مقدمة المركز
الحمدُ للّه ربِّ العالمين ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ..
وبعد : إنّ الدعاء مخُّ العبادة ، ولا يهلك مع الدعاء أحد û.
بهذا البيان الوجيز يجمع الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله قيمة الدعاء وأثره في الحياة فإذا كان اللّه تعالى قد قال : « وما خلقتُ الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون » فإنّ الدعاء مخُّ العبادة وجوهرها ، الذي جعله القرآن الكريم في نصّ آخر مرادفا للعبادة : « وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين » ، فجعل الدعاء هنا ممثلاً للعبادة ومترجما لها.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : إنّ الدعاء هو العبادة û ثم تلا هذه الآية الكريمة التي تعبر عن هذا المعنى ، وقال : هي واللّه العبادة ، هي واللّه العبادة û يريد الدعاء ..
ومن ناحية اُخرى تعطي هذه الآية الكريمة صورة الدعاء المقابلة لصورة الاستكبار صورتان متضادتان ، تعكس الاُولى خصائص العابد العارف بحق ربه تعالى شأنه والعارف بحقيقته عبدا للّه ، وبقيمة صلته بخالقه ومولاه ، فيما تعكس الثانية ، ملامح عاصٍ عنيد جافٍ بعيدٍ عن إدراك كل تلك المعاني الاُولى ليعود بنا هذا المشهد إلى تصديق دلالة الدعاء على العبادة ، وكون محلّه منها محل المخّ واللبّ والجوهر والمعنى.
وهذا هو الذي يفسّر لنا النصوص المعصومة التي تفيد بأنّ أفضل العبادة هو الدعاء ذلك أن غاية العبادة هي التقرب إلى اللّه تعالى بمعرفة حقه وسلطانه الذي لا يشركه فيه أحد ، والتذلل إليه المعبر عن يقين المرء بحاجته إلى من بيده ملكوت السماوات والأرض ، الذي لا معطي لما منع ،
ولا مانع لما أعطى ، ولا دافع لما قدّر إلاّ هو.
ولا تتجلى هذه المعاني في شيء مثل تجليها في الدعاء ، فهو أفضل وسيلة إذن للتعبير عنها وامتثالها وجدانا وسلوكا ، حاضرا ومستقبلاً ، إنّها الحالة التي تتجلى فيها العبودية في أروع صورها وأتمّها ، فلا غرابة في أن تكون هي أحب حالات العبد إلى اللّه تعالى ، ففي حديث أمير المؤمنينعليهالسلام : « أحبُّ الأعمال إلى اللّه عزَّ وجلّ في الأرض الدعاء ».
وإذا كانت الشريعة السمحة قد عُنيت بأمر من الاُمور إلى هذا الحدّ ، فلابدّ أن تضع للناس آدابه وشرائطه التي بها يستكمل صورته ويؤتي أُكُلَه ، وهكذا كان شأن هذه الشريعة السمحة والمحجة البيضاء مع الدعاء ، فعرّفت الناس بآدابه ، والتي في مقدمتها الصدق والاخلاص في التوجه إلى اللّه تعالى ، والثقة به ، واليقين بأنّه سميع مجيب ، وحسن التأدّب بين يديه بأدب العبد الخاضع الذي يرجو نظرة ربه ولطفه ورحمته كما عرّفتهم بشروطه التي بها يكون دعاءً صحيحا ترجى من ورائه أحسن الآثار العاجلة منها والآجلة ، وبدونها سيكون لغوا كسائر ما يهذر به بعض الناس في ساعات التسامح واللامبالاة.
وهذا الكتاب الذي يقدمه مركز الرسالة لقرّائه الكرام ضمن ( سلسلة المعارف الإسلامية ) سينفتح على كلِّ هذه الآفاق بالتعريف الوافي ، ضمن السياق الروحي والتربوي الذي لا غنى للإنسان عنه.
واللّه من وراء القصد وهو الهادي إلى سبيل الرشاد
مركز الرسالة
المقدِّمة
الحمدُ للّه ربِّ العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خير الأنام ومصباح الظلام محمد المصطفى الأمين وآله الهداة الميامين. وبعد :
قال تعالى :( ادعُوني أستجب لكم إنّ الذينَ يستكبرُونَ عن عِبادَتي سَيدخُلُونَ جَهنَّم داخِرِين ) (1) .
الدعاء عبادة يمارسها الإنسان في جميع حالاته ، لأنّه يترجم عمق الصلة بين العبد وبارئه ، ويعكس حالة الافتقار المتأصلة في ذات الإنسان إلى اللّه سبحانه ، والإحساس العميق بالحاجة إليه والرغبة فبما عنده.
فالدعاء مفتاح الحاجات ووسيلة الرغبات ، وهو الباب الذي خوّله تعالى لعباده كي يلجوا إلى ذخائر رحمته وخزائن مغفرته ، وهو الشفاء من الداء ، والسلاح في مواجهة الاعداء ، ومن أقوى الأسباب التي يستدفع بها البلاء ويُردُّ القضاء.
ولذلك فإنّنا نجد الدعاء من أبرز القيم الرفيعة عند الأنبياء والأوصياء والصالحين ، ومن أهمّ السنن المأثورة عنهم.
ولقد اهتمّ الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله وعترته المعصومونعليهمالسلام بالدعاء اهتماما خاصا ، وحفلت كتب الدعاء الكثيرة المروية عنهمعليهمالسلام بتراث فذّ
__________________
(1) سورة غافر : 40 / 60.
من أدعيتهم ، يُعدُّ صفحة مشرقة من صفحات التراث الإسلامي ، فهو من حيث الفصاحة والبلاغة آية من آيات الأدب الرفيع ، ومن حيث المضمون وسيلة لنشر تعاليم القرآن وآداب الإسلام وتلقين اُصول العقيدة وتهذيب النفوس وصفائها وتنمية نزعاتها الخيرة لتصل إلى درجات الطاعة والفضيلة.
والرسالة التي بين يديك هي إحدى ثمرات ذلك الأدب الرفيع ، فهي دراسة متواضعة تعكس للقارئ الكريم وباسلوب بسيط أهم ما يتعلق بموضوع الدعاء وفقا لما جاء في الكتاب الكريم والسُنّة المطهّرة ، وذلك في أربعة فصول :
الفصل الأول : مفهوم الدعاء وعلاقته بالعبادة.
الفصل الثاني : آداب الدعاء.
الفصل الثالث : استجابة الدعاء ، ويشتمل على العوامل المؤثرة في استجابة الدعاء ، وأسباب تأخر الاجابة ، والدعوات المستجابة وغير المستجابة.
الفصل الرابع : آثار الدعاء في الدنيا والآخرة.
نرجو من اللّه تعالى أن ينفع بها الإخوة المؤمنين ، ونسأله سبحانه العون والسداد ، ونستلهمه التوفيق والرشاد.
الفصل الأول
مفهوم الدعاء وعلاقته بالعبادة
الدعاء في اللغة :
الدعاء : هو أن تميل الشيء إليك بصوتٍ وكلامٍ يكون منك.
تقول : دعوت فلانا أدعوه دعاءً ، أي ناديته وطلبت إقباله ، وأصله دُعاوٌ ، إلاّ أنّ الواو لمّا جاءت بعد الألف هُمزت.
وللدعاء في الكتاب الكريم وجوه عدّة ، كلّها تدور حول المعنى اللغوي المتقدم ، نذكر منها :
1 ـ النداء ، يقال : دعوت فلانا ، أي ناديته وصحت به ، قال تعالى : «فَقُل تعالوا ندعُ أبنَاءَنا وأبنَاءَكُم ونِساءَنا ونِساءَكُم وأنفُسنَا وأنفُسَكُم »(1) أي ، ننادي ...
وقد يستعمل كل واحد من النداء والدعاء موضع الآخر ، قال تعالى : «كمَثلِ الذي يَنعقُ بما لا يَسمَعُ إلاّ دُعاءً ونِداءً »(2) .
__________________
(1) سورة آل عمران : 3 / 61.
(2) سورة البقرة : 2 / 171.
2 ـ الطلب ، يقال : دعاه ، أي طلبه ، قال تعالى : «وإن تدعُ مُثقلةٌ إلى حَملِها »(1) ، أي تطلب أن يحمل عنها.
3 ـ القول ، قال تعالى : «فما كان دعواهُم إذ جاءَهُم بأسُنَا »(2) ، أي قولهم إذ جاءهم العذاب.
4 ـ العبادة ، قال تعالى : «لن ندعُوا مِن دُونه إلها »(3) ، أي نعبد.
5 ـ الاستعانة ، قال تعالى : «وادعوا شُهداءَكُم من دونِ اللّه »(4) ، أي استعينوا واستغيثوا بهم.
6 ـ الحثّ على الشيء ، قال تعالى : «قال ربِّ إنِّي دعوتُ قومي ليلاً ونهارا »(5) ، أي حثثتهم على عبادة اللّه سبحانه.
7 ـ النسبة ، قال تعالى : «ادعُوهُم لآبائهم هو أقسطُ »(6) ، أي انسبوهم واعزوهم.
8 ـ السؤال ، قال تعالى : «قال ادعُ لنا ربَكَ »(7) أي سله(8) .
__________________
(1) سورة فاطر : 35 / 18.
(2) سورة الاعراف : 7 / 5.
(3) سورة الكهف : 18 / 14.
(4) سورة البقرة : 2 / 23.
(5) سورة نوح : 71 / 5.
(6) سورة الاحزاب : 33 / 5.
(7) سورة البقرة : 2 / 69.
(8) يراجع في معنى الدعاء ، صحاح الجوهري ـ دعا ـ 6 : 2337. ومعجم مقاييس اللغة ـ دعو ـ 2 : 279. وأساس البلاغة ـ دعو ـ 131. والقاموس المحيط ـ دعا ـ 4 : 329. ولسان العرب
الدعاء في الاصطلاح :
طلب الأدنى من الأعلى : على جهة الخضوع والاستكانة(1) .
ودعاء العبد ربه جلَّ جلاله : طلب العناية منه ، واستمداده إياه المعونة(2) .
ويقال : دعوتُ اللّه أدعوهُ دعاءً : ابتهلتُ إليه بالسؤال ، ورغبتُ فيما عنده من الخير(3) .
قال تعالى : «وقالَ ربُكُم ادعُوني أستجب لكم إنّ الذين يستكبرُون عن عبادتي سيدخُلُون جهنَّم داخرين »(4) .
ويقول العلاّمة المجلسي : الأدعية المأثورة على نوعين :
1 ـ الأوراد والأذكار الموظفة المقررة في كلِّ يوم وليلة المشتملة على تجديد العقائد وطلب المقاصد والأرزاق ودفع كيد الأعداء ونحو ذلك ، وينبغي للمرء أن يجتهد في حضور القلب والتوجه والتضرع عند قرائتها ، لكن يلزم أن لا يتركها إن لم يتيسر ذلك.
2 ـ المناجاة ، وهي الأدعية المشتملة على صنوف الكلام في التوبة والاستغاثة والاعتذار وإظهار الحب والتذلل والانكسار ، وظني أنه
__________________
ـ دعا ـ 14 : 257. ومفردات الراغب : 170. والأنباء بما في كلمات القرآن من أضواء 2 : 270.
(1) عمدة الداعي : 12.
(2) تفسير الرازي 5 : 97.
(3) المصباح المنير 1 : 194.
(4) سورة غافر : 40 / 60.
لا ينبغي أن تقرأ إلاّ مع البكاء والتضرع والخشوع التام ، وينبغي أن تترصد الأوقات لها.
وهذان القسمان من الدعاء ببركة أهل البيتعليهمالسلام عندنا كثير.
فأما القسم الأول فأكثرها مذكورة في مصباحي الشيخ الطوسي والكفعمي ، وكتابي التتمات والاقبال لابن طاووس في ضمن التعقيبات وأدعية الاُسبوع وأعمال السنة وغيرها.
والقسم الثاني أيضا منشورة في عرض تلك الكتب وغيرها ، كالأدعية الخمس عشرة ، والمناجاة المعروفة بالانجيلية ، ودعاء كميل النخعي وغيرها ، والصحيفة الكاملة جلّها بل كلّها في المقام الثاني(1) .
علاقة الدعاء بالعبادة :
تقدّم أن العبادة هي أحد الاُمور التي يصدق عليها مفهوم الدعاء اللغوي الواسع ، ويدل على ذلك آيات قرآنية كثيرة وردت في هذا السياق ، منها قوله تعالى : «لن ندعُوا مِن دُونِه إلها »(2) أي لن نعبد إلها دونه ، فهذه الآية وغيرها تترجم الصلة اللغوية الدائمة القائمة بين العبادة والدعاء.
أما الصلة الاصطلاحية بين العبادة والدعاء ، فإنّ الدعاء في نفسه عبادة ؛ لأنّهما يشتركان في حقيقة واحدة ، هي إظهار الخشوع والافتقار إلى اللّه تعالى ، وهو غاية الخلق وعلّته ، قال تعالى : «وما خلقتُ الجنَّ
__________________
(1) الاعتقادات / المجلسي : 41.
(2) سورة الكهف: 18 / 14.
والانسَ إلاّ لِيعبُدُونِ »(1) ، وقال تعالى : «قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُم ربي لولا دُعاؤكُم »(2) .
فالدعاء والعبادة يعكسان الفقر المتأصل في كيان الإنسان إلى خالقه تعالى مع إحساسه العميق بالحاجة إليه والرغبة فيما عنده.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «الدعاء هو العبادة التي قال اللّه : «إنّ الذينَ يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنَّم داخرين » »(3) يعني أنّ الدعاء هو معظم العبادة وأفضلها ، وذلك كقول رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «الحج عرفة » أي الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم(4) .
ويؤيد ذلك حديث الإمام الباقرعليهالسلام : «أفضل العبادة الدعاء »(5) .
وما رواه سدير عنهعليهالسلام ، قال : قلت لأبي جعفر الباقرعليهالسلام : أي العبادة أفضل؟ فقالعليهالسلام : «ما من شيء أفضل عند اللّه عزَّ وجلَّ من أن يسأل ويطلب ممّا عنده »(6) .
وإذا قيل : إنّ الدعاء لا يصحّ إطلاقه على العبادة الشرعية التكليفية ، فإنّ الصيام مثلاً لا يسمى دعاءً لغةً ولا شرعا ، وعليه فليس كلّ عبادة شرعية دعاءً.
__________________
(1) سورة الذاريات : 51 / 56.
(2) سورة الفرقان : 25 / 77.
(3) الكافي 2 : 339 / 7 ، والآية من سورة غافر : 40 / 60.
(4) تفسير الرازي 5 : 99.
(5) الكافي 2 : 338 / 1.
(6) الكافي 2 : 338 / 2.
نقول : (الدعاء من العبد لربه : هو عطف رحمته وعنايته إلى نفسه بنصب نفسه في مقام العبودية والمملوكية ، ولذا كانت العبادة في الحقيقة دعاءً ، لأنّ العبد ينصب فيها نفسه في مقام المملوكية والاتصال بمولاه بالتبعية والذلّة ليعطفه بمولويته وربوبيته إلى نفسه ، وهو الدعاء)(1) .
وإلى ذلك يشير قوله تعالى : «وقالَ ربُكُم ادعُوني استجب لكم إنّ الذينَ يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنَّم داخرين »(2) ، فالآية تدعو إلى الدعاء وتحثّ عليه وتعد بالاجابة ، وتزيد على ذلك حيث تسمي الدعاء عبادة ، فقد عبّرت أولاً بالدعاء (ادعوني) ثمّ عبرت عن الدعاء بالعبادة (عن عبادتي) أي عن دعائي ، بل (إنّ الآية تجعل مطلق العبادة دعاءً ، حيث إنها تشتمل على الوعيد لترك الدعاء بالنار ، والوعيد بالنار إنّما هو على ترك العبادة رأسا ، لا على ترك بعض أقسامها دون بعض ، فأصل العبادة إذن دعاء)(3) .
وإذا تأملنا في قوله تعالى : «وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أُجيبُ دعوة الداع إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون »(4) .
نلاحظ أنه (كما يشتمل على الحكم وهو إجابة الدعاء ، كذلك يشتمل على علله ، فكون الداعين عبادا للّه تعالى هو الموجب لقربه منهم ، وقربه منهم هو الموجب لاجابته المطلقة لدعائهم)(5) .
__________________
(1) تفسير الميزان 10 : 38.
(2) سورة غافر 40 : 60.
(3) تفسير الميزان 2 : 33.
(4) سورة البقرة : 2 / 186.
(5) تفسير الميزان 2 : 32.
فاخلاص العبودية للّه تعالى هو علّة القرب منه تعالى والارتباط به ، والقرب منه هو مظنّة الإجابة ، وهو يكشف عن الصلة الموضوعية بين حقيقة الدعاء وحقيقة العبادة ، قال الإمام الصادقعليهالسلام : «عليكم بالدعاء ، فانكم لا تُقرّبون بمثله »(1) .
الدعاء مخُّ العبادة :
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : الدعاء مخُّ العبادة ، ولا يهلك مع الدعاء أحد(2) هذا الحديث المبارك يكشف لنا عن جوهر العبادة وحقيقتها التي تتجلّى في إقبال العبد المحتاج على المعبود الغني «يا أيُّها النَّاسُ أنتم الفقراءُ إلى اللّه واللّه هو الغنيُ الحميدُ »(3) .
وهذا الاقبال هو التعبير الحي عن الصلة الموضوعية بين الخالق والمخلوق ، وعن شعور الإنسان بحاجته الدائمة إلى ربّه تعالى في جميع أموره واعترافه الخاضع بالعبودية له تعالى ، والتي تتجسد في الشعور بالارتباط العميق باللّه سبحانه ، فجوهر العبادة إذن هو تحقيق الارتباط والعلاقة بين الخالق والمخلوق ، والدعاء هو أوسع أبواب ذلك الارتباط وتلك العلاقة ، فهو إذن مخ العبادة وحقيقتها وأجلى صورها ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «أفضل العبادة الدعاء ، وإذا أذن اللّه لعبد في الدعاء فتح له أبواب الرحمة ، إنّه لن يهلك مع الدعاء أحد »(4) .
__________________
(1) الكافي 2 : 339 / 6.
(2) بحار الأنوار 93 : 300.
(3) سورة فاطر : 35 / 15.
(4) عدة الداعي : 35.
الدعاء في البلاء والرخاء :
الدعاء باعتباره عبادة تسمو بالنفس وتشرق بالروح وتوصل الإنسان بربه بارى ء الكون ، يجب أن لا ينحصر في وقت الشدة والاضطرار بل يجب أن يكون في جميع الأحوال ، نابعا من التسامي النفسي والانفتاح الروحي والكمال الانساني.
الدعاء في البلاء :
إنّ علاقة الإنسان بربه علاقة ذاتية متأصلة في نفس الإنسان ، ولكلِّ امرى ء طريق من قلبه إلى خالقه ، وثمة باب في القلوب يفتح إلى من بيده مجريات الأحداث وهو بكلِّ شيء محيط ، فحتى أشقى الأشقياء نجده عند الابتلاء بالمصائب والمحن ، وعندما توصد في وجهه الأبواب ، وتنقطع به العلل والأسباب ، يفزع إلى خالقه وينقطع إليه ضارعا منكسرا ، وهذا أمر ذاتي يتساوى فيه الناس مهما كانت اتجاهاتهم وميولهم ، قال تعالى : «وإذا مسَّ الإنسانَ الضُرُّ دعانا لجنبِهِ أو قاعِدا أو قائما فلمّا كشفنا عنه ضُرَّهُ مرَّ كأن لم يدعُنا إلى ضُرٍّ مَّسّهُ »(1) .
وقال تعالى : «وإذا مسَّ النَّاس ضُرٌّ دعوا ربَهُم مُنيبين إليه ثم إذا أذاقهُم منهُ رحمةً إذا فريقٌ منهم بربهم يُشركون »(2) .
وقال تعالى : «وإذا مسَكُم الضُرُّ في البحر ضلَّ من تدعُونَ إلاّ إياهُ فلمّا نجَّاكم إلى البرِّ أعرضتُم وكان الإنسانُ كفورا »(3) ، والآيات في هذا المعنى
__________________
(1) سورة يونس : 10 / 12.
(2) سورة الروم : 30 / 33.
(3) سورة الاسراء 17 : 67.
كثيرة ، وكلّها تدلُّ على أنّ التوجه إلى اللّه تعالى في حال الشدة والاضطرار أصيل في فطرة الإنسان وطبيعي في وجوده.
قال رجل للإمام الصادقعليهالسلام : يا بن رسول اللّه ، دلّني على اللّه ما هو؟ فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيّروني ، فقال له : «يا عبداللّه ، هل ركبت سفينة قط؟ قال : نعم. قال عليهالسلام : فهل كُسر بك حيث لا سفينة تنجيك ، ولا سباحة تغنيك؟ قال : نعم ، قال عليهالسلام : فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئا من الأشياء قادرٌ على أن يخلصك من ورطتك؟ قال : نعم. قال الإمام الصادق عليهالسلام : فذلك الشيء هو اللّه القادر على الانجاء حيث لا منجي، وعلى الاغاثة حيث لا مغيث »(1) .
لقد جعل الإمام الصادقعليهالسلام الرجل يعرف اللّه تعالى عن طريق قلبه ، لقد دلّه الإمامعليهالسلام على ذلك الطريق الذي يوصل بين القلب والخالق القادر ، إنّ هذا الاتجاه الفطري الذي يتجلّى عند تقطع الأسباب ويتوجه إلى القدرة القاهرة الغالبة على الأسباب والعلل الظاهرة ، هو الدليل على وجود تلك القدرة ، ولولا وجودها لما وجدت تلك الفطرة في قلب الإنسان.
إنّ التوجه إلى اللّه تعالى في حال الشدّة والاضطرار والتضرع إليه بالدعاء ، أمرٌ غير مرئي بالحواس ، ويمكننا أن نشبّهه بتوجّه غريزي مرئي ومعروف ، ذلك هو ميل الطفل إلى ثدي أُمّه ، هو غريزة تنشأ معه منذ ولادته ، فإذا جاع تحركت فيه هذه الغريزة وهدته إلى البحث عن ثدي أُمّه الذي لم يره ولم يعرفه ولم يتعوّد عليه ، فلولا وجود ثدي ولبن يناسبان
__________________
(1) بحار الانوار 3 : 41 / 16.
معدة الطفل لما أرشدته الغريزة إليهما ، وكذلك حال الغرائز الاُخرى في الإنسان ، فلولا وجود تلك القدرة القاهرة لما وجدت تلك الفطرة وذلك التوجّه الغريزي في ذات الإنسان.
إنَّ هذا الأمر الأصيل في وجود الإنسان ، قد تغطّيه حجب الإثم والشقاء بعدما يظهر للعيان بنداء الفطرة ، فيتراءى للإنسان أنّه قد استغنى ، فيطغى ويعرض عن خالقه متعلّقا بالاسباب التي هي دونه ، قال تعالى : «كلاّ إنَّ الإنسان ليطغى * ان رآهُ استغنى »(1) ، وقال تعالى : «فلمّا كشفنا عنه ضرَّهُ مرَّ كأن لم يدعُنا إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ »(2) ، وقال تعالى : «فلمَّا نجاكم إلى البرِّ أعرضتُم »(3) .
