بسم الله الرحمن الرحيم
منهاج السالكين
حبيب طاهر الشمري
مقدّمة
نُكِب العالم الإسلاميّ بعاديات لو لا العناية الإلهيّة لأتت عليه، فما كان يبقى للإسلام اسم ولا رسم! أخطرها وأمضّها: فتّان أشرب في قلبه الشّيطان؛ فتنشّب في موالاة الفاسقين، وتنشّط في معاداة الصّالحين، وهو في كلّ ذلك متستّر بالدّين، مع ذلاقة في اللّسان يحتبل بها ضعاف النّفوس والعقول في حبائله. فهو بذلك أخوفُ على كيان المسلمين من العدوّ الخارجيّ الزّاحف من هذا الحدب وذاك الصوب؛ لأنّه يُشتّت الجماعة ويشغل بعضها ببعض في اقتتال وحرب كلاميّة.
وقد شهد النّصف الثاني من القرن السابع الهجريّ أحداثاً جساماً عصفت بكيان العالم الإسلاميّ؛ إذ انحدرت يأجوج ومأجوج - المغول - في إعصار لم تثبت إزاءه الممالك والإمارات، وخُرّبت مدن فأصبحت أثراً بعد عين، وتطوّق الأمراء بنير العبوديّة وركعوا صاغرين في حضرة سلطان المغول.
وتوّجت تلك الوقائع بدخول المغول بغداد بيسر، وقتل آخر حاكم عبّاسيّ.
إنّ ما حلّ بساحة بغداد وحاكمها وأسرته، قد مهّد له ضعف حاكميّة هذا البلد الّذي بنى وجوده على أساس من العسف والجور وغصب الحقّ من أهله، واستشراء الفساد في القصر العبّاسيّ الّذي بات بؤرة موبوءة بالدسائس والمؤامرات: الأب يأتمر بابنه، والابن يسعى لقتل أبيه تعينه في ذلك أُمّه، وهكذا الحال بين الأخ وأخيه. وللمرأة يد طولى في تحريك وتثوير الأمور، وللعنصر الأجنبيّ دور ليس بقليل في إفساد سياسة الراعي مع رعيّته؛ فمنه المغنّي ونساء اللّهو وأمّ الحاكم وزوجته، وبعض قادة الجيش، والمتنفّذون.
وقد ذكروا أنّ هولاكو أمر بأن يفرز جميع النّساء اللّواتي باشرهنّ المستعصم وبنوه،
فعزلن عن غيرهنّ فكنّ سبعمائة امرأة أخرجن ومعهنّ ألف وثلاثمائة وصيف وخادم!
وفي كلّ نوبة أمحض الوزيرُ ابنُ العلقميّ المستعصم النُّصح والرأي في معالجة المغول تبادر رجال السّوء ممّن حسد ابن العلقميّ حظوته عند المستعصم، فما يزالون بالمستعصم ليستزلّوه، وهكذا حتّى وقعت النوبة. ولم يكن لبغداد جيش يطمّ عين الشمس كما كان لهولاكو الّذي زادته نشوة انتصاراته في الأصقاع الأخرى عزماً على السياحة في بغداد! حتّى إنّه أرسل إلى المستعصم يطلب منه مجانيق ليدكّ بها بغداد!!
هذه إلماحة إلى ما كان عليه عالمنا المسلم، أشرنا فيها إلى نقاط الضعف حيث كانت عاصمة المسلمين يانعةً ثمارها جاهزة ليقطفها من رامها، مغوليّ أو غير مغوليّ لم تنته الفواجع عند هذا الحدّ، إذ انبعثت الفتنة من الداخل، وما زالت آثارها حتّى عصرنا، متمثّلة اليوم بالحركة الإرهابيّة الّتي أطلق عليها: «الدّعوة الوهّابيّة» نسبة إلى صاحبها: ابن عبد الوهّاب النجديّ الّذي اقتفى أثر ابن تيميّة، وتلميذه ابن قيّم الجوزيّة، وهما قريبا عهد من تلك الحوادث؛ فقد تشطّرا ضرع الشّيطان، وجاءا بأفائك وبدع أصّلا عليها أفكارهما، وكفّرا من خالفهما، وكفّرهما فقهاء عصرهما من مختلف المذاهب. وبموجب ذلك أهينا على أعين الملأ وأودعا السّجن حتّى هلك الأوّل - ابن تيميّة - في قلعة دمشق، وواتت الثاني الفرصة ليمتدّ به العمر سنين أخرى، حاملاً لواء الفتنة وناشراً أفكار أستاذه ومذهبه. ولما كنّا قد تناولنا في بحث «ابن تيميّة: عقيدته وآراؤه» (1) جانب العقيدة التي يقول بها الأستاذ وتلميذه الّتي تفضي إلى القول بالتحيّز وتجسيم ذات الله تعالى، فنقصر بحثنا هنا على بعض آراء وأقوال ابن القيّم هي أصداء آراء شيخه وحذو القذة بالقذة، وبما يناسب العنوان الّذي اخترناه لبحثنا «منهاج السالكين»، ليكون مناسباً لكتابه «مدارج السّالكين بين منازل إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين». ونقدّم لذلك بتعريف موجز بالرّجُل.
ودعاؤنا إليك ربّنا في كلّ آن: ( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) صراط محمّد صلواتك عليه وعلى آله، وأوليائه الصّالحين، وثبّتنا بالقول الثابت واهدنا ربّنا إلى الطيّب من القول إنّك تهدي من تشاء إلى صراطك المستقيم.
____________________
(1) بحث لم نفرغ بعد من إتمامه.
الفصل الأوّل
ترجمة ابن قيّم الجوزيّة
هو محمّد بن أبي بكر بن أيّوب بن سعد الزَّرْعيّ (1) الدِّمشقيّ. ولد بمدينة دمشق سنة 691 هـ، وتوفّي بها سنة 751 هـ. (2)
وعن وجه تسميته: «ابن قيّم الجوزيّة» فذلك لأنّ أباه كان قيِّماً على مدرسة «الجوزيّة» في دمشق. (3)
مذهبه: كان ابن القيّم حنبليّ المذهب، وكذلك كانت أسرته. ولما كان أستاذه - ابن تيميّة - حنبليّ النشأة، فمن المؤكّد أن يظهر أثر ذلك في عقيدة ابن القيّم وآرائه الفقهيّة!
دراسته: درس ابن القيّم وتتلمذ على علماء عصره، من علماء المذهب الحنبليّ. إلاّ أنّه أشرب في نفسه الولع بابن تيميّة والإكبار له، فتعشّق آراءه وفتاواه الّتي تكاد تشكّل مذهباً مستقلاًّ! فطاله بعض ما حلّ بساحة ابن تيميّة من نقمة وعقاب.
قال الشوكانيّ: «العلاّمة الكبير المجتهد المطلق المصنّف المشهور، ولد سنة 691 هـ، وسمع من ابن تيميّة، ودرس بالصدريّة، وأمّ بالجوزيّة، وأخذ الفرائض عن أبيه وتبحّر في معرفة مذاهب السّلف، وأخذ الأصول عن الصفيّ الهنديّ، وابن تيميّة، حتّى كان لا يخرج
____________________
(1) نسبة إلى أزرع في جنوبي سوريا.
(2) مدارج السّالكين لابن القيّم 1: 5.
(3) الفوائد لابن القيّم 5. وفي كتاب «ابن تيميّة، حياته وعصره، لمحمّد أبو زهرة ص 526: كان أبوه قيّم الجوزيّة، ثمّ أطلق القول عن الإضافة فقيل ابن القيّم».
عن شيء من أقواله؛ بل ينتصر له في جميع ذلك. وهو الذي نشر علمه بما صنّف من التصانيف الحسنة المقبولة». (1)
وذكر أبو زهرة: «إنّه كان القائمَ على تركة شيخه من بعده من حيث التحرير والتأليف والمجادلة والمناظرة، وهو أصغر من ابن تيميّة بنحو ثلاثين سنة، فكان ابن تيميّة منه بمنزلة الوالد الشّفيق. وقد نشأ حنبليّاً كشيخه». (2)
ولما كان عصره مشحوناً بالصراعات والفتن، ولم يكن شيخه بمنأىً عن ذلك؛ فمضافاً إلى فتنته الّتي أثارها في حقل العقيدة والفتوى، وحوقق لأجلها أكثر من مرّة وسجن مرّات عدّة؛ كان آخرها أنّه لم يخرج من غيابة السجن إلاّ وهو جسد من غير روح.
ولم يكن ابن تيميّة منصفاً وهو يخوض مثل هذه المعركة، فقد وظّف قلمه لشتم فريق من المسلمين هم الشّيعة أتباع مذهب أهل البيت عليهمالسلام والعجب منه أنّه لم ينله أحدٌ منهم بشيء من الأذى.
ولم يقف عند حدّ السّباب المقذع الّذي طفحت به مصنّفاته كلّها، وإنّما وصمهم بما ليس فيهم ولقد أفرد بعضها مثل «منهاج السُّنّة» في أربعة أجزاء، لتكذيب الأحاديث المشتهرة ممّا جاء في فضائل عليّ عليهالسلام ، وجعل ذلك وصلة للإيقاع بالشّيعة.
أمّا عمليّاً: فإنّ ابن تيميّة لما أخفق في محاولته التقرّب إلى التتار، عمد إلى إقناع النّاصر في تجهيزجيش قاده ابن تيميّة نفسه، فقتل الكثير من الشّيعة في الجبل السّوريّ، وخرّب بيوتهم، وأبار أشجارهم.
فلا غرو أن يثني ابن القيّم وسادته لإحياء روح شيخه من خلال استكماله منهجيّة ما كتب وصنّف.
ويتّضح هذا الأثر السّلبيّ فيما كتبه في الفرق الإسلاميّة: «وعني عناية خاصّة بدراسة الفرق الإسلاميّة برعاية شيخه ابن تيميّة، حيث أخذ عنه الكثير، ولازمه طوال حياته، وأولع في كتاباته وانكبّ على دراستها وقام بتهذيبها وتبويبها ونشرها بين النّاس. وكان
____________________
(1) البدر الطّالع لمحمّد بن عليّ الشوكانيّ 2: 143.
(2) ابن تيميّة حياته وعصره، أبو زهرة: 526.
ينتصر له في جميع ما يصدر عنه». (1) غمس ابن القيّم قلمه في دواة ابن تيميّة، فنال من علماء عصره، وقفا أثر شيخه في مسألة شدّ الرِّحال لزيارة مرقد النّبيّ صلىاللهعليهوآله مع غرور ظاهر فيما كان يصرّح به أو يخطّه.
قال الذّهبيّ في «المختصر»: «جلس مرّة لإنكار شدِّ الرِّحال لزيارة قبر الخليل، ثمّ تصدّر للاشتغال ونشر العلم، ولكنّه معجب برأيه جريء على أمور». (2)
وعن السرّ جرأة ابن القيّم هذه، قال الشوكانيّ:
«ونعمت الجرأة! وأظنّها سرت إليه من بركة ملازمته لشيخه ابن تيميّة، في السرّاء والضّرّاء، والقيام معه في محنته ومؤاساته بنفسه، وطول تردّده إليه، فإنّه ما زال ملازماً له من سنة «712» إلى تاريخ وفاته.
وحكي عنه قبل موته بمدّة: «أنّه رأى شيخه ابن تيميّة في المنام، وأنّه سأله عن منزلته، فقال: إنّه أنزل فوق فلان وفلان، وسمّى له بعض الأكابر، ولكن أنت في طبقة ابن خزيمة». (3)
السجن: تصدّى له علماء عصره فنالوا منه مثلما نال منهم، وصدرت الفتاوى بوجوب حبسه مع ابن تيميّة، فحبس وعذّب وأهين، وطيف به على جمل مضروباً بالدّرّة، فلمّا مات ابن تيميّة أفرج عنه. (4)
ولقد كان الشوكانيّ صادقاً في تفسيره مسلك ابن القيّم، وتعليله لمنهجه الفكريّ، في قوله: «... سرت إليه من بركة ملازمته لشيخه ابن تيميّة...»، إذ جمع شتات نفسه وتفكيره للإقذاع والرمي بالأفائك، ليس لمن راماه بنبل التفسيق وقرعه بالعصيّ على رؤوس
____________________
(1) مدارج السّالكين 1: 5 (مقدّمة المحقّق).
(2) البدر الطّالع 2: 143.
(3) نفس المصدر 2: 145. «ابن خزيمة هو عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاريّ الأوسيّ. تابعيّ، مدنيّ. يروي عن أبيه، وابن عبّاس. روى عنه هشام بن عروة والزّهريّ. مات سنة خمس ومائة. وثّقه العجليّ: تاريخ الثّقات 353 / 1211 ووثّقه النّسائيّ، وابن حبّان: تاريخ البخاريّ الكبير 3: 2 / 498؛ الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم الرّازيّ 3: 1: 365؛ الثّقات: ابن حبّان 2: 402 / 3071؛ والتقريب لابن حجر العسقلانيّ، ترجمة 4844».
(4) نفس المصدر؛ مدارج السّالكين 1: 5 (مقدّمة المحقّق).
الأشهاد؛ وإنّما صرف همّه في ذلك للشّيعة وإمامهم عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، والمنافحة الباطلة عن الشجرة الملعونة في القرآن: «بنو أميّة»، ورجال السّوء من أنصارهم، أمثال عمرو بن العاص أليست هذه هي بركة ملازمته لشيخه وهذا هو منهج شيخه فيما صنّف؟!
وعُمدة ابن القيّم فيما يسطّر: «قاله الإمام أحمد بن حنبل، وتبعه ابن الجوزيّ في «الموضوعات». وإنّ الشيخ ابن تيميّة قد أطال في بيان بطلان حديث كذا أيّما إطالة في كتابه «منهاج السّنّة»، وتابعه في ذلك من تلامذته الحفّاظ الأئمّة: الذهبي، وابن كثير». فالماء واحد، والحادي هو الحادي!
مصنّفات ابن القيّم
ترك ابن القيّم مجموعة ليست بالقليلة من الكتب ضمّنها أحكاماً شرعيّة، كان ابن تيميّة، والمترجم له يفتيان بها. وعقيدتهما في ذات الله تعالى، وعالم البرزخ؛ وما أثاراه من مسألة زيارة النبيّ صلىاللهعليهوآله والأولياء.. ترتكز على أسس حنبليّة، وتخالف المذاهب الأخرى مخالفة شديدة، حتّى يصحّ أن يقال: إنّ ما جاءا به يشكّل مذهباً جديداً مستقلاًّ وربّما صحّت تسميته بالمذهب التّيميّ، نسبة إلى ابن تيميّة.
وتبقى مسألة الإساءة للمسلمين الشّيعة وشتمهم هي السمة الغالبة الملموسة في كلّ ما سطّر وطرّس. وممّا خلف: اجتماع الجيوش الإسلاميّة على حرب المعطّلة والجهميّة، إعلام الموقعين عن ربّ العالمين، إغاثة اللّهفان في حكم طلاق الغضبان، إغاثة اللّهفان من مصايد الشّيطان، تحفة الودود في أحكام المولود، تفسير المعوّذتين، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشّافي، الرّوح، زاد المعاد في هدي خير العباد، شفاء العليل، الطّرُق الحكميّة في السياسة الشرعيّة، الفوائد، الكافية الشّافية في الفرقة النّاجية، مدارج السّالكين، مفتاح دار السعادة، هداية الحيارى، الوابل الصيّب من الكلم الطيّب، الرّسالة التبوكيّة، وغيرها. وجميع هذه الكتب مطبوع .
الفصل الثاني
مطارحات فكريّة في آثار ابن قيّم الجوزيّة
حان أن نجول في تآليف ابن القيّم وننظر في دعاواه.
قال في كتابه ( المنار المنيف في الصحيح والضّعيف ): حديث «أكذَبُ النّاس الصبّاغون والصوّاغون» (1) ، قال: يقول فيه ابن تيميّة: والحسُّ يردُّ هذا الحديث، فإنّ الكذب في غيرهم أضعافه فيهم، كالرّافضة فإنّهم أكذب خَلْق الله» (2) . قيل: ما ظنّك بجارِك؟ قال: ظنّي بنفسي.
إنّ المرء ليتساءل: أيّ ملازمة بين هذا الحديث وبين الشّيعة؟ فالمنهج العلميّ يقتضي صدق الحديث أو طرحه لضعف سنده ومتنه. أمّا أن نحمّله ما لا يحتمل ونجعل منه وسيلة لتحقيق مآرب سوء، فهو الإفك والبهتان عينه؛ وبعلّة الورشان يأكل رطب المشان! (3)
وإلاّ فإنّهما لو صدقا - وقلّما صدقا - فهل يشقّ عليه صلىاللهعليهوآله أن يسمّي الرّوافض كما سمّى بني أميّة والخوارج والنّاكثين والقاسطين؟!
ودليل ابن القيّم على أنّ الشّيعة أكذب خلق الله، ما رفع به شيخه (4) عقيرته كالملدوغ
____________________
(1) المنار المنيف 52، حديث رقم (60).
(2) نفس المصدر؛ منهاج السُّنّة لابن تيميّة 1: 13؛ علم الحديث له: 465.
(3) الورشان: طائر يشبه الحمام. والمشان: نوع من التّمر - من أطيبه. أي أنّ الصّائد بحجّة سعيه في أثر الصّيد يدخل بين النَّخل فيأكل التمر. يضرب لمن يظهر شيئاً والمراد منه شيء آخر.
(4) في منهاج السّنّة 1: 13: إنّ الرّافضة أكذبُ الطّوائف، وإنّ أصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد!
يقذف خيار المسلمين بأشدّ القوارص الّتي هو أولى بها لتحقّقها فيه واشتهاره بها. إنّ الشّيعة الّذين وصمهم ابن تيميّة بالكذب، وشايعه ابن القيّم على ذلك، ينصّ فقههم على أنّ من الكبائر: الشّرك بالله تعالى، والكبر، والمحاربة لأولياء الله تعالى، والغيبة، وشهادة الزّور، وإنكار ما نزّل الله تعالى، والكذب، والبهتان.. وما إليها.
فأيّ واحد منها لم يكن من خصال الرّجلين - ابن تيميّة، وابن القيّم - وكأنّها طباع مركوزة في نسيج نفسيهما؟! ألم يصفهما من عاصرهما ومن جاء بعد، بالتّيه والكبر؟! وأيّ حرب لأولياء الله تعالى أكثر من تلك الفتنة الّتي أثاراها في تحريم شدّ الرّحال لزيارة البقاع المباركة الطّاهرة لرسول الله صلىاللهعليهوآله ، وآله الطّاهرين، والتنقيص من المراتب التي رتّبها الله تعالى وأنزلهم منازلها؟! ولقد طفح كيلهما بالسبّ والغيبة لجمهور واسع من المؤمنين وعلمائهم؛ الحيّ منهم والميّت على سواء! وأيّ شهادة زور أعظم من النعيق بفضائل معاوية، ويزيد، وعمرو بن العاص.. ووضع الأحاديث بفضائلهم؟! وهو كذب على رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وهو من الكبائر، مع نفيهما لكلّ حديث ثابت محقّق عند الفرقاء جميعاً يثلب عصابة الزّيغ والضّلال.
وهما وإن لم ينكرا ما أنزل الله تعالى، لكنّهما صرفا القول العزيز لغير مناسبته، وأولاه لتصديق ما ادّعياه، وكذّبا أن يكون قد نزل شيء في عليّ عليهالسلام خاصّة.
وهذه وغيرها من خصال ابن تيميّة وابن القيّم، أسخطت عليهما علماء عصرهما من المذاهب الثلاثة: الشّافعيّ، والمالكيّ، والحنفيّ، فحكموا عليهما بالفسق تارة وبالزّندقة والكفر أخرى، ولم ينتصر لهما حتّى القاضي الحنبليّ. لقد نهانا الباري سبحانه عن قبول شهادة الفاسق في قوله: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) . (1)
وقد ألزم علماء المذاهب ابن تيميّة بالنّفاق لقوله: إنّ عليّاً عليهالسلام أسلم صبيّاً لا يدري ما يقول! وإنّ أبا بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول.
وإنّه لمن العجب أن نجد في عيبة هذا المائن - ابن تيميّة - شيئاً من الإقرار بفضيلة من
____________________
(1) الحجرات / 6.
فضائل أهل بيت العصمة عليهمالسلام ، فكيف إذن لو أراد أن يذكر شيعتهم؟! قال: «والرّافضة والجهميّة هم الباب للملحدين، منهم يدخلون إلى سائر أصناف الإلحاد في أسماء الله، وآيات كتابه المبين». (1)
وقال: «هم من أضلّ النّاس عن سواء السّبيل، وهم من أكذب النّاس في النّقليّات ومن أجهل النّاس في العقليّات». (2)
وما هذا الضّلال والجهل في العقليّات الّذي يدّعيه إلاّ أنّهم أسّسوا مدرستهم على ما أسّس عليه أمير المؤمنين عليهالسلام ، أي الإسلام النّقيّ من شوائب تجسيم الله تعالى وتبعيضه وجعله في حيّزٍ معيّنٍ وجهةٍ يشار إليها، وأنّه سبحانه ينزل من سماء لأخرى ليصعد إليها، ويجالس أحمد بن حنبل و عبد الوهّاب الورّاق، يأكلان ويشربان بين يديه، وأنّ ضيغماً وسفيان الثوريّ (3) يزوران الله تعالى متى شاءا وهي أمور يراها الشّيعة وعقلاء المسلمين من المذاهب الأخرى خرافات وإساءة للدّين وتجرّؤاً على ذات الله سبحانه وتعالى.
وابن تيميّة الّذي نعته أنصاره بشيخ الإسلام، والمجتهد المطلق، والإمام، فإنّه إذا اختصّ أحد علماء الشّيعة بالخطاب هدرت شقشقته بما لا يليق بعوامّ النّاس. قال ابن تيميّة في نعته لكتاب (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة): «وهو خليق بأن يسمّى: منهاج النّدامة»؟ (4)
وفي مؤلّفه العلاّمة الحلّيّ الحسن بن يوسف بن المطهّر - المعاصر لابن تيميّة - قال: «كما إنّ من ادّعى الطّهارة، وهو من الّذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم، بل من أهل الجبت والطّاغوت والنّفاق. كان وصفه بالنّجاسة والتكدير، أولى من وصفه بالتّطهير». (5)
وإنّا لنربأ بأنفسنا أن ننساق، فنسفّ كما فعل ابن تيميّة في منهاج ضلاله، ولكن نستلّ من جدول أصحاب الرّدود على ابن تيميّة، ردّ العلاّمة الحلّيّ لما بلغه تصنيف ابن تيميّة
____________________
(1) منهاج السّنّة 1: 3.
(2) نفس المصدر.
(3) استعرضنا ذلك مع مصادره في فصل آتٍ.
(4) منهاج السُّنّة 1: 5.
(5) نفس المصدر.
«منهاج السّنّة» وسبابه له، فما زاد أن قال: «لو كان يفهم ما أقول أجبته». (1)
وقال في شعر: (2)
لو كنت تعلم كما علم الورى |
طُرّاً لصرتَ صديق كلّ العالم |
|
لكن جهلت فقلت إنّ جميع من |
يهوى خلاف هواك ليس بعالم |
ونذكر ما قاله ابن حجر العسقلانيّ في ترجمته حيث قال: «وافترق النّاسُ فيه شيعاً، فمنهم مَن نسبه إلى التجسيم، لما ذكره في العقيدة الحمويّة والواسطيّة وغيرهما من ذلك قوله: إنّ اليد والقدم والسّاق والوجه صفات حقيقيّة لله، وإنّه مستو على العرش بذاته.. فألزم بأنّه يقول بتحيّزٍ في ذات الله.
«ومنهم من ينسبه إلى الزندقة، لقوله: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لا يُستغاث به.
وإنّ في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبيّ صلىاللهعليهوآله .
«ومنهم من ينسبه إلى النّفاق، لقوله: أبوبكر أسلم شيخاً يدري ما يقول وعليّ أسلم صبيّاً، والصبيّ لا يصحّ إسلامه على قولٍ. ولقوله: إنّه كان مخذولاً حيث ما توجّه، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنّما قاتل للرّياسة لا للدّيانة، وإنّه كان يحبّ الرّياسة!
«ونسبه قوم إلى أنّه - أي ابن تيميّة - يسعى في الإمامة الكبرى.. وكان إذا حوقق وألزم، يقول: لم أرد هذا إنّما أردتُ كذا، فيذكر احتمالاً بعيداً». (3) وليس أدلّ على نفاق هذا الرّجل من ثلبه لأمير المؤمنين عليهالسلام والمساواة بينه وبين معاوية ويزيد وأضرابهما! وقوله: إنّ الشيعيّ لا يمكنه إثبات إيمان عليّ وأنّه من أهل الجنّة، ما لم يثبت ذلك لمعاوية ويزيد وأسلافهما!
قال: «إنّ الرّافضيّ لا يمكنه أن يثبت إيمان عليّ وعدالته وأنّه من أهل الجنّة فضلاً عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان، وإلاّ فمتى أراد إثبات ذلك لعليّ وحده لم
____________________
(1) الخلاصة، للعلاّمة الحلّيّ: 14.
(2) نفس المصدر.
(3) الدّرر الكامنة، لابن حجر العسقلانيّ 1: 155. وقد ذكرنا جملة واسعة من علماء المذاهب المختلفة في عصره ممّن ردّ عليه، في بحث «ابن تيميّة حياته وأفكاره».
تُساعده الأدلّة...». (1)
وقال: «الرّافضة تعجز عن إثبات إيمان عليّ وعدالته مع كونهم على مذهب الرّافضة، ولا يمكنهم ذلك إلاّ إذا صاروا من أهل السّنّة، فإن احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء، بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أميّة وبني العبّاس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم». (2) ولكن متى كفر عليّ عليهالسلام لكي يؤمن وقد تحدّر من صلب طاهر هو كافل وناصر النبيّ صلىاللهعليهوآله ، شيخ قريش وشريفها وما توفّي إلاّ بعد أن أفرغ وسعه في حماية الدّين الحنيف الذي آمن به. وانتشب في رحم زكيّ، فأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشيّة الهاشميّة، كافلة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، والقائمة مقام أمّه، أسلمت وبايعت رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وكانت أوّل من بايع من النّساء. روى الزّبير بن العوّام، قال: «سمعتُ رسول الله صلىاللهعليهوآله يدعو النّساء إلى البيعة حين نزلت هذه الآية ( يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ) (3) الآية فكانت فاطمة بنت أسد أمّ عليّ بن أبي طالب أوّل امرأة بايعت» (4) .
وهاجرت إلى المدينة، فكانت أوّل امرأة تهاجر إلى رسول الله؛ عن جعفر بن محمّد: «إنّ فاطمة بنت أسد أوّل امرأة هاجرت من مكّة إلى المدينة على قدميها، وكانت أبرّ النّاس برسول الله صلىاللهعليهوآله . (5)
«وسمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: إنّ النّاس يحشرون يوم القيامة عراة؛ فقالت:
____________________
(1) منهاج السّنّة 1: 162.
(2) نفس المصدر 1: 163.
(3) الممتحنة: 12.
(4) المناقب للخوارزميّ: 277 حديث 264؛ شرح نهج البلاغة 1: 14.
(5) المناقب للخوارزميّ: 277؛ شرح نهج البلاغة 1: 14. وفي كتاب نسب قريش، للمصعب الزبيريّ (156 - 236 هـ): 40 «هي أوّل هاشميّة ولدت لهاشميٍّ؛ وقد أسلمت وهاجرت إلى النبيّ، وماتت بالمدينة، وشهدها النبيّ صلىاللهعليهوآله ». وفي تهذيب الكمال: المزيّ 20: 473: «فاطمة بنت أسد بن هاشم الهاشميّة، وهي أوّل هاشميّة ولدت لهاشميّ. أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفّيت في حياة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وصلّى عليها ونزل في قبرها».
واسوأتاه! فقال لها: إنّي أسأل الله أن يبعثكِ كاسية.
وسمعته يذكر ضغطة القبر؛ فقالت: واضعفاه، فقال: إنّي أسأل الله أن يكفيك ذلك». (1)
وتوفيّت بالمدينة ودفنت بها، وكفّنها رسول الله صلىاللهعليهوآله بقميصه، واضطجع في قبرها وجزّاها خيراً. ولما سئل عن ذلك قال: «إنّه لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها»، وكان يسمّيها: «أمّي».
وعن أنس بن مالك، قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد أمّ عليّ، دخل عليها رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فجلس عند رأسها فقال: «رحمك الله يا أمّي؛ كنتِ أمّي بعد أمّي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيّب الطّعام وتطعميني تريدين بذلك وجه الله تعالى والدّار الآخرة». (2)
ولقد عصمها الله تعالى بابنها عليّ بن أبي طالب عليهالسلام من أن تسجد للأصنام: «كانت إذا أرادت أن تسجد لصنم، وعليّ رضي الله عنه في بطنها لم يمكّنها، يضع رجله على بطنها ويلصق ظهره بظهرها ويمنعها من ذلك، ولذلك يقال عند ذكره: كرّم الله وجهه، أي عن أن يسجد لصنم». (3)
وعليّ عليهالسلام أوّل مولود ولد في الكعبة، وما ولد قبله أحد فيها. (4) وعليّ أبو الكوثر الذي
____________________
(1) المصدر السابق؛ وتذكرة الخواصّ: 20.
(2) الاستيعاب 4: 381؛ الإصابة 4: 380؛ أسد الغابة 7: 217؛ المناقب للخوارزميّ: 46 - 48.
(3) نور الأبصار، للشبلنجيّ: 156.
(4) المـُجدي، للعمريّ: 11؛ العمدة في عيون صحاح الأخبار، لابن البطريق: 12؛ وفي تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزيّ: 20: وروي «أنّ فاطمة بنت أسد كانت تطوف بالبيت وهي حامل بعليّ عليهالسلام ، فضربها الطّلق، ففتح لها باب الكعبة فدخلت فوضعته فيها».
وبسند عال، أخرج ابنُ المغازليّ في مناقبه ص (6 - 7) خبر ولادة أمير المؤمنين عليهالسلام في الكعبة، قال: «أخبرنا أبو طاهر محمّد بن عليّ بن محمّد البيّع - يبيع السّمك، ثقة توفّي ببغداد سنة خمسين وأربعمائة (تاريخ بغداد 3: 106)، قال أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن عبد الله بن خالد الكاتب، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر ابن محمّد بن سلم الختّليّ، قال: حدّثني عمر بن أحمد بن روح الساجيّ حدّثني أبو طاهر يحيى بن الحسن العلويّ، قال: حدّثني محمّد بن سعيد الدارميّ حدّثنا موسى بن جعفر، عن أبيه، عن محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ =
أعطاه الله تعالى رسوله صلىاللهعليهوآله . وعليّ زوج الطّاهرة البتول فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، زوّجه إيّاها رسول الله صلىاللهعليهوآله بأمر السّماء، بعد أن سبقه في خطبتها آخرون، فردّهم
____________________
= بن الحسين، قال: كنت جالساً مع أبي ونحن زائرون قبر جدّنا عليهالسلام ، وهناك نسوان كثيرة، إذ أقبلت امرأة منهنّ فقلت لها: من أنت يرحمك الله؟ قالت: أنا زيدة بنت قريبة العجلان من بني ساعدة فقلت لها: فهل عندك شيء تحدّثينا؟ فقالت: إي والله! حدّثتني أمّي أمّ عمارة بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان الساعديّ أنّها كانت ذات يوم في نساء من العرب إذ أقبل أبوطالب كئيباً حزيناً، فقلت له: ما شأنك يا أبا طالب؟ قال: إنّ فاطمة بنت أسد في شدّة المخاض، ثمّ وضع يديه على وجهه.
فبينا هو كذلك، إذ أقبل محمّد صلىاللهعليهوآله فقال له: شأنك يا عمّ؟ فقال: إنّ فاطمة بنت أسد تشتكي المخاض. فأخذ بيده وجاء وهي معه، فجاء بها إلى الكعبة فأجلسها في الكعبة، ثمّ قال: اجلسي على اسم الله؛ قال: فطلقت طلقة فولدت غلاماً مسروراً نظيفاً منظّفاً لم أركحسن وجهه، فسمّاه أبو طالب: «عليّاً»، وحمله النّبيّ صلىاللهعليهوآله حتّى أدّاه إلى منزلها.
قال عليّ بن الحسين عليهماالسلام : فو الله ما سمعت بشيء قطّ إلاّ وهذا أحسن منه.
وفي الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 30: ولد عليّ عليهالسلام بمكّة المشرّفة بداخل البيت الحرام في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصمّ رجب الفرد سنة ثلاثين من عام الفيل، قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة، وقبل البعث باثنتي عشرة سنة. ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه، وهي فضيلة خصّه الله تعالى بها إجلالاً له وإعلاءً لرتبته وإظهاراً لتكرمته. وكان عليّ هاشميّاً من هاشميَّين، وأوّل من ولده هاشم مرّتين».
ونفس المصدر: ومن كتاب المناقب لأبي العالي الفقيه المالكيّ روى خبراً يرفعه إلى عليّ بن الحسين... وذكر خبر زيدة بنت قريبة السّاعديّة. وفي غاية المرام لهاشم البحرانيّ 13: بسندٍ عن الإمام الصادق عن آبائه: قال: «كان العبّاس بن عبد المطّلب، ويزيد بن قعنب، جالسين ما بين فريق من بني هاشم إلى فريق عبد العزّى بإزاء بيت الله الحرام، إذ أتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ أمير المؤمنين عليهالسلام ، وكانت حاملاً بأميرالمؤمنين لتسعة أشهر وكان يوم التّمام، قال: فوقفت بإزاء بيت الله الحرام وقد أخذها الطّلق، فرمت بطرفها نحو السّماء، وقالت: أي ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء به من عندك الرّسول وبكلّ نبيٍّ من أنبيائك وبكلّ كتاب أنزلته، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل وأنّه بنى بيتك العتيق، فأسألك بحقّ هذا البيت ومَن بناه، وبحقّ هذا المولود الّذي في أحشائي الّذي يكلّمني ويؤنسني بحديثه - وأنا مؤمنة أنّه أحد آياتك ودلائلك - لما يسّرت عليّ ولادتي. قال العبّاس بن عبد المطّلب، ويزيد بن قعنب: فلمّا تكلّمت فاطمة بنت أسد ودعت بهذا الدّعاء، رأينا قد انفتح من ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا ثمّ عادت الفتحة بإذن الله، فرمنا أن نفتح الباب ليصل إليها بعض نسائنا فلم ينفتح الباب، فعلمنا أنّ ذلك أمر من الله تعالى. وبقيت فاطمة في البيت ثلاثة أيّام، ثمّ انفتح الباب من الموضع الذي دخلت فيه، فخرجت فاطمة وعليّ على يديها...» والحديث طويل.
النبيّ معرضاً عنهم بأنّ أمر زواجها من أمر الله تعالى. (1)
«وكان ممّا أنعم الله به على عليّ بن أبي طالب عليهالسلام أنّه كان في حجر رسول الله صلىاللهعليهوآله قبل الإسلام». (2)
فكان عليّ أوّل مَن آمنَ برسول الله وصلّى معه، وصدّق بما جاءه من الله تعالى، وهو يومئذٍ ابنُ عشر سنين. (3) صلّى النبيّ يومَ الإثنين، وصلّى عليّ يومَ الثلاثاء. (4) عن ابن
____________________
(1) المناقب للخوارزميّ: 335 - 354؛ ينابيع المودّة للقندوزيّ: 175؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 8: 19 - 25؛ ذخائر العقبى للمحبّ الطبريّ: 32؛ حلية الأولياء 2: 75؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 344؛ أُسد الغابة 1: 206؛ كفاية الطّالب للكنجيّ (في عدّة مواضع).
(2) السيرة النبويّة لابن هشام 1: 262. وسيرة ابن إسحاق «محمّد بن إسحاق بن يسار 85 - 151 هـ) المسمّاة: كتاب السِّيَر والمغازي، 137.
(3) السيرة النبوية لابن هشام 1: 262؛ تفسير الثعلبيّ: 210؛ اسد الغابة 4: 17. وسيرة ابن اسحاق 137: يونس - بن بكير - عن ابن إسحاق قال: حدّثني عبد الله بن أبي نجيح قال: أسلم عليّ بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين.
وسيرة ابن إسحاق 138: يونس بن يوسف بن صهيب عن عبد الله بن بريدة قال: أوّل الرجال إسلاماً عليّ بن أبي طالب ثمّ الرهط الثلاثة: أبوذرّ، وبريدة ن وابن عمٍّ لأبي ذرّ.
(4) شواهد التنزيل للحسكانيّ 2: 126 حديث: 820؛ صحيح الترمذيّ 5: 640؛ المناقب للخوارزميّ: 57؛ تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام عليّ 1: 48 حديث 71. وفي سيرة ابن إسحاق 137: يونس عن ابن إسحاق قال: حدّثني يحيى بن أبي الأشعث الكنديّ، قال: حدّثني إسماعيل بن إياس بن عفيف عن أبيه عن جدّه عفيف أنّه قال: كنتُ امرءاً تاجراً فقدِمتُ أيّام منى، أيّام الحجّ، وكان العبّاس بن عبد المطّلب امرءاً تاجراً، فأتيتُه أبتاع منه وأبيعه؛ قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء يصلّي فقام تجاه الكعبة، ثمّ خرجت امرأة، فقامت تصلّي معه، وخرج غلام، فقام يصلّي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدّين، إنّ هذا الدّين ما ندري ما هو؟ فقال العبّاس: هذا محمّد بن عبد الله يزعم أنّ الله أرسله وأنّ كنوز كسرى وقيصر ستُفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمّه عليّ بن أبي طالب آمن به؛ قال العفيف: فليتني آمنتُ يومئذ وكنت أكون ثانياً.
والإجماع منعقد على سابقة عليّ عليهالسلام إلى الإسلام وأنّه أوّل مَن صلّى مع النبيّ صلىاللهعليهوآله ؛ هو وخديجة رضوان الله تعالى عليها.
عبد الرزّاق الصنعانيّ (ت 211 هـ) قال: قال معمر: أخبرنا قتادة عن الحسن وغيره فقال: كان أوّل مَن آمن به عليّ بن أبي طالب وهو ابن خمس عشرة، أو ستّ عشرة. (المصنّف: عبد الرزّاق 5: 219). قال: وأخبرني =
____________________
= عثمان الجزريّ، عن مقسم عن ابن عبّاس قال: عليّ أوّل من أسلم. (المصنّف 5: 219).
وعنه ذكره المزّيّ في «تهذيب الكمال 20: 481، ونقل قوله الثاني وفيه: «وعمره ثاني عشرة، أو ستّ عشرة». (تهذيب الكمال 482). ابن سعد (ت 230 هـ) قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح، ويزيد بن هارون، وعفّان ابن مسلم؛ عن شعبة عن عمرو بن مرّة عن أبي حمزة مولى الأنصاريّ عن زيد بن أرقم قال: أوّل من أسلم مع رسول الله صلىاللهعليهوآله ، عليّ، قال عفّان بن مسلم: أوّل من صلّى. (الطبقات الكبرى: ابن سعد 3: 21). وأنت تعلم أن لا صلاة بلا إسلام! إذا كان الوحي في الدعوة إلى التوحيد، ثمّ جاءت الفرائض والأحكام. وحتّى على كونه عليهالسلام أوّل من صلّى؛ فهو أوّل من سبق إلى الإيمان، وهو تأويل ما كان يصدح به ويصرّح ك أنا أوّل مَن صلّى مع رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وصلّيت معه سبع سنين، وفي قول كذا سنه..؛ وقول رسول الله: «صلّت الملائكة عليّ وعلى عليّ بن أبي طالب سبع سنين...،لم يكن معي من أسلم من الرّجال غيرُه...» وقد ذكرنا الحديث صفحة 18 بطوله. ابن سعد، قال: أخبرنا محمّد بن عمر - الواقديّ ت 207 هـ - قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع وإسحاق بن حازم عن أبي نجيح عن مجاهد: أوّل من صلّى عليّ وهو ابن عشر سنين. (الطبقات الكبرى 3: 21). وبسنده عن عُمارة بن غزيّة، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن زرارة قال: أسلم عليّ وهو ابن تسع سنين. (الطبقات الكبرى 3: 21).
ابن سعد، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، وسليمان أبو داود الطيالسيّ قالا: أخبرنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن حبّة العرني قال: سمعت عليّاً يقول: أنا أوّل من صلّى، قال يزيد: أو أسلم. (الطبقات الكبرى 3: 21).
ابن أبي شيبة (ت 235 هـ): حدّثنا معاوية بن هشام عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن عليم عن سلمان قال: إنّ أوّل هذه الأُمّة وروداً على نبيّها، أوّلها إسلاماً عليّ بن أبي طالب.
(المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 503 حديث 49 - من فضائل عليّ عليهالسلام ؛ و 8: 350 / 222 و 8: 329 / 33 كتاب الأوائل).
ابن أبي شيبة: شعبة عن سلمة عن حبّة العرني عن عليّ قال: أنا أوّل رجل صلّى مع رسول الله صلىاللهعليهوآله .
(المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 498 حديث 22 من فضائل عليّ عليهالسلام ) وبنفس السند واللفظ، إلاّ أنّ فيه: صلّى مع النبيّ صلىاللهعليهوآله . (المصنّف لابن أبي شيبة 8: 332 / 61).
عبد الله بن إدريس عن أبي مالك الأشجعيّ عن سالم بن ابي الجعد قال: قلت لابنِ الحنفيّة: أبوبكر أوّل القوم إسلاماً؟ قال: لا. (المصنّف: ابن أبي شيبة 8: 332 / 62).
وفي نثر الدّرّ: قيل لابن عبّاس، أو لقتم بن عبّاس: كيف ورث عليّ النبيّ صلىاللهعليهوآله دونكم؟ فقال: كان أوّلنا به لحوقاً وأشدّنا به لصوقاً. (نثر الدّرّ: الآبي ت 421 هـ، 1: 416). المسعوديّ (ت 346 هـ): «وتُنُوزع في أوّل مَن آمن به من الذكور، بعد إجماعهم على أنّ أوّل مَن آمن به من الإناث خديجة. فقال فريق منهم: أوّل ذكر آمن به =
____________________
= عليّ بن أبي طالب، هذا قولُ أهل البيت وشيعتهم؛ وروى ذلك عبد الله بن عبّاس، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وزيد بن أرقم، في آخرين. (التنبيه والإشراف: المسعودي 198).
وكفى بهم ونعمت! فأهل البيت المعصوم عليهمالسلام قد قالوا بسابقة أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام إلى الإسلام، وأهل البيت أعرف بما فيه، وسيّدهم عليّ عليهالسلام نفسه كان يحاجج بهذه الفضيلة كبار القوم فيخبتون له مصدّقين، وعلى هذا نهج أبناؤه الأئمّة عليهمالسلام ، فما وجدنا مَن يدفعهم عن قولهم هذا.
ورواية ابن عبّاس، وجابر، وزيد - في آخرين - حجّة لدى الجميع، ومتواترة حدّ القطع اليقين. وأمّا شيعتهم فهم خير البريّة، يأتون يوم القيامة راضين مرضيّين؛ فهم بذرة أنبتها الله تعالى ورعاها رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فهم شيعة الله ورسوله ووصيّه عليّ بن أبي طالب عليهالسلام وأهل بيته، لا يجفونهم ولا يخرجون عن الحقّ، وسنوافيك بالأدلّة على ذلك. فقولهم حجّة في ذلك. أيضاً المسعوديّ: سنّه - أي سنّ عليّ - يوم أسلم، قال: وتنوزع في سنّه يوم أسلم فقالت فرقة كان سنّه يوم أسلم خمس عشرة سنة، وقال آخرون ثلاث عشرة سنة، وقيل إحدى عشرة سنة، وقيل تسع، وقيل ثمان...
قال: هذا قول من قصد إلى إزالة فضائله، ودفع مناقبه ليجعل إسلامه إسلام طفل صغير، وصبيّ غرير، لا يفرّق بين الفضل والنقصان، ولا يميّز بين الشكّ واليقين، ولا يعرف حقّاً فيطلبه، ولا باطلاً فيجتنبه. (التنبيه والإشراف 198). ونحن مع المسعوديّ فيما ذكر من سنّ عليّ عليهالسلام يوم أسلم؛ فقد ذكروا بشأن غزوة بدر: أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ، عرض أصحابه وردّ من استصغر منهم، فكان ممّن ردّ في ذلك اليوم من المسلمين: عبد الله بن عمر، ورافع بن خديج...؛ علماً أنّ غزوة بدر كانت في السنة الثانية من الهجرة، فلو كان عمر عليّ عليهالسلام كما زعموا؛ لاستصغرة النبيّ صلىاللهعليهوآله كما استصغر غيره، فرّده. وبلاء عليّ يوم بدر أشهر من أن يتحدّث عنه، حتّى أنّ الوحي هتف يومئذ بشجاعة عليّ: لافتى إلاّ عليّ، لاسيف إلاّ ذو الفقار. ويقال إنّ الهتاف كان يوم أحد في السنة الثالثة من الهجرة. وفي قول إنّه كان في الوقعتين - تكلّمنا عنه في موضعه -. ويوم الخندق أحجم عسكر المسلمين عن عمرو بن عبد ودّ، الذي اقتحم عليهم خندقهم وطلب البراز فلم يقم إليه إلاّ عليّ عليهالسلام فقتله، ولم يستصخره رسول الله صلىاللهعليهوآله إذ أردفه خلف أبي بكر فأخذ منه سورة براءة فبلّغها، ولم يستصغره إذ أعرض عن أبي بكر، وعن عمر بن الخطّاب لما خطبا إليه بضعته فاطمة عليهاالسلام فأبلغهما إنّ زواجها إلى الله تعالى، فلمّا جاءه عليّ قال له: إنّ جبريل أخبرني الساعة أنّ الله تعالى يأمرني أن أزوّجك فاطمة، فكان الزواج المبارك الطّاهر، ولم يطهّر سبحانه بيتاً غيره.
ولم يستصغره النبيّ صلىاللهعليهوآله إذ كان يخلو به فيناجيه، ولما أشكلوا عليه انتجاءه إيّاه، وما كان ينبغي لهم ذلك إذ هو من التقديم بين يدي الله ورسوله! أجابهم: ما أنا انتجيته ولكنّ الله انتجاه. =
____________________
= ولقد جرى أكثر من حوار بين عمر بن الخطّاب، وابن عبّاس بشأن الاستخلاف تنقّص عمر في كلّ مرّة من بقي من العشرة المبشّرة بالجنّة وحطّ من مقامهم إلاّ عليّاً فوصفه بأعلى الصفات وأنّه أليق بالخلافة ثمّ عاد مستدركاً بأنّ عليّاً فيه دُعابة «أي مُزاجة» وفي اُخرى أنّه أصغر القوم! وقد أبطل ابن عبّاس تلك المقولات ممّا جعل عمر يرجو ابن عبّاس أن لا يحدّث بما جرى بينهما. وقد ذكرنا كلّ ذلك مفصّلاً في كتابنا هذا فراجع.
ولعلّ السرّ في التشكيك في عمره الشريف يوم أسلم: هو ما جرت عليه عادة العرب من تقديم الشيخ على غيره، وهذا ما وقع في سقيفة بني ساعدة وترجمه عمر بن الخطاب في حديثه مع ابن عبّاس؛ فاستغلّت ذلك الأقلام التي استأجرتها الدّعاية الأُمويّة ومن جاء بعدهم من نواصب للنّيلِ من أمير المؤمنين عليهالسلام لتسلبه كلّ مكرمة وخصوصيّة ووزّعت ألقابه الشريفة التي نطق بها القرآن الكريم والنبيّ صلىاللهعليهوآله وزّعتها على هذا وذاك، وأنكرت كثيراً منها أو قلّلت من أهمّيّتها وذلك حينما لم تستطع إنكارها وسلبها... وحتّى لو سلّمنا أنّه أسلم صغيراً؛ فإنّما ذلك زيادة في كرامته إذ تربّى في حضن النبيّ، فلم يتلوّث بكدر الجاهليّة كما حصل لغيره، وكرّم الله وجهه من عبادة الأوثان. فالنقيصة فيمَنْ تنقّصه.
وفي السنة الثالثة من الهجرة ولد الحسن بن عليّ بن أبي طالب. الثّقات: ابن حبّان 1: 82)، فكيف يكون عمره سبع أو.. يوم أسلم؟
وعن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: بايع رسول الله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وهم صغار، ولم يبايع قطّ صغيرٌ إلاّ هم. (العقد الفريد 5: 133). قال ابن حبّان: أوّل مَن آمن برسول الله زوجته خديجة بنت خويلد، ثمّ آمن عليّ بن أبي طالب وصدّقه بما جاء به. (الثّقات 1: 24)
ابن أبي الدنيا: ذكر حديث ابن عفيف الذي ذكره ابن إسحاق مع زيادة واختلاف في بعض الألفاظ، قال: عن ابن أبي يحيى بن عفيف قال: قدمت مكّة في الجاهليّة اُريد شراء بزٍّ وعطر لأهلي، فنزلت على العبّاس، فأنا عنده، وأنا أنظر إلى الكعبة، إذ جاء شابّ فنظر إلى السماء، فتوجّه إلى الكعبة فصلّى، فجاء غلام فقام عن يمينه، ثمّ جاءت امرأة فقامت خلفهما. فقال: يا عبّاس! ما هذا الذي حدث في بلادكم؟ إنّ هذا لأمرٌ عظيم. قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب ابن أخي. وهذا الغلام عليّ بن أبي طالب. وهذه خديجة بنت خويلد. قال فصلّوا. قال: إنّ ابن أخي هذا حدّث حديثاً أنّ ربّه ربّ السموات والأرض، ولا والله ما أعلم على ظهر الأرض على دين هؤلاء غير هؤلاء. (كتاب الأشراف: ابن أبي الدنيا 83).
قال أبو عمر بن عبد البرّ القرطبيّ المالكيّ (ت 463 هـ): روي عن سلمان، وأبي ذرّ، والمقداد، وخبّاب، وجابر، وأبي سعيد الخدريّ، وزيد بن أرقم رضي الله عنهم أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أوّل من أسلم، وفضّله هؤلاء على غيره. (الاستيعاب: ابن عبد البرّ: 3: 1110؛ ونقله عنه في (تهذيب الكمال 20: 480)، =
____________________
= وكفى بهؤلاء ومن ذكرنا سابقاً شهادة حقّ وصدق في سابقته عليه السلام.
وقال ابن إسحاق: أوّل مَن آمن باللهِ ورسوله محمّد صلىاللهعليهوآله من الرجال: عليّ بن أبي طالب - ذكرناه -، وهو قول ابن شِهاب إلاّ أنّه قال: من الرجال بعد خديجة، وهو قول! الجميع في خديجة رضي الله عنها. «تهذيب الكمال 20: 480». وابن عبد البرّ عالم زمانه وهو مالكيّ فهو غير متّهم في قوله في عليّ؛ إذ هو ليس برافضيّ!
وروى بإسناده عن عكرمة عن ابن عبّاس، قال: لعليّ أربع خصال ليست لأحدٍ غيره: هو أوّل عربيّ وعجميّ صلّى مع رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وهو الذي لواؤه معه في كلّ زحفٍ، وهو الذي صبر معه حين فرّ عنه غيره، و هو الذي غسله وأدخله قبره. (الاستيعاب، وتهذيب الكمال، عنه 20: 480). والمِزّيّ صاحب التهذيب سلفيّ العقيدة معاصر لابن تيميّة والذهبيّ! شافعيّ المذهب، فقولنا فيه مثل قولنا في المالكيّ ابن عبد البرّ.
قال: وروى بإسناده عن أبي عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ أوّل من آمن من النّاس بعد خديجة، وقال: هذا إسناد لا مطعن فيه لأحدٍ لصحّته وثقة نقلته. (تهذيب الكمال 20: 481) وروى بإسناده عن عبد السلام بن صالح عن الدّراورديّ، عن عمر مولى غفرة، قال: سئل محمّد بن كعب القرظيّ عن أوّل من أسلم عليّ أو أبوبكر؟ قال: سبحان الله! أوّلهما إسلاماً عليّ. (تهذيب الكمال 20: 481). الذهبيّ (ت 748 هـ): بسنده عن القرظيّ: أوّل من أسلم عليّ. (تاريخ الإسلام: الذهبيّ 3: 624).
وفي المنتظم لأبي الفرج ابن الجوزيّ 2: 359؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 147 / 466 ووافقه الذهبيّ في التلخيص؛ السيرة النبويّة لابن كثير 1: 429 - 432؛ الصواعق المحرقة لابن حجر 72: عليّ أوّل من أسلم. والأحاديث كثيرة ومصادرها جمّة في زواج الصدّيقة الطّاهرة فاطمة عليهاالسلام من الصدّيق الطّاهر عليّ عليهالسلام ، ويرد فيها سابقته إلى الإسلام: أخرج عبد الرزّاق عن وكيع بن الجرّاح قال: «أخبرني شريك عن أبي إسحاق: أنّ عليّاً لما تزوّج فاطمة قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لها: «لقد زوّجتكه وإنّه لأوّلُ أصحابي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً». (المصنّف: عبد الرزّاق 5: 341 / 9846). ومن خطبة الحسن بن عليّ عليهماالسلام ، ليلة شهادة أبيه أمير المؤمنين عليّ: «عن جابر، عن أبي الطفيل، وزيد بن وهب، وعبد الله بن نُجي، وعاصم بن ضمرة، عن الحسن بن عليّ، قال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه أحد كان قبله، ولم يخلف بعده مثله وهو عليّ بن أبي طالب، حبيب رسول الله وأخوه» (الذّرّيّة الطّاهرة: الدّولابيّ، 109 - 110 ح 114). وأيضاً الدّولابيّ، بسنده عن جابر، قال: لما قتل عليّ بن أبي طالب قام الحسن خطيباً فقال: لقد قتلتم رجلاً في ليلةٍ نزل فيها القرآن، وفيها رفع عيسى بن مريم، وفيها قتل يوشع فتى موسى؛ والله ما سبقه أحد كان قبله، ولا يدركه أحد يكون بعده» الحديث. (الذّرّيّة الطّاهرة: 115 / 124). مقاتل بن سليمان الأزديّ (ت 150 هـ): قوله تعالى: ( وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ =
عبّاس، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «صلّت الملائكة عليّ وعلى عليّ بن أبي طالب سبع سنين، قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: لم يكن معي من أسلم من الرّجال غيره، وذلك أنّه لم ترفع شهادة أن لا إله إلاّ الله إلى السماء إلاّ منّي ومن عليّ». (1)
____________________
= جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَاً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) - التوبة: 100.
قال: ( السّابِقُونَ ) إلى الإسلام، ( الْأَوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ) الّذين صلّوا إلى القبلتين، عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، وعشر نفر من أهل بدر. (تفسير مقاتل 2: 68؛ البحر المحيط 5: 92؛ تفسير الطبريّ 11: 7؛ الجامع لأحكام القرآن 8: 235؛ الكشّاف 2: 210؛ معاني القرآن للأخفش 2: 336؛ تفسير الفخر الرازيّ 16 / 171؛ إعراب القرآن للنحّاس 2: 37؛ إعراب القرآن للعكبري 2: 11). وذكر ابن عساكر من حديث الفضائل العشرة الخاصّة بعليّ عليهالسلام قال: قال عمرو بن ميمون: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا: إمّا أن تقوم معنا، وإمّا أن تخلونا يا هؤلاء، قال: بل أقوم معكم، فجاء وهو ينفض ثوبه، وهو يقول: أف تف، يقعون في رجل له عشر، وقعوا في رجل، قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «..» ثمّ ذكر تلك المناقب وهي أوّل من أسلم، وتبليغه براءة، وطهارته وحديث الكساء، وشراء النّفس بمبيته على فراش النبيّ، وحديث المنزلة، وسدّ الأبواب في المسجد إلاّ باب عليّ، وحديث الغدير، وحديث العشيرة، وحديث الرّاية، وحديث الموالاة دنياً وآخرةً. (مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 17: 328 - 329).
قال: وعن أنس، وعن أبي أيوب، قالا: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «لقد صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليٍّ سبع سنين، لأنّا كنّا نصلّي ليس معنا أحد يصلّي غيرنا». ثمّ ذكره بلفظ آخر. (مختصر تاريخ دمشق 17: 306). قال: قال أبو سخيلة: حججت أنا وسلمان، فنزلنا بأبي ذرّ...، ثم ذكر قول أبي ذرّ له، قال: الزم كتاب الله عزّ وجلّ وعليَّ بن أبي طالب، فأشهدُ أني سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «عليّ أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل». (مختصر تاريخ دمشق 17: 306 - 307).
وعن عبد الرحمن بن عوف: في قوله عزّ وجلّ: ( وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ ) ، التوبة 101 - قال: هم عشرة من قريش كان أوّلهم عليّ بن أبي طالب. (مختصر تاريخ دمشق 17: 307).
(1) شواهد التنزيل 2: 125؛ اُسد الغابة 4: 94 (عن أبي أيوب الأنصاريّ)؛ مناقب الإمام عليّ: 14 (عن أنس)؛ المستدرك على الصحيحين 3: 136؛ المناقب للخوارزميّ: 53. وفي المنتظم لأبي الفرج 2: 359 بسندٍ عن حبة العوفي - والصحيح: العرني - قال: قال عليّ عليهالسلام : لا أعرف أنّ عبداً لك من هذه الأُمّة عبدك قبلي غير نبيِّك - ثلاث مرّاتٍ، لقد صلّيت قبل أن يصلّي النّاس سبعاً. وسنن ابن ماجة - المقدّمة -.
وفي مسند أحمد بن حنبل 1: 160 (ت 241 هـ)، أيضاً عن حبّة العرني، مثله. وأيضاً سنن ابن ماجة (ت 275 هـ)، 1: 44 - المقدّمة، ح 120: عن عبّاد بن عبد الله قال: قال عليّ: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وأنا =
وعليّ من بيت لم يشركه أحد ممّن ذكرهم ابن تيميّة بشرف الانتساب إليه؛ فعليّ من البيت الّذي طهّره الله تطهيراً. عن أبي سعيد الخدريّ قال: لما نزل قوله تعالى: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) (1) ، كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يأتي باب فاطمة وعليّ عليهماالسلام ، تسعة أشهر، في كلّ صلاة فيقول: الصلاة، يرحمكم الله ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) ، (3) وعليّ باسقٌ على أولئك في أنّه نفس (4) رسول الله صلىاللهعليهوآله ؛ فمن يباهي رسول الله في نفسه؟! وليس لأحد من طيب الأَرُومة ما لعليّ. عن جابر قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «أنا وعليّ من شجرة واحدة، والنّاس من أشجار شتّى». (5)
____________________
= الصدّيق الأكبر. لا يقولها بعدي إلاّ كذّاب. صلّيت قبل أن يصلّي النّاس لسبع سنين».
ونختم بذكر بعض المصادر الّتي ذكرت أنّ عليّاً أول من أسلم وصلى من غير ذكر المتون والرواة؛ إذ سنذكر ذلك في مواضع اخرى: (شواهد التنزيل: عبيد الله الحاكم الحسكاني الحنفي (ت 490 هـ) 2: 220 / 936، و 1: 85 و 2: 125؛ تفسير فرات (القرن الرابع): 2؛ تفسير الحبريّ (ت 286 هـ) 237؛ الأوائل: العسكريّ (ت 382): 107 ح معرفة علوم الحديث للحاكم - صاحب المستدرك على الصحيحين -: 102. الموفقيات: الزبير بن بكار (ت 256 هـ): 299، 235، 580، 598؛ الإرشاد: المفيد (ت 413 هـ): 21؛ سنن الترمذي (ت 279 هـ): 5: 304 ح، 3812 و 5: 305؛ الثقات: ابن حبان (ت 354 هـ) 5: 141؛ أنساب الأشراف للبلاذري (القرن الثالث)،: 92 و 93.. ومواضع أخرى؛ مسند أبي داود (ت 204 هـ) 360. مسند أحمد 1: 373 و 99، 3: 495، 5: 499 و 498؛ المحاسن والمساوئ للبيهقيّ: 43؛ وقعة صفّين: نصر بن مزاحم المنقري (ت 207 هـ): 137، 112، 37، 355؛ مسند أبي يعلى 1: 348 / 446؛ معجم الصحابة للبغويّ 418).
(1) طه / 132.
(2) الأحزاب / 33.
(3) شواهد التنزيل 2: 29؛ ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ ابن عساكر (حديث 320)؛ المناقب للخوارزميّ: 60 (حديث 29)؛ الدر المنثور للسيوطي 5: 198.
(4) انظر الآثار الواردة المتواترة في آية المباهلة.
(5) المناقب للخوارزمي: 143، حديث (165). ومحمّد بن عمر المازنيّ، عن أبي بكر عبّاد بن صهيب، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «الناس من أشجار شتّى وأنا وعليّ من شجرة واحدة، أنا أصلها وعليّ فرعها والحسن والحسين اثمارها، وفي قلب كلّ مؤمن من أغصانها». (مناقب أمير المؤمنين لكوفيّ 1: 516 / 364). وعن عليّ قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «شجرة أنا أصلها وعليّ فرعها، والحسن و =
وعن سلمان قال: سمعت حبيبي المصطفى محمّداً صلىاللهعليهوآله يقول: «كنت أنا وعليّ نورا بين يدي الله عزّ وجلّ ن فلمّا خلق الله تعالى آدم ركّب ذلك النور في صلبه فلم نزل في شيء واحد، حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، فجزء أنا وجزء علي». (1)
ومجاهد، عن ابن عباس ال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «علي مني منزلة رأسي من بدني». (2)
وعليّ النّظر إلى وجهه عبادة (3) . عن عائشة قالت: كان أبوبكر يديك النّظر إلى عليّ،
____________________
= الحسين ثمرها، والشيعة ورقها. فهل يخرج من الطيّب إلاّ الطيّب؟ وأنا مدينة العلم، عليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب». (مختصر تاريخ دمشق 18: 17).
وبسندٍ عن حسين بن حسن عن عامر السراج عن سلام الخثعميّ قال: دخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ فقلت: يا ابن رسول الله، قول الله تعالى: ( أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّماءِ ) ؟ قال: يا سلام الشجرة محمّد، والفرع عليّ امير المؤمنين، والثمر الحسن والحسين، والغصن فاطمة، وشعب ذلك الغصن الأئمّة من ولد فاطمة، والورق شيعتنا ومحبّونا أهل البيت، فإذا مات من شيعتنا رجل تناثر من الشجرة ورقة، فإذا ولد لمحبّينا مولود اخضر مكان تلك الورقة ورقة. فقلت: يا ابن رسول الله، قول الله تعالى: ( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا ) ، ما يعني؟ قال: يعني الأئمّة تفتي شيعتهم في الحلال والحرام في كلّ حجّ وعمرة. (شواهد التنزيل: الحسكاني الحنفي 1: 311، في تفسير الآيتين 24 - 25 في سورة ابراهيم). وبسنده عن عبد الرزّاق قال، حدثني أبي، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف قال: قال عبد الرحمن يا مينا ألا أحدثك حديثا قبل أن تشاب الأحاديث بالأباطيل؟ سمعت رسول الله يقول: أنا شجرة وفاطمة فرعها وعلي لقاحها، وحسن وحسين ثمرها، ومحبيهم من أمتي أوراقها. ثم قال: هم في جنة عدن، والذي بعثني بالحق. (شواهد التنزيل 1: 312 / 429، وأمالي الطوسي 18). وبنفس السند مع اختلاف في اللفظ: «أنا الشجرة...، وشيعنا ورقها، و أصل الشجرة في جنة عدن وسائر ذلك في سائر الجنة». شواهد التنزيل 1: 312 / 430.
(1) المناقب للخوارزمي: 145، حديث (169)؛ مناقب الإمام علي لابن المغازلي: 87، فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 662.
(2) المناقب للخوارزمي: 148، مناقب الإمام علي ك 92.
(3) المستدرك للحاكم 3: 141، حلية الأولياء 5: 58 و 2: 182؛ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 2: 51، ترجمة الإمام علي من تاريخ ابن عساكر - عدة مواضع -؛ مناقب الإمام علي: 109؛ المناقب للخوارزمي: 361 - 362؛ المستدرك على الصحيحين 3: 152 / 4682: يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش، عن إبراهيم =
فقيل له في ذلك، فقال: سمعت النبي صلىاللهعليهوآله يقول: «النظر إلى علي عبادة». (1)
وعلي مع القرآن، والقرآن مع علي، والحق مع علي، وهو مع الحق، وهو الفاروق بين الحق والباطل، ومفارقته مفارقة لله تعالى ولرسوله صلىاللهعليهوآله . (2)
وهل الأخ الصاحب في الهجرة والحضر، الفدائي المجاهد مثل الصاحب؟! عن هجرة رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى الطائف؛ يعرض نفسه على القبائل بعدما وجد من قريش ما وجد روى أبو الحسن المدائني في ذلك: «أنه كان معه في هجرته هذه علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وزيد
____________________
= - النخعيّ - عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «النظر إلى وجه علي عبادة». تابعه عمرو بن مرة عن إبراهيم النخعي. وأخرجه عن المسعودي بسنده الثاني عبد الله بن مسعود. (المستدرك عليى الصحينين 37: 152 / 4683)؛ حلية... 362؛ رواه الطبراني في مسند عبد الله بن مسعود 10: 76 / 10006، عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود؛ مجمع الزوائد 9: 119.
(1) ترجمة الإمام علي تاريخ بغداد المناقب للخوارزمي ومختصر تاريخ دمشق 18: 7. وعن يونس مولى الرشيد قال: مت واقفا على رأس المأمون وعنده يحيى بن أكثم القاضي، فذكروا عليا وفضله، فقال المأمون: سمعت الرشيد يقول: سمعت المهدي يقول: سمعت المنصور يقول: سمعت أبي يقول: سمعت جدي يقول: سمعت ابن عباس يقول: رجع عثمان إلى علي فسأله المصير إليه، فصار إليه، فجعل يحدّ النظر إليه، فقال له علي: ما لك يا عثمان! ما لك تحد النظر إلي؟ قال: سمعت رسول يقول: «النظر إلى علي عبادة».
ومختصر تاريخ دمشق 18: 7: وروي عن عمران بن حصين وعن جابر بن عبد الله وعن أنس بن مالك، وغيرهم أن رسول الله قال: «النظر إلى علي عبادة» وفي المعجم الكبير للطراني - مسند عمران بن حصين - 18: 109 / 207، قال: حدثنا أبو مسلم الكشي حدثنا أبو نجيد عمران بن طليق الضرير، عن أبيه عن جده، قال: رأيت عمران بن حصين يحد النظر غلى علي، فقيل له فقال: سمعت النبي صلىاللهعليهوآله يقول: «النظر إلى علي عبادة. وهو في الباب 37 من فرائد السمطين 1: 181، واللالي المصنوعة 1: 177، و 345؛ مناقب امير المؤمنين للكوفي 1: 293 / 160 و 295 / 165 وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «ذكر علي عباده». مختصر تاريخ دمشق 18: 8.
وانظر في الأحاديث السابقة: كفاية الطالب 158 - 160؛ ميزان الاعتدال 4: 401، 3: 484؛ لسان الميزان 6: 178، منتخب كنز العمال 5: 30، البداية والنهاية 7: 357، تاريخ الخلفاء: 66، ينابيع المودة 90.
(2) صحيح الترمذي 5: 633، المستدرك للحاكم 3: 124، فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 570، تاريخ بغداد 13: 186، فرائد السمطين للجويني 1: 178، الصواعق المحرقة لابن حجر: 75، أنساب الأشراف 2: 350 و 383، فرائد السمطين 1: 178، الاستيعاب 4: 170، الاصابة 4: 171، اسد الغابة 6: 270.
ابن حارثة وقد غاب عن مكة اربعين يوما. وأما هجرته صلىاللهعليهوآله إلى بني عامر بن صعصعة وإخوانهم من قيس عيلان، فإنّه لم يكن معه إلا علي عليهالسلام وحده، وذلك عقيب وفاة أبي طالب أوحي إليه صلىاللهعليهوآله : اخرج منها فقد مات ناصرك فخرج إلى بني عامر بن صعصعة، ومعه علي عليهالسلام وحده فعرض نفسه عليهم وسألهم النصر، وتلا عليهم القرآن فلم يجيبوه، فعادا عليهما السلام إلى مكة. وكانت مدة غيبته في هذه الهجرة عشرة أيام، وهي أول هجرة هاجرها صلىاللهعليهوآله بنفسه». (1)
ولم يتخلف اميرالمؤمنين عليهالسلام عن صحبة رسول الله صلىاللهعليهوآله في هجرته إلى المدينة، وإنما بقي في مكة لتأدية ودائع (2) النبي صلىاللهعليهوآله ، مع تاديته دورا ما كان غيره مؤهلا أن يؤديه، وهو دور الفدائي المستعد للموت على أن يسلم النبي صلىاللهعليهوآله ، فبات على فراشه ليلة هجرته المباركة، متحملا رمي قريش بالحجارة، حتى إذا دخلوا البيت وكشفوا الغطاء، فإذا هو الشاب الشجاع: علي، فأسقط في أيديهم.
ولقد باهي الله تعالى ملائكته بهذه المكرمة العلوية الشريفة وأنزل بها بيانا، ذلك قوله تعالى: ( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) . (3) قالوا: لما أراد النّبيّ صلىاللهعليهوآله الهجرة إلىالمدينة خلف علي بن أبي طالب عليهالسلام بمكة، لقضاء ديونه وأداء الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج غلى الغار - وقد أحاط المشركون بالدّار، أن ينام على فراشه صلىاللهعليهوآله ، ففعل ذلك علي عليهالسلام ، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل ويكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخرة، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب؟! آخيت بينه و بين محمد، فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من
____________________
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي 4: 127 - 128.
(2) رغم حربهم الكلامية، فقد بقيت قريش وغيرها تسمي النبي صلىاللهعليهوآله «الصادق الامين» فتودع أموالها عنده. قال ابن اسحاق: «أمر رسول الله صلىاللهعليهوآله عليا أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته صلىاللهعليهوآله السيرة لابن هشام 2: 129.
(3) البقرة: 207. وذكرنا في فصل (ما نزل من القرآن في أهل البيت) بيانا فيمن رواه، ومصادر ذلك.
عدوه فنزلا، كان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ، من مثلك يا علي بن أبي طالب، يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة؟! فأنزل الله على رسوله صلىاللهعليهوآله وهو متوجه إلى المدينة في شأن عليّ عليهالسلام : ( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) (1) . فمن الملائكة آخى سبحانه بين الملكين الكريمين، ومن البشر آخى بين محمّد صلىاللهعليهوآله ؛ ففاق عليّ الملكين في هذه المكرمة والمزية وهي الفداء من أجل أخيه إذ تعلق الملكان بالحياة لكنّه صلىاللهعليهوآله شرى نفسه فداء للنبيّ ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ وبذا علا عليّ.
ورواه ابن سبع المغربيّ في: «شفاء الصدور»، في بيان شجاعة عليّ عليهالسلام ، وقال: علماء العرب أجمعوا على أنّ نوم عليّ على فراش رسول الله أفضل من خروجه معه، وذلك أنّه وطّن نفسه على مفاداته لرسول الله صلىاللهعليهوآله ، وآثر حياته على حياته، وأظهر شجاعته بين أقرانه. (2)
وعليّ عليهالسلام داخل في كلّ فضيلة يمدح عليها صاحبها، وخارج من كلّ رذيلة يقدح به صاحبها. عن ابن عبّاس، قال: ليس في القرآن ( يَا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وعليّ رأسها وأميرها وشريفها. ولقد عاتب الله أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله في القرآن وما ذكر عليّاً إلاّ بخير». (3) وعليّ هو العلامة المائزة بين المؤمن والمنافق عن أمّ سلمة: قالت: قال رسول
____________________
(1) كفاية الطّالب: 239؛ عن تفسير الثعلبيّ؛ مرآة الجنان 3: 46؛ الفصول المهمة: 33؛ تذكرة الخواصّ ك 41، وفيه شعر لأمير المؤمنين في الحادثة؛ طبقات ابن سعد 1: 227؛ مسند أحمد 1: 330 - 331؛ أنساب الأشراف 2: 106؛ خصائص النّسائيّ 61 - 62؛ إحياء علوم الدين للغزاليّ 3: 252؛ المعجم الكبير 3: 151؛ تفسير الطبريّ 9: 149؛ تفسير الحبريّ 410 ح 9؛ شواهد التنزيل 1: 96؛ تاريخ بغداد 13: 191 - 192؛ أسد الغابة 4: 25؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 329؛ دلائل النبوّة لأبي نعيم 63 - 65؛ مناقب الخوارزميّ 126؛ مجمع الزوائد 9: 19 - 20؛ المستدرك على الصحيحين 3: 5؛ خصائص امير المؤمنين للشريف الرضيّ 26، مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ الشافعيّ 155؛ كنز العمّال 3: 156؛ سنن ابن ماجة 1: 42؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 33؛ أمالي الطوسيّ 83؛ تفسير أبي الفتوح 2: 152؛ تفسير البرهان 1: 207؛ غاية المرام 346.
(2) كفاية الطّالب: 240.
(3) حلية الأولياء 1: 64؛ شواهد التنزيل للحسكانيّ الحنفيّ 1: 21؛ المناقب للخوارزميّ 188؛ كفاية =
الله صلىاللهعليهوآله : «لا يحبّ عليّا منافق، ولا يبغضه مؤمن». (1)
ومن ثمّ فعليّ «لو أنّ الغياض أقلام، والبحر مداد، والجنّ حسّاب، والإنس كتّاب؛ ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب» (2) . رواه مجاهد عن ابن عبّاس عن رسول الله صلىاللهعليهوآله .
لقد دلّ عليّ عليهالسلام بذاته على ذاته، وتنزّه عن ابن تيميّة وأمثاله ولم يفتقر غلى من يثبت ساطع أنواره.
أمّا قوله: «إنّ الرّافضة لا يمكنهم إثبات إيمان عليّ إلاّ إذا صاروا من أهل السّنّة». فشنشنة نعرفها من أخزم! فما لابن تيميّة وأهل السّنّة؟!
إنّما أراد بذلك أمرين: أن يثبت إسلامه بنسبة نفسه إلى المسلمين السّنّة بعد أن تقرّر
____________________
= الطالب: 139؛ كنز العمّال للمتّقيّ 15: 94؛ مجمع الزوائد للهيتميّ 9: 112 عن الطبرانيّ؛ تفسير الحبريّ: 234؛ خصائص الوحي المبين لابن البطريق: 119؛ المعجم الكبير 11: 210 / 11687؛ معرفة الصحابة لأبي نعيم 1: 298؛ الأمالي الخميسية للمرشد بالله: 132؛ تفسير فرات: 3؛ ذخائر العقبى 89؛ فضائل الصحابة لأحمد 2: 654؛ نظم درر السمطين للزرنديّ الحنفيّ 89؛ بحار الأنوار 35: 353.
(1) الرياض النضرة 2: 214؛ مسند أحمد بن حنبل 1: 84؛ صحيح الترمذيّ 2: 301؛ المستدرك على الصحيحين 3: 129؛ المحاسن والمساوئ للبيهقيّ 1: 290 ح تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزيّ: 15؛ حلية الأولياء 6: 294؛ تاريخ بغداد 2: 255؛ كفاية الطالب: 69؛ سنن ابن ماجة، المقدمة 114؛ سنن النسائيّ - في الإيمان - 8: 117؛ كتاب الولاية لابن عقدة: 174؛ تفسير فرات: 115؛ تفسير الحبريّ 350؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 137؛ بشارة المصطفى للطبريّ 64، 76 وغيرها؛ مناقب امير المؤمنين للكوفي 2: 342 / 975 و 990 و 991؛ كشف الأستار للبزّار 3: 199؛ مجمع الزوائد 9: 133؛ كتاب الفضائل لأحمد 143 / 208؛ اللالي المصنوعة 1: 184؛ المعجم الأوسط 5: 89 / 4163؛ المصنّف: ابن أبي شيبة 7 / 505 / 64 في فضائل علي؛ صحيح مسلم 1: 86 ح 131 - كتاب الإيمان، معجم الصحابة للبغويّ الشافعيّ 420؛ الإرشاد للمفيد 39؛ مسند أبي يعلى 1 / 251: 291؛ معرفة علوم الحديث للحاكم 180؛ شرح السنة للبغويّ 14: 114 / 3909؛ مسند الحميدي 1: 31 ح 58؛ انساب الأشراف 1: 350؛ أمالي الطوسيّ ح 3 من المجلس 28؛ الشفا 31 - الصواعق المحرقة 75؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 3: 634؛ الاستيعاب 3: 46 و 47؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 15؛ فضائل علي لابن مردويه 115 ح 138. «والمصادر التي ذكرناها تذكر الحديث بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ثمّ إنّ كثيراً منها ذكرته في أكثر من موضع فآثرنا الاختصار».
(2) المناقب للخوارزميّ: 32؛ فرائد السمطين 1: 16.
تفسيقه وتكفيره ونفاقه. والآخر إثارة المسلمين السّنّة ضد إخوانهم المسلمين الشّيعة.
وهل يرتضي السّنّيّ لنفسه أن يناصب عليّاً ويوالي معاوية الخارجيّ المنافق الّذي سبّب بخروجه على إمام زمانه حربا لا نظير لها، لما أريق فيها من دماء المسلمين، وهي حرب صفّين. وابنه يزيد الخمر والفهود والقرود، قاتل أهل بيت رسول الله صلىاللهعليهوآله ، يوم الطفّ. ثمذ انعطف على طيبة - المدينة المنوّرة - فأعمل السّيف في رقاب المسلمين وأباحها لجيشه ثلاثة أيّام: قتلا - فلم يسلم الشّيخ والطّفل والرّضيع - ونهبا، وزنى، حتذى حبلت ألف امرأة من غير زوج (1) ، وافتضّ فيها ألف بكر (2) ! وبعد هتك حرمة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، هتك حرمة الله تعالى؛ إذ دكّ جيشه الكعبة بالمجانيق وحرّقها! (3) ما هذا الظّنّ بالمسلم السّنيّ الّذي حكم بزندقة ابن تيميّة، وابن القيّم لفساد عقيدتهما في الله تعالى، ورسوله صلىاللهعليهوآله . في حين تجمعه مع الشّيعيّ عقيدة التوحيد وهما ينزّهان الله تعالى من أحاديث رؤية الله عيانا، ويجلاّنه من التجسيم والتحيّز، ممّا لغط به ابن تيميّة وابن القيّم. ويؤمن الشذيعيّ ومثله السّنّيّ بوجوب توقير النّبيّ وتعظيمه وشدّ الرّحال لزيارته والاستشفاع به، وأنّ من الجفاء ترك زيارته لمن حجّ البيت الحرام، ومصدر التشريع عندهما القرآن والسّنّة الثابتة وهما يصليّان الخمس، وقبلتهما واحدة هي الكعبة. ولم يثبت عندهما فضيلة لمعاوية إلاّ قوله صلىاللهعليهوآله : «لا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ». (4)
والشّذرات الرائقة الّتي التمسناها من سنا عليّ العلويّ، لم يَجْرِ بها قلم رافضيّ!
إلاّ إذا قلنا: إنّ الوحي رافضيّ!! والصّحابة والتّابعين، والحنفيّ والمالكيّ والشّافعيّ والحنبليّ كلّ أولئك روافض!
____________________
(1) البداية والنهاية لابن كثير 8: 221.
(2) تاريخ الخلفاء للسيوطيّ: 233.
(3) تاريخ الطبريّ 4: 382 - 383؛ الإمامة والسّياسة، ابن قتيبة 2: 9؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير 4: 49؛ شذرات الذهب لابن العماد الحنبليّ 1: 72؛ الفتوح لابن أعثم 5: 301 - 303.
(4) الاستيعاب 3: 401؛ أسد الغابة 5: 210؛ وفيات الأعيان 1: 59؛ ترجمة النّسائيّ (صاحب السّنن) وفيه قال: «خرج إلى دمشق فسئل عن معاوية وفضائله فقال: أما يرضى ماوية أن يخرج رأسا برأس، حتّى يفضّل؟! ما أعرف له فضيلة إلاّ: لا أشبع الله بطنك»؛ تذكرة الخواصّ 182.
لقد كذبا - ابن تيميّة، وابن القيّم - إذا نسبا نفسيهما إلى الحنبليّ، وأحمد بن حنبل هو القائل: «ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله من الفضائل ما جاء لعليّ بن أبي طالب عليهالسلام . (1)
أطلنا الوقوف مع إله ابن القيّم الّذي ظلّ عليه عاكفاً؛ فما ابن القيّم إلاّ أصداء ترجيع لابن تيميّة، والحديث عن الثاني هو حديث عن الأوّل، ( وَالّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلّا نَكِداً ) . (2)
وشهد شاهدٌ من أهلها:
عمرو بن العاص (3) ، وزير معاوية ومستشاره في الملمّات؛ فقد حفظ له سرير الحكم بحيلته في رفع المصاحف يومَ صِفِّين، يقول في قصيدة بعث بها إلى معاوية:
ولما عصيت إمام الهدى |
وفي جيشه كلّ مستفحل |
|
أبا البقر البكم أهل الشآم |
لأهل التّقى والحجى اُبتلي؟ |
|
فقلت: نعم، قم فإنّي أرى |
قتال المفضّل بالأفضل |
|
فبي حاربوا سيّد الأوصياء |
بقولي: دم طلّ من نعثل! (4) |
|
وكدت لهم أن أقاموا الرّماح |
عليها المصاحف في القسطل |
وعَمْرو هو الّذي علّم معاوية، وبُسْر بن أبي أرطاة اتّخاذ عوراتهم مِدرَأً يَقُونَ بها
____________________
(1) تفسير الثعلبيّ: 74؛ شواهد التنزيل 1: 18؛ المستدرك على الصحيحين 3: 107؛ المناقب للخوارزميّ 34؛ ترجمة الإمام عليّمن تاريخ دمشق لابن عساكر 3: 83؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 31. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل كنت بين يدي ابي جالساً ذات يوم فجاءت طائفة من الكرخيّين فذكروا خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، فاكثروا، وذكروا خلافة عليّ بن أبي طالب وزادوا، فأطالوا، فرفع أبي رأسه إليهم فقال: يا هؤلاء، قد أكثرتم في عليّ والخلافة، وعلى أنّ الخلافة لم تُزيّن عليّاً بل علي زيّنها»؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 44.
(2) الأعراف: 58.
(3) هو ابن النّابغة، بغيّ لها راية تؤتى وعمرو - ابنها - يُعزى إلى ستّة! تجد تفاصيله في مكان آخر من البحث.
(4) طُلّ الدم هُدِر ولم يُثأر له. ونعثل اسم لعثمان سمّته به عائشة.
أنفسهم من صولة حيدرة.
وعلّمتهم كشف سوءاتهم |
لردّ الغضنفرة المقبل |
وقد خطب الوزير ملكه يذكّره فضله عليه في توطئة الأمور له مع أنّه ليس أهلا لهذا المقام:
ورقيتك المنبر المشمخرّ |
بلا حدّ سيف ولا منصل |
|
ولو لم تكن أنت من أهله |
وربّ المقام ولم تكمل! |
وعن إقراره بالمنزلة العليا لعليّ عليهالسلام ، واعترافه بيوم الغدير، وأنّهما - معاوية وابن العاص - حطب جهنّم:
نصرناك من جهلنا يا ابن هند |
على النبأ الأعظم الأفضل! |
|
وحيث رفعناك فوق الرؤوس |
نزلنا إلى أسفل الأسفل! |
|
وكم قد سمعنا من المصطفى |
وصايا مخصّصةً في علي؟! |
|
وفي يوم «خمّ» رقى منبراً |
يبلّغ، والرّكب لم يرحل |
|
وفي كفّه كفّه معلنا |
ينادي بأمر العزيز العلي: |
|
ألست بكم منكم في النّفوس |
بأولى؟ فقالوا: بلى فافعل |
|
فأنحله إمرة المؤمنين |
من الله مستخلف المنحل |
|
وقال: فمن كنت مولى له |
فهذا له اليوم نعم الولي |
|
فوال مواليه يا ذا الجلا |
ل وعاد معادي أخ المرسل |
|
ولا تنقضوا العهد من عترتي |
فقاطعهم بي لم يوصل |
|
فبخبخ شيخك لما رأى |
عرى عقد حيدر لم تحلل |
|
فقال: وليّكم فاحفظوه |
فمدخله فيكم مدخلي |
|
وإنّا وما كان من فعلنا |
لفي النّار في الدّرك الأسفل |
|
وما دم عثمان منج لنا |
من الله في الموقف المخجل |
|
وإنّ عليّاً غداً خصمنا |
ويعتزّ بالله والمرسل |
|
يحاسبنا عن أمور جرت |
ونحن عن الحقّ في معزل |
فما عذرنا يوم كشف الغطا؟! |
لك الويل منه غداً، ثمّ لي (1) ! |
أم سيقولون: ارتدّ ابن العاص فصار رافضيّاً؟!
( كَلّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (2)
شهادة المغيرة في معاوية
والمغيرة بن شعبة أحد أفراد الهيئة الاستشاريّة لابن هند، يعطيه نصحا فيأخذ مالاً.
حدّث الزّبير (3) بن بكّار، عن مطرف بن المغيرة بن شعبة، قال: وفدت مع أبي المغيرة على معاوية، وكان أبي يأتيه فيتحدّث ثمّ ينصرف إليّ فيذكر ماوية ويعجب بما يرى منه، غذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ورأيته مغتمّاً. فانتظرته ساعة، وظننت أنّه لشيء حدث فينا وفي علمنا. فقلت: ما لي اراك مغتمّاً منذ الليلة؟ فقال يا بنيّ، جئت من عند أخبث الناس. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغت سنّاً، فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً، فإنّك قد كبرت! ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فو الله ما عنه اليوم شيء تخافه.
فقال: هيهات هيهات!، ملك أخو بني تيم، فعدل وفعل ما فعل. فو الله، ما عدا أن هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر.
ثم ملك أخو بني عديّ، فاجتهد وشمّر عشر سنين. فو الله، ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر.
ثمّ ملك عثمان، فملك رجل لم يك أحد في مثل نسبه (4) وفعل ما فعل وعمل به ما عمل فو الله، ما عدا أن هلك فهلك ذكره، وذكر ما فعل به. وأنّ أخا بني هاشم يصاح به في كلّ يوم
____________________
(1) ما ذكرناه من شعر ابن العاص، من قصيدة له تسمّى الجلجليّة؛ كتبها إلى معاوية جوابا له على كتابه إليه يطلب خراج مصر ويعاتبه على امتناعه عنه. وروى جملةً منها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2: 522؛ وذكر جلّها الأمينيّ في «الغدير» 2: 114 - 117.
(2) المطفّفين / 14.
(3) والزّبير بن بكار من المعاندين لعليّ عليهالسلام ، فروايته في أثبت.
(4) وكأنّه بهذا فضّل عثمان على الشّيخين، باعتبار أنّ نسبه مثل نسب معاوية، فكلاهما من أميّة.
خمس مرّات: «اشهد أنّ محمّداً رسول الله»، فأيّ عمل يبقى بعد هذا، لا أمّ لك؟! إلاّ دفناً دفناً!! (1)
أم يقولون: صبا المغيرة فصار رافضيّاً، فهو كذّاب يصانع!
( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى قُلُوبِ الّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ ) (2) .
إنّه أحد الأدلّة - وهي كثيرة - على زندقة معاوية، فهو يرى في حاكميّة الإسلام ملكا، وكذلك كان يراها أبو سفيان، الذي نسب إليه معاوية فصار يدعى: معاوية بن أبي سفيان، ولم يصحّ إسلامهما على ما سنرى ومعاوية مبتئس أن تكون النبوّة التي سمّاها ملك محمّد صلىاللهعليهوآله أوسع من ملك من ذكر، وأنّ ملكه جار شامخ تعلن الشّهادة له خمس مرّات في اليوم. وممّا يفصح عن نظرته الجاهليّة وأنّه ما زال على خطى أبي سفيان في نظرته إلى النّبوّة ومقام النّبيّ صلىاللهعليهوآله : إنزاله النّبيّ بمنزلة غيره، ومضى أبعد من ذلك فانتقص منه حين عرّف به: «وأنّ أخا بني هاشم، من غير ما يستحقّه من الخطاب ممّا أدّب به الوحي المسلمين إذا ذكروه فقالوا: النّبيّ، ورسول الله. مع تعظيمه بصلاة الله وملائكته عليه: «اللّهمّ صلّ على محمّد وآله». وإزاء ذلك عرّف بعثمان: «فملك رجل لم يك أحد في مثل نسبه». ولسنا ننكر نسب عثمان ونعلم أنّه أمويّ، ولكن هل نسب عثمان مثل نسب رسول الله صلىاللهعليهوآله ؟! ومتى كان النسب مثل النبوّة في المعيار والموازنة؟! وأيّ صراحة في زندقته من قوله: «دفناً دفناً» أي دفن اسم محمّد! وهذه ورثها يزيد عن أبيه وجدّه إذ تمثّل بشعر الزّنديق ابن الزّبعرى:
لعبت هاشم بالملك فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل! |
وذلك لما وضع بين يديه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليهماالسلام
____________________
(1) كشف اليقين: 474 - 475؛ كشف الغمّة 2: 44.
(2) الرّوم / 59.
شهادة معاوية في حق عليّ عليهالسلام
حدّث الزّبير بن بكار، قال: دخل محقن بن ابي محقن الضبيّ على معاوية فقال: جئتك من عند الأم العرب وأبخل العرب وأعيا العرب وأجبن العرب! قال: ومن هو، يا أخا بني تميم؟ قال: عليّ بن ابي طالب! قال معاوية: اسمعوا يا أهل الشّام، ما يقول أخوكم العراقي! فابتدروه أيّهم ينزل عليه ويكرمه! فلمّا تصدّع النّاس عنه قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه. فقال له: ويحك، يا جاهل، كيف يكون ألأم العرب وأبوه أبوطالب، وجدّه عبد المطلب، وامرأته فاطمة بنت رسول الله؟! وأنى يكون أبخل العرب؟! فو الله لوكان له بيتان؛ بيت تبن وبيت تبر (1) ، لأنفد تبره قبل تبنه وأنّى يكون أجبن العرب؟! فو الله ما التقت فتيان قطّ إلاّ كان فارسهم غير مدافع. وأنى يكون أعيا العرب؟! فو الله ما سنّ البلاغة لقريش غيره. ولما (2) قامت أمّ محقن عنه ألأم وأبخل وأجبن وأعيا لبظر أمّه، فو الله، لو لا ما تعلم لضربت الّذي فيه عيناك. فإيّاك عليك لعنة الله، والعودة إلى مثل ذلك.
قال: والله، أنت أظلم منّي، أيّ شيء قاتلته وهذا محلّه؟!
قال: على خاتمي (3) هذا، حتّى يجوز به أمري.
قال: فحسبك ذلك عوضا من سخطالله، وأليم عذابه. قال: لا يا ابن محقن، ولكنّي أعرف من الله ما جهلت حيث يقول: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ ) (4 ) . (5)
أم ينغضون رؤوسهم: إنّ معاوية قد ندم على ما كان منه فرجع غلى عليّ، وترفّض؛ فسقطت بذلك عدالته؟! أو يقولون: إنّ رواية الزّبير بن بكّار لا تثبت وإن علم من حاله أنّه من المعاندين لعليّ، وهذا من الأسباب الّتي لأجلها استقضاه المتوكّل العبّاسيّ أشدّ بني
____________________
(1) التبر: الذهب غير المضروب.
(2) أي أنّ الذي ولدته هذه المرأة وهو محقن بن ابي محقن، أحقّ بهذه النعوت.
(3) إشارة منه إلى التحكيم وتثبيت ابن العاص له من خلال مهزلة تثبيت الخاتم في إصبعه!
(4) الأعراف / 156.
(5) كشف الغمّة 2: 47؛ كشف اليقين: 475 - 476. (وهذه شهادة من أعتى أعداء الإسلام صاحب الفتنة العظيمة الّتي شقّت صفّ المسلمين وأراقت دماءهم يوم صفّين. وهو بعد إنكاره على هذا الّذي جاء إليه متملّقاً بتنقيص عليّ، عاد إلى الدّفع عن نفسه متعلّلا بالآية الشّريفة).
العبّاس عداوة لأهل البيت عليهمالسلام ، ولشيعتهم. وبعد: فمن هو أشدّ النّاس كذباً؟
( إِنّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) . (1)
حديث ردّ الشّمس لعليّ عليهالسلام
كذّب ابن القيّم حديث ردّ الشّمس لعليّ عليهالسلام ، مقتدياً في ذلك بشيخه ابن تيميّة.وقد عمي فجعل ذلك من روايات الشيعة واتّخذ منه دليلا على كذبهم.قال: «وكذلك روايتهم أنّ الشّمس ردّت لعليّ بعد العصر، والنّاس يشاهدونها. قال: ولا يشتهر هذا أعظم الاشتهار، ولا يعرفه إلاّ أسماء بنت عميس». (2)
من نافلة الكلام أنّ الشّمس وعليّاً عليهالسلام من موجودات الله تعالى، وبدائع صنعه. ومعلوم أنّ بعض الموجودات أشرف من بعض، وشمس عليّ أشرف وأشرق من هذا الجرم السماويّ - الشّمس - الدائب الحركة في فلك؟ قدّره الخالق تعالى، طائعا من غير اختيار، مجبورا لمشيئة الجبّار: إن شاء فجّره أو أمسك، وإن شاء بعث فيه الحركة أو أسكن.
أمّا سنا عليّ فهو من طهارة مولده وعلوّ شأنه؛ إذ هو وسيّد الكائنات مطلقاً محمّد رسول الله صلىاللهعليهوآله من شجرة واحدة، ونفس واحدة، ونور كان بين يدي الرّحمن قبل أن يخلق الشّمس وغيرها، ومن سابقته وحمل الأمانة إيماناً وجهادا وتبليغاً في وقت أشفق منها رجال ونافق آخرون! فما وجه إكبار توقّف الشّمس أو رجوعها لتقرير حقيقة هي شرف وعلوّ منزلة عليّ لتعي ذلك أذن واعية!
( أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ) (3)
____________________
(1) النّحل / 105.
(2) المنار المنيف: 57، الفصل العاشر (فقرة 83).
وفي هامش المصدر: وكثركلام اللماء فيه بين مثبت له وناف فممّن نفاه: الإمام أحمد، فقال: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزيّ في «الموضوعات» والشّيخ ابن تيميّة وأطال في بطلانه في كتابه «منهاج السّنّة» وتابعه من تلامذته الحفّاظ الأئمّة: الذّهبيّ كما في تنزيه الشّريعة، والشّيخ ابن القيّم هنا، وابن كثير في البداية والنّهاية.
(3) هود / 28.
حرمة المؤمن
وإذ سلف الكلام في اثنين من موجودات الله تعالى متماثلين في أمر، مختلفين في أمور، فانّ للحجر الأسود شأناً لم يكن للشّمس. عن ابن عبّاس قال: رأيت النبيّ صلىاللهعليهوآله يسجد على الحجر. (1)
وعن أبي الطّفيل: رأيت رسول الله صلىاللهعليهوآله يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبّل المحجن. (2)
ولقد قيل في الحجر الأسعد إنّه نزل من الجنّة. عن ابن عبّاس: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «الحجر الأسود من الجنّة». (3) وقد استنّ المسلمون بفعل رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فكانوا يقبّلون الحجر الأسود، إلاّ أنّه قد عرض لبعضهم شبهة إذ جهلوا علّة تقبيل هذا الحجر والسجود عليه!
عن عابس بن ربيعة، قال: رايت عمر بن الخطّاب قام عند الحجر وقال: والله إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولو لا أنّي رأيت رسول الله صلىاللهعليهوآله قبّلك ما قبّلتك. فقال له عليّ: بلى؛ هو يضرّ وينفع، ولو علمت ذلك من كتاب الله لعلمت أنّه كما أقول، قال الله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) (4) ، فلمّا أقرّوا أنّه الربّ عزّ وجلّ، وأنّهم العبيدُ؛ كتب ميثاقهم في رقّ وألقمه في هذا الحجر، وأنّه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان، يشهد لمن وافى بالموافاة، فهو أمين الله في هذا الكتاب. فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. (5)
____________________
(1) السّنن الكبرى للبيهقيّ 5: 75.
(2) سنن أبي داود 2: 176؛ سنن ابن ماجة 2: 983؛ صحيح مسلم 2: 893؛ البداية والنهاية 6: 12.
(3) سنن النّسائيّ: 5 - 226؛ الدرّ المنثور 1: 135.
(4) الأعراف / 172.
(5) شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 3: 122؛ المستدرك للحاكم 1: 457؛ كنز العمّال 5: 93؛ السيرة الحلبيّة 1: 188؛ الدرّ المنثور 3: 144.
الحجر الأسود يمين الله
عن ابن عبّاس، قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض. فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فاستلم الحجر، فقد بايع الله ورسوله. (1)
حرمة الكعبة
أخرج الطبرانيّ في الأوسط عنجابر، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّ للكعبة لسانا وشفتين، وقد اشتكت فقالت: يا ربّ قلّ عوّادي وقلّ زوّاري. فأوحى الله: أنّي خالق بشراً سجّداً يحنّون إليك كما تحنّ الحمامة إلى بيضها». (2)
إذا كانت هذه هي حرمة الكعبة ومنزلتها الرفيعة إذ يطوف بها الحجيج القادمون من كلّ صقع، ملبّين: لبّيك اللّهمّ لبّيك... فهم في بيت الله تعالى، وضيافته وتلك هي رفعة الحجر الأسعد، إذ (هو يمين الله في أرضه، يصافح به عباده) (3) ، يشهد لمن وافى بالموافاة، فإنّ المؤمن أكرم عند الله تعالى من الكعبة. أخرج البيهقيّ عن ابن عبّاس قال: لما نظر رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى الكعبة، قال: «مرحباً بكِ من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك، وللمؤمن أعظم عند الله حرمة منك». (4)
وأخرج ابن أبي شيبة، والأزرقيّ عن مكحول: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لما رأى البيت حين دخل مكّة، رفع يديه وقال: «اللّهمّ زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً، وزد من شرّفه وكرّمه ممّن حجّه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبرّاً». (5)
والأسّ الذي بني عليه هذا المقام الكريم، هو الدّور الرياديّ الّذي اُنيطت مهمّته إليه
____________________
(1) الدرّ المنثور 1: 134؛ في الذّريّة الطاهرة للدولابي 131 ح 160: عن فاطمة بنت حسين، عن أبيها قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «لما أخذ الله ميثاق العباد جعل في الحجر، فمن الوفاء بالبيعة استلام الحجر».
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر 1: 134.
(4) نفس المصدر 1: 132.
(5) نفس المصدر 1: 132.
من الباري سبحانه، فهو بفاعليّته هذه على خطى الأنبياء في تبليغ دين الله تعالى، فرسول الله صلىاللهعليهوآله شاهد على أمّته، وأمّته شاهدة على النّاس ( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) . (1) والآية بيان منه سبحانه لفضل هذه الأمّة على سائر الأمم. ومعنى شهداء على النّاس أي: «لتشهدوا على النّاس بأعمالهم، أو لتكونوا حجّة على النّاس فتبيّنوا لهم الحقّ والدّين، ويكون الرسولُ عليكم شهيداً بما يكون من أعمالكم وحجّة عليكم». (2)
المُحصّلة
إنّ أشرف البقاع على الأرض هي مكّة المكرّمة، ففيها أوّل بيت وضعه الله تعالى لعبادته ( إِنّ أَوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلّذِي بِبَكّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ) (3) .
والكعبة هي قطب الرّحى؛ فقد قيل: إنّ أوّل شيء خلقه الله من الأرض موضع الكعبة. (4) ولا نعلم جرماً أشرف من الأرض لما سلف. والمؤمن أكرم وأشرف من الكعبة، فرسولُ الله صلىاللهعليهوآله سيّد البشر جميعاً لأنّه خاتم الأنبياء الّذي بشّر به من سبق، ورسالته خاتمة الرسالات، والكتاب الّذي جاء به مهيمن على غيره، ولا تصحّ نبوّة ولا شريعة ماضية ما لم يقرّها القرآن الكريم؛ فمحمّد رسولُ الله صلىاللهعليهوآله أولى من جميع المؤمنين بالشّرف الباذخ الّذي لا تطاله الكعبة. والنبيّ هو الّذي حرّر البيت الحرام وطهّر الكعبة من أدران الجاهليّة إذ حطّم الأصنام الّتي نصبتها قريش وغيرها على سطحها؛ فالنّظر إلى وجهه الكريم وتبجيله هو مثلما يكون للكعبة. وكان الّذي باشر عمل ذلك هو عليّ إذ أعلاه رسول الله صلىاللهعليهوآله منكبيه... فذكروا ذلك في منزلة عليّ وفضائله. (5)
____________________
(1) البقرة / 143.
(2) مجمع البيان 1: 225.
(3) آل عمران / 97.
(4) مختصر مجمع البيان 1: 232.
(5) مسند أحمد بن حنبل 1: 84، 151؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 202 - 203؛ المناقب =
وللإمام الشّافعيّ قول منظوم في شرف هذه المكرمة العلويّة العلويّة:
قيل لي: قل لعليّ مدحاً |
ذكره يخمد ناراً موصده |
|
قلت: لا أقدم في مدح امرئ |
ضلّ ذو اللُّبّ إلى أن عبده |
|
والنبيّ المصطفى قال لنا |
ليلة المعراج لما صعده |
|
وضع الله بظهري يده |
فأحسّ القلب أن قد برده |
|
وعليّ واضع أقدامه |
في محلّ وضع الله يده (1) |
النظر إلى وجه عليّ عبادة
والنظر إلى الكعبة يذكّر المؤمن بربِّ الكعبة، فيعقد العزم على السير حثيثاً لملاقاة الله تعالى نقيّاً من أدران الدُّنيا، بعد أن اغتسل وقصّر...، فقد عاهد الله سبحانه على إخلاص الرّبوبيّة والعبوديّة؛ وهذه هي الحكمة من تشريع هذه الفريضة العباديّة؛ ولتحرير النّفس من آسارها، وعليّ أشرف من الكعبة وأوقع أثراً في النّفوس؛ فالنظرُ إليه عبادة (2) ،
____________________
= للخوارزميّ: 123؛ المستدرك على الصحيحين 2: 367 و 3: 5؛ خصائص أمير المؤمنين للنّسائيّ: 31؛ صفة الصفوة لابن الجوزيّ 1: 119؛ تاريخ بغداد 13: 302؛ كفاية الطّالب: 257، وقال: هذا حديث حسن ثاب عند أهل النقل؛ الخصائص الكبرى للسيوطيّ 1: 264؛ ذخائر العقبى: 85؛ الرّياض النّضرة 2: 200؛ المواهب اللّدنيّة للقسطلانيّ 1: 204؛ ينابيع المودّة: 139.
واحتفاء المصادر واحتفالها هذا بالحديث كاشف عن حقيقة: أن لم يرتق من النبيّ هذا المرقى إلاّ عليّ وهو واحد من أساليب النبيّ في إعداد عليّ لمنصب الخليفة والوصيّ.
(1) ينابيع المودّة: 140.
(2) أورد الگنجيّ الشّافعيّ في كفايته (ص 158 - 160) رأياً لطيفاً فيفقه ذلك، ونحن نذكره هنا لما فيه من الفائدة، قال: «وفقهه في أنّ النّظر إلى وجه عليّ عبادة، وقد ورد حديث أيضاً أنّ النظر إلى الكعبة عبادة، وقد رويت أيضاً بسندٍ عندي أنّ النظر إلى المصحف عبادة.
وقد ورد أيضاً أنّ النظر إلى وجه العالم عبادة، وقد ورد أيضاً أنّ النظر إلى وجه الوالدين عبادة.
فنقول: يريد به نظر الشّخص البّارّ بوالديه، الرؤوف بهما ن المحبّ لهما من غير إكراه ولا عبوس، ولا رفع صوت ولا تبرّم ولا تقشّف ولا تأنّف، واللطف لهما عبادة. «والنظر إلى وجه العالم عبادة» بمعرفة الفضل له =
والطّواف في رحابه حجّ، وذكره موعظة.
بسندٍ عن عبد الله بن مسعود، قال قال لي رسول الله صلىاللهعليهوآله : «النظر إلى وجه عليّ عبادة». (1)
وكيع عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أنّ النبيّ قال: «النظر إلى وجه عليّ
____________________
= لكونه وارث علم النبوّة، وهو من دعاة الهدى للأمّة يجنّب النّاس المكاره والمعاطب، ويرشدهم إلى سبيل الخير والصّلاح، ويدعوهم إلى ما دعاهم الله إليه ورسوله، وينهاهم عمّا نهاهم الله عنه ورسوله، فيكونون بين يدي العالم كالأسير بين يدي مالكه، لا يتّهمه في أمر ولا نهي ويكون عند رؤيته كالنّاظر إلى وجه رسول الله، والجالس بين يديه ولا ينظر إليه شزرا ولا يرفع صوته بين يديه. «والنّظر إلى المصحف عبادة» من حيث معرفة وجوب حرمته وجلالته وإكرامه وإعظامه، وتأمّله إلى الأمر والنّهي، والندب والاستحباب، وسؤال الله تعالى الرّحمة عند ذكر الرّحمة والجنّة، والاستعاذة بالله من النّار والفتن والشّرور عند ذكرها، فيفرّغ سرّه وجوارحه عند النّظر في كتاب الله، ويدّبر آياته ويتفكّر في عبره وتبيانه، فيكون من العابدين بقراءته ومن العائذين بالنظر إليه «والنّظر غلى وجه النّبيّ صلىاللهعليهوآله عبادة» إذا كان النظر إليه بعين الاحترام والتبجيل والإكرام أنه سفير بين الله عزّ وجلّ وبين عبده، وله المكانة العظيمة لاختيار الله تعالى إيّاه لرسالته واطّلاعه على أسرار الحقّ.
وكذلك «النظر إلى الكعبة عبادة» وهي حجارة بناها البنّاها إمّا من أهل الإيمان، وغمّا من أهل الشّرك وهي إنّما النظر إليه عبادة من حيث إنّها نسبت إلى الله عزّ وجلّ بالتخصيص والتشريف، وأنّها بيت الله وموضع نظره من أرضه ومهبط وحيه ورحمته وحياطة ملائكته ومحلّ أنبيائه ورسله، ومائدة وليمته في أرضه الّتي دعا النّاس إليها، وأوجب عليهم حجّها؛ فإنّ النّاظر إليها كالناظر إلى الله عزّ وجلّ، فينظر إليها بالتعظيم والتوقير، ويلوذ بها ويطوف حولها، ويتمسّح بأركانها كما يفعل العبد الذليل بين يدي المولى الجليل، يرجو فضله ويخاف من المجازاة لعدله.
«وأمّا النظر إلى وجه عليّ فإنّه عبادة» من حيث إنّه ابن عمّ الرسول، وزوج البتول، ووالد السبطين الحسن والحسين، وأخو الرسول، ووصيّه، وباب علمه، والمبلّغ عنه، والمجاهد بين يديه، والذّابّ عنه، والمجلي الكرب عنه، والباذل نفسه لله تعالى ولرسوله... ويدلّ على فضل النظر إليه على فضل النظر إلى الكعبة: أنّ النّبيّ وقف حيال الكعبة، وقال: «ما أجلّك وما أشرفك وما أعظمك عند الله! والمؤمن عند الله أعظم وأشرف منك». وهذا يدلّ على أنّ النظر إلى وجه عليّ أفضل من النظر إلى الكعبة.
(1) المناقب للخوارزميّ: 361؛ المستدرك للحاكم 3: 141؛ حلية الأولياء 5: 58؛ ميزان الاعتدال للذهبيّ 4: 401؛ لسان الميزان لابن حجر 6: 178.
عبادة». (1)
وعن أبي هريرة، قال: رأيت معاذ بن جبل يديم النظر إلى عليّ بن أبي طالب، فقلت: ما لك تديم النظر إلى عليّ كأنّك لم تره؟! فقال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «النظر إلى وجه عليّ عبادة». (2)
وعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وواثلة بن الأسقع - وبطرقٍ عدّة - عن عمران بن حصين: «النظر إلى عليّ عبادة». (3)
وعن معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: رأيت أبابكر يكثر النظر إلى وجه عليّ؛ فقلت له: يا أبه، أراك تكثر النظر إلى وجه عليّ! فقال: يا بنيّة، سمعت رسول الله يقول: «النظر إلى وجه عليّ عبادة» (4) .
الحجّ إلى عليّ
بسند عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «مثل عليّ فيكم - أو قال: في هذه الأمّة - كمثل الكعبة المستورة - أو المشهورة -، النظر إليها عبادة، والحجّ إليها فريضة» (5) .
وفيه رمز لعلوّ منزلة عليّ السامقة؛ فقصد البيت الحرام والطّواف بالكعبة فريضة لمن استطاع إليه سبيلاً، ويجزئ فيه مرّة في العمر. أمّا الطّواف بعليّ فلا، ذلك أنّه خليفة رسولالله صلىاللهعليهوآله ، ومنه يستمدّ المسلم معالم دينه، وهو سبيل النجاة ولما كان عليهالسلام بهذه المنزلة
____________________
(1) خلية الأولياء 2: 182؛ منتخب كنز العمّال 5: 30؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 207؛ لسان الميزان 1: 242.
(2) تاريخ بغداد 2: 51؛ ميزان الاعتدال 3: 484؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 207.
(3) مناقب الإام عليّ: 209؛ ينابيع المودّة: 90؛ الرياض النّضرة 2: 219؛ البداية والنهاية 7: 357؛ تاريخ الخلفاء: 66؛ كفاية الطّالب: 161؛ المناقب للخوارزميّ: 362.
(4) مناقب الامام عليّ: 211؛ ترجمة الإمام عليّ 2: 391؛ تاريخ بغداد 2: 51؛ كفاية الطّالب: 161، 362.
(5) كفاية الطّالب: 161؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 107؛ كنز العمّال 6: 158؛ مجمع الزوائد 9: 119؛ الرياض النضرة 2: 219.
لم يكن عليه أن يأتي غيره، وإنّما عليهم أن يشدّوا الرّحال إليه فيأتوه، فهو بذلك بمنزلة الكعبة يؤتى ولا يأتي، ويقصد ولا يقصد. إنّه منار الهدى وصراط الله المستقيم.
قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام : «أنت بمنزلة الكعبة: تؤتى ولا تأتي، فإن أتاك هؤلاء القوم فسلّموها إليك - يعني الخلافة - فاقبل منهم، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتّى يأتوك» (1) .
وبعد أن قامت الحجّة وتمّت الرسالة بتبليغ رسول الله صلىاللهعليهوآله رسالة الباري عزّ وجلّ بتنصيب الوصيّ عليّ عليهالسلام ؛ فإنّ موالاة عليّ وآله من تمام موالاة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، والسعي في ساحتهم كالسعي بين الصفا والمروة، وهم سفينة النجاة لأمّة محمّد بعد محمّد صلىاللهعليهوآله ، فصراطهم هو الصّراط المستقيم.
أخرج الشريف الرضيّ بسند عال، قال: حدّثني أبو محمّد هارون بن موسى، قال: حدّثني أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن المنصور، قال: حدّثني أبو موسى عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور، قال: حدّثني الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر عليهالسلام ، قال: حدّثني أبي عليّ، قال: حدّثني أبي محمّد، قال: حدثني أبي عليّ، قال: حدّثني أبي موسى، قال: حدّثني أبيجعفر، قال: حدّثني أبي محمّد، قال: حدّثني أبي عليّ، قال: حدّثني الحسين بن عليٍّ، عن أبيه امير المؤمنين عليهالسلام ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «يا عليّ مثلكم في النّاس مثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، فمن أحبّكم يا عليّ نجا، ومن أبغضكم ورفض محبّتكم هوى في النّار. ومثلكم يا عليّ مثل بيت الله الحرام: من دخله كان آمنا منكم، فمن أحبّكم ووالاكم كان آمناً من عذاب النّار، ومن أبغضكم ألقي في النّار. يا عليّ ( وَللّهِِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ومن كان له عذر فله عذره، ومن كان فقيراً فله عذره، ومن كان مريضاً فله عذره، والله لا يعذر غنيّاً ولا فقيراً ولا مريضاً ولا صحيحاً ولا أعمى ولا بصيراً في تفريطه في موالاتكم ومحبّتكم» (2) .
____________________
(1) أسد الغابة 4: 112.
(2) خصائص امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب للشريف الرضيّ: 48. ومصادر حديث السفينة كثيرة، =
ذكر عليّ عبادة
يقفل الحاجّ راجعاً من بيت الله، ونفسه توّاقة لفعل الخير؛ إذ خلع لباس الدّنيا واتّزر لباسا أبيض غير مخيط، لباس مودّع لها مقبل على آخرته، قد رجم شيطان نفسه ونحر شهواتها، وسعى بين المروة والصفا، على خطى الأنبياء... يذكر ذلك بما يردعه من مقارفة حرام، ويزيده طاعة لمولاه. وذكر عليّ عليهالسلام مقرون بذكر أخيه رسول الله صلىاللهعليهوآله ، والله تعالى أمير المؤمنين بذكر النبيّ والصّلاة عليه وتعظيمه، والنبيّ نهى عن الصلاة المبتورة، فذكر عليّ والصّلاة عليه عبادة. (1)
وكيع عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله «ذكر عليّ بن أبي طالب عبادة». (2)
____________________
= وبألفاظ عدّة، فنذكر مصادره من غير ألفاظه فمن شاء رجع إليها؛ كتاب الفضائل لأحمد بن حنبل - فضائل الحسنين - حديث 55؛ المعرفة والتاريخ للفسويّ 1: 538 و 296؛ المعارف: لابن فيتبة 252؛ تفسير ابن كثير 4: 114 ذيل آية المودّة؛ المستدرك على الصحيحين 3: 150 و 163؛ علل الدار قطنيّ 6: 226؛ المعجم الأوسط للطبرانيّ 6: 186 / 5386؛ المعجم الصغير 1: 22؛ مناقب ابن المغازليّ 132 ح 173 و 133 ح 175 و 134 ح 177؛ ميزان الاعتدال حديث 1826؛ تاريخ بغداد 12: 19؛ الكنى والأسماء للدولابيّ 1: 137 ترجمة 241.
(1) ينابيع المودّة: 7، عن جواهر العقدين والصّواعق المحرقة: روي عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: (لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله؟
قال: تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد وتسكتون، بل قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد).
وأخرج الفسويّ عن إسرائيل عن جابر عن محمّد بن عليّ عن أبي مسعود قال: لو صلّيت صلاةً لا أصلّي على آل محمّد لرأيت صلاتي لا تتمّ. المعرفة والتاريخ: للفسويّ 1: 296.
(2) المناقب للخوارزميّ: 362؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 206؛ كفاية الطّالب: 161؛ الجامع الصغير للسيوطيّ 1: 583؛ البداية والنهاية 7: 357؛ منتخب كنز العمّال 5: 30.
عليّ زينة المجالس
لكلّ مجلس زينة، وزينة مجالس المؤمنين ذكر علي عليهالسلام .
جعفر بن برقان، قال: بلغني أنّ عائشة كانت تقول: زيّنوا مجالسكم بذكر عليّ. (1)
عليّ عليهالسلام ، نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وعليّ هو نفس رسول الله صلىاللهعليهوآله ، نصّ على ذلك الوحي المبين، كما في آية المباهلة:
( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2) .
والشواهد قائمة على أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله خرج بعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام لمباهلة النّصارى، فغلبهم بهم. ولو علم الله أنّ في الأرض أكرم منهم لأمر رسوله أن يباهلهم بهم. فكان الحسن والحسين ابني رسول الله، وفاطمة نساءه، وعليّ نفسه. (3)
____________________
(1) مناقب الإمام عليّ: 211؛ ذخائر العقبى: 95؛ الرياض النضرة 2: 219.
(2) آل عمران / 61.
(3) مسند أحمد 1: 185؛ صحيح مسلم 7: 120 - 121؛ الجامع الصحيح للترمذيّ 4: 293 - 294؛ أسباب النزول: 68؛ دلائل النبوّة لأبي نعيم: 124؛ تذكرة الخواصّ: 17؛ الإصابة 2: 519؛ مصابيح البغويّ 2: 277؛ المستدرك للحاكم 3: 150؛ كفاية الطّالب: 142؛ تفسير الطبريّ 3: 212؛ الصّواعق: 72؛ شواهد التنزيل 1: 128؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 263؛ تفسير ابن كثير 1: 371؛ فتح القدير 1: 316؛ الدرّ المنثور 2: 38 - 39؛ جامع الأصول لابن الأثير 9: 469؛ البداية والنهاية 5: 53؛ الرياض النضرة 2: 248؛ تيسير فرات: 29؛ سعد السعود لابن طاووس: 91 - 92؛ تفسير مقاتل بن سليمان «80 - 150 هـ) 1: 174؛ كتاب الولاية لابن عقدة 186 ومواضع اُخرى؛ تفسير الثعلبيّ «الكشف والبيان» 3: 85؛ مناقب عليّ بن أبي طالب: لابن مردويه 226 - 228 ح 320 - 322؛ الطرائف في معرفة الطوائف: لابن طاووس 45؛ أحكام القرآن: لابن العربيّ 1: 321؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 3: 627.
عليّ من معاجز النّبيّ
لقد كانت المباهلة بالوجوه المقدّسة عند الله تعالى: عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين؛ أوقع في قلوب نصارى نجران وأبلغ في الإعجاز لهم من المباهلة بكتاب الله المجيد، فأظهروا العجز عن المباهلة وأقرّوا بالخراج، فكان أهل البيت عليهمالسلام معجزة رسول الله صلىاللهعليهوآله يومئذ وبذلك قاموا مقام القرآن في الإعجاز الذي هو دليلنا على تصديق الأنبياء من قبل، ومن ثمّ تصديق الكتب التي جاؤوا بها ولو لا أنّ القرآن ذكرهم وصدّق كتبهم لما كان يلزمنا ذلك. ولما كان أهل البيت دلالة على تصديق نبوّة رسول الله صلىاللهعليهوآله وأنّ القرآن من عند الله سبحانه، فكانوا بذلك بمقام الأنبياء رتبة ورفعة، لا وحياً ونبوّة. وهم مفتاح الرّحمة؛ عنعبد الله بن عبّاس: سئل النبيّ صلىاللهعليهوآله عن الكلمات الّتي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه (1) ، قال: «سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ، فتاب عليه» (2) . فلو وقع لآدم من العلم أنّ السؤال بغيرهم أوجب أو أنّه يقوم مقام ذلك لفعله، فات سببهم حينئذ أوثق ومنزلتهم أعلى.
النّبي والوصيّ في منازل الطّاعة
ولما كانت نفس رسول الله صلىاللهعليهوآله أشرف نفس وأعظم قدر، وجب لعليّ عليهالسلام من الشرف والإعظام ما وجب لرسول الله، وحقّ له من الطّاعة ما وجب لله تعالى ولرسوله صلىاللهعليهوآله يعضّد ذلك إضافة لما تقدّم، قوله تعالى: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (3) ، وهي خاصّة بعليّ. (4)
____________________
(1) وذلك قوله تعالى ( فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) الآية. «البقرة / 37».
(2) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 63؛ الدرّ المنثور 1: 60؛ ينابيع المودّة: 97.
(3) المائدة: 55.
(4) تفسير الطبريّ 6: 165؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 311؛ البداية والنهاية 7: 35؛ المناقب للخوارزميّ: 187؛ شواهد التنزيل: 233؛ كنز العمّال 6: 405؛ تذكرة الخواصّ: 207؛ مجمع البيان 2: 210 =
وعليّ عليهالسلام تجب طاعته، كذلك لأنّه داخل في الصّراط المستقيم الذي لا تقبل من مسلم صلاة إلاّ إذا دعا ربّه بالهداية إليه ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (1) . فمن هذا شأنه، ليس كثيرا عليه ردّ الشمس له.
ومن يتوقّف فيه، فإمّا أن يكون توقّفه من حيث الإمكان، أو من حيث الواقع. والأوّل باعتبار أنّه خروج على النظام وسنّة الله تعالى في مخلوقاته، وهذا مردود من حيث إنّه غيرخارج عن سنن الله الكونيّة، بل هو جارٍ وفق إرادة الله سبحانه وحكمته، وتحقيقاً للمصالح الواقعة في مشيئته عزّ وجلّ. أمّا من حيث الواقع، فقد جرت أمور خارقة لطبائع الأشياء لأنبياء وغير أنبياء، بما في ذلك توقّف الشّمس وانشقاق القمر؛ فقد حبس الله تعالى الشّمس لأحد أنبيائه بعد أن دعاه وهو في حال جهاد، كما حبسها ليوشع عليهالسلام . وانشقّ القمر يوم ولد رسول الله، وضربت النّجوم بعضها بعضاً، وغيض ماء بحيرة ساوة، ونبع الماء من بين أصابعه صلىاللهعليهوآله ، وانفلق البحر لموسى عليهالسلام ، فسلكه ومن معه، فلمّا جاوزه انطبق على فرعون وجنده فكانوا من المغرقين.
____________________
= عن الثعلبيّ، الدرّ المنثور 2: 294؛ ذخائر العقبى: 102؛ الرياض النضرة 2: 302؛ جامع الأصول لابن الأثير 9: 478؛ أنساب الأشراف 2: 150؛ أسباب النزول: 148؛ تفسير الحبريّ: 438، تفسير فرات 38؛ مناقب أمير المؤمنين للكوفيّ 1: 175 / 85؛ التفسير الكبير للرازيّ 3: 431؛ فرائد السّمطين 1: 189؛ العمدة: ابن البطريق 119؛ لباب النقول 90 و 91؛ الأمالي الخميسيّة 1: 138؛ تفسير ابن كثير 2: 71؛ فتح القدير 2: 50؛ كفاية الطّالب 250؛ معرفة علوم الحديث للحاكم 102؛ غاية المرام 104، 109 ومواضع أخرى، البداية والنهاية 7: 357؛ الذّرّيّة الطّاهرة: الدولابيّ (224 - 310 هـ): 109 / 114؛ تفسير القرطبيّ 9: 336؛ سعد السعود: 70؛ أمالي الطوسيّ 1: 58؛ تفسير غرائب القرآن للنيسابوريّ 6: 167؛ مجمع البيان: الطبرسيّ 2: 210؛ نظم درر السّمطين 87؛ تفسير العيّاشيّ 1: 327؛ كتاب الولاية: ابن عقدة 253 - 254؛ مطالب السؤول 31؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 3: 275؛ الفصول المهمّة 123؛ الصواعق المحرقة 24؛ ينابيع المودّة 212؛ نور الأبصار 77؛ أحكام القرآن للجصّاص 2: 542؛ معالم التنزيل: الفرّاء الشافعيّ - بهامش تفسير الخازن - 2: 55؛ الكشّاف: الزمخشريّ الحنفيّ 1: 422؛ تفسير النسفيّ بهامش الخازن 1: 496؛ تفسير الخازن 1: 496؛ تفسير البحر المحيط: أبو حيّان الأندلسيّ 3: 514؛ التسهيل في علوم التنزيل 1: 181؛ تفسير البيضاويّ الشافعيّ 1: 345.
(1) التمس معنى الصراط المستقيم، ومصادر ذلك في معرض ردّنا على ابن القيّم، من هذا البحث.
وأوتي سليمان عليهالسلام من الآيات الباهرات وخوارق العادات ما لا يحصى. وكانت النّار الّتي أوقدها نمرود برداً وسلاماً على إبراهيم الخليل عليهالسلام ، وهذا مخالف للسنّة الكونيّة بما جعل للنّار من طبيعة الإحراق.
ثمّ إنّ ردّ الشّمس أو حبسها هنا قد يكون معجزةً للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، أو كرامة لعليّ عليهالسلام ، وعليّ ليس أقلّ شأناً من يوشع؛ لقوّة إيمانه ويقينه، ولعظم آصرته وقرابته القريبة من رسول الله، وأنّه نفسه، ومعجزته في تصديق نبوّته، كما في حديث المباهلة.
وتظافر الرّوايات، يعضّد بعضها الآخر، دليل صدق على وقوع ردّ الشّمس. وللحافظ الگنجي كلام لطيف في ذلك، قال: «نعتضد بالله ونقول: منكر ذلك إمّا أن ينكره من حيث الإمكان، أو من حيث صحّة النقل من عدالة الرّواة. أمّا القسم الأوّل، فإنّ المتكلّم فيه أحد رجلين: إمّا أن يثبت الشّرائع أو ينفيها. فأمّا نفاتها كالدّهريّة والفلاسفة والمنجّمين فلا كلام معهم. وأمّا مثبتوها فلا يتمكّنون من ذلك؛ للحديث الّذي خرّجه مسلم في صحيحه في حبس الشّمس. عن أبي هريرة عن رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: (غزانبيّ من الأنبياء حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشّمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللّهمّ احبسها ليّ شيئاً، فحبست عليه حتّى فتح الله عليه).
قلتُ - أي الگنجيّ -: هذا حديث متّفق على صحّته، رواه البخاريّ في الغلول، وأخرجه مسلم في الجهاد، كما سقناه. (1)
قال: ورواه أحمد بن حنبل في مسنده (2) ، وقال: إنّ الشّمس حبست ليوشع بن نون عليهالسلام . ورواه الطبرانيّ في معجمه. ولا يخلو إمّا أن يكون ذلك معجزةً لموسى عليهالسلام أو ليوشع عليهالسلام ح فإن كان لموسى عليهالسلام فنبيّنا صلىاللهعليهوآله أفضل وعليّ عليهالسلام أقرب إليه من يوشع إلى موسى. وإن كان معجزةً ليوشع عليهالسلام فإن كان نبيّاً فعليّ مثله، وإنلم يكن نبيّاً فعليّ أفضل منه، إذ قال النبيّ صلىاللهعليهوآله : «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل» وفي لفظ آخر أنبياء بني إسرائيل
____________________
(1) صحيح البخاري ج 2 حديث 119؛ صحيح مسلم 2: 49؛ مسند أحمد 2: 318؛ كفاية الطّالب: 382، حديث 1058.
(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 318.
وحذف الكاف لقوّة المشابهة».
والمعنى: إنّ أنبياء بني إسرائيل دعاة إلى الله سبحانه، بالوعظ والزّجر والتحذير والترغيب والترهيب. وعلماء أمّته صلىاللهعليهوآله قائمون في هذا المقام، منخرطون في سلك هذا النظام وعليّ عليهالسلام أولى النّاس بهذا النصّ؛ لقوله صلىاللهعليهوآله : «أقضاكم عليّ». (1)
وأمّا القسم الثاني، وهو الإنكار من حيث العدالة من نقل ذلك وذكره في كتابه فقد عّه جماعة من العلماء في معجزاته صلىاللهعليهوآله ، ومنهم ابن سبع ذكره في «شفاء الصدور» وحكم بصحّته، ومنهم القاضي عياض ذكره في «الشفا بتعريف حقوق المصطفى 240»، وحكى فيه عن الطحاويّ أنّه ذكر ذلك في «مشكل الآثار 2: 8 و 4: 388».
وكان أحمد بن صالح - شيخ البخاريّ - يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء بنت عميس في ردّ الشّمس؛ لأنّه من علامات نبوّة نبيّنا صلىاللهعليهوآله .
وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح الموصليّ في جمع طرقه في كتاب مفرد، ورواه الحافظ أبو عبد الله الحاكم...» (2) .
____________________
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 339؛ أنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 97؛ المستدرك على الصحيحين 3: 135؛ ذخائر العقبى: 83؛ المناقب للخوارزميّ: 81؛ فضائل الصحابة لابن حنبل 2: 58؛ سنن ابن ماجة 2: 774، مناقب الكوفي 2: 505 / 1129؛ مناقب الخوارزميّ 83: 71؛ فرائد السمطين 1: 167 / 141 باب 35؛ الجامع لابن وهب: 66 ح 130 و 70 ح 136؛ تاريخ الإسلام 3: 638؛ المعيار والموازنة: الإسكافيّ: 300 - 304؛ تاريخ الخلفاء: السيوطيّ 171؛ الاستيعاب 3: 40؛ حلية الأولياء 1: 65؛ نهاية الأرب 20: 6 مقتل الحسين للخوارزميّ: 45.
علماً أنّ المصادر الّتي ذكرناها قد أوردت الحديث في أكثر من موضع.
وللحديث ألفاظ اُخرى نذكر بعضها: ابن عبّاس قال: «إذا حدّثنا ثقة بفتيا عن عليّ لم نتجاوزها». تاريخ الإسلام 3: 638؛ طبقات ابن سعد 2: 338؛ الاستيعاب 3: 40؛ تاريخ الخلفاء 171.
وقال ابن مسعود: «كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة عليّ». طبقات ابن سعد 2: 339؛ مستدرك الحاكم 3: 135؛ تاريخ الإسلام 3: 638. ابن عبّاس قال: قال عمر: «عليّ أقضانا، وأبيّ أقرؤنا». الذهبيّ 3: 638، ابن سعد 2: 339؛ حلية 1: 65؛ الاستيعاب 3: 39 و 41. سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد بن المسيّب قال: سمعت عمر يقول: اللّهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها عليّ بن أبي طالب حيّاً». مقتل الحسين: 45.
(2) كفاية الطّالب: 387.
المثبتون لحديث ردّ الشّمس
وقائمة العلماء المحقّقين الأثبات ممّن كتبوا في حديث ردّ الشّمس لعليّ عليهالسلام وذكروا هذه الواقعة على أنّها من معجزات النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ثمّ كرامة وفضيلة لأخيه عليّ عليهالسلام ، تدحض أفائك ابن تيميّة وتكذيبه لهذا الحديث الّذي صار أشهر من إشراق الشّمس دليلاً عليها، وتقمع ابن القيّم الّذي قفا نفس الأثر لنفسِ علل وأسقام شيخه. ونذكر هنا بعضاً من هذا الجمع الجمّ:
يوسف بن فرغليّ بن عبد الله البغداديّ سبط أبي الفرج عبد الرّحمن بن الجوزيّ الحنفيّ له ردّ على جدّه في تكذيبه للحديث جاء فيه:... فإن قيل فقد قال جدّك في «الموضوعات»: هذا حديث موضوع بلا شكّ، وروايته مضطربة؛ فإنّ في إسناده أحمد بن داود وليس بشيء، وكذا فيه فضل بن مرزوق وهو ضعيف، وجماعة منهم عبد الرّحمن بن شريك ضعّفه أبو حاتم؛ وقال جدّك: أنا لا أتّهم به إلاّ ابن عقدة فإنّه كان رافضيّاً. ولو سلّم فصلاة العصر صارت قضاء بغيبوبة الشّمس، فرجوع الشّمس لا يفيد لأنّها - أي الصّلاة - لا تصير أداءً. قالوا: وفي الصحيح أنّ الشّمس لم تحبس على أحدٍ إلاّ على يوشع بن نون.
والجواب: إنّ قول جدّي: «هذا حديث موضوع» بلا شكّ دعوى بلا دليل؛ لأنّ قدحه في رواته الجواب عنه ظاهر؛ لأنّا ما رويناه إلاّ عن العدول الثقات الّذين لا مغمز فيهم وليس في إسناده أحدٌ ممّن ضعّفه. وقد رواه أبو هريرة أيضاً، أخرجه عنه ابن مردويه، فيحتمل أنّ الّذين أشار إليهم في طريق أبي هريرة. وكذا قول جدّي «أنا لا أتّهم به إلاّ ابن عقدة من باب الظنّ والشّكّ، لا من باب القطع واليقين. وابن عقدة مشهور بالعدالة، كان يروي فضائل أهل البيت ويقتصر عليها ولا يتعرّض للصّحابة بمدحٍ ولا بذمٍّ، فنسبوه إلى الرّفض.
وقوله: «صارت صلاة العصر قضاءً» قلنا: أرباب العقول السليمة والفطر الصحيحة لا يعتقدون أنّها غابة ثمّ عادت، وإنّما وقفت عن سيرها المعتاد. ولو ردّت على الحقيقة لم يكن عجباً؛ لأنّ ذلك يكون معجزةً لرسول الله صلىاللهعليهوآله وكرامةً لعليٍّ عليهالسلام ، وقد حبست بالإجماع ليوشع، ولا يخلو إمّا أن يكون ذلك معجزةً لموسى أو كرامة ليوشع؛ فإن كان
لموسى فنبيّنا أفضل منه، وإن كان ليوشع فعليّ أفضل منه. قال صلىاللهعليهوآله : «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل». وهذا في حقّ الآحاد، فما ظنّك بعليّ؟! والدليل عليه أيضاً ما ذكر أحمد في الفضائل: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «الصّدّيقون ثلاثه: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار وهو مؤمن آل ياسين، وعليّ بن أبي طالب، وهو أفضلهم» (1) وحزقيل كان نبيّاً من أنبياء
____________________
(1) ذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق ترجمة الإمام عليّ عليهالسلام 2: 282 حديث 805»، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه، ولكن قال: حزبيل - بالباء - بدلاً من حزقيل. وأخرجه أبو نعيمفي كتاب معرفة الصحابة، ترجمة امير المؤمنين عليهالسلام ص 22.
ورواه ابن المغازليّ بنفس السند في مناقب الإمام عليّ عليهالسلام ص 245 - 246 حديث 293، وفيه: «حبيب ابن موسى النّجّار مؤمن آل يس، وخربيل - بالرّاء من غير نقطة - مؤمن آل فرعون، وعليّ بن أبي طالب، وهو أفضلهم».
