ابن تيميه الجزء 2

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: حبيب طاهر الشمري
شخصيات إسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

ابن تيميه المجلّد الثاني

نقد منهجه

حبيب طاهر الشمّريّ

مراجعة: جعفر البياتيّ



سبَقُ عليّعليه‌السلام إلى الإسلام

امتدّت يدُ النَّصْب إلى فضيلةٍ - وإن شئت فسمّها خصوصيّة من خصائص أمير المؤمنينعليه‌السلام - فأنكَرَتْها، تلك هي سَبْق عليّعليه‌السلام إلى الإسلام!

قال ابن تَيمِيَه: قولُه - أي العلاّمة الحِلّيّ - «وهذه الفضيلة - السَبْق - لم تثبت لغيره من الصحابة» ممنوع، فإنّ الناس متنازعون في أوّل مَن أسلم، فقيل: أبوبكر أوّل مَن اسلم فهو أسبقُ إسلاماً من عليّ، وقيل إنّ عليّاً أسلم قبلَه لكنّ عليّاً كان صغيراً وإسلام الصبيّ فيه نزاعٌ بين العلماء، ولا نزاعَ في أنّ إسلام أبي بكر أكملُ وأنفع؛ فيكون هو أكمل سبقاً وأسبقُ على الإطلاق على القول الآخَر! فكيف يُقال عليّ كان أسبق منه، بلا حجّةٍ تدلّ على ذلك(1) ؟!

جوابنا وبالله التوفيق

إنّ القول بسَبْق أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام إلى الإسلام ليس من أقوال العلاّمة

____________________

(1) منهاج السنّة 4: 42.


الحِلّيّ الّذي كان معاصراً لابنِ تَيميَه، وإنّما هو من أقوال علماء القرن الثاني الهجريّ فما بعد، ومنهم تلقّاه الحِلّيّ. وأمّا قوله بشأن صحّة الحديث: ممنوع! فغريب ومضحك، زاد في خروجه عن المألوف منه في هذه الأحاديث، فلم يقل بشأنه: «وهذا كذِبٌ موضوع عند أهل المعرفة بالحديث» أو «هذا كَذِبٌ بإجماع أهل العلم» ولما كان أبو الفرج قبلةَ ابن تَيميَه قد ذكر سَبْق عليّعليه‌السلام ، فقد ضاقت به السُّبُل، فلاذَ بالناس، وبذا جعل الناسَ جميعاً علماءَ وأهلَ معرفة بالحديث، مستثنياً منهم أصحابَ المصنّفات شيوخ البخاريّ ومسلم، وأصحابَ السُّنن والتراجم والسيرة والتاريخ...؛ فهذه الشرائح من الناس قد أجمعت على سَبْق عليّعليه‌السلام إلى الإسلام؛ ولا ندري إن كان ابن تَيميَه يعدّ هؤلاء من الناس أم لا؟! فإن قال: نعم؛ فقد حكم نفسَه! وإن قال: لا؛ فإلى الله المشتكى! ومع كلّ ذلك، هلاّ ذكر بعضاً من أولئك الناس الذين زعم اختلافهم في أوّل مَن أسلم!

وأمّا التعلّل بمسألة السنّ، وأنّ عليّاًعليه‌السلام أسلَمَ صغيراً...؛ فإنّ هذا المزعم لا موقع له؛ إذِ الكلام جارٍ في سَبْق عليّ إلى الإسلام، وأنت زعمتَ أن أبابكر قال الناس فيه: أنّه هو الذي سَبَق، فكان عليك أن تأتيَ بالحجّة على قولك كما طلبت ذلك منّا! ولمّا لم تفعل فقد سقط زعمك، وأمّا نحن فسنوافيك بما لا تستطيع دفعه فضلاً عن منعه!

وأمّا مسألة السنّ، فقد قيل إنّهعليه‌السلام أسلم وعمره ثلاثَ عشرةَ سنة، وقالوا: خمسة عشر...، والذين قالوا بصغر سنّه إنّما أرادوا حطّ فضيلته هذه، فرفعوا من منزلته - كما سنذكر - وحان أن نذكر حجّتنا:


الناس الذين قالوا بسَبْقِ عليّعليه‌السلام

جارَيْنا ابن تَيميَه حتّى في هذا اللّفظ، فلم نقل مثلاً: إنّ العلماء هم الذين ذكروا فضيلة عليّعليه‌السلام ؛ والعلماء ناسٌ، إلاّ أنّ لهم شأناً في المجتمع وكلمةً مسموعة...

يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق(1) قال: حدّثني يحيى بن أبي الأشعث الكنديّ، قال: حدّثني إسماعيل بن إياس بن عفيف، عن أبيه عن جدّه عفيف، أنّه قال: كنتُ امرءًا تاجراً فقدِمتُ أيّامَ مِنى، أيّام الحجّ، وكان العبّاس بن عبد المطّلب امرءًا تاجراً، فأتيتُه أبتاعُ منه وأبيعه؛ قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خِباء يصلّي فقام تجاه الكعبة، ثمّ خرجت امرأةٌ فقامت تصلّي معه، وخرج غلام فقام

____________________

(1) محمّد بن إسحاق بن يَسار، شيخ رجال السّيرة، عاش القرنَين الأوّل والثاني، تُوفّي سنة 150 هـ قال عبّاس الدُّوريّ: سألتُ يحيى - بن مَعين -: أيُّما أحبُّ إليك: موسى بن عُبيدة الرَّبَذيّ، أو محمّد بن إسحاق؟ فقال: محمّد بن إسحاق. (تاريخ يحيى بن مَعين 1: 50/229). وأيضاً الدوريّ، قال: سمعتُ أحمد بن حنبل، وسُئل فقيل له: يا أبا عبد الله، ما تقول في موسى بن عُبيدة الرَّبَذيّ، وفي محمّد بن إسحاق؟ فقال: أمّا محمّد بن إسحاق فهو رجل تُكتَب عنه هذه الأحاديث - كأنّه يعني المغازي ونحوها -، وأمّا موسى بن عُبيدة فلم يكن به بأس، ولكنّه حدّث بأحاديثَ مناكيرَ عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (تاريخ يحيى / الرقم 231). وقال العجليّ: محمّد بن إسحاق مدنيّ ثقة. (تاريخ الثِّقات: 400/1433). وذكره ابن حبّان في الثِّقات وقال: قال عليّ بن المدينيّ - وقد سُئل عن محمّد بن إسحاق - فقال: ثقة. (الثقات لابن حبّان 4: 235/4067). وانظره في: تاريخ البخاريّ الكبير 1: 1: 40، والجرح والتعديل 3/2/192، والكامل لابن عَدِيّ 323.


يصلّي معه، فقلتُ: يا عبّاس ن ما هذا الدّين؟! إنّ هذا الدّين ما ندري ما هو؟ فقال العبّاس: هذا محمّد بن عبد الله يزعم أنّ الله أرسله وأنّ كنوز كسرى وقيصر ستُفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمَنَت به، وهذا الغلام ابن عمّه عليُّ بن أبي طالب آمَنَ به؛ قال العفيف: فليتني آمنتُ يومئذ وكنتُ أكون ثانياً(1) !

وكذلك ابنُ إسحاق، عن يونس بن يوسف بن صُهَيب عن عبد الله بن بُرَيدة قال: أوّل الرجال إسلاماً عليّ بن أبي طالب، ثمّ الرَّهَط الثلاثة: أبو ذرّ، وبُرَيدة، وابن عمٍّ لأبي ذرّ(2) .

هذه واحدة من حُججنا، وقد طلبتَ حجّةً فأتيناك بها من رجلٍ لا تستطيع خدشَه! كيف وأئمّتُك: ابن حنبل، وابن معين، وابن أبي حاتِم، والعجليّ... قد وثّقوه؟! وسنُلقي على مسامعك حُججاً تَترى؛ لأنّها من الناس إلاّ أنّ رجالها ثقات وليس فيهم نكِرة:

فهذا عبد الرزّاق بن هَمّام الصنعانيّ، لم تبعد الشقّة بينه وبين ابن إسحاق مثلما بعدت بينك وبينه، فهي لا تزيد على 11 سنة، فقد تُوفّي عبد الرزّاق سنة 211 هـ قال: قال مَعْمَر: أخبرنا قتادة عن الحسن وغيره فقال: كان أوّلَ مَن آمن به عليُّ بن أبي طالب وهو ابن خمسَ عشرةَ أو ستَّ عشرة(3) . قال: وأخبرني

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق: 137.

(2) نفسه: 138.

(3) المصنَّف، لعبد الرزّاق 5: 219.


عثمان الجَزريّ عن مِقسم عن ابن عبّاس قال: عليٌّ أوّل مَن أسلم(1) .

فمَن كان عمره ستّ عشرة سنة، لا يقال عنه صبيّ لا يرقى في إسلامه إلى صفّ الشيوخ الذين أمضوا قرابة خمسين سنة في جاهليّة وعبادة أوثان...؛ وهل الذين قادوا الحروب على الإسلام وماتوا أو قُتلوا وهم مشركون إلاّ شيوخ قريش؟!

أمّا الإمام عليّعليه‌السلام فلقد كان ممّا أنعم الله عليه أنّه كان قد نشأ في حِجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل الإسلام، ولم يكن يفارق رسول الله، فلقد تكفّل النبيُّ عليّاً - في قصّة معروفة - وكان له مِثْلَ الشيء وظِلّه لا يزايله. وكانعليه‌السلام يسمع صوتَ الوحي ويراه - ذكرنا حديثه في حديث مدينة العلم والخطبة القاصعة لأميرالمؤمنينعليه‌السلام ؛ «فكان عليٌّ أوّلَ مَن آمن برسول الله وصلّى معه، وصدّق بما جاءه من الله تعالى... صلّى النبيّ يومَ الإثنين، وصلّى عليٌّ يومَ الثُّلاثاء»(2) .

مع التذكير: بأنّ خديجةرضي‌الله‌عنها أوّلُ مَن أسلم هي وعليّ، ثمّ تَبِعهم الرهط الثلاثة - مضى ذِكْرهم. ولا ندري كم هو عمرُ هؤلاء الرهط، صبياناً كانوا حين أسلموا، أم شيوخاً فيكونوا أكمل إسلاماً من عليّعليه‌السلام ؟ إلاّ أنّا ندري أنّ خديجة أسنَّ من عليّ بكثيرٍ حين أسلمت، فماذا نقول عن إسلامها وإسلام أبي بكر؟!

والحكم على إسلام مَن أسلم هو من شأن الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا من

____________________

(1) نفسه.

(2) سيرة ابن إسحاق 137 - 138، والسيرة النبويّة، لابن هشام 1: 262، وصحيح الترمذيّ 5: 640، وشواهد التنزيل 2: 126....


شأن ابن تَيمِيَه وأضرابه.

وقبل الاسترسال في ذكر الحجج التي طلب ابن تيميه في سَبْق عليّعليه‌السلام ، نذكر حديث العشيرة؛ لنعرف مدى ضرورة السنّ لدى النوابغ في التَّلقّي وأهمّيتها في الإعداد الرساليّ في مثل شخص الإمام عليّعليه‌السلام وتهيأته للوصاية والخلافة الكبرى.

حديث العشيرة

لما نزل قوله تعالى:( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (1) : بسندٍ عن أبي عَوانة، عن عثمان بن المُغيرة، عن أبي صادق، عن رَبيعة بن ناجذ: أنّ رجلاً قال لعليٍّ: يا أمير المؤمنين، لِمَ وَرثْتَ ابن عمِّك دونَ عمِّك؟ قال: جَمعَ رسول الله بني عبد المطّلب، كلُّهم يأكلُ الجَذَعة ويشربُ الفَرق(2) . قال: فصنع لهم مُدًّا من طعام فأكلوا حتّى شبعوا، وبقيَ الطعامُ كما هو كأنّه لم يُمَسَّ ولم يُشرب. فقال: يا بني عبد المطّلب، إنّي بُعِثتُ إليكم خاصّةً وإلى الناس عامّةً، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيُّكم يُبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقُمْ إليه أحد. قال: فقُمتُ - وكنتُ أصغرَ القوم سِنّاً - فقال: اجلِسْ. قال: ثمّ قال ثلاثَ مرّاتٍ، كلُّ ذلك أقومُ إليه فيقول لي: اجلِسْ، حتّى كانت الثالثة، ضرب يدَه على يدي.

____________________

(1) الشعراء: 214.

(2) الجذعة: الضّأن لم تتمّ سنة. والفرق: مكيال يسع ستّة عشر رطلاً.


فقال: فلذلك ورثتُ ابن عمّي دونَ عمّي(1) .

فلو كان عليّعليه‌السلام صبيّاً ليس له من صفات الكمال التي هي خاصّة بالشيوخ، لَما اختاره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وارثاً وأخاً وصاحباً وخليفةً دون غيره.

ولقد أنكر ابن تيميه حديث العشيرة، وسنأتي عليه في موضعه، وإنّما ذكرناه هنا للمناسبة.

وذكر ابن سعد (المتوفّى سنة 230 هـ) قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح ويزيد ابن هارون وعفّان بن مسلم، عن شعبة عن عمرو بن مرّة، عن أبي حمزة مولى الأنصاريّ، عن زيد بن أرقم قال: أوّلُ مَن أسلم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّ. قال عفّان بن مسلم: أوّل مَن صلّى(2) .

____________________

(1) وفي بعض طُرق الحديث يَرِد بلفظ: «أخي وصاحبي وخليفتي...».

مصادر الحديث: تفسير الطبريّ 19: 74 - 75، خصائص النَّسائيّ: 86، مسند أحمد بن حنبل 1: 257 / 1375، والفضائل له: 91، صحيح البخاريّ في كتاب الأشربة: 13، دلائل النبوّة، للبيهقيّ: 401، تفسير الحِبَريّ: 347/ 85، تاريخ الطبريّ 2: 93، صحيح مسلم 1: 118 ح 355، التفسير الكبير 12: 26، الولاية ن لابن عُقْدة: 161، تفسير البغويّ (معالم التنزيل) 5: 105، شواهد التنزيل 1: 542، كفاية الطالب: 177، تفسير الثعلبيّ 7: 182، مناقب ابن المغازليّ: 261، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 13: 210، تذكرة الخواصّ: 38، الصواعق المحرقة: 157، مختصر تاريخ دمشق 17: 310، مجمع البيان 4: 206، أمالي الطوسيّ: 582، العُمدة، لابن البِطريق ك 76، كنز العمّال 6: 396، مناقب ابن شهر آشوب 2: 31، مناقب الكوفيّ 1: 429 / 296، علل الشرائع - الباب 133 / ح 2، وغيرها من المصادر.

(2) طبقات ابن سعد 3: 21.


وعلى القول الثاني، فلا صلاة بلا إسلام! إذ كان الوحي في الدعوة إلى التوحيد، ثمّ جاءت الفرائض والأحكام، فهو أوّل مَن سبق إلى الصلاة، وهو تأويل ما كان يرفع به صوته فيقول: «أنا أوّلُ مَن صلّى مع رسول الله؛ وصلّيت معه سبع سنين...» وقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «صلّيت الملائكةُ علَيَّ وعلى عليٍّ سبع سنين... لم يكن معي مَن أسلم من الرجال غيرُه...»(1) .

وابن سعد، قال: أخبرنا يزيد بن هارون وسليمان أبو داود الطيالسيّ قالا: أخبرنا شُعبة عن سلَمة بن كُهَيل، عن حبّة العُرَني قال: سمعتُ عليّ بن أبي طالب يقول: «أنا أوّل مَن صلّى»، قال يزيد: «أو أسلم»(2) .

وابن أبي شَيْبة (المتوفّى 235 هـ): حدّثنا معاوية بن هشام عن سلمة بن كُهَيل، عن أبي صادق، عن عليم، عن سلمان - الفارسيّ - قال: إنّ أوّل هذه الأُمّة وروداً على نبيّها، أوّلُها إسلاماً عليُّ بن أبي طالب(3) .

عبد الله بن إدريس عن أبي مالك الأشجعيّ عن سالم بن أبي الجَعْد قال: قلت لابنِ الحنفيّة: أبوبكر أوّل القوم إسلاماً؟ قال: لا(4) .

وفي نثر الدُّرّ: قيل لابن عبّاس، أو لقُثم بن عبّاس: كيف وَرِث عليٌّ

____________________

(1) نفسه 3: 21.

(2) نفسه.

(3) المصنَّف، لابن أبي شيبة 7: 503 حديث 49 - من فضائل عليّعليه‌السلام ، و 8: 350 / 222 و 8: 329 / 33 - كتاب الأوائل.

(4) المصنَّف، لابن أبي شيبة 8: 332 / 61.


النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله دونكم؟ فقال: كان أوّلَنا به لُحوقاً، وأشدَّنا به لُصوقاً(1) .

وتكلّم المسعوديّ فيما قيل بشأن سنّ أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام يوم أسلم، قال: وتُنُوزع في سِنّه يومَ أسلم، فقالت فرقة: كان سنُّه يومَ أسلم خمسَ عشرةَ سنة، وقال آخرون: ثلاثَ عشرةَ سنة، وقيل: إحدى عشرة سنة... قال: وهذا قول مَن قصد إلى إزالة فضائله، ودفع مناقبه؛ ليجعل إسلامه إسلام طفلٍ صغير، وصبيٍّ غرير، لا يُفرِّق بين الفضل والنقصان، ولا يميّز بين الشكّ واليقين، ولا يعرف حقًّا فيطلبَه، ولا باطلاً فيجتنبّه(2) . ونحن مع المسعوديّ فيما ذكر من سنّ الإمام عليّعليه‌السلام يومَ أسلم، فقد ذكروا بشأن غزوة بدر: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عرض أصحابَه وردّ مَن استصغر منهم، فكان ممّن ردّ: عبد الله، ورافع بن خديج...، علماً أنّ غزوة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة، فلو كان سنُّ عليّعليه‌السلام كما زعموا، لاستصغره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كما استصغر غيره، فردّه. وبلاءُ الإمام عليّ يوم بدر أشهرُ من أن يُتحدَّث عنه. حتّى أنّ الوحي هتف يومئذ بشجاعته: لا فتى إلاّ عليّ، لا سيف إلاّ ذو الفَقار، ويُقال إنّ الهتاف كان يومَ أُحد في السنة الثالثة من الهجرة - سنتحدّث عنه في: شجاعة عليّ، وقد أنكرها ابن تيميه أيضاً! -، ويوم الخندق أحجم المسلمون عن عمرو بن عبد وَدّ، الذي اقتحم عليهم الخندق وطلب البراز، فلم يقم إليه إلاّ عليّ فأقعده النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فنادى عمرو... وهكذا يفعل ثلاث مرّات لا يقوم إلاّ عليّ، فبرز إليه فقَتَله، فأين الشيوخ مكتملو الإسلام عن

____________________

(1) نثر الدُّرّ، للآبيّ (المتوفّى سنة 421 هـ) 1: 416.

(2) التنبيه والإشراف، للمسعوديّ: 198.


أفعال عليّعليه‌السلام ؟!

ولم يستصغره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ بعثه خلف أبي بكر فأخذ منه سورة براءة فبلّغها، ولم يستصغره إذ أعرضَ عن أبي بكر وعن عمر بن الخطّاب لمّا خطبا بضعته فاطمةعليها‌السلام ، وزوّجها عليّاًعليهما‌السلام .

وما استصغره إذ كان يخلو به يناجيه، ولمّا شَكَوُا انتجاءه إيّاه قال لهم: «ما أنا انتجيتُه، ولكنّ الله انتجاه».

كرامة عليّعليه‌السلام

لو سلّمنا أنّ الإمام عليّاًعليه‌السلام أسلم صغيراً؛ فإنّما ذلك زيادةٌ في كرامته، إذ تربّى في حِجْر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يتلوّث بكَدَر الجاهليّة كما حصل لغيره، فقد كرّم الله وجهه عن عبادة الأوثان؛ فالنقيصة فيمَن تنقّصه؛ ولذا فعليّ سلام الله عليه لم ينتقل من كفر إلى إيمان، وإنّما لمّا جاء الوحي بالإسلام وعرضه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عليه، أسلم، فكان أوّل مَن أسلم مع خديجة «سلام الله عليها».

ولادة الحسن

في السنة الثالثة من الهجرة وُلد الحسن بن عليّ بن أبي طالب(1) ، فكيف يكون عمر عليّعليه‌السلام سبعاً أو... يومَ أسلم؟!

عن جعفر بن محمّد، عن أبيه قال: بايَعَ رسولَ الله: الحسنُ والحسين وعبد

____________________

(1) الثِّقات، لابن حبّان 1: 82.


الله بن جعفر، وهم صغار، ولم يبايِعْ قطُّ صغيرٌ إلاّ هُم(1) .

قال ابن حبّان: أوّل مَن آمن برسول الله زوجتُه خديجة بنت خويلد، ثمّ آمن عليُّ بن أبي طالب وصَدَّقه بما جاء به(2) .

وذكر ابن أبي الدنيا إسلامَ عليّعليه‌السلام على النحو الذي ذكره ابن اسحاق مع زيادة واختلاف في بعض الألفاظ؛ قال: عن ابن أبي يحيى بن عفيف قال: قدمتُ مكّةً في الجاهليّة أُريد شراء بَزٍّ وعطر لأهلي، فنزلتُ على العبّاس، فأنا عنده وأنا أنظر إلى الكعبة، إذ جاء شابٌّ فنظر إلى السماء، فتوجّه إلى الكعبة فصلّى، فجاء غلام عن يمينه، ثمّ جاءت امرأة فقامت خلفهما. فقال: يا عبّاس، ما هذا الذي حدث في بلادكم؟! إنّ هذا لأَمرٌ عظيم! قال: هذا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب، ابن أخي، وهذا الغلام ابن أخي عليُّ بن أبي طالب، وهذه خديجة بنت خويلد. قال: فصَلّوا، قال: إنّ ابن أخي هذا حدّث حديثاً أنّ ربّه ربُّ السماوات والأرض، ولا واللهِ ما أعلمُ على ظهر الأرض على دِين هؤلاء غيرَ هؤلاء(3) .

قال أبو عمر بن عبد البَرّ القرطبيّ المالكيّ (المتوفّى سنة 463 هـ): رُوي عن سلمان وأبي ذرّ والمقداد وخَبّاب وجابر وأبي سعيد الخُدْريّ وزيد بن أرقمرضي‌الله‌عنهم ، أنّ عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه أوّلُ مَن أسلم، وفضّله هؤلاءِ على غيره(4) .

____________________

(1) العقد الفريد 5: 133.

(2) الثِّقات، لابن حِبّان 1: 24.

(3) كتاب الأشراف، لابن أبي الدنيا: 83.

(4) الاستيعاب، لابن عبد البَرّ 3: 1110.


وابن عبد البرّ عالم زمانه وهو مالكيّ؛ فهو غيرُ متّهَم فيما يَروي حول الإمام عليّعليه‌السلام . وقد روى إسلامَ عليّ عن طليعة الصحابة وخيرتهم، فهذه حجة أخرى أقمناها على ابن تَيمِيه.

وروى بإسناده عن عِكْرمة عن ابن عبّاس أنّه قال: لعليّ أربعُ خصال ليست لأحدٍ غيره: هو أوّل عربيّ وعَجَميّ صلّى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو الذي لواؤه معه في كلّ زحف، وهو الذي صبَرَ معه حين فرّ عنه غيرُه، وهو الذي غسّله وأدخله قبره(1) .

وذَكَره المِزّيّ؛ وهو سَلَفيّ العقيدة شافعيّ المذهب، معاصر لابن تيميَه والذهبيّ؛ فقولُنا فيه مثل قولنا في المالكيّ ابن عبد البرّ؛ قال: وروى بإسناده عن أبي عَوَانة، عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس قال: كان عليٌّ أوّلَ مَن آمن مِن الناس بعد خديجة، وقال: هذا إسنادٌ لامَطْعَنَ فيه لأحدٍ؛ لصحّتِه وثقة نَقَلتِه(2) .

وروى بإسناده عن عبد السلام بن صالح عن الدَّراوَرديّ، عن عمر مولى غَفْرة قال: سُئِل محمّد بن كعب القُرَظيّ عن أوّل مَن أسلم: عليٌّ أو أبوبكر: قال: سبحانَ الله! أوّلُهما إسلاماً عليّ(3) .

وذكر الذهبيّ، وهو سَلَفيّ وتلميذٌ لابن تيميَه، بسنده عن القُرظيّ: أوّل مَن

____________________

(1) نفسه.

(2) تهذيب الكمال 20: 480.

(3) تهذيب الكمال: 481.


أسلم عليّ.(1)

حجّة بيّنة

اتّخذ ابنُ تيميَه أبا الفرج حجّةً بينه وبين الله! فإذا أراد أن يُنكر حديثاً ذكَرَتْه الصَحاح والسُّنَن والمصنَّفات... هرع إلى أبي الفَرَج ابنِ الجوزيّ، فإن وجده قد جعل الحديث في الموضوعات، أناخ عنده وكذّب ذلك الحديث بكلّ جرأة؛ ولكنّ العجيب أنّ أبا الفرج قد قال: «عليٌّ أوّل مَن أسلم»(2) .

النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصف عليّاًعليه‌السلام

أخرج عبد الرزّاق عن وكيع بن الجرّاح قال: أخبرني شريك عن أبي إسحاق - السَّبيعيّ -: أنّ عليّاً لمّا تزوّج فاطمة قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لها: «لقد زوّجتُكِهِ وإنّه لأوّلُ أصحابي سِلْماً، وأكثرُهم عِلْماً، وأعظمُهم حِلْماً»(3) .

وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «صلّت الملائكة علَيّ وعلى عليّ ابن أبي طالب سبع سنين»، قالوا: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟! قال: لم يكن معي مَن أسلم من الرجال غيره، وذلك أنّه لم تُرفَع شهادةُ أن لا إله إلاّ الله إلى السماء إلاّ

____________________

(1) تاريخ الإسلام، للذهبيّ 3: 624.

(2) المنتظَم، لأبي الفرج ابن الجَوزيّ 2: 359.

(3) المصنَّف، لعبد الرزّاق 5: 341 / 9846.


منّي ومن عليّ»(1) .

خطبة الحسنعليه‌السلام

ومن خطبة الحسن بن عليّعليهما‌السلام ليلةَ شهادة أبيه أميرالمؤمنينعليه‌السلام : عن جابر، عن أبي الطفيل وزيد بن وهب وعبد الله بن نُجيّ وعاصم بن ضَمْرة، عن الحسن بن عليّ قال: لقد قُبِض في هذه اللّيلة رجلٌ لم يَسْبِقه أحد كان قَبلَه، ولم يخلف بعده مثله، وهو عليّ بن أبي طالب حبيبُ رسول الله وأخوه»(2) .

شهادة أميرالمؤمنين بحقّ نفسه

بسندٍ عن حبّة العرَنيّ قال: قال عليّ: لا أعرف أنّ عبداً لك من هذه الأُمّة عَبَدكَ قَبْلي غيرَ نبيِّك - ثلاث مرّاتٍ -، لقد صلّيتُ قبلَ أن يصلّيَ الناسُ سبعاً(3) .

ولو أطلقنا للقلم عنانه فسيطول الكلام عن أسبقيّة الإمام عليّعليه‌السلام في كلّ الفضائل، وهو الأوّل فيها لم يتقدّمه أحد، ولكنّنا نختم بحثنا الموجز هذا بقوله تعالى:( وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ

____________________

(1) شواهد التنزيل 2: 125، وفي أسد الغابة 4: 194 عن أبي أيّوب الأنصاريّ، وفي مناقب الإمام عليّ: 14 (عن أنس)، والمستدرك على الصحيحين 3: 136، والمناقب، للخوارزميّ: 53.

(2) الذُّرّية الطاهرة: 109 / ح 114.

(3) المنتظم، لأبي الفرج 2: 359، ومسند أحمد بن حنبل 1: 160. ولعلّ شهادة أميرالمؤمنينعليه‌السلام كانت بعد أن تنكّر الناسُ بيعتَهم له في واقعة الغدير العظمى، فأخّروه وقدّموا غيره، وأنكروا فضائله ومنها سبقه إلى الإسلام.


عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَاً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (1) .

قالوا: الّذين صَلّوا إلى القبلتين: عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وعشر نفر من أهل بدر(2) .

فأنت تراهم قد ذكروا عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فيما أجملوا النفر العشر، وعن عبد الرحمان بن عوف في قوله تعالى:( وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ ...) الآية، قال: «هم عشرة من قريش، كان أوّلهم عليّ بن أبي طالب»(3) . فالأوّل السابق هو عليّ، والآخَرون لم يُسَمِّهم، وهم بَعدَه!

المؤاخاة

قال ابن تيميَه: «إنّ أحاديث المؤاخاة لعليّ كلّها موضوعة! والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يُؤاخِ أحداً»(4) .

وبحسب المألوف من منهاجه، فإنّه لم يُقم دليلاً واحداً في تكذيبه كلَّ

____________________

(1) التوبة: 100.

(2) تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) 2: 68، وتفسير الطبريّ 11: 7، ومعاني القرآن، للأخفش 2: 336، والجامع لأحكام القرآن 8: 235، والكشّاف 2: 210، وإعراب القرآن، للعكبريّ 2: 11، وتفسير الفخر الرازيّ 16: 171، وإعراب القرآن، للنحّاس 2: 37، والبحر المحيط 5: 92.

(3) مختصر تاريخ دمشق 17: 307.

(4) منهاج السنّة 4: 96، وكذّبه في الجزء الثالث صفحة 17.


أحاديث المؤاخاة لعليّ. وهو إذ يُنكر مؤاخاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام ، فإنّه لم يذكر مَن قد آخى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

قال ابن إسحاق: وآخى رسولُ الله بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال - فيما بلغنا، ونعوذ باللهِ أنّ نقول عليه ما لم يَقُل(1) -: «تآخَوا في الله أخَوَينِ أخوين»، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: «هذا أخي». فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد المرسلين وإمام المتّقين، ورسول ربّ العالمين الذي ليس له خطيرٌ ولا نظيرٌ من العباد، وعليُّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه أخَوَين(2) .

ومن طرق عدّة: آخى رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه، فآخى بين أبي بكر وعمر، وفلانٍ وفلان، فجاءه عليّرضي‌الله‌عنه فقال: آخيتَ بين أصحابك ولم تُؤاخِ بيني وبين أحد، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنت أخي في الدنيا والآخرة(3) .

وعن سعد بن حذيفة عن أبيه حذيفة بن اليمان، قال: آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه الأنصار والمهاجرين، فكان يواخي بين الرجل ونظيره، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: «هذا أخي». قال حذيفة: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد المسلمين

____________________

(1) كان ابن إسحاق دقيقاً يقظاً، فأورد هذه العبارة الحذرة ليؤكّد أمراً بالغ الأهمّية، وهو (المؤاخاة).

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 2: 151؛ السيرة النبويّة، لابن كثير 2: 324، السيرة الحلبيّة 101؛ البداية والنهاية 3: 226؛ الفتاوى الحديثيّة، لابن حجَر 42.

(3) جامع الترمذيّ 2: 213؛ الاستيعاب 3: 35؛ مستدرك الصحيحين 3: 15 /4288؛ الرياض النضرة 2: 167؛ وقال على صفحة 212: ومن أدلّ دليل على عِظَم منزلة عليّعليه‌السلام من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، صنيعه في المؤاخاة، فإنّه جعل يضمّ الشكل إلى الشكل يؤلّف بينهما، إلى أن آخى بين أبي بكر وعمر...


وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين الذي ليس له في الأنام شبيه ولا نظير، وعليّ ابن أبي طالب أخَوان(1) .

وطُرق حديث المؤاخاة كثيرة وبألفاظ عديدة، ورواتُه عِلْية الصحابة وأعيان التابعين، هذه طائفة منهم:

أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب، الحسن والحسين ابنا عليّ بن أبي طالب، أبوبكر، مُعاذ بن جبل، عثمان بن عفّان، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوّام، عبد الرحمان بن عوف، سعد بن أبي وقّاص، عبد الله بن مسعود، أبوذرّ الغفاريّ، أبو سعيد الخُدْريّ، سلمان الفارسيّ، عبد الله بن عبّاس، أبو رافع، حُذَيفة بن اليمان، أنس بن مالك، جابر بن عبد الله الأنصاريّ، حسّان بن ثابت، عبد الرحمان بن عابس، أسماء بنت عُمَيس(2) ، أمّ سلَمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ليلى الغِفاريّة(3) ، أبو الطُّفَيل عامر بن واثلة، عبّاد بن عبد الله، زيد بن أبي أوفى(4) ، عبد الله بن أبي أوفى(1) ،

____________________

(1) أمالي الشيخ الطوسيّ 23؛ مناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي 38؛ البداية والنهاية 3: 226؛ ينابيع المودّة 57.

(2) أخت ميمونة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هاجرت الهجرتين وصلّت القبلتين. روى عنها: عمر بن الخطّاب، وأبو موسى الأشعريّ، وعروة بن الزبير... (الاستيعاب 4: 236، الإصابة 4: 231، رجال الطوسيّ: 34).

(3) كانت تَخرج مع النبيّ في غزواته تُداوي الجرحى وتقوم على المرضى (أُسد الغابة 7: 259 / 7265).

(4) زيد بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى عَلْقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أُسيد بن رفاعة بن ثعلبة ابن هوازن بن أسلم الأسلميّ، له صُحبة، روى عن النبيّ حديثَ المؤاخاة بين الصحابة بالمدينة، =


عِكْرِمة(2) ، عمر بن عليّ(3) ، حذيفة بن أسيد، زيد بن وَهْب(4) ، عبد الله بن الحارث(1) ،

____________________

= فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين عثمان و عبد الرحمان بن عوف، وبين طلحة والزبير... وبين عليّ والنبيّ. (أُسد الغابة 2: 277 / 1822).

(1) عبد الله بن أبي أوفى - أخو زيد الماضي - شهد الحديبيّة وبايع بيعة الرضوان، وشهد خيبر وما بعدها من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتّى قُبِض رسول الله ثمّ تحوّل إلى الكوفة (وهو آخر من بقي بالكوفة من أصحاب النبيّ. (أُسد الغابة 3: 182 / 2828).

(2) عكرمة مولى ابن عبّاس، كنيته أبو عبد الله. يروي عن: ابن عبّاس وأبي سعيد الخُدْريّ وعائشة وأبي هريرة، روى عنه الشعبيّ. وجابر بن زيد والناس. (الثِّقات لابن حِبّان 2: 397 / 3041). قال العجليّ: ثقة، وهو بريء ممّا يرميه الناس به من الحَروريّة، وهو تابعيّ. (تاريخ الثِّقات للعجليّ 339 / 1160). قال ابن حِبّان: كان عِكْرِمة من علماء الناس في زمانه بالقرآن والفقه، وكان جابر ابن زيد يقول: عكرمة من أعلم الناس، ومَن زعم أنّا كنّا نتّقي حديث عكرمة فلم ينصف... (الثِّقات، لابن حبّان 2: 397).

(3) عمر بن عليّ بن أبي طالب: تابعيّ، ثقة. (تاريخ الثقات 360 / 1243).

(4) حُذيفة بن أسيد الغِفاريّ أبو سُريحة، ثقة. (رجال ابن داود، القسم الأول 101 / 384). وذكره البرقيّ في أصحاب الحسن بن عليّعليه‌السلام . (رجال البرقيّ: 7). وذكره العجليّ في أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (تاريخ الثِّقات 111 / 263). وفي طبقات ابن سعد: حُذيفة بن أسِيد الغفاريّ ويُكنّى أبا سُريحة - بضمّ  أوّله - وأوّل مشهد شهده مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحُدَيبيّة. وقد روى عن أبي بكر، ونزل الكوفة بعد ذلك. (الطبقات الكبرى 6: 101 / 1858). وترجم له خليفة وساق نَسَبه إلى جَروة بن غِفار الغِفاريّ وقال: أبو سَريحة. (طبقات خليفة 72 / 193؛ و 216 / 842: أبو سُريحة - بالضمّ -). و (زيد بن وَهْب الجُهَنيّ) ذكره ابن داود في خواصّ أمير المؤمنين عليّ وذكره العجليّ في الثِّقات قال: زيد بن وَهْب الجُهَنيّ أبو سليمان من أصحاب عبد الله - بن مسعود - (تاريخ الثِّقات للعجليّ 171 / 490). وترجم له ابن سعد: زيد بن وَهب الجُهَنيّ. روى عن عمر وعليّ وعبد الله =


محمّد الباقر، جعفر الصادق، عليّ بن موسى الرضا، سعيد بن جُبَير، سعيد بن المسيِّب، الحسن البصريّ، زيد بن عليّ، مجاهد... وهذه طائفة من حديث المؤاخاة بألفاظه المختلفة:

* زيد بن أبي أوفى، قال: لمّا آخى النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه، قال عليّ: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتُك فعلتَ بأصحابك ما فعلتَ غيري، فإن كان هذا مِن سخطٍ علَيّ فلكَ العُتبى والكرامة. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «والذي بعثني بالحقّ، ما أخّرتك إلاّ لنفسي. وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيَّ

____________________

= وحُذيفة، وشهد مع عليّ بن أبي طالب مشاهدَه. تُوفّي زيد في ولاية الحجّاج بعد الجَماجِم، وكان ثقةً كثير الحديث. (الطبقات الكبرى 6: 160 / 1985). وذكره خليفة بن خيّاط في الطبقة الثالثة 267 / 1149، على نحو ما في طبقات ابن سعد. وذكره في تاريخه 222 قال: مات سنة اثنين وثمانين. وفي أسد الغابة 2: 301 / 1879: زيد بن وَهْب الجُهَنيّ. أدرك الجاهليّة، وأسلم في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهاجر إليه، فبلغته وفاته في الطريق. يُكنّى أبا سليمان، وهو معدود في كبار التابعين. سكن الكوفة، وصحب عليَّ بن أبي طالب. وذُكر بسندٍ عن سَلَمة بن كُهَيْل قال: حدّثني زيد بن وَهْب الجُهَنيّ: أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال عليّ: أيّها الناس، إنّي سمعتُ رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «يخرجُ قومٌ من أُمّتي يقرأون القرآن، ليس قرآنكم إلى قرآنهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء. (أسد الغابة 2: 301 / 1879). قال الأردبيليّ: له كتاب (خُطَب أميرالمؤمنين على المنابر في الجُمَع والأعياد). روى عنه أبو منصور الجُهَنيّ. (جامع الرُّواة، للأردبيليّ 1: 344 / 2769).

(1) عبد الله بن الحارث بن نَوْفل بن الحرث بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، وهو الذي يُلقّب بَبَّة، وكنيته أبو إسحاق. روى عن النبيّ وروايته مرسلة. (أسد الغابة 3: 20 / 2866. وطبقات خليفة 327 / 1511 و 347 / 1630). قال العجلي: تابعيّ ثقة. (2530 / 790).


بعدي وأنت أخي ووارثي». قال: وما أرِث منك يا رسولَ الله؟ قال: «ما وَرِث الأنبياءُ مِن قبلي». قال: وما ورث الأنبياء من قبلك؟ قال: «كتابَ ربّهم وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنّة مع فاطمة ابْنتي، وأنت أخي ورفيقي». ثمّ تلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( إِخْوَاناً عَلَى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) (1) »(2) .

* عبد الله بن أبي أوفى، ولفظه مثل لفظ أخيه زيد بن أبي أوفى إلاّ أنّ فيه «... وإنّك وابنَيك معي في قصري في الجنّة»(3) .

* عبد الله بن عمر: عثمان بن أبي شَيبة بسنده عن جميع بن عُمَير التَّيميّ، عن عبد الله بن عمر قال: آخى رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه: آخى بين أبي بكر وعمر، وبين عبد الرحمان بن عوف وعثمان بن عفّان، وبين طلحة والزبير. قال: فقال عليّ: يا رسول الله، قد آخيتَ بين أصحابك، فمَن أخي؟ قال: يا عليّ، أما تَرضى أن أكون أخاك؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فأنت أخي في الدنيا والآخرة(4) .

- عن الحسن البصريّ، عن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «عليٌّ أخي،

____________________

(1) الحِجْر: 47.

(2) الرياض النضرة 2: 209؛ كنز العمّال 6: 390؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 312 وسمّاه زيد بن أوفى.

(3) مناقب أمير المؤمنين، لمحمّد بن سليمان الكوفيّ 1: 373 / 239؛ تفسير فرات الحديث 304.

(4) مناقب الكوفيّ 1: 365 / 228؛ والترمذيّ في الحديث 9 من مناقب عليّ من كتاب المناقب من سننه ج 5: 300.


عليٌّ أخي»(1) .

- عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: بينا أنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في نخلٍ بالمدينة وهو يطلب عليّاً، إذِ انتهى إلى حائط فاطلع فيه فنظر إلى عليّ وهو يعمل في الأرض وقد اغبرّ، فقال: ما ألومُ الناس أن يُكنّوك بأبي تراب. قال ابن عمر: فلقد رأيت عليّاً تمعّر وجهه وتغيّر لونه واشتدّ ذلك عليه، فقال النبيّ: ألا أُرضيك يا عليّ؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أنت أخي ووزيري وخليفتي في أهلي، تقضي دَيني وتُبرئ ذمّتي. مَن أحبّك في حياةٍ منّي فقد قضى نحبه، ومَن أحبّك في حياةٍ منك بعدي فقد ختم الله له بالأمنِ والإيمان وآمنه يومَ الفزع الأكبر. ومَن مات وهو يبغضك يا عليّ ماتِ ميتةً جاهليّةً، يهوديّاً أو نصرانيّاً، ويحاسبه الله بما عَمِل في الإسلام.

ثمّ قال ابن عمر: لقد سمّاه الله في أكثر من ثلاثين آيةً، سمّاه فيها كلّها مؤمناً(2) .

- وله شاهد من حديث أميرالمؤمنينعليه‌السلام قال: طلبني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فوجدني في جدول نائماً، فقال: قُم، ما ألومُ الناسَ يُسمّونك «أبا تراب». قال: فرآني كأنّي وجدتُ في نفسي من ذلك، فقال: قُم، واللهِ لأُرضيَنَّك، أنت أخي وأبو

____________________

(1) مناقب الكوفيّ 1: 388 / 258.

(2) مناقب الكوفيّ 1: 377 / 245. ومثله متناً وسنداً رواه الطبرانيّ في المعجم الكبير 12: 321 / 13549؛ ومجمع الزوائد 9: 121. وقريب منه في فضائل عليّ، من فضائل أحمد، الطبعة الأولى ص 170 / الحديث 240؛ ومسند أبي يعلى الموصليّ 1: 402 / 268.


وُلدي، تقاتلُ عن سُنّتي وتُبرئ ذمّتي، من مات في عهدي فهو كنزُ الله، ومن مات في عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يُحبّك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعتْ شمس أو غربت، ومن مات يُبغضك مات ميتةً جاهليّةً وحُوسِب بما عَمشل في الإسلام.

- وبسند عن ابن عمر قال: حين آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه جاء عليّ تدمع عيناه فقال: ما لي لم تُؤاخِ بيني وبين أحد من إخواني؟! فقال: «أنت أخي في الدنيا والآخرة»(1) .

وعن ابن عمر أيضاً قال: آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه، فجاء عليّعليه‌السلام تدمع عيناه فقال: يا رسول الله، آخيتَ بين أصحابك ولم تُؤاخِ بيني وبين أحد، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنت أخي في الدنيا والآخرة(2) .

- عن عبد الله بن عمر قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في مرضه: أُدعوا لي

____________________

(1) سنن الترمذيّ 2: 299، مستدرك الصحيحين 3: 14؛ مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن المغازليّ 37؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 312.

(2) كفاية الطالب 194. وقال: هذا حديث حسَنٌ عالٍ صحيح. فإذا أردتَ أن تعلم قُرب منزلته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، تأمّل صُنعَه في المؤاخاة بين الصحابة، جعل يضمّ الشكلَ إلى الشكل، والمِثْل إلى المِثل، فيؤلّف بينهم، إلى أنْ آخى بين أبي بكر وعمر، وادّخر عليّاًعليه‌السلام لنفسه واختصّه بأُخوّته، وناهيك بها من فضيلة وشرف!

والحديث في مصابيح السنّة، للبغويّ 4: 173 / 4769 وذكره في باب الصحاح؛ والترمذيّ في السنن 5: 336 / 3721 واللّفظ له؛ والحاكم في المستدرك 3: 130؛ وابن عَدِيّ في الكامل 2: 588؛ وكنز العمّال 13: 167 / 36507.


أخي. فدّعيَ له عثمان، فأعرض عنه، ثمّ قال: أُدعوا لي أخي، فدُعيَ له عليُّ بن أبي طالب، فسَترَه بثوبٍ وانكبّ عليه، فلمّا خرج من عنده قيل له: ما قال؟ قال: علّمني ألفَ باب، يَفتح كلُّ باب ألفَ باب(1) .

وله شاهد من حديث أميرالمؤمنينعليه‌السلام :

عن الحسين بن عليّ، عن أبيه قال: لمّا كان يومُ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي قُبِض فيه، كَشَف الكساء عن رأسه عند النسوة فقال: أُدعوا لي أخي. فأرسَلَت عائشة إلى أبي بكر فجاء، فلمّا سمع النبيُّ الخشْفَ - أي الحركة والصوت - كشف عن رأسه، فلمّا رأى أبا بكر أعاد الكساء على نفسه، فقال أبوبكر: كأنّ رسول الله لم يدْعُني! فانصرف. فكشف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الكساء فقال: أُدعوا لي أخي. فأرسلت حفصة إلى عمر، فلمّا سمع رسول الله الخشْف كشَفَ الكساء عن رأسه، فلمّا رأى عمر أعاد الكساء، فقال عمر: كأنّ رسول الله لم يدْعُني! وانصرف. فكشف رسول الله الكساء عن رأسه فقال: أُدعوا لي أخي، فأرسلت فاطمة إلى عليّ، فلمّا سمع النبيُّ الخَشْف كشف الكساء عن رأسه، فلمّا رأى عليّاً أدناه إليه. قال عليّ: فأعاد رسول الله الكساء علينا، ثمّ اتّكى على يده، ثمّ التقم أذُني، فما زال يناجيني ويُوصيني حتّى وجدتُ بَردَ شفتَيه، حتّى قُبِض.

قال: وكان فيما أوصى إليّ: أن لا يغسلني أحدٌ غيرك، فإنّه إن رآني أحد غيرك عَمِيَ بصرُه. فقلت: يا رسول الله، كيف أقوى عليك؟ قال: بلى، إنّك سَتُعان

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 18: 18؛ البداية والنهاية 8: 360.


علَيّ.

قال: فقال عليّ: ما أردتُ أن أقلّب من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عضواً إلاّ قُلِّب لي، قال: فأردت أن أنزع قميصه، فنُودِيت أن دَعِ القميص.

فلمّا خرج عليّ قال له عمر: أنشدك بالذي ولاّك منه ما لم يُوَلِّ أحداً، هلِ استخلَفَك رسولُ الله؟ قال: نعم(1) .

- «عن جميع بن عُمَير، عن عبد الله بن عمر وكان في مسجد المدينة فقلت له: أصلحك الله، حدِّثْني عن عليّ. فأراني مسكنه بين مساكن رسول الله. قال: ثمّ قال: أيَسُرّك أن أُحدّثك عن عليّ؟ قال: قلت: نعم أصلحك الله. قال:... والحديث طويل ذكر فيه حديث الراية، وتبليغ براءة»، ثمّ قال: وأُحدّثك عن عليّ؟ قال: قلت: نعم أصلحك الله. قال: فإنّ رسول الله آخى بين أصحابه، بين أبي بكر وعمر، وبين فلان وفلان، حتّى بقيَ عليُّ بن أبي طالب. قال: وكان عليّ رجلاً شجاعاً، ماضياً على أمره إذا أراد شيئاً مضى له، فقال: يا رسول الله، فبقيتُ أنا! فقال رسول الله: أما ترضى أن أكون أنا أخاك؟! قال: بلى يا رسول الله، قال: فأنت أخي في الدنيا والآخرة.

قال جميع: فقلت لابن عمر: بهذا أشهد عليك؟! قال: نعم، اشْهَدْ علَيّ بهذا - ثلاث مرّات - بالله الذي لا إله الاّ هو لَسمعتُ رسولَ الله يقول ذلك(2) .

* عن أبي رافع مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عن أبي أمامة قال: لمّا آخى رسول الله

____________________

(1) مناقب الكوفيّ 1: 393 / 266؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 18.

(2) مناقب الكوفيّ 1: 404 / 275.


بين الناس، آخى بينه وبين عليّ(1) .

- عن أبي رافع قال: كنت قاعداً بعد ما بايع الناسُ أبا بكر، فسمعت أبا بكر يقول للعبّاس: أيّدك الله، هل تعلم أنّ رسول الله جمع بني عبد المطّلب وأولادهم وأنت فيهم، وجمعكم دون قريش فقال: يا بَني عبد المطّلب، إنّه لم يَبعث اللهُ نبيّاً إلاّ جعل له من أهله أخاً ووزيراً ووصيّاً وخليفة في أهله، فمَن يقوم منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري وخليفتي في أهلي؟ فلم يَقُم منكم أحد، فقال: يا بني عبد المطّلب، كونوا في الإسلام رؤوساً ولا تكونوا أذناباً، واللهِ لَيقومَنّ قائمُكم، أو ليكوننّ في غيركم، ثمّ لَتندمُنّ! فقام عليّ من بينكم فبايعه على ما شرط له ودعاه إليه، أتعلم هذا له من رسول الله؟ قال العبّاس: نعم(2) .

- عن أبي رافع قال: لما خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى غزوة تبوك، خلّف عليّاً، وكثرت فيه الأقاويل من الناس فقالوا: لم يخلّفه إلاّ بغضاً له وكراهيةً أن يتبعه! فبلغ ذلك عليّاً، فلَحِقَه على مرحلة أو مرحلتين يحادثه، وهما على بعيرين لهما والناس ينظرون إليهما وأنا قريب منهما، فجاءت عائشة فأدخلت بعيرها بينهما، فالتفت إليها رسول الله ثمّ قال: أما والله، ما يومُه منكِ بواحد! ثمّ قال: أما ترضى يا عليُّ أنّك أخي في الدنيا والآخرة، وأنّ ابنَيك سيّدا شباب أهل الجنّة من أمّتي في الدنيا والآخرة، وأنّك أخي ووزيري ووارثي، انصرفْ، فلا يُصلح ما هناك إلاّ

____________________

(1) كنز العمّال 13: 144 / 36450.

(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 312. (وهذا تقرير من أبي بكر في أُخوّة عليّ للنبيّ وخلافته له).


أنا أو أنت(1) .

- عن أبي رافع قال: آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين المسلمين ذات يوم فقال: يؤاخي كلُّ واحد منكم أخاه، فإن تقفْ دابّتُه في سفره أو عقرت أردفه، وأعان بعضهم بعضاً، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين ابن مسعود وأبي ذرّ، وبين سلمان وحُذَيفة، وبين المِقداد وعمّار، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وضرب بيده إلى عليّ وقال: أنا أخوك وأنت أخي. فكان عليّ إذا أعجبه شيء قال: أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يَدّعيها إلاّ كاذب(2) .

وله شواهد من أحاديث أميرالمؤمنينعليه‌السلام ، سنذكرها.

* عبد الرحمان بن عابس(3) ، عن أبيه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «خير إخوتي عليّ»(4) .

* ابن عبّاس. الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبّاس قال: قلت لأمّ سلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّكِ لَتُكثرين من القول الطيّب في عليّ بن أبي طالب دون نساء النبيّ! فهل سمعتِ من رسول الله في عليّ شيئاً لم

____________________

(1) مناقب الكوفيّ 1: 391 / 263.

(2) نفسه 1: 391 / 264.

(3) عابس بن ربيعة الغُطَيفي، والد عبد الرحمان بن عابس، له صحبة. (أسد الغابة 3: 109 / 2657، وطبقات خليفة 249 / 1063، وطبقات ابن سعد 6 / 122). وذكر العجليّ عبد الرحمان بن عابس في الثقات. (تاريخ الثقات 294 / 961) وقال: تابعيّ ثقة.

(4) مناقب الكوفيّ 1: 385 / 254. وفي أسد الغابة، ومناقب ابن المغازلي الحديث 58: (خير إخوتي عليّ، وخير أعمامي حمزة).


يسمعه غيرُكِ؟

قالت: يا ابن عبّاس، أمّا ما سمعتُ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو أكثر ممّا أقْدِر أن أُخبرك به! ولكنّي أُخبِرك من ذلك بما يكفيك ويشفيك؛ سمعته يقول في عليّ قبل موته بجمعة وهو يقول في بيتي، فدخل عليّ بن أبي طالب فسلّم حفيّاً(1) ؛ توقيراً لرسول الله، وردّ عليه مُعنّاً(2) كالمسرور بأخيه المحبّ له، ثمّ قَبضَ على يده فقال: أعليّ؟! قال: نعم يا رسول الله، قال: يا عليّ، أنت أخي في الدنيا والآخرة. وبكى عليّ ولا يرفع بصره تعظيماً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قالت أمّ سلمة: فقلت: يا رسول الله، إلى مَن تَكِلنا وإلى مَن تُوصي بأمرنا؟ قال: أكِلُكُم إلى العزيز الغفّار كما دعوتكم إليه، وأُوصي بكم إلى هذا. يا أمّ سلمة، هذا هو الوصيّ علىالأموات من أهل بيتي، والخليفة على الأحياء في الدنيا، وهو قريني في الجنّة كما هو أخي في الدنيا، وهو معي في الدرجة العليا.

اسمعي يا أمّ سلمة قولي، واحفظي وصيّتي، واشهَدي وأبِلغي أنّ عليّاً هذا أخي في الدنيا والآخرة، نيط لحمُه بلحمي، ودمه بدمي، منّي ابنتي فاطمة، ومنه ومنها وَلَداي الحسنُ والحسين، وعليٌّ أخي وابن عمّي ورفيقي في الجنّة، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى غيرَ أنّه لا نبيَّ بعدي.

يا أمّ سلمة،عليّ سيّد كلّ مسلم إذْ كان أوّلهم إسلاماً، ووليُّ كلّ مسلم، إذ كان أسبقَهم إلى الإيمان.

____________________

(1) أي: مبالغاً في السلام.

(2) أي: مهتمّاً.


يا أمّ سلمة، عليٌّ مَعدِن كلّ علم، إذ لم يتلوّث بالشِّرك منذ كان.

يا أمّ سلمة، عليٌّ يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بعدي.

يا أمّ سلمة، قال لي جبرئيل يوم عرفة بعرفات: يا محمّد، إنّ الله باهى بكم في هذا اليوم فغفر لكم عامّةً، وباهى بعليّ خاصّةً وعامّة.

يا أمّ سلمة، عليٌّ إمامُكم فاقتدوا به، وأحِبّوه بعدي كحبّي، وأكرموه لكرامتي. ما قلت هذا لكم مِن قِبَلي، ولكن أُمِرت أن أقوله.

ثمّ قالت أمّ سلمة: يكفيك هذا يا ابن عبّاس؟ فقلت: بلى يكفيني(1) .

- أخرج ابن أبي شيبة، قال: حدّثنا عبد الله بن نمير، عن حجّاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: «أنتَ أخي وصاحبي»(2) .

- عبد الله بن مسعود: عبد الرزّاق بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا دعوة أبي إبراهيم»، قلنا: يا رسول الله، وكيف صِرتَ دعوةَ أبيك إبراهيم؟ قال: «أوحى الله عزّ وجلّ إلى إبراهيم( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً ) (3) ، فاستخفّ إبراهيمَ الفرحُ فقال: يا ربّ، ومِن ذرّيتي أئمّة مثلي؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: أن يا إبراهيم، إنّي لا أُعطيك عهداً لا أفي لك به. قال: يا ربّ ما العهد الذي لا تفي لي به؟ قال: لا أُعطيك لظالمٍ من ذرّيّتك. قال: وما الظالم من ولدي

____________________

(1) مناقب الكوفيّ 1: 414 / 284 - وهو في الأصل أطول - وبزيادة كما في الحديث 343 ص 172 من فضائل عليّ من كتاب الفضائل لأحمد ط 1.

(2) المصنَّف، لابن أبي شَيبة 7: 507.

(3) البقرة: 124.


الذي لا يناله عهدُك؟ قال: مَن سجد لصنمٍ من دوني لا أجعله إماماً أبداً، ولا يصلح أن يكون إماماً. قال إبراهيم:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأَصْنَامَ) (1) .

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : فانتهت الدعوة إليّ وإلى أخي عليّ، لم يسجد أحدُنا لصنمٍ قطّ، فاتّخذَني نبيّاً، وعليّاً وصيّاً(2) .

* جابر بن عبد الله الأنصاريّ: عن أبي الزبير، عن جابر قال: كنّا عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأقبل عليّ بن أبي طالب، فأقبل النبيّ علينا وقال: قد جاءكم أخي. ثمّ التفت إلى عليٍّ فضربه بيده - في بعض المصادر: التفَتَ إلى الكعبة فضربها - وقال: والذي نفسي بيده، إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يومَ القيامة. ثمّ قال: إنّه أوّلُكم إيماناً، وأوفاكم بعهدِ اللهن وأقْومُكُم بأمرِ الله، وأعدلُكم في الرعيّة، وأقسمُكم بالسَّوِيّة، وأعظمُكم عند الله مَزِيّةً. فنزل قوله تعالى:( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) (3) .

قال: فكان أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا جاء عليّ قالوا: قد جاءكم خيرُ البريّة(4) .

- وبسند عن جابر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مكتوب على باب الجنّة:

____________________

(1) إبراهيم: 35.

(2) شواهد التنزيل 1: 315 / 435؛ أمالي الطوسيّ 388؛ مناقب ابن المغازليّ / الحديث 325.

(3) البيّنة: 7.

(4) تفسير الحِبَريّ 539 / الحديث 3؛ تفسير الطبريّ 30: 146؛ حلية الأولياء 1: 66؛ مناقب الخوارزميّ 111 - 112؛ الصواعق المحرقة 96؛ كفاية الطالب 244 - 245؛ الدرّ المنثور 6: 379.


محمّدٌ رسول الله، عليٌّ أخو رسول الله، قبل أن تُخلَق السماوات والأرض»(1) .

فالذي آخى بين عليّعليه‌السلام ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هو الله تعالى، وذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض، ثمّ آخى النبيّ عليّاً بأمر الله سبحانه، وجعل من المؤاخاة منزلةً عظيمة وخطيرة لعليّعليه‌السلام ، يواجه بها كلَّ ناصبيّ! يؤيده بحديث المنزلة: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» وهارون أخو موسى ووصيّه في قومه، وتَوَّجَهُ بحديث الغدير الذي أطى عليّاً ولاية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

- عن جابر بن عبد الله و سعيد بن المسيّب، قالا: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آخى بين أصحابه، فبقيَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأبوبكر وعمر وعليّ، فآحى بين أبي بكر وعمر، وقال لعليّ: «أنت أخي وأنا أخوك، فإنْ ناكَرَك أحدٌ فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يدّعيها بعدَك إلاّ كذّاب»(2) .

____________________

(1) مناقب الكوفيّ 1: 415 / 285؛ موضّح أوهام الجمع والتفريق، للخطيب البغداديّ 1: 441؛ تاريخ بغداد 7: 387؛ الرياض النضرة؛ مناقب الخوارزميّ 87؛ تذكرة الخواصّ 14؛ مجمع الزوائد 9: 111؛ كنز العمّال 6: 399؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 315؛ حلية الأولياء 7: 256؛ الفضائل لأحمد 262 من زيادة القطيعيّ؛ شواهد التنزيل 1: 226 / 302؛ مقتل الحسين، للخوارزميّ 1: 38؛ المعجم الأوسط 6: 234 / 5494؛ المناقب، لابن المغازليّ: 91 / 134؛ أمالي الصدوق / الحديث 1 من المجلس 18، والخصال له 638 / الحديث 11.

(2) مختصر تاريخ دمشق 18: 20؛ الرياض النضرة 2: 209؛ كنز العمّال 6: 390.


ولهذه الحقيقة الخطيرة شواهد، منها ما ذكره يَعلى بن مُرّة الثقفيّ(1) قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آخى بين الناس، فترك عليّاً في آخرهم لا يَرى أنّ له أخاً، فقال: يا رسول الله، آخيتَ بين الناس وتركتني؟! قال: ولِمَ تركتُك؟! إنّما تركتُك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك، فإن حاجّك أحدٌ فقل: إنّي عبد الله وأخو رسوله، لا يدّعيها أحد بعدك إلاّ كذّاب!(2)

ولابن عبد البرّ كلام في هذا الحديث، قال: آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين المهاجرين ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار، وقال في كلّ واحدة منهما لعليّ: «أنت أخي في الدنيا والآخرة»، وآخى بينه وبين نفسه، ولذلك قال عليّ: «أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذّاب»(3) .

وبذلك احتجّعليه‌السلام على عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمان بن عوف وسعد، وذلك حينما جعلها عمر شورى، فقال لهم: أنشدكم الله، هل فيكم أحد آخى رسول الله بينه وبينه إذ آخى بين المسلمين غيري؟! قالوا: اللّهمّ لا(4) .

إنّ احتجاج أميرالمؤمنينعليه‌السلام بأخوّته لرسول الله صلّى الله عليه على

____________________

(1) يَعلى بن مُرّة بن وَهْب بن جابر، أبو الـمَرازِم الثقفيّ. أسلم وشهد مع النبيّ الحديبيّة، وبايع بيعة الرضوان، وشهد خيبر والفتح وهوازن والطائف. وكان من أفاضل أصحاب رسول الله، وكان يَعلى ابن مُرّة من أصحاب عليّ. سكن الكوفة، وقيل: سكن البصرة. (مختصر تاريخ دمشق 28: 60 / 44، أسد الغابة 5: 524 / 5643).

(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 1316.

(3) الاستيعاب 3: 35، أسد الغابة 4: 91.

(4) الاستيعاب 3: 35.


أصحاب الشورى، يعني الكثيرَ الكثير! وإنّ تأخير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ في المؤاخاة، لأمرٍ هو أن يثير انتباه المسلمين، أنّ عليّاً بقيَ من غير أخٍ! فلمّا سأله عليّ عن ذلك، وامتدّت الأعناق لمعرفة جواب النبيّ، فكان جواب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه مزيد من الإثارة: «ولِمَ تركتُك؟!» وحقيقة السؤال لهم لا لعليّ، ليتساءلوا عن سرّ ترك عليّ بلا أخٍ! فكان الجواب: «إنّما تركتُك لنفسي» أي اختَصَصتُك بها، فلا أحدَ يَرقى إلى نفسي إلاّ أنت.

وهذا المعنى ورد في آية المباهلة، حيث كان عليٌّ فيها نفسَ رسول الله، ولذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله له: «أنت أخي وأنا أخوك... لا يَدّعيها بعدك إلاّ كذّاب»، فكانعليه‌السلام يمدّ بها صوته، فجَحَده ناصبةُ زمانه فأُصيبوا - نذكرها فيما بعد -.

ثمّ مضت قرون وفضيلة المؤاخاة ثابتة لعليّعليه‌السلام ، حتّى كان القرن الثامن الهجريّ، حيث ظهر ابن تيميه ليرفع عقيرته بإنكار فضائل عليّ وخصائصه، ويُنكرَ - ضمن ذلك - أحاديثَ المؤاخاة!!

وقد ذكرنا طائفةً من رواة أحاديث المؤاخاة، وهذا بعض آخر:

* عِكْرِمة: عبد الرزّاق عن أبيه، عن عكرمة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله آخى بين أصحابه، وجعل عليّاً أخاه(1) .

- عبد الرزّاق عن مَعْمَر، عن أيّوب، عن عكرمة وأبي يزيد المدينيّ أو أحدهما - الشكّ من عبد الرزّاق -: أنّ أسماء بنت عميس قالت: لمّا أُهدِيَت فاطمة إلى عليّ، لم نجد في بيته إلاّ رملاً مبسوطاً ووسادة حشوُها ليف وجرّةً

____________________

(1) مناقب الكوفيّ 1: 417 / 287.


وكُوزاً، فأرسل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ: «لا تُحْدثن حدَثاً - أو قال: لا تقربنّ أهلك - حتّى آتيك». فجاء النبيّ فقال: «أثَمَّ أخي؟». فقالت أمّ أيمن: يا نبيَّ الله، هو أخوك وزوّجْتَه ابنتك؟! - وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله آخى بين أصحابه وآخى بين عليّ ونفسه -، فقال: «إنّ ذلك يكون يا أمّ أيمن»(1) .

وله شاهد من حديث أميرالمؤمنينعليه‌السلام :

محمّد بن راشد، عن عيسى بن عبد الله بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه عمر بن عليّ، عن عليّ قال: جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذاتَ ليلة يطلبني، فقال: يا أمّ أيمن أين أخي؟ فقالت له: مَن أخوك؟ قال: عليّ، قالت: أخوك وتزوّجُه ابنتَك؟! قال: نعم، أما واللهِ لقد زوّجتُها كُفْواً شريفاً في الدنيا والآخرة، ومِن المقرّبين(2) .

- قال جابر بن عبد الله الأنصاريّ: سمعتُ عليّاً ينشد ورسولُ الله يسمع شِعرَه:

أنا أخو المصطفى لا شكّ في نَسَبي

مَعْه زُبِيتُ وسِبطاهُ هما وَلَدي

جَدّي وجَدُّ رسولِ الله مُتّحدٌ

وفاطمٌ زوجتي لا قولَ ذي فَنَدِ

صَدّقتُه وجميعُ الناس في بُهَمٍ

من الضَّلالةِ والإشراكِ والنَّكَدِ

فالحمدُ للهِ شكراً لا شريكَ لَهُ

اَلبَرّ بالعبدِ والباقي بلا أمَدِ

____________________

(1) المصنّف، لعبد الرزّاق 5: 337 / 9844؛ أنساب الأشراف 2: 378.

(2) مناقب الكوفيّ 1: 368 / 231.


فتبسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: صدقتَ يا عليّ(1) .

- عن أبان بن أبي عيّاش، عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الله بن عبّاس على شفير زمزم يحدّث الناس في عليّ، فقال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان في بيت أمّ سلمة، فأتى عليٌّ فدقّ الباب دقّاً خفيفاً، فعرف رسول الله دقّه وأنكرته أمُّ سلمة، فقال لها رسول الله: يا أمّ سلمة، قُومي فافتحي الباب، فإنّ في الباب رجلاً يُحبّ اللهَ ورسولَه، ويُحبُّه اللهُ ورسولُه. فقامت وهي تقول: بَخٍ بَخٍ لرجلٍ يُحبّ اللهَ ورسوله، ويحبُّه الله ورسوله! ففتحتُ الباب، ودخل عليّ فسلّم على النبيّ فردّ عليه ثمّ قال: يا أُمّ سلَمة، هل تعرفين هذا؟ قالت: نعم، هذا ابن عمّك عليُّ بن أبي طالب، قال: فاشهَدي أنّه أخي في الدنيا والآخرة، ورفيقي في الجنّة(2) .

عن ابن عبّاس قال: لمّا خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من مكّة، خرج عليّ بابنةِ حمزة، فاختصم فيها عليّ وجعفر وزيد إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فقال عليّ: ابنةُ عمّي وأنا أخرجتُها، وقال جعفر: ابنةُ عمّي وخالتُها عندي، وقال زيد: ابنةُ أخي - وكان زيد مُؤاخياً لحمزة، آخى بينهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله - فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لزيد: أنت مولاي ومولاها، وقال لعليّ: أنت أخي وصاحبي، وقال لجعفر: أشبَهتَ خُلقي وخَلْقي،

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 18: 77 - 78؛ فرائدِ السمطين الباب 44؛ مناقب الخوارزميّ 95؛ كنز العمّال 6: 398. وذكره الكنجيّ في كفاية الطالب 196 عن الزهريّ، عن عبد الرحمان بن مالك، عن جابر بن عبد الله.

(2) مناقب الكوفيّ 1: 395 / 267؛ ترجمة عليّعليه‌السلام من تاريخ دمشق 3: 205.


وهي إلى خالتها»(1) .

- عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّ عليّاً قال في حياة النبيّ: إنّ الله عزّ وجلّ يقول:( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ) (2) ، واللهِ لا ننقلبُ على أعقابنا أبداً بعد أن هدانا الله، واللهِ لَئِن مات أو قُتِل لأُقاتِلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، واللهِ إنّي لأَخوه ووليُّه وابنُ عمّه ووارثُه، فمَن أحقُّ به منّي(3) ؟!

عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما في القيامة راكب غيرُنا، نحن أربعة». فقام إليه عمّه العبّاس بن عبد المطّلب، فقال: ومَن هم يا رسول الله؟ فما زال رسول الله يعدّ له نفسه الزكيّة، وصالحَ النبيّ، وعمَّه حمزة؛ كلّ ذلك والعبّاس ويقول: ومَن يا رسول الله؟ حتّى قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «وأخي عليٌّ على ناقةٍ من نُوقِ الجنّة... فينادي منادٍ من بُطنان العرش: ليس هذا ملَك مقرَّب، ولا نبيّ مرسَل، ولا حامل عرش، هذا عليّ بن أبي طالب وصيُّ رسولِ ربِّ العالمين، وإمام المتّقين، وقائد

____________________

(1) مسند أحمد 1: 381 / 2041 - مسند ابن عبّاس -.

(2) آل عمران: 144.

(3) مناقب الكوفيّ 1: 396 / 268؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 314؛ خصائص النَّسائيّ 130 / الحديث 65؛ مستدرك الحاكم 3: 126؛ المعجم الكبير، للطبرانيّ 1: 107 / 176، وعنه أبو نُعَيم في معرفة الصحابة 1: 23؛ فرائد السمطَين 1: 244 / الباب 44؛ الفضائل، لأحمد / الحديث 232، أمالي الطوسيّ / الحديث 1099. ومرسلاً: تفسير فرات / الحديث 80، الرياض النضرة 2: 300، بشارة المصطفى 7: 208.


الغُرّ المحجَّلين»(1) .

- ابن نمير، عن حجّاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: «أنت أخي وصاحبي»(2) .

- أبو سعيد الخُدْريّ: يحيى بن مَعين، بسنده عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لمّا أُسري بِي، أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة وأجلسني، فخرَجَت حوراء فقلتُ: من أنتِ رَحِمَكِ الله؟ قالت: أنا الراضية المرضيّة، خُلِقت لأخيكَ وابنِ عمّك عليِّ بن أبي طالب»(3) .

- أبو ذرّ الغفاريّ: عن كديرة بن صالح، عن أبي ذرّ الغِفاريّ قال: سمعت النبيَّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ: اللّهم أعِنْهُ وانصره؛ فإنّه عبدُك وأخو نبيّك(4) .

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 381 - 382.

(2) مناقب الكوفيّ 1: 372 / 236؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 313 وفيه: «يا عليّ، أنت منّي وأنا منك، وأنت أخي وصاحبي».

(3) مناقب الكوفيّ 1: 403 / 274؛ مناقب ابن المغازليّ 401 / الحديث 456؛ فرائد السمطين 1: 88.

(4) مناقب الكوفيّ 1: 388 / 259؛ التاريخ الكبير 4: 241 / الرقم 1032؛ ميزان الاعتدال 4: 198؛ أمالي الصدوق - المجلس 12 / الحديث 3؛ المؤتلف والمختلف 4: 1960؛ فرائد السمطين 1: 68، الباب العاشر من السمط الأوّل. وفي مختصر تاريخ دمشق 17: 313: عن جعفر قال: سمعت أبا ذرّ وهو مستند إلى الكعبة وهو يقول: أيّها الناس، استَوُوا أحدّثْكم ممّا سَمِعتُ مِن رسول الله يقول لعليّ كلماتٍ، لو يكون لي إحداهنّ أحبَّ إليّ من الدنيا وما فيها؛ سمعت رسول الله وهو يقول: «اللّهمّ أعِنْه واستعنْ به، اللّهمّ انصره وانتصر له، فإنّه عبدُك وأخو رسولك».


زيد بن أرقم

المدائنيّ بسندِه عن أبي حَرْب بن أبي الأسوَد(1) ، عن أبيه، عن زيد بن أرقم قال: آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه فقال عليّ: يا رسول الله، آخيتَ بين أصحابك وتركتَني؟! فقال: أنت أخي، أما ترضى أن تُدعى إذا دُعيتُ، وتُكسى إذا

____________________

(1) أبو حَرْب بن أبي الأسود الدُّؤَلي، كان معروفاً قليلَ الحديث. (الطبقات الكبرى، لابن سعد 7: 169، التقريب لابن حجَر 2: 410). وذكره خليفة على نحو ما ذكرناه، قال: أبو حَرْب، هو اسمه، ثمّ ساق نسبه. (طبقات خليفة 354 / 1676).

وفي (رجال البرقيّ 8): أصحاب الحسينعليه‌السلام : ومن أصحاب أبي محمّد - الحسنعليه‌السلام -: ابن ابي الأسْود الدِّئَليّ. وأبو الأسود اختُلِف في اسمه، ففي الاشتقاق 175، 325: أبو الأسود وهو ظالم بن عمرو، من بني كنانة بن خزيمة، من الدُّئل بن بكر.

وفي جهرة النّسب 152، وقد ذكر نسبه فقال: أبو الأسود، وهو ظالم بن عمرو بن سُفيان... بن الديل. ويقال: اسم أبي الأسود: عثمان. وكان عبد الله بن عبّاس ولّى أبا الأسود البصرة حين خرج إلى صفّين. ومثله ذكر ابن سعد مع تقديم وتأخير واختلاف في بعض أنساب أجداده، قال: ابن الدّئل. وفي النسبة: أبو الأسود الدُّؤليّ استخلفه ابن عبّاس على البصرة فأقرّه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وكان ثقةً في الحديث. عن قتادة قال: قال أبو الأسود الدّؤليّ: إنّ أبغضَ الناسِ إليَّ أن أسابّ كلّ أهوج ذَرب اللّسان. (الطبقات الكبرى 7: 69 / 2979). وذكره العجليّ في الثِّقات قال: ظالم بن عمرو من كبار التابعين من أصحاب عليّ، وهو أوّل مَن وضع النحو، ثقة. (تاريخ الثقات 338 / 733). وذكره الطوسيّ فيمَن روى عن أمير المؤمنين، وعدّه في أصحاب الحسنين والسجّادعليهم‌السلام وسمّاه: ظالم بن ظالم أبو الأسود. (رجال الطوسيّ 46، 69، 75، 95. وانظر: رجال ابن داود 191، 392).


كُسِيتُ، وتدخل الجنّة إذا دخلتُ؟!» قال: بلى يا رسول الله(1) .

أنس بن مالك

- عن يونس بن بُكَيْر(2) ، عن مَطر بن ميمون(3) ، عن أنس بن مالك قال: آخى رسول الله بين المسلمين، وقال لعليّ: أنا أخوك وأنت أخي(4) .

- عن مطير بن ثعلبة(5) ، عن أنس قال: كنّا لا نجترئ أن نسأل النبيّ: إلى مَن يسند أمرَنا ممّن بقي بعده، فلمّا نزلت( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ) (6) قلنا لسلمان: سَل النبيّ غلى من تسند أمرنا بعدك؟ فسأله فسكت عنه أيّاماً ثمّ قال: يا سلمان ألا أُخبرك عمّا سألتني؟ قال: بلى فداك أبي وأمّي. قال: إنّ عليّاً أخي ووزيري، وخيرُ مَن أترك مِن بعدي، يُنجِز موعودي ويقضي دَيْني(7) .

- عن عبيد الله بن موسى العَبْسيّ، عن مطر، عن أنس بن مالك: إنّ

____________________

(1) أنساب الأشراف 2: 378.

(2) ذكره ابن حبّان في الثِّقات (5: 608 / 4472)، وقال ابن معين: ثقة. (تاريخ ابن معين 1: 201 / 1306).

(3) لم أقف على حاله.

(4) مناقب الكوفيّ 1: 372 / 238.

(5) لم أقف على حاله.

(6) الفتح: 1.

(7) مناقب الكوفيّ 1: 399 / 270، شواهد التنزيل 1: 373 / 515، مسند سلمان الفارسيّ من المعجم الكبير 6: 271؛ الفضائل، لأحمد 118 / الحديث 174، المؤتلف والمختلف 103، مختصر تاريخ دمشق 17: 314، الكامل، لابن عَدِيّ 6: 397.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: إنّ أخي ووزيري وخليفتي في أهلي وخيرَ مَن أترك بعدي يقضي دَيني ويُنجز موعودي، عليُّ بن أبي طالب(1) .

* محدوج بن زيد الذهليّ: يحيى بن عبد الحميد الحمّانيّ، عن قيس بن الربيع، عن سعد الخفّاف، عن عطيّة العوفيّ، عن محدوج بن زيد الذُهْليّ(2) : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آخى بين المسلمين، ثمّ أخذ بيد عليّ فوضعها على صدره ثمّ قال: يا عليّ، أنت أخي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي.

يا عليّ، ينادي مُنادٍ من عند العرش: يا محمّد، نِعمَ الأبُ أبوك وهو إبراهيم، ونعم الأخُ أخوك وهو عليّ(3) .

* ليلى الغِفاريّة(4) : قالت: كنت أخرج مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مغازيه، فأُداوي الجرحى وأقوم على المرضى، فلمّا خرج عليّ إلى البصرة خرجتُ مه، فلمّا رأيت عائشة واقفة دخلني شيء من الشكّ، فأتيتها فقلت لها: هل سمعتِ مِن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فضيلة في عليّ؟ قالت: نعم، دخل عليٌّ على رسول الله وهو مع عائشة وهو على فُرَيش لي وعليه جَرْد قطيفة، فجلس بينهما، فقالت له عائشة: أما وجدتَ مكاناً هو أوسع لك من هذا؟ فقال النبيّ: يا عائشة، دعي أخي، فإنّه

____________________

(1) شواهد التنزيل 1: 373 / 516.

(2) في أسد الغابة 5: 71 / 4679: محْدوج بن زيد الهُذَليّ، «مختلف في صُحبته». وفي تذكرة الخواصّ 29: مجدوح - آخره حاء - الباهليّ.

(3) مناقب الكوفيّ 1: 360 / 224، مختصر تاريخ دمشق 17: 313 مع زيادة.

(4) صحابيّة مضت ترجمتها.


أوّل الناس بي إسلاماً، وآخر الناس بي عهداً عند الموت، وأوْلى الناس بي يوم القيامة(1) .

- حُذيفة بن أسِيد(2) : عن أبي الطُّفَيل، عن حُذيفة بن أسِيد قال: أخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ بن أبي طالب فقال: أبْشِر وأبشر، إنّ موسى دعا ربّه أن يجعل له وزيراً من أهله هارون، وإنّي أدعو ربّي أن يجعل لي وزيراً من أهلي، عليّ أخي، أشدُدُ به ظهري وأُشرِكُه في أمري(3) .

وله شاهد من حديث أسماء: عن حصين بن عبد الرحمان، عن أسماء بنت عميس قالت: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أقول كما قال أخي موسى( رَبّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي... مِنْ أَهْلِي ) (4) عليّاً أخي(5) .

- عن الحرث بن حصيرة عن القاسم بن جُنْدَب قال: سمعت رجلاً من خثعم يقول: سمعتُ أسماء بنت عُمَيس تقول: سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: اللّهم إنّي أقول كما قال أخي موسى:

اللّهم اجعلْ لي وزيراً من أهلي، عليّاً أخي، أُشْدُدْ به أزْري، وأشْرِكْه في

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 308.

(2) صحابيّ مضت ترجمته.

(3) شواهد التنزيل 1: 368 حديث 510.

(4) طه: 25 - 29.

(5) نفسه، 370 حديث 512.


أمري - إلى قوله: بصيراً(1) .

* أمّ سَلَمة: عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن سلمة، عن أبيه، عن أمّ سلمة قالت: سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليّ: أنت أخي وحبيبي، فمَن أرادك أرادني(2) .

* يزيد بن شراحيل كاتب عليّعليه‌السلام ، قال: سمعت عليّاً يقول: حدّثني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا مُسِندُه إلى صدري، فقال: أيْ أخي، ألم تسمع قول الله عزّ وجلّ:( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ) (3) ؟! أنت وشيعتُك، وموعدي وموعدُكمُ الحَوْض(4) .

أحاديث المؤاخاة عن طريق أهل البيتعليهم‌السلام :

أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام :

عن محمّد بن عبد الله بن الحسن ويحيى بن عبد الله، عن أبيهما عن جدّهما، عن عليّ بن أبي طالب قال: لما خطب أبوبكر قاام أُبيّ بن كعب يوم الجمعة، وكان أوّلَ يومٍ من شهر رمضان، فقال - وخطبته طويلة نذكر منها ما

____________________

(1) مناقب الكوفيّ 1: 362 / الحديث 225 و 1: 406 / الحديث 277، تفسير فرات / الحديث 346، 347، شواهد التنزيل 1: 370 / الحديث 511.

(2) مناقب الكوفيّ 1: 368 / 232.

(3) البيّنة: 7.

(4) تفسير الحبريّ 541 / 9؛ البرهان 4: 489؛ المناقب للخوارزميّ 187، كفاية الطالب 246، الدرّ المنثور 6: 379.


يناسب المقام -: أوَ لَستم تعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل موته جَمَعنا في بيت فاطمة ابنته فقال: ألا وإنّ الله أوحى إليّ أن أتّخذ عليّاً أخاً؛ اتّخذْ كموسى هارون أخاً(1) ، واتّخذْ ولدَه ولداً، فقد طهّرتُهم كما طهّرتُ وُلْدَ هارون، ألا إنّي ختمتُ بك النبيّينَ فلا نبيَّ بعدك(2) .

- عن جعفر - الصادق - عن أبيه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: إنّ الله أمرني أن أُواخيك، فأت أخي في الدنيا والآخرة(3) .

- كتب معاوية إلى الإمام عليّعليه‌السلام : يا أبا الحسن، إنّ لي فضائل كثيرة، وكان أبي سيّداً في الجاهليّة! وصرتُ ملكاً في الإسلام، وأنا صِهْر رسول الله، وخال المؤمنين. فقال عليّ: أبِالفضائلِ يفخرُ علَيّ ابنُ آكلة الأكباد؟! ثمّ قال: اكتبْ يا غلام:

محمّدٌ النبيُّ أخي وصِهْري

وحمزةُ سيّدُ الشهداءِ عمّي

وجعفرٌ الذي يُمسي ويُضحي

يطيرُ مع الملائكةِ ابنُ أمّي

وبنتُ محمّدٍ سَكَني وعرسي

مَسُوطٌ لحمُها بدمي ولحمي

وسبطا أحمدٍ وَلَدايَ منها

فأيّكُمُ له سَهمٌ كسهمي؟!

سبقتُكمُ إلى الإسلام طُرّاً

صغيراً ما بلغتُ أوانَ حِلمي

فقال معاوية: أُخفُوا هذا الكتاب، لا يقرأه أهل الشام، فيميلونَ إلى ابن

____________________

(1) كذا في المصدر، ولعلّها: كما اتّخذَ موسى هارونَ أخاً.

(2) مناقب الكوفيّ 1: 258 / 142.

(3) نفسه 1: 250 / 139، ترجمة أمير المؤمنينعليه‌السلام من تاريخ دمشق 1: 117 / 138.


أبي طالب!(1)

الحسن بن عليّعليهما‌السلام

أخرج الدولابيّ بسنده: خطب الحسنُ بن عليٍّ الناسَ حين قُتل عليّ، فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثمّ قال: لقد قُبِض في هذه اللّيلة رجلٌ لم يَسبِقْه الأوّلون، ولا يُدركُه الآخرون، وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعطيه رايته، ويقاتل جبريل عن يمينه وميكائيلُ عن يساره، فما يَرجِع حتّى يفتحَ اللهُ عليه، وما ترك على ظهر الأرض صفراءَ ولا بيضاء إلاّ سبعَمائة درهم، فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله؛ وهو: عليّ بن أبي طالب حبيب رسول الله وأخوه!(2)

- عن عبد الله بن ثُمامة قال: سمعت عليّاً يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، ولم يقلها أحَدٌ قَبلي، ولا يَقولُها أحدٌ بعدي إلاّ كذّاب(3) .

- عن حُكَيم بن سعد(4) قال: سمعت عليّاً على هذا المنبر يقول أكثر من ألف مرّة: أنا عبدُ الله وأخو رسول الله، لا يقولها بعدي إلاّ كاذب(5) .

* زيد بن عليّ: عن يحيى بن مساور، عن أبي الجارود، عن زيد بن عليّ

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 18: 77.

(2) الذّرّية الطاهرة، الدُّولابيّ 109 / الحديث 114 و 117.

(3) مختصر تاريخ دمشق 17: 315.

(4) حُكَيم مصغّراً، من رجال البخاريّ في كتاب (الأدب المفرد)، والنسائيّ كما في (تهذيب التهذيب: 2: 453).

(5) مناقب الكوفيّ 1: 385 / 255.


قال: أقْبَلَ رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله معه عمّاه حمزةُ والعبّاس، وعليٌّ وعقيل وجعفر يعالجون حائطاً لهم، فقال النبيّ لعمَّيه: اختارا. فقال حمزة: اخترتُ جعفراً. وقال عبّاس: اخترت عقيلاً. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحمدُ لله، إخترتُ عليّاً(1) .

* جعفر بن محمّد، عن أبيه - محمّد الباقرعليه‌السلام - قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ: يا عليّ، أنت أخي ووصيّي ونَصيحي وصفيّي وخالص أمّتي، وسَأُنبّئك بما يكون فيها مِن بعدي(2) .

- عن جعفر بن محمّد، عن أبيه: أنّ عليّاً قام فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها غيري إلاّ كذّاب. قال: فقالها رجل فخَبَطَه الشيطان!(3)

- محمّد بن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه قال: افتقد رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً، فلمّا رأت ذلك خديجة قالت: يا رسول الله، أنا أعلمُ لك علمَه. فشدّت على بعيرها، ثمّ ركبت فلَقِيت عليَّ بن أبي طالب، فقالت له: اركبْ وائْتِ رسول الله؛ فإنّه بك مغتمّ. فقال: ما كنت لأجلس في مجلس زوجة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بلِ امضِ فأخبري رسولَ الله، فإذا هو قائم يقول: اللّهم فرّجْ غمّي بأخي عليّ، فإذا بعليّ قد جاء، فتعانقا. قالت خديجة: ولم أكن أجلس إذا

____________________

(1) نفسه، 1: 417 / 288.

(2) نفسه، 409 / 281.

(3) نفسه، 372 / 237.


كان رسول الله قائماً، قالت: فما افترقا متعانقَين حتّى ضربتا علَيّ قدماي(1) .

- عن سالم بن أبي الجَعْد(2) قال: قال عليّ على رؤوس الناس: لأَقولنّ كلمةً لم يقلها أحد قَبلي ولا يقولها أحد بعدي إلاّ كذّاباً: أنا عبدُ الله وأخو رسوله(3) .

____________________

(1) مناقب الكوفي 1: 363 / 226. ورواه مرسلاً الطبريّ في بشارة المصطفى 7: 216 - طبعة الغريّ. ورواه مُعاذ بن جبل كما في الحديث (703) في تفسير سورة الإنشقاق من تفسير فرات الكوفيّ.

(2) ذكره العجليّ في الثقات: سالم بن أبي الجَعْد الغَطْفانيّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة.

حدّثنا قبيصة بن عُقبة، عن سفيان، عن منصور قال: قلت لإبراهيم إنّك إذا حدّثتَ بجزءٍ وسالم ابن أبي الجَعْد يتمّ؛ قال: كان سالم يكتب وأنا لا أكتب. (تاريخ الثقات، للعجليّ 173 / 496).

وذكره ابن حِبّان في ثقاته: سالم بن أبي الجَعْد مولى أشْجَع، وأبو الجَعْد اسمُه رافع مولى غَطْفان، يروي عن ابن عمر وجابر وأنس؛ روى عنه منصور والأعمش، عداده في أهل الكوفة، مات سنة سبعٍ أو ثمانٍ وتسعين في ولاية سليمان بن عبد الملك، وهم إخوة ستّة: سالم وعُبيد وعِمران وزياد ومسلم وعبد الله بنو أبي الجعد. (الثقات، لابن حبّان 2: 186 / 1435) وفي رجال البرقيّ 5: من خواصّ أمير المؤمنين من مُضَر: سالم وعُبيدة وزياد بنو أبي الجَعْد الأشْجَعيّون.

وذكره ابن داود في خواصّ أمير المؤمنين. رجال ابن داود 166 / 660. وينظر في الطبقات الكبرى، لابن سعد 6: 200، وتاريخ البخاريّ الكبير 4: 107، الجرح والتعديل، للرازيّ 4: 782، 785.

(3) مناقب الكوفيّ 1: 364 / 227. وقريب منه رواه بسندَين آخَرين: أبو بكر بن أبي شيبة في الحديث «16 و 21» من باب فضائل عليّعليه‌السلام من كتاب الفضائل تحت الرقم «12128 و 12133» من كتاب المصنَّف لابن أبي شَيبة 1: 62. قال عبد الله بن نُمَير (الهمدانيّ أبو هِشام الكوفيّ، ثقة. تُوفّي سنة تسع وتسعين ومائة. (طبقات خليفة 293 / 1329). وترجمته في التهذيب 16: 225 / 3618) عن الحارث بن حَصِيرة - تأتي ترجمته - قال: حدّثني أبو سليمان الجُهَنيّ (يعني زيد بن =


- عن الحارث بن حَصِيرة(1) ، عن رجلٍ من الأزْد قال: سمعتُ عليّاً

____________________

= وَهب) قال: سمعتُ عليّاً على المنبر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، لم يَقُلها أحد قَبلي ولا يقولها أحد إلاّ كذّابٌ مُفترٍ. العلاء بن صالح التيميّ، كوفيّ ثقة. (المعرفة والتاريخ 3: 132، التهذيب 22: 511 / 4572) عن المِنهال: المِنهال بن عَمرو الأسديّ، كوفيّ ثقة. (تاريخ الثِّقات 442 / 1643). وذكره الطوسيّ في أصحاب الحسين، وعليّ بن الحسين، والباقر والصادقعليهم‌السلام : (رجال الطوسيّ 79، 91، 101) وذكره البرقي في أصحاب السجّاد (رجال البرقيّ 8)، عن عبّاد ابن عبد الله، عبّاد بن عبد الله الأسديّ، كوفيّ تابعيّ ثقة. (تاريخ الثِّقات 247 / 765)، قال: سمعتُ عليّاً يقول: أنا عبدُ الله وأخو رسوله وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب مُفترٍ، ولقد صلّيت قبل الناس بسبع سنين. (المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 498 / الحديث 21 من فضائل علي، سُنن ابن ماجة 1: 44 / 120.

(1) الحارث بن حَصِيرة الأزديّ، كوفيّ ثقة. (تاريخ الثِّقات، للعجليّ 102 / 230). وذكره البرقيّ في أصحاب الصادقعليه‌السلام ، وقال: روى عنه عليّ بن الحَكم: عليّ بن الحَكم، بصريّ! لا بأس به. (تاريخ الثِّقات 346 / 1181). ابن سعد: عليّ بن الحَكَم البُنانيّ، من أنفسهم، ويُكنّى أبا الحكَم، وكان ثقةً له أحاديث، تُوفّي سنة إحدى وثلاثين ومائة. (الطبقات الكبرى 7: 190 / 3209). ابن داود، والأردبيليّ: عليّ بن الحَكَم الكوفيّ، ثقة جليل القدَر. (رجال ابن داود 243 / 1025، جامع الرّواة 1: 575 / 4617).

وسَعْدان بن مسلم، ذكره الطوسيّ في أصحاب الصادقعليه‌السلام (رجال الطوسيّ 206 / 64). وفي (رجال ابن داود 171 / 686): سعدان بن مسلم، واسمه: عبد الرحمان، أبو الحسين العامريّ مولى أبي العلاكُرْز بن حفيد العامريّ من عامر بن ربيعة، عُمِّر طويلاً.

وفي (جامع الرّواة 1: 357 / 2874) ذكر له ترجمة مطوّلة وسمّاه كما في رجال ابن داود، ولكنّه قال: أبو الحسن - من غير ياء -، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ، وعُمِّر طويلاً). وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، قال: الحارث بن حَصِيرة، من الأزْد من أنفسهم. روى عنه سفيان الثوريّ. (الطبقات الكبرى 6: 325 / 2500، والتقريب 1: 140). =


يقول على المِنبر: أنا عبدُ الله وأخو رسول الله، لم يَقُلها أحدٌ قَبلي ولا يقولها أحد بعدي إلاّ كذّاب!

فقال رجل: أنا أقول كما قال: أنا عبدُ الله وأخو رسول الله، فضُرِب به فاحتمله أصحابه.

قال الأزْديّ: فتبعتُهم حتّى بلغوا به دارَ عمّار فقالوا: ما تريد منّا؟ فقلت: إنّي واللهِ ما أُريد منكم إلاّ أن تُخبروني، هل كان صاحبكم يُصيبه هذا قبل اليوم؟ فقالوا: لا واللهِ، ما أصابه هذا قطّ حتّى تكلّم بهذه الكلمة(1) .

- عن المسعوديّ، عن الحارث بن حصيرة، عن زيد بن وَهْب الجُهَني قال: كنت مع عليّ في الرَّحْبة فقال: لأَتكلّمنّ اليوم بكلامٍ لا يتكلّم به بعدي إلاّ مفترٍ كذّاب: أنا عبد الله وأخو رسوله.

فقال رجل من غلطفان: واللهِ لأَقولنّ كما قال هذا الكذّاب!:

أنا عبد الله وأخو رسوله.

____________________

= وذكره الطوسيّ في أصحاب الصادقعليه‌السلام ، قال: الحارث بن حَصِيرة أبو النعمان الأزديّ، كوفيّ تابعيّ. (رجال الطوسيّ: 178 / 227).

وفي جامع الرّواة 1: 172 / 1395: الحارث بن حَصِيرة أبو النعمان الأزْديّ كوفيّ تابعيّ. روى عن الأصبغ بن نُباتة من خواصّ أمير المؤمنين: (رجال البرقيّ: 5، رجال ابن داود 60 / 201، رجال الطوسيّ 34، طبقات ابن سعد 6: 247 وقال العجليّ عنه: ثقة. تاريخ الثقات 71): «إنّ مستقى العلم مِن بيتِ آلِ محمّد».

(1) مناقب الكوفيّ 1: 366 / 230. وذكره ابن أبي شيبة في (المصنَّف 7: 497 / الحديث 16 - من فضائل عليّ بن أبي طالب، عن زيد بن وهب، وآخره: إلاّ كذاب مفتر).


فواللهِ ما لبث أن صُرع يَضطربُ جُنوناً!.(1)

* الحسن البصريّ: بأسانيد عن أشعث بن سوّار قال: سبّ عَدِيُّ بن أرطاة(2) عليّاً وهو على المِنبر، فبكى الحسن البصريّ وقال: لقد سُبّ اليوم رجل، إنّه لأخو رسول الله في الدنيا والآخرة(3) .

- عن يونُس بن عبيد قال: كنت إلى جنب الحسن، وعديّ بن أرطاة يخطب، فذكر عليَّ بن أبي طالب فسَبَّه ووقع فيه، فلمّا قضينا قال الحسن: ما لَه قاتَلَه الله؟! واللهِ إنّه لأَخو رسول الله في الدنيا والآخرة(4) .

- أبو البَخْتريّ الأنصاريّ(5) ، قال: صعد عليّ بن أبي طالب المنبر فقال: أيّها

____________________

(1) مناقب الكوفيّ 1: 386 / 257. ورواه عبد الله بن نُمَير ومالك بن مُغْول عن الحارث كما في الحديث (16) من باب فضائل عليّ من كتاب الفضائل من المصنّف، لابن أبي شيبة 12: 12 / 12128؛ وخصائص النسائيّ / الحديث (66)؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 316؛ وابن عَدِيّ في كامله 2: 187 - ترجمة الحارث بن حصيرة.

(2) عَديّ بن أرطاة الفَزَاريّ، عامل عمر بن عبد العزيز على البصرة، قُتل سنة اثنتين ومائة. (تهذيب الكمال 19: 522 / 3882).

(3) مناقب الكوفيّ 1: 375 / 241.

(4) نفسه، 384 / 252.

(5) قال ابن سعد: واسمُه فيما ذكر عليّ بن عبد الله بن جعفر: سعيد بن أبي عِمران. وقال غيره: سعيد ابن جُبير، وهو مولى لبني نَبْهان من طيّء. الطبقات الكبرى 6: 292.

وقوله: سعيد بن جُبير، تصحيف كما سترى، وإنّما سعيد بن جُبير غيره، وهو الوالبيّ، قتله الحجّاج لأنّه كان يأتمّ بعليّ بن الحسين. شُعبة عن عمرو بن مُرّة قال: لمّا كان يوم الجَماجم، أراد القرّاء =


الناس، لأَقولنّ مقالةً ما قالها قبلي ولا يقولها بعدي إلاّ كاذب: أنا عبدُ الله وأخو نبيّه.

فقالوا: إنّما أنت ابنُ عمِّه، فقال: إنّي لم أقُلْه حتّى سمعتُه يقوله - أي سمع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول بأُخوّته لعليّ - وورثتُ نبيَّ الرحمة، ونكحتُ سيّدةُ نساء هذه الأُمّة، وأنا خيرُ الوصيّين.

فقال رجل من بني عَبْس: مَن لا يُحسن أن يقول مثل هذا؟! فلم يَرجِع إلى أهله حتّى جُنّ! فأتوا قومه يسألونهم: هل رأيتم به عرَضاً قبل هذا؟ فقالوا: ما رأينا به عرَضاً قبل هذا(1) .

____________________

= أن يُؤمِّروا عليهم أبا البَخْتَريّ، فقال: أنا رجل من الموالي فأمِّروا رجلاً من العرب، فأمَّروا جَهْم ابن زَحْر الجُعفيّ. (الطبقات الكبرى 6: 292، تاريخ خليفة 221).

وذكره خليفة بن خيّاط في الطبقة الثانية، قال: أبو البَخْتريّ الطائيّ، اسمُه سعيد بن فَيْروز. ويقال: ابن عِمران، مولىً. لهم، قُتل مع ابن الأشعث بدير الجَماجم سنة اثنتين وثمانين. (طبقات خليفة 260 / 1107، تاريخ خليفة 221).

وفي تاريخ يحيى بن معين 1: 265، والكنى والأسماء، للدولابيّ 1: 126: اسمه: سعيد. وذكره العجليّ في ثقاته قال: سعيد بن فَيْروز، تابعيّ، ثقة، فيه تشيّع. (تاريخ الثقات، للعجليّ 187 / 560).

(1) مناقب الكوفيّ 1: 384 / 253.

قال ابن حبّان: سعيد بن فَيروز الطائيّ، مولىً لم، أبو البَخْتريّ، وقد قيل: سعيد بن أبي عِمران، عداده في أهل الكوفة، يروي عن ابن عبّاس وابن عمر. قُتل بالجماجم سنة ثلاث وثمانين. وقد قيل: سعيد بن عُبيد، مولى بني نبهان. (الثقات، لابن حبّان 2: 173 / 1342). =


- شريك، عن مسروق، عن أبي خالد، عن زيد بن عليّ، عن آبائه قال: قال عليّ: شكوت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حسد الناس إيّاي، فقال: أما ترضى على أنّك أخي ووزيري، وأوّل أربعة يدخلون الجنّة: أنا وأنت والحسن والحسين، وذريّتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرّيتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا(1) ؟!

* عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام : بسند عنه عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ليلةَ عُرج بي إلى السماء، حَمَلني جبرئيل على جناحه الأيمن فقيل لي: مَنِ استَخلَفْتَه على أهل الأرض؟ فقلت: خيرُ أهلها لها أهلاً: عليَّ بن أبي طالب، أخي وحبيبي وصهري. فقيل لي: يا محمّد، أتُحبّه؟

____________________

= ذكره البرقيّ في أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، من أهل اليمن. قال: أبو البَخْتريّ سعيد بن فَيْروز. رجال البرقيّ 6.

وذكره ابن داود، قال: أبو البَخْتريّ سعيد بن فَيْروز من خواصّ أصحاب أميرالمؤمنينعليه‌السلام رجال ابن داود، القسم الأوّل 170 / 683.

حمّاد بن سلَمة قال: أخبرنا عطاء بن السائب أنّ أبا البَخْتريّ وأصحابه، كان أحدهم إذا سمع ثناءً عليه عرَض له عُجْبٌ في قلبه، ثَنى منكبيه وقال: خَشِعتُ للهِ. وربّما قال حمّاد: ثنى ظهره. (الطبقات الكبرى 6: 292).

زُهير بن حرب قال: حدّثنا عليّ بن ثابت عن شَريك عن عطاء بن السائب قال: كان أبو البَخْتريّ يستمع النوح ويبكي. (المصدر السابق).

عن شعبة قال: سألتُ الحكم بن عُتبة عن زاذان فقال: أكثِر. قال: وسألتُ سلَمَة بن كُهيل فقال: أبو البَخْتريّ أعجبُ إليَّ منه. (المصدر السابق).

(1) مناقب الكوفيّ 1: 389 / 262.


فقلت: نعم يا ربَّ العالمين. فقال لي: حُبَّه، ومُرْ أمّتك بحبِّه(1) .

حديث العشيرة

وهو من الأحاديث المشتهرة المتواترة التي آخى فيها رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاًعليه‌السلام .

عن ابن عبّاس عن عليّ بن أبي طالب قال: لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (2) دعاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا عليّ، إنّ الله أمرني أن أُنذِر عشيرتي الأقربين - والحديث طويل فيه: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر عليّاً أن يصنع طعاماً ويدعوَ بني عبد المطّلب، فلمّا أكلوا وشربوا - أراد رسول الله أن يكلّمهم، بَدرَه أبولهب إلى الكلام فقال: ما سَحَرَكم صاحبُكم - لمّا رأى من بَركة رسول الله في الطّعام - فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: الغدَ يا عليّ، إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سَمِعتَ من القول فتفرّق القوم قبل أن أكلّمهم، فعُدَّ لنا طعاماً بمِثْلِ ما صنعتَ، ثمّ اجمعهم إليّ. قال: ففعلت، ثمّ جمعتهم، ثمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتّى ما لَهم بشيء حاجة، ثمّ قال: أسقِهم. فجِئْتُهم بذلك العسّ، فشربوا حتّى رُوُوا منه جميعاً، ثمّ تكلّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا بني عبد المطّلب، إنّي والله ما أعلمُ شابّاً في العرب جاء قومَه بأفضلَ ممّا قد جئتُكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا

____________________

(1) شواهد التنزيل 1: 358 / 488.

(2) الشعراء: 214.


والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوَكم إليه، فأيّكم يُوازرُني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ قال ك فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت: أنا يا نبيّ الله، أكون وزيرَك عليه، فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا.

قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتُطيع(1) ! عن الأصبغ بن نُباتة قال: سمعتُ عليّاً يقول: أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيدي ثمّ قال: يا أخي، قولُ الله تعالى( ثَوَاباً مِنْ عِندِ اللّهِ ) (2) أنت الثواب(3) .

- عن ربيعة بن ناجذ(4) أنّ رجلاً قال لعليّعليه‌السلام : يا أميرالمؤمنين، بِمَ وَرِثتَ ابنَ عمّك دون عمّك؟ فقال عليّ: هاؤم - ثلاث مرّات - حتّى اشرأبّ الناس ونشروا آذانهم. ثمّ قال: جمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بني عبد المطّلب منهم رهطه... فصنع

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 62 - 63؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 311؛ مسند أحمد 1: 111؛ والفضائل له 91؛ تفسير الحِبَريّ 348؛ الخصائص للنسائيّ، 86؛ تفسير الطبريّ 19: 74؛ شواهد التنزيل 1: 420 - 424؛ تفسير ابن كثير 3: 351؛ شرح نهج البلاغة، للمعتزليّ 3: 254؛ الكامل في التاريخ 2: 41؛ كنز العمّال 15: 115؛ السيرة الحلبيّة 1: 286؛ علل الشرائع، للصدوق 1: 170؛ سعد السعود 105 - 106؛ ينابيع المودّة 105.

(2) آل عمران: 195.

(3) شواهد التنزيل 1: 138.

(4) ربيعة بن ناجذ الأسديّ الكوفيّ: سمع عليَّ بن أبي طالب، وورد الأنبار في صحبته، روى عنه أبو صادق الأزْديّ، وقيل: إنّ أبا صادق هو ربيعة. (تاريخ بغداد 8: 420 / 4530. طبقات ابن سعد 6: 247 / 2234). وذكره البرقيّ في أصحاب عليّ من أهل اليمن، وسمّاه ربيع من غير هاء. (رجال البرقيّ 6). وذكره العجليّ فقال: تابعيّ ثقة كوفيّ. (تاريخ الثقات 159).


لهم مُدًّا من طعام، فأكلوا حتّى شبعوا وبقيَ الطعام كما هو كأنّه لم يُمَسّ. قال: ثمّ دعا بغمر فشربوا حتّى رُووا، وبقيَ الشراب كأنّه لم يُمس ولم يشربوا. قال: ثمّ قال: يا بني عبد المطّلب، إنّي بُعِثتُ إليكم بخاصّة وإلى الناس بعامّة، وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم، فأيّكم يُبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد، فقمتُ إليه، وكنتُ أصغرَ القوم، قال: فقال: اجلس. قال: ثمّ قال ثلاث مرّات، كلُّ ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس، حتّى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي، قال: فبذلك وَرِثتُ ابنَ عمّي دون عمّي(1) .

ولحسّان بن ثابت أشعار يذكر فيها أخوّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام ، منها شعره في ردّ الشمس على عليّعليه‌السلام بدعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :

يا قومُ مَنْ مِثلُ عليٍّ وقد

رُدّت عليه الشمسُ من غائبِ

أخو رسولِ الله وصهرُه

والأخُ لا يُعدَلُ بالصاحبِ(2)

وفي إعطاء الراية لأميرالمؤمنينعليه‌السلام قال حسّان:

وكان عليٌّ أرمدَ العينِ يبتغي

دواءً، فلمّا لم يُحِسَّ مُداويا

شفاهُ رسولُ الله منه بتَفْلةٍ

فَبُوركَ مَرْقِيّاً وبُوركَ راقيا

وقال: سأُعطي الرايةَ اليومَ صارماً

كَمِيّاً مُحبّاً للرسولِ مُواليا

يُحبُّ إلهي والإلهُ يُحبُّهُ

بهِ يَفتَحُ اللهُ الحُصونَ الأوابيا

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 63 - 64؛ مسند أحمد 1: 257 / 1375.

(2) ينابيع المودّة 138.


فأصفى بها دونَ البريّةِ كلِّها

عليّاً، وسَمّاهُ الوزيرُ المُؤاخيا(1)

* المبيت على فراش النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :

لما أراد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الهجرةَ إلى المدينة خلّف عليَّ بن أبي طالبعليه‌السلام بمكّة، لقضاء ديونه وأداء الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلةَ خرج إلى الغار - وقد أحاط المشركون بالدار - أن ينام على فراشه، ففعل ذلك عليّعليه‌السلام ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى جبرئيل وميكائيل: إنّي آخيتُ بينكما، وجعلت عُمْر أحدكما أطول من الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب؟! آخيتُ بينه وبين محمّد، فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة؛ إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه. فنزلا، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخٍ بخٍ، مَن مثلك يا عليّ بن أبي طالب! يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة! فأنزل الله على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو متوجّه إلى المدينة في شأن عليّعليه‌السلام :( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) (2) .(3)

____________________

(1) كفاية الطالب 98؛ مناقب ابن المغازليّ 189؛ عمدة القاري 16: 216.

(2) البقرة: 207.

(3) الفصول المهمّة 33؛ تذكرة الخواصّ 41؛ كفاية الطالب 239 عن الكشف والبيان - تفسير الثعلبيّ - 2: 126.

فمِن الملائكة آخى سبحانه بين الملكين الكريمين، ومن البشر آخى بين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّعليه‌السلام ، ففاق عليٌّ الملكين في هذه المكرمة والمزيّة؛ إذ تعلّق الملكان بالحياة، لكنّهعليه‌السلام شرى نفسه فداءً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبذا علا عليٌّعليه‌السلام .


- وذكر ابن سعد المؤاخاة، قال: عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ، عن أبيه قال: لمّا قَدِم رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آخى بين المهاجرين بعضهم فبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار، فلم تكن مؤاخاة إلاّ قبل بدر، آخى بينهم على الحقّ والمؤاساة، فآخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بينه وبين عليّ بن أبي طالب(1) .

وذكر ابن الجوزيّ المؤاخاة، قال: آخى بين عليّ بن أبي طالب وبين نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله (2) .

لقد ائتمّ ابنُ تيميه بابن الجوزيّ فجعله مداره في إنكار حديث ردّ الشمس، وأعرض عن الجمع الجمّ من ثقات وعدول رجال الحديث المتقدّمين؛ فهلاّ فعل مثل ذلك في حديث المؤاخاة، فاقتفى أثر ابن الجوزيّ الذي أثبت حديث المؤاخاة بين النبيّ والوصيّعليهما‌السلام ؟!

( فَإِنّهَا لاَ تَعْمَى‏ الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَي الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُور ) (3) .

المزّيّ: وهو معاصر لابن تيميه، ذكر المزّيّ المؤاخاةَ من غير توقّف، قال: وروى قولهعليه‌السلام : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» جماعةٌ من الصحابة، وهو من أثبت الآثار وأصحّها، رواه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : سعد بن أبي وقّاص، وابن عبّاس، وأبو سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله، وأمّ سلمة، وأسماء بنت عميس، وجماعة يطول ذكرهم، وروينا من وجوه عن عليّ أنّه كان يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله،

____________________

(1) الطبقات الكبرى، ابن سعد 3: 22.

(2) المنتظم، لابن الجوزيّ 3: 74.

(3) الحجّ: 46.


لا يقولها أحدٌ غيري إلاّ كذّاب.

وقال أبو عمر: آخى رسول الله بين المهاجرين بمكّة، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، وقال كلّ واحد منها لعليّ: أنت أخي في الدنيا والآخرة. وآخى بينه وبين نفسه، فلذلك كان هذا القولُ وما أشبهُه مِن عليّ(1) .

نختم كلامنا في المؤاخاة بكلام أحد المعاصرين، وهو الأستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود، وقال: «إنّ عليّاً كان منه الظلَّ اللاّصق، لم ينأ عنه ولم يبعد إلاّ كما أرسله محمّد ليكون له على أعدائه عيناً أو لرجاله طليعةً، حتّى في بدء ذلك الوقت الذي أخذ رسول الله يكوّن فيه ملكه الصغير، ويربط بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، لم يفته أن يؤثر بإخائه عليّاً دون الباقين. آخى بين صحبه الخارجين من ديارهم معه وبين أصحاب البلدة الذين آووا، فتخيّر أن يكون عليّ أخاه في دين؛ لم يؤاخ أبا بكر، ولم يؤاخ عمر، ولم يؤاخ حمزة أسده وأسد الله، ولكنّه اصطفى لهذه الأخوّة المعنويّة بعد أخوّة الدم فتاه الربيب، فآثره على كلّ حبيب بعيدٍ وقريب»(2) .

____________________

(1) تهذيب الكمال، للمزّيّ 20: 483.

(2) الإمام عليّ بن أبي طالب، عبد الفتّاح عبد المقصود 73.


آية الولاية «التصدّق حال الركوع»

تكذيب نزول آية الولاية في أمير المؤمنينعليه‌السلام

قال ابن تيميه: وقد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى، أنّ هذه الآية:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) ، نزلت في عليّ لما تصدّق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل(2) .

لم يُسمِّ ابن تيميه هذا البعض من الكذّابين الذي افترى حديث نزول الآية الشريفة في أمير المؤمنينعليه‌السلام ، لنتبيّن حاله، فلعلّنا نوافق ابن تيميه في حكمه على هذا البعض بالكذب فنتّقي حديثه!

ولا نجد من المناسب أن نقف كثيراً عند دعواه في تكذيبه الحديث، فهي نفسها في تكذيبه كلّ حديث فيه فضيلة من فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام . وما أيسرها من دعوى: هو كذب بإجماع أهل العلم بالنقل! من غير تكلّف في ذكر بعض أهل الإجماع.

وجوابنا وبالله التوفيق: إنّ دعوى الإجماع كاذبة، وإنّما الإجماع منعقد على

____________________

(1) المائدة: 55.

