بسم الله الرحمن الرحيم
ابن تيميه المجلّد الأوّل
ترجمة حياته
حبيب طاهر الشمّريّ
مراجعة: جعفر البياتيّ
إهداء
إلى سادة الورى
- محمّدصلىاللهعليهوآله سيّد الأنبياء والرسل.
- عليّعليهالسلام نفس رسول الله وسيّد العرب.
- فاطمةعليهاالسلام بنت رسول الله سيّدة نساء العالمين.
- الحسن والحسينعليهماالسلام سبطي رسول الله سيّدي شباب أهل الجنّة.
- الكوثر الطيّب الطّاهر الذي حباكَ الله إيّاه سيّدي يا رسول الله، لتسري السيادة فيه حتّى يخرج مهديّكم فيقطع قرن الشيطان.
والسلام عليكم سادتي؛ راجياً شفاعتكم لي ولوالديّ فننهل من حوضكم.
مقدّمة
( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرّحْمنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنّهُمْ لَيَصُدّونَهُمْ عَنِ السّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنّهُم مُهْتَدُونَ ) (1) .
( وَمَن يَكُنِ الشّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً ) (2) .
( وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الْفَسَادَ
____________________
(1) الزخرف: 36 - 37.
(2) النساء: 38.
* وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (1) .
شهد القرن الهجريّ السابع وقائع عظام عصفت بالعالم الإسلاميّ وغير الإسلاميّ؛ فقد ظهرت قوّة متغطرسة تلك هي (المغول) التي دكدكت ممالك ودوّخت أخرى فركعت تخطب ودّها، وكانت حاضرة الدولة العبّاسية ببغداد لا تحسد على ما هي عليه، فمثلها مثل بيت العنكبوت، إذ القصر الحاكم يمور بالفساد والعسف وبؤرة موبوءة بالدسائس والمؤامرات بين أفراد الأُسرة الحاكمة! وللمرأة يدٌ طولى في تحريك وتثوير الأُمور؛ وللعنصر الأجنبيّ دورٌ في إفساد الراعي والرعيّة؛ منه أُمّ الحاكم وزوجته ونساء اللّهو والغناء، وبعض قادة الجيش وقد ذكروا أنّ هولاكو أمر بأن يُفرز جميع النساء اللّواتي باشرهنّ المستعصم وبنُوه، فعُزلنَ عن غيرهنّ فكنّ سبعمائة امرأة أُخرِجنَ ومعهنّ ألف وثلاثمائة وصيف وخامدم!
كانت أخبار المغول وتهديداتهم تترى على بغداد، والمستعصم سادر في ملذّاته غافل عن الطلب الذي أرسله إليه هولاكو يأمره فيه أن يرسل إليه مجانيق ليدكّ بها بغداد!!
وفي كلّ نَوبة لم يكن للمستعصم من يمحضه النُّصح والرأيَ في معالجة المغول إلاّ الوزير ابن العلقميّ، فيتبادر رجالُ السوء ممّن حسد ابن العلقميّ حُظوته عند المستعصم فما يزالون به حتّى يستزلّوه، وهكذا حتّى وقعت النُوبّة ودخل المغول بغداد وكان الذي كان.
____________________
(1) البقرة: 204 - 206.
زامَنَ عاصفة المغول فتنة أعظم وأشدّ انبعثت من داخل الكيان الإسلاميّ؛ فإنّ الفاتح لم يمضِ عليه حين حتّى ضعف وانمحى أثره وبغداد ضمّدت جراحها ولو بعد حين؛ إلاّ أنّ حالب ضَرْع شيطان قد حمل لواء فتنته لنشر أفائك وبدع خالف بها القرآن الكريم وسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله و إجماع مذاهب المسلمين؛ وما زالت فتنته تمدّ ظلالها وضلالها حتّى يومنا متّخذة من أرض الزلازل والفتن حيث يطلع منها قرن الشيطان (نجد) مأوىً لها في حركة تكفيريّة إرهابيّة وهّابيّة تيميه؛ فلا عدم الشيطان أتباعاً!! صاحب الفتنة تلك: ابن تيميه، واسمه أحمد، وتيميه هي الجدّ الرّابع! التي إليها ينتهي كلّ اخوانه وأعمامه؟! وهذه واحدة من عقده التي سنعرض لها.
من عقيدة ابن تيميه هذا القول بتشبيه الله وتجسيمه ورؤيته في الدنيا وأنّه على عرشه بذاته، وأنّه يتحرّك وينتقل ويصعد وينزل ويتكلّم بحرف وصوت، وأنّه خلق آدمعليهالسلام على صورته. ولأمرٍ سيتّضح أنكر خلود جهنّم! وأنّ جهنّم لا يسكت زفيرها حتّى يضع الرحمان ساقه فيها!! هاجم الأشعريّة، والمعتزلة، والصوفيّة ...، واختصّ أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآله وشيعتهم، بالقسط الأوفر خصوصاً في كتابه (منهاج السُنّة) سباباً مقذعاً وكذباً لا حدّ لوصفه، وأنكر كلّ فضيلة لأهل البيتعليهمالسلام وفضّل عليهم بني أُميّة والخوارج والنّواصب!!!
والذي أثار عليه حفيظة الأُمّة الإسلاميّة بشامها ومصرها: أنّ ابن تَيميه هذا، نال من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ فقد أفتى بتحريم شدّ الرّحال لزيارة قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله وزيارة إبراهيم الخليلعليهالسلام ، والأولياء، وجعل السفر إليهم سفر معصية! فاعتقل
و طيف به في سكك دمشق مضروباً بالدِّرّة، ثمّ عُقد له مجلس قضاء وحُبس بقلعة دمشق ثلاث مرّات في كلّ مرّة يُعلن توبته وبراءته من عقيدته! فيخرج فيعود لفتنته( وَمَن يَكُنِ الشّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً ) ، ليعود إلى السجن بحكم القضاة للمذاهب الثلاث: الشّافعيّ والمالكيّ والحنفيّ؛ وهكذا في المرّة الثالثة إذ انضمّ إليهم القاضي الحنبليّ. وأمّا التُّهم المـُوجّهة لابن تيميه فهي: الفِسق، الزندقة، الكفر، النّفاق ...؛ وفي المرّة الثالثة من سجنه لم يتبرّأ من عقيدته ومات عليها في سجن دمشق سنة 728 هـ؛ ليحمل راية عقيدته رجال أوفياء له منهم: ابن قيّم الجوزيّة الحنبليّ الدمشقيّ، الذي اُشرب في نفسه الولع والإكبار لابن تيميه وتعشّق آراءه وفتاواه فناله العقاب وسُجن مرّات عدّة ولكنّه نجا ليشيّع اُستاذه ويعاهده على أن يكون القيّم الوفيّ على إحياء عقيدته وآرائه. ومنهم تلميذه ابن عبد الهادي الذي تجاوز الحدود فلم يكتفِ بإظهار الحماس لعقيدة ابن تيميه في ذات الله تعالى، ورسولهصلىاللهعليهوآله ، وإنّما شنّ الغارة الشديدة على علماء وقضاة المذاهب الإسلاميّة الذين عارضوا شيخه وأصدروا أحكامهم العادلة بحقّه.
ومن تلامذته يوسُف المِزّيّ (ت 742 هـ) السَلَفيّ، كان معجباً في أوّل أمره بابن تَيميه؛ ثمّ لمّا تبيّن له حاله وخُبث طويّته، ابتعد عنه حتّى أنّه لم يُترجم له في موسوعته (تهذيب الكمال في أسماء الرجال). وتلميذ آخر كان مسحوراً بابن تيميه، لا يخرج عن قول يقوله! ذلك هو الذهبيّ الحنبليّ؛ فلمّا انكشف حال ابن تَيميه؛ باعدَهُ وكتب إليه كتاباً طويلاً ينصحه على ترك سفاسفه الّتي أدّت إلى إضعاف الأُمّة الإسلاميّة ويأسف على الأيام التي أمضاها معه!
عصم الله أُمّتنا الإسلاميّة من مضلاّت الهوى ومرديات الفِتَن وقطع قرن
الشيطان المنبعث من أرض النبوّات الكاذبة: مسيلمة الكذّاب، وسجاح التميميّين النَّجديّين، وقد ضمّ مسيلمة نبوّة سجاح إلى نبوّته في ليلة! وقَطام وكحيلة.. من تميم قوم ابن عبد الوهّاب النّجدي التميميّ الخارجيّ الثالث الذي انتهت إليه راية ضلالة الخارجي الثاني: ابن تيميه.
تأخّر إسلام نجد حتّى العام التاسع وجاء وفدُ تميم يظهرون إسلامهم وفيهم وفي قبائل نجديّة اُخرى نزلت سورة الحجرات، وآيات من سورة (المنافقون)؛ ولم يستقم إسلامهم، وظهر فيهم رجال ونساء من تميم ادّعوا النبوّة وشكّلوا خطراً على الإسلام؛ ومن نَجد من تميم رهط ابن عبد الوهّاب كان الخارجيّ الأوّل ذو الخويصرة التميميّ الذي خرج على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وحذّر منه النبيّ إذ قال: (يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرقُ السهمُ من الرمِّية ...)، وقد عقدنا باباً ذكرنا فيه رؤوس الخوارج ومجتهديهم نساءً ورجالاً نادراً من هو غير تميميّ نجدي!، وما خارجة يومنا إلاّ أبناء نجد وأتباع أعراب نَجد حاملي لواء الضّلالة التيميه؛ وهم يعفون عن الكافر ويقتلون المسلم كأسلافهم. هذه هي فتنة ابن تيميه وأفراخ السامرة، وليس فيهم ثمّة مغوليّ.( وَالّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلّا نَكِداً ) (1) .
وكان مجمع البحوث الإسلاميّة قد رأى أنّ من الأوجه أن يقدّم هذا الكتاب في ثلاث مجلّدات، تييسيراً لتناوله ومراجعته، وبيانا لمواضيعه المتعددة التي يصعب تناولها أو جمعها تحت عنوان واحد.
____________________
(1) الأعراف: 58.
تمهيد
لم تحملني أحكام قُضاة المذاهب الإسلاميّة الأربعة التي أدانت ابن تَيميه بالفِسق، والكفر، والزندقة، والنّفاق..؛ وتعزيره والتشهير به مكشوف الرأس على بغلةٍ في سكك دمشق محذّرين من اتّباعه، ونال الحنابلة بسببه أذًى كثيراً وحُبس منهم خلق واختفى آخرون؛ وسجنه ثلاثاً ثمّ موته في السجن.
ولا انفصال أشدّ تلامذته وأقرانه انبهاراً به، وفصم العُرى معه.
ولا الحملة ضدّه والتي صارت إجماعاً لم ينقطع من يومه وحتّى يومنا، لم يشذّ في ذلك مذهب من المذاهب وقد أثبتّ جدولاً بأسماء العلماء والمشايخ والأساتذة ممّن تكلّموا في هذا الشأن.
كلّ ذلك لم يكن هو الدافع عن الكتابة عن الرجل وإن كان مثيراً للانتباه والتساؤل: علامَ هذه الصاخبة؟! فلنبحث بموضوعيّة.
قرأ ابن تيميه بأقلام روّاد، ورجعت إلى المـُنصفين، ثمّ عوّلت على كتبه التي هي بخطّه مثل: العقيدة الحمويّة، والتفسير الكبير، والفتاوى الكبرى، وبيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، والعقيدة الواسطيّة، والتوسّل والوسيلة؛
وضممتُ إليها ما وجدته في مصنّفات تلميذيه الوفيّين: ابن عبد الهادي (ت 744 هـ) وابن القيّم الجوزيّة (ت 751 هـ)؛ فوجدتُ الهول لما رأيت وسمعت! رجل أبيض بض لم تصبه من سمرة العرب شيء، شعره أسود فاحم يصل شحمة أُذنيه، تجاوز الستّين من عمره وهو في كلّ نشاطه، ولم يتحمّل أعباء الزواج والذرّيّة بعد! يحاجج في الله تعالى وصفاته.. وتعتريه حِدّة غير معهودة لدى أهل الكلام! وقد أوقف كتبه تلك على ما ذكرنا من عقيدته في تشبيه الله وتجسيمه وكلّ ما ذكرنا من الحوادث وصفات النقص التي هي صفات المخلوقات، تعالى ربّنا الواحد الأحد عن كلّ ذلك.
وقرأت ابن تيميه في عقيدته بالنبيّصلىاللهعليهوآله ؛ في كتابه: قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة، وكتاب الزيارة؛ فوجدته يمنع من الشفاعة والتوجّه برسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد موته، وناضل النضال الشديد في تحريم زيارة قبر النبيّصلىاللهعليهوآله وقبر الخليلعليهالسلام وقبور الأولياء واعتبر ذلك سفر معصية.
هذا في عقيدته في المـُرسِل تعالى، والرسولصلىاللهعليهوآله . وأمّا في أهل بيت رسول الله وعترته؛ الثقل الثاني بعد القرآن الكريم وبهم غلب النبيّ نصارى نَجران يوم المباهلة، فكانوا معجزة النبيّ يومئذ وعليّ نفسه وفاطمة نساءه والحسن والحسين أبناءه وبهم أنزل الله تعالى آية التطهير، وفرض سبحانه مودّتهم ...
فقد وجدت ابن تيميه ناصبيّاً خارجيّاً، وكتابه (منهاج السُّنّة) بأجزائه الأربع من القطع الكبير يبدأ وينتهي بالحطّ من أهل بيت النبيّ وتكذيب فضائلهم وخصائصهم، استكمالاً منه لمنهجه: المـُرسِل، والرسول، وآل الرسول.
تتبّعت ابن تيميه نسَباً منقطعاً ينتهي إلى امرأة (تَيمية)؛ فكانت هذه عُقدته النفسيّة الأولى. وأثر البيئة في تكوينه الفكري (حرّان) مهد الصابئة، والنصرانيّة، وانتهى إلى قربها أحد الخوارج الذي سلموا من معركة النهروان وتناسل هناك، واحتضنت حرّان مروان الحمار حتّى قُتل وغلب على أهلها حبّ الأمويّين، قبيلته المجهولة؛ عُقدة أخرى، التقلّبات السياسيّة في عصره: هجوم المغول وفرار أسرته إلى دمشق التي أكثر أهلها آنذاك هواهم مع بني أُميّة، رجل تجاوز الستّين ولم يتزوّج على ما ذكرنا؛ عُقدة أخرى، طموحه في الإمامة الكبرى! فلم ينلها واشتهر غيره ونالوا مناصب القضاء والدرس، ونال هو التكفير والتعزير والسجن، ورأى شيئاً لأن يخرّ من السماء أهون عليه من أن يراه، ذلك هو عالم الشيعة (المطهّر الحلّيّ) الذي وفّقه الله تعالى لأن يؤثّر على حفيد السلطان المغولي (خدا بنده) فاعتنق هذا مذهب أهل البيت؛ ولذلك قصّة نأتي عليها. فاستشاط ابن تيميه وانتفخ سحرُه وتخلّى عن مهاجمته الفرق الإسلاميّة، ولو مهادنةً وخطب ودٍّ لظنّه أنّهم سيكونون له عوناً مع الشيطان؛ فخاب ظنّه وزاد في إداناته، فاستُدعي وحُوقق واُلزم بالنفاق لتنقيصه من مقام أميرالمؤمنين عليعليهالسلام هذا في الدنيا، وفي الآخرة( ها أَنْتُمْ هؤُلاَءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) (1) .
هادن ابن تيميه الأشعريّ بعد أن كان هدفاً لناره، فلعلّه بذلك يرضي فرق السنّة، وراح يهملج بسبّ الشيعة وعالمهم (الحلّيّ) وأهل البيتعليهمالسلام ظنّاً منه أنّهم
____________________
(1) النساء: 109.
أئمّة الشيعة وليسوا قرآناً يتلى في المحاريب، فإذا حذفت تلك الآيات كانت ردّاً على الله تعالى ورسوله! وكتب الحنابلة والمالكيّة والحنفيّة والشافعيّة مشحونة بفضائل أهل البيت، مضافاً إلى كتب التصانيف والسنن والسير والتاريخ.
بدأ ابن تيميه كتاب (منهاج السُّنّة) بشتيمة العلاّمة الحلّيّ فقال: وإنّ من سمّى نفسه بالمطهّر هو أولى أن يُسمّى بالمنجّس ...، وإنّ كتابه الّذي سمّاه (منهاج الكرامة) هو أولى أن يُسمّى بـ (منهاج الندامة)! ثمّ راح يسفّ يكذّب كلّ فضيلة لأهل البيتعليهمالسلام بلهجة حادّة لا دليل له في كلّ ذلك إلاّ أن يقول: هذا كذب موضوع باتّفاق أهل العلم! وإجماع أهل الحديث؛ ثمّ لا يذكر واحداً من أولئك العلماء، والإجماع! ثمّ يلوذ بالمسلمين السّنّة، فيقول: هذا مخالف لقول أهل السُّنّة والجماعة؛ وقصده من ذلك استغفال السذّج ليحسبوه مسلماً من أهل السنّة وأنّ قوله قولهم! فمن هم أهل السُّنّة بمصطلحه المعروف، هل هم الخوارج والنواصب؟ أم المذاهب الإسلاميّة: الشافعيّة والحنفيّة، والمالكيّة، والحنبليّة؛ الذين قامت قيامتهم على ابن تيميه لله ورسوله وأوليائه ...؟! ولم يقل من السُّنّة ممّن عاصر العلاّمة (الحلّيّ) أو جاء بعده كلمةً نابيةً ممّا قالها ابن تيميه فيه، إنّما كان محلّ احترام وإعجاب وتبجيل.
ومن منهجي في البحث أنّي اخترت لهذا الكتاب هذا العنوان (نقد منهج ابن تيميه)، للمجلّد الثاني (ابن تيميه، نقد منهجه) فكلمة (منهج) لو قلبت صارت (جهنّم) إزاء كتاب ابن تيميه (منهجا السُّنّة) الّذي هو في حقيقته منهاج البدعة والضلال والنّاصبيّة العمياء ...! ولذا كان الأصل في البحث هو نقض النقض وردّ
مفتريات ابن تيميه في منهاجه. وقد عوّلت في هذا الحقل واعتمدت القرآن الكريم الّذي لا يأتيه الباطل أبداً، ثمّ تناولت كتب السيرة ممّن عاش أصحابها القرن الأوّل وتُوفّوا منتصف القرن الثاني الهجريّ، أو أوائل القرن الثالث الهجريّ، وكتب الصحاح للبخاريّ ومسلم والترمذيّ، والمسانيد للطيالسيّ (ت 204 هـ) وأحمد (ت 241 هـ) وأبي يعلى (ت 307 هـ) والمسند الحميدي (ت 219 هـ) ومسند أبي داود السجستاني (ت 275 هـ) وتاريخ البخاريّ، وتفسير القرآن لابن وَهْب (135 - 197 هـ) وتاريخ خليفة (ت 240 هـ) والمغازي للواقدي (207 هـ) والموفّقيّات للزبير بن بكّار (ت 256 هـ) والمعرفة والتاريخ للفَسَويّ (ت 277 هـ) والمصنّف لابن أبي شيبه (ت 235 هـ) والمصنّف لابن أبي شيبه (ت 235 هـ) والمصنّف لعبد الرزّاق (ت 211 هـ) وتفسير القرآن العزيز، له، وتفسير سفيان الثوري (ت 161 هـ) وتفسير مقاتل (80 - 150 هـ) و كتاب الفضائل لأحمد بن حنبل، وأنساب الأشراف للبلاذري (ت 279 هـ)، وأسباب النزول للواحديّ (ت 468 هـ) و أحكام القرآن للجصّاص (ت 370 هـ) و الاستيعاب لابن عبد البرّ المالكيّ (ت 463 هـ) و أسد الغابة لابن الأثير الشافعيّ (ت 630 هـ) والإصابة لابن حجر الشافعيّ (ت 852 هـ) والأغاني لأبي الفرج الإصفهاني (ت 356 هـ) والإمامة والسياسة لابن قُتيبة (ت 270 هـ) والبحر المحيط في تفسير القرآن لمحمّد بن يوسف أبو حيان الأندلسيّ (ت 745 هـ) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، وسنن ابن ماجة وسنن النّسائيّ (ت 303 هـ)، والسنن الكبرى للبيهقيّ (ت 458 هـ)، وخصائص أمير المؤمنين للنّسائيّ، والطبقات الكبرى لابن سعد (ت 230 هـ)، وتاريخ اليعقوبي (القرن
الثالث الهجري)، وتاريخ ابن مَعين (ت 233 هـ)، ومروج الذهب للمسعوديّ (ت 346 هـ)، والمستدرك على الصحيحين للحاكم (ت 405 هـ)، ومشكل الآثار للطحاوي الحنفيّ (ت 321 هـ)، ومصابيح السّنة للبغويّ الشافعيّ (ت 516 هـ)، ومعالم التنزيل للفرّاء الشافعيّ (ت 516 هـ)، ومطالب السّؤول لابن طلحة الشافعيّ، والمعجم الكبير، والصغير، كلاهما للطبراني السَلَفيّ (ت 360 هـ)، وتاريخ الطبريّ، وتفسيره، وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي، الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة لابن الصبّاغ المالكيّ، وشواهد التنزيل لقواعد التفضيل للحسكانيّ الحنفيّ (ت 490 هـ)، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، تاريخ الإسلام للذهبيّ الحنبليّ، وسير أعلام النبلاء، له، والعِبر في خبر مَن غَبر، له، وجمهرة النّسب لابن الكلبيّ (ت 204 هـ)، وشفاء السقام في زيارة خير الأنام لشيخ الإسلام تقيّ الدين السُّبكي (683 - 756 هـ)، ودفعُ الشُّبه عن الرسول والرسالة للإمام تقيّ الدين الحِصْني الدمشقيّ (752 - 829 هـ)، والسيف الصقيل: كتبه السُّبكي ردّاً على ابن قيمّ الجوزيّة تلميذ ابن تيميه؛ والكتابة عن الأبناء تبقى واحدة لوحدة الأصل والمبنى في العقيدة والأفكار والسُّبكي في سيفه شنّ حملةً على ابن القيمّ في عقيدته في التجسيم ...، وما يتفرّع منها من كفريات أُستاذه ابن تيميه، وللكوثريّ حاشية مع كلّ جملة ذكرها السُّبكي في أصل كتابه، ثمّ ألحق الكتاب بخاتمة مشكورة تلك هي رسالة الذهبيّ الّذي تيقّظ لنفسه فطلّق أفكار أُستاذه ابن تيميه ثمّ بعث إليه تلك الرسالة الذهبيّة الطويلة يأسف فيها على أيّام أمضاها مع هذا الرجل ويحذّره عاقبة أمره أثبتناها في فصل أصحاب الردود.
هذا بعضٌ من مصادرنا التي آلينا في منهجنا أن نحاكم ابن تيميه وقد انتهى إلى ربّ لا يعزب عنه شيء في السماء ولا في الأرض، نسأله تعالى أن يعامله بعدله إنّه عزيز ذو اقتدار؛ إلاّ أنّا رأينا أنّ الوظيفة الشرعيّة تسترعينا أن نضع يد القارئ الكريم تمهيداً وقبل الولوج في أصل البحث على كشف قناع المفتري العنيد فهل وجدت أخي الغيور فيما ذكرت لك مصدراً شيعيّاً؟ وستجد ضعف العدد هذا بل ويزيد بكثير، ممّن تصدّى لابن تيميه، أو أثبت فضائل وخصائص أهل البيتعليهمالسلام ، التي أنكرها ابن تيميه في منهاج ضلاله.
بعد المقدّمة والتمهيد حان أن ندرس ابن تيميه، فكان:
المجلّد الأوّل: حياته؛ أُسرته تنتهي إلى امرأة، تيميه مجهولة؟ منحدره القبليّ مجهول؟ بيئتُه: حرّان، مشتبك الصّابئة واليهوديّة والأمويّة والخارجيّة والنّصرانيّة، إلى دمشق أمويّة الهوى.
عصره السياسيّ: ظهور أقوى موجة عصفت بالممالك، ففرّت أُسرته إلى دمشق. نزاعه مع الفرق الإسلاميّة. مع الصوفيّة. مع ابن عربيّ. عقيدته في تشبيه الله تعالى وتجسيمه وأنّه محلّ الحوادث ...، منهجه في التفسير. عقيدته في التوسّل بالنبيّصلىاللهعليهوآله وزيارة قبور الأنبياء والأولياء. قصّة تشيّع خدابنده.
ابن تيميه في مجلس القضاء. نهاية المطاف في السجن الثالث.
المجلّد الثاني: تتبّعت فيه عثرات ابن تيميه وسقطاته وسبابه بحقّ أهل بيت الوحي وشيعتهم في كتابه (منهاج السّنّة) فوجدته رجلاً أشاح عن القرآن وجهه، وأسمع لُهاث تركاضه، فقد أوعكه رجال القرن الهجريّ الأوّل فما بعد يُخبتون
للقرآن والسُّنّة في شأن البيت العَلَويّ العُلْويّ لم يشاركهم بذلك خارجيّ ولا أُمويّ، فوجدته ينكر وذريعته إجماع أهل المعرفة بالعلم ...، وأهل الحديث، وأهل السُّنذة؛ وبعد الرجوع إلى المصادر ربّما ربت على الخمسين أو السبعين أو أكثر!
مسألة أُخرى في منهاجه: وهو ينكر، فإنّه يُطيل بما لا طائل فيه، ثمّ يفرّع في الإنكار تفريعات لا معنى لها إظهاراً منه للسذّج أنّه كثير العلم.
وهو إذ يرى مصيره الّذي هو صائر إليه، إلاّ أنّه العناد الإبليسيّ! تجده ينسى أو يتناسى فيذكر المطلب في أكثر من موضع وأكثر من جزءٍ من أجزائه الأربعة.
المجلّد الثالث: أصحاب الردود: جمعتُ فيه جمعاً جمّاً من علماء وأساتذة وفقهاء المسلمين بمختلف مذاهبهم ممّن عاصروا ابن تيميه وحتّى يومنا ممّن ردّ على الرجل زيادةً في الحجّة.
والله وليّ التوفيق
تعريف بـ (ابن تَيمِيه) 661 - 728 هـ
هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تَيمِيه الحرّانيّ، ثمّ الدمشقيّ، الحنبليّ.(1)
واختلفت بعض المصادر في عدّ أجداده انتهاءً إلى تَيمِيه؛ فاتّفقت جمعيها على عدم تعدّي تَيمِيه، وما ذكرناه من نسبه مأخوذ من كتابه (منهاج السُّنّة) وكتابه الآخر (علم الحديث) و (تاريخ ابن الوردي) وكتاب تلميذه الوفيّ: ابن عبد
____________________
(1) منهاج السنّة، لابن تَيمِيه 1: 2، وعلم الحديث، له 41، والعقود الدرّيّة في مناقب ابن تَيمِيه، لابن عبد الهادي 9، وتاريخ ابن الوردي 2: 275، وتذكرة الحفّاظ، للذهبيّ 4: 1496، والوافي بالوفيات، للصفديّ 7: 15/2964، والبداية والنهاية، لابن كثير 13 و 14 عدّة مواضع وشذرات الذهب، لابن العماد الحنبليّ 6: 80، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لابن تغري بردي 9: 271، والمنهل الصافيّ ن له، 1: 358، وعقد الجُمان، لبدر الدين العينيّ 2 و 3 عدّة مواضع، ودائرة المعارف الإسلاميّة 1: 109، وتاريخ ابن خلدون 5: 474، والبدر الطالع، للشوكانيّ 1: 63/40، وابن تَيمِيه حياته وعصره، لمحمّد أبي زهرة.
الهادي (العقود الدرّيّة).
في حين ذكرت بعض المصادر له خمسة، وأخرى سبعة، فيما ذكرت أخرى لصاحب الترجمة ثلاثة أجداد وكلّها تنتهي عند (تَيمِيه)، فالأُسرة جميعاً إخواناً وأعماماً، تُعرف بأُسرة ابن تَيمِيه.
استباق الأحداث: كان علينا أن نتكلّم عن تاريخ مولد صاحب الترجمة، وبيئته، وتعريف بأُمّه ونسبها وقبيلتها على ما جرى عليه المترجمون؛ إلاّ أنّ أمراً استوقفنا متسائلين: علامَ انتهت سلسلة نسب هذا الرجل الذي أحدث ضجّة وصار أُمّة رغم القيامة عليه وعلى أتباعه من الحنابلة، وما سمعته من التشنيع به والتشهير، وتكفيره وتفسيقه وزندقته والتعزير، وموته بالسجن؛ فنفَخ الشيطان بعقيدته وآرائه من أرض الزلازل والفتن (نَجْد) فعاد ابن تَيمِيه في حركة وهّابيّة!
إنّ استباق الأحداث في المنهج فرض نفسه: مَن هو هذا (الجدّ) الذي تنتهي إليه هذه الأسرة (تَيمِيه) ذكر هو أم أنثى، ما حظّه من الخير ومنزلته الاجتماعيّة، هل كان مثل حفيده صاحب الترجمة (أحمد بن عبد الحليم) شيخ الإسلام - كذا، والإمام المـُطلق؟!
الجواب: إنّ تَيمِيه، امرأة.
ملاحظة جديرة بالتحقيق: ليس في تاريخ العرب ولا النّصارى أن تنتمي أُسرة واسعة إلى امرأة، وجعل الإسلام النّسب للآباء، ولم أجد ملّة جعلت النسب للأُمّهات إلاّ: اليهود.
منزلتها العلميّة: كانت واعظة(1) .
تسمية تَيمِيه
وقع اختلاف قليل في المناسبة التي بها سُمِّيت (تَيمِيه)، حتّى من قِبَل بعض الأسرة!
قال ابن خلّكان في ترجمته لمحمّد بن الخضر الحرّانيّ: (محمّد بن الخضر المعروف بابنِ تَيمِيه الحرّانيّ، الخطيب الواعظ الحنبليّ.
قدِم بغداد وسمع الحديث بها من شهدة بنت الإبري، وابن البطّي، وصنّف في مذهب الإمام أحمد. وكانت إليه الخطابة بحرّان، ولأهله من بعده.
ولد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، بمدينة حرّان. وتوفّي بها سنة إحدى وعشرين وستّمائة.
قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي في حقّه: كان ضنيناً (أي حسوداً) بحرّان، متى نبغ فيها أحد لا يزال وراءه حتّى يخرجه منها ويبعده عنها!
قال: وذكره أبو البركات ابن المستوفي في (تاريخ إربل) فقال: ورد إربل حاجًّا في سنة أربع وستّمائة فسألته عن اسم تَيمِيه، ما معناه؟ فقال: حجّ أبي أو جدّي، أنا أشكّ أيّهما، قال: وكانت امرأته حاملاً، فلمّا كان بتَيْماء، رأى جُوَيرية قد خرجت من خباء، فلمّا رجع إلى حرّان وجد امرأته قد وضعت جارية، فلمّا رفعوها إليه قال: يا تَيمِيه، يا تَيمِيه، يعني أنّها تشبه التي رآها بتَيْمَاء، فسُمّي بها، أو
____________________
(1) المصادر جميعاً، ولم تزد.
كلاماً هذا معناه.
قال ابن خلّكان تعقيباً على ذلك، وتَيماء، بُليدة في بادية تَبُوك إذا خرج الإنسان من خَيبر إليها تكون على منتصف طريق الشام، وتَيمِيه منسوبة إلى هذه البُليدة، وكان ينبغي أن تكون تَيماويَه، لأنّ النسبة إلى تَيْماء تَيْماوي، لكنّه هكذا قال واشتهر كما قال!(1)
وقفة تأمّل
إنّ صفات الخير، وصفات الشرّ تُتوارث كما تُتوارث الصفات الخَلْقيّة (البدنيّة) ولذا دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وندب إلى التحرّي في اختيار الزوج والزوجة من حيث صلاح دينهما لسريان ذلك إلى ذُرّيّتهما، وقولهصلىاللهعليهوآله في أنّ الخال أحدُ الضجيعين، إشارة لما ينتقل من صفات سيّئة أو حميدة إلى الذُرّيّة.
وهذا هو الجدّ الأعلى (ما قبل الجدّ المرأة المجهول: تَيمِيه!) حظّه من العِلم أن يأخذ الحديث من امرأة مجهولة لم أجد لها ترجمة (شهدة بنت الإبري)؛ قد كان حسوداً (ضنيناً) ما أن ينبغ أحد بحرّان حتّى يكون وارءه حتّى يخرجه منها ...؛ فورث هذه الصفة الإبليسيّة صاحبُ ترجمتنا أحمد بن تَيْماوِيَه! ونجد غيره من إخوته أحسن صفته أنّه (أقلّ شرًّا).
____________________
(1) وفيات الأعيان، لابن خلّكان (ت 681 هـ) 4: 386 - 388 - الترجمة 657، والوافي بالوفيات 3: 37، والعقود الدرّيّة 14.
عودٌ على تَيمِيه
إنّ قول جدّ صاحب الترجمة: (حجّ أبي أو جدّي، أنا أشكّ أيّهما ...) أقول: ونحن أكثر شكًّا؛ فقد قلنا أنّ النّسب للآباء لا للأمّهات، أمّا أن ينتسب فردٌ ولمناسبةٍ إلى أُمّه فلسبب وجيه كما قلنا كما الأمر في الانتساب لسيّدة نساء العالمين فاطمة الطاهرة بنصّ القرآن الكريم ابنة سيّد الرسلصلىاللهعليهوآله ، وكفى بذلك محتدًا وفخرًا، وسلسلة النسب العَلَويّ أعلى من أن تطاله يدُ آثم.
إذن: تَيمِيه، أُمّ مَنْ؟! أُمّ الخضر، أو محمّد بن الخضر؟!
وثمّة مسألة جديرة بالنظر:
إنّ الرجل إذا سمّى ابنه أو ابنته، كُنّي به أو بها: أبو فلان، أبو فلانة، أمّا أن يُسمّى بمولوده فأمر لم نسمع به حتّى نَجَم أمرُ هذه الأسرة الحرّانيّة.
وتختلف هذه الرواية في شيء: فقد ذكرت مصادر أُخرى أنّ تلك الجُويرية كان اسمها (تَيمِيه).
وذكروا القصّة السالفة في تسميتها وفيها: (فرأى هناك اسمها تَيمِيه، ثمّ رجع فوجد امرأته ولدت بنتاً فسمّاها تَيمِيه)(1) .
ونختم ترجمة تَيمِيه التي بقيت مجهولة الحال، ولم يترجم لها المِزّيّ السَّلفيّ كما ترجم لغيرها من النساء، بل وترجم لمـَن سمّاهن المجهولات! ولا ابن خلّكان ...، فنختم ذلك ببيت شعر من قصيدة لابن الوَرْديّ يرثي بها صاحب
____________________
(1) ابن تَيمِية، حياته وعصره، لمحمّد أبي زهرة 17.
الترجمة:
بنو تَيمِيه كانوا فبانوا |
نجوم العلم أدركها انهباط(1) |
والدتُه
هي سِتّ النِعَم بنت عَبْدوس الحرّانيّة، توفّيت بدمشق سنة 716 هـ، ولدت تسعة بنين ولم تُرزق بنتًا(2) ، عُرف منهم غير (صاحب الترجمة): بدر الدين أبو القاسم أخو الشيخ ابن تَيمِيه، كان فقيهًا ساكنًا قليل الشرّ! توفّي سنة 717 هـ(3) .
وعبد الله بن عبد الحليم بن تَيمِيه الحرّانيّ الحنبليّ، وهو أصغر سنًّا من أخيه أحمد. توفّي سنة 727 هـ(4) .
وأخوهم زين الدين عبد الرحمان وهو الذي تولّى الصلاة على أخيه أحمد بن تَيمِيه عند وفاته(5) .
تعليق
كما ظهر لنا مجهوليّة جدّه الأعلى (تَيمِيه)، فإنّ المصادر لم تُسعفنا بوميض نورٍ نهتدي فيه إلى شيء عن أُمّ صاحب الترجمة سوى:
____________________
(1) تاريخ ابن الورديّ 2: 276.
(2) نفسه 256.
(3) نفسه 257.
(4) نفسه 271 - 272.
(5) العقود الدرّيّة، مصدر سابق 371.
سِتّ النِعَم بنت عبدوس الحرّانيّة. ومن خلال التسمية تجدها هجيناً وليست عربيّة.
ذكر شيخ الأزهر محمّد أبو زهرة في هذا المقام، قال: (ولم يذكر المؤرّخون شيئاً عن اُمّه. ولا قبيلها، وهي في الغالب ليست عربيّة)(1) .
قبيلتُه
وللأسباب المتقدّمة وغيرها، صار منحدره القبليّ مجهولاً وعرضةً للتّكهّنات. فإنّ أحداً ممّن ترجم له، حتّى مَن عاصره منهم وتلامذته ومحبّوه بتعصّب كالذهبيّ، وابن عبد الهادي، والصَفَديّ، وابن الورديّ، وابن كثير؛ لم ينسبوه إلى قبيلة عربيّة أو أعرابيّة، كرديّة أو غير ذلك؟!
وهكذا فعلوا في ترجمة كلّ واحد من آبائه؛ فلم نجد في تراجمهم جميعاً، وفي تراجم أعمامه إلاّ: فلان بن فلان تَيمِيه الحرّانيّ الحنبليّ.
ولشيخ الأزهر أبو زهرة تعقيب على ذلك، قال:
(لم يذكر المؤرّخون الذين قرأت لهم القبيل الذي تنتمي إليه أُسرة ابن تَيمِيه. فلم يذكروا له نسبةً إلاّ أنّه الحرّانيّ فنسبوه إلى بلده حرّان موطن أُسرته الأوّل، ولم ينسبوه إلى قبيلة من قبائل العرب، وإنّ هذا يشير إلى أنّه لم يكن عربيّاً، أو لم يُعرف أنّه عربيّ منسوب إلى قبيلة من القبائل العربيّة، ولذلك نستطيع أن نفهم أو أن نعلم علماً ظنّيًّا أنّه لم يكن عربيًّا، ولعلّه كان كرديًّا، وهم قوم ذوو
____________________
(1) ابن تَيمِيه، حياته وعصره، لمحمد أبي زهرة 19.
هِمّة وبأسٍ شديد، وفي أخلاقهم حِدّة، وإنّ تلك الصفات كانت واضحة جليّة فيه ...)(1) .
خلاصة
فكما سُمِّيت الجارية باسم (تَيْماء) الموضع الذي مرّ به أب أو جدّ صاحب الترجمة؛ والشكّ ليس منّا وإنّما من الجدّ الأعلى ما قبل تَيمِيه على ما قرأت! وإليها نُسبت العشيرة؛ فكذلك صاحب الترجمة يُنسب إلى موضعين هما: (تَيماء) والثاني (حَرّان).
فهو: تَيْماوي حَرّانيّ، نزيل دمشق. وكذلك حال أتباعه، بالتبعة، إلاّ دمشق بالنسبة لخارجة عصرنا فهم تَيْماويون نَجْديّون تميميّون وهّابيّون.
صفاته البدنية
رجل أبيض أعين ربعة بين الرجال أسود الشعر يصل شعر رأسه إلى شحمة أُذنه، جهوري الصوت، تأخذه حدّة ورِعدة عند الجدال ولم تغيّر النوائب على شدّتها وقد بلغ من العمر سبعاً وستّين سنة حين وفاته سنة (728 هـ) إذ وُلد سنة (661 هـ) إلاّ شعراتٍ في لحيته، بعيد ما بين المنكبين قويّ الساعد.
مع صفات الجمال البدنيّة التي ذكرها ابن الورديّ تلميذه؛ فقد ذكر أنّه لم يتزوّج ولا تسرّى! ولا كان له من العلوم إلاّ شيء قليل، وكان أخوه يقوم
____________________
(1) ابن تيميه، لأبي زهرة، مصدر سابق 18.
بمصالحه ...، والله لو لا تعرّضه للسَّلَف لزاحمهم بالمناكب(1) .
يسأل القارئ وأنا معه عن السرّ؛ وحياة أحمد بن تَيمِيه كلّها ألغاز ومبهمات منذ شرعنا بالبحث وما يأتي أكثر! يسأل: هذا الذي اتّخذه أعراب نَجْد الوهّابيّون مثلما اتّخذوا أسلافه معاوية ويزيد، وقطام وكحيلة وغيرهما من مجتهدات الخوارج النَّجْديّات التميميّات قدوةً، حتّى رفع راية النّصب الخارجيّة سلفهم الذي أنساهم ذكر الرحمان، فعبدوه إذ جسّده وقاسه لهم بنفسه ...، فهو أولى أن يُعبَد ويطاع من هُبل وإساف؛ وقد أفتاهم بحرمة زيارة القبور؛ فخرّبوها! وسيأتي اليوم الذي لا يخشون أحداً فيخرّبوا قبر الرسولصلىاللهعليهوآله ، والمسلمون في سُبات!.
والسؤال: رجل في العقد السابع من عمره، لا عيب في بدنه أبيض، أعين (أي واسع العين)، ربعة وهو بين الطول والقصر، شعره مسترسل أسود، فماذا تريد المرأة بعد؟! أم هناك سبب بدنيّ خفيّ لا نعلمه ويعلمه هو فيخاف من عاقبة الزواج؟ أو أنّ السبب ما ذكره ابن الورديّ من أنّه كان كَلاًّ على أخيه، فهو الذي يقوم بمصالحه ويوفّر له عيشه، فيما هو منشغل بالخصومات مع الأطراف جميعاً إلاّ اليهود والشيطان. ومَن هذا دأبه فهو في خوف من عالة الزوجة والذرّيّة إن كان له الإمكان على الإنجاب.
____________________
(1) تاريخ ابن الورديّ 2: 279.
فابن تَيمِيه قليل العلم بإقرار تلميذه؛ وهو غير سنّيّ إذ لا يأخذ برأي المذاهب الأربعة المعروفة وإنّما بما يقوم لديه الدليل، وهو عدوّ وخصم للأشعريّ رأس السنّة ويبرأ من المعتزلة والصوفيّة ويكفّر الشيعة ثمّ يتعرّض للسلف!!
ثمّ إنّ ابن الورديّ كان جريئاً فلم تمنعه حنبليّته ولا تلمذته التي بقي عليها وودُّه لابن تَيمِيه أن يُقرّ أنّ أُستاذه كان قليل العلم!
ولعلّ البعض يعذر ابن تَيمِيه وهو يسلك هذا المنهج الذي كانت فيه حياته، فلو كان غيره لنهج منهجه لاشتباك العُقَد والعاهات التي ذكرناها وتأثيرها في نفسه، ثمّ: بيئته، وعامل الوراثة والتقلّبات السياسيّة والأجواء الدينيّة في عصره فلنرَ.
بيئتُه
تلاقحت حَرّان(1) ، ودمشق في تكوين شخصيّة ابن تَيمِيه، خَلا سنين قليلة قلقة أمضاها بمصر بعد أن جاوز الخامسة والأربعين، ثمّ عاد إلى دمشق.
ففي حَرّان وُلد، وهي موطن آبائه الأوّل ومنها تحوّلوا إلى دمشق. وفي حَرّان أمضى سنِيَّه السبع الأُولى، وفي مثل هذا العمر يكون ابن آدم أكثر استعداداً للتلقّي والتأثّر بمحيطه وأفكار عصره. وتأسيساً على ذلك أولت التربية الحديثة هذه المرحلة من العمر عناية فائقة وأوصت بتهيئة الجوّ الأمثل للطفل خلالها ذلك أنّ تأثير البيئة أسرع وأشدّ من تأثير عامل الوراثة التي مع خطرها فإنّها غير مرتبطة بسنٍّ معيّنة.
وأعطى الإسلام عنايته بهذه المرحلة إذ قسّم عمر الإنسان إلى مراحل فركّز على هذه المرحلة من وجوب حسن التربية والعناية لأنّها الأساس لما
____________________
(1) شمال سورية، وهي ضمن الأراضي التركيّة الآن.
بعدها. وكان العرب قبل الإسلام يختارون لمواليدهم مرضعات من البادية، ولا يستردّونهم حتّى يبلغوا السادسة من العمر. فكيف كانت ملامح موطن ابن تَيمِيه، حَرّان؟
حَرّان موطن الصابئة والصابئين من أقدم عصور الإسلام. ويزعم الصابئون أنّ ماني الثَنَويّ من أهل حرَرّان، قال بالاثنين: أي أصلين للمخلوقات هما النور والظلمة، أو الخير والشرّ، فضارع قول المجوس. ووضع أناجيلَ وتسمّى مسيحاً فضارع قول النصارى، وقتله سابور على الزندقة.
ولهم قول أنّ دَيْصان الزنديق هو من أهل حرَرّان، وقد وُلد من زناً، وُجد منبوذاً على نهر دَيْصان، فسُمّي به.
ولهم أعيادُ عند نزول الكواكب الخمسة المتحيّرة بيوت أشرافها، والمتحيّرة: زُحل والمـُشتري والمرّيخ والزُّهرة وعطارد، وبظاهر حَرّان مكان يحجّونه، ويقولون: إن أهرام مصر أحدها قبر شيث بن آدم، والآخر قبر إدريس وهو خنوخ، والآخر قبرُ صابئ بن إدريس الذي ينتسبون إليه ويعظّمون يوم دخول الشّمس الحمل فيتزيّنون ويتهادون فيه(1) .
وذكر المسعوديّ، قال: وقد حكى رجل من ملكية النصارى من أهل حَرّان
____________________
(1) تاريخ ابن الورديّ 1: 69 - 70، ومعجم البلدان، لياقوت الحمويّ 2: 235، ومروج الذهب، للمسعوديّ 1: 35، ومختصر كتاب البلدان، لابن الفقيه: 126، ورحلة ابن جُبير، لابن جُبير الأندلسيّ 220، وصبح الأعشى، للقلقشنديّ 4: 319، والبداية والنهاية، لابن كثير ج 12 و 13 ومواضع متعدّدة، وخطط المقريزيّ 221، وعقيدة الشيعة: دوايت م. روندلسن 175.
يُعرف بالحارث بن سنباط عن الحرّانيّين أشياء ذكرها من قرابين يقرّبونها من الحيوان ودخن للكواكب يبخّرون بها وغير ذلك(1) ...
قال المسعوديّ: والذي بقي من هياكلهم المعظّمة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثمائة - بيت لهم بمدينة حَرّان في باب الرَّقّة، وهو هيكل آزر وابنه إبراهيم ...، ولابنِ عيشون الحَرّانيّ القاضي - وكان ذا فَهمٍ ومعرفة، وتوفّي بعد الثلاثمائة - قصيدة طويلة يذكر فيها مذاهب الحرّانيّين المعروفين بالصابئة، وذكر فيها هذا البيت وما تحته من السراديب الأربعة المتّخذة لأنواع صور الأصنام التي جعلت مثالاً للأجسام السماويّة وما ارتفع من ذلك الأشخاص العُلويّة، و أسرار هذه الأصنام، وكيفيّة إيرادهم لأطفالهم إلى هذه السراديب وعرضهم لهم على هذه الأصنام، وما يُحْدِث ذلك في ألوان صبيانهم من الاستحالة الى الصفرة وغيرها لما يسمعون من ظهور أنواع صبيانهم من الاستحالة الى الأصنام والأشخاص، بحيلٍ قد اتُّخذت ومنافيخ قد عُملت: تقف السَدَنةُ من وراء جُدُر فتتكلّم بأنواع من الكلام، فتجري الأصوات في تلك المنافيخ والمخاريق والمنافذ إلى تلك الصور المجوّفة والأصنام المشخّصة، فيظهر منها نطق على حسب ما قد عمل في قديم الزمان، فيصطادون به العقول، وتُسترق بها الرقاب، ويُقام بها المـُلك والممالك، وممّا ذُكر في هذه القصيدة قوله:
إنّ نفيسَ العجائب |
بيتٌ لهم في سرداب |
____________________
(1) مروج الذهب 2: 237.
تُبد فيه الكواكب |
أصنامهم خلف غائب(1) |
في مثل هذه البيئة التي وصفنا عاش ابن تَيمِيه سِنِيَّه السبع الأولى التي قلنا إنّها أخطرُ مرحلة في حياة الإنسان لسرعة تأثّره بمحيطه الاجتماعيّ وتلقّيه لما يسمع ويُشاهد.
ومهما بلغ الإنسان من العمر، وارتقى في سُلّم المعرفة؛ تبقى خواطر تلك المرحلة تداعب ذهنه وتهبط على نفسه وربّما أثّرت في سلوكه وإن بلغ الهرم! وبقدر الحالة النفسيّة للصبيّ، يكون الجذب والطرد للمحيط الاجتماعيّ في تكوينه.
وقال المسعوديّ أيضاً في الطباع البشريّة:
«إنّ النسل لابدّ له من تخصيص قوّته بشيء يميّزه ويُبيّنه من سواه، فصار الجفاء والغلظ في الرّوم وأصحاب الجبال، والأكثر من أهل الشام وأوباش مصر، و اللُّؤم في الخَزَر وأهل حَرّان من ديار بكر، والشُّحُ بفارس، واللُّؤم في الطعام بأصفهان، وصار تفرطح الرِجلين وفَطَس الأُنوف في السودان، والطرب في الزنج خاصّة»(2) .
وأضاف: «وهذا الذي وصفنا عند هذه الطائفة من أسرار الطبيعة وخواصّ تأثير الأشخاص العُلويّة والأجسام السماويّة»(3) .
____________________
(1) نفسه.
(2) نفسه 147.
(3) مروج الذهب 2: 147.
إنّ ما ذهب إليه الشيخ أبو زهرة من احتماله في أنّ أصل ابن تَيمِيه كرديّاً، لما عُرف عن الأكراد وهم رجال الجبال من الشدّة والصلابة والحدّة؛ وهذه الصفة الأخيرة كانت واضحة في ابن تَيمِيه، إذ تعتريه رِعدة شديدة تُخرجه عن الصواب فلا تجعله يعرف ماذا يريد أن يقول ويناقض نفسه في المجلس الواحد مرّات كثيرة فكلّما أُشكل عليه وأُلزم الحُجّة قال: ما أردتُ هذا إنّما أردتُ كذا، ثمّ يذكر قولاً آخر، وهكذا. ولا غرابة فقد قال تلميذه المخلص - وقد ذكرنا قوله سابقاً - قال: «لا كان له من العلوم إلاّ شيء قليل».
وأمّا اللّؤم: فقد وجدنا جدَّ ابن تَيمِيه الثالث، وفي قولٍ الرابع! يذكر قصّة تسمية «تَيمِيه» الواعظة، التي انتمت الأُسرة كلّها إليها وبها عُرِفت، فإنّ هذا الجدّ الخطيب الواعظ الحنبليّ تلميذ شهدة بنت الإبري «لم نجد لها ترجمة»؛ قال عنه سبط ابن الجوزيّ: كان ضنيناً (أي حسوداً) فإذا قيل: إنّ أُسرته حنبليّة؛ فذلك غيرُ شافع في تحصين وليدهم المتمرّد! لما فيه من طباع الحدّة والعناد، ولم تكن أُسرة عِلم بقدر ما هي أُسرة وعظ في أحسن الأحوال، مع مجاهيل كثيرة ذكرناها وشرٍّ في أحدهم لا يُطاق وشرّ قليل في آخر، وذِكر خامل في آخرين فهي أُسرةٌ لا ضابط لها أن تُنشّأ وليدها وتُحصّنه من تلك المزالق. فانطبع بطابعهم من حيث التقلّب في المواقف والأقوال حتّى قال له القاضي المالكيّ في محاكمته: يا ابن تَيمِيه! أنت مثل العصفور كلّما أردتُ أن أمسكك فررتَ من غُصنٍ إلى غصن.
وأثّرت تلك المرحلة من عمر ابن تَيمِيه في نسج أفكاره ومعتقداته بعد، من تشبيه وتجسيم لذات الله تعالى وأنّ له حرفاً وصوتاً وأعضاءً مثل الإنسان ...،
تعالى الله ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً؛ وعامل ابن تَيمِيه وأتباعه بعدله.
ابن تَيمِيه خارجيّ، الجزيرة تستضيف الخوارج
في وقعة النهروان بين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام والخوارج، لم يفلت من الخوارج وعدّتهم أربعة آلاف، إلاّ بضعة نفر.
قال ابن أعثم: فهرب منهم رجلان إلى خراسان إلى أرض سجستان وفيها نسلهما إلى الساعة، وصار رجلان إلى بلاد اليمن فيها نسلهما إلى الساعة، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يُقال له: سوق التوريخ، وإلى شاطئ الفرات فهناك نسلهما إلى الساعة، وصار رجلٌ إلى تلّ مَوْزن(1) .
ابن أعثم (ت 314 هـ) ذكر لنا أنّ الخوارج الذين فلتوا من النهروان قد انتهى منهم ثلاثة إلى الجزيرة؛ واحدٌ منهم حطّ رحاله على مشارف حَرَّان. وإنّ الخوارج أولئك كان نسلهم موجود إلى أيّام المؤلّف (ابن أعثم) ولا توجد قرينة على انقراضهم، وعلى عكس ذلك فتلك الخوارج الإباضيّة في أيّامنا هذه، وتلك خارجة نَجْد، وذاك الممهّد لهم بالتمكين والذي يُطلق عليه العلماء والمفكّرون: الخارجيّ الثاني: لأنّ سَلَفه «ذو الخويصرة التميميّ النّجديّ» خرج على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وخرج هو على عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام .
____________________
(1) الفتوح، لابن أعثم (ت 310 هـ) 4: 132 - 133. وفي معجم البلدان 2: 45، تل مَوْزن بلد قديم بين رأس عَيْن وسُروج. وفي 3: 14 رأس عين مدينة مشهورة من مدن الجزيرة بين حَرّان ونصيبين، وفي 5: 221، سَرُوج: بلدة قريبة من حَرّان من ديار مضر.
وقفة قصيرة
مضى الكلام عن أثر البيئة البالغ في تكوين الشخصيّة وبلورة أفكارها، وهنا يبرز عامل آخر ذاك هو عامل الوراثة الذي أَوْلاه الإسلام عناية كبيرة؛ والأحاديث كثيرة في تخيّر الزوجة الصالحة والتحذير من الانخداع بالمرأة الحسناء في منبت سوء، وأنّ الخال أحد الضجيعين!
أقول: تعاضدت البيئة المضطربة «حَرّان» وهي تمور بالفِتَن والديانات المنحرفة، وكونها محطّة الفاتحين والغزاة وعشّ الأمويّين، مع الاحتمال الوارد أن يكون في دماء الأُسرة أُصول خارجيّة، وابن تَيمِيه يكاد أن يصرّح بذلك!
هذا هو كتابه «منهاج السُّنّة» بأجزائه الأربعة، بمناسبة ومن غير مناسبة مشحون بذكر الخوارج فيصفهم أنّهم أهلُ دين وعبادة وصدق وأنّهم على الحقّ، فيما الشيعة أهل باطل في كلّ ما يقولون ...، وليته يقف عند هذا! إنّما حمله الذي فيه إلى أن قال في شأن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام : أنّه منافق، و كافر، وطالب رياسة وحكم وقُتل من أجل ذلك ...؛ كلّ ذلك يقوله ويلقيه على ألسنة الخوارج، وينفي أن تكون لأمير المؤمنينعليهالسلام فضيلة خاصّة في القرآن الكريم ولا يوجد نصّ في كتاب الله يثبت إسلام عليّعليهالسلام -؛ مع دفاعٍ شديدٍ عن بني أُميّة: سفيانهم وعاويهم، ناقصهم ووليدهم، أدعيائهم - وهم كُثرٌ! -، وخلفائهم؛ حتّى وصل الأمر به أن يُفصح عن خارجيّته فيحتجّ بتواتر إسلام وجهاد معاوية ويزيد وحكّام بني أُميّة وبني العبّاس، وأي شبهة تُذكر فيهم ففي عليّ أعظم!! واللاّفتُ للنّظرِ أنّ ابن تَيمِيه يُكثر من ذكر الخوارج ويرفع من شأنهم أكثر من ذكره لبني أُميّة، ثمّ يستقلّ
بالكلام على طريقته المعهودة التي أخرجته عن المذاهب الأربعة المعروفة في العقيدة والفقه والأصول؛ فسمّاه أتباعه لذلك بشيخ الإسلام؛ وسمّاه من درس سيرته بالخارجيّ الثاني تمييزاً له كما قلنا عن الخارجيّ الأوّل الذي خرج على رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ذو الخويصرة التميميّ؛ وخرج ابن تَيمِيه على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ؛ وأطلقوا على خارجة نَجْد أتباع ابن عبد الوهّاب التميميّ الذي أحيى سنّة سَلَفَيه: ذي الخُوَيْصِرة التميميّ، وابن تَيمِيه الحرّانيّ، الخارجيّ الثالث، وذلك لوحدة الأفكار وأنّها نسيجٌ واحد.
حان أن نذكر نصوصاًمن في ابن تيميه، توكيداً لما وصلنا إليه من نتيجة بشأن خارجيّته، من كتابه (منهاج السّنّة النبويّة في نقض كلام الشيعة والقدريّة، وبهامشه كتابه: بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول).
لفت نظر
تحوّلت أُسرة ابن تَيميه تحمل مشؤومها أحمد صاحب الترجمة من حرّان الّتي بقت على ولائها لبني أُميّة، ولأجل هذا الولاء الشديد اتّخذها مروان الحمار عاصمةً دون دمشق وقُتل بها على أيدي العبّاسيّين، فلمّا كان الغزو المغوليّ تحوّلت الأُسرة إلى دمشق معقل حكم بني أُميّة وعاصمتهم، وهناك تدرّج وتعلّم بعض المعارف. وعلى أيّ حال ففي هذه الأجواء كتب مؤلّفاته، فكان فيها مزدوج الشخصيّة! كيف لا وهو يفتح عينه على بيئة تمور بالأفكار الفاسدة تلك هي حَرّان التي فتحها أبو عُبيدة، وسلبها بنو أُميّة. ومن حَرّان إلى الشام التي
صارت في حيّز بني أُميّة أياّم أبي بكر تمهيداً، وفي عهد عمر ترسيخاً إذ ضمّ إلى معاوية جميع الشام وكان يُسمّيه كِسرى العرب، وفي عهد عثمان توسيعاً إذ ضمّ إليه مصر وأقاليم أُخرى، وكانت سياسة معاوية وحاشيته وخَلَفه هي حَجْب أهل الشام عن معرفة أمير المؤمنين وأهل البيتعليهمالسلام ، بل أفلحوا أن يجعلوا من أكثر أهلها نواصب؛ فابنُ تَيمِيه بما عُرف منه من الناصبيّة فهو يلوذ بحمى بني أُميّة وأتباعهم فينتصر للشجرة الملعونة تشفيًّا من الشجرة المباركة.
أمّا أنْ يقال: إنّ الخوارج قاتلوا بني أُميّة على طول التاريخ، وبدأوا بابن هِنْد ففلقوا إسته؛ فإن الخوارج قاتلوا بني العبّاس وغيرهم، وابن تيميه يدفع عن بني العبّاس، إلاّ انّ عدوّه «عليّ أمير المؤمنين وأهل البيتعليهمالسلام » أشغله ذلك عن كلّ شيء وعاهد قرينه أن يموت خارجاً على عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام !
وقد عقدتُ فصلاً مستقلاً عن الخوارج ضمن هذا الكتاب اقتضته الضرورة. ولنذكر بعض أقوال ابن تيميه الدالّة على خارجيّته، عامله الله بعدله: قال الخارجيّ ابن تيميه: «إنّ أبابكر وعمر كان بُعدُهما عن شبهة طلب الرياسة والمال أشدُّ من بُعد عليّ عن ذلك. وشُبهة الخوارج الذين ذمّوا عليًّا وعثمان وكفّروهما أقربُ من شُبهة الرافضة الذين ذمّوا أبابكر وعمر وكفّروهما»(1) .
أيُّ رِعديد ابن تيميه؟! فهو يصاول بأوراق وأسماء سرعان ما يولّي شيطانه القرين لأنّه لم يُحسن التسديد وحلّت بساحته قراءة التعاويذ واللّعنات لكثرة الظنون أنّه صار مطيّة الشيطان!
____________________
(1) منهاج السنّة 1: 163.
انظر قوله: «إنّ أبابكر وعمر كان بُعدُهما عن شُبهة طلب الرياسة والمال أشدُّ من بُعد عليّ عن ذلك».
فهؤلاء خلفاء راشدون ومن العشرة المبشّرة بالجنّة؛ أيليق الكلام عنهم بمثل هذا الكلام؟! ثمّ دقّق في كلامه تجده متّهماً للصدّيق والفاروق في طلب الرياسة والمال؛ فهو لم ينفِ عنهما ذلك من قبيل: لم يثبت، لم يسعيا، لم يعملا، لم يعرضا لها، لم يتهالكا عليها، لم يقاتلا من أجلها، لم يعارضا مَن هو أحقّ بها، لقد جعلاها شورى بين أهل الحلّ والعقد، ونظراً في القرآن والسُنّة ...
وأمّا كلام ابن تيميه في البُعد والقُرب، إنّما هي من أساليبه في خداع العامّة، وإلاّ فالمعنى واحد: عليّ وأبوبكر وعمر، كلُّهم طالبوا رئاسة ومال وإن تفاوتت النسبة بينهم فيما زعم!.
ثمّ ما بال الخارجيّ ابن تَيميه في سورة غضبه الشيطانيّة ينال من عثمان فيكفّره على ألسنة الخوارج؟! ولو وسعه لزعم أنّ الخوارج قد كفّروا العشرة «المذكورين في حديث المبشّرة بالجنّة» ولذكر كثيراً غيرهم. وهو إذ يشنّ غاراته الخائبة على فتى الإسلام، نفس رسول الله، أوّلهم إسلاماً وآخرهم عهداً بالنبيّ، أحد الثّقلين وأبو السّبطين فارس بدر وأُحد وخيبر وحُنَين زوج البتول الطّاهرة بأمر الله تعالى، الأُذن الواعية، القلب الطاهر، سيّد العرب، خيرُ البريّة بعد رسول الله، حبُّه إيمان وبُغضه نفاق، وليّ المسلمين بحكم التنزيل والتتويج يوم الغدير، وليد الكعبة، ما سجد لغير الله عزّ وجلّ حتّى مضى شهيداً محتسباً أقول: إذ يشنّ غاراته الخائبة ضائع النسب آباءً وأمّاً، كلاًّ على أخيه قليل العلم بشهادة
محبّيه، فلم يسلم من لسانه صوفيّ ولا مالكيّ ولا شافعيّ ولا حنفيّ؛ وتجرّأ على ذات الله تعالى فحوقق وأُلزم الحُجّة فأظهر التوبة، ثمّ عاد، فعاد إلى السجن وهكذا ثلاثاً لينتهي إلى الهلاك.
أقول: إنّه في مرّات كثيرة إذ يطعن بأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام يقرن به عثمان بن عفّان فيكفّرهما على لسان الخوارج، وفي مواضع أخرى يدافع عن بني أمية حاكمين وأتباعاً، مهما قصرت بهم الهمم وسفلت بهم العزائم واشتبكت عُقد نقص النسَب وسوء السيرة من ظلم وتجاوز الحدود ومعاقرة الخمور ومقارفة الزنا؛ فكما ذكرنا سابقاً أنّه يعيش في كنف بني أُميّة وكتب مؤلّفاته هناك فكان لابدّ أن يحابي ويدفع حتّى عن السقط من بني أُميّة إن وُجد، إرضاءً لهم وتأثّراً بالبيئة التي عاشها في حَرّان ودمشق، وخلطاً للأمور وتقليبها.
وهل عثمان إلاّ أمويّاً، فلِمَ الإصرار على تكفيره على لسان أسلافك الخوارج وإنّي أظنّ قويّاً أنّه إنّما يعني بهم: عائشة أمّ المؤمنين التي كانت أوّل مَن نادى بكفر عثمان وتحرّض على قتله، وتبعها على ذلك طلحة والزبير بعد أن بايعا أميرالمؤمنين عليّاًعليهالسلام فنكثا البيعة ...
أمّا الباعث على تفجّر غضب عائشة على عثمان حتّى بلغ بها الأمر أن تنعته بالكفر وتدعو إلى قتله، ذلك أنّ عثمان أخّر بعض أرزاقها عنها إلى وقت من الأوقات، فغضبت ثمّ قالت: يا عثمان، أكلتَ أمانتك وضيّقت - وضيّعت - رعيّتك وسلّطت عليهم الأشرار من أهل بيتك؛ لا سقاك الله الماء من فوقك
وحَرمَك البركة من تحتك! أما والله لو لا الصلوات الخمس لمشى إليك قوم ثياب(1) وبصائر يذبحوك كما يُذبح الجمل! (تمهيد لوقعة الجمل!)، فقال لها عثمان:( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ ) (2) فكانت تحرّض على قتل عثمان جهدها وطاقتها وتقول: أيّها النّاس، هذا قميص رسول الله لم يَبْلَ وبليت سنّته، اقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً!(3) . ووجدت عائشة في مجريات الأمور مناسبات للإيقاع بعثمان، من ذلك: شكوى أهل مصر من عامل عثمان عليهم: ابن أبي سَرح «عبد الله بن سعد»؛ وهو أخو عثمان من الرضاعة(4) ويوم فتح مكّة عَهِد رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى أمرائه أن يدخلوا مكّة فلا يقاتلوا إلاّ مَن قاتلهم، إلاّ أنّه قد عهد في نفر سمّاهم، أمر بقتلهم وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإنّما أمر بقتله لأنّه قد كان أسلم، وكان يكتب لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فارتدّ مشركاً راجعاً إلى قريش. فلمّا كان الفتح فرّ إلى عثمان، فغيّبه حتّى أتى به رسول الله بعد أن اطمأنّ الناس، فاستأ من له، فزعموا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله صمَتَ طويلاً، ثمّ قال: نعم، فلمّا انصرف عنه عثمان، قال رسول الله لمن حوله من أصحابه: لقد صَمَتُّ ليقوم إليه بعضُكم فيضرب
____________________
(1) هكذا في المصدر، ولعلّ الصحيح: ذووثبات.
(2) التحريم: 10، الفتوح، لابن أعثم 2: 224.
(3) أنساب الأشراف 6: 209. (ونَعْثَل رجل يهوديّ بمصر، وقيل هو اسم رجل طويل اللحية بالمدينة كانت عائشة تُشبّه به عثمان بن عفّان!).
(4) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 52، وطبقات ابن سعد 7: 344.
عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلاّ أو مأتَ إليَّ يا رسول الله؟ قال: إنّ النبيّ لا يقتل بالإشارة(1) .
ووجدت فرصة أُخرى في تسعير الحرب على عثمان وقتله، إذ لم يُجرِ عثمان الحدّ على الوليد بن عُقبة؛ ومن قصّته أنّ الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْط أخو عثمان لأمّه، فلمّا انتهت الحاكميّة إلى عثمان عزل سعد بن أبي وقّاص عن الكوفة، وأبدله بالوليد الفاسق، وذلك: «أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله وجّه الوليد على صدقات بني المـُصْطَلِق فجاء فقال: إنّهم منعوا الصدقة، فنزل فيه:( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ) (2،3) فتبيّنوا الآية. ونرجئ أخبار الوليد هذا، من صلاته سكراناً ...، إلى منادمته نصرانيّاً في المسجد وإطعامه الخنزير والخمر ...، فأقام عليه عليعليهالسلام الحد!
إلاّ أنّ عائشة مضت بالنداء: إنّ عثمان أبطل الحدود وتوعّد الشهود.
ثمّ إنّ عائشة أغلظت لعثمان وأغلظ لها وقال: وما أنتِ وهذا؟! إنّما أُمرتِ أن تَقرّي في بيتِك. فقال قومٌ مثلَ قوله وقال آخرون: ومَن أولى بذلك منها؟! فاضطربوا بالنّعال، وكان ذلك أوّل قتال بين المسلمين بعد النبيّصلىاللهعليهوآله (4) .
ولما اشتدّ الأمر على عثمان قرّبت عائشة راحلتها وعزمت على الحجّ
____________________
(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 52.
(2) الحجرات: 6.
(3) تفسير مقاتل 3: 259، والسيرة النبويّة، لابن هشام 3: 309، والمغازي، للواقديّ 3: 980، وتفسير عبد الرزّاق 3: 220، وتفسير ابن زمنين 2: 336، وأنساب الأشراف 6: 144، وأسباب النزول، للواحدي 261، وتفسير ابن جرير 26/124.
(4) أنساب الأشراف 6: 144.
فجاءها مروان بن الحكم فقال لها: لو أقمتِ فلعلَّ الله يدفع بكِ عن هذا الرجل! فقالت: قد قرّبتُ ركابي وأوجبتُ الحجّ على نفسي، ووالله لا أفعل، فجعل مروان يتمثل شعراً:
وحَرَّقَ قيسٌ عَليّ البلا |
دَ حتّى إذا اضطرمت أجذما(1) |
فقالت: قد فهمت ما قلت يا مروان. فقال مروان: قد بيّنتُ لكِ ما في نفسكِ. فقالت: هو ذاك. ثمّ قالت: يا مروان، ودِدتُ واللهِ أنّه في غِرارة من غرائري هذه وأنّي طُوِّقتُ حملُه حتّى ألقيه في البحر!
ومرّ عبد الله بن عبّاس بعائشة فقالت: يا ابن عبّاس، إنّ الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً، فإيّاك أن تردّ النّاس عن هذا الطاغية!(2)
وضربت عائشة صوب مكّة وكلّها أملٌ أنّ الفتنة تنتهي بالبيعة لابن عمّها طلحة بن عبيدالله التيميّ أشدّهم على عثمان ولذا لم يطلب مروان بثأره لعثمان غيره!
وأمّا شركاء عائشة في ثورتها على عثمان، وهو ما يعنيه الخارجيّ ابن تَيمِيه فهم: طلحة بن عُبيد الله التيميّ، ابن عمّ أبي بكر وزوج ابنته أمّ كلثوم. وكانت عائشة بنت طلحة عند عبد الله بن الرحمان بن أبي بكر، وقد خلَف عليها مصعب بن الزبير بن العوّام.
والزبير بن العوّام، كان صهر أبي بكر، زوجته أسماء بنت أبي بكر، وولده
____________________
(1) وفي طبقات ابن سعد 5: 27: حتّى إذا استَعَرَتْ أجْذما.
(2) أنساب الأشراف 6: 192 - 193، والفتوح 2: 225 - 226.
منها عبد الله بن الزبير. ثمّ طلّقها الزبير.
ولم يكن للزبير وطلحة شأن أيّام عمر وكان يتنقّصهما! فيصف الزبير بأنّه يدافع من أجل الدرهم، وينعت طلحة بالبَأو، أي: الفَخْر والزَهْو، من ذلك حواره لابن عبّاس:
قال ابن عبّاس: طَرَقَني عمر بن الخطّاب بعد هدأة اللّيل. فقال: اخرُج بنا نحرس نواحي المدينة! فخرج وعلي عُنقه دِرّته، حتّي أتي بقيع الغرقد(1) ، فاستلقي علي ظهره وجعل يضرب أخمصَ قدميه وتأوّه صعداً، فقلت له: ما أخرجك إلي هذا الأمر؟ فقال: أمرُ الله يا ابن عبّاس.
قلتُ: إن شئتَ أخبرتُك بما في نفسك! قال: غص غوّاص، إن كنت تقول فتُحسن.
قلت: ذكرت هذا الأمر وإلي من تصيّره. قال: صدقتَ.
فقلتُ له: أين أنت عن عبد الرحمان بن عوف؟ فقال: ذاك رجل ممسك - أي: بخيل محبّ للمال - وهذا الأمر لا يصلح إلاّ لمعطٍ من غير سرف ومانع في غير إقتار(2) .
فقلت: سعد بن أبي وقّاص؟ قال: ذاك مؤمن ضعيف(3) .
____________________
(1) بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة. (معجم البلدان 4: 194).
(2) في شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: رجلٌ ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته.
(3) في شرح نهج البلاغة: صاحب سلاح ومقنب، أي: جماعة الخيل.
فقلت: طلحة بن عبيد الله؟ قال: ذاك رجل يناول للشرف - أي: السُّمعة والشُّهرة - والمديح، يعطي مالَه حتّي يصل إلي مال غيره، وفيه بأو وكبر(1) .
قلت: فالزبير بن العوّام، فهو فارس الإسلام؟! قال: ذاك يوم إنسان ويوم شيطان! إن كان ليكادح علي المكيلة من بكرة إلي الظّهر حتّي تفوته الصلاة(2) .
فقلت: عثمان بن عفان؟ قال: إن ولي حمل بني أبي معيط، وبني أميّة علي رقاب النّاس، وأعطاهم مال الله، ولئن فعل لتسيرنّ العرب إليه حتّي تقتله في بيته(3) .
ثمّ سكت. قال: فقال: أمضها يا ابن عبّاس، أتري صاحبكم (يعني عليّاً) لها موضعا؟! فقلت: وأين يبتعد من ذلك مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه؟ قال: هو والله كما ذكرت، ولو وليهم تحمّلهم علي منهج الطريق فأخذ المحجّة الواضحة، إلاّ أنّ فيه خصالاً: الدعابة في المجلس، واستبداد الرأي، والتبكيت للناس مع حداثة السنّ!
قلتُ: هلاّ استحدثتم سنّه يوم الخندق إذ خرج عمرو بن عبد وَدّ، وقد كعم(4) عنه الأبطال، وتأخّرت عنه الشيوخ؟! ويوم بدرٍ إذ كان يقُطّ الأبطال قطّاً؟! ولا
____________________
(1) في شرح نهج البلاغة: قال: ذو البأو، وبإصبعه المقطوعة.
(2) في شرح نهج البلاغة: قال: سكس لقس - أي سيّئ الخلق - يلاطم في النّقيع في صاع من برٍّ.
(3) في شرح نهج البلاغة: قال: أوّه! ثلاثاً. والله لئن وليها ليحملنّ بني معيط على رقاب الناس، ثمّ لتنهضنَّ إليه العرب.
(4) كعم: جبن.
سبقتموه بالإسلام.
فقال: إليك عنّي يا ابن عبّاس، إنّ عليّاً ابن عمّك لأحقّ النّاس بها، ولكن قُريشاً لا تحتمله! ولئن وليهم ليأخذنّهم بمرّ الحقّ لا يجدون عنه رخصة، ولئن فعل لينكثنّ بيعته ثمّ ليتحاربُنّ(1) .
وكان الأمر كما قال، إذ حين أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وكان أوّل مَن بايعه طلحة والزبير، ثمّ نكثا البيعة وخرجا على أميرالمؤمنين بقيادة عائشة، فقتلا مع خارجة النّاكثين يوم الجمل.
ملاحظة جديرة بالاهتمام
من خلال الكلام بين عمر وابن عبّاس، وجدنا الخليفة لم يثبت من مجموع الستّة أشخاص المذكورين إلاّ أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام فقد أقرّ له بالسابقة إلى الإسلام وبالعلم وأنّه أحقّ النّاس بالخلافة.
أمّا الآخرين فذكرهم بما مرّ بنا من عيوبهم ومثالبهم ولم يذكر لأحدٍ منهم فضيلة واحدة ومع هذا وذاك عيّن الأشخاص الستّة المذكورين للشورى من أجل اختيار الخليفة من بعده، وفي حال الاختلاف ينظر إلى صفّ عبد الرحمان بن عوف فيأخذ برأيه.
وعلى رغم اختيار ابن عوف عثمان بن عفّان، وأنّه قد أثرى إثراءً لا مثيل له في حاكميّة عثمان، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من الإنكار على عثمان والتأليب
____________________
(1) تاريخ اليعقوبيّ 2: 158 - 159، وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 12: 51.
عليه، وكان قد حلَف إلاّ يُكلّم عثمان أبداً. وذكر عثمان عند عبد الرحمان بن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال عبد الرحمان: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه! فبلغ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان يسقى منها نعم عبد الرحمان بن عوف فمنعه إيّاها. وأوصى عبد الرحمان بن عوف أن لا يُصلّي عليه عثمان، فصلّى عليه الزبير، أو سعد بن أبي وقّاص(1) .
فحالُ عبد الرحمان بن عوف، حالُ عائشة وطلحة والزبير في خروجهم علي عثمان وتكفيرهم إيّاه، وبهم اقتدى الخارجيّ ابن تيميه.
موقف طلحة والزبير من عثمان
ذكرنا أنّ طلحة والزبير لم يكن لهما شأن أيّام عمر وكان يتنقّصهما، ثمّ منّ عليهما أن جعلهما في الشورى! وبعد عمر طمعا طمعاً كاذباً بالكوفة والبصرة، إلاّ أنّ عثمان خيّب آمالهما، إذ كان عبد الله بن عامر بن كُريز الأمويّ، عامله على البصرة، وعلى الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط(2) ، فلمّا شكاه أهل الكوفة (ذكرنا بعض خبره) استبدل به سعيد بن العاص، فلمّا ولاّه عثمان قال: «ويلٌ للأشراف منّي! وقال: إنّما السواد بستان لقريش، فأخرجه أهلها عنها، وولاّهُ معاوية المدينة وولاّه الموسم»(3) .
____________________
(1) أنساب الأشراف 6: 170 - 171.
(2) أسر عقبة بن أبي معيط يوم بدر ثم قتله رسول اللهصلىاللهعليهوآله صبراً (المصادر جميعاً).
(3) أنساب الأشراف 6: 48.
وكان عمرو بن العاص على مصر أيّام عمر بن الخطّاب وفترة من أيام عثمان ثمّ عزله عنها، واستعمل عليها أخاه من الرضاعة ابن أبي سرح - كما أسلفنا - ممّا أثار حفيظة ابن النّابغة، فراح يوري زناد الفتنة على عثمان، وهو القائل: «أنا أبو عبد الله! إنّي إذا حككت قرحة نكاتها. وقد قال له عثمان وهو بالمدينة: يا ابن النّابغة، إنّك لممّن تؤلّب عليّ الطّغام! لأن عزلتك عن مصر، فخرج إلى فلسطين»(1) غير أنّ ابن النّابغة مضى في عزمه في التأليب على عثمان. وعلى الرغم من إثراء طلحة والزبير وعبد الرحمان بن عوف وغيرهم أيّام عثمان إثراءً فاحشاً لم يكن لأحدهم من قبل عشر معشار ما ملك أيّامه!(2) إلاّ أنّ ذلك لم يمنعهم من الخروج على عثمان ومعارضته أشدّ المعارضة وقد ذكرنا ما كان من عبد الرحمان بن عوف، وعمرو بن العاص؛ وبعضاً من مواقف عائشة وسنعود إليها.
إنّ الذي أثار طلحة والزبير كما ذكرنا هو عدم استجابة عثمان لمطمعهما في الإمارة والولاية «فقام طلحة مع عائشة وكلّم عثمان بكلام شديد»(3) وذلك حين جاءته الوفود تشكوا عمّاله.
«وسلّم - أي عثمان - على جماعة فيهم طلحة فلم يردّوا عليه فقال: يا
____________________
(1) نفسه 6: 193.
(2) انظر تفاصيل ذلك في طبقات ابن سعد (الجزء الثالث: تراجم عثمان وطلحة والزبير وابن عوف وسعد بن أبي وقّاص)، وأنساب الأشراف 6: 136 فما بعد، ومروج الذهب 2: 332 فما بعد.
(3) أنساب الأشراف 6: 195.
طلحة ما كنتُ أرى أنّي أعيش إلى أن أسلِّم عليك فلا تردّ عليّ السلام»(1) . وجاء الزبير إلى عثمان فقال له: إنّ في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله جماعة يمنعون من ظلمك ويأخذونك بالحقّ فاخرج فخاصم القوم إلى أزواج النبيّ، فخرج معه فوثب الناس عليه بالسلاح فقال: يا زبير! ما أرى أحداً يأخذ بحقّ ولا يمنع من ظلم، ودخل ومضى الزبير إلى منزله(2) .
أرأيت! كيف كان أمر الحواري - كذا! - من عثمان: كذب عليه، والكذب في الإسلام أعظمُ الذنوب الكبائر! وإنّه خدع عثمان للفتكِ به وقتله.
إنّ الناس المذكورين الذين كانوا لعثمان بالمرصاد: فيهم طلحة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله أشدّ على عثمان من طلحة(3) .
وحين اشتدّ الأمر على عثمان كان الزبير وطلحة قد استوليا علي الأمر(4) .
لم يكن موقف الغدر من (الحواري) جديداً ولا أخيراً!!، فمن قبل، وقبل أن ينكث بيعته لابن خاله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فقد ذكر الطبريّ (عن موسى بن عُقبة عن أبي حبيبة مولى الزبير، قال: لمّا قتل النّاس عثمان وبايعوا عليّاً، جاء عليٌّ إلى الزبير فاستأذن عليه فأعلمتُه به، فسلّ السيف ووضعه تحت فراشه! ثمّ قال: ائذن له فأذنتُ له، فدخل فسلّم على الزبير وهو واقف
____________________
(1) نفسه.
(2) نفسه.
(3) نفسه 201.
(4) نفسه 225.
بنحوه ثمّ خرج، فقال الزبير: لقد دخل المرءَ ما أقصاه! قُم في مقامه فانظر: فهل ترى من السيف شيئاً، فقمتُ في مقامه فرأيت ذُبابَ السيف فأخبرته فقال: ذاك أعجلَ الرجُلَ»(1) .
لقد كان الزبير من العزم على قتل ابن خاله أمير المؤمنينعليهالسلام وقد بايعه آنفاً، فما الذي يُرجى منه بعد؟!
وقال أبو مخنف وغيره: حرَس القومُ عثمان ومنعوا من أن يدخل عليه، وأشار عليه سعيد بن العاص بأن يُحرم ويُلبّي ويخرج فيأتي مكّه فلا يُقدَم عليه، فبلغهم قوله فقالوا: والله لئن خرج لا فارقناه حتّى يحكم الله بيننا وبينه، واشتدّ عليه طلحة بن عبيد الله في الحصار، ومنع من أن يُدخل إليه الماء حتّى غضب عليّ بن أبي طالب من ذلك، فأدخلت عليه روايا الماء!(2)
ثلاثة من أهل الشورى
«أشرف عثمان على الناس فسلّم عليهم فردّوا سلاماً ضعيفاً، فقال: أفيكم طلحة؟ قال: نعم ها أنا ذا، فقال عثمان: سبحان الله! ما كنتُ أظنُّ أن أسلّم على جماعة أنت فيهم ولا تردّ عليّ السلام، ثمّ قال: أهاهنا سعد بن أبي وقّاص؟ أهاهنا الزبير بن العوّام؟ فقالا: نعم نحن هاهنا، فقل ما تشاء: فراح يناشدهم الله
____________________
(1) تاريخ الطبريّ 3: 454.
(2) تاريخ الطبريّ 3: 188.
ويذكّرهم بمناقبه وأنّه لا يجوز لهم قتله، ثمّ سمع صوتاً يهدّد بقتله»(1) .
فثلاثة من أركان الشورى: طلحة، والزبير، وسعد، على رأس المحاصرين لعثمان وقد منعوا الماء عنه وهدّدوا بقتله. ومن قبلهم رابعهم عبد الرحمان بن عوف. وخامس أركان الشورى عثمان وهو المحصور في داره تنتظر أمّث المؤمنين عائشة خبر مقتله، بعد أن نادت: اقتلوا نعثلاً فقد كفر. ولم يمنع الحجُّ ولا التواجد في البيت الحرام من أن تقع بعثمان فكانت تقول: «إنّي أرى عثمان سيشوم قومه كما شأم أبوسفيان قومه يوم بدر»(2) .
فهؤلاء هم الخوارج الذين أولع بذكرهم الخارجيّ ابن تيميه وقال في مواطن كثيرة من منهاج ضلاله أنّهم يكفّرون عثمان بن عفّان.
موقف أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
بقي واحد من أهل الشورى ذاك هو أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وإن كنّا قد ذكرنا له خبراً من غيرته الهاشميّة العلويّة، لمّا شدّدوا الحصار على عثمان ومنع طلحة أن يدخل الماء إليه، فأدخل أبو الحسن عليه روايا الماء رغم من رغم! ولم نجد له خبراً واحداً في المحاصرين له وبعد فتنة مروان التي كانت الشرارة التي أضرمت اللّهب والتي كاد أميرالمؤمنينعليهالسلام أن يطفئها، «فحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال: أفيكم عليٌّ؟
____________________
(1) الفتوح 2: 219 - 220، ومروج الذهب 2: 344.
(2) أنساب الأشراف 6: 212 - 213.
فقالوا: لا، قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا، فسكت (ولم يسأل عن طلحة والزبير لعلمه بحالهما) ثمّ قال: ألا أحدٌ يبلّغ فيسقينا ماءً؟ فبلغ ذلك عليّاً فبعث إليه بثلاث قِرَبٍ مملوءة ماء فما كادت تصل إليه، وجُرح بسببها عدّة من موالي بني هاشم وبني أميّة حتّى وصلت. وبلغ عليّاً أنّ القوم يريدون قتل عثمان فقال: غنما أردنا قتل مروان، فأمّا قتل عثمان فلا، وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتّى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه، وبعث عدّة من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله أبناءهم ليمنعوا الناس من الدخول إليه ويسألوه إخراج مروان! ورمى الناس عثمان بالسهام حتّى خُضب الحسن بالدماء على بابه، وشُجَّ قنبر مولى عليّ، وأصاب مروان سهم وهو في الدار»(1) .
إنّ مطلب الناس هو نفسه مطلب أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام وهو: إخراج مروان الذي كان يُقلّب الأمور علي عثمان. ولم يكن عند عثمان أحد يُسدي له النصيحة ويثق به إلاّ عليّاًعليهالسلام لذا:
«لما عَلِم بنزول الثوّار بذي خشب(2) ، بعث إلى عليّ، فأحضره وسأله أن يخرج إليهم ويضمن إليهم عنه كلّ ما يريدون من العدل وحسن السّيرة، فسار عليّ إليهم، فكان بينهم خطب طويل، فأجابوه إلى ما أراد وانصرفوا، فبينما هم في الطريق إذا غلام عثمان مقبل من قبل المدينة، فقرّروه فأقرّ وأظهر كتاباً إلى ابن أبي سرح صاحب مصر وفيه: إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان واقتل
____________________
(1) أنساب الأشراف 6: 185.
(2) خشب: واد على مسيرة ليلة من المدينة. (معجم البلدان 2: 372).
فلاناً وافعل بفلان كذا ...»(1) وعلم القوم أنّ الكتاب بخطّ مروان، فرجعوا إلى المدينة. من هنا يستبين أن مروان ركن من أركان قتلة عثمان من لون آخر. فعائشة وطلحة والزبير من أشدّ المؤلّبين عليه، ومروان يلعب بعثمان ويقلب الموقف ويضيّع جهود أميرالمؤمنينعليهالسلام في إطفاء الفتنة.
«عكرمة عن ابن عبّاس قال: لمّا حُصر عثمان الحصر الآخر فلقيهم عليّ بذي خشب فردّ عنه، وقد كان والله عليّ له صاحب صدق، حتّى أوغر نفس عليّ عليه، جعل مروان وسعيد وذووهما يحملونه على عليّ فيتحمل ويقولون لو شاء ما كلّمك أحد، وذلك أن عليّاً كان يكلّمه وينصحه ويغلظ عليه في المنطق في مروان وذويه، فيقولون لعثمان: هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسلفه وابن عمّه، فما ظنُّك بما غاب عنك منه؟»(2) .
بهذه الأساليب ذبح مروان وبنو أميّة عثمان وكانوا بذلك شركاء الخوارج الأشدّاء عائشة وطلحة والزبير وعبد الرحمان بن عوف، ومواقف أضعف من هؤلاء لسعد بن أبي وقّاص.
نفاق طلحة!
البلاذريّ: حدّثني إسحاق الفروي حدّثنا عبد الله بن إدريس حدّثنا يحيى
____________________
(1) أنساب الأشراف 6: 211. ومروج الذهب 2: 344. وعن ابن سيرين قال: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ أشدّ على عثمان من طلحة (نفس المصدر 201).
(2) تاريخ الطبريّ 3: 433 - 434.
ابن سعيد قال: كان طلحة استولى على أمر الناس في الحصار، فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب إلى عليّ بهذا البيت:
إن كنتُ مأكولاً فكن أنت آكِلى |
و إلاّ فأدركنى ولما اُمرَّق |
وقال هشام ابن الكلبي: هذا البيت للمـُمَزَّق العبدي واسمه شأس بن نهار ابن الأسود بن حزيل، وبه سمّي الممزَّق(1) .
وقال أبو مخنف: صلّى عليّ بالنّاس يوم النحر وعثمان محصور، فبعث إليه عثمان ببيت الممزَّق. ففرّق عليّ الناس عن طلحة؛ فلمّا رأى طلحة ذلك دخل على عثمان فاعتذر! فقال له عثمان: يا ابن الحضرميّة ألّبت عليّ النّاس ودعوتهم إلى قتلي حتّى إذا فاتك ما تريد جئت معتذراً، لا قبل الله ممّن قبل عذرك(2) .
إنّنا نجد: أنّ الخوارج الذين كفّروا عثمان هم أهل الشورى وعليّ خارج عن دائرتهم وناصر لعثمان الّذي أراد الخلافة له ففوّت الفرصة علي طلحة وجعلها لعليّ أمير المؤمنينعليهالسلام .
إذن كيف قرن الخارجيّ ابن تيميه تكفير مَن خرج على عثمان بتكفيرهم عليّاًعليهالسلام ، وهم حتّى ساعة قتله - أي عثمان - لم يذكروا عليّاً بسوء، وإنّما كانت همّتهم عثمان بن عفّان؛ فلمّا رأوا الأمر قد صرفه عثمان إلى عليّعليهالسلام وأنّ الوفود والأقطار لا تعدل به سواه ولذا سارع طلحة والزبير إلى إظهار البيعة!
____________________
(1) أنساب الأشراف، مصدر سابق 196.
(2) نفسه.
البيعة لأمير المؤمنينعليهالسلام
قُتل عثمان بن عفّان في ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين بعد حصار دام تسعاً وأربعين يوماً، وبويع لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في الليلة التي قُتل فيها عثمان وقيل في صبيحتها.
«وكان طلحة والزبير قد أخذا مفتاح بيت المال، فبعث عليّ مَن أخذ مفاتيح بيت المال»(1) .
وأقبل الناسُ إلى عليّ بن أبي طالب فقالوا: يا أبا الحسن، إنّه قد قُتل هذا الرجل ولابدّ للنّاس من إمام، وليس لهذا الأمر أحد سواك فهلمّ، فبايع النّاس حتّى يُدفن هذا الرجل، فقال عليّ: لا حاجة لي في البيعة، التمسوا لهذا الأمر غيري، فإنّي أرى أمراً له وجوه لا تقوم له القلوب فعليكم بطلحة والزبير! قالوا: فانطلق معنا إلى طلحة والزبير، فقال عليّ: أفعل ذلك.
ثمّ خرج من منزله مع القوم حتّى صار إلى دار طلحة فقال: يا أبا محمّد إنّ النّاس قد اجتمعوا إليَّ في البيعة، وأمّا أنا فلا حاجة لي فيها، فابسط يدك حتّى يبايعك النّاس، فقال طلحة:
يا أبا الحسن، أنت أولى بهذا الأمر وأحقّ به منّي لفضلك وقرابتك وسابقتك، فقال له عليّ: إنّي أخاف إن بايعني النّاس واستقاموا على بيعتي أن يكون منك أمرٌ من الأمور! فقال طلحة: مهلاً يا أبا الحسن، فلا والله لا يأتيك منّي شيء
____________________
(1) أنساب الأشراف 3: 8.
تكرهه أبداً. قال عليّ: فاللهُ تبارك وتعالى عليك راعٍ وكفيل! فقال طلحة: يا أبا الحسن، نعم.
قال عليّ: فقُم بنا إذن إلى الزبير بن العوّام، فأقبل معه طلحة إلى الزبير فكلّمه عليّ بما كلّم به طلحة؛ فردّ عليه الزبير شبيهاً بكلام طلحة، وعاقده وعاهده أنّه لا يغدر به ولا يحبس بيعته. فرجع عليّ إلى المسجد واجتمع النّاس فيهم نفرٌ من الأنصار منهم أبو الهيثم بن التَّيِّهان، ورفاعة بن رافع، ومالك بن العجلان، وخزيمة بن ثابت، والحجّاج بن عمرو بن غزيّة، وأبو أيّوب، فكلّموا النّاس فقال الكوفيّون والمصريّون: فإنّنا قد قبلنا منكم فأشيروا علينا، فإنّكم أهلُ السابقة، وقد سمّاكم الله أنصاراً فأمرونا بأمركم. فقالت الأنصار: قد عرفتم فضل عليّ بن أبي طالب وسابقته وقرابته ومنزلته من رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع علمه بحلالكم وحرامكم وحاجتكم إليه من بين الصحابة، ولن يألوكم نُصحاً، ولو علمنا مكان أحد هو أفضل منه وأجمل لهذا الأمر وأولى به منه لدعوناكم إليه. فقال النّاس كلّهم بكلمة واحدة: رضينا به طائعين غير كارهين. فقال لهم عليّ: أخبروني عن قولكم هذا، أحقٌّ واجب من الله عليكم أم رأي رأيتموه من عند أنفسكم؟ قالوا: بل هو واجب أوجبه الله عزّ وجلّ لك علينا، فقال عليّ: فانصرفوا يومكم هذا إلى غدٍ، فلمّا كان غد أقبل النّاس إلى المسجد، وجاء عليّ ابن أبي طالب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس إنّ الأمر أمركم فاختاروا لأنفسكم مَن أحببتم وأنا سامع مطيع لكم!
فصاح النّاس من كلّ ناحية وقالوا: نحن على ما كنّا عليه بالأمس، فابسط
يدك حتّى يبايعك الناس، فسكت عليّ. وقام طلحة إلى عليّ فبايعه وضرب يده على يد عليّ، وكان به شلل من ضربة أصابته يوم أحد، فلمّا وقعت يده على يد عليّ قال قُبيصة بن جابر: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! أوّل يدٍ وقعت على كفّ أميرالمؤمنين يدٌ شلاّء، لا والله لا يتمّ هذا الأمر من قِبَل طلحة بن عبيد الله أبداً. ثمّ وثب الزبير فبايع، وبايع النّاس بعد ذلك(1) .
وفي البصرة، أخذ جاريةُ بن قدامة السّعدي البيعة لأميرالمؤمنينعليهالسلام ، وكان بها عبد الله بن عامر والياً لعثمان، ففرّ منها إلى مكّة.
وفي الكوفة، بايع هاشم بن عتبة المرقال أميرالمؤمنينعليهالسلام ، وقال: هذه يميني وشمالي لعليّ؛ وكان فيها أبو موسى الأشعريّ فقعد يثبّط أهل الكوفة عن أميرالمؤمنين! فعزله.
وفي المدائن، بايع حذيفة بن اليمان لأميرالمؤمنين واضعاً يده اليمنى وحثّ النّاس على بيعته ونصرته وقال: لا اُبايع بعده لأحد من قريش وقال: من أراد أن يلقى أميرالمؤمنين حقّاً فليأت عليّاً(2) .
وفي الشام كان معاوية والياً لعثمان ومن قبله لعمر بن الخطّاب، فأظهر الخلاف لأميرالمؤمنين، ومنع واليَه من دخول الشام.
فالأقطار الإسلاميّة بايعت عليّاً من غير سيف ولا سفك دم كما زعم ابن
____________________
(1) المعارف، لابن قتيبة 208 - 209، وأنساب الأشراف 3: 14 - 16، وتاريخ الطبري 3: 456 - 457، والفتوح 2: 243 - 246، ومروج الذهب 2: 357.
(2) أنساب الأشراف 3: 17.
تيميه! كما سنوافيك، وأنّ أميرالمؤمنين قاتل من أجل الخلافة وأراق الدماء البريئة وأنّه كان متهالكاً عليها حتّى قُتل ولم يتمتّع بها بخلاف مَن سبق إذ كانت خلافتهم إجماعاً ورضىً ولم تُرق فيها دماء!
فنحن لم نجد في بيعة أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام مخالفة لوصيّتهصلىاللهعليهوآله حينما طلب أن يقدّموا له ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده فاعترض معترضٌ وكان اللّغط حتّى طردهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلاّ عليّاً فإنّه لم يقدِّم بين يدَي الله ورسوله، متأدّباً بأدب القرآن الكريم، ولا رفع صوته فوق صوت النبيّ، ممتثلاً أمر الله سبحانه وتعالى، ولذا بقي عليّ عليّاً في خلُقه. ولذا لم يغادر النبيّصلىاللهعليهوآله فلقد تربّى في حضنه وليداً وكان أوّل طعام دخل جوفه هو ريق رسول الله فهنيئاً لأبي الحسن زوج البتول، وكان للنبيّ مثل الظِلّ للشيء لا يزايله وبقي مع النبيّ يمرّضه ورأس النبيّ بين سَحر عليّ ونحره حتّى فاضت روحه الطاهرة في كفّ عليّ، وهو الذي تولّى غسله ودفنه ليلاً والقوم يصطرعون من أجل الخلافة وسُلّت السيوف! وصُرع سعد بن عبادة سيّد الخزرج، وديس بالأقدام، وكان عمر يقول: اقتلوا سعداً، قتله الله!
وانفضّ الاجتماع عن بيعة أبي بكر مع تخلّف ومعارضة شديدة من بعض الأنصار وامتناع أمير المؤمنين في عدد من بني هاشم ولزومهم بيتَ الصدّيقة فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وانجفلت كثيرٌ من القبائل عن قبول خلافة أبي بكر فمنعته صدقاتها. كما رجع بعض عمّال رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن أعمالهم ورفضوا أن يعملوا لأبي بكر، ولمّا سألهم أبوبكر: لِمَ رجعتم عن أعمالكم؟ قالوا: لا نعمل لأحد بعد
رسول الله، وكان ميلُهم إلى بني هاشم.
ويوم الجمعة وأبوبكر على المنبر تصدّى له اثنا عشر من أصحاب النبيّ فحاجّوه منكرين عليه وهم: سلمان المحمّدي، وأبوذرّ الغفاري، والمقداد الكنديّ، وعمّار بن ياسر، وبُريدة الأسلميّ، وأُبيّ بن كعب، وخُزيمة ذوالشهادتين، ومالك بن التَّيِّهان، وسهل بن حُنيف وأخوه عثمان بن حُنيف، وأبو أيّوب الأنصاريّ، وخالد بن سعيد بن العاص.
وكانت قبائل أسد، وفَزارة تقول: لا والله لا نبايع أبا الفَصيل(1) أبداً، يعنون بذلك أبابكر(2) .
ولما رأى أبو بكر أنّ جُلّ القبائل قد أقامت على الإسلام إلاّ أنّها منعت الزّكاة، عزم على محاربتها، فقال أصحاب رسول الله لأبي بكر: اقبَل منهم. فقال: «لو منعوني عِقالاً ممّا أعطوا رسول الله لقاتلتُهم». وعن يحيى بن سعيد أنّ أبا بكر قال: «لو منعوني عِقالاً أو حبلاً لقاتلتهم».
ثمّ إنّ أبا بكر خرج من المدينة للنصف من جمادي الآخرة سنة إحدى عشرة إلى ذي القَصّة وهناك أمّر خالد بن الوليد على الجيش وأمره أن يقاتل من عارضه أشدّ القتال، ثمّ لم يترك أحداً قدرَ عليه إلاّ أحرقه بالنّار إحراقاً، وأن يسبي الذراري والنساء ويأخذ الأموال.
وعملاً بما أمر به أبوبكر جمع خالد أسرى بني سُلَيم فجعلهم في حظائر
____________________
(1) الفصيل: ولد الناقة أو البقرة، إذا فُصِل عن أُمّه.
(2) تاريخ الطبريّ 2: 485، والفتوح، لابن أعثم 1: 14.
ثمّ أضرم عليهم النّار(1) .
