بحث حول المهدي (عج)
بحث حول المهدي (عج)
تأليف
الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)
تحقيق وتعليق
الدكتور عبد الجبّار شرارة
مع مقدمة وافية
مركز الغدير للدراسات الإسلامية / قم
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المركز
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.
إنّ من المهام الفكرية والعلمية التي تصدّى مركز الغدير للعناية بها، ونشر الأبحاث والدراسات الدائرة حولها والمهتمة بالتعريف بها، هي الأبحاث والدراسات العقيدية المرتبطة بعقيدة الإمامة، ولعلّ دراسة قضية الإمام المهدي (ع)، وبحثها بحثاً علمياً استدلالياً والتعريف بها، ومناقشة الشُبهات المثارة حولها، هي من أهم المباحث وأكثرها حاجةً إلى الإيضاح والتعريف.
ولقد كتب العلماء والمفكّرون والباحثون والمحقّقون الكتب والدراسات؛ لدراسة هذا الموضوع الخطير.
كما خرّج علماء الحديث وأصحاب الموسوعات الحديثية، أحاديثَ المهدي المروية عن النبي (ص) في كتبهم، وأفردوا لها باباً خاصاً حيناً، كما وردت ضمن أحاديث وروايات أخرى حيناً آخر.
ومن الذين تناولوا هذا البحث بالدراسة والتحليل، وضمن منهج متميّز هو الفقيه والمفكّر الإسلامي الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رض)، فقد بحث هذا الموضوع تحت عنوان (بحث حول المهدي)، فكان بحثاً عقلياً وتنظيرياً لعقيدة المهدي (ع).
ولم يورد فيه مؤلّفه الروايات الدالة على الموضوع؛ ذلك لأنّ البحث كان عبارةً عن مقدمة لكتاب استدلالي موسّع، هو كتاب (موسوعة الإمام المهدي (ع)) للسيد محمد الصدر.
فهو عبارة إذاً، عن مقدمة لكتاب، وليس كتاباً، غير أنّه جاء بحثاً استوعب مرتكزات الموضوع وأغنى جوانبه، وحق أن تبذل الجهود لتحقيقه وإخراجه ونشره، فكاتبه (الشهيد الصدر) قمة من قمم الفكر والعلم، وحجّة من حجج البحث والتحقيق.
من أجل ذلك بادر مركز الغدير بتكليف الأستاذ الدكتور عبد الجبّار شرارة، أن يقوم بتحقيق هذا الأثر من تراث شهيدنا الصدر العلمي، والتعريف بمسألة من أهم المسائل في العقيدة من خلال هذا البحث القيّم، ولقد تركّز عمل المحقّق بمقدمة علمية استعرض فيها وحلّل مناهج البحث في هذه المسألة، فلخّصها بمنهجين هما:
1- منهج المشكّكين.
2- منهج المثبتين، الذي قسّمه إلى منهجين هما:
أ - المنهج الروائي.
ب - المنهج العقلي (منهج الشهيد الصدر).
فتحدّث عن منهج الشهيد الصدر، وأوضح طريقته في إثبات القضية وبلْورة معالمها، كما قام بنقد ورد الشُبهات المثارة حول عقيدة الإيمان بوجود المهدي المصلح، وأورد الأدلة المثبتة على ذلك.
وبعد تلك المقدمة انتقل المحقّق إلى نص كتاب (بحث حول المهدي (ع))، فقام بتدقيق المتن وضبطه، وتخريج الآيات والروايات والإحالات الواردة في متن الكتاب، والتعليق على بعض نصوص الكتاب؛ لإيضاحها وكشف غوامضها.
ومركز الغدير إذ يتبنّى إعداد هذا الكتاب بتوجيه وعناية من المشرف العام آية الله السيد محمود الهاشمي، إنّما يقدّم للقرّاء أثراً علمياً قيماً، وصياغةً فكرية فذةً لمبدأ إسلامي خطير، ويعرّف من خلاله بمسألة من أهم مسائل الفكر والعقيدة الإسلامية.
راجين من الله سبحانه قبول العمل، وشفاعة أهل البيت (عليهم السلام)، وتحقّق آمال المستضعفين في العالم بإقامة دولة الحق، التي يرفع لوائها المصلح المنتظر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
مركز الغدير للدراسات الإسلامية
ربيع الأَوّل 1417 للهجرة الشريفة
مقدمة المحقّق
الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) قضية أساسية في عقيدة المسلمين، وقد شغلتهم وما تزال منذ بشّر خاتم المرسلين (ص) به، وأكّد ظهوره في آخر الزمان في أحاديث جمّةٍ، وفي موارد ومناسبات لا تُحصى كثرةً بلغت حدّ التواتر، فصار الاعتقاد به من ضروريات الإسلام، ومع ذلك كله فقد نجم في القرون الماضية وفي قرننا الحالي، مَن أنكر وشكّك فيه؛ إمّا تأثّراً بمناهج مادية، أو بسبب عصبيةٍ مذهبية، أو لجهلٍ بما أودع في الصحاح والمسانيد والسُنن من مئات الروايات (1) ، عن طريق الفريقين السنة والشيعة، ولقد ألّف العلماء المتقدّمون والمتأخرون عشرات الكتب، كما كُتبت فصول أو دراسات تضمنت أدلةً معتبرة واحتجاجات سليمة وقوية، على وجود المهدي (ع)، وصدق القضية بما لا ينبغي معه أن يرتاب فيه مسلم صحيح العقيدة، يؤمن بما يُخبر به الرسول (ص).
ولقد بلغ رسوخ هذه العقيدة في الأمّة المسلمة أن استغلها بعض الأدعياء، وادعوا المهدوية، ولكن سرعان ما انكشفوا وافتضحوا، كما افتضح أدعياء النبوة، وقد حاول الدكتور أحمد أمين في كتابه (المهدوية في الإسلام)، أن
____________________
(1) راجع: المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنة والإمامية / الشيخ نجم الدين العسكري، وفيه أكثر من أربعمِئة حديث من كتب أهل السُنة.
منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (ع) / العلاّمة الشيخ لطف الله الصافي، وفيه ما مجموعه (6000) ستة آلاف حديث عن طريق الفريقين.
يجعل من ادّعاء المهدوية سبباً للطعن على فكرة المهدي وأصالتها، ولكن العكس هو الصحيح؛ فالادّعاء يدل على أنّ المدّعين يستغلون حقيقيةً موضوعيةً، واعتقاداً راسخاً عند الناس، ثمّ لو صح أنّ الادعاء مُبطل لأصل القضية، فلازم ذلك إبطال النبوات؛ لكثرة المدّعين.
والأمر المثير للعجب أن يتصدّى بعض أدعياء العلم والمعرفة قديماً وحديثاً؛ للتشكيك والتشويش على الأمّة المسلمة، لا لشيءٍ إلاّ بسبب قصور فهمهم عن إدراك أسرار هذه العقيدة، ومقاصدها السامية، أو بسبب غرض أخر، ومن هؤلاء في عصرنا الحديث المستشرقون وتلامذتهم من أمثال كولدزيهر، وفلهاوزن، وفان فلوتن، ومكدونالد، وبرنارد لويس، ومونتغمري وات، وماسنيون، وغيرهم ممّن تبعهم من تلامذتهم من أبناء الإسلام، وسار على منهجهم في إثارة الشُبهات، والتشكيك بعقائد الإسلام ومقولاته وفي القرآن الكريم والسُنة المطهّرة، ثمّ سلك هذا المسلك الوهابية، ومَن سار في ركابهم من أبناء الشيعة والسُنة في التشكيك بعقيدة المهدي المنتظر (ع)، وليس لدى جميع هؤلاء ما يدعم إنكارهم من الأدلة والمستمسكات الموثوقة، بل الدليل قائم على خلاف مذاهبهم، والبرهان ساطع وقاطع على صحة العقيدة في المهدي (ع)؛ لثبوت التواتر كما حكاه غير واحدٍ، ومنهم البرزنجي في الإشاعة لأشراط الساعة، والشوكاني في التوضيح كما سيأتي.
والغريب أنّ هؤلاء يتوسلون بنفس الذرائع، ويتعلّلون بنفس التعلّلات التي توسّل بها منكرو ما جاء من أنباء الغيب، التي احتواها القرآن الكريم، أو التي نطق بها الرسول الكريم نبينا محمد (ص)، كإنكارهم الإسراء و المعراج (1) .
____________________
(1) راجع: تفسير ابن كثير 3: 9 وما بعدها تفسير أَوّل سورة الإسراء.
إنّ قراءةً متأنية لِما أثاره المشكّكون من إشكالات، وما يطرحونه هذه الأيام من تشويشات، كما في مزاعم وادعاءات السائح، والقصيمي، وغيرهم من المشوّشين - وهي لا تختلف عمّا طرحه الخصوم قبلهم - الذين هم عن العلم بعيدون، وبمعرفة علم الحديث روايةً ودرايةً أبعد ما يكونون، وبحقائق التاريخ ووثائقه على أتم الجهل أو العناد، إنّ هذه القراءة ستوقفنا على سذاجة تفكيرهم، وسُقم واختلال مناهجهم في التعامل مع هذه القضية الخطيرة (1) .
ومن هنا، كان تصدّي الإمام الشهيد الصدر (رض) لها بالبحث والدراسة، وِفق منهج علمي جديد، يعتمد النقل الصحيح، والدليل العقلي السليم، ومناقشة القضية مناقشةً هادئة رصينة، متعرضاً لكل الإشكالات المثارة في المقام، والواقع أنّنا إزاء ما أثاره الخصوم قديماً وحديثاً لم نجد - في حدود تتبعنا القاصر - مَن درسَها وناقشها بمثل هذا المنهج والأسلوب الذي اتبعه الإمام الشهيد الصدر (رض)، كما سيتضح للقارئ العزيز.
ولعلّ من المناسب في هذه المقدمة، أن نتعرّف على جملة حقائق أو ملاحظات، يمكن أن تشكّل مدخلاً مناسباً لبحث السيد الشهيد (رض)، الذي وُفقنا والحمد لله إلى تحقيقه تحقيقاً علمياً حديثاً.
ويتضمن المدخل الإلمام بالأمور الآتية:
أَوّلاً: منهج المشكّكين قديماً وحديثاً.
ثانياً: منهج المثبتين:
1- المنهج الروائي.
2- المنهج العقلي (منهج الشهيد الصدر (رض)).
____________________
(1) راجع مناقشة السائح وأمثاله في (نقد الحديث بين الاجتهاد والتقليد) للسيد محمد رضا الجلالي، المنشور في مجلة تراثنا / العددان 32 و 33 / السنة الثانية 1413 هـ / إصدار مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).