فإذا اقتصر الإنسان على الدعاء في حال الاضطرار والشدة ، فان ذلك لا يمثل كمالاً إنسانيا ولا إخلاصا عباديا ، بل هو جفاء وقسوة وابتعاد عن رحاب الرحمة والمغفرة.
الدعاء في الرخاء :
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله موصيا الفضل بن العباس : «احفظ اللّه يحفظك ، احفظ اللّه تجده أمامك، تعرّف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدّة »(4) يعني أدع اللّه في الرخاء ولا تنسه حتى يستجيب لدعائك في الشدّة ولاينساك ، ولا تكن من الذين نسوا اللّه فنسيهم ، وذلك لأنّ من نسي ربه
__________________
(1) سورة العلق : 96 / 6 ـ 7.
(2) سورة يونس : 10 / 12.
(3) سورة الاسراء : 17 / 67.
(4) من لا يحضره الفقيه 4 : 296 / 896.
في الرخاء أذعن باستقلال الأسباب في الرخاء ، ثم إذا دعا ربه في الشدّة ، كان معنى عمله أنّه يذعن بالربوبية في حال الشدّة وحسب ، وليس هو تعالى على هذه الصفة ، بل هو ربّ في كلِّ حال وعلى جميع التقادير.
عندما يكون الإنسان في حال رخاء واطمئنان ، يجب أن يعلم بأنّ ما هو فيه من نعمة مزجاة هي من اللّه ، وانه هو القادر على أن يسلبه إياها كما هو القادر على أن يزيده منها ، وذلك لأنّه خالق الكون والإنسان والحياة ، وأنه اللطيف بعباده الرؤوف بهم.
ولهذا نجد أنّ الأنبياء والأوصياء والصالحين يتوجهون إلى ربهم بنفس متسامية مشرقة حتى عندما يكونون في رخاء وبحبوحة عيش ، يدعو ربهم ويتوسلون به ليديم عليهم نعمته ويزيدهم من فضله :« وزكريا إذ نادى ربهُ ربِّ لا تذرني فردا وأنت خيرُ الوارثينَ * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا لهُ زوجهُ إنهم كانوا يُسارعون في الخيرات ويدعُوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين »(1) .
إنّ اللّه تعالى يستجيب لهم وينظر إليهم بعين رحمته في حال رخائهم ، ويسرع إلى نجدتهم ورفع البلاء عنهم في حال المحنة والابتلاء كما يسرعون إلى استدعاء رحمة ربهم ، وقد ورد في الروايات ما يدلُّ على استحباب التقدم بالدعاء في الرخاء قبل نزول البلاء.
فعن الإمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام أنّه كان يقول : «ما من أحد ابتلي وان عظمت بلواه أحقُّ بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء »(2) .
__________________
(1) سورة الأنبياء : 21 / 89 ـ 90.
(2) من لا يحضره الفقيه 4 : 285 / 853. وأمالي الصدوق : 218 / 5. ونهج البلاغة ـ الحكمة (302).
وعن الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام أنّه كان يقول : «لم أرَ مثل التقدّم في الدعاء ، فان العبد ليس تحضره الاجابة في كلِّ ساعة »(1) .
وعن الإمام أبي الحسنعليهالسلام : «إنّ أبا جعفر عليهالسلام كان يقول : ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحوا من دعائه في الشدة ، ليس إذا اعطي فتر ، فلا تملّ الدعاء ، فإنّه من اللّه عزَّ وجلّ بمكان »(2) .
فالدعاء الاضطراري الذي يمثل نداء الفطرة والغريزة لا تتخطّاه الاجابة ، لأنّه يقع ضمن دائرة الرحمة الالهية التي وسعت كل شيء ، والدعاء الاختياري الذي يصدر عن منطقة الوعي ونداء العقل وينبض بحركة الروح والشعور في الذات وحركة القلب المنقطع إلى ربه المتخلي عن جميع الأسباب في الشدة والرخاء ، هو الآخر لا تتخطّاه الاجابة ، وهو مخُّ العبادة وجوهرها النقي ، وهو الذي وصف به المتقون : «ذُبُل الشفاه من الدعاء ، صُفُر الألوان من السهر ، على وجوههم غيرة الخاشعين »(3) .
والدعاء بالمعنى الأخير عبادة حيّة متحركة لا تخضع للزمان والمكان المعينين ولا للأفعال الخاصة والكلمات المحددة ، بل ينطلق فيها الإنسان حرا في المكان الذي يقف فيه ، والوقت الذي يختاره ، واللغة التي يتحدث بها ، والكلمات التي يعبر بها ، والمضمون الذي يريده.
اقتران الدعاء بمظاهر العبادة :
لقد اهتم الشارع المقدس بالدعاء لأنّه أحب الأعمال إلى اللّه تعالى في
__________________
(1) الارشاد : 259.
(2) 2 : 354 / 1. وقرب الاسناد : 171.
(3) نهج البلاغة : الخطبة (121).
الأرض ، فقرّر لآناء الليل والنهار ولكلِّ يوم من أيام الاسبوع وللشهور والسنين أدعية خاصة ، وجعل كذلك لكلِّ حالة من حالات الإنسان ولكلِّ فعل يريد الاقدام عليه ولجميع مطالبه الدنيوية والاخروية وظائف من الدعاء والذكر.
ويأتي في مقدمة ذلك اقتران الدعاء بسائر العبادات والطاعات التي يتقرب بها العبد إلى خالقه تعالى بشكل لا يقبل الانفصال ، ففي الصلاة والصيام والحج دعوات قررتها الشريعة المقدسة في أوقات معينة.
ومن موارد الدعاء في الصلاة تأكد استحبابه في الركعة الثانية من كل فريضة أو نافلة وفي السجود وفي أدبار الصلوات.
القنوت :
القنوت شرعا : الذكر في حال مخصوص ، وهو مستحبٌّ في كلِّ صلاة مرّة واحدة ، فرضا كانت أو نفلاً ، أداءً أو قضاءً ، عند علمائنا أجمع ، ومحلّه بعد القراءة قبل الركوع(1) .
قال الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام : «القنوت في كلِّ صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع »(2) .
ومما ورد في فضل القنوت قول رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «أطولكم قنوتا في دار الدنيا ، أطولكم راحة يوم القيامة في الموقف » (3) .
__________________
(1) جواهر الكلام 10 : 353.
(2) الكافي 3 : 340 / 7. والتهذيب 2 : 89 / 330.
(3) ثواب الأعمال : 33. وأمالي الصدوق : 411.
ويجوز الدعاء في القنوت بكلِّ ما جرى على اللسان ، لما روي عن إسماعيل بن الفضل ، قال : سألت أبا عبداللّهعليهالسلام عن القنوت وما يقال فيه ، فقالعليهالسلام : «ما قضى اللّه على لسانك ، ولا أعلم فيه شيئا مؤقتا »(1) .
ويستحب الدعاء بالمأثور لتجاوز الخطأ واللحن الشائع على الألسن في هذا الزمان ، قال الإمام الصادقعليهالسلام : «يجزيك في القنوت : اللهمَّ اغفر لنا وارحمنا ، وعافنا وأعفُ عنا في الدنيا والآخرة ، إنّك على كلِّ شيءٍ قدير »(2) .
الدعاء في السجود :
إنّ الدعاء هو الاقبال إلى اللّه تعالى والانقطاع إليه ليتحقق القرب من منازل الرحمة الالهية ، والسجود باعتباره روح العبادة حيث تتجلّى فيه منتهى العبودية والخضوع للواحد الأحد يحقّق الغرض المراد من الدعاء ، وهو القرب من رحاب الخالق جلَّ وعلا ، فعلى العبد أن ينتهز فرصة القرب ليسأل من خزائن رحمة ربه وذخائر مغفرته.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «عليك بالدعاء وأنت ساجد ، فإنّ أقرب ما يكون العبد إلى اللّه وهو ساجد »(3) .
وعنهعليهالسلام : «إنّ العبد إذا سجد فقال : يا ربِّ يا ربِّ حتى ينقطع نفسه ، قال له الربّ : لبيك ما حاجتك »(4) .
__________________
(1) الكافي 3 : 340 / 8. والتهذيب 2 : 314 / 1281.
(2) الكافي 3 : 340 / 12. والتهذيب 2 : 87 / 322.
(3) الكافي 3 : 324 / 11.
(4) بحار الأنوار 86 : 205 / 19.
ويستحب أن يدعو العبد بالمأثور أثناء السجود ، فعن جميل بن دراج ، عن أبي عبداللّهعليهالسلام أنّه قال : «أقرب ما يكون العبد من ربِّه إذا دعا ربه وهو ساجد ، فأي شيء تقول إذا سجدت ؟ ».
قلت : علّمني ـ جعلت فداك ـ ما أقول؟
قالعليهالسلام : « قل : يا رب الأرباب ، ويا ملك الملوك ، ويا سيد السادات ، ويا جبار الجبابرة ، ويا إله الآلهة ، صلِّ على محمد وآل محمد وافعل بي كذا وكذا.
ثم قل : فإنّي عبدك ، ناصيتي بيدك ، ثم ادع بما شئت وسله ، فإنّه جواد ولا يتعاظمه شيء »(1) .
وعنهعليهالسلام : «انّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله كان إذا وضع وجهه للسجود يقول : اللهمَّ مغفرتك أوسع من ذنوبي ، ورحمتك أرجى عندي من عملي ، فاغفر لي ذنوبي يا حيا لا يموت »(2) .
وسنأتي على الموارد الاُخرى من مظاهر العبادة التي تقترن بالدعاء في الفصل الثالث عند ذكر تأثير عامل الزمان والمكان في استجابة الدعاء.
__________________
(1) الكافي 3 : 323 / 7.
(2) سنن النبيصلىاللهعليهوآله : 337 / 392.
الفصل الثاني
آداب الدعاء وشروطه
لقد حدّدت النصوص الإسلامية آدابا للدعاء وقررت شروطا ، لابدّ للداعي أن يراعيها كي يتقرّب إلى خزائن رحمة اللّه تعالى وذخائر لطفه ، ويتحقّق مطلوبه من الدعاء ، وإذا أهملها الداعي فلا تتحقّق له الاستجابة المرجوة من الدعاء ولا تحصل له نورانية القلب وتهذيب النفس وسمو الروح المطلوبة في الدعاء.
وفيما يلي أهم هذه الشروط والآداب :
1 ـ الطهارة :
من آداب الدعاء أن يكون الداعي على وضوء ، سيّما إذا أراد الدعاء عقيب الصلاة ، فقد روى مسمع عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «يا مسمع، ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمّ من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده ، فيركع ركعتين فيدعو اللّه فيهما؟ أما سمعت اللّه يقول : «واستعينُوا بالصَّبر والصَّلاة »؟ »(1) .
__________________
(1) تفسير العياشي 1 : 43 / 139.
2 ـ الصدقة وشمّ الطيب والرواح إلى المسجد :
روي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «كان أبي إذا طلب الحاجة قدّم شيئا فتصدق به ، وشمّ شيئا من طيب ، وراح إلى المسجد »(1) .
3 ـ الصلاة :
ويستحب أن يصلي الداعي ركعتين قبل أن يشرع بالدعاء ، للرواية المتقدمة في الطهارة ، ولما روي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلى ركعتين ، فأتمّ ركوعهما وسجودهما ، ثم سلّم وأثنى على اللّه عزَّ وجلّ وعلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، ثمَّ سأل حاجته ، فقد طلب الخير في مظانّه ، ومن طلب الخير في مظانّه لم يخب »(2) .
4 ـ البسملة :
ومن آداب الدعاء أن يبدأ الداعي دعاءه بالبسملة ، لقول رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «لا يُرَدُّ دعاءٌ أوّله بسم اللّه الرحمن الرحيم »(3) .
5 ـ الثناء على اللّه تعالى :
الثناء على اللّه سبحانه اعتراف بالوحدانية ، وتحقيق للانقطاع التامّ إلى اللّه تعالى دون ما سواه ، فينبغي للداعي إذا أراد أن يسأل ربّه شيئا من حوائج الدنيا والآخرة أن يحمد اللّه ويثني عليه ويشكر ألطافه ونعمه قبل أن يشرع في الدعاء ، يقول أمير المؤمنينعليهالسلام : «الحمدُ للّه الذي جعل
__________________
(1) الكافي 2 : 347 / 7.
(2) بحار الأنوار 93 : 314 / 20.
(3) بحار الأنوار 93 : 313.
الحمد مفتاحا لذكره ، وسببا للمزيد من فضله »(1) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «إذا طلب أحدكم الحاجة فليثن على ربِّه وليمدحه »(2) .
وقد أعدّ اللّه تعالى لمن يمدحه ويمجده على حسن آلائه جزيل الثواب بما يفوق رغبة السائلين ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «من تشاغل بالثناء على اللّه ، أعطاه اللّه فوق رغبة السائلين »(3) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّ العبد لتكون له الحاجة إلى اللّه فيبدأ بالثناء على اللّه والصلاة على محمد وآله حتى ينسى حاجته ، فيقضيها من غير أن يسأله إياها »(4) .
أما ما يجزي من الثناء على اللّه سبحانه قبل الشروع بالدعاء ، فقد روي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه سئل عن ذلك فقال : «تقول : اللهمّ أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، وأنت العزيز الكريم »(5) .
6 ـ الدعاء بالاسماء الحسنى :
وعلى الداعي أن يدعو اللّه تعالى بأسمائه الحسنى ، لقوله تعالى :
__________________
(1) نهج البلاغة : الخطبة (157).
(2) الكافي 2 : 352 / 6.
(3) شرح ابن أبي الحديد 6 : 190.
(4) بحار الأنوار 93 : 312.
(5) الكافي 2 : 365 / 6.
«وللّه الأسماءُ الحُسنى فادعوهُ بها »(1) ، وقوله تعالى : «قُل ادعوا اللّه أو ادعُوا الرَّحمن أيّا ما تدعُوا فلهُ الأسماءُ الحُسنى »(2) .
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «للّه عزَّ وجلّ تسعة وتسعون اسما ، من دعا اللّه بها استُجيب له »(3) .
واعلم أن بعض أهل العلم يقول : ينبغي للداعي إذا مجّد اللّه سبحانه وأثنى عليه أن يذكر من أسماء اللّه الحسنى ما يناسب مطلوبه ، فإذا كان مطلوبه الرزق يقول : يا رزاق ، يا وهاب ، يا جواد ، يا مغني ، يا منعم ، يا مفضل ، يا معطي ، يا كريم ، يا واسع ، يا مسبب الأسباب ، يا منان ، يا رزاق من يشاء بغير حساب.
وإن كان مطلوبه المغفرة والتوبة ، يقول : يا تواب ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا رؤوف ، يا عطوف ، يا صبور ، يا شكور ، يا عفو ، يا غفور ، يا فتاح ، ياذا المجد والسماح ، يا محسن ، يا مجمل ، يا منعم.
وإن كان مطلوبه الانتقام من العدو يقول : يا عزيز ، يا جبار ، يا قهار ، يا منتقم ، ياذا البطش الشديد ، يا فعال لما يريد ، يا قاصم المودة يا طالب ، يا غالب ، يا مهلك ، يا مدرك ، يا من لا يعجزه شيء.
ولو كان مطلوبه العلم يقول : يا عالم ، يا فتاح ، يا هادي ، يا مرشد ، يا معز ، يا رافع ، وما أشبه ذلك(4) .
__________________
(1) سورة الاعراف : 7 / 180.
(2) سورة الاسراء : 17 / 110.
(3) التوحيد : 195 / 9.
(4) عدة الداعي : 199.
وقد ورد في الروايات عن أهل البيتعليهمالسلام تأكيد كثير على الدعاء بالأسماء الحسنى ، وأنّ اللّه تعالى يستجيب لعبده المؤمن إذا دعاه باسمائه الحسنى خصوصا في حال السجود.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «من قال : يا اللّه يا اللّه عشر مرات قيل له : لبيك ما حاجتك؟ »(1) .
وعنهعليهالسلام قال : «إذا قال العبد وهو ساجد : يا اللّه يا رباه يا سيداه ، ثلاث مرات ، أجابه تبارك وتعالى : لبيك عبدي ، سل حاجتك »(2) .
وقالعليهالسلام : «كان أبي إذا لجّت به الحاجة يسجد من غير صلاة ولا ركوع ثم يقول : يا أرحم الراحمين ، سبع مرات ، ثم يسأل حاجته ، ثم يقول : ما قالها أحد سبع مرات إلاّ قال اللّه تعالى : ها أنا أرحم الراحمين ، سل حاجتك »(3) .
7 ـ الصلاة على النبي وآله :
لابدّ للداعي أن يصلي على محمد وآله بعد الحمد والثناء على اللّه سبحانه ، وهي تؤكد الولاء لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله ولأهل بيته المعصومين الذي هو في امتداد الولاء للّه تعالى ، لذا فهي من أهم الوسائل في صعود الأعمال واستجابة الدعاء.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «لا يزال الدعاء محجوبا حتى يصلى عليَّ وعلى
__________________
(1) الكافي 2 : 377 / 1.
(2) أمالي الصدوق : 335 / 6.
(3) وسائل الشيعة 7 : 88 / 16.
أهل بيتي »(1) .
وقال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : «كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد » رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات(2) .
وقالعليهالسلام : «إذا كانت لك إلى اللّه سبحانه حاجة ، فابدأ بمسألة الصلاة على رسوله صلىاللهعليهوآله ثم سل حاجتك ، فإنّ اللّه أكرم من أن يُسأل حاجتين فيقي إحداهما ويمنع الاُخرى »(3) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «من دعا ولم يذكر النبي صلىاللهعليهوآله رفرف الدعاء على رأسه ، فإذا ذكر النبي صلىاللهعليهوآله رفع الدعاء »(4) .
واعلم أن الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله إنّما تكون بعد الثناء ، لما روي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «إياكم إذا أراد أحدكم أن يسأل من ربه شيئا من حوائج الدنيا والآخرة حتى يبدأ بالثناء على اللّه عزَّ وجلّ والمدح له ، والصلاة على النبي صلىاللهعليهوآله ثم يسأل اللّه حوائجه »(5) .
أما في كيفية الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ، فقد روي بالاسناد عن بريدة ، قال قلنا : يا رسول اللّه ، قد علمنا كيف نسلّم عليك ، فكيف نصلّي عليك؟
قالصلىاللهعليهوآله : «قولوا : اللهمَّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على
__________________
(1) كفاية الأثر : 39.
(2) مجمع الزوائد 10 : 160.
(3) نهج البلاغة : الحكمة 361.
(4) الكافي 2 : 356 / 2.
(5) الكافي 2 : 351 / 1.
محمد وآل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد »(1) .
ومن نماذج الصلاة على النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله وأهل بيتهعليهمالسلام في الدعاء ما روي بالاسناد عن حريز ، قال : قلت لأبي عبداللّهعليهالسلام : جعلت فداك ، كيف الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله ؟
فقال : «قُلْ : اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين ألهمتهم علمك ، واستحفظتهم كتابك ، واسترعيتهم عبادك ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أمرت بطاعتهم وأوجبت حبهم ومودتهم ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين جعلتهم ولاة أمرك بعد نبيك صلّى اللّه عليه وعلى أهل بيته »(2) .
ومن أدب الدعاء عند سيد الساجدين الإمام علي بن الحسينعليهالسلام أنّه يجعل الثناء والصلاة على النبي وآله مفتاحا لأغلب فقرات الدعاء ، وهذا واضح لمن تأمّل الصحيفة السجادية ، وهو المراد بقولهصلىاللهعليهوآله : «لا تجعلوني كقدح الراكب ، إن الراكب يملأ قدحه فيشربه إذا شاء ، اجعلوني في أوّل الدعاء وآخره ووسطه »(3) .
ومن نماذج أدعية الإمام السجادعليهالسلام التي تبدأ بالثناء فالصلاة على النبي في جميع فقرات الدعاء ثم المسألة ، قولهعليهالسلام : «يا من لا تنقضي عجائب عظمته صلِّ على محمد وآله واحجبنا عن الالحاد في عظمتك ، ويا
__________________
(1) مجمع الزوائد 10 : 163.
(2) بحار الأنوار 94 : 67 / 55.
(3) بحار الأنوار 93 : 316.
من لا تنتهي مدة ملكه صلِّ على محمد وآله واعتق رقابنا من نقمتك ، ويا من لا تفنى خزائن رحمته صلِّ على محمد وآله واجعل لنا نصيبا في رحمتك ، ويا من تنقطع دون رؤيته الأبصار صلِّ على محمد وآله وأدننا إلى قربك »(1) .
8 ـ التوسل بمحمد وآلهصلىاللهعليهوآله :
وينبغي للداعي أن يلج من الأبواب التي أمر اللّه تعالى بها ، وأهل البيتعليهمالسلام هم سفن النجاة لهذه الاُمّة ، فحريّ بمن دعا اللّه تعالى أن يتوسل إلى اللّه بهم ، ويسأله بحقهم ، ويقدمهم بين يدي حوائجه.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «الأوصياء مني بهم تُنصر أُمتي ، وبهم يمطرون ، وبهم يدفع اللّه عنهم ، وبهم استجاب دعاءهم »(2) .
وقال الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام : «من دعا اللّه بنا أفلح ، ومن دعاه بغيرنا هلك واستهلك »(3) .
وعن داود الرقي ، قال : إني كنت أسمع أبا عبداللّهعليهالسلام أكثر ما يلحُّ به في الدعاء على اللّه بحق الخمسة ، يعني رسول اللّهصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام (4) .
ومن نماذج التوسل المروي عنهمعليهمالسلام هو أن تقول : «اللهمَّ إني أتوجه إليك بمحمد وآل محمد ، وأتقرب بهم إليك ، وأقدمهم بين يدي
__________________
(1) الصحيفة السجادية : الدعاء (5).
(2) تفسير العياشي 1 : 14 / 2.
(3) أمالي الشيخ الطوسي 1 : 175.
(4) الكافي 2 : 422 / 11.
حوائجي »(1) .
وعن سماعة بن مهران ، قال : قال لي أبو الحسنعليهالسلام : «إذا كان لك يا سماعة عند اللّه حاجة فقل : اللهمَّ إني أسألك بحق محمد وعلي ، فإنّ لهما عندك شأنا من الشأن ، وقدرا من القدر ، فبحقّ ذلك الشأن وبحقّ ذلك القدر أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا »(2) .
9 ـ الاقرار بالذنوب :
وعلى الداعي أن يعترف بذنوبه مقرا مذعنا تائبا عمّا اقترفه من خطايا وما ارتكبه من ذنوب ، قال الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّما هي المدحة ، ثم الثناء ، ثم الإقرار بالذنب ، ثم المسألة ، إنّه واللّه ما خرج عبد من ذنب إلاّ بالاقرار »(3) .
