعهّد الدول الأطراف باتخاذ جميع ما يلزم من تدابير على الصعيد الوطني تستهدف تحقيق الإعمال الكامل للحقوق المعترف بها في هذه الاتفاقية.

المادة 25

1 ـ يكون التوقيع على هذه الاتفاقية متاحاً لجميع الدول.

2 ـ يسمّى الأمين العام للأمم المتحدة وديعاً لهذه الاتفاقية.

3 ـ تخضع هذه الاتفاقية للتصديق ، وتودع صكوك التصديق لدى الأمين العام


للأُمم المتحدة.

4 ـ يكون الانضمام إلى هذه الاتفاقية متاحاً لجميع الدول ، ويقع الانضمام بإيداع صك انضمام لدى الأمين العام للأُمم المتحدة.

المادة 26

1 ـ لأيّة دولة طرف ، في أيّ وقت أن تطلب إعادة النظر في هذه الاتفاقية ، وذلك عن طريق إشعار خطّي يوجّه إلى الأمين العام للأُمم المتحدة.

2 ـ تقرّر الجمعية العامة للأُمم المتحدة الخطوات التي تتّخذ ، عند اللزوم ، إزاء مثل هذا الطلب.

المادة 27

1 ـ يبدأ نفاذ هذه الاتفاقية في اليوم الثلاثين الذي يلي تاريخ إيداع صك التصديق أو الانضمام العشرين لدى الأمين العام للأُمم المتحدة.

2 ـ أمّا الدول التي تصدّق هذه الاتفاقية أو تنضمّ إليها بعد إيداع صك التصديق أو الانضمام العشرين فيبدأ نفاذ الاتفاقية إزاءها في اليوم الثلاثين الذي يلي تاريخ إيداع هذه الدولة صك تصديقها أو انضمامها.

المادة 28

1 ـ يتلقّى الأمين العام للأُمم المتحدة نصّ التحفّظات التي تبديها الدول وقت التصديق أو الانضمام ، ويقوم بتعميمها على جميع الدول.

2 ـ لا يجوز إبداء أيّ تحفّظ يكون منافياً لموضوع هذه الاتفاقية وغرضها.

3 ـ يجوز سحب التحفّظات في أيّ وقت بتوجيه إشعار بهذا المعنى إلى الأمين العام للأُمم المتحدة ، الذي يقوم عندئذ بإبلاغ جميع الدول به.


ويصبح هذا الإشعار نافذ المفعول إعتباراً من تاريخ تلقّيه.

المادة 29

1 ـ يعرض للتحكيم أيّ خلاف بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف حول تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية لا يسوّى عن طريق المفاوضات ، وذلك بناءً على طلب واحدة من هذه الدول فإذا لم يتمكّن الأطراف ، خلال ستة أشهر من تاريخ طلب التحكيم ، من الوصول إلى اتفاق على تنظيم أمر التحكيم ، جاز لأيّ من أولئك الأطراف إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية بطلب يقدّم وفقاً للنظام الأساسي للمحكمة.

2 ـ لأيّة دولة طرف أن تعلن ، لدى توقيع هذه الاتفاقية أو تصديقها أو الانضمام إليها ، أنّها لا تعتبر نفسها ملزمة بالفقرة 1 من هذه المادة. ولا تكون الدول الأطراف الأُخرى ملزمة بتلك الفقرة إزاء أيّة دولة طرف أبدت تحفّظاً من هذا القبيل.

3 ـ لأيّة دولة طرف أبدت تحفّظاً وفقاً للفقرة 2 من هذه المادة أن تسحب هذا التحفّظ متى شاءت بإشعار توجّهه إلى الأمين العام للأُمم المتحدة.

المادة 30

تودع هذه الاتفاقية ، التي تتساوى في الحجّية نصوصها بالإسبانية والإنكليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية لدى الأمين العام للأُمم المتحدة.

وإثباتاً لذلك ، قام الموقّعون أدناه ـ المفوّضون حسب الأُصول ـ بإمضاء هذه الاتفاقية.

المحاذير والسلبيات الواردة في نصوص الاتفاقية

إنّ المحذور المهمّ والرئيسي هو : عند تطبيق الاتفاقية واعتبار ما يتعارض معها من التشريعات التي تؤمن بها الدول الإسلامية منسوخاً ، فإن هذا يؤدّي إلى انتهاك


حقّ الإنسان في اختيار ما يؤمن به ويطمئن إليه ، ومنه اختيار الدين الذي يؤمن به ويتعبّد بأحكامه.

ومن أهم المسائل التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية :

أولاً : إنّ المادّة الأُولى تتعارض مع أحكام الحجاب الإسلامي ، لأنّها عرّفت التمييز على أنّه تفرقة على أساس الجنس ، ومنعت منه ، وعلى هذا فإنّ الحجاب الذي فرض على المرأة بصورة معيّنة ، وفرض على الذكر بصورة أخف ، يجب أن يزول من عالم التشريع لأنّه ينافي حقّ الإنسان في حريّته.