إنّ فعل خالد هذا يختلف عن فعله مع أسرى بني أسد وفيهم عُيينة بن حصن الذي أقرّ على نفسه أمام أبي بكر أنّه كان منافقاً لم يؤمن قطّ. ومع ذلك عفا أبوبكر عنه وعن أسرى بني أسد.
و أمّا طُليحة الأسدي، وكان قد ادّعى النبوّة! وقاتل خالداً، فلمّا حلّت به الهزيمة فرّ إلى الشّام، ثمّ خرج إلى مكّة معتمراً، فقيل لأبي بكر: هذا طُليحة، فقال: ما أصنع به! خلّوا عنه فقد هداه للإسلام، ثمّ أتى فيما بعدُ فبايع عمر بن الخطّاب(2) .
مقتل مالك بن نُوَيرة
ثمّة أمر مروّع! ذلك أنّ خالد وعملاً بدستور الخليفة، لمّا توسّط البُطاح من أرض تميم وكان بها مالك بن نُويرة، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله استعمله على بعض صدقات تميم. فلمّا توفّي رسول الله، منع مالك الزكاة، حاله في ذلك حال القبائل الأخرى التي امتنعت عن دفع الزكاة لأبي بكر، فازداد أبو بكر عليه حَنَقاً وغيظاً، وأمّا خالد بن الوليد فإنّه حلف وعاهد الله عزّ وجلّ لئن قدر عليه ليقتلنّه وليجعلنّ رأسه أُثفيَّةً للقدور! فوقعت سريّة من تلك السرايا الّتي بثّها خالد على مالك ومعه امرأته، وكان فيها مسحة من جمال، فأخذوه أسيراً وأخذوا معه
____________________
(1) تاريخ خليفة 67.
(2) تاريخ خليفة 64 - 67، وتاريخ الطبري 2: 456 - 494، والفتوح، لابن أعثم 1 - 19.
امرأته، وكلَّ من كان معه من بني عمّه، فأتوا به إلى خالد فأمر بضرب أعناق بني عمِّه بَديّاً(1) . فقال القوم: إنّا مسلمون، فعلى ماذا تأمر بقتلنا؟! قال خالد: والله لأقتلنّكم! فوثبَ أبو قَتَادة(2) إلى خالد فقال: أشهد أنّك لا سبيلَ لك عليهم. قال خالد: وكيف ذلك؟ قال: لأنّي كنتُ في السريّة التي قد وافتهم، فلمّا نظروا إلينا قالوا: مِن أين أنتم؟ قلنا: نحن المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، ثمّ أذّنّا وصلّينا فصلّوا معنا، فقال خالد: صدقتَ يا أبا قَتادة، إن كانوا صلّوا معكم فقد منعوا الزّكاة الّتي تجب عليهم ولا بدّ من قتلهم!
فقدّمهم فضرب أعناقهم عن آخرهم. وعاهَد أبو قَتادة أنّه لا يشهد مع خالد بن الوليد مشهداً أبداً بعد ذلك اليوم.
ثمّ قدّم خالد مالك بن نُويرة ليضرب عنقه، فقال مالك: أتقتلني وأنا مسلم أصلّي إلى القبلة؟ فقال خالد: لو كنتَ مسلماً لما منعتَ الزّكاة ولا أمرتَ قومك بمنعها. والله ما نلت ما في مثابتك حتّى أقتلك! فالتفت مالك إلى امرأته فنظر إليها ثمّ قال: يا خالد بهذه قتلتني!
فقال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن دين الإسلام، وجفلك لإبلِ الصدقة، وأمرك لقومِك بحبسِ ما يجب عليهم من زكاة أموالهم. ثمّ قدّمه خالد فضرب
____________________
(1) بَديّاً: أي ابتداءً من غير سؤال أو إقامة برهان على وجوب قتلهم!
(2) اسمه الحارث بن ربعيّ، وقيل النعمان بن ربعيّ، بدريّ. وقيل بل شهد أحداً وما بعدها، وشهد مع أميرالمؤمنينعليهالسلام مشاهده. (أنساب الأشراف 3: 35، ومروج الذهب 2: 360، وأسد الغابة 6: 250).
عنقه صبراً وتزوّج امرأته ودخل بها(1) .
نجد في خبر مالك أنّ الخليفة حَنق على مالك خاصّة من بين مانعي الزكاة وأنّ خالد قد عاهد الله تعالى أن يجعل رأس مالك وقوداً للقِدر! ومالك لم يكن محارباً ولم يُرق دماً كما هو شأن طُليحة الذي تنبّأ لقومه ومنع الزكاة وقتل المسلمين، وعُيينة الذي ارتدّ ومنع الزكاة وأراق دماء المسلمين فحمله خالد وقومه إلى الخليفة فعفا عنهم. وأمّا مالك وأصحابه فقد شهد لهم أبو قتادة بالإسلام والصلاة وأن لا سبيل لخالد لقتلهم فتعلّل بالزّكاة، وهي الذريعة التي تمسّكوا بها في حرب تلك القبائل. ولقد كان مالك من الفطنة والبديهة أن علم سِرَّ إصرار خالد على قتله أن قال له: يا خالد، بهذه قتلتني، أي بزوجته! وفعلاً كان، إذ دخل خالد بامرأة مالك في ليلة قتله وهذا ما أنكره عمر عليه: «... فلمّا بلغ عمر بن الخطّاب تكلّم فيه عند أبي بكر فأكثَر وقال: عدوُّ الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثمّ نزا على امرأته! وأقبل خالد قافلاً حتّى دخل المسجد وعليه قباءٌ معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهُماً، فلمّا أن دخل المسجد قام إليه عُمر فانتزع الأسهُمَ من رأسه فحطمها ثمّ قال: أرئاءً قتلتَ امرءً مسلماً ثمّ نَزَوتَ على امرأته؟! والله لأرجُمنّك بأحجارك، وخالد لا يُكلّمه ولا يظنّ إلاّ أنّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه حتّى دخل على أبي بكر، فلمّا أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبوبكر، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك! فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر و عمر جالس في المسجد فقال: هلمّ إليَّ يا ابن اُمّ
____________________
(1) الفتوح 2: 20 - 23.
شملة! فعرف عمر أنّ أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلّمه ودخل بيته»(1) .
وفي تاريخ خليفة: «فقال أبوبكر: هل يزيد خالد أن يكون تأوّل فأخطأ؟»(2) وذكر خليفة أيضاً: «أن أبا قتادة قدم على أبي بكر فأخبره بمقتل مالك وأصحابه فجزع من ذلك جزعاً شديداً! وودى مالك بن نُويرة وردّ السبيَّ والمال»(3) . فلو كان مالك مرتدّاً أو ممّن يستحقّ القتل لما جزع عليه الخليفة وليس له أن يُؤدّي عنه الدّية، ولَما شهد له عمر بالإسلام ومن قبل عمر أبو قَتادة ثمّ هو عاملُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله . ويبقى موضوع دخول خالد بزوجة الصحابيّ مالك من غير عُدّة أمراً محيّراً، وليس بأغرب منه إلاّ قول الخليفة: هل يزيد خالد على أن يكون تأوّل فأخطأ!
وبعد كلّ ذلك فقد مضى مالك بن نُوَيرة شهيداً.
تعقيب: إنّ دستور الخليفة في عدم التفريق بين الإسلام والزكاة وإنّ الممتنع عن دفع الزكاة إليه يُقتل، يدفع مقولة الردّة عن الإسلام! إلاّ ما كان من البعض مثل أسد وقد ذكرنا خبرهم. وأيضاً بنو حنيفة الذين اتّبعوا مُسيلَمة الحنفيّ التميميّ وصاحبته سِجاح التميميّة، وكلاهما ادّعى النبوّة فقاتلهم خالد، وقُتل مُسيلَمة وأصحابه وأسر مُجَّاعة وصاحبه سارية وقد ادّعيا أنّهما اتّبعا مُسيلَمة خوفاً على الأنفس والأموال والأولاد؛ فقال له خالد: فاعتزل أنت وصاحبك
____________________
(1) تاريخ الطبري 2: 503 - 504.
(2) تاريخ خليفة 68.
(3) نفسه.
ناحيةً من هؤلاء الكفّار. ثمّ قدّم خالد بقيّة القوم فضرب أعناقهم صبراً، ثمّ أطلق مُجّاعة وسارية.
تعقيب: إنّ خالد قتل أسرى بني سُلَيم وحرّقهم، وقتل قوم مالك ابن نويرة غدراً وهم يصلّون ثمّ قتل مالك بننويرة صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونزا على زوجته. إلاّ أنّه كما ذكرنا عفا عن عُيينة الذي أقرّ على نفسه بالردّة فحمله وقومه إلى الخليفة الذي منّ عليهم وأطلق سراحهم.
زواج خالد من ابنة مُجّاعة: وخطب خالد إلى مُجّاعة ابنته فزوّجها إيّاه، ودخل بها خالد هنالك بأرض اليمامة، فكان خالد يرفع من مجالس أعمام هذه الجارية على المهاجرين والأنصار، فكتب حسّان بن ثابت إلى أبي بكر بذلك، فأقبل أبوبكر على عمر فقال: يا أبا حفص، ما ترى إلى خالد بن الوليد وحرصه على الزواج وقلّة اكتراثه بمَن قُتل من المسلمين؟ فقال عمر: أما والله لا يزال يأتينا من قِبل خالد في كلّ حين ما تضيق به الصدور. ثمّ كتب أبوبكر إليه: أما بعد يا ابن الوليد، فإنّك فارغ القلب حسن العزاء عن المسلمين، إذ قد اعتكفت على النساء وبفناء بيتك دمُ ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد، منهم سبعمائة رجل من حمَلة القرآن إن لم يخدعك مُجّاعة عن رأيك أن صالحك صُلحَ مكر وقد أمكن الله منهم، وإنّها لشبيهةٌ بفعلك الأوّل بمالك بن نُويرة، فسوأةً لك ولأفعالك هذه القبيحة التي شانتك في بني مخزوم! ولمّا نظر خالد في الكتاب قال هذا عملُ الأعَيْسِر، يعني عمر بن الخطّاب بعث وخالد بن الوليد وفداً من
بني حنيفة إلى أبي بكر(1) .
إذن الخليفة يشهد بمظلوميّة مالك وما جرى من فعل شنيع إذ جعل خالد رأس مالك وقوداً يطبخ عليه قدره! ودخل بزوجته ليلة قتله! ومَن قُتل مع مالك مضوا على ما مضى عليه مالك فأين الردّة ولماذا سفك الدماء الذي أنكره ابن تَيمِيه؟! فإذا ذكر الزّكاة؛ فنعم، ذلك أنّ القبائل لم تر مشروعيّة ما جرى في السقيفة، فإذا وجب قتالهم وسفك دمائهم؛ وجب سفك دماء الاثني عشر من الصحابة الذين تصدّوا للخليفة وعارضوه وحاججوه، وقتل بني هاشم وأمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام إذ قاطعوا واعتزلوا ...، وجرت فعلاً فيما بعد أفعال ولكن لا بعنوان الردّة.
وخالد إذ شمل عفوه عُيينة وقومه ولم يسع مالكاً وقومه ونزا على امرأته فإنّ عفوه شمل مُجّاعة وخطب ابنته فتزوّجها ورفع مجالس أعمامها على مجالس الأنصار والمهاجرين، والخليفة قبّح عمله إلاّ أنّه لم ينتزعه من قيادة الجيوش.
بين دستورين
قرأنا دستور الخليفة الذي أصدره إلى خالد بن الوليد في قتاله للممتنعين عن بيعته أشدّ القتال وحرق من يقدر عليه وأن يسبي الذراري والنساء ويأخذ
____________________
(1) تاريخ خليفة 69 - 72، وتاريخ الطبري 2: 504 - 519، والفتوح 1: 23 - 44، وفتوح البلدان، للبلاذريّ 97 - 100.
الأموال.
دستور عليّ بن أبي طالب في القتال
كان مبدأ أمير المؤمنينعليهالسلام يوم الجَمل أن أمر أصحابه: أن يُصافّوهم ولا يبدأوهم بقتال ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيفٍ ولا يطعنوهم برمح، وأن لا يُجهزوا على جريح ولا يُمثّلوا بقتيل، ولا يدخلوا داراً بغير إذن، ولا يشتموا أحداً ولا يلحقوا مُدبراً ولا يهيجوا امرأة، ولا يأخذوا إلاّ ما في عسكرهم، ولا يكشفوا عورة، ولا يهتكوا ستراً(1) .
وبعد الوقعة نادى أميرالمؤمنينعليهالسلام : «لا تتّبعوا مُوَلّياً ولا تُجهزوا على جريح ولا تنتهبوا مالاً، ومَن ألقى سلاحه فهو آمِن، ومَن أغلق بابَه فهو آمِن»(2) .
تسيير عائشة إلى المدينة
بعث أميرالمؤمنينعليهالسلام عبدالله بن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عبّاس: أخطأتَ السنّة المأمورَ بها دخلتَ إلينا بغير إذننا، وجلستَ على رحلنا بغيرِ أمرنا! فقال لها: لو كنتِ في البيت الذي خلّفكِ فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما دخلنا إلاّ بإذنك وما جلسنا على رحلك إلاّ بأمرك وإنّ أميرالمؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة والتأهّب للخروج إلى المدينة، فقالت: أبيتُ ما قلتَ وخالفتُ ما وصفتَ فمضى
____________________
(1) تاريخ الطبري 3: 545، وأنساب الأشراف 6: 136، ومروج الذهب 2: 332.
(2) نفس المصادر السابقة.
إلى أميرالمؤمنين فخبّره بامتناعها، فردّه إليها وقال: إنّ أميرالمؤمنين يعزم عليكِ أن ترجعي، فأنعمتْ وأجابت إلى الخروج.
وجهّزها أميرُالمؤمنين وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي ولده وفِتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من همدان، فلمّا بَصُرت به النّسوان صِحنَ في وجهه وقلن: يا قاتلَ الأحبّة! فقال: لو كنتُ قاتل الأحبة لقتلتُ من في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن كُرَيز وغيرهم.
فسألته عائشة أن يؤمّن ابن اختها عبد الله بن الزبير، فأمّنه وأمّن مروان بن الحكم والوليد بن عُقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أُميّة وأمّن النّاس جميعاً. وخرجت عائشة من البصرة وقد بعث معها أميرالمؤمنين أخاها عبدالرحمان بن أبي بكر وثلاثين رجلاً وعشرين امرأةً من ذوات الدين من عبد القيس وهمدان وغيرهما، ألبسهنّ العمائم وقلّدهنّ السيوف وقال لهنّ: لا تُعْلِمن عائشة أنّكنّ نسوة، وتلثَّمنَ كأنّكنّ رجال وكُنّ اللاّتي تَلِين خدمتها وحملها. فلمّا أتت المدينة قيل لها: كيف رأيتِ مسيركِ؟ قالت: كنتُ بخير والله، لقد أعطى عليّ بن أبي طالب فأكثر، ولكنّه بعث معي رجالاً أنكرتُهم، فعرّفها النسوة أمرهنّ فقالت: ما ازددت والله يا ابن أبي طالب إلاّ كرماً(1) !
فأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام لم يُقاتل من أجل الخلافة ولم يسفك دماء المسلمين لأجلها كما زعم الخارجيّ ابن تَيمِيه، إنّما خرج عليه الذين خرجوا
____________________
(1) المصادر السابقة.
على عثمان وانضمّ إليهم بنو أُميّة لا قبولاً بزعامتهم وإنّما جمعهم بُغض عليٍّ أميرالمؤمنينعليهالسلام ؛ وإلاّ فإنّ مروان كان في منزل عثمان وطلحة والزبير من أشدّ المحاصرين لعثمان، وعائشة تكفّر عثمان وتحرّض على قتله؛ فلمّا قُتل عثمان رفعت عقيرتها أنّ عثمان قُتل مظلوماً وأنّ عليَّ بن أبي طالب هو الذي قتله وذهبت إلى مكّة حيث اجتمع إليها عدد من بني أُميّة قد فرّوا بعد مقتل عثمان، منهم مروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة و وخرجوا جميعاً والتحق بهم طلحة والزبير وعبد الله بن الزبير، وفعلوا أفعالاً شنيعةً حين اجتماعهم بالبصرة تذكّرنا بإخوانهم الّذين اقتفوا أثر خوارج الجَمل فخرجوا يوم صِفّين ثمّ توالت راية الخوارج حتّى انتهت إلى ابن تَيمِيه أشدّهم على الرحمان عتيّاً! فتلقّفها من بعده أعراب نَجْد الوهّابيّون.
إنّ الَّذي وقع من هؤلاء الخوارج: أن قتلوا واحداً وسبعين رجلاً لأنّهم حاججوهم فحجّوهم ابتداءً من السقيفة إلى الشورى ثمّ قتل عثمان فبيعة أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، ونكثهم البيعة وخروجهم بغير حقّ، فما كان جواب أتباع البعير إلاّ السيف! فقتلوهم(1) . فماذا يقول الخارجيّ ابن تَيمِيه؟!
مفارقة: لمّا سار القوم إلى البصرة تقودهم عائشة، حتّى إذا بلغت بعض مياه بني عامر نَبَحت عليها الكلاب، فقالت: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملِها: الحَوْأب. فتذكّرت قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «كأنّي بامرأةٍ من نسائي تنبح عليها كلاب الحوأب، فاتّقي الله أن تكوني أنت يا حُميراء» فقالت: رُدّوني ...، فقال
____________________
(1) تاريخ الطبريّ 3: 486، وأنساب الأشراف 3: 28.
الزبير: باللهِ ما هذا الحوأب ...، وأقسم طلحة كذلك، وشهد خمسون رجلاً ممّن كان معهم، فكان ذلك أوّل شهادة زور في الإسلام!(1)
نعم يا ابن تيميه: قَتَلةُ عثمان، هم الخارجون على عليّعليهالسلام يقتلون الأبرياء لا لذنبٍ إلاّ لأنّهم أقاموا عليهم البرهان والبيّنة في خطأهم وهم لا ورع لهم فيحلفون بالله ويشهدوا شهادة الزّور، وهم وأنت معهم بهذه الصفات كيف صرتم خَيْرُ البَرِيّة! ونفيت أن تكون الآية قد نزلت في عليّ أميرالمؤمنينعليهالسلام ؟! وكان من عمل أولئك الخوارج: أن قاتلوا عثمان بن حُنيف والي أميرالمؤمنين على البصرة وكثرت القتلى والجرحى ثمّ تداعوا إلى الصُّلح ...، فلمّا كان في بعض الليالي بَيَّتوا عثمان بن حَنيف وهو يُصلّي بالنّاس العشاء الآخرة، فأسَروه وأمرت عائشة بقتله! ثمّ إنّ القوم استرجعوا وخافوا على مخلَّفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حُنيف وغيره من الأنصار. فاكتفوا بضربه وحلقوا رأسه ونتفوا لحيته وأشفار عينيه، ثمّ حبسوه. وأجهزوا على خزّان بيت المال فقتلوا منهم سبعين رجلاً غير مَن جرح، وخمسون من السبعين ضُربت أعناقهم صبراً من بعد الأسر(2) .
وفي وقعة أخرى قتلوا سبعين آخرين وتدافع الزبير وطلحة الصلاة(3) !
____________________
(1) مروج الذهب 2: 358. وتاريخ الطبريّ 3: 475، والفتوح 2: 288، وأنساب الأشراف 3: 24، والمعيار والموازنة، للإسكافي 55، والمصنّف، لابن أبي شيبة 7: 538/3774.
(2) أنساب الأشراف 3: 26 - 28، وتاريخ الطبريّ 3: 486 - 491، والفتوح 2: 289 - 290 ومروج الذهب 2: 358.
(3) المصادر السابقة.
وعن عوف الأعرابيّ قال: جاء رجل فناشد الزبير فقال: أعَهِد إليكما رسولُ الله شيئاً في مسيركما؟ فقال الزبير: لا، ولكن بلَغنا أنّ عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها(1) .
ولقد صدقت مقولة عمر بن الخطّاب في الزبير لمعرفته بحالته النفسيّة السيّئة لما سأله ابن عبّاس على ما مرّ بنا في تصيير الأمر بعده فلمّا ذكر الزُّبير، قال ذاك يومٌ إنسان ويوم شيطان، إن كان لَيُكادِح على المِكْيَلة من بُكرةٍ إلى ظهرٍ حتّى تفوته الصلاة! فهم لا دين لهم، قتلوا وخرجوا على خليفتهم بعد اختيار وضيّقوا عليه الحصار وكفّروه ومنعوه الماء لو لا عليّاًعليهالسلام وبني هاشم وبعضاً من الأنصار، وبعد قتله وجدوا أنفسهم فرادى حيارى فالأقطار جميعاً لعليّ أميرالمؤمنين فأظهروا غير ما يبطنون فحاق بهم ما يمكرون! إذ خرجوا على الإمام المفترض الطّاعة، وكانوا في طريقهم قطّاع طُرق قَتلَة غاصبي دراهم وسالبي بيت أموال المسلمين، ومع كلّ ذلك فإنّهم لم يُكفّروا أميرالمؤمنين عليّاًعليهالسلام ولم يُكفّرهم أميرُالمؤمنين عليعليهالسلام ، وحتّى الخارجة التي خرجت عليه يوم صِفّين واجتمعت بالنهروان إنّما رفضت التحكيم فلم تكفّر أميرالمؤمنينعليهالسلام ولم يكفّرها أميرالمؤمنين، وقد استأمن إليه منهم ثمانية آلاف بعد أن حاججهم! وبقي الآخرون على شعارهم في رفض التحكيم: لا حكم إلاّ لله! ولو لا أنّهم قد عاثوا في السبيل فقتلوا الصابيّ عبدالله بن خبّاب بن الأرتّ، وبقروا بطن امرأته وهي حامل مُقرِب، فيما عفوا عن نصرانيّ لأنّه في ذمّة نبيّهم كما يزعمون!
____________________
(1) المصنّف، لابن أبي شَيبة 7: 544/3775، وأنساب الأشراف 3: 62، وتاريخ الطبريّ 3: 91.
- وأخافوا السبيل، فطالبهم بالقتلة فصاحوا جميعاً: كلّنا قتلناه! كما قتلوا ثلات نسوة، وقتلوا أمّ سنان الصّيداويّة(1) .
مع ذلك كلّه لم يبدأهم بقتالٍ وإنّما ناظرهم كما ذكرنا فحجّهم واستأمن منهم ثمانية آلاف. وطلب من أصحابه أن لا يبدأوهم بقتالٍ حتّى يبدأهم الخوارج، فرماهم الخوارج فقال أميرالمؤمنينعليهالسلام : كُفّوا، فكرّروا عليه القول ثلاثاً وهو يأمرهم بالكفّ، حتّى أتي برجلٍ متشحّطٍ بدمه، فقالعليهالسلام : الله أكبر، الآن حلّ قتالهم، احملوا على القوم(2) .
إنّ الخوارج الذين خرجوا على عثمان؛ نعم كفّروه، وكان أميرالمؤمنين عليّ وبنوه ومجموعة من بني هاشم وبعض من الأنصار في نُصرة عثمان. وأمّا الخوارج الذين رفضوا التحكيم يوم صفّين، فمضوا على وجههم رافضين تحكيم الرجال - بزعمهم - وهم الذين حملوا أميرالمؤمنينعليهالسلام على قبول حيلة ابن النّابغة في حمل المصاحف والدعوة إلى التحكيم على ما هو معروف فلمّا جرى التحكيم خرج هؤلاء مطالبين برفضه! ولم يفُهْ أحدٌ منهم بتكفير أميرالمؤمنينعليهالسلام ، ولو جرى شيء من ذلك لما رجع منهم (ثمانية آلاف) وهم يصيحون: التوبة! التوبة، يا أميرالمؤمنين. وبذا حقنوا دماءهم وصاروا مع عليٍّ
____________________
(1) الإمامة والسياسة، لابن قُتيبة 1: 122، وأنساب الأشراف 2: 367 - 368، والفتوح 4: 198، والطبريّ 4: 61، وشرح نهج البلاغة 2: 282.
(2) تاريخ خليفة 149، وأنساب الأشراف 3: 149، ومروج الذهب 2: 404 - 406، والفتوح 129 - 133، وتاريخ اليعقوبي 2: 193.
وشيعته خير البَرِيّة؛ فيما بقي على حربه شرّ البَرِيّة، الذين أخبر أميرُالمؤمنينعليهالسلام أنّه لا ينجو منهم إلاّ أقلّ من عشرة(1) ، انتهى أحدُهم إلى قرب حرّان فنسلُه فيها(2) لم ينقطع، وهي المدينة التي وُلد فيها ابن تَيمِيه وترعرع بها.
الخوارج في السّنّة
أخرج ابن ماجة في سننه قال: حدّثنا أبوبكر بن أبي شَيْبه، حدّثنا إسحاق الأزرق عن الأعمش، عن ابن أبي أوفى؛ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله «الخوارجُ كِلابُ النّار»(3) .
وبسنده عن أبي أُمامَةَ: شرُّ قتلى قتلوا تحتَ أديم السماء، وخيرُ قتيلٍ مَن قَتلوا، كلابُ أهل النّار. قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفّاراً. قلتُ: يا أبا أمامةَ! هذا شيءٌ تقولُه؟ قال: بل سمِعتُه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله (4) .
وعُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سُوَيد بن غَفْلة، عن عليّعليهالسلام ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «يخرج قوم في آخر الزمان، يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقِيَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيّة، قتالُهم حقٌّ على كلّ مسلم»(5) .
____________________
(1) الفتوح 4: 120، والكامل، للمبرّد 543.
(2) الفتوح 4: 269 - 275.
(3) سنن ابن ماجة 1: 61/173.
(4) نفسه 1: 62/176.
(5) مسند أحمد 1: 156، وخصائص أميرالمؤمنين علي، للنَّسائيّ 145/178.
ونظير الذي قبله، عن الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة، عن أميرالمؤمنينعليهالسلام ، إلاّ أنّ آخره: «فأينما أدركتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمـَن قتلهم عند الله يوم القيامة»(1) .
وبسندٍ عالٍ عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إنّ بعدي من أمّتي قومٌ يقرأون القرآن لا يُجاوزُ حَلاقِيَهم يَخرُجون من الدين كما يخرج السهم من الرَّمِيَّة ثمّ لا يعودون فيه، هُمْ شرُّ الخَلقِ والخَليقة»(2) .
وكلّ ذلك منفيّ عن شيعة عليّ وأهل البيتعليهمالسلام ومتحقّق في الخوارج الأُوَل، فابن تَيمِيه، فنابتة عصرنا، والحَكَمُ عَدْلٌ.
وأخرج النَّسائي، قال: أخبرنا عليّ بن المنذر قال: أخبرنا عاصم بن كُليب عن أبيه، قال: كنتُ عند عليّرضياللهعنه جالساً، إذ دخل رجل عليه ثياب السفر، وعليّ يكلّم الناس ويكلّمونه، فقال: يا أميرالمؤمنين أتأذن لي أن أتكلّم؟ فلم يلتفت إليه وشغله ما فيه، فجلس إلى رجل قال له: ما عندك؟ قال: كنتث معتمراً، فلقيتُ عائشة فقالت: هؤلاء القوم الذين خرجوا في أرضكم يُسمّون حَروريّة؟ قلتُ: خرجوا في موضع يُسمّى حروراء، فقالت: طُوبى لِمَن شَهِد منكم، لو شاء ابن أبي طالب لأخبركم خبرهم، فجئت أسأله عن خبرهم، فلمّا فرغ عليّعليهالسلام ، قال: أين المستأذن؟ فقصّ عليه كما قصّت عليه؛ قال: إنّي دخلتُ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
(1) صحيح البخاري (3611، 5057، 6930)، وصحيح مسلم (7: 167 - 168)، ومسند أحمد (1/81، 113، 131)، والفضائل، له/1198، وسنن أبي داود/4767، ومسند أبي يعلى (1/226).
(2) صحيح مسلم 7: 174.
وليس عنده غيرُ عائشة، فقال لي: كيف أنت يا عليّ وقوٌ كذا وكذا؟ قلتُ: الله ورسولُه أعلم. قال: ثمّ أشار بيده، فقال: قومٌ يخرجون من المشرق يقرأون القرآن، لا يُجاوز تراقِيَهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السَّهمُ من الرَّميّة، فيهم رجل مخدّج(1) ، كأنّ يده ثدي حبشيّة، أنشدكم بالله أخبرتكم أنّه فيهم؟ قالوا: نعم. فجئتوني وأخبرتوني أنّه ليس فيهم، فحلفتُ لكم بالله أنّه فيهم، ثمّ أتيتموني به كما نعتُّ لكم؟ قالوا: نعم، صدق الله ورسوله(2) .
وبسندٍ عن أبي سعيد الخُدريّ، عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، أنّه ذكر أناساً يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميّة، هم شرُّ الخَلْق، تقتلهم أولى الطائفتين بالحقّ، وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق(3) .
نكتفي بهذا القدر ممّا جاء في السُّنّة الشريفة بشأن ابن تيميه وسلفه الخوارج، فهم كلابُ النّار، وهم شرُّ قتلى، ومن الكفر هربوا وفيه وقعوا، وقتالهم حقّ واجب على كلّ مسلم، لا حظّ لهم من الدّين وإن علت أصواتهم بقراءة القرآن كما هو حال الوهّابيّين لأنّهم قطّاعُ طُرق قتلة سفّاكوا دماء المسلمين فهم شرّ الخلق والخليقة، فمعاذ الله تركُ الإسلام ومتابعة الخوارج!
____________________
(1) مُخَدَّج: أي ناقص اليَد.
(2) خصائص أميرالمؤمنين عليّ، للنَّسائيّ 145/178.
(3) صحيح مسلم 7: 169، والخصائص، للنَّسائيّ (140/168).
إمام الخوارج وشيخها
حق لأتباع ابن تَيمِيه إطلاق تسميات (الإمام المـُطلَق) و (شيخ الإسلام) على قائد مسيرتهم الذي سوّغ لهم كلّ منكر، ولمّا كانوا نواصباً فقد وجدوا ضالّتهم فيه، فهو أكذب من مسيلمة وإن كان كلّ واحد منهما في أمر. ولعلّنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا أنّ مسيلمة أقلّ خطراً فهو ادّعى النبوّة من غير معجزة وهذا كافٍ في إنهاء أمره! ثمّ قتله الله تعالى على أيدي جند الإسلام وانمحى أثره.
أمّا ابن تَيمِيه ففتنته قد امتدّت على مدى سبعة قرون، سيق كما ذكرنا ونذكر مفصّلاً في موضعه مرّات ثلاث الى المحاكم ثمّ إلى السجون بقلعة دمشق يرافقه تلميذه ابن قيّم الجوزيّة، وتهمته: فاسق، زنديق، كافر؛ أمضاه القاضي المالكيّ والشّافعيّ والحنفيّ وأخيراً الحنبليّ. وتاب كاذباً! إذ أفرج عنه فعاد إلى السجن وهكذا حتّى خرج في الثالثة جسداً بلا روح!
إنّ مسيلمة لم يتكلّم في ذات الله، فيما خاض ابن تَيمِيه في هذا الأمر ممّا سنعرض له في عقيدته، ولذا حُوقق واُلزم في ذلك. وهذه المسألة من الإرث الجاهليّ لأعراب جزيرة العرب عكف عليها ابن عبد الوهّاب وتابعه أعراب نَجْد يقتلون ويذبحون مَن خالفهم.
والمسألة الأخرى التي تصدّر بها هذا الخارجيّ: ابن تَيمِيه، وست النَّعَم! فصار إمام الخوارج المـُطلَق وشيخ الإسلام بُغضه الذي لم يُعرف في تاريخ الخوارج! فما من فضيلة لأهل البيتعليهمالسلام إلاّ وأنكرها أشدّ الإنكار ودليله دائماً إنّ هذا كذب بالإجماع، أو موضوع باتّفاق أهل المعرفة بالمنقولات من غير أن
يذكر شيئاً من ذلك. ثمّ يفرّع على ذلك فيجعل تلك الفضيلة خاصّة بالنواصب والخوارج! ونذكر مثالاً من ذلك، ثمّ نذكر بعض الموارد إدراجاً - وهي كثيرة للغاية - التي يذكر فيها الخوارج ليتيقّن القارئ على صحّة ما وصلنا إليه من خارجيّة ابن تيميه: قال ابن تيميه: قال الرافضي: البرهان الثالث والثلاثون (أي في إمامة أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ) قوله تعالى:( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) (1) . روى الحافظ أبو نعيم بإسناده إلى ابن عبّاس لمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله لعليّ: تأتي أنت وشيعتّك يوم القيامة راضين مرضيّين ويأتي خصماؤك غضاباً مُقحمين(2) .
قال الخارجيّ ابن تَيمِيه: إنّ هذا معارض بمَن يقول: إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم النّواصب كالخوارج، ويقولون: إنّ مَن تولاّه فهو كافر مرتدّ فلا يدخل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات(3) .
تعليق: لا يسعني أن أنتقل إلى بقيّة أقواله في الخوارج من تعليق سريع: مَن هذا الذي نسب إليه ابن اليتيمة القول؟ هل هو من أهل العلم بالمنقولات والمعرفة والحديث على عادته المنتظمة إذا أنكر حديثاً؟! أم أنّه تركه لبديهة البلهاء من أتباعه الذين يستبطنون دواخل كلامه ويتّبعون منكَره؟! وأمّا نحن فقد تيقّنّا أنّه في كلّ موطن يقول فيه هذه الأقوال فإنما يقصد نفسه لا غير! ثمّ متى
____________________
(1) البيّنة: 7.
(2) منهاج السنّة 4: 70.
(3) منهاج السنّة 4: 127.
صار كلابُ النار، الذين هربوا من الكفر وفيه وقعوا، كما أخرج ابن ماجة عن أبي أمَامة، وقوله قد ذكرناه «قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفّاراً».
ويوم النهروان، تقدّم إلى أميرالمؤمنينعليهالسلام حبيب بن عاصم الأزدي فقال: يا أميرالمؤمنين، هؤلاء الذين نقاتلهم أكفّارٌ هم، فقالعليهالسلام : من الكفر هربوا وفيه وقعوا(1) .
إنّ الحكم على الخوارج بالكفر إنّما لأنّهم كانوا يكفّرون أهل الإيمان مثل الصحابيّ عبد الله بن خبّاب والنسوة اللاّتي ذكرناهنّ وقتلهم في وقت كانوا يعفون عن الذمِّيّ ...
هؤلاء الذين قتالهم حقٌّ على كلّ مسلم فهم شرّ الخلق والخليقة خرجوا من الدّين ثمّ لا يعودون فيه ...، وأنّ أولى الطّائفتين بالحقّ وهم أهل العراق مع أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، يتولّون قتلهم كما أنبأ به رسول اللهصلىاللهعليهوآله فكان كما قال. وبعد ذلك كلّه وغيره: يكون ابن تَيمِيه وأسلافه الخوارج هم خيرُ البريّة، وأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام مرتدّاً! وشيعته شرّ البريّة!
ابنُ تَيمِيه يُصرّح بخارجيّته
ذكرنا شيئاً من البراهين على خارجيّة ابن تَيمِيه، من ذلك بعض أقواله التي يمجّد أسلافه الخوارج، ويذمّ أميرالمؤمنين عليّاًعليهالسلام ويكفّره، ونذكر هنا بعض أقواله التي تقطع وتجزم بخارجيّته أخذناها من منهاج ضلاله «منهاج السُّنّة» من
____________________
(1) الفتوح 4: 127.
غير أن نعلّق عليها وإنّما اكتفينا بوضع خطّ على ما لزم ووجب: قال الخارجيّ ابن تيميه: إنّ عليّاً لم ينزهّه المخالفون، بل القادحون في عليّ طوائف متعدّدة وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر وعثمان والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه فإنّ الخوارج متّفقون على كفره وهم عند المسلمين كلهم خيرٌ من الغلاة الذين يعتقدون إلهيّته أو نبوّته، بل هم والذين قاتلوه من الصّحابة (طلحة والزبير وعبد الله بن الزبير ومروان ومعاوية والضحّاك ...) والتابعين خيرٌ عند جماهير المسلمين من الرافضة الاثني عشريّة الذين اعتقدوه إماماً معصوماً.
والخوارج المكفّرون لعليّ يوالون أبابكر وعمر ويترضّون عنهما، والمروانيّة الذين ينسبون عليّاً إلى الظلم ويقولون إنّه لم يكن خليفة، يوالون ابا بكر و عمر ...، فكيف يقال: إنّ عليّاً نزّهه الموافق والمخالف بخلاف الخلفاء الثلاثة؟ ومن المعلوم أن المنزّهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل وأنّ القادحين في عليّ حتّى بالكفر والفسوق والعصيان طوائف معروفة وهم أعلم من الرافضة وأدين والرافضة عاجزون معهم عِلماً ويداً فلا يمكن الرافضة أن تقيم عليهم حجّة تقطعهم بها ولا كانوا منصورين عليهم في القتال (في الجمل، وصفّين، والنهروان؟!)، والذين قدحوا في عليّ وجعلوه كافراً وظالماً، ليس فيهم طائفة معروفة بالردّة عن الإسلام ...، فمن يُكفّر عليّاً ويلعنه من الخوارج (ليس فيهم مَن لعنه وإنّما برأوا منه وبرأ منهم!) وممّن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبني مروان وغيرهم فإنّ هؤلاء كانوا مقرّين بالإسلام وشرائعه يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجّون البيت العتيق ويحرّمون ما حرّم الله ورسوله ...،
فالمنزّهون لعثمان القادحون في عليّ أعظم وأدين وأفضل من المنزّهين لعليّ القادحين في عثمان(1) .
قال: إنّ الرافضيّ لا يمكنه أن يثبت إيمان عليّ وعدالته وأنّه من أهل الجنّة فضلاً عن إمامته إن لم يُثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان وإلاّ فمتى أراد إثبات ذلك لعليّ وحده لم تساعده الأدلّة. فإذا قالت الخوارج الذين يكفّرون عليّاً(2) أو النواصب الذين يفسّقونه أنّه كان ظالماً للدنيا وأنّه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفاً من المسلمين حتّى عجز عن انفراده بالأمر فهذا الكلام إن كان فاسداً، ففساد كلام الرّافضيّ في أبي بكر وعمر أعظم(3) ...
قال: إذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممّن تُكفّره أو تُفسّقه لا نُسلِّم أنّه كان مؤمناً بل كان كافراً ...، لم يكن لهم دليل على إيمانه! وعدله إلاّ وذاك الدليل على أبي بكر وعمر وعثمان أدلّ. فإن احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده، فقد تواتر ذلك عن هؤلاء بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أميّة وبني العبّاس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم للكفّار. فإن ادّعوا في واحد من هؤلاء النّفاق أمكن الخارجيّ أن يدّعي النّفاق (أي في عليّعليهالسلام )، وأنّه سعى في قتل
____________________
(1) منهاج السُّنّة 3: 3.
(2) نعتذر من القارئ الكريم أن نذكّره بما تقدّم من القول أنّ الخوارج لم تكفّر عليّاًعليهالسلام ، وإنّما الكلمات القارصة هذه هي لابن تَيمِيه وإلاّ لذكر اسم واحد من أولئك!
(3) منهاج السُّنّة 1: 162.
الخليفة الثالث! وأوقد الفتنة حتّى غلا في قتل أصحاب محمّد وأمّته (أصحاب الجمل الذي خرجوا عليه) بُغضاً له - أي للنبيّ! - وعداوةً وأنّه كان مباطناً للمنافقين الذين ادّعوا فيه الإلهيّة والنبوّة؛ وكان يُظهر خلاف ما يُبطن لأنّ دينه التقيّة! فلمّا أحرقهم بالنّار أظهر إنكار ذلك وإلاّ فكان في الباطن معهم، ولهذا كانت الباطنيّة من أتباعه وعندهم سرّه وهم ينقلون عنه الباطن الذي ينتحلونه(1) ...
قال: إنّ إخباره (أي النبيّصلىاللهعليهوآله ) أنّ عليًّا يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسوله حقّ وفيه ردّ على النّواصب! لكن الرافضة الذين يقولون أنّ الصّحابة ارتدّوا بعد موته لا يمكنهم الاستدلال بهذا لأنّ الخوارج تقول لهم هو ممّن ارتدّ أيضاً(2) .
قال: والخوارج أعقلُ وأصدق وأتبع للحقّ من الرّافضة، فإنّهم صادقون لا يكذبون أهل دين ظاهراً وباطناً، وأمّا الرّافضة فالجهلُ والهوى والكذب غالب عليهم وكثير من أئمّتهم وعامّتهم زنادقة ملاحدة(3) ...
قال: لم تكفّر الصّحابة الخوارج مع تكفيرهم - أي تكفير الخوارج - لعثمان
____________________
(1) منهاج السُّنّة 1: 163.
ما جاء به الأفّاك الأشِر، سنتكلّم عليه في موضعه، ولكن: متى كفر عليّ لينتقل إلى إيمان؟! كلّ سجد لصم وباشر رذيلة، وعليّ من رحم فاطمة بنت أسد إلى رحم الكعبة ومن ثَمَّ إلى حضن النبي ليُطعمه ريقه؛ وما قيل كرّم الله وجهه إلاّ لعليّعليهالسلام لتكريم وجهه عن السجود للأصنام.
(2) نفسه 4: 98.
(3) نفسه 70.
وعليّ ومَن والاهما واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم(1) .
قال: وقولهصلىاللهعليهوآله : «لأعطينّ الرّاية رجلاً يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسوله» قال: فتطاولنا، فقال: ادعوا لي عليًّا فأتاه وبه رمَد فبصق في عينيه ودفع الرّاية إليه ففتح الله على يديه «أنكر مسألة الفتح أشد الإنكار في كلامه عن فتح خيبر وقد تكلّمنا عنه في محلّه» هذا الحديث أصحّ ما يُحتجّ به على النّواصب الذين يتبرّأون منه ولا يتولّونه ولا يُحبّونه بل قد يكفّرونه أو يفسّقونه كالخوارج؛ فإنّ النبيّ شهد له بأنّه يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسولُه، لكن هذا الاحتجاج لا يتمّ على قول الرّافضة الذين يجعلون النّصوص الدّالّة على فضائل الصّحابة كانت قبل رِدّتهم فإنّ الخوارج تقول في عليّ مثل ذلك.(2)
نكتفي بهذا المقدار من أقوال ابن تَيمِيه التي دافع باطلاً بها عن الخوارج تارةً، وأخرى، وهي الأكثر: شنّ غارة النَّصب على لسان الخوارج وهم أطهر منه وأفضل! كلمة إنصاف بحقّ الخوارج: إنّ الخوارج على ما هم عليه وما جاء فيهم من النكير ونعتهم بكلاب النّار، ووجوب قتلهم ...؛ إلاّ أنّنا وجدناهم لمّا ناظرهم أميرُالمؤمنين عليّعليهالسلام فإنّ ثمانية آلاف من خوارج الكوفة قد أقرّوا بخطيئتهم وأعلنوا التوبة واعتزلوا أصحابهم ...
وأمّا الذين ظهروا فيما بعد فقد اقتدوا بآثار سَلَفهم: فهم يرون أنّ عثمان قد أثار الفتنة باستيلائه على أموال بيت المسلمين وإيوائه الطريد «الحَكَم» وتسليطه
____________________
(1) نفسه 3: 23.
(2) منهاج السّنة 3: 11.
آل بني مُعيط رقابَ المسلمين، وأمّا أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ؛ فكلامهم فيه كلام سلفهم أيضاً من تحكيم الرجال من غير أن يرجع عن ذلك إلاّ أنّه إمام عدل مرضيّ لم يظهر منه كفر - كما زعم ابن تَيمِيه وألقاه على ألسنتهم -، وإن طلحة والزبير بايعا عليّاًعليهالسلام ثمّ نكثا البيعة وأخرجا عائشة تقاتل؛ وهما «طلحة والزبير» كانوا أشدّ النّاس على عثمان. هذا هو رأي الخوارج.
ولنسمع ابن عبد ربّه الأندلسيّ ماذا يذكر في الذي ذكرناه وفي الذي قال: هم - أي الخوارج - وابن الزبير: فبلغهم خروجُ مسلم بن عُقبة إلى المدينة وقتلُه أهل حَرّة، وأنّه مُقبل إلى مكّة(1) ، فقالوا: علينا أن نمنع حَرَم الله ونمتحن ابن الزبير،
____________________
(1) إنّ الخوارج الذين أكثر النّاصبيّ الخارجيّ الشّاذّ عنهم! ابن تيميه، ووصفهم بالصدق؛ فهم كذلك، على خلاف ابن تيميه إلاّ في مسألة البراءة ممّن لم يتبهم على رأيهم؛ ولذا لم يكونوا مثل الخارجيّ الناصبيّ الذي غلبت عليه بيئة تمور بعقائد الصابئة واليهود والنّصارى وأمويّة لم تنزع ثياب الجاهليّة ولها أحقادها على الرسولصلىاللهعليهوآله والوصيّعليهالسلام وأهل بيتهعليهمالسلام ولذا جاؤوا يمنعون حَرَم الله من أوباش أهل الشام الذين بعثهم الناقص ابن معاوية بعد أن أوقع بأهل المدينة وتوجّه جيشه صوب البيت الحرام إذ عاذَ به عبد الله بن الزبير.
أمّا ابن تَيميه فهو ينتصر لبني أميّة قاطبة: أبوسفيان الذي يقول عنه سيّد قريش في الجاهليّة وقائد حروبها ضدّ رسول الله! ويتكلّم عن إيمان معاوية ويزيد وصلاتهم وصيامهم وجهادهم وحجّهم، على ما ذكرنا، ويتنقّص أميرالمؤمنين عليًّاعليهالسلام ويثلب إيمانه ويصفه بالنّفاق؛ ويفضّل أتباع بني أميّة على أتباع أهل البيت؛ إلاّ أنّ الخوارج على نقيضه تماماً! ولذلك حمّل الحسينعليهالسلام سبب مقتله وبرّأ يزيد من ذلك؛ وكذلك حمّل أهل المدينة سبب ما حدث في وقعة الحرّة، وحمّل ابن الزبير ما وقع للحرم المكّي! وليس هنا محلّ إعطاء الأمور المذكورة حقّها وسنفرد لها باباً نتكلّم فيه عن بني أميّة في ضوء منهج ابن تَيمِيه وما خَلَف. إلاّ أنّ من المناسب =
____________________
= القول موجزاً: أنّ يزيد حكم ثلاث سنين وستّة أشهر، اشتُهر عنه معاقرة الخمور والفجور والجمع بين الأختين واللّهو مع القيان حتّى تفوته الصلوات! والظلم واتّخذ قِرداً سمّاه: قُبيس ألبسه الذهب كان يجلسه معه على منبر المسلمين يلاعبه ...
ارتكب يزيد خلال سنوات حُكمه الثلاث، ثلاث جرائم عظمى، برأ منه أعتى العتاة أن يعينه في بعضها على ما سترى، وسارع الخوارج لدفعه عن الجريمة الثالثة، وأطبق المؤرّخون: سَلَفيّون وغيرُهم بما فيهم تلامذة ابن تَيمِيه، مثل: ابن الورديّ الذي بقي ملازماً له حتّى هلك الأُستاذ في حبسه؛ والسَلَفيّ المِزّيّ الذي فارق أستاذه لمّا ظهرت له حقيقته وفساد عقيدته حتّى أنّه لم يترجم له في موسوعته (تهذيب الكمال) حتّى ضمن المجهولين والمهملين ومنهم تلميذه الذهبيّ الحنبليّ وقد فارقه كذلك، وأيضاً ابن كثير الحنبليّ. ذكرنا هؤلاء لأنّهم من أئمّة السَلَف وتلامذة مباشرة لابن تَيمِيه الذي برّأ ساحة يزيد من جرائمه الثلاث! ففي السنة الأولى من حكمه المشؤوم قتل سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله وريحانته سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليعليهماالسلام وأهل بيته وأصحابه الكرام وجرى لعياله من الأسر ما هو معلوم ...؛ وفي السنة الثانية أوقع بأهل المدينة المنوّرة هتك حرمة مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأوكل المهمّه إلى الطّاغية ابن مرجانة (عبيد الله ابن الدعيّ زياد بن سُميّة) فقد كتب إليه: أن أغزُ ابن الزبير، فقال: لا أجمعهما للفاسقِ أبداً! أقتلُ ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه [و آله] وأغزو البيت. (تاريخ الطبري 4: 371).
تباينت كلمة الأبناء وتناقضت! فالأوّل الذي حطّ رحال نسبه عند تيميه، قد توفّي سنة (728 هـ). وأما ابن زياد ثمّ ابن سُميّة، فهوابن القرن الهجريّ الأوّل وهو الذي أوكل إليه ابن ميسون قتل الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام وصحابته الكرام؛ فهو أعرفُ بحاله ولذا رفض أوامره مع اعترافه بجريمته في قتل ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ووصف يزيد بالفسق، وكلّ ذلك ينفيه ابن تيميه وخلَفه. ولنا ردّ على أحد متأخّريهم إذ كتب (حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية) ونشرته وزارة المعارف بالمملكة العربيّة السعوديّة، نفي فيه ما أثبته التاريخ من القرون الأولى، وأقرّها أئمّة السَلَف منهم مَن ذكرنا آنفاً للوشيجة بينهم وبين ابن تَيمِيه. =
فإن كان على رأينا تابعناه، فلمّا صاروا إلى ابن الزبير عرّفوه أنفسهم وما قدِمُوا له، فأظهر لهم أنّه على رأيهم، حتّى أتاهم أهل الشام ومسلم بن عُقبة، فدافعوه
____________________
= ولما رفض قاتل الحسينعليهالسلام طاعة الناقص كتب هذا إلى عمرو بن سعيد يأمره فرفض ...، عند ذلك بعث إلى مسلم بن عُقبة فقبل المهمّة وقد أجمع المؤرّخون على تسميته: مُسرف، ومجرم، والشيخ الضال ...، فقال: وجّهني إليهم، فو اللهِ لأدعنّ أسفلها أعلاها، يعني مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآله (تاريخ اليعقوبي 2: 250) وكان دستور يزيد لمسلم وأهل الشام هو إباحة المدينة ثلاثة أيّام وكان مسرف يسمّي مدينة رسول الله (نتنة) وقد سمّاها رسول الله: (طَيْبة). (مروج الذهب 3: 69).
حرق الكعبة: توجّه الجيش الشاميّ صوب البيت الحرام وطال حصار ابن الزبير حتّى السنة الثالثة من حكم الطّاغية يزيد، وكان ابن الزبير يسمّي نفسه العائذَ بالبيت. وقبل وصول أهل الشام إلى بيت الله وهم الذين سمّتهم الرعاية الأُمويّة: الأبدال؛ أي يُبدل الله بهم و يختارهم من دون غيرهم لينتصر بهم لدينه على طول التاريخ فلا يخرج إلى غيرهم! ولذا حبُلت ألف امرأة من غير زوج وافتُضّت ألف بِكْر لمّا دخلوا حرَم رسول اللهصلىاللهعليهوآله (البداية والنهاية 8: 220 - 221، تاريخ الخلفاء 233)؛ وغير ذلك من الفضائح التي سوّدت وجه بني أميّة وابن تَيمِيه.
هلاك الطاغية: قبل وصول الأبدال مكّة احتُضر مُسرف، وامتثالاً لأوامر مولاه ولّى على الجيش الحُصين بن نمير السُكوني وقال له: يا برذعة الحمار! إذا قدِمت مكّة فلا يكون عملُك إلاّ الوقاف ثمّ الثقاف ثمّ الانصراف، وهلك (تاريخ اليعقوبي). وتوجّه أهل الشام نحو مكّة، وجاء نَجْدة الحنفيّ في أناس من الخوارج يمنعون البيت الحرام (من الأبدال!). حاصر الحصين البيت الحرام أربعاً وستّين يوماً ورموا البيت بالمنجنيق بالأحجار والنفط فاحترق وانهدمت أركان الكعبة والأبدال يرتجزون جذلين نرمي بها أعواد هذا المسجد! (الإمامة والسياسة 2: 9، تاريخ الطبري 3: 383، تاريخ اليعقوبي 252، مروج الذهب 3: 72، البداية والنهاية 8: 225؛ وخالفهم ابن تَيمِيه).
إذ برّأ يزيد من تلك الشنائع، ودأب على منهج ضلاله خارجة عصرنا!!!).
إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية، ولم يتابعوا ابن الزّبير، ثمّ تناظروا فيها، فقالوا: ندخل إلى هذا الرجل فننظر ما عنده، فإن قدّم أبابكر وعمر وبرأ من عثمان وعليّ، وكفّر أباه وطلحة بايعناه، وإن تكن الأخرى ظهرَ لنا ما عنده فتشاغلنا بما يُجْدِي علينا. فدخلوا على ابن الزبير وهو مُبتذَل(1) وأصحابه متفرّقون عنه، فقالوا له: إنّا جئناك لتُخبرنا رأيَك، فإن كنت على صواب بايعناك، وإن كنت على خلافٍ دعوناك إلى الحقّ؛ ما تقول في الشيخين؟ قال: خيراً، قالوا: فما تقول في عثمان الذي حمى الحِمَى(2) ، وآوى الطريد، وأظهر لأهلِ مصر شيئاً وكتبَ بخلافه , وأوطأ آل بني مُعيط رقابَ الناس وآثرهم بفيء المسلمين؛ وفي الذي بعده الذي حكّم الرجالَ في دين الله وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم؛ وفي أبيك وصاحبه وقد بايعا عليّاً، وهو إمام عادلٌ مرضيٌّ لم يظهر منه كفر، نكثا بيعته وأخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يَقَرْن(3) في بُيوتهنّ، وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التَوْبة، فإن أنت قبلتَ كلّ ما نقول، لك الزُّلفى عند الله، والنصرُ على أيدينا إن شاء الله، ونسأل الله لك التوفيق، وإن أبيت، خذلك وانتصر منك بأيدينا(4) .
____________________
(1) مبتذَل: غير محتاط ومصون.
(2) حمى الحمى: يريدون أنّه خالف قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : (لا حمى إلاّ لله ورسوله) أي: لا يحمى للخيل التي تُرصد للجهاد والإبل التي يُحمل عليها في سبيل الله.
(3) يَقَرْن: يجلسن في بيوتهنّ ولا يخرجن.
(4) العقد الفريد 2: 235.
وقبل أن نسمع جواب ابن الزبير أشدّ النّاس بُغضاً لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، تجلّى ذلك أوضح ما تجلّى باستماتته في حرب الجَمَل. أقول: إنّ الخوارج الذين كذب عليهم الخارجيّ الناصبيّ ابن تَيمِيه، في قولهم أنّ الخوارج قد كفّروا عليّاً وعثمان! وجدناهم هنا مثلما استنتجنا وأسعفتنا النّصوص من قبل أنّهم إنّما كفّروا طلحة والزبير؛ وقد نكثا بيعتهما لأميرالمؤمنينعليهالسلام وأخرجا عائشة تقاتل، وليس هذا شأنها؛ وذكروا مثالب عثمان من غير تكفير مثلما أثبتوا ذلك لطلحة والزبير ولذلك طالبوا ابن الزبير أن يُعلن توبته لأنّه طرف فاعل وهو وأبوه وطلحة وغيرهم ممّن حلفوا بالله لعائشة بشأن ماء الحَوأب كذِباً، فكانت أوّل شهادة زور في الإسلام، ولذا طالبوه بالتوبة لينصروه. وأمّا بشأن أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام فهو عندهم إمامٌ عادلٌ مرضيّ لم يظهر منه كفر، إلاّ أنّهم بقوا على الشُّبهة الّتي وقع فيها سلفُهم وهي تحكيم الرجال!
[ جواب ابن الزبير ] فقال ابن الزبير: إنّ الله أمر وله العزّة والقدرة في مخاطبة أكفر الكافرين وأعتى العاتين بأرقّ من هذا القول؛ قال لموسى وأخيه صلّى الله عليهما:( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لّيّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَى ) (1) . وقال رسول الله: (لا تؤذوا الأحياء بسبِّ الموتى). فنهى عن سبّ أبي جهل من أجل عِكرمة ابنه، وأبو جهل عدوّ الله ورسوله، والمقيم على الشرك والجادُّ في محاربة رسول الله قبل الهجرة والمحاربُ له بعدها، وكفى بالشرك ذنباً؛ وقد كان يُغنيكم عن هذا القول الذي سمّيتم فيه طلحة وأبي أن تقولوا: أتبرأ من الظالمين؟ فإن
____________________
(1) طه: 43، 44.
كانا منهم دخلا في غمار الناس(1) ، وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني بسبِّ أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله عزّ وجلّ قال للمؤمن:( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا مَعْرُوفاً ) (2) وقال:( وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً ) (3) . وهذا الذي دعوتم إليه أمرٌ له ما بعدَه، وليس يقنعكم إلاّ التوقيف والتّصريح، ولعمري إنّ ذلك أحْرَى بقطع الحُجج، وأوضحُ لمنهاج الحقّ، وأولى بأن يعرف كلّ صاحبه من عدوّه. فروحوا إليَّ من عشيِّتكم عذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله تعالى(4) .
خطبة ابن الزبير فيهم
فلمّا كان العَشي راحوا إليه، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه، فلمّا رأى ذلك نَجدةُ(5) ، قال: هذا خروج منابذٍ(6) لكم. فجلس على رفع من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيّه، ثمّ ذكر أبا بكر وعمر أحسنَ ذكرٍ، ثمّ ذكر في السنين الأوائل من خلافته؛ ثمّ وصلهنّ بالسّنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية، وأخبر أنّه آوى الحكم بن أبي العاص بإذن رسول الله، وذكر الحِمَى
____________________
(1) غُمار الناس: جهلتهم.
(2) لقمان: 15.
(3) البقرة: 83.
(4) العقد الفريد 2: 235 - 236.
(5) نَحْدة بن عاصم الحنفيّ الخارجيّ.
(6) منابذ: مناجز ومعارض ومعدّ لحرب.
وما كان فيه من الصلاح! وأنّ القوم استعتبوه من أمورٍ ما كان له أن يفعلها أوّلاً مصيباً ثمّ أعتبهم بعد ذلك محسناً ...، وراح يذكر ما كان من أمور عثمان مثل كتابة الكتاب باسمه في قتل فلان وفلان وقطع يد فلان وفلان ...، ممّا مرّ تفصيله سابقاً؛ ودافع عن أبيه وصاحبه طلحة وعائشة؛ فانصرفوا عنه(1) .
كتاب ابن الأزرق إلى ابن الزبير
وكتب بعد ذلك نافعُ بن الأزرق إلى عبد الله بن الزبير يدعوه إلى أمره: أما بعد، فإنّي أحذّرك من الله: يوم تَجدُ كلُّ نفسٍ ما عمِلت من خيرٍ مُحضراً وما عمِلت من سوء تَودّ لو أنّ بيها وبينه أمداً بعيداً، ويُحذِّرُكم الله نفسه، فاتّق الله ربّك ولا تتولَّ الظالمين، فإنّ الله يقول:( وَمَن يَتَوَلّهُم مِنكُمْ فَإِنّهُ مِنْهُمْ ) (2) وقال:( لاَ يَتّخِدِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِيْ شَيْءٍ ) (3) ، وقد حضرتَ عثمان يوم قتل. فلعمري لئن كان قتل مظلوماً لقد كفر قاتلوه وخاذلوه، ولئن كان قاتلوه مهتدين، وإنّهم لمهتدون، لقد كفر مَن تولاّه ونصره ولقد علمتَ أنّ أباك وطلحة وعليّاً كانوا أشدّ الناس عليه، وكانوا في أمره بين قاتل وخاذلٍ، وأنت تتولّى أباك وطلحة وعثمان، فكيف ولايةُ قاتلٍ متعمّدٍ ومقتول في دين واحد؟ ولقد ولي عليّ فنفى الشُّبهات، وأقام الحدود، وأجرى
____________________
(1) العقد الفريد 237.
(2) المائدة: 51.
(3) آل عمران: 28.
الأحكام مجاريها، وأعطى الأمور حقّها فيما عليه وله، فبايعه أبوك وطلحة، ثمّ خلعا بيعته ظالمين له، وإنّ القول فيك وفيهما لكما قال ابن عبّاس (رحمه الله): إن يكن عليٌّ في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمناً لقد كفرتم بقتال المؤمنين وأئمّة العدل، ولئن كان كافراً كما زعمتم وفي الحكم جائراً لقد بؤتم بغضبٍ من الله لفراركم من الزحف، ولقد كنتَ له عدوّاً، ولسيرته عائباً، فكيف تولّيته بعد موته؟!(1)
عليّعليهالسلام في وصف الخارجيّ: ابن الأزرق؛ والخارجيّ ابن تَيمِيه
أيُّ كذّاب أشِر، أيّ شانئ أبتر، أيّ ...؟! ظلم الخوارج بما وزر! هلاّ رحم نفسه فكان في الثمانية آلاف خارجيّ ممّن أعلنوا التَوبة فرجعوا إلى أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، هلاّ كان خارجيّاً فلا يقول إلاّ حقّاً ويجتنب الكذب! ولو صدق فهو العجب! دعنا منه وقد ذكرنا كثيراً من منهاج ضلاله وما يصف به أميرالمؤمنين عليّاًعليهالسلام ، ولنوازن بين منطقه ومنطق الخارجيّ ابن الأزرق، مرّ بنا:
فكما ذكرنا أنّ طلحة والزبير قتلة عثمان، وذكره ابن الأزرق والخوارج قد قاتلوا عليّاًعليهالسلام إلاّ أنّهم ينطقون بحقّه:
لقد أقام الحدود التي أبطلها غيره، وطهّر الشريعة من كلّ شبهة طارئة واجتهاد قبال الشرع! وأجرى الأحكام المعطّلة وأنصف الأمور إن كانت له أو عليه فهو ميزانُ عدلٍ لا عَيْق فيه، ولم يذكر في كتابه أنّه سفك الدماء وقتل
____________________
(1) العقد الفريد 238.
الألوف من أجل الرياسة كما قال الخارجيّ الثاني ابن تَيمِيه!
وإذا شهدت الخوارج بفضائل أميرالمؤمنينعليهالسلام ، وأنكرها الضّال ابن تيميه؛ فإنّ النّواصب الذين ألقوا ما في نفسه على ألسنتهم كما فعل مع الخوارج، ومن أولئك معاوية وبطانته نجدهم يقرّون لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام بفضائله وهم القاسطون الذين أخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام يقاتلهم بعد قتاله للنّاكثين ثمّ أخيراً المارقين، صدق رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ كان الأمر كما قال.
معاوية يدحض دعوى باطلة بحقّ عليّعليهالسلام
حدّث الزبير بن بكّار، عن رجاله قال: دخل مِحقن بن أبي محقن الضَّبيّ على معاوية فقال: يا أميرالمؤمنين جئتك من عند ألأم العرب، وأبخل العرب وأعيا العرب وأجبن العرب! قال: ومَن هو يا أخا بني تميم؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قال معاوية: اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخوكم العراقي، فابتدروه أيّهم ينزل عنده ويُكرمه. فلمّا تصدّع الناس عنه قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه فقال له: ويحك يا جاهل، كيف يكون ألأم العرب وأبوه أبو طالب وجدّه عبد المطّلب وامرأته فاطمة بنت رسول الله [صلىاللهعليهوآله ](1) .
____________________
(1) هذه هي أعظم عُقَد (ذوي العاهات) بعد الإمامة والولاية والسابقة والمنزلة الخاصّة (حديث المنزلة) ...؛ فإنّ معاوية قد قاتل عليًّا أميرالمؤمنينعليهالسلام يوم صفّين، وسنّ سنّة لعنه عقب الصلاة، إلاّ أنّه مثل الخوارج مع ترجيح لكفّة هؤلاء عليه! لم يكفّر عليًّا مثلما فعل الخوارج، ونطق بفضائل عليّعليهالسلام في حين كفّره وفسّقه ونعته بالنفاق ابن تَيمِيه ففاق الأوّلين والآخرين 1 في هذه المعاناة: (عُقْدة النقص) وقد مضى الكلام في عُقدة نسبه من طرفي أمّه وأبيه، مع انغراس صفة =
وأنّى يكون أبخل العرب؟ فو الله لو كان بيتان؛ بيتث تبن وبيتُ تِبر، لأنفذَ تِبرَه قبلَ تِبنه.
وأنّى يكون أجبن العرب؟! فو الله ما التَفت فئتان قطّ إلاّ كان فارسَهم غيرَ مُدافَع!
وأنّى يكون أعيا العرب! فو الله ما سَنّ البلاغة لقُريش غيرُه! ولَمَا قامت أمّ مِحقن عنه ألأمث وأبخلُ وأجبن وأعيا لبظَرِ أمّه. فو الله لو لا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك. فإيّاك عليك لعنة الله والعودة إلى مثل ذلك!
قال: والله أنت أظلم منّي، على أيّ شيء قاتلته وهذا محلّه؟!
قال: على خاتمي هذا، حتّى يجوز به أمري.
قال: فحسبُك ذلك عوضاً من سخط الله وأليم عذابه(1) .
____________________
= الحسد فيه وفي عائلته ومحبّيه، وأثر البيئة في حَرّان والشام والرّوح الخارجيّة التي يحملها بين جنبيه، كلّ ذلك وغيره أدخله في معركة وحرب كلاميّة كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّةٍ أنكاثاً؛ بل صاحبنا من بعد ضعفٍ أنكاثاً!! بدأت حربه الكلاميّة مع (الله عزّوجلّ) فأرداه وأخزاه فطيف به ثلاث مرّات مشهّراً به على بغلةٍ بالمقلوب حاسر الرأس مضروباً بالدرّة ومنادياً عليه أنّ مَن يعتقد عقيدته يُسجن فخاف الحنابلة واختفوا وجرت لهم بسببه مِحَن
(1) كشف الغُمّة، للأربلي، من أعلان القرن السابع 2: 44، وكشف اليقين، للعلاّمة الحلّيّ 474 - 475.
وفي الأخبار الطوال 260 (محقنبن ثعلبة)؛ وفي الطبري 6: 264، والإكمال، لابن ماكولا 7: 164، وتاريخ دمشق 57: 98 - 99: محفز بن ثعلبة - بالفاء - بنقطة واحدة؛ وفي جمهرة نسب قريش، لمصعب 441: محفر - من غير شدّة -.
صحيح أنّ ابن تَيمِيه أثّرت بيئتُه فيه، سواء في حَرَّان أم في دمشق مع مداراته للبيئة التي شبّ فيها وأمضى فيها أطول سنيّ عمره بعد أن فرّت أسرته الحنبليّة النشأة الأُمويّة الهوى من حَرَّان على إثر الغزو المغوليّ، فاستوطنت دمشق واصطبغت بلبوسها وهي مهيّأةً بدأ لذلك؛ وكما ذكرنا فإنّ ابن الأُسرة تلك كتب مؤلّفاته في تلك الأجواء.
فذكر بني أميّة وأشياعهم مفضّلاً إيّاهم على أهل البيتعليهمالسلام وأشياعهم، متّبعاً منهجاً إسقاطياً حمّل أوزار أولئك على الشجرة المباركة وشيعتهم. والإشكال عليه، وما أكثره! إذ تعاضدت بيئته حَرَّان مع ما نعتقده من إرثه الخارجيّ، ففضّل الخوارج على أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب وأهل البيت وشيعتهم، وكذب على الخوارج في عقائدهم وأفكارهم ونسب إليهم ما يريد أن يقوله هو من الشتائم الوقحة التي تبلغ حدّ الكفر بحقّ أهل البيتعليهمالسلام ...؛ فكذلك الإشكال عليه في نفسيّته المضطربة التي كان لبيئته حَرَّان، وقد احتملنا أنّ أصحاب تلك السراديب المظلمة من الصابئة كيف يصطادون الأطفال بحيلهم ويفعلون معهم أفاعيل تؤثّر في نفوسهم وتربكهم عقيديّاً، وشيوع العقيدة اليهوديّة هناك تركت آثارها في ذهنه وظهرت فيما بعد في ما كتب في عقيدته في الله تعالى من تشبيه وتجسيم، وغيرها من صفات المخلوقين.
أقول: تعاضدت تلك العوامل ليشحن منهاج ضلاله بتعظيم بني أُميّة وأتباعهم كما ذكرنا على أهل البيت وشيعتهم، وذكرنا ما فعله مع الخوارج، فوجدناهم يعظّمون عليّاً ويقولون بشأنه إمام حقّ عادل مرضيّ لم يظهر منه كفر؛
وإنّما خالفوا منهج ابن تَيمِيه! الذي مارس الإسقاط فجعل من الفاعل بريء: عائشة وطلحة والزبير ومروان ...، وبعد أن تمّت صفقتهم الخاسرة في قتل عثمان الذي كان خير ناصر له: أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام وبنوه وبنو هاشم وثُلّة من أبناء الصّحابة، فيما كان معاوية منشغلاً ببطنه التي لا تشبع بعد دعوة النبيّصلىاللهعليهوآله وملاذّه ومترقّباًحصاد الحوادث، فما له ولابنِ عمّه عثمان، فإنْ سلم، فيدُه قد بسطها عثمان أوسع ممّا ولاّه عمر «الشام» وإنّما ضمّ إليه مصر وأقاليم أُخرى، مرّ تفصيل ذلك. وإن قُتل، فأقلّ ما بيده الشام التي عُرف أهلها أنّهم يُعطون الطّاعة من غير جدال ...
بعد تلك الصفقة توجّه القتلة صوب البصرة فكانت وقعة الجمَل، وفيها قُتل أحد أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذلك هو: طلحة، أوّل مَن بايع عليّاًعليهالسلام ثمّ نكث، وكان هو والزبير أشدّ الناس على عثمان، فلمّا رأى مروان أنّ الهزيمة حلّت بهم سرّد سهماً نحو طلحة فقتله وقال: لا أطلب ثأري بدم عثمان بعد اليوم أحداً!
هؤلاء هم الصحابة الذين كفّرهم الخوارج على ما مرّ بنا، ووصفوا عليًّاعليهالسلام بنفيه الشبهات وإقامة الحدود وإعطاء الأُمور حقّها ...
وكما ذكرنا للخوارج أقوالاً ومواقف تنقض مزاعم ابن تَيمِيه وتُظهر ناصبيّته المـُعوِقة النبيّ وأهل بيتهعليهمالسلام أجمعين، وقد ذكرنا نموذجاً من أجوبة معاوية الذي قاتل عليّاً؛ وكيف تصدّى لمـَن جاء يتنقّصه وقد علِمَ أنّما هو منافِقٌ يُصانع؛ فقلب معاوية المعادلة تماماً.
ومن أقوال معاوية في حقّ أبي الحسن عليّعليهالسلام :
ذكر ابن عساكر، قال: قال معاوية: ما رُمِيتُ في مُصَمِّمَةٍ مثل أبي الحسن عليّ بن أبي طالب قطّ(1) .
هذا وهو معاوية! فهو إذ يُقرّ لأميرالمؤمنين بالشدّة في الأمور والشجاعة ويصفه بالأسد؛ فإنّه كنّاه أوّلاً ثمّ سمّاه باسمه الصريح. فهلاّ التفت ابنُ تَيمِيه إلى غلواء نفسه وقرينه هذا الذي لا يفارقه ثَمّة لحظة يزيده سوءً إلى سوء وبغيضةً إلى بغيضةٍ في حقّ عليّ وأهل البيت وشيعتهم ويجعلهم معدن كلّ مفسدة ورذيلة. والملتقى عند حكيم عدل وحينها يخسر المبطلون.
وذكر ابن عساكر أنّ أبا مسلم الخولانيّ جاء ومعه ناس إلى معاوية فقالوا له: أنت تُنازع عليّاً أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله، إنّي لأعلمـُ أنّ عليّاً أفضل منّي، وإنّه لأحقّ بالأمر منّي، ولكن ألستم تعلمون أنّ عثمان قُتل مظلوماً وأنا ابنُ عمّه؟ وإنّما أطلبُ بدم عثمان فقولوا له فليدفع إليَّ قتلة عثمان، وأسلّم له(2) .
من نافلة القول كما يقولون ومن غير الاستغراق: فإن معاوية أقرّ أنّ عليّاًعليهالسلام أفضل منه مثلما أقرّت الخوارج بفضلهعليهالسلام ؛ وسلّم بأنّ عليّاً أحقّ بالأمر منه؛ وبذا بطلت مقولة الجاني على نفسه المنتصر لغيرِه وغيرُه يرفضه: ابن تيميه: بأنّ عليّاً قاتل على الرئاسة وأراق الدماء من أجلها ...، وتجاهلَ إصرارَ القوم على بيعته ورفضهعليهالسلام لذلك حتّى بُويع إجماعاً طواعيةً لا سقيفيّةً ولا شَهراً لسيف ولا قتلاً عامّاً للقبائل الممتنعة عن البيعة فحبست زكاتها فسُمِّيت رِدّة عن الإسلام
____________________
(1) مختصر تاريخ دمشق 25: 40.
(2) مختصر تاريخ دمشق 132.
وجرى ما ذكرناه؛ وكما بُويع طواعيةً وبإلحاح من أولئك النّفر الذين أخذ عليهم عهد الله وميثاقه! لمعرفته بدخائل نفوسهم وكانوا أوّل مَن بايعه البيعة العامّة في المسجد ...؛ فإنّ الأقاليم قد بايعت له من غير سيف ولا مبعوث منهعليهالسلام إليهم إلاّ معاوية فقد أظهر التمرّد وشقّ عصا الطّاعة وخرج على الجماعة ...، ونكث أولئك النّفر فكان الذي كان يوم الجمل، ثمّ صفّين من قِبل معاوية، فالخوارج فأمّا الخوارج فقد مضوا على شبهتهم في مسألة التحكيم مع إقرارٍ لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام بالفضل والعدل وإنّه مع الحقّ! وأمّا معاوية فقد ذكرنا مثلين له وسنذكر أكثر وقد وجدناه رغم ناصبيّته، وحسد أُميّة الموروث لبني هاشم، فإنّ ذلك كلّه لم يمنعه أن يقرّ أنّ عليًّاعليهالسلام أفضل منه وأحقّ بالأمر منه. إلاّ أنّه تلمّس لنفسه المعاذير مثلما فعلت الخوارج!
وكانت عائشة كلّما ذكرت مسيرها في وقعة الجمل بكت حتّى تَبِلّ خمارها(1) .
وكانت إذا قرأت الآية:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ ) (2) ، تبكي نادمةً على مسيرها يوم الجمل حتّى تبلّ خمارها(3) .
وسُئلت عائشة عن أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فقالت: وما
____________________
(1) طبقات ابن سعد 8: 81، تفسير القرطبي 14: 180، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 9: 200.
(2) الأحزاب ك 33.
(3) تاريخ بغداد 9: 184، تاريخ دمشق 34: 220، المناقب، للخوارزمي 182، سير أعلام النبلاء، للذهبي 2: 177.
عَسَيتُ أن أقول فيه، وهو أحبُّ الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ لقد رأيتُ رسول الله قد جمعَ شَمْلَتَه على عليّ وفاطمة والحسن والحسين وقال: «هؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أذهِبْ عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيراً». قيل لها: فكيف سِرتِ إليه؟ قالت: أنا نادمة! وكان ذلك قَدراً مقدوراً(1) .
عائشة تبكي قتالها عليّاً
ومن جنس كلامها السالف لما سألها جميع بن عُمير، قال: قلت لعائشة: حدِّثيني عن عليّ. فقالت: تسألني عن رجلٍ سالت نفسُ رسول الله في يده، ووَلِيَ غسْلَه وتغميضَه وإدخالَه قبرَه(2) ! قلت: فما حملكِ على ما كان منكِ؟ فأرسلَتْ خِمارَها على وجهها وبكت، وقالت: أمرٌ كان قُضي عليَّ.(3)
إنّ عائشة قد قاتلت عليّاًعليهالسلام إلاّ أنّ الحقّ نطق بفضائل أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام وخصائصه حالها حال الخوارج ومعاوية وكلٌّ يلتمس لنفسه عذراً؛ فعُذر عائشة أنّ قتالها لأميرالمؤمنينعليهالسلام كان بتقدير من الله تعالى عليها وقضاء، حاشا لله عزّ وجلّ من ذلك.
____________________
(1) المحاسن والمساوئ، للبيهقي 298. ويبدو أنّ أمّ المؤمنين قَدَريّة! فهي تظهر الندم على ما فعلته يوم الجمل ثمّ تردّ الفعل إلى الله تعالى عن ذلك!
(2) وهذا ما يُبطل ما نُسب إليها: متى أوصى رسول الله وقد مات بين سَحْري ونحري؟ والغرض منه إبطال الوصيّة للوصيّ عليّعليهالسلام . فعليّ مشغول بأمر رسول الله ورسول الله يناجيه حتّى مات بين سحره ونحره بعيداً عن السقيفة.
(3) المحاسن والمساوئ، للبيهقي 298.
إلاّ أنّ ذلك لم يمنعها من النطق بفضائله، بل وكلّما ذكرت مسيرها المشؤوم يوم الجمل أو قرأت الآية القرآنيّة التي تأمر نساء النبيّصلىاللهعليهوآله أن يَقرْنَ في بيوتهنّ، حتّى تبكي ندماً ...
عطا، قال: سألت عائشة عن عليّ فقالت: ذاك خيرُ البشر لا يشكّ فيه إلاّ كافر(1) .
هذه الفِرق الثلاث التي قاتلت أميرالمؤمنين عليّاًعليهالسلام كلّها تنطق بفضله وعدله وأنّه خيرُ البشر ...
ومع كلّ هذا فإنّ ابنُ تَيمِيه لم تُطاوعه نفسه إلاّ أن يُنافق ويكذب على الآخرين فيلقي على ألسنتهم ما هم منه أبرياء كبراءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب، ويتجاوز الحدّ هذا! فيكيل السُّباب لأمير المؤمنينعليهالسلام .
فلا كان مع الخوارج، وإن كان خارجيّاً أصالةً، ولا كان مع النواصب القاسطين وإن كان قاسطاً وللنّواصب إماماً يُحتذى منذ نعق وحتّى الساعة ولا ندري متى تمتدّ يد المشيئة الإلهيّة المقتدرة لتطهّر الأرض من الصُمّ البُكم العُمي مخالفي القرآن؛ وأحمد ومالك والشافعيّ والحنفيّ؛ عاكفين على سليل «تَيمِيه، وسِتّ النَّعم» مجسّمين مشبّهين لذات الله تعالى، قد استحوذوا على الحرمين الشريفين: بيت الله الحرام، ومسجد النبيصلىاللهعليهوآله ، يعاقبون من يقترب من مرقد رسول اللهصلىاللهعليهوآله للتبرّك ويرفعون أصواتهم النّكرة: لا تشرك؛ مقتدين بإمامهم الذي علّمهم ذلك وأفتى بحرمة زيارة قبر الرسول وجعله بِدعة وشركاً، فتلقّفها البدوي النَجْديّ
____________________
(1) كفاية الطّالب 246.
الأعرابيّ ابن عبد الوهّاب الذي ظهر مع ظهور الإنجليز في الجزيرة العربيّة وعمل بتلك البِدعة والفتوى ونشر عقائد ابن تَيمِيه وهاجم أتباعه المراقد الشريفة في العراق وما زالوا يفعلون وسنأتي على ذكر فتاوى متأخّريهم وأفعالهم الشنيعة في هذا الحقل.
أقول: ولا كان مع أُمّ المؤمنين عائشة التي قادت النّاكثين فلمّا وضعت الحربُ أوزارَها، جهّزها أميرُالمؤمنينعليهالسلام ، فلمّا وصلت المدينة قيل لها: كيف كان مسيرك؟ قالت: لقد أعطى عليّ بن أبي طالب فأكثر، ولكنّه بعث معي رجالاً أنكرتُهم، فعرّفها النسوة أمرهنّ فقالت: ما ازددت والله يا ابن أبي طالب إلاّ كرماً.(1)
وللسنّة الذين حاول فاشلاً أن يُثيرهم على إخوانهم شيعة أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآله ، ففضحه الله تعالى وحكمه قُضاة المذاهب السنّيّة بالأحكام التي ذكرناها: فاسق، زنديق، منافق، كافر، وشهّروا به وسجنوه ثلاث مرّات مات في الثالثة في السجن ...
إنّ الذين حكموا على ابن تَيمِيه هذه الأحكام قد شغفهم حُبّ آل البيت، وكان هذا الحبّ ديناً يدينون الله عزّوجلّ به ويتقرّبون به إليه سبحانه ويعتقدون أنّ الصلاة عليهم من الواجبات التي لا تتمّ صلاتهم إلاّ بها.
ذكر الفخر الرازيّ في تفسيره، قال: إنّ الدعاء للآل منصِب عظيم، ولذلك جُعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة وهو قوله: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد. وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير
____________________
(1) أنساب الأشراف 3: 51، تاريخ الطبري 3: 548، الأخبار الطوال 152، مروج الذهب 2: 372.
الآل؛ فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حب آل محمّدعليهمالسلام واجب. وقال: إنّ أهل بيته ساوَوْه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهد، وفي السلام ...»(1) .
فقول الفخر: «وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل» يعني لو دخل فيها ذكرُ غيرهم - أيّاً كان - بطلت الصلاة، وكان ذكر غيرهم حاله حال أيٍّ من المبطلات! ولا تستقيم الصلاة إلاّ بالشهادة لله تعالى بالوحدانيّة، ولمحمّدصلىاللهعليهوآله بالعبوديّة لله سبحانه وأنّه نبي الله، ثمّ تعظيمه بالصلاة عليه وعلى آله.
وفي الصواعق المحرقة، قال ابن حَجَر: قوله تعالى:( إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً ) (2) ، إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله ، قرَنَ الصلاة على آله بالصلاة عليه؛ لما سُئل عن كيفيّة الصلاة والسلام عليه. وقال: وهذا دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصلاة على أهل بيته وبقيّة آله مُراد من هذه الآية، وإلاّ لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزول هذه الآية ولم يُجابُوا بما ذكر، فلمّا أجيبوا به دلّ على أنّ الصلاة عليهم من جملة المأمور به، وأنّهصلىاللهعليهوآله أقامهم في ذلك مقام نفسه؛ لأنّ القصد من الصلاة عليه مزيدُ تعظيمه ومنه تعظيمهم، ومن ثمّ لمّا دخل مَن مرّ في الكِساء قال: «اللّهمّ إنّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليَّ وعليهم» وقضيّة استجابة هذا الدّعاء: إنّ الله صلّى عليهم معه، فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتَهم عليهم معه. ويُروى: «لا تُصَلُّوا عليَّ الصلاة البتراء» فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: «تقولون: اللّهمّ صلِّ
____________________
(1) التفسير الكبير، للفخر الرازي 27: 166.
(2) الأحزاب: 56.
على محمّد، وتُمسكون! بل قولوا: اللّهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد». وقد نُقل عن الإمام الشافعيّ قوله:
يا أهلَ بيتِ رسول الله حبُّكُم |
فرضٌ من الله في القرآن أنْزَله |
|
كَفاكُمُ من عظيم القَدْر أنّكم |
مَن لم يُصلِّ عليكم لا صلاةَ له |
قال: فيُحتمل لا صلاة له صحيحةً، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصّلاة على الآل، ويُحتمل لا صلاة كاملةً، فيُوافق أظهرَ قولَيْه(1) .
قال أخرج الدار قطني والبيهقي حديث «من صلّى صلاةً ولم يُصلِّ فيها عليَّ وعلى أهل بيتي لم تُقبل منه». وكأنّ هذا الحديث هو مستند قول الشافعيرضياللهعنه : إنّ الصلاة على الآل من واجبات الصلاة عليهصلىاللهعليهوآله .(2)
وفي الشّفا للقاضي عياض المالكيّ، عن ابن مسعود، عينُ الحديث السابق الذي ذكره ابن حجر في الصواعق صفحة 139.(3)
وفي شرح الشفا للقاضي الخفاجيّ الحنفيّ، [ عن أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ]: «الدّعاء والصلاة معلّق بين السّماء والأرض، لا يصعد منه إلى الله شيء حتّى يُصلّى عليهصلىاللهعليهوآله ، وعلى آل محمّد».(4)
وقيل للإمام الشافعيّ إنّ أُناساً لا يصبرون على سماع منقبة أو فضيلة تُذكر
____________________
(1) الصواعق المحرقة 87.
(2) نفسه 139.
(3) الشفا، للقاضي عياض 3: 505.
(4) شرح الشفا، للقاضي الخفاجيّ 3: 506.
لأهل البيت؛ فإذا رأوا أحداً يذكر شيئاً من ذلك قالوا: تجاوزوا عن هذا فهو رافضيّ! فأنشأ الشافعيّ رحمه الله تعالى يقول:
إذا في مجلسٍ نذكر عليّاً |
وسبْطَيه وفاطمةَ الزكيّة |
|
يُقال: تجاوزوا يا قومُ هذا |
فهذا من حديث الرافضيّة! |
|
برِئتُ إلى المهيمن من أناسٍ |
يَرَون الرّفضَ حبَّ الاطميّه(1) |
فالشافعيّ لا يجد حرجاً أن يُرمى بتهمة الرفض ومشايعة أهل البيتعليهمالسلام ويبرأ من أعدائهم وشانئيهم. وله أيضاً:
قالوا: ترفّضتَ؟ قلت: كلاّ |
ما الرّفضُ دِيني ولا اعتقادي |
|
لكن تولّيتُ - غيرَ شكٍّ |
خيرَ إمامٍ وخيرَ هادي |
|
إن كان حبُّ الوليِّ رفضاً |
فإنّني أرْفَضُ العِبادِ(2) |
وله أيضاً شعر يفيض حبّاً لهمعليهمالسلام ومكابدة من أولئك الذين يقفون مَعاثِر في صراطهم المستقيم، ويهتف معلناً بأنّه رافضيّ:
يا راكباً قِفْ بالمـُحَصَّبِ من مِنى |
واهتُف بساكنِ خِيفها والناهضِ |
|
سَحَراً إذ فاضَ الحجيجُ إلى مِنى |
فَيْضاً كمُلْتطِم الفرات الفائض |
|
إن كان رفضاً حبُّ آل محمّدٍ |
فَلْيَشْهَد الثَّقَلان أنّي رافضيّ!(3) |
____________________
(1) نور الأبصار، للشبلنجي 232.
(2) نور الأبصار، للشبلنجي 232.
(3) نفسه 232.
ومن شعر ابن العربيّ في أهل البيتعليهمالسلام :
رأيتُ ولائي آل طه فريضةً |
على رغم أهل البُعدِ يورثني القُرْبا |
|
فما طلبَ المبعوث أجراً على الهدى |
بتبليغِه، «إلاّ المودّة في القربى»(1) |
وله أيضاً:
فلا تَعدِلْ بأهلِ البيت خَلْقاً |
فأهلُ البيت هم أهلُ السِّيادَه |
|
فبُغْضُهمُ من الإنسانِ خُسْرٌ |
حقيقيٌّ، وحُبّهُم عبادُه(2) |
هذه هي أقوال لعلماء المذاهب التي يلوذ بها ابن تَيمِيه، وسِتّ النَّعم نفاقاً منه في حال شنّ الغارة على خُصومه: ابتداءً من الله تعالى علوّاً كبيراً، ومروراً بالرسول الكريمصلىاللهعليهوآله ، وأهل بيته بيت العصمةعليهمالسلام ؛ وحجّته التي يصول بها ويجول هو قوله: هذا قول أهل السنّة والجماعة ...، فإذا رجعنا إليهم وجدناهم على خلافه تماماً ولذا نجد أنفسنا مضطرّين إلى إعادة القول والتذكير بأنّهم شدّدوا عليه النكير وعاقبوه وبدّعوه وطافوا به سكك دمشق على بغلة بالمقلوب مضروباً بالدرّة وحبسوه ثلاث مرّات بالأحكام التي مرّ ذكرها: النّفاق والزندقة والفسق والكفر؛ فماذا أبقى لإبليس؟! وفي كلّ نوبة يُعلن التوبة فيخرج ثمّ يرجع لأنّ الذي فيه لا يفارقه فيحرّكه ويثير الفتنة من جديد ليرجع إلى مستراحه «السجن» وهكذا حتّى هلك في الثالثة في سجنه.
وزيادةً في إغاضة التيماويّين نذكر ما جاء في الإصابة، قال: إنّ كُدَيْر
____________________
(1) الصواعق المحرقة 101.
(2) نفسه.
الضّبّيّ كان يُصلّي ويقول: اللّهمّ صلِّ على النّبيّ والوصيّ.(1) وذكر الهيتمي نقلاً عن الطبرانيّ، عن أمير المؤمنينعليهالسلام : «كلّ دعاء محجوب حتّى يُصلّى على محمّد وآل محمّد»(2) .
وفي ذخائر العُقبى، عن جابررضياللهعنه أنّه كان يقول: لو صلّيتُ صلاةً لم أُصلِّ فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيتُ أنّها تُقبل»(3) . وفي تفسير قوله تعالى:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (4) .
قال نظام الدّين الحسن بن محمّد النيسابوريّ في تفسيره غرائب القرآن ورغائب الفرقان، بهامش تفسير الطبريّ في آية المودّة: كفى شرفاً لآلِ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفخراً ختم التشهّد بذكرهم، والصلاة عليهم في كلّ صلاة.(5)
وقالصلىاللهعليهوآله : معرفةُ آل محمّد براءةٌ من النّار، وحبّ آل محمّد جوازٌ على الصراط، والولاية لآل محمّد أمانٌ من العذاب»(6) .
قال القاضي عياض: قال بعض العلماء: معرفتُهم هي معرفة مكانتهم من النبيّصلىاللهعليهوآله وإذا عَرَفَهم بذلك عَرفَ وجوبَ حقّهم وحُرمتهم بسببه(7) .
____________________
(1) الإصابة 3: 289/7386.
(2) مجمع الزوائد 3: 289.
(3) ذخائر العُقبى 19.
(4) الشورى: 23.
(5) غرائب القرآن ورغائب الفرقان 5: 519.
(6) الشفا 31.
(7) نفسه.
بعد كلّ هذا: أيُقبل من ابن تَيمِيه صلاة، إن كان من المصلّين! وهل لا يَحجب دعاءَه بُغضُه وناصبيّتُه لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام وأهل بيته الطّاهرين وشيعتهم، وكذلك حال يتاماه في كلّ قرن حتّى عصرنا، فما قُطع قرن حتّى ظهر آخر؛ فهل معه ومع أيتامه الذين أضلّهم جوازٌ على الصراط وبراءة من النّار وأمانٌ من العذاب؟!
كلام أحمد بن حنبل في قوله أميرالمؤمنينعليهالسلام : «أنا قسيمُ النار»: قال القاضي ابن أبي يعلى الحنفيّ: سمعت محمّد بن منصور يقول: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبدالله ما تقول في هذا الحديث الّذي يروى أنّ عليّاً قال: أنا قسيمُ النّار؟ فقال أحمد: وما تنكرون من ذا؟ أليس قد روَينا أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال لعليّ: «لا يُحبّك إلاّ مؤمن ولا يُبغضك إلاّ منافق»؟ قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة، قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار، قال: فعليّ قسيمُ النّار.(1)
فأحزموا أنفسكم بالأحزمة الناسفة وأمامَكم إمامُكم ابن تَيمِيه لعلّكم تنسفون أنفسكم قبل أن يأخذ أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ووصيّه عليٌّ بأيديكم إلى النّار.
وأخرج الحاكم عن شريك، عن قيس بن مسلم، عن أبي عبد الله الجدليّ، عن أبي ذرّ قال: «ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ بتكذيبهم الله ورسوله والتخلّف عند
____________________
(1) طبقات الحنابلة، للقاضي ابن أبي يعلى 1: 320.
الصلوات والبغض لعليّ بن أبي طالب»(1) . هذا الحديث وله شواهد نذكرها أنكره ابن تَيمِيه في منهاج ضلاله، وعلّة ذلك واضحة فهو إمام الناصبة، ما من فضيلة أو خصوصيّة لأميرالمؤمنينعليهالسلام إلاّ وأنكرها، وإذا وجد نفسه ملزماً بذكرها عمد إلى قطع بعض ألفاظها وقال: هذه الزيادة لم تصحّ من غير أن يقيم برهاناً على قوله أو أنّه يصرف اللفظ إلى معنىً غير المعنى الذي وُضع له ويُأوّله تأويلاً بعيداً.
وما يدرينا زيادةً على ما تقدّم في سبب إنكاره الحديث هو الحكم الصادر بحقّه أنّه منافق لقوله: أنّ عليّاً [عليهالسلام ] أسلم صغيراً لا يدري ما يقول، وإسلام الصغير لا يُقبل منه! فمارس وحسب منهجه إسقاط ما في نفسه على أمير المؤمنينعليهالسلام ، فظهر نفاقه ببغضه لعليّعليهالسلام .
وعن أبي سعيد الخُدْريّ قال: «ما كنّا نعرف منافقي هذه الأُمّة إلاّ ببغضهم عليًّا»(2) . وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ ولفظه نفس حديث أبي سعيد(3) .
وفي المصنّف لابن أبي شيبة 7/505/64 - فضائل عليّ - حدّثنا خلف ابن خليفة عن أبي هارون قال: كنت مع ابن عمر جالساً إذ جاءه نافع بن الأزرق
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 139/43.
(2) سنن الترمذيّ - في المناقب ح 3800 -، و تاريخ الإسلام، للذهبيّ 3: 434.
(3) الاستيعاب 3: 46 و 47، وتاريخ الإسلام 3: 634، ومختصر تاريخ دمشق. ثمّة ملاحظة فمفارقة بين قول ابن الأزرق هنا وبين احتجاجه على ابن الزبير إذ وصف الإمام عليّعليهالسلام بأجمل الأوصاف على ما مرّ بنا! فلعلّ هذا بعد استعراض ابن الأزرق الناس للقتل؟!
- أحد رؤوس الخوارج - فقال: والله إنّي لأبغض عليّاً! قال: فرفع ابن عمر رأسه فقال: أبغضك الله، تُبغض رجلاً سابقة من سوابقه خيرٌ من الدنيا وما فيها.
وفي صحيح مسلم، بسندٍ عن زِرٍّ بن حُبيش قال: قال عليٌّ [عليهالسلام ]:
«والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة إنّه لعهدُ النبيّ الأمّيّ إليَّ أن لا يُحبّني إلاّ مؤمنٌ ولا يُبغضني إلاّ منافقٌ»(1) . وبنفس السند والمتن في سُنن ابن ماجة(2) .
وهذه بعض المصادر التي ذكرت حديث حبّ عليّ وأنّ إيمانه، وأنّ بغضه نفاق: مسند الحَميدي ح 58، وأنساب الأشراف 1: 383، ومسند أبي يَعْلى 1/251: 291، وخصائص أميرالمؤمنين للنَّسائيّ ح 100 و 102، وصحيح ابن حبّان 15/ 367: 6924 ومعرفة علوم الحديث للحاكم 180، وشرح السنّة، للبغويّ 14/ 14: 3909، وحلية الأولياء 4: 185، ومجمع الزوائد 9: 133.
خلاصة: العجب من ابن تَيمِيه، ثمّ ابن سِتّ النَّعَم، أن يُنكر حديث: حبّ عليّعليهالسلام إيمان، وبُغضه نفاق، وأسانيد الحديث لا مطعن فيها وهي تنتهي بأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، وأبي سعيد الخُدْريّ، وجابر بن عبد الله، وأبي ذرّ.
والحكم في النقل للعلماء المتقدّمين عهداً لا للجهلة المتأخّرين زمناً، أفنعرض عن أصحاب الصحاح والمسانيد والسُنن والتاريخ صفحاً ونتمسّك بصاحب عاهات لا يفقه ما يقول أطلّ بقرنه بعد أولئك بمئات السنين؟! إنّ الفاصلة الزمنيّة بين ابن تَيمِيه وبين الحَميدي الذي ذكر الحديث في مسنده
____________________
(1) صحيح مسلم 2: 64.
(2) سنن ابن ماجة 1: 42 ح 114.
لا تزيد على (496) سنة، فقد توفّي الحَميدي سنة (219) وتوفّي ابن تَيمِيه سنة (728)، ولكنّنا مدينون للحَميدي أكثر من ابن تَيمِيه لتقدّم الحَميدي فهو ابن العقد الأوّل للقرن الثالث الهجريّ قد سمع من الأوائل وسبق ابن تَيمِيه بخمسة قرون إلاّ أربع سنين. هذا من الناحية الزمنيّة؛ وأمّا السيرة: فلم نجد في سيرة الحَميدي إلاّ الحميد فأصبح مسنده أحد المصادر التي يرجع إليها، فيما عرفتَ من سلوك وعقيدة الثاني وما انتهى إليه أمره.
وما قلناه عن الحَميدي، نقوله عن بقيّة مشيخة السَلَف: فهذا ابن أبي شيبة أبو بكر، عَلَمٌ لا يتخطّاه مشايخ الصحاح والمسانيد والسُنن فقد أكثروا عنه واعتبروه حجّة، وهو وإن كان متأخّراً عن الحَميدي، إلاّ أنّه أيضاً توفّي في النصف الأوّل من القرن الثالث الهجريّ، فقد كانت سنة وفاته (235 هـ) وقد ذكر الحديث كما ذكرنا. فكم تكون الفاصلة الزمنيّة بينه وبين الخارجيّ الثاني ابن تَيمِيه، بل كم تكون بينه وبين خارجة عصرنا؟
إنّها تصل اثنى عشر قرناً وهم ينفخون ببوق إمامهم الذي عكفوا عليه من دون أصحاب الصحاح والتصانيف والسُنن والمسانيد ...، ولو بُعث ابن تَيمِيه ونُشر من قبره لا ندري ما يصنع هؤلاء ومن قبل كانت نبوّة سجاح التميميّة النجديّة، ونبوّة مسيلمة التميميّ النجديّ الكذّاب الذي اشترى نبوّة سجاح بنكاح مشبوه! واتّبعهم من أسلافكم أكثر أهل نَجْد وشكّلوا خطراً على الإسلام حتّى قتل الله مسيلمة، وارتدّ طُليحة وارتدّت معه قبائل كثيرة ثمّ فرّ إلى الشام؛ فأنتم ينطبق عليكم قول الخوارج: تتّبعون الرجال على أسمائهم فما قولكم وقول إمامكم ابن
تَيمِيه في أحمد بن حنبل؟ هل عاصرتموه، أم عاصره إمامكم وما الذي خلصتم إليه من القول وهو يذكر كثيراً من فضائل أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ومنها حديث حبّه وبغضه وأنّه علامة الإيمان والذي كذّبه إمامكم فكذّبتموه وبذا كذّبتم أحمد بن حنبل إمام الحنابلة، وتزعمون أنّكم سَلَفيّون!
إنّ أحمد توفّي سنة (241 هـ) أي قبل وفاة ابن تيميه بـ (487 سنة)، وبينه وبينكم مثل الفاصلة بين ابن أبي شيبة وبينكم. ولعلّكم تقولون: ما لنا ولأحمد فلقد صبا فصار رافضيًّا! أو القول ما قاله ابن سِتّ النِعَم وما قولكم بصحيح مسلم وصاحبه المتوفّى سنة (261 هـ) فهو ابن النصف الثاني من القرن الثالث الهجريّ وفاةً وسابق على ابن تَيمِيه مثل أحمد وأمّا صاحب الصحيح مسلم وهو ممّن ذكر الحديث، فلم يتأخّر وفاةً عن أحمد، فقد توفّي سنة (261 هـ)؛ وتأخّر عنهم ابن ماجة والترمذيّ والبلاذريّ وقد ذكروا الحديث وهم جميعاً توفّوا في النصف الثاني من القرن الثالث الهجريّ. فلقد توفّي ابن ماجة سنة (275 هـ) والترمذيّ سنة (279 هـ) ومثله البلاذريّ. وأمّا الذهبيّ الحنبليّ وهو ممّن ذكر الحديث فهو متأخّر إذ توفّي سنة (748 هـ) وهو حجّة عليكم لأنّه تلميذ ابن تَيمِيه لسنين طويلة إلاّ أنّه لمّا عرف من حاله ومن عقيدته ابتعد عنه وندم على السنوات التي أمضاها معه وكتب إليه رسالةً طويلةً يؤنّبه ويعاتبه وقد أثبتناها ضمن فصل أصحاب الردود على ابن تَيمِيه.