وكان من دعاء الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام المروي عن كميل بن زياد : «وقد أتيتك يا الهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي ، معتذرا نادما ، منكسرا مستقيلاً ، مستغفرا منيبا ، مقرا مذعنا معترفا ، لا أجد مفرا مما كان مني ، ولا مفزعا أتوجه إليه في أمري ، غير قبولك عذري وإدخالك إياي في سعة من رحمتك ، اللهمَّ فاقبل عذري ، وارحم شدة ضري ، وفكني من شدِّ وثاقي »(4) .
__________________
(1) بحار الأنوار 94 : 22 / 19.
(2) وسائل الشيعة 7 : 102 / 9.
(3) الكافي 2 : 351 / 3.
(4) نهج السعادة : 154 ـ كتاب الدعاء.
10 ـ المسألة :
وينبغي للداعي أن يذكر بعد الثناء على اللّه تعالى والصلاة على النبي وآله والاقرار بالذنب ما يريد من خير الدنيا والآخرة ، وأن لا يستكثر مطلوبه ، لأنّه يطلب من ربِّ السموات والأرض الذي لا يعجزه شيء ، ولا تنفد خزائن رحمته التي وسعت كل شيء.
وعليه أيضا أن لا يستصغر صغيرة لصغرها ، لما روي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «ولا تتركوا صغيرة لصغرها أن تدعوا بها ، إنّ صاحب الصغار هو صاحب الكبار »(1) .
وروي عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلّها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع »(2) .
ويستحب للداعي إذا كان دعاؤه عبادة خالصة يتقرب بها إلى مولاه أن يسأل ما يبقى جماله من خير القضاء في الآجلة والعاجلة ، وأن تعكس مسألته حالة الافتقار إلى اللّه تعالى التي يتساوى فيها جميع البشر.
جاء في وصية الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام لولده الحسنعليهالسلام : «فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، ويُنفى عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له »(3) .
وروي عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّه قال : «بكى أبو ذر من خشية اللّه حتى
__________________
(1) الكافي 2 : 339 / 6.
(2) بحار الأنوار 93 : 295 و 300.
(3) نهج البلاغة : الكتاب (31).
اشتكى بصره ، فقيل له : لو دعوت اللّه أن يشفي بصرك؟ فقال : إني عن ذلك لمشغول ، وما هو من أكبر همّي : قالوا : وما يشغلك عنه؟ قال : العظيمتان : الجنة والنار »(1) .
وجاء في الحديث القدسي : «يا عبادي كلكم ضال إلاّ من هديته ، فاسألوني الهدى أُهدكم ، وكلكم فقير إلاّ من أغنيته ، فاسألوني الغنى أرزقكم، وكلكم مذنب إلاّ من عافيته، فاسألوني المغفرة أغفر لكم »(2) .
ومن دعاء الإمام زين العابدينعليهالسلام :ياذا الجلال والاكرام أسألك عملاً تُحبُّ به من عمل به ، ويقينا تنفع به من استيقن به حقَّ اليقين في نفاذ أمرك .
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد ، واقبض على الصدق نفسي ، واقطع من الدنيا حاجتي ، واجعل فيما عندك رغبتي شوقا إلى لقائك ، وهب لي صدق التوكل عليك » (3) .
11 ـ معرفة اللّه وحسن الظنّ به سبحانه :
قال العلاّمة الحليرضياللهعنه : من شروط حسن الدعاء علم الداعي كون ما يطلبه بدعائه مقدورا لمن يدعوه ، وهذا يتضمن أن من دعا اللّه تعالى يجب أن يكون عارفا به وبصفاته(4) .
فعلى الداعي أن يوقن برحمة اللّه اللامتناهية ، وبأنّه سبحانه لا يمنع
__________________
(1) بحار الأنوار 22 : 431 / 40.
(2) بحار الأنوار 93 : 293 / 20.
(3) الصحيفة السجادية : الدعاء (54).
(4) منهاج اليقين : 375.
أحدا من فيض نعمته ، وأن باب رحمته لا يغلق أبدا.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «قال اللّه عزَّ وجلّ : من سألني وهو يعلم أني أضرُّ وأنفع استجبت له »(1) .
وقيل للإمام الصادقعليهالسلام : ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا. قال : «لأنكم تدعون من لا تعرفونه »(2) .
وفي قوله تعالى: «فليستجيبوا لي وليؤمنُوا بي »(3) قالعليهالسلام : «يعلمون أني أقدر على أن أعطيهم ما يسألون »(4) .
وحسن الظن باللّه هو من شعب معرفته سبحانه ، فعلى الداعي أن يحسن الظن باستجابة دعائه ، لو عدّه الصادق بقوله تعالى : «ادعُوني استجب لكُم »(5) ، وقوله : «أمَّن يُجِيبُ المُضطرَّ إذا دعاهُ ويكشفُ السوءَ »(6) وأنّه لا يخلف الميعاد.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «ادعوا اللّه وأنتم موقنون بالاجابة »(7) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «إذا دعوت فأقبل بقلبك ، وظنّ حاجتك
__________________
(1) بحار الأنوار 93 : 305.
(2) شرح ابن أبي الحديد 11 : 230. وبحار الأنوار 93 : 368 / 4.
(3) سورة البقرة : 2 / 186.
(4) تفسير العياشي 1 : 83 / 196.
(5) سورة غافر : 40 / 60.
(6) سورة النمل : 27 / 62.
(7) بحار الأنوار 93 : 305 و 321.
بالباب »(1) .
ومن دعاء الإمام زين العبادينعليهالسلام : «اللهمَّ قد أكدى الطلب وأعيت الحيل إلاّ عندك ، وضاقت المذاهب وامتنعت المطالب وعسّرت الرغائب وانقطعت الطرق إلاّ إليك ، وتصرّمت الآمال وانقطع الرجاء إلاّ منك ، وخابت الثقة وأخلف الظنَّ إلاّ بك ، اللهمَّ إني أجد سبل المطالب إليك منهجة ، ومناهل الرجاء إليك مفتّحة ، وأعلم أنّك لمن دعاك لموضع إجابة ، وللصارخ إليك لمرصد إغاثة ، وأن القاصد لك لقريب المسافة منك »(2) .
12 ـ العمل بما تقتضيه المعرفة :
على الداعي أن يعمل بما تقتضيه المعرفة لخالقه ، بأن يفي بعهد اللّه ويطيع أوامره ، وهما من أهم الشروط في استجابة الدعاء.
عن جميل ، عن الإمام الصادقعليهالسلام ، قال : قال له رجل : جعلت فداك ، إنّ اللّه يقول : «ادعُوني استجب لكُم »(3) وإنّا ندعو فلا يستجاب لنا! قالعليهالسلام : «لأنكم لا توفون بعهد اللّه ، لو وفيتم لوفى اللّه لكم »(4) .
وعن أبي حمزة ، قال : إنّ اللّه أوحى إلى داودعليهالسلام : «يا داود ، إنّه ليس عبد من عبادي يطيعني فيما آمره إلاّ أعطيته قبل أن يسألني ، وأستجيب له
__________________
(1) الكافي 2 : 344 / 3.
(2) بحار الأنوار 95 : 450 / 3.
(3) سورة غافر : 40 / 60.
(4) تفسير القمي 1 : 46 في تفسير قوله تعالى : «وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم » البقرة : 2 / 40.
قبل أن يدعوني » (1) .
13 ـ الاقبال على اللّه :
من أهم آداب الدعاء هو أن يقبل الداعي على اللّه سبحانه بقلبه وعواطفه ووجوده ، وأن لا يدعو بلسانه وقلبه مشغول بشؤون الدنيا ، فهناك اختلاف كبير بين مجرد قراءة الدعاء وبين الدعاء الحقيقي الذي ينضمّ فيه القلب بانسجام تامّ مع اللسان ، تهتزّ له الروح وتحصل فيه الحاجة في قلب الإنسان ومشاعره.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّ اللّه عزَّ وجلّ لا يستجيب دعاء بظهر قلبٍ ساهٍ ، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثمّ استيقن بالاجابة »(2) .
14 ـ الاضطرار إلى اللّه سبحانه :
لابدّ للداعي أن يتوجه إلى اللّه تعالى توجّه المضطر الذي لا يرجو غيره ، وأن يرجع في كلِّ حوائجه إلى ربه ، ولا ينزلها بغيره من الأسباب العادية التي لا تملك ضرا ولا نفعا «قُلِ ادعُوا الَّذينَ زَعمتُم من دونه فلا يملكون كشف الضُّرِّ عنكم ولا تحويلا »(3) .
فإذا لجأ الداعي إلى ربه بقلب سليم وكان دعاؤه حقيقيا صادقا جادا ، وكان مدعوّه ربه وحده لا شريك له ، تحقق الانقطاع الصادق بالاضطرار الحقيقي إلى اللّه تعالى الذي هو شرط في قبول الدعاء «أمَّن يُجِيبُ
__________________
(1) بحار الأنوار 93 : 376.
(2) الكافي 2 : 343 / 1.
(3) سورة الاسراء : 17 / 56.
المُضطرَّ إذا دعاهُ ويكشِفُ السُّوءِ »(1) .
يقول أمير المؤمنينعليهالسلام في وصيته لولده الإمام الحسنعليهالسلام : «وألجى ء نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك ، فإنّك تُلجئها إلى كهفٍ حريز ومانع عزيز ، واخلص في المسألة لربك ، فإنّ بيده العطاء والحرمان »(2) .
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلاّ أعطاه ، فلييأس من الناس كلّهم ، ولا يكون له رجاء إلاّ عند اللّه ، فإذا علم اللّه عزَّ وجلّ ذلك من قبله لم يسأل اللّه شيئا إلاّ أعطاه »(3) .
وروي أن اللّه تعالى أوحى إلى عيسىعليهالسلام : «ادعني دعاء الحزين الغريق الذي ليس له مغيث : يا عيسى ، سلني ولا تسأل غيري ، فيحسن منك الدعاء ومني الاجابة »(4) .
15 ـ تسمية الحوائج :
إنّ اللّه تعالى محيط بعباده يعلم حالهم وحاجاتهم ، وهو أقرب إليهم من حبل الوريد ، ولكنه سبحانه يحبُّ أن تُبث إليه الحوائج وتُسمى بين يديه تعالى ، وذلك كي يقبل الداعي إلى ربه محتاجا إلى كرمه فقيرا إلى لطفه ومغفرته.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّ اللّه تبارك وتعالى يعلم ما يريد العبد إذا
__________________
(1) سورة النمل : 27 / 62.
(2) نهج البلاغة : الكتاب (31).
(3) الكافي 2 : 119 / 2.
(4) عدة الداعي : 134.
دعاه ، لكنّه يحبُّ أن تُبثّ إليه الحوائج ، فإذا دعوت فسمِّ حاجتك » (1) .
16 ـ ترقيق القلب :
ويستحب الدعاء عند استشعار رقة القلب وحالة الخشية التي تنتابه بذكر الموت والبرزخ ومنازل الآخرة وأهوال يوم المحشر ، وذلك لأنّ رقّة القلب سبب في الاخلاص المؤدي إلى القرب من رحمة اللّه وفضله ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «اغتنموا الدعاء عند الرقة ، فإنّها رحمة »(2) .
وقال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : «بالاخلاص يكون الخلاص ، فإذا اشتدّ الفزع ، فإلى اللّه المفزع »(3) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «إذا رقّ أحدكم فليدع ، فإنّ القلب لا يرقّ حتى يخلص »(4) .
وكلّما رقّ قلب الداعي كلّما كان مهيئا لاستقبال ذخائر الرحمة الإلهية وتحقق قصده في الاستجابة ، قال الإمام الصادقعليهالسلام : «إذا اقشعر جلدك ، ودمعت عينك ، ووجل قلبك ، فدونك دونك ، فقد قصد قصدك »(5) .
أما القلب القاسي بكثرة الذنوب والمعاصي ، والقلب اللاهي عن ذكر اللّه ، المتعلق بعرض الدنيا وزخرفها ، فكلاهما مطرودان عن رحاب اللّه تعالى ورحمته ، ولا يستجاب لهما دعاء ، لأنّه ليس ثمّة انسجام بين القلب
__________________
(1) الكافي 2 : 345 / 1.
(2) بحار الأنوار 93 : 313.
(3) الكافي 2 : 340 / 2.
(4) الكافي 2 : 346 / 5.
(5) الكافي 2 : 346 / 8.
واللسان ، جاء في وصية النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله للإمام عليعليهالسلام : «لا يقبل اللّه دعاء قلبٍ ساهٍ »(1) .
وعن الإمام أميرالمؤمينعليهالسلام : «لا يقبل اللّه عزَّ وجل دعاء قلبٍ لاهٍ »(2) .
وعن الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّ اللّه عزَّ وجلّ لا يستجيب دعاءً بظهر قلبٍ قاسٍ »(3) .
17 ـ البكاء والتباكي :
خير الدعاء ما هيجه الوجد والأحزان ، وانتهى بالعبد إلى البكاء من خشية اللّه ، الذي هو سيد آداب الدعاء وذروتها ، ذلك لأنّ الدمعة لسان المذنب الذي يفصح عن توبته وخشوعه وانقطاعه إلى بارئه ، والدمعة سفير رقّة القلب الذي يؤذن بالاخلاص والقرب من رحاب اللّه تعالى.
قال الإمام الصادقعليهالسلام لأبي بصير : «إنّ خفت أمرا يكون أو حاجة تريدها ، فابدأ باللّه ومجّده واثني عليه كما هو أهله ، وصلِّ على النبي صلىاللهعليهوآله وسل حاجتك ، وتباك ولو مثل رأس الذباب ، إنّ أبي كان يقول: إنّ أقرب ما يكون العبد من الرب عزَّ وجل وهو ساجد باكٍ »(4) .
وفي البكاء من خشية اللّه من الخصوصيات والفضائل ما لا يوجد في غيره من أنصاف الطاعات ، فهو رحمة مزجاة من الخالق العزيز لعباده تقرّبهم من منازل لطفه وكرمه ، وتتجاوز بهم عقبات الآخرة وأهوالها.
__________________
(1) الفقيه 4 : 265.
(2) الكافي 2 : 344 / 2.
(3) الكافي 2 : 344 / 4.
(4) الكافي 2 : 350 / 10.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «إذا أحبّ اللّه عبدا نصب في قلبه نائحةً من الحزن ، فإنّ اللّه لا يدخل النار من بكى من خشية اللّه حتى يعود اللبن إلى الضرع »(1) .
وقال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : «بكاء العيون وخشية القلوب من رحمة اللّه تعالى ذكره ، فإذا وجدتموها فاغتنموا الدعاء ، ولو أنّ عبدا بكى في أُمة لرحم اللّه تعالى ذكره تلك الاُمّة لبكاء ذلك العبد »(2) .
وإذا كان البكاء يفتح القلب على اللّه تعالى ، فإنّ جمود العين يعبّر عن قساوة القلب التي تطرد العبد من رحمة اللّه ولطفه وتؤدي إلى الشقاء.
وكان فيما أوصى به رسول اللّهصلىاللهعليهوآله الإمام عليعليهالسلام : «يا علي ، أربع خصال من الشقاء : جمود العين ، وقساوة القلب ، وبُعد الأمل ، وحب البقاء »(3) .
واعلم أنّ البكاء إلى اللّه سبحانه فرقا من الذنوب وصفٌ محبوب لكنّه غير مجدٍ مع عدم الاقلاع عنها والنوبة منها.
قال سيد العابدين الإمام علي بن الحسينعليهالسلام : «وليس الخوف من بكى وجرت دموعه ما لم يكن له ورع يحجره عن معاصي اللّه ، وإنّما ذلك خوف كاذب »(4) .
واذا تهيأت للدعاء ولم تساعدك العينان على البكاء ، فاحمل نفسك على البكاء وتشبّه بالباكين ، متذكرا الذنوب العظام ومنازل مشهد اليوم
__________________
(1) عدة الداعي : 168.
(2) بحار الأنوار 93 : 336.
(3) بحار الانوار 93 : 330 / 9.
(4) عدة الداعي : 176.
العظيم ، يوم تُبلى السرائر ، وتظهر فيه الضمائر ، وتنكشف فيه العورات ، عندها يحصل لك باعث الخشية وداعية البكاء الحقيقي والرقة واخلاص القلب.
وقد ورد في الحديث ما يدلُّ على استحباب التباكي ولو بتذكّر من مات من الأولاد والأقارب والأحبّة ، فعن إسحاق بن عمار ، قال : قلت لأبي عبداللّهعليهالسلام : أدعو فاشتهي البكاء ولا يجيئني ، وربما ذكرت بعض من مات من أهلي فأرقّ وأبكي ، فهل يجوز ذلك؟
فقالعليهالسلام : «نعم ، فتذكّرهم ، فإذا رققت فابكِ ، وادع ربك تبارك وتعالى »(1) .
18 ـ العموم في الدعاء :
ومن آداب الدعاء أن لا يخصّ الداعي نفسه بالدعاء ، بل يذكر إخوانه المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ، وهو من أهم آداب الدعاء ، لأنّه يدل على التضامن ونشر المودة والمحبة بين المؤمنين ، وازالة أسباب الضغينة والاختلاف فيما بينهم ، وذلك من منازل الرحمة الالهية ، ومن أقوى الأسباب في استجابة الدعاء ، فضلاً عن ثوابه الجزيل للداعي والمدعو له.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «إذا دعا أحدكم فليعمّ ، فإنّه أوجب للدعاء »(2) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «إذا قال الرجل : اللهمّ اغفر للمؤمنين
__________________
(1) الكافي 2 : 350 / 7.
(2) الكافي 2 : 354 / 1.
والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم وجميع الأموات ؛ ردّ اللّه عليه بعدد ما مضى ومن بقي من كل إنسان دعوة »(1) .
وقالعليهالسلام : «دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب يدرُّ الرزق ويدفع المكروه »(2) .
19 ـ التضرُّع ومدّ اليدين :
ومن آداب الدعاء إظهار التضرع والخشوع ، قال تعالى : «واذكر ربك في نفسك تضرُّعا وخِيفةً »(3) ، وقد ذمّ اللّه تعالى الذين لا يتضرعون إليه ، قال تعالى: «ولقد أخذناهُم بالعذاب فما استكانُوا لربِّهم وما يتضرَّعُون »(4) .
عن محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول اللّه عزَّ وجلّ : «فما استكانُوا لربِّهم وما يتضرَّعُون » فقالعليهالسلام : «الاستكانة هي الخضوع ، والتضرُّع هو رفع اليدين والتضرُّع بهما »(5) .
وعن الإمام الحسينعليهالسلام قال : «كان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يرفع يديه إذ ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين »(6) .
وروي أنّهصلىاللهعليهوآله كان يتضرّع عند الدعاء حتى يكاد يسقط رداؤه(7) .
__________________
(1) بحار الانوار 93 : 391 / 24.
(2) الكافي 2 : 368 / 2. وأمالي الصدوق : 369 / 1.
(3) سورة الاعراف : 7 / 205.
(4) سورة المؤمنين : 23 / 76.
(5) الكافي 2 : 348 / 2 ، 349 / 6.
(6) بحار الانوار 93 : 339 / 9.
(7) بحار الانوار 93 : 339 / 10.
والتضرُّع من أسباب استجابة الدعاء ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «إنّ اللّه يستحي من العبد أن يرفع إليه يديه فيردّهما خائبتين »(1) .
والعلّة في رفع اليدين هي إظهار الاستكانة والفاقة بين يديه تبارك وتعالى.
وقد سأل أبو قُرّة الإمام الرضاعليهالسلام : ما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟
فقال أبو الحسن الرضاعليهالسلام : «إنّ اللّه استعبد خلقه بضروب من العبادة واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرُّع ببسط الأيدي ورفعهما إلى السماء لحال الاستكانة وعلامة العبودية والتذلل له »(2) .
ولليدين وظائف وهيئات في الدعاء تتغير حسب حال الداعي في الرغبة والرهبة والتضرُّع والتبتُّل والابتهال ، قال الإمام الصادقعليهالسلام : «الرغبة : تبسط يديك وتظهر باطنهما ، والرهبة : بسط يديك وتظهر ظهرهما ، والتضرُّع : تحرّك السبابة اليمنى يمينا وشمالاً ، والتبتّل : تحرّك السبابة اليسرى ترفعها في السماء رسلاً وتضعها ، والابتهال : تبسط يديك وذراعيك إلى السماء ، والابتهال حين ترى أسباب البكاء »(3) .
ويكره أن يرفع الداعي بصره إلى السماء ، لما روي عن الإمام الصادقعليهالسلام عن آبائهعليهمالسلام ، قال : «مرّ النبي صلىاللهعليهوآله على رجل وهو رافع بصره
__________________
(1) بحار الانوار 93 : 365 / 11.
(2) الاحتجاج : 407.
(3) الكافي 2 : 348 / 4.
إلى السماء يدعو ، فقال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : غضّ بصرك ، فانك لن تراه »(1) .
20 ـ الأسرار بالدعاء :
ويستحب أن يدعو الإنسان خُفية ليبتعد عن مظاهر الرياء التي تمحق الأعمال وتجعلها هباءً منثورا ، قال تعالى : «ادعُوا ربَّكُم تضرُّعا وخُفيةً »(2) .
قال الإمام الرضاعليهالسلام : «دعوة العبد سرا دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية ».
وفي رواية اُخرى : «دعوة تخفيها أفضل عند اللّه من سبعين دعوة تظهرها »(3) .
21 ـ التلبث بالدعاء :
ومن آداب الدعاء أن لا يستعجل الداعي في الدعاء بل يدعو مترسّلاً ، ذلك لأنّ العجلة تنافي حالة الاقبال والتوجه إلى اللّه تعالى ، وما يلزم ذلك من التضرُّع والرقة ، كما أن العجلة قد تؤدي إلى ارتباك في صورة الدعاء أو نسيان لبعض أجزائه.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّ رجلاً دخل المسجد فصلّى ركعتين ، ثم سأل اللّه عزَّ وجلّ ، فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : عجّل العبد ربّه ، وجاء آخر فصلّى ركعتين ثم أثنى على اللّه عزَّ وجلّ وصلّى على النبي صلىاللهعليهوآله ، فقال رسول
__________________
(1) بحار الانوار 93 : 307 / 4.
(2) سورة الاعراف : 7 / 55.
(3) الكافي 2 : 345 ـ 346 / 1.
اللّه صلىاللهعليهوآله : سَلْ تُعطَ »(1) .
وقالعليهالسلام : «إنّ العبد إذا عجّل فقام لحاجته ، يقول اللّه تبارك وتعالى : أما يعلم عبدي أني أنا اللّه الذي أقضي الحوائج »(2) .
وقالعليهالسلام : «إنّ العبد إذا دعا لم يزل اللّه تبارك وتعالى في حاجته مالم يستعجل »(3) .
22 ـ عدم القنوط :
وعلى الداعي أن لا يقنط من رحمة اللّه ، ولا يستبطى ء الاجابة فيترك الدعاء ، لأنّ ذلك من الآفات التي تمنع ترتّب أثر الدعاء ، وهو بذلك أشبه بالزارع الذي بذر بذرا فجعل يتعاهده ويرعاه ، فلمّا استبطأ كماله وادراكه تركه وأهمله.