أَوّلاً: منهج المشكّكين
ينطلق المنكرون للإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، من دوافع ومنطلقات لا تنسجم مع منهج الإسلام العام في طرح العقائد والدعوة إلى الإيمان بها، فمنهج الإسلام الذي يعتمد على العقل والمنطق والفطرة، يقوم في جانب مهمٍ منه على ضرورة الإيمان بالغيب، وتتكرّر الدعوة في القرآن الكريم إلى ذلك؛ إذ هناك عشرات الآيات (1) التي تتحدث عن الغيب والدعوة إلى الإيمان به، والمدحة عليه كما في قوله تعالى ( الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) البقرة 2-3، وفي الحديث النبوي الشريف (2) كذلك، إذ هناك مئات الروايات وبصورٍ متنوّعة وعديدة، وكلها تؤكّد الإيمان بالغيب وعلى أنّه جزء لا يتجزأ من العقيدة، وأنّ هذا الغيب سواء تعقّله الإنسان وأدرك جوانبه، أو لم يستطع إدراك شيء منه وخفيت عليه أسراره، فإنّه مأمور بالإيمان، غير معذورٍ بالإنكار؛ بلحاظ أنّ مثل هذا الإيمان هو من لوازم الاعتقاد بالله تعالى، وبصدق سفرائه وأنبيائه، الذين يُنبئون ويُخبرون بما يُوحى إليهم، كما هو الأمر في الإيمان بالملائكة، وبالجن، وبعذاب القبر، وبسؤال المَلَكينِ (منكر ونكير)، وبالبرزخ (3)، وبغير ذلك من المغيّبات التي جاء بها القرآن الكريم، أو نطق بها الرسول الأمين، ونقلها إلينا الثقات المؤتمنون، وإذن فكلّ تشكيك بشأنها - أي قضية المهدي (ع) - إنّما يتعلّق بأصل التصديق بالغيب، والكلام فيه يرجع إلى هذا الأصل.
____________________
(1) راجع: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن مادة (غيب)، وراجع التفاسير ومنها تفسير ابن كثير المجلد الأَوّل في تفسير أَوّل سورة البقرة.
(2) راجع كتاب الفتن وعلامات الساعة في الصحاح والمسانيد والسُنن، راجع مثلاً: التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول / الشيخ منصور علي ناصف 5: 300 وما بعدها.
(3) راجع: التاج الجامع للأصول 1: 25.
ومن هنا حاول المنكرون لعقيدة المهدي (ع) أن يهربوا، وينأوا بأنفسهم عن طائلة ذلك الاعتقاد، فلجأوا إلى التشكيك بالأخبار الواردة بشأنه، أو تضعيف أسانيدها، كما فعل ابن خلدون في تاريخه في الفصل الثاني والخمسين، الذي عقده في أمر الفاطمي، حيث ضعّف الأحاديث المروية في المهدي، مع اعترافه بظهور المهدي (ع) آخر الزمان، وبصحة بعض الأحاديث المروية بشأنه، وتبعه عدد من المقلّدين، أمثال علي حسين السائح أُستاذ كلية الدعوة الإسلامية في ليبيا في بحثه (تراثنا وموازين النقد) (1) ، إذ تعرّض فيه لموضوع المهدي المنتظر (ع)، وتعلّق بالخيوط العنكبوتية التي نسجها ابن خلدون حول عقيدة المهدي (ع)، وحسب أنّه لجأ إلى ركن شديد، وأنّه سيرقى عليها إلى السماء، غافلاً عن أنّه تشبث بأوهن البيوت.
وعندما اصطدم هؤلاء بعدم إمكانية ردّ تلك الروايات أو تضعيفها لكثرتها، وتعدّد طرقها، وصحة أسانيد عدد كبير منها كما أثبتها أئمة الحديث (2) ، لجأوا مرةً أخرى إلى إحاطة أمر المهدي (ع) بالأساطير التي اخترعوها، كاختراعهم أُكذوبة السرداب التي لا أصل لها عند المعتقدين به، وقد ناقشها الشيخ العلاّمة الأميني مناقشةً وافية، أبانَ تخبّط القوم الخصوم في الأساطير، التي نسجوها تارةً في موقع السرداب - إذ اختلفوا فيه اختلافاً مضحكاً - وتارةً أُخرى في مواقف الشيعة وطقوسهم المزعومة حول السرداب (3) .
____________________
(1) البحث نُشر في مجلة كلية الدعوة الإسلامية الصادرة في ليبيا، وراجع مناقشته في بحث السيد الجلالي المنشور في مجلة تراثنا المذكورة سابقاً.
(2) راجع: دفاع عن الكافي / ثامر هاشم العميدي 1: 203 وما بعدها، فقد أورد مناقشة العلماء وأئمة الحديث لتضعيفات ابن خلدون والمقلّدين لرأي ابن خلدون، كما ناقش هو تلك التضعيفات مناقشةً علميةً متينة، أبانَ فيها تهافتهم وعدم تبصّرهم ومعرفتهم بفن الرواية وأصول الدراية.
(3) راجع: الغدير 3: 308 - 309، وراجع ما أورده العميدي من مناقشات متينة لهذه الفِرية في دفاع عن الكافي 1: 593، وراجع: سيرة الأئمة الاثني عشر / هاشم معروف الحسني 2: 559.
ولجأ آخرون إلى إنكار ولادته (1) الميمونة، بإغراء ذوي المطامع (2) أو الطموح السياسي والاجتماعي، لتبنّي هذا الإنكار والإفادة منه، إلى غير ذلك من التعلّقات الواهنة، التي تسقط لدى عرضها على الحقائق الوفيرة، فضلاً عن مقتضيات الأحاديث الصريحة الصحيحة.
وبالجملة، فإنّ منهج المشكّكين لم يخرج عن مثل تلك المنطلقات والتوهّمات أو المغالطات المنكرة، فضلاً عن تعارضه مع الأصول المعتبرة الدينية والروائية.
ولعلّ من المناسب أن نورد ضمن هذا المنهج، ما ذهب إليه بعض المعاصرين من أمثال إحسان إلهي ظهير (3)، والبنداري (4) ، والسائح، ومَن احتذى حذوهم، وقلّدهم تقليداً أعمى من المنسوبين إلى الشيعة.
وملخّص ما أثاروه واستندوا إليه أمور، نذكرها كما وردت على ألسنتهم، ثمّ نناقش أسس مدّعياتهم ومنهجهم،
وذلك كما يأتي:
1- قالوا: إنّ الشيعة وقعوا في حيرة واضطراب بعد وفاة الإمام العسكري (ع)، وخاصةً فيما يتعلّق بولادة الإمام المهدي (محمد بن الحسن) (ع)؛ لوجود الغموض فيما ورد عنه من طريق الأئمة (ع) عندما سُئلوا عنه.