(2) منهاج السنّة 1: 156، و 4: 2.


نزول الآية المباركة في أميرالمؤمنينعليه‌السلام ، يرويه الشيعيّ الإماميّ، والزيديّ، كما يرويه المالكيّ والحنفيّ والشافعيّ والحنبليّ، وطرقه تنتهي بأميرالمؤمنين، وابن عبّاس، وأنس بن مالك، وعمّار بن ياسر، وأبي ذرّ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبي رافع مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحسن بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام ، ومحمّد الباقر بن عليّ زين العابدينعليهما‌السلام ...

وهذه بعض طُرق الحديث: عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح عن ابن عبّاس، في قوله تعالى:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) . قال: نزلت في عليّ خاصّة(1) . وفي قوله تعالى:( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (2) قال: عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (3) .

____________________

(1) تفسير الحبريّ 260، وتفسير فرات 38، مناقب أمير المؤمنين، للكوفيّ 1: 175 / 85.

(2) المائدة: 56.

(3) تفسير الحبريّ 261؛ وتفسير فرات 38. عن محمّد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: أقبل عبد الله بن سلاّم ومعه نفر من قومه ممّن قد آمنوا بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالوا: يا رسول الله، إنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدِّث دون هذا المجلس، وإنّ قومنا لمّا رأونا آمنّا بالله ورسوله وصدّقنا رفضونا، وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يواكلونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا. فقال لهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) . ثمّ إنّ النبيّ خرج إلى المسجد والناس بين قائمٍ وراكع، وبصر بسائل فقال له النبيّ: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، خاتماً من ذهب - ربّما في الرواية تصحيف إذ الذهب محرّم على الذكور؛ [ ولعلّ ذلك كان قبل التحريم، قال الذهبي: إنّما حرّم الذهب في أواخر الأمر - المستدرك على الصحيحين 3: 257 ] ويرد الخبر تارةً بلفظ: =


____________________

= خاتم، وأُخرى من فضّة - فقال النبيّ: مَن أعطاك؟ قال: ذلك القائم. وأومى إلى عليّ، فقال النبيّ: على أيّ حالٍ أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع؛ فكبّر النبيّ ثمّ قرأ:( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) ، فأنشد حسّان بن ثابت يقول في ذلك:

أبا حسنٍ تفديك نفسي ومهجتي

وكلّ بطيء في الهدى ومسارع

أيذهب مدحيك المحبّرُ ضائعا

وما المدح في ذات الإله بضائع

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً

فدتك نفوس القوم يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيّد

فدتك نفوس القوم يا خير راكع

فأنزل فيك الله خير ولاية

ويا خير شار، ثمّ يا خير بايعِ

وقال أيضاً:

مَن ذا بخاتمه تصدّق راكعاً

وأسرّها في نفسه إسرارا؟!

مَن كان باتَ على فراش محمّدٍ

ومحمّدٌ اسرى يؤمُّ الغار؟!

مَن كان في القرآن سُمِّيَ مؤمناً

في تسع آيات تلين غرارا؟!

شواهد التنزيل 1: 181؛ تفسير الطبريّ 6: 186 - 187؛ التفسير الكبير، لفخر الدين الرازيّ 3: 431؛ المناقب، للخوارزميّ 264 - 265؛ فرائد السمطين، للجوينيّ الشافعيّ 1: 189؛ العمدة، لابن البطريق 119؛ الدرّ المنثور، للسيوطيّ 2: 293).

ورواية مجاهد عن ابن عبّاس: (تفسير الطبريّ 6: 165؛ تفسير ابن كثير 2: 71؛ الدرّ المنثور 2: 295؛ مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ الشافعي 311؛ لباب النقول 91؛ الأمالي الخميسيّة 1: 138).

إنّ هذا التسلسل يؤكّد حقيقتين: الأولى - حقيقة نزول الآية في عليّ، والأخرى - اقتران الولاية لعليّ بالرسالة، ممّا يعني عظَم خطر الولاية. فالقوم شكوا إلى النبيّ ما يعانون، فطيّب النبيّ خواطرهم بأنّ الله تعالى اختار لهم عوضاً أفضل، هو موالاته تعالى وموالاة رسوله والمؤمن المعطي الزكاة حال الركوع. ولم تنقطع السلسلة، فقد خرج النبيّ إلى المسجد ليريهم المصداق الثالث؛ فالقوم آمنوا بالله تعالى، وآمنوا برسوله وهم يعرفونه، فما بقيَ إلاّ المتصدّق حال الركوع. =


ومن متقدّمي المفسّرين ممّن ذكر نزول الآية المباركة في أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام : مُقاتِلُ بنُ سُليمان(1) . قال: وقوله - سبحانه -:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ

____________________

= وكان ممكناً أن يعطي رسولُ الله السائل من غير سؤال، فلمَ سأله علناً: هل أعطاك أحد شيئاً؟ فلمّا قال: نعم، خاتماً؛ قال: مَن أعطاك، وكأنّه يقول لهم: انتبهوا لتعرفوا وليّكم المعنيّ بالآية! فلمّا أشار إلى عليّ، سأله عن الحالة التي كان عليها حين التصدّق، كلّ ذلك ليثير فيهم مزيد الانتباه، فلمّا قال: إنّه كان في حال الركوع؛ كبّر زيادةً في التعظيم بعد التعريف، ثمّ تلا عليهم الآية التي بعد سابقتها، أي من يتولّ الله والرسول والمؤمن المتصدّق الذي هو عليّ، فإنّه من حزب الله الغالب الفائز! ورواه السُّدِّيّ، عن أبي عيسى، عن ابن عبّاس، قال: مرّ سائل بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي يده خاتم، فقال: (مَن أعطاك هذا الخاتم؟). قال: ذاك الراكع. وكان عليّ يصلّي، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الحمد لله الذي جعلها فيّ وفي أهل بيتي( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا) الآية». (مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ 312، العمدة 60؛ جامع الأُصول لأحاديث الرسول، لابن الأثير 9: 478؛ الدرّ المنثور 2: 293؛ فتح القدير 2: 50.

وعمر بن ثابت، عن محمّد بن السائب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ راكعاً فجاءه مسكين فأعطاه خاتمَه، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَن أعطاك هذا الخاتم؟» فقال: أعطاني هذا الراكع؛ فأُنزلت هذه الآية:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا) الآية. (أنساب الأشراف 2: 381؛ مناقب الإمام عليّ 313؛ لباب النقول 90؛ كفاية الطالب 250؛ الدرّ المنثور 2: 293).

ولحديث ابن عبّاس طرق غير ما ذكرنا، نكتفي بما أوردناه.

(1) مُقاتل بن سليمان بن بشير الأزديّ الخراسانيّ، أبو الحسن البلخيّ، نزيل مرو (80 - 150 هـ).

قال البخاريّ: روى عنه الـمُحاربيُّ. (الكامل لابن عديّ 3: 154). روى عن: ثابت البنانيّ، وزيد ابن أسلم، وسعيد المقبريّ، والضحّاك بن مزاحم، وعطاء بن أبي رباح، وعطيّة بن سعد العوفيّ، ومُجاهد بن جبر المكيّ، ومحمّد بن سيرين، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزّهريّ، ونافع مولى ابن


وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، وذلك أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عند صلاة الأولى: إنّ اليهود أظهروا لنا العداوةَ من أجل الإسلام، ولا يكلّموننا ولا يخالطوننا في شيء، ومنازلُنا فيهم، ولا نجد متحدَّثاً دون هذا المسجد.

فنزلت هذه الآية، فقالوا: قد رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء، وجعل الناس يصلّون تطوّعاً بعد المكتوبة. وخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إلى باب المسجد فإذا هو بمسكينٍ قد خرج من المسجد وهو يحمد الله عزّ وجلّ فدعاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله - فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم يا نبيَّ الله، قال: مَن أعطاك؟ قال: الرجلُ القائم

____________________

= عمر، وأبي إسحاق السّبيعيّ، وأبي الزُّبير المكيّ، وشرحبيل بن سعد مولى الأنصار، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك.

روى عنه إسماعيل بن عيّاش، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرزّاق بن همّام الصنعانيّ، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمان بن محمّد المحاربيّ، وغيرهم. (طبقات ابن سعد 7: 373، الاشتقاق: 501 (منموالي زهران بن كعب: مقاتل صاحب التفسير)، تاريخ البخاريّ الكبير 7 - الترجمة 1976، المعرفة والتاريخ ليعقوب 3: 37، الجرح والتعديل 8 - الترجمة 1630، الكامل لابن عديّ 3: 154، سنن الدار قطنيّ 2: 191، المحلّى 2: 35، ميزان الاعتدال 4 - الترجمة 8741، مختصر تاريخ دمشق 25: 197 / 159، تاريخ بغداد 13: 161، العقد الفريد 2: 82، تهذيب الكمال 28: 434 / 6161...

عن حيوة بن شريح الحضرميّ: حدثنا بقيّة، قال: كنتُ كثيراً أسمع شعبة وهو يسألُ عن مقاتل بن سليمان فما سمعته قطّ ذكره إلاّ بخير. (تاريخ بغداد 13: 161، تهذيب الكمال 28: 435).

عن الشافعيّ قال: من أراد التفسير فعليه بمقاتل بن سليمان (نفس المصدر). ولم يذكره ابن داود، ولا البرقيّ.


أعطاني خاتمه - يعني عليّ بن أبي طالب -، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : على أيّ حال أعطاكَهُ؟ قال: أعطاني وهو راكع. فكبّر النبيّ وقال: «الحمدُ لله الذي خصّ عليّاً بهذه الكرامة. فأنزل الله عزّ وجلّ:( وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ،( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) ، يعني عليّ بن أبي طالب( فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) يعني شيعة الله ورسوله والذين آمنوا هم الغالبون، فبدأ بعليّ بن أبي طالب قبل المسلمين، ثمّ جعل المسلمين وأهل الكتاب المؤمنين، فيهم عبد الله بن سلاّم وغيره هم الغالبون لليهود(1) .

والأخبار عن أهل بيت العصمةعليهم‌السلام متظافرة في نزول الآية المباركة في أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ؛ خاصّة به(2) .

____________________

(1) تفسير مقاتل بن سليمان 1: 485 - 487.

(2) عن أمير المؤمنينعليه‌السلام . (مختصر تاريخ دمشق 18: 8).

- وبرواية عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عنهعليه‌السلام . (شواهد التنزيل 1: 182؛ معرفة علوم الحديث، للحاكم النيسابوريّ 102؛ المناقب، للخوارزميّ 266؛ غاية المرام 109؛ البداية والنهاية 7: 357).

- ورواية محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عنهعليه‌السلام : في قوله عزّ وجلّ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا) الآية، قال: «الله ورسوله، والذين آمنوا: عليّ بن أبي طالب». (مناقب الإمام عليّ 312؛ وعنه في العمدة 60؛ معرفة علوم الحديث 102؛ تفسير ابن كثير 2: 71؛ الدرّ المنثور 2: 293؛ غاية المرام 104).

- عن سعد بن طَريف، عن الأصبغ بن نُباتة، عنهعليه‌السلام . (الأمالي الخميسيّة، للمرشد بالله 1: 138). =


____________________

=

- عن حُصين بن مُخارق، عن أبي الجارود، عن محمّد وزيد ابني عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، عن آبائهما أنّها نزلت في عليّعليه‌السلام . تفسير فرات 39 و 41؛ الأمالي الخميسيّة 1: 137، الدرّ المنثور 2: 293).

* الإمام السبط الزكيّ الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام : ففي خطبته بعد شهادة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهي طويلة:

(وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل فينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال لنبيّه:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى‏ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) فاقتراف الحسنة: مودّتنا أهل البيت). (الذّرّيّة الطاهرة، للدولابيّ (224 - 310 هـ): 109 / 114).

وفي تذكرة الخواصّ 182: إنّ معاوية ناظر الحسنعليه‌السلام ، فأجابه - والجواب طويل - جاء فيه: (وبات أميرالمؤمنين يحرس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المشركين، وفداه بنفسه ليلة الهجرة حتّى أنزل الله( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ » - البقرة: 207 -، ووصفه الله بالإيمان فقال:« إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا » والمراد به أمير المؤمنين» والمراد به أمير المؤمنين».

* الإمام محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين عليهما‌السلام :

قال عليّ بن عابس: دخلتُ أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء، فقال أبو مريم: حدّث عليّاً بالحديث الذي حدّثتني عن أبي جعفر - أي الباقرعليه‌السلام -، قال: كنت عند أبي جعفر جالساً إذ مرّ ابنُ عبد الله بن سلاّم، قلت: جعلني الله فداك، هذا ابنُ الذي عنده علم الكتاب؟ قال: لا، ولكنّه صاحبكم عليّ بن أبي طالب الذي أنزل الله تعالى فيه:( أَفَمَن كَانَ عَلَى‏ بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) ،( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) . (تفسير فرات 36، تفسير القرطبيّ 9: 336، سعد السعود، لابن طاووس 70، مناقب الإمام عليّ 314، وعنه في العمدة 61، غاية المرام 105). وللحديث طرق عن غير أهل البيتعليهم‌السلام . وقد ذكرنا حديث ابن عبّاس وهذه بعض طرقه: =


____________________

=

* جابر بن عبد الله الأنصاريّ: مثل حديث ابن عبّاس في قصّة مجيء ابن سلاّم نصّاً، ولكن من غير شعر حسّان. (أسباب النزول، للواحديّ 133 - 134).

* أبو رافع مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، برواية عون عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه. (الدرّ المنثور 2: 294، أمالي الطوسيّ 1: 58؛ وسعد السعود 96 - 97؛ نقلاً عن «تأويل ما نزل من القرآن» لابن الحُجّام). وبسند عن هارون بن سعيد، عن محمّد بن عبيد الله الرافعيّ، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي رافع. (الأمالي الخميسيّة 1: 138).

* أنس بن مالك: (كفاية الطالب 328)، وفيه: إنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: مَن يُقرض المليّ الوفيّ. وعليّ راكع يقول بيده للسائل، أي أخلع الخاتم من يدي. قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (يا عمر وجبت)، قال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنّة، والله ما خلعه من يده حتّى خلعه الله من كلّ ذنب ومن كلّ خطيئة». قال: فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيلعليه‌السلام بقوله عزّ وجلّ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) الآية - فأنشأ حسّان - ذكرنا شعره -.

* أبو ذرّ الغفاريّ: وله كلام طويل في نزول الآية في أمير المؤمنينعليه‌السلام . (مجمع البيان، للطبرسيّ 2: 210؛ العمدة 59؛ الغاية 103؛ تفسير غرائب القرآن، للنيسابوريّ 6: 167؛ نظم دُرر السمطين للزرنديّ 87؛ وتذكرة الخواصّ 24 - 25 مرسلاً).

* عمّار بن ياسر :

عن الحسن بن زيد، عن أبيه، عن جدّهعليه‌السلام ، قال: سمعتُ عمّار بن ياسر يقول: وقف لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام سائل، وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل. فأتى رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأعلمه بذلك، فنزل على النبيّ هذه الآية:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) الآية، فقرأها رسول الله علينا ثمّ قال: مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه). (تفسير العيّاشيّ 1: 327).

ويرد حديث عمّار بألفاظ مختلفة يسيراً في: مجمع الزوائد 7: 17؛ تفسير ابن كثير 2: 71؛ الدرّ المنثور 2: 292؛ لُباب النقول 90؛ فتح القدير 2: 50. وذكره مرسلاً في دُرر السمطين 86، وذكره ابن عُقدة مختصراً في كتاب الولاية 253 - 254. =


هؤلاء، وفيهم: أئمّة الهدى، وعلماء المذاهب الإسلاميّة، ورجال الحديث والتفسير... قد أجمعت كلمتهم على نزول آية الولاية في أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ، وخالفهم ابن تيميه فحكَمَ عليهم بالكذب وأخرجهم من دائرة أهل العلم.

«والعاقبة للمتّقين».

الأبدال: قال تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ

____________________

=

* عبد الله بن سلاّم: عن الواقديّ، وابن الجوزيّ، في: (ذخائر العُقبى 102؛ الرياض النضرة 2: 302؛ العمدة 60؛ الغاية 104؛ أنساب الأشراف 2: 150)، عن الواقديّ المتوفّى 207 هـ في: (ذخائر العقبى 102؛ تذكرة الخواصّ 24)، وعن السُّدّي وعتبة بن أبي الحكيم وغالب بن عبد الله في: (مطالب السؤول 31؛ شرح نهج البلاغة، للمعتزليّ 3: 275؛ الفصول المهمّة 123؛ الصواعق المحرقة 24؛ ينابيع المودّة 212؛ نور الأبصار 77، والمصنّف، لابن أبي شيبة 7 / 505 / 62 و 63).

ومن رجال التفسير: الجصّاص المتوفّى 370 هـ في: (أحكام القرآن 2: 542)؛ وعبد الرزّاق الصنعاني المتوفّى 211 هـ في: (تفسير ابن كثير 2: 71)؛ والفرّاء الشافعيّ المتوفّى 516 هـ في تفسيره: (معالم التنزيل - بهامش تفسير الخازن 2: 55؛ والزمخشريّ الحنفيّ في تفسيره: الكشاف 1: 422؛ وفخر الدين الرازيّ الشافعيّ في تفسيره 3: 431؛ والنسفيّ في تفسيره بهامش الخازن 1: 496؛ وعلاء الدين الخازن في تفسيره 1: 496؛ وأبو حيّان الأندلسي في تفسيره: البحر المحيط 3: 514؛ وابن جزّيّ الكلبيّ في تفسيره: التسهيل لعلوم التنزيل 1: 181؛ ونظام الدين النيسابوريّ في تفسيره: غرائب القرآن 3: 461 و 6: 167؛ والبيضاويّ الشافعيّ في تفسيره 1: 345، وابن زمنين (ت 399 هـ) في تفسيره 1: 204 وهو مختصر تفسير يحيى بن سلاّم).


لاَئِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (1) .

ذكر الفخر الرازيّ في الآية أقوالاً، منها: أنّها نزلت في عليّعليه‌السلام . ويدلّ عليه وجهان:

الأوّل - أنّه «أي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا دفع الراية إلى عليّعليه‌السلام يومَ خيبر، قال: «لأَدفعنّ الراية غداً إلى رجلٍ يُحبّ اللهَ ورسولَه، ويحبّه اللهُ ورسولُه»، وهذا هو الصفة المذكورة في الآية.

والوجه الثاني: أنّه تعالى ذكر بعد هذه الآية قولَه:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (2) ، وهذه الآية في حقّ عليّ، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضاً في حقّه(3) .

ثمّ أفاض في الحديث عن نزول آية الولاية: آية التصدّق حال الركوع وأنّها نزلت في أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام .

حديث الراية وفتح خَيْبر

قال ابن تيميه: قال الرافضيّ: السابع - أي من الأدلّة على إمامة عليّعليه‌السلام - ما رواه الجمهور كافّة، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لما حاصر خيبر تسعاً وعشرين ليلة، وكانت

____________________

(1) المائدة: 54.

(2) المائدة: 55.

(3) التفسير الكبير، للفخر الرازيّ 12: 19 - 20.


الراية لأميرالمؤمنين عليّ فلحقه رمدٌ أعجزه عن الحرب، وخرج مرحب يتعرّض للحرب، فدعا رسول الله أبا بكر فقال له خذ الراية، فأخذها في جمع من المهاجرين، ولم يغن شيئاً ورجع منهزماً، فلمّا كان من الغد تعرّض لها عمر فسار غير بعيد ثمّ رجع؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جيئوني بعليّ، فقيل: إنّه أرمد؛ فقال: «أرونيه، أروني رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّار». فجاؤا بعليّ، فتفل بيده ومسحها على عينيه ورأسه، فبرئ، فأعطاه الراية، ففتح الله على يديه وقتل مرحب. ووصفهعليه‌السلام بهذا الوصف يدلُّ على انتقائه عن غيره، وهو يدلّ على أفضليّته؛ فيكون هو الإمام(1) .

قال ابن تيميه: والجواب من وجوه،

أحدها: المطالبة بتصحيح النقل؛ وأمّا قوله: رواه الجمهور، فإنّ الثِّقات الذين رووه لم يرووه هكذا، بل الذي في الصحيح أنّ عليّاً كان غائباً عن خيبر لم يكن حاضراً فيها، تخلّف عن الغزاة؛ لأنّه كان أرمد، فشقّ عليه التخلّف عن النبيّ فلحقه، فقال النبيّ قبل قدومه: «لأُعطينّ الراية... يفتح الله عليه»، ولم تكن الراية قبل ذلك لأبي بكر، ولا لعمر، ولا فرّ بها واحدٌ منهما، بل هذا من الأكاذيب...(2) .

الثاني: أنّ إخباره بأنّ عليّاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، حقّ... لكنّ الرافضة الذين يقولون أنّ الصحابة ارتدّوا بعدَ موته، لا يُمكنهم الاستدلال بهذا؛ لأنّ الخوارج تقول لهم: هو ممّن ارتدّ أيضاً...، والرافضة لا يمكنهم إقامة

____________________

(1) منهاج السنّة 4: 97.

(2) منهاج السنّة 4: 97 - 98.


دليل على الخوارج على أنّ عليّاً مات مؤمناً! بل أيّ دليل ذكروه قدح فيه ما يبطله على أصلهم؛ لأنّ أصلهم فاسد...، وقول القائل: إنّ هذا يدلّ على انتفاء هذا الوصف عن غيره لا يلزم أن يكون أفضلَ من غيره، فضلاً عن أن يكون مختصّاً بالإمامة...(1) .

الثالث: أنّه لو يُدِّر ثبوت أفضليّته في ذلك الوقت، فلا يدلّ ذلك على أنّ غيره لم يكن أفضل منه بعد ذلك.

الرابع: أنّه لو قدّرنا أفضليّته، لم يدلّ ذلك على أنّه إمامٌ معصوم منصوص عليه....

جوابنا:

أمّا قولُه: «المطالبة بتصحيح النَّقْل».

فجوابه: هو المطالبة بدليل تكذيب النَّقْل؟ فلو أنّه وجد متردّياً ينكر صحّته لتمسّك به وأعرض عن الأوّلين والمتأخّرين ممّن أجمعت كلمتهم على صحّته.

وثانيّا: أذعن مُكرَهاً فصرّح أنّ الثِّقات رووُا الحديث!

وثالثاً: إنّ المصادر التي بين أيدينا أثبتَت صحّة النَّقل، ولم يذكر هو مصدراً واحداً ينفي صحّته.

قولُه: «الذي في الصحيح أنّ عليّاً كان غائباً عن خيبر...»، فإنّ هذا في حال صحّته غيرُ دافع لصحّة الحديث، من هزيمتين ثمّ دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخيراً: فتحٌ

____________________

(1) نفسه.


على يد أبي الحسن عليٍّعليه‌السلام .

قولُه: «ولم تكن الراية قبل ذلك لأبي بكر، ولا لعمر»؛ فلعمري صدق ابن تيميه في ذلك، فصاحبها عليّعليه‌السلام وهو أهلٌ لذلك. ولكن: لم لم تكن الراية قبل خيبر لأبي بكر، ولا لعمر؟! ثمّ لم اختار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر، ثمّ عمر، فكان منهما ما ذُكِر؟

ونرى أنّ الحكمة الإلهيّة شاءت أن يرمد عليّعليه‌السلام ثمّ يأخذ الرايةَ بعدهما ويفتح الله عليه.

قولُه: «ولا فرّ بها واحدٌ منهما، بل هذا من الأكاذيب!»

نفي ابن تيميه أن يكون أبوبكر وعمر صاحبي الراية قبل خيبر، ولم يقل يوم خيبر، فكذّب فرارهما يوم خيبر بحالهما قبله في حمل الراية! لا بحالهما يوم خيبر.

وقبل الانتقال إلى بقيّة كلامه، علينا أن نتحدّث عن:

خَيْبر:

قال ابن إسحاق: حدّثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ عن أبيه سفيان، عن سلمة بن عمرو بن الأكوع قال: بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبابكر برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل، فرجع ولم يك فتح، وقد جهد. ثمّ بعث الغد عمر بن الخطّاب فقاتل، ثم رجع ولم يك فتح، وقد جهد؛ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرّار». فدعا رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً رضوان الله عليه وهو أرمد، فتفل في عينه، ثمّ قال: خذ هذه الراية، فامض بها حتّى يفتح الله عليك. قال سلمة بن عمرو بن الأكوع: فخرج والله بها يأنح - أي به نفسٌ شديد - يُهرول هرولةً، وإنّا لخلفه نتبع أثره، حتّى ركز رايته في رضم - أي حجارة مجتمعة - تحت الحصن، فاطّلع إليه يهوديّ من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب. فقال اليهوديّ: علوتُم، وما أنزل على موسى! فما رجع حتّى فتح الله على يديه.(1)

ففي هذا الذي ذكره ابن إسحاق أمور تنقض مزاعم ابن تيميه، من ذلك: أن الراية كانت مع أبي بكر، وبعده كانت مع عمر.

والأمر الآخر: قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ليس بفرّار»، أي لا يفرّ مثل سابقيه «أبي بكر، وعمر»، وقد كذب ابن تيميه إذ قال: لم يفرّا! وثمّة أمر عوّل عليه ابن تيميه آملاً التنقيص من فضيلة لأمير المؤمنين عليٍّعليه‌السلام ، إذ ذهب إلى القول أنّ عليّاًعليه‌السلام كان غائباً عن خيبر! ولم نجد في الخبر تصريحاً بذلك، ولا قرينة تدلّ عليه!

وثمّة أمر آخر: أنّ الهزيمة والفرار لم يكونا يوم خيبر فقط، فقد انهزم عمر يوم أحد فيمن انهزم...(2) .

فرار الزبير

عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قال الزبير: واللهِ لقد رأيتني أنظر إلى

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 349.

(2) صحيح البخاريّ 5: 101.


خَدمِ هند بنت عُتبة وصواحِبُها مشمِّراتٍ هوارب، ما دون أخذِهُنَّ قليل ولا كثير، إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النّهب وخلّوا ظهورنا للخيل فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمّداً قد قتل! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللّواء حتّى ما يدنو منه أحد من القوم(1) .

إعراض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الزبير

وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال الزبير: عرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيفاً في يده يوم أحد فقال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقمت فقلت: أنا يا رسول الله فأعرض عنّي ثمّ قال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ قال: فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: انا آخذه بحقّه، وما حقّه؟ قال: حقّه ألاّ تقتل به مسلماً، وأن لا تفرّ به عن كافر. قال: فدفعه إليه، قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلاّ هتكه وأفراه...(2) .

حسَدُ الزبير لأبي دجانة

قال ابن هشام: حدّثني غير واحد من أهل العلم أنّ الزبير بن العوّام قال: وجدت(3) في نفسي حين سألتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دُجانة...،

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 196 - 197، السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 82، تاريخ خليفة بن خيّاط 39.

(2) تاريخ الطبريّ 3: 194 - 195.

(3) وجدتُ: أي غضبتُ؛ ولكن لم غضب الزبير إذ لم يعطه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله السيف وإنّما أعطاه لأبي دجانة، هل لمعرفة النبيّ أنّ الزبير سينكفئ مع الفرّارين، وهذا ما حصل واقعاً؟!


والله لأنظرنّ ما يصنع؛ فاتبعته(1) ...

قال ابن إسحاق: فجعل لا يَلقى أحداً إلاّ قتله. وكان في المشركين رجلٌ لا يدع لنا جريحاً إلاّ ذفّف عليه، فجعل كلّ واحدٍ منهما يدنو من صاحبه. فدعوتُ الله أن يجمع بينهما(2) ، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دُجانة، فاتّقاه بدرقته، فعضّت بسيفه، وضربه أو دجانة فقتله...(3) .

اعتزال عمر وطلحة القتال

قال ابن إسحاق: وحدّثني القاسم بن عبد الرحمان بن رافع أخو بني عديّ ابن النجّار قال:

انتهى انس بن النّضر، عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطّاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟! قدموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل؛ وبه سُمّي أنسُ بن مالك(4) .

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 72 - 73.

(2) إنّ الزبير وقد فرّ من الحرب، ولم يتّعظ قبلُ إذ لم تُعطِه السيف ولكن أعطاه أبا دُجانة؛ فإنّه هنا يدعو الله تعالى أن يجمع بين أبي دجانة وفارس المشركين لعلّ الأخير يتمكّن من أبي دُجانة فيقتله!

(3) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 73.

(4) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 203، وتاريخ الطبريّ 2: 199.


ذكر الطبريّ: وفشا في الناس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي «رأس المنافقين» فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان يا قوم، إنّ محمّداً قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم!(1)

فرار عثمان: وفرّ عثمان بن عفّان في عدّةٍ من الرجال، حتّى بلغوا الجلعب جبلاً بناحية المدينة، فأقاموا به ثلاثاً ثمّ رجعوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فزعموا أنّ رسول الله قال لهم: لقد ذهبتُم فيها عريضةً!(2)

وذكره البلاذريّ، وفيه:... فلقيتهم أمُّ أيمن، فجعلت تحثو التراب في وجوههم وتقول لبعضهم: هاكَ المغزل فاغزل به! وكان عثمان بن عفّان ممّن ولّى يوم أحد، فعفا اللهُ عنه في عدّة من الناس(3) .

إمرأة تذود عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

في وقتٍ فرّ فيه أهل الصخرة، وأهل الجلعب؛ نجد امرأةً خلّدها التاريخ هي نُسيبة بنت كعب المازنيّة؛ شهدت يوم أحد، وزوجها، وابناها؛ وخرجت معها بشنٍّ - سقاها - لها تسقي الجرحى، فقاتلت يومئذٍ وأبلت، وجرحت اثني عشر رجلاً

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 203.

(2) نفسه، 201.

(3) سيرة ابن إسحاق 332، أنساب الأشراف، للبلاذريّ 1: 398.


بسيفٍ ورمح...، فضربها ابن قميئة ضربةً بالسيف على عاتقها(1) . قال عمر: سمعتُ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ما التفتّ يميناً وشمالاً يوم أحد إلاّ رأيتها تقاتل دوني»(2) .

يهوديّ يمضي شهيداً

كان مُخيريق عالماً خبراً في أحبار اليهود، فلمّا كان يوم أحد قال لليهود: واللهِ إنّكم لتعلمون أنّ محمّداً نبيٌّ وأنّ نصره حقّ عليكم، فقالوا: إنّ اليوم يوم سبت، فقال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدّته وقال: غن أصبت فمالي لمحمّد، يصنع فيه ما شاء ثمّ غدا إلى رسول الله فقاتل معه حتي قتل، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مخيريق خير يهود(3) .

فائدة

إنّ الفرار الذي أنكره ابن تيميه، قد سبقه فرارٌ وذلك يوم أحد فرّ فيه عمر، وعثمان والزبير وطلحة في رجال آخرين، فهو غير ممتنع عنهم يوم خيبر؛ وهم يعلّلون فرارهم أنّ «محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله »؛ نعم هكذا باسمه من غير ما يناسب مقامه الشريف مثل: النبيّ، أو رسول الله؛ وهذا أيضاً ليس بغريب منهم! فيومَ الخميس، وما أدراك ما يوم الخميس! لمّا اشتدّ برسول الله وجعه، فطلب ورقاً وقلم ليكتب لهم كتاباً لا يضلُّون بعده» اعترضوا وكثر لغطُهم، وقال عمر يومها: إنّ الرجل

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 89، أنساب الأشراف 1: 397.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 94، أنساب الأشراف 1: 397.

(3) نفسه.


ليهجُر»(1) ، أي: يهذي لا يدري ما يقول - أعوذ بالله من ذلك - و «إنّ الرجل» لوحدها إساءة، وأيّ إساءة لمقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ! ولذا لا نستغرب فرارهم يومَ أحد إذ صرخ الشيطانُ أنّ محمّداً قد قتل! ففرّوا ومنّوا أنفسم بالحصول على أمان من أبي سفيان، وسمّوا النبيّ باسمه، في حين وجدنا أمرأةً تناضل عن رسول الله، فجرحت اثني عشر رجلاً؛ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بحقّها ما ذكرناه، وأنّ يهوديّاً عرف الحقَّ فاتّبعه، فمضى شهيداً!

موقف أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام

وأمّا الإمام عليّعليه‌السلام فلم نجد في صفحة جهاده الخالدة شيئاً اسمه فرار، وإنّما النّصر معقود في رايته بعد أن عرف بالجهاد والإقدام والتضحية والشجاعة والبسالة. وليس هذا مكان الإفاضة عن مواقف أميرالمؤمنينعليه‌السلام وشجاعته ابتداءً من خروجه مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الطائف - وهي أوّلُ صحبة في سفرٍ معهصلى‌الله‌عليه‌وآله (2) - مروراً بمبيته على فراش النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة هجرته المباركة، ثمّ مواقفه يوم بدر وما بعدها... ونتوقّف عند أحد، وخيبر؛ حيث جرى عنهما كلام. وقبل الكلام عنهما يحسن الكلام موجزاً عن وقعةٍ لو لا عليّ لركب المسلمين ما هو أدهى ممّا كان

____________________

(1) المصنّف، لعبد الرزّاق 5: 303، صحيح البخاريّ 1: 37، 5: 138، 8: 161؛ طبقات ابن سعد 2: 242، أنساب الأشراف 2: 738، تاريخ الطبريّ 2: 436، تذكرة الخواصّ 65، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 12: 21.

(2) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 127 - 128.


منهم يومَ أُحد؛ تلك هي وقعةُ الأحزاب، وهي غزوة «الخندق» ففي هذه الغزوة عبر نفرٌ من المشركين الخندق، فيهم فارسهم عمرو ب عبد ودّ؛ قال عمرو: من يبارز؟ فأحجم الجميع! وبرز له عليّعليه‌السلام ، فقال له: يا عمرو، إنّك قد عاهدت الله إلاّ يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين إلاّ أخذتها منه، قال له: أجل؛ قال له عليّ: فإنّي أدعوك إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الإسلام؛ قال: لا حاجة لي بذلك؛ قال: فإنّي أدعوك إلى النِّزال؛ فقال له: لم يا ابن أخي؟ فو الله ما أحبّ أن أقتلك، قال له عليّ: لكنّي والله أحبّ أن أقتلك. فحمي عمرو(1) عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثمّ أقبل على عليّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله عليٌّعليه‌السلام ، وخرجت خيلهم منهزمة(2) .

جهادُ عليّعليه‌السلام يومَ أُحد

ذكرنا بعضاً من أخبار أهل الصخرة، والجلْعَب، يوم أُحد، وحان أن ننظر في مواقف أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ، يومئذٍ، هل استجاب لصراخ الشيطان: قُتل

____________________

(1) حَمِي: اشتدّ غضبه.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 235 - 236، المغازي، للواقديّ (ت 207 هـ) 2: 471، طبقات ابن سعد (ت 230 هـ) 2: 165 و 4: 135 تاريخ الطبريّ 2: 239 - 240، مختصر تاريخ دمشق 17: 322 - 324. وجاء الخبر موجزاً في: جمهرة النسب لابن الكلبيّ (ت 204 هـ) 110، النسب، لابن سلاّم (ت 224 هـ) نسب قريش، لمصعب الزبيريّ (ت 236 هـ) 426، المُحبَّر، لابن حبيب البغداديّ (ت 245 هـ) 174، أنساب الأشراف، للبلاذُريّ (ت 279 هـ) 1: 429، الرَّوض الأُنُف، للسُّهيليّ (ت 279 هـ) 2: 191.


محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فألقى بيده وفرّ؟! لقد أبلى أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام يومَ أحد البلاء الحسن، وهذا هو شأنه في كلّ وقعة وواقعة.

ويومَ أحد هتفت الملائكة ببسالة أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، فبسندٍ عن أبي رافع مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: لما قتَل عليُّ بن أبي طالب أصحاب الألوية، أبصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جماعةً من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرّق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي؛ قال: ثمّ أبصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جماعةً من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرّق جماعتهم، وقتل شيبة بن مالك أحدَ بني عامر بن لؤَي؛ فقال جبريل: يا رسول الله، إنّ هذه للمواساة! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّه منّي وأنا منه»، فقال جبريل: وأنا منكما. قال: فسمعوا صوتاً يقول:

لا سيف إلاّ ذو الفقار

ولا فتى إلاّ عليّ(1)

وفي (تذكرة الخواصّ)؛ إنّ ذلك كان يوم خيبر، وقيل: إنّ الواقعة كانت يومَ

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 197، الأغاني 15: 192.

وقد ذُكر الهتاف في: السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 315، مناقب أميرالمؤمنين عليّ، للكوفيّ 1: 534 / 385 ومواضع أُخرى، وسنن البيهقيّ 3: 276، ومناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ الشافعيّ 197، المناقب، للخوارزميّ الحنفيّ 167، الروض الأنف، للسّهيليّ 2: 143، كفاية الطالب، للكنجيّ الشافعيّ 277، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 3: 380، الرياض النضرة، للمحبّ الطبريّ 2: 190، ذخائر العقبى له أيضاً 74، فرائد السمطين، للجوينيّ 1: 252 / الحديث 195، ميزان الاعتدال، للذهبيّ 3: 324 / الترجمة 6613، مجمع الزوائد، للهيتميّ 6: 114، الكامل، لابن الأثير 5: 260.


أُحُد، كما رواه أحمد عن ابن عبّاس، وقيل: إنّ ذلك كان يومَ بدر؛ والأصحّ أنّ ذلك كان يوم خيبر، فلم يطعن فيه أحدٌ من العلماء(1) .

وذكر نصر الخبر موجزاً، قال: قال عليّ لأصحابه يوم صفّين: والذي نفسي بيده، لنظر إليّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أضربُ قُدّامه بسيفي فقال: لا سيف إلاّ ذوالفقار، ولا فتى إلاّ عليّ(2) .

وذكروا أنّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمّد، إنّكم تزعمون أنّ الله يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة؛ فهل منكم أحد يعجّله الله بسيفي إلى الجنّة أو يعجّلني بسيفه إلى النار؟ فقام إليه عليّ بن أبي طالب فقال: والذي نفسي بيده، لا أُفارقك حتّى أعجِّلك بسيفي إلى النار أو تعجّلني بسيفك إلى الجنّة. فضربه عليٌّ فقطع رجله، فسقط فانكشفت عورته، فقال: أنشدُك الله والرَّحِم يا ابن عمّ؛ فتركه، فكبّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال لعليٍّ أصحابُه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: ابن عمّي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه(3) .

يذكّرنا موقف أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام هذا، بمواقفه يوم صفّين لمّا سقط عمرو بن العاص عن فرسه، وكاد يجهز عليه أميرالمؤمنينعليه‌السلام ، فرفع عمرو رجليه وابدى سوأته! فأشاح أميرالمؤمنين وجهه ولم يقتله، وكذلك فعل معاوية،

____________________

(1) تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزيّ 32.

(2) وقعة صفّين، لنصر بن مزاحم 315.

(3) تاريخ الطبريّ 2: 194، الأغاني، لأبي الفرج الأصبهانيّ 15: 188.


وبسر بن أبي أرطاة(1) ؛ يدرأون الموت الأحمر عن أنفسهم بعوراتهم؛ لعلمهم أنّ عليّاًعليه‌السلام رجل مبدأ يمنعه أن يبارز جباناً يستنجد بعورته عن الموت!

عدد قتلى أميرالمؤمنينعليه‌السلام يوم أحد

إنّ حديث أبي رافع في شأن أصحاب الألوية الذين قتلهم أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ، وقد ذكرنا بعضهم، وهذا عدد آخر منهم: طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة: عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، قتلَه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (2) .

وعثمان بن أبي طلحة بن عبد العزّى؛ ومسافع، وجلاس، وكلاب، والحارث؛ بنو طلحة بن أبي طلحة، هؤلاء من أصحاب الألوية ممّن عجّل بهم سيف أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام إلى جهنّم(3) . وأمّا من غير أصحاب الألوية ممّن قتلهم أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ قالوا: وقاسط بن شريح بن عثمان بن عبد الدار، قتله عليٌّعليه‌السلام ، ومعه اللِّواء(4) . وأرطاة بن شرحبيل من بني عبد الدار، قتله عليّعليه‌السلام (5) .

____________________

(1) وقعة صفّين 424 و 469.

(2) السّيرة النبويّة، لابن هشام 3: 134، المغازي، للواقديّ 1: 307، الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 43، النّسب، لابن سَلام 204، المُحبَّر، لابن حبيب 177، المعارف، لابن قتيبة 160، الأغاني 15: 188، أنساب الأشراف 1: 407، تاريخ خليفة 38، تاريخ الطبريّ 2: 194.

(3) النَّسب 204.

(4) جمهرة النسب 65، النسب 204، أنساب الأشراف 1: 407.

(5) المغازي 1: 307، طبقات ابن سعد 2: 41، تاريخ خليفة 38، أنساب الأشراف 1: 407، الإرشاد للمفيد 81.


وصُؤاب، حبشيّ، غلام أبي يزيد بن عُمَير بن هاشم بن عبدمناف بن عبدالدار، قتله عليّعليه‌السلام (1) . وأبو سعيد بن أبي طلحة بن عبد العزّى، من بني عبد الدار، قتله عليّعليه‌السلام (2) . وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العُزّى ابن قصيّ، قتله عليّعليه‌السلام (3) . وأبو الحكم بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثَّقفيّ، قتله عليّعليه‌السلام (4) . وأبو أميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة المخزوميّ، قتله عليّعليه‌السلام (5) . وهشام بن أبي أُميّة المخزوميّ، قتله عليٌّعليه‌السلام (6) .

هذا هو الإمام عليّعليه‌السلام ، الذي كان إيمانه اليقين المطلق؛ فلم يكن للشيطان إليه سبيل؛( إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) (7) فالجَمْعان هما جمع المسلمين وجمع الكفّار، واستزلّهم الشيطان: أي استفزّهم بذنوبهم ومعصيتهمُ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم أهلُ الصّخرةِ والجلْعَب! ولم يكن فيهم

____________________

(1) السيرة، لابن هشام 3: 134، الإرشاد 81.

(2) في: جمهرة النسب (أبو سعد)؛ السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 134، النسب 204، تاريخ الطبريّ 2: 43، الإرشاد 81.

(3) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 134، الإرشاد 81.

(4) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 135، المغازي 1: 308، طبقات ابن سعد 2: 43 و 3: 445، المعارف 160، أنساب الأشراف 1: 407، الإرشاد 81.

(5) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 135، المغازي 1: 308 - وسمّاه: أُميّة -، المعارف 160، أنساب الأشراف 1: 407، الإرشاد 81.

(6) طبقات ابن سعد 2: 43، الإرشاد 81، مختصر تاريخ دمشق 17: 321.

(7) آل عمران: 155.


عليّعليه‌السلام ، فإنّه كرَّ وما فرّ، وقد ذكرنا بعضاً من أخباره يومئذٍ، على أنّا سنبسط البحث عند الحديث عن شجاعته التي أنكرها ابن تيميه! فعليّعليه‌السلام لم يعلِّق إيمانه الذي كان اليقين،على الحياة الدنيويّة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فهو يعلم أنّ النبيّ يموت، إلاّ أنّ الله تعالى حيٌّ لا يموت والشريعةدائمة؛ ولذا لم يكن لإذاعة الشيطان أنّ «محمّداً قد قتِل» أدنى أثرٍ في نفسه إلاّ زيادة اليقين في وجوب مجاهدة العدوّ، والغوص في لهوات الحرب، فعليّعليه‌السلام يستحيل عليه حالة الارتداد التي أصابت القومَ يومئذ:( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ ) (1) .

قال ابن إسحاق: أي لقول الناس: قتل محمّدٌصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوّهم( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ) رجعتم عن دينكم كفّاراً كما كنتم، قد بيّن لكم فيما جاءكم به عنّي أنّه ميّت ومفارقكم. ( وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ) أي يرجع عن دينه ( فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً ) أي ليس ينقص ذلك عزَّ الله تعالى ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته، ( وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ) أي من أطاعه وعمل بأمره (2) .

إذن: كانت هناك حالة ردّة ونكوص، وأمّا الإمام عليّعليه‌السلام ، فإنّه عنها خليّ، وكان ثابتاً هو ومجموعة من المجاهدين بما فيهم المرأة المجاهدة «نسيبة المازنيّة» وكوكبة الشهداء، رضوان الله عليهم.

تفسير مقاتل: ومثله ذكر مقاتل، قال:( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ

____________________

(1) آل عمران: 144.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 117 - 118.


الرّسُلُ) يقول: وهل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لو قتل إلاّ كمن قتل قبله من الأنبياء،« أَفَإِنْ مَاتَ) محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله « أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ » ، يعني رجعتم إلى دينكم الأوّل الشِّرك. ثمّ قال:« وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ » يقول: ومَن يرجع إلى الشِّرك بعد الإيمان،« فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً » ، بارتداده من الإيمان إلى الشِّرك، إنّما يضرّ بذلك نفسه،« وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ » يعني الموحّدين للهِ في الآخرة(1) .

ومن تفسير قَتادة(2) :« وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ » الآية، قال: ذلك يوم أحد حين أصابهم القرح والقتل، فقال أناس منهم: لو كان نبيّاً ما قتل!، فقال الله تعالى: « وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ

____________________

(1) تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) 1: 194 - 195.

(2) قتادة بن دعامة السّدوسيّ. روى عن: أنس، والحسن البصريّ، ورفيع أبي العالية الرّياحيّ، وسعيد ابن المسيّب، وشهر بن حوشب، وأبي إسحاق السّبيعيّ، وأبي الطّفيل اللّيثيّ...؛ روى عنه: أيوب السّختيانيّ، وحجّاج بن أرطاة، وحماد بن سلمة، وحميد الطّويل، وسليمان الأعمش، وسعيد بن أبي عروبة، واللَّيث بن سعد، ومعمر بن راشد...

ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة. وقال: كان ثقة مأموناً حجّةً في الحديث. (طبقات ابن سعد 7: 229). وقال: توفّي سنة سبع عشرة ومائة (نفس المصدر). قال العجليّ: تابعيّ، ثقة (تاريخ الثِّقات 389 / 1380). وقال أبو داود الطيالسيّ: كنتُ أعرف حديث قتادة ما سمع ممّا لم يسمع، فغذا جاء ما سمع قال: حدّثنا أنس، وحدّثنا الحسن...؛ وإذا جاء ما لم يسمع كان يقول: قال سعيد بن جبير، وقال أبو قلابة (طبقات ابن سعد 7: 229).

ترجمته في: تاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 727، تاريخ الدُّوريّ 2 / 484، تاريخ خليفة 72، 109، وطبقاته 366 / الترجمة 1764...


عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ » ، يقول: ارتددتم على أعقابكم كفّاراً بعد إيمانكم...(1) .

قال محمّد - بن زمنين -: يقال لمن كان علي شيء ثمّ رجع عنه: انقلب على عقبيه(2) .

وقد رأيت أنّنا لم ننقل عن رافضيّ - كذا -، بل ولا عن شيعيّ إلاّ مصدرين أو ثلاثة ضممناها إلى مصادر أهل العامّة، وذلك في الحديث عن موقف أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام يومَ أحد. وأمّا عن حالة القوم الذين ألقوا بأيديهم استجابةً لنداء الشيطان! وارتدادهم، فلم نذكرها من مصدر شيعيّ أبداً، وإنّما ذكرناها من مصادر الجمهور، والمتأخّر منها هو: تفسير ابن زمنين (ت 399 هـ)، وروايته كانت عن قتادة (ت 117 هـ)؛ وقد سمعت أقوال العلماء فيه - على إيجاز ما ذكرناه - وأمّا مقاتل، وابن إسحاق فهما من أبناء القرنين الأوّل ومنتصف القرن الثاني للهجرة. ولم نذكر تفسير الطبريّ، وغيره؛ لأنّها ذكرت نفس المعنى، فراجع.

عودٌ على خَيْبر

أخرج الطبريّ بسنده، قال: حدّثنا ابن بشّار قال: حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا عوف عن ميمون، أنّ عبد الله بن بُرَيدة حدّث عن بريدة الأسلميّ قال: لمّا نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بحصن أهل خيبر، أعطى رسول الله اللِّواء عمر بن الخطّاب، ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر؛ فانكشف عمر

____________________

(1) تفسير ابن أبي زمنين (ت 399 هـ) 1: 129 - 130.

(2) نفسه 130.


وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله يجبّنه أصحابه ويجبّنهم! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لأُعطينَّ اللِّواء غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله. فلمّا كان من الغد تطاول لها أبوبكر وعمر، فدعا عليّاًعليه‌السلام وهو أرمد، فتفل في عينيه وأعطاه اللِّواء، ونهض معه من الناس من نهض، قال: فلقيَ أهلَ خيبر، فإذا مَرحب يرتجز ويقول:

قد علمتْ خيبر أنّي مرحبُ

شاكي السلاحِ بطلٌ مُجرَّبُ

أطعنُ أحياناً وحيناً أضربُ

إذا اللِّيوثُ أقبَلَت تلَهَّبُ

فاختلف هو وعليٌّ ضربتين، فضربه عليٌّ على هامته حتّى عضّ السيف منها بأضراسه، وسمع أهلُ العسكر صوتَ ضرْبته فما تتامَّ آخر الناس مع عليّعليه‌السلام حتّى فتح الله له ولهم(1) .

قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن الحسن عن بعض أهله، عن أبي رافع مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: خرجنا مع عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه حين بعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله برايته، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهلُه فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطاح ترسه من يده، فتناول عليٌّعليه‌السلام باباً كان عند الحصْنِ فترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتّى فتح اللهُ عليه، ثمّ ألقاه من يده، فلقد رأيتُني في نفرٍ سبعة معي، أنا ثامنهم، نَجْهَد على أن نَقْلِب ذلك البابَ فما نقلبُه(2) !

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 2: 300.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 350، وعنه: تاريخ الطبريّ 2: 301.


شِعرُ حسّان بن ثابت في المناسبة:

هزّت الواقعةُ إعجابَ حسّان بن ثابت، فأنشد بذلك:

وكان عليٌّ أرمدَ العين يبتغي

دَواءً فلمّا لم يُحِسَّ مُداوِيا

شَفاءُ رسولُ الله منه بتفلةٍ

فَبُورِكض مَرقيّاً وبُوركَ راقيا

وقال: سأُعطي الرايةَ اليومَ صارماً

كَمِيّاً مُحبّاً للرّسولِ مُواليا

يُحبُّ إلهي والإلهُ يُحبُّهُ

به يَفْتحُ اللهُ الحُصونَ الأوابيا

فأصفى بها دونَ البريّةِ كلّها

عليّاً، وسمّاهُ الوزيرَ المُؤاخيا(1)

الفرار من التبليغ!

إنّ الأحداث يُشبه بعضها بعضاً، وجميعُها يُفصح عن حقيقة ثابتة، نترك تفسيرها للقارئ وفطنته؛ من ذلك ما كان من حوادث سنة ستُ، وصلح الحُدَيبيّة، فقد: «دعا النبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله عمر بن الخطّاب ليبعثه إلى أهل مكّة فيُبلّغ عنه أشرافَ قريش ما بلّغه الله تعالى، فقال: يا رسول الله، إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكّة منبني عديّ بن كعب أحدٌ يمنعني، وقد عرفَت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها! ولكن أدلُّك على رجلٍ هو أعزّ بها منّي: عثمان بن عفّان. فدعا رسولُ الله عثمان فبعثه إلى أبي سفيان...»(2) الخبر.

____________________

(1) مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ الشافعيّ 189، وكفاية الطالب، للكنجيّ الشافعيّ 98، والقاري في شرح صحيح البخاريّ 855.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 3: 329، وتاريخ الطبريّ 2: 278.


وما كان ينبغي لعمر أن يردّ أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويتنصل عنه ويتهرّب منه، وقد أدّب الله تعالى المسلمين بالطاعة المطلقة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ لا خِيَرة لهم فيما قضى:( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً ) (1) .

ونختم أخبار الفِرار! بما كان يوم حنين؛ ففي العام الثامن وقعت أمور على شاكلة يوم أحد؛ ففي هذا العام كانت غزوة حُنين، حيث اجتمعت هوازن وثقيف، وانضمّت إليهما قبائل أخرى، يريدون حرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فبعث النبيّ إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ، وأمره أن يدخل في النّاس حتّى يعلم علمهم، ثمّ يأتيه بالخبر. فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام معهم حتّى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله، ثمّ أقبل فأخبر رسول الله خبرهم، فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عمر بن الخطّاب فأخبره الخبر، فقال عمر: كذب ابن أبي حدرد! فقال ابن أبي حدرد: إن كذّبتني فربّما كذّبت الحقَّ يا عمر؛ فقد كذّبت من هو خير منّي. فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قد كنت ضالاًّ فهداك الله يا عمر»(2) .

فلمّا كانت الواقعة، وقع للمسلمين ما وقع لهم بأحد من هزيمة. عن جابر

____________________

(1) الأحزاب / 36.

(2) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 82 - 83، والمستدرك، للحاكم 3: 51 / 4369، وقال الذهبيّ في التلخيص: صحيح.


ابن عبد الله قال: لمّا استقبلنا وادي حُنين انحدرنا في وادٍ من أودية تهامة(1) ...، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه(2) ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيّأوا وأعدّوا، فواللهِ ما راعنا ونحن منحطُّون إلاّ الكتائب قد شدُّوا علينا شدّة رجل واحد، وانشمر الناس(3) راجعين لا يلوي أحدٌ على أحد، وانحاز رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات اليمين ثمّ قال: أين أيّها الناس؟! هَلمُّوا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمّد ابن عبد الله. قال: فلا شيء، حملت الإبلُ بعضُها على بعضٍ فانطلق الناس، إلاّ أنّه بقي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته(4) .

وعن أبي قتادة قال: وانهزم المسلمون وانهزمتُ معهم، فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس! فقلتُ له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله(5) !

تعقيب: إنّ هذه الهزائم وغيرها ممّا لم نستقصيه يفنّد مقولة ابن تيميه بشأن واقعة خيبر.

الفرار على لسان أميرالمؤمنينعليه‌السلام

أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن ابن أبي ليلى قال: قال عليّ: ما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟ قلتُ: بلى والله، لقد كنتُ معكم، قال: فإنّ رسول الله بعث أبابكر،

____________________

(1) تهامة: ما انخفض من الأرض، وهنا المراد منه تهامة الحجاز.

(2) الشِّعاب: الطّرق الخفيّة. وأحناؤه: جوانبه.

(3) انشمر الناس: انفضّوا وانهزموا.

(4) السيرة النبويّة 4: 85، وتاريخ الطبريّ 2: 347.

(5) صحيح البخاريّ 5: 101.


فسار بالناس حتّى رجع إليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتّى انتهى إليه؛ فقال رسول الله: «لأعطينّ الراية رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله له، ليس بفرّار». قال: فأرسل إليَّ فدعاني فأتيته وأنا أرمد لا أبصر شيئاً، فدفع إليَّ الراية، فقلتُ: يا رسول الله، كيف وأنا لا أبصر شيئاً؟! قال: فتفل في عيني، ثمّ قال: «اللّهمّ اكفه الحرّ والبرد»، قال: فما آذاني بعد حرٌّ ولا برد(1) .

وقد ذكر الحاكم فرار الشيخين؛ فبسنده عن أبي ليلى، عن عليّعليه‌السلام أنّه قال: يا أبا ليلى، أما كنتَ معنا بخيبر؟ قال: بلى والله، كنت معكم، قال: فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث أبابكر إلى خيبر فسار بالناس وانهزم حتّى رجع.

قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه(2) .

وبسنده عن أبي موسى الحنفيّ، عن عليّرضي‌الله‌عنه قال: سار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى خيبر، فلمّا أتاها بعث عمر وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم فقاتلوهم فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه فجاءوا يُجبّنونه ويُجبّنهم.

قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه(3) .

ونذكّر مرّةً أخرى: أنّا لم نرو عن رافضيّ ولا شيعيّ، مع جلالة علماء الشّيعة! والأحاديث التي ذكرها الحاكم الشافعيّ في مستدركه على الشيخين: البُخاريّ ومسلم؛ وقد وافقه عليها الذهبيُّ تلميذُ ابن تيميه ومن المتعصّبين له

____________________

(1) المصنَّف، لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 8: 519 / 1.

(2) المستدرك على الصحيحين 3: 39 / 14338 أ. قال الذهبيّ في التلخيص: صحيح.

(3) نفسه 40 / 4340. ووافقه الذهبيّ في التلخيص وقال: صحيح.


يعني أنّ أحاديث الفرار هي من أحاديث الصحيحين إلاّ أنّ الشيخين - على ما يبدو! - قد غَفَلا عنها، والله العالم.

الفتحُ المـُبين

إنّ قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لأُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبُ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّارٍ، يفتح الله على يديه»؛ من علامات النُّبوّة؛ ذلك أنّه قد فرّ جحفلان من غير تحقيق أدنى رجاء! وبلغ الأمر بأحد هذين الجحفلين أنّ قائده رجع ينوح باللاّئمة على أصحابه، وهم يلومونه «يحبّنُه أصحابه ويجبّنهم»؛ فلو عجز عليّعليه‌السلام صار للشكِّ بنبوّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله فسحة، وذلك أنّه فرّ من فرّ قبله، ولم يك فتح على يديه كما أنبأ، إلاّ أنّ عليّاًعليه‌السلام أخذ رايته بحقٍّ وراح يهرول بها إلى خيبر، لا إلى الخلف! حتّى ركزها في أطم من آطام حصون اليهود، وقتل فارسهم «مرحب»، وقلع باب حصن عظيم كان لهم، وكان الفتح على يديه لا على يدي غيره! ولو كانت هذه الملاحم لغير الإمام عليّعليه‌السلام لرأيت الهول من ابن تيميه حتّى ألّف في ذلك مجلّدات.

في قوله تعالى:« إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً » (1) . قال ابن أبي شيبة(2) : حدّثنا وكيع

____________________

(1) الفتح: 1.

(2) هو عبد الله بن محمّد بن إبراهيم العبسيّ، مولاهم، أبوبكر بن أبي شيبة.

روى عن: أبي أسامة حمّاد بن أسامة، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن حرب، وأبي داود الطيالسيّ، وشريك بن عبد الله النّخعيّ، وعبد الله بن المبارك، وعبد السلام بن حرب، وعبد العزيز الدّراورديّ، وعفّان بن مسلم، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو معاوية محمّد بن خازم الضَّرير، =


عن أبي جعفر، عن قتادة، عن أنس:« إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً » ، قال: خيبر(1) .

الصحابة يتمنَّون الراية

بعد الذي حصل يوم خيبر، وفرار مَن فرّ، وقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في إعطائه

____________________

= ويحيى بن سعيد القطّان، وأبوبكر بن عيّاش، وعفّان بن مسلم، وعبد الرحمان بن مهديّ، وأبو غسّان مالك بن إسماعيل النَّهديّ، ومحمّد بن فُضَيْل بن غَزْوان، ومروان بن معاوية، ووكيع بن الجَرّاح... (ذكرنا تراجم كثير منهم، وقد أجمعوا على وثاقتهم).

روى عنه: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وابنُ ماجة، وإبراهيم بن إسحاق الحربيّ، وأبو يعلى الموصليّ، وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازيّ، وعبّاس الدُّوريّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأحمد بن يحيى البلاذريّ... (وما قيل في من ذكر عنهم، فكذلك الحال في الرُّواة عنه، والفريقان من مشاهير رجالهم وأهل الوثاقة عندهم، فما بقي إلاّ النَّظر في حال ابن أبي شيبة).

ذكره العجليّ، قال: عبد الله بن محمّد بن إبراهيم، وهو ابن أبي شيبة (كوفيّ)، ثقة، وكان حافظاً للحديث. (تاريخ الثِّقات 276 / 878).

وقال أبو عبد الله محمّد بن عُمر بن العلاء الجرجانيّ: سمعتُ أبابكر بن أبي شيبة، وأنا معه في جبّانة كندة، فقلت له: يا أبا بكر، سمعت من شريك وأنت ابن كم؟ قال: سمعت من شريك وأنا ابن أربع عشرة، وأنا يومئذٍ أحفظُ للحديث منّي اليوم. (تهذيب الكمال للمزّيّ 16: 40). قال الذهبيّ تعليقاً على ذلك: صدق والله، واين حفظ المراهق من حفظ من هو في عشر الثمانين. (سير أعلام النبلاء 11 / 124).

قال أبو حاتم: ثقة. (الجرح والتعديل 5 / رقم الترجمة 737)، ومثله قال ابن خراش. (تاريخ بغداد 10: 71)، وذكره ابن سعد في الطبقة التاسعة (طبقات ابن سعد 6: 376 / 2801)، وذكره ابن شاهين في ثقاته / الترجمة 689. مات ابن أبي شيبة سنة خمس وثلاثين ومائتين (تاريخ البخاريّ الصغير 2 / 365، وتاريخ بغداد 10: 72، وتهذيب الكمال 16: 41).

(1) المصنَّف، لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 8 / 519 / 1 - من أحاديث خَيْبر -.


الرايةَ رجلاً يكون الفتحُ على يديه؛ تطاول أصحابُ رسول الله كلٌّ يرجو أن يكون ذلك الرجل.

ذكر النّسائيّ قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمان، عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال يومَ خيبر ك «لأُعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله عليه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله. فلمّا أصبح الناس غَدَوا على رسول الله كلّهم يرجو أن يعطى. فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقالوا: عليٌّ يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلُوا إليه. فأتي به، فبصق رسول الله في عينيه، ودعا له فبرئ، حتّى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال عليّ: يا رسول الله، أُقاتلُهم حتّى يكونوا مثلنا؟ فقال: أنفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من الله، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النَّعَم»(1) .

سعد يردع معاوية

قتيبة بن سعيد البلخيّ، وهشام بن عمّار الدمشقيّ، قالا: حدّثنا حاتم، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه قال: أمر معاوية

____________________

(1) صحيح البخاريّ 0 6 / 111 - 144)، وصحيح مسلم (15 / 175 - 176)، ومسند أحمد (5 / 333)، وخصائص أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام للنَّسائيّ 39 / 16، وحلية الأولياء، لأبي نُعَيم (1 / 62)، وشرح السنّة، للبغويّ (14 / 111 - 112).


سعداً فقال: ما يمنعُك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أنا ذكرتُ ثلاثاً قالهن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلن أسبّه  لأن يكونَ لي واحدةٌ منها أحبُّ إليّ من حُمر النّعم: سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول له، وخلّفه في بعض مغازيه؛ فقال له عليّ: يا رسول الله، أتُخلّفُني مع النساء والصبيان؟! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أما تَرضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نُبوّةَ بعدي؟!».

وسمعتُه يقول يوم خيبر: «لأُعطينّ الرايةَ غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ن ويحبّه اللهُ ورسولُه». فتطاولْنا إليها، فقال: أُدعوا لي عليّاً. فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه...، ولما نزلت:« إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً » (1) دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللّهمّ هؤلاءِ أهلُ بيتي»(2) .

سعد يقمع مُبغضي عليٍّعليه‌السلام

أخرج النَّسائيّ بسنده عن سعد بن أبي وقّاص قال: كنت جالساً فتنقّصوا عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، فقلتُ: لقد سمعتُ رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول في عليّ ثلاثَ خصال، لأن يكون لي واحدةٌ منهنّ أحبُّ إليّ من حُمر النّعم: سمعته يقول: «إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي»، وسمعته يقول: «لأُعطينّ

____________________

(1) الأحزاب: 33.

(2) مسند أحمد (1 / 185)، وصحيح مسلم (15 / 175 - 176)، ومناقب أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، للنَّسائيّ 32 / 9، والمستدرك على الصحيحين (3 / 108).


الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله»، وسمعته يقول: «مَن كنتُ مولاه، فعليٌّ مولاه»(1) .

الراية من خصائص عليّعليه‌السلام

كما اختصّ أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام بذي الفقار، وهو له أهل، فسطّر ملاحم البطولة والشجاعة والفداء؛ واستحقّ بذلك الهتاف الإلهيّ:

لا سيف إلاّ ذو الفقار

ولا فتى إلاّ عليّ

فقد أختصّ براية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا صارت إلى غيره، لعارضٍ طارئ، كانت الهزيمة والفرا! فإذا عادت إلى أهلها كان النصر المؤزَّر والفتح المبين؛ فحفلت بذكرها كتب التاريخ والحديث والتراجم، وذكرها كثير منهم من طُرق عدّة واعتبرها العلماء من خصائص أمير المؤمنينعليه‌السلام ، كما فعل النّسائيّ - وقد ذكرنا بعض رواياته - كما وجدنا المصادر الأُخرى ذكرت ذلك مع لفظ «يُفتحُ على يديه» وهو يعني أنّ ذلك من خصائص الإمام عليّعليه‌السلام كما أنّ ابن أبي شيبة قد ذكر أنّ آية الفتح - في سورة الفتح / 1 - تعني فتح خَيْبر -.

المصادر

نختتم حديثنا حول الواقعة بذكرِ مصادرها:

السيرة النبويّة لابن إسحاق (ت 150 هـ)، تهذب ابن هشام (ت 218 هـ)

____________________

(1) خصائص أميرالمؤمنين: 33 / 10.


3: 349، ومسند أبي داود الطيالسيّ (ت 204 هـ) / 320، والمغازي للواقديّ (ت 207 هـ) 2 / 654، والمُصنَّف لعبد الرزّاق (ت 211 هـ) 2 / 337 - 499، وصحيح البخاريّ (ت 210 هـ) ذكره في المغازي 5: 76، والطبقات الكبرى لابن سعد (ت 230 هـ) 2: 111، والمصنّف لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 8 / 519 / 1، و 520 / 2 و 522 / 7 و 525 / 23، ومسند أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) 1 / 215 / 1120 و 1 / 160 / 780 و 544 / 3052، وصحيح مسلم (ت 261 هـ) 7 / 119، وسنن ابن ماجة (ت 275 هـ) 1: 43 - المقدّمة / 117 -، والجامع الصحيح للترمذيّ (ت 279 هـ) 13 / 171، وأنساب الأشراف للبلاذريّ (ت 279 هـ) 2 / 347، وخصائص أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام للنَّسائيّ 32 / 9، و 33 / 10، 34 / 11 و 36 / 13 و 37 / 14 و 38 / 15 و 39 / 16 و 41 / 17 و 18 و 19 و 42 / 20  و 21، و 43 / 22، و 44 / 23. وتاريخ الطبريّ (ت 310 هـ) 2 / 300 - 301، وكتاب الولاية لابن عقدة (ت 332 هـ) / 169، والثقات لابن حبّان (ت 354 هـ) 1 / 117، والمعجم الكبير للطبرانيّ (ت 360 هـ) 6 / 5818، والمستدرك على الصحيحين للحاكم (ت 405 هـ) 3 / 39، و 108 و 130 - 131، ودلائل النّبوّة للبيهقيّ (ت 458 هـ) 4 / 210 و 205 و 207 - 208، ومسند أبي يعلى الموصليّ (ت 307 هـ) / 291 - 292 / 1، والاستيعاب لابن عبد البر المالكيّ (ت 463 هـ) 3 / 36، وتاريخ بغداد للخطيب البغداديّ (ت 463 هـ) 8 / 5، وحلية الأولياء لأبي نُعَيم (ت 430 هـ) 1 / 62، ومناقب الإمام عليّعليه‌السلام لابن المغازليّ الشافعيّ (ت 483 هـ) 176 - 189 - وشرح السُّنّة للبغويّ الشافعيّ (ت 516 هـ)، 14 / 111 - 112، والمناقب


للخوارزميّ الموفّق الحنفيّ، (ت 568 هـ) / 125، والروض الأنف للسهيليّ / 581 وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ الحنفيّ (ت 654 هـ) / 32، وكفاية الطالب للكنجيّ الشافعيّ (المقتول سنة 658 هـ) / 98، وأسد الغابة لابن الأثير الشافعيّ (ت 630 هـ)، 4 / 98، وتهذيب الكمال للمزّيّ السَّلفيّ (ت 742 هـ) 20 / 485، وتاريخ الإسلام للذهبيّ الحنبليّ (ت 748 هـ)، وميزان الاعتدال له 1: 263، والإحسان يترتيب صحيح ابن حبّان، عليّ بن بلبان الفارسيّ (ت 739 هـ) 9 / 43، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعيّ / اختصار ابن منظور (ت 711 هـ) 17: 344، والبداية والنهاية لابن كثير الدمشقيّ الحنبليّ (ت 774 هـ) 4 / 188، ومجمع الزوائد للهيتميّ (ت 807 هـ) 9: 124، وتهذيب التهذيب لابن حجر الشافعيّ 7 / 48 و 3 / 237، ولسان الميزان، له 2 / 324، وصُبْح الأعشى للقلقشنديّ (ت 820 هـ) 10 / 174.

إنّ احتفاء المصارد من منتصف القرن الثاني الهجريّ وحتّى القرن التاسع بحديث الراية، ولم نذكر مصدراً شيعيّاً! واحداً، يُعرِب عن أهمّية الحديث وعُلوّ شأنه. ولذا لا معنى لتفريعات شيخ الإسلام ابن تيميه، إذ قال:

الثاني: إنّ إخبارهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ عليّاً يحبّ الله ورسوله، ويحبُّه الله ورسوله حقّ، لكنّ الرافضة الذين يقولون أنّ الصحابة ارتدُّوا بعد موته لا يمكنهم الاستدلال بهذا.

الجواب: لم يجر فيما اقتبسه ابن تيميه من كلام العلاّمه الحلّيّ ذكر ردّة الصحابة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لكنّه ذكر الفرار وقد أثبتناه. وهو كما صرف


الكلام عن يوم خيبر بما كان قبله! فقد أدخل في الكلام ما ليس فيه، وهو الردّة بعد وفاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وقد تكلّم القرآن الكريم عن حالة بعض الصحابة ما قبل خيبر، وقد استوفيناه.

وعقّب في تفريعه الثاني قائلاً: لأنّ الخوارج تقول لهم: هو - أي عليّعليه‌السلام - ممّن ارتدّ أيضاً.

وكلامه هذا فيه، أمور: منها: لقد وجدنا ابن تيميه في منهجه يرفع من شان الخوارج! ويذبّ عنهم، ليس في هذا الموضع فقط وانّما في مواضع أُخرى ويصفهم بأنّهم أهل عبادة، وغير ذلك، كما وجدناه يمدح الأُمويّين وعلى الأخصّ معاوية ويزيد، وهو أمر يسترعي الانتباه، مما يلزمنا دراسة بيئته الجغرافيّة والاجتماعيّة ومنحدره القبليّ ونسبه وسيرة حياته، وسنأتي على ذلك إن شاء الله تعالى.

وقوله هذا فيه تنصيصٌ على ما اختلقه من القول بردّة الصحابة؛ ذلك أنّ الخوارج تقول بأنّ عليّاًعليه‌السلام أيضاً ارتدّ؛ فالصحابة إذن قد أرتدُّوا وفيهم عليّعليه‌السلام ، على ما نسبه إلى الخوارج.

أضاف: والرافضة لا يمكنهم إقامة دليل على الخوارج على أنّ عليّاً مات مؤمناً! وهذا نظير قوله: «الرافضة تعجز عن إثبات إيمان عليّ وعدالته...، فإن احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أميّة وبني العبّاس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم»(1) .

____________________

(1) منهاج السنّة 1: 162.


وقبل الكلام عن إيمان أميرالمؤمنينعليه‌السلام نذكّر بأنّ حكم قضاة المذاهب الأربع على ابن تيميه بالنفاق لتنقّصه أميرالمؤمنين عليّاًعليه‌السلام وقوله فيه أنّه أسلم صبيّاً لا يدري ما يقول! وحكمه بالفسق والزندقة لسوء عقيدته بذات الله تعالى والأمر الذي آل إليه من تعزير وتشمير به في شوارع دمشق مضروباً بالدّرة، فالسجن ثلاث مرّات، فكتب في المرّة الأولى والثانية توبته ورجوعه عن عقيدته، فإذا خرج عاد إلى ما كان عليه، وفي المرّة الثالثة لم تقبل له توبة، فمات في قلعة دمشق!

فالردّة التي تكلّم عنها ليس هو منها ببعيد! وأمّا ما نسبه إلى العلاّمة الحلّيّ، فقد ذكرنا أنّها لم تكن في النصّ الذي من كلام الحلّيّ، وإنّما هو من كلام الله تعالى في الذين استجابوا لصراخ الشيطان يوم أحد: «ألا إنّ محمّداً قد قُتل!» فمنهم من فرّ إلى الجلعب وبقي ثلاثة أيّام، ثمّ عاد مع رفقته بعد أن اطمأنّوا بانتهاء الوقعة، وسلامة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله . ومنهم: أصحاب الصخرة الذين بلغ بهم الأمر أنّهم قالوا: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبَيّ؛ فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان! فأنزل الله تعالى فيهم توبيخاً لهم:!( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ ) (1) .

وقد ذكرنا أقوال ثلاثةٍ من العلماء، المتأخّر منهم هو: ابن زَمْنين (ت 399 هـ)

____________________

(1) آل عمران: 144.


وقد نقل ابن زمنين تفسير قتادة (ت 117 هـ) للآية، فبين ابن زمنين وابن تيميه «329 سنة» وبين قتادة وابن تيميه «611 سنة». قال قتادة: قال أُناس منهم: لو كان نبيّاً ما قُتل! وفي تفسير الانقلاب، على الأعقاب قال: يقول ارتددتم على أعقابكم كفّاراً؟! وذكرنا قول ابن إسحاق، ومقاتل، وكلاهما توفّيا سنة 150 هـ فليس بينهما وبين ابن تيميه إلاّ «578 سنة»! وكلامهما قريب من قول قتادة؛ فابن إسحاق قال رجعتم عن دينكم كفّاراً كما كنتم؟! ومقاتل قال: رجعتم إلى دينكم الأوّل الشِّرك؟! ومثله ذكر الطبريّ في تفسيره وللمشابهة أحلنا القارئ إلى مراجعته.

وكما قلنا: إنّ العلاّمة الحلّيّ ليس من أبناء تلك العصور، إنّما هو من أبناء عصر ابن تيميه، ولم يكن في النصّ الذي اقتبسه ابن تيميه ردّة كما قلنا أكثر من مرّة - من كتاب الحلّيّ؛ فبات: أنّ القائل بردّة الصحابة هو ابن تيميه! فإذا أراد أن يقول: إنّما قال الرافضيّ! في موضع آخر؛ فجوابنا قد مضى وفيه أنّ النصّ الذي ذكره الابن تعود إلى ابن تيميه ولذلك يقال الأبناء ويقصد ابن تيميه وابن كثير وابن قيّم... ليس فيه إشارة إلى ردّة. فإذا قيل: إنّ ابن تيميه إنّما ذكر أن الرافضة تقول بردّة الصحابة، والحلّيّ منهم؛ فهو ممّن يقول ذلك.

فجوابنا: كان عليه أن لا يُحمَّل الكلام ممّا ليس منه؛ فقد ذكر العلاّمة الحلّيّ واقعة خيبر، والفرار، وإعطاء الراية عليّاًعليه‌السلام والفتح على يديه. والردّة - التي هي الفرار بتفاصيله - مضى ذكرها.


جملة عارضة:

لقد بدأ ابن تيميه كلامه بنفي الثابت، وإثبات المنفي، ومحاولة النيل من شخص أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، وتفضيل الخوارج وبني أميّة على شيعة عليّ وأهل بيت النبوّة الطاهر؛ إلاّ أنّه، ولدفع دَخَلٍ، قد ذكر في تفريعه الثاني «أنّ إخبارهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ عليّاً يحبّ الله ورسوله، ويحبُّه اللهُ ورسوله حقّ»، وعقّب بعدها بشتم الشيعة والتشكيك بإيمان أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام !

نقول: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا بعث من بعث، لم يقل بشأن أحدٍ منهم، ما قاله بحقّ عليّعليه‌السلام ، فماذا يعني ذلك؟ ولقد قرنصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك الحبّ الخاصّ بتحقيق النّصر والفتح على يَدي عليّعليه‌السلام ؛ ولذا لسنا - بعد هذا - بحاجة إلى شهادة ابن تيميه وأضرابه!

الخوارج

أفصح ابن تيميه عمّا في نفسه فألقاه على لسان الخوارج ليقول بردّة أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ، وموته على الكفر!

وقبل الحديث حول الخوارج وما جاء فيهم من أحاديث توجب قتلهم، وأنّ لقاتلهم من الأجر الجزيل، نذكر طرفاً من أخبارهم تُظهر جهالتهم وأنّهم رجال سوء؛ ومع ذلك لم نجدهم قد كفّروا أميرالمؤمنينعليه‌السلام . فمِن خبرِهم: بعد أن فرغ أميرالمؤمنينعليه‌السلام من قتال (الناكثين) أهل الجَمَل، بدأت فتنة (القاسطين) في الشام، فقد أعلن معاوية تمرّده وخروجه على أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ؛ فكانت


وقعة صفّين، وكانت أشدّ أيذامها هي الواقعة الخميسيّة، نسبةً إلى اليوم الذي حصلت فيه وهو: يوم الخميس؛ وتسمّى أيضاً «ليلة الهرير»؛ سمّيت بذلك لشدّتها، حيث جعل بعضهم يهرّ على بعض، ويعتنق بعضهم بعضاً، وجعل عليّعليه‌السلام يقف ساعةً بعد ساعةٍ ويرفع رأسه إلى السماء وهو يقول: «اللّهمّ إليك نُقِلَت الأقدام، وأفضت القلوب، ورُفعت الأيدي، وامتدّت الأعناق، وشخصت الأبصار، وطُلبت الحوائج...»« رَبّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (1) .

ثمّ إنّه حمل في سواد اللّيل وحملت مع الناس، فكلّما قتل بيده رجلاً من أهل الشام كبّر تكبيرة، حتّى أحصي له ما يزيد على خمسمائة تكبيرة، في كلّ تكبيرة له قتيل(2) .

رفعُ المصاحف

صبيحة تلك اللّيلة، كاد أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يحسم المعركة بالنصر المؤزّر ويُنهيَ الفتنة، وقد أشرف مالك الأشتر على دخول عسكر معاوية. وهنا وقعت الفتنة، إذ قال معاوية لعمرو بن العاص: ويحك أبا عبدالله! أين حيَلُك التي كنتُ أعرفها منك؟ فقال عمرو: تريد ماذا؟ قال: أُريد أن تسكّن هذه الحروب؛ فقد أُبيد أهل الشام. فقال عمرو: إن أحببتَ فأمر بالمصاحف أن تُرفع على رؤوس الرماح، ثمّ ادعهم إليها. فأمر معاوية بالمصاحف فرفعت على رؤوس

____________________

(1) الأعراف: 89.

(2) وقعة صفين لنصر بن مزاحم (ت 212 هـ) 477، وفي الفتوح لابن أعثم (ت 314 هـ) قال: خمسمائة تكبيرة وثلاثٌ وعشرون تكبيرة (الفتوح 2: 178).


الرماح، وصاح أهل الشام: يا عليّ اتّق الله أنت وأصحابك في هذه البقيّة، هذا كتاب الله بيننا وبينكم(1) .

الفتنة

في هذه المرحلة الحاسمة، وقع اللّجاج في صفوف جيش أميرالمؤمنينعليه‌السلام في شأن المصاحف المرفوعة؛ فالذين ملّوا الحرب وفي نفوسهم مرض تداعوا مطالبين أميرالمؤمنينعليه‌السلام بوقف الحرب والإجابة إلى حُكم القرآن! فقال لهم: «ويحكم! أنا أوّلُ من دعا إلى كتاب الله وأوّل من أجاب إليه، وليس يحلّ لي ولا يسعُني في ديني أن أُدعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إني إنّما قاتلتهم ليدينوا بحُكم القرآن، فإنّهم قد عصَوُا الله فيما أمرهم فيه، ونقضوا عهده ونبذوا كتابه، ولكنّي قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، وأنّهم ليس العمل بالقرآن يريدون»(2) .

إلاّ أنّ الفرقة المارقة أصرّت على موقفها وحملته على أن يبعث إلى الأشتر وبذلك انقلب الموقف ونجا معاوية الذي كان يمنّي نفسه الفرار، فلقد كان بعد ذلك يقول: «واللهِ رجع عنّي الأشتر يوم رفع المصاحف، وأنا أُريد أن أسأله أن يأخذ لي الأمان من عليّ، وقد هممتُ بالهرب»(3) .

____________________

(1) الفتوح 2: 179، وفي وقعة صفّين بتوسّع واختلاف في بعض الألفاظ.

(2) وقعة صفّين 489 - 490، الفتوح 2: 183، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 217.

(3) الفتوح 2: 185.


الهُدنة

بعد الذي كان من المارقين، توقّف الناس عن القتال وجرت مكاتبات طويلة انتهت بالاتّفاق على عقد هدنة مدّتها سنة، وكتبوا بذلك كتاباً وموثقاً وتقرّر أن يعيّن كلُّ فريق حكماً يرضون حكمه. فاختار أهل الشام: عمرو بن العاص، واختار الأشعث والذين صاروا خوارج بعد ذلك أبا موسى الأشعريّ، رغم رفض أمير المؤمنينعليه‌السلام له!

رفض التحكيم

بعد كتابة الكتاب وشهادة الشهود؛ خرج الأشعث بنسخةٍ منه يقرؤها على الناس، فتعالت أصوات المخالفين لأمير المؤمنينعليه‌السلام : لا حُكم إلا لله، الحُكم لله يا عليّ لا لك! لا نرضى أن يُحكِّم الرّجال في دين الله، وقد كنّا زللنا وأخطأنا حين رضينا بالحكمين، وقد بان لنا خطأنا وزللُنا فرجعنا إلى الله وتبنا! فارجع أنت يا عليّ كما رجعنا، وتُبت إلى الله كما تُبنا، وإلاّ برئنا منك!

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ويحكم! أبعدَ الرّضى والميثاق والعهد نرجع؟!

أليس الله تعالى قد قال:« أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1) ، وقال:« وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً » (2) . فأبى عليّعليه‌السلام أن يرجع، وأبت الخوارج إلاّ تضليل التحكيم والطعن فيه، فبرِئتْ من

____________________

(1) وقعة صفّين 408 - 552، الفتوح 3: 318 - 325 و 4: 89 - 90، وشرح نهج البلاغة 2: 29.


عليّعليه‌السلام ، برئ عليّ منهم.

فلمّا رجع أهل العراق لعراقهم، وأهل الشام لشامهم، انحاز مخالفوا أمير المؤمنينعليه‌السلام وساروا حتّى نزلوا بحروراء، وأمّروا عليهم عبد الله بن الكوّاء(1) .

وقفة تأمّل

إن الخوارج الذين أقامهم ابن تيميه بيّنةً على تضليل الشيعة وتكفير أميرالمؤمنينعليه‌السلام ؛ قد وجدناهم غارقين في وحل جهل مظلم وأعرابيّة غليظة أوردتهم المهالك! فهم الذين حملوا أميرالمؤمنينعليه‌السلام على قبول التحكيم عملاً منهم بخديعة ابن العاص، ورفضوا عبد الله بن عبّاس الذي اختاره عليٌّ حكماً له، وأصرّوا على أبي موسى الأشعريّ ولم يكن موضع رضى أميرالمؤمنين لأسبابٍ بيّنها لهم، فإذا صار التحكيم والاتّفاق على عقد هدنة أمدها سنة؛ رفضوا التحكيم! وحجّتهم أنّه لا يجوز تحكيم الرجال في دين الله! إلاّ أنّهم كانوا أصدق من ابن تيميه إذ ردّوا الخطأ إلى أنفسهم، ولكنّهم انتقلوا إلى مفارقة أُخرى.

فقد طلبوا من أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يتوب من ذنب ارتكبوه هُم! فينقض العهد والميثاق بعد توكيده، فأبىعليه‌السلام مستدلاًّ عليهم بكتاب الله؛ فلمّا انتهوا إلى الحدّ هذا؛ فارقوا أميرالمؤمنينعليه‌السلام وعاثوا فساداً؛ والمرء مع من أحبّ!


مناظرة ابن عبّاس للخوارج

بعد انحياز الخوارج إلى حروراء، قرية قرب الكوفة، بعث أمير المؤمنين إليهم ابن عبّاس ليناظرهم، فأقبل عليهم ابن عبّاس وطلب أن يخرج إليه رجل منهم ليكلّمه، فخرج إليه: عتاب بن الأعور الثعلبيّ، فحاججه ابنُ عبّاس حتّى ألزمه الحجّة، وحمله على أن يقول: إنّا للهِ وإنّا إليه راجعون، ويحك يا ابن عباس! احتلتَ واللهِ حتّى أوقعتني في أمر، وألزمتني الحجّة حتّى جعلتني ممّن أُخرّب دار الله. لكن ويحك يا ابن عبّاس! فكيف التخليص ممّا أنا فيه؟ قال ابن عبّاس: الحيلة في ذلك أن تسعى في عمارة ما أخْربته الأمّة من دار الإسلام. قال: فدُلّنيعلى السّعي في ذلك. قال ابن عبّاس: إنّ اوّل ما يجب عليك في ذلك أن تعلم من سعى في خراب هذه الدار فتعاديَه، وتعلم من يريد عمارتها فتُواليَه. قال: صدقت يا ابن عبّاس، واللهِ ما أعرفُ أحداً في هذا الوقت يحبّ عمارة دار الإسلام غير ابن عمّك عليّ بن أبي طالب، لو لا أنّه حكّم عبد الله بن قيس(1) في حقٍّ هو لَهُ!...؛ فصاحت الخوارج: هيهات يا ابن عبّاس! نحن لا نتولّى عليّاً بعد هذا اليوم أبداً، فارجع إليه وقل له فليخرج إلينا بنفسه حتّى نحتجّ عليه ويسمع من كلامنا.

فخرج عبد الله بن عبّاس إلى عليّعليه‌السلام ، فخبّره بذلك، فركب إلى القوم في مائة رجل من أصحابه حتّى وافاهم بحروراء، فلمّا بلغ ذلك الخوارج ركب عبد

____________________

(1) هو أبو موسى الأشعريّ.


الله بن الكوّاء في مائة رجل من أصحابه حتّى واقفه، فقال له أمير المؤمنين: يا ابن الكوّاء، إنّ الكلام كثير، ابرزْ إليّ من أصحابك حتّى أُكلّمك؛ قال ابن الكوّاء: وأنا آمنٌ من سيفك؟ قالعليه‌السلام نعم، وأنت آمنٌ من سيفي. فخرج ابن الكوّاء في عشرةٍ من أصحابه، ودنوا من عليّعليه‌السلام فذكر عليّعليه‌السلام الحرب الذي كان بينه وبين معاوية، وذكر اليوم الذي رُفعت فيه المصاحف وكيف اتّفقوا على الحكمين...، ومخالفة الخوارج له، فانحاز ابن الكوّاء مع العشرة الذين معه إلى صفّ أمير المؤمنين، وقد رجعوا عن رأي الخوارج، ومضى الباقون وهم يقولون: لا حُكمَ إلاّ لله ولا طاعة لمن عصى الله(1) .

وقفة تأمّل أخرى

لقد وجدنا فيما ذكرنا أنّ عتاب بن الأعور الثعلبيّ الخارجيّ قد أقرّ لابن عبّاس أنّه قد ألزمه الحجّة، وأنّ سعي الخوارج فسادٌ في الأرض، وأنّ الحقّ مع أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، فأين هذا ممّا ادّعاه ابن تيميه؟!

وقد وجدنا ابن الكوّاء، وهو رأس الخوارج، بعد مناظرة أمير المؤمنينعليه‌السلام له، قد رجع هو والعشرةُ الذين كانوا معه عن رأي الخوارج وصاروا إلى صفّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأمّا بقيّة الخوارج فإنّهم قد استزلّهم الشيطان وركبتهم الحميّة الجاهليّة، ومضوا ينادون:لا حُكمَ إلاّ لله ولا طاعة لمن عصى الله؛ أي أنّهم لم يكفّروا عليّاًعليه‌السلام كما زعم ابن تيميه.

____________________

(1) الفتوح 4: 90 -97.


مقتل عبد الله بن خَبّاب بن الأَرَتّ

إنّ الخوارج الذين تشدّق ابن تيميه بهم وجعلهم حجّةً على الإمام عليّعليه‌السلام وشيعته، عاثوا في الأرض فساداً؛ فبعد انحياز رئيسهم ابن الكوّاء وعشرةٍ منهم إلى صفّ أميرالمؤمنينعليه‌السلام ؛ تدارسوا أمرهم فأمّروا عليهم عبد الله بن وهب التّميميّ الراسبيّ، وحرقوص بن زهير البَجَليّ. وعقدوا العزم على أن يعسكروا بالنَّهروان والتحق بهم أصحابٌ لهم من البصرة مع مِسعَر بن فدكيّ التميميّ، فاستعرض هؤلاء الناس في طريقهم، فإذا هم برجلٍ يسوق بامرأتِه على حمارٍ له، فدعوه وانتهروه ورعّبوه، وقالوا له: من أنت؟ فقال: رجلٌ مؤمن. قالوا: فما اسمُك؟ قال: أنا عبد الله بن خبّات بن الأرتّ، صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فكفّوا عنه، قالوا له: ما تقول في عليّ؟ قال: أقول: إنّه أمير المؤمنين وإمام المسلمين وحدّثني أبي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «ستكون فتنة يموت فيها قلب الرجل، فيُصبح مؤمناً ويُمسي كافراً؛ ويُمسي مؤمناً ويُصبح كافراً». فقالوا: والله لنقتلنّك قتلةً ما قُتِلَها أحد! وأخذوه فكتّفوه، ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حُبلى مُتمّ حتّى نزلوا تحت نخل فسقطت رطبة منها، فقذفها بعضهم في فيه، فقال له رجل منهم: أبغير حِلّها ولا ثمن لها؟! فألقاها من فيه واخترط سيفه فمرّ به خنزير لذمّيّ فقتله، فقال له بعض أصحابه: إنّ هذا لمن الفاسد في الأرض! فطلب صاحب الخنزير حتّى أرضاه، فقال ابن خبّاب: لئن كنتم صادقين فيما أرى وأسمع؛ إنّي لآمنٌ من شرّكم. فجاءوا به وألقوا به على الخنزير فذبحوه، وبقروا بطن امرأته وهي تقول: أما تتّقون الله؟! وقتلوا ثلاث نسوةٍ كُنّ معها.


وقد قال الخوارج لعبد الله بن خبّاب ساعة ذبحه: إنّ هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك! وكان في عنقه مصحف. وساوموا رجلاً نصرانيّاً بنخلةٍ له، فقال: هي لكم، فقالوا: ما كنّا لنأخذها إلاّ بثمن، فقال: واعجباه! أتقتلون مثل عبد الله بن خبّاب ولا تقبلون جَنا خلة إلاّ بثمن؟!

وبلغ أميرَ المؤمنينعليه‌السلام ما اجترأه الخوارج من ترويع الناس بالاستعراض، وقتلهم عبد الله بن خبّاب وتلكُم النّسوة، فبعث إليهم الحارث بن مرّة العبديّ ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم، فخرجوا إليه فقتلوه(1) .

سؤال

قومٌ يقتلون صحابيّاً ولم يكن رافضيّاً! لأنّه صدقهم القول في معتقده في عليّعليه‌السلام ، ويبقرون بطن امرأته الحامل فيقتلونها مع ثلاث نسوة! والإسلام يأبى قتل النساء والذّريّة، وهذا هو مبدأ الإمام عليّعليه‌السلام في حروبه كلّها، وهم إذ يقتلون المؤمنين من غير ذنب، فإنّهم يرون للخنزير حرمةً لا يجوز هتكها، وحمل سلوكهم رجلاً نصرانيّاً أن قال لهم: «واعجباه! أتقتلون مثل عبد الله بن خبّاب ولا تقبلون جنا نخلةٍ إلاّ بثمن؟!»؛ وإنّ من مبادئ الإسلام حرمة قتل الرّسل، فما بالُهم عَدَوا على رسول الإمام عليّعليه‌السلام فقتلوه؟!

كلّ هذه المفاسد العظيمة، وما سبقها من إقرارٍ على أنفسهم وانحياز أميرهم

____________________

(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 122، وأنساب الأشراف للبلاذريّ 3: 141، وتاريخ الطبري 4: 61، والفتوح 4: 198.


وعشرة آخرين منهم إلى صفّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ وما سنذكره من رجوع ألوف منهم، ومع كلّ ذاك يبقى الخوارج حجّة عند ابن تيميه فيما ذكر!!

مناظرة أمير المؤمنينعليه‌السلام للخوارج

بعد الذي كان من الخوارج، سار إليهم أمير المؤمنينعليه‌السلام بأصحابه، حتّى إذا صار قريباً من النهروان جاء رجلٌ يعدو، فسأله أمير المؤمنين: ما وراءك؟ فقال: إنّ القوم لمّا علموا أنّك تقاربت منهم عبروا النهروان هاربين، فقالعليه‌السلام : أنت رأيتهم حين عبروا؟ قال نعم؛ فقال له: كلاّ والذي بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحقّ نبيّاً، لا يعبرون حتّى يَقتُلَ اللهُ مقاتلتهم على يدي، فلا يبقى منهم إلاّ أقل من عشرة، ولا يقتل من أصحابي إلاّ أقلّ من عشرة، ذلك عهدٌ معهود وقضاءٌ مقضيّ(1) .

ولمّا صار قبالة القوم مدّوا الرماح في وجهه وهم يقولون: لا حكم إلاّ للهِ، فقال أميرالمؤمنين: لا أنتظر فيكم إلا حُكم الله(2) .

ثمّ إنّهعليه‌السلام دخل معهم في مناظرة طويلة، فكانوا كلّما أشكلوا عليه أمراً أجابهم بدليلٍ من القرآن أو السنّة، حتّى قطع جميع حججهم، وجعل بعضُهم يقول لبعض: صدق فيما قال، ولقد دحَضَ جميع ما احتججنا عليه؛ ثمّ صاح القوم من كلّ ناحية وقالوا: التوبةَ التوبة يا أمير المؤمنين!

فاستأمن إليه منهم ثمانية آلاف، وبقي على حربه أربعة آلاف، وأقبلعليه‌السلام

____________________

(1) الفتوح 4: 120، والكامل للمبرد 543.

(2) الفتوح 4: 268.


إلى هؤلاء المستأمنين إليه فقال: اعتزلوا عنّي في وقتكم هذا وذروني والقوم.

ثمّ اشتبك العسكران في معركة عدم نظيرها؛ فلم يُقتَل من أصحاب أميرالمؤمنينعليه‌السلام إلاّ ثمانية، وقيل: تسعة رجال، ولم يفلت من الأربعة آلاف خارجيّ إلاّ تسعة رجال، انتهى أحدُهم إلى قرب حرّان؛ ونسله فيها(1) ، وهي المدينة التي ولد فيها ابن تيميه وترعرع بها.

تعقيب

إنّ الخوارج، لمّا فنّد أميرالمؤمنينعليه‌السلام آراءهم وأبطل حججهم فأعلنوا توبتهم، نادوا عليّاًعليه‌السلام بأمرة المؤمنين، ممّا يعني أنّهم كانوا يعتقدون ذلك ولكن استحوذ عليهم الشيطان ثمّ ثابوا إلى رُشْدهم، ولم يبق إلاّ مَن حقّ عليه العذاب فما الدنيا أصابوا وهم في الآخرة من الخاسرين.

وقبل ذكر ما ورد فيهم من الأحاديث نقول لابن تيميه: هلاّ كنت مع الثمانية آلاف، وأحد عشر ممّن سبقهم إلى التوبة - ابن الكوّاء وجماعته - فكنت معهم في صفّ عليّ وشيعته، لا مع أهل اللّجاجة ممّن أخبر الإمام عليّعليه‌السلام أنّه لن ينجو منهم إلاّ دون العشرة؛ فكان كما قال؟!

الأخبار والآثار الواردة في الخوارج

ذو الخُوَيصرة التّميميّ: وهو الخارجيّ الأوّل، ومن قصّته: حينما كان رسول

____________________

(1) الفتوح 4: 269 - 275.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يعطي الناس من أموال حنين، جاء ذو الخويصرة التّميميّ فقال: يا محمّد، قد رأيتُ ما صنعتَ في هذا اليوم، فقال رسول الله أجل، فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلتَ؛ فغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قال: ويحك! إذا لم يكن العدلُ عندي فعند من يكون؟! فقال عمر بن الخطّاب: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فقال: «لا، دَعهُ، فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدّين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السّهم من الرّميّة، يُنظَر في النَّصل فلا يوجد شيء، ثمّ في القِدْح فلا يوجد شيء، ثمّ في الفوق فلا يوجد شيء، سبق الفرث والدمّ»(1) .

رواية جابر: مسلم صاحب الصحيح: حدّثنا محمّد بن رمح بن المهاجر، أخبرنا اللّيث عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجلٌ رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجعرانة منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضّة، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمّد! أعدل! قال: ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟! لقد خِبتَ وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدّث الناس أنّي أقتل أصحابي إنّ هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 4: 139.

«يتعمّقون في الدّين» أي يتتبّعون أقصاه، «والنّصل»: حديد السهم. و «القدح»: السّهم.

والفوق: طرف السهم الذي يباشر الوتر. و«الفرث»: ما يوجد في الكرش. والمعنى: أنّهم ليس لهم من الدّين شيء، كالسهم يخترق البدن ويخرج من غير أن يعلق به أثر من دم وغيره.


من الرَّمِيّة.(1)

كلمة مع ابن تيميه: ذو الخويصرة هو الخارجيّ الأوّل، له أصحاب؛ فخرج هو على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخرج أصحابه على عليّعليه‌السلام الذي هو نفس رسول الله كما في آية المباهلة، وأخوه يوم المؤاخاة، وقد أنكرته يا ابن تيميه وأثبتناه، وبحديث المنزلة إذ هارون أخو موسىعليهما‌السلام ...؛ وأنت تتولّى الخوارج من غير

____________________

(1) صحيح مسلم، بشرح النوويّ 7: 159.

ذكر النوويّ هامش المصدر: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: إنّ من سبّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كُفِّر وقتل، وهذا الرجل قال: اعدل يا محمّد واتّق الله يا محمّد، وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ حتّى استأذن وخالد في قتله؛ فقال: معاذ الله أن يتحدّث الناس أن محمّداً يقتل أصحابه! فهذه هي العلّة. وسلك معه مسلكه مع المنافقين الذين آذوه وسمع منهم في غير موطن ما كرهه، لكنّه صبر استبقاءً لانقيادهم وتأليفاً لغيرهم، لئلاّ يتحدّث الناس أنّه يقتل أصحابه فينفروا. وقد رأى الناس هذا الصنف في جماعتهم، وعدوّه من جملتهم. قوله 9: «ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرتَ»، روي بفتح التاء في خبتَ وخسرت، وبضمّهما فيهما، ومعنى الضّم ظاهرٌ؛ وتقدير الفتح: خبت أنت أيّها التابع إذا كنتُ لا أعدل لكونك تابعاً ومقتدياً بمن لا يعدل، والفتح أشهر والله أعلم. قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم» قال القاضي - عياض -: فيه تأويلان، أحدهما معناه: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظّ فيه سوى تلاوة الفم: الحنجرة والحلق، إذ بهما تقطيع الحروف. والثاني: معناه لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة. قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله «يمرقون منه كما يمرق السهم من الرميّة»، وفي الرواية الأُخرى يمرقون من الإسلام، معناه: يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى ولم يتعلّق به شيء منه.

وقال الخطابيّ: هو هنا الطاعة، أي من طاعة الإمام، وفي هذه الأحاديث دليل لمن يُكفّر الخوارج.


تمييز، فبالضرورة أنّك تتولّى الخارجيّ الأوّل، فهل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عادل عندك؟!

رواية أبي ذرّ: مسلم: حدّثنا شيبان بن فرّوخ، حدّثنا سليمان بن المُغيرة، حدّثنا حُميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ بعدي من أمّتي قومٌ يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقِيَهم، يخرجون من الدّين كما يخرج السهم من الرّميّة ثم لا يعودون فيه، هم شرُّ الخلق والخليقة».

فقال ابن الصامت: لقيت رافع بن عمرو الغفاريّ أخا الحكم الغفاريّ فقلت له: ما حديث سمعته من أبي ذرّ كذا وكذا؛ فقال وأنا سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

فالخوارج شرّ خلق الله، وفسّر ذلك بخروجهم من الدين، ومن طاعة الإمام، وكلُّ ذلك متحقّق في الخوارج منفيّ عن شيعة أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد ذكرنا شيئاً من أخبارهم وفساد معتقدهم وفساد سلوكهم، ونعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إيّاهم بسنده عن أبي سعيد الخُدريّ؛ من حديث توزيع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مغنماً بعثه إليه الإمام عليّعليه‌السلام ، وفيه: فجاء رجلٌ كثُّ اللّحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس(2) ؛ فقال: اتّق الله يا محمّد، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فمن يطع الله إن عصيتُه، أيأمَنُني على أهل الأرض ولا تأمنونني؟! قال: ثمّ أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله؛ فقال رسول الله: «إنّ من ضِئْضِىء هذا قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان! يمرقون

____________________

(1) صحيح مسلم 7: 174.

(2) كثّ اللّحية: كثير اللّحية. والوجنة: لحم الخدّ. غائر العينين: صغيرهما كأنّهما مطموستان. ناتئ الجبين: بارز الجبين وهو جانب الجبهة. محلوق الرأس: واضح، وكانت حلاقة الرأس علامة لهم.


من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّميّة، لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد»(1) .

وأورده بسندٍ آخر عن أبي سعيد الخدريّ، وفيه «لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل ثمُود»(2) .

فهنيئاً لمن يوالى قوماً يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان! ولذلك توعّدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه لو أدركهم لاستأصلهم وصدق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو الصادق المصدّق؛ فلقد وجدناهم يقتلون الصحابيّ عبد الله بن خبّاب بن الأرتّ، ويبقرون بطن امرأته الحامل، ويقتلون النّسوة الثلاث؛ إلاّ أنّهم أشكلوا على صاحبهم إذ قتل خنزيراً لذمّيّ معاهد! وأخبارهم في استعراض الناس بالقتل مشهور.

وإذا فات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يدركهم فيقتلهم قتلاً عامّاً؛ فقد أدركهم أمير المؤمنينعليه‌السلام فكانت له فضيلة قتالهم كما ذكر النوويّ، ولم يسلم من مجموع أربعة آلاف خارجيّ إلاّ تسعة انتهى أحدهم إلى قرب حرّان، وتناسل هناك؛ ولا ندري جزماً لِمَ احتجّ ابن تيميه الحرّانيّ بالخوارج على عليّ أميرالمؤمنين وشيعته؟!

____________________

(1) صحيح مسلم 7: 162. وفي شرح النوويّ: قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ من ضِئضِي هذا» هو الأصل، والسنخ، والعنصر، والأرومة. قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد» أي قتلاً عامّاً مستأصلاً كما قال تعالى:( فَهَلْ تَرَى‏ لَهُم مِن بَاقِيَةٍ ) (الحاقّة: 8) وفيه الحثّ على قتالهم، وفضيلة لعليّرضي‌الله‌عنه في قتالهم.

(2) نفسه / 163.


الحثّ على قتل الخوارج؛ واختصاص أميرالمؤمنين بذلك

أخرج النّسائيّ، قال: أخبرنا عليّ بن المنذر قال: أخبرنا عاصم بن كليب عن أبيه، قال: كنت عند عليّرضي‌الله‌عنه جالساً إذ دخل رجلٌ عليه ثياب السفر، وعليّ يكلّم الناس ويكلّمونه، فقال: يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن أتكلّم؟ فلم يلتفت إليه وشغله ما فيه، فجلس إلى رجل قال له: ما عندك؟ قال: كنت معتمراً فلقيت إليه وشغله ما فيه، فجلس إلى رجل قال له: ما عندك؟ قال: كنت معتمراً فلقيت عائشة فقالت: هؤلاء القوم الذين خرجوا في أرضكم يسمّون حروريّة؟ قلت: خرجوا في موضع يسمّى حروراء؛ فقالت: طوبى لمن شهد منكم، لو شاء ابن أبي طالب لأخبركم خبرهم! فجئت أسأله عن خبرهم، فلمّا فرغ عليّعليه‌السلام قال: أين المستأذن؟ فقصّ عليه كما قصّت عليه؛ قال: إنّي دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وليس عنده غير عائشة، فقال لي كيف أنت يا عليّ وقومٌ كذا وكذا؟

قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: ثم أشار بيده فقال: قوم يخرجون من المشرق، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقِيَهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة، فيهم رجلٌ مُخَدَّج(1) ، كأنّ يده ثدْيُ حبشيّة، أنشدكم باللهِ أخبرتكم أنّه فيهم؟ قالوا: نعم؛ فجئتموني وأخبرتموني أنّه ليس فيهم، فحلفت لكم باللهِ أنّه فيهم، ثمّ أتيتموني به كما نعتّ لكم؟ قالوا: نعم؛ صدق اللهُ ورسوله(2) .

وعبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي اسحاق، عن سويد بن غفلة، عن عليّعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يخرج قوم في آخر الزمان، يقرأون

____________________

(1) مُخَدَّج: أي ناقص اليد.

(2) خصائص أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام للنّسائيّ 145 - 146 / ح 178.


القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرّميّة، قتالهم حقّ على كلّ مسلم»(1) .

والروايات كثيرة في أنّ الخوارج هم شرّ الخلق، يقتلهم أولى الناس بالحقّ، وقد قتلهم أمير المؤمنينعليه‌السلام ومعه أهل العراق.

عن الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة، عن عليّعليه‌السلام قال: والحديث نظير الذي قبله، إلاّ أنّ آخره: «فأينما أدركتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة»(2) .

وبسندٍ عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه ذكر أناساً يخرجون في فرقةٍ من الناس سيماهم التحليق، يمرقون من الدين كما يمرق السّهم من الرّميّة، هم شرّ الخلق، تقتلهم أولى الطائفتين بالحقّ، وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق(3) .

التفريع الثالث

افترض ابن تيميه أمراً بلا دليل! وذلك: إن كان أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام أفضل من غيره في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فلا يدلُّ ذلك على أفضليّته بعد!

____________________

(1) مسند أحمد 1: 156، وخصائص أمير المؤمنين 144 / ح 174، ومسند أبي يعلى 1: 273.

(2) صحيح البخاريّ 3611، 5057، 6930 باب علامات النبوّة، وصحيح مسلم 7: 167 - 168، ومسند أحمد 1 / 81، 113، 131، والفضائل لأحمد / 1198، وسنن أبي داود / 4767، ومسند أبي يعلى 1 / 226، والخصائص للنّسائيّ 143 / 173.

(3) صحيح مسلم 7: 169، والخصائص للنّسائيّ 140 / 168.


ولو كان عنده ثمّة ما يعضّد ما ذهب إليه لذكره؛ فعليه: إنّ عليّاً أمير المؤمنينعليه‌السلام أفضل الجميع بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في حياته وبعد مماته.

التفريع الرابع

وفرّع رابعاً، ذلك قوله: لو قدّرنا أفضليّته، لم يدلّ ذلك على أنّه إمام معصوم منصوصٌ عليه.

وجوابنا: لقد جارينا ابن تيميه، بغية إمامة الحجّة على من وقع في حبائل فتنته من غير تدبّر؛ وإلاّ فأمير المؤمنين قد نطق القرآن الكريم بأفضليّته إذ اختاره الله تعالى وليّاً للمسلمين؛ وذلك قوله تعالى:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (1) ، وقد تكلّمنا حول الآية فيما مضى، وأنّها نزلت في أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة، فقرن الله سبحانه ولاية عليّعليه‌السلام بولايته وولاية رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا يجوز على الله عزّ وجلّ أن يختار إلاّ من هو أفضل.

ولم ينزل سبحانه بياناً ينسخ ذلك، فالآية محكمة، وعليّعليه‌السلام ولايته دائمة، خالدة مع خلود القرآن؛ فهو الأفضل بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى آخر الدهر.

____________________

(1) المائدة: 55.

ولا بأس بذكر بعض مصادر نزول الآية في أمير المؤمنينعليه‌السلام : تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) 1: 485 - 487، والذرّيّة الطّاهرة للدولابيّ (ت 310 هـ) 109 / 114، وتفسير الطبريّ 6: 156، وتفسير الحبريّ (ت 289 هـ) 261، وأنساب الأشراف (ت 279 هـ) 2: 381، وشواهد التنزيل 1: 181، والتفسير الكبير للفخر الرازيّ 3: 431، وتفسير ابن كثير 2: 71.


وهذا دليل على عصمة أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ؛ فإنّ الله تعالى اختار محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله نبيّاً، والنبيّ معصومٌ بالضرورة، فكذلك وليُّ الله.

ومن أدلّة عصمتهعليه‌السلام : آية التطهير؛ وذلك قوله تعالى« إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً » (1) .

والآية في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين:.

روى ذلك: أم سلمة، وعائشة، وأبو سعيد الخدريّ، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقّاص، وابن عبّاس عن عبد الرحمان بن عبد الله بن دينار، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن أبي يسار، عن أمّ سلمة أنّها قالت: في بيتي نزلت هذه الآية:« إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً » . قالت: فأرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي»، قالت أمّ سلمة، يا رسول الله، ما أنا من أهل البيت؟ قال: «إنّك أهلي، وهؤلاء أهل بيتي»(2) .

وعن فضيل بن مرزوق، عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ عن أمّ سلمة أنّها قالت: نزلت هذه الآية في عليّ:« إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً » . وقالت: قلت: يا رسول الله، ألست من أهل

____________________

(1) الأحزاب: 33.

(2) المستدرك على الصحيحين 2: 416 و 3: 146 وبذيله التلخيص للذهبيّ. وفي سنن الترمذيّ 5: 328 عن عمر بن أبي سلمة، ربيب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّ النبيّ قال: «أنت على مكانك وأنت إلى خير». وفي الباب عن أمّ سلمة، ومعقل بن يسار، وأبي الحمراء، وأنس بن مالك.


البيت؟ قال: «إنّك على خير، إنّك من أزواج النّبيّ». وكان في البيت: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين:(1) .

ومثله عن عائشة: قال جُمَيع بن عُمَير: دخلت مع أمّي على عائشة فقالت: أخبريني كيف كان حبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ؟ فقالت عائشة: كان أحبّ الناس إلى رسول الله، لقد رأيته يوماً أدخله تحت ثوبه وفاطمة وحسناً وحسيناً؛ فقال: «اللّهمّ اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً». قال: فذهبت لأدخل رأسي فمنعني، فقلت: يا رسول الله، أولستُ من أهلك؟ قال «إنّك على خير»(2) .

منزلة دعوان

قال أبو الفرج: كتب إليّ عبد الله الجبائيّ قال: رأيت دعوان بن عليّ بعد موته وكأنّ عليه ثياباً بيضاً وعمامةً بيضاء وهو يمضي إلى الجامع لصلاة الجمعة، فأخذت يده اليسرى ومضينا، فلمّا بلغنا إلى حائط الجامع قلت له: يا سيّدي، إيش لقيت؟ فقال: عُرِضتُ على الله خمسين مرّة وقال لي: إيش عملت؟ فقلت: قرأتُ القرآن وأقرأته، فقال لي: أنا أتولاّك، أنا أتولاك. قال عبد الله: فأصابني الوجد وصحت: آه، وضربتُ بيدي حائط الجامع ثلاث مرّات أتأوّه وأضرب الحائط بكتفي، ثمّ استيقظت.(3)

____________________

(1) مشكل الآثار للطحاويّ 1: 334، وتفسير الحبريّ 298، والمعجم الكبير للطبرانيّ 1: 127، وشواهد التنزيل الرقم 712 - 713، وتفسير ابن كثير 3: 485.

(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 365.

(3) المنتظم لأبي الفرج ابن الجوزيّ 18: 58 / 4137.


ولو ذكرنا ما سرده ابن الجوزيّ من أمثال هذه الحكايات الخوارق لكانت كتاباً ضخماً!

وإنّما نقلنا بعضاً قليلاً منها لنقول: إنّ الرجل ذكرها على أنّها مسلّمات، فيما أنكر حديث ردّ الشمس، وشايعه ابن تيميه على ذلك.