وبسندٍ آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «الصّدّيقون ثلاثة: حبيب النجّار مؤمن آل يس الّذي قال: ( يَا قَوْمِ اتّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) [ سورة يس: 20 ] وخربيل مؤمن آل فرعون الّذي قال: ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ ) [ غافر: 28 ] وعليّ بن أبي طالب، وهو أفضلهم». نفس المصدر ص 246 - 247 حديث 294. وأخرجه الحسكانيّ في «شواهد التنزيل» 2: 224 ط 1 - بطرقٍ كثيرة. وأخرجه أحمد بن حنبل في «المناقب» ص 156 حديث 193 وص 194 حديث 239. وأخرجه القندوزيّ عن أحمد، وأبي نعيم، وابن المغازليّ؛ بالإسناد عن أبي ليلى وعن أبي أيّوب الأنصاريّ، في «ينابيع المودّة» الباب الثاني والأربعون ص 124. وأخرجه عن كتاب «المناقب» لأحمد حنبل، في الباب السادس والخمسين من ينابيعه ص 202، قال: وقد روى أحمد بن حنبل في كتاب المناقب أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «الصّدّيقون ثلاثة: حبيب النجّار مؤمن آل يس الّذي قال: يا قوم اتّبعوا المرسلين، وحزقيل مؤمن آل فرعون الّذي قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربّي الله، وعليّ بن أبي طالب وهو أفضلهم». وأخرجه عن أحمد: المحبّ الطبريّ في «ذخائر العقبى ص 59» وابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة 2: 451» والمتّقيّ الهنديّ في «منتخب كنز العمّال 5: 31».
وفي كفاية الطّالب، الباب 24 ص 123: «سبّاق الأمم ثلاثة، وهم الصّدّيقون»، وفي السّيرة الحلبيّة 1: 270: «سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار صاحب ياسين، وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم». وفي «العرائس» للثعلبيّ ص 99: قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار صاحب يس، وعليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه بالجنّة، وهو أفضلهم». ونفس المصدر صفحة 107: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين:...، وعليّ مؤمن آل محمّد، وهو أفضلهم». وفي صفحة 228: أخبرنا أبوبكر الخمشاويّ بإسناده عن ابن أبي ليلى، عن أبيه قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «سبّاق الأمم...، وعليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وهو =
بني إسرائيل مثل يوشع؛ فدلّ على فضل عليّ على أنبياء بني إسرائيل، وفي وقوف الشّمس يقول الصّاحب بن عبّاد كافي الكفاة:
من كمولاي عليّ |
والوغى تحمي لظاها |
|
من يصيد الصّيد فيها |
بالظّبى حين انتضاها |
|
من له في كل يوم |
وقعات لا تضاها |
|
كم وكم حرب ضروس |
سدّ بالمرهف فاها |
|
اذكروا أفعال بدر |
لست أبغي ما سواها |
|
اذكروا غزوة أحد |
إنّه شمس ضحاها |
|
اذكروا حرب حنين |
إنّه بدر دجاها |
|
اذكروا الأحزاب قدما |
إنّه ليث شراها |
|
اذكروا مهجة عمرو |
كيف أفناها شجاها |
|
اذكروا أمر براءة |
واصدقوني من تلاها |
|
اذكروا من زوجه الز |
هراء قد طاب ثراها |
|
حاله حالة هارون |
لموسى، فافهماها |
|
أعلى حبّ عليّ لا |
مني القوم سفاها |
|
أوّل النّاس صلاةً |
جعل التقوى حلاها |
|
ردّت الشّمس عليه |
بعدما غاب سناها |
وفي الباب حكاية عجيبة حدّثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق، قالوا: شاهدنا أبا منصور المظفّر بن أردشير العباديّ الواعظ، وقد جلس بالتاجيّة مدرسة بباب أبرز، محلة ببغداد وكان بعد العصر، وذكر حديث ردّ الشمس لعليّ عليهالسلام ، وطرّزه بعبارته ونمّقه بألفاظه،
____________________
= أفضلهم». وعن معاذة العدويّة، قالت: سمع عليّاً على المنبر يقول: أنا الصّدّيق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم أبو بكر» «أنساب الأشراف 2: 146 حديث 146، وينابيع المودّة ص 202، وحديث 88 من تاريخ ابن عساكر.
ثمّ ذكر فضائل أهل البيت عليهمالسلام ، فنشأت سحابة غطّت الشّمس حتّى ظنّ النّاس أنّها قد غابت، فقام أبو منصور على المنبر قائماً وأومى إلى الشّمس وأنشد:
لا تغربي يا شمس حتّى ينتهي |
مدحي لآل المصطفى ولنجله |
|
واثني عنانك إن أردت ثناءهم |
أنسيت إن كان الوقوف لأجله |
|
إن كان للمولى وقوفك فليكن |
هذا الوقوف لخيله ولرجله |
قالوا: فانجاب السحاب عن الشّمس، وطلعت. (1)
ما أبين المذهبين وما هذا البون الشاسع بين الرجلين! كأن لم تجمعهما وشيجة، وكأنّهما مشرق ومغرب! فابن الجوزيّ عرف عنه النّصب، فكذّب الحديث وأنكره، ودليله: التشكيك في رواته وتضعيفهم واتّهام ابن عقدة بالرّفض! وما ذنب ابن عقدة إلاّ أنّه يروي فضائل أهل البيت عليهمالسلام . إلاّ أنّ سبطه قاده دليل العقل والفطرة السليمة إلى بطلان دعوى جدّه، وثبت له بعد التحرّي وثاقة رواة حديث الشّمس وعدالتهم، فدافع عن صحّة مذهب ومنهج ابن عقدة. وكذلك قاده استدلاله المنطقيّ إلى فضل عليّ على أنبياء بني إسرائيل، وكما أنّ الشّمس حبست ليوشع، فعليّ أولى بذلك. وممّن ذكره فأثبته:
الموفّق بن أحمد المكّيّ الخوارزميّ المعروف بأخطب خوارزم، المتوفّى سنة 568 هـ، في كتابه المناقب ص 306 حديث 301 و 302، من طريقين، عن أسماء بنت عميس. كما أفرد لذلك كتاباً سمّاه: ردّ الشّمس لأمير المؤمنين.
الحافظ أحمد بن صالح المصريّ - شيخ البخاريّ - المتوفّى سنة 248 هـ رواه بطريقين، عن أسماء بنت عميس، وقال: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء. وقد رواه الطحاويّ في: مشكل الآثار - سيأتي -، والقاضي عياض في «الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص 240» من طريق الطحاويّ بالسندين اللّذين في «مشكل الآثار». وكذلك السيوطيّ في «اللاّلئ 1: 339».
الحافظ جلال الدّين السّيوطيّ، المتوفّى سنة 991 هـ ذكره في كتابه «الخصائص الكبرى 2: 137»، باب ردّ الشّمس بعد غروبها لعليّ رضى الله عنه» حديث أسماء عن ابن منده،
____________________
(1) تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ: 53 - 56. وذكرها الشبلنجيّ مع اختلاف نذكره في محلّه.
وابن شاهين، والطبرانيّ، وقال: صحيح. وعن ابن مردويه، عن أبي هريرة، وبسندٍ عن جابر، وقال: قال الطبرانيّ فيه: حسن.
وللسيوطيّ «كشف اللّبس عن حديث ردّ الشّمس»، تكلّم فيه عن الحديث بتوسّع وإفاضة.
وفي الجزء الأوّل من كتابه «اللاّلي المصنوعة» ذكره بطرقه المتعدّدة، وحكم بصحّتها متناً وسنداً، وأنّ الحديث من أعلام النّبوّة والكرامة لأمير المؤمنين عليهالسلام . ذكره في ص 336 عن فضيلبن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن عن فاطمة بنت الحسن عن أسماء بنت عميس. ونفس الصفحة عن فاطمة بنت عليّ بن أبي طالب عن أسماء. ونفس الصفحة عن أبي هريرة. وفي ص 337 عن الحسين بن عليّ. وفي ص 338 عن أبي هريرة، وفي ص 340 عن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . وفي ص 341 عن أبي ذرّ في حديث الشورى....
المناشدة يوم الشّورى
ناشد اميرالمؤمنين عليّ عليهالسلام ، الجماعة الذين عيّنهم عمر بن الخطّاب ليختاروا من بينهم خليفة، وقد ذكرها جمع من الحفّاظ. وقد ذكر بعضهم شطراً منها، كما في الاستيعاب 3: 35، وميزان الاعتدال 1: 441، ولسان الميزان 2: 157، وتهذيب التهذيب 3: 304 و كفاية الطّالب للگنجيّ الشافعيّ 386، وأخطب خوارزم في: المناقب 301؛ من طريق أبي ذرّ.
وذكرها بطولها الجوينيّ في كتابه: فرائد السمطين 1: 319، الباب الثامن والخمسون، حديث 251، ذكرها عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. ومن طرق عدّة تنتهي بالصحابيّ عامر بن واثلة الكنانيّ، ذكرها جميعاً ابن عقدة (ت 332 هـ) كما في كتاب الولاية 163 - 178 وكذلك ذكره الفقيه ابن المغازليّ الشّافعيّ، في كتابه: مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام : 112 - 118، حديث 155.
وآثرنا جمع فقرات المناشدة في طرقها المتعدّدة، فكان من ذلك ما رواه الصّحابيّ الجليل أبوذرّ الغفاريّ، والصّحابيّ أو الطّفيل عامر بن واثلة:
قال عليّ عليهالسلام : لأحتجّنّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم ولا عجميّكم يغيّر ذلك. ثمّ قال: أنشدكم بالله أيّها النّفر جميعاً! أفيكم أحد وحّد الله قبلي؟ قالوا: اللّهمّ لا. (1)
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أخو رسول الله صلىاللهعليهوآله غيري، إذ آخى بين المؤمنين، فآخى بيني وبين نفسه، وجعلني منه بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّي لست بنبيّ؟ قالوا: اللّهمّ لا. (2)
____________________
(1) تكلّمنا عن سابقة أمير المؤمنين عليّ إلى الإسلام، فيما سبق بما فيه كفاية.
(2) ولقد كذّب شيخ ابن القيّم وأستاذه: ابن تيمية، حديث مؤاخاة النبيّ صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام . قال: «إنّ أحاديث المؤاخاة لعليّ كلّها موضوعة! والنبيّ صلىاللهعليهوآله لم يؤاخ أحداً». منهاج السنّة: ابن تيمية 4: 96. وكذّبه في الجزء الثالث صفحة 17. ولم يقم دليلا واحداً في تكذيب أحاديث المؤاخاة لعليّ؛ ولم يذكر مع من قد آخى؟!
قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: «تآخوا في الله أخوين أخوين» ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: «هذا أخي». فكان رسول الله صلىاللهعليهوآله سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين الّذي ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أخوين. «السّيرة النبويّة لابن هشام 2: 151؛ السيرة النبويّة لابن كثير 2: 324؛ السّيرة الحلبيّة 101؛ البداية والنهاية 3: 226 ح الفتاوى الحديثيّة لابن حجر 42». وكم كان دقيقاً ابن إسحاق، يقضاً! إذ أورد هذه العبارة الحذرة: «فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل» ليؤكّد أمراً في منتهى الأهمّيّة «المؤاخاة». وثمّة أمر آخر: إنّ ابن كثير من تلامذة ابن تيميّة، معاصر له ومتأثّر بأفكاره، ومع ذلك فقد ذكره في كتابيه السّيرة، والبداية والنهاية.
ومن طرق عدّة: آخى رسول الله بين أصحابه، فآخى بين أبي بكر و عمر، وفلان وفلان، فجاء عليّ رضي الله عنه فقال: آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال رسول الله: «أنت أخي في الدنيا والآخرة». جامع الترمذيّ 2: 213؛ الاستيعاب 3: 35؛ المستدرك على الصحيحين 3: 15 / 4288؛ الرياض النضرة 2: 167 وقال صفحة 212: ومن أدلّ دليل على عظم منزلة عليّ عليهالسلام من رسول الله صلىاللهعليهوآله ، صنيعه في المؤاخاة فإنّه جعل يضمّ الشكل إلى الشكل يؤلّف بينهما، إلى أن آخى بين أبي بكر وعمر... الحديث.
وعن سعد بن حذيفة بن اليمان، قال: آخى رسول الله بين أصحابه الأنصار والمهاجرين، فكان يؤاخي بين الرجل ونظيره، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب فقال: «هذا أخي». قال حذيفة: رسول الله صلىاللهعليهوآله سيّد المسلمين وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين الّذي ليس له في الأنام شبيه ولا نظير، وعليّ بن أبي طالب أخوان.
أمالي الشيخ الطوسيّ 23؛ مناقب ابن المغازليّ 38؛ البداية والنهاية 3: 226؛ ينابيع المودّة 57.
ولحديث المؤاخاة طرق كثيرة وألفاظ عديدة، ورواته علية الصّحابة وأعيان التّابعين، هذه طائفة منهم: =
____________________
= امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الحسن والحسين ابنا عليّ بن أبي طالب، أبو بكر، ومعاذ بن جبل، عثمان بن عفّان، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن مسعود، أبوذرّ الغفاريّ، أبو سعيد الخدري، سلمان الفارسيّ، عبد الله بن عبّاس، أسماء بنت عميس (اُخت ميمونة زوج النبيّ صلىاللهعليهوآله . هاجرت الهجرتين وصلّت القبلتين. روى عنها عمر بن الخطّاب، وأبو موسى الأشعريّ، وعروة بن الزبير...). «الاستيعاب 4: 236؛ الاصابة 4: 231؛ رجال الطوسيّ 34». أم سلمة زوج النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ليلى الغفاريّة «كانت تخرج مع النبيّ في غزواته تداوي الجرحى وتقوم على المرضى «اسد الغابة 7: 259». أبو الطفيل عامر بن واثلة، عباد بن عبد الله، زيد بن ابي أوفى، عبد الله بن أبي أوفى، عكرمة مولى ابن عبّاس، عمر بن عليّ بن أبي طالب، حذيفة بن أسيد، زيد بن وهب، عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشميّ، محمّد الباقر، جعفر الصادق، عليّ بن موسى الرضا، سعيد بن جبير، سعيد بن المسيّب، الحسن البصريّ، زيد بن عليّ، مجاهد....
طائفة من حديث المؤاخاة بألفاظه المختلفة:
* زيد بن أبي أوفى، قال: لما آخى النبيّ بين أصحابه قال عليّ: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري؛ فإن كان هذا من سخط عليّ فلك العتبى والكرامة. فقال رسول الله: «والّذي بعثني بالحقّ ما أخّرتك إلاّ لنفسي، وأنت منّي بمنزلة هارون من مسوى، غير أنّه لا نبيّ بعدي ح وأنت أخي ووارثي». قال: وما أرث منك يا رسول الله؟ قال: «ما ورث الأنبياء من قبلي». قال: وما ورث الأنبياء من قبلك؟ قال: «كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنّة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي. ثمّ تلا رسول الله ( إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) الحجر: 47. الرياض النضرة 2: 209؛ كنز العمّال 6: 390؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 312 وسمّاه: زيد بن أبي أوفى.
عبد الله بن أبي أوفى. ولفظه مثل لفظ أخيه زيد بن أبي أوفى، إلاّ أنّ فيه «... وإنّك وابنيك معي في قصري في الجنّة». مناقب أمير المؤمنين: محمّد بن سليمان الكوفي 1: 373 / 239؛ تفسير فرات ح 304.
عبد الله بن عمر: عثمان بن أبي شيبة بنسده عن جميع بن عمير التيميّ، عن عبد الله بن عمر قال: آخى رسول الله بين أصحابه: آخى بين أبي بكر و عمر، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفّان، وبين طلحة والزبير. قال: فقال عليّ: يا رسول الله! قد آخيت بين أصحابك، فمن أخي؟ قال: يا عليّ أما ترضى أن أكون أخاك؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فأنت أخي في الدنيا والآخرة. (مناقب الكوفي 1: 365 / 228؛ الترمذي في الحديث 9 من مناقب عليّ من كتاب المناقب 5: 300.
عن الحسن البصريّ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله: «عليّ أخي عليّ أخي». مناقب الكوفي =
____________________
= 1: 388 / 258.
- عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: بينا أنا مع رسول الله في نخل بالمدينة وهو يطلب عليّاً إذ انتهى إلى حائط فأطلع فيه فنظر إلى عليّ وهو يعمل في الأرض وقد اغبرّ فقال: ما ألوم الناس أن يكنّوك بأبي تراب. قال ابن عمر: فلقد رايت عليّاً تمعّر وجهه وتغيّر لونه واشتدّ ذلك عليه، فقال النبيّ: ألا أرضيك يا عليّ؟ قال: بلى يا رسول الله؛ قال: أنت أخي ووزيري وخليفتي في أهلي، تقضي ديني وتبرئ ذمّتي. من أحبّك في حياة منّي فقد قضى نحبه، ومن أحبّك في حياة منك بعدي فقد ختم الله له بالأمن والإيمان وآمنه الله يوم الفزع الأكبر. ومن مات وهو يبغضك يا عليّ مات ميتةً جاهليّةً يهوديّا أو نصرانيّا ويحاسبه الله بما عمل في الإسلام. ثمّ قال ابن عمر: لقد سمّاهالله في أكثر من ثلاثين آية سمّاه فيها كلّها مؤمناً. مناقب الكوفي 1: 377 / 245. ومثله متناً وسنداً في المعجم الكبير للطبرانيّ 12: 321 / 13549؛ مجمع الزوائد 9: 121. وقريب منه في فضائل عليّ، من فضائل أحمد 170 ح 240؛ مسند أبي يعلى الموصليّ 1: 402 / 268. - وبسندٍ عن ابن عمر قال: حين آخى رسول الله بين أصحابه جاء عليّ تدمع عيناه فقال: ما لي لم تؤاخ بيني وبين أحد من إخواني؟ فقال: «أنت أخي في الدنيا والآخرة». سنن الترمذيّ 2: 299؛ مستدرك الصحيحين 3: 14؛ مناقب ابن المغازليّ 37؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 312. وقريب منه في كفاية الطّالب 194، وقال: هذا حديث حسن عالٍ صحيح. فإذا أردت أن تعلم قرب منزلته من رسول الله، تأمّل صنعه في المؤاخاة بين الصحابة، جعل يضمّ الشكل إلى الشكل والمثل غلى المثل، فيؤلّف بينم غلى أن آخى بين أبي بكر وعمر، وادّخر عليّاً لنفسه واختصّه بأخوّته. وناهيك بها من فضيلة وشرف.
مصابيح السنّة للبغويّ 4: 173 / 4769؛ الترمذيّ 5: 336 / 3721؛ اللفظ له، المستدرك على الصحيحين 3: 130؛ الكامل لابن عديّ 2: 588؛ كنز العمّال 13: 167 / 36507.
- أيضاً عن عبد الله بن عمر قال: إنّ رسول الله قال في مرضه: ادعوا لي أخي، فدعي له عثمان فأعرض عنه، ثمّ قال: ادعوا لي أخي: فدعي له عليّ بن أبي طالب، فستره بثوب وانكبّ عليه، فلمّا خرج من عنده قيل له: ما قال؟ قال: علّمني ألف باب، يفتح كلّ باب ألف باب.
مختصر تاريخ دمشق 18: 18؛ البداية والنهاية 8: 360. والأحاديث عن ابن عمر في مؤاخاة النبيّ لعليّ كثيرة نكتفي بما ذكرناه.
ابن عبّاس: أخرج ابن أبي شيبة، قال: حدّثنا عبد الله بن نمير عن حجّاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عبّاس أنّ النبيّ قال لعليّ:
«أنت أخي وصاحبي». المصنّف: ابن أبي شيبة 7: 508. =
____________________
= * أبو رافع مولى رسول الله. قال: آخى رسول الله بين المسلمين ذات يوم فقال: يؤاخي كلّ واحد منكم أخاه، فإن تقف دابّته في سفره أو عقرت أردفه وأعان بعضهم بعضاً. فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين ابن مسعود وأبي ذرّ، وبين سلمان وحذيفة...، وضرب بيده إلى عليّ وقال: «أنا أخوك وأنت أخي». فكان عليّ إذا أعجبه شيء قال: أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يدّعيها إلاّ كاذب. مناقب الكوفي 1: 391 / 264. وله شواهد من أحاديث علي عليهالسلام .
بسندٍ عن جابر قال: قال رسول الله: (مكتوب على باب الجنّة: محمّد رسول الله، عليّ أخو رسول الله، قبل أن تخلق السماوات والأرض». مناقب الكوفي 1: 415 / 285؛ موضّح أوهام الجمع والتفريق للخطيب البغداديّ 1: 441؛ تاريخ بغداد 7: 387؛ الفضائل لأحمد 262؛ شواهد التنزيل 299 و 300 و 303 و 304؛ مختصر تاريخ دمشق حديث 926 و 864؛ المناقب للخوارزميّ 87؛ تذكرة الخواصّ 14؛ حلية الأولياء 7: 256؛ مجمع الزوائد 9: 111؛ كنز العمّال 6: 399؛ مقتل الحسين للخوارزميّ 1: 38؛ المعجم الأوسط 6: 234 / 5494؛ المناقب لابن المغازليّ 91 / 134؛ أمالي الصدوق، المجلس 18 حديث 1، الخصال له 638 حديث 11. وله شاهد من حديث ابن عبّاس وأنس وأبي الحمراء، لاحظ شواهد التنزيل 299 و 300 و 303 و 304؛ وحديث 926 و 864 من مختصر تاريخ دمشق.
- عن جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيّب، قالا: إنّ رسول الله آخى بين أصحابه، فبقي رسول الله، وأبو بكر وعمر و عليّ، فآخى بينأبي بكر وعمر و قال لعليّ: «أنت أخي وأنا أخوك، فإنناكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يدّعيها بعدك إلاّ كذّاب» مختصر تاريخ دمشق 18: 20؛ الرياض النضرة 2: 209؛ كنز العمّال 6: 390.
ومثله عن يعلى بن مرّة بن وهب الثقفيّ الصحابي الجليل. مختصر تاريخ دمشق 17: 1316.
ولابن عبد البرّ القرطبيّ المالكيّ كلام في الحديث قال: آخى رسول الله بين المهاجرين ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار، وقال في كلّ واحدة منهما لعليّ: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» وآخى بينه وبين نفسه، ولذلك قال عليّ: «أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذّاب». وبذلك احتجّ على عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد، وذلك حينما جعلها عمر شورى، فقال لهم: أنشدكم الله هل فيكم أحد آخى رسول الله بينه وبينه إذ آخى بين المسلمين غيري؟» قالوا: اللّهمّ لا، الاستيعاب: ابن عبد البرّ 3: 35.
في حديث طويل عن ابن عبّاس وفيه قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لعليّ: «أنت أخي وصاحبي». مسند أحمد 1: 381 / 2041 - مسند ابن عبّاس. - عبد الرزّاق عن معمر عن أيّوب عن عكرمة: أنّ أسماء بنت عميس قالت: =
____________________
= لما أهديت فاطمة إلى عليّ لم نجد في بيته إلاّ رملاً مبسوطا ووسادة حشوها ليف وجرّة وكوزاً، فأرسل النبيّ إلى عليّ: «لا تحدثن حدثا حتّى آتيك». فجاء النبيّ فقال: «أثمّ أخي؟». فقالت أمّ أيمن: يا نبيّ الله، هو أخوك وزوّجته؟ وكان نبيّ الله آخى بين أصحابه وآخى بين عليّ ونفسه؛ فقال: «إنّ ذلك يكون يا أمّ أيمن». المصنّف: عبد الرزاق الصنعانيّ «126 - 11 هـ) 5: 337 / 9844؛ أنساب الأشراف 2: 378. وله شاهد من حديث امير المؤمنين: محمّد بن راشد، عن عيسى بن عبد الله بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه عمر بن عليّ، عن عليّ قال: جاء رسول الله ذات ليلة يطلبني فقال: يا أمّ أيمن أين أخي؟ فقالت له: من أخوك؟ قال: عليّ قال: أخوك وتزوّجه ابنتك؟ قال: نعم، أما والله لقد زوّجتها كفوا شريفاً في الدنيا والآخرة، ومن المقرّبين «مناقب الكوفي 1: 368 / 231».
- عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عبّاس: أنّ عليّاً قال في حياة النبيّ: إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) - آل عمران: 144 -، والله لا ننقلب على أعقابنا أبداً بعد أن هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارثه، فمن أحقّ به منّي؟!
مناقب الكوفي 1: 396 / 268؛ خصائص النّسائيّ 130 ح 65؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 314؛ المستدرك على الصحيحين 3: 126؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 1: 107 / 176، وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة 1: 23؛ فرائد السمطين 1: 244 باب 44؛ الفضائل لأحمد، حديث 232؛ أمالي الطوسيّ ح 1099؛ مرسلاً: تفسير فرات ح 80؛ الرياض النضرة 2: 300؛ بشارة المصطفى 7: 208؛ الاحتجاج حديث 110.
عن أبي الزبير عن جابر قال: كنّا عند النبيّ فاقبل عليّ بن أبي طالب، فأقبل النبيّ علينا وقال: قد جاءكم أخي، ثمّ التفت إلى عليّ فضربه بيده وقال: والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثمّ قال: إنّه أوّلكم إيماناً وأوفاكم بعهد الله وأقومكم بأمر الله وأعدلكم في الرعيّة وأقسمكم بالسويّة وأعظمكم عند الله مزيّة، فنزل قوله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) * - البيّنة: 7.
تفسير الحبري 539 ح 3؛ تفسير الطبريّ 30: 146؛ حلية الأولياء 1: 66؛ مناقب الخوارزميّ 111 - 112؛ الصواعق المحرقة 96؛ كفاية الطالب 244 - 245؛ الدرّ المنثور 6: 379؛ تفسير فرات 219؛ أمالي الطوسيّ 257؛ كتاب الأربعين ح 28؛ البرهان 4: 491؛ الفضائل لأحمد ح 72؛ أنساب الأشراف 1: 358.
زيد بن أرقم: المدائنيّ بسنده عن أبي حرب بن أبي الأسود - الدؤليّ - عن أبيه عن زيد بن أرقم قال: «آخى رسول الله بين أصحابه فقال عليّ: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك وتركتني؟ فقال: أنت أخي، أما ترضى أن تدعى إذا دعيت، وتكسى إذا كسيت، وتدخل الجنّة إذا دخلت؟» قال: بلى يا رسول الله. (أنساب الأشراف =
____________________
= 2: 378)
سلمان الفارسي (المحمدي): عن أنس قال: كنّا لا نجترئ أن نسأل النبيّ: إلى من يسند أمرنا ممن بقي بعده، فلمّا نزلت ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ ) - الفتح: 1، قلنا لسلمان: سل النبي إلى من تسند أمرنا بعدك؟ فسأله، فسكت عنه أياما ثم قال: يا سلمان ألا أخبرك عما سألتني؟ قال: بلى فداك أبي وأمّي. قال: «إن عليّاً أخي ووزيري وخير من أترك من بعدي، ينجزموعودي ويقضي ديني». مناقب الكوفي1: 399 / 270؛ شواهد التنزيل 1: 373 / 515، مسند سلمان الفارسي من المعجم الكبير 6: 271؛ الفضائل لأحمد 118 ح 174 ن المؤتلف والمختلف 103؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 314؛ الكامل لابن عدي 6: 397. ومثل الحديث السابق: عن عبيد الله بن موسى العبشي، عن مطر، عن أنس بن مالك، شواهد التنزيل 1: 373 / 516.
حديث العشيرة:
لما نزل قوله تعالى: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) - الشعراء: 214.
فبسند عن أبي عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ: أن رجلا قال لعلي: يا امير المؤمنين لم ورثتابن عمّك دون عمك؟ قال: جمع رسول الله بني عبد المطلب، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق. قال: فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتّى شبعوا، وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمسّ ولم يشرب. فقال: يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة،وقد رأيتم من هذه الآية ما رايتم، فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم غليه أحد. قال: فقمت - وكنت أصغر القوم سنّا - فقال: اجلس. قال: ثمّ قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم غليه، فيقول لي: اجلس، حتّى كانت الثالثة، ضرب يده على يدي.
فقال: فلذلك ورثت ابن عمي دون عمي.
ويرد الحديث بطرق اخرى وألفاظ اخرى وفيها: «أخي وصاحبي وخليفتي...».
تفسير الحبري: 347 / 85؛ دلائل النبوة للبيهقي 401؛ مسند أحمد 1 / 111؛ الفضائل لأحمد: 91؛ تفسير الطبري 19: 74 - 75؛ الكامل لابن الأثير 2: 41؛ خصائص النسائي 86؛ صحيح مسلم 1: 118 ح 355؛ تاريخ الطبري 2: 63؛ تفسير البغوي (معالم التنزيل) 5: 105؛ شواهد التنزيل 1: 542؛ كفاية الطالب 177؛ تفسير الثعلبيّ 7: 182؛ التفسير الكبير 12: 26؛ مناقب ابن المغازليّ 261؛ الولاية لابن عقدة 161؛ شرح المعتزلي لنهج البلاغة 13: 210؛ نظم درر السمطين 82؛ عيون أخبار الرضا: ابن بابويه 2: 209، مجمع البيان 4: 206، أمالي الطوسيّ 582 - المجلس 24، مناقب أل أبي طالب: ابن شهر اشوب 2: 31، العمدة لابن البطريق 76 ن تذكرة الخواص 38، الصواعق المحرقة 157، تفسير القمي 2: 124، أسرار الامامة، الحسن بن علي الطبري 281، منهاج الكرامة، العلامة الحلي 147، 148، كنز العمال 6: 396، بحار الأنوار 18: 178؛ =
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمد سيدة نساء أهل الجنة، غيري؟ (1) قالوا: اللّهمّ لا.
____________________
= صحيح البخراي في كتاب الأشربة: 13 و...؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 310 - 311؛ مناقب الكوفي 1: 429 / 296 و 431 / 297 و 433 / 298؛ علل الشرائع للصدوق - الباب 133 ح 2.
ابن الجوزيّ: ذكرنا بعض طرق المؤاخاة التي ذكرها أبو الفرج ابن الجوزي، مخبتا ومسلما بصحتها، فيما أنكر حديث رد الشمس وطعن برواته؛ فشايعه ابن تيمية في الثاني وجعله حجة بينه وبين الله ثم انطلق لشن حملته على الشيعة في إنكار فضائل وخصائص علي عليهالسلام ت وسنوافيك آخر المحاججة بحديث الشمس والكلام على رواته وعدالتهم. ولنا أن نقول هنا وموجزا: أيّ ناصبية أموية خارجية هذه التي التقت في نفس ابن تيمية ليوافق أئمته فيما أنكروه ويخالفهم فيما صدقوه؟!
ونختم كلامنا في المؤاخاة بذكره ما قاله المزي، وهو سلفي معاصر لابن تيمية، وللذهبي؛ درس بعضهم على بعض، إلاّ أن المزيّ نطق ببعض الحقائق التي أنركها ابن تيمية؛ قال: وروى قوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» جماعة من الصحابة، وهو من أثبت الآثار وأصحها، رواه عن النبي: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس، وجماعة يطول ذكرهم وروينا من وجوهعن علي أنه كان يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله لا يقولها أحد غيري إلاّ كذّاب. وقال أبو عمر - ابن عبد البرّ المالكيّ -: آخى رسول الله بين المهاجرين بمكة، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، وقال كل واحد منها لعلي: أنت أخي في الدنيا والآخرة وآخى بينه وبين نفسه، فلذلك كان هذا القول وما أشبهه من عليّ. (تهذيب الكمال: المزيّ 20: 483).
ثمّ كلام أحد المعاصرين وهو الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود قال: ولئن كان أبو بكر من نبي الله، وزيره الصادق، فإن عليّاً كان منه الظل اللاصق، لم ينا عنه ولم يبعد إلا كما أرسله محمد ليكون له على أعدائه عينا أو لرجاله طليعة حتّى في بدء ذلك الوقت الذي أخذ رسول الله يكون فيه ملكه الصغير، ويربط بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، لم يفته أن يؤثر بغخائه عليا دون الباقين. آخى بين صحبه الخارجين من ديارهم معه وبين أصحاب البلدة الذين آووا، فتخيّر أن يكون علي أخاه في دين؛ لم يؤاخ أبابكر، ولم يؤاخ عمر، ولم يؤاخ حمزة أسده وأسد الله، ولكنّه اصطفى لهذه الأخوّ المعنويّةبعد أخوّة الدم فتاه الربيب، فآثره على كلّ حبيب بعيد وقريب». الإمام عليّ بن أبي طالب: عبد الفتاح عبد المقصود 73.
(1) في كفاية الطالب: «سيدة نساء الأمّة» ز وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وفاطمة سيدة نسائهم، إلا ما كان من مريم بنت عمران». مسند أحمد - مسند أبي سعيد ح 10616. «وهذا تفسير السيادة الّتي أطلقها النبيّ صلىاللهعليهوآله على عليّ وعلى سبطيه الحسن والحسين =
قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطي الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة (1) ، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.
____________________
= وفاطمة وبعلها وابناها».
وفي مشكل الآثار للطحاويّ 1: 36 / 98، والذريّة الطّاهرة للدولابي 147: من حديث فاطمة بنت الحسين: «إنّك سيّدة نساء أهل الجنّة إلاّ ما كان من البتول مريم ابنة عمران». ومن حديث عمران بن حصين - في مرض فاطمة عليهاالسلام وزيارته لهامع النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والحديث طويل وفيه -: قال صلىاللهعليهوآله : «أي بنيّة أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين». قالت: وأين مريم ابنة عمران؟ فقال: «أي بنيّة، تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك. والذي بعثني بالحق لقد زوجتك سيدا في الدنيا وسيدا في الآخرة لا يبغضه إلا منافق».
مشكل الآثار 1: 36 / 101. وفي المستدرك على الصحيحين 3: 170 / 4740: عن الشعبي عن مسروق، عن عائشة: أنّ النبيّ قال وهو في مرضه الّذي توفّي فيه:
«يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين وسيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء المؤمنين»؟. قال الذهبيّ في التلخيص: صحيح. وذكره الطحاوي في مشكل الآثار 1: 35 / 96 بنفس السند - حديث ضحكها وبكائها....
وأنّه صلىاللهعليهوآله قال لها: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو سيدة نساء المؤمنين».
ومن مصادر حديث سيادتها عليهاالسلام بألفاظه المتعدّدة وطرقه الكثيرة! المصنّف لابن أبي شيبة 12: 127 ح 13323؛ بحار الانوار 43: 51؛ ذخائر العقبى 43؛ مسند أبي يعلى 2: 395 / 1169؛ سنن الترمذيّ 5: 656 ذيل ح 3768 - باب مناقب الحسنين -، خصائص النسائيّ 129؛ الاستيعاب 4 / 1894؛ حلية الأولياء 5: 71؛ أمالي الصدوق / المجلس 26 ح 7؛ المناقب لابن شهر اشوب 3: 323؛ معرفة الصحابة لأبي نعيم 2: 319؛ مناقب امير المؤمنين للكوفي 2: 14 / 680 و 20 / 686؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 28؛ مناقب ابن المغازلي 114؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 3: 46؛ ولفظه: ع عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد ومريم وآسية».
وفي الرياض النضرة 2: 202: قال النبيّ لعليّ: «أوتيت ثلاثا لم يؤتهنّ واحد ولا أنا؛ أوتيت صهرا مثلي ولم أوت أنا مثلي. وأوتيت زوجة صدّيقة مثل إبنتي ولم أوت مثلها زوجة. وأوتيت الحسن والحسين من صلبك ولم أوت من صلبي مثلهما؛ ولكنّكم منّي وأنا منكم».
كتاب الولاية لابن عقدة 172 وغيره. وفي تفسير القرآن العبزيز لعبد الرزاق الصنعاين 0 ت 240 هـ) 1: 128 ح 403: عبد الرزاق قال: حدّثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبيّ قال: «حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة ابنة خويلد، وفاطمة ابنة محمّد».
(1) في كفاية الطّالب: «سبطي هذه الأمّة، ابني رسول الله صلىاللهعليهوآله . وذكر ابن أبي شيبة (ت 235 هـ) في =
____________________
= المصنّف 7: 512 ح 4 - من فضائل الحسنين - قال: حدّثنا زيد بن حباب عن غسرائيل عن ميسرة النّهدي عن النّعمان بن عمر وعن زرّ بن حبيش عن حذيفة قال: أتيت النبي فصلّيت معه المغرب ثم قام يصلي حتى صلى العشاء ثم خرج فاتبعته فقال: «ملك عرض لي، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أنّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة». ولاصمدر نفسه حديث 3: حدثنا وكيع عن سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن أبي نعم عن أبي سعيد قال قال النبي: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة».
وذكر خليفة بن خيّاط (ت 240 هـ) في تاريخه 162: راى معاوية وهو في طريقه إلى مكّة، الحسين، فقال: مرحبا وأهلا يا ابن بنت رسول الله، سيد شباب أهل الجنّة.
وعن حذيفة بن اليمان عن النبي قال: أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: «إنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل لجنّة». المستدرك على الحصيحين 3: 429 / 5629؛ مسند أحمد 5: 391؛ عن أبي سعيد الخدريّ ح 10616.
وفي الإبانة، لابن بطّة «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» ص 62. وذكر يعقوب بن سفيان الفسويّ؛ بسنده عن أبي سعيد الخدريّ قال قال رسول الله: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة إلاّ ابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا». المعرفة والتاريخ 3: 19.
وهذه طائفة من مصادر ذكرت سيادة الحسنين عليهماالسلام لشباب أهل الجنّة: مختصر تاريخ دمشق 18: 38 ح مواضع اخرى، مناقب ابن المغازلي 114؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 3: 32 / 2586 وفيه: (...، الحسن والحسين سبطان من الأسباط»، وهو في مسند أحمد 4 / 172 والبخاري في الأدب المفرد (364) والتاريخ الكبير، له (4 / 2 / 414 - 415) والترمذيّ (3864)؛ سنن ابن ماجة (144)؛ صحيح ابن حبّان (2240)؛ الحاكم 3: 177 وبطرقه المتعددة ذكره الطبراني في المعجم الكبير، فقد ذكره عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وابي هريرة، وحذيفة بن اليمان، وأبي سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، ومعاوية بن قرة عن أبيه، واسامة بن زيد. (المعجم الكبير 3: 35 - 40 ح 2598 - 2618)؛ فتح الباري 13: 66؛ مجمع الزوائد 9: 175 و مواضع اخرى، موارد الظمان للهيثمي: 551؛ الخصائص للنسائيّ 255 - 257 وغيره؛ الفضائل لأحمد: 1360؛ تهذيب الكمال 6: 401 وموارد اُخرى؛ تاريخ بغداد 4: 207 و 1: 140 و 2: 185 و 6: 371 و 9: 231 و 12: 4؛ معرفة الصحابة - ترجمة الإمام الحسن -؛ حلية الأولياء 5: 71؛ مناقب امير المؤمنين للكوفيّ 2: 48 ح 703 و 719 و 228 و 733 و 740 و 741؛ مشكل الآثار للطحاوي 2 / 393 / 1967؛ أنساب الأشراف 3: 268؛ تفسير الثعلبيّ 1: 147؛ معجم الصحابة للبغويّ 22: 42؛ صحيح مسلم حديث 2424؛ تفسير الطبريّ 22: 67؛ سير أعلام النبلاء للذهبيّ 3: 282؛ فرائد السمطين حديث 414 و 415؛ اسد الغابة 2: 19؛ =
تسمية الحسنين عليهماالسلام :
وزيادة في فضلهما، ورفعة في منزلتهما، وخصوصيّة من خصائصهما عليهماالسلام ك فإنّ الله تعالى تولّى تسميتهما؛ عن محمّد بن عليّ قال: لما ولد الحسن سمّاه حمزة، فلمّا ولد الحسين سمّاه بعمّه جعفر. قال: فدعاني رسول الله صلىاللهعليهوآله فقال: إنّي امرت أن اغيّر اسم هذين، فقلت: الله ورسوله أعلم، فسمّاها حسنا وحسيناً». (1)
وعبد الرزّاق - الصنعانيّ ت 211 هـ - عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: لما ولدت فاطمة الحسن بن عليّ جاءت به إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فسمّاه حسناً، فلمّا ولدت حسينا جاءت به إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، هذا أحسن من هذا، تعني حسينا، فشقّ له من اسمه، فسمّاه حسينا. (2)
وأيضا عبد الرزّاق عن ابن جريج قال: أخبرني جعفر - الصادق - بن محمّد - الباقر - عن أبيه أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله سمّى حسينا يوم سابعه، وإنّه اشتقّ من حسن اسم حسين، وذكر أنّه لم يكن بينهما إلاّ الحمل. (3)
وفي المعجم الكبير للطبراني 3: 98 / 2780، بسنده عن عبد الله بن عقيل بن محمّد ابن عليّ رضي الله عنه أنّه سمّى ابنه الأكبر حمزة وسمّى حسيناً جعفراً، باسم عمّه، فمسّاهما رسول الله صلىاللهعليهوآله باسم: حسناً وحسيناً. (4)
____________________
= الاستيعاب 1: 376؛ نور الأبصار: 231.
ملاحظة: ليس في الجنّة ما يحمل على الألم والأسى ومن ثمّ ما يفضي غلى الكهولة والشيخوخة. والحسين عليهالسلام ، في روايات أنّه استشهد وعمره سبع وخمسون سنة، فهو وأخوه سادة أهل الجنّة إلاّ ما كن من أبيهما وجدّهما وأمّهما...، والمصادر ذكرت الحديث مطلقا، إلاّ في بعض منها جاء فيها «وأبوهما خير منهما»، فتأمّل!
(1) مسند أحمد 1 / 257 / 1374.
(2) المصنّف: عبد الرزّاق 4: 335 / 7981.
(3) نفس المصدر 4: 335 / 7979.
(4) المعجم الكبير للطبرانيّ 3: 98 / 2780.
ومثله في: الذّريّة الطّاهرة للدّولابيّ (ت 310 هـ) 121 / 136.
ولم يكن في الجاهليّة من يسمّي حسنا، ولا حسينا، ممّا يؤكّد تسمية الله تعالى لهما، فمن التبرّك تسمية الأولاد بهما.
أخرج الدّولابيّ بسنده عن عمران بن سليمان قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة، لم يكونا في الجاهليّة. (1)
عامر بن واثلة الصحابيّ. شهد مع أمير المؤمنين عليهالسلام مشاهده كلّها وهو آخر من مات من الصحابة.
أخرج ابن المغازليّ، بسند عن أبي الجارود، وابن طارق عن عامر بن واثلة؛ وعن أبي ساسان، وأبي حمزة عن أبي إسحاق السّبيعيّ عن عامر بن واثلة، قال: كنت مع عليّ عليهالسلام في البيت يوم الشّورى، فسمعت عليّاً يقول لهم: لأحتجّنّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم ولا عجميّكم يغيّر ذلك. ثمّ قال أنشدكم بالله أيّها النّفر جميعاً! أفيكم أحد وحّد الله قبلي؟ قالوا: اللّهمّ لا. قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر الطيّار في الجنّة مع الملائكة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا. قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء، غيري؟ قالوا ك اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمد سيّدة نساء (2) أهل الجنّة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا. قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطيّ الحسن والحسين سيّدا شباب (3) أهل الجنّة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا. قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد ناجى رسول الله عشر مرّات، يقدّم بين يدي نجواه (4) صدقةً قبلي؟ قالوا: اللّهمّ لا. قال:
____________________
(1) الذّريةّ الطّاهرة 100 / 92.
(2) في كفاية الطّالب: «سيّدة نساء الأمّة».
(3) في كفاية الطالب: سبطي هذه الأمة، ابني رسول الله صلىاللهعليهوآله .
(4) وذلك أنّه لما نزل قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرّسُولَ فَقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) (المجادلة/12) أشفق المسلمون منها، ولم يعمل بها إلاّ عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، فكانت خاصّة به عليهالسلام ومن فضائله في ميزان الطّاعة والتفويض أخرج الحبريّ في تفسيره «ص 320 حديث 65» قال: حدّثنا مالك بن =
____________________
= إسماعيل، عن عبد السّلام، عن ليث، عن مجاهد، قال: قال عليّ عليهالسلام : آية من القرآن لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: أنزلت آية النّجوى فكان عندي دينار، فبعته بعشرة دراهم، فكنت إذا أردت أن أناجي النّبيّ صلىاللهعليهوآله تصدّقت بدرهم... حتّى فنيت، ثمّ نسختها الآية الّتي بعدها: ( فَإِن لَمْ تَجِدُوا ... ) الآية (المجادلة: 13). وبنفس السند والمتن أخذه عنه الحسكانيّ في شواهد التنزيل 2: 313 رقم 952.
وعن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرّسُولَ ) الآية، قال: نزلت في عليّ عليهالسلام خاصّةً، وكان له دينار فباعه بعشرة دراهم، فكان كلّما ناجاه قدّم درهما، حتّى ناجاه عشر مرّات، ثمّ نسخت، فلم يعمل بها أحد قبله ولا بعده تفسير الحبريّ: 368 رقم 96؛ غاية المرام لهاشم البحرانيّ: 350؛ بحار الأنوار للمجلسيّ 35: 380، نقلاً عن ابن الجحّام.
ويرد الحديث بألفاظ أخرى وطرق متعدّدة،كلّها تنصّ على عليّ عليهالسلام . من ذلك: أسباب النزول للواحديّ: 276، والأوائل للعسكريّ: 167؛ عن أبي أيّوب الأنصاريّ، والدرّ المنثور 6: 186 عن سلمة بن كهيل عن عبد ابن حميد، ورواية ابن جرير وعطاء والكلبيّ عن ابن عبّاس، في تفسير الفخر الرازيّ 29: 271؛ تذكرة الخواصّ: 21؛ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في المستدرك للحاكم 2: 481؛ عن ابن عمر في تذكرة الخواصّ: 22؛ كفاية الطالب: 136؛ الجامع لاحكام القرآن للقرطبيّ 17: 302.
وعن مجاهد، مرفوعا عن عليّ عليهالسلام ، ذكره ابن كثير في تفسيره 4: 326؛ أحكام القرآن للجصّاص 3: 526؛ تفسير الطبري 28: 14؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ ص 326، عن ليث عن مجاهد. وأخرجه النّسائي بالإسناد إلى سفيان بن سعيد في خصائص أمير المؤمنين: 39؛ الذهبيّ عن العقيليّ في ميزان الاعتدال 3: 146. وأخرجه الثعلبيّ كما في العمدة لابن البطريق: 151. وأخرجه الترمذيّ في الجامع الصحيح 5: 80 حديث (3355). وفتح القدير 5: 186 عن عبد الرزّاق وابن أبي حاتم والحاكم. والرياض النضرة 2: 265 و جامع الأصول 2: 452. قال ابن أبي شيبة: إنّها في عليّ بن أبي طالب. (المصنّف: ابن أبي شيبة 7 / 505 / 62 و 63).
وفي تفسير مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) 3: 334: «ذلك أنّ الأغنياء كانوا يكثرون مناجاة النبيّ صلىاللهعليهوآله ويغلبون الفقراء على مجالس النبيّ وكان النبيّ يكره طول مجالستهم وكثرة نجواهم، فلمّا أمرهم بالصدقةعند المناجاة انتهوا عند ذلك، وقدرت الفقراء على كلام النبيّ ومجالسته، ولم يقدّم أحد من أهل الميسرة بصدقة غير عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، قدم ديناراً، وكلّم النبيّ عشر كلمات....
وذكره عبد الرزّاق الصنعانيّ (126 - 211 هـ) في تفسيره: 2: 225 / 3177، عن ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن مجاهد في قوله تعالى: ( فَقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) ، قال: امروا أن لا يناجي أحد النبيّ حتّى =
فأنشدكم الله، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه. ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب» غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا. قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلىاللهعليهوآله «اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ وأشدّهم حبّاً لك وحبّاً لي يأكل معي من هذا الطّائر» (1) فأتاه فأكل معه، غيري؟ قالوا:
____________________
= يتصدّق بين يي ذلك، فكان أوّل من تصدّق بين ذلك عليّ بن أبي طالب فناجاه، فلم يناجه أحد غيره. ثمّ نزلت الرخصة: ( ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ ) وذكره كلّ من: ابن عقدة (ت 332 هـ) في المناشدة يوم الشورى - فقرة 7.
وأحمد بن حنبل في المسند 3: 307 / 1788؛ الطبرانيّ في المعجم الكبير 12: 81 / 82604 و 3: 56 / 2674؛ الكوفيّ في مناقب أمير المؤمنين 1: 138 / 68 و 216 / 111 و 217 / 112 و 113 و 114؛ تفسير الثعلبيّ 2: 140؛ دلائل النبوّة للبيهقيّ 1: 170؛ المعرفة والتاريخ للفسويّ 1: 498؛ مسند أبي يعلى 1: 322؛ الكامل لابن عديّ 5: 204؛ صحيح ابن حبّان 15: 391.
(1) حفلت كتب الحديث والرّجال بهذا الحديث، ولم يكن طريقة أهل الرّفض! بل الكتب الّتي ليس لابن القيّم ولا غيره رفضها! وهو من الأمارات على استقامة صراط عليّ عليهالسلام ؛ فقد نهج رسول الله صلىاللهعليهوآله منهجا عمليّا في تربية أمّته ودلالتها على ما لعليّ من المنزلة العلويّة عند الله تعالى، كما في هذا الحديث، وحديث تزويجه من ابنته الزهراء عليهاالسلام ، وحديث الرّاية، وتبليغ براءة....
وكون عليّ أحبّ النّاس مطلقا لله ولرسوله إنما لمعنى، هو أن عليا صراط الله المستقيم. وقد أخرج ابن عساكر حديث الطّير، في تاريخه (من حديث 609 إلى حديث 642). منها: حديث الطّير من طريق عليّ عليهالسلام (حديث 610): «قال عليّ: أهدي لرسول الله صلىاللهعليهوآله طير يقال له الحبارى فوضعت بين يديه - وكان أنس بن مالك - يحجبه.
فرفع النبيّ صلىاللهعليهوآله يده إلى الله، ثمّ قال: اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك يأكل معي من هذا الطّير. فجاء عليّ فاستأذن، فقال له أنس: إنّ رسول الله على حاجة! فرجع، ثمّ دعا رسول الله الثانية فجاء عليّ فاستأذن، فقال أنس: إنّ رسول الله على حاجة! فرجع ثمّ دعا الثالثة فجاء عليّ فأدخله، فلمّا رآه رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: اللّهمّ والي. فأكل معه. قال أنس: أتبعت عليّا لما خرج فقلت: يا أبا حسن استغفر لي؛ فإنّ لي إليك ذنبا وإنّ عندي لك بشارة، فأخبرته بما كان من النبيّ فحمد الله، واستغفر لي...» ورواه ابن كثير في البداية والنهاية 7: 353، وباختلاف يسير في بعض الألفاظ ذكره الگنجيّ في «كفاية الطّالب: 154»؛ ذخائر العقبى: 61؛ الرياض النضرة 2: 161.
وذكره ابن الأثير في أسد الغابة 4: 111 بنسد عن الحسن البصريّ قال: «سمعت أنس بن مالك يقول: =
اللّهمّ لا. قال: فأنشدكم بالله، فيكم أحد قال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه» إذ رجع غيري
____________________
= أهدي لرسول الله صلىاللهعليهوآله طير، فقال: اللّهمّ ائتني برجل يحبّه الله ورسوله. قال أنس: فأتى عليّ فقرع الباب، فقلت: إنّ رسول الله مشغول، وكنت أحبّ أن يكون رجلا من الأنصار ز ثمّ إن عليّا فعل مثل ذلك، ثم أتى الثالثة، فقال رسول الله: يا أنس! أدخله فقد عنيته. فلمّا أقبل؛ قال: اللهم وال، اللهم وال» قال: وقد رواه عن أنس: حميد الطويل، وأبو الهنديّ، ويغنم بن سالم».
حديث أنس: وتعدّدت الطرق في حديث الطّير عن أنس بن مالك، فمن ذلك ما رواه عبد الله بن المثنى، عن عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: أهدي لرسول الله صلىاللهعليهوآله حجل مشويّ بخبزة وصنابة، فقال رسول الله: «اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي هذا الطّعام». فقالت عائشة: اللّهمّ اجعله أبي. وقالت حفصة: اللّهمّ اجعله أبي: قال أنس: وقلت: اللّهمّ اجعله سعد بن عبادة، قال أنس: فسمعت حركة بالباب، فخرجت فإذا عليّ بالباب، فقلت: غنّ رسول الله على حاجة! فانصرف، ثم سمعت حركة بالباب فخرجت فإذا علي بالباب، فقلت: إنّ رسول الله على حاجة! فانصرف، ثمّ سمعت حركة بالباب فسلّم عليّ فسمع رسول الله صوته فقال: انظر من هذا. فخرجت فغذا هو عليّ، فجئت فأخبرت رسول الله، فقال ائذن له. فدخل عليّ، فقال رسول الله: «اللّهمّ والياللّهمّ والي». (هكذا أخرجه ابن عساكر في الحديث 614). وأخرجه الذهبيّ في ميزان الاعتدال 1: 410 بالرقم 1505، نقلا عن ابن عديّ، وذلك في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعيّ، بالإسناد عن قطن بن نسير - شيخ مسلم - وكذلك في تاريخ الإسلام 2: 197 وبهذا السند أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية 7: 35.
وممّن رواه: سعيد بن المسيّب، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وقتادة عن أنس، وعثمان الطويل عن أنس....
والمصادر الّتي ذكرته جمّة منها: تذكرة الخواصّ: 44، لسان الميزان 5: 199، مجمع الزوائد 9: 126، تهذيب التهيب 1: 303، المستدرك على الصحيحين 3: 130؛ تاريخ بغداد 3: 369، الجامع الصحيح للترمذي 2: 299، مناقب الإمام علي لابن المغازلي، ذكره بطرق أربت على العشرين. وذكره البخاري في التاريخ الكبير 1: 358، ابن عقدة في كتاب الولاية - حديث المناشدة، فقرة 10 -، وأحمد بن حنبل في المسند 1: 215 / 1120، والبلاذري في أنسبا الاشراف 2: 378، أبو يعلى في مسده 7: 636 / 3621، أبو نعيم في خلية الأولياء 6: 339، الخطيب البغدادي في: موضح أوهام الجمع والتفريق 2: 298، كما ذكره في تاريخه 3: 171 و 369 و 8: 382 و 11: 376، النسائي في الخصائص: 5، المحبّ الطبريّ في ذخائر العقبى 61، مقتل الخوارزميّ 46، مناقب الخوارزميّ 68، تذكرة الحفاّظ 3: 112، ذخائر العقبى 61، العمدة البن البطريق 1330؛ حياة الحيوان اللدميري 2: 297، مصابيح السنة 4: 173 / 4770، كنز العمال 13: 167 / 3650.
منهزما، غيري؟ (1) قالوا: اللّهمّ لا قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد قال فيه رسول
____________________
(1) كانت ذلك يوم خيبر. قال ابن إسحاق في «السيرة 3: 349»: بعث رسول الله صلىاللهعليهوآله أبا بكر برايته - وكانت بيضاء - إلى بعض حصون خيبر، فقاتل، فرجع ولم يك فتح، وقد جهد. ثم بعث الغد عمر بن الخطاب، فقاتل، ثم رجع ولم يك فتح، وقد جهد. فقال رسول الله:
«لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرار. فدعا رسول الله عليا رضوان الله عليه، وهو أرمد، فتفل في عينه، ثم قال: خذ هذه الراية، فامض بها حتى يفتح الله عليك قال سلمة ابن عمرو بن الأكوع:فخرج والله بها يأنح - أي به نفس شديد -، يهرول هرولة، وغنا لخلفه نتبع أثره، حتى ركز رايته في رضم - أي حجارة مجتمعة - تحت الحصن، فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: علوتم، وما أنزل على موسى! فما رجع حتى فتح الله على يديه.
وعن أبي رافع مولى رسو ل الله صلىاللهعليهوآله قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب، حين بعثه رسول الله برايته، فلمّا دنامن الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود، فطاح ترسه من يده، فتناول علي عليهالسلام بابا كان عند الحصن، فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ. فلقد رأيتني في نفر سبعة معي أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه». وذكره الطبريّ في تاريخه 2: 301، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 8: 5؛ ابن المغازلي في مناقب الإمام علي ص 176 - 189، الأحاديث 213 - 224 ن ابن سعد في الطبقات الكبرى 2: 111؛ أحمد بن حنبل في المسند 4: 52، ابن كثير في البداية والنهاية 4: 188، السهيلي في الروض الأنف 2: 229، النسائي في الخصائص: 7، ابن حجر في تهذيب التهذيب 7: 480 و 3: 237، الهيتمي في مجمع الزوائد 9: 124، القلقشندي فيصبح الأعشى 10: 174 وورد في حلية الأولياء 1: 62، كفاية الطالب: 98، عمدة القاري 16: 216، أسد الغابة 4: 98، تذكرة الخواص: 32، الجامع الصحيح للترمذي 13: 171، صحيح مسلم 7: 119، مسند ابي داود الطيالسي: 320، الاستيعاب 3: 36، المناقب اللخوارزمي: 125، تهذيب الكمال في أسماء الرجال 20: 485، صحيح البخاري - ذكره في المغازي 5: 76، سنن ابن ماجة 1: 44، المقدمة ح 117، المصنف العبد الرزاق الصنعاني 211 - 126، المصنّف لابن أبي شيبة 8 / 519 / 1 - من أحاديث غزوة خيبر -:
ابن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن أبي جعفر عن قتادة عن أنس: ( إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) - الفتح: 1، قال: خيبر.
وأخرج بسنده عهد ابن أبي ليلى قال: قال علي: ما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟ قلت: بلى والله، لقد كنت معكم، قال، فإن رسول الله بعث أبابكر، فسار بالناس فانهزم حتّى رجع اليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتى انتهى إليه فقال رسول الله: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله له ليس بفرّارٍ» =
الله صلىاللهعليهوآله لبني وليعة: «لتنتهن أولابعثن إليكم رجلا كنفسي، طاعته كطاعتي، ومعصيته كمعصيتي، يغشاكم بالسيف، غيري (1) ؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد
____________________
= قال: فأرسل إلي فدعاني فأتيته وأنا أرمد لا أبصر شيئا، فدفع غلي الراية، فقلت: يا رسول الله، كيف وأنا أرمد لا ابصر شيئا، قال: فتفل في عيني، ثمّ قال: «اللّهمّ اكفه الحرّ والبرد، قال: فما آذاني بعد حر ولا برد. «المصنّف: ابن أبي شيبة 8: 522 / 11».
وذكره بطرق اُخرى برقم 520 / 2 و 522 / 7 و 525 / 22 و 525 / 23؛ أنساب الأشراف 2: 347؛ الإصابة 2: 508، المغازي للواقدي (ت 207 هـ) 2: 654 - 657.
هذا، وإن أكثر المصادر التي ذكرناها قد ذكرت حديث الراية في أكثر من مورد ومن طرق مختلفة. وذكر ابن المغازلي، والگنجي، والقاري؛ رواية أبي سعيد الخدري؛ وفيها شعر حسان بن ثابت بالمناسبة:
وكان علي أرمد العين يبتغي |
دواء فلمّا لم يحس مداويا |
|
شفاه رسول الله منه بتفلة |
فبورك مرقيا وبورك راقيا |
|
وقال: سأعطي الراية اليوم صارما |
كميا محبا للرسول مواليا |
|
يحب إلهي والإله يحبه |
به يفتح الله الحصو الأوابيا |
|
فأصفى بها دون البرية كلها |
عليّا، وسماه الوزير المؤاخيا |
(1) عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لوفد ثقيف حين جاؤوه: «لتسلمن، اوليبعثن الله رجلا مني - أو قال: مثل نفسي - فليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم». فقال عمر بن الخطاب: فو الله! ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، فجعلت أنصبصدري له رجاء أن يقول: هو هذا!
قال: فالتفت إلى علي بن أبي طالب فأخذ بيده ثم قال: «هو هذا، هو هذا».
أخرجه بهذا اللفظ والإسناد أخطب خوارزم في المناقب: 136؛ ابن المغازلي في مناقب الإمام علي 428؛ البلاذري في أنساب الأشراف 2: 124، ابن عبد البر في الاستيعاب 3: 46، ابن الأثير في أسد الغابة 4: 105 من طريق آخر.
وذكره أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة 2: 593، حديث رقم 1008.
وخرج الحديث أبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد الكلابي، المعروف بابن أخي تبوك، المتوفى سنة 396 هـ في مصنفه كتاب المسند صفحة 428 بنفس السند مع اختلاف يسير، ونفس اللفظ مع زيادة وتقديم في بعض العبارات. فبالاسناد إلى عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن سهيل، عن ابي طاووس، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال:لما قدم وفد ثقيف على النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: =
____________________
= «لَتُسْلِمُنَّ أو لأبعثَنَّ إليكم رَجُلاً منّي - أو كنفسي - فليضربَنَّ أعناقكم، وليأخذَنّ أموالكم، وليسبيَنَّ ذراريكم».
قال عمر: فجعلت أنصب صدري وأقوم على أطراف أصابعي، رجاء أن يقول: هو هذا! فالتفت إلى علي فأخذ بيده، وقال: «هو هذا، هو هذا».
وأخرجه أبو جعفرالطوسي في أماليه 2: 117، بالاسناد إلى أبي المفضل الشيباني...، عن طلحة بن جبر المكي، عن المطلب بن عبد الله، عن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه. كما أخرج البزار في مجمع الزائد 9: 163 حديث عبد الرحمن بن عوف ن من طريق طلحة بن جبر.
وفي الخصائص صفحة 89 حديث 67 أخرجه النسائي عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «لينتهين بنو وليعة أو لابعثن عليهم رجلا كنفسي ينفذ فيهم أمري، فيقتل المقاتلة ويسبي الذرية». قال أبو ذر: فما راعني إلا وكف عمر في حجزتي من خلفي، وقال: من يعني؟ قلت: ما إياك يعني ولا صاحبك!! قال فمن يعني؟ قلت: خاصف النعل. قال: وعلي كان يخصف النعل.
وكذلك أخرجه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص صفحة 45 عن أنس. وفي تاريخ بغداد 1: 134 للخطيب البغدادي: قال ربعي بن حراش: سمعت عليا يقول وهو بالمدائن: جاء سهيل بن عمرو إلى النبي صلىاللهعليهوآله فقال: إنه قد خرج ناس من أرقائنا ليس بهم الدين تعيذا - ولعله معتزا - فأرددهم علينا. فقال له أبوبكر وعمر: صدق يا رسول الله! فقال رسول الله: «لن تنتهوا يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم رجلا قد امتحن الله قلبه بالإيمان، يرب أعناقكم وأنتم مجفلون عنه اجفال النّعم»، فقال أبوبكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل. قال: وفي كف علي نعل يخصفها لرسول الله. تاريخ بغداد 8: 433؛ تاريخ بان عساكر، حديث 866 و 867 و 869؛ كفاية الطالب: 97 وعبارته: وليس بهم فقه في الدين وإنما خرجوا فرارا. قال: «فإنلم يكن لهم فقه في الدين سنفقهم. يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب وقابكم بالسيف على الدين قد امتحن الله عزوجل قلبه على الإيمان». وذكره الكلابي في مسنده حديث 24، من حديث ربعي، عن امير المؤمنين مع اختلاف يسير في اللفظ. وأخرجه الترمذي في الجامع الصحيح 5: 298 برقم 3799، أخطب خوارزم في المناقب: 84، المحب الطبري في ذخائر العقبى: 76.
ومن طريق آخر عن شريك عن منصور، عن ربعي عن عليّ عليهالسلام ، قال: لما فتح رسول الله صلىاللهعليهوآله مكة قالت قريش: نحن بو عمك وقوكم، وقد لحق بك من أبنائنا ورقيقنا ومن يعمل في أموالنا، لم تدعهم إلى ذلك رغبة في الإسلام. فقال صلىاللهعليهوآله لأبي كر: ما تقول؟ قال: يا رسول الله صدقوا، لو رددت عليهم. قال لعمر: ما تقول؟ قال: يا رسول الله صدقوا، لو رددت عليهم. قال: «لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم رجلا يضرب رقابكم ويخمّس =
قال رسول الله صلىاللهعليهوآله فيه: «كَذَب مَنْ زَعم أنّه يُحبّني ويُبغض هذا» (1) ، غيري؟ قالوا: اللّهمَّ لا.
____________________
= أموالكم، وهو خاصف النعل في الحجرة، وأنا أخصف نعل رسول الله صلىاللهعليهوآله في الحجرة.
قال علي رضي الله عنه: وسمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «من كذب علي يلج النار». مسند الكلابي، حديث 25، خصائص النسائي 10، المستدرك على الحصيحين 2: 137، منتخب كنز العمال 5: 38، المصنف لعبد الرزاق 11 - 226، المصنف لابن أبي شيبة 7 / 506 / 74، و 8 / 543 / 2 من طريق عبد الرحمن بن عوف، مسند أحمد 4: 164 و 165، المعجم الكبير 4: 19 / 3513، مواضع اخرى، والمعرفة والتاريخ 2: 225، أمالي المرشد بالله ح 35، مناقب الكوفي 520 / 368 عن سعد، و 520 / 369 عن حبشي بن جنادة، و شرح المعتزلي لنهج البلاغة 1: 238، خصائص الوحي المبين 138.
وما زال لواء رسول الله صلىاللهعليهوآله يحمله علي عليهالسلام ، فالنصر معقود به لا يزايله. عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة الأسلمي، قال: لما كان حيث نزل رسول الله صلىاللهعليهوآله بحضرة أهل خيبر، أعطى رسول الله اللواء عمر بن الخطاب، ونهض معه من نهض من الناس، فلقوا أهل خيبر وكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله يجبنه أصحابه ويجبن أصحابه، فقال رسول الله: «لأعطين اللواء غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». فلمّا كان الغد تصادر لها أبوبكر وعمر ن فدعا عيا وهو أرمد فتفل في عينيه، وأعطاه اللواء، ونهض معه الناس، فلقي أهل خيبر ومرحب يترجز بين أيديهم، فاختلف هو وعلي بضربة، فضربه علي على هامته حتى عضّ السيف منها بأضراسه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته، وما تتام آخر الناس حتى فتح لأولاهم». مسند الكلابي، حديث 27. ومصادر الحديث كثيرة ليس هذا محلها.
وعن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة، قال: قالوا: يا رسول الله من يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: «من كان يحملها في الدنيا: علي بن أبي طالب». مسند الكلابي، حديث 26. وفي مناقب الإمام علي لابن المغازلي 200: «من صاحب لواك؟»؛ المناقب للخوارزمي 250، عمدة القاري 16: 216؛ سنن ابن ماجة - المقدمة ص 43 ح 117، مناقبالكوفي 1: 521 / 370 و 525 / 373 و 527 / 375، أمالي المرشد بالهل: 141 ح 35، المصنف لابن أبي شيبة 8: 543 / 2 و 7: 506 / 74 - فضائل علي؛ الطبراني الكبير 4: 19 / 3511 و 3513...؛ خصائص النسائي: 86 / 69، مسند أحمد 4: 165 بأسانيد، خصائص الوحي المبين 138، شرح نهج البلاغة للمعتزلي 1: 238، تهذيب التهذيب 8: 198، الفاضئل لأحمد 227، مسند الكلابي ح 24.
(1) ليس سهلا الإحاة بالاحاديث النبوية التي تقرن حبّ علي عليهالسلام بحب رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وهما النفس الواحد ومن شجرة واحدة وبيت واحد طاهر.
عن أبي الزبير،عن جابر، قال: دخل علينا رسول الله صلىاللهعليهوآله ونحن في المسجد، وهو آخذ بيد علي، فقال النبي: «ألستم زعمتم أنكم تحبوني»؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «كذب من زعم أنه يحبّني ويبغض هذا»! =
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد قال له جبريل: هذه هي المواساة، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : إنه منّي وأنا منه، فقال له جبريل: وأنا منكما»، غيري؟! قالوا: اللهمّ لا. (1)
____________________
= حديث رقم 664 من تاريخ ابن عساكر.
وعن أنس بن مالك، قال: كنا مع رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وعنده جماعة من أصحابه، فقالوا: والله يا رسول الله إنك أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا. قال: فدخل حينئذ علي بن أبي طالب، فنر غليه النبي صلىاللهعليهوآله ، وقال له: «كذب من زعم أنه يبغضك ويحبّني». مناقب الإمام علي لابن المغازلي حديث 75، ميزان الاعتدال 1: 251، لسان الميزان 2: 285. وقد ذكرنا صفحة (21) من كتابنا هذا ما يربو على ثلاثين مصدر، فراجع. وفيمسند أحمد 6: 292، عن أم سلمة: «لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق». وفي صحيح مسلم 2: 64، بسند عن زر بن حبيش قال: قال علي: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلى أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق». وبنفس السند والمتن في سنن ابن ماجة 1: 42 ح 114. وفي تاريخ بغداد 13 / 32: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «من أبغض عليا فقد أبغضني». وفي المصنف لابن أبي شيبة 7 / 505 / 64 - فضائل علي - حدثنا خلف بن خليفة عن أبي هارون قال: كنت مع ابن عمر جالسا إذ جاءه نافع بن الأزرق - أحد رؤوس الخوارج - فقال: والله إني لأبغض عليا! قال: فرفع ابن عمر رأسه فقال: أبغضك الله، تبغض رجلا سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها؟!
وعن أبي الجحّاف، عن جميع بن عمير التيمي قال: دخلت مع عمتي على عائشة فسئلت: أيّ الناس كان أحبّ إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ؟ قالت: فاطمة، فقيل: من الرجال؟ فقالت: زوجها، إن كان ما علمت صواما قواما. الترمذي في المناقب (3965) باب من فضل فاطمة رضي الله عنها، وتاريخ الإسلام للذهبي 3: 635. وفي الشفا للقاضي عياض 31: قال النبيّ صلىاللهعليهوآله في عليّ: «لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق» وهذه طائفة من المصادر ذكرت حب وبغض علي عليهالسلام وحالها حال المصادر السابقة، فقد ذكرته في أكثر من موضع وأكثر من لفظ: حلية الأولياء 4: 185، صحيح ابن حبان 15 / 367: 6924، الإرشاد للمفيد 39 فصل 3؛ أنساب الاشراف 1: 383؛ مسند أبي يعلى 1 / 251: 291؛ معرفة علوم الحديث للحاكم 180، شرح السنة للبغوي 14 / 14: 3909؛ مسند الحميدي ح 58، خصائص امير المؤمنين للنّسائيّ ح 100 و 102؛ الكامل لابن عديّ 2 / 147؛ مجمع الزوائد 9: 133.
(1) ذكره الطبريّ في تاريخ الأمم والملوك 2: 197، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن جدّه، قال: لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلىاللهعليهوآله جماعة من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمل عليهم. فحمل عليهم، ففرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحيّ. قال: ثمّ أبصر رسول الله جماعة من قريش، فقال لعليّ بن أبي طالب: احمل عليهم. فحمل عليهم، ففرّق جمعهم، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر =
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد سلم عليه في ساعة ثلاثة آلاف من الملائكة فيهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، حيث جئت بالماء إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله من القليب (1) ، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين على لسان النبي صلىاللهعليهوآله (2) ، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
____________________
= ابن لؤي. فقال جبريل: يا رسول الله، إن هذه للمواساة. فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : إنه مني وأنا منه. فقال جبريل: وأنا منكما. قال: فسمعوا صوتا:
لاسيف غلاّ ذوالفقار |
ولا فتى إلاّ عليّ |
وذكره القندوزي الحنفي مختصرا في ينابيع المودة ص 55. وذكره ابن إسحاق، انظر السيرة النبوية لابن هشام 3: 106 وفي وقعة صفين لنصر بن مزاحم (ت 212 هـ): 315: قال علي لأصحابه يوم صفين: والذي نفسي بيده، لنظر إلي رسول الله صلىاللهعليهوآله أضرب قدامه بسيفي فقال: «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي». ومناقب اميرالمؤمنين للكوفي 1: 534 / 385 - وذكره في مواضع عدة اخرى - والكامل لابن الأثير 5: 260، شرح المعتزلي لنهج البلاغة 3: 380، مناقب الخوارزميّ 104، الروض الأنف 2: 143، فرائد السمطين الباب التاسع والأربعون، تذكرة الخواص 16، وقال: يوم خيبر، وقيل إنّ الواقعة كانت يوم أحد، كما رواه أحمد عن ابن عباس، وقيل إن ذلك كان يوم بدر، والأصح أن ذلك كان يوم خيبر فلم يطعن فيه أحد من العلماء.
وللواقعة مصادر اُخرى ذكرناها صفحة 129 من هذه الكتاب.
(1) في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي 50: قال أحمد في الضائل: حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث... عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن الحارث، عن عليّ عليهالسلام ، قال: لما كانت ليلة بدر قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : من يستقي لنا من الماء؟ فأحجم الناس. قال ك فقمت فاحتضنت قربة، ثم أتيت قليبا بعيد القعر مظلما، فانحدرت فيه، فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل: تأهبوا لنصرة محمد وحربه. فهبطوا من السماء لهم دوي يذهل من سمعه. فلمّا حاذوا القليب، وقفوا وسلّموا عليّ من عند آخرهم، إكراما وتبجيلا وتعظيما. قال: وذكره أرباب المغازي.
(2) وهذا من أعلام النبوة ومناقب الإمامة، إذ وقع الذي أخبر به النبي بعد ذلك. في أسد الغابة 4: 114 عن أبي سعيد الخدري، قال: أمرنا رسول الله صلىاللهعليهوآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فقلنا: يا رسول الله أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع من؟ فقال: مع عليّ، معه يقتل عمّار. ذكره الخوارزمي في المناقب ص 190. ثمّ ذكره في ص 190 حديث 226 عن أبي أيّوب الأنصاريّ، والمستدرك على الصحيحين 3: 139. وفي المناقب للخوارزميّ =
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّي قاتلت على تنزيل القرآن وتقاتل أنت على تأويل القرآن» (1) ، غيري؟ قالوا: اللهم لا.
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير حيث يقول: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، غيري؟ قالوا: اللهمّ لا.
____________________
= ص 177 حديث 214. قالت أم سلمةلأبي ثابت مولى أبي ذرّ: أينطار قلبك حين طارت القلوب مطايرها؟ قال: مع عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . قالت: وفّقت، والّذي نفس أم سلمة بيده لسمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض». ولقد بعثت ابني عمر، وابن أخي عبد الله، وأمرتهما أن يقاتلا مع عليّ من قاتله، ولو لا أنّ رسول الله أمرنا أن نقرّ في حجالنا أو في بيوتنا، لخرجت حتّى أقف في صفّ عليّ. وانظر فرائد السمطين 1: 177، والخصائص الكبرى 2: 235، مناقب امير المؤمنين للكوفي ج 2 ح 808 و 829 و 1048 و 1072؛ كلّها عن عليّ عليهالسلام . و 1085 عن عمّار، مختصر تاريخ دمشق 18: 54، عن عليّ عليهالسلام . و نفس المدر عن أم سلمة عن رسول الله صلىاللهعليهوآله - وهو حديث طويل -، والمصدر: 55 عن أبي سعيد الخدريّ قال: أمرنا رسول الله بقتال النّاكثين، والقاسطين، والمارقين، فقلنا: يا رسول الله، أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع من؟ قال: مع عليّ بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر ز وأيضا عن أبي أيّوب الأنصاري. والمعجم الكبير للطبراني 10: 91 / 10053 عن عمار، المعجم الأوسط 9: 198 عن عليّ عليهالسلام ، أعاده الكوفيّ عن عليّ عليهالسلام 2: 421 / 1048 و 1049 وفيه قال: الناكثون أهل الجمل، والمارقون أهل الخوارج، والقاسطون أهل الشام. 449 / 1085 بسند عن هند بن عمرو قال: سمعت عمارا يقول: أمرني رسول الله صلىاللهعليهوآله أن أقاتل مع عليّ الناكثين والقاسطين والمارقين.
(1) أخرجه جمع من الحفّاظ: ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 74 وأبو نعيم في حلية الأولياء 1: 67، والنّسائي في الخصائص ص 131 وابن المغازليّ في مناقب الإمام علي ص 54 حديث 78 وص 298 حديث 341، وأحمد بن حنبل في مسنده، في عدّة مواضع، والحاكم في المستدرك 3: 123 والسيوطيّ في الخصائص الكبرى قليلاً ثمّ قال: «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» فقال أبوبكر أنا؟ قال: لا. قال عمر: أنا؟ قال: «لا، ولكن خاصف النّعل». ومثله ذكر ابن الأثير في أسد الغابة 4: 114، عن أبي الطّفيل، عن أبي سعيد، مع زيادة: فجاء فبشّرناه بذلك، فلم يرفع به رأسا كأنّه شيء قد سمعه من النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والفضائل لأحمد ح 205، الكامل لابن عديّ 3 / 337، دلائل النبوّة للبيهقيّ 6 / 436، شرح السنة للبغويّ 10 / 233: 2557؛ فرائد السمطين باب 33 ح 34؛ أمالي الطوسيّ مجلس 9 ح 50؛ سنن الترمذيّ - في المناقب «3799»، تاريخ بغداد 1: 134، مناقب امير المؤمنين للكوفيّ 1: 638 / 515 ومواضع أخرى من الجزء الثاني، تاريخ الإسلام 3: 643، مجمع الزوائد 9: 133.
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد وقى رسول الله بنفسه من المشركين، فاضطجع مضطجعه، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد بارز عمرو بن عبدودّ حيث دعاكم إلى البراز، غيري؟! قالوا: اللّهمّ لا.
قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا. (1) قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد
____________________
(1) ويرد الحديث عن امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وعن فاطمة ابنةعليّ عن أسماء بت عميس، وزين العابدين علي بن الحسين، و جعفر ب محمد عن أبيه، وجابر بن عبد الله الأنصاري، ومحدوج بن زيد الذّهليّ، وأبي سعيد الخدريّ، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن المسيّب، وأبي أيّوب الأنصاريّ، وجابر بن سمرة، ومجاهد، وأم سلمة زوج النبيّ صلىاللهعليهوآله وأبي هريرة، وأنس بن مالك.
مصادر الحديث: وقد ذكرته كتب الحديث في موارد كثيرة نقتصر على ذكر المصادر وبعض من الموارد:
- المصنّف لابن أبي شيبة، حديث 12 من فضائل عليّ.
- مسند أبي داود، حديث 205.
- مسند أحمد، مسند أبي سعيد ح 10879، ومواضع اُخرى.
- مسند أبي يعلى، مسند سعد 2: 66 - 132، وغيره.
- الفضائل لاحمد، حديث 142.
- تاريخ البخاري الكبير 3 / 48: 179.
- صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبيّ - باب مناقب عليّ. كما أخرجه في كتاب المغازي، باب غزوة تبوك.
- صحيح مسلم: 44، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عليّ، رقم 30 - 32.
- تاريخ الثّقات للعجليّ: 522 / 2106.
- سنن الترمذي: 5، كتاب المناقب، باب مناقب عليّ 21.
- المعجم الكبير للطبرانيّ 24 / 146 / 384 من حديث أسماء.
- طبقات ابن سعد 3: 24 ومواضع اُخرى.
- مسند ابن حبّان 15 / 369 / 6926.
- مشكل الآثار للطحاويّ 2 / 213: 1903.
- الكامل لابن عديّ 2 / 416، ترجمة حرب بن شدّاد. =
رُدَّت عليه الشّمس حتّى صلّ العصر في وقتها، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا (1) .
ورواه الصحابي الجليل ابن عباس، فعن محمد بن سلمة، عن خصيف، عن مجاهد، قال: قيل لابن عباس: ما تقول في عليّ بن أبي طالب؟ فقال: ذكرت والله أحد الثّقلين! سبق بالشهادتين وصلّى القبلتين، وبايع البيعتين، وأعطي السبطين الحسن والحسين، وردت عليه الشّمس مرّتين بعد ما غابت عن الثّقلين، وجرّد السّيف تارتين، وهو صاحب الكرّتين. فمثله في الأمة مثل ذي القرنين؛ ذلك مولاي عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . (2)
ابن أبي شيبة العبسيّ، المتوفّى 239، رواه في سننه.
أبو إسحاق الثعلبيّ رواه في تفسيره، وقصص الأنبياء المسمّى العرائس ص 139، وقد
____________________
=
- مسند البزّار، حديث 1074.
- أمالي المفيد: 7، حديث 2.
- مناقب ابن المغازليّ: 34، حديث 51.
- تهذيب الكمال للمزّيّ 35 / 263، ترجم فاطمة ابنة عليّ.
- خصائص النّسائيّ، حديث 63.
- سنن ابن ماجة 1: 42 حديث 115.
- أنساب الأشراف 1: 346.
- تاريخ بغداد 3: 289 / 1376.
- حلية الأولياء 7: 194.
- مناقب الخوارزميّ: 133 / 148.
- مناقب الكوفيّ 1: 561 / 418؛ ومواضع اُخرى.
- مختصر تاريخ دمشق: 17 / 243 - 248.
(1) نكتفي بهذا القدر ممّا ذكره ابن المغازليّ في مناقب الإمام عليّ ص 112 - 118 من «المناشدة يوم الشورى». وقد ذكرها الحفّاظ مجتزئين بشطر منها، من ذلك: الاستيعاب 3: 35؛ وميزان الاعتدال 1: 441؛ ولسان الميزان 2: 157؛ تهذيب التهذيب 3: 304؛ كفاية الطّالب 386، وأخرجه أخطب خوارزم في المناقب ص 301 من طريق أبي ذرّ. كما ذكره ابن عساكر مع بعض الاختلاف من طريق عامر بن واثلة أيضاً؛ حديث (1140) من ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 113 - 121.
(2) المناقب للخوارزميّ: 330، حديث (349).
مضى.
الحافظ أحمد بن محمّد الطّحاويّ الحنفيّ المتوفّى سنة 321. أخرجه بلفظين، وقال: هذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات. (1)
ثمّ ردّ على منكري الحديث بالمنطق السّويّ السليم والواقع التاريخي، قال: فقال قائل: كيف تقبلون هذا وأنتم تروون عن أبي هريرة، عن النبيّ صلىاللهعليهوآله ما يدفعه؟ فذكر - أي القائل المعترض - حدّثنا علي بن الحسين أبو عبيد، حدّثنا... عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «لم تحتبس الشّمس على أحدٍ، غلاّ ليوشع».
وحدّثنا يحيى بن زكريّا بن يحيى النيسابوريّ، حدّثنا... عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «لم تردّ الشّمس منذ ردّت على يوشع بن نون، ليالي سار إلى بيت المقدس».
فكان جوابنا - أي الطّحاويّ - له في ذلك بتوفيق الله تعالى وعونه: إنّ هذا الحديث قد اختلف علينا راوياه، فأمّا ما رواه لنا عليّ بن الحسين فهو أنّ الشّمس لم تحتبس على أحد إلاّ على يوشع. فإن كان حقيقة الحديث كذلك، فليس فيه خلاف لما في الحديثين الأوّلين؛ لأنّ الّذي فيه هو حبس الشّمس عن الغيبوبة، والّذي في الحديثين الأولين هو ردّها بعد الغيبوبة. وأمّا ما رواه لنا يحيى بن زكريّا فهو على أنّها لم تردّ منذ ردّت على يوشع بن نون إلى الوقت الّذي قال لهم فيه رسول الله صلىاللهعليهوآله هذا القول، فذلك غير دافع أن يكون: لم تردّ إلى يومئذ، ثمّ ردّت بعد هذا، وهو غير مستنكر من أفعال الله عزّ وجلّ. وقد روي في حبسها عن الغروب لمعنى احتاج إليه بعض أنبياء الله عزّ وجل (2) : عن أبي هريرة، عن رسول الله صلىاللهعليهوآله ، قال: «إنّ نبيّا من الأنبياء غزا بأصحابه، فلقي، العدوّ عند غيبوبة الشّمس، فقال لهم: إنّها مأمورة وإنّي مأمور حتّى يقضى بيني وبينهم. فحبسها الله تعالى عليه، ففتح عليه، فغنموا الغنائم».
قال أبو جعفر الطّحاويّ: وكلّ هذه الأحاديث من علامات النبوّة. وقد حكى عليّ بن
____________________
(1) مشكل الآثار للطحاويّ 2: 8 - 9، و 4: 388 - 389.
(2) فحبس الشّمس زيادة في الإعجاز وإثبات النبوّة.
عبد الرّحمن بن المغيرة، عن أحمد بن صالح أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء الّذي روي لنا عنه؛ لأنه من أجل علامات النبوّة. قال الطّحاويّ: وهذا كما قال ن وفيه لمن كان دعا رسول الله صلىاللهعليهوآله الله عز وجل - اي لعلي عليهالسلام - بما دعا به له حتى يكون له ذلك المقدار الجليل والرتبة الرفيعة ح لأن ذلك كان من رسول الله ليصلي صلاته تلك التي احتبس نفسه على رسول الله حتى غربت الشمس في وقتها على غير فوت منها إيّاه، وفي ذلك ما قد دلّ على التغليظ في فوات العصر. ومن ذلك ما روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآله ، قال: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»، فوقى الله عزّ وجلّ عليّا ذلك لطاعته لرسول الله صلىاللهعليهوآله . (1)
وذكره القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي من مختصر الباجي المالكي المتوفّى سنة 474. (2)
نور الدّين الحلبي الشّافعيّ. ذكره في السيرة الحلبية 1: 413، قال: وأما عود الشمس بعد غروبها فقد وقع له صلىاللهعليهوآله في خيبر (ثمّ ذكر حديث أسماء). وقال: قال بعضهم: لا ينبغي لمن سبيله العلم أن يتخلّف عن حفظ هذا الحديث؛ لأنّه من أجلّ أعلام النّبوّة، وهو حديث متّصل وقد ذكر في «الإمتاع» أنّه جاء عن أسماء من خمسة طرق وذكرها، وبه يرد ما تقدّم عن ابن كثير بأنّه تفرّدت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها. وبه يردّ على بن الجوزيّ حيث قال: إنّه حديث موضوع.
الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفى سنة 458 رواه في الدلائل، كما في فيض القدير 5: 440 للمناويّ.
ابو العباس القسطلانيّ، ذكره في المواهب اللّدنيّة 1: 358 من طريق الطحاوي، والقاضي عياض، وابن منده، وابن شاهين... من حديث أبي هريرة.
شهاب الدّين الخفاجي الحنفيّ المتوفّى سنة 1069، له كلام أبطل به حجج ابن الجوزيّ وابن تيميّة الواهية، وجلا اللّبس عن حديث ردّ الشّمس قال: «ورواه الطبرانيّ
____________________
(1) مشكل الآثار 2: 9 - 12.
(2) المعتصر من المختصر: القاضي أبو المحاسن 1: 9. وذكر فيه خلاصة كلام الطّحاويّ.
بأسانيد مختلفة، رجال أكثرها ثقات. وقد اعتر عليه ت أي على الحديث - بعض الشراح، وقال: «إنّه موضوع ورجاله مطعون فيهم، كذّابون ووضّاعون». ولم يدر أن الحق خلافه، والذي غرّه كلام ابن الجوزي، ولم يقف على أنّ كتابه أكثره مردود. وقد قال خاتمة الحفّاظ السيوطيّ وكذا السخاويّ: إنّ ابن الجوزيّ في موضوعاته تحامل تحاملا كثيرا حتى أدرج فيه كثيرا من الأحاديث الصحيحة، كما أشار إليه ابن الصّلاح.
وهذا الحديث صحّحه المصنّف رحمه الله، أشار إلى أنّ تعدّد طرقه شاهد صدق على صحّته وقد صحّحه قبله كثير من الأئمّة كالطحاويّ، وأخرجه ابن شاهين، وابن منده، وابن مردويه، والطّبرانيّ في معجمه وقال: إنّه حسن، وحكاه العراقيّ في «التقريب» فقال: وإنكار ابن الجوزيّ فائدة ردّها - أي ردّ الشمس - مع القضاء لا وجه لا، فإنها فاتته بعذر مانع عن لأداء، وهو عدم تشويشه على الضبيّ صلىاللهعليهوآله . وهذه فضيلة أيّ فضيلة. فلمّا عادت الشّمس حاز فضيلة الأداء أيضا. وقد صنّف السيوطي في هذا الحديث رسالة مستقلة سماها «كشف اللّبس عن حديث ردّ الشّمس». وسبق بمثله لأبي الحسن الفضليّ، أورد طرقه بأسانيد كثيرة وصحّحه بما لا مزيد عليه، ونازع ابن الجوزيّ في بعض من طعن فيه من رجاله.
وفي قول الطّحاويّ 0 لأنّه من علامات النبوّة» قال: وهذا مؤيّد لصحّته؛ فإنّ أحمد - أي أحمد بن صالح المصريّ - هذا من كبار أئمّة الحديث الثّقات. ويكفي في توثيقه أنّ البخاريّ روى عنه في صحيحه، فلا يلتفت إلى من ضعّفه وطعن في روايته. (1)
ابن حجر الهيتميّ المتوفّى سنة 974. ذكره في الصواعق المحرقة ص 76 وقال: وحديث ردّها صححّه الطحاوي والقاضي في «الشفاء»، وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة، وتبعه غيره. وردّوا على جمع قالوا إنّه موضوع. وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردّها - وهو ما زعمه ابن الجوزيّ - في محلّ المنع، بل نقول: كما إنّ ردّها خصوصيّة كذلك إدراك العصر الآن - أي بعد ردّ الشّمس - أداءً خصوصيّة وكرامة. ثمّ ذكر قصّة الواعظ أبي المنصور العباديّ.
____________________
(1) شرح الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 11 - 15.
وفي شرح همزية البوصيري، في حديث شق القمر، قال: ويناسب هذه المعجزة ردّ الشّمس له صلىاللهعليهوآله ، بعد ما غابت حقيقة لما نام صلىاللهعليهوآله ، فردّت ليصلّي عليّ العصر أداء، كرامة له صلىاللهعليهوآله . هذا الحديث اختلف في صحّته جماعة، بل جزم بعضهم بوضعه، وصحّحه آخرون، وهو الحقّ.
الملاّ علي القارئ، المتوفّى سنة 1014. ذكره في المرقاة، شرح المشكاة 4: 287.
العينيّ الحنفّي، المتوفّى سنة 855، في عمة القاري شرح صحيح البخاري 7: 146، قال: وقد وقع ذلك ايضا للإمام عليّ رضى الله عنه، أخرجه الحاكم عن أسماء بت عميس، وذكره الطحاوي في مشكل الآثار. قال: وهو حديث متّصل، ورواته ثقات. وإعلال ابن الجوزي هذا لاحديث لا يلتفت إليه.
الحافظ ابن عساكر، المتوفّى سنة 573، في تاريخ دمشق - ترجمة الإمام عليّ عليهالسلام 2: 283 - 285 حديث رقم 807، وص 292 حديث رقم 808.
نور الدّين السّمهوديّ الشافعي، المتوفّى سنة 911، في وفاء الوفاء 2: 33، روى الحديث من طريق القاضي عياض، بعين ما في مشكل الآثار.
محمّد بن عليّ الشّوكانيّ في الفوائد المجموعة، طبعة مصطفى الباب الحلبيّ ص 118. قال: رواه الطحاويّ في مشكل الحديث من طريقين ن وقال: هما ثابتان، رواتهما ثقات. وقد رواه الطّبرانيّ وقد ذكر له صاحب اللآلي - يعني السيوطيّ - طرقا وألّف في ذلك جزءاً، قال: وله جزء في غثباته سمّاه: كشف اللّبس في حديث ردّ الشّمس، والسخاويّ، والشاميّ وله مزيل اللّبس عن حديث ردّ الشّمس، والقسطلانيّ، وابن الرّبيع، وابن العراق، وابن حجر المكّيّ، والقاري ن والخفاجيّ والتلمسانيّ والدلجيّ والحلبيّ والقشاشيّ، والشبراطيّ والكروريّ.
محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ، المتوفّى سنة 748، في ميزان الاعتدال ج 2 ص 244 طبعة القاهرة، ذكر الحديث الأوّل الذي في مشكل الآثار سنداً ومتناً.
نور الدّين عليّ بن أبي بكر الهيتميّ، المتوفّى سنة 807، في مجمع الزوائد 8: 297 مطبعة مكتبة القدسيّ بالقاهرة، ذكر فيه الحديث الثاني الذي في مشكل الآثار، ثمّ روى
حديثاً آخر عن أسماء أيضاً.
محبّ الدّين الطبريّ، المتوفّى سنة 694 ذكره في الرّياض النضرة 2: 179 طبعة محمد أمين الخانجيّ - مصر. ذكر حديث أسماء بنت عميس بروايتين.
القاضي عياض اليحصبيّ المتوفّى سنة 544، في الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص 240. ذكره من طريق الطحاويّ بسنديه المذكورين في مشكل الآثار.
أبو هريرة روى حديثه في ردّ الشمس لعليّ عليهالسلام جمع من الحفّاظ نعرضهم عند ذكر نصّ الحديث.
أحمد بن زيني دحلان الشّافعي مفتي مكة المكرّمة، روى حديث أسماء عن مشكل الآثار في السيرة النبويّة المطبوع بهامش السيرة الحلبيّة 3: 126.
وممّن روى الحديث: أمّ سلمة، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبو سعيد الخدريّ رضوان الله عليهم. انظر ينابيع المودّة ص 138.
فاطمة بنت عليّ عليهالسلام ، عن أسماء بنت عميس. انظر فرائد السّمطين لإبراهيم بن محمد الحمّوئيّ الجوينيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 730، ج 1 ص 183، الباب السّابع والثلاثون حديث 146».
الحسين بن عليّ عليهماالسلام انظر ينابيع المودّة ص 138.
الحافظ عبيد الله بن عبد الله الحسكانيّ الحنفيّ. له رسالة مسألة في تصحيح ردّ الشّمس وترغيم النّواصب الشّمس. ذكر بعضاً منها ابن كثير في البداية والنهاية ج 6: 80، والذهبيّ في التذكرة 3: 368.
محمد مؤمن الشبلنجي في نور الأبصار ص 28، وعدّ ذلك من معجزات النبيّ صلىاللهعليهوآله .
تعقيب
إذا كان رواة حديث ردّ الشّمس لعليّ عليهالسلام كلّهم روافض، سواء أزواج النبيّ صلىاللهعليهوآله ، أو الصّحابيّات المبايعات من ذوات الهجرتين، أو أصحاب الفضل من صحابة رسول الله صلىاللهعليهوآله ؛ أو أهل البيت عليهمالسلام ، أو أصحاب السيرة والتاريخ، أو المحدّثون من أصحاب السّنن
والمفسّرين المالكيّ منهم أو الحنفيّ والشّافعيّ والحنبليّ - إذا كان كلّ أولئك روافض يجوّزون الكذب، وقد افتروا على الله الكذب في ترويجهم هذا الحديث وحملوا بشدّة على من كذّبه ورفضه، بل وجعلوه من علامات النبوّة... فبعد كلّ هذا لا نجد بأسا أن يقال لنا روافض! بل ونعم النّعت ذلك! وبعد: فمن هو أولى بمورد الإدانة: هذا الجمهور الواسع من المسلمين، أم ابن قيّم الجوزيّة؟! وإذا كان الّذين تيّسر لنا لاوقوف علىتصريحاتهم في الحديث المذكور ليس فيهم مغمز ولا يصحّ القول في أحدهم إنّه من أهل التشيّع والرفض فما بال الشّيعة يرمون بالكذب وكأنّه المبدأ الّذي يقيمون عليه مذهبهم؟!
وهو بهذا تعمّد الكذب وبهت المؤمنين. والشّيعة تعدّ الكذب والبهتان من الكبائر، كما هو مقرّر في كتبهم الفقهيّة.
كما إنّه تعمّد الكذب بقوله في حديث ردّ الشّمس: «ولا يعرفه إلاّ أسماء بنت (1) عميس»! ولقد وجدنا للحديث طرقا كثيرة من غير أسماء، منها عن أمير المؤمنين عليهالسلام .
( سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ) (2) .
____________________
(1) لو افترضنا صدق قوله هذا، فما هو العيب في أسماء هذه حتّى يردّ روايتها ابن القيّم؟ ذكر أبو نعيم في ترجمة أسماء بنت عميس في حلية الأولياء ج 2: 74، قال: أسماء بنت عميس مهاجرة الهجرتين، ومصلّية القبلتين، أليفة النّجائب، وكريمة الحبائب. عقد عليها جعفر الطيّار، وخلف عليها بعده الصدّيق سابق الأخيار، ومات عنها الوصيّ عليّ سيّد الأبرار. وكانت تعرف بالبحريّة الحبشيّة؛ لأنّها هاجرت إلى الحبشة وعادت منها مع المهاجرين إليها بطريق البحر. ولما عادت من الحبشة قال لها عمر: هذه الحبشيّة البحريّة؟ قالت أسماء: نعم، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله صلىاللهعليهوآله ، فغضبت «وأسمعته كلاماً»، ثمّ قالت: وأيم الله لا أطعم طعاما ولا اشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت لرسول الله صلىاللهعليهوآله . فلمّا جاء النبيّ أخبرته، فقال: «ليس بأحقّ بي منكم، له هجرة واحدة، ولكم أنتم يا أهل السّفينة هجرتان».
وأسماء بنت عميس أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وأخت لبابة أمّ الفضل زوجة العبّاس بن عبد المطّلب. ذكر ابن عبد البرّ في الاستيعاب 4: 236 وابن حجر في الاصابة 4: 231 فيمن روى عن أسماء بنت عميس، قالا: عمر بن الخطّاب، وأبو موسى الأشعريّ، وعروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب، وعبد الله بن عبّاس، وابنها عبد الله بن جعفر، وحفيدها القاسم بن محمّد، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد....
(2) هود / 93.
لفظ الحديث
عند التحقيق في حديث ردّ الشّمس لعليّ عليهالسلام ، وجدنا أنّه يرد من غير أسماء بنت عميس أيضاً وإنّ ردّ الشّمس له عليهالسلام قد حدث مرّتين: في حياة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأخرى بعد وفاته صلىاللهعليهوآله .
حديث أسماء بنت عميس
حفلت المصادر الموثّقة الّتي هي موضع الاعتماد والتحقيق بذكر حديث أسماء، وهذا الذي أغاظ أولئك النفر الشاذّ على إنكاره.
ذكر السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 137 قال: أخرج ابن منده وابن شاهين والطّبرانيّ بأسانيد بعضها على شرط الصحيح، عن أسماء بنت عميس، قالت: كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يوحى إليه وراسه في حجر عليّ، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «اللّهمّ إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشّمس». قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثمّ رأيتها طلعت بعد ما غربت. وفي لفظ للطبرانيّ: فطلعت عليه الشّمس حتّى وقفت على الجبال وعلى الأرض، وقام عليّ فتوضأ وصلّى العصر، ثمّ غابت. وذلك بالصّهباء، منزل بين المدينة وخيبر.
وذكره سبط ابن الجوزيّ بلفظ مقارب في تذكرة الخواصّ ص 53، والطحاويّ أبو جعفر أحمد بن محمّد في «مشكل الآثار 2: 8 و 4: 388، عن أسماء مع مغايرة وإضافة. قالت: كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ، فلم يصلّ العصر حتّى غربت الشّمس، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآله : صلّيت يا عليّ؟ فقال: لا، فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : اللّهمّ إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشّمس، قالت أسماء: فرأيتها قد غربت ثمّ رأيتها قد طلعت بعد ما غربت.
رواه ابن عساكر بنفس اللّفظ، عن أسماء بنت عميس، في تاريخه «حديث 807»، وكذلك ابن المغازليّ في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ص 96 حديث 140، والقاضي عياض في الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص 240، والگنجيّ الشّافعيّ في
كفاية الطالب ص 388، والعيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري 7: 146، وابن حجر العسقلاني في الصواعق المحرقةص 76، وفتح الباري 6: 186. وأخرجه محب الدين الطبري في الرياض النضرة 2: 179 عن أسماء، ولفظه: كان رأس رسول الله صلىاللهعليهوآله في حجر علي، فكره أن يتحرك حتى غابت الشمس فلم يصل العصر، ففرغ النبي، وذكر له علي أنه لم يصل العصر، فدعا رسول الله صلىاللهعليهوآله الله عزّ وجلّ أن يردّ الشّمس عليه، فأقبلت الشّمس لها خوار حتّى ارتفعت قدر ما كانت في وقت العصر؛ فصلّى ثمّ رجعت.
وخرّج عنها أيضاً: أن عليّ بن أبي طالب دفع إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله وقد أوحي إليه أن يجلّله بثوب، فلم يزل كذلك إلى أن أدبرت الشّمس. قال: غابت أو كادت تغيب، ثمّ إنّ النبيّ سرّي عنه، فقال: أصلّيت يا عليّ؟ قال: لا. قال النبيّ: اللّهمّ ردّ الشّمس على عليّ. فرجعت حتّى بلغت نصف المسجد». وبسنده احمد بن صالح المصريّ، عن أمّ جعفر، عن أسماء بنت عميس أن النبيّ صلىاللهعليهوآله صلّى الظهر بالصّهباء، ثمّ أرسل علياً في حاجة، فرجع وقد صلّى النبيّ العصر، فوضع النبيّ راسه في حجر عليّ فلم يحرّكه حتّى غابت الشّمس، فقال النبيّ: اللّهمّ إنّ عبدك عليّاً احتبس بنفسه على نبيّك فردّ عليه شرقها. قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، ثم قام فتوضّأ وصلّى العصر، ثمّ غابت وذلك في الصهباء. مشكل الآثار 4: 388.
وذكره القندوزيّ الحنفيّ في ينابيع المودة ص 138، وقال: هذان الحديثان - أي شقّ القمر وردّ الشّمس - ثابتان، رواتهما ثقات. وذكره الخوارزميّ في مناقبه ص 307.
وذكر القندوزيّ في ينابيع المودّة 138، جماعة من الصحابة ممّن روى الحديث فيهم أسماء، فقال: قال جماعة من الصحابة منهم أمّ سلمة وأسماء بنت عميس وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدريّ: إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله كان في منزل فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فخذ عليّ، فلم يرفع رأسه حتّى غابت الشّمس، وصلّى عليّ صلاة العصر بالإيماء. فلمّا أفاق صلىاللهعليهوآله قال: «اللهمّ اردد الشّمس لعليّ»، فردّت حتّى صارت في السّماء وقت العصر، فصلّى عليّ العصر ثمّ غربت، فأنشأ حسّان بن ثابت:
يا قوم من مثل عليّ وقد |
ردّت عليه الشّمس من غائب |
أخو رسول الله وصهره |
والأخ لا يعدل بالصّاحب |
وذكره أحمد زيني دحلان الشّافعيّ في هامش السّيرة الحلبيّة ج 3: 126 على نحو ما في مشكل الآثار، وزاد فيه: ووقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصّهباء في خيبر.
وقال: في المواهب في حديث ردّ الشمس: قد صحّحه الطحاويّ والقاضي عياض. قال الزرقانيّ: وناهيك بهما. وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها بإسناد حسن، ورواه ابن مردويه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن أيضا. ورواه الطّبرانيّ في معجمه الكبير بإسناد حسن، كما حكاه شيخ الإسلام قاضي القضاة.
وفي ص 127: ورواه الطّبرانيّ أيضاً عن أسماء رضي الله عنها بلفظ آخر، قالت: اشتغل عليّ مع رسول الله صلىاللهعليهوآله في قسمة الغنائم يوم خيبر حتّى غابت الشمس، فقال صلىاللهعليهوآله : يا عليّ أصلّيت العصر؟ قال: لا يا رسول الله، فتوضّأ وجلس في المجلس، فتكلّم بكلمتين أو ثلاثة، فارتجعت الشّمس كهيئتها في العصر، فقام عليّ فتوضّأ وصلّى العصر، ثمّ تكلّم صلىاللهعليهوآله بمثل ما تكلّم به قبل ذلك، فرجعت الشّمس إلى مغربها، فسمعت لها صريراً كالمنشار في الخشبة، وطلعت الكواكب.
وطويلة هي قائمة أسماء الثّقات ممّن روى حديث أسماء بنت عيمس، وأسماء موثّقة بذاتها، فماذا بعد ذلك إلاّ الإخبات للحقّ وتصديق الصدق؟
حديث أبي هريرة
ولم يكن الأمر كما زعم ابن القيم من أن حديث ردّ الشّمس لا يعرفه إلا أسماء بنت عميس، فللحديث طرق أخرى ورواة آخرون، منهم: أبو هريرة. ذكر السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 137 قال: وأخرج ابن مردويه، عن ابي هريرة، قال: نام رسول الله صلىاللهعليهوآله ورأسه في حجر عليّ، ولم يكن صلّى العصر حتّى غربت الشّمس. فلمّا قام النبيّ صلىاللهعليهوآله دعا له، فردّت عليه الشّمس حتّى صلّى، ثمّ غابت ثانية. ورواه السخاويّ في المقاصد الحسنة ص 226، وذكره الحسكانيّ في رسالة ردّ الشّمس، حديث 9.
حديث جابر
وقد ذكر الحديث الصحابيّ الجليل جابر بن عبد الله الأنصاريّ؛ ففي الخصائص الكبرى 2: 137، قال: وأخرج الطّبرانيّ بسند حسن، عن جابر: أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله أمر الشّمس فتأخّرت ساعةً من نهار. وذكره الهيتميّ في مجمع الزوائد ج 8: 296، وقال: رواه الطّبرانيّ في الأوسط، وإسناده حسن.
حديث أبي رافع
وبسندٍ عن أبي رافع قال: رقد رسول الله صلىاللهعليهوآله على فخذ عليّ وحضرت صلاة العصر، ولم يكن عليّ صلّى، وكره أن يوقظ النبيّ، حتّى غابت الشّمس. فلمّا استيقظ، قال: ما صلّيت أبا الحسن؟ قال: لا يا رسول الله. فدعا النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فردّت الشّمس على عليّكما غابت، حتّى رجعت لصلاة العصر في الوقت، فقام عليّ فصلّى العصر، فلمّا قضى صلاة العصر غابت الشّمس، فإذا النّجوم مشتبكة.
أخرجه ابن المغازليّ الشافعيّ في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب ص 98 حديث 141. وسلف أن ذكرنا حديث الصحابيّ عامر بن واثلة، وحديث الصحابيّ ابن عبّاس.
وعن عمرو بن ثابت، قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب عن حديث ردّ الشّمس على عليّ بن ابي طالب: هل ثبت عندكم؟ فقال لي: ما أنزل الله في عليّ في كتابه أعظم من ردّ الشّمس! قلت: صدقت، جعلني الله فداك. ولكنّي أحبّ أن أسمعه منك، فحدّثه. (رسالة ردّ الشّمس للحسكانيّ، حديث 8).
ردّ الشّمس لأمير المؤمنين مرّتين
ثبت بالبرهان الجليّ أنّ الشّمس قد ردّت لأمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ، وأنّ ذلك حصل في موضعين وزمانين ن وبهقال ابن عبّاس لما سئل عن أمير المؤمنين، فقال: «وردّت عليه الشّمس مرّتين» الحديث.
وفي «كتاب الفضائل، لأبي الفضل شاذان بن جبرائيل، المتوفّى سنة 660 هـ، صفحة
88 - 69، خبر ردّ الشّمس لأمير المؤمنين عليهالسلام . قال: وهو مشهور عند جميع الرّواة، قالوا: إنّه لما رجع أمير المؤمنين من قتال أهل النّهروان - الخروارج - أخذ عليّ النّهروانات وأعمال العراق، ولم يكن يومئذ بني بيت ببغداد، فلمّا وافى ناحية براثا صلّى بالنّاس الظّهر، فرحلوا ودخل أرض بابل وقد وجبت صلاة العصر، فصاح النّاس: يا أمير المؤمنين هذا وقت العصر، فقال امير المؤمنين: هذه أرض مخسوف بها، وقد خسف بها ثلاث مرّات ويخشى عليها تمام الرّابعة فلا يحلّ لنبي ولا لوصي أن يصلي بها، فمن أراد منكم أن يصلّي فليصل. فقال المنافقون منهم: نعم! هو لا يصلّي ويقتل من يصلّي! يعنون بذلك أهل النّهروان. قال جويريّة (1) بن مهران العبديّ: فتبعته في مائة فارس، وقلت: والله لا اُصلّي أو يصلّي هو وإلا قلّدته صلاتي اليوم. فقال امير المؤمنين: ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (2) . فسارع إلى أن قطع أرض بابل وقد تدلّت الشّمس للغروب ثم غابت واحمر الافق، قال: فالتفت إلي وقال: يا جويرية: هات الماء. قال: فقدمت إليه الإناء فتوضّأ، ثم قال: أذن يا جويرية. فقلت: يا أمير المؤمنين! ما وجب وقت العشاء بعد. قال عليهالسلام : قم وأذّن للعصر، فقلت في نفسي: كيف يقول أذّن للعصر وقد غربت الشمس؟! ولكن عليّ الطّاعة. فأذّنت، فقال لي: أقم، ففعلت. فبينما أنا في الإقامة إذ تحركت شفتاه بكلام كأنّه منطق خطاطيف لا يفقه، فرجعت الشّمس بصرير عظيم، حتّى وقفت في مركزها من العصر. فقام عليهالسلام وكبّر وصلّى وصلّينا وراءه ن فلمّا فرغ من صلاته وقعت الشّمس كأنّها في وسط ماء وغابت، واشتبكت النّجوم وأزهرت. فالتفت إليّ وقال: أذّ الآن للعشاء، يا ضعيف اليقين! (3)
____________________
(1) في كتاب خصائص امير المؤمنين، للشريف الرضيّ ص 24: جويرة من غير ياء بين الرّاء والتاء. وفي رجال ابن داود ص 93: جويريّة بن مسهر العبديّ، ممدوح. وفي رجال البرقيّ ص 5: من خواصّ أصحاب امير المؤمنين عليهالسلام ؛ من ربيعة: جويرية بن مسهر العبديّ، شهد مع امير المؤمنين. وذكره الطوسيّ في أصحاب أمير المؤمنين عليهالسلام ، وقال: شهد معه. (رجال الطوسي 37 / 4). وذكره له الكشي حديثاً في حبّ وبغض آل محمّد صلىاللهعليهوآله . (اختيار معرفة الرجال 106 / 169).
(2) فصلّت / 40.
(3) ذكر الخبر الشريف الرضيّ في كتابه خصائص أمير المؤمنين عليهالسلام : 24 - 25، مع اختلاف في بعض =
قال: وردّت له عليهالسلام في حياة النبيّ صلىاللهعليهوآله بمكّة، وقد كان النبيّ قد غشيه الوحي، فوضع رأسه في حجر امير المؤمنين، وحضر وقت العصر فلم يبرح من مكانه وموضعه حتّى غربت الشّمس فاستيقط النّبيّ، وقال: «اللّهمّ إنّ عليّاً كان في طاعتك فردّ عليه الشّمس ليصلّي العصر» فردّها الله عليه بيضاء نقيّة، حتّى صلّى ثمّ غابت. وقال السيّد الحميريّ في ذلك قصيدته المعروفة بالمذهّبة، ومنها:
ردّت عليه الشّمس لما فاته |
وقت الصلّاة، وقد دنت للمغرب |
|
حتّى تبلّج نورها في وقتها |
للعصر ثمّ هوت هويّ الكوكب |
|
وعليه قد حبست (1) ببابل مرّةً |
أخرى، وما حبست لخلقٍ معرب |
|
إلاّ ليوشع أو له، (2) ولحبسها |
ولردّها تأويل أمر معجب |
( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ ) آل عمران: 119.
____________________
= العبارات، قال: خبر ردّ الشّمس وإن كان من الأخبار المشهورة، روى محمّد بن الحسين، عن أحمد بن عبد الله، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير بن عبد الواحد بن المختار الأنصاريّ، عن أبي المقدام الثقفيّ، قال قال جويرة بن مسهر: قطعنا مع أمير المؤمنين عليهالسلام جسر الصراة في وقت صلاة العصر فقال: إنّ هذه أرض معذّبة لا ينبغي لنبيّ ولا وصي أن يصلّي فيها، فمن أراد منكم أن يصلّي فليصلّ. قال: فتفرّق النّاس يمنة ويسرة، وقلت أنا: لأقلدنّ هذا الرّجل ديني ولا أصلّي حتّى يصلّي. قال: فسرنا وجعلت الشّمس تنتقل، وجعل يدخلني من ذلك أمر عظيم، حتّى وجبت الشّمس وقطعت الأرض. قال: فقال: يا جويرة أذّن، فقلت: تقول لي أذّن وقد غابت الشّمس؟! قال: فأذّنت. ثمّ قال لي: أقم، فأقمت. فلمّا قلت: قد قامت الصّلاة رايت شفتيه تتحرّكان، وسمعت كلاما كأنّه كلام العبرانيّة. قال: الشّمس حتّى صارت في مثل وقتها في العصر، فصلّى. فلمّا انصرف هوت إلى مكانها واشتبكت النّجوم. قال: فقلت أنا: أشهد أنّك وصيّ رسول الله صلىاللهعليهوآله . فقال: يا جويرة أما سمعت الله يقول: ( فَسَبّحْ بِاسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ ) ؟ [الواقعة / 96] فقلت: بلى، فقال: إنّي سألت ربّي باسمه العظيم، فردّها عليّ.
(1) في ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق 2: 301: ردّت...، وما ردّت لخلق المغرب.
(2) في المصدر المذكور:
إلاّ ليوشع وله من بعدها |
وبردّها تأويل أمر معجب |
نقد سند الحديث:
إنّ الآفة في تكذيب حديث ردّ الشّمس: أبو الفرج ابن الجوزيّ ومنه سرت إلى ابن تيمية فتبعه حذو القذّ بالقذّة، قال ابن تيمية: وحديث ردّ الشّمس قد ذكره طائفةٌ كالطحاويّ، والقاضي عياض وغيرها.
وعدوّا ذلك من معجزات النبيّ، ولكن المحقّقون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أنّ هذا الحديث كذب موضوع كما ذكره ابن الجوزيّ في:
«الموضوعات». فرواه من عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس، قالت: - ثمّ ذكر الحديث -.
قال: قال أبو الفرج: هذا الحديث موضوع بلا شكّ.
قال أبو الفرج: وفضيل بن مرزوق ضعّفه يحيى، وقال أبو حاتم بن حبّان: يروي الموضوعات ويخطئ على الثّقات. قال: وهذا الحديث مداره على عبيد الله بن موسى، عنه. وقال: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين: حدّثنا عبد الرحمن بن شريك، حدّثني أبي، عن عروة، عن عبيد الله بن قيس قال: دخلت على فاطمة بنت عليّ فحدّثتني أنّ عليّ ابن أبي طالب، وذكر حديث رجوع الشّمس.
قال أبو الفرج: وهذا حديث باطل. أما حديث عبد الرحمن بن شريك فقال أبو حاتم هو واهي الحديث. قال: وأنا لا أتّهم بهذا الحديث إلاّ ابن عقدة، فإنّه كان رافضيّاً يحدّث بمثالب الصّحابة. (1)
قال أبو الفرج: وقد رواه ابن مردويه، من حديث: داود بن فراهيج، عن أبي هريرة. قال: وداود ضعيف ضعّفه شعبة. فليس في هؤلاء من يحتجّ به. (2)
قال: وأمّا الثاني: ببابل، فلا ريب أنّ هذا كذب، وإنشاد الحميريّ لا حجّة فيه لأنّه لم يشهد ذلك. (3)
____________________
(1) منهاج السّنة: ابن تيمية 4: 186.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر 187.
قال: وأما إسناد الثاني فمداره على فضيل بن مرزوق، وهو معروف بالخطأ على الثّقات وإن كان لا يتعمّد الكذب. قال فيه يحيى بن معين مرّة. هو ضعيف، وهذا لا يناقضه قول أحمد بن حنبل فيه: لا أعلم إلا خيرا. وقول سفيان: هو ثقة. ويحيى مرّة - اُخرى -: هو ثقة، فإنّه ليس ممّن يتعمّد الكذب ولكنّه يخطئ؛ وإذا روى له مسلم، ما تابعه غيره عليه، لم يلزم أن يروى ما انفرد به!
قال: وروى من طريق أبي العبّاس بن عقدة، وكان مع حفظه جماعا لأكاذيب الشّيعة!
قال: قال ابن عقدة: حدّثنا يحيى بن زكريّا، أخبرنا يعقوب بن معبد، حدّثنا عمرو بن ثابت، قال: سألت عبد الله بن حسن بن حسن بن علي عن حديث رد الشمس إلى علي...، فذكر حديث أسماء بنت عميس. (1)
قال: وهذا الحديث إن كان ثابتا عن عمرو بن ثابت، فهو الذي اختلقه، فإنّه كان معروفا بالكذب. (2) قال أبو حاتم بن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال يحيى ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ليس بثقة ولا مأمون. وقال النّسائيّ: متروك الحديث. (3)
قال: وأمّا رواية أبي هريرة: اسناده مظلم... بل يعرف كذبه من وجوه فإنّه وإن كان داود بن عبد الملك النّوفليّ، وهو الذي رواه، قال البخاريّ: احاديثه شبه لا شيء. وذكر ابن الجوزيّ أنّ ابن مردويه رواه من طريق داود بن فراهيج، وذكر ضعف ابن فراهيج. (4)
قال: وأمّا رواية جويرية بنت مسهر... وبمثل هذا الإسناد عن هذه المرأة، ولا يعرف حال هذه المرأة!! (5)
قال: وقد حكى أبو جعفر الطحاويّ، عن عليّ بن عبد الرحمن، عن أحمد بن صالح المصريّ: أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء
____________________
(1) منهاج السنّة 4: 192.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر 4: 192 - 193.
(4) نفس المصدر 193.
(5) نفس المصدر 4: 194.
بنت عميس من ردّ الشمس الأنه من علامات النبوة. قلت - ابن تيمية -: أحمد بن صالح رواه من الطريق الأوّل ولم يجمع طرقه وألفاظه الّتي تدلّ من وجوه كثيرة على أنذه كذب. وتلك الطريق راويها مجهول عنده. والطحاوي ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم! فإنه لم تكن معرفته بالأسناد كمعرفة أهل العلم به، وإن كان كثير الحديث عالما. (1)
وجواب ذلك: أنّ حديث أسماء، يرد من أكثر من طريق ليس فيها فضيل بن مرزوق، ولا عبيد الله بن موسى. والحديث يرد عن غير أسماء فهو يرد عن ابن عبّاس، وأبي هريرة، وجابر، وأبي رافع، وكلّها ناهضة بصحّة الحديث معضّدة له.
ورفض ابن القيّم، وابن تيمية الحديث إنما مداره على أبي الفرج. إذ لم أجد في أهل العلم من كذّب الحديث ووهّنه غير هذا الرجل. وبين وفاة ابن تيمية ووفاة الجوزيّ (131 سنة). وبين وفاة ابن الجوزيّ ووفاة عبيد الله بن موسى (384 سنة). وبينه وبين وفاة فضيل بن مرزوق (437 سنة). فهما أقرب عهدا بالتّابعين وأتباعهم، وعاشا ومات في عصر ازدهار تدوين الحديث ونقده، وجرح الرّجال وتقويمهم فإنّ فضيل مات قبل سنة (170 هـ)، وعبيد الله مات سنة (213 هـ) والحكم عليهما لمن عاصرهما أو كان قريب عهد بذلك، فإن عدم حالهما، جاز للمتأخّر التفتيش. وقبل أن ننظر في حاليهما نذكر رجلا تشدّد على من توقّف وتخلّف عن حفظ حديث أسماء، ليس نكرة ولا مجهول الحال ذلك هو: أحمد بن صالح المصريّ، شيخ البخاريّ، والمتوفّى سنة (246 هـ)، وروى له البخاريّ في صحيحه، وسنقف على كلامه.
ترجمة عبيد الله بن موسى:
عبيد الله بن موسى بن أبي المختار، با ذام، أبو محمّد العبسيّ، مولاهم الكوفيّ الحافظ المقرئ. (2)
____________________
(1) منهاج السنّة 4: 194.
(2) طبقات ابن سعد 6: 400، 6: 368 / 2748؛ التاريخ لابن معين - برواية الدّوريّ - 1: 309 / 2062، 1: 381 / 258، طبقات خليفة 292 / 1321؛ تاريخ خليفة: 54؛ التاريخ الكبير للبخاريّ 5: 401؛ المعارف 519، 532، 624؛ المعرفة والتاريخ 1: 198؛ تاريخ الثّقات للعجليّ 319 / 1070؛ الكامل لابن عديّ 327؛ =
ولد بعد العشرين ومائة، وتوفّي بالكوفة في آخر شوّال سنة ثلاث عشرة ومائتين في خلافة المأمون.
روى عن: الأعمش، وهشام بن عروة والأوزاعيّ، وغسماعيل بن أبي خالد، ومحمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأسامة بن زيد اللّيثي....
روى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبوبكر بن أبي شيبة، وابن راهويه، وعبّاس الدّوري، والدّارميّ، ويعقوب بن سفيان الفسويّ وقد أكثر في الرّواية عنه، وابن نمير، والحارث بن اسامة، ومحمّد بن سليمان الباغنديّ.
أقوال العلماء فيه:
ابن سعد: عبيد الله بن موسى ثقة صدوق حسن الهيئة، وكان يتشيّع ويروي أحاديث في التشيّع فضعّف بذلك عند كثير من النّاس. وكان صاحب قرآن. (1)
يحيى بن معين: عبيد الله بن موسى ثقة. (2) سمعت جامع سفيان - الثوريّ - من عبيد الله بن موسى قرأه عليّ من صحيفته. (3) وقد ذكره في مواضع كثيرة من كتابه «التاريخ» بجزءيه، في من روى عنه، أو من روى عنه عبيد الله بن موسى، ولم يضعّفه في أيّ مورد.
الحافظ العجلي: عبيد الله بن موسى العبسيّ، يكنّى أبا محمّد: صدوق، وكان يتشيّع، وكان صاحب قرآن رأسا فيه، شجيّ القراءة. ما رأيت عبيد الله رافعا بصره إلى السماء، وما رؤي ضاحكاً. (4)
الحافظ ابن حبّان: ذكره في الثّقات من أهل الكوفة. قال: مات سنة ثنتي عشرة أو ثلاث
____________________
= تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 239 / 910؛ الجرح والتعديل للرازيّ 4: 1 / 496؛ الثّقات لابن حبّان 4: 92 / 2961؛ الكنى والأسماء للدولابيّ 2: 221 / 2504: الكاشف للذهبيّ 2: 234؛ رجال الطوسيّ 111 /311؛ تهذيب الكمال 7: 50.
(1) الطبقات الكبرى: ابن سعد 6: 368/ 2748.
(2) الجرح والتعديل للرازيّ 5: 334؛ تاريخ أسماء الثّقات لابن شاهين 239 / 910.
(3) تاريخ ابن معين 1: 381 / 2580.
(4) تاريخ الثّقات للعجليّ 319 / 1070.
عشرة ومائتين، وكان يتشيّع. (1)
الحافظ ابن شاهين: عبيد الله بن موسى: ثقة. (2)
خليفة بن خيّاط: ذكره في الطبقة التاسعة. يروي عن عمر بن صهبان الأسلميّ التابعيّ. (3) وحدّث عنه في تاريخه، عن غزوة الطّائف، عنه عن طلحة بن جبر عن المطّلب بن عبد الله عن مصعب بن عبد الرحمن عوف عن أبيه - (4) وكذلك عن مسعر عن عمرو بن مرّة عن الحارث بن جمهان الجعفيّ، عن صفة معركة الجمل. (5)
النّسائيّ: ولم يذكره النّسائيّ في كتابه: «الضّعفاء والمتروكين» ممّا يدلّ على حسن حاله عنده.
الطوسيّ: عدّه في أصحاب الصادق عليهالسلام . (6)
الدّولابيّ: ذكره في ترجمة أبيه أبي المختار موسى بن باذام، قال: وابنه عبيد الله بن موسى سم الثّوريّ. (7)
أبو حاتم الرّازيّ: قال ابن معين وغيره ك ثقة. (8)
قال أبو حاتم: ثقة صدوق. (9)
الذهبيّ: هو من كبار شيوخ البخاريّ. كان صاحب تعبّد وزهادة. (10)
ابن حجر: عبيد الله بنموسى بن باذام الكوفيّ: ثقة. (11)
____________________
(1) الثّقات لابن حبّان 4: 92 / 2961.
(2) تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 239 / 910.
(3) طبقات خليفة بن خيّاط: 292 / 1321.
(4) تاريخ خليفة: 54.
(5) نفس المصدر 143.
(6) رجال الطوسيّ 111 / 311.
(7) الكنى والأسماء للدّولابي 2: 221 / 2504.
(8) الجرح والتعديل للرازيّ 5 / 334.
(9) نفس المصدر 5: 335.
(10) تاريخ الإسلام 15: 283 / 285.
(11) تحرير تقريب التهذيب لابن حجر 2: 415 / 4345.
فالإجماع منعقد على توثيق عبيد الله بن موسى وتصديقه وحسن سيرته وعبادته، وهو بذلك أحرى أن يؤخذ عنه إذ صار مدار الحديث بزعم ابن الجوزيّ عليه، عن فضيل ابن مرزوق.
وحان أن ننظرفي سيرة الثاني وأقوال العلماء فيه:
فُضَيْل بن مَرْزُوق:
فُضَيْل بن مَرْزُوق الأغَر الرَّقاشيُّ، ويُقال: الرُّؤاسيُّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ مولى عنزة. (1)
روى عن: حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وسليمان الأعمش، وعديّ بن ثابت، وعطيّة العوفيّ، وأبي إسحاق السبيعيّ، ومحمّد بن سعيد صاحب عكرمة، وأبي عمر صاحب عكرمة.
روى عنه: عبيد الله بن موسى، وسفيان الثّوريّ، وعبد الله بن صالح العجليّ، وأبو أسامة حمّاد بن أسامة، ووكيع بن الجرّاح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ويزيد بن هارون، ويحيى بن آدم، وعليّ بن الجعد، وعبد الله بن المبارك، وأبو أحمد الزّبيريّ، ومحمّد بن يوسف الفريابيّ... توفي فضيل بن مرزوق سنة مائة وستّين.
أقوال العلماء فيه:
يحيى بن معين: فضيل بن مرزوق ثقة. (2) وحدّث عن وكيع عن فضيل عن عطيّة عن عائشة. (3) وروى له في غير هذا الموضع ممّا يعني وثاقته عنده.
____________________
(1) تاريخ يحيى بن معين 1: 200 / 1298 ومواضع اُخرى؛ تاريخ الثِّقات للعجليّ 384 / 1359؛ كتاب الثّقات لابن حبّان 4: 195 / 3778 ح المعرفة والتاريخ 3: 207، تاريخ البخاريّ الكبير 7 ترجم 547؛ الكامل لابن عدي 2: 338، تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين 263 / 1068؛ الجرح والتعديل 7 ترجمة 423، موضّح أوهام الجمع والتفريق للخطيب 2: 322؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 23: 305؛ الكاشف للذهبيّ 2: 486؛ تهذيب التهذيب 8: 298.
(2) تاريخ يحيى بن معين 1: 200 / 1298.
(3) تاريخ يحيى 226 / 1462.
ابن سعد: روى عنه حديث المنزلة، قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: فضيل بن مرزوق، عن عطيّة، حدّثني أبو سعيد... وذكر حديث المنزلة. (1)
وذكر خبر مقتل الزبير بن العوّام يوم الجمل. قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل بن مرزوق قال: حدّثني سفيان بن عقبة عن قرّة بن الحارث عن جون بن قتادة قال: كنت مع الزبير بن العوّام يوم الجمل وكاوا يسلّمون عليه بالإمرة،... الخبر. (2)
الفسويّ: قال يعقوب بن سفيان الفسويّ: فضيل بن مرزوق كوفيّ ثقة. (3)
العجليّ: فضيل بن مرزوق، جائز الحديث، ثقة، وكان فيه تشيّع، وهو كوفيّ. (4)
ابن حبّان: ذكره في الثّقات وقال: فضيلبن مرزوق الرؤاسيّ، كنيته أبو عبد الرحمن، من أهل الكوفة، يروي عن أبي إسحاق، و عطيّة. روى عنه عبد الله بن المبارك. كان ممّن - يخطئ. (5)
ابن شاهين: فضيل بن مرزوق: وثّقه يحيى مرّةً، وضعّفه اُخرى. (6)
سفيان الثّوريّ: قال المثنّى بن معاذ العنبريّ، عن أبيه: سألت سفيان الثّوريّ عنه؟فقال: ثقة. (7)
أحمد بن حنبل: قال أبوبكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: لا أعلم إلاّ خيراً. (8)
سفيان بن عيينة: قال الحسن بن عليّ الحلوانيّ، عن الشّافعيّ: سمعت ابن عيينة يقول: فضيل بن مرزوق ثقة. (9)
____________________
(1) الطبقات الكبرى: ابن سعد 3: 24.
(2) طبقات ابن سعد 3: 82.
(3) المعرفة والتاريخ 3: 133.
(4) تاريخ الثّقات 384 / 1359.
(5) الثّقات: ابن حبّان 4: 195 / 3668. وقوله: يخطئ، فسبحان من لا يخطئ، لا سيّما وقد ذكره في الثّقات.
(6) تاريخ أسماء الثّقات 263 / 1068. والذي وجدته في تاريخ يحيى: التوثيق!
(7) الجرح والتعديل للرازيّ 7، ترجمة 423.
(8) نفس المصدر 7، ترجمة 423.
(9) تاريخ ابن معين 2: 476؛ تهذيب الكمال 23: 307؛ تاريخ الإسلام 1: 396 / 321.
الهيثم بن جميل: قال الحسين بن الحسن المروزيّ: سمعت الهيثم بن جميل يقول: فضيل بن مرزوق: كان من أئمّة الهدى زهداً وفضلاً. (1)
عبّاس الدّوريّ: عن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش أنّه قال:
فضيل بن مرزوق ثقة. (2)
الخطيب البغداديّ: عن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش أنّه قال: فضيل بن مرزوق ثقة. (3)
وقال ابن محرز: قال يحيى بن أيّوب: حدّثنا حميد الرؤاسيّ، قال: حدّثنا فضيل بن مرزوق، وكان أصدق من رأينا من النّاس. (4)
وقال البخاريّ: مقارب الحديث. (5) روى له البخاريّ في كتاب «رفع اليدين في الصلاة»، والباقون. (6)
عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صدوق. (7) الدّارميّ: صالحُ الحديث، لا بأس به. (8)
الذهبيّ: كان معروفاً بالتشيّع من غير سبّ.
خلاصة الأقوال في فضيل بن مرزوق:
إنّ فضيل بن مرزوق توفّي أوائل النّصف الثاني من القرن الثاني الهجريّ فالحكم عليه هو في عهدة رجال الحديث والجرح وتراجم الرجال المتقدّمين، وممّا تقدّم وجدنا الإجماع على توثيقه ابتداءً بابن سعد (168 - 230 هـ) ومروراً بابن معين (ت 233 هـ) و
____________________
(1) تهذيب الكمال 23: 308.
(2) تاريخ الدّوريّ 2: 476.
(3) الموضّح للخطيب 2: 323.
(4) تهذيب الكمال 23: 309.
(5) علل الترمذيّ: 76.
(6) تهذيب الكمال 23: 309.
(7) الجرح والتعديل للرازيّ 7، ترجمة 423.
(8) تاريخ الدّارميّ 698.
الذي اعتبره ابن تيمية عمدته في رفض وقبول كثير، فالعجليّ (ت 261 هـ)... وهكذا الرجال المتقدّمون ممّن بعدت الشّقّة بينهم وبين أبي الفرج وابن تيمية. وقد تراوحت أقوال العلماء في فضيل بين: ثقة، وأنّه من أئمّة الهدى، وأصدق النّاس، وصدوق صالح الحديث... وروى له البخاريّ ومسلم والباقون ولم يذكر في الضّعفاء. ولم يكن رافضيّاً كما نصّ عليه الذهبيّ. وتعلّل ابن تيمية بانفراد مسلم بروايات منها ردّ الشّمس ولم يتابعه عليه البخاريّ، فلذا لا يلزم! و نقول: إن لم يكن مسلم صاحب الصحيح حجّةً؛ فمن باب أولى أن لا يكون قول ابن الجوزيّ أبو الفرج ملزماً، بل ويكون مرفوضاً إزاء أقوال أئمّة الحديث والجرح والتعديل المتقدّمين. والتعلّل بانفراد مسلم بروايات، ليس أمراً مستهجناً، فقد انفرد هو برواياتٍ لم يذكرها البخاريّ في صحيحه، كما ذكر البخاريّ روايات لم يذكرها مسلم. وعلّل بعضهم ذلك أنّ وثاقة رواة ثبتت عند مسلم ولم تثبت عند البخاريّ، وبالعكس، وغير ذلك من الأسباب.
ذكر الحاكم النيسابوريّ في المدخل إلى معرفة المستدرك: عدد من خرّج لهم البخاريّ في الجامع الصحيح ولم يخرّج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخاً، وعدد من احتجّ بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتجّ بهم البخاريّ في الجامع الصحيح ستّمائة وخمسة وعشرون شيخاً والله أعلم. (1)
فإذا كان هذا هو عدد من أعرض عنه مسلم ولم يذكر روايته، وكذلك فعل البخاريّ؛ فكم هو عدد الأحاديث الّتي يجب أن لا يحتجّ بها وفقاً لقاعدة ابن تيمية؟!
ولقد استدرك الحاكم النّيسابوريّ على البخاريّ ومسلم أحاديث لم يذكراها وهي على شرطيهما في تخريج الأحاديث، وقد وافقه الذهبيّ في كتابه: التلخيص، على كثيرٍ منها. وإنّ ما استدركه الحاكم عليهما تجاوز الثمانية آلاف حديث ورواية.
قال النّوويّ: ألزم الإمام الدارقطنيّ، وغيره البخاريّ ومسلماً إخراج أحاديث تركا أخراجها مع أنّ أسانيدها أسانيد قد أخرجا لرواتها في صحيحيهما بها وذكر البيهقيّ: أنّهما
____________________
(1) مقدّمة النوويّ لصحيح مسلم 1: 16.
اتّفقا على أحاديث من صحيفة همّام بن منبّه، (1) وأنّ كلّ واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث منها، مع أنّ الإسناد واحد. (2)
قال النوويّ في تعليل ذلك: أنّهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صحّ عنهما تصريحهما بأنّهما لم يستوعباه وإنّما قصدا جمع جمل من الصحيح.