2- قالوا: إنّ الشيعة انقسموا وتفرّقوا إلى أربعة عشرة فِرقة، في مسألة الإمام
____________________
(1) راجع: دفاع عن الكافي / 1: 569 فقد أورد المؤلّف شهادات واعترافات وإثباتات وافية، عن علماء أهل السُنة من القرن الرابع الهجري إلى القرن الرابع عشر، في إثبات ولادة الإمام المهدي، واستمرار حياته، ووجوده الشريف.
(2) راجع: الإرشاد / الشيخ المفيد: ص 345، وراجع أيضاً سيرة الأئمة الاثني عشر / الحسني / 2: 534 – 538 في قضية جعفر الكذّاب.
(3) راجع الشيعة والتشيّع - فِرق وتاريخ: ص 261 و 301 / الطبعة الثانية 1384 هـ - باكستان.
(4) راجع التشيّع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي / الطبعة الثانية – دار عمار – الأردن.
بعد وفاة الإمام الحسن العسكري، وأنّ أمر الإمام المهدي لو كان واضحاً ومهماً وجزءً من المذهب الجعفري، لَما جاز الاختلاف فيه، ولَما أمكن أن يبقى أمره سراً غامضاً.
3- زعموا أنّ الروايات التي تتحدث عن هوية الإمام المهدي (ع) ضعيفة وموضوعة ومختلفة، سواء منها ما يتعلّق باسم أمّه، أم بتاريخ ولادته، أم بما لا يمس ولادته، أم بغيبته وسفرائه.
وقد ختم أحدهم تخرّصاته زاعماً بأنّه لم يرفض إماماً ثبت وجوده من أهل البيت (ع)، إنّما حصل عنده شكّ بولادة الإمام الثاني عشر؛ لعدم توفّر الأدلة الكافية - بحسب زعمه - أو لعدم قناعته بها أي بالأدلة المذكورة، وذكر أنّه لا يستبعد أن يُطيل الله عمر إنسان، كما أطال عمر النبي نوح (ع)، بالرغم من عدم الحاجة والضرورة لذلك، وأنّه يبحث عن الأدلة التي تثبت أنّ الله تعالى قد فعل هذا بشخص آخر؛ لأنّه لا يمكن أن يعتقد بحدوث هذا عن طريق القياس والتشبيه، ثمّ قال: (وقد كان سيدنا الصادق يرفض القياس بالأمور الفرعية الجزئية، فكيف في الأمور التاريخية والعقائدية؟!).
هذا ملخّص ما أوردوه وانفتقت به عبقرياتهم، وهم يحسبون أنّهم جاءوا بما لم يتنبه إليه الأَوائل.
وردّاً على هذه الإشكالات، وجواباً عن هذه الإثارات، نقول:
أَوّلاً: إنّ وجود الغموض في تحديد هوية الإمام المهدي (ع)، ووقوع الحيرة لدى الشيعة - لو صحّ كما صوّره الخصم وضخّمه - هو دليل على الخصوم وليس لهم؛ إذ عدم تحديد الهوية والإصرار على بقاء الأمر سراً، دليلٌ على وجود الإمام، والخوف عليه من الأعداء، لا على عدم وجوده، كما توهّموا.
فالأئمة (عليهم السلام) - كما وردت الروايات (1) - لم يريدوا الكشف عن التفاصيل المتعلّقة بحياة الإمام المهدي (ع)، وولادته الميمونة؛ لمعرفتهم بتكالب الأعداء في طلبه، وجدّهم وتربّصهم به، وقد كانوا يبثّون العيون، ويترصّدون كلّ حركة؛ للعثور على الإمام والتخلّص منه، بعد أن تيقّنوا بالأمر، وشاهدوا ترقّب الأُمّة وتطلعها لمَقدمه الشريف؛ ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أم مُلئت ظلماً وجوراً.
وكيف لا يحرص الأئمة (عليهم السلام) على حياته العزيزة، وقد فعل سلاطين الجور الأفاعيل، وارتكبوا الحماقات والشناعات بحق أهل البيت وذرية الرسول الأكرم (ص)؛ إذ طاردوهم وسجنوهم، وأذاقوهم التشريد والقتل أخذاً بالظِّنة والتُهمة والوشاية المغرضة، ودونك التاريخ فاقرأ في (مقاتل الطالبين) الأصفهاني العجب العجاب.
وإذن، فكيف يكون الحال، وقد اطّلع هؤلاء السلاطين على الروايات في صحاح المسلمين ومسانيدهم، عن المهدي (ع) من العترة الطاهرة، ومن ذرية فاطمة (عليها السلام)، ومن أولاد الحسين (عليه السلام) تحديداً، وأنّه سيظهر ليملأها قسطاً وعدلاً؟ فهذه المعرفة اليقينية قد خلقت شعوراً قوياً لدى الحكام الظلمة، بأنّ عروشهم ستنهار. وكان هذا الهاجس هو الذي يفسّر لنا، تلك الإجراءات الغريبة وغير الاعتيادية التي اتخذتها السلطة الحاكمة، عند سماع نبأ وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مباشرةً، وليس هناك من تفسير معقول سوى اعتقادهم بوجود الإمام الثاني عشر الحجّة ابن الحسن، وأنّه الإمام الموعود كما نطقت به الأخبار المتواترة لدى السنة والشيعة؛ ولذا أسرعوا إلى دار الإمام (عليه السلام)، واتخذوا مثل تلك الإجراءات الاستثنائية، بدءً من التفتيش الواسع والدقيق، إلى حبس جواري الإمام و إخضاعهنّ
____________________
(1) راجع الغيبة للنعماني من أعلام القرن الرابع الهجري / الباب 12، الغيبة الكبرى / السيد محمد الصدر / البحث التمهيدي.