لقد استوجب ابن تَيمِيه ومَن والاه الحكم بالنّفاق لبغضه لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لنفيه فضائله وخصائصه بكلّ عناد وذهبت به
وقاحته إلى القول: أنّ الرافضيّ لا يمكنه أن يُثبت إيمان عليّ وعدالته وأنّه من أهل الجنّة، ورماه بالنّفاق وأنّه أوقد نار الفتنة في قتل أصحاب محمّد [ انظر من غير تسميته بالنبوّة والرسالة!! ] بُغضاً له [ أي للنبيّصلىاللهعليهوآله ! ] وأنّه كان مباطناً للمنافقين وغير ذلك مما مرّ ذكره.
وكذلك استوجب وأتباعه الحكم بالنّفاق بموجب القرار الذي أصدره قضاة المذاهب الإسلاميّة المالكيّة والحنفيّة والشافعيّة والتي انضمّ إليها أخيراً القاضي الحنبليّ؛ فصار الحكمُ إجماعاً، ولم يُرفع فهو ماضٍ فيه وفي مَن اعتقد عقيدته في ذات الله جلّ وعزّ، وفي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأهل بيته الكرام والأولياء ومسألة الزيارة ومجموع أفكاره التي أحياها الوهّابيّون الإرهابيّون ممّن لا يخاف المعاد، عاملهم الله بعدله في الدنيا والآخرة.
الإسلام يبسط سلطانه على حَرّان
دخلت حَرّان ظلّ الإسلام أيّام عمر بن الخطّاب (رض)(1) ، على يد الصحابيّ: «عِياض بن غَنْم بن أبي شدّاد بن ربيعة بن هلال بن أُهَيب بن ضَبّة بن الحارث بن فِهْر، أسلم قبل الحديبيّة وشهد الحديبيّة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(2) .
____________________
(1) المصادر جميعاً.
(2) النّسب، لابن سلام 220، والمـُحبَّر، لابن حبيب 432، وطبقات ابن سعد 7: 398، ومختصر تاريخ دمشق 20: 60. وذكره خليفة بن خيّاط وشكّك في انتسابه إلى (غَنْم). وقال: فتح عامّة الجزيرة. وذكره ابن الكلبيّ في جمهرة النّسب ولم يُترجم له.
واُختلف في سنة وأسلوب فتح حَرّان وما والاها من أرض الجزيرة. فقد ذكر خليفة في تاريخه في أحداث سنة «ثمان عشرة» قال:
«قال ابن إسحاق: وفي سنة ثمان عشرة فُتحت الرُّها(1) ، وحدّثني حاتم بن مسلم أنّ أبا موسى الأشعريّ افتتح الرُّها وسُمَيْساط(2) صلحاً وما والاهما عنوةً.
قال: وكان أبو عبيدة بن الجرّاح وجّه عياض بن غَنْم الفهري(3) إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى بعد فتح هذه المدائن، فمضى ومضى معه أبو موسى، فافتتحا حَرَّان ونَصِيبيِن(4) وطوائف الجزيرة عنوةً(5) ؛ ويقال: وجّه أبو عبيدة خالد بن الوليد
____________________
زاد ابن حبيب: (أم الحكم) بنت أبي سفيان، كانت عند عياض بن غنم بن شدّاد الفهريّ، ولحقت بالمشركين. (المحبّر 432)
(1) الرُّها: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام؛ بينهما ستّة فراسخ (انظر معجم البلدان 2: 106).
وظلّت تعرف بهذا الاسم إلى وقت انتقالها إلى أيدي الترك العثمانيّين فصارت تُعرف باسم (أورف)؛ قيل: إنّ هذا الاسم تحريف (الرها) العربيّ. (انظر بلدان الخلافة الشرقيّة 135). وموقعها اليوم في الجنوب الشرقي من تركية على بضعة أميال من سورية.
(2) سُمَيْساط: مدينة على شاطئ الفرات في طرف بلاد الروم على غربي الفرات (انظر معجم البلدان 2: 258) وموقعها اليوم إلى الشمال الغربي من الرُّها.
(3) ذكر ابن عساكر: وقيل: كان عياضٌ ابنَ امرأةِ أبي عبيدةَ بنِ الجرّاح. (مختصر تاريخ دمشق 20: 61).
(4) نَصِيبين: من بلاد الجزيرة، بينها وبين سنجار تسعة فراسخ (معجم البلدان 5: 288، وبلدان الخلافة الشرقية 124، وموقعها اليوم إلى الجنوب الشرقي من تركية، وهي معدودة من أراضيها ومحاذية للحدود السورية شمالي القامشلي).
(5) تاريخ خليفة بن خيّاط (ت 240 هـ) 96.
إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى قد افتتح الرُّها وسميساط فوجّه خالد أبا موسى وعياضاً إلى حَرَّان فصالحا أهلها(1) . ثمّ مضى خالد إلى نَصيبين فافتتحها. ثمّ رجع إلى آمِد(2) فافتتحها صلحاً، وما بينهما عنوةً. وحُدّثت أنّ عياض كتب لهم كتاباً وهو عندهم اليوم يُسمّى باسم عياض(3) .
الطبريّ: وفي تاريخ الطبريّ ذكر روايتين في فتح حَرَّان، وافق في إحداهما خليفة بن خيّاط، فجعل فتحها سنة ثمان عشرة، وأنّ الفتح كان على يد عياض ابن غَنْم؛ وخالفه في الأخرى - والتي لم يذكرها خليفة، فجعلها في السنة التاسعة عشر ولم يقل على يد مَن! وإن كانت القرائن ترجّح حملها على يد عياض.
قال الطبريّ في أحداث سنة ثمان عشرة:
وزعم الواقديّ (ت 207 هـ) أنّ الرقّة والرهاء وحَرَّان، فُتحت في هذه السنة على يدي عياض بن غَنْم، وأنّ عَيْن الوردة(4) فُتحت فيها على يدي عمير بن سعد(5) .
____________________
(1) نفسه.
(2) آمِد: أعظم مدن ديار بكر، بلد حصن قديم على نشز دجلة (معجم البلدان 1: 56) تقع اليوم في الجنوب الشرقي من تركية وتسمّى ديار بكر (بلدان الخلافة الشرقية 140).
(3) تاريخ خليفة 96.
(4) عَيْنُ الوَردة: وهي رأسُ العَين، من مدن الجزيرة، وهي محاذية للحدود السوريّة التركيّة وإلى الشمال الشرقيّ من الرقّة. فيها كانت الوقعة المشهورة بين التّوّابين الأحرار الذين خرجوا للأخذ بثار دم الحسينعليهالسلام من بني أميّة. (معجم البلدان 5: 288، وبلدان الخلافة الشرقيّة 125).
(5) تاريخ الطبري 3: 194.
رواية الطبريّ الثانية
قال: قال ابن اسحاق: كان فتح الجزيرة والرُّهاء وحَرّان ورأس العين ونَصيبين في سنة تسع عشرة(1) .
ابن عساكر محدّث الشام يروي خبر فتح الجزيرة:
قال ابن عساكر (ت 571 هـ): وفي سنة تسع عشرة كتب عمر إلى سعد بن أبي وقّاص، أن ابعثْ جنداً إلى الجزيرة وأمِّرْ عليهم أحد الثلاثة: خالد بن عُرفُطَة، أو هاشم بن عتبة، أو عياض بن غَنْم؛ فلمّا انتهى إلى سعد كتابُ عمر قال: ما أخّر أميرُ المؤمنين عياضاً إلاّ أنّ له فيه هوىً أن أوّليه، وأنا مولّيه. فبعثه وبعث معه أبا موسى وابنه عمر بن سعد، وهو غلامٌ حدَثُ السنّ، وعثمان بن أبي العاص ابن بشر الثّقفيّ في سنة تسع عشرة؛ فخرج عياض إلى الجزيرة فنزل بجنده على الرُّها، ثمّ بعث أبا موسى إلى نصيبين ووجّه عمر بن سعد إلى رأس العين في خيلٍ ردءاً للناس، وسار بنفسه إلى دارا فافتتحها، وافتتح أبو موسى نصيبين، وذلك في سنة تسع عشرة، ثمّ وجّه عثمان بن أبي العاص أرمينيّة الرابعة، فكان عندها شيء من قتال ...، ثمّ صالح أهلها عثمان بن أبي العاص على الجزية.
ولمّا وجّه أبو عبيدة عياض بن غَنْم إلى الجزيرة يقال إنّه وجّه خالد بن الوليد إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى قد افتتح الرُّها وسُمَيْساط ثمّ ذكر عين الخبر الذي في الطبري(2) .
____________________
(1) نفسه.
(2) مختصر تاريخ دمشق 20: 62 - 63.
إنّ قصدنا ممّا ذكر وما سنذكر سواء من بيئته الأُسريّة مجهولة المعالم إلى شخصه عَلَماً فيه أكثر من سؤال وآخر لافت للنظر إلى ضياع منحدره القبليّ الذي منع التاريخ من الكتابة فيه كما منع الأوائل من كتابة الحديث النبويّ الشريف! في حين كان كتابته جارية في حياة النبيّصلىاللهعليهوآله ، إلى تربيته البيئيّة وما اشتبكت عليها الأزمان وضربتها الفِتَن بأجرانها فورث خلاصة ضلالها وباءَ ببوائِقِ فِتَنها.
وإذا كانت جارةُ حَرَّان والبوابّة التي يبدأ بها كلّ فاتح إلى حَرَّان، (الرُّها) كلّهم نصارى وفيها كنيسة عظمى ...، فحَرَّان وقد علمنا أنّها موطن الصابئة والصابئين منذ أقدم عصورهم. وكما ذكرنا تلك المبهمات في شأن ابن تَيمِيه، فقد وجدنا اختلافاً في الأمير: أبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص ...؛ الفتح عنوةً أو صلحاً. والقيادة وفي بعضها خالد ابن عُرفُطة عوضاً من خالد بن الوليد ...، إلاّ أن المـُجمع عليه أنّ ذلك كان أيّام عمر بن الخطّاب. وحتّى سنة الفتح جرى فيها اختلاف بين سنة ثمان عشرة وتسع عشرة. هذا شيء من تاريخ حَرَّان.
وسنذكر شيئاً من تاريخها زيادةً في البيان، مع ما ذكرناه سابقاً لإعطاء صورةً أوضح عنها.
النفوذ الأُمويّ في الشام وانطباع الجزيرة بأثر ذلك
بدأ النفوذ الأمويّ يمدّ جذوره في بلاد الشّام والأصقاع المجاورة صدر
الإسلام، وتحديداً أيّام أبي بكر الذي كان عهده تمهيداً، وعصر عمر تثبيتاً وتركيزاً، وعهد عثمان توسيعاً ...
ففي سنة اثنتي عشرة جهّز أبوبكر الجيوش إلى الشام، فبعث عمرو بن العاصي قِبَل فلسطين، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجرّاح وشُرَحبيل ابن حَسْنة على البلقاء من علياء الشام(1) .
ذكر الطبريّ: وحدّثني عمر بن شبّة بإسناده قال: ثمّ وجّه أبوبكر الجنود إلى الشام أوّل سنة ثلاث عشرة، وأوّل لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاصي ثمّ عزله قبل أن يسيّره! وولّى يزيد بن أبي سفيان، فكان أوّل الأمراء الذين خرجوا إلى الشام. وكان سبب عزل أبي بكر خالد بن سعيد، فيما ذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن خالد بن سعيد حين قدم من اليمن بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، تربّص ببيعته شهرين يقول: قد أمّرني رسول الله ثمّ لم يعزلني حتّى قبضه الله؛ وقد لقي عليّ بن أبي طالب وعثمان بن عفّان فقال: يا بني عبد مناف لقد طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم! فأمّا أبوبكر فلم يَحْفلها عليه وأمّا عمر فاضطغنها عليه ثمّ بعث أبوبكر الجنود إلى الشام وكان أوّل مَن استعمل على ربُع منها خالد بن سعيد فأخذ عمر يقول: أتؤمّره وقد صنع ما صنع وقال ما قال فلم يزل بأبي بكر حتّى عزله وأمّر يزيد بن أبي سفيان(2) .
وخالد قديم الإسلام أسلم بمكّة من كبار الصحابة بالإسلام. وقد ذكر
____________________
(1) تاريخ الطبريّ 2: 586.
(2) نفسه 2: 586.
أبو اليقظان وغيره أنّ خالد بن سعيد أسلم قبل أبي بكر، وذلك لرؤيا رآها(1) .
وكان يكتب لرسول اللهصلىاللهعليهوآله في حاجاته(2) ...، وقد بعثه رسول اللهصلىاللهعليهوآله عاملاً على صدقات اليمن، وأخاه عمراً على تَيْماء وخَيْبر، وأخاهما أباناً على البحرين، فلمّا توفّي رسول الله رجعوا عن أعمالهم فقال لهم أبوبكر: ما لكم رجعتم؟ فقال خالد: لا نعمل لأحدٍ بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فخرجوا إلى الشام فقُتلوا جميعاً(3) .
وقد امتنع خالد بن سعيد وأخواه عمرو وأبان عن بيعة أبي بكر، إذ كان هواهم في بني هاشم وكانوا يرون أنّ الإمامة لعليّ بن أبي طالب، ولم يبايعوا أبا بكر حتّى بايعه بنو هاشم، وهذا الذي أوغر قلب عمر بن الخطّاب عليهم ...
وخالد بن سعيد أخد الاثني عشر الّذين أنكروا على أبي بكر وحاجّوه في يوم الجمعة وهو على المنبر، وهم: سلمان الفارسيّ، وأبوذرّ الغفاريّ، والمقداد الكنديّ، وعمّار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذوالشهادتين، وأبو أيّوب الأنصاريّ ...
لم تهدّ استرجاع الراية من عزيمة خالد وإيمانه وجهاده؛ فلمّا بعث أبوبكر الجنود إلى الشام عقد لخالد وجاء باللواء إلى بيته! فكلّم عمر أبا بكر وقال: أتولّي خالداً وهو القائل ما قال؟! فلم يزل به حتّى أرسل أبا أروى الدَّوسيّ فقال:
____________________
(1) كتاب الثقات، لابن حبّان 1: 301، والمستدرك على الصحيحين 3: 278/ 5086، والإصابة 1: 406، والموفقيّات، للزبير بن بكّار: 594 وقال: هو وأخوه عمرو أوّل مَن أسلم من قريش وأسلمت مع خالد زوجته.
(2) الوزراء والكتّاب، للجهشياري 12.
(3) الموفقيّات: 333، والمستدرك على الصحيحين 3: 278، والاستيعاب 1: 401، وأسد الغابة 2: 278.
إنّ خليفة رسول الله يقول لك: اردد إلينا لواءنا، فأخرجه فدفعه إليه وقال: والله ما سرّتنا ولايتكم ولا ساءنا عزلكم وإنّ المـَليم لَغيرُك. فما هو إلاّ قليل حتّى دخل أبوبكر على خالد يعتذر إليه ويعزم عليه ألاّ يذكر عمر بحرف!(1)
ثمّ إنّ أبابكر كتب إلى خالد بن الوليد في العراق أن يعجّل في مدّ جيوش الشّام، وقد عارضه عمر وقبّح فعلته بمالك بن نُويرة وهو مسلم إذ قتله خالد ودخل بزوجته ليلة مقتله! فقال أبوبكر: إنّ خالداً تأوّل فأخطأ! فقال: اعزله، قال: ما كنتُ أغمدُ سيفاً سلّه الله عليهم!!(2)
ومن مفارقات خالد وهو يخوض حروب الشام ولمّا بلغه وفاة أبي بكر واستخلاف ابن خاله عمر، قال: الحمدُ لله الذي قضى على أبي بكر! الموت وكان أحبّ إليَّ من عمر، والحمدُ لله الذي ولّى عمر وكان أبغض إليَّ من أبي بكر، ثمّ ألزمني حُبّه!(3)
خرج أبوبكر يشيّع قوّاده الذين ذكرنا وفيهم يزيد بن أبي سفيان ويحمل رايته أخوه معاوية بن أبي سفيان.
وقعة أجنادين
كانت وقعةُ أجنادَين - ويقال بكسر الدال - سنة ثلاث عشرة، ذلك أن أبا
____________________
(1) طبقات ابن سعد 4: 97، والمستدرك على الصحيحين 3: 279، ومختصر تاريخ دمشق 7: 348.
(2) تاريخ ابن الوردي 1: 136.
(3) تاريخ الطبري 2: 598.
بكر بعث عمرو بن العاص قِبَل فلسطين؛ ويزيد بن أبي سفيان، وأبا عبيدة بن الجرّاح، وشُرَحبيل بن حسنة وأمرهم أن يسلكوا على البَلْقاء، وهي كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى.
وكتب أبوبكر إلى خالد بن الوليد، فسار إلى الشام فأغار على غسّان بمَرج راهِط فقتل وسبى. ثمّ ساروا جميعاً قِبَل فلسطين، فالتقوا بأجنادين بين الرَّملة وبين بيت جبريل، والأمراء كلّ على جنده، ويقال: إنّ عمرو بن العاص كان عليهم جميعاً. وكان الروم زهاء مائة ألف فهُزموا شرّ هزيمة وقُتل قائدهم. وبعدها تُوفّي أبوبكر(1) .
وقعة مرج الصُّفَّر
بعد وقعة أجنادين بعشرين يوماً، كانت وقعة مرج الصفَّر. ومرج الصفَّر خارج دمشق في جنوبها قرب قرية شقحب، حيث اجتمعت فيها الروم اجتماعاً عظيماً وأمدّهم هِرقَل بمَدَدٍ بعد مدّد، فلقيهم المسلمون وهم متوجّهون إلى دمشق، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتّى جرت الدماء وطحنت بهم الطاحونة، وجُرح من المسلمين زهاء أربعة آلاف. وقُتل خالد بن سعيد بن العاص، وقاتلت يومئذٍ امرأة
____________________
(1) تاريخ خليفة 79 - 80، وفتوح البلدان 120 - 121، والفتوح 1: 132 - 147، ومختصر تاريخ دمشق 1: 201.
خالد فقتلت سبعة نفر. وولّت الروم منهزمين إلى دمشق وبيت المقدس(1) .
يوم فِحْل
كانت وقعة فِحْل من الأُردنّ، لليلتين بقيتا من ذي الحجّة بعد خلافة عمر بخمسة أشهر(2) .
وأمير الناس يومئذ أبو عبيدة عارم بن الجرّاح، وكان عمر قد كتب إليه بولايته الشام وإمرة الأُمراء وعزل خالد بن الوليد عن ذلك، ويقال: إنّ ولايته أتته في الحرب والناس محاصرون دمشق فكتمها خالداً أيّاماً؛ لأنّ خالداً كان أمير النّاس في الحرب وكان سبب هذه الوقعة أنّ هِرَقْل لمّا صار إلى أنطاكية استنفر الرّوم (وأهل الجزيرة) وبعث إليهم رجلاً من خاصّته وثقاته في نفسه فلقوا المسلمين بفِحْل من الأُردنّ، فقاتلوهم أشدّ القتال وأبرحه حتّى أظهرهم الله عليهم، وقُتل بطريقهم، وزهاء عشرة آلاف معه، وتفرّق الباقون في مدن الشّام ولحق بعضم بهِرقَلْ. وتحصّن أهل (فِحْل)، فحصرهم المسلمون حتّى سألوا الأمان على أداء الجزية عن رؤوسهم والخراج عن أرضهم، فأمنوهم على أنفسهم وأموالهم وأن لا تُهدم حيطانُهم. وتولّى عقْدَ ذلك أبو عبيدة بن الجرّاح، ويقال:
____________________
(1) تاريخ خليفة 80، والفتوح 1: 150، وفتوح البلدان 125، وتاريخ الطبري 3: 96، ومختصر تاريخ دمشق 1: 201. وقد خالف البلاذريّ في تاريخ الوقعة فقال: أوّل المحرّم سنة أربع عشرة. أمّا الطبريّ فذكرها في أحداث سنة خمس عشرة.
(2) فتوح البلدان 122.
تولاّه شُرَحبيل بن حسنة(1) .
وقد ذكرنا أنّ الوقعة كانت سنة ثلاث عشرة، إلاّ أنّ هناك رواية عن ابن الكلبيّ تقول أنّ وقعة «فِحْل» كانت يوم السبت لثمانٍ بقين من ذي الحجّة سنة أربع عشرة(2) . وعن ابن إسحاق قال: صالح أبو عبيدة في رجب.(3)
وقعة اليرموك
كانت وقعة اليرموك من أشدّ الوقائع التي شهدتها الشام. كانت الوقعة يوم الإثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. واليرموك نهر من أنهار الأردنّ.
بعد استيلاء المسلمين على مدينة حِمص، نزل بملك الرّوم همّ شديد، فجمع للمسلمين جمعاً لم يُرَ مثله، فقد قيل إنّ عدد الرّوم ومَن والاهم كانوا ثلاثمائة ألف، وقيل أربعمائة ألف فارس وراجل وأمّا المسلمون فلم يزد عددهم على خمسة وأربعين ألفاً. ونزل الرّوم على نهر اليرموك وعليهم وزير الملك يقال له «ماهان» من أهل فارس تنصّر وانضمّ إلى الرّوم. وكان مع الرّوم جَبَلة بن الأَيْهم الغسّانيّ في مستعربة الشام من لَخْم وجُذام وغيرهم.
ولما بلغ المسلمين ما جمع لهم هِرقَل من الجموع ردّوا على أهل حمص ما
____________________
(1) تاريخ خليفة 80، وفتوح البلدان 122، والفتوح 1: 189 - 195.
(2) تاريخ خليفة 85.
(3) نفسه.
كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا: قد شُغلنا عن نُصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم فقال أهل حمص: لَولايَتُكم وعدلُكم احبُّ إلينا ممّا كنّا فيه من الظلم والغَشم، ولَندفعنّ جند هِرقَل مع عاملكم. ونهض اليهود، فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هِرقَل مدينة حمص إلاّ أن نُغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها. وعبّى الجمعان صفوفهما، وجعل أبو عبيدة النساء ومعهن الأطفال والصغار على التلّ وقال لهنّ: خُذن بأيديكنّ أعمدة السيوف وأعمدة البيوت والفساطيط، واجمعن الحجارة بين أيديكنّ، وحرّضن المؤمنين على قتال المشركين. ووقف أبو عبيدة في القلب تحت رايته، وكان على الدراجة شُرحبيل بن حَسَنة، وعلى الميمنة يزيد بن أبي سفيان، وعلى جناح الميسرة قيس بن هبيرة المراديّ. ثمّ خرج معاذ بن جبلة ففعل مثله. وكان قد انفرد من عظماء الرّوم وفرسانهم ثلاثون ألفاً، حفروا لهم حفائر ونزلوا فيها وشدّوا خيلهم بالسلاسل، واقترن كلّ عشرة في سلسلة وحلفوا بعيسى ومريم والصليب ان لا ينهزموا أو يقتلوا العرب عن آخرهم.
والتحم الجيشان في معركة قلّ نظيرها، فقُتل «جرجيس» أمير من أمراء الرّوم، قتله أبو عبيدة بن الجرّاح. فلمّا رأى «ماهان» أنّ جرجيس قد قُتل، برز بنفسه فقتل اثنين من المسلمين ثمّ برز إليه مالك بن الحارث النَّخعيّ فضربه فلمّا أحسّ بحرارة الضربة ولم تكن قاتلة ولّى منهزماً. ثمّ حمل الأمراء بمَن معهم بالتكبير والتهليل والنكشفت الروم منهزمة وأخذهم السيف من ورائهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ووقع في الأسر أعداد هائلة وغرق منهم في الماء أُمم لا تُحصى
وغنم المسلمون غنائم كثيرة. فلمّا أصبحوا لم يجدوا من الروم أحداً، وأراد أبو عبيدة أن يُحصي عدد القتلى من الروم فلم يقدر أن يحصي ذلك إلاّ بالقصب، فجعل على كلّ ألفٍ قصبة، وعدّ القصب فكان عدد القتلى مائة ألف وخمسة آلاف، وأسروا أربعين ألفاً. وقُتل من المسلمين أربعة آلاف ونيف. وانبثّ المسلمون في الجبال والأودية يطلبون الروم حتّى أدركوا ماهان في أربعين ألف فارس متوجّهاً إلى حمص، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وقتلوا ماهان.
ولمّا بلغ هِرقَل خبر أهل اليرموك هرب من أنطاكية إلى قسطنطينيّة، فلمّا جاوز الدرب قال: عليكِ يا سورية السلام ونعم البلد هذا للعدوّ، يعني أرض الشام لكثرة مراعيها(1) .
فتح دمشق
سنة أربع عشرة، سار أبو عبيدة بن الجرّاح ومعه خالد بن الوليد فأحاطوا بدمشق.
قال خليفة بسنده: صالحهم أبو عبيدة على أنصاف كنائسهم ومنازلهم وعلى رؤوسهم على أن لا يُمنعوا من أعيادهم ولا يُهدم شيء من كنائسهم. صالح على ذلك أهل المدينة، وأخذ سائر الأرض عنوة(2) .
____________________
(1) تاريخ خليفة 89، وفتوح البلدان: 140 - 143، والفتوح 1: 218 - 271، وتاريخ الطبري 590 - 628، ومختصر تاريخ دمشق 1: 212 - 223.
(2) تاريخ خليفة 84.
قال: قال ابن الكلبي: كان الصلح يوم الأحد للنصف من رجب سنة أربع عشرة، صالحهم أبو عبيدة(1) .
وراح أبو عبيدة يبثّ البعوث لفتح الشّامات، فافتتح شرحبيل بن حسنة الأُردن كلّها عنوةً ما خلا طبريّة فإنّ أهلها صالحوه وذلك بأمرِ أبي عبيدة، وذلك سنة خمس عشرة. وفيها بعث أبو عبيدة خالد بن الوليد فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتاباً. صالحهم على أنصاف منازلهم وكنائسهم ووضع الخراج.(2)
ثمّ خرج أبو عبيدة يريد حِمْص، وقدّم خالداً أمامه فقاتلوه قتالاً شديداً، ثمّ هُزمت الرّوم حتّى دخلوا مدينتهم، فحصرهم فسألوه الصلح على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم وعلى أرض حمص على مائة ألف دينار وسبعين ألف دينار.
وحدّثني عبد الله بن مغيرة عن أبيه قال: صالحهم أبو عبيدة على المدينة على ما صالحهم عليه أهل دمشق وأخذ سائر مدائنهم عنوةً(3) .
وبعث أبو عبيدة بعد حمص خالد بن الوليد إلى «قِنَّسرين» فزحف إليه الرُّوم وعليهم «مِيناس» وهو رأس الرّوم وأعظمهم بعد هِرقَل، فالتقوا بالحاضر(4) ، فقُتل ميناس ومَن معه مقتلةً عظيمةً لم يُقتلوا مثلها. فأمّا الرّوم فماتوا على دمه حتّى لم
____________________
(1) نفسه 85، ومختصر تاريخ دمشق 1: 202.
(2) تاريخ خليفة 88، ومختصر تاريخ دمشق 1: 211.
(3) تاريخ خليفة، مصدر سابق، وتاريخ الطبري 3: 98.
(4) الحاضر: قريب من حلب يجمع أصنافاً من العرب. (معجم البلدان 2: 206).
يبق منهم أحد! وأمّا أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد فعقد لهم على إخراب المدينة فأخربها(1) .
وذكر خليفة أنّ أبا عبيدة بعث عمرو بن العاصي بعد فراغه من اليرموك إلى قِنَّسرين، فصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية، وافتتح سائر أرض قِنَّسرين عنوةً.
وذلك سنة ست عشرة(2) .
وفي سنة ثمان عشرة وجّه أبوعبيدة البعوث إلى الجزيرة، ففُتحت حَرَّان ونَصيبين وطوائف الجزيرة والرُّهَا وسُمَيساط ...؛ وقد ذكرنا تفصيل ذلك في أوّل الفصل هذا لانتساب ابن تَيمِيه إلى تلك الديار، ومن ثَمّ إلى حَرَّان، وقادنا البحث إلى تتبّع مواطن نشأته فكان بعد حَرَّان: الشّام؛ وثَمّة موطن لابدّ من الحديث عنه لأنّ ابن تَيمِيه أمضى فيه بعضاً من عمره وتأثّر بأحداثه، ذلك هو مصر.
فتح مصر
سنة عشرين كتب عمر إلى عمرو بن العاصي أن سر إلى مصر، فسار وبعث عمر الزبير بن العوّام وبُسر بن أبي أرطاة وعُمير الجُمَحيّ مدَداً لعمرو، ففتحوا مصر والإسكندرية عنوةً بعد قتال شديد(3) .
____________________
(1) الطبريّ 3: 98، وتاريخ ابن الورديّ 1: 137، قالا: سنة خمس عشرة. وتاريخ خليفة 1: 137 وقال: سنة ست عشرة.
(2) تاريخ خليفة 93.
(3) تاريخ خليفة 100 - 101، وفتوح البلدان 214 - 225، وتاريخ الطبري 3: 195 - 199، وتاريخ ابن الوردي 1: 141.
ولاة عمر: توفّي عمر بن الخطّاب وواليه على مصر هو عمرو بن العاص وعلى الشام جميعاً معاوية بن أبي سفيان!؛ وكان على الجزيرة عياض بن غَنْم الذي بعثه أبو عبيدة ففتحها، على ما ذكرنا، فلمّا توفّي صارت الجزيرة تابعة لمعاوية وخلَفِه(1) ...
ولمّا انتهى الأمر إلى عثمان بن عفّان جعل ولاة الأمصار الإسلاميّة جميعاً من بني أُميّة وآل مروان ممّا أدّى إلى ثورة الأقاليم الإسلاميّة انتهت بقتل عثمان.
الخليفة يعزّي أبا سفيان
ذكر البلاذريّ: «ولما توفّي يزيد بن أبي سفيان كتب عمر إلى معاوية بتوليته ما كان يتولاّه فشكر أبوسفيان ذلك له وقال: وصِلَتُك يا أمير المؤمنين رحم!»(2) .
وفي تاريخ ابن عساكر: «وعزّى عمر أبا سفيان بابنه يزيد، فقال له أبوسفيان: مَن جعلتَ على عمله؟ قال: جعلتُ أخاه معاوية؛ وابناك مصلحان، ولا يحلُّ لنا أن ننزع مصلحاً!»(3) .
ويبدو أن الخليفة كان مفتتناً بمعاوية: «كان عمر بن الخطّاب إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب»(4) .
____________________
(1) تاريخ خليفة 112، وتاريخ الطبري 3: 303، ومختصر تاريخ دمشق 25: 17.
(2) فتوح البلدان 146.
(3) مختصر تاريخ دمشق 25: 18.
(4) أنساب الأشراف 5: 155، ومختصر تاريخ دمشق 25: 19.
وكان عمر قول: تعجبون من دهاء هِرَقْل وكسرى وتَدَعُونَ معاوية!(1) .
ولأجل العلاقة الخاصّة بين الخليفة والبيت الأُمويّ وتعيينه ليزيد بن أبي سفيان أرقى المناصب وهي ولاية عموم الشّام وإلحاق الجزيرة بها، وتعزيته أبا سفيان الذي ما صحّ منه إسلام! بوفاة ابنه يزيد، وتعويضه بأدهى خلَف لسلَف مع كَيْل المديح له وما أعقبه من سيرة عثمان بن عفّان على خطى أسلافه وتعدّي الحدود، فما من قطر إلاّ واليه أُمويّ مرواني طريد ...، ممّا طبع تلك الأقطار البعيدة عن نور الرسالة ووجود الأماثل من الصحابة، طبعها بطابع الهوى الأُمويّ الذي عمل على طرح كتاب الله تعالى للبيع في الأسواق! ومنع من تدوين الحديث بأمرٍ من معاوية، فخضع لفتوى السلطان الفاسق حتّى أنّ كثيراً منهم لا يعرف مَن هو عليّ بن أبي طالب!
الخليفة يتوعّد الشورى بمعاوية:
ولمعرفة عمر بحقيقة معاوية وأهل الشام فإنّه كان يتهدّد الآخرين بهم قال محدّث الشام ابن عساكر:
وعن عمر قال ك إيّاكم والفُرقة بعدي، فإنْ فعلتم فاعلموا أنّ معاوية بالشّام وستعلمون إذا وُكِلْتم إلى رأيكم كيف يستبرها دونكم(2) .
ويأخذنا العجب! فالخليفة يتوعّد الصحابة في مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآله بما
____________________
(1) مختصر تاريخ دمشق 25: 19.
(2) مختصر تاريخ دمشق: 25. ويستبرها: يتفرّد بها.
يذكّرنا بالّذي كان في السقيفة ولكن هذه المرّة قد أناب مكانه معاوية الطليق اللصيق وأعلى كعبه على كبار الصحابة ليتفرّد بالخلافة؛ وهذا هو التمهيد والتمكين لنفوذ حكم بني أُميّة، فإذا جاء عثمان بسط سلطانهم في كلّ مكان!
ومن قول عمر لأهل الشّورى: إن اختلفتم دخل عليكم معاويةُ بن أبي سفيان من الشام، وبعده عبد الله بن أبي رَبيعة من اليمن، فلا يَريَان لكم فضلاً إلاّ سابقتكم(1) .
عجب لهذا المنطق! متى صار الطليق ابن الطليق المتقلّب في المثالب وممّن سنّ لذوي العاهات مبدأهم، فكان ابن تَيمِيه فاردهم! وابن عبد الوهّاب حاديهم والشيطان سائقهم!!
أقول: متى صار ابن هند؛ وهذا ما يُعرف به أكثر ممّا يُعرف بابن أبي سفيان، شعراً وأدباً، على ألسنة محبّيه ومناوئيه، بل وعلى لسانه هو وسنورد الشواهد المئات على ذلك مع قصّة فيه!؛ متى صار الذي أدخل الله تعالى الإسلامَ بيت أبي سفيان رغم أنفه مع الفتح المبين لمكّة وما صحّ لأبي سفيان وبقي ملعوناً وبنيه على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإن صحّ في حقّ معاوية من شيء من الفضائل، فضيلة واحدة هي قول النبيّ لمعاوية: «لا أَشْبَع اللهُ بَطْنَهُ»(2) ، سلطان يخيف به الخليفة
____________________
(1) نفسه. وعبد بن أبي ربيعة بن المـُغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّ، عامل عمر على اليمن. (تاريخ خليفة 54، وطبقاته 110).
(2) الاستيعاب 3: 401، وأسد الغابة 5: 210، وتذكرة الخواصّ 182، وأنساب الأشراف 5: 133 - 134، ووفيات الأعيان 1: 59 (ترجمة النسائي).
الصحابة الأوائل ومنهم المبشّرة بالجنّة؟ وهل سلطانه مستمدّ من دار الخلافة الشرعيّة ومركزها مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إن شاء الخليفة فيها أقرّه وإن شاء بدّله؟!
وفي أهل الشورى عليّ بن أبي طالب أخو رسول الله ونفسُه في آية المباهلة، وأبو سبطيه الحسن والحسين أبناء رسول الله، أيضاً في آية المباهلة، وزوج بضعته التي هي نساء النبيّ؛ كذلك في آية المباهلة، وهم مطهّرون بصريح القرآن الكريم، وعليّ من النبيّ بمنزلة هارون من موسى؛ وهارون أخو موسى، وعليّ أخو رسول الله بالمؤاخاة التي صنعها النبيّ، وعليّ هتف الوحي باسمه وبسالته إذ جبُن غيره ففرّ من ملاقاة العدوّ فيما تقدّم أبو الحسنين يفلق الهام ويشطر الأبدان، ويوم الأحزاب بُحّ صوت ابن عبد ودّ ولم يكن مجاوباً إلاّ عليّ، وهل غير عليّ لمثل ابن عبد ودّ! فلم يمهله فارس التقوى سليل الشجرة الهاشميّة المباركة أن ضربه ضربةً فلقت البيضة والمغفر وألقت نصفيه جنبيه فهو ميزان عدلٍ لا عيْن فيه.
ولم يكن غير عليّ يصلح لتبليغ براءة، ولم يفرّ يومَ خَيْبر مثلما فعل غيره إذ فرّوا يُجبّن أحدهم الآخر! فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «لأُعطينّ الرّايةَ غدًا رجلاً يُحبُّ الله ورسولَهُ ويُحبُّه اللهُ ورسولُه كرّارٌ غيرُ فرّار». وكان أميرالمؤمنين عليّ أَرْمد العين فلمّا كان الغد دعا به رسول الله فوضع من ريقه على عينه فشفاها، ثمّ أعطاه الرّاية فأخذها أبو الحسنين ومضى يُهرول حتّى ركزها في أطم من آطام اليهود فاطّلع يهوديّ من فوق الحصن وسأله مَن أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب، فقال اليهوديّ: عَلَوْتم وربّ الكعبة! ثمّ خرج إليه فارس خَيْبر: مَرْحب،
فضربه أبو الحسنين ضربةً قدّت البيضة والمغفر وعضت بين الأضراس وهوى مرحب ميّتاً ثمّ إنّ عليّاً عالج باب حصنٍ من حصونهم حتّى قلعه واتّخذه ترساً يدافع به عن نفسه ثمّ جعله جسراً إذ وضعه على ظهره وعبر عليه المسلمون فكان الفتح على يديه، وليس من مفخرة تبزّ فداءَ عليٍّ لرسولِ الله إذ بات على فراشه متلفّعاً بغطائه ليلة هجرتهصلىاللهعليهوآله وقد أحاطت قريش بدار النبي للفتكِ به، ولقد فرض الله تعالى ولاية عليّ وجعلها متفرّعةً من ولايته سبحانه وتعالى وولاية رسولهصلىاللهعليهوآله [ المائدة/56 ] وقد أخذ له النبيّ البيعة يوم غدير خمّ، في حجّة الوداع وعمر حاضرٌ فيها. وأمّا السبق إلى الإسلام؛ فعمر هو خامس وأربعون ممّن دخل الإسلام وعليّ أوّل مَن أسلم، والعجب من عمر يتوعّد أهل الشورى بمعاوية الذي قال فيه النبيّ إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه، وأنّ معاوية لا يرى لهم إلاّ السّابقة وعدا ذلك فلا فضيلة لهم فله أن يفعل بهم الأفاعيل عبر جيوش أهل الشام!! ولا ندري حقّاً صدر هذا عن عمر، فيُعترض عليه حينها أنّه وطّأ الأمر لمعاوية وناصب عليّاً وحسده فأنكر حقل فضائله العُلْويّة؟! وهل الشجرة الملعونة في القرآن ابتداءً من الجذر «أُميّة» تصغير «أَمَة» القبطيّ المتبنّى اللصيق مروراً بزنادقة قُريش - مجازاً، وإلاّ فهم أقباط - وفسّاقهم وزناتهم من ذوي الرّايات رجالاً ونساءً، والمستهزئين برسول الله والمجلبين عليه الحرب وقادة الأحزاب؛ وجدّ الأسرة صخر والسهل خير من الصخر، وهو ابن حرب والسلم أفضل من الحرب، جدّته حَمامة، اسمٌ حُلوٌ لعاهرٍ من ذوات الرايات، وصخر نكح صَلْتَةَ الخَدِّ (هِنْد) فأنجبت معاوية وفيه قصّة ولذلك لمّا جاءت آكلة
الأكباد «هند» تبايع النبيصلىاللهعليهوآله ، قال فيما شرط على قبول بيعتهنّ: على أن لا يزنين، فقالت هند: وهل تزني الحُرّة؟ فتبسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونظر إلى عمر؛ وفي جروه يزيد، بل للناقص قصّة كذلك إذ لم يجدها بكراً كما ذكرت بعض المصادر ...، بيت تزكم جيفته الأُنوف، كفر صريح ونفاق عجيب وزندقة معرقة وضياع أنساب وتبنّي أبناء الزّنا وعدوان على بيت الله الحرام وهتك حرمته وهدم الكعبة وحرقها وإباحة المدينة المنوّرة ثلاثة أيّام قتلاً ذريعاً لم ينج منه حتّى طفل رضيع أخذه أحد الأبدال - كذا - جنديّ شاميّ من حضن أُمّه فضرب به الحائط فتناثر دماغه، وحبلت ألف امرأة من غير زوج كلّ ذلك وغيره ممّا سنذكره في محلّه واحدة من مفاسد ناقص بن معاوية الخِمّير ملاعب القِردة الجامع بين الأختين، حكم ثلاث سنوات في الأولى قتل سيّد شباب أهل الجنّة سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأهل بيته وصحبه الكرام، وفي الثانية حرق الكعبة، وفي الثالثة استباح المدينة على ما أشرنا إليه وما فعلوا، وهي وقعة الحرّة الدامية ...
ولم يسلم من الشجرة الملعونة إلاّ خالد بن سعيد بن العاص وأخواه، عملوا لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلمّا توفّي وكان الذي كان من أمر السقيفة، رجعوا وامتنعوا من بيعة أبي بكر والعمل له وكانوا يرون أنّ الخليفة هو الذي أوصى به النبيّ وهو عليّ، فكانوا في جملة المعارضين لأبي بكر، ولم يبايعوا حتّى بايع أمير المؤمنين عليّعليهالسلام . وممّن لم يؤثّر به عامل الوراثة لما أراد الله تعالى به من الخير: عمر بن عبد العزيز الذي أبطل السُّنّة المـُعاوِية (التَيماوِية) إذ أصدر معاوية أيّام استيلائه على الحكم أمراً أن يُخطب بعد الصلاة يُشتم في هذه الخطبة أميرالمؤمنين نفس
رسول الله عليّ بن أبي طالب وتُعلن البراءة منه! والبراءة منه براءة من رسول الله ومن الإسلام الذي جاء به!!
وعمّم معاوية إلى الأقطار للعمل بذلك، فما زالت تلك البِدعة يُعمل بها وأنّها متمّمة للصلاةِ! حتّى جاء الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز فأزالها؛ إلاّ حرّان فقد ضجّ أهلها متمسّكين بلعن أبي تُراب!(1)
في خضمّ أحداث الشام، كان لابدّ لمدن الجزيرة ومنها الرُّها وحَرَّان أن تتأثّر بتلك الأحداث وتنطبع بطابعها فيغلب عليها الهوى الأُمويّ. وقد علمنا أنّ فتوحها كان أيّام عمر، وأنّ جاراتها الشامات قد ولاّها عمرُ معاويةَ، وطالت حاكميّة معاوية حتّى بلغت عشرين سنة إلاّ أشهراً، وامتدّ الحكم الأُمويّ حتّى سنة مائة واثنين وثلاثين، فقد ظهرت قوّة جديدة تلك هي دعوة بني العبّاس التي أسقطت الكيان الأُمويّ ورغم ذلك فقد استمرّ هوى الجزيرة والشام أُمويًّا نتيجةً للنشأة والتربية التي اتّبعها الأُمويّون، مضافاً إلى التقاء الطبائع النفسانيّة للأمويّين وسكّان تلك المناطق.
ذكر المسعودي:
«أنّ النسل لابدّ له من تخصيص قوّته بشيء يميّزه ويبيّنه من سواه، فصار الجفاء والغلظ في الرّوم وأصحاب الجبال، والأكثر من أهل الشام، وأوباش مصر، واللؤم في الخزر وأهل حَرَّان من بلاد ديار بكر ...، وهذا الذي وصفنا عند هذه الطائفة من أسرار الطبيعة وخواص تأثير الأشخاص العُلويّة والأجسام
____________________
(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 7: 122.
السماويّة ...»(1) .
السياسة الأُمويّة وآثارها الاجتماعيّة في الشام
استنّ معاوية ابن هند سنّةً طيلة حاكميّة الطويلة، وامتثلها الحاكمون من آل حَرْب وآل مروان، تركت آثاراً سيّئةً للغاية في المجتمع الشاميّ أبعدته إلى حدٍّ كبير عن الأصالة الإسلاميّة.
ولقد أنبأ الصادق المسدّد بالوحي؛ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بما سيكون من معاوية:
عن الحكم بن عُمير الثُّمالي - وكانت أمُّه مريم بنت أبي سفيان بن حرب: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لأصحابه ذات يوم: يا أبابكر كيف بك إذا ولّيت؟، قال: لا يكون ذاك أبداً. قال: فأنت يا عمر؟، قال: حجراً إذا لقيتُ شرًّا، قال: فأنت يا عثمان؟، قال: آكلُ وأُطعم وأُقسم ولا أظلم. قال: فأنت يا عليّ؟ قال: أُقسم التّمرة وأحمي الجَمْرَة(2) ، وآكل القوت. قال: أمَا إنّكم سَيَلي، وسيرى الله عملكم. قال: فأنت يا معاوية؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أنت رأس الخِطم، ومفتاح العِظم، يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، وتتخذ السيّئة حسنة، والحسنة قبيحة؛ أجلك يسير وجُرْمُك عظيم إلاّ أن يرحمك ربّك عزّوجلّ!(3)
فرسول اللهصلىاللهعليهوآله أنبأ بما سيكون من فتنة معاوية وفساده وجُرْمه العظيم على
____________________
(1) مروج الذهب، للمسعودي 2: 147.
(2) الجمرة: القبيلة. اللسان (جمر).
(3) مختصر تاريخ دمشق 25: 26 - 27.
رؤوس أبي بكر وعمر و عثمان وعليّ؛ ومع ذلك وجدنا الثلاثة يعتمدون معاوية بين ممهّدٍ، ومرسّخٍ موسّع، وبين مُطْلِقٍ ليدهِ ممّا منحه فُرصة الخروج على أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فكانت صفّين وما تبع صفّين ...
وذكر البلاذريّ، قال: حدّثني إسحاق وبكر بن الهَيْثَم قالا: حدّثنا عبد الرزّاق بن هَمّام أنبأنا مَعمر عن ابن طاووس عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت عند النبيّصلىاللهعليهوآله فقال: «يطلع عليكم من هذا الفَجّ رجلٌ يموت على غير مِلّتي، قال: وكنت تركتُ أبي قد وُضِعَ له وَضُوء، فكنتُ كحابس البَوْل مخافة أن يجيء، قال: فطلع معاوية فقال النبيّ: هو هذا»(1) .
قال: وحدّثني عبد الله بن صالح حدّثني يحيى بن آدَم عن شريك عن لَيْث عن طاووس عن عبد الله بن عمرو قال: كنت جالساً عند النبيّصلىاللهعليهوآله فقال: «يطلع عليكم من هذا الفَجّ رجلٌ يموت يومَ يموت على غير ملّتي، قال: وكنت تركت أبي يلبس ثيابه فخشيت أن يطلع، فطلع معاوية»(2) .
وقطعاً لفتنة معاوية، فقد منعصلىاللهعليهوآله أن يرقى منبره فإذا فعلَ فعلى المؤمنين إزاحته بالسيف، فلمّا لم يفعلوا استفحل أمره وطالت محنته وعمّتهم فتنته.
البلاذريّ: حدّثنا يوسف بن موسى وأبو موسى إسحاق الفَرْوي قالا: حدّثنا جرير بن عبد الحميد حدّثنا إسماعيل والأعمش عن الحسن، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»؛ فتركوا أمره فلم يُفلحوا ولم
____________________
(1) أنساب الأشراف 5: 134.
(2) نفسه.
ينجحوا(1) .
ولعلّهم يأتون بالمعاذير: أنّ معاوية مُعتمدُ العاصمة الإسلاميّة؛ ولكن هذا القول مردود لأنّ أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله واجب إنفاذه أوّلاً، وما أحدثه معاوية ممّا سنقف عليه وقد خالف فيه الشريعة وصرّح بزندقته! وهتك حرمة مَن قُلامة ظفره أرفع شأناً منه. ثانياً؛ وتصريح العاصمة بأنّ الأمر هذا لا يكون للطُّقاء وأبنائهم، ومع ذاك سلّطوا الطُّلقاء ورفعوا من شأنهم وكانوا بهم مفتونين، فلمّا أبطأ الناس عن إنفاذ حكم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، تفرّد معاوية ومَن بعده بالشّام فكانت لها هويّتها الخاصّة وانماث الإيمان فيها مثلما ينماث الملح في الماء.
عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: «إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه» فقام إليه رجل من الأنصار وهو يخطب بالسيف، فقال أبو سعيد: ما تصنع؟ قال: سمعتُ رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه». فقال أبو سعيد: إنّا قد سمعنا ما سمعت ولكنّا نكره أنْ يُسلّ السيف على عهد عمر حتّى نستأمره: فكتبوا إلى عمر في ذلك، فجاء موته قبل أن يجيء جوابُه(2) .
إنّ كلام أبي سعيد مبنيّ على ما كان يسمعه من عمر في معاوية: هذا كِسرى العرب، وهِرقل العرب. وإطلاق يده على الشام وتهدّده أصحاب الشورى بمعاوية ...، فهو يخاف مغبّة قتل معاوية لذلك.
____________________
(1) نفسه 136.
(2) مختصر تاريخ دمشق 25: 46.
إنّ العجب ليأخذنا من عمر وقد سمع تلك الأحاديث، وسمع ما نقله البلاذريّ عن خَلَف بن هشام البَزّاز حدّثنا أبو عَوانة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجَعْد قال، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «معاوية في تابوت مقفل عليه في جهنّم»(1) .
وأيضاً خَلَف حدّثنا عبد الوارث بن سعيد بن جُمْهان عن سَفينة مولى أُمّ سَلَمة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان جالساً فمرّ أبوسفيان على بعير ومعه معاوية وأخٌ له، أحدهما يقود البعير والآخر يسوقه، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «لعن الله الحامل والمحمول والقائد والسائق»(2) .
قد سمع كلّ ذلك؛ وهو الذي يقول: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحَد، ثمّ في أهل أُحُد ما بقي منهم أحَد، وفي كذا وفي كذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لِمُسلمة الفتح شيء(3) . ثمّ لا يجد للشّام إلاّ القائد والسائس، متابعةً لأبي بكر الذي بعث بهما ضمن أُمراء فتوح الشام، فلمّا مات يزيد بن أبي سفيان أوصى إلى أخيه معاوية وأقرّه بعد عمر ثمّ ضمّ إليه الشام جميعاً وانتزع عثمان مصر من عمرو بن العاص فضمّها إليه على ما مرّ بنا.
____________________
(1) أنساب الأشراف 5: 136.
(2) نفسه.
(3) مختصر تاريخ دمشق 25: 42.
معاوية يصدح بحقيقته
عن سعيد بن سُويد قال: صلّى بنا معاوية بالنُّخَيْله(1) الجمعة في الضُّحى، ثمّ خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلُّوا ولا لتحجُّوا ولا لتزكُّوا، قد عرفتُ أنّكم تفعلون ذلك، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون(2) .
صدق معاوية! فهو لم ينصر ابن عمّه عثمان إذ استنصره فيما نصره أبوالحسنين عليّعليهالسلام ففرّق عنه وفود الأقاليم الّتي جاءت تشكوا سيرة ولاته من بني أُميّة، فلمّا كانوا في منتصف الطريق إذا بغلامه فمسكوه وفتّشوه فوجدوا معه كتاباً إلى عامله أن إذا وصولا اقطع يد فلان و ...، وكان بختمه، فرجعوا، وكان الذي يلعب به مروان بن الحكم وهو الذي سرق خاتمه، وذكرنا تفاصيل ذلك وأنّ عليّاًعليهالسلام أرسل الحسن والحسينعليهماالسلام للدفاع عن عثمان فجُرحا، وأدخل الماء عليه ...
فلمّا قُتل عثمان بعثت إليه أُخته أُمّ حبيبة قميص وشعر عثمان فنشره معاوية على منبر مسجد دمشق مستغلاًّ غفلة وتخلّف أهل الشام الذين حجبهم معاوية عن معرفة الحقائق وأبعدهم عن روح الإيمان، فنادى فيهم أنّ الخليفة قُتل مظلوماً وأنّه ابنُ عمّه والطّالب بثاره من عليّ بن أبي طالب لأنّه هو الذي
____________________
(1) النُّخَيْلة: موضع قرب الكوفة على سمت الشام. (معجم البلدان 5: 278، ومعجم ما استعجم 4: 1305).
(2) مختصر تاريخ دمشق 25: 43.
قتله، فكان أهل الشام يداً واحدةً معه في ذلك.
وقوله ك ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلُّوا ...؛ فهذا أمر واقع حقّ، وقد أفصح عن مكنونه فصرّح بأنّها الإمارة، إلاّ أنّه جعلها عطيّة من الله تعالى، وليست بمباركة العاصمة على ما رأينا.
(وذُكر معاوية عند عمر بن الخطّاب فقال: دعونا من ذمّ فتى قريش وابنِ سيِّدها، مَن يضحكُ في الغضَب، ولا ينالُ على الرِّضا، ومَن لا يأخذ ما فوق رأسه إلاّ من تحت قدميه)(1) .
فرسول اللهصلىاللهعليهوآله يذمّ معاوية وأباه، وعمر يمجّدهما ويُعطيهما الفتوّة والسيادة والتعفّف!
ولم يكن أخوه يزيد بن أبي سفيان أحد قادة فتح الشام مع أبي عُبيدة عامر ابن الجرّاح، طاهرَ الذيل كريم السيرة وقد مرّ بنا من الأحاديث المشتركة فيه وفي أبيه وأخيه؛ وهذا شيء من سيرته:
عن ابن عمر قال: لمّا عقد أبوبكر الأمراء على الشام كنت في جيش خالد ابن سعيد بن العاص (أحد معارضي أبي بكر)، فصلّى بنا الصبح بذي المروة(2) ، وهو على الجيوش كلّها. فإنّا لعنده إذْ أتاه آت فقال: قدّم يزيد بن أبي سفيان، فقال خالد بن سعيد: هذا عمل عمر بن الخطّاب، كلّم أبابكر في عزلي، وولّى يزيد بن أبي سفيان، فقال ابن عمر: فأردتُ أن أتكلّم، ثمّ عزم لي على الصمت،
____________________
(1) مختصر تاريخ دمشق 25: 18.
(2) ذو المروة: قرية بوادي القرى. (معجم البلدان 5: 116).
قال: فتحوّلنا إلى يزيد بن أبي سفيان، وصار خالد كرجل منهم(1) .
وعن يزيد بن أبي سفيان قال: شيّعني أبوبكر حين بعثني إلى الشام فقال: يا يزيد، إنّك رجلٌ تُحبّ قرابتك وإنّي سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: مَن ولّى قرابةً محاباةً، وهو يجد خيراً منه لم يجد رائحة الجنّة(2) .
وعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبوبكر حين بعثني إلى الشام: يا يزيد، إنّ لك قرابة عَسَيْت أن تؤثرهم بالإمرة، وذلك أكبر ما أخاف عليك، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلم قال: «مَن ولي من أمر المسلمين شيئاً، فأمّر عليهم أحداً محاباةً لهم له، فعليه لعنة الله، لا يقبل منه صَرْفاً ولا عدلاً، حتّى يدخله جهنّم، ومَن أعطى رجلاً من مال أخيه شيئاً محاباةً له فعليه لعنة الله، أو قال: برئت منه ذمّة الله، وإنّ الله دعا الناس إلى أن يؤمنوا بالله، فيكونوا في حمى الله، فمَن انتهك في حمى الله شيئاً فعليه لعنة الله، أو قال: برئت منه ذمّة الله»(3) .
وعن ابن عمر:
إنّ أبابكر بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام فمشى معهم نحواً من ميلين، فقيل له: يا خليفة رسول الله: لو انصرفتَ، فقال: لا، إنّي سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلم يقول: «مَن اغبرّتْ قدماه في سبيل الله حرّمهما الله على
____________________
(1) مختصر تاريخ دمشق 27 ك 363 - 364.
(2) نفسه.
(3) نفسه. والحديث في مسند أحمد 1: 6.
النار»(1) .
إنّ أبابكر يعلم سَلَفاً أنّ يزيد ينتهك حُرمة الله بإثرته أقاربه بالإمرة؛ ومع ذلك ينتزع خالد بن سعيد عامل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد توفّي رسول الله وهو راضٍ عنه، ولم يكن حارصاً على الإمارة كما مرّ بنا، وأمّر يزيد بن أبي سفيان ومعاوية يحمل رايته. ولعلّه معذور في ذلك! فربّما لم يسمع الأحاديث في لعن الراكب والسائق والقائد؟ ولا الأحاديث الخاصّة بلعن معاوية وآل الحكم؛ أو أنّه اجتهد فاكتفى بالقرآن الكريم وأمّا الحديث وإن كان قد رواه وحذّر يزيد بن أبي سفيان من مغبّة نتيجته، فقد رأى في ذلك قطعاً للعذر وإقامةً للحجّة، وربّما لم يجد في أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله مَن هو كفواً ليزيد وأخيه معاوية شجاعةً وفقهاً وورعاً!
وقد وقع الأمر الذي أنبأ عنه أبوبكر، ذلك أنّ يزيد أوصى إلى أخيه معاوية فلمّا مات يزيد صار ما بيده إلى معاوية.
قال أبو مسلم: غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس فغنموا، فوقعت جاريه نفسة في سهم رجل، فاغتصبها يزيد، فأتى الرجلُ أباذرّ فاستعان به عليه، فقال: رُدّ على الرجل جاريته، فتلكّأ عليه ثلاثاً فقال: لئِن فعلت ذلك لقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «أوّل مَن يُبدّل سُنّتي رجل من بني أميّة يقال له يزيد»، فقال له يزيد بن أبي سفيان: نشدتك بالله أنا منهم؟ قال: لا، قال: فردّ على الرجل جاريته(2) .
____________________
(1) نفسه. والحديث في مجمع الزوائد 5: 286.
(2) مختصر تاريخ دمشق 27: 366.
هذا سلوك القائد يغتصب جارية ...، وهذا يزيد الآخر الذي افتتن به ابن تَيمِيه وتابعه خارجة عصرنا فسمّوه أميرالمؤمنين!
وذكر محدّث الشام ابن عساكر، قال: رأى عمر بن الخطاب يزيد بن أبي سفيان كاشفاً عن بطنه، فرأى جلدة رقيقة، فرفع عليه الدرّة وقال: أجِلدةُ كافر؟!(1) .
آفة معاوية تسري إلى يزيد
الروايات معقودةُ على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قد دعا على معاوية أن لا يُشبعه الله تعالى؛ وذلك لمناسبة، فكان معاوية يأكل ولا يشبع، وبلغ من عِظم بطنه أنّه كان يُقعدها على فخذه، ووصف بأنّه كريم بالمال بخيل بالطعام، وله في ذلك أخبار كثيرة. ويبدو أنّ هذه الآفة سرت إلى أخيه يزيد بعد تولّيه الإمارة، إن لم يكن قبلها!: «بلغ عمر بن الخطّاب أنّ يزيد بن أبي سفيان يأكل ألواناً من الطعام، فقال عمر لمولاه يرفأ: إذا حضر عشاؤه فأعلمني، فلمّا حضر أعلمه، فأتاه عمر فسلّم عليه فقرب عشاءه، فجاؤوه بثريد بلحم، فأكل معه عمر، ثمّ قدّم شواء فبسط يزيد يده، وكفّ عمر يده ثمّ قال: تالله يا يزيد أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم سنّتهم ليخالفُنّ بكم عن طريقهم»(2) .
وقال المدائني: لما توفّي أبوبكر وولي عمر، ولّى يزيد بن أبي سفيان بعد وفاة أبي عُبيدة بن الجرّاح الشام، فقدم معاوية من الشام على عمر فدخل عليه
____________________
(1) نفسه.
(2) مختصر تاريخ دمشق 27: 366.
معاوية فقال له عمر: متى قدمت؟ قال: الآن، وبدأتُ بك، قال: فأتِ أبَويْك وابدأ بهِند، فانصرف معاوية فبدأ بهند، فقالت له: يا بُنيّ، إنّه والله قلّ ما ولدت حرّةٌ مثلك، وقد استنهضكم هذا الرجل فاعملوا بما يوافقه واجتنبوا ما يكرهه(1) ...
إنّ معاوية يرى في عمر وليّ نعمته فبدأ به قبل أبويه. وقول عمر: وابدأ بهند له شأن يذكّرنا ببيعة النساء لمّا جئن يبايعن النبيّصلىاللهعليهوآله فاشترط عليهنّ أن لا يزنين، فاعترضته هند وقالت: وهل تزني الحرّة؟ فنظر النبيّصلىاللهعليهوآله إلى عمر وابتسم.
وأخرج ابن عساكر: لمّا ولّى عمر بن الخطّاب يزيد بن أبي سفيان ما ولاّه من الشام خرج إليه معاوية، فقال أبوسفيان لهند: كيف رأيتِ ابنكِ صار تابعاً لابني. فقالت: إن اضطرب حبل العرب فستعلم أين يقع ابنُك ممّا يكون فيه ابني(2) .
وأنّ معاوية على سرّ أبيه! فقول معاوية: (ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا ...)، هو إنفاذ لوصيّة أبيه: روى هشام بن محمّد الكلبيّ عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أنّ أبا سفيان دخل على عثمان وهو مكفوف، ثمّ خرج من عنده وهو يقول: تلقّفوها يا بني أميّة تلقّف الكرة فما الأمر على ما تقولون(3) .
____________________
(1) أنساب الأشراف 5: 17.
(2) مختصر تاريخ دمشق 22: 402.
(3) نفسه 19.
وروي عن هشام بن حسان عن ابن سيرين قال، قال أبوسفيان حين قُبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله : تلقّفوها الآن تلقّف الكُرة فما من جنّة ولا نار(1) . فما أشبه كلام الابن بأبيه، والنتيجة: ما صحّ منهما إسلام ترجم ذلك القول والفعل.
[ معاوية يمنعُ من نشر حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ]
كان معاوية متشدّداً في المنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، مستنّاً في ذلك بسنّة أولياء نعمته؛ ولو لا هم لما جرأ على ذلك.
ولقد كانت الهمّة لدى الجميع منصرفة إلى إخفاء الأحاديث النبويّة الدالّة على خلافة عليّ وأهل بيتهعليهمالسلام .
فاعتدت تلك السياسة على السنّة والحديث فأخفتها وأبادتها، وتجاوزت كرامة الصحابة فأهدرتها، واتّهمتهم! وتعدّت على حُريّاتهم فحبستهم ونفَتْهم ومنعتهم من بثّ علومهم. وأخطر ما فيها أنّها كادت أن تُؤدِّي إلى وأدِ حقّ أمير المؤمنين عليّ وأهل بيته في الخلافة والإمامة؛ وهذا أسوأ آثار سياسة المنع.
أبوبكر يحرق أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لم يكن لمنع التدوين ذكر قبل جلوس أبي بكر على كرسي الحكم، وعلى العكس من ذلك، فإنّ أبابكر قام هو بعمليّة التدوين أوّل حكمه.
نقل الذهبيّ: أنّ أبابكر جَمعَ أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآله في كتاب فبلغ عددها
____________________
(1) نفسه.
خمسمائةَ حديثٍ، ثمّ دعا بنارٍ فأحرقها.(1)
ولم يكن لأبي بكر نصٌّ شرعيّ يستند إليه في إتلافه هذا الكتاب، وإنّما ذهب إلى القول بأنّه: أتلفه مخافةَ أنْ يكونَ كتبَ شيئاً لم يَحْفَظه جيّداً(2) .
ثَمّةُ سؤال: هلاّ جمع أبوبكر عِلْيَةَ الصحابة ومَن إليهم المـَفْزع ومنهم عِدْلُ القرآن - على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله - ونفس الرسول في آية التطهير، وأخو رسول الله الذي هو منه بمنزلة هارون من موسى؛ فعرض عليهم تلك الأحاديث فأثبت ما أثبتوه وأحرق الباقي عوض أن يحرم الأُمّة ثروة هائلة من تراث النبيّصلىاللهعليهوآله ؟!
وروى القاسم بن محمّد، من أئمّة الزيديّة عن الحاكم؛ بسنده عن عائشة قالت: جمع أبي الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فكانت خمسمائة حديث فبات ليلةً فلمّا أصبح قال: أي بُنيَّة، هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنارٍ فحرقها.
فقلت: لم حرقتها؟!
قال: خشيتُ أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدّثني فأكون قد نقلتُ ذلك(3) .
هناك ذريعته في إحراقه حديث النبيّصلىاللهعليهوآله : خوفه من أنّه لم يحفظه جيّداً؛ وهنا علّل حرق الحديث بمجرّد خشيته المخالفة، مع تصريحه بأمانة الناقل
____________________
(1) تذكرة الحفّاظ، للذهبيّ 1: 5، وعلوم الحديث ومصطلحه، للدكتور صبحي الصالح 39.
(2) نفسه.
(3) الاعتصام بحبل الله المتين، القاسم بن محمّد الزيديّ 1: 30.
ووثاقته، إن كان بينه وبين النبيّصلىاللهعليهوآله واسطة «ناقل»!
وهلاّ كان ممكناً له أن يجمع أولئك الذين نقل عنهم فيعرض عليهم ما سمع منهم فيصحّح موضع الاختلاف، إن وُجد، ويُثبت ما ليس فيه اختلاف.
ولنا أن نقول له: عشت مع النبيّصلىاللهعليهوآله ، فما سمعته أثْبته وما لم تسمعه احذفه حتّى لو كان ما عندك خمسة أحاديث مثلاً، ويأتي عمر بحديثين أو كذا سمعهما، وهكذا حتّى يجمتمع لنا عدد كذا على نحو السماع! ودعنا من الوثاقة والأمانة، وإن كان ثَمّة معترض يقول أحدكم ليس بأمين ولا ثقة وهنا نبدأ في مشكلة مع المشكّكين ...!
روى الذهبيّ: أنّ الصدّيق - أي أبابكر - جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تُحدِّثون عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحاديثَ تختلفون فيها، والناسُ بعدكم أشدُّ اختلافاً، فلا تُحدِّثوا عن رسول الله شيئاً فمَن سألكم فقولوا: بَيْنَنا وبَيْنَكم كتابُ الله، فاستحِلّوا حلالَه وحَرِّموا حرامَه(1) .
ولا ندري مَن هم الناس، هل هم عوامّ الناس فلَهُ أن يرشدهم بالرجوع إلى مَن هم أوْلى بالحديث وفيهم بابُ علمه؛ أخصّ النّاس وأكثرهم به لُزوقاً، الذي كان ينتجيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيختصّه بكثير من علومه حتّى أثار ذلك حفيظة بعض الصحابة!
عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبد الله، قال: ناجى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليًّاعليهالسلام - يوم الطّائف فطال نجواه، فقال أحدُ الرجلين: لقد أطال نجواه لابن عمّه! فلمّا
____________________
(1) تذكرة الحفّاظ 1: 3، ترجمة أبي بكر، الأنوار الكاشفة، لعبد الرحمان المعلمي اليماني: 53.
بلغ ذلك النبيّ، قال: «ما أنا انتجيتُه، ولكن الله انتجاه»(1) ، وأيضاً أعلام الأُمّة ممّن لا يُنكر فضلهم في هذا الأمر.
إنّ منع أبي بكر بهذه الصورة وقوله: بيننا وبينكم كتاب الله، نظير حديث «الأريكة»، واجتهاد عمر في المنع وسيأتي تفصيله.
وقوله: (فلا تُحدِّثوا)، فإنّه منع نقل حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، روايةً وكتابةً، وأثر الكتابة أشدّ لبقائه وانتشاره أكثر ممّا هو أثر النقل.
ولم يقدِّم أبوبكر دليلاً شرعيّاً على المنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعلى العكس: فإنّ رسول الله دعا إلى كتابة حديثه وفعله الصحابة: أخرج الحاكم قال: حدّثنا أبوبكر إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل الضرير بالري، حدّثنا أبو حاتم محمّد بن إدريس، حدّثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد.
وأخبرنا أبوقتيبة سلم بن الفضل الآدمي بمكّة، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن ناجية، حدّثنا عبدة بن عبد الله الخزاعيّ، حدّثنا زيد بن حباب، حدّثنا ليث بن سعد المصريّ، حدّثني خالد بن يزيد، عن عبد الواحد بن قيس، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت لي قريش: تكتب عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإنّما هو بشرٌ يغضب كما
____________________
(1) مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ: 125. ويرد الحديث في مصادر أُخرى بنفس اللفظ أو اختلاف يسير في اللّفظ، في: صحيح الترمذي 5: 639، تاريخ بغداد 7: 402، المناقب، للخوارزمي: 138، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 2: 431، كفاية الطّالب: 328، أسد الغابة 4: 107، جامع الأُصول 9: 474، كنز العمّال 11: 599، البداية والنهاية 7: 356، العُمدة، لابن البطريق: 190.
يغضب البشر؟، فأتيتُ رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله فقلت: يا رسول الله، إنّ قريشاً تقول: تكتب عن رسول الله، وإنّما هو بشر يغضب كما يغضب البشر، قال: فأومأ لي شفتيه فقال: «والذي نفسي بيده ما يخرج ممّا بينهما إلاّ حقّ فاكتبْ».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد أصل في نُسخ الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولم يخرّجاه(1) .
قال: ولهذا الحديث شاهد قد اتّفقا على إخراجه على سبيل الاختصار، عن همام بن منبّه، عن أبي هريرة أنّه قال: ليس أحد من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله أكثر حديثاً منّي إلاّ عبد الله بن عمرو، فإنّه يكتب وكنت لا أكتب(2) .
فأمّا حديث الشاهد:
فحدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، أنبأ محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الرحمان بن سلمان، عن عقيل بن خالد، عن عمرو ابن شعيب: أنّ شعيباً حدّثه، ومجاهداً أن عبد الله بن عمرو حدّثهم: أنّه قال: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك؟ قال: «نعم»، قلت: عند الغضب وعند الرضا؟ قال: «نعم، إنّه لا ينبغي لي أن أقول إلاّ حقًّا»(3) .
وأخرج الحاكم بسنده عن عمرو بن العاص: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «مَن كتَم
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 1: 186/357، ووافقه الذهبي في التلخيص.
(2) نفسه.
(3) نفسه 187/ 358.
عِلماً ألْجَمه الله يوم القيامة بلجامٍ من نار»(1) .
وبسنده عن عبد الله بن بريدة قال: قال عليّعليهالسلام : تذاكروا الحديث، فإنّكم إلاّ تفعلوا يندرس(2) .
وكذلك بسنده عن أبي يحيى الحماني، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال عبد الله تذاكروا الحديث، فإنّ ذِكر الحديث حياتُه(3) .
وعن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: ما كلّ الحديث سمعنا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله : كان يحدّثنا أصحابنا وكنّا مشتغلين في رعاية الإبل(4) .
وعن فُضَيل بن عِياض، عن الأعمش، عن عبيد الله بن عبد الله، عن سعيد ابن جُبير، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «تسمعون، ويُسمع منكم، ويُسمع من الذين يسمعون منكم»(5) .
وذكر مثله بسند آخر عن جرير، عن الأعمش عن(6) قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وليس له علّة، ولم يخرّجاه، وفي الباب أيضاً عن عبد الله بن مسعود، وثابت بن قيس بن شمّاس، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وابن جريج عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول
____________________
(1) نفسه 182/ 346.
(2) نفسه 173/ 324.
(3) المستدرك على الصحيحين ح 325.
(4) نفسه ح 326. قال الذهبيّ في التلخيص: هذه الأحاديث صحاح.
(5) نفسه 174/ 326.
(6) نفسه، ح 327.
اللهصلىاللهعليهوآله : «قيّدوا العلم» قلت: وما تقييده؟ قال: «كتابته»(1) .
وبسند عن عبد الله الأنصاريّ، حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس: أنّه كان يقول لبنيه: قيّدوا العلم بالكتاب(2) .
فائدة
لقد كان فعل أبي بكر بحرق أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثمّ منعه من التحديث عنهصلىاللهعليهوآله بقوله: «فمن سألكم فقولوا: ...» مخالفاً للقرآن الكريم الذي يأمر بطاعة النبيصلىاللهعليهوآله ( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (3) ، ولا تختلف السنّة عن القرآن في الحجيّة، وما الحديث إلاّ مفسّراً للقرآن وشارحاً لمراده، فما جاء من النبيّصلىاللهعليهوآله كلّه وحيٌ، إمّا بلفظه وهو القرآن الكريم لأنّه مُعجِز، أو أحكام وبيان بلفظ وكلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ فكيف يُؤخذ نصف الوحي ويُهمل نصفه الآخر؟!
إنّ القرآن الكريم عدا كونه معجزة النبيّ، ففيه أحكام وعبادات ذُكرت إجمالاً نجدُ تفصيلها في أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآله وسيرته ...
أخرج الحاكم بسنده عن الحسن قال: بينما عمران بن حصين يحدّث عن سُنّة نبيّناصلىاللهعليهوآله إذ قال له رجل: يا أبا نجيد، حدّثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك يقرأون القرآن، أكنتَ محدّثي عن الصلاة وما فيها وحدودها، أكنت
____________________
(1) نفسه 188/ 362.
(2) نفسه، ح 361.
(3) الحشر: 7.
محدّثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شهدتُ وغبتَ أنت، ثمّ قال: فرض علينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الزكاة كذا وكذا، وقال الرجل: أحييتني أحياك الله.
قال الحسن: فما مات ذاك الرجل حتّى صار من فقهاء المسلمين(1) .
وإنّ فعله هذا مخالف لسنّة النبيّصلىاللهعليهوآله ، فإذا كان القرآن مبهماً له كما هو شأن آية الكلالة، والعمّة! فإنّ حديث النبيّصلىاللهعليهوآله خاصّة في هذا الأمر لا يحتاج إلى بيان، وجوابهصلىاللهعليهوآله «اكتب» للّذين سألوه يفهمها الصغير والكبير، إلاّ أن يقول أبوبكر لم أكن حاضراً حينما سأله كلّ أولئك! ولا بلغني أيضاً عنهم، وحتّى لو بلغني فقد قدّمت المعذرة وقلت إنّي خفت الخلاف وإن بلغني من ثقة فأحرقتها!
والأحاديث والروايات الواردة بلفظ «قيّدوا العلم بالكتاب» فتقييده بالكتاب، أي كتابته، لا يختلف فيه أحد، والعلم هنا واضح: هو السُنّة والحديث فكيف يحرقها؟!
وقد جرت سنّة البشر في تتبّع آثار الناس العاديّين وحفظ أقوالهم اعتزازاً بها فيكتبونها لئلاّ تضيع؛ فهل يجوز أن تُترك أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بل تُحرق؟!
واعتذار أبي بكر بأنّه أحرق الأحاديث خوف الخلاف تحوّطاً، فقد سمعها من ثقات ولكن لا يدري هل سجّلها على مثل ما حدّثه الثّقة، وفي قول: مخافةَ أن يكونَ كتبَ شيئاً لم يحفظه جيّداً؛ قد نسفه أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله بكتابة حديثه ومارسه الصحابة في حياته، وحديث عمران بن حصين مع الرجل الذي طلب
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 1: 192/ 372.
منه أن يحدّثه بالقرآن، فحدّثه بالسُنّة - وقد مضى - مصداق صادع عن اجتراء أبي بكر إثماً عظيماً في حرقه أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله فإنّه إن لم يكن الأدب واللّياقة حكماً في احترام أثر الرسول؛ فإن الله تعالى أمرنا بطاعته وليس لنا الخيرة بعد قضاء الله ورسوله؛( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) (1) .
وقد أمر الرسولصلىاللهعليهوآله بكتابة حديثه، فإن قلت: بل أقرّ، فتقريره وأمره وفعله وقوله سُنّة. وقولهصلىاللهعليهوآله : «قيّدوا العلم». فلمّا سُئل ما تقييده؟ قال: «كتابته». فهذا أمر صريح بالكتابة، ولكن كتابة ماذا وأيّ علم؟ إنّها أحاديثهصلىاللهعليهوآله لا يُنكر ذلك عاقل!
وحديث ابن عبّاس عنهصلىاللهعليهوآله : «تسمعون، ويُسمع منكم ويُسمع من الذين يسمع منكم». حثّ من النبيّصلىاللهعليهوآله على التحرّز في حفظ حديثه ونقله بأمانة وممّا يعين على ذلك كتابته ز ولم يقل لهم إن أنا متُّ كفاكم كتاب الله!!، فما مستند أبي بكر في قوله: «بيننا وبينكم كتاب الله؟!»، الذي يذكّرنا بقول عمر بن الخطّاب ليلة الرزيّة - سنذكرها - لما اعترض رسول اللهصلىاللهعليهوآله في كتابة الكتاب، فرفع عمر صوته: «حسبُنا كتاب الله» ولما كثر اللّغط طردهم رسول الله من رحمة الله فراحوا إلى حلبة الصراع في سقيفة بني ساعدة ولم يبق مع النبيّصلىاللهعليهوآله إلاّ عليّعليهالسلام يمرّضه مسنده إلى صدره ورسول الله يسرّه حتّى فاضت نفسه الزكيّة بين سَحْر ونَحْر عليّعليهالسلام .
ولقد تنبّأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بما سيكون بعده من الحيلولة دون حديثه الشريف
____________________
(1) الأحزاب: 36.
والتذرّع في ذلك بكتاب الله المجيد وقطع الطريق أمام أولئك بقوله: «إنّما حرّم رسول الله كما حرّم الله»، وذلك أنّ رسول الله لا ينطق عن الهوى؛ إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، قرآناً أو حديثاً. وهذه بعض الأحاديث في ذلك:
أحاديث الأريكة
بسندٍ عن المِقدام بن مَعْدِ يَكرِبَ الكنديِّ؛ أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: «يُوشِكُ الرجلُ منكم مُتّكِئاً على أريكته يُحدَّث من حديثي فيقولُ: بيننا وبينكم كتابُ الله عزّ وجلّ. فما وجدنا فيه من حلالٍ استحللناه. وما وجدنا فيه من حرامٍ حرّمناه. ألاَ وإِنّ ما حرّمَ رسولُ الله مثلُ ما حرّمَ اللهُ»(1) .
«يوشك» من أفعال المقاربة، والأريكة رمز للحكم والحاكميّة، والاتّكاء: الاستيلاء والاستقواء ...؛ وكلّ ذلك تحقّق في أبي بكر ثمّ عمر ومَن استنّ بسنّتهما في المنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فأبوبكر صار إلى الأريكة «الحكم» في سقيفة بني ساعدة ...، وكانت الأحاديث فيها تبيان وتفصيل للعبادات، وفيها الكثير من الحديث عن منزلة عليّ أميرالمؤمنين وأنّه الوصيّ وقتاله كفر وأنّه من النبيّصلىاللهعليهوآله بمنزلة هارون من موسىعليهماالسلام ، وأنّه بابُ مدينة علم النبيّ وأحبُّ الخلق إليه
____________________
(1) مسند أحمد 4/ 131، سنن أبي داود (كتاب السنّة) باب (5) لزوم السنّة (4/ 200، ح 4604)، سنن ابن ماجة 1/ 6، ح 12، سنن الدارمي (1/ 117 ح 592)، سنن البيهقي (9/ 331) دلائل النبوّة له (1/251)، صحيح ابن حبّان (1/147) سنن الترمذي، كتاب العلم (2/ 110)، الحازمي في: الاعتبار (7)، الخطيب في (الكفاية 39 - 40) و (الفقيه والمتفقّه 1/ 88)؛ المستدرك على الصحيحين 1/ 191/ 371).
والذي لم يكفر طرفة عين وأسبق الناس إلى الإسلام ...، هذه وغيرها من الخصائص التي تليق بالحاكم والحاكميّة؛ فضلاً عن حديث القرطاس. وهو من دلائل النبوّة، إذ لو لم يبادر أبوبكر فيحرق أحاديث النبيصلىاللهعليهوآله ويقول: «بيننا وبينكم كتاب الله، ويتبعه عمر فيشدّد ويحرق الأحاديث ويحبس الصحابة لئلاّ يخرجوا إلى الآفاق فيحدّثوا، وكذلك عثمان الذي بلغت به الجرأة بتسيير فضلاء الصحابة المعارضين لسياسته إلى الشام ليجدوا فيها مَن هو أعظم جرأة على الله ورسوله ذلك هو معاوية الذي هتك حُرمتهم وكان أكثر نكيراً على رواة الحديث على ما سنرى.
لفتُ نظر
ومهما قدّم البعض من ذرائع لفعل أبي بكر أو عمر ...؛ فإنّ النبيّصلىاللهعليهوآله حذّر من فعل هؤلاء بتستّرهم بالقرآن الكريم، فقطع الطريق عليهم بقوله: «أَلاَ وإنّ ما حرّم رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله مِثلُ ما حرّم الله». فالقرآن وحيٌ بلفظه ومعناه، والحديث وحيٌ بمعناه ولفظُه للنبيّصلىاللهعليهوآله .
وقد ذكرنا أنّ الحديث مفسّر للقرآن شارح لمراده؛ فالسنّة امتدادٌ للقرآن وتطبيق عمليّ لمؤدّاه واتّباعها اتّباع للقرآن.
وعقد الدارميّ باباً ترجمه: «باب أنّ السُنّة قاضية على كتاب الله» نقل فيه
عن ابن أبي كثير شيخ الأوزاعي(1) قوله: «السُنّة قاضيةُ على القرآن، وليس القرآنُ بقاضٍ على السُنّة»(2) .
ونقل عن مكحول قوله: القرآن أحوج إلى السنّة، من السنّة إلى القرآن(3) .
قول الدارميّ، وقول مكحول؛ ذلك أنّ القرآن الكريم كما ذكرنا جاء معجزاً في أصله مبنيًّا على الإعجاز البلاغيّ في إثبات رسالة الإسلام وما فيه من أحكام وعقيدة جاءت مجملةً كلّف الله تعالى نبيّهصلىاللهعليهوآله تفصيلها.
وقد جاء مَن قال لعمران بن الحصين: ما هذه الأحاديث التي تحدّثوناها وتركتم القرآن؟ لا تحدّثونا إلاّ بالقرآن!
فقال عمران: أرأيتَ لو وُكّلتَ أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطوافَ بالبيت سبعاً، والطوافَ بالصفا والمروة؟
وبطريق آخر أضاف: والموقف بعرفة؟ ورمي الجمار، كذا، واليد من أين تُقطع؟ أمن هاهنا؟ أم هاهنا؟ أهاهنا؟ ووضع يده على مفصل الكفّ، ووضع يده عند المرفق، ووضع يده عند المنكب.
____________________
(1) يحيى بن أبي كثير الطائيّ، مولاهم. قال عليّ ابن المديني، عن سفيان بن عُيينه، قال: قال أيّوب: ما أعلمـُ أحداً بعد الزُّهري أعلم بحديث أهل المدينة من يحيى بن أبي كثير. (المعرفة والتاريخ للفَسَوي 1/ 621).
قال شُعبة: يحيى بن أبي كثير أحسن حديثاً من الزُّهري. (الجرح والتعديل 9/ الترجمة 599) وقال العِجليّ: ثقةٌ، كان يُعدُّ من أصحاب الحديث. (ثقاته 475/ الترجمة 1823).
(2) سنن الدارمي (1/ 117) الباب 49 ح 594.
(3) الكفاية في علوم الرواية، للخطيب البغداديّ: 47.
ثمّ قال: اتّبعوا حديثنا ما حدّثناكم، وخذوا عنّا، وإلاّ والله ضللتم(1) .
وعن أيّوب السختياني، قال: إذا حدّثت الرجل بالسنّة، فقال: دعنا من هذا، وحدّثنا من القرآن؛ فاعلم أنّه ضالٌّ مضلٌّ(2) .
وأورد في كتابه (الفقيه والمتفقّه) أحاديث استدلّ بها على أنّ السنّة معتبرةٌ في عرض الكتاب الكريم(3) .
مزيدٌ من النصوص النبويّة في وجوب رواية الحديث
ذكرنا بعض أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله في جواز وأخرى وجوب كتابة حديثه الشريف، ونذكر بعضاً آخر:
بسندٍ عن زيد بن ثابت: «نَضَّرَ اللهُ امرأ سمِع مقالتي فبلّغها. فرُبّ حامِلِ فقهٍ غيرِ فقيهٍ. ورُبَّ حامِلِ فقهٍ إلى مَن هو أَفْقَهُ منه»(4) .
ومحمّد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قام رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالخِيف من مِنى(5) فقال: «نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثمّ أدّاها إلى مَن لم يسمعها، فرُبّ حامل فقه لا فقه له، وربّ حامل فقه
____________________
(1) نفسه: 48.
(2) الكفاية في علوم الرواية، للخطيب البغداديّ: 49.
(3) الفقيه والمتفقّه، للخطيب (1/ 86 - 90).
(4) سنن ابن ماجة 1: 84/230، مسند أحمد 1: 437 و 4: 80.
(5) (الخيف من مِنى) الخِيف، الموضع المرتفع عن مجرى السيل المنحدر عن غلظ الجبل. ومسجد منى سمّي مسجد الخيف لأنّه في سفح جبلها.
إلى مَن هو أفْقه منه ...»(1) .
وقالصلىاللهعليهوآله : «من رغب عن سنّتي منّي»(2) وقالصلىاللهعليهوآله : «مَن سُئل عن علمٍ فكتمه، ألجمه الله بلجامٍ من نار يوم القيامة»(3) .
وقد روى حُذيفة بن اليمان، قال: دخلتُ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله في مرضه الذي قُبض فيه، فرأيته يتساند إلى عليّ، فأردتُ أن أُنَحّيه وأجلس مكانه، فقلت: يا أبا الحسن، ما أراك إلاّ تعبت في ليلتك هذه، فلو تنحّيْتَ، فأعَنْتُك.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : دَعْهُ، فهو أحقّ بمكانه منك، اُدْنُ منّي يا حُذيفة، مَن أطعم مسكيناً لله عزّ وجلّ دخل الجنّة».
قال: قلتُ: يا رسول الله، أكتمُ أم أتحدّث؟!
قال: «بل تُحدّث به»(4) .
توجيهٌ غيرُ مقبول من الذهبيّ
بعد أن نقل الذهبيّ كلام أبي بكر في المنع من الحديث، عقّب على ذلك بقوله: إنّ مراد الصدّيق التثبُّتُ في الإخبار، والتحرّي، لا سدّ باب الرواية ولم يقُلْ «حسبُنا كتابُ الله» كما تقول الخوارج(5) .
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 1: 162/295.
(2) مسند أحمد (2/ 263 و 305 و 353 و 495).
(3) الفقيه والمتفقّه (1: 144).
(4) مختصر تاريخ دمشق 18: 295.
(5) تذكرة الحفّاظ 1/3.
وقول الذهبيّ، مع علمه غريب! فقوله: «إنّ مراده التَثبّت في الإخبار والتحرّي لا سدّ باب الرواية» لا دليل عليه ولا وجود له في النصّ، ولم ترد كلمة واحدة في هذا المعنى: التَثبّت والتحرّي، كأن يقول: لا تحدّثوا بكلّ ما تسمعون أو تروون. أو لا تحدّثوا بما لا تتثبّتون ويأمرهم بالاحتياط عن الخطأ والاشتباه.
وأمّا سدّ باب الرواية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومنع نقل الحديث عنه مطلقاً؛ هل أوضح بياناً ودلالةً على عموم المنع من جملة: «لا تحدِّثوا عن رسول الله شيئاً»؟
وقوله: «بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه» قرينة واضحة على أنّ مراده نَبْذُ السنّة مطلقاً، والاكتفاء بكتاب الله تعالى؛ لا سيّما إذا نظرنا إلى النهي الذي تقدّمها: «لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً».
وأمّا قول الذهبيّ ولم يقل أبوبكر: «حسبنا كتاب الله كما تقول الخوارج». فمن البديهيّ: أنّ كلّ جملة يقولها إنسان تؤدّي هذا المعنى فهو يمنع الاستناد إلى الحديث ويكتفي بكتاب الله تعالى.
وكلام أبي بكر: «لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً» وبعده: «بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه»، يؤدّي نفس معنى: «حسبنا كتاب الله» تماماً!
وإذا كبُر على الذهبيّ، أو أراد أن يوجّه أو قل: اجتهد فأخطأ في فهم كلام أبي بكر؛ فدعنا نستريح هنيهةً من «حسبنا»، ولنكتفِ بجملة: «بيننا وبينكم كتاب الله» التي قالها أبوبكر، وقبلها الذهبيّ، فنقول: إنّ هذه الجملة هي عينها التي
قالها رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله مجذّراً من صاحب الأريكة - أي الحُكم - الذي عهده قَرُبَ وأنّه يحذف حديث النبيّ ويمنع منه ويقول: «بيننا وبينكم كتاب الله عزّ وجلّ» وقد ذكرناه مع مصادره.
وأمّا ذكر الذهبيّ للخوارج في هذا الموضع فعجيب منه! إذ لم نعهد من الخوارج ذكرهم جملة «حسبنا كتاب الله» وإنّما شعارهم «لا حُكمَ إلاّ لله» وأمّا جملة «حسبُنا كتاب الله» فهي معروفةٌ من كلام عمر أكثرهم تشدّداً في منع تدوين حديث رسول الله، وأسبقُهم إلى ذلك! فهو الذي منع من تقديم «القرطاس» إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليكتب لهم كتاباً لنْ يضلّوا بعده، ومضى على هذه السياسة بعد رحلة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتشدّد بها وحبس الصحابة من الخروج إلى الأمصار خوفاً من نشر الحديث وكتب كتاباً بالمنع إلى الآفاق ...
إنّ النبيّصلىاللهعليهوآله ، أراد وهو يُودّع أُمّته ويُودِعُها تَرِكَته:
الثَّقلين، كتاب الله وعترته الطّاهرة، وفي سعيٍ منه لتوكيد ما عهدَهُ إليهم سابقاً، أراد أن يكتب لهم كتاب هداية وعصمة، إلاّ أنّه جُوبه بمعارضةٍ شديدة اُطلقت فيها كلمة لا تنبغي في حقّ مسلم محترم، فكيف بالنبيّ؟!
عن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا احتُضر النبيّصلىاللهعليهوآله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، قال: «هَلُمّ أكتبْ لكم كتاباً لن تضِلّوا بعده». فقال عمر: إنّ النبيّ غَلَبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبُنا كتابُ الله واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم مَن يقول: قرِّبوا يكتب لكم رسولُ الله كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم مَن يقول ما قال عمر!! فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قال: قُوموا عنّي
فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(1) .
وليس الخبر بهذا اللفظ الذي هذّبته بعض الأقلام! ولكنّه كافٍ وبهذا اللفظ لتوضيح عمق المأساة! فإنّ ميّتاً من عَرَض المجتمع يتنادى ذَوُوه وأصدقاؤه وتقع جَلَبة ويُحمل نعشه إلى مثواه الأخير ظاهرة عليهم آثار الحزن والأسى لفقده؛ وهذا سيّد الخَلق طرًّا خاتم الأنبياء والرُّسل يعيش لحظاته الأخيرة مع أصحابه ويريد أن يُتمّ لهم نصيحته وهدايته لئلاّ يضلّوا من بعده فيتعرّضوا لغضب الله تعالى كما حدث لليهود والنصارى، إلاّ أنّ البعض منهم قدّم بين يَدَيْه وقطع كلامه، وهو أمرٌ منهيٌّ عنه في القرآن الكريم؛ وخالف سنّته وهو حيٌّ يمارس وظيفته في التبليغ، فكيف يكون الأمر بعد وفاته؟! وكيف كانت المقاطعة والردّ؟ كان نابياً، فإنّ «غَلَبه الوجَع» تساوي «يَهْجُر» التي تعني: يَهذي - والعياذ بالله! كما أنّ حالة اللّغو واللغط والاختلاف الناتجة عن هذا التصرّف سوء أدب في حضرة النبيّصلىاللهعليهوآله ، وقد نهى القرآن عن رفع الأصوات فوق صوت النبيّ وعن الجهر له بالسّوء؛ «وإنّ النبيّ ليهجر»، أو «غلبه الوجع» ما هو إلاّ جهر بالسُّوء ثمّ ماذا يعني قول النبيّصلىاللهعليهوآله لهم: «قوموا عنّي»؟ إنّه يعني أنّه ساخط وغير راض عنهم، ورضاه من رضى الله تعالى وسخطه من سخطه!
ثمّة سؤال: لماذا اعترض عمر على رسول اللهصلىاللهعليهوآله في كتابة الكتاب؟ هل
____________________
(1) صحيح البخاري 1: 37، 5: 138، 8: 161، طبقات ابن سعد 2: 242، صحيح مسلم 12: 95، المصنّف، لعبد الرزّاق 5: 438 و 439 مسند أحمد 1: 336، دلائل النبوّة، للبيهقي 7: 181.
كان يُدرك ما سيكتبه؟
ورواية ابن عبّاس تؤكّد أنّه قال: أهْجَر. عن سفيان، عن سليمان بن أبي مسلم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس قال: يومُ الخميس وما يوم الخميس! قال: اشتدّ برسول اللهصلىاللهعليهوآله وجعُه فقال: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي أبداً». فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيّ أن يُتنازع - فقالوا: ما شأنه أهْجَرَ؟ استفهموه! فذهبوا يُعيدون عليه، فقال: دَعُوني، فما أنا خيرٌ ممّا تدعونني إليه. وأوصى بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفدَ بنحوٍ ممّا كنتُ أجيزهم، وسكت عن الثالثة عمداً أو قال: فنسيتُها.(1)
نعم، يومُ الخميس وما يوم الخميس؟! اشتدّ برسول اللهصلىاللهعليهوآله وجعُه، واشتدّ بقومٍ وَجْدُهم إلى أُمورٍ، فأساؤوا إلى نبيّهم بالقول الفاحش ذلك قولهم: ما شأنه؟!
أيليق هذا بالنبيّصلىاللهعليهوآله ! أنكرةٌ هو؟ هلاّ تأدّبوا فخاطبوه بما يليق بمقامه العظيم إن لم تطاوعهم أنفسهم فيسارعوا مطيعين فيقدّموا القرطاس والقلم؛ فإن لم يفعلوا فعليهم أن، يقولوا: يا رسول الله، لو بيّنت لنا مرادك ...، مثلاً. ثمّ جاؤوا بها صلعاء لا توارها عمامة؛ تلك هي مقولتهم: أهْجَرَ؟ وهي شتيمة! ذكر ابن السّكّيت في كتابه «تهذيب الألفاظ باب رَفْعِك الصوتَ بالوقيعة في الرجل والشّتم له» قال: وأهْجَرَ إهْجَاراً، إذا قال القبيح(2) .
فهل يجوز على رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يقول القبيح، فعند مَن تجد الأُمّة الحَسَن
____________________
(1) تاريخ الطبري 2: 436.
(2) تهذيب الألفاظ، لابن السكّيت: 264.
- إذن - لتأخذه منه فلا تضلّ؟ ومتى كان كتاب الهداية والعصمة من الضّلالة هُجْراً؟!
والرّاوي لم يُعيّن صاحب هذا الكلام المـُستهجَن، فقد استعمل لفظ الجماعة «فقالوا»!
ترى ماذا تعني كلمة «استفهموه» الواردة في الخبر، وماذا يعني أنّ القوم ما زالوا يعيدون سؤالاً ما على النبيّصلىاللهعليهوآله حتّى ردعهم؟ أيّ سؤال هو؟ هل هو الوصيّة الثالثة التي سكت عنها ابن عبّاس عمداً؟! فلماذا سكت؟! أمّا هذا الاستدراك: «أو قال: فنَسيتُها» فهو ممّا لا يليق بمَنْ ابن عبّاس بكثير، فكيف بحَبْر الأُمّة؟!
غير أنّ المرويّ عن ابن عبّاس - كما في البخاريّ وطبقات ابن سعد، ذكرناه - ينصّ على أنّ صاحب القول هو عمر بن الخطّاب، وحسب تلك الرّواية وقول عمر فيها: «وعندكم القرآن فحسبُنا كتاب الله» يتّضح أنّ النبيّ قد اوصى باثنين متلازمَين، هما: كتاب الله وأهل بيته، وهو ما كان يُعيده على مسامعهم في أكثر من مناسبة.
وعن عمر بن الخطّاب قال: لمّا مرِض النبيّصلىاللهعليهوآله قال: «ادعوا لي بصحيفةٍ ودواة أكتب كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً» فقال النُّسوة من وراء السّتر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟! فقلت: إنّكنّ صواحبات يُوسف: إذا مَرِض رسول الله عَصَرْتُنّ أعينَكنّ، وإذا صحّ ركِبْتُنّ عُنُقَه! فقال رسول الله: «دَعوهُنّ، فإنّهنّ خيرٌ منكم»(1) .
____________________
(1) المعجم الأوسط، للطبراني 5: 288، كنز العمّال 5: 644، مجمع الزوائد 9: 34.
حصحص الحقّ وثبت أنّ عمر هو الذي قدّم بين يدّي النبيّصلىاللهعليهوآله . ومع أنّه لم يذكر في هذه الرواية اعتراضه على رسول الله في كتابة الكتاب، إلاّ أنّ قول النّسوة: «ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟» بَيِّن الدلالة على هذا المعنى، وذلك بعد أن صلّ أسماعَهنّ لغَطُ الرِّجال واختلافهم على أثر الكلام الذي قاله عمر كما في الروايات السّابقة، فزجرتهم النساء على سوء سلوكهم هذا. ويؤيّد أنّ عمر هو صاحب الاعتراض على النّبيّصلىاللهعليهوآله ؛ رفعُ صوته من جديد ليُسمِع النّسوةَ مقالَته فيهنّ، إذ اللّغط الدائر بين الرِّجال ووجود السّتر بينهم وبين النّساء يقتضي مناداتهنّ بصوت عالٍ، وإلاّ لِمَ ردّ عليهنّ دون غيره من الحاضرين؟ وقوله: «إنّكنّ صواحبات يوسف ...» فيه تنقيص لهنّ، ومَن هنّ؟ إنّهن أمّهات المؤمنين، وحاضنة الرسول، والصّحابيّات المبايعات، والمعصومة الطّاهرة فاطمة الزهراءعليهاالسلام بنت النبيّصلىاللهعليهوآله ؛ ووصف هؤلاء بالنّسوة اللاّتي شُغِفنَ بجمال يوسف النبيّصلىاللهعليهوآله ، أراد بذلك: إنّكنّ ما كرات وأتباع لذّة!! وكلامه لم يتنقّص من النّساء وحسب، وإنّما تطاول به على النبيّصلىاللهعليهوآله وانتهك حرمته إذ ذكره بصيغة الغائب النّكرة من غير ما ينبغي له من النعت بالنبوّة والرّسالة. «رَكِبتُنّ عُنُقَه» فيها ما فيها من المعاني السلبيّة والتجاوز على شخص رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ووصفه بالشخص الضعيف أمام النساء - والعياذ بالله ...؛ ومن هنا جاء جواب رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إنّهنّ خيرٌ منكم» في البُعد عن الاعتراض والتقديم بين يَدَي رسول الله، والاعتراض عمّا أراد، وإنّما على العكس اعترضن سبيل أُولئك الذين آذوا رسول الله بلَغْوِهِم وتنازعهم في أن يقدّموا أو لا يقدّموا القرطاس والقلم وكان زعيم جبهة الرافضين، بل لم يحفظ لنا
التاريخ اسماً بعينه إلاّ عمر بن الخطّاب.
«وخيرٌ منكم»، إذ لم يكنّ من أصحاب السقيفة؛ وما كان من الأحداث الساخنة بعد ذلك إلاّ امتداد لرزيّة الخَميس والحيلولة بين النبيّصلىاللهعليهوآله وكتابته الكتاب وما وقع في السقيفة وتمخّض عنها من أُمور منها: المنع من كتابة حديث رسول الله.