وقال ابن الصلاح: ما وقع في صحيحي البخاريّ ومسلم ممّا صورته المنقطع! وهو في كتاب البخاريّ كثير جدّاً وفي كتاب مسلم قليل جدّاً. كذلك ما روياه عمّن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف به وأورداه أصلاً محتجّين به وذلك مثل:
حدّثني بعض أصحابنا. (3)
هذا هو حال الصحيحين ممّا يلوذ بهما ابن تيمية وتابعه عليه ابن القيّم في قبول أو إنكار الأحاديث.
ابن عقدة:
وأمّا تعليقه الحديث على ابن عقدة، وقوله: إنّه كان رافضيّا يحدّث بمثالب الصّحابة. فقبل الشروع بترجمته وقول العلماء فيه، فقد ذكر إنّه كان زيديّا جاروديّا وعلى هذا مات. (4) وقد روى للسّنّة كما روى للإماميّة. روى الخطيب، وتبعه الذهبيّ، عن ابن عقدة الحديث: «إنّ أبابكر، وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة». و رويا عنه عن سفيان قوله: «لا يجتمع حبّ عليّ وعثمان إلاّ في قلوب نبلاء الرجال». (5) وهو ينافي قولهم إنّه كان رافضيّاً يكتب في مثالب الصحابة.
وأمر آخر مهمّ هو أنّ الزيديّ الجاروديّ من كان عقيدته أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله نصّ على عليّ عليهالسلام بالوصف دون التسمية، والإمام بعد النبيّ عليّ، والنّاس قصّروا حيث لم يتعرّفوا
____________________
(1) همّام بن منبّه الصنعانيّ. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. «تاريخ الثّقات 461 / 1750».
(2) مقدّمة النوويّ لصحيح مسلم 1: 24.
(3) نفس المصدر 1: 16.
(4) رجال النجاشيّ: 94، الفهرست: 73.
(5) تاريخ بغداد 5: 15؛ سير أعلام النبلاء 15: 343.
الوصف ولم يطلبوا الموصوف. (1)
وهذا التعريف ينافي ما ذكره الشّيخ في الفهرست والنجاشيّ في رجاله في ذكر كتبه، قالا: كتاب الولاية ومن روى غدير خمّ. (2)
وذكر السيّد ابن طاووس أنّ كتاب الولاية لابن عقدة في حوزته. (3)
وذكر الكتاب المذكور جمع من مصنّفي السنّة والشيعة، وقد ذكره ابن تيمية ولأجل كتابه المذكور وما نقله من أحاديث في شأن أهل بيت النبيّ، رمي بالتشيّع! وضعّف عند البعض كما حصل لغيره. وكأنّ أهل بيت الوحي خصّوا بالشيعة وخصّ الشّيعة بهم؛ في حين أنّهم موضع احترام المسملين جميعاً ومهوى أفئدتهم، وببغضهم يعرف النّاصبيّ.
قال الذهبيّ فيه: مقت لتشيّعه. (4) وقال ابن عديّ: كان مقدّماً في الشيعة. (5)
وقال ابن حجر: كان يزنّ بالتشيّع والنّاس يختلفون في أمانته فمن راض ومن ساخط به. (6)
حقيقة الأمر: والواقع أنّ ابن عقدة لم يكن رافضيّاً بالمعنى الذي قاله ابن الجوزيّ، إلاّ أنّه أثبت في كتبه كثيراً من الأحاديث الثابتة عنده بشأن أهل بيت الرسول صلىاللهعليهوآله .
قال الدار قطني: سمعت أبا العباس بن عقدة يقول: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت خاصّة. (7) .
ذكر ذلك الدار قطنّي، ولم يقع فيه ويتّهمه لما يذكره من هذا العدد من الأحاديث الخاصّة بأهل البيت!
وقال أحمد بن الحسن بن هرثمة: كنّا بحضرة أبي العبّاس بن عقدة الكوفيّ المحدّث
____________________
(1) الملل والنّحل: الشهرستانيّ 1: 157.
(2) الفهرست للطوسيّ 72؛ رجال النجاشيّ 94.
(3) الطرائف: ابن طاووس 1: 111.
(4) تذكرة الحفّأظ، الذهبيّ 3: 839.
(5) الكامل، ابن عديّ 1: 206؛ لسان الميزان 1: 264.
(6) لسان الميزان 1: 263. ويزنّ أي يتّهم.
(7) تاريخ بغداد 5: 16.
نكتب عنه وفي المجلس رجل هاشميّ إلى جانبه، فجرى حديث حفّاظ الحديث فقال أبو العبّاس: أنا اُجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث هذا سوى غيرهم. وضرب بيده على الهاشميّ. (1)
وذكر مثل ذلك أبوبكر بن أبي دارم الحافظ. (2)
فإذا تقرّر شيعيّة ابن عقدة بسبب ذكره فضائل أهل البيت، ومن غير تعرّض للصّحابة بالسبّ كما زعم أبو الفرج وابن تيمية...، فهل تترك روايته حتّى لوورد لها شاهد من غيره؟
إنّ الجرح على المذهب باطل، وإلاّ لقال الشيعيّ فلان عاميّ فروايته باطلة، وقال الآخر: فلان شيعيّ فروايته باطلة، فترك لذلك أكثر الأحاديث والروايات وعطّلت كثير من الأحكام الشرعيّة. قال الإمام مسلم: «وإنّما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما في ذلك من عظيم الخطر...، فإذا كان الرّاوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثمّ أقدم على الرّواية عنه من قد عرفه ولم يبيّن ما فيه لغيره، ممّن جهل معرفته، كان آثماً بفعله ذلك...، إذ إنّ بعض تلك الأخبار أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أنّ الأخبار الصّحاح من رواية الثّقات أكثر من أن يضطرّ إلى نقل من ليس بثقة». (3) فمسلم لم يعلّق الرّواية على المذهب وإنّما جعل مدار ذلك هو صدق وأمانة ووثاقة الرّاوي. ولذلك ميزانهم في الرّاوي: ثقة، صدوق يحتجّ به وفيه تشيّع. فهم ناظرون إلى عدالته ووثاقته لا إلى مذهبه.
قال الخطيب: ذهب جماعة من أهل الحديث والمتكلّمين إلى أنّ أخبار أهل الأهواء كلّها مقبولة وإن كانوا كفّاراً أو فسّاقاً بالتأويل. (4) قال ابن القيّم الحنبليّ: الفاسقُ باعتقاده إذا كان متحفّظاً في دينه فإنّ شهادته مقبولة وإن حكمنا بفسقه كأهل البدع والأهواء
____________________
(1) تاريخ بغداد 5: 16.
(2) نفس المصدر.
(3) صحيح مسلم 1: 14.
(4) الكفاية في علم الرواية: الخطيب البغداديّ 335.
الذين لا نكفّرهم كالرّافضة والخوارج والمعتزلة ونحوهم، هذا منصوص الأئمّة ولم يزل السلف والخلف على قبول شهادة هؤلاء وروايتهم. (1) وقال الذهبيّ: فلو ردّ حديث الشيعة لذهب جملة من الآثار النبويّة، وهذه مفسدة بيّنة. (2)
وليس ثمّة غرابة أن يطعن على ابن عقدة، فقد تعرّض جهابذة العلم للنقد من علماء زمانهم فما بعد. فهذا يحيى بن معين وهو هو في ميدانه، قال أبو زرعة فيه: ولم ينتفع به - أي بيحيى - لأنّه كان يتكلّم في النّاس. ويروى هذا عن عليّ - ابن المدينيّ - من وجوه (3) .
وقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التّمّار، ولا عن يحيى بن معين، ولا عن أحد ممّن امتحن فاجاب. (4) وقال إبراهيم بن هانئ: رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى بن معين؟ فقال: من جرّ ذيول النّاس جرّوا ذيله. (5)
وقد تحدّث يحيى عن نفسه وجرحه لأناس يبدو أنّه تعجّل الحكم عليهم. قال محمّد ابن الفضل البلخيّ: سمعت محمّد بن مهرويه يقول: سمعت عليّ بن الجنيد يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّا لنطعن على أقوام لعلّهم قد حطّوا رحالهم في الجنّة من أكثر من مئتي سنة... (6)
هذا بعض شأن يحيى قدوة الأبناء: ابن الجوزيّ، وابن تيمية وابن القيّم. وهذا البخاريّ أخرج لجماعة رموهم بالقدر مثل هشام بن عبد الله الدستوائيّ؛ والقدريّة ممّن يحمل عليهم ابن تيمية ويكفّرهم! كما أخرج لعمران بن حطان الخارجيّ. وذكر ابن حجر في ترجمة الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ: «الأمير الشهير، الظالم المبير، وقع ذكره وكلامه في
____________________
(1) الطرق الحكميّة، ابن القيّم: 173.
(2) ميزان الاعتدال 1: 5 «ترجمة أبان بن تغلب».
(3) تاريخ يحيى بن معين 1: 8.
(4) تهذيب الكمال 31: 564.
(5) نفس المصدر.
(6) نفس المصدر.
الصحيحين وغيرهما، وليس بأهل أن يروى عنه». (1) ولما سئل مالك: كيف رويت عن داود بن الحصين، وثور بن يزيد، ولقد كانوا يرون القدر؟ قال: كانوا لإن يخرّون من السماء على الأرض أسهل من أن يكذبوا. (2)
فالقاعدة عندهم: بعد تحقّق الإيمان، صدق الرّاوي وضبط روايته. وعلى هذا النهج العلميّ، فإنّ ابن عقدة لو كان رافضيّاً، وهو غير رافضيّ على ما مرّ بنا، فلا يردّ حديث أسماء الّذي في طريقه ابن عقدة، والّذي بينه وبين أبي الفرج (265) سنة.
ترجمة ابن عقدة: أحمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن زياد بن عبد الله بن عجلان، يعرف بابن عقدة.
قدم بغداد فسمع من أحمد بن أبي خيثمة، ومحمّد بن عبيد الله المنادي، وعليّ بن داود القنطريّ، والحسن بن مكرم، وعبد الله بن روح المدائنيّ، ويحيى بن أبي طالب. حدّث عن هؤلاء الشيوخ وعن إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن المستورد، وعبد العزيز بن زبالة المدينيّ، وعبد الله بن أبي ميسرة المكّيّ، والحسن بن عتبة الكنديّ. (3)
ولادته ووفاته: ولد ابن عقدة سنة تسع وأربعين ومائتين في الكوفة. (4) وتوفّي لسبع خلون من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. (5) عقدة: هو والد أبي العبّاس، وإنّما لقّب بذلك لعلمه بالتصريف والنّحو، وكان يورّق بالكوفة ويعلِّم القرآن والأدب. (6)
الرّواة عنه: قال الخطيب: كان حافظاً عالماً مكثراً؛ جمع التراجم والأبواب والمشيخة، وأكثر الرواية، وانتشر حديثه روى عنه الحفّاظ والأكابر مثل أبي بكر الجعابيّ، وعبد الله
____________________
(1) تقريب التهذيب ترجمة 1141.
(2) إرشاد النقّاد: محمّد بن إسماعيل الصنعانيّ 19.
(3) تاريخ بغداد 5: 22؛ الأنساب للسمعانيّ 4: 214؛ تذكرة الحفّاظ 3: 839.
(4) تاريخ بغداد، الأنساب، تذكرة الحفّاظ.
(5) تاريخ بغداد، تذكرة الحفّاظ؛ البداية والنهاية 11: 236؛ الوافي بالوفيات 7: 395.
(6) فهرست الطوسيّ 73؛ رجال الجاشيّ 94؛ رجال ابن داود 229؛ خلاصة الأقوال للعلاّمة الحلّي 303.
بن عديّ الجرجانيّ، وأبي القاسم الطبرانيّ، وأبي الحسن الدار قطنيّ، وأبي حفص بن شاهين، وعبد الله بن موسى الهاشميّ، ومحمّد بن المظفّر... ومن في طبقتهم. (1)
حفظه وإتقانه: بلغ ابن عقدة من الحفظ للحديث، بمتونه وضبط أسانيده شأوا بعيداً. قال ابن داود. روى جميع كتب أصحابنا وصنّف لهم وكان حفظةً يقول: أحفظ مائة وعشرين ألف حديث بأسانيدها وأذاكر بثلاث مائة ألف حديث. وأمره في الجلالة أشهر من أن يذكر. قال النجاشيّ: هذا رجل جليل القدر في أصحاب الحديث إلاّ أنّه كان زيديّاً جاروديّاً حتّى مات سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. (2) محمّد بن عبد الله النّيسابوريّ: قال: سمعت أبا عليّ الحافظ يقول: ما رأيت أحداً أحفظ لحديث الكوفيّين من أبي العبّاس بن عقدة. (3)
عليّ بن عمر - وهو الدار قطنيّ - قال: أجمع أهل الكوفة أنّه لم ير من زمن عبد الله بن مسعود إلى زمن أبي العبّاس بن عقدة أحفظ منه!. (4)
قال محمّد بن عمر بن يحيى العلويّ: حضر أبو العبّاس بن عقدة عند أبي في بعض الأيّام، فقال له: يا أبا العباس قد أكثر النّاس عليّ في حفظك الحديث فأحبّ أن تخبرني بقدر كا تحفظ، فامتنع أبو العبّاس أن يخبره وأظهر كراهة ذلك، فأعاد المسألة وقال: عزمت عليك إلاّ أخبرتني. فقال: أحفظ مائة ألف حديث بالإسناد والمتن، وأذاكر بثلاثمائة ألف حديث. (5)
أبو الحسن الدار قطنيّ قال: كان أبو العبّاس بن عقدة يعلم ما عند النّاس ولا يعلم الناس ما عنده. (6)
وبغية الإختصار: فقد أطراه ابن عديّ، وأبو عليّ الحافظ، والنعمانيّ (ت 380 هـ)،
____________________
(1) تاريخ بغداد 5: 16.
(2) رجال ابن داود 422 / 38. وقد تكلّمنا بشأن مذهب ابن عقدة.
(3) تاريخ بغداد 5: 16.
(4) تاريخ بغداد 5: 17؛ ميزان الاعتدال 1: 136؛ سير أعلام النبلاء 15: 346.
(5) نفس المصدر 5: 16.
(6) نفس المصدر 5: 16.
والشيخ الطوسيّ، وابن شهر آشوب، والسّبكيّ... (1) وخلق كثير.
منزلته عند رجال الجرح والتعديل:
والّذي وجدناه عند هؤلاء مضادّ لما ادّعاه أبو الفرج وتناقله ابن تيمية وابن القيّم، فهو عند الآخرين معتمد القول في جرحه وتعديله لغيره! انظر في ذلك (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبيّ 171 - 207) و (المتكلّمون في الرجال: محمّد بن عبد الرحمن السخاويّ 93 - 145).
عبد الرحمن بن شريك:
وأمّا تضعيفه لعبد الرحمن بن شريك، فقد جاء في ترجمته مختصراً: عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النّخعيّ الكوفيّ. روى عن أبيه شريك بن عبد الله. روى عنه البخاريّ في كتاب «الأدب»، وأبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأوديّ، وأحمد بن يحيى الصّوفيّ....
قال أبو العبّاس بن عقدة: مات سنة سبع وعشرين ومئتين. (2)
قال ابن حبّان: عبد الرحمن بن شريك، من أهل الكوفة، يروي عن أبيه، روى عنه أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة والكوفيّون، ربّما أخطأ. (3)
داود بن فراهيج:
ذكره ابن حبّان في كتابه «الثّقات» قال: داود بن فراهيج، مولى قيس بن الحارث بن فهر، أصله من المدينة، قدم البصرة وحدّثهم بها. يروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد. روى عنه شعبة والنّاس. (4)
____________________
(1) لسان الميزان 1: 263؛ الغيبة للنعمانيّ: 25؛ الفهرست للطوسيّ 73؛ معالم العلماء: ابن شهر آشوب 16: 77؛ طبقات الشافعيّة الكبرى: تاج الدين السبكيّ 1: 314 - 317.
(2) تهذيب الكمال 17: 17.
(3) الثّقات: ابن حبّان 5: 264 / 1935. وقوله: ربّما أخطأ لا أثر له في جرح الرجل بعد أن أنزله منزلة الثّقات، إذ سبحان من لا يخطأ! وقد استعمل لفظ ربّما الّتي تفيد التقليل غالباً.
(4) كتاب الثّقات 2: 127 / 985.
قال ابن شاهين: داود بن فراهيج: روى عنه شعبة، ليس به بأس قاله يحيى. (1) وقال ابن أبي حاتم: صدوق. (2)
عمرو بن ثابت
قال الفسويّ: أبو عمرو ثابت بن أبي المقدام، روى عنه الحكم والأعمش وشعبة؛ ثقة كوفيّ.
وذكره في مواضع كثيرة من كتابه ممّا يشير إلى وثاقته عنده. (3)
ووثّقه النجاشيّ، قال: عمرو بن ثابت بن هرمز الحدّاد مولى بني عجل.
روى عن عليّ بن الحسين وأبي جعفر - الباقر - وأبي عبد الله - الصادق عليهالسلام . له كتاب لطيف. (4)
قال أبو داود: عمرو بن ثابت بن هرمز الحذّاء، مولى بني عجل، ممدوح. وروى أنّ أبا عبد الله عليهالسلام شهد له بأنّه أمير الحجّاج. (5)
قال: هو ثقة. (6)
وذكره البرقيّ في أصحاب الإمامين الباقر، والصادق عليهماالسلام . (7)
جويريّة بنت مسهر!
قال: وهذا الإسناد أضعف ممّا تقدّم وبمثل هذا الإسناد عن هذه المرأة ولا يعرف حال هذه المرأة!
ونحن مثله لا نعلم شيئاً عن هذه المرأة ولا ندري خلقت أم لم تخلق بعد؟! إلاّ أنّنا
____________________
(1) تاريخ أسماء الثّقات 123 / 335.
(2) الجرح والتعديل 1: 2 / 422.
(3) المعرفة والتاريخ للفسويّ 3: 180.
(4) رجال النجاشيّ 206.
(5) رجال ابن داود 256 / 1089.
(6) نفس المصدر 487 / 350.
(7) رجال البرقيّ 11.
نعلم ما غاب عنه - هذا في أحسن أحوال الظنّ إن لم نقل إنّه أراد تضليل القارئ - وهو أنّ جويريّة المذكور في هذا الموضع رجل لا امرأة!
ذكره الشريف الرضيّ فقال: جويرة - من غير ياء بين الرّاء والتاء. (1)
ذكره الطوسيّ في أصحاب أمير المؤمنين عليهالسلام . (2)
وذكره الكشّيّ في رجاله، قال: حدّثنا جعفر بن معروف، قال: أخبرني الحسن بن عليّ ابن النعمان، قال: حدّثني أبي عليّ بن النعمان، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن جويريّة بن مسهر العبديّ، قال: سمعت عليّاً عليهالسلام يقول: أحبّ محبّ آل محمّد ما أحبّهم فإذا أبغضهم فأبغضه، وابغض مبغض آل محمّد ما أبغضهم فإذا أحبّهم فأحبّه. وأنا أبشّرك وأنا أبشّرك ثلاث مرّات. (3)
وقال البرقيّ: ومن أصحاب امير المؤمنين عليهالسلام ، من ربيعة: جويريّة بن مسهر العبديّ، شهد مع امير المؤمنين عليهالسلام . (4)
وقال ابن داود: جويريّة بن مسهر العبديّ، ممدوح. (5)
وذكره الفضل بن شاذان في خبر ردّ الشّمس ببابل (6) - نذكرها في محلّها -.
أحمد بن صالح
قال ابن تيمية: وقد حكى أبو جعفر الطحاويّ عن عليّ بن عبد الرحمن عن أحمد بن صالح المصريّ أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء من ردّ الشّمس لأنّه من علامات النبوّة.
قال ابن تيمية: أحمد بن صالح رواه من الطريق الأوّل ولم يجمع طرقه وألفاظه التي
____________________
(1) خصائص أمير المؤمنين: الشريف الرضيّ 24.
(2) رجال الطوسيّ 37 / 4.
(3) اختيار معرفة الرجال 106 / 169.
(4) رجال البرقيّ 37 / 4.
(5) رجال ابن داود 93 / 347.
(6) الفضائل لابن شاذان 88 - 89.
تدلّ من وجوه كثيرة على أنّه كذب، وتلك الطريق راويها مجهول عنده.
وقوله في أحمد بن صالح كان على نحو المداراة، لمنزلته عند العلماء وهومن شيوخ البخاريّ. ومع ذلك فقد غمزه بجهالة طريقه إلى الحديث.
وقوله: لم يجمع طرقه وألفاظه، فليس من شأنه ذلك وإنّما أن يذكر الحديث الّذي وقع له وصحّ عنده سنده وكفاه عن غيره ممّا هو في معناه.
وقد تكلّمنا على الطريق الأوّل الذي أشار إليه بما فيه كفاية، وهو الطريق الذي أخذ عنه أحمد بن صالح.
ترجمة أحمد بن صالح
أبو جعفر أحمد بن صالح المقرئ المصريّ. طبريّ الأصل. ولد سنة سبعين ومائة وتوفّي سنة ثمان وأربعين ومائتين للهجرة.
سمع عبد الله بن وهب المصريّ، وسفيان بن عيينة، وعبد الرزّاق الصنعانيّ وعنبسة ابن خالد، وعبد الله بن نافع، وابن أبي فديك.
حدّث عنه: سفيان بن عيينة، ومحمّد بن إسماعيل البخاريّ، ويعقوب بن سفيان الفسويّ، وأبو إسماعيل التّرمذيّ، وعثمان الدارميّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأبو داود السجستانيّ، ومحمّد بن يحيى الذّهليّ وصالح جزرة. ومن الشيوخ المتقدّمين: محمّد بن عبد الله بن نمير، ومحمّد بن غيلان، وغيرهما.
ومثلما قلنا في عبيد الله بن موسى، وفضيل بن مرزوق، فكذلك نقول بشأن أحمد بن صالح، فالفاصلة الزمنيّة بينه وبين ابن تيمية وابن القيّم (460) سنة، ولو لم نعرف من سيرة الرجل والطبقة التي أخذ عنها، والطبقة التي أخذت عنه، لقلنا بجهالة أحمد وما رواه عنه الطحاويّ المتوفّى سنة (321 هـ) أي بعد وفاة أحمد بـ (73) سنة.
منزلته العلمييّة:
قال ابن حبّان: كان أحمد هذا في الحديث وحفظه ومعرفة التاريخ وأسباب المحدّثين عند أهل مصر كأحمد بن حنبل عند أصحابنا بالعراق. وهو مقارن يحيى بن معين في الحفظ والإتقان، وكان أحفظ من يحيى بن معين بحديث المصريّين
والحجازيّين. (1)
ومن هذا شأنه في الحفظ والإتقان، لا تطاله يد رجل انبعث بعده بخمسة قرون لتجرحه وتصفه بأنّه يأخذ من المجاهيل.
وقال الفسويّ: كتبت عن ألف شيخ وكسر، ما أحد منهم أتّخذه عند الله حجّة إلاّ أحمد ابن حنبل، وأحمد بن صالح. (2)
وقال العجليّ: ثقة صاحب سنّة. (3)
قال أبو زرعة: سألني أحمد بن حنبل: من بمصر؟ قلت: أحمد بن صالح: فسرّ بذلك ودعا له. (4)
وقال الفضل بن دكين: ما قدم علينا أحد أعلم بحديث أهل الحجاز من هذا الفتى - يعني أحمد بن صالح -. (5)
وسئل عنه أبو حاتم فقال: ثقة كتبت عنه بمصر، ودمشق، وأنطاكية. (6)
قال البخاريّ صاحب الصحيح: أحمد بن صالح أبو جعفر المصريّ ثقة صدوق، ما رأيت أحداً يتكلّم فيه بحجّة، كان أحمد بن حنبل وعليّ - المدينيّ - وابن نمير وغيرهم يثبتون أحمد بن صالح، كان يحيى يقول: سلوا أحمد فإنّه أثبت. (7)
قال محمّد بن عبد الرحمن الغزّال: أحمد بن صالح من حفّاظ الحديث، واعياً،رأساً في علم الحديث وعلله،وكان يصلّي بالشافعيّ، ولم يكن في أصحاب ابن وهب - عبد الله بن وهب المصريّ - 125 - 197 هـ أعلم منه بالآثار. (8)
____________________
(1) الثّقات: ابن حبّان 5: 17.
(2) المعرفة والتاريخ: الفسويّ 3: 361.
(3) تاريخ الثّقات: العجليّ 48.
(4) الكامل لابن عدي 1: 184؛ تاريخ بغداد 4: 196.
(5) تاريخ بغداد 4: 199؛ الكامل لابن عديّ 1: 184.
(6) الجرح والتعديل 2: 56.
(7) تاريخ بغداد 4: 201.
(8) تهذيب الكمال 1: 345؛ تاريخ بغداد 4: 199.
خلاصة الأقوال في أحمد:
أجمعت كلمة العلماء الذين يأتمّ ابن تيمية ويقتدي بهم: أنّ أحمد بن صالح حافظ متقن، حجّة ثقة، صدوق صاحب سنّة، واع رأس في علم الحديث وعلله، بصير باختلافه، هو وأحمد بن حنبل سواء، متقدّم على يحيى بن معين في معرفة حديث المصريّين والحجازيّين، حكم البخاريّ بثقته وصدقه وأن لا حجّة لمن يتكلّم فيه.
إذن: بأيّ حجّة تكلّم فيه ابن تيمية وتابعه عليه ابن القيّم وحكموا عليه بأنّه أخذ حديث ردّ الشّمس من مجهول؟!
أبو جعفر الطّحاويّ
لم يبق في قائمة الذين نال مهم قلم ابن تيمية وتابعه ابن القيّم في سند حديث أسماء في ردّ الشّمس إلاّ الطّحاويّ: أحمد بن محمّد بن سلامة بن سلمة الأزديّ المصريّ الحنفيّ المتوفّى سنة 321 هـ فبين وفاته ووفاة أحمد بن صالح (73) سنة. وليس بينه وبين وفاة ابن تيمية إلاّ (407) سنوات!
قال بشأنه: والطّحاويّ ليست عادته نقد الحديث كنقد أهل العلم! فإنّه لم تكن معرفته بالاسناد كمعرفة أهل العلم به [ مثل مَن؟! ] وإن كان كثير الحديث فقيهاً عالماً!
وللوقوف على سعة افق هذا العالم وتضلّعه، نذكّر بكتابه «مشكل الآثار» بأربعة أجزاء في مجلّدين ليدرك علميّة الرجل. وكما صنع الأبناء إذ جعلوا مدار حديث ردّ الشّمس على عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق. فكذلك نقول نحن: إنّ مدار الحديث على الطّحاويّ عن أحمد بن صالح؛ فإن سلم أحمد بن صالح من الجرح وثبت الحديث الذي ألزم العلماء عدم تجاوز حديث أسماء في ردّ الشّمس؛ فليس على الطحاويّ شيء لأنّه أخذه عن عالم جهبذ.
ثمّ ما ذنب العلاّمة الحلّيّ يرمى بالكذب! وقد أخذ الحديث من رجال ثبتت وثاقتهم وعدالتهم وصدقهم وحجّيّتهم فيما يروون؟!
عود الشّمس بعد مقيبها لنبيّ الله سليمان عليهالسلام :
جرى الحديث مع المنكر وفق دعواه في تكذيب ردّ الشّمس والطعن برواته مع جلالتهم ووثاقتهم وتقدّمهم على ما ظهر لنا، فسقط بذلك أقوى ركني تلك الدعوى.
وتمسّك مضطرّاً بحديث ردّ الشّمس ليوشع النبيّ عليهالسلام ، إلاّ انّه قال: لم تردّ له الشّمس ولكن تأخّر غروبها، طوّل له النّهار، وأغمض عمّا أخرجه العلماء من ردّ الشّمس على يوشع ليالي سار غلى بيت المقدس، وأيضاً عود الشّمس لرسول الله صلىاللهعليهوآله بعد غروبها، في خيبر وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من البحث. وحان الكلام عن ردّ الشّمس على نبيّ الله سليمان بن داود عليهماالسلام ، وصرّح القرآن بذلك، ممّا يعني أنّ ردّ الشّمس بعد غروبها جرى أكثر من مرّة، زيادةً في إعجاز أنبيائه وكرامةً لأوليائه. ثمّ إنّ بين يوشع بن نون، وسليمان عليهماالسلام ، فاصلة زمنيّة ليست بالقليلة. فمن بعد يوشع كان إسماعيل عليهالسلام ومن بعده استخلف الله داود عليهالسلام ، فخلف سليمان أباه داود عليهماالسلام . القصّة في القرآن: ( وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ ) (1) ( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ الصّافِنَاتُ الْجِيَادُ ) (2) ( فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) (3) ( رُدّوهَا عَلَيّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ) . (4)
قال مقاتل: يعني بالصفن إذا رفعت الدّابّة إحدى يديها فتقوم على ثلاث قوائم. والجياد، يعني السراع؛ وذلك أنّ سليمان صلّى الأولى، ثمّ جلس على كرسيّه لتعرض عليه الخيل، فغابت الشّمس، ولم يصلّ العصر، فذلك قوله ( فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ ) يعني المال، وهو الخيل الذي عرض عليه ( عَن ذِكْرِ رَبّي ) يعني صلاة العصر. ( حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) يعني غربت الشّمس.
ثمّ قال: ( رُدّوهَا عَلَيّ ) يعني كرّوها عليّ ( فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ) يقول: فجعل يمسح بالسيف سوقها وأعناقها. (5)
____________________
(1 - 4) سورة ص 330 - 333.
(5) تفسير مقاتل بن سليمان الأزديّ (ت 150 هـ) 3: 118. وأيضاً تفسير مقاتل 3: 8 ( وَعَشِيًّا ) - الرّوم: 18 - قال: صلاة العصر.
وبسنده أخرج عبد الرزّاق قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، وقتادة والكلبيّ: «مثل ما في تفسير مقاتل» قال: فشغلته الخيل عن صلاة العصر. (1)
تفسير الطبريّ: ( فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) . قال: و في هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه من ذكره فلهي عن الصلاة حتّى فاتته فقال: إنّي أحببت حبّ الخير، أي أحببت حبّاً للخير، ثمّ أضيف الحبّ إلى الخير. وعني بالخير في هذا الموضع الخيل، والعرب فيما بلغني تسمّي الخيل الخير، والمال أيضاً يسمّونه الخير.
وقوله: ( عَن ذِكْرِ رَبّي ) يقول: إنّي أحببت حبّ الخير حتّى سهوت عن ذكر ربّي وأداء فريضة. وقيل إنّ ذلك كان صلاة العصر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: عن قتادة، وعن السدّيّ ( عَن ذِكْرِ رَبّي ) عن صلاة العصر. (2)
وأخرج بسنده عن أبي صخر، أنّه سمع أبا معاوية البجليّ من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصّهباء البكريّ يقول: سألت عليّ بن أبي طالب، عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي العصر، وهي الّتي فتنبها سليمان بن داود. (3)
وقوله: ( حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) يقول: حتّى توارت الشّمس بالحجاب، يعني تغيّبت في مغيبها. ذكر ذلك عن ابن مسود، وعن السدّيّ. (4) وفي قوله: ( فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ) : عن قتادة قال قال الحسن: قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربّي آخر ما عليك. وعن السدّيّ: فضرب سوقها وأعناقها. (5)
الفخر الرازيّ: ذكر وجوها لحبّ داود للخيل منها: إنّ هذه المحبّة الشديدة إنّما حصلت
____________________
(1) تفسير عبد الرزّاق الصنعانيّ (ت 211 هـ) 2: 133 ح 2588. وأيضاً تفسير عبد الرزّاق 2: 85: «وعشيّاً» - الرّوم: 18 -: العصر.
(2) تفسير الطبريّ 23: 182.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
(5) نفس المصدر.
عن ذكر الله وأمره، لا عن الشهوة والهوى، وهذا الوجه أظهر الوجوه. (1)
قال: والضمير في قوله: ( حَتّى تَوَارَتْ ) و في قوله: ( رُدّوهَا ) يحتمل أن يكون كلّ واحد منهما عائرا إلى الشّمس، لأنّه جرى ذكر ما له تعلّق بها وهو العشيّ. (2)
تفسير السّلميّ: قال أبو سعيد القرشيّ: من غار الله وتحرّك له فإنّ الله يشكر له ذلك، ألا ترى سليمان لما شغلته الأفراس عن الصلوات حتّى توارت الشّمس بالحجاب، قال: ردّوها عليّ فطفق مسحا بالسّوق والأعناق. فشكر الله له صنيعه فقال: ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ ) أبدله مركبا أهنى منهم وأنعم. (3)
ابن عطية الأندلسيّ: قال: اختلف النّاس في قصص هذه الخيل المعروضة، فقال الجمهور: إنّ سليمان عليهالسلام عرضت عليه آلاف من الخيل تركها له أبوه، فأجريت بين يديه عشاء، فتشاغل بجنسها وجريها ومحبّتها حتّى فاتته صلاة العشاء. (4)
قال: قال قتادة: صلاة العصر، ونحوه عن عليّ بن أبي طالب، فأسف لذلك وقال: ردّوا عليّ الخيل. قال الحسن: فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف عقراً لما كانت سبب فوت الصلاة، فأبدله الله أسرع منها.
قال: والضمير في ( تَوَارَتْ ) للشّمس، وإن كان لم يجر لها ذكر صريح، لأنّ المعنى يقتضيها. وأيضاً فذكر العشيّ يقتضي لها ذكراً ويتضمّنها، لأنّ العشيّ إنّما هو مقدّر متوهّم بها. (5)
وفي تفسير ابن العربيّ: ( بِالْعَشِيّ ) : من زوال الشّمس إلى الغروب، كما أنّ الغداة من
____________________
(1) التفسير الكبير: الفخر الرازيّ 26: 204.
(2) التفسير الكبير.
(3) تفسير السّلميّ محمّد بن الحسين الأزديّ السلميّ (ت 412 هـ) 2: 186.
(4) إنّ قوله: فاتته صلاة العشاء، غير دقيق، إذ الّذي في الآية: «العشيّ» وهو ما بعد الزوال كما في المعاجم والتفاسير على ما مرّ بنا وما سيأتي. ونسبة قوله غلى الجمهور ليس صحيحاً، فقد ذكرنا بعض أقوالهم وسنذكر أخرى وكلّها تقول «العصر». وهو بعد قوله: فاتته صلاة العشاء، ذكر قول قتادة أنّها صلاة العصر، ومثله نسبه إلى عليّ عليهالسلام .
(5) المحرّر الوجيز: عبد الحقّ بن غالب بن عطيّة الأندلسيّ (ت 546 هـ) 4: 503.
طلوع الشّمس إلى الزوال. (1)
الجياد: هي الخيل، وكلّ شيء ليس برديء يقال له جيّد، عرضت الخيل على سليمان عليهالسلام فشغلته عن صلاة العشيّ. قال المفسّرون: هي العصر.
قال: وكان لهميدان مستدير يسابق بينها فيه، فنظر فيها حتّى غابت الشمس خلف الحجاب، وهو ما كان يحجب بينه وبينها.
وفي قول من قال: إنّ الشمس لم يجرلها ذكر. قال: وهذا فاسد بل تقدّم عليها دليل، وهو قوله: ( بِالْعـَشِيّ ) ، كما تقول: سرت بعد العصر حتّى غابت، يعني الشمس، وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر ممّا يرتبط بها، وتعلّق بذكرها، والغداةُ والعشيّ أمر مرتبط بمسير الشمس، فذكره ذكر لها. (2)
نظم الدّرر: ( عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ ) أي فيما بعد زوال الشمس ( الصّافِنَاتُ ) أي الخيول العربيّة الخالصة الّتي لا تكاد تتمالك بجميع قوائمها الاعتماد على الأرض اختيالا بأنفسها وقربا من الطيران بلطافتها وهمّتها وإظهاراً لقوّتها ورشاقتها وخفّتها، ( الْجِيَادُ ) الّتي تجود في جريها بأعظم ممّا تقدر عليه، جمع جواد، فلم تزل تعرض عليه حتّى فاتته صلاة آخر النّهار، وكان المفروض على من تقدّمنا ركعتين أوّل النّهار وركعتين آخره، فانتبه في الحال.
ولما كان بيان ضخامة ملكه وكثرة هيبته وعزّته مع زيادة أوبته، لتحصل التأسية به في حسن ائتماره وانتهائه بقوله: ( فَقَالَ ) ولما كان اللائق بحاله والمعروف من فعاله أنّه لا يؤثر على ذكر الله شيئاً، فلا يكاد أحد ممّن شاهد ذلك يظنّ به ذلك - أي التسلية واللّهو - بل يوجّهون له في ذلك وجوهاً ويحملونه على محامل تليق بما يعرفونه من حال من الإقبال على الله والغنى سواه، أكّد قوله تواضعاً لله تعالى، ليعتقدوا أنّه بشريجوز عليهم لو لاعصمة الله. ( إِنّي ) ولما كان الحبّ أمراً باطناً لا يظهر في شيء إلاّ بكثرة الاشتغال به، وكان الاشتغال لغير الحبّ، فهو غير دالّ عليه إلاّ بقرائن، قال اعترافاً: ( أَحْبَبْتُ ) أي
____________________
(1) أحكام القرآن: أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربيّ 4: 50.
(2) نفس المصدر.
أوجدت وأظهرت بما منّي من الاشتغال بالخيل مقروناً بذلك بأدلّة الودّ ( حُبّ الْخَيْرِ ) وهو المال، بل خلاصة المال وسبب كلّ خير دنيويّ وأخرويّ «الخيل معقود بنواصيها الخير». (1) أظهرت ذلك بغاية الرّغبة، غافلاً ( عَن ذِكْرِ رَبّي ) المحسن إليّ بهذه الخيل الّتي شغلتني، فلم أذكره بالصلاة الّتي كانت وئيفة الوقت، وإن كان غرضي لها لكونه في طاعته ذكراً له. ولم يزل ذلك بي ( حَتّى تَوَارَتْ ) أي الشّمس المفهومة من «العشيّ»، ( بِالْحِجَابِ ) ، وهي الأرض الّتي حالت بيناوبينها فصارت وراءها حقيقةً. (2) ولما اشتدّ تشوّف السامع إلى الفعل الّذي أوجب له الوصف بأوّاب، بعد سماع قوله في لومه نفسه ليجمع بين معرفة القول والفعل...، ( فَطَفِقَ ) أي أخذ يفعل ظافراً بمراده لازماً له مصمّماً عليه واصلا له معتمدا على الله في التقوية على العدوّ، لا على الأسباب الّتي من أعظمها الخيل، مفارقاً ماكان سبب ذهوله عن الذكر، معرضاً عمّا يمكن أن يتعلّق به القلب، متقرّباً به إلى الله تعالى، كما يتقرّب في هذه الملّة - أي ملّة الإسلام - بالضّحايا.
( مَسْحاً ) أي يوقع المسح فيها بالسيف إيقاعاً عظيماً. (3)
المفردات: العشيّ: من زوال الشمس إلى الصباح. والعشاء: من صلاة المغرب إلى العتمة. (4)
تاريخ دمشق: قال الحسن: ( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ ) قال الحسن: كانتخيلا بلقا جياداً، وكانت أحبّ الخيل إليه البلق، فعرضت عليه فجعل ينظر إليها ( حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) يعني الشمس، فغفل عن صلاة العصر.
وعن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: أنّه سئل عن صلاة الوسطى؟ فقال: هي الّتي غفل عنها نبيّ الله سليمان بن داود، حتّى توارت بالحجاب. يعني العصر. (5)
____________________
(1) أخرجه البخاريّ برقم 2849 و 3624؛ مسلم 1871؛ النّسائيّ 221؛ البيهقيّ 6: 329؛ البغويّ 2644.
(2) نظم الدّرر في تناسب الآيات والسّور: إبراهيم بن عمر البقاعيّ (ت 885 هـ) 6: 383.
(3) نفس المصدر.
(4) المفردات في غريب القرآن: الراغب الإصفهانيّ (ت 502 هـ) 338.
(5) مختصر تاريخ دمشق 10: 125.
الكشّاف: إنّ سليمان قعد يوما بعدما صلّى الأولى على كرسيّه واستعرض الخيل فلم تزل تعرض عليه حتّى غربت الشمس وغفل عن العصر أو عن وردٍ من الذكر كان له وقت العشيّ، وتهيّبوه فلم يعلموه فاغتمّ لما فاته، فاستردّها وعقرها مقرّباً لله. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيراً منها، وهي الريح تجري بأمره. (1)
قال: والتواري بالحجاب: مجاز في غروب الشمس عن تواري الملك، أو المخبأة بحجابها. والذي دلّ على أنّ الضمير للشمس مرور ذكر العشيّ. ولابدّ للمضمر من جري ذكر أو دليل ذكر. (2)
ابن كثير: ذكر غير واحد من السّلف والمفسّرين أنّه اشتغل بعرضها حتّى فات وقت صلاة العصر، والّذي يقطع به أنّه لم يتركها عمداً بل نسياناً كما شغل النبيّ صلىاللهعليهوآله عن صلاة العصر يوم الخندق حتّى صلاّها بعد الغروب. ويحتمل أنّه كان سائغاً في ملّتهم تأخير الصّلاة لضرر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال. (3)
النهاية: (4) في حديث الصلاة «حين توارث بالحجاب» الحجاب هاهنا الأفق، يريد حين غابت الشّمس في الأفق واستترت به. ومنه قوله تعالى: ( حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) .
الثعالبيّ: قال: المتأوّلون في قصص هذه الخيل المعروضة على سليمان عليهالسلام ، فقال الجمهور: إنّ سليمان عرضت عليه آلاف الخيل تركها له أبوه. فتشاغل بجريها ومحبّتها حتّى فاته وقت صلاة العشيّ، فأسف لذلك يمسح سوقها وأعناقها بالسيف.
قال الثعالبيّ وغيره: وجعل ينحرها تقرّبا إلى الله تعال حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك مباحا لهم كما ابيح لنا بهيمة الأنعام، فروي أنّ الله تعالى أبدله منها أسرع منها وهي الريح.
والضمير في ( تَوَارَتْ ) للشمس، وأن كان لم يتقدّم لها ذكر، لأنّ المعنى يقتضيها،
____________________
(1) تفسير الكشّاف: محمود بن عمر الزمخشريّ (ت 538 هـ) 4: 91 - 92.
(2) نفس المصدر 4: 93.
(3) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير (ت 774 هـ) 7: 56.
(4) النهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير الجزريّ (ت 606 هـ) 1: 340.
وأيضاً فذكر العشيّ يتضمّنها. (1)
ابن وهب: قال عبد الله بن وهب: سألت اللّيث عن قول الله: ( بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ) (2) فقال: الآصال العشيّ. (3)
ولا يخفى: أنّ الأصيل هو الوقت بين العصر والمغرب، فهو العشيّ.
هود الهوّاريّ: ذكر في تفسيره: ( فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ ) أي: حبّ المال، يعني الخيل، وهي في قراءة عبد الله بن مسعود (حبّ الخيل)، ( عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى تَوَارَتْ ) أي غابت، يعني الشمس ( بِالْحِجَابِ ) ففاتته صلاة العصر. (4)
القرطبيّ: ( تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) يعني الشمس، كناية عن غير مذكور وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر ممّا يرتبط بها. (5)
الجصّاص: وذكر الآيات ثمّ قال عن ابن مسعود: حتّى توارت الشمس بالحجاب. (6)
الطريحيّ: ( تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) يعني الشمس، أضمرها ولم يجر لها ذكر، والعرب تقول ذلك إذا كان في الكلام ما يدلّ على المضمر. (7) الصدوق: (8) ذكر رواية عن الصادق عليهالسلام ، هي: إنّ سليمان بن داود عليهماالسلام عرض عليه ذات يوم بالعشيّ الخيل، فاشتغل بالنظر إليها حتّى توارت الشمس بالحجاب. فقال للملائكة: ردّوا الشمس عليّ حتّى اصلّي صلاتي في وقتها، فردّوها فقام فمسح ساقيه وعنقه، وأمر أصحابه الّذين فاتتهم الصلاة معه بمثل ذلك. وكان ذلك وضوءهم للصّلاة. ثمّ قام فصلّى، فلمّا فرغ غابت الشمس وطلعت
____________________
(1) تفسير الثعالبي عبد الرحمن بن محمّد المالكيّ (ت 875 هـ) «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» 5: 66.
(2) الأعراف: 205، الرعد: 15، النور: 36.
(3) الجامع: عبد الله بن وهب المصريّ (ت 197 هـ) 2: 165.
(4) تفسير كتاب الله العزيز: هود بن محكّم الهوّاريّ (ت منتصف القرن الثالث الهجريّ» 4: 16.
(5) الجامع لأحكام القرآن: محمّد بن أحمد القرطبيّ الأنصاريّ 15: 195.
(6) أحكام القرآن: الجصّاص أحمد بن عليّ الرازيّ (ت 370» 3: 502.
(7) مجمع البحرين: فخر الدين الطريحيّ (ت 1085 هـ).
(8) من لا يحضره الفقيه: الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ (ت 381 هـ) 1: 129.
النجوم. وذلك قول الله عزّ وجلّ: ( وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ... ) .
الطبرسيّ: المراد بالخير الخيل هنا، فإنّ العرب تسمّي الخيل الخير، عن قتادة والسّدّيّ. فالمعنى آثرت حبّ الخيل عن ذكر ربّي، وقيل: غنّ هذه الخيل كانت شغلته عن صلاة العصر حتّى فات وقتها، عن عليّ عليهالسلام ، وقتادة والسّدّيّ. وفي روايات أصحابنا أنّه فاته أوّل الوقت. (1)
وقوله تعالى: ( رُدّوهَا عَلَيّ ) قال: قيل معناه أنّه سأل الله تعالى أن يردّ الشمس عليه فرّدها عليه حتّى صلّى العصر. فالهاء في ردّوها كناية عن الشمس، عن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . (2)
وفي رواية عن ابن عبّاس: سألت عليّاً عليهالسلام عن هذه الآية فقال ما بلغك فيها يا ابن عبّاس؟ قلت: سمعت كعباً يقول: اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتّى فاتته الصلاة، فقال: ردّوها عليّ يعني الأفراس، كانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها وأعناقها فقتلها، فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوماً، لأنّه ظلم الخيل بقتلها. فقال عليّ عليهالسلام : كذب كعب، لكن أشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم، لأنّه أراد جهاد العدوّ حتّى توارت الشمس بالحجاب، فقال: بأمر الله تعالى للملائكة الموكّلين بالشمس: ردّوها عليّ فردت فصلّى العصر في وقتها، وإنّ أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظّلم، لأنّهم معصومون مطهّرون. (3)
ابن شهر آشوب: ذكر في مناقبه عن ابن عبّاس بطرق كثيرة أنّه لم تردّ الشمس إلاّ لسليمان وصيّ داود، وليوشع وصيّ موسى، ولعليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد صلوات الله عليهم أجمعين. (4) الكلينيّ:بسنده عن أبي جعفر عليهالسلام في قول الله عزّ وجلّ: ( إِنَّ الصَّلَاةَ
____________________
(1) مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسيّ (ت 548 هـ) 8: 740.
(2) نفس المصدر 8: 741.
(3) مجمع البيان 8: 741؛ انظر تفسير الصافيّ 4: 299؛ الميزان للطباطبائي 17: 206؛ كنز الدقائق للمشهديّ 11: 233.
(4) مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب محمّد بن عليّ المازندرانيّ (ت 588 هـ) - المطبعة الحيدريّة.
كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ) (1) قال: يعني مفروضاً وليس يعني وقت فوتها إذا جاز ذلك الوقت ثمّ صلاّها، فلم تكن هذه مودّاة. ولو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داود عليهماالسلام حين صلاّها لغير وقتها. ولكنّه متى ذكرها صلاّها. (2)
القمّيّ: ذكر في تفسيره: أنّ سليمان عليهالسلام كان يحبّ الخيل ويستعرضها، فعرضت عليه يوما إلى أن غابت الشمس وفاتته صلاة العصر، فاغتمّ من ذلكغماً شديداً، فدعا الله أن يردّ عليه الشمس حتّى يصلّي العصر... (3) .
ابن أبي جامع العامليّ: ذكر في تفسيره: ( رُدّوهَا ) أي الشمس ( عَلَيّ ) أيّها الملائكة الموكّلون بها. طلب منهم ردّها بأمر الل غيّاه بذلك، فردّت، فصلّى كما ردّت ليوشع وعليّ عليهماالسلام (4) .
شبّر: ( حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) أي الشمس، بدلالة العشيّ عليها. والحجاب: حجاب الأفق، أي غربت. أو حتّى غابت الخيل عن بصره حين اُجريت. ( رُدّوهَا ) أي الشمس ( عَلَيّ ) أيّها الملائكة الموكّلون بها، فردّت فصلّى، كما ردّت ليوشع وعليّ عليهماالسلام . (5)
العلاّمة الطباطبائيّ ك «إنّي شغلني حبّ الخيل حين عرضت عليّ عن الصلاة حتّى فات وقتها بغروب الشمس. وإنّما كان يحبّ الخيل ليتهيّأ به للجهاد في سبيل الله، فكان الحضور عبادة منه فشغلته عبادة عن عبادة، غير أنّه يعدّ الصّلاة أهم». (6) ثمّ ذكر الرواية الّتي ذكرها الطبرسيّ في دعاء سليمان عليهالسلام واستجابة الله تعالى له، فردّ عليه الشمس حتّى
____________________
وانظر من لا يحضره الفقيه للصدوق 1: 129.
(1) النساء: 103.
(2) الكافي: محمّد بن يعقوب الكلينيّ الرازيّ (ت 328 هـ) 3: 294.
(3) تفسير القمّيّ: عليّ بن إبراهيم القمّيّ «القرن الثالث والرابع الهجريّ» 2: 234.
(4) الوجيز في تفسير القرآن العزيز: عليّ بن الحسين بن أبي جامع العامليّ «1070 - 1135 هـ) 3: 101.
(5) تفسير القرآن الكريم: عبد الله شبّر (ت 1242 هـ): 429.
(6) الميزان في تفسير القرآن: محمّد حسين الطباطبائيّ «1321 - 1402 هـ) 17: 203.
صلّى. (1)
الفيض الكاشانيّ: ( رُدّوهَا عَلَيّ ) الضمير للشمس...، ثمّ ذكر تمام الرواية الّتي ذكرها الصدوق عن ابن عبّاس. (2)
المرتضى: ذكر الشريف المرتضى: أنّها الشمس... وفاتته صلاة مستحبّة. (3)
غريب الحديث: ( تَوَارَتْ ) : الشّمس. (4)
الفخر الرازيّ: يعني الشمس. (عصمة الأنبياء: 83).
تأويل الآيات لعليّ الحسينيّ (ت 965 هـ) 2: 552: الشمس.
لسان العرب: ابن منظور 1: 299: الشمس.
البرهان في علوم القرآن: محمّد بن عبد الله الزركشي (ت 794 هـ) 4: 26: الشمس.
النتيجة:
1 - إنّ الشمس ردّت ليوشع وسليمان وعليّ عليهمالسلام .
2 - بطل الإشكال الّذي ذكره الأبناء! في أنّ الشمس لو ردّت حقيقةً لعليّ، لم تكن له فضيلة! لأنّه يكون قد أدّى صلاته في غير وقتها، فهو إمّا مقصّر والمقصّر عليه أن يتوب، وإمّا غير مقصّر فلا ذنب عليه ولا حاجة لردّ الشمس.
وجوابه: لقد أدّاها عليهالسلام في وقتها بدليل رجوع الشمس إلى وقت العصر. ولو لم يكن لرجوعها فضيلة لما دعا النبيّ صلىاللهعليهوآله ، واستجاب الله له فردّها، ولما دعا سليمان عليهالسلام ، فردّها سبحانه عليه.
وليس تقصير في البين، لا من سليمان النبي، ولا من عليّ الوصيّ عليهماالسلام ، فكلاهما كان في عبادة شغلته عن عبادة، مع الموقع المهمّ للصلاة في العبادات.
____________________
(1) الميزان في تفسير القرآن:محمّد حسين الطباطبائيّ «1321 - 1402 هـ) 17: 203.
(2) تفسير الصافي: الفيض الكاشانيّ (ت 1091 هـ) 40: 298.
(3) تنزيه الأنبياء: الشريف المرتضى: 135.
(4) غريب الحديث: ابن سلام (ت 224 هـ) 3: 79.
الفصل الثالث
ابن القيِّم وعالم الأرواح
إذا كبر على ابن القيّم ردّ الشّمس لعليّ عليهالسلام ، فافترى على الشّيعة إذ جعل الحديث خاصّاً بهم ورماهم بالكذب لذلك، فإنّه ولج عالم الأرواح.. ذلك العالم المجهول، فألّف فيه كتاباً سمّاه «الرّوح»، حشاه من الخرافات الّتي اعتبرها كرامات مسلّمات! فهذا له نصف الجنّة ثمناً لزهده وعبادته، والأنبياء والنّاس جميعاً لهم النّصف الآخر منها! وآخر يجالس الله تعالى، يأكل ويشرب بين يديه! وثالث أشغل الملائكة سنيناً في نسج حلّته، وإنّ الله تعالى قد انتقم لأحد عباده لأنّ فلاناً شتمه، فسخّر روح فلان وهو نائم لتحمل سكّيناً فتذبح الشّاتم من الأذن إلى الأذن.
ويمضي مكبّاً على وجهه يسرد القصص ويؤسّس عليها ما يراه علماً؛ ففلان ينتقل من بغداد إلى بيت الله الحرام، ويشرب من ماء زمزم، ثمّ يعود بنفس اللّيلة إلى بغداد، وكأنّه عفريت الجنّ الّذي جاء بعرش بلقيس فوضعه بين يدي سليمان نبيّ الله. وفلان العابد يمشي على الماء ويطير في الهواء من غير جناحين. وفلان العابد استجابة دعائه أسرع من البرق الخاطف، يغيّر الأنواء وأحوال الطّبيعة ويحيي الموتى!
وهو إذ يرفض حديث ردّ الشّمس، لم ينكر هذا الحشد الهائل من الخرافات ممّا لم يجر به قلم رافضيّ! وإنّما هي من هملجات مشيخة ابن القيّم وأبناء جلدته، وكلّ واحد منها يضاهي ردّ الشّمس أو حبسها. وهذه نظرة في كتابات هؤلاء وأخبارهم:
كرامات أحمد بن حنبل (1) : لقد حاول هؤلاء أو يستروا أنفسهم بدعوى التّسنّن، وكأنّ
____________________
(1) أحمد بن محمّد بن حنبل، مروزيّ الأصل، قدمت أمّه بغداد وهي حامل فولدته ونشأ بها. تاريخ بغداد 4: 412.
قال صالح بن أحمد بن حنبل: ولد - يعني أباه - في سنة أربع وستّين ومائة، وجيء به من ومرو حملاً. مناقب أحمد بن حنبل لابن الجوزيّ ص 13.
وقد ولي جدّه حنبل بن هلال سرخس، وكان من أبناء الدعوة، أي العبّاسيّة.
سمع من إسماعيل بن عليّة، ويحيى بن سعيد القطّان، وأبي داود الطيالسيّ، ووكيع بن الجرّاح، وسفيان بن عيينة، ومحمّد بن إدريس الشّافعيّ، وابراهيم بن سعد الزّهريّ، وعبد الرزّاق بن همام، وأبي مسهر الدمشقيّ، وعليّ بن عيّاش، وبشر بن شعيب الحمصيّين... وآخرين.
وروى عنه ابناه: صالح، وعبد الله، وابن عمّه حنبل بن إسحاق، والبخاريّ، ومسلم، وإبراهيم الحربيّ، وموسى بن هارون، وأبو بكر المروزيّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود السجستانيّ؛ وأبو حاتم الرازيان. تاريخ بغداد 4: 412 - 413؛ مناقب أحمد 33 - 106.
توفّي أحمد بن حنبل سنة إحد وأربعين ومائتين. قال عبد الوهّاب الورّاق: ما بلغنا أنّه كان للمسلمين جمع أكثر منهم على جنازة أحمد بن حنبل إلاّ جنازة في بني إسرائيل. تاريخ بغداد 4: 422؛ مناقب أحمد: 416.
وفي عدد من صلّى على أحمد يقول أبو زرعة: إنّ المتوكّل أمر أن يمسح الموضع الّذي وقف عليه النّاس حيث صلّى على أحمد بن حنبل، فبلغ مصلّى ألف ألف وخمس مائة ألف. وعن الحسن المقانعيّ، قال: كنت ببغداد فإذا بشيخ وشاب وعليهما طمران من شعر، فسلّمت عليهما، وقلت لهما: أراكما من غير هذا البلد! قالا: نعم، نحن من جبل اللكام، حضرنا جنازة أحمد بن حنبل، وما بقي أحد من الأولياء إلاّ شاهد هذا المكان، مناقب أحمد: 417.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده، فجعل يغرق ثمّ يفيق ثمّ يفتح عينيه ويقول بيده هكذا: لا بعد، لا بعد، ثلاث مرّات. فلمّا كان في الثالثة قلت: يا أبه أيّ شيء هذا؟ فقال: غبليس لعنه الله قائم حذائي عاضّ - في مختصر تاريخ دمشق 3: 253: قائماً بحذائي عاضّاً - على أنامله يقول لي: يا أحمد فتّني، وأنا أقول له: لا بعد، حتّى أموت. مناقب أحمد: 408.
ولعلّه يعني أنّ إبليس كان يلتمس من أحمد أن يطلق أساره فيأبى أحمد! قال الوركانيّ جار أحمد بن حنبل: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنّوح في أربعة أصناف من النّاس: المسلمين، واليهود، والنّصارى، والمجوس. وأسلم يوم مات عشرون ألفاً من اليهود والنّصارى والمجوس. تاريخ بغداد 4: 423؛ مناقب أحمد: 420؛ مختصر تاريخ دمشق 3: 255. =
____________________
= وقال أبو بكر المروزيّ: قال رجل بطرسوس: أنا من اليمن، وكانت لي بنت مصابة، فجئت بالعزّامين فعزموا عليها، ففارقها الجنّيّ على أن لا يعاود. فعاود بعد سنة فقلت: أليس قد فارقت على أن لا تعاود؟ قال: بلى، ولكن مات اليوم رجل بالعراق يقال له أحمد بن حنبل، فذهبت الجنّ كلّها تصلّي عليه إلاّ المردة وأنا منهم، ولست أعود بعد يومي هذا، فما عاد مناقب أحمد 420.
جملة من اعتقاداته : كان أحمد بن حنبل يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.
أمّا مذهبه في الصّفات قال عبد الله بن أحمد: قال أبي هذه الأحاديث - أي أحاديث الصّفات - نرويها كما جاءت. وإنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: إنّ أهل الجنّة يرون ربّهم. مناقب أحمد: 156؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 18: 87؛ وقال: إنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله : قد رأى ربّه. مناقب أحمد: 172.
قال أحمد: أصول السّنّة عندنا التمسّك بما كان عليه الصّحابة، وترك البدع، وليس في السّنّة قياس، والقرآن كلام الله غير مخلوق، والإيمان بالرؤية - أي رؤية الله سبحانه - يوم القيامة، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، والكلام فيه بدعة - أي الكلام في تأويل الأحاديث بما يناسب ذات الله المقدّسة من غير تمسّك بالظّاهر الّذي يفضي إلى التجسيم والتبعيض والتحديد - ولكن نؤمن به على ظاهرة ولا نناظر فيه أحداً، وإنّ الله يكلّم العباد يوم القيامة، ليس بينهم وبينه ترجمان. مناقب أحمد 173؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 18: 87.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلّم الله موسى لم يتكلّم بصوت. فقال أبي: بلى تكلّم بصوت. هذه الأحاديث نرويها كما جاءت، أي من غير تأويل.
قال: غذا تكلّم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، فيخرّون سجّداً (تاريخ الإسلام 18: 88). وقال: حديث ابن مسعود «إذا تكلّم الله سمع له صوت كمرّ السّلسلة على الصّفوان» قال: وهذا الجهميّة تنكره، وهؤلاء كفّار يريدون أن يموّهوا على النّاس (تاريخ الإسلام 18: 88).
لقد حكم أحمد على من ينزّه الله تعالى عن صفات البشر بالكفر! وكان أحمد شديداً على الجهميّة على ما رأينا من نعتهم بالكفر. ومن أقواله فيهم: إذا صلّيت وبجنبك جهميّ فأعد! مناقب أحمد 157. وهو إذ يدعو إلى الإرجاء فيما غاب من الأمور، فإنّه يحكم بالكفر على الواقفة - أي الّذين يقولون: القرآن كتاب الله، ويتوقّفون عن القول إنذه غير مخلوق - ففي الإرجاء قال: من صفة المؤمن من أهل السّنّة والجماعة إرجاء ما غاب عنه من الأمور إلى الله (مناقب أحمد 156). وفي الواقفة قال سلمة بن شبيب: دخلت على أحمد بن حنبل فقلت: ما تقول فيمن يقول القرآن كلام الله؟ فقال أحمد: من لم يقل كلام الله غير مخلوق فهو كافر. وقال سلمة: قلت لأحمد: الواقفة كفّار؟ فقال: كفّار «نفس المصدر». وقال أحمد: افترقت الجهميّة على ثلاث فرق، فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله، وسكتوا، وفرقة قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. ثمّ قال: لا يصلّى خلف مَن =
____________________
= قال القرآن مخلوق، ولا خلف واقفيّ ولا خلف لفظيّ.
(نفس المصدر 159).
مهاجمة أحمد للفرق الإسلاميّة: ولم يقف أحمد في حملته الشديدة على من ذكرنا. فلقد أشعل فتيل المعركة الكلاميّة مع المعتزلة والشّيعة، إلاّ أنّ حملته كانت أشد على الشّيعة الّذين نعتهم بالرّوافض. وهو ما يفسّر حماسة ابن تيميّة في حربه الكلاميّة مع هؤلاء. في المعتزلة قال أحمد: علماء المعتزلة زنادقة. (مناقب أحمد 158). وفي الشّيعة قال: إنّهم قالوا: إنّ عليّاً أفضل من أبي بكر، وإنّ إسلام عليّ أقدم من إسلام أبي بكر. فمن زعم أنّ عليّا أفضل من أبي بكر فقد ردّ الكتاب والسّنّة. ومن زعم أنّ إسلام عليّ كان أقدم من إسلام أبي بكر فقد أخطأ؛ لأنّ أبا بكر أسلم وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، وعليّ يومئذ ابن سبع سنين لم تجر عليه الأحكام والحدود والفرائص! (مناقب أحمد 169).
إنّ الّذي أجرى الأحكام والحدود والفرائض على عليّ عليهالسلام هو الله ورسوله، لا أحمد وغيره. فمن ردّ ذلك فقد ردّ الكتاب والسّنّة! ولقد نطق عيسى عليهالسلام بالنبوّة وهو في المهد صبيّ! والكلام مبسوط في كتب أئمّة المذاهب، ولم يختلفوا في أنّ عليّاً ليس أوّل من أسلم فحسب، وإنّما لم يكفر يوما لكي يسلم، ولم يسجد قطّ لصنم من أصنام قريش ولا غيرها، ولذا قالوا فيه: كرّم الله وجهه. أمّا مسألة التفضيل فليس هذا محلّ الكلام فيها، إلاّ أنّه لابدّ من القول وجازة: إنّ عليّاً نفس رسول الله قرآنا وسنّة - وقد عرضنا لهذه القضيّة في كتابنا هذا - ولا يعدل رسول الله أحد، فكيف يفضله؟!
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: كان أبي يقول: لا تصلّي خلف رافضيّ (مناقب أحمد 159). وأحمد إذ ينعت الشيعيّ بالرّفض، فإنّه ينفي عنه صفة الإسلام! مناقب أحمد 165.
أحمد وأئمّة المذاهب: تنقّص أحمد من أئمّة المذاهب، إلاّ أستاذه الشّافعيّ. قال إبراهيم الحربيّ: سمعت أحمد بن حنبل - وسئل عن مالك - فقال: حديث صحيح ورأي ضعيف. وسئل عن الأوزاعيّ، فقال: حديث ضعيف ورأي ضعيف. وسئل عن أبي حنيفة، فقال: لا رأي ولا حديث. وسئل عن الشّافعيّ، فقال: حديث صحيح ورأي صحيح (تاريخ بغداد 13: 416).
وكان أحمد يقول: كان أبو حنيفة يكذب (نفس المصدر). وقال يوسف بن الحسين: سألت أحمد بن حنبل عن شيوخ الرّيّ، فقال: خمسة أدعو لهم في دبر كلّ صلاة: أبواي، والشّافعيّ، وأبو زرعة، وآخر ذهب عنّي اسمه. (مناقب أحمد 286). وقال القاضي محمّد بن محمّد بن إدريس الشّافعيّ: قال لي أحمد بن حنبل: أبوك أحد الستّة الّذين أدعو لهم سحراً (مناقب أحمد 286).
وكان الشّافعيّ يطري أحمد بن حنبل. من ذلك: إنّ الشّافعيّ قال عند قدومه إلى مصر من العراق: ما خلّفت =
____________________
= أحداً بالعراق يشبه أحمد بن حنبل. المصدر السابق 107. وله فيه أقوال كثيرة، انظر المصدر.
قوله بالعرش: ومن معتقداته أنّ الله تعالى كائن على عرشه، وهذا ما خالفته فيه المعتزلة والشّيعة؛ لأنّه عندهم يعني تحديد ذات الله تعالى في حيّز يشار إليه.
قال حنبل بن إسحاق: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ربّنا تبارك وتعالى على العرش بلا حدّ ولا صفة (تاريخ الإسلام للذهبيّ 18: 88).
قال الذهبيّ: معنى قوله بلا صفة أي بلا كيفيّة ولا وصف (نفس المصدر).
وقال محمّد بن إبراهيم القيسيّ: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك أنّه قيل له: كيف نعرف ربّنا؟ قال: في السّماء السّابعة على عرشه. قال أحمد: هكذا هو عندنا. (نفس المصدر).
عقيدته في أفعال العباد: ويبدو أنّ أحمد بن حنبل يذهب مذهب الجبريّة في تفسير أفعال العباد. قال في صفة المؤمن: يؤمن بالقضاء والقدر خيره وشرّه، وحلوه ومرّه من الله، وأنّ الله خلق الجنّة قبل خلق الخلق؛ وخلق للجنّة أهلاً، وخلق للنّار أهلاً (مناقب أحمد 169).
قال إسحاق بن إبراهيم: حضرت رجلا سأل أبا عبد الله - أحمد بن حنبل - فقال: يا أبا عبد الله، إجماع المسلمين على الإيمان خيره وشرّه؟ قال أبو عبد الله: نعم. قال: ولا نكفّر أحداً بذنب؟ فقال أبو عبد الله: اسكت، من ترك الصّلاة فقد كفر، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر (تاريخ الإسلام 18: 88).
من خلال المحاورة الأخيرة تتجلّى عقيدة أحمد بن حنبل في أفعال العباد، وأنّه يأخذ بمبدأ مدرسة أهل الجبر. فإنّ الرجل قد رتّب أثراً على جواب أحمد لسؤاله أنّ الخير والشرّ مقدّران من الله تعالى على عباده! فأشكل عليه أن لا يمكن والحال هذه تكفير أحد بذنب، وهو النتيجة المنطقيّة، ممّا أثار حفيظة أحمد الّذي يعتقد أنّ القول بخلق القرآن ذنب ما بعده ذنب، ومن قال به فقد كفر! ولتسويغ القول مازج بينه وبين ترك الصّلاة.
وقد أرتج باب لم، وكيف؟ وعطّل العقل عن الجواب عن ذلك وعن غيره. قال: «ومن السّنّة اللاّزمة الّتي من ترك منها خصلة ولم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها، لا يقال لم ولا كيف؟ إنّما هو التصديق والإيمان بها، ومن لم يعرف تفسير الحديث وبلغه عقله فقد كفى ذلك، فعليه الإيمان والتسليم له، مثل حديث الصادق المصدوق، ومثل ما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلّها. وإن نبت - أي نفرت - عن الأسماع، واستوحش منها المستمع، فإنّما عليه الإيمان بها وأن لا يردّ منها حرفا واحداً؛ فإنّ الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السّنن مكروه منهيّ عنه لا يكون صاحبه - وإن أصاب بكلامه السّنّة - من أهل السّنّة (مناقب أحمد 171 - 172).
وكان من معتقد أحمد بن حنبل: وجوب لزوم جانب السلطان ومؤازرته، برّاً كان أم فاجراً «والسّنّة الّتي =
السّنّة تكون في اختلاق الكرامات لرفع شأن أشخاص! ولما كانت الأرض الّتي نبت فيها هؤلاء حنبليّة، فقد ذكروا لأحمد بن حنبل شمائل هي أشرف من الشّمس وأسنى من كرامة ردّها. وكذلك لما كان عصرهم يمور بالفتن والصراعات المذهبيّة، يغذّي ذلك
____________________
= توفّي عليها رسول الله صلىاللهعليهوآله أوّلها: الرّضى بقضاء الله والتسليم لأمره، والإيمان بالقدر خيره وشرّه، والجهاد مع كلّ خليفة برّ وفاجر، والصّبر تحت لواء السّلطان على ما كان منه من عدل أو جور، ولا يخرج على الأمراء بالسّيف وإن جاروا. ومن خرج على إمام من أئمّة المسلمين وقد كان النّاس اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأيّ وجه كان، بالرّضى أو بالغلبة، فقد شقّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهليّة» (مناقب أحمد 175 - 176).
مذهبه في الصّحابة: بالغ أحمد بن حنبل في تعريف الصّحابيّ وتبجيله، فخلط حقّاً بباطل! وظهر أثر ذلك جليّاً في أتباعه: أبو الفرج بن الجوزيّ، وابن تيميّة، وابن القيّم... حتّى جعلوا عليّاً عليهالسلام ، ومعاوية، ويزيد، وابن النّابغة عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة في كفّتي ميزان متعادل! فالصّحابي عنده هو من صحب رسول الله صلىاللهعليهوآله ، سنّة، أو شهراً، أو يوماً، أو ساعةً، أو رآه، فهو من أصحابه (مناقب أحمد 161).
ورتّب على ذلك أثراً عظيماً، ذلك أنّ الصّحابيّ أفضل من التّابعيّ ولو كان الأخير أعظم في عمل الخير من الأوّل، وأن الصّحابيّ مصون غير مسؤول! ولا يرتضى عمل حتّى يقترن بالرضى عن كلّ الصّحابة! قال: «له - أي الصّحابيّ - من الصّحبة على قدر ما صحبه، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الّذين لم يروه. ولو لقوا الله بجميع الأعمال كان هؤلاء الّذين صحبوا النبيّ ورأوه وسمعوا منه أفضل؛ لصحبتهم، من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير. ومن انتقص أحدا من أصحاب رسول الله، أو أبغضه لحدث كان منه، أو ذكر مساويه، كان مبتدعاً حتّى يترحم عليهم جميعاً، ويكون قلبه لهم سليماً (مناقب أحمد: 161).
وحين سئل عن عليّ عليهالسلام ، ومعاوية، قال: ما أقول فيهم إلاّ الحسنى، وقال: رحمهم الله أجمعين - أي الصحابة. ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعريّ، والمغيرة كلّهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) نفس المصدر 164.
مذهبه في تفضيل الصّحابة : قال يعقوب بن إسحاق: سمعت أحمد بن حنبل - وسئل عن التفضيل - فقال على حديث ابن عمر: أبو بكر وعمر وعثمان. والخلافة، على حديث سفينة: أبو بكر وعمر و عثمان وعليّ نفس المصدر 159.
وقال محمّد بن عوف: سألت أحمد بن حنبل: ما تقول في التفضيل؟ فقال: من فضّل عليّاً على أبي بكر فقد طعن على رسول الله! ومن قدّم عليّاً على عمر فقد طعن على رسول الله وعلى أبي بكر! ومن قدّم عليّاً على عثمان فقد طعن على رسول الله وأبي بكر وعمر و على المهاجرين! ولا أحسب يصلح له عمل! نفس المصدر 162.
السّلطان الحاكم - وقد برزت وقتئذ ظاهرة التصوّف وأدعياء الزّهد - راح كلّ فريق يتغنّى بليلاه!
أحمد في ضيافة الله
قال ابن القيّم: قال عاصم الجزريّ: «رأيت في المنام كأنّي لقي بشر بن الحارث - الصوفيّ المعروف ببشر الحافي - فقلت: من أين يا أبا نصر؟ قال: من علّيّين. قلت: فما فعل أحمد بن حنبل؟ قال: تركته السّاعة مع عبد الوهّاب الورّاق بين يدي الله عزّ وجلّ، يأكلان ويشربان. فقلت له: فأنت؟ قال: علم قلّة رغبتي في الطّعام، فأباحني النّظر إليه» (1) .
إنّ نسك بشر الحافي وزهده بلذائذ الدّنيا قد صحباه إلى الجنّة ونعيمها، فزهد بها فعوّضه الله تعالى النظر إليه جلّ وعلا، فيما كانت كرامة أحمد، وعبد الوهّاب أن يكونا في أعلى المراتب: يأكلان ويشربان بين يدي الله تعالى. وكلّ ذلك من التحيّز والتجسيم الّذي حوقق عليه ابن تيميّة، وابن القيّم.
حلية أحمد
ليست الشّمس بأشرف قدراً عند الله تعالى من الملائكة المقرّبين، إلاّ أنّ ابن القيّم قد أعظم ردّ الشّمس لعليّ عليهالسلام فأنكره، فيما صدّق الطّرسوسيّ في رؤياه أنّ الملائكة منشغلة بتحلية أحمد!
قال: قال أبو بكر أحمد بن محمّد بن الحجّاج: حدّثني رجل من أهل طرسوس، قال: دعوت الله عزّ وجلّ أن يريني أهل القبور حتّى أسألهم عن أحمد بن حنبل ما فعل الله به؟ فرأيت بعد عشر سنين في المنام كأنّ أهل القبور قد قاموا على قبورهم، فبادروني بالكلام فقالوا: يا هذا! كم تدعو الله عزّ وجلّ أن يريك إيّانا، تسألنا عن رجل لم يزل منذ فارقكم تحلّيه الملائكة تحت شجرة طوبى؟! (2)
____________________
(1) الرّوح: 41.
(2) نفس المصدر 40.
والسؤال: ألم يكن من الأولى لهذا الطّرسوسيّ أن يسأل الله تعالى ليريه منزلة أحمد، من غير أن يجعل بينه وبين الله سبحانه واسطة، فيستغني بذلك عن أهل القبور الّذين أبطأوا عنه في الجواب كلّ تلكم السنين؟! وما هذه القيامة من أهل القبور، أهي القيامة الصّغرى أم نفخ الصّور ففزعوا من دون الأحياء؟! علماً أنّ ابن القيّم يؤكّد في كتابه «الرّوح» أنّ الأجساد تبلى، وتبقى الأرواح! وأيّ حلية هذه الّتي أضنى بها الملائكة أنفسهم على مدار عشر سنين ولم يفرغوا من تجهيز أحمد بها؟!
ثمن الولاء
ما أرخص التضحية إذا كان الثمن هو الكيل بالميزان الأوفى! وما أحلى لسع السّياط إن كان في كلّ سوط ما يقرّب إلى الله تعالى درجة، حتّى إذا مات رأى الله تعالى جهرة، وذلك قبل يوم الحساب، ولا ندري ماذا أعدّ له الله سبحانه يومئذ من النّعيم! قال ابن القيّم قال أحمد بن محمّد اللبدي: رأيت أحمد بن حنبل في النّوم، فقلت: يا أبا عبد الله! ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، ثمّ قال لي: يا أحمد! ضربت فيّ ستّين (1) سوطاً؟ قلت: نعم يا رب، قال: هذا وجهي قد أبحتك فانظر إليه. (2)
ولم يكن ابن القيّم بدعاً فيما ذكره في روحه «كتاب الرّوح» من الغلوّ في إمامه؛ فقد سبقه إلى ذلك شيوخه: ابن تيميّة وابن الجوزيّ، ونعق بها بعدهم أعراب جفاة. وهذه أمثلة وشواهد.
الله سبحانه وتعالى يزور أحمد بن حنبل
إذا كان ابن القيّم قد رضي لنفسه تصديق ما قد سلف من منامات تعرب عن علوّ شأن أحمد - ومنها الجلوس إلى مآدب الله تعالى، وتنعّمه بالنّظر إليه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً - فإنّ مدرسة التجسيم ذهبت إلى أنّ الله تعالى يبادل أحمد الزيارة. رو ابن الجوزيّ في
____________________
(1) إشارة إلى إمتناع أحمد بن حنبل من القول بخلق القرآن، فجلده المعتصم لذلك.
(2) الرّوح: 40.
مناقب أحمد، قال: حدّثني أبو بكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربيّ وكان شيخاً صالحاً ن قال: قد جاء في بعض السنين مطر كثير جدّا قبل دخول رمضان بأيّام، فنمت ليلة في رمضان فأريت في منامي كأنّي قد جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره، فرأيت قبره قد التصق بالأرض مقدار ساف أو سافين، فقلت: إنّما تمم هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث، فسمعته من القبر وهو يقول: لا، بل هذا من هيبة الحقّ عزّ وجلّ، قد زارني فسألته عن سرّ زيارته إيّاي في كلّ عام، فقال عزّ وجلّ: يا أحمد، لأنّك نصرت كلامي فهو ينشر ويتلى في المحاريب. (1)
فما أحرى العلماء أن ينهجوا مذهب أحمد بن حنبل، فلعلّ الباري سبحانه ينعم عليهم بمثل ذلك!
وابن تيميّة، وابن الجوزيّ، وابن القيّم، وأصحاب الفتنة الإرهابيّة: أشياع ابن عبد الوهّاب الّذين انطلقوا من نجد، وحذّر منهم رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وما زالوا يمارسون جرائمهم على خطى الخوارج، حذو النّعل بالنّعل، يرتضون الكافر ويحاربون المسلم، وذريعتهم أنّه - أي المسلم - قبوريّ وثنيّ يشدّ الرّحال لزيارة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وزيارة مراقد أهل بيته عليهمالسلام ، والأولياء والصالحين، ويحكمون بالشّرك على من يقبّل مرقد أشرف بني آدم مطلقاً: رسول الله صلىاللهعليهوآله ، لكنّهم قد خصّوا قبر أحمد بفضيلة التقبيل!
وإذا كانت قدرة الله تعالى قد تجلّت للجبل فاندكّ الجبل وخرّ موسى صعقاً، فإنّ الله تعالى بذاته يزور قبر أحمد فلا يتحفض إلاّ هذا المقدار اليسير «ساف أو سافين»، وذلك لأنّه يضمّ أحمد الّذي لا ندري أهو في علّيّين كما زعموا، أم في قبره كما ذكروا؟!
لقد جعل الأبناء: ابن حنبل، وابن الجوزيّ، وابن عبد الوهّاب النّجديّ الله تعالى محلاًّ للحوادث، فأحمد يرفع إلى حضرة الربّ يزور الله سبحانه، يحاوره ويتنعّم بالنّظر إليه، ويأكل ويشرب بين يديه. وهذا يعني أنّه جلّ وعلا في جهة يشار إليها، وينطق بحرف وصوت، وله وجه يرى. وهذه كما ترى أبعاض. وهو تعالى ينزل من عند جهته العلويّة إلى حيث أحمد، تكريماً له ومبادلة لزيارته. إنّ النزول والارتفاع وما إليهما... كلّ ذلك
____________________
(1) مناقب أحمد بن حنبل، ابن الجوزيّ: 454.
حوادث، وجميعها جائز في حقّ إمام هذا المذهب لتكريمه؛ أمّا أن تقع كرامة إلهيّة في شأن مخلوق من مخلوقات الله تعالى، بدعاء من نبيّه فهو منكر لا يجوز!
أحمد أعلى من النبيّ منزلة
رفع هؤلاء مقام أحمد على مقام النبيّ صلىاللهعليهوآله ، إذ جوّزوا تقبيل قبره وشدّ الرّحال لزيارته، ومن تخلّف عن ذلك فقد جفاه، ومن زاره وتشفّع به عند قبره غفر الله ذنبه. وقد عمّت بركته أهل القبور، فأضاء الله تعالى لهم وغفر لهم، وذلك لمجاورتهم أحمد! ففي الخبر الّذي ذكره ابن الجوزيّ عن الحربيّ، قال: «فأقبلت على لحده - أي أحمد اُقبّله، ثمّ قلت: يا سيّدي! ما السّرّ في أنّه لا يقبّل قبر إلاّ قبرك؟ فقال لي: يا بنيّ ليس هذا كرامة لي، ولكن هذا كرامة لرسول الله؛ لأنّ معي شعرات من شعره. ألا ومن يحبّني يزورني في شهر رمضان، قال ذلك مرّتين (1) .
صحيح أنّه استدرك فجعل ذلك كرامة لرسول الله صلىاللهعليهوآله ، بأثر الشّعرات الّتي عنده، إلاّ أنّه قد خصّ بالتقبيل قبر أحمد من دون قبر النبيّ صلىاللهعليهوآله ولم يذكر لنا كيف انتقلت الشعرات إليه؟!
وذكروا عن أبي الفرج الهندبائي أنّه قال: كنت أزور قبر أحمد بن حنبل، فتركته مدّة، فرأيت في المنام قائلاً يقول لي: تركت زيارة قبر إمام السنّة؟!. (2)
رسول الخضر إلى أحمد
قال سلمة بن شبيب: كنّا مع أحمد بن حنبل جلوساً إذ جاءه رجل، فقال: من منكم أحمد بن حنبل؟ فسكتنا فلم نقل شيئاً، فقال: أنا أحمد بن حنبل، ما حاجتك؟! قال: ضربت إليك من أربعمائة فرسخ برّها وبحرها، جاءني الخضر ليلة الجمعة وقال لي: لم لا تخرج إلى أحمد بن حنبل؟! فقلت: لا أعرفه، فقال تأتي بغداد وتسأل عنه، وقل له: إنّ
____________________
(1) مناقب أحمد بن حنبل لأبي الفرج بن الجوزيّ: 454.
(2) نفس المصدر: 481؛ تاريخ بغداد للخطيب 4: 423.
ساكن السّماء الّذي على عرشه راض عنك، وسائر الملائكة راضون عنك بما صبّرت نفسك لله عزّ وجلّ. (1)
أترى إذن كيف جعلوا لله تعالى سكناً يأوي إليه هو السّماء، وهو على عرش له هناك! ولأجله كفّروا من تأوّل العرش فقال بأنّه قدرة الله المطلقة العلويّة المسيطرة!
زيارة أحمد حطّة الذنوب
قال ابن الجوزيّ: في صفر سنة 542 رأى رجل في المنام قائلاً يقول له: من زار أحمد ابن حنبل غفر له! قال: فلم يبق خاصّ ولا عامّ إلاّ زاره. وعقدت يومئذ ثمّ مجلساً، فاجتمع فيه ألوف من النّاس. (2)
عوائد زوّار أحمد
وعن جوائز زائري أحمد السّنيّة، ذكر ابن الجوزيّ عن أحمد بن الحسين عن أبيه، قال: قال الشيخ أبو طاهر ميمون: يا بنيّ، رأيت رجلاً بجامع الرّصافة في شهر ربيع الأوّل من سنة ستّين وأربعمائة، فسألته فقال: قد جئت من ستّمائة فرسخ. فقلت: في أيّ حاجة؟ قال: رأيت وأنا ببلدي في ليلة جمعة كأنّي في صحراء أو في فضاء عظيم، والخلق قيام وأبواب السّماء قد فتحت، وملائكة تنزل من السّماء تلبس أقواماً ثياباً خضراً ويطير بهم في الهواء، فقلت: من هؤلاء الذين اختصّوا بهذا؟! فقالوا لي: هؤلاء الّذين يزورون أحمد ابن حنبل. فانتبهت، ولم ألبث أن أصلحت أمري، وجئت إلى هذا البلد وزرته دفعات، وأنا عائد إلى بلدي إن شاء الله. (3)
إنّ الشّيخ ميمون هذا لم يذكر لنا ما الّذي حلّ بهؤلاء الّذين طير بهم في الهواء: أعادوا إلى الأرض أم دخلوا الفردوس قبل الموت، ومن ثمّ قيام السّاعة؟!
____________________
(1) مناقب أحمد 459؛ مختصر تاريخ دمشق 3: 251.
(2) البداية والنهاية لابن كثير 12: 323.
(3) مناقب أحمد لابن الجوزيّ: 481.
ولم لم تشمل الشّيخ تلك المكرمة الحلميّة العجيبة؟!
بركة أحمد تعمّ أهل القبور
أحمد بن حنبل محض بركة وخير، في حياته ومماته، لزائريه وجيرانه من الموتى! ذكر ابن الجوزيّ في مناقب أحمد، قال: لما مات أحمد بن حنبل راى رجل في منامه كأنّ على كلّ قبر قنديلاً. فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنّه نور لأهل القبور ينوّرهم بنزول هذا الرّجل بين أظهرهم، وقد كان فيهم من يعذّب فرحم. (1)
قال: «مات رجل مخنّث فرئي في النّوم، فقال: قد غفر لي! دفن عندنا أحمد بن حنبل فغفر لأهل القبور» (2) !
إنّهم بهذا قد أقرّوا لأحمد بن حنبل من الشرف والمكانة الرفيعة ما لم يقرّوا بأقلّ القليل منها لرسول الله صلىاللهعليهوآله ! وأحمد إنّما يستمدّ الشّرف بقدر اتّباعه للنبيّ صلىاللهعليهوآله . فهم ينكرون الاستشفاع بالميّت نبيّاً كان أم غيره، ويحملون على الّذين ينقلون جنائز موتاهم ليجعلوها بجوار النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والأولياء. إلاّ أنّهم قد منحوا أحمد الشفاعة جميعها! فسعيد حظّ من دفن بجواره، لتشمله بركته وشفاعته، وتغفر له ذنوبه فيصبح من أهل الجنّة بعد أن كان من أهل النّار!
قال: وحكى أبوظاهر الجمّال، قال: قرأت ليلة وأنا في مقبرة أحمد بن حنبل قوله تعالى: ( فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ ) . ثمّ حملتني عيني فسمعت قائلاً يقول: ما فينا شقيّ والحمد لله - ببركة أحمد! (3)
وما حكاه الجمّال ليس من شأن أهل القبور وعالم البرزخ، إنّما هو عن حال الإنسان يوم القيامة! والآية بتمامها: ( يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلّمُ نَفْسٌ إِلّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ ) (4) . وممّا
____________________
(1) مناقب أحمد: 482.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
(4) سورة هود / 105.
يؤكّد ذلك أنّ الآية الشريفة مسبوقة بقوله تعالى: ( إِنّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) (1) ، ثمّ قوله تعالى: ( وَمَا نُؤَخّرُهُ إِلّا لاَِجَلٍ مَعْدُودٍ ) (2) . إلى قوله تعالى: ( فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ ) (3) . وعقّب بعد ذلك بشرح حال أصحاب النّار، وأصحاب الجنّة، فظهر من ذلك باطل ما يفترون وزيف ما يبالغون!
حداد الملائكة على موت أحمد
أنكروا أشدّ الإنكار منقبة لأمير المؤمنين عليهالسلام ، وهي هتاف جبرئيل يوم أحد، وذلك لما قتل عليّ عليهالسلام أصحاب الألوية وصناديد المشركين، فسمعوا هاتفاً يقول:
لا سيف إلاّ ذو الفقار |
ولا فتى إلاّ عليّ (4) |
إلاّ أنّ ابن تيميّة الذي وظّف قلمه وجعله وقفاً على إنكار الحقّ وقلب الحقائق، وناضل مستميتاً لإنكار وتكذيب ما لأمير المؤمنين عليهالسلام من الفضائل، قد عمد إلى هذه الفضيلة فقال فيها: «كذب مفترى» (5) ! وهم مثلما كذبوا حينما كذّبوا حديث ردّ الشّمس أو حبسها، وجعلوا ذلك من مفتريات الرّوافض ولم يقولوا: إنّه من مفتريات المسلمين حنبليّهم ومالكيّهم وحنفيّهم وشافعيّهم، وصحابيّهم وتابعيّهم، وأمّهات المؤمنين؛ قد ذكروا لرجال فضائل تضاهي الشّمس في علاها، وردّها وتكوير سناها! معيارهم في ذلك أحلام ومنامات يروونها على لسان رجل مجهول أو امرأة نكرة؛ بيد أنّهم رفضوا حديث الهتاف
____________________
(1) هود: 103.
(2) نفس المصدر 104.
(3) نفس المصدر 105.
(4) السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 106؛ تاريخ الطبريّ 2: 197؛ الروض الأنف 2: 143؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 1: 9، ونفس المصدر عن أحمد بن حنبل عن ابن عباس 2: 236؛ المناقب للخوارزميّ: 104؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 55 - 56؛ التذكرة لسبط بن الجوزيّ: 16؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 197؛ كفاية الطّالب للگنجيّ الشافعيّ: 277؛ ذخائر العقبى: 74؛ الرياض النضرة 2: 190؛ المستدرك على الصحيحين 2: 385؛ سنن البيهقيّ 3: 276؛ لسان الميزان 4: 406؛ ميزان الاعتدال 3: 324....
(5) علم الحديث لابن تيميّة 503.
يوم أحد - على اشتهاره في كتب التاريخ والحديث عند المذاهب جميعاً، إلاّ مذهب ابن تيميّة ومن نعق معه - وارتضوا أنّ الملائكة قد أقامت مجلس عزاء في السماوات العلى يوم مات أحمد بن حنبل! قال ابن الجوزيّ: «بلغني عن بعض السّلف القدماء، قال: كانت عندنا عجوز من المتعبّدات قد خلت بالعبادة خمسين سنة، فأصبحت ذات يوم مذعورة، فقالت: جاءني بعض الجنّ في منامي فقال: إنّي قرينك من الجنّ، وإنّ الجنّ استرقت السّمع بتعزية الملائكة بعضها بعضا بموت رجل صالح يقال له أحمد بن حنبل، وتربته في موضع كذا، وإنّ الله يغفر لمن جاوره، فغن استطعت أن تجاوريه في وقت وفاتك فافعلي، فإنّي لك ناصح، وإنّك ميّتة بعده بليلة. فماتت كذلك، فعلمنا أنّه منام حقّ» (1) .
والسؤال: من أين علمت الجنّ بيوم وفاة هذه العجوز الصّالحة؟! وكان من بركة هذا الجوار: غرق قبرها بفيض المطر، إذ ذكروا في حوادث سنة 725: ومن الآيات أنّ مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه؛ فإنّ الماء دخل في الدّهليز علوّ ذراع ووقف بإذن الله، وبقيت البواري عليها غبار حول القبر. صحّ هذا عندنا. (2)
الشّهداء يشيّعون أحمد
وكما أقامت الملائكة مجالس العزاء على موت أحمد، فإن الشّهداء أيضا قد تشرّفوا بتشييع أحمد! قال ابن مجمّع بن مسلم: كان لناجار قتل بقزوين، فلمّا كان اللّيلة الّتي مات فيها أحمد بن حنبل خرج إلينا أخوه [أي أخو الجار المقتول] في صبيحتها، فقال: إنّي رأيت رؤيا عجيبة: رأيت أخي اللّيلة في أحسن صورة راكباً على فرس، فقلت له: يا أخي أليس قد قتلت؟ فما جاء بك؟! قال: إنّ الله أمر الشّهداء وأهل السماوات أن يحضروا جنازة أحمد بن حنبل، وكنت فيمن أمر بالحضور. فأرّخنا تلك الليلة، فإذا أحمد بن حنبل مات فيها. (3)
____________________
(1) مناقب أحمد: 483.
(2) شذرات الذهب 6: 66؛ مرآة الجنان 4: 273.
(3) تهذيب الكمال: المزيّ 1: 468.
زلزلة عبّادان بموت أحمد
قال أبوبكر النّجاحيّ: لما كان في تلك الغداة الّتي ضرب فيها أحمد بن حنبل - من قبل المعتصم - زلزلنا ونحن بعبّادان» (1) !
وقد ذكروا في كتب السّيرة أنّه لما مات إبراهيم ابن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، كسفت الشّمس، فقال النّاس في ذلك شيئاً، فأوضح النبيّ لهم أنّ الشّمس والقمر من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، والأرض من آيات الله، فلم الزلزلة لما ضرب أحمد؟!
الجنّ تقيم مآتم الحزن على أحمد
شارك صالحو الجنّ الطبيعة اضطرابها، والملائكة حزنها على أحمد! قال صالح بن أحمد بن حنبل: كان أهلنا يذكرون أنّهم يسمعون رنّة لا تشبه رنّة الإنس من دار أبي عبد الله - أحمد - إذا هدأت العيون، بعد وفاته بأربعين صباحاً. (2)
وقال أحمد بن محمّد الخلاّل: حدّثني أحمد بن محمّد بن محمود، قال: كنت في البحر مقبلاً من ناحية السّند، فقمت في اللّيل فإذا هاتف من ناحية البحر يقول: مات العبد الصالح أحمد بن حنبل! فقلت لبعض من كان معنا: من هذا؟ فقال: هذا من صالحي الجنّ. ومات أحمد تلك الليلة وقال أبو زرعة: كان يقال عندنا بخراسان إنّ الجنّ نعت أحمد بن حنبل قبل موته بأربعين صباحاً! (3)
أحمد ملك أهل الجنّة
بلغ من علوّ شأن أحمد وخطر منزلته أنّ الله تعالى يقرّبه إلى نفسه ويضع بيده تاج الوفاء على رأسه! والخبر في ذلك يرد من طرق كثيرة من الحنابلة الأوفياء ممّن رأى أحمد في النّوم على تلك الحال! من ذلك: قال زكريّا بن يحيى السّمسار: رأيت أحمد بن حنبل
____________________
(1) تهذيب الكمال: المزيّ 1: 461.
(2) مناقب أحمد بن حنبل 422.
(3) نفس المصدر 421. ولكن كيف علمت الجنّ علم ما هو آتٍ؟!
في المنام على رأسه تاج مرصّع بالجوهر، في رجليه نعلان وهو يخطر بهما. فقلت: أبا عبد الله ماذا فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وأدناني من نفسه، وتوّجني بيدهبهذا التّاج. وقال لي: هذا بقولك: القرآن كلام الله غير مخلوق، قلت: فما هذه الخطرة الّتي لم أعرفها لك في دار الدّنيا؟ قال: هذه مشية الخدّام في دار السّلام (1) !
أحمد قسيم الجنّة
قال عليّ بن الموفّق: «رأيت كأنّي أدخلت الجنّة، فإذا أنا بثلاثة نفر: رجل قاعد على مائدة قد وكّل الله به ملكين، فملك يطعمه وملك يسقيه. وآخر واقف على باب الجنّة ينظر إلى وجوه قوم فيدخلهم الجنّة. وآخر واقف في وسط الجنّة، شاخص ببصره إلى العرش ينظر إلى الرّب. فجئت إلى رضوان، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: أما الأوّل فبشر الحافي وأمّا الواقف في وسط الجنّة فمعروف الكرخيّ وأمّا الواقف على باب الجنّة فأحمد بن حنبل قد أمره الجبّار أن ينظر إلى وجوه أهل السّنّة، فيأخذ بأيديهم فيدخلهم الجنّة» (2) !
وفي رؤيا عبد الرحمن بن يونس: إنّ الله تعالى أعطاه - أحمد - جنّة عدن لا يدخلها إلاّ من أحبّه. (3)
غضب جهنّم لمعاقبة أحمد
وكما مادت الأرض فزلزلت بأهل عبّادان يوم ضرب أحمد. كذلك غضبت جهنّم.
قال عثمان بن أحمد: حدّثني من أثق به أنّ امرأة رأوها في النّوم وقد شاب صدغها، فقيل لها ما هذا الشّيب؟ قالت: لما ضرب أحمد بن حنبل زفرت جهنّم زفرة لم يبق منّا أحد إلاّ شاب! (4)
____________________
(1) مناقب أحمد: 436.
(2) نفس المصدر 443.
(3) نفس المصدر 447.
(4) نفس المصدر 471.
الملائكة تعتذر من أحمد
وأحمد مستثنى من سنّة الله تعالى في سؤال الملكين الكريمين للميّت في القبر. ذكر ابن الجوزيّ في ذلك: عن عبد الله بن أحمد، يقول: رأيت أبي في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قلت: جاءك منكر ونكير؟ قال: نعم، قالا لي: من ربّك؟ قلت سبحان الله! أما تستحيان منّي؟! فقالا لي: يا أبا عبد الله أعذرنا! بهذا أمرنا (1) .
ألا يعلم أحمد أنّهما مأموران من الله جلّ شأنه؟! وأنّ سؤال القبر حقّ لا يستثنى منه أحد؟! ولم يعتذر الملكلان من وظيفتهما الّتي أمرهما الله تعالى بها؟! وهل في غير الدنيا ألقاب وكنى، وإنّما بعدها الاسم والعمل وحسب؟!
بركة قلم أحمد
كنّا نقرأ في الأحاديث الشريفة أنّ «مداد العلماء أفضل من دماء الشّهداء». ونفيد من ذلك أنّ نفحات العلماء العاملين الصّادقين، منار هداية للأمّة.. أمّا أن يتحوّل قلم العالم ذاته إلى وسيلة تلقيح فهو بعيد يصعب تصديقه. ولو فرض علينا ذلك فبشرط تصديق حديث ردّ الشّمس! قال أبو طالب عليّ بن أحمد: دخلت يوماً على أبي عبد الله - أي أحمد بن حنبل - وهويملي وأنا أكتب، فاندقّ قلمي، فأخذ قلماً فأعطانيه، فجئت بالقلم إلى أبي عليّ الجعفريّ، فقلت: هذا قلم أبي عبد الله أعطانيه. فقال لغلامه: خذ القلم فضعه في النّخلة عسى تحمل. فوضعه فيها فحملت! (2)
ملك البحر يبعث سلامه إلى أحمد
وجد ملك البحر في مصيبة هنديّ فرصة له ليبلّغ سلامه إلى أحمد بن حنبل. عن أبي حفص القاضي، قال: قدم على أبي عبد الله أحمد بن حنبل رجل من بحر الهند، فقال: إنّي
____________________
(1) مناقب أحمد 454.
(2) نفس المصدر 296.
رجل من بحر الهند خرجت أريد الصّين فأصيب مركب، فأتاني راكبان على موجة من أمواج البحر، فقال لي أحدهما: أتحبّ أن يخلّصك الله على أن تقرئ أحمد بن حنبل منّا السّلام؟ قلت: ومن أحمد؟ ومن أنتما؟ قال: أنا إلياس وهذا الملك الموكّل بجزائر البحر، وأحمد بن حنبل بالعراق. قلت: نعم. فنفضني البحر نفضةً، فإذا أنا بساحل الأبلّة، فقد جئتك أبلّغك منهما السّلام (1) !
رسالة الله تعالى إلى أحمد
وليس بدعاً أن يبعث ملك البحر سلامه إلى أحمد، والله تعالى يكاتبه برقّ مسطور! قالوا: مرض بشر بن الحارث - الحافي - وعادته آمنة الرّمليّة، فبينما هي عنده إذ دخل الإمام أحمد بن حنبل يعوده كذلك، فنظر إلى آمنة وقال لبشر: اسألها تدعو لنا. فقال لها بشر: ادعي الله لنا. فقالت: اللّهمّ إنّ بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النّار فأجرهما يا أرحم الرّاحمين. قال الإمام أحمد رضى الله عنه: فلمّا كان من اللّيل طرحت إليّ رقعة من الهواء مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرّحيم، قد فعلنا ذلك، ولدينا مزيد! (2)
لسنا ننكر لأحمد علمه وفضله، وإنّما ننكر على هؤلاء حشدهم الأفائك الّتي يرفضها أحمد ولا تسيء إلاّ إلى قائلها. ولقد ذكروا من عظيم المفاخر ومن جنس ما سلف، لمن هو دون أحمد منزلة وأقلّ خطراً؛ فعن أحمد بن الحكم الصاغانيّ، قال: جاء رجل إلى ابن حميد. قال: إنّي اغتبت أسود بن سالم، فأتيت في منامي فقيل لي: تغتاب وليّاً من أولياء الله لو ركب حائطاً ثمّ قال له: سر، لسار؟! (3)
ولم يكن أسود هذا إلاّ من طبقة معروف الكرخيّ، وكلاهما لاحظّ لهما إلاّ ما ذكره الخطيب البغداديّ في نعتهما بالعبادة وحبّ الخير، وإطراء أحمد بن حنبل على معروف.
____________________
(1) مناقب أحمد: 143.
(2) صفة الصفوة لابن الجوزيّ 4: 278.
(3) تاريخ بغداد 7: 37. وأسود بن سالم، أبو محمّد، مات سنة 213. قال الخطيب البغداديّ: يذكر مع معروف الكرخيّ، لأنّه كان بينهما مؤاخاة ومودّة (نفس المصدر).
كرامات معروف الكرخيّ (1)
انّ لمعروف الكرخيّ من الكرامات ما لو ثبت صحّة بعضها كان حقيقاً أن يتبرّك به، وحقّ لابن القيّم أن يطريه!
كرامة ما أعظمها!
قال محمّد بن منصور (2) : مضيت يوما إلى معروف الكرخيّ، ثمّ عدت إليه من غد، فرأيت في وجهه أثر شجّة، فهبت أن أسأله عنها، وكان عنده رجل أجرأ عليه منّي، فقال له: يا أبا محمّد كنّا عندك البارحة ومعنا محمّد بن منصور فلم نر في وجهك هذا الأثر! فقال: مضيت البارحة إلى بيت الله الحرام، ثمّ صرت إلى زمزم فشربت منها، فزلّت رجلي فبطح
____________________
(1) في تاريخ بغداد 13: 199: معروف بن الفيرزان، ابو محفوظ العابد المعروف بالكرخيّ. منسوب إلى كرخ بغداد. كان أحد المشتهرين بالزّهد والعزوف عن الدنيا، يغشاه الصّالحون ويتبرّك بلقائه العارفون. وكان يوصف بأنّه مجاب الدّعوة، ويحكى عنه كرامات. وفي ص 200: قال إدريس بن عبد الكريم: هو معروف بن الفيرزان وبيني وبينه قرابة، وكان أبوه صابئاً من أهل نهربان من قرى واسط. جاء يحيى بن معين وأحمد بن حنبل يكتبان عنه. وقال عبد العزيز بن منصور: سمعت جدّي يقول: كنت عند أحمد بن حنبل فذكر في مجلسه أمر معروف الكرخيّ، فقال بعض: هو قصير العلم. فقال أحمد: أمسك عافاك الله! وهل يراد من العلم إلاّ ما وصل إليه معروف؟! مات معروف سنة 204.
(2) في تاريخ بغداد 3: 247: محمّد بن منصور بن داود بن إبراهيم، أبو جعفر العابد المعروف بالطّوسيّ سمع إسماعيل بن عليّة، وسفيان بن عيينة، وعفّان بن مسلم، ومات ببغداد سنة أربع وخمسين ومائتين. قال أبو بكر المروزيّ: سألت أحمد بن حنبل عن محمّد بن منصور الطّوسيّ، قال: لا أعلم إلاّ خيراً، صاحب صلاة. قلت له: كان يختلف معك إلى عفّان؟ قال: وقبل ذلك.
وقد عدّوا له كرامت منها: إنّ قوماً قالوا له: أيش اليوم عندك؟ قد شكّ النّاس فيه! فقال: اصبروا فدخل البيت ثمّ خرج، فقال: هو عندي يوم عرفة. فعدّوا الأيّام والليالي فكان كما قال. فسئل: من أينعلمت أنّهيوم عرفة؟ قال: دخلت البيت فسالت ربّي، فأراني النّاس في الموقف! (تاريخ بغداد 3: 249).
ومنها: إنّ الطّوسيّ قال: نازلت قوماً من أصحاب الفضيل بن عياض فيما يذكرونه من كرامة المؤمن على الله. فقلت عند ذكر الصالحين تنزل الرّحمة، فمطرنا في تلك السّاعة (نفس المصدر).
ومنها: إنّه قال: رأيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله في النّوم، فقلت: مرني بشيء حتّى ألزمه. فقال: عليك باليقين (نفس المصدر 3: 250).
وجهي للباب، فهذا الذي ترى من ذلك. (1)
سفرجلة معروف الكرخيّ
في المأثور عن رسول الله صلىاللهعليهوآله أنّه إذا وضع أصابعه في طعام قوم وقال: بسم الله الرّحمن الرّحيم، ودعا بالبركة، أكل القوم وشبعوا وفضل من الطّعام؛ وذلك ببركته وتوكيداً لنبوّته. إلاّ أنّ آثار أسنان معروف تصيّر اللّون الواحد من الطعام مائدة فيها كلّ ما لذّ وطاب! قال سعيد بن عثمان: كنّا عند محمّد بن منصور الطّوسيّ يوماً - وعنده جماعة من أصحاب الحديث، وجماعة من الزهّاد - فسمعته يقول: صمت يوماً وقلت: لا آكل إلاّ حلالاً. فمضى يومي ولم أجد شيئاً فواصلت اليوم الثاني، والثالث، والرابع، حتّى إذا كان عند الفطر قلت: لأجعلنّ فطري اللّيلة عند من يزكّي الله طعامه. فصرت إلى معروف الكرخيّ، فسلّمت عليه وقعدت، حتّى صلّى المغرب وخرج من كان معه في المسجد، فما بقي إلاّ أنا وهو ورجل آخر، فالتفت إليّ، فقال: يا طوسيّ! قلت: لبّيك، فقال لي: تحوّل إلى أخيك فتعشّ معه. فقلت في نفسي: صمت أربعة وأفطر على ما لا أعلم! فقلت: ما بي من عشاء. فسكت عنّي ساعة، ثمّ قال لي: تقدّم إليّ. فتحاملت، وما بي - من شدّة الضّعف - من تحامل، فقعدت عن يساره. فأخذ كفّي اليمنى، فأدخلها إلى كمّه الأيسر، فأخذتُ من كمّه سفرجلةً معضوضة، فأكلتها فوجدت فيها طعم كلّ طعام طيّب، واستغنيت بها عن الماء.
قال: فسأله رجل معنا: حاضراً أنت يا أبا جعفر؟ قال: نعم، وأزيدك أنّي ما أكلت منذ ذلك حلواً ولا غيره إلاّ أصبت فيه طعم تلك السفرجلة. (2)
____________________
(1) تاريخ بغداد 13: 202.
(2) نفس المصدر 13: 201 - 202 و 3: 248 - 249.
معروف يمشي على الماء ويطير في الهواء
إنّ عبادة معروف وزهده وعرفانه كلّ ذلك هيّأه أن يتربّع ذروة سنام الكرامات، ويشاطر أولي العزم المعجزات! فموسى عليهالسلام قد فلق الله تعالى له البحر ليجوزه بمن تبعه من بني إسرائيل، ومعروف يجمع الله له طرفي الماء ليتخطّاها!
قال ابن شيرويه: كنت أجالس معروف الكرخيّ كثيراً، فلمّا كان ذات يوم رأيت وجهه قد خلا، فقلت له: يا أبا محفوظ! بلغني أنّك تمشي على الماء! فقال لي: ما مشيت على الماء، ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفاها، فأتخطّاها. (1)
وعن محمّد بن مخلّد قال: قرئ على الحسن بن عبد الوهّاب - وأنا أسمع - قال: سمعت ابي يقول: قالوا إنّ معروفاً الكرخيّ يمشي على الماء، لو قيل لي إنّه يمشي في الهواء لصدّقت. (2)
معروف يمطر السّماء
بلغت كرامة معروف عند الله تعالى: أن تتغيّر الأنواء بفضل دعائه فيأمر السّماء في الصّيف فتمطر. عن يعقوب ابن أخي معروف، قال: قالوا لمعروف: يا أبا محفوظ، لو سألت الله أن يمطرنا! قال: وكان يوماً صائفاً شديد الحرّ. قال: ارفعوا إذاً ثيابكم. فما استتمّوا رفع ثيابهم حتّى جاء المطر. (3)
في ضيافة كليم الله
قال أبو جعفر السّقّاء صاحب بشر بن الحارث: رأيت بشراً الحافي ومعروف الكرخيّ وهما جائيان - أي قادمان - فقلت: من أين؟ فقالا: من جنّة الفردوس، زرنا كليم الله
____________________
(1) تاريخ بغداد 3: 206.
(2) نفس المصدر 13: 207.
(3) نفس المصدر.
موسى. (1)
كرامات بشر الحافي
بشر الحافي، من طبقة معروف الكرخيّ، وأحمد بن حنبل. (2) وقد ذكروا لبشر كرامات
____________________
(1) الرّوح / 41.
(2) عاش ثلاثتهم وماتوا في النّصف الأوّل من القرن الثالث الهجريّ، ببغداد. مع جامعة في المشيخة والتلمذة ووحدة الأصول والمبادئ.
وفي ترجمة بشر جاء: هو بشر بن الحارث بن عبد الرّحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان، مروزيّ من مرو، موطن ولادة أحمد. وسكن الحافي بغداد، وتوفّي بها سنة 227. يعرف بالحافي ويكنّى أبا نصر. سمع شريك، ومالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد الزّهريّ، وحمّاد بن زيد. روى عنه أحمد بن حنبل، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ويحيى بن أكثم القاضي، وإبراهيم بن إسحاق الحربيّ (الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 342؛ المعارف لابن قتيبة: 392؛ تاريخ الطّبريّ 9: 118؛ تاريخ بغداد 7: 67؛ وفيات الأعيان 1: 32؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 16: 105؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 4: 99).
وقيل: كان بشر يلحن ولا يعرف العربيّة (تاريخ الإسلام للذهبيّ 16: 108).
ولم يكن بشر في أوّل أمره حسن السّيرة، فقد ذكروا: كان بشر بن الحارث شاطراً (وجمعه شطّار، وهي جماعة ظهرت وانتشرت ببغداد وغيرها، ويعرفون في مصر الفتوّة كانوا يمارسون إيذاء النّاس والتعدّي عليهم) يجرح بالحديد. وكان سبب توبته أنّه وجد قرطاساً في أتون حمّام فيه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم». فعظم ذلك عليه، ورفع طرفه إلى السّماء، وقال: سيّدي، اسمك هاهنا ملقىً! فرفعه من الأرض، وقلع عنه السحاة - أي قشر موضع الاسم - الّتي هو فيها، وأتى عطّاراً، فاشترى بدرهم غالية - أي طيباً - ولطخ تلك السحاة بالغالية، فأدخله شقّ حائط وانصرف إلى زجّاج كان يجالسه، فقال له الزجّاج: والله يا أخي لقد رأيت لك في هذه الليلة رؤيا ما رأيت أحسن منها، ولست أقول لك، حتّى تحدّثني ما فعلت في هذه الأيّام فيما بينك وبين الله تعالى. فقال: ما فعلت شيئاً أعلمه، غير أنّي أجتزت اليوم بأتون حمّام، فذكره. فقال الزجّاج: رأيت كأنّ قائلاً يقول لي في المنام: قل لبشر: ترفع اسماً لنا من الأرض إجلالاً أن يداس! لننوّهنّ باسمك في الدنيا والآخرة (المصادر السابقة).
ولقد كان أحمد يطريه كثيراً، قال محمّد بن المثنّى: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في هذا الرجل؟ فقال لي: أيّ الرجال؟ فقلت له: بشر، فقال لي: سألتني عن رابع سبعة من الأبدال (تاريخ بغداد 7: 72).
ويبدو من سيرة أحمد، وبشر أنّهما مولعان بسفيان الثوريّ، قال أحمد: إن كان رجل تأدّب بمذهب رجل - يعني سفيان الثوريّ - ففاقه، لقلت بشر، لو لا ما سبق لسفيان الثوريّ من السنّ والعلم (تاريخ بغداد 7: 72).
من جنس كرامات معروف، وأحمد، وطبقتهما وكلّها يحوم في دائرة الرؤية - رؤية الله تعالى - وتكليمه سبحانه لهم في اليقظة والمنام، وخرق العادة ممّا يباهي الشّمس وحبسها.
نصف الجنّة لبشر الحافي
قال أبو جعفر السّقّاء: رأيت بشر بن الحارث في النّوم، فقلت: أبا نصر، ما فعل الله بك؟ قال: ألطفني ورحمني، وقال لي: يا بشر! لو سجدت لي في الدّنيا على الجمر، ما أدّيت شكر ما حشوت قلوب عبادي منك. وأباح لي نصف الجنّة فأسرح فيها حيث شئت، ووعدني أن يغفر لمن تبع جنازتي. (1)
لعلّ هذه النّعم والمنازل الرّفيعة لبشر، مقابل العمل الصالح الّذي لم يفعله لا نبيّ ولا وصيّ نبيّ! ذلك حينما رفع الحافي تلك الورقة الّتي وجدها في أتون الحمّام وفيها اسم الله تعالى، فرفع الله ذكره!
رسول الله إلى الحافي
تثبيتاً من الله تعالى لوليّه الحافي، وكيما يطمئنّ قلبه، بعث إليه رسولاً يبلّغه رسالة من لدنه تعالى: عبد الله بن حنبل قال: حدّثني أبو حفص عمر بن أخت بشر بن الحارث، قال: حدّثتني أمّي قالت: جاء رجل إلى الباب فدّقه، فأجابه بشر: من هذا؟ قال: أريد بشراً فخرج إليه، فقال له: حاجتك، عافاك الله! فقال له: أنت بشر؟ فقال: نعم، حاجتك؟ فقال: إنّي رأيت ربّ العزّة تعالى في المنام وهو يقول لي: اذهب إلى بشر، فقل له: يا بشر لو سجدت لي على الجمر ما أدّيت شكري فيما قد بثثت لك في النّاس. فقال له: أنت رأيت هذا؟! فقال: نعم، رأيته ليلتين متواليتين. فقال: لا تخبر به أحداً. (2)
____________________
(1) الروح / 41.
(2) تاريخ بغداد 7: 78؛ تهذيب الكمال في أسماء الرجال 4: 108؛ المنتظم لأبي الفرج 11: 124، ولم يقل عنه موضوع كما قال عن ردّ الشمس لعليّ بدعاء النبي صلىاللهعليهوآله .
إنّهم يزعمون أنّ الله تعالى يرى يوم القيامة! فكيف رآه هذا الرّجل، وعلى أيّ صورة تمثّل له - جلّ وعلا عن ذلك -؟ أم أنّ الشّيطان كان من وراء ذلك؟! ولم يجعل الله سبحانه واسطة بينه وبين أوليائه من نظراء الحافي، ألم يكن حريّاً أن يتجلّى للفاضل دون المفضول؟!
الجنّ تنوح على بشر
لقد كان خبر وفاة الحافي صاعقاً! ليس على المؤمنين البشر ممّن سحرتهم شخصيّة بشر وإنّما حلّت المصيبة لذلك بساحة الجنّ. قال أبو حفص ابن أخت بشر بن الحارث: كنت أسمع الجنّ تنوح على خالي في البيت الّذي كان يكون فيه غير مرّة. (1)
حبّ الحافي شفاعة
ولمن فاته أجر تشييع الحافي غدت محبّته شفاعة تغفر معها الذّنوب، وذلك لخطر منزلة الحافي عند الله تعالى! قال القاسم بن منبّه: رأيت بشر بن الحارث في النّوم، فقلت: ما فعل الله بك يا بشر؟ قال: قد غفر لي، وقال لي: يا بشر! قد غفرت لك ولمن تبع جنازتك. فقلت: يا ربّ ولكلّ من أحبّني؟! قال: ولكلّ من أحبّك إلى يوم القيامة. (2)
عوج بن عنق
كان الحافي قليل الرّواية للغاية في الحديث. قال الخطيب: وكان - الحافي - كثير الحديث، إلاّ أنّه لم ينصب نفسه للرّواية، وكان يكرهها، ودفن كتبه لأجل ذلك، وكلّ ما سمع منه فإنّما هو على سبيل المذاكرة. (3)
وفي الحلية: قال رجل لبشر: يا أبا نصر! ما تقول لله غداً إذا لقيته وسألك لم لا تحدّث؟
____________________
(1) تاريخ بغداد 7: 80؛ تهذيب الكمال 4: 109.
(2) نفس المصدر.
(3) تاريخ بغداد 7: 67؛ تهذيب الكمال 4: 102.
قال: أقول يا ربّ، كانت نفسي تشتهي أن تحدّث، فامتنعت من أن أحدّث ولم أعطها شهوتها. (1)
فقد صرف بشر همّته للزّهد والعبادة ومعرفة ما يقرّبه إلى الله سبحانه، فتحرّز من رواية الحديث، إلاّ أنّه لم يتحرّج من الحديث عن: «عوج بن عنق»! قال جعفر البردانيّ: سمعت بشر بن الحارث يقول: إنّ عوج بن عنق، كان يأتي البحر فيخوضه برجله، ويحتطب السّاج. وكان أوّل من دلّ على السّاج وجلبه. وكان يأخذ من البحر حوتاً بيده، فيشويه في عين الشّمس. (2)
بيد أنّ بشراً لم يذكر نسب عوج بن عنق، أجنّيّ هو أم من الإنس؟ أعجميّ أم عربيّ؟ من ولد سام أم من ولد حام؟ أين ولد وفي أيّ بلد مات؟ وهل ترك من بعده خلفاً، أم أنّهم بادوا؟!
ولعلّه من قوم عاد. أخرج ابن عساكر عن الزّهريّ أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله سأل ربّه أن يريه رجلاً من قوم عاد، فأراه رجلاً رجلاه في المدينه ورأسه بذي الحليفة! (3)
أثقال الجرّاح تفزع أهل الجنّة
قال ابن القيّم: لما مات رجاء بن حيوة (4) رأته امرأة عابدةٌ، فقالت: يا أبا المقدام، إلام
____________________
(1) حلية الأولياء لأبي نعيم 8: 355.
(2) تاريخ الإسلام للذهبيّ 16: 112؛ حلية الأولياء لأبي نعيم 8: 351.
(3) الخصائص الكبرى للسيوطيّ 2: 152. وذو الحليفة: موضع بينه وبين المدينة ستّة أميال. وفي كتاب العرائس للثّعلبيّ ص 136 قال: قال ابن عمر: كان طول عوج بن عنق ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعاً بالذراع الأوّل! وكان عوج يحتجز السّحب، ويشرب منه الماء، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشّمس، يرفعه إليها ثمّ يأكله.
(4) هو رجاء بن حيوة بن جرول - وقيل: جندل، وخنزل - بن الأحنف بن السّمط بن المرئ القيس الكنديّ يكنّى أبا المقدام. عداده في أهل الشّام، مات سنة 113 هـ. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الرّحمن بن غنم الأشعري، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، وأبي الدّرداء. الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 454؛ طبقات خليفة بن =
صرتم؟ قال: إلى خير، ولكن فزعنا بعدكم فزعةً ظننّا أنّ القيامة قد قامت. قالت: قلت: وممّ ذلك؟ قال: دخل الجرّاح وأصحابه الجنّة بأثقالهم، حتّى ازدحموا على بابها. (1) جنّة عرضها السماوات والأرض؛ هلاّ جعل بابها مناسباً لها في السّعة كيما يدخلها الجرّاح وفيلقه من غير جلبة؟! وهل خلت الجنّة ممّا تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، حتّى يحمل الجرّاح وأصحابه أثقال دنياهم يستعينوا بها في حياتهم الجديدة؟! ثمّ كيف وصل ذلك الحطام إلى الجنّة - الّتي لم تفتّح أبوابها بعد، وإنّما ما بعد البعث - أتراه قد دفن معهم؟!
ضيغم يزور الله
ومن وحي روحه قال: «لما ماتت رابعة، رأتها امرأة فقالت: ما فعل أبو مالك؛ تعني ضيغماً؟ فقالت: يزور الله تبارك وتعالى متى شاء. (2)
ضيوف الرّحمن
وقال ابن القيّم: وكان شعبة (3) بن الحجّاج، ومسعر (4) بن كدام، حافظين جليلين. قال أبو أحمد البريديّ: فرأيتهما بعد موتهما، فقلت: أبا بسطام، ما فعل الله بك؟ فقال: وفّقك الله
____________________
خيّاط 566؛ المعارف 472؛ حلية الأولياء 5: 170؛ وفيات الأعيان 2: 60؛ شذرات الذّهب 1: 145؛ تهذيب التهذيب لابن حجر 3: 265؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 4: 249؛ تهذيب الكمال 9: 151.
(1) الرّوح: 34.
(2) نفس المصدر 35.
(3) شعبة بن الحجّاج بن الورد، أبو بسطام العتكيّ، مولاهم. واسطيّ الأصل بصريّ الدّار. ولد سنة ثلاث وسبعين، ومات سنة ستّين ومائة. قال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمّة وحده في هذا الشأن - يعني علم الرّجال - وبصره في الحديث وتثبّته، وتنقيته للرّجال، وكان شاعراً. قال يزيد بن زريع: قدم علينا شعبة البصرة ورأيه رأي سوءٍ خبيث، يعني الترفّض! فما زلنا به حتّى ترك قوله وصار معنا. تاريخ بغداد 9: 255 - 266.
(4) مسعر بن كدام الهلاليّ العامريّ، أبو سلمة الكوفيّ، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. تهذيب الكمال للمزّيّ 27: 461؛ طبقات ابن سعد 6: 364؛ حلية الأولياء 7: 210.وكان السليمانيّ يقول: كان من المرجئة (الميزان للذهبي جـ 4، رقم 8470).
لحفظ ما أقول:
حباني إلهي في الجنان بقبّة |
لها ألف باب من لجين وجوهراً |
|
وقال لي الرّحمن: يا شعبة الّذي |
تبحّر في جمع العلوم فأكثرا |
|
تنعّم بقربي، إنّني عنك ذو رضى |
وعن عبدي القّوام في اللّيل مسعرا |
|
كفى مسعراً عزّاً بأن سيزورني |
وأكشف عن وجهي الكريم لينظرا |
|
وهذا فعالي بالّذين تنسّكوا |
ولم يألفوا في سالف الدّهر منكرا (1) |
إذا كان شعبة قد نال قصب السّبق هذا لعلمه ولتركه الترفّض فصار من القوم، فما بال مسعر يتنعّم بنفس الحظوة، وهو من المرجئة؟!
ويجد المطالع والباحث في أصول ومعتقدات ومؤلّفات ابن القيّم إصراراً واضحاً على الأخذ بمبدأ التجسيم والتشبيه والرؤية، ولذا أين وجد ضالّته المنشودة في هذا الباب: عند شعبة أو مسعر أو غيرهما، إلاّ وجمعه من غير رويّة!
مناقب إبراهيم (2) بن أدهم
ذكروا لإبراهيم بن أدهم كرامات ومناقب، كلّ واحدة منها تبزّ رواة ردّ الشّمس ويباريهم في حقل التحدّي! وتصكّ الآذان وتقرع القلوب فتأخذ بمجامعها؛ فأيّها أوقع في النّفوس وأبلغ: رواية الرّوافض أم هذا الحقل اليانع من فواضل ابن أدهم الزّاهي؟!
____________________
(1) الروح: 40.
(2) إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر العجليّ، وقيل: التّميميّ، أبو إسحاق البلخيّ. هرب من أبي مسلم الخراسانيّ فجاء إلى الشّام. قال خلف بن تميم: سألت إبراهيم بن أدهم: منذكم قدمت الشّام؟ قال: منذ أربع وعشرين سنة، وما جئت لرباط ولالجهاد. فقلت: لم جئت؟ قال: جئت أشبع من خبز الحلال.
روى عن سفيان الثّوري، وسليمان الأعمش، وشعبة بن الحجّاج، والأوزاعيّ، ومقاتل، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن عقبة. وروى عنه: سفيان الثّوريّ، وهو من أقرانه، والأوزاعيّ، وقطن بن صالح الدّمشقيّ. قال في الميزان 3: 391: أحد الكذّابين ومات إبراهيم بن أدهم سنة 162. حلية الأولياء 7: 367؛ معجم البلدان لياقوت 3: 196؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 2: 27 - 37؛ والوافي بالوفيات للصّفديّ 5: 318.
مائده المسيح
قال عديّ الصيّاد - من أهل جبلة -: سمعت يزيد بن قيس، يحلف بالله أنّه كان ينظر إلى إبراهيم بن أدهم، وهو على شطّ البحر في وقت الإفطار، فيرى مائدة توضع بين يديه لا يدري من وضعها، ثمّ يراه يقوم فينصرف حتّى يدخل جبلة وما معه شيء (1) !
هنيئاً للزهّاد أن تخدمهم ملائكة الرّحمن بموائد الجنان في الدّنيا ولهم في الآخرة مزيد، في حين يظلّ عليّ وآله ثلاثة أيّام سغباً خمص البطون لا يفطرون إلاّ على الماء، فهلاّ نزلت عليهم مائدة ابن أدهم؟!
أبو قبيس في طاعة ابن أدهم
كنّا نقرأ في كتب التاريخ والسّيرة أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وقف على جبل أحد، ومعه أبو بكر، وعثمان، فتحرّك الجبل، فقال له النبيّ صلىاللهعليهوآله : اسكن فما عليك إلاّ نبيّ وصدّيق وشهيد، فسكن الجبل. ولم يدر في خلدنا ولا طرأ في خلجات خواطرنا أن يرث أحد من النبيّ صلىاللهعليهوآله كراماته ومعاجزه، مثلما لم يرثه أحد في تركته، ولأجله كذّبوا بضعته الطّاهرة الزّهراء عليهاالسلام في دعواها بأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قد وهبها «فدكاً». إلاّ أنّ إبراهيم بن أدهم وأمثاله من المتزهّدين قد آتاهم الله تعالى من الفضل أنّهم ورثة الأنبياء. فالجبل والبحر دائبان في طاعة ابن أدهم.
قال عيسى بن حازم: حدّثني إبراهيم بن أدهم، قال: لو أنّ مؤمناً قال لذاك الجبل زل لزال. قال فتحرّك أبو قبيس، فقال: اسكن، إنّي لم أعنك. قال: فسكن. (2)
البحر مسخّر لابن أدهم
قال خلف بن تميم: كان إبراهيم بن أدهم في البحر، فعصفت الرّيح واشتدّت، وإبراهيم
____________________
(1) حلية الأولياء 8: 3.
(2) نفس المصدر 8: 4.
ملفوف في كسائه، فقال له رجل: يا هذا! ما ترى ما نحن فيه من هذا الهول، وأنت نائم في كسائك؟! قال: فكشف إبراهيم رأسه ثمّ رفع رأسه إلى السّماء، فقال: اللّهمّ قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك. قال: فسكن البحر حتّى صار كالدّهن. (1)
ملك الغاب
قال خلف بن تميم: كنّا مع إبراهيم بن أدهم في سفر له، فأتاه النّاس فقالوا: إنّ الأسد قد وقف على طريقنا. قال: فأتاه، فقال: يا أبا الحارث! إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإن لم تكن أمرت فينا بشيء فتنحّ عن طريقنا. قال: فمضى وهو يهمهم. (2)
إنّ الجبل له أذن واعية، يسمع كلام ابن أدهم فيزول من مكانه ويعود إليه بدعائه! والأسد يفهم كلام هذا الرّجل فيتنحّى بعيداً، والله تعالى يجيب دعائه، فيسكن البحر بعد هيجانه وتهدأ الرّيح من بعد عصف شديد، وتنزل عليه مائدة من السّماء لتكون عيداً له ولمن سلك سبيله. لكن إذا دعا النّبيّ صلىاللهعليهوآله الله تعالى ليحبس الشّمس أو يردّها من بعد مغيب فهذا ممّا لا يعقل، وإن هذا إلاّ اختلاق!
غاية الزهد
ما أكثر قصص انقلاب الأشياء وتحوّلها إلى اُخر، تكريماً لفلان أو فلان، بما يقضي حاجته، وربّما حدثت معجزة في صدق سيرته.
قال عيسى بن حازم: إنّ إبراهيم بن أدهم خرج في غزاة، فحدّثته نفسه أن يقترض من أحد أصحابه، ثمّ ناب إلى الله واعتذر وطلب حاجته منه سبحانه، فإذا أربعمائة دينار، فتناول منها ديناراً فقط. (3)
____________________
(1) حلية الأولياء 8: 5.
(2) نفس المصدر 8: 4.
(3) نفس المصدر 8: 6.
البلّوط يصير رطباً
قال محمّد بن منصور الطّوسيّ: حدّثنا أبو النضر، قال: كان إبراهيم بن أدهم يأخذ الرّطب من شجرة البلّوط. (1)
ومن قبل، أوحى سبحانه إلى مريم عليهاالسلام أن تهزّ جذع النّخلة فتساقط عليها الرّطب جنيّاً، فأكلت مريّاً!
كرامة معلّم الغناء
يبدو أنّ لأصحاب الرذائل منازل وفواضل كما هو للأتقياء والأفاضل! فهذا مثلاً الماجشون (2) الّذي لا حظّ له من العلم إلاّ أنّه كان معلّماً للغناء، واتّخاذ القيان.
أمّا الكرامة الّتي أثبتوها للماجشون فهي من جنس ذلك الهذيان والغثيان الذي شاع في تلك العهود، ولا تسيغها أذن إلاّ من فم قينة على ضرب طبل وعود!
____________________
(1) حلية الأولياء 8: 3.
(2) أبو يوسف يعقوب بن أبي سلمة، واسم أبي سلمة: دينار، وقيل ميمون. ويلقّب: الماجشون، القرشيّ التّيميّ، مولى آل المنكدر. سمع عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وعمر بن عبد العزيز، ومحمّد بن المنكدر، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبا هريرة. روى عنه ابناه: عبد العزيز، ويوسف، وابن أخيه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة. مات سنة أربع وستّين ومائة. قال مصعب الزّبيريّ إنّما سمّي الماجشون للونه. وقال البخاريّ: الماجشون بالفارسيّة: المورّد.
قال مصعب: وكان يعلّم الغناء ويتّخذ القيان ظاهراً أمره في ذلك. وكان يجالس عروة بن الزّبير، وعمر بن عبد العزيز في إمرته. وكان الماجشون أوّل من علّم الغناء من أهل المروءة بالمدينة، وكان يكون مع عمر بن عبد العزيز في ولاية عمر على المدينة، وكان يأنس إليه. وكان الماجشون يعين ربيعة على أبي الزّناد، لأنّ أبا الزّناد يعادي ربيعة.
وكان أبو الزناد يقول: مثلي ومثل الماجشون مثل ذئب كان يلحّ على أهل قرية فيأكل صبيانهم، فاجتمعوا له وخرجوا في طلبه، فهرب منهم وانقطع عنهم، إلاّ صاحب فخّار، فإنّه ألحّ في طلبه، فوقف له الذئب، فقال: هؤلاء أعذرهم، فأنت مالي ولك؟! ما كسرت لك فخّارةً قطّ. والماجشون ما كسرت له كبراً (أي طبلاً) ولا بربطاً (أي عوداً للغناء). وفيات الأعيان لابن خلّكان 6: 376؛ تاريخ الإسلام 5: 19؛ سير أعلام النبلاء 5: 370؛ شذرات الذهب 1: 259؛ تهذيب التهذيب 11: 389.
«أخرج الحافظ يعقوب بن أبي شيبة بالإسناد عن ابن الماجشون، قال: عرج بروح الماجشون، فوضعناه على سرير الغسل، فدخل غاسل إليه يغسّله فرأى عرقاً في أسفل قدمه يتحرّك، فأقبل علينا وقال: أرى عرقاً يتحرّك ولا أرى أن أعجّل عليه! فاعتللنا على النّاس بالأمر الّذي رأيناه وفي الغدجاء النّاس، وغدا الغاسل عليه فرأى العرق على حاله، فاعتذرنا إلى النّاس فمكث ثلاثاً على حاله والنّاس يتردّدون إليه ليصلّوا عليه، ثمّ استوى جالساً وقال: ايتوني بسويق، فأتي به فشربه فقلنا له: خبّرنا، ما رأيت؟ فقال: نعم عرج بروحي فصعد بي الملك، حتّى أتى سماء الدّنيا، فاستفتح ففتح له، ثمّ عرج هكذا في السّموات حتّى انتهى إلى السّماء السّابعة، فقيل له: من معك؟ قال: الماجشون. فقيل له: لم يأن له بعد، بقي من عمره كذا وكذا سنةً، وكذا وكذا شهراً، وكذا وكذا يوماً، وكذا وكذا ساعة ثمّ هبط فرأيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للملك الّذي معي: من هذا؟ قال: عمر بن عبد العزيز. قلت: إنّه لقريب من رسول الله! فقال: إنّه عمل بالحقّ في زمن الجور، وإنّهما عملا بالحقّ في زمن الحقّ». (1)
ليس من إشكال أن ينال الماجشون هذه المنزلة الرفيعة والكرامة العظيمة جزاءً وثواباً للبرّ الّذي كان يقوم به والعمل الصالح الّذي ضرب به القدح المعلّى ألا وهو اقتناء القيان وتعليم أهل المروءة (كذا) الغناء والضرب بالعود والطنبور فلا عدم الشيطان أولياءً!
إلاّ أنّ الإشكال هو: هل إنّ ملك الموت مستقلّ في عمله وحركته، فاشتبه عليه أوان قبض روح الماجشون؟ أم إنّ الاشتباه من الآمر وهو الله؟! تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
____________________
(1) نفس المصدر، ومرآة الجنان لليافعيّ 1: 351؛ تهذيب الكمال للمزيّ 32: 338، وقال: روى له مسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ. وله ترجمة في الكاشف للذهبيّ 3: رقم 6499؛ الجرح والتعديل 9 رقم 863؛ تاريخ البخاريّ الكبير 8 رقم 3447؛ طبقات خليفة 467 وقال: الماجشون - بضمّ الجيم والشين.
جيوش الخليفة تسير على صفحة الماء
تتكرّر أخبار الّذين يمطرون السّماء، وتعبر جيوشهم على صفحة الماء مثل سيرها على أديم الأرض المعبّدة. عن أبي هريرة، وأنس، قالا: «جهّز عمر بن الخطّاب جيشاً واستعمل عليهم العلاء (1) بن الحضرميّ، وكنت في غزاته، فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفّوا آثار الماء - أي درسوا آثار الماء ومحوها - والحرّ شديد، فجهدنا العطش ودوابّنا وذلك يوم الجمعة، فلمّا مالت الشّمس لغروبها صلّى بنا ركعتين، ثمّ مدّيده إلى السّماء، وما نرى في السّماء شيئاً، قال: فو الله ما حطّ يده حتّى بعث الله ريحاً وأنشأ سحاباً، وأفرغت حتّى ملأت الغدر والشّعاب، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا، ثمّ أتينا عدوّنا وقد جاوزوا خليجاً في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا عليّ يا عظيم يا حليم يا كريم. ثمّ قال: أجيزوا باسم الله. قال: فأجزنان ما يبلّ الماء حوافر دوابّنا...» (2) .