عن أبي بصير ، عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «لا يزال المؤمن بخير ورجاء رحمة من اللّه عزَّ وجلّ ما لم يستعجل فيقنط ويترك الدعاء ».
قلتُ : كيف يستعجل؟
قالعليهالسلام :يقول قد دعوت منذ كذا وكذا وما أرى الإجابة »(4) .
وعليه يجب على الداعي أن يفوّض أمره إلى اللّه ، واثقا بربه ، راضيا بقضائه سبحانه ، وأن يحمل تأخر الاجابة على المصلحة والخيرة التي
__________________
(1) الكافي 2 : 352 / 6.
(2) الكافي 2 : 344 / 2.
(3) الكافي 2 : 344 / 1.
(4) الكافي 2 : 355 / 8.
حباها إياه مولاه ، وأن يبسط يد الرجاء معاودا الدعاء لما فيه من الأجر الكريم والثواب الجزيل.
جاء في وصية الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام لابنه الإمام الحسنعليهالسلام : «فلا يقنطك إبطاء إجابته ، فإنّ العطية على قدر النية ، وربما أُخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل ، وأجزل لعطاء الآمل ، وربما سألت الشيء فلا تؤتاه وأُوتيت خيرا منه عاجلاً أو آجلاً ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته »(1) .
23 ـ الالحاح بالدعاء :
وعلى الداعي أن يواظب على الدعاء والمسألة في حال الإجابة وعدمها ؛ لأنّ ترك الدعاء مع الاجابة من الجفاء الذي ذمّه تعالى في محكم كتابه بقوله : «وإذا مسَّ الإنسانَ ضُرٍّ دعا ربهُ مُنيبا إليه ثُمَّ إذا خوَّلهُ نعمةً منهُ نسيَ ما كان يدعو إليه من قبلُ »(2) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام لرجل يعظه : «لا تكن ممن إنّ أصابه بلاء دعا مضطرا ، وإن ناله رخاء أعرض مغترا »(3) .
أما في حال تأخر الاجابة فيجب معاودة الدعاء وملازمة المسألة ، لفضيلة الدعاء في كونه مخّ العبادة ، ولأنّه سلاح المؤمن الذي يقيه شر أعدائه من الشيطان وحب الدنيا وهوى النفس والنفس الامارة ، ولربما كان تأخير الاجابة لمصالح لا يعلمها إلاّ من يعلم السرّ وأخفى ، فيكون
__________________
(1) نهج البلاغة ، الكتاب (31).
(2) سورة الزمر : 39 / 8.
(3) نهج البلاغة ، الحكمة (150).
الدعاء خيرا للعبد في الآجلة ، أو يدفع عنه بلاءً مقدرا لا يعلمه في العاجلة ، ولعلّ تأخير الاجابة لمنزلته عند اللّه سبحانه ، فهو يحب سماع صوته والاكثار من دعائه ، فعليه أن لا يترك ما يحبه اللّه سبحانه.
روي عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّه قال : «إنّ المؤمن يسأل اللّه عزَّ وجلّ حاجة فيؤخر عنه تعجيل اجابته حبّا لصوته واستماع نحيبه »(1) .
وعليه يجب الالحاح بالدعاء في جميع الأحوال ، ولما في ذلك من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعوات.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «رحم اللّه عبدا طلب من اللّه عزَّ وجلَّ حاجةً فألحّ في الدعاء ، استجيب له أو لم يستجب »(2) .
وعن الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام أنّه قال : «واللّه لا يلحُّ عبد مؤمن على اللّه عزَّ وجلّ في حاجته إلاّ قضاها له »(3) .
وعن الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّ عزَّ وجلّ كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة ، وأحبّ ذلك لنفسه ، إنّ اللّه عزَّ وجلّ يحب أن يُسأل ويُطلب ما عنده »(4) .
24 ـ التقدّم في الدعاء :
ومن آداب الدعاء أن يدعو العبد في الرخاء على نحو دعائه في
__________________
(1) الكافي 2 : 354 / 1. وقرب الاسناد : 171.
(2) الكافي 2 : 345 / 6.
(3) الكافي 2 : 345 / 3.
(4) الكافي 2 : 345 / 4.
الشدة ، لما في ذلك من الثقة باللّه والانقطاع إليه ، ولفضله في دفع البلاء واستجابة الدعاء عند الشدة.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «من سرّه أن يستجاب له في الشدة ، فليكثر الدعاء في الرخاء »(1) .
وكان من دعاء الإمام السجادعليهالسلام : «ولا تجعلني ممّن يبطره الرخاء ، ويصرعه البلاء ، فلا يدعوك إلاّ عند حلول نازلة ، ولا يذكرك إلاّ عند وقوع جائحة ، فيضرع لك خدّه ، وترفع بالمسألة إليك يده »(2) .
25 ـ التختم بالعقيق والفيروزج :
ويستحب في الدعاء لبس خاتم من عقيق أو من فيروزج ، لقول الإمام الصادقعليهالسلام : «ما رفعت كفٌّ إلى اللّه عزَّ وجلّ أحبُّ إليه من كفّ فيها عقيق »(3) .
ولقولهعليهالسلام : قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : قال اللّه عزَّ وجلّ : إنّي لأستحي من عبد يرفع يده وفيها خاتم فيروزج فأردّها خائبة(4) .
26 ـ الآداب المتأخرة عن الدعاء :
وهناك جملة آداب متأخرة عن الدعاء ، أكدت عليها النصوص الإسلامية ، وفيما يلي أهمها :
__________________
(1) الكافي 2 : 343 / 4.
(2) بحار الأنوار 94 : 130.
(3) عدة الداعي : 129.
(4) بحار الأنوار 93 : 321.
أ ـ أن يقول الداعي ما شاء اللّه لا قوة إلاّ باللّه :
يستحب أن يقال بعد الدعاء : (ما شاء اللّه ، لا قوة إلاّ باللّه ) وفي هذه الكلمة فضل عظيم لما تنطوي عليه من إقرار العبد بالمشيئة المطلقة وانقطاعه عن جميع الأسباب وتعلّقه بحول اللّه وقوته.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : « إذا دعا الرجل فقال بعدما دعا : ما شاء اللّه ، لا حول ولا قوة إلاّ باللّه ، قال اللّه عزَّ وجلّ : استبسل عبدي واستسلم لأمي ، اقضوا حاجته »(1) .
وعنهعليهالسلام : «ما من رجل دعا فختم دعاءه بقول : ما شاء اللّه لا قوة إلاّ باللّه ، إلاّ أُجيب صاحبه »(2) .
ب ـ الصلاة على النبي وآله :
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «من كانت له إلى اللّه عزَّ وجلّ حاجة فليبدأ بالصلاة على محمد وآله ، ثمّ يسأل حاجته ، ثمّ يختم بالصلاة على محمد وآل محمد ، فإنّ اللّه عزَّ وجلّ أكر من أن يقبل الطرفين ويدع الوسط »(3) .
جـ ـ مسح الوجه والرأس باليدين :
ومن الآداب المتأخرة عن الدعاء أن يمسح الداعي وجهه ورأسه بيديه.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «ما أبرز عبد يده إلى اللّه العزيز الجبار إلاّ
__________________
(1) الكافي 2 : 378 / 1.
(2) أمالي الصدوق : 166 / 6.
(3) الكافي 2 : 358 / 16.
استحيا اللّه عزَّ وجلّ أن يردّها صفرا حتى يجعل فيها من فضل رحمته ما يشاء ، فإذا دعا أحدكم فلا يردّ يده حتى يمسح على وجهه ورأسه »(1) .
وفي دعائهمعليهمالسلام : «ولم ترجع يد طالبة صفرا من عطائك ، ولا خائبة من نحل هباتك »(2) .
د ـ ويستحب أن يقول الداعي في حال استجابة دعائه : الحمدُ الذي بعزته تتمّ الصالحات(3) ، وأن يصلي صلاة الشكر(4) ، وإذا أبطأت عليه الإجابة فليقل : الحمدُ للّه على كلِّ حال ، وأن لا يسأم من الدعاء(5) .
__________________
(1) الكافي 2 : 342 / 2. والفقيه 1 : 213 / 953.
(2) عدة الداعي : 210.
(3) بحار الأنوار 93 : 370 / 9.
(4) بحار الأنوار 95 : 451 ، وفيه تفصيل لصلاة الشكر وما يقال فيها من ثناء ودعاء.
(5) بحار الانوار 93 : 370 / 9.
الفصل الثالث
استجابة الدعاء
ليس ثمة لذة أعظم من لذة المؤمن وسعادته حينما يرى آثار عمله وإيمانه المترتّبة في استجابة دعائه ، ذلك لأنّه يحسّ بأنّه موضع لطف بارئه تعالى وعنايته ، وأنّه في ارتباط مباشر مع خالقه ، تلك سعادة ليس فوقها سعادة : «وأنلني حسن النظر في ما شكوت ، وأذقني حلاوة الصنع في ما سألت »(1) .
ولكي نعيش لحظات تلك البهجة ونذوق حلاوة السرور ، علينا أن نتعرف على العوامل المؤثرة في استجابة الدعاء ، فقد يظنّ البعض أنّ السر في استجابة الدعاء يكمن في لفظ الدعاء مجردا عن باقي العوامل الاُخرى ، فكثيرا ما نجد بعض الناس يتناقلن قطعا من الدعاء المأثور التي هي مظنّة الاجابة أو نصّ على أنها تحتوي على اسم اللّه الأعظم ، لكنهم يدعون بها فلا يستجاب لهم ، ذلك لأنّهم يأخذون لفظ الدعاء مجردا عن الشروط والآداب التي يجب أن تقارن الداعي فيستجاب دعاؤه.
الدعاء سلاح المؤمن وجنّته الواقية وسهام الليل التي يسدّدها كيفما
__________________
(1) بحار الأنوار 95 : 230 / 27 من دعاء الإمام أبي الحسن الهاديعليهالسلام .
يشاء ، والسلاح بضاربه لا بحدّه وحسب ، فإذا كان الفارس قويا شجاعا ويمتلك الجرأة والاقدام وكان سلاحه تاما لا عيب فيه ، استطاع النكاية في العدو ، وإلاّ فقد تخلّف الأثر ، وكذلك يحصل الأثر من الدعاء ، فإذا راعي الداعي الآداب والشروط التي نصّت عليها الآيات القرآنية والسُنّة المباركة ، والتزم بالعوامل المؤثرة في استجابة الدعاء ، وانقطع إلى ربّه تعالى متخليا عن جميع الأسباب الاُخرى ، غير معوّل في تحصيل المطلوب على غير اللّه تعالى ، ثم دعا اللّه تعالى بلسانٍ يقرأ مافي صحيفة القلب ، فإنّ دعاءه مستجاب بإذن اللّه.
العوامل المؤثرة في استجابة الدعاء :
فيما يلي نذكر أهم العوامل ذات الصلة في تحصيل أثر الدعاء :
1 ـ مراعاة الشروط والآداب الخاصة بالدعاء :
وقد ذكرناها في الفصل الثاني ، ونذكر هنا حديثا مهما عن الإمام الصادقعليهالسلام يفيد التذكير بها.
عن عثمان بن عيسى ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبداللّه الصادقعليهالسلام قال : قلت له : آيتان في كتاب اللّه لا أدري ما تأويلهما؟
فقال : «وما هما؟ قال: قلت: قوله تعالى : «ادعوني استَجِب لكُم »(1) ثم أدعو فلا أرى الاجابة!
قال : فقال لي :أفترى اللّه تعالى أخلف وعده ؟ قال : قلت : لا.
__________________
(1) سورة غافر : 40 / 60.
قال :فمه؟ قلت : لا أدري ...
فقال :لكني أُخبرك إن شاء اللّه تعالى ، أما إنّكم لو أطعتموه فيما أمركم به ثمّ دعوتموه لأجابكم ، ولكن تخالفونه وتعصونه فلا يجيبكم ، ولو دعوتموه من جهة الدعاء لأجابكم.
قال : قلت : وما جهة الدعاء؟
قال :إذا أديت الفريضة مجّدت اللّه وعظّمته وتمدحه بكلّ ما تقدر عليه ، وتصلّي على النبي صلىاللهعليهوآله ، وتجتهد في الصلاة عليه وتشهد له بتبليغ الرسالة ، وتصلّي على أئمة الهدي عليهمالسلام ، ثمّ تذكر بعد التحميد للّه والثانة عليه والصلاة على النبي صلىاللهعليهوآله ما أبلاك وأولاك ، وتذكر نعمه عندك وعليك ، وما صنع بك فتحمده وتشكره على ذلك ، ثم تعترف بذنوبك ذنب ذنب وتقرّ بها أو بما ذكرت منها ، وتجمل ما خفي عليك منها ، فتتوب إلى اللّه من جميع معاصيك وأنت تنوي ألا تعود ، وتستغفر اللّه منها بندامة وصدق نية وخوف ورجاء ، ويكون من قولك : «اللهمّ إني اعتذر إليك من ذنوبي ، واستغفرك وأتوب إليك ، فأعني على طاعتك ، ووفقني لما أوجبت عليَّ من كلِّ ما يرضيك ، فانّي لم أرَ أحدا بلغ شيئا من طاعتك إلاّ بنعمتك عليه قبل طاعتك ، فأنعم عليَّ بنعمة أنال بها رضوانك والجنة» ثمّ تسأل بعد ذلك حاجتك ، فإنّي أرجو أن لا يخيّبك إن شاء اللّه تعالى ... (1) .
2 ـ فقدان موانع الاجابة :
ومن الشروط المهمة التي يجب أن يراعيها الداعي ، هو إزالة الحجب
__________________
(1) بحار الانوار 93 : 320.
والموانع التي تحول دون صعود الدعاء ، كاقتراف المعاصي وأكل الحرام والظلم وعقوق الوالدين وغيرها من الذنوب التي تحبس الدعاء ، ولا يتهيأ للداعي معها الاقبال على ربِّه ، والاقبال هو الشرط الأساس في استجابة الدعاء ، يقول أمير المؤمنينعليهالسلام : «خير الدعاء ما صدر عن صدر نقيّ وقلب تقيّ »(1) .
وفيما يلي أهم الموانع التي تحبس الدعاء :
أ ـ اقتراف الذنوب والمعاصي :
قال الإمام أبو جعفرعليهالسلام : «إنّ العبد يسأل اللّه الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب ، أو إلى وقت بطيء ، فيذنب العبد ذنبا فيقول اللّه تبارك تعالى للمك : لا تقض حاجته واحرمه إياها ، فإنّه تعرّض لسخطي ، واستوجب الحرمان مني »(2) .
ومن دعاء أمير المؤمنينعليهالسلام : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من ذنبٍ يحبط العمل، وأعوذ بك من ذنبٍ يعجّل النقم ، وأعوذ بك من ذنبٍ يمنع الدعاء »(3) .
وعن الإمام زين العابدينعليهالسلام : «والذنوب التي ترد الدعاء : سوء النية ، وخبث السريرة ، والنفاق ، وترك التصدق بالاجابة ، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها ، وترك التقرّب إلى اللّه عزَّ وجلّ بالبرّ
__________________
(1) الكافي 2 : 340 / 2.
(2) الكافي 2 : 208 / 14.
(3) بحار الأنوار 94 : 93 / 9.
والصدقة ، واستعمال البذاء والفحش في القول »(1) .
ب ـ أكل الحرام :
ورد في الحديث القدسي : «فمنك الدعاء وعليَّ الإجابة ، فلا تُحجب عني دعوة إلاّ دعوة آكل الحرام »(2) .
وروي أنّه قال رجل لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله : يا رسول اللّه أحبُّ أن يستجاب دعائي ، فقالصلىاللهعليهوآله : «طهّر مأكلك ، ولا تدخل بطنك الحرام »(3) .
وعن الإمام أبي عبداللّهعليهالسلام : «من سرّه أن تستجاب له دعوته ، فليطب مكسبه »(4) .
جـ ـ عقوق الوالدين وقطيعة الرحم :
قال الإمام زين العابدينعليهالسلام : «والذنوب التي تردُّ الدعاء وتظلم الهواء عقوق الوالدين »(5) .
وعن الإمام أبي الحسن الرضاعليهالسلام ، قال: «لاتملّ من الدعاء ، فإنّه من اللّه عزَّ وجلَّ بمكان، وعليك بالصبر وطلب الحلال وصلة الرحم »(6) .
__________________
(1) معاني الأخبار : 271.
(2) بحار الأنوار 93 : 373.
(3) عدة الداعي : 139.
(4) الكافي 2 : 353 / 9.
(5) معاني الأخبار : 270.
(6) الكافي 2 : 354 / 1. وقرب الاسناد : 171.
3 ـ ترصّد الأزمنة الخاصة :
لابدّ للداعي أن يراعي اختيار الأوقات التي هي مظنّة الاجابة ، فمن تأمل النصوص الإسلامية يلاحظ أنّ الأوقات ليست كلّها سواء ، فمنها ما تفتح فيها أبواب السماء ولا يحجب فيها الدعاء ومنها ما تستنزل فيها الرحمة أكثر من غيرها ، وفيما يلي أهم الأوقات التي ترجى فيها الاجابة :
أ ـ جوف الليل :
جعل اللّه تعالى لساعات النصف الثاني من الليل من البركة والرحمة ما لم يجعله في الساعات الاُخرى من الليل والنهار ، ففي هذا الوقت يستولي النوم على غالب الناس ، فيتمكن أولياء اللّه تعالى من الاقبال عليه بالدعاء والذكر والانقطاع إليه بعيدا عن زحمة الحياة ومشاغلها ، فهذا الوقت إذن هو وقت الخلوة وفراغ القلب للعبادة والدعاء ، وهو يشتمل على مجاهدة النفس ومهاجرة الرقاد ومباعدة وثير المهاد والانقطاع إلى الواحد الأحد.
عن نوف البكالي ـ في حديث ـ قال : رأيت أمير المؤمنينعليهالسلام ذات ليلة وقد خرج من فراشه وقال لي : «يا نوف ، إنّ داود عليهالسلام قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال: إنّها ساعة لايدعو فيها عبدٌ إلاّ استُجيب له »(1) .
وعن الإمام الصادقعليهالسلام ، قال : «كان فيما ناجى به موسى بن عمران عليهالسلام أن قال له : يا بن عمران ، كذب من زعم أنّه يحبّني فإذا جنّه الليل نام عني ، أليس كلّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه؟ ها أنا يا بن عمران مطّلع على أحبّائي
__________________
(1) نهج البلاغة ، الحكمة (104).
إذا جنّهم الليل حوّلت أبصارهم في قلوبهم ، ومثلت عقوبتي بين أعينهم ، يخاطبوني عن المشاهدة ، ويكلموني عن الحضور.
يا بن عمران ، هب لي من قلبك الخشوع ، ومن بدنك الخضوع ، ومن عينيك الدموع ، وادعني في ظلم الليل ، فإنّك تجدني قريبا مجيبا »(1) .
وعن عبدة السابوري ، قال : قلت لأبي عبد اللّهعليهالسلام : إنّ الناس يروون عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : «إنّ في الليل لساعة لا يدعو فيها عبد مؤمن بدعوة إلاّ استجيب له؟ قال :نعم .
قلتُ : متى هي؟ قال :ما بين نصف الليل إلى الثلث الباقي .
قلتُ : ليلة من الليالي أو كلّ ليلة؟ فقال : كل ليلة(2) .
وعن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «من قام من آخر الليل فتطهّر وصلّى ركعتين وحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلّى على النبي صلىاللهعليهوآله ، لم يسأل اللّه شيئا إلاّ أعطاه ، إمّا أن يعطيه الذي يسأله بعينه ، وإمّا أن يدّخر له ما هو خير له منه »(3) .
ب ـ زوال الشمس :
عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «كان أبي إذا طلب الحاجة طلبها عند زوال الشمس ، فإذا أراد ذلك قدّم شيئا فتصدق به ، وشمّ شيئا من طيب ،
__________________
(1) أمالي الصدوق : 292 / 1.
(2) التهذيب 2 : 118 / 444. وأمالي الطوسي 1 : 148.
(3) الكافي 3 : 468 / 5.
وراح إلى المسجد ، ودعا في حاجته بما شاء اللّه (1) .
وعنهعليهالسلام قال : «إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء ، وأبواب الجنان ، وقضيت الحوائج العظام ، فقيل لهعليهالسلام : من أي وقت؟ قالعليهالسلام :مقدار ما يصلي الرجل أربع ركعات مترسّلاً »(2) .
جـ ـ الوتر والسحر وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس :
روي عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : «خير وقت دعوتم اللّه عزَّ وجلّ فيه الأسحار ، وتلا هذه الآية في قول يعقوب عليهالسلام : «سوفَ أستفِرُ لكُم ربِّي »(3) قال : أخّرهم إلى السحر »(4) .
وقال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : «أجيبوا داعي اللّه ، واطلبوا الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فإنّه أسرع في طلب الرزق من الضرب في الأرض ، وهي الساعة التي يقسّم فيها الرزق بين عباده توكّلوا على اللّه عند ركعتي الفجر إذا صليتموها ، ففيها تُعطوا الرغائب »(5) .
وقال الإمام أبو جعفرعليهالسلام : «إنّ اللّه عزَّ وجل يحبُّ من عباده المؤمنين كلّ دعاءٍ ، فعليكم بالدعاء في السحر إلى طلوع الشمس ، فإنّها ساعة تفتح فيها أبواب السماء ، وتقسم فيها الأرزاق، وتقضى فيها الحوائج العظام »(6) .
__________________
(1) الكافي 2 : 347 / 7.
(2) عدة الداعي : 54.
(3) سورة يوسف : 12 / 98.
(4) الكافي 2 : 346 / 6.
(5) الخصال : 615.
(6) الكافي 6 : 347 / 9.
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «يستجاب الدعاء في أربعة مواطن : في الوتر ، وبعد الفجر ، وبعد الظهر ، وبعد المغرب »(1) .
د ـ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب :
عن الإمام الصادقعليهالسلام في قوله تعالى: «وظِلالُهُم بالغدُوِّ والآصال »(2) ، قال : «هو الدعاء قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، وهي ساعة اجابة »(3) .
وعن فضيل بن عثمان، عن الإمام الصادقعليهالسلام ، قال : قلت له : أوصني. قال : «أوصيك بتقوى اللّه وصدق الحديث وإذا كان قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فعليك بالدعاء واجتهد ، ولا يمنعك من شيء تطلبه من ربِّك ، ولا تقل : هذا مالا أُعطاه ، وادعُ فإنّ اللّه يفعل ما يشاء »(4) .
هـ ـ بعد الصلوات المكتوبة :
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «من أذى للّه مكتوبة ، فله في أثرها دعوة مستجابة »(5) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّ اللّه تبارك وتعالى فرض الصلوات في أفضل الساعات ، فعليكم بالدعاء في أدبار الصلوات »(6) .
__________________
(1) الكافي 3 : 343 / 17. والتهذيب 2 : 114 / 196.
(2) سورة الرعد : 13 / 15.