وطَرْدُ رسول الله إيّاهم إلاّ عليّاً، له من المعاني: أنّه طردهم من رحمة الله، وفي ذلك: لئلاّ يقول أحدهم إنّي تشرّفت بتمريض النبيّ وبدفنه كما تشرّفت بصحبته، فقطع عليهم الطريق بذلك. صحيح أنّ سوء الأدب الذي أبدوه يستوجب ذلك الطرد، ولكن نستجلي ضمناً هذا المعنى مثلما نستجلي أن لم تكن لهصلىاللهعليهوآله ذرّيّة إلاّ من خديجة رضي الله عنها ثمّ من فاطمة الزهراءعليهاالسلام بينما حُرِمت زوجاته حتّى اللاّتي في عُمر الصِّبا فالشباب من الحمل، وإلاّ لكان الويلُ لأُمّة محمّدصلىاللهعليهوآله في ذلك الحمل! ثمّ كان من حكمة الله تعالى: أن حرّم الزواج من زوجات النبيّصلىاللهعليهوآله فجعلهنّ بمنزلة أُمّهات المؤمنين.
وفي الصحابة مَن هم أنقياء الثوب إلاّ أنّ الفتنة عمّت، ومنهم مَن كان بعيداً عن الحدث، فأفرد عليّاًعليهالسلام يناجيه ويختصّه وهذه ليست أوّل مرّة يفرده فيناجيه، إلاّ أنّ هذه الليلة لها خصوصيّة فهوصلىاللهعليهوآله في آخر عهده من الدنيا، فكان لعليّعليهالسلام شرف الانفراد برسول اللهصلىاللهعليهوآله فهما شيء والناس شيء آخر، هما الرسالة والناس خليط بين بعيد عن ساحة الأحداث وبين مصطرع في سقيفة بني ساعدة من أجل (الأريكة) فصدق مَن لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، مضى
اُولئك في مهمّتهم من أجل الأريكة، ومضى عليّ في مهمّته بعد أن سمع توجيهات الوحي على لسان النبيّصلىاللهعليهوآله ، فتولّى غُسل النبيّ وتكفينه ...، فيما حُرِم اُولئك من كلّ هذا.
فرسول الله يخطّط لعليّ السبق في كلّ شيء: السبق في الإسلام، والسبق في الفداء، والسبق في الصحبة (إلى الطّائف فلم يصحبه غير عليّ) وبعد مبيته على فراش النبيّ وأدائه ودائع النّاس التي كانت عنده التحق بالنبيّصلىاللهعليهوآله ، وكان النبيّ قد افترق عن أبي بكر لمّا وصل إلى قُباء ولم يدخل المدينة، فنزل أبوبكر على خارجة بن زيد، فيما نزل النبيّ على كُلثوم بن هِدْم، فلمّا التحق به عليّعليهالسلام ، دخلا المدينة(1) .
ولقد جَرَت أحاديث ومحاورات بين ابن عبّاس وعمر بن الخطّاب - بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآله - أقرّ فيها عمرُ أنّه الذي منع النبيَّ من كتابة الكتاب؛ من ذلك: قال عمر لابن عبّاس: هل بقي في نَفْس عليّ شيء من أمر الخلافة؟ فقال ابن عبّاس: نعم. قال عمر: ولقد أراد رسولُ الله في مرضه أن يُصرِّح باسمِه فمنعتُه من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام(2) .
إنّ الله تعالى أعلم بمواطن الحيطة على الإسلام فيوحي بها إلى نبيِّه، ومن ذلك التبليغ بإمامة عليّ وخلافته في كلّ مَوْطن، ومنه المهرجان الكبير يوم عيد غدير خُمّ، وفي مرضه لمّا أراد أن يكتب كتاباً فمنعه عمر. ولكنْ ما الذي وجده
____________________
(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 2: 138.
(2) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 12: 21.
عمر من نقصٍ في عليّ فتخوّف منه على مستقبل الإسلام، وهو الذي سلّم عليه بالإمارة يوم خُمّ؟! فهلاّ عابه يومئذٍ؟!
أم أنّه ندم على ما كان منه من التسليم على عليّ أميرالمؤمنينعليهالسلام بالإمرة بقوله: بَخٍ بَخٍ لك يا ابنَ أبي طالب! أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنة، قالها على رؤوس الأشهاد يوم غدير خُمٍّ، والآن يعلم أنّ رجالاً يأتمرون في الخفاء على إزواء الخلافة عن عليّعليهالسلام وكتبوا بذلك عهداً، فتخوّف فشل الخطّة؟!
إنّ ما ذهبنا إليه لم يكن كلاماً يُقال جُزافاً، فالّذي يقدِّم بين يدي الله ورسوله، وهو أمرٌ منهيٌ عنه في القرآن إذ لا يجوز له إلاّ التسليم لأمرِ الله سبحانه وأمر رسولهصلىاللهعليهوآله ، ولا يعترض. وكيف كان الاعتراض؟ بتلك الصورة القاسية وهتك حرمة النبيّصلىاللهعليهوآله ؛ فلمّا طرده النبيّ ومَن معه صاروا إلى «السقيفة» ودخل في صراع مرير تمهيداً لـ «الأريكة» التي حذّر رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله منها ومن صاحبها الذي يوشك أن يُعلن صاحبها المنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وها هو يمنع ورسول الله موجود بين المسلمين؛ فكيف سيكون الأمر بعدك يا رسول الله صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك الطيّبين الطّاهرين؟! هذا ما سنراه. ولكن: كلمة عجلى، إنّ حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله يتضمّن أحكاماً وعبادات وسُنن ...، فهل المنع يهدف ويقصد مثل هذه الأحاديث؟ قطعاً لا. فما بقي إلاّ الوصيّة والخلافة وهو الأمر الذي أقرّ به عمر وأنّه الذي حمله على منع النبيّ من كتابة الكتاب والتصريح باسم عليّعليهالسلام خليفة من بعده؛ وقد مرّ ذِكرُ ذلك. ثمّ صارت سنّةً لأصحاب الأريكة ممّن هم وشيكوا عهدٍ برسولِ اللهصلىاللهعليهوآله ، وامتدّت ليلقفها معاوية ومن جاء
بعده من الشجرة الملعونة في القرآن الكريم وعلى لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلم يكتفِ بمنع الحديث في فضائل عليّ وأهل البيتعليهمالسلام ، وإنّما امتدّت يدُ النّصب لوضع الأحاديث المكذوبة للنيلِ من أمير المؤمنين وتفضيل أعدائه! وسنّ سنّته البغيضة في لعن الإمام عليّ عقب كلّ صلاة، فعاشت الشام بعيدة عن روح الإسلام تجهل مَن هو عليّ؟! وفضائل أهل البيت، أُمويّة ناصبيّة أجيالاً طويلة لا يمكن أن تنمحي آثارها. فإذا جاء ابن تَيمِيه بإرثهِ الخارجيّ وسوء تربيته وضياع نسبه وتأثير محيطه وبيئته الأولى: حرّان، ليحطّ رحاله في بيئته الجديدة؛ كان أشدّ من معاوية على عليّ وأهل البيتعليهمالسلام في المنع من الحديث! وكان معاوية أكثر إنصافاً من ابن تَيمِيه؛ ذلك أنّ معاوية إذا أُحْصِر في الحِجَاج أقرّ لأبي الحسنعليهالسلام فضله، أمّا ابن تَيمِيه فقد عاهد الشيطان إلاّ شنّ الغارة على أهل البيت بعد ما تجاوز حرمة الرسول والمـُرْسِل!!
وإذا كان مَن سبق معاوية اكتفوا بمنع حديث رسول الله وحبسوا الصحابة - على ما ستقف على معنى الحبس هنا - فإنّ معاوية قد أحلّ الحرام وانتهك حرمة كبار الصحابة لأجل ذلك وكان أكثر جرأةً وصراحة من غيره لمّا خطب فقال: «ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلُّوا ولا لتحجُّوا ولا لتزكُّوا، قد عرفتُ أنّكم تفعلون ذلك، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم ...».
حديث رسول الله؛ وردّ عمر بلفظ آخر
ويأتي حديث رسول الله بلفظ مقارب لما ذكرناه سابقاً، وأمّا ردّ عمر
واعتراضه فإنّه يرِد أكثر جَفْوة، فقد ذكروا: لمّا مات رسول الله قال قبل وفاته بيسير: «ائتوني بدواةٍ وبياضٍ لأكتب لكم كتاباً لا تختلفوا فيه بعدي». فقال عمر: دَعُوا الرجُلَ، فإنّه لَيَهْجُر(1) !
الله أكبر!، دَعُوا الرجل، وليس النبيّصلىاللهعليهوآله ؛ أي اتركوه وتخلّوا عنه ولا تلتفتوا إلى قوله، فإنّي أُؤكّد لكم «لَيَهْجُر» أنّه يهذي ولا يدري ما يقول - معاذ الله يا رسول الله أن نقول شيئاً من ذلك - وهي أبلغ من كلّ العبارات التي مضت في القُبْح والشتيمة! وهذا النصّ أقرب إلى القبول؛ وإن كان التقديم أي الاعتراض على رسول اللهصلىاللهعليهوآله منهيّ عنه في القرآن الكريم وليس من أدب الإسلام في شيء، واللّغط الذي حدث بسبب ذلك، وشتيمة عمر للنّسوة اللاّتي اعترضن عمر وشيعته وطلبن استجابة أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ...، فإنّ هذه الأمور كافية لطرد رسول الله للقوم: إلاّ أنّ في العبارة هذه زيادة على ما تقدّم: فَصْمُ العُرَى بينهم وبين الرسول، من خلال دَعُوا الرجل؛ فلا معنى بعد ذلك لكلام عمر: «حسبُنا كتابُ الله». إذ أركان الإسلام ثلاثة: التوحيد، والنبوّة، والمعاد؛ فمَن أنكر واحدة منها فليس بمسلم، وهذه الدعوة صريحة لإنكار أحد الأركان والتخلّي عنه وهو النبيّصلىاللهعليهوآله كلّ هذا ورسول الله بينهم يرَونه بوجهه الوضيء بنور النبوّة ويسمعون
____________________
(1) مسند أحمد 3: 346، صحيح البخاري - كتاب العلم، باب كتابة العلم، المجلّد الأوّل صفحة 39، والمجلّد 4 باب قول المريض صفحة 5، و 6 باب مرض النبيّ ووفاته صفحة 11، و 4 كتاب الجهاد - باب جوائز الوفد، صفحة 85، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 2: 536. مجمع الزوائد 4: 390 و 391، الكامل، لابن الأثير 2: 217، طبقات ابن سعد 2: 243، تذكرة الخواصّ: 65.
صوته، فكيف بهم إذا قبضه الله تعالى ورفعه إلى أعلى عِلّيِّين؟!
أنعجل ونقول: سيرتدّ بعضهم القَهْقرى؟
لا نجافي الحقيقة ولا نعدوها إن قُلنا: نعم؛ فالّذي وقع من عمر وأصحابه بحقّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وطرد رسول الله إيّاهم من ساحة رحمته فلم يعتذروا بل لجّوا في طغيانهم ففارقوه إلى السقيفة ولم يرجعوا إليهصلىاللهعليهوآله ؛ إلاّ وقد قبض الله تعالى نفسه الزكيّة إليه - هذا في أحسن الأحوال وتنزّلاً في قبول الرّواية، وإلاّ فالمرويّ عن عائشة قولها: لم نعلم بوفاة رسول الله إلاّ بوقع المساحي والرجال يحفرون ليلاً ...، وكان أمير المؤمنين في ثلّة من بني هاشم قد تولّوا دفنه -؛ ولقد كانصلىاللهعليهوآله حذّرهم الرِّدّة والتبديل.
أحاديث النبيّ في الرِّدّة
أخرج مسلم بنسده عن أبي حازم قال: سمِعتث سَهْلاً يقول: «سمعت النبيصلىاللهعليهوآله يقول: أنا فَرَطُكُم على الحوض مَن وَرَدَ شرِبَ ومَن شرِب لم يظمأ أبداً، ولَيَرِدَنّ علّيَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويعرِفوني ثمّ يُحال بيني وبينهم»، قال أبو حازم: فسمِع النُّعمان بن أبي عيّاش وأنا أُحدّثهم هذا الحديث فقال: هكذا سمِعتَ سهلاً يقول؟ قال: فقلتُ نعم قال: وأنا أشهدُ على أبي سعيدٍ الخُدْريّ لَسمِعتُه يزيدُ فيقولُ: «إنّهم منّي، فيُقال: إنّك لا تدري ما عمِلوا بعدَك فأقولُ سُحْقاً سُحْقاً لِمَن بَدّلَ بعدي»(1) .
فأيّ تبديل أعظم من رفض سنّته في حياته، ثمّ المنع من تدوينها
____________________
(1) صحيح مسلم، بشرح النووي المجلّد 8، الجزء 15: 54.
والتحديث بها وحبس الصحابة على ذلك بعد وفاتهصلىاللهعليهوآله ؟!
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إنّي على الحوض حتّى أنظرَ مَن يرِدُ علَيَّ منكم وسَيُؤخذُ أُناسٌ دوني فأقولُ يا ربِّ منّي ومن أُمّتي، فيقولُ: إنّك لا تدري ما عمِلوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم»(1) .
وعن أمّ سَلَمة، قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «أيّها الناس إنّي لكم فَرَطٌ على الحوض فإيّايَ لا يأتِيَنّ أحدُكم فيُذَبُّ عنّي كما يُذبّ البعيرُ الضالّ فأقول: فِيمَ هذا؟ فيُقال إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقولُ: سُحْقاً»(2) .
فالذي أحدثوه «بعده» من جنس «الأريكة»، والذي يرد فيه لفظ «يوشك». ومن حديثهصلىاللهعليهوآله في عِظم الخطر المحدق بأصحاب الأريكة:
عن عُقبة بن عامر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله خرج يوماً فصلّى على أهل أُحُد صلاتَه على الميِّت ثمّ انصرف إلى المنبر فقال: «إنّي فَرَطٌ لكم وأنا شهيدٌ عليكم وإنّي والله لأَنظرُ إلى حوضي الآن وإنّي قد أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض وإنّي واللهِ ما أخافُ عليكم أن تُشركوا بعدي ولكن أخافُ عليكم أن تتنافسوا فيها»(3) .
وهذا الذي وقع ليلة وفاتهصلىاللهعليهوآله ، فبعد ما أساؤوا الأدب كما لحظنا، راحوا إلى سقيفة بني ساعدة فكان ممّا يندى له الجبين من أجل «الأريكة»، وغُصبت الزهراء الطاهرةعليهاالسلام إرثها من أبيهاصلىاللهعليهوآله واعتدوا عليها وكادوا يحرقوا بيتها وهي
____________________
(1) نفسه: 56.
(2) نفسه.
(3) نفسه: 57. وانظر الجمع بين الصحيحين، وتاريخ دمشق 8: 109 و 3: 8 و 47: 117.
فيه! وقوتلت قبائل قد امتنعت من بيعة أبي بكر وكانت ترى أنّ الخليفة الشرعيّ هو عليّعليهالسلام ...
والأحاديث في هذا الحقل من الوفرة ممّا يضعنا أمام الواقع الصعب الذي كان يعاني منه رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى.
إنّ ما وقع من القوم في حجرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وفيما أحدثوه بعده، سبقتها وقائع مرّة! فقد استجابوا لهتاف الشيطان وفرّوا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونزل بهم بيان من الله سبحانه يوبّخهم على ذلك. وفرّوا بالرّاية يوم خيبر، ولم نسمع أنّهم جرحوا بطلاً فضلاً عن جندلة أبطال!
ويبقى عليّعليهالسلام بعيداً عن كلّ هذه اللّوثات في جمعٍ من الأتقياء ممّن لم يبدّلوا ولم يغيّروا. وكانعليهالسلام يستبق الأحداث وكيف لا؟ وسرّ النبيّصلىاللهعليهوآله عنده.
عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سِماك، عن عِكرِمة عن ابن عبّاس: أنّ عليًّا قال في حياة النبيّ إنّ الله عزّ وجلّ يقول:( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (1) ، واللهِ لا ننقلب على أعقابنا أبداً بعد أن هدانا الله، والله لَئِن مات أو قُتل لأُقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله إنّي لأَخوهُ ووليُّه وابن عمّه ووارثه، فمَن أحقُّ به منّي(2) ؟!
____________________
(1) آل عمران: 144.
(2) الفضائل، لأحمد، حديث 232، خصائص النّسائيّ: 130 ح 65، المستدرك على الصحيحين 3: 126، المعجم الكبير، للطبرانيّ 1: 107/ ح 176، وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة 1: 23، =
وقد ترجمعليهالسلام كلامه هذا في مواقفه الخالدة في سوح الجهاد فكرَّ وما فرَّ وشهد الوحي له بذلك! فيما قعد غيرُه وفرّوا وخلّوا بين رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعدوّه، فأصابه ما أصابه حتّى دعا عليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
يوم أُحُد: وهو يوم الفخر والعزّة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولأمير المؤمنينعليهالسلام ، وثلّة ممّن لم يستزلّهم الشيطان بصراخه: ألاَ إنّ محمّداً قد قُتِل. ولمّا كنّا قد عقدنا بحثاً مفصّلاً في ذلك، وفي الفرار يوم خيبر!! فنذكر موجزاً من ذلك لمناسبته ما نحن فيه من خُلُق القوم في التعامل مع النبيّصلىاللهعليهوآله ذكر البخاري أنّ عمر بن الخطّاب انهزم يوم أُحُد فيمَن انهزم(1) .
وكثيراً ما تحدّثوا عن شجاعة الحواريّ الزبير، فلمّا عصى الرُّماة أمْرَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وغادروا العسكر طمعاً في الغنيمة وجاءهم العدوّ من خلفهم وصرخ الصارخ انكفأ الزّبير مثل غيره ولم يبق مع عليٍّ أبي الحسنعليهالسلام يذبّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويفديه بمهجته: «عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: ...، إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حينَ كشَفْنا القومَ عنه يريدون النَّهب وخلَّوا ظهورنا للخيلِ فأتينا من أدبارنا وصرخ صارخٌ ألاَ إنّ محمّداً قد قُتِلَ فانكفأنا وانكفأ القوم علينا(2) ...
فالحواريّ كان في المنهزمين الفارّين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله . والحواريّ من
____________________
= مختصر تاريخ دمشق 17: 314، فرائد السمطين 1: 224 باب 44/ 175 مجمع الزوائد 9: 134، الرياض النضرة 2: 300.
(1) صحيح البخاري 5: 101.
(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 82، تاريخ الطبري 2: 196، تاريخ خليفة: 36.
صفاته الحسد! وتلك الموبقة هي التي جعلته يقاتل أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام . ويوم أُحُد عرَضَ رسولُ الله سيفاً فأعطاه أبا دُجانة ومنعه من الزبير؛ فغضب الزبير، ولما التقى أبودُجَانة مع أحد المشركين دعا الزبير بهلاك أبي دُجانة، فقتل أبو دُجانة المشركَ(1) ، وقد ذكرنا قصّته مفصّلةً في حديث الراية وفتح خيبر.
أصحاب الصخرة
وذكرنا خبرهم مطوّلاً في حديث الراية، ومن قصّتهم: أنّ عمر بن الخطّاب وطلحة بن عُبيد الله، ورجال من المهاجرين والأنصار، قد استجابوا لصراخ الشيطان: ألاَ إنّ محمّداً قد قُتل، ففرّوا ولجأوا إلى صخرة(2) ...
وذكر الطبريّ: أنّ بعض أصحاب الصخرة قال: ليتَ لنا رسولاً إلى عبد الله ابن أُبّيّ «رأس المنافقين» فيأخذ لنا أمنَةً من أبي سفيان، يا قوم إنّ محمّداً قد قُتِل فارجِعوا إلى قومكم قبلَ أن يأتوكم فيقتلوكم(3) .
فليس بغريب إذن على أصحاب الحُجرة تسمية رسول اللهصلىاللهعليهوآله باسمه أو الرجل من غير ما يستحقّه من نبيّ الله ورسوله ...، فقد قالوها على الصخرة! والذي ذكرناه من هدمهم لركن النبوّة في الحجرة في ردّهم على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ فإنّ مقدّماته أفصح من خلال قولهم يوم أُحُد: إنّ « محمّداً، الرجل الذي تعرفونه
____________________
(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 72 - 73.
(2) نفسه 3: 203، تاريخ الطبري 2: 199.
(3) تاريخ الطبري 2: 203.
بهذا الاسم»، «قد قُتِل، وانتهى أمره ولسنا بطالبي ثأره»، «فارجعوا إلى قومكم ...، مَن هو مِن عَدِيّ يرجع إليهم؛ والذي من تَيْم يرجع إليهم فليس فيكم هاشميّ يُقتل دونه!». عثمان: ولم يكن عثمان مع أصحاب الصخرة، فقد فرّ في عدّة من الرجال حتّى بلغوا الجَلْعَب جبلاً بناحية المدينة فأقاموا به ثلاثاً(1) فيما وجدنا يهوديًّا اسمه: مُخَيْرِيق يقاتل دون رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيُقتل شهيداً! وكان خَبْراً من أحبار اليهود(2) .
مشهد امرأة: ولعلّ في قول عمر للنسوة: «إنّكنّ صويحبات يوسف يكمن خلفه أكثر من سرٍّ، من ذلك: أنّ الذين فرّوا كانوا ذكوراً لا نسوة! فيما جاهدت امرأة خلّدها التاريخ هي: نُسيبة بنت كعب المازنيّة، شهدت يوم أُحُد هي وزوجها وابناها، خرجت تسقي الجرحى: فلمّا فرّ الذكور قاتلت فجرحت اثني عشر رجلاً بسيفٍ ورمح، وضربها ابن قَمِيئة بالسيف على عاتقها؛ فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «ما التفتُّ يميناً وشمالاً يومَ أُحُد إلاّ رأيتها تقاتل دوني»(3) .
فمثلما حسد الزبيرُ أبا دُجانة على ما ذكرنا حتّى تمنّى قتله! فكذلك حال أصحاب الصخرة.
فيومُ أُحُد وما أدراك ما يوم أُحُد، الرزيّة كلّ الرزيّة، والفضيحة كلّ الفضيحة يوم أُحد. صرخ الشيطان فأجابه أصحاب الصخرة والجَلْعب وشايعوه في هدم
____________________
(1) نفسه 2: 201.
(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 94، أنساب الأشراف 1: 397.
(3) السيرة النبويّة 3: 89 و 94، أنساب الأشراف 1: 397.
ركن النبوّة ولمّا علموا بسلامة النبيّصلىاللهعليهوآله عادوا إليه.
بسالة أميرالمؤمنين يوم أُحُد
لم يفلح الشيطان أن يستزلّ أميرالمؤمنينعليهالسلام ، وأنّى له ذلك وأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام نفسُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، مطهّر بصريح القرآن الكريم؛ عِدْل القرآن وترجمانه ...، بطلُ بدر؛ فماذا يوم أُحد؟
وأيضاً نقول: لقد تعرّضنا لهذا المطلب في ردّ الناصبيّ عدوّ نفسه: ابن تَيمِيه، في حديث الراية وفتح خيبر، فنوجزه شاهداً:
فيوم أُحُد قتل أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام أصحاب الألوية، وأجهز على عدد من أبطال قريش فعجّل بهم إلى النّار. فكان عدّة الذين حصدهم ذو الفَقَار «ستّة عشر» من أبطال قريش وعُتاتها. فقال جبريلعليهالسلام : يا رسول الله، إنّ هذه لَلْمُواساة، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إنّه منّي وأنا منه». فقال جبريل: وأنا منكما. فسمعوا صوتاً يقول:
لا سيفَ إلاّ ذو الفَقَار |
ولا فتى إلاّ عليّ(1) |
إنّ الردّة والانقلاب على الأعقاب التي حذّر منها رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله ، وأثبتتها الوقائع؛ وأنزل الله سبحانه وتعالى بياناً في ذلك. قال تعالى:( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن
____________________
(1) ذكرنا أسماء مَن قتلهم أميرالمؤمنينعليهالسلام يوم أُحد، ومصادر الهتاف في حديث الراية وفتح خيبر.
يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ ) (1) .
من تفسير قَتادة، قال: ذلك يوم أُحُد حين أصابهم القرح والقتل، فقال أناس منهم: لو كان نبيًّا ما قُتِل! فقال تعالى:( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ ) الآية، يقول: ارتددتم على أعقابكم كفّاراً(2)
وعن حالة الارتداد والانقلاب على الأعقاب يوم أُحُد في قوله تعالى:( ... انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ، قال مقاتل بن سليمان في تفسيره: يعني رجعتم إلى دينكم الأوّل الشِرك(3) .
قال ابن إسحاق في قوله تعالى:( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ ) الآية. قال: أي لقولِ الناس: قُتل محمّدصلىاللهعليهوآله وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوّهم.
وفي قوله تعالى:( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) الآية. قال: رجعتم عن دينكم كفّاراً كما كنتم! قد بيّن لكم فيما جاءكم به عني أنّه ميّت ومُفارقكم(4) .
هذا هو حال الذين استزلّهم الشيطان فأطاعوا أمره:( إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) (5) الآية.
____________________
(1) آل عمران: 144.
(2) تفسير ابن أبي زَمنين 1: 129.
(3) تفسير مقاتل بن سليمان 1: 194.
(4) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 117.
(5) آل عمران: 155.
أزالهم الشيطان عن مواضعهم بذنوبهم ومعصيتهم النبيّصلىاللهعليهوآله فأبعدهم إلى الصخرة والجَلْعَب، ولم يكن فيهم عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام الذي يئِس الشيطان أن يقربه؛ فكان في صفّ( وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ ) ، أي: مَن أطاعه وعمِل بأمرِه(1) .
ويوم الأحزاب «الخَنْدق» إذ جاءت جيوش الشِرك واليهود يقودها الأُمويّ أبوسفيان مصمّمون على اجتثاث الإسلام والمسلمين وتمكّن عَمرو بن عبدودّ في جماعةٍ من عبور الخندق ورفع صوته مطالباً مَن يبارزه، فنهض أبوالحسن عليّعليهالسلام فما خنَسَ غيرُه، فأجلسه النبيّصلىاللهعليهوآله ، وهكذا ثانيةً وثالثةً وفي كلّ مرّة اثّاقل مَن حول النبيّصلىاللهعليهوآله إلاّ أميرالمؤمنينعليهالسلام ، فبرز إليه فضربه ضربةً قدّت البيضة على رأسه والمغفر وشطَر بدنه نصفين وولّت خيول المشركين هاربة فعبرت الخندق وكفى الله المسلمين بعليٍّعليهالسلام القتال وتنفّس المرتابون الصعداء!
ومواقف الخلاف والعار والفرار كثيرة، من ذلك: يوم خَيْبر، لمّا أراد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يُظهر حقائق القوم، فشاء الله تعالى بحكمته أن يكون عليٌّعليهالسلام يومئذ أرمداً، فدفع النبيّ الرّاية إلى أبي بكر ففرّ هو وجماعته، فأعطاه إلى عمر ففرّ هو وجماعته، فقالصلىاللهعليهوآله : «لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه الله ورسوله يفتح الله له ليس بفرّار». فلمّا كان الغد دعا عليّاًعليهالسلام فتفل في عينه فبرأ، ثمّ هزّ الرّاية ودفعها إليه، فذهب بها يهرول فقتل مَرْحب عظيم اليهود وقلع باب حصنهم وكان الفتح على يديه. وقد ذكرنا تفاصيل ذلك ومصادره في حديثنا في الردّ على الناصبيّ الجاهل ابن تَيمِيه، في حديث الرّاية وفتح خيبر.
____________________
(1) السيرة النبويّة 1: 118.
إنّ أميرالمؤمنين عليّاًعليهالسلام وهو ربيب رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد بلغ إيمانه حدّ اليقين، فهو يعلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يموت، ولكن الله تعالى حيٌّ لا يموت والشريعة خالدة ما دامت السماوات والأربعون؛ ولذا لم يكن لإذاعة الشيطان أثر في نفس أميرالمؤمنينعليهالسلام إلاّ المضيّ قدُماً في الذبّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقهر الشِرك وجَنْدلة صناديده. ومضى عليٌّعليهالسلام على هذه السّيرة، هو في سوح القتال شهد له الوحي في السماء والعدوّ في الأرض، وهوعليهالسلام كان يقول في حياة النبيّ: إنّ الله تعالى يقول:( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ، واللهِ لا ننقلب على أعقابنا أبداً بعد أن هدانا الله، والله لئِن مات أو قُتل لأُقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت ...
ولم يخضع عليّ أميرالمؤمنينعليهالسلام لسيرة أصحاب «الأريكة» في بثّ حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فيما خضع عدد من الصحابة لمشيئتهم فامتنعوا من التحديث، بل عمد بعضهم إلى تلف ما لديهم من أحاديث! وتعرّض عدد آخر للحبس لئلاّ ينشروا الحديث!
عمر يقتفي سنّة أبي بكر
ولمّا تربّع عمر على أريكة الحكم أبدى في بداية أمره رغبةً في جمع الحديث وكتابة السُّنن، إلاّ أنّه بعد مدّة منع من التدوين وبشدّة للغاية إلى حدّ أنْ عمّم ذلك في أمر رسميّ على الجميع.
وإزاء سياسة عمر المتشدّدة فقد تبعه عددٌ من الصحابة هم: أبو سعيد
الخُدْريّ، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعريّ(1) . وحتّى أولئك القلّة المانعة نجدهم يكتبون الحديث بعد تلك الفترة(2) .
والذي يعترض طريقنا في هذا المضمار جملة أُمور:
1 - لم يكن لعمر ومَن تبعه في المنع نص شرعيّ يستند إليه، حالهم في ذلك حال أبي بكر الذي وجد كتابة الحديث معمول بها في أيّام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بل وأمرصلىاللهعليهوآله بوجوب كتابة أحاديثه ونشرها، فقام أبوبكر أوّلاً إذ انتهت إليه الأريكة بعملية تدوين الأحاديث وجمعها ثمّ عدا عليها فحرقها ولم يكن له ما يتذرّع به من حجّة شرعيّة إلاّ قوله: «خشيتُ أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدّثني فأكون قد نقلت ذلك». ذكرنا كلامه هذا سابقاً.
2 - مخالفة الصحابة، وهم الأكثر عدداً، لإجراء المنع، مع أنّ هذا العدد مَن هو أكثر اتصالاً بالنبيّصلىاللهعليهوآله من أقاربه وخاصّته، مثل أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ؛ وأيضاً أنس بن مالك خادمه، وعائشة زوجته.
فلو كان التدوين ثابتاً - شرعيّاً - أنّه الحرمة والمنع، لم يكن أميرالمؤمنينعليهالسلام ، وأنس وأمثاله يخفى عليهم ذلك الحكم. ولقد كان هؤلاء من المصرّين على إباحة التدوين ومزاولين له وقد اُثِرَتْ عنهم كتبٌ ومؤلّفات في الحديث. ولو كان إجراء عمر شرعيّاً لما خالفوه.
____________________
(1) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث: 296.
(2) دراسات في السنّة النبويّة الشريفة، للدكتور صدّيق عبدالعظيم أبي الحسن: 104.
ربّما يُقال: إنّ الصحابة اختلفوا في تدوين الحديث، فمنهم مَن ترك ذلك ومنهم مَن فعلها أو أباحها؛ ولا يمكن والحال هذه تقديم الترك على الفعل، لأنّ دلالة الفعل نصٌّ ودلالة الترك ظاهرٌ، لأنّه أعمّ من الحرمة وتقديم النصّ على الظاهر أولى.
ونظراً لذلك يمكن الجزم بأنّ إجراء المنع إنّما رأيٌ خاصٌّ بعمر لتحقيق غرضٍ خاصٍّ به.
والنصوص في حديث عمر وأتباعه، صريحة بنفسها على أنّهم لم يكن لهم أصل شرعيّ وإنّما هو رأي رأوه لتحقيق أمرٍ ما. فوجب دراسة النصوص:
«قال عُروة بن الزبير: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتبَ السنَن فاستشارَ في ذلك أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأشاروا عليه أن يكتبَها، فطفقَ عمر يستخيرُ الله فيها شهراً! ثمّ أصبح يوماً، وقد عزمَ الله له! فقال: إنّي كنتُ أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرتُ قوماً قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى وإنّي واللهِ لا ألْبِسُ كتابَ الله بشيءٍ أبداً»(1) .
يدلّ هذا النصّ على أمور غاية في الأهميّة:
1 - إنّ الكتابة في الأصل لم تكن حراماً ولا ممنوعة، وإلاّ كيف أراد عمر أن يكتب السنن؟
____________________
(1) تقييد العلم، للخطيب البغداديّ: 49. (والغريب أنّ النصّ يحتوي على نسبة ذلك إلى الله تعالى بقوله: ثمّ أصبح وقد عزم الله له. قال أبو شهبة: ولكن الله لم يرد له. دفاع عن السنّة: 21، لابن شهبة.
والنصّ يدلّ على أنّ عمر لم يعرف من النبيّصلىاللهعليهوآله نهياً عن التدوين، فأخذ يستشير الصحابة، مضافاً إلى أنّه لم يستدلّ بالنهي الشرعيّ، وإنّما علّل بغير ذلك، كما سيجيء.
قال المـُعلمي في ذلك: فلو كان النبيّصلىاللهعليهوآله نهى عن كتابة الأحاديث مطلقاً لما همَّ بها عمر، وأشار بها عليه الصحابة(1) .
2 - إنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أو عامّتهم، أشاروا عليه أنْ يكتبَها.
3 - إنّ عمر - بالرغم من أنّه استشار الأصحاب فأشاروا عليه أن يكتب الحديث - خالفهم ولم يأخذ بآرائهم، بل منع الكتابة.
وقال «يحيى بن جعدة: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّ بدا لُه أن لا يكتبَها، ثمّ كتب في الأمصار: «مَنْ كان عندَه منها شيءٌ فلْيَمْحه»(2) .
وبملاحظة هذا النصّ نجده يحتوي على:
1 - إرادة عمر لكتابة السنّة. وهذا معناه أنّ الكتابة لم يكن فيها حرَجٌ أو منع في أصل الشرع.
2 - إنّ قوله: «أراد» وقوله: «بدا لَهُ» يدلاّن بوضوح على أنّ إقدام عمر كان عن رغبة شخصيّة، وأنّه كان يعمل ما يبدو له، كما دلّ عليه النصّ السابق، وإلاّ لاستند إلى إرادة الشارع ونهيه.
وقال «القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهر
____________________
(1) الأنوار الكاشفة، للمعلميّ اليمانيّ: 38.
(2) تقييد العلم: 53.
في أيدي الناس كُتبٌ، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كُتبٌ، فأحَبُّها إلى الله أعْدلُها وأقومُها، فلا يُبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي.
قال: فظنّوا أنّه يُريد أن ينظر فيها ويُقوِّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف، فأتَوْهُ بكتبهم، فأحرقها بالنار.
ثمّ قال: اُمنية كاُمنية أهل الكتاب(1) .
وفي بعض النقول: مثناةٌ كمثناة أهل الكتاب(2) .
المستفاد من النصّ:
1 - قوله: «قد ظهرت في أيدي الناس كتبٌ».
يدلُّ هذا على أنّ الكتب كانت منتشرة بين الناس لا يجدون حرجاً من تداولها، ولو كانت ثمّة حرمة في ذلك وهم أبناء الصدر الأوّل للإسلام، والكتب فيها ما كتبه الصحابة ...
وهذا - في نفسه دليل على أنّ حكم التدوين - أوّلاً، وقبل منع عمر هو الجواز والإباحة.
2 - قوله: فاستنكرها، وكرهها.
وهذا يعني أنّ الأمر راجع إلى عمر وسلوكه وكراهته لتلك الكتب دونَ أن يكون فيها ما يوجب الكراهة والاستنكار؛ وذلك: لأنّ عمر إنّما كرِه الكتب
____________________
(1) نفسه: 52.
(2) طبقات ابن سعد 1: 140 (طبع ليدن). والصواب مشناه - بالشين والهاء، كما سيأتي -.
واستنكرها قبل أن يراها!، كذلك وجود الكتب في أيدي الناس، وكما ذكرنا أنّهم أبناء الصدر الأوّل للإسلام إمّا صحابة أو أخذوها عن صحابة، واحتفاظهم بها، دليلٌ على عدم احتوائها على ما يُنكر ويكره، وإلاّ لصرّح عمر بما فيها ليكون شافعاً في حرقها، مع تحفّظنا من مسألة الحرق لاحتواء الكتب على ألفاظ الجلالة وآيات القرآن الكريم!
3 - قوله: فظنّوا ...
دلالته ظاهرة في الفرق الكبير بين الناس وعمر. فالناس ظنّوا به خيراً وأحضروا إليه أعزّ ما يملكون «الكتب»، وعمر عمل بما لا يأملونه منه فخاب ظنّهم إذ أحرق كتبهم، ولو علموا ذلك، لما أحضروا إليه الكتب ولأخْفَوها عنه.
وأخيراً: فإنّ لجوء عمر إلى «حرق كتب السنّة بالنار» عملٌ غريب لأكثر من إشكال: فالكتب تلك هي أموال الناس الخاصّة ولا يجوز التصرّف فيها فضلاً عن حرقها من دون رضاهم.
ولا ندري هل علماء الإسلام موافقون بالإجماع على هذا العمل خصوصاً وأنّ عمر قد صرّح باحتمال احتوائها على «الأعدل، والأقوم»، وقطعاً أنّ فيها كثيراً من سُنن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لفرض أنّ الكتب كانت صادرةً من الناس الذين فيهم علماءُ الصحابة.
فإذا كان عدد الأحاديث التي صرّح أبوبكر بحرقها هي «خمسمائة»، فإنّ الذي أتلفه عمر أكثر بكثير من ذلك! والذين وافقوا عمر لكن لا بالإحراق وإنّما بالغَسْلِ بالماء كما فعل أبوموسى الأشعريّ وابن مسعود وغيرهما. ثمّ خفّت
(والحمدُ لله!) فيما تلا ذلك من العصور، من الإحراق والغسل، إلى مجرّد الدَفْنِ!.
قال إبراهيم بن هاشم: دفَنّا لبشر بن الحارث ثمانية عشر ما بين قِمْطر وقَوْصرة(1) .
أحمد، وابن الجوزيّ يُنكران دفن الكتب
قال أحمد بن حنبل: «لا أعلم لدفْنِ الكتب معنىً»(2) .
وجعل ابن الجوزيّ «دفن كتب العلم، وإلقائها في الماء» من تلبيس إبليس على جماعة من القوم، وقد كان جماعة منهم تشاغلوا بكتابة العلم، ثمّ لبّسَ عليهم إبليسُ وقال: «ما المقصود إلاّ العمل» ودفنوا كتبهم. وأضاف: إنّ العلم نورٌ، وإنّ إبليس يُحسّن للإنسان إطفاء النور، ليتمكّن منه في الظُلمة، ولا ظُلمة كظُلمة الجَهْل، ولمّا خاف إبليسُ أنْ يعاود هؤلاء مطالعة الكتب، فربّما استدلّوا بذلك على مكايده حسّنَ لهم دفْنَ الكتب وإتلافها.
وهذا فعلٌ قبيح محظورٌ، وجهلٌ بالمقصود بالكتب.
وقال: واعلم أنّ الصحابة ضَبَطت ألفاظ رسول اللهصلىاللهعليهوآله فإذا كانت الصحابة قد روت السنّة، وتلقّاها التابعون وسائر المحدّثين، وقطعوا شرق الأرض وغربها لتحصيل كلمة من هاهنا، وكلمة من هاهنا، وصحّحوا ما صحّ وزيّفوا ما لم يصحّ، وجرحوا الرواة وعدّلوا، وهذّبوا السنن وصنّفوا.
____________________
(1) تقييد العلم: 62 - 63.
(2) نفسه.
ثمّ مَن يغسل ذلك، فيضيّع التعبَ، ولا يعرف حكم الله في حادثة؟! فما عوندت الشريعة بِمثْل هذا!.
أفَتَرى، إذا غُسِلت الكتب، ودُفِنت؛ على مَن يُعْتَمدُ في الفتاوى والحوادث(1) ؟!
إنّ استنكار أحمد، وابن الجوزيّ للدفن، الذي هو واحدٌ من طُرُق إبادة الحديث، وهو أهون من طريق حرق الكتب أو غسلها بالماء حيث لا يمكن بعد استعادتها، أمّا المدفونة فربّما أُخرجت قبل أن تتلف. وعلى هذا، إذا كان ابن حنبل، وابن الجوزيّ يستنكران دفن الكتب، فهما بالأولى يستنكران الإحراق بالنار أيّاً كان فاعله!
إنّ إتلاف كتب الغير من غير رضىً، محرّم شرعاً وموجب للضمان وضعاً.
وهو إضافة إلى المسؤوليّة الشرعيّة، فهو مسؤوليّة حضاريّة تستوجب الحساب والعقاب مهما كانت منزلة الفاعل الاجتماعيّة.
موافقوا عمر في رأيه وفعله
خضع نفر من الصحابة لدستور عمر وعملوا به، بعد أن كانوا يكتبون حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، من غير حرَج، فصاروا متشدّدين في المنع، ومنهم مَن رجع إلى مزاولته بعد وفاة عمر!
قال أبو نَضْرة: قلنا لأبي سعيد - الخُدْريّ - اكتَتَبْنا من حديث رسول
____________________
(1) تلبيس إبليس، لأبي الفرج ابن الجوزي: 314 - 316.
اللهصلىاللهعليهوآله ؟.
قال: امْحُه(1) .
قال عبد الرحمان بن أبي مسعود: كنّا نسمعُ الشيءَ فنكتبه، ففطنَ لنا عبد الله - يعني: ابن مسعود - فدعا أُمَّ ولده، ودعا بالكتاب، وبإجانة من ماءٍ، فغسله(2) .
وقال أبو بُردة: كان لأبي موسى - الأشعريّ - تابعٌ، فقذفه في الإسلام، فقال لي: يُوشك أبو موسى أن يذهبَ ولا يُحفظ حديثه، فاكتب عنه.
قال: قلتُ: نِعْمَ ما رأيتَ.
قال: فجعلتُ أكتبُ حديثه.
قال: فحدّث حديثاً فذهبتُ أكتبُه كما كنتُ أفعل، فارتاب بي وقال: لعلّك تكتب حديثي؟
قال: قلت نعم.
قال: فأتني بكلّ شيءٍ كتبته.
قال: فأتيته به، فمحاهُ، ثمّ قال: احفظ كما حفظتُ(3) .
وهؤلاء حالهم حال عمر، فهم:
1 - لم يحاولوا أن ينسِبُوا شيئاً إلى الشرع، أو يستدلّوا بنصٍّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
2 - انّ إقدام هؤلاء لم يكن إلاّ رأياً منهم، فلم يكن ملزماً للآخرين، لأنّه:
____________________
(1) تقييد العلم: 38.
(2) سنن الدارمي 1: 102.
(3) طبقات ابن سعد 4: 112.
أوّلاً: مخالفٌ لما ثَبتَ في الشرع من إباحة التدوين، على ما سلف من الكلام. وخلاصته أنّه اجتهادٌ - في تحسين العبارة! - في مقابل النصّ؛ وإلاّ فهو الخلاف والهلاك الذي قال عنه ابن عبّاس:
روى سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، قال: تمتّع النبيّصلىاللهعليهوآله .
فقال عُروة بن الزُبير: نهى أبوبكر، وعمر عن المتعة!
قال: ابن عبّاس: ما يقولُ عُرَيَّة؟!
قال: يقول: «نهى أبوبكر، وعمر عن المـُتعة»!.
فقال ابن عبّاس: أراهُم سيهلكُون، أقول: «قال النبيُّصلىاللهعليهوآله ». ويقولُ: «نهى أبوبكر وعمر»(1) .
وكان عبد الله بن عمر يُفتي بالذي أنزل الله عزّ وجلّ من الرُخصة بالتمتّع، وبما سنّ رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله فيها، فقال ناسٌ لابنِ عمر: كيف تُخالفُ أباكَ، وقد نهى عن ذلك؟.
فقال لهم: وَيْلكم، ألا تتّقون الله؟ إن كان عمر نهى عن ذلك، فيُبتغى فيه الخير؟!
فلِمَ تُحَرِّمون ذلك، وقد أحلّه الله، وعمل به رسول الله عليه الصلاة
____________________
(1) مسند أحمد - طبعة شاكر - 5: 48/3121 وطبعة مصر (6 أجزاء) 1: 337، الفقيه والمتفقّه 1: 145، السنة قبل التدوين: 88. [ آل الزبير عندهم عُقدة شديدة من المـُتعة، ومناظرات عبد الله بن الزبير مع ابن عبّاس كثيرة في هذا الأمر حتّى أحرجه ابن عبّاس وأثبت له أنّه ابن مُتعة! وتكلّمنا بما فيه الكفاية في موضعه عن ذلك ].
والسلام؟!
أفرسولُ اللهصلىاللهعليهوآله أحقُّ أن تتَّبعوا سُنَّتَهُ؟ أم سُنّةَ عُمر(1) !؟
وللشافعيّ في ذلك قول قاطع، قال:
لقد ضَلّ مَنْ ترك قولَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لقولِ مَن بعده(2) . وقال ابن حزم: ومن جاءه خبرٌ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يُقرُّ أنّه صحيح، وأنّ الحجّة تقوم بمثله، أو قد صحّح مثل ذلك الخبر في مكان آخر، ثمّ ترك مثله في هذا المكان، لقياسٍ، أو لقولِ فلان وفلان؛ فقد خالفَ أمر الله ورسوله، واستحقّ الفتنة، والعذاب الأليم(3) .
وقال الدكتور عبد الغني عبد الخالق: لا يصحّ لنا أن نقول بالتعارض بين قول صحابيٍّ، وبين قول النبيّصلىاللهعليهوآله والإجماع، فإنّهما مقدّمان عندنا.
وقال: إنّ عملَ الصحابيّ، أو قوله، ليس بحجّة(4) .
أساليب عمر في المنع
«قال قرظة بن كعب: بَعَثنا عمرُ بن الخطّاب إلى الكوفة، وشيَّعَنا إلى موضع قرب المدينة، يقال له: «صِرَار»، وقال: أتدرون لِمَ شيّعتُكم، أو مشيت معكم؟
قال: قلنا: نعم؛ لِحَقِّ صُحبة رسول الله، أو: نحنُ أصحابُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ،
____________________
(1) مسند أحمد - طبعة شاكر - 8: 77/ 5700. وإسناده صحيح ونقله ابن كثير في البداية والنهاية 5: 141، السنّة قبل التدوين: 90.
(2) الفقيه والمتفقّه 1: 149.
(3) الأحكام، لابن حزم 1: 98.
(4) حجيّة السنّة، عبد الغني عبد الخالق: 465.
ولِحَقِّ الأنصار.
قال عمر: لكنّي مشيتُ معكم لحديثٍ أردتُ أن أُحدّثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم: إنّكم تُقْدِمون على قوم، أو تأتون قوماً تهتزُّ ألسنتُهم بالقرآن اهتزازَ النَخْل - أو: للقرآن في صدورهم هَزيرٌ كهزير المِرْجَل، أو: لهم دَوِيّ بالقرآن كدويّ النَّحْل - فإذا رأوكم مَدّوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحابُ محمّدصلىاللهعليهوآله - أو: فيأتونكم، فيسألونكم عن الحديث -؟
فأقلّوا الرواية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنا شريكُكم(1) !
وفي المستدرك على الصحيحين، بسنده عن قرظة بن كعب قال:
خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر بن الخطّاب إلى صِرَار، فتوضّأ ثمّ قال: لِمَ مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله مشيت معنا، قال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دَويّ بالقرآن كَدَويّ النحْل، فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم، جَرّدوا القرآنَ، وأقلّوا الرّواية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأمضوا وأنا شريككم. فلمّا قدم قرظة قالوا: حدّثنا، قال: نهانا ابن الخطّاب.
هذا حديث صحيح الإسناد له طُرُق تُجمع ويُذاكر بها، وقرظة بن كعب الأنصاري صحابيّ سمع من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ومن شرطنا في الصحابة أن لا
____________________
(1) ذكرناه بألفاظه المختلفة من مصادره:
طبقات ابن سعد: 6، سنن الدارمي 1: 73 ح 285 و 286، سنن ابن ماجة 1: 12 ح 28، باب التّوقّي في الحديث، شرف أصحاب الحديث، للخطيب: 92، جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البرّ 2: 120، تذكرة الحفّاظ 1: 7، كنز العمّال 2: 284 - 285/رقم 4017.
نطويهم، وأمّا سائر رواته فقد احتجّا به(1) .
عجب! أُناس لهم دَويّ بالقرآن كَدَويّ النّحل، فلماذا أرسل عمر إليهم عدداً من صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ ألاَ يكفيهم كتاب الله تعالى أم أنّهم مفتقرون إلى من صحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعلِم سننه ممّا ليس في القرآن الكريم، وسمعوا منهصلىاللهعليهوآله تفصيل المـُجْمَل من كتاب الله تعالى؛ فهم بهذا حملة قرآن كريم وحديث شريف، فلِمَ النهي الشديد عن حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والدخول من قِبَلِ صاحب الأريكة في شراكة مع وفده في ذلك المنع؟! وما هذا التعلّل بتجريد القرآن؟! أي أن لا يتحدّثوا بأحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لئلاّ يختلط بالقرآن!!
قومٌ ليسوا من البربر ولا أقاصي الصين والهند، إنّما هم جمجمة العرب وأشهر أمصارها «الكوفة» حاضرة العلم والفقهاء وبعد: فهم قوم لهم دَويّ بالقرآن كَدَويّ النَحْل - بوصف عمر -، فكيف والحال هذه يغيب عليهم ما هو من القرآن أو من غيره؟
والقرآن جاء معجزاً ببلاغته ولفظه، فكيف يجاريه حديث بشر حتّى وإن كان من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! إنّ القرآن الكريم الذي بأيدي الصحابة وبأيدي أولئك الذين لهم دَويّ بالقرآن كَدَويّ النَّحْل؛ القرآن هو نفس القرآن الذي بأيدينا اليوم، وسيبقى نفسه إذ تكفّل الله تعالى بحفظه حتّى قيام الساعة:( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (2) .
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 1: 183/347. قال في التلخيص ذيل المصدر: صحيح وله طرق.
(2) الحِجْر: 9.
فالقرآن غير الكتب السابقة التي امتدّت إليها يدُ التحريف والتغيير وأمّا القرآن فالإجماع حاصل على أنّه لم تزد فيه سورة ولا آية، بل ولا كلمة ولا نقطة؛ ولم يسقط منه شيء من كلّ ذلك، فهو معصوم بمشيئة الله تعالى.
إلاّ أن يكون مصحف الفاروق عمر فيه اختلاف وزيادات غابت عن أهل الكوفة وغيرهم وثبتت في مصحفه لعنايته الفائقة بالقرآن، فأراد أن يفيدهم بها - هذا في أحسن الظنّ -، فضلاً عن سوء ظنّه بالنّاس! وأنّهم سيعرض لهم ما عرض له - أي لعمر - من تجربة التهوّك، فنهره رسول اللهصلىاللهعليهوآله على رؤوس الأشهاد أَخْذَه من اليهود ونبّهه أن لا يعود لمثل ذلك ولا يُلبس القرآن بغيره ممّا يجده بأيدي اليهود، لا بأحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله لأنّ الأخيرة لفظها مُباين لألفاظ أهل الكتاب، ولأنّ الصحابة قد سمعوها وميّزوها، وسيأتي الكلام عن التهوّك.
مُصحف عمر بن الخطّاب
عن سعيد بن المسيّب قال: لمّا أفاض عمر من مِنْى أناخ بالأبطح فكوّم كَوْمة من بطحاء وطرح عليها طرف ثوبه ثمّ استلقى عليها ورفع يديه إلى السماء وقال: اللّهمّ كبُرتْ سِنّي وضعُفت قوّتي وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غيرَ مضيِّع ولا مفرِّط. فلمّا قدم المدينة خطبَ الناس فقال: أيّها الناس، قد فُرضت لكم الفرائض وسُنّتْ لكم السُّنن وتُركتم على الواضحة، ثمّ صفَقَ يمينه على شماله، وقال: إلاّ أنْ تضلّوا بالناس يميناً وشمالاً، ثمّ إيّاكم ان تهلِكوا عن آية الرجم وأنْ يقول قائل: لا نُحَدّ حَدّين في كتاب الله، فقد رأيت رسول الله [صلىاللهعليهوآله ]
رجم ورجمنا بعده، فواللهِ لو لا أن يقول الناس أحدثَ عمرُ في كتاب الله، لكتبتها في المـُصحف، فقد قرأناها، والشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتّة. قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجّة حتّى طُعن(1) .
إنّ عمر يؤكّد على مسألة خطرة تلك هي نقصان القرآن الكريم من آية فتعطّل بذلك حكم من أحكام الشريعة!
وإذا كان قد ذكر هنا أنّه قد سقطت من القرآن آية واحدة، فإنّه ذكر أنّ كثيراً من القرآن قد سقط!
«أخرج عبد الرزّاق في المصنّف عن ابن عبّاس قال: أمر عمر بن الخطّاب مناديه فنادى أنّ الصلاة جامعة، ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا أيّها الناس، لا تجزعُنّ من آية الرَّجْم، فإنّها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها، ولكنّها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمّد(2) !!
وهنا المصيبة أعظم وأدعى من وجهين أوّلهما:
أنّه لم يكتفِ بالتشكيك بصحّة القرآن الكريم وأنّه على حاله الذي أنزله الوحي الكريم وتكفّله الربّ العظيم، فلم يشبع رغبته في ذلك آية الرجم المزعومة، وإنّما ذهب إلى القول: لكنّها ذهبت في قرآن كثير! ولم يحدّد هذا الكثير ممّا يفتح الباب لمن يزعم بعده أنّ هذا كان من القرآن وقد سقط، ويأتي بكلامٍ من عنده!
____________________
(1) طبقات ابن سعد 3: 255.
(2) الدرّ المنثور 5: 179.
ومسألة أخرى: أنّه لم يذكر من هذا الكثير الذي كان من القرآن الكريم ثمّ سقط إلاّ آية الرجم للشيخ والشيخة، وما ذكره من سقوط سورتين من القرآن!! وتحريفه لنصّ آية - سنأتي على ذلك -؛ فلو أنّه ذكر ذلك الكثير أو الكثير من الكثير، فلعلّه أفاد المسلمين بذلك؟!
واعتراض آخر: أين غاب طليعة السبق إلى الإسلام، وأوّل سابق هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام الذي تربّى في حِجر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم يفارقه ليلة الخميس فيلتحق في صفّ أهل السقيفة التي وطّأت الأمر لأهل «الأريكة»، وكانعليهالسلام يسمع الوحي ويراه إلاّ أنّه ليس بنبيّ كما قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله . هلاّ سمع وسمع صاحبه «أبوبكر» وأفاضل الصحابة ما سمعه عمر؟!
الطّامّة العظمى: وكما أنّ عمر كان من المتهوّكين كما قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إذ كان من المفتتنين بأهل الكتاب وأحضر إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله نُسخاً من كتبهم أعجبته فنهره رسول اللهصلىاللهعليهوآله بغضب - يأتي بيانه -، وأنّه هدم ركن النبوّة كما ذكرنا في أكثر من موضع من ذلك يوم أُحد حينما كان مع طلحة ومجموعة فلمّا سُئلوا قالوا: قُتل محمّد! ويوم الرزيّة وما أحدثه من الجَلَبة في معارضته للنبيّصلىاللهعليهوآله في كتابة الكتاب وقوله: إن الرجل لَيَهْجُر، أي يهذي لا يدري ما يقول - معاذ الله -، وكما سمّاه وجماعته «محمّد»! من غير أن يكلّفوا أنفسهم أن يقولوا: قُتل رسول الله، أو قُتل نبيّ الله؛ فهو هنا أيضاً سلك ذات المسلك، فإنّ محمّداًصلىاللهعليهوآله رجل جاء بشيء اسمه قرآن فلمّا ذهب؛ وهذه لا تخلو من سوء، فهي تعني انتهى أمره ...؛ ذهب معه كثير ممّا جاء به من قرآن!.
وممّا جاء في مصحف عمر: ما ذكره في كنز العمّال، من مسند عمر، عن المِسْوَر بن مَخْرَمة قال: قال عمر لعبد الرحمان بن عَوْف: ألَم نجد فيما أُنزل علينا أن (جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة)؟، فإنّا لم نجدها، قال: أُسقط من القرآن(1) !.
غفرانك ربَّنا أن نقول ما قالوا، ونبرأ إليك من ذلك.
ومن ذلك: عن عَدي بن عَدي بن عَميرة بن فَرْوة(2) عن أبيه عن جدّه، أنّ عمر بن الخطّاب قال لأبي: أوَ ليسَ كنّا نقرأ من كتاب الله: أنّ انتفاءكم من آبائكم كفرٌ؟ فقال: بلى، ثمّ قال: أوّ ليسَ كنّا نقرأ: الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجر؟ فُقد فيما فقدنا من كتاب الله؟ قال: بلى(3) .
آيةٌ أُخرى
وأخرج في كنز العمّال «من مسند عمر» عن حذيفة، قال: قال عمر بن الخطّاب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلتُ: اثنتين أو ثلاثاً وسبعين، قال: كانت
____________________
(1) كنز العمّال 2: 567/4741.
(2) ذكره العجليّ فقال: ثقة (تاريخ الثقات: 330/ 1116). عمل لمر بن عبد العزيز مات سنة (120). تاريخ البخاري الكبير (4: 1: 44) والثقات، لابن حبّان 5: 270، الجرح والتعديل: 7/ الترجمة 6،
(3) كنز العمّال 6: 208/ 37215.
لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها آية الرَّجْم(1) . ومثله ذكر ابن مَرْدَويه بسنده عن حُذيفة(2) .
وعن زِرّ - بن حُبَيْش، قال: قال لي أُبي بن كعب: يا زِرّ، كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ قلتُ ثلاثاً وسبعين آية، قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة، وإن كنّا لنقرأ فيها آية الرَّجْم. وفي لفظ آخر في آخرها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله. واللهُ عزيزٌ حكيم. فرفع فيما رُفع(3) .
وعن عمر قال: قرأ رجلان من الأنصار سورةً أقرأهما رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله وكانا يقرآن بها فقاما يقرآن بها ذاتَ ليلة يصلّيان، فلم يقدرا على حرفٍ منها، فأصبحا غاديين على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فذكرا ذلك له فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّهما ممّا نُسخ أو نُسيَ فالْهَوا عنها(4) .
وقد شايعه ابنُه عبد الله مع اختلاف في آخره، قال: وأُنسي. رواه الطبراني في الأوسط(5) .
____________________
(1) نفسه 2: 480/4550، مسند أحمد 5: 132؛ المستدرك على الصحيحين 2: 415، و 4: 359، سنن البيهقي 8: 211.
(2) نفسه.
(3) نفسه: 567.
(4) مجمع الزوائد 6: 315.
(5) نفسه 7: 156.
تحريفُ كتاب الله عزّ وجلّ
أنزل الله تعالى القرآن العظيم وتكفّل حفظَه وصَوْته من التحريف الذي مارسه اليهودُ والنصارى وغيرُهم بما أنزل الله عزّ وجلّ:( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) ،( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ) (2) ،( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (3) فالقرآن الكريم نزل به جبريل الأمين على النبيّ الصادق الأمين من لَدُن حَكيمٍ في أقواله، خبير بعواقب الأُمور. فآياته محكمة في لفظها، مصونة من أيّ دخَل؛ مفصّلة في معناها، فهو كامل صورةً ومعنىً، ولذا بقي على الصورة التي نزلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله رغم محاولات البعض العبث ببعض ألفاظه فذهبت محاولاتهم هباءً منثوراً.
محاولات البعض: من طُرُقٍ مختلفة، أنّ عمر بن الخطّاب كان يقرأ «فاسعوا» في سورة الجمعة «فامضوا».
ذكر مالك في الموطّأ، قال: حدّثني يحيى عن مالك أنّه سأل ابن شهاب - الزهريّ - عن قول الله عزّ وجلّ( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللّهِ ) (4) الآية؛ فقال ابن شهاب: كان عمرُ بن الخطّاب يقرؤها: إذا
____________________
(1) الحِجْر: 9.
(2) يونس: 1.
(3) هود: 1.
(4) الجُمعة: 9.
نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله.(1)
ومثله ذكر البخاري(2) .
وأخرج الطبريّ بسنده، قال: حدّثنا عبد الحميد بن بيان السكّريّ، قال: أخبرنا سفيان، عن الزُهريّ، عن سالم - بن عبد الله بن عمر -، عن أبيه، قال: ما سمعتُ عمر يقرؤها قطّ إلاّ فامضوا(3) .
والطبريّ: حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا ابن عَديّ، عن شُعبة، قال: أخبرني مغيرة، عن إبراهيم أنّه قيل لعمر: إنّ أُبيًّا يقرؤها: «فاسعوا»، قال: أما إنّه أقرؤنا وأعلمـُنا بالمنسوخ، وإنّما هي «فامضوا»(4) .
هذا بعضُ ما ورد عن عمر بشأن القرآن؛ فجمع بذلك أمرين:
الأوّل: هو المنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ومارسه عمليّاً بجمع كتب الحديث لدى الناس فأحرقها، ففُقد بذلك كثير من أحكام الله تعالى!.
والثاني: نسبته إلى القرآن ما ليس منه، وتحديّه للهِ تعالى بهتكه حُرمة القرآن الكريم، بزعمه سقوط الكثير منه، فخالف بذا وذا قول الله تعالى بتكلّفه صَوْن القرآن وحفظه.
ولعلّ ما كان من عمر بشأن القرآن هو الذي شجّع غيره على ممارسة
____________________
(1) المـُوطّأ، لمالك 1: 106/13.
(2) صحيح البخاري 1: 106/13 - باب تفسير القرآن -.
(3) تفسير الطبريّ 27: 127/26428.
(4) نفسه/26429.
إساءاتٍ في تحريف بعض آيات القرآن المبين؛ أو تأييد قول عمر، وقد ذكرنا قول أُبيّ بن كعب: إنّ سورة الأحزاب كانت أطول من سورة البقرة، ثمّ زعم أنّ آية الرَّجْم منها؛ وهو قول عمر، ثمّ قرأ آيةً مفتعلة.
وذكرنا تأييد ابن عمر لأبيه في زعمه أنّ سورتين من القرآن نُسختا أو نُسيتا.
أُمّهات المؤمنين يُحرّفن آية
حدّث يحيى بن يحيى التميميّ، قال: قرأتُ على مالك عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة أنّه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغتَ هذه الآية فآذنّي:( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى ) (1) ، فلمّا بلغتُها آذنتُها فأملت عليَّ «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين» قالت عائشة: سمعتها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله (2) .
وبسندين عن أمّ حميد بنت عبد الرحمان، أنّها سألت عائشة عن الصلاة الوسطى، قالت: كنّا نقرؤها في الحرف الأوّل عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، «وحافظوا على الصلوات الوسطى صلاةِ العصر وقوموا لله قانتين»(3) .
____________________
(1) البقرة: 238.
(2) تفسير الطبريّ 2: 665، و 675.
(3) نفسه 2: 665.
وعن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن حَفْصة زوج النبيّصلىاللهعليهوآله أنّها قالت لكاتبِ مصحفها: إذا بلغتَ مواقيتَ الصلاة فأخبرني حتّى أُخبرك بما سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلمّا أخبرها، قالت: اكتب، فإنّي سمعتُ رسول الله -صلىاللهعليهوآله - يقول: «وحافظوا على الصّلاة والصّلاة الوسطى وهي العصر»(1) .
أيضاً عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن حَفْصة أمرت مولىً لها أن يكتب مصحفاً فقالت: إذا بلغت هذه الآية( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى ) فلا تكتبها حتّى أمليها عليك! كما سمعتُ رسول الله يقرؤها، فلمّا بلغها أمرته فكتبها «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر». قال نافع: فقرأت ذلك المصحف فوجدتُ فيه الواو(2) .
ومن الصحابة ممّن اقتدى بأُمّهات المؤمنين ثمّ رجع عن ذلك:
البَراءُ بن عازِب، قال: نزلت هذه الآية «حافظوا على الصلوات والصلاة العصر»، قال: فقرأتُها على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن نقرأها، ثمّ إنّ الله نسخها فأنزل:( حافِظُوا عَلَى الصّلَوَاتِ وَالصّلاَةِ الْوُسْطَى ) (3) .
أحاديث التهوّك
كان من المبرّرات التي احتجّ بها عن لمنع تدوين الحديث، وشايعه آخرون
____________________
(1) نفسه: 666.
(2) تفسير الطبريّ 2: 274.
(3) نفسه: 673.
على ذلك، هو التخوّف من ترك القرآن والاشتغال بغيره، ذلك قوله: «إنّي كنتُ أردتُ أن أكتب السنن، وإنّي ذكرتُ قوماً كانوا قبلكم كبتوا كتباً فأكبّوا عليها، وتركوا كتابَ الله تعالى، وإنّي - والله - لا ألْبس كتابَ الله بشيءٍ أبداً»(1) .
وكان عبد الله بن مسعود يؤكّد على تبرير المنع بهذا.
عن إبراهيم التميميّ، قال: بلغَ ابنَ مسعود أنّ عند ناسٍ كتاباً يُعجبون به، فلم يزل معهم حتّى أتوه به فمحاه، ثمّ قال: إنّما هلك أهل الكتاب قبلكم أنّهم أقبلوا على كُتب علمائهم، وتركوا كتاب ربّهم(2) .
والرّوايات عن ابن مسعود في هذا الميدان عدّة نكتفي بالرّواية السابقة وما سنذكره من رواية:
عن سليم بن الأسود، قال: كنتُ أجالس أباناً في المسجد، فأتيتُهم ذات يوم، فإذا عندهم صحيفة يقرؤونها، فيها ذِكرٌ، وحمدٌ، وثناءٌ على الله، فأعجبتني، فقلتُ لصاحبها: أعطنيها، فأنسخها.
قال: فإنّي وعدتُ بها رجلاً، فأعدّ صحفك، فإذا فرغ منها، دفعتُها إليك.
فأعددتُ صحفي، فدخلتُ المسجدَ ذات يومٍ، فإذا غلامٌ يتخطّى الخَلْق، يقول: أجيبوا عبد الله بن مسعود في داره.
فانطلق الناس، فذهبتُ معهم، فإذا تلك الصحيفةُ بيدِه، وقال: ألاَ إنّ ما في هذه الصحيفة فتنة، وضلالة، وبِدعة، وإنّما هلك مَن كان قبلكم من أهل الكتب -
____________________
(1) تقييد العلم: 49.
(2) سنن الدارمي 1: 100 ح 475.
باتّباعهم الكتب، وتركهم كتاب الله، وإنّي أُحرّج على رجلٍ يعلم منها شيئاً إلاّ دلّني عليه، فوالذي نفسُ عبد الله بيده، لو أعلم منها صحيفة بدَيْر هندٍ لأتيتُها، ولو مشياً على رجلي، فدعا بماءٍ فغسل تلك الصحيفة(1) .
وروى الدارميّ ذلك، ومحتوى الكتاب في روايته: «سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلاّ الله، والله أكبر». فقال عبد الله: إنّ ما في هذا الكتاب: بدعة، وفتنة، وضلالة، وإنّما أهلك من كان قبلكم هذا وأشباه هذا، إنّهم كتبوها، فاستلذّتها ألسنتُهم واُشربتها قلوبُهم(2) .
وعن أبي موسى الأشعريّ، قال: إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً واتّبعوه، وتركوا التوراة(3) .
وقد ذكر الخطيبُ البغداديّ هذا التبرير، وقال: فقد ثبت أنّ كراهة مَنْ كره الكتابَ من الصدر الأوّل إنّما هي لئلاّ يُضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يُشتغل عن القرآن بسواه.
ونُهي عن الكتب القديمة أن تُتّخذ، لأنّه لا يُعرف حقّها من باطلها وصحيحها من فاسدها، مع أنّ القرآن كفى عنها، وصار مهيمناً عليها(4) .
____________________
(1) تقييد العلم: 5 - 65.
(2) سنن الدارمي 1: 102 ح 485.
(3) تقييد العلم: 56.
(4) نفسه: 57.
نقدُ التبرير
أوّلاً: لا يخفى أنّ بعض هذا التبرير حقّ، وبعضه باطلٌ، وقد أراد أصحابه الخلط بينهما؛ فالمفروض في كلامهم أمران:
1 - إنّ ترك القرآن منهيّ عنه، وحرامٌ شرعاً.
وهذا حقّ لا ارتياب فيه.
2 - إن الاشتغال بغير القرآن يؤدّي إلى ترك القرآن، وهو أيضاً حرام، وهذا ليس بإطلاقه صحيحاً، بل:
إن كان الاشتغال بغير القرآن مؤدّياً إلى ترك القرآن، كان حراماً. وإلاّ، فإنْ لم يكن الاشتغالُ بغير القرآن مؤدّياً إلى ترك القرآن، فهو ليس بحرامٍ قطعاً!
فانظر رحمك الله! مَن جعل الفرض الأوّل، كالفرض الثاني - في الحكم - وإطلاق أنّهما يؤدّيان إلى ترك القرآن، فهو خلطٌ بين حقّ وباطل وإيهام وإغراء قبيح!
ونجدهم قد استعملوا كلمات «الاشتغال» و «الانكباب» و «الانهماك» ليضخّموا ويهوّلوا الأمر ويزيدوه تبشيعاً.
وإلاّ، فليس في مجرّد كتابة شيءٍ من الحديث «اشتغال» أو «انكباب» أو «انهماك» عن القرآن، ولا يؤدّي إلى «ترك» القرآن.
ومن هنا، نجد بشاعة قول ابن مسعود: إنّ الصحيفة المحتوية على قول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إلهَ إلاّ الله، والله أكبر» بدعة وفتنة وضلالة!! ولماذا، متى كانت هذه الكلمات الأربع باطلة؟! وهي من الأذكار التي جاء بها الإسلام،
ومفرداتها إنّما هي كلماتٌ وجُمَل من القرآن، توحيد لله تعالى وتسبيح وحمدٌ وتكبير؛ فأيّ باطل فيها، وكيف تُؤدّي إلى ترك القرآن؟!
ثانياً: إن ترك القرآن - وهو فعل محرّم باطل عند المسلمين - مَن هو المتّهمُ به من بين المسلمين الذين أرادوا جمع الحديث، وتأليفه، وتدوينه وتقييده؟ وهم في ذلك العصر، بين صحابيّ جليل، أو تابعيّ فاضل، أو مؤمن طالب للعلم الذي هو حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ أو كلمة ذكرٍ وثناءٍ وتمجيدٍ لله، كما كان في صحيفة ابن مسعود؟
أليس اتّهام أهل تلك الطبقة، اتّهاماً لأهل خير القرون وهم سلف المسلمين وهتكاً لحرماتهم؟
فلا يبقى مَن يتصوّر أنّ ترك القرآن والاشتغال بغيره بحقّهم، إلاّ القلائل من الشذّاذ الجهلة، أو الذين دخلوا الإسلام طمعاً أو خوفاً، أو بغرض التشويش بين المسلمين كالمتهوّكين، وخاصّة من أهل الديانات الأُخرى وحتّى من الجاهليّة، ممّن لم يكن يرغب في تدوين السنّة وكتابة الحديث قطعاً!
ثالثاً: إنّ ما يؤدّي إلى ترك القرآن من الكتب هو ما كان منافياً للقرآن في أهدافه ومحتوياته، من عقائد، وأحكام، وأخبار. وأشهرها آنذاك كتب الضلالة التي كان يتداولها أهل الكتاب من يهود ونصارى، وهي: التوراة، والإنجيل المحرّفان، وما دار حولهما من أساطير.
وقد جاء التصريح بذلك في أكثر كلمات المانعين بهذا التبرير. فقد ذكر عمر
ذلك - لما أحرق كتب الناس - فقال: اُمنية كاُمنية أهل الكتاب(1) ، أو: مثناة كمثناة أهل الكتاب(2) .
ويلاحظ أنّ كلمة «مشناة» إنّما هو مصطلح يهوديّ عبّروا به عن التوراة المبدّلة المحرّفة، في قبال التوراة التي لم تبدّل، وقد فسّر الكلمة بهذا المعنى أبو نعيم الإصفهاني(3) .
وكان ابن مسعود تلميذ عمر في هذه السياسة لا يتخطّاها. وقد علّق مُرَّة - الذي نقل عن ابن مسعود أنّه محا كتاباً - بقوله: «لو كان من القرآن أو السنّة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب»(4) .
ولا ريب أنّ الاعتماد على كتب أهل الكتاب يؤدّي إلى ترك القرآن، لما بين القرآن وتلك الكتب من التنافي البيّن.
____________________
(1) تقييد العلم: 52.
(2) طبقات ابن سعد 5: 140 - طبع ليدن -، والصواب (مشناه) ويلاحظ أن عمر هو أوّل مَن أطلق (مشناه) على السنّة المحمّديّة والحديث النبويّ، حيث استعملها في مقام تشبيه ما كتبه الناس من الحديث بما كتبه اليهود.
ولاحظ بهذا الصدد: الإسلام عقيدةً وشريعة لمحمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر (492 - 494)، والسنّة النبويّة وعلومها لأحمد عمر هاشم (18 - 19). وعن ارتباطه بالتوراة وسائر الكتب اليهوديّة، وبأحبار اليهود في المصنّف، لعبد الرزّاق (10: 313) وسنن الدارمي (1: 115) وتقييد العلم: 52.
(3) دلائل النبوّة، لأبي نعيم - طبعة حلب: 638، ذيل رقم 428.
(4) سنن الدارمي 1: 102.
فالقرآن جاء ناسخاً لتلك الكتب، والإسلام جاء ناسخاً لتلك الأديان. مع عدم وضوح ما في تلك الكتب من الحقّ والباطل، وكفاية القرآن عن حقّها - كما يقول الخطيب البغداديّ(1) .
ويكون نفس الالتزام بتلك الكتب دليلاً على الضلال، حيث يكون الملتزم بها غير مُعتقدٍ بحقّية القرآن أو بطلان تلك الكتب، أو أنّ ميله إليها وإعجابه بها - على الأقلّ - يكشف عن تردّده في الإسلام، وشكّه في القرآن، وهو «التهوّك» الذي أغضب النبيّصلىاللهعليهوآله ، فحذّر عنه بأساليب، هذه بعض الروايات في ذلك:
1 - روي عن عمر بن الخطّاب أنّه قال للنبيّصلىاللهعليهوآله : إنّا نسمع أحاديث من يهود، تُعجبنا! أفترى أن نكتبّها؟
فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : أمُتَهوِّكُون أنتم؟ كما تَهَوَّكَتْ اليهودُ والنصارى، لقد جِئْتُكم بها بيضاءَ نقيّةً(2) .
2 - روى الخطيب البغداديّ بسنده، عن عبد الله بن ثابت الأنصاريّ - خادم النبيّصلىاللهعليهوآله - قال: جاء عمر بن الخطّاب إلى النبيّصلىاللهعليهوآله ومعه «جوامع من التوراة» فقال: مررتُ على أخٍ لي من قُريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، أفلا أعْرضُها عليك؟
فتغيّر وجهُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال الأنصاريّ: أما ترى ما بوجه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ فقال عمر: رضيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمّدٍ رسولاً.
____________________
(1) تقييد العلم: 57.
(2) تقييد العلم: 57.
فذهب ما كان بوجه رسول اللهصلىاللهعليهوآله . فقالصلىاللهعليهوآله : والذي نفسي بيده لو أنّ موسى أصبحَ فيكم ثمّ اتّبعتموه وتركتموني لَضللتم؛ أنتم حظّي من الأُمم وأنا حظّكم من النبيّين(1) .
وعن بعض المصادر: إنّ الذي ردّ على عمر هو عبد الله بن زيد - الذي اُري الأذان - قال لعمر: أمسَخَ اللهُ عقلك؟ ألا ترى الذي بوجه رسول اللهصلىاللهعليهوآله (2) .
3 - وقال عمر: انطلقتُ أنا، فانتسختُ كتاباً من أهل الكتاب، ثمّ جئتُ به في أديمٍ.
فقال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ما هذا في يدك يا عمر؟
قلتُ: يا رسول الله، كتابٌ انتسختُه، لنزداد به علماً إلى علمنا! فغضبَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، حتّى احمرّت وجنتاه، ثمّ نُودِيَ بـ «الصلاة جامعة».
فقالت الأنصار: أُغضِبَ نبيّكم صلّى الله عليه، السلاحَ السلاحَ، فجاؤوا حتّى أحدقوا بمنبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فقال: يا أيّها الناس، إنّي اُوتيتُ جوامع الكلم وخواتيمه، واختُصر لي اختصاراً، ولقد أتيتُكم بها بيضاء نقيّة، فلا تتهوّكوا، ولا يقربنّكم المتهوّكون. قال عمر: فقمتُ، وقلتُ: رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبك رسولاً! ثمّ نزل رسول
____________________
(1) الأسماء المبهمة، للخطيب: 188 - 189 رقم 95، مجمع الزوائد 1: 174 عن أبي الدرداء. وفي ثلاث روايات برقم 10163 - 10165 - والمعترض على عمر في الثانية (عبد الله بن ثابت).
(2) الأسماء المبهمة، للخطيب البغداديّ: 189، رقم 95.
اللهصلىاللهعليهوآله (1) .
4 - وروى ابن أبي شيبة، بسنده عن جابر: أنّ عمر بن الخطّاب أتى النبيّصلىاللهعليهوآله بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب، فقال: يا رسول الله، إنّي أصبتُ كتاباً حسناً من بعض أهل الكتاب إلى آخره(2) .
5 - روى أبو داود عن أبي قلابة: أنّ عمر مرّ بقوم من اليهود، فسمعهم يذكرون دعاءً من التوراة، فاستحسنه، ثمّ جاء به النبيّصلىاللهعليهوآله فجعل يقرؤه، ووجه النبيّصلىاللهعليهوآله يتغيّر.
فقال رجل: يا ابن الخطّاب، ألا ترى ما في وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ فوضع عمر الكتاب.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله عزّ وجلّ بعثني خاتماً، واُعطيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي الحديث اختصاراً، فلا يُلهِيَنّكم المتهوِّكون؟
قلت لأبي قلابة: ما المتهوّكون؟
قال: المتحيّرون(3) .
6 - ذكر عبد الغني عبد الخالق رواية عن الدارميّ، عن جابر بن عبد الله: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله حين أتاه عمر فقال: إنّا نسمع أحاديث من يهود تُعجبنا، أفَترى أن نكتب بعضها؟
____________________
(1) تقييد العلم: 52، وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البرّ 2: 42.
(2) المصنّف، لابن أبي شيبة 9: 47 رقم 6472، مجمع الزوائد 8: 262، جامع بيان العلم 2: 42.
(3) المراسيل، لأبي داود السجستاني 3: 224، رقم 1.
فقالصلىاللهعليهوآله : أمتهوّكونَ أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتُكم بها بيضاء نقيّةً، ولو كان موسى حيًّا ما وسعه إلاّ اتّباعي.
وقال: قال في جواهر الكلام «ص 133» التهوّك: السقوط في هُوّة الردى(1) .
وقال الجوهري: في الحديث - عن طريق آخر - أنّ عمر أتاه بصحيفة، أخذها من بعض أهل الكتاب، فغضبصلىاللهعليهوآله وقال: أمتهوّكون فيها، يا ابن الخطّاب؟(2)
وقال أبو عبيدة في معنى متهوّكون، معناه: أمتحيّرون في الإسلام حتّى تأخذوه من اليهود؟
وقال ابن سيدة: يعني أمتحيّرون؟ وقيل معناه: أمتردّدون ساقطون(3) . هذا ورسول اللهصلىاللهعليهوآله بينهم، فيأتيه أشدّ الناس منعاً لحديثه فيما بعد «عمر» بصحفٍ وأحاديث وأدعية من عند يهود قد أجبته، ومن أخٍ له من «قُريظة» كما صرّح عمر، وبجوامع من التوراة أعطاه إيّاها أخوه اليهوديّ، وبكتابٍ من كتب اليهود انتسخه ليزداد به المسلمون علماً إلى علمهم ...؛ ممّا أسخط رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخاطب عمر ومَن يمكن أن يكون على شاكلته بالتشكيك والسقوط في هُوّة الردى، كما حصل لأصحاب التوراة والإنجيل.
والوقائع فيما بعد تؤكّد كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع عمر: «أمتهوّكون»؟ فلمّا أرادصلىاللهعليهوآله أن يكتب كتاباً لنْ تضلّ أُمّته بعده، وذلك في مرضه الذي قُبض فيه،
____________________
(1) حجّية السنّة: 317.
(2) الصحاح للجوهريّ (هوك)، ولسان العرب 12: 400.
(3) لسان العرب 12: 400.
تصدّى له عمر، وانضمّ إليه جم من المتهوّكين، فمنعوه من كتابة الكتاب، لعلمهم بما سيكتب إذ قدّم لهمصلىاللهعليهوآله النصح والوصيّة بالتزام الثّقَلين كتاب الله العزيز، وعِترته أهل بيته، وأنّهم لن يضلّوا ما داموا متمسّكين بهما ...، ثمّ أراد أن يُثبت ذلك في كتاب فثارت نائرة عمر و كانت الرزيّة.
ولم تنقطع سلسلة ذلك العمل الذي بدأه أبوبكر بحرق أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآله ، وأكبّ عليه عمر بشدّة وآزره نفرٌ كانوا يكتبون حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ثمّ عدلوا عن ذلك فصاروا نسخةً ثانيةً لعمر في التشدّد في المنع وكانت حجّة عمر في المنع كما ذكرنا هو التخوّف من ترك القرآن والاشتغال بغيره - أي الحديث - مع استعمالهم مصطلح «مشناه» وهو مصطلح يهوديّ عبّروا به عن التوراة المبدّلة في قبال التوراة التي لم تبدّل. وذكرنا أنّ عمر هو أوّل مَن استعمل هذه الكلمة في مقام تشبيه ما كتبه الناس من الأحاديث النبويّة بما كتبه اليهود. وعمر أعرف بلغة اليهود، فله فيهم إخوان وهو معجب بكتبهم وعلمهم، ويريد من رسول اللهصلىاللهعليهوآله الإفادة منها.
وأيضاً بعد مضيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، بدّل في كلمات القرآن مع زعمه بوجود آيات وسور كانت على عهد النبيّصلىاللهعليهوآله ، فسقطت. وعاضده في ذلك بعض أمّهات المؤمنين، ونفر من الصحابة.
فلو أخذ المسلمون بأقواله، ولو لا الحفظ الربّانيّ للقرآن، لوجدنا قرآناً غير الذي بين أيدينا.
والحاصل أنّ ترك القرآن - والمراد به عدم الاعتقاد به - إنّما يترتّب على
الالتزام بكتب الأديان الأخرى، التي جاء القرآن نافياً لها وكافياً عنها، ليس على كتابة شيءٍ آخر ممّا لا يُعارض القرآن ولا ينافيه. وأمّا الحديث الشريف فلا يُمكن أن يتصوّر فيه أنّه معارض للقرآن. وقد صرّح القرآن نفسه بأنّ النبيّ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (1) .
وعن حسّان بن عطيّة، قال: كان جبريلعليهالسلام ينزل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالسنّة كما ينزل عليه القرآن، ويعلّمه كما يعلّمه القرآن(2) .
ونقل عن أحمد بن حنبل قوله: السنّة تفسّر القرآن وتبيّنه، والسنّة عندنا آثار رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والسنّة تفسير القرآن، وهي دلائل القرآن(3) .
وقال عبد الرحمان بن مهدي: الرجل إلى الحديث أحوجٌ منه إلى الأكل والشرب، لأنّ الحديث يفسّر القرآن(4) .
وقال ابن حزم لمّا بيّنّا أنّ القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله ووجدناه عزّوجلّ يقول فيه واصفاً لرسولهصلىاللهعليهوآله :
( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ ) (5) ، فصحّ لنا بذلك أنّ الوحي ينقسم
____________________
(1) النجم: 3 - 5.
(2) المراسيل: 249 ح 2.
(3) حجيّة السنّة: 332.
(4) نفسه.
(5) النجم: 3 - 4.
من الله عزّ وجلّ إلى رسوله على قسمين:
أحدهما: وحْيٌ، متلوٌّ، مؤلّف تأليفاً معجزَ النظام، وهو القرآن.
والثاني: وحْيٌ، مرويٌّ، منقول، غير مؤلّفٍ، ولا معجز النظام، ولا متلوّ، لكنّه مقروءٌ، هو الخبر الوارد من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهوالمبيّن عن الله عزّ وجلّ مرادَه(1) .
وقال الشيخ أبو زهو: السنّة هي أحد قِسْمَي الوحي الإلهيّ الذي نزل به جبريل الأمين على النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآله ، والقسم الثاني هو القرآن الكريم(2) .
وقال: وقد وكّل الله إلى نبيّهصلىاللهعليهوآله أن يُبلّغ القرآن الكريم للناس وأن يُبيّن لهم بقوله وفعله ما يحتاج إلى البيان، وهوصلىاللهعليهوآله إذ يُبيّن للناس كتاب الله لا يُصْدِر عن نفسه، ولكنّه يتّبع ما يوحى إليه من ربّه، فالسنّة النبويّة وظيفتها تفسير القرآن الكريم والكشف عن أسراره، وتوضيح مراد الله تعالى من أوامره وأحكامه(3) .
وقال الشيخ عبد الغني عبد الخالق: السنّة مع الكتاب في مرتبة واحدة من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على الأحكام الشرعيّة، ولا نزاع أنّ الكتاب يمتاز عن السنّة بأنّ لفظه منزّل من عند الله، متعبّد بتلاوته، معجزٌ، ولكن ذلك لا يوجب التفصيل بينهما من حيث الحُجيّة(4) .
إنّ السنّة الشريفة امتدادٌ للقرآن، وتطبيقٌ عمليّ لمؤدّاه، وليس اتّباع السنّة
____________________
(1) الاحكام في اُصول الأحكام، لابن حزم 1: 93.
(2) الحديث والمحدّثون: 11.
(3) الحديث والمحدّثون: 38.
(4) حجيّة السنّة: 485.
إلاّ اتّباعاً للقرآن، وتطبيقٌ عمليٌّ لمؤدّاه، وليس اتّباع السنّة إلاّ اتّباعاً للقرآن، حيث أمر الله سبحانه بذلك في كتابه الكريم بالأخذ بما أمر به الرسولصلىاللهعليهوآله ؛ فقال:( مَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (1) .
ولا تختلف السنّة عن القرآن في الحُجيّة، وقد أجمع على ذلك علماء الإسلام، وعقد أهل الحديث في كتبهم أبواباً تدلّ تراجُمها على ذلك فقد ترجم الخطيب البغداديّ أوّل أبواب كتابه «الكفاية» بعنوان «باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى، وحكم سُنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، في وجوب العمل، ولزوم التكليف»(2) .
وترجم الباب الثاني منه بعنوان «باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن، وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان»(3) .
وأورد في كتابه «الفقيه والمتفقّه» أحاديث دالّة على أنّ السنّة معتبرة في عرض الكتاب(4) .
منهج عمر في المنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله
لقد انتهج عمرُ منهجاً متعدّد الأطراف لتحقيق هدفه في منع حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله من ذلك:
____________________
(1) الحشر: 7.
(2) الكفاية: 39.
(3) الكفاية: 45.
(4) الفقيه والمتفقّه 1: 86.
أوّلاً: منعَ وفدَ الصحابة الذين أرسلهم إلى الكوفة من الرواية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ...، وقد مضى الكلام عن ذلك.
ثانياً: منع عمر صحابة عن الحديث:
- فمنع أبا هريرة:
قال عمر لأبي هريرة: لتتركنّ الحديثَ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أولاُلْحقنّك بأرضِ دَوْسٍ(1) .
وقال له أيضاً: لتتركن الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أو لاُلْحقنّك بأرض الطنيح - يعني أرض قومه -(2) .
وقال له: لتتركنّ الرواية - أو الإكثار من الرواية - أو لألحقنّك إلى جبال دَوْس(3) .
وقال ابن أبي الحديد: ضربه عمر بن الخطّاب - في خلافته - بالدرّة، وقال له: لقد أكثرتَ الرواية، وأحْرِ بك أن تكون كاذباً على رسول اللهصلىاللهعليهوآله (4) :
- ومنع ابن مسعود، وأبا مسعود:
بعث عمر إلى أبي مسعود الأنصاريّ، وابن مسعود، فقال: ما هذا الحديثُ
____________________
(1) المحدّث الفاصل بين الرواي والواعي، للرامهرمزي (المتوفّى 360 هـ): 554، رقم 746، البداية والنهاية 8: 106.
(2) أخبار المدينة المنوّرة، لابن شبّة 3: 800.
(3) الاعتصام بحبل الله المتين، للقاسم بن محمّد الزيديّ 2: 29، تاريخ مدينة دمشق 67: 343.
(4) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 68.
الذي تُكثرونه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله (1) .
ونقله ابن عديّ، وفيه: بعث عمر بن الخطّاب إلى عبد الله بن مسعود، وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا الحديث الذي تُكثرون عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فحبسهم بالمدينة حتّى استُشهد(2) .
- ومنع أبا موسى الأشعريّ - لمّا بعثه إلى العراق - بمثل ما ورد في حديث قرظة بن كعب. «ذكرناه مع مصادره».
- ومنع عمرُ عامّة الناس عن الحديث:
خطبَ عمرُ، وقال: ألاَ، لا أعْلَمنّ ما قال أحدكم: إنّ عمر بن الخطّاب منعنا أن نقرأ كتاب الله، إنّي ليس لذلك أمنعكم.
ولكن، أحدكم يقوم لكتاب الله، والناس يستمعون إليه، ثمّ يأتي بالحديث من قبل نفسه! إنّ حديثكم هو شرُّ الحديث، وإنّ كلامكم هو شرُّ الكلام.
مَن قام منكم، فليقُم بكتاب الله، وإلاّ فليجلس، فإنّكم قد حدّثتم الناس حتّى قيل: «قال فلان، وقال فلان» وتُرك كتاب الله(3) .
وقفة قصيرة مع خطبة عمر
إنّ ظاهر هذه الخطبة المنع من حديث المتكلّمين خلالَ القرآن، ولم يصرّح
____________________
(1) تاريخ دمشق 39: 108.
(2) الكامل، لابن عديّ 1: 18.
(3) تاريخ المدينة المنوّرة، لابن شَبّة 3: 800.
فيه بالمنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لكن يمكن أن يُفهم ذلك بملاحظة اُمور:
1 - إيراد ابن شَبّة لهذه الخطبة في سياق ما نقله من منْعِ عمر للصحابة من نقل الحديث والرواية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
2 - ظهور الخطبة - وخاصّة الفقرة الأخيرة منها - في تأكيد عمر على ترك كلّ حديث ما سوى كتاب الله، وهو نفس المقولة المعروفة عن عمر «حسبُنا كتاب الله» ويؤدّي مؤدّاها.
إنّ عمر كان يردّد «حسبُنا كتاب الله» في مقابل الحديث وروايته، كما يظهر من تعليله المنع من الحديث بالمحافظة على القرآن وخوف تركه الاشتغال بغيره. وهو ما عرفناه منه مراراً في أقواله التي تضمّنت منع التدوين، كقولِه: إنّي لا ألْبس كتاب الله بشيء أبداً.
3 - إنّ حسن الظنّ بالمحدّثين في ذلك العصر، يقتضي أنّ الشيء الذي ينقلونه خلال قراءتهم للقرآن الكريم، وإلى جنب آياته، بحيث يقبله المسلمون إذا استمعوا إليه أن يكون مقدّساً، وحقّاً، لا كلّ كلام صدَرَ من أيّ أحدٍ وبأيّ محتوىً.
ولا يُعقل من معلميّ القرآن، ولا بدّ أن يكون فيهم مجموعة من الصحابة إن لم يكن كلّهم منهم، ومجموعة من التّابعين الكبار، أن يقرأوا القرآن، ويحدّثوا الناسَ في أثناء تلاوتهم بأشياء باطلة، وبأشياء تكون «شرّ الحديث» كما عبّر عنها عمر! ومع هذا يقبل المسلمون ذلك ولم ينتبهوا إلى بطلانه! إلاّ بتنبيه مر؟!
إنّ أفضل تفسير لذلك: أن يكون ما ينقلونه من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، غير
أنّه من الأحاديث التي لم تَرُق السلطة الحاكمة، وممّا يُعارض سياستها.
ثالثاً: عمر يُهدّد الصحابة على الحديث ويهينهم
- أخرج الفسويّ بسنده قال: حدّثنا أبو نُعَيم، أخبرنا طلحة بن يحيى، عن أبي بُردة، قال: جاء أبو موسى - الأشعريّ - إلى عمر فقال: أيدخل الأشعريّ؟ أيدخل عبد الله بن قيس؟ أيدخل أبو موسى؟ ثمّ انصرف. فبعث عمرُ على أثره، فقال أبو موسى: سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «ليستأذنّن أحدُكم ثلاثاً فإنْ اُذنض له، وإلاّ فليرجع». قال: لئن لم تأتني على ذي بِبيِّنةٍ لأُعاقبنّك ولأفعلنّ بك كذا وكذا!»(1) .
وفي لفظ: «أقم عليه البيّنة وإلاّ أوجعتك»(2) .
فجاء باُبيّ بن كعب، فقال: يا عمر! أبعثت تُعذّب أصحاب محمّد؟، سمعتُ النبيَّصلىاللهعليهوآله يقول ذلك(3) .
وبسنده أخرج مسلم عن طلحة بن يحيى عن أبي بُرْدَةَ عن أبي موسى الأشعريّ، قال: جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطّاب فقال: السلام عليكم هذا عبدُ الله بن قَيْس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم هذا أبو موسى، السلام عليكم هذا الأشعريّ، ثمّ انصرف، فقال رُدّوا عليَّ رُدّوا عليَّ فجاء. فقال: يا أبا موسى ما
____________________
(1) المعرفة والتاريخ 1: 110. ومسند أحمد 4: 398 طبعة دار صادر - بيروت، سنن الدارمي 2: 2274 طبعة الاعتدال - دمشق، سنن أبو داود 2: 514 رقم 5181.
(2) الموطّأ 2: 964، صحيح مسلم 7: 131، الرسالة، للشافعيّ: 430.
(3) المعرفة والتاريخ، للفَسَويّ 1: 110.
ردّكَ، كُنّا في شُغْلٍ، قال: سمِعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقولُ: «الإِستئذانُ ثلاثٌ فإنْ أُذِنَ لكَ وإلاّ فارجِعْ» قال: لَتأْتِيَنّي على هذا ببيّنةٍ، وإلاّ فعلتُ وفعلتُ! فذهب أبو موسى.
قال عمر: إنْ وجدَ بَيِّنةً تجدوهُ عن المِنبر عشيّةً، وإنْ لم يجدْ بَيِّنةً فلمْ تجدوه. فلمّا أن جاء بالعَشِيِّ وجدُوه، قال: يا أبا موسى ما تقولُ أقد وجدتَ؟ قال: نعم، أُبيَّ بنَ كَعْبٍ، قال: عدلٌ. قال: يا أبا الطُّفَيْل ما يقولُ هذا؟! قال: سمِعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقولُ ذلك يا ابنَ الخطّاب فلو تكوننَّ عذاباً على أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال سبحانَ الله إنّما سمِعتُ شيئاً فأحببتُ أن أتثبّتَ!(1) .
لقد تذرّع بأنّه خشي الكذب على النبيّصلىاللهعليهوآله ، وأراد الاحتياط في الحديث والرواية.
إلاّ أنّها ذريعةٌ باطلة، إذ إنّ الصحابيّ العادل إذا سمع شيئاً من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وجبَ عليه تبليغُه وأداؤه إلى الآخرين، لأنّه سنّة، والسنّة شريعة، والصحابةُ من حفّاظها. فكيف يجوز لأحدٍ أن يتشدّد عليهم هكذا؟
ولو فرضنا أنّه لم يجد مَن سمع الحديث من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيشهد له، فهل يجوز أن يُهان ويُكَذَّب ويُهدَّد؟!
وما الجواب في عدم ردّه سلام أبي موسى ثلاث مرّات، أموافق لخُلثق القُرآن والسنّة، أم مخالف؟!!
أليس هذا سدًّا لباب الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ وهذا ما صرّح به
____________________
(1) صحيح مسلم 7: 134 - 135.
أبوهريرة جرّاء ما حديث له من تهديد عمر له، وفي روايات أنّه ضربه بالدرّة، كما ذكرنا، حتّى امتنع أبوهريرة من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله تماماً، أو بما يوافق مزاج السلطة.
وقبل أن نأتي على ذكر ما يخصّ ما كان بين عمر وأبي هريرة بشأن الحديث؛ نذكر نصوصاً أُخرى بما جرى لأبي موسى:
أخرج ابن ماجة، قال: حدّثنا أبوبكر، حدّثنا يزيد بن هارون. أنبأنا داود بن أبي هند عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد الخُدْريّ، أنّ أبا موسى استأذن على عمر ثلاثاً، فلم يُؤذَن له، فانصرفَ. فأرسل إليه عمرُ: ما ردّكَ؟ قال: استأذنتث الاستئذان الذي أمرنا به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثلاثاً، فإنْ أُذِنَ لنا دَخَلْنا، وإن لم يُؤذن لنا رجَعْنا. قال، فقال: لَتَأتِيَنّي على هذا بِبَيِّنةٍ، أو لاَفعلَنَّ.
فأتى مجلس قومه فناشدهم. فشهِدوا له. فخلّى سبيله(1) .
ولا تعليق لنا على الرّواية أكثر ممّا مضى إلاّ أن نقول: إنّ التهديد قد أخذ من أبي موسى مأخذه! وهو يسمع التوكيد على أن يأتي بشاهد على قوله «لَتَأتِيَنّي» وإنهائها بالوعيد والتهديد «أو لأفعلنَّ». مما حمله على مناشدة قومه ليشهدوا له عند عمر، بصدق دعواه، لينجوا من عقوبته المرتقبة. فلمّا تحقّق له ذلك، نجا بجلدِه من الدرّة!
وممّا يُعبّر عن الحالة النفسيّة المضطربة جرّاء تهديدات عمر الجادّة بشأن الصحابة في مجرّد روايتهم حديث واحد لرسول اللهصلىاللهعليهوآله فقد أخرج مسلم رواية
____________________
(1) سنن ابن ماجة 2: 1221، باب 17 (باب الاستئذان) رقم 3706.
أبي موسى، قال: حدّثني عمرو بن محمّد بن بُكَيْر النّاقد، حدّثنا سُفيان بن عُيَيْنة حدّثنا يزيد بن خُصَيْفة عن بُسْر بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ أبا سعيدٍ الخُدْريّ يقولُ كنتُ جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فَزِعاً أو مذعوراً! قُلنا: ما شأنُك؟ قال: إنّ عمر أرسل إليَّ أن آتِيَهُ فأتيتض بابَه فسلّمتُ ثلاثاً فلم يَردَّ عليَّ فرجعتُ، وقد قال رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله : «إذا استأذنَ أحدُكم ثلاثاً فلم يُؤذنْ له فلْيرجِعْ» فقال عمر: أَقِمْ عليهِ البَيِّنةَ وإلاّ أَوْجعتُكَ. فقال أُبَيُّ بنُ كَعْبِ: لا يقومُ معه إلاّ أصغرُ القوم. قال أبو سعيد: قلتُ انا أصغرُ القوم، قال: فاذهب به. قال أبو سعيد: فقمتُ معه فذهبتُ إلى عمر فشهدتُ(1) .