نكتفي بما ذكرناه بشأن الآية المباركة، فإنّ الأحاديث التي ذكرها: ابن عبّاس وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وسعد بن أبي وقّاص، وأبو الحمراء... كلّها في أنّ الآية في الخمسة أصحاب الكساء: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعليّ وفاطمه والحسن والحسينعليهم‌السلام (1) .

يحيى بن سلاّم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي داود، عن أبي الحمراء

____________________

(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 185 و 331 و 6: 292، وصحيح مسلم 7: 130، والمعارف لابن قتيبة 448، وسنن الترمذيّ 5: 361، وتفسير الطبريّ 22: 6، وتفسير الحبريّ 298، و 300 - 307، ومشكل الآثار للطّحاويّ الحنفيّ 321، والكنى والأسماء للدولابيّ 2: 254 / 2619 و 255 / 2622، وأسباب النزول للواحديّ 239، والمعجم الكبير للطبرانيّ 1: 128، والمعجم الصغير، له 1: 135، والمستدرك على الصحيحين للحاكم الشافعيّ، وبذيله التلخيص للذهبيّ الحنبليّ 2: 416، و 3: 146 - 147، وكفاية الطالب للكنجيّ الشافعيّ 276 و 373 - 375، وتفسير ابن أبي زمنين 2: 164، والسنن الكبرى للبيهقيّ 2: 152، وتاريخ بغداد 1: 278، ومناقب الإمام عليّعليه‌السلام لابن المغازليّ الشافعي 301 - 307 / الرقم 345 - 351، وتفسير ابن كثير الحنبليّ 3: 485، وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي الحنفي 248، وشواهد التنزيل / الرقم 712 - 713، ومناقب الإمام عليّ لابن مردويه 301 / 4754، ومطالب السؤول لابن طلحة الشافعي 8، والفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ 12، والرياض النضرة للمحبّ الطبري 2: 269، وذخائر العقبى له: 25، والمحرّر الوجيز لابن عطيّة 4: 384.


قال: «رابطتُ المدينة سبعة أشهر مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا طلع الفجر جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال: الصلاة - ثلاثاً -« إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً » (1) ».

قال: الرِّجْس، يعني: الشيطان، وقال بعضهم: الرِّجس الإثم. والرجس في اللّغة: كلّ مستنكرٍ مستقذرٍ من مأكولٍ أو عملٍ أو فاحشة.(2)

قال ابن عطيّة: الرجس اسم يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسات والنقائص؛ فأذهب الله جميع ذلك عن «أهل البيت». وذكر حديث أمّ سلمة(3) .

عصمة أهل البيتعليهم‌السلام

إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله معصوم ضرورةً، وإلا لم يصلح للنبوّة! والآية المباركة زيادة بيانٍ في عصمتهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يَشرِكه فيها إلاّ أهل بيته: عليّ وفاطمة والحسن والحسين؛ فهم معصومون كذلك، لا يقربهم الشيطان، ولا يقارفون إثماً، ولا يأتون بفاحشة ولا تُصيبهم النجاسات التي أصابت غيرهم، وهم مُبَرّأون من كلّ نقصٍ وعيب ومن كلّ ما ينفّر؟ فكيف نفى ابن تيميه عصمة أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ؟!

____________________

(1) المسند لابن أبي شيبة (720)، وتفسير ابن أبي زمنين (2 / 164)، ومختصر تاريخ دمشق (17: 342).

(2) المسند لابن أبي شيبة (720)، وتفسير الطبري (22/6)، وتفسير ابن أبي زمنين (2 / 164).

(3) المحرّر الوجيز لابن عطيّة الأندلسيّ 4 / 384.


حديث الثّقلين

وحديث الثّقلين دليل آخر علي عصمة أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام .

يَرِد حديث الثّقلين من طُرقٍ عدّة تنتهي بجلّة الصّحابة وأمّهات المؤمنين.

عن زيد بن أرقم قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تاركٌ فيكم الثّقلين: كتاب الله وعِترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(1) .

وقد تكلّمنا حول حديث الثّقلين في غير هذا الموضع كلاماً وافياً، وإنّما أردنا القول: إنّ تركة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اثنان: القرآن الكريم، وعِترتُه أهل بيته. ولما كان القرآن الكريم معصوماً مُصَاناً من قبل الله تعالى؛ فكذلك عِدْلُه الثّقل الثاني: أهل البيت: فهم معصومون، وعليّعليه‌السلام منهم، فأمير المؤمنين عليّ معصوم.

وبهذا الاستدلال، وما سبقه من آية التطهير؛ فإنّ عليّاًعليه‌السلام أفضل الجميع بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم ينزل نصّ من الله تعالى. ولا جاء حديث في نسخ العصمة أو الأفضليّة.

آية المباهلة

ومن أدلّة أفضليّة وعصمة أهل بيت الرحمة وموضع الرسالة قوله تعالى:

____________________

(1) الجامع الصحيح للترمذيّ 5: 328، وكتاب الولاية لابن عُقدة: 175، والمستدرك على الصحيحين 3: 148، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 234 ح 281، وعن زيد أيضاً، وبلفظ آخر، في: مسند أحمد 4: 367، وصحيح مسلم 16: 180 - 181، وسنن الدارميّ 2: 431، وسنن البيهقيّ 2: 148، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازلي: 236، وكنز العمّال 13: 641.


« تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ » (1) .

والآية في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي أخيه وعيبة علمه ونفسه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وابنته الطاهرة فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وسبطَيه الحسن والحسينعليهما‌السلام .

وذلك أنّ وفد نصارى نجران حاجّوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بباطلهم، وأبَوُا الإسلام، فدعاهم إلى المباهلة، أي الملاعنة وإلى دعاء الله تعالى أن ينزل عقابه على الكاذبين، وهي سنّةٌ أمضاها الأنبياء من قبله، فنال العذاب العاجل المذنبين من أقوامهم. ورجال الدّين وأحبار النصارى يعلمون ذلك، فلمّا حان الموعد خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يباهلهم بعليٍّ؛ فكان نفس رسول الله، وببضعته الطاهرة فاطمة الزهراء، وبولديه الحسن والحسين: فلمّا رأى الوفد هذه الوجوه المقدّسة، استشعروا الهزيمة، وامتنعوا من المباهلة ورضوا بإعطاء الجزية(2) .

ومن هنا كان عليّ وفاطمة والحسن والحسين: معجزة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم

____________________

(1) آل عمران / 61.

(2) مسند أحمد 2: 300، وتفسير الطبريّ 3: 192، والجامع الصحيح للترمذيّ 5: 301، وصحيح مسلم 15: 176، وأسباب النزول للواحديّ 67، وتفسير 1: 114، وتفسير ابن العربي 1: 230، وشواهد التنزيل 1: 20 - 129 / 168 - 175، وأحكام القرآن لابن العربيّ 1: 331، والتفسير الكبير للفخر الرازيّ 2: 299، والمستدرك على الصحيحين 3: 163 / 4719، ودلائل النبوّة لابي نعيم 297، وتفسير ابن كثير 1: 370، وكفاية الطالب 142 ووافقه الذهبيّ في التلخيص، ومصابيح السّنّة للبغويّ 2: 454، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 318 / 362، والمناقب للخوارزميّ 108، والكشّاف للزمخشريّ 1: 368، والسّنن الكبرى للبيهقيّ 7: 63.


المباهلة ولو قامت الحجّة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وحلّ العذاب بساحته؛ لبطلت معجزته وانتهت رسالته، فدلّ ذلك على أفضليّتهم وعصمتهم، إذ لم يختر غيرهم. وبدوام الآية في القرآن يتلوها المؤمنون، دامت أفضليّتهم وعصمتهم! ولو عَلِم الله أنّ في الأرض عباداً أكرم منهم وأفضل، لأمر نبيّه أن يباهل بهم.

تتويج أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام وليّاً للمسلمين

ونختم حديثنا في أفضليّة أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام وعصمته بما كان من تتويج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاًعليه‌السلام وليّاً وخليفةً للمسلمين بأمر الله تعالى؛ وذلك قوله عزّ وجلّ:

« يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ » (1) .

نزلت يوم الثامن عشر من ذي الحجّة سنة (10 هـ) وتسمّى حجّةَ الوداع، إذ هي آخر حجّة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يلبث بعدها طويلاً فتوفّي سنة (11 هـ). ولمّا قفلصلى‌الله‌عليه‌وآله راجعاً، وبلغ غدير خمّ أتاه جبرئيل بهذه الآية، فنادىصلى‌الله‌عليه‌وآله : الصلاة جامعة، فاجتمع الحجيج، وخطب رسول الله وبلّغ أمر الله تعالى، وأخذ بيد عليّعليه‌السلام وقال: «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه».

وقد تكلّمنا بما لا مزيد عليه حول الحادثة في غير هذا الموضع وتضمّن شعرحسّان بن ثابت في ذلك، ورُواة حديث الغدير ومصادره، كان فيهم (87)

____________________

(1) المائدة: 67.


صحابيّاً، ومن التابعين (62) تابعيّاً، وأمّا مصادره فتربو على (70) مصدراً.

الاستدلال بالحديث

ودلالة حديث الغدير مثل الآيات والأحاديث التي ذكرناها من حيث ظهورها في أفضلية أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام وديمومتها، وعصمته. فالآية المباركة وتبليغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المسلمين بما ينبغي عليهم من طاع أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام امتثالاً منهم لأمر الله تعالى؛ هو تتويجٌ لما سبق من حثّه إيّاهم في أكثر من مناسبة على وجوب ملازمة عليّعليه‌السلام ، والآية الولاية: الآية 55 من سورة المائدة، وقد مضى الكلام حولها وأنّها في أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام .

والكلام في الغدير هو نفسه في الكلام حول آية الولاية إذ لم ينزل بيان ينسخها؛ فكذلك الحال في آية التبليغ يوم الغدير، فعليّعليه‌السلام أفضل الجميع بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولو لا ذلك لَمَا اختاره الله تعالى أميراً للمؤمنين وخليفةً لرسول ربّ العالمين، لم يدم على هذا الاختيار طويلاً حتّى رحل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ربّه تبارك وتعالى.

ولا يعقل أن يكون خليفة رسول الله والقائم مقامه في التبليغ بعده غير من عصمه الله سبحانه، لئلاّ يركب بالأُمّة سبيل الخطل، فعليّ معصوم والمعصوم دائم الأفضليّة.

حديث المنزلة

وحديث المنزلة من الأدلّة الساطعة في أفضليّة أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام


الدائمة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعصمته وإمامته قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».

وظهور الحديث فيما ألمحنا إليه جليّ، ذلك أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو سيّد الأنبياء والرُّسُل، ورسالته خاتمة الرسالات؛ فوصيّه خير الأوصياء، وهارونعليه‌السلام نبيّ معصوم؛ فمنزلة عليّعليه‌السلام بمنزلة نبيّ وإن لم يكن نبيّاً.

والحديث يرد عن: أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ، وعن فاطمة ابنة عليّ عن أسماء بنت عميس، وزين العابدين عليّ بن الحسين، وجعفر بن محمّد عن أبيه وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، ومحدوج بن زيد الذّهليّ، وأبي سعيد الخدريّ، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن المسيّب، وأبي أيّوب الأنصاريّ، وجابر بن سمرة، ومجاهد، وأمّ سلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبي هريرة، وأنس بن مالك.

مصادر حديث المنزلة

وقد ذكرته كتب الحديث والتراجم في موارد كثيرة، نقتصر على ذكر المصادر وبعض الموارد:

مسند أبي داود (ت 204 هـ) الحديث 205.

المصنّف لعبد الرزّاق (ت 211 هـ) 2: 420 / 3579، و 3: 586 / 6159.

الطبقات الكبرى لابن سعد (ت 230 هـ) 3: 24، ومواضع أُخرى.

المصنّف لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) الحديث 12 من فضائل عليّعليه‌السلام .

صحيح البخاريّ، كتاب فضائل أصحاب النبيّ - باب مناقب عليّ. كما


أخرجه في كتاب المغازي، باب غزوة تبوك.

تاريخ البخاريّ الكبير 3 / 48: 179.

صحيح مسلم (ت 261 هـ) 15: 174 - 176.

مسند أحمد؛ مسند أبي سعيد / الحديث 10879، ومواضع أخرى.

الفضائل لأحمد / الحديث 142.

تاريخ الثّقات للعجليّ (ت 261 هـ) 522 / 2106.

خصائص أميرالمؤمنين عليعليه‌السلام للنّسائي / الحديث 43 - 56، و 59 - 60 و 68.

سنن التّرمذيّ: 5، كتاب المناقب، باب مناقب عليّ 21.

مشكل الآثار للطحاويّ الحنفيّ (ت 321 هـ) 2 / 213: 1903.

مسند أبي يعلى (ت 307 هـ).

مسند سعد 2: 66 - 132، وغيره.

مسند ابن حبّان (ت 354 هـ) 15 / 369 / 6926.

المعجم الكبير للطبرانيّ (ت 360 هـ) 24 / 146 / 384.

سنن ابن ماجة (ت 275 هـ) 1: 42 حديث 115.

الكامل لابن عديّ 2 / 416 / ترجمة حرب بن شدّاد.

مناقب الإمام عليّعليه‌السلام ، لابن المغازلي الشافعي (ت 483 هـ) 34 / الحديث 51.

أنساب الأشراف للبلاذريّ 1: 346.


تاريخ بغداد 3: 289 / 1376.

مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن مردويه (ت 410 هـ) 61 / 28 - 29 و 112 / 130.

حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهانيّ (ت 430 هـ) 7 / 194.

المناقب للخوارزمي الموفّق الحنفيّ (ت 568 هـ) 133 / 148.

مناقب الإمام عليعليه‌السلام لمحمّد بن سليمان الكوفيّ «القرن الرابع» 1: 561 / 418.

مختصر تاريخ دمشق 17 / 243 - 248.

تهذيب الكمال للمزّيّ السّلفيّ 35 / 263.

مسند البزّار / الحديث 1074.

حديث الطّير

وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أهدي إليه طير، فدعا الله تعالى أن يأتيه بأحبّ الخلق إليه ليأكل معه، فجاء عليّعليه‌السلام فأكل معه.

وقد احتجّ به أميرالمؤمنين في جملة ما احتجّ به يوم الشورى، قال: فأُنشدكم بالله، هل فيكم أحدٌ قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق


إليك وإليّ، وأشدّهم حبّاً لك وحبّاً لي، يأكل معي من هذا الطائر(1) » فأتاه فأكل معه، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.

وأحبّ الخلق إلى الله بعد رسول الله هو أفضلهم من غير مراء، ولم ينقض هذا الحديث حديث فيما بعد، وإنّما ترادفت الأحاديث في ترسيخ هذا الحبّ وتلك الفضيلة الظاهرة في العصمة والإمامة حتّى تُوّج ذلك بحديث الولاية يوم غدير خمّ، فأعلن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولاية عليّعليه‌السلام   المتفرّعة من ولايتهصلى‌الله‌عليه‌وآله وألزمهم إيّاها، ودعا الله تعالى: أن ينصر من نصره، وأن يخذل من خذله!

وما من مناسبة إلاّ وصدحصلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا الحبّ الذي صار علامة فارقة بين المؤمن والمنافق؛ فلينظر من ناصب عليّا البغضاء: أين يكون إذا حُشرت الخلائق للحساب؟!

أبو كريب محمّد بن العلاء الكوفيّ قال حدّثنا أبو معاوية - الضرير -، عن

____________________

(1) رواه: أنس خادم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ وعبد الله بن عبّاس، وسعيد بن المسيّب. يراجع: التاريخ الكبير للبخاريّ 1: 358، والجامع الصحيح للترمذيّ 2: 299، وأنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 378، ومسند أبي يعلى 7: 626 / 3621، والمستدرك على الصحيحين 3: 142، وكتاب الولاية لابن عقدة - حديث المناشدة، الفقرة 10، وتاريخ بغداد 3: 171 و 369 و 8: 382 و 11: 376، وموضّح أوهام الجمع والتفريق، له 2: 298، ومناقب الإمام عليّعليه‌السلام لابن المغازليّ، ذكره بطرقٍ تنيف على العشرين، وتهذيب التهذيب 1: 303، وحليه الأولياء 6: 339، والمناقب للخوارزميّ 68، ومصابيح السّنن للبغويّ 4: 173 / 4770، وتذكرة الخواصّ 44، ولسان الميزان 5: 199، ومجمع الزوائد 9: 126، وتذكرة الحفّاظ 3: 112، وذخائر العقبى 61، وكنز العمّال 13: 167 / 36507.


الأعمش، عن عديّ بن ثابت، عن رزّ بن حبيش، عن عليّ كرّم الله وجهه قال: والله الذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، إنّه لعهد النبيّ الأمّيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إليّ: أنّه لا يحبّني إلاّمؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق(1) .

احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّعليه‌السلام

ناظر المأمون حشداً من الفقهاء في فضل أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام وكان ممّا احتجّ به: حديث الطّير.

إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، عن حمّاد بن زيد قال: بعث إليّ يحيى ابن أكثم وإلى عدّة من أصحابي، وهو يومئذ قاضي القضاة، فقال: إنّ أمير

____________________

(1) مسند الحميديّ (ت 219 هـ) 1 / 31، والمعيار والموازنة للإسكافيّ (ت 220 هـ) / 244، المصنّف لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 7 / 505، ومسند أحمد 1 / 84 - 95 - 128، وفضائل الصحابة، له 948 - 961، وصحيح مسلم 2 / 64، وسنن ابن ماجة 1 / 42 / 114، والسّنّة لعمرو بن أبي عاصم 2 / 598، وأنساب الأشراف للبلاذريّ 2 / 96، وخصائص أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام للنّسائي 101 / 97، والسُّنن، له 8 / 115 - 116، والمسند لأبي يعلي الموصليّ 1 / 84 - 95 - 128، وصحيح ابن حبّان 2 / 177 / 2، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 241 / ح 225 - 226 و 228 و 231، والعقد الفريد لابن عبد ربّه 5: 354، وعلوم الحديث للحاكم / 180، وتاريخ بغداد 14 / 426 / 7785.

وللحديث طريق آخر عن أم سلمة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال «لا يُحبّ عليّاً منافق، ولا يبغضه مؤمن».

مسند أحمد بن حنبل 1: 84، ونذكر كتاب الفضائل له 143 / 208، والمصنّف لابن أبي شيبة 7: 505، وسنن ابن ماجة 1: 114، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 137.


المؤمنين [ يعني المأمون ] أمرني أن أُحضر معي غداً مع الفجر أربعين رجلاً كلّهم فقيه يَفْقَه ما يُقال له ويُحسِن الجواب، فسمّوا من تظنّونه يصلح لما يطلب أميرالمؤمنين. فسمّينا له عدّة، وذكر هو عدّة، حتى اكتمل العدد الذي أراد، وأمر بالبكور في السّحر، فغدونا عليه قبل طلوع الفجر، فقال: أحببت أن أُنْبئكم أنّ أميرالمؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه والذي يدين اللهَ به.

قلنا: فليفعل أمير المؤمنين، وفّقه الله.

فقال: إنّ أمير المؤمنين يدين الله على أنّ عليّ بن أبي طالب خيرُ خلق الله بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأولى الناس بالخلافة.

قال إسحاق: فقلت: يا أميرالمؤمنين، إنّ فينا من لا يعرف ما ذكر أميرالمؤمنين في عليّ، وقد دعانا أميرالمؤمنين للمناظرة.

فقال: يا إسحاق، اختر، إن شئت سألتك أسألك، وإن شئت أن تسأل فَقُلْ. قال إسحاق: فاغتنمتها منه فقلت: بل أسألك يا أميرالمؤمنين.

قال: سل. قلتُ: من أين قال أميرالمؤمنين أنّ عليّ بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالخلافة بعده؟

قال: يا إسحاق، خبِّرني عن الناس بِمَ يتفاضلون حتّى يقال فلانٌ أفضل من فلان؟ قلت بالأعمال الصالحة.

قال: صدقت فأخبرني عمّن فضل صاحبه على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ إنّ المفضول عمل بعد وفاة رسول الله بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول الله، أيُلحق به؟


فقلت: لا يلحق المفضول على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الفاضل أبداً.

قال: فانظر يا إسحاق ما رواه لك أصحابك، ومَن أخذت عنهم دينك وجعلتهم قدوتك، من فضائل عليّ بن أبي طالب؛ فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر، فإن رأيت فضائل أبي بكر تشاكل فضائل عليّ، فقل إنّه أفضل منه؛ لا والله، ولكن فقس إلى فضائله ما روي لك من فضائل أبي بكر وعمر، فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعليّ وحده، فقل إنّهما أفضل منه؛ ولا والله، ولكن قس إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، فإن وجدتها مثل فضائل عليّ فقل إنّهم أفضل منه؛ لا والله، ولكن قس بفضائل العشرة الذين شهد لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنة، فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنّهم أفضل منه.

ومضى المأمون يناظره بدءاً بالسبق إلى الإسلام.

وهكذا حتّى سأله عن حديث الطّير، قال المأمون:

فهل تعرف حديث الطّير؟

قلت: نعم.

قال: فحدّثني به.

قال: فحدّثته الحديث، فقال: يا إسحاق، إنّي كنت أكلّمك وأنا أظنّك غير معاند للحقّ، فأمّا الآن فقد بان لي عنادك؛ إنّك توقن أنّ هذا الحديث صحيح؟

قلت: نعم، رواه من لا يمكنني ردّه!

قال: أفرأيت من أيقن أنّ هذا الحديث صحيح، ثمّ زعم أنّ أحداً أفضل من


عليّ، لا يخلو من إحدى ثلاثة: من أن تكون دعوة(1) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عنه مردودةً عليه! أو أن يقول عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول أحبّ إليه! أو أن يقول إن الله عزّوجلّ لم يعرف الفاضل من المفضول!! فأيّ الثلاثة أحبّ إليك أن تقول؟ فأطرقت.

ثمّ قال: يا إسحاق لا تقل منها شيئاً؛ فإنّك إن قلت منها شيئاً استنبئتك، وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله.

قلت: لا أعلم، وإنّ لأبي بكر فضلاً.

قال: أجل، لو لا أنّ له فضلاً لما قيل إنّ عليّاً أفضل منه.

والمناظرة طويلة انتهت بقول الفقهاء: كلّنا نقول بقول أميرالمؤمنين أعزه الله(2) وهذه فضيلة أخرى لأميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ثابتة، إذ دامت مع حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى رحلته... فعليّعليه‌السلام أفضل من غيره وإلاّ لما ضمّه إلى نفسه فآخاه؛ فلقد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله في المؤاخاة يضمّ الشكل إلى شكله، والنظير إلى نظيره، فاختار عليّاً أخاً دون سواه، ولو كان غيره أفضل مه لآخاه ولم يقدّم عليّاً عليه.

قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال - فيما بلغنا، ونعوذ بالله من أن نقول عليه ما لم يقل -: «تآخوا في الله أخَوَينِ أخوين» ثم أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: «هذا أخي».. فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين الذي ليس له خطير

____________________

(1) وهي دعوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأتيه الله تعالى بأحبّ الخلق إليه ليأكل معه من الطير.

(2) العقد الفريد 5: 349 - 359.


ولا نظير من العباد، وعليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه أخوين(1) .

وكلامنا في المؤاخاة نظير كلامنا في آية المباهلة؛ إذ أقامه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مقام نفسه الطاهرة المقدّسة، وذلك يوم التحدّي مع نصارى نجران، وما نزل فيها من قرآن ما زال يتلى حتّى قيام الساعة؛ وآية التطهير التي يتلوها المسلمون فيذكرون في كلّ واحدة منهما: عليّاً وزوجه البتول فاطمة وابنيهما الحسن والحسينعليهم‌السلام لا يشركهم في ذلك إلاّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فأفضليّة عليّعليه‌السلام وعصمته جارية وحيّة ما زال القرآن الكريم حيّاً محفوظاً، وقد تكفّل الله تعالى بحفظه وكفى به حافظاً ووكيلاً« إِنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (2) .

وكلامنا فيه مثل كلامنا في حديث الثّقلين: فالقرآن الكريم قرين عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته، وهم: عليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام . وظهوره في الأفضليّة والعصمة الجارية أمرها بيّن لمن آتاه الله عقلاً وقلباً سليماً« إِنّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى‏ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » (3) .

وكذلك: حديث المنزلة، وهو من أكثر الأحاديث من حيث احتفاء المصادر به، ممّا يُظهِر الموقعَ الخاصّ لأميرالمؤمنينعليه‌السلام .

فعليّعليه‌السلام هارون هذه الأمّة كما أنّ هارون النبيّعليه‌السلام أخو موسى النبيّعليه‌السلام ؛

____________________

(1) السيرة النبويّة، لابن هشام 2: 151.

(2) الحجر: 9.

(3) ق: 37.


فعليّعليه‌السلام له من حقّ الأخوّة والمنزلة الخاصّة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّعليه‌السلام أخو رسول الله في الدنيا والآخرة فأفضليّته لذلك متّصلة، لا منفصلة.

من طرق عدّة: آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين أصحابه، فآخى بين أبي بكر وعمر، وفلانٍ وفلان، فجاءه عليّرضي‌الله‌عنه فقال آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحدٍ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنت أخي في الدنيا والآخرة»(1) .

فمثلما خُلِّدَتْ عصمة عليّعليه‌السلام وأفضليّته فيما ذكرنا من نصوص قرآنيّة؛ كذلك كانت أخوّته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وذكره ابن أبي شيبة، ونصّه: «أنت أخي وصاحبي»(2) .

ونحيل القارئ الكريم إلى موضوع المؤاخاة، فقد بسطنا البحث هناك؛ وإنّما أوردناه بإيجاز ليكون واحداً من أدلّتنا على أفضليّة أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام التي أنكرها ابن تيميه.

حديث رد الشمس

قال ابن تيميه: وحديث ردّ الشمس له - أيّ لعليٍّعليه‌السلام - قد ذكره طائفة: كالطحاويّ، والقاضي عياض، وغيرهما. وعدوّا ذلك من معجزات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن

____________________

(1) الجامع الصحيح، للترمذيّ 2 / 213، والاستيعاب، لابن عبد البَرّ 3 / 35، والمستدرك على الصحيحين 3 / 15 / 4288، والرياض النضرة 2 / 167.

(2) المصنّف، لابن أبي شيبة 7 / 508.


المحقّقون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أنّ هذا الحديث كذب موضوع. كما ذكره ابن الجوزيّ في «الموضوعات»، فرواه من عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسن عن أسماء بنت عميس قالت: - ثمّ ذكر الحديث -(1) .

قال: قال أبو الفرج - ابن الجوزيّ -: هذا الحديث موضوع بلا شكّ...(2) .

قال: وفضيل بن مرزوق ضعّفه يحيى، وقال أبو حاتم بن حبّان: يروي الموضوعات ويُخطئ على الثّقات(3) .

قال أبو الفرج: وهذا الحديث مداره على عبيد الله بن موسى عنه(4) .

قال: قال أبو الفرج: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين:...، حدّثنا عبد الرحمان بن شريك، حدّثني أبي، عن عروة، عن عبيد الله بن قيس، قال: دخلت على فاطمة بنت عليّ فحدّثتني أنّ عليّ بن أبي طالب، - وذكر حديث رجوع الشّمس -.

قال أبو الفرج: وهذا حديثٌ باطل. أمّا حديث عبد الرحمان بن شريك؛ فقال أبو حاتم: هو واهي الحديث. قال: وأنا لا أتّهم بهذا الحديث إلاّ ابن عقدة؛

____________________

(1) منهاج السنّة النبويّة، ابن تيميه 4: 186.

(2) نفسه.

(3) نفسه.

(4) نفسه.


فإنّه كان رافضيّاً يحدّث بمثالب الصّحابة(1) .

قال: قال أبو الفرج: وقد رواه ابن مردويه من حديث: داود بن فراهيج، عن أبي هريرة. قال: وداود ضعيف ضعّفه شعبة. قلت: فليس في هؤلاء من يحتجّ به(2) .

قال: وأمّا الثاني: ببابل؛ فلا ريب أنّ هذا كذب، وإنشاد الحميريّ لا حجّة فيه؛ لأنّه لم يشهد ذلك(3) .

قال: وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي هريرة قال: غزا نبيٌّ من الأنبياء، فدنا من القرية حتّى صلّى العصر قريباً من ذلك، فقال للشّمس: أنت مأمورة وأنا مأمور؛ اللّهمّ احبِسها عليّ شيئاً. فحبست عليه حتّى فتح الله عليه. فإن قيل: فهذه الأمّة أفضل من بني إسرائيل، فإذا كانت ردّت ليوشع فما المانع أن تردّ لفضلاء هذه الأمة؟ فيقال: يوشع لم تردّ له الشّمس، ولكن تأخّر غروبها، طوّل له النهار... ولا مانع من طول ذلك، لو شاء الله لفعل ذلك...

قال: لكنّ يوشع كان محتاجاً إلى ذلك؛ لأنّ القتال كان محرّماً عليه بعد غروب الشّمس؛ وأمّا أمّة محمّدٍ فلا حاجة لهم إلى ذلك ولا منفعة لهم فيه، فإنّ الذي فاتته العصر إن كان مفرّطاً لم يسقط ذنبه إلاّ بالتوبة، ومع التوبة لا يحتاج إلى ردّه وإن لم يكن مفرّطاً كالنائم والناسي فلا ملام عليه في الصلاة بعد

____________________

(1) منهاج السنة 4: 186.

(2) نفسه.

(3) نفسه.


الغروب(1) .

(فصل) قال الرافضيّ: التاسع رجوع الشّمس له - أي لعليّعليه‌السلام - مرّتين: إحداهما في زمن النبيّ! والثانية بعده.

أما الأولى: فروى جابر وأبو سعيد - الخدريّ - أنّ رسول الله نزل عليه جبريل يوماً يناجيه من عند الله، فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فَخِذَ أميرالمؤمنين، فلم يرفع رأسه حتّى غابت الشّمس، فصلّى عليّ العصر بالإيماء، فلمّا استيقظ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له: سل الله تعالى يردّ عليك الشّمس لتصلّي العصر قائماً.

وأمّا الثانية: فلمّا أراد أن أن يعبر الفرات ببابل، استعمل كثير من أصحابه دوابّهم، وصلّى لنفسه في طائفةٍ من أصحابه وفات كثيراً منهم، فتكلّموا في ذلك؛ فسأل الله ردّ الشّمس فردّت ونظمه الحِمْيَريّ فقال:

ردّت عليه الشَّمس لما فاتهُ

وقت الصّلاة، وقد دنت للمغرب

حتّى تبلّج نورها في وقتها

للعصر ثمّ هوت هويّ الكوكب

وعليه قد حُبست ببابل مرّةً

أُخرى، وما حُبست لخلق معرب

إلاّ ليوشع أوْ لهُ، ولحبسها

ولردّها تأويلُ أمر مُعجب(2)

قال: وأمّا الإسناد الثاني، فمدارُه على فضيل بن مرزوق؛ وهو معروف بالخطأ على الثّقات وإن كان لا يتعمّد الكذب. قال فيه يحيى بن معين مرّةً: هو ضعيف، وهذا لا يناقضه قول أحمد بن حنبل فيه: لا أعلم إلاّ خيراً. وقول

____________________

(1) منهاج السنة 4: 186.

(2) الخبر والشّعر في خصائص أميرالمؤمنين للشريف الرضيّ سنعرض له فيما بعد.


سفيان: هو ثقةٌ.

ويحيى مرّةً - أخرى -: هو ثقة، فإنّه ليس ممّن يتعمّد الكذب ولكنّه يخطئ؛ وإذا روى له مسلم، ما تابعه غيره عليه، لم يلزم أن يروي ما انفرد به!(1)

قال: وروى من طريق أبي العبّاس بن عقدة؛ وكان مع حفظه جمّاعاً لأكاذيب الشّيعة!

قال: قال ابن عقدة: حدّثنا يحيى بن زكريّا، أخبرنا يعقوب بن معبد، حدّثنا عمرو بن ثابت قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ عن حديث ردّ الشّمس على عليّ...، فذكر حديث أسماء بنت عميس.

قال: وهذا الحديث، إن كان ثابتاً عن عمرو بن ثابت الذي رواه عن عبدالله بن حسن؛ فهو الذي اختلقه، فإنّه كان معروفاً بالكذب. قال أبو حاتم بن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ليس بثقة ولا مأمون. وقال النّسائي: متروك الحديث.(2)

قال: وأمّا رواية أبي هريرة: إسناده مظلم لا يثبت به شيء عند أهل العلم؛ بل يُعرف كذبه من وجوه: فإنّه وإن كان داود بن عبد الملك النّوفليّ، وهو الذي رواه عنه، قال البخاريّ: أحاديثه شبه لا شيء. وذكر ابن الجوزيّ أنّ ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج، وذكر ضعف ابن فراهيج(3) .

____________________

(1) منهاج السنّة 4: 192.

(2) نفسه 192 - 193.

(3) نفسه 193.


قال: وأمّا رواية «أمير المؤمنين»(1) عن جويرية بنت مسهر قالت! قال: وهذا الإسناد أضعف ممّا تقدّم، وفيه من الرجال المجاهيل... وبمثل هذا الإسناد عن هذه المرأة، ولا يعرف حال هذه المرأة(2) !!

قال: وقد حكى أبو جعفر الطحاويّ، عن عليّ بن عبد الرحمان، عن أحمد بن صالح المصريّ: أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء من ردّ الشّمس؛ لأنّه من علامات النبوّة.

قلت - ابن تيميه - أحمد بن صالح رواه من الطريق الأوّل، ولم يجمع طرقه وألفاظه التي تدلّ من وجوه كثيرة على أنّه كذب. وتلك الطريق راويها مجهول عنده... والطحاويّ ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم، فإنّه لم تكن معرفته بالأسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث عالماً.(3)

آثرنا أن نورد كلام ابن تيميه بطوله - وإن كان أطول ممّا ذكرناه، لما فيه من حشوٍ وإعادة عبارات، وجعلنا الردّ بعد استيفاء كلامه فنقول، وبالله التوفيق: قوله: هذا الحديث موضوع بلا شكّ، ذكره ابن الجوزيّ في الموضوعات، وفضيل بن مرزوق ضعّفه يحيى... قال أبو الفرج: وهذا الحديث مداره على عبيد الله بن موسى عنه.

الجواب: إنّ حديث أسماء بنت عميس، يرد من أكثر من طريق، ليس فيها

____________________

(1) ما بين القويستين من لفظ أميرالمؤمنينعليه‌السلام ، هو من كلام العلاّمة الحلّيّ.

(2) منهاج السنّة 4: 194.

(3) منهاج السنة 4: 194.


فضيل بن مرزوق ولا عبيد الله بن موسى.

كما وإنّ الحديث يرد عن غير أسماء، فهو يرد عن: ابن عبّاس، وأبي هريرة، وجابر، وأبي رافع... وكلّها ناهضة بصحّة الحديث معضّدة له.

ورفضُ ابن تيميه الحديث إنّما مداره على شيخه: ابن الجوزيّ؛ إذ لم أجد في أهل العلم من كذّب الحديث ووهّنه غير هذا الرجل!

وبين وفاة ابن تيميه ووفاة ابن الجوزيّ (131 سنة)، وبين وفاة ابن الجوزيّ ووفاة عبيد الله بن موسى (384 سنة)، وبينه وبين وفاة فضيل بن مرزوق (437 سنة). فهما أقرب عهداً بالتّابعين وأتباعهم، وقد عاشا وماتا في عصر ازدهار تدوين الحديث ونقده، وجَرْح الرّجال وتقويمهم، فإن فضيلاً مات قبل سنة (170 هـ)، وعبيد الله مات سنة (213 هـ) والحكم عليهما لمن عاصرهما أو كان قريباً من ذلك، فإذا عُدِم ذلك وخفي حالهما؛ جاز للمتأخّر التفتيش عن حالهما.

وقبل النظر في الرجلين نذكر رجلاً تشدّد على من توقّف وتخلّف عن حفظ حديث أسماء!

ذلك هو: أحمد بن صالح المصريّ، شيخ البخاريّ، والمتوفّى سنة (246 هـ)، وقد روى له البخاريّ في صحيحه، سنقف على كلامه.

حال عبيد الله بن موسى، وفضيل بن مرزوق:

عبيد الله بن موسى بن أبي المختار، باذام، أبو محمّد العبسيّ، مولاهم


الكوفيّ الحافظ المقرئ(1) .

ولد بعد العشرين ومائة، وتوفّي بالكوفة في آخر شوّال سنة ثلاث عشرة ومائتين في خلافة المأمون.

روى عن: الأعمش، وهشام بن عروة، والأوزاعيّ، وابن جريج، وإسماعيل بن أبي خالد، وزكريّاء بن أبي زايدة، وعثمان بن الأسود، ومحمّد ابن عبد الرحمان بن أبي ليلى، وحنظلة بن أبي سفيان المكّيّ وعائذ بن حبيب؛ قال يحيى: حدّث عنه عبيد الله بن موسى، وقد سمعت من عائذ بن حبيب. وكان يقال: إنّه زيديّ وكان مسجده ومسجد عبيد الله بن موسى واحداً. قال: وحدّث عن أسامة بن زيد اللّيثي، وهو ثقة (تاريخ ابن معين 1: 251 / 1654).

وكان من أروى زمانه عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق. قرأ على عيسى بن عمر، وعلى عليّ بن صالح بن حيّ - من قرّاء الكوفة، من السابعة، كلاهما ثقة؛ - انظر: تاريخ الثّقات للعجليّ وغيره - وكان يقرأ القرآن في مسجده.

____________________

(1) الطبقات الكبرى، لابن سعد 6: 400، 6: 368 / 2748؛ التاريخ، لابن مَعين - برواية الدوريّ - 1: 309 / 2062، 1: 381 / 258؛ معرفة الرجال، لابن مَعين 1 / الترجمة 883؛ طبقات خليفة 292 / 1321؛ تاريخ خليفة: 54؛ التاريخ الكبير، للبخاريّ 5: 401؛ المعارف 519، 532 و 624؛ المعرفة والتاريخ 1: 198؛ تاريخ الثقات، للعجليّ 319 / 1070؛ الكامل، لابن عديّ 327؛ تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 239 / 910؛ الجرح والتعديل للرازيّ 4: 1 / 496؛ الثّقات لابن حِبّان 4؛ 92 / 2961؛ الكنى والأسماء للدولابيّ 2: 221 / 2504؛ تهذيب التهذيب لابن حجر 10 / 479؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 7: 50؛ الكاشف للذهبيّ 2: 234، تحرير تقريب التهذيب 2: 415 / 4345؛ رجال الطوسيّ 111 / 311.


روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن راهويه، وعبّاس الدّوريّ، والدارميّ، ومحمّد بن سليمان الباغنديّ، والحارث بن أسامة، وابن نمير ويعقوب بن سفيان الفسويّ وقد أكثر في الرواية عنه.

(الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 368؛ الثقات لابن حبّان 4: 92؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 15: 283...).

أقوال العلماء فيه

ابن سعد: عبيد الله بن موسى، ثقه صدوق حسن الهيئة، وكان يتشيّع ويروي أحاديث في التشيّع، فضُعّف بذلك عند كثير من النّأس؛ وكان صاحب قرآن(1) .

يحيى بن معين: عبيد الله بن موسى، ثقه(2) . سمعت جامعَ سفيان - الثّوريّ - من عبيد الله بن موسى، قرأه عليّ من صحيفته(3) .

وقد ذكره في مواضع كثيرة من كتاب «التاريخ» بجزءيه، في من روى عنه، أو من روى عنه عبيد الله بن موسى، ولم يضعّفه في أيّ مورد.

الحافظ العجليّ: عبيد الله بن موسى العبسيّ، يكنّى أبا محمّد: صدوق، كان يتشيّع، وكان صاحب قرآن رأساً فيه، شجيّ القراءة. ما رأيت عبيد الله رافعاً بصره إلى السّماء، وما رُؤيَ ضاحكاً(4) .

____________________

(1) الطبقات الكبرى 6: 368 / 2748.

(2) الجرح والتعديل للرازيّ 5: 334؛ تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 239 / 910.

(3) تاريخ ابن معين 1: 381 / 2580.

(4) تاريخ الثقات للعجليّ: 319 / 1070.


الحافظ ابن حبّان: ذكره في الثّقات من أهل الكوفة. قال: مات سنة ثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ومائتين، وكان يتشيّع(1) .

الحافظ ابن شاهين: عبيد الله بن موسى: ثقة، قال يحيى.

قال عبيد الله بن موسى، صدوق ثقة(2) .

خليفة بن خيّاط: ذكره في الطبقة التاسعة. يروي عن عمر بن صُهبان الأسلميّ التابعيّ(3) .

وحدّث عنه في تاريخه، عن غزوة الطائف؛ عنه عن طلحة بن جبر، عن المطّلب بن عبد الله، عن مصعب بن عبد الرحمان بن عوف، عن أبيه(4) ...

وكذلك عن مِشعَر، عن عمرو بن مرّة، عن الحارث بن جمهان الجعفيّ، عن صفة معركة الجَمَل(5) ...

النسائيّ: ولم يذكره النسائيّ في كتاب: «الضعفاء والمتروكين» وهذا دليل على حسن حال عبيد الله بن موسى عنده.

الطوسيّ: عدّه الطوسيّ في أصحاب الصادقعليه‌السلام (6) .

____________________

(1) الثقات لابن حبّان 4: 92: 2961.

(2) تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 239 / 910.

(3) طبقات خليفة بن خيّاط 292 / 1321.

(4) تاريخ خليفة بن خيّاط 54.

(5) نفسه 143.

(6) رجال الطوسيّ 111 / 311.


الدّولابيّ: ذكره في ترجمة أبيه أبي المختار موسى بن باذام؛ قال: وابنه عبيد الله بن موسى سمع الثّوريّ(1) .

أبو حاتم الرازيّ: قال ابن معين وغيره: ثقة(2) .

قال أبو حاتم: ثقةٌ صدوق، وأبو نعيم أتقنُ منه، وعبيد الله أثبتُهم في إسرائيل(3) .

الذهبيّ: هو من كبار شيوخ البخاري. كان صاحب تعبّد وزهادة(4) .

ابن حجر: عبيد الله بن موسى بن باذام الكوفيّ: ثقة(5) .

خلاصة الأقوال في عبيد الله بن موسى:

لقد وقفنا على أقوال العلماء ممّن عاصر عبيد الله بن موسى أو جاء بعده بقليل؛ إلاّ ما كان من الطوسيّ - أي من حيث المعاصرة - (توفي 460 هـ) وناهيك به في هذا الفنّ، ثمّ الذهبيّ وابن حجر...

وكان الإجماع على توثيق عبيد الله بن موسى وتصديقه وحسن سيرته وعبادته؛ فمَن كان هذا شأنه فهو أحرى أن يؤخذ عنه إذ صار مدار الحديث بزعم ابن الجوزيّ عليه عن فضيل بن مرزوق. وحان الآن أن ننظر في سيرة

____________________

(1) الكنى والأسماء للدّولابيّ 2: 221 / 2504.

(2) الجرح والتعديل للرازيّ 5: 334.

(3) نفسه 335.

(4) تاريخ الإسلام للذهبيّ 15: 283 / 285.

(5) تحرير تقريب التهذيب لابن حجر 2: 415 / 4345.


الثاني وأقوال العلماء فيه:

فضيل بن مرزوق:

فضيل بن مرزوق الأغرّ الرقاشيّ، ويقال: الرؤاسيّ، أبو عبد الرحمان الكوفيّ مولى بني عنزة(1) .

روى عن: حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وسليمان الأعمش وعديّ بن ثابت، وعطيّة العوفيّ، وأبي إسحاق السبيعيّ، ومحمّد بن سعيد صاحب عكرمة، وأبي عمر صاحب عكرمة...

روى عنه: أبو أسامة حمّاد بن أسامة، وعبيد الله بن موسى، وسفيان الثوريّ، وعبد الله بن صالح العجليّ، ووكيع بن الجرّاح، وأبو نعيم الفضل بن دُكَين، ويزيد بن هارون، ويحيى بن آدم، وعليّ بن الجعد، وسعيد بن محمّد الورّاق، وأبو غسّان مالك بن إسماعيل، ومحمّد بن يوسف الفريابيّ، وأبو أحمد الزبيريّ، وعبد الله بن المبارك...

توفّي فضيل بن مرزوق سنة مائة وستّين.

____________________

(1) تاريخ يحيى بن معين 1: 200 / 1298، 226 / 1462، 306 / 2040؛ تاريخ الثقات للعجلي 384 / 1359؛ كتاب الثقات لابن حبّان 4: 195 / 3778؛ المعرفة والتاريخ للفسويّ 3: 207؛ تاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 547؛ الكامل لابن عديّ 2: 338؛ تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 263 / 1068؛ الجرح التعديل للرازيّ 7 / الترجمة 423؛ سؤالات الآجريّ 5 / 47؛ رجال صحيح مسلم 145؛ موضّح أوهام الجمع والتفريق للخطيب 2 / 322؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 23: 305؛ الكاشف للذهبيّ 2: 486؛ تهذيب التهذيب 8: 298.


أقوال العلماء فيه

يحيى بن معين: فضيل بن مرزوق ثقة(1) . وحدّث عن وكيع عن فضيل عن عطيّة عن عائشة(2) . وروى له في غير هذا الموضع ممّا يعني وثاقته عنده.

ابن سعد: روى له ابن سعد، من ذلك حديث المنزلة؛ قال أخبرنا الفضل ابن دُكَيْن قال: أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عطيّة، حدّثني أبو سعيد قال: غزا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غزوة تبوك وخلّف عليّاً في أهله، فقال بعض الناس: ما منعه أن يخرج به إلاّ أنّه كره صحبته! فبلغ ذلك عليّاً، فذكره للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: أيا ابن أبي طالب، أما ترضى أن تنزل منّي بمنزلة هارون من موسى؟(3)

وذكر خبرَ مقتل الزبير بن العوّام يوم الجمل؛ قال:أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل بن مرزوق قال: حدّثني سفيان بن عقبة، عن قرّة بن الحارث، عن جون بن قتادة قال: كنت مع الزبير بن العوّام يوم الجَمَل وكانوا يسلّمون عليه بالإمرة،... الخبر.(4)

قال: أخبرنا شبابة بن سوّار الفزاريّ قال: أخبرني الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجلٍ ممّن يغلو فيهم: وَيْحكم! أحبّونا لله، فإن

____________________

(1) تاريخ يحيى بن معين 1: 200 / 1298.

(2) نفسه: 226 / 1462.

(3) الطبقات الكبرى 3: 24.

(4) نفسه: 82.


أطعنا الله فأحبّونا، وإن عصينا الله فأبغضونا.(1)

الفسويّ: قال يعقوب بن سفيان الفسويّ: فضيل بن مرزوق: كوفيّ ثقة.(2)

العجليّ: فضيل بن مرزوق: جائز الحديث، ثقة، وكان فيه تشيّع، وهو كوفيّ.(3)

ابن حبّان: ذكره في الثّقات وقال: فضيل بن مرزوق الرؤاسيّ، كنيته أبو عبد الرحمان، من أهل الكوفة، يروي عن أبي إسحاق وعطيّة. روى عنه عبد الله بن المبارك. كان ممّن يُخطئ.(4)

ابن شاهين: فضيل بن مرزوق: وثّقه يحيى مرّةً وضعّفه أخرى.(5)

سفيان الثّوريّ: قال المثنّى بن معاذ العنبريّ، عن أبيه: سألت سفيان الثوريّ عنه؟ فقال: ثقة.(6)

أحمد بن حنبل: قال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: لا أعلم إلاّ خيراً.(7)

____________________

(1) نفسه: 245.

(2) المعرفة والتاريخ 3: 133.

(3) تاريخ الثّقات 384: 1359.

(4) كتاب الثّقات 4: 195 / 3778. وقوله: يُخطئ؛ فسبحان من لا يخطئ، سيّما وقد ذكره في الثّقات.

(5) تاريخ أسماء الثّقات 263 / 1068.

(6) الجرح والتعديل للرازيّ 7 / الترجمة 423.

(7) الجرح والتعديل للرازيّ 7 / الترجمة 423.


سفيان بن عيينة: قال الحسن بن عليّ الحلوانيّ، عن الشافعيّ: سمعتُ ابن عيينة يقول: فضيل بن مرزوق ثقة.(1)

ابن عديّ: قال: أرجو أنّه لا بأس به.(2)

الهيثم بن جميل: قال الحسين بن الحسن المروزيّ: سمعت الهيثم بن جميل يقول: فضيل بن مرزوق: كان من أئمّة الهدى زهداً وفضلاً.(3)

عبّاس الدّوريّ: فضيل بن مرزوق: ثقة.(4)

الخطيب: عن عبد الرحمان بن يوسف بن خراش أنّه قال: فضيل بن مرزوق ثقة.(5)

وقال ابن محرز ك قال يحيى بن أيّوب: حدّثنا حميد الرؤاسيّ قال: حدّثنا فضيل بن مرزوق وكان أصدق من رأينا الناس.(6) وقال البخاريّ: مُقارب الحديث.(7) روى له البخاريّ في كتاب «رفع اليدين في الصلاة»، والباقون.(8)

____________________

(1) تهذيب الكمال للمزيّ 23: 307؛ عن سؤالات الآجريّ 5: 47، تاريخ ابن معين 2: 476؛ تاريخ الإسلام للذهبي 1: 396 / 321.

(2) الكامل لابن عديّ 2: 338.

(3) تهذيب الكمال للمزّيّ 23: 308.

(4) تاريخ الدّوريّ 2: 476.

(5) الموضّح للخطيب 2: 323.

(6) تهذيب الكمال 23: 309.

(7) علل الترمذيّ: 76.

(8) تهذيب الكمال 23: 309.


النّسائيّ: لم يذكره في كتاب «الضعفاء والمتروكين».

الدارميّ: صالح الحديث، لا بأس به.(1)

عبد الرحمان بن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صدوقٌ صالح الحديث، يَهِمُ كثيراً، يُكتبُ حديثه. قلت: يُحتجّ به؟ قال: لا.(2)

الذهبيّ: كان معروفاً بالتشيّع من غير سبّ.(3)

ابن حجر: فضيل بن مرزوق الأغرّ الرّقاشيّ الكوفيّ، أبو عبد الرحمان: صدوق يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع، من السابعة مات في حدود سنة ستّين.

قال المحقّق: قوله: «يَهِمُ» لا معنى لها بعد أن أنزله إلى مرتبة الصدوق الحسَن الحديث؛ فقد وثّقه: سفيان الثوريّ، وابن معين في أصحّ الروايات عنه، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان، وابن خراش.

وقال البخاريّ: مُقاربُ الحديث، وقال ابن عدي: أرجو أنّه لا بأس به. وذكره ابن حبّان في الثّقات، وقال أحمد: لا أعلم إلاّ خيراً.

وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث يَهِمُ، يُكتب حديثه، لا يحتجّ به.

____________________

(1) تاريخ الدارميّ 698.

(2) الجرح والتعديل للرازيّ 7 / الترجمة 423. (وقوله: لا يحتجّ به، غريب بعد أن حكم بصدقه وصلاح حديثه وكتابته!).

(3) تحرير تقريب التهذيب 3: 163 / 5437.


خلاصة أقوال العلماء في فضيل بن مرزوق

والكلام في فضيل المتوفّى أوائل النصف الثاني من القرن الثاني الهجريّ هو في عهدة رجال الحديث والجرح وتراجم الرجال المتقدّمين، وقد وجدنا الإجماع على توثيقه ابتداء بابن سعد (168 - 230 هـ) ومروراً بابن معين (ت 233 هـ) والذي اعتبره ابن تيميه عمدته في رفض وقبول كثير، فالعجليّ (ت 261 هـ)... وهكذا رجال القرن الثالث الهجريّ وغيرهم ممّن بَعُدت الشُّقّة بين ابن تيميه وابن الجوزيّ وبينهم. هذا في حال حسن الظنّ! وإلاّ فالقصد العمديّ في إنكار الحديث وتضعيف رواته ورميهم بالكذب أبينُ من أن يقام عليه دليل.

وقد تراوحت أقوال العلماء في فضيل بن مرزوق، بين: ثقة، وأنّه من أئمّة الهدى، وأصدق الناس، وصدوق صالح الحديث، وقول إمام الحنابلة أحمد: لا أعلم إلاّ خيراً. وروى له البخاريُّ ومسلم والباقون، ولم يُذكر في الضعفاء. ولم يكن رافضيّاً كما نصّ عليه الذهبيّ. وقد وقفنا على قول محرّر تقريب التهذيب.

وأما قول ابن تيميه: وإذا روى له مسلم، ما تابعه غيره عليه لم يلزم أن يروي ما انفرد به!

فإذا سلّمنا له أنّ مسلماً صاحب الصحيح ليس بحجّة! فإذا انفرد برواية لا تكون ملزمة؛ فمن باب أولى أن لا يكون قول ابن الجوزيّ ملزماً، بل ويكون مرفوضاً إزاء أقوال أئمّة الحديث والجرح والتعديل المتقدّمين.

وتعلّل ابن تيميه بانفراد مسلم في روايات، ليس أمراً مستهجناً، فقد انفرد هو برواياتٍ لم يخرّجها البخاريّ في صحيحه، كما ذكر البخاريّ روايات لم


يذكرها مسلم، وعللّ بعضهم ذلك أنّ وثاقة رواة ثبتت عند مسلم ولم تثبت عند البخاريّ، وبالعكس، وغير ذلك من الأسباب.

ذكر الحاكم أبو عبد الله النيسابوريّ في كتابه «المدخل إلى معرفة المستدرك»: عدد من خرّج  لهم البخاريّ في «الجامع الصحيح» ولم يخرّج لهم مسلم أربعمائةٍ وأربعة وثلاثون شيخاً، وعدد من احتجّ بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتجّ بهم البخاريّ في الجامع الصحيح ستّمائة وخمسة وعشرون شيخاً، والله أعلم.(1)

فإذا كان هذا هو عدد من أعرض عنه مسلم ولم يذكر روايته، وكذلك فعل البخاريّ؛ فكم هو عدد الأحاديث التي يجب أن لا يحتجّ بها وفقاً لقاعدة ابن تيميه؟!

وذكرنا من قبل أنّ الحاكم النيسابوريّ قد استدرك على البخاريّ ومسلم أحاديث كثيرة لم يذكراها، وهي على شرطيهما في تخريج الأحاديث، وقد وافقه الذهبي على كثيرٍ منها في كتابه «التلخيص». ونذكر هنا أنّ ما استدركه الحاكم عليهما تجاوز الثمانية آلاف حديثاً ورواية!

قال النّوويّ: ألزم الإمام الدار قطنيّ وغيره البخاريّ ومسلماً إخراج أحاديث تركا إخراجها، مع أنّ أسانيدها أسانيد قد أخرجا لرواتها في صحيحيهما بها. وذكر الدار قطنيّ وغيره أنّ جماعة من الصحابة روَوا عن رسول الله؛ رُوِيت

____________________

(1) مقدّمة النوويّ لصحيح مسلم 1: 16.


أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها، ولم يخرّجا من أحاديثهم شيئاً فيلزمهما إخراجها على مذهبيهما. وذكر البيهقيّ: أنّهما اتّفقا على أحاديث من صحيفة همّام بن منبّه(1) ، وأنّ كلّ واحدٍ منهما انفرد عن الآخر بأحاديث منها مع أنّ الإسناد واحد.(2)

قال النوويّ في تعليل ذلك: إنّهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صحّ عنهما تصريحهما بأنّهما لم يستوعباه، وإنّما قصدا جمع جُملٍ من الصحيح.(3)

وقال ابن الصلاح: ما وقع في صحيحي البخاريّ ومسلم ممّا صورته المنقطع، وهو في كتاب البخاريّ كثير جدّاً وفي كتاب مسلم قليل جدّاً. وكذلك ما روياه عمّن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف به وأورداه أصلاً محتجّين به، وذلك مثل: حدّثني بعض أصحابنا.(4)

ذكرنا هذه الأقوال؛ لأنّ ابن تيميه إذا أنكر حديثاً لاذ بصاحبَي الصحيحين أو بأحدهما وقال: لو كان الحديث صحيحاً لذكراه، أو لذكره فلان في صحيحه. وحين تنزع نفسه لا يتوقّف عن التوهين بأحدهما محتجّاً أنّه لم يتابعه الآخر عليه، وقد وقفنا على أقوال العلماء فيهما وفي صحيحيهما.

وأمّا تعليقه الحديث على ابن عقدة، وقوله: إنّه كان رافضيّاً.

____________________

(1) هَمّام بن منبّه الصنعانيّ، قال العجليّ: تابعيّ ثقة (تاريخ الثّقات 461 / 1750).

(2) مقدّمة النوويّ لصحيح مسلم 1:24.

(3) مقدّمة النوويّ لصحيح مسلم 1: 24.

(4) مقدّمة النوويّ لصحيح مسلم 1: 16.


فقبل الشروع بترجمته وقول العلماء فيه، فقد ذكر أنّه كان زيديّاً جاروديّاً، وعلى هذا مات.(1) وقد روى للسّنّه كما روى للإماميّة، فقد روى الخطيب وتبعه الذهبيّ؛ رويا عن ابن عقدة الحديث: «إنّ أبابكرٍ وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة!»(2)

ورويا عنه عن سفيان قوله: لا يجتمع حبّ عليّ وعثمان إلاّ في قلوب نبلاء الرجال.(3)

نقول: فقوله - أبو الفرج -: إنّه كان رافضيّاً يكتب في مثالب الصحابة، ينافي ما ذكرناه.

التحقيق في مذهبه: إنّ القول في مذهبه وأنّه كان زيديّاً ومات على ذلك، وكذلك كان أبوه زيديّاً؛ يعارضه ما رواه عن زيد بن عليّ، وربّما كان زيديّاً أوّلاً ثم رجع. فقد نقل النعمانيّ - وهو قريب عهد منه (توفّي سنة 380 هـ) - عنه روايته عن أبي الصبّاح(4) ، قال: دخلت على أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام ، فقال لي: ما وراء؟ فقلت: سرورٌ من عمّك زيد، خرج يزعم أنّه ابن سبيّة، وأنّه قائم هذه الأمّة، وأنّه ابن حِيَرة الإماء؛ فقال: كذب! ليس هو كما قال، إن خرج قتل.(5)

____________________

(1) رجال النجاشيّ: 94، الفهرست: 73.

(2) تاريخ بغداد 5 / 15، سير أعلام النبلاء 15: 343.

(3) نفسه.

(4) رجال ابن داود: 19: إبراهيم بن نعيم، أبو الصبّاح العبديّ. قال له الصادقعليه‌السلام : (أنت ميزان لا عين فيه)، مات بعد السبعين والمائة.

(5) الغيبة للنعماني: 229.


وثمّة أمر مهمّ للغاية؛ فإنّ «الجاروديّ»: مَن كان عقيدته أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نصّ على عليّعليه‌السلام بالوصف دون التسمية، والإمام بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّ، والناس قصّروا؛ حيث لم يتعرّفوا الوصف ولم يطلبوا الموصوف.(1)

وهذا التعريف ينافي ما ذكره الشيخ في الفهرست والنجاشيّ في رجاله في ذكر كتبه، قالا: كتاب الولاية ومن روى غدير خمّ.(2)

وذكر السيّد ابن طاووس أنّ كتاب الولاية لابن عقدة في حوزته.(3)

وذكر الكتاب المذكور جمع من مصنّفي السنّة والشيعة، وممّن ذكره ابن تيميه.

ولأجل كتابه المذكور وما نقله من أحاديث في شأن أهل البيتعليهم‌السلام رُمي بالتشيّع! وضعّف عند البعض، كما حصل لغيره. قال الذهبيّ: مُقت لتشيّعه.(4) وقال ابن عديّ: كان مقدّماً في الشيعة.(5) وقال ابن حجر: كان يُزَنّ(6) بالتشيّع، والناس يختلفون في أمانته، فمن راضٍ ومن ساخط به.(7)

حقيقة الأمر: والواقع أنّ ابن عقدة لم يكن رافضيّاً بالمعنى الذي قاله ابن

____________________

(1) الملل والنحل، للشهرستانيّ 1: 157.

(2) الفهرست: 72، رجال النجاشيّ: 94.

(3) الطرائف لابن طاووس 1: 111.

(4) تذكرة الحفّاظ للذهبيّ 3: 839.

(5) الكامل، لابن عديّ 1: 206، لسان الميزان 1: 264.

(6) يزنّ: يتّهم.

(7) السان الميزان 1: 263.


الجوزيّ، إلاّ أنّه أثبت في كتبه كثيراً من الأحاديث الثابتة عنده بشأن أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ قال أبو الحسن عليّ بن عمر - وهو الدار قطنيّ -: سمعت أبا العبّاس بن عقدة يقول: أن أجيب في ثلثمائة ألف حديثٍ من حديث أهل البيت خاصّة.

قال أبو الحسن: وكان أبوه عقدة أنحى الناس.(1)

ذكر ذلك الدار قطنيّ ولم يقع فيه لما يذكره من هذا العدد من الأحاديث الخاصّة بأهل البيت!

وقال أبو الطيّب أحمد بن الحسن بن هرثمة: كنّا بحضرة أبي العبّاس بن عقدة الكوفيّ المحدّث نكتب عنه وفي المجلس رجل هاشميّ إلى جانبه، فجرى حديث حفّاظ الحديث، فقال أبو العبّاس: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث هذا سوى غيرهم. وضرب بيده على الهاشميّ.(2)

وقال أبو بكر بن أبي دارم الحافظ: سمعت أبا العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد يقول: أحفظ لأهل البيت ثلاثمائة ألف حديث.(3)

فإذا تقرّرت شيعيّة ابن عقدة بسبب ذكره فضائل أهل البيت، فهل تُترك روايته حتّى لو ورد لها شاهد من غيره؟

إنّ الجرح على المذهب باطل لا يُعتدّ به، وإلاّ لقال الشيعيّ: فلان عامّيّ

____________________

(1) تاريخ بغداد 5: 16.

(2) نفسه.

(3) نفسه.


فروايته باطلة، وقال الآخر: فلان شيعيّ فروايته باطلة؛ فترك لذلك أكثر الأحاديث والروايات، وعُطّلت كثير من الأحكام الشرعيّة.

إذ الأخبار تأتي في تحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب...

وقد قال مسلم: وإنّما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر...، فإذا كان الرّواي لها ليس بمعدنٍ للصدق والأمانة، ثمّ أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبيّن ما فيه لغيره، ممّن جهل معرفته، كان آثماً بمفعله ذلك، غاشّاً لعوامّ المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلّها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أنّ الأخبار الصّحاح من رواية الثّقات أكثر من أن يضطرّ إلى نقل من ليس بثقة(1) .

فمسلم لم يعلّق الرّواية على المذهب، وإنّما جعل مدار ذلك هو صدق وأمانة ووثاقة الرّاوي. ولذلك نجدهم حين يُسألون عن رجل يقولون: ثقة؛ صدوق؛ محلّه الصدق؛ ليس بثقة...؛ وقد يقولون: ثقة صدوق، يُحتجّ به وفيه تشيّع.  فتراهم ناظرين إلى عدالته ووثاقته، لا إلى مذهبه.

وعلى هذا، فإنّ الأصل في صحّة الحديث هو الضبط والعدالة؛ والضبط هو حفظ الرواي ويتقّظه، والعدالة: هي صدق الراوي في نفسه وأمانته في النقل.

قال الخطيب: ذهب جماعة من أهل الحديث والمتكلّمين إلى أنّ أخبار

____________________

(1) صحيح مسلم 1: 14.


أهل الأهواء كلّها مقبولة، وإن كانوا كفّاراً أو فساقاً بالتأويل.(1)

قال ابن القيّم الحنبليّ: الفاسق باعتقاده إذا كان متحفّظاً في دينه، فإنّ شهادته مقبولة وإن حكَمنا بفسقه، كأهل البدع والأهواء الذين لا نكفّرهم كالرافضة والخوارج والمعتزلة ونحوهم، هذا منصوص الأئمّة، ولم يزل السلف والخلف على قبول شهادة هؤلاء وروايتهم.(2)

وقال الذهبيّ: فلو ردّ حديث الشيعة لذهب جملة من الآثار النبويّة وهذه مفسدة بيّنة.(3)

وليس بدعةً أن يطعن على ابن عقدة! وقد تعرّض جهابذة علم الحديث والرجال للجرح والتعديل من علماء زمانهم أو ما هو قريب من ذلك، فهذا يحيى ابن مَعين وهو هو في هذا الميدان، قال أبو زرعة فيه: ولم يُنتفع به - أي بيحيى -؛ لأنّه كان يتكلّم في الناس، ويُروى هذا عن عليّ - ابن المدينيّ - من وجوه.(4)

وقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التّمّار ولا عن يحيى بن مَعين ولا عن أحدٍ ممّن امتُحن فأجاب.(5)

وقال إبراهيم بن هانئ: رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع

____________________

(1) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغداديّ: 335.

(2) الطرق الحكميّة، ابن القيّم: 173.

(3) ميزان الاعتدال 1: 5 (ترجمة أبان بن تغلب).

(4) تاريخ يحيى بن معين 1: 8.

(5) تهذيب الكمال 31: 564.


في مثل يحيى بن مَعين؟! فقال: من جرّ ذيول الناس جرّوا ذيله.(1)

وقد تحدّث يحيى عن نفسه وجرحه لأناسٍ يبدو أنّه تعجّل الحكم عليهم.

قال محمّد بن الفضل البلخيّ: سمعت محمّد بن مهرويه يقول: سمعت عليّ بن الجنيد يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّا لنطعن على أقوامٍ لعلّهم قد حطّوا رحالهم في الجنّة من أكثر من مئتي سنة!

قال ابن مهرويه: فدخلت على عبدالرحمان بن أبي حاتم وهو يُقرئ الناس كتاب «الجرح والتعديل» فحدّثته بهذه الحكاية، فبكى، وارتعدت يداه حتّى سقط الكتاب من يده، وجعل يبكي ويستعيدني الحكاية.(2)

هذا بعض شأن يحيى، وهو قدوة ابن تيميه، يأتمّ به ولا يتعدّى حكمه وقوله. ورأينا حكمه على نفسه، وقول الإمام أحمد فيه. وهذا البخاريّ أخرج لجماعةٍ رمَوهم بالقدَر، مثل هشام بن عبد الله الدستوائيّ، والقدريّة ممّن يحمل عليهم ابن تيميه ويكفّرهم! كما أخرج لعمران بن حطّان الخارجيّ. ولمّا سُئل مالك: كيف رويتَ عن داود بن الحصين وثور بن يزيد، ولقد كانوا يَرون القدَر؟!

قال: كانوا لإن يخرّوا من السماء على الأرض أسهلُ من أن يكذبوا.(3)

فالقاعدة عندهم، بعد تحقّق الإيمان: صدق الراوي، وضبط روايته. وكم

____________________

(1) نفسه.

(2) تهذيب الكمال 31: 564. [ ويحيى ولد سنة 158 هـ ومات سنة 233 هـ؛ فالرجال الذين حطّوا رحالهم في الجنّة كما يقول وطعن بهم يحيى هم مَن عاصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ].

(3) إرشاد النقّاد لمحمد بن إسماعيل الصنعانيّ: 19.


استدرك الحاكم على الشيخين مسلم والبخاريّ من الأحاديث التي توافق شرطيهما ولم يخرّجاها، وقد وافقه الذهبيّ في أكثر الموارد.

وعلى هذا النهج العلميّ، فإنّ ابن عقدة لو كان رافضيّاً - وهو غير رافضيّ كما مرّ بنا - فلا يردّ حديث أسماء الذي في طريقه ابن عقدة، والذي بينه وبين أبي الفرج «265» سنة!

ترجمة ابن عقدة: أحمد بن محمّد بن سعيد بن عبد الرحمان بن إبراهيم بن زياد بن عبد الله بن عجلان؛ يعرف بابن عقدة. وزياد هو مولى عبد الواحد بن عيسى بن موسى الهاشميّ، عَتاقةً، وجدّه عجلان هو مولى عبد الرحمان بن سعيد بن قيس الهمدانيّ.(1)

قدم بغداد فسمع بن: محمّد بن عبيد الله المنادي، وعليّ بن داود القنطريّ، وأحمد بن أبي حيثمة، والحسن بن مُكرِم، وعبد الله بن روح المدائنيّ، ويحيى بن أبي طالب. حدّث عن هؤلاء الشيوخ وعن: إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد المستورد وعبد العزيز بن زبالة المدينيّ، وعبد الله بن أبي ميسرة المكّيّ، والحسن بن عتبة الكنديّ.(2)

ولادته ووفاته: ولد ابن عقدة سنة تسع وأربعين ومائتين ليلة النّصف من

____________________

(1) تاريخ بغداد 5: 14 / 2365، رجال الطوسيّ: 409، الأنساب للسمعانيّ 4: 214، رجال ابن داود: 422 / 38.

(2) تاريخ بغداد 5: 14.


المحرّم في الكوفة.(1)

وتوفّي لسبع خلون من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة(2) ، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة(3) ، والأوّل أضبط؛ لأنّه مرويّ عن محمد بن أحمد بن سفيان، وهو أحد تلاميذ ابن عقدة والمُجازين عنه في الرواية، وكذلك مرويّ عن الدار قطنيّ، وهما أقرب زمناً إلى حياة ووفاة ابن عقدة.

عقدة: هو والد أبي العبّاس، وإنّما لقّب بذلك لعلمه بالتصريف والنحو، وكان يورّق بالكوفة، ويعلّم القرآن والأدب. وكان يؤدّب ابن هشام الخزّاز، فلمّا حذق الصبيّ وتعلّم، وجّه إليه ابن هشام دنانير صالحة فردّها، فظنّ ابن هشام أنّ عقدة استقلّها فأضعفها له، فقال عقدة: ما رددتها استقلالاً، ولكن سألني الصبيّ أن أعلّمه القرآن فاختلط تعليم النحو بتعليم القرآن، فلا أستحلّ أن آخذ منه شيئاً ولو دفع إليّ الدنيا.(4)

قال ابن النجّار: وكان عقدة زيديّاً، وكان ورعاً ناسكاً، وإنّما سمّي عقدة لأجل تعقيده في التصريف، وكان ورّاقاً جيّد الخطّ، وكان ابنه أبو العبّاس أحفظَ

____________________

(1) نفسه 5: 22، الأنساب للسمعانيّ 4: 214، تذكرة الحفّاظ 3: 839.

(2) تاريخ بغداد 5: 22، المنتظم 14: 35، تذكرة الحفّاظ 3: 839، الوافي بالوفيات 7: 395، البداية والنهاية 11: 236.

(3) فهرست الطوسيّ: 73، رجال النجاشيّ: 94، رجال ابن داود: 229، خلاصة الأقوال للعلاّمة الحلّيّ: 203.

(4) تاريخ بغداد 4: 15.


مَن كان في عصرنا للحديث.(1)

قال السمعانيّ: العُقَديّ: بضمّ العين المهملة وفتح القاف، هذه النسبة إلى (عقدة)، وهو لقب والد أبي العبّاس بن عقدة الحافظ، وإنّما لُقّب بذلك لعلمه بالتصريف والنّحو...، وهو من العلماء العاملين وكان قبل الثلاثمائة.(2)

الرواة عنه: قال الخطيب: كان حافظاً عالماً مكثراً، جمع التراجم والأبواب والمشيخة، وأكثر الرواية، وانتشر حديثه وروى عنه الحفّاظ والأكابر مثل: أبي بكر الجعابي، وعبد الله بن عديّ الجرجانيّ، وأبي القاسم الطبرانيّ وأبي الحسن الدار قطنيّ، وأبي حفص بن شاهين، وعبد الله بن موسى الهاشميّ، ومحمّد بن المظفّر، وعمر بن إبراهيم الكتّانيّ، ومَن في طبقتهم وبعدهم.(3)

تواضعه للعلماء: مع تقدّم ابن عقدة على أصحابه، فقد عُرف بإجلاله وتواضعه لهم. قال الدار قطنيّ: كنت إذا حضرت أكرمني ورفعني في المجلس.(4)

قال أبوبكر بن أبي دارم الحافظ: ما رأيت ابن عقدة يتواضع لأحدٍ من الحفّاظ كتواضعه لأبي عليّ النّيسابوريّ.(5)

____________________

(1) نفسه: 16.

(2) الأنساب 4: 214.

(3) تاريخ بغداد 5: 16.

(4) نفسه 12: 34.

(5) تذكرة الحفّاظ 3: 902، قال الذهبيّ: أبو عليّ الحافظ، محدّث الإسلام، الحسن بن عليّ بن يزيد النّيسابوريّ، أحد جهابذة الحديث، وقال أبو عبد الله الحاكم: واحد عصره في الحفظ والإتقان والورع والمذاكرة والتصنيف.


حفظه وإتقانه: بلغ ابن عقدة من الحفظ للحديث بمتونه وضبط أسانيده شأواً بعيداً. قال ابن داود: روى جميع كتب أصحابنا وصنّف لهم، وكان حفظة يقول: أحفظُ مائةً وعشرين ألفَ حديث بأسانيدها، وأذاكر بثلاث مائة ألف حديث. وأمره في الجلالة أشهر من أن يذكر.

قال النجاشيّ: هذا رجل جليل القدر في أصحاب الحديث، إلاّ أنّه كان زيديّاً جاروديّاً حتّى مات سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.(1)

محمّد بن عبد الله بن أحمد النيسابوريّ قال: سمعت أبا عليّ الحافظ يقول: ما رأيت أحداً أحفظ لحديث الكوفيّين ومن أبي العبّاس بن عقدة.(2)

عليّ بن عمر - وهو الدار قطنيّ - قال: أجمع أهل الكوفة أنّه لم يُرَ من زمن عبد الله بن مسعود إلى زمن أبي العبّاس بن عقدة أحفظَ منه!(3)

قال محمّد بن عمر بن يحيى العلويّ: حضر أبو العبّاس بن عقدة عند أبي في بعض الأيّام، فقال له: يا أبا العبّاس قد أكثر الناس عليّ في حفظك الحديث، فأُحبّ أن تُخبرني بقَدْر ما تحفظ. فامتنع أبو العبّاس أن يخبره وأظهر كراهة ذلك، فأعاد المسألة وقال: عزمت عليك إلاّ أخبرتني.

فقال: أحفظُ مائةَ ألفِ حديث بالإسناد والمتن، وأُذاكر بثلاثمائة ألف

____________________

(1) رجال ابن داود 422: 38. وقد تكلّمنا بشأن مذهب ابن عقدة.

(2) تاريخ بغداد 5: 16.

(3) نفسه.


حديث.(1)

أبو الحسن الدار قطنيّ قال: كان أبو العبّاس بن عقدة يعلم ما عند الناس، ولا يعلم الناس ما عنده.(2)

وروى ابن صاعد حديثاً أخطأ في إسناده، فأنكر عليه ابن عقدة الحافظ، فخرج عليه أصحاب ابن صاعد وارتفعوا إلى الوزير عليّ بن عيسى، وحبس ابن عقدة! فقال الوزير: من يسأل ويرجع إليه؟ فقالوا: ابن أبي حاتِم. فكتب إليه الوزير يسأله عن ذلك، فنظر وتأمّل فإذا الحديث على ما قال ابن عقدة، فكتب إليه بذلك، فأطلق ابن عقدة وارتفع شأنه.(3)

قال محمّد بن عبد الله النيسابوريّ قلت لأبي عليّ الحافظ: إنّ بعض الناس يقولون في أبي العبّاس! قال: في ماذا؟ قلت في تفرّده بهذه المُقحمات عن هؤلاء المجهولين. فقال: لا تشتغل بمثل هذا، أبو العبّاس إمامٌ حافظ، محلّه محلّ مَن يسأل عن التّابعين وأتباعهم.(4)

وقد أطراه ابن عديّ، وذكر ذلك ابن حجر قال: قال ابن عَدِي: صاحب معرفة وحفظ وتقدّم في الصنعة، يسبئون الثناء عليه. ثم قوّى ابن عديّ أمره وقال: لو لا أنّي شرطت أن أذكر كلّ من تكلّم فيه، يعني لا أُحابي، لم أذكره

____________________

(1) نفسه: 17؛ ميزان الاعتدال 1: 136؛ سير أعلام النبلاء 15: 346.

(2) تاريخ بغداد 5: 16.

(3) نفسه: 18.

(4) نفسه: 19.


للفضل الذي كان فيه من الفضل والمعرفة. ثمّ لم يسق له ابن عديّ شيئاً منكراً.(1)

قال ابن حجر: ما علمتُ ابنَ عقدة اتُّهِم بوضع حديث، ولا أظنّه كان يضع في الإسناد.(2)

وقال في تضعيف البيهقيّ لحديث: «من غسل ميّتاً فليغتسل»: وأبو العبّاس الهمدانيّ هو ابن عقدة حافظ كبير، إنّما تكلّموا فيه بسبب المذهب ولأمور أخرى، ولم يضعّفه بسبب المتون أصلاً فالإسناد حسَن.(3)

قال النعمانيّ (المتوفّى سنة 380 هـ): وهذا الرجل ممّن لا يُطعن عليه في الثقة، ولا في العلم بالحديث والرجال الناقلين عنه.(4)

وقال الشيخ الطوسيّ: أمره في الثقة والجلالة وعِظَم الحفظ أشهرُ من أن يُذكر.(5)

وقال ابن شهر آشوب: أحمد بن محمّد بن سعيد، ثقة.(6)

السيّد ابن طاووس، وقد ذكر المصنّفين في حديث الغدير فقال:

ومن ذلك الذي لم يكن مثله في زمانه: أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن

____________________

(1) لسان الميزان 1: 263.

(2) نفسه 1: 264.

(3) تلخيص الحبير لابن حجر 1: 136 / 276.

(4) الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعمانيّ: 25.

(5) الفهرست للشيخ الطوسيّ (المتوفّى سنة 460 هـ): 73.

(6) معالم العلماء لابن شهر آشوب (المتوفّى سنة 588 هـ) 16 / 77.


سعيد بن عقدة الحافظ.(1)

وقال السيّد إبراهيم بن محمّد الوزير الزيديّ (المتوفّى سنة 914 هـ): وأمّا سَلفُنا من التابعين ومَن بعدهم من حفّاظ الآثار، ومعدّلي حمَلة العلم النبويّ الذي يُرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف، منهم خلف من تقدّم من أهل مودّة ذوي القربى التي يرونها أفضل القُرَب وأنفع ذخائر القربى، منهم: أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفيّ المعروف بابن عقدة، الإمام الحافظ العلاّمة المُتقِن البحر.(2)

وفي شأن مكانته العلميّة، ذكر تاج الدين السُّبكيّ (ت 771 هـ) أهميّة الإسناد فقال: فالحقّ قول ابن المبارك: لو لا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وطريق حفّاظ هذا الحديث، الذين قال منهم قائل: مثَل الذي يطلب دينه بلا إسناد مثَل الذي يرتقي السطحَ بلا سُلّم، فأنّى يبلغ السماء!

ثمّ عدّد طبقات رجال الإسناد، فذكر ابن عقدة في الطبقة الثامنة. قال: وأبو بكر بن زياد النيسابوريّ، وأبو حامد أحمد بن محمّد بن عمرو العُقَيليّ، وعبد الرحمان بن أبي حاتم، وأبو العبّاس بن عقدة.(3)

____________________

(1) إقبال الأعمال لابن طاووس (ت 664 هـ) 2: 239.

(2) الفلك الدوّار لإبراهيم بن محمّد الوزير 105 / 41.

(3) طبقات الشافعيّة الكبرى لتاج الدين السُّبكيّ 1: 314 - 317.


منزلة في رجال الجرح والتعديل:

عدّ الذهبيّ ابن عقدة في الرجال الذين يُعتمد قولهم في الجرح والتعديل، الذي هو من أهمّ علوم الحديث وأعلاها شأناً.

وقد ذكره الذهبيّ في جملة من يُعتمد قوله في هذا العلم، وذكره في الطبقة الثامنة اعتماداً على طبقات الرجال وأزمانهم، قال: الطبقة الثامنة:

أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الطّحاويّ، محدّث الحنفيّة وعالمهم، وأبو جعفر محمّد بن عمرو العُقيليّ مؤلّف كتاب (الضعفاء)، وعبد الرحمان بن أبي حاتم صاحب التصانيف، وأبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة الكوفيّ الشيعيّ.(1)

وعدّه السخاويّ في المتقدّمين في هذا العلم، فعدّد طبقاتهم: ثمّ طبقة أخرى، منهم: ابن أبي حاتم، وعبد الباقي بن قانع، وابن عقدة.(2)

وقد أكثروا من آراء ابن عقدة في الجرح والتعديل، وكانت عباراته تنمّ عن علم ودقّة وورع. وإذا أردت الوقوف على ذلك فانظر: الكامل لابن عديّ بأجزائه، وتهذيب الكمال بمختلف أجزائه، وتاريخ أسماء الثقات لابن شاهين، وتاريخ بغداد بأجزائه، وتذكرة الحفّاظ للذهبيّ بأجزائه، ولسان الميزان بأجزائه ح تجد فيها الكثير الكثير من آرائه في الرجال، وقد تلقّوها منه بالقبول والاعتماد ز ولا يمكن لهذا البحث استيفاء ذلك؛ لأنّه خروج عن المقصود، وإنّما أردنا

____________________

(1) ذِكْرُ مَن يُعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبيّ 171 - 207.

(2) المتكلّمون في الرجال لمحمّد بن عبد الرحمان السخاويّ: 93 - 145.


بالمستطاع النظر في دعوى ابن الجوزيّ في تضعيف ابن عقدة، والتي عوّل عليها ابن تيميه، مرتّباً أثراً في ردّ حديث ردّ الشمس لعليّعليه‌السلام بدعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

رأي النّسائي: لا بأس بالتذكير هنا بقول النّسائي:

لا يترك الرجل عندي حتّى يجتمع الجميع على تركه.(1)

ولم نجد إجماعاً على ترك ابن عقدة، لا من الذين عاصروه ولا من الذين جاؤوا بعده، وإنّما خلاصة الأقوال فيه كانت: أحفظ مَن كان في عصره، وحافظ عالم روى عنه الحفّاظ والأكابر، وأمرُه في الجلالة أشهر من أن، يُذكر، ورجلٌ جليل القدر في أصحاب الحديث، وأنّه لم يُرَ من زمن عبد الله بن مسعود إلى زمن ابن عقدة أحفظ منه، وأنّه يعلم ما عند الناس ولا يعلم الناس ما عنده، وأنّه إمام حافظ محلّه محلّ من يسأل عن التابعين وأتباعهم، وأنّه ثقة لم يُضعَّف بسبب المتون والإسناد، وعَدُّوه في الطبقة الثامنة من رجال الإسناد، وكذلك في طبقات رجال الجرح والتعديل، وأكثروا في كتبهم ذكره في تعديل الرجال أو جرحهم معتمدين قوله. فهو أولى أن يجري حكمه على من جاء بعده بقرون، وليس العكس!

حكم العلماء على مَن لبّس على ابن عقدة حديث ردّ الشمس

تبيّن لنا علوّ سند حديث ردّ الشمس، فتيسّر البحث في متنه إن لم نجزم بصحّته!

____________________

(1) مقدمة كتاب الضعفاء والمتروكين: 11.


قال سبط ابن الجوزيّ في ردّه على جدّه ابن الجوزيّ: إنّ قول جدّي: «هذا حديث موضوع بلا شكّ» دعوى بلا دليل؛ لأنّ قدحه في رواته الجواب عنه ظاهر؛ لأنّا ما رويناه إلاّ عن العدول الثقات الذين لا مغمز فيهم، وليس في إسناده أحد ممّن ضعّفه.

وكذا قول جدّي: «أنا لا أتّهم به إلاّ ابن عقدة» من باب الظنّ والشكّ لا من باب القطع واليقين، وابن عقدة مشهور بالعدالة، كان يروي فضائل أهل البيت ويقتصر عليها، ولا يتعرّض للصحابة بمدحٍ ولا بذمّ، فنسبوه إلى الرفض.(1)

وقال الإمام محمّد الصالحيّ: فإن كان يتّهمه بأصل الحديث، فالحديث معروف قبل وجود ابن عقدة، وقال الذهبيّ في (مختصر منهاج الاعتدال) لشيخه ابن تيميه: لا ريب أنّ ابن شَريك حدّث به، وجاء من وجهٍ آخر قويّ عنه، انتهى.

أراد الطريق الذي رواه ابن شاهين منه، فابن عقدة لم ينفرد به، بل تابعه غيره.(2)

وقال الحافظ محمّد طاهر الفتنيّ الهنديّ: قولُ ابن الجوزيّ: «وحديث أسماء في ردّ الشمس فيه فُضَيل بن مرزوق ضعيف، وله طريق آخر فيه ابن عقدة رافضيّ رُمِي بالكذب ورافضيّ كاذب».

وفضيل بن مرزوق صدوق احتجّ به مسلم والأربعة، وابن عقدة من كبار الحفّاظ، وثّقه الناس وما ضعّفه إلاّ عصريّ متعصّب، والحديث صرّح جماعة

____________________

(1) تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ: 54.

(2) سبل الهدى والرشاد لمحمّد بن يوسف الصالحيّ 9: 438.


بتصحيحه، منهم القاضي عياض.(1)

وقال القاري: قال ابن الجوزيّ في الموضوعات: «حديث ردّ الشمس في قصّة عليّ، موضوع بلا شكّ... وأنا لا أتّهم به إلاّ ابنَ عقدة، لأنّه كان رافضيّاً يسبّ الصحابة».

ولا يخفى أنّ مجرّد كون راوٍ من الرواة رافضيّاً أو خارجيّاً، لا يوجب الجزم بوضع حديثه إذا كان ثقة من جهة دينه، فالأصل هو العدالة حتّى يثبت الجرح المُبطل للرواية.(2)

وسيأتي ذكر جمع من علماء المسلمين ممّن تكلّم في حديث ردّ الشمس ونالوا من ابن الجوزيّ، وذلك في حديثنا عن متن الحديث وطُرقه.

عبد الرحمان بن شريك: أمّا تضعيفه لعبد الرحمان بن شريك، الذي روى حديثه ابن شاهين من حديث فاطمة بنت عليّ، ومن ثمّ عودته إلى ابن عقدة وأنّه المتّهم الأوّل فيه! ولم يزد في تضعيف الرجل إلاّ قول رجل هو ابن أبي حاتم، وقوله فيه ليس إجماعاً! وكما قلنا في ابن عقدة فكذلك نقول في ابن شريك وغيره، وأنّ للحديث طرقاً أخرى.

جاء فيه: عبد الرحمان بن شريك بن عبد الله النّخعيّ الكوفيّ.

روى عن أبيه شريك بن عبد الله. روى عنه: البخاريّ في كتاب «الأدب» وأبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأوديّ،

____________________

(1) تذكرة الموضوعات لمحمّد بن طاهر الهنديّ: 96.

(2) شرح الشّفا لعليّ بن سلطان القاري 1: 590.


وأحمد بن يحيى الصوفيّ، ومحمّد بن عبيد بن عتبة. ذكره ابن حبّان في كتاب «الثقات» وقال: ربّما أخطأ.

قال أبو العبّاس بن عقدة: مات سنة سبع وعشرين ومئتين.(1)

ورواية البخاريّ عنه شفيع له عند ابن تيميه، فما باله أعرض عنه وتمسّك بجرح ابن الجوزيّ له؟!

وقد ذكره ابن حبّان في كتابه «الثّقات» وقال: عبد الرحمان بن شريك، من أهل الكوفة، يروي عن أبيه، روى عنه أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة والكوفيّون، ربّما أخطأ.(2)

وقوله: ربّما أخطأ، لا أثر له في جرح الرجل بعد أن أنزله منزلة الثِّقات، إذ سبحان مَن لا يخطأ! وقد استعمل لفظ ربّما التي تفيد التقليل غالباً.

داود بن فراهيج: ذكره ابن حبّان في كتابه «الثّقات» قال: داود بن فراهيج، مولى قيس بن الحارث بن فِهْر، أصله من المدينة، قدم البصرة وحدّثهم بها. يروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد؛ روى عنه شعبة والناس.(3)

وكذلك ذكره ابن شاهين في الثّقات، قال: داود بن فراهيج: روى عنه شعبة،

____________________

(1) تهذيب الكمال للمزّيّ 17: 170.

(2) الثّقات لابن حبّان 5: 246 / 1935. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ. تقريب التهذيب 2: 325 / 3893. وينظر في: التاريخ الكبير للبخاريّ 5: 296 / 967.

(3) كتاب الثّقات 2: 127 / 985.


ليس به بأس، قاله يحيى.(1)

وقال ابن أبي حاتم: صدوق.(2)

عمرو بن ثابت: وقد قال ابن تيميه بشأنه: كان معروفاً بالكذب!

قال الفسويّ: أبو عمرو ثابت بن أبي المقدام، روى عنه الحَكم والأعمش وشعبة؛ ثقة كوفيّ.(3)

وذكره في مواضع كثيرة من كتابه ممّا يشير إلى وثاقته عنده.

قال أبو يوسف: سمعت أبا الوليد هشام بن عبد الملك يقول: قد كتبنا عنه نحدّث عنه. فقال له قائل: ابن المبارك تكلّم فيه. قال أبو الوليد: كان يذهب مذهب الزيديّة، ولم يكن به بأس.(4)

ومتى كانت المذاهب مقياساً في وثاقة الرجال وجرحهم؟! وقد روى عنه الحكَم والأعمش وشعبة، ووثّقه الفسويّ.

و وثّقه النجاشيّ، قال: عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هُرمز الحدّاد، مولى بني عجل. روى عن: عليّ بن الحسين - زين العابدين - وأبي جعفر - الباقر - وأبي عبد الله -الصادقعليهم‌السلام -.

له كتاب لطيف. أخبرنا الحسين بن عبيد الله عن أبي الحسين بن تمام، عن

____________________

(1) تاريخ أسماء الثِّقات 123 / 335.

(2) الجرح والتعديل 1: 2 / 422.

(3) المعرفة والتاريخ للفسويّ 3: 180.

(4) المعرفة والتاريخ 3: 23.


محمّد بن القاسم بن زكريّا المحاربيّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن عمرو بن ثابت به.(1)

قال ابن داود: عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز الحذّاء، مولى بني عجل، ممدوح. وروي أنّ أبا عبد اللهعليه‌السلام شهد له بأنّه أمير الحُجّاج.(2)

وذكره في موضع آخر فقال: طعنوا عليه من جهةٍ، وليس عندي كما زعموا، وهو عندي ثقة.(3)

وذكره البرقيّ في أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادقعليهما‌السلام .(4)

جُوَيرية بنت مُسْهِر!

قال: وهذا اَلإسناد أضعف ممّا تقدّم... وبمثل هذا الإسناد عن هذه المرأة، ولا يُعرَف حال هذه المرأة!

وإن صدق في شيء ممّا قال؛ فقد صدق في مجهوليّة هذه المرأة! فنحن مثله لا نعلم من حالها شيئاً، ولا ندري خُلِقت أم لم تُخلق بعد؟!

إلاّ أنّنا نعلم ما غاب عنه - في أحسن أحوال الظنّ - وهو أنّ جُوَيرية المذكور في هذا الموضع رجلٌ لا امرأةٌ!

ذكره الشريف الرضيّ فقال: «جويرة - من غير ياء بين الراء والتاء».(1)

____________________

(1) رجال النجاشيّ 206.

(2) رجال ابن داود 256 / 1089.

(3) نفسه 478 / 350. وقوله طعنوا عليه من جهة، إشارة لما قيل أنّه زيديّ.

(4) رجال البرقيّ: 11.


وذكره الكشّيّ في رجاله، قال: حدّثنا جعفر بن معروف، قال: أخبرني الحسن بن عليّ بن النعمان، قال: حدّثني أبي عليّ بن النعمان، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن جويرية بن مسهر العبديّ، قال: سمعت عليّاًعليه‌السلام يقول: أحِبَّ مُحبَّ آلِ محمّدٍ ما أحبَّهم، فإذا أبغضهم فأبغِضْه؛ وابغَضْ مُبغضَ آل محمّد ما أبغضهم، فإذا أحبّهم فأحِبَّه. وأنا أُبشِّرك، وأنا أبشّرك ثلاث مرّاتٍ.(2)

وذكره الطوسيّ في أصحاب أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام .(3)

وقال البرقيّ: ومن أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، من ربيعة جويرية بن مسهر العبديّ، شهد مع أمير المؤمنينعليه‌السلام .(4)

وقال ابن داود: جويرية بن مسهر العبديّ، ممدوح.(5)

وذكره الفضل بن شاذان، في خبر ردّ الشمس ببابل - سنذكره في محلّه - أحمد بن صالح: قال ابن تيميه: وقد حكى أبو جعفر الطحاويّ عن عليّ بن عبد الرحمان عن أحمد بن صالح المصريّ، أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم، التخلّفُ عن حفظ حديث أسماء من ردّ الشمس؛ لأنّه من علامات النبوّة. قلت - أي ابن تيميه -: أحمد بن صالح رواه من الطريق الأوّل، ولم يجمع

____________________

(1) خصائص أميرالمؤمنين للشريف الرضيّ: 24.

(2) اختيار معرفة الرجال 106 / 169.

(3) رجال الطوسيّ 37 / 4.

(4) رجال البرقيّ 37 / 4.

(5) رجال ابن داود 93 / 347.


طرقه وألفاظه التي تدلّ من جوهٍ كثيرة على أنّه كذب، وتلك الطريق راويها مجهول عنده!(1)

وقوله في أحمد بن صالح كان على نحو المداراة، لمنزلته عند العلماء وهو من شيوخ البخاريّ. ومع ذلك فقد غمزه بجهالة طريقه إلى الحديث!

وقوله: لم يجمع طُرقَه وألفاظه؛ فليس من شأنه ذلك، وإنّما شأنه أن يذكر الحديث الذي وقع له وصحّ عنده سندُه، وكفاه عن غيره ممّا هو في معناه.

وقد تكلّمنا على الطريق الأوّل الذي أشار إليه بما فيه كفاية، وهو الطريق الذي أخذ عنه أحمد بن صالح.

ترجمة أحمد بن صالح

نرى من الوفاء للرجل أوّلاً، وللوقوف على دعوى ابن تيميه في عدم تحرّي أحمد للحديث وجهالته بطريقه، أن نتعرّف على شخصه ومنزلته عند علماء الرجال والجرح والحديث:

أبو جعفر أحمد بن صالح المقرئ المصريّ. طبريّ الأصل. وُلِدَ سنة سبعين ومائة، وتوفّي سنة ثمان وأربعين ومائتين للهجرة.

سمع: عبد الله بن وَهْب، وعنسبة بن خالد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله ابن نافع، وابن أبي فُدَيك، وعبد الرّزاق الصنعانيّ.

حدّث عنه: سفيان بن عُيينة، ومحمّد بن إسماعيل البخاريّ، ويعقوب بن

____________________

(1) الفضائل لابن شاذان: 88 - 89.


سفيان الفسويّ، وأبو إسماعيل التّرمذيّ، وعثمان الدارميّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأبو داود السجستانيّ، ومحمّد بن يحيى الذهليّ، وصالح جَزَرة. ومن الشيوخ المتقدّمين: محمّد بن عبد الله بن نُمَير، ومحمّد بن غيلان، وغيرهما.(1)

وكما سلف القول في عبيد الله بن موسى وفضيل بن مرزوق، وأنّ الحكم عليهما إنّما من طبقتهما أو ما كان أقرب إلى عصرهما؛ فكذلك الحال بالنسبة إلى أحمد بن صالح، فالفاصلة الزمنيّة بينه وبين ابن تيميه (460) سنة! ولو لم نعرف من سيرة الرجل والطبقة التي أخذ عنها والطبقة التي أخذت عنه، لسلّمنا وقلنا بالذي قاله ابن تيميه من جهالة أحمد بن صالح فيما رواه، وقد رواه عنه الطحاويّ المتوفّى سنة (321 هـ)، أي بعد وفاة أحمد بـ (73) سنة.

منزلته العلميّة:

قال ابن حبّان: كان أحمد هذا في الحديث وحفظه ومعرفة التاريخ وأسباب المحدّثين عند أهل مصر كأحمد بن حنبل عند أصحابنا بالعراق.

وهو مقارن يحيى بن معين في الحفظ والإتقان، وكان أحفظ من يحيى ابن معين بحديث المصريّين والحجازيّين.(2)

____________________

(1) التاريخ الكبير للبخاريّ 2: 6 / 1510، الثّقات لابن حبّان 5: 17 / 80، مروج الذهب 4: 82، تاريخ الثّقات للعجليّ 48 / 5، الجرح والتعديل 2 / 56 / 73، تاريخ بغداد 4: 195 / 1886، المعرفة والتاريخ 3: 361، تهذيب الكمال 1: 340 / 49، سير أعلام النبلاء 12: 160 / 59، ميزان الاعتدال 1: 103 / 406.

(2) الثّقات لابن حبّان 5: 17.


ومَن هذا شأنه في الحفظ والإتقان، لا يمكن أن تطاله يدُ رجل انبعث بعده بخمسة قرون لتجرحه وتَسِمه بأنّه يأخذ من المجاهيل!

وقال الفسويّ: كتبت عن ألف شيخ وكسر، ما أحدٌ منهم أتّخِذُه عند الله حجّة إلاّ أحمدَ بن حنبل وأحمد بن صالح.(1)

وقال العجليّ: ثقة، صاحب سُنّة.(2)

قال أبوزرعة: سألني أحمد بن حنبل: مَن بمصر؟ قلت: أحمد بن صالح. فسرّ بذلك ودعا له.(3)

وقال الفضل بن دُكَين: ما قَدِم علينا أحد أعلم بحديث أهل الحجاز من هذا الفتى - يعني أحمد بن صالح -.(4)

وسُئل عنه أبو حاتم فقال: ثقة، كتبتُ عنه بمصر ودمشق وأنطاكية.(5)

قال البخاريّ صاحب الصحيح: أحمد بن صالح، أبو جعفر المصريّ، ثقة صدوق، ما رأيت أحداً يتكلّم فيه بحجّة، كان أحمد بن حنبل وعليّ - المدينيّ - وابن نمير وغيرهم يُثبِتون أحمد بن صالح، كان يحيى يقول: سَلُوا أحمد، فإنّه أثبت.(6) قال محمّد بن عبد الرحمان الغَزّال: أحمد بن صالح من حُفّاظ الحديث،

____________________

(1) المعرفة والتاريخ للفسويّ 3: 361.

(2) تاريخ الثقات للعجليّ 48.

(3) الكامل لابن عدِيّ 1: 184، تاريخ بغداد 4: 196.

(4) تاريخ بغداد 4: 199، الكامل لابن عدِيّ 1: 184.

(5) الجرح والتعديل 2: 56.

(6) تاريخ بغداد 4: 201.


واعياً، رأساً في علم الحديث وعِلَله، وكان يصلّي بالشافعيّ، ولم يكن في أصحاب ابن وهب أعلمَ منه بالآثار.(1)

خلاصة الأقوال في أحمد

أجمعت كلمة العلماء الذين يأتمّ ابن تيميه بهم ويقتدي: أنّ أحمد بن صالح حافظٌ متقن حجّةٌ ثقة، صدوقٌ صاحب سنّة، واعٍ رأسٌ في علم الحديث وعِلله بصيرٌ باختلافه، يأتمّ الشافعيّ به، وهو وأحمد بن حنبل سواء، مُقارن ليحيى بن معين في الحفظ والإتقان، ومتقدّم عليه في معرفة حديث المصريّين والحجازيّين، عارف بالتاريخ وأسباب المحدّثين؛ وهو شيخ البخاريّ وعلماء السّلف. حكم البخاريّ بثقته وصدقه وأن لا حجّة لِمَن يتكلّم فيه. إذن: بأيّ حجّة تكلّم فيه ابن تيميه، وحكم عليه بأنّه أخذ حديث ردّ الشّمس من مجهول؟!

أبو جعفر الطحاويّ: لم يبق في قائمة مَن نال منهم ابن تيميه في سند حديث أسماء في ردّ الشمس، إلاّ الطحاويّ: أحمد بن محمّد بن سلامة بن سلمة الأزديّ المصريّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 321 هـ؛ وكان بين وفاته ووفاة أحمد بن صالح «73» سنة، وليس بينه وبين وفاة ابن تيميه إلاّ «407» سنوات!

قال بشأنه: والطّحاويّ ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم! فإنّه لم تكن معرفته بالإسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث فقيهاً عالماً.

ولا نريد أن نقف كثيراً عند دعوى جهل الطحاوي بطريقة نقد أهل العلم

____________________

(1) تهذيب الكمال 1: 345، تاريخ بغداد 4: 199.


للحديث، وعدم معرفته بالإسناد كمعرفة ابن تيميه! ولكن نحيل القارئ الكريم على مؤلّفات الطحاويّ، منها: «مشكل الآثار» بأربعة أجزاء في مجلّدين، ليقف بنفسه على سعة أفق هذا العالم وتضلّعه بما جهّله فيه ابن تيميه!

وكما صنع أبو الفرج وابن تيميه بجعل مدار الحديث على عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق! كذلك نحن نصنع فنقول: ومدار الحديث على الطحاويّ عن أحمد بن صالح، فإن سلم أحمد بن صالح من الجرح وثبت الحديث الذي ألزم العلماء عدم تجاوز حديث أسماء في ردّ الشمس، فليس على الطحاوي شيء؛ لأنّه أخذه عن عالم جهبذ.

ثمّ: ما ذنب العلاّمة الحلّي يُرمى بالكذب! وقد أخذ الحديثَ من رجالٍ ثبتت وثاقتهم وعدالتهم وصدقهم وحُجّيتهم فيما يروون؟!

الكلام في الحديث

ثبتت لنا وثاقة السّند وقوّته؛ فثبتت صحّة الحديث ويحسن أن نتكلّم موجزاً في الحديث ونورد طرقه وقول العلماء فيه، فنقول: من يتوقّف فيه، فإمّا أن يكون توقّفه من حيث الإمكان، أو من حيث الواقع. والأوّل باعتبار أنّه خروج على النظام وسنّة الله تعالى في مخلوقاته؛ وهذا مردود إذ هو جارٍ وفق إرادة الله سبحانه وحكمته، وتحقيقاً للمصالح الواقعة في مشيئته عزّوجلّ. وقد جرت أمور خارقة لطبائع الأشياء لأنبياء وغير أنبياء، تبدو في ظاهرها أنّها خروج عن سنن الله سبحانه، ولكنّها كانت بمشيّته وإرادته، بما في ذلك توقّف الشمس عن سيرها


الطبيعيّ لأحد أنبيائه بعد أن دعا الله تعالى أن يحبسها عليه وهو في حال جهاد، فاستجاب له - وهو ما قرّره الابنان: ابن الجوزيّ، وابن تيميه فيما أنكرا رجوعها! -، وانشقاق القمر يومَ وُلِد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وضربت النّجومُ بعضُها بعضاً، وغيض ماء بُحيرة ساوه، ونبع الماء من بين أصابعهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وانفلق البحر لموسىعليه‌السلام ، فسلكه ومن معه، فلمّا جاوزه انطبق على فرعون وجنده فكانوا من المُغرقين.

ومن آيات عيسىعليه‌السلام : إحياء الموتى بإذن الله تعالى، والموت والحياة من شأن الله سبحانه.

وأوتي سليمانعليه‌السلام من الآيات الباهرات وخوارق العادات الكثير وكانت النار التي أوقدها نمرود برداً وسلاماً على إبراهيم الخليلعليه‌السلام «وهو مخالف لما جعله الله تعالى للنار من طبيعة الإحراق.

ومثلما حُبست الشمس ليوشع فتأخّر غروبها وطوّل الله تعالى له النهار، إلى آخر كلامه؛ فنقول: إنّ حبس الشمس عن جريها الطبيعيّ وتأخير الغروب وتطويل النّهار، كلّ ذلك خروج عن سنّة الله تعالى في خلقه، لكنّه واقع في مشيّته كما ذكرنا من قبل، ولا فرق بين حبسها وبين ردّها!

وإضافة إلى ما ذكرناه من معاجز الأنبياء، ومنها ما كان لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله نذكر بعضاً آخر من ذلك، مثل: تسبيح الحصى في يده الشريفة، واستجابة النخلة له لمّا طلب منه المشركون فتحوّلت من مكانها وانحنت أمامه وشهدت له بالنبوّة، وهذا خروج للجمادات عمّا هو مألوف منها من حال الجمود. وهذه أمثلة من حرمة الجمادات وشأنها؛ فكيف بسادات الورى؟


حرمة الحجر الأسود

للحجر الأسود شأن خاصّ ليس لبقيّة موجودات الله تعالى مثله، حتّى ولا للشمس.

عن أبي الطّفيل: رأيتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يطوف بالبيت ويستلم الركن بمِحْجنٍ معه، ويقبّل المحجن.(1)

وعن ابن عبّاس قال: رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يسجد على الحجر.(2)

ولقد قيل في الحجر الأسعد أنّه نزل من الجنّة. روي ذلك عن ابن عبّاس، قال: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «الحَجَرُ الأَسودُ من الجنّة».(3)

وقد استنّ المسلمون بفعلِ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكانوا يقبّلون الحجر الأسود ويتبرّكون به، إلاّ أنّه قد عرض لبعضهم شبهة للجهلِ بعلّة تقبيل الحجر والسجود عليه!

عن عابس بن ربيعة(4) ، قال: رأيت عمر بن الخطّاب قام عند الحجر وقال: والله إنّي أعلم أنّك حجرٌ لا تضرّ ولا تنفع، ولو لا أنّي رأيتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبّلك ما قبّلتُك. فقال له عليّ: بلى؛ هو يضرّ وينفع، ولو علمت ذلك من كتاب الله لعلمت أنّه كما أقول، قال الله تعالى:« وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ

____________________

(1) سُنن أبي داود 2: 176؛ سنن ابن ماجة 2: 983؛ صحيح مسلم 2: 893.

(2) السنن الكبرى للبيهقيّ 5: 75.

(3) سنن النَّسائيّ 5: 226؛ الدّر المنثور 1: 135.

(4) عابس بن ربيعة: كوفيّ، تابعيّ، ثقة (تاريخ الثقات للعجليّ 239 / 734).


وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى‏ أَنْفُسِهِمْ) (1) ، فلمّا اقرّوا أنّه الربّ عزّوجلّ، وأنّهم العبيد، كتب ميثاقهم في رَقّ وألقمه في هذا الحجر، وأنّه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان، يشهد لمن وافى بالموافاة، فهو أمين الله في هذا الكتاب. فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لستَ فيهم يا أبا الحسن!(2)

وأخرج عبد الرزّاق عن معمر عن عاصم عن عبد الله بن سَرْجِس قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب يقبّل الركن وكان يقول: والله إنّي لأقبّلك وأعلم أنّك حجر، وأعلم أنّ الله ربّي، ولكن رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبّلك فقبّلتك.(3)

وعبد الرزّاق بسنده عن سُوَيد بن غفلة قال: رأيت عمر بن الخطّاب يقبّل الحجر ويقول: والله إنّي لأعلم أنّك حجر، ولكن رأيت أبا القاسمصلى‌الله‌عليه‌وآله بك حفيّاً.(4)

وعبد الرزّاق عن محمّد بن راشد قال: سمعتُ مكحولاً يحدّث أنّ عمر بن الخطّاب استقبل الركن فقال: قد علمت أنّك حجر، وأنّك لا تضرّ ولا تنفع، ولو لا

____________________

(1) الأعراف: 172.

(2) المستدرك على الصحيحين 1: 457، شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 3: 122، السيرة الحلبية 1: 188، كنز العمّال 5: 93، وذكره أبو داود في سننه 2: 175 / 1873، واقتصر على شطره الأوّل من غير كلام أميرالمؤمنينعليه‌السلام .

(3) المصنّف لعبد الرزّاق 5: 53 / 9096. وأخرجه مسلم / الحديث (1270) برقم فرعيّ (250). وذكره ابن ماجة بتغيير وإضافة بعض الألفاظ، سنن ابن ماجة 2: 981 / 2943.

(4) المصنّف لعبد الرزّاق 5: 54 / 9097. وأخرجه مسلم / الحديث (1271) من طريق إبراهيم بن عبد الأعلى. وحفيّاً: مبالغاً في إكرامه.


أنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبّلك ما قبّلتك. قال: ثمّ قبّله.(1)

الحجر يمين الله

فلمّا كان الحجر الأسود من الجنّة، كما في رواية ابن عبّاس التي ذكرناها، فهو بذاته حجر مبارك وجاز التبرّك به لذلك. إلاّ أنّ ما أوضحه أميرالمؤمنين عليعليه‌السلام من أنّ الحجر هو أمينُ الله في أرضه يشهد لمن وافاه بالبيعة! زاد في كرامة الحجر وتعظيمه عند رسول الله وطليعة الصحابة.

عن ابن عبّاس قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاستلم الحجر، فقد بايع الله ورسوله!(2)

فما أعظم شأنه؟! وكم تخفى علينا أمور وعلل نجهلها؛ فما علينا إلاّ التسليم بعد ثبوت شرعيّتها والإتيان بها من غير حرج.

عن فاطمة بنت حسين، عن أبيها قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لمّا أخذ الله ميثاق العباد جُعل في الحجر، فمِن الوفاء بالبيعة استلامُ الحجر»(3) .

حُرمة الكعبة، والتعوّذ بالبيت

عبد الرزّاق عن ابن جُرَيْج قال: حُدّثتُ أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يضع يده على

____________________

(1) المصنّف لعبد الرزّاق 5: 54 / 9098.

(2) الدّر المنثور 1: 134.

(3) الذّرية الطاهرة للدولابيّ 131 / 160.


الركن اليمانيّ.(1)

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه قال: طفت مع عبد الله بن عمر -، فلمّا فرغنا من السبع ركعنا في دبر الكعبة، فقلت: ألا تتعوّذ، قال أعوذ بالله من النار. ثمّ مشى فاستلم الركن، ثم قام بين الحجر والباب فألصق صدره ويديه وخدّه إليه، ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله يصنع.(2)

عبد الرزّاق، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنّه كان يلصق بالبيت صدره ويده وبطنه.(3)

عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: «مَن طافَ بالبيت وصلّى ركعتين، كان كعتقِ رقبةٍ».(4)

سأل ابن هشام عطاء بن أبي رباحٍ عن الركن اليمانيّ، وهو يطوف بالبيت. فقال عطاء: حدّثني أبو هريرة أنّ النبيّ قال: «وُكِل به سبعون ملكاً، فمن قال: اللّهمّ إنّي أسألك العفوَ والعافية في الدنيا والآخرة، ربّنا آتنا في الدّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذاب النار؛ قالوا: آمِين».

فلمّا بلغ الرّكن الأَسود قال: يا أبا محمّدٍ، ما بلغك في هذا الرّكن الأسود؟

____________________

(1) المصنّف لعبد الرزّاق 5: 55 / 9102.

(2) المصنّف لعبد الرزّاق 5: 55 / 9106، سنن ابن ماجة 2: 987 / 2962، سُنن أبي داود 1: 181 / 1899.

(3) المصنّف لعبد الرزّاق 5: 56 / 9111.

(4) سنن ابن ماجة 2: 985 / 2956.


فقال عطاء: حدّثني أبو هريرة أنّه سمع رسول الله يقول: «مَن فاوضَه(1) فإنّما يفاوض يدَ الرحمان».

قال له ابن هشام: يا أبا محمّد، فالطّواف؟ قال عطاء: حدّثني أبو هريرة أنّه سمع النبيّ يقول: «من طاف بالبيت سبعاً ولا يتكلّم إلاّ بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ اللهُ، واللهُ أكبر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله؛ مُحِيَت عنه عشر سيّئات، وكُتبت له عشر حسنات ورُفع له بها عشرةَ درجات. ومن طاف فتكلّم وهو في تلك الحال، خاض في الرحمة برِجْلَيه، كخائض الماء برجلَيه».(2)

عبد الرزّاق عن معمر قال: رأيت أيّوب يلصق بالبيت صدره ويديه.(3)

عن مكحول قال: إذا طفت بين السّادس والسابع فالتزم بالبيت ما بين الركن الأسود والركن اليمانيّ، ثم تعوّذ بالله.(4)

تكريم البيت

اللّيث عن عطاء، وطاووس، ومجاهد؛ قالوا: لا يُدخَل البيت بحذاء ولا بسلاح، ولا خُفَّين، وكان عطاء ومجاهد يريان الحِجر من البيت.(5)

وعن عبد الله بن عبّاس قال: كانت الأنبياء تدخل الحرم مُشاةً حُفاة،

____________________

(1) فاوضه: أي قابله بوجهه.