لا ينبئك مثل خبير، ولكن: لم القسم سواء من أبي هريرة خليفة الحضرميّ في ولاية البحرين، أو أنس وما أدراك ما أنس؟!، وكلاهما ثقة وأيّ ثقة! - وكفى بهما أن تغطّي أحاديثهما صفحة السّيرة والفقه لكثرتها الكاثرة. وإذا كان الحضرميّ مجاب الدّعوة حتّى يركم سحاباً ويمطره! ويخرج البحر عن طوره فتجتازه تلك الجموع بخيلها وجمالها وأحمالها، فلم لا تبتلّ حوافر دوابّهم كما بتلّت أجساد المجاهدين مع رسول الله صلىاللهعليهوآله بدماء نحورهم وكسرت رباعيّة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، واستجاب الله تعالى دعاء نبيّه فحقّق له النّصر
____________________
(1) العلاء بن الحضرميّ، من حضرموت؛ واسم الحضرميّ: عبد الله بن عباد، ويقال ابن عماد، وقيل غير ذلك؛ حليف بني أميّة. توفّي والياً على البحرين فاستعمل عمر بعده أبا هريرة.
أخته الصعبة بنت الحضرميّ، تزوّجها أبو سفيان وطلّقها فخلف عليها عبيد الله بن عثمان التيميّ، فولدت له طلحة بن عبيد الله التيميّ، قتله مروان بن الحكم يوم الجمل في عسكر عائشة! وأخو العلاء هو عامر بن الحضرميّ قتل يوم بدر كافراً، وأخوهما عمرو بن الحضرميّ أيضاً قتل مشركاً. الاستيعاب 3: 146 - 147، الإصابة 2: 498؛ المحبّر لابن حبيب 126؛ طبقات خليفة 42؛ طبقات ابن سعد 4: 359؛ أسد الغابة 4: 74 - 75؛ سيرة ابن هشام 2: 275، 311، 365.
(2) البداية والنهاية 6: 155، وفي الاستيعاب، والإصابة، وأسد الغابة أوجزوا الخبر قالوا: خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها. قالوا: وكان مجاب الدّعوة.
ولكن بعد أن صدّق المسلمون الجهاد وقدّموا قرابين الشّهادة؟! اللّهمّ إلاّ أن يكون ابن الحضرميّ أفضل عند الله من نبيّه! فصدّقوا استجابة دعائه على نحو ما تقدّم، ولم يصدّقوا استجابة دعاء النّبيّ في حبس الشّمس!
قصّة أخرى
ورووا مثل ذلك عن سعد بن أبي وقّاص الذي نعتوه كذلك أنّه مجاب الدّعوة. قالوا: أرسل عمر بن الخطّاب جيشاً إلى مدائن كسرى، فلمّا بلغوا شاطئ الدّجلة لم يجدوا سفينةً، فقال سعد بن أبي وقّاص وهو أمير السريّة، وخالد بن الوليد: يا بحر! إنّك تجري بأمر الله، فبحرمة محمّد وعدل عمر إلاّ ما خلّيتنا والعبور. فعبروا هم وخيلهم وجمالهم فلم تبتلّ حوافرها (1) !
قد يكون تخلّف سعد بن ابي وقّاص عن بيعة امير المؤمنين عليّ عليهالسلام عن اجتهاد منه، والمجتهد يخطئ ويصيب - كذا - وأنّه كان بعيداً عن مجلس النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فلم يكن يسمع منه أحاديثه في منزلة عليّ عليهالسلام وتفضيله وأنّه الوصيّ والخليفة بعده، ولم يحضر بيعة الغدير ولا سمع بها!. ولكن ما هذه الاثنينيّة: المستشفع: سعد أحد العشرة المبشّرة بالجنّة! وخالد صاحب البوائق وعلى رأسها قتله المسلمين من بني يربوع وفيهم مالكبن نويرة الصحابيّ الجليل، ودخوله بزوجة مالك عنوة في اللّيلة ذاتها! وكان عمر يطالب أبا بكر أن يوقع القصاص فيه فيمتنع اجتهاداً ببسالة خالد؛ وكان عليّ يقول لو أنّ لي سلطاناً لقتلت خالداً.
والمستشفع به: رسول الله صلىاللهعليهوآله وحرمته عند الله سبحانه، وعدل عمر! ولا نعلّق هنا إلاّ نقول: أيجوز جعل النّبيّ صلىاللهعليهوآله المعصوم سيّد ولد آدم مطلقاً، وعمر في كفّتي ميزان متعادلة!
وإذا جاز عندهم هذا، وجاز أن يجيب الله سبحانه بحقّهما دعاء سعد وخالد فيبطل مفعول الماء وطبيعته: وهي غرق من يدخل أعماقه ويبلّل ما يلامسه، فهلاّ استجاب سبحانه دعاء نبيّه في ردّ الشمس ليكون أحد معاجزه وكرامةً لوليّه؛ أم ينغضون رؤوسهم
____________________
(1) نزهة المجالس للصفّوريّ 2: 191.
عتوّاً واستكباراً!
كرامة أخرى لسعد
أخرج ابن الجوزيّ من طريق لبيبة، قال: دعا سعد فقال: يا ربّ إنّ لي بنين صغاراً فأخّر عنّي الموت حتّى يبلغوا، فأخّر عنه الموت عشرين سنة. (1)
ما أعظمها من كرامة لسعد إذ شبّ ابنه عمر بن سعد وبلغ مبلغ الرّجال ليأتمر بأمر يزيد ابن معاوية فيقود الجيش الذي قتل سبط النّبيّ صلىاللهعليهوآله وريحانته الحسين بن عليّ عليهماالسلام وأهل بيته! ولا ندري هل يتحمّل سعد بعض وزر ابنه عمر هذا غداً يوم الحساب لدعائه المستجاب وما ترتّب عليه من جريمة شنعاء؟!
دلائل النّبوّة عند ابن كثير
ابن كثير أحد الأبناء الّذين زامنوا الفتن العاصفة فتأثّروا بها وأثّروا، وهم ابن حنبل، وابن الجوزيّ، وابن تيميّة، وابن القيّم، وابن كثير، وخاتمة العقد: ابن عبد الوهّاب التميميّ النّجديّ، وكلّهم يصدرون من مذهب واحد في العقيدة وأصول الدّين وفروعه.
أمعن ابن كثير في ذكر الأخبار الغريبة والشاذّة وأقام من بعضها دلائل على نبوّة رسول الله صلىاللهعليهوآله .
روى ابن كثير عن أبي منظور أنّه قال: «لما فتح الله على نبيّه صلىاللهعليهوآله خيبر، أصابه من سهمه حمار أسود، فكلّم النّبيّ صلىاللهعليهوآله الحمار فقال له: ما اسمك؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدّي ستّين حماراً كلّهم لم يركبهم إلاّ نبيّ، لم يبق من نسل جدّي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت أتوقّعك أن تركبني. قد كنت قبلك لرجل يهوديّ، وكنت أعثربه، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري. فقال له النّبيّ: سمّيتك يعفور، يا يعفور! قال: لبّيك. قال: أتشتهي الإناث؟
قال: لا. فكان النّبيّ يركبه لحاجته فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرّجل، فيأتي الباب
____________________
(1) صفة الصفوة لابن الجوزيّ 1: 140.
فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدّار أومأ إليه أن أجب رسول الله. فلمّا قبض النّبيّ جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التّيّهان فتردّى فيها فصارت قبره، جزعاً منه على رسول الله صلىاللهعليهوآله . (1)
ليس العجب في رفضهم ما بلغ التواتر حتّى أصبح حقيقةً مسلّماً بها، إنّما العجب تصديقهم وتناقلهم لمثل هذه الترّهات التافهة، فهل هو قصد متعمّد للانتقاص من مقام النّبوّة وفتح باب لكلّ عدوٍّ وجاهل ينفذان منه لخوض الجدال والتشكيك، أم ران على أفئدة فهم لا يفقهون؟!
كرامة شيبان
وذكر ابن كثير كرامةً لرجل سمّاه شيبان ومن كرامته أنّ الله تعالى استجاب له دعاءه فأحيا له حماره الميّت. «روى إبراهيم الحربيّ - صاحب أحمد بن حنبل - من طريق مجالد عن الشعبيّ، قال: خرج رجل من النّخع يقال له: شيبان، في جيش على حمار له في زمن عمر، فوقع الحمار ميّتاً، فدعاه أصحاب ليحملوه ومتاعه فامتنع، فقام فتوضّأ ثمّ قام
____________________
(1) البداية والنهاية لابن كثير 6: 150. ولم أجد له ذكراً في كتب السّيرة المعتبرة مثل سيرة ابن اسحاق. وغاية ما ذكر الطّبريّ في تاريخه 2: 422 - ذكر أسماء بغال رسول الله صلىاللهعليهوآله - قال: وحماره يعفور أهداه له المقوقس، وكذلك في مختصر تاريخ دمشق 2: 255. ولم أجد فيما حضرني من مصادر شيئاً يركن إليه في ترجمة «أبي منظور» فإنّ كتب النّسب المعتمدة القديمة مثل «جمهرة النّسب للكلبيّ» و «طبقات خليفة بن خيّاط» و «المحبّر» لابن حبيب، و «كتاب النّسب» لابن سلام، تسكت عنه تماماً. في حين تذكره بعض المصادر على نحو يؤكّد كذب الرواية. ذكر ابن حجر في الإصابة 4: 186، قال: «أبو منظور» غير منسوب جاء ذكره في خبر واه أورده أبو موسى من طريق أبي حذيفة عبد الله بن حبيب الهذليّ، عن أبي عبد الله السلميّ، عن أبي منظور قال: لما فتح رسول الله صلىاللهعليهوآله أظنّه - خيبر أصاب حماراً أسود فكلّمه فتكلّم فقال: ما اسمك؟ قال: يزيد ابن شهاب.. فذكر الحديث بطوله وأن رسول الله صلىاللهعليهوآله سمّاه يعفوراً، قال أبو موسى بعد تخريجه: هذا حديث منكر جدّاً إسناداً ومتناً لا أحلّ لأحد أن يرويه عنّي إلاّ مع كلامي عليه، ومثله في أسد الغابة 6: 304. إنّ الحديث ساقط من ناحية السند فكلّ رجاله مجهولون لا ترجمة لهم ولا وجود! وأحسنهم حالاً «أبو منظور» إذ ذكروه ولكنّه غير منسوب وليس له حديث غير هذا! ولم يسلم إلاّ أبو موسى الّذي أورده، ولكنّه ضعّف الحديث ووصفه على ما سمعناه، مع اضطراب متنه. إلاّ أنّ ابن كثير أطلقه وأطال، فلماذا؟!
عند رأسه فقال: اللّهمّ إنّي أسلمت لك طائعاً، وهاجرت في سبيلك مختاراً ابتغاء مرضاتك، وإنّ حماري كان يعينني ويكفيني عن النّاس، فقوّني به ولا تجعل لأحد عليّ منّة غيرك. فنفض الحمار رأسه وقام فشدّ عليه ولحق بأصحابه» (1) .
لا نكذّب ابنكثير ولا غيره ممّن أثبتوا هذه الحادثة، وذلك من خلال الاعتراض على هذا الولع الشديد عند شيبان بحماره، وتعفّفه المفرط عن أن يكون رديف اصحابه وقد خرج معهم غازياً، ولكن مثلما استجاب الله تعالى له دعاءه فأحيا له حماره، فما وجه الغرابة في عودة الشّمس كرامةً لرسول الله صلىاللهعليهوآله ؟! أم أنّ شيبان هذا أعظم عند الله منزلةً من نبيّه؟!
كرامة معاوية
عن أبي الفتح القوّاس (2) «أنّه وجد في كتبه جزءاً له في فضائل معاوية وقد قرضته الفأرة، فدعا الله تعالى على الفأرة الّتي قرضته فسقطت من السّقف، ولم تزل تضطرب حتّى ماتت» (3) !
لم يثبت عندنا صحّة إسلام معاوية بن أبي سفيان، ولا أبيه أبي سفيان؛ إنّما هو الفتح المبين وتحرير بيت الله الحرام من آسار الوثنيّة والشّرك وتحطيم الأصنام، فتحطّمت بذلك العزّة الوهميّة لطواغيت قريش، وعلى رأسهم أبو سفيان الّذي أخذ له العبّاس بن عبد المطّلب أماناً من النّبيّ، وحتّى اللحظة الحرجة هذه فإنّه أجاب رسول الله صلىاللهعليهوآله حين سأله: تشهد أنّي رسول الله؟ قال: أمّا هذه فمنها في القلب شيء!
وكان النّبيّ صلىاللهعليهوآله إذا رأى أبا سفيان يقوده ابنه، لعنهما وحذّر ممّا سيكون منهما.
____________________
(1) البداية والنهاية 6: 153؛ الإصابة 2: 169.
(2) ترجم له الخطيب البغداديّ في تاريخه، قال: يوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القوّاس. سمع البغويّ، وأبابكر بن أبي داود، ومحمّد بن يوسف القاضي وتوفّي سنة 385، وحمل إلى قبر أحمد بن حنبل. وكان ثقة صالحاً مأموناً صادقاً زاهداً مستجاب الدّعوة، من الأبدال! قال الدار قطنيّ: كنّا نتبرّك بأبي الفتح القوّاس وهو صبيّ! تاريخ بغداد 14: 325 - 327.
(3) تاريخ بغداد 14: 327.
ولم يثبت لمعاوية فضيلة إلاّ دعاء رسول الله صلىاللهعليهوآله فيه: «لا أشبع الله بطنه»! فكان يأكل ولا يشبع. وكان كريماً بالمال بخيلاً بالطّعام يقعد بطنه على فخذيه وفضيلة اُخرى هي خذلانه لعثمان ثمّ خروجه مطالباً بدمه؛ فكانت وقعة صفّين، وما أدراك ما صفّين؟! ومن فضائله: سنّته في سبّ امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام وجعل ذلك متمّماً للصّلاة وخطبتها! وقتله الصّالحين مثل حجر بن عديّ الكنديّ وإخوانه ممّا أوجر عليه قلوب أمّهات المسلمين! وتنصيبه ابنه يزيد وليّاً للعهد مع معرفته بحاله. وشتم عليّ عليهالسلام شتم لرسول الله صلىاللهعليهوآله ، ومن ثمّ شتم لله تعالى، كما في أحاديث النّبيّ، ولأنّ عليّاً نفس رسول الله، كما في آية المباهلة وحديث النّبيّ صلىاللهعليهوآله في ذلك ومن أين علم القوّاس أنّ الفأرة هي سبب تلف تلك الأوراق العزيزة؟! وهل هلاك الفأرة كرامة لمعاوية أم للقوّاس؟
معاجز يهوديّ!
عن الأوزاعيّ (1) ، قال: أردت بيت المقدس فرافقت يهوديّاً، فلمّا صرنا إلى طبرية نزل فاستخرج ضفدعاً، فشدّ في عنقه خيطاً فصار خنزيراً! فقال: أذهب فأبيعه من هؤلاء النّصارى، فذهب فباعه وجاء بطعام. فركبنا فما سرنا غير بعيد حتّى جاء القوم في الطّلب، فقال لي: أحسبه صار ضفدعاً في أيديهم! قال: فحانت منّي التفاتة فإذا بدنه ناحية ورأسه ناحية. قال فوقفت فجاء القوم فلمّا نظروا إليه فزعوا من السّلطان ورجعوا عنه. قال تقول لي الرأس: رجعوا؟ قال قلت: نعم، قال فالتأم الرأس إلى البدن وركبنا وركب. قال: فقلت:
____________________
(1) عبد الرّحمن بن عمرو يحمد الشّامي روى عن عطاء، وعكرمة، وابن سيرين، والأعمش، وابن حزم، ومكحول الشاميّ، ونافع مولى ابن عمر، ومحمّد بن مسلم بن شهاب الزّهريّ. روى عنه: سفيان الثّوريّ، وشعبة ابن الحجّاج، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، والطّبرانيّ، ويحيى القطّان. ولد سنة 88، وكان مكتبه باليمامة، فلذلك سمع من مشايخ أهل اليمامة، وسكن الشّام ومات سنة 157. عن عبد الرّحمن بن مهدي: الأئمّة في الحديث أربعة: الأوزاعيّ، ومالك، وسفيان الثّوريّ، وحمّاد بن زيد، طبقات ابن سعد 7: 488؛ تهذيب الكمال 17: 307؛ طبقات خليفة 315؛ حلية الأولياء 6: 135؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ 6: 225؛ وفيات الأعيان 3: 127.
لا رافقتك أبداً، اذهب عنّي!» (1) .
هذا هو إمام الحديث: الأوزاعيّ - ولم يكن رافضيّاً - يروي مثل هذه الحكاية!
لعلّ في صحبة الأوزاعيّ لليهوديّ أمراً ليس من شأننا ولا نستطيع استقصاءه؛ فقد يكون لإقامة الدليل له على صحّة الإسلام أو لاتخاذه دليلاً له يوصله إلى بيت المقدس! ولكن ما هذا الّذي ذكره من سلوك صاحبه - اليهوديّ - والذي يرقى إلى معاجز نبيّ الله موسى عليهالسلام ؟!
معاجز القاسطين
وإذا كان للأولياء من عظيم الشأن عند الله تعالى، فيمطر السماء استجابةً منه سبحانه لدعاء فلان الوليّ، ويجمع ضفتى النهر لوليّه فلان ليعبره من غير عناء... فما بال النّواصب الخوارج لهم من تلكم الرفعة وأعظم؟!
معاجز أبي مسلم (2) الخولانيّ: جنديّ في عسكر معاوية بن أبي سفيان، ورسوله في حرب صفّين إلى امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ؛ فلمّا قطعه امير المؤمنين بالحجّة البالغة، خرج وهو يقول: «الآن طاب الضِّراب»!
فهل كرامات هذا الخارجيّ النّاصبيّ القاسط والّتي تبلغ المعجز، من مبالغته في
____________________
(1) تاريخ بغداد 6: 295.
(2) اسمه عبد الله بن ثوب، ويقال: ابن ثوّاب...، ويقال: ابن عوف، ويقال: ابن مشكم، ويقال: اسمه يعقوب ابن عوف. الاستيعاب 4: 192؛ أسد الغابة 6: 288؛ طبقات ابن سعد 7: 448؛ تهذيب الكمال 34: 290 - 293 أدرك الجاهلية ولم يلق النّبيّ صلىاللهعليهوآله ؛ ولقي أبا بكر، فعداده في التّابعين، يعدّ في أهل الشّام. روى عن عمر ابن الخطّاب، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي عبيدة بن الجرّاح، وأبي مسلم الجليليّ معلّم كعب الأحبار؛ تهذيب الكمال 34: 290. روى عنه إبراهيم بن أبي عبلة، وشرحبيل بن مسلم الخولانيّ، وعبد الله بن عروة بن الزّبير، وعطاء الخراسانيّ، وعطاء بن أبي رباح، ومكحول الشّاميّ، وأبو العالية الرّياحيّ وأبو عثمان الخولانيّ؛ تهذيب الكمال 34: 290 - 291.
قال: «روى له الجماعة سوى البخاريّ»؛ تهذيب الكمال 34: 291. مات الخولانيّ أيّام يزيد بن معاوية. له حديث حسّنه التّرمذيّ، وقال صحيح: 0 قال الله تعالى: المتحابّون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النّبيّون والشّهداء»؛ الترمذي 2390 ولا ندري لم يغبطهم الأنبياء وهم دليل الهداية لهذه المحبّة!
النّصيحة لابن آكلة الأكباد وقتاله أمير المؤمنين عليهالسلام ؟!
روى إسماعيل بن عيّاش، عن شرحبيل بن مسلم الخولانيّ: إنّ الأسود العنسيّ أخذ أبا مسلم الخولانيّ فألقاه في نار عظيمة فلم تضرّه! فأتى أبو مسلم المدينة فبصر به عمر بن الخطّاب فاعتنقه وبكى، ثمّ ذهب به إلى أبي بكر وأجلسه بينهما، وقال: الحمد لله الّذي لم يمتني حتّى أراني في أمّة محمّد صلىاللهعليهوآله من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله». (1)
إنّ نجاة الخولانيّ من النّار تعطيل لسنّة الله تعالى، إذ من طبيعتها إحراق الأشياء من غير مائز؛ أمّا نجاة إبراهيم النّبيّ عليهالسلام من نار طاغية زمانه «نمرود»، فإنّما هي كرامة لنبيّ من أولي العزم وتثبيت لنبوّته؛ ولم يكن الخولانيّ نبيّاً تصدّق نبوّته المعجزة، ولم يستقم حاله فتكون هذه الكرامة المعجز توكيداً لحرمة المؤمن!
الخولانيّ يخوض دجلة
وأحاديث القوم في كرامات الرّجال كثيرة، تبدأ على وجه البسيطة وتحلّق في الآفاق البعيدة، وفي الأضداد: في فيح النّار ولهيبها، وعلى سطح الماء ونسيمه، وفيهم من يخوض بدابّته الماء الهادر فتخوضه معه الرّجال، وذلك بفضل كرامته ودعائه. ومنهم من يعبّد لجيشه اللّجب وجه البحر فيحيله طريقاً مهيعاً.! قالوا: «أتى أبو مسلم الخولانيّ يوماً على دجلة، وهي ترمي بالخشب من مدّها، فوقف عليها ثمّ حمد الله وأثنى عليه، وذكر مسير بني إسرائيل في البحر، ثمّ نهر دابّته فخاضت الماء، وتبعه النّاس حتّى قطعوا». (2)
ولا نعظم على ابن عساكر ذكره هذه الكرامة لأبي مسلم الخولانيّ، وقد ذكر له ما هو أعظم! في خبر: «كان أبو مسلم الخولانيّ بيده سبحة يسبّح بها، فنام والسبحة بيده فاستدارت والتفّت على ذراعه وجعلت تسبّح، وهي تقول: سبحانك يا منبت النبات، ويا دائم الثّبات» (3) .
____________________
(1) البداية والنهاية 8: 146؛ شذرات الذهب 1: 70؛ الاستيعاب 4: 194 وقد شكك به!
(2) تاريخ دمشق لابن عساكر 7: 317.
(3) نفس المصدر 7: 318.
لقد ذكروا في معاجز نبيّنا محمّد صلىاللهعليهوآله : تسبيح الحصى في كفّه الشريفة. إلاّ أنّ أيادي السّوء امتدّت لتقلب هذه الحقيقة، وتنكر أخرى وتجرّ ثالثةً فتجعل وقوعها وحدوثها كرامة لفئة أو شخص ما؛ عصبيّةً عمياء وربّما لأمر آخر!
وهكذا تعاملوا مع خبر تسبيح الحصى، وليتهم قرنوها بمعجزة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، إلاّ أنّهم جعلوها خاصّة بهذا الخارجيّ الأمويّ!
ردّ البصر لابن حرب:
«كان سماك بن حرب قد ذهب بصره، فرأى إبراهيم الخليل في المنام فمسح على عينيه، وقال: اذهب إلى الفرات فتنغمس فيه ثلاثاً. ففعل فأبصر». (1)
____________________
(1) الرّوح: 258، جاء في ترجمة سماك: سماك بن حرب بن أوس الذّهليّ. مات سنة ثلاث وعشرين ومائة. رأى المغيرة بن شعبة. وروى عن أخيه إبراهيم بن حرب، وأنس بن مالك، والنّعمان بن بشير، والضّحاك ابن قيس، وعبد الله بن الزّبير بن العوّام، ومصعب بن سعد بن أبي وقّاص، والحسن البصريّ، وطارق بن شهاب، وعامر الشّعبيّ. روى عنه سفيان الثّوريّ، وشريك القاضي، وسليمان الأعمش، وشعبة بن الحجّاج، وأبو عوانة، وحمّاد بن سلمة. تاريخ بغداد 9: 214؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 323؛ أنساب السمعانيّ 6: 30؛ الكامل في التاريخ 5: 275؛ سير أعلام النبلاء 5: 245؛ تاريخ الإسلام 5: 84؛ تهذيب التهذيب 4: 232؛ شذرات الذّهب 1: 161؛ تهذيب الكمال 12: 115؛ طبقات خليفة 161؛ التاريخ الكبير للبخاريّ 4 ترجمة 2382، العبر 1: 236.
وأخباره مضطربة. عن حمّاد بن سلمة عن سماك، قال: أدركت ثمانين من أصحاب النّبيّ! تاريخ بغداد 9: 214. ومثله في: الجرح والتعديل: 4 ترجمة 1203؛ تاريخ البخاريّ، وتهذيب الكمال: 118، وفيه: وكان قد ذهب بصري، فدعوت الله فردّ عليّ بصري.
وقال فيه أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث. الجرح والتعديل 4 ترجمة 1203؛ تهذيب الكمال 12: 119 وقال عبد الرّحمن بن يوسف بن خراش: في حديثه لين. تاريخ بغداد 9: 216؛ تهذيب الكمال 12: 21. وقال زكريّا بن عديّ، عن ابن المبارك: سماك ضعيف في الحديث، تهذيب الكمال 12: 121. وقال يعقوب بن شيبة: قلت لعليّ بن المدينيّ: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة: تهذيب الكمال 12: 120.
وقال صالح بن محمّد البغداديّ: يضعّف. تاريخ بغداد 9: 216؛ تهذيب الكمال 12: 120. وقال النّسائيّ: ليس به بأس، وفي حديثه شيء؛ تهذيب الكمال 12: 120.وفي الهامش قال: ونقل مغلطاي وابن حجر عن =
إذا كان مقام سماك عند الله تعالى: أن يصدقه الرؤيا؛ فيردّ عليه بصره، فما المانع أن يردّ سبحانه الشّمس لنبيّه؟ أم أنّ مقام سماك أعلى من مقام النّبيّ صلىاللهعليهوآله ؟!
قال: وكان إسماعيل بن بلال الحضرميّ قد عمي فأتي في المنام فقيل له: قل: يا قريب يا مجيب يا سميع الدّعاء يا لطيف بمن تشاء، ردّ عليّ بصري، فقال اللّيث بن سعيد: أنا رأيته قد عمي ثمّ أبصر. (1)
بقرة سهل التّستريّ
أبو نعيم، قال: سمعت أبا الفضل أحمد بن عمران الهرويّ يحكي عن بعض أصحاب أبي العبّاس الخوّاص، قال: كنت أحبّ الوقوف على شيء من أسرار سهل (2) بن عبد الله،
____________________
= النّسائيّ أنّه قال: كان ربّما لقّن فإذا انفرد بأصل لم يكن حجّة لأنّه كان يلقّن فيتلقّن. وقال أبوبكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين سئل عن سماك بن حرب: ما الّذي عابه؟ قال: أسند أحاديث لم يسندها غيره. الجرح والتعديل، تاريخ بغداد، تهذيب الكمال. وكان شعبة يضعّفه. الجرح والتعديل، تهذيب الكمال... ولم يذكره ابن حبّان، ولا ابن شاهين في الثّقات. وفي تاريخ الثّقات للعجليّ 207 / 621: كان في حديث عكرمة ربّما وصل عن ابن عبّاس، وربّما قال: قال النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وإنّما عركمة يحدّث عن ابن عبّاس، وكان سفيان الثّوريّ يضعّفه بعض الضعف. وقد ذكره أبو الفرج في المنتظم 7: 225 قال: توفّي سنة ثلاث وعشرين ومائة. كان «قد ذهب بصره فرأى إبراهيم الخليل عليهالسلام فأصبح يبصر». ولم يذكر كيف عرف الخليل وهو لم يره من قبل مضافاً إلى أنّه كان أعمى؟!
(1) الرّوح: 258.
(2) جاء في ترجمته: أبو محمّد سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التّستريّ، نسبته إلى تستر، وهي بلدة من كور الأهواز من خوزستان، يقول لها النّاس: ششتر؛ بها قبر البراء بن مالك. توفّي بالبصرة وذلك سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وفيات الأعيان 3: 149. وقال: كان صاحب كرامات، لم يكن له في وقته نظير في المعاملات. ولقي الشيخ ذا النون المصريّ، بمكّة. وكان له اجتهاد وافر ورياضة علميّة، وكان سبب سلوكه هذا الطريق خاله محمّد بن سوّار، وذكر في ذلك قصّة. نفس المصدر.
وترجم له الذهبيّ، قال: سهل بن عبد الله التّستريّ الإمام العارف أبو محمّد شيخ الصّوفيّة روى عنه خاله محمّد بن سوّار، وصحبه ذو النون المصريّ قليلاً؛ لقيه بمكّة، كان من أعيان الشيوخ في زمانه، يعدّ مع الجنيد: =
فسألت بعض أصحابه عن قوّته فلم يخبرني أحد منهم بشيء، فقصدت مجلسه ليلة من الليالي فإذا هو قائم يصلّي، فأطلت القيام وهو قائم لا يركع، فإذا أنا بشاة جاءت فرجمت باب المسجد وأنا أراها، فلمّا سمع حركة الباب ركع وسجد وسلّم وخرج وفتح الباب، فدنت الشاة منه ووقفت بين يديه، فمسح ضرعها فحلبها وجلس فشرب ثمّ مسح بضرعها وكلّمها بالفارسيّة فذهبت في الصحراء ورجع هو إلى محرابه. (1)
والمدهش حقّاً: معرفة سهل لسان الشّاة ولغتها؟ ولكن لم كلّمها بالفارسيّة دون سائر اللّغات؟! إلاّ إذا قلنا إنّ البهم أمم كما هو حال البشر، فتعدّدت لغاتها لذلك، وليس كلّ إنسان يتأتّى له ملكة معرفة لغات الحيوانات وإنّما هو خاصّ بالأولياء من أمثال سهل، لما ألزموا أنفسهم به من الرّياضات الجسمانيّة والنّفسيّة الشّاقّة.
«قال أبو الحسن بن سالم: عرفت سهلاً سنين من عمره، كان يقوم اللّيل بفرد رجل
____________________
= أبو القاسم الجنيد بن محمّد بن الجنيد الخزّار القواريريّ، أصله من نهاوند، تفقّه على أبي ثور وقيل كان على مذهب سفيان الثوريّ، وصحب خاله السّريّ السّقطيّ والحارث المحاسبيّ «وفيات الأعيان 1: 323». ثمّ أورد له كلاماً في الحديث وفائدته، وعقّبه بقوله يمدحه: هكذا كان مشايخ الصّوفيّة في حرصهم على الحديث والسّنّة، لا كمشايخ عصرنا الجهلة البطلة الأكلة الكسلة! تاريخ الإسلام 21: 186.
عقيدة سهل بالله تعالى: ويبدو أنّ سهلاً ينحو منحى المثبتين للصّفات للباري عزّ وجلّ، من غير تأويل ولا تنزيه! وأنّه تعالى ينظر إليه ويتكلّم وأنّه على عرشه. قال: «العقل وحده لا يدلّ على قديم أزليّ فوق عرش محدث، نصبه الحقّ دلالةً وعلماً لنا، لتهتدي القلوب إليه ولا تجاوزه، فلا كيف للاستواء عليه، لأنّه لا يجوز للمؤمن أن يقول: كيف الاستواء؟ لم خلق الاستواء؟ وإنّما عليه الرّضى والتّسليم؛ لقول النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «إنّه على عرشه». وإنّما سمّي الزّنديق زنديقاً، لأنّه وزن دقّ الكلام بمنحول عقله، وقياس هوى طبعه، وترك الأثر والاقتداء بالسّنّة، وتأوّل القرآن بالهوى، فعند ذلك لم يؤمن بأنّ الله على عرشه». تاريخ الإسلام 21: 188. إذن ليس لأحد أن يسأل ولا لعقل عاقل أن يجول فيغربل صحيح الحديث من سقيمه! وإلاّ فالحكم بالزندقة ينتظر من لا يؤمن بأنّ الله تعالى بذاته العزيزة على عرشه؛ وليس له تأويل ذلك بالسيطرة والهيمنة والحاكميّة المطلقة لله تعالى!
وفي حلية الأولياء 10: 203: قال سهل بن عبد الله: لا يخرجنّكم تنزيه الله إلى التلاشي... الله يتجلّى كيف شاء وقال: ليس لقول لا إله إلاّ الله ثواب إلاّ النظر إلى الله عزّ وجلّ... المصدر 10: 203.
(1) حلية الأولياء 10: 210.
يناجي ربّه حتّى يصبح» (1) !
هلاّ قام سهل ليله على رجلين اثنين يصلّي، خير له من هذه البدعة؟! وأين كان ابن القيّم عن أخبار سهل، ممّا سلف ذكره وما هو آتٍ؟! فقبل هذه الخرافات وحمل لواء الرّفض للحقائق الثابتة، كسلفه من الأبناء؟!
كرامات ذويب
«توفّي الشّيخ علي ذويب سنة 947، وكان يمشي كثيراً على الماء فإذا أبصره أحد اختفى، وكان يرى كلّ سنة بعرفة ويختفي من النّاس إذا عرفوه» (2) !
هذا وهو ذويب، فكيف لو كان ذئباً؟! وإذا كان اختفاؤه بقدرة القادر عن أبصار الذين يرونه وهو يمشي على وجه الماء، تواضعاً منه لله تعالى، وطرداً لحبّ الشّهرة اللذان هما من أخلاق العارفين، فلماذا يختفي من النّاس بعرفة وهو يؤدّي عبادة وطاعة؟! إلاّ أن يكون سفره إلى الديار المقدّسة غير طبيعيّ، مثل سفر معروف الكرخيّ: يرونه اليوم ببغداد، فإذا كان الغد رأوا بوجهه شجّةً فلمّا سألوه أخبرهم أنّه ذهب إلى بيت الله فزار وطاف وشرب من ماء زمزم فانزلقت رجله، فالشجّة من ذلك!
وفي الوحوش أولياء!
ذكر اليافعيّ في روض الرّياحين 104، قال: قال سهل بن عبد الله رضى الله عنه: أوّل ما رأيت من العجائب والكرامات إنّي خرجت يوماً إلى موضع خالٍ، فطاب لي المقام فيه فوجدت من قلبي قرباً إلى الله تعالى، وحضرت الصّلاة وأردت الوضوء - وكانت عادتي من صباي تجديد الوضوء لكلّ صلاة - فكأنّي أغتممتُ لفقد الماء، فبينما أنا كذلك وإذا دبّ يمشي على رجليه كأنّه إنسان معه جرّة خضراء قد أمسك بيديه عليها، فلمّا رأيته من بعيد توهّمت أنّه آدميّ، حتّى دنا منّي وسلّم عليّ ووضع الجرّة بين يديّ، فجاءني اعتراضُ
____________________
(1) حلية الأولياء 10: 211.
(2) شذرات الذهب لابن العماد الحنبليّ 8: 269.
العلم، فقلت: هذه الجرّة والماء من أين هو؟ فنطق الدبّ وقال: يا سهل! إنّا قوم من الوحوش قد انقطعنا إلى الله تعالى بعزم المحبّة والتوكّل، فبينما نحن نتكلّم مع أصحابنا في مسألة إذ نُودينا: ألا إنّ سهلاً يريد الماء ليجدّد الوضوء! فوضعت هذه الجرّة بيدي، وإذا بجنبي ملكان، فدنوت منهما فصبّا فيها الماء من الهواء وأنا أسمع خرير الماء.
إنّ اعتراض العلم عند سهل وهو ينسج من بنيّات أوهامه مثل هذه القصّة الخرافيّة، قد صرفه إلى سؤال الدبّ المؤمن المنقطع إلى الله تعالى بزهد الأولياء، عن الجرّة والماء الذي فيها، فعاد ليزعم أنّ الملائكة صبّت له الماء في تلك الجرّة، وأنّها أفاضت الماء له من الهواء، من غير أن يشير إلى أنّ الملائكة الّتي كات بجنبه قد ارتفعت عن الأرض! ولما كانت الملائكة بخدمة سهل؛ فقد فاتها شرف السّبق في إحضار الماء الّذي أحرزه الدّبّ!
ولكن ربّما اعترض جاهل! كيف عسر على مثل سهل الحصول على الماء حتّى يحضره له ذلك الدبّ؟ وكان بإمكانه أن يحرّك الرّيح فتثير سحاباً تمطر، أو يفجّر الأنهار؟! ذكر الشّعرانيّ في طبقات الأخيار 1: 158 أنّ سهل بن عبد الله التستريّ قال: أشهدني الله تعالى ما في العلى وأنا ابن ستّ سنين، ونظرت في اللّوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين، وفككت طلّسهم السّماء وأنا ابن تسع سنين، ورأيت في السّبع المثاني حرفاً معجماً حار فيه الجنّ والإنس ففهمته، وحمدت الله على معرفته، وحرّكت ما سكن، وسكّنت ما تحرّك بإذن الله تعالى، وأنا ابن أربع عشرة سنة. (1)
ليس العجب في تصديقهم أضغاث أحلام سهل هذه! وإنّما تكذيبهم سابقيّة امير المؤمنين عليهالسلام بشرف شهود الوحي وإطلاع رسول الله صلىاللهعليهوآله إيّاه على الدّعوة الإسلاميّة الّتي بعث بها. ودعواهم أنّ عليّاً عليهالسلام كان صغيراً لا تجري عليه الأحكام! أمّا سهل، فإنّه في عمرٍ أقلّ من سنّ عليّ الذي شهد به نور الدّعوة، يطلعه الباري سبحانه على ما في العلى - وإن لم يصرّح لنا ماذا شهد في تلك العلى - وبعد غيبوبة سنتين، نظر في اللّوح الّذي ما سبقه
____________________
(1) حلية الأولياء 10: 210. انظر ترجمة سهل بن عبد الله التّستريّ، في: صفة الصفوة 4: 64 - 66؛ المنتظم لابن الجوزيّ 12: 362 رقم 1898؛ العبر 2: 70؛ البداية والنّهاية 11: 74؛ حلية الأولياء 10: 189 - 212 رقم 554؛ وفيات الأعيان منشورات الشريف الرضيّ 2: 281 - 282؛ تاريخ الإسلام 21: 186.
إليه نبيّ مرسل! فكان ذلك سبباً مكنّه بعد سنة من حلّ طلّسهم السّماء الذي أبقاه لغزاً معقّداً تاهت فيه عقول مريديه، فبات سهلاً على سهل أن يؤزّهم ويسكّنهم ويعمّي عليهم كنه الحرف الّذي عجز الإنس والجنّ عن فهمه!
ومن الحتم أنّ سهلاً لو شاء أن يسكّن الشّمس أو يعيدها من بعد مغيب لكان له ذلك! وبذا تسقط حجّة الرّوافض الّذين تمسّكوا بحديث ردّ الشّمس وجعلوه من كرامات عليّ ابن أبي طالب!
حوراء بأربعة آلاف
قال زكريّا بن يحيى (1) النّاقد: اشتريت من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلمّا كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء، وهي تقول: وفيت بعهدك، فها أنا التي قد اشتريتني. فيقال إنّه مات عن قريب.
جزى الله النّاقد ما يستحقّ إذ يسّر على التوّاقين للحور العين، ودلّهم على الباب الّذي يلجونه إلى قاصرات الطّرف الحسان. وما أيسره من مهر: أربعة آلاف ختمة! ولكن: من قال إنّ النّداء الّذي سمعه النّاقد كان من حورائه، لا من الشّيطان؟!
إحياء الموتى
ليس ردّ الشّمس أعظم ولا حتّى يساوي ردّ الحياة للميّت، وانتزاع الأرواح عنوةً من قبضة ملك الموت! ولو لا أنّ القرآن الكريم قد أخبر أنّ من معاجز عيسى عليهالسلام إحياء الموتى ( وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ ) (2) - تصديقاً لنبوّته وتبكيتاً لجدل بني إسرائيل - لما كان سهلاً
____________________
(1) أحد أئمّة الحديث من تلاميذ أحمد بن حنبل، توفّي سنة 285. جاء في ترجمته: «زكريّا بن يحيى بن عبد الملك بن مروان بن عبد الله، أبو يحيى النّاقد. سمع خالد بن خداش، وأحمد بن حنبل، روى عنه أبو بكر الخلال الحنبليّ، وأبو سهل القطّان. كان أحد العبّاد المجتهدين. قال أحمد بن حنبل فيه: هذا رجل صالح. وقال الدار قطنيّ: هو فاضل ثقة. المنتظم 12: 386 - 387 رقم 1920؛ مناقب أحمد 510؛ تاريخ بغداد 8: 461 - 462.
(2) آل عمران: 49.
تصديق ذلك اعتماداً على الأخبار إلاّ أنّ القوم راقهم أن يوزّعوا معاجز الأنبياء عليهمالسلام - على هذا أو ذاك ممّن نعتوهم بالزّهد والولاية. ويستوي عندهم ردّ الحياة للإنسان والحيوان حتّى لو كان دجاجةً لم يبق منها إلاّ العظام! وقد مرّت بنا قصّة عودة الحياة إلى حمار شيبان.
باعلوي يحيي الميّت
«لما رجع أبو بكر بن عبد الله باعلوي من الحجّ، دخل زيلع، وكان الحاكم بها يومئذ محمّد بن عتيق. فاتّفق أنّه ماتت أمّ ولد للحاكم المذكور، وكان مشغوفاً بها فكاد عقله يذهب لموتها، فدخل عليه السيّد باعلوي لما بلغه عنه من شدّة الجزع ليعزّيه ويأمره بالصّبر، وهي مسجّاة بين يديه بثوب، فعزّاه وصبّره فلم يفد فيه ذلك، وأكبّ على قدمي الشّيخ يقبلّهما وقال: لا سيّدي! إن لم يحي الله هذه متّ أنا أيضاً، ولم يبق لي عقيدة في أحد! فكشف السيّد عن وجهها وناداها باسمها، فأجابته: لبّيك؛ وردّ الله روحها. وخرج الحاضرون ولم يخرج السيّد حتّى أكلت مع سيّدها الهريسة وعاشت مدّة طويلة» (1) .
لا نعترض على ابن العماد الحنبليّ ولا على غيره من رواة هذه القصص، ولكن لنا أن نسألهم: هل إعادة الحياة لحمار شيبان، وردّ روح هذه المرأة ونظائر ذلك إلاّ ايمان بمبدأ (2) الرّجعة الذي يعتقده المسلمون من شيعة امير المؤمنين عليهالسلام ؛ والذي جعلوه أحد الأمور الّتي يشنّعون بها عليهم ويصمونهم لأجلها بالكفر والزندقة؟!
وقال ابن العماد: «دخل أحمد بن يحيى الشّاويّ اليمنيّ على القاضي عثمان بن محمّد الناشريّ وقد أرجف بموته، ثمّ خرج وعاد إليه وقال لأهله: قد استمهلت له ثلاث سنين. فأقام القاضي بعدها ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص». (3)
____________________
(1) شذرات الذّهب 8: 63.
(2) ويتلخّص في أنّ الله تعالى يردّ قوماً من الأموات إلى الدّنيا في صورهم الّتي كانوا عليها فيعزّ منهم فريقاً ويذلّ فريقاً، ويدلّ المحقّين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمّد صلىاللهعليهوآله . وقد جاء القرآن بصحّة ذلك وتظاهرت به الأخبار. انظر: أوائل المقالات للشيخ المفيد: 88 - 89.
(3) شذرات الذّهب 7: 240.
عبد القادر ينتزع الأرواح من ملك الموت
قال أحمد الرّفاعيّ: توفّي أحد خدّام الشّيخ عبد القادر (1) الگيلانيّ، وجاءت زوجته إليه فتضرّعت والتجأت إليه وطلبت حياة زوجها، فتوجّه الشّيخ إلى المراقبة، فرأى في عالم الباطن أنّ ملك الموت يصعد إلى السماء ومعه الأرواح المقبوضة في ذلك اليوم، فقال: يا ملك الموت! قف، واعطني روح خادمي فلان. فقال ملك الموت: إنّي أقبض الأرواح بأمر إلهيّ وأودّيها إلى باب عظمته، كيف يمكنني أن أعطيك روح الّذي قبضته بأمر ربّي؟ فكرّر الشّيخ عليه إعطاء روح خادمه إليه، فامتنع من اعطائه، وفي يده ظرف معنويّ كهيئة الزّنبيل فيه الأرواح المقبوضة في ذلك اليوم، فبقوّة المحبوبيّة جرّ الزّنبيل وأخذه من يده، فتفرّقت الأرواح ورجعت إلى أبدانها...» (2) .
إنّ عبد القادر الّذي لا يملك من أمره شيئاً، والذي ترعد فرائصه مثل غيره إذا حضره ملك الموت ليقبض روحه، وقد نعته ابن كثير - وهو من هو! - بجمعه الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأنّ أكثر أفعاله ومكاشفاته من مغالاة أصحابه، فإنّه قد لوى ملك الموت وفكّ قبضته عن الأرواح الّتي عرج بها في زنبيل معنويّ؛ وذلك بصولة المحبوبيّة! ولكن احتراماً للمحبوبيّة ألم يكن أولى به أن يرفق بسفير الله تعالى المكلّف بقبض الأرواح من عنده سبحانه؟!
وذكر اليافعيّ في مرآة الجنان خبراً آخر من كرامات عبد القادر، أعاد الحياة فيه إلى
____________________
(1) الشّيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلانيّ، نسبة إلى جيلان إقليم في إيران جنوبيّ بحر قزوين. ولد عبد القادر الصّوفيّ بها وانتقل إلى بغداد فتوفّي بها وقبره بها يزار.
في البداية والنهاية 12: 252: الشّيخ عبد القادر بن أبي صالح أبو محمّد الجيليّ، ولد سنة 470، ودخل بغداد، فسمع الحديث وتفقّه على أبي سعيد المخرميّ الحنبليّ، وقد كان بنى مدرسة ففوّضها إلى الشيخ عبد القادر، فكان يتكلّم على النّاس بها ويعظم. وكان له سمت حسن، وكان فيه تزهد كثير، وله أحوال صالحة ومكاشفات، ولأتباعه وأصحابه فيه مقالات، ويذكرون عنه أقوالاً وأفعالاً ومكاشفات أكثرها مغالاة. وقد كان صالحاً ورعاً، وقد صنّف كتاب «الغنية» و «فتوح الغيب»، وفيهما أشياء حسنة، وذكر فيهما أحاديث ضعيفة وموضوعة! وبالجملة كان من سادات المشايخ. توفّي سنة 561 وله تسعون سنة ودفن بالمدرسة الّتي كانت له.
(2) تفريح الخاطر 5. طبع مصر، مطبعة عيسى البابيّ الحلبيّ سنة 1339 هـ.
ميّت ولم يكن بشراً وإنّما دجاجة أكل لحمها وبقيت عظامها. قال: «روى الشّيخ الإمام أبو الحسن عليّ بن يوسف بن جرير الشّافعيّ اللّخميّ في مناقب الشّيخ عبد القادر، بسنده من خمسة طرق، وعن جماعة من الشّيوخ الجلّة أعلام الهدى العارفين، قالوا: جاءت امرأة بولدها إلى الشّيخ عبد القادر فقالت له: يا سيّدي! إنّي رأيت قلب ابني هذا شديد التعلّق بك، وقد خرجت عن حقّي فيه لله عزّ وجلّ ولك. فقبله الشّيخ وأمره بالمجاهدة وسلوك الطّريق. فدخلت أمّه عليه يوما فوجدته نحيلاً مصفرّاً من آثار الجوع والسّهر، ووجدته يأكل قرصاً من الشّعير، فدخلت إلى الشّيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة قد أكلها، فقالت: يا سيّدي! تأكل لحم الدّجاج ويأكل ابني خبز الشّعير؟! فوضع يده على تلك العظام وقال: قومي بإذن الله تعالى. فقامت الدّجاجة سويّة وصاحب!. فقال الشّيخ: إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء» (1) .
ومن أخباره: «لما قربت وفاة الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ، جاء سيّدنا عزرائيل بمكتوب ملفوف من الربّ الجليل في وقت غروب الشّمس وأعطاه ولده الشّيخ عبد الوهاب، وكان مكتوب على ظهره: يصل هذا المكتوب من المحبّ إلى المحبوب. فلمّا رآه ولده بكى وتحسّر ودخل بالمكتوب مع سيّدنا عزرائيل على حضرة الشّيخ، وقبل هذا بسبعة أيّام كان معلوماً لدى الشّيخ انتقاله إلى العالم العلويّ، وكان مسروراً ودعا الله لمحبّيه ومخلصيه بالمغفرة، وتعهّد لهم أن يكون شفيعاً لهم يوم القيامة، وسجد لله تعالى وجاء النداء: يا أيّتها النّفس المطئنّة ارجعي إلى ربّك راضيةً مرضيّة. وضجّ عالم النّاسوت بالبكاء، وابتهج عالم الملكوت باللّقاء» (2) . فما أجرأ عزرائيل على الدخول على الجيلانيّ الّذي انتزع منه الأرواح سابقاً!
____________________
(1) مرآة الجنان 3: 356.
(2) تفريح الخاطر / 38.
الله تعالى يثأر للشّيخين
ذكر القيروانيّ (1) عن بعض السّلف، قال: كان لي جار يشتم أبا بكر، وعمر، فلمّا كان ذات يوم أكثر من شتمهما، فتناولته وتناولني، فانصرفت إلى منزلي وأنا مغموم حزين، فنمت وتركت العشاء، فرأيت رسول الله صلىاللهعليهوآله في المنام فقلت: يا رسول الله! فلان يسبّ أصحابك! قال: من أصحابي؟ قلت: أبو بكر، وعمر. فقال: خذ هذه المدية فاذبحه بها فأخذتها فأضجعته وذبحته، ورأيت كأنّ يدي أصابها من دمه فألقيت المدية وأهويت بيدي إلى الأرض لأمسحها، فانتبهت وأنا أسمع الصّراخ من نحو داره، فقلت: ما هذا الصّراخ؟ قالوا: فلان مات فجأة! فلمّا أصبحنا جئت فنظرت إليه فإذا خطّ موضع الذّبح. (2)
لم يذكروا اسم السّلف الّذي روى هذه الحكاية، ولعل السّبب أنّ القيروانيّ كان يروي كلّ غريبة كما جاء في ترجمته. وأمر آخر: أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله لم يصدر أمره لهذا السّلف بذبح من يسبّ الصّحابة إلاّ بعد أن علم أنّه يسبّ أبا بكر وعمر. وعلى هذا لم نجده صلىاللهعليهوآله قد أمر أحداً من السّلف بذبح معاوية وبطانته الّذين كانوا يسبّون عليّاً عليهالسلام ويلعنونه!
ومن غرائب القيروانيّ، قال: أخبرني شيخ لنا من أهل الفضل، قال: أخبرني أبو الحسن المطّلبيّ إمام مسجد النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال رأيت بالمدينة عجباً! كان رجل يسبّ أبابكر، وعمر رضي الله عنهما، فبينا نحن يوماً من الأيّام بعد صلاة الصّبح إذ أقبل رجل وقد خرجت عيناه وسالتا على خدّيه، فسألناه: ما قصّتك؟ فقال: رأيت البارحة رسول الله صلىاللهعليهوآله وعليّ بين يديه، ومعه أبوبكر وعمر فقالا: يا رسول الله، هذا الذي يؤذينا ويسبّنا! فقال لي رسول الله: من أمرك بهذا يا أبا قيس؟! فقلت: عليّ، وأشرت عليه فأقبل عليّ عليّ بوجهه ويده وقد ضمّ أصابعه وبسط السبّابة والوسطى وقصد بها إلى عينيّ، فقال: إن كنت كذبت ففقاً
____________________
(1) أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم الحصريّ القيروانيّ. شاعر له ديوان شعر. وله كتاب «زهر الآداب وثمر الألباب» جمع فيه كلّ غريبة. كان شبان القيروان يجتمعون إليه ويأخذون عنه. توفّي سنة 413 وقيل: سنة 453. تاريخ الإسلام للذهبيّ 30: 340؛ وفيات الأعيان 1: 37؛ سير أعلام النبلاء 18: 139؛ الوافي بالوفيات 6: 61.
(2) الرّوح: 254.
الله عينيك، وأدخل إصبعيه في عيني. فانتبهت من نومي وأنا على هذه الحال، فكان يبكي ويخبر النّاس وأعلن التوبة. (1)
ما أيسر وأكثر رؤية هذا وذاك للنّبيّ صلىاللهعليهوآله ! ولكن هل في مثل هذا المقام محلّ لتكنية هذا الرّجل من غير تصريح باسمه؟! وما الهدف من نسج مثل هذه القصّة؟! قال ابن القيّم: وذكر ابن أبي الدنيا، عن أبي حاتم الرّازيّ، عن محمّد بن عليّ، قال: كنّا بمكّة في المسجد الحرام قعوداً، فقام رجل نصف وجهه أسود ونصفه أبيض، فقال: يا أيّها النّاس، اعتبروا بي فإنّي كنت أتناول الشّيخين وأشتمهما، فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني آتٍ فرفع يده فلطم وجهي، وقال لي: يا عدوّ الله يا فاسق! ألستَ تسبّ أبا بكر وعمر؟! فأصبحت وأنا على هذه الحالة. (2)
قال: وقال محمّد بن عبد الله المهلبيّ: رأيت في المنام كأنّي في رحبة بني فلان، وإذا النبيّ صلىاللهعليهوآله جالس على أكمة ومعه أبوبكر واقف قدّامه، فقال له عمر: يا رسول الله هذا يشتمني ويشتم أبا بكر! فقال: جئ به يا أبا حفص، فأتي برجل فإذا هو العمانيّ وكان مشهوراً بسبّهما فقال له النّبيّ: أضجعه، فأضجعه، ثمّ قال: اذبحه، فذبحه قال: فما نبّهني إلاّ صياحه، فقلت: ما لي لا أخبره؟ عسى أن يتوب، فلمّا تقرّبت من منزله سمعت بكاءً شديداً فقلت ما هذا البكاء؟ فقالوا: العمانيّ ذبح البارحة على سريره! قال: فدنوت من عنقه فإذا من أذنه إلى أذنه طريقة حمراء كالدم المحصور. (3)
لم يكلّفنا ابن القيّم عناء التفتيش عن هويّة هذا العمانيّ العلم المشهور بسبّ الشّيخين؛ فبقي مجهولاً لنا لا نعلم من حاله شيئاً!
ليس من شأننا أن نغمط للشّيخين ولا لغيرهما حقّاً، ولكنّ ترك الإنصاف من لدن ابن الجوزيّة هو ما يعنينا هنا؛ إذ يسرد فضائل الشّيخين وغيرهما، وأساسها أحلام قوم رأوها في المنام وتحقّقت في الواقع الملموس، حيث ثأر الله سبحانه ممّن سبّهما فقتله! فهلاّ
____________________
(1) الرّوح: 257.
(2) نفس المصدر 256.
(3) نفس المصدر 257.
حصل مثل ذلك لمن جعل من تتمّة العبادة وأداء الصّلاة هو لعن أمير المؤمنين عليهالسلام ؟! وهل من العدل أن ينتقم تعالى ممّن سبّ أبا بكر وعمر، ويغفر لمن خرج على عليّ عليهالسلام فقاتله، ثمّ جعل سبّه سنّة؟!
قال: قال سعيد بن أبي عروبة (1) ، عن عمر بن عبد العزيز: رأيت رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلّمت وجلست، فبينا أنا جالس إذ أتي بعليٍّ ومعاوية فأدخلا بيتاً وأجيف عليهما الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج عليّ وهو يقول: قضي لي وربّ الكعبة. وما كان بأسرع من أن خرج معاوية على أثره وهو يقول: غفر لي وربّ الكعبة (2) !
هكذا وبهذه السّرعة خرج عليّ عليهالسلام صنو رسول الله صلىاللهعليهوآله وصهره وأبو ذرّيّته، ووصيّه وحامل رايته، المطهّر بصريح القرآن والسّنّة... وقد قضي له! فبماذا كان القضاء؟ أبالحكم - على الطليق ابن الطليق الملعون هو وأبوه على لسان النّبيّ صلىاللهعليهوآله بجهنّم لخروجه على إمام زمانه العادل، وسفك دماء ألوف المسلمين بذلك الخروج؛ فخالف به أمر النّبيّ وسنّته في وجوب طاعة الحاكم الشرعيّ، مع أنّ مقاتلة عليّ وحربه حرب لله ورسوله بحكم الولاية الشّرعيّة وتنصيص رسول الله صلىاللهعليهوآله على أنّ حرب عليّ حرب لله ورسوله، وأنّ حبّه عبادة،
____________________
(1) سعيد بن أبي عروبة، واسمه مهران العدويّ البصريّ، مولى بني عديّ بن يشكر. روى عن: أيّوب السّختيانيّ، والحسن البصريّ، وسليمان الأعمش، وقتادة، ومالك بن دينار، والنّضر بن أنس بن مالك وغيرهم. روى عنه: سفيان الثّوريّ، وسليمان الأعمش - وهو من شيوخه -، وشعبة بن الحجّاج، وإبراهيم بن طهمان والنّضر بن شميل، ويحيى بن سعيد القطّان، ويزيد بن هارون، ويحيى بن مطر المجاشعيّ البصريّ، ويزيد بن زريع... قال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتاب «الجرح والتعديل 4 ترجمة 276». وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه: سعيد بن أبي عروبة قبل أن يختلط ثقة «نفس المصدر» وقال أبو زرعة الدّمشقيّ، عن دحيم: إنّ سعيد بن أبي عروبة اختلط «نفس المصدر». قال وكيع: كنّا ندخل على سعيد بن ابي عروبة فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحاً طرحناه، الثقات 1: 160. التهذيب 4: 62؛ طبقات خليفة 378 ح تاريخ الإسلام 6: 183؛ الضعفاء لابن الجوزيّ 166. قالوا: مات سعيد ابن أبي عروبة سنة 156، وقيل سنة 157.
(2) الرُّروح: 38 - 29.
وأنّ حبه حبّ لله تعالى ورسوله و بغضه بغض لله ورسوله، كما استفاضت بذلك كتب الرجال والتاريخ والحديث عند المصنّفين غير الرّوافض؟!
وخروج معاوية على عليّ عليهالسلام وما تبع ذلك هو خروج على رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فعليّ نفس رسول الله على ما هو في آية المباهلة، إلاّ أنّ معاوية قد خرج من القضاء الربّانيّ مغفوراً له لم يعرق له جبين!
( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (1) ؟! ولم يتورّع ابن القيّم من إنكار حديث ردّ الشّمس على أنّه معجزة لرسول الله صلىاللهعليهوآله وكرامة لأمير المؤمنين عليهالسلام ، ومضى أبعد من ذلك فجعله من مفتريات الشّيعة! وقد وجدنا الكتب المعتبرة عند أهل المذاهب الإسلاميّة قد أصفقت على ذكره على أنّه حقيقة مسلّمة. فلهذا وذاك أطلنا الحديث في هذا الفصل ليكون فيه الفصل ولأنّ الكلام يجرّ إلى الكلام. ونختمه بحديث ردّ الشّمس لإسماعيل الحضرميّ، حيث لم نجد من ابن القيّم ولا غيره اعتراضاً عليه ولا نبساً ببنت شفة فيه!
ردّ الشّمس لإسماعيل (2) الحضرميّ
قال السّبكيّ: ممّا حكي من كرامات الحضرميّ واستفاض، أنّه قال يوماً لخادمه وهو في سفر: قل للشّمس تقف حتّى نصل إلى المنزل. وكان في مكان بعيد، وقد قرب غروبها، فقال لها الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل: قفي! فوقفت حتّى بلغ مكانه، ثمّ قال للخادم: أما تطلق ذلك المحبوس؟! فأمرها الخادم بالغروب فغربت، وأظلم الليل في الحال (3) !
____________________
(1) القلم / 36.
(2) إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل بن عليّ بن عبد الله الحضرميّ، نسبةً إلى حضرموت.
قال ابن قاضي شهبة الدمشقيّ «779 - 851 هـ) في كتاب طبقات الشّافعيّة 2: 131؛ إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل، الشّيخ الإمام الوليّ العارف، قطب الدّين ن الحضرميّ، شارح المهذّب. وله مصنّفات كثيرة. قال الحافظ عفيف الدّين المطريّ: مصنّفاته فيما يتعلّق بالمذهب ببلاد اليمن شهيرة، وكراماته ظاهرة كادت تبلغ حدّ التواتر. توفّي في حدود سنة ستُ أو سبع وسبعين وستمائة.
(3) طبقات الشّافعيّة الكبرى لتقيّ الدّين السّبكي الشافعيّ 5: 51.
إنّ من تأتمر الكائنات بأمره لا يحتاج إلى الشّمس دليلاً إلى منزلة، فعلام هذا الحبس للشّمس؟! وأيّ خطر على الحضرميّ لو أمر الشّمس بنفسه، وإنّما أوكل هذه المهمّة إلى خادمه، الذي خاطب الشّمس بفقه الحضرميّ فوقفت عن سيرها، ثمّ أمرها فغربت؟! وليس لرافضيّ - كذا - أن يشكل على الخبر؛ فهو واحدة من كرامات الحضرميّ المستفيضة! كما وليس له أن يتّخذه دليلاً على صحّة خبر حبس الشّمس لعليّ عليهالسلام بدعاء النّبيّ صلىاللهعليهوآله !
وقال اليافعيّ (1) : من كرامات إسماعيل الحضرميّ وقوف الشّمس له حتّى بلغ مقصده، لما أشار إليها بالوقوف في آخر النّهار. وهذه الكرامة ممّا شاع في بلاد اليمن وكثر فيها الانتشار، ومنها: أنّه نادته سدرة والتمست منه أن يأكل منها هو وأصحابه من ثمرها، وإليه أشرت بقولي:
هو الحضرميّ نجل الوليّ محمّدٍ |
إمام المهدي نجل الإمام الممجّد |
|
ومن جاهه أوما إلى الشّمس أن: قفي |
فلم تمش حتّى أنزلوه بمقصدٍ |
وترجم له ابن العماد (2) الحنبليّ، وذكر له كرامات عدّة يزاحم بعضها بعضاً فيبزّه في الرفعة والعظمة! من ذلك:
«أنّ ابن معطي قيل له في النّوم: اذهب إلى إسماعيل الحضرميّ واقرأ عليه الحو. فلمّا انتبه تعجّب لكون الحضرميّ لا يحسنه - أي لا يحسن النحو - ثمّ قال: لا بدّ من الامتثال. فدخل عليه وعنده جمع يقرؤون عليه الفقه، فبمجرّد رؤياه قال: أجرتك بكتب النحو! فصار لا يطالع فيه شيئاً إلاّ عرفه بغير شيخ (3) !
ومنها أنّ بعض الصّلحاء رأى المصطفى صلىاللهعليهوآله فقال له: من قبّل قدم الحضرميّ دخل
____________________
(1) مرآة الجنان وعبر اليقظان لعبد الله بن أسعد اليافعيّ 4: 178.
(2) شذرات الذّهب 5: 361، في أحداث سنة ثمان وسبعين وستّمائة، قال: وفيها توفّي الشّيخ القدوة إسماعيل الحضرميّ. قال المناويّ: قطب الدّين الإمام الكبير العارف الشهير قدوة الفريقين وعمدة الطريقين شيخ الشّافعيّة ومربّي الصوفيّة إمام الأئمّة... ثمّ ذكر كراماته.
(3) شذرات الذّهب 5: 362.
الجنّة. فبلغ الحكميّ مفتي زبيد، فقصده ليقبّلها، فلمّا وقع بصره عليه مدّ له رجليه. (1)
الحضرميّ من أولياء الله تعالى، وهو باب مدينة العلم! والجنّة تحت أقدامه لا تحت أقدام الأمّهات! ولكن كيف يعلم الحضرميّ خطرات النّفوس وخلجات القلوب وما يحصل لها حال المنام؟!
قال: ومنها أنّه زار مقبرة زبيد، فبكى كثيراً ثمّ ضحك فسئل، فقال: كشف لي فرأيتهم يعذّبون، فشفعت فيهم، فقالت صاحبة هذا القبر: وأنا معهم يا فقيه؟ قلت: من أنت؟ قالت: فلانة المغنّية؛ فضحكت وقلت: وأنتِ. (2)
وهذه إحدى شمائل هؤلاء الأصفياء أنّهم لا يشفعون إلاّ من بعد إذنه، ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى فحظيت هذه المغنّية بشفاعة الحضرميّ!
قال: ومنها أنّه قصد بلدة زبيد فكادت الشّمس تغرب وهو بعيد عنها، فخاف أن تغلق أبوابها فأشار إلى الشّمس فوقفت حتّى دخل المدينة، وإليه أشار الإمام اليافعيّ (3) ثمّ ذكر شعر اليافعيّ.
____________________
(1) شذرات الذّهب 5: 362.
(2) نفس المصدر 5: 362.
(3) نفس المصدر.
الفصل الرابع
الصراط المستقيم
( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (1)
مسلم بن حنان، عن أبي بريدة في قول الله تعالى ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال: صراط محمّد وآله. (2)
وعليّ بن أبي طالب عليهالسلام واحد من آل محمّد صلىاللهعليهوآله . وإنّما هو أبو الآل عليه وعليهم السّلام؛ فصراطه هو الصراط المستقيم.
وحدّث حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لعليّ بن أبي طالب: «أنت الطريق الواضح، وأنت الطريق المستقيم، وأنت يعسوب المؤمنين». (3)
قوله: «إنّ سورة الفاتحة تتضمّن الردّ على الرّافضة»!
لقد قفى ابن القيّم مسلك ابن تيميّة في تطويع آيات القرآن الكريم لإثبات باطله؛ وليس عكس: بأن يردّا كلّ شيء إلى كتاب الله تعالى ثمّ إلى سنّة رسوله صلىاللهعليهوآله ، ولذا وضعا قدميهما في غرز غيٍّ تحمّلا وزره في الدنيا والآخرة. قال: ابن القيّم: إنّ سورة الفاتحة
____________________
(1) الفاتحة / 6.
(2) شواهد التنزيل: الحسكانيّ الحنفيّ 1: 57.
(3) نفس المصدر 1: 58.
تتضمّن الردّ على الرّافضة وذلك في قوله:
( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (1) إلى آخرها.
ووجه تضمّنه إبطال قولهم أنّه سبحانه قسّم النّاس إلى ثلاثة أقسام «منعم عليهم» وهم أهل الصراط المستقيم، الّذين عرفوا الحقّ واتّبعوه. و «مغضوب عليهم» وهم الذين عرفوا الحقّ ورفضوه. و «ضالّون» وهم الّذين جهلوه فأخطأوه. فكلّ من كان أعرف للحقّ، وأتبع له؛ كان أولى بالصراط المستقيم، ولا ريب أنّ أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله هم أولى بهذه الصّفة من الرّوافض...» (2) .
ثمّ خصّص من الصّحابة: أبا بكر، وعمر، على ما نسبه إلى أبي العالية الرّياحيّ، قال: «قال أبو العالية - رفيع الرّياحيّ - الصّراط المستقيم: رسول الله وصاحباه» (3) .
قال: وعن زيد بن أسلم: «الذين أنعم الله عليهم: رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأبو بكر و عمر» (4) .
قال: «ولا ريب أنّ المنعم عليهم هم أتباعه، والمغضوب عليهم هم الخارجون عن أتباعه. وأشدّ الأمّة مخالفة له هم الرّافضة، فخلافهم له معلوم عند جميع فرق الأمّة. فقد تبيّن أنّ الصّراط المستقيم: طريق أصحابه وأتباعه. وطريق أهل الغضب والضّلال: طريق الرّافضة» (5) .
الجواب: لقد تعمّد ابن القيّم الكذب في كلامه هذا - كما هو شأنه في جلّ ما يقول وهذا وحده عنوان في تزكية المسلمين الشّيعة الذين رماهم بدائه، أي الكذب، وإذا صحّ تفسير الآية وتواليها، فإنّما يصحّ إطلاق لفظ: الردّ، والباطل، على فرق المشركين واليهود
____________________
(1) سورة الفاتحة / 6.
(2) مدارج السّالكين في إيّاك نعبد وإيّاك نستعين لابن قيّم الجوزيّة 1: 83.
(3) نفس المصدر 1: 84.
(4) نفس المصدر 1: 85. ترجم له ابن الأثير في أسد الغابة 2: 12 باختصار مع اضطراب وتردّد. وفي مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 9: 108 قال: زيد بن أسلم أبو عبد الله العدويّ مولى عمر بن الخطّاب، كان مع عمر بن عبد العزيز في خلافته، واستقدمه الوليد بن يزيد في جماعة من فقهاء المدينة. ولم يذكرا الحديث الذي نسبه إليه ابن القيّم.
(5) مدارج السّالكين 1: 85. وذكره بهذا النصّ في كتابه: التفسير القيّم 63 - 65.
والمنافقين، فهؤلاء أولى بنعوت الضّلال واستحقاق الغضب والعقاب. أمّا أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فلا نتنقّص فضائلهم ونصرتهم للحقّ؛ ولكن أليس عليّ من الصحابة وله من الخصائص ما يجعل شيعته على الصراط المستقيم؟ وإذا كان ابن القيّم قد انتقل في كلامه من العامّ إلى الخاصّ من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله «أبوبكر و عمر» مستنداً على رواية أبي العالية، فإنّ الرّوايات الّتي تنصّ على أنّ الصراط هو صراط عليّ أوسع من أن يحاط بها، ليس في هذه الآية وحسب، وإنّما في كلّ آية تتساوق معها في المعنى والمعطى من مدلول الصّراط ومشتقّاته. ومثل ذلك كثير في أحاديث رسول الله صلىاللهعليهوآله . وليس هذا يعني تنقيص الشّيخين وإنكار ما لهما من فضائل، وإنّما هو مقتضى المقال إذ أراد ابن القيّم أن يتّخذ من الصّحابه سبباً يتوصّل به لهدف غير نبيل.
وقبل العرض لحديث الصّراط المستقيم، علينا أن نعطي ترجمة لأبي العالية.
أبو العالية رفيع بن مهران
لم أعثر على ترجمة لأبي العالية، يركن إلى صاحبها في النّقل، وتشفع روايته في أن نعرض صفحاً عن سيل الأحاديث والرّوايات الأخرى، بل نجد في ترجمته طعناً وتضعيفاً... مع عدم وجود ترجمة وافية لنسبه وتاريخ إسلامه. قال خليفة: «أبو العالية الرّياحيّ، اسمه رفيع، اعتقته امرأة من بني رياح بن يربوع، سائبة» (1) .
وقال ابن الأثير: رفيع أبو العالية الرّياحيّ، أدرك النبيّ صلىاللهعليهوآله قال أبو خلدة خالد بن دينار: سألت أبا العالية الرّياحيّ: أدركت النبيّ؟
قال: لا، جئت بعده بسنتين أو ثلاث. (2)
وفي الإصابة: رفيع بن مهران أبو العالية الرّياحيّ، مشهور في التابعين، له إدراك يقال: إنّه دخل على أبي بكر وصلّى خلف عمر. وأخرج أبو أحمد الحاكم من طريق أبي خلدة، قال: قلت لأبي العالية: أدركت النبيّ صلىاللهعليهوآله ؟ قال: لا، جئت بعده بسنتين أو ثلاث.
____________________
(1) طبقات خليفة بن خيّاط 348؛ المصنّف لابن أبي شيبة 13 رقم 15782.
(2) أسد الغابة 2: 235؛ وتاريخ ابن عساكر 6: 132.
قال عاصم لأبي العالية: من أكبر من رأيت؟ قال: أبو أيّوب؛ غير أنّي لم آخذ عنه شيئاً. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: ذهب علم أبي العالية، لم يكن له رواة.
قال الشّافعيّ: «حديث الرّياحيّ رياح! مات سنة تسعين وقيل بعدها بثلاث، والأوّل أقوى» (1) .
وفي تهذيب التهذيب: «رفيع بن مهران أبو العالية الرّياحيّ مولاهم البصريّ. أدرك الجاهليّة، وأسلم بعد وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصلّى خلف عمر.
قال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وأكثر ما نقم عليه حديث «الضّحك في الصّلاة». وكلّ من رواه غيره فإنّما مدارهم ورجوعهم إلى أبي العالية، والحديث له، وبه يعرف، وسائر أحاديثه سقيمة. وقال ابن المدينيّ: أبو العالية، سمع من عمر عن يحيى: لم يسمع من عليّ (2) . وقال أحمد: حدّثنا حجّاج، حدّثنا شعبة: قد أدرك رفيع عليّاً، ولم يسمع منه. وقال النّضر بن شميل، عن شعبة، عن عاصم: قلت لأبي العالية: من أكبر من رأيت؟ قال: أبو أيّوب، غير أنّي لم آخذ عنه شيئاً. رواه ابن أبي حاتم في «المراسيل». وقال العجليّ: تابعيّ من كبار التابعين. (3)
ويقال: إنّه لم يسمع من عليّ، إنّما يرسل عنه.
وعن أبي خلدة، عنه قال: رحم الله الحسن، قد سمعت العلم قبل أن يولد. (4)
وروى أبو أحمد الحاكم، عن أبي خلدة، قال: قلت لأبي العالية: أدركت النبيّ؟ قال: لا، جئت بعده سنتين أو ثلاث. وقال الشّافعيّ: حديث الرّياحيّ رياح. (5)
وفي «لسان الميزان»: (أبو العالية) عن الحسن البصريّ. ما حدّث عنه سوى شريك،
____________________
(1) الإصابة 1: 528؛ العبر 1: 109؛ تذكرة الحفّاظ 1: 62؛ تاريخ البخاريّ الكبير 3 ترجمة رقم 1103؛ المعارف 454؛ تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزّيّ 9: 214 - 218.
(2) تهذيب التهذيب للعسقلانيّ 3: 253 - 254.
(3) نفس المصدر 3: 254؛ تاريخ الثقات للعجليّ: 503.
(4) نفس المصدر 3: 255.
(5) نفس المصدر.
لا يعرف. (1)
وعن قصّة عتق أبي العالية، قال ابن سعد: «أبو العالية الرّياحيّ، واسمه رفيع اعتقته امرأة من بني رياح سائبةً.
قال أبو العالية: اشترتني امرأة فأرادت أن تعتقني، فقال لها بنو عمّها: تعتقينه فيذهب إلى الكوفة فينقطع! قال: فأتت بي مكاناً في المسجد فقالت: أنت سائبة.
قال: والسّائبة يضع نفسه حيث يشاء. (2)
ثمّ ذكر جملة روايات تؤشّر على شخصيّة أبي العالية وتضعه موضع التهمة: عن أبي العالية قال: قرأت المحكم بعد وفاة نبيّكم بعشر سنين، فقد أنعم الله عليّ بنعمتين لا أدري أيّتهما أفضل: أن هداني للإسلام، أم لم يجعلني حروريّاً (3) ؟! وعن يحيى بن خليف قال: حدّثنا أبو خلدة قال: قال أبو العالية: لما كان زمن عليّ، ومعاوية، وإنّي لشابّ القتال أحبّ إليّ من الطّعام الطيّب، فتجهّزت بجهاز حسن حتّى أتيتهم؛ فإذا صفّان لا يرى طرفاهما، إذا كبّر هؤلاء كبّر هؤلاء وإذا هلك هؤلاء هلك هؤلاء. قال فراجعت نفسي فقلت: أيّ الفريقين أنزله كافراً؟! وأيّ الفريقين أنزله مؤمناً؟! أومن أكرهني على هذا؟ فما أمسيت حتّى رجعت وتركتهم» (4) .
إنّ أبا العالية لم يصرّح مع من كان يريد أن يقاتل، مع امير المؤمنين عليّ عليهالسلام ، أم مع معاوية؟ إلاّ أنّ مجموع القرائن تشير إلى أنّه كان في صفّ معاوية لقوله: «... أم لم يجعلني حروريّاً» أي من الخوارج الّذين انحازوا إلى حروراء. وهو إن لم يكن مع معاوية فهو ليس مع عليّ. ولكن لم تعبّأ للحرب إذن؟!
وهل غاب عنه من هو على حقّ ومن على باطل؟! فإن لم يبلغه مئات الأحاديث الناصّة على أنّ عليّاً عليهالسلام مع الحقّ وأنّ الحقّ معه، والداعية إلى نصرته... فهلاّ بلغه الحديث
____________________
(1) لسان الميزان لابن حجر العسقلانيّ 7: 70.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 112.
(3) نفس المصدر: 113؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 9: 216.
(4) الطبقات الكبرى 7: 114.
المشهور أنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية، وقد قتل عمّار شهيداً يوم صفّين في صفّ عليّ عليهالسلام !.
وإضافة إلى تلك الأخبار في أبي العالية، ذكر ابن سعد، قال: «قال حجّاج، قال شعبة: قد أدرك رفيع عليّاً ولم يسمع منه» (1) . وفي هذا أمارة على مباعدته لعليّ عليهالسلام . أم يقول قائل: ليس من ضرورات هذا الإدراك السّماع! فإنّ أبا العالية قد لبس لأمة حربه وتوجّه صوب صفّين مدّعياً أنّه أشكل عليه: أعليّ عليهالسلام على حقّ، أم ابن حرب؟!
وإذا خفي على أبي العالية حال كلّ من عليّ عليهالسلام ، ومعاوية فما باله يأتمّ بالحجّاج الثّقفيّ الّذي ما خفي حاله على صغير ولا كبير، ولم يتوقّف عن لعنه أحد؛ لعظيم ما جناه من قتله الصّالحين وعدوانه على بيت الله تعالى، وضربه الكعبة بالمنجنيق، واستخفافه بالنّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وتفضيله عبد الملك بن مروان على رسول الله، وقوله لما رأى النّاس يطوفون بقبره الشريف: إنّما يطوفون بأعوادٍ ورمّة بالية هلاّ طافوا بقصر امير المؤمنين عبد الملك بن مروان! ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله؟! وهو ممّا كفّر به الفقهاء الحجّاج. (2)
بيد أنّ أبا العالية هائم حيران! يأتمّ بالحجّاج في الصّلاة حتّى يخاف الله تعالى، ويترك الصّلاة خلفه فيخاف الله لهذا التّرك!. عن أبي العالية قال: «صلّيت أوّل يوم فعلة الحجّاج يعني بآخر صلاة الجمعة قاعداً تلقاء وجهه، فعمّاه الله عنّي. ولقد صلّيت خلفه حتّى لقد خفت الله، ولقد تركت الصّلاة خلفه حتّى لقد خفت الله» (3) . ما أشدّه من تناقض! فإنّه إذا ترك الصلاة خلفه خوفاً من الله ولما كان يرى من أفعال الحجّاج، فلم يخاف الله لهذا التّرك؟! أم هو خوف من الحجّاج؟!
____________________
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 117.
(2) الفتوح لابن أعثم 6: 275 - 279؛ الإمامة والسياسة، لابن قتيبة 2: 24؛ تاريخ الخلفاء للسيوطيّ 215؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 15: 243؛ الكامل في الأدب للمبرّد 1: 130؛ تاريخ اليعقوبيّ 2: 266.
(3) الطبقات الكبرى، لابن سعد 7: 115.
أقوال العلماء في الصّراط
بعد أن وقفنا على قول ابن القيّم في معنى «الصّراط» الوارد في سورة «الفاتحة»، واستدلاله به على أنّ الرّافضة هم المعنيّون في السورة بقول الله تعالى: «المغضوب عليهم» و «الضّالين»، ومن ثمّ فهم ليسوا من أهل الصراط المستقيم... فقد حان أن نطّلع على أقوال العلماء في معنى الصّراط، ومن هم أهل صراط الله سبحانه.
الصّراط المستقيم لغةً هو: الطريق الواضح. ومن ذلك قول جرير:
امير المؤمنين على صراطٍ |
إذا اعوجّ المواردُ مستقيم |
وقد ذكر علماء المسلمين معاني عدّة للصّراط هنا، متقاربه غير متنافرة. أمّا تسمية أشخاص على أنّهم الصراط، فقد وجدنا بعض العلماء يذكر الرواية في ذلك ثمّ يقول: إنّ في ذلك تجوّزاً.
قال الخازن عليّ بن محمّد البغداديّ: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) . قال أي أرشدنا، وقيل ثبّتنا. وهذا الدّعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية، بمعنى سؤال التثبيت وطلب مزيد الهداية؛ لأنّ الألطاف والهدايات من الله لا تتناهى. وهذا مذهب أهل السّنّة.
قال ابن عبّاس: هو دين الإسلام، وقيل هو القرآن، وقيل: اهدنا صراط المستحقّين للجنّة. ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) هذا بدل من الأوّل، أي الّذين مننت عليهم بالهداية والتوفيق، وهم الأنبياء والمؤمنون الّذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ( فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ ) (1) .
وقال ابن عبّاس: هم قوم موسى وعيسى الّذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا. وقيل: هم أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله وأهل بيته. «غير المغضوب عليهم» يعني غير صراط الّذين غضبت عليهم، وغضب الله لا يلحق عصاة المؤمنين وإنّما يلحق الكافرين. «ولا الضّالّين» أي وغير الضّالّين عن الهدى. وقيل: غير المغضوب عليهم هم اليهود، والضّالّين هم النّصارى. عن عديّ بن حاتم، عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «اليهود مغضوب عليهم والنّصارى ضلاّل»
____________________
(1) النّساء / 69.
(أخرجه الترمذيّ)؛ وذلك لأنّ الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: ( مَن لَعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ) [المائدة 60] وحكم على النّصارى بالضَّلال فقال: ( وَلاَ تَتّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ ) - المائدة 77» (1) .
وقال البغويّ في تفسيره: «اهدنا» أرشدنا. وقال عليّ وأبيّ بن كعب: ثبّتنا، كما يقال للقائم: قم حتّى أعود إليك، أي: دم على ما أنت عليه. و «الصراط المستقيم» قال ابن عبّاس وجابر: هو الإسلام، وهو قول مقاتل. وقال ابن مسعود: هو القرآن. وروي عن عليّ مرفوعاً: الصّراط المستقيم كتاب الله. وقال سعيد بن جبير: طريق الجنّة. وقال سهلبن عبد الله: طريق السّنّة والجماعة. وقال بكر بن عبد الله المزنيّ: طريق رسول الله. وقال أبو العالية: رسول الله، وصاحباه. (2) وقال الثعالبيّ: الصراط في اللغة: الطريق الواضح.
واختلف المفسّرون في المعنى الّذي استعير له الصراط في هذا الموضع، فقال عليّ بن أبي طالب: الطريق المستقيم هنا القرآن. وقال جابر: هو الإسلام يعني الحنيفيّة. وقال محمّد بن الحنفيّة: هو دين الله الّذي لا يقبل من العباد غيره. وقال أبو العالية: هو رسول الله وصاحباه أبوبكر وعمر، وهذا قويّ في المعنى، إلاّ أنّ تسمية أشخاصهم طريقاً فيه تجوّز.
وهذا الدعاء انّما أمر به المؤمنون وعندهم المعتقدات وعند كلّ واحد بعض الأعمال. فمعنى قوله: «اهدنا» فيما هو حاصل عندهم: التثبيت والدوام، وفيما ليس بحاصل إمّا من جهة الجهل به أو التقصير في المحافظة عليه طلب الإرشاد إليه، فكلّ داعٍ به إنّما يريد الصّراط بكماله في أقواله وأفعاله ومعتقداته.
واختلف في المشار إليهم بأنّه سبحانه أنعم عليهم. وقول ابن عبّاس وجمهور من المفسّرين إنّه صراط النّبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين. (3)
وقال ابن كثير: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال: أكمل أحوال السّائل أن يمدح مسؤوله
____________________
(1) تفسير الخازن «لباب التأويل في معاني التنزيل 1: 17 - 18»، وبهامشه مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفيّ.
(2) معالم التنزيل للبغويّ الشّافعيّ 1: 41.
(3) تفسير الثعالبيّ الموسوم «جواهر الحسان في تفسير القرآن» 1: 25.
ثمّ يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين؛ لأنّه أنجح للحاجة وأنجح للإجابة، فهنا تقدّم الثّناء، وأعقبه السؤال. والصراط المستقيم: كتاب الله، أو الإسلام ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) . قال: هم النّبيّون والصّدّيقون والشّهداء والصّالحون، وهو مفسّر لـ ( الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، والغضوب عليهم هم اليهود، والضّالّون هم النّصارى. (1)
حبر الأمّة ابن عبّاس: قال في تفسيره: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال: أرشدنا للدّين القائم الّذي ترضاه، وهو الإسلام، ويقال: ثبّتنا عليه؛ ويقال: هو كتاب الله، يقول: اهدنا إلى حلاله وحرامه وبيان ما فيه.
( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) : دين الّذين مننت عليهم بالدّين وهم أصحاب موسى من قبل أن تغيّر عليهم نعم الله، بأن أظلّ عليهم الغمام وأنزل عليهم المنّ والسّلوى في التّيه. ويقال: هم النّبيّون. ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) : غير دين اليهود الّذين غضبت عليهم وخذلتهم ولم تحفظ قلوبهم حتّى تهوّدوا. ( وَلاَ الضّآلّينَ ) : ولا دين النّصارى الّذين ضلّوا عن الإسلام. (2)
الكلبيّ: وفي تفسيره، قال ابن جزيّ الكلبيّ: الصراط في اللّغة الطريق الّذي يمشى، ثمّ استعير للطريق الّذي يكون الإنسان عليها من الخير والشّر. ومعنى المستقيم: الّذي لا عوج فيه، فالصّراط المستقيم: الإسلام، وقيل: القرآن، والمعنيان متقاربان؛ لأنّ القرآن يضمن شرائع الإسلام، وكلاهما مرويّ عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله . ( الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) : قال ابن عبّاس: هم النّبيّون والصّدّيقون والشّهداء والصّالحون. وقيل: الصّحابة؛ وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيّروا والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ( مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ ) (3) .
قال: ( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) : اليهود، و ( الضّآلّينَ ) : النّصارى، قاله ابن عبّاس وابن
____________________
(1) مختصر تفسير ابن كثير 1: 10.
(2) تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس 2، وتفسير ابن عبّاس بحاشية الدرّ المنثور للسيوطيّ 1: 4. ولابن عبّاس أقوال في الصّراط وأنّه صراط محمّد وآله، ستجيء لاحقاً.
(3) النساء / 69.
مسعود وغيرهما، وقد روى ذلك عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وقيل ذلك عامّ في كلّ مغضوب عليه، وكل ضالّ؛ والأوّل أرجح لأربعة أوجه:
روايته عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وجلالة قائله، وذكر ( وَلاَ ) في قوله: ( وَلاَ الضّآلّينَ ) دليل على تغاير الطّائفتين وأنّ الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله «فباؤُوا بغضبٍ» (1) والضّلال صفة النّصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليهالسلام ، ولقول الله ( قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلّوا كَثِيراً وَضَلّوا عَن سَوَاءِ السّبِيلِ ) (2) . (3)
تفسير الماورديّ: قوله عزّ وجلّ: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) إلى آخرها. أمّا قوله: (اهدنا) ففيه تأويلان: أحدهما: معناه أرشدنا ودلّنا.
والثاني: معناه وفّقنا، وهذا قول ابن عبّاس. وأمّا الصّراط ففيه تأويلان، أحدهما: أنّه السبيل المستقيم، ومنه قول جرير:
أمير المؤمنين على صراط = إذا اعوجّ الموارد مستقيم (4)
والثاني: أنّه الطريق الواضح ومنه قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ) (5) . وهو مشتقّ من مسترط الطّعام، وهو ممرّه في الحلق.
وفي الدّعاء بهذه الهداية، ثلاثة تأويلات، أحدها: أنّهم دعوا باستدامة الهداية، وإن كانوا قد هدوا. والثاني: معناه زدنا هدايةً. والثالث: أنّهم دعوا بها إخلاصاً للرغبة، ورجاءً لثواب الدّعاء.
واختلفوا في المراد بالصّراط المستقيم، على أربعة أقاويل:
أحدها: أنّه كتاب الله تعالى، وهو قول عليّ، وعبد الله؛ ويروى نحوه عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله .
والثاني: أنّه الإسلام، وهو قول جابر بن عبد الله، ومحمّد بن الحنفيّة. والثالث: أنّه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى، الّذي لاعوج فيه، وهو قول ابن عبّاس.
____________________
(1) البقرة / 90.
(2) المائدة / 77.
(3) كتاب التّسهيل لعلوم التنزيل، لمحمّد بن أحمد بن جزيّ الكلبيّ 34.
(4) ديوان جرير 507.
(5) الأعراف / 86.
والرابع: هو رسول الله صلىاللهعليهوآله وأخيار أهل بيته، وأصحابه. وهو قول الحسن البصريّ، وأبي العالية الرّياحيّ. (1)
وفي قوله تعالى: ( الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) خمسة أقاويل:
أحدها: أنّهم الملائكة. والثاني: أنّهم الأنبياء. والثالث: أنّهم المؤمنون بالكتب السّالفة. والرابع: أنّهم المسلمون، وهو قول وكيع. والخامس: هم النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، ومن معه من أصحابه، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. وقرأ عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن الزّبير: «صراط من أنعمت عليهم».
وأمّا قوله: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّآلّينَ ) فقد روى عن عديّ بن حاتم، قال: سألت رسول الله صلىاللهعليهوآله ، عن المغضوب عليهم فقال: «هم اليهود»، وعن الضّالّين فقال: «هم النّصارى». وهو قول جميع المفسّرين.
والضّلال ضدّ الهدى، وخصّ الله تعالى اليهود بالغضب، لأنّهم أشدّ عداوة. (2) وقرأ عمر بن الخطّاب غير المغضوب عليهم وغير الضّالّين. (3)
أبو السعود: وأوجز القول أبو السّعود في مفردات الآيات ومصاديقها، قال: الصراط: الطريق والسبيل. والمستقيم: السويّ؛ والمراد به طريق الحقّ، وهي الملّة الحنيفيّة السمحة المتوسّطة بين الإفراط والتفريط.
( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، بدل من الأوّل. وفائدته التأكيد والتنصيص على أنّ طريق الذين أنعم الله عليهم وهم المسلمون، هو: العلم في الاستقامة، والمشهود له بالاستواء. وقيل: المراد بهم الأنبياء عليهمالسلام . ولعلّ الأظهر أنّهم المذكورون فيقوله عزّ وجلّ: ( فَأُولئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ ) . النساء 69.
____________________
(1) وهذا مخالف لما رووه من اختصاص أبي العالية الشّيخين، وإنّما هو في عموم الصّحابة الأخيار.
(2) في فتح الباري لابن حجر العسقلانيّ 8: 159، قال: قال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسّرين في ذلك اختلافاً. قال السّهيليّ: وشاهد ذلك في قوله تعالى في اليهود: ( فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ) وفي النصارى: ( قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلّوا كَثِيراً ) . وقد مضى نظير هذا من تفسير الكلبيّ، وتفسير الخازن.
(3) تفسير الماورديّ البصريّ المتوفّى 450 هـ النّكت والعيون 58 - 61.
( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّآلّينَ ) : مطلق المغضوب عليهم والضّالّين. (1)
وفي مشكل الآثار، أوجز الطحاويّ القول، قال: أي ثبّتنا على الصراط المستقيم. (2)
الفخر الرّازيّ: توسّع الفخر الرّازيّ في الحديث عن مفاهيم الصّراط المستقيم، والهداية، والنّعمة والغضب، فأشبع الحديث بحثاً وتفصيلاً. قال: قوله تعالى، ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) وفيه فوائد: (الفائدة الأولى: المراد منه صراط الأوّلين في تحمّل المشاقّ العظيمة من أجل مرضاة الله تعالى، وطلب الهداية للأخلاق الفاضلة.
والثاني: هو أن يهديه الله إلى الصّراط المستقيم الّذي هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كلّ الأخلاق وفي كلّ الأعمال.
الثالث: عرّفنا يا إلهنا ما في كلّ شيء من كيفيّة دلالته على ذاتك وصفاتك ومقدرتك. الرابع: هو أن يكون الإنسان معرضاً عمّا سوى الله، مقبلاً بكلّيّة قلبه وفكره وذكره على الله. مثاله أن يصير بحيث لو أمر بذبح ولده لأطاع، كما فعله إبراهيم عليهالسلام ، ولو أمر بأن ينقاد ليذبحه غيره لأطاع،كما فعله إسماعيل عليهالسلام ، ولو أمر أن يرمي نفسه في البحر لأطاع، كما فعله يونس عليهالسلام ، فالمراد بقوله: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) هو الاقتداء بأنبياء الله في الصبر على الشدائد والثبات عند نزول البلاء.
الوجه الخامس: (المستقيم) السّويّ الّذي لاغلظ فيه. والهداية: الخروج من الحيرة إلى طريق الجنّة.
الوجه السادس: قال بعضهم: الصّراط المستقيم الإسلام. وقال بعضهم القرآن.
قال: ( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) هم اليهود. و ( الضّآلّينَ ) هم النّصارى. (3)
ولأبي جعفر الطوسيّ كلام رائق في معنى الصّراط المستقيم، والمنعم عليه، قال: الصّراط المستقيم هو الدّين الحقّ الّذي أمر الله به، من توحيده، وعدله، وولاية من أوجب
____________________
(1) تفسير أبي السّعود محمّد بن محمّد العماديّ المسمّى إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 1: 17 - 19.
(2) مشكل الآثار للطحاويّ: 2: 27.
(3) التفسير الكبير للفخر الرازيّ 1: 254 - 261.
طاعته. وقيل في معنى قوله: ( الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) وجوه: أحدها: إنّه كتاب الله، وروي ذلك عن النبيّ صلىاللهعليهوآله وعن عليّ عليهالسلام وابن مسعود.
والثاني: إنّه الإسلام، حكي ذلك عن جابر، وابن عبّاس.
والثالث: إنّه دين الله عزّ وجلّ الّذي لا يقبل من العباد غيره.
والرابع: إنّه النّبيّ صلىاللهعليهوآله والأئمّة القائمون مقامه، صلوات الله عليهم، وهو المرويّ في أخبارنا.
قال: قوله تعالى: ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) . معناه: بيان الصّراط المستقيم، إذ كان كلّ طريق من طرق الحقّ صراطاً مستقيماً. والمعنى: صراط من أنعمت عليهم بطاعتك. (1)
وفي تفسير الشّيبانيّ: قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) «المستقيم» صفة الصّراط. قال الكلبيّ: ( اهْدِنَا ) : أرشدنا إلى الطّريق القائم، وهو الإسلام. وقال مقاتل: ( اهْدِنَا ) إلى دين الإسلام. وقال ابن مسعود: «إهدنا إلى كتاب الله. وقال الضّحّاك: ( اهْدِنَا ) إلى طريق الجنّة.
وروي في أخبارنا، عن أئمّتنا أنّ «الصّراط» طريق النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وطريق الأئمّة الطّاهرين من آله عليهمالسلام . وروي عن عليّ عليهالسلام أنّه قال: ثبّتنا على دين الإسلام. وقيل: معنى ( اهْدِنَا ) : ألهمنا وأرشدنا وسدّدنا ووفّقنا.
وقوله تعالى: ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) : ( صِرَاطَ ) بدل من الصّراط الأوّل. قال ابن عبّاس والكلبيّ: اهدنا طريق الّذين مننت عليهم، وهم الأنبياء والأئمّة والملائكة والصّدّيقون والشهداء والصّالحون.
وقوله تعالى: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) : اليهود، بإجماع المفسّرين.
وقوله تعالى: ( وَلاَ الضّآلّينَ ) : هم النّصارى، بإجماع المفسّرين؛ لأنّ الله سبحانه أخبر عن اليهود أنّه غضب عليهم ومسخهم قردة وخنازير، وأخبر عن النّصارى، فقال: ( وَضَلّوا عَن سَوَاءِ السّبِيلِ ) [ المائدة 77 ]. والغضب من الله، إرادة الانتقام. والغضب من العباد
____________________
(1) التبيان في تفسير القرآن، محمّد بن الحسن الطّوسيّ «ت. 460 هـ): 41 - 42.
غليان دم القلب. والضّلال: العدول عن الحقّ. (1)
الطبريّ: وذكر الطبريّ بسند عن الضحاك، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال جبرئيل لمحمّد صلىاللهعليهوآله - قل يا محمّد: اهدنا الصراط المستقيم. يقول ألهمنا الطريق الهادي وهو دين الله الّذي لا عوج له. (2)
وعن ابن عبّاس أيضاً: اهدنا طريق الّذين مننت عليهم، وهم الأنبياء والأئمّة والملائكة والصّدّيقون والشّهداء والصالحون. (3)
وذكر أبو الفتوح الرّازيّ نقلاً عن سعيد بن جبير، قال: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) أي اهدنا إلى طريق الجنّة. (4) وعن مقاتل: ( اهْدِنَا ) إلى دين الإسلام. (5)
ومن طرق عدّة، ذكر هاشم البحرانيّ أقوالاً عن الصحابة وعن أئمّة أهل البيت عليهمالسلام تنصّ على أنّ الصّراط المستقيم هو عليّ عليهالسلام (6) .
النّسفيّ: ( اهْدِنَا ) بيان للمطلوب من المعونة - في قوله: ( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) -، كأنّه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، أي ثبّتنا على المنهاج الواضح، كقولك للقائم: قم حتّى أعود إليك. أي اثبت على ما أنت عليه، أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال، والمراد به طريق الحقّ وهو ملّة الإسلام. ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) بدل من الصّراط وهو في حكم تكرير العامل، وفائدته التأكيد والإشعار بأنّ الصّراط المستقيم تفسير صراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، وهم المؤمنون والأنبياء عليهمالسلام ، أو قوم موسى عليهالسلام قبل أن يغيّروا.
والمغضوب عليهم هم اليهود، لقوله تعالى: ( مَن لَعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ) ، والضّالّون هم
____________________
(1) نهج البيان عن كشف معاني القرآن لمحمّد بن الحسن الشّيبانيّ (من أعلام القرن السابع الهجريّ) 76 - 78.
(2) تفسير الطبريّ 1: 57.
(3) نفس المصدر 1: 58.
(4) تفسير أبي الفتوح 1: 52.
(5) نفس المصدر.
(6) سيرد ذكر بعضها. وانظر كتابه اللّوامع النّورانيّة 7 و 8؛ تفسيره البرهان.
النّصارى لقوله تعالى: ( قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ ) (1) .
وفي تفسير مقاتل بن سليمان البلخيّ (ت 150 هـ) 1: 25 - 26:
( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) يعني دين الإسلام، لأنّ غير دين الإسلام ليس بمستقيم، وفي قراءة ابن مسعود: أرشدنا، ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) يعني النبيّين الّذين أنعم الله عليهم بالنبوّة، كقوله سبحانه: ( أُولئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ ) - مريم: 58. ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) ، يعني دلّنا على دين غير اليهود الّذين غضب الله عليهم، فجعل منهم القردة والخنازير. ( وَلاَ الضّآلّينَ ) يقول: ولا دين المشركين، يعني النّصارى. وفي الجامع لعبد الله بن وهب المصريّ (125 - 197 هـ) 1: 54: أخبرني عبد الرحمن بن زيد عن أبيه قال: ( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) اليهود، و ( الضّآلّينَ ) النّصارى.
خلاصة الأقوال في معنى الصّراط
وجدنا كثيراً من العلماء لم يذكروا في تفسير الصّراط المستقيم في سورة الفاتحة أشخاصاً بأعيانهم، فيما ذكر بعض قول أبي العالية في مجموعة أقوال أخرى، مع التحرّز، إذ أردف ذلك بقوله: «إلاّ أنّ تسمية أشخاصهم طريقاً فيه تجوّز» وهذا يعني أنّ من ذكره يرجّح الأقوال الأخرى الّتي ذكرها.
ورواية أبي العالية ساقطة، لما علمنا من اضطراب حاله ونصبه وتوهين العلماء لشأنه، حتّى قالوا: «حديث الرّياحيّ رياح»، فصحّ لذلك أن نقول: إنّ هراء ابن القيّم رياح.
وتلخّصت أقوال العلماء والمفسّرين في معنى الصّراط المستقيم في:
1 - دين الإسلام.
2 - القرآن، حلاله وحرامه.
3 - طريق الجنّة.
4 - صراط الأنبياء والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين.
5 - محمّد صلىاللهعليهوآله ، وأهل بيته عليهمالسلام .
____________________
(1) مدارك التنزيل وحقائق التأويل لعبد الله بن أحمد النسفيّ 8.
أمّا المغضوب عليهم، فهم اليهود بالإجماع. والضّالّون، فهم النّصارى بالإجماع. أو هو: مطلق المغضوب عليهم والضّالّين.
وبعد: كيف حكم ابن القيّم على أمّة واسعة من شيعة عليّ عليهالسلام بأنّهم هم المعنيّون بالغضب والضّلال؟! فإذا كان الإسلام الصّراط المستقيم، فهل سبق عليّاً في الإسلام أحد؟! وإن كان الصراط المستقيم طريق الجنّة فهل يرشد عليّ عليهالسلام إلاّ إلى الجنّة؟! ولو كان صراط الصّدّيقين، أفليس عليّ عليهالسلام أحد الصّدّيقين الصلاثة، كما مر ذكر ذلك، بل هو أفضلهم.
والصّراط المستقيم طريق الصّالحين المجاهدين وسبيل الشّهداء، وهل أبلى في هذا السبيل أحد بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، مثل بلاء عليّ حتّى مضى شهيداً. وقد هتف الملك ببسالة عليّ عليهالسلام :
لا سيف إلاّ ذو الفقار |
ولا فتى إلاّ عليّ (1) |
وإذا كان الصّراط المستقيم هو النّبيّ صلىاللهعليهوآله وأهل بيته عليهمالسلام ، فعليّ نفس رسول الله الّتي باهل بها وفد نصارى نجران؛ وعليّ وزوجته الزهراء وابناهما الحسنان عليهمالسلام هم أهل بيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله .
ولو كان الصّراط المستقيم غير هذه الوجوه المنيرة، لخرج بهم النبيّ صلىاللهعليهوآله في هذه المهمّة الخطيرة - المباهلة - إلاّ أنّه صلىاللهعليهوآله خرج بعليّ، فكان نفس النّبيّ، وبفاطمة، فكانت نساءه، وبالحسنين؛ فكانا أبناءه، يباهل بهم في تمييز الحقّ من الباطل، ويحتجّ بهم في إثبات نبوّته، ولم يحاججهم بالقرآن، فقاموا مقام المعجزة له صلىاللهعليهوآله . فكان حتماً أن يكونوا الصّراط المستقيم، إذ لو بطل ذلك لبطلت معجزته صلىاللهعليهوآله يومئذ، ولبطلت المباهلة.
ولو كان غير عليّ وزوجه وابنيه هم الصّراط، لطهّرهم الله تعالى، كما طهّر هذا البيت، ولا يختلف اثنان في أنّ غير عليّ قد أمضى من عمره ردحاً في وثنيّة وشرك، ولأجله لم
____________________
(1) أنكر ابن تيميّة هذه الفضيلة، قال: «كذب مفترى»، علم الحديث 3: 5. وقد خرّجه جمع غفير، فانظر: الرّوض الأنف 2: 143؛ تاريخ الطبريّ 2: 197؛ المناقب للخوارزميّ 167؛ ميزان الاعتدال 3: 324 ترجمة 6613؛ لسان الميزان 4: 406؛ سنن البيهقيّ 3: 276؛ مناقب الإمام عليّ 197 ح المستدرك على الصحيحين 2: 385؛ ذخائر العقبى 74؛ كفاية الطّالب 277؛ مجمع الزوائد 6: 114؛ الأغاني 15: 192؛ شرح نهج البلاغة 3: 380؛ الرياض النضرة 2: 190؛ الفصول المهمّة 55؛ تذكرة الخواصّ 32.
يقولوا: «كرّم الله وجهه» لغير عليّ، أي نزّهه من السجود لغير الله.
عن مينا مولى عبد الرّحمن بن عوف، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «أنا دعوة أبي إبراهيم، قلنا: يا رسول الله وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال: «أوحى الله عزّ وجلّ إلى إبراهيم: ( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً ) [البقرة 124]، فاستخفّ إبراهيم الفرح، قال ك يا ربّ! ومن ذرّيّتي أئمّة مثلي؟! فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم إنّي لا أعطيك عهداً لا أفي لك به. قال: يا ربّ ما العهد الّذي لا تفي لي به؟ قال: لا أعطيك لظالم من ذرّيّتك، قال إبراهيم عندها: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبّ إِنّهُنّ أَضْلَلْنَ كَثيراً مِنَ النّاسِ ) (1) . قال النبيّ صلىاللهعليهوآله : «فانتهت الدّعوة إليّ وإلى عليّ، لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ، فاتّخذني الله نبيّاً واتّخذ عليّاً وصيّاً» (2) .
وعن الأعمش، عن عباية بن ربعيّ، عن أبي أيّوب الأنصاريّ: إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قال لفاطمة عليهاالسلام : «أما علمت أنّ الله اطّلع إلى أهل الأرض فاختار منهم أباك فبعثه نبيّاً، ثمّ اطّلع الثانية فاختار بعلك فأوحى إليّ فأنكحته، واتّخذته وصيّاً؟» (3) .
إنّ دعوة إبراهيم الخليل عليهالسلام لم تودع إلاّ اثنين: رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ووصيّه عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . ولم يكن الّذي اتّخذ عليّاً خليلاً ووصيّاً لرسول الله إلاّ الله تبارك وتعالى، فكيف بك بخليل بين حبيبين: المرسل والرسول، ووصيّ على رسالة التوحيد؟! وأيّ منزلة أعظم من هذه، وهل ثمّة صراط مستقيم إلاّ صراط إبراهيم ومحمّد وعليّ عليهم السّلام؟!
ولا يحضرني ذكر زواج مبارك مثل زواج عليّ من فاطمة عليهاالسلام زوّجه الله تعالى إيّاها وخطبها وعقد عقدة النّكاح جبرائيل عليهالسلام ، وشهدته الملائكة، واحتفلت به الحور العين فأكرمهنّ الله عزّ وجلّ. وقد خطبها أشراف قريش مثل أبي بكر، وعمر بن الخطّاب وغيرهما، ورسول الله صلىاللهعليهوآله يردّهم.
ولا غرو ولا عجب ففاطمة ليست من عرض النّساء؛ فأبوها هو سيّد الرّسل وخاتم
____________________
(1) إبراهيم / 35 - 36.
(2) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 276 - 277.
(3) كفاية الطّالب 296؛ كنز العمّال 6: 153؛ مجمع الزوائد 8: 353.
الأنبياء عليهمالسلام ، وهي أعزّ أبنائه عليه، بل هي بضعته، عن مجاهد، قال: «خرج النّبيّ صلىاللهعليهوآله وهو آخذٌ بيد فاطمة فقال: من عرف هذه فقد عرفها ومن لميعرفها فهي فاطمة بنت محمّد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي وهي روحي الّتي بين جنبيّ؛ من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله» (1) .
والأحاديث كثيرة في حبّ رسول الله صلىاللهعليهوآله لفاطمة الزهراء البتول عليهاالسلام ، وفي قرن حبّها بحبّه، وأنّ الله تعالى يغضب لغضبها ويرضى لرضاها (2) .
وفاطمة شفاعتها توجب الجنّة: عن محمّد بن إسماعيل القرشيّ، عن محمّد بن أيّوب، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك النّوفليّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: دخلت على فاطمة بنت رسول الله صلىاللهعليهوآله ، قال: فبدأتني بالسّلام وقالت: قال أبي وهو ذا - أي وقتئذ - حيّ: «من سلّم عليّ وعليك ثلاثة أيّام فله الجنّة». قلت لها: ذا في حياته وحياتك، أو بعد موته وموتك؟ قالت: في حياتنا وبعد وفاتنا (3) .
وفاطمة عليهاالسلام ، حوريّة في صورة إنسان: عن أسماء بنت عميس، قالت: قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله - وقد كنت شهدت فاطمة وقد ولدت بعض ولدها فلم ير لها دم - فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «يا أسماء، إنّ فاطمة حوريّة في صورة إنسيّة» (4) .
وفاطمة أمّ الكوثر الطاهر الّذي أعطاه الله تعالى نبيّه الكريم، ونطق الوحي بطهارتها وعصمتها - كما في آية التطهير.
وأمّها: خديجة أمّ المؤمنين، وأحد أركان النّصرة. خديجة السّابقة إلى الإسلام، هي وأبو طالب مؤمن قريش وشيخ البطحاء. عن أنس، قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد،
____________________
(1) نور الأبصار للشبلنجيّ ك 96.
(2) مناقب الإمام عليّ: 351 - 353 حديث (401 - 402)؛ المستدرك على الصحيحين 3: 153؛ تهذيب التهذيب 12: 441؛ ذخائر العقبى: 39؛ صحيح الترمذيّ 2: 319؛ خصائص النسائيّ: 121؛ كفاية الطّالب: 363؛ أسد الغابة 7: 224؛ الإصابة 4: 378.
(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 363 حديث 409.
(4) نفس المصدر: 369 حديث 416.
وفاطمة بنت محمّد» (1) . وعن أبي هريرة مثله، وفيه: «حسبكم...» (2) . وقال صلىاللهعليهوآله : «إنّه كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلاّ مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد» (3) .
ولخصالها الحميدة، فإنّ فاطمة عليهاالسلام «سيّدة نساء العالمين» (4) . وللحنان الغامر الّذي لم يكن يجده عند غيرها، كان صلىاللهعليهوآله يتفيّأ عطفها ومودّتها، ويأنس بها، ويسمّيها «أمّ أبيها»، وهذه هي كنيتها (5) .
حديث الزّواج الميمون
تشوّفت رجال قريش علّها تنال شرف الاقتران بفاطمة عليهاالسلام ، فما أفلحوا. عن ابن عبّاس، قال: كانت فاطمة تذكر لرسول الله، فلا يذكرها أحد إلاّ صدّ عنه، حتّى يئسوا منها. (6)
وعن سلمان الفارسيّ، وعليّ بن أبي طالب، وأمّ سلمة: لما أدركت فاطمة بنت رسول الله مدرك النّساء، خطبها أكابر قريش، وكان كلّما ذكرها رجل من قريش أعرض رسول الله عنه بوجهه حتّى كان الرّجل منهم يظنّ في نفسه أنّ رسول الله ساخط عليه، أو قد نزل على رسول الله صلىاللهعليهوآله فيه وحي من السماء. ولقد خطبها أبو بكر، فقال له رسول الله: يا أبابكر، أمرها إلى ربّها. وخطبها بعد أبي بكر عمر بن الخطّاب، فقال له كمقالته لأبي بكر (7) .
____________________
(1) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 363 حديث 409؛ مشكل الآثار 1: 48؛ الاستيعاب 4: 377.
(2) مسند أحمد بن حنبل 1: 293؛ تاريخ بغداد 7: 184؛ الترمذيّ 2: 301؛ المستدرك على الصحيحين 2: 497؛ مجمع الزوائد 9: 223.
(3) نور الأبصار: 95.
(4) جمهرة النّسب 30؛ الاستيعاب 4: 376؛ أسد الغابة 7: 223.
(5) أسد الغابة 7: 220؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 340.
(6) المناقب للخوارزميّ: 338؛ كفاية الطّالب: 304.
(7) المناقب للخوارزميّ: 343.
وعن حجر بن عنبس (1) ، قال خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «هي لك يا عليّ». (2)
وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أنس: أنّ أبا بكر خطب فاطمة إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله فلم يردّ إليه جواباً، ثمّ خطبها عمر فلم يردّ إليه جواباً، ثمّ جمعهم فزوّجها عليَّ ابن أبي طالب وقيل: أقبل على أبي بكر وعمر، فقال: إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أزوّجها من عليّ، ولم يأذن لي في إفشائه إلى هذا الوقت، ولم أكن لاُفشي ما أمر الله عزّ وجلّ به» (3) .
وعن أنس أيضاً: جاء أبو بكر إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله، قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وأنيّ وأنّي، قال: وما ذاك؟ قال: تزوّجني فاطمة. قال: فسكت عنه، أو قال: فأعرض عنه. قال: فرجع أبو بكر إلى عمر فقال: هلكت وأهلكت. قال: وما ذاك؟ قال: خطبت فاطمة إلى النّبيّ فأعرض عنّي. قال: مكانك حتّى آتي النّبيّ، فأطلب منه مثل الّذي طلبت. فأتى عمر النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فقعد بين يديه فقال: يا رسول الله، قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وأنّي وأنّي. قال: وما ذاك؟ قال: تزوّجني فاطمة. قال: فأعرض عنّي. قال: فرجع عمر إلى أبي بكر، فقال: إنّه ينتظر أمر الله فيها، فانطلق بنا إلى عليّ حتّى نأمره يطلب الّذي طلبنا!
قال عليّ: فأتياني وأنا أعالج فسيلاً، فقالا: ألا أتيت ابن عمّك تخطب ابنته؟! قال: فنبّهاني لأمر، فقمت أجرّ ردائي... حتّى أتيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله فقعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله قد علمت قدمي في الإسلام ومناصحتي وأنّي وأنّي. قال: وما ذاك يا عليّ؟ قال: تزوّجني فاطمة. قال: وما عندك؟ قلت: عندي فرسي ودرعي. قال: أمّا فرسك فلا بدّ لك منها، وأمّا درعك فبعها. فبعتها بأربعمائة وثمانين درهماً، فأتيته بها فوضعتها في حجره،
____________________
(1) في أسد الغابة 1: 462: حجر بن العنبس.
(2) كفاية الطّالب: 304؛ فضائل الخمسة 2: 130؛ أسد الغابة 1: 462؛ وقال: هل لك يا عليّ.
(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 346 حديث 397.
فقبض منها قبضةً، فقال: يا بلال أبغنا بها طيباً. قال: وأمرهم أن يجهّزوها (1) ... الحديث.
وجعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهمالسلام : إنّ أبا بكر أتى النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فقال: يا رسول الله زوّجني فاطمة، فأعرض عنه، فأتاه عمر، فقال: يا رسول الله، زوّجني فاطمة. فأعرض عنه، فأتيا عبد الرّحمن بن عوف، فقالا: أنت أكثر قريش (2) مالاً! فلو أتيت رسول الله فخطبت فاطمة زادك الله مالاً إلى مالك! وشرفاً إلى شرفك. فأتى النّبيّ فقال: يا رسول الله، زوّجني فاطمة. فأعرض عنه، فأتاهما فقال: قد نزل بي مثل الّذي نزل بكما. فأتيا عليّ بن أبي طالب، وهو يسقي نخلات (3) ... الحديث. وذكر الدّولابيّ محمّد بن أحمد بن حمّاد الأنصاريّ الرازيّ (224 - 310 هـ) في كتابه الذّرّيّة الطّاهرة، صفحة 93 حديث 83: أبو مريم أبي إسحاق، عن الحارث عن عليّ قال: خطب أبو بكر وعمر إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فأبى رسول الله عليهما.
فقال عمر: أنت لها يا عليّ. فقال: ما لي إلاّ درعي أرهنها، فزوّجه رسول الله صلىاللهعليهوآله فاطمة.
ثمّ ذكره في الأحاديث 85 - 87، صفحة 94 - 95، عن مجاهد عن عليّ، وعن عطاء ابن أبي رباح، وعن ابن بريدة عن أبيه.
وفي عيون أخبار الرضا عليهالسلام للصدوق 1: 195: «إنّ الله عزّ وجلّ ما تولّى تزويج أحد من خلقه إلاّ تزويج حوّاء من آدم عليهالسلام ، وزينب بنت جحش من رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وفاطمة من عليّ عليهماالسلام .
قريش تحسد عليّاً عليهالسلام
ما زالت قريش تحسد امير المؤمنين منذ جندل صناديدها ونكّس رايات ضلالها، وما زال عليهالسلام منصوراً حتّى هتف الوحي بشجاعته. وقريش ترى أنّ امير المؤمنين مخصوص
____________________
(1) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 347 - 349؛ منتخب كنز العمّال 5: 99؛ الرّياض النّضرة 2: 180؛ مجمع الزّوائد 9: 205؛ ذخائر العقبى: 27.
(2) وكأنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله ! طالب مال! وكان تزويجه لعليّ دحضاً لذلك.
(3) كنز العمّال 7: 113؛ مجمع الزّوائد 9: 209؛ كفاية الطّالب: 302 - 303.
بخلوات لا يشركه بها أحد، يفيض عليه رسول الله صلىاللهعليهوآله علوماً ربّانيّة، فكان عليهالسلام الباب الّذي منه تؤتى مدينة علم النّبيّ صلىاللهعليهوآله وما دعى رسول الله لنفسه بشيء إلاّ ودعى لعليّ بمثله، وما زال يعرّف به ويذكره بخير في كلّ مجلس، ويلمّح تارة ويصرّح أخرى بوراثة عليّ له في العلم والتبليغ، وأنّه الخليفة من بعده وهو هارون هذه الأمّة وفاروقها وأمينها وصدّيقها وهو يعسوب المؤمنين: متابعته إيمان، ومفارقته كفر ونفاق. وعليّ إذا خاصم، نزل الوحي مؤيّداً له، وإذا فعل طاعة، نطق الوحي مشيداً بذلك... ولما لم تنل رجال من قريش بغيتها في الحظوة بالزّواج من فاطمة، فقد سعت سعيها:
عن جابر بن عبد الله، قال: لما زوّج النّبيّ صلىاللهعليهوآله عليّاً من فاطمة أتت قريش فقالوا: يا رسول الله! زوّجت فاطمة عليّاً بمهر خسيس! فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «ما زوّجت فاطمة من عليّ، ولكنّ الله زوّجها عند شجرة طوبى، وحضر تزويجها الملائكة، وأمر الله شجرة طوبى: لتنثرين الدّرّ والياقوت والزّبرجد الأخضر. وابتدر الحور العين يلتقطن، فهنّ يتهادين ويتفاخرن به إلى يوم القيامة، ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت رسول الله». (1)
وعن جابر أيضاً قال: «دخلت أمّ أيمن على النّبيّ صلىاللهعليهوآله وهي تبكي، فقال لها النّبيّ: ما يبكيك، لا أبكى الله عينيك؟!
قالت: بكيت يا رسول الله لأنّي دخلت منزل رجل من الأنصار، وقد زوّج ابنته رجلاً من الأنصار، فنثر على رؤوسهم لوزاً وسكّراً، فذكرت تزويجك فاطمة من عليّ ولم تنثر عليها شيئاً. فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : لا تبكي يا أمّ أيمن، فو الّذي بعثني بالكرامة واستخصّني بالرّسالة، ما أنا زوّجته ولكنّ الله تبارك وتعالى زوّجه من فوق عرشه، وما رضيت حتّى رضي عليّ، وما رضي عليّ حتّى رضيتُ، وما رضيتُ حتّى رضيت فاطمة، وما رضيت فاطمة حتّى رضي الله ربّ العالمين» (2)
لم تكن أمّ أيمن لتحسد عليّاً عليهالسلام على ما منّ الله تعالى به عليه، فهي أجلّ من ذلك، إلاّ
____________________
(1) مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ: 344 حديث 395؛ ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 256 حديث 300 بلفظ مشابه.
(2) نفس المصدر: 341 - 342 حديث 393 ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 255 حديث 298.
أنّ حبّها لبضعة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وهي ترى لا يصنع بزواجها بما صنع بزواج من لا يدانيها؛ فأفصحت عن مكنونها وأجابها صلىاللهعليهوآله بمباركة الله تعالى وأنّه الّذي زوّج فاطمة فارتضت عليهاالسلام ما ارتضاه سبحانه لها، وبهذا الرّضى الملازم بعضه لبعض كان زواجها أعظم ممّا رأته أمّ أيمن في عرس الأنصاريّة.
مراسم الزّواج المبارك
ومن جوابه صلىاللهعليهوآله لأمّ أيمن: «يا امّ أيمن، لما زوّج الله تبارك وتعالى فاطمة من عليّ أمر الملائكة المقرّبين أن يحدقوا بالعرش - وفيهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل - فأحدقوا بالعرش. وأمر الحور العين أن يتزيّنّ، وأمر الجنان أن تزخرف؛ فكان الخاطب الله تبارك وتعالى، والشّهود الملائكة. ثمّ أمر الله شجرة طوبى أن تنثر عليهم، فنثرت اللّؤلؤ الرّطب مع الدّرّ الأخضر، مع الياقوت... فتبادرت الحور العين يلتقطن من الحليّ والحلل، ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت محمّد» (1) .
ومن حديث ابن عبّاس: لما زفّت فاطمة إلى عليّ كان النّبيّ قدّامها، وجبرائيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك خلفها، يسبّحون الله ويقدّسونه حتّى طلع الفجر. (2)
وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «يا فاطمة زوّجتك سيّداً في الدّنيا، وإنّه في الآخرة لمن الصّالحين. لما أراد الله أن أملّكك من عليّ أمر الله جبرائيل عليهالسلام فقام في السّماء الرّابعة، فصفّ الملائكة صفوفاً، ثمّ خطب عليهم، فزوّجك من عليّ ثمّ أمر الله شجر الجنان، فحملت الحليّ والحلل، ثمّ أمرها فنثرت على الملائكة، فمن أخذ منهم شيئاً أكثر ممّا أخذ غيره افتخر به إلى يوم القيامة» (3) . قالت أمّ سلمة: فلقد كانت فاطمة تفخر
____________________
(1) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 342؛ ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 255.
(2) تاريخ بغداد 5: 7.
(3) المناقب للخوارزميّ: 337؛ كفاية الطّالب: 301؛ تاريخ بغداد 4: 129.
على النّساء حيث أوّل من خطب عليها جبرئيل. (1)
أولياء أمر فاطمة
عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «أيّها النّاس، هذا عليّ بن أبي طالب! أنتم تزعمون أنّني أنا زوّجته ابنتي فاطمة،ولقد خطبها إليّ أشراف قريش فلم أجب، كلّ ذلك أتوقّع الخبر من السّماء، حتّى جاء جبرائيل ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان، فقال: يا محمّد، العليّ الأعلى يقرأ عليك السّلام، وزوّج فاطمة عليّاً، وأمرني فكنت الخاطب، والله تعالى الوليّ، وأمر شجرة طوبى فحملت الحليّ (2) ... الحديث.
خطبة النّبيّ صلىاللهعليهوآله :
ثمّ إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله خطب بعد إذ اجتمع المهاجرون والأنصار، فقال: «الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرغوب إليه فيما عنده، المرهوب عذابه، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الّذي خلق الخلق بقدرته، وميّزهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه محمّد. ثمّ إنّ الله جعل المصاهرة نسباً لاحقاً وأمراً مفترضاً وشج بها الأرحام وألزمها الأنام، فقال تبارك اسمه وتعالى جدّه: ( وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبّكَ قَدِيراً ) (3) ، فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، فلكلّ قضاء قدر، ولكلّ قدر أجل، ولكلّ أجل كتاب ( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ ) (4) . ثمّ إنّ الله تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة بعليّ، فأشهدكم أنّي قد زوّجته على أربعمائة مثقال فضّة، إن رضي بذلك عليّ». فقال عليّ عليهالسلام : قد رضيت يا رسول الله. ثمّ إنّ عليّاً مال، فخرّ ساجداً شكرا لله تعالى، وقال: الحمد لله الّذي حبّبني إلى
____________________
(1) حلية الأولياء 5: 95؛ تاريخ بغداد 4: 129؛ كفاية الطّالب: 301.
(2) كفاية الطّالب: 300.
(3) الفرقان / 54.
(4) الرّعد / 39.
خير البريّة محمّد رسول الله. فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «بارك الله عليكما، وبارك فيكما، وأسعدكما، وأخرج منكما الكثير الطّيب».
رواه أنس، وقال: فو الله لقد أخرج منهما الكثير الطيّب. (1)
طعام العرس
ثمّ دعا رسول الله صلىاللهعليهوآله بلالاً، فقال: «يا بلال، إنّي زوّجت ابنتي ابن عمّي، وأنا أحبّ أن يكون من سنّتي الطعام عند النّكاح، فأت الغنم فخذ شاة وخمسة أمداد شعيراً، فاجعل لي قصعة فلعلّي أجمع عليها المهاجرين والأنصار، فإذا فرغت منها فأذنّي بها. ففعل ذلك، وأتاه حين فرغ ووضعها بين يديه، فبرّك عليها ثمّ قال: أدخل النّاس عليّ زفّة زفّة (2) . فجعل النّاس يزفّون، حتّى إذا فرغوا، برّك عليها، ثمّ قال: يا بلال، احملها إلى أمّهاتك، فقل لهنّ: كلن وأطعمن من غشيكنّ، ففعل ذلك بلال. (3)
زفاف فاطمة
ولما كان اللّيل، أمر رسول الله صلىاللهعليهوآله بقطيفة فثناها على بغلته الشّهباء، وحمل عليها فاطمة عليهاالسلام ، فكان رسول الله أمامها، وسلمان يقود البغلة، وبلال يسوق البغلة، وجبرائيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، والملائكة من ورائها يسبّحون الله ويقدّسونه، فكبّر جبرائيل وكبّر ميكائيل وكبّرت الملائكة وكبّر رسول الله، فوقع التكبير على العرائس من تلك اللّيلة. (4) رواه جابر بن عبد الله.
ثمّ أدخلها صلىاللهعليهوآله على عليّ، ودعا بماء فمجّ فيه ونضح منه على فاطمة، وقال: «اللّهمّ إنّي أعيذها بك وذرّيّتها من الشّيطان الرّجيم». ثمّ صبّ منه على عليّ وقال: «اللّهمّ إنّي أعيذه
____________________
(1) المناقب للخوارزميّ: 336 - 337؛ كفاية الطّالب: 298.
(2) الزفّة: الزمرة.
(3) المناقب للخوارزميّ: 339؛ كفاية الطّالب: 305.
(4) مناقب الإمام علي لابن المغازليّ: 344؛ كفاية الطّالب: 303؛ المناقب للخوارزميّ: 342.
بك وذرّيّته من الشّيطان الرّجيم». ثمّ قال: «ادخل بأهلك بسم الله والبركة» (1) . ودنا منهما، وأمكن عليّاً من كفّها، ثمّ قال: «اللّهمّ إنّهما منّي وأنا منهما، اللّهمّ فكما أذهبت عنّي الرّجس وطهّرتني تطهيراً فطهّرهما». ثمّ أغلق عليهما الباب، وانطلق (2) .
وفي خبر طويل عن أمّ سلمة إنّ جبرائيل عقد عقدة النّكاح، وأشهد عليه الملائكة، وكتب الشّهادة في حريرة بيضاء، عرضها على النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وختمها بخاتم مسك، ودفعها إلى رضوان خازن الجنان (3) .
إنّ الناية الربّانيّة لعليّ وهو في بطن أمّه، ثمّ من المهد إلى اللّحد، وانتقاء الباري تعالى عليّاً لفاطمة وفاطمة لعليّ لهو أصدق أمارة على استقامة صراط عليّ، ولأجله لم يكن غيره كفواً لفاطمة.
عليّ وآله صراط الله المستقيم
هدت الأدلّة المنطقيّة إلى أنّ عليّاً وآله عليهمالسلام ، هم الهداة إلى الحقّ، وأنّ مشايعتهم واجب وصراطهم مستقيم، وتواتر ذلك في كتب السّيرة والتفسير والسّنن.
عن وكيع بن الجرّاح، عن سفيان الثوريّ، عن السّدّيّ، عن أسباط ومجاهد، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال: يقول: قولوا معاشر العباد: اهدنا إلى حبّ النّبيّ وأهل بيته. (4)
مسلم بن حنان (5) ، عن أبي بريدة، في قول الله تعالى: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال: صراط محمّد وآله. (6)
____________________
(1) المناقب لابن المغازليّ: 349؛ كنز العمّال 5: 99؛ الرّياض النّضرة 2: 180.
(2) حلية الأولياء 2: 75؛ كفاية الطّالب: 307؛ مجمع الزوائد 9: 207.
(3) المناقب للخوارزميّ: 346 - 347.
(4) شواهد التنزيل، للحسكانيّ الحنفيّ 1: 75 حديث 78؛ اللّوامع النّورانيّة، هاشم البحرانيّ: 8؛ تفسير البرهان له أيضاً 1: 52، وفي المناقب لابن شهر آشوب 3: 271: «أرشدنا إلى حبّ محمّد وأهل بيته».
(5) يرد في المصادر: حنان، وحيّان - بياء مشدّدة - وحبان، والأظهر حيّان.
(6) شواهد التنزيل 1: 74 حديث 86؛ مناقب ابن شهر آشوب 3: 271 عن تفسير الثعلبيّ؛ وعن كتاب =
وعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّ الله جعل عليّاً وزوجته وأبناءه حجج الله على خلقه، وهم أبواب العلم في أمّتي، من اهتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم» (1) .
عن حذيفة بن اليمان، قال: «قالوا: يا رسول الله ألا تستخلف عليّاً؟ قال: إن تولّوا عليّاً تجدوه هادياً مهديّاً، يسلك بكم الطّريق المستقيم» (2) .
وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنّا مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، ليلة وفد (3) الجنّ، قال: فتنفّس، فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: نعيت إليّ نفسي. قلت: فاستخلف. قال: من؟ قلت: أبو بكر. قال: فسكت ثمّ مضى ساعة، ثمّ تنفّس. قال: قلت: ما شأنك؟ قال: نعيت إليّ نفسي يا ابن مسعود. قال: قلت: فاستخلف. قال: من؟ قلت: عليّ بن أبي طالب. قال: أما والّذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلنّ الجنّة أجمعين أكتعين. (4)
____________________
= ابن شاهين عن رجاله عن مسلم بن حيّان عن أبي بريدة؛ خصائص الوحي المبين لابن البطريق: 104؛ البرهان للبحرانيّ 1: 52؛ اللّوامع النورانيّة له أيضاً: 8.
(1) شواهد التنزيل 1: 76 حديث 89.
(2) كفاية الطّالب: 163. قال: هذا حديث حسن عال. حلية الأولياء 1: 64.
(3) لما مات أبو طالب حامي رسول الله وناصره نالت قريش من النّبيّ من الأذى ما لم تكن تناله في حياة عمّه أبي طالب، فخرج رسول الله إلى الطّائف يلتمس النّصرة من ثقيف، ورجاء أن يقبلوا الإسلام، إلاّ أنّهم أبوا عليه ذلك، وحرّضوا عليه جهّالهم، فآذوه. حتّى إذا يئس من خيرهم انصرف راجعاً إلى مكّة، حتّى إذا كان بنخلة - أحد واديين على ليلة من مكّة، يقال لأحدهما نخلة الشّاميّة، وللآخر نخلة اليمانيّة - قام من جوف اللّيل يصلّي، فمرّ به نفر من جنّ نصيبين، فاستمعوا له، فلمّا فرغ آمنوا، ثمّ ولّوا إلى قومهم منذرين. السّيرة النّبويّة لابن هشام 2: 60 - 63. وانظر قصّتهم في سورة الأحقاف: 29 - 32، وسورة الجنّ: 1 - 20.
(4) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 18: 32؛ ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 95 رقم 1124. وأكتع مصدر كتعاء: كلمة توكيد تلحق «أجمعين»، ولا تقدّم عليها ولا تستعمل إلاّ معها، فيفيد معنى الكلّ، يقال: رأيتهم أجمعين أكتعين، أي رأيتهم كلّهم. لسان العرب (كتع).
وعن ابن مسعود قال: استتبعني رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ليلة الجنّ، فانطلقت معه حتّى بلغنا أعلى مكّة، فخطّ عليّ خطّاً وقال: لا تبرح حتّى آتيك. ثمّ انصاع في جبال فرأيت الرّجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال، حتّى حالوا بيني وبينه. فاخترطت السّيف وقلت لأضربن حتّى أستنقذ رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ثمّ ذكرت قوله: «لا تبرح حتّى آتيك»، فلم أزل كذلك حتّى أضاء الفجر. فجاء النبيّ، وأنا قائم فقال: ما زلت على حالك؟ قلت: لو مكثت شهراً ما برحت حتّى تأتيني. ثمّ شبك أصابعه في أصابعي، وقال: إنّي وعدت أن يؤمن بي الجنّ والإنس، فأمّا الإنس فقد آمنت بي، وأمّا الجنّ فقد رأيت. قال: وما أظنّ أجلي إلاّ قد اقترب. قلت: يا رسول الله ألا تستخلف أبا بكر؟ فأعرض عنّي؛ فرأيت أنّه لم يوافقه، فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عمر؟ فأعرض عنّي فرأيت أنّه لم يوافقه، فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عمر؟ فأعرض عنّي فرأيت أنّه لم يوافقه، فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عليّاً؟ قال: ذاك - والّذي لا إله غيره - لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم الجنّة أجمعين. (1)
وعن زيد بن أرقم، قال: كنّا جلوساً بين يدي النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فقال: ألا أدلّكم على من إذا استرشدتموه لن تضلّوا ولن تهلكوا؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو هذا - وأشار إلى عليّ بن أبي طالب عليهالسلام - ثمّ قال: واخوه وآزروه واصدقوه وانصحوه، فإنّ جبريل عليهالسلام أخبرني بما قلت لكم. (2)
وعن أبي ليلى الغفاريّ، قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب، فإنّه أوّلُ من يراني، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو معي في السّماء الأعلى، وهو الفاروق بين الحقّ والباطل» (3) .
عبد الرزّاق عن معمر عن محمّد بن عبد الله بن عبد الرحمن القاري عن أبيه: أنّ عمر بن
____________________
(1) أخرجه السيوطيّ في اللآلئ المصنوعة 1: 325 - 326.
(2) مناقب الإمام علي، لابن المغازليّ: 245 حديث 292.
(3) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 157 حديث 1174؛ والاستيعاب 4: 170 وزاد فيه: «وهو الصدّيق الأكبر، وهو فاروق الأمّة يفرق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين»، وفي الإصابة 4: 171 مثله، إلاّ أنّه قال: «فإنّه أوّل من آمن بي...»؛ وأسد الغابة 6: 270. ويعسوب النّحل: مقدّمها وسيّدها، يقول: إنّه يلوذ به المؤمنون كما تلوذ النّحل بيعسوبها.
الخطّاب قال لأنصاريّ: من ترى النّاس يقولون الخليفة من بعدي؟ فعدّد رجالاً من المهاجرين ولم يسمّ عليّاً فقال عمر: فما لهم من أبي الحسن؟ لأحراهم إن كان عليهم أن يقيمهم على طريقة من الحقّ. (المصنّف لعبد الرزّاق ت 211 هـ 5/308 ح 9824).