(3) الكافي 2 : 379 / 1.
(4) الزهد : 19 / 42.
(5) أمالي الصدوق 1 : 295.
(6) تفسير القمي 1 : 67.
وقالعليهالسلام : «عليكم بالدعاء في أدبار الصلوات فإنّه مستجاب »(1) .
و ـ ليلة الجمعة ويومها :
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «إنّ يوم الجمعة سيد الأيام ، يضاعف اللّه عزَّ وجلَّ فيه الحسنات ، ويمحو فيه السيئات ، ويرفع فيه الدرجات ، ويستجيب فيه الدعوات »(2) .
وقال الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام : «أول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضي ساعة يحافظ عليها ، فإنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال : لا يسأل اللّه تعالى فيها عبدٌ خيرا إلاّ أعطاه »(3) .
وعن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن تستوي الناس بالصفوف ، وساعة اُخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس »(4) .
ز ـ ليالي الاحياء :
وتتضمن الدعوات والأورات الخاصة في ليلة القدر ، وهي غير محددة بين ليالي شهر رمضان ، والأرجح أنها في ليالي الافراد الثلاث : 19 ، 21 ، 23 ، وتأكّدت في ليلة الجهني ، وهي ليلة 23 من شهر رمضان(5) .
وتعتبر هذه الليلة المباركة من أكثر الليالي أهمية في استجابة الدعاء
__________________
(1) الخصال : 488 / 65.
(2) بحار الأنوار 89 : 274 / 20.
(3) عدة الداعي : 47.
(4) الكافي 3 : 414 / 4. والتهذيب 3 : 235 / 1.
(5) عدة الداعي : 53. وبحار الأنوار 93 : 353.
ونزول الرحمة والملائكة «ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر * تنزَّل الملائكةُ والرُّوحُ فيها »(1) فعلى المؤمن أن يتحرى هذه الليلة ويحييها بالصلاة والدعاء ، وكان الأئمة من عترة المصطفىصلىاللهعليهوآله يهتمون بالقيام فيها وإحيائها بالعبادة والدعاء والاستغفار.
ومن الليالي الاُخرى التي تستحق الاحياء والعبادة والدعاء ، وروي أنّه تؤمل فيها الاستجابة : ليلة الفطر ، وليلة الأضحى ، وليلة النصف من شعبان ، وأول ليلة من رجب ، فقد روي عن الإمام الكاظمعليهالسلام أنّه قال : «كان علي عليهالسلام يقول : يعجبني أن يفرّغ الرجل نفسه في السنة أربع ليالٍ »(2) وعدّ الليالي المتقدمة.
ومن الليالي التي يستجاب فيها الدعاء ، ليلة العاشر من ذي القعدة ، لما روي عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله أنّه قال : «في ذي القعدة ليلة مباركة هي ليلة عشر ، ينظر اللّه إلى عباده المؤمنين فيها بالرحمة »(3) .
ومن الليالي التي تؤمل فيها الاجابة ليلة مولد النبيصلىاللهعليهوآله ويومه ، وليلة مبعثه الشريف ويومه ، ويوم عرفة وليلة عرفة ، وخاصة إذا كان بالموقف أو عند مشهد الإمام الحسينعليهالسلام وليلة عيد الغدير ويومه ، وليلة النصف من رجب(4) .
ح ـ وهناك مواقيت روي أنها تفتح فيها أبواب السماء ، وتهبط فيها
__________________
(1) سورة القدر : 97 / 3 ـ 4.
(2) وسائل الشيعة 8 : 109 / 9.
(3) بحار الأنوار 93 : 349.
(4) بحار الانوار 93 : 351.
الرحمة ، ولا يحجب فيها الدعاء ، وهي ساعة قراءة القرآن ، وأوقات الأذان ، وساعة نزول المطر ، وساعة التقاء الصفين ، ومصرع الشهداء ، وساعة دعوة المظلوم ، وعند ظهور أيّة معجزة للّه في أرضه ، وعند هبوب الريح.
روي عن الإمام أمير المؤمينعليهالسلام أنّه قال : «اغتنموا الدعاء عند خمسة مواطن : عند قراءة القرآن ، وعند الأذان ، وعند نزول الغيث ، وعند التقاء الصفين للشهادة ، وعند دعوة المظلوم ، فإنّها ليس لها حجاب دون العرش »(1) .
وعنهعليهالسلام أنّه قال : «تفتّح أبواب السماء عند نزول الغيث ، وعند الزحف ، وعند الأذان ، وعند قراءة القرآن ، ومع زوال الشمس ، وعند طلوع الفجر »(2) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «اطلبوا الدعاء في أربع ساعات : عند هبوب الرياح ، وزوال الأفياء ، ونزول القطر ، وأول قطرة من دم القتيل المؤمن ، فإنّ أبواب السماء تفتّح عند هذه الأشياء »(3) .
4 ـ اختيار الأمكنة الخاصة :
إنّ للّه تعالى بقاعا أحبّ أن يُعبد فيها وندب إلى أداء الأعمال الصالحة فيها ، ومن هنا اكتسبت أهميةً وفضلاً على سواها ، ومن ذلك الفضل استجابة الدعاء في أروقتها ، ومن بين هذه البقاع أيضا ما عمد الأئمة
__________________
(1) أمالي الصدوق : 97 / 7 ، 218 / 3.
(2) الخصال : 302 / 79.
(3) الكافي 2 : 346 / 1.
الهداةعليهمالسلام إلى الدعاء فيها أو حثّوا أصحابهم على زيارتها والدعاء فيها ، وهي بقاع الحج والزيارة المعروفة لدى جميع المسلمين.
أ ـ مكة المكرمة :
وهي البقعة التي اختارها اللّه تعالى من بين بقاع الأرض لتكون محلاً لبيته الحرام ومكانا لعبادته ونيل رحمته ، وفيها الكعبة المكرمة قبلة المسلمين وملجأ الهاربين ، بها يأمن الخائف ، وفيها تنزل الرحمة ، وعندها يستجاب الدعاء.
روي عن الإمام الرضاعليهالسلام أنّه قال : «ما وقف أحد بتلك الجبال إلاّ استجيب له ، فأمّا المؤمنون فيستجاب لهم في آخرتهم ، وأمّا الكفار فيستجاب لهم في دنياهم »(1) .
وترجى إجابة الدعاء في عدة مواضع خلال مناسك الحج ، منها : عند الميزاب ، وعند المقام ، وعند الحجر الأسود ، وبين المقام والباب ، وفي جوف الكعبة ، وعند بئر زمزم ، وعلى الصفا والمروة ، وعند الجمرات الثلاث ، وفي المزدلفة ، وفي عرفة ، وعند المشعر الحرام(2) .
قال اللّه تعالى : «فإذا أفضتُم من عرفاتٍ فاذكُروا اللّه عند المشعر الحرام »(3) .
وروي (أنّ من الذنوب ما لا يغفر إلاّ بعرفة والمشعر الحرام)(4) .
__________________
(1) عدة الداعي : 56.
(2) بحار الانوار 93 : 349 و 353.
(3) سورة البقرة : 2 / 198.
(4) عدة الداعي : 55.
ومنها : المستجار ، والملتزم ، والركن اليماني.
قال الإمام علي بن الحسينعليهالسلام : «لما هبط آدم عليهالسلام إلى الأرض طاف بالبيت ، فلمّا كان عند المستجار ، دنا من البيت فرفع يديه إلى السماء ، فقال : يا ربِّ اغفر لي ، فنودي : أني قد غفرت لك ، قال : يا ربِّ ، ولولدي ، فنودي : يا آدم ، من جاءني من ولدك فباء بذنبه بهذا المكان غفرت له »(1) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّ اللّه عزَّ وجلّ وكّل بالركن اليماني ملكا هجّيرا يؤمّن على دعائكم »(2) .
وقال عمار بن معاوية : إنّ الصادقعليهالسلام كان إذا انتهى إلى الملتزم قال لمواليه : «أميطوا عني حتى أقرّ لربي بذنوبي في هذا المكان ، فإنّ هذا مكان لم يقرّ عبد لربه بذنوبه ، ثم استغفر اللّه إلاّ غفر اللّه له »(3) .
ب ـ المساجد :
المساجد عموما بيوت اللّه في الأرض ، فمن أتاها عارفا بحقها ، فإنّ اللّه تعالى أكرم من أن يخيب زائره وقاصده.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «عليكم باتيان المساجد ، فإنّها بيوت اللّه في الأرض فأكثروا فيها الصلاة والدعاء »(4) .
وأشرف المساجد مسجد الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله في المدينة المنورة
__________________
(1) تفسير العياشي 2 : 241 / 12.
(2) الكافي 4 : 408 / 11.
(3) الكافي 4 : 410 / 4.
(4) بحار الأنوار 83 : 384 / 59.
الذي لا يضاهيه بالفضل والكرامة إلاّ المسجد الحرام.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي صلىاللهعليهوآله ، فائت المنبر وسل حاجتك ، فإنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال : ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة، ومنبري على بركة من ترع الجنة .. »(1) .
ومن المساجد التي ترجى فيها إجابة الدعاء ، مسجد الكوفة الكبير ، فقد روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال : «ما دعى فيه مكروب بمسألة في حاجة من الحوائج إلاّ أجابه اللّه ، وفرّج عنه كُربته »(2) .
ومنها مسجد السهلة بالكوفة ، وممّا ورد في فضل التعبّد فيه والدعاء ما روي عن الإمام الصادقعليهالسلام : «ما أتاه مكروب قط فصلّى فيه ما بين العشاءين ودعا اللّه إلاّ فرّج اللّه عنه »(3) .
وعنهعليهالسلام : «ما صلّى فيه أحدٌ فدعا اللّه بنيةٍ صادقةٍ إلاّ صرفه اللّه بقضاء حاجته »(4) .
جـ ـ مشاهد الأئمةعليهمالسلام :
مشاهد الأئمة المعصومينعليهمالسلام الموزعة بين بقيع المدينة المنورة ونجف العراق وكربلاء وسامراء ومشهد الإمام الرضا في طوس ، من البقاع المقدّسة التي ندب الأئمة من عترة المصطفىعليهمالسلام إلى زيارتها والصلاة فيها قربة إلى اللّه وأكّدوا على استجابة الدعاء فيها ، والحديث عن فضلها
__________________
(1) الكافي 4 : 353.
(2) بحار الانوار 100 : 404 / 59.
(3) بحار الانوار 100 : 435 / 2.
(4) بحار الأنوار 100 : 436 / 7.
وشرفها جميعا مما تطول به صفحات هذه الرسالة ، لذا نقتصر في بيان فضل تربة الإمام الحسين الشهيدعليهالسلام في كربلاء ، الذي ضحّى بنفسه وعياله وأهل بيته وأصحابه من أجل الاصلاح في أُمّة جدّه المصطفىصلىاللهعليهوآله وإقامة مبادى ء الدين القويم على أساس الكتاب الكريم وسُنّة الرسولصلىاللهعليهوآله .
قال الإمام أبو جعفرعليهالسلام : «إنّ الحسين صاحب كربلاء قتل مظلوما مكروبا عطشانا لهفان ، فآلى اللّه على نفسه أن لا يأتيه لهفان ولا مكروب ولا مذنب ولا مغموم ولا عطشان ولا من به عاهة ، ثم دعا عنده ، وتقرب بالحسين بن علي عليهالسلام إلى اللّه عزَّ وجلّ إلاّ نفّس كربته ، وأعطاه مسألته ، وغفر ذنبه ، ومدّ في عمره ، وبسط في رزقه »(1) .
وعن شعيب العقرقوفي ، قال : قلت لأبي عبداللّهعليهالسلام : من أتى قبر الحسينعليهالسلام ، ماله من الثواب والأجر؟ قالعليهالسلام : «يا شعيب ، ما صلّى عنده أحد الصلاة إلاّ قبلها اللّه منه ، ولا دعا عنده أحد دعوة إلاّ استجيبت له عاجلة أو آجلة »(2) .
وقال الإمام الهاديعليهالسلام : «إنّ للّه تعالى مواضع يحبُّ أن يُدعى فيها ، وحائر الحسين عليهالسلام منها »(3) .
أما المشاهد الاُخرى لأئمة أهل البيتعليهمالسلام فإنّ واقع الحال ينبى ء عن استجابة الدعاء فيها ، فضلاً عن الروايات والأخبار الكثيرة الواردة في
__________________
(1) بحار الأنوار 101 : 46 / 5.
(2) بحار الانوار 101 : 83 / 9.
(3) كامل الزيارات : 273 ، الباب (90).
فضل زيارتهمعليهمالسلام والتوسل بهم من طرق الفريقين.
روى الخطيب البغدادي في تاريخه بالاسناد عن أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي ، قال : سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال يقول : ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلاّ سهّل اللّه تعالى لي ما أُحبّ(1) .
وقال ابن حبان في ترجمة الإمام الراضاعليهالسلام : «ما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس ، فزرت قبر علي بن موسى الرضا (صلوات اللّه على جده وعليه) ودعوت اللّه بازالتها عني إلاّ استجيب لي ، وزالت عني تلك الشدة ، وهذا شيء جرّبته مرارا ، فوجدته كذلك ، أماتنا اللّه على محبّة المصطفى وأهل بيته صلّى اللّه عليه وعليهم أجمعين»(2) .
5 ـ اختيار الأدعية التي هي مظنّة الاجابة :
من المسائل المهمة التي تواجه الداعي ، هي مسألة اختيار الدعاء المناسب للحال التي يريدها ، والظاهر من النصوص الواردة في هذا الشأن أنّه يجوز للانسان أن يدعو بما جرى على لسانه ، فهو الذي يفصح عن حاله ، وعمّا تكنّه بواطن نفسه ويعبّر عن حاجاته.
روي عن زيارة أنّه قال : قلت لأبي عبداللّهعليهالسلام علّمني دعاءً ، فقالعليهالسلام : «إنّ أفضل الدعاء ما جرى على لسانك »(3) .
على أن الدعاء الذي يجري على اللسان قد يكون عرضةً للوهم
__________________
(1) تاريخ بغداد 1 : 120.
(2) الثقات 8 : 456.
(3) الكافي 1 : 83 / 3. والتوحيد : 134 / 2.
والخطأ الذي لا يشعر به الإنسان حال اشتغاله بالدعاء والتوجه إلى اللّه سبحانه والخشوع والانقطاع ، فلا يستحضر معانيه ودلالاته أو مدى موافقته لقوانين البلاغة واللغة والاعراب.
روي عن الكاهلي أنّه قال : كتبت إلى أبي الحسن موسىعليهالسلام في دعاء : ( الحمد للّه منتهى علمه ) ، فكتب إليَّ : «لا تقولن منتهى علمه ، ولكن قُل منتهى رضاه »(1) .
وعن أبي علي القصاب ، قال : كنت عند أبي عبداللّهعليهالسلام فقلت (الحمد للّه منتهى علمه) ، فقال : «لا تقل ذلك ، فإنّه ليس لعلمه منتهى »(2) .
وعن الإمام أبي الحسن الهاديعليهالسلام ، قال : سمع أمير المؤمنينعليهالسلام رجلاً يقول : اللهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة ، فقالعليهالسلام : «أراك تتعوذ من مالك وولدك ، يقول اللّه عزَّ وجلّ : «انَّما أموالُكُم وأولادُكُم فتنةٌ »(3) ولكن قُل اللهمَّ إنّي أعوذ بك من مضلاّت الفتن »(4) .
علاوة على ما تقدم فإنّ الإنسان قد يجهل ما ينفعه وما يضره ، فيدعو بخلاف مصلحته وبما يعود عليه بالشر والخسران ، ويستعجل في هذا الدعاء ، وهو لا يشعر بعواقبه وما يؤول إليه ، قال تعالى : «ويدعُ الإنسانُ
__________________
(1) الكافي 1 : 83 / 3. والتوحيد 134 / 2.
(2) التوحيد : 134.
(3) سورة الانفال : 8 / 28.
(4) أمالي الصدوق 2 : 193.
بالشرَ دعاءَهُ بالخيرِ وكانَ الإنسانُ عجولاً »(1) .
واللّه تعالى لا يفعل خلاف مقتضى الحكمة والمصلحة ، فلا يستجيب مثل هذا الدعاء ، أو يؤخّره حتى تكون فيه المصلحة والحكمة.
مراعاة قواعد اللغة والاعراب :
إنّ إعراب ألفاظ الدعاء ومجاراتها لقواعد اللغة والبلاغة ليست شرطا مهما في استجابة الدعاء والإثابة عليه ، بل هي شرط في تمامية فضله وكمال منزلته وعلو مرتبته ، إذ كثيرا ما نشاهد أن من أهل الصلاح والورع ممن يرجى إجابة دعائهم لا يعرفون شيئا من قواعد اللغة والاعراب ، وعلى العكس من ذلك قد نرى من أهل اللغة والفصاحة والبلاغة من لا يستجاب دعاؤهم ولا تعرف قلوبهم نور الايمان.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «تجد الرجل لا يخطى ء بلام ولا واو ، خطيبا مصقعا ، ولَقَلبُهُ أشدُّ ظلمةً من الليل المظلم »(2) .
فميزان التفاضل في قبول الطاعات ومنها الدعاء ، هو اخلاص السريرة ، وصفاء القلب ، وإشراقة بنور الايمان.
وقد روي عن الإمام الجوادعليهالسلام أنّه قال : «إنّ الدعاء الملحون لا يصعد إلى اللّه عزَّ وجلّ »(3) أي لا يصعد ملحونا ، لأنّ اللحن المزري قد يحط من قيمة الدعاء بل ويغير معناه ، لكن اللّه تعالى لا يجازي عليه جريا على
__________________
(1) سورة الاسراء : 17 / 11.
(2) الكافي 2 : 308 / 1.
(3) عدة الداعي : 23.
لحنه المغيّر للمعنى ، بل يجازي على قدر قصد الإنسان من دعائه ومواده ونيته.
ويؤيد ذلك ما روي عن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «قال النبي صلىاللهعليهوآله إنّ الرجل الأعجمي من أُمتي ليقرأ القرآن بعجمته ، فترفعه الملائكة على عربيته »(1) .
بقي أن نقول : إنّ الداعي إذا اختار الدعاء بالمأثور لا بدّ له أن يراعي الالتزام بلفظ الدعاء وبقواعد اللغة والاعراب بالشكل الذي يليق بشأن صاحب الدعاء.
الدعاء بالمأثور :
حصيلة ما تقدم أن الدعاء بالمأثور يجنّب الإنسان من الوقوع باللحن ، فهو أولى من غيره ، وأفصح ممّا يؤلفه الإنسان ، فقد روي عن عبدالرحيم القصير ، أنّه قال : دخلت على أبي عبداللّهعليهالسلام ، فقلت : جعلت فداك ، إني اخترعت دعاءً. فقالعليهالسلام : «دعني من اختراعك »(2) وعلّمه دعاءً ؛ ذلك لأنّ الدعاء بالمأثور يجنّب الداعي الوقوع باللحن والخطأ ، خصوصا إذا كان من أدعية الرسولصلىاللهعليهوآله وعترته المعصومينعليهمالسلام معدن النبوة وأعلام الهدى وأهل البلاغة والفصاحة ، قال أمير المؤمنينعليهالسلام : «وإنّا لاُمراء الكلام ، وفينا تنشّبت عروقه ، وعلينا تهدّلت غصونه »(3) .
ويفضل اختيار الأدعية التي هي مظنة الاجابة ، أو التي خُصّت بالفضل
__________________
(1) الكافي 2 : 453 / 1.
(2) الكافي 3 : 476 / 1.
(3) نهج البلاغة ، الخطبة (233).
الكبير في قضاء الحاجات وغفران الذنوب ، وهي كثيرة في تراث أهل البيتعليهمالسلام (1) .
قال طاووس : إنّي لفي الحجر ليلة ، إذ دخل علي بن الحسينعليهالسلام ، فقلت : رجل صالح من أهل بيت صالح ، لأسمعن دعاءه ، فسمعته يقول في أثناء دعائه : «عبدك بفنائك ، سائلك بفنائك ، مسكينك بفنائك » فما دعوت بهنّ في كربٍ إلاّ وفرّج عني(2) .
ويفضّل أيضا اختيار الأدعية التي تشتمل على اسم اللّه الأعظم لما فيها من الكرامة والقربى واستجابة الدعاء(3) .
وعلى الداعي أن يلتزم بلفظ الدعاء الوارد عن المعصوم دون تحريف أو زيادة أو نقصان ، فقد روي عن إسماعيل بن الفضيل أنّه قال : سألت أبا عبد اللّهعليهالسلام عن قول اللّه تعالى : «وسبّح بِحمدِ ربِّكَ قبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وقبلَ غُروبها »(4) .
فقالعليهالسلام : «فريضة على كلِّ مسلم أن يقول قبل طلوع الشمس عشر مرات وقبل غروبها عشر مرات : لا إله إلاّ اللّه ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهي حيٌّ لا يموت ، بيده الخير ، وهو على كل
__________________
(1) راجع بحار الأنوار 86 : 186 / 48 و 225 / 45 و 323 / 69 و 330 / 71 ، 89 : 323 / 30 ، 90 : 44 / 9 ، 91 : 275 / 24 ، 95 : 190 / 19 و 193 / 24 و 391 / 31 و 398 و 445.
(2) شرح ابن أبي الحديد 6 : 192.
(3) راجع بحار الانوار 93 : 223 ـ 232.
(4) سورة طه : 20 / 130.
شيء قدير ».
قال : فقلت : لا إله إلاّ اللّه ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، ويميت ويحيي فقالعليهالسلام : «يا هذا ، لا شكّ في أن اللّه يحيي ويميت ، ويميت ويحيي ، ولكن قُل كما أقول »(1) .
وعلى الداعي أن يختار من الأدعية المأثورة ما يناسب حاله وحاجته ، فبعض الأدعية تناسب حالة الخوف ، وبعضها حالة الرجاء ، وبعضها للبلاء ، وبعضها للرخاء ، إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة التي ترد على الإنسان ، فعليه أن يقرأ في كلِّ حالة ما يناسبها من الأدعية المأثورة مترسّلاً وكأنّها من إنشائه ، ويدعو بلسان الذلّة والخشوع لا بلسان التشدّق والاستعلاء مع التدبّر في معانيها والتضرُّع فيها.
6 ـ اجتماع المؤمنين للدعاء :
ومن الأسباب المؤدية لاستجابة الدعاء اجتماع المؤمنين بين يدي ربهم في دعائهم وتضرُّعهم إليه ، فما اجتمع المؤمنون في موطنٍ للّه فيه رضا إلاّ لبّى نداءهم ، وأنزل رحمته عليهم ، وشملهم بمغفرته ورضوانه.
روي أنّ اللّه تعالى أوحى إلى عيسىعليهالسلام : «يا عيسى ، تقرّب إلى المؤمنين ، ومُرهم أن يدعوني معك »(2) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «ما من رهطٍ أربعين رجلاً اجتمعوا فدعوا اللّه عزَّوجلَّ في أمرٍ إلاّ استجاب اللّه لهم ، فإنّ لم يكونوا أربعين فأربعة يدعون
__________________
(1) الخصال : 452 / 58.