للفحص (1) ، كل ذلك في محاولة يائسة للقبض على الإمام، ولا عجب فقد حصل ذلك من نظرائهم، وحدّثنا القرآن الكريم عن فعل فرعون للقبض على النبي موسى (عليه السلام)، فنجّاه الله من الكيد.
ومن هنا نفهم السبب في إخفاء الإمام الصادق (عليه السلام) هوية المهدي، والتفاصيل المتعلّقة بهذا الأمر.
و ليست الحيرة بعد ذلك والاضطراب، إلاّ حالةً طبيعية في ظل مثل تلك الظروف والملابسات الخاصة، التي رافقت قضية المهدي (عليه السلام) في وجوده وولادته، وشغب السلطة، وتمويهاتهم، وإعلامهم الزائف.
وإذن، فليست (الحيرة) إلاّ بسبب تلك الظروف والملابسات، فضلاً عن أنّ الروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السلام)، قد أشارت إلى وقوع مثل هذه الحيرة والفتنة والتفرّق، كما نقل ذلك ابن بابويه القمي في (التبصرة)، والشيخ النعماني في (الغيبة) الباب الثاني عشر.
ثانياً: قولهم بضعف الروايات واختلاقها، ولا ندري هل أنّهم يفرّقون بين الضعيف والموضوع، أم هما عندهم سواء؟ ثمّ لماذا هذا الخلط المقصود بين مسألة وجود الإمام الحجة (ع) - الثابتة بالطرق الصحيحة - وبين بعض الروايات التي تلابس (حدث الولادة)؟ والعجب من ركوب هؤلاء جميعاً هذه الجرأة المفضوحة؛ إذ إنّ روايات المهدي (ع) لم تروِها كتب الشيعة فحسب، ولم ترد عن طرقهم فقط، وإنّما روتها الصحاح والمسانيد والجوامع الحديثية المعتبرة، كصحيح أبي داود، وصحيح البخاري وشروحه، ومسند أحمد بن حنبل، وجامع الطبراني، وجمعها السيوطي في العرف الوردي (2) من عِدة طرق، وحكى تواترها البرزنجي في الإشاعة (3)
____________________
(1) الإرشاد / الشيخ المفيد: ص 345.
(2) راجع الحاوي للفتاوي / السيوطي 2: 213 وما بعدها.
(2) الإشاعة لأشراط الساعة، ص 87 -122 / الباب الثالث.
وكذا الشوكاني في التوضيح (1) ، ونقل ذلك أخيراً الشيخ منصور علي ناصف في غاية المأمول (2) .
فانظر إلى جهل المشكّكين، كيف رموا ما صحّ وتواتر عند جمهور المسلمين من السُنة والشيعة، بالوضع الاختلاق وأعجب لجرأتهم وشغبهم! إذ لا يصح بعد ذلك شيء ممّا تناقله الرواة من حوادث التاريخ، وأسماء الأعلام، وآراء المذاهب المختلفة.
ثالثاً: استدل بعضهم على نفي وجود الإمام المهدي (ع) وولادته بقوله: إنّ الشيعة اختلفوا وانقسموا - على حد زعمه - إلى سبعة عشرة فِرقة بعد وفاة الحسن العسكري (ع)، وهذا يدل - بحسب زعمه - على عدم وجود الإمام!!
ولعلّ من المناسب أن ننبّه إلى أنّ الاختلاف حول موضوع، أو قضية، أو شخص، لا يستلزم العدم؛ إذ لو جرينا على هذا المنطق لَما قامت عقيدة، ولا ثبت دين، ولا استقام شأن من الشؤون، فالاختلاف قائم دائم في العقائد، وفي التواريخ، وفي الشخصيات، وفي الحوادث الواقعة، وفي الفروع، وفي سائر الأمور، وقد تفرّق أبناء الفرقة الواحدة إلى فِرقٍ وطوائف واتجاهات وآراء، كما حدث عند المعتزلة والخوارج والأشاعرة (3) وغيرهم.. ثمّ أَلَم تسمع بما تناقله أهل الحديث من الرواية المشهورة، وهي قوله (ص): (... وتفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة) (4) .
ونتساءل هنا حول أي شيء كان الافتراق؟ وهل يستلزم ذلك نفي ما
____________________
(1) التوضيح في تواتر ما جاء من الأحاديث في المهدي والدجال والمسيح، كما في غاية المأمول.
(2) غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول 5: 360.
(3) راجع: مقالات الإسلاميين للأشعري، والمِلل والنِحل للشهرستاني، وفِرق النوبختي وغيرها.
(4) راجع هذه الرواية وغيرها في سُنن ابن ماجه 2: 1321 / 3991 كتاب الفتن – باب افتراق الأمم.
تفرّقوا (فيه) لهذا السبب؟! وإذن لا تبقى عقيدة، ولا تسلم حقيقة، ولا يستقيم أمرٌ بسبب وقوع الافتراق والانقسام في ذلك بحسب المنطق.
والسؤال الأهم، ما هي هذه الفِرق التي انقسم إليها الشيعة بعد وفاة الإمام العسكري (ع)؟ وما هي تسمياتهم؟ ومَن هم زعماء ورجال هذه الفرق المزعومة؟
لقد قال الشهرستاني في الملل والنحل: (وأمّا الذين قالوا بإمامة الحسن - العسكري (ع) - فافترقوا بعد موته إحدى عشرة فِرقة، وليست لهم ألقاب مشهورة، ولكنّا نذكر أقاويلهم..) (1) .