ابن أبي شيبة (ت 235 هـ): حدّثنا عبدة بن سليمان عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: قلت لعطاء: كان في أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله أحد أعلم من عليّ؟ قال: لا والله ما أعلم. (المصنّف لابن أبي شيبة 7: 502 حديث 46 من فضائل عليّ).
وعن عمرو بن ميمون، قال: شهدت عمر بن الخطّاب يوم طعن، قال: ادعو الي عليّاً، وعثمان، وطلحة، والزّبير، وابن عوف، وسعد بن أبي وقّاص. فلم يكلّم أحداً منهم غير عليٍّ وعثمان. ثمّ قال: ادعوا لي صهيباً. فدعي له، فقال: صلّ بالنّاس، ثلاثاً، وليحلّ هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل، فمن خالف فاضربوا رقبته. فلمّا خرجوا من عنده قال: غن يولّوها الأجيلح (1) يسلك بهم الطريق، فقال له ابنه ابن عمر: فما يمنعك؟ قال: أكره أن أتحمّلها حيّاً وميّتاً (2) .
وعن ابن عمر قال: قال عمر لأصحاب الشّورى: لله درّهم! إن ولّوها الأصلع كيف يحملهم على الحقّ، وإن حملاً على عنقه بالسّيف؟ قال: فقلت: أتعلمُ ذلك منه ولا تولّه؟! فقال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير منّي، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي (3) !
وعن أسلم مولى عمر حين وقف عمر ولم يولّ أحداً، قال: ألا تصنع كما صنع أبوبكر؟ قال: ويحك! لو كنت أنت غلاماً، وكان معك غلمان أتراب نشأتم حتّى بلغتم رجالاً، أليس كان بعضكم يعرف بعضاً؟ قال: بلى. قال: فإنّي والله وهؤلاء نشأنا جميعاً، فلا أعرف مكان
____________________
(1) الجلح: ذهاب الشّعر من مقدّم الرّأس.
(2) مختصر تاريخ ابن عساكر 18: 35. وقول عمر: «أكره أن أتحمّلها حيّاً وميّتاً» غريب. فما وجه التبعة في ذلك بعد ما قال: يسلك بهم الطريق، أي الصحيح والمستقيم؟!
وذكره عبد الرزّاق قال: قال معمر: أخبرني أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون الأوديّ، وذكر الخبر و لفظه: «لئن ولّوها الأجيلح ليركبن بهم الطريق، يريد عليّاً». (المصنّف لعبد الرزّاق 5: 309 ح 9825).
(3) مختصر تاريخ ابن عساكر 18: 35. وهذا مثل الّذي قبله في معرفة الخليفة بموضع عليّ وأنّه مع الحقّ، فلم يتركه؟! وإذا كان أبو بكر قد استخلف أفليس الله تعالى ورسوله أولى بالعناية بالخلافة، وقد فعلا؟!
أحد أخصّه بهذا الأمر، ولكنّي جاعلها في نفر رأيت رسول الله يحبّهم (1) .
____________________
(1) نفس المصدر. ولا ندري أيّها أعجب! وبأيٍّ تشتدّ دهشتنا من أقوال الخليفة: أباعترافه أنّ عليّاً أحقّ الجميع بالخلافة؛ لأنّه إن وليها سلك بهم الطّريق وحملهم على الحقّ، ومع ذلك لا يريد الخليفة أن يتحمّلها حيّاً وميّتاً؟! فما الّذي وجده منها كيما يتحرّز منها؟! فإن كات قد انتقلت بشكل سليم فليس أسلم من أن تنتهي غلى عليّ الّذي انتهت دعوة إبراهيم عليهالسلام ، إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، كما مرّ بنا ذلك في حديث مينا. وقد تحمّلها حيّاً، فلم جعلها بعده في ستّة ينتخبون واحداً منهم ن ولم يترك كما ترك النّبيّ كما قال هو؟! وقوله بأنّه لا يعرف مكان أحد يخصّه بأمر الخلافة، فلعلّ شدّة علّته ممّا أصابه من طعنة أبي لؤلؤة جعله ينسى يوم المباهلة إذ غلب رسول الله صلىاللهعليهوآله وفد نجران الّذي جاء يغالب ويعاجز، فخرج النّبيّ بعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام وأقامهم معجزة وحجّة على صحّة نبوّته فانتصر، وكان عليّ في هذه الحلبة من الصّراع بين الحقّ والباطل نفس النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فأيّ خصوصيّة بعد هذه؟! وأيّ خصوصيّة ترتقي بصاحبها ليليق بالخلافة وتليق به، ويزيّنها بحسن التدبير والعلم بالقرآن وأحكام الشريعة؟ ولقد كان عليّ مفزع عمر في الملمّات والحاضر له عند المعضلات، حتّى اشتهر قوله: «لو لا عليّ لهلك عمر»، وقوله: «أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن»، وبألفاظ أخرى. المستدرك على الصحيحين 1: 457؛ عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4: 606؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 3: 122؛ المناقب للخوارزميّ 81، 96 - 97؛ كفاية الطّالب 217، 219، تذكرة الخواصّ 137 - 138؛ نور الأبصار 161؛ فضائل الخمسة 2: 273 - 300؛ الصواعق المحرقة 76؛ فيض القدير 4: 357 ح الاستيعاب 3: 39؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 102؛ أسد الغابة 4: 100. أمّا حديث «أنا مدينة العلم، وعليّ بابها» فليس هنا محل ذكر سجّل مصادره الحافل.
والشجاعة من مقوّمات الشخصيّة اللائقة بمقام الخليفة ليذود عن حياض الإسلام، وهل عليّ إلاّ حليف السيف وجديل الرّمح الّذي تكبكب الفرسان في حومة وغاه؟
وحديث المنزلة: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» يقتضي أنّ عليّاً هو أفضل أمّة محمّد صلىاللهعليهوآله طرّاً، إذ لو كان غير هارون من هو أفضل منه لاستخلفه موسى عليهالسلام ، فأوجب ذلك لعليّ من الخلافة ما أوجبته خلافة هارون في أمّته.
وحديث غدير خمّ، ممّا حدت به الرّكبان، وحفلت به الصّحاح والمسانيد. ويومها قال عمر لعليّ: بخ بخ أصبحت وليّي...!
أمّا قوله ك «ولكنّي جاعلها في نفرٍ رأيت رسول الله يحبّهم» وفيهم طلحة والزّبير اللّذان نكثا بيعتهما لعليّ فكانت حرب الجمل، وما أدراك ما الجمل! وأين الصحابة الأبرار من سيّدي شباب أهل الجنّة: الحسن والحسين عليهماالسلام ، وسلمان وصحبه؟! عن بريدة، قال: قال رسول الله: «إنّ الله عزّ وجلّ أمرني بحبّ أربعة وأخبرني أنّه يحبّهم، إنّ عليّاً منهم وأبا ذرّ وسلمان والمقداد». ابن المغازليّ 290 - 292، كفاية الطّالب 94 - 96، =
الباقر عليهالسلام ، في قوله تعالى: ( فَضَلّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ) (1) إلى ولاية عليّ سبيلاً، وهو على السّبيل.
وجعفر، وأبو جعفر عليهماالسلام في قوله: ( إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ ) (2) : إنّ الّذين كفروا يعني: بني أميّة. وصدّوا عن سبيل الله: عن ولاية عليّ بن أبي طالب. (3)
حمّاد (4) عن الصادق، في قوله: ( الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال: هو امير المؤمنين ومعرفته. والدليل على أنّه امير المؤمنين: قوله ( وَإِنّهُ فِي أُمّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيّ حَكِيمٌ ) (5) ، وهو امير المؤمنين في أمّ الكتاب في قوله: ( الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) . (6)
وعن الباقرين: محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وابنه جعفر
____________________
=وفيه أنّ الثلاثة الآخرين هم: فاطمة والحسن والحسين، مسند أحمد بن حنبل 5: 351، 356؛ المستدرك على الصحيحين 3: 130؛ حلية الأولياء 1: 172.
وفي شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 12: 20 - 21: روى ابن عبّاس، قال: دخلت على عمر في أوّل خلافته، فقال: يا عبد الله نصّ عليه؟ قلت؟ قلت: نعم، وأزيدك: سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق. فقال عمر: لقد كان من رسول الله في أمره ذرو - ذرو أي طرف ت من قول لا يثبت حجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام. لا وربّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً!» لعلم عمر بنصّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله على خلافة عليّ عليهالسلام ، فقد ابتدأ ابن عبّاس بالسؤال إن كان عليّ ما يزال يحتجّ بها؟! وبعد الّذي سمعه من ابن عبّاس؛ أطرى عليّاً، ثمّ اعترف بحقيقةٍ خطيرة! ذلك أن النّبيّ لما أراد في مرضه الّذي توفّي فيه أن يكتب عهداً بخلافة عليٍّ قاطعه عمر وأبى عليه!
ولم يقدّم عمر ذريعة إلاّ إشفاقه وحيطته على الإسلام، وهو ما غاب عن النّبيّ ولم يلتفت إليه!! إلاّ أنّ عمر عاد إلى الذريعة الّتي تمسّك بها كثيراً في مثل هذا الأمر: قريش!
(1) الإسراء / 48؛ الفرقان / 9.
(2) النّساء / 167.
(3) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب: 72.
(4) عدّة من أصحاب الصّادق عليهالسلام ، ممّن وصف بالوثاقة، واسم كلٍّ منهم حمّاد، رجال ابن داود: 130 - 132؛ رجال البرقيّ: 21.
(5) الزّخرف / 4.
(6) اللّوامع النّورانيّة: 7.
الصّادق بن محمّد الباقر عليهماالسلام ، في قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قالا: دين الله الّذي نزل به جبرئيل على محمّد صلىاللهعليهوآله ، ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، فهديتهم بالإسلام وبولاية عليّ بن أبي طالب، ولم تغضب عليهم ولم يضلّوا. ( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) : اليهود والنّصارى الشكّاك الذين لا يعرفون إمامة امير المؤمنين، و ( الضّآلّينَ ) عن إمامته (1) .
حديث الفراقد
بسند عن مكحول، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «اهتدوا بالشّمس، فإذا غابت الشّمس فاهتدوا بالقمر، فإذا غاب القمر فاهتدوا بالزّهرة، فإذا غابت الزّهرة فاهتدوا بالفرقدين». فقيل: يا رسول الله، ما الشّمس، وما القمر، وما الفرقدان؟. قال: الشّمس أنا، والقمر عليّ، والزّهرة فاطمة، والفرقان الحسن والحسين» (2) .
ورواه الجوينيّ بسند آخر، ولفظ آخر. فبسند عن: عمرو بن مرزوق، عن شعبة بن الحجّاج، عن الأعمش، عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «اطلبوا الشمس فإذا غابت فاطلبوا القمر، فإذا غاب فاطلبوا الزّهرة، فإذا غابت فاطلبوا الفرقدين». قلنا: يا رسول الله، ومن الشّمس؟ قال: أنا. قلت: ومن القمر؟ قال: عليّ قلنا: ومن الزّهرة؟ قال فاطمة. قلنا: فمن الفرقدان؟ قال: الحسن والحسين» (3) .
وأورده الطوسيّ في أماليه، بسند عن: موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ عليهمالسلام ، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: صلّى بنا رسول الله صلىاللهعليهوآله يوماً صلاة الفجر، ثمّ انفتل وأقبل علينا يحدّثنا، فقال: أيّها النّاس، من فقد الشّمس فليتمسّك بالقمر، ومن فقد القمر فليتمسّك بالفرقدين. قال: فقمت أنا وأبو أيّوب الأنصاريّ، ومعنا أنس بن مالك، فقلنا: يا رسول الله، ومن الشّمس؟ قال: أنا، فإذا هو صلىاللهعليهوآله ضرب لنا مثلاً،
____________________
(1) مناقب آل أبي طالب 3: 73.
(2) شواهد التنزيل 1: 77 حديث 91. ورواه الصدوق في معاني الأخبار 114.
(3) فرائد السمطين للجوينيّ 2: 16 - 17.
فقال: إنّ الله تعالى خلقنا وجعلنا بمنزلة نجوم السّماء، كلّما غاب نجم طلع نجم، فأنا الشّمس فإذا ذهب. بي فتمسّكوا بالقمر. قلنا: فمن القمر؟ قال: أخي ووزيري وقاضي ديني وأبو ولدي في أهلي: عليّ بن أبي طالب. قلنا: فمن الفرقدان؟ قال: الحسن والحسين. ثمّ مكث مليّاً، وقال: فاطمة هي الزّهرة، وعترتي أهل بيتي هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفترقان، حتّى يردا عليّ الحوض» (1) .
وهي أحاديث صريحة في وجوب طاعة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وطاعة عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ، فصراطهم واحد هو الصّراط المستقيم، فمن حاد عنهم ضلّ السبيل فغوى، ومن تخلّف عن هداهم تردّى؛ إذ هم سفينة النّجاة. عن عبد الله بن عبد القدّوس، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حنش بن المعتمر أنّه سمع أبا ذرّ الغفاريّ يقول: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قوم نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك. ومثل باب حطّة في بني إسرائيل» (2) . فنجا الّذين اتّبعوا نوحاً عليهالسلام ، وهلك الّذين خالفوه فكانوا من المغرقين. وكذلك بنو إسرائيل إذ أمروا أن يدخلوا الباب سجّداً، وأن يقولوا حطّة، من أجل أن يغفر الله تعالى خطاياهم، فبدّل الذين ظلموا غير الّذي قيل لهم فكانوا من الهالكين. ومثل أهل البيت عليهمالسلام في أمّة الإسلام مثل سفينة نوح، وباب حطّة.. فأين ينتهي الذين يشايعونهم فيتبعونهم، وأين يمضي المخالفون؟!
وعن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيّ ذرّ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح: من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، ومن قاتلنا في آخر الزّمان فكأنّما قاتل مع الدّجّال» (3) . فكأنّه صلىاللهعليهوآله يستقري التاريخ ويستطلع المستقبل، ولا عجب! وهو المخبر من السّماء بما هو كائن على الأرض، فسعى حثيثاً لدفع الأمّة صوب القيادة الإلهيّة الرشيدة المتمثّلة بالأئمّة الطّاهرين من أهل بيت العصمة، إلاّ أنّها سنّة
____________________
(1) أمالي الطّوسيّ: 516 - 517.
(2) المعجم الصغير، للطبرانيّ 1: 22. وذكر ابن المغازليّ حديث ابن المعتمر عن أبي ذرّ، في مناقبه: 133 حديث 175، ولفظه «إنّما مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح: من ركب فيها نجا ومن تخلّف عنها غرق»، كتاب سليم ابن قيس: 66.
(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 134 حديث 177؛ ميزان الاعتدال، حديث رقم 1826.
التاريخ في الّذين سبقوا! فكان ما كان، ووقعت حروب وظهر أكثر من دجّالٍ، وسيكون آخرهم الدجّال الأعور الّذي يقاتل المهديّ الموعود عليهالسلام ، فيقتله مهديّ آل محمّد عليهمالسلام ويقيم حكم الله تعالى العادل.
وعن أبي سلمة الصّائغ، عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق. وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل: من دخله غفر له» (1) .
ثابت (2) الثّماليّ، عن سيّد العابدين عليّ بن الحسين عليهماالسلام ، قال: نحن أبواب الله، ونحن الصّراط المستقيم، ونحن عيبة علمه، ونحن تراجمة وحيه، ونحن أركان توحيده، ونحن موضع سرّه (3) .
وذكر القاضي عياض في «الشفا: 31»: وقال صلىاللهعليهوآله : «معرفة آل محمّد براءة من النّار، وحبّ آل محمّد جوازٌ على الصراط، والولاية لآل محمّد أمان من العذاب». قال القاضي:
____________________
(1) المعجم الصغير، للطبرانيّ 2: 22. ويرد حديث سفينة نوح من مصادر كثيرة وطرق عديدة، ففي تاريخ بغداد 12: 91 عن حمّاد بن زيد، وعيسى بن واقد، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».
وعن بشر بن المفضّل، قال: سمعت الرّشيد يقول: سمعت المهديّ يقول: سمعت المنصور يقول: حدّثني أبي عن أبيه عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك». ذكره ابن المغازليّ في مناقبه: 132 حديث 173.
وذكر حديث ابن عبّاس من طريق آخر: عن أبي الصّهباء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح...، ومن تخلّف عنها غرق». نفس المصدر: 134 حديث 176. ونفس المصدر: 132 - 133 حديث 174 عن عمر بن ثابت، عن موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة ابن الأكوع، عن أبيه، عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله .
وممّن أثبت الحديث: أبو نعيم في حلية الأولياء 4: 306؛ ابن قتيبة في المعارف: 86؛ عيون الأخبار 1: 211؛ والسيوطيّ في الخصائص الكبرى 2: 266؛ تاريخ الخلفاء 573؛ وابن حجر في الصواعق المحرقة: 184، 234؛ والقندوزيّ من طرق كثيرة في ينابيع المودّة 28؛ كتاب سليم بن قيس: 230.
(2) أبو حمزة ثابت بن دينار الثّماليّ، من أصحاب عليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ بن الحسين عليهمالسلام . ثقة، له كتاب. رجال البرقيّ: 8 - 9؛ ابن داود: 77.
(3) اللّوامع النّورانيّة: 6.
قال بعض العلماء: معرفتهم هي معرفة مكانتهم من النبيّ صلىاللهعليهوآله وإذا عرفهم بذلك عرف وجوب حقّهم وحرمتهم بسببه.
حديث الثّقلين
ولما كان أهل البيت عليهمالسلام أحد الثّقلين اللّذين نصّ رسول الله صلىاللهعليهوآله على أنّهما تركته في أمّته، وأنّهما متلازمان لا يفترق أحدهما عن عدله حتّى قيام السّاعة: كتاب الله العزيز، والعتّرة الطّاهرة.. فإنّ أهل البيت عليهمالسلام هم باب علم الله الّذي يؤتى منه لمعرفة أحكام الله وترجمة كتابه، وهم وليس سواهم صراط الله المستقيم!
عن أبي الضّحى، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّي تاركٌ فيكم الثّقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (1) .
وأخرج ابن بابويه الصدوق (ت 381 هـ) في عيون أخبار الرضا: 57، بسنده عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين ابن عليّ عليهمالسلام قال: سئل امير المؤمنين عن معنى قول رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّي مخلّفٌ فيكم الثّقلين كتاب الله وعترتي، من العترة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتّى يردوا على رسول الله حوضه».
قال: حدّثنا عليّ بن الفضل البغداديّ، قال: سمعت أبا عمر صاحب أبي العبّاس تغلب يسأل عن معنى «إنّي تارك فيكم الثّقلين» لم سمّيا بالثّقلين؟ قال: لأنّ التمسّك بهما ثقيل. «نفس المصدر».
وعن يزيد بن حيّان، قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: قام فينا رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فخطبنا فقال: أمّا بعد أيّها النّاس، إنّما أنا بشر يوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي تارك فيكم الثّقلين وهما كتاب الله فيه الهدى والنّور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به - فحثّ على كتاب
____________________
(1) الجامع الصحيح، للترمذيّ 5: 328؛ المستدرك على الصحيحين 3: 148؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 234.
الله ورغّب فيه - ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي، قالها ثلاث مرّات (1) .
وفي مشكل الآثار 4 / 254 / 3797، ذكر الطحاويّ حديث يزيد بن حيان، ثمّ قال: وطلبنا من روى عن يزيد بن حيان التيميّ قد حدّث عنه سوى أبي حيان من هو كأبي حيان في العدل فيكون قد حدّث عنه عدلان. فوجدنا الأعمش قد روى عنه كما قد «وذكر حديث 3797 و 3799» قال أبو جعفر: فاحتمل في الرواية عنه الأعمش وابن حيان، فمن أخرج عترة رسول الله صلىاللهعليهوآله وسلّم وعليهم من المكان الذي جعلهم الله به على لسان نبيّه ممّا قد ذكرنا في هذه الآثار، فجعلهم كسواهم ممّن ليس من أهل بيته وعترته، كان به ملعوناً إذ كان قد خالف رسول الله صلىاللهعليهوآله فيما فعل من ذلك.
وعن محمّد بن طلحة، عن الأعمش، عن عطيّة بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ: إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: «إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي قد تركت فيكم الثّقلين: كتاب الله حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي. وإنّ اللّطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا ماذا تخلفوني فيهما» (2) .
وعن زيد (3) بن ثابت: قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السّماء والأرض، وعترتي أهل بيتي. وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (4) .
وأخرج ابن بابويه الصدوق (ت 381 هـ) في عيون أخبار الرضا: 457 بسنده عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عليهمالسلام قال: سئل أمير المؤمنين عن معنى قول رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّي مخلّف فيكم
____________________
(1) مناقب الإمام عليّ ابن المغازليّ: 236؛ سنن البيهقيّ 2: 148؛ مسند أحمد بن حنبل 4: 367؛ سنن الدارميّ 2: 431؛ كنز العمّال 13: 641 بلفظين، وسمّاه يزيد بن حبان، بنقطة واحدة.
(2) الطبقات الكبرى، لابن سعد 2: 194؛ مسند أحمد بن حنبل 3: 17؛ مناقب الإمام عليّ ابن المغازليّ 236.
(3) في أسد الغابة 4: 279 «وكان زيد عثمانيّاً، ولم يشهد مع علي شيئاً من حروبه، وكان يظهر فضل عليّ وتعظيمه».
(4) مسند أحمد بن حنبل 3: 14 و 17 و 26 و 59؛ الجامع الصغير للطبرانيّ 1: 131، 135.
الثّقلين كتاب الله وعترتي، من العترة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتّى يردوا على رسول الله حوضه».
وعن أبي سعيد التيميّ، عن أبي ثابت، قال: كنت مع عليّ عليهالسلام يوم الجمل، فلمّا رأيت عائشة واقفة، دخلني بعض ما يدخل النّاس! فكشف الله عنّي عند صلاة الظهر، فقاتلت مع امير المؤمنين، فلمّا فرغ ذهبت إلى المدينة، فأتيت أمّ سلمة، فقلت: إنّي ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً، ولكنّي مولىً لأبي ذرّ فقالت: مرحباً. فقصصت عليها قصّتي، فقالت: أي كنت حين طارت القلوب مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عنّي عند زوال الشّمس. قالت: أحسنت، سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (1) .
وأيضاً، عن أمّ سلمة، قالت: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله في مرضه الّذي قبض فيه، وقد امتلأت الحجرة من أصحابه: «أيّها النّاس يوشك أن اُقبض قبضاً سريعاً، وقد قدّمت إليكم القول معذرةً إليكم، ألا إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي أهل بيتي ثمّ أخذ بيد عليٍّ، فقال: هذا عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض فأسألهما: ما أخلفتم فيهما؟!» (2) .
إنّ معيّة عليٍّ عليهالسلام للقرآن، ومعيّة القرآن لعليٍّ نطق بهما الوحي في شواهد كثيرة من تنزيله المبين. ورسول الله صلىاللهعليهوآله الّذي لا تجنح به عاطفة ولا ينطق إلاّ عن الوحي قد رفع بها صوته في أكثر من مناسبة ومشهد: إنّ عليّاً مع القرآن، والقرآن مع عليّ، وإنّه مع الحقّ والحقّ معه يدور معه حيثما دار، وختمها باليوم الخاتم لعمره الشّريف.
وسرّ ذلك أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله أقرب النّاس إلى عليّ عليهالسلام ، وأعرفهم به وبمواهبه، وأعلمهم بمنزلته؛ فقد طلبه من والده لما أصابت قريشاً أزمة، فأخذه عنده وربّاه في حجره صبيّاً.
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 124؛ المعجم الصغير للطبرانيّ 1: 255؛ سنن الترمذيّ 12: 126؛ المعيار والموازنة 35؛ فرائد السمطين 1: 176؛ غاية المرام 39.
(2) الصواعق المحرقة: 75.
ولم يزل معه حتّى بعث صلىاللهعليهوآله نبيّاً، فكان أوّل من آمن به وصدّقه، ومضت سنين لا ترفع صلاة إلاّ منهما عليهماالسلام ، زوّجه سيّدة نساء العالمين فاطمة الزّهراء، وما زال معه أخاً فادياً له بنفسه وصاحباً صادقاً مجاهداً مقتحماً الأهوال ومتورّطاً الشّدائد. وخلال تلك السنين كان النّبيّ صلىاللهعليهوآله يطلع عليّاً عليهالسلام على الوحي، ويعلّمه القرآن أوّلاً بأوّل. وبحكم ما وهبه الله تعالى من نعمة العقل الرّاجح، ولأنّه عليهالسلام لم يكن ليترك فرصة إلاّ واغتنمها في سؤال النّبيّ صلىاللهعليهوآله ؛ لذا فما من آية إلاّ وعليّ أعلم فيم وأين نزلت، وما تفسيرها وتأويلها... قال عليهالسلام : «والله، ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيم أنزلت، وأين أنزلت. إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤُولاً» (1) .
وقام عليهالسلام خطيباً على المنبر، قال: «سلوني، فو الله لا تسألوني عن شيء إلاّ أخبرتكم، سلوني عن كتاب الله؛ فو الله ما من آية إلاّ وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل» (2) .
وعن سعيد بن المسيّب قال: لم يكن أحد من الصّحابة يقول: سلوني إلاّ عليّ. (تاريخ الإسلام 3: 638، والاستيعاب 3: 40 و 41، وتاريخ الخلفاء 171. وفي العقد الفريد 2: 86: ما كان أحد غير عليّ يقول: سلوني، وما قالها غيره إلاّ افتضح وما ادّعى العلم إلاّ وقع. قال قتادة: ما سمعت شيئاً قطّ ولا حفظت شيئاً قطّ فنسيته. ثمّ قال: يا غلام، هات نعلي. فقال الغلام: هما في رجليك. ففضحه الله. وقال قتادة: حفظت ما لم يحفظه أحد، وانسيت ما لم ينس أحد: حفظت القرآن في سبعة أشهر، وقبضت على لحيتي اُريد قطع ما تحت يدي فقطعت ما فوقها. (العقد الفريد 2: 86).
وفي تاريخ يحيى بن معين 2: 106 / 601: عن سعيد بن المسيّب قال: ما كان أحد في أصحاب النبيّ يقول: سلُوني، غير عليّ بن أبي طالب.
____________________
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 338؛ شواهد التنزيل 1: 33؛ حلية الأولياء 1: 68؛ الصواعق المحرقة: 76؛ الاستيعاب 3: 43؛ كفاية الطّالب: 208؛ المناقب للخوارزميّ: 90؛ ينابيع المودّة: 70.
(2) شواهد التنزيل 1: 30 - 31؛ المناقب للخوارزميّ: 91 مع زيادة في ص 94؛ الرّياض النّضرة 2: 262؛ تهذيب التهذيب 7: 338؛ فتح الباري شرح صحيح البخاري 8: 485؛ تاريخ الخلفاء: 185؛ الاستيعاب 3: 40؛ ينابيع المودّة: 70.
وقال عليهالسلام : «ما نزلت على رسول الله آية من القرآن، إلاّ أقرأنيها أو أملاها عليّ فأكتبها بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يعلّمني فهمها وحفظها، فلم أنس منه حرفاً واحداً» (1) .
وقد أقرّ الجميع أنّ عليّاً عليهالسلام أعلم النّاس بالقرآن بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله . عن عمر بن الخطّاب، قال: عليّ أعلم النّاس بما أنزل على محمّد صلىاللهعليهوآله (2) . وعن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلاّ له ظهر وبطن، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده علم الظّاهر والباطن (3) . عامر الشّعبيّ: ما أحد أعلم بما بين اللّوحين من كتاب الله - بعد نبيّ الله - من عليّ بن أبي طالب (4) .
وكيف لا يكون كذلك وهو والقرآن رضيعا لبان؟! فقد تربّى في حجر نزل القرآن فيه، فيأخذه من فم رسول الله غضّاً. فما علم عليّ عليهالسلام إلاّ من علم رسول الله صلىاللهعليهوآله .
ابن عبّاس: علم النّبيّ صلىاللهعليهوآله من علم الله، وعلم عليٍّ من علم النّبيّ، وعلمي من علم عليّ؛ وما علمي وعلم الصّحابة في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر (5) !
كان عليهالسلام يسمع صوت الوحي ويراه، ورسول الله يبيّن له تفصيله وتأويله.
سعيد بن جبير، قال: ذكر عند ابن عبّاس عليّ بن أبي طالب، فقال: إنّكم تذكرون رجلاً كان يسمع وطء جبرئيل فوق بيته (6) .
وقد ذكر عليهالسلام هذه الخصوصيّة العظيمة في خطبته «القاصعة»، قال: «وقد علمتم موضعي من رسول الله صلىاللهعليهوآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا
____________________
(1) شواهد التنزيل 1: 35. وفي مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 253: عن أمّ سلمة قالت: كان جبريل يمل على رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ورسول الله يمل على عليّ.
(2) شواهد التنزيل 1: 30.
(3) حلية الأولياء 1: 65؛ كفاية الطّالب: 292؛ ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 32 حديث 1057؛ ينابيع المودّة: 70.
(4) شواهد التنزيل 1: 36.
(5) ينابيع المودّة: 70.
(6) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 2: 315.
ولد يضمّني إلى صدره. ويكنفني إلى فراشه، ويمسّني جسده ويشمّني عرفه (1) . وكان يمضغ الشّيء ثمّ يلقمنيه. وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة (2) في فعل. ولقد قرن الله به صلىاللهعليهوآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق علما، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء (4) ، فأراه ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرّسالة، وأشمّ ريح النّبوّة. وقد قال لي: إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ إنّك لست بنبيّ، ولكنّك وزير وإنّك لعلى خير» (5) .
إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله أوّل من شافهه الوحي بالقرآن، ليضطلع بوظيفة تبليغ رسالة الإسلام واقتحام حصون الجاهليّة، وعليّ أوّل من أسلم وآزره في جهاده. فعليّ عليهالسلام أعلم الجميع بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله بالقرآن وأحكامه، فهو متحمّل للقرآن حقّ التّحمّل، ذائد عنه يد التحريف وباذل غاية المجهود لتطبيق أحكامه ودفع الشّبهات عنه، والمحافظة على نصّه.
وعلى الرّغم من عظم الخطب الّذي تركه فقد النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وما حلّ بساحة المسلمين من الاضطراب فما أن أتمّ تغسيل النّبيّ ودفنه، حتّى انصرف معتكفاً في داره يجمع القرآن على النحو الّذي نزل به الوحي الأمين. عن عبد خير، عن عليٍّ عليهالسلام «أنّه رأى من النّاس طيرة عند وفاة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فأقسم أن لا يضع على ظهره رداءً حتّى يجمع القرآن، فجلس في بيته حتّى جمع القرآن، فهو أوّل مصحف جمع فيه القرآن، جمعه من قلبه» (6) .
____________________
(1) عرفه: رائحته الذكيّة.
(2) الخطلة: خطأ ينشأ من عدم الرويّة، جمعها: خطل.
(3) الفصيل: ولد النّاقة.
(4) حراء - بكسر الحاء وفتح الرّاء - جبل على القرب من مكّة.
(5) نهج البلاغة، الخطبة المعروفة بـ «القاصعة» في ذمّ إبليس والتّحذير منه.
(6) الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 338؛ حلية الأولياء 1: 67؛ شواهد التنزيل 1: 26؛ الصواعق المحرقة: 76؛ المناقب للخوارزميّ: 94. ويرد الحديث بألفاظ متباينة قليلاً.=
هذه هي معيّة عليٍّ للقرآن: في مسيرته مع القرآن، وفي فهمه بالقرآن ممّا سارت به الركبان وأخبت له به الأقران، وفي صونه من أن تمتدّ أيادي العابثين لتثلم منه أو تزيد فيه ما ليس فيه، فجمعه. ومعيّته للقرآن تتجلّى في الأحاديث التي تعني أنّه يقاتل دفاعاً عن تطبيق القرآن، كما قاتل رسول الله صلىاللهعليهوآله المشركين من أجل نزوله والتصديق به.
وحديث قتال عليٍّ على تأويل القرآن، له طرق كثيرة، فعن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله». قال: فقام أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكن خاصف النّعل». وعليّ يخصف نعله، فجئنا نبشّره فلم يرفع به رأساً كأنّه قد سمعه. (1)
والمعنى الآخر الّذي نستجليه من الحديث الشريف في معيّة عليٍّ للقرآن، هو أنّ عليّاً مع القرآن لتحقيق الهدف الّذي نشده النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، إذ استودعهما خليفتين في أمّته، إن تمسّكت بهما سلكت سبيل الهداية والنجاة، فالقرآن كتاب الله الصّامت، وعليّ هو النّاطق بالقرآن المفسّر لما تشابه منه. وقد أشار عليهالسلام إلى ذلك، قال: «النّور المقتدى به، ذلك القرآن، فاستنطقوه! ولن ينطق! ولكن أخبركم عنه: ألا إنّ فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم» (2) .
عن أنس، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «يا أنس، اسكب لي وضوءاً، ثمّ قام فصلّى ركعتين، ثمّ قال: يا أنس أوّل من يدخل عليك من هذا الباب امير المؤمنين وسيّد المسلمين وقائدُ
____________________
= قال محمّد بن سيرين: لما توفّي رسول الله صلىاللهعليهوآله ، أبطأ عليّ عن بيعة أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكن آليت ألا أرتدي بردائي إلاّ إلى الصلاة، حتّى أجمع القرآن. فزعموا أنّه كتبه على تنزيله. فقال محمّد: لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم. (الاستيعاب 3: 36 و 37؛ طبقات ابن سعد 2: 338؛ تاريخ الإسلام 3: 637؛ حلية الأولياء 1: 67؛ نهاية الأرب 20: 8 و 9).
(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 82؛ الخصائص للنسائيّ: 40؛ حلية الأولياء 1: 67؛ المستدرك على الصحيحين 3: 122 و 123؛ أسد الغابة 4: 114؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 298؛ المسند (مسند دمشق) للكلابيّ المتوفّى 396 هـ: 438؛ ذيل مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 438 حديث 23.
(2) نهج البلاغة، خطبة 156.
الغرّ المحجّلين وخاتم الوصيّين»، قال أنس: قلت: اللّهمّ اجعله رجلا من الأنصار - وكتمته! - إذ جاء عليّ، فقال: من هذا يا أنس؟ فقلت: عليّ. فقام مستبشراً، فاعتنقه ثمّ جعل يمسح عن وجهه بوجهه ويمسح عرق عليٍّ بوجهه، فقال: يا رسول الله! لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي قبل! قال: وما يمنعني وأنت تؤدّي عنّي، وتسمعهم صوتي، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي (1) ؟!
أمّا معيّة القرآن مع عليٍّ، فلا تخرج عن المعاني المتحصّلة من الفقرة الأولى، فهما ثقلان لا يفترقان، وقد أخبر صلىاللهعليهوآله أنّ أهل بيته سفينة النّجاة الّتي تأخذ بأصحابها إلى شاطئ الأمان، ومن تخلّف عنهم فقد ضلّ السبيل وغرق في الجهل وفارق القرآن، فالقرآن مع عليٍّ في مسير الهداية. والقرآن مع عليٍّ في الإعلان بفضله وسابقته وعظيم منزلته عند الله تعالى وعند رسوله صلىاللهعليهوآله والهتاف بوجوب طاعته وأنّه الأذن الواعية، والأمر بردّ الأمور إليه، فهو بعد صراط الله المستقيم.
حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهلعليّ ابن أبي طالب: «أنت الطّريق الواضح، وأنت الصّراط المستقيم، وأنت يعسوب المؤمنين» (2) . وعن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «من سرّه أن يجوز على الصّراط كالرّيح العاصف ويلج الجنّة بغير حساب (3) ، فليتولّ وليّي ووصيّي وصاحبي وخليفتي على أهلي عليّ بن أبي طالب. ومن سرّه أن يلج النّار فليترك ولايته، فو عزّة ربّي وجلاله: إنّه لباب الله الّذي لا يؤتى إلاّ منه، وإنّه الصّراط المستقيم وإنّه الّذي يسأل الله عن ولايته يوم القيامة» (4) . وعن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله - الصّادق - قال: «اهدنا الصّراط المستقيم» يعني امير المؤمنين عليهالسلام (5) . وعن عبيد الله
____________________
(1) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ ابن عساكر 2: 487 حديث 1014؛ حلية الأولياء 1: 63؛ اللآلئ المصنوعة 1: 186؛ المناقب للخوارزميّ: 51.
(2) شواهد التنزيل 1: 76.
(3) ذلك أنّ مشايعته عليهالسلام لا يقود إلاّ إلى حقّ ولا يصدّ إلاّ عن باظل.
(4) شواهد التنزيل 1: 76.
(5) اللّوامع النّورانيّة: 8.
الحلبيّ (1) ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال: الصّراط المستقيم امير المؤمنين عليهالسلام (2) . وعن المفضّل بن عمر، قال: سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن الصّراط المستقيم، فقال: هو الطريق إلى معرفة الله عزّ وجلّ؛ وهما صراطان: صراط في الدّنيا، وصراط في الآخرة؛ فأمّا الصّراط في الدّنيا فهو الإمام المفترض الطّاعة، من عرفه في الدّنيا واقتدى بهداه مرّ على الصّراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة. (3)
الحسن بن أبي الحسن البصريّ، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر، قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «إنّ على الصّراط لعقبة لا يجوزها أحد إلاّ بجواز من عليّ بن أبي طالب» (4) .
العبّاس بن بكّار، عن عبد الله بن المثنّى، عن عمّه ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إذا كان يوم القيامة ونصب الصّراط على شفير جهنّم، لم يجز إلاّ من معه كتاب ولاية علي بن أبي طالب» (5) .
والأحاديث في هذا الباب من الكثرة بمكان فمن بلغه ذلك ثمّ جفاه وعاداه، كان حقّاً أن تزلّ به القدم فيتردّى في جهنّم؛ لأنّ مفارقته عليّاً مفارقة لرسول الله صلىاللهعليهوآله ، ومعاداته معاداة للنّبيّ، وسنعرض لهذا إن شاء الله.
كلام أحمد بن حنبل في الحديث:
قال القاضي ابن أبي يعلى الحنفيّ: سمعت محمّد بن منصور يقول: كنّا عند أحمد بن
____________________
(1) كوفيّ، وكان متجره إلى حلب فغلب عليه هذا اللّقب. من أصحاب الصادق عليهالسلام . له كتاب، وهو أوّل كتاب صنّفه الشّيعة، مولى ثقة صحيح. رجال البرقيّ: 23، وابن داود: 217.
(2) اللّوامع النّورانيّة: 8.
(3) نفس المصدر.
(4) تاريخ بغداد 10: 357.
(5) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 242؛ ميزان الاعتدال 1: 28 حديث 75؛ لسان الميزان 1: 51؛ حلية الأولياء 1: 241؛ ينابيع المودّة 113 - 114؛ ولفظه: «إذا كان يوم القيامة ونصب الصّراط على جهنّم لم يجز إلاّ من معه جواز فيه ولاية عليّ بن أبي طالب، وذلك قوله تعالى: ( وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْؤُولُونَ ) عن ولاية عليّ».
حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله! ما تقول في هذا الحديث الّذي يروى أنّ عليّاً قال: أنا قسيم النّار؟ فقال أحمد: وما تنكرون من ذا؟ - وفي كفاية الطّالب: من هذا الحديث؟ - أليس روينا أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال لعليّ: «لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»؟ قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة، قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النّار، قال: فعليّ قسيم النّار. (1)
وقبل أحمد بن حنبل، قال رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وهو الّذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى: «يا علي، إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذت شيعة ولدك بحجزتهم، فترى أين يؤمر بنا؟» (2) إن الحديث صريح في أنّ الصّراط المستقيم هو صراط رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وعليّ والأئمّة من ولده عليهمالسلام . وفي الحديث ردّ على المفتري الّذي حكم على الشّيعة بالضّلال وأنّهم موضع غضب الله تعالى؛ وإنّما هم على صراطٍ مستقيم، محشرهم ومقرّهم حيث يكون أئمّتهم، فترى أين يكونون؟!
وأخرج الحاكم عن شريك، عن قيس بن مسلم، عن أبي عبد الله الجدليّ، عن أبي ذرّ قال: ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ بتكذيبهم الله ورسوله والتخلّف عن الصلوات والبغض لعليّ بن أبي طالب. (المستدرك على الصحيحين 3: 139 / 43. وأخرج ابن مردويه بسنده عن أبي موسى الأشعريّ قال: أشهد أنّ الحقّ مع عليّ، ولكن مالت الدّنيا بأهلها! ولقد سمعت النبيّ يقول: «يا عليّ أنت مع الحقّ، والحقّ بعدي معك، لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق» وإنّا لنحبّه، ولكنّ الدّنيا تغرّ بأهلها. (فضائل عليّ: لابن مردويه: 115 ح 138، والأربعون حديثاً لابن بابويه: 42).
وأبو سعيد الخدريّ قال: ما كنّا نعرف منافقي هذه الأمّة إلاّ ببغضهم عليّاً. (الترمذيّ في المناقب: 3800، والذهبي في تاريخ الإسلام 3: 434). وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله
____________________
(1) طبقات الحنابلة 1: 320؛ للقاضي ابن أبي يعلى؛ كفاية الطّالب 72.
(2) المناقب للخوارزميّ: 296 حديث 289. والحجزة: معقد الإزار. ومجازاً: الاعتصام بالشيء والتّمسّك به.
الأنصاريّ. ولفظه نفس حديث أبي سعيد. (الاستيعاب 3: 46 و 47؛ وتاريخ الإسلام 3: 634، ومختصر تاريخ دمشق 18: 15).
عليّ قسيم الجنّة
عن محمّد بن الحنفيّة رضى الله عنه، قال: سمعت امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام يقول: «دخلت يوماً منزلي فإذا رسول الله صلىاللهعليهوآله جالس، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وفاطمة بين يديه، وهو يقول: يا حسن يا حسين، أنتما كفّتا الميزان وفاطمة لسانه، ولا تعدل الكفّتان إلاّ باللّسان، ولا يقوم اللّسان إلاّ على الكفّتين. أنتما الإمامان، ولأمّكما الشّفاعة. ثمّ التفت إليّ وقال: يا أبا الحسن أنت توفي أجورهم وتقسم الجنّة بين أهلها يوم القيامة» (1) . وليس من له هذا الشأن الخطير إلاّ أن يكون صراطه هو الصراط المستقيم من سلكه دخل الجنّة، ومن حاد عنه تردّى!
ومجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إذا كان يوم القيامة، أقام الله عزّ وجلّ جبرئيل ومحمّداً على الصّراط، فلا يجوزه أحد إلاّ من كان معه براءة من عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . (2)
فهل كان مع معاوية براءة من عليّ بن أبي طالب عليهالسلام حتّى يجوز الصّراط؟! فلأمير المؤمنين عليهالسلام أن يسقط حقّه الخاصّ في خروج معاوية عليه، ولكن كيف يسقط حقوق تلك الألوف من المؤمنين الّذين تضرّجوا بدمائهم في صفّين وغير صفّين على يد معاوية وولاته؟! وكيف يغفر لمعاوية فسقه وتطاوله على الرسول صلىاللهعليهوآله ، والرّسالة؟! يعرب عن ذلك جوابه للمغيرة بن شعبة - وقد ذكرنا الخبر بطوله في مكان آخر قبل هذا الموضع - جاء فيه: إنّ أخا بني هاشم! يصاح به في كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أنّ محمّداً رسول الله! فأيّ عمل يبقى بعد هذا، لا أمّ لك؟ إلاّ دفناً دفناً!!
____________________
(1) المناقب الثلاثة لمحمّد بن يوسف البلخيّ الشافعيّ: 125 - 126.
(2) المناقب للخوارزميّ: 320 حديث 324؛ ذخائر العقبى: 71؛ فرائد السمطين للجوينيّ 1: 289؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 131.
وبذا يكون قد فتح باب الزندقة واسعاً ليجترئ السّلف والخلف على الحذو حذوه عن عمدٍ لا اجتهادٍ أخطأ فيه المجتهد! ذكر المدائنيّ، عن شريك، عن محمّد بن إسحاق، عن عمر بن عليّ قال: «قال: مروان لعليّ بن الحسين: ما كان أحد أكفّ عن صاحبنا من صاحبكم. قال: فلم تشتمونه على المنابر؟! قال: لا يستقيم لنا هذا إلاّ بهذا». (1)
وقد علمت أن سبّ عليّ عليهالسلام ، سب لرسول الله صلىاللهعليهوآله ؛ للقرابة القريبة والسّابقة بالإيمان وأنّه نفس رسول الله بنصّ القرآن. بسندٍ عن يعقوب بن جعفر بن سليمان بن عليّ، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: كنت مع عبد الله بن العبّاس وسعيد بن جبير يقوده، فمرّ على ضفّة زمزم فإذا بقوم من أهل الشّام يسبّون عليّاً عليهالسلام ، فقال لسعيد: ردّني إليهم، فوقف عليهم فقال: أيّكم السّابّ لله عزّوجلّ؟! قالوا: سبحان الله، ما فينا أحد يسبّ الله عزّ وجلّ! قال: فأيّكم السّابّ رسول الله صلىاللهعليهوآله ؟! قالوا: أمّا هذا فكان. قال: فأشهد على رسول الله صلىاللهعليهوآله سمعته أذناي ووعاه قلبي يقول لعليّ بن أبي طالب عليهالسلام : يا عليّ! من سبّك فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله عزّ وجلّ، ومن سبّ الله عزّ وجلّ كبّه الله على منخريه في النّار. ثمّ ولّى عنهم، ثمّ قال: يا بنيّ ماذا رأيتهم صنعوا؟ فقلت له: يا أيه:
نظروا إليك بأعين محمرّة |
نظر التّيوس إلى شفار الجازر |
فقال: زدني فداك أبوك! فقلت:
خزر العيون نواكس أبصارهم |
نظر الذّليل إلى العزيز القاهر |
قال: زدني فداك أبوك! قلت: ليس عندي مزيد، فقال: ولكن عندي فداك أبوك:
أحياؤهم عار على أمواتهم |
والميّتون مسبّة للغابر (2) |
____________________
(1) أنساب الأشراف 2: 184 حديث 220. ورواه ابن عساكر، كما في الحديث 1149 بطريق شريك، عن محمّد بن إسحاق، عن عمر بن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن الحسين، قال: قال مروان بن الحكم: ما كان في القوم أحد أدفع عن صاحبنا من صاحبكم - يعنى عليّاً عن عثمان!! - قال قلت له: فما لكم تسبّونه على المنابر؟ قال: لا يستقيم الأمر إلاّ بذلك.
(2) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 394 - 395 حديث 48؛ كفاية الطّالب: 82 - 83 (الباب العاشر: في كفر من سبّ عليّاً)؛ نور الأبصار: 220؛ ونثر الدرّ للآبي 1: 412 - 413.
وذكر العبديّ (1) الحادثة ضمن قصيدة له تعرب عن ولائه وعقيدته في أهل البيت عليهمالسلام :
وقد روى عكرمة في خبر |
ما شكّ فيه أحد ولا امترى |
|
مرّ ابن عبّاس على قوم وقد |
سبّوا عليّاً، فاستراع وبكى |
|
وقال مغتاظاً لهم: أيّكم |
سبّ إله الخلق جلّ وعلا؟! |
|
قالوا: معاذ الله! قال: أيّكم |
سبّ رسول الله ظلماً واجترا؟! |
|
قالوا: معاذ الله! قال: أيّكم |
سبّ عليّاً خير من وطئ الحصا؟! |
|
قالوا: نعم قد كان ذا! فقال: قد |
سمعت والله النّبيّ المجتبى |
|
يقول: من سبّ عليّاً سبّني |
وسبّتي سبّ الإله، واكتفى |
وعن أبي عبد الله الجدليّ، قال: دخلت على أمّ سلمة فقالت: يا أبا عبد الله! أيسبّ رسول الله صلىاللهعليهوآله فيكم وأنتم أحياء؟! قلت: معاذ الله! قالت: أليس يسبّون عليّاً ومن أحبّه؟! قلت: بلى (2) .
وعن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن ابن أخي زيد بن أرقم، قال: دخلت على أمّ سلمة زوج النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فقالت: ممّن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قالت: من الذين يسبّ فيهم رسول الله؟! قلت: لا والله يا أمّه، ما سمعت أحداً يسبّ رسول الله. قالت: بلى والله! إنّهم يقولون: فعل الله بليّ ومن يحبّه! وقد كان والله رسول الله يحبّه (3) .
____________________
(1) في رجال البرقيّ: 41 (أصحاب الصادق عليهالسلام ): سفيان بن مصعب، أبو محمّد، الشّاعر العبديّ، من أهل همدان. وممّا يشير إلى حسن حاله، واستقامة طريقته ما رواه الكشّيّ في رجاله 254 بإسناده عن سماعة قال قال الصادق: يا معشر الشّيعة علّموا أولادكم شعر العبديّ فإنّه على دين الله.
(2) أنساب الأشراف 2: 182 حديث 216؛ كنز العمّال 15: 128. وذكره الطبرانيّ في المعجم الصغير 2: 21، باختلاف يسير في اللفظ، قال: عون عن ابن سلام عن عيسى بن عبد الرّحمن السلميّ عن السدّيّ عن أبي عبد الله الجدليّ، قال: قالت لي أمّ سلمة: أيُسبّ رسول الله صلىاللهعليهوآله فيكم على رؤوس النّاس؟! فقلت: سبحان الله! وأنّى يسبّ رسول الله؟! فقالت: أليس يسبّ عليّ بن أبي طالب ومن يحبّه؟ فأشهد أنّ رسول الله كان يحبّه.
(3) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 2: 171 حديث 664. ونفس المصدر، صفحة 172 حديث 665، بسندٍ آخر أيضاً عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن ابن أخي زيد، مع اختلاف يسير في اللفظ، وفيه: أنتم الّذين تشتمون النّبيّ؟! وقولها أليس يلعنون عليّاً ويلعنون من يحبّه؟!
ويبدو لنا أنّ أمّ سلمة رضي الله عنها، كانت تلقي هذه الأحاديث على مسامع هذا وذاك، محاولةً منها لفضح معاوية وكشف فساد سيرته، وانتصاراً منها لحقّ امير المؤمنين عليهالسلام . وقد كتبت رضي الله عنها إلى معاوية كتاباً في هذا الشأن، جاء فيه: «إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله» (1) .
وبسند عن عليّ امير المؤمنين عليهالسلام ، قال: «حسبي حسب النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وديني دين النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، ومن نال منّي شيئاً فإنّما يناله من النّبيّ صلىاللهعليهوآله » (2) .
والسّبّ لا يأتي إلاّ عن بعضٍ متأصّل ومستحكم بالنّفوس، وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام : «يا عليّ، لا يبغضك من العرب إلاّ دعيّ، ولا من الأنصار إلاّ يهوديّ، ولا من سائر النّاس إلاّ شقيّ» (3) .
وعن عمّار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول لعليّ بن أبي طالب: «يا عليّ، إنّ الله قد زيّنك بزينةٍ لم يتزيّن العباد بزينةٍ أحبّ إليه منها: الزّهد في الدّنيا، فجعلك لا تنال من الدّنيا شيئاً، ولا تنال الدّنيا منك شيئاً. ووهب لك حبّ المساكين، ورضوا بك إماماً، ورضيت بهم أتباعاً، فطوبى لمن أحبّك وصدّق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب عليك. فأمّا الذين أحبّوك وصدقوا فيك، فهم جيرانك في دارك، ورفقاؤك في قصرك. وأمّا الّذين أبغضوك وكذبوا عليك، فحقّ على الله أن يوقفهم موقف الكذّابين يوم القيامة» (4) .
ومن طرق كثيرة، عن رسول الله صلىاللهعليهوآله ، قال: «من آذى عليّاً فقد آذاني» (5) .
____________________
(1) العقد الفريد لابن عبد ربّه 2: 301 (ط).
(2) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 3: 294 حديث 1323؛ أمالي الصدوق: 197؛ أمالي المفيد: 60 حديث 3؛ كنز العمّال 15: 146 حديث 418 باب فضائل عليّ عليهالسلام .
(3) المناقب، للخوارزميّ 323 حديث 330.
(4) أسد الغابة 4: 101.
(5) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 424 - 420 (الأحاديث 494 - 497، 500، 502)؛ كفاية الطّالب 676 باب تخصيص عليّ عليهالسلام بقوله صلىاللهعليهوآله : «من آذى عليّاً فقد آذاني»؛ ذخائر العقبى: 65؛ الرّياض النّضرة 2: 167؛ المستدرك على الصحيحين 3: 121؛ أنساب الأشراف 2: 146 حديث 147....
وعن أبي الأسود، عن عروة: أنّ رجلاً وقع في عليّ بن أبي طالب بمحضر من عمر بن الخطّاب، فقال عمر: تعرف صاحب هذا القبر؟! هو محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب. وعليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب، لا تذكر عليّاً إلاّ بخير، فإنّك إن آذيته آذيت هذا في قبره (1) .
وعن العبّاس بن عبد المطّلب، قال: سمعت عمر بن الخطّاب وهو يقول: كفّوا عن ذكر عليّ بن أبي طالب إلاّ بخير، فإنّي سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «في عليّ ثلاث خصال وددت لو أنّ لي واحدة منهنّ. كلّ واحدة منهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس. وذاك أنّي كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح، ونفر من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله ، إذ ضرب النّبيّ على كفّ عليّ بن أبي طالب، وقال: «يا عليّ، أنت أوّل المسلمين إسلاماً، وأنت أوّل المؤمنين إيماناً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى. كذب من زعم أنّه يحبّني وهو يبغضك. يا عليّ، من أحبّك فقد أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله تعالى، ومن أحبّه الله تعالى أدخله الله الجنّة. ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى، وأدخله النّار» (2) .
وبسند عن محمّد بن اللّيث الجوهريّ، قال: حدّثنا محمّد بن الطّفيل، قال: حدّثنا شريك بن عبد الله، قال: كنت عند الأعمش، وهو عليل، فدخل عليه أبو حنيفة، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، فقالوا: يا أبا محمّد، إنّك في آخر أيّام الدّنيا وأوّل أيّام الآخرة، وقد كنت تحدّث في عليّ بن أبي طالب بأحاديث، فتب إلى الله منها! قال: أسندوني، أسندوني، فأسند، فقال: حدّثنا أبو المتوكّل النّاجيّ عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إذا كان يوم القيامة قال الله تبارك وتعالى لي ولعليّ: ألقيا في النّار من أبغضكما، وأدخلا في الجنّة من أحبّكما، فذلك قوله تعالى: ( أَلْقِيَا فِي جَهَنّمَ كُلّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ) . - ق 23، قال: فقال أبو حنيفة للقوم: قوموا لا يجئ بشيء أشدّ من هذا (3) !
____________________
(1) ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ دمشق 3: 295 حديث 1324.
(2) المناقب الثلاثة لمحمّد بن يوسف البلخيّ الشافعيّ: 107.
(3) مسند الكلابيّ، حديث رقم 3.
وروى ابن عبد البرّ، قال: قال صلىاللهعليهوآله : «من أحبّ عليّاً فقد أحبّني، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن آذى عليّاً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله» (1) .
وعن جابر، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لعليّ: «من آذاك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله (2) .
ولسعد بن أبي وقّاص جواب أسكت به معاوية، إذ قال له هذا: ما منعك أن تسبّ أباتراب؟ قال: أمّا ما ذكرت فلثلاث قالهنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فلن أسبّه لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم، سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول لعليّ وقد خلفه في بعض مغازيه - فقال عليّ: يا رسول الله، تخلفني مع النّساء والصّبيان؟! فقال رسول الله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟» وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطينّ الرّاية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله». فتطاولنا لها، فقال: «ادعوا لي عليّاً». فأتى به أرمد، فبصق في عينيه فبرئ، ودفع إليه الرّاية ففتح الله على يديه. ولما نزلت هذه الآية: ( قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) . دعا رسول الله صلىاللهعليهوآله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي» (3) .
حرب وسلم أهل البيت حرب وسلم رسول الله
لقد سرت بغيضة قوم لعليّ عليهالسلام وحسدهم إيّاه إلى بضعة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأهل بيته عليهمالسلام ؛ فمن تمكّنوا من غصب حقّه فعلوه، ومن أمكنهم حربه وقتله عمدوا إليه. وقد أخرج
____________________
(1) الاستيعاب 3: 37.
(2) ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ دمشق 1: 425 حديث 501. وفي المسلسلات: 17 حديث 30، ذكر ابن الجوزيّ عن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام أنّه قال: حدّثني رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو آخذ بشعره قال: «من آذى شعرة منّي فقد آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله لعنه الله مِلْءَ السماوات ومِلْءَ الأرض، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً».
(3) سنن الترمذيّ 5: 301 - 302؛ المناقب الثلاثة للبلخيّ 107 - 108؛ مختصر تاريخ دمشق - ابن منظور 17: 332.
الطبرانيّ بسند عن السدّيّ، عن صبيح مولى أمّ سلمة، عن زيد بن أرقم: أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسين عليهمالسلام : «أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم» (1) .
وعن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: أبصر النّبيّ صلىاللهعليهوآله عليّاً وحسناً وحسيناً، فقال: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم» (2) .
وقال صلىاللهعليهوآله : «الويل لظالمي أهل بيتي، عذابهم مع المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار» (3) .
وقال صلىاللهعليهوآله : «إنّ قاتل الحسين في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل النّار، وقد شدّ يداه ورجلاه بسلاسل من نار، منكّس في النّار، حتّى يقع في قعر جهنّم، وله ريح يتعوّذ أهل النّار إلى ربّهم عزّ وجلّ من شدّة ريح نتنه، وفيها خالد ذائق العذاب، لا يفتّر عنهم ساعة ويسقى من حميم الويل لهم من عذاب الله عزّ وجلّ» (4) .
وقال صلىاللهعليهوآله : «إنّ موسى بن عمران سأل ربّه عزّ وجلّ فقال: يا ربّ، إنّ أخي هارون قد مات فاغفر له. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا موسى! لو سألتني في الأوّلين والآخرين لأجبتك، ما خلا قاتل الحسين بن عليّ؛ فإنّي أنتقم له من قاتله» (5) .
ووجه ذلك: أن الحسين عليهالسلام ريحانة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وهو وأخوه الحسن عليهماالسلام سبطا رسول الله، وهما وأمّهما وأبوهما أهل بيت النّبيّ المطهّرون من أمّة محمّد صلىاللهعليهوآله من كلّ رجس، وهم خير البريّة. والحسنان اللّؤلؤ والمرجان بنصّ القرآن، وسيأتي هذا وغيره في
____________________
(1) المعجم الصغير للطبرانيّ 2: 3؛ صحيح الترمذيّ 2: 319؛ المستدرك على الصحيحين 3: 149؛ مسند أحمد بن حنبل 2: 442؛ تاريخ بغداد 7: 136؛ ذخائر العقبى: 25؛ الرياض النّضرة 2: 199؛ الصواعق المحرقة: 112؛ كنز العمّال 6: 216؛ صحيح ابن ماجة: 14؛ مجمع الزوائد 9: 169.
(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 442؛ تاريخ بغداد 7: 136؛ البداية والنهاية 8: 205؛ المستدرك على الصحيحين 3: 149؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 64؛ كفاية الطالب: 331؛ ينابيع المودّة 261.
(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 66؛ ينابيع المودّة 261.
(4) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 67؛ مقتل الحسين للخوارزميّ 2: 83؛ ينابيع المودّة: 261؛ المقاصد الحسنة للسخاويّ: 302.
(5) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 69؛ مقتل الحسين للخوارزميّ 2: 85.
الحديث عن أهل البيت في القرآن.
و «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» (1) . مرويّ عن عليّ عليهالسلام ، وأبي سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، وابن عبّاس... كلّ عن رسول الله صلىاللهعليهوآله .
والحسين عليهالسلام من معجزة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، أعجز النّبيّ به وبأخيه: الحسن، وأمّهما وأبيهما، وفد نصارى نجران يوم المباهلة؛ فالعدوان على واحد منهم عدوان على القرآن عدلهم والصادح بمنزلتهم، وعدوان على رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ومن ثمّ على الله تعالى. ومن كان كذلك، فالله خصمه: ( مَنْ كَانَ عَدُوّا للّهِِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللّهَ عَدُوّ لِلْكَافِرِينَ ) (2) . وكان في جهنّم خالداً فيها: ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنّ لَهُ نَارَ جَهَنّمَ خَالِداً فِيهَا ) (3) ؟
كفر النّاصبيّ
جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ الغفاريّ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «من ناصب عليّاً الخلافة بعدي فهو كافر، وقد حارب الله ورسوله ومن شكّ في عليٍّ فهو كافر» (4) . وفي ينابيع المودّة: «من قاتل عليّاً على الخلافة فاقتلوه كائناً من كان» (5) . وفي كفاية الطّالب: عن سالم، عن جابر، قال: سئل عن عليٍّ، فقال: «ذاك
____________________
(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 3 و 62؛ أنساب الأشراف للبلاذريّ 3: 7؛ مجمع الزوائد 9: 18؛ سنن ابن ماجة 1: 42؛ كتاب معرفة الصّحابة لأبي نعيم: 144؛ معجم الصّحابة للبغويّ 22: 42؛ فرائد السمطين حديث 414 و 415؛ تاريخ بغداد 2: 185؛ 1: 140، 4: 207، 6: 371، 9: 231 ن 11: 290، 12: 4؛ أسد الغابة 2: 19؛ نور الأبصار: 231؛ الترمذيّ: حديث 3768؛ الاستيعاب 1: 376؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 6: 229؛ مستدرك الصحيحين 3: 429؛ تفسير الطبريّ 22: 67؛ المعجم الكبير 3: 47 - 48؛ صحيح مسلم حديث 2424؛ الإبانة لابن بطّة 62؛ مختصر تاريخ دمشق 7: 118 - 119؛ سير أعلام النبلاء 3: 282.
(2) البقرة / 98.
(3) التوبة / 63.
(4) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 46.
(5) نفس المصدر، 181.
خير البريّة، لا يبغضه إلاّ كافر» (1) .
وعطا، قال: سألت عائشة عن عليّ، فقالت: ذاك خير البشر لا يشكّ فيه إلاّ كافر. (2)
وسفيان الثوريّ، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «عليّ خير البشر، فمن امترى فقد كفر» (3) .
وعن حذيفة قال: سمعت النّبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: «عليّ خير البشر، من أبى فقد كفر» (4) .
والأعمش، عن عديّ بن ثابت، عن زرّ، عن عبد الله، عن عليّ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «من لم يقل: عليّ خير النّاس، فقد كفر» (5) .
ابن عبّاس يفحم معاوية
عن ربعيّ بن حراش، قال: استأذن عبد الله بن عبّاس على معاوية، وقد علقت عنده بطون قريش، وسعيد بن العاص جالس عن يمينه فلمّا رآه معاوية مقبلاً، قال: يا سعيد، والله لألقينّ على ابن عبّاس مسائل يعيا بجوابها. فقال له سعيد: ليس مثل ابن عبّاس يعيا بمسائلك.
فلمّا جلس، قال له معاوية: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: رحم الله أبا الحسن، كان والله علم الهدى، وكهف التّقى، ومحلّ الحجى، وطود النّهى، ونور السّرى في ظلم الدّجى (6) ، داعياً إلى المحجّة العظمى، عالماً بما في الصّحف الأولى، وعالماً بالتأويل
____________________
(1) ينابيع الموده: 246؛ تفسير ابن جرير الطّبريّ 30: 171؛ نور الأبصار للشبلنجيّ: 70.
(2) كفاية الطّالب: 246.
(3) تاريخ بغداد 7: 421، وامترى: أي شكّ وارتاب.
(4) كفاية الطّالب: 245؛ كنوز الحقائق: 92؛ الرّياض النّضرة 2: 220.
(5) تاريخ بغداد 3: 192؛ تهذيب التهذيب 9: 419. وكان أصحابُ النّبيّ صلىاللهعليهوآله إذا أقبل عليّ عليهالسلام يقولون: قد جاء خير البريّة نعرض له عند حديثنا عمّا نزل في عليّ من القرآن، إن شاء الله.
(6) العلم: الجبل، والمنارة، وسيّد القوم، وكلّ ما يهتدى به. والحجى: العقل والفطنة. والطود: الجبل العظيم. والنّهى: العقل، سمّي به لأنّه ينهى عن كلّ ما ينافي العقل، فكنّى بذلك عن عصمة عليٍّ عليهالسلام . السّرى: سيرُ اللّيل مع المشقّة.
والذّكرى، ومتعلّقاً بأسباب الهدى، وتاركا للجور والأذى، وحائداً عن طرقات الرّدى، وخير من آمن واتّقى، وسيّد من تقمّص (1) وارتدى، وأفضل من حجّ وسعى، وأسمح من عدل وسوّى، وأخطب أهل الدّنيا إلاّ الأنبياء والنّبيّ المصطفى؛ فهل يوازيه موحّد؟! وزوج خير النّساء وأبو السّبطين، لم تر عيني مثله ولا ترى إلى يوم القيامة واللِّقا. من لعنه، فعليه لعنة الله والعباد إلى يوم القيامة (2) .
الاستدلال بتبليغ براءة
لما كان امير المؤمنين عليهالسلام ألصق الجميع - بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله - بالقرآن، وإنّما هو القرآن النّاطق، والمتحمّل للقرآن حقّ تحمّله، فلم يكن غير عليٍّ أهلاً للتبليغ عن الله عزّ وجلّ، وعن رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فعليّ هو الصّراط المستقيم.
ولقد جرى هذا في عهد رسول الله، فلا بدّ أن يمضي بعده، إذ لم ينسخه قرآن ولا سنّة وما زال الوحي والنّبيّ يقرّران وجوب طاعة عليٍّ وموالاته. وكان من توسّد الحاكميّة بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله يعرفون له هذه المنزلة، فكانوا يرجعون إليه كلّما أشكل عليهم أمر، ولبس عليهم شيء من القرآن.
وكان السّلف الأوّل من الصّحابة كلّما رجعوا إلى أنفسهم، تهيّبوا شخص عليٍّ وتمنّى الواحد منهم أن تكون له خصلة خصيصة من روائع آيات خصال عليّ، فهي عندهم خير من حمر النّعم، وأفضل ممّا طلعت عليه الشّمس وما غربت!
وواحدة من تلكم الخصائص: ائتمان الله عزّ وجلّ عليّاً عليهالسلام على سورة «براءة» ليبلّغها أهل مكّة، فكانت من الخصائص الّتي استدلّوا بها على خلافة عليّ عليهالسلام ، وأنّه الصّراط المستقيم.
____________________
(1) تقمّص: لبس القميص. وعلى الاستعارة يقال: تقمّص لباس العزّ وتقمّص الإمارة كما يلبس القميص. فأراد ابن عبّاس منه. يا معاوية! لست ولا غيرك أهلاً لها، إنّما هي لعليّ. وأردف بلعن من لعن عليّاً؛ وهو تعريض بمعاوية الّذي سنّ لعن عليٍّ على المنابر.
(2) مجمع الزوائد للهيتميّ 9: 158.
عن ابن عبّاس، قال: «بينا أنا مع عمر بن الخطّاب في بعض طرق المدينة، يده في يدي، إذ قال: يا ابن عبّاس، ما أحسب صاحبك إلاّ مظلوماً! فقلت: فردّ عليه ظلامته يا أمير المؤمنين. قال: فانتزع يده من يدي وتقدّمني يهمهم، ثمّ وقف حتّى لحقته، فقال لي: يا ابن عبّاس، ما أحسب القوم إلاّ استصغروا صاحبك. قال: قلت: والله ما استصغره رسول الله صلىاللهعليهوآله حين أرسله وأمره أن يأخذ «براءة» من أبي بكر، فيقرؤها على النّاس، فسكت» (1) .
عيسى بن أزهر، عن عبد الرزّاق بن همام، بسنده إلى ابن عبّاس، قال: مشيت وعمر بن الخطّاب في بعض أزقّة المدينة، فقال لي: يا ابن عبّاس، أظنّ القوم استصغروا صاحبكم إذ لم يولّوه أموركم! فقلت: والله ما استصغره الله إذ اختاره لسورة براءة يقرؤها على أهل مكّة. فقال لي: الصّواب تقول، والله لسمعت رسول الله يقول لعليّ بن أبي طالب: «من أحبّك أحبّني، ومن أحبّني أحبّ الله، ومن أحبّ الله أدخله الجنّة مدلاًّ» (2) .
وعن نبيط (3) بن شريط الأشجعيّ، قال: خرجت مع عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ومعنا عبد الله بن عبّاس، فلمّا صرنا إلى بعض حيطان الأنصار، وجدنا عمر جالساً ينكت في الأرض، فقال له عليّ بن أبي طالب: ما الّذي أجلسك وحدك هاهنا؟ فقال: لأمر همّني. قال عليّ: أفتريد أحدنا؟ فقال عمر: إن كان عبد الله. قال: فتخلّف معه عبد الله بن عبّاس، ومضيت مع عليّ. وأبطأ علينا ابن عبّاس، ثمّ لحق بنا، فقال له عليّ عليهالسلام : ما وراءك؟ قال: يا أبا الحسن! أعجوبة من عجائب عمر أخبرك بها واكتم عليّ. قال: فهلمّ. قال: لما أن ولّيتَ، قال عمر وهو ينظر إلى أثرك: آه آه آه! فقلت: ممّ تأوّه؟ قال: من أجل صاحبك يا ابن عبّاس
____________________
(1) مختصر تاريخ مدينة دمشق، محمّد بن مكرّم المعروف بابن منظور 18: 7، وفي شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 11: 46، والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك.
(2) مختصر تاريخ دمشق 20: 68 - 69؛ كنز العمّال 13: 109.
(3) نبيط بن شريط الأشجعيّ الكوفيّ، أبو سلمة، له صحبة وبقي بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله زماناً. روى عنه ابنه سلمة، ونعيم بن أبي هند. روى له أبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجة قال عنه يحيى بن معين: «ثقة». طبقات ابن سعد 6: 29؛ طبقات خليفة 47؛ مسند أحمد 4: 305؛ تهذيب الكمال 29: 316؛ الاستيعاب 3: 564؛ الإصابة 3: 551.
وقد أعطي ما لم يعطه أحد من آل النّبيّ صلىاللهعليهوآله ! ولو ثلاث هنّ فيه ما كان لهذا الأمر من أحد سواه! قلت: ما هنّ؟ قال: كثرة دعابته، وبغض قريش له، وصغر سنّه! قال: فما رددت عليه؟ قال: داخلني ما يدخل ابن العمّ لابن عمّه، فقلت: أمّا كثرة دعابته فقد كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يداعب ولا يقول إلاّ حقّاً، وأين أنت حيث كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول ونحن حوله صبيان وكهول وشيوخ وشبّان ويقول للصّبيّ: «سنافاً سنافاً» (1) . وأمّا بغض قريش له، فو الله ما يبالي ببغضهم له بعد أن جاهدهم في الله حين أظهر الله دينه فقصم أقرانها وكسر آلهتها وأثكل نساءها في الله. وأمّا صغر سنّه، فقد علمت أنّ الله تعالى حيث أنزل: «براءة» فوجّه النّبيّ صاحبه ليبلّغ عنه، فأمره الله أن لا يبلّغ عنه إلاّ رجل من أهله فوجّهه به، فهل استصغر الله سنّه؟! قال: فقال عمر لا، يا ابن عبّاس: أمسك عليّ واكتم، فإن سمعتها من غيرك لم أنم بين لابتيها (2) !
____________________
(1) سنافاً ك سنف سنفاً البعير: شدّه بالسّناف. وأسنف الأمر: أحكمه. والسّنف: الجماعة، والصّنف والمسنفات: المتقدّمات في سيرها. لسان العرب «سنف». وأيّ معنىً أخذنا به، فهو يشير إلى حسن خلق النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وأنّ به دعابة!
(2) فرائد السّمطين لإبراهيم بن محمّد الجوينيّ 1: 334 - 336 حديث 258.
ولابتيها، يعني بهما لابتي المدينة المنوّرة. وفي لسان الميزان 1: 734، قال: «إنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله حرّم ما بين لابتي المدينة، وهما حرّتان تكتنفانها. قال ابن الأثير: المدينة بين حرّتين عظيمتين، قال الأصمعيّ: هي الأرض الّتي قد ألبستها حجارة سود، وجمعها لابات».
وفي الحديث، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّ الله حرّم على لساني ما بين لابتيها». تاريخ بغداد 4: 112. وعن أبي هريرة أيضاً أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: «إنّ الله حرّم على لساني ما بين لابتي المدينة». تاريخ بغداد 7: 196.
والعجب الشّديد وقوع الكلام الآنف من عمر، ولم يقلع عن أن يعيده في أكثر من مناسبة، وحتّى من غير مناسبة! إذ كان يثيره مندفعاً متحمّساً له ومناضلاً، مع ابن عبّاس ومع غير ابن عبّاس، وكأنّ الدّين لا يعرف ولا يعرف به مزحة ولا فكاهة، وليس هو إلاّ الصّرامة والغلظة والدّرّة في كلّ آن وعلى كلّ حال! ولذا: فإنّ عليّاً - وإن لم يكن سواه جديراً بأمر الخلافة، كما صرّح به عمر - مأخوذٌ عليه ما كان فيه من خلق النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، أي الدعابة. وكذلك: فإنّ عليّاً أقلّ في السنّ من بعض القوم! ورسول الله صلىاللهعليهوآله قد بعث وفي القوم من هم أسنّ منه. وعيسى بن مريم عليهالسلام كان نبيّاً وهو لما يزل في المهد! هذا وعمر يقرّر أنّ عليّاً أفضل منه ومن أبي بكر! عن ابن =
____________________
= عبّاس، قال: «كنت أسير مع عمر بن الخطّاب في ليلةٍ، وعمر على بغل وأنا على فرس، فقرأ آية فيها ذكر عليّ، فقال: أما والله يا بني عبد المطّلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر! فقلت في نفسي: لا أقالني الله إن أقلته. فقلت: أنت تقول ذلك، وأنت وصاحبك وثبتما وأفرغتما الأمر منّا دون النّاس؟! فقال: إليكم يا بني عبد المطّلب! أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطّاب! فتأخّرت وتقدّم هنيهةً، فقال: سر لا سرت! وقال: أعد عليّ كلامك، فقلت: إنّما ذكرت شيئاً فرددت عليه جوابه ولو سكتّ سكتنا. فقال: إنّا والله ما فعلنا الّذي فعلنا عن عداوة، ولكن استصغرناه وخشينا أن لا يجتمع العرب وقريش لما قد وترها! قال: فأردت أن أقول كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره افتستصغره أنت وصاحبك؟! فقال: لا جرم، فكيف ترى؟ والله ما نقطع أمراً دونه ولا نعمل شيئاً حتّى نستأذنه». محاضرات الأدباء للراغب الأصبهانيّ حسين بن محمّد (ت 425 هـ) 4: 464.
وفي محاورة بين عمر بن الخطّاب وابن عبّاس، تناول عمر العشرة المبشّرة بالجنّة، فنال منهم ولم يثبت منهم أحداً في صلاحه للخلافة واستقامة صراطه إلاّ عليّاً! لكنّه عاد إلى التعلّل بحداثة السّنّ والدّعابة. في تاريخ اليعقوبيّ 2: 158 - 159: «روي عن ابن عبّاس قال: طرقني عمر بن الخطّاب بعد هدأة اللّيل، فقال: اخرج بنا نحرس نواحي المدينة! فخرج وعلى عنقه درّته؟ حتّى أتى بقيع الغرقد، فاستلقى على ظهره، وجعل يضرب أخمص قدميه بيده وتأوّه صعداً، فقلت له: ما أخرجك إلى هذا الأمر؟ قال: أمر الله يا ابن عبّاس. قال: إن شئت أخبرتك بما في نفسك. قال: غص غوّاص، إن كنت لتقول فتحسن. قال: ذكرت هذا الأمر وإلى من تصيّره. قال: صدقت. قال فقلت له: أين أنت عن عبدالرّحمن بن عوف؟ فقال: ذاك رجل ممسك - أي بخيل محبّ للمال - وهذا الأمر لا يصلح إلاّ لمعطٍ من غير سرف ومانع من غير إقتار. قال: فقلت: سعد بن أبي وقّاص؟ قال: ذاك مؤمن ضعيف. فقلت: طلحة بن عبيد الله؟ قال: ذاك رجل يناول للشّرف - أي السّمعة والشّهرة - والمديح، يعطي ماله حتّى يصل إلى مال غيره وفيه بأو - أي عجب وتفاخر - وكبر. قال: فقلت: فالزّبير بن العوّام، فهو فارس الإسلام؟ قال: ذاك يوم غنسان ويوم شيطان، إن كان ليكادح على المكيلة من بكرة إلى الظّهر حتّى تفوته الصّلاة. قال: فقلت: عثمان بن عفّان؟ قال: إن ولي حمل ابن أبي معيط وبني أميّة على رقاب النّاس، وأعطاهم مال الله، ولئن ولي ليفعلنّ والله، ولئن فعل لتسيرنّ العرب إليه حتّى تقتله في بيته. ثمّ سكت. قال: فقال: أمضها يا ابن عبّاس! أترى صاحبكم لها موضعاً؟! قال: فقلت: وأين يتبعّد من ذلك مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه؟ قال: هو والله كما ذكرت، ولو وليهم تحمّلهم على منهج الطريق، فأخذ المحجّة الواضحة، إلاّ أنّ فيه خصالاً: الدعابة في المجلس، واستبداد الرأي ن والتبكيت للنّاس مع حداثة السّنّ! قال: قلت: هلاّ استحدثتم سنّه يوم الخندق إذ خرج عمرو بن عبدودّ، وقد كعم - أي جبن - عنه الأبطال، وتأخّرت عنه الشّيوخ؟! ويوم بدر إذ كان يقطّ الأقران =
____________________
= قطّا؟! ولا سبقتموه بالإسلام. فقال: إليك يا ابن عبّاس! أتريد أن تفعل بي كما فعل أبوك وعليّ بأبي بكر يوم دخلا عليه؟ قال: فكرهت أن أغضبه فسكتّ. فقال: والله يا ابن عبّاس إنّ عليّاً ابن عمّك لأحقّ النّاس بها! ولكنّ قريشاً لا تحتمله. ولئن وليهم ليأخذنّهم بمرّ الحقّ لا يجدون عنده رخصة، ولئن فعل لينكثنّ بيعته ثمّ ليتحاربنّ».
وفي شرح نهج البلاغة 12: 51، ذكره ابن أبي الحديد المعتزليّ موجزاً مع اختلاف في بعض الألفاظ، قال: قال ابن عبّاس: كنت عند عمر، فتنفّس نفساً ظننت أن أضلاعه قد انفرجت، فقلت: ما أخرج هذا النّفس منك إلاّ همّ شديد! قال: إي والله يا ابن عبّاس، إنّي فكّرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي، ثمّ قال: لعلّك ترى صاحبك لها أهلاً! قلت: وما يمنعه من ذلك مع جهاده وسابقته وقرابته وعلمه؟! قال: صدقت، ولكنّه امرؤ فيه دعابة! قلت: فأين أنت عن طلحة؟ قال: ذو البأو، وبإصبعه المقطوعة؟! قلت: فعبد الرّحمن؟ قال: رجل ضعيف لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته. قلت: فالزّبير؟ قال: شكس لقس - أي سيّىء الخلق - يلاطم في النّقيع في صاع من برّ. قلت: فسعد بن أبي وقّاص؟ قال: صاحب سلاح ومقنب - أي جماعة الخيل - قلت: فعثمان؟ قال: أوّه! ثلاثاً، والله لئن وليها ليحملنّ بني معيط على رقاب النّاس، ثمّ لتنهضنّ إليه العرب. قال: ثمّ أقبل عليّ بعد أن سكت هنيهةً، وقال: أجرؤهم - والله - غن وليها أن يحملهم على كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم لصاحبك! أما إن ولي أمرهم حملهم على المحجّة البيضاء والصّراط المستقيم.
ومساجلات ابن عبّاس وعمر كثيرة، وكلّها تنبئ عن طول باع ابن عبّاس في الحوار، وأنّه بحر لا يساجل ولا يبلغ قراره، وطود لا تنال ذروته، إذ هو تلميذ عليّ عليهالسلام وتابعه. وقد كان عمر يقرّ له بذلك كما أقرّ من قبله لعليٍّ بما له.
في شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 12: 52 - 54: عن عبد الله بن عمر، قال: كنت عند أبي يوماً، وعنده نفر من النّاس، فجرى ذكر الشّعر، فقال: من أشعر العرب ظ فقالوا: فلان وفلان، فطلع عبد الله بن عبّاس، فسلّم وجلس، فقال عمر: قد جاءكم الخبير! من أشعر النّاس يا عبد الله؟ قال: زهير بن أبي سلمى. قال: فأنشدني ممّا تستجيده له. فقال: إنّه مدح بني سنان، فقال:
لو كان يقعد فوق الشّمس من كرم |
قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا |
|
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم |
طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا |
|
إنس إذا أمنوا، جنّ إذا فزعوا |
مرزءون بهاليل إذا جهدوا |
|
محسّدون على ما كان من نعم |
لا ينزع الله منهم ما له حسدوا |
فقال عمر: والله لقد أحسن، وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول الله: فقال ابن عبّاس: وفّقك الله، فلم تزل موفّقاً. فقال يا ابن عبّاس، أتدري ما منع النّاس منكم؟ قال: لا، قال: لكنّي أدري =
حديث براءة
ومن أمرها: لما نزلت عشر آيات من «براءة» على النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، دعا أبابكر ليقرأها على أهل مكّة، ثمّ دعا عليّاً فقال له: «أدرك أبابكر، فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه، فاذهب به
____________________
= قال: ما هو؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة فتجخفوا جخفاً - أي تتكبّروا - فنظرت قريش لنفسها، فاختارت ووفّقت فأصابت! فقال ابن عبّاس: أيميط امير المؤمنين عنّي غضبه فيسمع؟! قال: قل ما تشاء. قال: أمّا قولك: إنّ قريشاً كرهت، فإنّ الله تعالى قال لقوم: ( ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) [ سورة محمّد 9 ]. وأمّا قولك: «إنّا كنّا نجخف»، فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة، ولكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من خلق رسول الله صلىاللهعليهوآله الّذي قال الله تعالى [ فيه ]: ( وَإِنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [ سورة القلم 4 ]، وقال له: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، [سورة الشعراء 215 ]. وأمّا قولك: «فإنّ قريشاً اختارت»، فإنّ الله تعالى يقول: ( وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) [ سورة القصص 68 ]، وقد علمت أنّ الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفّقت وأصابت قريش.
فقال عمر: على رسلك يا ابن عبّاس، أبت قلوبكم يا بني هاشم إلاّ غشّاً في أمر قريش لا يزول، وحقداً عليها لا يحول! فقال ابن عبّاس: مهلا! لا تنسب هاشماً إلى الغشّ، فإنّ قلوبهم من قلب رسول الله الّذي طهّره الله وزكّاه، وهم أهل البيت الّذي قال الله تعالى لهم: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) [ سورة الأحزاب 33 ]. وأمّا قولك: «حقداً» فكيف لا يحقد من غصب شيئه، ويراه في يد غيره؟!
قال عمر: بلغني أنّك لا تزال تقول: أخذ هذا الأمر منك حسداً وظلماً. فقال: أمّا قولك: «حسداً» فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنّة، فنحن بنو آدم المحسود. وأمّا قولك: «ظلماً» فأنت تعلم صاحب الحقّ من هو! ثمّ قال: ألم تحتجّ العرب على العجم بحقّ رسول الله، واحتجّت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله؟! فنحن أحقّ برسول الله من سائر قريش. فقال له عمر: قم الآن فارجع إلى منزلك. فقام، فلمّا ولّى هتف به عمر: أيّها المنصرف إنّي - على ما كان منك - لراعٍ حقّك! فالتفت ابن عبّاس فقال: إنّ لي عليك وعلى كلّ المسلمين حقّاً برسول الله صلىاللهعليهوآله ، فمن حفظه فحقّ نفسه حفظ، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع ثمّ مضى. فقال عمر لجلسائه: «واها لابن عبّاس! ما رأيته لاحى أحداً قطّ إلاّ خصمه»!
وممّا يجري هذا المجرى ما ذكره الشريف الرضيّ في كتابه «خصائص امير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام صفحة 48، قال: بإسناد مرفوع إلى الأعمش، عن ابن عطيّة، قال: لما خرج عمر بن الخطّاب إلى الشّام، وكان العبّاس بن عبد المطّلب معه يسايره، وكان من يستقبله ينزل فيبدأ بالعبّاس فيسلّم عليه يقدّر النّاس أنّه الخليفة لجماله وبهائه وهيبته، فقال عمر: لعلّك تقدّر أنّك أحقّ بهذا الأمر منّي؟! فقال له العبّاس: أحقّ به منّي ومنك من خلّفناه بالمدينة! فقال عمر: من ذلك؟ قال: من ضربنا بسيفه حتّى قادنا بالإسلام، يعني امير المؤمنين عليهالسلام .
إلى أهل مكّة، فاقرأه عليهم». فلحقه بالجحفة، وأخذ الكتاب منه، ورجع أبوبكر فقال: يا رسول الله! نزل فيّ شيء؟ قال: «لا. ولكنّ جبريل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك». وفي لفظٍ: «ولكن أمرت أن لا يبلّغها إلاّ أنا أو رجل منّي». و «لا يذهب بها إلاّ رجل هو منّي وأنا منه». و «لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ». و «إنّما يؤدّي عنّي أنا أو رجل من أهل بيتي، وإنّ عليّاً رجل من أهل بيتي»... وبألفاظ أخرى لا تبعد عن هذه.
والحديث ينتهي إلى الصّحابة الأوّلين، منهم:
عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر، وعبد الله بن عبّاس، وأبو ذرّ الغفاريّ، وأبو سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبو رافع مولى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وحبشيّ (1) بن جنادة، وزيد بن يثيع (2) ، وسعد (3) بن
____________________
(1) في طبقات خليفةبن خيّاط 109: « حبشي». وفي أسد الغابة 1: 439: «حبشيّ بن جنادة السّلوليّ. يكنّى أبا الجنوب. روى عنه الشعبيّ، وأبو إسحاق السّبيعيّ». وفي تهذيب الكمال للمزّيّ 5: 349: «له صحبة. قال: سمعت رسول الله يقول: (عليّ منّي وأنا من عليّ ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو هو).
(2) في طبقات ابن سعد 6: 222؛ تاريخ البخاريّ الكبير ج 3 ترجمة 1356؛ ميزان الاعتدال ج 2 ترجمة 3032؛ جامع الترمذيّ 3: 213؛ تهذيب التهذيب 3: 427؛ تهذيب الكمال 10: 115؛ الجرح والتعديل ج 3 ترجمة 2598: «زيد بن يثيع، ويقال: ابن أثيع، الهمدانيّ الكوفيّ. روى عن عليّ بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان وأبي بكر، وابي ذرّ الغفاريّ. روى عن أبو إسحاق السّبيعيّ. عن زيد، قال: سألنا عليّاً: بأيّ شيء بعثت؟ قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنّة إلاّ نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحجّ، ومن كان بينه وبين النّبيّ عهد فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد فهي أربعة أشهر». رواه الترمذيّ في الحجّ، باب سورة التوبة. ولزيد أحاديث أربع أخرى عن عليٍّ، بألفاظ أخرى.
(3) عن عبد الله بن شريك، عن الحارث بن مالك، قال: أتيت مكّة فلقيت سعد بن أبي وقّاص، فقلت: هل سمعت لعليّ منقبة؟ قال: لقد شهدت له أربعاً لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من الدّنيا أعمّر فيها مثل عمر نوح عليهالسلام : إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش، فسار بها يوما وليلةً، ثمّ قال: لعليّ: إتبع أبا بكر فخذها وبلّغها وردّ عليّ أبا بكر. فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله! أنزل فيّ شيء؟ قال: لا إلاّ خيراً، إلاّ أنّه ليس يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي، أو قال: من أهل بيتي» قال سعد: وكنّا...» الحديث. ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 1: 234. وعن جابر بن الحرّ النّخعيّ، عن عبد الله بن شريك، عن الحارث بن ثعلبة، قال: سمعت سعد بن أبي وقّاص يقول: لقد كانت لعليّ خصال لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها: «...، =
أبي وقّاص.
وقد روت الحديث أمّة من أئمّة الحديث والحفّاظ، معتنيةً بمتنه وسنده، هذه طائفة منهم: إسماعيل السّدّيّ، المتوفّى سنة 128 هـ، محمّد بن إسحاق (صاحب السّيرة)، المتوفّى سنة 152 هـ، محمّد بن عمر الواقديّ (صاحب المغازي والسّير)، المتوفّى سنة 207 هـ، عبد الملك بن هشام، المتوفّى سنة 218 هـ (وهو الّذي انتهت إليه سيرة ابن إسحاق فهذّبها وباتت تعرف باسمه)، محمّد بن سعد الزّهريّ كاتب الواقديّ، المتوفّى سنة 230 هـ وله (الطبقات الكبرى)، أبو بكر ابن أبي شيبة العبسيّ، المتوفّى سنة 235 هـ، أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة 241 هـ، عبد الله بن عبد الرّحمن الدّارميّ، المتوفّى سنة 255 هـ، محمّد بن إسماعيل البخاريّ (صاحب الصّحيح، والتاريخ الكبير)، المتوفّى سنة 256 هـ، محمّد بن يزيد القزوينيّ «ابن ماجة»، المتوفّى سنة 273 هـ، محمّد بن عيسى الترمذيّ المتوفّى سنة 279 هـ، أحمد بن يحيى البلاذريّ، من أعلام القرن الثالث الهجريّ، أحمد بن أبي عاصم المتوفّى سنة 287 هـ، الحسين بن الحكم الحبريّ، المتوفّى سنة 286 هـ، محمّد بن مسعود العيّاشيّ القرن الثالث الهجريّ، أحمد بن عليّ النّسائيّ، المتوفّى سنة 303 هـ، محمّد بن جرير الطّبريّ، المتوفّى سنة 310 هـ، يعقوب بن إسحاق الأسفرائنيّ (صاحب المسند)، المتوفّى سنة 316 هـ، ابن حبّان التميميّ، المتوفّى سنة 354 هـ، سليمان بن أحمد الطّبرانيّ، المتوفّى سنة 360 هـ، الدّار قطنيّ، المتوفّى سنة 385 هـ، سليمان بن أحمد الطّبرانيّ، المتوفّى سنة 360 هـ، الدّار قطنيّ، المتوفّى سنة 385 هـ، فرات بن إبراهيم الكوفيّ، من أعلام القرن الرّابع الهجريّ، الحاكم النّيسابوريّ، المتوفّى سنة 405 هـ، ابن مردويه، المتوفّى سنة 416 هـ أحمد بن محمّد الثّعلبيّ (المفسّر)، المتوفّى سنة 426هـ، أبو نعيم الأصبهانيّ، المتوفّى سنة 430 هـ، أبو الحسن عليّ بن محمّد الماورديّ، المتوفّى سنة 450 هـ، أحمد بن الحسين البيهقيّ، المتوفّى سنة 458 هـ، ابن المغازليّ عليّ بن محمّد الشّافعيّ، المتوفّى سنة 483 هـ، عبيد الله بن عبد الله الحسكانيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 471 هـ، نجم الدين النّسفيّ
____________________
= والرّابعة أنّه أرسل أبابكر ببراءة فأرسل عليّاً على أثره، فأخذ منه براءة فقرأها على أهل مكّة، فلأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها نفس المصدر 239.
الحنفيّ، المتوفّى سنة 537 هـ محمود بن عمر الزمخشريّ، المتوفّى سنة 537 هـ، محمّد بن أحمد القرطبيّ، المتوفّى سنة 567 هـ، أخطب خوارزم الحنفيّ، المتوفّى سنة 568 هـ، ابن عساكر الدّمشقيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 571 هـ، عبد الرحمن الخثعميّ السّهيليّ، المتوفّى سنة 581 هـ، فخر الدين الرّازيّ، المتوفّى سنة 606 هـ، عليّ بن محمّد الجزريّ، المتوفّى سنة 630 هـ، سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 654 هـ، ابن أبي الحديد المعتزليّ، المتوفّى سنة 655 هـ، محمّد بن يوسف الگنجي الشّافعيّ، المقتول سنة 658 هـ، القاضي البيضاويّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 685 هـ، محبّ الدّين أحمد بن عبد الله الطّبريّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 694 هـ، محمّد بن مكرّم بن منظور (صاحب مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر)، المتوفّى سنة 711 هـ، إبراهيم بن محمّد الجوينيّ، المتوفّى سنة 730 هـ، محمّد بن عبد الواحد الحنفيّ، المتوفّى سنة 681 هـ، عليّ بن محمّد الخازن، المتوفّى سنة 741 هـ، محمّد بن أحمد الذّهبيّ، المتوفّى سنة 748 هـ، ابن كثير الدّمشقيّ الحنبليّ المتوفّى سنة 774 هـ، تقي الدّين المقريزيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 845 هـ، ابن حجر العسقلانيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 852 هـ ابن الصّبّاغ المالكيّ، المتوفّى سنة 855 هـ، محمّد بن أحمد العينيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 855 هـ، جلال الدين السّيوطيّ الشّافعيّ المتوفّى سنة 911 هـ، أحمد ابن محمّد القسطلانيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 923 هـ، ابن حجر الهيتميّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 974 هـ، المتّقيّ الهنديّ، المتوفّى سنة 975 هـ، محمّد الزرقانيّ المالكيّ، المتوفّى سنة 1122 هـ، الشوكانيّ، المتوفّى سنة 1250 هـ، القندوزيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 1293 هـ.
ولو ذكرنا ما وقع لنا من أسماء الرّواة والحفّاظ الّذين عنوا بتبليغ براءة لطال المقام ولعنّينا القارئ الكريم، علماً أنّا قد أبعدنا محدّثي الشّيعة ورواتهم - على جلالتهم - لتكون الحجّة أبلغ على من ركب طريق الجدل العقيم.
مصادر حديث براءة
- كتاب التسهيل لعلوم التنزيل: محمّد بن أحمد بن جزيّ الكلبيّ.
تفسير البغويّ، المسمّى «معالم التنزيل»: الحسين بن مسعود الفرّاء البغويّ الشافعيّ،
المتوفّى سنة 516 هـ.
تفسير البيضاويّ، وعليه حاشية محيي الدّين زاده.
تفسير الثعالبيّ، الموسوم بـ «جواهر الحسان في تفسير القرآن»: عبد الرحمن أبو زيد الثعالبيّ، المتوفّى سنة 857 هـ.
تفسير الطّبريّ: أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ، المتوفّى سنة 310 هـ وبهامشه تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدّين الحسن بن محمّد النّيسابوريّ.
تفسير العيّاشي، الموسوم بـ «التنزيل»: محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش السّمرقنديّ، من علماء القرن الثالث الهجريّ.
تفسير القرآن العظيم: أبو الفداء إسماعيل بن كثير، المتوفّى سنة 774 هـ.
التفسير الكبير: فخر الدّين الرّازيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 606 هـ.
تفسير الماورديّ، الموسوم بـ «النّكت والعيون» أبو الحسن عليّ بن محمّد الماورديّ البصريّ، المتوفّى سنة 450 هـ.
تنوير المقباس في تفسير ابن عبّاس.
الجامع لأحكام القرآن: محمّد بن أحمد القرطبيّ، المتوفّى سنة 671 هـ.
الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدّين السّيوطيّ، المتوفّى سنة 911 هـ.
شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: عبيد الله بن عبد الله الحسكانيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 471 هـ.
قصص الأنبياء المسمّى «عرائس المجالس»: أحمد بن محمّد الثّعلبيّ، المتوفّى سنة 426 هـ وبهامشه كتاب روض الرّياحين في حكايات الصّالحين لليافعيّ.
الكشّاف: محمود بن عمر الزمخشريّ، المتوفّى سنة 528 هـ.
تفسير الحبريّ: الحسين بن الحكم بن مسلم الحبريّ، المتوفّى سنة 286 هـ.
تفسير الكوفيّ: فرات بن إبراهيم الكوفيّ، من أعلام القرن الرّابع الهجريّ.
تفسير الخازن «لباب التأويل في معاني التّنزيل»: عليّ بن محمّد المعروف بالخازن، المتوفّى سنة 725 هـ وبهامشه «مدارك التنزيل وحقائق التّأويل» لعبد الله بن محمود
النّسفيّ، المتوفّى سنة 710 هـ.
هذه أهمّ التفاسير المشتهرة والذّائعة الصّيت. وأمّا أهمّ كتب التاريخ والتراجم والحديث الّتي رجعنا إليها في حديث براءة، فهي:
- السّيرة النّبويّة: ابن هشام، المتوفّى سنة 218 هـ، 4: 190.
الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد، المتوفّى سنة 230 هـ، 2: 169.
تاريخ الأمم والملوك: محمّد بن جرير الطّبريّ، المتوفّى سنة 310 هـ، 2: 283.
أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى البلاذريّ، من أعلام القرن الثالث الهجريّ، 2: 154.
- مختصر تاريخ دمشق: ابن عساكر عليّ بن الحسين الشّافعيّ، المتوفّى سنة 573 هـ اختصار محمّد بن مكرّم المعروف بابن منظور، المتوفّى سنة 711 هـ، 18: 5، 6، 7.
المختصر في تاريخ البشر: عماد الدّين إسماعيل أبو الفداء، المتوفّى سنة 732 هـ، 1: 150.
البداية والنّهاية: ابن كثير الدّمشقيّ الحنبليّ، المتوفّى سنة 774 هـ، 5: 33، 34، 35.
مسند أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة 241 هـ، 1: 150، 151، 79، 331؛ 3: 212، 283.
سنن الترمذيّ «الجامع الصّحيح»: محمّد بن عيسى الترمذيّ، المتوفّى سنة 279 هـ، 2: 179، 180؛ 4: 339، 340؛ 5: 300.
صحيح البخاريّ - محمّد بن إسماعيل الجعفيّ البخاريّ، المتوفّى سنة 256 هـ، 1: 103؛ 6: 81.
سنن الدّارميّ: عبد الله بن عبد الرحمن السّمرقنديّ التميميّ الدّارميّ، المتوفّى سنة 255 هـ، 2: 67، 68، 237.
السّنن الكبرى: أحمد بن الحسين البيهقيّ، المتوفّى سنة 458 هـ، 9: 224.
سنن ابن ماجة: محمّد بن يزيد القزوينيّ، المتوفّى سنة 273، 1: 44.
السّنن: أحمد بن عليّ النّسائيّ، المتوفّى سنة 303 هـ، 5: 234. وكتاب الخصائص له، 28، 29.
المستدرك على الصّحيحين: الحاكم النّيسابوريّ، 2: 331؛ 3: 51، 52.
التلخيص، بذيل مستدرك الصّحيحين: محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبيّ، المتوفّى سنة 848 هـ، 2: 331.
فتح الباري شرح صحيح البخاري: أحمد بن عليّ بن حجر العسقلانيّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 852 هـ، 8: 104، 404 - 409.
الصواعق المحرقة: ابن حجر العسقلانيّ، 19، 73.
ينابيع المودّة: سليمان بن إبراهيم القندوزيّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 1294 هـ، 88، 89.
مصابيح السّنّة النّبويّة: الحسين بن مسعود البغوي الشّافعيّ، 2: 275.
مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب: الفقيه ابن المغازليّ عليّ بن محمّد الشّافعيّ، المتوفّى سنة 483 هـ: 116.
المناقب: الموفّق بن أحمد المكّيّ الخوارزميّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 568 هـ، 126، 164، 165.
تذكرة الخواصّ: سبط ابن الجوزيّ يوسف بن فرغليّ الحنبليّ ثمّ الحنفيّ، المتوفّى سنة 654 هـ، 42، 43.
كفاية الطّالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: محمّد بن يوسف الگنجيّ الشّافعيّ، المقتول سنة 658 هـ، 254، 255.
الرّياض النضرة: أحمد بن عبد الله الطّبريّ الشّافعيّ، المتوفّى سنة 694 هـ، 2: 74، 173، 174.
ذخائر العقبى - له، 69، 87.
فرائد السّمطين: عبد الله بن عليّ الجوينيّ، المتوفّى سنة 730 هـ، 1: 58، 59، 61.
الرّوض الأنف في تفسير السّيرة النّبوية لابن هشام: عبد الرّحمن بن عبد الله السهيليّ، المتوفّى سنة 581 هـ، 2: 328.
تهذيب الكمال في أسماء الرّجال: يوسف المزّيّ، المتوفّى سنة 742 هـ، 5: 349.
كنز العمّال: عليّ المتّقيّ بن حسام الدّين الهنديّ، المتوفّى سنة 975 هـ، في مواضع كثيرة، منها: 2: 379، 417، 420، 422 - 424، 431.
تفسير القرآن العزيز: عبد الرزّاق بن همام الصنعانيّ، المتوفّى 211 هـ 1: 240 / 1038 و 1039 و 1040.
المغازي: الواقديّ، المتوفّى 207 هـ 3: 1077.
المصنّف: ابن أبي شيبة، المتوفّى 235 هـ 7: 506 / 72.
الاستدلال بآية التّطهير
ليس أصدق دليل على استقامة صراط عليّ عليهالسلام الّذي يجب مشايعته - من طهارته. ليس من المهد إلى اللّحد؛ بل من عالم الذّرّ (1) ، فعالم التكوين (2) والصّيرورة، ومن المهد (3) الّذي لم يشركه به أحد إلى خضاب الشّهادة الّتي طال أمدها فاستبطأها ليث وغاها، فكان يرفع صوته بها: ما يحبس أشقاها؟! فإذا وقع الموعود هتف طود التّقى في محرابه: فزت وربّ الكعبة! وعليّ عليهالسلام لم يخالط جسده ولا سرى في شيء من دمه ما وقع لغيره من الخبائث والحرام. وكان ممّا أنعم الله تعالى به عليه أن جعله في حجر رسول الله صلىاللهعليهوآله ، يغذّيه مكارم الأخلاق.
نزول آية التّطهير: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (4) .
قال جميع بن عمير: دخلت مع أمّي على عائشة، فقالت: أخبريني كيف كان حبّ رسول الله صلىاللهعليهوآله لعليّ؟ فقالت عائشة: كان أحبّ النّاس إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، لقد رأيته يوماً أدخله تحت ثوبه وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، اللّهمّ أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». قالت: فذهبت لأدخل رأسي فمنعني، فقلت: يا رسول
____________________
(1) قال سلمان: سمعت حبيبي رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: «كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله مطيعاً، يسبّح الله ذلك النّور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام. فلمّا خلق الله آدم ركز ذلك النّور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتّى افترقنا في صلب عبد المطّلب، فجزء أنا وجزء عليّ». مختصر تاريخ دمشق 17: 318.
(2) كانت أمّه إذا أرادت أن تسجد لصنم وهو في بطنها منعها من ذلك. (ذكرناه في ص 27).
(3) ولد عليهالسلام في الكعبة، وما ولد قبله أحد فيها. المجدي للعمريّ 11؛ تذكرة الخواصّ 20؛ العمدة لابن البطريق 12؛ تاريخ بغداد 3: 106؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 6 - 7.
(4) الأحزاب / 33.
الله، أو لست من أهلك؟ قال: «إنّكِ على خير، إنّك على خير» (1) .
ومن طرق عدّة، عن محمّد بن بشر، عن زكريّا، عن مصعب بن شيبة، عن صفيّة بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: خرج رسول الله صلىاللهعليهوآله ذات غداة وعليه مرط (2) مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثمّ قال: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (3) .
حديث أمّ سلمة:
الحبريّ (4) ، قال: حدّثنا مالك بن إسماعيل، عن أبي شهاب الخيّاط، قال: أخبرني عوف
____________________
(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 365. وسئلت عائشة عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، فقالت: وما عسيت أن أقول فيه، وهو أحبّ النّاس إلى رسول الله، لقد رأيت رسول الله جمع شملته على عليّ وفاطمة والحسن والحسين وقال: «هؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً» قيل لها: فكيف سرت إليه؟ قالت: أنا نادمة، وكان ذلك قدراً مقدوراً. (المحاسن والمساوئ للبيهقيّ 298). ويبدو أنّ أمّ المؤمنين قدريّة! فهي تظهر النّدم على ما صنعته يوم الجمل ثمّ تردّ الفعل إلى الله! تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، فكيف يقدّر سبحانه على عبدٍ فعلاً يندم العبد من فعله؟!
(2) مرط: كساء يؤتزر به. ومرحّل:موشّى منقوش عليه صور رحال الإبل.
(3) صحيح مسلم 7: 130؛ المستدرك على الصحيحين 3: 147؛ التلخيص للذهبيّ - بذيل مستدرك الصحيحين -، ينابيع المودّة: 107؛ كفاية الطالب: 373 - 375، وفي صفحة 54 قال: «الصحيح أنّ أهل البيت عليّ وفاطمة والحسنان عليهمالسلام ، كما رواه مسلم بإسناده عن عائشة أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله خرج ذات غداة وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله معه...» وذكر بقيّة الحديث عن صفيّة، عن عائشة. ثمّ عقّب قائلاً: وهذا دليل على أنّ أهل البيت هم الّذين ناداهم الله بقوله: أهل البيت، وأدخلهم رسول الله صلىاللهعليهوآله في المرط. قال: وأيضاً روى مسلم بإسناده أنّه لما نزلت آية المباهلة دعا رسول الله صلىاللهعليهوآله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي». وأخرجه إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل في مسنده عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله والتّابعين. ذكره أحمد بن حنبل في المسند 1: 185، من طرق كثيرة. وفي تفسير الخازن 3: 467 مثله، وقال: أخرجه مسلم.
(4) أبو عبد الله الحسين بن الحكم بن مسلم الحبريّ المتوفّى سنه 286 هـ. محدّث مفسّر، له: تفسير الحبريّ.
الأعرابيّ، عن أبي المعدّل عطيّة الطّفاويّ، عن أبيه، عن أمّ سلمة، قالت: كنت مع رسول الله صلىاللهعليهوآله في البيت، فقالت الخادم: هذا عليّ وفاطمة معهما الحسن والحسين قائمين بالسّدّة (1) . فقال: قومي تنحّي عن أهل بيتي. فقمت، فجلست في ناحية، فأذن لهم فدخلوا، فقبّل فاطمة واعتنقها، وقبّل عليّاً واعتنقه، وضمّ إليه الحسن والحسين صبيّين صغيرين، ثمّ أغدف عليهم خميصةً (2) له سوداء، وقال: اللّهمّ إليك لا إلى النّار. فقلت: وأنا يا رسول الله؟! قال: وأنت على خير (3) .
إن قول رسول الله صلىاللهعليهوآله لأمّ المؤمنين: «قومي تنحّي عن أهل بيتي» له من الدلالة ما لا يمكن إنكارها؛ فأهل بيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله هم أصحاب الكساء: عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ، لا يشركهم أحد من أزواجه ولا من غير أزواجه. وهذا وحده عال في شأنهم وصدق صراطهم؛ فكيف إذا أنضاف اليه تطهيرهم من لدن العليّ المتعال؟! فهل لحاطب ليل بعدئذ أن لا يقول: الصّراط المستقيم هو صراط آل محمّد عليهمالسلام ؟!
وأخرج أحمد بن حنبل، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدّثني من سمع أمّ سلمة، أمّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة (4) فيها حريرة (5) فدخلت بها عليه، فقال لها: «ادعي زوجك وابنيك». قالت: فجاء عليّ والحسن والحسين فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة، وهو على منامة له على دكّان تحته كساء خيبريّ. قالت: وأنا أصلّي في الحجرة، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . قالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به، ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السّماء، ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، وخاصّتي، فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا». قالت:
____________________
(1) السّدّة: باب الدّار.
(2) أغدف: أرسل عليهم. والخميصة: كساء مربّع.
(3) تفسير الحبريّ: 304 - 305؛ تفسير فرات الكوفيّ: 121؛ والكنى والأسماء للدولابيّ 2: 254/2619 و 255/2623.
(4) إناء من فخار.
(5) الحريرة: حساء من دقيق يطبخ باللّبن.
فأدخلت راسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: «إنّك إلى خبر، إنّك إلى خير» (1) .
وقال: قال عبد الملك: وحدّثني أبو ليلى عن أمّ سلمة مثل حديث عطاء سواء. قال عبد الملك: وحدّثني داود بن أبي عوف الجحّاف، عن حوشب (2) ، عن أمّ سلمة بمثله سواء (3) .
مالك بن إسماعيل، عن أبي إسرائيل الملاّئيّ، عن زبيد عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلمة أنّ الآية. [آية التّطهير (3) من سورة الأحزاب] نزلت في بيتها، والنّبيّ صلىاللهعليهوآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين في البيت، فأخذ عباء فجلّلهم بها، ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». فقلت: وأنا عند عتبة الباب -: يا رسول الله! وأنا منهم - أو معهم -؟ قال: إنّك لعلى خير» (4) .
ومالك بن إسماعيل، عن جعفر الأحمر، عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلمة.
____________________
(1) مسند أحمد بن حنبل 6: 292؛ أسباب النزول للواحديّ 239.
(2) لعلّه شهر بن حوشب الأشعريّ، المتوفّى سنة ثمان وتسعين، وقيل غير ذلك. مختصر تاريخ دمشق 11:6؛ تهذيب الكمال 12: 588؛ المعارف لابن قتيبة 448. وسنذكر له حديثاً آخر عن أمّ سلمة.
(3) مسند أحمد 6: 292.
(4) تفسير الحبريّ 300 ح شواهد التنزيل - بطريق المرزبانيّ، رقم 731. وفي سنن الترمذيّ 5: 361: سفيان عن زبيد، عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلمه أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله جلّل الحسن والحسين وعليّاً وفاطمة كساء، ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي، أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». فقالت أمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «إنّك على خير». وفي الباب عن أنس، وعن أبي سلمة، وأبي الحمراء.
وعن داود بن أبي عوف، قال: حدّثني شهر بن حوشب، قال: أتيت امّ سلمة زوج النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، لأسلّم عليها، فقلت لها: رأيت هذه الآية، يا أمّ المؤمنين: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ؟ قالت: نزلت وأنا ورسول الله صلىاللهعليهوآله على منامة لنا، تحتنا كساء خيبريّ، فجاءت فاطمة ومعها حسن وحسين، وفخار فيه حريرة، فقال: «وأين ابن عمّك؟». قالت: في البيت. قال: فاذهبي فادعيه». قالت: فدعوته، فأخذ الكساء من تحتنا، فعطفه، فأخذ جميعه بيده. فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً» وأنا جالسة خلف رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي، فأنا؟ قال: «إنّك على خير». ونزلت هذه الآية: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) في النّبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام . تفسير فرات الكوفيّ: 121؛ تفسير الحبريّ: 299.
وعبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن أمّ سلمة، قالت: جاءت فاطمة بطعيّم لها إلى أبيها وهو على منام له، فقال: آتيني ابنيّ، وابن عمّك. فقالت: جلّلهم، أو قالت: حوّل عليهم الكساء وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». فقالت أمّ سلمة: يا رسول الله! وأنا معهم؟ فقال: «أنت زوج النّبيّ، وأنت على - أو إلى خير» (1) .
وعبد الرّحمن بن عبد الله بن دينار، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن أبي يسار، عن أمّ سلمة رضي الله عنها، أنّها قالت: في بيتي نزلت هذه الآية: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . قالت: فأرسل رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي». قالت أمّ سلمة: يا رسول الله، ما أنا من أهل البيت؟ قال: «إنّك أهلي، وهؤلاء أهل بيتي» (2) .
وعن فضيل بن مرزوق، عن عطيّة الوفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ عن أمّ سلمة، قالت: نزلت هذه الآية في عليّ: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . قالت: قلت يا رسول الله! ألست من أهل البيت؟ قال: «إنّك على خير، إنّك من أزواج النّبيّ». وكان في البيت رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام (3) .
ويروى الحديث عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه مستقيماً
عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي هارون، عن أبي سعيد - أي الخدريّ - قال: نزلت هذه الآية: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) في رسول الله صلىاللهعليهوآله ،
____________________
(1) مسند أحمد 6: 292؛ تفسير الحبريّ: 302 - 303؛ أسباب النزول للواحديّ 239؛ شواهد التنزيل للحسكانيّ رقم 737؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 1: 128؛ مشكل الآثار 1: 333.
(2) المستدرك على الصحيحين 2: 416، 3: 146، وبذيله التلخيص للذهبيّ. وفي سنن الترمذيّ 5: 328، عن عمر بن أبي سلمة، ربيب النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، أنّ النّبيّ قال: «أنتِ على مكانكِ وأنتِ إلى خَيْرٌ». وفي الباب عن أمّ سلمة، ومعقل بن يسار، وأبي الحمراء، وأنس بن مالك.
(3) مشكل الآثار 1: 334؛ تفسير الحبريّ 298؛ شواهد التنزيل برقم 712 - 713؛ تفسير ابن كثير 3: 485؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 1: 127.
وعليٍّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، في بيت أمّ سلمة. (1)
وعمران بن مسلم عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، في قوله تعالى: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، قال: جمع رسول الله صلىاللهعليهوآله عليّاً، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثمّ أدار عليهم الكساء، فقال: «هؤلاء أهل بيتي، اللّهمّ أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». وأمّ سلمة على الباب، فقالت: يا رسول الله، ألست منهم؟ فقال: «إنّك لعلى خير، أو إلى خير» (2) .
وسفيان الثوريّ، عن أبي الجحّاف، عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدريّ: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . قال: نزلت في خمسة، في النّبيّ صلىاللهعليهوآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام (3) .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال: حين نزلت: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) (4) .
كان يجيء نبيّ الله صلىاللهعليهوآله إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر، يقول: الصلاة، رحمكم الله، ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (5) .
رواية ابن عبّاس
وممّن روى الحديث، الصّحابيّ الجليل ابن عبّاس:
حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، قال: نزلت في رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وعليٍّ، وفاطمة والحسن،
____________________
(1) تفسير الحبريّ: 306.
(2) تاريخ بغداد 10: 278.
(3) المعجم الكبير 1: 128؛ المعجم الصغير 1: 135؛ أسباب النزول للواحديّ: 239؛ كفاية الطّالب: 276؛ ينابيع المودّة: 108؛ ذخائر العقبى: 25.
(4) طه: 132.
(5) مختصر تاريخ دمشق 17: 342.
والحسين. قال: والرّجس الشّكّ (1) .
وعن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس، في حديثه مع الرّهط التسعة الذين وقعوا في عليٍّ عليهالسلام ، فانبرى ابن عبّاس يبكّتهم ويعدّد فضائل عليٍّ عليهالسلام . قال: ودعا رسول الله صلىاللهعليهوآله الحسن والحسين وعليّاً وفاطمة عليهمالسلام ، ومدّ عليهم ثوباً، ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي، فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً» (2) .
في رواية ابن مردوية، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله ، بعد نزول هذه الآية، كان يمرّ ببيت فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: «السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصّلاة رحمكم الله ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وذلك طيلة سبة أشهر. (3)
ومن جواب ابن عبّاس ليزيد بن معاوية، وقد كتب إليه يطلب منه أن يدخل في طاعته،! وأن يحثّ النّاس على ذلك: «ثمّ إنّك سألتني أن أحثّ النّاس على طاعتك، وأن أخذّلهم عن ابن الزّبير، فلا مرحبا ولا كرامة! تسألني نصرتك ومودّتك، وقد قتلت ابن عمّي وأهل رسول الله، مصابيح الهدى، ونجوم الدّجى؟! غادر تهم جنودك بأمرك صرعى في صعيد واحد قتلى. أنسيت إنفاذ أعوانك إلى حرم الله لقتل الحسين؟! فما زلت وراءه تخيفه حتّى أشخصته إلى العراق؛ عداوةً منك لله ورسوله ولأهل بيته الّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً (4) .
وكتاب ابن عبّاس إلى يزيد طويل، كشف فيه عن سوءات بني أميّة، وأنّ يزيد كان يتحرّك في نفس الدائرة الّتي كان يتحرّك فيها أبوه: الطّلب بثار أهلهم يوم بدر! واتخاذهما دم عثمان وسيلةً لذلك، ويتهدّده ابن عبّاس بعذاب الله الأليم. وقد ثارت ثائرة الرِّعْدِيد
____________________
(1) تفسير الحبريّ: 307؛ شواهد التنزيل 2: 30 رقم 671.
(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 329؛ مسند أحمد بن حنبل 1: 331؛ مجمع الزوائد 9: 119؛ شواهد التنزيل 2: 31 رقم 670؛ المستدرك على الصحيحين 2: 132؛ كفاية الطّالب: 244؛ الرياض النضرة 2: 269؛ تفسير فرات: 125.
(3) ما نزل من القرآن في عليّ: ابن مردويه 301/4754؛ نور الأبصار للشبلنجيّ: 226.
(4) تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ: 248.
يزيد، فأراد البطش بابن عبّاس، ولكن شغله أمر ابن الزّبير، ثمّ أخذه الله تعالى بعد ذلك بيسير، أخذ عزيز مقتدر.
عن سعد بن أبي وقّاص قال: قال: نزل على رسول الله صلىاللهعليهوآله الوحي، فأدخل عليّاً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه ثمّ قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي». ما نزل من القرآن في عليّ: ابن مردويه 301/476، والدرّ المنثور 5: 199. وفي الشّفا للقاضي عياض: 31، لفظه: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».
وفي المعاني الجليلة لآية التطهير، وفيمن هم الّذين شملهم الخطاب الإلهيّ... ذكر في ذلك يوسف النبهانيّ كلاماً طريفاً نذكر هنا بعضه، قال:
قال الإمام أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ في تفسيره: يقول الله تعالى: إنّما يريد الله ليذهب عنكم السّوء والفحشاء يا أهل محمّد، ويطهّركم من الدّنس الّذي يكون في معاصي الله تطهيراً. وروي عن أبي زيد: أنّ الرّجس هاهنا الشّيطان. وذكر أي الطبريّ، بسنده إلى سعيد بن قتادة أنّه قال: قوله: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، فهم أهل بيتٍ طهّرهم الله من السّوء وخصّهم برحمة منه.
وقال ابن عطيّة: والرّجس اسم يقع على الإثم والعذاب وعلى النجاسات والنقائص ن فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت.
وقال الإمام النّوويّ: قيل هو الشّكّ، وقيل العذاب، وقيل الإثم. قال الأزهريّ: الرّجس اسم لكل مستقذر، من عمل وغيره (1) .
المحصّلة
من مجموع الأقوال الّتي ذكرها النبهانيّ، فإنّ الآية المباركة قد نصّت على عصمة أهل البيت عليهمالسلام ، عصمةً مطلقة؛ فليس في صراطهم وسوسة شيطان، ولم يدنّسهم إثم ولم يقترفوا معصية، وقد رحمهم الله رحمة خاصّة. فليس فيهم عيب كما في غيرهم، ولم يتنجّسوا بما قارفه الآخرون... فماذا غير كلّ ذلك وسواه من معاني الكمال ليكون
____________________
(1) الشّرف المؤبّد لآل محمّد: يوسف بن إسماعيل النبهانيّ: 6.
صراطهم الصّراط المستقيم؟!
أمّا من هم أهل البيت المخاطبون بالآية؟
إنّهم الخمسة أهل العباء. قال النبهانيّ: «واختلف المفسّرون في أهل البيت في هذه الآية، فذهبت طائفة - منهم أبو سعيد الخدريّ وجماعة من التّابعين منهم مجاهد، وقتادة، وغيرهم، كما نقله الإمام البغويّ، وابن الخازن، وكثير من المفسّرين - إلى أنّهم هنا أهل العباء. وهم رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين رضي الله عنهم. وذهب جماعة - منهم ابن عبّاس، وعكرمة - إلى أنّهم أزواجه الطّاهرات، قال هؤلاء: الآيات كلّها من قوله: ( يَا أَيّهَا النّبِيّ قُل لِأَزْوَاجِكَ ) (1) إلى قوله: ( إِنّ اللّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) (2) منسوق بعضها على بعض، فكيف صار في الوسط كلام لغيرهنّ؟!
وأجاب عن هذا القائلون بأنّ المراد أهل العباء بأنّ الكلام العربيّ يدخله الاستطراد والاعتراض، وهو تخلّلُ الجملة الأجنبيّة بين الكلام المتناسق، كقوله تعالى: ( إِنّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزّةَ أَهْلِهَا أَذِلّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) (3) ؛ ( وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيّةٍ ) (4) . فقوله: وكذلك يفعلون، جملة معترضة من جهة الله تعالى بين كلام بلقيس. وقوله تعالى: ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النّجُومِ * وَإِنّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) (5) ، أي: فلا أقسم بمواقع النّجوم إنّه لقرآن، وما بينهما اعتراض على اعتراض. وهو كثير في القرآن وغيره من كلام العرب.
وقد ثبت من طرق عديدة صحيحة أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله جاء ومعه عليّ وفاطمة وحسن وحسين، قد أخذ كلّ واحد منهما بيد حتّى دخل، فأدنى عليّاً وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم كساءً، ثمّ تلا هذه الآية: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . وفي رواية: «اللّهمّ
____________________
(1) الأحزاب / 28.
(2) نفس المصدر 34.
(3) النّمل / 34.
(4) نفس المصدر 35.
(5) الواقعة / 77 - 77.
هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس وطهرهم تطهيراً». قالت أمّ سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: «إنّك من أزواج النّبيّ صلىاللهعليهوآله على خير».
وروى أحمد والطّبرانيّ عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «أنزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة» وروي من طرق عديدة حسنة وصحيحة عن أنس رضى الله عنه أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله كان يمرّ ببيت فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «الصّلاة أهل البيت، ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) » . وعن أبي سعيد الخدريّ أنّه صلىاللهعليهوآله جاء أربعين صباحاً - يعني بعد نزول هذه الآية - إلى باب فاطمة، يقول: «السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمكم الله، ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) » . وعن ابن عبّاس: سبعة أشهر، وفي رواية: ثمانية أشهر. وهذا نصّ منه صلىاللهعليهوآله على أنّ المراد من أهل البيت في هذه الآية هم الخمسة (1) .
قال: وقال شيخ الصوفيّة محيي الدّين بن عربيّ رضى الله عنه، في الباب التاسع والعشرين من الفتوحات المكّيّة: ولما كان رسول الله صلىاللهعليهوآله عبداً محضاً قد طهّره الله وأهل بيته تطهيراً، وأذهب عنهم الرّجس وهو كلّ ما يشينهم، فإنّ الرّجس هو القّذر عند العرب؛ هكذا حكى الفرّاء، قال الله تعالى: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، فلا يضاف إليهم إلاّ مطهّر ولا بدّ؛ فإنّ المضاف إليهم هو الذي يشبههم، فما يضيفون لأنفسهم إلاّ من له حكم الطّهارة والتقديس؛ فهذه شهادة من النّبيّ صلىاللهعليهوآله لسلمان الفارسيّ بالطّهارة والحفظ الإلهيّ والعصمة، حيث قال فيه رسول الله صلىاللهعليهوآله : «سلمان منّا أهل البيت». وشهد الله لهم بالتّطهير وذهاب الرّجس عنهم. وإذا كان لا يضاف إليهم إلاّ مطهّر مقدّس، وحصلت له العناية الربّانيّة الإلهيّة بمجرّد الإضافة، فما ظنّك بأهل البيت في نفوسهم؟! فهم المطهّرون، بل هم عين الطّهارة. فهذه الآية تدلّ على أنّ الله تعالى قد شرك أهل البيت مع
____________________
(1) الشّرف المؤبّد لآل محمّد: يوسف بن إسماعيل النبهانيّ 6 - 8.
رسول الله صلىاللهعليهوآله ، في قوله تعالى: ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخّرَ ) (1) ، وأيّ وسخ وقذر أقذر من الذنوب وأوسخ؟! فطهّر الله سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بالمغفرة ممّا هو ذنب بالنسبة إلينا، ولو وقع منه صلىاللهعليهوآله ، لكان ذنباً في الصورة لا في المعنى؛ لأنّ الذمّ لا يلحق به على ذلك من الله، ولامنّا شرعاً. فلو كان حكمه حكم الذّنب لصحبه ما يصحب الذّنب من المذمّة، ولم يكن يصدق قوله: ( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . فدخل الشّرفاء أولاد فاطمة كلّهم رضي الله عنهم - ومن هو من أهل البيت، مثل سلمان الفارسيّ رضى الله عنه - إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران ن فهم المطهّرون اختصاصاً من الله وعنايةً بهم، لشرف محمّد صلىاللهعليهوآله ، وعناية الله بهم...» (2) .
وتوسّع الشبلنجيّ في الحديث عن مفهوم أهل البيت، وقال: إنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ، وإنّهم معجزة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ودليل نبوّته يوم المباهلة. قال: اختلف في أهل البيت... ويشهد للقول بأنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين ما وقع منه صلىاللهعليهوآله حين أراد المباهلة هو ووفد نجران، كما ذكره المفسّرون في تفسير آية المباهلة، وهي قوله تعالى: ( فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) (3) . قيل: أراد بالأبناء الحسن والحسين، وبالنّساء فاطمة، وبالنّفس نفسه صلىاللهعليهوآله وعليّاً رضى الله عنه، كذا في تفسير الخازن. ( ثُمّ نَبْتَهِل ) قال ابن عبّاس: قال ابن عبّاس: نتضرّع في الدّعاء، وقيل معناه: نجتهد ونبالغ في الدّعاء، وقيل معناه: نلتعن.
قال المفسّرون لما قرأ رسول الله صلىاللهعليهوآله هذه الآية على وفد نجران، ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتّى نرجع وننظر في أمرنا، ثمّ نأتيك غداً. فلمّا خلا بعضهم ببعض قالوا للعاقب - وكان كبيرهم وصاحب رأيهم - ما ترى يا عبد المسيح؟ قال: لقد علمتم يا معشر النّصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسل، ولئن فعلتم ذلك لنهلكنّ. وفي روايةٍ قال لهم: ما لا عن قوم قطّ نبيّاً إلاّ هلكوا عن آخرهم، فإن أبيتم إلاّ الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم
____________________
(1) الفتح / 2.
(2) الشّرف المؤبّد لآل محمّد: 12 - 13.
(3) آل عمران / 61.
فوادعوا الرّجل، وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وقد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ يمشي خلفها، والنّبيّ يقول لهم: إذا دعوت فأمّنوا. فلمّا رآهم أسقف نجران قال: يا معشر النّصارى، إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نباهلك وأن نتركك على دينك وتتركنا على ديننا. فقال لهم رسول الله صلىاللهعليهوآله : «فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم». فأبوا ذلك، فقال: «فإنّي أنابذكم (1) » . فقالوا ما لنا في حرب العرب طاقة، ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا، وأن نؤدّي إليك في كلّ سنة ألفي حلّة: ألف في صفر وألف في رجب. زاد في رواية: وثلاثاً وثلاثين درعاً، وثلاثاً وثلاثين بعيراً، وأربعاً وثلاثين فرساً غازية. فصالحهم رسول الله صلىاللهعليهوآله على ذلك، وقال: «والّذي نفسي بيده، إنّ العذاب تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله الطّير على الشّجر، ولما حال الحول على النّصارى كلّهم حتّى هلكوا»؛ انتهى عن الخازن وغيره. وفي «الخطيب» عن عائشة: إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله خرج وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ، ثمّ قال: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
قال الشبلنجيّ: وفي ذلك دليل على نبوّته صلىاللهعليهوآله ، وعلى فضل أهل الكساء (2) .
قال: ما قدّمناه من أنّ أهل البيت هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين، هو ما جنح إليه - أي مال - الفخر الرّازيّ في تفسيره (3) ، والزمخشريّ في كشّافه، وعبارته عند تفسير قوله
____________________
(1) أي أناجزكم الحرب.
(2) نور الأبصار لمؤمن بن حسن الشبلنجيّ: 223 - 224. (تكلّمنا عن ذلك في حديث ردّ الشّمس).
(3) التفسير الكبير للفخر الرّازيّ 27: 166، وعبارته: «آل محمّد صلىاللهعليهوآله هم الّذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل. ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله صلىاللهعليهوآله أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم بالنّقل المتواتر، وجب أن يكونوا هم الآل».
تعالى: ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) : روي أنّها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك الّذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناهما» (2)
____________________
(1) الشورى / 23.
(2) الكشّاف للزمخشريّ 2: 339. وأيضاً مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 311؛ كفاية الطّالب 91؛ والصواعق المحرقة 101؛ الفضائل لأحمد بن حنبل: 108؛ تفسير ابن كثير 4: 112؛ فرائد السّمطين 2: 13؛ شواهد التنزيل 2: 130؛ تفسير فرات: 145؛ سعد السّعود: 140؛ مجمع الزّوائد 7: 103؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 1: 126، 3: 155 و 7: 103؛ ذخائر العقبى: 25؛ نور الأبصار: 224 و 227؛ مطالب السؤول لابن طلحة الشّافعيّ: 8؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 12؛ شرح المواهب اللّدنيّة للزرقانيّ: 7 و 21؛ تذكرة الحفّاظ للذهبيّ 4: 1433؛ بغيةالوعاة للسيوطيّ ك 419؛ المستدرك على الصحيحين 3: 172؛ العمدة في عيون صحاح الأخبار لابن البطريق: 24 وفي ص 26: قال الثعلبيّ: قيل هم الّذين تحرم عليهم الصّدقة، ويقسّم فيهم الخمس؛ وهم بنو هاشم وبنو المطّلب الذين لم يفترقوا في الجاهليّة والإسلام. يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّهُ ) ، قال يحيى بن الحسن: هذا الوجه لا يتعدّى عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، فلا يشرك بهم سواهم، إلاّ من كان من نسلهم. يدلّ على ذلك قوله: لم يفترقوا في الجاهليّة والإسلام، وليس يوجد من هو كذلك إلاّ من قال الله تعالى في حقّه: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، فمن أذهب الله عنهم الرّجس وطهّره بذلك فهو الّذي لم يفترق في جاهليّة ولا إسلام».
ونفس المصدر: إبراهيم الجرجانيّ، قال: أنشدني الفقيه منصور لنفسه:
إن كان حبّي خمسة |
زكيت بهم فرائصي |
|
وبغض من عاداهم |
رفضاً، فإنّي رافضي! |
وفي ينابيع المودّة للقندوزيّ الحنفيّ 106، قال: أخرج أحمد في مسنده، بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الّذين وجبت لنا مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة والحسن والحسين». والسيوطيّ في كتابه إحياء الميت 13؛ تفسير النّسفي - بهامش تفسير الخازن 4: 990؛ المعرفة والتاريخ للفسويّ 1: 296؛ تفسير الثعلبيّ 8: 310.
وذكر الثعلبيّ في تفسيره (8: 312): عن إسحاق بن أبي عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «نحن ولد عبد المطّلب سادة أهل الجنّة، أنا وحمزة وجعفر وعليّ والحسن والحسين والمهديّ». وفي تفسيره لآية المودّة، قال: قال بعضهم: معناه أن تودّوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير، وعمرو بن شعيب. (المصدر نفسه 310).
قال: ثمّ اختلفوا في قرابة رسول الله صلىاللهعليهوآله الذين أمر الله تعالى بمودّتهم. عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: لما نزلت: ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) الآية، قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا =
____________________
= مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناءهما» (المصدر نفسه 310؛ مجمع الزوائد 7: 103). قال: ودليل هذا التأويل: إسماعيل بن عمرو عن عمر بن موسى عن زيد بن عليّ بن حسين، عن أبيه، عن جدّه عن عليّ بن أبي طالب قال: «شكوت إلى رسول الله حسد النّاس لي!». فقال: «أما ترضى أن تكون أربعة، أوّل من يدخل الجنّة: أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمالنا، وذرّيّتنا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا». (تفسير الثعلبيّ 8: 311؛ شواهد التنزيل 1: 185).
«والمصدر نفسه: 312» قال: قيل هم الذين تحرم عليهم الصدقة، ويقسّم...، إلى قوله: بهامش تفسير الخازن: 990.
وللإمام السبط الشهيد الحسن بن عليّ عليهماالسلام خطبة خطبها بعد شهادة امير المؤمنين عليهالسلام ، فعن أبي الطّفيل، قال: خطبنا الحسن بن عليّ عليهماالسلام بعد وفاة أبيه، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أمير المؤمنين عليهالسلام ، فقال: خاتم الوصيّين، ووصيّ خاتم الأنبياء، وأمير الصّدّيقين والشّهداء والصّالحين.
ثمّ قال: أيّها النّاس! لقد فارقكم رجل ما سبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون؛ لقد كان رسول الله يعطيه الرّاية، فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتّى يفتح الله عليه. ولقد قبضه الله في الليلة الّتي قبض فيها وصيّ موسى، وعرج بروحه في الليلة الّتي عرج فيها بروح عيسى بن مريم، وفي الليلة التي أنزل الله عزّ وجلّ فيها الفرقان. والله ما ترك ذهبا ولا فضّة، وما في بيت ماله إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادماً لأمّ كلثوم. ثمّ قال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد النّبيّ صلىاللهعليهوآله . ثمّ تلا هذه الآية: ( وَاتّبَعْتُ مِلّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) [ يوسف / 38 ] أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن النّبيّ الدّاعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السرّاج المنير، وأنا ابن الّذي أرسل رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الّذي كان جبريل ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الّذي أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً. وأنا من أهل البيت الّذين افترض الله تعالى مودّتهم وولايتهم على كلّ مسلم، فقال تبارك وتعالى لنبيّه صلىاللهعليهوآله : ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) [الشورى 23]، واقتراف الحسنة: «مودّتنا أهل البيت». مقاتل الطّالبيين لأبي الفرج الأصبهانيّ 43-44؛ المستدرك على الصحيحين 3: 172؛ سنن النّسائي 61؛ خصائص امير المؤمنين للنّسائي أيضاً 172؛ الصواعق المحرقة 101 و 136؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ 166؛ مجمع الزوائد 9: 146؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 4: 11؛ مسند أحمد بن حنبل 1: 199؛ حلية الأولياء 1: 65؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 26؛ أسد الغابة 2: 14 - 15؛ كفاية الطّالب 92 - 93؛ ينابيع المودّة 8 - 9 وفيه زيادة بعد قوله: «واقتراف الحسنة: مودّتنا»، قال: ولما نزلت ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً ) [ الأحزاب / 56 ] فقالوا: يا رسول الله، كيف =
قال الشبلنجيّ: وروي من طرق عديدة صحيحة أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله جاء ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين، ثمّ أخذ كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم كساءً، ثمّ تلا هذه الآية ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وقال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً». وفي رواية: «اللّهمّ هؤلاء آل محمّد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد، كما جعلتها على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد». وفي رواية أمّ سلمة، قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي! فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟فقال: «إنّك من أزواج النّبيّ، على خير».