(2) سنن ابن ماجة 2: 24 / 957.

(3) المصنّف لعبد الرزّاق 5: 55 / 9105.

(4) نفسه / 9109.

(5) نفسه: 61 / 9135.


ويطوفون بالبيت، ويقضون المناسك حفاةً مشاة.(1)

عن سهل بن سعد الساعديّ، عن رسول الله قال: «ما من مُلَبٍّ يُلَبِّي إلاّ لبّى ما عن يمينه وشماله، من حجرٍ أو شجرٍ أو مَدَر، حتّى تنقطع الأرض من ههنا وههنا».(2)

ضيوف الرحمان

و للمنزلة الخاصّة لبيت الله الحرام، فإنّ من قصده من قريب أو بعيد فهو في ضيافة الله تعالى؛ الكريم، ومن كرمه، وقد نزلوا أشرف البقاع وأقربها إليه عزّوجلّ، وأن يستجيب دعاءهم.

بسندٍ عن أبي هريرة، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «الحُجّاج والعُمّار وفدُ اللهِ، إن دَعَوْه أجابهم، وإن استغفروه غَفَرلهم».(3)

و بسندٍ عن ابن عمر، عن النبيّ قال: «الغازي في سبيل الله والحاجُّ والمُعتمر وفدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوهُ فأعطاهم».(4)

وبسند عن سعيد بن جُبير قال: سمعتُ ابنَ عبّاس يقول: قال رسول الله «ليأتينّ هذا الحجر يوم القيامة، وله عينان يُبصرُ بهما، ولسان ينطق به، يشهد على

____________________

(1) سنن ابن ماجة 2: 980 / 2939.

(2) نفسه: 974 / 2921.

(3) سنن ابن ماجة 2: 966 / 2892.

(4) نفسه / 2893.


من يَستلِمُه بحقّ».(1)

وعن نافع، عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطّاب يبكي فقال: «يا عمر، ههنا تُسكبُ العَبَراتُ».(2)

عثمان بن أبي شيبة بسنده عن عبد الرحمان بن صفوان قال: لما فتح رسول الله مكّة، انطلقتُ فرأيتُ النبيَّ قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، وقد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم على البيت.(3)

حرمةُ المؤمن

جرى الكلام عن بيت الله وحُرمته، وأثره في النفوس وفضيلته، والمقام الخاصّ للحجر الأسود وعظمته، إلاّ أنّ النصوص من القرآن والسنّة تقرّر حقيقةً هي عظم حرمة المؤمن، فيذكر القرآن الكريم المنزلة الخاصّة للإنسان بين مخلوقاته:« لَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ) (4) الآية.

هذا في عموم بني آدم، إلاّ أنّ الإنسان يستأهل هذا التكريم بقدر قربه من الله وتقواه:« إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ » . (5)

____________________

(1) نفسه: 982 / 2944.

(2) نفسه.

(3) سُنن أبي داود 2: 181 / 1898.

(4) الإسراء: 70.

(5) الحجرات: 13.


ولأجل الإنسان خلقت الجنّة يسعد بها المؤمن في نعيمٍ مقيم خالد، فإذا كانت تلك هي حرمة الحجر الأسعد لأنّه من الجنّة، وتلك هي حرمة الكعبة ومنزلتها إذ هي بيت الله تعالى ومحلّ ضيافته؛ فما هو موقع الإنسان المؤمن المتّقي، وما هي حُرمته؟ بسندٍ عن مكحول: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لمّا رأى البيت حين دخل مكّة رفع يديه وقال: «اللّهمّ زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرّفه وكرّمه ممّن حجَّه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبِرّاً».(1)

إنّ أشرف بقاع الأرض هي مكّة المكرّمة، فيها أوّلُ بيتٍ وضعه الله تعالى لعبادته« إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ) (2) .

والمؤمن أولى بهذا البيت، وكلّما حجّه واعتمره زاد شرفاً إلى شرفه، إذ كما للبيت والحجر وظيفة هي الشّهادة لمن وافاهما، فكذلك المؤمن فهو شاهد على غيره« لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » (3) ، والآية بيان منه سبحانه لفضل هذه الأمّة على سائر الأمم. ومعنى شهداء على الناس أي: لتشهدوا على النّاس بأعمالهم، أو لتكونوا حُجّةً على الناس فتُبيِّنوا لهم الحقّ والدّين ويكون الرسول عليكم شهيداً بما يكون من أعمالكم، وحجّةً عليكم. (4)

ولسعة أُفق مسؤوليّة المؤمن في هذه الحياة، كانت حُرمته أعظم، فعن ابن

____________________

(1) الدرّ المنثور 1: 132.

(2) آل عمران: 96.

(3) البقرة: 143.

(4) مجمع البيان - تفسير الآية 143 سورة البقرة.


عبّاس قال: لما نظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الكعبة قال: «مرحباً بكِمن بيتٍ ما أعظمك وأعظمَ حرمتك، لَلْمُؤمنُ أعظمُ عند الله حرمةً منكِ».(1)

تفاوت منازل المؤمنين

تتفاوت منازل المؤمنين عند الله تعالى، وميزان هذا التفاوت هو التقوى:« إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ » (2) وأتقى الأمّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهو سيّد البشر مطلقاً، وهو خاتم الأنبياء، قد بشّر به مَن كان قبله منهم، ورسالته خاتمة الرسالات؛ فهو أولى بالشرف الباذخ الذي لا تنال ذُراه الكعبة. وهو الذي حرّر البيت الحرام، فطهّر الكعبة من أدران الجاهليّة وحطّم الأصنام التي على سطحها، فكان النظر إلى وجهه الكريم وتعظيمه هو مثلما يكون للكعبة. وكان الذي باشر عمل ذلك هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، أصعده رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مَنْكِبَيه، فكان ذلك منزلةً له وكرامة.(3)

وللشافعيّ نظم في هذه المكرمة العلويّة:

قيلَ لي: قُل في عليّ مدحاً

ذكرُهث يخمدُ ناراً مُوصَدَهْ

____________________

(1) الدّر المنثور 1: 132.

(2) الحجرات: 13.

(3) مسند أحمد 1: 84، 151، خصائص أمير المؤمنين للنّسائيّ 31، المستدرك على الصحيحين 2: 367 و 3: 5، تاريخ بغداد 13: 2، 3، صفة الصفوة لابن الجوزيّ 1: 119، مناقب الإمام عليّعليه‌السلام لابن المغازليّ: 202 - 203، المناقب للخوارزميّ: 123، ذخائر العقبى: 85، كفاية الطالب: 257، ينابيع المودّة: 139 الرياض النضرة 2: 200، المواهب اللّدنيّة للقسطلانيّ 1: 204.


قلتُ: لا أقدم في مدح امرئ

ضلّ ذواللُّبّ إلى أن عَبَدهْ

والنبيُّ المصطفى قال لنا

ليلة المعراج لمّا صَعده

وضع اللهُ بظهري يدَهُ

فأحسّ القلبُ أنْ قد بردَهْ

وعليّ واضعٌ أقدامَهُ

في محلٍّ وَضَعَ اللهُ يَدَهْ(1)

فبهذا اللّحاظ، وبلحاظ بقيّة مناقبهعليه‌السلام : من سابقته إلى الإسلام، وأنّه لم يسجد لصنمٍ قطّ ولم يوجّه وجهه في ركوع ولا سجود إلاّ إلى الكعبة التي وُلد فيها، ولم يولد قبله ولا بعده فيها أحد غيره، ولأعلميّته وشرائه النّفسَ في سبيل الله، وغير ذلك من المناقب الخاصّة به ممّا سيأتي الكلام عنها. لكلّ ذلك؛ ولأنّه نَفْسُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما في آية المباهلة(2) ، فكان له ما لرسول الله إلاّ النبوّة، ولذا.. فكما أنّ النظر إلى وجه النبيّ عبادة؛ كذلك النظر إلى وجه عليّعليه‌السلام عبادة.

النظر إلى وجه عليّ عبادة

والأحاديث في هذا المعنى من الكثرة نذكر بعضها: بسندٍ عن عبد الله بن

____________________

(1) ينابيع المودّة للقندوزيّ: 140.

(2) تفسير مقاتل 1: 282، مسند أحمد 1: 185، صحيح مسلم 7: 120، الجامع الصحيح للترمذيّ 4: 293، كتاب الولاية لابن عقدة: 186، دلائل النبوّة لأبي نعيم: 124، المستدرك للحاكم 3: 150، أسباب النزول للواحديّ: 68، تفسير الطبريّ 3: 212، شواهد التنزيل 1: 128، مصابيح البغويّ 2: 277، تفسير الحِبَريّ 248، تفسير فرات: 29، تذكرة الخواصّ: 17؛ تفسير الثعلبيّ 3: 85، تفسير ابن كثير 1: 371، مناقب عليّ لابن مردويه: 226 - 228، أسد الغابة 4: 105، وله مصادر كثيرة نذكرها في موضعها.


مسعود قال: قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «النظر إلى وجه عليّ عبادة».(1)

وكيع عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنّ النبيّ قال: «النظر إلى وجه عليّ عبادة».(2)

وعن أبي هريرة قال: رأيت مُعاذ بن جبل يُديم النظر إلى عليّ بن أبي طالب، فقلت: ما لكَ تديم النظر إلى عليّ كأنّك لم تره؟! فقال: سمعتُ رسول الله يقول: «النظر إلى وجه عليّ عبادة».(3)

وبطرقٍ عدّة عن عمران بن حصين: «النظر إلى عليّ عبادة».(4)

معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: رأيت أبا بكر يكثر النظر إلى وجه عليّ، فقلت له: يا أبه، أراك تُكثر النظر إلى وجه عليّ! فقال: يا بُنيّة سمعتُ رسول الله يقول: «النظر إلى وجه عليّ عبادة».(5)

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 152 / 4682، المناقب للخوارزميّ 361، حلية الأولياء 5: 58، ميزان الاعتدال للذهبيّ 4: 401، لسان الميزان لابن حجر 6: 178، الصواعق المحرقة: 73.

(2) حلية الأولياء 2: 182، مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 207، لسان الميزان 1: 242، منتخب كنز العمّال 5: 30.

(3) تاريخ بغداد 2: 51، مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 207، ميزان الاعتدال 3: 484.

(4) مناقب الإمام عليّ: 209، المناقب للخوارزمي: 363، كفاية الطّالب: 161، الرياض النضرة 2: 219، البداية والنهاية 7: 357، ينابيع المودّة: 90، تاريخ الخلفاء: 66.

(5) تاريخ بغداد 2: 51، مناقب الإمام عليّ: 211، كفاية الطّالب: 161.


مثَلُ عليّ في الأُمّة

و لكون عليّعليه‌السلام المَثَل الأعلى بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ أنزله النبيّ منزلة الكعبة، فعلى المسلمين أن يشدّوا الرّحال إليه ليستمدّوا منه معالم دينهم، فهم جميعاً محتاجون إليه وعليهم أن يقصدوه كما يقصدون الكعبة.

عن صالح بن ميثم(1) عن يَريم بن العلا(2) ، عن أبي ذرّ قال:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مثَلُ عليّ فيكم - أو قال: في هذه الأمّة - كَمثَلِ الكعبة المستورة - أو المشهورة -، النظرُ إليها عبادة، والحجّ إليها فريضة».(3)

عن شريك، عن سَلَمة، عن الصُّنابحي(4) ، عن عليّ قال: قال رسول الله لعليّ:

____________________

(1) صالح بن ميثم. قال له أبو جعفر - الباقرعليه‌السلام - (إنّي أحبّك وأُحبّ أباك حبّاً شديداً) (رجال ابن داود 186 / 760). وذكره البرقيّ في أصحاب الباقرعليه‌السلام (رجال البرقيّ: 15). وذكره هو وابنه عُقبةَ بن صالح في أصحاب الصادقعليه‌السلام (رجال البرقيّ: 16).

(2) لم أعثر له على ترجمة.

(3) مناقب الإمام عليّ 107، كفاية الطالب: 161، الرياض النضرة 2: 219، مجمع الزوائد 19: 119، كنز العمّال 6: 158.

(4) شَرِيك بن عبد الله النّخعيّ القاضي، كوفيّ ثقة. (تاريخ الثقات للعجلي 217 / 644).

وسَلَمة بن كُهَيل الحضرميّ: كوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، تابعيّ. قال سفيان الثّوري لحمّاد بن سلمة: رأيتَ سلمة بن كهيل؟ قال: نعم، قال: لقد رأيت شيخاً كيِّساً، قال: وكان فيه تشيّع قليل، وهو من ثقات الكوفيّين (تاريخ الثقات 197 / 591). وذكره الطوسيّ في أصحاب أميرالمؤمنين، وقال تابعيّ. ثمّ ذكره في أصحاب الأئمّة: عليّ بن الحسين، والباقر، والصادقعليهم‌السلام (رجال الطوسيّ: 43، 91، 124، 211). وذكره البرقيّ في خواصّ أصحاب أميرالمؤمنين، وفي أصحاب: =


«أنت بمنزلة الكعبة: تؤتى ولا تأتي، فإن أتاك هؤلاء القوم فسَلَّمُوها إليك - يعني الخلافة - فاقبَلْ منهم، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتّى يأتوك».(1)

فالسعيُ إلى عليّعليه‌السلام كالسعي بين الصفا والمروة، والتزامُه مثل التزام ملتزم الكعبة، فهو وبنوه مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق.

أخرج الشريف الرضيّ بسندٍ عالٍ، عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ ابن موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي عليّ، قال حدّثني أبي محمّد، قال: حدّثني أبي عليّ، قال: حدّثني أبي موسى، قال: حدّثني أبي جعفر، قال: حدّثني أبي محمّد، قال: حدّثني أبي عليّ، قال: حدّثني الحسين بن عليّ، عن أبيه أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا عليّ، مَثَلُكُم في الناس مَثَلُ سفينة نوح: من رَكِبَها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، فمن أحبّكم يا عليّ نجا، ومن

____________________

= السجّاد والباقرعليهم‌السلام (رجال البرقيّ: 4، 8، 9). قال ابن سعد: توفّي سلمة بن كهيل الحضرميّ سنة اثنتين وعشرين ومائة حين قُتل زيد بن عليّ بالكوفة. (الطبقات الكبرى 6: 314 / 2415).

والصّنابحي: شاميّ، تابعيّ، ثقة، من خيار التابعين. (تاريخ الثقات 230 / 705). وهو عبد الرحمان بن عسيلة المراديّ الصّنابحي، رحل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فوجده قد مات فنزل الشام، روى عن النبيّ مرسلاً، وعن أبي بكر وعمر وعليّ وغيرهم (تهذيب الكمال 6: 229). ومثله في (طبقات ابن سعد) عبد الرحمان بن عسيلة الصّنابحي، من حِمْيَر، ويكنّى أبا عبد الله، وكان ثقة قليل الحديث، روى عن أبي بكر وعمر وبلال. وذكر بسنده عن الصّنابحي قال: ما فاتني رسول الله إلاّ بخمس ليالٍ، توفّي رسول الله وأنا بالجحفة، فقدمت على أصحابه متوافرين، فسألت بلالاً عن ليلة القدر فقال: ليلة ثلاث وعشرين (الطبقات الكبرى 7: 353 / 4038).

(1) أسد الغابة 4: 112. وبلفظٍ آخر في: كفاية الطالب: 161، ومناقب الإمام عليّعليه‌السلام : 107، كنز العمّال 6: 158، ومجمع الزوائد 9: 119.


أبغضكم ورفض محبّتكم هوى في النار». ومَثَلُكُم يا عليّ مثل بيت الله الحرام: من دخله كان آمناً، فمن أحبّكم ووالاكُم كان آمناً من عذاب النار، ومن أبغضكم ألقي في النار يا عليّ« وَللّهِ‏ِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً » (1) ، ومن كان له عذر فله عذره، ومن كان مريضاً فله عذره، والله لا يعذر غنيّاً ولا فقيراً ولا مريضاً ولا أعمى ولا بصيراً في تفريطه في موالاتكم ومحبّتكم.(2)

وأخرج سفيان الفسويّ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمانٌ لأمّتي».(3)

وعن قتادة، عن عطاء، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمانٌ لأمّتي من الاختلاف؛ فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».(4)

وعن أبي إسحاق - السّبيعيّ -، عن حنش الكنانيّ(5) قال: سمعت أبا ذرّ يقول وهو آخذ بباب الكعبة: «مَن عرفني فأنا مَن عرفني، ومن أنكرني فأنا أبوذرّ، سمعتُ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: ألا إنّ مَثَل أهل بيتي فيكم مَثَلُ سفينة نوح في

____________________

(1) آل عمران: 97.

(2) خصائص أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب للشريف الرضيّ: 48.

(3) المعرفة والتاريخ للفسويّ 1: 296.

(4) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 162 / 4715.

(5) حنش بن المعتمر الكنانيّ، كوفيّ ثقة تابعيّ (تاريخ الثقات للعجليّ 136 / 347)، ووثّقه ابن داود وأخرج له في سُننه، والترمذيّ في جامعه.


قومه، من رَكِبَها نجا، ومن تخلّف عنها غَرِق».(1)

وعليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَثَلُ أهل بيتي مَثَلُ سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، ومَن قاتلنا في آخر الزمان فإنّما قاتل مع الدّجال».(2)

وأخرج ابن أبي شيبة في مصنّفه قال: حدّثنا معاوية بن هشام(3) ، قال: حدّثنا عمّار، عن الأعمش، عن المنهال، عن عبد الله بن الحارث، عن عليّ قال: إنّما مثَلُنا في هذه الأمّة كسفينة نوح، وكتاب حِطّة في بني إسرائيل.(4)

هذا هو شأن عليّ ومنزلته، ومن كان كذلك لا يكبر عليه ردّ الشمس إليه كرامةً له من عند الله تعالى.

وأمّا من حيث الوقوع: فيكفي أنّ أميرالمؤمنين عليّاعليه‌السلام ، ذكر ذلك في محاججته القوم يوم الشّورى، فأخبتوا له في كلّ ما احتجّ به من فضائله.

أبو ساسان(5) ، وأبو حمزة، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عامر بن واثلة قال:

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 163 / 4720، والمعارف لابن قتيبة 252.

(2) المعرفة والتاريخ للفسويّ 1: 296، والكنى والأسماء للدولابيّ 1: 137 / الترجمة 241 ولكن من غير العبارة الأخيرة.

(3) معاوية بن هشام القصّار الأزديّ، أبو الحسن الكوفيّ. قال العجليّ: ثقة (تاريخ الثقات للعجليّ 433 / 1598).

(4) المصنّف لابن أبي شيبة 7: 503 / 52.

(5) حُضين بن المنذر، أبو ساسان السدوسيّ (بصريّ) تابعيّ، ثقة، وكان على راية عليّ يوم صفّين (تاريخ الثقات 123 / 304). =


____________________

= قال خليفة في صفة جيش أميرالمؤمنين يوم صفّين:... وعلى بكر البصرة حُضين بن المنذر (تاريخ خليفة 146).

وذكره الطوسيّ في أصحاب أميرالمؤمنين قال: أبو سنان الأنصاريّ (رجال الطوسيّ: 63).

وذكر البرقيّ أنّ له صحبة (رجال البرقيّ: 1). ثم ذكره في طبقة الأصفياء من أصحاب أميرالمؤمنينعليه‌السلام (رجال البرقيّ: 3). وذكره كذلك في شرطة الخميس من أصحابهعليه‌السلام (رجال البرقيّ: 4).

وذكره ابن داود في أصحاب أميرالمؤمنينعليه‌السلام (رجال ابن داود القسم الأوّل 398 / 42). إلاّ أنّ البرقيّ وابن داود سمّياه: الحصين - بصادٍ مهملة غير منقوطة -.

وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة (الطبقات الكبرى 7: 155). وأبو حمزة: هو ثابت بن أبي صفيّة واسم أبي صفيّة دينار الأزديّ الكوفيّ، مات سنة خمسين ومائة. ذكره الطوسي في: أصحاب عليّ بن الحسين، وفي أصحاب الباقر، وفي أصحاب الصادقعليهم‌السلام (رجال الطوسيّ 84، 110، 160).

قال النجاشيّ: كوفي ثقة، وأولاده: نوح، ومنصور، وحمزة - قُتلوا مع زيد بن عليّ قال: لَقِيَ عليَّ ابن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله وأبا الحسنعليهم‌السلام ، وروى عنهم، وكان من خيار أصحابنا وثقاتهم ومعتمديهم في الرواية والحديث. ورُوي عن أبي عبد الله أنّه قال: أبو حمزة في زمانه مثلُ سلمان في زمانه. وروى عنه العامّة. له كتاب تفسير القرآن، وكتاب النوادر ورسالة الحقوق عن عليّ بن الحسين (رجال النجاشي 83 - 84).

وذكره ابن داود فقال: ثقة، له كتاب (رجال ابن داود 76 / 273).

وذكره البرقيّ في أصحاب عليّ بن الحسينعليه‌السلام (رجال البرقيّ 8).

وترجم له المزّيّ ترجمة وافية نذكر منها أسماء من روى عنهم، ومن رَوَوا عنه؛ لنعرف منزلته ووثاقته، قال: روى عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وأبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن أبي طالب، وعكرمة مولى ابن عبّاس، والأصبغ بن نُباتة، وأنس بن مالك، وسعيد بن جُبير، وعامر الشعبيّ، وسالم بن أبي الجعد الغطفانيّ، وأبي إسحاق السّبيعيّ... وغيرهم. =


____________________

= روى عنه: سفيان الثّوريّ، وشريك بن عبد الله النخعيّ وعمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز، و عبيدالله بن موسى وأبونعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجرّاح، وأبوبكر بن عيّاش، وحفص بن غياث، والحسن بن محبوب... وغيرهم. روى له الترمذيّ، والنّسائيّ في (مسند عليّ) (تهذيب الكمال للمزّيّ 4: 357 / 819).

وأبو إسحاق: هو أبو إسحاق السبيعيّ، واسمه عمرو بن عبد الله بن عليّ... بن سبيع... بن هَمْدان، السّبيعيّ الهَمْدانيّ الفقيه (النّسب لابن سلام 337، الطبقات الكبرى 6: 311 / 2411).

قال العجليّ: أبو إسحاق السّبيعيّ (كوفيّ) تابعيّ، ثقة، روى عن ثمانية وثلاثين من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (تاريخ الثقات 366 / 1272).

روى عن: زيد بن أرقم، والبراء بن عازب، عديّ بن حاتم، وعبد الله بن عمرو و أسامة بن زيد، وأنس بن مالك، وحُبْشيّ بن جُنادة وزيد بن يُثيع، وسعيد بن جبير، وسليمان بن صرد الخزاعيّ، وجرير بن عبد الله البجلي، وعامر بن شراحيل الشّعبي، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وعبد الله بن الزبير بن العوّام، وعبد الله بن عبّاس والحارث بن عبد الله الأعور، وعبد الرحمان بن أبي ليلى، وعبد خير الهمدانيّ وعكرمة مولى ابن عباس، وكميل بن زياد، ومجاهد بن جبر المكّيّ، وأبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين... وخلقٍ كثير.

روى عنه: أبان بن تغلب، وأبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، وسفيان الثّوريّ وهو أثبت الناس فيه، وسفيان بن عيينة، وسليمان الأعمش، وشريك بن عبد الله وشعبة بن الحجّاج، وفضيل بن مرزوق، وفِطْر بن خليفة، وأبو حمزة الثّماليّ، وموسى بن عقبة، ومنصور بن المعتمر، ومِسعَر بن كِدام، وعبد الله بن المختار، وحمزة بن حبيب الزّيّات، ومالك بن مِغْول... وكثيرون.

مات سنة سبع وعشرين ومائة (الطبقات الكبرى 6: 311، الكنى والأسماء للدولابيّ 1: 100، التاريخ الكبير للبخاريّ: 6 / الترجمة 2594، الجرح والتعديل: 6 / الترجمة 1347، طبقات خليفة 275 / 1210، وقد ذكره في الطبقة الرابعة من أهل الكوفة ن من مُضَر اليمن).

قال أحمد بن حنبل: أبو إسحاق ثقة، وكذلك يحيى بن معين والنّسائي (الجرح والتعديل: 6 / الترجمة 1347). =


كنت مع عليّعليه‌السلام في البيت يوم الشورى، فسمعت عليّاً يقول لهم: لأحتجّنّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم ولا عجميّكم يُغيّر ذلك. ثمّ قال: أنشدكم بالله أيّها النّفر جميعاً! هل فيكم أحد ردّت عليه الشّمس حتّى صلّى العصر في وقتها، غيري؟

____________________

= قال أبو داود الطّيالسيّ: قال رجل لشعبة: سمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: وما كان يصنع بمجاهد، كان هو أحسنَ حديثاً من مجاهد، ومن الحسن وابن سيرين (الجرح والتعديل: 6: الترجمة 1347).

وسبق أن ذكرنا قول العجليّ فيه وتوثيقه له.

وعامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو، أبو الطّفيل اللّيثيّ الكنانيّ، آخر الصحابة موتاً. ولد عام اُحدٍ، وأدرك ثماني سنين من حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله . روى عن: النبيّ، وعليّ، وأبي بكر، وعمر، ومعاذ، وابن مسعود، وحذيفة بن أسيد الغفاريّ، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد الخدريّ، وسلمان الفارسيّ، وابن عبّاس... وغيرهم.

روى عنه: جابر بن يزيد الجعفيّ، والزهريّ، وحبيب بن أبي ثابت، وفطر بن خليفة، وعليّ بن زيد ابن جدعان، وحمران بن أعين، وعمرو بن دينار، وقتادة، وإسماعيل بن مسلم المكّيّ.. وخلق كثير (الطبقات الكبرى 5: 457، طبقات خليفة 68 / 176، 216 / 841، 488 / 2519، الجرح والتعديل: 6 / الترجمة 1829، جمهرة أنساب العرب 183، جمهرة النسب 145).

وذكره ابن داود في خواصّ أميرالمؤمنينعليه‌السلام (رجال ابن داود) 194 / 194).

وكذلك البرقيّ (رجال البرقيّ: 4)، وذكر الطوسيّ في أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي أصحاب أميرالمؤمنين، وفي أصحاب الحسن (رجال الطوسيّ: 25، 47، 69).

قال العجليّ: عامر بن واثلة، أبو الطفيل (مكّيذ) ثقة، سكن الكوفة مع عليّ، وكان من كبار التابعين، وقد رأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (تاريخ الثقات 245 / 757).


قالوا: اللّهمّ لا.(1)

____________________

(1) كتاب الولاية لابن عقدة: 174، وهي واحدة من (29) فقرة احتجّ بها أميرالمؤمنينعليه‌السلام ، فشهدوا له بتصديقها. والسند الذي ذكرناه من القوّة والوثاقة ممّا يقطع بصحّة المناشدة وإخبات القوم وتصديقهم لأميرالمؤمنين فيما احتجّ به ومنه ردّ الشمس. وذكرها ابن المغازليّ الشافعيّ المتوفّى سنة (542 هـ) في كتابه (مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: 112 / 155)، والجوينيّ في كتابه (فرائد السمطين 1: 319 / 215)؛ والخوارزميّ الحنفيّ المتوفّى سنة (568 هـ) في كتابه (المناقب: 313 / 314) بسنده عن زافر بن سليمان بن الحارث [ زافر بن سليمان، ثقه (تاريخ يحيى بن معين 2: 273 / 4751، الجرح والتعديل للرازيّ 1: 2 / 625) ]، عن عامر ابن واثلة؛ وذكر من المناشدة (24) فقرة.

وذكرها الگنجي الشافعيّ (المقتول سنة 658 هـ) في كتابه (كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: 386) بسنده عن أبان بن تغلب [ أبان بن تغلب بن رياح القاري الربعيّ، أبو سعد الكوفيّ. مات سنة إحدى وأربعين ومائة. روى عن أبي إسحاق السبيعيّ والحَكَم، روى عنه شعبة بن الحجّاج، وحمّاد بن زيد (كتاب الثّقات لابن حبّان 3: 215 / 290). وفي (تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 67 / 75): قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: أبان بن تغلب ثقة، كان شعبة يحدّث عنه. قيل له: أبان، وإدريس الأوديّ؟ فقال: أبان أكبر.

ووثّقه أبو حاتم الرازيّ، حيث قال عن أحمد أنّه سُئل فقال: ثقة، وكذا ابن معين (الجرح والتعديل للرازيّ 1: 1 / 296).

ذكره الطوسيّ في أصحاب عليّ بن الحسين، وفي أصحاب الباقر أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسينعليهم‌السلام (رجال الطوسيّ 82، 106).

وذكره البرقيّ في أصحاب الباقر، وأصحاب الصادقعليهما‌السلام (رجال البرقيّ 9، 16).

وترجم له النجاشيّ: أبان بن تغلب بن رباح، أبو سعيد البكريّ الجُريريّ، ثقة جليل القدر عظيم المنزلة في أصحابنا، لقي عليّ بن الحسين، وأبا جعفر - الباقر - وأبا عبد الله - الصادق -عليهم‌السلام ، روى عنهم، وكانت له عندهم منزلة وقَدَم. وذكره البلاذريّ قال: روى عن عطية العوفيّ [ عطيّة بن =


أقوال العلماء في الحديث: الگنجيّ الشافعيّ:

نعتضد بالله ونقول: منكر ذلك إمّا أن يُنكره من حيث الإمكان، أو من حيث صحّة النقل من عدالة الرواة. أما القسم الأوّل، فإنّ المتكلّم فيه أحد رجلين: إمّا أن يُثبت الشرايع أو ينفيها. فأمّا نُفاتها، كالدّهريّة، والفلاسفة والمنجّمين، فلا كلام معهم. وأمّا مثبتوها، فلا يتمكّنون من ذلك؛ للحديث الذي خرّجه مسلم في صحيحه في حبس الشمس:

____________________

= سعد بن جنادة العوفيّ من جديلة قيس، يكنّى أبا الحسن. قال سعد بن محمد بن الحسن بن عطيّة قال: جاء سعد بن حنادة إلى عليّ بن أبي طالب وهو بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه ولد لي غلام فسمّه. قال: هذا عطيّة الله، فسمّي عطيّة. وخرج عطيّة مع ابن الأشعث علي الحجّاج، فلمّا انهزم جيش الأشعث هرب عطيّة إلى فارس، فكتب الحجّاج إلى محمّد بن القاسم الثقفيّ أن ادع عطيّة، فإن لعن عليّ بن أبي طالب وإلا فاضربه أربعمائة سوط واحلق رأسه ولحيته. فدعاه فأقرأه كتاب الحجّاج، فأبى عطيّة أن يفعل فضربه أربعمائة سوط وحلق رأسه ولحيته. قدم الكوفة بعد ذلك وتوفّي بها سنة إحدي عشرة ومائة ]. وكان ثقة إن شاء الله (الطبقات الكبرى 6: 305 / 2375). وذكره الطوسيّ والبرقيّ في أصحاب الباقرعليه‌السلام (رجال الطوسيّ: 129، رجال البرقيّ: 14): قال له أبو جعفرعليه‌السلام : اجلس في مسجد المدينة وافت الناس؛ فإنّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك. وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام لمّا اتاه نعيه: والله لقد أوجع قلبي موت أبان. وذكره أبو زرعة الرازيّ في كتابه: ذكر من روى عن جعفر بن محمّد من التابعين ومن قاربهم، فقال: أبان بن تغلب روى عن أنس بن مالك، وروى عن الأعمش وعن محمّد بن المنكدر، وعن سماك بن حرب، وعن إبراهيم النّخعيّ... (رجال النجاشيّ 7 - 8، رجال ابن داود 10 - 11). وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة وقال: ثقة، روى عنه شعبة (الطبقات الكبرى: 3426 / 2594)، عن عامر بن واثلة، وذكر المناشدة.


عن أبي هريرة عن رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «غزا نبيّ من الأنبياء حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللّهمّ احبِسْها عليّ شيئاً، فحبست عليه حتّى فتح الله عليه».

قلت - أي الگنجيّ - هذا حديث متّفق على صحّته، رواه البخاريّ في الغلول وأخرجه مسلم في الجهاد، كما سقناه.(1)

قال: ورواه أحمد بن حنبل في مسنده وقال: إنّ الشمس حبست ليوشع ابن نونعليه‌السلام . ورواه الطبرانيّ في معجمه، ولا يخلو إمّا أن يكون ذلك معجزةً لموسىعليه‌السلام ، أو ليوشععليه‌السلام ؛ فإن كان لموسى فنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل، وعليّعليه‌السلام أقرب إليه من يوشع إلى موسى. وإن كان معجزةً ليوشععليه‌السلام ، فإن كان نبيّاً فعليّ مِثْلُه، وإن لم يكن نبيّاً فعليّ أفضل منه، إذ قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل»، وفي لفظ آخر: «أنبياءُ بني إسرائيل» وحذف الكاف لقوّة المشابهة.

والمعنى: أنّ أنبياء بني إسرائيل دعاةٌ إلى الله سبحانه، بالوعظ والزجر والتحذير والترغيب والترهيب، وعلماء أمّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله قائمون في هذا المقام، مُنخرطون في سلك هذا النظام، وعليّعليه‌السلام أولى بهذا النصّ؛ لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أقضاكم عليّ»(2) .

____________________

(1) صحيح البخاريّ 2: الحديث 119، وصحيح مسلم 2: 49، ومسند أحمد 2: 318، وكفاية الطالب: 382 / 1058.

(2) الطبقات الكبرى 2: 339، أنساب الأشراف 2: 97، المستدرك على الصحيحين 3: 135، فضائل الصحابة لأحمد 2: 58، المناقب للخوارزميّ 81، ذخائر العقبى 83.


وأمّا القسم الثاني، وهو الإنكار من حيث عدالة من نقل ذلك وذكره في كتابه، فقد عدّه جماعة من العلماء في معجزاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومنهم: ابن سبع ذكره في «شفاء الصدور» وحكم بصحّته، ومنهم القاضي عياض ذكره في «الشفا بتعريف حقوق المصطفى 240» وحكى فيه عن الطّحاويّ أنّه ذكر ذلك في «مشكل الآثار 2: 8 و 4: 388». وكان أحمد بن صالح - شيخ البخاريّ - يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء - من رواة الحديث - بنت عميس في ردّ الشمس؛ لأنّه من علامات نبوّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح الموصليّ في جمع طرقه في كتابٍ مفرد، ورواه الحافظ أبو عبد الله الحاكم.(1)

سبط ابن الجوزيّ

يوسف بن فرغليّ بن عبد الله البغداديّ الحنفيّ، سبط أبي الفرج عبد الرحمان بن الجوزيّ؛ ردّ على جدّه لأمّه تكذيبه للحديث، قال: فإن قيل: فقد قال جدّك في «الموضوعات»: هذا حديث موضوع بلا شكّ، وروايته مضطربة؛ فإنّ في إسناده أحمد بن داود، وليس بشيء، وكذا فيه فضيل بن مرزوق وهو ضعيف، وجماعة منهم عبد الرحمان بن شريك ضعّفه أبو حاتم؛ وقال جدّك: أنا لا أتّهم به إلاّ ابن عقدة؛ فإنّه كان رافضيّاً. ولو سُلِّم فصلاة العصر صارت قضاءً بغيبوبة الشمس، فرجوع الشمس لا يفيد؛ لأنّها - أي الصلاة - لا تصير أداءً. قالوا: وفي

____________________

(1) كفاية الطالب: 387.


الصحيح أنّ الشمس لم تُحبَس على أحدٍ إلاّ على يوشع بن نون.

والجواب: إنّ قول جدّي: «هذا حديث موضوع بلا شكّ» دعوى بلا دليل؛ لأنّ قدحه في رواته الجواب عنه ظاهر، لأنّا ما رويناه إلاّ عن العدول الثّقات الذين لا مغمز فيهم، وليس في إسناده أحدٌ ممّن ضعّفه. وكذا قول جدّي: «أنا لا أتّهم به إلاّ ابن عقدة» من باب الظنّ والشّكّ، لا من باب القطع واليقين، وابن عقدة مشهور بالعدالة، كان يروي فضائل أهل البيت ويقتصر عليها، ولا يتعرّض للصحابة بمدحٍ ولا ذمّ. فنسبوه إلى الرفض.

وقوله: صارت صلاة العصر قضاءً؛ قلنا: أرباب العقول السليمة والفِطَر الصحيحة لا يعتقدون أنّها غابت ثمّ عادت وإنّما وقفتْ عن سيرها المعتاد، ولو ردّت على الحقيقة لم يكن عجباً؛ لأنّ ذلك يكون معجزةً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكرامةً لعليّعليه‌السلام ، وقد حُبست بالإجماع ليوشع، ولا يخلو أن يكون ذلك معجزةً لموسى أو كرامةً ليوشع؛ فإن كان لموسى فنبيّنا أفضل منه، وإن كان ليوشع فعليّ أفضل منه. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل». وهذا في حقّ الآحاد فما ظنّك بعليّ؟! والدليل عليه أيضاً ما ذكره أحمد في الفضائل: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «الصّدّيقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار وهو مؤمن آل ياسين، وعليّ بن أبي طالب وهو أفضلهم».(1) وحزقيل كان نبيّاً من بني إسرائيل مثل

____________________

(1) المناقب لأحمد 156 / 193، و 194 / 239؛ وأخرجه عنه المعتزليّ في شرح نهج البلاغة 2: 451، والمحبّ الطبريّ في ذخائر العقبى: 59، والمتّقيّ في منتخب العمّال 5: 31، والقندوزيّ في ينابيع المودّة 124. وأخرجه ابن عساكر بنفس اللّفظ عن ابن أبي ليلى: =


يوشع؛ فدلّ على فضل عليّ على أنبياء بني إسرائيل. وفي وقوف الشمس يقول الصّاحب بن عبّاد كافي الكُفاة:

من كمولايَ عليٍّ

والوغى تحمي لظاها؟!

من يصيد الصِّيدَ فيها

بالظّبى حين انتضاها؟!

من له في كلِّ يوم

وَقَعاتٌ لا تُضاهى؟!

كم وكم حرب ضروس

سدَّ بالـمُرهَف فاها!

اذكروا أفعال بدر

لستُ أبغي ماسواها

اذكروا غزوة أُحْد

إنّه شمسُ ضُحاها

اذكروا حربَ حُنين

إنّه بدرُ دُجاها

اُذكروا الأحزاب قدْماَ

إنّه ليثُ شَراها

اذكروا مهجة عمرو

كيف أفناها شجاها

اذكروا أمر براءة

واصدقوني من تلاها؟

اذكروا من زوجُه الز

هراءُ قد طابَ ثراها

حالهُ حالةُ هارون

لموسى، فافهماها

أعلى حبّ عليٍّ لا

مَني القومُ سفاها؟!

أوّلُ الناس صلاةً

جعل التقوى حُلاها

ردّت الشمسُ عليه

بعدما غاب سَناها

____________________

= مختصر تاريخ دمشق 17: 378، وأخرجه الحسكانيّ الحنفيّ (ت 490 هـ) في شواهد التنزيل 2: 224، أخرجه بطرقٍ كثيرة. وأخرجه ابن المغازليّ بنفس السند وفيه: (... وخِرْبيل - براءٍ غير منقوطة)، وفي العرائس للثعلبيّ: 99، والسيرة الحلبيّة 1: 270: (سُبّاق الأمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار صاحب ياسين، وعليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وهو أفضلهم). والعرائس: 107: (سبّاق الأمم...، وعليّ مؤمن آل محمّد، وهو أفضلهم).


قال: وفي الباب حكاية عجيبة حدّثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق، قالوا: شاهدنا أبا منصور المظفّر بن أردشير العباديّ الواعظ، وقد جلس بالتاجيّة مدرسة بباب أبرز، محلّة ببغداد، وكان بعد العصر، وذكر حديث ردّ الشمس لعليّعليه‌السلام ، وطرّزه بعبارته ونمّقه بألفاظه، ثمّ ذكر فضائل أهل البيتعليهم‌السلام ، فنشأت سحابة غطّت الشمس حتّى ظنّ الناس أنّها قد غابت، فقام أبو منصور على المنبر قائماً وأومى إلى الشمس وأنشد:

لا تَغْرُبي يا شمسُ حتّى ينتهي

مدحي لآل المصطفى ولنجله

واثني عَنَانَك إن أردتُ ثاءَهم

أنسيت إن كان الوقوف لأجله

إن كان للمولى وقوفُك فليكن

هذا الوقوف لخَيله ولرَجْله

قال: فانجاب السّحاب عن الشمس، وطلعت!(1)

الطّحاويّ: الحافظ أحمد بن محمّد الطّحاويّ الحنفيّ (توفّي سنة 321 هـ). أخرجه بلفظين، وقال: هذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات.(2)

قال: فقال قائل: كيف تقبلون هذا وأنتم تُرْوُون عن أبي هريرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ما يدفعه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لم تَحْتَبس الشمس على أحدٍ إلاّ ليوشع». وأيضاً عنه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لم تُرَدّ الشمس منذ رُدّت على يوشع بن نون، لياليَ سار إلى بيت الـمَقْدِس».

فكان جوابنا - أي الطحاويّ - له في ذلك بتوفيق الله تعالى وعونه: إنّ هذا

____________________

(1) تذكرة الخواصّ: 53 - 56، وكفاية الطالب: 388، والشعر في ديوان الصاحب بن عبّاد: 114 - 119.

(2) مشكل الآثار للطحاويّ 2: 8 - 9، و 4: 388 - 389.


الحديث قد اختلف علينا راوياه، فأمّا ما رواه لنا عليّ بن الحسين فهو أنّ الشمس لم تحتبس على أحد إلاّ على يوشع. فإنّ كان حقيقة الحديث كذلك، فليس فيه خلاف؛ لما في الحديثين الأوّلَين؛ لأنّ الذي فيه هو حبس الشمس عن الغيبوبة، والذي في الحديثين الأوّلين هو ردُّها بعد الغيبوبة. وأمّا ما رواه لنا يحيى بن زكريّا فهو على أنّها لم تُردّ مذ رُدّت على يوشع بن نون إلى الوقت الذي قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا القول، فذلك غير دافع أن يكون: لم تُردّ إلى يومئذ، ثم رُدّت بعد هذا، وهو غير مستنكَر من أفعال الله عزّوجلّ... وكلّ هذه الأحاديث من علامات النبوّة. وقد حكى عليّ بن عبد الرحمان بن المـُغيرة،(1) عن أحمد بن صالح أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّفُ عن حفظ حديث أسماء الذي رُوِي لنا عنه؛ لأنّه من أجلّ علامات النبوّة. قال الطحاويّ: وهذا كما قال، وفيه لمن كان دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اللهَ عزّ وجلّ - أي لعليّعليه‌السلام - بما دعا به له حتّى يكون له ذلك المقدار الجليل والرّتبة الرفيعة؛ لأنّ ذلك كان من رسول الله ليصلّي صلاته تلك التي احتبس نفسه على رسول الله حتّى غربت الشمس في وقتها على غير فوتٍ منها إيّاه؛ وفي ذلك ما قد دلّ على التغليظ في فوات العصر. ومن ذلك ما روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: «من فاتته صلاة العصر فكأنّما وتر

____________________

(1) عليّ بن عبد الرحمان بن محمّد بن المغيرة المخزوميّ مولاهم، المصريّ لقبه علاّن، وكان أصله من الكوفة، صدوق. (التقريب / الترجمة رقم 4765). قال في التحرير: بل ثقة، فقد روى عنه جمع من الثقات، منهم ابن أبي حاتم.


أهله وماله»، فوقى الله عزّ وجلّ عليّاً ذلك؛ لطاعته لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(1)

وذكره القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفيّ من مختصر الباجيّ المالكيّ المتوفّى سنة 474 هـ.(2)

فعودة الشمس إنّما كانت إرادةً من الله تعالى وحكمته، واستجابةً لدعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكرامةً لوليّ الله وصنو رسوله ونفسه وأخيهعليه‌السلام ، والعلّة: أن يؤدّي طاعة الله في الصلاة بعد أن كان في طاعة النبيّ، ويكونَ عبرة لغيره: فبقدر القرب من الله تعالى ومن طاعة رسوله، يُكرمَ المرء وتعلو رتبته.

نور الدين الحلبيّ الشافعيّ، ذكره في كتابه (السيرة الحلبية 1: 413)، قال: وأمّا عَوْد الشمس بعد غروبها، فقد وقع لهصلى‌الله‌عليه‌وآله في خيبر.

وذكر حديثَ أسماء وقال: قال بعضهم: لا ينبغي لمن سبيلهُ العلم أن يتخلّف عن حفظ هذا الحديث؛ لأنّه من أجَلّ أعلام النّبوّة وهو حديث متّصل.

الحافظ أبوبكر البيهقيّ (المتوفى سنة 458 هـ)، رواه في كتاب «دلائل النّبوّة».

شهاب الدّين الخفاجيّ الحنفيّ (المتوفى سنة 1069 هـ)، له ردّ مفحم على ابن الجوزيّ وابن تيميه، وقال: رواه الطبرانيّ بأسانيد مختلفة، رجال أكثرها ثقات. وقد اعترض عليه - أي على الحديث - بعض الشّرّاح، وقال: «إنّه موضوع، ورجاله مطعونٌ فيهم، كذّابون وضّاعون». ولم يَدْرِ أنّ الحقّ خلافُه،

____________________

(1) مشكل الآثار 2: 9 - 12.

(2) المعتصر من المختصر للقاضي أبي المحاسن 1: 9.


والذي غرّه كلام ابن الجوزيّ، ولم يقف على أنّ كتابه أكثره مردود. وقد قال خاتمة الحفّاظ السيوطيّ وكذا السخاويّ: إنّ ابن الجوزيّ في موضوعاته تحامل تحاملاً كثيراً، حتّى أدرج فيه كثيراً من الأحاديث الصحيحة، كما أشار إليه ابن الصّلاح.

وهذا الحديث صحّحه المصنّفرحمه‌الله ، أشار إلى أنّ تعدّد طرقه شاهد صدقٍ على صحّته، وقد صحّحه قبله كثير من الأئمّة، كالطحاويّ، وأخرجه ابن شاهين وابن منده وابن مردويه، والطبرانيّ في معجمه وقال: إنّه حسن، وحكاه العراقيّ في «التقريب» فقال: وإنكار ابن الجوزيّ فائدةَ ردِّها - أي ردّ الشمس - مع القضاء، لا وجه له؛ فإنّها فاتته بعذرٍ مانعٍ من الأداء، وهو عدم تشويشه على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله . وهذه فضيلةٌ أيُّ فضيلة! فلمّا عادت الشمس حاز فضيلة الأداء أيضاً. وقد صنّف السيوطيّ (شافعيّ ت 911 هـ) في هذا الحديث رسالةً مستقلّةً سمّاها «كشف اللّبس عن حديث ردّ الشمس». وسبق بمثله أبو الحسن الفضليّ، أورد طرقه بأسانيد كثيرة، وصحّحه بما لا مزيد عليه، ونازع ابنَ الجوزيّ في بعض مَن طعن فيه من رجاله.

وفي قول الطحاويّ «لأنّه من علامات النبوّة» قال: وهذا مؤيّد لصحّته؛ فإنّ أحمد - أي أحمد بن صالح المصريّ - هذا من كبار أئمّة الحديث الثّقات. ويكفي في توثيقه أنّ البخاريّ روى عنه في صحيحه، فلا يُلتفت إلى من ضعّفه


وطعن في روايته(1) .

ابن حجر الهيتميّ المكّيّ الشافعيّ (المتوفى سنة 974 هـ)، ذكره في الصواعق المحرقة: 76 وقال: وحديث ردّها صحّحه الطحاويّ والقاضي - عياض - في «الشفاء»، وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة، وتبعه غيره، وردّوا على جمعٍ قالوا أنّه موضوع. وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردّها في محلّ المنع، بل نقول: كما إنّ ردّها خصوصيّة، كذلك إدراك العصر الآن - أي بعد الشمس - أداءً خصوصيّة وكرامة. ثمّ ذكر قصّة الواعظ أبي المنصور العباديّ.

وفي شرح همزيّة البوصيريّ، في حديث شقّ القمر قال: ويناسب هذه المعجزة ردّ الشمس لهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما غابت حقيقةً، لما نامصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فردّت ليصلّي عليٌّ العصر أداءً، كرامةً لهصلى‌الله‌عليه‌وآله . هذا الحديث اختلف في صحّته جماعة، بل جزم بعضهم بوضعه، وصحّحه آخرون، وهو الحقّ.

العَينيّ الحنفيذ (المتوفّى سنة 855 هـ)، في كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري 7: 146، قال: وقد وقع ذلك للإمام عليّرضي‌الله‌عنه ، أخرجه الحاكم عن أسماء بنت عميس، وذكره الطحاويّ في مشكل الآثار. قال: وهو حديث متّصل، رواته ثقات. وإعلالُ ابن الجوزيّ هذا الحديث لا يلتفت إليه!

الحافظ ابن عساكر الشافعيّ (المتوفّى سنة 573 هـ)، ذكره في تاريخه مختصر تاريخ دمشق 17: 378 من حديث أسماء بنت عميس.

أبو إسحاق الثعلبيّ (ت 427 هـ) ذكره في كتابه العرائس - أو: قصص

____________________

(1) شرح الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 11 - 15.


الأنبياء: 139.

محبّ الدّين الطبريّ الشافعيّ (ت 694 هـ) في كتابه الرياض النضرة 2: 179.

القاضي عياض اليحصبيّ (المتوفّى سنة 544 هـ) في كتابه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 240 بسندَيه اللذين في مشكل الآثار.

الذهبيّ محمد بن أحمد بن عثمان الحنبلي (المتوفّى سنة 748 هـ)، في ميزان الاعتدال 2: 244.

الدّولابيّ محمد بن أحمد (المتوفّى سنة 310 هـ) في كتابه الذرّيّة الطّاهرة: 244 - 310.

نور الدّين السّمهوديّ الشافعيّ (المتوفّى سنة 911 هـ) في وفاء الوفا 2: 33 روى الحديث من طريق القاضي عياض، بعين ما في مشكل الآثار.

و للحسكاني عبيد الله بن عبد الله الحنفيّ (المتوفّى سنة 490 هـ) رسالة مسألة في تصحيح ردّ الشَّمس وترغيم النّواصب الشَّمس.

الموفّق بن أحمد المكّيّ الخوارزميّ الحنفيّ المعروف بأخطب خوارزم (المتوفّى سنة 568 هـ) في كتابه المناقب: 306 / الحديث 301 و 302 من طريقين عن أسماء بنت عميس. كما أفرد له كتاباً باسم: ردّ الشّمس لأميرالمؤمنين.

الحافظ جلال الدين السيوطيّ الشافعيّ (المتوفّى سنة 911 هـ) ذكره في كتابه: الخصائص الكبرى 2: 137 رباب ردّ الشّمس بعد غروبها لعليّرضي‌الله‌عنه من حديث أسماء من عن: ابن منده وابن شاهين والطبرانيّ، وقال: صحيح. وعن ابن


مردويه، عن أبي هريرة، وبسندٍ عن جابر، وقال: قال الطبرانيّ حسَن.

و للسيوطيّ كشف اللّبس عن حديث ردّ الشمس توسّع فيه بالكلام عن الحديث. وفي الجزء الأوّل من كتابه اللآلئ المصنوعة، ذكره بُطرقه المتعدّدة، وحكم بصحّتها متناً وسنداً، وأنّ الحديث من أعلام النبوة والكرامة لأميرالمؤمنينعليه‌السلام . ذكره في ص 336 عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسن، عن أسماء بنت عميس ونفس المصدر: عن فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب، عن أسماء. وأيضاً نفس المصدر عن أبي هريرة. وفي ص 337 عن الحسين بن عليّعليهما‌السلام . وفي ص 340 عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام . وفي ص 341 عن أبي ذرّ في حديث الشّورى.

وقفة تأمّل في المصادر والرّواة

ليس في مصدر من المصادر التي أوردناها لمن هو رافضيّ! وإنّما أصحابها بين مالكيّ وحنفيّ وشافعيّ؛ مع وثاقة وصدق وعلوّ سند الحديث فتبيّن الحقّ بذلك« فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقّ إِلّا الضّلاَلُ فَأَنّى‏ تُصْرَفُونَ » (1) .

لفظ الحديث

حديث أسماء بنت عميس: أحمد بن صالح المصريّ، بسنده عن أمّ جعفر،

____________________

(1) يونس: 32.


عن أسماء بنت عميس(1) أنّ النبيّ صلّي الظهر بالصَهباء، ثمّ أرسل عليّاً في حاجة، فرجع وقد صلّى النبيّ العصر، فوضع النبيّ رأسه في حجر عليّ فلم يحرّكه حتّى غابت الشمس، فقال النبيّ: اللّهمّ إنّ عبدك عليّاً احتبس بنفسه على نبيّك، فردّ عليها شرقها. قالت أسماء: فطلعت الشّمس حتّى وقعت على الجبال وعلى الأرض ثمّ قام فتوضّأ وصلّى العصر، ثم غابت، وذلك في الصهباء.(2)

وأيضاً أبو جعفر الطّحاويّ، عن أسماء قالت: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ، فلم يصلّ العصر حتّى غربت الشمس، فقال له رسول الله: صلّيتَ يا عليّ؟ فقال: لا، فقال النبيّ: اللّهمّ إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردُد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها قد غربت، ثمّ رأيتها قد طلعت

____________________

(1) أسماء بنت عميس بن معد الخَثْعميّة، أسلمت قديماً، قبل دخول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دار الأرقم بمكّة، وبايعت وهاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها: جعفر بن أبي طالب، فولدت له هناك عبد الله ومحمّداً وعوناً، ثمّ قُتل عنها جعفر بمؤتة شهيداً في جمادى الأولى سنة ثمان للهجرة.

وأسماء أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأخت لبابة أمّ الفضل زوجة العبّاس بن عبد المطّلب. ولمّا قدمت أسماء من أرض الحبشة قال لها عمر: يا حبشيّة! سبقناكم بالهجرة. فقالت: أي لَعمْري لقد صدقتَ، كنتم مع رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يطعم جائعكم ويعلّم جاهلكم وكنّا البعداء الطّرداء، أما والله لآتين رسول الله، فلأذكرنّ ذلك له. فأنت أسماء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبرته؛ فقال: «كذِب مَن يقول ذلك، لكم هجرتان: هاجرتَم إلى النجاشيّ، وهاجرتم إليّ». والقاسم بن محمّد، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد وهو ابن أختها، وابن المسيّب، وغيرهم (الطبقات الكبرى 8: 219 / 4229، أسد الغابة 7: 14 / 6706، حلية الأولياء 2: 74، الاستيعاب 4: 236).

(2) مشكل الأثار للطحاويّ 4: 388.


بعد ما غربت.(1)

رواه ابن عساكر بنفس اللّفظ في مختصر تاريخ دمشق 17: 378 / الحديث 807، وابن المغازليّ في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: 96 / الحديث 140، والقاضي عياض في الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 240، والگنجيّ الشافعي في كفاية الطالب: 388، والعينيّ في عمدة القاري شرح البخاري 7: 146، والمحبّ الطبريّ في الرياض النّضرة 2: 179.

الحسين بن عليّعليه‌السلام

عن فاطمة بنت حسين، عن الحسين قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجر عليّ، وكان يوحى إليه، فلمّا سرى عنه قال: يا عليّ، صلّيتَ العصر؟ قال: لا. قال: اللّهمّ إنّك تعلم أنّه كان في حاجتك وحاجة رسولك، فُرّد عليه الشمس. فردّها عليه، فصلّى وغابت الشمس.(2)

أبو هريرة: أخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة قال: نام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ورأسه في حِجْر عليّ، ولم يكن صلّى العصر حتّى غربت الشمس. فلمّا قام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا له، فُردّت عليه الشمس حتّى صلّى، ثمّ غابت ثانية.(3)

ورواه السخاويّ في (المقاصد الحسنة: 226). قال السيوطيّ: وذكره

____________________

(1) نفسه 2: 8 و 4: 388، والخصائص الكبرى للسيوطيّ 2: 137، وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ: 53.

(2) الذّرّيّة الطاهرة للدولابيّ (ت 310 هـ): 129 / الحديث 156. ينابيع المودّة: 138.

(3) الخصائص الكبرى للسيوطيّ 2: 137.


الحسكانيّ في رسالة ردّ الشمس / الحديث 9.

حديث جابر: وممّن ذكره الحديث: الصحابيّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاريّ؛ ففي الخصائص الكبرى 2: 137، قال: وأخرج الطبرانيّ بسندٍ حسَن عن جابر: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر الشمس فتأخّرت ساعةً من نهار. وذكره الهيتميّ في مجمع الزوائد 8: 296، قال: رواه الطبرانيّ في الأوسط وإسناده حسَن.

حديث أبي رافع: واسمه أسلم، وكان عبداً للعبّاس بن عبد المطّلب فوهبه للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا بشّر رسول الله بإسلام العبّاس أعتقه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . شهد أحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وزوّجه رسول الله سَلمى مولاته، وشهدت معه خيبر، وولدت لأبي رافع عبيد الله بن أبي رافع وكان كاتباً لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

مات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بن عفّان، وله عقب.(1)

بسندٍ عن أبي رافع قال: رقَد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على فخذ عليّ وحضرت صلاة العصر، ولم يكن عليّ صلّى، وكره أن يوقظ النبيّ حتّى غابت الشمس، فلمّا استيقظ قال: ما صلّيت أبا الحسن؟ قال: لا يا رسول الله. فدعا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فرُدّت الشمس على عليّ كما غابت، حتّى رجعت لصلاة العصر في الوقت، فقام عليّ فصلّى العصر، فلمّا قضى صلاة العصر غابت الشمس، فإذا النجوم مشتبكة!

أخرجه ابن المغازليّ الشافعيّ في: مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: 98 /

____________________

(1) الطبقات الكبرى 4: 54 / 358.


الحديث 141.

ابن عبّاس: محمّد بن سلمة(1) ، عن خُصَيف(2) ، عن مجاهد، قال: قيل لابن عبّاس: ما تقول في عليّ بن أبي طالب؟ فقال: ذكرت واللهِ أحدَ الثّقلين! سبق بالشهادتين، وصلّى القبلتين، وبايع البيعتين، وأُعطي السِّبطين الحسن والحسين، ورُدّت عليه الشمس مرّتين بعدما غابت عن الثّقلين، وجرّد السّيف تارتين، وهو صاحب الكَرّتَين، فمَثَلُه في الأمّة مَثَل ذي القَرنَين؛ ذلك مولاي عليّ بن أبي طالب.(3)

إذن: إنّ ما أكبره ابن تيميه وأنكره من ردّ الشمس لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام بدعاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لم يقع مرّة واحدة، ولكن وقع مرّتين كما قاله ابن عبّاس. ولم يكن راويه امرأةً كما قال ابن تيميه! ويعني بذلك: جُوَيرية ابن مُسهر العبديّ؛ وقد مضت ترجمته ووقفنا على حُسن حاله كما لم يكن مصدرنا لرافضيّ - كذا - وإنّما هو لأحد أعلام الحنفيّة.

____________________

(1) محمّد بن سَلَمه بن كُهيل الحضرميّ - مضت ترجمة أبيه - روى عنه سفيان بن عُيَينة. وروى محمّد بن سلمة عن أبيه (الطبقات الكبرى 6: 356 / 2662، رجال الطوسيّ: 289، وذكره في أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام وقال: أسند عنه).

(2) خُصَيف بن عبد الرحمان، ويكنّى أبا عون من أهل حرّان، مولى لعثمان وكان ثقة، مات سنة سبع وثلاثين ومائة (الطبقات الكبرى 7: 334 / 3960، وقال العجليّ: ثقة: 143 / 381. وكذلك ابن معين 2: 327 / 5097 والدولابيّ في الكنى والأسماء 2: 148).

(3) المناقب للخوارزميّ: 330 / الحديث 349. وفي جواب ابن عبّاس مفردات من مناقب عليّعليه‌السلام أنكرها ابن تيميه حسب منهجه، مثل: حديث الثقلين، وسابقة عليّ، نعرض لها في محلّها.


وقد ذكر الخبر الشريف الرضيّ المتوفّى سنة 406 هـ في كتابه: خصائص أميرالمؤمنينعليه‌السلام : 24 - 25؛ ذكر عن: جويرة بن مسهر قال: قطعنا مع أميرالمؤمنين جسر الصراة في وقت صلاة العصر، فقال: إنّ هذه أرضٌ معذّبة لا ينبغي لنبيّ ولا وصيّ أن يصلّي فيها، فمن أراد منكم أن يصلّي فليصلّ.

قال: فتفرّق الناس يَمنةً ويَسرةً، وقلتُ أنا: لأقلّدنّ هذا الرجل ديني ولا أصلّي حتّى يصلّي. قال: فسرنا، وجعلت الشمس تنتقل، وجعل يَدْخُلني من ذلك أمرٌ عظيم، حتّى وجبت الشمس وقطعت الأرض، قال: فقال: يا جويرةُ أذّن، فقلت: تقول لي أذّن وقد غابت الشمس؟! قال: فأذّنت. ثمّ قال لي: أقم، فأقمت. فلمّا قلت: قد قامت الصلاة، رأيت شَفَتَيه تتحرّكان، وسمعت كلاماً كأنّه كلام العِبْرانيّة. قال: فرجعت الشمس حتّى صارت في مثل وقتها في العصر، فصلّى، فلمّا انصرف هَوَت إلى مكانها واشتبكت النّجوم. قال: فقلت أنا: أشهد أنّك وصيُّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا جويرة، أما سمعتَ الله يقول:« فَسَبّحْ بِاسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ) (1) فقلت: بلى، فقال: إنّي سألت ربّي باسمه العظيم، فردّها عَلَيّ.

وذكر الخبر الفضل بن شاذان بن جبرائيل المتوفّى سنة 660 هـ في كتابه الفضائل: 88 - 69، مع اختلاف في بعض الألفاظ، ثمّ قال: ورُدّت لهعليه‌السلام في حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بمكّة، وقد كان النبيّ قد غشيه الوحي، فوضع رأسه في حِجْر أميرالمؤمنين، وحضر وقت العصر فلم يبرح من مكانه وموضعه حتّى غربت

____________________

(1) الواقعة: 96.


الشمس، فاستيقظ النبيّ وقال: (اللّهمّ إنّ عليّاً كان في طاعتك، فُردَّ عليه الشمس ليصلّي العصر)، فردّها الله عليه بيضاء نقيّة، حتّى صلّى ثمّ غابت وقال السيّد الحميريّ (1) في ذلك قصيدته المعروفة بالمذهّبة ومنها:

____________________

(1) ترجم له أبو الفرج الأصبهانيّ عليّ بن الحسين المتوفّى سنة 365 هـ في كتابه الأغاني 7: 229 قال: السيّد الحِمْيَريّ: إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة بن مُفرّغ الحِمْيَريّ، يكنّى أبا هاشم، توفّي سنة 179 هـ له أشعار في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام ؛ فمن قصيدة له:

إنّ يوم التطهير يومٌ عظيمٌ

خُصّ بالفضل فيه أهل الكساء

(الأغاني: 239)، إشارةً منه إلى حديث الكساء ونزول آية التطهير في النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام .

قال: تلاحى رجلان من بني عبد الله بن دارم في المفاضلة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فرضيا بحكم أوّل من يطلع، فطلع السيّد، فقاما إليه وهما لا يعرفانه، فقال له مفضّل عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : إنّي وهذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول الله، فقلت: عليّ بن أبي طالب. فقطع السيّد كلامة ثمّ قال: وأيّ شيء قال هذا الآخر ابن الزانية! فضحك من حضر، وجَم الرجل ولم يِحُر جواباً (الأغانيّ 7: 241).

ومن قصيدة له جاء فيها:

أُقسم باللهِ وآلائهِ

والمرء عمّا قال مسؤولُ

إن عليّ بن أبي طالبٍ

على التّقى والبرّ مجبول

(الأغاني 7: 247).

وقال ابن سليمان بن عليّ - بن عبد الله بن العبّاس - يعرّض بالسيّد: أشعر الناس والله الذي يقول:

محمّدٌ خيرُ من يمشي على قدمٍ

وصاحباه وعثمانُ بن عفّانا

فوثب السيّد وقال: أشعرُ والله منه الذي يقول: =


رُدّت عليه الشّمسُ لما فاتَهُ

وقتُ الصلاة وقد دنت للمغرب

حتّى تبلّجَ نورُها في وقتها

للعصر، ثم هَوتْ هُويَّ الكوكب

وعليه قد حُبست ببابل مرّة

أُخرى، وما حُبست لخلق معرب

إلاّ ليوشع أو له، ولجِسِها

ولردّها تأويلُ أمرٍ مُعجْبِ

عود الشمس بعد مغيبها - لنبيّ الله سليمانعليه‌السلام -

جرى الحديث مع ابن تيميه وفق دعواه في تكذيب حديث ردّ الشمس لأميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام بدعاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فطعن في رواته، مع جلالتهم ووثاقتهم وتقدّمهم على ما ظهر لنا فيما تقدّم، فسقط بذلك أقوى ركني دعواه.

وتمسّك مضطرّاً بحديث ردّ الشمس ليوشع النبيّعليه‌السلام ، لكنّه قال: لم تردّ له الشمس، ولكن تأخّر غروبها، طُوِّل له النهار، فأغمض عمّا أخرجه العلماء من ردّ الشمس على يوشع لياليَ سار إلى بيت المقدس، وأيضاً عود الشمس لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بعد غروبها، في خيبر. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وحان الآن أن نتكلّم عن ردّ الشمس في موضع آخر، فقد ردّت على نبيّ الله سليمان ابن داودعليهما‌السلام ، وصرح القرآن بذلك ممّا يعني أنّ ردّ الشمس بعد غروبها جرى أكثر من مرّة،

____________________

=

سائلْ قريشاً إذا ما كنت ذا عمهٍ

من كان أثبتَها في الدِّين أوتادا

من كان أعلمها علماً، وأحلمَها

حلماً، وأصدقَها قولاً وميعادا

إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسنٍ

إن أنت لم تلق للأبرار حُسّادا

(الأغانيّ 7: 266).

وأشعاره كثيرة تنمّ عن ولائه لأهل البيتعليهم‌السلام ، وهذا الذي أثار حفيظة ابن تيميه بشأنه.


زيادةً في إعجاز أنبيائه وكرامةً لأوليائه. ثمّ إنّ بين يوشع بن نون. وسليمانعليهما‌السلام ، فاصلة زمنيّة ليست بالقليلة، فمن بعد يوشع كان إسماعيل، ومن بعده استخلف الله تعالى داودعليه‌السلام ، فخلف سليمان أباه داودعليهما‌السلام .

القصّة في القرآن

« وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ الصّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدّوهَا عَلَيّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ » (1) .

قال مقاتل:« إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ الصّافِنَاتُ الْجِيَادُ) يعنيّ بالصفن إذا رفعت الدّابّةُ إحدى يديها فتقوم على ثلاث ثوائم، (الجياد) يعني السِّراع؛ وذلك أنّ سليمان صلّى الأولى، ثمّ جلس على كرسيه لتعرض عليه الخيل، فغابت الشمس ولم يصلُّ العصر. فذلك قوله، « فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ » يعني المال، وهو الخيل الذي عُرض عليه عَنْ (ذِكْرِ رَبّي يعني صلاة العصر حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ). يعني غربت الشمس.

ثمّ قال: (رُدُّوهَا عَلَيَّ يعني كرّوها عليّ، فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ) يقول: فجعل يمسح بالسيف سُوقَها وأعناقها.(2)

وبسنده أخرج عبد الرزّاق قال: أنبأنا معمر، عن الحسن وقتادة والكلبي،

____________________

(1) سورة ص 30 - 33.

(2) تفسير مقاتل بن سليمان الأزديّ (ت 150 هـ) 3: 118، وأيضاً تفسير مقاتل 3: 8،(عَشِيًّا) الروم: 18 - قال: صلاة العصر.


في قوله:(الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) قال: الصافنات الخيل إذا أصفنّ قياماً، عقرها: قطع أعناقها وسوقها، وقوله:(أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخيْرِ...) يقول: الخير المال، والخيل من المال، يقول: فشغلته الخيل عن الصلاة.(1)

تفسير الطبريّ

« فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ » .

قال: وفي هذا الكلام محذوفٌ استغني بدلالة الظاهر عليه من ذِكره، فَلَهِيَ عن الصلاة حتّى فاتته فقال: إنّي أحببتُ حبَّ الخير! ويعني بقوله:« فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ) : أي أحببتُ حبّاً للخير، ثمّ أضيف الحبّ إلى الخير، وعَنِي بالخير في هذا الموضع الخيل، والعرب فيما بلغني تسمّي الخيل الخير، والمال أيضاً يسمّونه الخير. فعن قتادة« فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ » أي المال والخيل، أو الخير والمال.(2)

وبسنده عن سفيان، عن السُّدِّيّ« فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ) قال: الخيل. وأيضاً عن السُّدِّيّ، قال: المال. (3)

وقوله:« عَن ذِكْرِ رَبّي » يقول: إنّي أحببت حبَّ الخير حتّى سهوتُ عن ذكر ربّي وأداء فريضة. وقيل: إنّ ذلك كان صلاة العصر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال

____________________

(1) تفسير عبد الرزّاق الصنانيّ (ت 211 هـ) 2: 133 / الحديث 2588، وأيضاً تفسير عبد الرزّاق 2: 85،(وَعَشِيّاً) الروم: 18 -: العصر.

(2) تفسير الطبريّ 23: 182.

(3) نفسه.


أهل التأويل. عن قتادة، وعن السدّيّ«عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) عن صلاة العصر.(1)

وأخرج بسنده عن أبي صخر، أنّه سمع أبا معاوية الجبليّ من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصّهباء البكريّ يقول: سألت عليّ بن أبي طالب عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، وهي التي فُتِن بها سليمان بن داود.(2)

وقوله:« حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ » يقول: حتّى توارت الشمس بالحجاب، يعني تغيّبت في مغيبها. ذُكِر ذلك عن ابن مسعود وعن السّدّيّ.(3)

وفي قوله:« فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ » : عن قتادة قال: قال الحسن: قال: لا واللهِ لا تشغليني عن عبادة ربيّ آخر ما عليك.

قال قولهما - يعني قتادة والحسن - فيه: فكسف عراقيبها، وضرب أعناقها.(4)

وعن السّدّيّ: فضرب سُوقَها وأعناقها.(5)

الفخر الرازيّ: ذكر وجوهاً لحبّ داود للخيل، منها: أنّ هذه المحبّة الشديدة إنّما حصلت عن ذكر الله وأمره، لا عن الشهوة والهوى، وهذا الوجه أظهر الوجوه.(6)

____________________

(1) تفسير الطبريّ 23: 182.

(2) نفسه 23: 183.

(3) نفسه.

(4) نفسه.

(5) نفسه.

(6) التفسير الكبير، للفخر الرازيّ 26: 204.


قال: والضمير في قوله:« حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ » وفي قوله:«رُدُّوهَا» يحتمل أن يكون كلّ واحد منهما عائداً إلى الشمس؛ لأنّه جرى ذكر ما له تعلّقٌ بها، وهو العشيّ.(1)

تفسير السّلميّ: قال أبو سعيد القرشيّ: من غار للهِ وتحرّك له؛ فإنّ الله يشكر له ذلك، ألا ترى سليمان لمّا شغلته الأفراس عن الصلوات حتّى توارت الشمس بالحجاب، قال: ردّوها عَلَيّ فطفق مسحاً بالسّوق والأعناق.

فشكر اللهله صنيعه فقال:« فَسَخّرْنَا لهُ الرّيحَ » ، أبدلَه مركباً أهنى منهم وأنعم.(2)

ابن عطية الأندلسي: ذكر في تفسيره بشأن الآيات فقال: اختلف الناس في قصص هذه الخيل المعروضة، فقال الجمهور: إنّ سليمانعليه‌السلام عرضت عليه آلافٌ من الخيل تركها له أبوه، فأجريت بين يديه عشاءً، فتشاغل بجنسها وجريها ومحبّتها حتّى فاتته صلاة العشاء.(3)

قال: قال قتادة: صلاة العصر، ونحوه عن عليّ بن أبي طالب، فأسف لذلك وقال: رُدّوا علَيّ الخيل. قال الحسن: فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف؛

____________________

(1) نفسه.

(2) تفسير السّلمي محمّد بن الحسين الأزديّ السّلميّ (ت 412 هـ) 2: 186.

(3) إنّ قوله: فاتته صلاة العشاء، غير دقيق، إذ الذي في الآية:(العَشِيَّ) وهو ما بعد الزوال، كما في المعاجم والتفاسير على ما مرّو ما سيأتي. ونسبة قولَه إلى الجمهور! ليس صحيحاً، فقد ذكرنا بعض أقوالهم وسنذكر أخرى وكلّها تقول، «العصر». وقد وجدناه بعد قوله: فاتته صلاة العشاء، يذكر قول قتادة أنّها صلاة العصر! ومثله نسبه إلى الإمام عليّعليه‌السلام .


عقراً لما كانت سبب فوت الصلاة، فأبدله الله أسرع منها.

قال: والضمير في (توارت) للشّمس، وإن كان لم يَجْرِ لها ذكر صريح لأنّ المعنى يقتضيها وأيضاً فذِكْرُ العشيّ يقتضي لها ذكراً ويتضمّنها، لأنّ العشيّ إنّما هو مقدّرٌ متوهّمٌ بها.(1)

وفي تفسير ابن العربيّ:( بِالْعَشِيِّ ) : من زوال الشّمس إلى الغروب، كما أنّ الغداة من طلوع الشمس إلى الزوال.(2)

الجياد: هي الخيل، وكلّ شيء ليس برديء يقال له جيّد، عرضت الخيل على سليمانعليه‌السلام ، فشغلته عن صلاة العشيّ.

قال المفسّرون: هي العصر.(3)

قال: وكان له ميدان مستدير يسابِقُ بينها فيه، فنظر فيها حتّى غابت الشمس خلف الحجاب، وهو ما كان يحجب بينه وبينها.(4)

وفي قول مَن قال: إنّ الشمس لم يجر لها ذِكر، قال: وهذا فاسد، بل تقدّم عليها دليل، وهو قوله:«بِالْعَشِيِّ» ، كما تقول: سِرتُ بعد العصر حتّى غابت، يعني الشمس، وتركها لدلالة السامع لها عليها بما ذكر ممّا يرتبط بها وتعلّق بذكرها؛

____________________

(1) المحرّر الوجيز: لعبد الحقّ بن غالب بن عطيّة الأندلسيّ (ت 546 هـ).

(2) أحكام القرآن لأبي بكر محمّد بن عبد الله المعروف بابن العربي 4: 50.

(3) نفسه: 51.

(4) نفسه.


والغداةُ والعشيُّ أمرٌ مرتبط بمسير الشمس، فذُكره ذِكْرٌ لها.(1)

نظم الدّرر:« عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ » ، أي فيما بعد زوال الشمس،«الصَّافِنَاتُ» أي الخيول العربيّة الخالصة التي لا تكاد تتمالك بجميع قوائمها الاعتماد على الأرض؛ اختيالاً بأنفسها وقرباً من الطيران بلطافتها وهمّتها، وإظهاراً لقوّتها ورشاقتها وخفّتها...«الْجِيَادُ) ، التي تجود في جريها بأعظم ممّا تقدر عليه، جمع جواد، فلم تزل تُعرَض عليه حتّى فاتته صلاة آخر النّهار، وكان المفروض على من تقدّمنا ركعتين أول النهار وركعتين آخره، فانتبه في الحال.

ولمّا كان بيان ضخامة ملكه وكثرة هيبته وعزّته مع زيادة أوْبته، لتحصل التأسِية به في حسن ائتماره وانتهائه بقوله: فَقَالَ ولمّا كان اللاّئق بحاله والمعروف من فعاله أنّه لا يُؤثّر على ذكر الله شيئاً، فلا يكاد أحد ممّن شاهد ذلك يظنّ به ذلك - أي التسلية واللّهو - بل يوجّهون له في ذلك وجوهاً ويحملونه على محاملَ تَليق بما يعرفونه من حالٍ من الإقبال على الله والغنا عمّا سواه، أكد قوله تواضعاً للهِ تعالى، ليعتقدوا أنّه بشر يجوز عليهم لو لا عصمةُ الله: إِنِّي، ولمّا كان الحبّ أمراً باطناً لا يظهر في شيء إلاّ بكثرة الاشتغال به، وكان الاشتغال قد يكون لغير الحبّ، فهو غيرُ دالٍّ عليه إلاّ بقرائن، قال اعترافاً أَحْبَبْتُ أي: أوجدت وأظهرت بما ظهر منّي من الاشتغال بالخيل، مقروناً بذلك بأدلّة الودّ حُبَّ الخيْرِ وهو المال، بل خلاصة المال وسبب كلّ خيرٍ دنيويّ وأخرويّ «الخيلُ معقودٌ

____________________

(1) أحكام القرآن 4: 51.


بنواصيها الخير».(1)

أظهرتُ ذلك بغاية الرّغبة، غافلاً«عَنْ ذِكْرِ رَبِّي» المحسن إليّ، بهذه الخيل التي شغلتني، فلم أذكره بالصّلاة التي كانت وظيفة الوقت؛ وإن كان غرضي لها لكونه في طاعته ذكراً له. ولم يزل ذلك بي«حَتَّى تَوَارَتْ» أي الشمس المفهومة من «العَشِيّ»،«بِالْحِجَابِ» وهي الأرض التي حالت بيننا وبينها، فصارت وراءها حقيقةً.(2)

ولما اشتدّ تشّوف السامع إلى الفعل الذي أوجب له الوصف بأوّاب، بعد سماع قوله في لومه نفسه ليجمع بين معرفة القول والفعل...، فَطَفِقَ أي: أخذ يفعل ظافراً بمراده، لازماً له مصمّماً عليه واصلاً له معتمداً على الله في التقوية على العدوّ، لا على الأسباب التي من أعظمها الخيل، مفارقاً ما كان سبب ذهوله عن الذّكر، مُعْرِضاً عمّا يمكن أن يتعلّق به القلب، متقرّباً به إلى الله تعالى كما يتُقرّب في هذه الملّة - أي ملّة الإسلام - بالضحايا.

مَسْحاً: أي يوقع المسح فيها بالسيف إيقاعاً عظيماً.(3)

المفردات: العشيّ: من زوال الشمس إلى الصباح والعشاء: من صلاة المغرب

____________________

(1) أخرجه البخاريّ برقم 2849 و 3624، ومسلم 1871، والنّسائيّ 221، والبيهقيّ 6: 329، والبغويّ 2644.

(2) نظم الدّرر في تناسب الآيات والسّور: لإبراهيم بن عمر البقاعيّ (ت 885 هـ) 6: 383.

(3) نفسه 6: 384.


إلى العتمة.(1)

تاريخ دمشق: قال الحسن:« إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ » كانت خيلاً بلقاً جياداً، وكانت أحبّ الخيل إليه البلق فعرضت عليه، فجعل ينظر إليها« حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يعني الشمس، فغفل عن صلاة العصر.

وعن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، أنّه سئل عن صلاة الوسطى فقال: هي التي غفل عنها نبيّ الله سليمان بن داود حتّى تورات بالحجاب. يعني العصر.(2)

الكشّاف: ذكر الزمخشري في تفسيره القصّة، نختصرها:

إنّ سليمان قعد يوماً - بعدما صلّى الأولى - على كرسيّه واستعرضها، فلم نزل تُعرَض عليه حتّى غربت الشمس وغفل عن العصر أو عن وردٍ من الذكر كان له وقتَ العشيّ، وتهيّبوه فلم يُعلموه، فاغتمّ لما فاته، فاستردّها عقرها ومُقرّباً للهِ. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيراً منها، وهي الريح تجري بأمره.(3)

قال: والتواري بالحجاب: مجاز في غروب الشمس عن تواري الملك، أو المخبأة بحجابها. والذي دلّ على أنّ الضمير للشمس مرور ذكر العشيّ، ولابدّ للمضمر من جري ذكرٍ أو دليل ذكر.(4)

____________________

(1) المفردات في غريب القرآن للحسين بن محمّد المعروف بالراغب الأصفهانيّ (ت 502 هـ): 338.

(2) مختصر تاريخ دمشق 10: 125.

(3) تفسير الكشّاف لمحمود بن عمر الزمخشريّ (ت 538 هـ) 91: 4 - 92.

(4) نفسه 4: 93.


ابن كثير: ذكر غير واحد من السّلف والمفسّرين أنّه اشتغل بعرضها حتّى فات وقت صلاة العصر، والذي يُقطع به أنّه لم يتركها عمداً بل نسياناً، كما شُغِل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن صلاة العصر يوم الخَنْدق حتّى صلاّها بعد الغروب.

ويُحتمل أنّه كان سائغاً في ملّتهم تأخير الصلاة لضرر الغزو والقتال، والخيل تُراد للقتال.(1)

النهاية(2) : في حديث الصلاة «حين توارت بالحجاب» الحجاب هاهنا: الأفق، يريد حين غابت الشمس في الأفق واستترت به. ومنه قوله تعالى:« حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ » .

الثعالبيّ: ذكر الثعالبيّ في تفسيره، قال: اختلف المتأوّلون في قصص هذه الخيل المعروضة على سليمانعليه‌السلام ؛ فقال الجمهور: إنّ سليمان عُرضت عليه آلاف الخيل تركها له أبوه... فتشاغل بجريها ومحبّتها حتّى فاته وقتُ صلاة العشيّ، فأسف لذلك... فطفق يمسحُ سوقها وأعناقها بالسيف. قال الثعالبيّ وغيره: وجعل ينحرها تقرّباً إلى الله تعالى حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك مباحاً لهم كما أبيح لنا بهيمةُ الأنعام؛ فرُوي أنّ الله تعالى أبدله منها أسرع منها، وهي الريح.

والضمير في«تَوَارَتْ» للشمس، وإن كان لم يتقدّم لها ذكر؛ لأنّ المعنى

____________________

(1) تفسير القرآن العظيم: لابن كثير (ت 774 هـ) 7: 56.

(2) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزريّ (ت 606 هـ) 1: 340.


يقتضيها، وأيضاً فذكر العشيّ يتضمّنها.(1)

ابن وَهبْ: قال عبد الله بن وهب: سألت اللّيث عن قول الله:« بِالْغُدُوّ والآصَالِ » (2) ، فقال: الآصالُ العشيّ. (3)

ولا يخفى: أنّ الأصيل هو الوقت بين العصر والمغرب، فهو العشيّ.

هود الهُوّاريّ: ذكر في تفسيره:« فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ) أي: حبّ المال، يعني الخيل، وهي في قراءة عبد الله بن مسعود «حب الخيل»،« عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى‏ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أي غابت، يعني الشمس« بِالْحِجَابِ) ففاتته صلاة العصر.(4)

القرطبيّ:« تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يعني الشمس، كنايةً عن غير مذكور، وتركُها لدلالة السامع عليها بما ذكر ممّا يرتبط بها.(5)

مجمع البحرين:« تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يعني الشمس، أضمرها ولم يجر لها ذكر، والعرب تقول ذلك إذا كان في الكلام ما يدلّ على المـُضمر. (6)

الجصّاص: ذكر الآيات ثمّ قال عن ابن مسعود: حتى توارت الشمس

____________________

(1) تفسير الثعالبيّ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» لعبد الرحمان بن محمّد الثعالبيّ المالكيّ (ت 875 هـ) 5: 66.

(2) الأعراف: 205، الرعد: 15، النور: 36.

(3) الجامع: عبد الله بن وَهْب المصريّ (ت 197 هـ) 2: 165.

(4) تفسير كتاب الله العزيز: هود بن مُحَكَّم الهوّاريّ (ت منتصف القرن الثالث الهجريّ) 4: 16.

(5) الجامع لأحكام القرآن لمحمّد بن أحمد القرطبيّ الأنصاريّ 15: 195.

(6) مجمع البحرين لفخر الدين الطريحيّ (ت 1085 هـ) ج 1: ص 434.


بالحجاب.(1)

الصدوق: ذكر روايةً عن الإمام الصادقعليه‌السلام ، هي: إنّ سليمان بن داودعليهما‌السلام عُرِض عليه ذات يوم بالعشيّ الخيل، فاشتغل بالنظر إليها حتّى توارث الشمس بالحجاب، فقال للملائكة: ردّوا الشمس عَلَيّ حتّى أصلّي صلاتي في وقتها. فرَدُّوها، فقام فمسح ساقيه وعنقه، وأمر أصحابه الذين فاتتهم الصلاة معه بمثل ذلك وكان ذلك وضوءهم للصلاة، ثمّ قال فصلّى، فلمّا فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم. وذلك قول الله عزّ وجلّ:« وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ ...» (2) .

الطّبرسيّ: «المراد بالخير الخيل هنا، فإنّ العرب تُسمّي الخيل الخير ن عن قتادة والسدّيّ. فالمعنى آثرتُ حبَّ الخيل عن ذكر ربّي، وقيل: إنّ هذه الخيل كانت شَغَلَتْه عن صلاة العصر حتّى فات وقتها. عن عليّعليه‌السلام ، وقتادة والسدّي. وفي روايات أصحابنا أنّه فاته أوّل الوقت».(3)

وقوله تعالى:« رُدّوهَا عَلَيّ) ، قال: قيل: معناه أنّه سأل اللهَ تعالى أن يَرُدّ الشمس عليه، فردّها عليه حتّى صلّى العصر. فالهاء في ردّوها كناية عن الشمس. عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .(4)

____________________

(1) أحكام القرآن للجصّاص أحمد بن عليّ الرازيّ (ت 370)، 3: 502.

(2) من لا يحضره الفقيه للصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القميّ (ت 381 هـ 1: 129).

(3) مجمع البيان للفضل بن الحسن الطبرسيّ (ت 548 هـ) 8: 740.

(4) مجمع البيان 8: 741.


وفي رواية عن ابن عبّاس: سألتُ عليّاًعليه‌السلام عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها يا ابن عبّاس؟ قلت: سمعتُ كعباً يقول: اشتغل سليمانُ بعرض الأفراس حتى فاتته الصّلاة، فقال ردّوها علَيَّ، يعني الأفراس، كانت أربعة عشر، فأمر بضرب سوقها وأعناقها، فقتلها، فسلبه الله مُلكه أربعة عشر يوماً؛ لأنّه ظلم الخيل بقتلها!

فقال عليّعليه‌السلام : كذب كعب، لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم؛ لأنّه أراد جهاد العدوّ، حتّى توارت الشمس بالحجاب، فقال بأمر الله تعالى للملائكة الموكّلين بالشمس: رُدّوها علَيِّ فرُدّت، فصلّى العصر في وقتها، وإنّ أنبياء الله لا يَظلمون ولا يأمرون بالظّلم؛ لأنّهم معصومون مطهّرون».(1)

ابن شهر آشوب: ذكر في مناقبه: عن ابن عبّاس بطرق كثيرة أنّه لم تُردَّ الشمس إلاّ لسليمان وصيّ داود وليوشع وصيّ موسى، ولعليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد صلوات الله عليهم أجمعين.(2)

الكلينيّ: بسنده عن أبي جعفر «الباقر»عليه‌السلام في قول عزّ وجلّ:« إِنّ الصّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً » (3) قال: يعني مفروضاً. وليس يعني وقت فوتها إذا جاز ذلك الوقت ثمّ صلاّها، فلم تكن صلاته هذه مؤدّاةً، ولو كان ذلك كذلك

____________________

(1) مجمع البيان 8: 741. وانظر: تفسير الصافي للفيض الكاشانيّ 4: 299، والميزان للطباطبائي 17: 206، وكنز الدقائق للمشهديّ 11: 233.

(2) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب محمّد بن عليّ المازندرانيّ (ت 588 هـ) المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف، 2: 146. وانظر: من لا يحضره الفقيه للصدوق 1: 29، رواية 9 - 12.

(3) النساء: 103.


لهلك سليمان بن داودعليهما‌السلام حين صلاّها لغير وقتها، ولكنّه متى ذكرها صلاّها.(1)

القمّيّ: ذكر في تفسيره: أنّ سليمانعليه‌السلام كان يحبّ الخيل ويستعرضها، فعرضت عليه يوماً، إلى أن غابت الشمس وفاتته صلاة العصر، فاغتمّ من ذلك غمّاً شديداً، فدعا الله أنّ يردّ عليه الشمس حتّى يصلّي العصر...».(2)

ابن أبي جامع العامليّ: ذكر في تفسيره:«رُدُّوهَا» أي الشمس عَلَيَّ أيّها الملائكة الموكّلون بها. طلب منهم ردّها بأمر الله إيّاه بذلك، فردّت، فصلّى. كما ردّت ليوشع وعليّعليه‌السلام .(3)

السيّد عبد الله شبّر: حَتَّى«تَوَارَتْ» أي الشمس، بدلالة العشيّ عليها، بِالْحِجَابِ بحجاب الأفق، أي غربت، أو حتّى غابت الخيل عن بصره حين أجريت رُدُّوهَا أي الشمس عَلَيَّ أيّها الملائكة الموكّلون بها، فردّت فصلّى، كما ردت ليوشع وعليّ عليهما‌السلام . (4)

العلاّمة الطباطبائيّ: «إنّي شغلني حبّ الخيل، حين عُرض علَيّ، عن الصلاة حتّى فات وقتها بغروب الشمس. وإنّما كان يحبّ الخيل في الله ليتهيّأ به للجهاد في سبيل الله، فكان الحضور للعرض عبادةً منه، فشغلته عبادةٌ عن عبادة، غير

____________________

(1) الكافي لمحمد بن يعقوب الكلينيّ الرازيّ (ت 328 هـ) 3: 294.

(2) تفسير القمّيّ لعلي بن إبراهيم القمّيّ (القرن الثالث والرابع الهجريّ) 2: 234.

(3) الوجيز في تفسير القرآن العزيز لعليّ بن الحسين بن أبي جامع العامليّ (1070 - 1135 هـ) 3: 101.

(4) تفسير القرآن الكريم لعبد الله شبّر (ت 1242 هـ): 429.


أنّه يعدّ الصلاة أهمّ».(1)

ثمّ ذكر الرواية التي ذكرها الطّبرسيّ في دعاء سليمانعليه‌السلام واستجابة الله تعالى له، فردّ عليه الشمس حتّى صلّى.

الفيض الكاشانيّ:«رُدُّوهَا عَلَيَّ) الضمير للشمس... في «الفقيه» عن الصادقعليه‌السلام قال: إنّ سليمان بن داودعليهما‌السلام عرض عليه ذات يوم بالعشيّ الخيل، فاشتغل بالنظر إليها حتّى توارت الشمس بالحجاب. فقال للملائكة: ردّوا الشمس علَيّ حتّى أصلّي صلاتي في وقتها...، تمام الرواية التي ذكرها الصدوق عن الإمام الصادقعليه‌السلام .(2)

ظهور الضمير في الشمس

إضافة إلي ما ذكرنا من مصادر معتبرةٍ مُعتدّ بها، قد ذَكَرت أنّ الضمير في تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ عائد إلى الشمس.

نذكر مصادر أخرى ذكرت ذلك، على نحو الإيجاز:

تنزيه الأنبياء: ذكر الشريف المرتضى عن الجبائيّ: أنّها الشمس... وفاتته صلاةٌ مستحبّة.(3)

____________________

(1) الميزان في تفسير القرآن لمحمد حسين الطباطبائيّ (1321 - 1402 هـ) 17: 203.

(2) تفسير الصافي للفيض الكاشانيّ (ت 1091 هـ) 4: 298.

(3) تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى: 135.


غريب الحديث: تَوَارَتْ الشمس.(1)

وابن عساكر: عن الحسن: يعني الشمس. وأيضا: قول جمهور أهل العلم: الشمس. (تاريخ مدينة دمشق 22: 241، 42: 506). وكذلك في: «عصمة الأنبياء؛ للفخر الرازيّ: 83، زاد المعاد لابن الجوزيّ 6: 335. تأويل الآيات لعليّ الحسينيّ (ت 965 هـ) 2: 552. لسان العرب لابن منظور 1: 299. البرهان في علوم القرآن لمحمّد بن عبد الله الزركشيّ (ت 794 هـ) 4: 26.

النتيجة:

1 - أنّ الشمس ردّت ليوشع وسليمان وعليّعليهم‌السلام .

2 - بطل الإشكال الذي ذكره ابن تيميه في أنّ الشمس لو ردت حقيقة لعليّ، لم تكن له فضيلة! لأنّه يكون قد أدّى صلاته في غير وقتها! فهو إمّا مقصّر والمقصّر عليه أن يتوب؛ وإمّا غير مقصّر فلا ذنب عليه ولا حاجة لردّ الشمس.

وجوابه: لقد أدّاهاعليه‌السلام في وقتها بدليل رجوع الشمس إلى وقت العصر. ولو لم يكن لرجوعها فضيلة، لما دعا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فاستجاب الله تعالى له فردّها، ولما دعا سليمانعليه‌السلام فردّها سبحانه عليه.

وليس تقصير في البين، لا من سليمان النبيّ، ولا من عليّ الوصيّعليهما‌السلام فكلاهما كان في عبادة شغلته عن عبادة، مع الموقع المهمّ للصلاة في العبادات.

____________________

(1) غريب الحديث لابن سلام (ت 224) 3: 79.


كرامات أعظم من ردّ الشمس

كبر على ابن الجوزيّ ردّ الشمس زيادةً في إعجاز رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكرامة لوليّه عليه السلام، فيها ذكر كرامات لغيرهما تبزّ عين الشمس، ويكون ردّ الشمس لا شيء إزاءها! فشايعه ابن تيميه على الأولى ولم ينكر عليه الثانية.

وقبل ذكر أمثلة من تلك الكرامات العظيمة، نقول: أثبتنا قوّة ووثاقة سند حديث ردّ الشمس؛ فيما جرّد أبو الفرج أخباره تلك من الأسانيد وألقى كثيراً منها على لسان رجل مجهولٍ أو امرأة نكِرة، وكثير منها أحلامٌ ومنامات. وآن الأوان لأن نجول في تلك الأخبار ونقتطف بعضاً من بحرها!

الله عزّ وجلّ يزور أحمد

روى ابن الجوزيّ، قال: حدّثني أبو بكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربيّ وكان شيخاً صالحاً، قال: قد جاء في بعض السنين مطر كثير جدّاً قبل دخول رمضان بأيّام، فنمتُ ليلة فيرمضان فأريت في منامي كأنّي قد جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره، فرأيت قبره قد التصق بالأرض مقدار سافٍ أو سافَين فقلتُ: إنّما تمّم هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث، فسمعته من القبر وهو يقول: لا، بل هذا من هيبة الحقّ عزّ وجلّ، قد زارني فسألته عن سرّ زيارته إيّاي في كلّ عام، فقام عزّ وجلّ: يا أحمد! لأنّك نصرت


كلامي فهو يُنشَر ويتلى في المحاريب.(1)

فأيّ شأن يبقى لردّ الشمس، والله - تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً - يزور أحمد في قبره؟! إلاّ أنّ البعض يثير إشكالاً على أبي الفرج! فيقول: مَن هو هذا الرجل الصالح الذي روى لك منامَه هذا فجعلتهَ حقيقةً في مناقب أحمد، وهل يرقى إلى رواة وسند حديث ردّ الشمس؟!

وكيف سمع أحمد كلام هذا الرجل وهو في قبره، وأنت تروي في مناقبه أنّه قد رُفع إلى الجنّة متوّجاً يُدخِل مَن يشاء ويمنع من يشاء - سيأتي - وإنّ نزول الله - جلّ وعزّ عن ذلك - يعني أنّه سبحانه في جهةٍ ممّا يعني تحديده وتبعيضه، ممّا هو صفة الحوادث المخلوقة.

تتويج أحمد

وذكر أبو الفرج من أحوال أحمد قال: قال زكريّاء بن يحيى السّمسار(2) :

رأيت أحمد بن حنبل في المنام على رأسه تاج مرصّع بالجوهر، وفي رجلَيه نعلان وهو يخطر بهما. فقلت: أبا عبد الله، ماذا فعل الله بك؟ قال: غفرلي، وأدناني من نفسه، وتوّجني بيده هذا التّاج، وقال لي: هذا بقولك: القرآن كلام الله

____________________

(1) مناقب أحمد بن حنبل لأبي الفرج ابن الجوزيّ: 454.

(2) لم أجد له ترجمة في الكتب المعتمدة، وذكره ابن حجر في لسان الميزان 2: 483 / 1945: (زكريا) بن يحيى البديّ، عن عكرمة، قال ابن معين: ليس بثقة، قال ابن المدينيّ عنه: هالك. قال الدوريّ ليس بثقة. قال النسائيّ: ليس بثقة. قال ابن حبّان: يروي عن الأثبات ما لا يشبه أحاديثهم.


غير مخلوق. قلت: فما هذه الخَطْرة الّتي لم أعرفها لك في دار الدّنيا؟! قال: هذه مِشْية الخُدّام في دار السلام.(1)

لا اعتراض على دخول أحمد الجنّة، ولكنّ الأمر متعلّق بتتويج الله تعالى بيده لأحمد، وتكليمه له؛ ممّا يعني: أنذ له جلّ ثناؤه أبعاضاً، وأنّه يتكلّم بحرفٍ وصوت؛ وهو ما يوافق عقيدة ابن تيميه التي أُدين بها وحُوقق لأجلها.

أحمد قسيم الجنّة

ووفاقاً لمنهجه في ذكر أعظم الكرامات التي مستند أعمّها المنامات، قال قال عليّ بن الموفّق(2) : رأيت كأنّي أدخِلت الجنّة، فإذا أنا بثلاثة نفر: رجل قاعد على مائدة قد وكّل الله به ملكين، فملك يطعمه وملك يسقيه وآخر واقف على باب الجنّة ينظر إلى وجوه قومٍ فيدخلهم الجنّة. وآخر واقف في وسط الجنّة، شاخص ببصره إلى العرش ينظر إلى الربّ. فجئت إلى رضوان فقلت: من هؤلاء؟ فقال: أمّا الأوّل فبُشْرُ الحافي، وأمّا الواقف في وسط الجنّة فمعروف الكرخي، وأمّا الواقف على باب الجنّة فأحمد بن حنبل قد أمره الجبّار أن ينظر إلى وجوه أهل السّنّة، فيأخذ بأيديهم فيُدخلهم الجنّة.(3)

وليس لنا أن نبخس الناس أشياءهم وإن كنت مستندةً إلى منامات، إلاّ

____________________

(1) مناقب أحمد بن حنبل، لأبي الفرج: 436.

(2) لم أجد له ترجمة.

(3) مناقب أحمد، لأبي الفرج: 443.


أنّه تعترضنا أمور: هل يشقّ على بِشْر أن يأكل ويشرب بنفسه من دون أن يُعنّي الملَكَين؟! وأين صار عالم البرزخ فتجاوزه هؤلاء ودلفوا الجنّة؟ وأليس كون الربّ - سبحانه وتعالى - على عرش بذاته ينظر إليه في علوّه، من صفات الحوادث إذ هو صريح في حلوله جلّ وعزّ، في مكان يحتويه؟!

وأظنّ صاحب الرؤيا أخطأ في تشخيص الرجل الواقف على باب الجنّة! ذلك أنّ قسيم الجنّة كما يرد في الأحاديث هو عليّ بن أبي طالب كما قرّره أحمد بن حنبل نفسه!

قال القاضي ابن أبي يعلى الحنفيّ: سمعت محمّد بن منصور(1) يقول: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله! ما تقول في هذا الحديث الذي يُروى أنّ عليّاً قال: أنا قسيم النار؟ فقال أحمد: وما تُنكرون من ذا - وفي لفظ: من هذا الحديث؟ - أليس رَوينا أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: «لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق»(2) ؟ قلنا: بلى، قال فأين المؤمن؟ قلنا في الجنّة، قال: وأين

____________________

(1) محمّد بن منصوربن داود الطّوسي، نزيل بغداد. يروي عن أحمد بن حنبل، وإسماعيل بن عُلَيّة... وغيرهما. توفّي سنة ستّ وخمسين ومئتين. تهذيب الكمال للمزّيّ 26: 501 / 5631.

(2) ووفق منهجه، فقد كذبه ابن تيميه - سنأتي عليه في محلّه - ويرد الحديث بألفاظ متقاربة والمعنى واحد، وأسانيده موثّقة ومصادره في منته العلوّ والوثاقة.

الأعمش - سليمان بن مهران الأعمش الكوفيّ أبو محمّد. رأى أنس بن مالك وروى عنه. ذكره ابن حبّان في الثّقات 2: 184 / 1421 - في التّابعين -، وذكره العجليّ قال: ثقة، كوفيّ، يقال: إنّه ظهر له أربعة آلاف حديث. وكان عالماً بالقرآن رأساً فيه، وكان فصيحاً لا يلحن حرفاً، وكان عالماً بالفرائض، ولم يكن في زمانه أكثر حديثاً منه. وكان فيه تشيّع تاريخ الثقات للعجلي 204 =


____________________

= / 619. وذكره الطوسيّ في أصحاب الصادقعليه‌السلام رجال الطوسيّ: 206 - عن عديّ بن ثابت - عدي بن ثابت الأنصاريّ، عداده في أهل الكوفة، يروي عن البراء بن عازب الثّقات لابن حبّان 2: 417 / 392. وهو عالم الشيعة وصادقهم (الجرح والتعديل للرازي 7: 5، تهذيب التهذيب لابن حجر 7: 165). وذكره ابن شاهين فقال: ثقة، إلاّ أنّه كان يتشيّع (تاريخ أسماء الثّقات 254 / 1016). وقال العجليّ عنه: ثقة ثبت، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ولم يدركه سفيان الثّوريّ، وكان شيخاً عالماً في عداد الشيوخ، روى عن عبد الله بن يزيد الخطميّ من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (تاريخ الثّقات للعجليّ: 330 / 1115) - عن زرّ - زرّ بن حبيش الأسديّ الكوفيّ أبو مريم ز مات سنة ثنتين وثمانين وكان من أعرب الناس و كان عبد الله بن مسعود يسأله عن العربيّة. روى عن: عمر وعليّ وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وحذيفة بن اليمان (تاريخ ابن معين 2: 172، الجرح والتعديل للرازيّ 3 / الترجمة 2817، الاستيعاب 1: 212، الثّقات لابن حبّان وفي (تاريخ الثقات للعجلي 165 / 458): زرّ بن حبيش، من أصحاب عبد الله وعليّ، ثقة. وذكره الطوسيّ في أصحاب عليّعليه‌السلام وقال: وكان فاضلاً (رجال الطوسيّ: 42) - عن عليّ قال: إنّه لعهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إليّ أنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق.

أخرجه: الترمذيّ في (الجامع الصحيح، في المناقب / ح 3737)، والنسائي في (الإيمان 8 / 117)، و (مسند أحمد 1: 84 و 95، وتاريخ الإسلام للذهبيّ 3: 634، وأنساب الأشراف 225 و 226 والشفا للقاضي عياض: 31، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي: 137 / الرقم 225 و 226 و أسد الغابة 4: 105.

وأخرجه ابن ماجة في (سننه 1: 42 / 114 بنفس السند ولفظه: «عهد إليّ النبيّ الأمّيّ أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق».

وبنفس السند أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنّف 7: 494 ومسلم في صحيحه 2: 64 ولفظه: عن عليّ بن أبي طالب قال: والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، أنّه لعهد النبيّ الأمّي إليّ أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق. =


____________________

= وأخرج ابن مردويه بسده عن أبي موسى الأشعريّ، قال: أشهد أنّ الحقّ مع عليّ، ولكن مالت الدنيا بأهلها! ولقد سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (يا عليّ، أنت مع الحقّ والحقّ بعدي معك، لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق) وإنّا لنحبّه، ولكنّ الدنيا تغرّ بأهلها (فضائل عليّ لابن مردويه: 115 / الحديث 138، والأربعون حديثاً لابن بابويه الرازيّ: 42.

وبسند عن مساور الحِمْيَريّ، عن أمّه، عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (لا يبغض عليّاً مؤمن، ولا يحبّه منافق) (المصنّف لابن أبي شيبة 7: 503).

شريك - مضت ترجمته - عن قيس بن مسلم: (قيس بن مسلم، كوفيّ، ثقة روى عن مرّة الهمدانيّ، وكان يميل مع عليّ بعض الميل، وقد شهد مع عليّ تلك المشاهد (تاريخ الثقات للعجلي 394 / 1401) عن أبي عبد الله الجدليّ: (أبو عبد الله الجدليّ الكوفيّ، اسمه: عبد بن عبد، وقيل: عبد الرحمان بن عبد. روى عن خزيمة بن ثابت، وسلمان الفارسيّ، وسليمان بن صُرَد الخزاعيّ، وأمّ سلمة، وعائشة... وغيرهم. روى عنه: إبراهيم النخعيّ وعامر الشّعبي، وعطاء بن السائب، وأبو إسحاق السبيعيّ وغيرهم. روى له: أبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائي في الخصائص، وابن ماجة في السنن قيل لأحمد بن حنبل: أبو عبد الله الجدليّ معروف؟ قال: نعم، ووثّقه. روى له: أبو داود، والترمذيّ، والنّسائي في الخصائص وابن ماجة في السنن. ووثّقه يحيى بن معين (تهذيب الكامل للمزّيّ 34 / 2460). عن أبي ذرّ قال: ماكنّا نعرف المنافقين إلاّ بتكذيبهم اللهَ ورسولَه، والتخلّف عن الصلوات، والبغض لعليّ بن أبي طالب (المستدرك على الصحيحين 3: 139 / 4643).

وبسند عن جعفر بن سليمان: (جعفر بن سليمان الضبعيّ، بصريّ ثقة، وكان يتشيّع (تاريخ الثقات للعجلي 97 / 212)، اتّفقوا على أنّه صدوق، ولم يطعن فيه أحد في الحديث، وقالوا: ثقة (تاريخ البخاريّ الكبير 1: 2: 192). قال ابن معين: ثقة (تاريخ ابن معين 2: 104 / 3533). عن أبي هارون العبديّ: (أبو هارون العبدي، اسمه: عمارة بن جُوَين العبديّ البصريّ. روى عن: عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وأبي سعيد الخدريّ. روى عنه جعفر بن سليمان الضبعيّ، وسفيان الثّوريّ، =


المنافق؟ قلنا: في النار؛ قال: فعليّ قسيم النار.(1)

وبكلام أحمد، وما ذكرناه عن الأثبات، تبيّن أنّ صاحب الرؤيا أخطأ في تشخيص قسيم الجنّة؛ فأثبت أحمدُ بن حنبل أنّ قسيم النار والجنّة هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

عن عبد الله بن المثنّى(2) ، عن عمّه ثُمامة بن عبد الله بن أنس(1) ، عن أبيه عن

____________________

= ومعمر بن راشد... وغيرهم. روى له: البخاريّ، والترمذيّ، وابن ماجة (تهذيب الكمال للمزّيّ 24: 359 و 21: 232 / 4178).

عن أبي سعيد الخدريّ قال: ما كنّا نعرف منافقي هذه الأمّة إلاّ ببغضهم عليّاً (جامع الترمذيّ - المناقب / الرقم 3800، أسد الغابة 4: 110، تاريخ الإسلام للذهبيّ 3: 6340).

وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن عاصم - عاصم بن ضَمْرة السّلوليّ من قيس عَيْلان، روى عن عليّ وتوفّي بالكوفة في ولاية بشر بن مروان، وكان ثقةً، وله أحاديث. (الطبقات الكبرى 6: 245 / 2217 - ووثّقه العجليّ: 241 / 739) عن زرّ قال: قال عليّ: لا يُحبّنا منافق، ولا يبغضنا مؤمن) (المصنّف لابنِ أبي شيبة 7: 503).

أبو الزبير - واسمه محمّد بن مسلم بن تَدّرُس - عن عطاء قال: كان أبو الزبير أحفظَنا لحديث جابر؛ وكان ثقةً كثير الحديث (الطبقات الكبرى 6: 30 / 1575، الجرح والتعديل 8: 84) - عن جابر قال: ما كنّا نعرف منافقي هذه الأمّة إلاّ ببغضهم عليّاً) (الاستيعاب 3: 46 و 47، مختصر تاريخ دمشق 18: 15، تاريخ الإسلام للذهبيّ 3: 634).

(1) طبقات الحنابلة للقاضي أبي يعلى 1: 320، كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب، للقنجي الشافعيّ: 72. 2: 162 / 1267، الإصابة 1: 577.

(2) عبد الله بن المثنّى بن عبد الله بن أنس بن مالك، ثقة. تضمينات ابن حجر لتاريخ الثّقات للعجليّ 276 / 877.


جدّه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا كان يومُ القيامة ونُصِب الصراط على شَفير جهنّم، لم يَجُزْ إلاّ من معه كتابُ ولاية عليّ بن أبي طالب».(2)

الحسن بن أبي الحسن البصريّ، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر، قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «إنّ على الصراط لَعَقبةً لا يجوزها أحد إلاّ بجواز من عليّ أبي طالب».(3)

عليّ قسيم النار والجنّة

الحكمة في كونهعليه‌السلام قسيم النار والجنّة، هي أنّ محبّته وموالاته حبٌّ وولاءٌ لرسول الله - أثبتنا ذلك من الحديث حول آية التصدّق حال الركوع - وما سيأتي من كلام قرآناً وسنّةً.

حبيب بن أبي ثابت(4) ، عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال: قال رسول

____________________

(1) ثمامة بن عبد الله بن أنس، بصريّ، تابعيّ، ثقة (تاريخ الثقات للعجليّ 91 / 188، الثّقات لابن حبّان 2: 55 / 395).

(2) مناقب الإمام عليّ لابن المغازلي: 242، ميزان الاعتدال 1: 28، حلية الأولياء 1: 241، ينابيع المودّة: 113 - 114.

(3) تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ 10: 357.

(4) ذكره البرقيّ في أصحاب عليّ بن الحسين  السجّادعليه‌السلام (رجال البرقيّ: 9). وقال العجليّ: حبيب ابن أبي ثابت الأسديّ: ثقة، تابعيّ، وكان مفتي الكوفة قبل حمّاد بن أبي سليمان؛ سمع من ابن عمر ومن ابن عبّاس، وكان ثبتاً في الحديث (تاريخ الثقات للعجلي 805 / 244) قال يحيى بن معين: حبيب بن أبي ثابت، أبو يحيى، يحدّث عن عروة بن عامر (تاريخ ابن معين 1: 242 / =


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ بن أبي طالب: «أنت الطريق الواضح، وأنت الصراط المستقيم، وأنت يَعْسُوب المؤمنين».(1) وبذا يكون مَن سلك نهجه فقد نهج الطريق الموصل إلى الجنّة، والحائد عنه ضالّ متردٍّ في جهنّم. وعليّعليه‌السلام هو نفسُ رسول الله، نصّ على ذلك القرآن في آية المباهلة، ولا يكون المتأسّي برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ في أعلى علّيّين.

____________________

= 1585، والكنى والأسماء للدولابيّ 2 / 166، وتاريخ البخاريّ الكبير 1: 2 / 313، والجرح والتعديل 3 / 495).

قال يحيى بن مَعين: عن أبي بكر بن عيّاش: لم يكن بالكوفة إلاّ ثلاثة أنفس: حبيب بن أبي ثابت، وحمّاد بن أبي سليمان، وآخر. قيل ليحيى: حبيبٌ ثبت؟ قال: نعم (تاريخ يحيى 2: 17 / 2925). وذكره خليفة بن خيّاط في (طبقاته - في الطبقة الرابعة من مُضر الكوفة 269 / 1175). وترجم له ابن سعد قال: حبيب بن أبي ثابت الأسديّ، مولى كاهل، ويكنّي «أبا يحيى، واسم أبي ثابت قيس بن دينار».

سفيان عن حبيب بن أبي ثابت قال: طلبتُ العلم وما لي فيه نيّة، ثمّ رزق الله النية.

قال: وكان أبو بكر بن عيّاش يقول: كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع: حبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عُتَيبة وحمّاد بن أبي سليمان، وكان هؤلاء أصحاب الفُتْيا وهم المشهورون، وما كان بالكوفة أحد إلاّ يَذِلّ لحبيب. قال الفضل بن دُكين ومحمّد بن عمر: مات حبيب  بن أبي ثابت سنة تسع عشرة ومائة (الطبقات الكبرى 6: 320).