وإذن، فهو لا يعرف أسماؤهم ولا رجالهم، وهم حسب زعمه إحدى عشرة فِرقة، أمّا هؤلاء المقلّدون الكذّابون من أمثال إحسان إلهي ومَن تابعه أخيراً، فقد زادوا العدد فِرقاً أخرى ليس لهم اسم ولا رسم، حتى أوصلها أحد هؤلاء المفضوحين إلى سبع عشرة فِرقة!! وأنّى لهم بمعرفتها وهي من مختلقاتهم؟ ولذا لم يذكر أحد منهم زعيماً أو رجلاً معروفاً في التاريخ من هذه (السبع عشرة) فِرقة، بل ولم يجرأ أحد هؤلاء المفترين على الشيعة، أن يشير إلى مكان أو زمان وجودهم.
ويحسن أن ننقل تعليقة العلاّمة عبد الحسين شرف الدين في الفصول المهمة، حول هذه الكذبة التي أطلقها الشهرستاني في مِلله، قال العلاّمة مُعقّباً: (وليته أسند شيئاً من الأقاويل التي نقلها عن تلك الفرق إلى كتاب يُتلى، أو شخص خلقه الله تعالى! وليته أخبرنا عن بلاد واحدة من تلك الفِرق، أو زمانها، أو اسمها! فبالله عليك، هل سمعت بفِرق متخاصمة، ونِحل آراؤها متعاركة، لا يُعرف لهم في الأحياء والأموات رجلٌ أو امرأة؟! ولا يوجد في الخارج لهم مسمّى ولا اسم؟!!) (2) .
____________________
(1) المِلل والنِحل 1: 151 و 152.
(2) الفصول المهمة في تأليف الأُمّة: ص 169.
والظاهر أنّ أحدهم قد أدرك خطأه واشتباهه فقال أخيراً: إنّي لم أرفض إماماً ثبت وجوده من أهل البيت (عليهم السلام)، وإنّما حصل عندي شك بولادة الإمام الثاني عشر، زاعماً أنّ السبب هو عدم توفّر الأدلة الكافية، أو عدم قناعته بالأدلة!!
والسؤال الذي نثيره هنا، هو عن أي نوعٍ من الأدلة يبحث هؤلاء؟ وهل هناك أدلة أقوى من إطباق الطائفة، وعلماء الأمّة، ورواتها الثقات، على مثل هذا الأمر، أعني ولادة الإمام الحجة ابن الحسن (عليه السلام)؟ إذ ليس هناك من سبيل إلى ثبوت مثل هذه الأمور إلاّ الخبر الصحيح، وتوفّر الشواهد، وقيام القرائن والمؤيّدات من العقل والمنطق، وقد ثبت من كل هذه الجهات.
ولعلّ من المناسب الإشارة إلى ما حقّقه السيد ثامر العميدي، في كتابه (دفاع عن الكافي) الجزء الأَوّل، وأثبت ولادة الإمام واستمرار وجوده الشريف بالروايات والأحاديث الصحيحة، ثمّ بالنقل التاريخي المتواتر، كما أورد اعترافات وشهادات الفقهاء، والمحدّثين، والمفسّرين، والمؤرّخين، وأهل التحقيق، والأدباء، والكتّاب، وكلهم من أهل السُنة بولادة الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري (ع)، ونقل ذلك عنهم بدءً من بداية القرن الرابع الهجري كالروياني في المسند، وسهل بن عبد الله البخاري (ت /341هـ) في سر السلسلة العلوية، والخوارزمي (ت /387 هـ) في مفاتيح العلوم طبعة ليدن 1895 ميلادية.
كما أورد اعترافات من رجال القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر، ومنهم:
- أبو نعيم الأصفهاني (ت/430 هـ) في الأربعين حديثاً.
- يحيى بن سلامة الخصفكي الشافعي (ت/568 هـ).
- تذكرة الخواص لابن الجوزي.
- محي الدين بن عربي (ت/638 هـ) في الفتوحات المكية، على ما نقله الشعراني في اليواقيت والملك المؤيّد.
- أبي فداء إسماعيل بن علي (ت/732 هـ) في المختصر في أخبار البشر.
- ابن الصبّاغ المالكي (ت/855 هـ) في الفصول المهمة.
- جلال الدين السيوطي (ت/911 هـ) في إحياء الميت.
- ابن طولون الحنفي مؤرّخ دمشق (ت/953 هـ) في كتابه الأئمة الاثنا عشر.
- أحمد بن يوسف أبو العباس القرماني الحنفي (ت/ 1019 هـ) في كتابه أخبار الدول.
- الشبراوي الشافعي (ت/ 1171 هـ) في الإتحاف بحب الأشراف.
- محمد أمين السويدي (ت/ 1246 هـ) في سبائك الذهب.
الزركلي (ت / 1396 هـ) في الأعلام.
وهذا الكم الكبير من الروايات والنقول والشواهد والشهود، أَلا تكفي للاقتناع بوجود شخص وولادته؟
وإذا لم يكن ذلك كله كافياً ودليلاً، فلازمه بالضرورة الشك في كل الحوادث الماضية، والشخصيات العلمية والتاريخية، وما جرى في غابر الزمن البعيد والقريب، وعند ذاك لا يصح شيء، ولا يثبت شيء، فهل هذا يرضي مثل هؤلاء المتطفّلين على البحث والتحقيق؟
وأمّا إذا كان الأمر من جهة تعقّل الموضوع، فدونك (بحث حول المهدي) للشهيد الصدر - وهو هذا الكتاب الذي بين يديك - فهو الشافي الكافي، والحجّة الدامغة، والبرهان القاطع، لمَن يفكّر بعقله، ولا يتعبد بما نقله وحكاه ذوو الأغراض المعروفة، والمغالطات المفضوحة، أمثال ظهير، والبنداري وغيرهم.