وفي رواية أنّه صلىاللهعليهوآله أدرج معهم جبريل وميكائيل، وفي رواية أن ذلك الفعل كان في بيت فاطمة، وقد أشار المحبّ الطّبرانيّ إلى أن هذا الفعل تكرّر منه صلىاللهعليهوآله .
ومن الآيات، زيادة على ما سبق، ما أخرجه الثعلبيّ في تفسير قوله تعالى ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً ) (1) . عن جعفر الصادق، أنّه قال: «نحن حبل الله». وأخرج بعضهم عن محمّد الباقر في قوله تعالى: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) (2) أنّه قال: «أهل البيت هم النّاس».
وأخرج بعضهم عن محمّد بن الحنفيّة، في قوله تعالى ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ
____________________
= الصّلاة عليك؟ فقال: «قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد»، فحقّ على كلّ مسلم أن يصلّي علينا فريضة واجبة. وأحلّ الله خمس الغنيمة لنا كما أحلّ له، وحرّم الصدقة علينا كما حرّم عليه صلىاللهعليهوآله . فأخرج جدّي صلىاللهعليهوآله يوم المباهلة من الأنفس أبي، ومن البنين أنا وأخي الحسين، ومن النّساء فاطمة أمّي، فنحن أهله ولحمه ودمه، ونحن منه وهو منّا. وهو يأتينا كلّ يوم عند طلوع الفجر، فيقول: «الصّلاة، يرحمكم الله»، وتلا: ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وقد قال الله تعالى: ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ ) [ هود 17 ] وأبي الّذي يتلوه وهو شاهد منه. وأمر الله رسوله أن يبلّغ أبي سورة البراءة في موسم الحجّ. وقال جدّي صلىاللهعليهوآله حين قضى بينه وبين أخيه جعفر ومولاه زيد في ابنة عمّه حمزة: «أمّا أنت يا عليّ فمنّي وأنا منك وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي»، فكان أبي أوّلهم إيماناً، فهو سابق السّابقين، وفضّل الله السّابقين على المتأخّرين، وفضّل سابق السابقين على السابقين.
(1) آل عمران / 103.
(2) النساء / 54.
سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمنُ وُدّاً ) (1) ، أنّه قال: لا يبقى مؤمن إلاّ وفي قلبه ودّ لعليّ وأهل بيته، وذكر النقّاش أنّها نزلت في عليٍّ رضى الله عنه.
وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما، أنّه قال: لما نزلت هذه الآية: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) (2) ، قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لعليّ: «هو أنت وشيعتك، تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيّين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين».
وعن أنس بن مالك، في قوله تعالى ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) (3) ، قال: عليّ وفاطمة، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، قال: الحسن والحسين.
وعن محمّد بن سيرين، في قوله تعالى: ( وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ) (4) أنّها نزلت في النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وعليّ بن أبي طالب هو ابن عمّ النّبيّ وزوج فاطمة رضي الله عنها، فكان نسباً وصهراً.
قال: ذكر الفخر الرّازيّ أنّ أهل بيته صلىاللهعليهوآله ساووه في خمسة أشياء: في الصّلاة عليه وعليهم في التشهّد، وفي السّلام، والطّهارة، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبّة. (5)
____________________
(1) مريم / 96.
(2) البيّنة / 7.
(3) الرّحمن / 9.
(4) الفرقان / 54.
(5) التفسير الكبير للفخر الرّازيّ 27: 166، قال: إنّ الدّعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدّعاء خاتمة التشهّد في الصّلاة وهو قوله: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وارحم محمّداً وآل محمّد. وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل؛ فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب. وقال: إنّ أهل بيته صلىاللهعليهوآله ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهّد، وفي السّلام...».
لقد أغنانا الفخر الرّازيّ بقوله: «إنّ الدّعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدّعاء خاتمة التشهّد في الصّلاة، وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل» عن التعليق والإطناب في بعض ما لأهل البيت عليهمالسلام من حقّ على أمّة محمّد صلىاللهعليهوآله ؛ بمكانتهم منه صلىاللهعليهوآله ، إذ هم أهله من دون غيرهم من قرابته وصحابته، وبالمنزلة الّتي لم ينزلهم إيّاها أحد من البشر، إنّما اطّلع سبحانه إلى أهل الأرض ن فاختار منهم محمّداً صلىاللهعليهوآله نبيّاً، واطّلع أخرى فاختار عليّاً عليهالسلام وصيّاً لنبيّه وصهراً على ابنته البتول فاطمة الزّهراء عليهاالسلام ، ولم يجد الباري تعالى غير هذا البيت محلاًّ لأعلى مراتب الشّرف، فأكرمهم بالعصمة والطّهارة، وجعلهم أئمّة يهدون بأمره. ومنهم المهديّ المنتظر عليهالسلام =
____________________
= الّذي تتطلّع إليه أفئدة المعذّبين في الأرض، لينقذهم من شرور الغرب والشّرق... فإن حفظت الأمّة لهذا البيت حقّه فحقّ نفسها حفظت، ومن أضاعه فحقّ نفسه أضاع، ولن يضرّ الله شيئاً.
وقوله: «وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل»، يعني: لو دخل فيها ذكر غيرهم - أيّاً كان - بطلت الصّلاة. ولا تستقيم الصّلاة إلاّ بالشهادة لله تعالى بالوحدانيّة، ولمحمّد صلىاللهعليهوآله بالعبوديّة لله سبحانه وأنّه نبيّ الله، ثمّ تعظيمه بالصلاة عليه وعلى آله، فوجب لذلك أن يكون صراطهم هو الصّراط المستقيم.
ولسنا بحاجة، بعد الّذي ذكرناه في بحث الاستدلال بآية الطّهارة، للتدليل على أنّ أهل البيت الّذين أمرنا أن نصلّي عليهم في صلاتنا هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين.
وفي تفسير قوله تعالى: ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال نظام الدّين الحسن بن محمّد النيسابوريّ في تفسيره غرائب القرآن ورغائب الفرقان، بهامش تفسير الطبريّ، في آية المودّة: كفى شرفاً لآل رسول الله صلىاللهعليهوآله وفخراً ختم: التشهّد بذكرهم، والصّلاة عليهم في كلّ صلاة.
وفي ذخائر العقبى 19، عن جابر رضى الله عنه أنّه كان يقول: لو صلّيتُ صلاةً لم أصل فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيت أنّها تقبل».
وأخرج الطبرانيّ في الأوسط، وذكره الهيتميّ في مجمع الزوائد 10: 160 عن امير المؤمنين عليهالسلام : «كلّ دعاء محجوب حتّى يصلّى على محمّد وآل محمّد».
وفي الإصابة 3: 289 أنّ كدير الضّبيّ كان يصلّي ويقول: اللّهمّ صلّ على النّبيّ والوصيّ.
وفي الصواعق المحرقة 87 قال ابن حجر: قوله تعالى: ( إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا صَلّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً ) ، إنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قرن الصّلاة على آله بالصّلاة عليه؛ لما سئل عن كيفيّة الصّلاة والسّلام عليه. وقال: وهذا دليل ظاهر على أنّ الأمر بالصّلاة على أهل بيته وبقيّة آله مراد من هذه الآية، وإلاّ لم يسألوا عن الصّلاة على أهل بيته وآله عقب نزول هذه الآية ولم يجابوا بما ذكر، فلمّا أجيبوا به دلّ على أنّ الصّلاة عليهم من جملة المأمور به، وأنّه صلىاللهعليهوآله أقامهم في ذلك مقام نفسه؛ لأنّ القصد من الصّلاة عليه مزيد تعظيمه ومنه تعظيمهم، ومن ثمّ لما دخل من مرّ في الكساء قال: «اللّهمّ إنّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم». وقضيّة استجابة هذا الدّعاء: إنّ الله صلّى عليهم معه، فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه. ويروى: «لا تصلّوا عليّ الصّلاة البتراء». فقالوا: وما الصّلاة البتراء؟ قال: «تقولون: اللّهمّ صلّ على محمّد، وتمسكون! بل قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد». وقد نقل عن الإمام الشّافعيّ قوله:
يا أهل بيت رسول الله حبّكم |
فرض من الله في القرآن أنزله |
كَلِفَ الحنفيّ والمالكيّ والشّافعيّ بحبّ أهل البيت الطّاهر، مع إحساسهم أنّ هذا الوله والشغف بهم عليهمالسلام يغيض قوماً ويثير حفيظة آخرين، بل إنّ بعضهم دفع في سبيل هذا الولاء ثمناً غالياً، مثلما وقع للنّسائيّ صاحب السّنن الّذي بطشت به عصابة النّصب؛ لأنّه صنّف كتاب «الخصائص» في فضائل امير المؤمنين عليهالسلام ، فاستشاطوا غيظاً لذلك، وأرادوا منه أن يساوي بين عليٍّ ومعاوية - كما هو منهج ابن تيميّة وابن القيّم - فقال أحدهم: ألا تخرّج فضائل معاوية؟! فقال: أيّ شيء أخرّج؟! «اللّهمّ لا تشبع بطنه»؟! ثم قال: ألا يرضى معاوية رأساً برأس حتّى يفضّل؟! فتناولته الأيدي والأرجل وأخرج من جامع دمشق على أسوأ حال، ليموت بعد ذلك بقليل. (1)
وامتدّت يد النّصب البغيضة إلى الحافظ الگنجيّ الشّافعيّ لتقتله بتهمة الرّفض! فمضى
____________________
كفا كم من عظيم القدر أنّكم |
من لم يصل عليكم لا صلاة له |
قال: فيحتمل لا صلاة له صحيحة، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصّلاة على الآل، ويحتمل لا صلاة كاملةً، فيوافق أظهر قوليه.
وفي صفحة 139 قال: أخرج الدار قطنيّ والبيهقيّ حديث «من صلّى صلاةً ولم يصلّ فيها عليّ وعلى أهل بيتي لم تقبل منه»، وكأنّ هذا الحديث هو مستند قول الشّافعيّ رضى الله عنه: إنّ الصّلاة على الآل من واجبات الصّلاة عليه صلىاللهعليهوآله .
وفي الشّفا للقاضي عياض 3: 505، عن ابن مسعود، عين الحديث السّابق الذي ذكره ابن حجر في الصّواعق المحرقة صفحة 139.
وفي شرح الشفا للقاضي الخفاجيّ الحنفيّ 3: 506، عن عليٍّ عليهالسلام : «الدّعاء والصّلاة معلّق بين السّماء والأرض، لا يصعد إلى الله منه شيء حتّى يصلّى عليه صلىاللهعليهوآله ، وعلى آل محمّد».
وفي المعرفة والتاريخ 1: 296: عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سالم، عن سعيد في قوله ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ ) الآية، قال: أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم. والمصدر نفسه: إسرائيل عن جابر عن محمّد بن عليّ، عن أبي مسعود قال: لو صلّيت صلاة لا أصلّي على آل محمّد لرأيت أنّ صلاتي لا تتمّ.
(1) والحادثة مذكورة في كتب الرّجال والتاريخ، ذكرها الصفديّ في الوافي بالوفيات 6: 417؛ والذهبيّ في تذكرة الحفّاظ 2: 700؛ والسّبكيّ في طبقات الشّافعيّة الكبرى 3: 16 ح وابن خلّكان في وفيات الأعيان 1: 77؛ والمزّيّ في تهذيب الكمال 1: 339، وحكم له بالشهادة.
شهيداً (1) .
وإذا كان الآخرون - بمن فيهم أئمّة المذاهب - قد سلموا من القتل، فإنّهم لم ينجوا من تهمة الترفّض! حكى أبوبكر البيهقيّ في كتابه الّذي صنّفه في مناقب الإمام الشّافعيّ: أنّ الإمام الشّافعيّ قيل له إنّ أناساً لا يصبرون على سماع منقبة أو فضيلة تذكر لأهل البيت؛ فإذا رأوا أحداً يذكر شيئاً من ذلك قالوا: تجاوزوا عن هذا فهو رافضيّ! فأنشأ الشّافعيّ رحمه الله تعالى يقول:
إذا في مجلسٍ نذكر عليّاً |
وسبطيه وفاطمة الزكيّه |
|
يقال: تجاوزوا يا قوم هذا |
فهذا من حديث الرّافضيّه! |
|
برئت إلى المهيمن من أناسٍ |
يرون الرّفض حبّ الفاطميّه (2) |
فالشّافعيّ لا يجد حرجاً أن يرمى بتهمة الرفض ومشايعة صراط أهل البيت، وهو على جلالته يبرأ من أعدائهم وشانئيهم وله أيضاً:
قالوا: ترفّضت؟ قلت: كلاّ |
ما الرّفض ديني ولا اعتقادي |
|
لكن تولّيت - غير شكٍّ |
خير إمام وخير هادي |
|
إن كان حبّ الوليّ رفضاً |
فإنّني أرفض العباد (3) |
وله أيضاً شعر يفيض حبّاً لهم عليهمالسلام ومكابدة من أولئك الّذين يقفون معاثر في صراط السّالكين، يلبّسون عليهم الّذي ألبسه عليهم إبليس، ويهتف متحدّياً أنّه رافضيّ، ونعمت التهمة!:
يا راكباً قف بالمحصّب من منى |
واهتف بساكن خيفها والناهض |
|
سحراً إذ فاض الحجيج إلى منى |
فيضاً كملتطم الفرات الفائض |
|
إن كان رفضاً حبّ آل محمّدٍ |
فليشهد الثّقلان أنّي رافضي! (4) |
____________________
(1) انظر سيرة الگنجيّ ومعاناته، وقصّة شهادته، وما قالته الأقلام الحاقدة في شأنه، في مقدّمة كتاب «كتفاية الطّالب في مناقب عليّ بن أبي طالب».
(2) نور الأبصار: 232.
(3) نفس المصدر.
(4) نفس المصدر.
وله رحمه الله تعالى قول يعرب عن عقيدته في الوسيلة؛ فأهل البيت عليهمالسلام وسيلته إلى الله تعالى، وبشفاعتهم يرجو الجواز إلى الجنّة؛ فصراطهم صراط الله المستقيم، وهي أمور نافضل ابن تيميّة وتلامذته لإنكارها. قال الشافعيّ:
آل النّبيّ ذريعتي |
وهم إليه وسيلتي |
|
أرجو بهم أعطى غداً |
بيدي اليمن صحيفتي (1) |
وعلى نسق أشعار الشّافعيّ وعقيدته في أهل البيت عليهمالسلام من وجوب ولائهم، والأخذ بسببهم، والتزام صراطهم... ذكر ابن الصبّاغ المالكيّ في الفصول المهمّة ص 13 لأحدهم:
هم العروة الوثقى لمعتصم بها |
مناقبهم جاءت بوحي وإنزال |
|
مناقب في «الشورى» وفي«هل أتى» أتت |
وفي «سورة الأحزاب» يعرفها التالي |
|
وهم آل بيت المصطفى، فودادهم |
على النّاس مفروض بحكم وإسجال |
وذكر لآخر:
هم القوم من أصفاهم الودّ مخلصاً |
تمسّك في أخراه بالسّبب الأقوى |
|
هم القوم فاقوا العالمين مناقباً |
محاسنهم تجلى، وآثارهم تروى |
|
موالاتهم فرض وحبّهم هدىً |
وطاعتهم ودّ وودّهم تقوى |
وفي الصواعق المحرقة 101، قول لابن العربيّ، منه:
رأيت ولائي آل طه فريضةً |
على رغم أهل البعد يورثني القربا |
|
فما طلب المبعوث أجراً على الهدى |
بتبليغه، «إلاّ المودّة في القربى» |
وله أيضاً:
فلا تعدل بأهل البيت خلقاً |
فأهل البيت هم أهل السّياده |
|
فبغضهم من الإنسان خسر |
حقيقيّ، وحبّهم عباده |
وذكر الشبلنجيّ قصّة إشراق الشّمس بعد أن ركنت إلى الغروب والّتي ذكرها ذكره سبط ابن الجوزي، مع اختلاف اقتضى إيرادها، قال:
وحكي أن بعض الوعّاظ أطنب في مدح آل البيت الشريف وذكر فضائلهم، حتّى
____________________
(1) نور الأبصار: 232.
كادت الشّمس أن تغرب، فالتفت إلى الشّمس، وقال مخاطباً لها:
لا تغربي يا شمس حتّى ينقضي |
مدحي لآل محمّدٍ ولنسله |
|
واثني عنانك إن أردت ثناءهم |
أنسيت إذ كان الوقوف لأجله؟! |
|
إن كان للمولى وقوفك فليكن |
هذا الوقوف لفرعه ولنجله |
فطلعت الشّمس، وحصل في ذلك المجلس أنس كثير وسرور عظيم. انتهى من «درر الأصداف»، وما أحسن ما قاله أبوالفضل الواعظ رضى الله عنه.
حبّ آل النّبيّ خالط عظمي |
وجرى في مفاصلي، فاعذروني! |
|
أنا والله مغرم بهواهم |
علّلوني بذكرهم علّلوني! |
وما أحسن قول ابن الورديّ ناظم «البهجة»:
يا أهل بيت النّبيّ، من بذلت |
في حبّكم روحه فما غبنا |
|
من جاءكم يطلب الحديث له |
قولوا: لنا البيت، والحديث لنا (1) |
وشاعر أهل البيت عليهمالسلام أبو محمّد سفيان بن مصعب العبديّ مثل حال زميله السيّد الحميريّ المتوفّى سنة 178، ينهلان من نمير فرات الصادق عليهالسلام ، ويصوغان من مبادئ وعقائد أهل البيت عقود جمان، ويتزلّفان إلى الله تعالى بمحض ولائهم عليهمالسلام . فمن جيّد شعر العبديّ - وفيه إشارة إلى بعض ما جاء بحقّهم في القرآن الكريم - قوله:
آلُ النّبيّ محمّدٍ |
أهل الفضائل والمناقب |
|
المرشدون من العمى |
والمنقذون من اللّوازب |
|
الصّادقون النّاطقون |
السّابقون إلى الرّغائب |
|
فولاؤهم فرض من الرّ |
حمن في القرآن واجب |
|
وهم الصراط، فمستقيـ |
ـم فوقه ناج وناكب |
|
صدّيقة خلقت لصدّ |
يقٍ شريفٍ في المناسب |
فقوله «الصّادقون» إشارة إلى قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ
____________________
(1) نور الأبصار: 233 - 234.
الصّادِقِينَ ) (1) ؛ إذا روي أنّها نزلت في عليّ خاصّة، أي كونوا مع عليّ بن أبي طالب، وقيل: كونوا مع عليّ وأهل بيته. وقال ابن عبّاس: عليّ سيد الصّادقين. وقوله: «السّابقون» إشارة إلى قوله تعالى: ( وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرّبُونَ ) (2) ؛ قيل: إنّها في علي بن أبي طالب، فهو أفضل الصّدّيقين السّابقين، وهم: مؤمن آل فرعون، وصاحب ياسين، وعليّ بن أبي طالب. وقوله: «ولاؤهم فرض...» إشارة إلى آية المودّة. وقوله: «وهم الصّراط فمستقيم...» إشارة إلى ما ورد أنّ الصّراط المستقيم في قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) في سورة الفاتحة، هو صراط عليٍّ وأهل بيته.
____________________
(1) التوبة / 119.
(2) الواقعة / 10 - 11.
الفصل الخامس:
ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهمالسلام
من قديم وتراجم الأشخاص تعتمد إظهار المنزلة الاجتماعيّة وإبراز معالم الشخصيّة، فتدوّن سيرة حياة المترجم له من غير إهمال لصغيرة ولا كبيرة، وتتبّع الشاردة والواردة ممّا يظنّ أنّها ترفع من مقام صاحبها، وتعطى أهميّة خاصّة لحظوته عند سلطان عصره واحتفاء علماء زمانه به، مع إضفاء هالة من التمجيد والتبجيل.
فكيف بمن حظوتهم بأعلى منازل الزلفى عند الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآله وأفئدة خيار المؤمنين؟! وقد نطق الوحي بفضائلهم، فهي تتلى آناء اللّيل وأطراف النّهار، ويصلّى عليهم في كلّ صلاة، فقرنهم الله تعالى، بذكره جلّ وعلا؟! ومن هذا شأنهم، فإنّهم باب الله الّذي منه يؤتى، وصراطه المستقيم إلى جنّة المأوى.
وليس شأن البحث هذا هو تتبّع كلّ ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهمالسلام لا تفصيلاً ولا إجمالاً، إذ لم يكن هذا هدفنا أوّلاً، وثانياً: أنّ رجالاً من القرون الأولى لنشأة المجتمع الإسلاميّ وإلى يومنا قد تكفّلوا به فكتبوا فيه بحوثاً مستقلّة وافية. وإنّما لنا وقفة مع بعض ما نزل. بحقّهم عليهمالسلام ممّا يلتقي مع عنوان: «أهل البيت صراط المستقيم». وقد ذكرنا قبل هذا الموقع شيئاً من ذلك على نحو الاستطراد ن فيما اقتضاه الكلام مع المخالفين المعاندين.
ولا بأس بإلماحة مقتضبة لبعض تلك المؤلّفات التي كتبت في هذا السياق:
* ما نزل من القرآن في عليّ عليهالسلام ، للحسين بن الحكم بن مسلم الحبريّ، أبي عبد الله
الكوفيّ، المتوفّى سنة 286 هـ، مطبوع.
* المصابيح في ذكر ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهمالسلام ، لأحمد بن الحسن، أبي العبّاس الإسفرايينيّ الضرير، المتوفّى سنة 301 هـ في رجال النجاشيّ، 68، قال: كتاب حسن كثير الفوائد. ونقل السيّد حسن الصّدر في كتابه تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام 332 عبارة النجاشيّ المتقدّمة وزيادة.
* ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهمالسلام ، لابن الجحّام محمّد بن العبّاس، أبي عبد الله البزّاز. وله أيضاً: ما نزل من القرآن في أعداء أهل البيت؛ و: ما نزل من القرآن في شيعة أهل البيت عليهمالسلام . ذكرها صاحب الذّريعة 3: 306 و 19: 29. وقد اقتبس منه ابن طاووس في كتابه سعد السعود، وترجم له السيّد حسن الصّدر في كتابه تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام 335، وذكر مؤلّفاته ومنها: ما نزل في أهل البيت من القرآن، وقال: وهو ألف ورقة، وهو من أهل القرن الثالث رضى الله عنه، كان من المعاصرين للكلينيّ صاحب الكافي.
* ما نزل من القرآن في امير المؤمنين عليهالسلام ، لمحمّد بن أورمة، أبي جعفر القمّيّ. رجال النجاشيّ 253، والذريعة 19: 29. والظاهر أنّه عاش ومات في القرن الثالث الهجريّ؛ ففي تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام 331، سمّاه محمّد بن أرومة، وقال: من أجلاّء أصحابنا أيّام أبي الحسن الهادي، وكان من أصحابه عليهالسلام . ومعلوم أنّ الهادي عليهالسلام قد استشهد عام 254 هـ.
* ما نزل من القرآن في امير المؤمنين عليهالسلام ، لإبراهيم بن محمّد بن سعيد بن هلال، أبي إسحاق الثّقفيّ الكوفيّ، المتوفّى سنة 283 هـ رجال النجاشيّ 12، والذّريعة 19: 28، والتأسيس 330.
* كتاب تفسير القرآن، لعليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّيّ. قال في التأسيس ص 330: عليه المعوّل للشّيعة إلى اليوم، وإليه المرجع، لأنّه تفسير بالمأثور عن أهل البيت. كان عليّ بن إبراهيم في أيّام الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّ عليهالسلام وبعده بقليل، فهو من أعيان القرن الثالث. وهو عمدة مشايخ ثقة الإسلام الكلينيّ، وعليه تخرّج وملأ الكافي منه.
* ما نزل من القرآن في امير المؤمنين عليهالسلام ، لمحمّد بن أحمد بن عبد الله بن إسماعيل، أبي بكر الكاتب البغداديّ، المعروف بـ (أبي الثّلج) المتوفّى سنة 325 هـ، ويسمّى بـ
«التنزيل». وله: أسماء امير المؤمنين عليهالسلام في كتاب الله عزّ وجلّ. الذّريعة 19: 28، 11: 75. وفي التأسيس 261: توفّي سنة 301، وقيل: توفّي سنه 299.
* ما نزل في عليٍّ من القرآن.
* ما نزل في الخمسة [ أصحاب الكساء ].
كلاهما من تأليف عبد العزيز بن يحيى، أبي أحمد الجلوديّ البصريّ، المتوفّى 332 هـ من أكابر علماء الإماميّة، صنّف في علوم الفقه والحديث والكلام والتفسير والتاريخ... رجال النجاشيّ 180، والذريعة 19: 28، 30، والتأسيس 329 وتوسّع في الحديث عن مؤلّفاته في ص 233.
* ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين عليهالسلام ، لعليّ بن الحسين أبي الفرج الأصفهانيّ، صاحب كتاب الأغاني، المتوفّى 356 هـ، معالم العلماء لابن شهر آشوب 141، والذريعة 19: 28، وله ترجمة في وفيات الأعيان 2: 468.
* ما نزل من القرآن في امير المؤمنين عليهالسلام ، لمحمّد بن عمران، أبي عبد الله المرزبانيّ الخراسانيّ البغداديّ، المتوفّى 378 هـ معالم العلماء: 118، الذريعة 19: 29. وتوسعّ في الحديث عنه في التأسيس: 168، 249.
* نزول القرآن في شأن امير المؤمنين عليهالسلام ، لمحمّد بن مؤمن أبي بكر الشيرازيّ. معالم العلماء: 118، وفهرست منتجب الدّين: 165.
* مناقب الإمام عليّ وما نزل من القرآن في عليّ: أحمد بن موسى بن مردويه الأصفهانيّ، المتوفّى 410 هـ.
* ما نزل من القرآن في امير المؤمنين عليهالسلام ، لأحمد بن عبد الله، أبي نعيم الأصفهانيّ، المتوفّى 430 هـ معالم العلماء: 25، والذّريعة 19: 28.
* تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ، من أعلام القرن الرّابع، مطبوع.
* خصائص امير المؤمنين في القرآن، للحاكم الحسكانيّ الحنفيّ النيسابوريّ، عبيد الله بن عبد الله الحذّاء، من أعلام القرن الخامس.
* شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، له أيضاً.
* خصائص امير المؤمنين عليهالسلام من القرآن، للحسن بن أحمد شيخ النجاشيّ. رجال النجاشيّ: 51، والذريعة 7: 165.
* تفسير الآيات المنزلة في امير المؤمنين عليهالسلام ، للمفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان، المتوفّى 413 هـ وهو من مصادر ابن طاووس في كتابه سعد السّعود، الذريعة 12: 183.
* أسماء امير المؤمنين عليهالسلام من القرآن، للحسن بن القاسم بن محمّد بن شمّون، أبي عبد الله الكاتب، القرن الرّابع. رجال النجاشيّ 52، والذريعة 2: 65.
* تنبيه الغافلين عن فضائل الطّالبيّين، لمحسن بن محمّد بن كرامة الجشميّ الحاكم البيهقيّ، المتوفّى 494 هـ.
* الآيات النّازلة في فضائل العترة الطّاهرة، لعبد الله تقيّ الدين الحلبيّ. الذّريعة 1: 49.
* الآيات النّازلة في أهل البيت عليهمالسلام ، لابن الفحّام الحسن بن محمّد، المتوفّى 458 هـ لسان الميزان لابن حجر 2: 251.
* خصائص الوحي المبين في مناقب امير المؤمنين عليهالسلام ، ليحيى بن عليّ بن الحسن بن البطريق الحلّيّ، المتوفّى 600 هـ.
* الدّرّ الثّمين في ذكر خمسمائة من كلام ربّ العالمين في فضائل امير المؤمنين. الحافظ رجب بن محمّد البرسيّ الحلّيّ، من أعلام القرن التاسع. الذريعة 8: 64.
* عين العبرة في غبن العترة، للسيّد ابن طاووس، أحمد بن موسى الحلّيّ، المتوفّى 673 هـ.
* اللّوام النّورانيّة في أسماء عليّ القرآنيّة، لهاشم بن سليمان التوبليّ البحرانيّ، المتوفّى 1107 هـ.
* ما نزل من القرآن في الحسين بن عليّ عليهماالسلام ، لمحمّد بن أحمد بن يحيى الأشعريّ، صاحب «النّوادر». الفهرست لابن النديم 77، وقال: رواه أبو عليّ بن همام الإسكافيّ.
* ما نزل من القرآن في صاحب الزّمان عليهالسلام ، لأحمد بن محمّد أبي عبد الله الجوهريّ، المتوفّى 401 هـ رجال النجاشيّ: 67، ومعالم العلماء: 20، وإيضاح المكنون 4: 421،
والتأسيس: 269.
* النصّ الجليّ في أربعين آية في شأن عليّ عليهالسلام ، للملاّ حسين البروجرديّ.
* تنزيل الآيات الباهرة في فضل العترة الطّاهرة، لعبد الحسين شرف الدّين العامليّ، المتوفّى 1377 هـ.
هذه إشمامة من أريج حقلهم عليهمالسلام ، وكلّها تدور في محور أهل البيت في القرآن. ولم نذكر الكثير، فهو قليل في شأنهم، وكفى بهم عزّاً وشرفاً أن يدوّن الوحيُ تاريخهم ويسجّل سلوكهم بين دفّتي كتاب الله تعالى، ليكونوا أسوة وقدوة. وإذا كان هذا النّمط من المؤلّفات قد انصرفت همم أصحابها إلى إبراز معالم الشّخصيّة المثاليّة الّتي ندب الله سبحانه إلى ترسّمها، وتجسّدت في أهل البيت من خلال القرآن الكريم، فإنّ غيرها - ممّن رام أصحابها الإعلان عن فضائلهم تحليلاً ودراسة، فاستعانوا بوقائع التاريخ وأحاديث رسول الله صلىاللهعليهوآله بشأنهم عليهمالسلام - فإنّهم أفادوا من آي الذكر الحكيم في كل واقعة، وأفرد أكثرهم فصولاً خاصّة فيما كتبوا تحت عناوين يحزمها عنوان مشترك: «ما نزل في عليٍّ، أو أهل البيت من الآيات».
وحان أن نذكر بعض ما نزل من كتاب الله تعالى في أهل بيت عليهمالسلام ، على الشّرط الّذي ذكرناه: بما يلتقي مع عنوان «أهل البيت صراط الله المستقيم»، ونقدّم لذلك بحديث تقسيم القرآن إلى أرباع:
في تفسير الحبريّ 233، قال: حدّثنا حسن بن حسين، عن حسين بن سليمان، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ عليهالسلام ، قال: «نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع حلال وحرام، وربع فرائض وأحكام، ولنا كرائمُ القرآن» (1) .
____________________
(1) الحديث الثاني من تفسير الحبريّ 233. وأورده الحسكانيّ في شواهد التنزيل، نقلاً عن الحبريّ من طريقين: طريق الجصّاص رقم 60، وطريق المرزبانيّ، رقم 65. وشواهد التنزيل 1 / 43 / 58؛ مناقب الإمام عليّ وما نزل من القرآن في عليّ: ابن مردويه 218 ح 302؛ كشف الغمّة 1: 314؛ ينابيع المودّة 126؛ مفتاح النجا: 6.
وروى الحديث عن الأصبغ بن نُباتة، عن عليّ عليهالسلام ، غير أبي الجارود، منهم: =
____________________
=
1 - الحسن بن عبد الرّحمن، عنه؛ في تفسير فرات صفحة 1.
2 - زكريّا بن ميسرة، عنه؛ في تفسير فرات صفحة 2، وفي شواهد التنزيل، رقم 58 و59. وعن عبد الله بن عبّاس، عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، في الحديث نفسه مع زيادة طويلة في لفظه تضمّنت فضيلة اُخرى لعليّ عليهالسلام ، اقتضت وحدة الموضوع ذكرها هنا:
بسند عن شعبة، عن الحكم، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: أخذ رسول الله صلىاللهعليهوآله بيدي وأخذ بيد عليّ، فصلّى أربع ركعات، ثمّ رفع يده إلى السّماء، فقال: «اللّهمّ سألك موسى بن عمران، وإنّ محمّداً سألك أن تشرح لي صدري، وتيسّر لي أمري، وتحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي: عليّاً، أشدد به أزري، وأشركه في أمري».
قال ابن عبّاس: فسمعت منادياً: يا أحمد! قد أوتيت ما سألت. فقال النّبيّ: «يا أبا الحسن ارفع يدك إلى السّماء، وادع ربّك وسله يعطيك». فرفع عليّ يده إلى السّماء، وهو يقول: (اللّهمّ اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودّاً)، فأنزل الله على نبيّه: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمنُ وُدّاً ) [ سورة مريم / 96 ]، فتلاها النّبيّ صلىاللهعليهوآله على أصحابه، فعجبوا من ذلك عجباً شديداً، فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «ممّ تعجبون؟! إنّ القرآن أرباع: فربع فينا أهل البيت خاصّة [ وربع في أعدائنا ] وربع حلال وحرام، وربع فرائض وأحكام، والله أنزل في عليّ كرائم القرآن». مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 328 رقم 375؛ غاية المرام: 441؛ بحار الأنوار 35: 359؛ النور المشتعل المقتبس من كتاب ما نزل، تأليف محمّد باقر المحموديّ: 139، رقم 37 - اقتبسه الشّيخ المحموديّ من: ما نزل من القرآن في عليّ، لأبي نعيم.
وللحديث عدّة طرق عن الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليهالسلام ، وعن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليهالسلام .
وفي تفسير العيّاشيّ، لمحمّد بن عيّاش السّلميّ السّمرقنديّ التميميّ المعروف بالعيّاشيّ، من أعلام القرن الثالث، كان على مذهب أهل الجماعة ثمّ تشيّع، يروي عنه الكشّيّ، وهو من تلامذته. انظر مقّدمة تفسيره بقلم العلاّمة الطباطبائي قدسسره ، والتأسيس 260 و 332، فقد ذكر حديث تقسيم القرآن أرباعاً وتارةً تثليثاً. قال في كتابه 1: 9 «في ما انزل القرآن»:
1 - عن أبي الجارود، قال: سمعت أبا جعفر عليهالسلام يقول: «نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع في فرايض وأحكام، وربع سنن وأمثال، ولنا كرائم القرآن».
2 - ونفس المصدر: عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت امير المؤمنين عليهالسلام يقول: «نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرايض وأحكام».
3 - ونفس المصدر صفحة 10: عن محمّد بن خالد الحجّاج الكرخيّ، عن بعض أصحابه، رفعه إلى خيثمة، =
قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) .
ورد هذا الخطاب في مواضع متفرّقة من سور القرآن الكريم - تبلغ (89) موضعاً، أوّلها الآية 104 من السورة الثانية «سورة البقرة».
ورد من طرق الصّحابة والتّابعين أنّ عليّاً هو أمير كلّ آية فيها هذا الخطاب. وما من خطاب منها فيه عتاب أو مؤاخذة إلاّ وعليّ خارج من ذلك (1) . ومن هذا شأنه، فهو صراط
____________________
= قال: قال أبو جعفر: «يا خيثمة، القرآن نزل أثلاثاً: ثلث فينا وفي أحبّائنا، وثلث في أعدائنا وعدوّ من كان قبلنا، وثلث سنّة ومثل. ولو أنّ الآية إذا نزلت في قوم ثمّ مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكنّ القرآن يجري أوّله على آخره، ما دامت السّماوات والأرض. ولكلّ قوم آية يتلونها، وهم منها من خير أوشرّ».
1 - وهذا الحديث يعضد حديث تقسيم القرآن السّالف، وقد ورد عن جمع جمّ من صحابة وتابعين، وهذه بعض طرقه:
عن عيسى بن راشد، عن عليّ بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: ما نزل في القرآن ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وعليّ شريفها وأميرها. تفسير الحبريّ 234 حديث 3.
وممّن رواه عن عيسى بن راشد:
* إسماعيل بن أميّة. شواهد التنزيل 1: 53.
* سفيان الثوريّ. نفس المصدر.
* سهل بن عثمان. نفس المصدر؛ الأمالي الخميسيّة للمرشد بالله 1: 133.
* زكريّا بن يحيى الكسانيّ. المناقب لأحمد بن حنبل 94؛ ذخائر العقبى 89.
* عبّاد بن يعقوب الرّاوجنيّ الأسديّ الكوفيّ، أبو سعيد، المتوفّى 250 هـ، تهذيب التهذيب 5: 109؛ شذرات الذهب 2: 121؛ شواهد التنزيل حديث 71 و 72؛ كفاية الطّالب 140 / الباب 31، وقال: عليّ بن نديمة - نون و دال غير منقوطة -، ولفظه: ما نزلت آية فيها ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وعليّ رأسها وأميرها وشريفها. ولقد عاتب الله عزّ وجلّ أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله في غير آي من القرآن، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير. وبنفس اللفظ في نظم درر السمطين للزرنديّ الحنفيّ: 89.
* عقبة بن مكرم. حلية الأولياء 1: 64؛ شواهد التنزيل 1: 57؛ فضائل الصّحابة 2: 654؛ المناقب للخوارزميّ: 280 حديث 272، وهو عين حديث الحبريّ الّذي ذكرناه، إلاّ أنّ صدره: ما أنزل الله عزّ وجلّ في القرآن آية يقول فيها ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) ...
* عليّ بن عبد الله الذّهليّ. شواهد التنزيل ج 1، حديث 74. =
____________________
=
* معاوية بن هشام. شواهد التنزيل ج 1 حديث 75.
* محمّد بن عمر. شواهد التنزيل 1: 53.
* قاسم بن الضحّاك. شواهد التنزيل 1: 53؛ النور المشتعل: 28؛ بحار الأنوار 35: 352.
* منجاب بن الحارث. المعجم الكبير للطبرانيّ 3: 133؛ مجمع الزوائد 9: 112.
* يحيى بن الحسن. تفسير فرات: 3.
* يحيى بن عبد الحميد الحمّانيّ، له كتاب المناقب. رجال ابن داود: 375. وهو شيخ الحبريّ، روى الحديث عن عيسى بن راشد، وعنه الحبريّ بإسناد الجوهريّ البغداديّ. شواهد التنزيل 1: 50.
نكتفي بهذه القائمة ممّن ذكر الحديث عن عيسى بن راشد، عن عليّ بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس؛ تجنّباً للإطالة، كما لم نذكر تراجم الرّواة لنفس الغرض.
ويرد الحديث عن ابن عبّاس برواية مجاهد بن جبر. رواها جمع، منهم:
* الأعمش، أبو محمّد سليمان بن مهران، المتوفّى سنة 147 هـ والحديث: ما أنزل الله تعالى آية فيها ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ وعليّ رأسها وأميرها. نظم درر السمطين للزرنديّ الحنفيّ: 89؛ شواهد التنزيل رقم 78 - 80؛ كفاية الطّالب: 139؛ المناقب للخوارزميّ: 267؛ خصائص الوحي المبين: 200؛ حلية الأولياء 1: 64؛ ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 2: 429.
* خصيف بن عبد الرّحمن، أبو عون الجزريّ الحرّانيّ الخضرميّ، مولى بني أميّة، المتوفّى 137 هـ حدّث عن عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، ولازم مجاهداً وحدّث عنه. مختصر تاريخ دمشق 8: 54 - 55. وذكر خصيف حديث مجاهد عن ابن عبّاس. انظر الحديث 81 من شواهد التنزيل.
* حديث عكرمه مولى ابن عبّاس: عن عمرو بن ثابت، عن سكين أبي يحيى، عن عكرمة مولى ابن عبّاس، قال: ما في القرآن آية ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ عليّ رأسها. ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق 2: 429 حديث 937.
* عطاء، عن ابن عبّاس: ما أنزل الله من آية فيها ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) دعاهم فيها، إلاّ وعليّ بن أبي طالب كبيرها وأميرها. نفس المصدر: 428 حديث 935.
* الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهالسلام ، عن ابن عبّاس. الشواهد، رقم 83.
* سعيد بن جبير رضى الله عنه، عن ابن عبّاس. بحار الأنوار 35: 353.
* حذيفة بن اليمان روى الحديث عنه:
زيد بن وهب الجهنيّ. في رجال البرقيّ: 6، قال: من أصحاب امير المؤمنين عليهالسلام ، من اليمن. وذكره ابن داود =
الله المستقيم الّذي لاعوج فيه، فوجب لذلك موالاته ومشايعته.
قوله تعالى: ( هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1)
عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان سلمان يقول: يا معشر المؤمنين، تعاهدوا ما في قلوبكم لعليٍّ صلوات الله عليه؛ فإنّي ما كنت عند رسول الله صلىاللهعليهوآله قطّ، فطلع عليّ إلاّ ضرب النّبيّ صلىاللهعليهوآله بين كتفيّ، ثمّ قال: يا سلمان، هذا وحزبه ( هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (2) .
إذا تحقّق هذا - وهو الحقّ المتيقّن - فصراط عليّ عليهالسلام هو صراط الله المستقيم الّذي قد
____________________
=
164 من خواصّ امير المؤمنين، شواهد التنزيل رقم 67 و 68.
قيس بن أبي حازم، عنه. الشواهد رقم 69.
* الأصبغ بن نباتة التّميميّ الحنظليّ، من خواصّ أصحاب امير المؤمنين عليهالسلام . رجال البرقيّ: 5؛ رجال ابن داود: 60.
قال: سمعت من أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله من يقولون: ما نزل... إلى آخر الحديث. ورواه عن عليّ عليهالسلام . تفسير فرات: 4.
وأخرج ابن منظور في مختصره لتاريخ دمشق لابن عساكر 18: 11، حديث ابن عبّاس على النحو التالي: «عن ابن عبّاس قال: ما نزل القرآن [بـ] ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ عليّ سيّدها وشريفها وأميرها. وما أحد من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله الاّ قد عاتبه الله في القرآن، ما خلا عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه لم يعاتبه في شيء منه». قال: وفي حديث آخر: «وما ذكر عليّاً إلاّ بخير».
وأردف: وعن ابن عبّاس قال: «ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في عليّ». قال: وعنه قال: «نزلت في عليّ ثلاث مائة آية». نفس المصدر. والأخبار في هذا المقام كثيرة. وقد ورد عن جويبر، عن الضحّاك، عن ابن عبّاس حديث نزول ثلاث مائة آية في عليّ خاصّة. كفاية الطّالب: 231؛ الصواعق المحرقة: 76؛ تاريخ بغداد 6: 221.
(1) البقرة / 5.
(2) ويشهد له قوله صلىاللهعليهوآله في عليٍّ عليهالسلام : إنّ هذا وحزبه، أو شيعته هم الفائزون، وإنّ علياً وشيعته هم خير البريّة.
وسيأتي تخريج هذه الأحاديث في فصل: صراط شيعة أهل البيت عليهمالسلام . وإنّما ذكرنا الآية مراعاةً للمنهج المتعارف، أي ذكر الآيات في الحقل الواحد بحسب ترتيب سور القرآن الكريم.
أفلح من تمسّك به وخاب وخسر من تأخّر عنه. والآية - شأنها شأن غيرها ممّا نزل بحقّه عليهالسلام - شهادة له بالعصمة ولحزبه بالفلاح، وحديث رسول الله صلىاللهعليهوآله حصر ذلك بهما.
قوله تعالى: ( وَبَشّرِ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ ) (1) .
وهو ممّا خصّ الله تعالى به أهل البيت عليهمالسلام ، ولم يشرك معهم بالبشرى إلاّ أشياعهم! بسند عن أبي جعفر عليهالسلام قال: ( الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ ) : عليّ والأوصياء من بعده وشيعتهم الّذين قال الله فيهم: ( أَنّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلّمَا رُزِقُوْا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً ) الآية (2)
وبسند عن حبّان بن عليّ العنزيّ، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: فيما نزل من القرآن في خاصّة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وعليّ، وأهل بيته دون النّاس: قوله تعالى ( وَبَشّرِ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ ) [ البقرة 25] إنّها نزلت في عليّ وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب. (3) وليس ثمّة منافاة؛ فعليّ - مع عمٍّ وأخ وابن عمّ - مقدّم عليهم، وكلّ يقرّ له بالسّابقة والفضل، ومن ثمّ فعليّ أمير وسيّد وشريف في كلّ مدح للمؤمنين.
قوله تعالى: ( فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ ) (4)
عن محمّد (5) بن عيسى بن عبد الله العلويّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليٍّ عليهالسلام ، قال: الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه... قال: «يا ربّ أسألك بحقّ محمّد لما تبت عليّ» (6) .
____________________
(1) البقرة / 25.
(2) تفسير فرات: 4 - 5.
(3) تفسير الحبريّ: 235؛ شواهد التنزيل حديث 113؛ اللّوامع النّورانيّة: 13؛ تفسير البرهان 2: 104؛ غاية المرام 364 / باب 65؛ الأمالي الخميسيّة 1: 10.
(4) البقرة / 37.
(5) الأظهر هو: محمّد بن عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب.
(6) تفسير العيّاشيّ 1: 41 حديث 28؛ البرهان 1: 87.
وعن عمرو (1) بن أبي المقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عبّاس، قال: سئل النّبيّ صلىاللهعليهوآله عن الكلمات الّتي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، قال: «سأله: بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ، فتاب عليه» (2) .
وظهور الآية في المقصد أبين من أن يقام عليه دليل؛ فأهل البيت عليهمالسلام وحدة واحدة، وبهم تنال الشّفاعة، وتقبل التوبة لا بغيرهم. ولم يكن هذا من تقرير بشر، إنّما هو وحي يوحى؛ فظهور النّص في عصمتهم وأنّهم سبيل الهداية وصراط الله المستقيم، ممّا لا خفاء فيه.
____________________
(1) في رجال البرقيّ: 11، قال: أصحاب الباقر عليهالسلام : عمرو بن أبي المقدام وفي ص 16، قال: أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمّد عليهالسلام : عمرو بن أبي المقدام، واسم أبي المقدام ثابت.
وفي رجال ابن أبي داود 487: عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز العجليّ مولاهم، ثقة. وفي ص 256: عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز الحذّاء مولى بني عجل، ممدوح. وروي أنّ أبا عبد الله عليهالسلام شهد له بأنّه أمير الحجّاج - الحاجّ -.
(2) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 63؛ ينابيع المودّة: 238؛ الدرّ المنثور 1: 60.
وروي عن أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصّادق عليهماالسلام : «إنّ الكلمات الّتي تلقّاها - أي آدم عليهالسلام - وعلّمها إيّاه جبرائيل عليهالسلام ، هي: محمّد وعليّ والحسن والحسين عليهمالسلام ، فسألا الله عزّ وجلّ، وأقسما عليه بهم، أن يتوب عليهما، فتاب ورضي عنهما». تفسير الإمام العسكريّ عليهالسلام : 225 حديث 105؛ نهج البيان عن كشف معاني القرآن لمحمد بن الحسن الشّيبانيّ 1: 128؛ تفسير فرات 57؛ تفسير البرهان 1: 87؛ والصافي 1: 82؛ معاني الأخبار 110، 125، 127؛ الخصال 1: 270 كلاهما للصدوق؛ الكافي 8: 305؛ نور الثّقلين 1: 67؛ بحار الأنوار (في مواقع عدّة من الجزء 11 حديث 19، 22 - 24)؛ الاحتجاج للطبرسيّ 1: 54 ح مناقب امير المؤمنين: محمّد بن سليمان الكوفيّ 1: 547: وكيع عن الأعمش عن أبي صالح - أبو صالح باذام، مولى أمّ هانئ، روى عن عليّ بن أبي طالب، ثقة. تاريخ الثّقات للعجليّ 77 / 133 - عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : لما نزلت الخطيئة بآدم وأخرج من جوار ربّ العالمين، أتاه جبرئيل فقال: يا آدم ادع ربّك. قال: يا حبيبي جبرئيل وبم أدعوه؟ قال: قل يا ربّ أسألك. بحقّ الخمسة الذين تخرجهم من صلبي آخر الزمان لما تبت عليّ ورحمتني، فقال: حبيبي جبرئيل سمّهم لي. قال: محمّد النبيّ، وعليّ الوصيّ، وفاطمة بنت النبيّ، والحسن والحسين سبطي النبيّ. فدعا بهم آدم فتاب الله عليه. وذلك قوله: ( فَتَلَقّى آدَمُ. .. ) الآية. وما من عبدٍ يدعو بها إلاّ استجاب الله له.
قوله تعالى: ( فَإِمّا يَأْتِيَنّكُمْ مِنّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (1)
وبعد أن قبل سبحانه توبة آدم عليهالسلام بشفاعة الخمسة عليهمالسلام ، ألزم عزّ وجلّ ذرّيّة آدم باتّباع هداه والتّمسّك بخير البشر: محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ، من غير فصل: ( فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ... ) عن الباقر عليهالسلام ، قال: تفسير الهدى عليّ عليهالسلام ، قال الله فيه: ( فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) . (2)
قوله تعالى: ( وَأَقِيمُوا الْصّلاَةَ وَآتُوا الْزّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الْرّاكِعِينَ ) (3)
حبّان عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: قوله: ( ارْكَعُوا مَعَ الْرّاكِعِينَ ) إنّها نزلت في رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وعليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، وهما أوّل من صلّى وركع. (4)
____________________
(1) البقرة / 38.
(2) تفسير العياشيّ 1: 42؛ البرهان 1: 89.
(3) البقرة / 43.
(4) تفسير الحبريّ: 237؛ تفسير فرات: 2؛ شواهد التنزيل 1: 85؛ غاية المرام 364 باب 65 و 109 باب 395؛ البرهان 1: 92، 2: 104؛ المناقب للخوارزميّ 280 فصل 17 / حديث 274، ولكنّه سمّاه: حيّان - بالياء - بن عليّ. وقد جاء في ترجمته في رجال ابن داود، القسم الأوّل ص 136: حيّان بالياء المثنّاة تحت، بن عليّ العنزيّ، ثقة.
ورواه ابن البطريق بسنده إلى أبي صالح عن ابن عبّاس، في خصائص الوحي المبين 239 رقم 182، وذكره ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب 2: 13، عن المرزبانيّ.
وممّن رواه بالطريق الّذي ذكرناه أوّلاً: الحسن بن الحسين، العرنيّ الأنصاريّ، شيخ الحبريّ وعنه روى الحبريّ الحديث.
وبرواية مجاهد عن ابن عبّاس: ذكرها سبط ابن الجوزيّ في: تذكرة الخواصّ 23 باب 2.
قال: روى مجاهد عن ابن عبّاس أنّه قال: أوّل من ركع مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، فنزلت فيه هذه الآية: ( وَأَقِيمُوا الْصّلاَةَ وَآتُوا الْزّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الْرّاكِعِينَ ) .
وعن امير المؤمنين عليهالسلام : عنه رفعه عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال: «هو عليّ بن أبي طالب» رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث 102.
وفي معنى الرّكوع، ذكر الزمخشريّ في الكشّاف 1: 133، قال: «قيل: الركوع الخضوع والانقياد لما يلزمهم =
____________________
= في دين الله. ويجوز أن يراد بالركوع: الصّلاة، كما يعبّر عنها بالسجود».
وعلى افتراض الأوّل، فأوّل من خضع وانقاد إلى دين الله: محمّد رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وعليّ عليهالسلام ، فيهما يقتدى، كما هو الحال في موسى وهارون عليهماالسلام . وعلى الثاني، فالنّبيّ وعليّ عليهماالسلام هما أوّل من صلّى وركع كما في حديث ابن عبّاس، والآثار الدالّة على أنّ عليّاً أوّل من صلّى مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، لا يمكن ذكر جلّها فضلاً عن كلّها لكثرتها الكثيرة. هذا وقد ذكرنا بعضها في الفصول السّابقة. وتسهيلاً على الباحث نذكر بعضاً من طرق الحديث ومصادره، من غير متون الآثار.
* عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، مرفوعاً وبعدّة ألفاظ، رواه عنه:
أبو أيّوب الأنصاريّ. أسد الغابة 4: 94؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 14 حديث 17؛ كنز العمّال 11: 616؛ غاية المرام 499 باب 21 حديث 12؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 306؛ ينابيع المودّة 62 باب 12.
* ابن عبّاس. في مختصر تاريخ دمشق 17: 305؛ كنز العمّال 11: 616؛ غاية المرام 37؛ ينابيع المودّة 62 باب 12؛ المناقب للخوارزميّ 53؛ شواهد التنزيل 2: 125.
* أنس بن مالك مختصر تاريخ دمشق 17: 306؛ المناقب للخوارزميّ 54؛ شواهد التنزيل 2: 125؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 14؛ الإرشاد للمفيد 21؛ الاستيعاب 3: 32؛ ينابيع المودّة 61؛ تهذيب الكمال، للمزّيّ 20: 482.
* أبو رافع، مولى النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، في المناقب للخوارزميّ 57؛ ينابيع المودّة 60. ولفظه: عن أبي رافع مولى النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «صلّيت أنا أوّل يوم الإثنين، وصلّت خديجة آخر يوم الإثنين، وصلّى عليّ يوم الثلاثاء من الغدوّ. صلّينا مستخفين قبل أن يصلّي معنا أحد».
ولحديث صلاة عليّ عليهالسلام مع رسول الله صلىاللهعليهوآله طرق كثيرة تنتهي بأمير المؤمنين عليٍّ، وفيها يصرّح بأنّه أوّل من أسلم، وأوّل من صلّى مع رسول الله. هذا بعضها:
* حبّة بن جوين العرنيّ. ذكره البرقيّ في رجاله (ص 6) في عداد أصحاب امير المؤمنين عليهالسلام . وجاء في ترجمته: حبّة بن جوين بن عليّ بن عبد نهم - وفي تاريخ بغداد 8: 274: فهم، بالفاء المنقوطة واحدة، وفي طبقات خليفة 254: نهم، بكسر النون بعدها ساكن بدون «عبد» - بن مالك بن هوازن بن عرينة، العرنيّ البجليّ، أبو قدامة الكوفيّ. روى عن عليّ، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعمّار بن ياسر. عداده في التّابعين، ويقال إنّه رأى النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وكان من شيعة عليٍّ، وشهد معه المشاهد كلّها. مات في أوّل مقدم الحجّاج العراق. طبقات خليفة بن خيّاط: 254؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 177؛ تاريخ بغداد 8: 174؛ الجرح والتعديل ج 3 رقم 1130؛ الثقات لابن حبّان 78؛ الإكمال لابن ماكولا 2: 320؛ أسد الغابة 1: 439 - وقال: ذكره ابن =
____________________
= عقدة في الصحابة - وجمهرة أنساب العرب 388؛ ميزان الاعتدال 1: 450.
ومن طرقه: شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حبّة العرنيّ، عنه عليهالسلام . أنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 92؛ تهذيب الكمال للمزّيّ 20: 482؛ مسند أحمد بن حنبل 1: 141؛ المستدرك على الصحيحين 3: 112؛ مجمع الزوائد 9: 103؛ العمدة لابن البطريق 30؛ أسد الغابة 4: 93؛ خصائص النّسائي 31؛ الاستيعاب 3: 31.
وبرواية مسلم الملاّئيّ، عن حبّة. الجامع الصّحيح للترمذيّ 5: 304.
وبرواية محمّد بن فضيل، عن الأجلح، عن سلمة بن كهيل، عن حبّة. أسد الغابة 4: 93؛ تهذيب الكمال 20: 482؛ الاستيعاب 3: 31. وللحديث عن سلمة طرق أخرى أعرضنا عنها بغية الإيجاز.
* عبّاد بن عبد الله الأسديّ الكوفيّ.
روى عن أمير المؤمنين عليهالسلام . روى عنه المنهال بن عمرو. وذكره ابن حبّان في كتاب الثّقات. روى له النّسائيّ في خصائص عليّ عليهالسلام وفي مسنده. طبقات ابن سعد 6: 179؛ الثّقات لابن حبّان 5: 141؛ تهذيب التهذيب 5: 98؛ الجرح والتعديل 6 / رقم 420؛ تهذيب الكمال 20: 138.
روى الحديث عن امير المؤمنين عليهالسلام ، في خصائص النّسائيّ 3 وسنن ابن ماجة 1: 57، و 1: 11، عن المنهال عن عبّاد، عنه عليهالسلام . والمستدرك على الصحيحين 3: 112، إلاّ أنّه قال: عبد الله الأسديّ. والأوائل للعسكريّ 107؛ غاية المرام 503؛ ينابيع المودّة 60؛ تاريخ الطبري 2: 56، عن المنهال، عن عبّاد.
وعن أعلام الصّحابة والتابعين، موقوفاً عليهم:
* عن أنس بن مالك. سنن الترمذيّ - الجامع الصحيح - 5: 304 / حديث 3812 وعنه في: ينابيع المودّة 60 - 61، عن أبي معمر، عن أنس. وفي الرّياض النّضرة 208 حديث 2؛ الاستيعاب 3: 32؛ أسد الغابة 4: 93. ولفظه: «بعث النّبيّ صلىاللهعليهوآله يوم الإثنين، وأسلم عليّ يوم الثلاثاء». وغير خفيّ أنّ الإسلام قرين الصّلاة، وتعضده الأحاديث الأخرى، وكلّها تقول إنّ عليّاً أوّل من صلّى مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فيما دخل غيره في الإسلام متأخّراً، فلزم تأخّر الغير في أداء الصّلاة والرّكوع، وعليه أن يقتدي بالسّابق إليها وفي مختصر تاريخ دمشق 17: 303 نفس النّص الّذي في أسد الغابة.
وفي تهذيب الكمال 20: 482، ولفظه: استنبئ النّبيّ صلىاللهعليهوآله يوم الإثنين، وصلّى عليّ يوم الثلاثاء».
* جابر. تاريخ الطبريّ 2: 54، على نحو حديث أنس في تهذيب الكمال، إلاّ أنّ أوّله: «بعث» بدلاً من «استنبئ».
* ابن إسحاق، صاحب السّيرة النّبويّة الّتي هذّبها ابن هشام فباتت تعرف باسمه: السّيرة النّبويّة لابن هشام 1: 262، ويحسن ايراد لفظه قال: «أوّل ذكر من النّاس آمن برسول الله صلىاللهعليهوآله ، وصلّى معه وصدّق بما جاءه من =
____________________
= الله تعالى: عليّ بن أبي طالب رضوان الله وسلامه عليه...». وتوكيداً لذلك قال في نفس المصدر 1: 264: «ثمّ أسلم زيد بن حارثة.. مولى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وكان أوّل ذكر أسلم وصلّى بعد عليّ بن أبي طالب». وهذا يؤيّد الّذي قلناه سابقاً: إنّ الإسلام قرين الصّلاة، والسّبق إليه سبق إلى الصّلاة. وكون زيد ثاني اثنين بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله في أداء الصّلاة أمارة على تأخّر الغير إسلاماً وصلاةً! وإذا صحّ شيء في استقامة الصّراط فليكن صراط عليّ وزيد، كيف والأدلّة ناهضة على أنّه صراط أهل البيت! وقد ذكر الطبريّ في تاريخه 2: 57، قول شيخ السّيرة - ابن إسحاق - من غير مغمز.
* زيد بن أرقم. تاريخ الطبريّ 2: 56؛ تهذيب الكمال 20: 482، قال: روي حديث زيد بن أرقم من جوه ذكرها النّسائيّ، وأسد بن موسى وغيرهما. وينابيع المودّة 60؛ المناقب للخوارزميّ 56؛ فضائل الصّحابة لابن حنبل 2: 609؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 14؛ الاستيعاب 3: 32؛ أنساب الأشراف 2: 93؛ غاية المرام، الحديث السابع؛ العمدة لابن البطريق 30؛ المستدرك على الصحيحين 3: 32؛ خصائص النّسائي 2؛ مسند أحمد بن حنبل 4: 368، 371.
* عبد الله بن عبّاس، ولفظه: «لعليّ أربع خصال: هو أوّل عربيٍّ وعجميٍّ صلّى مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله ...» المناقب للخوارزميّ 58؛ غاية المرام 501؛ المستدرك على الصحيحين 3: 111؛ الاستيعاب 3: 27؛ الرّياض النّضرة 2: 268؛ شواهد التنزيل برقم 128؛ سنن الترمذيّ 5: 305.
* عفيف الكنديّ، وفيه: «لو أسلمت يومئذٍ لكنت ثانياً مع عليٍّ...»، والحديث طويل. وهو يدلّ صرحة على أنّ عليّاً عليهالسلام أوّل من صلّى مع رسول الله صلىاللهعليهوآله . المحاسن والمساوئ للبيهقيّ 43.
وله طرق منها: عن إسماعيل بن أياس بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه ومن طريق أسد بن وداعة، عن ابن يحيى بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه عفيف الكنديّ، مسند أحمد بن حنبل 1: 209؛ خصائص النّسائيّ 3؛ طبقات ابن سعد 8: 17؛ ميزان الاعتدال 1: 3؛ لسان الميزان 1: 395؛ الاستيعاب 3: 33؛ غاية المرام 500؛ العمدة لابن البطريق 31؛ تاريخ الطبريّ 2: 57، بلفظين: (... أكون ثالثاً» أي مع عليّ عليهالسلام ، وخديجة رضوان الله تعالى عليها. و (... كنت رابعاً» أي مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وعليٍّ عليهالسلام ، وخديجة رضي الله عنها. وأسد الغابة 4: 49 - ترجمة عفيف الكنديّ.
* وعن عبد الله بن مسعود. المناقب للخوارزميّ 56؛ مجمع الزوائد 9: 222؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 3: 87.
* سعد بن أبي وقّاص. المستدرك على الصحيحين 3: 499 - 500.
* الباقر عليهالسلام ، ويرد ذكر عليّ عليهالسلام وكونه أوّل من صلّى عن طريق أهل البيت الطّاهر. وقد ذكرنا بعض ما كان =
قوله تعالى: ( وَاسْتَعِينُوْا بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) (1)
قرن سبحانه وتعالى الصّبر بالصّلاة عوناً على المشاقّ؛ إذ الصّبر لغةً هو الحبس، ومنه قولهم: ضربت عنقه صبراً، ومنه: صبر نفسه عن المعصية أي حبسها ومنعها من ارتكاب المعصية ومقارفة الخطيئة، وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطّاعة.
ومن طريق أهل البيت عليهمالسلام ، فأنّ الصبر هنا هو الصّوم «عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله عليهالسلام ، في قوله تعالى: ( وَاسْتَعِينُوْا بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ ) ، قال: الصّبر هو الصّوم» (2) .
وعن سليمان الفرّاء، عن أبي الحسن عليهالسلام ، في قول الله تعالى: ( وَاسْتَعِينُوْا بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ ) قال: «الصّبر الصّوم، إذا نزلت بالرّجل الشّدّة أو النازلة فليصم. قال: الله يقول: ( اسْتَعِينُوْا بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ ) الصّبر الصّوم» (3)
فعلى هذا فإنّ الصوم وجاء يذهب بالشره وهوى النّفس الّذي هو أصل كلّ بلاء. كما ندب إلى الاستعانه بالصلاة لما يتلى فيها ما يزهّد بالدّنيا ويهوّن من أمر كلّ مخلوق إزاء الخالق ويقصر العبوديّة والاستعانة عليه وبه تعالى.
وفي تفسير أكثر المفسّرين إنّ قوله تعالى: ( وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ ) عائد إلى الصّلاة؛ لأنّها تكبر على النّفوس ما لا يكبر الصّوم؛ لأنّ في الصّوم حبس لبعض الشّهوات لا جميعها، أمّا الصّلاة فحبس لجميعها، وجوارحه مقيّدة بها لا يحلّ له منها شيء ممّا يحلّه الصّيام. وبذلك كانت الصّلاة أصعب على النّفس، ومكابدتها أشدّ. كما أنّ تأديتها واجباً خمس مرّاتٍ كلّ يوم يشقّ إلاّ على ( الْخَاشِعِينَ ) أي المتواضعين لله تعالى الّذين وطّنوا أنفسهم على فعلها، فلا يثقل عليهم أداؤها. والخشوع حالة في النّفس يظهر أثرها في الجوارح بهيئة تواضع
____________________
= يجري على لسان امير المؤمنين في خطبه أنه أوّل من آمن وصلّى، وورد ذكره عن محمّد الباقر عليهالسلام في: شواهد التنزيل 2: 220، رقم 936.
(1) البقرة / 45.
(2) تفسير العيّاشيّ 1: 42؛ تفسير البرهان 1: 94، وفي وسائل الشيعة 4: 295 في حديث طويل عن رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وفيه: «والصّبر الصّوم».
(3) تفسير العيّاشيّ 1: 44؛ البرهان 1: 94.
وسكون، وتنمّي في المصلّي ملكة الطمأنينة لنصر الله ورزقه؛ إذ هي إقبال عليه تعالى بذكر، وتختم بذلك.
وكما كان الصّوم عوناً للصّائم، فكذلك الصّلاة: عن مسمع بن عبد الملك، قال: قال أبو عبد الله عليهالسلام : يا مسمع! ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمّ من غموم الدّنيا أن يتوضّأ، ثمّ يدخل مسجده ويركع ركعتين، فيدعو الله فيهما؟! أما سمعت الله يقول: ( وَاسْتَعِينُوْا بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ ) الآية (1) .
والآية قرينة على استقامة صراط عليٍّ عليهالسلام ووجوب الاقتداء بسيرته؛ فهو أوّل من صلّى مع رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأقبلا عليها بما ينبغي للمصلّي أن يكون عليه من هيئة العبد الذليل بين يدي مولاه. ولم تكن الصّلاة عليهما كبيرة مثلما كانت على غيرهما ممّن لوّثته الجاهليّة بأدرانها، فكانت الصّلاة تربية لهما في الثبات في سوح القتال، في حين ولّى غيرهما هاربين، وصبرا على الحقّ وإن كان مرّاً!
قال الحبريّ وغيره: وقوله: ( وَاسْتَعِينُوْا بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) .. الخاشع: الذليل في صلاته، المقبل عليها، يعني: رسول الله صلىاللهعليهوآله وعليّ عليهالسلام (2) .
والآية بعدها، وهي قوله تعالى: ( الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مُلاَقُوا رَبّهِمْ وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (3) .
داخلة في المعنى، مبيّنة لعلّة تخصيصهما بالخطاب الأوّل، ومفسّرة لمصدر خشوعهما عليهماالسلام ، وهو الاعتقاد المطلق بالله تعالى واليقين بالآخرة.
عن أبي معمر، عن عليّ عليهالسلام في قوله: ( الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مُلاَقُوا رَبّهِمْ ) يقول: «يوقنون أنّهم مبعوثون، والظنّ منهم يقين» (4) .
قال الشيباني: أي يوقنون بالموت والبعث والنّشور والحساب، والظذن هاهنا بمعنى اليقين (5) .
____________________
(1) تفسير العيّاشيّ 1: 43؛ تفسير البرهان 1: 94؛ تفسير الصافي 1: 87.
(2) تفسير الحبريّ 238؛ تفسير فرات 4؛ غاية المرام 364 باب 65؛ البرهان 2: 104.
(3) البقرة / 46.
(4) تفسير العيّاشي 1: 44؛ البرهان 1: 95؛ الصافي 1: 87؛ مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 2: 9.
(5) نهج البيان عن كشف معاني القرآن: محمّد بن الحسن الشّيبانيّ 1: 133 - 134.
قوله تعالى: ( وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (1)
وهذه شهادة يسجّلها الوحي للمعنيّين بها أنّهم أهل الجنّة؛ لإيمانهم وصلاح أعمالهم ن فصلحت بذلك سيرتهم واستقام صراطهم وسوي.
وعليّ عليهالسلام أمير وشريف وسيّد كلّ آية فيها خطاب «يا أيّها الذين آمنوا»، فهو المعنيّ الأوّل بهذه الآية. هذا استصحاباً لما ذكروه بشأنه عليهالسلام في لفظ «آمنوا». وأمّا في هذه الآية، فقد قالوا: نزلت في عليٍّ خاصّةً، وهو أوّل مؤمن وأوّل مصلٍّ بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله (2) .
____________________
(1) البقرة / 82.
(2) تفسير الحبريّ: 241.
وقد خرّجنا بعض مصادر الحديث في أنّ عليّاً عليهالسلام أوّل مصلٍّ مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله . كما تضمّنت الفصول السّابقة كلاماً في سابقته عليهالسلام إلى الإسلام؛ فقد بعث صلىاللهعليهوآله يوم الإثنين، وصلّى مع عليّ يوم الثلاثاء، ولا صلاة من غير إقرار وإسلام.
وهذه بعض طرق ومصادر كون عليٍّ أوّل مؤمن به صلىاللهعليهوآله ، منزوة المتون.
* مرفوعاً عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، رواه عنه:
أنس بن مالك. مختصر تاريخ دمشق 17: 306؛ المناقب للخوارزميّ 54؛ غاية المرام 500 حديث 21؛ شواهد التنزيل 2: 125؛ اللآلي المصنوعة 1: 166؛ لسان الميزان 3: 232؛ ينابيع المودة 61؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ ص 14؛ الإرشاد للمفيد ص 21.
سلمان المحمّديّ، لقوله صلىاللهعليهوآله : «سلمان منّا أهل البيت». كنز العمّال 11: 606؛ غاية المرام 505 حديث 7؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 306؛ تهذيب الكمال 20: 481؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 16؛ مسند الكلابيّ حديث 10 والاستيعاب 3: 28؛ اللآلي المصنوعة 1: 169؛ المصنّف لابن أبي شيبة 6: 158.
أبو أيّوب الأنصاريّ. مختصر تاريخ دمشق 17: 306؛ أسد الغابة 4: 94؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ ص 14؛ اللآلي المصنوعة 1: 166؛ ينابيع المودّة 60 - 61.
* ابن عبّاس. مختصر تاريخ دمشق 17: 305، 307؛ تهذيب الكمال 20: 480؛ المناقب للخوارزميّ 53 ن 55؛ المستدرك على الصحيحين 3: 136؛ شواهد التنزيل 2: 125؛ ينابيع المودّة 61؛ الينابيع كذلك بعدّة طرق وألفاظ مختلفة تنتهي بابن عبّاس، عنه صلىاللهعليهوآله ص 62؛ اللآلي المصنوعة 1: 168؛ مسند أبي داوود 360؛ مسند أحمد بن حنبل 1: 373.
____________________
=
* عائشة بنت أبي بكر. مختصر تاريخ دمشق 17: 308.
* أبو ذرّ الغفاريّ. مختصر تاريخ دمشق 17: 306؛ الإرشاد 22؛ أمالي الشيخ الطّوسي 1: 147؛ غاية المرام 502.
عمر بن الخطّاب. المناقب للخوارزميّ 55؛ كنز العمّال 11: 393؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 315؛ اللآلي المصنوعة 1: 167؛ غاية المرام 501.
* معاذ بن جبل. حلية الأولياء 1: 65؛ كفاية الطّالب 270.
* أبو سعيد الخدريّ. حلية الأولياء 1: 66؛ الاستيعاب 3: 33؛ شرح المواهب اللّدنيّة للزّرقانيّ 1: 242.
* وللحديث عنه صلىاللهعليهوآله طرق أخرى عن أهل بيت العصمة وعن غيرهم، لم نذكرها؛ تجنّباً للإطالة، ونكتفي بذكر مصادرها بعد للباحث.
* عليّ أمير المؤمنين عليهالسلام . وللحديث طرق تنتهي به عليهالسلام ، تنصّ أنّه أوّل من آمن بالإسلام، وصدّق النّبيّ صلىاللهعليهوآله وصدقه النّصرة، وأقام معه الصلاة. رواه عنه.
* حبّة بن جوين العرنيّ. الأوائل للعسكريّ 107؛ تاريخ بغداد 4: 333؛ غاية المرام 506؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 304؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 15؛ تهذيب الكمال 20: 482؛ ينابيع المودّة 60؛ المناقب للخوارزميّ 57؛ خصائص النسائيّ 31؛ أنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 92؛ مسند أحمد 1: 99؛ مجمع الزّوائد 9: 102؛ أسد الغابة 4: 93.
* عبد الله بن عبّاس، في حديث المناشدة. مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 111.
* عبّاد بن عبد الله الأسديّ، عنه عليهالسلام . ومصادره نفس مصادر حديثه عن سابقة عليّ عليهالسلام في الصّلاة.
* معاذة العدويّة، عنه عليهالسلام . الرّياض النضرة 2: 208؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 304؛ الإرشاد 21.
وأسماء من جزم بأولويّة إسلام عليّ عليهالسلام ، موقوفاً عليهم من أعيان الصّحابة والتابعين وأصحاب التراجم والسّير، تبدا ولا تكاد تنتهي، وهذا بعض يسير، وإلاّ فهي في غاية الكثرة:
* أبو بكر بن أبي قحافة. الأوائل للعسكريّ 107؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 311.
* أنس بن مالك. مختصر تاريخ دمشق 17: 303 ح الاستيعاب 3: 32؛ أسد الغابة 4: 93؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 4: 119؛ تهذيب الكمال 20: 483؛ سنن الترمذيّ 5: 640؛ تاريخ بغداد 1: 134؛ المستدرك على الصحيحين 3: 112.
* الحسن بن عليّ بن أبي طالب، ينابيع المودّة 480؛ جمهرة خطب العرب 67؛ شرح نهج البلاغة 2: 101. =
____________________
=
* زيد بن أرقم. تاريخ الطبريّ 2: 55 - 56؛ مجمع الزّوائد 9: 103؛ الكامل في التاريخ 2: 22؛ الاستيعاب 2: 27، 32؛ أنساب الأشراف 2: 93؛ شرح نهج البلاغة 4: 119؛ تاريخ بغداد 1: 134؛ أسد الغابة 4: 93؛ تهذيب الكمال 20: 482؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 305.
* عبد الله بن عبّاس. أسد الغابة 4: 92؛ شرح نهج البلاغة 4: 117؛ الاستيعاب 3: 28؛ ينابيع المودّة 60؛ تهذيب الكمال 20: 480 - 481؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 303؛ المناقب للخوارزميّ 58؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 3: 105؛ المحاسن والمساوئ للبيهقيّ 43.
* سعد بن أبي وقاص. المستدرك على الصحيحين 3: 499.
* بريدة بن الحصيب - وقيل: الخضيب، بحاء منقوطة مفتوحة - عداده في الصّحابة. أسد الغابة 4: 94؛ مجمع الزوائد 9: 209؛ المستدرك على الصحيحين 3: 112؛ التلخيص للذهبيّ بهامش مستدرك الصحيحين.
* أبو رافع، مولى رسول الله صلىاللهعليهوآله . مختصر تاريخ دمشق 17: 311 - 312؛ مجمع الزوائد 1: 220؛ المناقب للخوارزميّ 57؛ سنن الترمذي 5: 640؛ شواهد التنزيل 2: 126.
* سلمان الفارسيّ. مجمع الزوائد 9: 102؛ المواهب اللّدنيّة 1: 45؛ تهذيب الكمال 20: 480 - 481؛ شرح نهج البلاغة 4: 116 - 117؛ الأوائل 78؛ أسد الغابة 4: 94؛ الاستيعاب 3: 27 - 28؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 16؛ أمالي الطّوسيّ 1: 319.
* جابر بن عبد الله الأنصاريّ. أسد الغابة 4: 94؛ الكامل في التاريخ 2: 22؛ الاستيعاب 3: 27؛ تهذيب الكمال 20: 480؛ تاريخ الطّبريّ 2: 55، ولفظه فيه «صلّى» ومضى أن لا صلاة من غير إسلام.
* المقداد بن عمرو الكنديّ. الاستيعاب 3: 27؛ أسد الغابة 4: 94؛ شرح نهج البلاغة 4: 116؛ تهذيب الكمال 20: 280.
* عبد الرّحمن بن عوف. مختصر تاريخ دمشق 17: 307؛ ميزان الاعتدال 1: 505.
* مالك بن الحويرث. مختصر تاريخ دمشق 17: 305؛ مجمع الزوائد 9: 220.
* خبّاب بن الأرتّ. الاستيعاب 3: 27؛ تهذيب الكمال 20: 480؛ أسد الغابة 4: 94.
* محمّد بن كعب القرظيّ. مختصر تاريخ دمشق 17: 308؛ الاستيعاب 3: 29؛ تهذيب الكمال 20: 481؛ اسد الغابة 4: 94؛ شرح نهج البلاغة 4: 118.
* أبو موسى الأشعريّ. المستدرك على الصحيحين 3: 465؛ أمالي الطّوسي 1: 280.
* ليلى الغفاريّة عن عائشة بنت أبي بكر. مختصر تاريخ دمشق 17: 308.
* عفيف الكنديّ. المصادر جميعاً. =
قوله تعالى: ( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (1)
خطاب من الله تعالى إلى نبيّه إبراهيم الخليل عليهالسلام ، نصبه إماماً يقتدي به النّاس ويتّبعون أمره ويقتفون سيرته.
ولما دعا إبراهيم ربّه أن يشرّف ذرّيّته بالإمامة أعطاه سبحانه سؤله، مسثنياً الظّالمين من ذرّيّته، وهو دليل على عدم صلاح الظالم لإمامة النّاس لا في صلاة ولا في سياسة. في تفسير نهج البيان للشيبانيّ 1: 206: قال بعض أصحابنا: في الآية دلالة على أنّ الله لا يصطفي لنبوّته وإمامته إلاّ من كان معصوماً في الظّاهر والباطن.
وذكر الطّبرسيّ في تفسيره «مجمع البيان» 1: 325، معنىً مشابهاً، قال: واستدلّ
____________________
=
* أبو سعيد الخدريّ. الاستيعاب 3: 27؛ أسد الغابة 4: 94؛ المواهب اللّدنيّة 1: 45.
* عبد الله بن الحنفيّة. الاستيعاب 3: 32؛ شرح نهج البلاغة 4: 119.
* عديّ بن حاتم الطّائيّ. الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 103؛ وقعة صفّين لنصر 197؛ تاريخ الطّبريّ 4: 2؛ شرح نهج البلاغة 1: 344؛ الكامل في التاريخ 3: 124.
* هاشم بن عتبة، المرقال. الكامل في التاريخ 3: 135؛ وقعة صفّين 355 و 112 و 37 ومواطن أخرى؛ جمهرة خطب العرب 1: 151.
* محمّد بن أبي بكر. وقعة صفّين 137.
* خزيمة بن ثابت الأنصاريّ ذو الشّهادتين، وله فيه أشعار. شرح نهج البلاغة 3: 259؛ المستدرك على الصحيحين 3: 114.
* محمّد بن المنكدر، وربيعة بن أبي عبد الرّحمن، وأبو حازم المدنيّ، والكلبيّ. تاريخ الطبريّ 2: 57.
* وقال مجاهد، وابن إسحاق، وابن شهاب، وقتادة، والحسن البصريّ، وغيرهم: أوّل من أسلم من الرّجال عليّ. تهذيب الكمال 20: 481؛ الاستيعاب 3: 30 - 31؛ أسد الغابة 4: 94؛ شرح نهج البلاغة 4: 121؛ مختصر تاريخ دمشق 17: 303، عن مجاهد، والسيرة النبويّة لابن هشام 1: 262، 264.
إنّ هذا الغيض من أخبار أولويّة إسلام عليّ عليهالسلام - وهي تكاد تنعقد إجماعاً، مع تأكيد النّبيّ صلىاللهعليهوآله عليها، وافتخار امير المؤمنين عليهالسلام بهذه الوثيقة على المنابر متّخذاً منها دليلاً من جملة أدلّة أخرى في أفضليّته على غيره - لهو دليل ساطع على أفضليّة نهجه واستقامة صراطه ووجوب مشايعته بحكم الشّرع والعقل.
(1) البقرة / 124.
الإماميّة بهذه الآية على أنّ الإمام لا يكون إلاّ معصوماً عن القبائح. ومن ليس بمعصوم قد يكون ظالماً لنفسه أو ظالماً لغيره. والآية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت، فلا يكون الظالم إماماً وإن تاب فيما بعد.
وقد ثبت بالبرهان الجليّ عصمة عليّ عليهالسلام ، فثبتت بذلك إمامته ولزم الإقتداء به، فهو دليل قرآنيّ على استقامة صراط عليّ.
وكان النّبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: «أنا دعوة أبي إبراهيم»، وهو قوله: ( رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (1) .
ولما سئل صلىاللهعليهوآله عن قوله: «أنا دعوة أبي إبراهيم» قال: «انتهت الدّعوة إليّ وإلى عليّ، لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ، فاتّخذني الله نبيّاً واتّخذ عليّاً وصيّاً». وقد خرّجنا الحديث في غير هذا الموضع وتكلّمنا عليه. وفائدته أنّ غير النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وغير عليّ عليهالسلام ظالم غير معصوم، منعه الله تعالى من ولاية الأمر. وأكّده النّبيّ حيث حصر دائرة الدّعوة الإبراهيميّة به وبعليّ، أمّا غيرهما فأقلّ شأنه أنّه ظلم نفسه بعبادة الأصنام.
ونستفيد من آية الدّعوة أنّ خليفة رسول الله صلىاللهعليهوآله - مضافاً إلى عصمته - لابدّ أن يكون على قدر عظيم من المعرفة بالدّين وأحكامه ليرجع إليه المسلمون في كلّ ما يهمّهم، ولم يكن فيهم من هو أقرأ لكتاب الله تعالى ولا أعلم بدين الله ولا أقضى من عليّ.
قوله تعالى ( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) (2)
الإجماع منعقد على أنّ الآية المباركة نزلت في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، وذلك أنّ قريشاً تحالفوا على قتل رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأجمعوا أمرهم: أن ينتدب لذلك من كلّ قبيلة شابّ، فيكبسوا عليه ليلاً وهو نائم، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيضيع دمه ولا يأخذ بثأره أحد. فنزل جبريل عليهالسلام بأمر الله تعالى لنبيّه صلىاللهعليهوآله أن يترك مكّة ويهاجر، وأن يبيت ابن عمّه عليّ عليهالسلام على فراشه، ففعل وبات الفدائيّ وقد وطّن نفسه للشهادة في سبيل
____________________
(1) البقرة / 129.
(2) نفس المصدر 207.
الله وفي سبيل سلامة رسول الله صلىاللهعليهوآله .
لقد عزّ النّاصر الّذي يؤدّي وظيفة خطيرة مثل هذه، وما كان لجسد غير عليّ أن يتكرّم بمماسّة موضع جسد النّبيّ في فراشه. ثمّ ما كان لغير عليّ أن يقوم مقام النّبيّ، سواء في الدّعوة والتبليغ حيث اختصّه بتبليغ «براءة»، أو تأدية أمانته وما كان يوصي إليه. عن معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي رافع في هجرة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال: وخلفه النّبيّ صلىاللهعليهوآله - يعني خلف عليّاً عليهالسلام - يخرج إليه بأهله، وأمره أن يؤدّي عنه أمانته ووصايات من كان يوصي إليه، وما كان يؤتمن عليه من مال، فأدّى عليّ أمانته كلّها. وأمره أن يضطجع على فراشه ليلة خرج، وقال: إنّ قريشاً لم يفقدوني ما رأوك، فاضطجع على فراشه (1) .
إنّ التأدية عن رسول الله صلىاللهعليهوآله ليس أمراً يذكر من غير وقفة وتأمّل! وأحاديث النّبيّ في هذا الباب وفيرة وفي أكثر من مشهد وموقف يعزّزها ائتمانه صلىاللهعليهوآله أهله، ولا يجوز لرسول الله صلىاللهعليهوآله على أن يأتمن على أهله إلاّ رجلاً مثله في العصمة.
وقد خلفه صلىاللهعليهوآله على أهله غير مرّة، من ذلك: غزاة تبوك، فأظهر عليهالسلام حزنه لذلك فقال له النبيّ: «يا عليّ، إنّما خلفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبيّ بعدي؟» (2)
وللحديث طرق لو جمعت لجاءت مؤلّفاً مستقلاًّ وفي بعضها: إنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال لعليّ هذه المقالة حين استخلفه. (3) وفي آخر، قال له: أقم بالمدينة، فقال له عليّ: «يا رسول الله، إنّك ما خرجت في غزاة قطّ فخلفتني! فقال النّبيّ لعليّ: إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» (4) .
وأنت ترى أنّ دائرة الاستخلاف هنا بين عامّ وأعمّ، وفي كلّ حال فهو عليهالسلام ما زال
____________________
(1) أسد الغابة 4: 96.
(2) مختصر تاريخ دمشق 17: 344؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 29.
(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ ص 30.
(4) ميزان الاعتدال 1: 263؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 33؛ ولسان الميزان 2: 324.
خليفته صلىاللهعليهوآله في أهله. وقوله صلىاللهعليهوآله : «إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك» صريح في أنّ القائد وخليفته يلزم أن يكونا معصومين، وإلاّ ركبا بالأمّة شططا. ولم يكن غير عليٍّ ليملأ دائرة الفراغ الّتي يتركها غياب النّبيّ، فعليّ معصوم، ونهجه حقّ، وصراطه مستقيم.
وحديث «المنزلة» الّذي جاء في خطاب النّبيّ لعليّ من غير فصل عن أوّله، توكيد لمعنى العصمة والخلافة ووجوب الطّاعة لسواء سبيله، كما هو حال هارون في قوم موسى عليهالسلام .
ولم تكن هذه هي المرّة الأولى الّتي يبيت فيها عليّ عليهالسلام على فراش رسول الله صلىاللهعليهوآله ، يفديه بمهجته ويدرأ عن نفسه بنفسه، يشدّ أزره في ذلك أبوطالب، أبوه مؤمن قريش وناصر النّبيّ صلىاللهعليهوآله . جاء في «شعر أبي طالب وأخباره - المستدرك ص 73»: ممّا أنشده أبوطالب، وكان كثيراً ما يخاف على رسول الله صلىاللهعليهوآله البيات - أي الغدر ليلاً حيث يبيت - إذا عرف مضجعه، فكان يقيمه ليلاً من منامه ويضجع ابنه عليّاً مكانه، فقال له عليّ ليلة: إنّي مقتول. فقال له أبوطالب، شعراً:
إصبرن يا بنيّ فالصّبر أحجى |
كلّ حيّ مصيره لشعوب (1) |
|
قدّر الله - والبلاء شديد - |
لفداء الحبيب وابن الحبيب |
|
لفداء الأغرّ ذي الحسب الثا |
قب والباع والكريم النّجيب |
|
إن تصبك المنون فالنّبل تبرى |
فمصيب منها وغير مصيب |
|
كلّ حيّ - وإن تملّى بعمر - |
آخذ من مذاقها بنصيب |
فأجاب عليّ، فقال:
أتأمرني بالصّبر في نصر أحمد |
ووالله ما قلت الّذي قلت جازعا |
|
ولكنّني أحببت أن ترى نصرتي |
وتعلم أنّي لم أزل لك طائعا |
|
سأسعى لوجه الله في نصر أحمدٍ |
نبيّ الهدى المحمود طفلاً ويافعا (2) |
____________________
(1) شعوب: المنيّة، يقال أشعب الرّجل إذا مات أو فارق فراقاً لا يرجع، تهذيب الألفاظ لابن السكّيت 453.
(2) المستدرك على شعر أبي طالب عليهالسلام لأبي هفّان المهزميّ (ت 257 هـ) ص 74.
ولم يكن أبوطالب ينافح عن ابن أخيه ويكافح بنفس ولده عليّ ودماء بني هاشم وحسب بل كان يجالد عتاة قريشٍ بنفسه، ويخاطب النّبيّ صلىاللهعليهوآله مؤمن به، تبع لقيادته ونبوّته، وأنّ كفّه كفّه الضّارب.
بعض الآثار الواردة في نزول الآية في عليّ عليهالسلام :
* عن امير المؤمنين عليهالسلام فيما خاطب به أهل الشّورى، محتجّاً عليهم بفضائله وما اختصّه الله تعالى به، ومنه الآية المذكورة، برواية الصّحابيّ أبي الطفيل عامر بن واثلة. المناقب للخوارزميّ 315، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 155، وكنز العمّال 3: 156، وغاية المرام 564.
ورواه الصّحابيّ أبوذر الغفاريّ. أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2: 162.
وأيضاً رواه عنه عبيد الله بن أبي رافع. طبقات ابن سعد 1: 227.
ورواه ابن الكوّا، عنه عليهالسلام . خصائص أمير المؤمنين للشّريف الرضيّ 26.
وأبو مريم الأسديّ، عنه عليهالسلام . المستدرك على الصحيحين 3: 5.
* الحسن بن عليّ بن أبي طالب. تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزيّ 182، في جواب قامع مسكت لمعاوية وحزبه: عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، لما نالوا من عليّ عليهالسلام ، وممّا قال: «وبات أمير المؤمنين يحرس رسول الله صلىاللهعليهوآله من المشركين، وفداه بنفسه ليلة الهجرة، حتّى أنزل الله ( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) .
* عليّ بن الحسين بن عليّ عليهمالسلام بسند عن قيس بن ربيع، عن حكيم بن جبير، عن عليّ بن الحسين عليهالسلام ، قال: إنّ من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . وقال عليّ عليهالسلام عند مبيته على فراش رسول الله صلىاللهعليهوآله :
وقيت بنفسي خير من وطأ الحصى |
ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر |
|
رسول إله خاف أن يمكروا به |
فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر |
|
وبات رسول الله في الغار آمناً |
موقّىً وفي حفظ الإله وفي ستر |
|
وبتّ أراعيهم وما يثبتونني |
وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر |
ورد في المناقب للخوارزميّ 127، وينابيع المودّة 92، مع اختلاف يسير في بعض
الألفاظ، والمستدرك على الصحيحين 4: 4.
وورد بغير الشّعر المذكور، في أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2: 61، والبرهان 1: 206، والمناقب لابن شهر آشوب 2: 64.
* ابن عبّاس. مختصر تاريخ دمشق 17: 318، والمناقب للخوارزميّ 126، وينابيع المودّة 92. وبرواية عمرو بن ميمون عنه، في مختصر تاريخ دمشق 17: 329. ورواية أبي صالح عنه في تفسير الطبريّ 9: 149، وتفسير فرات 5 ودلائل النّبوّة لأبي نعيم 63 - 65. والسّدّيّ عن ابن عبّاس أيضاً، في العمدة لابن البطريق 124 وينابيع المودّة: 92.
ورواه أبوغطفان عن ابن عبّاس، في الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 227، وأمالي الطّوسيّ 2: 60. وشعبة عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، في البداية والنهاية 7: 338. ولحديث ابن عبّاس طرق كثيرة في شواهد التنزيل رقم 134، 135، 136، 138.
ومن مصادر الحديث عن ابن عبّاس: أنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 106، وخصائص النّسائيّ 61 - 62، ومسند أحمد بن حنبل 1: 330 - 331، ومجمع الزّوائد 9: 19 - 20، وخصائص الوحي المبين لابن البطريق 89، والمعجم الكبير للطّبرانيّ 3: 151. وتاريخ بغداد 13، 191 - 192، والرياض النّضرة 2: 269 - 270، وذخائر العقبى 84 - 88، وكفاية الطّالب 240 - 241، وإحياء العلوم للغزاليّ 3: 252. والتلخيص للذهبيّ 3: 5 / 4263 من المستدرك على الصحيحين، وتفسير الثعلبيّ «الكشف والبيان 2: 126»، وتفسير النيشابوريّ بهامش تفسير الطبريّ 2: 291، وتفسير القرطبيّ 3: 21.
* ورواه الصّحابيّ أبو سعيد الخدريّ. شواهد التنزيل حديث رقم 133.
* وورد عن عائشة بنت قدامة. الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 227.
ومن أجل أن تكتمل الصورة الجميلة للإثارة الّتي ولّدتها الآية المباركة فمن الأنسب ذكر الآيات الّتي سبقتها، إذ التفسير الموضوعيّ للقرآن الكريم يعطي معنىً أجمل وأمثل ممّا يعطيه التجزيئيّ؛ لاتكاء مفرداته وآياته بعضها على الآخر بناءً ومعنى. قال تعالى:
( وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الْفَسَادَ *
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (1) .
بيّن سبحانه حال المنافقين يظهر أحدهم حلاوة الكلام وأحسنه ويقرنه باليمين والقسم بالله تعالى حتّى يكاد يصدّق بأنّه من المؤمنين؛ ولكنّ الله مطّلع على دخيلة نفسه فهو أشدّ المخاصمين للإسلام وللمؤمنين، فإذا ما انطلت خدعته على الآخرين من خلال تزويقه للألفاظ والدّعاية لنفسه فصار والياً حاكماً، جار واستبدّ وأفسد وسفك الدّماء، وهذا ما عرفه تاريخنا الماضي والحاضر.
ثمّ انتقل القرآن من ذلك ليرسم صورة أخرى لإنسان آخر، صادق في علاقته مع الله تعالى ونبيّه صلىاللهعليهوآله قد رهن نفسه وباع حياته مقابل رضى الله تعالى. ومعنى ذلك أنّ حسن الظاهر وصلاحه ليس دليلاً على حسن الباطن، بل ربّما يكون صاحبه في غاية سوء السريرة وفساد الباطن. فإذا تقرّر ذلك بطلت ولايته ولم تجز حاكميّته. ولما كان هذا التمييز ممّا يعسر على المجتمع اقتضى لطف الله تعالى نصب الوالي الصالح ظاهراً وباطناً، فتقرّر فيمن شرى نفسه وعصمها وصار صراط الله المستقيم.
قوله تعالى ( الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللّيلِ وَالنّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ) (2) .
حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: نزلت في عليّ خاصّةً، في أربعة دنانير كانت له، تصدّق منها نهاراً وبعضها ليلاً، وبعضها سرّاً، وبعضها علانية. (3)
____________________
(1) البقرة / 204 - 206.
(2) نفس المصدر 274.
(3) تفسير الحبريّ: 243؛ شواهد التنزيل للحسكانيّ 1: 114 رقم 155، بزيادة قوله صلىاللهعليهوآله لعليّ: ما حملك على هذا؟ قال: حملني عليها رجاء أن أستوجب على الله ما وعدني. فقال: ألا ذاك لك؛ فأنزل الله الآية في ذلك وأورده على ما في المتن من تفسير الحبريّ رقم 163، و 161 برواية الأعمش، عن ابن عبّاس.
وعن الضحّاك، عن ابن عبّاس (شواهد التنزيل 1: 114 رقم 162) ورواه فرات من هذا الطريق في تفسيره: 8 - 9. كما ذكر فرات (ص 2 - 3) رواية الحبريّ عن أبي صالح، عن ابن عبّاس.
وروي من طرق كثيرة، أنّه عليهالسلام كان معه أربعة دراهم وهو جميع ما يملك من مال فأنفقه في سبيل الله تعالى، على الصورة الّتي ذكرها القرآن الكريم. =
ووجه الاستدلال بالآية الشّريفة مثل الاستدلال بالآية السابقة - في شراء النفس ابتغاء مرضاة الله - تعبير عن غاية صلاح الباطن المنعكس على صفحة الظاهر في البذل والعطاء الخالص لوجه الله تعالى وليس لشيء سوى ذلك؛ فهو يبدأ من عند الله وينتهي إلى عند الله تعالى، فهي العصمة بعينها، الكفيلة بصحّة ورشاد صاحبها واستقامة صراطه. وحكم الآية سائر في كلّ من فعل مثل فعل عليٍّ عليهالسلام ، مع فضل سبقه عليهالسلام إلى ذلك.
وكم أنفق بعض الناس وأعطو عظيماً من المال، فما أقام الله تعالى لذلك وزنا ولم ينزل فيه وحياً؛ إذ لم يكن إلاّ ظاهراً حسناً مع باطن فاسد! حاله حال ( وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ
____________________
= رواه عكرمة عن ابن عبّاس. تذكرة الخواصّ: 23.
مجاهد عن ابن عبّاس. أسباب النّزول للواحديّ: 58؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 280؛ أسد الغابة 4: 104؛ كفاية الطّالب 232؛ مجمع الزوائد 6: 324؛ تفسير ابن كثير 1: 326؛ الدّرّ المنثور 1: 363؛ الرّياض النّضرة 2: 206. وعن الكلبيّ مرسلاً، في أسباب النزول للواحديّ: 58، ونفس المصدر عن عبد الوهّاب بن مجاهد، عن أبيه. وعن أبي إسحاق السّبيعيّ، قال: كان لعليّ بن أبي طالب عليهالسلام أربعة دراهم لم يملك غيرها، فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً. فبلغ ذلك النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فقال: يا عليّ ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنجاز موعود الله. فأنزل الله ( الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللّيلِ وَالنّهَارِ ) الآية. تفسير العيّاشي. 1: 151.
ومن المصادر التي أكّدت على اختصاص الخطاب القرآنيّ بعليٍّ عليهالسلام :
نهج البيان، للشّيبانيّ 1: 352؛ الكشّاف للزمخشريّ 1: 301؛ التبيان 2: 357؛ البرهان 1: 257؛ 2: 4 - 8؛ غاية المرام 347؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 9؛ ينابيع المودّة 92؛ العمدة لابن البطريق 349؛ نور الأبصار 158؛ الاختصاص 150؛ مجمع البيان للطبرسيّ 1: 388، مرويّاً عن الصّادقين عليهماالسلام ؛ ذخائر العقبى 88؛ المعجم الكبير للطّبرانيّ 3: 114؛ المناقب لابن شهر آشوب 2: 71؛ المناقب للخوارزميّ 281؛ تفسير القرآن العزيز: عبد الرزّاق الصنعانيّ 1: 118 / 344؛ تفسير مقاتل بن سليمان 1: 147 - 148 وفيه: ( الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللّيلِ ) الآية، قال مقاتل: ( الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم ) في الصدقة ( بِاللّيلِ وَالنّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ) نزلت في عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، لم يملك غير أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً، وبدرهم علانية، فقال له النبيّ صلىاللهعليهوآله : «ما حملك على ذلك؟» قال: حملني أن أستوجب من الله الذي وعدني، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله : «الآن لك ذلك» قال: فأنزل الله عزّ وجلّ فيه ( الّذِينَ يُنْفِقُونَ. .. وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) عند الموت. و معاني القرآن للنّحاس 1: 305؛ تفسير الثعلبيّ 2: 279؛ كنز العمّال 6: 360 / 16059؛ مناقب عليّ لابن مردويه: 224 ح 316؛ تفسير ابن كثير 1: 326؛ كشف الغمة 1: 315؛ كشف اليقين 364؛ فتح القدير 1: 294؛ مفتاح النجا: 39.
قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ ) (1)
إلاّ أنّ الوحي سجّل لعليّ عليهالسلام إنفاقه لهذه الدّراهم القليلة لسببين.
الأوّل: صدقه في الإنفاق في سبيل الله عزّ وجلّ، في حال السرّ والعلن.
الثاني: إنّ هذا القليل الّذي أنفقه عليّ كثير عند الله سبحانه؛ لأنّه متفرّع عن الأوّل الّذي هو الأصل في قبول العمل والأجر عليه. ولأنّه كل ما كان يملك عليهالسلام فجاد به وكأنه جاد بنفسه في سبيل الله، إذ ما نكاد نجد آية في الجهاد تقرن المال بالنّفس إلاّ وقدّمت الأوّل على الثاني لشدّة ولع النفس بالمال وحرص الإنسان عليه، والمال وسيلة الإنسان لنيل ما يحبّ في دنياه ويرغب. وعليّ عليهالسلام له السّبق في كل فضل، لا يجد في المال والنّفس إلاّ انّهما أمانة يجب أن تردّ إلى مالكها الحقّ سبحانه.
قوله تعالى: ( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2) .
مضى الحديث عن الآية بما فيه الكفاية، وأنّها نزلت في الوجوه المقدّسة عند الله تعالى، وهم محمّد حبيب الله ورسوله صلىاللهعليهوآله ، وصنوه وأخوه وعيبة علمه ونفسه الزاكية الزكيّة عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، وابنته البتول الزّاهرة فاطمة الزّهراء عليهاالسلام ، وسبطاه الشّهيدان الحسن والحسين عليهماالسلام .
وكان وجه الاستدلال أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قد خرج في هذا الامتحان العسر يتحدّى وفد نصارى نجران وأحبارهم في إثبات نبوّته. فلمّا أنكروها دعاهم إلى المباهلة، أي الملاعنة وإلى دعاء الله تعالى أن ينزل عقابه على الكاذبين، وهي سنّة أمضاها الأنبياء من قبله، فطال المكذّبين من أقوامهم عذاب الله العاجل. ورجال الدّين وأحبار النّصارى يعلمون ذلك، فلمّا حان الموعد خرج رسول الله صلىاللهعليهوآله يباهلهم بنفسه متمثّلة بأخيه عليّ، وبنسائه متمثّلاً ذلك ببضعته الطّاهرة فاطمة، وبولديه الحسن والحسين عليهماالسلام ، فلمّا رأى وفد
____________________
(1) البقرة / 204.
(2) آل عمران / 61.
النّصارى تلك المصابيح الزّهر شعروا بالهزيمة، فرضوا بإعطاء الجزية على أن لا يباهلوا.
ومن هنا كان عليّ وفاطمة والحسنان عليهمالسلام معجزة النّبيّ صلىاللهعليهوآله يومئذ، ولو قامت الحجّة على النّبيّ وحلّ العقاب بساحته، لبطلت معجزته وانتهت رسالته. فدلّ ذلك على عصمتهم واستقامة صراطهم ولزوم منهجهم.
عن أبي رياح، مولى أمّ سلمة، عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال: «لو علم الله أنّ في الأرض عباداً أكرم من عليّ وفاطمة والحسن والحسين لأمرني أن أباهل بهم، ولكن أمرني بالمباهلة مع هؤلاء - وهم أفضل الخلق - فغلبت بهم النّصارى» ينابيع المودّة: 244.
قوله تعالى: ( ثُمّ أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِن بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نُعَاسَاً يَغْشَى طَائِفَةً مِنكُمْ ) (1) .
حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: نزلت في عليّ عليهالسلام ؛ غشيه النّعاس يوم أحد (2) .
____________________
(1) آل عمران / 154.
(2) تفسير الحبريّ: 249؛ تفسير فرات 19 عن الحبريّ - رواية ابن عبّاس -، وكذلك شواهد التنزيل 1: 135. وروى ابن شهر آشوب رواية ابن عبّاس، وأضاف: والخوف مسهر، والأمن منيم. المناقب3: 122. وفي تفسير العيّاشيّ 1: 201، وعنه في البرهان 1: 321: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : يا عليّ أين كنت؟ فقال: يا رسول الله لزقت بالأرض. فقال: ذاك الظنّ بك». وفي أسد الغابة 4: 97، عن سعيد بن المسيّب، قال: لقد أصابت عليّاً يوم أحد ستّ عشرة ضربة، كلّ ضربة تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلاّ جبريل عليهالسلام وأسد الغابة أيضاً 98: عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، قال: قال عليّ: لما تخلّى النّاس عن رسول الله صلىاللهعليهوآله ، يوم أحد نظرت في القتلى فلم أر رسول الله، فقلت: والله ما كان ليفرّ، وما أراه في القتلى، ولكن الله غضب علينا بما صنعنا فرفع نبيّه، فما فيّ خير من أن أقاتل حتّى أقتل. فكسرت جفن سيفي، ثمّ حملت على القوم فأفرجوا لي، فإذا برسول الله صلىاللهعليهوآله بينهم.
ونفس المصدر: 97 - 98، قال الزّبير بن بكّار: وله - أي لعليّ بن أبي طالب - يقول أسيد بن أبي أناس بن زنيم، وهو يحرّض مشركي قريش على قتله ويعيّرهم:
في كلّ مجمع غاية أخزاكم |
جذع أبرّ على المذاكى القرّح |
|
لله درّكم! ألما تنكروا |
قد ينكر الحيّ الكريم ويستحي |
|
هذا ابن فاطمة الّذي أفناكم |
ذبحاً، وقتلة قعصة لم تذبح |
|
أعطوه خرجاً واتّقوا بضريبة |
فعل الذّليل وبيعة لم تربح |
=
____________________
=
أين الكهول؟ وأين كلّ دعامة |
في المعضلات؟ وأين زين الأبطح؟ |
|
أفناهم قعصا وضرباً يفري |
بالسّيف يعمل حدّه لم يصفح |
معاني بعض المفردات: الجذع - بفتحتين -: الشّاب الحدث، والمذاكي: الخيل، وقعصه: أجهز عليه وقتله قتلاً سريعاً. انظر لسان العرب، وتهذيب الألفاظ لابن السكّيت.
ونفس المصدر 97، عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول الله صلىاللهعليهوآله في المواطن كلّها، فإذا كان وقت القتال أخذها عليّ بن أبي طالب.
ومن أمر أحد أنّ قريشاً لما خذلتها آلهتها وولّت مذعورة تجرّ ذيل الخزي؛ إذ هزم الله تعالى جمعها على يد النّبيّ والمؤمنين يوم بدر، فإنّها عاودت فجمعت فلولها لتغسل عار الهزيمة النّكراء، ونذرت كلّ ما عندها من عدّة ورجال، يقودهم أبو سفيان صخر بن حرب الأمويّ، وتستنهض هممهم النّساء يضر بن الدفوف، وتصهل هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان وأمّ معاوية بن أبي سفيان، ومن نعيقها:
إن تقبلوا نعانق |
ونفرش النّمارق |
|
أو تدبروا نفارق |
فراق غير وامق |
والنمارق: واحدتها نمرقة وهي الوسادة، والوامق: المحبّ.
ولقد حصل يومئذ أمور، من ذلك أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله استشار من معه في البقاء في المدينة فإذا دخلت قريش قاتلهم فيها، أوالخروج وملاقاة العدوّ خارجها. فاختلفت كلمتهم، وتكلّم المنافقون ونشطوا، فلبس النّبيّ صلىاللهعليهوآله لأمته، فعندئذ قال بعضهم: يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد! فقال صلىاللهعليهوآله : ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل، فخرج.
ومنه: لما كان المسلمون بالشّوط - بين أحد والمدينة - انخزل عنه عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، قال: علام نقتل أنفسنا؟! فعاد بمن تبعه م المنافقين والمتخاذلين، فكانوا ثلث النّاس.
وتزاحمت الحوادث، فقد همّت بنو سلمة وبنو حارثة بالرّجوع حين رجع عبد الله بن أبيّ، ثمّ ثابوا إلى رشدهم وتابوا من ذلك فذلك قوله تعالى: ( إِذْ هَمّت طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ ) آل عمران / 122.
ومنه - وهو الأعظم خطراً وكاد أن يلحق هزيمةً ماحقة في صفوف المسلمين - مخالفتهم أمر رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وخروجهم عن طاعته! ذلك أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله نزل بجيشه الشّعب من أحد في عدوته الدّنيا - والعدوة هي شفير الوادي وجانبه - فجعل ظهره وعسكره إلى أحد؛ من أجل أن لا يبغته العدوّ من وراء عسكره، وجعل عليه خمسين من الرّماة وأمرهم أن ينضحوا خيل المشركين بالنّبل ولا يغادروا مكانهم على أيّ حال، وأمر عسكره ان لا يبدأوا القتال حتّى يأمرهم بذلك. وهنا حدثت المخالفة التالية: فقد سرّحت قريش الظّهر والكراع =
____________________
= «الظّهر: الإبل، والكراع: الخيل» في زروع كانت بالصّمغة من قناة للمسلمين، «والصّمغة أرض قرب أحد» وهنا قال رجل من المسلمين حين نهى رسول الله صلىاللهعليهوآله عن القتال: أترعى زروع بني قيلة - الأوس والخزرج - ولما نضارب؟!
ولما اشتبك الجمعان هزم الله تعالى المشركين وولّوا الدّبر، وذهبت نساؤهم في كلّ صوب مصعدات في الجبل، ودخل المسلمون ينتهبون عسكر المشركين. وهنا حدثت المخالفة الآتية الّتي قلبت المعادلة وكادت تذهب برسول الله شهيداً، وتئد الإسلام وهو ما يزال طريّاً؛ فقد اختلف الرّماة إذ رأوا رسول الله وأصحابه في جوف عسكر المشركين، فقالت طائفة: أدركوا الغنيمة قبل أن يسبقونا إليها! وقالت طائفة: نثبت مكاننا لا نترك أمر رسول الله. وانطلق عامّتهم، فلحقوا بالعسكر. فلمّا رأى خالد بن الوليد قلّة الرّماة، صاح في خيله من أهل الكفر والشّرك ثمّ حمل، فقتل الرّماة، وحمل على أصحاب النّبيّ صلىاللهعليهوآله . فلمّا رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل تنادوا، فشدّوا على المسلمين فهزموهم. وضاع شخص رسول الله وسط المشركين الّذين أذاعوا أنّ محمّداً صلىاللهعليهوآله قد قتل! وهنا أيضاً حصل أمر: فلقد كان لهذا الإعلان وقع خطير وأثر جسيم على حاضر الإسلام ومستقبله؛ إذ زاد في الهزيمة هزيمةً وأفصحت النّفوس عن دخائلها، ولاذ بعض إلى مفازة ظلّوا فيها يأكلون ويشربون. عن القاسم بن عبد الرّحمن بن رافع من بني عديّ، قال: «انتهى أنس بن النّضر - عمّ أنس بن مالك - إلى عمر بن الخطّاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟! قالوا: قتل رسول الله! قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلىاللهعليهوآله . ثمّ استقبل القوم، فقاتل حتّى قتل، وبه سمّي أنس بن مالك». انظر في هذا السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 88؛ تاريخ الطبريّ 2: 119.
«وفرّ عثمان بن عفّان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان - رجلان من الأنصار - حتّى بلغوا الجلعب - جبلاً بناحية المدينة - فأقاموا به ثلاثاً، ثمّ رجعوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فزعموا أنّ رسول الله قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة!» تاريخ الطّبريّ 2: 203.
قال الزّبير: صرخ صارخ: ألا إنّ محمّداً قد قتل! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم. تاريخ الطّبريّ 2: 197.
وإزاء هذه المواقف مواقف أخرى: ذكرنا موقف أنس بن النّضر، وهذا موقف آخر ليهوديّ قتل شهيداً! إنّه: مخيريق. ومن خبره أنّه كان حبراً عالماً، غنيّاً كثير الأموال من النّخل، وكان يعرف رسول الله صلىاللهعليهوآله بصفته، وما يجد من علمه، حتّى إذا كان يوم أحد حثّ قومه على نصرة النّبيّ، وأخذ سيفه وعدّته، وقال: إن أصبت فمالي لمحمّد يصنع فيه ما شاء. ثمّ غدا إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقاتل معه حتّى قتل، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : مخيريق خير يهود». انظر السّيرة لابن هشام 3: 94؛ المغازي للواقديّ 3: 378؛ الطّبريّ 2: 209. =
____________________
= وهناك مواقف أخرى لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من استشهد بعد أن هدّ كتائب المشركين وفلّ جموعهم وفرى رجالهم، مثل حمزة عليهالسلام عمّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله ؛ وأبي دجانة سماك بن خرشة، وخمسة نفر من الأنصار فيهم زياد بن السّكن؛ قاتلوا دون رسول الله، رجلاً ثمّ رجلاً يقتلون دونه.
وكان للمرأة يومئذ دور يذكر فيشكر، فهذه نسيبة بنت كعب المازنيّة، لما انهزم المسلمون، باشرت القتال تذبّ عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله بالسّيف وترمي بالقوس، حتّى أصيبت إصابات شديدة بقي أثرها فيما بعد.
والواقع أنّنا لم نجد فيما رجعنا إليه من المصادر المعتمدة لدى المحقّقين المسلمين، مواقف تمّ عن أدنى صور الرّجولة والاستبسال لدى من ذكرهم ابن القيّم، ومضى إلى القول إنّ صراطهم صراط الله المستقيم، وصراط غيرهم صراط المغضوب عليهم والضّالين! فخيرهم في هذا الميدان لا نجد له الاّ جملاً عائمة، مفادها أنّه ممّن قاتل بين يدي رسول الله، أمّا أيّ كتيبة هدّ، وأيّ صعلوك - فضلاً عن أحد فرسان قريش - بارزه فقتله؟ فهذا ما سكت عنه التاريخ.
أمّا الآخر: فهو مع أحد «العشرة المبشّرة» بالجنّة في جمع من عسكر المسلمين في مفازة يطعمون لأنّهم سمعوا الهاتف: قتل محمّد! وكأنّ العقيدة مرهوة بوجود شخص النبيّ، فإذا مضى انتهى أمر هذا الدّين! وقد سجّل القرآن الكريم هذا اللّون من السّلوك منكراً على أصحابه أشدّ النكير: ( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ ) «آل عمران / 144».
وأين هذا الموقف والقول من موقفه يوم السّقيفة؟! فبعد أن قطع على رسول الله صلىاللهعليهوآله طلبه قلماً ودواةً ليكتب لهم عهداً لن يضلّوا بعده أبداً أوجد هذا حالةً من اللّغط من خلال قوله: إنّ النّبيّ يهجر! ثمّ أسرع إلى سقيفة بني ساعدة حيث اجتمع فيها عدد من المهاجرين والأنصار قد تخلّوا عن نبيّهم، واجتمعوا يختصمون: كلّ يطلب ذاك ويدوس في بطنه وسيفه على عاتقه، ثمّ قال: «إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله قد توفّي. وإنّ رسول الله والله ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلةً، ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات. ووالله ليرجعنّ رسول الله كما رجع موسى، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله مات». فهلاّ كان مثل هذا القول يوم أحد، يوم التمحيص والبلاء العظيم، ليشدّ أزر الرّجال ويجمعهم لردّ كرّة المشركين؟! وكيف يصدّق إذاعتهم أنّ «محمّداً قد مات». فهلاّ كان مثل هذا القول يوم أحد، يوم التمحيص والبلاء العظيم، ليشدّ أزر الرّجال ويجمعهم لردّ كرّة المشركين؟! وكيف يصدّق إذاعتهم أنّ «محمّداً قد مات» فيكفّ عن القتال ولا يصدّق موت رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو يراه عياناً؟!
ولا كلام لنا مع الثالث من العشرة المبشّرة بالجنّة حيث ذهب مع رهطٍ الى حوالي المدينة وبعد ثلاثة أيّام =
____________________
= عادوا، ولكن لم عادوا؟ فليس هذا ذا بالٍ؛ فقد ذهبوا فيها عريضة! كما أنّ ابن القيّم لم يجعل صراطه مستقيماً!
وفي الطرف الآخر يقف عليّ عليهالسلام خارجاً عمّن انكفأ حين انكفأ المشركون على عسكر النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، ولم يكن لإذاعة الشّيطان أنّ «محمّداً قد قتل» أدنى أثر في نفسه إلاّ زيادة اليقين في وجوب مجاهدة العدوّ والغوص في لهوات الحرب وقد كسر جفن سيفه. إنّها بيعة لله ولرسوله، فأمعن في جموعهم تقتيلاً وتشريداً، ولم تقرّ نفسه حتّى وجد النّبيّ يجاهد الكفّار ويغلظ عليهم. فعليّ أنأى ما يكون عن حالة الارتداد الّتي أصابت القوم يومئذ وبعدئذ، وترجمتها الوقائع المتلاحقة.
ولهذا وغيره: فعليّ عليهالسلام أمير كلّ آية فيها خطاب ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ، وقد عاتب الله سبحانه عامّة الصّحابة، وما عاتب عليّاً بشيء من ذلك. وممّا كان من أمر عليٍّ يومئذ ما رواه حبان عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما قتل عليّ بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلىاللهعليهوآله جماعةً من مشركي قريش، فقال لعليّ احمل عليهم، فحمل عليهم، ففرّق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحيّ. قال: ثمّ أبصر رسول الله صلىاللهعليهوآله جماعةً من مشركي قريش، فقال لعليّ: احمل عليهم، فحمل عليهم ففرّق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك ابن المضرّب، أحد بني عامر بن لؤي، فقال جبريل عليهالسلام : يا رسول الله، إنّ هذه للمواساة! فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّه منّي وأنا منه». فقال جبريل عليهالسلام : وأنا منكما. قال: فسمعوا صوتاً:
لا سيف إلاّ ذو الفقار |
ولا فتى إلاّ عليّ |
تاريخ الطّبري 20: 197؛ الأغاني لأبي الفرج الأصبهانيّ 15: 192؛ الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ 56؛ السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 106؛ مختصر تاريخ ابن عساكر 17: 31 إلاّ أنّه اقتصر على ذكر حديث أبي رافع، ولم يذكر النّداء، وذكر في ص 319 حديث أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهالسلام ، قال: نادى منادٍ في السماء يوم بدر يقال له رضوان: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ» ومثله في مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 199 ح 235؛ كفاية الطّالب 277؛ سنن البيهقيّ 3: 276؛ المستدرك على الصحيحين 2: 285؛ ذخائر العقبى 74؛ الرّياض النّضرة 2: 190؛ المناقب للخوارزميّ 167؛ المستدرك على الصحيحين 2: 285؛ ذخائر العقبى 74؛ الرّياض النّضرة 2: 190؛ المناقب للخوارزميّ 167: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله يوم بدر: «هذا رضوان ملك من ملائكة الله ينادي: لا سيف إلاّ ذوالفقار ولا فتى إلاّ عليّ»، وميزان الاعتدال 2: 317؛ لسان الميزان 4: 406؛ مجمع الزّوائد 6: 114، وفي كفاية الطّالب 274 ذكر حديث أبي رافع من غير ذكر النداء ومصادر الحديث أكثر من هذا بكثير، من ذلك: خصائص النّسائيّ 77؛ كنز العمّال 11: 350؛ كنوز الحقائق للمناويّ 37.
ونجد في بعض هذه المصادر ما ينصّ على أنّ النّداء كان يوم بدر، ويوم أحد، ممّا يؤكّد خطر منزلة عليّ عليهالسلام =
قوله تعالى: ( الّذِينَ اسْتَجَابُوا للّهِِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِمَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ) (1) .
( الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (2) .
بعد انتهاء وقعة أحد ظلّت الحالة العامّة على ما هي عليه قبل المعركة؛ فالمشركون بزعامة أبي سفيان عادوا منها ولما يحقّقوا ما كانوا يصبون إليه من استئصال المسلمين،
____________________
= وخصوصيّته من بين أتباع رسول الله صلىاللهعليهوآله .
الاستدلال: يستدلّ بالواقعة على انقطاع النّظير، في الشّجاعة، لرسول الله صلىاللهعليهوآله إلاّ في عليّ عليهالسلام ، من غير بخس لأسد الله وأسد رسوله: حمزة بن عبد المطّلب، وأبي دجانة. إلاّ أنّ لعليّ من بينهما خصوصيّة في كلّ ميدان وعلى أيّ صعيد؛ ولذا خصّ بالهتاف وقول جبريل عليهالسلام : «إنّ هذه للمواساة» أي أنّ المواساة كلّ المواساة تتجلّى في سلوك عليّ، وقول رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّه منّي وأنا منه»، وإدخال جبريل نفسه معهما: «وأنا منكم يا رسول الله». كلّ ذلك يدلّل على عصمة عليّ عليهالسلام لأنّه بعض من كلٍّ لا يجوز على أحدهم ما ينافي العصمة، فهو بين نبيٍّ وملك جليل.
والشّجاعة والفداء على هذا الحال ممّا يكشف عن نفس صاحبها وطهارة معدنه، وهو من دعائم شخصيّة المتصدّي للحكم؛ لأن الشّجاع من قهر ذاته ولم يغلبه هواه. ومن انتصر على نفسه كان على غيرها أقدر، من إقامة الحدود بعدالة، والتصدّي لأعداء الإسلام.
والأمر الآخر أنّ الآية قبلها ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّا بِغَمّ ) آل عمران / 153. شرح لحال المنهزمين من المسلمين وهم يمعنون بالفرار مخالفين لله تعالى في وجوب الثّبات في الحرب، ومخالفين النّبيّ في أمرين: الثّبات في مواضعهم، والآخر عدم التفاتهم للنّبيّ وهو يناديهم «ارجعوا إليّ عباد الله! أنا رسول الله». ولم يقع من امير المؤمنين عليّ عليهالسلام شيء من هذا، فما زال من موضعه قدما وإنّما أمعن في المضيّ قدماً يجندل أبطال العدوّ ويفدي الرّسول بمهجته ويأتمر بأمره: «احمل عليهم»، فيحمل...
وطاعة رسول الله طاعة الله، ومن هذا شأنه فصراطه بالاتّباع أولى ومشايعته أوجب؛ لقوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) النّساء / 59. ولا يعقل أن يكون وليّ الأمر من يخالف الله والرّسول، فوجب طاعة عليّ دون غيره، ولأنّ الله تعالى قرن طاعته بطاعته. وسيأتي الكلام على الآية إن شاء الله.
(1) آل عمران / 172.
(2) نفس المصدر 173.
فندموا وقررّوا الودة لذلك، فبعث أبو سفيان رسالة إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله يتوعّد ويهدّد. والمنافقون عاودوا نشاطهم في تثبيط المسلمين وتهويل الأمر عليهم... فما كان جواب النّبيّ والمؤمنين معه إلاّ أن قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. ثمّ إنذه انتدب عصابة مع ما بهم من القروح والجراح الّتي أصابتهم يوم أحد، ونادى منادي رسول الله: ألا لا يخرجنّ أحد إلاّ من حضر يومنا بالأمس. وكان هدف النّبيّ أن يرهب العدو، ويريهم أنّ المسلمين قوّة لا تقهر.
وهل لمثل الجسام إلاّ عليّ؟ فنفر في تسعة من المؤمنين استجابوا لله ورسوله، ممّا أوقع الرّعب في قلوب المشركين، فولّوا إلى مكّة، وعاد المسلمون رافعي الرأس. وقد سجّل لهم الوحيّ ذلك، وعليّ أمير الجماعة الّتي استجابت لله ورسوله، ولم يكن عليه أمير فيها ولا في غيرها، ولم يكن معه في هذا النّفير الصّعب واحد ممّن ذكر ابن القيّم، فبات صراط عليّ هو الصّراط المستقيم لطاعته لله ورسوله على كلّ حال وفي كلّ آن، ولأنّ الله تعالى قرن طاعته بطاعته ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) .
في قوله تعالى: ( الّذِينَ اسْتَجَابُوا للّهِِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِمَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ) الآية، قالوا: نزلت في عليّ عليهالسلام وتسعة نفر معه، بعثهم رسول الله صلىاللهعليهوآله في أثر أبي سفيان حين ارتحل، فاستجابوا لله ورسوله صلىاللهعليهوآله (1) .
____________________
(1) تفسير الحبريّ: 251؛ تفسير فرات 19 عن الحبريّ؛ شواهد التنزيل 1: 135، كلّ عن محمّد بن السائب الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس وشواهد التنزيل حديث 183 عن موسى بن عمير، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس.
وعن أبي رافع. شواهد التنزيل ح 182؛ مناقب ابن شهر آشوب 3: 125، وقال: روي عن أبي رافع بطرق كثيرة أنّه لما انصرف المشركون يوم أحد قالوا: لا الكواعب أردفتم، ولا محمّداً قتلتم، ارجعوا. فبلغ ذلك رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فبعث عليّاً عليهالسلام في نفر من الخزرج». البرهان 1: 326؛ غاية المرام 407.
وعن سالم بن أبي مريم، عن أبي عبد الله الصّادق عليهالسلام . شواهد التنزيل ح 185؛ تفسير العيّاشيّ 1: 206، وفيه: قال لي أبو عبد الله عليهالسلام : إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله بعث عليّاً عليهالسلام في عشرة «استجابوا لله وللرّسول من بعد ما أصابهم القرح» إلى «أجر عظيم»: إنّما نزلت في أمير المؤمنين عليهالسلام .
وعن جابر، عن محمّد الباقر عليهالسلام ، قال: لما وجّه النّبيّ صلىاللهعليهوآله امير المؤمنين وعمّار بن ياسر إلى أهل مكّة، =
قوله تعالى ( أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) (1) .
أبو عبيد الله المرزبانيّ، بسنده عن الكلبيّ، عن أبي صالح، قال: نزلت في رسول الله صلىاللهعليهوآله وفي عليّ (2) .
____________________
= قالوا: بعث هذا الصبيّ، ولو بعث غيره إلى أهل مكّة وفي مكّة صناديد قريش ورجالها؟! والله الكفر أولى بنا ممّا نحن فيه! فساروا وقالوا لهما وخوّفوهما بأهل مكّة وغلظوا عليهما الأمر، فقال عليّ عليهالسلام : حسبنا الله ونعم الوكيل، ومضيا. وأخبر الله نبيّه بقولهم لعليّ وبقول عليّ لهم، فأنزل الله بأسمائهم في كتابه وذلك قوله تعالى: ألم تر إلى ( الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ، وإنّما نزلت «ألم تر» إلى فلان وفلان لقوا عليّاً، وعمّاراً، فقالا: إنّ أبا سفيان، وعبد الله بن عامر وأهل مكّة قد جمعوا لكم فاحشوهم؛ فزادهم إيماناً وقالوا:
«حسبنا الله ونعم الوكيل». تفسير العيّاشيّ 1: 206.
والآية فيصل بين حقّ محض وباطل. وهذا الباطل تمثّل في الّذين يصعدون في الجبل فراراً ولا يستجيبون لأمر رسول الله صلىاللهعليهوآله بالعودة إليه، كما لم يستجيبوا أمره أوّلاً بالثّبات في مواضعهم، فمنهم من تعلّل بأنّه سمع بموت رسول الله، فلم ينتصر لنبيّه وإنّما جلس في رفقة له يأكلون. وآخرون مضوا على وجوههم إلى المدينة. وطائفة يعلمها الله تعالى بدخائل نفوسها ( يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ) . وهذا يقتضي عدم جواز اتّباع هذه الفئات؛ لفقدها العصمة المانعة من معصية الله تعالى ومخالفة أحكامه.
إنّ الحقّ - والحالة هذه - مع المعنيّين بالخطاب بأن لا يحزنوا لما فاتهم من النّصر، ولما أصابهم من الشدائد يوم أحد. وخير مصداق له: المعنيّ بنزول الأمنة عليه في ذلك الموقف الصّعب، وهو عليّ عليهالسلام . يقوّيه في المعنى ويعضده توالي الزّمن م ثبوت الحال؛ فالكفّار يتوعّدون، والمنافقون يرجفون، وغيرهم مخذول مخذّل! وعليّ - على ما به من قروح - أوّل من استجاب لأمر رسول الله، فخرج في أثر المشركين، ولم يلتف إلى المثّاقلين إلى الأرض، وما زاد على قوله: حسبنا الله ونعم الوكيل» والله تعالى يقول: ( إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ ) آل عمران / 159.
(1) النّساء / 54.
(2) البرهان 1: 378؛ غاية المرام: 268؛ اللّوامع النورانيّة: 81؛ وينابيع المودّة: 121 عن ابن المغازليّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس. وابن حجر الهيتميّ في الصّواعق المحرقة: 150، من نفس الطريق.
وفي تفسير الحبريّ: 255 ونقله عنه الحسكانيّ في شواهد التنزيل ح 186 من طريق المرزبانيّ، وفيه: «نزلت في رسول الله صلىاللهعليهوآله ، بما أعطاه الله من الفضل». والرواية متّحدة الطريق - من المرزبانيّ - وإنّ الأصل في عنوان تفسير الحبريّ هو: «ما نزل من القرآن في عليّ» وأحياناً «ما نزل في أهل البيت» وعليّ من أهل البيت =
قوله تعالى: ( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (1) .
____________________
= ونفس رسول الله وأخوه، والآية بلفظ الجماعة، مضافاً إلى أنّ المصادر والرّوايات من غير هذا الطّريق متّفقة على أن المعنيّ: رسول الله وعليّ، وفي بعضها: رسول الله وأهل بيته، فربّما حذف اسم عليّ لسبب أو آخر، على أنّه يبقى من المحسودين.
* ومن الآثار الدّالّة على ذلك ما جاء عن امير المؤمنين عليهالسلام ، في جواب له لمعاوية بن أبي سفيان، وذكره سليم بن قيس الهلاليّ العامريّ «المتوفّى سنة 90 هـ) في كتابه السّقيفة: 194، جاء فيه: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) فنحن النّاس ونحن المحسودون، قال الله عزّ وجلّ: ( فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً ) [ تكملة الآية السّابقة ]. إنّ الملك العظيم أن جعل فيهم أئمّة من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله، وآتاهم الكتاب والحكمة والنّبوّة؛ فلم يقروّن بذلك في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمّد؟!
* محمّد الباقر عليهالسلام
رواه جابر عنه قال: نحن النّاس. مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 267 وعنه في العمدة: 185؛ ينابيع المودّة: 121؛ غاية المرام: 268؛ أمالي الطّوسيّ 1: 178 وعنه البرهان 1: 376.
ورواه بريد العجليّ، عنه عليهالسلام . البرهان 1: 375؛ غاية المرام: 268 ولفظه: «نحن النّاس المحسودن على ما أتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين». وله طرق أخرى عن الإمام الباقر عليهالسلام غير هذه.
* جعفر الصادق عليهالسلام
رواه أبو حمزة الثماليّ عنه عليهالسلام ، قال: «نحن والله المحسودون». البرهان 1: 377؛ غاية المرام 269.
وأبو سعيد المؤدّب، عنه عليهالسلام ، قال: «نحن النّاس، وفضله: النبوّة». شواهد التنزيل ح 196؛ البرهان 1: 378.
ورواه أبان بن تغلب، عنه عليهالسلام . شواهد التنزيل ح 195. ومحمّد بن فضيل عنه عليهالسلام . شواهد التنزيل: 197 ولفظه: «نحن والله هم، نحن والله المحسودون».
في مختصر تاريخ دمشق 17: 381 عن أبي رافع: إنّ عليّاً دخل على النّبيّ صلىاللهعليهوآله وهو مغضب، فشكا إليه بغض قريش له، وحسد النّاس إيّاه، فقال رسول الله: «يا عليّ، أما ترضى أنّ أوّل أربعة يدخلون الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين؟».
ونفس المصدر: وعن عليّ قال: شكوت إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله حسد النّاس لي، فقال: «يا علي، أما ترضى أنّ أوّل أربعة يدخلون الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرارينا خلف أزواجنا وأشياعنا من ورائنا؟».
بعد كلّ ذلك فلم لا يحسد عليّ؛ وغنيّ عن الزيادة في البيان في ظهور الآية في استقامة صراط عليّ.
(1) النساء / 59.
بعد ما حثّ سبحانه وتعالى الولاة على إنصاف الرعيّة في حقوقها وأمرهم بوجوب التزام العدالة، بقوله تعالى: ( وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (1) .
وجّه سبحانه الخطاب إلى الرعيّة يحثّها على طاعتهم والاقتداء بهم، إذ عطف ذلك على طاعة الله وطاعة رسوله.
وفي معنى أولي الأمر ذهب بعض إلى أنّهم عموم الولاة والحكّام كيف ما كانوا! وقال بعض إنّهم العلماء. ولكن الّذي عن طريق أئمّة أهل البيت عليهمالسلام - وهم أولى بفهم كتاب الله تعالى وأعرف فيمن ورد - أنّ أولي الأمر هم الأئمّة من آل محمّد صلىاللهعليهوآله ، أوجب الله طاعتهم كما أوجب طاعته وطاعة رسوله. ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلاّ من ثبتت عصمته وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح. ولم يجتمع من القرائن في عصمة أحد بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله مثلما كان في أئمّة أهل البيت عليهمالسلام .
عن عيسى بن السريّ، قال: قلت لجعفر الصّادق عليهالسلام : حدّثني عمّا ثبت عليه دعائم الإسلام إذا أخذت بها زك عملي ولم يضرّني جهل ما جهلت. قال: «شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وحقّ في الأموال من الزّكاة، والإقرار بالولاية الّتي أمر الله بها ولاية آل محمّد صلىاللهعليهوآله ، قال رسول الله: من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهليّة، قال: الله عزّ وجلّ: ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، فكان عليّ صلوات الله عليه، ثمّ صار من بعده حسن ثمّ حسين ثمّ من بعده عليّ ابن الحسين ثمّ من بعده محمّد بن عليّ، وهكذا يكون الأمر. إنّ الأرض لا تصلح الاّ بإمام، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهليّة. وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه هاهنا، وأهوى بيده إلى صدره، يقول حينئذ: لقد كان على أمرٍ حسن» (2) .
وفي روايات عدّة عن أبي جعفر محمّد الباقر عليهالسلام أنّها في أئمّة أهل البيت، من ذلك: عن جابر الجعفيّ قال: سألت أبا جعفر عليهالسلام عن هذه الآية ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي
____________________
(1) النّساء / 58.
(2) ينابيع المودّة: 117.
الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال: الأوصياء (1) .
وفي رواية أبي بصير، عنه عليهالسلام ، قال: «نزلت في عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . قلت له: إنّ النّاس يقولون لنا: ما منعه أن يسمّي عليّاً وأهل بيته في كتابه؟ فقال أبو جعفر عليهالسلام : «قولوا لهم: إنّ الله أنزل على رسوله الصّلاة ولم يسمّ ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله صلىاللهعليهوآله هو الّذي فسذرذلكلهم. وأنزل الحج فلم ينزل طوفوا أسبوعا حتى كان رسول الله هو الذي فسر لهم ذلك. وأنزل: ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) فنزلت في علي والحسن والحسين، وقال في عليّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه». وقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، إنّي سألت الله أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك» وقال: «فلا تعلّموهم؛ فإنّهم أعلم منكم، إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلال»، ولو سكت رسول الله صلىاللهعليهوآله ولم يبيّن أهلها لادّعاها آل عبّاس، وآل عقيل، وآل فلان وآل فلان، ولكن أنزل الله في كتابه ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة تأويل هذه الآية، فأخذ رسول الله صلىاللهعليهوآله بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين فأدخلهم تحت الكساء في بيت أمّ سلمة، وقال: «اللّهمّ إنّ لكلّ نبيّ ثقلاً وأهل فهؤلاء ثقلي وأهلي». فقالت أمّ سلمة: ألست من أهلك؟ قال: (إنّك إلى خير، وهؤلاء ثقلي وأهلي). ثمّ قال أبو جعفر عليهالسلام : «الرّجس هو الشّكّ، والله لا نشكّ في ديننا أبداً» (2) .