فلماذا الفزع أو الذعر الذي ركب الصحابيّ أبا موسى، أحربٌ جرت أم خطرٌ أحدق ببيضة الإسلام؟ لا هذا، ولا ذاك. وإنّما هو تهديد عمر له بعد أن أذلّه بالوقوف على بابه واستئذانه ثلاثاً فلم يأذن له، علماً أنّه في هذه الرّواية هو - عمر - هو الذي أرسل إليه أن يأتيه فأطاعه! فلمّا ذهب صار إلى حسابه! فلمّا أجابه أنّه أتاه فسلّم على بابه ثلاثاً فلم يُرَدّ عليه فرجع، ثمّ ذكر حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، عندها ثارت ثائرة عمر! فلعلّه أحسّ نفسيّاً وكأنّ أبا موسى يقول له: قد خالفتَ السنّة؟! فتهدّده وطلب البيّنة على صدقه وإلاّ أوجعه عقوبةً، والحمدُ لله أنّه اكتفى بشهادة أبي سعيد الخُدْريّ ولم يطلب شاهداً آخراً، فكفّ عن أبي موسى.
وألفاظ التهديد بعضها أشدّ من بعض، فغير ما ذكرنا:
____________________
(1) صحيح مسلم 7: 130 - 131.
أخرج مسلم بسنده عن بُسْرَ بن سعيد أنّه سمِع أبا سعيد الخُدْريّ يقول: كنّا في مجلسٍ عند أُبَيِّ بن كَعْبٍ فأتى أبو موسى الأشعريّ مُغْضَباً حتّى وقف فقال أنشُدُكُمُ اللهَ هل سمِعَ أحدٌ منكم رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله يقولُ: «الاستئذانُ ثلاثٌ فإنْ أُذِنَ لك وإلاّ فارجِعْ» قال أُبيٌّ: وما ذاك؟ قال: استأذنتُ على عمرَ بن الخطّاب أمسِ ثلاثَ مرّاتٍ فلم يُؤذَنْ لي فرجعتُ. ثمّ جئتُ اليومَ فدخلتُ عليه فأخبرتُه أنّي جئتُ أمسِ فسلّمتُ ثلاثاً ثمّ انصرفتُ. قال: قد سمِعناك ونحنُ حينئذٍ على شُغْلٍ فلَوْ ما استأذنتَ حتّى يُؤذنَ لك، قال: استأذنتُ كما سمِعتُ رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله . قال: فو اللهِ لاُوجِعنَّ ظهرَك وبطنك أو لتأتينّ بمَن يشهدُ لك على هذا، فقال أبيّ بن كعب: فو الله لا يقومُ معك إلاّ أحدثُنا سِنًّا. قُم يا أبا سعيد، فقمتُ حتّى أتيتُ عمر فقلت: قد سمعتُ رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله يقول هذا.
غريب! فأبو موسى يُسلّم ثلاثاً، ولا يسمع جواباً، فإذا كان اليوم الثاني أخبر عمر بذلك، ولعلّه يأمل أن يجد عنده عذراً! فكان على غير ما أمّل فإنّ عمر كان على شُغْلٍ أعاقه عن ردّ السلام! ولم يقف عند هذا وإنّما علّق ما كان منه بعنق أبي موسى بحجّة أنّه لم يستأذن! وقبل أن يجيب أبو موسى، نُجيب نحن: إنّ عمرَ كان في شغل منعه عن تأدية واجب وهو ردّ السلام المأمور به في القرآن الكريم والسنّة الشريفة، والسلام بهذه الصورة - ثلاث مرّات - استئذان فلمّا لم يردّه عمر فهذا يعني أنّه لم يأذن له.
وأمّا أبو موسى وهو صحابيّ مثل عمر، فقد أجاب بأنّه استأذن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أي أنّه مستنّ بسنّتهصلىاللهعليهوآله . وهذا الذي أثار حفيظة عمر فتهدّد أبا موسى
بالضرب الموجع على الظهر والبطن! إلاّ أن يُقيم له بَيِّنَةً على صدقه! والحمد للهِ أنّه رضى منه شاهداً واحداً.
بقي الفحص عن الشُغْل الذي منع عمر من ردّ السلام ومن الإذن لأبي موسى؛ فأوّل ما يبدر إلى الذهن هنا أنّه يخصّ مصلحة الإسلام والمسلمين العامّة والمهمّة للغاية من قبيل تحصين الثغور ومواجهة الأعداء ودراسة الحالة الاقتصاديّة للمجتمع و ...، فدعنا من كلّ ذلك ولنسمعه من لسان عمر نفسه:
ذكره مسلم وفيه: «... فقام أبو سعيد فقال: كنّا نُؤْمَرُ بهذا؛ فقال عمر: خَفِيَ عليَّ هذا من أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ألْهاني عنه الصَّفقُ بالأسواق(1) .
قال النوويّ في شرحه لصحيح مسلم: قوله «ألهاني عنه الصفق بالأسواق» أي التجارة والمعاملة في الأسواق(2) .
اتّضح الأمر! فإنّ الباعث على تفجّر غضب عمر وابتعاده عن السنّة هو اشتغاله بالأسواق والتجارة، فلم يسمع ما سمعه غيره من الصحابة من أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فصاروا لديه موضع شبهة وشكّ غنلم نقل غير ذلك! مضافاً إلى الإرث الثقافيّ لعمر في إعجابه بأحاديث أهل الكتاب وخاصّة اليهود وهو ما عبّر عنه النبيّصلىاللهعليهوآله بـ «التهوّك»، ولذلك عارض النبيّصلىاللهعليهوآله بشدّة في كتابة الكتاب الذي ضمِن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّه لو كتبه فلن تضلّ أُمّته من بعده أبداً، وواضح من مقدّمات كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ أوصى بالثّقلين كتاب الله وعترته أهل بيته، ما أن
____________________
(1) صحيح مسلم 7: 133 - 134.
(2) شرح النووي بهامش المصدر نفسه.
تمسّكوا بهما لن يضلّوا أبداً؛ ثمّ دعا بالقلم والقرطاس لكتابة الكتاب المانع من الضلالة، فصار واضحاً أنّه سيُثبت ما قاله كتباً، فكان الاعتراض واللغط والطرد من رحمة الله تعالى. مع التذكير بحديث «الأريكة» وتحذير النبيّصلىاللهعليهوآله من قُرب عهد مَن يجلس على سدّة الحُكم يمنع من حديثهصلىاللهعليهوآله . فتتابعت الأحداث سريعةً من حرق للأحاديث ومحوٍ بالماء ودفنٍ في الأرض، إلى تهديد الصحابة وحبسهم، فلماذا؟! أبو هريرة يمتنع من الحديث امتثالاً لمشيّة عمر على إثر التهديد القولي والعقوبة العمليّة الشديدة التي نالته من عمر، جعلته يخاف ظلّه في أن يتحدّث بحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
بسند عن الزهريّ، عن أبي سلمة، قال: سمعتُ أبا هريرة قال: ما كنّا نستطيع أن نقول: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى قُبض عمر، قال أبو سلمة: فسألته: بمَ؟ قال: كنّا نخاف السياط، وأومأ بيده إلى ظهره(1) !
قال: ثمّ يقول أبو هريرة: أفانا كنتُ محدّثكم بهذه الأحاديث وعمر حيّ، إذاً والله لا بقيت، إنّ المخفقة ستباشر ظهري.
فإذا كان أبو موسى الأشعريّ قد أصابه الفزع والهلع لتهديد عمر إيّاه فراح يناشد قومه ليشهدوا بصدقه عند عمر فيحفظ ظهره وبطنه من الضرب الموجع! ومن ثمّ عاهد نفسه أن يسير في ركاب عمر بشأن الحديث؛ فإنّ أبا هريرة ما زال يتحسّس آلام ظهره التي ألحقتها به سياط عمر «كنّا نخاف السياط، وأومأ إلى ظهره»، فكيف يحدّث وعمر حيّ، والمخفقة لا تبارح ناظره يخاف أن تباشر
____________________
(1) تاريخ مدينة دمشق 67: 344، وسير أعلام النبلاء 2: 602 - 603، البداية والنهاية 8: 107.
ظهره، كما قال!
- وبسند عن محمّد بن عجلان، أن أبا هريرة كان يقول: إنّي لأحدّث أحاديث لو تكلّمت بها في زمان عمر - أو عند عمر - لشجّ رأسي(1) .
أيّ أحاديث هذه التي لو حدّث بها أبو هريرة عند عمر لشجّ رأسه، أهي من جنس الفضائل المتضمّنة حقّ أهل البيتعليهمالسلام ، وأحاديث الغدير، والثَّقلين، والمنزلة، والرّاية، والسيادة ...؟! والانصراف بعد أن أعطاهم الرخصة في الحديث فيما لا يُخاف منه:
«قال محمّد بن يحيى الذهليّ: حدّثنا عبد الرزّاق عن معمر عن الزُهريّ، قال: قال عمر: أقلّوا الرواية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلاّ فيما يعمل به(2) ». ولكن بماذا يعملون وقد أحرق أبوبكر خمسمائة حديث؟! «ذكرناه». وعمر، أراد أن يكتب السننَ، فاستشار في ذلك الصحابة، فأشاروا عليه أن يكتبها ...، وبعد تردّدٍ لمدّة شهر أصبح فقال: إنّي كنتُ أردتُ أن أكتب السننَ، وإنّي ذكرتُ قوماً قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي لا ألْبِسُ كتابَ الله بشيءٍ أبداً. وهذا التردّد هو «التهوّك» الذي أشار إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فصدق. والرواية من طريق عروة بن الزبير وقد ذكرناها مع مصدرها سابقاً، وذكرنا حرقه لكتب الناس
____________________
(1) تاريخ دمشق 67: 343، البداية والنهاية 8: 107. وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء 2: 601 وقال: (قلت: هكذا هو كان عمر، يقول: أقلّوا الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله وزجرَ غيرَ واحدٍ من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهبٌ لعمر وغيره)!.
(2) تاريخ مدينة دمشق 67: 344، البداية والنهاية 8: 107.
المتضمّنة أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإصداره دستوراً إلى الأقاليم «من كان عنده منها - السنّة - شيء فليمحه».
وامتثل ابن مسعود - كما ذكرنا - فمحا بالماء صحفاً، وتتابعت عمليات الإبادة بالمحو بالماء وبالدفن في الأرض!!، فماذا بقي ممّا يُعمل به؟!
«عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنّه كان يقول: حفظتُ من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثتُه وأمّا الآخر فلو بثثتُه لقُطع هذا البلعوم»(1) .
ومن طُرُقٍ عدّة عن أبي هريرة قال: يقولون إنّ أبا هريرة قد أكثرَ الحديثَ، والله الموعد! ويقولون: ما بالِ المهاجرين والأنصار لا يتحدّثون مثلَ أحاديثه؟ وسَأُخبركم عن ذلك: إنّ إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم، وأمّا إخواني من المهاجرين فكان يشغلهم الصفقُ بالأسواق(2) ، وكنتُ امرءاً مسكيناً أصحب - أو ألزم - رسول اللهصلىاللهعليهوآله على ملء بطني؛ فأشْهدُ إذا غابوا وأحفَظُ إذا نَسُوا(3) .
ولفظه في أحمد: «إنّكم تقولون أكثرَ أبو هريرة، عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، والله الموعد؛ إنّكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يحدّثون عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله بهذه الأحاديث،
____________________
(1) طبقات ابن سعد 4: 247.
(2) الصفق: التجارة، وهو الذي أشغل عمر عن ردّ السلام على أبي موسى ثمّ رجع فحاسبه على ذهابه فاستدعاه وحاسبه وهدّده على ما مرّ.
(3) صحيح مسلم 16: 52، 53، 54، تاريخ مدينة دمشق 67: 330 - 334 سير أعلام النبلاء 2: 594 - 995، حلية الأولياء 1: 378 - 379، 381.
وما بال الأنصار لا يحدّثون بهذه الأحاديث؛ وإنّ أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتُهم في الأسواق، وإنّ أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها، وإنّي كنتُ امرءاً معتكفاً، وكنتُ اُكثر مجالسة النبيّصلىاللهعليهوآله ، أحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا(1) .
وعن أبي هريرة قال: حفظتُ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثلاثَ جُرُب حديث، أخرجتُ منها جِرابين، ولو أنّي أخرجتُ الثالث خرجتم عليَّ بالحجارة(2) !
ما الذي يحتويه الجِراب الثالث الذي لو أخرجه لخرجوا عليه بالحجارة؟!
علماً أنّه لم يحدّث بعد لسع السياط! إلاّ أواخر أيّام عمر ولذلك قصّة، ثمّ مُنع بعد ذلك حتّى اقتضت السياسة الأُمويّة أن يُحدّث بالمسموح دون الممنوع!! وأنت عالم ما هو الممنوع ومع ذلك ورد بعضه في نزْرٍ يسير!
وعنه قال: لو أُحدثكم بما أعلم لرميتموني بالحجارة(3) !
وعنه قال: لو حدّثت الناس بما سمعت لرموني بالخزق(4) وقالوا: مجنون!(5)
عن يزيد بن الأصم، قال: قيل لأبي هريرة: أكثرتَ أكثرتَ، قال: لو حدّثتكم بكلّ ما سمعت النبيّصلىاللهعليهوآله لرميتموني بالقشع(6) ، وما ناظرتموني(1) .
____________________
(1) مسند أحمد 2: 536 رقم 7648 مسند أبي هريرة.
(2) تاريخ مدينة دمشق 67: 338.
(3) نفسه، المستدرك على الصحيحين 3: 583/6162، التلخيص.
(4) الخزق: السهام النافذة، من خزق السهم إذا أصاب الرقبة ونفذ فيها. (لسان العرب).
(5) تاريخ مدينة دمشق 67: 338.
(6) القَشْع: بفتح وسكون - الجلد اليابس، والقُشْة: النُخامة والزبالة.
إنّ قوله «وما ناظرتموني»، صريح أنّ تلك الأحاديث التي كتمها أبو هريرة هي التي كانت تُخيف السلطات ولا تروق لها! فكيف تسمح له بنشرها وقد عاقبته فألهبت ظهره بالسياط من قبلُ دون مناظرةٍ ونقاش؛ وهل من حاجة إلى البرهان وهو خادم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لم ينشغل بالصفقِ بالأسواق عن حفظ الحديث.
عن محمّد بن عُمارة بن حَزْم: أنّه قعد في مجلس فيه أبو هريرة وفيه مشيخة من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله كثير؛ بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدّثهم عن النبيّصلىاللهعليهوآله بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثمّ يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم، ثمّ يحدّثهم الحديث فلا يعرفه بعضهم ثمّ يعرفه، ثمّ فعل ذلك مراراً، قال: فعرفتُ يومئذٍ أنّ أبا هريرة أحفظُ الناس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله (2) .
في هذه الرواية مبالغة كبيرة! وإنّما أوردناها حجّةً واستئناساً بها على خصوم الصحابة ممّن عُرفوا بالخلاف على أهل البيتعليهمالسلام ! وأنّهم مع السلطان خاصّةً ما عُلم من سيرة أبي هريرة وممالأته لمعاوية ومروان بن الحكم، فقد استخلفه مروان على المدينة مراراً(3) .
عن سعيد بن المسيّب قال: كان أبوهريرة إذا أعطاه معاوية سكت، وإذا
____________________
(1) تاريخ مدينة دمشق 67: 338.
(2) تاريخ مدينة دمشق 67: 339، المستدرك على الصحيحين 3: 585/ 6171.
(3) طبقات ابن سعد 4: 250، تاريخ مدينة دمشق 67: 372، سير أعلام النبلاء 2: 614، الكنى والأسماء 1: 184، البداية والنهاية 8: 122.
أمسك عنه تكلّم(1) .
وإلاّ فأهل الدّار أعلمـُ بما فيه، وسيّدهم سيّد العرب، وباب مدينة علم النبيّصلىاللهعليهوآله ، نفسُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليٌّعليهالسلام احتضنه النبيّصلىاللهعليهوآله فكان مع النبيّ حيثما كان، لم يسجد لصنم قطّ ولم يُباشر إثماً قطّ وكان يرى الوحي ويسمعه ويتبع أثره، فلم يسبقه إلى الإسلام سابق، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يؤثره بخلوات يُعطيه من علومه حتّى قالوا في ذلك فقال:
«ما أنا انتجيتُه، ولكنّ الله انتجاه»، وأبو هريرة أسلم عام خيبر!
ومع ذلك يبقى له فضلُه، وكونه خادماً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يُشغله عن الصَّفقِ بالأسواق، فحفظ من أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآله ما لم يحفظ أقرانه من الصحابة.
عن ابن عمر أنّه مرّ بأبي هريرة وهو يحدّث عن النبيّصلىاللهعليهوآله : مَن تبعَ جنازةً فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان أعظم من أُحد. فقال ابن عمر: يا أبا هريرة انظر ماذا تُحدّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقام إليه أبوهريرة حتّى انطلق إلى عائشة فقال لها: يا أمّ المؤمنين أنشدك الله أسمعتِ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: مَن تبع جنازةً فصلّى عليها ...؟ فقالت: اللّهم نعم، فقال أبو هريرة: إنّه لم يكن يشغلنا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله عرس ولا صفق بالأسواق إنّما كنت أطلب من رسول اللهصلىاللهعليهوآله كلمةً يُعلّمنيها أو أكلةً يُطعمنيها. فقال ابن عمر: يا أبا هريرة كنتَ ألزمنا لرسولِ اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
(1) تاريخ مدينة دمشق 7: 373، سير أعلام النبلاء 2: 615، البداية والنهاية 8: 122، رواه ابن كثير عن ابن حنبل.
وأعلمنا بحديثه(1) .
عن عائشة أنّها دعت أبا هريرة فقالت له: يا أبا هريرة ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنّك تحدّث بها عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، هل سمعتَ إلاّ ما سمعنا وهل رأيت إلاّ ما رأينا؟ قال: يا اُمّاه، إنّه كان يشغلك عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله المرآة والمكحلة والتصنّع لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإنّي ما كان يشغلني عنه شيء(2) .
رابعاً: عمرُ يحبس الصحابة لئلاّ ينشروا الحديث
ومن الوسائل التي اتّبعها لمنع حديث النبيّصلىاللهعليهوآله : إنّه حبس جماعة من كبار الصحابة مصرّحاً بأنّ السبب في ذلك هو روايتهم الأحاديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولذا حبسهم لمنعهم من الرواية.
وهذه بعض الآثار في ذلك:
1 - إنّ عمر بن الخطّاب حبس بعض أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله ، فيهم: ابن مسعود، وأبو الدرداء، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ! قال ابن البري: يعني منعهم الحديث، إذ لم يكن لعمر حَبْس(3) .
2 - شعبة، عن سعيد بن إبراهيم، عن أبيه: أنّ عمر بن الخطّاب قال لابن
____________________
(1) تاريخ مدينة دمشق 67: 347، مسند أحمد 2: 200 رقم 4453، وعنه في البداية والنهاية 8: 115، المستدرك على الصحيحين 3: 584/6167، التلخيص، طبقات ابن سعد 4: 247.
(2) تاريخ مدينة دمشق 67: 353، المستدرك على الصحيحين 3: 582/ 6160، التلخيص، سير أعلام النبلاء 2: 604، البداية والنهاية 8: 116.
(3) المحدّث الفاصل: 553 رقم 744، الإلماع 217.
مسعود، ولأبي الدرداء، ولأبي ذرّ: ما هذا الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟! وأحسبه حبسهم بالمدينة حتّى أُصيب.
قال الحالكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في التلخيص(1) .
3 - قال الذهبيّ: إنّ عمر حبس ثلاثةً: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: لقد أكثرتم الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله (2) .
4 - قال عبد الرحمان بن عوف: ما ماتَ عمر بن الخطّاب، حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فجمعهم من الآفاق: عبد الله - بن مسعود - وحُذيفة، وأبا الدرداء، وأباذرّ، وعُقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي أفْشيتم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الآفاق؟!
قالوا: تَنْهانا؟!
قال: لا، أقيموا عندي، لا والله، لا تُفارقوني ما عشتُ، فنحنُ أعملُ، نأخذ عنكم ونردّ عليكم.
فما فارقوه حتّى مات(3) .
ورواه ابن عساكر، وأضاف: وما خرج ابن مسعود إلى الكوفة ببيعة عثمان
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 1: 193 رقم 374 وبذيله التلخيص.
(2) تذكرة الحفّاظ 1: 7.
(3) كنز العمّال 1: 239 (طبعة الهند).
إلاّ من حبس عمر في هذا السبب(1) .
عثمان ورواية الحديث
اقتفى عثمان بن عفّان سيرة سلَفه: أبي بكر، وعمر، في المنع من الحديث.
قال محمود بن لبيد: سمعتُ عثمان على المنبر يقول: لا يحلّ لأحدٍ يروي حديثاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لم يُسمع به في عهد أبي بكر، ولا عهد عمر(2) .
وهذا يدلُّ على أنّ الممنوع في عهد عثمان، هو الممنوع في عهد أبي بكر وعمر.
وقد تعرّض أبو هريرة إلى تهديد عثمان بسبب رواية الحديث، فقال له: ما هذا الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لقد أكثرتَ، لَتنْتهِينَّ أو لألحقنّك بجبال دَوْس(3) .
وقبل الانتقال إلى سياسة معاوية وبني أُميّة وولاتهم وشيعتهم، مع الحديث النبويّ الشريف، في إخفاء وإيخاف! إخفاء للحديث، وإيخاف لمـَن يحمل الحديث ويتحدّث به خصوصاً ما فيه من فضائل أهل البيتعليهمالسلام . وعمدوا إلى شراء الذِمم لتزوير التاريخ ووضع أحاديث مكذوبة في الفضائل؛ عاملهم الله بعدله. فقبل هذا الباب، رأينا أن نتكلّم عن مسألة تمسّك بها كلّ مَن منع من الحديث، تلك هي: الخوف من اختلاط القرآن بغيره! والخوف من الاشتباه،
____________________
(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 101.
(2) طبقات ابن سعد 3: 40، مسند أحمد 1: 2/363.
(3) المحدّث الفاصل: 554، رقم 746، السنّة قبل التدوين: 459، أضواء على السنّة، لأبي ريّة: 54.
والخوف من ترك القرآن والاشتغال بغيره. حتّى أنّنا نجد الناقص «يزيد» يكتب إلى أبيه معاوية: قد نُشر في مِصْري حديث، فقد تركوا القرآن! فتوعّد معاوية صاحب الكتاب أشد الوعيد.
وقد تكلّمنا عن هذه الدعوى فأثبتنا بُطلانها! ذلك أنّ كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله مسدّدٌ بالوحي ولا ينطق عن هوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، وأنّ السيرة ترجمان للقرآن وتفصيل له وفي السيرة ما ليس في القرآن، فإذا اُلغي كلّ ذلك؛ ماذا بقي من الإسلام؟!
وحان أن نقف عند ذريعتهم بالدفاع عن القرآن من أن يشوبه شيء، لنرَ صدقهم في ذلك.
إنّ القرآن الكريم، ولو لا العناية وتكفّل الله تعالى بحفظه لوجدنا قرآناً غير الذي بين أيدينا، ذلك: أنّ أولئك الرجال الذين هتكوا حرمة السنّة، جاؤوا بقراءاتٍ شاذّة، وأبدلوا حروف بعض الكلمات، وأضافوا كلماتٍ إلى بعض الآيات، وزعموا سقوط آيات كثيرة من القرآن الكريم؛ في حين ادّعوا انّ سورتين ليستا منه!!
فلو أخذت الأُمّة الإسلاميّة بأقوال ذلك السلف الرافض لحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لوجدت قرآناً يصحّ تسميته: «مصحف رافضة الحديث» ز
ويبرز عبد الله بن مسعود في طليعة هذه المجموعة، وقد أفاد من حديث نُسب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فصالَ وجال!
بسندٍ عن عمر بن الخطّاب، قال: قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ): «مَن أحبّ أن يقرأ
القرآن غَضّاً، كما أُنزِل فَلْيقرأه على قراءة ابن أُمّ عَبْد»(1) . يعني بذلك عبد الله بن مسعود.
إنّ عبد الله بن مسعود، أحد الذين وافقوا عمرَ، بل كان أشدّهم متابعة له في منع الحديث؛ فكان هذا الحديث جزاءً، والذي سنجده بعيداً عن الواقع! ولذا لم يذكره الذهبيّ في «التلخيص».
وأمّا تصديق كلامنا، فهو سيرة ابن مسعود؛ إذ نجده يعظّم نفسه كثيراً، فيما يحطّ من منزلة صحابة، وحقّرهم! وذلك لمّا أرادوا أن يجمعوا المصحف الشريف على قراءة واحدة؛ فكان في نسخة ابن مسعود تصحيفُ كلمات كتبها على غير ما هي عليها الآن، وحذف من مصحفه الكثير، كان من جملة ما حذف سوراً بكاملها؟! فلماذا يكون هذا من صحابيّ مثل «عبد الله بن مسعود؟!».
إنّ عبد الله بن مسعود، لم يكن وحيداً في هذا الأمر، فإنّ سيّده في ذلك: عمر بن الخطّاب، وقد ماتَ ولم يجمع القرآن، أي لم يحفظه! أخرج البلاذريّ بسندٍ عن ابن سيرين قال: قُتل عمر ولم يجمع القرآن. قال رَوح: يعني أنّه لم يحفظه(2) . فلا ندري، لعدمِ حفظِه، أو لعلّةٍ أُخرى كان يقرأ نصوصاً ويزعم أنّها كانت من القرآن؟!
ذكر ابنُ إسحاق، عن عبد الرحمان بن عوف، قال: إنّ عمر بن الخطّاب، جلس على المنبر، فخطب فجاء في خطبته:
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 2: 247/2894.
(2) أنساب الأشراف 10: 349.
«إنّ الله بعث محمّداً وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعُلِّمناها ووعيناها، ورجَمَ رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله ورَجَمْنا بعده، فأخشى إن طالَ بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجِدُ الرجم في كتاب الله، فيضِلّوا بترك فريضة أنزلها الله ...؛ ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: «لا تَرْغَبُوا عن آبائِكمْ فإنّه كفْرٌ بِكمْ أن ترغبوا عن آبائكم»(1) .
وعن المِسْوَر بن مَخْرَمة، قال: لقي عمرُ بن الخطّاب عبد الرّحمان بن عَوْف، فقال: أليس كنّا نقرأ: «قاتلوهم في آخر الأمر كما قاتلتموهم في أوّل الأمر؟!». قال: بلى، ذلك إذا كان الأمراء بني أُميّة والوزراء بني مخزوم(2) .
وعن أُبَيّ بن كعب أنّه كان يقرأ( إِذْ جَعَلَ الّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلوبِهِمُ الْحَمِيّةَ حَمِيّةَ الْجَاهِلِيّةِ - ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام؟! -فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ ) (3) الآية.
فبلغ عمر، فاشتدّ عليه، فبعث إليه وهو يهنأ ناقة له فدخل عليه فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال: مَن يقرأ منكم سورة الفتح، فقرأ زيد قراءتنا اليوم فغلظ له عمر؟!
فقال له أُبَيّ: أأتكلّم؟ فقال: تكلّم. فقال: لقد علمتَ أنّي كنتُ أُدخل على النبيّ (صلىاللهعليهوآله ) ويُقرئني وأنتم بالباب، فإن أحببتَ أن أقرئ الناس على ما أقرأني
____________________
(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 308.
(2) الغارات 2: 572.
(3) الفتح: 26.
أقرأتُ وإلاّ لم أُقرئ حرفاً ما حييت. قال: بل أقرئ الناس(1) !
وقفة تأمّل: لم نعلّق على الآيات المزعومات السابقات. أمّا هنا فإنّ أُبَيّ لما افترى على كتاب الله العزيز فأضاف سبع كلمات إلى الآية، وبلغ ذلك عمر ابن الخطّاب، غضب ودعا ناساً فيهم زيد بن ثابت، فلمّا قرأها زيد على النحو الصحيح، غضب عمرُ على زيد!!
فلم يسلم من غضب عمر، لا أبَيّ، ولا زيد، مع الفارق الكبير بينهما! إلاّ أنّ المفارقة الأكبر حينما تحدّى أُبَيُّ عمرَ بن الخطّاب، فرجع عمر وأجاز قراءة أُبَيّ!!
ابن مسعود: تعرّفنا على منهج عبد الله بن مسعود المتشدّد في منع الحديث وبخاصّة الحديث الذي فيه فضيلة من فضائل أهل البيتعليهمالسلام . وأمّا منهجه مع القرآن الكريم وقرّاءه فغريبٌ للغاية!
ابن مسعود يحذف المعوّذتين: ذكر ابن شبّة (ت 262 هـ) بسنده، قال: حدّثنا أبو عاصم قال: حدّثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمان بن يزيد قال: رأيتُ ابن مسعود يَحُكّ المعوّذتين من المصحف، ويقول: لا يحلّ قراءة ما ليس منه(2) .
وأيضاً ابن شبّة: حدّثنا عبد الأَعلى قال: حدّثنا هشام، عن محمّد: أنّ أُبَيّ ابن كعب كتبهنّ في مصحفه خَمْسَهُنّ، أُمّ الكتاب، والمعوّذتين، والسورتين
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 2: 289/ 2891. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه. قال في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.
(2) تاريخ المدينة المنوّرة، لابن شبّة 3: 1010 - 1011.
(ظاهراً: قل هو الله أحد، وقل يا أيّها الكافرون)، وكتب ابنُ عفّان فاتحة الكتاب، والمعوّذتين، وترك السّورَتَيْن(1) .
وبسند عن ابن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جدّه قال: كنتُ عند عمر بن الخطّاب، فقرأ رجلٌ من سورة يوسف «عَتَّا حين» فقال عمر: مَن أقرأك هكذا؟ قال: ابن مسعود. فكتب عمر إلى ابن مسعود: أما بعد، فإنّ الله أنزل هذا القرآن بلسان قريش، وجعله بلسانٍ عربيٍّ مُبِين، فأقْرِئِ الناسَ بلغةِ قريش ولا تُقرئهم بلغة هُذيل والسلام(2) .
قد يُقال: لا نغفر لابن مسعود حذفه خمس سور، أو ثلاثاً، أو سورتين من القرآن، مع إعلانه تكفير من قرأ شيئاً ممّا حذف!! وأمّا «عتّى حِين»، فهي قراءة لهجيّة خاصّة بهُذَيْل، وابن مسعود من هُذَيْل؛ إلاّ أنّ ذلك لا يشفع له وإنّما الواجب عليه أن ينتقل من لهجته الخاصّة إلى اللسان الذي نزل به الوحي «عليهالسلام »، شأنه في ذلك شأن المعلّم المقتدر دائماً، فكيف بعامّة الناس وتعدّد القراءات ممّا يجعل كلاًّ يتمسّك بقراءته وربّما كفّر بعضهم الآخر بذلك، وقد حصل وسنرى!
وإذا قال قائل: إنّ قراءة ابن مسعود لا بأس بها ولا تضرّ لأنّها مجرّد قراءة من القراءات؛ وجوابنا موجزاً: شتّان بين عتّى، التي هي من العُتوّ، الظاهرة في الطغيان والإصرار على المعاصي والمروق عن أمر الله تعالى، وأمثال ذلك. وأمّا: حتّى، فهي تأتي حرفاً جارًّا يدلّ على الانتهاء أو تأتي حرف عطف بمعنى الواو،
____________________
(1) نفسه 3: 1009.
(2) نفسه: 1010.
أو حرف ابتداء.
فالأنسب للآية هو المـُثبت في لفظ الوحي المبين، لا في لفظ عبد الله بن مسعود، وهو( حَتّى حِينٍ ) (1) .
أحبّ السُّوَر إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وجدنا عبد الله بن مسعود يناضل شديداً في إنكار أن تكون المعوّذتان من القرآن، ويكفّر من يقول إنّهما منه! بل ويُنكر سُوَراً أُخرى؛ فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يؤكّد على عظمة المعوّذتين، حتّى أنّه لمّا سُئِل عن سُوَرٍ أُخرى، صرف الكلام إلى المعوّذتين وبيّن حبّه لهما، وكأنّهصلىاللهعليهوآله قد أُنبأ بما سيكون من بعض الصحابة من العدوان على القرآن، فكما حصّن السنّة، كذلك حصّن القرآن الذي تكفّل الله تعالى أن تمتد إليه يدُ عابث في التحدّي البلاغيّ، إلاّ أنّهم قدّموا وأخّروا في سوره - كما سنرى - وكذبوا في إنكار سور، وأدخلوا كلماتٍ في مصاحفهم ذهبت مع ذهابهم وحفظ الله تعالى كتابه، وهو العزيز القدير.
ابنُ شبّة: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن قيس، عن عُقبة بن عامر، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أُنزل عليَّ آيات لم ترَ مثلهنّ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ ) إلى آخر السورة، و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ ) إلى آخر السورة(2) .
وأخرج بسندٍ آخر عن أبي عمران عن عُقبة بن عامر، قال: تعلّقتُ بقدمِ
____________________
(1) يوسف: 35.
(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1011.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقلتُ: يا رسولَ الله أقْرِئْني سورة هود، وسورة يوسف. فقال: يا عُقبة إنّك لَنْ تقرأ سورةً هي أحبُّ إلى الله وأبلغ عنده من( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ ) (1) .
قال: حدّثنا أحمد بن عيسى قال: حدّثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرنا خيرةُ بإسناده؛ مثله - أي مثل الذي قبله - قال: وكان أبو عمران لا يتركها: لا يزال يقرأُها في صلاة المغرب(2) .
وبسندٍ آخر عن عُقبة بن عامر قال: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
«أُعلّمك يا عُقبة سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس. قال: فاقرأ:( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ ) و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ ) فلمّا أُقيمت الصلاة تقدّم فقرأ بهما، فلمّا سلّم مرّ بي فقال: كيف رأيت يا علقمة، اقرأ بهما كلّما نِمْتَ وقَمْتَ(3) .
وبسندٍ عن عُقبة بن عامر قال: لقيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: ألاَ أُعلّمك سُوَراً ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلهنّ؟( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ ) و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ ) و ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) (4) .
وبسندٍ عن ابن عبّاس الجهنيّ، قال: قال لي النبيّصلىاللهعليهوآله : يا ابن عبّاس ألا أدلّك ما أفضل ما يتعوّذُ به المـُتعوّذُون؟» قال: بلى يا رسول الله. قال:( قُلْ أَعُوذُ
____________________
(1) نفسه.
(2) نفسه.
(3) نفسه: 1012.
(4) نفسه: 1012 - 1013.
بِرَبّ الْفَلَقِ ) و( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ ) هاتين السورتين(1) .
هذا هو شأن السُّوَر القرآنية وعظمتها، وكلّ ما في القرآن عظيم، فهو نظمٌ واحد من لدُن مصدر مهيمن عظيم واحد هو الله تعالى، تحدّى ببلاغة كلّه الثَّقلين كلَّهم أن يأتوا بمثله، فعجزوا؛ فتحدّاهم أُخرى أن يأتوا بعشر سُوَرٍ مفتريات، فبُهتوا، وأخيراً تحدّاهم أن يأتوا بسُورةٍ واحدة من مثله: سواء من مثل سورة الإخلاص( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) ، أو سورة الفلق( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ ) أو سورة الناس( قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ ) ؛ وهي وغيرها سُوَرٌ حذفها عبد الله بن مسعود من مصحفه وحرّم على مَن يجعل المعوّذتين من القرآن، كما مرّ ذكره.
وبذا بطلت مقولة ترك الحديث لئلاّ ينشغل النّاس عن القرآن بغيره، ولئلاّ يدخل القرآن ما ليس منه ...، وهي أمور تحمّس لها عمر، وعاقب عليها جماة فصاروا أشدّ حماساً منهم: عبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفّان، وجماعة نذكرهم. وأمّا معاوية! فلقد وجد في سياسة مَن سَلَفه فرصة لأَن يطلب بثارات الجاهليّة وأيّام بَدر وأُحد وحنين وغيرها.
وإذا أعجلتنا المواقف للكلام بشأن عبد الله بن مسعود، وبخاصّة بشأن القراءة، فبماذا يُجيبنا ابن أُمّ عبد عن قوله:
«أقرأني رسولُ الله (صلىاللهعليهوآله ): (إنّي أنا الرزّاقُ ذو القوّة المتين) [الذاريات: 58]. فهل هذه قراءة هُذَيل لتكون محلّ نقاش وحوار؛ مع رفض التعدّد في القراءة وبخاصّة الشاذّة كما مرّ. فكيف بنا وابن مسعود قد غير نصَّ ثلاثِ كلماتٍ من
____________________
(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1013.
الآية؟!
وهذا هو نصّها في المصحف المتداول بين المسلمين:( إِنّ اللّهَ هُوَ الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمَتِينُ ) (1) ،(2) .
ويعترض طريقنا في البحث: أكان ابن مسعود معذوراً ...؟!
والجواب: لا! والدليل عليه تقريع عمر الشديد له وقد مرّ بنا، وكان ذلك في اللهجة. وهنا فقد تجرّأ فغيّر ثلاث كلمات في آية واحدة وليس ثَمّة أثر للّهجة في ذلك، وإنّما كان عامداً! فإنّ الذي يحذف سُوَراً كاملةً ويكفّر مَن يقرأها، جدير به أن يغيّر في آيةٍ، بل آيات. وإنّ نظرته الاستعلائيّة لنفسه على حساب الصحابة، وثأره من زيد بن ثابت لما أوكلت إليه مهمّة نسخ المصحف عوضاً عن بن مسعود أثارت الثاني، فجعلته يصرّح بأنّه غَلّ في المصحف، ودعا الآخرين أن يغلّوا؟!
ثورة ابن مسعود على زيد
عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله: أنّ ابن مسعود كَرِه أن وَلِي زيدُ نسخَ كتاب المصاحف، وقال: أي مَعْشر المسلمين أأعْزَل عن نسخ كتاب المصاحف فيوُلاّها رجلٌ، والله لقد أسلمتُ وإنّه لَفي صُلْب رجلٍ كافر! وعند ذلك قال عبد الله: يا أهل العراق غُلّوا المصاحف والقوا الله بها ...، وإنّي غالٌّ مصحفي،
____________________
(1) الذاريات: 58.
(2) المستدرك على الصحيحين 2: 255/2919 ولم يصحّحه، ولم يذكره الذهبيّ في التلخيص.
فمَن استطاع أن يَغُلّ مصحفه فليفعل(1) .
صحابي! تُؤخذ منه وظيفة نسخ المصحف وتوكل إلى آخر؛ فتحمله سَوْرة غضبه أن يكلّم جمهور المسلمين عن هذه المصيبة العظمى مذكّراً بسابقته إلى الإسلام، فيما زيد ما زال في صلب أبيه الكافر!! متغافلاً عن «الإسلام يجبّ ما كان قبله» وابن مسعود نفسه لم يكن مسلماً ثمّ هداه الله تعالى فدخل الإسلام.
وإذا حمله انفعاله النفسيّ أن يشنّ حرباً كلاميّة على زيد بن ثابت فكيف ساغ له أن يدعو إلى الغلّ في المصحف، والغِلّ الخيانة في كلّ شيء.
«وبسندٍ عن حمزة بن عبد الله قال: بلغني أنّه قيل لعبد الله بن مسعود: ما لكَ لا تقرأ على قراءة فلان؟ فقال: لقد قرأتُ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبعين سورة فقال لي لقدْ أحسنت، وإنّ الذي يسألون أن أقرأ على قِراءته في صَلْب رَجْلٍ كافرٍ(2) .
الحِماني، قال: حدّثنا شريك، عن ابن إسحاق، عن أبي الأسود، قال: قيل لعبد الله: ألا تقرأ على قراءة زيد؟ قال: ما لي ولزيد ولقراءة زيد؛ لقد أخذتُ من في رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبعين سورة، وإنّ زيد بن ثابت لَيهوديٌّ له ذؤَابتان(3) .
إنّ ابن مسعود، كان يرى في نفسه أنّه أعلمـُ الصّحابة بكتاب الله؛ ولا ندري
____________________
(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1005.
(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1006.
(3) نفسه: 1008. وانظر مسند أحمد 1: 389، 411، الاستيعاب 1: 373، شرح نهج البلاغة 3: 45 (من غير لفظ يهودي).
لعلّ مَردّ ذلك إلى ما رواه عمر بن الخطّاب بأنْ يأخذوا القرآن بقراءة ابن أُمِّ عبد - أي ابن مسعود -؟!
بسندٍ عن شقيق بن وائل قال: لمّا شَقّ عثمان المصاحفَ بلغَ ذلك عبد الله بن مسعود فقال: قد عَلِم أصحابُ محمّد أنّي أعلمـُهم بكتابِ الله، وما أنا بخَيْرِهم، ولو أعلمـُ أحداً أعلمـَ بكتابِ الله منّي تُبَلّغُنيه الإبلُ لأتَيْتُه(1) .
هذه نظرة ابن مسعود الاستعلائيّة لنفسه، وتلك نظرته التحقيريّة لزيد. وقد علمنا من حال ابن مسعود ومصحفه ما لا حاجة لإعادة ذكره. كما ذكرنا حديث الغُلول، ونذكره هنا بصورة أُخرى:
بسندٍ عن حِمْيَر بن مالك، قال: لمّا أُمِرَ بالمصاحفِ أن تَغَيَّر ساء ذلك عبد الله بن مسعود فقال: مَن استطاع منكم أن يَغُلّ مصحفاً فليَفْعل؛ فإن من غلّ شيئاً جاء بما غَلّ يومَ القيامة، ثمّ قال: لقد قرأتُ القرآن من في رسول الله سبعين سورة، وزيد صبيّ، أفَأتركُ ما أخذتُ من في رسول اللهصلىاللهعليهوآله (2) ؟!
عجب ثمّ عجب لابن مسعود وهو يروي هذا الكلام! وقد غلّ في مصحفه فكتب بلهجة هذيل وليس بلفظ الوحي، وغيّر ثلاث كلمات في آية واحدة - مرّ بنا - وحذف من مصحفه سوراً كاملةً!!
وبسندٍ عن توبة بن أبي فاختة، عن أبيه قال ك بعث عثمان إلى عبد الله أن يدفع المصحف إليه. قال: ولِمَ؟ قال: لأنّه كتب القرآن على حَرْفِ زيدٍ. قال: أمَا
____________________
(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1007.
(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1006.
أن أُعطِيَه المصحف فلن أُعطِيَكُمُوه؛ ومن استطاع أن يغُلّ شيئاً فليفعل، والله لقد قرأتُ من في رسول الله صلى الله عليه (وآله) سبعين سورة، وإن زيداً لذو ذؤابتين يلعب بالمدينة(1) .
إن صدق ابن مسعود فيما ادّعاه، أفلم يكن حريّاً به أن يُعطيهم المصحف الذي سمعه من في رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليطابقوه مع ما عندهم من مصحف، أم أنّ روح الأنانيّة استحوذت عليه؛ أم روح الاستعلاء التي أشرنا إليها منه قبل، أم النقصان والتلاعب بألفاظ القرآن جعلته في خشية من أن يطاله الحساب؟! وهو مع ذلك يتّهم الآخرين بالغلّ؟!
فإذا أعرضنا عن الحديث، وأخذنا بالقراءات الشاذّة التي سنذكر بعضاً آخر منها، وقرأنا الآيات مع إدخال ابن مسعود وتبديله بعض الكلمات ووقفنا مع المشكّكين القائلين بسقط الكثير منه - معاذ الله! -؛ تركنا إسلامنا الأصيل كما ترك اليهود والنصارى دياناتهم بسبب تحريف كتبهم، ولكنّ الله تعالى ضمن حفظ كتابه العزيز، فحمله رجال أُمناء وطبقة من النساء لم يكنّ بمنأ عن النبيّصلىاللهعليهوآله ولم يشغلهنّ عالم السياسة عن حفظ القرآن وحمله كما سمعنهنّ من في رسول اللهصلىاللهعليهوآله بلفظ الوحي المبين!
أُبَيّ بن كعب
وقد ذكرنا خبره وهو يقرأ الآية «26» من سورة «الفتح»، فزاد فيها سبع
____________________
(1) نفسه: 1005 - 1006.
كلماتٍ، فلمّا بلغ عمر بن الخطّاب، بعث إليه ودعا ناساً فيهم زيد بن ثابت، فقرأ زيد سورة الفتح، فغضب عمر ...، وانتهى الأمر بموافقة عمر لأُبيّ بقوله: بل أقْرِئ الناس!
وأخرج الحاكم بسنده عن أُبيّ بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة! وكان فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة(1) .
إنّ عدد آيات سورة الأحزاب «73» آية، وأمّا عدد آيات سورة البقرة فهو «286» آية، فيكون الساقط - معاذَ الله أن نجرؤ فنقول هذا القول - بحسب رواية أبَيّ، هو «213» آية؟!
ولعلّه مكذوب عليه لأغراضٍ سياسيّة! فهلاّ سُئل عن تلك الآيات لإثباتها والتعبّد بتلاوتها؟! وأين غاب بقيّة الصحابة وفي طليعتهم أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام الذي هو مع القرآن والقرآن معه، كان يرى الوحي ويسمع كلامه ...
وأخرج الحاكم عن ابن عبّاس قال: قرأتُ على أبَيّ بن كعب «ولا تُقبل منها شفاعة» بالتاء، في تُقبل(2) . والذي في المصحف( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) (3) ، بالياء.
أخرج ابن شبّة في سنده عن الليث بن سعد في خبر جمع عثمان القرآن على قراءة واحدة، قال: وكان حين جمع القرآن جعل زيد بن ثابت، وأُبَيّ بن
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 2: 450/ 3554. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي: صحيح. التلخيص.
(2) المستدرك على الصحيحين 2: 254/ 2916.
(3) البقرة: 48.
كعب يكتبان القرآن، وجعل معهم سعيد بن العاص يقيمُ عَرَبيَّتَه. فقال أُبَيّ: التَّابُوه، وقال سعيد بن العاص: إنّما هو التّابُوت. فقال عثمان: اكتبوه كما قال سعيد، فكتبوا التّابوت(1) .
وقال ابن شهاب الزهريّ: اختلفوا يومئذ في التابوت، فقال زيد: التابوه , وقال ابن الزبير وسعيد وعبدالرحمان: التابوت، فرفعوا اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه التابوت فإنّه بلسان قريش(2) .
وترد لفظة التّابُوت في موضعين من القرآن الكريم: سورة البقرة، آية 248؛ وسورة طه، آية 39.
إنّ زيد بن ثابت الذي عوّلوا عليه كثيراً في كتابة ونسخ المصحف، واحتقره عبد الله بن مسعود بالنعوت التي مرّ ذكرها، وجدناه يكتب التّابُوت - بتاء طويلة منقوطة -، يكتبها: التّابوه - بالهاء غير المنقوطة - وزعم زيد فقدان آية وذلك لمّا جمع المصحف:
عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، قال: عرضتُ المصحف فلم أجد فيه هذه الآية( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ ) (3) الآية، قال: فاستعرضتُ المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد، ثمّ استعرضتُ الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد، حتّى وجدتُها مع
____________________
(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1002.
(2) نفسه 1001.
(3) الأحزاب ك 23.
خزيمة بن ثابت الأنصاريّ فكتبتها، ثمّ عرضته مرّة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) الآية - إلى آخر السورة(1) . قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنهما فلم أجدهما مع أحد منهم، ثمّ استعرضت الأنصار أسألهم عنهما فلم أجدهما مع أحد منهم، حتّى وجدتهما مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضاً من الأنصار فأثبتهما في آخر (براءة).
قال زيد: ولو تمّت ثلاث آيات لجعلتها سورة واحدة، ثمّ عرضتُه عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئاً.
فأرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وجعل لها عهدَ الله ليَرُدّها إليها، فأعطته إيّاها، فعرضت الصحف عليها فلم تخالفها في شيء فرددتُها إليه وطابت نفسُه، فأمر الناس أن يكتبوا المصاحف(2) .
ابن شهاب الزُّهريّ، من المعدودين في المنحرفين عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام . وزيد بن ثابت عثمانيّ. وابن شبّة غير رافضيّ بل ولا شيعي الهوى، وقد أثبت الرواية في كتابه. وهو ليس متأخّراً (173 - 262 هـ)، بصريّ.
أقول: هذا كلامهم في القرآن، يكتبونه بلهجاتٍ مباينةٍ للفظِ الوحي الفصيح البليغ؛ فيكفّر بعضُهم بعضاً لتعدّد اللّهجات، ويضيفون إليه ما ليس منه كلاماً ركيكاً، ويزعمون ضياع الكثير منه واندرس؛ ومنه ما ضاع ولكن بعد طوافٍ طويل بين المهاجرين فلم يجده عندهم، ثمّ بين الأنصار حتّى وجده عند أحدهم
____________________
(1) التوبة: 128 - 129.
(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1001 - 1002.
والسؤال: صحابة في الصدر الأوّل لا يعرفون كتابهم ولكن يحفظون أنسابهم؟!
فإمّا أن تكون هذه الرّوايات مكذوبة فنطرحها! وإمّا أن تكون صادقةً وقد بلغت عند حدّ التواتر، فكيف نطمأنّ إلى رواياتهم ونجعلها من المسلّمات وبخاصّة تلك المتعلّقة بهدم أهم ركن من أركان الإسلام وهو النبوّة الذي يأتي بعد التوحيد، ولولاه لما عرفنا الله تعالى حقّ معرفته، ولا إيمان بالنبيّصلىاللهعليهوآله بالنطق بالشهادة فقط وإنّما حمل وبثّ وتقييد أحاديثهصلىاللهعليهوآله .
وكما عدا أولئك النّفر على السنّة بالحجّة التي أشرنا إليها؛ فقد عدَوا على القرآن بالشواهد التي ذكرناها ممّا يعني صدق دعوانا فيما خلصنا إليه من نتيجة: العمد إلى طمس معالم العترة الطاهرة وما لها من حقوق سياسيّة.
قلنا: إنّ الناس كان يُكفّر بعضُهم بعضاً بسبب القراءات، حتّى جمع عثمان الناس على مصحفٍ واحد، ولكن أساء الأدب إلى كتاب الله تعالى - كما سنعرض له -
عن أنس بن مالك قال: اجتمع لغزوة أرمينية وأذربيجان أهلُ الشام وأهلُ العراق وكان معهم حُذيفة بن اليمان ففزِع من اختلافهم في القراءة، فقدم على عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أدرِك هذه الأمّة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى! فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف نَنْسَخْها في المصاحف ثمّ نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمان بن الحارث بن هشام فنَسَخُوها في المصاحف. وقال عثمان للرَّهط القرشيِّين الثلاثة:
إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيءٍ من القرآن فاكتُبوه بلسان قريش، فإنّما أنزل بلسانهم، ففعلوا ذلك، حتّى إذا نُسِخَ المصحفُ ردّ عثمانُ الصحفَ إلى حفصة وأرسل إلى كلّ أُفُقٍ بمصحفٍ ممّا نَسخوا، وأمر بما سِواه من القرآن في كلّ صحيفةٍ أو مصحفٍ أن يُحرق(1) .
نتوقّف قليلاً مع الرّواية: فقد قلنا إنّ النّاس يكفّر بعضُهم بعضاً بسبب القراءات، وكان أولئك النّفر وفي طليعتهم عبد الله بن مسعود، الذي أحسن عمرُ تأديبه! فامتنع من الحديث ومن ثَمّ صار أشدّهم منعاً للحديث؛ فاستحقّ تلك الرواية، بالأخذ بقراءته! حتّى وإن غيّر وبدّل في ألفاظ الآيات وأنكر سُوَراً كاملةً؛ فاُناس ملتزمون بقراءته وآخرون بقراءة غيره، فيكفّر بعضُهم بعضاً باختلاف القراءات.
والمسألة الأخرى: إنّ عثمان قد جمع الناس على مصحفٍ واحد، ولكنّه أساء الأدب كما قلنا من قبل وذلك من خلال حرقه المصاحف!! فهلاّ جمعها فجعلها في خُزانة في مكان أمين؟!! وكما أنّ العدوان على سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله والاستهانة بها بعد ما بلغهم توكيدهصلىاللهعليهوآله بما يقطع معاذيرهم؛ فهو عدوانٌ على شخصه الكريم!، فكذلك الحال بالنسبة إلى القرآن الكريم، لا يجوز هتْكُ حرمته بأيّ لونٍ: بالمحوِ، أو الدفن، أو الحرق؛ تلك الأساليب التي مُورست مع سُنّة المـُرْسَلصلىاللهعليهوآله ، فاختار عثمان أبشعها وهي:
«الحرق» إذ لو دُفِنت - مع اعتراضنا الشديد على هذا الفعل المنكر - رُبّما
____________________
(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 991 - 992. وانظر فتح الباري 9: 17، سنن البيهقي 2: 41.
تُخرج بعد ذلك سالمةً ...
أمّا الذي حدث للقرآن العظيم، فأمرٌ مهول تكاد السماوات ينفرطن - بالنون - وليس بالتاء، إذ هذه لها قراءة بالتاء عند بعضهم! - للذي كان من عثمان بحرق العراق، ويأتي بلفظ تمزيقه ...! وفي كلٍّ سوء أدب، وجاهليّة، ومروق على أمر الله تعالى وطاعته.
«وبسندٍ عالٍ عن زيد بن ثابت، أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم من غزوة غزاها بفرج أرمينية فحضرها أهلُ العراق وأهلُ الشام، فإذا أهلُ العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهلُ الشام؛ ويقرأ أهلُ الشام بقراءة أُبَيِّ بن كَعْب، ويأتون بما لم يسمع أهل العراق. قال: فأمرني عثمان أن أكتب له مصحفاً فكتبتُه. فلمّا فرغتُ منه عَرَضَه(1) .
هذا حالُ المسلمين في صدر الإسلام وهم قريبوا عهد بالنبيّصلىاللهعليهوآله يُكفّر أحدهم الآخر بسبب القراءة لما أشاعته السياسة المانعة من الحديث بأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أوصى بالأخذ بقراءة ابن مسعود، وأشاع آخرون أن أُبَيّاً هو سيّد القرّاء - ستعرف -؛ ولذا تمسّك أهل العراق بقراءة ابن مسعود وكلّما سمعوا شيئاً غيره فهو جديد عليهم وظنّوه كفراً وخروجاً على القرآن؛ وكذا حال أهل الشام.
ولكن لِمَ هذا التعميم؟! وأين الطبقة السابقة إلى الإسلام وأسبقها عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام ، من غير خلاف والذي كان يهتف ويمدّ بها صوته: أنا الصدِّيق الأكبر وفاروق هذه الأمّة صلّيت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبع سنوات ولم يصلِّ معنا
____________________
(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 993، فتح الباري 9: 14 - 15، الجامع للأصول 4: 33.
أحد». هلاّ رجع عثمان إليه فاستشاره ماذا يفعل بالصحف، مثلما كان يستشيره أبوبكر، وعمر في أُمورهم المهمّة مثل الحروب؟! ويقتدي بفعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذ ائتمن أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام على ودائع قريش التي كانت عنده حينما هاجر وأمر عليّاًعليهالسلام بالمبيت على فراشه؟! أو جعلها عنده أمانة إلى حين ...؟!
عثمان يُشقّق المصاحف
عن سوار بن شبيب قال: دخلتُ على ابن الزبير في نفر فسألته عن عثمان ابن عفّان، لِمَ شقّق المصاحف، ولِمَ حمى الحِمَى؟ فقال: قوموا حَرُوريّة(1) ، قلنا: لا والله ما نحن حروريّة. قال: قام إلى أمير المؤمنين عمر رجلٌ فيه كذِبٌ وَوَلع، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الناس قد اختلفوا في القراءة، فكان عمر قد همَّ أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة، فطُعِن طعْنَته التي مات منها. فلمّا كان في خلافة عثمان قام ذلك الرجلُ فذكر له، فجمع عثمان المصاحف، ثمّ بعثني إلى عائشة فجئتُ بالصُّحُف التي كتب فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله القرآن فعرضناها حتّى قَوَّمْنَاها، ثمّ أمر بسائرها فشُقِّقَت(2) .
إن تشقيق المصحف وحرقه سواء، فهما عدوان على القرآن الكريم وهتك حرمته وفعله هذا من الكبائر!
____________________
(1) الحرورية: طائفة من الخوارج تُنسب إلى حروراء بقرب الكوفة فقد كان اجتماعهم بها لأوّل مرّة للتحكيم حين خالفوا أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام وتشدّدوا في أمرهم (الوسيط للمجمع اللغوي).
(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 991.
اختلاف وزيادة ونقصان!
حدّثنا عبد الأعلى بن الحكم الكلابيّ، قال: أتيتُ دار أبي موسى الأشعريّ فإذا حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعريّ فوق إجّار(1) فقلتُ: هؤلاء والله الذين أُريد، فأخذت أرتقي لهم حتّى جلستُ إليهم فإذا عندهم مصحف أرسل به عثمان فأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه.
فقال أبو موسى: ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها، وما وجدتم من نُقصان فاكتبوه فيه! فقال حذيفة: فكيف بما صنعنا والله ما أحدٌ من أهل هذا البلد يرغبُ عن قراءة هذا الشيخ. يعني ابن مسعود، ولا أحدُ من أهل اليَمَن يرغب عن قراءة هذا الآخر، يعني أبا موسى. وكان حذيفة هو الذي أشار على عثمان أن يجمع المصاحف على مُصحفٍ واحد(2) .
يعتمدهم عثمان في كتابة المصحف، فإذا أحدهم يُصرّ على مصحفه زيادةً ونقيصةً!! وحذيفة الذي أشار على عثمان بفكرة جمع المصاحف على مصحفٍ واحد، غدا في حيرةٍ من أمره، فالنّاس في كلّ بلد متمسّكون بقراءة شيخهم وهو يختلف عن الآخر؟!
عن أبي محمّد القرشيّ: أنّ عثمان بن عفّان كتب إلى الأمصار: أما بعد، فإنّ نفراً من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن، فاختلفوا اختلافاً شديداً؛ فقال بعضهم قرأتُ على أبي الدرداء، وقال بعضُهم قرأتُ على حرف عبد الله بن
____________________
(1) الإجار: والأجار، السطح الذي لا سترة عليه. (اللسان)
(2) نفسه 999.
مسعود، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن قيس - أي أبو موسى الأشعريّ -، فلمّا سمعتُ اختلافهم في القرآن - والعهدُ برسولِ اللهصلىاللهعليهوآله حديث - ورأيتُ أمراً منكراً، فأشفقتُ على هذه الأمّة من اختلافهم في القرآن، وخشيتُ أن يختلفوا في دينهم بعد ذَهَاب مَن بقي من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله الذين قرأوا القرآن في عهدِه وسَمِعوه من فِيهِ، كما اختلفتِ النّصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى ابن مريم، وأحببتُ أن ندارك من ذلك؛ فأرسلتُ إلى عائشة أن ترسل إلي بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عن فَمِ رسول اللهصلىاللهعليهوآله حين أوْحاهُ اللهُ إلى جبريل، وأوحاه جبريلُ إلى محمّد، وأنزله عليه، وإذِ القرآنُ غضٌّ، فأمرت زيد ابن ثبت أن يقوم على ذلك ...، وكان زيد بن ثابت أحفظَنا للقرآن، ثمّ دعوتُ نفراً من كتّاب أهل المدينة وذوي عقولهم، منهم نافِع بن طَرِيف، وعبد الله بن الوليد الخزاعيّ، وعبد الرحمان بن أبي لُبَابَة، فأمرتُهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يَتَحفَّظُوا(1) .
هنا خرج عثمان على التعريف بأحفظ الصحابة عن قول عمر الذي كان يدعو إلى عبد الله بن مسعود، والذي بدوره لم يكن يرى في الصحابة مَن هو أعلمـُ بالقرآن مطلقاً، فكان مصحفه محتوياً على قراءات مغايرة لقراءة الوحي، وآياتٍ بدّل في كلماتها، وناقصاً سوراً كاملةً ...
وأمّا زيد الذي عرّفه عثمان بأنّه أحفظ الصحابة وأوكل إليه كتابة المصحف، فصحّف كتابة «التابوت» وكتبها «التابوه» حتّى اشتدّ عليه عثمان فكتبها «التابوت».
____________________
(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 997 - 998.
وفقد آيات راح يجول بين المهاجرين والأنصار حتّى أصابها أخيراً مع رجل من الأنصار. فلا ندري كيف نوفّق بين ما روي عن عمر بن الخطّاب عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «مَن أراد أن يأخذ القرآن غضّاً كما أُنزل فليأخذه من فِي ابن مسعود»، وبين نسخ زيد في رجال ليس فيهم ابن مسعود للمصحف الذي أوحاه الله تعالى إلى جبريل فأوحاه جبريل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإذِ القرآنُ غضٌّ «لم تدخله قراءة هُذَيل ولا زيادة أبي موسى أو تبديل وزيادة ابن مسعود ولا حذفه لسور ولا قراءة التابوه».
ترتيب عثمان لسور القرآن
عن ابن عبّاس قال: قلتُ لعثمان: ما حَمَلكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من السبع - في المستدرك من المئين - فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، كان يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور ذات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء قال: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يُذكَر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما أُنزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قِصّتُها شبيهةً بقِصّتِها، وقُبِض رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم يُبَيِّن لنا، وظننتُ أنّها منها؛ فمن أجل ذلك قَرَنْتُ بينهما، ولم أكتب سطر «بسم الله الرحمان الرحيم» ووضعتها في السبع
الطّوال(1) .
هل هذا من قبيل القياس المذموم في الرواية في الحديث؟! سورة مكّيّة من أوائل القرآن، تُقرن بسورة مدنيّة من آخر القرآن وليس من دليل يهتدون به لهذا النظم إلاّ زعمهم أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قُبِض ولم يُبيّن، أي يوضّح لهم أين تكون هذه السورة أو تلك ...؟! أي ذريعة هذه؟ هلاّ رجع عثمان إلى كبار الصّحابة وعظيمهم أميرالمؤمنين هارون الأمّة عليّعليهالسلام ؟ ومتى كان جمع المصحف خاضعاً لمزاج الرجال فيضمّون السورة إلى ما يشبهها - كذا - بحذف البسملة من أوّل السورة الثانية؛ فمَن أعطاه هذه الصلاحيّة في التصرّف؟! كلّ هذا لو أحسنّا الظنّ بالرجل وصدّقنا دعواه! وإلاّ كيف يترك رسول اللهصلىاللهعليهوآله كتاب الله العزيز وقد ائتمنه عليه فكان إذا نزلت الآية قال ضعوها في السورة كذا وهكذا ولم يُقبض إلاّ والقرآن مودع عند طبقة واسعة مؤمنة مجاهدة من أجله صالحة لا تفرّط به.
وسنجد في سيرة بني أُميّة تشدّداً على الحديث وغلظة على مَن ذكر شيئاً من فضائل وسيرة أهل البيتعليهمالسلام ، وإساءة إلى القرآن الكريم تأسّياً بشيخهم عثمان.
عن شعبة، عن يعلى بن عطاء قال: سمعته يقول: سمعت القاسم بن ربيعة يقول: سمعت سعداً - بن أبي وقّاص - يقرأ (ما ننسخُ من آيةٍ أو ننساها) [ البقرة: 106 ] قال فقلت: انّ سعيداً يقرأها أو نُنْسِهَا. قال: فقال: إنّ القرآن لم ينزل على
____________________
(1) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1015 - 1016، المستدرك على الصحيحين 2: 241/ 2875، التلخيص وقال: على شرط البخاري ومسلم.
المسيّب ولا على ابنه وحفظي أنّه قرأ( سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ) [ الأعلى: 6 ]( وَاذْكُر رّبّكَ إِذَا نَسِيتَ ) [ الكهف: 24 ].
ذكره الحاكم(1) .
العجب من سعد وهو صحابيّ يقرأها بما يوجب الكفر! ذلك أنّ قراءته توجب النسيان للهِ جلّ وعلا. فإذا ذُكّر بالقراءة الصحيحة والتي تعني أنّ الله تعالى سنسخ أو يُنسي ...، فهو فاعل سبحانه، غضب سعد وفحش على سعيد بن المسيّب وعلى أبي سعيد!!
وخلاصة القول: إنّ القرآن الصحيح هو القرآن الذي تركه رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله مكتوباً مقيّداً بلسان الوحي ويشهد له قومٌ شهد القرآن بعصمتهم في آية التطهير؛ وفي آية المباهلة، فكان القرآن الكريم مُعْجزاً ببلاغته للثَّقلين وحتّى تقوم الساعة، وكانت تلك الوجوه الكريمة: عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسينعليهمالسلام معجزة رسول اللهصلىاللهعليهوآله يومَ المباهلة، بهم غلب نصارى نَجْران وأثبته القرآن الكريم. فلهذا وغيره من الخصوصيّات، فهم أعرف بالوحي إذ هم أهله، وقد صرّحوا بذلك كابراً عن كابر. ولقد كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني ...» وما قالها غيره إلاّ افتُضِح! وكان يصرّح بأنّه يعرف كلّ آية في القرآن، وسبب نزولها وفيمَن نزلت، أفِي ليلٍ نزلت أم في نهار ...، وبعد هذا البيت الطّاهر تأتي طبقة واسعة ممّن لم تُحرّف ولم تُبدّل ومضت على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله فتابعت أهل بيته ووفت ببيعته، فاستحقّت بذلك اسم الصحبة إذ الصحابيّ هو مَن عاش ومات
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 2: 264/ 952. قال في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.
ولم يُبدّل. هؤلاء حفظوا القرآن كما أُنزل وقرأوه كما قرأه رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله ولم يزعموا انّ القرآن الكريم قد فُقد منه كثير كما زعم أولئك! والله تعالى قال:( إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) ، والقولُ قولُ الله تعالى لا قول أولئك. كما أنّ أهل البيتعليهمالسلام ومَن تبعهم لم يبدّلوا كلام الله كما فعل أولئك. وأخيراً لم ينسبوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قراءاتٍ شاذّة ومغلوطة كما فعل أولئك!
كذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، في القراءة
لم يقف القوم عند حدود ما ذكرنا، وإنّما بلغت بهم الجرأة أن نسبوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قراءات مكذوبة!
عن ابن عمر: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قرأ: (فطلّقوهنّ في قبل عدّتهنّ). والصحيح:( فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ ) (2) ،(3) الآية.
يونس بن بُكير، حدّثنا محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «تفتح يأجوج ومأجوج كما قال الله عزّ وجلّ:( مِن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ) (4) . قال ابن إسحاق: في قراءة عبد الله: «من كلّ جدث ينسلون» بالجيم والثاء مثل قوله( مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى
____________________
(1) الحِجر: 9.
(2) الطلاق: 1.
(3) المستدرك على الصحيحين 2: 275/ 2990، التلخيص.
(4) الأنبياء: 96.
رَبّهِمْ يَنسِلُونَ ) (1) ، وهي القبور(2) .
ولكنّها في قراءة الوحي في الآية الأولى «حدّب» بالدال، وفي قراءته في الثانية بالثاء، فنتّبع الوحي لا الرجال لئلاّ نضلّ! أثمّة قياس إذ لها نظير في آية أُخرى فنُعرض عن الوحي فنبدّل ونقيس ...؟! والحمدُ لله أنّ ابن مسعود لم ينسب القراءة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان موضع ذكر هذه فيما مضى فسهونا عنها «حتّى حين!».
عن شهر، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت النبيّصلىاللهعليهوآله يقرأ:( يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً ) (3) ولا يُبالي.
إنّ كلمتي «ولا يُبالي»، ليستا من الآية؟! وقد علّق عليه الحاكم قائلاً: هذا حديث غريب عال ولم أذكر في كتابي هذا عن شهر غير هذا الحديث الواحد(4) .
عبد الرحمان بن غنم الأشعريّ، قال: سألتُ معاذَ بن جبل عن قول الحواريّين:( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ ) (5) ، أو: هل تستطيع ربّك؟ فقال: أقرأني رسول اللهصلىاللهعليهوآله «هل تستطيع ربّك» بالتاء(6) .
وعن هارون - قال عنه الذهبي «واهٍ» وفي مكان آخر «هالك» عن ابن
____________________
(1) يس: 51.
(2) المستدرك على الصحيحين 2: 268/ 2966، التلخيص.
(3) الزمر: 53.
(4) المستدرك على الصحيحين 2: 272/ 2982.
(5) المائدة: 112.
(6) المستدرك على الصحيحين 2: 260/ 2935، التلخيص.
عبّاس! أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله كان يقرأ: (وكان أمامهم ملكٌ يأخذُ كلَّ سفينةٍ صالحة غصباً)(1) .
قال الحالكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرّجاه.
والآية فيها تغيير وزيادة، فحاشا ابن عبّاس أن يفتري على رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
والآية:( وَكَانَ وَرَاءَهُم مّلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْباً ) (2) . فكما ترى قد غيّروا كلمة «وراءهم» إلى «أمامهم» وأضافوا إلى الآية كلمة «صالحة» ونسبوا ذلك إلى ابن عبّاس.
وعن حُصَين، عن عِكرمة، عن ابن عبّاس قال: لا أدري، كيف قرأ رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله «عتيّاً» أو «جثيّاً» فإنّهما جميعاً بالضمّ؟!(3)
أن يكون الخبر صادر من أولئك الجماعة فيهون الخطب! أمّا من مثل ابن عبّاس فبعيد! وإن كان على شرط الشيخين! فالبون شاسع بين اللفظتين في مخارج حروفهما أوّلاً، وثانياً: في المعاني التي تؤدّي إليهما كلتا الكلمتين، فإنّ من معاني جثا: قال شيئاً يُغضب غيره، وأيضاً جلس بين يدي ...؛ وغير ذلك. وأما عتى: فطغى وتمرّد وخرج على الطاعة ...، وليس مثل ابن عبّاس اللبيب النسّابة الحاذق مَن ينسى كيف قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 2: 266/ 959.
(2) الكهف: 79.
(3) المستدرك على الصحيحين 2: 267/ 2962. وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وفي التلخيص: على شرط البخاري.
وعن ابن سيرين، عن أنس: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قرأ: (أنْ تَكُونَ لَهُ أسْرَى) - بالتاء -. والصحيح:( أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ) (1) - بالياء -. وحاشا لرسول الله صلىاللهعليهوآله أن يشتبه في القراءة!
مروان يُشقّق القرآن
استنّ مروانُ بن الحَكَم بسنّةِ عثمان في عدوانه على القرآن. عن ابن شهاب، قال: حدّثني أنس قال: لمّا كان مروان أمير المدينة أرسلَ إلى حَفْصَة يسألها عن المصاحف ليمزّقها وخشي أن يُخالِف الكتابُ بعضُه بعضاً، فمنعَتْها إيّاه(2) .
قال الزهري: فحدثني سالم قال: لما تُوُفِّيَت حفصة أرسل مروان إلى ابن عمر بعزيمةٍ ليُرسِلَنّ بها، فساعةَ رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابنُ عمر، فشَقّقها ومزَّقها مخافةَ أن يكون في شيء من ذلك خلافٌ لما نَسَخ عثمانُ(3) !
إشكالُنا ليس على شخص مروان! فهو غَنيٌّ عن الوصف. ولكن: كما قلنا في المـُمهّد «عثمان بن عفّان» الأُمويّ في فعله الشنيع في هتك حرمة القرآن لكريم تمزيقاً وحَرْقاً، والذريعة: مخافة أن يختلف الناس في القراءة. فما حجّة مروان وقد جمع سَلَفُه وشيخُه الناس على مصحفٍ واحد، وسبقه إلى فضيلة!
____________________
(1) الأنفال: 67.
(2) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1003، المصاحف، للسجستاني 25.
(3) تاريخ المدينة المنوّرة 3: 1003 - 1004.
حرق وتمزيق المصاحف.
وكان معاوية واحداً ممّن انتهت إليه «الأريكة» ليحكم بالهوى ويعطّل السنّة ويتجاوز أحكام القرآن الكريم، ومع ذلك فهو يلوذ باسم القرآن في تعطيل السنّة الشريفة.
معاوية يمنع الحديث
قال رجاء بن حَيْوَة(1) : كان معاوية ينهى عن الحديث، يقول: لا تُحدِّثوا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله (2) .
وروى ابن عديّ، عن إسماعيل بن عبيد الله: أنّ معاوية نهى أن يُحدّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله بحديثٍ إلاّ حديث ذُكر على عهد عمر، فأقرّه عمر. إنّ عمر كان قد أخاف الناس في الحديث عن النبيّصلىاللهعليهوآله (3) . ورواه ابن عُليّة، عن رجاء بن أبي
____________________
(1) رجاء بن حَيْوَة الكنديّ الشاميّ. روى عن جابر بن عبد الله، وخالد بن يزيد بن معاوية، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وأبي الدرداء ...
روى عنه: حُمَيْد الطَّويل، وأبو إسحاق السَّبيعيّ، ومحمّد بن عَجْلان، وقَتادة بن دِعامة قال ابن سعد: كان ثقةً فاضلاً كثيرَ العلم (طبقات ابن سعد 7: 454). وقال العجليّ: ثقة. (تاريخ أسماء الثقات 160/ 439). وذكره ابن معين فقال: ثقة (تاريخ ابن معين 2: 164).
توفّي رجاء بن حَيْوَة سنة اثنتي عشرة ومائة (تاريخ خليفة 343، وطبقاته 310 وطبقات ابن سعد).
(2) الفقيه والمتفقّه 1: 7.
(3) الكامل، لابن عدي 1: 33 و 1: 18.
سلمة أنّه قال: بلغني أنّ معاوية كان يقول(1) .
وروى ابن عساكر: كان معاوية يقول على منبر دمشق: إيّاكم والأحاديث عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلاّ حديثاً ذُكر على عهد عمر(2) .
وعن عبد الله بن عامر اليَحْصبي، قال: سمعت معاوية يقول: إيّاكم وأحاديثَ، إلاّ حديثاً كان في عهد عمر، فإنّ عمر كان يُخيف الناس في الله عزّ وجلّ(3) .
وكتب يزيد بن معاوية إلى أبيه: أنّ جُبَيْر بن نُفَير(4) قد نشر في مِصْري حديثاً، فقد تركوا القرآن.
فبعث معاوية إلى جبير، فجاءه، فقرأ عليه كتاب يزيد، فعرف بعضه وأنكر بعضه. فقال معاوية: لأضربنّك ضرباً أدعُك لمن بعدك نكالاً(5) !
تركنا التعليق على الروايات الواردة عن معاوية في منعه الحديث عن
____________________
(1) حجيّة السنّة 467.
(2) تاريخ دمشق 3: 160.
(3) صحيح مسلم 4: 127.
(4) قيل أسلم في حياة النبيّصلىاللهعليهوآله ولم يره وقدم المدينة فأدرك أبابكر (أسد الغابة 1: 324/ 700، طبقات ابن سعد 7: 306/ 3807، تاريخ الثقات، للعجلي 95 رقم 201، المعرفة والتاريخ 1: 328 و 336 ومواضع أخرى، حلية الأولياء 5: 133 - 138 رقم 315، سير أعلام النبلاء 4: 76/ 23، شذرات الذهب 1: 88، الوافي بالوفيات 11: 59، تاريخ الإسلام 5: 382، الجرح والتعديل 2: 512 رقم 2116، تاريخ خليفة 280؛ وقد أجمعوا على توثيقه.
(5) سير أعلام النبلاء 4: 77، تاريخ الإسلام 5: 382.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلفظها وعلّتها واحدة ومشتركة مع أسلافه! إلاّ أنّا لا نطيق قبل الرجوع لتحليل سبب الإصرار على المنع، دون أن نتكلّم عمّا جرى بين يزيد وجبير وأخيراً ذلك الوعيد الصارم والتهديد الواعد من معاوية لجُبير:
إنّ معاوية طليق ابن طليق ملعون هو وأبوه وأخوه يزيد بن أبي سفيان على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، كما في حديث الراكب والسائق والقائد. ورسول اللهصلىاللهعليهوآله دعا إلى قتل معاوية إذا رأوه على منبره، وقد ذكرنا كلّ ذلك فيما مضى.
وأمّا الناقص «يزيد»، فلا يزيد على شرب الخمور والضرب بالطنبور وملاعبة الفهود والجمع بين الأختين وألوان الزندقة والفسق، وهو «يتهوّك» على «أريكته» معارضاً شطرَ الإسلام المـَمثّل بسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ ومتعلّلاً أنّ النّاس قد «تركوا القرآن» وهي نفس مقولة القائل «يشتغلوا عن القرآن بغيره» أي بسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ولمّا كان معاوية وابنه ليسا من أهل الإسلام، فلم يوجّه ابنه التوجيه الصحيح كأن يقول له: ادعو الناس وحثّهم على تعلّم القرآن وعلومه، وتعلّم سنن النبيّصلىاللهعليهوآله وحفظ أحاديثه لأنّها مفسّرة للقرآن وفيها كثير ممّا ليس في كتاب الله المجيد.
إنّ «الملك!» المكترش، لم يعمل بهذا، وذهب بعيداً في طغيانه وقد غرّته «أريكته»، فتوعّد جُبَير بن نُفَير بالضرب الموجع الذي يجعله عبرةً لغيره فلا يقدم على فعله، ويحمله على الندم فلا يعيد ما فعل!!
ولا عجب هذا الكلام من مثل العاوية! فلقد دخل الإسلام بيتهم عام الفتح
وهم كارهون، وما حسن إسلامهم، فأبو سفيان الذي قاد قريش في حروبها ضدّ الإسلام، وقاد الأحزاب يهود أو مشركين ففشل ثمّ أدخل النبيُّصلىاللهعليهوآله الإسلامَ بيته كُرهاً؛ فإنّ أبا سفيان يومَ اليرموك إذا كانت الصَوْلة للمسلمين شجَعهم، وإذا كانت الصّوْلة للرّوم قال: وِيهاً بني الأَصفر، يشجّعهم!
وتعاقبت الأحداث، فخرج القاسط معاوية بخارجة الشام على سيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وقتل خيرة الصحابة والتابعين وسنّ سنّته المقيتة في لعن عليٍّعليهالسلام عقب كل صلاة مقابل سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأنّ الصلاة لا تتمّ إلاّ بالصلاة عليه وعلى أهل بيته!!
قد يُقال: إنّ معاوية قد استنّ بأسلافه في منع الحديث ونحن نوافقه على ذلك، إلاّ أنّا ملزمين بالفحص عن السبب الذي لأجله شنّ أولئك الغارة على الحديث، وإن كنّا تحدّثنا ملخّصاً عن هذا الأمر الخطير وبحسب ما اقتضته الحاجة. وهذا يقتضي الكلام عن الأحاديث التي تمسّك بها المانعون، وأيضاً عن الجبهة الرافضة للمنع والتي واصلت مسيرتها في كتابة السنّة:
وقبل ذكر ذلك، نذكّر بما مضى من تعلّلهم بالخوفِ من اختلاط القرآن بغيره! وبذريعةٍ أُخرى هي الاكتفاء بالقرآن وعدم الاشتغال بغيره. وقد أبطلنا الذريعتين، فالقرآن معصوم قد تكفّل الله تعالى بحفظه، وهو معجزٌ في لفظه لا يرقى إليه كلام بشر. هذا بشأن الاختلاط، وأمّا بشأن الاستغناء بالقرآن عن السنّة فتكلّمنا عن ذلك بما فيه الكفاية، فالسنّة شارحة للقرآن ومفسّرة لها ومفصّلة لما فيه من أحكام، بل في السنّة ما ليس في القرآن الكريم، واِنّ إلغاء
السنّة بأيّ صورة إلغاءٌ للنبوّة! ووجدنا فيما سبق أنّ الحديث قد دُوّن زمن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأمر هو بتدوينه وتقييده.
ثمّة مسألة: إنّ استمرار الخلاف في أمر التدوين، وعدم خضوع المـُبيحين لإجراءات المنع، دليلٌ على أمرين:
1 - أنّ أحاديث النيه عن التدوين، ليست صحيحةً؛ وإلاّ لم يكن أكثر الصحابة والتابعين على خلاف المنع، بل فيهم مَن قام بتدوين الحديث وجمعه في الصحف.
2 - أنّ المنع، لم يكن شرعيّاً، بل كان رأياً ارتئاه المانعون، لأُمورٍ خاصّة ظهرت لهم، ولم يوافقهم عليها سائر الصحابة.
وإذا كان المنع على أساس ما يراه الصحابيّ مصلحةً، فإنّ للصحابة الآخرين حقّ الاعتراض عليه، فلا يكون ما يراه الصحابيّ حجّة على الصحابيّ الآخر، إلاّ إذا أقام له الدليل الشرعيّ المقنع، كما هو حال المجتهدين.
وبعد التأمّل العميق في ما يناسب أن يكون مصلحة للمنع من قبل المانعين، علمنا أنّ المصلحة إنّما كانت تدبيراً سياسيّاً من قِبل الخلفاء وخاصّةً في الصدر الأول بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله . ويتّضح هذا ممّا أورده الخطيب البغداديّ، بسنده عن عبد الرحمان بن الأسود، عن أبيه، قال: جاء علقمة بكتاب من مكّة - أو اليمن - صحيفة فيها أحاديث، في أهل البيت - بيت النبيصلىاللهعليهوآله -
فاستأذنّا على عبد الله، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة.
قال: فدعا الجاريةَ، ثمّ دعا بطست فيها ماء.
فقلنا له: يا أبا عبد الرحمان، انظر فيها، فإنّ فيها أحاديث حساناً فجعل يُميثها فيها، ويقول:( نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ ) (1) .
القلوبُ أوعيةٌ، فأشغِلُوها بالقرآن، ولا تُشغلوها بما سواه(2) .
وقبل الكلام في أصل الموضوع الذي لأجله أباد ابنُ مسعود الصحيفة، نذكّر بما قلناه: من أنّ ابن مسعود واحد من الذين خضعوا لدستور عمر في المنع من الحديث، قد محى من قبل صحيفةً أُحضرت إليه فيها «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر»، وهي كلماتٌ أتى بها القرآن الكريم، فلم يحترمها، فكيف إذا صار الأمر إلى خلاف سياسيّ؟!
إنّ الصحيفة المعرّضة للإبادة في هذه الرواية، واضحة المحتوى، فإنّ فيها أحاديث حساناً كما يقولُ علقمة.
كما أنّ موضوعها يرتبطُ بأهل البيتعليهمالسلام ، وكأنّ الراوي اعتنى بهذه المسألة، فاستعمل عطف البيان للتأكيد على المراد بأهل البيت، وليُلفت نظر عبد الله بن مسعود إلى أنّهم أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآله . لكنّ عبد الله لم يُعِرْ اهتماماً، وأباد الصحيفة.
وقبل الانتقال إلى إدانات أُخرى لابن مسعود! نبقى عندَ كلامه واحتجاجه بالقرآن الكريم على أولئك الذين أحضروا إليه الصحيفة وفيها أحاديث في أهل البيتعليهمالسلام فمحاها، فنقول له: ماذا تقول في آية التطهير الظاهرة في العصمة، ولو لا السنّة لما علمنا أنّهم محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأخوه عليّ، وبضعته فاطمة، وولداه
____________________
(1) يوسف: 3.
(2) تقييد العلم 54.
الحسن والحسينعليهمالسلام .
وما قولُك في آية المباهلة، وفيمن نزلت؟ مَن كان نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله يومئذ، هل كان غير عليّعليهالسلام ؟! ومَن كانت نساءَه غير فاطمةعليهاالسلام ؟ أو ليس الحسن والحسين أبناءه يومئذٍ؟ فكانوا معجزته التي قهر بهم وفد نصارى نجران وأعجزهم. من أين علمنا هذا يا ابن مسعود؟! أو ليس هذا أحسن القصص الذي احتججت به؟!
لكنّ عبد الله لم يُعِرْ اهتماماً، وأبادَ الصحيفةَ. والتبريرات التي ذكرت لمنع التدوين، لا يجري شيء منها هنا. فلا اختلاطَ لما في الصحيفة، بالقرآن. وليس فيها ما يعارضُ القرآن وينافيه. ولا فيها من خُرافات «مشناة» أهل الكتاب شيء.
كما أنّ الاشتغال بها لا يؤدّي إلى ترك القرآن، لأنّ مجرّد أحاديث في صحيفة، لا تُلهي عن القرآن.
ومع كلّ ذلك أباد عبدُ الله الصحيفة، محاولاً أن يُوهمَ أنّ القرآن يُغْني عمّا فيها! مع أنّه كان مخطئاً في فَرْضه أنّ الاشتغال بالحديث هو اشتغالٌ بما سوى القرآن، لأنّ الحديث لا ينفصل عن القرآن، بل هو يعضُدُه. ولو أمعنّا النظر في هذا الحديث، وجدنا أنّ محتواه هو الذي كان يضُرّ السلطة الحاكمة وينافي سياستها القائمة، لأنّ الأحاديث الواردة في أهل البيتعليهمالسلام ، إنّما تدلّ على فضلهم وتؤكّد على خلافتهم عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، وتجعلهم قرناء للقرآن، ليكونوا هم وهو خليفتين له، من بعده. وهذا ما يعرفه ابن مسعود جيّداً، لما سنبيّن من علّته. وأمّا سائر أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، سواء في الأحكام والفرائض، أو الآداب والسنن، فهي
لا تَمَسُّ كيانَ السلطة بشيء.
ولذا لم يشملها المنعُ بنحوٍ شديد:
قال عمر: أقلّوا الرواية عن رسول الله، إلاّ فيما يُعمل به(1) .
قال الدارميّ، في شرح منع عمر عن الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : معناهُ عندي الحديث عن أيّام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليس السنن والفرائض(2) .
وإن كانت أوامر المنع وإجراءاته عامّة، فلأنّ التدبير السياسيّ يقتضي منع الحديث بالعموم، حتّى يشمل الأحاديث المضرّة بالسياسة.
وإنّما لم يخصّ المنعُ بما دون غيره، فلأنّ تخصيصها بالمنع يؤدّي إلى وضوح الهدف من المنع، وانكشاف المصلحة الموضوعة له.
والإعلانُ عن تلك المصلحة غيرُ ممكن، لأنّه يوجّه الأنظار إليها بشكل أكثر تركيزاً، فيوجبُ نقضَ الغرضِ المترقّب من المنع، ويعكس المصلحة إلى مفسدة لا تُتدارك.
وإنّما خُصّ أهل البيتعليهمالسلام بذلك:
لأنّهم كانوا يُعتبرون زعماء المعارضة السياسيّة الذين بقوا في الساحة، وكان المسلمون يتطلّعون فيهم الخلافةَ ويعتقدون لهم الإمامة.
وحجّتهم في ذلك الأعدادُ المتضافرة من الأحاديث النبويّة التي تبلغ اليوم،
____________________
(1) البداية والنهاية 8: 107.
(2) سنن الدارمي 1: 73 ح 286، جامع بيان العلم 2: 121.
رغْمَ بُعدِ الزمن، ورغم كلّ عمليّات المنع والإبادة والتحريف، تبلغ الآلاف(1) .
فكيف بها تلك الأيّام، وهي تَمْثُلُ لرواتها من الصحابة، بمنازلها وأحداثها ومناسباتها وأسبابها؟ والنبيّصلىاللهعليهوآله لا يزال حيًّا في الخواطر، يُحدّثهم بما لأهلِ بيته من فضلِ، وما لهم من منزلة؟!
ولا شكّ في أنّ كثيراً من تلك الأحاديث كانت تُشِيد بعليّعليهالسلام - زعيم أهل البيت - وتنصّ عليه بالولاية والإمامة ...
فلو كان مسموحاً للأُمّة أن يتداولوها، ويحدّثوا بها، ويكتبوها ويضبطوها، لارتسمت في الأذهان، وتعلّقت بالأفكار، وانعقدت عليها القلوب وبُنيت بها قواعد العقائد؛ فيكون لذلك تأثير سياسيّ عميق على نظام الحكم، بلا ريب. فكان المنعُ الرسميّ للحديث أفضلَ تدبيرٍ سياسيّ، للوقوف في وجه ذلك.
وإلاّ، فبربِّك! ماذا يعني أن يأتي عمرُ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأحاديث وقصص من أخٍ يهوديّ له من بني قُريظة، قد أعجبته! فيغضب رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله وتحيط به الأنصار ثمّ يقول: «أمُتَهوّكونَ أنتم ...» أي في حال شكٍّ من نبوّتي؟! وقد ذكرناه.
ومضت سنون ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يُحدّث ويأمر بنقل حديثه تحديثاً وتقييداً كما ذكرنا وسنذكر، فأين كان المانعون عن مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليسمعوا ما سمعه غيرُهم؟!
هل شغلهم الصَّفْقُ بالأسواق كما قال عمر - مرّ بنا -، والانشغال بالمرآة والمكحلة، كما قال أبو هريرة لعائشة محتجّاً عليها لما أنكرت بعض الأحاديث
____________________
(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديث 4: 73.
التي يرويها وقالت أنّها لم تسمعها.
ومرّ بنا حديث «الأريكة»، وفيه قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «يوشك رجل جالس على أريكته يقول: حسبُنا كتاب الله ...» منكراًصلىاللهعليهوآله على صاحب الحكم من بعده، مانعاً لحديثه متذرّعاً لئلاّ يختلط القرآن بشيء غيره! وقلنا: كلّ كلام أيًّا كان مصدره، لا يرقى في بلاغته إلى بلاغة القرآن، والسنّة معضّدة للقرآن شارحة له وفيها ما ليس فيه، فهدمها هدم للنصف الأكبر من الإسلام! إذن: فالمصلحة المنشودةُ من هذا التدبير، هي: إخفاء الأحاديث النبويّة التي تدلّ على خلافة أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام وإمامة أهل البيتعليهمالسلام بعد النبيّصلىاللهعليهوآله .
وهذه المصلحة تحتوي على العناصر المطلوبة، التي ذكرناها:
1 - فهي خطِرةٌ للسلطة.
إذ لو نُشرتْ هذه الأحاديث واُذيعت، وتداولها الناس كما استقرّ الحكم، الذي اعتمد على أساليب أصدق ما يُقالُ فيها أنّها «فَلْتَةٌ»(1) .
____________________
(1) وقد روى البخاري في صحيحه، كتاب المتحاربين، باب رجم الحبلى من الزنى، الحديث الوحيد في الباب - وهو طويل - من خطبة عمر يوم الجمعة وفيه قوله: بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: (والله، لو مات عمر بايعتُ فلاناً) فلا يغترّن امرؤٌ أن يقول: (إنّما كانت بيعة أبي بكر فلْتةً وتمّتْ) ألا، وإنّها كانت كذلك، ولكنّ الله وقى شرّها.
وفي الحديث: مَن بايع رجلاً على [ أو: عن ] غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع [ أو: يتابع ] هو ولا الذي بايعه تغرّةً أن يُقتلا. =
فإذا تمكّن الإمامعليهالسلام وأنصاره من إظهار النصوص الشرعيّة الكثيرة المسندة الدالّة بوضوح على أنّ عليّاًعليهالسلام :
هو وليّ الأمر من بعد النبيّصلىاللهعليهوآله .
وهو الذي جعله النبيّصلىاللهعليهوآله بمنزلة هارون من موسى، في كلّ شيء إلاّ النبوّة.
وهو الذي قال فيه النبيّصلىاللهعليهوآله : «مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله».
فإذا ظهرت هذه النصوص للنّاس، لما بقي الوضع على قراره(1) .
2 - إنّ هذا الإخفاء لم يُقبَلْ من قِبَل الإمامعليهالسلام وأنصاره.
____________________
= صحيح البخاري - دار إحياء التراث العربيّ - 8: 210 - 211. وقال الخطابي، في حديث عمر: أنّه قال: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلْتةً، وقى الله شرّها. وبهذا اللفظ، ورد في مصادر كثيرة هذا بعضها.
المصنّف، لعبد الرزّاق الصنعانيّ (5: 441 و 3: 355)، مسند أحمد 1: 56، السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 308، تاريخ الطبري 3: 200 - 205، الملل والنِحَل، للشهرستاني 1: 30 - 31، الرياض النضرة 1: 232، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 23، الكامل في التاريخ 2: 326، النهاية 3: 175 و 467، تاريخ الخلفاء 51.
والفلتة: فسّرها أهل الغريب بالأمر الفُجائي يحدث من غير رويّة ولا إحكام. انظر الفائق، للزمخشري 3: 139، وغريب الحديث، لأبي عبيد 2: 231 و 3: 356، والنهاية، لابن الأثير.
والإمام أمير المؤمنينعليهالسلام يقول عن بيعة الناس له: إنّ هذه بيعةٌ عامّةٌ مَن ردّها رغب عن الإسلام، وإنّها لم تكن فلتةً (الأخبار الطوال 140). وفي الخطبة (136) من نهج البلاغة قولهعليهالسلام : لم تكن بيعتُكم إيّاي فلتةً.
(1) تكلّمنا عن هذه الأحاديث وخرّدنا مصادرها في فصول قادمة.
بل تزعَم الإمامُ القولَ بإباحة التدوين، ولم ينصَعْ هو وأنصاره لأوامر المنع من التدوين، ولا منع نقل الحديث - كما سيأتي - فقاوموا ذلك بكلّ صلابة.
3 - إنّ تلك الأحاديث فيها الكثير ممّا قرَنَ فيه النبيّصلىاللهعليهوآله بينَ عليّ وأهل بيته، وبين القرآن.
كما في حديث: «عليٌّ مع القرآن، والقرآنُ مع عليّ»(1) .
وحديث الثقلين، الذي فيه: «إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلين: كتابَ الله، وعترتي أهلَ بيتي»(2) .
4 - إنّ الإخفاء قد أثّرَ أثره العميق في الأمّة في صدر القرن الأوّل وامتداد المنع الرسميّ إلى نهاية القرن الأوّل كان كافياً لطمس معالم تلك الأحاديث بشكل كافٍ، فلذلك لم يعد لإظهارها بعد ذلك أيّ أثر معاكس على السلطات؛ فلذلك رُفع المنع المذكور.
إنّ وجود هذه العناصر في هذه المصلحة، وعدم تصوّر مصلحة أخرى، تؤكّد صحّة أن يكون السبب الأساس لمنع تدوين الحديث هو هذا التدبير السياسيّ.
وللمعلمي - من كبار علماء العامّة المعاصرين - تعليق على مرسَل ابن أبي مليكة، المحتوي على منع أبي بكر للناس عن الحديث بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال:
____________________
(1) ذكرناهما مع مصادرهما في فصول قادمة.
(2) ذكرناهما مع مصادرهما في فصول قادمة.
«إنْ كان لمـُرسَل ابن أبي مليكة أصلٌ، فكونُه عقب الوفاة النبويّة يُشعر بأنّه يتعلّق بأمر (الخلافة).
كأنّ الناسَ عقبَ البيعة بقوا يختلفون، يقولُ أحدُهم: أبو بكر أهلُها، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: «كيت وكيت» فيقول آخر: وفلان! قد قال له النبيّصلىاللهعليهوآله : «كيت وكيت».
فأحبّ أبوبكر صرفهم عن الخوض في ذلك، وتوجيههم إلى القرآن(1) .
ولذا لا نستبعد أنّه كان يتخوّف من اشتهار أحاديث الرسولصلىاللهعليهوآله في فضل عليّعليهالسلام وأبنائهعليهمالسلام .
ويوضّح هذا الهدف ما رواه عروة بن الزبير (ت 94 هـ)، بسنده عن عبد الرحمان بن يزيد، قال: قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجّاً، سنة (82)، وهو وليّ عهد، فمرّ بالمدينة، فدخل عليه الناس، فسلّموا عليه، وركب إلى مشاهد النبيّصلىاللهعليهوآله ، التي صلّى فيها، وحيث اُصيب أصحابه باُحُد، ومعه أبان بن عثمان، وعمرو بن عثمان، وأبوبكر بن عبد الله، فأتَوا به قُباء، ومسجد الفضيخ، ومشربة اُمّ إبراهيم، وكلّ ذلك يسألهم؟ ويُخبرونه عمّا كان.
ثمّ أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبيّصلىاللهعليهوآله ومغازيه.
فقال أبان: هي عندي، قد أخذتها مصحّحةً، ممّن أثِقُ به. فأمر بنسخها، وألقى بها إلى عشرة من الكُتّاب، فكتبوها في رَقٍّ، فلمّا صارت إليه، نظر، فإذا فيها ذِكرُ الأنصار في العقبتين، وذكر الأنصار في بَدْرٍ.
____________________
(1) الأنوار الكاشفة 54.
فقال: ما كنتُ أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل! فإمّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم(1) ، وإمّا أن يكونوا ليس هكذا.
فقال أبان بن عثمان: لا يمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحقّ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا.
قال سليمان: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتّى أذكره لأمير المؤمنين، لعلّه يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فخُرّق، وقال: أسأل أمير المؤمنين إذا رجعت، فإنْ يوافقه فما أيسر نسخه.
فرجع سليمان بن عبد الملك، فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان، فقال عبد الملك: وما حاجتك أن تُقدِم بكتابٍ ليس لنا فيه فضل؟ تُعرّفُ أهلَ الشام اُموراً لا نُريد أن يعرفوها! قال سليمان: فلذلك أمرتُ بتخريق ما كنتُ نسخته حتّى أستطلع رأي أمير المؤمنين.
فصوّب رأيه(2) .
فإذا كانوا لا يتحمّلون ذكر فضل الأنصار، فكيف يتحمّلون ذكر فضائل أهل البيتعليهمالسلام ، وسيّدهم أميرالمؤمنينعليهالسلام ؟!
واسمع ما روي عن خالد القسريّ - أحد ولاة بني اُميّة - وقد طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة، فقال له الكاتب: فإنّه يمرّ بي الشيء من سيرة عليّ
____________________
(1) غمص عليه: عابه وطعنَ عليه. ومنه حديث تَوبة كعب «إلا مَغْمُوصٌ عليه النِّفاق» أي مَطْعون في دِينه مُتَّهم بالنِّفاق. ومغموص: محتقر، ليس بشيء. (النهاية 3: 386).
(2) مغازي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لعروة بن الزبير 28، الموفّقيّات، لزبير بن بكّار 222 - 223.
ابن أبي طالب، أفأذكره؟
فقال خالد: لا، إلاّ أن تراه في قعر جهنّم(1) !!
ولذلك، لا نشكّ في أنّ السبب الأساسيّ لمنع تدوين الحديث هو هذا الهدف، لما حقّقناه من عدم وجود سبب صحيح آخر له، غيره.
مع التذكير مرّةً اُخرى، وربّما نُعيد التذكير! لخطورة الموقف وجسامته، بل والوقاحة التي أبداها الرجال بحقّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، لمّا طلب أن يقدّموا له قرطاساً وقلماً ليكتب لهم كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً! فأنبرى عمر قائلاً: «كفى بكتاب الله» ومنع بشدّة، وتابعه آخرون، لم يكن فيهم عليٌّعليهالسلام . وكثُر اللَّغط حتّى طردهم رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله .
وذكرنا في موضعه: أنّ طاعة رسول الله من طاعة الله تعالى بأمر الله وصريح القرآن الذي يدعو إليه عمر! ومخالفته مخالفة لله تعالى وردّ عليه!
وذكرنا هناك أنّ ردّ السنّة وإنكارها، ردّ للنبوّة وهدم لركن عظيم لولاه لما صدّقناه بالأركان الأخرى: التوحيد، والمعاد، وهي من وظائف النبيّصلىاللهعليهوآله في التبليغ. والتلازم واضح بيّن بين المرسل والرسالة والرسول.
فإنّ ما ذهبنا إليه من أنّ السبب السياسيّ هو الحاكم في حسم مسألة المنع من الحديث، تتجلّى في ذلك الموقف العصيب «يوم الرزيّة»!