كما أن المادة الاولى والمادة الخامسة عشر تتعارض مع احكام الشهادة (شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في مورد القبول) واحكام الدية ، حيث تكون دية المرأة نصف دية الرجل ، واذن الاب في زواج بنته الباكر التابعة له ، واحكام الارث حيث يختلف حكم ارث المرأة عن الرجل كثرة وقلّة ، وأحكام اقامة الزوجة مع الزوج في محل اختيار السكنى ، وفي حكم ولاية الاب على الزوجة والبنات دون العكس.

ثانياً : إنّ المادة العاشرة في فقرتها (ج) تنصّ على تشجيع التعليم المختلط في جميع مراحله ليساعد في تحقيق إلغاء الفوارق بين الرجل والمرأة.

والتعليم المختلط وإن كان في نفسه لا محذور فيه إذا التزم الطرفان بالشريعة الإسلامية من الحجاب والأخلاق والحشمة ، إلاّ أنّ المراد من هذه الفقرة هو إزالة الحجاب ليزول التمايز بين الجنسين ، وعلى هذا فهو مخالف للتعاليم الإسلامية.

على أنّ هذه الفقرة تتعارض مع أحكام حرمة النظر لغير المحارم ، وهذا حكم مخالف لوجوب الحجاب عند ظهور المرأة في الميادين العامّة.

ثالثاً : ان الفقرة (أ) من المادة الثالثة عشر اوجبت التساوي بين الرجل والمرأة في «الحقّ في الاستحقاقات العائلية» الذي يشمل تركة الميّت بالنسبة لذريته الذكور والإناث من الطبقة الاولى والثانية والثالثة. وهذا مخالف لقانون الارث حيث يختلف بين الذكور والاناث قلة وكثرة ، كما ان هناك حالات يمتنع فيها الميراث


لاختلاف الدين ، قد رفضته فكرة التساوي بين الرجال والنساء.

رابعاً : ان الفقرة (4) من المادة الخامسة عشر تلزم الدول الاطراف اعطاء نفس الحقوق للرجل والمرأة فيما يتعلق بالتشريع المتصّل بحركة الاشخاص وحريّة اختيار محل سكناهم وإقامتهم.

وهذا النصّ يمنح المرأة حقّ التنقل واختيار السكنى حتى اذا كان ذلك خلاف اقامة وسكنى الزوج ومن دون رضا الزوج أو الولي.

وهذا مخالف تعاليم الإسلام الذي يحرّم على المرأة التحرك السفري أو غيره بدون إذن الزوج كما لا يعطي الحقّ للمرأة في تعيين سكناها ، بل هي تابعة للزوج في ذلك إلاّ أن تشترط ذلك في متن العقد على خلاف البعض حتى في هذا الشرط باعتباره مخالفاً للسنة التي اعطت هذا الحقّ للزوج.

خامساً : المادة السادسة عشر تتعارض مع أحكام اختلاف الإبن والبنت من حيث سنّ البلوغ ، وزواج المسلمة بغير المسلم ، وإذن الأب في زواج بنته الباكر التابعة له.

كما تتنافى مع أحكام حرمة الزواج بالمحارم وأُخت الزوجة ، وتتنافى مع حرمة العقد حال الإحرام ، وبعض أحكام الزنا والطلاق وواجبات الزوجة وتعدّد الزواج ، وعيوب الفسخ والعدّة والحضانة والإجهاض وأمثال ذلك.

فمثلاً : المادة (ج) من هذه الفقرة ذكرت مبدأ المساواة ومنح المرأة «نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه» ، وهذا يعني : أن تكون النفقة التي هي من مسؤوليات الزوج لزوجته ، من مسؤوليات الزوجة ولا يكون الزوج مسؤولاً عنها.

وكذا بالنسبة للمهر الذي يلزم الزوجُ تقديمه لزوجته في الشريعة الإسلامية ، فإنّ هذا البند يلزم المرأة أن تقدّم مهراً لزوجها كما يقدّم لها المهر.

وكذا الحضانة ستكون من نصيبهما ، بينما هي أوّلاً من نصيب المرأة لمدّة محدودة في الشريعة.

وكذا بالنسبة لحقّ التوارث ، فقد ذكر القرآن : أنّ إرث الزوج من زوجته إذا لم


يكن لها ولد هو النصف ، وإن كان لها ولد فله الربع ، أمّا المرأة( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ) وقال :( وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ) (1) .

وفي مسائل الارث (اذا لم ننظر إلى الازواج) فمن المعلوم أن قواعد الارث في الشريعة الإسلامية لا تقوم على مبدأ التساوي لجميع الأقارب باقتسام التركة بالتساوي بين الذكور والاناث ، فهناك حالات تاخذ المرأة مثل نصيب الرجل كما في الاب والام اذا كان للميت ولد.

وهناك حالات تاخذ فيها المرأة نصف نصيب الرجل كما في الاول والذكور والاناث للميت ، وهناك حالات تاخذ المرأة اكثر من نصيب الرجل كما اذا ترك الميت بنتاً مع أب أو بنتان مع الأب.

كما أنّ على المرأة الإطاعة في الأمور الجنسية ، وليس على الزوج الإطاعة مطلقاً في الأمور الجنسية ، وإن كان يستحب له ذلك إذا رأى عندها رغبة في ذلك.