(1) شواهد التنزيل للحسكانيّ الحنفيّ 1: 76.

قال: وكان أبو بكر بن عيّاش يقول: كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع: حبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عيبة وحمّاد بن أبي سليمان، وكان هؤلاء أصحاب الفتيا وهم المشهورون، وما كان بالكوفة أحد إلاّ يذلّ لحبيب. قال الفضل بن دكين ومحمّد بن عمر: مات حبيب بن أبي ثابت سنة: تسع عشرة ومائة (الطبقات الكبرى 6: 320).


وعن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، عن جدّهعليهم‌السلام ، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من سرّه أن يجوز على الصراط كالريح العاصف ويلج الجنّة بغير حساب، فليتولّ وليّي ووصيّي وصاحبي وخليفتي على أهلي: عليَّ بن أبي طالب. ومن سرّه أن يلج النار فليترك ولايته، فوعزّة ربّي وجلاله: إنّه لَبابُ الله الذي لا يُؤتى إلاّ منه، وإنّه الصراط المستقيم، وإنّه الذي يسأل الله عن ولايته يوم القيامة».(1)

عن محمّد بن الحنفيّةرضي‌الله‌عنه ، قال: سمعت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام يقول: دخلت يوماً منزلي، فإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جالس، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وفاطمة بين يديه، وهو يقول: «يا حسن يا حسين، أنتما كفّتا الميزان وفاطمة لِسانُه ولا تعدل الكفّتان إلاّ باللّسان، ولا يقوم اللّسان إلاّ على الكفّتَين، أنتما الإمامان، ولأمّكما الشّفاعة. ثمّ التفت إليّ وقال: يا أبا الحسن، أنت توفي أجورهم، وتقسم الجنّة بين أهلها يوم القيامة».(2)

وذكر ابن حجر أنّ الدار قطنيّ أخرج أن عليّاً قال للستّة الذين جعل عمر الشورى بينهم، كلاماً طويلاً كان من جملته: أنشدكم بالله، هل فيكم أحدٌ قال له رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنت قسيمُ الجنّة والنار يوم القيامة، غيري؟

قالوا: لا.

وبمعناه ما رواه عنترةُ عن عليّ الرضا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له: «أنت قسيم الجنّة

____________________

(1) شواهد التنزيل للحسكانيّ الحنفيّ (ت 490 هـ) 1: 76.

(2) المناقب الثلاثة لمحمّد بن يوسف الشافعيّ: 125 - 126.


والنار، فيوم القيامة تقول النار: هذا لي، وهذا لك.(1)

ومجاهد، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا كان يوم القيامة، أقام الله عزّ وجلّ جبرئيلَ ومحمّداً على الصراط، فلا يجوزه أحد إلاّ مَن كان معه براءة من عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .(2)

عن الحسن، عن أبي ليلى الغفاريّ قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزَموا عليّ أبي طالب، فإنّه أول من يراني وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو معي في السماء الأعلى، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل».(3)

أحمد يكلّم زائريه!

عن الحربيّ قال: أقبلت على لحده - لحد أحمد - أقبّله، ثمّ قلت: يا سيّدي! ما السّرّ في أنّه لا يقبّل قبرٌ إلاّ قبرك؟ فقال لي: يا بنيّ، ليس هذا كرامةً

____________________

(1) الصواعق المحرقة لابن حجر: 75.

(2) مناقب الإمام علي لابن المغازلي الشافعيّ: 131 / الحديث 132، ذخائر العقبى للمحبّ الطبريّ الشافعيّ: 71، المناقب للخوارزميّ الحنفيّ: 320 / الحديث 324، فرائد السمطين للجوينيّ 1: 289.

(3) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 157 / الحديث 1174، والاستيعاب لابن عبد البرّ المالكيّ 4: 170، وزاد فيه: «وهو الصّدّيق الأكبر، وهو فاروق الأمّة يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين». ومثله في أسد الغابة 6: 270 والإصابة 4: 171. ويعسوب النّحل: مقدّمها وسيّدها، يقول: إنّه يلوذ به المؤمنون كما تلوذ النّحل بيعسوبها.


لي، ولكن هذا كرامة لرسول الله؛ لأنّ معي شعراتٍ من شعره. ألا ومَن يحبّني يزورني في شهر رمضان - قال ذلك مرّتين.(1)

لقد حملوا بشدّة على زيارة القبور وجاؤوا بروايات في تحريمها! إلاّ أنّ أبا الفرج قبل رواية الحربيّ ونَسِي ما ذكره في أنّ أحمد قد رُفع إلى الجنّة! وقد توجّه الرحمان، وأنّه على بابها يُدخل الجنّة أهلَها ويمنع آخرين، ويعود أخرى ليذكر أنّه في قبره، يزوره الله جلّ وعزّ، وأنّه يسمع مَن يزوره ويجيبه ويحبّب زيارته..

ونحن نظنّ أنّ أحمد لو سمع بأمثال هذه الأخبار التي أكثرها أحلام، لأنكر على ابن الجوزيّ إيرادها؛ إذ يراها نكرةً مخالفةً للشرع والعقل والواقع، ومن ثمّ إساءةً له وليست كرامة!

الملائكة تقيم العزاء على موت أحمد

قال ابن الجوزيّ: بلغني عن بعض السّلف القدماء، قال: كان عندنا عجوز

____________________

(1) مناقب أحمد بن حنبل لأبي الفرج ابن الجوزيّ: 454.

جاء في ترجمة الحربيّ: أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربيّ، ولد سنة (198 هـ) وتوفّي سنة (285 هـ). أصله من مرو. قال: أمّي تغلبيّة! وكان أخوالي نصارى أكثرهم. قال: لي عشر سنين أبصرُ بفردِ عين ما أخبرت به أحداً، وأفنيتُ من عمري ثلاثين سنة برغيفين، وأفنيت ثلاثين سنة من عمري برغيف. قال عنه الدار قطنيّ: كان إماماً يقاس بأحمد بن حنبل في زهده (المنتظم لأبي الفرج 12: 285 / 1916، صفة الصفوة له 2: 228، تاريخ الإسلام للذهبيّ: 101 / 110، تاريخ بغداد 6: 27).


من المتعبِّدات قد خلت بالعبادة خمسين سنة، فأصبحت ذات يومٍ مذعورةً فقالت: جاءني بعض الجنّ في منامي فقال: إنّي قرينُكِ من الجنِّ(1) ، وإنّ الجنّ استرقت السّمع(2) بتعزية الملائكة بعضُها بعضاً بموت رجلٍ صالحٍ يقال له أحمد بن حنبل، وتربته في موضع كذا، وإنّ الله يغفر لمن جاوره، فإنّ استطعتِ أن تجاوريه في وقت وفاتك فافعلي، فإنّي لك ناصح، وإنّك ميّتةٌ بعده بليلةٍ. فماتت كذلك.(3)

والمؤاخذة على أبي الفرج: أنّه لم يذكر هذا السّلف القديم لتطمئنّ قلوبنا لروايته كما حصل لنا في السّلف الأقدم من رواة حديث ردّ الشمس! ولا ذكر لنا المرأة العجوز فنتبيّن حالها كما وقفنا على حال أسماء بنت عميس. ثمّ لِمَ هذه المآتم من قِبَل الملائكة الصالحين، وأحمد نازل في ضيافة ربّه الكريم؟!

استجابة دعاء آمنة

قالوا: مرض بِشْر بن الحارث وعادته آمنة الرمليّة، فبينما هي عنده إذ دخل الإمام أحمد بن حنبل يعوده كذلك، فنظر إلى آمنة وقال لبِشْر: اسألها تدعو لنا فقال لها بِشْر: ادعي الله لنا. فقالت: اللّهمّ إنّ بِشْر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النار، فأجرهما يا أرحم الراحمين.

____________________

(1)( وَمَن يَكُنِ الشّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً) النّساء: 38.

(2)( وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلّ شَيْطَانٍ رّجِيمٍ » ،« إِلّا مَنِ اسْتَرَقَ السّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مّبِينٌ) الحجر: 17 - 18.

(3) مناقب أحمد: 483.


قال الإمام أحمد: فلمّا كان من اللّيل طُرِحَت إليَّ رُقْعَة من الهواء مكتوب فيها: بسم الله الرحمان الرّحيم، قد فعلنا ذلك، ولدينا مزيد.(1)

لم أجد ترجمةً لآمنة ذات الخَطَر الشديد والمنزلة الرفيعة إلى حدّ أنّ الله تعالى يستجيب لها دعاءها خطّيّاً! وما علينا إلاّ أن نشايع أبا الفرج فيما ذكره من هذه الكرامة ولم يذكر من رواته إلاّ آمنة!!

قلمُ العلماء لُقاح

قال أبو طالب عليّ بن أحمد: دخلت يوماً على أبي عبد الله - أحمد بن حنبل - وهو يملي، وأنا أكتب، فاندقّ قلمي، فأخذ قلماً فأعطانيه، فجئت بالقلم إلى أبي عليّ الجعفريّ فقلت: هذا قلم أبي عبد الله أعطانيه، فقال لغلامه: خذ القلم فضعه في النّخلة عسى تحمل! فوضعه فيها فحملت!(2)

هذه بركة آثار أحمد، وهو تبَعٌ لرسول الله، فِلَم الإشكال على استجابة دعاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

اعتذار الملكَين من أحمد

زعم أنّ عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قلت: جاءك منكرٌ ونكير؟ قال: نعم، قالا لي: من ربّك؟ قلت:

____________________

(1) صفة الصفوة، لأبي الفرج ابن الجوزيّ 4: 278.

(2) مناقب أحمد لأبي الفرج: 296.


سبحان الله! أما تستحيان منّي؟! فقالا لي: يا أبا عبد الله أعذرنا! بهذا أمرنا.(1)

هل هو تعمّد في الإساءة لأحمد؟ ألا يعلم أنّ حساب القبر حقّ؟ وما ذنب الملكين وقد أمرهما الله تعالى بما لا يُستحى منه! وهل الكنى إلاّ من خصائص الدنيا؟ وعلى نهجه في مثل هذه الأخبار، قال: قال ابو زرعة - الرازيّ -: كان يقال عندنا بخراسان: إنّ الجنّ نَعَتْ أحمدَ بن حنبل قبل موته بأربعين صباحاً!(2)

والإشكال: كيف علمتِ الجنّ علمَ ما هو آتٍ، وقد اختصّ الله تعالى نفسه بعلم الغيب؟!

عوائد زوّار أحمد

رُوي عن الشيخ ميمون، قال: رأيت رجلاً بجامع الرّصافة، فسألته فقال: قد جئت من ستّمائة فرسخ فقلت: في أيّ حاجة؟ قال: رأيت وأنا في بلدي كأنيّ في صحراء والخلق قيامٌ وأبواب السماء قد فُتحت، وملائكةٌ تنزل من السماء تُلبِس أقواماً ثياباً خُضراً ويطير بهم في الهواء، فقلت: من هؤلاء الذين اختصوا بهذا؟! فقالوا لي: هؤلاء الذين يزورون أحمد بن حنبل. فانتبهت وأصلحت أمري، وجئت إلى هذا البلد وزرته دفعات.(3)

والسؤال: لِمَ لَمْ تشمل الشيخ ميمون هذه المكرمة الحُلُميّة! مع التذكير

____________________

(1) مناقب أحمد، لأبي الفرج: 454.

(2) نفسه: 421.

(3) نفسه: 481.


بأنّهم يحرّمون زيارة القبور!

وممّا ذكره أيضاً في ذلك قال: رأى رجل في المنام قائلاً يقول له: من زار أحمد بن حنبل غُفِر له! قال: فلم يَبْقَ خاصّ ولا عامّ إلاّ زاره.(1)

أليس هذا وأمثاله ظاهراً في الشفاعة التي أنكروها أشدّ الإنكار؟!

وقال: لمّا مات أحمد بن حنبل رأى رجلٌ في منامه كأنّ على كلّ قبرٍ قنديلاً، فقال: ما هذا؟! فقيل له: أما علمت أنّه نور لأهل القبور ينوّرهم بنزول هذا الرجل بين أظهرهم، وقد كان فيهم من يُعذَّب فرُحِم.(2) فهل ردّ الشّمس أعظم من أن يضع الله سبحانه قنديلاً على كلّ قبر ويرحم المذنبين وذلك ببركة نزول أحمد بين أظهرهم؟!

قال: مات رجل مخنّث فرُئي في النوم، فقال قد غُفرلي، دُفن عندنا أحمد ابن حنبل فغُفِر لأهل القبور.(3)

الخليل يردّ على سِماك بصرَه

ذكر أبو الفرج في حوادث سنة ثلاث وعشرين ومائة: توفّي هذه السنة سِمَاك بن حرب السّدوسيّ، وكان قد ذهب بصَرُه فرأى إبراهيم الخليل فأصبح

____________________

(1) البداية والنهاية، لابن كثير 12: 323، عن ابي الفرج.

(2) مناقب أحمد، لأبي الفرج: 482.

(3) نفسه.


يُبصر.(1)

____________________

(1) المنتظم، لأبي الفرج ابن الجوزيّ 7: 225. وذكره ابن قيّم الجوزيّة تلميذ ابن تيميه في كتابه (الروح: 58).

فإذا كان ردّ البصر زيادةً في إعجاز الخليلعليه‌السلام وكرامةً لسِماك، فنبيُّنا أشرف، وعليّ أعلى رتبةً وأعظم من سِماك، فردّ الشمس أولى من ردّ البصر!

ثمّ كيف عرف سِماك الخليل وهو لم يره من قبل؟! لِنَقُلْ: إنّ صورته ارتسمت في ذهنه فعرفه! بل وكيف عرفه قبل أن يردّ عليه بصره؟!

ترجمة سِماك: سِماك بن حرب بن أوس الذّهليّ. مات سنة ثلاث وعشرين ومائة. رأى المُغيرة ابن شعبة. روى عن: النعمان بن بشير، والضحّاك بن قيس، وعبد الله بن الزبير بن العوّام، وعامر الشعبيّ... وغيرهم.

روى عنه: شعبة بن الحجّاج، وأبو عَوانه، وحمّاد بن سلمة... وغيرهم.

(الطبقات الكبرى 6: 323، طبقات خليفة: 161، التاريخ الكبير للبخاريّ 4: 173 / الترجمة 2382، تاريخ بغداد 9: 214، الأنساب للسمعانيّ 6: 30، تهذيب الكمال للمزّيّ 12: 115، تهذيب التهذيب 4: 232، تاريخ الإسلام 5: 84، العبر 1: 236).

وأخباره مضطربة... عن حمّاد بن سملة عن سماك قال: أدركت ثمانين من أصحاب النبيّ! (تاريخ بغداد: 9: 214، الجرح والتعديل 4: / الترجمة 1203).

قال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث (الجرح والتعديل للرازي 4 / الترجمة 1203، وتاريخ البخاريّ). وقال عبد الرحمان بن يوسف بن خِراش: في حديثه لين (تاريخ بغداد 9: 216، وتهذيب الكمال 12: 121). وعن ابن المبارك: سِماك ضعيف في الحديث (تهذيب الكمال 12: 121). وقال عليّ بن المدينيّ: روايته مضطربة (تهذيب الكمال 12: 120). وقال صالح بن محمّد البغداديّ: يُضعَّف (تاريخ بغداد 9: 216، تهذيب الكمال 12: 120). وسئل يحيى بن معين عن سماك: ما الذي عابه؟ قال: أسند أحاديث لم يسندها غيرُه. (الجرح والتعديل، تاريخ بغداد، تهذيب الكمال). وكان شعبة يضعّفه (الجرح والتعديل). =


استجابة دعوة سعد

أخرج أبو الفرج من طريق لبيبة: دعا سعد فقال: يا ربّ إنّ لي بنين صغاراً فأخّر عنّي الموت حتّى يبلغوا؛ فأخر عنه الموت عشرين سنة.(1)

لم نقف على ترجمة لبيبة، صحابيّة مثل أسماء التي روت حديث ردّ الشمس، ام تابعيّة؟ وإنّ استجابة دعاء النبيّ أولى من استجابة دعاء سعد! لعلوّ شأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله . وكان من بركة استجابة دعوة سعد: أن شبّ ولده عمر بن سعد فقاد الجيش الذي قتل ابن رسول الله الحسين!

تبليغ براءة

قال ابن تيميه: قال الرافضيّ: أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنفذ أبا بكر لأداء سورة براءة، ثمّ أنفذ عليّاً وأمَره بردّه وأن يتولّى هو ذلك.

قال: والجواب من وجوهٍ: أنّ هذا كَذبٌ باتّفاق أهل العلم، وبالتواتر العامّ، فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله استعمل أبا بكر على الحجّ سنة تسعٍ ولم يردّه ولا رجع.(2)

نقض النقض

قولُه: «أنّ هذا كذبٌ باتّفاق أهل العلم، وبالتواتر العامّ»، كذبٌ! وإنّما اتّفاق

____________________

= وفي (تهذيب الكمال 12: 118): ذهب بَصَري، فدعوت الله فردّ عَلَيّ بصري!!

فالكرامة هنا في ردّ البصر له، لا للخليلعليه‌السلام !

(1) صفة الصفوة، لأبي الفرج ابن الجوزيّ 1: 140.

(2) منهاج السّنّة 4: 221.


أهل العلم على تصديقه، والتواتر منعقد على تأييده من غير قادحٍ.

حديث براءة

لما نزلت آياتٍ من «براءة» على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعا عليّاً فقال له: «أدراكْ أبا بكر، فحيثما لَقيتَه فخُذ الكتاب منه، فاذهبْ به إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم». فلحقَه الجُحْفة، وأخذ الكتاب منه، ورجع أبوبكر فقال: يا رسول الله، نزل فيّ شيء؟! قال: «لا، ولكنّ جبريل جاءني فقال: لن يؤدّيَ عنك إلاّ أنت أو رجلٌ منك». وفي ألفاظٍ أخرى: «ولكن أمرتُ أن لا يُبلِّغها إلاّ أنا أو رجل منّي»، «ولا يذهب بها إلاّ رجلٌ هو منّي وأنا منه».

«ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ»، و«إنّما يؤدّي عنّي أنا أو رجلٌ من أهل بيتي، وإنّ عليّاً رجلٌ من أهل بيتي»...

والحديث ينتهي إلى: عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وأبي بكر، وأبي ذرّ الغفاريّ، وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخُدْريّ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وحُبْشيّ بن جنادة، وزيد بن يُثَيْع.

رواة حديث

إسماعيل السّدّيّ (ت 128 هـ) مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ)، محمّد بن إسحاق (صاحب السّيرة، ت 152 هـ)، محمّد بن عمر الواقديّ (صاحب


المغازي، ت 207) عبد الرزّاق بن همّام الصنعانيّ (ت 211 هـ)، عبد الملك بن هشام (ت 218 هـ وهو الذي رتّب سيرة ابن إسحاق فصارت تُعرَف باسمه»، محمّد بن سعد الزّهريّ (ت 230 هـ وله الطبقات الكبرى)، أبو بكر ابن أبي شيبة العَبْسي (ت 235 هـ)، أحمد بن حنبل (ت 241 هـ)، عبد الله بن عبد الرّحمان الدّارميّ (ت 255 هـ)، محمّد بن إسماعيل البخاريّ (صاحب الصحيح، والتاريخ الكبير، ت 256 هـ)، محمّد بن يزيد القزوينيّ «ابن ماجة» (ت 273 هـ)، محمّد بن عيسى التّرمذيّ (ت 279 هـ)، أحمد بن يحيى البلاذريّ (ت 279 هـ)، أحمد بن أبي عاصم (ت 287 هـ)، الحسين بن الحكم الحبريّ (ت 286 هـ)، محمّد بن مسعود العيّاشيّ (القرن الثالث الهجريّ)، أحمد بن عليّ النّسائيّ (ت 303 هـ)، محمّد بن جرير الطّبريّ (ت 310 هـ)، يعقوب بن إسحاق الأسفرائنيّ «صاحب المسند» (ت 316 هـ)، ابن حبّان التميميّ (ت 354 هـ)، سليمان بن أحمد الطّبرانيّ (ت 360 هـ)، الدّار قطنيّ (ت 385 هـ)، فرات بن إبراهيم الكوفيّ (ت القرن الرابع)، الحاكم النيسابوريّ (ت 405 هـ)، ابن مَرْدَوَيه (ت 416 هـ) الثعلبيّ أحمد بن محمّد (ت 426 هـ)، أبو نعيم الأصبهانيّ (ت 430 هـ)، أبو الحسن عليّ بن محمّد الماوَرْديّ (ت 450 هـ)، أحمد بن الحسين البيهقيّ (ت 458 هـ) ابن المغازليّ الشافعيّ (ت 483 هـ)، عبيد الله بن عبد الله الحسكانيّ الحنفيّ (ت 471 هـ)، نجم الدين النّسفيّ (ت 537 هـ)، محمود بن عمر الزّمخشريّ (ت 538 هـ)، محمّد بن أحمد القرطبيّ (ت 567 هـ)، أخطب خوارزم الحنفيّ (ت 568 هـ)، ابن عساكر الدّمشقيّ الشافعيّ (ت 571 هـ)، عبد


الرحمان الخَثْعميّ السّهيليّ (ت 581 هـ)، فخر الدين الرازيّ الشافعيّ (ت 606 هـ)، عليّ بن محمّد الجزريّ (ت 630 هـ)، سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ (ت 654 هـ)، ابن أبي الحديد المعتزليّ (ت 655 هـ)، محمّد بن يوسف الگنجيّ الشافعيّ (المقتول سنة 658 هـ)، القاضي البيضاويّ الشافعيّ (ت 685 هـ)، محبّ الدّين الطبريّ الشافعيّ (ت 694 هـ)، محمّد بن مكرّم بن منظور (صاحب مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، ت 711 هـ)، إبراهيم بن محمّد الجوينيّ (ت 730 هـ)، محمّد بن عبد الواحد الحنفيّ (ت 681 هـ)، عليّ بن محمّد الخازن (ت 741 هـ)، محمّد بن أحمد الذهبيّ الحنبليّ (ت 748 هـ)، ابن كثير الدّمشقيّ الحنبليّ (ت 774 هـ)، تقيّ الدين المقريزيّ (ت 845 هـ)، ابن حَجر العسقلانيّ الشافعيّ (ت 852 هـ)، ابن الصبّاعْ المالكيّ (ت 855 هـ)، محمّد بن أحمد العينيّ الحنفيّ (ت 855 هـ)، جلال الدين السيوطيّ الشافعيّ (ت 911 هـ)، أحمد بن محمّد القسطلانيّ الشافعيّ (ت 923 هـ)، ابن حجر الهيتميّ الشافعيّ (ت 974 هـ)، المتّقيّ الهنديّ (ت 975 هـ)، محمّد الزّرقانيّ المالكيّ (ت 1122 هـ)، الشوكانيّ (ت 1250 هـ)، القندوزيّ الحنفيّ (ت 1293 هـ).

فائدة:

هؤلاء العلماء من أقدم العصور الإسلاميّة من غير انقطاع بين قرن وآخر، ولا بين عقدٍ والذي يليه، سواء علماء السّيرة والتاريخ والرجال، وعلماء الفقه والحديث والتفسير، اتفقت كلمتهم على صحّة تبليغ عليّعليه‌السلام براءة، وأكثروا من


روايتها بألفاظها المختلفة وطرقها المتعدّدة، وعدوّا ذلك من خصائصهعليه‌السلام .

وقد رأينا في هذا الكمّ الذي توفّرلنا: من هو مالكيّ وآخر حنفيّ وثالث حنبليّ ورابع شافعيّ! وضمّ هذا الحقل من الرّواة: أحمد بن حنبل الذي ينسب ابن تيميه نفسه إليه تارةً! فيدّعي أنّه حنبليّ، وتارة أخرى يدّعي لنفسه الإمامة وأنّه مستقلّ في مذهبه، حتّى أطلق أتباعه عليه لقب: الإمام المطلق؛ أي استقلّ بمذهبه عن المذاهب الإسلاميّة المعروفة. وأيضاً سمّوه لذلك: شيخ الإسلام!

ولذا خالف أتباعه المذاهب الإسلاميّة في العقيدة، ونهجوا مسلك شيخهم التضليليّ والحُكم بالبدعة على من خالفوه وأباحوا دمه ومارسوا ذلك عمليّاً حتّى يومنا هذا.

أقول: إنّ حديث تبليغ أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام سورة براءة، لم يتكلّم أحدٌ في تكذيبه أو تضعيفه، بل الذين ذكروه، وخصوصاً أهل العلم بالحديث، قد ذكروه من طرقه المتعدّدة، وهذا هو الاتّفاق الذي نفاه شيخ الإرهاب! وأمّا التواتر العامّ، ففي ما ذكرنا كفاية. ونذكّر هنا بأمرٍ مهمٍّ، ذلك أنّ ابن تيميه إذا ذكر حديثاً في فضائل الإمام عليّعليه‌السلام أنكره أو حطّ من علوّ شأنه، حتّى وإن ذكره مسلم صاحب أحد الصحيحين، ثمّ لاذ بالبخاريّ إذا لم يكن قد ذكره!

فما باله هنا قد أنكره وقد ذكره البخاريّ وشيوخ البخاريّ ومن هم أقدم منهم؟!

« قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) .(1)

____________________

(1) الأعراف: 53.


المصادر

1 - تفسير مقاتل بن سليمان، ت 150 هـ(1)

2 - المغازيّ للواقديّ، ت 207 هـ، 3: 1077.

3 - تفسير عبد الرزّاق بن همّام الصّنعانيّ، ت 211 هـ.

4 - السيرة النّبويّة لابن هشام، ت 218 هـ، 4: 190.

5 - الطبقات الكبرى لابن سعد، ت 230 هـ، 2: 169.

6 - المصنّف لابن أبي شَيبة، ت 235 هـ، 7: 506 / 72.

7 - مسند أحمد بن حنبل، ت 241 هـ، 1: 79، 150 - 151، 331؛ 3: 212، 283.

8 - سنن الدّارميّ عبد الله بن عبد الرحمان التميميّ الدارميّ، ت 255 هـ، 2: 67 - 68، 237.

9 - صحيح البخاريّ محمّد بن إسماعيل الجعفيّ البخاريّ، ت 256 هـ، 1: 103، 6: 81.

10 - سنن ابن ماجة محمّد بن يزيد القزوينيّ، ت 273 هـ، 1: 44.

11 - سنن الترمذيّ الجامع الصحيح، محمّد بن عيسى الترمذيّ، ت 279 هـ،

____________________

(1) لم أذكر الجزء والصفحة في كتب التفسير اعتماداً على معرفة القارئ الكريم أنّ المطلب في سورة «براءة - التوبة».


2: 179 - 180، 4: 339 - 340، 5: 300.

12 - أنساب الأشراف للبلاذريّ أحمد بن يحيى، ت 279 هـ، 2: 355، 384.

13 - تفسير الحِبَريّ: الحسين بن الحكم بن مسلم الحبريّ، ت 286 هـ.

14 - تفسير العيّاشيّ «التنزيل» لمحمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش، من علماء القرن الثالث الهجريّ.

15، 16 - السّنن لأحمد بن عليّ النّسائيّ، ت 303 هـ، 5: 234. وكتاب خصائص أميرالمؤمنينعليه‌السلام ، له، 82 - 83 / ح 72 - 74.

17، 18 - تفسير الطبريّ محمد بن جرير، ت 310 هـ، وبهامشه تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدّين الحسن بن محمّد النّيسابوريّ.

19 - تاريخ الطبري محمّد بن جرير، ت 310 هـ، 2: 283.

20 - المستدرك على الصحيحين للحاكم النّيسابوريّ، ت 405 هـ، 2: 331، 3: 51 - 52.

21 - تفسير ابن أبي زمنين، ت 399 هـ، 1: 304.

22، 23 - قصص الأنبياء المسمّى «عرائس المجالس» لأحمد بن محمّد الثعلبيّ، ت 426 هـ، وبهامشه كتاب روض الرياحين لليافعيّ.

24 - تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ، من أعلام القرن الرابع الهجريّ.

25 - تفسير الماورديّ «النُّكتُ والعيون» أبو الحسن عليّ بن محمّد الماورديّ البصريّ، ت 450 هـ.


26 - السنن الكبرى للبيهقيّ أحمد بن الحسين، ت 458 هـ، 9: 224.

27 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، لعبيد الله بن عبد الله الحسكانيّ الحنفيّ، ت 741 هـ.

28 - مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب، للفقيه ابن المغازليّ عليّ بن محمّد الشافعيّ، ت 483 هـ: 116.

29 - مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن مَرْدَويه، ت 410 هـ: 251 - 252 / ح 367 - 370.

30، 31 - تفسير البغويّ «معالم التنزيل»، للحسين بن مسعود الفرّاء البغويّ الشافعيّ، ت 516 هـ، ومصابيح السّنّة النبويّة، له 2: 275.

32 - الكشّاف، لمحمود بن عمر الزمخشريّ، ت 528 هـ.

33 - المناقب، للموفّق بن أحمد المكّيّ الخوارزميّ الحنفيّ، ت 568 هـ، 126، 164، 165.

34 - التفسير الكبير، لفخر الدّين الرازيّ الشافعيّ، ت 606 هـ.

35 - الجامع لأحكام القرآن: محمّد بن أحمد القرطبيّ ت 671 هـ.

36 - تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزيّ الحنبليّ ثمّ الحنفيّ، ت 654 هـ، 42 - 43.

37 - كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب، لمحمّد بن يوسف الگنجيّ الشافعيّ، المقتول 658 هـ، 254 - 255.

38 - الرياض النَّضِرة، لأحمد بن عبد الله الطّبريّ الشافعيّ، ت 694 هـ، 2:


74، 173، 174.

39 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى - له، 69 - 87.

40 - مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعيّ، ت 573 هـ، اختصار ابن منظور، ت 711 هـ، 18: 5 - 7.

41 - تفسير الخازن، لباب التأويل في معاني التنزيل، لعليّ بن محمّد المعروف بالخازن، ت 725 هـ، وبهامشه «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» لعبد الله بن محمود النّسفيّ، ت 710 هـ.

42 - الرّوض الأنف في تفسير السيرة النبويّة لابن هشام، لعبد الرحمان ابن عبد الله السّهيليّ، ت 581 هـ، 2: 328.

43 - فرائد السمطين، لعبد الله بن عليّ الجوينيّ، ت 730 هـ، 1: 58 - 59، 61.

44 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: ليوسف المِزّيّ السلفيّ، ت 742 هـ، 5: 349.

45 - التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمّد بن أحمد بن جزّيّ الكلبيّ.

46 - تفسير البيضاويّ، وعليه حاشية محيي الدّين زاده.

47 - البداية والنهاية، لابن كثير الدّمشقيّ الحنبليّ، ت 774 هـ، 5: 33 - 35.

48 - المختصر في تاريخ البشر، لعماد الدين إسماعيل أبو الفداء، ت 732 هـ، 1: 150.


49 - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير الدّمشقيّ الحنبليّ، ت 774 هـ.

50 - تفسير الثعالبيّ عبد الرحمان أبو زيد، ت 857 هـ «جواهر الحسان في تفسير القرآن».

51 - التلخيص، لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ الحنبليّ، ت 848 هـ، بذيل المستدرك على الصحيحين للحاكم 2: 331.

52 - فتح الباري شرح صحيح البخاريّ، لأحمد بن عليّ بن حجر العسقلانيّ الشافعيّ، ت 852 هـ، 8: 104، 404 - 409.

53 - الصواعق المحرقة، لابن حجر العسقلانيّ، 19، 73.

54 - الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين السيوطيّ الشافعيّ، ت 911 هـ.

55 - كنز العمّال، لعليّ المتّقي بن حسام الدين الهنديّ، ت 975 هـ، في مواضع كثيرة منها ج 2: 379، 417، 420، 422 - 424، 431.

56 - ينابيع المودّة لذي القربى، لسليمان بن إبراهيم القندوزيّ الحنفيّ، ت 1294 هـ، 88 - 89.


لفظ الحديث

ذكرنا في صدر البحث بعض ألفاظ الحديث إجمالاً، ويحسن أن نختمه بما ذكر النّسائيّ وغيره، قال:

أخبرنا محمّد بن بشّار «محمّد بن بشّار بندار، بصريّ ثقة كثير الحديث يكنّى أبا بكر - تاريخ الثقات للعجليّ 401 / 1435»، حدّثنا عفّان «عفّان بن مسلم الصفّار، أبو عثمان، بصريّ ثقة ثَبْت، صاحب سنّة - تاريخ الثقات 336 / 1145»، وعبد الصّمد «عبد الصّمد بن عبد الوارث التّميميّ، بصريّ ثقة - تاريخ الثقات 303 / 1003» قالا: حدّثنا حمّاد بن سلمة «بصريّ، ثقة رجل صالح حسن الحديث - تاريخ الثقات 131 / 330»، عن سماك بن حرب، عن أنس، قال: بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله براءة مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: «لا ينبغي أن يبلّغ هذا إلاّ رجلٌ من أهلي، فدعا عليّاً فأعطاه إيّاها.(1)

وقال: أخبرنا العبّاس بن محمّد الدّوريّ قال: حدّثنا أبو نوحٍ قُراد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْعٍ، عن عليّرضي‌الله‌عنه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث ببراءة إلى أهل مكّة مع أبي بكر، ثمّ أتبعه بعليٍّ فقال له: خذ الكتاب فامضِ به إلى أهل مكّة.

قال: فلحقه فأخذ الكتاب منه؛ فانصرف أبوبكر وهو كئيب فقال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنَزَل فِيَّ شيء؟ قال لا، إلاّ أنّي أُمرتُ أن، أُبلّغه أنا أو رجلٌ من أهل

____________________

(1) خصائص أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب، للنّسائيّ 82 / 72.


بيتي».(1)

أخبرنا زكريّا بن يحيى قال: حدّثنا عبد الله بن عمر، قال: حدّثنا أسباط - بن محمّد -، عن فطر - بن خليفة -، عن عبد الله بن شريك، عن عبد الله بن الرقيم، عن سعد قال: بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر ببراءة، حتّى إذا كان ببعض الطريق أرسل عليّاًرضي‌الله‌عنه ، فأخذها منه، ثمّ سار بها؛ فوجد أبو بكر في نفسه، فقال رسول الله «لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجلٌ منّي».(2)

فائدة

نستفيد ممّا أوردناه بشأن حديث تبليغ براءة، أمرين: الأوّل: أنّ ابن تيميه قد رمى: الحنابلة والمالكيّة، والحنفيّة، والشافعيّة بالكذب! لما حلّ بساحته، إذ حكَمَه قُضاتُهم بالفسق والنفاق والزندقة...

فبذريعة ردّ الرافضيّ - كذا - كذّب أئمّة هذه المذاهب. ولمّا كان البخاريّ وشيوخه المتقدّمون قد ذكروا الحديث وأنّه من خصائص أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ، لم يمكنه أن يفصلهم عن حكمه هذا، أي تكذيبهم!

الثاني: أنّه قد أظهر ناصبيّته بشكلٍ جليّ في تكذيبه هذا الحديث، كما هو شأنه في الأحاديث الثابتة من فضائل وخصائص أهل بيت النبوّةعليهم‌السلام .

____________________

(1) نفسه 83 / 73.

(2) خصائص أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب، للنّسائيّ 83 / 74.


آية النجوى

قال ابن تيميه: قال الرافضيّ في قوله تعالى:« يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرّسُولَ فَقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً » (1) .

قال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : «لم يعمل بهذه الآية غيري، وبي خفّف الله عن هذه الأمّة أمْرَ هذه الآية».

قال ابن تيميه: «والجواب» أن يقال: الأمر بالصدقة لم يكن واجباً على المسلمين حتّى يكونوا عصاةً بتركه، وإنّما اُمر به من أراد النّجوى، واتّفق أنّه لم يُرد النّجوى إذ ذاك إلاّ عليّ؛ فتصدّق لأجل المناجاة...، فمثل هذا العمل ليس من خصائص الأئمّة ولا من خصائص عليّ، ولا يقال أنّ غير عليّ ترك النّجوى بُخلاً بالصدقة.(2)

جوابنا، وبالله التوفيق:

قوله: إنّما أمر به من أراد النّجوى، فصحيح. وأمّا قوله: واتُّفق أنّه لم يرد النّجوى إذ ذاك إلاّ عليّعليه‌السلام ، فلا دليل عليه، ولو كان موجوداً لَذَكَره، بل وفرّع عليه أموراً في تكذيب من قال بأنّ الآية من خصائص عليّعليه‌السلام سواءً كان من قال بذلك هو: مقاتل بن سليمان، أو عبد الرزّاق الصنعانيّ، أو ابن أبي شيبة، أو

____________________

(1) المجادلة: 12.

(2) منهاج السنّة، لابن تيميه 3: 5.


الطبريّ أو النّسائيّ...

ولقد وجدنا ابن تيميه في ردّه وإنكاره لما نزل في أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ، حينما يكون الخطاب بلفظ الجمع، يقول: هذا في عموم المؤمنين ولو كان في عليّ لكان بلفظ المفرد.

والخطاب في آية النّجوى جاء بلفظ الجمع، فكيف يوفّق بين هذا وبين تصدّق عليّعليه‌السلام وحده في المناجاة؟!

وإذا عُدم الدليل عنده على ما ذهب إليه، فالدليل عندنا إضافة لما ذكرناه - قائم على أنّ الخطاب للمؤمنين بوجوب التصدّق، فلم يفعله إلاّ عليّ، فالآية خاصّة به.

واختصاص الآية بعليّعليه‌السلام ، أنّ الخطاب موجّه لمن يناجي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أرادوا مناجاته إذ كانوا يكثرون مناجاته فيشقّ ذلك عليه، فلمّا نزلت الآية امتنعوا عن المناجاة فيما مضى عليّعليه‌السلام في المناجاة مع تقديم الصدقة طاعةً لله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكانت الآية خاصةً به.

والآية بعدها تؤيّد ذلك، قال تعالى:« ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا... » .(1)

يقول: أشَقَّ عليكم يا أهل الميسرة أن تقدّموا الصدقة ولم تفعلوا ما اُمرتم به؟! فتاب الله عليكم؛ فنسخت هذه الآية حكم الآية التي قبلها.

____________________

(1) المجادلة: 13.


ولذلك قال أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام : لم يعمل بهذه الآية غيري، وبي خفّف الله عن هذه الاُمّة أمر هذه الآية.

والحكم لمن كان أقرب عهداً من عصر الرسالة، خاصّةً وأنّ ابن تيميه لم يذكر لنا أحداً من المتأخّرين يعتصم به.

ذكر مقاتل بن سليمان(1) في تفسيره، قال: «و ذلك أنّ الأغنياء كانوا يكثرون مناجاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويغلبون الفقراء على مجالس النبيّ، وكان النبيّ يكره طول مجالستهم وكثرة نجواهم، فلمّا أمرهم بالصدقة عند المناجاة انتهوا عند ذلك، وقدرت الفقراء على كلام النبيّ ومجالسته، ولم يقدّم أحد من أهل الميسرة صدقةً غير عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، قدّم ديناراً وكلّم النبيّ عشر كلمات، فلم يلبثوا إلاّ يسيراً حتّى أنزل الله تعالى:« أَأَشْفَقْتُمْ » يقول أشقّ عليكم« أَن تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ

____________________

(1) ذكرنا ترجمته في الحديث عن آية الولاية «تصدُّق أميرالمؤمنين حال الركوع». ونذكر هنا شيئاً ممّا قيل فيه: عن عبد المجيد من أهل مرو: سألت مقاتل بن حيّان، فقلت: يا أبا بسطام، أنت أعلم أو مقاتل بن سليمان؟ قال: ما وجدت علمَ مقاتل في علم الناس إلاّ كالبحر الأخضر في سائر البحور. تهذيب الكمال 28: 436.

وللشافعيّ أقوال في تفسير مقاتل، منها: الناس كلّهم عيالٌ على مقاتل في التفسير. (المصدر نفسه). والشافعيّ أيضاً قال: من أراد أن يتبحَّر في المغازي، فهو عيالٌ على محمّد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحَّر في الشّعر فهو عيال على زهير بن أبي سُلمى، ومن أراد أن يتبحّر في النّحو فهو عيال على الكسائيّ، ومن أراد أن يتبحّر في تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل بن سليمان. (المصدر نفسه).


نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً » يعني أهل الميسرة ولو فعلتم لكان خيراً لكم.(1)

إنّ مقاتل بن سليمان لم يعاصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فبين وفاة النبيّ ووفاة مقاتل (140) سنة؛ وابن تيميه كذلك لم يعاصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ أنّ الفاصلة الزمنيّة بين وفاة النبيّ ووفاة ابن تيميه (718) سنة!

وممّن هم أقرب عهداً بمقاتل، وأبعد عهداً من ابن تيميه:

عبد الرزّاق الصنعانيّ (126 - 211 هـ)، فبينه وبين ابن تيميه (657) سنة.

ذكر عبد الرزّاق بسنده عن ابن عُيُيْنة(2) ، عن سليمان الأحْول(3) ، عن مجاهد في قوله تعالى:« فَقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً » ، قال: أمروا أن لا يناجيَ أحدٌ النبيَّ حتّى يتصدّق بين يدي ذلك، فكان أوّل من تصدّق بين يدي ذلك عليّ بن أبي طالب فناجاه، فلم يناجه أحدٌ غيره، ثمّ نزلت الرخصة:« أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُوا

____________________

(1) تفسير مقاتل بن سليمان 3: 334.

(2) مضت ترجمته في حديث ردّ الشّمس بما فيه الكفاية، توفّي سفيان بن عينية سنة 198 هـ.

(3) سليمان بن أبي مسلم المكّيّ الأحْوَل.

روى عن: مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وطاووس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، وأبي معبد مولى ابن عبّاس، وطارق بن شهاب...

روى عنه: سفيان بن عُيَيْنَة، وشعبة بن الحجّاج...

قال فيه سفيان، أحمد بن حنبل، يحيى بن معين، والجليّ، وأبو حاتم، وأبو داود، والنّسائيّ: ثقة.

الجرح والتعديل للرازيّ 4 / الترجمة 620، وتاريخ الدارميّ، الرقم 362، وتاريخ الثقات للعجليّ 203 / 617، وتاريخ أسماء الثقات / الترجمة 454، وثقات ابن حبّان 3: 176، وابن سعد في طبقاته 5: 483.


بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ » (1) .(2)

وأخرج الحبريّ (ت 286 هـ) في تفسيره (صفحه 220 / الحديث 65) قال: حدّثنا مالك بن إسماعيل، عن عبد السلام، عن ليث، عن مجاهد، قال: قال عليّعليه‌السلام : آيةٌ من القرآن لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: أُنزلتْ آية النجوى فكان عندي دينار، فبعته بعشرة دراهم، فكنت إذا أردت أن أناجي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تصدّقت بدرهم حتّى فَنِيَت، ثمّ نَسخَتْها الآية التي بعدها:« فَإِن لّمْ تَجِدُوا... » الآية.

وبنفس السند والمتن ذكره الحسكانيّ الحنفيّ في (شواهد التنزيل 2: 313 / الرقم 952).

سند الحديث

الحبريّ، الحسين بن الحكم بن مسلم أبو عبد الله القُوشيّ الكوفيّ الوشّاء. روى عن مالك بن إسماعيل - وهو في سند الحديث - وإسماعيل بن أبان الورّاق، وحسن بن حسين العرنيّ...

قال ابن ماكولا، والذهبيّ: توفّي سنة إحدى ثمانين ومائتين. (الإكمال، لابن ماكولا 3: 31، وتاريخ الإسلام للذهبيّ).

مالك بن إسماعيل أبو غسّان النّهديّ الكوفيّ.(1)

____________________

(1) المجادلة: 13.

(2) تفسير عبد الرزّاق الصنعانيّ 2: 225 / 3177.


روى عن: جويرية بن أسماء - ترجمنا له في حديث ردّ الشّمس، ثقة -، وعبد السلام بن حرب - وعنه روى مالك بن إسماعيل الحديث كما ذكر الحبريّ -، وحبّان بن عليّ العَنَزيّ، والحسن بن صالح بن حيّ، وحمّاد بن زيد، وسفيان بن عُيَيْنة، وفضيل بن مرزوق، وزهير بن معاوية، وأبي معشر وأبي إسرائيل الملائيّ... «وكلّ هؤلاء مذكورون في الثّقات، انظرهم في كتب الرجال».

روى عنه: البخاريّ، وأبو بكر أحمد بن أبي خيثمة، وعبّاس الدّوريّ، وأبو حاتم الرازيّ، وأبو زُرْعة الرازيّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، ومحمّد بن إسحاق البكّائيّ، وأبو بكر بن أبي شيبة... (والقول فيهم مثل من روى عنهم).

قال أبو حاتم: قال يحيى بن معين: ليس بالكوفة أتقن منه.(2)

وقال محمّد بن عليّ بن داود البغداديّ: سمعت يحيى بن معَين يقول لأحمد بن حنبل: إن سَرك أن تكتب عن رجلٍ ليس في قلبك منه شيء - أي شكّ - فاكتب عن أبي غسّان.(3)

وقال عبّاس الدوريّ: قلت ليحيى بن معين: كان أبو غسّان أثبت من أبي نعيم في زهير؟ قال: في زهير وغيره. فراجعته في أبي غسّان وأبي نعيم، فثبت

____________________

(1) طبقات ابن سعد 6: 404، وتاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 1342، العجليّ 417 / 1519، تاريخ الدوريّ 2: 543، تاريخ خليفة 476، وطبقاته 172، والجرح والتعديل 8 / الترجمة 905، وثقات ابن شاهين / الترجمة 1328، ورجال صحيح مسلم 166.

(2) الجرح والتعديل 8 / الترجمة 905.

(3) تهذيب الكمال 27: 89.


على أبي غسّان أثبت من أبي نعيم، قال: هو أجود كتاباً وأثبت.(1)

قال ابن سعد: كان أبو غسّان ثقةً صدوقاً متشيّعاً شديد التشيّع.(2)

وقال العجليّ: ثقة، وكان متعبّداً، وكان صحيح الكتاب.(3)

وقال محمّد بن عبد الله بن نُمير: أبو غسّان أحبُّ إليَّ من محمّد بن الصّلت، أبو غسّان من أئمّة المحدّثين.(4)

وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صحيح الكتاب، وكان من العابدين.(5)

وقال: كان ثقةً متثبّتاً.(6)

وقال النّسائيّ: ثقة.(7)

مات مالك بن إسماعيل سنة تسع عشرة ومئتين.(8)

____________________

(1) تاريخ الدّوريّ 2: 543.

(2) طبقات ابن سعد 6: 404.

(3) تاريخ الثقات 7: 417 / 1519.

(4) الجرح والتعديل 8 / الترجمة 905.

(5) تهذيب الكمال 27: 90.

(6) نفسه.

(7) نفسه.

(8) طبقات ابن سعد 6: 404، وطبقات خليفة 294.


عبد السلام بن حرب(1) :

عبد السلام بن حرب بن سلم النّهديّ الملائيّ الكوفيّ.

روى عن: ليث بن أبي سليم، وسليمان الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وخُصَيف بن عبد الرحمان الجزَريّ...

روى عنه: أبو غسّان مالك بن إسماعيل، ومحمّد بن إسحاق بن يسار (صاحب السيرة) وهو أكبر منه، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين، وأبو الصّلت عبد السلام بن صالح الهرويّ، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعثمان بن محمّد بن أبي شيبة، وأبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وأبو أسامة حمّأد بن أُسامة...

قال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ.(2)

وقال عثمان بن سعيد الدارميّ، عن يحيى بن معين: صدوق.(3)

قال الترمذيّ: ثقة حافظ.(4)

مات عبد السلام بن حرب سنة 187، وقيل غير ذلك.(1)

____________________

(1) طبقات ابن سعد 6: 386، وتاريخ خليفة 458، وطبقاته 170، وتاريخ البخاريّ الكبير 6 / الترجمة 1729، والجرح والتعديل 6: 246، والمعرفة والتاريخ 3: 219، وتهذيب الكمال 18: 66.

(2) الجرح والتعديل 6 / الترجمة 246.

(3) تاريخ الدارميّ 550 / الترجمة 252.

(4) سنن الترمذيّ / بعد الحديث 622.


ليث بن أبي سُلَيم بن زُنَيم القُرشيّ الكوفيّ، مولى عُتبة بن أبي سُفيان، ويقال: مولى معاوية بن أبي سفيان.(2)

روى عن: مجاهد بن جَبْر المكّيّ، والمنهال بن عمرو، ونافع مولى ابن عمر، وأبي إسحاق السّبيعيّ، وعِكْرِمة مولى ابن عبّاس، وعطاء بن أبي رباح، وعامر الشّعبيّ، وشهر بن حوشب، وطاووس بن كيسان، وزيد بن أرطاة... وغيرهم ممّن ذكر في الثقات. انظرهم في المصادر.

روى عنه: عبد السلام بن حرب، وسفيان الثّوريّ، وشريك بن عبد الله، وشعبة بن الحجّاج، وزهير بن معاوية، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن عُلَيّة، وإسماعيل بن عيّاش، والحسن بن صالح بن حَيّ، وزائدة بن قُدامة، وأبو معاوية محمّد بن خازم الضّرير، ومحمّد بن فضيل بن غزوان، ومعتمر بن سليمان...

عبد الرحمان بن مهديّ: ليث بن أبي سُلَيم، وعطاء بن السائب، ويزيد ابن أبي زياد؛ ليث أحسنهم حالاً عندي.(3)

عن فضيل بن عياض: كان ليث بن أبي سليم أعلم أهل الكوفة بالمناسك.(4)

وقال الدار قطنيّ: ليث بن أبي سليم صاحب سنّة، يُخَرَّج حديثُه.(1)

____________________

(1) طبقات ابن سعد 6: 386، وتاريخ خليفة 458، وانظر: تهذيب الكمال 18: 67.

(2) طبقات ابن سعد 6: 349، ثقات ابن شاهين 275، الجرح والتعديل 7 / الترجمة 1014، وسنن الدار قطنيّ 1: 68، 331 و 3: 269، وتاريخ الدوريّ 2: 501، وتاريخ الدارميّ، ترجمة 560، 720، وتاريخ خليفة 274، وطبقاته 166، وتاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 1051...

(3) الجرح والتعديل 7 / الترجمة 1014.

(4) الجرح والتعديل 7 / الترجمة 1014.


وذكره ابن شاهين، عن عثمان، فقال: ليث بن أبي سليم: ثقة، صدوق، وليس بحجّة.(2)

قال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثّوريّ، وغيرهما من ثقات الناس، ومع الضّعف الذي فيه يكتب حديثه.(3)

استشهد به البخاريّ في «الصحيح»، وروى له مسلم مقروناً بأبي إسحاق الشّيبانيّ، وروى له الباقون.(4)

مات سنة ثمان وثلاثين ومئة، وفي قول: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة.(5)

مجاهد(6) : وهو آخر من في سند الحديث الذي رواه عنه ليث. جاء في ترجمته: مجاهد بن جبر المكّيّ.

روى عن: جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وعبد الله بن عبّاس، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن جبير - وهو من أقرانه -، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وأبي

____________________

(1) تهذيب الكمال للمزّيّ 24: 287.

(2) تاريخ أسماء الثّقات 275 / الرقم 1135.

(3) الكامل لابن عديّ 3: 20.

(4) تهذيب الكمال للمزّيّ 24: 288.

(5) رجال صحيح مسلم 151.

(6) طبقات ابن سعد 5: 466، وتاريخ الدوريّ 2: 549، وتاريخ خليفة 258، وطبقاته 491، وتاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 1805، والجرح والتعديل للرازيّ 8 / الترجمة 1469، ورجال صحيح مسلم 171، وجمهرة أنساب العرب 142، والثّقات لابن حبّان 3: 51 / 4896، وتهذيب الكمال للمزّيّ 27: 228 / 5783.


سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وجويرية أُمّ المؤمنين، وأُمّ سلمة، وعائشة، وأُمّ هاني بنت أبي طالب، وعبد الرحمان بن أبي ليلى، وإبراهيم بن الأشتر النَّخعيّ... وخلق كثير.

وقد وجدناه يروي عن صحابة وتابعين، وأُمّهات المؤمنين.

روى عنه: ليث بن أبي سليم - الذي روى عن مجاهد الحديث -، وسلمة ابن كُهيل، وسعيد بن مسروق الثّوريّ، وسليمان الأعمش، وسليمان الأحول، وطاووس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، وفطر بن خليفة، ومنصور بن المعتمر، والمنهال بن عمرو، وأبو إسحاق السّبيعيّ، وأبو الزبير المكّيّ...

ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مكّة، وقال: كان فقيهاً عالماً ثقة كثير الحديث.(1)

وعن أبي الليث الفضل بن ميمون: سمعت مجاهداً يقول: عرضتُ القرآن على ابن عبّاس ثلاثين مرّة.(2)

وقال عبد السلام بن حرب، عن خُصَيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد، وبالحجّ عطاء.(3)

وقال يحيى القطّان: مُرسَلات مجاهد أحبّ إليّ من مرسلات عطاء بكثير.(4)

____________________

(1) طبقات ابن سعد 5: 466 - 467.

(2) الجرح والتعديل للرازيّ 8 / الترجمة 1469، وانظر ابن سعد.

(3) الجرح والتعديل للرازي 8 / الترجمة 1469، وتاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 1805.

(4) نفسه.


وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو زرعة: ثقة.(1)

وقال سفيان الثّوريّ عن سلمة بن كهيل: ما رأيت أحداً أراد بهذا العلم وجهَ الله إلاّ عطاء، وطاووس، ومجاهداً.(2)

وروي عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: وددتُ أنّ نافعاً - نافع مولى ابن عمر - يحفظ حفظك وأنّ علَيّ دِرهماً زائفاً! قلت: هلاّ كان جيّداً! قال: هكذا كان في نفسي.(3)

قيل: مات مجاهد بمكّة سنة مائة. وقيل غير ذلك.(4)

وعن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى:« يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرّسُولَ » الآية، قال: نزلت في عليّعليه‌السلام خاصّةً، وكان له دينار فباعه بعشرة دراهم، فكان كلّما ناجاه قدّم درهماً حتّى ناجاه عشرَ مرّاتٍ، ثمّ نُسِخَت، فلم يعمل بها أحدٌ قبله ولا بعده.(5)

ويردُ الحديث بألفاظٍ أُخرى وطرق عدّة، كلّها تنصّ على عليّعليه‌السلام ، منها: أسباب النزول للواحديّ 276، والأوائل للعسكريّ 167؛ عن أبي أيّوب الأنصاريّ. والدرّ المنثور للسيوطيّ 6: 186 عن سلمة بن كهيل عن عبد ابن

____________________

(1) الجرح والتعديل للرازي 8 / الترجمة 1469.

(2) تهذيب الكمال للمزّيّ 27: 233.

(3) تهذيب الكمال للمزّيّ 223: 27.

(4) طبقات ابن سعد 5: 467، وتاريخ البخاريّ الكبير 7 ترجمة 1805.

(5) تفسير الحبريّ 368 رقم 96.


حميد. ورواية ابن جرير وعطاء والكلبيّ عن ابن عبّاس، في تفسيره الفخر الرازيّ 29: 271، وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ 21. وعن عبدالرحمان بن أبي ليلى في المستدرك على الصحيحين 2: 481. وعن ابن عمر في تذكرة الخواصّ 22، وكفاية الطالب الگنجيّ الشافعيّ 136، والجامع لأحكام القرآن للقرطبيّ 17: 302، وتفسير البغويّ 28: 347.

وعن مجاهد مرفوعاً عن عليّعليه‌السلام ، تفسير الطبريّ 28: 14، وأحكام القرآن للجصّاص 3: 526، وتفسير ابن كثير 4: 326، ومناقب عليّ بن أبي طالب لابن المغازليّ 326 ؛ كلٌّ عن ليث، عن مجاهد.

وأخرجه النّسائي بالإسناد إلى سفيان بن سعيد في خصائص أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام 39، والذهبيّ عن العقيليّ في ميزان الاعتدال 3: 146.

وأخرجه الترمذيّ في الجامع الصحيح 5: 80 الحديث 3355، وجامع الأُصول لابن الأثير الجزريّ 2: 452.

وذكره ابن أبي شيبة (ت 235 هـ) في كتابه (المصنّف 7: 505 / ح 62 و 63)، ثم قال: إنّها في عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

وذكره كلّ من: ابن عقدة (ت 332 هـ) في المناشدة يوم الشورى ت الفقرة 7 - وأحمد بن حنبل في المسند 3: 307 / ح 1788، والطبرانيّ (ت 360 هـ) في المعجم الكبير 12: 81 / ح 82604، والكوفيّ (القرن الرابع الهجريّ) في مناقب أميرالمؤمنينعليه‌السلام 1: 138 / ح 68 و 216 / ح 111 و 217 / ح 112 و 113 و 114 ؛ وتفسير الثعلبيّ 2: 140، ودلائل النبوّة للبيهقيّ 1: 170، والمعرفة


والتاريخ للفسويّ 1: 498، ومسند أبي يعلى 1: 322، وصحيح ابن حبّان 15: 391، والكامل لابن عديّ 5: 204.

خاتمة البحث

ثبت أنّ تقديم الصدقة حال النجوى لم يعمل به غير عليّعليه‌السلام وبطل قول ابن تيميه: أنّ الصدقة لم تكن واجبة! فقد أوجبها الله تعالى على المسلمين المستطيعين لها، كما أوجب سبحانه الواجبات الأُخرى المشروطة، فامتنع المستطيعون عن أدائها، وأدّاها عليّعليه‌السلام وحده، فصارت من خصائصه في التفويض والطاعة لله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

بقي قوله: «فِمْثلُ هذا العمل ليس من خصائص الأئمّة».

فهذا صحيح إن كان يعني بهم المسلمين والنبيُّصلى‌الله‌عليه‌وآله بينهم، فهو إمامهم وإليه يرجعون وهم لم يُخصّوا بها من دون المسلمين إلاّ عليّاً على ما ذكرنا، علماً أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ينصّ على إمامته - على ما سنذكر في مواضعه - وما مرّ بنا من حديث الولاية «آية التصدّق حال الرّكوع»، وتنصيب الإمام عليّ وليّاً وإماماً في آخر حجّةٍ «عيد غدير خمّ»، وحديث المنزلة...

ولذا كان عبد الله بن عمر يقول: لعليّ ثلاث لو كانت لي واحدة منهنّ كانت أحبّ اليّ من حُمْر النّعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الرّاية يوم خيبر، وآية النجوى، والزهيد قليل. وهنالك قول مشابه لسعد بن أبي وقّاص (تذكرة الخواصّ


27).

واختيار ابن عمر هذه الفضائل من بين فضائل وخصائص عليّعليه‌السلام هو: المنع لغير عليّ والإيجاب لهعليه‌السلام ، ففاطمةعليها‌السلام هي بضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد انتهى نسل رسول الله إلاّ فاطمة ومنها كانت ذرّيّته وهي سيّدة نساء العالمين، معصومة بحكم القرآن الكريم، وأبوها سيّد البشر بما فيهم الأنبياء والرسل ؛ فهي أحبّ النساء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي أُمّ الحسن والحسينعليهما‌السلام سيّدي شباب أهل الجنّة، ولم يكن الإمام عليّعليه‌السلام دونها في الفضل، فهو ابن عمّ النبيّ وزوج ابنته فاطمة، زوّجه إيّاها بعد أن خطبها أبوبكر وعمر وابن عوف فردّهم! والإمام عليّعليه‌السلام سيّد العرب كما في حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله - نأتي عليه - وهو أبو سيّدي شباب أهل الجنّة، وعصمته وعصمة الحسنين مقرّرة في القرآن. وعليّ أحبّ الرجال إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

والقول الذي ذكرناه لم يكن لابن عمر فقط، فقد ذكره أكثر من صحابي. وابن عمر يرى الزواجَ من فاطمة أعظمَ وأحبّ من حُمْر النّعم لا ليكون معصوماً مثل عليّعليه‌السلام ولا إماماً، وإنّما ليقال له صهر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيفخر بذلك، ويكون أبا عترته، وأحبّ الرجال إليه.

وذَكَر الراية، وذلك أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطى الراية يوم خيبر إلى أبي بكر فرجع منهزماً يجبّن أصحابه ويجبّنونه، ثمّ أرسل عمر بن الخطّاب فكان منه ما كان من أبي بكر، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «سأعطي الرّاية غداً رجلاً يُحبّ الله ورسوله ويُحبّه اللهُ ورسولهُ، كرّار غير فرّار، يفتح الله عليه».(1)

____________________

(1) مصادره في حديث الراية.


وكان الإمام عليّعليه‌السلام كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله . وكلّ ما ذكرنا من خصائص عليّعليه‌السلام ؛ فآية النّجوى من خصائصه لم يشركه فيها أحد.

ولا نتعب أنفسنا في سؤال ابن تيميه: لم هذا النضال في دفع هذه الفضيلة وإنكار كونها من خصائص أميرالمؤمنين عليعليه‌السلام ، فلنا وقفات وحوار يطول معه!

آية الأُذُن الواعية

قوله تعالى:« لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ » (1) .

الآية في أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام ، فهو الأُذن الأولى التي سمعت الوحي الكريم، وهو يُشافه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويتلو عليه القرآن الكريم، فوعاه قلبه وآمن بما جاء به، مع طهارة نفسه وما آتاه الله تعالى من مواهب الحفظ والذكاء والفهم. فهي واحدة من الأدلّة على أعلميّة أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، تلك الفضيلة التي أنكرها ابن تيميه. وقد تحدّثنا فيما مضى عن حديث «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»، والذي أنكره ابن تيميه أشدّ الإنكار، وثبتت لنا صحّته.

أنساب الأشراف: أخرج البلاذريّ بسنده عن هشام بن عمّار، عن الوليد ابن مسلم، عن عليّ بن حَوْشب، قال: سمعتُ مكحولاً يقول: قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ » فقال: «يا عليّ سألتُ اللهَ أن يجعلها أذُنَك».

____________________

(1) الحاقّة: 12.


قال عليّ: فما نسيتُ حديثاً أو شيئاً سمعتُه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(1)

سند الحديث

هشام بن عمّار: هشام بن عمّار بن نُصَير بن مَيْسَرة بن أبان السُّلَميّ الدمشقيّ.

روى عن: الوليد بن مسلم ؛ أحد سلسلة الحديث وسنده.

ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز بن أبي حازم المحاربيّ، وبقيّة بن الوليد، وعبد العزيز الدّراورديّ، ومروان بن معاوية الفزاريّ، وصدقة بن خالد...، وخلقٍ كثير.

روى عنه: البخاريّ، وأبو داود، والنّسائيّ، وابن ماجة، والوليد بن مسلم - وهو من شيوخه ؛ وأبو عبيد القاسم بن سلاّم - صاحب كتاب النّسب وغيره ومات قبله، وأبو حاتم محمّد بن إدريس الرازيّ، ومحمّد بن سعد - كاتب الواقديّ ومات قبله، ويعقوب بن سفيان الفَسَويّ، وأبو زُرعة الدمشقيّ، وأبو زرعة الرازيّ، وأحمد بن يحيى بن جابر البلاذريّ الكاتب...

لفتُ نظر: إنّ الذين ذكرناهم فيمن روى عنهم هشم بن عمّار، أو فيمن روى عن هشام، قد وردت تراجمهم في الثّقات. انظرهم في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وتاريخ الثّقات للعجليّ، والثّقات لابن حِبّان، وطبقات ابن سعد،

____________________

(1) أنساب الأشراف للبلاذريّ (ت 279 هـ) 2: 362.


وتاريخ ابن معين، والمعرفة والتاريخ للفسويّ...

أقوال العلماء في هشام بن عمّار

قال العجليّ: هشام بن عمّار الدمشقيّ: صدوق. (تاريخ الثقات 459 / 1741). وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ثقة. (تهذيب الكمال 30: 247). وقال أبو حاتم، عن يحيى بن معين: كيّس كَيْس. (الجرح والتعديل للرازيّ 9 / الترجمة 355).

وقال الدار قطنيّ: صدوقٌ كبير المحلّ. (تهذيب الكمال 248).

وقال عبد الرحمان بن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: صدوق. (الجرح والتعديل للرازيّ 9 / الترجمة 355).

مات هشام بن عمّار سنة خمس وأربعين ومئتين، وقيل غير ذلك.(1)

الوليد بن مسلم القرشيّ الدمشقيّ مولى بني اُميّة

وعن الوليد هذا، روى هشام بن عمّار الحديث، له ترجمة واسعة في كتب الرجال ممّا يشير إلى علوّ منزلته عندهم.(2)

____________________

(1) تاريخ البخاريّ 2: 382.

(2) طبقات ابن سعد 7: 470، وتاريخ الدوريّ 2: 634، وطبقات خليفة 317، وتاريخ البخاريّ الكبير 8 / الترجمة 2532، وثقات العجليّ 466، والجرح والتعديل 9 / الترجمة 70، والكنى للدولابيّ 2: 71، ورجال صحيح مسلم 185، والأنساب للسمعانيّ 5: 338، وتاريخ أبي زُرعة الدمشقيّ 1: 168 ومواضع كثيرة....


روى عن: عليّ بن حوشب الفزاريّ، وعنه روى الوليد الحديث. ومالك ابن أنس، واللّيث بن سعد، وسفيان الثّوريّ، وعبد الله بن لهيعة، ومحمّد بن عجلان، وعبد الملك بن جُرَيجْ، وأبي إسحاق الفزاريّ...

روى عنه: هشام بن عمّار - وهو الذي روى الحديث عن الوليد بن مسلم وأحمد بن حنبل، وأبو خَيْثمة زهير بن حرب، وبقيّة بن الوليد - وهو من أقرانه، وعبد الله بن وهب المصريّ - وهو من أقرانه، وعليّ ابن المدينيّ، وعبد الله بن الزبير الحُمَيديّ، والليث بن سعد - وهو من شيوخة، ونعيم بن حمّاد، وإسحاق بن راهوَيه، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وغيرهم كثير.

والقول في الرجال الذين روى عنهم، أو رَوَوا عنه، مِثل القول في هشام ابن عمّار.

قول العلماء فيه

ذكره ابن سعد في الطبقة السادسة وقال: ثقة كثير الحديث والعلم. (طبقات ابن سعد 7: 326 / 3926).

قال العجليّ: الوليد بن مسلم الدمشقيّ ثقة. (تاريخ الثّقات 466 / 1778).

وقال إبراهيم بن المنذر الخراميّ: قدِمتُ البصرة، فجاءني عليّ ابن المدينيّ، فقال: أوّل شيء أطلب، أخرِجْ إلَيّ حديث الوليد بن مسلم.

فقلت: يا ابن أمّ، سبحان الله ؛ وأين سماعي من سماعك؟! فجعلتُ آبى ويُلحّ، فقلتُ: أخبرني إلحاحكَ هذا ما هو؟ قال: اُخبرُك الوليدُ رجلٌ وعنده علمٌ


كثير ولم أستمكن منه...، قال: فأخرجتُ إليه، فتعجّب من فوائده وجعل يقول: كان يكتب على الوجه (المعرفة والتاريخ 2 / 422).

وقال أحمد بن أبي الحواري: قال لي مروان بن محمّد: إذا كتب حديث الأوزاعيّ عن الوليد بن مسلم، فما تبالي مَن فاتَك.(1)

قال أبو زرعة الدمشقيّ: قال لي أحمد بن حنبل: كان عندكم ثلاثةٌ أصحاب الحديث: مروان بن محمّد والوليد وأبو مُسْهِر (تاريخ أبي زرعة 7 / 384).

وقال يعقوب الفسويّ: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الشام عند إسماعيل بن عيّاش، والوليد بن مسلم، فأمّا الوليد فمضى على سنّته، محموداً عند أهل العلم، مُتقِناً صحيحاً، صحيحَ العلم...(2) .

وأخباره طويلة يظهر منها فضله ومنزلته عند علماء عصره.

مات الوليد بن مسلم سنة أربع وتسعين ومائة، وقيل خمس وتسعين ومائة.(3)

عليّ بن حوشب: عليّ بن حوشب الفزاريّ، أبو سليمان الدمشقيّ.

وعنه روى الحديث الوليد بن مسلم، ورواه عليّ بن حوشب عن مكحول.

روى عن: أبيه حوشب، ومكحول الشاميّ، وأبي سلاّم الأسود، وأبي قبيل المعافريّ المصريّ.

____________________

(1) الجرح والتعديل 9 / الترجمة 70.

(2) المعرفة والتاريخ 2: 423.

(3) طبقات ابن سعد 7: 327.


روى عنه: الوليد بن مسلم، وزيد بن عبيد الدمشقيّ، ويحيى بن صالح الوُحاظيّ، وأبو توبة الربيع بن نافع الحلبيّ...

الأقوال في عليّ بن حوشب

قال أبو زرعة الدمشقيّ: قلت لعبد الرحمان بن إبراهيم(1) : ما تقول في عليّ ابن حوشب الفزاريّ؟ قال: لا بأس به، قلتُ: ولِمَ لا تقول ثقة ولا تعلم إلاّ خيراً؟ قال: قد قلتُ لك إنّه ثقة.(2)

وذكر ابن حبّان عليّ بن حوشب في كتاب (الثقات) قال: من أهل الشام، يروي عن مكحول، روى عنه الوليد بن مسلم.(3)

مكحول: مكحول بن عبد الله أبو عبد الله الدمشقيّ، من سبي كابل لسعيد ابن العاص. وأخباره تطول نذكر موجزها بحسب حاجة البحث:

روى عن: أنس بن مالك، وواثلة بن الأُسْقع، وابن عمر، وأبي أمامة، وسعيد

____________________

(1) عبد الرحمان بن إبراهيم الدمشقيّ المعروف بدُحَيْم ابن اليتيم الاُمويّ بالولاء، مولى آل عثمان بن عفّان. قال العجليّ وغيره: ثقة! كان يختلف إلى بغداد، سَمِعوا منه فذُكِرَ الفئة الباغية هم أهل الشام، فقال: مَنْ قال هذا فهو ابن الفاعلة، فنكب الناس عنه، لم يسمعوا منه (تاريخ الثّقات للعجليّ 287 / 928).

العجب من العجليّ وغيره يوثّقون هذا الرجل، والقيد في التوثيق هو صدقه وعدم تعمّد الكذب، وأن لا يكون فحّاشاً، وقد وجدنا الرجل قد عمد إلى تكذيب حديث متواتر وأفحَشَ في سبّ من يرويه! هذا وهو مولىً لآل عثمان، فكيف لو كان أمويّاً أصالةً.

(2) تهذيب الكمال 20: 419.

(3) كتاب الثقات 4: 127 / 3241.


بن المسيّب، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وعروة بن الزبير، وطاووس ابن كيسان، وكريب مولى ابن عبّاس...

روى عنه: عليّ بن حوشب، الذي روى عنه حديث الأُذن الواعية، ومحمّد ابن إسحاق بن يسار - صاحب السّيرة والأوزاعيّ، وعبد القدّوس الشاميّ، وأُسامة بن زيد اللّيثيّ، والحجّاج بن أرطاة، وابن شهاب الزّهريّ، وعدد كبير ممّن ذُكروا في الثقات.

وأمّا مَن روى عنهم فقد ذكرنا بعض أسمائهم، وهم أشهر من أن يُعرَّفوا.

القول في مكحول: قال العجليّ: تابعيٌّ، ثقة. سمع من واثلة وأنس، وأبي هند الداريّ، ويقال: إنّه لم يسمع من أحدٍ من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ من هؤلاء.(1)

وقال يونس بن بُكير، عن محمّد بن إسحاق: سمعت مكحولاً يقول: طفتُ الأرض كلّها في طلب العلم.(2)

عن الزهريّ: العلماء أربعة: سعيد بن المسيّب بالمدينة، وعامر الشعبيّ بالكوفة، والحسن بن أبي الحسن بالبصرة، ومكحول بالشام.(3)

____________________

(1) تاريخ الثقات للعجليّ 439 / 1628.

(2) تاريخ ابن معين 2: 346 / 5239.

(3) الجرح والتعديل للرازيّ 8 / الترجمة 1867، حلية الأولياء 5: 179. 4 - منهاج السنّة النبويّة لابن تيميه 4: 140.


النتيجة

ثبت صحّة سند الحديث الذي أخرجه البلاذريّ. إلاّ أنّ ابن تيميه قال فيه: «حديث موضوع باتّفاق أهل العلم».(4)

تعقيب: وقولنا فيه هنا مثل قولنا في البحوث السابقة، فهو وبكلّ يسرٍ يُطلِق لفظه الذي اشتُهِر به «موضوع باتّفاق أهل العلم»، وتارةً أُخرى: «باتفاق أهل المعرفة بالحديث» من غير ذكر لبعض أهل العلم والمعرفة أولئك، بل ولا ذكر واحدٍ منهم! ولو بُعث الرجل قبل البعث الأكبر والقيامة العظمى، وسئل: ما تقول في رجال سند الحديث الذي أخرجه البلاذريّ، هل هم شيعة روافض؟ أم إنّهم عاشوا في بيئة محترقة في التشيّع!

فنقل بعضهم الحديثَ عن الآخرَ تقيّة؟ أم هم مجهولو الحال؟ ونحن على ثقة أنّه إذا أراد أن يجيب ضاقت به السّبل ؛ فنقول: فأمّا التشيّع، فهم بعيدون كلّ البعد من ذلك. وأمّا البيئة، فهم من أهل الشام من دمشق حاضرة الدولة الأُمويّة، وفيهم من هو أُمويّ تثور ثائرته وهو في بغداد بعيداً عن أنصاره، وذلك لمّا ذُكرت الفئة الباغية.

وأمّأ حالهم: فقد أظهرت المصادر حُسْنَ حالهم. مع ملاحظة أنّا لم نرجع فيهم إلى مصدر شيعيّ.« فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقّ إِلّا الضّلاَلُ فَأَنّى‏ تُصْرَفُونَ) .(1)

شواهد التنزيل للحسكانيّ الحنفيّ 2: 272 / 1008، قال: وهذا الحديث

____________________

(1) يونس: 32.


رواه جماعة عن أميرالمؤمنين، منهم زِرّ بن جُبيش الأسديّ.(1)

____________________

(1) طبقات ابن سعد 6: 104، والمصنّف لابن أبي شيبة 13 / الرقم 15738، وتاريخ ابن معين 2 / 172، وتاريخ الثقات للعجليّ 261، وطبقات خليفة 237 / 983، وتاريخه 288، ومسند أحمد 5: 129، وتاريخ البخاريّ الكبير 3 / الترجمة 1495، والمعارف 427، والجرح والتعديل للرازيّ 3 / الترجمة 2817، ورجال صحيح مسلم 54، وإكمال الإكمال 4: 183، وأُسد الغابة 2: 300، والإصابة 1: 577.

روى عن: عليّ بن أبي طالب، وعمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وعبد الله بن مسعود، وأبي ذرّ الغفاريّ، والعبّاس بن عبد المطّلب، وحذيفة بن اليمان، وأُبيّ بن كعب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، وأبي وائل شقيق بن سَلَمة الأسديّ وهو من أقرانه، وعائشة.

روى عنه: عديّ بن ثابت وقد روى عنه الحديث -، وإبراهيم النّخعيّ، وحبيب بن أبي ثابت، وإسماعيل بن أبي خالد، وعامر الشّعبيّ، والمنهال بن عمرو الأسديّ، وأبو إسحاق الشّيبانيّ، وشمر بن عطيّة، وعاصم بن بَهْدَلة...

القول فيه: قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن مَعين: ثقة (الجرح والتعديل للرازيّ 3 / الترجمة 2817)، وذكره محمّد بن سعد في الطبقة الأُولى من تابعي أهل الكوفة وقال: كان ثقة كثير الحديث. (طبقات ابن سعد 6: 105).

قال العجليّ: زرّ بن حُبَيْش، من أصحاب عبد الله بن مسعود وعليّ، ثقة.

(تاريخ الثقات للعجليّ 165 / 458). وفي (رجال ابن داود: 157 / 620).

قال: كان فاضلاً، ومن أصحابنا. مات زرّ سنة إحدى وثمانين.

عديّ بن ثابت: روى الحديث عن زرّ بن حبيش.

روى عن: زرّ بن حبيش، وسعيد بن جبير، وسليمان بن صُرَد الخزاعيّ أمير التوّابين الذين خرجوا للطلب بثأر الحسينعليه‌السلام ، وأبيه ثابت، والبراء بن عازب، وزيد بن وهب الجهنيّ، ويزيد بن البراء بن عازب، وأبي راشد صاحب عمّار بن ياسر، وعبد الله بن أبي أوفى... =


قال: عن الأعمش، عديّ بن ثابت، عن زِرّ بن حُبَيْش قال: قال أميرالمؤمنين: «ضمّني رسول الله إليه وقال: أمرني ربّي أن أُدنيك ولا أُقصيَك، وأن تسمع وتعي، وحقٌّ على الله أن تعي». فنزلت« وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) قال: ورواه أيضاً عنه: ابنُه عمر، عن أبيه عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الله أمرني أن أُدنيك ولا أُقصيك، وأعلّمك لتعي، وأُنزلت علَيّ هذه الآية:« وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ » ، فأنت الأُذن الواعية لعلمي يا عليّ، وأنا المدينة وأنت الباب، ولا يؤتى المدينة إلاّ من بابها».

- وأيضاً شواهد التنزيل 2: 274 / 1009: فقد ذكر رواة حديث الأُذن الواعية: بُرَيدة الأسلميّ، مكحول - خمس روايات، جابر بن عبد الله الأنصاريّ، ابن عبّاس، سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس، أنس بن مالك. قال وورد أيضاً عن الحسين بن عليّ، وعبد الله بن الحسن، وأبي جعفر، وغيرهم.

____________________

= روى عنه: سليمان الأعمش - الذي روى عنه حديث الأُذن الواعية، وأبان بن تغلب، وأبان بن عبد الله البَجَليّ، وأبو إسحاق السّبيعيّ، وشعبة بن الحجّاج، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وعليّ بن زيد بن جُدعان، وفضيل بن مرزوق، ومسعر بن كدام، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة (الجرح والتعديل للرازيّ 7 / الترجمة 5).

وقال العجليّ: عديّ بن ثابت الأنصاريّ، ثقة ثبت... وكان شيخاً عالماً... (تاريخ الثقات للعجليّ 330 / 1115).

وقال أبو حاتم: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصّهم (الجرح والتعديل للرازيّ 7: 5).

وذكره ابن حبّان في كتاب (الثّقات 2: 417 / 3192).

مات عديّ بن ثابت سنة 116 هـ.


المصادر

(ومن المصادر التي ذكرت نزول الآية في أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام )، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ أو زيادة:

أسباب النزول للواحديّ: 294، وتفسير الطبريّ 29: 56، والكشّاف للزمخشريّ 4: 151، والتفسير الكبير للفخر الرازيّ 30: 107، وتفسير ابن كثير الحنبليّ 4: 413، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوريّ الحنفيّ 3: 110، والدرّ المنثور للسيوطيّ الشافعيّ 6: 260، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 319، وحلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهانيّ 1: 67، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ الشافعيّ: 318 / ح 363 و 364، والمناقب للخوارزميّ الحنفيّ: 282 - 283 / ح 276 - 278، وكفاية الطالب للگنجيّ الشافعيّ: 108، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم: 22، ومناقب عليّ لابن مردويه: 337 - 339 / ح 565 - 572، والفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 123، وكنز العمّال للمتّقيّ الهنديّ 6: 408، ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 3: 95، وفرائد السمطين للجوينيّ الشافعيّ: الباب 40 / الحديث 166، والطرائف لابن طاووس: 93، ومطالب السَّؤول لابن طلحة الشافعيّ: 20، وكشف اليقين للعلاّمة الحليّ: 388، وتذكرة الحفّاظ للذهبيّ 4: 1405، ومجمع الزوائد للهيتميّ 1: 131، ولباب النقول للسيوطيّ: 225، وغاية المرام لهاشم البحرانيّ: 366، ومفتاح النَّجا للبدخشانيّ الحارثيّ: 40.


حديث «أنا مدينة العلم وعليّ بابها».

قال ابن تيميه وحديث «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» أضعف وأوهى ؛ ولهذا إنّما يُعدّ في الموضوعات وإن رواه الترمذيّ! وذكره ابن الجوزيّ وبيّن أنّ سائر طُرقه موضوعة.(1)

وقال في موضع آخر: وممّا يروونه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»، قال: وهذا حديث ضعيف، بل موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، ولكن قد رواه الترمذيّ وغيره، ومع هذا فهو كذب!(2)

لقد وصلنا مع هذا الرجل إلى حدّ أنّه لو قال: إنّ عليّ بن أبي طالب لم يُخلق بعد، وإنّما ذكره الترمذيّ أو تفرّد به مسلم، ومع ذلك فلا صحّة لما ذكر إذ لم يتابعه البخاريّ، أو نفى وجودَه أبو الفرج..، لَما استغربنا قوله!

محاكمة الحديث سنداً ومتناً

حكم ابن تيميه على الحديث بالضعف، والحديث الضعيف يحتجّ به ما لم يأت ما يُبطله كما هو مقرّر عند العلماء بالحديث وأُصوله. وليت ناصبيّته وقفت عند الحدّ هذا! فإنّه رتّب على تضعيفه للحديث أن جعله من الموضوعات، مع إقراره بذكر الترمذيّ للحديث، وجعل مدار إبطال الحديث هو ابن الجوزيّ. ونذكّر بحديث ردّ الشمس وحكمه عليه بالكذب ؛ لأنّ مداره - كما زعم هو -

____________________

(1) منهاج السّنّة 4: 138.

(2) علم الحديث لابن تيميه 526.


عبيد الله بن موسى، وقال عنه: يروي الموضوعات. ثمّ طعن بابن عقدة الذي قال عنه: وأنا لا أتّهم به إلاّ ابنَ عقدة، والقول هذا لشيخه أبي الفرج.

فكان مدار ابن تيميه: أبا الفرج لا غير! وتكلّمنا هناك عن سند الحديث فكان من العلوّ بمكان، وذكرنا أنّ للحديث أسانيد أُخرى رفيعة.

وتحوّل بعد كلّ ذلك إلى القطع بأنّ الحديث مكذوب، وإن رواه الترمذيّ وغيره!

وليس لمثل ابن تيميه، ولا أبي الفرج أن يحكما على مثل الحكيم الترمذيّ وعلى نهجه الضالّ، سلك تلميذه الذهبيّ في تكذيب الحديث، إلاّ أنّ الأخير، تعامل مع الحديث بمحاكمة سنده، فخدشه ظنّاً منه أنّه بذلك يُبطل الحديث.

قال الحاكم في المستدرك: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب حدّثنا محمّد بن عبد الرحيم الهرويّ بالرملة، حدّثنا أبو الصّلت عبد السلام بن صالح، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب».

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. وأبو الصّلت ثقة مأمون، فإنّي سمعت أبا العبّاس محمّد بن يعقوب في التاريخ يقول: سألتُ يحيى بن مَعين عن أبي الصّلت الهرويّ فقال: ثقة، فقلت: أليس قد حدّث عن أبي معاوية عن الأعمش: «أنا مدينة العلم»؟! فقال: قد حدّث به محمّد بن جعفر الفَيديّ، وهو ثقة مأمون. سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه القبانيّ إمام عصره ببخارى يقول: سمعت صالح بن محمّد بن حبيب الحافظ يقول وسُئل عن أبي


الصّلت فقال: دخل يحيى بن معين، ونحن معه، على أبي الصّلت فسلّم عليه، فلمّا خرج تَبِعْتُه فقلت له: ما تقول - رحمك الله - في أبي الصّلت؟ فقال: هو صدوق، فقلت له: إنّه يروي حديث الأعمش عن مجاهد عن ابن عبّاس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأتها من بابها»، فقال: قد روى هذا - أي حديث مدينة العلم - ذاك الفَيْديّ عن أبي معاوية عن الأعمش كما رواه أبو الصّلت.(1)

قال الذهبيّ في التلخيص: بل موضوع. قال الحاكم: وأبو الصّلت ثقة مأمون. قال الذهبيّ: لا والله، لا ثقة ولا مأمون.(2)

ومن طريق آخر: قال الحاكم: حدّثنا بصحّة ما ذكره الإمام أبو زكريا، حدّثنا يحيى بن معين، حدّثنا أبو الحسين محمّد بن أحمد بن تميم القنطريّ، حدّثنا الحسين بن فهم، حدّثنا محمّد بن يحيى بن الضريس، حدّثنا محمّد بن جعفر الفيديّ، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاسرضي‌الله‌عنهم ا قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب».

قال الحسين بن فهم: حدّثناه أبو الصّلت الهرويّ عن أبي معاوية.

قال الحاكم: ليعلم المستفيد لهذا العلم أنّ الحسين بن فهم بن عبد الرحمان ثقة مأمون حافظ.

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 137 / 4637.

(2) التلخيص للذهبيّ، هامش المستدرك.


ولهذا الحديث شاهد من حديث سفيان الثوريّ بإسنادٍ صحيح.(1)

قال الذهبيّ: العجب من الحاكم وجرأته في تصحيحه هذا وأمثاله من البواطيل، وأحمد هذا دجّال كذّاب!(2)

قال الحاكم: حدّثني أبو بكر محمد بن عليّ الفقيه الإمام الشاشيّ القفّال ببخارى وأنا سألته، حدّثني النّعمان بن هارون البلديّ ببلد من أصل كتابه، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد الحرّانيّ، حدّثنا عبد الرزّاق، حدّثنا سفيان الثّوريّ، عن عبد بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمان بن عثمان التّيميّ قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فَمن أراد العلم فليأت الباب».(3)

لقد وجدنا ابن تيميه قد حكم على الحديث بالكذب، وحجّته في ذلك أن أبا الفرج قد حكم بذلك، فأغنى نفسه عن البحث، إذ عادته المنتظمة كما ذكرنا في غير هذا الموطن أنّه يكذّب الحديث، وذريعته فيه أنّه كذب عند أهل العلم والمعرفة بالحديث. وإلاّ لاذ بأبي الفرج، فطوّقه ذلك الأمر واستراح.

وأمّا تلميذه الذهبيّ فقد وجدناه في تلخيصه للمستدرك: إمّا أن يوافق الحاكم، أو يسكت عن الحديث، أو يخدش سنده بأيّ ثمّة خدش. لكنّ نائرته اضطرم أُوارها في «حديث الطير»، فحمل على الحاكم نفسه! وكذلك في حديث

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 137 / 4638.

(2) التلخيص للذهبيّ، هامش المستدرك 3: 137 / 4638.

(3) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 138 / 4639.


«مدينة العلم» فقد حكم عليه بالوضع، ولم يقف عند الحدّ هذا، بل حلف بالله تعالى أنّ أبا الصّلت لا ثقة ولا مأمون!

وقبل الولوج في نقد سند الحديث، نذكّر بما أوردناه بشأن رجال علم الحديث والرجال وما أصابهم من جرح وتعديل علماء زمانهم أو ما هو قريب من ذلك. فإنّ يحيى بن مَعين هو من أقران أحمد بن حنبل، وهو ممّن يَخبت ابن تيميه وابن الجوزيّ والذهبيّ لإمامته ولا يتجاوزون قوله، فهو عندهم عدل أحمد بن حنبل، وقد قال فيه أبو زرعة(1) : لم يُنتفَع به - أي بيحيى - لأنّه كان يتكلّم في الناس(1) ! ويروى هذا عن عليّ بن المدينيّ،(3)

____________________

(1) أبو زُرعة: عمرو بن جابر الحضرميّ، مصريّ، تابعيّ ثقة (تاريخ الثّقات للعجليّ 362 / 1252، و 498 / 1952).

(2) تاريخ يحيى بن معين 1: 8.

(3) عليّ بن عبد الله بن جعفر بن نجيح المدنيّ: مات بسرّ مَنْ رأى سنة عدل أربع وثلاثين ومائتين. علمٌ ثبت حافظ، إمام أهل الحديث والرجال ثقة، عدل، حادّ الذكاء، واسع المعرفة، مستقيم الأمر، ضابط لما يرويه، وإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبويّ مع معرفة بنقد الرجال مع ورعٍ وتقوى، وهوشيخ البخاريّ وعنه شحن صحيحه بالحديث، وقال عنه: ما استصغرت نفسي بين يدي أحدٍ إلاّ بين يدي عليّ بن المدينيّ. ولمّا سئل البخاريّ: ما تشتهي؟ قال: أن أقدم العراق وعليٌّ حيّ فأجالسه.

تلقّي المدينيّ العلم عن: حمّاد بن زيد، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرزّاق ابن همّام، وغُنْدر، وعبد الرحمان بن مهديّ، وابن عُلَيّة، ويوسف بن يعقوب الماجشون، والدّراورديّ، وعبد الله بن وَهْب، والوليد بن مسلم... =


من وجوه(1) . وقال: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن يحيى بن معين.(2)

ووقع أبو داود فيه، فلمّا أُنكر عليه قال: من جرّ ذيول الناس جرّوا ذيله!(3)

وقد قال يحيى بن مَعين عن نفسه: إنّا لنطعن على أقوام لعلّهم قد حطّوا رحالهم في الجنّة من أكثر من مئتي سنة! هذا هو بعض شأن يحيى بن مَعين، حُكْم علماء عصره عليه، وحكمه على نفسه! وسؤالنا لابن الجوزيّ، وابن تيميه: فهلاّ اقتديتما به فتركتما الناس لله! ألم يصلكما قول إمامكما وحكمه في سند حديث مدينة العلم؟ وماذا سيكون جوابكما إذا حشرتما وجاء أبو الصّلت وغيره

____________________

= روى عنه: البخاريّ، وأبو داود. وروى عنه: سفيان بن عيينة، ومعاذ بن معاذ - وهما من شيوخه ؛ وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة - وهما من أقرانه. وروى عنه أبو داود، والترمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجة في التفسير له بواسطة: الذّهليّ، والجوزجانيّ، والحسن بن عليّ الخلاّل، والحسن بن الصباح البزّار...

تلقّى العلم عنه خلق كثير، منهم: ابنه عبد الله، وأحمد بن منصور الرماديّ، وصالح جزرة، وعبد الله البغويّ، والباغندي، وأبو يعلى الموصليّ، وأبو حاتم الرازيّ...

قال أبو حاتم الرازيّ: كان علماً في الناس في معرفة الحديث والعلل، وكان الإمام أحمد لا يسمّيه، إنّما يكنّيه ؛ تبجيلاً له.

انظر في: الطبقات الكبرى 7: 308، وتاريخ البخاريّ الكبير 3: 2 / 248، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3: 1 / 193، وتاريخ بغداد 11: 458 / 473، والفهرست لابن النديم 331، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبليّ 2: 81...

(1) تاريخ يحيى بن معين 1: 8.

(2) تهذيب الكمال للمزّيّ 31: 564.

(3) نفسه.


يطالبون بحقّهم؟ وهل هناك كفّارة؟! ثمّ ما تقولان للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولعليّعليه‌السلام وهما يشكوانكما؟!

ومع كلّ ما ذكرناه، يبقى ابن معين له شأنه في هذا الميدان، وهو لكما ألزم إذ جعلتموه حجّةً بينكما وبين الله تعالى.

وابن معين عاصر أبا الصّلت ورآه وسمعه، فالحكم له ومن هو في طبقته، لا لكما! فهلاّ حملتما على ابن معين لا على الحاكم، وقد كان ابن معين في سند الحديث، وهو الذي حكم بصدق الحديث، وصدّق أبا الصّلت ووثّقه؟!

وزاد أن قوّى وثاقة الحديث فذكره من طريق الفيديّ عن أبي معاوية عن الأعمش مثلما رواه أبو الصّلت، وكان جوابه هذا حينما أُشكِل عليه وسئل عن أبي الصّلت وروايته لحديث مدينة العلم.

فلِمَ أغمضتم عيناً عن الفيديّ، الذي جعله ابن معين حجّةً أخرى في تصديقه الحديث لوثاقة الفيديّ عنده، وعلّقتم الحديث الثاني على أحمد؟! ولَيتكم وقفتم عند تضعيف أحمد! وإنّما ذهب بكم الأمر إلى القول فيه: دجّال كذّاب! وهو من أعظم ما يُرمى به المرء بعد الإسلام، وهو الباب لكلّ الخطايا. ولذا قرّروا الأخذ بروايات أهل الأهواء والبدع، وقالوا في رجال الحديث: لئن يخرّ أحدهم من السماء أهونُ عليه من أن يكذب.

وقد علمتم صحّة ووثاقة الحديث الأوّل، فعلامَ علّقتم الحديث الذي بعده على أحمد وطعنتموه بُمديٍّ ما طعنتم بها الكفّارَ والخوارج؟! فماذا أعددتم ليوم


غدٍ؟! و« سَيَعْلَمُونَ غداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ) .(1)

وأبو الفرج عند ابن تيميه، هو مدار تكذيب حديث مدينة العلم، وأبو الفرج مات سنة (597 هـ)، وأبو الصلت توفّي سنة (236 هـ)، فالفاصلة الزمنيّة بينهما هي (361) سنة!

وأمّا الذهبيّ الذي حلف بالله أنّ أبا الصّلت لا ثقة ولا مأمون، فإنّه مات سنة 748 هـ، وبذا تكون الفاصلة الزمنيّة بينه وبين أبي الصّلت هي (512) سنة فقط! وبين الذهبيّ وبين أحمد بن عبد الله المتوفّى سنة 271 هـ، الذي قال عنه الذهبيّ: إنّه كذّاب دجّال، (477) سنة.

وليس بين ابن تيميه المتوفّى سنة (728 هـ) وبين أبي الصّلت أكثر من (492) سنة، وأمّا بينه وبين أحمد بن عبد الله فأقلّ من ذلك، فهي لا تزيد على (457) سنة! فَلْيَحكم المنصفون.

وبين ابن تيميه، وأبي معاوية الضّرير (533) سنة، وبين الذهبيّ وأبي معاوية (533) سنة.

وفي الحديث الذي ذكره الحاكم، وفي طريقه الحسين بن فهم، وجدنا الذهبيّ قد رحم نفسه فلم يحلف بالله تعالى بتضعيفه بل قال بإسقاطه! كما فعل بشأن أبي الصّلت.

وقد مرّ بنا قول الحاكم فيه: إنّ الحسين بن فهم ثقة مأمون حافظ. فقد نعته

____________________

(1) القمر: 26.


بما نعت به أبا الصلت وزاد: حافظ. لكنّ الذهبيّ لم تطاوعه نفسه. وربّما نسي! فقد قال عنه في كتاب آخر له: الحسين بن فهم، صاحب محمّد بن سعد (صاحب الطبقات الكبرى)، قال الحاكم: ليس بالقويّ!(1) وتابعه ابن حجر فقال عنه عينَ عبارة الذهبيّ!(2)

وهذا أشكل وأعضل ما نجده في منهجيّة كتابة التاريخ والتراجم، وهو اللاّموضوعيّة وعدم التجرّد عن العصبيّة والهوى، وعبادة الأشخاص على أسمائها، حتّى لَتجد كتباً ربّما كثرت أجزاؤها هي عينها لسابقين مع تغيير عنوان الكتاب اللاحق، ليس أكثر! وإلاّ قولُهما مناقض تماماً لما ذكره الحاكم في حديث مدينة العلم، إذ أفرده من سلسلة السند فأقامه حجّةً لأهل العلم، وذلك هو قوله: ليعلم المستفيد لهذا العلم أنّ الحسين بن فهم ثقة مأمون حافظ.

ولم يكن الحسين بن فهم من أقران الذهبيّ، ولا ابن حجر، ولا هما قريبا عهد به، فإنّ الفاصلة الزمنيّة بين الذهبيّ وابن فهم هي (459) سنة، وأمّا بين ابن حجر وابن فهم فهي (563) سنة! وما يدرينا فلعلّ الحسين بن فهم ممّن قال عنهم ابن معين قد حطّوا رحالهم في الجنّة!

من أخبار الحسين بن فهم

الحسين بن محمّد بن عبد الرحمان بن فهم بن مُحرز بن إبراهيم، أبو عليّ.

____________________

(1) ميزان الاعتدال للذهبيّ 2: 308 / 1266.

(2) لسان الميزان لابن حجر 2: 308.


سمع: يحيى بن مَعين، ومصعباً الزبيريّ، ومحمّد بن سعد كاتب الواقديّ، وأبا خَيثمة زُهير بن حرب، ومحمّد بن سلاّم الجُمحيّ...

روى عنه: أحمد بن معروف الخشّاب، وأبو عليّ (الطوماريّ، وأحمد ابن كامل... ؛ وكان ثقةً، وكان عسراً في الرواية متمنّعاً إلاّ مَن أكثر ملازمته، وكان حسن المجلس مفتياً مفنناً في العلوم، كثير الحفظ للحديث مسنده ومقطوعه ولأصناف الأخبار والنّسب والشّعر، والمعرفة بالرجال، وكان يقول: صحبت يحيى ابن مَعين وأخذت عنه معرفة الرجال، وصحبت مصعب بن عبد الله - الزبيريّ ت 236 هـ، له (نسب قريش) - فأخذت عنه النّسب، وصحبت أبا خيثمة فأخذتُ عنه المسند، وصحبت الحسن بن حمّاد سجّادة فأخذت عنه الفقه.(1)

ترجمة أبي الصّلت(2) :

عبد السلام بن صالح بن سليمان بن أيوب بن ميسرة، أبو الصّلت الهرويّ، مولى عبد الرحمان بن سَمُرة القرشيّ. سكن نيسابور، ورحل في طلب الحديث إلى البصرة والكوفة والحجاز واليمن.(3)

وهو خادم عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام أديبٌ فقيه عالم.(4)

____________________

(1) تاريخ بغداد 8: 92 / 4190.

(2) سنن الدار قطنيّ 1: 110، والجرح والتعديل 6، الترجمة 257، وتاريخ بغداد 11: 46 / 5728، مطالب السؤول 214، ورجال ابن ماجة 15، 51، وتهذيب الكمال للمزّيّ 18: 73 / 3421.

(3) تاريخ بغداد 11: 46، وتهذيب الكمال 18: 73.

(4) تهذيب الكمال للمزّيّ 18: 73.


روى عن: عليّ بن موسى الرضا، الثامن من أئمّة أهل البيت النبيّ عليه وعليهم السلام، ومحمّد بن خازم أبي معاوية الضّرير، ومالك بن أنس إمام المذهب المالكيّ، وعبد الرزّاق بن همّام(1) ، وسفيان بن عُيَينة(2) ، وعبد السلام بن

____________________

(1) محمّد بن خازم تأتي ترجمته، ومالك أشهر من أن يعرّف، والرضاعليه‌السلام فرع الشجرة العلويّة الطاهرة. وعبد الرزّاق بن همّام بن نافع الحِمْيَريّ الصنعانيّ، عالم اليمن حافظ كبير، له: المصنّف، وتفسير القرآن العزيز، توفّي سنة إحدى عشرة ومائتين.

روى عن: أبيه، ومَعْمَر بن سليمان، وعبيد الله بن عمر، وابن جُريج، وحجّاج بن أرْطأة، والأوزاعيّ، والسّفيانَين، ومالك.

قال العجليّ: يمانيّ، ثقة وكان يتشيّع. (تاريخ الثّقات 302 / 1000).

روى عنه: شيخاه: مُعتمر وسفيان بن عينية، وأبو أسامة وهو أكبر منه، وأحمد، وابن معين وإسحاق، ومحمّد بن رافع، وأحمد بن صالح المصريّ (شيخ البخاريّ: توفّي سنة ثمان وأربعين ومئتين، مضت ترجمته في الحديث الذي أنكره ابن تيميه «حديث ردّ الشمس للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحمل حملةً منكرةً على سنده، وجرح أحمد هذا»، قال ابن سعد: قفة، من الطبقة الخامسة من أهل اليمن - وذلك بلحاظ سنة وفاته -، ومثله ذكر خليفة بن خياط في (طبقاته 521 / 2673).

قال عبد الرزّاق: جالَسنا مَعمراً سبعَ سنين. (الجرح والتعديل 6 / 38).

قال أحمد بن صالح: قلت لأحمد بن حنبل: رأيتَ أحداً أحسنَ حديثاً من عبد الرزّاق؟ قال: لا. (تهذيب الكمال 2: 829).

و قال عبد الوهّاب بن همّام: كنتُ عند معمر فذكر أخي عبد الرزّاق، وقال: خليق إن عاش أن تُضرب إليه أكباد الإبل. (تهذيب الكمال 2: 829).

وقال أبو صالح محمّد بن إسماعيل: بلغنا ونحن عند عبد الرزّاق أنّ ابن معين. وأحمد بن حنبل تركوا حديث عبد الرزّاق، فدخلنا من ذلك غمّ شديد، فلمّا كان وقت الحجّ وافيت بمكّة يحيى بن =


____________________

= معين فسألته، فقال: يا أبا صالح، لو أرتدّ عبد الرزّاق عن الإسلام ما تركنا حديثه (الكامل لابن عديّ 5: 1948).

وأخباره تطول، وإنّما أوردنا بعضها لأنّه في سند الحديث، ومَن هذا شأنه في الجلالة عند من لا يتجاوز ابن تيميه قولهما: ابن حنبل وابن معين، فحقّ أن يثبت الحديث الذي يرويه ولا التفات لابن تيميه!

وهذه بعض مصادر ترجمة عبد الرزّاق: طبقات ابن سعد 5: 548، وتاريخ بن معين 2: 362، وتاريخ البخاريّ الكبير 2: 94، والمعارف لابن قتيبة 506 و 624، والكنى والأسماء للدولابيّ 1: 119، وتاريخ خليفة 474، وطبقات خليفة 289، ورجال صحيح مسلم لابن منجويه 2: 8 / 1015، والثّقات لابن حبّان 5: 412، والفهرست لابن النديم 318، والمعرفة والتاريخ للفسويّ 3: 624، وتاريخ بغداد 9: 174.

(2) طبقات ابن سعد 5: 547، تاريخ يحيى بن معين 2: 216، وتاريخ الدارميّ - عدّة مواضع - وتاريخ البخاريّ الكبير 4 / الترجمة 2082، وطبقات خليفة 284، وتاريخه 468، وثقات العجليّ 194 / 577، والمعارف 506، والمعرفة والتاريخ للفسويّ 1: 185 - 187، وجامع الترمذي 4: 254، وتاريخ أبي زرعة الدمشقيّ - مواضع كثيرة -، والجرح والتعديل 4 / الترجمة 973، وحلية الأولياء 7: 270، وجمهرة أنساب العرب 18 ومواضع أخرى، ورجال صحيح مسلم 71، وسنن الدارقطنيّ 2: 210، وتهذيب الكمال 11: 177 / 2413.

روى عن: جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام السادس من أئمة أهل بيت النبوّة، وأبان بن تغلب (ثقة، تأتي ترجمته)، وسفيان الثّوريّ، وسليمان الأعمش، ثقة ثبت يسمّى المصحف. تأتي ترجمته - وفِطْر بن خليفة الخيّاط. ثقة (العجلي 385)، وفرات القزّاز - ثقة (العجلي 383)، ومالك بن أنس، وهشام بن عروة، وأبي إسحاق السّبيعيّ، ومعمر بن راشد، ومحمّد بن السائب الكلبيّ، ومحمّد بن مسلم بن شهاب الزّهريّ، ومحمّد بن المنكدر، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبي الزّبير المكيّ، ومنصور بن المعتمر، وصالح بن صالح بن حيّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وعطاء بن السائب... وأمّة واسعة من المحدّثين، أقلّ ما قيل فيهم: ثقة. =


حيّان الأحمر (كوفيّ ثقة تاريخ الثّقات 301 / 607).

و عبد السلام بن حيّان أبو خالد الأحمر. (كوفيّ ثقة. تاريخ الثّقات للعجليّ 201 / 607)، وجَربن عبد الحميد الضّبيّ(1) ، وشريك بن عبد الله(1) ، وحمّاد بن

____________________

= روى عنه: أحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح المصريّ، وإبراهيم بن محمّد الفَزاريّ - تابعيّ ثقة (العجلي 54)، وسفيان الثّوريّ - وهو من شيوخه -، وسليمان الأعمش وهو من شيوخه، وشعبة ابن الحجّاج، وعبد الله بن المبارك، وأبو بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن وَهْب المصريّ، وعبد الرحمان بن مهديّ وعبد الرزّاق بن همّام، وعبد الملك بن جُريج - وهو من شيوخه - وحمّاد بن أسامة، وحمّاد بن زيد، وأبو خيثمة زهير بن حرب، والزبير بن بكّار، وعبيد الله بن موسى، وعثمان بن محمّد بن أبي شيبة، وعليّ ابن المدينيّ، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، وأبو معاوية الضّرير، ومحمّد بن إدريس الشافعيّ، ومحمّد بن عبد الله بن نُمير، ووكيع بن الجرّاح، ومُعتمر بن سليمان، ويحيى بن مَعين، ويحيى بن سعيد القطّان، ومحمّد بن منصور الطوسيّ..

وهؤلاء مثل الذين من قبلهم في الإمامة والوثاقة والعلم لدى الجمهور.

أقوال العلماء في سفيان: سفيان بن عُيينة الهلاليّ: كوفيّ ثقة ثبت في الحديث، وكان بعض أهل الحديث يقول: هو أثبت الناس في حديث الزّهريّ، وكان حسَن الحديث، وكان يُعدّ من حكماء أصحاب الحديث... (تاريخ الثّقات 194 / 577).

وقال غيره: الإمام الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، لقيَ الكثير وحمل عنهم علماً جمّاً، وأتقن وجوّد، وجمع وصنّف، وازدحم الخلق عليه وانتهى إليه عُلوّ الإسناد، وألحق الأحفاد بالأجداد (طبقات ابن سعد 5: 497، وتاريخ ابن مَعين 2: 216، وتاريخ البخاريّ الكبير 2: 94، وتاريخ بغداد 9: 174).

(1) جَرير بن عبد الحميد الضّبّي (كوفيّ، ثقة، سكن الريّ. وكان رباح - هو رباح من أصحاب ابن المبارك: كوفيّ، ثقة (تاريخ الثّقات 152 / 412) - إذا أتاه الرجل قال: أريد أن أكتب حديث الكوفة، قال: عليك بجرير، فإذا أخطأك فعليك بمحمّد بن فضل ابن غزوان - ذكره ابن داود في =


زيد(2) ، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ: ثقة، وكان يتشيّع.(3)

وعبّاد بن العوّام: واسطيّ، ثقة(4) وعبد الله بن إدريس الزعافريّ الكوفيّ: ثقة ؛ ثبت، صاحب سنّة، زاهد صالح، وكان عثمانيّاً ويحرّم النبيذ. (تاريخ الثّقات 249 / 777، ترجمته في التهذيب 5: 145).

____________________

= (رجاله 330 / 1449) وقال محمّد بن فضيل، ونقل عن النجاشيّ أنّه ثقة - (تاريخ الثّقات 96 / 205).

وجرير وثّقه ابن مَعين 2: 81، والبخاريّ الكبير 1: 2: 214.

(1) شريك بن عبد الله النّخعيّ القاضي. كوفيّ، ثقة، حسن الحديث (تاريخ الثّقات 217 / 664). وتاريخ ابن معين 2: 251، والبخاريّ الكبير 2: 2372).

(2) حمّاد بن زيد، أبو إسماعيل، بصريّ، ثقة، ثبت في الحديث وهو مولى جرير بن حازم بن إسماعيل. حدّثني أبي: عبد الله، قال: قال ابن المبارك:

أيّها الطالب علماً

ائتِ حمّادَ بنَ زيدِ

فاطلب العلم بحلمٍ

ثمّ قيّده بقيدِ

وكان حديثه أربعة آلاف حديث يحفظها (تاريخ الثّقات 130 / 329، وتاريخ ابن معين 2: 130، وتاريخ الكبير 2: 1: 24).

(3) تاريخ الثّقات للعجليّ 97: 212، وابن معين 2: 86، والبخاريّ الكبير 1: 2: 192، والثقات 6: 140).

(4) عبّاد بن العوّام الكلابيّ، أبو سهل الواسطي، متّفق على توثيقه، حديثه في الكتب الستّة، ترجمته في: التهذيب 5: 99.


وعليّ بن حكيم الأوديّ الكوفيّ(1) ، وعبد السلام بن حرب بن سليم النهديّ، ثقة ثبت (تاريخ الثّقات 303 / 1001).

وعطاء بن مسلم، من أهل اليمن، ثقة (تاريخ الثّقات 333 / 1131).

وعبد الوارث بن سعيد، بصريّ، ثقة، وكان يرى القَدرَ ولا يدعو إليه. (تاريخ الثّقات 314 / 1046. والبخاريّ الكبير 3: 2: 118، وتاريخ ابن مَعين 2: 377). وفضيل بن عَياض التميميّ: كوفيّ، ثقة، ومتعبّد، رجل صالح، سكن مكّة(2) .

ويحيى بن يمان العجليّ: كان من كبار أصحاب الثّوريّ، وكان ثقة، جائز الحديث.(3)

____________________

(1) عليّ بن حكيم الأوديّ الكوفيّ، روى عن: حفص بن غياث، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله بن إدريس، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرّاح، وعمرو بن أبي المقدام، وعليّ بن مسهر، وغيرهم.

روى عنه: البخاريّ، ومسلم، والفريابيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمّد بن أبي شيبة، وأبو الصّلت عبد السلام بن صالح الهرويّ... وخلق.

عن يحيى بن مَعين: ثقة. وعن أبي حاتم: صدوق. والآجري، عن أبي داود: صدوق. قال النّسائيّ: ثقة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين (الجرح والتعديل 6 / الترجمة 1002، والكنى للدولابيّ 1: 147، وتاريخ البخاريّ الكبير 6 / الترجمة 3376، ورجال صحيح مسلم لابن منجويه 124).

(2) تاريخ الثّقات 384 / 1357. وثّقه أيضاً: الدارقطنيّ، والنسائيّ وابن حبّان. اشتهر بمجاورته بيت الله الحرام مع الجهد الشديد والورع الدائم... وتوفّي سنة (187 هـ) (تاريخ البخاريّ الكبير 4: 1 / 123، والثّقات 7: 315، والتهذيب 8: 294).

(3) تاريخ الثّقات للعجليّ 477 / 1830.


نتيجة البحث

وجدنا أبا الصّلت عبد السلام بن حرب الهرويّ لا يروي إلاّ عن ثقة، أو صدوق، أو ثقة حافظ زاهد حجّة عابد ورع ؛ ولأجل ذلك قال عنه الحاكم: ثقة مأمون. ولم نجد في الحقل الواسع ممّن روى عنهم أبو الصَّلت: رافضيّاً!

ومن الندرة جدّاً أن قيل من أحدهم: يتشيّع، أو: إلاّ أنّه شيعيّ. مع التذكير بأنّ القاعدة المقرّرة عند أهل العلم بالحديث أنّ الجرح على المذهب باطل، والميزان عندهم: صدق الراوي في نفسه وثقته، ونكتفي هنا بذكر قول الذهبيّ - وقد ذكرناه في حديث ردّ الشمس - قال: فلو رُدّ حديث الشيعة لذهب جُملة من الآثار النبويّة، وهذه مفسدة بيّنة.(1)

روى عن أبي الصَّلت خلق، منهم:

أحمد بن منصور بن سيّار بن المبارك البغداديّ الرماديّ،(2) ومحمّد بن

____________________

(1) ميزان الاعتدال 1: 5 / الترجمة أبان بن تغلب.

(2) الثّقات لابن حبّان 5: 34 / 204، والجرح والتعديل 2: 53، وتهذيب الكمال للمزّيّ 1: 35، وتاريخ بغداد 5: 187 / 1875، وتهذيب الكمال للمزّيّ 1: 492 / 113.

قال ابن حبّان: أحمد بن سيّار المروزيّ، يروي عن العراقيّين وأهل الشام ومصر، وكان من الجمّاعين للحديث والرحّالين فيه مع التيقّظ والإتقان والذبّ عن المذهب والتضييق على أهل البدع.

روى عن: أحمد بن محمّد بن حنبل، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الرزّاق بن همّام، وعبيد الله بن موسى العبسيّ، وإسحاق بن راهويه، وسليمان بن حرب، ومحمّد بن كثير العبديّ، وآخرين. روى =


إسماعيل بن سَمُرة السرّاج(1) ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمّد بن عليّ ابن

____________________

= عنه: البخاريّ، وعامّة الخراسانيّين ؛ وعبد الرحمان بن أبي حاتم، وأبو عوانة الأسفرايينيّ، والحسين بن إسماعيل المحامليّ، وابن ماجة، والقطّان... (المصادر السابقة).