وأيّ عاقل لا يفسّر موقف الذين منعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله من كتابة الكتاب، بعد أن تكلّم فأوصى بكتاب الله تعالى، وعترته، وهو أمرٌ جرى منهصلىاللهعليهوآله قبل هذا
____________________
(1) الأغاني 22: 25.
الوقت والموقف أكثر من مرّة؛ فلا يفسّره بأنّهم علموا أنّه يريد أن يؤكّد تلك الوصيّة في كتاب مكتوب تتداوله الأُمّة من بعده، فتفلت الزعامة وتضيع الأريكة! فكان ذلك الموقف، ثمّ تواصلت الحملة التي وجد فيها بنو أُميّة وشيعتهم ضالَّتهم وعبّروا بها عن أحقادهم الموروثة فلم يقفوا عند حدّ المنع من الحديث والمعاقبة عليه، وإنّما صاروا إلى أمر أدهى ذلك هو الوضع في الحديث!
فعمدوا إلى اختلاق أحاديث في الفضائل ما كان أصحابها ليرضوا بذلك لو كان في عهدهم! لعلمهم أنّ ذلك تنقيصاً لا تفضيلاً، ومدعاةً للسخرية والاستخفاف بهم. إلاّ أنّ معاوية وقد تربّع على «الأريكة»، قد جمع إليه رجالاً ممّن عُرفوا بانحرافهم عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وجعل لهم جعلاً يُرغبُ فيه. فكتبوا له ما يريد: من تعظيم الثلاثة وضمّوا إليهم كاتب الوحي وخال المؤمنين - كذا - معاوية، ووزّعوا الجنّة على هؤلاء و ...، ووضعوا قبال هذه ما يتنقّصون به أهل البيتعليهمالسلام ، حتّى بات الشاميّ لا يعرف مَن هو عليعليهالسلام فمهّدوا لمـَن جاء بعد ليجد البيئة ناصبيّة ملتهبةً ...
الإسكافي يفضح أسباب الفُرقة عن عليٍّعليهالسلام
إنّ ابن تَيمِيه، بحكم تربيته البيئيّة وما اشتبكت عليها الأَعْصُرُ وضربتها الفِتَنُ بأجرانها..، فورث خلاصة ضلالها، وباءَ ببوائِقِ فِتَنِها، فهَمْلَج بمُوازنةٍ باطلة ومِعْيارٍ مُجْحِفٍ، إذ رمى الشّيعة الّذين سمّاهم: الرَّوافض، بالضَّلالِ، وهو أَوْلى بهِ! إذ وازَنَ بين عليٍّ وأهلِ بَيْتِهعليهمالسلام ، وبين معاوية وابنه يزيد، والحجّاج، والخوارج؛ وإنّ
الشّيعة لا تستطيع انْ تثبت ايمانَ أهل البيت، فضلاً عن عدالتهم، ما لم تثبت مثل ذلك لأولئك!! وقد جاء من رفع عقيرته بأقوالِ ابن تَيمِيه وتحمّس لها ونشرها بين الملأ؛ وظهرتْ جماعات شاكية السّلاح تنشر الرُّعب وتعيث فساداً وتنتقم ممّن لم يأخذ بمبادئ ابن تَيمِيه، وهذه الجماعات لها جذور تاريخيّة قذرة واُصول فاسدة في بيئة معقّدة لا تبعد عن بيئة ابن تَيمِيه!
وللإسكافي كلام جيّدٌ معَ مخالفي أمير المؤمنينعليهالسلام ، نذكر أكثره لما فيه من فائدة:
«باب سبب انحراف النّاس عن عليّ هو الحقد والضَّغينة، والعداوة الطّائفيّة، والحميّة الجاهليّة قال: ثمّ اعلموا - سلّمكم الله من الهلكة وأيّدكم بالاستقامة والصواب في المقالة - إنّ هذا باب قد كثر قولُ القائلين فيه وطالَ اختلافُهم وتشعَّبت أهواؤهم وتوغَّرتْ من أجله صُدورهم..؛ وذلك لأنّ أوّله كان على الضغن والعداوة والعصبيّة والحميّة، ولم يكن القول فيه على طريق الخطأ من أجلِ شُبْهةٍ دخلتْ أو لبس حدثَ؛ فاتّصلتْ أسبابُه على ذلك، وانشعبت فروعه على حسب ما ذكرناه من حدوث اُصوله، فزرعتْ في القلوب الهوى والمـَيْل، فتكلّم كلّ إنسان على قدر هواه ومَيْلِه وما سبق إلى قلبه فنصَر رأْيَه وناظَرَ في تقوية قوله: فتاهوا على طول الأيّام وألْفوا الخطأ والضَّلال، وتعدّى ذلك إلى العوامّ من النّساء والرِّجال، فعظُمَ فيه الخَطْب وكثر القِيل والقال وتوارثوا تلك الأضغان والأحقاد حتّى ظلَّ الرّاجع المبين لرُشْدِه مشتوماً قد نبذوه بالألقاب
ورموه بالبدعة والضَّلال!..»(1) .
قال: وأمّا أهل الحشو(2) من أصحاب الحديث وسائر العوامّ وعندهم من التعسُّف في هذا الباب، والعناية به والانكماش فيه على قدر جهلهم بأوَّلِه وآخره وعلى حسب ما عندهم من قلّة المعرفة بالنظر والتمييز بين السُّنَّة والفريضة والشَّرع، إلى التقليد والقول بما دعت إليه ملوك بني أُميّة. وإنّ ملوك بني أميّة وإنْ كانتْ قدْ بادتْ، فإنّ عامّتها وشيعتها فينا اليوم ظاهرة متعلِّقة بما ورثوه من ملوكهم وأسلافهم الباغية.
فبلغَ من عنايتهم بخطئهم في هذا الباب أن أخذوا معلِّميهم بتعليمِ الصِّبيان في الكتاتيب لينشئوا عليه صغيرهم ولا يخرج من قلب كبيرهم وجعلوا لذلك رسالة يتدارسونها بينهم، ويكتب لهم مبتدأ الأئمّة: أبو بكر بن أبي قَحافة، وعمر ابن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، ومعاوية بن أبي سفيان، حتّى أنّ أكثر العامّة منهم ما يعرف عليّ بنَ أبي طالب ولا نسَبَه، ولا يجري على لسان أحد منهم ذِكْرُه!
وممّا يؤكّد هذا ما يُؤْثَر عن محمّد بن الحنفيّة يوم الجَمَل، قال: حملتُ على رجُلٍ فلمّا غشيته برمحي، قال: انا على دين عمر بن أبي طالب!! قال: فعلمتُ أنّه يريد عليّاً! فأمسكتُ عنه(3) .
____________________
(1) المعْيارث والمـُوازَنة، أبو جعفر الإسكافي محمّد بن عبد الله المعتزلي، المتوفّى سنة 240 هـ، صفحة: 17.
(2) الحشوية طائفة من المبتدعة.
(3) المعيار والموازنة 18 - 19.
قال: وممّا يدلّك على أنّ العامّة مخدوعة متحيّرة بفقدِ العلم، مغرورة في هذا الباب: أنّهم جميعاً يشهدون أن أبا بكر أفضلُ من عمر ويسندون تفضيل أبي بكر على عليّ إلى حديث عبد الله بن عمر فيقلِّدونه الخبر.
وقدْ جاءهم الإسناد في تفضيل عليّ وتقديمه على كافّة النّاس عن محمّد ابن أبي بكر، وسلمان، وعمّار بن ياسر، وما كان من شهرة قيامهم مع عليّ بن أبي طالب، فلم يلتفتوا إلى ذلك!
فإن كانوا مالوا إلى تصديق عبد الله بن عمر لأنّه أفضل وأعبد وأخيَر - وإنْ لم يكن عندنا على ذلك - فتقليدُ عليّ بن أبي طالب ومَنْ ذكرناه أَوْلى لأنّه خير من عبد الله بن عمر وأفضل، لا يشكّون في ذلك ولا يمترون. وإنْ كانوا مالوا إلى عبد الله بن عمر لأنّ أباه كان إماماً فاضلاً، فالمـَيْلُ إلى محمّد بن أبي بكر أَوْجبُ لتقديمهم لأبي بكر على عمر وتفضيلهم إيّاه عليه(1) . ولا أجد لهم في ذلك علّة يوجبها التميّز والنظر غير ما ذكرنا من الخديعة وتقليد الخبر.
وأبْيَن من هذا في جهل الأنعام الضالّة والحُمر المـُستنفِرة: أنّ عائشة عندهم في أزواجصلىاللهعليهوآله النبيّ صلّى الله عليه، أشهرُ وهي عندهم أعظم وأفضل من بنت أبي سفيان، وأكثر في الشهرة والمعرفة. فإذا ذكرَ أحدٌ معاويةَ بسوءٍ، غضبوا وأنكروا ولعنوا من ذكره بسوء، وعلّتهم أنّه خالُ المؤمنين! وإذا ذُكر محمّد بن أبي بكر
____________________
(1) نفسه. (ولو كان غير عليّ هو الأفضل لطهّره الله تعالى وزَوْجه وبنيه، وهي العصمة؛ ولباهل به وبزوجه وبولده ونصبهم آية؛ ولأنزله منزلة هارون من موسى والّتي اختصّ بها عليّ، ولنزل بولايته آية كما نزل في عليّ لمّا تصدّق بخاتمه، ولا كلام في سابقته ومؤاخاته ...
بسوءٍ رضوا وأمسكوا ومالوا مع ذاكره، وخؤولته ظاهرة بائنة.
وقد نفرت قلوبهم من عليّ بن أبي طالب لأنّه حارب معاوية وقاتله، وسكنت قلوبهم عند قتلِ عمّار ومحمّد بن أبي بكر، وله حُرمة الخؤولة، وهو أفضلُ من معاوية، وأبوه خيرٌ من أبي معاوية.
فتدبّروا فيما ذكرناه لتعلموا أنّ علّة القوم الخديعة والجهالة، وإلاّ فما بالهم لا يستنكرون قتْلَ محمّد بن أبي بكر، ولا يذكرون خؤولته للمؤمنين؟ قاتلهم الله أنّى يُؤفكون.
وقد مالوا عن إمامة عليّ بن أبي طالب وضعَّفوها، وبعضهم نفاها بما كان من خلاف عائشة وطلحة والزبير، وقعود ابن عمر ومحمّد بن مسلمة وأسامة بن زيد. وهؤلاء النّفر الذين أوجبوا الشكّ في عليّ عندهم وضعّفوا إمامته بقولهم؛ هم الذين طعنوا على عثمان وألبّوا عليه وذكروه بالتبديل والاستيثار، وأوّلهم بادرةً عليه عائشة كانت تُخرج إليه قميص رسول الله وهو على المنبر وتقول: يا عثمان هذا قميص رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يَبْلُ وقد أبليتَ سنَّته. فو اللهِ ما قدح الشكّ في قلوبهم في عثمان بقولهم ولا قصّروا عن تفضيله وتقديمه بطعنهم ولا أثّر ذلك في صدورهم!
وعللهم في استنكارهم على عثمان مأثورة مذكورة مشهورة.
فلمّا قعدوا عن عليّ جعلتم قعودهم حجّة وطعنهم علّة في الشكّ والتنقيص وصرف الإمامة عنه، من غير أن يذكروا علّة تبديل ولا استيثار ولا تغيير أكثر من نكثهم وطعنهم.
وقد رويتم أنّ عثمان نفى أباذرّ، وقد عرفتم تقدّم أبي ذرّ وسابقته، وأقررتم ما صنع عثمان بابن مسعود و غير من أكابر أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ولا تجدون أحداً مدَّ عليّ بن أبي طالب إليه يده قبل أن يبدأه بالبغي والخلاف، ولا ذُكر عنه استيثار ولا خيانة ولا خطأ وجدوه عليه.
على أنّا نوجدكم لكلّ مَن ذكرتم معارضين في دعواهم مخطئين لهم في خلافهم وقعودهم.
أمّا عائشة فقد عارضتها أمّ سَلَمة بالخلاف عليها والتخطئة لها بحُججٍ أوردتها لم تستطع إنكارها.
وأمّا عبد الله بن عمر فقد عارضه عبد الله بن عبّاس وهو أكبر منه علماً وفضلاً. وأمّا طلحة والزبير فقد أقرّا بالبيعة، ونكثا وهما أوّل مَن بايع.
وأمّا محمّد بن مسلمة، فأكبرُ منه: سلمان.
فلِمَ مِلْتم مع مَن ذكرنا وقد عارضهم مَن وصفنا؟
وزاد عليهم سبعون بدريّاً وسبع مائة من المهاجرين والأنصار منهم المقداد ابن الأسود، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأبو الهيثم ابن التيّهان، وغيرهم من أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله .
وكيف تمّت بيعة أبي بكر عندكم بأبي عبيدة بن الجرّاح وعمر بن الخطّاب مع خلاف سعد [بن عُبادة] وامتناعة من البيعة، وخلاف الأنصار، وأبو بكر هو الساعي إليها والداعي لها؟! ولم تتمّ بيعةُ عليّ بن أبي طالب بالمهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإيمان وهم الطالبون له والمجتمعون عليه وليس له
نظيرٌ يشاكله ويعادله.
أفٍ لهذا من مقال! ما أبينَ تناقضه وأقلّ حياء الداين به! فخلافُ مَن لم يبايع أبا بكر حتى مات أكثر في تضعيف الإمامة من خلاف مَن نكث البيعة وادّعى بعد الإقرار.
فإن قلتم: إنّ الأنصار اتّفقت بعد خلافها، لا يمكّنكم ادّعاء ذلك في سعد بن عُبادة وما تروونه من قول سلمان.
ولا يمكنكم إنكار إقرار طلحة والزبير بالبيعة لأميرالمؤمنينعليهالسلام ثمّ نكثهما بيعته بلا عذر مقبول في الدين بل ولا عند العقلاء المستقيمين ممّن لا يتديّن بدين. وإن كان رجوعهما عن بيعتهما يدلّ بزعمكم على خطائهما في بدأ الأمر.
وأكبرُ منه: بكاءُ عائشة وندامتُها، وتلهّف ابن عمر على ذلك، حتّى دعا ابن عمر ما استبان له من تقصيره إلى الغلوّ والإفراط في مبايعة الحجّاج بن يوسف، واعتلّ بأنّه سمع النبيّصلىاللهعليهوآله يقول: «مَن مات ولا إمام له مات ميتةً جاهليّةً»! فهذا يدلّ على أنّه قد اعتقد إمامة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام لأنّ مَن اعتقد إمامة الحجّاج، لم يذهب عن إمامة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام . فما رأيتُ خطأ أعظم ولا تقصيراً أبَين من فعل ابن عمر المغفَّل. مع روايتكم عنه أنّه قال: ما آسي إلاّ على ثلاث: منها أنّي لم أكن قاتلتُ هذه الفئة الباغية(1) .
____________________
(1) المعيار والموازنة 21 - 24. (لم نخرّج الأحاديث لاشتهارها وأيضاً تكلّمنا خصوصاً بشأن عائشة، ولكن نضيف هنا: أن بكاءها لعلّه بسبب خسارتها الحرب! وليس ذكرها بعض فضائل =
ذكر أصناف المخالفين والمعاندين للإمام عليّعليهالسلام
وفي مقالة أخرى للإسكافيّ، كشف فيها المستور من سياسة ملوك بني أميّة فقال: «قد علمتم أنّ أقوى الخطأ في هذا الباب - والذي أشكل على أهل النظر - من علماء المرجئة والمعتزلة، فبعضُهم قدّم أبا بكر على عليّ، وبعضُهم أمسكَ ودانَ بالوقفِ.
وأفضحُ من هذا خطأ! موازنةَ عليّ بطلحة والزبير، والوقوف عندهم، وهو ما تعلّقت به خاصّة العامّة.
وأعظمُ من هذا جهلاً وعمىً موازنة عليّ بمعاوية، وهو ما ذهب إليه بعضُ العامّة المتحيّرة وطغام الحشويّة البائنة.
فإذا بدأنا بالقول الأوّل وبينّا باطله، وأوضحنا خطأه وصح ما بعده وبان.
ولعليّ بن أبي طالب عند اختلاف الناس فيه مَثَلٌ من عيسى بن مريمعليهالسلام ، فاختلفت الأُمّة في عليّ أصنافاً، كما اختلفت أمّة عيسىعليهالسلام فيه أصنافاً، وأفرط فيه قوم فعبدوه؛ وقصّر فيه قوم فشتموه وقذفوه.
فمنزلة النصارى في الإفراط، منزلة الروافض في الإفراط(1) ومنزلة المرجئة في النَّصْب في عليّ منزلة اليهود في التقصير وشتم عيسى ابن مريمعليهماالسلام .
وفي ذلك ما يؤثر عن النبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال لعليّ: «يهلك فيك رجلان: محبٌّ
____________________
= أهل البيت كافٍ فقد ذكرت أحاديث كاذبة بحقّ غيرهم! وأمّا ابن عمر فسيرته معروفة في عدائه لأهل البيتعليهمالسلام !).
(1) مراده من الروافض هم القائلون بربوبيّة عليّعليهالسلام بقرينة تنزيل منزلتهم منزلة النصارى.
مفرط، ومبغض مفرط».
وأوّل ما يجب في هذا الباب من التنبيه على الحقّ قبل التلخيص والتفسير: أنّكم تعلمون أنّ بلدان النَّصْب والمقصّرين عن فضل عليّ بن أبي طالب الشام والري والبصرة.
وليعلم أنّ أموره تنكشف على طول الأيّام، وأنّ الحقّ يعلو عند النظر بما ترادف من قوارع الحجج، فيملّ الناس الجهل والتعصب والخطأ.
وأخرى أيضاً: أنك لم تر شيعيّاً قطّ رجع القهقرى بل يزداد في الإفراط، ويغلو في القول ولا يرجع إلى التقصير حتّى يصير بالإفراط رافضيّاً كبيراً!! ولذلك قال بعضُ الناس: أرني شيعيّاً صغيراً أريك رافضيّاً كبيراً. وعلّة ذلك: أنّه إذا قال بالتشيّع اتّسعت عليه الفضائل وكثرت المناقب وترِد عليه عند النظر من فضائل صاحبه، وتقدّمه دلائل تبهر وتلوح كالقمر الأزهر وكالنجوم المضيئة، فيضيق عليه المخرج، فلا يكون عنده من الورع والتوقّي ولطافة النَّظر والعِلم بالمخرج ما يمنعه من الغلوّ ويُقعده من الإفراط، فعندها ترفّض.
وأفرط قومٌ في بُغضه فلعنه وشتم وكفر.
وقال قومٌ بنبوّته. وقال آخرون فيه مثل مقالة النصارى في عيسى ابن مريم. ولا تجد أحداً قال ذلك في أبي بكر وعمر. بل قد نجد القائلين بتقديم أبي بكر وعمر قد يرجعون إلى ترك المذهب، ويميلون إلى الاعتقاد الحسَن والصواب في اعتقاد التشيّع.
ولسنا نجعل إفراط مَن أفرط وشتمَ مَن شتم حجّةً في تقديم عليّ بن أبي
طالب على أبي بكر وعمر، وإنّما جعلنا ذلك تنبيهاً قبلَ النظر لتعلموا أنّ التمييز والمعرفة في تقديمه يحثّان على الفحص والنظر، ولأنّ قوماً دعاهم التعصّب والحُمق إلى أن جعلوا إفراط مَن أفرط فيه، وخلاف من خالفه تنقُّصا لأبي الحسن صلوات الله عليه؛ فأريناهم أنّ ذلك في الفضل أولى من النقص، وعلى التقديم أدلّ منه على التقصير كما قلنا في عيسى ابن مريم.
وبلغ التوهّم إلى حدٍّ حتّى دعا قوماً إلى أن زعموا أنّ كثرة الخلاف عليه في عسكره وما حدث من نكث الناكثين عليه يدلّ على أنّه لم يكن له نفاذ في التدبير ولا كان معه من حسن التأليف ورجاحة السياسة ما كان مع غيره، على ما زعموا.
وهذا غاية ما يكون من التعدّي في القول والإفراط في ترك قلّة الإنصاف وذلك بأنّهم لم يوقفونا من سوء تدبيره وخطأ سياسته على أمر معروف ولا على حديث في ذلك مأثور ومشهور، وإنّما أرادوا أن يوجّهوا ذلك بالقياس قصداً منهم إلى نصرة الخطأ وميلاً إلى العصبيّة والحما.
وهيهات أن ينالوا في عليّ ما قصدوا إليه، ولو كان ما ذهبوا إليه صواباً قلنا: فارتدادُ العرب قاطبةً، واجتماعها على الردّة في أيّام أبي بكر أعظمُ وأدلُّ على الخطأ في الرأي، والغلط في السياسة، لأنّ الفتنة كانت أعظم في أيّامه وكذلك فتنتهم أيّام عثمان أشدّ، واختلافهم عليه أكبر وأجلّ؛ فما قلتم على عثمان أوجب ومن أبي حسن أبعد لأنّ الخلاف عليه كان هو سببه وعلّته وذلك مأثور مشهور في كتب العامّة، فكيف في كتب الخاصّة! وذلك لأنّ القوم خالفوه لما ظهر
من عواره وضعفه، ولما حدث عندهم من نهمته ودعوى من ادّعى عليه تبديل السنن واستيثار الفيء، وإيواء الطريد(1) ، ورجوعه عن رأيه مرّة بعد مرّة، ومن شيء بعد شيء، وإخراج أبي ذرّرضياللهعنه .
فهذا عليكم في عثمان قد وجب، وفي عليّ قد بطل، فالحمد لله على تعريفه بهت من كفر، وقمع من عاند.
ومتى اعتلَّ أهل الحيرة في تنقيص أبي حسن بما حدث في زمانه من الخلاف والفتن، فذلك عليهم في أبي بكر أوجب ولعثمان ألزم. ومتى صوّبوا رأي عثمان رأي في كفّه الحرب وخطّأوا عليّاً في إقدامه على القتال؛ لزمهم تخطئة أبي بكر في محاربته لمن منع الزكاة أن يلزموه الضلال والخطأ، إذ زعم أنّه يسفك الدماء ويقتل الأنفس من أجل عقال لو منعوه(2) .
ومتى صوّبوا أبابكر في رأيه، خطّأوا عثمان في كفّه عن الدفع عن نفسه ودينه.
فأين المفرّ والمذهب وقد أحاطت بكم الحجج لو لا المعاندة والتعصّب!
وأبيَن من هذا أنّ أُسامة بن زيد لمّا سُئل عن علّة قعوده عن نصرة أميرالمؤمنين على أعدائه أنّه قال: حلفتُ أيّام النبيصلىاللهعليهوآله أن لا أقاتل من قال: لا إله إلاّ الله. وذلك أنّه كان في سريّة في بعض محاربة المشركين فقتل رجلاً بعد أن قال:
____________________
(1) هو الحكم بن أبي العاص أبو مروان الذي كان يستهزئ برسول اللهصلىاللهعليهوآله .
(2) أي أنّه قاتل القبائل التي رفضت خلافته ولم ترها شرعيّة وهي قبائل واسعة فمنعت إعطاءه الزكاة لذلك وقد تكلّمنا عن هذا الأمر فيما مضى من هذا الفصل، وفي وقعة الجمل - سيأتي -.
أشهد أن لا إله إلاّ الله. فقال رسول الله: قتلته وهو يشهد أن لا إله إلاّ الله، فعاهد أسامةُ رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله أن لا يقاتل أحداً يشهد الشهادتين.
فأخطأ أسامة في أوّل مرّة في الحكم في قتْل الكفرة، وغلط في حكم الله في محاربة أهل القبلة؛ لأنّ الكافر إنّما وجبت محارته لإنكاره الشهادة، وأهل الصلاة لم يجب قتالهم لإقرارهم وإنّما وجب قتالهم لبغيهم؛ فالحكم في أهل الصلاة أن يكفّ عن قتلهم إذا رجعوا عن بغيهم، وفاؤا إلى أمر ربّهم كما أنّ الحكم في أهل الكفر أن لا يقاتلوا إذا رجعوا عن كفرهم.
فلم يسلم أسامة من الخطأ في إقدامه ولم يُدرك الصواب في إمساكه، فغلط أسامة الضعيف في الحكمين جميعاً.
على أنّ هذا القول من أسامة يدلّ على تخطئة أبي بكر في رأيه، لأنّ أبا بكر قد رأى محاربة من أقرّ بالشهادة وصلّى القبلة.
والعجب أنّ الخلاف على أبي بكر كان في هذا الرأي أكثر، لأنّ عامّة أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآله أسندوا رأيهم في خلاف أبي بكر إلى النبيّصلىاللهعليهوآله ، فقالوا: سمعنا النبيّصلىاللهعليهوآله يقول: «أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها منعوا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله».
فكان هذا من قولهم أكبر في الخلاف، وأعظم في الشبهة ممّا رواه محمّد بن مسلمة أنّه سمع النبيّصلىاللهعليهوآله يقول: إذا رأيت فتنة فاتّخذ سيفاً من خشب واضرب
سيفك الحائط(1) .
مع روايتكم الظاهرة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ»(2) .
فكيف تكون فتنة قائدها ودليلها عليّ بن أبي طالب؟!
وقول عليّعليهالسلام : «إنّه لَعهدُ النبيّصلىاللهعليهوآله إليّ أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين»(3) . وشهادة المهاجرين والأنصار له بما قال، وفيهم عمّار بن ياسر، وأبو أيّوب الأنصاري، وأهل الفضل والسابقة.
وإنّما قدّمنا هذه المقدّمة لتعلموا أنّ شأن مَن ذهبَ عن فضل أميرالمؤمنين ليس إلاّ المعاندة واتِّباع الهوى دون الحجّة(4) .
دستور معاوية في سبّ أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام والبراءة منه
ذكر ابن أبي الحديد في ذلك، قال: إنّ معاوية، أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ عليّعليهالسلام والبراءة منه.
وخُطب بذلك على منابر الإسلام، وصار ذلك سنّة في أيّام بني أُميّة إلى أن قام عمر بن عبد العزيزرضياللهعنه فأزاله. وذكر شيخُنا أبو عثمان الجاحظ أنّ معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللّهمّ إنّ أبا تُراب أَلْحد في دينك، وصدّ عن
____________________
(1) قول هذا، مصداق قوله تعالى:( وَمِنْهُم مَن يَقُولُ ائْذَن لِي وَلاَ تَفْتِنّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنّ جَهَنّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) . (التوبة: 49)
(2) ذكرناه ومصادره في موضع آخر من كتابنا هذا.
(3) ذكرناه ومصادره فيما تقدّم من هذا الفضل وفي وقعة الجمل من كتابنا هذا.
(4) المعيار والموازنة 31 - 37.
سبيلك، فالْعنه لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً أليماً.
وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يُشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز(1) .
وذكر المبرّد في «الكامل» أنّ خالد بن عبد الله القَسْريّ، لمّا كان أمير العراق في خلافة هشام، كان يلعن عليّاًعليهالسلام على المِنْبر، فيقول: اللّهمّ الْعن عليّاً بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، صهِر رسول اللهصلىاللهعليهوآله على ابنته، وأبا الحسن والحسين!! ثمّ يُقبِل على النّاس فيقول: هل كَنَّيت(2) ؟!
وروى أبو عثمان أيضاً أنّ قوماً من بني أُميّة قالوا لمعاوية: إنّك قد بلغتَ ما أمّلتَ، فلو كَففتَ عن لعنِ هذا الرجل! فقال: لا والله! حتّى يربوَ عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يَذكُر له ذاكرٌ فضلاً(3) !
وروى أهلُ السيرة أنّ الوليد بن عبد الملكك في خلافته ذكر عليّاًعليهالسلام ، فقال: لعنه «اللهِ» بالجرّ، كان لصّ بن لصّ.
فعجب الناس من لَحْنه فيما لا يلحن فيه أحد [إذ كان ينبغي أن يقول: اللهُ، بالرفع، لا بالجرّ كما فعل!]، ومن نسبته عليّاًعليهالسلام إلى اللصوصيّة [وهذه لا تعليق لنا عليه] وقالوا: ما ندري أيّهما أعجب! وكان الوليد لحّاناً(4) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 56 - 57.
(2) الكامل في الأدب، للمبرّد - طبع أوربّا - 414.
(3) شرح نهج البلاغة: 57.
(4) نفسه 58.
وأمر المغيرةُ الأعور الزنّاء - وهو يومئذ أمير الكوفة من قِبَل معاوية - حُجْرَ بن عَديّ أن يقوم في الناس، فيلعن عليّاًعليهالسلام ، فأبى ذلك، فتوعّده، فقام فقال: أيّها الناس، إنّ أميركم أمرني ان ألن عليّاً فالعنوه. فقال أهل الكوفة: لعنه الله! وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنيّة والقصد(1) .
وأراد زياد أن يعرِّض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من عليّعليهالسلام ولعنه وأن يقتُلَ كلَّ من امتنع من ذلك، ويخرّب منزله، فضربه الله ذلك اليوم بالطّاعون، فمات - لا رحمه الله - بعد ثلاثة أيّام، وذلك في أيّام معاوية(2) .
وكان الحجّاج لعنه الله، يلعنُ عليّاًعليهالسلام ، ويأمر بلعنه وقال له متعرِّض به يوماً وهو راكب: أيّها الأمير، إنّ أهلي عَقُّوني فسمّوْني عليّاً، فغيِّر اسمي، وصِلْني بما أتبلّغ به، فإنّي فقير. فقال: لِلُطف ما توصّلت به قد سمّيتُك كذا، ووليّتُك العمل الفلاني فاشْخَصْ إليه(3) .
وأسماء المنحرفين عن أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، والمغرقين في عدائه وعداء أهل بيتهعليهمالسلام وشيعته، وأفعالهم الشنيعة لا يستوعبها هذا البحث.
روى أبو الحسن المدائني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخةً واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة - عام الصلح بين معاوية والإمام الحسنعليهالسلام - (أنْ بَرِئت الذمّةُ ممّن ذكر شيئاً من فضل أبي تُراب وأهل بيته) فقامت الخطباء
____________________
(1) نفسه.
(2) شرح نهج البلاغة: 58.
(3) نفسه.
في كلّ كُورة، وعلى كلّ منْبر، يلعنون عليّاً ويبرءون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته؛ وكان أشدَّ الناس بلاء حينئذٍ أهل الكوفة، لكثرة مَنْ فيها من شيعة عليّعليهالسلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سُمَيّة، وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبّع شيعة عليّ وهو بهم عارف؛ لأنّه كان منهم أيّام عليّعليهالسلام ؛ فقتلهم تحت كلّ حَجَر ومَدَر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسَمَل العيون وصَلَبهم على جذوع النّخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق؛ فلم يبق بها معروف منهم.
وكتب معاويةُ إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألا يجيزوا لأحدٍ من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم: ان انظروا مَن قبَلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يرون فضائله ومناقبه؛ فأدنُوا مجالسَهم وقرّبوهم وأكرمُوهم، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته.
ففعلوا ذلك حتّى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثُه إليهم معاوية من الصّلات والكِساء والحِباء والقطاع، ويفيضه في العرب والموالي منهم، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من النّاس عاملاً من عمّال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه. فلبثوا بذلك حيناً.
ثمّ كتب إلى عمّاله: أنّ الحديث في عثمان قد كَثُرَ وفَشَا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية؛ فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرّواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقضٍ له في الصحابة؛ فإنّ هذا أحبّ إليَّ وأقرُّ لعيني،
وأدحضُ لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدُّ إليهم من مناقب عثمان وفضله.
فقُرِئت كُتبه على الناس، فرُويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها! وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وأُلقِيَ إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا غلمانَهم وصبيانَهم من ذلك الكثير الواسع حتّى روَوه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءَهم وخدَمهم وحشمَهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثمّ كتب إلى عمّاله نسخةً واحدة إلى جميع البلدان: انظروا مَنْ قامت عليه البيّنة أنّه يُحب عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الدّيوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشَفَع ذلك بنسخة أخرى: مَن اتّهمتُموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدِموا داره.
فلم يكن البلاءُ أشدّ ولا أكثر منه بالعراق؛ ولا سيّما بالكوفة، حتّى أنّ الرجلَ من شيعة عليّعليهالسلام لَيأتيه مَنْ يثق به، فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتُمَنّ عليه؛ فظهر حديث كثير موضوع، وبُهتانٌ منتشر! ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة؛ وكان أعظم الناس في ذلك بليّةً القرّاء المراءون، والمستضعَفون، الذين يُظهرون الخُشوع والنُّسُك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويصيبوا به الأموال والضِّياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورَووها، وهم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة لَمَا رَووها ولا تديّنوا بها.
فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن عليّعليهماالسلام ، فازداد البلاء والفتنة،
فلم يبق أحدٌ من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريدٌ في الأرض.
ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسينعليهالسلام ، وولّى عبد الملك بن مروان، فاشتدّ على الشيعة! وولّى عليهم الحجّاج بن يوسف، فتقرّب إليه أهلُ النُّسُك والصلاح والدين ببغض عليّ وموالاة أعدائه ...، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من الغضّ من عليّعليهالسلام وعَيْبه والطعن فيه والشنآن له ...
وقد روى ابنُ عرفة المعروف بنفطويه، في تاريخه: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتُعلت في أيّام بني أميّة، تقرُّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يُرغمون به أنوف بني هاشم(1) !
مدرسة معاوية في وضع الحديث
جرى الكلام في المنع من الحديث والمعاقبة عليه، والتعلّل في ذلك بذريعة أن لا يختلط القرآن بشيء من غيره، وكان الموقف الصارم من الحديث في هتك حرمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله بحرق سيرته، وامتدّت أياديهم إلى القرآن فهتكوا حرمته بحرق المصاحف مع المزاعم التي ذكرناها في ضياع نصوص منه، وأنّ الآية الفلانيّة كانت على عهد النبيّصلىاللهعليهوآله كذا، وأضافوا إليها كلمات، وأخرى بلفظٍ آخر ...، ممّا ذكرناه. وفسّرنا ذلك بأنّه تمهيد لإقصاء أهل البيتعليهمالسلام عن مراتبهم التي رتّبها القرآن الكريم ورتّبتها السنّة المطهّرة.
وذكرنا شيئاً ممّا فعله معاوية خاصّة وبنو أميّة وحاشيتهم مستفيدون من
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 11: 44 - 46.
سياسة التمهيد، والتمكين جهد إمكانهم في إفراغ عُقَد النقص وطلب الثارات، فيالبدر وأُحد وحُنين ونذكر هنا عملاً فنّياً شيطانيّاً مُقنّناً سلكه ابن هند في حقل الأحاديث الموضوعة في ذمّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام نشّأ عليها أجيالاً شاميّة تتوارث بُغض عليّعليهالسلام وينقل كلّ جيل إلى الذي يليه تلك الأحاديث الموضوعة.
ذكر أبو جعفر الإسكافي: أنّ معاوية وضعَ قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّعليهالسلام ، تقتضي الطعنَ فيه والبراءة منه؛ وجعل لهم على ذلك جُعْلاً يُرْغبُ في مثله؛ فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. ومن التابعين: عُروة بن الزبير(1) .
روى الواقديّ أنّ معاوية لمّا عاد من العراق إلى الشام بعد بَيْعة الحسنعليهالسلام واجتماع الناس إليه خطب فقال: أيّها الناس؛ إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لي «إنّك ستلي الخلافة من بعدي، فاختر الأرض المقدّسة، فإنّ فيها الأبدال؛ وقد اخترتكم، فالعنوا أبا تراب. فلعنوه. فلمّا كان من الغد كتب كتاباً، ثمّ جمعهم فقرأه عليهم؛ وفيه: هذا كتابٌ كتبه أميرالمؤمنين معاوية، صاحب وحي الله الذي بعثَ محمّداً نبيّاً، وكان أُميّاً لا يقرأ ولا يكتب، فاصطفى له من أهله وزيراً كاتباً أميناً، فكان الوحي ينزل على محمّد وأنا أكتبه؛ وهو لا يعلم ما أكتب، فلم يكن بيني وبين الله أحد من خَلْقِه.
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 4: 63.
فقال له الحاضرون كلّهم: صدقتَ يا أمير المؤمنين(1) !
أنصدّق الله تعالى إذ نصب عليّاًعليهالسلام ، وليّاً لأمر المسلمين؛ وقد تكلّمنا عن ذلك بما فيه كفاية في آية الولاية وتصدّق أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام بخاتمه في حال الركوع في الصلاة، فكان الإجماع المتواتر أنّ الآية نزلت في عليّعليهالسلام ؛ ونصّت على حصر الولاية بالله تعالى، ثمّ برسولهصلىاللهعليهوآله ، ومن ثمّ بخليفة رسوله عليّعليهالسلام .
وتوّج ذلك رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله بأخذ البيعة العامّة لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام في حجّة الوداع في غدير خُمّ، ولعن في أكثر من موطن مَن يناصب عليًّاعليهالسلام أو يأبى خلافته ...، فكيف يناقض - حاشا لهصلىاللهعليهوآله - نفسه، فيُفسد ما أبرم وينصب خليفتين من بعده، ومَن الثاني: معاوية؛ وكفى به تعريفاً!
ثمّ انظر أيّ جمهور أنتجت المدرسة الأُمويّة، فإنّ الأُمويّين قد بثّوا أحاديث كاذبة بشأن «الشام» وأنّها الأرض المقدّسة! وأنّ أهلها هم الأبدال الذين ينتصر بهم الله تعالى لدينه وغير ذلك. وعلى هذا تابعوا سيّدهم في لعن أميرالمؤمنينعليهالسلام ، حتّى صار جلّهم لا يعرف مَن هو «علي بن أبي طالبعليهالسلام »!
روى الإسكافيّ: وقد صحّ أنّ بني أميّة منعوا من إظهار فضائل عليّعليهالسلام ، وعاقبوا ذلك الراوي له؛ حتّى أنّ الرجل إذا روى حديثاً لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدِّين لا يتجاسر على ذكر اسمه؛ فيقول: عن أبي زينب(2) !
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 4: 72.
(2) المعيار والموازنة 137.
وروى عطاء، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: ودِدْتُ أن أترَك فأحدِّثَ بفضائل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يوماً إلى الليل؛ وأنّ عُنُقي هذه ضُربت بالسيف(1) .
وقال: وقد روى أنّ معاوية بذَلَ لِسَمُرة بن جُنْدَب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب:( وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الْفَسَادَ ) (2) ، وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن مُلجم، وهي قوله تعالى:( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) (3) ، فلم يقبل منه، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة فقبل، وروى ذلك(4) .
ما أعظم إجرامك يا ابن هند! ما أن تفردّت بالشام حتّى بذلت جهدك كلّه لفتن أهل الشام وإبعادهم عن دينهم ونشر الجهل بينهم فراح يسوقهم حيث شاء؛ وقد ذكر هذه الحالة المأساوية «عمرو بن العاص» وزيرُ معاوية في قصيدة طويلة تسمّى الجلجليّة، هذا بعضُها:
ولَمّا عصيتُ إمام المهدي |
وفي جَيْشه كلُّ مُستفحلِ |
|
أبا البَقَرِ البُكْم أهل الشامِ |
لأهلِ التُّقى والحِجَى أُبتلي؟ |
____________________
(1) نفسه.
(2) البقرة: 204، 205.
(3) البقرة: 207.
(4) المعيار والموازنة 72 - 73.
فقلت: نعم، قم فإنّي أرى |
قتالَ المفضَّل بالأفضلِ |
|
فَبِي حاربوا سيّدَ الأوصياء |
بقولي: دمٌ طُلَّ من نَعْثَلِ(1) ! |
|
وعلّمتُهم كشْفَ سوءاتهمْ |
لِردِّ الغَضَنْفرةِ المـُقبلِ(2) |
|
وحيث رفعناك فوق الرؤوس |
نزلنا إلى أسفل الأسفل! |
|
وكم قد سمعنا من المصطفى |
وصايا مخصّصةً في عليّ؟! |
|
وفي يوم «خُمٍّ» رقى منبراً |
يُبلّغ، والرَّكبُ لم يَرْحلِ |
|
وفي كفِّه كفُّه مُعْلِناً |
يُنادي بأمر العزيز العلي: |
|
ألستُ بكُمْ منكُم في النّفوس |
بأَوْلى؟ فقالوا: بلى فافعلِ |
|
فأنحله إمرةَ المؤمنين |
من الله مُسْتخلَف المـَنْحَلِ |
|
وقال: مَن كنتُ مولىً له |
فهذا له اليوم نِعْمَ الْوَلي |
|
فَوالِ مُواليهِ يا ذا الجلا |
لِ وعادِ مُعادي أخِ المـُرسَلِ |
|
ولا تَنْقُضوا العهدَ من عِترتي |
فقاطِعُهم بيَ لم يُوصَلِ |
____________________
(1) طُلّ الدم: هُدِر ولم يُثأر له. ونعثل: اسم لعثمان سمّته به عائشة.
(2) ذلك أنّ عمرو بن العاص برز ليقاتل فبرز إليه أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فلمّا رآه أسقط نفسه عن فرسه ورفع رجليه فبانت سوءته، فأشاح أمير المؤمنين بوجهه الكريم عنه وهرب ابن العاص.
وفعل مثل ذلك معاوية وبُسر مع الإمام!!
فَبَخْبَخَ شيخُكَ لَمّا رأى |
عُرى عَقدِ حَيْدرَ لم تُحْللِ |
|
فقال: وليّكمُ فاحفظوه |
فمَدْخَلُه فيكمُ مَدْخَلي |
|
وإنّا وما كان من فعلنا |
لَفي النّار في الدَّركِ الأسفلِ |
|
وما دمُ عثمان منجٍ لنا |
من الله في الموقف المـُخجلِ |
|
وإنّ عليّاً غداً خصمُنا |
ويعتزُّ باللهِ والمرسَلِ |
|
فما عُذْرنا يومَ كشْفِ الغطا؟! |
لكَ الويلُ منه غداً، ثمّ لي!(1) |
شهادة حقّ نطق بها ابن النابغة، لمّا حصل بينه وبين سيّده ابن هند خلاف، تضمّنت مقارنة وموازنة بين العسكرَين: عسكر أهل الكوفة اهل التُقى والعقول الذين يمضون على بيّنة، متّبعين إمام هدى سيّد الأوصياء أميرالمؤمنين بأمر الله تعالى وتبليغ رسولهصلىاللهعليهوآله فاتّبعوه ولم ينكثوا عهداً ...؛ ولذا فم أُسودٌ لا يجبنون.
ثمّ وصف عسكر أهل الشام وأنّهم بَقَرٌ بُكمٌ استطاع ابن العاص أن يعلّمهم، بل ويعلّم ملكهم ابن هند، وابن أبي أرطاة كيف يدفعون عن أنفسهم بسوءاتهم ويصف نفسه وأهل الشام بالجهل إذ اتّبعوا معاوية ورفعوه، فنزلوا بذلك إلى أسفل السافلين، وأنّه ومعاوية ومَن تبعهم في جهنّم!!
وهذا الذي قلناه من قبل في أحاديث «الأريكة»، وتحذير رسول اللهصلىاللهعليهوآله من صاحب «الأريكة» الذي يتّخذ القرآن ذريعةً للمنعِ من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقد
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 2: 522.
استعملصلىاللهعليهوآله لفظ «يوشك» التي تظهر في القريب زمنيّاً، وفعلاً وجدنا أبا بكر يحرق «500» حديث، ثمّ ينهج عمر المنهج نفسه فيحرق أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ويعاقب صحابة لأنّهم يحدّثون ويحبس آخرين ...، فإذا جاء ابن هند ومن قبله سلفه عثمان الذي توسّع في معاقبة خيار الصحابة والمنع من الحديث، فما كان منه إلاّ أن يمدّ يده إلى تحريف أسباب نزول القرآن بما يخدم أهدافه، فإنّ هذا التحريف لديه أسهل من حرق السنّة ومنع تداولها، ومن حرق كتاب الله تعالى؛ كيف وهو معاوية الذي أعلن صراحةً أنّه ما قاتل من أجل الصلاة والصوم والحجّ والزكاة؛ وإنّما قاتل ليتأمّر عليهم - مرّ بنا -؛ وما علمنا منه ولا من بيته إسلام وإنّما هو فتح مكّة وإرغام رسول اللهصلىاللهعليهوآله لآل أبي سفيان أن يفتحوا بيتهم للإسلام المنتصر وأحسن إليهم فأطلقهم؛ فهم الطُّلُقاء.
ومرّ بنا لعنُ رسولِ اللهصلىاللهعليهوآله لأبي سفيان ولولديه: يزيد ومعاوية ابني أبي سفيان، في أكثر من موطن ودعوة رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى قتل معاوية إذا رأوه يخطب على المنبر ...
وقد كان جريئاً في أمرٍ سبُق إليه ولكن في حدودٍ من ذلك ما يتعلّق بأمر فدك وادّعاء النصّ على خلافة الأوّل وأمثال ذلك.
وأمّا معاوية فبعد تشدّده في محاربة الحديث، وفتحه مدرسةً لكتابة التاريخ والسيرة وفْقَ ما يريد، وعَلِمَ أولئك رغبته وقد أعمتهم الأموال التي أغدقها عليهم معاوية، فحقّقوا له رغبته ومن ذلك وضع أحاديث تنال من أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام وأهل بيتهعليهمالسلام . فأمّا بشأن الآيتين المباركتين؛ حيث دخل معاوية في
معاملة تساوميّة مع سَمُرة بن جُنْدَب بذل له فيها مائتي ألف درهم، فلم يقبل فزاده لم يقبل حتّى صار أربعمائة ألف درهم، فقبل على أن يروي أنّ الآيتين نزلتا في أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام !
ومن قصّة الآيتين كما ذكر المفسّرون:
( وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا ) ، نزلت في الأخنس ابن شريق بن عمرو بن وهب بن أبي سلمة الثقفي، كان يأتي النبيصلىاللهعليهوآله فيخبره أنّه يحبّه ويحلف بالله على ذلك، ويخبره أنّه يتابعه على دينه، فكان النبيّصلىاللهعليهوآله يعجبه ذلك ويدنيه في المجلس، وفي قلبه - أي قلب الأخنس - غير ذلك، فأنزل الله عزّ وجلّ:( وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا ) ( وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى ) ما يقول، يعني يمينه التي حلف بالله، و( مَا فِي قَلْبِهِ ) أنّ الذي يقول حقّ( وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ ) يقول جدلاً بالباطل(1) .
ونحن في غنى عن تفسير المفسّرين، ولكن قطعاً للذريعة ومماشاةً لمنهج البحث، وإلاّ فالآيتان بمعاوية أليق فهو محضُ باطل سيرته التي مات عليها تثبت ذلك، وعليّعليهالسلام حبّه إيمان وبُغضه نفاق. وأمّا قوله: إنّ قول الله تعالى:( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) ، إنّها نزلت في ابن ملجم؛ فلا عجب! فكلاهما: ابن ملجم، ومعاوية، ناصبيّان خرجا على أمير المؤمنينعليهالسلام فقاتله معاوية، وأجهز
____________________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان 1: 108، معاني القرآن، للفّراء 1: 124، الكشّاف 1: 123، الجامع لأحكام القرآن 3: 17، جامع البيان 4: 243، إعراب القرآن، للعكبرى 1: 52، البحر المحيط 2: 116، تفسير الفخر الرازي 2: 190.
عليه ابنُ ملجم في محراب صلاته فضربه بالسيف فمضىعليهالسلام شهيداً.
أمّا بشأن الآية المباركة، فالإجماع منعقد على أنّها نزلت في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وذلك أنّ قريشاً تحالفوا على قتل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأجمعوا أمرهم: أن يُنتدب لذلك من كلّ قبيلة شابّ، فيكبسوا عليه وهو نائم، فيضربوه ضربةَ رجل واحد، فيضيع دمه ولا يأخذ بثأرِه أحد. فنزل جبريلعليهالسلام بأمر الله تعالى لنبيِّهصلىاللهعليهوآله أن يترك مكّة ويهاجر، وأن يبيت ابن عمّه عليّ على فراشه، ففعل وبات الفدائيّ وقد وطّن نفسَه للشهادة في سبيل الله وفي سبيل سلامة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
لقد عزّ الناصر الذي يؤدّي وظيفة خطيرة مثل هذه، وما كان لجسدٍ غير عليّ أن يتكرّم بمماسّة موضع جسد النبيّصلىاللهعليهوآله في فراشه. ثمّ ما كان لغير عليّ أن يقوم مقام النبيّ سواء في الدعوة والتبليغ حيث اختصّه بتبليغ «براءة»، أو تأدية أمانته وما كان يوصي إليه.
عن معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي رافع في هجرة النبيّصلىاللهعليهوآله ، قال: وخلفه النبيّصلىاللهعليهوآله - يعني خَلَف عليّاً - يخرج إليه بأهله، وأمره أن يؤدّي عنه أمانته ووصايات مَن كان يوصي إليه، وما كان يُؤتَمن عليه من مال، فأدّى عليّ أمانته كلّها. وأمره أن يضطجع على فراشه ليلةَ خرَج، وقال: إنّ قريشاً لم يفقدوني ما رأوْك، فاضطجع على فراشه.(1) إنّ التأدية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليس أمراً يُذكر من غير وقفة وتأمّل! وأحاديث النبيصلىاللهعليهوآله في
____________________
(1) أسد الغابة 4: 96.
هذا الباب وفيرة وفي أكثر من مشهدٍ وموقف؛ يعزّزها ائتمانهصلىاللهعليهوآله أهلَه، ولا يجوز لنبيّ الله أن يأتمن على أهله إلاّ رجلاً مثله في العصمة.
وقد خَلَفهصلىاللهعليهوآله على أهله غيرَ مرّة، من ذلك: غزاة تبوك، فأظهرعليهالسلام حزنه لذلك فقال له النبيّصلىاللهعليهوآله : «يا عليّ، إنّما خلفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبي بعدي؟(1) ».
ونذكر بعض الآثار الواردة في نزول الآية المباركة في أمير المؤمنين عليّعليهالسلام .
ورد نزول الآية في أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ عنه وعن ولديه الحسنينعليهمالسلام ؛ وكفى بهم صدقاً ووثوقاً!
* عن أمير المؤمنينعليهالسلام فيما خاطب به أهل الشّورى، محتجّاً عليهم بفضائله وما اختصّه الله تعالى به، ومنه الآية المذكورة، برواية الصحابيّ أبي الطُّفيل عامر بن واثلة. (المناقب للخوارزميّ 315، مناقب الإمام عليّ لابن
____________________
(1) المصنّف، لابن أبي شيبة حديث 12 من فضائل عليعليهالسلام ، مسند أبي داود حديث 205، مسند أحمد، مسند أبي سعيد ح 10879 ومواضع أخرى، مسند أبي يعلى - مسند سعد 2: 66 - 132 وغيرها، الفضائل، لأحمد، حديث 142، تاريخ البخاري الكبير 3/48: 179، صحيح مسلم 3: 44، كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عليّ رقم 30 - 32، المعجم الكبير، للطبراني 24/146/384، طبقات ابن سعد 3: 24، مسند ابن حبّان 15/369/6926، مشكل الآثار 2/213: 1903، الكامل، لابن عَديّ 2/416 ترجمة حرب ابن شدّاد، سنن ابن ماجة 1: 42 حديث 115، أنساب الأشراف 1: 346، تاريخ بغداد 3: 289/1376، حلية الأولياء 7: 194، مختصر تاريخ دمشق 17/243 - 248، مناقب الخوارزمي 133/148، تهذيب الكمال 35/263
المغازليّ 155، كنز العمّال 3: 156، غاية المرام 564).
ورواه الصحابيّ أبو ذرّ الغِفاريّ. (أمالي الطوسيّ 2: 162).
ورواه ابن الكَوّاء، عنهعليهالسلام . (خصائص أميرالمؤمنين للشريف الرضيّ 26). وأبو مريم الأسديّ، عنهعليهالسلام . المستدرك على الصحيحين 3: 5.
* الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام . تذكرة الخواصّ 182.
* عليّ بن الحسين بن عليّعليهمالسلام ، عن حكيم بن جبير، عن عليّ بن الحسينعليهماالسلام ، قال: إنّ مَن شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليُّ بن أبي طالبعليهالسلام . وقال عليٌّعليهالسلام عند مبيته على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
وَقَيْتُ بنفسي خَيْرَ مَنْ وَطأ الحصى |
ومَن طافَ بالبيتِ العتيقِ وبالحِجْرِ |
|
رسول إله خافَ أنْ يمكُروا بهِ |
فنجّاه ذُو الطَّوْلِ الإله، من المكْرِ |
|
وباتَ رسول الله في الغار آمِناً |
مُوَقًّى وفي حفظ الإله وفي سِتْرِ |
|
وبِتُّ أُراعيهم وما يُثْبِتُونَني |
وقد وطّنْتُ نفسي على القتْل والأسرِ |
ورد في المناقب للخوارزميّ 127 وينابيع المودّة 92، والمستدرك على الصحيحين. وورد بغير الشعر المذكور في: أمالي الطّوسيّ 2: 61، المناقب لابن شهر آشوب 2: 64.
* ابن عبّاس. مختصر تاريخ دمشق 17: 318، المناقب للخوارزميّ 126، ينابيع المودّة 92. وبرواية عمرو بن ميمون عنه، في مختصر تاريخ دمشق 17: 329.
ورواية أبي صالح عنه في تفسير الطبريّ 9: 149، تفسير فرات 5، دلائل النبوّة لأبي نُعَيم 63 - 65.
والسُّدِّي عنه، في العُمدة لابن البطريق 124، ينابيع المودّة 92.
ورواه أبو غطفان عن ابن عبّاس، في الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 227، أمالي الطّوسيّ 2: 60. وشعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون، في البداية والنهاية 7: 338.
ولحديث ابن عبّاس طُرُق كثيرة في شواهد التنزيل من ذلك ك رقم 134، 135، 136، 138.
ومن مصادر الحديث عن ابن عبّاس: أنساب الأشراف 2: 106، خصائص النسائيّ 61 - 62، مسند أحمد بن حنبل 1: 330 - 331، والمعجم الكبير للطبرانيّ 3: 151، وتاريخ بغداد 13: 191 - 192 ن وكفاية الطّالب 240 - 241، وإحياء العلوم للغزاليّ 3: 252، التلخيص 3: 5/4263، تفسير الثعلبي 2: 126، تفسير النيشابوري بهامش تفسير الطبريّ 2: 291، تفسير القرطبيّ 3: 21، مجمع الزوائد 9: 19 - 20، الرياض النّضرة 2: 269 - 270، ذخائر العقبى 84 - 88.
* رواه الصحابي أبو سعيد الخُدْريّ. شواهد التنزيل حديث رقم 133.
* وورد عن عائشة بنت قُدامة. الطبقات الكبرى 1: 227.
ولم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يبيت أميرالمؤمنينعليهالسلام على فراش رسول اللهصلىاللهعليهوآله يفديه بمهجته ويدرأ عن نفسه بنفسه؛ يشدّ أزْرَه في ذلك أبو طالب، أبوه مؤمن قريش وناصرُ النبيّصلىاللهعليهوآله . جاء في «شعر أبي طالب وأخباره -
المستدرك ص 73»: ممّا أنشده أبو طالب، وكان كثيراً ما يخافُ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله البَيَات - أي الغَدْر ليلاً حيث يبيت - إذا عُرِف مضجعه، فكان يُقيمه ليلاً من منامه ويُضجِع ابنَه عليّاً مكانه، فقال له عليّ ليلةً: إنّي مقتول. فقال له أبو طالب، شعراً:
إصبِرَنْ يا بُنَيَّ فالصَّبْرُ أحجى |
كُلُّ حَيٍّ مصيرُهُ لِشَعُوبِ(1) |
|
قَدَّرَ اللهُ - والبلاءُ شديدٌ - |
لِفداءِ الحَبيبِ وابنِ الحبيبِ |
|
إنْ تُصبْكَ المـَنُونُ فالنَّبْلُ تُبرى |
فمُصِيبٌ منها وغيرُ مُصيبِ |
|
كلُّ حيٍّ - وإنْ تملّى بِعُمْرٍ - |
آخذٌ من مَذاقِها بِنَصيبِ |
فأجاب عليّعليهالسلام ، فقال:
أتأمُرُني بالصَّبرِ في نصرِ أحمدٍ |
وواللهِ ما قلتُ الّذي قلتُ جازعا |
|
ولكنّني أحببتُ أن ترى نُصرتي |
وتعلمَ أنّي لم أزل لك طائعا |
|
سأسعى لوجهِ الله في نصر أحمدٍ |
نبيِّ الهُدى المحمود طفلاً ويافعا(2) |
إنّ في سلوك أبي طالبرضياللهعنه ، في حمايته لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وفداءه بابنِه عليٍّعليهالسلام ، وطاعة عليّ المطلقة لأبيه؛ مع وعيٍ منه أنّ ذلك في سبيل الله تعالى؛
____________________
(1) شَعُوب: المـَنيّة، يُقال أشْعَبَ الرجلُ، إذا مات أو فارق فراقاً لا يرجع. تهذيب الألفاظ، لابن السكّيت 453.
(2) المستدرك على شعر أبي طالبعليهالسلام ، لأبي هِفّان المِهْزَميّ (ت 257 هـ) 74.
وقد ترجمه في جوابه لأبيه شعراً، مضافاً إلى ما لحقه هو وبني هاشم من أذى قريش التي فرضت عليهم مقاطعة أمدها ثلاث سنين لا يشترون منهم ولا يبيعونهم، ولا يتزوّجون منهم ولا يزوّجونهم ومن ثمّ انعزل أبو طالب وبنو هاشم إلى شِعبِ وادٍ عرف فيما بعد باسم وادي أبي طالب؛ أقول: إنّ في سلوك أبي طالب هذا تحطيم للدعاية الأُمويّة التي نشرت حديثاً مفترىً وهو أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله دعا أبا طالب إلى الإسلام فأبى؟! فلمّا مات، استأذن الله تعالى بالاستغفار له فلم يأذن له؟!! كلّ ذلك ناصبيّةً وبغضاً وحرباً لعليٍّ أميرالمؤمنينعليهالسلام .
إنّ الحماية التي أَوْلاها أبو طالبعليهالسلام لرسول اللهصلىاللهعليهوآله تكذّب الدعاية الأُمويّة وتلقي ظِلال تساؤل على كتب الحديث والتاريخ التي تناقلت تلك الدّعاية بنصٍّ واحد! من غير التفات لسيرة شيخ البطحاء وزعيمها ومقدار الأذى الذي تحمّله هو وبنو هاشم وفقدانه منزلته بين قومه. فإذا كان ذلك عاطفةً محضةً، فلِمَ حُرِم أبو لهب، وهو عمّ النبيّصلىاللهعليهوآله أيضاً هذه العاطفة؟! بل كان أشدّ النّاس عداوةً له واستخفافاً له، وكانت امرأته تُعينه في مهمّته القذرة هذه فكانت تحمل الشوك والحطب يضعانه في الطريق الذي يمرّ به رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ وقد أنزل الله تعالى فيهما سورةً كاملةً: «سورة تَبّت».
إنّ للعاطفة حدوداً، ومن حدودها أن يطلب أبو طالب من ابن أخيه يكفّ عن الدعوة صوناً له من خطر قريش وإبقاءً على مكانته هو في قريش..؛ إلاّ أن موقفه وشعره وشعر ولدهعليهالسلام ، ومواقف وأشعار تترجم حقيقة أبي طالب وأنّه عاش ومات مسلماً مناضلاًرضياللهعنه . وهذه بعض أشعاره:
حديث بحيرا الراهب
ذكر ذلك ابن إسحاق في سيرته؛ فبسند عن يونس بن بُكير عن محمّد بن إسحاق، قال: إنّ أبا طالب خرج تاجراً إلى الشام ومعه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فلمّا نزل الركب بُصرى من أرض الشام، وبها راهب يُقال له بَحِيرا في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانيّة، فلمّا نزلوا ببَحِيرا وكانوا كثيراً ممّا يمرّون به قبل ذلك لا يكلّمهم ولا يعرض لهم، حتّى إذا كان ذلك العام نزلوا قريباً من صومعته، فصنع لهم طعاماً كثيراً، وذلك - فيما يزعمون - عن شيء رآه وهو في صومعته في الركب، حين أقبلوا وغماماً تظلّه - أي تظلّ النبيّصلىاللهعليهوآله - من بين القوم، حتّى نزلوا تحت شجرة قريباً منه، فنظر إلى الغمامة قد أظلّت الشجرة، وتدلّت أغصان الشجرة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى استظلّ تحتها، فلمّا رأى ذلك بَحِيرا، نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فصُنع، ثمّ أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش، وأنا أحبّ أن تحضروا كلّكم ...، فحضروا وتخلّف رسول اللهصلىاللهعليهوآله لحداثة سنّه، فلمّا نظر بَحِيرا في القوم لم يرَ الصفة التي يعرف ويجد عنده؛ قال: يا معشر قريش لا يتخلّف أحد منكم عن طعامي هذا، قالوا له: يا بَحِيرا ما تخلّف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلاّ غلام هو أحدثُ القوم سنّاً، تخلّف في رحالهم، قال: فلا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم فأحضروه، فلمّا رآه بَحِيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته، حتّى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرّقوا قام بَحِيرا فقال له: يا غلام أسألك باللاّت والعُزّى إلاّ أخبرتني عمّا أسألك عنه، وإنّما قال بَحِيرا له ذلك لأنّه سمع
قومه يحلفون بهما، فزعموا أنّ رسول قال له: لا تسلني باللاّت والعُزّى شيئاً، فو الله ما أبغضت شيئاً قطّ بغضهما، فقال له بَحِيرا: فبالله إلاّ أخبرتني عمّا أسألك عنه، قال: سلني عمّا بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله: من قومه، وهيئته، وأموره؛ فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله يخبره فيوافق ذلك ما عند بَحِيرا من صفته، ثمّ نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوّة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، فلمّا فرغ منه أقبل على عمّه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلامُ منك؟ قال: ابني، قال له بَحِيرا، ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّصا، قال: فإنّه ابن أخي وقد مات أبوه وأُمّه حبلى به، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلدك واحذر عليه من اليهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شرًّا، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن فأسرع به إلى بلاده، فخرج به عمّه حتّى أقدمه مكّة حين فرغ من تجارته بالشام.
فزعموا أنّ نفراً من أهل الكتاب «يهود» قد كانوا رأوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله في ذلك السفر هم: زَبير، وتمّام ن ودَريس؛ ورأوا منه أشياء فأرادوه، فردّهم عنه بَحِيرا، وذكّرهم الله عزّ وجلّ، وما يجدون في الكتاب من ذِكره وصفته(1) .
ولأبي طالب شعر في ذلك:
إنّ ابن آمنة النبيّ محمّداً |
عندي بمثلِ منازلِ الأولاد |
|
لما تعلّق الزمامِ رحمته |
والعيس قد قلّصن بالأزواد |
____________________
(1) سيرة ابن إسحاق 73 - 76.
فارفض من عيني دمع ذارف |
مثل الجمان مُفرّق الأفراد |
إلى آخر الشعر. فأنت ترى أنّه قد آمن وأعلنها صريحةً(1) بنبوّة محمّدصلىاللهعليهوآله وهو ما زال غُلاماً، وذلك لشهادة حَبْر؛ ممّا يدلّل على رجحان عقل أبي طالب دون غيره من الشيوخ الذين ماتوا كفّاراً أو قُتلوا مشركين فكان الحسد لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام : كيف تجتمع النبوّة والإمامة في بيت واحد، والسيادة لابن عمّه سيّد الرسل وله سيّد العرب والزوجه سيّدة نساء أهل الجنّة ولولديه سيّدي شباب أهل الجنّة وأبوه شيخ البطحاء حامي النبيّصلىاللهعليهوآله مؤمن قريش؟! ومن شعر أبي طالبرضياللهعنه ، وذلك لمّا اجتمعت بنو هاشم وبنوالمطّلب معه ورأى أن قد امتنع بهم وأن قريشاً لن يعادوه، وتجد في الشعر أنّه انتصر لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وفيه تصريح منه برسالة النبيّ:
منعنا الرسول رسول المليك |
بِبِيضِ تَلألاُ كلمعِ البُروق |
|
بصرب بزبر دون التهاب |
حذار البوادر كالخنفقيق(2) |
|
أذبّ وأحمي رسول المليك |
حماية حام عليه شفيق(3) |
فلمّا رأى أبو طالب من قومه ما سرّه من جدّهم معه، وحدبهم عليه جعل
____________________
(1) نفسه 76.
(2) الخنفقيق: أي الداهية. اللسان.
(3) سيرة ابن إسحاق 149.
يمدحهم ويذكر قديمهم، ويذكر فضل رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيهم، ومكانه منهم، ليشتدّ لهم رأيهم فيه، وليحدبوا معه أمرهم، فقال أبوطالب:
إذا اجتمعت قريش لفخرٍ |
فعبد مَناف سِرُّها وصميمُها |
|
وإن حصلت أشراف عبد مَنافها |
ففي هاشم أشرافها وقديمها |
|
وإن فخرت يوماً فإنّ محمّداً |
هو المصطفى من سِرّها وكريمها |
|
تداعت قريش غَثُّها وسَمينُها |
علينا فلم تظفر وطاشت حُلومُها |
|
وكنّا قديماً لا نقرّ ظلامةً |
إذا ماثنوا صُعر الخدود نُقيمها |
|
ونحمي حماها كل يوم كريهة |
ونضربُ عن أحجارها من يرومها(1) |
إنّ أبا طالبرضياللهعنه يحكم لعبد مناف على قريش بالفخر؛ وإذا صار السباق في حلقة الشرف؛ فهاشم عُوده المونق؛ وذروةُ هاشم وسنامُها: محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله . هكذا يصنّف أبوطالب مواضع الفخر، فكيف انساقت كتب الحديث والتاريخ خلف العداء الأمويّ وأعرضت عن هذه السيرة العطرة لهذا الرجل النبيل الذي كان سنداً للنبيّصلىاللهعليهوآله يفديه بنفسه وبابنه وعشيرته عن إيمانٍ برسالته؛ فصار مشركاً؛ وسيجمع الله بينهم وحينها يخسر المبطلون.
ومن شعر لمؤمن قريش وشيخ البطحاء أبي طالب يُظهر فيه مَنَعتَه وإيمانه بالنبيّصلىاللهعليهوآله ، ويختمه بالتوحيد لا بالشرك! قال:
ما إن جنينا من قريش عظيمة |
سوى أن منعنا خيرَ مَن وطىء التُربا |
____________________
(1) سيرة ابن إسحاق 149.
أخائفة للنائبات موراً(1) كريماً |
ثناه لا لئيماً ولا ذربا |
|
فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا |
فإيّاكما أن تسعّرا بيننا حربا |
|
وإن تصبحوا من بعد وُدٍّ وإلفةٍ |
أحابيش فيها كلّكم يشتكي النكبا |
|
ألم تعلموا ما كان في حربِ داحسٍ |
ورهط أبي يكسوم إذا ملأوا الشعبا |
|
فوالله لو لا الله لا شيء غيره |
لأصبحتم لا تملكون لنا سِربا(2) |
فهو يبدأ بمدح ابن أخيه الذي ينافح عنه وأنّه خيرُ مَن وطئ التربا ويختمها بالقسم لا باللاّت والعزّى التي يحلف بها أهل الجاهليّة وإنّما بالله تعالى، ثمّ ينزهّه أن يكون شيء غيره، فمثل أبي طالب يقال عنه مشرك؟! والذي يحمل معه الأزلام يوم «تبوك» فإذا ظهرت الروم قال: ويهٍ بني الأصفر مشجّعاً لهم، ذلك هو أبو سفيان.
واسمع أبا طالب كيف يشدّ من عزيمة ابن أخيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليواصل مسيرته وأنّه يمنع عنه أعداءه ولن يصلوا إليه بأذى حتّى يهلك دونه، ومصرّحاً بأنّ دين محمّدصلىاللهعليهوآله خير الأديان، فماذا بعد الهدى إلاّ الضلال؟! قالرضياللهعنه :
والله لن يصلوا إليه بجمعهم |
حتّى أُوَسّد في التراب دفينا! |
|
إمضِ لأمركِ ما عليك غَضاضةٌ |
وابشرْ وقرَّ بذاك منك عيونا |
|
ودعوتني وعلمتُ أنّك ناصحٌ |
فلقد صدقتَ وكنتَ قديماً أمينا |
____________________
(1) أي: سريع الأجابة.
(2) سيرة ابن إسحاق 150.
وعرضتَ دينا قد عرفتُ بأنّه |
من خير أديان البريّة دينا(1) |
وأشعار أبي طالب ومواقفه الجهاديّة وشرحها يطول، نأخذ بعض الشواهد التي تُبطل الدعاية الوضعيّة الأمويّة المعادية لهذا البيت الشريف ولأنّه يُعطي تفسيراً موضوعيّاً للوضع الذي مارسه الأمويّون بحقّ أسباب نزول آيات القرآن الكريم، وموقفهم من السنّة منعاً ووضعاً!! ومن شعره لما كتبت قريش كتابها في بني هاشم:
ألا أبلغا عنّي على ذات نأيها |
لؤيّاً وخصّا من لؤيّ بني كعب |
|
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً |
نبيّاً كموسى خُطّ في أوّل الكتب |
|
أفيقوا أفيقوا قبل أن تُحفر الثرى |
ويُصبح مَن لم يجنِ ذنباً كذي الذنب! |
|
ولسنا وربّ البيت نُسْلم أحمدا |
على الحال من عضّ الزمان ولا كرب(2) |
والشعر أطول من هذا، يحث على مناصرة النبيّصلىاللهعليهوآله وبني هاشم مقابل الذين فرضوا عليهم المقاطعة، ويقيم عليهم الحجّة بأنّ محمّداًصلىاللهعليهوآله نبيّ مذكور في التوراة؛ ويحلف بربِّ البيت أنّهم لن يخذلوا النبيّصلىاللهعليهوآله على أيّ حالٍ من الأحوال.
ولو كان أبو طالب مشركاً - حاشا أن ننطق بها! - للجأ إلى اللاّت والعُزّى وغيرها ممّا كان أبوسفيان ومشايخ قريش عاكفين على عبادتها وتقديسها والنَّحرِ
____________________
(1) سيرة ابن إسحاق 155.
(2) نفسه 157.
لها، وطلب النّصر منها؟! إلاّ أنّ الموحّد كان يلجأ إلى الواحد الأحد:
«يونس بن بُكير عن ابن إسحاق قال: لمّا سمعت قريش بذلك - أي بشعره وصلابته - ورأوا منه الجدّ وأيسوا منه، فأبدوا لبني عبد المطّلب الجفاء، فانطلق بهم أبو طالب فقاموا بين أستار الكعبة، فدعوا الله على ظُلمِ قومهم لهم، وفي قطيعة أرحامهم واجتماعهم على محاربتهم، وبتأوّلهم سفك دمائهم، فقال أبو طالب: اللّهمّ إنْ أبى قومُنا إلاّ النصر علينا، فعجّل نصرنا، وحل بينهم وبين قتل ابن أخي»(1) .
ثمّ أقبل أبو طالب إلى جمع قريش وهم ينظرون إليه وإلى أصحابه، فقال أبو طالب: ندعو بربّ هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم، والله لتنتهنّ عن الذي تريدون، أو لينزلنّ الله بكم في قطيعتنا بعض الذي تكرهون، فأجابوه: إنّكم يا بني عبد المطّلب لا صلح بيننا وبينكم ولا رحم إلاّ قتل هذا الصبيّ السفيه(2) .
هذا النضال الشديد مع تعريضه نفسه وبنيه وعشيرته لكلّ المخاطر هو مجرّد عاطفة؟! ولمّا رأى من القوم إصراراً انتهى بالمقاطعة عاطفة كذلك؟! وتبقى مسألة الإيمان بالله تعالى، فلم يسجّل التاريخ أنّ لأبي طالب صنماً تمسّك به، إنّما وجدنا يُقسم بالله وحده ويتوعّد المشركين بصلابة أنّ ربّه الله سيعاقبهم وقد فعل؛ إذ قُطعت رؤوس العُتاة من آل اُميّة وغيرهم وأكثرهم حصدهم سيف ذي الفَقار بيد الفتى عليّعليهالسلام ؛ فلا غرو أن يضعوا الأحاديث التي تنال منه ومن أبيه،
____________________
(1) سيرة ابن إسحاق 158.
(2) نفسه 158 - 159.
مع التشدّد في منع رواية الحديث إلاّ مشروطاً: ما كان على عهد عمر.
المقاطعة ودخول الشِعب
قال ابن إسحاق: ثمّ عمد أبو طالب فأدخل الشِعْبَ ابن أخيه وبني أبيه ومن اتّبعهم من بين مؤمن، دخل لنصرة الله، ونصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومن بين مشرك يحمي، فدخلوا شعبهم، وهو شعب في ناحية من مكّة ...؛ وكان أبو طالب يخاف أن يغتالوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليلاً أو سرّاً، فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا أخذ مضجعه أو رقد بعثه أبو طالب عن فراشه وجعله بينه وبين بنيه خشيةَ أن يقتلوه(1) .
وهذا الذي أشرنا إليه سابقاً، وهنا تجد أبا طالب يعرّض نفسه وبنيه لخطر القتل فداءً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ فهل فعله هذا إلاّ عن إيمان راسخ بنبوّة محمّد المصطفىصلىاللهعليهوآله ؟! ولذا لا نعجب أن يكون جوابه لأمير المؤمنين عليّعليهالسلام كما مرّ بنا حين مبيته على فراش النبيّصلىاللهعليهوآله ليلة هجرته المباركة. ولأبي طالبرضياللهعنه شعر فيما جرى في الشعب:
ألا من لهَمٍ آخر الليل مُعتم |
طواني وأخرى النجم لم يتقحّم |
|
طواني وقد نامت عيون كثيرة |
وسائر أخرى ساهر لم يُنوم |
|
لأحلام أقوام أرادوا محمّداً |
بسوءٍ ومَن لا يتّقي الظلم يُظلم |
|
سَعَوا سَفَهاً واقتادهم سوء رأ |
يهم على قائل من رأيهم غير محكم |
|
رجوا أمور لم ينالوا نظامها |
وإن حشدوا في كلّ نفر وموسم |
____________________
(1) سيرة ابن إسحاق 159 - 160.
يرجون أن نسخا بقتلِ محمّد |
ولم تختضِب سُمْرُ العوالي من الدم |
|
يرجون منّا خطّة دون نَيْلِها |
ضَرابٌ وطعن بالوشيج المقوم |
|
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه |
جماجم تلقى بالحطيم وزمزم |
|
وتقطع أرحام وتنسى حليلة |
حليلها ونغساً محرماً بعد محرم(1) |
ومن قصيدة له لمّا أخبره رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّ الله أعلمه أنّه أرسل الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسم هو لله عزّ وجلّ إلاّ أكلته، وبقي فيها الظُلم والقطيعة والبُهتان، فانطلق أبو طالب حتى دخل المسجد، والمشركون من قريش في ظلّ الكعبة ...، فلمّا انتهى إليهم قالوا: قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل في قتله صلاحكم وجماعتكم! وفي حياته فرقتكم وفسادكم! فقال أبو طالب: قد جئتكم في أمرٍ لعلّه فيه صلاح وجماعة فاقبلوا، هلمّوا صحيفتكم التي فيه تظاهركم علينا، فجاءوا بها ...، فلمّا جاءوا بصحيفتهم قال: صحيفتكم بيني وبينكم، وإنّ ابن أخي خبرني - ولم يكذبني - أنّ الله عزّ وجلّ بعث على صحيفتكم الأرضة، فلم تدع لله فيها إسماً إلاّ أكلته وبقي فيها الظُلم والقطيعة والبهتان، فإن كان كاذباً فلكم عليَّ أن أدفعه إليكم تقتلونه، وإن كان صادقاً؛ فهل ذلك ناهيكم عن تظاهركم علينا؟ فأخذ عليهم المواثيق، وأخذوا عليه، فلمّا نشروها فإذا هي كما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكانوا هم بالغدر أولى منهم، واستبشر أو طالب وأصحابه، وقالوا: أيّنا أوْلى بالسحر والقطيعة والبهتان فقال المـُطعم بن
____________________
(1) نفسه.
عَدي بن نَوْفل بن عبد مَناف، وهشام بن عمرو، أخو عامر بن لُؤيّ بن حارثة، فقالوا: نحن بُراءٌ من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة، ولن نمالئ أحداً في فساد أنفسنا وأشرافنا، وتتابع على ذلك ناس من أشراف قريش، فخرج ناس من شعبهم وقد أصابهم الجهد الشديد، فقال أبو طالب في ذلك من أمر محمّدصلىاللهعليهوآله وما أرادوا من قتله:
تطاول ليلي بهمّ وصبّ |
ودمع كسحّ السِقاء السرب |
|
للعب قَصيّ بأحلامها |
وهل يرجع الحلم بعد اللعب |
|
وقول لأحمد أنت أمرؤُ |
خلوف الحديث ضعيف النسب |
|
وإن كان أحمد قد جاءهم |
بحقٍّ ولم يأتهم بالكذب(1) |
والشعر أطول من هذا كلّه أدلّه على صدق إيمان أبي طالب وأنّه لن يخذل النبيّصلىاللهعليهوآله مهما كان التحدّي!
وقالرضياللهعنه بشأن الصحيفة لمّا رأى قومه لا يتناهون وقد رأوا فيها العلم من العلم ما فيها:
وما ذنبُ مَن يدعو إلى البِرّ والتُّقى |
ولم يستطع أن يا رب الشعب يَأرب |
|
وقد جرّبوا فيما مضى غبَّ أمرهم |
وما عالم أمراً كمن لم يجرب |
|
وقد كان في أمر الصحيفة عِبرةً |
متى ما يُخْبَر غائبُ القوم يعجب |
|
محى اللهُ منها كفرَهم وعقوقهم |
وما نقموا من باطل الحقّ معرب |
____________________
(1) سيرة ابن إسحاق 161 - 163.
و أمسى ابنُ عبد الله فينا مُصدَّقاً |
على سُخط من قومنا غير معتب |
|
فلا تحسبوا يا مسلمين محمّداً |
لذي عربة منّا ولا متغرّب |
|
ستمنعه منّا يدٌ هاشميّة |
مركبها في الناس خيرُ مركب(1) |
أيّ إيمان هذا، وكيف يُقال عنه مشرك وهو يصف دعوة النبيّصلىاللهعليهوآله بالبِرّ والتُّقى، ومذكّراً بصدق نبوّته بأمرِ الصحيفة وأنّهصلىاللهعليهوآله يخبر عن الغيب؛ ولذا فهو ماضٍ على نهجه ومعه في ذلك حواسم بني هاشم.
ولمّا هاجر المسلمون إلى الحبشة، قال أبو طالب شعراً يحضّ فيه النجاشيّ على حسن جوارهم والدفع عنهم:
تعلم - أبيتَ اللعنَ - أنّك ماجد |
كريم فلا يشقى لديك المجانب |
|
تعلم بأنّ الله زادك بسطةً |
وأسباب خيرٍ كلّها بك لازب |
|
فإنّك فيض ذو سجال غزيرة |
ينال الأعادي نفعها والأقارب(2) |
وقال أيضاً:
تعلم خيار الناس أنّ محمّداً |
وزيرٌ لموسى والمسيح ابن مريم |
|
أتى بهدى مثل الذي أتيا به |
وكلّ بأمر الله يهدي ويعصم |
|
وأنّكم تتلونه في كتابكم |
بصدق حديث لا حديث الترجم |
____________________
(1) سيرة ابن إسحاق 163 - 164.
(2) نفسه 221 - 222.
وأنّك ما يأتيك منّا عصابةٌ |
لفضلك إلاّ أرجعوا بالتكرّم(1) |
فأبو طالب يخاطب النجاشيّ ملك الحبشة وهو نصرانيّ ويذكّره بأنّ نبوّة محمّدصلىاللهعليهوآله موجودة في التوراة والإنجيل وأنّها تصفه بالصادق ...
روى الزهريّ أنّ عروة بن الزبير حدّثه، قال: حدّثتني عائشة، قالت: كنتُ عند رسول الله إذ أقبل العبّاس وعليّ، قال: يا عائشة، إنّ هذين يموتان على غير ملّتي - أو قال: ديني(2) .
وروى عبد الرزّاق عن معمر، قال: كان عند الزهريّ حديثان عن عُروة عن عائشة في عليّعليهالسلام ، فسألتُه عنهما يوماً، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما! الله أعلمـُ؛ إنّي لأتّهمهما في بني هاشم.
قال: فأمّا الحديث الأوّل؛ فقد ذكرناه؛ وأمّا الثاني فهو أنّ عُروة زعم أن عائشة حدّثته قالت: كنتُ عند النبيّصلىاللهعليهوآله إذ أقبل العبّاس وعليّ، فقال: «يا عائشة؛ إن سَرّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا»، فنظرتُ، فإذا العبّاس وعليّ بن أبي طالب(3) !!
وأمّا عمرو بن العاص، فروى عنه الحديث الذي أخرجه البخاريّ ومسلم في صحيحيهما مسنداً متّصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول:
____________________
(1) سيرة ابن إسحاق 222.
(2) نفسه 4: 63 - 64.
(3) نفسه 64.
«إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنّما ولييَّ الله وصالح المؤمنين»(1) .
الإمام الباقرعليهالسلام يحدّث عن محنة أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم.
وقبل ذكر مفتريات صاحب الهرّة! نذكر قول الإمام محمّد الباقرعليهالسلام لنقف على محنة أهل بيت النبوّةعليهمالسلام ، ومحنة أوليائهم وشيعتهم معهم، بعد شهادة أمير المؤمنينعليهالسلام ، من تصفياتٍ وقتلٍ ومصادرةِ أموال ومحاربةٍ فكريّة ...
قالعليهالسلام لبعض أصحابه: ما لقينا من ظلم قريش حتّى أخرجت الأمر عن معْدِنه، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا. ثمّ تداولتها قريش، واحدٌ بعد واحد، حتّى رجعت إلينا، فنكثت بيعَتنا، ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحبُ الأمر في صعود كئود، حتّى قُتل، فبُويع الحسن ابنُه وعُوهد ثمّ غُدرَ به «ثمّ تكلّم عن محنة الإمامين الحسن والحسينعليهماالسلام ، وكيف كان حال شيعة أهل البيتعليهمالسلام ، من اقصاءٍ وامتهان وحرمان وقتل، لا يأمنون على دمائهم».
قال: ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وأولياء السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، وروَوْا عنّا ما لم نقله وما لم نفعلْه، ليبغّضونا إلى النّاس، وكان عُظْمُ ذلك وكُبره زمنَ معاوية بعد موت الحسنعليهالسلام ، فقُتِلتْ شيعتُنا بكلّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظِّنّة، وكان مَنْ يُذكر بحبِّنا والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب مالُه، أو هُدِمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد! إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسينعليهالسلام ، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قِتْلة، وأخذهم
____________________
(1) نفسه.
بكلّ ظِنّة وتهمة، حتّى أنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبُّ إليه من أن قال له: شيعة عليّ، وحتّى صار الرّجل الذي يُذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سَلَفَ من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنّها حقٌّ لكثرة مَن قد رَواها ممّن لم يُعرف بكذبٍ ولا بقلّة ورع(1) .
من هنا تعرف عظم السوء الذي ألحقه الأوائل من أصحاب «الأريكة» بالسيرة، ثمّ عَدوا على القرآن الكريم فهتكوا حرمته، ممهّدين لبني أُميّة وعظيمهم معاوية، فينهجوا منهج السَّلَف في شأن السيرة ويزيدوا عليها بالتصريح ما أبطنه السَّلَف من دواعي محاربة الحديث؛ فيعلنوا صراحةً أنّه بُغض أهل البيتعليهمالسلام وحسدهم ومحاولة طمس حقّهم، وقد مرّ بنا كتاب معاوية إلى عمّاله يدعوهم إلى الرواية واختلاق الفضائل في حقّ الثلاثة! مع اختلاق أحاديث ذمّ شديدة بشأن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام تصل حدّ كفره وأنّه رجل من أهل النّار!! ثمّ سيرة معاوية وبني أُميّة في إعلان البراءة من نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليّ بن أبي طالب، عقب كلّ صلاة، وتتبّعه وعمّاله لشيعة أهل البيت قتلاً ونهباً وعلى ذلك سار الحاكمون من بني أُميّة وولاتهم، إلاّ ما كان من «عمر بن عبد العزيز» لما أراد الله تعالى به من خير، إذ أبطلَ سنّة الكفر التي سنّها معاوية في لعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام والبراءة منه؛ وأحسن السيرة مع بني هاشم؛ ولذلك قصّة:
قال عمر بن عبد العزيز: كنتُ غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عُتبة بن
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 11: 43 - 44.
مسعود، فمرّ بي يوماً وأنا ألعب مع الصبيان، ونحنُ نلعنُ عليّاً! فكرِه ذلك ودخل المسجد، فتركتُ الصبيان ودخلتُ المسجد لأدرس عليه ورْدي، فلمّا رآني قام فصلّى وأطالَ في الصلاة، شِبه المعرِض عنّي، حتّى أحسستُ ذلك منه، فلمّا انفتل من صلاته كَلَح في وجهي، فقلتُ له: ما بالُ الشيخ؟ فقال لي: يا بنيّ، أنت اللاعن عليّاً منذ اليوم! قلت: نعم، قال: فمنذ متى علمتَ أنّ الله سخِطَ على أهل بَدْر بعد أن رضِيَ عنهم! فقلتُ: يا أنتِ، وهل كان عليّ من أهل بَدْر؟ فقال: ويحك! وهل كانت بَدْر كلّها إلاّ له؟! فقلت: لا أعود، فقال: الله أنّك لا تعود! قلت ك نعم. فلم ألعنه بعدها. ثمّ كنتُ أحضر تحت مِنْبر المدينة، وأبي يخطب يوم الجمعة، وهو حينئذ أمير المدينة، فكنت أسمع أبي يمرّ في خُطَبِه تهدرُ شقاشقه، حتّى يأتي إلى لعن عليّعليهالسلام فيجمْجِمُ(1) ، ويعرض له من الفَهاهة(2) والحَصَر(3) ما الله عالم به، فكنتُ أعجبُ من ذلك، فقلتُ له يوماً: يا أبتِ، أنت أفصحُ الناس وأخطبهم، فما بالي أراك أفْصحَ خطيب يوم حَفْلِك، حتّى إذا مررت بلعْنِ هذا الرجل، صِرتَ ألكن عَيِيّاً(4) ؟! فقال: يا بنيّ، إنّ مَن ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك ما تبعنا منهم أحد. فوَقَرتْ(5) كلمتُه في
____________________
(1) تجمجم الكلام: لم يبيّنه، وتجمجم عن الأمر، أي لم يُقدِم عليه.
(2) الفهاهة: الوهن والنسيان والغفلة والسقطة.
(3) الحَصَر: الضيق والعيي في المنطق.
(4) ألكن: ثقيل اللسان، ومن في لسانه عُجمة. وعَييا: عاجزاً.
(5) وقرت: استقرّت وثبتت.
صدري، مع ما كان لي معلّمي أيّام صِغَري، فأعطيتُ الله عهداً، لئن كان في هذا الأمر نصيب لأغيِّرنّه، فلمّا منّ الله عليَّ بالخلافة أسقطتُ ذلك، وجعلتُ مكانه:( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ ) (1) ، وكتبتُ به إلى الآفاق فصار سنّة(2) .
وقال كثِّير بن عبد الرحمان يمدح عمر بن عبد العزيز ويذكر قطعه السبّ:
وَلِيتَ فلم تشتمْ عليّاً ولم تُخِفْ |
بَرِيّاً ولم تقبلْ إساءَةَ مُجرِم(3) |
|
وكفَّرت بالعفو الذنوب مع الذي |
أتيتَ فأضحى راضياً كلّ مسلم |
|
ألاَ إنّما يكفي الفتى بعد زيغه |
من الأَوَدِ الباقي ثِقَافُ المـُقَوِّم |
|
وما زلتَ تَوّاقاً إلى كلِّ غايةٍ |
بلغت بها أعْلى العَلاء المـُقَدَّمِ(4) |
|
فلمّا أتاك الأمرُ عَفْواً ولم يكنْ |
لطالبِ دنيا بَعْدَهُ مِنْ تَكَلُّمِ |
|
تركتَ الذي يَفْنَى لَأَنْ كانض بائداً |
وآثرتَ ما يَبْقى برأيٍ مصمّمٍ(5) ،(6) |
وفيها أبيات يتكلّم فيها عن إقبال الدنيا على عمر بن عبد العزيز من خلال المـُلك؛ إلاّ إنّه زهد بها ولم ينخدع، من ذلك:
____________________
(1) النحل: 90.
(2) شرح نهج البلاغة 4: 58 - 59.
(3) في الأغاني 9: 258: ولم تتبع مقالة مجرم.
(4) في الأغاني: وما زلت سَبّاقاً إلى غايةٍ صَعِدتَ بها أعلى البناء المقدَّم.
(5) في الأغاني: تركتَ الذي يَفْنَى وإن كان مُونِقاً وآثرتَ ما يَبْقى برأىٍ مصمّمٍ.
(6) شرح نهج البلاغة 4: 59 - 60، الأغاني 9: 258.
فأعرضتَ عنها مشمئزّاً كأنّما |
سقتك مَدُوفاً من سِمامٍ وعَلْقَمِ |
|
وقد كنتَ من أجبالها في مُمَنَّعِ |
ومن بحرها في مُزْبِد الموج مُفْعَمِ(1) |
والشعر أطول ممّا ذكرنا، اكتفينا بما أوردناه حجّة على الخصم.
أبو هريرة
واحدٌ من زمرة معاوية ممّن أوكل إليهم وظيفة تقليب الحديث ووضعه مقابل ما جعلَ لهم من عطاءٍ اشترى به بقيّة دينهم!
فقد ذكر الإسكافي رواية عن الأعمش، قال: لمّا قدم أبو هريرة مع معاوية عامَ الجماعة - بعد الصلح بين معاوية والإمام الحسنعليهالسلام -، جاء إلى المسجد الكوفة، فلمّا رأى كثرة من استقبله من الناس جَثَا على ركبتيه، ثمّ ضربَ صَلْعته مراراً، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أنّي أكذي على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار! والله لقد سمعتُ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول: «إنّ لكلّ نبيٍّ حَرَماً، وإنّ حَرَمي بالمدينة، ما بين عَيْر إلى ثور، فمَن أحدثَ فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، وأشهد بالله أنّ عليّاً أحدث فيها، فلمّا بلغ معاويةَ قولُه أجازه وأكرمه وولاّه إمارة المدينة.
قلت - والقول لابن أبي الحديد -: أمّا قوله «ما بين عَيْر إلى ثَوْر» فالظاهر أنّه غلط من الراوي، لأنّ ثوراً بمكّة وهو جبل يقال له: ثَوْر أطحل، وفيه الغار
____________________
(1) الأغاني.
الذي دخله النبيّصلىاللهعليهوآله وأبو بكر؛ وإنّما قيل أطحل لأنّ أطحل بن عبد مناف بن أدّ بن عدنان كان يسكنه، وقيل اسم الجبل أطْحَل، فأضيف «ثور» إليه والصواب: «ما ين عَيْر إلى أحد»(1) .
وزاد في معجم البلدان في القول: إلى - التي ذكرها أبو هريرة عير إلى ثور - بمعنى مع، كأنّه جعل المدينة مضافة إلى مكّة في التحريم(2) .
فأمّا قول أبي هريرة: «إنّ عليّاًعليهالسلام أحدثَ في المدينة» فحاشَ لله! كانعليهالسلام أتقى لله من ذلك؛ والله لقد نصر عثمان نصراً لو كان المحصورُ جعفر بن أبي طالب لم يبذُلْ إلاّ مثله(3) .
قال أبو جعفر - الإسكافيّ -: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضيّ الرواية، ضربه عمر بالدِّرة، وقال: قد أكثرتَ من الرواية وأحْر بك أن تكون كاذباً على رسول اللهصلىاللهعليهوآله (4) .
وروى سفيان الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيم التيميّ، قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلاّ ما كان من ذِكْر جنّة أو نار(5) .
وروى أبو أسامة عن الأعمش، قال: كان إبراهيمُ صحيحَ الحديث، فكنتُ
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 4: 67، معجم البلدان 2: 86 - 87.
(2) معجم البلدان 2: 87.
(3) شرح نهج البلاغة 4: 67.
(4) نفسه 68.
(5) شرح نهج البلاغة 4: 67.
إذا سمعتُ الحديث أتيتُه فعرضتُه عليه، فأتيتُه يوماً بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، إنّهم كانوا يتركون كثيراً من حديثه(1) .
وقد روي عن عليّعليهالسلام أنّه قال: ألاَ أنّ أكذبَ الناس على رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبو هريرة الدَّوْسيّ(2) .
وروى أبو يوسف، قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجيء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ يخالف قياسنا ما نصنع به؟ قال: إذا جاءت به الرواة الثقاتُ عمِلنا به وتركنا الرأي، فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ فقال: ناهيك بهما! فقلت: عليّ و عثمان؟ قال: كذلك، فلمّا رآني أعُدّ الصحابة قال: والصحابة كلّهم عدول ما عدا رجالاً، ثمّ عدّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك(3) .
وروى سفيان الثوريّ، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن عمر بن عبد الغفار، أنّ أبا هريرة لمّا قدِم الكوفة مع معاوية، كان يجلس العشِيّات بباب كِنْدة، ويجلس الناس إليه، فجاء شابٌّ من الكوفة، فجلس إليه، فقال: يا أبا هريرة، أنشُدُك الله، أسمعتَ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول لعليّ بن أبي طالب: «اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه»؟! فقال: اللّهمّ نعم؛ قال: فأشهد بالله ن لقد واليتَ عدوّه، وعاديت
____________________
(1) نفسه.
(2) نفسه.
(3) نفسه.
وليّه! ثمّ قام عنه(1) .
وروى أنّ عمرو بن ثابت، كان عثمانيّاً، من أعداء أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ومبغضيه.
روى أنّه كان يركب ويدور القرى بالشام ويجمع أهلها، ويقول: أيّها الناس، إنّ عليّاً كان رجلاً منافقاً؛ أراد أن يبْخس برسول اللهصلىاللهعليهوآله ليلة العقبة، فالعنوه، فيلعنه أهلُ تلك القرية؛ ثمّ يسير إلى القرية الأخرى، فيأمرهم بمثل ذلك. وكان في أيّام معاوية(2) . فما أحرى هؤلاء أن يكونوا مصداق قول أميرالمؤمنينعليهالسلام : روى حمّاد بن صالح، عن أيّوب، عن كهمس؛ أنّ عليّاًعليهالسلام قال: يهلِك فيَّ ثلاثة: اللاعن والمستمع المقرّ ن وحامل الوِزْر، وهو الملك المـُترَف، الذي يُتَقَرَّب إليه بلعنتي، ويُبرأ عنده من ديني، ويُنتقص عنده حسبي؛ وإنمّا حَسَبي حَسَبُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وديني دينه. وينجو فيَّ ثلاثة: مَن أحبّني، ومَن أحبّ محبّي، ومَن عادى عدوّي؛ فمَنْ أُشرِب قلبُه بُغضي أو ألّب على بُغضي؛ أو انتقصني؛ فليعلم أنّ الله عدوّه وخصمه؛ واللهُ عدوٌّ للكافرين(3) .
فأين مستقرّ كلّ مَن عادى وألّب وحارب وزَوي حقّ أميرالمؤمنينعليهالسلام وكذب على الله ورسوله بوضع الحديث واختلاقه، وأيّ حديث مفترى؟! إنّه تنقيص وسبّ لنفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله بصريح القرآن الذي هو عِدْلُه وليّ أمير
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 4: 67.
(2) نفسه 23.
(3) نفسه 105.
المسلمين بعد الله تعالى ورسوله بنصّ القرآن وبيعة الغدير وغير ذلك سيّد العرب وأبو سبطي سيّد البشر اللّذين هما سيّدا شباب أهل الجنّة، وزوج سيّدة نساء العالمين التي ردّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله رجالات كانوا يعدّون أنفسهم سادة فقال لهم: إنّ زواجها بيد الله؛ فزوّجها عليّاًعليهالسلام صاحب الفتوحات حتّى هتف ملك السماء باسمه مرّتين: يوم بدر، وأُحد ...
ومن ثَمَّ هو رسول اللهصلىاللهعليهوآله من شجرة واحدة والناس من أشجار شتّى؛ فهما في الذروة إذ عُدّ النسب؛ فبأيّ وجهٍ يُقدح أبو الحسنين؟!
أيّهم أولى بالنقيصة وعذاب الخُلد؟؛ روى صاحب كتاب «الغارات» عن الأعمش، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «سيظهر على الناس رجل من أُمّتي، عظيم السُّرم، واسع البُلعوم، يأكل ولا يشبع، يحمل وِزْر الثَّقَلين، يطلب الإمارة يوماً، فإذا أدركتموه فابقروا بطنَه، قال: وكان في يد رسول اللهصلىاللهعليهوآله قضيب، قد وضع طرفه في بطن معاويه»(1) .
عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبد الله بن سلمة، عن عليّعليهالسلام ، قال: رأيتُ الليلة رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله ، فشكوت إليه، فقال: هذه جهنّم فانظر مَن فيها، فإذا معاوية وعمرو بن العاص معلّقين بأرجلهما منكّسين، تُرْضَخ رؤوسهما بالحجارة(2) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة 4: 108.
(2) نفسه 109.
سَمُرة بن جُنْدَب
لم أجد له ذكراً حميداً في كتب الرجال، بل إنّ بعضها أهملت ذكره فلم تُترجم له بشيء مثل: تاريخ الثقات للعجليّ، وتاريخ ابن معين ومَن ذكره؛ فقد ذكره بسوء.
وكان سَمُرة من شرطة زياد بن أبيه؛ روى عبد الملك بن حكيم عن الحسن، قال: جاء رجلٌ من أهل خُراسان إلى البصرة، فترك مالاً كان معه في بيت المال، وأخذ براءة، ثمّ دخل المسجد فصلّى ركعتين، فأخذه سَمُرة بن جُنْدَب، واتّهمه برأي الخوارج، فقدّمه فضرب عنقه! وهو يومئذٍ على شُرْطة زياد، فنظروا فيما معه فإذا البراءة بخطّ بيت المال، فقال أبو بَكْرة: يا سَمُرة، أما سمِعتَ الله تعالى يقول:( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى ) (1) ! فقال: أخوك أمرني بذلك(2) .
بئس الأمير والمأمور! ولكن النصّ يدلّ على أنّ سَمُرة قد أخذ الرجل واتّهمه برأي الخوارج، من غير ذكر لزياد! فلعلّ الطمع بمالِ الرجل المسكين هو سبب ذلك؟!
وروى الأعمش، عن أبي صالح، قال: قيل لنا: قد قدِم رجل من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأتيناه فإذا هو سَمُرة بن جُنْدَب، وإذا عند إحدى رجليه خَمْر، وعند الأخرى ثَلْج! فقلنا: ما هذا؟ قالوا: به النِّقْرس؛ وإذا قومٌ أتوه فقالوا: يا
____________________
(1) الأعلى: 14، 15.
(2) شرح نهج البلاغة 4: 77.
سَمُرة: ما تقول لربِّك غداً؟ تُؤتى بالرجل فيُقال لك: هو من الخوارج فتأمر بقتلِه، ثمّ تُؤْتى بآخر فيقال لك: ليسَ الذي قتلته بخارجيّ، ذاك فتى وجدناه ماضياً في حاجته، فشبّه علينا، وإنّما الخارجيّ هذا، فتأمر بقتل الثاني! فقال سَمُرة: وأي بأس في ذلك؟! إن كان من أهل الجنّة مضى إلى الجنّة؛ وإن كان من أهل النار مضى إلى النار(1) !