كما يجب على الزوج إدارة أُمور الزوجة وحمايتها ، وهو ما يسمّى بالقيمومة ، ولا يجب ذلك على الزوجة.

نعم ، هناك مسؤوليات متساوية في المعاشرة بالمعروف والتناصح.

أمّا في حالة فسخ العقد : فهناك حالات يثبت فيها حقّ الفسخ لكلّ من الزوجين ، كما في حالة وجود أحد عيوب المرأة فيحقّ للزوج الفسخ ، وكما في حالة وجود أحد عيوب الزوج فيحقّ للمرأة فسخ العقد.

كما توجد حالات يجوز فيها للمرأة فقط طلب التفريق ، كما إذا كان الزوج معسراً لا يتمكّن من نفقتها حتى بالاقتراض ، وكما إذا غاب غيبة لا يُعرف له مكان ، ولم يكن هناك من ينفق على الزوجة ، فترفع أمرها للحاكم الشرعي لطلب الطلاق.

كما يمكن للزوج الطلاق بإرادته المنفردة ، ولكن قد جعله الشارع أكره الحلال.

__________________

(1) النساء : 12.


كما أنّ الفقرة الأولى بند (ب) من المادة السادسة عشر قد ذكرت الحقّ للمرأة في اختيار الزوج وعدم عقد الزواج إلاّ برضاها الحرّ الكامل ، وهذا الأمر صحيح بناءً على فتوى البعض من أنّ أمرها بيدها وبرضاها الحرّ الكامل فقط في اختيار الزوج المسلم ، ولكن هناك فتوى لبعض العلماء يستند إلى النصوص الشرعية القائلة : بأنّ الولي له دخل في صحة زواج البنت الباكر التابعة له ، فإن رضي بذلك الزواج صحّ وإلاّ فلا ، وهذا الرأي الذي يجمع بين رضا البنت والأب في الزوج المسلم هو الموافق للاحتياط ، فلا يجوز أن نقنّن قانوناً نُلزِمُ به جميع البنات وإن كنّ يقلدنّ ما يرى رضى (البنت وأبيها) في صحة زواجها ، فالأوفق ترك المسألة لرأي المجتهد الذي ترجع إليه البنت.

ويدخل في هذا البند جواز أن تختار المرأة المسلمة زوجاً غير مسلم ، فكما يجوز للزوج المسلم أن يختار إمرأة كتابية فيتزوجها ، فكذلك يجوز للمسلمة أن تختار زوجاً كتابياً لتتزوّجه استناداً إلى المساواة التي تؤكّد عليه الاتفاقية ، والحريّة في اختيارها الزوج برضاها.

كما يشمل هذا البند جواز أن تختار المسلمة زوجاً لها وإن لم يكن مسلماً ولا كتابياً استناداً إلى نصّ البند ، وهذا ـ كما ترى ـ يخالف ما جاء في السنّة النبويّة من عدم جواز أن تتزوج المسلمة كتابياً فضلاً عن غير الكتابي ، وإن جاز للزوج أن يتزوج كتابية على اختلاف في سعة الزواج وضيقه.

سادساً : إنّ نصوص الاتفاقية ـ من مقدمتها إلى مادتها السادسة عشر ـ قد اشتملت على كلمات معيّنة كخطاب للبشر :

1) فقد استعملت كلمة حق أو حقوق 56 مرّة.

2) استعملت كلمة مساواة 36 مرّة.

3) استعملت كلمة مسؤولية 7 مرّات.

4) استعملت كلمة التزام مرّتين.


5) استعملت كلمة واجب مرّة واحدة.

ولكنّها لم تستعمل كلمة تضامن أو تعاون ولا مرّة واحدة.

وهذه الأدبيات تحرّك وتحفّز المرأة إلى المطالبة بمالها من دون الشعور بالمسؤولية التي عليها ، والمحبّة والتعاون مع الزوج ، وهذا له الأثر السيّء على التربية المستندة إلى أخذ الحقّ دون الالتفات إلى الالتزام والمحبة والتعاون الذي افترض أساس العيش الزوجي الذي أراد الاله أن يكون سكناً وأُلفة ومودّة.

سابعاً : إنّ هذه الاتفاقية إذا انضمّت إليها دولة مع التحفّظ على البنود المخالفة للشريعة الإسلامية ، فإنّ هذا التحفّظ لا يفيد مع تصريح الاتفاقية بأنّها ترفض التحفّظات المنافية لروحها ، فقد ذكرت فقرة(2) من المادة 28 فقالت : لا يجوز إبداء أيّ تحفّظ يكون منافياً لموضوع هذه الاتفاقية وغرضها.