ولعلّ من الأمور التي تدلّك على المغالطة المفضوحة هو قولهم: (لا نستبعد أن يطيل الله عمر إنسان... ولكن لا يمكن الاعتقاد بحدوث هذا عن طريق القياس، وقد كان سيدنا الصادق يرفض القياس في الفروع، فكيف في الأمور التاريخية والعقائدية؟؟).
وقد فاتهم أنّ القياس هنا أمر وارد، ودليل معتبر عند أهل المنطق وأهل النظر، في مثل هذه الموارد التي قد لا يدركها الإنسان، إلاّ عن طريق التشبيه والقياس، وهو أسلوب علمي، ومنهج قرآني ( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ) / إبراهيم: 25، وقال تعالى حاكياً قول المنكرين لبعض الأمور الاعتقادية كالمعاد كما في الآية المباركة: ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ) / يس: 78 -79.
فانظر كيف يتنكّب المتطفّلون عن المنهج القرآني والعلمي؟ وانظر إلى عدم تفرّقتهم بين القياس في أحكام الشريعة المنهي عنه؛ لعدم إحراز علة الحكم التي بنى الشارع عليها حكمه، وبين القياس في مجال المعقولات الذي لا شبهة فيه.
وهكذا نخلص إلى القول، إنّ أصحاب هذا المنهج التشكيكي ليس بأيديهم حجة ولا برهان، ولا يملكون سنداً علمياً، أو تاريخياً مقبولاً، ومنطقياً، في نفيهم وتشكيكاتهم، وإنّما هي مجرد ظنون وأوهام، أو افتراضات وحدوس تتهاوى أمام الأدلة والبراهين المتينة، الروائية والتاريخية والعقلية، كما سطّرها وحقّقها المثبتون لولادة الإمام المهدي (ع)، واستمرار وجوده الشريف المبارك.
ولا يضير ذلك ما أُحيطت به روايات ولادته التي اختلفت من بعض الوجوه، ومحاولة هذا النفر استغلالها بصورةٍ غير أمينة ولا دقيقة؛ للتشويش على أصل الموضوع، وهو ولادة الحجة ابن الحسن محمد المهدي (ع)، وقد ثبت من الطريق الاعتيادي الذي تثبت به الولادات، وهو شهادة القابلة حكيمة بنت الإمام الجواد، وعمّة الإمام العسكري، وصحّة الرواية عنها بأسانيد معتبرة صحيحة (1) .
وإذا كان هناك مَن نقل روايات أُخرى، سواء في زواج الإمام أبي محمد الحسن العسكري من (نرجس) أُمّ الإمام المهدي (ع)، أم في اسمها، أم في ولادة المهدي وما جرى ولابس تلك الولادة المباركة، أم في الاختلاف في تاريخ الولادة (فإنّ المشهور على ما نقلة الثقات من الشيعة والسُنة، هو ولادته سنة 255 هـ في الخامس عشر من شعبان، وإنّ أُمّه هي (نرجس)، وكانت جاريةً عند إحدى
____________________
(1) أُصول الكافي / الجزء الأَوّل – كتاب الحجّة، وراجع إثبات الوصية / المسعودي: ص 219.
أخوات الإمام علي الهادي (ع)، فطلبها الإمام العسكري وتزوّجها، وولدت منه الإمام المهدي، كما صرّح به الإمام العسكري بسند صحيح لا خدشة فيه) (1) .
وقد بشّر الإمام العسكري أصحابه وشيعته خاصةً بالمولود المبارك، وأنّه الخلف الحجّة الموعود والإمام من بعده (2) .
وأخيراً لابدّ من التنبيه أيضاً، إلى أنّ منهج هؤلاء المنكرين في قضية الإمام المهدي (ع)، يقوم على أُسلوب كان قد اتبعه المستشرقون من قبل في معالجاتهم ومناقشاتهم لعقائد الإسلام، ونبوة النبي محمد (ص) خاتم الأنبياء، ولِماَ جاء في القرآن الكريم من المفاهيم والأفكار والأحكام، وهذا الأسلوب يتمثّل - كما يرى المستشرق المنصف آربري (3) - (باقتطاع النصوص من سياقها، وبالتحليل السطحي...)
هذا فضلاً عن المغالطات والمفارقات المنهجية، كالإحالة إلى المصادر بصورةٍ غير دقيقة وغير أمينة (4) ، وكالتدليس والكذب في نسبة الآراء، إذ يوردون نصوصاً ثمّ يذكرون المصادر جملةً، على سبيل التمويه، والأنكى والأَعجب أنّهم - وبحسب تحليلهم السطحي - يطرحون فهمهم لبعض المطالب على أنّه المفهوم والرأي عند المذهب أو الطائفة، وهو فهم غير دقيق، ثمّ يحاولون أن يحشّدوا النصوص ويقسروها؛ لتتلاءم مع تصوراتهم وأفهامهم هُم، وليس مع ما ذهب إليه المذهب، أو مع ما كان مقبولاً ومعتمداً.
____________________
(1) راجع المصدرينِ السابقين، وتفصيلات وافية عن الموضوع في دفاع عن الكافي / السيد ثامر العميدي 1: 546 وما بعدها.
(2) راجع دفاع عن الكافي المصدر السابق في ما نقله بطرق صحيحة معتبرة عن الكافي وغيره.
(3) راجع المستشرقون والإسلام / الدكتور عرفان عبد الحميد: ص 19.
(4) راجع إحسان إلهي ظهير في كتابه الشيعة والتشيّع / فِرق وتاريخ، ومَن تابعه فيما أشاروا إليه من كتاب الإمامة والتبصرة من الحيرة لابن بابويه القمي (والد الصدوق) (ت/329) ففيه أدلة ضدهم، وراجع ما انتقوه من فرق الشيعة للنوبختي، وفيه غير ما ذهبوا إليه.