وروى واصل مولى أبي عيينة، عن جعفر بن محمّد بن عليّعليهالسلام عن آبائه، قال: كان لسمُرة بن جُنْدَب نخلٌ في بستان رجل من الأنصار، فكان يؤذيه، فشكا ذلك الأنصاريّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فبعث إلى سَمُرة، فدعاه فقال له: بع نخلك من هذا وخذ ثمنه، قال: لا أفعل؛ قال: فخذ نخلاً مكان نخلك، قال: لا أفعل؛ قال فاشترِ منه بستانه، قال لا أفعل؛ قال: فاترك لي هذا النخل ولك الجنّة، قال: لا أفعل؛ فقالصلىاللهعليهوآله للأنصاريّ: «اذهب فاقطع نخله، فإنّه لا حقّ له فيه»(2) .
وروى شريك قال: أخبرنا عبد الله بن سعد عن حُجْر بن عَديّ، قال: قدمتُ المدينة فجلستُ إلى أبي هريرة، فقال: ممَن أنت؟ قلتُ: من أهل البصرة، قال: ما فعل سَمُرة بن جُنْدب؟ قلت: هو حيّ، قال: ما أحدٌ أحبُّ إليَّ طول حياة منه. قلت: ولم ذاك؟ قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال لي وله ولحذيفة بن اليمان: «آخركم موتاً في النّار»، فسبَقَنا حذيفة؛ وأنا الآن أتمنّى أن أسبِقَه؛ قال: فبقى سَمُرة بن
____________________
(1) نفسه 77 - 78.
(2) شرح نهج البلاغة 4: 78.
جُنْدب حتّى شهد مقتل الحسينعليهالسلام (1) .
وروى أحمد بن بشير عن مسعر بن كدام، قال: كان سَمُرة بن جندب أيّام مسير الحسينعليهالسلام إلى الكوفة على شُرطة عبيد الله بن زياد، وكان يحرِّض النّاس على الخروج إلى الحسينعليهالسلام وقتاله(2) .
وكانت وفاتُه بالبصرة سنة ثمان وخمسين، وقيل: إنّه مات في آخر أيّام معاوية، آخر سنة تسع وخمسين أو أوّل سنة ستّين سقط في قدرٍ مملوءةٍ ماءً حارّاً كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد أصابه فسقط في القدر فمات فكان ذلك تصديقاً لقولِ رسول اللهصلىاللهعليهوآله له ولأبي هريرة، وثالث معهما «آخركم موتاً في النّار»(3) .
هذه هي سيرة الصحابيّ - كذا! - سَمُرة بن جنْدب: جنديّ مأمور في جيش معاوية، مبتذَل خسيس يُباع ويُشترى بدراهم معدودات! قد خسر الدنيا والآخرة، في الدنيا كزاز، فماء مغليّ، فعذاب البرزخ، فيوم المحشر؛ فأين المفرّ؟! أم تناله شفاعة ابن هند، وابن سُميّة، وابن مرجانة؛ فتمنعه من سقر؟ ثمّ أين حقوق الأبرياء الذين غصبهم أموالهم وقطع رؤوسهم؛ وما مصير شهادته الزور بحقّ أميرالمؤمنينعليهالسلام ؛ وتحريفه للقرآن مقابل دراهم ابن هند؟! وماذا عن تحريضه وحربه لسيّد شباب أهل الجنّة الإمام السبط الحسينعليهالسلام ، الذي حربُه
____________________
(1) نفسه.
(2) نفسه 78 - 79.
(3) تهذيب الكمال 12: 123.
حربٌ لرسولِ اللهصلىاللهعليهوآله ؛ بسندٍ عن السدّيّ عن صبيح مولى أُمّ سَلَمة، عن زيد بن أرقم: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسينعليهمالسلام : «أنا حربٌ لمـَنْ حاربكم، سِلمٌ لِمَن سالمكم»(1) .
وعن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: أبصرَ النبيُّصلىاللهعليهوآله عليّاً وحسناً وحسيناً، فقال: «أنا حربٌ لِمَن حاربتم، سِلمٌ لِمَن سالمتم»(2) . وإنّ معاوية حارب عليّاً أميرَ المؤمنين في سوح القتال بصفّين كما حاربه فكراً بالاجتراء على السنّة الشريفة من خلال وضع أحاديث في تنقيص شخصهعليهالسلام - ويأبى الله! - وأعدّ لذلك رجالاً ضعاف النفوس اشترى ذممهم كما مرّ بنا. ولم يسلم القرآن الكريم من هذه المحاولات الدنيئة، فلمّا عجز عن تحريف نصّه وقد كفاه سَلَفه بالمزاعم التي أشرنا إليها في القراءات الشاذّة! ومزاعم سقوط آيات بل سورة ...، اكتفى هو بتفسير القرآن الكريم بغير ما أراد الله تعالى، كما وجدنا في قصّة البائس المحترق في الدنيا قبل الآخرة: سَمُرة بن جُنْدب...
____________________
(1) المـُعجم الصغير، للطبرانيّ 2: 3، صحيح الترمذي 2: 319، المستدرك على الصحيحين 3: 149، مسند أحمد بن حنبل 2: 442، تاريخ بغداد 7: 126، سنن ابن ماجة 2: 14، ذخائر العُقبى 25، الرياض النضرة 2: 199، الصواعق المحرقة 112، كنز العمّال 6: 216، مجمع الزوائد 9: 169، الكامل، لابن عدي 2/147، مسند الحَميدي ح 58، المصنّف، لابن أبي شيبة 7/505/64، صحيح مسلم 2: 64، تفسير الطبريّ 30: 171، أنساب الأشراف 1: 383.
(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 442، تاريخ بغداد 7: 137، المستدرك على الصحيحين 3: 149، البداية والنهاية 8: 205، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ 64، كفاية الطّالب 231، ينابيع المودّة 261، مسند أبي يعلى 1/251: 291، شرح السنة، للبغوي 14/14: 3909.
فلم تذق دمشق آنذاك حلاوة الإيمان رغم وجود عدد من الصحابة الأسبق إسلاماً، والأعمق إيماناً والأكثر وعياً للإسلام وأشدّ حماساً له؛ فإنّ قيوداً تحدّ من حركتهم وتشلّ نشاطهم التربويّ والتعليميّ والتوعويّ هناك؛ منها ما يعود إلى الوالي - وذلك قبل أن يتفرّد بالأريكة والملوكيّة - نفسه الذي لا يسمح بنشر ما يخالف سياسته ولو كان ذلك نصوصاً من القرآن الكريم والسنّة المطهّرة! ومن الأدلّة على ذلك قصّته مع الصحابيّ الجليل خامس الإسلام صادق اللهجة أبي ذرّ الغفاريّ، وتسييره من الشام إلى المدينة، ثمّ يُنفى من هناك إلى صحراء الرَّبَذة ليموت هناك وحيداً في أرضٍ لا يسكنها بشر غيره.
ومن تلك القيود ما كان مصدره عاصمة الخلافة، فحين كانت العاصمة توجّه الصحابة إلى الأمصار، كان يُؤخذ عليهم العهود والمواثيق ألاّ يحدّثوا بشيءٍ من حديث النبيّصلىاللهعليهوآله . وقد تحدّثنا عن هذه المسألة بتوسّع فيما مضى.
فكان للعامل الثاني أثر كبير في تمادي معاوية في طُغيانه وبلغت به الجرأة وهو الوالي المطلق على الشام أن يترك تجارة الخمر حرّةً ولم يكن في أهلها مَن يُنكر عليه! ولا حتّى من بعضِ مَنْ يدّعون صحابة ممّن حوله؛ ولذا عُدّ فعل الصحابيّ البَدْريّ العقبيّ النقيب عُبادة بن الصامت شاذّاً، لينال جزاءه من عاصمة الخلافة، ذلك أنّهرضياللهعنه كان في الشام فمرّت قِطارةٌ من الإبل تحمل خمراً، فقال: ما هذه، أزيتٌ؟ قيل: لا، بل خمرٌ يُباع لمعاوية! فأخذ شفرةً من السوق، فقام إليها وأراق ما فيها.
فأرسل معاوية إلى أبي هريرة، وكان هناك، فقال له: ألا تُمسك عنّا أخاك
عُبادة! فأتاه أبو هريرة فقال: يا عُبادة، ما لَكَ ولمعاوية! ذَرْهُ وما حُمّل.
فقال عُبادة: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطّاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المـُنكر، وألاّ يأخذنا في الله لومة لائم، فسكت أبو هريرة. فكتب معاوية إلى عثمان بن عفّان: أنّ عُبادة بن الصامت قد أفسد عليَّ الشام!
فكان قرار العاصمة على الأثر بإجلاء عُبادة من دمشق إلى المدينة، حفاظاً على (صلاح الشام)(1) !
وهكذا كلّما ظهر مَن يُنكر فساد والي الشام، هرع الوالي حفاظاً على ولايته وإبقاءً لرعيّته على الصورة التي شرحها وزيره عمرو بن العاص - مرّ بنا - ليتمكن من التسلّط عليهم وإدارتهم كيف شاء! وبالحالة التي تيسّر له الخروج على الإمام الحقّ المفترض الطّاعة الذي عُقدت له البيعة، فلا مانع من ذلك، وليسلك أيّ سبيل يفي له بالمقصد، فليس في مَن حوله مَن يعرف أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآله التي عدّت الخروج على الإمام العادل كفراً وخروجاً عن الإسلام، وليس فيهم مَن يعرف مَن هو عليّ بن أبي طالب فيتردّد في الخروج عليه.
فمن كلام معاوية حين قدم من الشام إلى المدينة وكانت مضطربةً على عثمان، مخاطباً عمّار بن ياسر في مجلسٍ ضمّ جمعاً من الصحابة قال: يا عمّار، إنّ بالشام مائة ألف فارس كلٌّ يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعُبدانهم، لا يعرفون عليّاً ولا قرابته، ولا عمّاراً ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحبته، ولا
____________________
(1) الرياض النضرة 3: 84، سير أعلام النبلاء 2: 9 - 10.
طلحة ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوفٍ ولا ماله، ولا يتّقون سعداً ولا دعوته(1) .
هذا كلّه وهو ما زال والياً فكيف حال الشام وبعد الذي كان من صفّين وما بعدها وما رافق ذلك من حملات التضليل وقلب الحقائق زادت في بُعد مسلمي الشام آنذاك عن هدى القرآن والسنّة «فنشأوا على النَّصب»(2) - وقد ذكرنا أنّ مراكز النّصب ثلاثة منها الشام، والبصرة، ومرو - لا يعرفون إلاّ معاوية رمزاً للإسلام! وأنّ الباطل والضَّلال في خلافه.
وازداد الأمر ظُلمةً بعد معاوية، فالحاكم الجديد يزيد بن معاوية أشدّ بُعداً من الدين وأهدافه وضروراته وأحكامه؛ فبعد كونه ابن معاوية، المولود في الشام، كان قد نشأ وترعرع بين النّصارى مع أُمّه النّصرانيّة ميسون، إذ كان معاوية قد طلّقها بعد ما أسمعته أبياتاً تُفضّل فيها عيش البادية وزوجاً من بني عمّها على عيش القصور معه، تقول في أوّلها:
لَلُبْسُ عباءَةٍ وتَقَرَّ عيني |
أحبّ إليَّ من لبس الشُفوف |
وآخرها:
وخرق من بني عمّي ثقيفٍ |
أحبّ إليَّ من علجٍ عنيف |
من هناك جاء يزيد إلى قصر الحكم، ورغم أنّه عُرف جهاراً بيزيد الخمور واللهو والطيور وملاعبة القرد على «الأريكة» غير أنّه لم يجد من أهل دمشق إلاّ
____________________
(1) الإمامة والسياسة 46.
(2) سير أعلام النبلاء 3: 128 ترجمة معاوية بن أبي سفيان والنَّصْب هو البغض والعداء لعليّ وأهل البيتعليهمالسلام .
السمع والطّاعة في الخروج لقتال ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، سيّد شباب أهل الجنّة، ذكر ابن أعثم أنّ عدد تجاوز الأربعة آلاف فارساً،(1) وذكر رقماً آخر: عشرون ألفاً. ولمّا عادوا بالرؤوس مرفوعةً على الرماح يتقدّمها رأس السبط الشهيد الحسينعليهالسلام ، خرج أهل دمشق بالزينة يتبادلون التبريك والتهنأة للفتح على ملكهم.
وحينما انتدبهم ابن ميسون للإيقاع بأهل مدينة الرسولصلىاللهعليهوآله وأباحها لهم ثلاث أيّام يفعلون ما يشاؤون، لم يتخلّف أحد، فكانت وقعة الحرّة المنكرة، قتلاً من غير تمييز بين رجل وامرأة، وشيخ وطفل، ونهبوا الأثاث «فهم لُصوص»، ووقعوا على النساء حتّى حبلت ألف امرأة من غير زوج؛ ولم يكن من شفيع لأحد إلاّ أن يشهد على نفسه أنّه عبدٌ قَنّ لأمير يزيد يفعل به ما يشاء!! فإن أبى قُتل ...
وفعلته الثالثة حيث لجأ ابن الزبير إلى بيت الله وسمّى نفسه العائذ، وكان ممكناً لجيش دمشق اليزيدي أن يصبر عليه ويضيّق الخناق حتّى يجبره على الاستسلام، إلاّ أنّ جند الشام هتكوا حرمة بيت الله، فنصبوا المجانيق ورموه بالحجارة والنار فتهدّمت الكعبة واحترقت أستارها وجند الشام يرقصون لفعلهم ذاك.
وآل الأمرُ إلى مروان بن الحكم وبنيه، فلم يكن أحدهم أقلّ نصْباً من سَلَفه، خلا عمر بن عبد العزيز الذي أظهر عدلاً واجتهد في تصحيح المسار، غير
____________________
(1) الفتوح 5: 158.
أنّ مدّة حكمه القصيرة، وعودة السياسة الأمويّة بعده إلى نهجها الأوّل، قد أجهز على تلك الإصلاحات وبدّد آثارها. فعاشت دمشق أُمويّة أكثر من قرنٍ من الزمن، من تولّي معاوية سنة 20 هـ، و 132 هـ سنة مقتل مروان الحمار على أيدي العبّاسيّين، تعاقب عليها أمويّون قد وصفهم ابن كثير في اُرجوزته، فيقول:
وكلّهم قد كان ناصبيّاً |
إلاّ الإمام عمر التقيّا(1) |
فنشأ على أيديهم جيلٌ يصفه أبو سَلَمة الأنصاريّ على لسان صاحب له، قال: كنتُ بالشام، فجعلتُ لا أسمعُ أحداً يُسمّى عليّاً ولا حسناً ولا حُسيناً، وإنّما أسمع: معاوية ويزيد والوليد. فمررتُ برجلٍ جالس على باب داره، فاستسقيتُه، فقال: يا حسَن! اسقِه.
فقلتُ له: أَسْمَيتَ حَسَناً؟
فقال: إي والله، إنّ لي أولاداً أسماؤهم: حسن و حسين وجعفر، فإنّ أهل الشام يُسمّون أولادهم بأسماء خلفاء الله، ولا يزال أحدُنا يلعنُ ولدَه ويشتُمه، وإنّما سمّيتُ أولادي بأسماء أعداء الله، فإن لعنتُ فإنّما ألعنُ أعداء الله(2) !
أيّ ناصبيّة هذه، وأيّ جهل مركّب هو: فهو يخاف إن سمّاهم معاوية الملعون على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ ويزيد الذنوب والخطايا، والوليد المتهتّك المتقيِّىء في محراب الصلاة خمراً، عنده مقدّسون لا يقع عليهم لعن. وأمّا سيّدا شباب أهل الجنّة وولدا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وجعفر الشهيد الذي أبدله الله تعالى
____________________
(1) البداية والنهاية 13: 222.
(2) معجم الأدباء 14: 128، سير أعلام النبلاء 1: 402.
جناحين بعد أن قُطعت يداه دفاعاً عن الإسلام، فهو يطير بهما في الجنّة، فهؤلاء موضع لعن وسُباب؛ متى شاء هذا الشامي أن يشتمهم نادى واحداً من أبنائه فشتمه!!
ودخل دمشق الحافظ النَّسائي في سنة 302 هـ فوجد أهلها مغالين في بني أُميّة، مُفرطين في النَّصْب، فأثاره ذلك فكتب كتاباً في فضائل أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام وأذاعه بينهم، فثاروا عليه يطالبونه أن يكتب نظيره في معاوية، فأجابهم بقوله: لا أجد له فضيلةً إلاّ «لا أشبع اللهُ بطنك»! فضربوه وسحقوه بأقدامهم سحقاً عنيفاً كان سبباً في وفاته.
وقع هذا مع الحافظ الكبير النَّسائي بعد 170 سنةً من سقوط الدولة الأُمويّة!
فدمشق لم تستقم للقيادة العبّاسيّة، بل ظلّت مضطربة عليهم طوال عهدهم، وقامت بها حركات فصلتها عن بغداد العاصمة العبّاسيّة فجاء أحمد بن طولون من مصر ليخمدها فوجد الفرصة مناسبة له لأن يستقلّ بها هو الآخر وينشئ المملكة الطولونيّة في الشام ومصر سنة 266 هـ حتّى أزاحه القرامطة من دمشق سنة 290 هـ، ثمّ هُزموا بعد عامٍ واحد على يد (طغج التركي)، ثمّ انفصلت دمشق مرّة اُخرى على يد (كافور الإخشيدي) العبد الذي حكم مصر و سوريا حكم الجبّارين، وخلفه ابنه أبو الفوارس الغلام ابن الحادية عشرة الذي هُزم سنة 296 هـ على يد (جوهر) القائد الفاطميّ القادم من المغرب لتدخل دمشق تحت الحكم الفاطميّ حتّى سقوطهسنة 567 هـ.
غير أنّ ذلك كلّه لم يغيّر من ولاء دمشق الأُمويّ، فنجد مَنْ يصرّح بأنّ
النَيل من مروان أو بنيه غلوّ في التشيّع!
تلك كانت صورة دمشق. وأمّا تفصيل حالها في العهود اللاّحقة فيأتي خلال الحديث عن سمات عصر ابن تَيمِيه.
وقبل الحديث عن عصر ابن تَيمِيه وسماته، ينبغي لنا أن نتحدّث عن أمرٍ قد وعدنا الكتابة فيه ولو بما يقتضيه الحال، وهو الجبهة المعارضة لجبهة المنع من كتابة الحديث.
الجبهة المعارضة للمنع
وإذا كانت جبهة الرافضة لكتابة السنّة الشريفة محدودة في الأشخاص الذين ذكرناهم، وتمسّك بها رجال الشجرة الملعونة أشدّ التمسّك، بل وزادوا في الأمر أن فتحوا باباً واسعاً للوضع في الحديث؛ فإنّا وجدنا جبهةً أوسع امتازت في جملة من شخوصها بالعصمة والطهارة، وفي جملة بالصدق والثقة والعدالة، هذه الجبهة أجمعت على التدوين من غير التفات إلى دستور المخالفين، وقد ضمّت بل كان في طليعتها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقد نصّ القرآن الكريم على حُسن الاقتداء به، واتّباع أوامره ونواهيه، فقال تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (1) وقال جلّ وعلا:( وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (2) . وجعل طاعة الرسول من طاعة الله تعالى وقَرنَهما في محلٍّ واحد، وأمر المؤمنين بهما،
____________________
(1) الأحزاب: 21.
(2) الحشر: 7.
فقال تعالى:( ... مَن يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ) (1) .
ثمّ جعل ما ينطق به الرسولُ وحياً، وإنْ لم يكن قرآناً، في قوله تبارك اسمُه:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى ) (2) .
وقد قام الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله بأداء المهمّة الرساليّة خَيْرَ قيام، فدعا إلى كلّ ما يرفع من قيمة الإنسان ويسمو به إلى المكارم؛ ومن ذلك الدعوة إلى نبذ الأمّيّة، وإلى تعليم الناس الكتابة والقراءة. وتمثّلت جهوده في هذا الصدد بأشكالٍ منها:
1 - السنّة التقريريّة
كان في عصرهصلىاللهعليهوآله بعض الكتّاب، يُمارسون الكتابة في المدينة، منهم: سَعْد ابن الربيع الخزرجيّ(3) . وبشير بن سعد بن ثعلبة(4) .
وكان النبيّصلىاللهعليهوآله بحاجة ماسّة إلى الكتابة، حيثُ يوجّه رسائل الدعوة إلى الأطراف، ويُراسل الملوك والرؤساء، ويكتب العقود والمعاهدات، فكان من الضروريّ وجود كتّاب مُجيدين لدى حضرته المـُنيفةصلىاللهعليهوآله .
بالإضافة إلى أنّ كتابة القرآن المجيد، كانت تستدعي وجود كتّابٍ مُحسنين.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لم يزاول الكتابة بنفسه - الكتابة
____________________
(1) النساء: 80.
(2) النجم: 3 و 4.
(3) طبقات ابن سعد 3: 522.
(4) نفسه: 531، وتهذيب التهذيب 1: 464.
والقراءة - بشكل ظهر معه إعجازُ القرآن جليّاً وواضحاً حتّى أُطلق عليه «الأُمّيّ» في القرآن(1) وإنْ كان معنى «الأُمّيّة» والمقصود منها في القرآن أمراً مختَلَفاً فيه إلى حدّ بعيد(2) .
علِمنا أنّ وجودَ مَن يمارس الكتابة عندهصلىاللهعليهوآله من أمَسِّ الحاجات.
وبالنسبة إلى الحديث الشريف
عن عبد الله بن عمر قال: كان عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله أُناسٌ من أصحابه، وأنا معهم، وأنا أصغر القوم، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : «مَنْ كَذِبَ عليَّ مُتعمِّداً فَلْيَتبوَّأ مقعدَهُ من النار».
فلمّا خرج القوم قلتُ لهم: كيف تُحدِّثون عن رسول الله، وقد سمِعتُم ما قالَ، وأنتم تَنهمِكونَ في الحديث عن رسول الله؟
قال: فضحِكوا، فقالوا: يا ابنَ أخينا، إنّ كلَّ ما سمِعْنا منه فهو عندنا في كتاب(3) .
فكانوا يكتبون الحديثَ من دون تحرّج، ولو لا معرفتُهم إباحتَه لم يكونوا يفعلون ذلك، مع أنّ جميع ذلك كان بمرأى من الرسولصلىاللهعليهوآله ، ومسمعه، بل كان بعضُها بأمرٍ منه وتوجيهٍ، فسكوتُه عليها، وعدم منعه عنها، يدلُّ على رضاه
____________________
(1) الأعراف: 157 و 158.
(2) لاحظ تفسير القرطبي 13: 1 - 353، وكتاب (محمّد وعليّ، وأبناؤه الأوصياء) للشيخ نجم الدين العسكري، ففيه بحث مشبَع عن ذلك.
(3) الكامل، لابن عديّ 1: 36، تقييد العلم 98 (عن عبد الله بن عمرو).
بعملهم.
وهذا ما يُسمّيه علماء الأُصول «السُنّة التقريريّة».
2 - السُنّة الفعليّة
لقد واجه النبيّصلىاللهعليهوآله موضوع الكتابة بشكل إيجابيّ منذ بداية الإسلام، فقام بأعمال تدلّ بوضوح على رغبته الأكيدة في تعميمها، وقد تناقل أهلُ العلم مواقفَ عديدة له نذكر منها:
- أنّهصلىاللهعليهوآله أدخل الكتابة في قضيّةٍ سياسيّة عسكريّة، حيث جعل فداءَ الأسرى من المشركين، مَن كان يعرفُ منهم الكتابة والقراءة، أن يُعلّمَ كلّ منهم عشَرةً من أولاد المسلمين، فيكون فداؤه ذلك(1) .
روى الماورديّ عن عكرمة أنّه قال: بلغ فِداءُ أهل بَدْرٍ أربعة آلاف، حتّى إنّ الرجل لَيفادي على أنّه يُعلّم الخطّ.
قال الماورديّ: لما هو مستقرٌّ في نفوسهم من عظم خَطَره، وجلالة قَدْره، وظُهور نفعه وأثره.
- وأمرصلىاللهعليهوآله بعضَ صحابته، بتعليم الخطّ في المدينة، منهم عبد الله بن سعيد ابن العاص، وكان كاتباً مُحسِناً.(2)
- وأمر النبيّصلىاللهعليهوآله بعضَ الصحابة بكتابة الأحاديث الشريفة المسموعة منه، أو سائر أخبار المسلمين وحوادث عصر النبوّة، وخاصّة الأحكام الشرعيّة
____________________
(1) طبقات ابن سعد 20: 22.
(2) الاستيعاب 2: 374.
والأقضية الصادرة منهصلىاللهعليهوآله .
- وكذلك أملىصلىاللهعليهوآله على بعض أصحابه ما كتبوه من أحاديثه وأقواله. ويمكن أن يعتبر ذلك النواة الأُولى لكتابة الحديث.
ودلالةُ هذه السنّة على جواز التدوين، وإباحته منذ البداية، أقوى من غيرها:
1 - لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله هوالقائمُ بها، وقد تمّت على يده وتحت إشرافه المباشر.
وهذه أوضح دلالة ممّا تمّ كتابتُه في عصره، وسكوته عليه، وتقريره له.
2 - إنّ السنّة الفعليّة، أقوى دلالةً من القوليّة، لعدم قبولها التأويل، أو التفسير المـُختلَف فيه.
وقد تحقّقت في الأعمال التالية:
1 - صحيفة النبيّصلىاللهعليهوآله التي كانت عند الإمام عليّعليهالسلام والمعروفة عند العامّة بـ «صحيفة عليّعليهالسلام ». قالوا عنها: خبرُ صحيفة عليّعليهالسلام مشهور(1) .
وهي صحيفةٌ صغيرةٌ تشتمل على العَقْل - مقادير الدّيات - وعلى أحكام فكاك الأسير(2) .
وقد وقفنا على روايات عديدة ذكرت نبأ هذه الصحيفة، منها:
* أخرج البخاري، وغيره، عن أبي جُحيفة، قال:
قلتُ لعليّ [عليهالسلام ] هل عندكم كتابٌ؟
____________________
(1) السنّة قبل التدوين، لمحمّد عجاج الخطيب 137 و 345.
(2) منهج النقد 46.
قال: لا، إلاّ كتاب الله، أو فَهْمٌ اُعطيه رجُلٌ، أو ما في هذه.
قال: قلتُ: فما في هذه الصحيفة؟
قال: العَقْلُ، وفِكاك الأسر، وأن لا يُقتل مسلمٌ بكافر(1) .
* وروى أبو حسان الأعرج: أنّ عليّاً كان يأمر بالأمر، فيقالُ: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق اللهُ ورسولُه.
فقيل له: أشيءٌ عَهِده إليك رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
قال: فقال: ما عَهِدَ إليَّ رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله شيئاً خاصّةً دونَ الناس، إلاّ شيئاً سمِعتُه منه في صحيفة في قِراب سيفي. قال: فلمّا نَزَلْ به حتّى أخرج الصحيفة، فإذا فيها: مَنْ أحْدَثَ حَدَثاً أو آوى مُحْدِثاً فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ.
وإذا فيها: إنّ إبراهيم حرّمَ مكّةَ، وإنّي اُحرّم مكّة، وإنّي اُحرّم المدينة ما بين حَرّتَيْها وحِماها، لا يُخْتلى خلاها، ولا يُنَفَّرُ صيدُها، ولا يُلْتَقط لُقَطتُها، إلاّ لِمَن أشادَ بها - يعني مُنشداً - ولا يُقْطَعُ شجرُها، إلاّ أن يَعْلِفَ رجلٌ بعيراً، ولا يُحْمَلُ فيها سلاحٌ لقتال. وإذا فيها: المؤمنونَ يكافأ دماؤُهم، ويسعى بِذمَّتِهم أدناهم، وهم يَدٌ على مَنْ سِواهم، ألا، لا يُقتلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهد في
____________________
(1) صحيح البخاري، باب كتاب العلم من كتاب العلم (1/38) كتاب الديات، باب الديّة على العاقلة (9/13)، سنن ابن ماجة 2/887 ح 2658، جامع بيان العلم 1/71.
عهده(1) .
* وعن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، قال: خَطَبَنا عليّ [عليهالسلام ]، فقال: مَن زَعمَ أنّ عندنا شيئاً نقرؤُه، ليس في كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة - قال: صحيفةٌ معلّقةٌ في سيفه، فيها: أسنان الإبل، وشيءٌ من الجراحات - فقد كذب.
وفيها: قال رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله : «المدينةُ حَرَمٌ، ما بين عَيْر إلى ثور، فمَنْ أحدثَ فيها حدَثاً، أو آوى مُحْدِثاً، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدْلاً، وذمّةُ المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم، فمَنْ أخْفَرَ مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبلُ اللهُ منه صرفاً ولا عدلاً»(2) .
* وعن طارق، قال: رأيت عليّاً [عليهالسلام ] على المنبر، وهو يقول: ما عندنا كتابٌ نقرؤُه عليكم، إلاّ كتاب الله عزّ وجلّ، وهذه الصحيفة. وصحيفةٌ معلّقةٌ في سيفٍ عليه حلقةُ حديد، وبَكْرَاتُه حديدٌ، فيها فرائضُ الصدقة، قد أخذها عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله (3) .
وورد نَبأُ هذه الصحيفة في مؤلّفات أخرى للعامّة.
____________________
(1) دلائل النبوّة، للبيهقيّ 7/228، وأخرجه أبو داود، في المناسك (2/216 ح 4 - 2035). وانظر السنن الكبرى، للبيهقي 8/30، وسنن الدار قطني 343 ومناقب الشافعي، للبيهقي 1: 4.
(2) دلائل النبوّة، للبيهقيّ 7/227 - 228، صحيح البخاري 1/58 باب ذمّة المسلمين 4/12، مسند أحمد 1/81، أبو داود في المناسك 2/216، تقييد العلم 8 - 89، جامع بيان العلم 1/71، إرشاد الساري 1/166، عمدة القاري 1/561، فتح الباري 1/182، و 7/83، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة 2/995، ومسند أحمد (ط شاكر) 2/45/615.
(3) تقييد العلم 89.
لفت نظر: إنّ الرواية الأخيرة تُصرّح بأنّ الإمامعليهالسلام أخذ الصحيفة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وكلمة «عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله » وإنْ كان يحتمل الرواية عنه، لا أخذ الصحيفة عنهصلىاللهعليهوآله ، كما هو ظاهر الروايتين الأولتَيْن. إلاّ أنّ النصوص المتضمّنة لذكر الصحيفة هذه، والمنقولة بطريق أئمّة أهل البيتعليهمالسلام تُصرّح بأنّ تلك الصحيفة كانت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وفي ذؤابة سيفه، وهذه بعض النصوص.
1 - عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقرعليهالسلام ، قال:
وُجِدَ في قائم سيف رسول اللهصلىاللهعليهوآله صحيفة فيها مكتوب: ملعونٌ مَنْ سرَقَ تُخُومَ الأرض، ملعونٌ مَن تولّى غيرُ مواليه، أو قال: ملعونٌ مَن جَحَدَ نعمةَ مَن أنعم عليه(1) .
2 - وعن أبي عبد الله، جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام قال: وُجِد في ذؤابة سيف رسول اللهصلىاللهعليهوآله صحيفةً، فإذا فيها:
«بسم الله الرحمان الرحيم، إنّ أعتى الناس على الله عزّ وجلّ، يومَ القيامة مَن قتلَ غيرَ قاتِله، والضارب غيرَ ضاربه، ومن تولّى غير مَواليه - ومن ادّعى لغير أبيه - فهو كافرٌ بما أنزل اللهُ على محمّد؛ ومَن أحدَثَ حدَثاً أو آوى مُحدثاً لم يَقبل اللهُ عزّ وجلّ منه يومَ القيامة صرفاً ولا عَدْلاً.(2)
3 - وعن أيّوب بن عطيّة الحَذّاء، قال: سمعتُ أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: إنّ
____________________
(1) جامع بيان العلم، للقرطبي 1/71.
(2) الكافي/ح 1.
عليّاًعليهالسلام وجدَ كتاباً في قراب سيف رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، مثل الإصبع، فيه: إنّ أعتى الناس ...
وأورد مثل ما مضى، إلاّ أنّه زاد فيه: ولا يحِلُّ لمسلمٍ أن يشفعَ في حدٍّ(1) .
4 - وروى الدولابي بسنده عن الإمام الباقر عن أبيه عن جدّه قال: وجدتُ في قائم سيف رسول اللهصلىاللهعليهوآله صحيفة مربوطة: أشدّ الناس عذاباً القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومَن جحَدَ نعمة مواليه فقد برئ ممّا أنزل الله عزّ وجلّ(2) .
وهذه النصوص تدلّ على أنّ الصحيفة المحتوية على المطالب المذكورة إنّما كانت لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وفي سيفه.
والنصّ التالي، يدلّ على أنّ الرسولصلىاللهعليهوآله ورّث هذه الصحيفة لعليّعليهالسلام :
5 - في مسند الإمام أبي الحسن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام بسنده عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، قال: ورِثتُ من رسول اللهصلىاللهعليهوآله كتابَيْن: كتابَ الله عزّ وجلّ، وكتاباً في قِراب سيفي.
فقيل: يا أمير المؤمنين، وما الكتابُ الذي في قِراب سيفك؟ قال: مَنْ قتل غيرَ قاتله، أو ضرب غير ضاربه، فعليه لعنةُ الله(3) . ويُصرّح الدكتور أبو شُهْبة بأنّ
____________________
(1) المحاسن، للبرقي - كتاب القرائن - 1/18 ح 49 باب وصايا النبيّصلىاللهعليهوآله .
(2) الذريّة الطاهرة، للدولابي 126 ح 146.
(3) صحيفة الإمام الرضاعليهالسلام ، الحديث (139)، وانظر عيون أخبار الرضاعليهالسلام ، للصدوق 2/40 ح 122.
الصحيفة كانت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأعطاها لعليّعليهالسلام ، خاصّةً(1) .
ولعلّ من هذه الصحيفة ما جاء ذكره عند ابن حزم في الأحكام من أنّ عثمان حمل إليه محمّد بن عليّ بن أبي طالب من عند أبيهعليهالسلام كتاب حكم النبيّصلىاللهعليهوآله في الزكاة!
فقال: أغنها عنّي - عنّا -، فرجع إلى أبيه فقالعليهالسلام : ضع الصحيفة حيث وجدتها(2) .
ونقل آخرون أنّ هذه الصحيفة كانت موجودة عند أبي بكر، أيضاً.(3)
وقال ابن حجر بصدد هذه الصحيفة: والجمع بين هذه الأحاديث أنّ الصحيفة كانت واحدةً، وكان جميع ذلك مكتوباً فيها، ونقل كلّ واحد من الرواة ما حفظه عنها(4) .
والمهمُّ ذكره: أنّ وجود هذه الصحيفة وأخبارها دليلٌ حاسمٌ على جواز كتابة العلم، وخاصّة الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنّ ذلك قد تمّ في حياته، وبعلمٍ وبإشرافٍ تامّ منه، بل كان هوصلىاللهعليهوآله يحافظ على هذه الكتابة في «ذؤابة سيفه».
قال الدكتور رفعت: قد روى البخاريّ حديثاً من أحاديث الصحيفة في
____________________
(1) صحيفة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، جمع وتأليف الدكتور رفعت فوزي 41.
(2) الأحكام، لابن حزم 1: 240 و 253، توجيه النظر، لطاهر الجزائري 16.
(3) فتح الباري 3/318، صحيح البخاري 2/146، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، السنن الكبرى، للبيهقي 4/88، سنن أبي داود 2/97، سنن النَّسائي 5/18 - 23، الفقيه والمتفقّه، للخطيب 1/120 و 135، السنّة قبل التدوين، للدكتور عجّاج 1/345.
(4) فتح الباري 1: 183.
كتاب العلم، وترجم له بـ «باب كتابة العلم» دلالةً على جواز كتابة الحديث، ردّاً على مَن كرِهوا ذلك، وفيه دلالةٌ - كذلك - على أنّ الحديث قد كُتِب - فعلاً - بمرأىً ومسمعٍ من رسول اللهصلىاللهعليهوآله (1) .
ولا بدّ أن تكون هذه الصحيفةُ، غير «كتاب عليّعليهالسلام » الذي سنذكره بعد هذا، فإنّ هذه الصحيفةَ مُختصرةٌ ومُقتصرةٌ على الجُمَل المذكورة، بينما ذلك الكتاب، واسعٌ ومفصّلٌ جدّاً، إلاّ أن يكون هذا جزءاً من ذاك!
واعترف بعضُ العامّة بأنّ هناك خبر صحيفة أُخرى عند أمير المؤمنينعليهالسلام غير تلك الصحيفة(2) .
2 - كتاب الإمام عليّعليهالسلام
انتشر نبأُ هذا الكتاب انتشاراً واسعاً، وأجمع أهل الحديث - خاصّةً - على وجوده، فتناقل خبره علماء المسلمين على اختلافهم.
لكنّ أئمّة أهل البيت الأطهارعليهمالسلام ؛ وهم أدرى بما في البيت؛ أفصحوا عن سَعَة هذا الكتاب واحتوائه على علمٍ كثير، فقالوا: إنّها صحيفةٌ طولُها سبعون ذراعاً، وأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد أملاها على الإمام عليّعليهالسلام ، فكتبها الإمام بخطّه وأنّه «أوّلُ كتاب جُمِع فيه العلم» على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنّ الأئمّة الاثني عشر
____________________
(1) صحيفة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، جمع وتأليف الدكتور رفعت فوزي 41.
(2) انظر: ردّ الدارميّ على بِشْر المـُريسي، واصول الحديث، للخطيب محمّد عجّاج 190، ولاحظ توجيه النظر ن للجزائري 16، عن الأحكام، لابن حزم.
من ذريّتهعليهمالسلام ، يتوارثون ذلك الكتاب(1) وقد وصفوه بكونه كتاباً مدروجاً عظيماً(2) .
واعترف العامّةُ بأهميّته وسَعَته:
فقال بعضُهم - محتمِلاً أن تكون هي الصحيفةُ التي أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله في السنة الأولى للهجرة بكتابتها -: فكانت أشْبَهَ شيءٍ بدستور الدولة الناشئة - آنذاك - في المدينة، وعنوانها «هذا كتاب محمّد النبيّ، رسول الله، بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرِب ومَنْ تَبِعَهم ولَحِق بهم وجاهد معهم: أنّهم أُمّةٌ واحدةٌ، من دون الناس ...». وقد بلَغَ من أمرها أنّها أصبحت تُقْرنُ - وحدَها - بكتاب الله، لتواتُرها وكثرة ما فيها من أحكام الإسلام، وكليّاته الكُبرى(3) .
وقال آخر: إنّه جمع فيها عدّة أحكام(4) .
وقال آخر: إنّ هذه الصحيفة فيها أُمورٌ كثيرةٌ، وموضوعاتٌ متعدّدةٌ(5) .
____________________
(1) انظر عن هذا الكتاب: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للطهراني 2/306 بعنوان (أمالي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ). وأعيان الشيعة 1/330 - 338.
(2) رجال النجاشي 360، الترجمة 966.
(3) علوم الحديث، لصبحي الصالح 30، السنّة قبل التدوين 344، أصول الحديث، للعجّاج 188 - 189، دلائل التوثيق المبكّر 383 - 384؛ بعنوان (دستور المدينة) عن صحيفة همام، الأموال، لأبي عبيد 202، جمهرة رسائل العرب 1: 25، تقييد العلم 72، مسند أحمد 1/79 و 119 و 122 و 271، وغيرها، صحيح البخاري 2/274 و 4/428، صحيح مسلم 2/702، سنن أبي داود 4/252 رقم 453، الترمذي 1/180، النَّسائي 8/23، ابن ماجة 2/145.
(4) الأنوار الكاشفة 37.
(5) عليّ بن أبي طالبعليهالسلام 41.
والأئمّة الأطهارعليهمالسلام الذين ورِثوا هذا الكتاب وكان موجوداً عندهم يرجِعون إليه، أفصحوا عنه بشكلٍ أدق، هذه بعضُ رواياته:
1 - قال الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام : إنّ العلم فينا، ونحنُ أهلُه، وهو عندنا، مجموعٌ عندنا كلُّه بحذافيره، وأنّه لا يحدُثُ شيء إلى يوم القيامة حتّى أرْش الخَدْش إلاّ وهو عندنا مكتوبٌ؛ بإملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وخطّ عليّعليهالسلام بِيدِه(1) .
وكان الكتاب عند الإمام السجّادعليهالسلام . فكان إذا أخذ كتاب «عليّعليهالسلام » قال: «مَن يُطيقُ هذا؟!»(2) . ظاهراً متعجّباً ممّا فيه من قسم العبادات - والله أعلم.
ثمّ كان عند الإمام أبي جعفر، محمد الباقرعليهالسلام :
2 - قال عذافر الصيرفيّ: كنتُ مع الحَكَم بن عُتَيْبة عند الإمام أبي جعفرعليهالسلام ، فجعل يسأله، وكان أبو جعفر له مُكْرِماً، فاختلفا في شيءٍ! فقال أبو جعفر: يا بُنيّ: قُم، فأخرج كتاب عليّ. فأخرج كتاباً عظيماً، وفتحه، وجعل ينظرُ، حتّى أخرج المسألةَ فقال أبو جعفرعليهالسلام : هذا خطّ عليّعليهالسلام ، وإملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وأقبلَ على الحَكَم، وقال: يا أبا محمّد، إذهب أنت وأبو سَلَمة وأبو المِقْدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فو الله لا تجدون العلمـَ، أوْثقَ منه عند قومٍ كان ينزِلُ عليهم جَبرئيلُعليهالسلام (3) .
والروايات كثيرة للغاية مع كثرة مصادرها في وجود كتاب عليّ أمير
____________________
(1) الاحتجاج155، بحار الأنوار 44/100.
(2) الكافي، الروضة 8/163/172.
(3) رجال النجاشي 360 رقم 966.
المؤمنينعليهالسلام وأنّه بخطّه وبإملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله نكتفي بما يلي:
- حدّث أبو دعامة، قال: أتيتُ عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى [الإمام الهاديعليهالسلام ]عائداً في علّته التي كانت وفاته فيها في هذه السنة، فلمّا هممتُ بالانصراف قال لي: يا أبا دعامة، قد وجبَ حقُّك، أفلا أُحدّثك بحديثٍ تسرّ به؟
فقلتُ له: ما أحوجني إلى ذلك يا ابن رسول الله!
قال: حدّثني محمّد بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن موسى، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر، قال: حدّثني أبي جعفر بن محمّد، قال: حدّثني أبي محمّد ابن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسين، قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّ، قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالبعليهمالسلام ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : اُكتبْ يا عليُّ.
فقلت: ما أكتبُ؟ قال: اُكتب: بسم الله الرحمان الرحيم، الإيمانُ ما وقرته القلوب، وصدّقته الأعمال؛ والإسلام ما جرى به اللسان، وحلّتْ به المناكحُ.
قال أبو دعامة: فقلتُ يا ابن رسول الله، ما أدري - والله - أيّهما أحسن؟ الحديث أم الإسناد؟!
فقال: إنّها لَصحيفةٌ بخطّ عليّ بن أبي طالب، بإملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله نتوارثها صاغراً عن كابر(1) .
وأطلق الرواة على هذا الكتاب أسماء منها: «الصحيفة» و «كتاب عليّعليهالسلام » و «الجَفْر» و «الجامعة». ونقلوا عنه في كتبهم كما في: الكافي، وتهذيب الأحكام، وبصائر الدرجات، والإرشاد والاستبصار، والوسائل، والذريعة، ومَن
____________________
(1) مروج الذهب 5: 82 - 83/3079.
لا يحضره الفقيه ...
باب: ما كتبه النبيّصلىاللهعليهوآله إلى عمّاله وغيرهم فيما يتعلّق بأمور الدين:
استدلّ بعضُهم على جواز كتابة الحديث بما وَردَ عن النبيّصلىاللهعليهوآله من كُتبه تلك.
قال الدكتور عتر: هي كُتب كثيرة، تشتمل على مهمّات أحكام الإسلام وعقائده وخُطوطه العريضة، وبيان الأنصبة والمقادير الشرعيّة للزكاة والدّيات والحدود والمحرّمات وغير ذلك(1) .
من ذلك: كتابه إلى عمرو بن حَزْم الأنصاري، عامله على اليمن(2) .
وكتابه إلى وائل بن حجر الحَضْرمي، وقومه، في حَضْرموت(3) .
وكتاب في الزكاة، والدّيات، كان عند أبي بكر(4) .
ونقول: الاستدلال بهذه الكتب، بلحاظ أنّه كان للنبيّصلىاللهعليهوآله إشرافٌ تامٌّ على كتابتها، وإن لم يكن هو المباشر لذلك، لكنّ امتناعه عن الكتابة - لسببٍ؟ - لا يُنافي أن يُنسب ذلك إلى فعلهصلىاللهعليهوآله ، باعتبار تعلّق إرادته بالفعل، وإشرافه عليه، ووقوعه لديه، وتعلّق غرضه به.
____________________
(1) منهج النقد في علوم الحديث 47.
(2) الفقيه والمتفقّه 1/120 و 135، الأموال، لأبي عبيدة 357، تنوير الحوالك، للسيوطي 1/7 - 159.
(3) طبقات ابن سعد 1/278 و 349 و 351.
(4) فتح الباري 3/318، صحيح البخاري، كتاب الزكاة 2/146، السنن الكبرى للبيهقي 4/88، الفقيه والمتفقّه 1/120، السنّة قبل التدوين 345، سنن أبي داود 2/97، سنن النَّسائي 5/18.
وهذا، كما يَكتب الكُتّابُ الرسائل والخطابات لمـَنْ يأمرهم بذلك، فإنّها تُنسب إلى الآمرين، دون الكاتبين، وإن كان هؤلاء هم المباشرين. مع وضوح اختلاف هذه السنّة عن التقرير لما فَعَله الغير، وكذلك عن الأمر بمُطْلق التدوين والكتابة، فلا يكون إلاّ من السنّة العمليّة الفعليّة.
وأخيراً
وفي نهاية المطاف، والرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله مسجًّى على فراش المرض ينتظر الموت الحقّ، إذ طلب ممّن عندَه «قِرطاساً ودواةً» ليكتب لهم «كتاباً» لا يضِلّوا بعدَه أبداً.
وكان طلبُه جِدّيّاً، ومهمّاً، إذ علّق عليه أمراً مهمّاً وهو هداية الأمّة وعدم ضلالتهم إلى الأبد.
فقال عمر: إنّ النبيّ غلبه الوجع! وعندنا كتابُ الله حَسْبُنا. ولا نطيل في الأمر فقد تكلّمنا فيما مضى عنه بما فيه كفاية، وتحدّثنا عنه كدليل على كتابة السنّة من لدنهصلىاللهعليهوآله .
السنّة القوليّة
والمراد بها الأحاديثُ القوليّة، المرفوعة إلى النبيّصلىاللهعليهوآله ، والتي تدلّ على إباحته لكتابة الحديث خاصّة، أو ترغيبه وحثّه على مُطْلق الكتابة، وكذلك ما ورد عنهصلىاللهعليهوآله في ذكر الخَطّ، والقَلَم، والدواة، والكتاب، من أدوات الكتابة، ممّا يدلّ على رغبته التامّة في ذلك، وهي كثيرة جدّاً، وتكفي للدلالة على جواز كتابة
الحديث بطريق أولى.
فإذا كانصلىاللهعليهوآله مُبيحاً للكتابة، ومرغِّباً فيها فالحديثُ أوْلى بأن يُكتَب ويُقَيَّد.
والأحاديثُ الواردةُ مرفوعة عن النبيّصلىاللهعليهوآله في هذا المجال كثيرة.
قال القاضي عياض. قد روي كتابة العلم عن النبيّصلىاللهعليهوآله في أحاديث كثيرة(1) .
وقد ذكرنا من قبل بعض الأحاديث في هذا الشأن؛ ونذكر بعضاً آخر هنا:
- عن أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «اكتبوا هذا العلم»(2) .
وأنت جدّ خبير بقصد النبيّصلىاللهعليهوآله بالعلم الذي ندب إلى كتابته وهو حديثُهصلىاللهعليهوآله لا غير!
- عن رافع بن خديج، قال: مرّ علينا رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله يوماً ونحن نتحدّثُ، فقال: ما تُحدِّثون؟
فقلنا: ما سَمِعنا منك يا رسول الله.
قال: تحدّثوا، وليتبوّأ مقعدَه - من كذِب عليَّ - من جهنّم. ومضى لحاجته، وسكتَ القومُ، فقال: ما شأنهم لا يتحدّثون؟
قالوا: الذي سمعناه منك يا رسولَ الله!
قال: إنّي لم اُرِدْ ذلك، إنّما أردتُ مَن تعمّدَ ذلك، فتحدّثنا قال: قلتُ: يا رسول الله، إنّا نسمع منك أشياء، أفنكتبُها؟!
قال: «اكتُبوا، ولا حَرَج»(1) .
____________________
(1) الإلماع في اُصول السماع 147.
(2) كنز العمّال 10/262 رقم 29389.
- وحديث كتاب أبي شاه من الشهرة في أهميّة كتابة الحديث، ومن شأنه ما رواه أبو هريرة، قال: لما فتح الله على رسوله مكّة، قام في الناس فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: «إنّ الله تبارك وتعالى حبسَ عن مكّةَ الفيل، وسلّط عليها رسولَه والمؤمنين، وإنّها لم تَحِلَّ لأحدٍ كان قبلي، وإنّما اُحِلّتْ لي ساعةً من نهارٍ، وإنّها لن تَحِلَّ لأحدٍ بعدي فلا يُنَفَّرُ صيدُها ولا يختلي شوكُها، ولا تحِلُّ ساقِطُتها إلاّ لمنشدّ، ومَن قُتِل له قتيلٌ فهو بخيرِ النَظيرين: إمّا أن يفدي، وإمّا أن يَقتُلَ».
فقام أبوشاه - رجلٌ من أهل اليمن - فقال: اكتبوا لي، يا رسول الله.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «اكتبوا لأبي شاه»(2) .
وقد اتّفقوا على صحّة هذا الحديث، كما أذعنوا لدلالته على الجواز: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ليس يُروى في كتابه الحديث شيء أصحّ من هذا الحديث، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله قال: «اكتبوا لأبي شاه»(3) .
وقال ابن الصلاح: ومن صحيح حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله الدالّ على جواز ذلك حديث أبي شاه اليمني(4) .
____________________
(1) تقييد العلم 2/73، الكامل، لابن عَدِيّ 1/36، محاسن الاصطلاح 300.
(2) تقييد العلم 86، البخاري 1/40 - 41؛ الباب 36، إرشاد الساري 1/168، عمدة القاري 1/567، فتح الباري 1/184، صحيح الترمذي 5/39 رقم 2667، معالم السُنَن، للخطابي 4/184، الفقيه والمتفقّه 1/91، تيسير الوصول 3/176، جامع بيان العلم 1/70، المحدّث الفاصل 363 رقم 314، الاستيعاب 4/106، أسد الغابة 5/224، منهج النقد 48.
(3) مسند أحمد - ط شاكر - 12/235.
(4) مقدّمة ابن الصلاح 300.
وعن عبد الله بن عَمرو، قال: كنتُ أكتب كلّ شيءٍ أسمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، واُريدُ حِفْظُه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتبُ كلَّ شيءٍ تسمعه من رسول الله، ورسولُ الله بشَرٌ يتكلّمُ في الرضا والغضب؟!
قال: فأمسكتُ، فذكرتُ ذلك لرسول اللهصلىاللهعليهوآله . فقال: «اكتُبْ، فوالذي نفسي بيده ما خرجَ منه إلاّ حقّ» وأشار بيده إلى فيه(1) .
ومن ذلك ما دلّ على الأمر بالكتابة بألفاظ أخرى:
روى الترمذيّ، في صحيحه: كتاب العلم، باب «12» الرخصة في كتابة العلم، سنده عن أبي هريرة، قال: كان رجلٌ من الأنصار يجلس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيسمع من النبيّ الحديث، فيُعجبُه، ولا يحفظُه، فشكا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال: يا رسول الله، إنّي لَأسمعُ منك الحديث فيُعجبُني ولا أحفظُه؟!
فقال رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله : «استعِنْ بيمينك» و أشار بيده إلى الخطّ(2) .
ولقد جعلصلىاللهعليهوآله من حقّ الولد على والده أن يعلّمه الكتابة؛ قالصلىاللهعليهوآله : «من حقّ الوَلَد على الوالد أنْ يُعلِّمَهث الكتابة، وأنْ يُحْسِن اسمه، وأن يُزوّجه إذا بلَغَ»(3) .
وحثّصلىاللهعليهوآله بقرن الكتابة بالصلاة عليه، ولا غرابة بعد أن ذكره الله تعالى في
____________________
(1) تقييد العلم 69، المحدّث الفاصل 365/318، محاسن الاصطلاح 298، تحف العقول 36، المستدرك على الصحيحين 1/5/106، مسند أحمد 2/162.
(2) سنن الترمذي 5/39 رقم 2666، الكامل، لابن عدي 1/36، تقييد العلم 66 - 68، محاسن الاصطلاح 301، العقد الفريد 2/419، فيض القدير، للمناوي 1/491، الفتح الكبير، للسيوطي 1/179.
(3) تاريخ الخطّ، للكرديّ 9، نشأة وتطوّر الكتابة، لفوزي سالم 83.
كتابه المجيد مصرّحاً أنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ! ثم عقّب بأمر المؤمنين أن يُصلّوا عليه ويسلّموا تسليماً.
وعن أبي بكر، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «مَنْ كتبَ عنّي عِلْماً، وكتبَ معه صلاةً عليَّ، لم يزَلْ في أجْرٍ ما قُرِئَ ذلك الكتاب»(1) .
وروى الخوارزميّ مسنداً عن الإمام الصادق عن آبائهعليهمالسلام ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إنّ الله تعالى جعلَ لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا يُحصى عدَدَها غيرُه.
فمَن ذكَرَ فضيلةً من فضائله، مُقرّاً بها، غَفَر اللهُ له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّرَ.
ومَن كتب فضيلةً من فضائل عليّ بن أبي طالب لم تزل الملائكة تستغفرُ له ما بقيَ لتلك الكتابة رسمٌ.
ومَن نظر إلى كتابة في فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر»(2) .
وقد أكّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله على سند الحديث وبيّن علّته، فإنّ فيه صدق الحديث من كذبه، ونجاة الراوي من المساءلة!
أسند الإمام جعفر الصادقعليهالسلام عن آبائهعليهمالسلام ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «إذا كتبتُم الحديث فاكتبوه فإسنادِه، فإنْ يكُ حقّاً كنتم شركاءَ في الأجر، وإن يكُ
____________________
(1) شرف أصحاب الحديث 35 ح 64، الكامل، لابن عَديّ 3/1100، محاسن الاصطلاح 307، تاريخ الخلفاء 73 ح 89، النصّ والاجتهاد 146 - المورد 14 -.
(2) المناقب، للخوارزميّ 2، أمالي الصدوق 119 ح 9، المجلس 28.
باطلاً كان وِرْرُهُ عليه»(1) .
وعن عطاء بن يَسَار، كتب رجل عند النبيّصلىاللهعليهوآله ، فقال له: كتبتَ؟ قال: نعم.
قال: لم تكتُبْ، حتّى تعرض فيصحَّ(2) .
وأمّا ما في القرآن الكريم من ذِكر للصُّحفِ، والكتاب، والكتب فكثير للغاية، فنقتصر على:
السمعاني بسنده عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: «أوّلُ ما خلق اللهُ القلم، ثمّ خلق النُونَ، وهي الدواةُ، قال: وذلك قول الله عزّ وجلّ:( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) (3) .
ثمّ قال: اكتُبْ، قال: وما أكتُبُ؟
قال: اكتبْ مقاديرَ كلّ شيء من عمل، أو أجَل، أو أثَرٍ، أو رِزق.
قال: فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.
قال: ثمّ ختَمَ على في القلم، فلم يَنْطِقْ، ولا ينطقُ إلى يوم القيامة»(4) .
نكتفي بهذا والأحاديث كثيرة في منزلة العلماء حملة الحديث وأنّ مدادهم يرجح دماء الشهداء وغير ذلك ...، لنتحوّل ونوصل الكلام بإجماع أهل
____________________
(1) أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني 4 - 5، ميزان الاعتدال 4/98، محاسن الاصطلاح 301.
(2) محاسن الاصطلاح 310.
(3) القلم: 1.
(4) الكامل، لابن عديّ 6/2273، تاريخ بغداد 12/40، أدب الإملاء والاستملاء 158.
البيتعليهمالسلام على التدوين، لوحدة الموضوع.
إجماع أهل البيتعليهمالسلام على التدوين
أجمع أهلُ البيتعليهمالسلام على إباحة تدوين العلم، ومنه الحديث الشريف، ولم يُعْهَد من أحدٍ منهم منْعٌ عنه، على طول الخَطّ.
ومن المعلوم لدى كافّة المسلمين أنّ إجماع أهل البيتعليهمالسلام حُجّةٌ شرعيّةٌ يجبُ اتّباعها.
أمّا ثبوت الإجماع منهمعليهمالسلام : فمعَ أنّه محسوسٌ بالعَيان، حيث إنّا لم نجد قولاً لأحدٍ منهمعليهمالسلام بالمنع، على كثرة تتبّعنا في المصادر، ومتابعتنا لأقوالهم. فهو ثابت بالنقل والبيان - أيضاً - حيثُ إنّ رواياتهم وأقوالهم متضافرةٌ بالإباحة، وأعمالهم ومؤلّفاتهم متكثّرةٌ مشتهرةٌ.
وأمّا أنّ إجماع أهل البيتعليهمالسلام حُجّةٌ شرعيّةٌ: فلتواترِ الأحاديث المرفوعة الناصّة على أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد نصَبَهم مراجع للأُمّة تلجأ إليهم للخروج من الشُبُهات، وتتمسّك بحبلهم للنجاةِ من الضلال، وقَرَنَهم بالقرآن، وجعلهم وإيّاه، سببين للهداية، وجعل التخلُّفَ عنهما هو الرَدى والغواية.
مثل حديث «الثقلين» عند الشيعة والعامّة، وقد رواه بضع وعشرون صحابيّاً ونذكر بعض الروايات من غير سند، ثمّ نذكر مجموع المصادر المتحصّلة لنا؛ إذ أفضنا في ذكر ذلك في موضوع آخر من بحثنا هذا.
في رواية مسلم في صحيحه: «ألا أيّها الناسُ، فإنّما أنا بشرٌ يُوشَك أن
أُدعى فأُجيب، وإنّي تاركٌ فيكم الثَّقلين وهما كتاب الله فيه الهدى والنور ...، وأهل بيتي أُذكّركم اللهَ في أهل بيتي، قالها ثلاث مرّات».
وفي رواية أحمد، والطبراني: «إنّي تاركٌ فيكم خليفتَيْن: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يتفرّقا حتّى يَرِدا عليَّ الحوض، فانظروا ماذا تخلفوني فيهما». وفي رواية اُخرى للطبرانيّ: «فلا تقدموهما فتهلِكُوا، ولا تُقصِّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلمـُ منكم».
وفيما أورده ابن حجر: «أيّها الناس يوشَك أن أقبضَ قبضاً سريعاً، وقد قدّمتُ إليكم القول معذرةً إليكم، ألا إنّي مخلّفٌ فيكم الثَّقلين كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي أهل بيتي ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: هذا عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتّى يرِدا عليَّ الحوض فأسألُهما: ما أخلفتُم فيهما؟!».
مصادر الحديث - بألفاظه وطُرقه المتعدّدة -: الإسكافي في المعيار والموازنة 35، الطبقات الكبرى لابن سعد 2/194، مسند أحمد بن حنبل 3/14 و 17 و 26 و 59 و 4/366 - 367، و 5/182 و 189 - 190، وفي الفضائل، له بالأرقام 170، 968، و 990 و 1032 و 1382 و 1383 و 1403 والمعجم الكبير، للطبراني 3/62 و 63 و 201، وصحيح مسلم 4/1873/2408، والمعجم الصغير، للطبراني 1: 131 و 135 و 255، وخصائص الإمام عليّ، للنَّسائيّ 96 والمستدرك على الصحيحين 3: 124 و 109 و 148 و 307، والسنن الكبرى؛ للبيهقيّ 2/148
و 7/30 و 10/114، والترمذيّ في صحيحه 5/663/3788، وسنن الدارميّ 2/310، ومشكل الآثار، للطحاوي 2/307، وحلية الأولياء 1/355، وتاريخ بغداد 8/448، وكفاية الطالب ب 1/11، ومجمع الزوائد 9/163، والصواعق المحرقة /75، ومناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي /236، وأسد الغابة 4/279، وفرائد السمطين 1: 76
وأمّا الحديث عند الشيعة من الإماميّة والزيديّة والإسماعيليّة فهو من المسلّمات، إنْ لم تبلغ أسانيدُه الكثيرة حدَّ التواتر، مع أنّه قد صرّحَ بتواتُره كثير.
وتوضيح دلالة الحديث على حُجّيّة إجماع أهل البيتعليهمالسلام يتوقّف على ما يلي:
الأوّل: إنّ الخطاب في الحديث موجّه إلى جميع الأُمّة.
لقولهصلىاللهعليهوآله فيه: «أيّها الناس ...» وقوله: «فيكم» ويعمُّ من كان في عصر النبوّة من المـُشافَهين، ومن يأتي بعدهم، وذلك:
1 - لأنّ الخطابات الشرعيّة والأحكام الدينيّة تعمّهم جميعاً، وذلك ثابت في علم اُصول الفقه.
2 - لأنّ الشريعة الإسلاميّة هي ناسخة الشرائع السماويّة، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله خاتم الأنبياء، فالناس إلى يوم القيامة مكلّفون بما كُلِّف به المـُخاطَبون في عصرهصلىاللهعليهوآله ، وهذا ثَبَتَ في موضعه من علم الكلام.
3 - تصريح الرسولصلىاللهعليهوآله في متن الحديث بعدم افتراق العِتْرة عن الكتاب إلى يوم القيامة، فجميع الناس في هذه المدّة داخلون في تعلُّق غرضهصلىاللهعليهوآله من
كلامه.
الثاني: إنّ الحكم المذكور في الحديث، والمسؤوليّة الملقاة على عاتق الأمّة تجاه الكتاب والعِتْرة أهل البيتعليهالسلام ، إنّما هو حكم إلزاميٌّ واجبٌ، لا يجوز التخلّف عنه، والتقصير فيه، ويحرُم تركُه، وذلك:
1 - وذلك لأنّ الرسولصلىاللهعليهوآله قد رتّب الهداية على اتّباع الكتاب والعِتْرة، ورتّب الضَّلالة والهلاك على مخالفتهما ومفارقتهما. ومن الواضح أنّ طلب الهداية واجبٌ عينيّ على كلّ مسلم، كما إنّ اجتناب الضلالة والابتعاد عنها أمرٌ واجب عينيّ على المسلمين، والمسلمون يطلبون الهدايةَ والابتعادَ عن الضَلالة في كلّ يوم عشر مرّات على أقلّ تقدير - في صلواتهم الخَمْس، في قراءة سورة الفاتحة - وهذا الطلب ليس استحباباً أو تخييراً، بل هو لزوميّ واجب؛ بحكم العقل وضرورة الشرع.
وإذا تمّ ذلك، كان اتّباع أهل البيتعليهمالسلام المؤدّي إلى الهداية والمـُبعد عن الضلالة، بنصّ الحديث الشريف، واجباً إلزاميّاً على الأُمّة، وجوباً عقليّاً، شرعيّاً، كما هو مسلّمٌ عندهم من اتّباع القرآن.
2 - لأنّ الرسولصلىاللهعليهوآله قد جَهدَ في إبلاغ هذا الحديث في ظروف حسّاسة - مكانيّة وزمانيّة - تكشفُ بلا ريب عن أهميّة ما تضمّنه كلامُه، بالإضافة إلى تكرّر ذكره.
فمن حيث المكان، قال ابن حجر: إنّ لحديث التمسّك طُرُقاً كثيرة وردت عن نَيْفٍ وعشرين صحابيّاً، وفي بعض تلك الطُرُق أنّه قال ذلك بعرفة، وفي آخر:
أنّه قال ذلك بغدير خُمّ، وفي آخر: أنّه قال ذلك في المدينة في مرضه وقد امتلأت الحُجرة بأصابه، وفي آخر: أنّه قال لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف.
وأضاف ابن حجر: ولا تنافيَ، إذ لا مانعَ أنّه كرّر عليهم في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بالكتاب العزيز والعِتْرة الطاهرة(1) .
فهل يمكن أن يتصوّر أنّ كلّ ذلك كان لأمر غير ضروريّ ولا واجب على الأُمّة؟!
الثالث: الحديثُ يدلُّ على وجود أهل البيتعليهمالسلام إلى يوم القيامة، مع القرآن، حتّى يرِدا عليه الحوض:
لإخباره بعدم إفتراقهما.
الرابع: يدلّ الحديث على عِصْمة الثقلين المذكورين فيه: أمّا القرآن، فعصمتُه واضحةٌ لأنّه الوحيُ الإلهي الذي( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) (2) .
وأمّا العِتْرة، أهل البيت، فلِمَا يأتي:
1 - لأنّ الرسولصلىاللهعليهوآله أرجع الأُمّة إليها لِلبُعدِ عن الضلالة والنجاة من الهلاك، ومن الواضح أنّ غير المعصوم لا يُؤمَن على مثل هذه المهمّة.
2 - لأنّه جعلهم في الحديث عدلاً للقرآن، ومُؤدِّينَ دَوْرَه، وقائمين بأمره، والقرآن كما قلنا معصوم، فهم كذلك، وإلاّ لم يصحّ أن يجعلهم والقرآن بمنزلةٍ
____________________
(1) الصواعق المحرقة 89.
(2) فُصِّلت: 42.
واحدةٍ.
الخامس: والحديثُ يدلّ على أعلميّة الثقلين من جميع الأمّة: أمّا القرآن، فواضح كذلك، لأنّه الكتاب الذي نزل( تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْءٍ ) (1) وأمّا أهل البيتعليهمالسلام ، فلِما يأتي:
1 - لتصريح الرسولصلىاللهعليهوآله في متن الحديث:
بقوله: «ولا تُعَلّموهم فإِنّهم أعلمُ منكم».
2 - لاقترانهم بالقرآن، الذي عرفنا كونَه الأعلم من الجميع، وكونُهم بديلاً عنه في مهمّة الهداية والبُعْد عن الضلالة.
3 - لإرجاع الأُمّة إليهم، مطلقاً، ولو كانفي الأُمّة مَن هو أعلم من أهلِ البيتعليهمالسلام لَقَبُحَ إرجاعه إليهم.
4 - لقولِهصلىاللهعليهوآله ، في الحديث «ولا تقدموهم فتهلكوا» حيث رتّبَ الهلاكَ على التقدُّم عليهم.
وليس المراد بالتقدُّم عليهم في المكان والمسير، وإنّما المراد بالتقدّم عليهم بالحُكم والرأي والإفتاء والتكلّم في اُمور الدين والشريعة.
وهذا النهي مُطْلَقٌ، وعامٌّ لجميع أفراد الأُمّة، ولو لم يكن أهلُ البيتعليهمالسلام أعلم من غيرهم لم يستحقّوا مثلَ هذا المقام، ولم يحرُم على غيرهم التقدُّم عليهم.
السادس: وأخيراً، مَن هم أهلُ البيتعليهمالسلام ؟
إنّ المراد من أهل البيت المذكورين في الحديث لا بدّ أن يكون معيّناً
____________________
(1) النحل: 89.
ومُشخّصاً، بلا ترديد، وذلك:
1 - لأنّ إرجاع الأُمّة - في أمرٍ مهمٍّ كالهداية - إلى أشخاصٍ غير معيّنين، هو من التكليف بما لا يُطاق، وتعليقٌ على المجهول، وهو أشبهُ بالإغراء بالجَهْل، وذلك كلّه خلاف الحكمة المعهودة في أحكم الناس وأعقل البَشَر، هادي الأُمّة المبعوث رحمة لها، رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
2 - أنّ الجَهْل بالمراد من أهل البيت، يؤدّي إلى قُصور الحديث عن أداء الغرض المنشود منه، وهو منافٍ لأهميّة الغرض المذكور الذي أثبتنا أنّه هو السبب في بذل أكبر الجهود لإبلاغ الحديث، وبالتالي فيكون ذلك كلّه لغواً وعَبَثاً، نَرْبأ بالرسولصلىاللهعليهوآله أن يتصدّى له. فالغرضُ المقصودُ للرسولصلىاللهعليهوآله من جعل الثقلين خليفتين له في الأمّة، هي الهداية والابتعاد عن الضلالة، ومثلُ هذا المقام لا يقبلُ التسامح، والتفريط فيه، فلو وردَ فيه نصٌّ فلابدّ أن يكون واضحاً مضبوطاً، ودقيقاً، لا يدخلُه شكٌّ أو ريبٌ، وإلاّ لانتقض الغَرَض.
3 - جعل أهل البيت، قريناً للقرآن، في نَسَق واحد، بعنوان الثقلين، يدلُّ على أنّهما سواءٌ في المعروفيّة والمحدوديّة بالتعيين، فكما أنّ القرآن كتاب الله، نصّ محدود، مكتوبٌ، معروفٌ؛ فكذلك المراد من أهل البيت.
4 - لم يُنْقَل من أحدٍ أن عدّ حديث الثقلين من الأحاديث المـُجْملة إذ ليس فيه من المفردات ما يُعَدُّ من الغريب المـُشْكل، ولا يحتوي كذلك على جُملة معقّدة غامضة، فلا بُدّ أن يكون المراد من «أهل البيت» الوارد في الحديث بعنوان «الثقل الثاني» القرين للقرآن، واضحاً معيّناً عند السامعين، والرواة الناقلين الأوائل
على الأقل.
فمَن هم أهلُ البيت؟
1 - قد حصر رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله إطلاق اسم «أهل البيت» على الخمسة الطيّبة: نفسه المقدّسة، وابنته الزهراء فاطمة، وصنوه عليّ أميرالمؤمنين، وسبطيه الحسن والحسينعليهمالسلام ، حينما أدخلهم تحت الكساء معه؛ وهبط الأمين جبريل بآية التطهير:( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .
فقالصلىاللهعليهوآله : «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهِب عهم الرِّجس وطهّرهم تطهيراً».
فكانت الآية خاصّة بهم، فهم أهلُ البيت المعصومونعليهمالسلام .
وقد تكلّمنا عن طُرُق نزول الآية فيهمعليهمالسلام مع مصادر ذلك في موضع آخر.
وقد نصّ الإمام الحسينعليهالسلام على وَلَده عليّ أنّه الإمام من بعده، وكلُّ إمام نصّ على الذي يليه، إلى الإمام المهديّ الثاني عشرعليهمالسلام .
والنصوص على الأئمّةعليهمالسلام في مصادرنا الحديثيّة متضافرة بما لم يبق معها مجالٌ للريب(2) .
وجَهْلُ غير الشيعة بتلك النصوص لا يضُرُّ بحجّيّتها، وذلك:
أوّلاً: لو كان جَهْلُ كلّ طائفةٍ بما عند الأخرى من تاريخٍ وحديثٍ وغير ذلك، دليلاً، واستندوا إلى هذا الجهل، لما كان لأحدٍ الاعتماد على ما عنده، إنّما
____________________
(1) الأحزاب: 33.
(2) أجمع مصدر لذلك كتاب (إثبات الهُداة)، للشيخ الحرّ العامليّ.
الحجّةُ تتمُّ بما يُعرَضُ من الأدلّة حسب الموازين المقرّرة للاستدلال، وإقامة الحجّة، وعِلمـُ الشيعة بتلك النصوص ثابت، والجاهلُ لا بدّ له أن يرجع إلى العالم.
وثانياً: إنّ تلك النصوص إنّما ثبتت بطرق الرواة الثقات المعترف بوثاقتهم وحجيّتهم عند العامّة أيضاً؛ وإنْ قدحوا فيهم فإنّما هو للتطرّف المذهبي، والعصبيّة الطائفيّة، ومن المعلوم أنّ الملاك في حُجيّة الرواية هي الوثاقة والاطمئنان بالصُدور، لا سوء الظنّ والتهم. والحاصل: أنّ ضمّ المقدّمة الأولى، وهي قطعيّة صدق أهل البيت عليّ أمير المؤمنين والحسن والحسينعليهمالسلام ، إلى المقدّمة الثانية وهي نصّ كلّ إمام من الأئمّة الاثني عشر على الإمام الذي يليه، تثبتُ النتيجةُ التالية: أنّ أهل البيت الذين نصبهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله خلَفاً له من بعده، وقُرَناء للكتابِ إلى يوم القيامة، إنّما هم الأئمّة الاثنا عشرعليهمالسلام .
2 - النصوص النبويّة الدالّة على أنّ الأئمّة بعد النبيّصلىاللهعليهوآله إنّما هم اثنا عشر خليفة:
ومن تلك: أنّ الرسولصلىاللهعليهوآله قال: لا يزالُ الدينُ قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش. وقد أخرجه العامّة عن عبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأكثرُ طُرُقه عن جابر بن سَمُرة.
ورواه من الأعلام:
أحمد، والبُخاري، ومسلم، والترمذيّ، وأبو داود، والحاكم النيسابوريّ والخطيب البغداديّ وغيرهم(1) .
____________________
(1) مصادر حديث (اثنا عشر خليفة): =
وقد اختلف أهلُ المذاهب المختلفة في تفسير المراد بالاثني عشر، وطبّقه كلٌّ على مَن يراه للخلافة من الخلفاء، وسكتَ بعضُهم عن تفسيره، لكنّ أحداً لم يوفَّق إلى تفسيره بما لا يَرِدُ عليه شيء.
وأمّا القولُ بأنّ هذا الحديث مُجْمَلٌ غيرُ مبَيّن، فباطلٌ، وذلك:
1 - لأنّ موضوع الحديث وهو الإمامة والخلافة عن الرسولصلىاللهعليهوآله منصبٌ مهمٌّ جدّاً، لا يتحمّل التسامُح فيه بإيرادِ نصٍّ مُجمَل لا يُفْهَمُ منه شيءٌ، وإلاّ، فمن الممكن أن يُقال: ما فائدة هذا الكلام، ولماذا يتصدّى الرسولُ الكريم إلى إلقائه إذا لم يكن له معنًى مفهوم، أو ثمرة بيّنة.
2 - لأنّ هذا الحديث لا يحتوي على مفردة غريبة توجبُ الإجمال في معنى الكلام، وليست الجملة بكاملها معقّدةٌ حتّى يُتَوقّفُ في فهم المراد منها.
بل - على العكس - فإنّ المراد والمدلول واضحٌ جدّاً، يقول: إنّ الخلفاء الذين يَلوْنَ أمر إمامة الإسلام هم اثنا عشر، في الفترة بين وفاتهصلىاللهعليهوآله وحتّى يوم القيامة.
وإذا لم ينطبق هذا المدلولُ، الثابتُ الحقُّ، إلاّ على ما يقوله الشيعة الإماميّة،
____________________
= صحيح البخاري 9/101، كتاب 23 - الأحكام، باب 51 - الاستخلاف، صحيح مسلم 3/1451 - كتاب الإمارة، باب (1) الناس تبع لقريش. صحيح الترمذي 2/45 ط الهند 1342، باب ما جاء في الخلفاء، دلائل النبوة، للبيهقي 6/519، المستدرك على الصحيحين 3/618 كتاب معرفة الصحابة، مسند أحمد 1/398 و 5/86 و 89 و 90 و 92 و 93 - 101 و 106 - 108 في مسند جابر بن سمرة. وتيسير الوصول 2/34، منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5/312، تاريخ الخلفاء 7، تاريخ بغداد 2/126، كشف الظنون (1548).
وكان الأئمّة الاثنا عَشَر من أهل البيت هم الذين يصدُق فيهم حديث الثقلين، فأيُّ مانع من الالتزام بأنّهم المقصودون بحديث الأئمّة الاثني عشر من قريش؛ ما دام هذا الالتزامُ يؤدّي إلى العمل بكلّ ما قاله الرسولصلىاللهعليهوآله ، وعدم نسبة الإجمال إليه؟! مُضافاً إلى أنّ أيّاً من المذاهب لم يُقدّم اعتقاد في اُناسٍ تنطبق عليهم الصفاتُ المذكورة في حديث الثقلين، وينطبق عليهم العددُ المذكورُ في حديث الخلفاء الاثني عشر.
3 - معَ أنّ هؤلاء الأئمّة الاثني عشرعليهمالسلام قد جمعوا إلى كَرمِ النَّسَب شَرفَ الحَسَب، وحازوا قَصَبَ السَّبْق في كلّ فضيلة، وجمعوا طارِفَ المجد وأثيله.
فهم بين الأُمّة كالنُجوم السواطع، قد اعترف بفضلهم كلُّ عدوٍّ وصديق، وأذعن لعلمِهم كلُّ عالم ضَليع، وأقرّ بمجدهم وسُؤدَدهم الأوّلون والآخرون.
وأجمعت كتب الرجال للعامّة في تراجمهم على القول في نعت آحادهم: ثقة ثقة ثبت صدوق لا يُسْأَل عن مثله، قد أنهكته العبادة، سيّد عصره في العلم، إمام ابن إمام ابن إمام وحقّ لمثله أن يكون خليفة ...
وهذا الذهبيّ الحنبليّ - وهو من كبار مؤرّخي الإسلام، ومترجمي الأعلام - نراه يترجمُ للإمام المنتظر المهديّعليهالسلام ، فيقول: خاتمة الاثني عشر سيّداً. الذي تدّعي الإماميّة عصمتهم ومحمّد هذا هو الذي يزعمون أنّه الخَلَفُ الحُجّة، وأنّه صاحبُ الزمان، وأنّه حيٌّ لا يموت حتّى يخرُجَ فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما مُلِئت ظُلماً وجَوْراً.
فوددنا ذلكَ، والله ...
فمولانا عليٌّ: من الخلفاء الراشدين ...
وابناه: الحسن والحسين، فسبطا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، سيّدا شباب أهل الجنّة، لو استُخْلِفا لكانا أهلاً لذلك.
وزين العابدين، كبيرُ القَدْر، ومن سادة العلماء العاملين، يَصلُحُ للإمامة! وكذلك ابنُه أبو جعفر الباقر: سيّدٌ، إمامٌ، فقيهٌ، يَصْلُحُ للخلافة!
وكذا ولدُه جعفرُ الصادق: كبيرُ الشأن، من أئمّة العلم، كان أوْلى بالأمر من أبي جعفر المنصور.
وكان ولدُه موسى كبيرَ القَدْر، جيّد العلم، وأوْلى بالخلافة من هارون.
وابنُه عليُّ بن موسى الرضا: كبيرُ الشأن، له عِلمٌ وبيان، ووقع في النفوس؛ صَيَّره المأمونُ وليَّ عهده، لجلالته.
وابنه محمّد الجواد: من سادة قومه.
وكذلك ولدُه الملقّب بالهادي: شريف جليل.
وكذلك ابنُه الحسن بن عليّ العسكريّ رحمهم الله تعالى. فلو لَزِمَ اتّباع أحدٍ، لكانوا همُ الأوْلَونَ، ولو استحقّ غيرُهم شيئاً فهمُ الأحْرَوْنَ.
وممّا لا ريب فيه أنّ إجماعهم على شيءٍ يُقدَّم على إجماع غيرهم لو خالفه، ومخالفتُهم لغيرِهم تزعزع كيانَ مخالفهم.
وتدوين الحديث ممّا قد اتّفق جميعُ أهل البيت على إباحته وجوازه، وعدم منعه، فهم في جواز التدوين على منهاج واحد. فقد أباحوه حيث منعه المانعون، ودأبوا على تبليغه وأدائه منذ عهد الرسالة المبكّر، فضبطوه في مؤلّفاتهم، وسَعَوا
في حفظه وأودعوه كلّ ثقةٍ أمين؛ ولذلك حُفظ الحديث الشريف عندهم وعند أصحابهم وأتباعهم مسجّلاً، مكتوباً، محفوظاً من الدسّ والتزوير والتحريف والتصحيف.
ما وردَ عن الإمام أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام
كان الإمامعليهالسلام في طليعة المـُبيحين للتدوين(1) .
وقد علِمنا أنّه كتبَ بخطّه بإملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، كتابة الكبير، الذي تحدّثنا عنه فيما مضى.
وقد قيل في ذلك الكتاب إنّه «أوّل كتاب في الإسلام»(2) . كما روى الإمامعليهالسلام كثيراً من النصوص المرفوعة، الدالّة على إباحة التدوين، وقد سبقت كذلك.
لكن الإمامعليهالسلام قد أظهرَ التزامَهُ بإباحة التدوين، بالقول والفعل، وتضافرت النصوص الموقوفةُ عليه في ذلك، وسنذكرها في مجموعتين:
1 - في مجال التصنيف والتأليف.
2 - الأقوال المرويّة عنه، والموقوفة عليه.
في مجال التصنيف:
____________________
(1) الإلماع 147، علوم الحديث، لابن الصلاح 181، تدريب الراوي 285، وانظر: معالم العلماء، لابن شهر آشوب 2، ومؤلّفوا الشيعة، لشرف الدين 13.
(2) انظر الذريعة 2/306.
روى البحراني بسنده عن عبد الملك بن أعْيَن، قال: أراني أبو جعفرعليهالسلام بعضَ كُتُب عليّعليهالسلام ، ثمّ قال لي: لأيّ شيءٍ كَتبَ هذا الكتاب؟
قلتُ: ما أبين الرأيَ فيها!.
قال: هاتِ.
قلت: عَلِمَ أنّ قائِمَكم يقومُ يوماً فأحبَّ أنْ يعملَ بما فيها. قال: صدقتَ(1) .
وروى الرازي عن شُعبة (ت 160 هـ): أنّ روايَتَيْ التابعيَّيْن - عامر الشعبيّ عن عليّ، وعطاء بن أبي رباح عن عليّ - إنّما هي من كتاب(2) .
وقال: كان عند أبي هارون العَبْديّ (ت 134 هـ) كتابٌ عن عليّعليهالسلام (3) . وقال أحمد: خلاس بن عَمرو البحري، روايتُه عن عليّعليهالسلام ، من كتابٍ، ويُقال: وقعت عندَه صُحفٌ عن عليّعليهالسلام .
وأمّا الكُتُب المنسوبة إليهعليهالسلام بعناوينها الخاصّة، فهي:
1 - كتابٌ في علوم القرآن:
أمْلاه الإمام أميرالمؤمنينعليهالسلام ، فذكر فيه ستّين نوعاً من علوم القرآن؛ رواه الحافظ أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد، ابن عُقْدة الكوفيّ (ت 333 هـ) بسنده
____________________
(1) تدوين السنّة 136؛ عن عوالم العلوم والمعارف، للبحرانيّ.
(2) الجرح والتعديل، التقدمة، لابن أبي حاتم 1/130.
(3) سؤالات الحاكم للدار قطني 203 رقم 314. والمراسيل، للرازي: 41، جامع التحصيل للعلائي 173 رقم 175.
عن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام (1) .
ورواه جمعٌ من كبار الطائفة فنُسِب إليهم:
منهم: المحدّث أبو القاسم سَعْد بن عبد الله بن أبي خَلَف الأشعريّ القُمّيّ المتوفّى (سنة 301 - أو 299 هـ) بعنوان (تفسير سَعْد) و (ناسخ القرآن ومنسوخه)(2) .
ومنهم المحدّث محمّد بن إبراهيم بن أبي زينب الكاتب البغداديّ صاحب «الغَيْبة» تلميذ الكُلَيني؛ فقد نُسب إليه بعنوان (تفسير النُعْماني)(3) .
ومنهم السيّد الشريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي (ت 436 هـ) فقد نُسِبَ إليه باسم (المحكم والمتشابه في القرآن)(4) .
وقد أورد المحدّث المجلسيّ نصّه بالكامل في كتاب (بحار الأنوار)(5) .
2 - كتاب السُنن والقضايا والأحكام:
كتابٌ كبير حوى أبواب العِلم، وفقه الشريعة المقدّسة، ومنها ما قضى به الإمام عليّعليهالسلام في الحوادث الخاصّة. وكما يبدو من اسمه فإنّ فيه السنن والآداب الشرعيّة، والعبادات من الطهارة والصلاة والصوم ...، والأقضية، والحدود،
____________________
(1) لاحظ أعيان الشيعة ج 1 ق 1/321، بحار الأنوار 93/3.
(2) سؤالات الحاكم للدار قطني 203/314. والمراسيل، للرازي 41، وجامع التحصيل، للعلائي 173/175.
(3) بحار الأنوار 93/3، مستدرك الوسائل 3/365.
(4) الذريعة 20/154 - 155. وقد طُبع بهذا العنوان أيضاً.
(5) راجع بحار الأنوار - الطبعة الحديثة 93/1 - 97، و 84/71 - 72، أعيان الشيعة (ج 1 ق 1/318) وتأسيس الشيعة، للصدر 318.
والدّيات، وأبواب المعاملات من البيوع، وغيرها. وقد روى هذا الكتاب جمعٌ من أصحاب الإمامعليهالسلام ، تارةً بعنوانه العام، واُخرى بعنوان باب من أبوابه. ونورد هنا قائمة بأسماء مَن رواه، أو روى قسماً منه:
1 - عُمرُ ابنُ الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، روى عن أبيه هذا الكتاب كاملاً(1) .
2 - أبو رافع مولى النبيّصلىاللهعليهوآله ، وصاحب بيت مالِ الإمامعليهالسلام . روى الكتاب عن أميرالمؤمنين كاملاً(2) ورواه عنه ابناه:
عُبيدُ الله بن أبي رافع، كاتب الإمام عليّعليهالسلام ، كما يَظْهر من ترجمة أبيه وغيره(3) .
وعليّ بن أبي رافع، كاتب الإمامعليهالسلام :
روى الكتاب عن أبيه كاملاً(4) .
3 - ربيعة بن سميع: روى قسم الزكاة عن أمير المؤمنينعليهالسلام في كتاب كتبه له بخطّه لمّا بعثه على الصدقات(5) .
4 - محمّد بن قيس البَجَليّ:
____________________
(1) رجال النجاشي 7، ذيل رقم 2.
(2) نفسه 6، رقم (1)، تأسيس الشيعة 280، تاريخ بغداد 8/449.
(3) رجال النجاشي 6، رقم (1) و 7، رقم (2)، معرفة علوم الحديث، للحاكم 118.
(4) رجال النجاشي 6، رقم (6).
(5) رجال النجاشي 7 - 8 رقم 3. وانظر الكافي (كتاب الزكاة، باب أدب التصدّق) 3/539 وفيه (زمعة بن سبيع) وهو تصحيف، والجامع في الرجال، للزنجاني 1/770.
روى قسم القضايا، وقد عُرِض كتابُه على الإمام الباقرعليهالسلام فصدّق أنّه كتاب أميرالمؤمنينعليهالسلام (1) .
5 - يَعْلى بن مُرّة الثقفيّ:
له نسخة عن الإمامعليهالسلام (2) .
6 - الحارث بن عبد الله الهَمْداني:
روى الكتاب كاملاً عن أمير المؤمنينعليهالسلام (3) .
7 - الأصبغ بن نُباتة المـُجاشعيّ:
روى قسم القضاء عن الإمامعليهالسلام (4) !
8 - عبد الله بن عبّاس:
كان يتّخذ صُحفاً فيها قضاءُ عليّعليهالسلام (5) .
9 - مِيثَم بن يَحيى التمّار:
له كتاب، كان متداولاً حتّى القرن السابع الهجريّ، حيث نقل عنه مباشرةً الطبريّ صاحب كتاب (بشارة المصطفى)(6) .
10 - عبيد الله بن الحُرّ الكوفي، الشاعر، الجعفيّ:
____________________
(1) تأسيس الشيعة 284 وانظر رجال النجاشي 323 رقم 881.
(2) رجال النجاشي 286 رقم 762، ترجمة عمر بن عبد الله بن يَعْلى بن مُرّة، تأسيس الشيعة 284.
(3) رجال النجاشي 7 ذيل الرقم 2، الفهرست، للطوسي 62 رقم 119.
(4) رجال النجاشي 8 رقم 5.
(5) تقييد العلم - التصدير 19، توجيه النظر 8، مقدمة صحيح مسلم 1/14.
(6) تأسيس الشيعة 283.
روى عن الإمامعليهالسلام نسخةً(1) .
11 - ومن أجزاء هذا الكتاب هو (كتاب الدّيات) الذي اشتهر باسم راويه ظريف بن ناصح(2) .
فقد عرضه الرواة على الأئمّة: جعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعليّ الرضاعليهمالسلام ، فأقرّوا أنّه من إملاء الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، وأنّه كتبه لعمّاله وأمراء الأجناد(3) .
ونصّه الكامل موجودٌ: فرّقه الكليني في جامعه (الكافي) وسمّاه (كتاب الفرائض عن عليّعليهالسلام )(4) .
وأورده بتمامه الشيخ الصدوق في (كتاب الفقيه)(5) .
والذي يظهر من المصادر أنّ كلاًّ من هؤلاء الرواة قد ألّف ما يخصُّه، وجمع روايات كتابه عن الإمام عليّعليهالسلام ، إلاّ أنّا نعتقد بأنّ الكتاب ليس إلاّ مجموعةً كبيرةً واحدةً من تأليف الإمام وإملائهعليهالسلام ، وذلك لما يلي:
1 - انتهاء الأسانيد في تلك الكتب إلى أميرالمؤمنينعليهالسلام ، بعنوان أنّ كلاًّ منها نسخةٌ منه، أو إملائه.
____________________
(1) رجال النجاشي 9 رقم 6.
(2) نفسه 209 رقم 553، الذريعة 2/159 - 161 بعنوان: أصل ظريف.
(3) الجامع للشرائع 608، الكافي 7/330.
(4) الكافي 7/330 - 363.
(5) من لا يحضره الفقيه 4/ 54 - 66 وهو تمام الباب (18) دية جوارح الإنسان.
2 - لوجود نفس العناوين ضمن ما نُسب إلى غير الرواة المذكورين، الذين اعتُبروا كمؤلّفين للكتب.
فذلك يؤكّد أنّ الكتاب المذكور كان مجموعةً كبيرةً من تأليف الإمام نفسهعليهالسلام ، رواه بعضُ أصحابه كاملاً، وروى بعضُهم أبواباً منه(1) . وقد وردت عن الإمام أميرالمؤمنينعليهالسلام رواياتٌ حولَ ما وردَ في هذا الكتاب بطرق الرواة المذكورين وغيرهم، في كتب العامة، جمعَ أحمد بن حنبل مجموعةً كبيرةً منها في مسنده(2) .
3 - عَهْدُ الإمامعليهالسلام للأشتر:
وهو العَهدُ الطويل المهمّ الذي كتبه الإمام عليّعليهالسلام لمالك الأشْتر النَخَعيّ، لمّا ولاّه مِصَر، وتضمّنَ أصولَ إدارة البلاد، وتراتيبَ النُظُم السياسيّة لأمور العباد.
ونصُّه معروفٌ، ومطبوعٌ متداوَلٌ، وهو في نهج البلاغة وقد رواه الأصْبغ بن نُباتة(3) .
4 - التعليقة النحويّة:
التي ألقاها الإمامعليهالسلام إلى أبي الأسْود الدُؤَليّ.
نقل خبرها السيوطي عن ابن عساكر أنّ بعض النحويّين كان يذكر أن عنده
____________________
(1) مرآة الكتب، لعليّ بن موسى التبريزي الشهيد (1320): 9.
(2) مسند أحمد بن حنبل 1/75 - 160، وانظر حول رواة آخرين لحديث الإمام عليّعليهالسلام بشكل مكتوب في دلائل التوثيق المبكّر 420، معرفة النسخ 207.
(3) نهج البلاغة، بشرح صبحي الصالح 427 - 445.
تعليقة أبي الأسود التي ألقاها إليه عليٌّعليهالسلام (1) .
2 - في مجال العلم والآثار:
لقد نُقل عن أميرالمؤمنينعليهالسلام الكثير في مجال التأكيد على الكتابة والتدوين، وفيه ما هو صريحٌ في الأمر به، كما أنّ فيه ما هو دالٌّ بالملازمة العُرْفيّة، وهذا بعضها:
- عن الحارث عن عليّعليهالسلام قال: «قيّدوا العِلم، قيّدوا العِلم» هكذا مرّتين(2) .
2 - عن علباء، عن عليّعليهالسلام : أنّه خطب الناس، فقال: «مَن يشتري منّي عِلماً بدِرهَم»(3) .
قال أبو خيثمة زُهَير بن حرب - مفسّراً هذا الحديث: يشتري صحيفةً بدرهم ويكتب فيها العِلم(4) .
وفي بعض نصوص الحديث: أنّ الحارث الأعور اشترى صُحُفاً بدرهم، ثمّ جاء بها عليّاًعليهالسلام ، فكتب له علماً كثيراً، ثمّ إنّ الإمامعليهالسلام خطب الناس بَعْدُ، فقال:
____________________
(1) تقييد العلم 85، إنباه الرواة، للقفطي 1/39، وقال: رأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الورّاقين (جزءاً) فيه أبوابٌ من النحو، يجمعون على أنّها (مقدّمة عليّ بن أبي طالب) التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي. وانظر سير أعلام النبلاء (4/84). الأشباه والنظائر، للسيوطي 1: 12 - 14، تاريخ الخلفاء له /143، طبقات النحويّين، للزبيدي 21.
(2) تقييد العلم 89.
(3) طبقات ابن سعد 6/116 من طبعة ليدن، تقييد العلم 90، تاريخ بغداد 8/357 كنز العمّال 5/261/29385.
(4) تقييد العلم 90.
يا أهل الكوفة غلبكم نصفُ رجل(1) .
* عن الحارث، عن عليّعليهالسلام ، قال: قراءتُك على العالِم وقراءةُ العالِم عليك سَواءٌ، إذا أقرَّ لك به(2) .
وروى نحوه أبو ظبيان، عنهعليهالسلام (3) .
* عن هُبَيْرة بن يَرِيم، عن عليّعليهالسلام ، قال: القراءةُ عليه بمنزلة السماع منه(4) .
وهذا يدلُّ على وجود الكتاب في عهد الإمامعليهالسلام ، حيث إنّ قراءة الراوي على الشيخ لا تكون إلاّ من كتابٍ وبواسطة نصٍّ مكتوب، يقرأ منه الراوي على الشيخ.
ونقول أيضاً: قد يكون فيه بَعْثٌ على كتابة النصّ، ليكون الراوي مكتفياً بقراءته على الشيخ، لتحصيل عنصر الضَبْط والإشراف من الشيخ عليه.
* وقالعليهالسلام لكاتبه عُبيد الله بن أبي رافع: «ألِقْ دواتَك، وأطِلْ جُلْفَةَ قلمِك، وفرِّج بين السطور، وقَرمِطْ بين الحروف، فإنّ ذلك أجْدَرُ بصبَاحة الخطّ»(5) .
* وكتبعليهالسلام إلى عمّاله: «أدِقُّوا أقلامكم، وقارِبوا بين سُطوركم، واحذِفوا عنّي فُضولكم، واقصدوا قصد المعاني، وإيّاكم والإكثار، فإنّ أموال المسلمين
____________________
(1) طبقات ابن سعد 6/168، السنّة قبل التدوين 397، العلم، لزهير بن حرب 193.
(2) الكفاية في علوم الرواية، للخطيب 383.
(3) نفسه 399.
(4) نفسه 383.
(5) نهج البلاغة، قسم الحكمة، الحكمة رقم 315؛ تاج العروس (قرمط).
لا تَحتمِلُ الإضرارَ»(1) .
* وعن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، قال: «عقلُ الكاتب قلَمه»(2) .
* وقد روي عن الإمام الصادقعليهالسلام ، قال: كان أمير المؤمنينعليهالسلام يُعجبه أن يُروى شعر أبي طالب، وأن يُدَوّن(3) .
وأخبار أمير المؤمنين عليّعليهالسلام في هذا الميدان تطول، فنقتصر على ما ذكرناه، لنذكر شيئاً عن أئمّة الهدىعليهمالسلام ، في هذا الأمر.
ما ورد عن الإمام الحسن السِبْطعليهالسلام (استُشهد سنة 49 هـ).
1 - عن شرحبيل بن سعيد، قال: دعا الحسنُ بن عليّعليهالسلام بنيه وبني أخيه، قال: «يا بُنيَّ، وبني أخي، إنّكم صِغارُ قومٍ، يُوشَكُ أن تكونوا كبار آخرين، فتعلّموا العِلمـَ، فمَن لم يستطعْ منكم أن يَرْويَه فليَكْتبه، وليضَعْه في بيته»(4) .
ما ورد عن الإمام الحسين السبط الشهيدعليهالسلام (61 هـ).
قالعليهالسلام ، في خطبةٍ له في مِنى، في جمع عظيم من الشيعة وبني هاشم والصحابة والتابعين: «أما بعدُ، فإنّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم
____________________
(1) الخصال 1/310.
(2) نور الحقيقة، حسين بن عبد الصمد الحارثيّ 108.
(3) الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، فخّار بن معدّ العلويّ 25.
(4) تاريخ اليعقوبي 2/227، سنن الدارمي 1/107 ح 517، الكفاية، للخطيب 229، جامع بيان العلم 1/82، كنز العمّال 5/229، بحار الأنوار 2/152 ح 37.
وعلمتم وشهدتم، وإنّي أريد أن أسألكم عن شيء، فإنْ صدقتُ فصدّقوني اسمعوا مقالي، واكتُبوا قولي، ثمّ ارجِعوا إلى أمصاركم وقبائلكم فمَن أمِنتم من الناس ووثِقتُم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا، فإنّي أتخوّفُ أن يدرُس هذا الأمرُ، ويذهب الحقُّ»(1) .
والشاهد في هذا الكلام، قولهعليهالسلام : «اكتبوا قولي» حيث أنّه أمَرَ بكتابة كلامهعليهالسلام ، ودلالتُه على تدوين الحديث من جهات:
1 - لأنّا نحن الشيعة الإماميّة نؤمن أنّ ما يُحدِّثُ به الإمامعليهالسلام فإنّما هو من السنّة التي يجبُ اتّباعها، لما ثبت عندنا من الأدلّة على أنّ الأئمّةعليهمالسلام إنّما هُمُ الحُججُ المنصوبة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، على الأُمّة؛ حيث أمرها بالتمسّك بهم والأخذ منهم، وقد أسلفنا بعض ذلك في الاستدلال بحديث الثقلين.
2 - أنّ الأئمّةعليهمالسلام قد صرّحوا بأنّ حديثهم إنّما هو حديث جدّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فهو بحكمه في الحجّيّة.
3 - أنّ قوله الذي أمَرَ بكتابته لا يخلو من ذكر حقّهمعليهمالسلام الذي أشار إليه، ولا يخفى أنّ حقهم إنّما يثبت بما أثبته لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقولُه الذي أمرَ بكتابته حاوٍ لحديث رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا محالة.
4 - أنّ قوله «اكتبوا قولي» يكشف عن رضاه بكتابة سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا محالة وبالأوْلويّة المعلومة، خاصّة إذا كان الحديث يرتبط بأمرِ الدين.
____________________
(1) كتاب سليم بن قيس 165.
ما ورد عن الإمام عليّ زين العابدينعليهالسلام (ت 95 هـ).