الملحق رقم (2)

إشكالات على تعدّد الزوجات

وقد ذكرها السيّد الطباطبائي في الميزان(1)

فقال : هي إشكالات اعترض بها النصارى على الإسلام أو من يوافقهم من المدنيين المنتصرين لمسألة تساوي حقوق الرجال والنساء في المجتمع ، وهي :

(1) أنّه يقرع قلوب النساء في عواطفهن ويخيّب آمالهن ويسكت فورة الحبّ في قلوبهن ، فينعكس حسِ الحبّ إلى حسِّ الانتقام ، فيهملْن أمر البيت ويتثاقلن في تربية الأولاد ، ويقابلن الرجال بمثل ما أساؤوا إليهن ، فيشيع الزنا والسفاح والخيانة في المال والعِرض ، فلا يلبث المجتمع دون أن ينحطّ في أقرب وقت.

(2) أنّ التعدّد في الزوجات يخالف ما هو المشهود المتراءى من عمل الطبيعة فإنّ الإحصاء في الاُمم والاجيال يُفيد أنّ قبيلي الذكورة والإناث متساويان عدداً تقريباً ، فالذي هيّأته الطبيعة هو واحدة ـ لواحد ـ وخلاف ذلك (أي تعدّد الزوجات لزوج واحد) خلاف غرض الطبيعة.

(3) أنّ في تشريع تعدّد الزوجات ترغيباً للرجال إلى الشره والشهوة وتقوية لهذه القوّة فى المجتمع.

(4) أنّ في ذلك حطّاً لوزن النساء في المجتمع بمعادلة الأربع منهن بواحد من الرجال ، وهو تقويم جائر حتى بالنظر إلى مذاق الإسلام الذي سُوّي فيه بين امرأتين ورجل كما في الإرث والشهادة وغيرهما ، ولازمه تجويز التزويج باثنتين منهن لا

__________________

(1) الميزان في تفسير القرآن ج 4 / 184.


أزيد ، ففي تجويز الأربع عدول عن العدل على أي حال من غير وجه.

وقد أجاب السيّد الطباطبائي ، فقال ما خلاصته بتصرّف وزيادة منّا :

الجواب عن الإشكال الأوّل :

أ) أنّ الإسلام وضع أساس المجتمع الإنساني على أساس الحياة العقلية دُون الحياة العاطفية ، فالمتّبع عنده هو الصلاح العقلي في السنن الاجتماعية دون ما تهواه الإحساسات وتنجذب إليه العواطف.

ب) ليس في تعدّد الزوجات إماتة لعواطف النساء ، فإنّ الأبحاث النفسية قرّرت أنّ الصفات الروحية والعواطف والإحساسات الباطنة تختلف كماً وكيفاً باختلاف التربية والعادة ، فكثيراً من الآداب الممدوحة عند الشرقيين هي مذمومة عند الغربيين وبالعكس. وعلى هذا فالتربية الدينية في الإسلام أقامت المرأة مقاماً لا تتألم عواطفها بأمثال تزوّج زوجها بزوجة ثانية. نعم ، المرأة الغربية اعتادت أن تكون وحدها زوجة لزوجها وتربّت عليه فاستمكنت في روحها عاطفة نفسانية تضادّ التعدّد ، ولهذه التربية غير الصحيحة التجأ رجالهم لقضاء شهواتهم إلى الجنس الآخر وحتّى المحارم منهن بدون زواج ، ولم يقتنعوا بذلك حتّى وقعوا في الرجال ، حتّى بلغ الأمر أن طلبوا من البرلمان في بريطانيا إباحته لهم ليكون اللواط سنّة قانونية بعد شيوعه بينهم من دون أن يكون قانوناً رسمياً(1) .

وهنا قد يتساءل الإنسان فيقول : لماذا لم تنكسر قلوب النساء ولم تتألم عواطفها من هذه الأعمال التي يقوم بها الزوج مع نساء أخريات أو رجال آخرين؟! ولماذا لا يتألم الرجل عندما يتزوج امرأة يراها قد بُني بها وفقدت بكارتها وافترشت لجماعة كبيرة؟!! بل يباهي الزوج بزوجته هذه الأقران بحجّة أنّ زوجته قد توفرت عليها

__________________

(1) وقد شرّع أخيراً كعملية زواج بين الجنس الواحد.


رغبات الرجال وتنافس عليها العشرات والمئات(1) . ومن هذا نستنتج أنّ هذه السيّئات قد تكرّرت عندهم بحجّة الحريّة فصارت عادة مألوفة لا تمتنع منها العواطف والإحساسات ولا تستنكرها النفوس.

ج) أمّا أنّ التعدّد يستلزم أن تهمل المرأة الأولى تدبير البيت وتتثاقل في تربية الأولاد وشيوع الزنا والخيانة ، فهو ادّعاء محض ، إذ أفادت التجربة خلاف ذلك ، فإنّ حكم تعدّد الزوجات قد طبّق في صدر الإسلام ، وليس في وسع أحد من أهل الخبرة بالتاريخ أن يدّعي حصول وقفة في أمر المجتمع من جهته ، بل كان الأمر بالعكس.