قال عبد الرحمان بن أبي حاتم: كتبنا عنه مع أبي، وكان أبي يوثّقه. وقال الدار قطنيّ: ثقة (الجرح والتعديل وتهذيب الكمال).

قال إبراهيم بن جابر الفقيه: حدّثني أبو يعلى الورّاق عن عبّاس الدوريّ قال: أنا أسكت من أمر الرّمادي عن شيء أخاف أن لا يسعني، كنت ربّما سمعت يحيى بن معين يقول: قال أبوبكر الرماديّ (تاريخ بغداد 5: 152). وهذا يعني أنّ الرماديّ حجّة عند ابن معين. وقال ابن جابر: حدّثني بعض أصحابنا عن إبراهيم الأصبهانيّ قال: لو أنّ رجلين قال أحدهما: حدّثني أبوبكر ابن أبي شيبة، وقال الآخر: حدّثنا أبوبكر الرماديّ، كانا سواء (تاريخ بغداد). قال ابن جابر: وحدّثنا بعض أصحابنا عن أخي خطّاب قال: هو أثبت منه - يعني الرماديّ أثبت من أبي بكر بن أبي شيبة - (و أبوبكر بن أبي شيبة هو صاحب المصنّف).

(تاريخ بغداد 4: 151، وعنه في تهذيب الكمال 1: 494). وأخباره في ذلك تطول، وصنّف المسند، ومات أحمد سنة خمس وستّين ومائتين.

(1) روى عن أسباط بن محمّد القرشيّ، وحفص بن غياث، سفيان بن عُيَينة، وعبيد الله ابن موسى، وأبي معاوية الضرير، وأبي الصّلت الهرويّ، ووكيع بن الجرّاح، وأبي بكر ابن عيّاش، ومحمّد بن فضيل بن غزوان وأبي أسامة حمّاد بن أسامة، ويونس بن بكير الشيبانيّ...

روى عنه: التّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجة، وابن أبي داود، وابن أبي حاتم، ومحمّد ابن إسحاق بن خزيمة... قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: صدوق. وسمعت منه مع أبي وهو ثقة (الجرح والتعديل 7 / الترجمة 1080). وقال النّسائيّ: ثقة (تهذيب الكمال للمزّيّ 24: 479). ووثّقه ابن حبّان (المصدر نفسه 9. قال توفّي سنة ثمان وخمسين ومائتين (المصدر نفسه).


الفضل ؛ يلقّب فُستُقة(1) ، وعبّاس الدوريّ(2) ؛ وابن أبي خيثمة أحمد بن زهير بن

____________________

(1) قال الخطيب: كان أحد مَن يحفظهم الحديث ويحفظه! حدّث عن خلف بن هشام البزّاز، وقتيبة بن سعيد، وعليّ ابن المدينيّ، وعبد الرحمان بن صالح، وكان ثقة (تاريخ بغداد 3: 64).

(2) عبّاس بن محمّد بن حاتم الدّوريّ البغداديّ، خَوارَزميّ الأصل.

راوية كتاب تاريخ يحيى بن معين، روى عن: أحمد بن حنبل وعبيد الله بن موسى، وابن داود الطيالسيّ، وعبد الحميد الحِمّانيّ، وأبي نُعيم الفضل بن دُكين، ويحيى بن معين، وشبابة بن سوّار، وخالد بن مخلد، وسليمان بن داود الهاشميّ، وعبد الرحمان القطان، وعن خلقٍ سواهم كثير من الكوفيّين والبصريّين.

روى عنه: مسلم والبخاريّ والترمذيّ والنّسائيّ وجعفر الفريابيّ والحسين المحامليّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعبد الله بن محمّد ابن أبي الدنيا، وعبد الله البغويّ، وعبد الرحمان بن أبي حاتم، وأبو عبيد الآجريّ، وأبو العبّاس الأصمّ...

قال عبد الرحمان بن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي. وهو صدوق سئل عنه أبي فقال: صدوق (الجرح والتعديل 6 / الترجمة 1189) وقال النّسائيّ: ثقة (تاريخ بغداد 12: 146، وتهذيب الكمال 14: 248).

قال أبو العبّاس الأصمّ: لم أر في مشايخي أحسنَ حديثاً من عبّاس الدوريّ (تاريخ بغداد 12: 146).

وسأل يحيى بن الخطّاب يحيى بن معين أن يحدّثه فقال: ليس أحدّث فقال له: هو ذا تحدّث، قال: مَن؟ قال: عبّاس الدوريّ، قال: صديقنا وصاحبنا (تاريخ بغداد 12: 146، وتهذيب الكمال 14: 248). توفّي الدّوريّ سنة إحدى وسبعين ومائتين. (تاريخ بغداد، وتهذيب الكمال، وثقات ابن حبّان 4: 513، والجرح والتعديل، وسنن الدارقطنيّ 1 / 133، وموضّح أوهام الجمع للخطيب 3 / 303، والأنساب للسمعانيّ 5 / 400، والمعرفة والتاريخ للفسويّ بأجزائه الثلاثة.


حرب بن شدّاد البغداديّ(1) نكتفي بهذا القدر ممّن رووا عن أبي الصَّلْت عبد السلام ابن صالح الهرويّ. وأنت لا تجد في أحدهم، ولا في مشايخهم ولا في تلامذتهم ومَن روى عنهم رافضيّاً، وليس فيهم من هو غير ثقة أو غير مأمون! بل ولا حتّى ضعيف، حالهم في ذلك حال مشايخ أبي الصَّلْت. كما أنّ المصادر التي

____________________

(1) نَسائي الأصل، روى عن: محمّد بن خازم أبي معاوية الضرير وعبد الرزّاق بن همّام، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وأبي الوليد الطيالسيّ، والوليد بن مسلم، ويحيى بن سعيد القطّان، ووكيع بن الجرّاح، وعبد الله بن إدريس، وشبابة بن سوّار، ومحمّد بن فضيل بن غزوان، ويزيد بن هارون وحفص بن غياث - من شيوخ الضرير -، ومروان بن معاوية الفزاريّ، ووَهْب بن جرير بن حازم، ويحيى بن أبي بكير الكرمانيّ وعبدة بن سليمان، وآخرين كثيرين. وكلّ هذه الأسماء ثقات انظر: تاريخ الثّقات للعجليّ.

روى عنه: البخاريّ، ومسلم، وابو داود، وابن ماجة، وابنه أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة، وإبراهيم بن إسحاق الحربيّ، وعبّاس بن محمّد اللوريّ، وأبو يعلى الموصليّ وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيّ، ويعقوب بن شيبة...

قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ثقة.

وقال أبو حاتم: صدوق. وقال يعقوب بن شيبة: زهير أثبتُ من عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة، وكان في عبد الله تهاون بالحديث، لم يكن يفصل هذه الأشياء، يعني الألفاظ.

وقال أبو عبيد الآجريّ: قلت لأبي داود: أبو خثيمة حجّة في الرجال؟ قال: ما كان أحسنَ عِلمَه: وقال النّسائيّ: ثقة مأمون. وقال الحسين بن فهم: ثقة ثبت وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة ثبتاً حافظاً متقناً. توفّي سنة أربع وثلاثين ومائتين.

(تاريخ بغداد 4: 162 - 164، وتاريخ الدارميّ / الترجمة 375، والبخاريّ الكبير 3 / الترجمة 1427، والكنى للدولابيّ 1 / 166، والجرح والتعديل 3 / الترجمة 2680، وثقات ابن حبّان 1 / 139، ورجال صحيح مسلم لابن منجويه 53، وتهذيب الكمال 9: 402 / 2010).


ترجمت لهم ليست من كتب الرافضة، بل ولا حتّى من كتب الشيعة.

القول في أبي الصّلت

العجليّ: عبد السلام بن صالح: بصريّ، ثقة.(1)

ابن شاهين: قال يحيى بن معين: أبو الصّلت الهرويّ: ثقة، صدوق، إلاّ أنّه يتشيّع، واسمه: عبد السلام بن صالح.(2)

وقال عمر بن الحسن بن عليّ بن مالك، عن أبيه: سألتُ يحيى بن معين عن أبي الصّلت الهرويّ، فقال: ثقة صدوق، إلاّ أنّه يتشيّع(3) . قلت: إنّي رأيت أصحابنا ببغداد يتكلّمون فيه! فقال: ما سمعنا أحداً يقول فيه أكثر من أنّه يرى الإجازة سماعاً، وكان لا يحدّث إلاّ من أصوله(4) .

____________________

(1) تاريخ الثّقات للعجليّ 303 / 1002.

(2) تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 227 / 836.

(3) يتشيّع، من تهذيب الكمال للمزّيّ 18: 77.

(4) تاريخ بغداد 11: 236 / الرقم 5980، وتهذيب الكمال للمزّيّ 18: 77. وجاء في ترجمة عمر بن الحسن الأشنانيّ: حدّث عن: أبيه، وأبي إسماعيل الترمذيّ، وإبراهيم الحربيّ، وأبي بكر بن أبي الدنيا... وغيرهم من البغداديّين والكوفيّين.

روى عنه: أبو العبّاس بن عقدة، وابن السمّاك، والدار قطنيّ، وابن شاهين وأبو القاسم بن حبابة، والمعافى بن زكريّا، وغيرهم من المتقدّمين. (تاريخ بغداد 11: 236 / 5980، تهذيب الكمال للمزّيّ 18: 77). قال الخطيب: قلت: تحديث ابن الأشنانيّ في حياة إبراهيم الحربيّ له في أعظم الفخر وأكبر الشرف، وفيه دليل على أنّه كان في أعين الناس عظيماً، ومحلّه كان عندهم جليلاً (المصدر نفسه).


حال أبي الصّلت ومذهبه

كان أبو الصّلت صاحب قشاف، وهو من آحاد المعدودين في الزهد، قَدِم «مَرو» أيّام المأمون يريد الغزو، فأُدخل على المأمون، فلمّا سمع كلامه جعله من الخاصّة من إخوانه، وحبسه عنده إلى أن خرج معه إلى الغزو، فلم يزل عنده مكرّماً إلى أن أراد إظهار كلام جَهْم والقول بالقرآن أنّه مخلوق، وجمع بينه وبين بِشْر المريسيّ وسأله أن يُكلّمه، وكان عبد السلام يردّ على أهل الأهواء من المرجئة والجهميّة والزنادقة والقَدَريّة، وكلّم بِشر المريسيّ(1) غير مرّة بين يَدَي المأمون مع غيره من أهل الكلام، كلّ ذلك كان الظفر له، وكان يعرف بكلام الشيعة، وناظرته في ذلك لأستخرج ما عنده فلم أره يُفرط، ورأيته يقدّم أبا بكر وعمر، ويترحّم على عليّ وعثمان، ولا يذكر أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ بالجميل، وسَمِعتُه يقول: هذا مذهبي الذي أدين الله به، إلاّ أنّ ثمّة أحاديث يرويها في المثالب. وسألت إسحاق بن إبراهيم عن تلك الأحاديث، وهي أحاديث مرويّة نحو ما جاء في أبي موسى - الأشعريّ -، وما رُوي في معاوية، فقال: هذه أحاديث قد رُويت ؛ قلت: فتكره كتابتها وروايتها، والرواية عمّن يرويها؟ فقال: أمّا من يرويها على طريق المعرفة فلا أكره ذلك، وأمّا من يرويها ديانةً ويريد عيب

____________________

(1) قال العجليّ: رأيت بشراً المريسيّ عليه لعنة الله مرةً واحدة، شيخ قصير ذميم المنظر وسخ الثياب وافر الشعر، أشبه شيء باليهود، وكان أبوه يهوديّاً صبّاغاً بالكوفة، لا يرحمه الله، فلقد كان فاسقاً (تاريخ الثقات للعجليّ 81 / 153).


القوم فإنّي لا أرى الرّواية عنه.(1)

نتيجة البحث

إنّ أبا الصّلت لم يكن رافضيّاً، فليس من مذهبه التعرّض للصحابة إلاّ بالجميل إلى حدّ أنّه لا يذكر من أخبار معاوية الذي قاتل أمير المؤمنين عليّاًعليه‌السلام ديانةً وإنّما على أنّها أخبار حفل التاريخ بها، وبذا انتقض وصفه بالتشيّع كذلك.

وهو ثقة صدوق في نفسه، يردّ على القَدَريّة وهم الذين سمّى ابن تيميه كتابه بهم: منهاج السنّة النبويّة في نقض الشيعة والقَدَريّة! فإنّ أبا الصّلت قد سبق ابن تيميه في نقض القدريّة بخمسة قرون! وإنّ ابن معين، الذي هو حجّتكما، قد دفع قولكما فيه: دجّال كذّاب! فقد قال عنه: لم يكن أبو الصّلت عندنا من أهل الكذب.(2)

أبو الصّلت وحديث «أنا مدينة العلم».

قال القاسم بن عبد الرحمان الأنباريّ قال: حدّثنا أبو الصّلت الهرويّ قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه».(3)

____________________

(1) تاريخ بغداد 11: 48، وتهذيب الكمال للمزّيّ 18: 76.

(2) تاريخ بغداد 11: 49، تهذيب الكمال للمزّيّ 18: 78.

(3) نفسه.


قال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح.

قلت - الخطيب -: أراد أنّه صحيح من حديث أبي معاوية وليس بباطل، إذ قد رواه غير واحد عنه. أخبرنا محمّد بن عليّ المقرئ، أخبرنا محمّد بن عبد الله النيسابوريّ قال: سمعت أبا العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم يقول: سمعت العبّاس بن محمّد الدوريّ يقول: سمعت يحيى بن معين يوثّق أبا الصّلت عبد السلام بن صالح، فقلت - أو قيل له -: إنّه حدّث عن أبي معاوية عن الأعمش «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها»! فقال: ما تريدون من هذا المسكين؟! أليس قد حدّث به محمّد بن جعفر الفيديّ عن أبي معاوية(1) ؟!

وهذا القول من ابن معين، يعني أنّ الفيدي(2) . عنده ثقة. وبعد: هل الفَيْديّ واهٍ ضعيف وضّاع عند ابن تيميه؟ وغير ثقة ولا مأمون عند الذهبيّ، حاله حال

____________________

(1) تاريخ بغداد 11: 50 ؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 18: 77.

(2) هو محمّد بن جعفر بن أبي مُواتية الكلبيّ، الكوفيّ، ويقال البغداديّ العلاّف المعروف بالفَيدي، نزل فَيْد.

روى عن: أبي معاوية الضرير، وأبي نعمي الفضل بن دكين، ووكيع بن الجرّاح، ومحمّد بن فضيل ابن غزوان، وجابر بن نوح الحمّانيّ، وقبيصة بن عقبة... ؛ وروى عنه: البخاريّ زكريّا بن يحيى الناقد، ويعقوب بن شيبة السدوسيّ...، ذكره ابن حبّان في كتاب الثقات، وذكره أبو نعيم في الثقات. توفّي سنة ستّ وثلاثين ومائتين (تاريخ بغداد 2: 118 / 511، الثّقات 5: 485 / 3579، تهذيب الكمال للمزّيّ 24: 586 / 5119).

فتوثيق ابن معين للفيدي، واستشهاده به في صحّة الحديث، يُلزمها تصديق الحديث وتصحيحه، وهو ما أسكت الذهبيّ عنه، فيما كذّبه ابن تيميه جُرأةً منه وغرضاً!


أبي الصَّلْت؟ مع التذكير بأنّ الفَيْدي تُوفّي سِنة ستّ وثلاثين ومائتين، فهو معاصر لابن مَعين المتوفّي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، فالحكم له لا لهما!

أبو معاوية الضّرير: محمّد بن خازم التميميّ السعديّ، أبو معاوية الضّرير الكوفيّ، مولى بني سعد بن زيد مناة بن تميم، عمي صغيراً.

روى عن: إسماعيل بن أبي خالد الأحمسيّ(1) ، وسليمان الأعمش، وروى عن: أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعيّ(2) ، ومحمّد بن السائب الكلبيّ «شيخ النسّابة، توفّي سنة 204 هـ، له: جمهرة النسب، ونسب معد وعدنان الكبير، وما النسب لأبي عبيد، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم، إلاّ جمهرة النّسب باسمٍ

____________________

(1) ذكره العجليّ، قال: تابعيّ، سمع من خمسة من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : عبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، وعمرو بن حُريث، وأبي جُحَيفة وهب بن عبد الله السوائيّ، وقيس بن عائذ. وكان رجلاً صالحاً ثقة. وكان راوية عن قيس بن أبي حازم [ قيس هذا من أصحاب عبد الله، وسمع من أبي بكر، ثقة. تاريخ الثّقات 392 / 1393، تاريخ البخاريّ الكبير 4: 145، الثّقات 5: 307، والتهذيب 8: 386 ] الأحمسيّ، تابعيّ لم يكن أحد أروى منه...، وكان عالياً في الكوفيّين (تاريخ الثّقات 64 / 84).

(2) كوفيّ، تابعيّ، ثقة. روى عن ثمانية وثلاثين صحابيّاً، رأى عليّاً، وروى عن الأعمش وشعبة والثّوريّ وسفيان بن عُيَينة. قال العجليّ: حدثنا أبي: كان أبو إسحاق يقول لإسرائيل: الزمْ هؤلاء الثلاثة ؛ فإنّهم أصحاب علم وفصاحة: عبد الملك بن عمير، والأعمش، وسماك بن حرب. وهو من أوعية العلم (تاريخ الثقات 366 / 1272).

وثّقة: النّجاشيّ، وابن داود، قالا: ثقة هو وأبوه (رجال النجاشي 18 ورجال ابن داود 54).


آخر!»، وشعبة بن الحجّاج أبو بسطام البصريّ(1) ، وهشام بن عروة (ثقة: تاريخ الثقات 459 / 1740، والتهذيب 11: 48)، وليث بن أبي سليم(2) ، يزيد بن زياد ابن أبي الجعد(3) ، وعاصم الأحول (بصريّ ثقة: التهذيب 5: 42).

وجعفر بن بُرقان(4) ، وسهيل بن أبي صالح(5) ، ومالك بن مِغْول(6) ، وسليمان الأعمش وهو من أقرانه...

روى عنه: الإمام أحمد بن حنبل، وسليمان الأعمش، وأبو خيثمة زهير بن حرب - مضت ترجمته وعلوّ شأنه في الحديث والرجال -، ويحيى بن معين، ويحيى بن سعيد القطّان(7) ، وهو من أقرانه، ومحمّد بن إسماعيل بن سَمُرة

____________________

(1) شعبة بن الحجّاج: واسطيّ سكن البصرة، ثقة تقيّ، أميرالمؤمنين في الحديث، عالم أهل البصرة، وهو أوّل من فتّش عن الرجال في العراق (تاريخ الثّقات للعجليّ 220 / 665، وتاريخ ابن معين 2: 252، وتاريخ البخاريّ الكبير 2: 2442، وطبقات ابن سعد 7: 280، وتاريخ بغداد 9: 255).

(2) جائز الحديث. (تاريخ الثّقات 399 / 1431).

(3) كوفيّ ثقة. (تاريخ الثّقات 478 / 1842). وثّقه أيضاً: أحمد، وابن معين، وابن حبّان. (التهذيب 11: 328).

(4) ذكره العجليّ فقال: ثقة. (تاريخ الثّقات 96 / 208) ووثّقه أيضاً: الدارميّ، وابن مَعين، ويعقوب بن سفيان، وابن عُيينة، وابن حبّان وغيرهم (تاريخ ابن معين 2: 84، البخاريّ الكبير 1: 1 / 186، وثقات ابن حبّان 6: 136).

(5) سهيل بن أبي صالح السّمان، مدنيّ ثقة (تاريخ الثّقات 210 / 637).

(6) كوفيّ ثقة، رجل صالح مبرز في الفضل (تاريخ الثّقات 419 / 1539، التهذيب 10: 22).

(7) يحيى بن سعيد القطّان البصريّ (120 - 198 هـ) ثقة، نقيّ الحديث، وكان لا يحدّث إلاّ عن ثقة، وهو أثبت في سفيان من جماعةٍ ذكرهم (تاريخ الثّقات 472 / 1080). سمع: هشام بن =


الأحمسيّ - مضت ترجمته -، وابن أبي شيبة عبد الله بن محمّد(1) ، وأخوه: عثمان بن محمّد بن أبي شيبة(2) ، ويزيد بن زياد بن أبي الجعد - مضت ترجمته - ومحمّد ابن عبد الله بن المبارك، وخلق كثير.

نتيجة البحث

الذي وجدناه في أبي معاوية هو عين الذي وجدناه في أبي الصّلت، فإنّهما لا يرويان إلاّ عن ثقة، ولا يروي عنهما إلاّ ثقة وممّن يأتمّ بهم: أبو الفرج والذهبيّ، وابن تيميه نفسه! ووجدنا أبا الصّلت ثقةً مأموناً في نفسه، فعلينا أن ننظر في أبي معاوية:

ذكره العجليّ فقال: ثقة.(3)

____________________

= عروة، وسليمان الأعمش، وسفيان الثّوريّ، وشعبة، ومالك بن أنس...، روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وبندار، وعليّ المدينيّ...، مات سنة مائة وثمان وتسعين. وأخباره تطول، أجمعوا على وثاقته وعلوّ شأنه. (الجرح والتعديل 9 / الترجمة 624، ثقات ابن شاهين / الترجمة 1586، رجال صحيح مسلم 194، المعرفة ليعقوب 1 / 716، 2 / 140...، طبقات ابن سعد 7 / 193).

(1) كوفيّ ثقة حافظ للحديث (تاريخ الثّقات 276 / 878). وجاء في ترجمته. الإمام العلم، سيّد الحفّاظ، وصاحب الكتب الكبار: (المسند) و (المصنّف) و (التفسير) (الجرح والتعديل 3: 2 / 160، وتاريخ بغداد 10: 66، والتهذيب 6: 2).

(2) كوفيّ ثقة. (تاريخ الثّقات 329 / 1111). وهو صاحب المسند والتفسير حافظ ثقة شهير. التهذيب 7: 149.

(3) تاريخ الثّقات 403 / 1450.


قال عبّاس الدوريّ: قلت ليحيى: أيّما أعجب إليك في الأعمش: عيسى ابن يونس أو حفص بن غياث، أو أبو معاوية؟ فقال: أبو معاوية.(1)

وقال يحيى بن معين: قال أبو معاوية: هذه الأحاديث حَفِظتُها من فِيَّ الأعمش.(2)

وقال أيوب بن سافريّ: سألت أحمد - بن حنبل - ويحيى عن أبي معاوية وجرير، قالا: أبو معاوية أحبّ إلينا. يعنيان في الأعمش.(3)

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان أبو معاوية إذا سئل عن أحاديث الأعمش يقول: قد صار حديث الأعمش في فمي عَلقَماً، أو هو أمرّ من العلقم ؛ لكثرة ما يُردّد عليه حديث الأعمش.(4)

وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: سألت يحيى بن معين: أبو معاوية أحبّ اليك في الأعمش أو وكيع؟ فقال: أبو معاوية أعلم به.(5)

قال عبّاس الدوريّ: قلت ليحيى: كان أبو معاوية أحسنهم حديثاً عن الأعمش؟ قال: كانت الأحاديث الكبار العالية عنده.(6)

وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أبا نعيم يقول: لزم أبو معاوية الأعمش

____________________

(1) تاريخ يحيى بن معين 1: 198 / 1271.

(2) نفسه 1: 276 / 1830.

(3) تاريخ بغداد 5: 248، وتهذيب الكمال 25: 128.

(4) نفسه.

(5) تاريخ يحيى 2: 49.

(6) تاريخ بغداد 5: 244.


عشرين سنة.(1)

وقال إبراهيم الحربيّ: قال لي الوكيعيّ: ما أدركنا أحداً كان أعلم بأحاديث الأعمش من أبي معاوية.

قال النّسائيّ: أبو معاوية ثقة(2) .

مات أبو معاوية سنة خمس وتسعين ومائة(3) .

هنا تبيّن حال أبي معاوية الضّرير أيضاً، فقد شهد له أئمّة الحديث والرجال ممّن لا ينبغي لابن تيميه أن يوقع نفسه في زُبيتهم، منهم: الإمام أحمد، وابن معين، والقطّان، وابنا أبي شيبة...

ووجدناهم يزكّونه من خلال ملازمته الطويلة للأعمش، وأنّه أعلم بحديث الأعمش من غيره، حتّى صار حديث الأعمش في فمه أمرّ من العلقم لكثرة ما يُسأل عنه فيجيب، فيما يُعرضون عن فطاحل علماء عصره في هذا الأمر. والأعمش هو في سند حديث مدينة العلم.

الأعمش: سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، مولاهم أبو محمّد الأعمش.

روى عن: إبراهيم النّخعيّ(1) ، وإسماعيل بن أبي خالد(2) ، وأنس بن مالك،

____________________

(1) نفسه: 246.

(2) رجال البخاريّ للباجيّ 2: 631.

(3) طبقات ابن سعد 6: 392، وتاريخ خليفة 466، وفي تاريخ بغداد 5: 243 سنة أربع وتسعين ومائة.


وسعيد بن جبير، وأبي إسحاق السّبيعيّ، وقيس بن أبي حازم - أدرك أبا بكر فبايعه. قال العجليّ: ثقة. (العجليّ 392 / 1393) -، وسلمة بن كهيل(3) ، وسليمان

____________________

(1) إبراهيم بن يزيد النّخعي: كوفيّ، ثقة، وكان مفتي الكوفة هو والشعبيّ في زمانهما، وكان رجلاً صالحاً وفقيهاً، مُتوقّياً، قليل التكلّف (تاريخ الثّقات 56 / 45).

(2) ذكرنا بعض ترجمته فيما مضى: روى عن إسماعيل بن عبد الرحمان السديّ وهو من أقرانه، وزرّ بن حُبيش، وعامر الشّعبيّ، وعطاء بن السائب، وأبي إسحاق السّبيعيّ، ومجالد بن سعيد - وهو من أقرانه -، وسَلَمة بن كُهيل، وعبد الرحمان بن أبي ليلى ؛ وروى عنه: ابن شُبرمة، وسفيان الثّوريّ، وابن عُيَينة، وأبو معاوية الضّرير، ووكيع الجرّاح، وشعبة بن الحجّاج، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن نُمَير، وعبيد الله بن موسى، وحفص بن غياث - الإمام، مضت ترجمته -، وشريك بن عبد الله وعبّاد بن العوّام، و عبد الله بن إدريس، ومحمّد بن فضيل بن غزوان... وهؤلاء ثقات الرواة وصلحاؤهم (تاريخ الثّقات للعجليّ، وطبقات ابن سعد، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وتاريخ البخاريّ الكبير، والثقات لابن حبّان، والمعرفة والتاريخ للفسويّ، وتاريخ الدارميّ، وتاريخ أسماء الثقات لابن شاهين).

عن مروان بن معاوية: كان إسماعيل يسمّى الميزان (الجرح والتعديل 1: 1 / 175).

وجرير قال: سمعت مجالداً يذكر عن الشعبيّ، قال: ابن أبي خالد يَزْدرِد العلم ازدراداً. (نفس المصدر). وقال عليّ ابن المدينيّ: قالت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل عن عامر، صحاحٌ؟ قال: نعم (نفس المصدر).

وقال محمّد بن محبوب عن يحيى بن سعيد: كان سفيان به معجباً (البخاريّ الكبير 1: 1 / 351).

وعبد الله بن المبارك، عن سفيان الثّوريّ قال: حُفّاظ الناس ثلاثة: إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن إسماعيل، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ ؛ وإسماعيل أعلم الناس بالشعبيّ وأثبتهم فيه (الجرح والتعديل 1: 1 / 174، وطبقات ابن سعد 6: 240).

(3) سلمة بن كهيل الحضرميّ: كوفيّ، ثقة، ثبت في الحديث تابعيّ، سمع من جندب بن عبد الله (تاريخ الثّقات 197 / 591 وفي تاريخ ابن معين 1: 235 / 1525).


بن مَيسرة الأحمسيّ، وأبي وائل شقيق بن سلمة الأسديّ،(1) وعكرمة مولى ابن عبّاس، ومجاهد بن جبر المكّيّ، وسالم بن أبي الجعد، كوفيّ تابعيّ ثقة «العجليّ 173 / 496»، والمنهال بن عمرو(2) ، وأبي صالح مولى أم هانئ...

روى عنه: سفيان الثّوريّ، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله وأبان ابن تغلب(3) ، وأسباط بن محمّد القرشيّ(4) ، وحفص بن غياث، وعبد الله بن المبارك،

____________________

(1) شقيق بن سَلَمة، بصريّ، رجل صالح. (تاريخ الثّقات 221 / 673) وانظره في تاريخ ابن معين 2: 258، والتاريخ الكبير 2: 2 / 245، والثقات لابن حبّان 4: 354، وطبقات ابن سعد 6: 96.

(2) المنهال بن عمرو: كوفيّ، ثقة (تاريخ الثّقات 442 / 1643). وثّقه أيضاً: ابن معين والنّسائيّ وابن حبّان (التهذيب 10: 319، وتاريخ ابن معين 1: 300 / 1999 وقال: ثقة).

(3) أبان بن تغلب الكوفيّ القاري. روى عن: محمّد بن عليّ الباقرعليه‌السلام ، وابنه جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام ، وعِكرِمة مولى ابن عبّاس، والمنهال بن عمرو، وأبي إسحاق السّبيعيّ، وعطيّة العوفيّ، وسليمان الأعمش...

روى عنه عبد الله بن المبارك، وعبّاد بن العوّام، وابن عُيينة، وشُعبة بن الحجّاج، وأبو معاوية الضّرير، وحمّاد بن زيد، وموسى بن عقبة - وهو من أقوانه... قال ابن حنبل وابن مَعين والنّسائي وأبو حاتم: ثقة صالح (تهذيب الكمال للمزّيّ 2: 7)، وفي الكامل لابن عديّ: له أحاديث ونسخ، وعامّتها مستقيمة، وهو من أهل الصدق في الروايات (الكامل 1 / 192)، مات سنة إحدى وأربعين ومائة.

(4) أسباط بن محمّد بن عبد الرحمان بن خالد بن ميسرة القرشيّ الكوفيّ روى عن الأعمش، وأبي إسحاق الشّيبانيّ، وسعيد بن أبي عروبة وسفيان الثّوريّ، ومِسعَر بن كِدام، وأبي بكر الهذليّ....

روى عنه: أحمد بن محمّد بن حنبل، وأحمد بن منيع البغويّ، وإسحاق بن راهوية، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمّد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسيّ... ؛ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أسباط أحبّ إليك في سعيد أو الخفّاف؟ فقال: أسباط أحبّ إليّ ؛ لأنّه سمع بالكوفة (الجرح =


وعبد الله بن نمير، وعبيد الله بن موسى، وعبد السلام بن حرب «الهرويّ»، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو عوانة، وأبو معاوية الضّرير، ويحيى بن سعيد القطّان، وأبو إسحاق السّبيعيّ - وهو من شيوخه -، وفضيل ابن مرزوق، ومحمّد بن فضيل بن غزوان، وأبو عوانة، وأبو خالد الأحمر، وقتادة الرّهاويّ...

قال عليّ ابن المدينيّ: حَفِظ العلم على أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ستّةٌ: فلأهل مكّة عمرو بن دينار، ولأهل المدينة ابن شهاب الزُّهريّ، ولأهل الكوفة أبو إسحاق السّبيعيّ وسليمان بن مهران الأعمش، ولأهل البصرة يحيى بن أبي كثير وقتادة.(1)

وقال عصام الأحول: مرّ الأعمش بالقاسم بن عبد الرحمان(2) .

فقال: هذا الشيخ أعلم الناس بقول عبد الله بن مسعود.(3)

وقال عبّاس الدّوريّ، عن سهل بن حليمة: سمعت ابن عُيَينة يقول: سبق

____________________

= والتعديل 1 / 1 / 333). وعن يحيى بن معين قال: أسباط بن محمّد، ثقة (تاريخ يحيى بن معين 1: 199 / 1284) وأبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة (الجرح والتعديل 1: 1 / 333). وقال أبو حاتم: صالح (الجرح والتعديل لابنه عبد الرحمان 1: 1 / 333). وقال عبد الله ابن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أسباط بن محمّد أحبّ إليك في سعيد أو الخفّاف؟ فقال: أسباط أحبّ إليّ ؛ لأنّه سمع بالكوفة (نفس المصدر).

وقال يعقوب بن شيبة: كوفيٌّ ثقةٌ صدوق، وكان من قريش، توفّي بالكوفة في المحرّم سنة مئتين (الطبقات الكبرى 6: 274، الثقات لابن حبّان 1: 25، وتاريخ بغداد 6: 47، وتهذيب الكمال 2: 356).

(1) تاريخ بغداد 9: 11.

(2) القاسم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود، ثقة رجل صالح (تاريخ الثقات 386 / 1367).

(3) حلية الأولياء 5: 48.


الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى.(1)

وقال زهير بن معاوية(2) : ما أدركت أحداً أعقل من الأعمش ومُغيرة.(3)

وقال أحمد بن حنبل: أبو إسحاق والأعمش رجُلا أهل الكوفة.(4)

وقال يحيى بن معين: كان جرير إذا حدّث عن الأعمش قال: هذا الديباج الخسروانيّ!(5)

وقال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش.(6)

وقال عمرو بن عليّ: كان الأعمش يسمّى المصحف ؛ من صِدقهِ.(7)

وقال عبد الله بن داود الخُريبيّ: سمعتُ شُعبة إذا ذُكر الأعمش قال: المصحف المصحف!(8)

____________________

(1) تاريخ بغداد 9: 9.

(2) زهير بن معاوية، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، ثقة ثَبْت مأمون، صاحب سُنّة واتّباع، وكان يحدّث من كتابه، وكان راويةً عن أبي إسحاق السّبيعيّ. (تاريخ الثّقات 166 / 465).

(3) نفسه.

(4) تاريخ بغداد 9: 9.

(5) نفسه / 10، والمعرفة والتاريخ ليعقوب 2: 678، والجرح والتعديل 4 / الترجمة 630، وفيه زيادة: وهو أستاذ أهل الكوفة.

(6) تاريخ بغداد 9: 10.

(7) نفسه: 11.

(8) نفسه.


وقال محمّد بن عبد الله بن عمّار الموصليّ: ليس في المحدّثين أثبت من الأعمش، ومنصور بن المعتمر وهو ثبت أيضاً، وهو أفضل من الأعمش، إلاّ أنّ الأعمش أعرف بالمسند وأكثر مسنداً منه.(1)

قال النّسائيّ: ثقةٌ ثبت.(2)

وقال محمّد بن داود الحُدّانيّ، عن عيسى بن يونس: لم نر نحن ولا القرن الذين كانوا قبلنا مثل الأعمش، وما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحدٍ أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته.(3)

وقال إبراهيم بن محمّد بن عرعرة: سمعت يحيى القطّان إذا ذكر الأعمش قال: كان من النّسّاك، وكان محافظاً على الصلاة في جماعة وعلى الصفّ الأوّل. قال يحيى: وهو علاّمة الإسلام.(4)

وقال وكيع: كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفتُ إليه قريباً من سنتين ما رأيته يقضي ركعة.(5)

وقال عبد الله بن داود الخُريبيّ: مات الأعمش يوم مات وما خلّف أحداً من الناس أعبد منه، وكان صاحب سُنّة.(6)

____________________

(1) تاريخ بغداد 9: 11.

(2) الجرح والتعديل 4.

(3) حلية الأولياء 5: 47، وتاريخ بغداد 9: 8.

(4) حلية الأولياء 50: 50، وتاريخ بغداد 9: 8.

(5) حلية الأولياء 50: 49.

(6) تاريخ بغداد 9: 8.


مات الأعمش سنة ثمان وأربعين ومائة.(1)

هذا هو شأن الأعمش، فهو لا يروي إلاّ عن إمام ثبت ثقة حجّة في الحديث، ولا يروي عنه إلاّ مثل ذلك. وهو في نفسه: ثقة ثبت ناسك صاحب سنّة، ولصدقِه سمّي المصحف، ويتصاغر السلاطين وأصحاب الشأن أنفسهم في حضرته. ومَن هذا شأنه عندهم لا يستطيع ابن تيميه وأضرابه أن ينالوا منه!

مجاهد(2) : مجاهد بن جبر المكّيّ، أبو الحجّاج القُرشيّ المخزوميّ.

روى عن: عبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وسعيد بن جبير - وهو من أقرانه، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وعطيّة القُرَظيّ، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الرحمان بن أبي ليلى، وطاووس بن كيسان - وهو من أقرانه، وسعد بن أبي وقّاص، وأمّهات المؤمنين: أمّ سلمة، وعائشة، وجُويريّة ؛ وعن أمّ هاني بنت أبي طالب...

إنّ مجاهداً لم يرو إلاّ عن صحابيّ أو تابعيّ، أو عن أمّهات المؤمنين. وروى عن مجاهد: سليمان الأعمش، والمنهال بن عمرو، وأبو إسحاق السّبيعيّ، وأبو الزّبير المكّيّ، وحبيب بن أبي ثابت، وفِطْر بن خليفة، وعطاء ابن أبي رَباح،

____________________

(1) الطبقات الكبرى 6: 344، والمعرفة والتاريخ 1: 33، وتاريخ خليفة بن خيّاط 424، وطبقاته 164.

(2) طبقات ابن سعد 5: 466، وتاريخ خليفة 330، وطبقاته 280، تاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 1805، والجرح والتعديل 8 / الترجمة 1469، ورجال صحيح مسلم 171، وثقات ابن حبّان 3: 51 / 3896، وتاريخ الدوريّ 2: 549.


وعكرمة مولى ابن عبّاس - وهو من أقرانه، وسلمة بن كهيل، وسليمان الأحول، وطاووس بن كيسان، وقتادة بن دِعامة، ومسلم الملاّئيّ الأعور، ومنصور بن المُعتمِر...

وأكثرهم ترجمنا لهم، فهم تابعون ثقات عندهم، ومن لم نذكر ترجمته فهو في طبقتهم ووثاقتهم، انظرهم في كتب الرجال.

وأمّا مجاهد: فقد ذكره العجليّ قال: مجاهد أبو الحجّاج، مكّيّ تابعيّ ثقة، سكن الكوفة بآخرة. حدّثني أبو أحمد الأسديّ، حدّثنا سفيان عن سَلَمة بن كُهيل قال: ما رأيت أحداً يريد بعلمِه وجهَ الله إلاّ هؤلاء الثلاثة: عطاء، وطاووس، ومجاهد(1) .

وقال عبد السلام بن حرب، عن خُصَيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد، وبالحجّ عطاء.(2)

قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو زُرعة: مجاهد ثقة.(3)

وقال أبو نعيم: قال يحيى القطّان: مُرسلات مجاهد أحبّ إليّ من مرسلات عطاء بكثير(4) .

وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مكّة. قال: كان فقيهاً عالماً ثقة

____________________

(1) تاريخ الثّقات للعجليّ 420 / 1538.

(2) الجرح والتعديل 8، الترجمة 1469، وتاريخ البخاريّ الكبير 7 / الترجمة 1805.

(3) الجرح والتعديل.

(4) الجرح والتعديل، وتاريخ البخاريّ الكبير.

(5) الطبقات الكبرى 5: 466 - 467.


كثير الحديث.(1)

مات مجاهد سنة مائة، وقيل: سنة إحدى ومائة.

ابن عبّاس: يبقى الحديث عن فرد واحد ينتهي به الحديث، فهو الذي رواه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونترك ذلك لابن تيميه ليحكم عليه بالقدريّة، أو التشيّع، وأنّه ثقة أو غير ثقة!

فهذا واحد من الطرق التي حكم ابن تيميه بأنّها جميعاً أوهن وأضعف في حديث «مدينة العلم»، ثم انتقل إلى الحكم الجازم ببطلان الحديث، ومداره في ذلك أبو الفرج!

بقي أن نذكر أنّ الحديث واحد من ثمانية آلاف حديث استدركها الحاكم على البخاريّ ومسلم، وهي على شرطيهما أو شرط أحدهما، ولم يخرّجاها.

وقد ظهرت لنا قوّة ووثاقة سند الحديث الأوّل، وأقرّ به ابن معين وهو قرين ابن حنبل، وتوكيداً منه على توثيق الحديث وتصحيحه من طريق أبي الصّلت فقد استشهد بالفيديّ محمّد بن جعفر، وقد رواه عن أبي معاوية مثلما رواه أبو الصّلت، وذكرنا في ترجمته أنّ البخاريّ قد روى عن الفيديّ ؛ فلعلّ الحديث لم يقع إلى البخاريّ، أو ثمّة سبب آخر!

وبذا وقع إلينا الحديث من طريقين في غاية العلوّ، بما يغني عن الفحص عن طرقه الأخرى التي حكم ابن تيميه على بطلانها!

____________________

(1) الطبقات الكبرى 5: 466 - 467.


وسُوَيد عن شريك عن سَلَمة بن كهيل عن الصُّنابحيّ، عن عليّعليه‌السلام عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «أنا دار الحكمة وعليّ بابها، فمن أراد الحكمة فليأتها».(1)

قال ابن عبّاس في قوله تعالى:( مِنْ آيَاتِ اللّهِ وَالْحِكْمَةِ ) (2) : هي علمُ القرآن: ناسخه ومنسوخه، مُحكمُه ومُتشابِهُه. وقال ابن زيد: هي علمُ آياته وحِكَمِه. وقال السّدّيّ: فهمُ حقائق القرآن.(3)

والأحاديث في أنّ عليّاًعليه‌السلام أعلم الصحابة جميعاً بالسنن، وبالقرآن ظاهره وباطنه، مُحكَمِه ومتشابهه، ناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله وفيمن نزلت آياته...، من الوفرة ممّا ينهض بالحديث إلى حدّ اليقين القطعيّ، وهيهات لابن تيميه تكذيبه! وسوف نأتي على ذكرها بعد محاكمة سند حديث «دار الحكمة» وحينها يخسر المبطلون!

سُوَيد(4) : سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار الهرويّ، أبو محمّد الحدثانيّ الأنباريّ.

روى عن: شريك بن عبد الله النّخعيّ - ستأتي ترجمته -، وسفيان بن عُيينة،

____________________

(1) سنن الترمذيّ 5 / 637 / 3723 / الباب 20 من كتاب المناقب، ومصابيح السنّة للبغويّ 2: 275، وحلية الأولياء 1: 64، وقال: رواه أيضاً الأصبغ بن نباتة عن عليّعليه‌السلام .

(2) الأحزاب: 34.

(3) المفردات للراغب الأصفهانيّ 135.

(4) تاريخ بغداد 9: 227 / 4804، وتهذيب الكمال للمزّيّ 12: 247 / 2643، وتضمينات ابن حجر لتاريخ الثقات للعجليّ 211 / 640، والكامل لابن عديّ 2 / 59، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4 / الترجمة 1026، ورجال صحيح مسلم لابن منجويه 72، والأنساب للسمعانيّ 4 / 80.


ومالك بن أنس، وأبي معاوية الضّرير - مضت ترجمته -، ومُعتمر بن سليمان(1) ، وفُضَيل بن عياض(2) ، وعبد العزيز بن محمّد الدراورديّ(3) ، ومروان ابن معاوية الفزاريّ(4) ، ويزيد بن زريع السدوسيّ(5) ، والوليد بن مسلم(6) ...

روى عنه: مسلم، وابن ماجة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل...

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: عرضتُ على أبي أحاديث لسُويد بن سعيد عن ضِمام بن إسماعيل(7) ، فقال لي: اكتُبها كلَّها، أو قال: تَتبّعْها ؛ فإنّه صالحٌ، أو قال: ثقة.(8)

وقال أبو الحسن الميمونيّ: سأل رجلٌ أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن سويد الحدثيّ فقال: ما علمتُ إلاّ خيراً. فقال له: إنسان جاءه بكتاب

____________________

(1) مُعتمر بن سليمان التّيميّ البصريّ، ثقة (تاريخ الثقات 433 / 1602، والثقات 7: 521، والتهذيب 10: 227).

(2) فضيل بن عياض، كوفيّ، ثقة، متعبّد رجل صالح. سكن مكّة. - مضت ترجمته.

(3) عبد العزيز بن محمّد بن عبيد الدراورديّ: مدنيّ، ثقة (تاريخ الثقات 306 / 1016، والثقات 7: 115، والتاريخ الكبير 3: 2: 25، وتاريخ ابن معين 2: 367، والتهذيب 6: 353).

(4) مروان بن معاوية الفزاريّ، كوفيّ ثقة (تاريخ الثّقات للعجليّ 424 / 1556).

(5) يزيد بن زُريع السّدوسيّ، بصريّ متّفق على توثيقه (تاريخ الثّقات للعجليّ 478 / 1841، والتهذيب 11: 325).

(6) الوليد بن مسلم الدمشقيّ، ثقة (تاريخ الثّقات للعجليّ 466 / 1777، والتهذيب 11: 151).

(7) ضمام بن إسماعيل المعافريّ، ثقة (تاريخ الثّقات للعجليّ 232 / 712، تاريخ البخاريّ الكبير 2: 2: 343، والثّقات 6: 485، والتهذيب 4: 458).

(8) الكامل لابن عديّ 2: 59.


فضائل، فجعل عليّاً أوّلها، وأخّر أبابكر وعمر، فعجب أبو عبد الله من هذا وقال: لعلّه أتى من غيره! قالوا له: وثَمَّ تلك الأشياء، قال: فلِمَ تسمعوها أنتم؟! لا تسمعوها. ولم أره يقول فيه إلاّ خيراً.(1)

إنّ أحمد بن حنبل هو المعيار عند العامّة، وقوله فصل في تقييم الرجال وجرحهم وتعديلهم، وبعده يحيى بن معين... وهكذا ؛ فلمّا سأله هذا الرجل عن سُويد، أطراه وذكره بخير، إلاّ أنّ هذا الرجل أشكل على أحمد في تقديم سويد على أبي بكر وعمر، ولم يتغيّر موقف أحمد من سويد لذلك السبب، وقوله: «وثمّ تلك الأشياء» يبدو أنّها من جنس أسباب تفضيل الإمام عليّعليه‌السلام ! وما زال يقول فيه خيراً.

وقال أبو القاسم البغويّ: كان - أي سُويد - من الحُفّاظ، وكان أحمد بن حنبل ينتقي عليه لولديه: صالح وعبد الله، يختلفان إليه فيسمعان منه.(2)

وهذا يعني علوّ مكانة سويد ووثاقته عند أحمد بن حنبل. قال أبو زُرعة: أمّا كُتُبه فصِحاح، وو كنتُ أتتبّع أصوله فأكتب منها، فأمّا إذا حدّث من حِفظه فلا.(3)

وهذا يعني أنّ سويداً عند أبي زرعة ثقة، إلاّ أنّه إذا حدّث أخطأ، وهو ما نجده في ترجمة كثير من الرجال العدول الثقات: عدل صدوق ثقة، إلاّ أنّه خلط

____________________

(1) تهذيب الكمال للمزّيّ 13: 250.

(2) تاريخ بغداد 9: 231، وتهذيب الكمال للمزّيّ 12: 250.

(3) نفسه.


آخِرَ عمره ؛ وثقة صدوق إذا حدّث من كتابه، وأمّا من حفظه فإنّه تغيّر بآخرة...

وسبحان من لا يخطئ! وقد مدح أحمد بن حنبل سُويداً وانتقاه شيخاً لولديه، وصحّح أبو زُرعة كتبه.

قال أبو القاسم حمزة بن يوسف السّهميّ: سألت الدار قطنيّ عن سويد بن سعيد فقال: تكلّم فيه يحيى بن معين وقال: حدّث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عطيّة - العوفيّ -، عن أبي سعيد - الخدريّ - أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة». قال يحيى بن معين: وهذا باطل، لم يَرْوِه غير سُويد بن سعيد، وجُرِّح سُويد لروايته لهذا الحديث!

قال الشيخ أبو الحسن الدّار قطنيّ: فلم يزل يُظَنّ أنّ هذا كما قال يحيى، وأنّ سويداً أتى أمراً عظيماً في روايته هذا الحديث، حتّى دخلتُ مصر في سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، فوجدت هذا الحديث في مُسند أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغداديّ المعروف بالمنجنيقيّ، وكان ثقةً، روى عن أبي كريب، عن أبي معاوية كما قال سويد سواء ؛ وتخلّص سويد وصحّ الحديث عن أبي معاوية، وقد حدّث أبو عبد الرحمان النّسائيّ عن إسحاق بن إبراهيم هكذا، ومات أبو عبد الرحمان قبله.(1)

مات سويد سنة أربعين ومائتين وزاد البغويّ: وكان قد بلغ مائة سنة، وكتبتُ عنه بالحديثة.(2)

____________________

(1) تاريخ بغداد 9: 231، وتهذيب الكمال للمزّيّ 12: 250.

(2) تاريخ بغداد، وتهذيب الكمال للمزّيّ 12: 250، وتاريخ البخاريّ الصغير 2: 373. =


____________________

= و تنقيص ابن معين لسويد ؛ لأنّه نقل حديث (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة) وحكم على الحديث بالباطل! وقد أثّر كلام ابن معين هذا بأبي الحسن الدارقطنيّ، حتّى أنّه ظنّ أنّ سويداً أتى عظيماً! ثمّ تحقّق له صحّة الحديث، فبرّأ صفحة سويد من تهمة ابن معين له. ونذكّر أيضاً بأنّ أحمد بن حنبل، على مكانته عندهم والتي لا يستطيع ناصبيّ أن يتجاوزها، فإنّه - وقد مرّ بنا - كان لا يرى الكتابة عن ابن معين، إلاّ أنّه مدح سويداً وانتقاه شيخاً لوَلَديه! وقول ابن داود فيه، لمّا ذمّ ابن معين فأُنكر عليه، قال: من جرّ ذيول الناس جرّوا ذيله! وقول يحيى بن معين في نفسه وإقراره أنّه يطعن بقومٍ لعلّهم حطّوا رحالهم في الجنّة!

وإذا كانت العلّة في تكذيب يحيى للحديث لوجود سويد فيه، فإنّ الحديث الذي ذكره حذيفة، يرد بسندٍ آخر ليس فيه سويد، ولا حتّى معاوية - بن الضّرير -: عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّثني أبي حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا إسرئيل عن ابن أبي السفر، عن الشّعبيّ، عن حذيفة - بن اليمان - قال (أتيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فصلّيت معه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثمّ تبعته وهو يريد أن يدخل بعض حُجره، فقام وأنا خلفه كأنّه يكلّم أحداً، قال: ثمّ قال: من هذا؟ قلت: حُذيفة، قال: أتدري من كان معي؟! قلت: لا، قال: فإنّ جبريل جاء يبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، قال: فقال حذيفة: فاستغفرلي ولأُمّي، قال غفر الله لك يا حذيفة ولأمّك) (مسند أحمد 6: 542 / 22819).

وقريب منه ذكر الحاكم عن إسرائيل، عن مَيْسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زِرّ بن حُبيش، عن حذيفة بن اليمان، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: إنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)، ثمّ قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (غفر الله لك ولأمّك يا حذيفة) (المستدرك على الصحيحين 3: 429 / 5630).

وليس في سنده خدش ؛ فإنّ إسرائيل هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، كوفيّ، ثقة (تاريخ الثقات 63 / 77، وتاريخ ابن معين 2: 28، والبخاريّ الكبير 1: 2: 52، وثقات ابن حبّان 6: 76).


____________________

= وأمّا ميسرة، فهو: ميسرة بن حبيب النهديّ، كوفيّ، ثقة، روى عن المنهال بن عمرو، وهو في عداد الشيوخ (تاريخ الثقات 445 / 1667).

وثّقه أيضاً ابن مَعين والنّسائيّ وابن حبّان (التهذيب 10: 386).

والمنهال بن عمرو: كوفيّ ثقة (تاريخ الثقات 442 / 1643).

ووثّقه أيضا ابن معين، والنّسائيّ، وابن حبّان (التهذيب 1: 319).

وزرّ بن حُبيش: من أصحاب عبد الله، وعليّ ؛ ثقة (تاريخ الثقات 165 / 458).

فسند الحديث من العلوّ ما هو أمام يحيى بن معين، وليس فيه سويد - كما ذكرنا - وبنفس السند الماضي، عن حذيفة، وفيه: (عن حذيفة قال: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أما رأيت العارض الذي عرض لي قُبيل؟! قال: قلت: بلى، قال: فهو ملَك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبل هذه اللّيلة، فاستأذن ربّه أن يسلّم عليّ ويبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة). (مسند أحمد بن حنبل 6: 541 / 22818).

وبسنده عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وفاطمة سيّدة نسائهم، إلاّ ما كان من مريم بنت عمران) (مسند أحمد، مسند أبي سعيد / الحديث 10616). والذي في (خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه): أخبرنا يعقوب بن إبراهيم (يعقوب بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عوف: مدنيّ، ثقة، تاريخ الثقات 48 / 1867)، عن مروان (مروان بن معاوية الفزاريّ: كوفيّ ثقة. تاريخ الثقات 434 / 1556)، عن الحكم بن عبد الرحمان بن أبي نُعْم (البجليّ الكوفيّ، ثقة. البخاريّ الكبير 2 / الترجمة 2671، والمعرفة والتاريخ 2: 644، والجرح والتعديل / الترجمة 565 والثقات لابن حبّان 2: 99)، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة إلاّ ابنَي الخالة: عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريّا) (خصائص النسائيّ 124 / 139).

وهو في مشكل الآثار للطحاويّ الحنفيّ المتوفّى سنة 321 هـ، 2: 269 / 2103.

وأخرج بسندٍ آخر، عن عبد الرحمان بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (إن حسناً وحسيناً سيّدا شباب أهل الجنّة) ما أستثني من ذلك (خصائص النسائيّ 134 / 138). =


شريك(1) : وشريك الذي روى عنه سويدٌ حديث «مدينة الحكمة» هو شريك بن عبد الله بن أبي شريك النّخعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ القاضي.

أدرك زمن عمر بن عبد العزيز، وروى عن:

____________________

= وبسنده عن عبد الرحمان بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة) (خصائص النسائيّ 134 / 137).

وفي الرياض النضرة 2: 202، قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ: (أوتيتَ ثلاثاً لم يؤتَهُنّ واحد، ولا أنا: أوتيت صهراً مثلي ولم أوت أنا مثلي. وأوتيت زوجةً صدّيقةً مثل ابنتي ولم أُوت مثلها زوجة. وأوتيت الحسن والحسين من صلبك ولم اوت من صلبي مثلهما، ولكنّكم منّي وأنا منكم).

وفي تاريخ خليفة 162: رأى معاوية - وهو في طريقه إلى مكّة الحسين فقال: مرحباً وأهلاً يا ابنَ بنت رسول الله، سيّد شباب المسلمين.

وللحديث طرق أخرى، وفي الباب نفسه عن عائشة عند مسلم (الحديث 2424)، وعن واثلة عند أحمد 4: 107، وتهذيب الكمال 6: 229.

والحديث في: أنساب الأشراف 3: 7، وتفسير الطبريّ 22: 67، والمعجم الكبير 3: 47 - 48، والترمذيّ حديث 3768، ومعجم الصحابة للبغويّ 22: 42، وسنن ابن ماجة 1: 42، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم 144، والإبانة لابن بطّة 62، وأسد الغابة 2: 19، والمستدرك على الصحيحين 3: 429، وفرائد السمطين / الحديث 414 و 415، والاستيعاب 1: 376، وتاريخ بغداد 2: 185 و 1: 140 وأجزائه الأخرى، وابن عساكر 7: 118 - 119....

(1) طبقات ابن سعد 6: 378، والمصنّف لابن أبي شيبة 13 / 15781، وتاريخ يحيى بن معين 2: 250، وتاريخ خليفة 434، ومواضع أخرى، وطبقاته 169، وفضائل الصحابة / الترجمة 243، وتاريخ البخاريّ الكبير: 4 / الترجمة 2647، وتاريخ الثقات 217 / 664، وتاريخ أسماء الثقات / الترجمة 552، والجرح والتعديل 4 / الترجمة 1602، والكامل لابن عديّ 2: 73، ورجال صحيح مسلم 81، وجمهرة ابن حزم 415، وتاريخ بغداد 9: 279، والثقات 1: 188...


سلمة بن كهيل - ثقة - سنذكر ترجمته -، وإسماعيل بن أبي خالد - ثقة ثبت، ذكرناه سابقاً، وأبي المقدام ثابت بن هرمز الحدّاد، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي إسحاق السّبيعيّ، ومحمّد بن إسحاق بن يَسار - صاحب السيرة -، وهشام بن عروة، وعمّار بن معاوية الدّهنيّ، وعبد الله بن شبرمة، ومنصور بن المعتمِر، وعِمران بن مسلم الجعفيّ، وسليمان الأعمش، وسِماك بن حرب، وشعبة بن الحجّاج، ومحمّد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، وصالح بن صالح ابن حيّ، وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، وعطاء بن السائب، وعثمان بن عاصم الكوفيّ... وخلقٍ كثير.

وكلّ واحد ممّن ذكرناهم من الذين روى عنهم شريك، أقلّ ما قيل فيه: ثقة وإلاّ فالكثير منهم عندهم ثقة صدوق حجّة، وذو سنّة وَرِع....

انظرهم في: تاريخ الثقات للعجليّ، وتاريخ يحيى بن معين، وتاريخ الدوريّ، والدارميّ، وثقات ابن حبّان، والجرح والتعديل، وطبقات ابن سعد، وتاريخ بغداد، ورجال صحيح مسلم، والكامل لابن عديّ، وثقات ابن شاهين...

روى عنه: محمّد بن إسحاق - وهو من شيوخه، وسويد بن سعيد الحَدَثانيّ، وأبو أسامة حَمّاد بن أسامة، وأبو داود سليمان بن داود الطّيالسيّ، وأبو بكر عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة، وعثمان بن محمّد بن أبي شيبة، ويحيى بن سعيد القطّان، ووكيع بن الجرّاح، ويحيى بن آدم، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ، وعبد الرحمان بن مهدي، وعثمان بن حكيم الأوديّ، وعليّ بن قادم، وأبو نعيم الفضل بن دكين، والهيثم بن جميل، ويحيى بن عبد الحميد الحمّانيّ،


ويزيد بن هارون، ومالك بن إسماعيل...، وأمّة واسعة من رجال الحديث.

ومثلما ذكرنا فيمن روى عنه شريك ؛ كذلك حال الذين رووا عنه، فأقلّ ما قيل بشأن أحدهم: ثقة، وفي غيره ثقة ثبت، وفي آخر ثقة نقيّ الحديث لا يحدّث إلاّ عن ثقة، وفي غيره ثقة عبد صالح أديب من حفّاظ الحديث، وفي آخر: ثقة وكان يُعدّ من حكماء أصحاب الحديث. «انظر تراجم مَن ذكرناهم في كتب الرجال».

وبذا: فشريك مثل صاحبه الذي روى عنه الحديث «سويد». فهو لم يَروِ عن ضعيف مُهمَل. وكذلك فيمن روى عنه.

وأمّا شريك في نفسه: فقد ترجم له العجليّ ترجمة ضافيةً على غير عادته، جاء فيها: شريك بن عبد الله النّخعي القاضيّ، كوفيّ ثقة، وكان حسن الحديث وكان أروى الناس عنه إسحاق بن يوسف الأزرق الواسطيّ(1) ، سمع منه تسعة آلاف حديث.(2)

قال صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: سمع شريك من أبي إسحاق قديماً، وشريك في أبي إسحاق أثبت من زهير وإسرائيل وزكريّا.(3)

وقال يزيد بن الهيثم: سمعت يحيى بن معين يقول: شريك ثقة، وهو أحبّ إليّ من أبي الأحوص وجَرير، ليس يقاس هؤلاء بشريك، وهو يروي عن قوم لم

____________________

(1) تاريخ الثقات للعجليّ 62 / 73.

(2) نفسه 218.

(3) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 1602، والمعرفة والتاريخ ليعقوب 2: 176.


يَروِ عنهم سفيان.(1)

وقال أيضاً: قلت ليحيى بن معين: روى يحيى بن سعيد القطّان عن شريك؟ قال: لم يكن شريك عند يحيى بشيء، وهو ثقة ثقة.(2)

وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: قلت ليحيى بن معين: شريك أحبّ إليك في أبي إسحاق، أو إسرائيل؟ قال: شريك أحبّ إليُّ، وهو أقدم.

قلتُ: شريك أحبّ إليك في منصور، أو أبو الأحوص؟ فقال شريك أعلم به.(3) وقال عليّ بن حكيم الأوديّ: سمعت وكيعاً يقول: لم يكن أحدٌ أروى عن الكوفيّين من شريك.(4)

وقال أبو توبة الربيع بن نافع: سمعت عيسى بن يونس يقول: ما رأيت أحداً قطّ أورَعَ في علمه من شريك.(5)

وقال أبو توبة أيضاً: كنّا بالرّملة، فقالوا: من رجل الأمّة؟ فقال قوم: ابنُ لَهيعة، وقال قوم: مالك بن أنس، فسألنا عيسى بن يونس، فقال: رجل الأمّة: شريك بن عبد الله، - وكان يومئذ حيّاً - قيل: فابنُ لَهيعة؟ قال: رجل سمع من

____________________

(1) تاريخ بغداد 9: 283.

(2) نفسه.

(3) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 1602، وتاريخ الدوريّ 2: 251.

(4) الجرح والتعديل.

(5) نفسه. وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السّبيعيّ: كوفيّ، ثقة، وكان ثبتاً في الحديث (تاريخ الثقات 380 / 1338، والبخاريّ الكبير 3: 2: 406، وثقات ابن حبّان 7: 238).


أهل الحجاز، قيل: فمالك بن أنس؟ قال: شيخُ أهل مصر.(1)

وقال سعيد بن سليمان(2) : سمعت ابن المبارك عند خديج بن معاوية يقول: شريك أعلم بحديث الكوفيّين من سفيان الثّوريّ.(3)

هذا هو شريك في نفسه، وفي شيوخه وفي من روى عنه فهو: ثقة ثقة، وأروى الكوفيّين، وهو رجل الأمّة!!

وقد روى شريك حديث «دار الحكمة» عن سلمة بن كهيل: سلمة بن كهيل بن حصين الحضرميّ الكوفيّ.(4)

روى عن: إبراهيم بن سويد النّخعيّ(5) ، وحبّة بن جُوين العُرنيّ(6) ، وحُجَيّة بن عديّ الكنديّ(7) ، وسعيد بن جبير، وأبي وائل شقيق بن سلمة، وعامر بن شراحيل الشّعبيّ، وأبي الطّفيل عامر بن واثلة اللّيثيّ، وعبد الله بن أبي أوفى، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وسويد بن غفلة، وعلقمة بن قيس النّخعيّ،

____________________

(1) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 1602.

(2) سعيد بن سليمان: واسطيّ، ثقة (تاريخ الثقات 185 / 547).

(3) الجرح والتعديل.

(4) طبقات ابن سعد 6: 316، وتاريخ يحيى 2: 226، وتاريخ الدارميّ / الترجمة 254، وطبقات خليفة 163، وتاريخه 354، والبخاريّ الكبير 4 / الترجمة 1997، وتاريخ الثقات 197، والمعرفة والتاريخ 2: 648 و 85: 3، والثقات لابن حبّان 1: 170، وجمهرة ابن حزم 461.

(5) كوفيّ ثقة (تاريخ الثقات 52).

(6) كوفيّ تابعيّ ثقة (تاريخ الثقات 105 / 243).

(7) كوفي تابعيّ ثقة تاريخ الثقات 110 / 261، والثقات 4: 192).


ومجاهد بن جبر المكّيّ وغيرهم. وهؤلاء أشهر من أن نترجم لهم، وبعضهم ترجمنا لهم في غير هذا الموضع، وهم ثقات ذكَرتْهم كتب التراجم، فراجع.

روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق الثّوريّ، وابنه سفيان بن سعيد الثّوريّ، وشعبة بن الحجّاج، ومِسعر بن كِدام، وعبد الرحمان ابن عبد الله المسعوديّ، ومنصور بن المعتمر، وصالح بن صالح بن حيّ، والعوّام بن حوشب، وغيرهم. وكلّهم مذكورون عندهم بالثقة والورع والصلاح، وأكثرهم تابعون، حالهم حال من روى عنهم.

وأمّا سلمة في نفسه، فقد قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ، ثقة ثبتٌ في الحديث «تاريخ الثقات 198 / 591»، وعن أحمد بن حنبل:

سلمة بن كُهيل متقنٌ للحديث.(1)

وقال محمّد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث.(2)

وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة.(3)

وقال أبو زرعة ك ثقةٌ مأمون ذكيّ.(4)

وقال أبو حاتم ثقةٌ متقنٌ.(5)

____________________

(1) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 742.

(2) طبقات ابن سعد 6: 316.

(3) الجرح والتعديل.

(4) نفسه.

(5) الجرح والتعديل.


وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ على تشيّعه.(1)

وقال النّسائيّ: ثقة ثبت.(2)

وقال ابن المبارك، عن سفيان الثّوريّ: حدّثنا سلمة بن كهيل وكان ركناً من الأركان، وشدّ قبضته.(3)

وقال عبد الرحمان بن مهديّ: لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة: منصور، وأبي حصين، وسلمة بن كهيل، وعمرو بن مُرّة.(4)

وقال أيضاً: أربعة في الكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو يخطئ ليس هم، فذكر منهم سلمة بن كهيل.(5)

وقال خلف بن حوشب، عن طلحة بن مُصرِّف: ما اجتمعنا في مكان إلاّ غَلبَنا هذا القصير على أمرنا. يعني سلمة بن كهيل.(6)

قال يحيى بن المغيرة الرازيّ، عن جرير بن عبد الحميد: لمّا قدم شعبة البصرة، قالوا: حَدِّثْنا عن ثِقات أصحابك، فقال: إذا حدّثتكم عن ثقات أصحابي فإنّما أحدّثكم عن نفرٍ يسير من هذه الشيعة: الحَكَم بن عُتيبة، وسلمة ابن كهيل،

____________________

(1) تهذيب الكمال 11: 316.

(2) تاريخ الإسلام 8: 120.

(3) مختصر تاريخ دمشق 10 ك 92، والجرح والتعديل 4 / الترجمة 742.

(4) تاريخ البخاريّ الكبير 4 / الترجمة 1997.

(5) الجرح والتعديل 4 / الترجمة 742.

(6) مختصر تاريخ دمشق 10: 93، وتهذيب الكمال 11: 316.


وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور.(1)

مات سلمة بن كهيل سنة ثلاث وعشرين ومائة.(2)

هذه هي منزلة سلمة بن كهيل الذي روى الحديث عن الصُّنابحيّ، عن أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام . ولا نتوقّف كثيراً عند الفاصلة الزمنيّة بين ابن تيميه وبين سلمة، فهي لا تزيد على خمسة قرون إلاّ قليلاً!

الصّنابحيّ: عبد الرحمان(3) بن عُسَيلة بن عسل بن عسّال المراديّ أبو عبيد الله الصُّنابِحيّ، والصّنابح بطن من مراد من اليمن.

رحل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقُبض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو بالجُحفة قبل أن يصل بخمس أو ستّ «أي أيّام» ثمّ نزل الشام ومات بدمشق.

روى عن: النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مرسلاً، وعليّ بن أبي طالب، وأبي بكر، وعمر ابن الخطّاب، وعائشة، وبلال بن رباح، وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصّامت، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان...

روى عنه: أسلم مولى عمر بن الخطّاب، وسويد بن غفلة، وعطاء بن يسار،

____________________

(1) تهذيب الكمال 11: 316.

(2) المصادر جميعاً.

(3) طبقات ابن سعد 7: 443، 509، وتاريخ الدوريّ 2: 353، وطبقات خليفة 293، والبخاريّ الكبير 5 / الترجمة 1021، والمعرفة والتاريخ 1: 222، 305، والجرح والتعديل 5 / الترجمة 1241، والثقات لابن حبّان 5: 74، وإكمال الإكمال لابن ماكولا 5: 199، وتهذيب الكمال 11: 282.


ومكحول الشاميّ، ويونس بن ميسرة، وعبد الله بن سعد البجليّ الكاتب، وعقيل بن مُدرِك...

ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وفي الطبقة الأولى من تابعي أهل مصر، وقال: كان ثقة قليل الحديث.(1)

وذكره العجليّ في تاريخه، قال: الصّنابحيّ، شاميّ تابعيّ، ثقة من خيار التّابعين.(2)

ولم يَبقَ في سند حديث «مدينة الحكمة» إلاّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فنترك الحكم فيه إلى ابن تيميه!

حديث الغدير

لقد خاض ابن تيميه في حديث الغدير هائماً حيران لا يدري ما يقول! فهو ينكر الحديث جازماً بكذبه، ويعود ليذكر طرفاً من الحديث ويقول هذا هو تمام الحديث! وهذا تدليس منه على القارئ، مع تأويله تأويلاً بعيداً ؛ ومرّةً يذكر بعضه ويجعله ممّا انفرد به مسلم، ولم يذكره البخاريّ ؛ وهذا يعني - عنده - ضعف في الحديث! وفي أخرى يذكره عن الترمذيّ، ثمّ يدّعي أنّ العلماء طعنوا به! ويُدخل في الحديث ممّا ليس منه من أحاديث مثل: حديث المؤاخاة -وقد تكلّمنا عنه-

____________________

(1) طبقات ابن سعد 7: 509.

(2) تاريخ الثّقات للعجليّ 230 / 705.


والمباهلة، وحديث الثقلين وغير ذلك، ثمّ ينفي صحّة ذلك كلّه...

قال: قال الرّافضيّ: لمّا نزل قوله:( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) (1) ، خطب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الناسُ في غدير خمّ وقال للجمع: يا أيّها الناس ألستُ أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى ؛ قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذلْ من خذله، فقال عمر: بخٍ بخٍ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنة ؛ والمراد بالمولى هنا: الأولى بالتصرّف ؛ لتقدّم التقوى منهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بقوله: ألستُ أولى منكم بأنفسكم».

ابن تيميه، قال «والجواب»: هذا كذب! وقوله( بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ) نزل قبل حجّة الوداع بمدّة طويلة، ويوم الغدير إنّما كان ثامن عشر ذي الحجّة بعد رجوعه من الحجّ... وإنّ آخر المائدة نزولاً قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً ) (2) ، وهذه الآية نزلت بعرفة تاسع ذي الحجّة في حجّة الوداع، والنبيّ واقف بعرفة كما ثبت ذلك في الصّحاح والسُّنن...، فمن قال: إنّ المائدة نزل فيها [ منها ] يوم غدير خُمّ فهو كاذب ولم يذكر في حجّة الوداع ذكر إمامة عليّ، بل ولا ذكر عليّاً في شيء من خطبته... عُلم أنّ إمامة عليّ لم تكن من الدّين الذي أُمِر بتبليغه، ولا حديث المؤاخاة وحديث الثقلين ممّا يذكر في إمامته. والذي رواه مسلم بأنّه بغدير خمّ قال: «إنّي تارك فيكم

____________________

(1) المائدة: 67.

(2) المائدة: 3.


الثّقلين: كتاب الله، فذكر كتاب الله وحضّ عليه، ثمّ قال: وعترتي أهل بيتي أذكّركم الله «ثلاثاً»، وهذا ممّا انفرد به مسلم ولم يروه البخاريّ، وقد رواه الترمذيّ وزاد فيه: وإنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض». وقد طعن غير واحد من الحفّاظ في هذه الزيادة... والذين اعتقدوا صحّتها قالوا: إنّما يدلّ على أنّ مجموع العترة الذين هم بنو هاشم لا يتّفقون على ضلالة، وهذا قد قاله طائفة من أهل السنّة... والحديث الذي في مسلم فليس فيه إلاّ الوصيّة باتّباع كتاب الله وهذا أمر قد تقدّمت الوصيّة به في حجّة الوداع قبل ذلك، وهو لم يأمر باتّباع العترة... ؛ لكنّ حديث المؤاخاة قد رواه الترمذيّ، وأحمد في مسنده عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، وأمّا الزيادة وهي قوله: «اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه» إلخ، فلا ريب أنّه كذب، وأمّا قوله «أنت أولى بكلّ مؤمن ومؤمنة» كذب أيضاً.

وأمّا قوله: «مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه» فليس في الصّحاح، لكن هو ممّا رواه العلماء وتنازع الناس في صحّته...، ونُقل عن أحمد بن حنبل أنّه حسّنه كما حسّنه الترمذيّ، وقد صنّف أبو العبّاس بن عقدة مصنّفاً في جميع طرقه، وقال ابن حزم: الذي صحّ من فضائل عليّ فهو قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»، وقوله: «لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله»، وعهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أنّ عليّاً لا يحبّه إلاّ مؤمن، ولا يبغضه إلاّ منافق»، قال: وأمّا «من كنت مولاه فعليّ مولاه» فلا يصحّ من طرق الثقات. ثمّ خاض طويلاً في معنى المولى في الحديث، من ذلك قال: «...، فمعنى كون الله


وليّ المؤمنين ومولاهم، وكون الرسول وليّهم ومولاهم، وكون عليّ مولاهم ؛ هي ضدّ المعاداة...، وفي الجملة فرق بين الولي والمولى...»(1) .

وكلامه أطول بكثير ممّا ذكرناه، وما أوردناه إنّما للمفردات التي تضمّنها وما يجب من الردّ:

نقضُ النقض: لقد بدأ ابن تيميه ردّه فقال: هذا كذب! وهذا يعني أنّه كذّب الحديث جملةً وتفصيلاً، فلا حادثة ولا حديث، ولا شيء اسمه «غدير خمّ»!!

والغريب منه: أنّه لم يقل فيه ما عهدناه منه في إنكار الحقائق من قوله مثلاً «وهذا كذب بالإجماع» أو «وهذا كذب عند أهل المعرفة بالحديث»...، فلعلّه ممّا استيقنته نفسه وجحد به ظلماً وعلوّاً.

وبعد قوله: «هذا كذب» ذكر أنّ قوله تعالى:( بَلّغْ. .. ) نزل قبل حجّة الوداع، ويوم الغدير كان ثامن عشر ذي الحجّة، وأنّ آخر المائدة نزلت بعرفة تاسع ذي الحجّة... ؛ والحال: أنّ الآيتين نزلنا يوم الغدير ثامن عشر ذي الحجّة، تتمّم إحداهما الأخرى في المطلب، وسنأتي على تفصيل ذلك ومصادره في محلّه.

ثمّ رتّب على ذلك أثراً: «لم يذكر في حجّة الوداع ذكر إمامة عليّ، بل ولا ذكر عليّاً في شيء من خطبته...».

وهذا هو المطلوب في نضاله وعناده، كما هو شأنه في آية الولاية «التصدّق حال الرّكوع» وحديث الطّير، والمباهلة وغيرها ممّا هو ظاهر في إمامة

____________________

(1) منهاج السنّة 4: 84 - 87.


عليّعليه‌السلام ؛ ويدلّك على ذلك أنه أردف كلامه السابق بقوله: ولا حديث المؤاخاة، وحديث الثّقلين ممّا يذكر في إمامته».

وقبل الانتقال إلى مطلب آخر، ننبّه على أمرين: فهو بعد بدأ كلامه بالحكم على حديث الغدير بالكذب، وجدناه يعترف من حيث لا يشعر ولا يريد بواقعة الغدير ويقرّر أنّها كانت يوم الثامن عشر من ذي الحجّة، مع تلاعبه بألفاظ الحديث... والمسألة الأخرى: نفيه لحديث المؤاخاة، ممّا يعني أهميّة الحديث وعلوّ شأن عليّعليه‌السلام ، ولذا نفاه في أكثر من موضع! وقد تكلّمنا حوله بما يكفي.

والذي يهمّنا التوقّف عنده، أنّه في كلامه حول حديث الغدير، وبعد نفيه حديث المؤاخاة، قال: «لكنّ حديث المؤاخاة قد رواه الترمذيّ، وأحمد في مسنده...».

وقد مرّ بنا كلامه في حديث الثقلين - ضمن حديث الغدير - قال: «والذي رواه مسلم بأنّه بغدير خمّ قال: «إنّي تارك فيكم الثّقلين...» الحديث، قال: وهذا ممّا انفرد به مسلم! ولم يروه البخاريّ.

وهذا هو دأبه، يلوذ بالبخاريّ إذا لم يرو ما رواه مسلم ؛ وإذا لم يكن الحديث عند البخاريّ ومسلم، فهي حجّته البالغة لأنّ أصحاب الصحاح - كذا - لم يذكراه، ولا نزيد هنا شيئاً على ما ذكرناه بشأن الصحيحين وذلك في كلامنا على حديث «ردّ الشمس» وذكرنا هناك الكمّ الهائل من الأحاديث التي استدركت عليهما.

ثمّ عاد فقال: وقد رواه الترمذيّ وزاد فيه:...» وعقّب أنّ بعض الحفّاظ


طعنوا في هذه الزيادة والذين اعتقدوا صحّتها فسّروها في بني هاشم...».

فائدة: الذي نستفيده من كلامه أنّ الترمذيّ وهو من أصحاب الصّحاح قد ذكر حديث الغدير، وذكر فيه ما زعم ابن تيميه أنّه ممّا انفرد به مسلم! ؛ وأمّا تفسيره للعترة ببني هاشم فهو خطأ متعمّد، ففي (النهاية) لابن الأثير (3: 177، مادّة عتر): «خَلّفت فيكم الثّقلين كتاب الله وعترتي» عترة الرجل: أخصّ أقاربه، وعترة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «أهل بيته الأقربون وهم أولادُه وعليّ وأولاده». وتفصيل ذلك في كلامنا حديث الثّقلين، وآية التطهير.

وقوله: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» فليس في الصحاح! لكن هو ممّا رواه العلماء، وتنازع النّاس في صحّته».

وجوابه مختصراً: قد ذكره شيوخ البخاريّ، ومسلم ؛ فهل لنا أن نعرض عن هؤلاء ونتمسّك بالبخاريّ؟

ومَن هم العلماء الذين ذكروه؟ إنّهم ابن أبي شيبة صاحب المصنّف، وأصحاب السّنن والتفاسير، وكتب التاريخ المعتبرة؟ من هم الناس الذين تنازعوا في صحّته؟ وفي أيّ قرن طلّ قرنهم؟ هل نترك العلماء وننعق مع الإمّع؟!

وبعد هذه الفقرة قال: «ونُقل عن أحمد بن حنبل أنّه حسّنه، كما حسّنه الترمذيّ». والأوّل إمام أهل السنّة وأحد أصحاب المسانيد، والثاني أحد أصحاب الصّحاح. ثمّ قال: «وقد صنّف أبو العباس بن عقدة مصنّفاً في جميع طرقه»، والعجب منه أن يذكر ابن عقدة في رتبة أولئك من غير تنقيص! وقد ذكره في حديث ردّ الشمس فضعّفه. وختم بالتفريق بين الوليّ والمولى، ومن ثمّ عدم


ظهور المولى في الإمامة والخلافة! وأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لو أراد ذلك لقال: من كنت واليه فعليّ واليه... وأمّا كون المولى بمعنى الوالي، فهذا باطل وإنّما هي تعني النّصرة التي هي ضدّ المعاداة ولعلّ شيخ الإسلام والإمام المطلق(1) لم يتيسّر له شيء من معاجم اللغة يستعين به لمعرفة معنى الوليّ، والمولى؛ ولعلّ ابن تيميه ليس عربيّاً أصالةً،(2) فقد وجدناه يقول في منهاج سنّته: الرافضيّ حمار وإذا قيل: مَن أحمرُ الناس؟ لقيل الرافضيّ!! وقوله هذا توكيد لما قيل في أصله.

وإلاّ متى كانت الأجناس موضعاً لصيغة المبالغة؟ فلو صح هذا الاستعمال ح جاز لنا أن نقول: فلان حصان مدينته، بل هو أحصن بلاده! وفلان أفيل من رأيت، وهذا أهرر جماعته...!!

ومن كان هذا شأنه في التّمييز واختيار الكلمات في تسمية الناس، فماذا نرجو أن نجده في عَيْبته بشأن العقيدة ومفرداتها، وفرق الإسلام وكلامها؟!

ولي، ومولى:

في النهاية لابن الأثير: «وقد تكرّر ذكر المولى في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة ؛ فهو الربّ، والمالك، والسيّد والمـُنعِم، والمـُعتِق، والنّاصر،

____________________

(1) هكذا سمّاه أتباعه ويعنون به أنّه استقلّ بأفكاره وفتاواه عن أئمّة المذاهب الأخرى وصار له مذهبه الخاص به. أشرنا إلى هذا في المقدّمة.

(2) وقد ذكرنا في ترجمته: انّ أبا زهرة قد ذكر في كتابه «ابن تيميه حياته وعصره»، قال: ابن تيميه لم يكن عربيّاً، ولعلّه كان كرديّاً.

وعن أمّه قال: وهي في الغالب ليست عربيّة. (المصدر 18 و 19).


والمحبّ، والتّابع، والجار، والحليف، والعقيد، والمـُنعَم عليه...، وأكثرها قد جاءت في الحديث ؛ فيُضاف كلّ واحدٍ إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه.

وكلّ من وَلِيَ أمراً أو قام به فهو مولاه ووليُّه. ومنه الحديث: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» يُحمَل على أكثر الأسماء المذكورة. قال الشافعيّرضي‌الله‌عنه : يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى:( ذلِكَ بِأَنّ اللّهَ مَوْلَى الّذِينَ آمَنُوا وَأَنّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى‏ لَهُمْ ) (1) .

وقول عمر لعليّ: «أصبحت مولى كلّ مؤمنٍ»، أي وليّ كلّ مؤمن.

وقيل: سبب ذلك أن أسامة قال لعليّ: لستَ مولاي، إنّما مولاي رسول الله ؛ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه»(2) .

الرّاغب: الولاية تولّي الأمر. والوليّ والمولى يستعملان في ذلك، كلّ واحد يقال في معنى الفاعل أي المُوالي، وفي معنى المفعول أي المُوالى.(3)

قال: والمولى يقال للمُعتِقْ والمعُتَقْ والحَليف وابن العمّ والجار، وكلّ من ولي أمر الآخر، فهو وليّه. والموالاةُ بين الشيئين المتابعة.(4)

سبط ابن الجوزيّ: اتّفق علماء السّير على أنّ قصّة الغدير كانت بعد رجوع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من حجّة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجّة، جمع الصحابة وكانوا

____________________

(1) محمّد: 11.

(2) النهاية: ابن الأثير 5: 228.

(3) المفردات: الراغب الأصفهاني 547.

(4) نفسه: 549


مائة وعشرين ألفاً، وقال: «مَن كنت مولاه فعليّ مولاه» الحديث، نصّصلى‌الله‌عليه‌وآله على ذلك بصريح العبارة دون التلويح والإرشارة.

فأمّا قوله: «من كنت مولاه» فقال علماء العربيّة: لفظة المولى ترد على وجوه «ثمّ ذكر من معاني المولى تسعة، نفى انطباقها على المطلوب في الحديث» وقال: والعاشر بمعنى الأولى، قال الله تعالى:( فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (1) أي أولى بكم. والمراد من الحديث: الطّاعة المحضة المخصوصة، فتعيّن الوجه العاشر وهو الأولى ؛ ومعناه: من كنت أولى به من نفسه، فعليّ أولى به. وقد صرّح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى ابن سعيد الثقفيّ الأصبهانيّ في كتابه المسمّى مرج البحرين، فإنّه روى هذا الحديث بإسناده إلى مشايخه وقال فيه: فأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّعليه‌السلام فقال: «من كنتُ وليّه وأولى به من نفسه فعليّ وليّه»، فعُلم أنّ جميع المعاني راجعة إلى الوجه العاشر، ودلّ عليه أيضاً قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» وهذا نصّ صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته. وكذا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «وأدِرِ الحقّ معه حيث ما دار، وكيف ما دار» فيه دليل على أنّه ما جرى خلاف بين عليّ وبين أحد من الصحابة، إلاّ والحقّ مع عليّ، وهذا بإجماع الأمّة...(2) .

وهل يُعقل أن يجمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جموعَ الحجّاج القافلين من أداء فريضة الحجّ ليعُلمهم أنّ عليّاً نصيرُ مَن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نصيرَه؟!

____________________

(1) الحديد: 15.

(2) تذكرة الخواصّ، سبط ابن الجوزيّ: 37 - 39.


ولِمَ عليّ دون غيره من الصّحابة على جلالتهم، أليسوا أنصاراً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

وما معنى قول عمر لعليّ بعد خُطبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «بخ بخ، أصبحتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة» ؛ فعليّ كان للمؤمنين كما كانوا له في النّصرة قبل هذا الموقف، فما معنى الصّيرورة الآن؟!

ومع هذا التلاعب بالألفاظ وصرفها عن معانيها التي استُعملت لها في مثل هذا الموقف، فهو توكيد لواقعة الغدير التي أنكرها أوّل كلامه ؛ فما هي حقيقة يوم الغدير؟

غدير خمّ:

كانت آخر حجّة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سنة (10 هـ) وهي حجّة الوداع إذ لم يلبث بعدها فتوفّي سنة (11 هـ)، ولما قفل راجعاً وبلغ غدير خمّ يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجّة أنزل الله تعالى عليه:( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) (1) .

وسببها: أنّ الله تعالى أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينصب عليّاًعليه‌السلام وليّاً وخليفةً من بعده، فتخوّف رسول الله أن يطعنوا عليه في ذلك فيقولوا: حابى ابن عمّه! وهم ما زالوا حديثي عهدٍ بالإسلام، وقد اعترض بعضهم فطعنوا في إمارة زيد، واعترضوا على حكم الخَمْرة، وكتابة الكتاب يوم وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى طردهم من رحمة الله تعالى ؛ فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية، وطمأنه أنّ الله سبحانه يعصمه من

____________________

(1) المائدة: 67.


النّاس، فعندها نادىصلى‌الله‌عليه‌وآله : الصلاة جامعة، وخطب النبيّ خطبة بالغة ذكر فيها أمر الله تعالى بلزوم عليّ وموالاته، بعد أن ناشد الناس إن كان قد بلّغهم رسالة ربّه وأشهدهم إن كانوا يقرّون أنّه رسول الله، وهم في كلّ ذلك يشهدون ويقرّون ؛ فأخذ بيد عليّ ورفعها وقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه...».

فأنزل الله عزّ وجلّ:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً ) (1) .

فطلب النبيّ من المسلمين أن يُسلّموا على عليّ بالإمارة وكان من قول عمر بن الخطّاب لعليّ: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

شعرُ حسّان يومَ الغدير:

هزّت واقعة الغدير مشاعر حسّان بن ثابت، فاستأذن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأنشد ما سألت به قريحتُه:

يناديهمُ يومَ الغدير نبيّهُمْ

بخُمٍّ، وأسْمعْ بالرسول مُناديا

يقولُ: فمن مولاكُم ووليّكمْ؟

فقالوا ولم يُبْدوا هناك التّعاميا:

إلهُك مولانا، وأنت وليُّنا

ولم تَرَ منّا في الولاية عاصيا

فقال له: قُمْ يا عليُّ فإنّني

رضيتُك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنتُ مولاه فهذا وليُّهُ

وكن للّذي عادى عليّاً مُعاديا

فيا ربّ انصُرْ ناصريه لنصرهمْ

إمامَ هدىً كالبدر يَجلوا الدَّياجيا

____________________

(1) المائدة: 3.


رواة حديث الغدير:

عليّ بن أبي طالب، فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحسن والحسين ابنا عليّ ابن أبي طالب، عمر بن الخطّاب، عبد الله بن عبّاس، الفضل بن عبّاس، أبو أيّوب الأنصاريّ، زيد بن أرقم، أبو سعيد الخُدْريّ، خُزَيمة بن ثابت ذوالشهادتين، عمّار ابن ياسر، البَراء بن عازب الأوسيّ، أنس بن مالك، قيس بن سعد بن عُبادة، أبو ذرّ جُندَب بن جُنادَة الغِفاريّ، أبو رافع مولى رسول الله، أبو بكر بن أبي قحافة، أبيّ بن كعب، أبو هريرة، عبد الرحمان بن ابي ليلى، حذيفة بن اليمان، حبيب بن بُديَل بن ورقاء الخُزاعيّ، عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، سعد بن أبي وقّاص، عبد الله بن عمر بن الخطّاب، أسماء بنت عميس الخثعميّة، أمّ سلمة زوجة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، عثمان بن عفّان، جابر بن عبد الله الأنصاريّ، جرير بن عبد الله البجليّ، قيس بن ثابت بن شمّاس، أبو الهيثم، مالك بن التّيّهان الخزرجيّ، حُذيفة ابن أسيد الغفاريّ، أبو ليلى الأنصاريّ، زياد بن الحارث الصَدائيّ، أسعد بن زرارة الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عَمْرةَ بن عمرو بن مِحْصَن الأنصاريّ الخزرجيّ، بُريدة ابن الحُصَيب الأسلميّ، حسّان بن ثابت، جُبَير بن مُطعم بن عديّ القرشيّ النوفليّ، عائشة بنت أبي بكر، سلمان الفارسيّ، سهل بن سعد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، طلحة بن عبيد الله التيميّ - قُتل يوم الجمل - حَبّة بن جُوين البَجلي العُرَنيّ، حُبْشيّ بن جُنادة السلوليّ، زيد بن شراحيل الأنصاريّ، سعيد بن زيد القرشيّ العَدَويّ، أبو الطّفيل عامر بن واثلة اللّيثيّ، ثابت بن وديعة الأنصاريّ الخزرجيّ، أمّ هاني بنت أبي طالب، أبو فضالة الأنصاريّ - أستشهد


يوم صفّين - سَمُرة بن جُندب الفَزاريّ، الزبير بن العوّام، عِمران بن حصين الخزاعيّ، عمرو بن مرّة الجهنيّ، عديّ بن حاتم الطائيّ، عبد الله بن مسعود، سَهْل ابن حُنَيف، عمر بن أبي سَلمة المخزوميّ ربيبُ رسول الله، خويلد بن خالد الهُذليّ الشاعر، أبو زينب بن عوف الأنصاريّ، زيد بن ثابت الأنصاريّ، المقداد ابن عمرو الكِنْديّ، مالك بن الحويرث اللّيثيّ، عبيد بن عازب الأنصاريّ الأوسيّ، كعب بن عجزة الأنصاريّ، يعلى بن مرّة بن وَهْب الثقفيّ، عمرو بن الحمق الخزاعيّ، ناجية بن عمرو الخزاعيّ، نعمان بن عجلان الأنصاريّ، عقبة بن عامر الجهنيّ، عبد الرّحمان بن عوف الزُّهْريّ، أبو برزة الأسلميّ، العبّاس بن عبد المطّلب، عبد الله بن ثابت الأنصاريّ، عمرو بن العاص، عبد الله بن ياميل، جُنْدَع بن عمرو بن مازن، عبد الرّحمان بن عبد ربّ الأنصاريّ، عمارة الأنصاريّ الخزرجيّ، عامر بن ليلى بن ضَمْرة، أبو قُدَامة - أو سهل - بن الحارث الشهيد يوم صفّين...

هذه أمّة من الصّحابة من رواة حديث الغدير أقمناها دليلاً على صحّة الحديث.

ولم تنقطع سلسلة رواته، فقد رواها التابعون، وتابعوا التّابعين... وهكذا لم يخلُ قرن من مؤرّخين وأدباء وشعراء أشادوا وأنشدوا القصيد بيوم عيد الغدير الأغرّ.

فمن مشاهير التّابعين:

حبيب بن أبي ثابت الأسديّ، سعيد بن جُبير، سعيد بن المسيب، سَلَمة بن


كُهيل الحضرميّ، عبد الرّحمان بن أبي ليلى، محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين، عبد الله بن شريك العامريّ، الضحّاك بن مزاحم الهلاليّ، سهم بن الحصين الأسديّ، عبد الله بن محمّد بن عقيل الهاشميّ، عديّ بن ثابت الأنصاريّ الخطميّ، عطيّة بن سعد بن جنادة، طاووس بن كَيْسان اليماني الجنديّ، سالم بن عمر بن الخطّاب، زيد بن يُثيع، زِرّ بن حُبيش الأسديّ، عبد الحميد بن المنذر بن الجارود العبديّ، عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عبد الله بن زياد الأسديّ، عبد الله ابن أسعد بن زرارة الأنصاريّ، عبد الله بن يعلى بن مرّة الثقفيّ، عمر بن عبد العزيز الخليفة الأمويّ، محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عليّ بن زيد بن جدعان البصريّ، مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، مهاجر بن مسمار الزّهريّ، ميمون البصريّ مولى عبد الرّحمان بن سمرة، المطّلب بن عبد الله بن حنطب القرشيّ المخزوميّ، نذير الضّبيّ الكوفيّ، الحسن بن الحكم النخعيّ الكوفيّ، فِطر بن خليفة المخزوميّ، يحيى بن جَعدة بن هُبَيرة المخزوميّ، عيسى بن طلحة بن عبيد الله التيميّ، طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيميّ، مِسعَر بن كِدام الهلاليّ الرّواسيّ، مَعمر بن راشد الأزديّ البصريّ، حمّاد بن سَلمة البصريّ، مسلم بن صُبيح الهمْدانيّ الكوفيّ، أبو نُجَيح يَسَار الثّقفيّ، عبدالملك بن مسلم المـُلاّئيّ، يزيد بن أبي زياد الكوفيّ، هاني بن هاني الهمدانيّ الكوفيّ، يزيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ، يزيد بن عبد الرّحمان الأوديّ، عمرو بن جَعدة بن هُبَيرة، أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعيّ، عمرو بن ميمون الأوديّ، عبد الرّحمان بن سابط الجُمَحيّ، عبد الله بن عبد الرحمان بن عوف، أصبغ بن نُباتة التميميّ، أبو ليلى


الكِنْديّ، حُميد الطّويل أبو عبيدة ابن أبي حميد البصريّ، حميد بن عمارة الأنصاريّ، أبو صالح السمّان ذكوان المدنيّ، مولى جُوَيريّة الغطفانيّة، خَيْثمة بن عبد الرّحمان الجُعفيّ، ربيعة الجُرَشيّ، رياح بن الحارث النخعيّ، قَبيصة بن ذُؤَيب، يحيى بن سليم الفزاريّ الواسطيّ، شهر بن حَوْشب، سليمان بن مهران الأعمش.

المصادر:

- وقعة صفّين: نصر بن مزاحم (ت 212 هـ): 186.

- المصنّف: ابن أبي شيبة (ت 235 هـ): 7: 499، 495، 496، 499، 503، 504.

- مسند أحمد بن حنبل (ت 241 هـ): 1: 84 و 119 و 152 و 331 ؛ و 4: 370 ؛ و 5: 347 و 419 ؛ و 5: 366.

- صحيح مسلم بن الحجّاج القُشَيريّ (ت 261 هـ) 2: 325 و 15: 179. - سُنن ابن ماجة (ت 275 هـ): 1: 28.

- سنن الترمذيّ (ت 279 هـ) 2: 298، 5: 297.

- تفسير الحبريّ (ت 286 هـ): 262.

- المعارف: ابن قُتيبة (ت 270 هـ): 291 ؛ والإمامة والسياسة له: 93.

- أنساب الأشراف: البلاذريّ (ت 279 هـ): 2: 108 - 112.

- تفسير العيّاشيّ (ت القرن الثالث الهجريّ) 1: 331 - 334.


- خصائص النّسائيّ (ت 303 هـ): 7، وغيرها.

- تفسير الطبريّ (ت 310 هـ) 3: 428.

- الكُنى والأسماء: محمّد بن أحمد الدّولابيّ (ت 310 هـ): 1: 349 / 1235؛ و 2: 172 / 1601.

- المعجم الكبير 3: 133؛ 4: 17 و16؛ 5: 193-195 والمعجم الصغير 1: 64-65، كلاهما للطّبرانيّ سليمان بن أحمد اللحميّ (ت 360 هـ).

- الأغانيّ: أبو الفرج الأصفهانيّ (ت 356 هـ): 7: 263 وغيرها.

- العقد الفريد: ابن عبد ربّه الأندلسيّ (ت 328 هـ): 2: 275، 3: 42.

- مروج الذّهب: المسعوديّ (ت 346 هـ): 2: 11.

- مشكل الآثار: أحمد بن محمّد الحنفيّ (ت 321 هـ): 2: 307.

- الكشف والبيان - تفسير الثعلبيّ -: أحمد بن محمّد الثعلبيّ (ت 427 هـ): 4: 92.

- المفردات: الراغب الأصفهاني (ت 425 هـ): 547، 549.

- النهاية: ابن الأثير الجزريّ (ت 606 هـ) 5: 228.

- محاضرات الأدباء: الرّاغب الأصفهانيّ (ت 425 هـ) 4: 463.

- كتاب الولاية: ابن عقدة: 152 و 169 و 173 و 175...

- تفسير فرات الكوفي (القرن الرابع الهجريّ): 38.

- المستدرك على الصّحيحين: الحاكم النيسابوريّ (ت 405 هـ). 3: 109، ومواضع منه كثيرة.


- أسباب النّزول: الواحديّ النيسابوريّ (ت 468 هـ): 135.

- حلية الأولياء: أبو نعيم الأصبهانيّ (ت 430 هـ): 4: 23، 5: 364، 9: 64.

- تاريخ بغداد: الخطيب البغداديّ (ت 462 هـ): 5: 474، 7: 377، 8: 290، 12: 344، 14: 236.

- الاستيعاب: ابن عبد البرّ القرطبيّ المالكيّ (ت 463 هـ) 3: 36.

- مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: ابن المغازليّ الشّافعيّ (ت 483 هـ): 16 - 27.

- الأمالي الخميسيّة: المرشد بالله العلويّ الشجريّ (ت 499 هـ): 5: 1، وغيرها.

- شواهد التنزيل: الحاكم الحسكانيّ الحنفيّ (ت 490 هـ): 1: 187 - 193، حديث 243 - 250.

- مصابيح السّنّة: الحسن بن مسعود البغويّ الشّافعيّ (ت 516 هـ): 2: 199، 4: 172.

- المناقب: الموفّق بن أحمد الخوارزميّ الحنفيّ (ت 568 هـ): 154 - 157.

- الشّفا: القاضي عياض اليَحْصُبيّ (ت 544 هـ): 31.

- مناقب أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : محمّد بن سليمان الكوفيّ (ت القرن الرابع) 2: 495، 497.

- مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: أحمد بن موسى بن مردويه الأصفهانيّ


(ت 410 هـ): 340 حديث 573.

- صفة الصفوة: أبو الفرج ابن الجوزيّ (ت 597 هـ): 1: 121.

- التفسير الكبير (مفاتيح الغيب): الفخر الرازيّ: 3: 636.

- معجم الأدباء: ياقوت الحمويّ 18: 636.

- تذكرة الخواصّ: سبط ابن الجوزيّ الحنبليّ ثمّ الحنفيّ (ت 654 هـ): 35 - 40.

- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزليّ 1: 289، 2: 273.

- سعد السعود: عليّ بن موسى الحسنيّ الحسينيّ (ت 664 هـ): 69 - 73.

- خصائص الوحي المبين: 210 ؛ والعمدة في عيون صحاح الأخبار: 152 ؛ كلاهما لابن البِطريق يحيى بن الحسن (ت 600 هـ).

- كفاية الطّالب: الگنجيّ الشّافعيّ (658 هـ): 56 - 62 هـ.

- الرّياض النّضرة: محبّ الدّين الطبريّ: 2: 161، وغيرها.

- ذخائر العقبى، له: 67.

- مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعيّ (ت 571 هـ).

- اختصار ابن منظور (ت 711 هـ): 17: 352 - 359.

- فرائد السّمطين: إبراهيم بن محمّد الجوينيّ الشافعيّ (ت 730 هـ) 1: 171.

- تهذيب الكمال في أسماء الرّجال: يوسف المزّيّ الشافعيّ المذهب السّلفيّ العقيدة (ت 742 هـ): 20: 484، 22: 396 ؛ وأجزاءه الأخرى.


- التلخيص: الذهبيّ الحنبليّ (ت 748 هـ) هامش المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 109، والموارد الأخرى منه وقد وافقه فيها.

- ميزان الاعتدال: الذهبيّ 1: 115، 2: 303، 3: 224.

- البداية والنّهاية: ابن كثير (ت 774 هـ): 2: 246، 3: 340، 5: 209، 7: 347.

- تفسير الرازيّ النيسابوريّ (روض الجنان) 6: 194.

- مجمع الزّوائد: عليّ بن أبي بكر الهيتميّ (ت 807 هـ) 9: 103، ومواطن أخرى.

- أسنى المطالب في مناقب سيّدنا عليّ بن أبي طالب: محمّد بن محمّد الجزريّ الشافعيّ (ت 833 هـ) 48 - 51.

- تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلانيّ الشافعيّ (ت 852 هـ) 1: 391، 7: 337.

- الإصابة: ابن حجر 2: 509، والصّواعق المحرقة، له: 25 وغيرها.

- مجمع البيان في تفسير القرآن: الفضل بن الحسن الطبرسيّ (ت 548 هـ) 3: 223.

- مقتل الحسين: الموفّق بن أحمد الحنفيّ (ت 568 هـ): 47.

- الفصول المهمّة: ابن الصبّاغ المالكيّ (ت 855 هـ): 25.

- عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ: محمود بن أحمد العينيّ (ت 855 هـ) 8: 584.


- مطالب السّؤول: ابن طلحة الشّافعيّ: 16، وغيرها.

- كنز العمّال: المتّقي الهنديّ 11: 608 - 610 ومواضع أخرى.

- تاريخ الإسلام: الذهبيّ الحنبليّ (ت 748 هـ) 3: 628.

- كنوز الحقائق: عبد الرؤوف المناويّ الشّافعيّ: 147.

- تاريخ الخلفاء: جلال الدّين السيوطيّ الشافعيّ (ت 910 هـ): 114 وغيرها ؛ والدرّ المنثور، له 2: 259، وغيرها.

- السّيرة الحلبيّة: عليّ بن برهان الدّين الحلبيّ 3: 302.

- شرح المواهب اللّدنيّة: الزرقانيّ المالكيّ 7: 13.

- ينابيع المودّة: القندوزيّ الحنفيّ: 30 - 34.

- نور الأبصار: مؤمن بن حسن الشبلنجيّ (القرن الثالث عشر): 159.

- المناقب الثلاثة: محمّد بن يوسف البلخيّ الشّافعيّ: 19 - 21.

- أسنى المطالب في مناقب سيّدنا عليّ بن أبي طالب: محمّد بن محمّد ابن محمّد الجزريّ الشّافعيّ (ت 833 هـ) 48، 49، 50.

لفظ الحديث:

- ابن أبي شيبة: حدّثنا أبو معاوية(1) ووكيع عن الأعمش عن سعيد بن عبيد،

____________________

(1) هو محمّد بن خازم التميميّ السعديّ، أبو معاوية الضّرير، الكوفيّ. ثقة كثير الحديث. عَمِي وهو صغير. أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد رُميَ بالإرجاء. =


عن ابن بُرَيدة عن أبيه، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَن كنتُ وليِّه، فعليّ وليُّه».(1)

مرّ بنا أنّ المعاني اللّغويّة لكلمة «وليّ» هي نفسها التي في كلمة «مولى».

والحديث الذي أورده ابن أبي شيبة قد جاء بلفظ «وليّ» ممّأ قطع الطريق على ابن تيميه وتأويلاته البعيدة عن القصد في معنى كلمة «مولى» وماذا بعد الحقّ إلاّ الضّلال؟!

- وابن أبي شيبة أيضاً: حدّثنا عفّان قال: حدّثنا حمّاد بن سَلَمة قال: أخبرنا عليّ بن زيد عن عديّ بن ثابت عن البراء - بن عازب - قال: كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في سفر، قال: فنزلنا بغدير خمّ قال: فنودي الصلاة جامعة، وكُسِحَ لرسول الله تحت شجرة فصلّى الظهر فأخذ بيد عليّ فقال: «ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟! قالوا: بلى، قال ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟! قالوا: بلى، قال: فأخذ بيد عليّ فقال: اللّهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه». قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال: هنيئاً

____________________

= حدّث عنه أحمد وإسحاق وابن المديني ويحيى بن معين وأبو خيثمة... وروى عنه من شيوخه الأعمش وابن جريج.

تاريخ البخاري الكبير 3: 2 / 248، وتاريخ بغداد 3: 242، تاريخ الثقات للعجليّ 403 / 1450، الطبقات الكبرى 6: 364 / 2720 ؛ وذكر الدوري: قلت ليحيى بن معين: أيّما أعجب إليك في الأعمش: عيسى بن يونس أو حفص بن غياث، أو أبو معاوية؟ فقال أبو معاوية. (تاريخ ابن معين 1: 198 / 1271).

توفّي أبو معاوية الضرير سنة خمس وتسعين ومائة.

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 7: 235 هـ) 7: 494، فضائل عليّ، حديث 2.


لك يا ابن أبي طالب! أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.(1)

والحديث صريح يفهمه حتّى غير العربيّ ممّن درس العربيّة وصار في عداد الشيوخ! فهو يبدأ بسؤال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لجموع المسلمين بصيغة «أفْعَل» إظهاراً لتوكيد الأمر فقال: «ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» أي أحقّ بتدبيرهم، وحُكمي أنفذ عليهم وطاعتي مقدّمة على طاعة أنفسهم ؛ مثل قوله تعالى:( النّبِيّ أَوْلَى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) (2) الآية فلمّا أقرّوا له بذلك، سألهم إن كان حقّه هذا وحكمه وطاعته نافذة في كلّ مؤمن من غير استثناء؟ فأجابوا: بلى ؛ فلمّا أقرّوا بذلك أخذ بيد عليّعليه‌السلام فأعطاه الولاية على كلّ من لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولاية وحُكم، وأعلمهم أنّ الله تعالى وليّه ونصيره وعدوّ عدوّه.

- وابن أبي شيبة: حدّثنا مطّلب بن زياد، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: كنّا بالجحفة بغدير خمّ إذ خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخذ بيد عليّ فقال: «مَن كنتُ مولاه، فعليّ مولاه».(3)

- أيضاً ابن أبي شيبة: حدّثنا شريك عن حنش بن الحارث، عن رباح بن

____________________

(1) نفسه 7: 503. وبنفس السند في سند ابن ماجة 1: 43 حديث 116، إلاّ أنّ فيه: قال: «فهذا وليّ من أنا مولاه. اللّهمّ وال من والاه. اللّهمّ عادِ مَن عاداه». وفي أنساب الأشراف: البلاذريّ 2: 356: «هذا وليّ من أنا مولاه...».

(2) الأحزاب: 6.

(3) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 495 حديث 9 من فضائل عليّ. وبنفس السند واللّفظ أخرجه ابن أبي عاصم الشيباني (ت 287 هـ) في كتاب السنّة: 1356. والبداية والنهاية: ابن كثير (ت 774 هـ) 5: 313.


الحارث قال: بينا عليّ جالساً في الرحبة إذ جاء رجل عليه أثر السفر، فقال: السلام عليك يا مولاي، فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا ابو أيّوب الأنصاريّ، فقال: إنّي سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «مَن كنتُ مولاه، فعليّ مولاه».(1)

ولم يكن أبو أيّوب الأنصاريّ، الصّحابيّ الجليل، يرمي الكلام على عواهنه إذ أفرد عليّاًعليه‌السلام بخطابه: السلام عليك يا مولاي، فلا يعقل أن يقول له من بين الجمع: يا ناصري! والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، في كتاب الله تعالى. وقد عقّب أبو أيّوب بعد سلامه على أميرالمؤمنينعليه‌السلام بما سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، توكيداً منه للمعنى الخاصّ للمولى.

- أبو حنيفة سعيد بن بيان سابق الحاجّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ عن البراء ابن عازب قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

«من كنت مولاه فعليّ مولاه».(2)

- وبسند عن سعد قال: كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بطريق مكّة إلى المدينة، فلمّا بلغ غدير خمّ وقف للنّاس، ثمّ ردّ من مضى ولحقه من تخلّف، فلمّا اجتمع النّاس إليه قال: «يا أيّها النّاس، هل بلّغت؟ قالوا: نعم، اللّهمّ اشهد، ثمّ قال: يا أيها النّاس، مَن وليّكم؟ فقالوا: الله ورسوله - ثلاثاً - ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب ثمّ قال:

____________________

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 496 حديث 10 من فضائل عليّ ومختصر تاريخ دمشق 17: 353.

(2) الكنىّ والأسماء: الدولابيّ (ت 310) 1: 349 / 1235. وقد مضى ذكر حديث البراء بلفظه هذا من طريق آخر.


مَن كان الله ورسوله وليّه فإنّ هذا وليّه، اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه».(1)

- ابن عقدة بسنده عن حرب بن صبيح، عن ابن أخت حُمَيد الطويل، عن ابن جدعان، عن ابن المسيّب، قال: قلت لسعد بن أبي وقّاص: إنّي أريد أن أسألك عن شيء وإنّي أتهيّبك! قال: سل عمّا بدا لك، فإنّما أنا عمّك. قلت: مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم غدير خمّ فيكم؟ قال: نعم، قام فينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الظهيرة، فأخذ بيد عليّ فقال: «مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه».

فقال أبو بكر وعمر: أمسيتَ يا ابن أبي طالب مولى كلّ مؤمن ومؤمنة».(2)

- ابن عقدة بسنده عن عبد الله بن شريك، عن سهم بن حُصين الأسديّ، قال: قدمتُ إلى مكّة أنا وعبد الله بن علقمة - وكان عبد الله بن علقمة سبّابة لعليّ دهراً - قال: فقلت له: هل لك في هذا يعني أبا سعيد الخدريّ - نُحدث به عهداً؟ قال: نعم. قال: فأتيناه فقال: هل سمعت لعليّ رضوان الله عليه منقبةً؟ قال: نعم ؛ إذا حدّثتُك فسلْ عنها المهاجرين والأنصار وقريش! إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قام يوم غدير خمّ فأبلغ، ثم قال: «يا أيّها النّاس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!» قالوا: بلى - قالها ثلاث مرّات، ثمّ قال: «أدنُ يا عليّ» فرفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يديه حتّى نظرتُ إلى بياض آباطهما. قال: «مَن كنتُ مولاه، فعليّ مولاه» - ثلاث

____________________

(1) مناقب أميرالمؤمنين عليّ: محمّد بن سليمان الكوفيّ (ت القرن الرابع الهجريّ) 1: 498 / 347، مختصر تاريخ دمشق 17: 355.

(2) فيض القدير 6: 217، كفاية الطّالب 62 وفيه زيادة: (وانصر مَن نصره).


مرّات.

قال: فقال عبد الله بن علقمة: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ قال أبو سعيد: نعم. وأشار إلى أذنيه وصدره وقال: سمعَتْه أُذُناي، ووعاه قلبي.

قال عبد الله بن شريك: فقدم علينا عبد الله بن علقمة، وسهم بن حصين، فلمّا صلّينا الهجير، قام عبد الله بن علقمة، فقال: إنّي أتوب إلى الله واستغفره من سبّ عليّ.(1)

- أبو عَوانة، عن سليمان الأعمش قال: حدّثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: لمّا رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ، أمر بدوحات فقُممن فقال: «كأنّي قد دُعيت فأجبت ؛ إنّي قد تركت فيكم الثّقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي ؛ فانظروا كيف تُخلفوني فيهما، فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض». ثم قال: «إنّ الله عزّ وجلّ مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمن» ثم أخذ بيد عليّرضي‌الله‌عنه فقال: «من كنت مولاه فهذا وليّه، اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه» وذكر الحديث بطوله.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه بطوله.(2)

قال: شاهده حديث سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل صحيح على شرطهما.

- سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل أنّه سمع زيد بن أرقم يقول:


نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين مكّة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات ثمّ راح رسول الله عشيّةً فصلّى ثمّ قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، فقال ما شاء الله أن يقول ثمّ قال: «أيّها الناس، إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتّبعتموهما، وهما: كتاب الله، وأهل بيتي عترتي». ثمّ قال: «أتعلمون إنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» ثلاث مرّات ؛ قالوا: نعم، فقال رسول الله: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه».(1)

ومن حديث حذيفة بن أسيد:

عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطّفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ، قال: لمّا صدر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من حجّة الوداع، نهى أصحابَه عن شجراتٍ بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا حولهنّ، ثمّ بعث إليهنّ فقُمّ ما تحتهنّ من الشوك وعمد إليهنّ فصلّى تحتهنّ، ثمّ قام فقال: «يا أيّها الناس، إنّي قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يُعمَّر نبيّ إلاّ نصفَ عمر الذي مَن قَبله، وإنّي لأظنّ أنّي يوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟»، قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً.