وعن أبان، أنه دخل على أبي الحسن الرضا عليهالسلام ، قال: فسألته عن قول الله: ( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، فقال: ذلك عليّ بن أبي طالب، ثمّ سكت. قال: فلمّا طال سكوته قلت: ثمّ من؟ قال: ثم الحسن، ثم سكت، فلمّا طال سكوته قلت: ثمّ من؟ قال: الحسين. قلت: ثم من؟ قال: علي بن الحسين. وسكت، فلم يزل يسكت عند كل واحد حتى أعيد المسالة فيقول حتى سماهم إلى آخرهم (3) .
____________________
(1) تفسير العياشي 1: 249.
(2) تفير العياشي 1: 249 - 251؛ البرهان 1: 385.
(3) نفس المصدر.
وعن أبان، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين عليهالسلام في كلام طويل هذا بعضه، قال: «فما نزلت ىية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتها بخطّي، ودعا الله أن يفهمني إياها ويحفظني، فما نسيت آية من كتاب الله منذ حفظتها. وعلمني تأويلها فحفظته وأملاه عليّ فكتبته. وما ترك شيئا علّمه الله من حلال وحرام، أو أمر أو نهي أو طاعة أو معصية، كان أو يكون إلى يوم القيامة، إلاّ وقد علّمنيه وحفظته ولم أنس منه حرفا واحداً. ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله أن يملأ قلبي علماً وفهما وفقها وحكما ونورا، وأن يعلّمني فلا أجهل وأن يحفّظني فلا أنسى، فقلت له ذات يوم: يا نبيّ الله، غنّك منذ يوم دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً ممّا علّمتني، فلم تمليه عليّ وتأمرني بكتابته، أتتخوّف عليّ النّسيان؟ فقال: يا أخي لست أتخوّف عليك النّسيان ولا الجهل، وقد أخبرني الله أنّه قد استجاب لي فيك وفي شركائك الّذين يكونون من بعدك. قلت يا رسول الله، ومن شركائي؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه وبي، الّذين قال في حقّهم: ( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) الأئمّة، فقلت: يا رسول الله ومن هم؟ فقال: الأوصياء منّي غلى أن يردوا عليّ الحوض، كلّهم هاد مهتد لا يضرّهم من خذلهم، هم مع القرآن، والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه، بهم تنصر أمّتي، وبهم يمطرون وبهم يدفع عنهم، وبهم يستجاب دعاؤهم. فقلت: يا رسول الله سمّهم لي، فقال: ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسن، ثمّ ابني هذا ووضع يده على راس الحسين، ثمّ ابن له يقال له عليّ، وسيولد في حياتك فأقرئه منّي السّلام، ثمّ تكملة الاثني عشر غماماً من ولدك. فقلت: يا نبيّ الله، سمّهم لي. فسمّاهم لي رجلاً رجلاً. منهم - والله - يا أخا بني هلال مهديّ هذه الأمّة الّذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجورا، والله إنّي لأعرف من يبايعه بين الرّكن والمقام، وأعرف أسماء آبائهم وقبائلهم...» (1) .
أنكر النّواصب وجود المهدي عليهالسلام ، وجعلوه من بدع - كذا! - الرّوافض؛ وسيسعد به الّذين آمنوا به ويشقى الّذين أنكروه وناصبوه!
____________________
(1) كتاب سليم بن قيس «السقيفة» 106 - 107. ولمعرفة المزيد من أحاديث أئمّة أهل البيت في هذا الشأن، انظر الجزء الأوّل من تفسير العيّاشيّ.
أبو أسامة عن عوف عن محمد قال: يكون في هذه الأمّة خليفة لا يفضّل عليه أبوبكر، ولا عمر. (المصنّف لابن أبي شيبة 8 / 679 / 196).
يعلى عن عبيد عن الأجلح عن عمّار الدّهنيّ عن سالم عن عبد الله بن عمر قال: يا أهل الكوفة، أنتم أسعد النّاس بالمهديّ. المصنّف لابن أبي شيبة ح 189.
الفضل بن دكين قال: حدّثنا فطر - بن خليفة - عن القاسم بن أبي برزة عن أبي الطّفيل عن عليّ عن النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «لو لم يبق من الدّهر إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جوراً».
(المصنّف لابن أبي شيبة ح 194).
وحميد بن عبد الرحمن عن محمّد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: قلت لطاووس: عمر بن عبد العزيز، المهديّ؟ قال: لقد كان مهديّاً وليس به، إنّ المهديّ إذا كان زيد المحسن في إحسانه، وتيب عن المسيء من إساءته، وهو يبذل المال ويشتدّ على العمّال ويرحم المساكين. (المصنّف لابن أبي شيبة ح 198).
ففكرة المهديّ وحديثه قديمة ولذا حاول أقوام الإفادة من الحديث لجلب الناس إلى صفّه، ممّا يؤكد الحديث وتواتره لدى الأمّة. وإنّ الأحاديث لتؤكّد أنّه عليهالسلام من الشجرة المباركة أهل البيت.
الفضل بن دكين، وأبو داود عن ياسين العجلي عن إبراهيم بن محمّد بن الحنفيّة عن أيه عن عليّ عن النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «المهديّ منّا أهل البيت يصلحه في ليلة».
(المصنّف لابن أبي شيبة ح 190).
وكيع عن فضيل بن مرزوق عن عمران بن ظبيان عن حكيم بن سعد قال: لما قام سليمان - فأظهر ما أظهر، قلت لأبي يحيى: هذا المهديّ الّذي يذكر؟ قال: لا، ولا المشتبه. (المصنف لابن أبي شيبة ح 197).
أبو أسامة عن هشام عن ابن سيرين قال: المهديّ في هذه الأمّة وهو الذي يؤمّ عيسى ابن مريم. (نفسه ح 195). فكم هي خصوصيّات هذا البيت الطّاهر، بدءاً برسول الله صلىاللهعليهوآله الذي هو سيّد البشر مطلقاً بما فيهم الأنبياء والرّسل، وبفاطمة بنت النبيّ، الّتي هي سيّدة
نساء أهل الجنّة، وبزوجها سيّد العرب ووصيّ النبيّ، وابنيهما اللّذين هما سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، عليهم السلام أجمعين، ثمّ السلسلة العلويّة الطاهرة وخاتمتها منقذ البشريّة المهديّ المنتظر عليهالسلام ؛ فحقّ للناصبيّ أن ينفّس عن غيظه فينكر الشّمس في رائعة النّهار!
أبو معاوية - الضّرير - وابن نمير، عن موسى الجهنيّ عن زيد العمي عن أبي الصديق النّاجي عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «يكون في أمّتي المهديّ غن طال عمره أو قصر عمره يملك سبع سنين أوثماني سنين أو تسع سنين، فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا، وتمطر السماء مطرها وتخرج الأرض بركتها، قال: وتعيش أمّتي في زمانه عيشا لم تعشه قبل ذلك». (المصنّف لابن أبي شيبة ح 184) وأبو معاوية عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلىاللهعليهوآله قال: «يخرج في آخر الزمان خليفة يعطي الحقّ بغير عدد».
(المصنّف لابن أبي شيبة ح 186).
أبو معاوية عن الأعمش عن عطيّة - العوفيّ - عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يكون عطاؤه حثياً». (المصنّف لابن ابي شيبة ح 185).
فالاسلام بدأ بالهاشمي محمد صلىاللهعليهوآله ، والوصي بعده ابن عمه عليّ عليه السلام، وواسطة العقد بنت النبي فاطمة عليها السلام، ويختم بسليل النبوّة، والامامة المهدي عليه السلام؛ فأنى والحال هذه للضمائر المنطوية على ما فيها أن ترضى بذلك وتسكت عليه؟! وهذه بعض المصادر التي ذكرت المهدي عليه السلام، وقد ذكرته في موارد كثيرة فاقتصرنا على بعضها للإختصار: المسند: أحمد بن حنبل 2 / 74 / 645، تاريخ البخاري الكبير 1 / 317 / 994، سنن أبي داود 4 / 107 / 4283، سنن ابن ماجة 2 / 23 ح 4085 باب خروج المهدي - من كتاب الفتن، أمالي ابن بابويه (ت 383 هـ): 426 ح 15 من مجلس 72، الاختصاص للمفيد 26، حلية الأولياء 3 / 184 ح 19، مسند البزار: 493، مناقب امير المؤمنين للكوفي 1: 827 / 666.
إذا ثبت - وهو ثابت يقيناً! - أنّ أولي الأمر من بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله هم عليّ وولده المذكورة أسماؤهم المعلومة أشخاصهم، الذين قرن الله تعالى طاعتهم بطاعته... فهم معصومون وصراطهم صراط الله المستقيم، الخارج عليهم والحائد عن صراطهم خارج عن الحق وفي الباطل داخل، وسبيله سبيل أهل الغصب والضلال.
قوله تعالى: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) . (1)
إنّ القرآن يفسّر بعضه بعضا، وتؤكد آياته المعنى المستقى من آيات أخر، والآيتان من سورة المائدة ناهضتان بالمعنى المتحصّل من الآية السابقة من سورة النساء، ومعضدة لما ذكرناه من ظهور الآية في علي والأئمة المعصومين من ولده وأنّ الفلاح في نهجهم الحقّ.
وإذا كان ثمة لبس في تعيين أولي الأمر الّذين يجب طاعتهم مع طاعة الله ورسوله، فإنّهم هنا: من أقام الصلاة وأعطى الزّكاة وهو في هيئة الرّكوع. فما بقي إلا الفحص عمن قام بهذا الفعل. وقبل هذا فإن الآية حصرت الولاية بثلاثة: الله تعالى، ورسول الله صلىاللهعليهوآله ، والمؤمن المتصدق حال الركوع، وبهذا خرج غيرهم من عنوان الولاء واستقامة الصراط.
في شأن الآية الأولى: عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، قال: نزلت في عليّ عليهالسلام خاصّة. (2)
وقوله: ( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) ، قال: عليّ بن أبي طالب عليهالسلام (3) .
____________________
(1) المائدة / 56 - 56.
(2) تفسير الحبريّ: 260؛ تفسير فرات: 38.
(3) تفسير الحبريّ: 261؛ تفسير فرات: 38. عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه ممن قد آمنوا بالنّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فقالوا: يا رسول الله، إنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس، وإنّ قومنا لما رأونا آمنّا بالله ورسوله وصدّقنا رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يواكلونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا. فقال لهم النّبيّ صلىاللهعليهوآله : ( إِنّمَا =
____________________
=
وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، ثمّ إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله خرج إلى المسجد والنّاس بين قائم وراكع، وبصر بسائل، فقال له النّبيّ صلىاللهعليهوآله : هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، خاتماً من ذهب. فقال النّبيّ: من أعطاك؟ قال: ذلك القائم وأومى بيده إلى عليّ عليهالسلام ، فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : على أيّ حال أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع، فكبّر النبيّ صلىاللهعليهوآله ثمّ قرأ: ( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) . فأنشأ حسّان بن ثابت يقول في ذلك:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي |
وكلّ بطيء في الهدى ومسارع |
|
أيذهب مدحيك المحبّر ضائعاً |
وما المدح في ذات الإله بضائع |
|
فأنت الّذي أعطيت إذ كنت راكعاً |
فدتك نفوس القوم، يا خير راكع |
|
بخاتمك الميمون يا خير سيّد، |
ويا خير شار، ثمّ يا خير بايع |
|
فأنزل فيك الله خير ولاية |
فأثبتها في محكمات الشرايع |
وقال أيضاً:
من ذا بخاتمه تصدّق راكعاً |
وأسرّها في نفسه إسرارا؟! |
|
من كان بات على فراش محمّد |
ومحمّد أسرى يوم الغارا؟! |
|
من كان في القرآن سمّي مؤمنا |
في تسع آيات تلين غرارا؟! |
ويرد الخبر في نزول الآية في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام بألفاظ مختلفة تتّحد في أصل المتن، وهو تصدّقه بالخاتم ونزول الآية عقب ذلك، ومن حشد من الصّحابة والتّابعين في مختلف المصادر ن وكلّها تجمع أنّها خاصة في عليّ عليهالسلام ، هذا بعض منه:
* أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام . مختصر تاريخ ابن عساكر 18: 8.
وبرواية عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، عنه. المناقب للخوارزميّ ك 266 و عنه في غاية المرام 9: 18؛ شواهد التنزيل 1: 182؛ البداية والنهاية 7: 357؛ معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوريّ: 102.
ورواية محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عنه عليهالسلام : في قوله عزّ وجلّ ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) الآية، قال: «الله ورسوله، والّذين آمنوا: عليّ بن أبي طالب» في مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 312، وعنه في العمدة: 60؛ غاية المرام: 104؛ الدرّ المنثور 2: 293؛ تفسير ابن كثير 2: 71، ومعرفة علوم الحديث للحاكم: 102.
عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عنه عليهالسلام . الأمالي الخميسيّة للمرشد بالله الشجريّ، (المتوفّى =
____________________
= سنة 499 هـ) 1: 138.
وعن حصين بن مخارق، عن أبي الجارود، عن محمّد، وزيد ابني عليّ بن الحسين عليهماالسلام ، عن آبائهما أنها نزلت في عليّ عليهالسلام . الأمالي الخميسيّة 1: 137، - وعنه عليهالسلام . تفسير فرات: 39 و 41؛ الدرّ المنثور 2: 293.
* الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهمالسلام . تذكرة الخواصّ: 207.
* الإمام محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين عليهماالسلام .
قال عليّ بن عابس: دخلت أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء، فقال أبو مريم: حدّث عليّاً بالحديث الذي حدّثتني عن أبي جعفر - أي الباقر عليهالسلام -، قال: كنت عند أبي جعفر جالساً إذ مرّ عليه ابن عبد الله بن سلام، قلت: جعلني الله فداك، هذا ابن الذي عنده علم الكتاب؟ قال: لا، ولكنّه صاحبكم عليّ بن أبي طالب الّذي نزلت فيه آيات من كتاب الله عزّ وجلّ ( الَّذِي عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) ، ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) و ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) . مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 314، وعنه في العمدة 61؛ غاية المرام 105؛ تفسير فرات 36؛ تفسير القرطبيّ 9: 336؛ سعد السّعود 70.
* أنس بن مالك. كفاية الطّالب: 228، وفيه: إنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يقرض المليّ الوفيّ، وعليّ راكع يقول بيده للسائل، أي أخلع الخاتم من يدي. قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «يا عمر وجبت» قال: بأبي أنت وامّي يا رسول الله ن ما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنّة، والله ما خلعه من يده حتّى خلعه الله من كل ذنب ومن كلّ خطيئة». قال: فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل عليهالسلام بقوله عزّ وجلّ ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) الآية، فأنشأ حسّان - ذكرنا شعره -.
* جابر بن عبد الله، مثل حديث ابن عبّاس في قصّة مجيء ابن سلام نصا، ولكن من غير شعر حسّان. أسباب النزول للواحدي؛ 133 - 134.
* أبو ذرّ الغفاريّ، وله كلام طويل في نزول الآية في أمير المؤمنين عليهالسلام ، ذكرها الثعلبيّ في تفسيره، ومجمع البيان للطّبرسي 2: 210؛ الغاية 103 ح العمدة 59؛ نظم درر السّمطين للزرنديّ: 87؛ تفسير غرائب القرآن للنيسابوريّ 6: 167، وتذكرة الخواصّ: 24 - 25 مرسلاً.
* أبو رافع. برواية عون بن عبيد الله بن ابي رافع، عن أبيه، عن جدّه. الدرّ المنثور 2: 294؛ أمالي الطوسيّ 1: 58؛ سعد السعود 96 ت 97 نقلاً عن «تأويل ما نزل من القرآن» لابن الجحّام.
وبسند عن هارون بن عسيد، عن محمّد بن عبيد الله الرافعيّ، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي رافع. الأمالي الخميسيّة 1: 138. =
____________________
=
* عمّار بن ياسر. تفسير العيّاشيّ 1: 327: عن الحسن بن زيد، عن أبيه، عن جدّه عليهالسلام ، قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: وقف لعليّ بن أبي طالب عليهالسلام سائل، وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السّائل. فأتى رسول الله صلىاللهعليهوآله فأعلمه بذلك، فنزل على النّبيّ هذه الآية ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) الآية، فقرأها رسول الله علينا ثمّ قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». ويرد ذكر حديث عمّار بالفاظ مختلفة يسيراً في: مجمع الزّوائد 7: 17؛ تفسير ابن كثير 2: 71؛ الدرّ المنثور 2: 292؛ لباب النقول: 90؛ فتح القدير 2: 50. وذكره مرسلاً في درر السمطين: 86.
* ابن عبّاس. حديث مجيء ابن سلام. مناقب الخوارزميّ: 264 - 265 ح تفسير الطّبريّ 6: 186 - 187؛ شواهد التنزيل 1: 181؛ الدرّ المنثور 2: 293؛ فرائد السمطين 1: 189؛ العمدة: 119.
ورواية مجاهد عن ابن عبّاس. مناقب الإمام عليّ لابن المغازلي: 311؛ لباب النقول: 91، الأمالي الخميسيّة 1: 138، تفسير الطبريّ 6: 165؛ تفسير ابن كثير 2: 71، الدرّ المنثور 2: 295.
ورواه السّدّيّ، عن أبي عيسى، عن ابن عبّاس، قال: مرّ سائل بالنبيّ صلىاللهعليهوآله وفي يده خاتم، فقال: «من أعطاك هذا الخاتم»؟ قال: ذاك الرّاكع، وكان عليّ يصلّي، فقال صلىاللهعليهوآله : «الحمد لله الّذي جعلها في وفي أهل بيتي ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) الآية». مناقب الإمام علي لابن المغازلي: 312؛ العمدة: 60؛ الدرّ المنثور 2: 293، وجامع الأصول لأحاديث الرّسول لابن الأثير 9: 478، وفتح القدير 2: 50.
ورواه عمر بن ثابت، عن محمّد بن السّائب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ راكعاً فجاءه مسكين فأعطاه خاتمه، فقال: رسول صلىاللهعليهوآله : «من أعطاك هذا الخاتم؟» فقال: أعطاني هذا الرّاكع، فأنزلت هذه الآية: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) الآية. مناقب ابن المغازليّ: 313؛ لباب النقول: 90؛ كفاية الطّالب: 250؛ الدرّ المنثور 2: 293. وطرق حديث ابن عباس أكثر من هذا، فنجتزئ بهذا.
* عبد الله بن سلام. عن الواقدي، وابن الجوزي في ذخائر العقبى: 102 ح الرياض النضرة 2: 302؛ العمدة: 60؛ الغاية: 104؛ تفسير غرائب القرآن 6: 167.
ومن رجال التاريخ والتفسير: الواقديّ - صاحب المغازي المتوفّى 207 هـ في أنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 150، وذخائر العقبى 102، والجصّاص المتوفّى 370 هـ في أحكام القرآن 2: 542، وعبد الرزّاق الصنعانيّ المتوفّى 211 هـ في تفسير ابن كثير 2: 71، والفرّاء الشّافعيّ (المتوفّى 516 هـ) في تفسيره: معالم التنزيل، بهامش تفسير الخازن 2: 55، والزمخشريّ الحنفيّ في تفسيره الكشّاف 1: 422، وفخر الدّين الرّازيّ الشّافعي في تفسير 3: 431، والسّدّيّ، وعتبة بن أبي الحكيم، وغالب بن عبد الله، في تذكرة الخواصّ: 24، وابن أبي الحديد المعتزليّ في شرح نهج البلاغة 3: 275، ومحمّد بن طلحة الشّافعيّ في مطالب السّؤول: 31، والنّسفيّ في =
وقد أكر الناصبيّ نزل الآية في امير المؤمنين عليّ عليه السلام قال: إنّ الآية لو نزلت في عليّ لذكرها الطبريّ في تفسيرها. وبدءاً نقول: هذا هو دأبه، فهو يلوذ بالبخاريّ ويعلن أن
____________________
= تفسيره، بامش الخازن 1: 496، وعلاء الدّين الخازن في تفسير 1: 496، و أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط 3: 514، وابن جزيّ الكلبيّ في تفسيره التّسهيل لعلوم التنزيل 1: 181، ونظام الدّين النيسابوريّ في تفسيره غرائب القرآن 3: 461 ن وابن الصبّاغ المالكيّ في الفصول المهمّة: 123، وابن حجر في الصواعق 24، والبيضاويّ الشّافعيّ في تفسيره 1: 345، والقندوزيّ الحنفيّ في ينابيع المودّة: 212، والشبلنجيّ في نور الأبصار: 77....
وممّن روى حديث ابن عبّاس: سعيد بن جبير، والضحّاك، ومجاهد، وحماد بن سلمة، وحبّان بن عليّ العنزيّ، وعمرو بن ثابت، ومحمّد بن مروان....
هذه أمّة أجمعت على نزول الآية والّتي تليها في عليّ عليهالسلام وأنّ حزبه هم الغالبون لأنّهم حزب الله، فصراطهم هو الصراط المستقيم؛ ولكن شيخ بن القيّم وأستاذه «ابن تيميّة» كذّب النّبيّ صلىاللهعليهوآله !! وعليّاً عليهالسلام الّذي احتجّ - من جملة ما احتجّ به يوم المناشدة - بهذه الآية ونزولها فيه عليهالسلام .
وقد اتّهم أئمّة أهل البيت وسادات الصّحابة والتّابعين، وأئمّة التفسير والحديث والتاريخ بالوضع! فقال: «قد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى أنّ هذه الآية ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) نزلت في عليّ تصدّق بخاتمه في الصّلاة. وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنّقل». منهاج السّنّة لابن تيميّة 1: 156.
وهكذا شأن شيخ الإسلام - كذا - ابن تيميّة في كتابه هذا: نفي مناقب أمير المؤمنين. ودليله دائماً في ذلك هو إجماع نفسه مقابل إجماع الصّحابة والتّابعين وهكذا من طبقات العلماء.
وإن تعجب فعجبك أكبر إذا علمت أنّ شخصاً في أيّامنا هذه يحمل شهادة عالية، وله مؤلّفات كثيرة، ذلك هو الدكتور بشير عوّاد معروف، قد أنكر حديث الولاية يوم غدير خمّ! إذ جاء في ترجمة أمير المؤمنين عليهالسلام ، في كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرّجال للمزّيّ 2: 484 وتحقيق بشير عوّاد: وروى بريدة، وأبو هريرة، وجابر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، كلّ واحد منهم عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال يوم غدير خمّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» زاد بعضهم «اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». فقال بشير في هامش الكتاب: ليس في كلّ طرق هذا الحديث طريق صحيح، ولم يكن هذا الحديث معروفاً حتّى نعق به ناعق من خراسان»!
استعمل بشير عوّاد في تعامله مع الحديث نفس أسلوب ابن تيميّة وألفاظه، فهو مفتتن بفتنته، وقد نعته بالإمام وشيخ الإسلام وذي الآراء التجديديّة. انظر مقدّمته لتهذيب الكمال 1: 18 - 21. وحال بشير حال ابن القيّم، فهو مصدّق لخوارق العادات وتلكم المكارم الّتي ذكرنا كثيراً منها من تهذيب الكمال، لكنّه ينكر صحّة حديث الغدير! ودليله: أنّه ليس في طرقه طريق صحيح!
مسلم تفرّد بحديث كذا، وإذا تفرّد به لم يتابع عليه، هذا وإن ذكره من هو أقدم من البخاريّ ومسلم، والّذين هم شيوخ صاحبي الصحيحين ينقلان عنهما، مع ذكر أمّة من المحدّثين بما فيهم أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين... للحديث الذي أنكره رافض الحقّ!، وهنا نقول: لو صحّ أنّ الطبريّ لم يذكر ذلك، فهل يكون ذلك حجّةً في إلغاء من وإن كان متقدّماً على الطبريّ؟ مع إعتقادنا أنّ الطبريّ لو ذكره للاذ بحجّة أخرى في نفيه!
ومع كلّ ذلك نقول: غنّ الطبريّ قد ذكره في تفسيره!! ولا نصدّق أبداً أنّ تفسير الطبريّ لم يكن متوفّراً لديه. أمّا لم هذا الإصرار: فإننا لم نجد فضيلة خاصّة بعليّ امير المؤمنين عليهالسلام إلاّ وكذّبها، مع ظنّه أن ليس هناك من يتابه فيفتّش عن حقيقة ما يقول؟
في تفسير الطبريّ 6: 343: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ ) ، فإنّ أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم: عني به عليّ بن أبي طالب. وقال بعضهم: عني به جميع المؤمنين.
(والمصدر: 344): أسباط عن السدّيّ، قال: ثمّ أخبرهم بمن يتولاّهم فقال: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ ... وَهُمْ رَاكِعُونَ ) هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن عليّ بن أبي طالب مرّ به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتمه.
قال: حدّثنا إسماعيل بن إسرائيل الرمليّ، قال: حدّثنا أيّوب بن سويد، قال: حدّثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ ... ) الآية، قال: عليّ بن أبي طالب. (المصدر: 344). قال: حدّثني عبد العزيز، قال: حدّثنا غالب بن عبيد الله، قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ ... رَاكِعُونَ ) الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب تصدّق و هو راكع. (المصدر: 344). وفي قوله تعالى: ( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) - المائدة: 56 - قال: وهذا إعلام من الله تعالى، ذكره عباده جميعاً، الذين تبرّؤوا من اليهود وحلفهم رضا بولاية الله ورسوله والمؤمنين، والّذين تمسّكوا بحلفهم وخافوا دوائر السوء تدور عليهم فسارعوا إلى موالاتهم بأنّ من وثق بالله وتولّى الله ورسوله والمؤمنين ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر على من عاداهم وحادّهم لأنّهم ضرب الله وحزب الله هم الغالبون دون حزب الشيطان (تفسير الطبريّ 6: 344).
فعلى هذا: فهذه الآية أيضاً في عليّ عليهالسلام ، إذ هي معطوفة على ما قبلها مبيّنة للنتيجة المترتّبة على موالاة المؤمن المتصدّق وهو علي عليهالسلام .
ونذكر مفسّراً متقدّماً على الطبريّ بأكثر من قرن ونصف ذلك هو مقاتل بن سليمان المتوفّى سنة (150 هـ)، فقد ذكر في تفسيره قال: وقوله سبحانه: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ ... ) الآية - 55 -، وذلك أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبيّ صلىاللهعليهوآله عند صلاة الأولى: أنّ اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل الإسلام، ولا يكلّمونا، ولا يخالطوننا في شيء، ومنازلنا فيهم، ولا نجد متحدّثاً دون هذا المسجد، فنزلت هذه الآية، فقرأها النبيّ فقالوا: قد رضينا بالله ورسوله و بالمؤمنين أولياء، وجعل الناس يصلّون تطوّعاً بعد المكتوبة، وذلك في صلاة الأولى.
وخرج النبيّ صلىاللهعليهوآله إلى باب المسجد، فإذا هو بمسكين قد خرج من المسجد، وهو يحمد الله عزّ وجلّ فدعاه النبيّ فقال: «هل أعطاك أحد شيئاً؟» قال: نعم يا نبي الله، قال: «من أعطاك؟» قال: الرجل القائم أعطاني خاتمه، يعني عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله : «على أيّ حال أعطاكه؟»، قال: أعطاني وهو راكع، فكبّر النبيّ صلىاللهعليهوآله وقال: «الحمد لله الّذي خصّ عليّاً بهذه الكرامة»، فأنزل الله عزّ وجلّ: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ( وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) يعني عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، ( فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) الآية: 56.
قال: يعني شيعة الله، والّذين أمنوا هم الغالبون، فبدأ بعليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، قبل المسلمين؛ ثمّ جعل المسلمين وأهل الكتاب المؤمنين، فيهم عبد الله بن سلام، وغيره هم الغالبون لليهود، حيث قتلوهم وأجلوهم من المدينة إلى الشام وأذرعات وأريحا. (تفسير مقاتل بن سليمان 1: 306 - 307).
قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) (1) .
نزلت يوم الثامن عشر من ذي الحجّة سنة 10 هـ، وتسمّى عام الوداع؛ إذ هي آخر حجّة لرسول صلىاللهعليهوآله ، ولم يلبث بعدها طويلاً، فتوفّي سنة 11 هـ ولما قفل صلىاللهعليهوآله راجعاً، وبلغ غدير خمّ، أتاه جبرئيل بهذه الآية. ومن شأنها أنّ الله عزّ وجلّ أمر النّبيّ صلىاللهعليهوآله أن يقيم عليّاً عليهالسلام علماً للنّاس ويخبرهم بولايته، فتخوّف رسول الله صلىاللهعليهوآله أن يقولوا حابى ابن عمّه وأن يطعنوا في ذلك عليه، وهم بعد ما يزالون حديثي عهد بالإسلام، فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية، وطمأنه أنّ الله تعالى يعصمه من النّاس فعندها نادى صلىاللهعليهوآله الصلاة جامعة، فاجتمع الحجيج وخطب رسول الله خطبة بالغة أكّد فيها وأمر بأمر الله سبحانه بلزوم عليّ والأئمّة من ولده، وأخذ بيد عليٍّ وقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». ولحسّان بن ثابت في يوم الغدير شعر، منه:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم |
بخمّ، وأسمع بالرسول مناديا |
|
يقول: فمن مولاكم ووليّكم؟ |
فقالوا ولم يبدوا هناك التّعاميا: |
|
الهك مولانا، وأنت وليّنا |
ولم تر منّا في الولاية عاصيا |
|
فقال له: قم يا عليّ، فإنّني |
فكونوا له أنصار صدق مواليا |
|
فمن كنت مولاه فهذا وليّه |
فكونوا له أنصار صدق مواليا |
|
هناك دعا: اللّهمّ وال وليّه |
وكن للّذي عادى عليّاً معاديا |
|
فيا ربّ انصر ناصريه لنصرهم |
إمام هدى كالبدر يجلو الدّياجيا |
رواة ومصادر حديث الغدير:
ليس سهلاً الإحاطة بأسماء رواة حديث الغدير والمصادر الّتي ذكرت عيد إكمال الدّين وإتمام النّعمة بإقامة عليٍّ عليهالسلام علماً للأمّة ومناراً. وإنّ محاولة مثل هذه تبعدنا عن المقصود وهو إقامة الحجّة على أنّ صراط عليّ هو الصّراط المستقيم، وهو موضوع بحثنا.
____________________
(1) المائدة / 67.
وقد تكفّلت حديث الغدير وأعطته مستحقّه من البحث والتحليل مصادر وفيرة. من ذلك: الجهد المشكور للعلاّمة عبد الحسين الأمينيّ، في موسوعته الخالدة «الغدير في الكتاب والسّنّة والأدب»، والسيّد حامد حسين الهنديّ في كتابه «عبقات الأنوار» الجزء الأوّل والثاني.
ولكنّ الحاجة إلى ذكر الأعلام والمصادر تظلّ مطلوبة للقارئ، ليعلم أنّ الحديث حقّ وليس من مبتكرات الفرس، ولا من ناعق خراسان، كما زعموا. وبعد ذلك ليس له إلاّ أن يصدّق الحديث أو أن يكذّبه، فيتّهم لذلك عليّاً عليهالسلام ، وهو من رواته وقد خاصم به القوم فخصمهم، والحسنين وأمّهما الزّهراء عليهمالسلام ، وزيد بن أرقم، وأبا الهيثم بن التّيّهان، وعمّار بن ياسر، وعبد الله بن جعفر...
على أنّا سنذكر بعض رواته إدراجاً من غير إشارة إلى مصادر ورود كلّ منهم، ولا رواية أحدهم، ثمّ نذكر بعضاً من المصادر تعضيداً للحديث، تاركين للباحث الرّجوع إليها إذا شاء التوسّع.
رواته: عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، فاطمة عليهاالسلام بنت رسول الله صلىاللهعليهوآله ، الحسن والحسين ابنا عليّ بن أبي طالب عليهمالسلام ، ابن عبّاس، الفضل بن عبّاس، أبو أيّوب الأنصاريّ، زيد بن أرقم، سعد بن أبي وقّاص، جابر بن عبد الله الأنصاريّ، أبو سعيد الخدريّ، عمر بن الخطّاب، جرير بن عبد الله البجليّ، أبو هريرة، عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، خزيمة بن ثابت ذو الشّهادتين، عمّار بن ياسر، هاشم المرقال بن عتبة، قيس بن ثابت بن شمّاس الأنصاريّ، قيس بن سعد بن عبادة، أبو الهيثم مالك بن التّيّهان الخزرجيّ، حذيفة بن أسيد الغفاريّ، البراء بن عازب الأوسيّ، زياد بن الحارث الصدائيّ، أنس بن مالك، أسعد بن زرارة الأنصاريّ الخزرجيّ النّجاريّ، أبو رافع مولى رسول الله صلىاللهعليهوآله ، أبو بكر بن أبي قحافة، أبيّ بن كعب الأنصاريّ الخزرجيّ، أسماء بنت عميس الخثعميّة، أمّ سلمة زوجة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، خويلد بن خالد الهذليّ الشّاعر المشهور، أبو عمرة بن عمرو بن محصن الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو ليلى الأنصاريّ، بريدة بن الحصيب الأسلميّ، جبير بن مطعم بن عديّ القرشيّ النوفليّ، أبو ذرّ جندب بن
جنادة الغفاريّ، حسّان بن ثابت، حذيفة بن اليمان، حبّة بن جوين البجليّ العرنيّ، حبشيّ ابن جنادة السلوليّ، زيد بن ثابت الأنصاريّ الخزرجيّ، زيد - أو يزيد - بن شراحيل الأنصاريّ، سعيد بن زيد القرشيّ العدويّ، طلحة بن عبيد الله القرشيّ التّيميّ الّذي قتل يوم الجمل، سلمان المحمّديّ «الفارسيّ»، سهل بن سعد الأنصاريّ الخزرجيّ السّاعديّ، أبو الطّفيل عامر بن واثلة اللّيثيّ، عائشة بنت أبي بكر، ثابت بن وديعة الأنصاريّ الخزرجيّ، أمّ هاني بنت أبي طالب، أبو فضالة الأنصاريّ الّذي استشهد يوم صفّين، أبو زينب بن عوف الأنصاريّ، أبو قدامة بن الحارث أو سهل بن الحارث الّذي استشهد يوم صفّين، جابر بن سمرة بن جنادة العامريّ ثمّ السوائيّ، جندع بن عمرو بن مازن، الزّبير بن العوّام، سمرة بن جندب الفزاريّ، سهل بن حنيف الأنصاريّ الأوسيّ، عامر بن ليلى بن ضمرة، عامر بن ليلى الغفاريّ - قال أبو موسى: أظنّهما واحداً - عبد الله بن حنطب القرشيّ، عبد الرّحمن بن عبد ربّ الأنصاريّ، عبد الله بن عمر بن الخطّاب، عثمان بن عفّان، عمارة الأنصاريّ الخزرجيّ، عمر بن أبي سلمة المخزوميّ ربيب رسول الله صلىاللهعليهوآله ، عبد الله بن مسعود، عديّ بن حاتم الطّائيّ، عمران بن حصين الخزاعيّ، عمرو بن مرّة الجهنيّ. مالك ابن الحويرث اللّيثيّ، المقداد بن عمرو الكنديّ، عبيد بن عازب الأنصاريّ الأوسيّ، أخو البراء بن عازب -، كعب بن عجرة الأنصاريّ، يعلى بن مرّة بن وهب الثقفيّ، ناجية بن عمرو الخزاعيّ، نعمان بن عجلان الأنصاريّ، عمرو بن الحمق الخزاعيّ ن عقبة بن عامر الجهنيّ، عبد الرّحمن بن عوف القرشيّ الزّهريّ، أبو برزة الأسلميّ، عبد الله بن ياميل، عمرو بن العاص، العبّاس بن عبد المطّلب، عبد الله بن ثابت الأنصاري....
هذه طائفة من الصّحابة ممّن ذكروا حديث الغدير، اكتفينا بهم بغية الإيجاز. ومع ذلك فهم أمّة، تجد فيهم العدول الّذين لا مطعن فيهم، وفيهم من انحرف عن عليٍّ بعد، حتّى حاربه بعض مثل عمرو بن العاص وغيره. ولعلّهم جميعاً عرب، إلاّ سلمان الفارسيّ الصحابيّ الكبير الّذي ضمّه رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى البيت الطّاهر، فقال: «سلمان منّا أهل البيت».
ولم تنقطع سلسلة رواة الحديث، فهي تبدأ بأمير المؤمنين عليهالسلام وعلية الصحابة،
وتتواصل حلقاتها في التّابعين وتابعي التّابعين إلى يومنا. ولم يخل قرن من شعراء ومؤرّخين أشادوا بيوم الغدير.
وهذه طائفة من مشاهير التّابعين: حبيب بن أبي ثابت الأسديّ، سعيد بن جبير، سعيد ابن المسيب، سلمة بن كهيل الحضرميّ، عبد الرّحمن بن أبي ليلى، سليم بن قيس الهلاليّ العامريّ، عبد الله بن شريك العامريّ، الضحّاك بن مزاحم الهلاليّ، سهم بن الحصين الأسديّ، عبد الله بن محمّد بن عقيل الهاشميّ، عديّ بن ثابت الأنصاريّ الخطميّ، عطيّة ابن سعد بن جنادة، طاووس بن كيسان اليمانيّ الجنديّ، سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، أبو مريم زرّ بن حبيش الأسديّ، زيد بن يثيع، عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عبد الحميد بن المنذر بن الجارود العبديّ، أبو مريم عبد الله بن زياد الأسديّ، عبد الله بن أسعد بن زرارة الأنصاريّ، عبد الله بن يعلى بن مرّة الثقفيّ، عمر بن عبد العزيز الخليفة الأمويّ، عليّ بن زيد بن جدعان البصريّ، محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، مصعب ابن سعد بن أبي وقّاص، المطّلب بن عبد الله بن حنطب القرشيّ المخزوميّ، مهاجر بن مسمار الزّهريّ، أبو عبد الله ميمون البصريّ مولى عبد الرّحمن بن سمرة، نذير الضّبيّ الكوفيّ، فطر بن خليفة المخزوميّ، يحيى بن جعدة بن هبيرة المخزوميّ، عيسى بن طلحة ابن عبيد الله التيميّ، طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيميّ، الحسن بن الحكم النخعيّ الكوفيّ، مسعر بن كدام الهلاليّ الرّواسيّ، معمّر بن راشد الأزديّ البصريّ، حمّاد ابن سلمة البصريّ، مسلم بن صبيح الهمدانيّ الكوفيّ، عبد الملك بن مسلم الملائيّ، يزيد ابن أبي زياد الكوفيّ، هاني بن هاني الهمدانيّ الكوفيّ، أبو نجيح يسار الثّقفي، يزيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ، يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، عمرو بن جعدة بن هبيرة، أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعيّ، عمرو بن ميمون الأوديّ، عبد الرّحمن بن سابط الجمحيّ، أبو راشد الحبرانيّ الشّاميّ، عبد الله بن عبد الرّحمن بن عوف، اصبغ بن نباتة التميميّ، أبو ليلى الكنديّ ن الحسين بن مالك بن الحويرت، حكم بن عتيبة الكنديّ، حميد الطّويل أبو عبيدة ابن ابي حميد البصريّ، حميد بن عمارة الأنصاريّ، أبو صالح السمّان ذكوان المدنيّ مولى جويريّة الغطفانيّة ن خيثمة بن عبد الرّحمن الجعفيّ، ربيعة الجرشيّ، رياح بن
الحارث النخعيّ، قبيصة بن ذؤيب، - يحيى بن سليم الفزاريّ الواسطيّ، شهر بن حوشب، سليمان بن مهران الأعمش.
أمّا الرّواة من العلماء على امتداد القرون المتعاقبة، فحدّث ولا حرج. وقد أصفقت كلمتهم فكانت إجماعاً على نصب رسول الله صلىاللهعليهوآله بأمر الله تعالى عليّاً عليهالسلام وليّاً لأمر المسلمين وأميراً تجب طاعته، وأنّ الله عدوّ من عادى عليّاً، وذلك يوم عيد الغدير الأغرّ.
وأكثر المصادر ذكرت حديث الغدير في صفحات متعدّدة، ومنها ما كان مؤلّفاً من أجزاء كثيرة فذكره في أكثر أجزائه، وقد أكتفينا بذكر مورد واحد من كلّ مصدر، وللمتابع الرّجوع إليها، إن أراد المزيد.
مصادر حديث الغدير:
كتاب صفّين، نصر بن مزاحم ك 186.
وقعة صفّين، نصر بن مزاحم: 186.
مسند أحمد بن حنبل 1: 118، 4: 370، 5: 366.
صحيح مسلم 2: 325، 15: 179.
المعارف لابن قتيبة: 291، والإمامة والسياسة له: 93.
سنن ابن ماجة 1: 28، وغيرها.
سنن الترمذيّ 2: 298 ن 5: 297.
أنساب الأشراف للبلاذريّ 2: 108 - 112.
تفسير الحبريّ: 262.
تفسير العيّاشيّ 1: 331 ت 334.
خصائص أمير المؤمنين عليهالسلام ، للنّسائيّ 7، وغيرها.
تفسير الطّبريّ 3: 428.
مشكل الآثار للطحاويّ الحنفيّ 2: 307.
العقد الفريد، لابن عبد ربّه 2: 275، 3: 42.
مروج الذّهب، للمسعوديّ 2: 11.
كتاب الأغاني، لأبي الفرج الأصفهانيّ 7: 263، وغيرها.
المعجم الصّغير للطّبرانيّ 1: 64 - 65.
تفسير الثعلبيّ، «الكشف والبيان» 4: 92.
المستدرك على الصّحيحين، للحاكم النيسابوريّ 3: 109 ومواضع منه كثيرة.
محاضرات الأدباء، للرّاغب الأصفهانيّ، أو الأصبهانيّ 4: 463.
تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ 12: 344، 5: 474، 7: 377، 8: 290، 14: 236.
الاستيعاب لابن عبد البرّ القرطبيّ، بهامش الإصابة لابن حجر 3: 64.
اسباب النزول للواحديّ النيسابوريّ: 135.
تفسير فرات الكوفيّ: 38.
مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام لابن المغازليّ الشّافعيّ: 16 - 27.
شواهد التنزيل للحاكم الحسكانيّ الحنفيّ 1: 190.
الأمالي الخميسيّة للمرشد بالله الشجري (ج 1 ص 5، وغيرها).
مصابيح السّنة للبغويّ الشّافعيّ 2: 199.
المناقب للموفّق بن أحمد الخوارزميّ الحنفيّ: 154 - 157.
صفة الصفوة لأبي الفرج ابن الجوزيّ 1: 121.
التفسير الكبير للفخر الرّازيّ 3: 636.
معجم الأدباء لياقوت الحمويّ 18: 84.
تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزيّ: 35 - 40.
شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 1: 289، 2: 273.
سعد السّعود لابن طاووس: 69 - 73.
كفاية الطّالب للگنجيّ الشّافعيّ: 56 - 62.
الرّياض النّضرة لمحبّ الدّين الطّبريّ 2: 161، وغيرها.
ذخاير العقبى، له: 67.
العمدة في عيون صحاح الأخبار لابن البطريق: 53.
مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، اختصار ابن منظور 17: 352 - 359.
فرائد السمطين للجوينيّ الشّافعيّ 1: 171.
تهذيب الكمال للمزّيّ 20: 484.
التلخيص للذّهبيّ هامش المستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 109، الموارد الأخرى منه وقد وافقه فيها.
ميزان الاعتدال للذّهبيّ 1: 115، 2: 303، 3: 224.
البداية والنهاية لابن كثير 2: 246، 3: 340، 5: 209، 7: 347.
تفسير النيسابوريّ 6: 194.
مجمع الزّوائد للهيثميّ 9: 103 وغيرها.
أسنى المطالب للجزريّ الشّافعيّ: 48 - 51.
تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانيّ 1: 391، 7: 337.
الإصابة لابن حجر 2: 509، والصّواعق المحرقة، له: 25 وغيرها.
الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ: 25.
عمدة القاري للعينيّ 8: 584.
تاريخ الخلفاء للسيوطيّ: 114 وغيرها والدرّ المنثور، له 2: 259، وغيرها.
مطالب السؤول لابن طلحة الشّافعيّ: 16 وغيرها.
كنز العمّال للمتّقي الهنديّ 11: 608 - 610، وغيرها.
الخطط للمقريزيّ 2: 222.
كنوز الحقائق لعبد الرؤوف المناويّ الشّافعيّ: 147.
السّيرة الحلبيّة لبرهان الدّين الحلبيّ 3: 302.
شرح المواهب اللّدنيّة للزرقانيّ المالكيّ 7: 13.
ينابيع المودّة للقندوزيّ الحنفيّ: 30 - 34.
نور الأبصار للشبلنجيّ: 159.
المناقب الثلاثة للبلخيّ الشّافعيّ: 19 - 21.
غاية المرام: 334.
- مناقب ابن شهر آشوب 3: 21.
- مقتل الحسين للخوارزميّ 47.
- خصائص امير المؤمنين عليهالسلام للنّسائيّ: 85.
- أمالي الطوسيّ، المجلس 10 / 47.
- العلل الواردة في الأحاديث النبويّة: للدار قطنيّ 3 / 224 / 375.
- تاريخ الإسلام للذهبيّ 3 / 628 و 629 و 631.
- فضائل عليّ بن أبي طالب - باب ما نزل في عليّ من القرآن: 340 / 573.
- نزل الأبرار للبدخشيّ: 21.
- مجمع البيان للطبرسيّ 3: 223.
- خصائص الوحي المبين لابن البطريق: 210.
- العمدة في عيون صحاح الأخبار، لابن البطريق أيضاً: 152.
- المصنّف لابن أبي شيبة 7: 499 و 503 و 504.
- الشّفا للقاضي عياض: 31.
- مناقب امير المؤمنين عليّ: محمّد بن سليمان الكوفيّ ج 1 و ج 2.
قوله تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ ) (1) .
إحدى المناقب في السّيرة العلويّة ينطق بها الوحي، شهادةً من عند الله تعالى لعليٍّ عليهالسلام ، وأنّه فوق غيره في الإيمان والجهاد. والآية المباركة فيها ردّ على أولئك الّذين يفخرون بأنّهم يعمرون المسجد الحرام ويقومون على خدمة الحاجّ، وهم مع ذلك مشركون بالله عزّ وجلّ، فردّهم سبحانه بأنّهم غير جديرين بهذا الأعمال، وذلك في قوله:
____________________
(1) التوبة / 19.
( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خَالِدُونَ ) التوبة / 17. كما أعلن سبحانه عن ميراث من هو أولى بتعاهد المسجد الحرام، فقال: ( إِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلّا اللّهَ ) التوبة / 18.
فحصر عمارة مساجد الله بمن له هذه النّعوت؛ وكلّ ذلك متحقّق في أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ، فهو أوّل من آمن بالله تعالى، وصدّق نبيّه صلوات الله عليه وآله، وأعدّ للآخرة عدّتها من العمل الصالح واليقين التّامّ، وأعطى الزكاة وهو راكع، ولم يخش إلاّ الله تعالى. ولذلك لم يكن يكعّ عن خوض لهوات الرّدى وتورّط الشّدائد في سبيل الله، فهو على بيّنة من ربّه وعلى صراط مستقيم، انتهى به إلى أعظم الدّرجات عند الله تعالى.
ومضى الوحي في سرد السّيرة العلويّة، قال: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) التوبة / 19.
إنّه حتّى لو مكنّت الأحوال بعضكم من خدمة الحاجّ وسقايته ومن عمارة المسجد الحرام والإنفاق عليه - وهي أمور تفخرون بها - فإنّها ليست بمستوى الإيمان بالله واليوم الآخر، وإنّ المجاهد في سبيل الله أعظم منزلة وأعلى عند الله رتبة منكم.
قال الطبريّ: وهذا اقتضاء من الله بين فرق المفتخرين الّذين افتخروا بالسقاية «العبّاس» والآخر بالسدانة «شيبة»، والآخر بالإيمان بالله والجهاد في سبيله «عليّ». يقول تعالى ذكره: ( الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله: صدقوا بتوحيده من المشركين، ( وَهَاجَرُوا ) دور قومهم، ( وَجَاهَدُوا ) المشركين في دين الله ( بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّـهِ ) ، و أرفع منزلة عنده من سقاة الحاجّ وعمّار المسجد الحرام وهم بالله مشركون ( وَأُولَـٰئِكَ ) يقول: وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم أنّهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا، و ( هُمُ الْفَائِزُونَ ) بالجنّة النّاجون من النّار. (تفسير الطبريّ 10 / 111 / 112).
أسباط عن السدّيّ: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ... ) الآية، قال: افتخر عليّ وشيبة بن عثمان، فقال العبّاس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حجّاج بيت الله، وقال شيبة: أنا أعمر مسجد الله، وقال
عليّ: أنا هاجرت مع رسول الله صلىاللهعليهوآله وأجاهد معه في سبيل الله، فأنزل الله ( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ... ) إلى ( نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ) - التوبة 21، (تفسير الطبريّ 10 / 111).
وقوله تعالى: ( مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) خاصّ بعليّ عليهالسلام . وقبل ذكر مصادر ذلك، نرى من الأفضل ذكر أسباب نزول الآيات، ذكر الواحديّ في أسباب النّزول: 163 قال: قال المفسّرون: لما أسر العبّاس يوم بدر أقبل عليه المسلمون يعيّرون بكفره بالله وقطيعة الرّحم، وأغلظ عليّ له القول، فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟! فقال له عليّ: ألكم محاسن؟! قال: نعم، إنّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاجّ، ونفكّ العاني. فأنزل الله عزّ وجلّ ردّاً على العبّاس: ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللّهِ ) الآية.
وفي قوله تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) ، عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق عليهالسلام : قال: إنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه قيل له: يا أمير المؤمنين أخبرنا بأفضل مناقبك؟ قال: نعم، كنت أنا وعبّاس وعثمان ابن أبي شيبة في المسجد الحرام، قال عثمان: أعطاني رسول الله صلىاللهعليهوآله الخزانة - يعني مفاتيح الكعبة - وقال العبّاس: أعطاني رسول الله صلىاللهعليهوآله السّقاية - وهي زمزم - ولم يعطك شيئاً يا عليّ. قال: فأنزل الله: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) . تفسير العيّاشيّ 2: 83، وتفسير البرهان 2: 110، والصافي 1: 688.
وقال الحسن والشّعبيّ والقرظيّ: نزلت الآية في عليّ والعبّاس وطلحة بن شيبة، وذلك أنّهم افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه وإليَّ ثياب بيته. وقال العبّاس ك أنا صاحب السّقاية والقائم عليها. وقال عليّ: ما أدري ما تقولان! لقد صلّيت ستّة أشهر قبل النّاس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله تعالى هذه الآية. أسباب النزول للواحديّ 164، والفصول المهمّة 124 - 125 وزاد فيه: إلى أن قال: ( الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (1) .
____________________
(1) التوبة / 20.
وعن أنس أنّه قال: قعد العبّاس وشيبة صاحب البيت يفتخران، فقال له العبّاس: أنا أشرف منك، أنا عمّ رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ووصيّ أبيه وساقي الحجيج فقال شيبة: أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟ فهما على ذلك يتشاجران حتّى أشرف عليهما عليّ، فقال له العبّاس: إنّ شيبة فاخرني فزعم أنّه أشرف منّي. فقال: فما قلت له أنت يا عمّاه؟ قال: قلت: أنا عمّ رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ووصيّ أبيه وساقي الحجيج، أنا أشرف منك. فقال لشيبة: ماذا قلت أنت يا شيبة؟ قال: قلت أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟ قال: فقال لهما: اجعلاني معكما فخراً، قالا: نعم. قال: فأنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن بالوعيد من ذكور هذه الأمّة، وهاجر وجاهد. وانطلقوا ثلاثتهم إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فأخبر كلّ واحد منهم بمفخره، فما أجابهم النّبيّ بشيء فانصرفوا عنه، فنزل جبرئيل عليهالسلام بالوحي بعد أيّام فيهم. فأرسل النّبيّ صلىاللهعليهوآله إليهم ثلاثتهم، حتّى أتوه، فقرأ عليهم: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ... ) إلى آخر العشر - أي إلى آخر قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذَا ) التوبة / 28. كفاية الطّالب: 238، والدرّ المنثور 3: 219، ومختصر تاريخ ابن عساكر 18: 9.
وللحديث طرق كثيرة عن أهل البيت عليهمالسلام ، وغيرهم من رجال الحديث والتفسير والرّجال، لا نذكرها لتشابه نصوصها وابتغاءً للإيجاز، ونكتفي بذكر مصادرها: تفسير الحبريّ 273، وتفسير العيّاشيّ: 83، وتفسير الثعلبيّ - مخطوط، عنه في العمدة في عيون صحاح الأخبار: 98، وغاية المرام: 362، وتفسير الطبريّ 10: 110 - 111، وأسباب النّزول للواحديّ: 164 وتفسير فرات 52، 54، 57، 58، ومناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 321، 322، والتفسير الكبير للفخر الرازي 4: 422، وكفاية الطّالب: 238، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 18: 8 - 9، وتفسير القرطبيّ 8: 91، وتفسير الخازن 2: 221، والفصول المهمّة: 125، وتفسير النّيسابوريّ 20: 55، وتفسير ابن كثير 2: 341، والدرّ المنثور للسيوطيّ 3: 218، ولباب النّقول، له: 115، وفتح القدير للشوكانيّ 2: 330، وجامع الأصول 9: 478، وينابيع المودّة: 93، ونور الأبصار: 157. و
تفسير القرآن العزيز: عبد الرزّاق الصنعانيّ 1: 243، والمصنّف: لابن أبي شيبة 7: 504 ح 61، وتفسير مقاتل بن سليمان 2: 40، والكشّاف: للزمخشريّ 2: 180، والبحر المحيط 5 / 20، وإعراب القرآن للنحّاس 2: 9».
قوله تعالى: ( الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشّرُهُمْ رَبّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ) (1) .
في الآيتين توكيد من الله تعالى للصفات والحالات الّتي - يجب أن يكون عليها من يستحقّ عمارة مساجد الله، وهي: الإيمان والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، والجهاد في سبيل الله بالمال والنّفس، وشرح وتبيان للنتيجة المترتّبة على ذلك، وهي الفوز برضوان الله تعالى وهو النّعمة الكبرى، وجنّة نعيم غير منقطع.
وقيل في الآيتين إنّهما في عليّ عليهالسلام خاصّةً. قاله الحبريّ في تفسيره: 274، وتفسير فرات: 52، وتفسير الطبريّ 10 / 111.
وقد مرّ من حديث أنس أنّ الله تعالى أنزل بعد المفاخرة بين القوم وعليّ عليهالسلام من قوله ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) الآية، إلى آخر العشر: ( الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ ) التوبة 28، كما في تاريخ ابن عساكر، وكفاية الطّالب. وقال بعضهم: إنّ الله تعالى أنزل: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) الآية، إلى أن قال: ( الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ ) (2) .
والآية بعدها غير منفصلة عمّا قبلها، وإنّما هي في سياق تتميم نتيجة المؤمن المهاجر المجاهد من الأجر والثّواب. والآيات بجميعها في شأن عليّ عليهالسلام وسيرته العطرة؛ فالّذي
____________________
(1) التوبة / 20 و 21.
(2) نفس المصدر 20.
هذا شأنه في القرآن فهو صراط إلى الله مستقيم تجب طاعته ومشايعته.
قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) (1) .
والآية خاصّة بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام (2) .
____________________
(1) نفس المصدر 119.
(2) في تفسير الحبريّ: 275 قال: وفي قوله: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب خاصّة.
وابن عساكر، عن أبي جعفر عليهالسلام ، في قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) قال: مع عليّ بن أبي طالب. مختصر تاريخ دمشق 18: 10؛ تفسير فرات: 53؛ شواهد التنزيل 1: 259؛ المناقب للخوارزميّ: 280؛ كفاية الطّالب: 236؛ الدرّ المنثور 3: 290؛ غاية المرام: 248؛ البرهان 2: 170؛ فتح القدير 2: 395؛ جواهر العقدين 245.
وعن أبي سعيد الخدريّ، قال: لما نزلت هذه الآية التفت النّبيّ صلىاللهعليهوآله فقال: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية؟ قالوا: لا والله يا رسول الله ما ندري. فقال أبو دجانة: يا رسول الله، كلّنا من الصادقين قد آمنّا بك وصدّقناك. قال صلىاللهعليهوآله -: «لا يا أبا دجانة، هذه نزلت في ابن عمّي خاصّة دون النّاس، وهو من الصّادقين». تفسير فرات: 56.
ويرد من طرق أخرى بألفاظ أخرى؛ فتارةً أنّه - أي مع الصّادقين - محمّد وعليّ عليهماالسلام ، وليس فيه منافاة ولا تعارض إذ صراط عليّ هو صراط النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وصراط النّبيّ هو الصراط المستقيم؛ فصراط عليّ هو الصّراط المستقيم حقّاً.
عن الإمام جعفر الصّادق عليهالسلام قال: ( مَعَ الصّادِقِينَ ) محمّد وعليّ. شواهد التنزيل 1: 260؛ غاية المرام: 248.
واُخرى أنّهم أهل البيت عليهمالسلام ، وعليّ أبوهم تذكرة الخواصّ: 25: قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) قال علماء السّير: معناه كونوا مع عليّ وأهل بيته. قال ابن عبّاس: عليّ سيّد الصّادقين.
وفي تفسير الثعلبيّ 5: 109: أخبرني عبد الله بن محمّد بن عبد الله عن محمّد بن عثمان بن الحسن، عن محمّد بن الحسين بن صالح، عن عليّ بن جعفر بن موسى، عن صندل بن والق، عن محمّد بن عمر المازنيّ ن عن الكلبيّ، عن أبي صالح عن عبّاس في هذه الآية: ( مَعَ الصّادِقِينَ ) .
قال: مع عليّ بن أبي طالب وأصحابه».
وأصحاب عليّ عليهالسلام الّذين هم معه على صراط محمّد وآل محمّد عليهمالسلام فهم جميعاً ومن تبعهم بإحسان صراط الله المستقيم. =
والصّدق ملكة لا يلقّاها إلاّ ذو حظّ عظيم، فهي صدق في القول من حيث مطابقته للواقع والحقيقة، وهو أمر يشقّ على كثير وهم يواجهون مواقف صعبة إن صدقوا فيها ربّما لحقهم ضرر دنيويّ، ويجتازها الصّادق في النيّة ومحض الإيمان وصدق اليقين. وعليّ عليهالسلام كان كذلك، وهو المجاهر بقوله: «لوكشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً»، أي لو رأيت الله جهرة وعياناً ما زاد ذلك في إيماني وتصديقي به شيئاً؛ فقد أترع وجدانه الطّاهر بوجود الله تعالى وعظمته، فهو ليس محتاجاً أن يراه عياناً ويشير إليه في جهة كما زعم المبطلون؛ فأنزلوا واجب الوجود بمنزلة الممكنات!
وصدق الوجدان يظهر على صفحة صاحبه من حيث التضحية واقتحام الشّدائد، وهكذا كان أبو الحسنين عليّ عليهالسلام ، فلم تثنه الأهوال، ولم تفتّ من عضده الصّعاب وهو يخرج مع رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى شعاب مكّة وإلى الكعبة يصلّيان لا ثالث معهما إلاّ خديجة أحياناً، فلم يتهيّب غارة قريش، وإنّما مضى في مسيرته فدائيّاً للإسلام ونبيّه، فبات على فراش النّبيّ ليلة هجرته موطّناً نفسه على القتل، ومرّغ كبرياء قريش في سوح المواجهة،
____________________
= وانظر: بصائر الدرجات لابن فرّوخ الصفّار (ت 290 هـ) 31؛ كشف الغمّة 1: 429؛ مناقب ابن شهر آشوب 3: 111؛ أمالي الطوسيّ 2: 170؛ خصائص الوحي المبين 136؛ نظم درر السمطين: 91؛ فرائد السمطين 1: 370.
وفي تفسير العيّاشيّ 2: 116، عن أبي حمزة الثماليّ، قال: قال أبو جعفر عليهالسلام : «يا أبا حمزة، إنّما يعبد الله من عرف الله، فأمّا من لا يعرف الله كأنّما يعبد غيره. قلت: اصلحك الله وما معرفة الله؟ قال: يصدّق الله ويصدّق محمّداً رسول الله صلىاللهعليهوآله في موالاة عليّ والائتمام به وبأئمّة الهدى من بعده، والبراءة إلى الله من عدوّهم، وكذلك عرفان الله - قال: قلت أصلحك الله أيّ شيء إذا عملته استكملت حقيقة الإيمان؟ قال: توالي أولياء الله وتعادي أعداء الله، وتكون مع الصّادقين كما أمرك الله.قال: قلت: ومن أولياء الله ومن أعداد الله؟ فقال: أولياء الله محمّد رسول الله وعليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين، ثمّ انتهى الأمر إلينا ثمّ ابني جعفر - وأومأ إلى جعفر وهو جالس - فمن والى هؤلاء فقد والى الله وكان مع الصّادقين كما أمره الله»، والحديث طويل. إنّ الأحاديث يعضد بعضها بعضاً، وكذلك آيات القرآن الكريم، فمن طهّرهم الله تعالى أولى أن يكونوا هم الصّادقين، ونحن ملزمون بحكم العقل السليم والأمر الإلهيّ أن نكون معهم، فصراطهم صراط الله المستقيم؛ فأين تذهبون؟! وكم تأفكون؟!
ولما دعا عمرو بن عبد ودّ عسكر المسلمين إلى البراز حتّى بحّ صوته، فما برز إليه إلاّ عليّ فجندله، ولم يجرؤ على رأس اليهود «مرحب». غير عليّ فقتله وقلع حصن خيبر ن فكان الفتح للمسلمين على يده وما زالت سيرته من ظفر إلى آخر، وما دوّن فيها عتاب لعليّ ولا لوم كشأن غيره حتّى مضى شهيداً. وما أن وقع السّيف على رأسه الشّريف حتّى هتف: «فزت وربّ الكعبة»!
إنّ سيرة عليٍّ تكشف عن صدقه وعصمته ورسوخ إيمانه. وممّا يتساوق مع قوله تعالى: ( ...وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .
قوله تعالی: ( وَالّذِي جَاءَ بِالصّدْقِ وَصَدّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ ) (1)
حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قوله: ( وَالّذِي جَاءَ بِالصّدْقِ وَصَدّقَ بِهِ ) رسول الله جاء بالصّدق، وعليّ صدّق به (2) .
____________________
(1) الزّمر / 33.
(2) تفسير الحبريّ: 315.
وعن مجاهد قال: الّذي جاء: بالصّدق محمّد صلىاللهعليهوآله ، وصدّق به عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . مختصر تاريخ دمشق 18: 9 - 10؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 270؛ كفاية الطّالب: 233؛ العمدة لابن البطريق 184؛ البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسيّ 7: 428؛ تفسير القرطبيّ 15: 256.
وذكر ابن مردويه، عن أبي جعفر عليهالسلام : ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ) محمّد. والّذي ( وَصَدَّقَ بِهِ ) عليّ بن أبي طالب عليهالسلام . «مناقب عليّ بن أبي طالب: ابن مردويه 315 ح 520؛ كشف الغمّة 1: 324؛ كشف اليقين: 299».
«وقال أبو الأسود وجماعة منهم مجاهد: الذي صدّق هو عليّ بن أبي طالب». المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للقاضي عبد الحقّ بن غالب الأندلسيّ (ت 546 هـ) 4: 546.
وعن أبي هريرة في البحر المحيط، والدرّ المنثور 5: 328.
والمصدّق المتّقي الّذي نطق الوحي بسابقيّته وتقواه أولى بمشايعته فهو على صراط مستقيم يهدي شيعته إلى نعيم مقيم. ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة كما في فضائل عليّ عليهالسلام : 314 ح 518؛ روح المعاني للآلوسيّ 24: 3.
قوله تعالى: ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) (1) .
ما زال الوحي الكريم يطرّز سيرة عليّ عليهالسلام آياتٍ باهرات من لدن عليم حكيم، يرتّلها المسلمون منذ تلقّوها من فم رسول الله صلىاللهعليهوآله وإلى قيام السّاعة، وهم يعلمون ويفخرون أنّ هذه الآية خاصّة بعليّ، أو هي مشتركة ولكن بين عليٍّ ورسول الله صلىاللهعليهوآله ، فهما نفس واحدة خلقا من شجرة واحد والنّاس من أشجار شتّى، ( وَلكِنّ الظّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ) (2) .
والآية ظاهرة في صدق عليّ وسابقيّة إسلامه ومعيّته لرسول الله صلىاللهعليهوآله ، فهو بلك مع الحقّ والحقّ معه، ووجبت لذلك طاعته، فكان صراطه هو الصّراط المستقيم الّذي لا يقبل الله سبحانه غيره.
بسند عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) : عليّ عليهالسلام خاصّةً (3) .
____________________
(1) هود / 17.
(2) الأنعام / 33.
(3) تفسير الحبريّ: 280 وذكره الحاكم الحسكانيّ في عدّة موارد في شواهد التنزيل 1: 275 وما بعد، والخوارزميّ في المناقب: 278، وفيه: قال ابن عبّاس: هو عليّ عليهالسلام شهد للنّبيّ صلىاللهعليهوآله وهو منه.
وذكر القرطبيّ في تفسيره 9: 16. وعن تفسير الثعلبيّ، برواية ابن عبّاس ذكرها سبط ابن الجوزيّ في تذكرة الخواصّ: 25 وقال: ذكر الثعلبيّ في تفسيره عن ابن عبّاس أنّه عليّ عليهالسلام ، ومعنى ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) أنّه أقرب النّاس إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله .
وذكره ابن البطريق عن تفسير الثعلبيّ في العمدة: 100، البحرانيّ في غايةالمرام: 360؛ تفسير الثعلبيّ 5: 162؛ كنز العمّال 2: 439 / 4440 وجاء في تفسير الطبريّ 12: 21: «ذكر أنّه محمّد صلىاللهعليهوآله وأنّه جبريل، وقال آخرون هو عليّ بن ابي طالب؛ قال صباح الفرّاء عن جابر عن عبد الله بن يحيى، قال: قال عليّ رضى الله عنه: ما من رجل من قريش إلاّ وقد نزلت فيه الآية والآيتان، فقال له رجل: فأنت أيّ شيء نزل فيك؟ فقال عليّ: أما تقرأ الآية الّتي نزلت في هود: ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) .
وعن عبد الله بن يحيى، عن ابن عبّاس، في تفسير الطبريّ 12: 11؛ تفسير فرات: 69؛ الدرّ المنثور 3: 324.
ومن شواهده عن أهل بيت العصمة عليهمالسلام : =
عن زاذان (1) ، قال: سمعت عليّاً عليهالسلام يقول: «والّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة لو ثنيت (2) لي وساد لحكمت بين أهل التّوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزّبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، بقضاء يزهر، يصعد إلى الله. والله ما نزلت آية في ليل أو نهار ولا سهل ولا جبل ولا برٍّ ولا بحر إلاّ وقد عرفت أيّ ساعة نزلت وفي من نزلت. ما من قريش رجل جرّت عليه المواسي إلاّ أنا أعرف به، آية تسوقه إلى جنّةٍ
____________________
=
* رسول الله صلىاللهعليهوآله . سعد السّعود: 73 عن أبي النجار بإسناد إلى ابن مردويه، بإسناده إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال: «إنّ الشّاهد منه عليّ». وفي منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد بن حنبل 1: 449. عن ابن مردويه وابن عساكر، عن عليّ قال: قال رسول الله ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ ) : أنا ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) : عليّ.
وفي كفاية الطّالب: 235 عن ضمرة، عن عطا، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن عليّ عليهالسلام ، قال قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «عليّ على بيّنة من ربّه، وأنا الشّاهد منه». ومثله في مختصر تاريخ دمشق 18: 10.
* أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام .
تفسير الحبريّ: 277 - 279 ح تفسير الثعلبيّ، وعنه في العمدة 100، وغاية المرام 360؛ إحقاق الحق للشهيد التستريّ 3: 353؛ تذكرة الخواصّ: 25؛ تفسير فرات: 64، 68، 69؛ تفسير العيّاشيّ 2: 142 - 143؛ شواهد التنزيل 1: 280؛ مصابيح السّنّة للبغويّ الشّافعيّ بهامش تفسير الخازن 3: 183؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 270 - 271؛ الإتقان في علوم القرآن للسيوطيّ 2: 151.
ويرد عن الإمام الحسن بن عليّ عليهماالسلام ، والإمام محمّد الباقر عليهالسلام وعن غير أهل البيت ن وكلّها تنتهي بعليّ عليهالسلام .
(1) زاذان، أبو عمر الكنديّ، مولاهم. سمع عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسيّ...، قال يحيى بن معين: ثقه وقال الخطيب البغداديّ: كان ثقة. توفّي سنة اثنتين وثمانين. وقال ابن سعد: توفّي بالكوفة أيّام الحجّاج بعد الجماجم - وكانت الجماجم سنة 83 - وكان ثقة قليل الحديث. الطبقات الكبرى لابن سعد 6: 179؛ تاريخ بغداد 8: 487؛ مختصر تاريخ دمشق 8: 371. وقال العجليّ: سمع من عبد الله بن مسعود، ثقة.
(تاريخ الثّقات: العجليّ - 182 - 261 هـ -: 163 / 450).
وذكره ابن شاهين في الثّقات. (تاريخ أسماء الثّقات: ابن شاهين - 297 - 385 - 140 / 400». روى له البخاري في «الأدب» ومسلم في «صحيحه» والأربعة في سننهم: تهذيب الكمال 9: 263 / 400؛ تهذيب التهذيب 3: 302).
(2) في تفسير الحبريّ 277: لو كسرت.
وآية تسوقه إلى نار».
فقام رجل فقال: ما آيتك يا أمير المؤمنين الّتي نزلت فيك؟
قال: ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) ؛ فرسول الله صلىاللهعليهوآله على بيّنة من ربّه وأنا الشّاهد منه أتلوه: أتبعه. والله لأن تعلمون ما خصّنا الله عزّ وجلّ به أهل البيت أحبّ إليّ ممّا على الأرض من ذهبة حمراء أو فضّةٍ بيضاء (1) .
قوله تعالى: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) .(2)
الآية،على نسق أخواتها، ظاهرة في التلازم بين رسول الله صلىاللهعليهوآله وعليّ عليهالسلام ، عصمةً وأداءً للرّسالة؛ فرسول الله نبيّ وعليّ وصيّ، ونبيّ الله على بيّنة وعليّ شاهده، ورسول الله منذر وعليّ هادٍ؛ فعليّ لا غيره صراط الله المستقيم الّذي جاء به رسول الله صلىاللهعليهوآله . وقوله تعالى: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) في عليّ عليهالسلام ، فالنّبيّ صلىاللهعليهوآله المنذر، وعليّ الهادي (3) .
____________________
(1) تفسير الحبريّ: 277 - 279. وروي بتباين في بعض الألفاظ في تفسير الطبريّ 12: 10؛ تفسير فرات: 69؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 270 - 271؛ شواهد التنزيل 1: 280؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 1: 208، بالإسناد إلى المنهال عن عبد الله بن الحارث؛ وتذكرة الخواصّ: 25، عن الثعلبيّ، وينابيع المودّة: 99، بسند ابن المغازليّ عن المنهال عن عبّاد بن عبد الله.
(2) الرّعد / 7.
(3) والآثار الدّالّة عليه من الوفرة بمكان، من ذلك عن:
* رسول الله صلىاللهعليهوآله .
عن أبي داود السّبيعيّ، عن أبي برزة الأسلميّ، عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله : ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) فوضع يده على منكب عليّ عليهالسلام فقال: «هذا الهادي من بعديّ». سعد السّعود: 99؛ نظم درر السّمطين للزرنديّ: 89 ن وفي الدرّ المنثور 4: 45؛ فتح القدير 3: 66 عن ابن مردويه من رواية أبي برزة.
وفي تفسير الحبريّ: 283 عن أبي الجارود، عن أبي برزة، قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ) ردّ يده إلى صدره، ثمّ يقول: ( وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) يشير إلى عليّ عليهالسلام بيده وفي تفسير الطّبريّ 13: 72 بسند عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) وضع صلىاللهعليهوآله يده على صدره، فقال: «أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي».
ولا يخفى على أحد أنّ الحديث من نظير «من كنت مولاه فعليّ مولاه». ومثلما كان رسول الله صلىاللهعليهوآله سبب هداية المسلمين وأنّ طاعته واجبة عليهم، فكذلك عليّ عليهالسلام ؛ فإنّ طاعته تجب عليهم لنفس العلّة والسبب، وإلاّ =
____________________
= تفرّقت بهم السّبل وركبوا غير طريق الحقّ. ولم يقل صلىاللهعليهوآله لغير عليّ: بك يهتدي المهتدون بعدي؛ فصراط عليّ هو صراط الله المستقيم وليس سواه!
قال الفخر الرّازيّ: واعلم أنّ أهل الظّاهر من المفسّرين ذكروا هاهنا أقوالاً:...، والثالث: المنذر النّبيّ، والهادي عليّ. ثمّ ذكر نفس حديث الطّبريّ، إلاّ أنّ ذيل الحديث: من بعدي، بزيادة «من» التفسير الكبير 19: 14؛ تفسير ابن كثير 2: 501؛ كنز العمّال 11: 620؛ نور الأبصار: 70 ؛ كنوز الحقائق للمناويّ 42.
وفي الدرّ المنثور، في ذيل تفسير الآية، قال: وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلميّ قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ) ووضع يده على صدره، ثمّ وضعها على صدر عليّ عليهالسلام ، ويقول: ( وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) .
وفي بصائر الدّرجات، محمّد بن الحسن بن فرّوخ الصّفّار «المتوفّى 290 هـ) من أصحاب الإمام الحسن العسكريّ عليهالسلام - ص 29: عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن محبوب عن أبي حمزة الثماليّ، قال: دعا رسول الله صلىاللهعليهوآله بطهور فلمّا فرغ أخذ بيد عليّ فألزمها يده، ثمّ قال: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ) ثمّ ضمّ يده إلى صدره وقال: ( لِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) .ثمّ قال: «يا عليّ، أنت أصل الدّين ومنار الإيمان وغاية الهدى وقائد الغرّ المحجّلين، أشهد لك بذلك».
* ابن عبّاس.
حبّان عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ) : رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ( وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) : عليّ عليهالسلام ؛ تفسير الحبريّ 281.
وبسند آخر: عن معاذ بن مسلم الهرويّ، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «أنا المنذر وعليّ الهاد، بك يا عليّ يهتدي المهتدون». تفسير الطّبريّ 13: 72؛ المستدرك على الصحيحين 3: 129؛ كفاية الطّالب: 232 - 233، وذكره ابن عساكر مرسلاً في مختصر تاريخ دمشق 18: 9؛ لسان الميزان 2: 199 ح ميزان الاعتدال 1: 484؛ نهج الحقّ وكشف الصّدق لابن المطهّر الحلّيّ: 180.
تفسير الطبريّ 13: 130؛ تفسير الثعلبيّ 5: 272؛ كنز العمال 11 / 63 / 33075.
ورواه عن ابن عبّاس مرسلاً: أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم الطبريّ من علماء القرن السادس الهجريّ. بشارة المصطفى 246؛ منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5: 34؛ الدرّ المنثور 4: 45؛ البرهان 2: 282.
* أمير المؤمنين عليهالسلام . عن عباد بن عبدالله الأسدي، عن عليّ عليهالسلام قال: رسول الله صلىاللهعليهوآله المنذر، وأنا الهادي. المستدرك على الصحيحين 3: 129 - 130 قال: هذا حديث صحيح الإسناد، وشواهد التنزيل 1: 300، =
____________________
= والبرهان 2: 280.
وعن عبد خير - بن محمّد بن خولي الهمدانيّ صاحب عليّ عليهالسلام ، طبقات خليفة 252؛ النّسب لأبي عبيد القاسم بن سلاّم 337، وفي طبقات ابن سعد 6: 230 قال: عبد خير بن يزيد - عن عليّ في مسند أحمد 1: 126، والمعجم الصّغير للطّبرانيّ 1: 261، وعن الثعلبيّ في ينابيع المودّة 99؛ شواهد التنزيل 1: 300؛ بشارة المصطفى: 237؛ تفسير ابن كثير 2: 126؛ البرهان 2: 282.
* مجاهد بن جبر.
أخرج الحسكانيّ بسند عن عليّ بن القاسم، عن عبد الوهّاب بن مجاهد، عن أبيه في قول الله عزّ وجلّ: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، قال: محمّد المنذر وعليّ الهادي. شواهد التنزيل 1: 302.
* الإمام أبو جعفر محمّد الباقر عليهالسلام .
عن عبد الله بن عطاء، قال: «كنت جالساً مع أبي جعفر عليهالسلام . قال: نزل في عليّ بن أبي طالب عليهالسلام : ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، فالنّبي صلىاللهعليهوآله المنذر، وبعليٍّ يهتدي المهتدون».
محمّد بن الحسن الصفّار، في بصائر الدّرجات: 29؛ تفسير فرات: 76؛ نفس المصدر 30، بسند عن محمّد بن مروان، عن نجم، قال: سمعت أبا جعفر عليهالسلام - وذكر الآية - قال: «المنذر رسول الله صلىاللهعليهوآله والهادي عليّ عليهالسلام .
أيضاً بصائر الدّرجات: 30، بسند عن جابر عن الباقر عليهالسلام ، وذكر مثله. ومثله عن أبي بصير عن الباقر عليهالسلام ، في نفس المصدر.
ونفس المصدر أيضاً، عن الحسين عن النّضر بن سويد، وفضالة عن موسى بن بكر عن الفضيل قال: «سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن قول الله تبارك وتعالى: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، قال: كلّ إمام هادٍ للقرن الّذي هوفيهم».
وبسند عن يعقوب بن يزيد، عن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد العجليّ، عن أبي جعفر عليهالسلام في قول الله - وذكر الآية - فقال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «أنا المنذر» وفي كلّ زمان إمام منّا يهديهم إلى ما جاء به نبيّ الله صلىاللهعليهوآله . والهداة من بعده عليّ، ثمّ الأوصياء من بعده واحد بعد واحد. أما والله ما ذهبت منّا ولا زالت فينا إلى السّاعة؛ رسول الله المنذر، وبعليٍّ يهتدي المهتدون. بصائر الدرجات: 29؛ تفسير العيّاشيّ 2: 204؛ البرهان 2: 282؛ الصّافي 1: 865.
وبسند عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال: «المنذر رسول الله، وعليّ الهادي. يا أبا محمّد فهل منّا هادٍ اليوم؟ قلت: بلى جعلت فداك ما زال فيكم هاد من بعد هادٍ حتّى رفعت إليك. فقال: يا أبا محمّد، ولو كانت إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرّجل ماتت الآية مات الكتاب». فالإمام عليهالسلام يفنّد نظريّة من قال إنّ =
قوله تعالى: ( الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) (1) .
الآية دالّة على استقامة صراط عليّ عليهالسلام يسلك بشيعته إلى الجنّة، والمحروم من حرم نفسه من نعمة ولاية عليّ والاستنان بسنّة رسول الله صلىاللهعليهوآله وسنّة عليّ عليهالسلام ، للوحدة التي لا تقبل التجزئة في الأصل وطهارة النّشأة والسّيرة.
عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: ( الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) . قال: شجرة أصلها في دار عليّ عليهالسلام في الجنّة، في دار كلّ مؤمن منها غصن، يقال لها: «شجرة طوبى»، وحسن مآب: حسن المرجع (2) .
____________________
= النّبيّ صلىاللهعليهوآله لم يوص ولم يعيّن خليفته! لحاجة الأمّة - وهي حديثة عهد بالإسلام - إلى من يبيّن لها تفسير الآية من القرآن العزيز، ولم يكن - بإجماع الفضلاء - غير عليٍّ مع القرآن والقرآن معه وعياً وفهماً؛ فعليّ صراط الله المستقيم.
(1) الرّعد / 29.
(2) تفسير الحبريّ: 284؛ تفسير فرات: 76. ورواه الثعلبيّ في تفسيره 5: 290، بسند عن الدهّان والجصّاص، عن الحبريّ كما في المتن الذي ذكره، نقله ابن البطريق في خصائص الوحي المبين: 231؛ العمدة: 183، والسيّد البحرانيّ في غاية المرام: 392.
وفي تفسير القرطبيّ 9: 317: قال ابن عبّاس: «طوبى» شجرة في الجنّة أصلها في دار عليّ، وفي دار كلّ مؤمن منها غصن.
وعن الإمام الحسين بن عليّ عليهماالسلام مثل الّذين في المتن. اليقين في إمرة أمير المؤمنين لابن طاووس 62.
وعن الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليهماالسلام ، قال: سئل النّبيّ صلىاللهعليهوآله عن قوله تعالى: ( طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) ، قال: «شجرة أصلها في داري وفروعها في الجنّة». ثمّ سئل عنها مرّةً أخرى، فقال: «شجرة أصلها في دار عليّ وفروعها في الجنّة». فقيل له: يا رسول الله! سئلت عنها فقلت «أصلها في داري وفروعها في الجنّة» ثمّ سئلت عنها فقلت» «أصلها في دار عليّ وفروعها في الجنّة» فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «إنّ داري ودار عليّ غداً في الجنّة واحدة، في مكان واحد». تفسير العيّاشيّ 2: 212، والعمدة 183، وتفسير القرطبيّ 9: 317، والبرهان 2: 295، وينابيع المودّة 96.
إنّ عليّاً من النّبيّ بمنزلة الرأس من الجسد، وهو نفسه الزكيّة الّتي خرج بها يباهل بها طواغيث النّصارى، ووصيّه وصنوه وأبو ولده... وعليّ يحلّ له ما يحلّ لرسول الله صلىاللهعليهوآله من المبيت في المسجد ولا يحلّ ذلك لغيرهما. وعليّ والنّبيّ عليهماالسلام في دار واحد في الجنّة، وليس لغير عليّ مثل هذه المزيّة الكريمة والمنزلة =
قوله تعالى: ( قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (1) .
من عنده علم الكتاب الإلهي، فإنّه يصدّ عن الضّلال ويقود إلى الحقّ، وهو أحقّ أن يتّبع؛ لأنّ صراطه مستقيم، وهذا ممّا نجده في عليّ وأهل بيته عليهمالسلام .
عن عليّ بن عابس، قال: دخلت أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء. قال أبو مريم: حدّث عليّاً بالحديث الّذي حدّثتني عن أبي جعفر. قال: كنت عند أبي جعفر إذ مرّ عليه ابن عبد الله بن سلاّم، قلت: جعلني الله فداك! هذا ابن الذي عنده علم من الكتاب؟ قال: لا، ولكنّه صاحبكم عليّ بن أبي طالب الّذي نزلت فيه آيات من كتاب الله عزّ وجلّ: ( الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ ) (2) و ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) (3) و ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ ) (4) الآية (5) .
____________________
= الرفيعة.
ومن لم يكن على صراط عليّ، فليس له غصن من شجرة طوبى يتعلّق به. وذكره ابن المغازليّ في مناقبه 268 بسند عن ابن سيرين.
(1) الرّعد / 43.
(2) النّمل / 40.
(3) هود / 17.
(4) المائدة / 55.
(5) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ ك 314. وبنفس السند واللفظ في تفسير القرطبيّ 9: 336، والثعلبيّ كما في العمدة لابن البطريق: 152، وينابيع المودّة 102.
ومن حديث سعيد بن جبير أنّه سئل عن هذه الآية: أهو عبد الله بن سلاّم؟ قال: كيف، وهذه السّورة مكّيّة؟! الدرّ المنثور 4: 69. وقال: أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والنحّاس في ناسخه. وقال: أخرج ابن المنذر عن الشعبيّ قال: ما نزل في عبد الله بن سلاّم شيء من القرآن.
وعن بريد بن معاوية العجليّ قال: قلت لأبي جعفر عليهالسلام : ( قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) .
قال: «إيّانا عنى، وعليّ أفضلنا وأوّلنا وخيرنا بعد النّبيّ صلىاللهعليهوآله . تفسير العيّاشيّ 2: 220؛ البرهان 2: 303؛ الصافي 1: 880؛ ينابيع المودّة: 102 - 103. =
قوله تعالى: ( يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ ) (1) .
الآية من خصوصيّات عليّ عليهالسلام الدّالّة على صدقه وعصمته واستقامة صراطه ووجوب التمسّك بولايته.
عن ابن مروان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: «يثبّت الله الّذين آمنوا بالقول الثّابت». قال: بولاية عليّ بن أبي طالب عليهالسلام (2) .
إنّ كثرة الآيات الدّالّة على منزلة عليّ الخاصّة، وإلى جوارها زخّ الأحاديث النّبويّة الّتي تأمر المسلمين بوجوب الرّجوع إلى عليّ عليهالسلام وعدم مخالفته وتوّجت بتنصيبه أميراً للمؤمنين بأمر الله تعالى يوم الغدير، ويوجب كلّ ذلك الأخذ برواية ابن عبّاس، وإنّ الآية
____________________
= وعن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر الباقر عليهالسلام ، قال: سألته عن قوله - وذكر الآية - فقال: «نزلت في عليّ بعد - رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وفي الأئمّة بعده، وعليّ عنده علم الكتاب». تفسير العيّاشيّ 2: 221؛ البرهان 2: 303.
عن الفضيل بن يسار عن الباقر عليهالسلام ، قال: «نزلت في عليّ عليهالسلام ، إنّه عالم هذه الأمّة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله . تفسير العيّاشيّ 2: 221؛ ينابيع المودّة 102.
عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: سألت رسول الله صلىاللهعليهوآله عن هذه الآية: ( الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ ) ، قال: «ذاك وزير أخي سليمان بن داود عليهماالسلام وسألته عن قول الله عزّ وجلّ ( قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) قال: «ذاك أخي عليّ بن أبي طالب». ينابيع المودّة: 103.
والثعلبيّ، وأبو نعيم بسنديهما عن زاذان، عن محمّد بن الحنفيّة، قال: من عنده علم الكتاب: عليّ بن أبي طالب». ينابيع المودّة: 102.
وفي تفسير الثعلبيّ 5: 303: أخبرني عبد الله بن محمّد الفاسي حدّثنا الحسين بن محمّد بن عثمان النصيبيّ أخبرنا أبوبكر محمّد بن الحسين السميعي، حدّثني الحسين بن إبراهيم بن الحسين الجصّاص، أخبرنا الحسن بن الحكم حدّثنا سعيد بن عثمان عن أبي مريم، وحدّثني عبد الله بن عطاء قال: كنت جالساً مع أبي جعفر - الباقر عليهالسلام - في المسجد، فرأيت عبد الله بن سلام جالساً في ناحيةٍ فقلت لأبي جعفر: زعموا أنّ الّذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام، فقال: إنّما ذلك عليّ بن أبي طالب.
والأحاديث أكثر من هذه فلا لم على من اتّخذ ربّانيّ الأمّة وأعلمها بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله ، إماماً يسترشد بنهجه، ولم يتّخذ الجاهلين قدوة.
(1) إبراهيم / 27.
(2) تفسير الحبريّ: 288، وتفسير فرات: 79؛ غاية المرام: 400؛ إحقاق الحقّ 3: 548.
ظاهرة في المقصد.
قوله تعالى: ( فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) (1) .
في هذه الآية المباركة إرشاد من الباري سبحانه وتعالى لأمّة محمّد صلىاللهعليهوآله بالرّجوع إلى أهل المعرفة والاختصاص في كلّ أمرٍ مشكل، لتبيّن وجه الصّواب والحقّ. وقد أشكل الأمر على بعضهم، فحمل الآية على غير ما أراده الله تعالى من خطابه العزيز؛ إذ نظر إلى ظاهر الآية ففهم أنّ أهل الذّكر هم اليهود والنّصارى، مثلما نقل عن سفيان الثوريّ (2) ؛ ذلك أنّ تمام لفظ الآية: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) . وفي حمل من قال بهذا المعنى على محمل حسن بعد كبير عن المقصود، بل هو باطل مدفوع، وذلك لأنّ القرآن الكريم قد صرّح في آيات كثيرة بأنّهم حرّفوا ما أنزل الله تعالى على أنبيائهم،وأنهم كتبوا بأهوائهم وقالوا: هذا من عند الله، ليشتروا به متاع الحياة الدّنيا وشهد بكذبهم وتقليبهم الحقائق ومناصرتهم للمشركين على حرب النّبيّ صلىاللهعليهوآله .
ولليهود والنّصارى اعتقاداتهم الخاصّة، وكلّ يكذّب الآخر. وهما يكذّبان النّبيّ صلىاللهعليهوآله ويكتمون ما يعلمون من حقّ رسالته. عن ابن عبّاس قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الّذي أنزل الله على نبيّكم صلىاللهعليهوآله أحدث الأخبار بالله محضاً لم يشب (3) ، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب قد بدّلوا من كتاب الله وغيّروا، فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمناً قليلاً أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ قلا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الّذي أنزل عليكم (4) .
وما أجمل جواب باقر العلوم عليهالسلام لمحمّد بن مسلم لما قال له: إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول الله: ( فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) أنّهم اليهود والنّصارى! فقال: «إذا يدعونكم إلى دينهم». قال: ثمّ قال بيده - أي أشار - إلى صدره: «نحن أهل الذّكر، ونحن
____________________
(1) النحل 43، والأنبياء / 7.
(2) تفسير القرطبيّ 11: 272.
(3) أي نقيّاً لم يخالطه غيره.
(4) صحيح البخاريّ 8: 208.
المسؤولون». قال: قال أبو جعفر: «الذّكر القرآن» (1) .
فالآية من شأن أهل البيت عليهمالسلام ، نزلت في عليّ كما ذكر ذلك جمع من المفسّرين والحفّاظ، وهيجارية في الأئمّة المعصومين الّذين يحتاج إليهم غيرهم ولا يحتاجون إلى الغير، فصراطهم هو الصّراط المستقيم.
وممّن قال بنزول الآية في عليّ عليهالسلام العيّاشيّ في تفسيره 2: 260 - 261، رواه عن الباقر وعن الصّادق عليهماالسلام وأنّ الآية في أهل البيت، أبو جعفر الطّبريّ في تفسيره 14: 109، الحاكم الحسكانيّ في شواهد التنزيل 1: 334، ابن كثير في تفسيره 2: 570، القرطبيّ في تفسيره 11: 272، القاضي التستريّ في إحقاق الحقّ: 3: 482، القندوزيّ الحنفيّ في ينابيع المودّة، عن الثعلبيّ، وقد ذكره الثعلبيّ في تفسيره (6: 270) بسند عن جابر بن عبد الله، قال: قال: عليّ بن أبي طالب: «نحن أهل الذّكر». وعن عليّ الرضا بن موسى الكاظم عليهماالسلام : لابد للأمة أن يسألوا عنّا أمور دينهم لأنّا أهل الذّكر، وذلك لأنّ الذّكر رسول الله صلىاللهعليهوآله ونحن أهله، حيث قال تعالى في سورة الطّلاق: ( فَاتّقُوا اللّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللّهِ مُبَيّنَاتٍ ) (2) . ونفس المصدر: عن الصّادق عليهالسلام قال: «للذّكر معنيان: القرآن، ومحمّد صلىاللهعليهوآله ، ونحن أهل الذّكر بكلا معنيه. أمّا معناه القرآن فقوله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ) (3) وقوله تعالى: ( وَإِنّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) (4) . وأمّا معناه: محمّد صلىاللهعليهوآله ، فالآية في سورة الطّلاق ( فَاتّقُوا اللّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ ) إلى آخرها.
والسّيرة النبويّة آخذة بيد السّيرة العلويّة، حيث كان رسول الله صلىاللهعليهوآله يحث الأمة على موالاة عليّ عليهالسلام والرّجوع إليه في فهم أحكام الدّين. بشهد لذلك حديث الثّقلين؛ إذ نصّ صراحةً على أنّهم - أهل البيت عليهمالسلام - مع القرآن يتمّم أحدهما الآخر في هداية الأمّة. وهم
____________________
(1) تفسير العيّاشيّ 2: 260.
(2) الطلاق / 10 - 11.
(3) النحل / 44.
(4) الزخرف / 44.
سفينة النجاة كما كانت سفينة نوح عليه السلام: من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وعلي عنده علم الظاهر والباطن من القرآن، وعلم النّبيّ من علم الله تعالى، وعلم عليّ من علم النذبيّ رواه ابن عبّاس، وقال: «وما علمي وعلم الصّحابة في علم عليّ إلاّ كقطرة في سبعة أبحر». وقد عرضنا لهذه الأحاديث وغيرها فيما مضى.
ومن إحاطته بكتاب الله تعالى على هذا النّحو أولى أن يكون صراطه هو الصّراط المستقيم وهو من يفزع إليه في معرفة الأحكام. عن أنس بن مالك قال: قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «عليّ يعلّم النّاس بعدي من تأويل القرآن ما لا يعلمون، أو قال: يخبرهم» (1) .
وقال صلىاللهعليهوآله : «أعلم أمّتي من بعدي عليّ بن أبي طالب» رواه سلمان (2) .
وعن أنس عنه صلىاللهعليهوآله : «يا عليّ أنت تبيّن لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي» (3) . فعليّ القمّة الشّماء بين العارفين بالله وبعلوم القرآن ومعلم القرآن بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله . عن علي عن النّبيّ: «عليّ بن أبي طالب أعلم النّاس بالله والناس، حبّا وتعظيما لأهل لا إله إلاّ الله» (4) . والصّحابة عالة على رسول الله صلىاللهعليهوآله وعلى عليّ عليه السلام في العلم وفصل الخطاب، حتّى ليصحّ القول: إنّ عليّاً لم يبق لهم منه إلاّ نزراً هم فيه إلى عليّ مفتقرون!
بسندين عن ابن عباس قال:العلم ستة أسداس ن لعليّ بن أبي طالب عليه السلام خمسة أسداس، وللنّاس سدس، ولقد شاركنا في السّدس حتّى لهو أعلم به منّا (5) . وعلم عليّ عليه السلام أوسع أفقاً وأبعد رمية حتّى لتضيق معه صدور قوم أن تحتمله ويعجزون عن تفسير أفعاله، كما عجز نبيّ الله موسى عليه السلام عن تأويل أفعال العبد الصالح الخضر عليه السلام.
بسند عن أبي ذرّ الغفاريّ رضى الله عنه، قال: كنت مع رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو ببقيع الغرقد، فقال: «والّذي نفسي بيده إنّ فيكم رجلا يقاتل النّاس بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت المشركين على تنزيله، وهم يشهدون أن لا إله الاّ الله، فيكبر قتلهم على النّاس حتّى
____________________
(1) شواهد التنزيل 1: 29.
(2) المناقب للخوارزميّ: 82؛ كفاية الطّالب: 332؛ فرائد السمطين 1: 97؛ كنز العمال 11: 614.
(3) حلية الأولياء 1: 63؛ المناقب للخوارزميّ: 85؛ فرائد السّمطين 1: 145؛ كنز العمال 11: 615.
(4) كنز العمّال 11: 614.
(5) المناقب الخوارزمي: 92، 93؛ فرائد السمطين 1: 369.
يطعنوا على وليّ الله - يعني عليّاً عليه السلام - ويسخطوا عمله كما سخط موسى أمر السّفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار؛ وكان خرق السّفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، لله رضى، وسخط ذلك موسى؛ وهو عليّ بن أبي طالب» (1) .
قوله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمنُ وُدّاً ) (2) .
الآية المباركة خاصّة بأمير المؤمنين عليه السلام. وودّ عليّ ومحبّته لإيمانه الصّادق وعمله الصّالح، فلا يودّه إلاّ الصّالحون ممّن محض إيمانه ولم يشبه شوب. أمّا من زاغ عن الحقّ وأردته الفتن فليس له عند الله شيء، ولذا لم يفتح له مصارع قلبه لحبّ عليّ ومودّته.
طرق الحديث
أمير المؤمنين عليه السلام: عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن عليّ عليه السلام قال: لقيني رجل، فقال: يا أبا الحسن أما والله إني لأحبك في الله. فرجعت إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فأخبرته بقول الرجل، فقال رسول الله: لعلّك يا علي اصطنعت إليه معروفا؟ قال: فقلت: والله ما اصطنعت إليه معروفاً. فقال رسول الله: الحمد لله الذي جعل قلوب المؤمنين تتوق إليك بالمودة. قال: فنزل قوله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمنُ وُدّاً ) (3) . وعن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لعليّ: يا عليّ قل: «اللّهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودّاً، واجعل لي في صدور - أو قلوب - المؤمنين مودّة»، فنزلت: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمنُ وُدّاً ) ، نزلت في عليّ بن ابي طالب عليهالسلام (4) .
____________________
(1) المناقب للخورزمي: 88؛ كفاية الطالب: 334، كنز العمال 11: 611؛ فضائل الخمسة 3: 52، كنوز الحقائق: 188. وقصّة موسى مع الخضر عليهماالسلام في القرآن الكريم، سورة الكهف 65 - 82.
(2) مريم / 96.
(3) المناقب للخوارزميّ: 278 - 279؛ شواهد التنزيل 1: 359.
(4) أخرجه الثعلبيّ في تفسيره 6: 233، وعنه في العمدة لابن البطريق: 151، وفي تذكرة الخواصّ: 26. وأخرجه ابن المغازليّ في مناقبه ك 327 ونقله عنه في البرهان 3: 27؛ الدرّ المنثور 4: 287. عن ابن مردويه والديلميّ، وفتح القدير 3: 342؛ تفسير القرطبيّ 11: 161؛ نظم درر السمطين للزرنديّ الحنفيّ: 58؛ مناقب امير المؤمنين للكوفيّ 1: 220 / 119 و 220.
وعن ابن عباس، برواية حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس، قال: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمنُ وُدّاً ) نزلت في عليّ بن أبي طالب عليهالسلام خاصّة (1) .
وعن الضحّاك عن ابن عبّاس (2) . وعن عكرمة عن ابن عبّاس، في حديث طويل ذكرناه في «تقسيم القرآن أربعة أرباع، فصل: ما نزل من القرآن في أهل البيت».
قوله تعالى: ( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) . (3)
الآية خاصّة بأهل البيت عليهمالسلام الّذين أوجب الله تعالى طاعتهم وجعلهم ورثة الأنبياء وحملة الكتاب.
أخرج الحسكانيّ عن أبي بكر محمّد بن الحسين بن صالح السّبيعيّ عن الحسين بن إبراهيم بن الحسن الجصّاص عن الحسين بن الحكم، عن عمرو بن خالد الأعشى، عن ابي حمزة الثماليّ، عن عليّ بن الحسين عليهالسلام ، قال: إنّي لجالس عنده إذ جاءه رجلان من أهل العراق، فقالا: يا ابن رسول الله جئناك تخبرنا عن آياتٍ من القرآن. فقال: و ما هي؟ قال: قول الله تعالى: ( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا ) .
فقال: يا أهل العراق! وأيش يقولون؟
قالا: يقولون: إنّها نزلت في أمّة محمّد صلىاللهعليهوآله .
فقال عليّ بن الحسين عليهماالسلام : أمّة محمّد كلّهم إذن في الجنّة!
قال: فقلت من بين القوم: يا ابن رسول الله، فيمن نزلت؟
فقال: نزلت - والله فينا أهل البيت - ثلاث مرّات.
____________________
(1) تفسير الحبريّ: 289 وعنه في شواهد التنزيل 1: 360.
(2) المعجم الكبير للطبرانيّ 3: 173 ح ومن مصادر الحديث: الرّياض النّضرة 2: 274؛ ذخائر العقبى 89؛ تفسير فرات: 89؛ مجمع الزوائد 9: 125؛ خصائص أمير المؤمنين للشريف الرضيّ: 41؛ المواهب اللّدنيّة 7: 14.
(3) فاطر / 32.
قلت: أخبرنا من فيكم الظالم لنفسه؟
قال: الّذي استوت حسناته وسيّئاته، وهو في الجنّة.
فقلت: والمقتصد؟
قال: العابد لله في بيته حتّى يأتيه اليقين.
فقلت: السّابق بالخيرات؟
قال: من شهر سيفه، ودعا إلى سبيل ربّه (1) .
وبالسند المتقدّم، إلاّ أنّ فيه. الحسين بن الحكم عن حسن بن حسين، عن يحيى بن مساور، عن أبي خالد، عن زيد بن عليّ، في قوله: ( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ ) قال: الظالم لنفسه: المختلط منّا بالنّاس. والمقتصد: العابد. والسّابق: الشّاهر سيفه يدعو إلى سبيل ربّه (2) .
وذكر ابن طاووس نقلاً عن تفسير ابن الجحّام محمّد ب العبّاس بن مروان، قال: حدّثنا عليّ بن عبد الله بن أسد بن إبراهيم بن محمّد، عن عثمان بن سعيد، عن إسحاق بن يزيد الفرّاء، عن غالب الهمدانيّ عن أبي إسحاق السّبيعيّ، قال: خرجت حاجّاً فلقيت محمّد ب عليّ، فسألت عن هذه الآية - وذكرها - فقال: ما يقول فيها قومك يا أبا إسحاق - يعني أهل الكوفة؟ قال قلت: يقولون إنّها لهم.قال: فما يخوّفهم إذا كانوا من أهل الجنّة؟ قلت: فما تقول أنت جعلت فداك؟ فقال: هي لنا خاصّة يا أبا إسحاق. أمّا السابق بالخيرات فعليّ بن أبي طالب والحسن والحسين والشّهيد منّا أهل البيت. وأمّا المقتصد، فصائم بالنّهار وقائم باللّيل. وأمّا الظّالم لنفسه، ففيه ما جاء في التّائبين، وهو مغفور له. يا أبا إسحاق بنا يفكّ الله عيوبكم وبنا يحمل - يحلّ - الله رباق الذّلّ من أعناقكم، وبنا يغفر الله ذنوبكم ن وبا يفتح الله، وبنا يختم لا بكم، ونحن كهفكم كأصحاب الكهف، ونحن سفينتكم كسفينة نوح، ونحن باب حطّتكم كباب حطّة بني إسرائيل (3) .
____________________
(1) شواهد التنزيل 2: 104.
(2) نفس المصدر 2: 105 وذكر بمعناه رواية عن عبد خير عن أمير المؤمنين عليه السلام. وعن ابن عبّاس في معناه، في المعجم الكبير للطبرانيّ 3: 124.
(3) سعد السّعود: 107 - 108؛ كنز الفوائد لمحمّد بن عليّ الكراجكيّ (المتوفّى 449) وعنه في بحار الأنوار 23: 218 - 219. وذكره فرات في تفسيره: 128 مع تباين.
وقال ابن طاووس: وروى تأويل هذه الآية من عشرين طريقاً، وفي الرّوايات زيادات أو نقصان. وأحقّ الخلائق بالاستظهار في صلاح السرّ والإعلان ذرّيّة النّبيّ وعليّ وفاطمة. سعد السّعود: 108.
إن وراثة أهل البيت عليهمالسلام أظهر من أن - يحقّق فيها، والله تعالى قد صرّح بطهارتهم وعصمتهم. وليس لغير المعصوم أن يتقدّم عليه في فهم كتاب الله واستنباط أحكامه. وواقع الحال أنّ المسلمين من يومهم الأوّل كانوا يعظّمون منزلة أهل البيت، فغذا اختلفوا في شيء هرعوا صوب عليّ عليهالسلام ، حتّى كثرت قالة أحدهم: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبوالحسن!
وأهل البيت معجزة النّبيّ صلىاللهعليهوآله يوم المباهلة، إذ قاموا مقام القرآن في الإعجاز، وهم تركة النّبيّ في أمّته وعدل القرآن، وباب حطّة ورحمة، وبمثابة سفينة نوح... فلم لا يرثون الكتاب العزيز؟! وإذا كانوا كذلك - وهم كذلك - فإنّ صراطهم هو صراط الله المستقيم.
قوله تعالى: ( فَإِنّمَا يَسّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ الْمُتّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لّدّاً ) (1) .
عن ابن عبّاس، في قوله: ( فَإِنّمَا يَسّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ الْمُتّقِينَ ) ، قال: نزلت في عليّ خاصّة. ( وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لّدّاً ) : نزلت في بني أميّة وبني المغيرة (2) .
وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عبد الله: ( فَإِنّمَا يَسّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ ) الآية. قال: إنّما يسّره على لسانه حتّى أقام أمير المؤمنين عليهالسلام علماً، فبشّر به المؤمنين وأنذر به الكافرين، وهم القوم الذين ذكرهم الله في كتابه. ( لُدّاً ) أي كفّارً (3) .
فالقرآن بشارة السّماء لمن آمن وأصلح، وعليّ بشارة لمن آمن وأصلح وعذاب على من حارب الدعوة الإسلاميّة به يفرح المؤمنون المخلصون، ويسأل عن ولايته المسلمون؛ فهو والقرآن عدلان لا ينفكان، فهما صراط الله المستقيم.
____________________
(1) مريم / 97.
(2) تفسير الحبريّ: 290.
(3) البرهان 3: 28.
قوله تعالى: ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) (1) .
الآية المباركة خاصّة بأهل البيت عليهم السلام، وظهورها في صحّة مذهبهم وأنّ صراطهم هو الصّراط المستقيم، أبين من أن يحتاج إلى بيان أو يقام عليه برهان؛ لما علمنا ممّا جاء فيهم من عند الله تعالى من صريح البرهان، واحتفاء السّنّة بهم حتّى كان الّذي فيهم من أحاديث مثل الذي في الفرقان: ثلث فيهم، وثلث في عدوّهم، وثلث فرائض وأحكام فبقدر مودّة أهل البيت عليهمالسلام ومشايعتهم تكون المنزلة ويكون الأجر والثواب. والنظر في تمام الآية يزيد صاحبه انفتاحاً على أفق أهل البيت الرّحب، فصدرها بشرى لعباد الله المؤمنين الصّالحين، وأردفه بأنّ البشرى هذه مرتبطة بمودّة أهل البيت، وهي فرض وطاعة، من جاء بها استحقّ البشرى وزاد له تعالى في الثواب، إذ هي الأجر الّذي جعله الله تعالى لنبيّه على جهاده وتبليغ الرّسالة. وختم سبحانه الآية بالمغفرة وشكر من أدّى هذه الفريضة: ( ذلِكَ الّذِي يُبَشّرُ اللّهُ عِبَادَهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) الشورى / 23.
أخرج الحبريّ بنسد عن إسماعيل بن أبان، عن فضيل بن الزّبير، عن أبي داود السّبيعيّ، عن أبي عبد الله الجدليّ، قال: دخلت على عليّ عليه السلام، فقال: يا أبا عبدالله ألا أنبّؤك بالحسنة الّتي من جاء بها أدخله الله الجنّة وفعل به، والسّيّئة الّتي من جاء بها أكبّه الله في النّار، ولم يقبل له معها عمل؟ قال: قلت: بلى، يا أمير المؤمنين. فقال: الحسنة حبّنا، والسّيّئة بغضنا (2) .
____________________
(1) الشورى / 23.
(2) تفسير الحبريّ: 294، في كلامه على سورة النّمل، وهو قوله تعالى: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ ) النمل 89 و 90.
وذكره فرات في تفسيره 115 بسند عن جعفر بن محمد الفزاريّ، معنعنا عن أبي عبد الله الجدليّ، عن أمير المؤمنين عليه السلام، واستدلّ عليه بقوله تعالى: () الآية. الأنعام / 160.
وفي تفسير الثعلبيّ 7 / 230، بطريق الجصّاص...، وذكره الزمخشري في تفسيره «الكشاف» 3 / 468، =
____________________
= عن الحبريّ. العمدة: 128؛ خصائص الوحي المبين: 218. والحموينيّ في فرائد السمطين 2: 297 بطريق الجصّاص أيضاً. وأورده البحرانيّ عن تفسيرالحبريّ في غاية المرام: 329؛ البرهان 3: 214. وفي ينابيع المودّة: 98 عن أبي نعيم، والثعلبيّ، والحموينيّ، في قوله عزّ وجلّ: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ ) ، قال: أخرجوا بأسانيدهم عن أبي عبد الله الجدليّ، قال: قال لي عليّ كرّم الله وجهه: يا أبا عبد الله ألا أنبئك بالحسنة الّتي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة الّتي من جاء بها أكبّه الله في النّار ولم يقبل معها عملاً؟ قلت: بلى قال: الحسنة حبّنا والسّيئة بغضنا.
وهذا الحديث أكثر مناسبة لمعنى الآيتين 89 و 90 من سورة النّمل، ولكنّه لا يتعارض مع الكلام عن بقيّة الآيات الّتي في معنى الحسنة والثواب المعدّ لمن قارفها، أو الآيات التي في مقام الكلام عن الحسنات والسيّئات وما يترتّب عليها؛ إذ خير مصاديق الحسنات هو موالاة رسول الله صلىاللهعليهوآله وطاعته المقترنة بطاعة الله تعالى، وطاعة عليّ عليه السلام وموالاته المفروضة بصريح القرآن والسّنّة الشّريفة، وكذلك أهل بيت العصمة عليهم السلام.
ولحديث أبي عبد الله الجدليّ، عن أميرالمؤمنين عليه السلام، طرق، منها عن الإمام الهمام الباقر عليه السلام، كما في ينابيع المودّة: 98؛ البرهان 3: 213. وأورد في الينابيع: 98 بسند عن جابر الجعفيّ عن الباقر عليه السلام، في قوله عزّ وجل: ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) ، قال: «من تولّى الأوصياء من آل محمّد صلىاللهعليهوآله ، واتّبع آثارهم فذاك يزيده ولاية من مضى من النّبيّين والمؤمنين الأوّلين حتّى تصل ولايتهم إلى آدم عليه السلام، وهو قول الله عزّ وجلّ: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) وهو دخول الجنّة، وهو قول الله عزّوجلّ: ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) [سبأ/47]، يقول: «أجر المودّة الّتي لم أسألكم غيرها فهو لكم تهتدون بها وتسعدون بها وتنجون من عذاب يوم القيامة».
وعن الإمام الصادق عليه السلام عن جدّه عليّ أمير المؤمنين عليه السلام. البرهان 3: 213.
وعن ابن عبّاس، أخرجه الثعلبيّ في تفسيره بالإسناد إلى الحكم بن ظهير، عن السّدّيّ، عن أبي مالك، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى: ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) ، قال: اقتراف الحسنة المودّة لآل محمّد صلىاللهعليهوآله . وذكره في العمدة: 27؛ القرطبيّ في تفسيره 16: 24، والسيوطيّ في الدرّ المنثور 6: 7.
وفي مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 316 أخرجه بنفس السند، ولفظه فيه: المودّة في آل الرسول صلىاللهعليهوآله ، وفي قوله تعالى: ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبّكَ فَتَرْضَى ) [الضّحى/5] قال: رضى محمّد صلىاللهعليهوآله أن يدخلوا أهل بيته الجنّة.
وفي ينابيع المودّة: 98 عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «قوله تعالى: ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) ، قال: هي للمسلمين عامّة، وأمّا الحسنة الّتي من جاء بها فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون فهي ولايتنا =
____________________
= وحبّنا».
وأفاض القرطبيّ في تفسيره في الحديث عن الآية المباركة، من ذلك: في رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: لما أنزل الله عزّ وجلّ: ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الّذين نودّهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وأبناؤهما».
ويدلّ عليه أيضاً ما روي عن عليّ رضى الله عنه قال: شكوت إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله حسد النّاس لي، فقال: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة أوّل من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرّيّتنا خلف أزواجنا». وعن النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي...».
وقال قوم: الآية منسوخة وإنّما نزلت بمكّة، وكان المشركون يؤذون رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فنزلت هذه الآية، وأمرهم الله بمودّة نبيّه وصلة رحمه، فلمّا هاجر آوته الأنصار ونصروه. قال: الثّعلبيّ: وليس بالقويّ، وكفى قبحاً بقول من يقول: إنّ التقرّب غلىالله بطاعته ومودّة نبيّه صلىاللهعليهوآله وأهل بيته منسوخ! وقد قال النّبيّ: «من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً. ومن مات على حبّ آل محمّدجعل الله زوّار قبره الملائكة والرّحمة. ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آي من رحمة الله. ومن مات على بغض آل محمّد لم يرح - أي يشمّ ريحها - رائحة الجنّة. ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي».
قلت [ أي القرطبيّ ] وذكر هذا الخبر الزّمخشريّ بأطول من هذا، فقال: وقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة. ثمّ منكر ونكير. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرّحمة. ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السّنّة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله. ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً. ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ رائحة الجنّة».
قال النحّاس: ومذهب عكرمة: ليست بمنسوخة، قال: كانوا يصلون أرحامهم، فلمّا بعث النّبيّ صلىاللهعليهوآله قطعوه فقال: «قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ أن تودّوني وتحفظوني لقرابتي ولا تكذّبوني».
قلت [ أي القرطبيّ ]: «وهذا هو معنى قول ابن عبّاس في البخاريّ والشعبيّ عنه، وعليه لا نسخ» تفسير القرطبيّ 16: 21 - 23.
قال: قوله تعالى: ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) أي يكتسب. وقال ابن عبّاس: المودّة لآل محمّد صلىاللهعليهوآله . ( نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) .
قوله تعالى: ( وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْؤُولُونَ ) (1) .
الآية من خصوصيّات أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وكرامة له، من خلال الحثّ الشديد على ولائه وطاعته.
عن ابن عباس في قوله تعالى: ( وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْؤُولُونَ ) قال: يعني عن ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام (2) .
فالآية ظاهرة في أنّ صراط عليّ عليه السلام هو صراط الله المستقيم الّذي يوقف الإنسان
____________________
= أي نضاعف له الحسنة بعشر فصاعداً. نفس المصدر 24.
ولنا وقفة نسائل عندها ابن القيّم وقومه: إنّ أجر رسول الله صلىاللهعليهوآله على تبليغه الرّسالة وهداية الأمّة، هو إعظام أهل البيت عليهم السلام وهذا الإعظام ليس من قبيل الودّ العاطفيّ الّذي يتحقّق للبشر بحكم أواصر القربى وغيرها ممّا يراعى فيه جانب البعض إكراماً للبعض الآخر، وإنّما هو أمر تعبّديّ، إذ قرن الله تعالى مودّتهم بمودّة النّبيّ؛ فلهم ما للنّبيّ من مقام الاحترام والطّاعة ومن ثمّ المشايعة والمتابعة، فكان لذلك صراطهم صراط الله المستقيم. وحدّد الّذين يجب مودّتهم باهل البيت، وهم عليّ وفاطمة وأبناؤهما، فليس غيرهم من أهل البيت وليس غيرهم له صفة الطّاعة. ونقلوا عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله ما لشيعة ىل محمّد من الكرامات؛ فمن مات منهم فهو شهيد تزوره ملائكةالرّحمة في قبره، وذلك لأنّ من أحبّ قوماً حشر معهم، والشيعيّ أحبّ عليّاً قسيم الجنّة وآله الأطهار، فلا عجب أن يحشر معهم، فأيّ صراط مستقيم بعد ذلك غيره؟!
وعلى الطّرف المقابل يقف ابن تيميّة الذي ناصب عليّاً وأهل بيته العداء حيث أنكر المسلّمات من فضائلهم، وشايعه ابن القيّم على باطله، وفي الحديث من مات مبغضاً لهم مات كافراً ولم يشمّ ريح الجنّة، فهو والحال هذه على طريق جهنّم وبئس المصير.
(1) الصّافّات / 24.
(2) تفسير الحبريّ: 313؛ شواهد التنزيل 2: 106؛ الأمالي الخميسيّة 1: 144؛ تفسير فرات: 131، المناقب للخوارزميّ: 275؛ كفاية الطّالب: 247؛ خصائص الوحي المبين: 121؛ بشارة المصطفى: 243؛ غاية المرام: 259. وعن مجاهد، في تذكرة الخواصّ: 26؛ ينابيع المودّة: 112؛ مفتاح النجا للبدخشيّ: 41. وابن حجر في الصواعق 149 عن الديلميّ عن أبي سعيد الخدريّ، والآلوسيّ في روح المعاني 23 / 74 عن ابن جبير عن ابن عبّاس، وأيضاً عن أبي سعيد. وابن مردويه عن مجاهد، في «ما نزل من القرآن في عليّ 312 ح 513».
وعن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله صلىاللهعليهوآله ، في الصّواعق المحرقة: 89؛ ينابيع المودّة: 112؛ اليقين لابن طاووس: 57.
ليحاسب ويسأل عن سلوكه إيّاه، ويثاب ويعاقب على قدر ذلك. ولو كان غير ذلك لما اختصّه تعالى بهذا الذّكر والخطاب، ولكان الحساب والمسؤوليّة على أساس من اقتفاء أثر الصّحابة، وعليّ عليهالسلام أحدهم.
قوله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) (1) .
ردّ مفحم يأخذ بأعناق ابن تيميّة وابن القيّم وغيرهما من أبناء الباطل فيدحض حججهم ويبطل تلبيسهم.
بسند عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) ، قال: في عليّ عليهالسلام وشيعته (2) .
____________________
(1) البيّنة / 7.
(2) تفسير الحبريّ: 328؛ الفصول المهمّة: 123 ولفظه: عن ابن عبّاس قال: «لما نزلت هذه الآية: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) قال لعليّ: هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيّين ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين». وهذه بعض شواهده. وروح المعاني للآندلوسي 30: 207؛ مفتاح النجا 42؛ كشف اليقين 366؛ الصوعق المحرقة 161؛ مناقب عليّ بن أبي طالب لابن مردويه 347 ح 581؛ المعجم الكبير للطبرانيّ 1 / 319 / 948؛ مناقب سيّدنا عليّ للعينيّ: 32؛ تفسير الطبريّ 30 / 171 بسنده عن محمّد بن عليّ؛ أنساب الأشراف 2: 353؛ المصنّف لابن أبي شيبة 7: 504 ح 57 من فضائل عليّ.
* أمير المؤمنين عليه السلام، بسند عن يزيد بن شراحيل الأنصاريّ - كاتب عليّ عليه السلام - قال: سمعت عليّاً عليه السلام يقول: «حدّثني رسول الله صلىاللهعليهوآله وأنا مسنده إلى صدري فقال: اي عليّ، ألم تسمع قول الله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) : أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض غذا جثت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين». شواهد التنزيل 2: 356؛ المناقب للخوارزميّ: 266؛ كفاية الطالب: 246؛ الدرّ المنثور 6: 379؛ فضائل الخمسة 1: 278؛ فتح القدير 5: 464.
* مجاهد. في قوله تعالى: ( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) قال: هم عليّ وأهل بيته ومحبّوهم، تذكرة الخواصّ: 27.
* جابر بن عبد الله الأنصاريّ. رواه عنه جمع نذكر بعض طرقه: أخرجه ابن عساكر وذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق 18: 14 عن جابر بن عبد الله مرسلاً، قال: «كنّا عند النّبيّ صلىاللهعليهوآله فأقبل عليّ بن أبي طالب فقال النّبيّ: قد أتاكم أخي. ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال: والّذي نفسي بيده، إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة. ثمّ قال: إنّه اوّلكم إيماناً معي، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعيّة، =
فخير البريّة مطلقاً بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله هو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وشيعته، فهو وهم على صراط مستقيم، ولو لم يكونوا كذلك لما كانوا خير البشر. والقرائن تمنع من التفكيك بين عليّ وشيعته في هذه الكرامة.
____________________
= وأقسمكم بالسّويّة، وأعظمكم عند الله مزيّة». قال: ونزلت: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) . قال: فكان أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله إذا أقبل عليّ قالوا: قد جاء خير البريّة.
وهذا الحديث بهذا اللفظ ذكروه بسنده عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، وفيه «هم الفائزون - من غير لام في هم» وزيادة «ثمّ» قبل «إنّه أوّلكم...». الصواعق الطّبريّ 30: 146؛ حلية الأولياء 1: 66 مع بعض الاختلاف والمناقب للخوارزميّ: 111 - 112؛ الصواعق المحرقة 96؛ الدرّ المنثور 6: 379؛ كفاية الطالب 244 - 245 وقال: قلت: هكذا رواه محدّث الشّام في كتابه بطرق شتّى، وذكرها محدّث العراق ومؤرّخها عن زرّ، عن عبد الله عن عليّ قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «من لم يقل: عليّ خير النّاس، فقد كفر».
ذكره الخطيب البغداديّ في تاريخه 3: 192.
وعن عطيّة العوفيّ قال: قلت لجابر: كيف كان منزلة عليّ فيكم؟ قال: كان خير البشر. مختصر تاريخ دمشق 18: 14.
وعن جابر قال: عليّ خير البشر، لا يشكّ فيه إلاّ منافق. «نفس المصدر 15»
وعن جابر وقد سئل عن عليّ فقال: ذاك خير البريّة، لا يبغضه إلاّ كافر «نفس المصدر»، وكفاية الطالب 246، وتفسير الطبريّ 30: 171.
وعن عطيّة العوفّي قال: دخلنا على جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقلنا له: أخبرنا عن عليّ. قال: فرف حاجبيه بيديه ثمّ قال: ذاك من خير البشر. وزاد في رواية: ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليّاً. مختصر تاريخ دمشق 18: 15.
* أبو سعيد الخدريّ، عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: «عليّ خير البريّة» تاريخ بغداد 3: 192؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 14؛ المناقب للخوارزميّ 111؛ لسان الميزان 1: 175؛ ذخائر العقبى: 96؛ فرائد السمطين 2: 155؛ الدرّ المنثور 6: 379.
* والأحاديث كثيرة في هذا الباب منها عن حذيفة بن اليمان، وعن عائشة بنت أبي بكر، ومنها من طريق أهل البيت عليهم السلام. وقد ذكرنا بعض هذه الرّوايات في أبواب سابقة؛ وإنّما ذكرنا بعضها هنا للوشيجة الصميمة بينها وبين الآية المباركة مورد البحث، ولأنّها ناهضة بالمعنى المستفاد من الآية ومؤكّدة له.
قوله تعالى: ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (1) .
والآية في امير المؤمنين عليّ عليهالسلام ، فهو الأذن الأولى الّتي سمعت الوحي الكريم وهو يشافه رسول الله صلىاللهعليهوآله فوعاه وآمن بما جاء به، مع طهارة نفسه وما آتاه الله تعالى من مواهب الحفظ والفهم.
أخرج البلاذري بسنده عن هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن عليّ بن حوشب قال: سمعت مكحولاً يقول: قرأ رسول الله صلىاللهعليهوآله : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ، فقال: «يا عليّ سألت الله أن يجعلها أذنك». قال عليّ فما نسيت حديثاً أو شيئاً سمعته من رسول الله صلىاللهعليهوآله .
أنساب الأشراف للبلاذريّ المتوفّى 279 هـ، 2: 362.
وفي شواهد التنزيل للحسكانيّ الحنفيّ 2: 272 / 1008، قال: وهذا الحديث رواه جماعة عن امير المؤمنين منهم زرّ بن حبيش الأسديّ: عن الأعمش، عن عديّ بن ثابت عن زرّ - من أصحاب عبد الله بن مسعود، وعليّ، ثقة: تاريخ الثّقات للعجلي ت 261: 165 / 458، وتقريب التهذيب 1: 414 / 2008 وقال: ثقةٌ جليل، مخضرم، مات سنة إحدى وثمانين، قال - أي أمير المؤمنين -: «ضمّني رسول الله إليه وقال: أمرني ربّي أن أدنيك ولا أقصيك، وأن تسم وتعي وحقّ على الله أن تعي» فنزلت «وتعيها أذن واعية».
قال: ورواه أيضاً عنه ابنه عمر عن أبيه عليّ بن أبي طالب قال: قال: رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّ الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأعلّمك لتعي وأنزلت عليّ هذه الآية: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ، فأنت الأذن الواعية لعلمي يا عليّ وأنا المدينة وأنت الباب ولا يؤتى المدينة إلاّ من بابها».
- شواهد التنزيل 2: 274 / 1009.
ثمّ ذكر رواة الأذن الواعية: بريدة الأسلميّ، مكحول - خمس روايات -، جابر بن عبد الله الأنصاريّ، ابن عبّاس، سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، أنس بن مالك. قال: وورد أيضاً عن الحسين بن عليّ وعبدالله بن الحسن، وأبي جعفر وغيرهم.
ومن المصادر الّتي ذكرت نزول الآية في امير المؤمنين عليّ عليهالسلام : أسباب النزول
____________________
(1) الحاقّة / 12.
للواحديّ 294، حلية الأولياء 1: 67، وغيره، المستدرك على الصحيحين 3: 110، تفسير الطبريّ 29 / 56، مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ الشافعيّ 318 / 363 و 364، كتاب معرفة الصحابة لأبي نعيم 22، تفسير ابن كثير 4: 413، كفاية الطالب للگنجيّ الشافعيّ 108 «الباب السادس عشر»، فرائد السمطين «الباب 40» حديث 166، مجمع الزوائد 1: 131، كنز العمّال 6: 408، غاية المرام 366، تذكرة الحفاظ 4: 1405، المناقب للخوارزميّ الحنفيّ: 282 - 283 ح 276 - 278، الدرّ المنثور 6: 260، لباب النقول 225، شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 4: 319، التفسير الكبير للرازيّ 30: 107، الفصول المهمّة 123، مطالب السؤول 20، المناقب لابن شهر آشوب 3: 95، الطرائف لابن طاووس 93.
الفصل السادس
الشّيعة صراط الله المستقيم
لسنا نعدو الحقيقة إذا قلنا إنّ الشّيعة بذرة أنبتها الله تعالى، وما زال رسول الله صلىاللهعليهوآله يحوطها بعنايته ويرعى غرسها الطيّب ويسقي عودها المونق فالشّيعة هم الّذين استجابوا لله تعالى في طاعته وطاعة رسوله صلىاللهعليهوآله وطاعة أولي الأمر، وهم عليّ الّذي تصدّق حال الرّكوع، فنصب سبحانه ذلك علامة عليهم وسمّاه وأهل بيته عليهم السلام «أهل الذّكر» وحثّ على الرّجوع إليهم لفهم كتابه العزيز واستقاء معالم الدين؛ فكان له بذلك ما للنّبيّ صلىاللهعليهوآله من المنزلة الفكريّة والقياديّة. وسمّاهم الصّادقين وندب إلى الكينونة معهم، ولا يعقل متابعة غير الصّادق. ولم يعلن الوحي طهارة بيت إلاّ بيت فاطمة وعليّ والحسن والحسين عليهم السلام، فباتوا من معاجزه صلىاللهعليهوآله . وهم صراط الله المستقيم الّذي من حاد عنه هوى في جهنّم. ومن أجل ذلك وغيره ممّا بسطنا الكلام فيه تمسّك المسلمون بعليّ عليه السلام وكانوا له شيعة منذ عهد النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، حيث اشتهر جمع من الصّحابة بذلك منهم: سلمان الفارسيّ - أو المحمّديّ لشهادة النّبيّ صلىاللهعليهوآله له بقوله: «سلمان منّا أهل البيت» - وأبو ذرّ الغفاريّ، وعمّار بن ياسر، والمقداد، وخزيمة ذو الشّهادتين، وأبو الهيثم بن التّيّهان، وحذيفة بن اليمان، والفضل بن العبّاس بن عبد المطّلب، وأخوه عبد الله بن العبّاس، وهاشم بن عتبة المرقال، وأبو أيّوب الأنصاريّ، وأبيّ بن كعب، وأبان بن سعيد بن العاص، وأخوه خالد بن سعيد الأمويّان، وأبو سعيد الخدريّ، وعثمان بن حنيف وسهل بن حنيف، وقيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ، والبراء بن مالك، وبريدة بن الحصيب، وخبّاب بن الأرتّ، ورفاعة بن مالك
الأنصاريّ، وأبو الطّفيل عامر بن واثلة، وهند بن أبي هالة، وجعدة بن هبيرة المخزوميّ، وبلال مؤذّن النّبيّ. ومن النّساء: أمّ أيمن حاضنة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، وأمّ المؤمنين أمّ سلمة، كانتا معارضتين لبيعة أبي بكر يوم السّقيفة وأسمعتاه كلاماً موجعاً حتّى أمر عمر بن الخطّاب فأخرجتا من المسجد. وما زالت أمّ سلمة تصدح بحقّ عليّ وأهل البيت فيما نزل فيهم من القرآن وما قاله فيهم رسول الله صلىاللهعليهوآله . ونصرت عليّاً عليه السلام يوم الجمل إذ وقفت بوجه عائشة، فذكّرتها بتحذير النّبيّ لها من خروجها هذا، ثم نادت بحقّ عليّ، وجاءته بابنها معتذرة إليه أن ليس على النّساء قتال وأنّها لو كان لها بنون غير ابنها الّذي جاءت به عليّاً عليه السلام لفدته بهم، فشهد ابنها الجمل مع أمير المؤمنين عليه السلام.
فهل كان من ذكرنا من أمّهات المؤمنين والصّحابة من شيعة عليّ هم أهل الغضب والضّلال؟! علماً أنّا لم نذكر كثيراً من الصّحابة بما في ذلك بنو هاشم؛ اكتفاءً بمن ذكرنا دليلاً علىالمراد. وقبل هؤلاء جميعاً ن فإنّ صراط الشيعة هو صراط النّبيّ صلىاللهعليهوآله وعليّ وأهل البيت عليهم السلام، فهل يجوز نبزهم بصفات اليهود والنّصارى؟!
منهج الشّيعة
لقد تمسّك المسلمون الشّيعة من عهد سلفهم الصّالح - وما زالوا - بتحكيم الإسلام في كلّ جوانب الحياة والتسليم المطلق للنصّ الدينيّ، فليس في النّهج الشّيعيّ اجتهاد مقابل النصّ؛ لأنّ ذلك ردّ على الله تعالى وعلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله وآله، وبهذا الاعتبار تمسّكوا بنصوص القرآن الكريم وأحاديث النّبيّ صلىاللهعليهوآله بشأن وجوب مشايعة أهل البيت عليهم السلام. ولما كان الصّراط المستقيم هو صراط أهل البيت، فبحكم هذه التبعة جعلنا لهذا الفصل عنوان «الشّيعة صراط الله المستقيم»، وللرّحمة الّتي اقترنت بولاء أهل البيت وأنّ في بيت كلّ محبّ لعليّ غصن من شجرة طوبى... كان الشيعة بذرة أنبتها الله تعالى، من تسمية الشيء باسم سببه.
وليس في تاريخ الشّيعة من راجع النّبيّ صلىاللهعليهوآله فيما قضى الله تعالى وقضى الرّسول في حين وقف، في الطرف المقابل، جماعة من الصّحابة مواقف اعتراضيّة من سلوك النّبيّ
آذته وأغضبته. عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله، قال: ناجى رسول الله صلىاللهعليهوآله عليّاً - عليه السلام - يوم الطّائف فطال نجواه، فقال أحد الرّجلين: لقد أطال نجواه لابن عمّه! فلمّا بلغ ذلك النّبيّ قال: «ما أنا انتجيته، ولكنّ الله انتجاه» (1) .
ومنه اعتراض عمر بن الخطّاب على رسول الله صلىاللهعليهوآله في قبوله الصلح مع قريش المعروف: صلح الحديبيّة، وذلك بعد أن تهيّأ الطرفان لكتابة كتاب الهدنة، فوثب عمر وأتى أبابكر فكلّمه، ثمّ ذهب إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله وأعاد عليه ما قاله لأبي بكر. وكلامه طويل، ذيله: علام نعطي الدّنيّة في ديننا؟! فقال له: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيّعني» (2) . فكأنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله ذكّره بأنّه لا يفعل شيئاً إلاّ بوحي، وأنّ هذا الصّلح كذلك بوحي. وليس وجه الغرابة في سلوك عمر من اعتراضه على تشريع النّبيّ للصلح مع المشركين في حالات خاصّة وظروف معيّنة وأنّ عليه الامتثال لذلك وحسب، وإنّما الغرابة في هذه العبارة القاسية «علام نعطي الدّنيّة في ديننا؟!» وكأنّه أحرص على أمر الدّين من النّبيّ صلىاللهعليهوآله !
وهلاّ أبدى عمر مشورةً قبل وقوع الصّلح، إن لم نقل اعتراضاً؟!
وقد يعتذر له أنّه لم يكن يعلم بالنتيجة الّتي سيفضي إليه أمر التفاوض بين قريش وبين رسول الله صلىاللهعليهوآله ! والحال أنّه لم يعترض إلاّ وقد علم كلّ من في عسكر النّبيّ بتفاصيل لقاءات مفاوض قريش مع النّبيّ، فإذا حان الشروع بكتابة الكتاب أظهر معارضته على نحو ما علمنا من أسلوبه في مخاطبة النّبيّ.
وقبل هذا كان لعمر موقف آخر قد يلقي ضوءاً يفسّر موقفه المعارض لصلح الحديبيّة، وتتجلّى فيه عدم طاعته لأوامر رسول الله: «دعا النّبيّ صلىاللهعليهوآله عمر بن الخطّاب ليبعثه إلى مكّة
____________________
(1) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 125 وأنت تلمس الغلظة وسوء الأدب في السلوك والعبارة من خلال الاعتراض على نجوى النّبيّ لعليّ، وتسميته من غير ما يليق به من قبيل النّبيّ، والرّسول. ويرد الحديث في مصادر كثيرة مع اختلاف يسير في اللّفظ، في: صحيح الترمذيّ 5: 639؛ تاريخ بغداد 7: 402؛ المناقب للخوارزميّ: 138؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 2: 431؛ كفاية الطّالب: 328؛ أسد الغابة 4: 107؛ جامع الأصول 9: 474؛ العمدة لابن البطريق: 190؛ البداية والنهاية 7: 356؛ غاية المرام: 526؛ كنز العمّال 11: 599.