د) إنّ النساء اللآتي يتزوج بهنّ على الزوجة الأولى في المجتمع الإسلامي وسائر المجتمعات التي ترى ذلك (كالزوجة الثانية والثالثة والرابعة) إنّما يتزوّج بهن عن رضا ورغبة منهن ، وهنّ من نساء هذه المجتمعات ، ولم يسترققهن الرجال من مجتمعات أخرى ، ولا جلبوهن للنكاح من غير هذه الدنيا ، وإنّما رغبن في مثل هذا الزواج لِعلل اجتماعية ، فطباع جنس المرأة لا يمتنع عن مسألة تعدّد الزوجات ، ولا تتألم قلوبهن منها. نعم ، إذا كان تألم فهو من عوارض الزوجة الأولى التي لا تحبّ أن ترد عليها وعلى بيتها زوجة أخرى لخوفها أن يميل عنها بعلها أو تترأس عليها امرأة أخرى أو يحصل اختلاف بين الأولاد ، فعدم الرضا والتألم منشؤوه حالة عرضية لا غريزة طبيعية.

وأمّا الجواب على الإشكال الثاني : الذي هو عبارة عن تسوية الطبيعة بين الرجال والنساء في العدد ، فهو :

__________________

(1) شاهدت شخصيّاً في إحدى الفضائيات أنّ امرأة مسنّة تقريباً قدّمت لها هدية ثمينة; لأنّها كانت قد قاربها أكثر من ستمائة رجل ، فهي قد فازت على قريناتها بكثرة مقاربة الرجال لها ، فلاحظ.


أ) إنّ الرشد الفكري والجسمي للتهيّؤ للنكاح أسرع في النساء من الرجال ، فالنساء (وخاصة في المناطق الحارة) ، إذا جِزْنَ التسع صلحن للنكاح ، أمّا الرجال فلا يتهيؤون للنكاح غالباً قبل ستة عشر سنة ، وهذا هو الذي اعتبره الإسلام بلوغاً ووصولاً إلى مرحلة الرجولة(1) .

ولازم هذا الأمر : لو اعتبرنا مواليد ستة عشر سنة من أيّ قوم (والمفروض تساوي عدد الذكور والاناث فيهم) كان الصالح للنكاح في هذه السنة السادسة عشر من الرجال ألفاً مثلاً ، أمّا النساء الصالحات للزواج في هذه السنة منهم سبعة آلاف من النساء ، ولو اعتبرنا مواليد خمسة وعشرين سنة وهي سنّ بلوغ الأشدّ من الرجال كان الصالح للزواج من الرجال هم مواليد عشرة سنين فيكون الرجال المهيؤون للنكاح عشرة آلاف رجلاً ، أمّا النساء فيكون الصالح منهن للزواج مواليد خمسة عشر (أو ستة عشر سنة) أي : خمسة عشر ألف أو ستة عشر ألفاً ، وإذا أخذنا النسبة الوسطى حصل لكل واحد من الرجال اثنتان من النساء حسب عمل الطبيعة.

ب) إنّ الاحصائيات المذكورة تبيّن أنّ النساء أطول عمراً من الرجال ، ولازمه أن يتهيأ عدد من النساء ليس بحذائهنّ رجال. وقد ذكرت جريدة اطلاعات الإيرانية في الشهر العاشر من سنة (1335) هجري شمسي احصائية لدائرة الاحصاء في فرنسا وخلاصة ذلك : إنّه يولد في فرنسا حذاء كلّ (100) مولود من البنات (105) من البنين ، ومع ذلك فإنّ الإناث يربو عددهن على عدد الذكور بما يعادل

__________________

(1) وهذا هو الذي عليه إجماع الأطباء تقريباً ، فإنّهم يقولون : إنّ سنّ البلوغ في النساء ما بين التاسعة والحادي عشر ، أو ما بين الثامنة إلى الحادي عشر.

من الانترنيت / راجع مرحلة البلوغ

www.alshamsi.net / women / blooq1.html

وراجع ركن المرأة العربية «البلوغ والمراهقة لدى البنات» للدكتورة فريال ، الأُستاذ والدكتور محمد كامل فرج.


(000 / 765 / 1) نسمة ، ونفوس المملكة(40) مليوناً تقريباً والسبب فيه : أنّ البنين أضعف مقاومة من البنات قبال الأمراض ، ويهلك منهم 5% إلى سنة 19 من الولادة ثمّ يأخذ عدد الذكور في النقص ما بين 25 ـ 30 سنة حتّى إذا بلغوا سنة 60 ـ 65 لم يبق تجاه كلّ (000 / 500 / 1) من الإناث إلاّ (000 / 750) من الذكور.

ج) إنّ خاصة النسل والتوليد تدوم في الرجال أكثر من النساء ، فالأغلَب في النساء أن يكون يَئْسهنّ من الحمل في سنة الخمسين ، أمّا النسل في الرجال فيبقى لسنين عديدة بعد ذلك ، وربما بقي إلى تمام العمر الطبيعي وهي مائة سنة ، فيكون عمر صلاحية الرجل للتوليد هو ثمانون سنة تقريباً ، وهو عدد يكون نصفه عند المرأة ، وإذا ضمّ هذا الوجه إلى الوجه السابق أنتج أنّ الطبيعة والخلقة تبيح للرجل التعدّي من الزوجة الواحدة إلى غيرها ، إذ لا معنى لتهيئة قوة التوليد والمنع من الاستيلاد ، فإنّ هذا مما تأباه سنّة العِلل الطبيعية.