قد أُثِرَتْ عنه المؤلّفات التالية:
1 - الصحيفة:
الكتاب العظيم، الذي جمع عيون أدعيتهعليهالسلام ، ومناجاته التي أنشأها بمناسبات شتّى ولأغراضٍ متنوّعةٍ، وكانعليهالسلام يدأب على تلاوتها وهي تحتوي على مضامين عالية رفيعة، من لُباب المعارف الإسلاميّة العالية وقد تواتر الإسناد إليه، وهو ممّا أجمع علماء الإسلام على قبوله. أملاه الإمامعليهالسلام على ولديه الإمام محمّد الباقرعليهالسلام ، والشهيد زيد، وقد أملاه الإمام الباقر على ولده الإمام الصادقعليهالسلام ، وأملاه الإمام الصادق على الرواة(1) .
2 - رسالة الحقوق:
الجامعة لآداب الدين والدنيا، ممّا يجب على الفرد في معاملته لنفسه، والآخرين ممّا حوله من الناس، وسائر الموجودات، من حقوق والتزامات من حقوق والتزامات، فهو أهمُّ كتاب يحتوي على أسس الأخلاق الفاضلة، ومباني السلوك الاجتماعيّ في الإسلام. ونسخها متوفّرة، شرحها عدّة من العلماء.
3 - مناسك الحجّ:
رسالة حاوية لجميع أحكام الحجّ الشرعيّة، في ثلاثين باباً، رواها عن
____________________
(1) الصحيفة الكاملة، بتقديم محمّد المشكاة، كفاية الأثر، للخزّاز 2 - 302، الفهرست للطوسيّ 199 و 768، رجال الطوسي 485 رقم 53، رجال النجاشي 426 رقم 1144، معالم العلماء، لابن شهر آشوب 1، الفوائد الطوسيّة 246.
الإمامعليهالسلام كلٌّ من أبنائه: الإمام محمّد الباقر، وزيد الشهيد، والحسين الأصغرعليهمالسلام . (مطبوعة).
4 - صحيفة في الزهد:
قال أبو حمزة الثمالي ثابت بن أبي المقدام، قرأتُ صحيفةً فيها كلامُ زُهدٍ، من كلام عليّ بن الحسينعليهالسلام ، وكتبتُ ما فيها، ثمّ أتيتُ عليَّ بن الحسين صلوات الله عليه فعرضتُ ما فيها عليه، فعرفه، وصحّحه(1) .
5 - الجامع في الفقه:
رواه أبو حمزة الثُمالي، عن الإمام السجّادعليهالسلام (2) .
6 - كتاب حديثهعليهالسلام :
جمعه داودُ بن يَحيى بن بشير، أبو سليمان الدهقان، الكوفي(3) .
7 - نسخة رواها عبد الله بن إبراهيم بن الحسين الأصغر بن الإمام السجّادعليهالسلام ، عن آبائه(4) .
ما وردَ عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقرعليهالسلام (ت 114 هـ)
1 - في الأقوال:
1 - عن جابر الجُعْفي، قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : أُقيّد الحديث، إذا سمِعتُ؟
____________________
(1) الكافي 8/14 - 17، الفهرست 67 رقم 138.
(2) رجال النجاشي 116 رقم 298، تأسيس الشيعة 300.
(3) رجال النجاشي 7 - 158 رقم 415.
(4) نفسه 224 رقم 587.
قال: «إذا سمِعتَ حديثاً من فقهٍ خيرٌ ممّا في الأرض من ذَهَبٍ وفِضّةٍ»(1) . وقد أشار الإمامعليهالسلام في هذا الجواب إلى ضرورة التدوين ولزوم الكتابة بنحوٍ دقيق، وبلاغة فائقة إذ جعل الكتابة خيراً من الذهب والفِضّة؛ فإذا كان الإنسان بطبعه يُحافظُ على الذهب والفِضّه بالإحراز والضَبْط، ولا يعرّضهما للتلفِ والضياع، فإنّ ما هو خيرٌ منهما - أعني الحديث - يكون أوْلى بالإحراز والحِفْظ، ومن الواضح أنّ أفضل طُرق ضَبْط الحديث وإحرازه كتابته وتدوينه.
2 - عن داود بن عَطاء المديني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيهعليهماالسلام ، قال: «عَرْضُ الكتاب، والحديث سواء»(2) . المراد بالعَرْض هنا هو قراءة الراوي الروايات على الشيخ، والمراد بالحديث هنا هو تحديث الشيخ وإلقاؤُه الروايات على الراوي.
والمراد بالعرض هنا هو ما يسمّى في علم المصطلح ودراية الحديث بالقراءة على الشيخ، والحديث هنا هو ما يسمّى في ذلك العلم بالسماع من الشيخ.
ومعنى هذا الخبر: أنّ القراءة على الشيخ، تُساوي في الحُجّيّة والاعتبار السماع منه.
4 - عن خالد بن طُهمان، عن أبي جعفرعليهالسلام قال:
____________________
(1) أدب الإملاء، للسمعاني 55.
(2) سنن الدارمي 1: 123، الكفاية، للخطيب 386.
«لا تُعِدَّ لهم سِفْراً، ولا تَخُطَّ لهم بقلم»(1) .
وهذا الحديث وإن كان نهياً عن إعداد السِفر - وهو الكتاب - والخطّ بالقلم، لكن من الواضح أنّ الإمامعليهالسلام إنّما نهى عن الكتابة للوُلاة الظالمين كما يظهر من الحديث الذي أورده ابن أبي شيبة قبل هذا الحديث وفيه: النهي عن التولّي للسلطان.
وهو يدلّ بالإيماء على شرافة إعداد الكتب والخطّ بالقلم والرغبة فيهما للأخيار.
2 - في الكتب والمؤلّفات:
وقد نُقِلت عن الإمام أبي جعفرعليهالسلام مؤلّفات عديدة:
قال محمّد عجّاج الخطيب: كان عند الإمام محمّد بن عليّ بن الحسين، أبي جعفر الباقرعليهالسلام (56 - 114) كتبٌ كثيرةٌ، سمِعَ بعضَها منه ابنُه جعفر الصادقعليهالسلام وقرأ بعضَها(2) .
وقال عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب: كنتُ أختلف إلى جابر بن عبد الله، أنا، وأبو جعفر، معنا ألواحٌ، نكتُبُ فيها.
وفي بعض نُصوصه: فنسأله عن سنن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعن صلاته، فنكتبُ عنه(3) .
____________________
(1) المصنّف، لابن أبي شيبة 5/236.
(2) السنّة قبل التدوين 4/355.
(3) تقييد العلم 104، المحدّث الفاصل 370 رقم 335، وعنه في محاسن الاصطلاح 297.
والمنقول من أسماء كتبه:
1 - تفسير القرآن: رواه زياد بن المنذر أبو الجارود العبدي(1) .
2 - نسخة أحاديث: رواها خالد بن أبي كريمة(2) .
3 - نُسخة: رواها خالد بن طهمان(3) .
4 - كتابٌ: رواه عبدُ المؤمن بن القاسم الأنصاريّ الكوفيّ(4) .
5 - كتابٌ: رواه زرارة بن أعْيَن الشيباني الكوفيّ(5) .
6 - رسالته إلى سَعْد الإِسكاف: رواها سَعْد بن طريف، الإسكاف الحنظليّ.(6)
7 - رسالته إلى سعد الخير: وهو سعد بن عبد الملك الأمويّ نسباً، وهو صاحب نهر سعد برحبة الكوفة، وقد رواها الكليني بسندين(7) .
ما ورد عن الشهيد زيد بن عليّعليهالسلام (ت 122 هـ). نُقِلت عنه مؤلّفات عديدة:
1 - المجموع: سمعه منه أبو خالد الواسطيّ، وهو مطبوعٌ بروايته باسم «مُسْنَد زَيْد» وله شروح كثيرة، منها المطبوع باسم (الرَوْض النضير).
____________________
(1) الفهرست، للنديم 36، تأسيس الشيعة 327.
(2) رجال النجاشي 151 رقم 396.
(3) نفسه رقم 397.
(4) تأسيس الشيعة 285.
(5) نفسه/286.
(6) رجال النجاشي 178 رقم 468.
(7) الكافي 8/52 و 55.
وتذكر بعضُ المصادر أنّ للشهيد زيد مجموعين فقهيّ وآخر حديثيّ.(1) وهو من جَمْع عبد العزيز البغداديّ، طُبع بالقاهرة سنة (1340 هـ) قال محمّد عجّاج الخطيب: المجموع من أجلِّ الوثائق التاريخيّة التي تُثْبِتُ ابتداءَ التصنيف والتأليف في أوائل القرن الثاني الهجريّ بعد أن استنتجنا هذا من خلال عَرْضنا لمصنّفات ومجاميع العلماء، من غير أن نرى نموذجاً ماديّاً يمثّل اُولى تلك المصنّفات، اللّهمّ، إلاّ موطّأ مالك الذي انتهى من تأليفه قبلَ منتصف القرن الهجري الثاني، فيكون المجموع قد صُنِّف قبلَه بنحو ثلاثين سنة(2) .
2 - الاحتجاج في القلّة والكَثرة:
ذكر ابن صفوان أنّ لزيد كتاباً في القلّة والجماعة. كان يستعمله في مُحاججة خصومه ويلجأ إليه.(3)
3 - الصَفْوة: رسالة كلاميّة صغيرة، تبحث عن الإمامة وأحقيّة أهل البيتعليهمالسلام بها، معتمداً على آيات القرآن الكريم في بيان ذلك، مطبوعة.
4 - قراءة عليّعليهالسلام :
نسبةً إلى زيد بن عليّ في تأسيس الشيعة(4) وقد ذكروا أنّ لزيد قراءة
____________________
(1) الروض النضير 1/82، السنّة قبل التدوين 369 و 371.
(2) السنّة قبل التدوين 371. وللمزيد عن المجموع انظر: تاريخ الفقه الجعفري، للسيّد الحسني 303 - 306.
(3) التُحَف شرح الزُلَف 30.
(4) تأسيس الشيعة 4/285.
خاصّة(1) .
5 - غريب القرآن:
تفسيرٌ لمفردات ألفاظ القرآن الكريم، وسمّاه بعضُ المؤلّفين بـ (غرائب معاني القرآن)(2) .
وذكر له السّيد المؤيّدي مجدُ الدين تسعة مؤلّفات في علوم شتّى(3) .
ما ورد عن الإمام جعفر بن محمّد أبي عبد الله الصادقعليهالسلام (ت 148 هـ):
في الأحاديث:
* قالعليهالسلام للمفضّل بن عُمر الجُعْفي: «اكتُبْ، وبُثَّ عِلْمَك في إخوانك، فإِن مُتَّ فأورِثْ كُتبُك بنيكَ، فإنّه يأتي على الناس زمانٌ هَرْجٌ، لا يأنَسونَ فيه إلاّ بكتبِهم»(4) .
* وفي كتاب عاصم بن حُمَيْد الحَنّاط، عن أبي بَصير، قال: دخلتُ على أبي عبد اللهعليهالسلام فقال: «دخلَ عليَّ أُناسٌ من أهل البصرة، فسألوني عن أحاديث، فكتبوها، فما يمنعُكُم من الكتاب؟.
أما إنّكم لنْ تحفَظُوا حتّى تكتبوا»(5) .
____________________
(1) ثورة زيد بن علي، الأستاذ ناجي حسن 34.
(2) التُحَف شرح الزُلَف 30.
(3) نفسه.
(4) الكافي 1/42 كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب، الحديث 11.
(5) الكافي 1/42 حديث 9، البحار 2/153.
وعن حسين الأحمسيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال:
«القلبُ يتّكلُ على الكتاب»(1) .
وعن عُبيد بن زُرارة، قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : «احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها»(2) .
* قال الإمام الصادقعليهالسلام للمـُفَضَّل بن عُمر في كتاب التوحيد: «تأمّلْ يا مُفَضَّل - ما أنعم الله تقدّست أسماؤُه به على إنسان من هذا النُطق الذي يعبِّر به عمّا في ضميره، وما يخْطُر بقلبِه، ونتيجة فكره، وبه يفهمُ عن غيره ما في نفسه.
وكذلك الكتابةُ، التي بها تُقَيَّدُ أخبارُ الماضين للباقين، وأخبارُ الباقين للآتين، وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرهما، وبها يحفظ الإنسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحسابات ولولاه لانقطع أخبارُ بعض الأزمنة عن بعض، وأخبار الغائبين عن أوطانهم، ودَرَسَت العلوم ...»(3) .
* ورُوي عنهعليهالسلام - موقوفاً عليه - أنّه قال: «إذا كتبتم الحديثَ فاكتُبُوه بإسناده».
وهو الحديث الذي مرّ مرفوعاً مسنداً بطريق أهل البيتعليهمالسلام .
* ومن حديث أبي بصير - لمّا استخبر الإمام الصادقعليهالسلام عن أصحاب المهديعليهالسلام وبلدانهم - فقالعليهالسلام : «إنّك لا تَحفظُ، فأين صاحبُك الذي كان يكتُبُ
____________________
(1) الكافي 1/42 حديث 10، البحار 2/152 ح 40.
(2) الكافي 1م52، حديث 10.
(3) توحيد المفضّل 79 - 80، بحار الأنوار 3/82.
لك؟».
فقلتُ: أظنُّ شغَلَه شاغِلٌ، وكرهتُ أن أتأخَّرَ عن وقت حاجتي. فقالعليهالسلام لرجلٍ في مجلسه: «اكتُبْ له»(1) .
ويلاحَظُ في قولهعليهالسلام «إنّك لا تحفَظُ» أنّهعليهالسلام جعل الكتابة أمراً احتياطياً عند عدم التمكّن من الحفظ، فهو يؤكّد عليها عمليّاً في هذه الحالة.
والمراد بقوله «لا تحفظ» أنّ الحديث طويلٌ ويشتملُ على أسماء البلدان وأكثرُها غريبةٌ غير متداولة، فمن البعيد أن يحفظها أبو بصير بإلقاءٍ واحدٍ وسُماع مرّة.
وهذا يدلّ على أنّ مثل هذا الحديث - في الطول، والاشتمال على ألفاظ غريبة - كانوا يأخذون له مزيداً من الاحتياط بالضَبْط، والتسجيل، والكتابة، والتدوين!
كما أنّ قولهعليهالسلام : «أين صاحبك الذي يكتب لك؟» يدلّ على أنّ أبا بصير، الذي كان فاقد البصر، كما هو المعروف، كان قد اتّخذ له كاتباً يكتب له الحديث.
ودلالة هذا الخبر على جواز كتابة الحديث، واهتمام الإمامعليهالسلام بذلك واضحةً جدّاً.
في المؤلّفات:
لقد كان الإمام الصادقعليهالسلام كثير الاهتمام بأمر الكُتُب وتدوينها، يُفصح عن ذلك في كلّ زمانٍ ومكان وموقف، مستغلاًّ الفرص المـُتاحة لمثل هذا الأمر.
____________________
(1) دلائل الإمامة ن للطبريّ 308.
قال محمّد عجّاج: كان عند جعفر الصادق بن محمّد الباقرعليهماالسلام رسائل، وأحاديث، ونُسَخ(1) .
وقد أثار هذا الجانب حفيظة بعضهم، فكان يُشيرُ إلى الإمام الصادقعليهالسلام بأنّه «صُحُفيّ» أي يأخذ عِلمه من الكُتب!
وكان الإمامعليهالسلام يفتخرُ بذلك فلمّا بلغه كلام أبي حنيفة هذا، ضحك وقال: ...، أمّا في قوله «أنا رجلٌ صحفيٌّ» فقد صدق! قرأتُ صحف آبائي، وإبراهيم، وموسى ...
ما نُسِب إليهعليهالسلام من المؤلّفات:
1 - التوحيد:
كتابٌ أملاهعليهالسلام لى المـُفَضَّل بن عمر الجُعْفي الكوفي يحتوي على بيان عقيدة التوحيد، بالنظر والفِكْر، ويسمّى بكتاب «فَكِّرْ» لأنّ الإمامعليهالسلام يقولُ فيه المـُفَضَّل مكرّراً: «فَكِّرْ مُفَضَّل»(2) .
وهو مشهور متداوَل، ويُعَدّ من أفضل الكتب المؤلّفة في باب التوحيد المـُرشدة إلى وحدانيّة الباري عزّ وجلّ.
وقد طُبع أكثر من مرّة باسم «توحيد المفضّل» وأدرجه المجلسي في البحار مع الشرح والبيان(3) .
____________________
(1) السنّة قبل التدوين 358، تهذيب التهذيب 2/104.
(2) روضات الجنّات، للخوانساري 8/169، قاموس الرجال 8/343.
(3) بحار الأنوار 2/151 - 157.
2 - الإِهليلجة في التوحيد:
رسالة كتبها الإمام الصادقعليهالسلام ، ردًّا على الملحدين المنكرين للربوبيّة، احتجاجاً عليهم، وأرسلها إلى المفضّل بن عُمر، المذكور(1) .
3 - الأهوازيّة:
رسالةٌ مفصّلة كتبها الإمامعليهالسلام جواباً لأسئلة عبد الله النجاشيّ والي الأهواز، تحتوي على جملة من التعاليم الأخلاقيّة. أوردها السيّد محيي الدين ابنُ زُهْرة في أربعينه(2) .
4 - رسالة إلى أصحابهعليهالسلام :
كتبها لهم في الإرشاد إلى السيرة الحسنة، والسلوك الدينيّ. أوردها الكليني في الكافي(3) .
(5) الجعفريّات:
مجموعة من أحاديث الأحكام، مرتّبةً على أبواب الفقه، رواها عن الإمام الصادقعليهالسلام ، ابنُه الإمام موسى الكاظمعليهالسلام ، وأحاديثه كلّها مسندةٌ عن آبائه، أو مرفوعة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ولأنّ الإمام جعفر بن محمّدعليهالسلام هو مجمع الأحاديث كلّها، فإنّ الكتاب
____________________
(1) الذريعة 2/484، بحار الأنوار 3/152، 196.
(2) الأربعون حديثاً، لابن زُهْرة 46 - 47 ح 6 وعنه الشهيد في كشف الريبة 122؛ بحار الأنوار 77/189، الذريعة 2/485.
(3) الكافي، قسم الروضة 8/2 - 14.
سُمّي بـ (الجعفريّات)(1) .
وهناك مجموعة من الكتب نسبها إليه الرُواة منها.
1 - وصيّة النبيّصلىاللهعليهوآله : ذكرها الإشبيلي في فَهْرَسَة ما رواه، وأورد طريقه إلى جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام (2) . وذكره الطيّبي في الخلاصة(3) .
وذكره من أعلامنا، أحمد بن محمّد، أبو غالِب الزُراريّ (ت 368) في فهرست ما رواه، قال: عن أبي العبّاس ابن عُقْدة، وعلى ظهره إجازتُه لي جميع حديثه لي، بخطّه(4) .
وقد أسنَد الصدوقُ إلى ما سمّاه (وصيّة النبيّصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام ) من طريق أهل البيتعليهمالسلام (5) .
2 - كتاب الحجّ:
رواه أبانبن عبد الملك الثقفيّ(6) .
3 - مناسكُ الحجّ وفرائضُه، وما هو مسنونٌ في ذلك:
سمعه كلّه من الإمامعليهالسلام رواية عمر بن محمّد أبو الأسود، بيّاع السابِري،
____________________
(1) الذريعة 2/109 رقم 436.
(2) الفهرسة، لأبي خَيْر الأندلسي 277 - 278.
(3) الخلاصة في علم الحديث، للطيبي 10.
(4) رسالة أبي غالب الزُراري في آل أعيَن 181 رقم 107.
(5) من لا يحضره الفقيه 4/134.
(6) رجال النجاشي 14 رقم 9.
ذكره النجاشي، ورواه بثلاثة أسانيد(1) .
4 - كتاب مبوّبٌ في الحلال والحرام.
رواه إبراهيم بن محمّد، أبو إسحاق المدنيّ(2) .
5 - كتاب نوادر: رواه داود بن عَطاء المدني(3) .
وعدد ما يندرج تحت عنوان «كتاب» و «نسخة» وكلّها للإمام أبي عبد الله الصادقعليهالسلام كثير غير ما ذكرنا.
ولقد بلغت حركة التأليف قوّتها في عهد الإمام الصادقعليهالسلام ببركة توجيهاته وإرشاداته القيّمة، فكان في تلامذته الكثيرون ممّن ألّفوا الكتب، ودوّنوا الحديث في المصنّفات والمسانيد(4) .
ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام (ت 183 هـ)
1 - الأقوال:
عن زيد النهشلي، قال: كان جماعة أبي الحسنعليهالسلام من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه، ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لِطاف وأميالٌ، فإذا نطق أبو الحسنعليهالسلام ، بكلمةٍ أو أفتى في نازلةٍ؛ أثْبتَ القومُ ما سمِعوا منه في ذلك(5) .
____________________
(1) نفسه 283 رقم 751.
(2) نفسه 15 رقم 12.
(3) نفسه 157 رقم 412.
(4) المصطلح الرجالي 122، 1125.
(5) مُهَجُ الدعوات، لابن طاووس 219 - 220.
وقد اُثرت عنهعليهالسلام المؤلّفات التالية:
1 - مسند الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام :
مجموعة من الروايات المسندة المرفوعة إلى النبيّصلىاللهعليهوآله ، التي أسندها الإمام الكاظمعليهالسلام بطريق آبائهعليهمالسلام . رواها عنه موسى بن إبراهيم، أبو عِمران المروزيّ، البغداديّ؛ قال: إنّه سمِعها من الإمامعليهالسلام عندما كان الإمام في سجن هارون العبّاسيّ. ذكره الطوسي(1) والنجاشي(2) .
وقد طُبع الكتاب عدّة طبعات في: النجف الأشرف، وبطهران، وفي أمريكا وفي بيروت.
وللإمام الكاظمعليهالسلام مسائل وكتب ورسائل؛ رواها أصحابه (انظر رجال النجاشي والكافي...).
ما ورد عن الإمام عليّ بن موسى أبي الحسن الرضاعليهالسلام (ت 202 هـ).
1 - الأقوال:
1 - قال الراوي: كتبتُ على ظهر قِرْطاسٍ: «إنّ الدنيا ممثَّلةٌ للإمام كَفَلَقَةِ الجَوْزة» فدفعتُه إلى أبي الحسنعليهالسلام ، وقلتُ: جُعلتُ فداك، إنّ أصحابنا رَوَوْا حديثاً ما أنكرتُه، غير أنّي أحبَبْتُ أنْ أسمعَه منك!.
قال: فنظَر فيه، ثمّ طواه ثمّ قال: هو حقٌّ فحوّلُه في أديم. وفي نقلٍ آخر،
____________________
(1) الفهرست، للطوسي 191 رقم 721.
(2) رجال النجاشي 407 رقم 1082.
قال: وهو حقّ، فانقلوه إلى أديم(1) .
2 - وفي تفسير قوله تعالى:( وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا ) (2) .
قال عليّ بن أسباط: قلتُ لهعليهالسلام : جُعلتُ فداك، اُريد أنْ أكتبَ.
قال: فضرب يده إلى الدواة، فتناولتُ يدَهُ، فتناولتُها، وأخذتُ الدواة، فكتبتُه(3) .
3 - عن أحمد بن عمر الحلاّل، قال: قلت لأبي الحسن الرضاعليهالسلام : الرجلُ من أصحابنا يُعصيني الكتابَ، ولا يقول: إرْوِه عنّي؛ يجوزُ لي أن أرويَه عنه؟
قال: فقال: «إذا علِمتَ أنّ الكتابَ له، فارْوِه عنه»(4) .
وقد نُسبت إلى الإمام الرضاعليهالسلام :
1 - صحيفةُ الرضاعليهالسلام :
ويُسمّى أيضاً: (مُسْندُ الإمام الرضاعليهالسلام ).
وهو مجموع ما أسنده الإمامعليهالسلام عن آبائهعليهمالسلام عن النبيّصلىاللهعليهوآله ، برواية العديد من أصحابه، وأشهرهم أحمد بن عامر بن سليمان الطائيّ.
وهذه الصحيفة مشهورةٌ متواترةُ النقل عنهعليهالسلام ، لدى كافّة الطوائف الإسلاميّة، فلها طُرُقٌ كثيرة عند الشيعة الإماميّة، والزيديّة، كما هو عند العامّة.
____________________
(1) الاختصاص، للمفيد 217، بحار الأنوار 2/145 ح 11 و 12.
(2) الكهف: 82.
(3) بحار الأنوار 2: 146.
(4) الكافي 1/52 ح 6، روضة المتّقين، للمجلسي 1/26.
وذكرها أربابُ الفهارس، والمعاجم(1) .
وقد طُبعت عدّة طبعات ...
2 - الرسالة الذهبيّة:
رسالة في بعض النصائح الطبيّة، كتبها الإمامعليهالسلام للمأمون العبّاسيّ فأمر هذا بكتابتها بماء الذهب؛ فسُمّيت بالذهبيّة. وهي مطبوعة.
3 - أمالي الإمام الرضاعليهالسلام :
رواه أبو الحسن عليّ بن عليّ الخُزاعيّ، أخو دِعْبل الشاعر، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام ، بطُوس، إملاءً، في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر أورد ذلك الشيخ الطوسي، ونقل عنه أحاديث عديدة(2) . ولعلّ هذا الكتاب هو الذي ذكره النجاشي، وأنّ الخزاعي رواه عن الإمام(3) .
4 - كتاب الإهليلجة:
نُسب إليهعليهالسلام .
قال السيّد الأمين، فيه حُجَجٌ بالغةٌ ومطالبٌ جليلةٌ في علم الكلام.
ولهعليهالسلام مجالس وكتب ومسائل ونُسخ، مذكورةٌ في كتب الرجال.
____________________
(1) رجال النجاشي 100 رقم 250، الذريعة 15/17 و 21/26 و 24/149. أعيان الشيعة 1 ق 1/374.
(2) أمالي الطوسي 370 - 382.
(3) رجال النجاشي 277 رقم 737.
ما ورد عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الجوادعليهالسلام (ت 220 هـ).
عن محمّد بن الحسن بن أبي خالد، شَيْنُولة، قال: قلتُ لأبي جعفر الثانيعليهالسلام : جُعلتُ فداك، إنّ مشايخَنا روَوا عن أبي جعفر، وأبي عبد اللهعليهماالسلام ، وكانت التقيّة شديدةً، فكتموا كتبَهم، فلم تُرْوَ عنهم، فلمّا ماتوا صارت الكُتُب إلينا؟
فقال: «حَدِّثوا بها، فإنّها حقٌّ»(1) .
ما ورد عن الإمام عليّ بن محمّد أبي الحسن الهاديعليهالسلام (ت 254 هـ).
نُقلت عنه الكتب التالية:
1 - رسالة الردّ على أهْل الجبر والتفويض(2) .
2 - كتاب في أحكام الدين.
ذكره السيد العامليّ(3) .
3 - نسخة: رواها أبو طاهر، ابن حمزة بن اليَسع، أخو أحمد(4) .
4 - نسخة: رواها عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور، السرّ مَنْ رائي(5) .
5 - نسخة: رواها عليّ بن الريّان بن الصَلْت الأشعريّ القُميّ(1) .
____________________
(1) الكافي 1/53 ح 15 وعنه في بحار الأنوار 2/167.
(2) أعيان الشيعة 3 ق/380.
(3) نفسه.
(4) رجال النجاشي 460 رقم 1256.
(5) نفسه 297 رقم 806.
6 - مسائل: رواها عليّ بن جعفر الهُمَاني البرمكي.(2)
ما ورد عن الإمام الحسن بن عليّ أبي محمّد العسكريعليهالسلام (ت 260 هـ).
1 - عن داود بن القاسم الجعفريّ، قال: عرضتُ على أبي محمّد صاحب العَسْكرعليهالسلام (كتاب يوم وليلة) ليونُس، فقال لي: «تصنيفُ مَنْ هذا؟». فقلتُ: تصنيفُ يونُس مولى آل يقطين.
فقال: «أعطاه الله بكلّ حرفٍ نوراً يوم القيامة»(3) .
والمأثور عنه من الكتب:
1 - كتاب المنقبة:
قال الشيخ الطهراني: المشتمل على أكثر الأحكام، ومسائل الحلال والحرام(4) .
2 - نسخة: رواها عبد الله بن محمّد، أبو معاد الحويمي(5) .
3 - مسائل: رواها محمّد بن سليمان الزُراري، جدّ أبي غالب(6) .
4 - مسائل: رواها محمّد بن الريّان بن الصَلْت الأشعري القميّ(1) .
____________________
(1) نفسه 278 رقم 731.
(2) رجال النجاشي 280 رقم 740.
(3) نفسه 447 رقم 1208، بحار الأنوار 2/150 ح 25.
(4) الذريعة 23: 149.
(5) نفسه/152.
(6) رجال النجاشي 347 رقم 937.
ما ورد عن الإمام محمّد بن الحسن المهديّ المنتظرعليهالسلام
فقد خرجت من ناحيته المقدّسة أجوبةُ المسائل مكتوبة بشكل «توقيعات» على الأسئلة الموجّهة إلى ناحيته المقدّسة. وقد جمعها عدّة من العلماء منهم: أبو العبّاس الحِمْيَريّ، عبد الله بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع، القميّ - من أصحاب الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّعليهالسلام - المتوفّى سنة 299 هـ(2) ومن خلال العرض السريع لروايات أئمّة أهل البيتعليهمالسلام وجدنا إجماعهم جميعاً مع جواز التدوين قولاً وعملاً.
عصره السياسي
امتدّت حياة ابن تَيمِيه (661 - 728 هـ) في العصر المماليكي الأوّل، عصر المماليك البحريّة الذي ابتدأ بسيطرتهم على مصر سنة 648 هـ، ثمّ بلاد الشام سنة 658 هـ حتى كانت نهايتهم في سنة 784 هـ ليبتدئ عهد المماليك البُرجية، وحتّى عام 923 هـ حيث نهاية دولتهم على أيدي العثمانيّين.
قام العصر المملوكيّ الأوّل على أنقاض الدولة الأيّوبيّة التي حكمت مصر والشام منذ عام 567 هـ، حيث كانت نهاية العهد الفاطميّ الذي امتدّ قرابة ثلاثة قرون (296 - 567 هـ) حتّى أنهكته الحروب المتوالية، فبعد السلاجقة الذين بسطوا سلطانهم على بغداد سنة 451 هـ، ثمّ اندفعوا نحو الشام ينازعون الدولة
____________________
(1) نفسه 370 رقم 1009.
(2) رجال النجاشي 220 رقم 573.
الفاطميّة ...، بعد ذلك كانت الحروب الصليبيّة التي ابتدأت في سنة 488 هـ بمهاجمة الثغور الشاميّة في آسيا الوسطى، ثمّ انحدر الصليبيّون نحو الرُّها التي أصبحت ولايتهم الثانية، كلّ ذلك انتزعوه من السلاجقة، ثمّ انحدروا جنوباً فانتزعوا من الفاطميّين مدن الساحل ووادي نهر العاصي، وحاصروا القدس أربعين يوماً حتّى تمكّنوا منها في شهر رجب من سنة 492 هـ، فأشاعوا فيها الذبح الذريع دون تمييزٍ في سنٍّ أو جنس - شبيه ذلك وقعة الحرّة! -
ومن الطريف أنّ صلاح الدين الأيّوبيّ الذي خطّط مبكّراً لإنهاء الحكم الفاطميّ؛ تردّد كثيراً في قطع الخطبة الفاطميّة، حتّى انبرى لها أعجميّ يدعى نجم الدين الخبشاني، فخطب للمستضيء العبّاسيّ الذي لا يعدو كونه رمزاً ضعيفاً مقيّداً في بغداد بعيداً عن كلّ ما يجري. فانفرد صلاح الدين بملك مصر موجّهاً أنظاره نحو الشام حتّى ضمّها إليه بموت نور الدين سنة 569 هـ ليؤسّس الدولة الأيّوبيّة في مصر والشام.
ثمّ توجّه صوب الصليبيّين فأفلح في طردهم من معظم المدن التي احتلّوها، ولم يبق في أيديهم من المدن الكبرى سوى صور وطرابلس وأنطاكية. ولكن بعد مضيّ صلاح الدين بدأ النزاع بين بنيه وأخيه العادل وأبناء أخيه، واشتدّ النزاع بين خَلَفهم، وكلّما أحسّ أحدهم بالضعف استعان بالصليبيّين على أخيه أو ابن عمّه ومنحهم ما لا يملكون من المدن، حتّى استعادوا أغلب ما انتزعه منهم صلاح الدين، وحتّى القُدس، تخلّى لهم عنها الملك الكامل ابن العادل على أن ينصروه على ألدّ خصومه، أخيه! صاحب دمشق.
فلمّا اشتدّ النزاع بين بني أيّوب عمد ملوكهم إلى شراء مماليك من الأتراك يقومون على حراستهم، واستكثر منهم الملك الصالح في سنة 647 هـ وأقطعهم الأراضي ومنحهم جزيرة بحر النيل (روضة نهر النيل)، فمن أجل ذلك سُمّوا بالمماليك البحريّة. وازداد نفوذهم حتّى تمكّنوا بعد موت الملك الصالح في سنة 647 هـ بأشهر فقط من قتل ابنه طوران شاه سنة 648 هـ ليؤول ملك الأيّوبيّين إلى الإمرأة شجرة الدرّ زوجة الملك الصالح، فكانت آخر رموز الأيّوبيّين، أوّل ملكة في تاريخ الإسلام.
ولأجل أن تحظى بتأييد الخليفة العبّاسي الرمز! في بغداد؛ اتّخذت عزّ الدين أيبك المملوكي زوجاً وجعلت منه وجهاً صورياً للحكم، حتّى دسّت له مَن قتله في الحمّام، فهاج عليها المماليك فقتلوها ونصبوا سيف الدين قُطز المظفّر المملوكيّ، وخطبوا له بالسلطنة كأوّل سلطان فعليّ للمماليك في سنة 657 هـ، بعد عام واحد على سقوط العاصمة العبّاسيّة بغداد بأيدي التتار المغول واجتياحهم مدن الشام والإجهاز على بقايا الدولة الأيّوبيّة هناك.
وفي أقلّ من سنة مرّت على سلطنته استطاع قُطز أن يهزِم التتار في معركة عين جالوت الشهيرة. ولم يمضِ على ملكه غير أحد عشر شهراً حتّى قتله الظاهر بيبرس، ليجلس على كرسيّ السلطنة سنة 658 هـ وكان بيبرس أقوى سلاطين المماليك على الإطلاق وأحسنهم سيرةً، وقد حاول أن يعيد الرمز العبّاسيّ حين عثر على رجل جاء به بعض الأعراب فزعموا أنّه من البيت العبّاسيّ نجا بنفسه فارّاً من بغداد إثر الغزو التتري، فبايعه بالخلافه وأرسله على
رأس جيش إلى بغداد ليجدّد عهد آبائه، غير أنّ التتار قتلوه غربي بغداد وأفنوا جنده. وواصل الظاهر بيبرس مطاردة التتار في بلاد الشام، كما أفلح في دحر الصليبيّين واسترجاع معظم ما احتلّوه، حتّى استعاد منهم أنطاكية التي عجز عن استعادتها صلاح الدين، وكادت تستوي له جميع بلاد الشام، حتّى كانت وفاته سنة 676 هـ؛ ليبتدئ بعده عهد من الفِتن وتعدُّد الملوك وشيوع القتل بينهم وكانوا على الترتيب:
السعيد بركة ابن الظاهر بيبرس: خلعه أُمراء العسكر سنة 678 هـ.
سلامش بن بيبرس: كان عمره سبع سنين، وخُلع بعد أربعة أشهر.
قلاوون المنصور: كان سلطاناً قويّاً انتظم على عهده أمر البلاد حتى وفاته سنة 689 هـ، وهو ثاني مَن مات على السلطنة بعد الظاهر بيبرس، في حين توزّع الآخرون بين مقتول ومخلوع.
الملك الأشرف ابن قلاوون: انتزع عكّا من الإفرنج واستعاد كامل البلاد الساحليّة، وقُتل في سنة 693 هـ على أيدي مماليك أبيه.
بيدرا القاهر: ملك أقلّ من أُسبوعين فقتله مماليك أبيه.
الملك الناصر ابن المنصور قلاوون: وفي عهده هذا غزا التتار البلاد سنة 699 هـ؛ واحتلّوا حلب وحماه ودمشق وغزّة والقدس والكرك وهزموا الملك الناصر إلى مصر، فأعاد عليهم الكرّة في العام التالي في جيش قاده سالاّر وزميله بيبرس، فاستعادوا البلاد وهزموا التتار.
بيبرس: القائد، وزميله سالاّر اتّفقا على خلع الناصر سنة 708 هـ واستقلاّ
في الحكم عاماً واحداً.
الملك الناصر: عاد إلى السلطنة سنة 709 هـ وأقصى بيبرس، وصَحِبه سالاّر هذه المرّة من جديد، واستوت له البلاد، وعَدِم المنافسين؛ فكان آخر سلطان يعاصره ابن تَيمِيه.
تميّز هذا العهدُ بغَلبة السيف على الوراثة في الحكم، وتجسُّد التجزئة السياسيّة بغياب الرمز العبّاسيّ إلى الأبد، تلك التجزئة التي كانت قد ابتدأت في الواقع منذ فقد البيت العبّاسيّ هيمنته، حيث كان أحمد الراضيّ - المتوفّى سنة 329 هـ - آخر خليفة عبّاسيّ ينفرد بتدبير الجيوش والأموال والسياسة، وآخر مَن خطب على المنبر يوم الجمعة من بني العبّاس(1) .
إنّ ابن تَيمِيه الذي ورث النّاصبيّة الخارجيّة التي تحدّثنا عنها، ولم تُسعفه أُسرةٌ بالتربية الصالحة؛ فقد وجدناها مفكّكةً لا تعرف لها انتماءً قبليًّا تعتزّ به، وإنّما هي تنتهي إلى امرأة واعظة اسمها: تَيمِيه؛ مع تشكيك جدّهم الذي وضع لهم شجرة نسبهم المقطوعة! هل أنّ تَيمِيه هي الجدّ الرابع أو دونَه؟! ثمّ لم يكن لهم حظّ من العلم: فجدٌّ حسودٌ وإن كان واعظاً، متى حلّ بحرّان واعظٌ ما زال وراءه حتّى أخرجه منها! وجدٌّ آخر أقلّ شرًّا وإن لم يكن يعرف بعلم، وأمّا أخوه، فلا له ولا عليه، وهو القائم على شؤون أخيه المعاشيّة لأنّ الأخير مشتغل بالفِتن والحروب الكلاميّة ...، ثمّ وهو صبيّ حامت الشكوك حوله في ارتياد الأماكن السرّيّة للصابئة وماذا كانوا يفعلون بالصبيان ممّا يُؤثّر على عقولهم سلباً.
____________________
(1) باختصار شديد عن تاريخ ابن الوردي ج 2: 97 - 247.
وقلنا هناك أنّ المشار إليه أمضى في حَرّان التي كانت أشدّ الأقطار ناصبيّة حتّى أنّها لم تخضع لدستور عمر بن عبد العزيز في رفع السبّ عن أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام .
فتآزرت عوامل الوراثة مع عامل البيئة المصطبغة بألوان الديانات من يهوديّة ونصرانيّة وصابئة وكانت الأخيرة أكثر انتشاراً، مع عامل الأُسرة وروح التمرّد لدى الصبيّ، في عمر أكثر ما يكون فيه الإنسان قابلاً على التّلقّي والأخذ، وعامل آخر قد ذكرناه في جملة هذه العوامل سابقاً - ولكن للتذكير - هو عدم زواجه الذي لا نعلم سببه؟! فلعلّه لو تزوّج لخفّت حدّته وانشغل عن الناس قليلاً؛ والله أعلم.
وما رآه من هجوم المغول على حَرَّان، ففَرّت أُسرته تحمله وحطّت رحالها في دمشق.
ولم تذق أُسرة ابن تَيمِيه طعم الأمان في دمشق بسبب الحروب والتقلّبات السياسيّة، فتارة الصولة للصليبيّين، وأخرى للتتار، ومرّة للفاطميّين، واُخرى للمماليك، ثمّ عودة للرمز العبّاسيّ، مضافاً إلى السلاجقة وينتصر أحد بالصليبيّين على ابن عمّه ويعطيهم مقابل النصرة مدناً شاميّة، وهكذا.
إنّما نذكر هذه الأُمور لتأثيرها السلبيّ في العائلة التي فرّت من الحروب لتجد أشدّ منها ممّا حملها على أن ترحل إلى مصر، فلم تكن الأخيرة بعيدة عن تلك المؤثّرات فعادت إلى دمشق.
وكان تأثير تلك الأحداث أكثر في النفس المضطربة لابن تَيمِيه والذي
يهمّنا من هذه المسألة أنّ الرجل المزدوج الشخصيّة المضطرب لمجموع الأسباب التي ذكرناها؛ قد دخل حروباً كلاميّة مع الفِرَق الإسلاميّة على نهج الخوارج! والغريب في الأمر أنّه اختصّ بالقسط الأوفر منها أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم وعلاّمتهم الجليل: العلاّمة الحلّيّ مع بُعد الشُّقّة بينه وبينه، فابن تَيمِيه، والحلّيّ في العراق! وقبل الولوج في هذا الأمر الذي هو الباعث الواقعيّ لهذه الدراسة، نتكلّم موجزاً عن الحالة الاجتماعيّة لدمشق في عصر ابن تَيمِيه:
عصره الاجتماعي والثقافي
ماذا ينتظر مجتمعاً ضربته الفِتن بأجرانها وتعاقبت عليه العصور لا يرى فيها من الاستقرار إلاّ كطيف الوسنان المسهّد ح وتعاقبت عليه ملوك وأُمراء لا يرون له حقّاً ولا يرعون له ذمّةً ولا يفهمون للأمان معنىً إلاّ ما حاط قصورهم!.
أمراء وسلاطين لا يعرفون حدّاً من حدود الله تعالى؛ يتنازعون الملك تنازع الصبيان على لُعَبِهم، ولا فرق عندهم أن تُراق الخمرة على موائدهم أو تُسفك الدماء تحت حوافر خيولهم!.
فماذا ينتظر المجتمع إذن وحاكموه هكذا؛ غير الفقر والجهل والبلاء؟ ففي سنة 656 هـ اشتدّ الوباء بالشام وخصوصاً بدمشق حتّى عزّ مغسّلوا الموتى.
وفي سنة 680 هـ غرقت دمشق.
وفي سنة 694 هـ جفّت مصر جفافاً هائلاً تبعه غلاءٌ فاحش حتّى أُكِلت المـَيتة.
وفي سنة 718 هـ وقعت مجاعة في شمالي بلاد الشام والموصل كانت سبباً لجلاء الناس وموت الكثير منهم، وغلاء فاحش حتّى باثع الأمّهات أولادها للنصارى! فإذا امتنع من شراء الأولاد جعلت المرأةُ نفسها نصرانيّةً ليرغب في الشراء!.
وفي سنة 720 هـ زُلزلت مصر والشام.
وفي سنة 724 غرقت مصر.
واستشرى الجهل، الوليدُ الطبيعيّ للفقر، وشاعت أساليب جديدة من التكسّب، فتكسّبوا بالشعر، وبالخرافات والأباطيل، كما تكسّبوا بالمنكرات كالخمرة والحشيشة، وصارت الحشيشة جزءاً من ثقافة الأدباء والشعراء، وفاضلوا بينها وبين الخمرة وأكثروا من ذلك حتّى سقط في شراكها ذوو وجاهةٍ، كَعلَمِ الدين أحمد بن يوسف (688 هـ) الذي عُرف فيما بعد بالشيخ الماجن ومن قوله فيها:
يا نفسُ ميلي إلى التصابي |
فاللهو منه الفتى يعيشُ |
|
ولا تملّي من سُكرِ يومٍ |
إنْ أعْوَزَ الخمرُ فالحشيشُ(1) |
ومع ذلك فإنّ السواد الأعظم من المسلمين كان يستنكر تلك المظاهر ويتأذّى منها ففي سنة 691 هـ رفع أهل معرّة النعمان دعاوى إلى الملك الأشرف مطالبين بإبطال الخمّارة، فأُبطلت وخُرّبت من ساعتها.
____________________
(1) البداية والنهاية 13: 333.
وفي سنة 720 هـ أُريقت الخمور في خندق قلة المدينة السلطانيّة واُحرقت الظروف، وذلك أنّه وقع بَرَدٌ كبار أهلك المواشي وأعقبه سيلٌ مخوف، فسأل السلطان الفقهاء عن سببه، فقالوا: من الظُلم والفواحش. فأبطل الحانات في مملكته، وأبطل مكس - ضريبة - الغلّة الذي كان يُثقل كاهل الناس.
وبين الفقر والجهل تجد الخُرافات والأباطيل أرضها الخصبة لتنمو، والناس حينئذ أشدّ تعلّقاً بها من تعلّقهم بالحقائق وبضرورات الدين المـُسندة، ففُتح بذلك بابٌ جديد للتكسّب كان ضحيّته السُّذّج على الدوام. وتواترت أخبار العوام برؤية المنامات، وكثرة الظواهر، وتحدّثوا بقيام المرضى والزَّمنى وفَتْح أعين الأضرّاء عند قبور اكتشفوها في المنامات، ونقل بعض عن بعض أشياء لا أصل لها وبطل الناس من معايشهم وأشغالهم بسبب ذلك(1) .
وترقّى الخيال ببعض المتكسّبين، فادّعوا علم النجوم، ورسموا تقاويم كتبوا عليها أحكاماً بحسب الأبراج، فمنعهم السلطان من ذلك سنة 718 هـ وشاء الله أن يبير تجارتهم فأشاعوا أنّ الشمس ستكسف في دمشق في الساعة السابعة بعد الظهر من يوم الخميس الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة 726 هـ، وذكروا أنّ ذلك ثابت في جميع التقاويم وأنّه حساب لا يُخْرَم. فتهيّأ الناس للصلاة فلم
____________________
(1)الحوادث الجامعة ، لابن الفوطي 194. (وقد أفردنا فصلاً كاملاً في كتاب منهاج السالكين، في الردّ على ابن القيّم، فيه كثير من عظائم تلك الخرافات فهذا يحيي عظام دجاجة فيردّها سالمة، وآخر من كرامته أنّ الله تعالى ينزل لزيارته في قبره!! ...).
تنكسف الشمس، بل انكسف المنجّمون(1) !
وفي أجواء الفقر والبلبلة يكثر اللصوص وقطّاع الطُّرُق، وهذا ما حصل في تلك السنين إذ قُطع طريق الحاجّ عدّة مرّات.
وإلى جانب ذلك كانت طبقات منعّمة أوّلهم السلطان والمقرّبون إليه، ثمّ الولاة والأمراء ونوّابهم وحرسهم.
ثمّ طبقة القضاة وكثير من الفقهاء الذين كانوا يحظون بعناية السلطان والولاة، وعدد من رجال الدين اُطلق عليهم طبقة (المـُعمّمين).
عصره العلميّ والأدبيّ
نشط التأليف في هذا العصر نشاطاً ملموساً. ومن أبرز ما ظهر فيه التأليف الموسوعيّ الذي كان رائده نصير الدين الطوسيّ (672 هـ) الذي ألّف في الفقه وفي الفلسفة والرياضيّات والفيزياء والفلك والطبّ وعلم المعادن؛ وكان صاحب أكبر مرصد فلكيّ أنشأه بنفسه في ذلك العصر.
وظهر علماء آخرون كتبوا في علوم متعدّدة، منهم: زكريّا بن محمّد القزوينيّ (682 هـ) و جمال الدين الوطواط (718 هـ) و أبو حيّان الأندلسيّ (754 هـ).
وبرع في الطبّ: ابن النفيس (687 هـ) مكتشف الدورة الدمويّة الصغرى.
وفي الفيزياء: العالمان الكبيران: قطب الدين الشيرازيّ (710 هـ)، وتلميذه كمال الدين الفارسيّ (720 هـ).
____________________
(1) تاريخ ابن الوردي 2: 270.
وفي الرياضيات: سعيد بن محمّد الصفديّ (712 هـ).
وفي علم الاجتماع وفلسفة التاريخ: ابن الطِقطِقي (709 هـ) في كتابه (الفخريّ في الآداب السلطانيّة والدول الإسلاميّة) وكان سابقاً لابن خلدون.
وفي اللغة: بعد أبي حيّان الأندلسي كان ابن منظور (711 هـ)، ثمّ ابن هشام الأنصاريّ (761 هـ).
وبرز من المؤرّخين عدد كبير، كأبي شامة (665 هـ)، وابن العديم (666 هـ)، وابن خلّكان (681 هـ)، وابن الفوطي (723 هـ) ن والمِزّي (742)، والذهبيّ (748 هـ)، وآخرون.
وأمّا أوسع الناس تصنيفاً في العلوم الدينيّة خاصّة كالفقهِ والأُصول والتفسير والحديث فكان: العلاّمة ابن المطهّر الحلّي (726 هـ) وله تآليف أُخرى كالهيئة والرياضيات والفلسفة، شرح فيها كثيراً من كتب شيخه نصير الدين الطوسيّ حتّى قيل: لو لا شرح ابن المطهّر لم يفهم أحد كلام نصير الدين.
وإمام الزيديّة يحيى بن حمزة المؤيّد بالله (669 - 749 هـ) والشيخ عليّ بن عبد الكافي السُّبكي (686 - 756 هـ) إمام الشافعيّة، وله نح من مائة وخمسين مصنّفاً في العلوم الدينيّة.
عصره الدينيّ
الحالة الدينيّة في هذا العصر مليئة بكلّ ما هو مثير.
فالعصر الذي شهد سقوط عاصمة الخلافة على أيدي التتار المغول وما تبعه
من دمار وخراب، شهد أيضاً تدفّق هؤلاء التتار سلاطين وجنوداً إلى اعتناق الإسلام وتطبيق شيء من أحكامه.
والعلاقة بين الديانات السماويّة الثلاث كانت على أسوئها، لما شهده اليهود والنصارى من دعم وحماية من قبل الصليبيّين ثمّ التتار - قبل إسلامهم فخلّف ذلك فِتَناً كثيرة، ومذاهب إسلاميّة منحرفة نشطت أهمّها:
1 - الإسماعيليّة: وهي فرقة شيعيّة قديمة نسبيّاً شذّت بعد الإمام جعفر الصادقعليهالسلام ، وكان لها شوكة ونفوذ، ومركزها في سَلَمية من نواحي حماه، والمذهب الإسماعيليّ هو مذهب الدولة الفاطميّة التي حكمت قرابة ثلاثة قرون، وعُرفوا بالباطنيّة لإغراقهم في الباطن.
2 - الكرّاميّة: فرقة من العامّة تقول بالتجسيم والتشبيه، تسرّبت عقائدهم حتّى إلى بعض خصومهم، ومن ذلك قولهم باستقرار الله تعالى على العرش مماسّاً له من جهته العليا، وجوّزوا عليه الانتقال والتحوّل والنزول. تعالى الله عمّا يصفون.
3 - النصيريّة: فرقة من غلاة الشيعة، زعمت أنّ الروح الإلهية حلّت في الإمام عليّعليهالسلام ، ثمّ اعتقدوا أنّ ابن ملجم هو أفضل أهل الأرض لأنّه خلّص روح اللاّهوت من ظُلمة الجَسَد، وكان لهم في هذا العصر قوّة أزعجت السلطان فوجّه إليهم جيشين لمقاتلتهم، مرّة سنة 705 هـ) ومرّة سنة 717 هـ.
4 - اليزيديّة: أو العَدَويّة، نسبة إلى الشيخ عَدِيّ بن مسافر المرواني الأُمويّ المتوفّى سنة 557 هـ وكان صوفيّاً استوطن أرض الأكراد في الجزيرة الشاميّة
(الحدود العراقيّة السوريّة). وكان يعتقد في يزيد بن معاوية أنّه إمام حقّ وابن إمام، فغلا فيه أتباعه من بعده وكان لهم انتشار وفِتَن في تلك الديار، وديار بكر وبلاد الأرمن من آسيا الوسطى. وانتشر التصوّف انتشاراً هائلاً، ساعده على ذلك الجهل العامّ بفحوى الدين وأهدافه الكبرى، في أجواءٍ من اليأس والقنوط والخمول، مع تأييد السلاطين لذلك خدمةً لحكمهم. وهذا لا يعني أنّ التصوّف كان منسجماً على الدوام مع السلطة، فمِن شيوخهم مَن اُوذي وسُجن، كالشيخ السهروردي (587 هـ) والشيخ محيي الدين بن عربي (638 هـ) والشيخ خضر العدوي (671 هـ) ومهما يكن فإنّ انتشار التصوّف يُعدّ من أبرز الظواهر الدينيّة في ذلك العصر.
المذاهب الكبرى
شهدت دمشق في هذا العصر حدثاً جديداً، فقد أنشأ الظاهر بيبرس نظاماً جديداً يقضي بتعيين أربعة قضاة موزّعين على المذاهب الأربعة، وطبّق هذا النظام في القاهرة سنة 663 هـ، ثم في دمشق سنة 664 هـ، بعد أن كان القضاء محصوراً بالشافعيّة.
قال السُّبكيّ الشافعيّ: لم يكن يلي قضاء الشام، والخطابة والإمامة بجامع بني أميّة إلاّ مَن يكون على مذهب الأوزاعيّ، إلى أن انتشر مذهب الشافعيّ فصار لا يلي ذلك إلاّ الشافعيّة. وأرّخ ذلك السُّبكي بسنة 302 هـ منذ عهد القاضي
____________________
(1) طبقات الشافعية الكبرى 8: 320.
أبي زُرعة محمّد بن عثمان الدمشقيّ(1) .
وإذا قرار بيبرس هذا يُعدّ انتصاراً للمذاهب الثلاثة حيث أشركهم في القضاء، فإنّه كان قراراً قاسياً على الشافعيّة الذين لم يعتادوا رؤية مشارك لهم في القرار، رغم أنّ بيبرس قد احتفظ لهم ببعض المزايا، كاختصاص القاضي الشافعي بالأوقاف وتقديمه في الأيّام الرسميّة، إلاّ أنّ ذلك لم يحدّ من سخطهم الذي بلغ إلى حدّ اعتقادهم أنّ هذا النظام قد أوجب على فاعله الظاهر بيبرس دخول النار والعذاب الشديد، كما أوجب ضياع ملكه!. يقول السُّبكي: حُكي أنّ الظاهر بيبرس رأى الشافعيّ في النوم لمّا ضمّ إلى مذهبه بقيّة المذاهب، فقال له الشافعيّ: تُهين مذهبي! البلادُ لي، أو لك؟! أنا قد عزلتك وعزلتُ ذريّتك إلى يوم القيامة.
قال: فلم يمكث إلاّ قليلاً ومات، ولم يمكث ولده السعيد إلاّ يسيراً وزالت دولته، وذرّيته إلى الآن فقراء!.
بهذه البساطة يروي العلاّمة السُّبكي أحلام البسطاء فيقول بعكس ما تراه عيناه، فهو يعلم أنّ بيبرس قد بقي في السلطنة ثلاث عشرة سنةً بعد قراره بضمّ القضاة، وأنّه أحسن السلاطين سيرةً، فعطّل الخمرة والحشيشة في كلّ البلاد ولم يفعل ذلك أحد غيره، وهزم المغول والصليبيّين وحقّق ما عجز عنه صلاح الدين حتّى توفّي سنة 676 هـ! ولكنّ ذلك لم يكن شافعاً له، فالسُّبكيّ يقول: حُكيّ أنّه رُئيَ في النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: عذّبني عذاباً شديداً بجعل
القضاة أربعةً.(1)
ولم يكن ذلك شأن الشافعيّة وحدهم، فما تناقله أصحاب المذاهب الأخرى كثير، فمثلاً ما رواه الذهبيّ الحنبليّ وأثبته العماد الحنبليّ في أحداث سنة 725 هـ: كان غرق بغداد المهول، وساوى الماء الأسوار، وغرِق أُممٌ لا تُحصى، ودام خمس ليالٍ، قال الذهبيّ: ومن الآيات أنّ مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي ضريحه فيه، فإن الماء دخل في الدهليز علوّ ذراع ووقف بإذن الله وبقيت البواري عليها غبار حول القبر(2) !.
ذكر ذلك عن قبر أحمد، ولم يُخبر بمصير قبر أبي حنيفة أو الشيخ عبد القادر الجيلاني وكلاهما في بغداد، ولعلّه رأى أنّ ذلك من مسؤوليّة الأحناف والصوفيّة!.
وثمّ أحداث كبيرة كان سببها التعصّب المذهبيّ، فحَجْرُ الملك الأشرف الأيّوبيّ على العزّ بن عبد السلام شيخ الشافعيّة، إنّما كان جرّاء خلاف بينه وبين الحنابلة الذين استمالوا الملك الأشرف وأقنعوه أنّ قولهم قولُ السَّلَف وأنذ عبد السلام زائغ عن الصراط المستقيم(3) .
وفي قضيّة أحمد بن إسماعيل التبريزيّ الشافعيّ الذي قضى عليه القاضي الحنفيّ بالجلد ثمانين ضربةً، ثمّ بنفيهِ وإخراجه من التدريس بسبب شتمِه أحد
____________________
(1) طبقات الشافعية الكبرى 8: 321.
(2) شذرات الذهب 6: 66. والبواري: الحُصُر من قَصَب.
(3) طبقات الشافعية الكبرى 8: 818 وما بعدها.
ذريّة الإمام أبي حنيفة. يقول الشوكاني:
قد لَطفَ اللهُ به بمرافعته إلى حاكم حنفيّ، فلو رُوفع إلى حاكم مالكيّ لحكم بضرب عنقه! وقبّح الله هذه المجازفات والاستحلال للدماء والأعراض لمجرّد أشياء لم يوجب الله فيها إراقة دمٍ ولا هَتْكَ عِرْض(1) . هذا كلّه لا يعني أنّ هناك تجافياً تامّاً وقطيعةً بين أصحاب المذاهب، بل على العكس كانت إفادة بعضهم من البعض مألوفةً جدّاً في التعليم والتأليف والحوار، وربّما كان الحوار ينتهي بانتقالِ فقيهٍ من مذهب إلى مذهب وقد حصل كثيراً.
كما كان جوٌّ من التفاهم بين أتباع المذاهب الأربعة والصوفيّة، فالمدرسة التي تُنشَأ لتدريس المذاهب الأربعة يُخصّص فيه رباط للصوفيّة.
وفي سنة 716 هـ وقع اختيار الصوفيّة على قاضي القضاة الشافعيّ نجم الدين ابن صصرى ليتولّى مشيخة الشيوخ عند الصوفيّة بدمشق(2) .
الشيعة الإماميّة: ومع أنّ الشيعة تجمعهم مع المذاهب الكبرى جامعة لا ينكرونها تلك هي حبّ أهل البيتعليهمالسلام ، وكتبهم مشحونة بأحاديث منزلتهم الخاصّة! وتفاسيرهم كذلك؛ إلاّ أنّه شتّان بين الحبّ والولاء، والثاني هو الذي ميّز الشيعة الإماميّة كخطٍّ مقابل جميع الفرق فإذا ما كتبوا عن أحد رجالهم قالوا عنه: ثقة صدوق واسع العلم إلاّ أنّه يتشيّع! وفي حال مناقشة حديث فأرادوا إبطاله قالوا في سنده فلان يتشيّع أو شيعي، ولم ينظروا فيما قبله وما بعده، إذ غالباً ما
____________________
(1) البدر الطالع 1: 40.
(2) النجوم الزاهرة 5: 345.
يكونوا (حنفيّ وشافعيّ وحنبليّ وربّما مالكيّ) مع ورود الحديث أو الخبر في الصحاح والمسانيد والسُّنن والتاريخ، إلاّ أنّ كلمة شيعيّ على الأقل تبرز أمامك!
وعلى صعيد آخر: فعلى الرغم ممّا تركه الوزير الإماميّ أحمد بن بدر الجمالي من أثرٍ شكره الجميع، ثمّ ما أبداه طلائع بن رزيك الإماميّ من سيرة أثنى عليها المؤاف والمخالف حتّى جُمعت مدائحه في كتاب سُمّي (الدّر النظيم)(1) .
ورغم أنّ هذين الحاكمين الإماميَّين قد قُتلا على أيدي الإسماعيليّة، فيما كانت كتب العامّة تكنّ لهما كلّ التقدير.
وبالرغم من أن موقف الإماميّة من غلاة الشيعة - كالإسماعيليّة والنصيريّة - لا يختلف عن موقف العامّة، إلاّ أنّ كلّ ذلك لم يصحّح المسار لموقف أولئك من الشيعة الإماميّة وبقي الحديث عنهم كالحديث عن أيّ فرقة من الغلاة بدون تمييز، فحصلت أخطاء كبيرة تعمّدها الكِبار، وتلقّاها التابعون تلقّي المقلّد الذي سلّم لشيخه بكلّ ما يقول.
هذا هو عصر ابن تَيمِيه بأهمّ ملامحه، وذاك مكانه الذي أشرفنا عليه، وتلك أُسرته التي عرفناها من قبل. وتلك بيئتُه الأُولى: حَرَّان وهذه بيئتُه الثانية التي ترعرع فيها وتعلّم وفيها مات دمشق.
____________________
(1) النجوم الزاهرة 5: 345.
دراسته:
ابتدأ درسه على أبيه في دمشق، ثمّ تنقّل بين عدد من مشايخها، رجالاً ونساءً منهم:
- أحمد بن عبد الدائم المقدسي (575 - 668 هـ) الحنبلي. ومن تاريخ وفاته يظهرأنّ ابن تَيمِيه قد باشر التعلّم عليه مبكّراً ولمّا يجاوز السابعة من عمره.
- أبو زكريّا، سيف الدين يحيى بن عبد الرحمان الحنبليّ (ت 669 هـ).
- ابن أبي اليُسر التنوخي (ت 672 هـ).
- أبو زكريّا، كمال الدين يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح الحرّانيّ الحنبليّ (ت 678 هـ).
- عبد الرحمان بن أبي عمر، ابن قدامة المقدسيّ الحنبليّ (ت 682 هـ).
أُمّ العرب، فاطمة بنت أبي القاسم بن القاسم بن عليّ - المعروف بابن عساكر مؤرّخ الشام - (ت 683 هـ).
- أُمّ الخير، ستّ العرب بنت يحيى بن قايماز (ت 684 هـ).
- زينب بنت أحمد المقدسيّة (ت 687 هـ).
- زينب بنت مكّي الحرّانيّة (ت 688 هـ).
وآخر مَن ذُكر في شيوخه موتاً: أحمد بن نعمة المقدسيّ (694 هـ).
وهو القائل: أنا الذي أذنت لابن تَيمِيه في الإفتاء(1) .
____________________
(1) عقد الجُمان 3: 285.
- وأمّا الشيخ: عبد السيّد، اليهوديّ، الذي أسلم وتوفّي سنة 715 هـ فمنهم مَن عدّه في شيوخه، ومنهم مَن عدّه في رُفقته وأصحابه(1) .
عودته، ممّا أدّى إلى الحكم عليه بالزندقة والكفر وانتقاله من سجن لآخر وكان من دواعي ذلك فتواه في الزيارة مبثوثة في كتاباته على غير النحو الذي ذكره ابن كثير، وسنعرض له في محلّه.
وما سنذكره من ردود علماء عصره عليه، أو مَن جاء بعدهم كفاية في إظهار حقيقة ابن تَيمِيه، ومن ثمّ دحض أباطيله والردّ على مَن ينتصر له.
سمع المسند مرّات، والكتب الستّة، ونسخ سنن أبي داود، ثمّ أخذ كتاب سيبويه فتأمّله وفهمه، وأقبل على تفسير القرآن الكريم وأحكم أصول الفقه والفرائض ونظر في الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، وردّ على رؤسائهم وأكابرهم، ونظر في الرجال والعلل، وصار عجباً في سرعة الاستحضار والتوسّع في المنقول والمعقول ...»(2) .
ولما كانت عائلته حنبليّة المذهب؛ كان طبيعيّاً أن ينهل ابن تَيمِيه من دروسها: «وكان للحنابلة بين المدارس الفقهيّة والاعتقاديّة مدارس خاصّة بهم، مثل المدرسة الجوزيّة والمدرسة السكرية، كما كان لهم المدرسة العمريّة الّتي أنشأها أبو عمر بن قدامة، بناها بسفحِ قيسون للفقراء والمشتغلين بالقرآن والفقه.
____________________
(1) انظر في شيوخه: العقود الدريّة، لابن عبد الهادي (744 هـ)، الدرر الكامنة 1: 144، تاريخ ابن الوردي 2: 276، الوافي بالوفيات 7: 275 - 276، علم الحديث لابن تَيمِيه، المقدّمة.
(2) الدرر الكامنة 1: 144.
وفي هذه المدارس الحنبليّة تخرج ابن تَيمِيه، ودرس في كنف أبيه ورعايته وتوجيهه، وكان لا بدّ قد رأى الأشاعرة، وهم يهاجمون الحنابلة، ويرمونهم بالتجسيم والتّشبيه ...، فندب نفسه للجدلِ مع الأشاعرة»(1) .
إلاّ أنّ كون عائلته حنبليّة، وأنّه درس يافعاً في مدارسهم ...، فكلّ ذلك لم يخلق من ابن تَيمِيه شخصيّة حنبليّة؛ وإن تركت بصماتها في تكوين فكرِ وجعلت منه شخصاً هو أقرب إلى المذهب الحنبليّ منه إلى غيره من المذاهب الاُخرى.
إلاّ أنّه كانت له اجتهاداته الفقهيّة الخاصّة، فلم يكن مقلّداً. قال تلميذه «الذهبيّ»: «شيخنا وشيخ الإسلام وفريد العصر علماً ومعرفة وشجاعة وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر. وبرع في تفسير القرآن، وبرع في الحديث، وفاق النّاسَ في معرفة الفقه بحيث إنّه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب؛ بل بما يقوم دليله عنده»(2) .
وقال أبو زهرة: «وبعقلِه العميق النّافذ وصل إلى ما وصل إليه من اختيارات ليست في المذاهب الأربعة أو منها، كاعتبار الطّلاق الثلاث بلفظ الثلاث، والطّلاق المتتابع طلقه واحدة ...»(3) .
لقد جرت سيرة البشر على أنْ يرث الخَلَفُ السَّلَفَ في الموقع الاجتماعيّ
____________________
(1) ابن تيميه، حياته وعصره: 26.
(2) علم الحديث: 43، والبداية والنهاية، لابن كثير 14: 67.
(3) ابن تيميه، حياته وعصره: 28.
والمنصب الدينيّ. وقد كان لأبي المترجم له - ابن تَيمِيه - مشيخة الحديث في بعض مدارس الجامع الكبير في دمشق، وكان له كرسيّ فيه. فتوفّي سنة 682 هـ , وابنه أحمد في الحادية والعشرين من عمره؛ وبعد وفاة أبيه بسنة، حلّ محلّه، وجلس مجلسه.
وكان الشّائع أنذاك في العقائد هو مذهب أبي الحسن الأشعريّ، وكان الأشاعرة ينتهجون في العقائد منهج الاستدلال العقليّ والبرهان المنطقيّ؛ فقد كانت نشأة أبي الحسن الأشعريّ؛ نشأة اعتزاليّة، فطُبع بطريقتهم في الاستدلال، ولكنّه خالفهم بعد في النتائج من غير أن يتحوّل عن طريقتهم في الاستدلال.
ومذهب الأشعريّ في العقائد هو مذهب أهل العامّة، وكان الأيّوبيّون قد بالغوا في نشره؛ فكان أتباعه من الكثرة في الشرق والغرب. وقد خالفهم الحنابلة، ليس فقط في منهج البحث في العقائد؛ وإنّما في الفقه أيضاً: «كان الحنابلة يسلكون في دراسة عقائدهم مسلكهم في دراسة الفقه. يستخرجون العقائد من النصوص، كما يستخرجون الأحكام الفرعيّة من النصوص، لأنّ الدّين مجموع الأمرين، فما يُسلك في تعرّف أحدهما يُسلك لا محالة لاستخراجِ الثّاني، وكانت في القرآن آيات فيها وصف الله سبحانه وتعالى بما يُفيد في ظاهره التشبيه بالحوادث، وفي الأحاديث ما يشبه ذلك؛ فكانوا يفسّرونها على مقتضى ما تؤدّيه اللغة بحقيقتها ومجازها»(1) .
____________________
(1) ابن تيميه، حياته وعصره: 25. [من غير تأويل بما يناسب ذات الله تعالى وينزّهه عن التجسيم والتشبيه وغيرها من صفات المخلوقات].
من هنا احتدمت الحرب الكلاميّة بين الحنابلة وخصومهم، وكانت التّهمة الموجّهة إلى الحنابلة هي رميهم بالتجسيم , وتشبيه الله تعالى وعدم تأويلهم النّصوص والألفاظ بما يناسب الله تعالى من التنزيه. وقد حمل ابن تَيمِيه لواء المعركة الجدليّة فخاضها بعنفٍ؛ ليس مع الحنابلة وحسب، وإنّما مع فِرَق الإسلام ومذاهبها جميعاً وتسعّرت لظاها بعد خوضه في حديث المساجد الثلاث، وإفتائه بحرمة زيارة قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله والتّمسّح به رجاء البركة، ومنعه من التّوسّل بالنبيّ إلى الله تعالى.
وقد نال الحنابلةَ بسببهِ بعض الأذى، حتّى اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم أنّهم على معتقد الشافعيّ - على ما سنرى -.
وقد أعان على التأليب عليه إضافة لما تقدّم، ما عرف منه من حدّةٍ في الطبع نفّرت أقرب تلامذته ومحبّيه، ولهم ردودٌ عليه - سنعرض لهما في فصل أصحاب الردود على ابن تَيمِيه - فالذهبي قال: «ومَن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير فيه، ومَن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه، وقد أوذيت من الفريقين من أصحابه وأضداده، وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصليّة وفرعيّة، فإنّه كان مع سعة علمه، وفرط شجاعته ...، تعتريه حدّة في البحث، وغضب وصدمة للخصوم تزرع له عداوة في النفوس ...»(1) .
____________________
(1) ابن تيميه، حياته وعصره: 31.
بداية المعركة
قلنا: إنّ ابتداء المعركة الطويلة الّتي خاضها ابن تيميه، كانت مع فقهاء المذاهب في عصره، وذلك حينما وجّه إليه أهل حماة مجموعة أسئلة تتعلّق باللهِ تعالى، وصفاته المذكورة في القرآن الكريم، من الاستواء على العرش، وإضافة الكرسيّ للهِ سبحانه؛ ومسألة اليد، والوجه وغير ذلك ممّا عرف بالعقيدةِ الحمويّة؛ نسبةً إلى أصحاب تلك الأسئلة من أهل حماة، فأجاب ابن تَيمِيه عليها وقال إنّها صفات حقيقيّة للباري عزّ وجلّ، من غير تأويل لتلك الألفاظ.
ذكر تلميذه ابن كثير في حوادث سنة 698 هـ:
«قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدّين الحنفي فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة الّتي كان قد سأله أهل حماة المسمّاة بالحمويّة، وأرسل فطلب الّذين قاموا عنده. فاختفى كثير، وضرب جماعة ممّن نادوا على العقيدة، فسكت الباقون ...»(1) .
وذكر الحادثة ابن حجر العسقلاني، قال:
«وأوّل ما أنكروا عليه من مقالاته سنة (698)، قام عليه جماعة من الفقهاء بسببِ الفتوى الحمويّة، وبحثوا معه؛ ومُنع من الكلام ...»(2) .
إنّ ما حلّ بساحة ابن تَيمِيه، والحنابلة، لم يكن من العامّة، بل من الخاصّة «الفقهاء» وعلى رأسهم الحنفيّ يناصرهم في ذلك بعض الأمراء.
____________________
(1) البداية والنهاية، لابن كثير 4: 14.
(2) الدرر الكامنة 1: 145.
بعد تلك الحادثة، عاش ابن تَيمِيه سبع سنوات بعيدا عن ملاحقة القضاء والمحاكمات؛ وسبب ذلك أنّ التتار ألحقوا هزيمةً بالجيوش المصريّة والشاميّة وباتوا يهدّدون دمشق. فانشغل العلماء عنه في مواجهة المحنة، وانشغل هو بأمورٍ اُخرى، إذ فتح نار قلمه مختصّاً به الشيعة، والصوفيّة.
ولعلّ أحد الأسرار الّتي حملت ابن تَيمِيه على أن لا يوضّب قلمه للنيلِ من علماء المذاهب الذين هاجموه وحكموا عليه بالسجنِ، وإنّما يشحذ همّته لشنّ الغارة على فرقاء من المسلمين؛ هو أنّ نائب السلطنة تلقى كتاباً فيه أنّ ابن تَيمِيه ومعه أفراد يناصحون التتار ويكاتبونهم، ويؤيّدون مَنْ يمالئهم(1) . فراح يطعن في معتقداتهم، كما حملته سَوْرةُ الغضب وما عُهد عنه من الحدّة على العودة إلى إثارة موضوع الزيارة وما يتفرّع منها من التوسّل والتقرّب إلى الله تعالى بالنبيّصلىاللهعليهوآله ، وبالأولياء.
كما استخدم ابن تَيمِيه نفس السلاح؛ فاتّهم الرفاعيّة الأحمديّة أتباع السيّد أحمد الرفاعيّ بالدجلش والشعوذة وممالأة التتار(2) .
مهاجمة الشيعة: ولقد وجد ابن تَيمِيه الفرصة سانحة للطّعنِ في الشيعة ومعتقداتهم وأسقط عليهم نفس التّهمة؛ أي ممالأة التتار، وكتب إلى النّاصر يحرّضه عليهم ويتّهمهم بمناصرة الصليبيّين، وأنّهم قد حملوا راية الصليب، ولمّا جاء التتار فرحوا بهم وأعانوهم على المسلمين، وأنّهم كانوا السبب في خروج
____________________
(1) انظر (ابن تَيمِيه، حياته وعصره: 42)، والبداية والنهاية 14: 22.
(2) ابن تيميه، حياته وعصره: 47.
جنكيزخان، وفي استيلاء هولاكو على بغداد ...
وأكثر من الوقيعة في الشيعة لدى السلطان النّاصر حتّى تمكّن أن يضمّ إليه كتيبة قادها ابنُ تيميه بنفسِه، وهاجم الشيعة في الجبل السوريّ بكلّ شدّة وعنّف وقتل الكثير، وحرّق أشجارهم وهو «يبرّر قطعه لأشجارهم بقولِه: اقطعوا أشجارهم لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لمّا حاصر بني النضير قطع أصحابُه نخلَهم وحرّقوه 9(1) .
في هذه المرحلة الصعبة الّتي كان يمرّ بها المجتمع المسلم، كتب ابن تيميه أفكاره ومعتقداته، وسمّى كتابه الّذي ضمّنه ذلك «منهاج السُّنّة النبويّة في نقض كلام الشيعة والقدريّة»، فكان هجوماً عنيفاً على أبرز علماء عصره من الشيعة هو العلاّمة الحلّيّ وعلى كتابه «منهاج الكرامة» وكان كتابه هذا وصلة ووسيلة لإفراغ ما في نفسه من مقْتٍ للشيعةِ ما أنساه مرارة ما عاناه من علماء المذاهب السُّنيّة.
وقد عُرف عن الحلّيّ من النباهة والعلم ما هيّأ له أن يحتلّ من نفس «خُدابَندا(2) ن حفيد هولاكو» ذروة السنام حتّى تمكّن من إقناعه بالمذهب الشيعيّ؛ فأظهر التشيّع ممّا أثار حفيظة ابن تَيمِيه ورجال الحنابلة؛ فشنّوا الغارة على الحلّيّ والشيعة.
ونال ابن تَيمِيه من نصير الدّين الطوسيّ أستاذ الحلّيّ، وأحد كبار علماء الشيعة، ومن ابن العلقميّ وزير آخر حاكم عبّاسيّ وحمّلهما مسؤوليّة سقوط
____________________
(1) البداية والنهاية 14: 35.
(2) وهو الصحيح وتعني بالفارسيّة (عبد الله) إلاّ أنّهم حرّفوها فجعلوها: خربندا! و (خر) بالفارسيّة تعني: حمار؟! فانظر أدب الناصبة الجاهلة، ثمّ احكم!.
بغداد ومقتل حاكمها «المستعصم» من غير أن ينظر في مجمل الظروف والأسباب المتعدّدة الّتي أفضت إلى النتيجة المأساة.
ولمّا كان ابن كثير حنبليّاً وتلميذاً لابنِ تَيمِيه؛ كان لا بدّ أن يشايعه في آرائه، إذ كان مولهاً به يرفع من مقامه ويحطّ من الّذين قاضوه وسجنوه، ولا يخرج عن منهجه في مهاجمة الشيعة ورجالهم. ذكر في تاريخه في أحداث سنة ست عشرة وسبعمائة، قال: «وفي هذا الشهر، أعني ذا القعدة وصلت الأخبار بموتِ ملك التتر خربندا محمّد بن أرغون بن بغا بن هولاكو قان؛ ملك العراق وخراسان وعراق العجم والرّوم وأذربيجان والبلاد الأرمنيّة وديار بكر.
توفّي في السابع والعشرين من رمضان، ودُفن بتربتهِ بالمدينة الّتي أنشأها الّتي يُقال لها السلطانيّة، وقد جاوز الثلاثين من العمر. وكان موصوفاً بالكرم ومحبّاً للّهوِ واللّعب والعمائر، وأظهر الرفض. أقام سنةً على السُّنّة ثمّ تحوّل إلى الرّفض. أقام شعائره في بلاده وحظى عنده الشيخ جمال الدّين بن مطهّر الحلّيّ، تلميذ نصير الدّين الطوسيّ، وأقطعه عدّة بلاد، ولم يزل على هذا المذهب الفاسد إلى أنمات في هذه السنة.
وقد جرت في أيّامه فِتَنٌ كبار ومصائب عظام، فأراح الله منه العباد والبلاد، وقام في الملك بعده ولده أبو سعيد؛ وله إحدى عشرة سنة، ومدبّر الجيوش والممالك له الأمير جوبان، واستمر في الوزارة علي شاه التبريزي، وأخذ أهلَ دولته بالمصادرةِ وقتْلِ الأعيان ممّن اتّهمهم بقتْلِ أبيه مسموماً، ولعب كثير من النّاس به في أوّل دولته ثمّ عدل إلى العدل وإقامة السُّنّة، فأمر بإقامة الخطبة
بالترضّي عن الشيخين أوّلاً ثمّ عثمان ثمّ عليّ ...»(1) .
لقد شقّ على ابن كثير رواجُ المذهب الشيعيّ، فسلك منهج شيخه ابن تيميه في محاددة الشيعة والطّعن في شيوخهم: الطّوسيّ، والحلّيّ ...، ورمى المذهب الشيعيّ بالفساد؛ كلّ ذلك لأنّ السلطان «خُدا بندا» تشيّع وأخذ بمذهب أهل البيتعليهمالسلام ، وعظّم رجاله؛ فوصف أيّامه بالفِتَن والمصائب. إلاّ أنّه غفر مرحلة ما بعد خُدابندا، حيث خلفه ابنه الصبيّ، وما فعله من قتْلِ الأعيان على الشبهة والتّهمة في اغتيال أبيه، ومصادرته أموال النّاس، مع كونه موضع سخرية الآخرين. وذريعته في ذلك: أنّ خُدابندا قد خرج عن السُّنّة بتقديمه أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ؛ فلمّا خلف ابنُه عاد إلى السُّنّة في تأخير الوصيّ عليّ!. وبعد أن شفى بعض ما في نفسه - وهو دمشقيّ حنبليّ - بالحديث كما شاء له الهوى عن مذهب أهل بيت النبوّةعليهمالسلام ، اختصّ العلاّمة الحلّيّ بحديثٍ خاصٍ، فرماه بالنجاسة ودنس الأخلاق ...؛ شأنه في ذلك شأن شيخه «ابن تَيمِيه» إلاّ أنّ عصبيّته أعمته حتّى عن تسمية الكتاب الّذي تصدّى ابن تَيمِيه للافتراء عليه؛ وهو «منهاج الكرامة» للعلاّمة الحلّيّ، فسمّاه «منهاج الاستقامة». ففي موضع آخر من حديثه عمّن توفّي من الأعيان سنة ستّ وعشرين وسبعمائة، قال: «وممّن توفّي فيها من الأعيان: أبو منصور حسن بن يوسف بن مطهّر الحلّيّ العراقيّ الشيعيّ، شيخ الروافض بتلك النواحي، وله التصانيف الكثيرة، يُقال: تزيد على مائة وعشرين مجلّداً، وعدّتها خمسة وخمسون مصنّفاً، في الفقه والنحو والأصول والفلسفة والرفض، وغير ذلك من
____________________
(1) البداية والنهاية 14: 77.
كبار وصغار، وأشهرها بين الطلبة شرح ابن الحاجب في أصول الفقه، وليس بذاك الفائق، ورأيت له مجلّدين في أصول الفقه على طريقة المحصول والأحكام، فلا بأس بها فإنّها مشتملة على نقلٍ كثير وتوجيهٍ جيّد، وله كتاب منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة، خبط فيه في المعقول والمنقول، ولم يدرِ كيف يتوجّه، إذ خرج عن الاستقامة. وقد انتدب في الردّ عليه الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقيّ الدين أبو العبّاس ابن تَيمِيه في مجلّدات أتى فيها بما يبهر العقول من الأشياء المليحة الحسنة ولد ابن المطهّر الّذي لم تطهر خلائقه ولم يتطهّر من دنس الرفض ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وستمائة، وتوفّي ليلة الجمعة عشرين من محرم من هذه السنة - أي سنة 726 - وكان اشتغاله ببغداد وغيرها من البلاد، واشتغل على نصير الدين الطوسي، وعلى غيره، ولمّا ترفّض خدابندا حظي عنده ابن المطهّر وساد جدّاً وأقطعه بلاداً كثيرة»(1) .
ابن تَيمِيه في مجلس القضاء: ومن جديد مثل ابن تَيمِيه أمام القضاء، وذلك سنة 705 هـ، حيث عُقدت له ثلاث مجالس. قال ابن حجر العسقلاني: «وكان السبب في هذه المحنة أنّ مرسوم السلطان ورد على النائب بامتحانِه في معقتده لما وقع إليه من أمور تُنكر في ذلك فعُقِد له مجلس في سابع رجب وسُئل عن عقيدته فأملأ منها شيئاً ثمّ أحضروا العقيدة الّتي تُعرف بالواسطيّة - للشيخ ابن تَيمِيه - فقرئ منها وبحثوا في مواضع ثمّ اجتمعوا في ثاني عشرة وقرّروا صفيّ الدّين الهنديّ يبحث معه ثمّ أخّروه وقدّموا الكمال الزملكاني، ثمّ انفصل الأمر
____________________
(1) البداية والنهاية 14: 125.
على أنّه شهد علت نفسه انّه شافعيّ المعتقد. فأشاع أتباعه أنّه انتصر؛ فغضب خصومه ورفعوا واحداً من أتباعه إلى الجلال القزوينيّ نائب الحكم بالعدليّة فعزّره، وكذا فعل الحنفيّ باثنين منهم، وأمر النائب مَنْ ينادي أنّ مَنْ تكلّم في العقائد فُعل كذا به، وقصد بذلك تسكين الفتنة(1) .
المجلس الثاني: ثمّ عقد لهم مجلس في سلخ رجب، وجرى فيه بين ابن الزملكاني وابن الوكيل مباحثة ...؛ وذكر ابن حجر أنّ ثمّة خلاف وقع بينهم.
قال: ثمّ وصل في خامس رمضان بطلب القاضي والشيخ وأن يرسلوا بصورة ما جرى للشيخ في سنة 698، ثمّ وصل مملوك النائب وأخبر أنّ الجاشنگير والقاضي المالكيّ قد قاما في الإنكار على الشيخ وأنّ الأمر اشتدّ على الحنابلة حتّى صُفع بعضهم.
المجلس الثالث: توجّه القاقضي والشيخ إلى القاهرة ومعهما جماعة فوصلا في العشر الأخير من رمضان، وعُقد مجلس في ثالث عشر منه بعد صلاة الجمعة، فحكم المالكيّ بحبسهِ وحُبس في برج، ثمّ بلغ المالكيّ أنّ النّاس يتردّدون إليه فقال: يجب التضييق عليه إنْ لم يُقتل وإلاّ فقد ثبت كفرُه. فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجُبّ، وعاد القاضي الشافعيّ إلى ولايته، ونودي بدمشق: مَن اعتقد عقيدة ابن تَيمِيه حلّ دمُه ومالُه خصوصاً الحنابلة. وقُرئ المرسوم، قرأه ابن الشهاب محمود في الجامع. ثمّ جمعوا الحنابلة من الصالحيّة وغيرها واُشهدوا على أنفسهم أنّهم على معتقد الشافعيّ. واتّفق أنّ قاضي الحنابلة شرف الدين الحرّانيّ
____________________
(1) الدرر الكامنة 145 - 146.
كان قليل البضاعة في العلم، فبادر إلى إجابتهم في المعتقد واستكتبوه خطّه بذلك(1) .
كلمة إجماع: لقد كانت كلمة الجميع واحدة في مناهضة ابن تيميه، نلمس هذا من كتاب بعث به ولد الشيخ جمال الدين ابن الظاهريّ لبعضِ معارفهِ بدمشق، فقد ذكر فيه أنّ جميع مَن بمصر من القضاة والشيوخ والفقراء والعلماء والعوام يحطّون على ابن تَيمِيه(2) ...
شروط التخلية: بذل البعض مساعٍ بغية تخلية سبيل ابن تَيمِيه وذلك سنة 706 هـ، وجرى الحديث بذلك مع القضاة الثلاثة: الشافعيّ، والمالكيّ، والحنفيّ؛ فاتّفقوا على أنّهم يشترطون فيه شروطاً، وأنْ يرجع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه فامتنع من الحضور، فلم يزل في الجُبّ إلى أنْ شفع فيه مهنا أمير آل فضل؛ فاُخرج في ربيع الأوّل في الثالث وعشرين منه واُحضر إلى القلعة ووقع البحث مع بعض الفقهاء، فكُتب عليه محضر بأنّه قال أنا أشعريّ. ثمّ وجد خطّه بما نصّه: الّذي أعتقد أنّ القرآن معنى قائم بذاتِ الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت، وأنّ قوله على العرش استوى؛ ليس على ظاهره ولا أعلم كنه المراد؛ بل لا يعلمه إلاّ الله؛ والقول في النزول كالقولِ في الاستواء».
وكتبه أحمد بن تيميه، ثمّ اشهدوا عليه أنّه تاب، وذلك في خامس عشر
____________________
(1) الدرر الكامنة 1: 147، والبداية والنهاية 14: 38.
(2) نفسه.
ربيع الأوّل سنة 707 هـ وشهد عليه بذلك جمع جمّ من العلماء وغيرهم(1) ...
إنّ الشروط المذكورة، والمحضر الّذي كتبه ابن تيميه بخطّهِ وبشهادة الشهود من علماء مختلف المذاهب، يشير إلى تراجع ابن تيميه عن كثير من عقيدته؛ ومن قبل كان قد شهد على نفسه بأنّه أشعريّ، رغم بغضه لعقيدة الأشعريّ. وعلى أثر شهادته وكتابته المحضر؛ اُفرج عنه وسكن القاهرة وسكن الحال لذلك.
لم تدم الأمور على حالها، فقد هيّجها ابن تَيمِيه من خلال عودته للخوض في الحديث عن «الاستغاثة» ممّا أثار عليه الصوفيّة «ثمّ اجتمع جمع من الصوفيّة عند تاج الدّين بن عطاء، فطلعوا في العشر الأوسط من شوّال إلى القلعة وشكوا من ابن تيميه أنّه يتكلّم في حقّ مشايخ الطريق وأنّه قال لا يستغاث بالنبيّصلىاللهعليهوآله ؛ فاقتضى الحال أنْ اُمر بتسييره إلى الشام فتوجّه على خيل البريد، وكلّ ذلك والقاضي زين الدّين بن مخلوف - المالكيّ - مشتغل بنفسِه بالمرض وقد أشرف على الموت وبلغه سفر ابن تَيمِيه فراسل النّائب، فردّه من بلبيس وادّعى عليه عند ابن جماعة، وشهد عليه شرف الدين ابن الصابوني؛ فاعتُقل بسجن بحارة الديلم في ثامن عشر شوّال إلى سلخ صفر سنة 709، فنُقل عنه أنّ جماعة يتردّدون إليه وأنّه يتكلّم عليهم في نحو ما تقدّم، فنُقل إلى الإسكندريّة في سلخ صفر وحُبس ببرج شرقيّ»(2) .
أمضى ابن تَيمِيه أكثر من سبع سنين بعيداً عن دمشق، أمضاها بين محاكمة
____________________
(1) الدرر الكامنة 1: 148.
(2) الدرر الكامنة 1: 148 - 149.
و سجن ...
وفي سنة 712 واتت الفرصة ابن تَيمِيه ليتحرّر من السجن بسبب ما وقع من حرب مع التتر وانشغال الجميع بهذا الأمر، فشفعوا له عند القاضي المالكيّ «فاشترط القاضي أنْ لا يعود ابن تيميه فقيل له: إنّه قد تاب، فأفرج عنه ووصل دمشق مستهل ذي القعدة سنة 712»(1) .
وفي عام 718 عُقد له مجلس، إذ أنكر عليه القضاة فتواه في مسألة الحلف بالطلاق، وتمّ الاتّفاق على عدم عودته إلى تلك الفتيا. وفي شهر رمضان سنة 719 قاموا عليه من جديد بسبب عودته إلى الفتوى، فأكّد عليه المنع من الفتيا وقرئ في البلد مرسوم السلطان الّذي يتضمّن ذلك، ثمّ حُبس بالقلعة بعد أن عقدوا له مجلساً في رجب سنة عشرين، واُفرج عنه في عاشوراء سنة 721(2) .
إنّ هذه الحقبة الزمنيّة شهدت نشاطاً لابن تَيمِيه يكاد أن ينحصر في الفقه بعد أن أمضى على نفسه كتاباً برجوعه عن بعض عقائده والكلام فيها، ولأجله حُوقق وسُجن على فتاواه.
وفي عام 725 وقع للشيخ شهاب الدين البعلبكي من الحساب بسبب متابعته لابن تَيمِيه في بعض آرائه: «وفيها منع شهاب الدين بن مرى البعلبكيّ من الكلام على النّاس بمصر، على طريقة الشيخ تقي الدين بن تَيمِيه، ثمّ سُفّر إلى
____________________
(1) نفسه 1: 149.
(2) نفسه، والبداية والهاية 14: 87، 93، 97، 98.
الشام بأهلِه ...»(1) .
نهاية المطاف: وانتهى المطاف بابنِ تَيمِيه أن أودع السجن في شعبان سنة 726 بسببِ عودته إلى الكلام، فكان ذلك خاتمة حياته حيث مات في معتقل القلعة في ليلة الإثنين، العشرين من ذي القعدة سنة 728 هـ. قال البرزالي: «يوم الإثنين سادس عشر شعبان اعتقل ابن تيميه بقلعة دمشق حيث ورد مرسوم السلطان بذلك. وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قرئ بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد باعتقاله ومنعه من الفتيا، وهذه الواقعة سببها فتيا وجدت بخطّهِ في السفر وإعمال المطي غلى زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقبور الصالحين»(2) .
«وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدّين في سجن الحكم، وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له فيه، فيما تقتضيه الشريعة في أمرهم، وعزّر جماعة منهم على دوابّ ونودي عليهم ثمّ أطلقوا، سوى شمس الدّين محمّد بن قيّم الجوزيّة، فإنّه حُبس بالقلعة، وسكتت القضيّة»(3) .
إنّ الإبقاء على ابن الجوزيّة في المعتقل يرجع إلى ما عرف عنه من اندكاكه في البوتقة الفكريّة لابنِ تيميه، فكان يحذوه في المعتقد والآراء، - وهو شديدٌ
____________________
(1) البداية والنهاية 14: 117.
(2) نفسه: 123.
(3) نفسه 14: 123.
مثلُه على الشيعة ورجالهم -.
تعصّب مقيت: أن التعصّب صفة مذمومة، إذ تحمل صاحبها على العناد والإصرار على الباطل مع وضوح البرهان. والغريب من ابن كثير الحنبليّ أنّ تعصّبه لابنِ تيميه لم يحمله على تمجيده وإطرائه بأفضل النعوت وتخريج آرائه وتوجيهها لتكون مقبولة؛ وإنّما ذهب أبعد من ذلك حيث أنكر بعض آرائه الّتي حوقق عليها فسُجن لأجلها من قبيل مسألة الزيارة، وهو ما لم ينكره ابن تيميه وإنّما أصرّ عليه ومؤلّفاتُه حافلةٌ به!.
قال: «ثمّ يوم الخميس دخل القاضي جمال الدين بن جملة، وناصر الدين مشيد الأوقاف، وسألاه عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج وكتب تحته قاضي الشافعيّة بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خطّ ابن تَيمِيه إلى أن قال: وإنّما المحزّ جعله زيارة قبر النبيّصلىاللهعليهوآله ، وقبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع مقطوعاً بها. قال ابن كثير: فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الإسلام، فإنّ جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنّما فيه ذكر قولين في شدّ الرحل والسفر إلى مجرّد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شدّ رحل إليها مسألة، وشدّ الرحل لمجرّد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شدّ رحل، بل يستحبّها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرّض إلى هذه الزيارة في هذا الوجه في الفتيا، ولا قال إنّها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول الرسولصلىاللهعليهوآله «زوروا القبور فإنّها تذكّركم
الآخرة» والله سبحانه لا يخفى عليه شيء ...»(1) .
وما ذكره ابن كثير في محاولة منه لتبرئة ساحة ابن تيميه ممّا وُجّه إليه من التّهم، لا معنى لم وذلك لإقرار ابن تَيمِيه بها وتوبته ثمّ عودته إلى أفكاره ...
____________________
(1) البداية والنهاية 14: 124.
الفهرس
إهداء 3
مقدّمة 3
تمهيد. 9
تعريف بـ (ابن تَيمِيه) 661 - 728 هـ 17
تسمية تَيمِيه 19
وقفة تأمّل. 20
عودٌ على تَيمِيه 21
والدتُه 22
تعليق. 22
قبيلتُه 23
خلاصة 24
صفاته البدنية 24
بيئتُه 26
ابن تَيمِيه خارجيّ، الجزيرة تستضيف الخوارج. 31
وقفة قصيرة 32
لفت نظر 33
ملاحظة جديرة بالاهتمام 42
موقف طلحة والزبير من عثمان. 43
ثلاثة من أهل الشورى. 46
موقف أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام.... 47
نفاق طلحة! 49
البيعة لأمير المؤمنين عليهالسلام.... 51
مقتل مالك بن نُوَيرة 56
بين دستورين. 61
دستور عليّ بن أبي طالب في القتال. 62
تسيير عائشة إلى المدينة 62
الخوارج في السّنّة 68
إمام الخوارج وشيخها 71
ابنُ تَيمِيه يُصرّح بخارجيّته 73
خطبة ابن الزبير فيهم. 83
كتاب ابن الأزرق إلى ابن الزبير. 84
عليّ عليهالسلام في وصف الخارجيّ: ابن الأزرق؛ والخارجيّ ابن تَيمِيه 85
معاوية يدحض دعوى باطلة بحقّ عليّ عليهالسلام.... 86
عائشة تبكي قتالها عليّاً 92
الإسلام يبسط سلطانه على حَرّان. 105
رواية الطبريّ الثانية 108
النفوذ الأُمويّ في الشام وانطباع الجزيرة بأثر ذلك.. 109
وقعة أجنادين. 112
وقعة مرج الصُّفَّر 113
يوم فِحْل. 114
وقعة اليرموك. 115
فتح دمشق. 117
فتح مصر 119
الخليفة يعزّي أبا سفيان. 120
الخليفة يتوعّد الشورى بمعاوية: 121
السياسة الأُمويّة وآثارها الاجتماعيّة في الشام 127
معاوية يصدح بحقيقته 131
آفة معاوية تسري إلى يزيد. 135
معاوية يمنعُ من نشر حديث رسول الله صلىاللهعليهوآله.... 137
أبوبكر يحرق أحاديث رسول الله صلىاللهعليهوآله.... 137
فائدة 143
أحاديث الأريكة 146
لفتُ نظر 147
مزيدٌ من النصوص النبويّة في وجوب رواية الحديث.. 149
توجيهٌ غيرُ مقبول من الذهبيّ. 150
حديث رسول الله؛ وردّ عمر بلفظ آخر 160
أحاديث النبيّ في الرِّدّة 162
أصحاب الصخرة 166
بسالة أميرالمؤمنين يوم أُحُد. 168
عمر يقتفي سنّة أبي بكر 171
أحمد، وابن الجوزيّ يُنكران دفن الكتب.. 177
موافقوا عمر في رأيه وفعله 178
أساليب عمر في المنع. 181
مُصحف عمر بن الخطّاب.. 184
آيةٌ أُخرى. 187
تحريفُ كتاب الله عزّ وجلّ. 189
أُمّهات المؤمنين يُحرّفن آية 191
أحاديث التهوّك. 192
نقدُ التبرير 195
منهج عمر في المنع من حديث رسول الله صلىاللهعليهوآله.... 205
وقفة قصيرة مع خطبة عمر 207
عثمان ورواية الحديث.. 223
أحبّ السُّوَر إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله.... 229
ثورة ابن مسعود على زيد. 232
أُبَيّ بن كعب.. 235
عثمان يُشقّق المصاحف.. 242
اختلاف وزيادة ونقصان! 243
ترتيب عثمان لسور القرآن. 245
كذب على رسول الله صلىاللهعليهوآله، في القراءة 248
مروان يُشقّق القرآن. 251
معاوية يمنع الحديث.. 252
الإسكافي يفضح أسباب الفُرقة عن عليٍّ عليهالسلام.... 267
ذكر أصناف المخالفين والمعاندين للإمام عليّ عليهالسلام.... 274
دستور معاوية في سبّ أميرالمؤمنين عليّ عليهالسلام والبراءة منه 279
مدرسة معاوية في وضع الحديث.. 284
حديث بحيرا الراهب.. 298
المقاطعة ودخول الشِعب.. 305
أبو هريرة 314
سَمُرة بن جُنْدَب.. 319
الجبهة المعارضة للمنع. 329
وأخيراً 344
السنّة القوليّة 344
إجماع أهل البيت عليهمالسلام على التدوين. 350
فمَن هم أهلُ البيت؟ 357
ما وردَ عن الإمام أميرالمؤمنين عليّ عليهالسلام.... 362
ما ورد عن الإمام الحسن السِبْط عليهالسلام (استُشهد سنة 49 هـ). 371
ما ورد عن الإمام الحسين السبط الشهيد عليهالسلام (61 هـ). 371
ما ورد عن الإمام عليّ زين العابدين عليهالسلام (ت 95 هـ). 373
ما وردَ عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهالسلام (ت 114 هـ) 374
ما ورد عن الإمام جعفر بن محمّد أبي عبد الله الصادق عليهالسلام (ت 148 هـ): 379
ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهالسلام (ت 183 هـ) 385
ما ورد عن الإمام عليّ بن موسى أبي الحسن الرضا عليهالسلام (ت 202 هـ). 386
ما ورد عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الجواد عليهالسلام (ت 220 هـ). 389
ما ورد عن الإمام عليّ بن محمّد أبي الحسن الهادي عليهالسلام (ت 254 هـ). 389
ما ورد عن الإمام الحسن بن عليّ أبي محمّد العسكري عليهالسلام (ت 260 هـ). 390
ما ورد عن الإمام محمّد بن الحسن المهديّ المنتظر عليهالسلام.... 391
عصره السياسي. 391
عصره الاجتماعي والثقافي. 397
عصره العلميّ والأدبيّ. 400
عصره الدينيّ. 401
المذاهب الكبرى. 403
دراسته: 408
بداية المعركة 413
الفهرس.. 427