قال: «أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ وناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريبَ فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟!».

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 118 / 4577.


قالوا: بلى، نشهد بذلك.

قال: «اللّهمّ اشهد».

ثمّ قال: «يا أيّها الناس، إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم ؛ فمن كنتُ مولاه فهذا مولاه - يعني عليّاً -، اللّهمّ وال من والاه، وعادِ من عاداه».

ثمّ قال: «يا أيّها الناس، إنّي فرطكم - أي متقدّمكم وسابقكم - وإنّكم واردون عليّ الحوض، حوض أعَرضُ ما بين بُصرى وصنعاء فيه عدد النّجوم قدحانٌ من فضّة، وإنّي سائلكم حين تَرِدون علَيّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثّقل الأكبر كتاب الله عزّ وجلّ، سببٌ طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسكو به لا تضلّوا ولا تبدّلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنّه نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتّى يَرِدا علَيّ الحوض».(1)

- وأخرج ابن عساكر، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى نزل خم، فتنحّى الناس عنه، ونزل معه عليّ بن أبي طالب، فشقّ على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تأخّرُ الناس عنه، فأمر عليّاً فجمعهم، فلمّا اجتمعوا قام فيهم، وهو متوسّد على عليّ بن أبي طالب، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «يا أيّها الناس، إنّي قد كرهت تخلّفكم وتنحّيكم عنّي حتّى خُيّل إليّ أنّه ليس شجرة أبغض إليّ من شجرة تليني. ثمّ قال: لكنّ عليّ بن أبي طالب أنزله الله منّي بمنزلتي منه، رضي

____________________

(1) المعجم الكبير: الطبرانيّ، 3: 179 / 3052، وجامع المسانيد: ابن كثير 7: 46 / 4772، وأسد الغابة: ابن الأثير 3: 92، ومختصر تاريخ دمشق 17: 353، وفرائد السمطين: الجوينيّ 2: 55.


الله عنه كما أنا عنه راضٍ، فإنّه لا يختار على قُربي ومحبّتي شيئاً. ثم رفع يديه، ثمّ قال: من كنت مولاه، فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعادِ من عاداه».

وابتدر الناس إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يبكون ويتضرّعون إليه، ويقولون: يا رسول الله، إنّا تنحّينا كراهة أن نثقل عليك، فنتعوّذ بالله من سخط الله وسخط رسوله.

فرضي رسول الله عند ذلك، فقال أبوبكر: يا رسول الله، استغفر لنا جميعاً، ففعل.(1)

- وقال أبو سعيد الخدريّ:

لمّا نصب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً بغدير خمّ، فنادى له بالولاية، هبط جبريلعليه‌السلام بهذه الآية:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً ) (2) .

وقال أبو سعيد الخدريّ:

نزلت هذه الآية:( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ) (3) .

على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب.(4)

- وعن أبي هريرة قال:

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 356.

(2) المائدة: 3.

(3) المائدة: 67.

(4) مختصر تاريخ دمشق 17: 359.


أخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ بن أبي طالب، يوم غدير خمّ فقال: ألستُ وليَّ المؤمنين؟! قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه».

فقال عمر بن الخطّاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم. فأنزل الله عزّ وجلّ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (1) ،(2)

وعن زيد بن أرقم قال: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من أحبّ أن يحيا حياتي ويموت موتي ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولّ عليّاً ؛ فإنّه لن يخرجكم من هُدى، ولن يُدخلكم في ضلالة».(3)

- وعن حذيفة [ بن اليمان ] قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من أحبّ أن يحيا حياتي ويموت موتي، فليتمسّك بالقصبة الياقوت التي خلقها الله بيده وقال: كن، أو كوني، وليتولّ عليَّ بن أبي طالب».(4)

- وعن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال:

أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ، فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله».(5)

- وعن جرير بن عبد الله البجليّ، قال:

____________________

(1) المائدة: 3.

(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 358.

(3) المستدرك على الصحيحين 3: 139، ومختصر تاريخ دمشق 7: 361.

(4) مختصر تاريخ دمشق 17: 361.

(5) مختصر تاريخ دمشق 17: 357.


شهدنا الموسم في حجّة الوداع مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي حجّة الوداع، فبلغنا مكاناً يقال له: غدير خُمّ، فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمعنا: المهاجرون والأنصار، فقام رسول الله وسطنا، فقال: «أيّها الناس، بِمَ تشهدون؟» قالوا: نشهد أن لا إله إلاّ الله. قال: «ثمّ مه؟» قالوا: وأنّ محمّداً عبدهُ ورسوله. قال: «فمَن وليّكم؟» قالوا: الله ورسوله مولانا، قال: قال «فمَن وليّكم؟» ثمّ ضرب بِيده إلى عضد عليّ فأقامه، فنزع عضده، فأخذ بذراعيه فقال: من يكن الله ورسوله مُوْلَياه، هذا مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ من عاداه، اللهمّ من أحبّه من الناس فكن له حبيباً، ومن أبغضه فكن له مبغضاً، اللّهمّ إنّي لا أجد أحداً أستودعه في الأرض بعد العبدَين الصالحين غيرَك، فاقضِ فيه بالحسنى».(1)

وعن أبي فاختة قال:

أقبلَ عليّ، وعمر جالس في مجلسه، فلمّا رآه عمر تضعضع وتواضع وتوسّع له في المجلس، فلمّا قام عليّ قال بعض من في المجلس: يا أميرالمؤمنين، إنّك تصنع بعليّ صنيعاً ما تصنعه بأحدٍ من أصحاب محمّد! قال عمر: وما رأيتني أصنع به؟ قال: رأيتك كلّما رأيته تضعضعتَ وتواضعتَ وأوسعتَ حتّى يجلس، قال: وما يمنعني؟ والله إنّه لمولاي ومولى كلّ مؤمن.(2)

هذا عمر بن الخطّاب وهو خليفة يصنع هذا الصنيع، فإذا سُئل عن سرّ فعله

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 358. (ولعلّ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله العبدَين الصالحين إشارة إلى الملكين جبرئيل وميكائيل في أنّ يحفظا عليّاًعليه‌السلام .

(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 358.


حلف بالله تعالى أنّ عليّاً مولاه ومولى كلّ مؤمن ؛ فما معنى النّصرة التي ذهب إليها ابن تيميه، ولو صحّ قوله وتأويله لفعل عمر هذا الصنيع مع أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ولما خصّ عليّاً بذلك حتّى صار صنيعه غريباً عند البعض.

أفنصدف عن فعل وقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعليّ ؛ ونتابع ونستنّ برجلٍ بعُدت الشُّقّة بينه وبين عصر الرسالة والصحابة والتابعين قروناً طويلةً؟!( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي ) (1) .

- ابن عقدة بسنده عن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر، عن أبيه، عن عمّار بن ياسر، قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «أوصي مَن آمن بي وصدّقني بالولاية لعليّ ؛ فإنّه من تولاّه تولاني، ومن تولاّني تولّى الله، ومن أحبّه أحبّني، ومن أحبّني أحبّ الله، ومن أبغضه أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله».(2)

فما هذا التلازم بين الإيمان برسالة الإسلام والولاية لعليّ ؛ التي هي ولاية لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، المتفرّعة عن ولاية الله تعالى، وهذه الولاية على هذا النحو هي عينها التي في آية الولاية (سورة المائدة، آية 55)، وقد مضى الحديث فيها.

ويوم صفّين جرى كلام طويل بين عمرو بن العاص وعمّار بن ياسر، قال عمار في هذا بعضه:... وسأخبرك عَلامَ قاتلتُك عليه أنت وأصحابك. أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن أقاتل النّاكثين وقد فعلت ؛ وأمرني أن أقاتل القاسطين، فأنتم هم. وأمّا المارقون فما أدري أدركهم أم لا. أيّها الأبتر! ألستَ تعلم أنّ رسول

____________________

(1) يونس: 35.

(2) بشارة المصطفى: محمّد بن عليّ الطبريّ (ت 525 هـ) 120.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعليّ: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه»؟! وأنا مولى الله ورسوله وعليٍّ بعده ؛ وليس لك مولىً.

قال له عمرو: لِمَ تشتمني يا أبا اليقظان ولستُ أشتمك؟

قال عمّار ك وبِمَ تشتُمني، أتستطيع أن تقول أنّي عصيت الله ورسوله يوماً قطّ؟

قال له عمرو: إنّ فيك لمسبّاتٍ سوى ذلك! فقال عمّار: إنّ الكريم من أكرمه الله، كنتُ وضيعاً فرفعني الله، ومملوكاً فأعتقني الله، وضعيفاً فقوّاني الله، وفقيراً فأغناني الله.(1)

حاجّ عمرو عمّاراً، فحجّه عمّار، إلاّ أنّ عمراً وهو يَصدِرُ ممّا عليه وليّه معاوية من تناوش وتحارش، فهم( قَوْمٌ خَصِمُونَ ) (2) ، لم يملك نفسه فيستر عوراته، فوجّه إلى عمّار سُباباً هو أولى به، وبذا أثبت أمرين في آن واحد: صدق دعوى عمّار وطهارته وأنّه في جبهة الحقّ، وعمرو في جبهة أهل الباطل الذين انتهى بهم معاوية إلى جهنّم( وَأَمّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنّمَ حَطَباً ) (3) .

والأمر الآخر: هو إخباته لحديث الولاية الذي نفاه ابن تيميه! إذ لم يردّ ذلك على عمّار ؛ وعمرو عند ابن تيميه من الصحابة الثقاة.

وقد قطع عمّار الطريق على عمرو، فردّ الفضل كلّه إلى الله تعالى، فالكريم

____________________

(1) وقعة صفّين: نصر بن مزاحم (ت 212 هـ) 338.

(2) الزخرف: 58.

(3) الجنّ: 15.


من أكرمه الله وميزان التفاضل التقوى، والله سبحانه يقول:( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) (1) . وأمّا المسبّات - كذا! - التي لاذ بها عمرو للنّيل من عمّار فهي ما كان عليه آل ياسر قبل الإسلام من حلفهم لبني مخزوم و «حليف القوم منهم».

وسواد أمّ عمّار وأنّها كانت مستعبَدةً فأُعتقت وتزوّجها ياسر، فكان ثمرة ذلك الزواج المبارك: عمّار، وأخوه عبد الله. ودخل هذا البيت الكريم الإسلام، فكانوا من المستضعفين، وكانت قريش تُخرجهم وقت الظهيرة حينما يشتدّ الحرّ، مجرّدين تصهرهم الشّمس ورمضاء مكّة الحارقة ويعذّبونهم ألوان العذاب، فلا تزيدهم شدّة العذاب إلاّ إيماناً وتمسّكاً بكلمة التوحيد، حتّى عدى أبو جهل على سميّة أمّ عمّار فطعنها بحربته، فكانت رضوان الله تعالى عليها أوّل شهيدٍ في الإسلام من النساء والرجال ؛ فبيّض الله وجهها في الجنّة، وسوّد وجه قاتلها في جهنّم. وبعد لحظات من ذلك استُشهد ياسر، ليزفّهما الحور العين إلى جنّات النّعيم المقيم، ثمّ استُشهد ابنهما عبد الله، فاجتمع الشمل عند مليك مقتدر.

هذه هي مسبّات عمّار في أهله! وأمّا في نفسه: فقد تركت سياط البغي آثارها في جسده. «عن محمّد بن كعب القرظيّ قال: أخبرني من رأى عمّار بن ياسر متجرّداً في سراويل، قال: فنظرت إلى ظهره فيه حَبَط - الحَبَط: أثر الجرح والسياط أو الورم المسبّب منها - كثير، فقلت: ما هذا؟! قال:

هذا ممّا كانت تعذّبني به قريش في رمضاء مكّة».(2)

____________________

(1) الحجرات: 13.

(2) طبقات ابن سعد 3: 248، أنساب الأشراف 1: 180.


ومسبّات عمّار: أنه هاجر الهجرتين، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد، ولم يتخلّف عن مشهدٍ قطّ من مشاهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وملازمته للوصيّ عليّعليه‌السلام ؛ فشهد معه الجمل، وصفّين وقتل شهيداً يوم صفّين، فالتحق بسلَفِه الطيّبين.

ويوم صفّين كانت له مواقف مشهودة، وكان سبباً لهداية بعض من كان مع معاوية، فلمّا علموا أنّ عمّاراً مع عليّ ؛ زالت عنهم الشبهة التي ادّعاها معاوية في خروجه على عليّعليه‌السلام ، فالتحقوا بصفّ عليّ، وذلك لِما بلغهم من أحاديث في حقّ عمّار:

أنس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ثلاثة تشتاق إليهم الجنّة: عليّ وسلمان وعمّار»(1) .

يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: كان عمّار بن ياسر وأبوه وأمّه أهلَ بيت إسلام، وكان بنو مخزوم يعذّبونهم، فقال رسول الله: «صبراً يا آل ياسر ؛ فإنّ موعدكم الجنّة»(2) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله حين عرض عثمان - وعثمان خيرٌ من ابن العاص - لعمّار، متهدّداً: «ما لهم ولعمّار، يدعوهم إلىّ الجنّة ويدعونه إلى النّار؟! إنّ عمّاراً جلدة مابين عيني وأنفي»(3) .

____________________

(1) وقعة صفّين 323، صحيح الترمذيّ حديث 3798، وصحيح ابن حبّان 3797، مختصر تاريخ دمشق 18: 212.

(2) المستدرك على الصحيحين 3: 432 / 5646. وفي السّيرة النبويّة، لابن هشام 1: 342: (صبراً آلَ ياسر، موعدكم الجنة).

(3) طبقات ابن سعد 3: 254.


عن أبي الزبير، عن جابر أنّ رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله مرّ بعمّار وأهله وهم يُعَذَّبون فقال: أبشروا آلَ عمّار وآلَ ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة»(1) .

عن أوس بن أوس قال: كنت عند عليّ فقال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «دمُ عمّار ولحمه حرام على النار أن تأكله أو تمسّه»(2) .

عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ: استأذن عمّار على عليّ فقال: ائذنوا له، مرحباً بالطيّب المطيّب ؛ سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول:

«إنّ عمّاراً مُلئَ إيماناً إلى مُشاشه»(3) .

عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال له: إنّ الله عزّ وجلّ أمّننا من أن يظلمنا ولم يؤمننا من أن يفتنّا، أرأيت إن أدركتُ فتنة؟! قال: عليك بكتاب الله. قال: أرأيت إن كان كلّهم يدعوا إلى كتاب الله؟! قال: سمعتُ رسول الله يقول: «إذا اختلف الناس كان ابن سُميّة مع الحقّ»(4) .

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: «ابن سُميّة، ما عُرض أمران إلاّ أخذ بالأرشد منهما»(5) .

عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن يسار، عن عائشة قالت: قال رسول

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 438 / 5666. قال في التلخيص: على شرط مسلم.

(2) مختصر تاريخ دمشق 18: 215.

(3) وقعة صفّين: 323، سنن ابن ماجة 147.

(4) مختصر تاريخ دمشق 18: 219.

(5) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 438، ووافقه الذهبيّ في التلخيص.


الله: «ما خيّر عمّار بين أمرين إلاّ اختار أرشدَهما»(1) .

وعن سَلَمة بن كهيل، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عائشة أنّها قالت: انظروا عمّار بن ياسر فإنّه يموت على الفطرة إلاّ أن تُدركه هفوة من كبر(2) .

وعن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله يقول: «أبو اليقظان على الفطرة - ثلاث مرّات - لن يدعها حتّى يموت أو ينسيه الهرم»(3) .

قال ابن عبس لحذيفة: إنّ عثمان قد قُتل، فما تأمرنا؟ قال: الزموا عمّاراً، قال: إنّ عمّاراً لا يفارق عليّاً! قال: إنّ الحسد أهلك الجسد، وإنّما ينفّركم من عمّار قُرب من عليّ، فو الله لعليٌّ أفضل من عمّار أبعدَ ما بين التراب والسحاب ؛ وإنّ عمّاراً من الأخيار. وهو يعلم إن لزموا عمّاراً كانوا مع عليّ.(4)

سفيان، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليّ رضي الله عنه قال: استأذن عمّار بن ياسر على النبيّ وأنا عنده، فقال: ائذنوا له. فلمّا دخل قال رسول الله: «مرحباً بالطيّب المطَيّب».(5)

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 438 / 5665.

(2) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 444 وقال في التلخيص: صحيح، ومختصر تاريخ دمشق 18: 216.

(3) مختصر تاريخ دمشق 18: 215.

(4) مختصر تاريخ دمشق 18: 224.

(5) المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 437، والتلخيص، وتهذيب الكمال للمزّيّ 21: 222. وفي وقعة صفّين 223 «الطيّب ابن الطيّب».


أبو داود الطيالسيّ حدّثنا شعبة، أخبرني سلمة بن كهيل قال: سمعت محمّد بن عبد الرحمان بن يزيد، عن أبيه، عن الأشتر، عن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمّار شيء فشكوته إلى رسول الله، فقال رسول الله: «من يسبّ عمّاراً يسبّه الله، ومن يُعادِ عمّاراً يعاده الله».(1)

عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله يقول: «عمّار يزول مع الحقّ حيث يزول».(2)

مسلم بن عبد الله الأعور، عن حبّة العرنيّ قال: دخلنا مع أبي مسعود الأنصاريّ على حذيفة بن اليمان أسأله عن الفتن، فقال: دوروا مع كتاب الله حيث ما دار، وانظروا الفئة التي فيها ابن سُميّة فاتّبعوها ؛ فإنّه يدور مع كتاب الله حيث ما دار. قال: فقلنا له: ومن ابن سُميّة؟ قال: عمّار، سمعت رسول الله يقول له: «لن تموت حتّى تقتلك الفئة الباغية، وتشرب شربة ضياح تكن آخِرَ رزقك من الدنيا».(3)

الأعمش، عن أبي عبد الرحمان السلميّ قال: شهدنا صفّين مع عليّرضي‌الله‌عنه - والحديث طويل بشأن عمّار - قال: ثمّ أخذ - أي عمّار - في وادٍ من أودية صفّين، ورأيت أصحاب محمّد يتبعون عمّاراً كأنّه لهم عَلَم.(4)

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 439 / 5667، قال في التلخيص: صحيح.

(2) مختصر تاريخ دمشق 18: 215.

(3) المستدرك على الصحيحين 3: 442 / 5676، وفي التلخيص قال: صحيح.

(4) المستدرك على الصحيحين 3: 445 / 5687.


هذا قليل من كثير ممّا جاء في السّيرة الشريفة وأقوال كبار الصحابة في شأن عمّار، ولم نذكر الآيات القرآنيّة النازلة تأييداً لعمّار وإظهار علوّ شأنه.

ولم أحد حديثاً واحداً في ابن العاص وسيّده معاوية إلاّ ما كان ذمّاً لهما.

سيرة عَمْرو

لا نجد في حياة عمرو إلاّ أنّه يتقلّب من خزاية إلى سَوءة ؛ فقد كان على المسلمين إلباً، وهو مبعوث قريش إلى النّجاشيّ ملك الحبشة ليسلّمه المسلمين الذين لجأوا إليه، فردّه النجاشيّ خائباً.

وإذا كان عمّار مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر، وأُحد والخندق...، فإنّ عَمْراً كان فيها مع المشركين.

والله تعالى أعلم لِمَ أظهر عمرو إسلامه سنة ثمانٍ للهجرة، أي عام الفتح؟ إلاّ أنّ سيرته بعد ذلك فيها ما فيها! فقد ولاّه أبو بكر ما فتحه من الشام، ثم ولاّه عمر مصر، وأقرّه عثمان عليها، ثمّ عزله، فقدِم المدينة يحرّض على عثمان ويطالبه على رؤوس الأشهاد أن يُعلن التوبة... فاحتدم الأمر بينهما، فقال له عثمان: يا ابن النّابغة! وإنّك ممّن تولّب عَليَّ الطغام لأنّي عزلتك عن مصر! ولمّا اشتدّ الأمر على عثمان خرج عمرو إلى فلسطين وجعل يحرّض الناس عليه، فلمّا بلغه قتل عثمان، قال: أنا أبو عبد الله، قتلتُه وأنا بوادي السباع.

ولمّا بلغه أنّ عليّاً قد بويع له، اشتدّ عليه، فلمّا نمى إليه أنّ معاوية ممتنع عن بيعة عليّ ويحرّض على الطلب بدمه، تحوّل إليه يحرّض أهل الشام على


قتال عليّ، ومعاوية يتجاهل مقامه. فدخل عليه وقال: والله لعجبٌ لك إنّي أرفدك بما أرفدك وأنت مُعرِض عنّي! أمَ واللهِ إن قاتَلْنا معك نطلب بدم الخليفة، إنّ في النّفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته! ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية وعطف عليه.(1)

فما زال مع معاوية مشيراً ومعيناً على الوصيّ عليّعليه‌السلام ، وهو صاحب الفتنة لمّا طحنهم أبو الحسن حتّى كاد أن يطهّر الأرض منهم، فأشار عمرو على معاوية بحمل المصاحف والدعوة إلى التحكيم، وما نجم من ذلك من ظهور حركة الخوارج.

وأمّا شجاعته فأبعد رميتها أن يلوذ بسَوْءَته يدرأ بها عن نفسه! «خرج عمرو يوماً من أيّام صفّين ثمّ نادى: يا أبا الحسن، أُخرج إليَّ، أنا عمرو بن العاص. فخرج إليه عليّ فانتضى سيفه فحمل عليه، فلمّا أراد أن يُجَلّله رمى عمرو بنفسه عن فرسه ورفع إحدى رجليه فبدت عَوْرتُه، فصرف عليٌّ وجهه وتركه. وانصرف عمرو إلى معاوية، فقال له معاوية: إحمدِ اللهَ وسوداءَ إستك يا عمرو!».(2)

وفي حوار جرى عند معاوية، بين الحسن بن عليّعليه‌السلام ومروان والمغيرة وعمرو، فطحنهم الحسن وخرج، فأقبل معاوية عليهم يوبّخهم، فكان ممّا قال

____________________

(1) طبقات ابن سعد 7: 342، تاريخ الطبريّ 3: 392 و 400 و 560، تذكرة الخواصّ 84 - 85، مختصر تاريخ دمشق 18: 215.

(2) الأخبار الطّوال: الدينوريّ (ت 282 هـ): 177.


لعمرو: «طعنك أبوه فوقيت نفسَك بخِصْيَيك».(1)

البلاذريّ، عن الهيثم بن عدي، حدّثني ابن عيّاش الهمدانيّ قال: قال معاوية لعمرو: تذكر إذ غَشِيك ابن أبي طالب فاتّقيتَه بسَوءتك! فقال: إنّي رأيت الموت مُقبلاً إليّ معه فاتّقيتُه كما رأيت، وكان ورعاً فصَدفه حياؤه عنّي(2) . ولكنّي أذكّرك حين دعاك للمبارزة فقلصَتْ شفتُك ورعدُتْ فرائصُك وامتقع لونك.(3)

وجرى بينهما جدل فقال عمرو: لو لا مصر وولايتها لركبتُ المنجاة منها، فإنّي أعلم أنّ عليّ بن أبي طالب على الحقّ وأنت على ضدّه، فقال معاوية: مصر والله أعمَتْك، ولو لا مصر لألفيتُك بصيراً. ثمّ ضحك معاوية ضحكاً ذهب به كلّ مذهب. قال: مِمّ تضحك أضحك الله سنّك؟ قال: أضحك من حضور ذهنك يوم بارزتَ عليّاً، وإبدائك سوأتك، أما والله يا عمرو لقد واقعتَ المنايا ورأيت الموت عياناً، ولو شاء لَقتلك، ولكن ابن أبي طالب أبى في قتلك إلاّ تكرّماً. فقال عمرو: أما والله إنّي لَعَنْ يمينك حين دعاك إلى البراز فاحْولّت عيناك وبدا سَحْرك(4) وبدا منك ما أكره ذكره لك، فمن نفسك فاضحكْ أو دَعْ.(5)

إنّ الحقّ ينطق على لسان ألدّ الأعداء، فهذان رأسا القاسطين يختصمان

____________________

(1) صَدَفه: أعرض ومال.

(2) المحاسن والمساوئ: البيهقيّ 86.

(3) أنساب الأشراف: البلاذريّ 3: 104.

(4) السحر الرئة، أي انتقخت رئتك، كناية عن الخوف والرعب.

(5) مروج الذهب: المسعوديّ (ت 346 هـ) 3: 20.


فيُبدي أحدهما للآخر سوأته ويرميه بالجُبن وأنّ غاية شرفه ودينه أن يحمي نفسه بإظهار عورته ويجيبه الآخر بعين العار والنقيصة، ويقرّ الوزير بعَماه وأنّه طالب دنيا في اتّباعه معاوية، مع إقراره بحقّ عليّ وباطل معاوية، ولم ينكر معاوية ذلك وإنّما أضاف إلى ذلك كرمَ عليّ وترفّعه عن الدنيئة في الوصول إلى الحق.

نسب عمرو

هذه بعض سيرة عمرو في نفسه، وتلك سيرة عمّار ونسبه، فنسب عمّار محفوظ: عمّار بن ياسر، صريحاً ن بن يشجب المذحجيّ ثمّ العَنْسيّ، وأمّه سميّة بنت خباط، أوّل شهيد في الإسلام.

وأمّا عمرو: سأل رجل عمرو بن العاص عن أمّه، فقال: سلمى بنت حرملة، تلقّب النّابغة من بني عَنَزة، أصابتها رماح العرب، فبيعت بعُكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثمّ اشتراها منه عبد الله بن جُدْعان، ثمّ صارت إلى العاص بن وائل، فولدت له فأنجبت، فإن جعل لك شيء فَخُذْه.(1)

لم يُبيِّن عمرو لِمَ لُقّبِت أمّه بـ «النّابغة»؟ ودَعْنا من سبيها وبيعها، ولكن لم يذكر ما جرى لها وهي عند الفاكه، ولا عند ابن جُدْعان - وأخبارها عندهما تُزكم الأنوف -، ولا كيف صارت إلى العاص!

والأخبار متواترة في أنّ النّابغة هذه كانت بَغِيّاً من ذوات الرّايات، وإنّما

____________________

(1) أسد الغابة 4: 244 / 3965.


لقّبت بالنّابغة لنبوغها بالزّنا، وأنّها كانت من الزواني اللاّاتي يضعن الرّايات على بيوتهنّ ليُعْرَفْن، وقد راودها في طُهرٍ واحد أربعة رجال وقيل ستّة فكان عمرو ثمرة تلك الساعة، فاختصموا فيه ثمّ حكّموا النّابغة فنسبته إلى العاص! و«الوالد للفراش، وللعاهر الحجر!».

«لقي عمرو الحسنَ بن عليّ في الطّواف فقال له - وأسمعه كلاماً - فكان ممّا ردّ الحسن عليه: لتنتهينّ يا ابن أم عمرو... ؛ وإنّي من قريش كأوسط القلادة، يُعرَف حسبي ولا أُدعى لغير أبي، وقد تحاكمَتْ فيك رجال قريش فغلب عليك ألأمُهُم نسباً وأظهرهم، فإيّاك عنّي فإنّك رِجْس، وإنّما نحن بيت الطّهارة، أذهب الله عنّا الرّجس وطهّرنا تطهيراً».(1)

واجتمع الحسن بن عليّ وعمرو بن العاص، فقال الحسن: «قد عَلِمَت قريش بأسرها أنّي منها في عزّ أُرومتها، لم أطبَع على ضعف ولم أعكس على خسف، أُعرَف بشبهي وأدُعى لأبِي... أمَا والله، لو كنتَ تسمو بحسبك وتعمل برأيك ما سلكتَ فجَّ قصد، ولا حللتَ رابيةَ مجد»(2) .

وحضر مجلسَ معاوية: عبدُ الله بن عبّاس وابن العاص، فأقبل عبد الله ابن جعفر، فتنقّصه ابن العاص، فردّه ابن عبّاس قائلاً: ليس يدّعي لدعيّ، ولا يدني لدنيّ ؛ كمَن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جزّارها، فأصبح ألأمَها حسبَاً، وأدناها منصباً... وليت شعري بأيّ قِدَمٍ تتعرّض للرجال، وبأيّ حسَبٍ

____________________

(1) المحاسن والمساوئ: البيهقيّ 428، المحاسن والأضداد: الجاحظ 85.

(2) المحاسن والمساوئ: البيهقيّ 87.


تبارز عند النضال، أبنفسك؟! فأنت الوغد الزنيم، أمْ بِمَن تنتمي إليه؟! فأهل السَّفَه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهليّة شُهِروا، ولا بقديم في الإسلام ذُكروا...(1) .

وفي ردّه على ابن العاص في مجلس معاوية، قال له الحسن المجتبى: «وأمّا أنت يا ابنَ العاص، فإنّ أمرك مشترك، وضعتك أمّك مجهولاً من عُهر وسفاح فتحاكَمَ فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جزّارُها، ألأمُهم حسباً، وأخبثُهم منصباً، ثمّ قام أبوك فقال: أنا شانئ محمّدٍ الأبتر، فأنزل الله فيه ما أنزل...(2) .

ومن كلام لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام يوم صفّين مع عمرو: يا ابن النابغة! ومتى لم تكن للكافرين وليّاً وللمسلمين عدوّاً، وهل تشبه إلاّ أمّك الّتي وضعت بك!(3)

وفي حوارٍ جرى بين عمرو بن العاص وشُريح بن هانىءٍ، قال عمرو: إنّ مثلي لا يُكلّم مثلك! فقال شريح: بأيّ أبوَيك ترغب عن كلامي؟ بأبيك الوشيظ(4) ، أم بأمّك النّابغة؟!(5)

____________________

(1) المحاسن والمساوئ: البيهقيّ 90.

(2) شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد 6: 291.

(3) وقعة صفّين 508.

(4) الوشيظ: الخسيس.

(5) وقعة صفّين 543.


وعن أنس بن مالك قال: دخلَتْ أروى بنت الحارث بن عبد المطّلب، على معاوية بالموسم، وهي عجوز كبيرة. ثمّ ذكر خبراً طويلاً في تقريعها لمعاوية ومروان وعمرو بن العاص، إذ اعترضها عمرو، فقالت: يا ابن اللّخناء النّابغة(1) : أتكلّمني؟! إربَعْ على ظَلْعِك، واعْنِ بشأن نفسك(2) ، فو الله ما أنت من قريش في اللُّباب من حَسَبها، ولا كريم منصبها، ولقد ادّعاك ستّةٌ من قريش وكلّهم يزعم أنّه أبوك، ولقد رأيتُ أمّك بمكّة مع كلّ عبدٍ عاهر! فأتَمَّ بهم فإنّك بهم أشبه.(3)

أحمد بن حنبل: حدّثنا سفيان، حدّثنا أبو عوانة عن المغيرة، عن أبي عبيد عن ميمون أبي عبد الله قال: قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: نزلنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بوادٍ يقال له وادي خمّ، فأمر بالصلاة، فصلاّها بهجير، قال: فخطبنا، وظلّل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال: ألستم تعلمون - أو لستم تشهدون - أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟! قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فإنّ عليّاً مولاه، اللّهم عادِ من عاداه، ووالِ من والاه».(4)

____________________

(1) اللّخناء: المنتنة الرائحة. وفي العقد الفريد: فقالت له: وأنت يا ابن النّباغة - أي الزانية - تتكلّم، وأمّك أشهر أمرأة تغنّي بمكّة وآخذهنّ لأجرة.

(2) إربَعْ: أقِم. والظَلْع: العرج. مثل يضرب لمن عيوبه كثيرة وهو منشغل عنها بغيره.

(3) بلاغات النساء: ابن طيفور 40 - 43، نثر الدرّ: الآبي 4: 36 - 38. وفي العقد الفريد: ابن عبد ربّه 1: 357 - 358: «ادّعاك خمسة كلّهم يزعم أنّه أبوك، فسُئلت أمّك عنهم فقالت: كلّهم أتاني، فانظروا أشبَهَهُم به فألحِقوه به، فغلب عليك شَبهُ العاص ابن وائل فلُحِقتَ به».

(4) مسند أحمد 5: 501 / 18838.


غانمة تنشر مسبّات الشجرة الملعونة

بلغ غانمة بنت غانم سبّ معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم فقالت لأهل مكّة: أيّها النّاس، إنّ بني هاشم أطول الناس باعاً وأمجد الناس أصلاً وأحلم الناس حلماً، وأكثر الناس عطاءً. منّا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر:

كانت قريش بيضةً فتفلّمت

فالمخّ خالصها لعبد مناف

وولده هاشم الذي هَشَم الثّريدَ لقومه، وفيه يقول الشاعر:

هشم الثّريدَ لقومه وأجارَهم

ورجالُ مكّة مسنتُون عجافُ

ثمّ منّا عبد المطّلب الذي سُقِينا به الغيث، وفيه يقول الشاعر:

ونحنُ سِنيَّ المَحلِ قام شفيعُنا

بمكّة يدعو والمياهُ تغورُ

وابنه أبو طالب عظيم قريش، وفيه يقول الشاعر:

آتيتُه مَلِكاً فقام بحاجتي

وترى العُلَيّجَ خائباً مذموماً

ومنّا العبّاس بن عبد المطّلب، أردفه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأعطاه ماله، وفيه يقول الشاعر:

رَدِيفُ رسولِ الله لم أرَ مثلَهُ

ولا مِثلُهُ حتى القيامةِ يُوجدُ

ومنّا حمزة سيّد الشهداء، وفيه يقول الشاعر:

أبا يَعلى لكَ الأركانُ هُدّت

وأنت الماجدُ البَرُّ الوَصُولُ

ومنّا جعفر ذو الجناحين أحسنُ الناس وأكملهم كمالاً، ليس بغدّار ولا ختّار، بدّله الله جلّ وعزّ بكلّ يدٍ له جناحاً يطير به في الجنّة، وفيه يقول الشاعر:

هاتُوا كجعفرِنا الطيّارِ أو كعليِّنا

أليسا أعزّ الناس عند الخلائق؟!


ومنّا أبو الحسن عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، أفرس بني هاشم وأكرم من احتفى وتنعّل بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن فضائله ما قَصُر عنكم أنباؤها، وفيه يقول الشاعر:

ومَن يكُ جدُّهُ حقّاً نبيّاً

فإنّ لهُ الفضيلةَ في الأنام

ومنّا الحسين بن عليّ رضوان الله عليه، حمله جبريلعليه‌السلام على عاتقه وكفى بذلك فخراً، وفيه يقول الشاعر:

نفى عنه عيبَ الآدميّين ربُّهُ

ومِن مجدِه مجدُ الحسينِ الـمُطهّرِ

ثمّ قالت: يا معشر قريش! واللهِ ما معاوية بأميرالمؤمنين ولا هو كما يزعم، هو واللهِ شانئ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . إنّي آتيةٌ معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينُه ويكثر منه عَويلُه. فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلمّا بلغه أنّ غانمة قد قُربتْ منه أمر بدار ضيافةٍ فنُظّفت وألقي فيها فرش، فلمّا قُربتْ من المدينة استقبلها يزيد في حَشَمه ومماليكه، فلمّا دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم، فقال لها يزيد: إنّ أبا عبد الرحمان يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته، وكانت لا تعرفه، فقالت: من أنت كلأك الله؟ قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص، لستَ بزائد! فتمعّرلونُ يزيد، فأتى أباه فأخبره، فقال: هي أسنّ قريش وأعظمهم. فلمّا قال يزيد: كم تعدّ لها؟ قال: كانت تعدّ على عهد رسول الله أربعمائة عام وهي من بقيّة الكرام. فلمّا كان من الغد أتاها معاوية فسلّم عليها، فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان! ثم قالت: من منكم ابن العاص؟ قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسبّ قريشاً وبني هاشم وأنت أهل


السبّ وفيك السبّ وإليك يعود السبّ يا عمرو! إنّي والله عارفةٌ بعيوبك وعيوب أمّك، وإنّي أذكر لك ذلك عيباً عيباً ؛ وُلِدتَ من أمَةٍ سوداء مجنونةٍ حمقاء تبول من قيام ويعلوها اللّئام، إذا لامَسَها الفحلُ كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يومٍ واحد أربعون رجلاً، وأمّا أنت فقد رأيتك غاوياً غير راشدٍ، ومفسداً غير صالح، ولقد رأيتَ فحلَ زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت.(1)

وأمّا أنت يا معاوية، فما كنت في خير، ولا ربّيت في خير، فما لك ولبني

____________________

(1) قال ابن اسحاق: إنّ عمرو بن العاص وعُمارة بن المغيرة رَكِبا البحر إلى الحبشة، ومع عمرو امرأته، حتّى إذا سارا في البحر أصابا من خمر معهما، فلمّا انتشى عمارة قال لامرأة عمرو: قبّليني، فقال عمرو: قبّلي ابن عمّك! فقبّلته، فألقاها عمارة فجعل يريدها عن نفسها فامتنعت منه، ثمّ إنّ عمراً قعد على منجاف السفينة - أي ذَنَبها الذي تعدل به - يبول، فدفعه عمارة في البحر فلمّا وقع فيه سبَحَ حتّى أخذ بمنجاف السفينة فارتفع على ظهر السفينة. فقال له عمارة: أما والله لو علمت يا عمرو أنّك تحسن السّباحة ما فعلت. فاضطغنها عمرو وعلم أنّه أراد قتله.

فمضيا حتّى قدما أرض الحبشة، فلمّا الهمأنّا لم يلبث عمارة أن دبّ لامرأة النجاشيّ، وكان عمارة رجلاً جميلاً وسيماً... فوشى به عمرو إلى النجاشيّ...، فأمر النجاشي السواحر فجرّدنه من ثيابه، ثمّ أمرهنّ فنفخن في إحليله، ثمّ خلى سبيله فخرج هارباً في الوحش... حتّى مات.

وذكر شعراً لعمرو، يذكر فيه ما صنع به وما أراد من امرأته، منه:

قضى وطراً منها يسيراً فأصبحت

إذا ذكرت أمثاله تملأ الفما

أصبتَ من الأمر الدقيق جليله

وعيشاً إذا لاقيت مَن قد تلوّما

سيرة ابن إسحاق كتاب السّير والمغازي 167 - 169، ونسب قريش: مصعب الزبيريّ (ت 236 هـ) 322، والموفّقيّات: الزبير بن بكّار (ت 256 هـ) 592، والاشتقاق: ابن دُرَيد (ت 321 هـ) 102، وأنساب الأشراف: البلاذريّ 1: 68، والأغانيّ: أبو الفرج الأصبهانيّ (ت 356 هـ) 9: 55 - 58.


هاشم؟! أنساء بني أميّة كنسائهم؟!(1) ...

____________________

(1) المحاسن والأضداد: الجاحظ 88 - 90، والمحاسن والمساوئ: البيهقيّ 90 - 94.

ولم يكن معاوية بعيداً عن موضع التّهمة كما هو حال عمرو!

وربّما هذا الذي أرادته غانمة في قولها له: (فما كنتَ في خير، ولا رُبِّيب في خير... أنساء بني أميّة كنسائهم؟

والفقره الأخيرة قرينة على ما ذكرناه ؛ فقد ذكروا: أنّ معاوية يعزى إلى أربعة: إلى مسافر ابن أبي عمرو، وإلى عمارة بن الوليد - صاحب القصّة مع عمرو بن العاص - وإلى العبّاس بن عبد المطّلب، وإلى الصّبّاح مغنٍّ أسود كان لعمارة.

قالوا: كان أبو سفيان دميماً قصيراً، فدعت هند الصُّبّاحَ إلى نفسها. وقالوا: إنّ عتبة بن أبي سفيان من الصّبّاح أيضاً، وإنّها كرهت أن تضعه في منزلها، فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك. وفي ذلك قال حسّان بن ثابت:

لِمَن الصبيُّ بجانب البَطْ

حاء ملقىً غيرَ ذي سُهدِ

نَجَلت به بيضاء آنسةٌ

من عبد شمسٍ صَلتَةُ الخَدِّ

(ربيع الأبرار: الزمخشريّ 3: 551). ونجلت به: ولَدته. صَلْتَهُ الخدّ: خدّها بارز ناعم.

وفي ديوان حسّان: (في التّرب ملقىً غير ذي مهد). وفيه زيادة:

تسعى إلى الصّبّاح مُعوِلَةً

يا هندُ إنّكِ صُلبةُ الحَرْدِ

غَلَبَت على شَبَهِ الغُلام وقد

بانَ السّوادُ لِحالكٍ جعْدِ

(الحالك: الشعر الأسود. الجعد: المجعّد وهي صفة شعر العبيد السّود). وقال لها أيضاً:

لِمَن سواقِطُ صِبيانٍ مُنَبَّذةٍ

باتَت تَفَحَّصُ في بَطْحاءِ أجيادِ

باتَت تمَخّصُ ما كانت قوَابلُها

إلاّ الوحوش وإلاّ جِنّة الوادي

فيهم صبيّ له أمّ لها نسبٌ

في ذروةٍ من ذرى الأحساب أيّادِ

تقول وَهْناً وقد جدّ المخاض بها:

يا ليتني كنتُ أرعى الشّول للغادي

قد غادروه لِحُرّ الوَجه منعفراً

وخالها وأبوها سيّد النادي

(ديوان حسّان: 96 - 97). (تمخَّض: تطلق حال الولادة. =


هذا هو عمرو في نفسه، وفي أمّه ؛ فماذا في العاص الذي اختارته النّابغة من بين الرجال الذين أتوها، فنسبت عمراً إليه؟ إنّ أوّل مسبّةٍ فيه وأعظمها: أنّه مات كافراً وساء مصيراً( إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ) (1) .

وكان العاص في زمرةٍ أبدت عداوتها للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد ذكر ابن اسحاق في إسلام المهاجرين فقال: ثمّ دخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتّى فشا ذِكر الإسلام وتحدّث به، فلمّا أسلم هؤلاء النفر وفشا أمرهم بمكّة أعظمت ذلك قريش وغضبت له، وظهر فيهم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله البغي والحسد، وشخص له منهم رجال فبادَوه بالعداوة وطلبوا له الخصومة، منهم العاصي بن

____________________

= القوابل: جمع قابلة وهي المرأة الّتي تشرف على الولادة. الشّول: النياق لها بقيّة لبن).

وكان بين يزيد بن معاوية وبين إسحاق بن طلحة بن عبيد الله بين يدي معاوية، فقال يزيد: يا إسحاق، إنّ خيراً لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنّة! فقال إسحاق: وأنت والله لخير لك أن يدخل بنو العبّاس كلّهم الجنّة! فأنكر يزيد ولم يدر ما عناه، فلمّا قام إسحاق قال معاوية: أتدري ما عناه إسحاق؟ قال يزيد: لا. قال فكيف تُشاتم رجلاً قبل أنت تعلم ما يقال لك وفيك؟ إنّه عنى ما زعم الناس أنّ أبا العبّاس أبي. وكانت هند اتّهمت به وبغيره، ولذلك لمّا جاءت إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تُبايعه، فتلا:

( يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى‏ أَن لاَ يُشْرِكْنَ بِاللّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ... ) (الممتحنة: 12).

فلمّا بلغ قوله: (ولا يَزْنِينَ) قالت هند: وهل تزني الحرّة؟!

(1) البقرة: 161 - 162.


وائل و...(1) .

زندقة العاصي

وكان العاصي أحد زنادقة قريش، تعلّموا الزندقة من نصارى الحيرة(2) .

والعاص هو الأبتر:

ابن إسحاق قال: حدّثني يزيد بن رومان قال: كان العاصي بن وائل السّهميّ إذا ذُكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: دعوه فإنّما هو رجل أبتر لا عقب له، لو قد هلك انقطع ذكره فاسترحتُم منه. فأنزل الله عزّ وجلّ:( إِنّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ ) (3) حتّى قضى السورة، إنّا قد أعطيناك الكوثر ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، أو الكوثر العظيم من الأمر،( إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) (4) العاصي بن وائل.(1)

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق كتاب السير والمغازي 144.

(2) المحبّر: ابن حبيب 161.

فنظر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عمر وتبسم. (محاضرات الأدباء: الرّاغب الأصفهانيّ 1: 353).

ومن القرائن على ما ذكروه: ما نجده من مخاطبته: يا ابن هند! وقد قال في عبد الله بن الزبير لمّا بلغه وفاة معاوية: (ما ابن أنثى بأكرم منه) الأغانيّ 17: 212. ونعاه ابن عبّاس فقال: (لله درّ ابن هند) الأغاني 17: 213.

وفي محاورة بين معاوية والدارميّة الحجونيّة، وقد أسمعها معاوية كلاماً أغضبها فقالت: يا هذا والله يضرب المثل لا أنا فاعتذر منها وترضّاها.

بلاغات النساء 106 - 107، والعقد الفريد 1: 352 - 353.

(3) الكوثر: 1 - 2.

(4) الكوثر: 3.


قال ابن دريد: وفي العاص بن وائل نزلت:( أَرَأَيْتَ الّذِي يُكَذّبُ بِالدّينِ * فَذالِكَ الّذِي يَدُعّ الْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضّ عَلَى‏ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) (2) .(3)

حديث المستهزئين

ابن إسحاق قال: قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أمر الله محتسباً مؤدّياً إلى قومه النصيحة على ما كان فيهم من النائرة(4) والأذى والاستهزاء ؛ وكان عظماء المستهزئين برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . خمسة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب، والأسود ابن المطّلب بن أسد، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والحارث بن الطلاطلة أحد بني خزاعة ؛ فكانوا يهزأون برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويغمزونه، فأتاه جبريلعليه‌السلام فوقف به عند باب الكعبة وهم يطوفون به، فمرّ به الأسود بن عبد يغوث فأشار جبريل إلى بطنه فمات حَبَناً(5) ، ومرّ به الأسود بن المطّلب فرمى بوجهه بورقةٍ خضراء فعَمِي، ومرّ به الوليد بن المغيرة فأشار إلى جُرح في كعب رجله قد كان أصابه قبل ذلك بيسير، فانتقض به فقتله، ومرّ به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحاً حتّى قتله، ومرّ به العاصي بن وائل

____________________

(1) سيرة ابن إسحاق 272.

(2) الماعون: 1 - 3.

(3) الاشتقاق: ابن دريد 126 - 127.

(4) النائرة: الفتنة.

(5) الحَبَن: داء في البطن يرم كالدمل ويكون له خراج أي قيح.


فأشار إلى أخمض رجله، فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شبرقة(1) فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته، ففيهم أنزل الله عزّوجلّ:( إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) (2) .(3)

هذه بعض أخبار العاص بن وائل الذي انتسب إليه عمرو بن النّابغة، وبذا اكتملت صورة بيت عمرو في نفسه وفي أمّه، وفي الرجل الذي صار له أباً من بين عدّة رجال...!

فأين هذا البيت من البيت الشهيد: بيت عمّار في نفسه ووالديه وأخيه؟!

الاحتجاج بحديث الغدير

وأصدق دليل على بطلان ابن تيميه، سواء في إنكاره الحديث أو ما استظهره من معنى الوِلاية، هو الاحتجاج بالحديث في استجلاء المنزلة الخاصّة

____________________

(1) شبرقة: نبات شوكي.

(2) الحِجر: 95.

(3) سيرة ابن إسحاق 273. وذكره ابن حبيب في كتابه: «المحبرّ 158، بعنوان: المستهزئون من قريش وماتوا ميتات مختلفات كفّاراً»، وذكره في كتابه الآخر: المنمّق 310 - 311 بنفس العنوان، وذكر القصّة التي أوردها ابن إسحاق، ثمّ ذكر قصة أخرى قال: فأمّا العاص بن وائل فإنّه خرج في يوم مطير على راحلته ومعه ابنان له، يتنزّه ويتغدّى، فنزل شِعباً من تلك الشّعِاب، فلمّا وضع قدمه على الأرض صاح، فطافوا فلم يروا شيئاً، فانتفخت رجله حتّى صارت مثل عنق البعير، فمات من لدغة الأرض.


لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام . فقد احتجّ به أميرالمؤمنين في أكثر من موضع، ولو لا علمه بالمعنى الخاصّ للحديث لما احتجّ به. كما احتجّ به عِليةُ الصّحابة، فماذا يعني ذلك يا ترى؟

الاحتجاج يوم الشورى

لما طُعن عمر بن الخطّاب، عيّن ستّة من الصّحابة فيهم عليّ، لاختيار خليفة من بينهم ؛ فناشدهم عليّ إنْ كان لواحدٍ منهم أحدُ فضائله الخاصّة به، وفي كلّ واحدة يقولون: «اللّهمّ لا، ومن ذلك: مؤاخاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إيّاه، وردّ الشمس له، ونزول آية الولاية فيه (المائدة: 55)، وقد مضى الكلام في كلّ ذلك.

وكان ممّا احتجّ بهعليه‌السلام يومئذ: حديث الولاية يوم الغدير، قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحدٌ قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، ليبلّغ الشاهدُ منكم الغائبَ» غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.

ولقد احتجّ أميرالمؤمنينعليه‌السلام بهذه المنقبة في أكثر من موضع:

- ابن ابي شيبة، عن شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن وَهْب عن زيد ابن يُثَيْع، قال: بلغ عليّاً أنّ أناساً يقولون فيه، فصعد المنبر فقال: أنشد رجلاً، ولا أنشده إلاّ من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سمع من النبيّ شيئاً إلاّ قام. فقام ممّا يليه ستّة، وممّا يلي سعيد بن وهب ستّة فقالوا: نشهد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه».(1)

____________________

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 496 حديث 15 من مناقب عليّ.


فمَن كان هؤلاء، وعليّعليه‌السلام ينشدهم ما سمعوا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيشهدوا أنّهم سمعوا حديث الولاية «من كنت مولاه...»، وقد سمعوا منهصلى‌الله‌عليه‌وآله الكثير في شأن عليّعليه‌السلام وخصائصه؛ إلاّ لأنّهم علموا ما للحديث من دلالة وعلوّ المنزلة والشرف، وتجاهَلَه النّواصب!

- عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن حبّة العُرَنيّ عن أبي قُلابة قال: نشد الناس عليّ في الرّحبة، فقال بضعة عشر رجلاً فيهم رجل عليه جبّة عليها أزرار حضرميّة، فشهدوا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه»(1) .

- ابن عقدة، بسنده عن فِطْر بن خليفة، وأبي الجارود، وكلاهما عن أبي الطفيل: أنّ عليّاًرضي‌الله‌عنه قام فحَمدِ الله وأثنى عليه، ثمّ قال أنشد الله مَن شهد يومَ غدير خُمّ إلاّ قام، ولا يقوم رجل يقول نبّئتُ أو بلغني، إلاّ رجل سمعت أذُناه ووعاه قلبه. فقام سبعة عشر رجلاً، منهم: خزيمة بن ثابت، وسهل ابن سعد، وعديّ بن حاتم، وعقبة بن عامر، وأبو أيّوب الأنصاريّ، وأبو سعيد الخُدريّ، وأبو شريح الخزاعيّ، وأبو قدامة الأنصاريّ، وأبو يعلى، وأبو الهيثم بن التيّهان، ورجال من قريش.

فقال عليّرضي‌الله‌عنه وعنهم: هاتوا ما سمعتم، فقالوا: نشهد أنّا أقبلنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من حجّة الوداع حتّى إذا كان الظهر خرج رسول الله فأمر بشجراتٍ فسُوِّين وألقي عليهنّ ثوب، ثمّ نادى بالصّلاة، فخرج فصلّينا، ثمّ قام

____________________

(1) الكنى والأسماء: محمّد بن أحمد الدّولابيّ (ت 310 هـ) 2: 172 / 1601.


فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس، ما أنتم قائلون؟» قالوا: قد بلّغت، قال: «اللّهمّ اشهد» ثلاث مرّات، قال: «إنّي أوشك أن أدعى فأجيب وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون». ثمّ قال: «ألا إنّ دماءكم وأموالكم حرام كحُرمة يومكم هذا وحرمة شهركم هذا...»، ثم قال: «أيّها النّاس، إنّي تارك فيكم الثّقلين: كتابَ الله وعترتي أهل بيتي، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض نبّأني بذلك اللطيف الخبير»، وذكر الحديث في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه».

فقال عليّ: صدقتم وأنا على ذلك من الشاهدين.(1)

- وابن عقدة بسنده عن هارون بن المغيرة، عن الجرّاح الكنديّ، عن أبي إسحاق، عن عبد خير قال: حضرنا عليّاًعليه‌السلام أنشد النّاس في الرّحبة فقال: أنشد الله من سمع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»، فقام أثنا عشر رجلاً كلّهم من أهل بدر، منهم زيد بن أرقم، فشهدوا أنّهم سمعوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول ذلك لعليّ.

- ومثله رواه ابن عقدة، بسنده عن حسن بن زياد، عن عمر بن سعد البصريّ، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة، عن أبيه، عن جدّه يعلى - وذكر الحديث -، قال: فلمّا قِدم عليٌّ الكوفة نشد النّاس، فانتشد له بضعة عشر رجلاً

____________________

(1) تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشّاف للزمخشري: عبد الله بن يوسف الزيلعيّ (ت 762 هـ) 2: 239، جواهر العقدين: عليّ بن عبد الله السَّمْهوديّ (ت 911 هـ) 1: 80 - 82 ومناقب الإمام عليّ: ابن المغازليّ 20 / 27.


فيهم أبو أيّوب صاحب منزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وناجية بن عمرو الخزاعيّ.(1)

- ابن عقدة بسنده عن عليّ بن الحسن العبديّ، عن الأصبغ بن نباتة، قال: نشد عليّ الناس في الرحبة: من سمع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم غدير خمّ ما قال إلاّ قام، ولا يقوم إلاّ من سمع رسول الله يقول. فقام بضعة عشر رجلاً، فيهم: أبو أيّوب الأنصاريّ، وأبو عَمرة بن عمرو بن محصن، وأبو زينب، وسهل بن حُنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن ثابت الأنصاريّ، وحبشيّ بن جنادة السلوليّ، وعبيد بن عازب الأنصاريّ، والنعمان بن عجلان الأنصاريّ، وثابت بن وديعة الأنصاريّ، وأبو فُضالة الأنصاريّ ؛ فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ألا إنّ الله عزّ وجلّ وليّي وأنا وليّ المؤمنين، ألا فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وأحِبَّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وأعِنْ من أعانه».(2)

- ابن أبي شيبة: ومن حديث سعد [ بن أبي وقّاص ]: حدّثنا أبو معاوية عن موسى بن مسلم عن عبد الرحمان بن سابط عن سعد قال: قَدِم معاوية في بعض

____________________

(1) جامع المسانيد: ابن كثير 12: 191 / 9413، مجمع الزوائد 9: 104، أسد الغابة ترجمة ناجية بن عمرو، الإصابة ترجمة ناجية / الرقم 8644.

(2) أسد الغابة 3: 307 - ترجمة عبد الرحمان بن عبد ربّ الأنصاريّ، وعن ابن عقدة ذكره الزيلعيّ في: تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشّاف 2: 240، ومختصراً في: الإصابة 4: 328، وجامع المسانيد 8: 351 / 6040 وقد اختصره ابن كثير وأسقط بعض شهوده!، وخصائص النسائيّ 96، ومجمع الزوائد 9: 105، كنز العمّال 6: 403، والبداية والنهاية 7: 347.


حجّاته فأتاه سعد، فذكروا عليّاً فنال منه معاوية، فغضب سعد فقال: سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول له خصالاً لأنْ تكون لي خَصلة منها أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها! سمعت رسول الله يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، وسمعت النبيّ يقول: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»، وسمعت رسول الله يقول: «لأعطينّ الرّاية رجلاً يحبّ الله ورسوله».(1)

وأصدق دليل ما شهد به الأعداء:

ما كتبه معاوية إلى عمرو بن العاص يستنصره، فكتب إليه عمرو: «وأمّا ما نسبتَ أبا الحسن أخا رسول الله ووصيّه إلى البغي والحسد على عثمان، وسمّيتَ الصّحابة فسقة وزعمت أنّه أشلاهم على قتله، فهذا كذبٌ وغواية. وَيْحك يا معاوية! أما عملتَ أنّ أبا الحسن بذل نفسه بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبات على فراشه؟! وهو صاحبُ السّبق إلى الإسلام والهجرة، وقد قال له رسول الله: «هو منّي وأنا منه، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»، وقال فيه يوم غدير خُمّ: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه، اللّهمّ وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره واخذل مَن خذله»(2) .

- احتجاج همدانيّ على ابن العاص:

ولا غرابة أن نجد في صحيفة عمرو السوداء: أنّه يحتجّ على سيّده بحديث الغدير، ولا يقلع عن ممالأته ونصرته، وإذا احتُجّ عليه بالحديث لم ينكره، وزاد

____________________

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 496 / 15.

(2) المناقب: 124.


عليه من مناقب عليّعليه‌السلام ، ثمّ عاد فلاذ بالفتنة ومقتل عثمان:

«ذكروا أن رجلاً من همذان يقال له برد، قدم على معاوية، فسمع عمراً يقع في عليّ، فقال له: يا عمرو، إنّ أشياخنا سمعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، فحقٌّ ذلك أم باطل؟ فقال عمرو: حقّ، وأنا أزيدك أنّه ليس أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب عليّ! ففزع الفتى، فقال عمرو: إنّه أفسدها بأمره في عثمان، فقال برد: هل أمَرَ أو قَتَل؟ قال: لا ولكنّه آوى ومنع. قال: فهل بايعه الناس عليها؟

قال: نعم. قال: فما أخرجك من بيعته؟ قال: اتّهامي إيّاه في عثمان. قال له: وأنت أيضاً اتّهمت. قال صدقتَ فيها خرجتُ إلى فلسطين. فرجع الفتى إلى قومه فقال: إنّا أتينا قوماً أخذنا الحجّة عليهم من أفواههم... عليٌّ على الحقّ فاتّبعوه».(1)

احتجاج المأمون على الفقهاء:

إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، عن حمّاد بن زيد قال: بعث إليّ يحيى ابن أكثم وإلى عدّة من أصحابي، وهو يومئذ قاضي القضاة، فقال: إنّ أميرالمؤمنين أمرني أن أُحضِر معي غداً مع الفجر أربعين رجلاً كلّهم يَفْقه - أي يفهم - ما يُقال له ويُحسن الجواب، فسَمُّوا من تظنُّونه يصلح لما يطلب أميرالمؤمنين. فسمّينا له عدّة، وذكر هو عدّة، حتّى تمّ العدد الذي أراد... فغدونا عليه قبل طلوع الفجر...

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدّينوريّ (ت 276 هـ) 1: 129.


ثمّ قال: أحببت أن أُنبئكم أنّ أميرالمؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه والذي يَدينُ اللهَ به.

قلنا: فليفعل أميرالمؤمنين، وفّقه الله. فقال: إنّ أميرالمؤمنين يَدينُ اللهَ على أنّ عليّ بن أبي طالب خير خلق الله بعد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأولى الناس بالخلافة له.

قال إسحاق: فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ فينا من لا يعرف ما ذَكَرَ أميرالمؤمنين في عليّ، وقد دعانا أميرالمؤمنين للمناظرة. فقال: يا إسحاق، اختر، إن شئت سألتُك أسألك، وإن شئت أن تسأل فقل. قال إسحاق: فاغتنمتُها منه، فقلت: بل أسألك يا أميرَالمؤمنين. قال سلْ. قلت: من أين قال أميرالمؤمنين إنّ عليّ بن أبي طالب أفضلُ الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالخلافة بعده؟ قال: يا إسحاق، خبّرني عن الناس: بِمَ يتفاضلون حتّى يقال فلان أفضلُ من فلان؟ قلت: بالأعمال الصالحة. قال: صدقت، فأخبرني عمّن فَضَل صاحبَه على عهد رسول الله، ثمّ إنّ المفضول عَمِل بعد وفاة رسول الله بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول الله، أيَلْحق به؟ قال: فأطرقتُ، فقال لي: يا إسحاق، لا تقل نعم ؛ فإنّك إن قلت نعم أوجدتُك في دهرنا هذا مَن هو أكثر منه - أي من المفضول - جهاداً وحجّاً وصياماً وصلاةً وصدقة.

فقلت: أجل يا أميرالمؤمنين، لا يلحق المفضولُ على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الفاضلَ أبداً!

قال: يا إسحاق، فانظر ما رواه لك أصحابك ومَن أخذتَ عنهم دينَك وجعلتهم قُدوتك من فضائل عليّ بن أبي طالب، فقِس عليها ما أتوك به من


فضائل أبي بكر، فإن رأيت فضائل أبي بكر تشاكل فضائل عليّ فقل إنّه أفضل منه ؛ لا والله، ولكن فقِس إلى فضائله ما روي لك من فضائل أبي بكر وعمر، فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعليّ وحده فقل إنّهما أفضلُ منه ؛ ولا والله، ولكن قِس إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، فإن وجدتها مثل فضائل عليّ فقل إنّهم أفضل منه ؛ لا والله، ولكن قِس بفضائل العشرة الذين شهد لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنّة، فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنّهم أفضل منه.

والمناظرة طويلة احتجّ المأمون بفضائل عليّعليه‌السلام ، وأخبتَ لها إسحاق ومَن معه من الفقهاء، من ذلك: سابقة عليّ إلى الإسلام، وفضله في الجهاد، والآيات النازلة فيه، وشراء عليّ نفسه في مبيته على فراش النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة هجرته الشريفة، وحديث المنزلة، وحديث الطير - وهذا الحديث أنكره ابن تيميه أيّما إنكار، نأتي عليه بعد -، ثمّ احتجّ المأمون عليه بحديث الوِلاية، قال: يا إسحاق، هل تروي حديث الوِلاية؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: اِروه، ففعلت. فقال: يا اسحاق، أرأيت هذا الحديث هل أوجب على أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟ قلت: إنّ الناس ذكروا أنّ الحديث إنّما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه وبين عليّ، وأنكر ولاءَ عليّ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ؛ اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه».

قال: في أيّ موضعٍ قال هذا، أليس بعد مُنصَرفه من حجّة الوداع؟ قلت:


أجل. قال: فإنّ فتْلَ زيد بن حارثة قبل الغدير(1) ؛ كيف رضيت لنفسك بهذا؟! أخبرني لو رأيتَ ابناً لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عميّ، أيّها الناس فاعلموا ذلك ؛ أكنت منكراً ذلك عليه تعريفَه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟ فقلت: اللّهمّ نعم، قال يا إسحاق، أفتنزّه ابنك عمّا لا تنزّه عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ ويْحَكم! لا تجعلوا فقهاءَكم أربابكم ؛ إنّ الله جلّ ثناؤه قال في كتابه:( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ ) (2) ، ولم يُصلّوا لهم ولا صاموا ولا زعموا أنّهم أرباب، ولكن أمَروهم فأطاعوا أمرهم.(3)

من خلال المناظرة بين المأمون العبّاسيّ، وهو غير رافضيّ! مع الفقهاء، قامت الحجّة على أنّ عليّاًعليه‌السلام أفضل الناس طُرّاً بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وهذا أمر رفضه رافضُ الحقّ: ابن تيميه.

وأبطل بالحجّة القاطعة تقدّم المفضول على الفاضل، تلك النظريّة التي تمسّك بها كثيرون لتسويغ ما حصل في تاريخنا الإسلاميّ. وليس من فضيلة أثبتها المأمون من فضائل عليّعليه‌السلام وأخبت لها الفقهاء في محضره، إلاّ وأنكرها ابن تيميه، وسنأتي على كلّ ذلك إن شاء الله تعالى.

ومن تلك الفضائل العلويّة: حديث الوِلاية يوم غدير خمّ وأنّ ذلك كان

____________________

(1) ذلك أنّ زيد بن حارثة قتل يومَ مُؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، ويومُ الغدير هو الثامن عشر من ذي الحجّة السنة العاشرة للهجرة.

(2) التوبة: 31.

(3) العقد الفريد: ابن عبد ربّه الأندلسيّ (ت 328 هـ) 5: 349 - 359.


وكما ذكرنا أوّل البحث: الثامن عشر من ذي الحجّة من السنة العاشرة للهجرة، لا كما زعم بعضهم من حديث زيد بن حارثة! وأنّها تعني المعنى الذي ذكرناه في صدر البحث.

ومن قَبل المأمون، فقد احتجّ به عمرو بن العاص، وهو غير متّهم فيه، ولا يمكن لابن تيميه أن يقول إنّ عَمْراً قد صبا فصار رافضيّاً!

واحتجّ به سعد بن أبي وقّاص، وكان معتزلاً لعليّ، وكذلك معاوية.

احتجاج عمر بن عبد العزيز

أخرج أبو نعيم بسندين عن يزيد بن عمر بن مورق، قال: كنت بالشام وعمر بن عبد العزيز يُعطي الناس، فتقدّمت إليه فقال لي: ممّن أنت؟ قلت: من قريش. قال: من أيّ قريش؟ قلت: من بني هاشم. فقال: من أيّ بني هاشم؟ قلت: مولى عليّ، قال: فوضع يده على صدره فقال: أنا والله مولى عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ؛ ثمّ قال: حدّثني عدّة إنّهم سمعوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ثمّ قال: يا مزاحم - مولى عمر بن عبد العزيز - كم تعطي أمثاله؟ قال: مائة أو مائتي درهم. قال: أعطِه خمسين ديناراً، لولايته عليّ ابن أبي طالب. ثمّ قال الحق ببلدك، فسيأتيك مثل ما يأتي نظراءَك.(1)

ربما قال النّاصبيّ: إنّ عمر بن عبد العزيز أمويّ، إلاّ أنّه ترفّض! بدليل: إبطاله سنّة معاوية في لعن عليّ بن أبي طالب على منابر المسلمين وفي خُطَب

____________________

(1) حلية الأولياء: 5: 364، فرائد السمطين 1: 66 - الباب العاشر، حديث 32.


الجُمَع؛ وإحسانه إلى بني هاشم ؛ وإظهاره ما كان يُبطنه من موالاته لعليّ بن أبي طالب ؛ ولذلك سقطت عدالتُه ورُدّت شهادته، ولا يمكن الاحتجاج به!

كلمات العلماء في الحديث

للعلماء الأعلام كلمات في الحديث، حيث صحّحوا الحديث فيها وجعلوه حُجّة في وِلاية عليّعليه‌السلام وخلافته، مع ما لهُ من الحُجج والفضائل الأخرى الخاصّة به، قد ذكرنا بعضها عَرَضاً، ونذكر العلاّمة المسعوديّ: قال عليّ بن الحسين المسعوديّ الشّافعيّ «المتوفّى سنة 346 هـ): والأشياء التي استحقّ بها أصحابُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الفضلَ هي: السّبق إلى الإيمان، والهجرة، والنّصرة لرسول الله، والقربى منه، والقناعة، وبذل النّفس له، والعلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله ؛ والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، العفّة، والعلم، وكلّ ذلك لعليّعليه‌السلام منه النصيب الأوفر، والحظّ الأكبر ؛ إلى ما ينفرد به من قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين آخى بين أصحابه: «أنت أخي» وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله لا ضدّ له ولا ندّ. وقوله صلوات الله عليه: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».

وقولهعليه‌السلام : «من كنت مولاه، فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه». ثمّ دعاؤهعليه‌السلام وقد قدّم إليه أنسُ الطائرَ: «اللّهم أدخلْ إليَّ أحبَّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر» فدخل عليه عليّ.(1)

الحافظ الگنجي الشافعيّ:

____________________

(1) كفاية الطالب: محمّد بن يوسف الگنجي الشافعيّ: 64.


والحافظ الگنجي الشافعيّ «المقتول سنة 658 هـ) كلام لطيف ينمّ عن إيمانٍ وعلمٍ، فهو بعد أن أورد حديث الغدير بطرقٍ كثرة قال: قلت: هذا حديث مشهور حسن، رواته الثقاة، وانضمام هذه الأسانيد بعضها إلى بعض حجّة في صحّة النقل. ولو لم يكن في محبّة عليّ إلاّ دعاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لمُحبِّ عليّ بكلّ خيرٍ لكان فيه كفاية لمن وفّقه الله عزّ وجلّ فكيف وقد دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ربّه عزّوجلّ بموالاة من والاه وبمحبّة من أحبّه، وبنصر من نصره.(1)

ابن المغازليّ الشافعيّ:

وقال الفقيه ابن المغازليّ الشافعيّ بعد ذكره لطرق الحديث: قال أبو القاسم الفضل بن محمّد: هذا حديث صحيح عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد روى حديثَ غدير خمّ عن رسول الله نحوٌ من مائة نفس منهم العشرة، وهو حديث ثابت لا أعرف له علّة ؛ تفرّد عليّعليه‌السلام بهذه الفضيلة ليس يَشرَكُه فيها أحد.(2)

أحمد بن حنبل: حدّثنا حسين بن محمّد، وأبو نعيم المعنيّ قالا: حدّثنا فطر عن أبي الطّفيل قال: جمع عليّرضي‌الله‌عنه عنه الناس في الرحبة ثمّ قال لهم: أنشد الله كلّ امرئٍ مسلم سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول يوم غدير خم ما سمع لمّا قام. فقام ثلاثون من الناس، وقال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده، فقال للناس: «أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه».

____________________

(1) مروج الذهب: عليّ بن الحسين المسعوديّ 2: 425 - 426.

(2) مناقب الإمام عليّ: الفقيه عليّ بن محمّد الشافعيّ الشهير بابن المغازليّ: 27 / الرقم 39.


قال: فخرجتُ وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيتُ  زيد بن أرقم فقلت له: إنّي سمعت عليّاًرضي‌الله‌عنه يقول كذا وكذا؟ قال: فما تُنكر؟! قد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول ذلك له.(1)

فضيلة صيام يوم الغدير:

أخرج الخطيب البغداديّ(2) عن أبي نصر حبشون بن موسى بن أيّوب الخلاّك(3) ، قال: حدّثنا عليّ بن سعيد الرمليّ، حدّثنا ضمرة بن ربيعة القرشيّ، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق، عن شهر بن حوشب، عن ابي هريرة قال: من صام يوم ثَمان عشرة من ذي الحجّة كُتب له صيام ستّين شهراً، وهو يوم غدير خمٍّ لمّا أخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بيد عليّ بن أبي طالب فقال: «ألستُ وليَّ المؤمنين؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه» فقال عمر بن الخطّاب: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحتَ مولاي ومولى كلّ مسلم فأنزل الله:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ

____________________

(1) مسند أحمد - مسند زيد 5: 498 / 18815.

(2) تاريخ بغداد: الخطيب البغداديّ 8: 290.

(3) قال الخطيب: حبشون بن موسى بن أيّوب، أبو نصر الخلاّل. سمع عليّ بن سعيد بن قتيبة الرملي، وحنبل بن إسحاق الشيبانيّ...، روى عنه أبوبكر بن شاذان، وأبو الحسن الدار قطنيّ، وأحمد بن الفرج بن الحجّاج، وأبو حفص بن شاهين... وكان ثقة يسكن باب البصرة.

«تاريخ بغداد 8: 29، والمناقب للخوارزميّ 156 / الحديث 184، ومناقب الإمام عليّ: ابن المغازليّ 18 / الحديث 24».


دِينَكُمْ ) (1) .

حديث الثّقلين

قال رافض الحقّ ابن تيميه: قال الرافضيّ: العاشر - من أدلّة إمامة عليّعليه‌السلام ما رواه الجمهور من قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعِتْرتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يَرِدا علَيَّ الحَوْضَ». وقال: «أهلُ بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق». وهذا يدلّ على وجوب التمسّك بقول أهل بيته، وعليّ سيّدُهم ؛ فيكون واجب الطّاعة على الكلّ، فيكون هو الإمام.(2)

ابن تيميه: «والجواب» من وجوهٍ أحدها: أنّ لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خطيباً بماءٍ يُدعى خمّاً بين مكّة والمدينة، فقال: أيّها الناس، إنّما أنا بشرٌ يُوشِك أن يأتيني رسول ربيّ فأجيب ربّي، وإنّي تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنّور فخُذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه. ثمّ قال: وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي».(3)

____________________

(1) المائدة: 3.

(2) منهاج السنّة 4: 104.

(3) منهاج السنّة 4: 105.


قال: وهذا اللفظ يدلّ على أنّ الذي أمرنا بالتمسّك به، وجعل المتمسّك به لا يضلّ هو كتاب الله. وهكذا جاء في غير هذا الحديث كما في صحيح مسلم عن جابر في حجّة الوداع(1) ...

قال: وأمّا قوله: «وعترتي أهل بيتي وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» فهذا رواه الترمذيّ. وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعفّه! وضعّفه غير واحد من أهل العلم وقالوا: لا يصحّ.(2)

ثمّ خاض في تفسير العترة فقال: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال عن عترته «أنّها والكتاب لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض...».

قال: لكن العترة هم. بنو هاشم كلّهم...(3)

قال: وأمّا قوله: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح»، فهذا لا يعرف له إسناد صحيح، ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يُعتمد عليها.(4)

وجوابنا من وجوه: العجب كلّه من تصديقه الحديث والإقرار بصحّته! فلم ينكره على عادته المألوفة وألفاظه المعروفة مثل: «وهذا كذب بالإجماع، كذب عند أهل العمل والمعرفة بالحديث...».

إلاّ أنّ الذي فيه ؛ حمَلَه على ذكر الحديث الذي في صحيح مسلم ولم يكن

____________________

(1) نفسه 105: 4.

(2) نفسه.

(3) نفسه.

(4) نفسه.


أميناً في النقل! إذ لم يتمّ الحديثَ بما يُظهر منزلة أهل البيت: ؛ فانّ آخر الحديث: «ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركمُ اللهَ في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي».(1)

فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكر أهل بيته ثلاث مرّاتٍ لا مرّة واحدة كما أورده ابن تيميه، فماذا يعني ذكرهم هكذا؟

إنّه يعني: إظهار خطر منزلتهم في الأمّة، فليس في كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عبث، حاشا لله تعالى، فانّه أعلم أمّته في آخر حجّةٍ حجّها أنّه مفارقُهم وأنّه تاركٌ فيهم خليفتين وعلى الأمّة أن تحفظه فيهما ولا تضيّع وديعتيه، ثمّ أعلمهم بهما فذكر كتاب الله عزّ وجلّ وحثّ على التمسّك به، ثمّ ذكر أهل بيته بلا فصلٍ، فجعلهم عِدْل القرآن، ولم يشرك فيهما غيرهما، وذلك مثلما صنع يوم المباهلة إذ خرج بعليّ فأقامه مقام نفسه، وابنته الطّاهرة فاطمة فكانت نساءه يومئذ، وسبطيه الحسن والحسين فكانا ابناءه: أجمعين ؛ خرج بهم يتحدّى نصارى نجران، فغلبهم بهم وامتنع النّصارى من المباهلة وأعطوا الجزية، ولو كان أحد يعدلهم لأقامه مقامهم وأشركه معهم فكانوا: معجزةَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يومئذٍ. ولمّا نزلت آية التطهير:( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) ، جمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً وفاطمة والحسن والحسين: وأغْدَف عليهم كساءً وقال: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِبْ عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً» ولما أرادت أمّهات

____________________

(1) صحيح مسلم 15: 180 ؛ ومسند أحمد بن حنبل 3: 492 / 18780.

(2) الأحزاب: 33.


المؤمنين: أمّ سلمة، وعائشة أن يكنّ معهم، منعهنّ رسول الله(1) . وما ذكرناه وغيره دليلُ عصمتِهم: التي لا يشركهم فيها إلاّ نفسه الزكيّةصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقوله: وهذا اللفظ يدلّ على أنّ الذي أمرنا بالتمسّك به، وجعل المتمسّك به لا يضلّ هو كتاب الله».

وإنّما أراد بذلك أن يدفع فضل أهلِ البيت:، بقَصْرِ التمسّك بكتاب الله، والذي في الحديث أنّه قرنهم بالقرآن من حيث التمسّك، فهم بابُ علم الله الذي يُؤتى منه لمعرفة أحكام الله وترجمة كتابه. وهم مع القرآن والقرآن معهم على ما نصّ عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسنذكر الأحاديث في معيّتهم مع القرآن ومعيّة القرآن معهم بعد حين.

ونذكّر هنا بحديث الغدير، الذي أنكره ابن تيميه - وتكلّمنا عليه بما فيه الكفاية - فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد أن حثّ الناس على التمسّك بالثقلين وأوضح بالبيان البليغ أنّهما القرآن وعترتُه أهلُ بيته، فقد نصب كبيرَ أهلِ البيت عليّاًعليه‌السلام علَماً وأقامه مقامَه في الإمامة الكبرى، وهذا يعني أنّ المنزلة الرفيعة التي هي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هي لعليّ بعده «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى»(2) ، ومن بعد عليّ لوُلدِه الحسن والحسين:، فهم وفاطمةعليها‌السلام ، أهل البيت لا يشركهم غيرهم.

وممّا يثبت - وهو ثابت قطعاً - ما ذكرناه في شأن وجوب التمسّك بالقرآن وأهل البيت، ما ذكره النوويّ في شرحه لصحيح مسلم، قال: «قال العلماء: سُمّيا

____________________

(1) وسيأتي الكلام على الحديث في «حديث الكساء».

(2) حديث المنزلة مشهور متواتر وسيأتي الكلام عليه.


ثقلين لِعظمهما، وقيل العمل بهما»(1) .

والوجه الآخر: قوله: وأمّا قوله: «وعترتي أهل بيتي وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» فهذا رواه الترمذيّ.(2)

وهذا أيضاً عجب منه! إذ أقرّ بحديث الثقلين برواية الترمذيّ، إلاّ أنّه وعلى عادته المنتظمة لم يطق إلاّ أن يوهّن بالحديث! فقال: وقد سُئل عنه أحمد ابن حنبل فضعّفه، وضعّفه غير واحد من أهل العلم وقالوا: لا يصحّ!

وهذا هو دأبه في إنكار الحقائق فيلوذ بعلماء لا وجود لهم! بدليل أنّه لم يذكر واحداً من هؤلاء العلماء.

وأمّا أحمد بن حنبل، فقد ذكر الحديث في أكثر من موضع من مسنده من غير تضعيف! فِلمَ الافتراء المتعمّد عليه؟!

وهذه بعض طُرقه في المسند، لأحمد بن حنبل:

أبو إسرائيل - يعني إسماعيل بن أبي إسحاق المُلائي - عن عطيّة، عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تارك فيكم الثّقلين أحدُهما أكبر من

____________________

(1) صحيح مسلم، بشرح النووي 15: 180. وقريب منه ما ذكره الصدوق (ت 381 هـ) في كتابه: (عيون أخبار الرضا: 57) قال: حدّثنا عليّ بن الفضل البغداديّ قال: سمعت أبا عمر صاحب أبي العبّاس تغلب يُسأل عن معنى إني تارك فيكم الثّقلين لِمَ سُمّيا بالثقلين؟ قال: لأنّ التمسّك بهما ثقيل».

(2) الجامع الصحيح: الترمذي 5: 328. والمستدرك على الصحيحين 3: 148، والمعرفة والتاريخ: الفسَوي 1: 295، ومناقب الإمام علي: ابن المغازليّ 234.


الآخر، كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(1)

عن الأعمش، عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي تارك فيكم الثّقلين: كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي، كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي وإنّ اللّطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروني بِمَ تخلُفُوني فيهما».(2)

ابن نمير، حدّثنا عبد الملك - ابن أبي سليمان - عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي قد تركت فيكم الثّقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتابَ الله عزّ وجلّ، حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(3)

فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال؟ فها هو أحمد يذكر الحديث من غير تضعيف، ولم يكن أحمد رافضيّاً! والعترة أهل البيت والقرآن، مُتلازمان لا يفترقان حتّى يردا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حوضَه في الجنّة، فهما خليفتا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمّته اللّذان تُسأل عنهما يوم الحساب ويكون الجزاء ثواباً أو عقاباً بقدر التزامهما

____________________

(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 388 / 10720.

وأبو إسرائيل، ذكره يحيى بن معين، قال: كوفيّ، ثقة. تاريخ يحيى 1: 199 / 1278.

(2) مسند أحمد 3: 393 / 10747. والطبقات الكبرى لابن سعد 2: 194.

(3) مسند أحمد 3: 408 / 10827.


والتمسّك بهما.

ثمّ ما العيب في الترمذيّ (ت 279 هـ) صاحب الجامع الصحيح، أليس هو من العلماء عند ابن تيميه إذ ذكر الحديث؟ فما قوله في ابن أبي شيبة، والدارميّ، والفسويّ، والبيهقيّ، والطبرانيّ، والطحاويّ، والحاكم، والقاضي عياض، والحسكانيّ الحنفيّ، والصدوق، هل هؤلاء أيضاً ليسوا علماء لأنّهم ذكروا الحديث؟ فإذا كانوا كذلك فماذا عن أحمد بن حنبل؟

ذكر ابن أبي شيبة بسنده قال: حدّثنا عمر بن سعد أبو داود الحَفَريّ(1) عن

____________________

(1) عمر بن سعد الحَفَريّ الكوفيّ وحَفَر موضع بالكوفة.

روى عن بدر بن عثمان (كوفيّ، تابعيّ، ثقة، تاريخ الثقات 78: 137، والبخاريّ الكبير 1: 139، وثقات ابن حبان 6: 116)، وحفص بن غياث، وسفيان الثّوريّ، وشريك ابن عبد الله، ومِسعَر بن كِدام، ومالك بن مِغْوَل، وغيرهم. كلّ هؤلاء مذكورون في الثقات والفضل وأهل العلم. ترجمنا لهم في غير هذا الموضع.

روى عنه: أحمد بن حنبل، وسفيان بن وكيع بن الجرّاح، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعليّ ابن المدينيّ، وغيرهم كثير. والقول في هؤلاء نفسه في السابقين. قال يحيى بن مَعين: ثقة. (تاريخ ابن مَعين 2: 484). وقال الدارميّ: ثقة. (تاريخه. الترجمة 97). وقال وكيع: إن كان يُدفع بأحدٍ في زماننا فبأبي داود. وعن عليّ بن المديني: لا أعلمني رأيتُ أعبد من أبي داود الحَفَريّ. (الأنساب للسمعاني 4: 173). وقال العجليّ: ثقةٌ، ثبت في الحديث وهو أثبت في سفيان من جماعة تاريخ الثقات 358 / 1231.

وقال أبو حاتم: صدوق رجل صالح. (الجرح والتعديل 6، الترجمة 596).


الرُكَيْن(1) ، عن القاسم بن حسان(2) ، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي تاركٌ فيكم الخليفتين من بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا علَيَّ الحوضَ»(3) .

لقد كذب ابن تيميه عمداً أكثر من مرّة، إذ أقرّ بذكر الترمذيّ الحديث ثمّ عاد إلى الزعم بأنّ أحمد بن حنبل، وغيره من أهل العلم - كذا! - ضعّفوه، وقالوا: لا يصحّ!

ولقد وجدنا أحمد بن حنبل ذكره ولم يكذّبه! والحديث الذي ذكرناه عن المصنّف لابن أبي شيبة، المتقدّم على أحمد بن حنبل، وعلى الترمذيّ، وهو ذائع

____________________

(1) ترجمته في المعرفة والتاريخ في أجزائه الثلاث، وطبقات ابن سعد 6: 325، وثقات ابن حبّان 1: 133، وطبقات خليفة 164، ورجال صحيح مسلم 50... وهو الركين بن الربيع بن عُمَيْلة الفزاريّ الكوفيّ.

(2) روى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وعَدِيّ بن ثابت، وعكرمة مولى ابن عبّاس، والقاسم بن حسان (مذكور في سند الحديث) ويحيى بن يعمر... ؛ وهؤلاء بين صحابيّ وتابعيّ.

روى عنه: سفيان الثّوريّ، شعبة بن الحجّاج، وعبد الرحمان بن عبد الله المسعوديّ، ومسعر بن كدام، شريك بن عبد الله، ومعتمر بن سليمان، وزائدة بن قدامة... (والقول في هؤلاء مثل القول في سابقيهم، فهم: ثقة، وثقة ثبت، ويكتب قوله ويحتجّ به، وفيهم المتعبّد الذي يأتيه سفيان يتبرّك به... (انظر كتب تراجم الرجال).

بقي من السند: القاسم بن حسان، وزيد بن ثابت. فأمّا القاسم فقد قال العجليّ: تابعيّ ثقة. تاريخ الثقات 386 / 1365. وأمّا زيد بن ثابت، فهو صحابيّ مشهور.

(3) المصنفّ لابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 7: 418 / 41.


الصّيت في كتب الحديث والرجال ؛ ولذا أعرض الناصبيّ عنه.

ولم نجد في سند الحديث الذي ذكره ابن أبي شيبة أدنى ضعف، بل وقع إلينا بُعلوٍّ مُتَناهٍ.

و أيّ بيان أصرح من لفظه، يفهمه حتّى غير العربيّ ممّن تعلّم من العربيّة شيئاً، فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد استخلف على المسلمين خليفتين حاكمين بالحقّ: القرآن الكريم، والعِتْرة الطاهرة أهل بيته، أحدهما ملازم للآخر حتّى يردا عليه الحوض. وليس للأمّة مخالفته والخروج عليه.

احتجاج ابن عبّاس بالحديث:

ولو لم يكن الحديث في إظهار المنزلة الخاصّة لأهل البيت: على النحو الذي ذكرناه، لما حفلت به كتب الحديث المعتبرة وتكلّم عليه العلماء، وكان ممّا يُحتجّ به من الصدر الأوّل فالعصور التالية.

عن محمّد به سلمة(1) ، عن خُصَيف(2) ، عن مجاهد، قال: قيل لابن عبّاس: ما

____________________

(1) محمّد بن سَلَمة أبو عبد الله مولى لباهلة، وكان يسكن حرّان، وكان صدوقاً ثقة. وكان له فضل ورواية وفتوى. مات سنة إحدى وتسعين ومائة. طبقات ابن سعد 7: 336 / 3977. وذكره العجليّ في تاريخه قال: ثقة، وهو أرفع من عتاب بن بشير. تاريخ الثقات 326 / 1095.

(2) خُصَيف بن عبد الرحمان الجَزَريّ الحرّانيّ الأُمويّ، مولى عثمان بن عفّان، ويقال: كان مولى معاوية بن أبي سفيان. رأى أنس بن مالك. وروى عن: سعيد بن جُبير، وسفيان الثّوريّ وهو من شيوخه، ومجاهد بن جَبْر، وعِكرمة مولى ابن عبّاس، وعطاء بن أبي رباح، وأبي الزّبير محمّد بن مسلم المكّيّ، ومِقْسَم، وأبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود... ؛ روى عنه: إسرائيل بن يونس،=


تقول في عليّ بن أبي طالب؟ فقال: ذكرتَ واللهِ أحدَ الثّقلين، سَبقَ بالشّهادتين، وصلّى القَّبلتين، وبايع البيعتين، وأُعطي السِّبطين الحسن والحسين، ورُدّت عليه الشّمس مرّتين بعد ما غابت عن الثّقلين(1) ، فمَثَلُه في الأمّة مَثَلُ ذي القَرْنين، ذلك مولاي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .(2)

فهذه شهادةٌ من ابن عبّاس المُجمعِ على وثاقِته وحُجّية ما يروي، ابتدأها ببلاغتِه المعهودة، فشهد لعليّعليه‌السلام أنّه أحدُ الثّقلين، وترك للسّامع معرفَة الثّقل الثاني ألا وهو القرآن الكريم. ولمّا كان القرآن الكريم معصوماً من الخطأ لأنّه من لَدُن الله عزّ وجلّ ؛ كان عليٌّ معصوماً لذلك، يعضده نزول آية المباهلة في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وابنتِه الزهراء وبعلِها عليٍّ وابنيِه الحسن والحسين سبطي النبيّ، وحديث الكساء... وغير ذلك من الآيات والأحاديث الصريحة في عصمة أهل البيتعليهم‌السلام

____________________

= وحجّاج بن أرطاة، وسفيان الثّوريّ، وسفيان بن عُيينة، وشريك بن عبد الله النخعيّ، وعبد الله بن أبي نُجيح، وهو من أقرانه، وفضيل بن غزوان، ومحمّد بن إسحاق بن يسار، وهو من أقرانه، ومحمّد بن سَلَمة الحرّانيّ، ومعمر بن راشد...

طبقات ابن سعد 7: 482، وطبقات خليفة 319، والبخاريّ الكبير 3 / ترجمة 766. والمعرفة والتاريخ 2: 175، ومواضع أخرى، والتهذيب 8: 257 / 1693... قال العجليّ: ثقة. تاريخ الثقات 143 / 381. وكذلك قال ابن سعد. وأمّا مجاهد، وابن عبّاس، فنترك الحكم عليهما لابن تيميه! وقد ترجمنا لمجاهد في موضع آخر، وقد أجمعوا على توثيقه. ونترك لابن تيميه الحكم على ابن عبّاس! فربّما قال: إنّه ابن عمّ عليّ ولذلك ذكر هذه الأحاديث الكثيرة في فضائله!

(1) هما الإنس، والجنّ، فمثلما الإنس فيهم مؤمنون وفيهم فاسقون، كذلك الجنّ. انظر سورة (الجنّ).

(2) المناقب للخوارزميّ الحنفيّ 330 حديث 349، ومقتل الحسين، له 47.


وأنّهم حمَلة القرآن بحقٍّ.

وتضمّن حديث ابن عبّاس حقائق أخري منها: سبقُ عليٍّعليه‌السلام إلى الإسلام، وأنّ منه كان سبطا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وردّ الشّمس عليه بعدَ مغيبِها، وأنّ عليّاً مولاهُ، وهو إشارةٌ إلى حديث الغدير. هذه الحقائق أنكرها ابن تيميه! وأثبتها علماء المذاهب، وتحدّثنا عليها في مواضعها.

حديث أمّ سلمة

ويرد الحديث عن المرأة الصالحة أمّ المؤمنين أمّ سلمة، مع زيادة فعنها رضي الله عنها، قالت: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه الذي قُبضَ فيه، وقد امتلأت الحُجرة من أصحابه: «أيّها الناسُ، يوشَك أن أُقبض قبضاً سريعاً، وقد قدّمتُ إليكم القولَ معذرةً إليكم، ألاَ إنّي مخلّف فيكم الثّقلين: كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي أهل بيتي، ثمّ أخذ بيد عليٍّ فقال: هذا عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع عليٍّ، لا يفترقان حتّى يردا عَلَيّ الحوضَ فأسألُهما: ما أخْلَفتُم فيهما؟!».(1)

وهذا هو دأب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الأمور الخطيرة، يذكّر أمّته بها في أكثر من مرّة وأكثر من موطن، ومن ذلك حديث الثّقلين، فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله خطب المسلمين في آخر حجّةٍ حجّها ولذا سمّيت حجّة الوداع وذكر حديث الثّقلين ونصب من

____________________

(1) الصواعق المحرقة لابن حجر 75. وحديث معيّة عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، أنكره الناصبيّ، يأتي الحديث عليه. وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله «معذرةً إليكم» أراد منه قطع المعاذير بعده على مَن يخرج على الثّقلين: القرآن وعليّ، وزاده بياناً: أنّ العِتْرة هي عليّ الملازم للقرآن».


الثّقل الثاني كبيرهم وأباهم عليّاً خليفةً. وها هوصلى‌الله‌عليه‌وآله في آخر يومٍ من عمره الشريف يعيد حديث الثّقلين وينصب عليّاً من جديد ويؤكّد التلازم بين عليّ والقرآن وأنّهما واردان عليه حوضه.

عن أبي سعيد التيميّ، عن أبي ثابت، قال: كنت مع عليٍّ يومَ الجمَل، فلمّا رأيتُ عائشة واقفةً، دخلَني بعضُ ما يدخل الناسَ! فكشف الله عنّي عند صلاة الظّهر فقاتلتُ مع أميرالمؤمنين فلمّا فرغ ذهبت إلى المدينة فأتيتُ أمّ سلشمة فقلت: إنّي واللهِ ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً ولكنّي مولىً لأبي ذرّ، فقالت: مرحباً، فقصصتُ عليها قصّتي فقالت: أين كنتَ حين طارت القلوبُ مطائِرَها؟ قال: إلى حيث كشف الله ذلك عنّي عند زوال الشمس.

قالت أحسنتَ، سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(1)

وقد ذكر الطحاويّ الحنفيّ حديث زيد بن أرقم، عن يزيد بن حيّان(2) ،

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 134، والمعيار والموازنة 135، والمعجم الصغير للطبرانيّ 1: 255، وفرائد السمطين 1: 176، والتلخيص للذهبيّ هامش المستدرك للحاكم وقال: صحيح أبو سعيد عقيصا ثقة مأمون.

(2) يزيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ، عمّ أبي حيّان التيميّ.

روى عن: زيد بن أرقم، وشُبرُمة بن الطّفيل، وعنبس بن عقبة وكدير الضّبيّ.

روى عنه: سليمان الأعمش، وسعيد بن مسروق الثّوريّ، وابن أخيه أبو حيّان التّيميّ. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في الثقات وروى له مسلم وأبو داود النّسائي. الثقّات لابن حبّان =


وحُصَين بن عُقبة(1) ، وعلّق عليه، قال: وطلبنا مَن روى عن يزيد بن حيّان سوى أبي حيان التيميّ ليكون قد حدّث عنه سوى أبي حيان مَن هو كأبي حيان في العدل فيكون قد حدّث عنه عَدْلان. فوجدنا الأعمش قد روى عنه كما قد: «...»(2) وما قد «...»(3) .

قال أبو جعفر الطحاويّ: فاحتمل في الرواية عنه الأعمش وابن حيّان ؛ فمَن أخرج عِتْرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليهم، من المكان الذي جعلهم الله به على لسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ممّا قد ذكرنا في هذه الآثار فجعلهم كسواهم ممّن ليس من أهل بيته وعترته كان ملعوناً إذ كان قد خالف رسول الله فيما فعل من ذلك.(4)

وذكر الصدوق، قال: حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن محمّد بن أبي عمير، عن غياث بن

____________________

= 3: 134 / 4508، و 4: 395 / 5283، والمعرفة والتاريخ 1: 103، والجرح والتعديل 9 / الترجمة 1074.

(1) حُصَيْن بن عقبة، فزاريّ كوفيّ. يروي عن سلمان الفارسيّ وسمرة بن جندب وعليّ بن أبي طالب.

يروي عنه: يزيد بن حيّان التيميّ، وصالح بن خبّاب، وابنه مالك بن حُصَين.

ذكره ابن حبّان في الثقات 2: 89 / 670. وترجم له ابن سعد في طبقاته 6: 180، والبخاريّ الكبير 3 / الترجمة 13، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3 / الترجمة 845.

(2) مشكل الآثار للطحاويّ 4: 254 / 3798.

(3) نفسه / 3799.

(4) مشكل الآثار 4: 254.


إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ:، قال: سُئل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن معنى قول رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعِتْرتي، من العِتْرة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديّهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتّى يَرِدوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حوضَه».(1)

حديث الفراقد

وبسندٍ عن مكحول، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اهتدوا بالشّمس، فإذا غابت الشّمس فاهتدوا بالقمر، فإذا غاب القمر فاهتدوا بالزُّهرة، فإذا غابت الزُّهرة فاهتدوا بالفرقدين». فقيل: يا رسول الله، ما الشّمس، وما القمر...؟ قال: «الشّمس أنا، والقمر عليّ، والزّهرة فاطمة، والفرقدان الحسن والحسين»(2) .

سند حديث الفراقد:

مكحول الشاميّ(3) ، روى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مرسلاً، وعن أُبَيّ بن كعب، ولم

____________________

(1) عيون أخبار الرضا للصدوق 57.

(2) شواهد التنزيل للحسكانيّ الحنفيّ 1: 77 حديث 91، ورواه الصدوق في معاني الأخبار 114.

(3) المعرفة والتاريخ 2: 232، 236، وطبقات ابن سعد 7: 453، وتاريخ عبّاس الدوري 2: 584، وتاريخ خليفة 206، و 345، وطبقاته 310، وتاريخ البخاريّ الكبير 8 / الترجمة 2008، وتاريخ =


يُدركه، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيّب، وواثلة بن الأسقع وأبي هريرة، وعُبادَة بن الصّامت، وطاووس بن كيسان، وعُروة بن الزّبير، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وكُرَيب مولى ابن عبّاس، وشُرَحبيل بن السِّمط، وقبيصة بن ذُؤيب، وأبي إدريس الخولانيّ... وروى مرسلاً عن عائشة، وأمّ أيمن.

روى عنه: أسامة بن زيد الليثيّ، والحجّاج بن أرطاة، وحصين الفزاريّ، حُمَيد بن مسلم القرشيّ، وحُمَيد الطويل، وزيد بن واقد، وعبد الرّحمان الأوزاعيّ، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، و عبد القدّوس بن حبيب الشاميّ، ومحمّد بن إسحاق بن يَسار، ومحمّد بن مسلم بن شِهاب الزُّهريّ، والهيثم بن حُميد الغسّانيّ - وهو من أعلم الناس بقوله -، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ...

ذكره محمّد بن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام.(1)

وقال أبو حاتم: سمعت أبا مُسْهر وسألته فقال: سمع من أنس، ومن واثلة ابن الأسقع.(2)

وقال التّرمذيّ: سمِعَ من واثلة، وأنس، وأبي هند الدّاريّ ويقال: إنّه لم يسمع من أحدٍ من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ من هؤلاء الثلاثة.(3)

____________________

= الثقات للعجليّ 439، والمعارف لابن قتيبة 452 - 453، والثقات لابن حبّان 5: 350، والجرح والتعديل 8 / الترجمة 1867، ورجال صحيح مسلم 179.

(1) طبقات ابن سعد 7: 453.

(2) الجرح والتعديل: 8 / الترجمة 1867.

(3) الترمذيّ 4: 27 / 2506.


وقال يونس بن بُكَير، عن محمّد بن إسحاق: سمعت مكحولاً يقول: طفت الأرض كلّها في طلب العلم(1) .

وعن الزّهريّ: العلماء أربعةٌ: سعيد بن المسيّب بالمدينة، وعامر الشّعبيّ بالكوفة، والحسن بن أبي الحسن بالبصرة، ومكحول بالشام.(2)

وذكره العجليّ في تاريخه، قال: مكحول الدمشقيّ تابعيّ ثقة.(3)

يعقوب بن سفيان الفسويّ قال: حدّثنا عليّ بن عثمان النّفيليّ قال: حدّثنا أبو مسهر، قال: حدّثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: لم يكن أحد في زمن مكحول أبصر بالفُتيا منه...(4) .

وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشّام أفقه من مكحول(5) .

توفّي مكحول سنة ثماني عشرة ومائة(6) .

محمّد بن المنكدر(7) : ومحمّد بن المنكدر الذي روى حديث الفراقد عن

____________________

(1) الجرح والتعديل: 8 /  الترجمة 1867.

(2) نفسه، وحلية الأولياء 5: 179.

(3) تاريخ الثقات للعجليّ 439 / 1628.

(4) المعرفة والتاريخ للفسويّ 2: 232.

(5) الجرح والتعديل: 8 / الترجمة 1867.

(6) طبقات ابن سعد 7: 453.

(7) تاريخ الدوريّ 2: 540، وتاريخ خليفة 395، وطبقاته 268، وتاريخ البخاريّ الكبير 2 / الترجمة 691، والمعارف لابن قتيبة 461، وتاريخ الثقات للعجليّ 414 / 1506، والثقات 5: 350، =


الصحابيّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاريّ، جاء في ترجمته: محمّد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُذَير بن عبد العُزّى من بني تَيْم بن مُرّة، قوم أبي بكر، كان المـُنكدر خال عائشة.

روى عن: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزّبير، وعبيد الله بن أبي رافع، وعروة بن الزبير، ومحمّد ابن كعب القُرَظيّ، وأبي أيّوب الأنصاريّ، وأبي هُريرة، وسعيد بن المسيّب، وحُمران مولى عثمان، وسَفينة مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأسماء بنت عُمَيس، وعائشة...

روى عنه: جعفر بن محمّد الصادق، وسفيان بن عُيينة، وسفيان الثّوريّ، وشُعبة بن الحجّاج، وعليّ بن زيد بن جُدعان، ومالك بن أنس، ومحمّد بن مسلم ابن شهاب الزّهريّ، ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، وأبو حنيفة، وهشام ابن عروة، ومَعمَر بن راشد، وأبو معشر، ومحمّد بن إسحاق بن يَسار، وعبد العزيز بن أبي سَلَمة الماجِشون، وأسامة بن زيد الليثيّ، والحجّاج بن أرطاة... وثّقه إسحاق بن راهوية، وابن عُيينة، والحُمَيدي، وأبو حاتِم وابن حبّان.(1)

____________________

= ورجال صحيح مسلم 164، وحلية الأولياء 2: 146، والجرح والتعديل 8 / الترجمته 421، وتهذيب الكمال 26: 503.

(1) الجرح والتعديل 8 / الترجمة 421، وتاريخ الدارميّ ترجمة 749، وثقات ابن حبّان 5: 350. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة رجل صالح تاريخه 414 / 1506. وهو غير متّهم في روايته الحديث لما علمت من نسبه!


وعن عمرو بن مرزوق(1) ، عن شعبة بن الحجّاج، عن الأعمش، عن أبي عبد

____________________

(1) تاريخ البخاريّ الكبير 6 / الترجمة 2677، والمعرفة والتاريخ للفسوي 1: 225 و 2: 76، 213، وتاريخ خليفة 478، وطبقاته 228، والكنى للدّولابي 2: 26، وتاريخ أبو زرعة الرازي 406، والجرح والتعديل 6 / الترجمة 1456، وطبقات ابن سعد 7: 305، وتهذيب الكمال 22: 224 / 446...

روى عن: مالك بن أنس، وأبي إدريس صاحب أنس، وعبد العزيز بن الماجشون، وشعبة بن الحجّاج، وحمّاد بن زيد، وحماد بن سَلَمة وزهير بن معاوية، وزائدة بن قُدامة، وحرب بن شدّاد...

روى عنه: البخاريّ، وأبو داود، وأبو زرعة الرازيّ، وأبو حاتم محمّد بن إدريس الرازيّ، ويعقوب بن سفيان الفارسيّ، ويعقوب بن شيبة السّدوسيّ، ومحمّد بن بشّار بُنْدار...

قال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل، وقلت له: إنّ عليّ بن المديني يتكلّم في عمرو بن مرزوق؟ فقال: عمرو بن مرزوق رجلٌ صالح لا أدري ما يقول عليّ. الجرح والتعديل 6 / الترجمة 145.

وعن أحمد بن حنبل قال: كان عفّان يرضى عمرو بن مرزوق، ومن كان يُرضي عفّان؟! المصدر نفسه. وجاء في ترجمة عفّان: عفّان بن مسلم بن عبد الله الصفّار، كنيته أبو عثمان، مولى زيد بن ثابت الأنصاريّ من أهل البصرة. سكن بغداد. مات سنة عشرين ومائتين. البخاريّ الكبير 7: 72، والبخاريّ الصغير 2: 342، والجرح والتعديل 7: 165، وتاريخ بغداد 2: 269، والثقات لابن حبّان 5: 377 / 2786.

وذكره العجليّ قال: ثبت صاحب سنّة. تاريخ الثقات 336 / 1145.

وقال عبد الله بن محمّد بن الفضل الأسديّ: قال أحمد بن حنبل لابنه صالح حين قدِمَ البصرة: لِمَ لم تكتب عن عمرو بن مرزوق؟ فقال: نُهيتُ. فقال: إنّ عفّان كان يرضى عَمْراً، ومن كان يُرضي عفّان؟ نفس المصدر، وقال أبو عُبيد الله الحُدّانيّ عن أحمد بن حنبل: ثقة مأمون فتّشنا عمّا قيل فيه فلم نجدله أصلاّ. تهذيب الكمال 22: 227. =


الرحمان السُّلَمي(1) ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اطلبوا الشّمس

____________________

= وقال محمّد بن عيسى بن السّكن الواسطيّ: سألت يحيى بن معين عنه فقال: ثقة مأمون صاحب غزوٍ وقرآن وفضل، وحَمِده جدّاً. نفس المصدر. وقال أبو زرعة: سمعت سليمان بن حرب، وذكر عمرو بن مرزوق فقال: جاء بما ليس عندهم فحسدوه. الجرح والتعديل.

قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عن شعبة. طبقاته 7: 305.

(1) طبقات ابن سعد 6: 172، والمصنّف لابن أبي شيبة 13 / 15782، وتاريخ الدوري 2: 301، وتاريخ خليفة 273، وطبقاته 153، وتاريخ البخاري الكبير 5 / الترجمة 118 و 9 الترجمة 835، وتاريخ الثقات 503 / 1990، و 253 / 793، والمعارف 528، والمعرفة ليعقوب 1: 219 / 220، ومواضع عدّة من الجزء الثانيّ، والثالث والجرح والتعديل 5 / الترجمة 164، وثقات ابن حبّان 5: 9، ورجال صحيح مسلم 90، وأنساب السمعاني 7: 112...

وهو: عبد الله بن حَبيب بن رُبَيّعة - بالتصغير - أبو عبد الرحمان السُّلَميّ الكوفيّ القارئ، ولأبيه صحبة.

روى عن: عليّ بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وعمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقّاص، وأبي موسى الأشعريّ! وأبي الدّرداء، وأبي هريرة. وفي قول: وعن عبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفّان.

روى عنه: إبراهيم النخعيّ، وإسماعيل بن عبد الرحمان السّدّيّ، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن جبير، وعطاء بن السائب، وأبو إسحاق السّبيعي، وأبو البَخْتر الطائي، وعلقمة بن مَرْثَد...

قال العجليّ: أبو عبد الرحمان السلَميّ المدنيّ من أصحاب عبد الله - بن مسعود - ثقة، وكان يُقرئ في زمان عثمان، وعَرضَ على عليّ بن أبي طالب.

تاريخ الثّقات 503 / 1990. وقال النّسائيّ: ثقة. تهذيب الكمال 14: 409. مات سنة أربع وسبعين. ثقات ابن حبّان 5: 9. وقيل غير ذلك.


فإذا غابت فاطلبوا القمر...»(1) الحديث.

وعن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّعليهم‌السلام ، عن جابر عبد الله الأنصاريّ، قال: صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً صلاة الفجر، ثمّ انفَتَلَ وأقبل علينا يحدّثنا، فقال: «أيّها النّاس، من فقد الشّمس فليتمسّك بالقمر ومن فقد القمر فليتمسّك بالفرقدين. قال: فقمت أنا وأبو أيّوب الأنصاريّ، ومعنا أنس بن مالك، فقلنا: يا رسول الله، ومن الشّمس؟ قال: أنا، فإذا هوصلى‌الله‌عليه‌وآله ضرب لنا مثلاً، فقال: إنّ الله تعالى خلقنا وجعلَنا بمنزلة نجوم السّماء، كلّما غاب نجم طلع نجم، فأنا الشّمس فإذا ذهب بي فتمسّكوا بالقمر. قلنا: فما القمر؟ قال: أخي ووزيري وقاضي دَيْني وأبو ولدي في أهلي: عليّ ابن أبي طالب. قلنا فمن الفرقدان؟ قال: الحسن والحسين. ثمّ مكث مليّاً، وقال: فاطمة هي الزُّهرة، وعِتْرتي أهل بيتي هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفترقان، حتّى يردا عليّ الحوض».(2)

فهذه الأحاديث صريحة في وجوب طاعة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وطاعة عترته أهل بيته، وقد عرّف عترته، وأنّهم عليّ، وفاطمة، والحسن والحسين:؛ لا ما تقوّله ابن تيميه من أنّهم عموم بني هاشم! فعموم بني هاشم أفضل من عموم غيرهم إلاّ أنّ فيهم مَن لا يصلح للإمامة والاستخلاف ؛ وحديث الكساء حيث منع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أحداً أن يشرك عليّاً وزوجته وابنيه:، وشرك نفسه الزكيّة معهم، وفي رواية:

____________________

(1) فرائد السمطين للجوينيّ 2: 16 - 17.

(2) أمالي الطّوسي (ت 460 هـ) 516 - 517.


استأذن جبريلعليه‌السلام أن يدخل معهم فأذن له النبيّ ؛ فلم يشركهم بهذه الكرامة إلاّ نبيّ وسفير الله تعالى إلى نبيّه. ونزلت آية التطهير بهم ودعا لهم النبيّ بكلّ خير وأعلن يومئذ أنّهم أهل بيته دون غيرهم ولقد استمرّ رسول الله ستّة أشهر بعد نزول آية التطهير يمرّ على بيت عليّعليه‌السلام ويرفع صوته وذلك إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: الصّلاة رحمكم الله( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .(2)

وفي النّهاية لابن الأثير: «خلّفت فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعِتْرتي». عترة الرجل: أخَصُّ أقاربه. وعِتْرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : بنو عبد المطّلب. وقيل: أهل بيته الأقربون، وهم أولادهُ وعليّ وأولاده.(3)

فأخصُّ أقاربه يدخلُ فيهم عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين:، ويخرج منهم الأبعدون ؛ فيكف بمَن لا يمسّه برحم؟! وعلى قول بني عبد المطّلب فعليّ منهم بدأ شرفهم لسابقته وعلمه وجهاده، وغيره لا.

وعلى لفظ «أهل بيته الأقربين» فقد عرّفهم ابن الأثير فكفانا.

أضف إلى ذلك نزول آية التطهير فيهم، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيهم: «اللّهم هؤلاء أهل بيتي»، يعني هؤلاء هم أهل بيتي لا غيرهم!

____________________

(1) الأحزاب: 33.

(2) ما نزل من القرآن في عليّ: ابن مردويه 301 ح 475، نور الأبصار: 226، الشرف المؤبّد 6 - 8 و 12 - 13، أنساب الأشراف 1: 353.

(3) النهاية ابن الأثير 3: 177.


وكما ذكرنا: أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، في الأمور الخطيرة يعيد القول ويذكّر أمّته بما أوجب الله تعالى عليها لئلاّ تنسى، ولئلاّ يظهر مَن يقلّب الأمور ويُموّه الحقائق ؛ فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكّرهم بعترته في حصاره للطّائف: عن عبيد الله بن موسى، عن طلحة ابن جبر، عن المطّلب بن عبد الله، عن مصعب بن عبد الرحمان، عن عبد الرحمان ابن عوف قال: لما افتتح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكّة، انصرف إلى الطّائف، فحاصرهم تسع عشرة أو ثمان عشرة فلم يفتحها، ثمّ ارتحل رَوْحةً أو غَدوةً، فنزل ثمّ قال: «أيّها النّاس إنّي فرطٌ لكم فأوصيكم بعترتي خيراً، وإنّ موعدَكُمُ الحَوْضُ، والذي نفسي بيده لَيُقيمَنّ الصلاةَ ولَيُؤتُنّ الزكاة أو لأَبعثَنَّ إليهم رجلاً منّي أو كنفسي، فليضربنّ أعناق مقاتلتهم ولْيَسبَينَّ ذراريهم». قال: فرأى النّاس أنّه أبو بكر أو عمر، فأخذ بيد عليّ فقال: «هذا»(1) .

وكلامنا عليه مثل ما سبق من أحاديث، فقد أوصى بعترته خيراً، ووصيّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله واجب تأديتها، ثم نصب من العترة عَلَماً أقامه مقام نفسه، وهو عليّ ابن أبي طالب ولذا أقرّ أبوبكر بالحقّ فيما كبُر على ابن تيميه أن يقرّ بما اقرّبه أبوبكر وهو سَلَفُه! قال مَعقِل بن يسار المُزنيّ(2) : سمعتُ أبا بكر يقول لعليّ بن

____________________

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة (ت 235 هـ) 8: 543 / 2. والفرط: دليل القوم أو الذي يتقدّمهم بحثا عن الماء والكلأ.

(2) معقل بن يَسار: يكنّى أبا عليّ، من أصحاب النبيّ. (تاريخ الثّقات للعجليّ 434 / 1607. وفي التهذيب (10: 235): وكان ممّن بايع تحت الشجرة.


أبي طالب: عِتْرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(1)

حديث السفينة

وأمّا قوله: «مَثلُ أهل بيتي مَثلُ سفينة نوح» فهذا لا يُعرف له إسناد صحيح.

جوابه: عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن أبي إسحاق عن حنش بن امعُتَمِر، أنّه سمع أبا ذرّ الغفاريّ يقول: سمعت رسولَ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوحٍ في قوم نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك، ومَثَلِ باب حطّة في بني إسرائيل»(2) .