د) إنّ الحوادث المبيدة لأفراد المجتمع من الحروب والمقاتِل وغيرهما تُحلّ بالرجال وتفنيهم أكثر مما تحلّ بالنساء ، وهذا أقوى العوامل لشيوع تعدّد الزوجات ، إذ هذه الأرامل والنساء العزّل لا محيص لهن إلاّ قبول التعدّد أو الزنا (والعياذ بالله) أو خيبة القوّة المودَعة في طبائعهن وبطلانها. ومما يؤيد هذا ما وقع في المانيا الغربية (الظاهر بعد الحروب التي حلّت بها) حيث أظهرت جمعية النساء العُزّل تحرّجها من فقدان البعولة وسألت الحكومة أن يسمح لهن بسنّة تعدّد الزوجات الإسلامية حتّى يتزوج مَنْ شاء من الرجال بأزيد من واحدة وترتفع بذلك غائلة الحرمان ، غير أنّ الحكومة لم تجبهن في ذلك وامتنعت الكنيسة من قبوله ورضيت بالزنا وشيوعه وفساد النسل به.

هـ) على أنّ الاستدلال بتسوية الطبيعة النوعية بين الرجال والنساء في العدد (بغضّ النظر عمّا تقدم) إنّما يستقيم لو فرض أن يتزوج كلّ رجل في المجتمع بأكثر


من واحدة إلى أربع من النساء ، ولكن الطبيعة لا تسمح بإعداد جميع الرجال لذلك ، نعم ، تسمح الطبيعة لبعض الرجال. والإسلام لم يشرّع التعدّد على نحو الفرض والوجوب ، بل أباح التعدّد لمن استطاع أن يقيم القسط بين النساء.

وأوضح دليل على عدم استلزام هذا التشريع الحرج والفساد هو سير هذه السنّة بين المسلمين وكذا بين سائر الأُمم الذين يرون ذلك ولم يستلزم حرجاً من قلة النساء واعوازهن على الرجال ، بل تحريم التعدّد أوجد لنا ألوفاً من النساء قد حرمن من الأزواج والسكن العائلي وامتهنَّ الزنا.

وأمّا الجواب على الإشكال الثالث : الذي يقول : إنّ في تشريع تعدّد الزوجات ترغيباً للرجال إلى الشره والشهوة ، فيتّضح ببيان أُمور :

أ) إنّ شهوة النكاح في المرأة أقل منها في الرجل ، فشهوة النكاح في المتوسط من الرجال تعادل ما في أكثر من امرأة واحدة ، فالشهوة موجودة في الرجال أكثر من النساء لا أنّ تشريع تعدّد الزوجات هو الموجد لها.

ب) قرر الدين الإسلامي رفع الحرمان مما يوجبه مقتضى الطبع ، فاعتبر أن لا تخزن الشهوة في الرجل ولا يحرم منها بصورة صحيحة فيلتجأ إلى التعدّي والفجور والفحشاء ، فأجاز للشهوة الزائدة أن تنطلق بصورة صحيحة.

ج) المرأة تعتذر من المواقعة في ثلث أوقاتها ، كأيام العادة وبعض أيام الحمل والوضع والرضاع ونحو ذلك.

وبما أنّ الإسلام تربيته عقلية وليست عاطفية ، فقرر أن لا يحرم الزوج من الزواج الثاني إذا كانت له شهوة إليه فينجرف إلى الزنا والفحشاء ، وهو من أعظم المخاطر في المجتمع.

على أنّ من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية تكثير نسل المسلمين لعمارة الأرض


بيد مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد ، وهذا ممّا يقتضي الدعوة إلى زيادة النسل الصالح كما أكّدت عليه الروايات.

وعلى ما تقدّم : فإنّ تشريع تعدّد الزوجات لم يكن للشره والشهوة ، بل هو لمصالح طبيعية واجتماعية ، وقد أنصف بعض الباحثين الغربيين حيث قال : لم يعمل في إشاعة الزنا والفحشاء بين الملل المسيحية عامل أقوى من تحريم الكنيسة تعدّد الزوجات(1) .

وأمّا الجواب على الإشكال الرابع : الذي يقول : إنّ تعدّد الزوجات فيه حطّ لكرامة المرأة في المجتمع بمعادلة الأربع منهن بواحد من الرجال ، فجوابه يتمثّل في أُمور :

أ) كانت المرأة مظلومة قبل الإسلام ، وهذا ما أكّدته كتب التاريخ في شأن المرأة.

ب) جاء الإسلام فقرر هوية المرأة فذكر : أنّ المرأة كالرجل إنسان ، وكلّ ذكر أو أُنثى يشتركان في المادّة والعنصر ، ولا فضل لأحد على أحد إلاّ بالتقوى قال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (2) . وقال تعالى :( أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِل مِّنكُم مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض ) (3) فصرّح أنّ السعي غير خائب والعمل غير مضيّع عند الله وعلّل ذلك بقوله تعالى : (بَعْضُكُم مِّن بَعْض) وهذا هو نتيجة قوله تعالى في الآية السابقة : (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى) أي إنّ الرجل والمرأة جميعاً من نوع واحد من غير فرق في الأصل والنوع. وقال تعالى :( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ

__________________

(1) رسالة المستر جان ديون بورت الانجليزي في الاعتذار إلى حضرة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن. ترجمة الفاضل السعيدي ، بالفارسية.