(2) السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 331؛ تاريخ الطّبريّ 3: 280؛ صحيح البخاريّ 3: 182.
فيبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي وليس بمكّة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها! ولكنّي أدلّك على رجل هو أعزّ بها منّي: عثمان بن عفّان. فدعا رسول الله عثمان فبعثه إلى أبي سفيان...» (1) الخبر.
وما كان ينبغي له أن يرفض أمر رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وقد أدّب الله تعالى المسلمين بالطّاعة المطلقة لرسول الله وأن لا خيرة لهم فيما قضى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً مّبِيناً ) (2) .
وليست نفس عمر أعزّ من نفس رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فلم يضنّ بها على خدمة الإسلام وطاعة الله والرّسول؟!
وممّا يصلح إيراده هاهنا أنّ هناك حالة من الازدواجيّة في نفوس القوم، وهم بعد حديث و عهد بالإسلام، وأنّ لوثات الجاهليّة ما زالت عالقة فيها، تجسّدها حالات التمرّد على أوامر النّبيّ أو التشكيك فيما يقول مع حرص ظاهر على المصالح الخاصّة والآنيّة عن عبد الله بن أبي بكر أنّ النّبيّ قال: من رجل يخرج بنا على طريقٍ غير طريقهم - أي قريش - الّتي هم عليها؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله؛ فسلك بهم طريقاً وعراً بين شعاب، وقد شقّ ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله للنّاس: «قولوا نستغفر الله ونتوب إليه»، فقالوا ذلك، فقال: «والله إنّها للحطّة (3) الّتي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها» (4) .
والسؤال: من هم المسلمون الّذين شقّ عليهم ذلك السّير مع النّبيّ القائد هل هم كلّ الصّحابة من غير استثناء؟! فإذا كان الأمر كذلك بطلت مقولة تعيين الصّراط المستقيم الّذي يبتهل المسلم - من وقت البعثة النّبويّة الشريفة وإلى يومنا - إلى الله تعالى في
____________________
(1) تاريخ الطبريّ 2: 278؛ السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 329.
(2) الأحزاب / 36.
(3) الحطّة: أي اللّهمّ حطّ عنّا ذنوبنا، أراد بذلك قول الله تعالى لبني إسرائيل: ( ... وَقُولُوا حِطّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) الآية، البقرة / 58.
(4) السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 323؛ تاريخ الطبريّ 2: 273.
صلواته الخمس أن يهديه إليه، في أشخاص بعينهم؛ إلاّ أنّ القرائن قرآناً وسنّة دلّلت على أنّ الصّراط المستقيم متعيّن في النّبيّ صلىاللهعليهوآله وفي عليّ وأهل البيت عليهم السلام.
ثمّ ما الذي بدر ممّن شملهم الخبر حتّى قال لهم النّبيّ: قولوا نستغفر الله ونتوب إليه؟! أليس هو ذنب ومعصية تخوّف صلىاللهعليهوآله العذاب عليهم لأجلها حتّى قرنهم ببني إسرائيل لما عصوا نبيّهم عليه السلام؟
وعليّ خارج من هذه الدائرة، ألم يعاتب الله تعالى الصّحابة وما عاتب عليّاً، على ما مرّ بنا؟!
تتمّة الخبر: قال ابن شهاب الزّهريّ: فأمر رسول الله النّاس فقال: اسلكوا ذات اليمين «والخبر طويل نختصره»: حتّى إذا لك في ثنيّة المرار بركت ناقته، فقالت النّاس: خلات! فقال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكّة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطّة يسألوني صلة الرّحم إلاّ أعطيتهم إيّاها. ثمّ قال للنّاس: انزلوا، فقيل له: يا رسول الله، ما بالوداي ماء ننزل عليه، فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجش بالرّواء (1) .
في هذا النصّ معان تستحقّ التأمّل: فقولهم خلأت، إنّ الخلاء في الإبل بمنزلة الحران في الدوابّ، أي الوقوف عن الحركة وهي صفة تنقيص، وقد سمعوا منه صلىاللهعليهوآله سابقاً قوله فيها: دعوها فإنّها مأمورة. ولم يضيع النّبيّ الفرصة في تهيئة نفوسهم لما هو قادم عليه، فإنّ الّذي منع الفيل وأصحابه من الحركة نحو مكّة هو الّذي منع النّاقة؛ إشعاراً بحرمة البيت وأنّه مصالح قريش إن أرادت، ولكن حصل الخلاف كما سلف.
وهنا قد وقع عصيان لما أمرهم بالنّزول بدوى عدم وجود ماء، وكان لهم أولى أن ينزلوا، وجد الماء أم لم يوجد حتّى يتحقّقوا من مقصده.
ومن ذلك - وهو يؤيّد الّذي قلناه في التصوّر العامّ للجماعة الإسلاميّة بشأن الدّعوة الإسلاميّة - قول الزهريّ: وقد كان أصحاب رسول الله لا يشكّون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله، فلمّا رأوا ما رأوا من الصّلح والرّجوع، وما تحمّل عليه رسول الله في نفسه،
____________________
(1) السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 324 والقليب: البئر، وجاش: ارتفع. والرّواء: الكثير.
دخل على النّاس من ذلك أمر عظيم حتّى كادوا يهلكون (1) !
ومن ذلك: ما كان من أبي بكر في حضرة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فقد قال عروة بن مسعود الثّقفيّ، مفاوض قريش: لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً. فقال أبو بكر: امصص بظر اللاّت! أنحن ننكشف عنه (2) ؟!
إنّ أبا بكر قدّم بين يدي النّبيّ فلم ينتظر ليسمع جوابه لعروة، ولم يستأذن النّبيّ في الكلام. وأمرّ من ذلك كلّه أنّه استعمل كلاماً فاحشاً يعدّ من الشتائم الغليظه عند العرب، وقد نهى القرآن الكريم من ذلك ( وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ) الحجرات / 2.
وهلاّ ردّ عليه من جنس كلامه مثلاً: إذا كان الغد ستعلم من يثبت ومن يولّي الدّبر! وإنّ عروة لم يكن يتكلّم من غير أصل، فغزوة أحد شرخ عميق في تاريخ المسلمين فيه تجلّت أهمّيّة الطّاعة والتسليم لله ولرسوله، وبعكسه ليس إلاّ الخسار المبين، فما أن نادى منادي المشركين: قتل محمّد! حتّى انكفأ المسلمون منهزمين وانكفأ عليهم المشركون، وذهب بعض الصّحابة - فيهم عمر بن الخطّاب وطلحة بن عبيد الله - بعيداً عن ساحة المعركة، وألقوا بأيديهم، فمرّ بهم أنس بن النّضر - عمّ أنس بن مالك - فقال: ما يجلسكم؟! قالوا: قتل رسول الله! قال: فماذا تصنعون بالحياة بعد؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلىاللهعليهوآله . ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل (3) .
ذكرنا هذه الواقعة في فصل سابق، وللضّرورة أعدناها هنا. إنّ المصادر الخبريّة تنبئ أنّ الصّارخ بموت رسول الله صلىاللهعليهوآله يوم أحد هو الشّيطان! فهل من الإيمان الاستجابة له ومعصية الله تعالى ورسوله بالفرار من الزّحف؟! ولو قتل رسول الله حقّاً... فهل تطيب الحياة بعده؟ فأيّ صراط مستقيم هؤلاء؟!
أمّا ذو النّورين: عثمان بن عفّان، فقد فرّ في صحبة له من الأنصار حتّى بلغوا جبلاً
____________________
(1) السيرة النّبويّة لابن هشام 3: 332؛ تاريخ الطبريّ 2: 281.
(2) السّيرة النّبويّة 3: 327؛ تاريخ الطبريّ 2: 275؛ صحيح البخاريّ 3: 179.
(3) السّيرة النّبويّة 3: 88؛ تاريخ الطبريّ 2: 199.
بناحية المدينة، فأقاموا به ثلاثاً، ثمّ رجعوا فقال لهم رسول الله صلىاللهعليهوآله : «لقد ذهبتم فيها عريضة» (1) !
هذا في وقت يتقدّم فيه رجل يهوديّ اسمه مخيريق فقال لقومه: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أنّ نصر محمّد عليكم لحقّ. قالوا: إنّ اليوم يوم السّبت! قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وقال: إن أصبت فمالي لمحمّد يصنع فيه ما شاء. ثمّ غدا إلى رسول الله فقاتل معه حتّى قتل، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «مخيريق خير يهود» (2) . لقد علم من حال اليهود طيلة تاريخهم حبّهم للمال وتعلّقهم بالدّنيا ومخالفتهم لأنبيائهم، إلاّ أنّ مخيريق قد استجاب لما ورد في كتبهم من نصوص بشأن نبوّة محمّد صلىاللهعليهوآله ووجوب اتّباعه ونصرته؛ فحثّ قومه على ذلك وأوصى بماله إلى رسول الله ومضى شهيداً بين يديه، فما أبعد الموقفين!
وفي أحد وغير أحد كانت مواقف شكّلت خطراً على الإسلام، ذلك أنّه فيما عدا المنافقين فإنّ من يحسب في الصّحابة الّذين قرنهم خير القرون كما يروون! كان في الهزيمة كالغزال، ولم يسجّل له التاريخ أنّه قتل رجلاً في ساح الحرب، وقد سجّل الوحي تلك المواقف. وفي أحد أنزل سبحانه آيات كلّها توبيخ وتقريع للمنهزمين المتخاذلين، من ذلك: ( حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَا تُحِبّونَ مِنكُم مَن يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيكُمْ ) (3) . أي تخاذلتم وتنازعتم في أمري فتركتم أمر نبيّكم بأن لا يترك الرّماة سفح الجبل على أيّ حال، فعصيتم أمري وأمر نبيّكم لما أريتكم بشائر الفتح وهزيمة القوم عن أموالهم ونسائهم، فالّذين يريدون الدّنيا وتركوا الطّاعة التي عليها ثواب الآخرة ليس مثل من يريد الآخرة فأطاع ولم يبّدل، فصرف الله نصره اختباراً لكم بما أذنبتم، فانقلب الموقف وتغيّرت المعادلة. عن الزّبير بن العوّام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمّراتٍ هوارب ما دون أخذهنّ قليل ولا كثير، إذ مالت الرّماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلّوا ظهورنا
____________________
(1) تاريخ الطبريّ 2: 203.
(2) السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 94.
(3) آل عمران / 152.
للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إنّ محمّداً قد قتل! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم (1) .
وفي حديث البراء: لما لقي القوم هزم المشركون حتّى رأيت النّساء قد رفعن عن سوقهنّ وبدت خلاخيلهنّ فجعلوا - أي الرّماة - يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله بن جبير: مهلاً، أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله، فأبوا إلاّ الغنيمة، فانطلقوا فلمّا أتوهم صرف الله وجوههم فأصيب من المسلمين سبعون (2) .
وكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أنّ أحداً من أصحاب النّبيّ صلىاللهعليهوآله كان يريد الدّنيا وعرضها حتّى كان يومئذ (3) .
لقد غلبت غنيمة المال على غنيمة الآخرة والجنّة في نفوس هؤلاء، فلا المال غنموا ولا أنفسهم حفظوا، بل كانت خسارة كبيرة هي قتل سبعين وما لحق بالنّبيّ صلىاللهعليهوآله إذ كسرت رباعيّته وشجّ رأسه.
وإذا كان حواريّ رسول الله: الزّبير بن العوّام قد أبلى يومئذ بلاء حسناً، فما له غدا مثل غيره إذ صرخ صارخ: ألا إنّ محمّداً قد قتل فانكفأ أمام العدوّ من غير أن يتبيّن الحقيقة؟ أو غاب عن باله أنّ محمّداً صلىاللهعليهوآله بشر يجري عليه ما يجري عليهم من موت أو قتل: ( وَمَا مُحمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (4) ، ولكن شريعته باقية وعليه الدفاع عنها على أيّ حال. فليس للزّبير عذر ولا لعمر ولا لغيرهما. والآية في مقام الحديث عن حالة الرّدّة الّتي ترافق غياب القائد، وقد عبّر عنها القرآن الكريم بالانقلاب على الأعقاب، أي الرّجوع إلى الحالة الجاهليّة! وإن كان عمر قد تمسّك بهذا العذر - وهو الصّراخ - ليكون بعيداً عن المعركة، فإنّه صرخ في القوم المؤتمرين في سقيفة بني ساعدة قائلاً: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله قد توفّي؛ وإنّ رسول الله
____________________
(1) السّيرة النّبويّة لابن هشام 3: 82.
(2) تاريخ الطبريّ 2: 193.
(3) نفس المصدر 2: 194.
(4) آل عمران / 144.
ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، ووالله ليرجعنّ رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله مات (1) !
عود على أحد
ويبقى عليّ هو عليّ! المؤمن الّذي لم يعاتبه الله تعالى بشيء، هو السّابق إلى الإسلام والفدائيّ الّذي يقي النّبيّ بنفسه العليّة فينام على فراشه ليلة هجرته من غير مراجعة، كما صنع غيره في مواطن دون ذلك، فلم يسأل: أن لو هجمت عليّ قريش ماذا أفعل؟ وإنّما نام متحمّلاً رشقهم إيّاه بالحجارة، وهو يتضوّر حتّى الفجر، وواصل مسيرته الجهاديّة الفذّة. وإذا كان غيره يوم أحد بين فارٍّ أهمّته نفسه وبين: إنّ فلاناً قاتل يوم كذا، ولم يقل قتل فلاناً أو بارز فلاناً... فإنّ أسماء من عجّل بهم إلى جهنّم سيف الحقّ الّذي مع عليّ المسدّد من الباري العليّ، محفوظة في ذمّة التاريخ ونطق بها الوحي، في أحد وغير أحد. وللموقف الفريد الّذي وقفه علي عليه السلام يوم أحد هتف جبريل عليه السلام: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ... فيما قال في المنهزمين: ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّا بِغَمّ ) (2) . تعبير ووصف لحالهم هاربين مذعورين، وفي الآية تفنيد لمن تعلّل بصراخ الشّيطان! فإنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله على ما به من الجراح يهتف بهم ليشعرهم أنّه حيّ ليعودوا، فما أجدى!
وقوله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ) (3) .
____________________
(1) السيرة النبويّة لابن هشام 4: 305؛ تاريخ الطبريّ 2: 442.
(2) آل عمران / 153.
(3) نفس المصدر 155.
تبيان لسبب الهزيمة
وهي المعاصي السالفة أو تعلّق نفوسهم بالغنائم وحبّ الدّنيا، ولذلك تمكّن الشّيطان منهم فاستزلّهم، فكان حالهم يومئذ أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالّذِينَ كَفَرُوا ) [ آل عمران / 156 ] فهل يعقل أنّ المتمرّد على الله تعالى ورسوله، المحبّ للدّنيا المستجيب للشّيطان والمعرض عن نداء النّبيّ... هو صراط الله المستقيم من دون المؤمن الثّابت الّذي يقي النّبيّ بمهجته؟!
إذن لماذا أنكر أبو بكر على عروة كلامه وأسمعه كلاماً ما ينبغي أن يقال في حضرة النّبيّ؟ وإذا كانت أحداث أحد قد باتت قديمة لا يذكر أبوبكر شيئاً منها، فإنّ غزوة الخندق ما تزال واقعتها ماثلةً في أذهان الجميع؛ فقد وقعت في شوّال سنة خمس، والآن نحن في سنة ستّ حيث جلسات صلح الحديبيّة... فما الّذي وقع في تلك الغزوة؟ مختصراً: اقتحم عمرو بن عبدودّ العامريّ الخندق الّذي أقامه المسلمون حولهم بمشورة سلمان الفارسيّ، ومعه مجموعة من الفرسان، فخرج إليه عليّ عليه السلام فقتله، وهل غير عليّ لمثل عمرو؟! ثمّ عطف على نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ فقتله، وفرّ أصحاب عمرو منهزمين حتّى اقتحموا الوادي (1) راجعين.
ولم تمض إلاّ أشهر عدّة حتّى وقع أمر يؤيّد قول عروة بن مسعود؛ فقد خرج رسول الله صلىاللهعليهوآله في محرّم سنة سبع غلى خيبر، وفيها بعث رسول الله أبا بكر برايته إلى بعض حصون خيبر، فعاد ولم يك فتح، ثمّ بعث الغد عمر بن الخطّاب فرجع ولم يك فتح (2) . وفي رواية بريدة الأسلميّ: أعطى رسول الله صلىاللهعليهوآله اللواء عمر بن الخطّاب ونهض من نهض معه من النّاس فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله يجبّنه أصحابه ويجبّن أصحابه، فقال رسول الله: «لأعطينّ اللّواء - وأكثر المصادر: الرّاية - غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ليس بفرّار 9. فتطاولت لها أعناق قريش، فلمّا كان الغد جاء عليّ عليه السلام وهو أرمد، فجعل النّبيّ صلىاللهعليهوآله من ريقه فيهما، فما
____________________
(1) السّيرة النّبويّة 3: 236؛ الطبريّ 2: 240.
(2) السّيرة النّبويّة النّبويّة 3: 349.
وجعها بعد. ثمّ أعطاه الرّاية فنهض بها وجاء خيبر يهرول، حتّى ركزها في أطم من آطامها، فخرج إليه مرحب، فاختلفا ضربتين فبدره عليّ عليه السلام فقتله «ذكرنا القصّة والمصادر سابقاً». إنّ القوم قد كشفهم اليهود ورجعوا يجبّن بعضهم بعضاً حتّى كان الفتح على يد فتى الإسلام وسيفه المسلول: عليّ عليه السلام.
وفي العام الثامن وقعت أمور من قبيل ما كان يوم أحد «فرارهم عن النّبيّ» وسلوك عمر في حضرة النّبيّ صلىاللهعليهوآله على شاكلة سلوك أبي بكر الّذي ذكرناه، وقول الصّحابة للنّبيّ قولاً شبيهاً بما قالته بنو إسرائيل لموسى عليه السلام! ففي هذا العام كانت غزوة حنين؛ حيث اجتمعت هوازن وثقيف، وانضمّت إليهما قبائل أخرى، وتوجّهوا يريدون حرب رسول الله. فلمّا سمع النّبيّ بذلك، بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ، وأمره أن يدخل في النّاس حتّى يعلم علمهم، ثمّ يأتيه بخبرهم. فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام معهم حتّى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله، ثمّ أقبل حتّى أتى رسول الله فأخبره الخبر، فدعا رسول الله صلىاللهعليهوآله عمر بن الخطّاب فأخبره الخبر، فقال عمر: كذب ابن أبي حدرد! فقال ابن أبي حدرد: إن كذّبتني فربّما كذّبت الحقّ يا عمر، فقد كذّبت من هو خير منّي. فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟! فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «قد كنت ضالاًّ فهداك الله يا عمر» (1) .
العجب أنّ عمر هنا مثل صاحبه: قدّم بين يدي رسول الله صلىاللهعليهوآله ! وإذا كان أبوبكر دفع عن نفسه لأنّ عروة قال لرسول الله: لكأنّي بهؤلاء انكشفوا عنك، فإنّ ابن أبي حدرد لم يقل شيئاً قبيحاً في عمر ولا في أصحاب النّبيّ؛ وابن أبي حدرد واحد منهم، وإنما قد امتثل أمر النّبيّ. وليس لعمر دليل على كذب الرّجل وإلاّ لذكره، فهل يجوز له أن يتّهم صحابيّاً وفي حضرة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، من غير برهان؟! ونفس ما يقال لأبي بكر، يقال لعمر: هل استأذنت النّبيّ في الكلام، أو أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قد طلب منك أن تكلّم ابن أبي حدرد؟ كما إنّ النّبيّ لم يؤيّده، بل إنّه - وعلى العكس - أقرّ كلام ابن أبي حدرد إذ لم يكذّبه، ومن خلال توكيد جوابه لعمر حيث قال له: «لقد كنت ضالاًّ فهداك الله يا عمر».
____________________
(1) السّيرة النّبويّة لابن هشام 4: 82 - 83؛ تاريخ الطبريّ 2: 346.
ومن المفارقات الّتي حصلت في هذه الغزوة، ما قاله الحارث بن مالك، قال: خرجنا مع رسول الله صلىاللهعليهوآله إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهليّة، فسرنا معه. وكانت لكفّار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها «ذات أنواط» يأتونها كلّ سنة فيعلّقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوماً. قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلىاللهعليهوآله سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! فقال رسول الله: «الله أكبر! قلتم، والّذي نفس محمّد بيده، كما قال قوم موسى لموسى: ( اجْعَلْ لَنَا إِلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) (1) ، إنّها السّنن، فتركبنّ سنن من كان قبلكم» (2) .
عجباً من قوم يرون وثناً بعد مضيّ سنين على إسلامهم، فتطفو رواسب الماضي ويطالبون نبيّهم أن يعود بهم إلى جاهليّتهم! فكيف والحال هذه يواجهون قومهم الذين ما يزالون يعبدون هذه الأوثان وينتصرون لها؟!
عن جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط (3) ، إنّما ننحدر فيه انحداراً، قال: وفي عماية (4) الصّبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه (5) ومضايقه وقد أجمعوا وتهيّأ وأعدّوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطّون إلاّ الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد، وانشمر (6) النّاس راجعين لا يلوي أحد على أحد. وانحاز رسول الله صلىاللهعليهوآله ذات اليمين، ثمّ قال: اين، أيّها النّاس؟! هلمّوا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمّد بن عبد الله. قال: فلا شيء، حملت الإبل بعضها على بعضٍ، فانطلق الناس، إلاّ أنذه بقي مع رسول الله صلىاللهعليهوآله نفر من المهاجرين
____________________
(1) الأعراف / 138.
(2) السّيرة النّبويّة لابن هشام 4: 85.
(3) تهامة: ما انخفض من الأرض، وعكسه النّجد أي المرتفع. وهنا أراد به تهامة الحجاز. وأجوف: أي متّسع. وحطوط: منحدر.
(4) عماية الصّبح: ظلامه قبل أن يتبيّن.
(5) الشّعاب: الطّرق الخفيّة. وأحناؤه: جوانبه.
(6) انشمر الناس: انفضّوا وانهزموا.
والأنصار وأهل بيته (1) .
وعن أبي قتادة قال: وانهزم المسلمون وانهزمت معهم فإذا بعمر بن الخطّاب في الناس، فقلت له: ما شأن النّاس؟ قال: أمر الله (2) !
واعجباً! هل أمر الله تعالى بالفرار من الزّحف وخذل نبيّه وإسلامه للعدوّ؟! وإذا كان القول إنّ ما وقع بأمر الله وقضائه فهو تأسيس لمبدأ الجبر في أفعال العباد الّذي يرفضه أهل البيت وشيعتهم. وإنّ عليّاً عليه السلام لم يراجع النّبيّ صلىاللهعليهوآله لا في حنين ولا في غيرها، ولم يقدّم بين يديه ولا رفع صوته صوته ولم يفرّ في زحف، فصراطه الصّراط المستقيم.
ومن ذلك: ما كان منه ومن أبي بكر، ونزول سورة الحجرات اعتراضاً وزجراً عن نافع ابن عمر عن أبي مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما حين قدم عليه ركب بني تميم - في العام التاسع، ويدعى عام الوفود - فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس، وأشار الآخر برجل آخر، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلاّ خلافي! قال: ما أردت خلافك! فارتفعت أصواتهما عند النّبيّ صلّى الله عليه «وآله» وسلّم فنزلت: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ) (3) .
وأخرج البخاريّ عن عبد الله بن الزّبير قال: قدم ركب من بني تميم على النبيّ صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، فقال أبو بكر ك أمّر القعقاع بن معبد بن زرارة فقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك! فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (4) .
____________________
(1) السّيرة النّبويّة لابن هشام 4: 85؛ تاريخ الطبريّ 2: 347.
(2) صحيح البخاريّ 5: 101.
(3) الحجرات / 2. صحيح البخاريّ 6: 46، 8: 145؛ سنن الترمذيّ 5: 63 رقم 3319؛ تفسير ابن كثير 2: 527؛ سنن النّسائيّ 8: 226؛ مسند أحمد 2: 6؛ تفسير الطبريّ حديث 31673؛ أحكام القرآن لابن العربيّ 4: 108؛ معالم التنزيل للبغويّ 1990؛ مسند أبي يعلى 6816؛ أسباب النزول للواحديّ 258.
(4) الحجرات / 1. والخبر في صحيح البخاريّ 8: 145 كتاب الاعتصام بالكتاب والسّنّة. وأسباب =
ويمكن القول: إنّ الآيتين نزلتا في الحادثة، وهما يناسب بعضهما الآخر ويعبّران عن حالة سلبيّة، فالمشاجرة في حضرة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ورفع الصّوت ممّا يخالف الخلق الحميد لرسول الله صلىاللهعليهوآله وقد وصفه الباري تعالى بأنّه على خلق عظيم؛ فإنّ مثل هذا السّلوك يؤذيه. وإنّهما قدّما بين يدي الله ورسوله من غير إذنٍ من النّبيّ في الكلام ولم يسألهما صلىاللهعليهوآله المشورة فيمن يجعل على وفد تميم أميراً!
ومن ذلك: تخلّف أبي بكر وعمر عن جيش أسامة بن زيد، وهو آخر بعوث رسول الله صلىاللهعليهوآله ، مع تسليمهما عليه بالإمرة، ممّا أغضب النّبيّ فخرج عاصباً رأسه لما هو به من الوجع، فخطب النّاس وقال: «ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة؟! ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأمير أبيه من قبل، وإنّه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقاً لها» (1) .
ومواقف المخالفة لأوامر رسول الله صلىاللهعليهوآله والاجتهاد قبال قبال النصّ الشرعيّ من الكثرة في حياة الصحابة بحيث لو جمعت لكانت كتاباً مستقلاًّ واسعاً، حيث امتدّت بعد رحلة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فألغيت أحكام فيها نصوص من كتاب الله تعالى ومارسها النّبيّ، سنذكر بعضها بعد حين.
ومن أعظم ما يذكر هنا أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله أراد وهو يودّع أمّته ويودعها تركته: الثّقلين، كتاب الله تعالى وعترته الطّاهرة، وفي سي منه لتوكيد ما عهده إليهم سابقاً... أراد أن يكتب لهم كتاب هداية وعصمة، إلاّ أنّ البعض اعترضه بشدّة حتّى قال فيه كلمةً لا تنبغي في حقّ مسلم محترم، فكيف بالنّبيّ؟! عن عبد الله بن عبّاس، قال: لما احتضر النّبيّ صلىاللهعليهوآله - قال: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب - قال: هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده. فقال
____________________
= النزول للواحديّ 257.
(1) السّيرة النبويّة لابن هشام 4: 291، 300؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 248؛ مختصر تاريخ ابن عساكر 4: 248 وذكره سليم بن قيس عن أمير المؤمنين في كتاب السقيفة: 139؛ صحيح مسلم ح 1637 من طريق عبد الرزّاق؛ المصنّف لعبد الرزّاق 5: 298 / 9820؛ تفسير الطبريّ 3: 193؛ الكامل في التاريخ 2: 320؛ البداية والنهاية 5: 200.
عمر: إنّ النّبيّ غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله! واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لن تضلّوا بعده. ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف عند النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال: قوموا عنّي. فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرّزيّة كلّ الرّزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (1) .
وليس الخبر بهذا اللفظ الّذي هذّبته بعض الأقلام! ولكنّه يكفي وحده - وبهذا اللّفظ - للتدليل على عمق المأساة! إنّ ميّتاً من عرض المجتمع يتنادى ذووه وأصدقاؤه وتقع جلبة ويحملون نعشه إلى مثواه الأخير ظاهرة عليهم آثار الحزن ومظاهر الأسى لفقده وهذا سيّد الخلق طرّاً وخاتم الأنبياء والرّسل يعيش لحظاته الأخيرة مع أصحابه ويريد أن يتمّ نصيحته وهدايته لئلاّ يضلّوا من بعده ولا يتعرّضوا لغضب الله تعالى كما حدث لليهود والنّصارى، وليثبّتهم على الصّراط المستقيم، بيد أنّ البعض قدّم بين يديه وقطع عليه كلامه، - وهذا أمر منهيّ عنه في القرآن الكريم، كما ذكرناه - وخالف سنّته وهو ما يزال حيّاً معهم يمارس وظيفته في التبليغ، فكيف يكون إذن بعد وفاته؟! وقد ردّ عليه واجتهد قبال قوله صلىاللهعليهوآله ، وهو نصّ شرعيّ. وكيف كان الرّد؟ كان نابياً بحق النّبيّ، فإنّ تعبيره بـ «غلبه الوجع» يعني أنّ النّبيّ بات لا يملك قواه العقليّة، ويقول ما لا يدري لما به من وجع! ومع تهذيب الخبر والتعديل فيه لا ينجي قائله من طائلة الحساب. وليعلم أنّ «غلبه الوجع» تساوي يهجر الّتي تعني يهذي - والعياذ بالله! كما أن حالة اللّغو والاختلاف واللّغط الناتجة عن هذا التصرّف سوء أدب في حضرة النّبيّ، وقد نهى القرآن عن رفع الأصوات فوق صوت النّبيّ وعن الهجهر له بالسّوء، وإنّ النبيّ يهجر، أو غلبه الوجع ما هو إلاّ جهر بالسّوء!
ثمّ ماذا يعني قول النّبيّ لهم: «قوموا عنّي»؟ إنّه لا يعني إلاّ أنّه ساخط عليهم غير راض عنهم، ورضاه من رضى الله تعالى وسخطه من سخطه!
وثمّه سؤال: لماذا اعترض عمر على رسول الله صلىاللهعليهوآله في كتابة الكتاب؟ هل كان يدرك
____________________
(1) صحيح البخاريّ 1: 37، 5: 138، 8: 161؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 242.
ما سيكتبه؟ أهو خير أم شرّ؟ وحاشا للنّبيّ إلاّ أن يقول ويكتب عن وحي.
ورواية ابن عبّاس تؤكّد أنّه قال: أهجر. عن سفيان، عن سليمان بن أبي مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: يوم الخميس وما يوم الخميس! قال: اشتدّ برسول الله صلىاللهعليهوآله وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي أبداً. فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيّ أن يتنازع - فقالوا: ما شأنه أهجر؟ أستفهموه! فذهبوا يعيدون عليه، فقال: دعوني، فما أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه. وأوصى بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحوٍ ممّا كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة عمداً أو قال: فنسيتها (1) .
نعم، يوم الخميس وما يوم الخميس؟! اشتدّ برسول الله صلىاللهعليهوآله وجعه، واشتدّ بقوم وجدهم إلى أمور، فأساؤوا إلى نبيّهم، فرموه بالمقذع من القول، وذلك قولهم: ما شأنه أهجر؟! ذكر ابن السّكّيت في (باب رفعك الصّوت بالوقيعة في الرّجل والشّتم له، ص 264 من: تهذيب الألفاظ) قال: وأهجر يهجر إهجاراً، إذا قال القبيح.
فهل يجوز على رسول الله صلىاللهعليهوآله أن يقول قبيحاً؟! فعند من تجد الأمّة الحسن - إذن - لتتوجّه صوبه فتأخذه منه ولا تضلّ؟ ومتى كان كتاب الهداية والعصمة من الضّلالة هجراً؟!
والرّاوي لم يعيّن صاحب هذا الكلام المستهجن، فقد استعمل لفظ الجماعة «فقالوا»! فنقول هنا - مثل ما قلناه في قول النّبيّ صلىاللهعليهوآله للمسلمين في مسيرهم يوم الحديبيّة: «قولوا نستغفر الله ونتوب إليه» -: لا يمكن على هذا تعيين الصّراط المستقيم في أشخاص بعينهم من الصّحابة، ولكن القرائن في نصوص القرآن والسّنّة أكّدت تعيّن الصّراط المستقيم في رسول الله وأهل بيته عليهم السلام أجمعين.
وهذا اللّون من السّلوك يتعارض مع الآداب الإسلاميّة الّتي نستجليها في آيات القرآن في توقير النّبيّ وتعظيمه، فلا يمكن أن نصدّق. أن سلمان المحمّديّ وأبا ذرّ وعمّاراً وأمّ سلمة وأمّ أيمن والمقداد... ممّن كان للنّبيّ مثل الظلّ لصاحبه قد صدر منهم مع النبيّ مثل هذا الفعل، فكيف يكون الحال لو ذكرنا عليّاً الّذي هو نفس النّبيّ يوم المباهلة، والمعصوم
____________________
(1) تاريخ الطبريّ 2: 436.
بصريح القرآن - آية التطهير - وغير ذلك من المعايير الّتي تنفي قطعاً أن يكون عليّ داخلاً في جماعة تخاطب النّبيّ بما سلف.
ترى... ماذا تعني كلمة «استفهموه» الواردة في الخبر؟ وماذا يعني أنّ القوم ما زالوا يعيدون سؤالاً ما على النّبيّ صلىاللهعليهوآله حتّى ردعهم؟ أيّ سؤال هو؟ هل هو الوصيّة الثالثة الّتي سكت عنها ابن عبّاس عمداً؟! فلماذا سكت؟! أمّا هذا الاستدراك: «أو قال: فنسيتها» فهو ممّا لا يليق بمن هو دون ابن عبّاس بكثير، فكيف بحبر الأمّة؟!
على أنّ المرويّ عن ابن عبّاس - كما في البخاريّ وطبقات ابن سعد، ذكرناه - ينصّ على أنّ صاحب القول هو عمر بن الخطّاب، وحسب تلك الرّواية وقول عمر فيها: «وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله» يتّضح أنّ النّبي قد أوصى باثنين متلازمين، هما كتاب الله وأهل بيته، وهو ما كان يعيده على مسامعهم في أكثر من مناسبة. وقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام طائفة من مواقف عمر واجتهاداته مقابل النصّ الشرعيّ، فذكر في جملتها موقفه ذلك، قال: علم الله وعلم النّاس أنّه الذي صدّ رسول الله عن الكتف الّذي دعاه به (1) .
وعن عمر بن الخطّاب قال: لما مرض النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً. فقال: النّسوة من وراء السّتر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟! فقلت: إنّكنّ صواحباتُ يوسف: إذا مرض رسول الله عصرتنّ أعينكنّ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه! فقال رسول الله: دعوهنّ، فإنهنّ خير منكم (2) .
حصحص الحقّ وثبت أنّ عمر هو الذي قدّم بين يدي النّبيّ صلىاللهعليهوآله . ومع أنّه لم يذكر، في هذه الرواية، اعتراضه على رسول الله في كتابة الكتاب، إلاّ أنّ قول النّسوة: «ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟» بيّن الدلالة على هذا المعنى، وذلك بعد أن صكّ أسماعهنّ لغط الرّجال واختلافهم على أثر الكلام الّذي قاله عمر كما في الرّوايات السّابقة، فزجرتهم النّساء على سوء سلوكهم هذا. ويؤيّد أنّ عمر هو صاحب الاعتراض على النّبيّ، رفع
____________________
(1) كتاب السقيفة لسليم بن قيس: 140.
(2) كنز العمّال 5: 644.
صوته من جديد ليسمع النّسوة مقالته فيهنّ، إذ اللّغط الدائر بين الرّجال ووجود السّتر بينهم وبين النّساء يقتضي مناداتهنّ بصوت عال، وإلاّ لم ردّ عليهنّ دون غيره من الحاضرين؟ وقوله: «إنّكنّ صواحبات يوسف...» فيه تنقيص لهنّ، ومن هنّ؟ إنّهنّ أمّهات المؤمنين، وحاضنة الرّسول، والصّحابيّات المبايعات، وفاطمة المعصومة بنت النّبيّ صلىاللهعليهوآله ! ووصف هؤلاء بالنّسوة اللاّتي شغفن (1) بجمال يوسف النّبيّ عليه السلام، أراد بذلك، إنّكنّ ما كرات وأتباع لذّة!
وكلامه لم يتنقّص من النّساء وحسب، وإنّما تطاول به على النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، إذ راح يذكره بصيغة الغائب النّكرة من غير ما ينبغي له من نعت النّبوّة والرّسالة. وعبارته «ركبتنّ عنقه» فيها ما فيها من المعاني السّلبيّة الواضحة، وجواب النّبيّ: «إنّهنّ خير منكم» لهو خير بيان لرزيّة رجال يوم الخميس. ولا يدخل في هذا الباب رجل لم يغيّروا ولم يبدّلوا أوّلهم عليّ عليه السلام، فكان صراطه صراط الله المستقيم.
ولقد جرت أحاديث ومحاورات بين ابن عبّاس وعمر بن الخطّاب - بعد وفاة النّبيّ صلىاللهعليهوآله - أقرّ فيها عمر أنّه الّذي منع النّبيّ من كتابة الكتاب، من ذلك: قال عمر لابن عبّاس: هل بقي في نفس عليّ شيء من أمر الخلافة؟ فقال ابن عبّاس: نعم. قال عمر: ولقد أراد رسول الله في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعته من ذلك، إشفاقاً وحيطةً على الإسلام (2) !
إنّ الله تعالى أعلم بمواطن الحيطة على الإسلام فيوحي بها إلى نبيّه، ومن ذلك التبليغ بإمامة عليّ وخلافته في كلّ موطن، ومنه المهرجان الكبير يوم غديرخمّ، وفي مرضه لما أراد أن يكتب كتاباً فمنعه عمر. ولكن ما الّذي وجده عمر من نقص في عليّ يتخوّف منه على مستقبل الإسلام، وهو الّذي سلّم عليه بالإمارة يوم خمّ؟! فهلاّ عابه يومئذ؟! أم أنّه يعلم أنّ رجالاً يأتمرون في الخفاء على إزواء الخلافة عن عليّ، وكتبوا بذلك عهداً، فتخوّف الفتنة؟! قال أبو حامد الغزاليّ: ولما مات رسول الله قال قبل وفاته بيسير: «ائتوني
____________________
(1) وقصّة ذلك في القرآن الكريم سورة يوسف 23 - 52.
(2) شرح نهج البلاغة للمعتزليّ 12: 21.
بدواة وبياض لأكتب لكم كتاباً لا تختلفوا فيه بعدي». فقال عمر: دعوا الرّجل؛ فإنّه ليهجر! (1)
وفيما ذكرنا ممّا جرى في حياة النّبيّ كفاية لإبطال زعم ابن القيّم بشأن الصّراط المستقيم. أمّا بعد وفاة النّبيّ فأنّ المواقف الاجتهاديّة مقابل النصّ وتعطيل الأحكام الشرعيّة، فحدّث ولا حرج! هذا بعض منها.
عمر يغيّر في الأذان
قال علي عليه السلام: «ثمّ تركه من الأذان «حيّ على خير العمل»، فاتّخذوه سنّة، وتابعوه على ذلك» (2) .
إبطال حكم التيمّم للمجنب
وقال عليّ عليه السلام: «والعجب لجهله أنّه كتب إلى جميع عمّاله أنّ الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يصليّ وليس له أن يتيمّم بالصّعيد - وإن لم يجده - حتّى يلقى الله! وقد علم وعلم النّاس أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قد أمر عمّاراً وأمر أبا ذرّ أن يتيمّما من الجنابة ويصلّيا، وشهدا به عنده، وغيرهما، فلم يقبل ذلك ولم يرفع به رأساً» (3) .
وقد ذكر أصحاب الصّحاح والسّنن والحديث روايات عدّة في الحادثة من ذلك: إنّ رجلاً أتى عمر بن الخطّاب فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماءً؟ فقال: لا تصلّ! فقال عمّار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سريّة فأجنبنا فلم نجد ماءً، فأمّا أنت فلم تصلّ وأمّا أنا فتمعّكت (4) في التراب وصلّيت، فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «إنّما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثمّ تنفخ ثمّ تمسح بهما وجهك وكفّيك»؟! فقال عمر: اتّق الله يا عمّار! قال: إن
____________________
(1) تذكرة الخواصّ: 65.
(2) كتاب السّقيفة لسليم بن قيس: 139.
(3) السقيفة، لسليم بن قيس: 138.
(4) تمعّك: أي تمرّغ بالتّراب.
شئت لم أحدّث به! وله صور أخرى قريبة منه في اللّفظ والمعنى (1) .
ولعلّ الّذي حمل عمر على ذلك هو اجتهاده على عهد النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، إذ لم يصلّ وهو مجنب، فشقّ عليه أن يرجع عنه بعد وفاة النّبيّ! إلاّ أنّ سنّة النّبيّ فيه واضحة ولم يرد ما يرفع الحكم. وورد التيمّم في موردين من القرآن ولم ينسخه: ( وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) (2) وقوله تعالى: ( وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطّهّرُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ ) (3)
النهي عن المتعة
شرّع الله تعالى المتعة وأنزل فيها بياناً: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ ) (4) .
ذكر جمعٌ أنّها في المتعة، أو ما يمكن تسميته بالزواج الموقّت، تجد ذلك في:
1 - مسند أحمد بن حنبل 5: 603 حديث 19406 عن عمران بن حصين، وحديثه: «نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى، وعملنا بها مع رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النّبيّ حتّى مات».
وفي مسند أحمد - مسند أبي سعيد الخدريّ، قال: كنّا نتمتّع بالثّوب حتّى منع عمر.
وأيضاً أحمد، عن عبد بن شقيق - عبد الله بن شقيق العقيليّ، وثّقة أحمد، وابن معين، والعجليّ، وابن حبّان، وأبو حاتم: تاريخ الثّقات للعجليّ 261 / 824، التاريخ الكبير 3: 1 / 116، الثّقات 5: 10، التهذيب 5: 253، قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وعليّ
____________________
(1) سنن أبي داود 1: 53؛ صحيح مسلم 1: 110؛ سنن ابن ماجة 1: 200؛ صحيح البخاريّ 1: 129 ح سنن النّسائيّ 1: 59، 61؛ سنن البيهقيّ 1: 209؛ تيسير الوصول 3: 98؛ عمدة القاري شرح صحيح البخاري 2: 172؛ مسند أحمد 4: 265؛ فتح الباري 2: 172.
(2) النّساء / 43.
(3) المائدة / 6.
(4) النساء / 24.
يأمر بها، فقال عثمان لعليّ كذا وكذا، ثمّ قال عليّ: لقد علمت أنّا قد تمتّعنا مع رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقال: أجل، ولكنّا كنّا خائفين»! مسند أحمد 1 / 156 / 758.
والعجب كلّه! فعثمان يتمتّع ويخاف، فمن أيّ يخاف؟ هل لعلمه أنّ في القوم من يكره حكم الله تعالى، ولا يظهره ما زال النبيّ بينهم؟ وما وجه الكراهة هذا؟
وعن مروان بن الحكم قال: شهدت عليّاً وعثمان بين مكّة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمّا رأى ذلك عليّ أهلّ بهما، لبّيك بعمرةٍ وحجّ معاً، فقال عثمان: تراني أنهى النّاس عنه وأنت تفعله! قال: لم أكن أدع سنّة رسول الله صلىاللهعليهوآله لقول أحد من النّاس. - مسند أحمد 1 / 219 / 1143.
2 - تفسير الطّبريّ 5: 9 عن ابن عبّاس، وأبيّ بن كعب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وغيرهم.
3 - سنن البيهقيّ 7: 205، عن ابن عبّاس.
4 - تفسير البغويّ 1: 423 وقال: وعن عامّة أهل العلم أنّها منسوخة.
5 - تفسير الكشّاف للزمخشريّ 1: 498 قال: وعن ابن عبّاس هي محكمة، يعني لم تنسخ. روى شعبة عن الحكم - الحكم بن عتيبة الكنديّ، ثقة، ثبت في الحديث، من فقهاء أصحاب إبراهيم النخعيّ، وكان صاحب سنّة واتّباع، روى عنه؛ الأعمش، وشعبة. تاريخ الثّقات 126 / 315، تاريخ ابن معين 2: 125، الثّقات لابن حبّان 4: 144، التاريخ الكبير 1: 2 / 230 - عن هذه الآية: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ ) أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال عليّ كرّم الله وجهه: لو لا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ.
6 - أحكام القرآن للجصّاص 2: 178 عن عدّة.
7 - تفسير القرطبيّ المالكيّ 5: 130 وفيه: وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام.
8 - تفسير الرازيّ 3: 130. قال: قال الجمهور: إنّها في المتعة.
9 - تفسير ابن كثير 1: 474 عن جماعة من الصّحابة والتّابعين.
10 - تفسير أبي السّعود 3: 251.
11 - تفسير مقاتل بن سليمان 1: 224، قال: ثمّ ذكر المتعة فقال: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ ) إلى أجل مسمّى....
12 - تفسير عبد الرزّاق الصنعانيّ «تفسير القرآن العزيز» 1: 153 / 552، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ ) ، قال: هو النكاح.
ومضى التشريع فعمل به الصّحابة على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآله وأبي بكر وردحاً من عهد عمر، ثمّ حرّمها عمر وهدّد بالعقوبة والرّجم لمن يأتي بها. صحيح مسلم 1: 395 - 396، ومسند أحمد 3: 356، 4: 436، والموطّأ لمالك 2: 542؛ وسنن البيهقيّ 7: 206 وتفسير الطبريّ 5: 9، وتفسير القرطبيّ 5: 130 - وفيه: وروى عطاء عن ابن عبّاس قال: ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله تعالى رحم بها عباده، ولو لا نهي عمر عنها ما زنى إلاّ شقيّ - وتفسير الرّازيّ 3: 201، والنّهاية لابن الأثير 2: 249، وفتح الباري 9: 141، وتاريخ الخلفاء للسيوطيّ: 93.
تلك بعض من الاجتهادات قبال النصّ الشّرعيّ، وليس منها شيء في صراط أهل البيت عليهم السلام؛ فهم صراط الله المستقيم الّذي تمسّك به شيعة أهل البيت عليهم السلام.
وحان الآن أن ننظر نظرةً عجلى إلى نشأة الشّيعة، وهل لهذه التسمية أصل في الشّريعة أم هي من ابتداع المبتدعة المتأخّرين؟ أو أنّ الشيعة مثل غيرهم في أحسن الأحوال: أتباع رجال جدّوا في الفقه وعلوم الشريعة فاجتهدوا، فنسب أتباعهم إليهم وتسمّوا بأسمائهم فظهرت بذلك المذاهب والفرق؟
نشأة الشّيعة
ولدت الشّيعة مع ولادة الدّعوة الإسلاميّة المباركة، ولذا جاز لنا القول: إنّ الشّيعة بذرة أنبتها الله تعالى، فهم وأهل البيت توأمان. وأوّل من شايع رسول الله صلىاللهعليهوآله هو عليّ عليه السلام، فما زال النّبيّ يتعهّده وينشأه نشأةً إلهيّة خاصّة، ويقرأ على مسامع القوم ما نزل فيه وأهل بيته، ويصرّح بفضائله والدعوة إلى مولاته، فأخبت لذلك الجيل المخلص، وظهرت طلائع الشّيعة على عهده صلىاللهعليهوآله .
إنّ الإجماع منعقد على أنّ عليّاً عليه السلام لم يداخله شرك ولا كفر - ولو لحظةً واحدة - لينتقل منه إلى إيمان كما وقع لغيره وقد تكلّمنا عليه بما فيه كفاية في فصول سبقت، ولذا قالوا عنه: «كرّم الله وجهه» لهذا المعنى، ولم يقولوا مثله لغيره - وهو أوّل من أسلم وأمضى مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله سنين عدّة يصلّيان حتّى دخل في الإسلام غيره، وتكلّمنا عليه. وكان يشهد الوحي ويسمع صوته، وتناولته يد العناية الإلهيّة منذ أول الصّيرورة، فكان سبباً لعصمة أمّه وهو في بطنها من أن تسجد لصنم، ومن رحمها إلى رحم الكعبة إذ ولد فيها وما ولد فيها أحد غيره. ثمّ نقلته يد الرّحمن إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ينهله من خلقه الحميد. وهذه مفردات نحسب أنّنا وفّينا بعض حقّها سابقاً، وذكرناها هنا مجملاً، للتذكير ولأجل أن نقول: فبات عليّ هو المرشّح لخلافة النّبيّ القياديّة والفكريّة، وهو أمر يعسر على شيوخ قريش إذ يرون فتى الإسلام قد تقدّمهم!
حديث الدّار
«لما نزل قوله تعالى ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (1) دعا رسول الله صلىاللهعليهوآله بني عبد المطّلب - وهم يومئذٍ أربعون رجلاً - وصنع لهم طعاماً فلمّا أكلوا وشربوا تكلّم فيهم رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقال: يا بني عبد المطّلب، إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدّنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه... فأيّكم يوازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً إلاّ عليّاً قال: أنا يا نبيّ الله. ثمّ أعادها ثانيةً وثالثةً، ولم يجبه أحد منهم إلاّ عليّ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا». فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (2) !
____________________
(1) الشعراء / 214.
(2) تاريخ الطّبريّ 2: 63؛ مختصر تاريخ ابن عساكر 17: 311. ويرد الحديث بعدّة ألفاظ متقاربة من عدّة طرق في المصدرين السّابقين، وتجدها في: مسند أحمد 1: 111؛ الفضائل، له: 91؛ تفسير الحبريّ: 348؛ الخصائص للنّسائيّ: 86؛ تفسير الطبريّ 19: 74؛ شواهد التنزيل 1: 420 - 424؛ شرح نهج البلاغة للمعتزليّ =
وهكذا كانت نشأة التشيّع سليمة في رحم الإسلام، وولدت الشّيعة ولادة طبيعيّة في حضن الدّعوة الإسلاميّة في أيّامها الأولى وكان «حديث الدّار» بمثابة إعلان تشريعيّ للتشيّع ونواة للشّيعة ثمّ توالت أحاديث: الثّقلين، وحدث المنزلة، وحديث الغدير، تكريساً لذلك. فهي والحال هذه ليست ابتكار مبتدع ولا مذهباً انفجر بعد غياب النّبيّ صلىاللهعليهوآله .
الشّيعة في السّنّة الشّريفة
إنّ أوّل من نطق بكلمة «الشّيعة» هو رسول الله صلىاللهعليهوآله ، أطلقها على من شايع عليّاً عليه السلام، وقرنهم وإيّاه بالفوز، وأنّهم خير البريّة الّذين ذكرهم القرآن الكريم وبشّرهم بخير الآخرة، وسمّاهم تارة: شيعة عليّ، وأخرى حزبه، وغير ذلك من المفردات المرادفة لمعنى الشّيعة. فإذا كان ثمّة إشكال على التسمية؛ فالأولى أن يوجّه ذلك إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله إذ هو الّذي سمّاهم كذلك.
ولم تكن كلمة (شيعة غريبة على أذهان العرب، ولذا فهموا المقصود منها لما أنزل الله تعالى بها قرآناً: ( وَإِنّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) (1) أي أنّ إبراهيم النّبيّ صلىاللهعليهوآله من شيعة نوح النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، بدليل الآيات التي قبلها، إذ هي في صدد الحديث عن نوح. وقوله تعالى في قصّة موسى عليه السلام: ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذَا مِن شِيعَتِهِ وَهذَا مِنْ عَدُوّهِ ) (2) .
وهذه قبسات من أحاديث النّور ترد فيها لفظة الشّيعة:
عن ابن عبّاس قال: لما نزلت هذه الآية ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ
____________________
= 3: 254؛ الكامل في التاريخ 2: 41؛ تفسير ابن كثير 3: 351؛ كنز العمّال 15: 115؛ السّيرة الحلبيّة 1: 286؛ ينابيع المودّة: 105؛ علل الشّرائع للصدوق 1: 170؛ سعد السعود: 105 - 106.
(1) الصافّات / 83.
(2) القصص / 15.
الْبَرِيّةِ ) (1) ، قال: رسول الله صلىاللهعليهوآله لعليّ: هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين» (2) .
وعن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قال: حدّثني رسول الله صلىاللهعليهوآله - وأنا مسنده إلى صدري - فقال: أي عليّ، ألم تسمع قول الله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) ؟! أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين».
وعن مجاهد في قوله تعالى: ( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) ، قال: هم عليّ وأهل بيته ومحبّوهم. ومحبّتهم عليهم السلام ليست محض عاطفة لأنّهم أهل بيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله وإنّما هي أيضاً للخصوصيّات الّتي تعرّفنا على بعضها، وهي غير موجودة في غيرهم ومحبّتهم لا يصدّقها إلاّ العمل بسنّتهم، وهذا هو التشيّع الّذي لا يرضون من أحد أن يتسمّى بأنّه شيعيّ إلاّ به، وسنذكر أحاديث في ذلك.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ: كنا عند النّبيّ صلىاللهعليهوآله ، فأقبل عليّ بن أبي طالب، فقال النّبيّ صلىاللهعليهوآله : «قد أتاكم أخي. ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال: والّذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة» (3) .
وكان سلمان يقول: يا معشر المؤمنين، تعاهدوا ما في قلوبكم لعليّ صلوات الله عليه؛ فإنّي ما كنت عند رسول الله صلىاللهعليهوآله قطّ، فطلع عليّ، إلاّ ضرب النّبيُّ بين كتفيّ ثمّ قال: «يا سلمان، هذا وحزبه هم المفلحون» (4) .
والحزب، والشّيعة، والأمّة، جند الرجل وأصحابه الّذين هم على رأيه... يرادف بعضها بعضاً.
____________________
(1) البيّنة / 7.
(2) ذكرنا مصادر هذا الحديث وما بعده في فصل «ما نزل في أهل البيت من القرآن».
(3) خرّجناه ومصادره في فصل «ما نزل من القرآن في أهل البيت».
(4) تفسير الحبريّ: 232؛ تفسير الطبريّ 30: 146؛ حلية الأولياء 1: 66؛ شواهد التنزيل 1: 70؛ بشارة المصطفى 187؛ أمالي الصدوق: 294؛ مختصر تاريخ دمشق 18: 14؛ الأمالي الخميسيّة 1: 3؛ خصائص الوحي المبين 213.
عن عليّ عليه السلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : (شجرة أنا أصلها، وعليّ فرعها، والحسن والحسين ثمرها، والشّيعة ورقها. فهل يخرج من الطيّب إلاّ الطيّب؟» (1) .
فمن عاب الورق من الشجرة عاب أصلها! والحديث يؤكّد الّذي قلناه من أنّ الشّيعة بذرة أنبتها الله تعالى، فهم وأهل البيت توأمان من أهل واحد لا يعطي إلاّ طيّباً.
عن عليّ قال: قال لي رسول الله صلىاللهعليهوآله :
«أنت وشيعتك في الجنّة» (2) .
وأخرج ابن عساكر بسنده عن القاسم بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «يا عليّ، إذا كان يوم القيامة يخرج قوم من قبورهم، لباسهم النّور، على نجائب من نور، أزمّتها يواقيت حمر، تزفّهم الملائكة إلى المحشر». فقال عليّ: تبارك الله! ما أكرم هؤلاء على الله! قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «يا عليّ، هم أهل ولايتك وشيعتك ومحبّوك، ويحبّونك بحبّي، ويحبّونني بحبّ الله، هم الفائزون يوم القيامة» (3) .
وعن عليّ قال: شكوت إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله حسد النّاس لي، فقال: «يا عليّ، أما ترضى أنّ أوّل أربعة يدخلون الجنّة: أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذرارينا خلف أزواجنا، وأشياعنا من ورائنا؟» (4) .
وعن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «أبشر يا عليّ، أنت وأصحابك في الجنّة. أبشر يا عليّ، أنت وشيعتك في الجنّة» (5) .
وعن أبي سعيد الخدريّ قال: قال: رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إنّ عن يمين العرش كراسي من
____________________
(1) مختصر تاريخ دمشق 18: 17.
(2) نفس المصدر 17: 384.
(3) مختصر تاريخ ابن عساكر 17: 384.
(4) مختصر تاريخ دمشق 17: 381؛ تفسير الزمخشريّ 4: 172؛ كفاية الطّالب 326؛ الصواعق المحرقة 96؛ نور الأبصار 100.
(5) مختصر تاريخ دمشق 17: 385.
نور، عليها أقوام تتلألأ وجوههم نوراً». فقال أبو بكر: أنا منهم يا نبيّ الله؟ قال: «أنت على خير». فقال عمر: يا نبيّ الله أنا منهم؟ فقال مثل ذلك، ولكنّهم قوم تحابّوا من أجلي، وهم هذا وشيعته - وأشار بيده إلى عليّ بن ابي طالب» (1) .
ما أشبه جواب رسول الله صلىاللهعليهوآله للشيخين - إذ سألاه أن يكونا في تلك الطّائفة الّتي نالت أعلى مراتب الرّحمة والكرامة، فأجابهما أنّهما ليسا منها ولكنّهما على خيرٍ - بجوابه لأمّ سلمة أن تكون مع عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، تحت الكساء، فنحّاها النّبيّ صلىاللهعليهوآله قائلاً: «إنّك على خير»!
وبسند عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى: ( وَبَشّـرِ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ ) (2) الآية. قال عليه السلام: «عليّ والأوصياء من بعده وشيعتهم» (3) . عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «لما أدخلت الجنّة رأيت فيها شجرة تحمل الحليّ والحلل، أسفلها خيل بلق، وأوسطها حور عين، وفي أعلاها الرّضوان قلت: يا جبرئيل، لمن هذه الشّجرة؟ قال: هذه لابن عمّك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب؛ إذا أمر الله الخليقة بالدخول إلى الجنّة يؤتى بشيعة عليّ حتّى ينتهى بهم إلى هذه الشّجرة، فيلبسون الحليّ والحلل ويركبون الخيل البلق وينادي منادٍ: هؤلاء شيعة عليّ بن أبي طالب، صبروا في الدّنيا على الأذى، فحبوا (4) اليوم» (5) .
عن أنس قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «إذا كان يوم القيامة ينادون عليّ بن أبي طالب بسبعة أسماء: يا صدّيق، يا دالّ، يا عابد، يا هادي، يا مهديّ، يا فتى، يا عليّ؛ مرّ أنت وشيعتك إلى الجنّة بغير حساب» (6) .
____________________
(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 384.
(2) البقرة / 25.
(3) تفسير فرات 4 - 5.
(4) حباه: أعطاه، ومنه الحباء أي العطيّة.
(5) مائة منقبة لابن شاذان: 171 حديث 96، والمناقب للخوارزميّ: 73.
(6) المناقب للخوارزميّ: 319؛ مائة منقبة: 150 حديث 83.
وبسند عن رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: «يدخل من أمّتي الجنّة سبعون ألفاً بغير حساب» (1) . فقال عليّ عليه السلام: من هم يا رسول الله؟ قال: «هم شيعتك (2) يا عليّ، وأنت إمامهم» (3) .
وروى جعفر بن محمّد عن آبائه عن عليّ عليه السلام: إنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال له: «إنّ في السّماء حرساً وهم الملائكة، وفي الأرض حرساً وهم شيعتك يا عليّ» (4) .
وعن أبي سعيد الخدريّ قال: نظر النّبيّ صلىاللهعليهوآله إلى عليّ عليه السلام، فقال: «هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة» (5) .
وعن أمّ سلمة: «عليّ وشيعته هم الفائزون يوم القيامة» (6) .
وبسند عالٍ عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، عن رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: «يا عليّ، إنّ شيعتنا يخرجون من قبورهم يوم القيامة - على ما بهم من العيوب والذّنوب - وجوههم كالقمر في ليلة البدر، وقد فرّجت عنهم الشّدائد، وسهّلت لهم الموارد، وأعطوا الأمن والأمان، وارتفعت عنهم الأحزان، يخاف النّاس ولا يخافون، ويحزن النّاس ولا يحزنون، شرك نعالهم تتلألأ نوراً، على نوقٍ بيض لها أجنحة، قد ذلّلت من غير مهانة ونجّبت من غير رياضة، أعناقها من ذهب أحمر، ألين من الحرير؛ لكرامتهم على الله عزّ وجلّ» (7)
عن أبان بن تغلب، عن فضيل، عن عبد الملك الهمدانيّ، عن زاذان، عن عليّ عليه السلام: «تفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنّة. وهم الّذين قال الله عزّ وجلّ: ( وَمِمّنْ خَلَقْنَا أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (8) ، وهم أنا
____________________
(1) في مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: «لاحساب عليهم».
(2) في مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: «هم من شيعتك».
(3) المناقب للخوارزميّ: 319؛ مائة منقبة: 150 حديث 83؛ مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 293.
(4) المناقب للخوارزميّ: 328.
(5) كفاية الطّالب: 314؛ فضائل الخمسة 3: 98.
(6) الفردوس للديلميّ (حديث 4172).
(7) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 296.
(8) الأعراف / 181.
وشيعتي» (1) .
بسند عن عليّ بن أبي طالب عن رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: «يا عليّ، إنّ الله قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ومحبّي شيعتك ومحبّي محبّي شيعتك، وأبشر؛ فإنّك الأنزع البطين؛ منزوع من الشّرك، بطين من العلم» (2) .
عن كثير بن زيد قال: دخل الأعمش على المنصور وهو جالس للمظالم، فلمّا بصر به قال له: يا سليمان تصدّر. فقال: أنا صدر حيث جلست. ثمّ قال: حدّثني الصّادق قال: حدّثني الباقر قال: حدّثني السجّاد قال: حدّثني الشّهيد قال: حدّثني التقيّ - وهو الوصيّ أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السلام - قال: حدّثني النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: أتاني جبريل عليه السلام فقال: تختّموا بالعقيق فإنّه أوّل حجر شهد لله بالوحدانيّة، ولي بالنّبوّة، ولعليّ بالوصيّة، ولولده بالإمامة، ولشيعته بالجنّة» (3) .
ونظير الحديث السّابق، عن سلمان الفارسيّ أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال لعليّ عليه السلام: «يا عليّ، تختمّ باليمين تكن من المقرّبين». قال: يا رسول الله، وما المقرّبون؟ قال: جبرئيل وميكائيل». قال: فبم أتختّم يا رسول الله؟ قال: «بالعقيق الأحمر؛ فإنّه جبل (4) أقرّ لله بالوحدانيّة، ولي بالنّبوّة، ولك بالوصيّة، ولولدك بالإمامة، ولمحبّيك بالجنّة، ولشيعة ولدك بالفردوس (5) .
وقال رسول الله صلىاللهعليهوآله مخاطباً ابنته فاطمة عليها السلام: «إذا دعاني ربّ العالمين دعا عليّاً معي، وإذا جثوت جثا عليّ معي، وإذا أجبت أجيب عليّ معي، وإنّه في المقام عوني على مفاتيح الجنّة، قومي يا فاطمة إنّ عليّاً وشيعته هم الفائزون غداً» (6) .
قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قول الله تعالى: ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ
____________________
(1) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 331.
(2) نفس المصدر 281؛ المناقب للخوارزميّ 294؛ فرائد السمطين 1: 308.
(3) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ 281.
(4) لعلّه تصحيف، والصحيح: حجر.
(5) المناقب للخوارزميّ: 326.
(6) مناقب الإمام عليّ لابن المغازليّ: 152.
عَلَيْهِمْ ) [ الفاتحة / 7 ]، قال: النّبيّ ومن معه وعليّ بن أبي طالب وشيعته (1) .
وفي قوله تعالى: ( ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ ) . (2)
عن الهذيل بن حبيب بن أبي صالح، عن أبيه، عن جدّه عن الضحّاك، عن عبد الله بن عبّاس، في قول الله عزّ وجلّ: ( ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ) يعني: لا شكّ فيه أنّه نزل من عند الله تعالى ( هُدىً ) يعني: بياناً ونوراً ( لِلْمُتّقِينَ ) : عليّ بن أبي طالب الذي لم يشرك بالله طرفة عين، اتّقى الشّرك وعبادة الأوثان وأخلص لله العبادة؛ يبعث إلى الجنّة بغير حساب هو وشيعته (3) .
في قوله تعالى: ( الّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ ) . (4)
من طريق أبي نعيم، عن حفص بن عاص، عن فضيل بن الزّبير، عن أبي داود، عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله - وذكر الآية - أتدري من هم يا ابن أمّ سليم؟ قلت: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «نحن وشيعتنا» (5) .
وفي قوله تعالى: ( ثَوَاباً مِنْ عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ ) (6) ؛ ( وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ) (7) عن صالح بن عبد الرّحمن، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت عليّاً يقول: أخذ رسول الله صلىاللهعليهوآله بيدي ثمّ قال: يا أخي، قول الله تعالى ( ثَوَاباً مِنْ عِندِ اللّهِ ) أنت الثّواب، وشيعتك الأبرار (8) .
من خلال ما ذكرناه من الأحاديث الشّريفة وجدنا النّبيّ صلىاللهعليهوآله ينسب الشّيعة إلى نفسه الزكيّة لقوله: «نحن وشيعتنا»، وينسبهم تارة أخرى إلى عليّ الّذي هو نفس رسول الله
____________________
(1) شواهد التنزيل 1: 66.
(2) البقرة / 2.
(3) شواهد التنزيل 1: 67.
(4) الرّعد / 28.
(5) خصائص الوحي المبين: 185؛ البرهان 2: 291.
(6) آل عمران / 195.
(7) نفس المصدر 198.
(8) شواهد التنزيل 1: 138.
وكلاهما من شجرة واحدةٍ والنّاس من أشجار شتّى وقد مرّ بنا بحث هذا وغيره ممّا في معناه. ونجده ينسبهم أيضاً إلى ولد عليّ عليهم السلام الّذين قال فيهم رسول الله: «دعوت ربّي أن يجعل ذرّيّتي في صلب عليّ»، ونصبهم منار هداية للأمّة؛ فجاز لنا أن نقول: الشّيعة صراط الله المستقيم، فقد شهدت لهم أحاديث النّبيّ بالجنّة وأنّهم من الشّجرة الطيّبة الّتي أصلها رسول الله - كما ذكرنا آنفاً - ولا يخرج من الطيّب إلاّ الطيّب، ( وَالّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلّا نَكِداً ) (1) .
وقد ضرب الله سبحانه بالشجرتين مثلاً، قال عزّ وجلّ: ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّماءِ ) (2) .
عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام يعني: النّبيّ صلىاللهعليهوآله والأئمّة من بعده هم الأصل الثّابت، والفرع الولاية لمن دخل فيها» (3) .
وعن محمّد بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: ( وَفَرْعُهَا فِي السّماءِ ) فقال: رسول الله صلىاللهعليهوآله أصلها، وأمير المؤمنين عليه السلام فرعها، والأئمّة من ذرّيّتهما أغصانها، وعلم الأئمّة ثمرها، وشيعتهم ورقها، فهل ترى فيها فضلاً (4) ؟! قلت: لا والله. قال: والله إنّ المؤمن ليموت فتسقط ورقة من تلك الشّجرة، وإنّه ليولد فتورق ورقة فيها. قال: قلت: ( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ ) (5) قال: يعني ما يخرج إلى النّاس من علم الإمام في كلّ حين يسأل عنه (6) .
ومثلما ضرب سبحانه مثلاً لأهل الصّراط المستقيم، مثّل سبحانه لمعانديهم: ( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَالَهَا مِن قَرَارٍ ) [ إبراهيم / 26 ].
عن عبد الرّحمن بن سالم الأشلّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام - وذكر الآيتين - قال:
____________________
(1) الأعراف / 58.
(2) إبراهيم / 24.
(3) تفسير العيّاشيّ 2: 224؛ البرهان 2: 311.
(4) أي هذا هو تمام الشّجرة الطّيّبة وليس غير ما ذكره منها.
(5) ابراهيم / 25.
(6) تفسير العيّاشيّ 2: 224.
هذا مثل ضربة الله لأهل بيت نبيّه ولمن عاداهم (1) .
ثمّة سؤال
والسؤال - على نحو الإنكار - موجّه إلى النّاصبيّ ابن تيميّة وشقيقه في النّصب ابن القيّم، إذ المسلم - حنبليّاً أم مالكيّاً أم حنفيّاً أم شافعيّاً أم غيره - يعرف حقّ محمّد رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وشيعته: عليّ وفاطمة وولدهما عليهم السلام، وسلمان وعمّار وأبي ذرّ وأمّ سلمة وأمّ أيمن وأسماء بنت عميس والمقداد وابن عبّاس والأشتر... هذه الشّجرة المباركة الطيّبة، فكيف سوّلت لكما نفساكما فلم تمسكا زمامهما، فهدرت منكما الشّقاشق بلعن الشّيعة وتسميتهم الرّوافض وأنّهم أخسّ الطّوائف، وفضّلتما المجوس واليهود والخوارج عليهما، وزعمتما أنّهم أهل الغضب والضّلال الّذين ذكرهم القرآن الكريم في سورة الفاتحة؟!
ونقول: نعمت التسمية وما أحلاها! إذ رفضت الشّيعة من يومها الأوّل كلّ باطل، ولم تقبل إلاّ بوحدانيّة الله تعالى وتنزيهه عن صفات النّقص من تجسيم وغيره ممّا حوكمتما عليه، ودخلتما السّجن لأجله ولأجل بقيّة أقوالكما في السّلف الصالح ومنهم عليّ عليه السلام، ولم يكن في هيئة المحكمة رافضيّ! إنّما مالكيّ وحنفيّ وشافعيّ وحنبليّ.
والشّيعة رفضت كلّ طاغوت، ولم تقبل إلاّ حاكميّة الله، فعملت بالنصّ الشرعيّ قرآناً وسنّة. ولعلّكما وجدتما في تاريخ الأديان الإلهيّة السّابقة شيئاً يشابه ما سلكه الشّيعة، فتجاوزتما الحدّ وأنتم تفترون!
ذكر وكيع عن سليمان الأعمش أنّه قال: دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق عليه السلام وقلت له: جعلت فداك، إنّ النّاس يسمّونا روافض، فما الرّوافض؟ فقال: والله ما هم سمّوكم، الله سمّاكم به في التّوراة والإنجيل على لسان موسى ولسان عيسى، وذلك أنّ سبعين رجلاً من قوم فرعون رفضوا فرعون ودخلوا في دين موسى، فسمّاهم الله الرّافضة، وأوحى إلى موسى أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة حتّى يملكونه على لسان محمّد صلىاللهعليهوآله . ففرّقهم الله فرقاً كثيرةً وتشعّبوا شعباً كثيرةً، فرفضوا الخير ورفضتم الشرّ،
____________________
(1) تفسير العياشيّ 2: 224.
واستقمتم مع أهل بيت نبيّكم صلىاللهعليهوآله ، فذهبتم حيث ذهب نبيّكم واخترتم من اختار الله ورسوله، فأبشروا ثمّ أبشروا فأنتم المرحومون المتقبّل من محسنهم المتجاوز عن مسيئهم، «ومن لم يلق الله بمثل ما لقيتم لم تقبل حسنته ولم يتجاوز عن سيّئته» (1) يا سليمان، هل سررتك؟ فقلت: جعلت فداك زدني فقال: إنّ لله عزّ وجلّ ملائكة يستغفرون لكم حتّى يتساقط ذنوبكم كما يتساقط ورق الشّجر في يوم ريح، وذلك قول الله تبارك وتعالى: ( الّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلّذِينَ آمَنُوا ) (2) وهم شيعتنا والله، يا سليمان هل سررتك؟ فقلت: زدني، جعلت فداك. قال: ما على ملّة إبراهيم إلاّ نحن وشيعتنا وسائر النّاس منها بريء (3) .
( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلّا أَن يُهْدَى ) (4) .
( إِنّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (5) .
سيماء الشّيعة
ولا يغترّ أحد أن يقول ما زال هذا حال الشّيعة من الكرامة عند الله تعالى فيكفي أن أنتحل التّشيّع وأوالي أهل البيت وأحبّهم! إنّما الشّيعيّ كما ذكرنا سابقاً من خضع للنصّ الشرعيّ فاتّقى الله وأحلّ حلاله وحرّم حرامه.
وللشيعيّ سيماء يعرف بها إذا لو حظت فيه قيل عنه إنّه شيعيّ: قال المدائنيّ: نظر عليّ ابن أبي طالب إلى قوم ببابه، فقال لقنبر: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء شيعتك يا أمير المؤمنين. قال: فقال: لا أرى فيهم سيماء الشّيعة!
____________________
(1) أي بمثل ما لقيتم من الاستقامة على الصّراط المستقيم والتّمسّك بولاية أهل البيت، وما لقوا بسبب ذلك من العنت والاضطهاد على أيدي أعداء النّبيّ وآله. والكلام في عدم القبول من غيرهم أي أولئك الّذين عرفوا وجوب التمسّك بالولاية ولم يعملوا بها.
(2) غافر / 7.
(3) تفسير فرات: 139.
(4) يونس / 35.
(5) الشعراء / 8.
قال: وما سيماء الشّيعة؟
قال: خمص البطون من الطّوى، يبس الشفاه من الظّما، عمش العيون من البكا (1) .
الحسن عن أبيه عليهما السلام قال: «كثيراً ما كنت اسمع أبي يقول: ليس من شيعتنا من لا يتحدّث المخدّرات (2) بورعه في خدورهنّ! وليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل فيهم خلق الله أورع منه» (3) .
ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «لا تذهب بكم المذاهب فو الله ما شيعتنا إلاّ من أطاع الله عزّ وجلّ» (4) .
وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، عن الباقر عليه السلام: قال قال لي: «يا جابر! أيكتفي من ينتحل التّشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟! فو الله ما شيعتنا إلاّ من اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلاّ بالتواضع والتّخشّع والأمانة وكثرة ذكر الله، والصوم والصّلاة والبرّ بالوالدين والتعهّد للخيرات من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكفّ الألسن عن النّاس إلاّ من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء». قال جابر: فقلت يا ابن رسول الله! ما نعرف أحداً اليوم بهذه الصّفة! فقال: يا جابر ن لا تذهبنّ بك المذاهب؛ حسب الرّجل أن يقول: أحبّ عليّاً وأتولاّه ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالاً؟! فلو قال: إنّي أحبّ رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ورسول الله خير من عليّ عليه السلام - ثمّ لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة. أحبّ العباد إلى الله أتقاهم وأعملهم بطاعة الله. يا جابر، والله ما يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ إلاّ بالطّاعة، ما معنا براءة من النّار، ولا على الله لأحدٍ من حجّة، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، ومن كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ما ينال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع» (5) .
____________________
(1) مختصر تاريخ ابن عساكر 18: 66.
(2) المخدّرة: الّتي تلزم بيتها صوناً لعرضها.
(3) مجموعة ورّام 2: 187.
(4) نفس المصدر: 185.
(5) مجموعة ورّام 2: 185 - 186؛ الكافي 2: 75.
وبلفظ قريب منه: قال الإمام الباقر عليه السلام: «يا جابر، بلّغ شيعتي عنّي السّلام وأعلمهم أنّه لا قرابة بيننا وبين الله عزّ وجلّ، ولا يتقرّب إليه إلاّ بالطّاعة له. يا جابر، من أطاع الله وأحبّنا فهو وليّنا، ومن عصى الله لم ينفعه حبّنا» (1) .
وأيضاً عن الإمام الباقر عليه السلام: «إنّما شيعة عليّ عليه السلام: المتباذلون في ولايتنا، المتحابّون في مودّتنا، المتزاورون لإحياء أمرنا، الّذين إذا غضبوا لم يظلموا وإذا رضوا لم يسرفوا بركة على من جاوروا، سلم لمن خالطوا (2) .
حنان بن سدير، قال قال أبو الصبّاح (3) الكنانيّ لأبي عبد الله الصّادق عليه السلام: ما نلقى من النّاس فيك؟ فقال: أبو عبد الله: وما تلقى من النّاس فيّ؟ فقال: لا يزال يكون بيننا وبين الرّجل الكلام فيقول: جعفريّ خبيث! فقال: يعيّركم النّاس بي؟ فقال له أبو الصبّاح: نعم. فقال عليه السلام: «فما أقلّ والله من يتّبع جعفراً منكم! إنّما أصحابي من اشتدّ ورعه وعمل لخالقه ورجا ثوابه، هؤلاء أصحابي» (4) .
وعن الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام قال: «إنّ الرّجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحسن خلقه مع النّاس قيل: هذا شيعيّ، فيسرّني ذلك». (5)
إنّ الأحاديث الشّريفة تفصح عن هويّة الشّيعيّ، فالتقوى الّتي هي معيار التفاضل عند الله تعالى: ( إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) (6) هي المرتكز الّذي شيّد عليه صرح التشيّع ن والخلق الفاضل الّذي مدح الله تعالى به نبيّه الكريم: ( وَإِنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (7) هو
____________________
(1) بحار الأنوار 78: 183.
(2) تحف العقول لابن شعبة: 300.
(3) في رجال ابن داود (القسم الأوّل: 19: إبراهيم بن نعيم أبو الصبّاح العبديّ، نزل كنانة فقيل: الكنانيّ. قال له الصادق عليه السلام: «أنت ميزان لا عين فيه»، مات بعد السّبعين والمائة. وذكره البرقيّ في رجاله: 11 و 18 في أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام. وفي رجال النجاشيّ: 15: كان أبو عبد الله يسمّيه الميزان لثقته.
(4) مجموعة ورّام 2: 186.
(5) بحار الأنوار 78: 372.
(6) الحجرات / 13.
(7) القلم / 4.
الإطار الجميل لشخصيّة الشّيعيّ، فمن عدم هذه العناصر لم يكن من شيعة النّبيّ وأهل بيته صلّى الله عليه وعليهم، وإن تسمّى شيعيّاً، وخرج بذلك عن صراط الله المستقيم.
دعاء
اللّهمّ نبتهل إليك وندعوك في صلواتنا المكتوبة والمندوبة وفي آناء اللّيل وأطراف النّهار، ونستشفع إليك بحبيبك ورسولك محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين أن تثبّتنا على صراطك المستقيم الّذي رحمتنا به فهديتنا إليه، وتتمّ لنا نورنا يوم تفضح السّرائر وتقام الموازين بالحقّ، إنّك حميد مجيد، وأنت يا ربّ أرحم الرّاحمين.
كلمة شكر
وإذ وفّقني ربّي لإنجاز هذا المجهود فله الحمد وله الشكر. وأشكر السّادة المحترمين الذين آزروني في عملي هذا أخصّ بالذّكر منهم: حجّة الإسلام الشيخ علي أكبر إلهي الخراسانيّ مدير مجمع البحوث الإسلاميّة ولله الحمد أوّلاً وآخراً والصلاة والسّلام على سادة الورى محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
المراجع والمصادر
أ
1 - ابن تيميّة، حياته وعصره: محمّد أبو زهرة، دار الفكر العربيّ.
2 - الاتقان في علوم القرآن: السيوطيّ جلال الدين عبد الرّحمان بن أبي بكر (ت 911 هـ). مطبعة حجازي، القاهرة 1360 هـ.
3 - الاحتجاج: الطبرسيّ أحمد بن أبي طالب (القرن السادس الهجريّ)، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت 1983 م.
4 - إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل: القاضي الشهيد نور الله التستريّ. المطبعة الإسلاميّة، طهران.
5 - أحكام القرآن: الجصّاص أحمد بن عليّ الرّازيّ (ت 370). المطبعة البهية، القاهرة 1347 هـ.
6 - إحياء علوم الدّين: الغزاليّ محمّد بن محمّد. مطبعة الحلبيّ، القاهرة 1358 هـ.
7 - إحياء الميت بفضائل أهل البيت: السيوطيّ جلال الدّين عبد الرّحمان الشّافعيّ (ت 910 هـ). الطبعة الثانية 1404 هـ / 1984 م. مؤسّسة الوفاء، بيروت - لبنان.
8 - الإرشاد: المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت 413 هـ). مكتبة بصيرتيّ، قم.
9 - إرشاد العقل السّليم إلى مزايا القرآن الكريم: أبو السعود محمّد بن محمّد العماديّ (ت 951 هـ). دار إحياء التراث العربيّ، بيروت - لبنان.
10 - أسباب النزول، الواحديّ علي بن أحمد النيسابوريّ (ت 468 هـ). مطبعة أمير، قم، 1362 هـ ش.
11 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبد البرّ القرطبيّ النمريّ المالكيّ (ت 463 هـ). طبع بهامش الإصابة لابن حجر.
12 - أسد الغابة في معرفة الصّحابة: ابن الأثير عليّ بن محمّد الجزريّ (ت 630 هـ). مطبعة الشعب، مصر 1970 م / 1390 هـ.
13 - أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب: محمّد بن محمّد الجزريّ الدمشقيّ الشّافعيّ (ت 833 هـ). الطبعة الأولى، 1403 هـ / 1983 م.
14 - إشارة السّبق: الحلبيّ عليّ بن الحسن (القرن السادس الهجريّ). مؤسسة النشر الإسلاميّ،
قم - ايران، الطبعة الأولى، 1414 هـ.
15 - الاشتقاق: ابن دريد محمّد بن الحسن الأزديّ (ت 321 هـ). منشورات مكتبة المثنّى، بغداد - العراق. الطبعة الثانية، 1399 هـ / 1879 م.
16 - الإصابة في تمييز الصّحابة: ابن حجر أحمد بن عليّ الكنانيّ العسقلانيّ الشّافعيّ (ت 852 هـ). الطبعة الأولى 1328 هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان.
17 - إغاثة اللّهفان من مصايد الشّيطان: ابن قيّم الجوزيّة (ت 751). الطبعة الأخيرة 1381 هـ / 1961 م. مطبعة مصطفى الحلبيّ، مصر.
18 - الأغاني: أبو الفرج الإصفهانيّ عليّ بن الحسين (ت 356 هـ). دار إحياء التراث العربيّ.
19 - الإكمال: ابن ماكولا عليّ بن هبة الله البغداديّ (ت 475 هـ). مطبعة دائرة المعارف، حيدر آباد الهند 1383 هـ.
20 - الأمالي: الصّدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ (ت 381 هـ). المطبعة الحيدريّة، النّجف الأشرف.
21 - الأمالي: المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان العكبريّ البغداديّ (ت 413 هـ). المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف 1381 هـ.
22 - الأمالي: الشّيخ الطوسيّ محمّد بن الحسن (ت 460 هـ). مطبعة النعمان، النجف 1384.
23 - الأمالي الخميسيّة: المرشد بالله يحيى بن الحسين العلويّ الشجريّ (ت 499 هـ). مطبعة الفجّالة، مصر.
24 - الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدّينوريّ عبد الله بن مسلم (ت 270 هـ) مطبعة الفتوح، مصر.
25 - إمتاع الأسماع: المقريزيّ أحمد بن عليّ. القاهرة 1941 م.
26 - الأنساب السّمعانيّ عبد الكريم بن محمّد التميميّ (ت 562 هـ). طبعة حيدر آباد، الهند 1384 هـ.
27 - أنساب الأشراف: البلاذريّ أحمد بن يحيى من أعلام القرن الثالث الهجريّ. الطبعة الأولى 1394 هـ 1974 م. مؤسّسة الأعلميّ، بيروت - لبنان.
28 - الأوائل: أبو هلال العسكريّ الحسن بن عبد الله (ت 382 هـ). دار الأمل، طنجة - المغرب، 1385 هـ.
29 - أوائل المقالات: المفيد محمّد بن محمّد بن النّعمان (ت 413 هـ). 1403 هـ 1983 م. مكتبة التراث الإسلاميّ، بيروت - لبنان.
ب
30 - بحار الأنوار، محمّد باقر المجلسيّ (ت 1110 هـ). الطبعة الثالثة 1403 هـ مؤسسة الوفاء،
بيروت.
31 - البحر المحيط في تفسير القرآن: محمّد بن يوسف أبو حيان الأندلسيّ (ت 745 هـ). مطبعة السعادة، القاهرة، 1328 هـ.
32 - البداية والنهاية: إسماعيل بن كثير (ت 774 هـ). مطبعة السعادة، القاهرة 1328 هـ.
33 - البدر الطّالع: الشوكانيّ محمّد بن عليّ (ت 1250 هـ). الطبعة الأولى. مطبعة السعادة، القاهرة.
34 - البرهان في تفسير القرآن: هاشم بن سليمان البحرانيّ (ت 1107 هـ). الطبعة الثانية، مطبعة آفتاب، طهران.
35 - بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: أبو جعفر الطبريّ محمّد بن أبي القاسم (القرن السادس). الطبعة الثانية، المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1838 هـ.
36 - بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد: محمّد بن الحسن بن فرّوخ الصّفّار القمّيّ (ت 290 هـ). مكتبة المرعشيّ النجفيّ، قم - ايران، 1404 هـ.
ت
37 - تاريخ الإسلام: الذّهبيّ محمّد بن أحمد (ت 748 هـ). مطبعة السعادة، مصر، 1368 هـ.
38 - تاريخ الأمم والملوك: الطبريّ أبو جعفر محمّد بن جرير (ت 310 هـ). مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1358 هـ / 1939 م.
39 - تاريخ بغداد: الخطيب البغداديّ أحمد بن عليّ (ت 463 هـ). دار الكتاب العربيّ، بيروت.
40 - تاريخ الخلفاء: السيوطيّ جلال الدّين عبد الرحمان الشافعيّ (ت 910 هـ). الطبعة الأولى، 1406 هـ / 1986 م. دار القلم للطباعة والنشر، بيروت - لبنان.
41 - التاريخ الكبير: البخاريّ محمّد بن إسماعيل الجعفيّ. الطبعة الأولى 1361 هـ مطبعة دائرة المعارف العثمانيّة بحيدر آباد الهند.
42 - تاريخ اليعقوبيّ: أحمد بن أبي يعقوب الكاتب العبّاسيّ، دار صادر، بيروت.
43 - تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام: السيّد حسن الصّدر (ت 1354 هـ). شركة النشر والطباعة العراقيّة المحدودة.
44 - التبيان في تفسير القرآن: الطوسيّ محمد بن الحسن (ت 460 هـ). دار إحياء التراث العربيّ، بيروت.
45 - تحف العقول عن آل الرسول: ابن شعبة الحرّانيّ الحسن بن عليّ (القرن الرابع). مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم - إيران. الطبعة الثانية 1363 هـ ش.
46 - تذكرة الخواصّ: سبط ابن الجوزيّ يوسف بن قز أوغلي الحنبليّ ثم الحنفيّ (ت 654 هـ).
مؤسّسة أهل البيت، بيروت - لبنان، 1401 هـ / 1981 م.
47 - ترجمة الإمام عليّ من تاريخ مدينة دمشق: محمد باقر المحموديّ، الطبعة الثانية، 1398 هـ / 1978 م. مؤسسة المحموديّ، بيروت - لبنان.
48 - التسهيل لعلوم التنزيل: محمّد بن أحمد بن جزيّ الكلبيّ. الطبعة الرابعة، 1403 هـ 1983 م. دار الكتاب العربيّ، بيروت - لبنان.
49 - تفريح الخاطر في ترجمة عبد القادر، مطبعة عيسى البابيّ الحلبيّ، مصر 1339 هـ.
50 - تفسير الحبريّ الحسين بن الحكم (ت 286 هـ). مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت - لبنان. الطبعة الأولى 1408 هـ / 1987 م.
51 - التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ. تحقيق مؤسّسة الإمام المهديّ، قم 1409 هـ.
52 - تفسير الطبريّ: أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ (ت 310 هـ). ويدعى: (جامع البيان في تفسير القرآن). المطبعة الميمنيّة، مصر.
53 - تفسير العيّاشيّ: محمد بن مسعود بن عيّاش السّمرقنديّ (القرن الثالث). المكتبة العلميّة الإسلاميّة، طهران - إيران.
54 - تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ (القرن الرابع). المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف.
55 - تفسير القرآن العظيم: أبو الفداء إسماعيل بن كثير. الطبعة الثانية، 1986 م. دار المعرفة، بيروت - لبنان.
56 - تفسير القمّيّ علي بن إبراهيم (من أعلام القرنين الثالث والرابع). الطبعة الثالثة، 1404 هـ. مؤسّسة دار الكتاب للمطبوعات والنشر، بيروت - لبنان.
57 - التفسير القيّم: ابن قيّم الجوزيّة، لجنة التراث العربيّ، بيروت - لبنان.
58 - التفسير الكبير، ويدعى: (مفاتيح الغيب): الفخر الرّازيّ محمد بن عمر. الطبعة الثالثة، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت - لبنان.
59 - تفسير الماورديّ علي بن محمّد البصريّ (ت 450 هـ)، الموسوم: (النّكت والعيون). دار الكتب العلميّة، بيروت - مؤسّسة الكتب الثقافيّة، بيروت. الطبعة الأولى 1412 هـ 1992 م.
60 - التلخيص: الذهبيّ محمّد بن أحمد (ت 748 هـ). طبع في ذيل المستدرك للحاكم.
61 - تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام): أبو الحسين ورّام بن أبي فراس المالكيّ الأشتريّ (ت 605 هـ). دار صعب، بيروت - دار التعارف، بيروت.
62 - تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلانيّ أحمد بن عليّ (ت 852). مطبعة دائرة المعارف العثمانيّة، حيدر آباد الهند، 1325 هـ.
63 - تهذيب الكمال في أسماء الرّجال: أبو الحجّاج يوسف المزّيّ (ت 742 هـ). مؤسّسة الرسالة،
بيروت - لبنان. الطبعة الرابعة 1406 هـ / 1985 م.
64 - تيسير الوصول إلى جامع الأصول: عبد الرحمان بن عليّ بن الديبع الشيبانيّ. المطبعة السّلفيّة، مصر 1346 هـ.
ث
65 - الثّقات: ابن حبّان علاء الدّين بن بلبان الفارسيّ (ت 739 هـ). الطبعة الأولى، 1407 هـ / 1987 م. دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان.
ج
66 - الجامع لأحكام القرآن: القرطبيّ محمّد بن أحمد الأنصاريّ. دار الكتاب العربيّ.
67 - جامع الأصول من أحاديث الرسول: ابن الأثير مجد الدين مبارك بن محمّد الجزريّ الشافعيّ (ت 606 هـ). الطبعة الأولى، 1368 هـ / 1949 م. مطبعة السّنّة المحمديّة.
68 - الجامع الصغير: السيوطيّ جلال الدّين عبد الرحمان الشافعيّ (ت 910 هـ). الطبعة الرابعة، دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان.
69 - الجرح والتعديل: عبد الرحمان بن أبي حاتم التميميّ الحنظليّ (ت 327 هـ). الطبعة الأولى، 1371 هـ / 1952 م. مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند.
70 - جمهرة أنساب العرب: ابن حزم الأندلسيّ أحمد بن سعيد الأمويّ الظاهريّ (ت 456 هـ). الطبعة الثالثة، 1971 م. مطبعة المعارف، مصر.
71 - جمهرة خطب العرب: مطبعة البابيّ الحلبيّ، القاهرة، 1352 هـ.
72 - جواهر الحسان في تفسير القرآن: منشورات الأعلميّ للمطبوعات، بيروت.
ح
73 - حلية الأولياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهانيّ (ت 430 هـ). الطبعة الخامسة 1407 هـ / 1987 م. دار الكتاب العربيّ، بيروت.
خ
74 - خصائص أمير المؤمنين عليه السلام: النّسائيّ أحمد بن شعيب (ت 303 هـ). منشورات المطبعة الحيدريّة، النجف، 1369 هـ / 1949 م.
75 - خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: الشريف الرضيّ محمّد بن الحسين الموسويّ (ت 406 هـ). الطبعة الثانية 1363 هـ ش. مطبعة أمير، قم.
76 - الخصائص الكبرى: جلال الدّين عبد الرحمان السّيوطيّ الشافعيّ (ت 910 هـ). الطبعة الأولى 1405 هـ / 1985 م. دار الكتب العلميّة: بيروت.
77 - خصائص الوحي المبين: ابن البطريق يحيى بن الحسن (ت 600 هـ). الطبعة الأولى 1406 هـ مطبعة وزارة الإرشاد الإسلاميّ، طهران.
78 - الخصال: الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ (ت 381 هـ). منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة، قمّ، 1403 هـ.
79 - خلاصة الأقول في معرفة الرّجال: العلاّمة الحلّيّ الحسن بن يوسف (ت 726 هـ). الطبعة الثانية 1381 هـ / 1961 م. المطبعة الحيدريّة، النجف.
د
80 - الدّرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: ابن حجر العسقلانيّ الشافعيّ أحمد بن عليّ (ت 852 هـ). دار الجيل، بيروت.
81 - الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور: السّيوطيّ جلال الدّين عبد الرحمن الشافعيّ (ت 910 هـ). المطبعة الميمنيّة، مصر 1313 هـ.
82 - دلائل النبوّة: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الإصفهانيّ (ت 430 هـ). مطبعة دائرة المعارف العثمانيّة، حيدر آباد الهند، 1320 هـ.
83 - دلائل النّبوّة: البيهقيّ أحمد بن الحسين (ت 458 هـ). الطبعة الأولى 1389 هـ / 1969 م. دار النصر - المكتبة السّلفيّة، المدينة المنوّرة.
ذ
84 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: المحبّ الطبريّ أحمد بن عبد الله (ت 694 هـ). مكتبة القدسيّ، القاهرة 1356 هـ.
85 - الذريعة إلى تصانيف الشّيعة: محمّد محسن بن محمّد رضا المعروف. بآقا بزرك الطهرانيّ (ت 1389 هـ). الطبعة الأولى طهران.
ر
86 - الرّجال: ابن داود الحسن بن عليّ الحليّ (ت 707 هـ). جامعة طهران، 1342 هـ.
87 - رجال البرقيّ: أحمد بن أبي عبد الله (طبع مع رجال ابن داود).
88 - رجال الطّوسيّ: محمد بن الحسن (ت 460 هـ)، ويعرف بالفهرست. المطبعة الحيدريّة، النجف 1937 م.
89 - رجال النجاشيّ أحمد بن عليّ (ت 450 هـ). مكتبة الدّاوريّ: قم.
90 - الرّوح: ابن قيّم الجوزيّة (ت 751 هـ). الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت 1402 هـ / 1982 م.
91 - الرّوض الأنف في تفسير السّيرة النّبويّة لابن هشام: عبد الرّحمان بن عبد الله السّهيليّ (ت 581 هـ). شركة الطباعة الفنّية ن مصر.
92 - روض الجنان و روح الجنان في تفسير القرآن لأبي الفتوح الرازي حسين بن علي الخزاعي النيسابوري - منتصف القرن السادس الهجريّ. الناشر: مجمع البحوث الإسلاميّة 1371.
93 - روض الرّياحين في مناقب الصّالحين: اليافعيّ عبد الله بن أسعد (ت 768 هـ). طبع بهامش العرائس للثعلبيّ. مطبعة عاطف وولده، مصر.
94 - رياض العلماء: عبد الله أفندي الإصفهانيّ. مطبعة الخيّام، قم 1401 هـ.
س
95 - سعد السّعود: ابن طاووس عليّ بن موسى الحسنيّ الحسينيّ (ت 664 هـ). مطبعة أمير، قم 1363 هـ ش. مكتبة الرّضيّ، قم.
96 - السقيفة: سليم بن قيس الهلاليّ العامريّ (ت 90 هـ). دار الفنون، بيروت، 1400 هـ / 1980 م.
97 - سنن ابن ماجة محمّد بن يزيد القزوينيّ (ت 275 هـ). الطبعة الأولى 1395 هـ / 1975 م. دار إحياء التراث العربيّ، بيروت - لبنان.
98 - سنن الترمذيّ (الجامع الصحيح): محمّد بن عيسى بن سورة الترمذيّ (ت 279 هـ). دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1400 هـ / 1980 م.
99 - سنن الدّارميّ: عبد الله بن عبد الرحمان الدارميّ (ت 255 هـ). دار إحياء السّنة النّبويّة.
100 - سنن الدار قطني ك عليّ بن عمر (ت 385 هـ). دار المحاسن، القاهرة 1386 هـ.
101 - السنن الكبرى: البيهقيّ أحمد بن الحسين (ت 458 هـ). دار المعرفة، بيروت.
102 - سنن النّسائيّ أحمد بن علي بن شعيب (ت 303 هـ) بشرح السيوطيّ وحاشية السنديّ. الطبعة الأولى 1393 هـ / 1971 م، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت.
103 - سير أعلام النّبلاء: الذهبيّ محمّد بن أحمد (ت 748 هـ). الطبعة الثانية 1402 هـ مؤسّسة الرسالة، بيروت.
104 - السّيرة الحلبيّة، أو إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون: عليّ بن برهان الدين الحلبيّ منشورات دار إحياء التراث العربيّ، بيروت.
105 - السّيرة النّبويّة: زيني دحلان. طبع بهامش السّيرة الحلبيّة.
106 - السّيرة النّبويّة: عبد الملك بن هشام الحميريّ (ت 218 هـ). مطبعة مصطفى البابيّ الحلبيّ، مصر، 1355 هـ / 1936 م.
ش
107 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى: القاضي عياض بن موسى اليحصبيّ. طبعة قديمة.
108 - شذرات الذّهب في أخبار من ذهب: ابن العماد الحنبليّ (ت 1089 هـ). دار إحياء التراث العربيّ، بيروت.
109 - شرح السّنّة: الحسين بن مسعود البغويّ (ت 516 هـ). الطبعة الثانية 1403 هـ / 1983 م. المكتبة الإسلاميّة، بيروت.
110 - شرح فتح القدير: محمّد بن عبد الواحد الحنفيّ (ت 681 هـ). دار إحياء التراث العربيّ.
111 - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزليّ. الطبعة الثانية 1385 هـ / 1965 م. مكتبة المرعشيّ، قم.
112 - الشرف المؤبّد لآل محمّد: يوسف بن إسماعيل النبهانيّ. المطبعة الأدبيّة، بيروت 1309 هـ.
113 - شعر أبي طالب وأخباره والمستدرك عليه: أبو هفّان عبد الله بن أحمد المهزميّ (ت 257 هـ). الطبعة الأولى، 1414 هـ دار الثقافة.
114 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: عبيد الله بن عبد الله الحاكم الحسكانيّ الحنفيّ (ت 490 هـ). مؤسّسة الأعلميّ، بيروت 1393 هـ.
ص
115 - الصافي في تفسير القرآن: الفيض الكاشانيّ محمّد بن المرتضى (من علماء المائة الحادية عشرة). الطبعة الثالثة 1287. المكتبة الإسلاميّة، طهران.
116 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا: القلقشنديّ أحمد بن عليّ (ت 820 هـ). الطبعة الأولى 1407 هـ / 1987 م. دار الكتب العلميّة، بيروت.
117 - صحيح مسلم: مسلم بن الحجّاج القشيريّ (ت 261 هـ). دار إحياء التراث العربيّ، بيروت.
118 - صفة الصفوة: ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمان (ت 597 هـ). مطبعة حيدر آباد الدكن، الهند 1312 هـ.
119 - الصّواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيتميّ المكّيّ (ت 974 هـ). طبعة مصر. المطبعة الميمنيّة 1312 هـ وطبعة مصر أيضاً، مكتبة القاهرة. الطبعة الثانية 1385 هـ / 1965 م.
ط
120 - الطّبقات: خليفة بن خيّاط (ت 240 هـ). دار الفكر، بيروت 1414 هـ / 1993 م.
121 - طبقات الشّافعيّة: ابن شهبة أحمد بن محمّد الدمشقيّ (ت 851 هـ). الطبعة الأولى، 1408 هـ / 1987 م. دار الندوة الجديدة، بيروت.
122 - طبقات الشافعيّة الكبرى: عبد الوهّاب بن تقيّ الدّين السّبكيّ. الطبعة الثانية. دار المعرفة، بيروت.
123 - الطّبقات الكبرى: محمّد بن سعد (ت 230 هـ). الطبعة الأولى 1405 هـ / 1985 م. دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت.
ع
124 - العبر في خبر من غبر: الذهبيّ محمّد بن أحمد (ت 748 هـ). دار المطبوعات والنشر، الكويت.
125 - العرائس أو قصص الأنبياء: أحمد بن محمّد الثعلبيّ النيسابوريّ (ت 427 هـ). وبهامشه: روض الرياحين لليافعيّ. مطبعة عاطف وولده، مصر.
126 - العقد الفريد: ابن عبد ربّه أحمد بن محمد الأندلسيّ (ت 328 هـ). الطبعة الأولى 1404 هـ / 1983 م. دار الكتب العلميّة، بيروت.
127 - علم الحديث: ابن تيميّة أحمد بن عبد الحليم الحرّانيّ الحنبليّ (ت 728 هـ). الطبعة الثانية 1405 هـ / 1985 م. عالم الكتب، بيروت - لبنان.
128 - العمدة في عيون صحاح الأخبار: ابن البطريق يحيى بن الحسن. طبعة قديمة.
129 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري: محمود بن أحمد العينيّ (ت 855 هـ). الطبعة الأولى دار الفكر، بيروت - لبنان.
غ
130 - غاية المرام في حجّة الخصام عن طريق الخاصّ والعامّ: هاشم بن سليمان البحرانيّ (ت
1107 هـ). طبعة قديمة.
131 - غرائب القرآن ورغائب الفرقان: نظام الدّين الحسن بن محمّد القمّيّ النيسابوريّ. طبع هامش تفسير الطبريّ.
ف
132 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلانيّ أحمد بن عليّ (ت 852 هـ) مطبعة بولاق، 1300 هـ.
133 - فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التفسير: محمّد بن عليّ الشوكانيّ (ت 1250 هـ). مطبعة الحلبيّ، القاهرة 1349 هـ.
134 - الفتوح: أحمد بن أعثم الكوفيّ 34 هـ دار الندوة، بيروت.
135 - فوح البلدان: البلاذريّ أحمد بن يحيى. ومعه (غوث العباد ببيان الرشاد: مصطفى أبو سيف الحماميّ). دار الكتب العلميّه، بيروت 1398 هـ / 1978 م.
136 - فرائد السّمطين: إبراهيم بن محمّد الجوينيّ (ت 730). الطبعة الأولى 1400 هـ / 1980 م. مؤسّسة المحموديّ.
137 - الفردوس بمأثور الخطاب: الدّيلمي شيرويه بن شهردار الهمدانيّ (ت 509 هـ). الطبعة الأولى 1406 هـ / 1986 م. دار الكتب العلميّة، بيروت - لبنان.
138 - الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة: ابن الصبّاغ عليّ بن محمد المالكيّ (ت 855 هـ). مطبعة العدل، النجف.
139 - الفضائل: أبو الفضل شاذان بن جبرائيل القمّيّ (ت 660 هـ). المطبعة الحيدريّة، النجف، 1381 هـ / 1962 م.
140 - فضائل أمير المؤمنين وأهل البيت من كتاب المسند لأحمد بن حنبل قوام الدّين القمّيّ. مطبعة الحكمة، قم. 1352 هـ ش.
141 - فضائل الخمسة من الصّحاح الستة: مرتضى الحسينيّ الفيروزآباديّ الطبعة الثانية، 1392 هـ دار الكتب الإسلاميّة، طهران.
142 - فضائل الصّحابة: أحمد بن حنبل الشيبانيّ (ت 241 هـ). مؤسّسة الرسالة، بيروت 1403 هـ.
143 - الفهرست: محمد بن إسحاق النديم. طبع إيران.
144 - فهرست أسماء علماء الشّيعة ومصنّفيهم: منتجب الدّين علي بن عبيد الله بن بابويه الرازيّ (من أعلام القرن الخامس). مطبعة الخيام، قم 1404 هـ.
145 - الفوائد: ابن قيّم الجوزيّة (ت 751 هـ). الطبعة الثانية 1406 هـ / 1986 م. دار النفائس،
بيروت.
146 - الفوائد المجموعة: محمّد بن عليّ الشوكانيّ. مطبعة مصطفى الحلبيّ.
ك
147 - الكامل في الأدب: المبرّد محمّد بن يزيد الأزديّ (ت 286 هـ). المطبعة العامرة، 1286 هـ.
148 - الكامل في التاريخ: ابن الأثير عليّ بن محمّد الجزريّ (ت 630 هـ)، دار صادر، بيروت، 1399 هـ / 1979 م.
149 - الكافي: الكلينيّ محمّد بن يعقوب الرازيّ (ت 329 هـ). المطبعة الحيدريّة، طهران 1379 هـ.
150 - الكشّاف: محمود بن عمر الزمخشريّ (ت 528 هـ). الطبعة الأولى. دار الكتاب العربيّ، بيروت.
151 - كشف الغمّة في معرفة الأئمّة: عليّ بن عيسى الأربلّيّ (من أعلام القرن السابع). مطبعة مهر، قم. نشر أدب الحوزة.
152 - كفاية الطّالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: محمّد بن يوسف الگنجيّ الشافعيّ المقتول سنة 658 هـ الطبعة الثالثة، دار إحياء تراث أهل البيت، طهران.
154 - كنز الحفّاظ في تهذيب الألفاظ: ابن السكّيت يعقوب بن إسحاق (قتله المتوكّل العبّاسيّ سنة 243 هـ). الطبعة الثالثة، 1366 هـ مؤسّسة الطبع والنشر للآستانة الرضويّة.
155 - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال: عليّ المتّقي الهنديّ (ت 975 هـ). مؤسّسة الرسالة، 1409 هـ / 1989 م.
156 - كنوز الحقائق: المناويّ عبد الرؤوف، بهامش الجامع الصغير للسيوطيّ. الطبعة الرابعة، دار الكتب العلمية، بيروت.
ل
157 - لباب التأويل في معاني التنزيل: الخازن علاء الدّين عليّ البغداديّ (ت 725 هـ) وبهامشه تفسير النّسفي عبد الله بن أحمد (ت 710 هـ).
158 - لسان العرب: ابن منظور محمّد بن مكرّم (ت 711 هـ) نشر أدب الحوزة قم، 1405 هـ.
159 - لسان الميزان: ابن حجر العسقلانيّ أحمد بن عليّ (ت 852 هـ). الطبعة الثانية 1390 هـ / 1971 م. مطبعة المعارف، الهند. نشر مؤسسة الأعلميّ، بيروت.
160 - اللآليء المصنوعة: جلال الدّين عبد الرحمان السيوطيّ (ت 910 هـ). دار المعرفة، بيروت، 1403 هـ / 1983 م.
م
161 - مائة منقبة: ابن شاذان محمّد بن أحمد القميّ (من أعلام القرنين الرابع والخامس). طبعة قديمة.
162 - المجدي في أنساب الطّالبيّين: العمري عليّ بن محمّد العلويّ (ت 459 هـ). الطبعة الأولى، 1409 هـ مطبعة سيّد الشهداء.
163 - مجمع الأمثال. الميدانيّ أحمد بن محمّد النيسابوريّ (ت 518 هـ). الطبعة الثالثة 1393 هـ / 1972 م. دار الفكر / بيروت.
164 - مجمع البيان في تفسير القرآن: الطبرسيّ الفضل بن الحسن (ت 548 هـ). الطبعة الأولى، 1365 هـ مطبعة آرمان، إيران.
165 - مجمع الزّوائد: عليّ بن أبي بكر الهيتميّ (ت 807 هـ). الطبعة الثانية، 1967 م. دار الكتاب العربيّ، بيروت.
166 - المحاسن والمساوئ: البيهقيّ إبراهيم بن محمّد. الطبعة الأولى، 1380 هـ / 1960 م. دار صادر، بيروت.
167 - محاضرات الأدباء: الرّاغب الإصفهانيّ حسين بن محمّد (ت 425 هـ). الطبعة الأولى. مطبعة أمير، قم.
168 - المحبّر: محمّد بن حبيب (ت 245 هـ). دار الآفاق الجديدة، بيروت.
169 - مختصر تاريخ دمشق: ابن منظور محمّد بن مكرّم (ت 711 هـ). الطبعة الأولى، 1404 هـ / 1984 م. دار الفكر، دمشق.
170 - المختصر في أخبار البشر: أبو الفداء عماد الدّين إسماعيل (ت 732 هـ).
171 - مختصر مجمع البيان: محمّد باقر الناصريّ. الطبعة الأولى، 1400 هـ / 1980 م. دار الزهراء، بيروت.
172 - مدارج السّالكين: ابن قيّم الجوزيّة (ت 751 هـ). الطبعة الأولى، دار الكتب العلميّة، بيروت.
173 - مرآة الجنان وعبر اليقظان: اليافعيّ عبد الله بن أسعد (ت 768 هـ). مؤسّسة الأعلميّ، بيروت.
174 - مراصد الاطّلاع: صفيّ الدّين عبد المؤمن البغداديّ (ت 739 هـ). الطبعة الأولى، 1373 هـ / 1954 م. دار المعرفة، بيروت.
175 - المرقاة في شرح المشكاة: عليّ بن سلطان القاري. طبعة مصر، 1309 هـ.
176 - مروج الذّهب: عليّ بن الحسين المسعوديّ (ت 346 هـ). الطبعة الثانية، 1404 هـ / 1984 م.
دار الهجرة، قم.
177 - المستدرك على الصّحيحين: ابن البيع الحاكم النيسابوريّ محمّد بن عبد الله الضّبّي. (ت 405 هـ)، وبذيله التلخيص للذهبيّ. مكتبة المطبوعات الإسلاميّة، بيروت.
178 - المسند: ابن أخي تبوك الكلابيّ عبد الوهاب بن الحسن (ت 396 هـ)، طبع بذيل مناقب ابن المغازليّ.
179 - مسند أبي يعلى الموصليّ أحمد بن عليّ التميميّ (ت 307 هـ). الطبعة الثانية، 1410 هـ دار المأمون، بيروت - لبنان، دمشق - سوريا.
180 - مسند أحمد بن حنبل الشّيبانيّ (ت 241 هـ) دار الفكر، بيروت.
181 - مسند الطيالسيّ. أبو داود سليمان بن داود الطيالسيّ (ت 204 هـ). مطبعة دائرة المعارف، حيدر آباد - الهند، 1321 هـ.
182 - مشكل الآثار: الطحاويّ أحمد بن محمّد الأزديّ المصريّ الحنفيّ. (ت 321 هـ). الطبعة الأولى، 1333 هـ مطبعة مجلس دائرة المعارف، حيدر آباد الدكن - الهند.
183 - مصابيح السّنّة: البغويّ الحسين بن مسعود الشافعيّ (ت 516 هـ). مطبعة محمّد عليّ صبيح، القاهره.
184 - مطالب السّؤول: كمال الدّين ابن طلحة الشافعيّ. المطبعة الحيدريّة، النجف.
185 - المعارف: ابن قتيبة الدّينوريّ عبد الله بن مسلم (ت 270 هـ). الطبعة الثانية دار المعارف، مصر.
186 - معالم التّنزيل: الفرّاء الحسين بن مسعود البغويّ الشافعيّ (ت 516 هـ). الطبعة الثانية، 1407 هـ / 1987 م. دار المعرفة، بيروت.
187 - معاني القرآن: الفّراء يحيى بن زياد (ت 207 هـ). الطبعة الأولى مطبعة أمير، طهران.
188 - المعتصر من المختصر من مشكل الآثار: لخّصه القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفيّ من مختصر القاضي أبي الوليد الباجيّ المالكيّ (ت 474 هـ)، من كتاب مشكل الآثار للطحاويّ الحنفيّ.
189 - معجم البلدان: ياقوت الحمويّ (ت 468 هـ). دار صادر ودار بيروت، بيروت، 1376 هـ / 1951 م.
190 - المعجم الصّغير: الطبرانيّ سليمان بن أحمد اللّخميّ (ت 360 هـ). المكتبة السّلفية، المدينة المنوّرة، 1388 هـ / 1968 م.
191 - المعجم الكبير: الطبرانيّ (ت 360 هـ). دار إحياء التراث العربيّ.
192 - المفردات: الرّاغب الأصبهانيّ حسين بن محمّد (ت 425 هـ). الطبعة الأولى، 1416 هـ، المكتبة الحيدريّة.
193 - مقاتل الطّالبيّين: أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصبهانيّ (ت 356 هـ). الطبعة الثانية، 1405 هـ مطبعة أمير، قم.
194 - مقتل الحسين: الخوارزميّ الموفّق بن أحمد المكّي الحنفيّ (ت 568 هـ). مطبعة الزهراء النّجف 1367 هـ.
195 - المناقب: الخوارزميّ الموفّق الحنفيّ (ت 568 هـ). الطبعة الثانية، 1411 هـ مؤسّسة النشر الإسلاميّ، قم.
196 - مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب محمّد بن عليّ المازندرانيّ (ت 588 هـ). المطبعة الحيدريّة، النجف.
197 - مناقب الإمام أحمد بن حنبل: أبو الفرج عبد الرحمان بن الجوزيّ (ت 597 هـ). الطبعة الأولى، 1393 هـ / 1973 م. دار الآفاق الجديدة، بيروت.
198 - مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام: ابن المغازليّ عليّ بن محمّد الشافعيّ (ت 483 هـ). دار الأضواء، بيروت، 1403 هـ / 1983 م.
199 - المناقب الثلاثة: محمّد بن يوسف البلخيّ الشافعيّ. المكتبة اليوسفية، مصر، 1352 هـ.
200 - منتخب كنز العمال، بهامش مسند أحمد. دار الفكر، بيروت.
201 - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: ابن الجوزيّ. حيدر آباد الدكن، الهند، 1359 هـ.
202 - المواهب اللّدنيّة بالمنح المحمّديّة: القسطلانيّ أحمد بن محمّد بن أبي بكر الخطيب. طبع مصر.
203 - ميزان الاعتدال: الذّهبيّ محمد بن أحمد (ت 748 هـ). دار إحياء الكتب العربيّة، القاهرة، 1382 هـ.
ن
204 - النّسب: أبو عبيد القاسم بن سلاّم (ت 224 هـ). الطبعة الأولى، 1410 هـ / 1989 م. دار الفكر، بيروت.
205 - نظم درر السّمطين: جمال الدّين الزّرنديّ الحنفيّ. طبعة قديمة، النّجف.
206 - النّهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير مجد الدّين أبو السعادات بن محمّد الجزريّ (ت 606 هـ). الطبعة الثانية، 1399 هـ / 1979 م. دار الفكر، بيروت.
207 - نهج البيان عن كشف معاني القرآن: محمّد بن الحسن الشيبانيّ (القرن السابع). دائرة المعارف الإسلاميّة، طهران. الطبعة الأولى، 1413 هـ / 1992 م.
208 - نهج الحقّ وكشف الصّدق: الحسن بن يوسف الحلّيّ (ت 726 هـ). الطبعة الأولى، 1407 هـ مطبعة الصّدر. نشر: دار الهجرة، قم - إيران.
209 - نور الأبصار: مؤمن بن حسن الشبلنجيّ (القرن الثالث عشر). دار الجيل، بيروت، 1409 هـ / 1989 م.
210 - نور الثّقلين: عبد عليّ بن جمعة العروسيّ الحويزيّ الشّيرازيّ (النصف الأخير من القرن الحادي عشر). مطبعة الحكمة، قم.
211 - النّور المشتعل المقتبس من كتاب ما نزل: محمّد باقر المحموديّ مطبعة وزارة الإرشاد الإسلاميّ، طهران، 1406 هـ.
و
212 - الوافي بالوفيات: صلاح الدّين خليل بن أيبك الصّفديّ. الطبعة الثانية، 1381 هـ / 1961 م. دار النشر فرانز شتايز.
213 - وسائل الشّيعة: محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ. المكتبة الإسلاميّة، طهران.
214 - وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى. عليّ بن أحمد السمهوديّ (ت 911 هـ). الطبعة الثانية، 1393 هـ / 1971 م. دار إحياء التراث العربيّ، بيروت.
215 - وفيات الأعيان: ابن خلّكان أحمد بن محمّد (ت 681 هـ). الطبعة الأولى، 1367 هـ مطبعة السّعادة، مصر.
216 - وقعة صفّين: نصر بن مزاحم المنقريّ (ت 212 هـ). مكتبة المرعشيّ النجفيّ، قمّ 1403 هـ.
ى
217 - اليقين في إمرة أمير المؤمنين عليه السلام: ابن طاووس عليّ بن موسى الحسنيّ الحسينيّ (ت 664 هـ). المطبعة الحيدريّة، النجف، 1369 هـ.
218 - ينابيع المودّة: سليمان بن إبرهيم القندوزيّ الحنفيّ (ت 1294 هـ). الطبعة الثامنة. دار الكتب العراقيّة 1385 هـ / 1966 م.
المراجع والمصادر الجديده
1 - كتاب الأشراف: ابن أبي الدنيا (المتوفّى 281 هـ). تحقيق وليد قصّاب. دار الثقافة. الدوحه.
2 - كتاب الثّقات: محمّد بن حبّان (ت 354 هـ) الطبعة الأولى 1419 هـ / 1998 م.
3 - تاريخ أسماء الثّقات: ابن شاهين عمر بن أحمد (ت 385 هـ) تحقيق و تعليق عبد المعطي قلعچي. دار الكتب العلمية - بيروت. الطبعة الأولى 1406 هـ / 1986 م.
4 - تفسير السلمي «حقائق التفسير» محمّد بن الحسين الأزدي السلمي (ت 412 هـ) تحقيق سيد عمران. دار الكتب العلمية / بيروت. منشورات محمد على بيضون.
5 - تفسير سفيان الثورى (ت 161 هـ) دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة الأولى 1403 هـ / 1983 م.
6 - تفسير القرآن العزيز - عبد الرزاق الصنعاني (126 - 211 هـ) تحقيق عبد المعطي أمين قلعچي. دار المعرفة - بيروت. الطبعة الأولى 1411 هـ / 1991 م.
7 - تاريخ يحيى بن معين (158 - 233 هـ) تحقيق عبد الله أحمد حسن. دار القلم - بيروت.
8 - تفسير مقاتل بن سليمان الأزدي بالولاء البلخى (80 - 150) تحقيق أحمد فريد. دار الكتب العلمية - بيروت. الطبعة الأولى 2003 م / 1424 هـ.
9 - جامع المسانيد: محمّد بن محمود الخوارزمي (593 - 665 هـ) دار الكتب العلمية بيروت.
10 - الذّريّة الطاهرة - محمّد بن أحمد الأنصاريّ الدولابي (224 - 310 هـ) تحقيق محمّد جواد الجلالي. مؤسسة النشر الإسلامي - قم 1418 هـ.
11 - روح المعاني - محمود الآلوسي (ت 1270 هـ) دار إحياء التراث العربي - بيروت.
12 - زاد المسير في علم التفسير: عبد الرحمن بن على الجوزي الحنبلي (508 - 597 هـ) المكتب الإسلامي للطباعة والنشر - بيروت. الطبعة الأولى 1385 هـ / 1965 م.
13 - الرياض النظرة في مناقب العشرة: المحبّ الطبري أحمد بن عبد الله (ت 694 هـ) بيروت - دار الكتب العلمية.
14 - سرّ الصالحين وكشف ما في الدارين: أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي الشافعي (450 - 505 هـ) منشورات مكتبة الثقافة الدينيه - النجف الطبعة الثانية.
15 - النهر المادّ من البحر المحيط: أبو حيان الأندلسيّ (654 - 745 هـ) تحقيق عمر الأسعد.
دار الجيل - بيروت. الطبعة الأولى 1416 هـ / 1995 م.
16 - الوسيط في تفسير القرآن المجيد. أبو الحسن علي بن أحمد الواحدى النيسابوري (ت 468 هـ) تحقيق جماعة من الأساتذة. الطبعة الأولى 1415 هـ 1994 م دار الكتب العلمية بيروت.
17 - نزل الأبرار بماصحّ في مناقب أهل البيت الأطهار: محمّد بن معتمد خان البدخشاني الحارثي، تحقيق محمد هادي الأميني. الطبعة الأولى طهران 1403 هـ.
18 - مناقب الإمام علي وما نزل في القرآن في عليّ: أحمد بن موسى بن مردويه الأصفهاني 0 ت 410 هـ) تحقيق عبد الرزاق محمّد حسين حرز الدين. نشر دار الحديث - قم ط 1422 هـ.
19 - المصنّف: عبد الرزاق بن همّام الصّنعانيّ (ت 211 هـ). تحقيق حبيب الرحمان الأعظميّ. المكتب الإسلاميّ - بيروت. ط 2 - 1402 هـ / 1983 م.
20 - المصنّف: ابن أبي شيبة عبد الله بن محمّد الكوفيّ (ق 235 هـ) تصحيح وترتيب محمّد عبد السلام شاهين. دار الكتب العلمية بيروت 1416 هـ / 1983 م.
21 - المعرفة والتاريخ. يعقوب بن سفيان الفسويّ (ت 277 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت. الطبعة الأولى 1419 هـ/ 1999 م.
22 - المعيار والموازنة: الإسكافيّ محمّد بن عبد الله المعتزليّ (ت 220 هـ) تحقيق محمد باقر المحمودي. الطبعة الأولى 1402 هـ / 1981). مؤسسة المحمودي بيروت.
23 - مناقب أمير المؤمنين علي: محمّد بن سليمان الكوفي (ت أوائل القرن الرابع) تحقيق المحمودي، مجمع احياء الثقافة الإسلاميّة قم ط 2 - 1433 هـ.
24 - الهداية الكبرى: الحسين بن حمدان الخصيبي (ت 334 هـ) مؤسسة البلاغ 1419 هـ / 1999 م.
25 - الكنى والأسماء: أبو بشر محمّد بن أحمد الدّولابي (ت 310 هـ) منشورات محمد علي بيضون. دار الكتب العلمية بيروت ط 1 - 1420 هـ / 1999 م.
26 - المسند: الحميدي عبد الله بن الزبير (ت 219 هـ) تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي.
27 - عيون الأخبار: ابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدّينوري (ت 276 هـ) تحقيق مفيد محمّد قميحة. دار الكتب العلمية بيروت ط 1 - 1406 هـ / 1986 م.
28 - غرائب اي التنزيل: محمّد بن أبي بكر الرازي (ت 666 هـ) تحقيق ابراهيم عطوة. الناشر: دفتر نشر الكتاب ط 2 طهران 1404 هـ.
29 - الفصول المختارة منه العيون والمحاسن: الشريف المرتضى (ت 436 هـ) ط 14131 هـ مطبعة مهر - إيران.
30 - فيض القدير شرح الجامع الصغير: المناوي. منشورات دار المعرفة بيروت 1391 هـ ط 2.
31 - القاموس المحيط: محمّد بن يعقوب الفيروزآبادى منشورات دار الجيل.
32 - تفسير الثعلبي «الكشف والبيان»: أحمد بن محمّد الثعلبي النيسابوري (ت 427 هـ) ط 1 1422 هـ / 2002 م. تحقيق محمّد بن عاشور.
33 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: علي بن موسى بن طاوس (ت 664 هـ) مطبعة الخيام. قم 1400 هـ.
34 - مسند أبي داود السجستاني (ت 275 هـ) [ سليمان بن الأشعث ] ط 1 القاهرة 1371 هـ.
35 - تذكرة الحفّاظ: محمّد بن أحمد الذهبى (ت 748 هـ) مراجعة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي. بيروت: دار الكتب العلمية 1374.
36 - أسنى المطالب في مناقب سيّدنا علي بن أبي طالب: محمّد بن محمّد الجزريّ الدمشقيّ الشافعيّ (ت 833 هـ) ط 1 - 1402 هـ إيران تحقيق محمّد هادي الأمين.
37 - الأنساب: عبد الكريم بن محمّد السمعاني (ت 562 هـ) تحقيق عبد لارحمان بن يحيى اليماني. بيروت ط 2 - 1400 هـ.
38 - ايضاح المكنون: اسماعيل باشا البابائي البغدادي. افست دار الفكر بيروت 1402 هـ.
39 - أرجح المطالب في عدّ مناقب أسد الله الغالب امير المؤمنين علي بن أبي طالب. عبيد الله الأمر تسري، لاهور. الناشر شيخ أمان الله كنائى.
40 - الإختصاص. المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (ت 413 هـ) تصحيح وتعليق على اكبر الغفاري منشورات جماعة المدرسين قم.
41 - الأدب المفرد. محمّد بن اسماعيل البخاري (ت 256 هـ) دار المعرفة - بيروت ط 1 - 1416 هـ - 1996 م.
42 - الضعفاء والمتروكين. أحمد بن شعيب النّسائي ت 303 هـ تحقيق بوران الضناوي وكمال يوسف الحوت دار الفكر ط 2 - 1405 هـ - 1985 م.
43 - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون: أبو العباس بن يوسف المعروف بالسّمين (ت 756 هـ) تحقيق مجموعة من الأساتذه دار الكتاب العلمية بيروت ط 1 - 1414 هـ / 1994 م.
44 - خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى: نور الدين بن عبد الله السمهودي 0 ت 911 هـ) وبهامشه كتاب حسن التوسل في زيارة أفضل الرسل لعبد القادر الفاكهي (ت 982 هـ) المطبعة الميريه - مكة 136 هـ.
45 - أحكام القرآن: ابن العربي محمّد بن عبد الله (468 - 543 هـ) تحقيق عبد الرزاق المهدي. دار الكتاب العربي ط 1 - 1421 هـ / 2000 م.
46 - الجامع - تفسير القرآن، عبد الله بن وهب المصري (125 - 197 هـ) تحقيق ميكلوش موراني - المانيا. دار الغرب الإسلامي بيروت ط 1 - 2003 م.
47 - الولاية: ابن عقدة أحمد بن محمّد الكوفي (ت 332 هـ) جمع وترتيب عبد الرزاق محمّد حسين حرز الدين ط 1421 هـ. الناشر دليل.
48 - سيرة ابن اسحاق المسمّاة «كتاب السّير والمغازي»: اسحاق بن يسار (85 - 151 هـ) تحقيق سهيل زكّار مطبعة اسماعيليان 1410 هـ.
49 - العقود الدّريّة - محمّد بن أحمد بن عبد الهادي 704 - 742 هـ دار الكتب العلمية بيروت.
50 - تفسير البيضاوي «أنوار التنزيل». دار الفكر بيروت.
51 - تاريخ خليفة بن خيّاط (المتوفى 240 هـ) تحقيق سهيل زكّار دار الكفر - بيروت 1414 هـ - 1993 م.
52 - المغازي: محمّد بن عمر الواقدي (ت 207 هـ) تحقيق مارسون جونس منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان.
53 - الأخبار الموفقيّات. الزّبير بن بكّار (ت 256 هـ) تحقيق الدكتور سامي العاني منشورات الشريف الرضي 1416 هـ.
54 - نثر الدر. الآبي منصور بن الحسين (ت 421 هـ) تحقيق محمّد علي قرنة. نشر الهيئة العامة المصرية العامة للكتاب.
55 - الوسيط في تفسير القرآن المجيد. علي بن أحمد الواحد بن النيسابوري (ت 468) تحقيق جماعة من الأساتدة ط 1 - 1415 هـ / 1994 م دار الكتب العلمية بيروت.
56 - منهاج اكرامة في معرفة الإمامة: العلاّمة الحليّ الحسن بن يوسف بن المطهّر (ت 726 هـ) تحقيق عبد الرحيم مبارك مؤسسة عاشوراء، مطبعة الهادي ط 1.
57 - تاريخ الثقات: أحمد بن عبد الله العجلي (182 - 261 هـ). دار الكتب العلمية بيروت. تحقيق عبد المعطى قلعجى ط 1 - 1405 هـ / 1984 م.
الفهرس
مقدّمة 5
الفصل الأوّل: ترجمة ابن قيّم الجوزيّة 7
مصنّفات ابن القيّم 10
الفصل الثاني: مطارحات فكريّة في آثار ابن قيّم الجوزيّة 11
وشهد شاهدٌ من أهلها: 31
شهادة المغيرة في معاوية 33
شهادة معاوية في حق عليّ عليهالسلام 35
حديث ردّ الشّمس لعليّ عليهالسلام 36
حرمة المؤمن 37
الحجر الأسود يمين الله 38
حرمة الكعبة 38
المُحصّلة 39
النظر إلى وجه عليّ عبادة 40
الحجّ إلى عليّ 42
ذكر عليّ عبادة 44
عليّ زينة المجالس 45
عليّ عليهالسلام ، نفس رسول الله صلىاللهعليهوآله 45
عليّ من معاجز النّبيّ 46
النّبي والوصيّ في منازل الطّاعة 46
المثبتون لحديث ردّ الشّمس 50
المناشدة يوم الشّورى 54
تسمية الحسنين عليهماالسلام : 64
تعقيب 82
لفظ الحديث 84
حديث أسماء بنت عميس 84
حديث أبي هريرة 86
حديث جابر 87
حديث أبي رافع 87
ردّ الشّمس لأمير المؤمنين مرّتين 87
نقد سند الحديث: 90
الفصل الثالث: ابن القيِّم وعالم الأرواح 121
أحمد في ضيافة الله 127
حلية أحمد 127
ثمن الولاء 128
الله سبحانه وتعالى يزور أحمد بن حنبل 128
أحمد أعلى من النبيّ منزلة 130
رسول الخضر إلى أحمد 130
زيارة أحمد حطّة الذنوب 131
عوائد زوّار أحمد 131
بركة أحمد تعمّ أهل القبور 132
حداد الملائكة على موت أحمد 133
الشّهداء يشيّعون أحمد 134
زلزلة عبّادان بموت أحمد 135
الجنّ تقيم مآتم الحزن على أحمد 135
أحمد ملك أهل الجنّة 135
أحمد قسيم الجنّة 136
غضب جهنّم لمعاقبة أحمد 136
الملائكة تعتذر من أحمد 137
بركة قلم أحمد 137
ملك البحر يبعث سلامه إلى أحمد 137
رسالة الله تعالى إلى أحمد 138
كرامات معروف الكرخيّ 139
كرامة ما أعظمها! 139
سفرجلة معروف الكرخيّ 140
معروف يمشي على الماء ويطير في الهواء 141
معروف يمطر السّماء 141
في ضيافة كليم الله 141
كرامات بشر الحافي 142
نصف الجنّة لبشر الحافي 143
رسول الله إلى الحافي 143
الجنّ تنوح على بشر 144
حبّ الحافي شفاعة 144
عوج بن عنق 144
أثقال الجرّاح تفزع أهل الجنّة 145
ضيغم يزور الله 146
ضيوف الرّحمن 146
مناقب إبراهيم بن أدهم 147
مائده المسيح 148
أبو قبيس في طاعة ابن أدهم 148
البحر مسخّر لابن أدهم 148
ملك الغاب 149
غاية الزهد 149
البلّوط يصير رطباً 150
كرامة معلّم الغناء 150
جيوش الخليفة تسير على صفحة الماء 152
قصّة أخرى 153
كرامة أخرى لسعد 154
دلائل النّبوّة عند ابن كثير 154
كرامة شيبان 155
كرامة معاوية 156
معاجز يهوديّ! 157
معاجز القاسطين 158
الخولانيّ يخوض دجلة 159
ردّ البصر لابن حرب: 160
بقرة سهل التّستريّ 161
كرامات ذويب 163
وفي الوحوش أولياء! 163
حوراء بأربعة آلاف 165
إحياء الموتى 165
باعلوي يحيي الميّت 166
عبد القادر ينتزع الأرواح من ملك الموت 167
الله تعالى يثأر للشّيخين 169
ردّ الشّمس لإسماعيل الحضرميّ 172
الفصل الرابع: الصراط المستقيم 175
قوله: «إنّ سورة الفاتحة تتضمّن الردّ على الرّافضة»! 175
أبو العالية رفيع بن مهران 177
أقوال العلماء في الصّراط 181
خلاصة الأقوال في معنى الصّراط 189
حديث الزّواج الميمون 193
قريش تحسد عليّاً عليهالسلام 195
مراسم الزّواج المبارك 197
أولياء أمر فاطمة 198
خطبة النّبيّ صلىاللهعليهوآله : 198
طعام العرس 199
زفاف فاطمة 199
عليّ وآله صراط الله المستقيم 200
حديث الفراقد 206
حديث الثّقلين 209
كلام أحمد بن حنبل في الحديث: 217
عليّ قسيم الجنّة 219
حرب وسلم أهل البيت حرب وسلم رسول الله 224
كفر النّاصبيّ 226
ابن عبّاس يفحم معاوية 227
الاستدلال بتبليغ براءة 228
حديث براءة 233
مصادر حديث براءة 236
الاستدلال بآية التّطهير 240
حديث أمّ سلمة: 241
ويروى الحديث عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه مستقيماً 244
رواية ابن عبّاس 245
المحصّلة 247
الفصل الخامس: ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهمالسلام 263
قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ) 269
قوله تعالى: ( هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) 271
قوله تعالى: ( وَبَشّرِ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ ) 272
قوله تعالى: ( فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ ) 272
قوله تعالى: ( فَإِمّا يَأْتِيَنّكُمْ مِنّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) 274
قوله تعالى: ( وَأَقِيمُوا الْصّلاَةَ وَآتُوا الْزّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الْرّاكِعِينَ ) 274
قوله تعالى: ( وَاسْتَعِينُوْا بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) 278
قوله تعالى: ( وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) 280
قوله تعالى: ( إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) 283
قوله تعالى ( وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ ) 284
قوله تعالى: ( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) 291
قوله تعالى: ( ثُمّ أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِن بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نُعَاسَاً يَغْشَى طَائِفَةً مِنكُمْ ) 292
قوله تعالى: ( الّذِينَ اسْتَجَابُوا للّهِِ وَالرّسُولِ مِن بَعْدِمَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ) 297
قوله تعالى ( أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ) 299
قوله تعالى: ( يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) 300
قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) 313
رواة ومصادر حديث الغدير: 313
قوله تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ ) 320
قوله تعالی: ( وَالّذِي جَاءَ بِالصّدْقِ وَصَدّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ ) 327
قوله تعالى: ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) 328
قوله تعالى: ( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) 330
قوله تعالى: ( الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) 333
قوله تعالى: ( قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) 334
قوله تعالى: ( يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ ) 335
قوله تعالى: ( فَسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) 336
قوله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمنُ وُدّاً ) 339
طرق الحديث 339
قوله تعالى: ( فَإِنّمَا يَسّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ الْمُتّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لّدّاً ) 342
قوله تعالى: ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) 343
قوله تعالى: ( وَقِفُوهُمْ إِنّهُم مّسْؤُولُونَ ) 346
قوله تعالى: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) 347
قوله تعالى: ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) 349
الفصل السادس: الشّيعة صراط الله المستقيم 351
منهج الشّيعة 352
عود على أحد 359
تبيان لسبب الهزيمة 360
عمر يغيّر في الأذان 369
إبطال حكم التيمّم للمجنب 369
النهي عن المتعة 370
نشأة الشّيعة 372
حديث الدّار 373
الشّيعة في السّنّة الشّريفة 374
ثمّة سؤال 382
سيماء الشّيعة 383
دعاء 386
كلمة شكر 386
المراجع والمصادر 387