(2) وسائل الشيعة 7 : 104 / 3.
اللّه عزَّوجلّ عشر مرات إلاّ استجاب اللّه لهم ، فإن لم يكونوا أربعة فواحد يدعو اللّه أربعين مرة، فيستجيب اللّه العزيز الجبار له »(1) .
وقالعليهالسلام : «ما اجتمع أربعة رهط قطّ على أمرٍ واحدٍ ، فدعوا اللّه عزَّوجلّ ، إلاّ تفرقوا عن إجابة »(2) .
7 ـ التأمين على الدعاء :
وهو من الأسباب المؤدية لاستجابة الدعاء ، وفيه فضل كبير وثواب جزيل للمؤمن والداعي على السواء ، ويستحب أن يكون في حال اجتماع المؤمنين للدعاء.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : دعا موسى ، وأمّن هارون ، وأمّنت الملائكة ، فقال اللّه تبارك وتعالى : «قد أُجيبت دعوتكما » »(3) .
وقالعليهالسلام : «الداعي والمؤمّن في الأجر شريكان »(4) .
وروي أن الإمام الصادقعليهالسلام كان إذا حزَبه أمرٌ(5) جمع النساء والصبيان ، ثمّ دعا فأمّنوا(6) .
__________________
(1) الكافي 2 : 353 / 1.
(2) الكافي 2 : 353 / 2.
(3) الكافي 2 : 370 / 8. والآية من سورة يونس : 10 / 89.
(4) الكافي 2 : 353 / 4.
(5) حزبه الأمر : دهاه وأعياه علاجه.
(6) بحار الأنوار 93 : 394 / 6.
8 ـ قراءة القرآن :
روي عن أبي الحسنعليهالسلام أنّه قال : «إذا خفت أمرا ، فاقرأ مائة آية من القرآن من حيث شئت ، ثم قُل : اللهمّ اكشف عني البلاء ، ثلاث مرات »(1) .
أسباب تأخر الاجابة :
قد يقال : إنّنا نرى كثيرا من الناس يدعون اللّه تعالى فلا يستجاب لهم ، وقد ورد في الحديث أيضا ما يدلُّ على تأخر الاجابة لعشرين أو أربعين عاما.
فعن إسحاق بن عمار ، قال : قلت لأبي عبداللّهعليهالسلام : يستجاب للرجل الدعاء ثم يؤخر؟
قال : «نعم ، عشرين سنة »(2) .
وعنهعليهالسلام : «كان بين قول اللّه عزَّ وجلّ : «قد أُجيبت دَّعوَتُكما »وبين أخذ فرعون أربعين عاما »(3) .
فهل يتنافى ذلك مع ما جاء في محكم الكتاب الكريم : «أُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ إذا دعانِ »(4) وقوله سبحانه : «ادعُوني أستجِب لكُم »(5) ، وما جاء على لسان الصادق الأمينصلىاللهعليهوآله : «ما فُتح لأحد باب دعاء ، إلاّ فتح اللّه له
__________________
(1) بحار الانوار 93 : 176 / 1.
(2) الكافي 2 : 355 / 4.
(3) الكافي 2 : 355 / 5. والآية من سورة يونس : 10 / 89.
(4) سورة البقرة : 2 / 186
(5) سورة غافر : 40 / 60.
فيه باب إجابته »(1) ؟
نقول : إنّ الدعاء من أقوى الأسباب في تحقيق المطلوب ودفع المكروه ، ولكنّه قد يكون ضعيفا في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه اللّه لكونه مخالفا لسنن التكوين والتشريع ، أو لأن الداعي لم يراع شروط الدعاء ولم يتقيد بآدابه ، أو لوجود الموانع التي تحجب الدعاء عن الصعود : كأكل الحرام ، ورين الذنوب على القلوب ، واستيلاء الشهوة والهوى وحبّ الدنيا على النفس.
فإذا قيل بعدم الاخلال في جميع ذلك ، فيمكن حصر الأسباب المؤدية إلى تأخر الاجابة بما يلي :
1 ـ إنّ الداعي قد يرى في دعائه صلاحا ظاهرا ، فيلحُّ بالدعاء والمسألة ، ولكن لو استجيب له ، فإنّ الاستجابة قد تنطوي على مفسدة له أو لغيره لا يعلمها إلاّ اللّه تعالى ، قال تعالى : «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكُم وعسى أن تُحبُّوا شيئا وهو شرٌ لَّكُم واللّه يعلمُ وأنتُم لا تعلمُون »(2) .
وفي زبور داودعليهالسلام : يقول اللّه تعالى : «يا بن آدم ، تسألني فأمنعك ، لعلمي بما ينفعك »(3) .
وعليه فإنّ اجابة الدعاء إن كانت مصلحة والمصلحة في تعجيلها ، فإنّه تعالى يعجّلها ، وان اقتضت المصلحة تأخيرها إلى وقت معين أُجّلت ، ويحصل للداعي الأجر والثواب لصبره في هذه المدة.
__________________
(1) أمالي الطوسي 1 : 5.
(2) سورة البقرة : 2 / 216.
(3) بحار الأنوار 73 : 365 / 98.
وإذا لم يترتب على الاجابة غير الشر والفساد ، فإنّه تعالى لا يستجيب الدعاء لسبق رحمته وجزيل نعمته ، ولأنّه تعالى لا يفعل خلاف مقتضى الحكمة والمصلحة : «ولو يُعجِلُ اللّه للناسِ الشرَّ استعجالهُم بالخيرِ لقُضيَ إليهم أجَلُهُم »(1) وفي هذه الحالة يثاب المؤمن على دعائه إما عاجلاً بدفع السوء عنه ، وإعطائه السكينة في نفسه ، والانشراح في صدره ، والصبر الذي يسهل معه احتمال البلاء الحاضر ، أو آجلاً في الآخرة كما يثاب على سائر الطاعات والصالحات من أعماله ، وذلك أعظم درجة عند اللّه تعالى ، لأنّ عطاء الآخرة دائم لا نفاد له ، وعطاء الدنيا منقطع إلى نفاد.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «ما من مؤمن دعا اللّه سبحانه دعوة ، ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم ، إلاّ أعطاه اللّه بها أحد خصال ثلاث : إمّا أن يعجّل دعوته ، وإمّا أن يدّخر له ، وإمّا أن يدفع عنه من السوء مثلها. قالوا : يارسول اللّه ، إذن نكثر؟ قال :اكثروا »(2) .
وعن أبي جعفرعليهالسلام ، أنّه قال : «واللّه ما أخّر اللّه عزَّ وجلّ عن المؤمنين ما يطلبون من هذه الدنيا خير لهم ممّا عجّل لهم فيها، وأي شيءٍ الدنيا! »(3) .
وورد في دعاء الافتتاح : «وأسألك مستأنسا لا خائفا ولا وجلاً مدلاً عليك فيما قصدت فيه إليك ، فإن أبطأ عنّي عتبتُ بجهلي عليك ، ولعلَّ
__________________
(1) سورة يونس : 10 / 11.
(2) وسائل الشيعة 7 : 27 / 8.
(3) الكافي 2 : 354 / 1. وقرب الاسناد : 171.
الذي أبطأ عني هو خيرٌ لي لعلمك بعاقبة الاُمور » (1) .
2 ـ وقد تؤخر الاجابة عن العبد المؤمن لزيادة صلاحه وعظم منزلته عند اللّه عزَّ وجلّ ، فتؤخر إجابته لمحبّة سماع صوته والاكثار من دعائه ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «إنّ اللّه ليتعهد عبده المؤمن بأنواع البلاء ، كما يتعهّد أهل البيت سيدهم بطرف الطعام ، قال اللّه تعالى : « وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائي إنّي لأحمي وليي أن أعطيه في دار الدنيا شيئا يشغله عن ذكري حتى يدعوني فأسمع صوته ، وإني لأعطي الكافر منيته حتى لا يدعوني فأسمع صوته بغضا له » »(2) .
وعن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال : «إنّ المؤمن ليدعو اللّه عزَّ وجلّ في حاجته ، فيقول اللّه عزَّ وجلّ : أخّروا إجابته شوقا إلى صوته ودعائه ، فإذا كان يوم القيامة قال اللّه عزَّ وجلّ : عبدي ، دعوتني فأخرت اجابتك ، وثوابك كذا وكذا ، ودعوتني في كذا وكذا فأخرت اجابتك وثوابك كذا وكذا ، قال : فيتمنّى المؤمن أنّه لم يستجب له دعوة في الدنيا ممّا يرى من حسن الثواب »(3) .
وقال الإمام الرضاعليهالسلام : «إنّ اللّه يؤخّر إجابة المؤمن شوقا إلى دعائه، ويقول : صوت أحبّ أن أسمعه »(4) .
وممّا تقدّم يتبين أنّ الدعاء مستجاب إذا أخلص الداعي في إتيان أدبه
__________________
(1) مصباح المتهجد : 578.
(2) بحار الانوار 93 : 371 / 10.
(3) الكافي 2 : 356 / 9.
(4) بحار الانوار 93 : 370 / 7.
وشرطه ، وتوجّه بقلبه إلى اللّه تعالى منقطعا عن جميع الأسباب ، والاستجابة إما عاجلة في دار الدنيا ، أو آجلة في الآخرة ، وإذا تأخرت الاستجابة فلمصالح لا يعلمها إلاّ عالم السرّ وأخفى ، وتأخيرها يصبُّ في صالح الداعي ، فعليه أن لا يقنط من رحمة ربه ، ولا يستبطى ء الاجابة فيملُّ الدعاء.
دعوات مستجابة :
فيما يلي بعض الدعوات التي أكدت النصوص الإسلامية على استجابتها وتأثيرها في استجابة الدعاء :
أولاً : الدعاء للمؤمنين :
ويعتبر من أهم مطالب الدعاء ، وذلك لأنّه يعكس إيثار المؤمن وإخلاصه وعمق ارتباطه باخوته المؤمنين على امتداد الزمان والمكان ، وهو على نوعين :
1 ـ دعاء عام يشمل جميع المؤمنين الحاضرين منهم أو الذين سبقوا بالإيمان ، وهو من أهم أنواع الدعاء ، لأنّه دعاء يحبّه اللّه تعالى ويستجيب لصاحبه ، لذلك وردت الروايات الكثيرة التي تشيد بفضله وعمق آثاره على الداعي والمدعو له.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «ما من مؤمن أو مؤمنة مضى من أول الدهر أو هو آت إلى يوم القيامة إلاّ وهم شفعاء لمن يقول في دعائه : اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، وإنّ العبد ليؤمر به إلى النار يوم القيامة فيسحب ، فيقول المؤمنون والمؤمنات : يا ربنا ، هذا الذين كان يدعو لنا فشفّعنا فيه ،
فيشفّعهم اللّه فينجو »(1) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «من قال كل يوم خمسا وعشرين مرة : اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، كتب اللّه له بعدد كل مؤمن مضى ، وبعدد كل مؤمن بقي إلى يقوم القيامة حسنة ، ومحا عنه سيئة ، ورفع له درجة »(2) .
وقال الإمام الرضاعليهالسلام : «ما من مؤمن يدعو للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إلاّ كتب اللّه له بكلِّ مؤمن ومؤمنة حسنة منذ بعث اللّه آدم عليهالسلام إلى أن تقوم الساعة »(3) .
2 ـ دعاء خاص للأخ المؤمن بظهر الغيب أو لأربعين مؤمنا ، وينبغي أن يكون الداعي لأخيه بظهر الغيب محبّا له بباطنه ، ومخلصا له في دعائه ، متمنيا أن يرزقه اللّه تعالى بفضل دعائه ، فإذا كان كذلك فإنّ اللّه تعالى يستجيب له فيه ويعوّضه أضعافه ، لأنّ حبّ المؤمن حسنة على انفراده ، وإرادة الخير له حسنة اُخرى ، فكيون الدعاء له مشتملاً على ثلاث حسنات : المحبة ، وارادة الخير ، والدعاء.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «ليس شيء أسرع إجابة من دعوة غائب لغائب »(4) .
وروي عن الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام ، في قوله تعالى : «ويستَجِيبُ
__________________
(1) بحار الانوار 93 : 385 / 10.
(2) بحار الانوار 93 : 384 / 5.
(3) ثواب الاعمال : 161.
(4) الكافي 2 : 370 / 7.
الذين آمنُوا وعمِلُوا الصَّالحاتِ ويزيدُهُم من فَضلِهِ »(1) ، قالعليهالسلام : «هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب ، فيقول له الملك : آمين ، ويقول اللّه العزيز الجبار: ولك مثلا ماسألت، وقد أعطيت ماسألت بحبّك إياه »(2) .
وعنهعليهالسلام قال : «أوشك دعوة وأسرع إجابة ، دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب »(3) .
وعن الإمام الصادقعليهالسلام قال : «الدعاء لأخيك بظهر الغيب يسوق إلى الداعي الرزق ، ويصرف عنه البلاء ، ويقول الملك : ولك مثل ذلك »(4) .
وروي أن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إلى موسىعليهالسلام : «يا موسى ، ادعني على لسانٍ لم تعصني به. فقال عليهالسلام : أنّى لي بذلك؟ فقال : ادعني على لسان غيرك »(5) .
ويدخل في إطار الدعاء الخاص الدعاء لأربعين من المؤمنين قبل أن يدعو المؤمن لنفسه ، وهو من الأدعية المستجابة أيضا.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «من قدم في دعائه أربعين من المؤمنين ، ثم دعا لنفسه ، استجيب له »(6) .
وقالعليهالسلام : «من قدّم أربعين رجلاً من إخوانه قبل أن يدعو لنفسه
__________________
(1) سورة الشورى : 42 / 26.
(2) الكافي 2 : 368 / 3.
(3) الكافي 2 : 367 / 1.
(4) أمالي الطوسي 2 : 290.
(5) عدة الداعي : 183. وبحار الانوار 93 : 390.
(6) أمالي الصدوق : 369 / 4.
استجيب له فيهم وفي نفسه »(1) .
ويتأكد هذا الدعاء بعد الفراغ من صلاة الليل بأن يقول وهو ساجد : ( اللهمّ ربّ الفجر ، والليالي العشر ، والشفع والوتر ، والليل إذا يسر ، وربّ كلِّ شيء ، وإله كلّ شيء ، ومليك كلّ شيء ، صلِّ على محمد وآله ، وافعل بي وبفلان وبفلان ما أنت أهله ، ولا تفعل بنا ما نحن أهله ، يا أهل التقوى وأهل المغفرة )(2) .
إيثار المؤمنين بالدعاء :
عن الإمام الحسن بن عليعليهماالسلام ، قال : «رأيت أُمي فاطمة عليهاالسلام قامت في محرابها ليلة جمعتها ، فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتّضح عموم الصبح ، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم ، وتكثر الدعاء لهم ، ولا تدعو لنفسها بشيء ، فقلت لها : يا أُمّاه ، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت : يا بني ، الجار ثمّ الدار »(3) .
وروي عن ابن ناتانه ، عن علي ، عن أبيه ، قال : رأيت عبداللّه بن جندب بالموقف ، فلم أرَ موقفا أحسن من موقفه ، ما زال مادا يديه إلى السماء ، ودموعه تسيل على خديه حتى تبلغ الأرض ، فلمّا صدر الناس قلت له : يا أبا محمد ، ما رأيت موقفا أحسن من موقفك.
قال : واللّه ما دعوت إلاّ لاخواني ، وذلك أن أبا الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام أخبرني أنّه من دعا لأخيه بظهر الغيب نودي من العرش : ولك
__________________
(1) أمالي الطوسي 2 : 38. وأمالي الصدوق : 310 / 8.
(2) عدة الداعي : 182.
(3) علل الشرائع : 181 / 1.
مائة ألف ضعف ، فكرهت أن أدع مائة ألف ضعف مضمونة لواحدة لا أدري تستجاب أم لا(1) .
وعن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه ، قال : كان عيسى بن أعين إذا حجّ فصار إلى الموقف ، أقبل على الدعاء لاخوانه حتى يفيض الناس ، فقيل له : تتفق مالك وتتعب بدنك حتى إذا صرت إلى الموضع الذي تُبَثّ فيه الحوائج إلى اللّه ، أقبلت على الدعاء لاخوانك ، وتترك نفسك؟ فقال : إنّي على يقين من دعاء الملك لي ، وفي شكّ من الدعاء لنفسي(2) .
ثانيا : ومن الدعوات التي أكدت النصوص الإسلامية على استجابتها :
1 ـ دعاء الوالد الصالح لوده إذا برّه ، ودعاؤه عليه إذا عقّه.
2 ـ دعاء الولد الصالح لوالده.
3 ـ دعاء المظلوم الذي لا يجد ناصرا إلاّ اللّه على من ظلمه ، ودعاؤه لمن انتصر له.
4 ـ دعاء الإمام العادل لرعيته.
5 ـ دعاء المريض لعائده.
6 ـ دعاء الغازي في سبيل اللّه.
7 ـ دعاء الحاج أو المعتمر حتى يرجع.
8 ـ دعاء الصائم حتى يفطر.
__________________
(1) بحار الأنوار 93 : 384 / 8.
(2) بحار الانوار 93 : 391 / 25.
9 ـ دعاء الاطفال ما لم يقارفوا الذنوب.
وفيما يلي نورد النصوص الدالة على استجابة هذه الدعوات :
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «أربعة لا تُرَدَ لهم دعوة حتى تفتح لهم أبواب السماء أو تصير إلى العرش : الوالد لولده ، والمظلوم على من ظلمه ، والمعتمر حتى يرجع ، والصائم حتى يفطر »(1) .
وقالصلىاللهعليهوآله : «إياكم ودعوة المظلوم ، فإنّها ترفع فوق السحاب حتى ينظر اللّه عزَّ وجلّ إليها فيقول : ارفعوها حتى استجيب له ، وإياكم ودعوة الوالد فإنّها أحدّ من السيف » (2) .
وقالصلىاللهعليهوآله : «دعاء أطفال أُمتي مستجاب مالم يقارفوا الذنوب »(3) .
وقال الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام : «خمس دعوات لا يحجبن عن الربّ تبارك وتعالى : دعوة الإمام المقسط ، ودعوة المظلوم ، يقول اللّه عزَّ وجلّ : لأنتقمنّ لك ولو بعد حين ، ودعوة الولد الصالح لوالديه ، ودعوة الوالد الصالح لولده ، ودعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب ، فيقول : ولك مثله »(4) .
وقالعليهالسلام : «اتقوا الظلم، فإنّ دعوة المظلوم تصعد إلى السماء »(5) .
وقالعليهالسلام : «ثلاث دعوات لا يحجبن عن اللّه : دعاء الوالد لولده إذا برّه ،
__________________
(1) الكافي 2 : 370 / 6. والفقيه 2 : 146 / 644.
(2) الكافي 2 : 369 / 3.
(3) بحار الانوار 93 : 357 / 14.
(4) الكافي 2 : 369 / 2.
(5) الكافي 2 : 369 / 4.
ودعوته عليه إذا عقّه ، ودعاء المظلوم على من ظلمه ، ودعاؤه لمن انتصر له منه »(1) .
وقالعليهالسلام : «ثلاثة دعوتهم مستجابة : الحاج فانظروا كيف تخلفونه، والغازي في سبيل اللّه فانظروا كيف تخلفونه ، والمريض فلا تغيظوه ولا تضجروه »(2) .
دعوات لا تستجاب :
من الدعوات التي أكدت النصوص الإسلامية على أنّها لا تستجاب :
1 ـ الداعي الذي يطلب تغيير حالة ناتجة عن ارتكابه إثما ، أو تقصيرا في واجب.
ومثل هذا الداعي لا يمكن أن يترتّب أثر على دعائه حتى يتوب مما ارتكب أو يزيل أسباب حصول تلك الحالة وعللها.
مثال ذلك المظلوم الذي يدعو لازالة مظلمته وهو متحمّل لمظالم العباد وتبعات المخلوقين ، فهذا هو الذي يدعو لتغيير الحالة الناتجة عن ارتكابه إثما.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «قال اللّه عزَّ وجلّ : وعزتي وجلالي لا أُجيب دعوة مظلوم دعاني في مظلمة ظلمها ، ولأحد عنده مثل تلك المظلمة »(3) .
وعنهعليهالسلام أنّه قال : «إذا ظُلِمَ الرجل فظلّ يدعو على صاحبه ، قال اللّه
__________________
(1) أمالي الطوسي 1 : 286.
(2) الكافي 2 : 369 / 1.
(3) وسائل الشيعة 7 : 146 / 1.
عزَّوجلّ : إنّ هاهنا آخر يدعو عليك ، يزعم أنك ظلمته ، فإن شئت أجبتك ، وأجبت عليك ، وإن شئت أخّرتكما فيوسعكما عفوي »(1) .
ومثال طلب تغيير الحالة الناتجة عن التقصير في واجب ، التواكل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ذلك لأنّهما واجبان وجوبا كفائيا لقوله تعالى : «ولتكُن مَنكُم أُمّةٌ يدعُونَ إلى الخيرِ ويأمرُونَ بالمعروفِ ويَنهونَ عنِ المنكَرِ »(2) وإنّ صلاح المجتمع وفساده منوطان بالقيام بهذين الفرضين أو عدمه ، فلو تواكل العباد فيهما وتركوهما ، فستُتاح الفرصة للأشرار والظلمة كي يتسلّطوا على مقدّرات الناس ، وينزوا على مقاليد الحكم ، وعليه فقد تجد أُمّة كاملة تدعو على ظالم واحد فلا يستجاب لها، إلاّ أن يتوبوا عما بدر منهم ويطيعوا اللّه فيما فرضه عليهم «إنّ اللّه لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيَرُوا ما بأنفُسِهِم »(3) .
قال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم »(4) .
وقال الإمام الصادقعليهالسلام : «من عذر ظالما بظلمه ، سلّط اللّه عليه من يظلمه ، وإن دعا لم يستجب له ، ولم يأجره اللّه على ظلامته »(5) .
__________________
(1) أمالي الصدوق : 261 / 3.
(2) سورة آل عمران : 3 / 104.
(3) سورة الرعد : 13 / 11.
(4) نهج البلاغة ، الرسالة (47).
(5) بحار الانوار 93 : 319 / 26.
2 ـ الدعاء على خلاف سنن التكوين والتشريع :
على الداعي أن يفهم سنن اللّه تعالى التكوينية والتشريعية ، وأن يدعو ضمن دائرة هذه السنن ، فليس من مهمة الدعاء أن يتجاوز هذه السنن التي تمثّل إرادة الخالق التكوينية ورحمته ولطفه ، قال تعالى : «فهَل ينظرُونَ إلاّ سُنَّةَ الأولينَ فلن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّه تبدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّه تحويلاً »(1) .
روى الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام عن آبائهعليهمالسلام : «أن زيد بن صوحان قال لأمر المؤمنين عليهالسلام : أي دعوة أضلّ؟ قال عليهالسلام : الداعي بما لا يكون » (2) ، أي لا يقع ضمن دائرة سنن التكوين.