(2) الحجرات : 13.

(3) آل عمران : 195.


فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (1) وقال تعالى :( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب ) (2) وقال تعالى :( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) (3) .

وقد ذم الله سبحانه الاستهانة بأمر البنات بأبلغ الذم إذ قال تعالى :( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) (4) ، وقد بالغ الله تعالى في التشديد على وأد البنات الذي كان سائداً قبل الإسلام لعدّهن عاراً على ابائهن وبيوتهن فقال تعالى :( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنب قُتِلَتْ ) (5) .

وقد أقر الإسلام مكانتها الاجتماعية ، فقد ساوى بين المرأة والرجل من حيث تدبير شؤون الحياة بارادتها وعملها ، فإنّها تساوي الرجل من حيث تعلّق ارادتها بما يحتاج إليه المجتمع الإنساني في كلّ لوازم بقائه ، إذ قال تعالى :( بَعْضُكُم مِّن بَعْض ) (6) فللمرأة أن تستقل بالارادة ولها أن تستقل بالعمل وتملك نتاج عملها كما كان ذلك للرجل من غير فرق فقال تعالى :( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) (7) وقال تعالى :( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ( 8 ) .

نعم قرر الإسلام اختلافها عن الرجل في نقطتين :

__________________

(1) النحل : 97.

(2) المؤمن : 40.

(3) النساء : 124.

(4) النحل : 58 ـ 59.

(5) التكوير : 8 ـ 9.

(6) آل عمران : 195.

(7) البقرة : 286.

(8) البقرة : 234.


الأولى : إنّها بمنزلة الحرث في تكوّن النوع الإنساني ونمائه ، فعليها يعتمد النوع في بقائه فتختص بأحكام بمثل ما يختص به الحرث ، إذن هي تمتاز عن الرجل في هذه النقطة.

الثانية : إنّ وجود المرأة يبتني على الرقّة والرأفة واللطافة (فهي ريحانة وليست قهرمانة) فتحوّل إليها الأعمال والوظائف الاجتماعية التي تنسجم مع هذه الصفات.

ولهذا قال تعالى :( وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْ عَلِيماً ) ( 1 ) . فالمرأة أفضل من الرجل في بعض أحكامها والرجل أفضل من المرأة في بعض أحكامه ، وقد نهى أن يتمنى كلّ قبيل ما فضّل القبيل الآخر عليه ، فالمرأة أفضل من الرجل في التربية والحضانة والرجل أفضل منها في بعض سهام الإرث.

نعم ، الرجل والمرأة مشتركان في جميع الأحكام العبادية والمعاملات والحقوق الاجتماعية والسياسية وغيرها ، باستثناء القضاء والقيادة للأُمّة (وهذا بحث موكول إلى الفقه ليس هنا مجال بحثه).

وكلّ هذه الأحكام قائمة على الفطرة قال تعالى :( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) ( 2 ) .

هكذا قرر الإسلام حقّ المرأة.

نعم ، إنّ أقوى ما تشبّث به المخالفون لسنّة تعدّد الزوجات من علماء الغرب وزوّقوه في أعين الناظرين ما هو مشهود في بيوت بعض المسلمين ، تلك البيوت المشتملة على زوجات عديدة (ضرّتان أو أكثر) فإنّ هذه البيوت لا تحتوي على حياة صالحة ولا عيشة هنيئة ، ولا تلبث الضرّتان من أوّل يوم حلّتا البيت دون أن

__________________

(1) النساء : 32.

(2) الروم : 30.


تأخذا في التحاسد ، حتّى إنّهم سمّوا الحسد بداء الضرائر ، وعندئذ تنقلب جميع العواطف التي جبلت عليها النساء من الحبّ ولين الجانب والرقّة والرأفة والشفقة والنصح وحفظ الزوج بالغيب والوفاء والمودّة والرحمة والإخلاص للزوج وأولاده من غيرها إلى أضدادها ، فينقلب البيت الذي هو سكن للإنسان يستريح فيه من تعب الحياة اليومية وتألم الروح والجسم من مشاقّ الأعمال والجهد في كسب معركة قتال تستباح فيها النفوس والأعراض والأموال ويتكدّر صفو العيش وترتحل لذّة الحياة ، ويحلّ محلها الضرب والشتم والسب واللعن والسعاية والنميمة والمكر والحيلة والمكيدة ، ويختلف الأولاد ويتشاجرون وربما انجرَّ همّ الزوجة لإهلاك زوجها ، ويقتل بعض الأولاد بعضاً أو يقتل الأبناء آبائهم وتتبدّل القرابة بينهم إلى ضدِّها وتورث في الأعقاب فتسفك الدماء ويهلك النسل ويفسد البيت.