محاكمة السند:

عبد الله بن عبد القدّوس التميميّ السعديّ، أبو محمّد الرازيّ. روى عن جابر الجُعفيّ، وسليمان الأعمش.. حُكيَ عن محمّد بن عيسى أنّه قال: هو ثقة. (الكامل لابن عديّ 2: 137). وقال البخاريّ: هو في الأصل صدوقٌ إلاّ أنّه يروي عن أقوام ضِعاف.

استشهد به البخاريّ، وروى له الترمذيّ. قال أبو أحمد بن عَدِيّ: عامّة ما

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 18: 28.

(2) كتاب الفضائل - فضائل الحسنين: أحمد بن حنبل، حديث «55»، المعارف: ابن قتيبة: 252، تفسير ابن كثير 4: 114 ذيل آية المودّة، المستدرك على الصحيحين: 3: 150، المعرفة والتاريخ 1: 538، علل الدار قطنيّ 6: 226، المعجم الأوسط: الطبرانيّ 6: 186 / 5386 المعجم الصغير 1: 22، مناقب ابن المغازليّ 133 حديث 175.


يرويه في فضائل أهل البيت!(1)

إذن: العلّة في خَدْشِ ابن تيميه في سند حديث السفينة وقوله: لا يصحّ! هو كثرةُ ما يرويه ابن عبد القدّوس من فضائل العترة، وهو غيضٌ من فيضِ فضائلهم:. قد وثقه ابن عدي وحكم البخاريّ بصدقه، واستشهد به، وروى له الترمذيّ.(2)

وأمّا الأعمش: فهو سليمان بن مهران الأعمش، أخرج له الجماعة. ذكره العجليّ، قال: ثقة، كوفيّ، كثير الحديث وكان عالماً بالقرآن رأساً فيه...(3) .

وذكره يحيى بن معين فقال: ثقة(4) . قال: قال أبو معاوية الضرير: حفظتُ عن الأعمش ألفاً وستمائة.(5) وقال: هذه الأحاديث حفظتها من في الأعمش.(6)

قال يحيى: وكان عند وكيع عن الأعمش ثمانمائة. قلت - أي الدّوريّ - ليحيى: كان أبو معاوية أحسنهم حديثاً، عن الأعمش؟

قال: كانت عند الأحاديث الكبار العالية عنده.(7)

____________________

(1) الكامل: ابن عديّ 2: 137.

(2) تهذيب الكمال: المزّيّ 15: 243 / 3397.

(3) تاريخ الثّقات: العجليّ (182 - 261) 204 / 619.

(4) تاريخ يحيى بن معين (158 - 233 هـ) 1: 221 / 1433 ؛ والجرح والتعديل: الرازي 2: 3 / 96.

(5) تاريخ يحيى بن معين 276 / 1827 ؛ وتاريخ بغداد 5: 246.

(6) تاريخ يحيى بن معين 1: 276 / 1830.

(7) نفسه 1: 276 / 1828 ؛ وتاريخ بغداد 5: 246.


وذكره ابن حبّان في الثّقات.(1)

وترجم له المزّيّ ترجمة ضافية جاء فيها: رأى أنس بن مالك، وأبا بكرة الثقفيّ.

وروى عن: أنس بن مالك، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي وائل شقيق بن سلمة الأسديّ، وعامر الشّعبيّ، وعطاء بن أبي رَباح، وعطيّة العَوْفيّ، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وأبي إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعيّ، وقيس بن أبي حازم، وأبي الزّبير محمّد بن مسلم المكّيّ، والمِنهال بن عمرو، وأبي صالح مولى أمّ هانئ، وسالم بن أبي الجعد، وخيثمة بن أبي خيثمة البصريّ...

روى عنه: أبان بن تغلب، وإبراهيم بن طهمان، وأسباط بن محمّد القرشيّ، وإسرائيل بن يونس، وحفص بن غياث، وحمزة بن حبيب الزيّات، وسفيان الثّوريّ، وسفيان بن عُيَينة، وشريك بن عبد الله النّخعيّ، وشعبة بن الحجّاج، وزياد ابن عبد الله البكّائيّ، وعبد الله بن عبد القدّوس الرازيّ، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن نمير، وعبيد الله بن موسى، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، وفُضيل بن مرزوق، ووكيع بن الجرّاح، ويحيى بن سعيد القطّان، وأبو إسحاق السبيعيّ - وهو من شيوخه - وأبو عَوانة، وأبو معاويةَ الضّرير....(2)

قال البخاريّ، عن عليّ ابن المدينيّ: له نحو ألف وثلاثمائة حديث.(3)

____________________

(1) الثقات لابن حبّان 2: 184 / 1421.

(2) تهذيب الكمال: المزّيّ 12: 76 - 83 / 2570.

(3) نفسه 12: 83.


وقال عليّ ابن المدينيّ: حفظ العلم على أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ستّةٌ: فلأهل مكّة عمرو بن دينار، ولأهل المدينة ابن شهاب الزّهريّ، ولأهل الكوفة أبو إسحاق السّبيعيّ، وسُليمان بن مهران الأعمش...(1) .

قال عاصم الأحْوَل: مرّ الأعمش بالقاسم بن عبد الرحمان فقال: هذا الشيخ أعلم النّاس بقول عبد الله بن مسعود. (تهذيب الكمال 12: 85).

وقال أحمد بن حنبل: أبو إسحاق والأعمش رجلا أهل الكوفة.(2)

وقال زهير بن معاوية: ما أدركت أحداً أعقل من الأعمش والمغيرة.(3)

وقال يحيى بن معين: كان جرير إذا حدّث عن الأعمش، قال: هذا الدّيباج الخسروانيّ.(4)

وقال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش.(5)

وقال عبد الله الخُرَيبيّ: سمعت شعبة إذا ذكر الأعمش، قال: المـُصحَف المـُصحَف!(6)

____________________

(1) نفسه 12: 84.

(2) تهذيب الكمال 12: 85.

(3) نفسه ؛ وتاريخ بغداد 9: 9.

(4) تهذيب الكمال 12: 86 ؛ و تاريخ بغداد 9: 10، والمعرفة والتاريخ ليعقوب الفسويّ 2: 678، والجرح والتعديل: 4 / الترجمة 630 وزاد: وهو أستاذ أهل الكوفة.

(5) تهذيب الكمال 12: 86 ؛ و تاريخ بغداد 9: 10.

(6) تهذيب الكمال 12: 86 ؛ و تاريخ بغداد 9: 11.


وقال عمرو بن عليّ: كان الأعمش يسمّى المصحف من صِدقه.(1)

وقال عبّاس الدّوريّ، عن سهل بن حليمة: سمعت ابن عُيينة يقول: سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن، واحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى.(2)

ويطول الكلام عن الأعمش وما قيل فيه ؛ فنكتفي بما ذكرنا.

أبو إسحاق السبيعيّ واسمه عمرو بن عبد الله. وقد ذكرنا في ترجمة الأعمش: أنّ أبا إسحاق من شيوخه وقد حدّث كلّ واحد منهما عن الآخر ؛ ممّا يُظهر فضلهما وثقتهما.

ذكره العجليّ، قال: «كوفيّ»، تابعيّ، ثقة.

قال: وروى أبو إسحاق السّبيعيّ عن ثمانية وثلاثين من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

حدّثنا أبي: عبدُ الله، قال: كان أبو إسحاق يقول لإسرائيل: الزم هؤلاء الثلاثة، فإنّهم أصحاب علم وفصاحة: عبد الملك بن عمير، والأعمش وسِماك بن حرب.(3)

وترجم له في التهذيب: عَمرو بن عُبيد... أبو إسحاق السّبيعيّ الكوفيّ الهمدانيّ.

ذكر شريك عن أبي إسحاق أنّه وُلِدَ لسنتين بقيتا من خلافة عثمان.

____________________

(1) تهذيب الكمال 12: 87 ؛ وتاريخ بغداد 9: 11.

(2) تهذيب الكمال 12: 85 ؛ وتاريخ بغداد 9: 9.

(3) تاريخ الثّقات: العجليّ 366: 1272.


روى عن: أنس بن مالك، وأسامة بن زيد بن حارثة، والبراء بن عازب، والأشعث بن قيس الكندي، وجرير بن عبد الله البجلي، وحُبشي بن جنادة، وزيد بن أرقم، وسعيد بن جبير، وسليمان بن صُرَد الخزاعيّ، وصعصعة بن صوحان، وعامر بن شراحيل الشّعبي، وعبد الله بن الزبير بن العوّام، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وزيد بن يُثيع، والحارث بن عبد الله الأعور، وعبد خَير الهمدانيّ، وعديّ بن ثابت الأنصاريّ، وعبد الرحمان بن أبي ليلى، وعديّ بن حاتم الطائيّ، وعطاء بن أبي ربَاح، وعِكرمة مولى ابن عبّاس، وعليّ بن أبي طالب، وعمرو بن ميمون الأودي، وقيس بن أبي حازم، وكُميل بن زياد، ومجاهد بن جبر المكّي، وأبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين، ونافع مولى ابن عمر، والنّعمان بن بشير، وأبي بُردة بن أبي موسى الأشعري...(1)

روى عنه: أبان بن تغلب، وأبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي، والحسن ابن صالح بن حَيّ، وسفيان الثوريّ، وهو أثبت النّاس فيه، وسفيان بن عُيينة، وسليمان الأعمش، وشريك بن عبد الله، وشعبة بن الحجاج، وفضيل بن مرزوق، و فطر بن خليفة، وقتادة بن دِعامة، ومالك بن مِغوَل، ومسعر بن كدام، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن عقبة، وأبو بكر بن عيّاش، وأبو حمزة الثّمالي، وحمزة بن حبيب الزّيّات...(2)

____________________

(1) تهذيب الكمال 22: 102 - 108 / 4400.

(2) تهذيب الكمال: 108 - 110.


قال أحمد بن حنبل: أبو إسحاق ثقة.(1)

وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة.(2)

وكذلك قال النسائي.(3)

وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وهو أحفظ من أبي إسحاق الشّيباني، ويشبه الزّهري في كثرة الرواية واتّساعه في الرّجال.(4)

وقال أبو داود الطّيالسي: قال رجل لشعبة: سمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: ما كان يصنع بمجاهد! كان هو أحسن حديثاً من مجاهد، ومن الحسن وابن سيرين.(5)

حنش بن المعتمر الكنانيّ الكوفيّ:

قال العجليّ: تابعيّ، كوفيّ، ثقة.(6)

وفي التهذيب: روى عن عُلَيم الكنديّ، وعليّ بن أبي طالب، وأبي ذرّ الغفاريّ.

روى عنه: أبو إسحاق السبيعيّ، وأبو صادق وسماك بن حرب...

____________________

(1) تهذيب الكمال 22: 110 ؛ والجرح والتعديل: 6 / الترجمة 1347.

(2) تهذيب الكمال 22: 110 ؛ والجرح والتعديل: 6 / الترجمة 1347.

(3) نفسه.

(4) نفسه.

(5) نفسه.

(6) تاريخ الثقات للعجليّ 136 / 347.


قال أبو داود: حنش بن المعتمر ثقة.

قال عبد الرحمان بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو عندي صالح.

روى له أبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائي في خصائص عليّ وفي مُسنده.(1)

أبو ذرّ الغفاريّ: لا حاجة للحديث عنه لجلالته...

هذا هو سند الحديث الذي قال عنه شيخ الإسلام: لا يُعرف له إسنادٌ صحيحٌ.

وبنفس السند، عن حنش الكنانيّ قال: سمعت أبا ذرّرضي‌الله‌عنه يقول وهو آخذ بباب الكعبة: مَن عرفني فأنا مَن عرفني ومَن أنكرني فأنا أبو ذرّ سمعتُ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق».(2)

ولن نستغرق في الكلام على أسانيد الحديث من طُرقه الأخرى بعد أن ثبت لنا صحّة سند الحديث السابق ؛ فحقّ القول وبطل ما كانوا يفترون.

وعن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَثَل أهل بيتي مَثَل سفينة نوح: من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، ومن قاتَلَنا في آخر الزمان فكأنّما قاتل مع الدجّال».(3)

____________________

(1) تهذيب الكمال 7: 432 / 1556، والجرح والتعديل: 3 / الترجمة 1297.

(2) المعارف: ابن قتيبة (ت 276 هـ) 252، والمستدرك على الصحيحين 3: 163 / 4720.

(3) المعرفة والتاريخ للفسويّ 1: 296، ومناقب الإمام عليّ: ابن المغازليّ الشّافعيّ: 134 حديث 177، وميزان الاعتدال، حديث 1826.


وعن أبي سلمة الصّائغ، عن عطيّة - العوفيّ - عن أبي سعيد الخدريّ قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «إنّما مَثَلُ أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق. وإنّما مَثَلُ أهل بيتي فيكم مَثَلُ باب حطّة في بني إسرائيل: من دخله غُفِر له».(1)

و لحديث السفينة عن ابن عبّاس، وأبي ذرّ، طرق أخرى.(2)

ونظير حديث السفينة، ما ذكره القاضي عياض من قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «معرفةُ آلِ محمّدٍ براءةٌ من النّار، وحبُّ آلِ محمّدٍ حَوازٌ على الصِّراط، والولاية لآلِ محمّدٍ أمانٌ من العذاب».(3)

قال القاضي: قال بعض العلماء: معرفتهُم هي معرفةُ مكانتهم من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإذا عَرَفهم بذلك عرفَ وجوبَ حقّهم وحُرمتهم بسببه.(4)

أهل البيتعليهم‌السلام أمان لأهل الأرض:

وبسنده أخرج الحاكم مستدركاً على الشّيخين:

عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله «النّجوم أمانٌ لأهل الأرض من

____________________

(1) المعجم الصغير للطبرانيّ 2: 22.

(2) انظر المعرفة والتاريخ: الفسويّ (ت 277 هـ) 1: 296، المعارف: ابن قتيبة: 86، عيون الأخبار، له 1: 211، حلية الأولياء 4: 306، الصواعق المحرقة: ابن حجَر: 184، و 234، الخصائص الكبرى: السيوطي 2: 266، تاريخ الخلفاء، له 573، ينابيع المودّة 28.

(3) الشفا: القاضي عياض 31.

(4) نفسه.


الغرق، وأهلُ بيتي أمانٌ لأمّتي من الاختلاف. فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».

قال: هذا حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.(1)

ووقع الذي حذّر منه رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فظهر أكثرُ من ناصبيّ يعبدُ الله بعداوتهم! فكان مسلسل المآسي الذي ما زلنا نتجرّع غصّته وأثره السيِّئ، وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

وبسندٍ عن أبي عاصم، قال: حدّثنا موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة ابن الأكوع، عن أبيه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «النجوم أمانٌ لأهل السماء، وأهلُ بيتي أمانٌ لأُمّتي».(2)

وقعة الجمل

قال ابن تيميه: وأمّا الحديث الذي رواه وهو قوله لها: «تقاتلين عليّاً وأنتِ

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 162 / 4715. والمعرفة والتاريخ: يعقوب الفسويّ 1: 538 و 296.

(2) مناقب الإمام علي: محمّد بن سليمان الكوفي (القرن الرابع)، 1: 828 / 667. والأمالي الخميسيّة: المرشد بالله (ت 499 هـ) 1: 155، والمعجم الكبير: الطبرانيّ (ت 360 هـ) 7: 25، وجواهر العقدين، للسمهوديّ: 95، وموضّح أوهام الجمع والتفريق: الخطيب البغداديّ 2: 402، وكنز العمّال 12: 101. والأمالي للطوسيّ 2 / 252 باب 48، والمعرفة والتاريخ 1: 538، وفرائد السمطين 2: 241 باب 47.


ظالمة». قال: فهذا لا يُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة... بل هو كذب قطعاً، فإنّ عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنّما خرجت بقصدِ الإصلاح بين المسلمين وظنّت أنّ في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثمّ تبيّن لها فيما بعد أنّ تركَ الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتّى تبلّ خمارها، وهكذا عامّة السّابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليّ رضي الله عنهم أجمعين.(1)

قال: (و أمّا قوله): وخالفت أمر الله في قوله تعالى:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الْأُولَى ) (2) ؛ فهي رضي الله عنها لم تتبرّج تبرّج الجاهليّة الأولى، والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحةٍ مأمورٍ بها كما لو خرجت للحجّ والعُمرة...، فعائشة اعتقدت أنّ ذلك السفر مصلحةٌ للمسلمين...(3) .

قال: وأمّا قوله: خرجت في ملأٍ من الناس تقاتل عليّاً على غير ذنبٍ فهذا كذِبٌ عليها فإنّها لم تخرج لقصد القتال ولا كان أيضاً طلحة والزبير قصدهما القتال لعليّ...(4)

قال: (وأمّا قوله) إنّ عائشة كانت تأمر بقتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً، ولما بلغها قتلُه فرحت بذلك ؛ فيقال له: أوّلاً: أين النقل الثابت عن

____________________

(1) منهاج السنّة: ابن تيميه 2: 185.

(2) الأحزاب: 33.

(3) منهاج السنّة: ابن تيميه 2: 186.

(4) منهاج السنّة: ابن تيميه 2: 186.


عائشة بذلك، ويقال ثانياً: إنّ المنقول عن عائشة يكذّب ذلك ويُبيّن أنّها أنكرت قتْله وذمّت مَن قتله.

ويقال ثالثاً: هب أنّ واحداً من الصحابة، عائشة أو غيرها، قال في ذلك كلمةً على وجه الغضب لإنكاره بعضَ ما يُنكرُ، فليس قولُه حجّة! ولا يقدح في إيمان القائل ولا المقول له ؛ بل قد يكون كلاهما وليّاً لله تعالى، من أهل الجنّة، ويظنّ أحدُهما جوازَ قتْل الآخر بل يظنّ كفرَه! وهو مخطئ في هذا الظنّ...(1) .

قال: ويقال رابعاً: إنّ هذا المنقولَ عن عائشة من القدح في عثمان إن كان صحيحاً، فإمّا أن يكون صواباً أو خطأً، فإن كان صواباً لم يُذكر في مساوي عائشة وإن كان خطأً لم يُذكر في مساوي عثمان، والجمع بين بُغض عائشة وعثمان باطل ؛ وأيضاً فعائشة ظهر منها من التألّم لقتل عثمان! والذمّ لقتلِته وطلب الانتقام منهم ما يقتضي الندم على ما ينافي ذلك... ؛ وأيضاً ما ظهر من عائشة وجمهور الصّحابة وجمهور المسلمين من الملام لعليّ، أعظم ممّا ظهر منهم من الملام لعثمان، فإن كان هذا حجّة في لوم عثمان، كان حجّة في لوم عليّ وإلاّ فلا...(2) .

قال: وما يذكرونه من القدح في طلحة والزبير، ينقلب ما هو أعظم منه في حقّ عليّ ؛ فإن أجابوا عن ذلك بأنّ عليّاً كان مجتهداً فيما فعل وإنّه أولى بالحقّ من طلحة والزبير ؛ قيل: نعم، طلحة والزبير كانا مجتهدين وعليّ وإن كان أفضل

____________________

(1) نفسه: 188.

(2) منهاج السنّة: ابن تيميه 2: 190.


منهما، لكن لم يبلغ فعلُهما بعائشة ما بلغ فعلُ عليّ!! فعليّ أعظم قدراً منهما ولكن إن كان فعل طلحة والزبير معها ذنباً، ففعلُ عليّ أعظم ذنباً فَتقاوَم كبر القدْر وعِظَم الذنب(1) .

قال: فإن قالوا: هما أحوجا عليّاً إلى ذلك لأنّهما أتيا بها، فما فعله عليّ مضاف إليهما لا إلى عليّ ؛ قيل: وهكذا معاوية، لمّا قيل له: قتلت عمّاراً وقد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «تقتلك الفئة الباغية» قال: أوَ نحنُ قتلناه؟ إنّما قتله الذين جاؤوا به حتّى جعلوه تحت سيوفنا، فإن كانت هذه الحجّة مردودةً فحجّةُ مَن احتجّ بأنّ طلحة والزبير فعلا بعائشة ما جرى عليها من إهانة عسكر عليّ لها واستيلائهم عليها مردودة أيضاً، وإن قُبلتْ هذه الحجّة ؛ قُبلتْ حجّة معاويةرضي‌الله‌عنه !(2)

جوابنا:

كشف الرجل عن صفحة نفسه وأنّه ناصبيّ و...، فلو أنّه اكتفى بتسويغ خروج عائشة وطلحة والزبير، والتمس لهم المعاذير في ذلك ؛ وإن كانت مهلهلةً إذ هي أوهنُ من بيت العنكبوت!

لكان ذلك أفضل له وأستر، لكنّه كذب في تكذيب الحقائق الثابتة وخاض مناضلاً لقلب الأمور لتبرئة ساحة المذنبين وقد أقرّوا بذنبهم! ودافع عن النّاكثين والخوارج وأسقط ذنبهم على أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، بل وذهب إلى القول بأنّ

____________________

(1) نفسه: 195.

(2) نفسه: 196.


ذنبه أعظم من ذنبهم!

والحديث معه يفرض علينا أن نتحدّث عن حرب الجمل بشكلٍ وافٍ ليكون القارئ على بيّنة، ولضيق المجال فنذكر الضروريّ منها إجمالاً.

النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يحذّر عائشة:

قال: وأمّا الحديث الذي رواه وهو قوله لها: «تقاتلين عليّاً وأنت ظالمة»، كذب قطعاً! وعلّل ذلك أنّها لم تقاتل! ولم تخرج لقتال وإنّما خرجت لطلب الإصلاح...

نقول: لقد حذّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عائشة من خروجها، وأمرُهصلى‌الله‌عليه‌وآله مطاعٌ لا يجوز عصيانه، وقد عصته أمّ المؤمنين، وعصاه الزّبير - وسنذكر خبره -

وهذه بعض الآثار في ذلك:

- أبو نُعيم الفضل بن دُكين، حدّثنا عبد الجبار بن الورد، عن عمّار الدُّهنيّ، عن سالم بن أبي الجعد، عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: ذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله خروج بعض أمّهات المؤمنين، فضحكت عائشة فقال: انظري يا حُميراء أن لا تكوني أنت» ثمّ التفت إلى عليّ فقال: «إنْ ولِيتَ من أمرها شيئاً فارفِق بها».(1)

ما أبينَها من حجّةٍ وما أصدقَه من دليلٍ على خروجها على عليّ محاربةً لا مُصلحةً كما زعم! وإلاّ فلِمَ استَبَقصلى‌الله‌عليه‌وآله الزمنَ وذكر ما سيكون، ولِمَ حذّر عائشة دون غيرها في الخروج على عليّعليه‌السلام ، وطلب من عليّ الرِّفق بها، والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لا

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين: الحاكم 3: 129 / 4610.


ينطق عن الهوى؟

- عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله: «أيّتُكنّ صاحبة الجمل الأدبب يُقتل حولَها قتلى كثيرةٌ تنجو بعد ما كادت».(1)

فإذا لم يسمع ابن تيميه الحديث الأوّل، أو أنّه لم يفهم مفاده! فهل غاب عنه هذا الحديث الصريح بخروجها للقتال وأنّها تكاد أن تهلك؟

- عن أبي بكرة قيل له: ما منعك أن تكون قاتلتَ على بصيرتك يوم الجمل؟ قال: سمعتُ رسول الله يقول: «يخرُج قوم هَلْكى لا يُفلحون، قائدهم امرأة».(2)

فهم خارجة على إمامهم الحقّ، ولذا لن يُفلحوا ومصيرهم البَوار «هَلكى»، وقائدهم إلى الهلاك امرأة، ولم يكن معهم يومئذ إلاّ عائشة تتقدّمهم على جملٍ يخدعون النّاس بوجودها معهم ليسوقوهم إلى حربٍ خاسرةٍ ؛ وهذا من أعلام النبوّة إذ وقع الأمر كما أنبأصلى‌الله‌عليه‌وآله .

لم تنسَ عائشة كلام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إلاّ أنّها سارت على مقدّم القوم حتّى إذا نبحتها كلاب الحَوْأب(3) فقالت: ما اسمُ هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملها: الحوأب ؛ «فصرخت بأعلى صوتها، ثم ضربت عَضُد بعيرها فأناخته، ثمّ قالت: أنا

____________________

(1) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 538 / 3774.

(2) المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 538 / 3777.

(3) الحوأب: موضع بئر في طريق البصرة. معجم البلدان 2: 314.


والله صاحبة ماء الحوأب طُروقاً، رُدّوني، تقول ذلك ثلاثاً...»(1) .

وفي الفتوح: «... فقالت عائشة: ردّوني، فقيل لها: ولِمَ ذلك؟ فقالت: لأنّي سمعتُ رسول الله وهو يقول: «كأنّي بامرأة من نسائي تنبح عليها كلاب الحوأب، فاتّقي الله أن تكوني أنتِ يا حُمَيراء»(2) .

وعن الشعبيّ عن ابن عبّاس، قال: طرقت عائشة وطلحة والزبير ماء الحوأب ومَن معهم ليلاً، وهو ماء لبني عامر بن صعصعة، فنبحتهم كلاب الحوأب، فنفرَت صِعابُ إبلهم، فقال قائل: لعن الله أهل الحوأب ما أكثر كلاَبهم! قالت عائشة: أيّ ماء هذا؟

فقال محمّد بن طلحة وعبد الله بن الزبير: هذا ماء الحوأب، فقالت عائشة: والله لا صحبتُكم، رُدّوني رُدّوني، إنّي سمعتُ رسول الله يقول: كأنّي بكلاب ماءٍ يُدعى الحوأب قد نبحت على امرأةٍ من نسائي في فئةٍ باغية! ثمّ قال: لعلّك أنت يا حُمَيراء، قالت: ثمّ دعا عليّاً فناجاه بما شاء» رُدّوني رُدّوني.(3)

أوّل شهادة زور في الأسلام:

إلاّ أنّ الرجال الذين زعم ابن تيميه أنّهم مثل عائشة لم يخرجوا لقتال عليّ، فإنّهم أقاموا لها خمسين رجلاً من الأعراب يشهدون أنّه ليس ماء الحوأب،

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 475.

(2) الفتوح: ابن أعثم 2: 288، أنساب الأشراف 3: 24.

(3) المعيار والموازنة: الإسكافيّ المعتزليّ (المتوفّى 220 هـ) 55.


وجعلوا لهم جُعلاً - أي مالاً - وكانت أوّل شهادة زور أقيمت في الإسلام.(1)

وقد حلف لها عبد الله بن الزبير فقال: ليس هذا ماء الحوأب.(2)

إنّ أمّ المؤمنين تيقّظت إلى نفسها، فهي في فئةٍ باغية أي مقاتلة لأمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، فهلاّ رجعت ولم تلتفت إلى حلف ابن الزبير ولا إلى تلك الشهادة المزوّرة؟ وهلاّ قدّمت شهادة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، على شهادة الأعراب؟! وبعد كلّ ذلك هل يصحّ قوله أنّهم جميعاً لم يخرجوا محاربين عليّاً؟

ثمّ أيّ إصلاح خرجت أمّ المؤمنين إليه في البصرة، ولم يكن فيها قتال ولا فتنة، إنّما صارت الفتنة ووقع القتال لمّا خرجوا إليها وأحدثوا فيها ما أحدثوا على ما سنذكره قدر الوسع.

ولقد ناقض ابن تيميه نفسه وهو يتحدّث عن عائشة، فأثبت ما نفاه من خروجها للقتال. قال: وأيضاً عائشة ظهر منها من التألّم لقتل عثمان! والذمّ لقتلته وطلب الانتقام منهم...

و ما جاء في الحديث الشريف من قتال عائشة لعليّ، فقد جاء في الزبير وأنّه سيقاتل عليّاً وهو ظالم له ؛ ممّا سنذكره ان شاء الله.

قال: وأمّا قولُه: وخالفت أمر الله في قوله تعالى:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ ... ) الآية.

قال: فهي لم تتبرّج...

جوابه: إنّ مخالفتها للآية في خروجها من البيت الذي تركها فيه رسول

____________________

(1) نفسه.

(2) نفسه.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان خروج معصية وهي الحرب وسفك دماء المسلمين الذي هو أعظم عند الله تعالى من التبرّج.

وقد احتجّ عليها بالآية كلّ من أمّ سلمة، وابن عبّاس، وعمران بن حُصَين الخزاعيّ، وأبو الأسود الدّيليّ، وجارية بن قُدامة السعديّ...

قال: وأمّا قوله: إنّ عائشة كانت تأمر بقتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلاً... ؛ قال: أين النقل الثابت عن عائشة بذلك، ويقال ثانياً: إنّ المنقول عن عائشة يكذّب ذلك ويبيّن أنّها أنكرت قتله...

جوابه: في الحِجاج الذي جرى بين عبيد بن مسلمة الليثي، وبين عائشة، قال: والله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ، ولقد كنتِ تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر...(1) .

ومن ردّ أمّ المؤمنين أمّ سَلَمة عليها لمّا دعتها لتخرج معها إلى قتال عليّ! قالت أمّ سلمة: يا بنت أبي بكر! بدم عثمان تطلبين! والله لقد كنتِ من أشدّ النّاس عليه، وما كنتِ تسمّيه إلاّ نعثلاً، فما لكِ ودم عثمان؟...(2) .

وحين وقع الخلاف بينها وبين عثمان، كانت تقول: أيّها النّاس، هذا قميص رسول الله لم يَبلَ وبَليت سنّته، اتقتلوا نعثلاً، قتل الله نعثلاً.(3) وكانت تحرّض

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 18، تاريخ الطبريّ 3: 476 - 477، الفتوح 2: 249، تذكرة الخواصّ 66، الكامل في التاريخ 3: 102.

(2) الفتوح 2: 283، تاريخ الطبريّ 3: 470.

(3) أنساب الأشراف 6: 209، الفتوح 2: 225.


وتقول: إنّي أرى عثمان سيشوم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر.(1)

هذا بعض من النقل الثابت في تحريضها على عثمان وقولها فيه وما يأتي أكثر بكثير.

وأمّا إنكارها قتله ؛ فإنّما كان لمّا بلغها أنّ النّاس قد بايعوا عليّاًعليه‌السلام ، فعند ذلك رفعت صوتها بمظلوميّة عثمان وراحت تنادي أنّ عليّاً قتله! وأنّها ستأخذ بثأره.

وما ذكره من قوله إنّ القَدْح في طلحة والزبير، ينقلب ما هو أعظم منه في حقّ عليّ...، وإن كان فعل طلحة والزبير معها ذنباً، ففعل عليّ أعظم ذنباً!!

بربّك أيها المنصف مهما كان مذهبك أترضى بهذا القول؟ أوَ طلحة والزبير عِدْل عليّ الذي هو عدل القرآن الكريم كما في حديث الثّقلين، وهو نفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما في آية المباهلة، وهو المعصوم كما في آية التطهير وحديث الكساء، وسبّه والعدوان عليه سبّ للنبيّ ومعاداة له، ومن ثمّ سبّ للهِ تعالى ومعاداة له.

وقد أخبر النبيّ القوم أنّهم سيقاتلون عليّاً وهم ظالمون له وقد عقدوا له البيعة ثمّ نكثوها ومَن ينكث فإنّها ينكث على نفسه ؛ فكيف سوّغ لنفسه شيخ الإسلام والإمام المطلق أن ينزل عليّاً بمنزلة الظالم ويجعل فعله أعظم من ذنب أولئك؟!

ولماذا يلوذ دائماً بعائشة ويشنّ غارته على عليّ؟ ألأنّها أمّ المؤمنين؟ فإنّ

____________________

(1) نفسه 6: 212 - 213.


أمّ سَلَمة أيضاً أمّ المؤمنين، فلمّا طلبت منها عائشة الخروج لحرب عليّ زجرتها أمّ سَلَمة وذكّرتها بمقام عليّ وبقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لها في شأن خروجها على عليّ، ولمّا رأت أمّ سَلَمة أنّه لا يجوز لها الخروج من بيتها في مثل هذا الأمر اعتذرت من عليّعليه‌السلام وأرسلت معها ابنها عمر.

وأمّا حفصة فكادت تخرج معها إلاّ أنّ عبد الله بن عمر نهاها عن مثل هذا الخروج!

ثمّ ما الذي فعله عليّ مع عائشة؟ هل أخرجها من بيتها لحربٍ؟ أم مشى إليها في حرب، أم خرجت هي عليه محاربة في فئةٍ باغية، كما في الأحاديث التي ذكرناها؟ وهل خدعها عليّ فزوّر لها شهادة في شأن الحوأب وسنقف على معاملته لها حتّى أقرّت أنّها ما رأت منه إلاّ جميلاً!

وذهب أبعد من ذلك فأفصح عن هويّته التي احتملناها في أوّل كتابنا هذا حين قال: فإن قالوا: هما أحوجا عليّاً إلى ذلك لأنّهما أتيا بها...، قيل وهكذا معاوية لمّا قيل له: قتلت عمّاراً وقد قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «تقتلك الفئة الباغية» قال: أو نَحنُ قتلناه؟ إنّما قتله الذين جاؤا به حتّى جعلوه تحت سيوفنا...

الجواب: إنّ معاوية الباغي على إمام الحقّ، لم ينكر حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولذا لم يُنكره شيخ الإسلام ؛ إلاّ أنّ معاوية ادعى مدّعىً شايعه عليه ابن تيميه، فجعل أميرالمؤمنينعليه‌السلام هو الذي قتل عمّاراً! وعلى هذا القياس فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي قتل حمزةعليه‌السلام يوم أحد ؛ لأنّه هو الذي أخرجه إليها، وهكذا كلّ الشهداء...


حقيقة الأمر

ومن أجل الوقوف على حقيقة الأمر، فعلينا أن نتحدّث عن حرب الجمل بما تقتضيه الضرورة:

قُتل عثمان بن عفّان في ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين بعد حصار دام تسعةً وأربعين يوماً ن وكان لذلك أسباب يطول شرحها وألّب على قتله أناس ثمّ خرجوا بعد ذلك يطالبون أبرأ النّاس من دمه ؛ بل وأصدقهم في الدفع عنه، يقاتلونه على دم عثمان!

بيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام

بويع لأميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام في الليلة التي قُتل فيها عثمان وقيل في صبيحتها، وكان أوّل من بايعه طلحة بن عبيد الله ثمّ تبعه النّاس.

عن الشعبيّ أنّ عثمان لمّا قُتل أقبل النّاس إلى عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ليبايعوه، فمدّوا يده فكفّها، وبسطوها فقبضها وقالوا: بايع، فإنّا لا نرضى إلاّ بك ولا نأمن من اختلاف الناس وفرقتهم فبايعه الناس وخرج حتّى صعد المنبر.

وكان طلحة أوّل من بايع من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال قبيصة بن ذؤيب: أوّل يد بايعت هذا الرجل من أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، شلاّء، والله ما أرى هذا الأمر يتمّ! وأخذ طلحة والزبير مفتاح بيت المال! فبعث عليّ مَن أخذ مفاتيح بيت المال.(1)

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 8.


وأقبل النّاس إلى عليّ بن أبي طالب فقالوا: يا أبا الحسن، إنّه قد قُتل هذا الرجل ولا بدّ للنّاس من إمام، وليس لهذا الأمر أحد سواك فهلمّ، فقال عليّ: لا حاجة لي في البيعة، التمسوا غيري، فإنّي أرى أمراً له وجوه لا تقوم لها القلوب... فعليكم بطلحة والزبير! قالوا: فانطلق معنا إلى طلحة والزبير، فقال عليّ: أفعل ذلك.

ثمّ خرج مع القوم حتّى صار إلى دار طلحة فقال: يا أبا محمّد إنّ الناس قد اجتمعوا إليّ في البيعة، وأمّا أنا فلا حاجة لي فيها، فابسط يدك حتّى يبايعك الناس. فقال طلحة:

يا أبا الحسن، أنت أولى بهذا الأمر وأحقّ به منّي لفضلك وقرابتك وسابقتك، فقال له عليّ: إنّي أخاف إن بايعني النّاس واستقاموا على بيعتي أن يكون منك أمرٌ من الأمور! فقال طلحة: مهلاً يا أبا الحسن، فلا والله لا يأتيك منّي شيء تكرهه أبداً.

قال عليّ: فالله تبارك وتعالى عليك راعٍ وكفيل! فقال طلحة: يا أبا الحسن، نعم.

قال عليّ: فقُم بنا إذن إلى الزبير بن العوّام، فأقبل معه طلحة إلى الزبير فكلّمه عليّ بما كلّم به طلحة، فردّ عليه الزبير شبيهاً بكلام طلحة، وعاقده وعاهده أنّه لا يغدر به ولا يحبس بيعته. فرجع عليّ إلى المسجد واجتمع النّاس فقام نفرٌ من الأنصار فتكلّموا، قالوا: إنّكم قد عرفتم فضل عليّ بن أبي طالب وسابقته وقرابته ومنزلته من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مع علمه بحلالكم و حرامكم و حاجتكم


إليه من بين الصحابة، ولن يألوكم نُصحاً، ولو علمنا مكان أحدٍ هو أفضل منه وأجمل لهذا الأمر وأولى به لدعوناكم إليه. فقال الناس كلّهم بكلمة واحدة:

رضينا به طائعين غير كارهين، فقال لهم عليّ: أخبروني عن قولكم هذا: أحقّ واجب من الله عليكم أم رأيٌ رأيتموه من عند أنفسكم؟ قالوا: بل هو واجبٌ أوجبه الله عزّ وجل لك علينا، فقال عليّ: فانصرفوا يومكم هذا إلى غدٍ.

فلمّا كان من غدٍ أقبل النّاس إلى المسجد، وجاء عليّ بن أبي طالب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس إنّ الأمر أمركم فاختاروا لأنفسكم من أحببتم وأنا سامع مطيع لكم!

فصاح النّاس من كلّ ناحية وقالوا: نحن على ما كنّا عليه بالأمس، فابسط يدك حتّى يبايعك الناس، فسكت عليّ. وقام طلحة إلى عليّ فبايعه وضرب يده على يد عليّ، وكان به شلل من ضربة أصابته يوم أحُد، فلمّا وقعت يده على يده عليّ، قال قُبيصة بن جابر: إنّا لله وإنّا إليه راجعون!

أوّل يدٍ وقعت على كفّ أمير المؤمنين يدٌ شلاّء، لا والله لا يتمّ هذا الأمر من قِبَل طلحة بن عُبيد الله أبداً. ثمّ وثب الزبير وبايع، وبايع الناس بعد ذلك.(1)

إنّ الذي كان من أميرالمؤمنينعليه‌السلام إنّما أراد به قطع الطريق على معاذير المشاغبين لعلمِه ما تُكنّه صدور طلحة والزبير من حسدٍ له وتطلّع إلى الإمارة، وقد أعلمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما سيكون من الرجلين وحرب الجمل ؛ ولذا أخذ أمير

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 456، الفتوح 2: 243 - 246.


المؤمنين العهود والمواثيق والأيمان عليهما أن لا يغدرا ولا ينكثا البيعة له.

ذكر الطبريّ عن خبيّة الزبير، قال: عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة مولى الزبير، قال: لمّا قتل الناس عثمان وبايعوا عليّاً، جاء عليّ إلى الزبير فاستأذن عليه فأعلمتُه به، فسلّ السيف ووضعه تحت فراشه! ثمّ قال: ائذن له فأذِنت له، فدخل فسلّم على الزبير وهو واقف بنحوه ثمّ خرج، فقال الزبير: لقد دخل الرجل ما اقصاه، قُم في مقامه فانظر هل ترى من السيف شيئاً فقمت في مقامه فرأيت ذُبابَ السيف فأخبرتُه فقال: ذاك أعجلَ الرجُلَ.(1)

فيا شيخ الإسلام! ومن تولاّك ؛ فحتّى هنا ماذا عساك قائلاً في قتال القوم عليّاً؟ أم تريد مزيداً من الوثائق؟ فسنوافيك.

وضع الأقاليم:

هذا هو الوضع والحال في مدينة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي البصرة: أخذ جارية ابن قدامة السَّعديّ البيعة لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وكان بها عبد الله بن عامر والياً لعثمان، ففرّ منها إلى مكّة.

الكوفة: وفي الكوفة، بايع هاشم بن عتبة المِرقال أميرَالمؤمنين وقال: هذه يميني وشمالي لعليّ، وقال:

أبايع غير مكتتم عليّاً

ولا أخشى أميري الأشعريّا(2)

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 454.

(2) أنساب الأشراف 3: 14.


وفي المدائن: بايع حذيفة بن اليمان لأمير المؤمنين واضعاً يده اليمنى على اليسرى، وقال له أبايع بعده لأحدٍ من قريش...، وقال: من أراد أن يلقى أميرالمؤمنين حقّاً فليأت عليّاً.(1)

الشام: وفي الشام كان معاوية والياً لعثمان ومن قبله لعمر بن الخطّاب، فأظهر الخلاف لأميرالمؤمنين، ومنع واليَه من دخول الشام.

مكّة: وفي مكّة كانت عائشة، وكانت قد خرجت مباينةً لعثمان ومغاضبةً له. وكان بمكّة جمع من بني أميّة فرّوا إليها بعد مقتل عثمان، منهم عبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الرحمان بن عتّاب بن أسيد بن أبي العاص ؛ والمغيرة بن شعبة الثقفيّ. وكان يَعلى بن مُنية عامل عثمان على اليمن، فلمّا رأى وفود اليمن تترى على المدينة لمبايعة أميرالمؤمنينعليه‌السلام خرج منها إلى مكّة ومعه أربعمائة بعير بحُملانها وأموال وفيرة، فكانوا يداً واحدة على عليّعليه‌السلام .

تحرّك طلحة والزبير: واستأذن طلحة والزبير أميرَ المؤمنينعليه‌السلام في العمرة فقال لهما: لعلّكما تريدان البصرة! فأقسما أنّهما لا يقصدان غير مكّة.(2)

وفي رواية أبي مخنف، فقالا: اللّهمّ غفراً، إنّما نوينا العمرة. فأذن لهما فخرجا مسرعين جعلا يقولان: لا والله ما لعليّ في أعناقنا بيعة، وما بايعناه إلاّ مُكرَهين تحت السيف! فبلغ ذلك عليّاً فقال: أخذهما الله إلى أقصى دارٍ وأحرّ

____________________

(1) نفسه: 17.

(2) مروج الذهب 2: 357.


نارٍ.(1)

وفي الفتوح: قلت لكما في أوّل الأمر إنّكما تفعلان أمراً من الأمور، فأبيتما إلاّ بيعتي طائعين غير مُكرَهين، والآن فقد أذنت لكما فاذهبا حيث شئتما راشدين. فخرج الزبير وطلحة إلى مكّة، وخرج معهما عامر بن كُرَيز - وهو ابن خال عثمان - فجعل يقول لهما: أبشرا، فقد نلتما حاجتكما، والله لأمدّنّكما بمائة ألف سيف!(2)

إنّ فعل الزبير على ما مرّ بنا من سلّه السيف، وتذكير أمير المؤمنين لهما وقد طلبا الإذن، بما سيكون منهما، ثمّ ادعّا أنّهما بايعا مكرهين تحت السيف! وقد مرّ بنا أنّ عليّاً قد جعل الإمرة لطلحة فأظهر الرفض ومثله فعل مع الزبير وكلاهما قد جعلاها لعليّ وقولهما واحد في أنّه أولى بالأمر منهما ولذا أعطيا الأيمان والمواثيق أن لا يخونا...

عمر بن الخطّاب والزبير: إنّ التوجّس من الزبير وممّا يأتي منه تيقّظ له عمر بن الخطّاب فلم يأذن له بالغزو.

إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء الزبير إلى عمر ابن الخطّاب يستأذنه في الغزو فقال عمر: اجلس في بيتك فقد غزوت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال فردّد ذلك عليه فقال له عمر في الثالثة أو التي تليها: اقعد في بيتك!

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 22.

(2) الفتوح 2: 276.


فو الله إنّي لأجد بطرف المدينة منك ومن(1) أصحابك أن تخرجوا فتفسدوا على أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

عود على الجمل:

وكان من خبر عائشة أن بلغها - وهي بمكّة - أنّ النّاس بايعوا لطلحة فقالت: إيه ذا الإصبع لله أنت! لقد وجدوك لها محشاً، وأقبلت جذِلةً مسرورة حتّى إذا انتهت إلى «سَرِف»(2) استقبلها عبيد بن مسلمة اللّيثيّ، فسألته عن الخبر، قال: قتل النّاس عثمان. قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ قال: خيراً، أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على ابن عمّ نبيّهم عليّ فبايعوه.

فقالت: أوَ فعلوها؟! وَدِدتُ أنّ هذه أطبقت على هذه إن تمّت الأمور لصاحبك الذي ذكرت! رُدّوني رُدّوني إلى مكّة وهي تقول: قُتل عثمان مظلوماً، والله لأطلبنّ بدمه! فقال لها عُبيد بن مسلمة: ولِمَ؟ فو الله إنّ أوّل من أمالَ حرفه لأنتِ، ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر!

قالت: إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه، وقد قلتُ وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأوّل، فقال لها عبيد:

منك البَداءُ ومنك الغيرْ

ومنك الرِّياحُ ومنك المطَرْ

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 129 / 4612، قال في التلخيص صحيح.

(2) «سرف» موضع على ستّة أميال من مكّة. معجم البلدان 3: 212.


وأنت أمرت بقتل الإمام

وقلت لنا: إنّه قد كفرْ

فَهَبْنا أطعناك في قتله

فقاتلُه عندنا مَن أمَرْ

فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد، فقصدت للحجر فسترت، واجتمع الناس إليها فقالت: إنّ عثمان قُتل مظلوماً، ووالله لأطلبنّ بدمه!(1)

فأنت تجد أنّ عائشة قد خرجت مغاضبة لعثمان تنعته بالكفر! وتسمّيه نعثلاً - اسم رجل يهوديّ بمصر، وقيل اسم رجل طويل اللحية بالمدينة كانت عائشة تشبّه به عثمان - وقبل وصولها مكّة بلغها أنّ الناس بايعوا لطلحة فملئت سروراً(2) وأدارت رأس جملها صوب المدينة فلمّا أخبرها عبيد بن مسلمة أنّ البيعة تمّت لعليّعليه‌السلام تمنّت أنّ السماء أطبقت على الأرض!!، فلماذا يا شيخ الإسلام ذلك؟ أو ليس عليّ خليفةً راشداً، سابقاً، أعلمَ مطهّراً بحكم القرآن وأحد أصحاب الكساء، الشاري نفسه لله تعالى، الذي لم تكن لأحدٍ من الصّحابة من الفضائل ما كان له كما قال أحمد بن حنبل؟

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 18، تاريخ الطبريّ 3: 476 - 477، الفتوح 2: 249، تذكرة الخواصّ 66، الكامل في التاريخ 3: 102.

(2) وذلك أنّ طلحة كان من أشدّ المؤلّبين على عثمان هو والزّبير وعائشة. وطلحة من قوم عائشة تيميّ قال عبد الله بن وهب (160 - 240 هـ): حدّثني الليث بن سعد أنّ طلحة بن عبيد الله قال: لئن قبض رسول الله تزوّجت عائشة ؛ قال: فنزل القرآن:( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنّ ذلِكُمْ كَانَ عِندَ اللّهِ عَظِيماً ) (الأحزاب: 53)

قال الليث: عائشة بنت عمّه لأنّه من قومها. قال: وظننتُ أنّ عمر بن الخطّاب حين قال: لقد توفّي رسول الله، وأنّه على طلحة لعاقبٌ - لعلّه لعاتب - لهذا الأمر.

الجامع لابن وهب 2: 164 / 348.


أم لم يبلغك ما بلغنا من قول عائشة فيه؟ وكيف انقلب الموقف تماماً فصار عثمان الكافر - عندها - مظلوماً؟ وليتها قالت الحقيقة: إنّي وطلحة والزبير قتلنا عثمان فنتوب إلى الله!

صفقةٌ خاسرة:

وفي مكّة اجتمع إلى عائشة طلحة والزبير ومروان وعقدوا صفقةً خاسرة هي حرب أمير المؤمنينعليه‌السلام واتّهامه بما جنت أيديهم من التحريض على قتل عثمان.

عائشة وأم سلمة:

وأقبلت عائشة على أمّ سلمة زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهي يومئذٍ بمكّة، فقالت لها: با بنت أبي أميّة! إنّك أوّل ظعينة هاجرت مع رسول الله، وأنت كبيرةُ أمّهات المؤمنين، وقد كان رسول الله يَقسم لنا من بيتك، وقد خُبِّرت أنّ القوم استتابوا عثمان بن عفّان حتّى إذا تابَ وثبوا عليه فقتلوه! وقد أخبرني عبد الله بن عامر أنّ بالبصرة مائة ألف سيف يقتل فيها بعضهم بعضاً، فهل لك أن تسيري بنا إلى البصرة لعلّ الله أن يُصلح هذا الأمر على أيدينا؟ فقالت لها أمّ سَلَمة: يا بنت أبي بكر! بدم عثمان تطلبين! والله لقد كنت من أشدّ الناس عليه، وما كنتِ تسمّيه إلاّ نعثلاً، فما لك ودم عثمان؟ وعثمان رجل من عبد مناف وأنت امرأة من بني تيم ابن مرّة. ويحك يا عائشة! أعلى عليّ وابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تخرجين وقد بايعه


المهاجرون والأنصار؟! ثمّ جعلت أمّ سَلمة تذكّر عائشة فضائل عليّ، وعبد الله بن الزبير على الباب. يسمع ذلك، فصاح بأمّ سَلمة: يا بنت أبي أميّة!! إنّنا قد عرفنا عداوتك لآل الزبير! فقالت أمّ سلمة: والله لتوردنّها ثمّ لا تُصدرنّها أنت ولا أبوك؟ أتطمع أن يرضى المهاجرون والأنصار بأبيك الزبير وصاحبه طلحة وعليُّ بن أبي طالب حيٌّ وهو وليُّ كلّ مؤمن ومؤمنة؟! فقال عبد الله بن الزبير: ما سمعنا هذا من رسول الله ساعةً قطّ، فقالت أمّ سَلمة: إن لم تكن أنت سمِعَته فقد سمِعَته خالتُك عائشة وها هي فاسألها ؛ فقد سمعته يقول: «عليّ خليفتي عليكم في حياتي ومماتي، فمَن عصاه فقد عصاني». أتشهدين بهذا يا عائشة؟ فقالت عائشة: اللّهمّ نعم! فقالت أمّ سَلمة: فاتّقي الله يا عائشة في نفسك واحذري ما حذّرك الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا تكوني صاحبة الحوأب، ولا يَغرنّك الزبير ولا طلحة فإنّهما لا يُغنيان عنك من الله شيئاً.

وخرجت عائشة من عند أمّ سَلمة وهي حَنِقة عليها، ثمّ إنّها بعثت إلى حفصة فسألتها أن تخرج معها إلى البصرة، فأجابتها حفصة إلى ذلك، فلمّا نادوا بالرحيل وأرادت حفصة الخروج أتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد فقعدت، وبعثت إلى عائشة أنّ عبد الله حال بيني وبين الخروج، فقالت: يغفر الله لعبد الله!(1)

أيّ بيّنة أوضح من هذه! فعائشة صارت تطلب بدم عثمان وتتّهم به أبرأ الناس بل وأكثرهم نصرةً له ؛ ذلك هو وليّ المؤمنين وخليفة رسول الله، حيّاً كان

____________________

(1) الفتوح 2: 283، تاريخ الطبريّ 3: 470.


أو ميّتاً ؛ فطاعته واجبة على عائشة وطلحة... فكيف بخروجها عليه؟!

ولو أجابتها أمّ سلمة، وهذا ممّا لا يخطر ببال أبداً! فخرجت معها هي وحفصة التي أجابت، فلا ندري ماذا سيقول الرجل!

الإعداد للحرب:

ولمّا عزمت عائشة على المسير نَهتَها أمّ سَلمة وقالت لها: يا هذه، إنّ حجاب الله لن يُرفع، وما أنتِ يا هذه وهذا الأمر وقد تنازعته الأيدي وتهافت فيه الرجال، وتسكينُه أصلح للمسلمين، فاتّقي على رسول الله من الافتضاح في زوجته، واتّقي دماً لم يبُحه الله لك. فلمّا رأتها لا تصغي إلى قولها قالت:

نصحت ولكن ليس للنصح قابل

ولو قَبِلت ما عَنَّفتها العواذل

كأنّي بها قد ردّت الحربُ رحلها

وليس لها إلاّ الترجّلُ راحلُ

ثمّ إنّ القوم اجتمعوا في دار عائشة، وأجمعوا على المسير إلى البصرة، وانطلقوا إلى حفصة بنت عمر فقالت: رأيي تبع لعائشة إلاّ أنّ عبد الله بن عمر منعها. وجهّزهم يَعلى بن منية بالمال والجمال، وكتبت أمّ سَلمة رضي الله عنها إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام تعلمه خبر القوم، كما كتبت إليه أمّ الفضل بنت الحارث.

وكان من كلام أمّ المؤمنين أمّ سلمة مع أمير المؤمنينعليه‌السلام : يا أمير المؤمنين، لو لا أنّي أخاف أن أعصيَ الله وأنّك لا تقبله منّي لخرجت معك، ولكن هذا ابني عمر أعزّ عليَّ من نفسي يخرج معك ويشهد مشاهدك. فخرج معه ولم يزل معه واستعمله على البحرين.


سار القوم وعلى مقدّمهم عائشة، حتّى إذا بلغت بعض مياه بني عامر نَبَحت عليها الكلاب، فقالت: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملِها: الحوأب، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك فقالت: ردّوني لا حاجة لي في المسير.

فقال الزبير: بالله ما هذا الحوأب! ولقد غلط فيما أخبرك به. ولحقها طلحة فأقسم أنّ ذلك ليس ماء الحوأب، ثمّ جاء عبد الله بن الزبير وحلف لها على ذلك ؛ وأقاموا لها خمسين رجلاً من الأعراب يشهدون أنّه ليس ماء الحوأب، وجعلوا لهم جُعلاً - أي مالاً - وكانت أوّل شهادة زور أقيمت في الإسلام.(1)

التزاحم على إمامة الصلاة:

كان مؤذّنهم مروان بن الحكم - طريد رسول الله - فقال: من أدعو للصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: ادعُ أبا عبد الله. وقال محمّد بن طلحة: ادع أبا محمّد. فقالت عائشة: ما لنا ولك يا مروان؟! أتريدأن تغري بين القوم وتحمل بعضهم على بعض؟! فليصلّ اكبرُهما، فصلّى الزبير.(2)

«وتشاحّ طلحة والزبير في الصلاة بالناس، ثم اتفقوا على أن يصلّي بالنّاس عبد الله بن الزبير يوماً، ومحمّد بن طلحة يوماً، في خَطبٍ طويل كان بين طلحة والزبير إلى أن اتّفقا على ما وصفنا».(3)

____________________

(1) مروج الذهب 2: 358، الفتوح 2: 288، أنساب الأشراف 3: 24، المعيار والموازنة: 55.

(2) أنساب الأشراف 3: 24.

(3) المعيار والموازنة: 56، مروج الذهب 2: 358.


وقفة قصيرة:

هذه هي مواقف المصلحين - كذا! - يكذبون، ويحلفون كذباً، ويفتحوا باب شهادة الزور...، ويتشاحّون على إمامة صلاة الجماعة ؛ فكيف إذن الإمامة الكبرى، إمامة المجتمع الإسلاميّ؟!

ولقد أنبأ أمير المؤمنينعليه‌السلام عمّا سيصير إليه القوم، لمّا بلغه مسير القوم، قال: «قد سارت عائشة والزبير وطلحة، وكلّ يدّعي الأمر دون صاحبه، يطلبه طلحة لأنّه ابن عمّ عائشة، ولا يرى الزبير إلاّ أنّه أحقُّ بالخلافة لأنّه خَتنُ عائشة. فو الله لئن ظفروا بما يريدون، ولا يرون ذلك أبداً! ليضربنّ طلحةُ عنقَ الزبير، والزبيرُ عنقَ طلحة ؛ تنازعاً شديداً على الملك».(1)

ولما اقترب القوم من البصرة بعث اليهم عثمانُ بن حُنيف والي أميرالمؤمنين على البصرة عمرانَ بن الحُصَين الخزاعيّ، وأبا الأسود الديليّ - الدّؤليّ - فلمّا دخلا عليها قالا لها: يا أمّ المؤمنين! أبعهدٍ من رسول الله خرجتِ من بيتك؟ ألم يبايع الناس لابن عمّ نبيّهم ووصيّ رسولهم كما تعلمين؟ فتركتِ بلد رسول الله وحرَمه وأتيتِ البصرة! قالت: جئنا نطلب بدم عثمان! فقال عمران ابن حصين: ليس بالبصرة أحد من قتلة عثمان. قالت: لكنّهم مع عليّ بن أبي طالب فجئنا لنقاتلهم فيمَن تَبِعَنا من أهل البصرة وغيرهم!! غضبنا لكم من

____________________

(1) المعيار والموازنة: 53.


السوط والعصا على عثمان(1) ، ولا نغضب لعثمان على السيف؟! فقالا لها: وما أنت من سيفنا وسوطنا وسوط عثمان وعصاه؟ إنّما أنت حبيسة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد أمرك أن تقرّي في بيتك وتذكري ما يُتلى فيه من آيات ربّك، فتركتِ ذلك وجئت تضربين الناس بعضهم ببعض، ولستِ من طلب الدماء وحضور القتال في شيء، وعليّ أولى بعثمان منك. فقالت: وهل أحد يقاتلني؟! قالا: إي والله قتالاً أهوَنُه الشديد.

وقال لها عمران بن حصين: اتّقي الله يا أمّ المؤمنين، فإنّ الله إنّما عظّمك وشرّفك في أعين الناس ببني هاشم، فاتّقي الله واحفظي قرابة عليّ من رسول الله وحبّه إيّاه ؛ قد بايع الناس بعد رسول الله أباك ولم يخالف ولم ينكث، ثمّ جعله عمر سادس ستّة، ثمّ كان من أحداث عثمان وأمر الناس فيه ما قد علمتِ، وكنتِ أشدّ الناس فيه قولاً وأكثرهم عليه تحريضاً. ثمّ بايعه الزبير وطلحة والناس، وأتتنا كتبهم بذلك فرضينا وبايعنا، فما الذي بدا لكم؟!

فلم يكن عندها شيء أكثر من أن قالت: القياطلحة. وقالت لأبي الأسود: قد بلغني عنك يا أبا الأسود ما تقول فيّ! فانصرف عمران وأبو الأسود إلى ابن حُنيف، وجعل أبو الأسود يقول:

____________________

(1) فمجيء عائشة وطلحة والزبير ومن تبعهم إنّما للقتال لا للإصلاح... وإقرار صريح منها بما كان منها بحقّ عثمان، وسوطه وعصاه إشارة إلى عدوان عثمان على أبي ذرّ الغفاريّ وتسييره إلى الربذة ليموت وحيداً في الفلاة، وعلى عبد الله بن مسعود حتّى أصابه الفتق وعلى عمّار بن ياسر...


يا ابن حُنيفٍ قد أتُيتَ فانْفِرْ

وطاعِنِ القومَ وضارِب واصبِرْ

وابرزْ لهم مُستلئِماً وشَمِّرْ

فقال عثمان بن حُنيف: إي وربّ الحرمَين لأفعلنّ. ونادى عثمان بن حنيف في الناس فتسلّحوا.(1)

يوم الجمل الصغير

أقبل طلحة والزبير وعائشة حتّى دخلوا المِربد، حيّ قديم من أحياء البصرة ؛ وجاء أهل البصرة مع عثمان بن حنيف رُكباناً ومشاة، وخطب طلحة والزبير أنّ عثمان أحدث أحداثاً ثمّ أعتب لمّا استعُتب، وقُتل مظلوماً. واتّهما بذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال قائلون: نَطَقا بالحقّ! وقال آخرون: كذِبا، ولهما كانا أشدّ الناس على عثمان. وارتفعت الأصوات، وأُتي بعائشة على جمَلها، فتكلّمت، وكانت جهوريّة يعلو صوتها كثرة، فقالت: صَهْ صَهْ، فأسكت لها الناس، ثمّ قالت: إنّ عثمان خليفتكم! قُتل مظلوماً... فينبغي في الحقّ أن يُؤخذ قتلته فيُقتلوا به ويُجعل الأمر شورى.(2)

فقال قائلون: صدَقتْ. وقال آخرون: كذَبتْ حتّى تضاربوا بالنّعال وتمايزوا

____________________

(1) المعيار والموازنة: 57 - 58، أنساب الأشراف 3: 24 - 25، تاريخ الطبريّ 3: 480.

(2) العجبُ من أمّ المؤمنين! فهي تطالب بردّ الأمر شورى وهو أمر لم يعمل به أبوها أبوبكر أذ عيّن عمرَ بن الخطّاب بعده، ثمّ عيّن عمرُ ستّةً ليختاروا واحداً منهم مع ترجيح الكفّة التي فيها عبد الرحمان بن عوف، وعلى الآخرين الطّاعة في حال الاختيار وإلاّ يقتلوا! فاختار لهم عثمان بن عفّان. واختار المسلمون وفيهم طلحة والزبير عليّاً، طائعين غير مُكرهين على ما مرّ بنا.


فصاروا فرقتين، فرقة مع عائشة، وفرقة مع ابن حُنيف، وكان على خيل ابن حُنيف: حكيم بن جَبَلة العبديّ. وتأهبّوا للقتال فانتهوا إلى الزابوقة.

وأقبل جارية بن قدامة السعديّ فقال: يا أمّ المؤمنين، والله لقتلُ عثمان بن عفّان أهونُ من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضةً للسلاح ؛ إنّه قد كان لكِ من الله ستر وحرمة فهتكتِ سترك وأبحتِ حرمتكِ. إنّه مَن رأى قتالكِ يرى قتلكِ. إن كنتِ أتيتينا طائعةً فارجعي إلى منزلك، وإن كنتِ أتيتينا مُستكرَهةً فاستعيني بالناس. ثمّ أنشد:

صُنتم حَلائلكم وقُدتم أُمَّكم

هذا لَعمُرك قلّةُ الإنصاف

أمرَت بجرّ ذيولها في بيتها

فهوتْ تشق البيد بالإيجاف

هُتكَت بطلحةَ والزّبير سُتورُها

هذا الـمُخَبَّرُ عنهُمُ والكافي

وأقبل غلام من جُهَينة على محمّد بن طلحة فقال له: ناشدتك الله، عند من دم عثمان؟ فقال: أما إذ ناشدتني الله، فإنّ دم عثمان ثلاثةُ أثلاث: ثلث عند صاحب الكوفة - يعني عليّاً، وثلث عند صاحب الهودج - يعني عائشة، وثلث عند صاحب الجمل الأحمر - يعني طلحة. فسمعته عائشة فقالت: فَعلَ الله بلك وفَعَل! وضحك الغلام وقال: ألا أراني على ضلال! ولَحِق بعليّ وقال في ذلك شعراً:

سألت ابن طلحة عن هالك

بجوف المدينة لم يُقبرَ

فقال: ثلاثةُ رَهْط هُمُ

أماتوا ابنَ عفّانَ، واستعبر

فثلث على تلك في خدرها

وأخطأتَ في الثالث الأزهر(1)

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 482 - 483، الاشتقاق: 145. =


فقلتُ: صَدَقتَ على الأوّلَيْن

وثلثٌ علي راكب الأحَمر

- عن الزهريّ قال: لمّا قدم طلحة والزبير البصرة أتاهما عبد الله بن حكيم التميميّ بكتب كتبها طلحة إليهم يؤلّبهم فيها على عثمان، فقال له حكيم: أتعرف هذه الكتب؟ قال: نعم. قال: فما حملك على التأليب أمس والطلب بدمه اليوم؟ فقال: لم أجد في أمر عثمان شيئاً إلاّ التوبة والطلب بدمه.(1)

التأهّب للقتال:

وتأهّبوا للقتال، فقام طلحة والزبير خطيبين وزعما أنّهما لم يريدا قتل عثمان... فقال الناس لطلحة: يا أبا محمّد، قد كانت كتبُك تأتينا بغير هذا! فقال الزبير: فهل جاءكم منّي كتاب في شأنه؟ ثمّ ذكر قتل عثمان... وأظهر عيب عليّ! فقام إليه رجل من عبد القيس فقال: يا معشر المهاجرين، أنتم أوّل من أجاب رسول الله، فكان لكم بذلك فضل، ثمّ دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلمّا توفّي رسول الله بايعتم رجلاً منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك، فرضينا واتّبعناكم. ثمّ مات واستخلف عليكم رجلاً منكم، فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلّمنا، فلمّا توفّي الأمير جعل الأمر إلى ستّة نفر، فاخترتم عثمان

____________________

= وهي وثيقة صادقة تضاف إلى ما سبق وما يأتي أن القتلة هم أصحاب الجمل لأنّها صادرة من رجل لصيق بالأحداث هو ابن طلحة وإن كذب في بعضها إذ أضاف عليّاً إلى القتلة! ممّا حمل الفتى على مغادرة عسكرهم والانضمام إلى معسكر عليّعليه‌السلام .

(1) أنساب الأشراف 3: 28.

فأمّا التوبة فنعم وأمّا طلب الدم فليبداً بنفسه ومن معه من القتلة!


وبايعتموه من غير مشورة منّا، ثمّ أنكرتم من ذلك الرجل شيئاً فقتلتموه من غير مشورة منّا، ثمّ بايعتم علياً من غير مشورة منّا، فما الذي نقمتم عليه فناقتله؟ هل استأثر بفيء أو عمل بغير الحقّ أو عمل شيئاً تنكرونه فنكون معكم عليه، وإلاّ فما هذا؟! فهمّوا بقتله، فقام من دونه عشيرته، فلمّا كان من الغد وثبوا عليه وعلى من كان معه فقتلوا سبعين رجلاً.(1)

وزحف إليهم عثمان بن حُنيف فقاتلهم أشدّ القتال، فكثُرت بينهم القتلى وفشَت الجراح. ثمّ إنّهم تداعَوا إلى الصُّلح فكتبوا بينهم كتاباً بالموادعة إلى قدوم عليّ، على أن لا يعرض بعضهم لبعض في سوق ولا مشَرعة، وأنّ لعثمان بن حُنيف دار الإمارة وبيت المال والمسجد. فلمّا كان في بعض الليالي بيّتوا عثمان ابن حُنيف وهو يصلّي بالناس العشاء الآخرة، فأسَروه وأمرت عائشة بقتله! ثمّ إنّ القوم استرجعوا وخافوا على مُخلَّفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حُنيف وغيره من الأنصار. فاكتفوا بضربه وحلقوا رأسه ونتفوا لحيته وشاربيه وأشفار عينيه، ثمّ حبسوه. وأرادوا بيت المال فمانعهم الخزّان والموكّلون به وهم السَّبابجة، فقُتل من أولئك السبابجة سبعون رجلاً غير مَن جُرح، ضُربت أعناق سبعين منهم صبراً من بعد الأسر، وهم أوّل من قُتل ظلماً في الإسلام وصبراً، وقتلوا رئيسهم أبا سلمة الزطّيّ، وكان عبداً صالحاً.

وركب حكيم بن جبلة العبديّ، معه إخوته: الرّعل والأشراف ابنا جَبَلة، في

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 486، وأنساب الأشراف، موجزاً ماذا قال الرجل إلاّ أنّه احتجّ عليهم بما هو حقّ، فعمد طلاب الصلح - كذا! - إلى قتله وسبعين رجلاً ؛ فما لكم كيف تحكمون!


ثلاثمائة فارس، فطلب من طلحة والزّبير أن يحلاّ عثمان بن حُنيف ويرجع إلى دار الإمارة وبيت المال، فأبوا عليه ذلك ووقع القتال، فقتل حكيم وإخوته، وقُتل من قوم حكيم سبعون رجلاً. وهذا هو يوم الجمل الصغير ؛ وكانت الوقعة لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ستّ وثلاثين.(1)

التزاحم على الإمامة:

بعد قتل من قُتل، تدافع الزبير وطلحة في الصلاة!! وكانا بويعا أميرين غير خليفتين... ثمّ اتّفقا أن يصلّي هذا يوماً وهذا يوماً.

وأراد الزبير أن يعطي الناس أرزاقهم فقال عبد الله ابنه: إن ارتزقوا تفرّقوا! واصطلحوا على عبد الرحمان بن أبي بكر فصيّروه على بيت المال.(2)

وعن عوف الأعرابيّ قال: جاء رجل إلى طلحة والزبير وهما بالمسجد في البصرة فقال: نشدتكما بالله في مسيركما، أعَهِد إليكما فيه رسولُ الله شيئاً؟ فقام

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 26 - 28، تاريخ الطبريّ 3: 486 - 491، الفتوح 2: 289 - 290، مروج الذهب 2: 358.

أيّ قوم هؤلاء الذين ينافح عنهم ابن تيميه! فهم غُدَّر يأسرون رجلاً بعد صلح وهو في حال صلاة! وعائشة تأمر بقتله، ولو لا خيفتهم على أهلهم بالمدينة لقتلوه ؛ فاكتفوا بما فعلوا به...

وكما أحدثوا أوّل حدث في الإسلام وهو شهادة الزّور، فقد أحدثوا أوّل حدث وهو قتل سبعين أسيراً مسلماً ظلماً وصبراً!!

(2) أنساب الأشراف 3: 27 - 69، الفتوح 3: 290، تاريخ الطبريّ 3: 490 - 491، مروج الذهب 2: 358.


طلحة ولم يُجبه، فناشد الزبير فقال: لا، ولكن بَلَغنا أنّ عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها.(1)

عن أبي عمرة مولى الزبير قال: لمّا بايع أهل البصرة الزبير وطلحة قال الزبير: ألا ألف فارس أسيرُ بهم إلى عليّ، فإمّا بيَّتُّه وإمّا صبّحتُه لَعَلّي أقتله قبل أن يصلَ ألينا! فَلم يُجبه أحد، فقال: إنّ هذه لهي الفتنة التي كنّا نُحدَّث عنها! فقال له مولاه: أتسمّيها فتنةً وتُقاتل فيها؟! قال: وَيْحَك إنّا نُبصِر ولا نبصُر، ما كان أمرٌ قطّ إلاّ علمتُ موضع قدمي فيه غير هذا الأمر ؛ فإنّي لا أدري أمُقبِل أنا فيه أم مُدبِر!(2)

وعن عبد الله بن مصعب قال: أخبرني موسى بن عقبة قال: سمعت علقمة ابن وقّاص الليثي قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة رأيت طلحة وأحبّ المجالس إليه أخلاها وهو ضاربٌ بلحيته على زَوْره - أي أعلى صدره - فقلت له: يا أبا محمّد، أرى أحبّ المجالس إليك أخلاها وأنت ضارب بلحيتك على زَورك، إن كرهت شيئاً فاجلس. قال: يا علقمة، بينا نحن يد واحدة على من سوانا إذ صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضاً. إنّه كان منّي في شيء ليست

____________________

(1) المصنّف لابن ابي شيبة 7: 544 / 3775. فحركة القوم وكلّ حرف صدر منهم محض باطل، فطلحة والزبير أميران! وكلّما كانت صلاة تشاحّا على الإمامة، وليس فيهما أهل للأمانة على بيت المال، والزبير جاء طالب دراهم...!

(2) تاريخ الطبريّ 3: 492. وثيقة إدانة تتبع أختها، فمن قبل بيّتوا ابن حنيف وهو في الصلاة... وها هو يريد تبيت عليّعليه‌السلام فلمّا لم يتمّ له ما أراد أقرّ أنّه في الفتنة سقط، فهلاً استنفذ نفسه منها؟!


توبتي إلاّ أن يُسفَك دمي في طلب دمه!(1)

مسير أمير المؤمنين إلى العراق:

بلغ أمير المؤمنينعليه‌السلام ما أحدث البغاة النّاكثون من قتلهم السّبابجة وحكيم ابن جبلة وأصحابه، وما فعلوه بعثمان بن حُنيف ؛ فسار في سبعمائة من المهاجرين والأنصار منهم سبعون بدريّاً، واستخلف على المدينة سهل بن حُنيف.

وبعثعليه‌السلام ابنه الحسن، وعمّار بن ياسر، إلى الكوفة، فخطبا الناس، فنفر معهما من أهل الكوفة تسعة آلاف، وانضمّ إليهم أهل المدينة والحجاز وأهل مصر... ونزلوا الموضع المعروف بالزاوية. فكانوا تسعة عشر ألف من فارس وراجل، فصلّىعليه‌السلام أربع ركعات، وعفّر خدّيه بالتراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثمّ رفع يديه يدعو: «اللّهمّ ربَّ السماوات وما أظلّت، والأرضين وما أقلّت، وربَّ العرش العظيم ؛ هذه البصرة أسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرّها. اللّهمّ أنزِلنا منها خير منزلٍ، وأنت خير المُنزِلين. اللّهمّ إنّ هؤلاء القوم خلعوا طاعتي وبغَوا عليّ ونكثوا بيعتي، اللّهم احقن دماء المسلمين».

وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء وقال: علامَ تقاتلونني؟ فأبَوا إلاّ

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 492، المستدرك على الصحيحين 3: 419 / 5595 وقال في التلخيص: سنده جيّد.

فهذا طلحة يقرّ على نفسه بما كان منه بشأن عثمان ولا يرى كفّارة ذنبه هذا إلاّ أن يسفك دمه، فهلاّ ذبح نفسه فأراح العباد من فتنة عظيمة...؟!


الحرب.

تعبئة أمير المؤمنين

عبّأ أمير المؤمنينعليه‌السلام عسكره، فكان على خيل ميمنته عمّار بن ياسر، وعلى الرجّالة شُريح بن هانئ، وعلى خيل الميسرة سعيد بن قيس الهمدانيّ، وعلى رجّالتها عَديّ بن حاتم الطائيّ، وعلى خيل الجناح زياد بن كعب الأرحَبيّ، وعلى رجّالتها حجر بن عديّ الكنديّ، وعلى خيل الكمين عَمرو بن الحَمِق الخزاعيّ، وعلى رجّالتها جُندب بن زهير الأزديّ ؛ وأعطى رايته العظمى ابنه محمّد ابن الحنفية. ثمّ جعل على كلّ قبيلة سيّداً من ساداتهم يرجعون إليه في أمورهم ؛ فكان خزيمة بن ثابت الأنصاريّ ذو الشهادتين معه راية، وأبو أيّوب الأنصاريّ معه راية، وقيس بن سعد بن عُبادة معه راية، وأبو قتادة النّعمان بن ربعيّ الأنصاري معه راية، وعبد الله بن العبّاس معه لواء، وعبيد الله بن العبّاس معه راية. وتقدّم الجميع أمير المؤمنين، عن يمينه ولده الحسن، وعن شماله ولده الحسين، وبين يديه ولده محمّد ابن الحنفيّة، وخلفه عبد الله بن جعفر الطيّار ومشايخ أهل بدر من المهاجرين والأنصار.

هذه هي تركيبة جيش عليّعليه‌السلام ، ليس فيها طليق ولا لصيق، ولا خائن أمانة ولا مزوّر شهادة ولا ناكث بيعة، ولا طالب دراهم، ولا دعيّ ولا مجهول النّسب...


مبدأ عليّ في القتال

إنّ مبدأ عليّعليه‌السلام ، في كلّ حروبه: أن لا يبدأ قوماً بقتال. عن جويرية بن أسماء، عن يحيى بن سعيد، قال: حدّثني عمّي قال: لمّا كان يوم الجمل نادى عليّ في النّاس: لا ترموا أحداً بسهم ولا تطعنوا برمح ولا تضربوا بسيف ولا تطلبوا القوم ؛ فإنّ هذا مقام من أفلح فيه فلح يوم القيامة.

قال: ثمّ إنّ القوم قالوا بأجمع: يا ثارات عثمان! فمدّ عليّ يديه وقال: اللّهم أكبّ قتلة عثمان اليوم بوجوههم.

ثمّ إنّ الزبير قال للأساورة كانوا معه: ارموهم برشق، وكأنّه أراد أن ينشب القتال، فلمّا نظر أصحابه إلى الانتشاب لم ينتظروا وحملوا، فهزمهم الله ورمى مروانُ بن الحكم طلحةَ بن عبيد الله بسهم فشكّ ساقه بجنب فرسه، فقبض به الفرس حتّى لحقه فذبحه، فالتفت مروان إلى أبان بن عثمان وهو معه فقال: لقد كفيتك أحدَ قتلَةِ أبيك!(1)

زيادة بيان:

«أمر أميرُ المؤمنينعليه‌السلام أصحابه أن يصافّوهم ولا يبدأوهم بقتال ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح، وأن لا يُجهزوا على جريح ولا يُمثّلوا بقتيل، ولا يدخلوا داراً بغير إذن ولا يشتموا أحداً ولا يلحقوا مُدبراً ولا يَهيجوا امرأة، ولا يأخذوا إلاّ ما في عسكرهم، ولا يكشفوا عورة، ولا يهتكوا

____________________

(1) المستدرك على الصحيحين 3: 418 / 5593.


ستراً.

ثمّ دعا عليّ بالدرع فأفرغه عليه وتقلّد بسيفه واعتجر بعمامته واستوى على بغلة رسول الله...

ونظرت إليه عائشة وهو يجول بين الصفوف فقالت: انظروا إليه كأنّ فعله فعل رسول الله يوم بدر، أما والله ما ينتظر بكم إلاّ زوالَ الشمس. فقالعليه‌السلام : يا عائشة، «عَمّا قَلِيلٍ لّيُصْبِحُنّ نَادِمِينَ »(1) .

ثمّ قال لأصحابه: أيّكم يَعرِض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإن قُطِعت يده أخذه بيده الأخرى، وإن قُطِعت أخذه بأسنانه؟! قال فتى شابّ يقال له: مسلم المجاشعيّ من تميم: أنا ؛ فقال له أمير المؤمنين: أعرض عليهم هذا، وقل لهم: هو بيننا وبينكم من أوّله إلى آخره، والله في دمائنا ودمائكم. فحمل الفتى وفي يده المصحف فقُطعت يداه فأخذه بأسنانه حتّى قُتل. فقالت أُمّه:

يا ربّ، إنّ مسلماً دعاهُم

يتلو كتاب الله لا يخشاهُم

فَرَمَّلُوه رُمِّلت لحاهُم!

ورمى أصحابُ الجمل أصحاب أمير المؤمنين، فعقروا منهم جماعة، ثمّ جيء برجل من أصحابه من الميمنة قد رُمي بسهم فقُتل، فقالعليه‌السلام : اللّهم اشهد. ثمّ أذن بالقتال وهو يقول: الآنطاب الضِّراب. ثمّ دفع رايته إلى ابنه محمّد ابن الحنفيّة وقال: تقدّم يا بنيّ فتقدّم محمّد فطعن في أصحاب الجمل طعناً منكراً وأمير المؤمنين ينظر، فأعجبه ما رأى من فعاله فجعل يقول:

____________________

(1) المؤمنون: 40.


اطعن بها طَعْنَ أبيك تُحمَدِ

لا خيرَ في الحرب إذا لم تُوقَدِ

فقاتل ساعةً ثمّ رجع، وحمل أصحاب الجمل على ميمنة أمير المؤمنين وميسرته فكشفوها، فأتاه بعض ولد عقيل وأمير المؤمنين يخفِق نعاساً على قربوس سرجه، فقال له: يا عمّ، قد بَلَغَت ميمنتك وميسرتك حيث ترى، وأنت تَخفِق نعاساً؟ قال: اسكت يا ابن أخي ؛ فإنّ لعمّك يوماً لا يَعدوه، والله ما يبالي عمُّك وقع على الموت أو وقع الموت عليه. ثمّ ضرب بيده إلى سيفه فاستلّه، وأخذ الراية من ولده محمّد وحمل، وحمل معه الناس فما زال يضرب فيهم يميناً وشمالاً ثمّ رجع وقد انحنى سيفه، فجعل يسوّيه بركبته... ثمّ حمل ثانية حتّى اختلط بهم، فجعل يضرب فيهم قُدماً حتّى انحنى سيفه، ثمّ رجع إلى أصحابه وهو يقول: «والله ما أريد بذلك إلاّ وجه الله والدار الآخرة».

وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ضَبّة، وجعل بنوضبّة يأخذون بَعْرَ الجمل فيفتّونه ويشمّونه ويقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى بعر جمل أمّنا كأنّه المسك الأذفر!!

وعرقب جماعة من عسكر أمير المؤمنين الجمَل فوقع لجنبه... فبادر إليها محمّد بن أبي بكر، بأمر أمير المؤمنين لمواراتها... وجاء عليّعليه‌السلام فقال: يا عائشة، رسول الله أمرك بهذا؟! ألم يأمرك أن تقرّي في بيتك؟! والله ما أنصفك الذين أخرجوك ؛ إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك! فقالت: قد ظفرت فأحسن. فأمر أخاها محمّداً أن يحملها ويدخلها البصرة ولا يدع أحداً يقترب منها، فحملها فأدخلها بيت صفيّة بنت طلحة العبديّ.


وبعد الوقعة نادى أمير المؤمنين في أصحابه: «لا تتّبعوا مولّياً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تنتهبوا مالاً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».

وكانت وقعة الجمل يوم الخميس لعشر ليالٍ خلون من جُمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين. قُتل فيها من أصحاب أمير المؤمنين ألف وسبعون شهيداً، وهلك من أصحاب الجمل عشرون ألفاً.

وقُتل من وجوه أصحاب الجمل: طلحة بن عبيد الله التّيميّ، وابنه محمّد.

وقُتل الزبير بن العوّام، وجُرح ابنُه عبد الله جراحاتٍ بليغة، وجُرح مروان.

وطلحة ابن عمّ أبي بكر وزوج ابنته أمّ كلثوم بنت أبي بكر.

وكانت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله عند عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي بكر، وقد خلف عليها مصعب بن الزبير بن العوّام. وكان الزبير صهر أبي بكر، زوجته أسماء بنت أبي بكر، وولده منها عبد الله بن الزبير. ومروان بن الحكم بن العاص ابن عمّ عثمان وزوج ابنته أمّ أبان بنت عثمان بن عفّان.

فأمّا طلحة فإنّ مروان بن الحكم لمّا وقعت الهزيمة وفرّ أتباع الجمل، سدّد سهماً أصاب قدم طلحة. وقيل: إنّ عبد الملك بن مروان جرح طلحة في جبهته، ورماه مروان بسهمه وقال: لا أطلب بثأري في عثمان بعد اليوم أبداً!

وكان عثمان قد خيّب آمال طلحة والزبير وحرمهما من ولاية الكوفة والبصرة، فتسخّطاه، وكانا فيمن كتب إليه يذكرون له عيوبه. وحين اشتدّ الأمر


على عثمان كان طلحة والزبير قد استوليا على الأمر.(1)

وكانا في القوم الذين حصروه، وقد أشرف عليهم عثمان من جدار داره ثمّ قال: هل فيكم عليّ بن أبي طالب؟ قالوا: لا، فسكت ونزل. وبلغ ذلك عليّاً وهو في منزله، فأرسل إليه غلامه قنبر...، فجاء قنبر إلى عثمان ثمّ قال: إنّ مولاي يقول لك: ما الذي تريد؟ فقال عثمان: أردته أن يوجّه إليّ بشيء من الماء ؛ فإنّي قد مُنِعْتُه وقد أضرّ بي العطش وبَمن معي! فرجع قنبر إلى عليّ فأخبره بذلك، فأرسل إليه عليّ ثلاث قِرَب من الماء مع نفرٍ من بني هاشم، فلم يتعرّض لهم أحد حتّى دخلوا على عثمان، فأوصلوا إليه الماء...

ثم أقبل عثمان حتّى أشرف على الناس ثانية فسلّم عليهم فردّوا عليه سلاماً ضعيفاً، فقال أفيكم طلحة؟ قال: نعم ها أنا ذا، فقال عثمان: سبحان الله! ما كنتُ أظنّ أن أسلّم على جماعة أنت فيهم ولا تردّ عليّ السلام! ثمّ قال: أهاهنا سعد بن أبي وقّاص؟ أهاهنا الزبير بن العوّام؟ فقالا: نعم نحن هاهنا، فقل ما تشاء. فراح يناشدهم الله ويذكّرهم بمناقبه وأنّه لا يجوز لهم قتله، فسمع صوتاً يهدّد بقتله.(2)

وذكر البلاذري أنّ طلحة منع أن يدخل الماء العذب على عثمان، فأرسل عليّ إلى طلحة أن دَع هذا الرجل فليشرب من مائه ومن بئره ولا تقتلوه من

____________________

(1) أنساب الأشراف 6: 211.

(2) الفتوح 2: 219 - 222، مروج الذهب 2: 344.


العطش، فأبى.(1)

وبعث أمير المؤمنين ولديه الحسن والحسين مع مواليه للدفع عن عثمان، وجُرح الحسن وشُجّ قنبر. فلمّا علمعليه‌السلام بمقتل عثمان غضب، فقال له طلحة: لو دفع إليهم مروان ما قتل.(2)

وبذا يتّضح العداء الخفيّ بين طلحة ومروان: فطلحة محرّض على عثمان، فلمّا قُتل عثمان صار محرّضاً على مروان! ثم جمعهم الشيطان ليطالبوا بدم عثمان، فلمّا كانت الهزيمة قتل مروان رفيقه طلحة!!

مزيد بيان في أمر مروان:

إنّ قول طلحة لأمير المؤمنينعليه‌السلام : لو دفع عثمان إليهم مروان ما قتل، ذلك أنّ مروان كان أحد الأسباب المهمّة(3) في إثارة الفتنة ومسير أهل الأقاليم من مصر والعراق...

احتجاجاً على الأحداث التي صارت أيام عثمان وانتهت بمقتله. ولم يكن عند عثمان أحد يفزع إليه ويثق به إلاّ عليّ! ولذا لمّا علم بنزول الثوّار بذي خشب بعث إلى الإمام عليّعليه‌السلام وسأله أن يخرج إليهم ويضمن لهم عنه كلّ ما يريدون من العدل وحسن السّيرة، فسار عليّ إليهم، فأجابوه إلى ما أراد

____________________

(1) أنساب الأشراف 6: 211.

(2) مروج الذهب 2: 345.

(3) لم نتعرّض لأسباب ثورة الأقاليم على عثمان إذ يطول شرحها.


وانصرفوا، فبينما هم في الطريق إذا غلام عثمان مقبل من قبل المدينة، فقرّروه فأقرّ وأظهر كتاباً إلى ابن أبي سرح صاحب مصر وفيه: «إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان، واقتل فلاناً وافعل بفلان كذا...».(1)

وعلم القوم أنّ الكتاب بخطّ مروان، فرجعوا إلى المدينة. فمروان أحد قتلة عثمان! من لون آخر ؛ فعائشة وطلحة والزبير من أشدّ المؤلّبين على عثمان، ومروان يلعب بعثمان ويقلب المواقف ويضيّع جهود أمير المؤمنين عليعليه‌السلام في إطفاء الفتنة. عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: لمّا حصر عثمان الحصر الآخر فلقيهم الآخر فلقيهم عليّ بذي خشب فردّهم عنه، وقد كان والله عليٌّ له صاحب صدق، حتى أوغر نفس عليّ عليه، جعل مروان وسعيد وذووهما يحملونه على عليّ فيتحمل ويقولون: لو شاء ما كلّمك أحد وذلك أنّ عليّاً كان يكلّمه وينصحه ويُغلِظ عليه في المنطق في مروان وذويه، فيقولون لعثمان: هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسلفه وابن عمّه، فما ظنّك بما غاب عنك منه؟!(2)

ولم يتغيّر موقف الإمام عليّعليه‌السلام من نصرته لعثمان في حياته عنه بعد مماته! إذ لمّا قُتل عثمان، فرّ بنو أميّة ومعهم مروان و «خرج به ناس يسير من أهله يريدون به حائطاً بالمدينة يقال له «حشّ كوكب» كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلمّا خرج على الناس رجموا سريره وهمّوا بطرحه، فبلغ ذلك عليّاً

____________________

(1) مروج الذهب 2: 344.

(2) تاريخ الطبريّ 3: 433 - 434.


فأرسل إليهم يعزم عليهم لَيكفُنّ عنه ففعلوا، فدفن في حشّ كوكب».(1)

تفويت عثمان الأمر على طلحة:

ولمّا أدرك عثمان حقيقة الناس وأنّه مقتول لا محال، سعى إلى تفويت الفرصة على عائشة وطلحة «وكان طلحة قد استولى على حصار عثمان مع نفر من بني تيم - قوم عائشة وطلحة - وبلغ ذلك عثمان فأرسل إلى عليّ:

فإن كنتُ مأكولاً فكن خيرَ آكل

وإلاّ فأدركني ولما أُمَزَّق

أترضى أن يُقتل ابن عمّتك وتُسلب ملكك - ويُسلب نعمتك وأمرك -؟ فقال عليّ: صدق والله، لا نترك ابن الحضرميّة يأكلها، يعني طلحة.

ثمّ خرج عليّ إلى الناس فصلّى بهم صلاة الظهر والعصر، وتفرّق الناس عن طلحة، ومالوا إلى عليّ. فلمّا رأى طلحة ذلك أقبل حتّى دخل على عثمان فاعتذر إليه ممّا كان منه! فقال له عثمان: يا ابن الحضرميّة، وألبّت عليّ الناس ودعوتهم إلى قتلي، حتى إذا فاتك ما كنت ترجو وعلاك عليّ على الأمر جئتني معتذراً! لا قَبِل الله ممّن قَبِل منك.(2)

فعاد طلحة إلى التأليب على عثمان، فلَمّا قُتل بايع عليّاًعليه‌السلام ، ثمّ نكث وغدر فلم يُصب من دنياه إلاّ سهم مروان!

وكان عبد الملك بن مروان يقول: لو لا أنّ أمير المؤمنين - كذا! أخبرني أنّه

____________________

(1) نفسه: 438.

(2) أنساب الأشراف 6: 196 و 212، الفتوح 2: 229.


هو الذي قتل طلحة ما تركتُ من ولد طلحة أحداً إلاّ قتلتهُ بعثمان بن عفان.(1)

أخبار الزبير وروايات مقتله:

كتب معاوية إلى الزبير يخدعه: «أن أقبِل إليَّ أبايعْك ومَن يَحضُرني»، فكتم ذلك طلحة وعائشة، ثمّ بلغهما فكُبر ذلك عليهما، وأخبرت عائشة به ابن الزبير، فقال لأبيه: أتريد أن تلحق بمعاوية؟ فقال: نعم، ولِمَ لا أفعل وابن الحضرميّة ينازعني في الأمر؟! ثمّ بدا له في ذلك.(2)

فالزبير على أُهْبة أن يتخلّى عن عسكر الناكثين فينضمّ إلى القاسطين وليس في الأمرين إلاّ الطّمع في الإمرة الّتي قُتل دونها.

والرّوايات صريحة في مقتل الزبير في ساحة المعركة:

عن الزّهري قال: خرج عليّ على فرسه فدعا الزبير فتواقفا، فقال له عليّ: ما جاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلاً و لا أولى به منّا! فقال عليّ: لست له أهلاً بعد عثمان؟!

قد كنّا نَعُدّك من بني عبد المطّلب حتّى بلغ ابنُك ابنُ السوء ففرّق بيننا وبينك. وعظّم عليه أشياء فذكر أن النبيّ مرّ عليهما فقال لعليّ: «ما يقول ابن عمّتك؟ لَيُقاتلنّك وهو لك ظالم». فانصرف عنه الزبير وقال: إنّي لا أقاتلك. ورجع إلى ابنه عبد الله فقال: ما لي في هذه الحرب بصيرة، فقال له ابنه: إنّك خرجت

____________________

(1) الطبقات الكبرى 6: 223.

(2) أنساب الأشراف 3: 53.


على بصيرة ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفتَ أنّ تحتها الموت فجبُنتَ! فأحفَظه ذلك حتّى أرعد وغضب وقال: ويحك! إنّي حلفت له ألاّ أقاتله ؛ فقال له ابنه: كفّر عن يمينك غلامك سرجس، فأعتَقَه وقام في الصفّ.(1)

وذكره الحاكم من طرق عدّة جميعاً عن أبي حرب بن أبي الأسود الديليّ قال: شهدتُ عليّاً والزبير لمّا رجع الزبير على دابّته يشقّ الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله فقال: ما لك؟ فقال: ذكر لي عليٌّ حديثاً سمعته من رسول الله يقول: «لَتُقاتلنّه وأنت له ظالم» فلا أُقاتله. قال: وللقتال جئت، إنّما جئت لتصلح بين الناس ويصلح الله هذا الأمر بك. قال: قد حلفت أن لا أقاتل، قال: فأعتق غلامك جرجس وقف حتّى تُصلح بين الناس، فأعتق غلامه جرجس.(2)

وعن قتادة: خرج عليّ إلى طلحة والزبير، فدنا منهما حتّى اختلفت أعناق دوابّهما، فقال عليّ: لعمري لقد أعددتما خيلاً وسلاحاً ورجالاً إن كنتما أعددتما عند الله عذراً، فأتّقيا الله سبحانه ولا تكونا كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّةٍ أنكاثاً. ألم أكن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي وأحرّم دماءكما؟! فهل من حدثٍ أحلّ لكما دمي؟! قال طلحة: ألّبت الناس على: عثمان!! قال عليّ( يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقّ وَيَعْلَمُونَ أَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ الْمُبِينُ ) (3) يا طلحة، تطلب بدم عثمان؟! فلعن الله قَتَلَة عثمان!

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 53، تاريخ الطبريّ 3: 519 - 520.

(2) المستدرك على الصحيحين 3: 413 / 5575، والتلخيص للذهبيّ.

(3) النور: 25.


يا زبير، أتذكر يومَ مررتُ مع رسول الله في بني غنم فضحك وضحكت إليه فقلتَ: لا يدَعُ ابن أبي طالب زَهوَه! فقال لك رسول الله: «صَهْ! إنّه ليس به زهو، ولتقاتلنّه وأنت له ظالم»؟!

فقال: اللّهمّ نعم: ولو ذكرتُ ما سرتُ مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً. فانصرف عليّ إلى أصحابه ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنتُ في موطن منذ عقلت إلاّ وأنا أعرف فيه أمري، غيرَ موطني هذا. قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب، فقال له ابنه عبد الله: جمعتَ بين هذين الغارّين حتّى إذا حدّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب؟! أحسستَ رايات ابن أبي طالب وعلمتَ أنّها تحملها فتية أنجاد! قال: إنّي قد حلفت ألاّ أقاتله وأحفَظه ما قال له، فقال: كفِّرْ عن يمينك وقاتِلْه. فدعا بغلام له يقال له مكحول، فأعتقه، فقال عبد الرحمان بن سليمان التميميّ:

لم أرَ كاليوم أخا إخوانِ

أعجب من مُكَفِّرِ الأيمانِ

بالعِتق في معصية الرحمانِ!

وقال رجل من شعرائهم:

يُعتقُ مكحولاً لصونِ دينه

كفّارةً لله عن يمينه

والنّكث قد لاح على جبينه!(1)

فلكنث والخروج على إمامه وإراقة الدماء، مع ما قاله له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه

____________________

(1) تاريخ الطبريّ 3: 514.


يقاتل عليّاً ظالماً له، والأحاديث في ذلك أوفر ممّا ذكرنا... كلّ ذلك والزبير وطلحة وصاحبة الجمل طالبو إصلاح؟!

دَورُ ابن عوف في قتل عثمان:

لم يكن عبد الرحمان بن عوف بمنأى عن الأحداث، وإنّما له دور واضح في قتل عثمان! هذا على الرغم من أنّه هو الذي اختار عثمان بن عفّان من بين الستّة نفر الذين عيّنهم عمر بن الخطّاب لاختيار الخليفة بعده، على أن ينظُر في حال الاختلاف إلى الصفّ الذي فيه ابن عوف فيؤخذ كلامه. وقد أثرى عبد الرحمان إثراءً لا مثيل له في حاكميّة عثمان، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من الإنكار على عثمان والتأليب عليه، وكان قد حلف أن لا يكلّم عثمان أبداً. وذُكِر عثمان عند عبد الرحمان بن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال عبد الرحمان: عاجلوه قبل أن يتمادى في مُلكه! فبلغ ذلك عثمان، فبعث إلى بئر كان يُسقى منها نَعَمُ «*» عبد الرحمان بن عوف فمنعه إيّاها. وأوصى عبد الرحمان بن عوف أن لا يُصلّيَ عليه عثمان، فصلّى عليه الزبير، أو سعد بن أبي وقّاص.(1)

هذا هو حال عبد الرحمان بن عوف الزهريّ أحد أصحاب الشورى وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة! لم يختلف عن رفاقه: سعد بن أبي وقّاص، وطلحة والزبير ؛ في مقاطعة عثمان والتأليب عليه والسعي في قتله، تُعينهم وتقودهم أمّ

____________________

(*) أي إبله.

(1) أنساب الأشراف 6: 170 - 171.


المؤمنين عائشة. ولم يكن لعثمان من المبشّرين وأهل الشّورى، صاحبَ صدقٍ ونصرة إلاّ عليّاًعليه‌السلام ، نصح له حيّاً وميّتاً على ما أوجزناه من أخباره، فكيف صار عدوّه يطالب بدمه؟! اللّهمّ إليك المشتكى!

معاملة أمير المؤمنين لعائشة والأسرى

ذكر ابن تيميه أنّ ذنب عليّ! في حقّ عائشة أعظم من ذنب طلحة والزبير ؛ وقد تبين لنا أنّ ذنب طلحة والزبير بحقّ نفسيهما أعظمّ! وفيما أحدثا بحقّ أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وفي حقّ أمّهما أمّ المؤمنين، وقد أعانتهما على نفسها أوّلاً وأخيراً. وأمّا الإمام عليّعليه‌السلام فكان نقيّ الثوب من أيّ أثر من آثار الفتنة، وقد حاربوه وهم ظالمون له، على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصدّقته وهو الصادق المصدّق، الأحداث. ثمّ ما الذي فعل عليّعليه‌السلام وقد ظفر؟ إنّهعليه‌السلام عاتبها عتاباً جميلاً: «يا عائشة، رسول الله أمرك بهذا؟ ألم يأمرك أن تقرّي في بيتك» ولم يزد. وهذا العتاب سمعته من أهل الغيرة والدين من أمثال أمّ المؤمنين أمّ سَلَمة، وابن عبّاس و...

ثمّ حمّلعليه‌السلام وزَرها الذين خانوا دينهم حيث أردف قائلاً: «والله ما أنصفك الذين أخرجوك، إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك». وأمر أخاها محمّداً أن يحملها ويدخلها البصرة ولا يدع أحداً يقترب منها. وقد ذكرنا هذا فيما سلف، إلاّ أنّنا أعدناه للضرورة. فأيّ ذنب عظيم ارتكبه عليّ أمير المؤمنين بحقّها، يا شيخ الإسلام؟! وأين مَن يُبرز أمّه عرضة للسهام والرماح ربّما أدّت إلى قتلها ؛ ولو


قُتلت لتخلّوا عن شعارهم: واعتماناه! فيرفعوا عقيرتهم: وا اُمّاه واعائشتاه!!

ولقد وجدنا سيرة الامام عليّعليه‌السلام في أهل الجمل، في كفّ السلاح ومنع أصحابه أن يبدأوهم ؛ حيث جعل القرآن حكماً بينه وبينهم، فقتلوا حامل المصحف الشريف، ورشقوا جيشَه بالسهام فعقروا جماعة، وبذلك قامت الحجّة، وما هي إلاّ ساعات حتّى كان أصحاب الجمل رماداً اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف.

وبعد الوقعة لم تبتعد السّيرة العلويّة عن السيّرة المحمّديّة فهوعليه‌السلام قرآن ناطق متّبع سنّة، لا يفارق الحقّ مهما عصفت الأمور، والأحاديث من الوفرة في كونه مع القرآن والقرآن معه، وأنّه مع الحقّ والحقّ معه، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل، ومفارقته مفارقة لله ولرسوله.(1)

والإمام عليّعليه‌السلام هو العلامة المائزة بين الإيمان والنّفاق، عن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله «صلّى الله عليه وآله»: «لا يُحبُّ عليّاً منافق، ولا يُبغضه مؤمن».(2)

____________________

(1) صحيح الترمذيّ 5: 633، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 570، أنساب الأشراف 2: 350، 383، المستدرك على الصحيحين 3: 124، تاريخ بغداد 2: 186، الاستيعاب 4: 170، الإصابة 4: 171، أسد الغابة 6: 270، فرائد السمطين 1: 178، الصواعق المحرقة 75.

(2) مسند أحمد 1: 84، صحيح الترمذيّ 2: 301، سنن ابن ماجة، المقدّمة 114، سنن النسائي - في الإيمان - 8: 117، تفسير فرات 115، المستدرك على الصحيحين 3: 129، تفسير الحبريّ 350، المحاسن والمساوي للبيهقيّ 1: 290، تاريخ بغداد 2: 255، مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 137، حلية الأولياء 6: 294، بشارة المصطفى للطبريّ 64، 67 وغيرها، الرياض النضرة 2: 214، كفاية الطالب 69، تذكرة الخواصّ 15.


فهل الخروجعليه‌السلام وقتاله إلاّ عن بغض له، ومفارقة للحقّ؟! ومع ذا، فقد نادى في أصحابه كما نادى أخوه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم فتح مكّة: «لا تتّبعوا مُوَليّاً، ولا تُجهزوا على جريح، ولا تنتهبوا مالاً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن».

تسيير عائشة إلى المدينة

بعث أمير المؤمنينعليه‌السلام عبد الله بن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عبّاس، أخطأت السنّة المأمور بها ؛ دخلت إلينا بغير إذنا، وجلست على رحلنا إلاّ بإذنك وما جلسنا على رحلك إلاّ بأمرك، وإنّ أمير المؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة والتأهّب للخروج إلى المدينة ؛ فقالت: أبيتُ ما قلتَ وخالفتُ ما وصفتَ! فمضى إلى أمير المؤمنين فخبّره بامتناعها، فردّه إليها وقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليك أن ترجعي، فأنعمت وأجابت إلى الخروج.

وجهّزها أمير المؤمنين وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي وُلده وفِتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من هَمْدان، فلمّا بَصُرت به النّسوان صِحنَ في وجهه وقلن: يا قاتل الأحبّة! فقال: لو كنتُ قاتل الأحبّة لقتلتُ مَن في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه: مروانُ بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عامر، وغيرهم فضرب من


كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لمّا علموا من في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه، فسألَتْه عائشة أن يؤمّن ابن أختها عبدَ الله بن الزبير، فأمّنه وأمّن مروان والوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أميّة، وأمّن النّاس جميعاً.

خروج عائشة:

خرجت عائشة من البصرة وقد بعث معها أمير المؤمنين أخاها عبد الرحمان بن أبي بكر وثلاثين رجلاً وعشرين امرأة ذوات الدين من عبد القيس وهمدان وغيرهما، ألبسهنّ العمائم وقلّدهنّ السيوف وقال لهنّ: لا تُعلِمنّ عائشةَ أنّكنّ نسوة، وتلثَّمَن كأنّكنّ رجال وكُنّ اللاّتي تلين خدمتها وحملها. فلمّا أتت المدينة قيل لها: كيف رأيتِ مسيرك؟ قالت: كنت بخير والله، لقد أعطى عليّ بن أبي طالب فأكثر، ولكنّه بعث معي رجالاً أنكرتُهم، فعرّفها النسوة أمرهنّ فقالت: ما ازددتَ واللهِ يا ابن أبي طالب إلاّ كرماً!(1)

بالله عليك يا شيخ الإسلام والإمام المطلق: ما هو ذنب عليّ أمير المؤمنين في حقّ عائشة وهذه هي سيرته معها، وقد شَهِدَتْ هي له، قبل الوقعة وأثناء ها، ولمّا وضعت الحرب أوزارها.

وهذا قولها الأخير الذي ختمنا به حديثنا عن وقعة الجمل ؛ فعليّ لم يصنع إلاّ خيراً، ولم ينتقل إلاّ من كرمٍ إلى كرم!

____________________

(1) أنساب الأشراف 3: 28 - 51، الأخبار الطوال 144 - 152، تاريخ الطبريّ 3: 513 - 548، الفتوح 2: 308 - 343، مروج الذهب 2: 357 - 372.


الفهرس

سبَقُ عليّ عليه‌السلام إلى الإسلام 3

جوابنا وبالله التوفيق. 3

الناس الذين قالوا بسَبْقِ عليّ عليه‌السلام.... 5

حديث العشيرة 8

كرامة عليّ عليه‌السلام.... 12

ولادة الحسن. 12

حجّة بيّنة 15

النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يصف عليّاً عليه‌السلام.... 15

خطبة الحسن عليه‌السلام.... 16

شهادة أميرالمؤمنين بحقّ نفسه 16

المؤاخاة 17

زيد بن أرقم. 39

أنس بن مالك.. 40

أحاديث المؤاخاة عن طريق أهل البيت عليهم‌السلام: 43

أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام: 43

الحسن بن عليّ عليهما‌السلام..... 45

حديث العشيرة 53

آية الولاية «التصدّق حال الركوع». 59

تكذيب نزول آية الولاية في أمير المؤمنين عليه‌السلام.... 59

حديث الراية وفتح خَيْبر. 68

جوابنا: 70

خَيْبر: 71

فرار الزبير. 72


إعراض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الزبير. 73

حسَدُ الزبير لأبي دجانة 73

اعتزال عمر وطلحة القتال. 74

إمرأة تذود عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.... 75

يهوديّ يمضي شهيداً 76

فائدة 76

موقف أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام.... 77

جهادُ عليّ عليه‌السلام يومَ أُحد. 78

عدد قتلى أميرالمؤمنين عليه‌السلام يوم أحد. 81

عودٌ على خَيْبر. 85

شِعرُ حسّان بن ثابت في المناسبة: 87

الفرار من التبليغ! 87

الفرار على لسان أميرالمؤمنين عليه‌السلام.... 89

الفتحُ المـُبين. 91

الصحابة يتمنَّون الراية 92

سعد يردع معاوية 93

سعد يقمع مُبغضي عليٍّ عليه‌السلام.... 94

الراية من خصائص عليّ عليه‌السلام.... 95

المصادر 95

جملة عارضة: 101

الخوارج. 101

رفعُ المصاحف.. 102

الفتنة 103

الهُدنة 104

رفض التحكيم. 104


وقفة تأمّل. 105

مناظرة ابن عبّاس للخوارج. 106

وقفة تأمّل أخرى. 107

مقتل عبد الله بن خَبّاب بن الأَرَتّ.. 108

سؤال. 109

مناظرة أمير المؤمنين عليه‌السلام للخوارج. 110

تعقيب.. 111

الأخبار والآثار الواردة في الخوارج. 111

الحثّ على قتل الخوارج؛ واختصاص أميرالمؤمنين بذلك.. 116

التفريع الثالث.. 117

التفريع الرابع. 118

منزلة دعوان. 120

عصمة أهل البيت عليهم‌السلام.... 122

حديث الثّقلين. 123

آية المباهلة 123

تتويج أميرالمؤمنين عليّ عليه‌السلام وليّاً للمسلمين. 125

الاستدلال بالحديث.. 126

حديث المنزلة 126

مصادر حديث المنزلة 127

حديث الطّير. 129

احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل عليّ عليه‌السلام.... 131

حديث رد الشمس.. 136

حال عبيد الله بن موسى، وفضيل بن مرزوق: 142

أقوال العلماء فيه 144

خلاصة الأقوال في عبيد الله بن موسى: 146

فضيل بن مرزوق: 147


أقوال العلماء فيه 148

خلاصة أقوال العلماء في فضيل بن مرزوق. 152

منزلة في رجال الجرح والتعديل: 168

حكم العلماء على مَن لبّس على ابن عقدة حديث ردّ الشمس.. 169

جُوَيرية بنت مُسْهِر! 174

ترجمة أحمد بن صالح. 176

منزلته العلميّة: 177

خلاصة الأقوال في أحمد. 179

الكلام في الحديث.. 180

حرمة الحجر الأسود 182

الحجر يمين الله. 184

حُرمة الكعبة، والتعوّذ بالبيت.. 184

تكريم البيت.. 186

ضيوف الرحمان. 187

حرمةُ المؤمن. 188

تفاوت منازل المؤمنين. 190

النظر إلى وجه عليّ عبادة 191

مثَلُ عليّ في الأُمّة 193

أقوال العلماء في الحديث: الگنجيّ الشافعيّ: 201

سبط ابن الجوزيّ. 203

وقفة تأمّل في المصادر والرّواة 212

لفظ الحديث.. 212

الحسين بن عليّ عليه‌السلام.... 214

عود الشمس بعد مغيبها - لنبيّ الله سليمان عليه‌السلام -. 219

القصّة في القرآن. 220


تفسير الطبريّ. 221

ظهور الضمير في الشمس.. 233

النتيجة: 234

كرامات أعظم من ردّ الشمس.. 235

الله عزّ وجلّ يزور أحمد. 235

تتويج أحمد. 236

أحمد قسيم الجنّة 237

عليّ قسيم النار والجنّة 242

أحمد يكلّم زائريه! 245

الملائكة تقيم العزاء على موت أحمد. 246

استجابة دعاء آمنة 247

قلمُ العلماء لُقاح. 248

اعتذار الملكَين من أحمد. 248

عوائد زوّار أحمد. 249

الخليل يردّ على سِماك بصرَه 250

استجابة دعوة سعد. 252

تبليغ براءة 252

نقض النقض.. 252

حديث براءة 253

رواة حديث.. 253

فائدة: 255

المصادر 257

لفظ الحديث.. 262

فائدة 263

آية النجوى. 264

جوابنا، وبالله التوفيق: 264


سند الحديث.. 268

عبد السلام بن حرب: 271

خاتمة البحث.. 277

آية الأُذُن الواعية 279

سند الحديث.. 280

أقوال العلماء في هشام بن عمّار 281

الوليد بن مسلم القرشيّ الدمشقيّ مولى بني اُميّة 281

قول العلماء فيه 282

الأقوال في عليّ بن حوشب.. 284

النتيجة 286

المصادر 289

حديث «أنا مدينة العلم وعليّ بابها». 290

محاكمة الحديث سنداً ومتناً 290

من أخبار الحسين بن فهم. 298

ترجمة أبي الصّلت: 299

نتيجة البحث.. 305

القول في أبي الصّلت.. 309

حال أبي الصّلت ومذهبه 310

نتيجة البحث.. 311

نتيجة البحث.. 315

حديث الغدير 340

ولي، ومولى: 346

غدير خمّ: 349

رواة حديث الغدير: 351

المصادر: 354


لفظ الحديث: 359

سيرة عَمْرو 377

نسب عمرو 380

غانمة تنشر مسبّات الشجرة الملعونة 384

زندقة العاصي. 389

حديث المستهزئين. 390

الاحتجاج بحديث الغدير 391

الاحتجاج يوم الشورى. 392

احتجاج المأمون على الفقهاء: 397

احتجاج عمر بن عبد العزيز 401

كلمات العلماء في الحديث.. 402

حديث الثّقلين. 405

احتجاج ابن عبّاس بالحديث: 413

حديث أمّ سلمة 415

حديث الفراقد. 418

سند حديث الفراقد: 418

حديث السفينة 427

أهل البيت عليهم‌السلام أمان لأهل الأرض: 435

وقعة الجمل. 436

جوابنا: 439

النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يحذّر عائشة: 440

أوّل شهادة زور في الأسلام: 442

حقيقة الأمر 447

بيعة أمير المؤمنين عليه‌السلام.... 447

وضع الأقاليم: 450


عود على الجمل: 453

صفقةٌ خاسرة: 455

عائشة وأم سلمة: 455

الإعداد للحرب: 457

التزاحم على إمامة الصلاة: 458

وقفة قصيرة: 459

يوم الجمل الصغير. 461

التأهّب للقتال: 463

التزاحم على الإمامة: 465

مسير أمير المؤمنين إلى العراق: 467

تعبئة أمير المؤمنين. 468

مبدأ عليّ في القتال. 469

زيادة بيان: 469

مزيد بيان في أمر مروان: 474

تفويت عثمان الأمر على طلحة: 476

أخبار الزبير وروايات مقتله: 477

دَورُ ابن عوف في قتل عثمان: 480

معاملة أمير المؤمنين لعائشة والأسرى. 481

تسيير عائشة إلى المدينة 483

خروج عائشة: 484


ابن تيميه الجزء ٢

ابن تيميه

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: حبيب طاهر الشمري
المحقق: جعفر البياتي
تصنيف: شخصيات إسلامية
الصفحات: 492