إنّ الدعاء طلب المقدرة والعون للوصول إلى أهداف مشروعة أقرّتها الخليقة والتكوين أو الشرائع الالهية للإنسان ، وهو بهذه الصورة حاجة طبيعية لا يبخل الباري تعالى بلطفه ورحمته على الداعي بالعون حيثما وجدت الحاجة لذلك ، وحيثما كان الداعي مراعيا للشروط والآداب ، أما أن يطلب أشياء تخالف أهداف التكوين والتشريع فان دعاءه لا يستجاب كمن يسأل اللّه تعالى إحياء الموتى ، أو الخلود في دار الدنيا ، أو غفران ذنوب الكفار ، أو يدعو على أخيه المؤمن ، أو في قطيعة رحم ، أو يطلب شيئا محرما ، وغير ذلك من الدعوات التي لا تكون مصداقا حقيقيا للدعاء.
قال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : «يا صاحب الدعاء ، لا تسأل ما لا يحلُّ
__________________
(1) سورة فاطر : 35 / 43.
(2) الفقيه 4 : 274 / 729. أمالي الصدوق : 322 / 4.
ولا يكون » (1) وما لا يحلّ يُعدّ خروجا عن سنن التشريع الإلهية ، وما لا يكون يعد خروجا عن سنن التكوين.
وقالعليهالسلام : «من سأل فوق قدره استحق الحرمان »(2) أي إذا تجاوز الحدّ في دعائه بحيث لا يكون طلبه واقعيا ، كأن يسأل الخلود في دار الدنيا.
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «إنّ أصنافا من أُمتي لا يستجاب لهم ورجل يدعو في قطيعة رحم »(3) ، ذلك لأنّ هذا الدعاء على خلاف سنن التشريع القاضية بصلة الرحم.
وروي عن شعيب ، عن الإمام الصادقعليهالسلام ـ في حديث ـ أنّه قال له : أدعُ اللّه أن يغنيني عن خلقه. فقالعليهالسلام : «إنّ اللّه قسّم رزق من شاء على يدي من شاء ، ولكن سَلِ اللّه أن يغنيك عن الحاجة التي تضطرك إلى لئام خلقه »(4) .
وذلك لأنّ حاجة الناس بعضهم إلى بعض في أمور دينهم ودنياهم من سنن اللّه تعالى في الخلق ، فلا يجوز أن يدعو الإنسان ربّه كي يغنيه عن الناس ؛ لأنّه دعاء على خلاف سُنّة اللّه تعالى وارادته الحكيمة.
ومن الأدعية المخالفة لسنن التشريع ، دعاء المرء على نفسه في حالة الضجر، قال تعالى: «ويدعُ الإنسانُ دُعاءَهُ بالخيرِ وكانَ الإنسانُ
__________________
(1) الخصال : 365 حديث الاربعمائة.
(2) عدة الداعي : 152.
(3) وسائل الشيعة 17 : 27 / 6.
(4) الكافي 2 : 205 / 1.
عجولاً »(1) .
قال ابن عباس وغيره : إنّ الإنسان ربما يدعو في حال الضجر والغضب على نفسه وأهله وماله بما لا يحبّ أن يستجاب له فيه ، كما يدعو لنفسه بالخير ، فلو أجاب اللّه دعاءه لأهلكه ، لكنه لا يجيب بفضله ورحمته(2) .
ولا يتوقف الأمر عند حدود الأمثلة التي ذكرناها أو التي ذكرتها الروايات ، بل يشمل جميع الدعوات المخالفة لسنن اللّه تعالى في الكون والطبيعة والمجتمع والتاريخ.
3 ـ الدعاء بلا عمل :
الدعاء من مفاتيح الرحمة الإلهية التي جعلها الباري تعالى بأيدينا لنستفتح بها خزائن لطفه ورحمته ، ونطلب بها مغفرته وفضله ، قال الإمام الصادقعليهالسلام : «فأكثر من الدعاء ، فإنّه مفتاح كلّ رحمة ، ونجاح كلّ حاجة ، ولا ينال ما عند اللّه عزَّ وجلَّ إلاّ بالدعاء » (3) .
والعمل يقترن مع الدعاء في كونه أحد مفاتيح الرحمة الإلهية الواسعة ، قال تعالى : «فَمن يَعمَل مِثقَالَ ذَرّةٍ خيرا يرهُ »(4) .
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «إنّ للّه عبادا يعملون فيعطيهم ، وآخرين يسألونه صادقين فيعطيهم، ثمّ يجمعهم في الجنة، فيقول الذين عملوا : ربنا عملنا فأعطيتنا ، ففيما أعطيت هؤلاء؟ فيقول : هؤلاء عبادي ، أعطيتكم
__________________
(1) سورة الاسراء : 17 / 11.
(2) مجمع البيان 6 : 618.
(3) الكافي 2 : 341 / 7.
(4) سورة الزلزلة : 99 / 7.
أجوركم ، ولم ألتكم من أعمالكم شيئا ، وسألني هؤلاء فأعطيتهم وأغنيتهم، وهو فضلي أوتيه من أشاء »(1) .
وعلى الرغم من حالة الاقتران بين الدعاء والعمل ، إلاّ أن الدعاء لا يغني عن العمل ، ولا يصح الاكتفاء بالدعاء عن السعي والمثابرة والجد ، الدعاء مظهر من مظاهر الحاجة الحقّة ، وإنّما يدعو الإنسان عندما لا يكون مطلوبه ميسورا له أو في متناول يده ، أو يكون عاجزا ضعيفا لا يمتلك القدرة على تحصيله ، أمّا إذا خوّله اللّه تعالى مفتاح الحاجة فتكاسل عن استعماله ، والتجأ إلى الدعاء دون جدٍّ واجتهاد ، فان دعاءه لا يستجاب ، مثال ذلك المذنب الذي يستغفر اللّه تعالى ويدعوه التوبة ، ولكنه لا يثابر في تغيير ما في نفسه وتهذيبها باقتلاع عناصر الشر والفساد.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله في وصيته لأبي ذررضياللهعنه : «يا أبا ذر ، مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر » (2) .
وقال الإمام أمير المؤمنين عليعليهالسلام : «الداعي بلا عمل ، كالرامي بلا وتر »(3) .
ولذلك ورد عن أئمة الهدىعليهمالسلام كثير من الأحاديث التي تخبرنا عن أصناف من الناس لا تستجاب لهم دعوة ؛ لأنّهم استغنوا بالدعاء عن السعي والجد والمثابرة.
__________________
(1) عدة الداعي : 42.
(2) أمالي الطوسي 2 : 147.
(3) نهج البلاغة ، الحكمة (337).
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «أربعة لا تستجاب لهم دعوة : رجل جالس في بيته يقول : اللهمّ ارزقني ، فيقال له : ألم آمرك بالطلب؟ ورجل كانت له امرأة فدعا عليها ، فيقال له : ألم أجعل أمرها إليك ، ورجل كان له مال فأفسده ، فيقول : اللهمّ ارزقني ، فيقال له : ألم آمرك بالاقتصاد؟ أمل آمرك بالاصلاح؟ ثم تلا قوله تعالى : «والَّذينَ إذا أنفَقُوا لم يُسرِفُوا ولم يقترُوا وكانُ بينَ ذلِكَ قَوَاما »ورجل كان له مال فأدانه بغير بيّنة ، فيقال له : ألم آمرك بالشهادة؟ » (1) .
وعن عمر بن يزيد ، قال : قلت لأبي عبداللّهعليهالسلام : رجل قال : لأقعدنّ في بيتي، ولأصلينّ ولأصومنّ، ولأعبدنّ ربي ، فأمّا رزقي فسيأتيني ، فقالعليهالسلام : «هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم »(2) .
ويضيف الإمام الصادقعليهالسلام صنفا آخر ممن اتكل على الدعاء تاركا الجدّ والسعي ، وهو الذي يدعو على جاره وقد جعل اللّه عزَّ وجلّ له السبيل في الخلاص ، يقولعليهالسلام في حديث الثلاثة الذين لا تستجاب لهم دعوة : «ورجل يدعو على جاره وقد جعل اللّه عزَّ وجلّ له السبيل إلى أن يتحول عن جواره ويبيع داره »(3) .
وهذا الأمر عام لا يقتصر على الأمثلة المذكورة في الأحاديث وحسب ، وإنّما هي أمثلة لجميع الأحوال التي يكون الإنسان فيها قادرا على حل مشكلته بالعمل والتدبر ، ولكنّه يتكاسل عن ذلك فيقيم الدعاء
__________________
(1) الكافي 2 : 370 / 2.
(2) مستطرفات السرائر : 139 / 11.
(3) الكافي 2 : 370 / 1. والفقيه 2 : 39 / 173. والخصال : 160 / 208.
مقام العمل.
والحق أن الدعاء مكمّل للعمل ومتمم له ، فإذا كان اللّه تعالى قد حبانا القدرة لتحقيق المطلوب ، وهدانا إلى السبيل المؤدي إلى ما نصبو إليه ، فلا بدّ من السعي المقترن بالدعاء ، لتكون عاقبة السعي أكثر ثوابا وأجزل أجرا.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «يدخل الجنة رجلان ، كانا يعملان عملاً واحدا ، فيرى أحدهما صاحبه فوقه ، فيقول : يا ربِّ بما أعطيته وكان عملنا واحدا؟ فيقول اللّه تبارك وتعالى : سألني ولم تسألني ، ثم قال صلىاللهعليهوآله : اسألوا اللّه وأجزلوا ، فإنّه لا يتعاظمه شيء »(1) .
__________________
(1) عدة الداعي : 42.
الفصل الرابع
آثار الدعاء
لقد اهتم الأئمة من أهل البيتعليهمالسلام بالدعاء اهتماما بالغا ، ذلك لما يترتب عليه من آثار تعود لصالح الداعي في الدنيا والآخرة ، فهو من أنجع الوسائل وأعمقها في تهذيب النفوس ، وهو مفتاح الرحمة ونجاح الحاجة ، وهو شفاء من كلِّ داء ، وبه يردُّ القضاء ويدفع البلاء ، ولا يدرك ما عند اللّه تعالى إلاّ بالدعاء والابتهال.
وقد حفلت كتب الدعاء الكثيرة بتراث غزير من أدعية أهل البيتعليهمالسلام ، التي تعتبر صفحة مشرقة من صفحات التراث الانساني ، وذخيرة فذّة من ذخائر المسلمين ، فهي من حيث الصياغة والبلاغة آية من آيات الأدب الرفيع ، ومن حيث المضمون فقد أودع الأئمةعليهمالسلام في أدعيتهم خلاصة المعارف الدينية ، وهي من أرقى المناهل في الالهيات والاخلاق ، وهي وسيلة لنشر تعاليم القرآن وآداب الإسلام وبيان أدقّ أسرار التوحيد والنبوة والمعاد وغيرها من المضامين التي يترتب عليها آثار واضحة في تعليم الناس روحية الدين والزهد والأخلاق.
وفيما يلي نبين بعض الآثار المترتبة على الدعاء في الدنيا والآخرة :
أولاً : الآثار العاجلة :
وهي الآثار التي تعود لصالح الداعي في دار الدنيا ، ويمكن حصرها بما يلي :
1 ـ الدعاء مفتاح الحاجات :
الدعاء باب مفتوح للعبد إلى ربّه سبحانه ، يطلب من خلاله كل ما يحتاجه في الدنيا من زيادة الأعمار وصحة الأبدان وسعة الأرزاق والخلاص من البلاء والغم ، وذلك من أبرز القيم الرفيعة عند الأنبياء والأوصياء والصالحين ، ومن أهم السنن المأثورة عنهم.
فقد كان خليل الرحمن إبراهيمعليهالسلام معروفا بالدعاء والمناجاة ، وقد روي عن الإمام الباقرعليهالسلام في قول تعالى : «إنّ إبراهيمَ لأوّاهٌ حليمٌ »(1) أنّه قالعليهالسلام : «الأوّاه هو الدعّاء »(2) .
وممّا جاء في الكتاب الكريم من دعاء الأنبياء ، قال تعالى : «وأيوبَ إذ نادى ربّهُ أني مسَّني الضُّرّ وأنتَ أرحمُ الراحِمينَ * فاستجبنا لهُ فكشفنا ما به من ضُرٍّ وآتيناهُ أهلهُ ومِثلَهُم مَعهُم رحمةً من عِندنا وذكرى للعابدين »(3) .
وقال تعالى : «وزكريا إذ نادى ربّهُ ربِّ لا تذَرني فردا وأنت خيرُ الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا لهُ زوجهُ إنّهم كانوا يُسارِعُونَ في الخيرات ويدعُونَنا رَغَبا ورَهبا وكانُوا لنا خاشعين »(4) .
__________________
(1) سورة التوبة : 9 / 114.
(2) الكافي 2 : 338 / 1.
(3) سورة الانبياء : 21 / 83 ـ 84.
(4) سورة الأنبياء : 21 / 89 ـ 90.
وجاء في وصية أمير المؤمنينعليهالسلام لابنه الإمام الحسنعليهالسلام : «واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض ، قد أذن لك في الدعاء ، وتكفّل لك بالاجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه فإذا ناديته سمع نداك ، وإذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك ، وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك ، واستكشفته كرويك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته مالا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار ، وصحّة الأبدان ، وسعة الأرزاق ، ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب رحمته »(1) .
2 ـ الدعاء شفاء من الداء :
الدعاء شفاء من كلِّ داء ، ومن أوكد الأسباب في إزالة الأمراض المستعصية خصوصا الأمراض النفسية الشائعة في زماننا هذا ، وقد أكدت البحوث الطبية أنّ الطب الروحي من أهم الأسباب في تخفيف مثل هذه الأمراض وإزالتها ، والدعاء يقف على رأس مفردات الطب الروحي والعلاج النفسي.
على أن الدعاء وصفة طبية روحية مقرونة بالرحمة والشفاء للمؤمنين الموقنين، قال تعالى : «ونُنَزّلُ مِن القُرآنِ ما هو شِفَاءٌ ورحمةٌ للمُؤمِنين »(2) .
عن العلاء بن كامل ، قال : قال لي أبو عبداللّهعليهالسلام : «عليك بالدعاء ،
__________________
(1) نهج البلاغة ، الرسالة (31).
(2) سورة الاسراء : 17 / 82.
فإنّه شفاء من كلِّ دعاء »(1) .
وعن الحسين بن نعيم ، قال : اشتكى بعض ولد أبي عبداللّهعليهالسلام ، فقال : «يا بني ، قل : اللهمّ اشفني بشفائك ، وداوني بدوائك ، وعافني من بلائك ، فاني عبدك وابن عبدك »(2) .
والأدعية الخاصة بعلاج الأمراض المختلفة كثيرة ، يمكن الوقوف على القدر الأكبر منها في بحار الأنوار للعلاّمة المجلسيرضياللهعنه (3) .
3 ـ الدعاء ادخار وذخيرة :
ومن آثار الدعاء إذا واظب عليه العبد في حال الرخاء أنّه يكون له ذخيرة لاستخراج الحوائج في البلاء.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّ الدعاء في الرخاء يستخرج الحوائج في البلاء »(4) .
4 ـ الدعاء يهذب النفس :
الدعاء من أهم العوامل التي تسهم في بناء الإنسان المؤمن ، لما فيه من العبودية المطلقة للواحد الحق ، التي تكسب الداعي النقاء والصفاء وخشوع القلب ورقته ، وتصنع منه ذاتا متواضعة للّه تعالى ، محبة للخير ، ومصدرا للمعروف ، وتبعا لفيض البركات ، فيصل بتلك النفس إلى
__________________
(1) الكافي 2 : 341 / 1.
(2) الكافي 2 : 411 / 3.
(3) بحار الانوار 95 : 6 ـ 122.
(4) الكافي 2 : 343 / 3.
درجات المتقين.
والدعاء سلم المذنبين الذي يعرجون به إلى آفاق التوبة ، حيث يخلون بربهم ، ويبوءون بذنوبهم ، وينزلونها عنده ، ليخفف من غلواء نفوسهم المكبلة بالذنوب ، فهو السبب الذي يوصلهم إلى درجات الطاعة والفضيلة ، لينالوا درجة الإنسانية الكريمة ، ويهذّبوا نفوسهم ، ويفلحوا بسعادة الدارين.
قال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : «الدعاء مفاتيح النجاح ، ومقاليد الفلاح »(1) .
واذا تطلعنا في مفردات التراث الغزير الذي تركه لنا أئمة أهل البيتعليهمالسلام في مجال الدعاء ، ولا سيما فيما روي عن الإمام زين العابدينعليهالسلام في أدعية الصحيفة السجادية ، فسنرى أنها تزخر بثروة كبيرة من النماذج التي تثير مفاهيم الحياة الفردية والاجتماعية على المستوى الاخلاقي وتحديد مكام الأخلاق وخطوطها التفصيلية ، وعلى المستوى التربوي في تحديد مفاهيم التربية الإسلامية وتهذيب النفس وصفائها ، وتنمية نزعاتها الخيرة ، وردعها عن غيّها ، وترويضها على طلب الخير.
وخير مثال على ذلك هو دعاء الإمام زين العابدينعليهالسلام في مكارم الأخلاق ومرضيّ الأفعال الذي جاء فيه : «اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد ، ومتّعني بُهدىً صالحٍ لا أستبدل به ، وطريقة حقٍّ لا أزيغ عنها ، ونيّة رشدٍ لا أشكّ فيها اللهمّ لا تدع خصلة تعاب منّي إلاّ أصلحتها ، ولا عائبةً
__________________
(1) الكافي 2 : 340 / 2.
أُونّب بها إلاّ حسّنتها، ولا أُكرومةً فيّ ناقصةً إلاّ أتممتها »(1) .
5 ـ الدعاء سلاح المؤمن :
الدعاء سلاح ذو حدّين ، فهو من جانب سلاح في مواجهة هوى النفس الأمارة ومطاردة شهواتها ، ومواجهة الشيطان وغروره ، وحبُّ الدنيا وزخرفها ، وهذا هو حدّ الانتصار على النفس ، الذي يؤدي إلى تهذيبها والارتفاع بها إلى درجات الصالحين ، ومن جانب آخر فإنّ الدعاء عدّة المؤمن لمواجهة أعدائه ، وهو السلاح الذي يشهره في وجه الظالمين.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «الدعاء سلاح المؤمن ، وعمود الدين ، ونور السموات والأرض »(2) .
وقالصلىاللهعليهوآله : «ألا أدلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ، ويدرّ أرزاقكم؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه ، قالصلىاللهعليهوآله :تدعون ربكم بالليل والنهار ، فإنّ سلاح المؤمن الدعاء »(3) .
وقال الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : «الدعاء ترس المؤمن »(4) .
ولقد اتخذ الأنبياء والأوصياء والصالحون من الدعاء سلاحا يقيهم شرور أعدائهم من الكافرين والمتمردين.
__________________
(1) الصحيفة السجادية ، الدعاء رقم (20).
(2) الكافي 2 : 339 / 1. وعيون أخبار الرضاعليهالسلام 2 : 37 / 95.
(3) الكافي 2 : 240 / 3.
(4) الكافي 2 : 340 / 4.
قال الإمام الرضاعليهالسلام لأصحابه : «عليكم بسلاح الأنبياء ، فقيل : وما سلاح الأنبياء؟ قالعليهالسلام :الدعاء »(1) .
وفي الكتاب الكريم والسُنّة المطهّرة أمثلة كثيرة لآثار الدعاء في ردّ كيد الأعداء والانتصار عليهم.
قال تعالى : «ونُوحا إذ نادى مِن قَبلُ فاستَجَبنا لَهُ فَنَجّيناهُ وأهلَهُ مِنَ الكَربِ العظيم * ونَصرناهُ مِنَ القومِ الذين كذَّبوا بآياتِنا إنّهُم كانوا قومَ سُوءٍ فأغرقناهُم أجمعين »(2) .
ولما اشتدّ الفزع بأصحاب طالوت لكثرة العدد والعدة في صفّ جالوت وجنوده ، دعوا اللّه متضرعين ، قال تعالى : «وَلما بَرزوا لجالُوتَ وجُنُودِهِ قَالُوا ربَّنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وأنصُرنا على القومِ الكافرين * فهَزَمَوهُم بإذنِ اللّه »(3) .
وفي بدر حيث التقى الجمعان ، دعا رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ربّه واستنصره متضرعا إليه حتى سقط رداؤه(4) ، فأنجز له اللّه تعالى ما وعده ، وأمدّه بألف من الملائكة مردفين ، ولاحت بشائر الانتصار ، قال تعالى : «إذ تستَغيثُونَ ربَّكُم فاستجابَ لكُم أني مُمدُّكُم بألفٍ من الملائكة مُردفينَ »(5) .
وعندما دخل الإمام الصادقعليهالسلام على المنصور العباسي ، الذي توعّده
__________________
(1) الكافي 2 : 340 / 5.
(2) سورة الانبياء : 21 / 76 ـ 77.
(3) سورة البقرة : 2 / 250 ـ 251.
(4) راجع دلائل النبوة / البيهقي 3 : 50 ـ 51.
(5) سورة الانفال : 8 / 9.
بالقتل ، دعا الإمامعليهالسلام ربّه متوسلاً إليه للخلاص من الشرِّ والعدوان ، قالعليهالسلام : «يا عدتي عند شدتي ، ويا غوثي عند كربتي ، احرسني بعينك التي لاتنام ، واكنفني بركنك الذي لا يرام »(1) .
ولمّا عزم موسى الهادي بن المهدي العباسي على قتل الإمام الكاظمعليهالسلام بعد مقتل الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخرضياللهعنه ، دعا الإمام الكاظمعليهالسلام ربّه للخلاص من شرّه وظلمه ، فمات الهادي بعد الدعاء بأيام(2) .
ولمّا تمادى المتوكل بالظلم والعدوان ، دعا عليه الإمام الهاديعليهالسلام ، فقتل المتوكل بعد ثلاثة أيام على يد ابنه المنتصر وبغا ووصيف وجمع من الأتراك(3) .
6 ـ الدعاء تلقين لاُصول العقيدة :
إذا تأملنا الأدعية المأثورة عن أهل البيتعليهمالسلام نجد أنّها تمثّل مدرسة لتعليم العقيدة الإسلامية والانفتاح على جميع مفرداتها ، حيث يستحضر الداعي في وعيه توحيد الخالق وصفاته ومشيئته وارادته وعلمه وقضاءه وقدره ، ويتحدث عنها بطريقة ايحائية تحرك الأصل الأول من أصول العقيدة في الروح ، وتعمّق إحساسها بخالقها جلَّ وعلا في حالةٍ من التقاء الفكر والشعور ، تحقق وضوح الرؤية وحصول اليقين ، حينما يجد المؤمن ربه قريبا فيناجيه ، ومحيطا به فيدعوه ، ويجد نفسه محتاجا فيعطيه.
__________________
(1) عدة الداعي : 62.
(2) راجع الدعاء في مهج الدعوات : 319. وأمالي الطوسي 2 : 35.
(3) راجع الدعاء في مهج الدعوات : 265.