وهذه الأمور التي تحدثُ في البيت تسري إلى المجتمع فيوجد الشقاق وتفسد الأخلاق وتوجد القسوة والظلم والبغي والفحشاء وينسلب الأمن ، فإذا أُضيف إلى ذلك جواز الطلاق ، فينشأ في المجتمع رجال ذوّاقون مترفون لا همّ لهم إلاّ إتباع الشهوات ، وهذا فيه تضييع نصف المجتمع وهم قبيل النساء ، وإذا فسد هذا النصف فسد النصف الآخر.

ويرد على هذا الكلام :

أ) إنّ هذا الذي ذكر ليس موجوداً في كلّ بيت فيه ضرّتان أو ضرائر ، إذ إنّ كثيراً من هذه البيوت فيها الوئام والعيش الكريم على كتاب الله وسنّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا يكشف عن أنّ تعدّد الزواج ليس هو العلة لهذه النتائج التي وصل إليها المستشكلون على تعدّد الزوجات ، وإلاّ لكانت تلك النتائج في كلّ بيت فيه تعدّد الزوجات ، وهو أمر ممنوع(1) .

__________________

(1) إنّ أهم بيت في الإسلام تعدّدت فيه الزوجات هو بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا نجد لتلك النتائج أثراً.


ب) ثمّ لو كان هذا موجوداً على نحو الموجبة الجزئية ، فيمكن التخلّص منه بأن يجعل لكلّ زوجة سكناً خاصّاً كما هي عليه حياتنا الحاضرة ، فتزول تلك النتائج التي توصّل إليها المستشكلون.

ج) إنّ تلك الإشكالات المحدودة في بعض بيوت الضرائر إنّما ترد على المسلمين لا على الإسلام وتعاليمه ، فإنّ كثيراً من المسلمين لم يعملوا بحقيقة ما ألقته إليهم تعاليم الإسلام ، وقد فقدوا الحكومة الصالحة منذ قرون وقد تربوا على غير دين الإسلام ، فالمسلمون اليوم لا نجد في كثير من منازلهم اجتماعاً سعيداً حتّى بدون وجود ضرّة فيه ، ولعل السبب في ذلك هو تقديم شره وشهوة الرجل على أهلهم وذويهم ومجتمعهم ، وعدم الاعتناء بما يجب على الزوج من واجبات تجاه أهله وأولاده.

د) إنّ الإسلام لم يشرّع تعدّد الزوجات على سبيل الفرض والوجوب ، بل شرّعه على وجه الإباحة لحفظ المجتمع الإنساني ، وقيّده بعدل الرجل بين الضرائر ومن لم يثق بنفسه العدل فيقتصر على الواحدة( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) ( 1 ) .

نعم ، إذا وجد الولي أنّ التعدّد في ظرف من الظروف يشكّل فساداً في المجتمع ، فله الحقّ أن يمنع منه منعاً حكوميّاً لفترة معيّنة إلى أن تزول تلك المشاكل الناشئة من تعدّد الزوجات ، وهذا غير رفع التشريع الذي شرّعه الإسلام والذي يجب أن يكون إلى الأبد; لأنّ حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، كما جاء في الأحاديث الشريفة( 2 ) .

هذه خلاصة ما ذكر من إشكالات على تعدّد الزوجات والإجابة عليها ، فلاحظ وتأمّل.

__________________

(1) النساء : 3.

(2) راجع تفسير الميزان 2 : 260 ، وما بعدها و 4 : 178 ـ 194.


دليل الكتاب

مقدّمة المركز 5

تمهيد. 25

المبدأ الأساسي في فهم دور المرأة في المجتمع  33

نظرة الإسلام للمرأة والتديّن. 35

نظرة الإسلام للمرأة وسموّها العقلي (العلم) 39

دور المرأة في الأُسرة في النظرة الإسلامية 45

عدم خروج الزوجة من البيت إلاّ بإذن الزوج  58

الرجال قوّامون على النساء 65

تجب المواقعة كلّ أربعة أشهر مرّة 75

دور الأُسرة في المجتمع الإسلامي. 83

الوضع الحالي للمرأة بتأثير البيئة الاجتماعية 91

امتهان المرأة وانتقاص حقوقها 95

التنظيم السوي للعلاقة بين الرجل والمرأة 99

المرأة في الغرب.. 101

المرأة في المجتمعات الإسلامية 121

هل للمرأة أهلية تولّي السلطة؟ 141

هل يشترط الذكورة في القاضي؟ 151

هل للمرأة أن تكون مرجعاً للأُمّة؟ 155

ديّة المرأة نصف ديّة الرجل. 157

حقّ الطلاق للرجل. 159

شهادة المرأة في القضاء 163

توحيد الموقف الإسلامي اتجاه 165


(اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة) 165

الإسلام ودعوته إلى التنمية الاجتماعية 173

التوازن بين الحقوق والواجبات.. 177

أوضاع المرأة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي  183

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة 186

إشكالات على تعدّد الزوجات.. 209

دليل الكتاب.. 220


أوضاع المرأة المسلمة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي

أوضاع المرأة المسلمة  ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي

مؤلف: الشيخ حسن الجواهري
تصنيف: المرأة
الصفحات: 221