ومن الأدعية التي تتضمن الأصل الأول من أصول العقيدة الإسلامية ، دعا الإمام السجادعليهالسلام في الصحيفة السجادية ، قالعليهالسلام : «الحمدُ للّه الأول بلا أول كان قبله ، والآخر بلا آخر يكون بعده ، الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين ، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين »(1) .
والنبوة من مفردات المضمون العقيدي التي يجدها الإنسان ظاهرة في الدعاء ، حيث الحديث عن الرسولصلىاللهعليهوآله ومسؤوليته إزاء الرسالة ، بشكل يعمّق علاقة الداعي الروحية بالرسولصلىاللهعليهوآله ، ويعزز فهمه لأبعاد شخصيته ومكارم أخلاقه وإخلاصه للّه ، ودوره في تبليغ الرسالة وتجسيد معانيها ، ووصيّته بالإمامة لمن بعده ، باعتبارها الامتداد الطبيعي للنبوة ، وبيان مهمتها في اقامة مبادى ء الدين والكتاب الكريم والحفاظ على السُنّة المباركة ، وبيان صفات الإمام ومكارم أخلاقه وفضائله ودلائله.
وكان من دعاء الإمام الكاظمعليهالسلام المعروف بدعاء الاعتقاد : «اللهمّ إنّي أقرُّ وأشهدُ ، واعترفُ ولا أجحدُ ، وأُسرُّ وأُظهرُ ، وأعلنُ وأبطنُ ، بأنّك أنت اللّه لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك ، وأن محمدا عبدك ورسولك ، وأنّ عليّا أمير المؤمنين ، وسيّد الوصيين ، ووارث علم النبيين إمامي ومحجّتي ، ومن لا أثق بالأعمال وإن زكت ، ولا أراها منجيةً لي وان صلحت إلاّ بولايته والائتمام به والاقرار بفضائله ..
اللهمّ وأقرُّ بأوصيائه من أبنائه أئمةً وحججا وأدّلةً وسُرجا ، وأعلاما ومنارا ، وسادة وأبرار ...
اللهمّ فادعني يوم حشري وحين نشري بإمامتهم ، واحشرني في
__________________
(1) الصحيفة السجادية : الدعاء رقم (1) في التحميد للّه عزَّ وجلّ والثناء عليه.
زمرتهم ، واكتبني في أصحابهم ، واجعلني من إخوانهم ، وانقذني بهم يا مولاي من حرِّ النيران ... »(1) .
وأكثر ما يلاحظ الداعي في التراث العريق لأهل البيتعليهمالسلام هو التذكير باليوم الآخر ، واستحضار الموقف بين يدي اللّه تعالى عندما يقوم الناس لربِّ العالمين ، حيث شمول الحساب ودقته لكلِّ ما قام به الإنسان في حياته مع التذكير بالجنة ونعيمها الخالد الذي أعده اللّه تعالى للمؤمنين المتقين ، وبالنار وعقابها المقيم الذي أعده اللّه للكافرين المتمردين.
وجميع أدعيتهمعليهمالسلام تلهج بنغمة توحي بالخوف من عقاب اللّه تعالى والرجاء في ثوابه ، وأغلبها تصلح شواهد على ذلك ، وقد جاءت بأساليب بليغة تبعث في قلب المتدبر الرعب والفزع من الاقدام على المعصية.
7 ـ الدعاء يردُّ القضاء ويدفع البلاء :
الدعاء من أقوى الأسباب التي يستدفع بها البلاء ويكشف بها السوء والضرُّ والكرب العظيم ، قال تعالى : «أمّن يُجِيبُ المضطرَّ إذا دعاهُ ويكشفُ السُّوءِ »(2) .
وقال تعالى : «وأيوبَ إذ نادى ربَّهُ أني مَسَّني الضُرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرٍّ »(3) .
__________________
(1) مهج الدعوات : 233.
(2) سورة النمل : 27 / 62.
(3) سورة الانبياء : 21 / 83 ـ 84.
وقال تعالى : «ونُوحا إذ نادى من قبلُ فاستجبنا لهُ فنجّيناهُ وأهلَهُ من الكربِ العظيم »(1) .
فبالدعاء يرد القضاء ويصرف البلاء المقدّر ، وبذلك وردت الأحاديث عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله وأئمة أهل البيتعليهمالسلام ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «ادفعوا أبواب البلاء بالدعاء »(2) .
وروى زرارة عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام ، قال : قال لي : «ألا أدلّك على شيءٍ لم يستثنِ فيه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ؟ قلتُ : بلى ، قال :الدعاء يردُّ القضاء وقد أبرم إبراما » وضمّ أصابعه(3) .
وروى ميسر بن عبدالعزيز ، عن الإمام الصادقعليهالسلام ، قال : قال لي : «يا ميسر ، ادعُ ولا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه ، إنّ عند اللّه عزَّ وجلّ منزلة لا تنال إلاّ بمسألة »(4) .
وعنهعليهالسلام ، قال : «إنّ الدعاء يردُّ القضاء ، ينقضه كما ينقض السلك وقد أُبرم إبراما »(5) .
وقال الإمام أبو الحسن موسى الكاظمعليهالسلام : «عليكم بالدعاء ، فإنّ الدعاء للّه والطلب إلى اللّه يردُّ البلاء وقد قدّر وقضي ولم يبقَ إلاّ إمضاؤه ، فإذا
__________________
(1) سورة الانبياء : 21 / 76.
(2) قرب الاسناد : 55.
(3) الكافي 2 : 341 / 6.
(4) الكافي 2 : 338 / 3.
(5) الكافي 2 : 340 / 1. وسائل الشيعة 7 : 36 / 4.
دعي اللّه عزَّ وجلّ وسُئل صرف البلاء صَرَفه »(1) .
وأحاديث هذا الباب كثيرة ، نكتفي بهذا القدر للدلالة على صحة دفع الضرر ورد القضاء والبلاء بالدعاء والتضرّع والاقبال إلى الغفور الرحيم بقلب يملؤه الاخلاص ويعمره الإيمان.
وإلى هذا الحد تنتهي الآثار المترتبة على الدعاء والابتهال إلى اللّه تعالى في دار الدنيا ، وللدعاء مضامين كثيرة تترتب عليها آثار أُخرى لا يمكن الاحاطة بها في هذه الرسالة ، ويمكن مراجعتها في كتاب بحار الأنوار للعلاّمة المجلسيرضياللهعنه .
وفيما يلي نتعرض للردّ على الشبهة القائلة بمنافاة الدعاء مع الاعتقاد بالقضاء والقدر.
الدعاء والقضاء والقدر :
هناك تساؤلات كثيرة حول منافاة الدعاء مع الاعتقاد بالقضاء والقدر ، وأول ما يتبادر إلى الذهن هو قول اليهود المعبّر عنه في قوله تعالى : «وقالتِ اليهودُ يَدُ اللّه مغلُولةٌ غُلَّت أيديهم ولُعنُوا بما قالُوا بل يداهُ مبسوطَتانِ يُنفقُ كيفَ يشاءُ »(2) .
قال اليهود : (إنّ اللّه لما خلق الأشياء وقدّر التقادير ، تمّ الأمر وخرج زمام التصرف الجديد من يده بما حتّمه من القضاء ، فلا نسخ ولا استجابة
__________________
(1) الكافي 2 : 341 / 8. وسائل الشيعة 7 : 36 / 1.
(2) سورة المائدة : 5 / 64.
لدعاء ؛ لأنّ الأمر مفروغ منه )(1) .
وقد تسرّب هذا الاعتقاد في جملة ما تسرب من معتقدات اليهود والاسرائيليات إلى التراث الإسلامي العريق الذي ينبذ بوضوحه وإشراقه كل وافدٍ غريب لا يمتُ إلى الدين القويم وشرعة الإسلام الحنيف بصلة.
وكان من جملة الإثارات حول هذا الموضوع ، أن قالوا : (إنّ المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع عند اللّه تعالى ، كان واجب الوقوع ، فلا حاجة إلى الدعاء ، وإن كان غير معلوم الوقوع ، كان ممتنع الوقوع ، فلا حاجة أيضا إلى الدعاء)(2) .
وقالوا : (المدعو إن كان قدرا ، لم يكن بدّ من وقوعه ، دعا به العبد أو لم يدع ، وإن لم يكن قدرا لم يقع سواء سأله العبد أم لم يسأله )(3) .
ومع وضوح الإجابة عن مثل هذه التساؤلات من خلال محكمات الكتاب الكريم والسُنّة المطهّرة على ما سيأتي بيانه ، إلاّ أن البعض ظنَّ بصحتها ، فتركوا الدعاء وسائر أعمال البرّ ، لاعتقادهم بأن للإنسان مصيرا واحدا لا يمكن تغييره ولا تبديله ، وأنه ينال ما قُدّر له من الخير أو الشرّ.
ولا شكّ أن ذلك ناشى ء عن فرط جهلهم بظنهم أن الدعاء أمرٌ خارج عن نطاق القضاء والقدر ويعيد عن الحكمة الالهية ، والواقع أن الدعاء واجابته من أجزاء القضاء والقدر ، وأن المقدَّر معلّق بأسباب ، ومن أسبابه الدعاء ، ومتى أتى العبد بالسبب وقع المقدَّر ، وإذا لم يأت بالسبب انتفى
__________________
(1) تفسير الميزان 2 : 32.
(2) تفسير الرازي 5 : 98.
(3) الجواب الكافي : 15.
المقدَّر ، ويعتبر الدعاء من أقوى الأسباب ، وليس شيء من الأسباب أنفع منه ولا أبلغ في حصول المطلوب ، لما ورد في فضله من آيات الكتاب وصحيح الأثر ، فإذا قدّر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء.
وفيما يلي نجيب عن هذه الشبهة بشيءٍ من التفصيل :
علمه تعالى :
قيل : إنّ تغيير مصير الإنسان بالدعاء وغيره من أعمال البر يقتضي التغيير فيما قدّره اللّه تعالى في علمه الأزلي ، وذلك يعني تغيير علمه تعالى ، وهو محال.
نقول : إنّ اللّه تعالى عالم بمصير الأشياء كلّها غابرها وحاضرها ومستقبلها ، وعلمه هذا أزلي قديم لا يتصور فيه الظهور بعد الخفاء ولا العلم بعد الجهل ، قال تعالى : «إنّ اللّه لا يخفى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ »(1) .
وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام : «لم يزل اللّه عالما بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء ، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء »(2) .
أم الكتاب ولوح المحو والاثبات :
إنّ لعلمه تعالى مظاهر عبّر عنها في الكتاب الكريم ، منها أُمّ الكتاب ، وهذا المظهر يعبر عن علمه الأزلي المحيط بكلِّ شيء ، والذي هو عين
__________________
(1) سورة آل عمران : 3 / 5.
(2) الكافي 1 : 83 / 4.
ذاته ، لا يتطرق إليه التغيير والتبديل ، قال تعالى : «وإنَّهُ في أُمِّ الكتابِ لدينا لعليٌّ حكيمٌ »(1) ، وفي أمُّ الكتاب التقدير القطعي الذي يشتمل على جميع السنن الثابتة الحاكمة على الكون والإنسان.
والمظهر الآخر من علمه تعالى هو المعبّر عنه بلوح المحو والاثبات ، وللّه تعالى فيه المشيئة يقدّم ما يشاء ويؤخر ما يشاء حسب ما تقتضيه حال العباد من حسن الأفعال أو قبحها التي تؤدي بالانسان إلى السعادة أو الشقاء ، قال تعالى : «يمحُو اللّه ما يشاءُ ويُثبتُ وعندَهُ أمُّ الكتابِ »(2) .
قال الإمام أبو جعفر الباقرعليهالسلام : «من الاُمور أمور محتومة جائية لا محالة ، ومن الاُمور أمور موقوفة عند اللّه يقدم منها ما يشاء ، ويثبت منها ما يشاء »(3) .
وفي لوح المحو والاثبات يكتب التقدير الأول ، ولكنه يُعلّق بتحقق شرطه أو زوال مانعه ، أي إنّه موقوف على أعمال العباد ، فالدعاء والذكر والصدقة وصلة الأرحام وبر الوالدين واصطناع المعروف ، تحوّل شقاء الإنسان إلى سعادة ، بأن تُنسى ء في أجله وتقيه مصارع الهوان وتدفع عنه ميتة السوء وتزكي أعماله وتنمي أمواله ، وما إلى ذلك من الآثار الكثيرة الحسنة الواردة في الكتاب الكريم والحديث الصحيح.
وعلى العكس من ذلك فان اقتراف الذنوب وارتكاب السيئات كقطيعة الرحم وعقوق الوالدين وسوء الخلق وغيرها تحوّل مصير الإنسان من
__________________
(1) سورة الزخرف : 43 / 4.
(2) سورة الرعد : 13 / 39.
(3) بحار الانوار 4 : 119 / 58.
السعادة إلى الشقاء ، قال تعالى : «إنَّ اللّه لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّرُوا ما بأنفُسِهِم »(1) .
والتغيير الذي في لوح المحو والاثبات لا يمسّ بكامل علم اللّه تعالى ، فليس هو انتقال من عزيمة إلى عزيمة ، وليس هو حصول للعلم بعد الجهل ، وليس هو معارضا للتقدير الأول ، بل إنّ اللّه تعالى عالم بما يؤول إليه مصير الإنسان في لوح المحو والاثبات ، والظهور بعد الخفاء هو بالنسبة لنا ، لا إلى علمه تعالى المحيط بكلِّ شيء ، وذلك كالنسخ في التشريع الذي لا يختلف عليه أهل العدل.
قال الإمام الصادقعليهالسلام في قوله تعالى : «يمحُو اللّه ما يشاءُ ويُثبتُ وعندهُ أمُّ الكتابِ »(2) : «فكل أمر يريده اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه ، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه ، إنّ اللّه لا يبدو له من جهل »(3) .
وقالعليهالسلام : «من زعم أن اللّه عزَّ وجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس ، فأبرؤوا منه »(4) .
ومما تقدم تبين أن الإنسان لم يكن محكوما بمصير واحد مقدور غير قابل للتغير والتبديل ، بل أنّه يستطيع أن يغير مصيره لكي ينال سعادة الدارين بحسن أفعاله وصلاح أعماله ، ومنها الدعاء والتضرع ، وقد صحّ عن عبداللّه بن عباسرضياللهعنه أنّه قال : «لا ينفع الحذر من القدر ، ولكن اللّه
__________________
(1) سورة الرعد : 13 / 11.
(2) سورة الرعد : 13 / 39.
(3) بحار الانوار 4 : 121 / 63.
(4) بحار الانوار 4 : 111 / 30.
يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر»(1) .
وهذا مما يبعث الرجاء في القلوب المظلمة كي تشرق بنور الإيمان ، ويوقد النور في أفئدة المذنبين ، فلا ييأسوا من روح اللّه ، ويسعوا للخلاص بالدعاء والتضرع والذكر وسائر أعمال البر ، فإنّ اللّه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وكل يوم هو في شأن ، ويداه مبسوطتان بالرحمة والمغفرة.
والقول بسيادة القدر على اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية قول بالجبر الباطل بمحكمات الكتاب والسُنّة والعقل ، وهو يقضي إلى القول بتعطيل جميع الأساب وإلغاء إرسال الرسل وإنزال الكتب ، وإلى بعث اليأس والقنوط في النفوس ، فيستمر الفاسق في فسقه والظالم في ظلمه والمذنب في ذنبه ، وذلك خلاف مشيئة اللّه وحكمته القاضية بأثر الدعاء في رد البلاء ، والتوبة في طلب المغفرة والرحمة ، وصلة الأرحام في طول الأعمار ، وهكذا إلى آخر أعمال البر وصنائع المعروف.
ثانيا : الآثار الآجلة :
بالدعاء ينال ما عند اللّه تعالى من الرحمة والمغفرة والنجاة من العذاب في الآخرة ، وذلك من أبرز آثار الدعاء والتضرع إلى اللّه سبحانه ؛ لأنّ عطاء الآخرة دائم مقيم لا نفاد له.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : «أكثروا من أن تدعوا اللّه ، فإنّ اللّه يحبُّ من عباده المؤمنين أن يدعوه، وقد وعده عباده المؤمنين الاستجابة، واللّه مصيّر
__________________
(1) مستدرك الحاكم 2 : 350.
دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملاً يزيدهم في الجنة » (1) .
وقالعليهالسلام : «عليكم بالدعاء ، فإنّ المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى اللّه والمسألة ، فارغبوا فيما رغبكم اللّه فيه ، وأجيبوا اللّه إلى ما دعاكم لتفلحوا وتنجوا من عذاب اللّه »(2) .
وآخر دعواهم أن الحمدُ للّه ربِّ العالمين
__________________
(1) الكافي 8 : 7 / 1.
(2) الكافي 8 : 4 / 1.
فهرس المصادر
1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ الاحتجاج / الشيخ أحمد بن علي الطبرسي ـ منشورات المرتضى ـ مشهد 1403 هـ.
3 ـ الإرشاد / الشيخ المفيد ـ مكتبة بصيرتي ـ قم.
4 ـ أساس البلاغة / العلاّمة الزمخشري ـ دفتر تبيغات إسلامي ـ قم.
5 ـ الاعتقادات / العلاّمة المجلسي (ت عام 111 هـ) أصفهان ـ إيران.
6 ـ الأمالي / الشيخ الصدوق ـ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1400 هـ.
7 ـ الأمالي / الشيخ الطوسي ـ مطبعة النعمان ـ النجف الأشرف 1384 هـ.
8 ـ الإنباء بما في كلمات القرآن من أضواء / الشيخ محمد جعفر الكرباسي ـ مطبعة الآداب ـ النجف الأشرف.
9 ـ بحار الأنوار / العلاّمة المجلسي ـ دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
10 ـ تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت.
11 ـ تفسير الرازي / منشورات دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ط 3.
12 ـ تفسير العيّاشي / محمد بن مسعود العياشي ـ المكتبة العلمية الإسلامية ـ طهران 1380 هـ.
13 ـ تفسير القمّي / علي بن إبراهيم القمّي ـ مؤسسة دار الكتاب ـ قم 1404 هـ ط3.
14 ـ تفسير الميزان / السيد محمد حسين الطباطبائي ـ إسماعيليان ـ قم.
15 ـ تهذيب الأحكام / الشيخ الطوسي ـ دار الكتب الإسلامية ـ طهران ط4.
16 ـ التوحيد / الشيخ الصدوق ـ جماعة المدرسين ـ قم.
17 ـ الثقات / ابن حبان ـ مؤسسة الكتب الثقافية ـ بيروت.
18 ـ ثواب الأعمال / الشيخ الصدوق ـ منشورات الرضي ـ قم 1364 هـ ط 2.
19 ـ الجواب الكافي / ابن قيم الجوزية ـ دار الوفاق ـ بيروت.
20 ـ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام / الشيخ محمد حسن النجفي ـ دار الكتب الإسلامية ـ طهران ـ إيران.
21 ـ الخصال / الشيخ الصدوق ـ مؤسسة النشر الإسلامي ـ جماعة المدرسين ـ قم 1403 هـ.
22 ـ دلائل النبوة / البيهقي ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت.
23 ـ الزهد / الحسين بن سعيد الأهوازي ـ المطبعة العلمية ـ قم 1399 هـ.
24 ـ سنن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم / السيد محمد حسين الطباطبائي ـ المكتبة الإسلامية ـ 1366ه ش ط 4.
25 ـ شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ دار إحياء الكتب العربية ـ 1378 هـ ط1.
26 ـ الصحاح / الجوهري ـ دار العلم للملايين ـ بيروت 1397ه ط 4.
27 ـ الصحيفة السجادية / الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام ـ دار التعاون ـ بيروت.
28 ـ عدّة الداعي / الشيخ أحمد بن فهد الحلّي ـ دار المرتضى ودار الكتاب الإسلامي ـ بيروت.
29 ـ عيون أخبار الرضاعليهالسلام / الشيخ الصدوق ـ تحقيق السيد مهدي الحسيني ـ إيران.
30 ـ القاموس المحيط / الفيروزآبادي ـ دار الجيل ـ بيروت.
31 ـ قرب الإسناد / الشيخ أبو العباس عبد اللّه بن جعفر الحميري ـ مكتبة نينوى الحديثة ـ طهران.
32 ـ الكافي / الشيخ الكليني ـ المكتبة الإسلامية ـ طهران 1388 هـ.
33 ـ كامل الزيارات / الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ـ المطبعة المرتضوية ـ النجف الأشرف.
34 ـ كفاية الأثر / الشيخ أبو القاسم الخزاز القمي ـ بيدار ـ قم 1401 هـ.
35 ـ لسان العرب / العلاّمة ابن منظور ـ نشر أدب الحوزة ـ قم 1405ه.
36 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن / الشيخ أبو علي الطبرسي ـ دار المعرفة ـ بيروت.
37 ـ مجمع الزوائد / أبو بكر الهيثمي ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت.
38 ـ المستدرك على الصحيحين / الحاكم النيسابوري ـ حيدرآباد ـ الهند.
39 ـ مستطرفات السرائر / الشيخ ابن إدريس الحلّي ـ مؤسسة الإمام المهديعليهالسلام ـ قم.
40 ـ مصباح المتهجّد / الشيخ الطوسي ـ مؤسسة فقه الشيعة ـ بيروت.
41 ـ المصباح المنير / الفيومي ـ دار الهجرة ـ قم.
42 ـ معاني الأخبار / الشيخ الصدوق ـ مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم.
43 ـ معجم مقاييس اللغة / ابن فارس ـ مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم.
44 ـ مفردات ألفاظ القرآن الكريم / الراغب الأصفهاني ـ المكتبة المرتضوية ـ طهران.
45 ـ مناهج اليقين / العلاّمة الحلي ـ تحقيق ونشر الشيخ محمد رضا الأنصاري.
46 ـ من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق ـ دار الكتب الإسلامية ـ طهران ط 5.
47 ـ مهج الدعوات / السيد ابن طاووس ـ المكتبة المرتضوية ـ طهران.
48 ـ نهج البلاغة / جمع السيد الرضي + ـ تحقيق صبحي الصالح ـ دار الهجرة ـ قم.
49 ـ نهج السعادة (كتاب الدعاء) / الشيخ محمد باقر المحمودي ـ مؤسسة التضامن الفكري ـ بيروت.
50 ـ وسائل الشيعة / الشيخ الحر العاملي ـ مؤسسة آل البيتعليهالسلام ـ قم 1410 هـ ط1.
المحتويات
مقدمة المركز 5
المقدِّمة 7
الفصل الأول. 9
مفهوم الدعاء وعلاقته بالعبادة 9
الدعاء في اللغة : 9
الدعاء في الاصطلاح : 11
الفصل الثاني. 25
آداب الدعاء وشروطه 25
الفصل الثالث.. 53
استجابة الدعاء 53
العوامل المؤثرة في استجابة الدعاء : 54
الفصل الرابع. 95
آثار الدعاء 95
الدعاء والقضاء والقدر : 106
علمه تعالى : 108
أم الكتاب ولوح المحو والاثبات : 108
فهرس المصادر 113
المحتويات.. 117