وأرى لِزاماً عليّ التنبيه أيضاً إلى أمرٍ مهم، ذكره العلاّمة محمد تقي الحكيم في كتابه الأصول العامة للفقه المقارن قائلاً: (إنّ مجتهدي الشيعة لا يُسوّغون نسبة أي رأي يكون وليد الاجتهاد إلى المذهب ككل، سواء كان في الفقه أم الأصول أم الحديث، بل يتحمّل كل مجتهد مسؤولية رأيه الخاص، نعم ما كان من ضروريات المذهب يصح نسبته) (1) .
ومن هنا يكون من المجازفة في القول تعميم الرأي الاجتهادي ما لم يحظَ بالقبول والشهرة، وكذلك الأمر في المجالات الأخرى، فإنّه لو ذهب أحد المفسّرين أو الأخباريين إلى رأي، أو أخذ برواية، أو أبدى وجهة نظر معيّنة، وحتى لو اعتمد نظريةً أو فكرةً، فإنّه لا يصح تحميل المذهب أو الطائفة ذلك، بل يكون من المنطقي نسبة الرأي إليه، وتحمّله هو اعتماده على هذه الرواية، أو تلك، مع ضرورة الأخذ بنظر الاعتبار منهجه الروائي الخاص.
ويكون حينئذ على الباحث العلمي، أن يحصر رأي المذهب من مجموع آراء الفقهاء والعلماء، واستناداً إلى المنهج العام، لديهم بما في ذلك منهجهم في قبول الأخبار والروايات والأسانيد، وكذلك يُشترط الرجوع إلى ما أصّلوه من المفاهيم والآراء، بالرجوع إلى المصادر الأصلية والأساسية لديهم.
وعليه فبدون ذلك، أعني بدون الالتفات إلى هذه الملاحظة المهمة، فإنّ الباحثين سيقعون بلا أدنى شك في الخلط والمجازفة والاشتباه، ولا يُعفون حينئذ من سوء القصد ومحاولة المشاغبة والتشويش، وهو ما دأبَ عليه أسلافهم من المستشرقين وخصوم الإسلام، أو الحاقدين على أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى مدرستهم الأصلية في الإسلام الحنيف، كما هو شأن إحسان إلهي ظهير، والجبهان، والبنداري، وغيرهم في القديم والحديث.
____________________
(1) الأصول العامة للفقه المقارن: ص 596، الطبعة الثانية 1979 ميلادي، دار الأندلس / بيروت.
وتبقى كلمة أخيرة فيما يتعلّق بالمهدي الموعود (عليه السلام) بعد ثبوت ولادته الميمونة ووجوده المبارك، وهي مسألة تعقّل وعقلانية استمرار وجوده الشريف، وثبوت ذلك منذ الغيبة الصغرى، وحتى انقطاع السفارة ثمّ وقوع الغيبة الكبرى.
وهنا سيجد القارئ الكريم والباحث الطالب للحقيقة سيجد فيما كتبه السيد الشهيد، ووضّحه من هذه المطالب، وما ساقه من الأدلة العقلية، والمنطقية، والعلمية، ما يشفي الغليل، ويزيل أوهام وتعلّقات المشكّكين.
ثانياً: منهج المثبتين
1- المنهج الروائي:
إنّ الذين كتبوا في قضية المهدي (ع) كثيرون جداً، قديماً وحديثاً، ومنهم مَن أفرده بكتاب مستقل، ومنهم مَن كتب فصلاً أو فصولاً، وقد أحصى عبد المحسن العباد في بحثه - المنشور في مجلة الجامعة الإسلامية الصادرة بالمدينة المنورة - أكثر من عشرة مؤلّفين من أجلاّء علماء أهل السُنة، منهم:
الحافظ أبو نعيم.
والسيوطي الشافعي.
والحافظ ابن كثير.
وعلي المتقي الهندي صاحب كنز العمّال.
وابن حجر الملكي في مؤلّفه: (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر).
ومرعي بن يوسف الحنبلي (ت / 1033 هـ)، ومؤلّفه الذي سمّاه (فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر)، ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهية.
ومنهم القاضي محمد بن علي الشوكاني (ت/ 1250 هـ) الذي سمّى مؤلّفه (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح) إلى غيرهم.
أمّا عند الشيعة فهناك عشرات الكتب والرسائل، التي كُتبت ونُشرت قديماً وحديثاً منهم أخيراً:
منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر للشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني.
إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب للشيخ علي اليزدي الحائري.
المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السُنة والإمامية للشيخ نجم الدين العسكري، نشر مؤسسة الإمام المهدي / طهران.
الإمام المهدي لعلي محمد علي دخيل / طبع بيروت، وهو جليل ومهم جداً.
وقد اعتمد هؤلاء العلماء وغيرهم في مناقشاتهم لدعاوي المنكرين على الأدلة النقلية غالباً، فأثبتوا صحة أحاديث المهدي من طرق أهل السُنة والشيعة (1) ، وتعدّد طرق الرواية، وكثرة الرواة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، من سائر الفِرق والمذاهب الإسلامية.
فقد نقل السيخ العبّاد، أنّ رواة حديث المهدي من الصحابة ستة وعشرون راوياً، أمّا الأئمة الذين خرّجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي، فيبلغ عددهم ثمانية وثلاثون، ذكر أسماءهم وفي مقدمتهم:
أبو داود في سُننه. الترمذي في جامعه. النسائي في سُننه. أحمد في مسنده. أبو بكر بن شيبة في المصنّف. الحافظ أبو نعيم في الحلية وفي كتاب المهدي. الطبراني في المعجم الكبير والأوسط. ابن عساكر في تاريخه. أبو يعلى الموصلي في مسنده. ابن جرير في تهذيب الآثار. البيهقي في دلائله. ابن سعد في الطبقات. و غيرهم.
ونريد أن نسأل (أحمد أمين) ومَن عزف على نغمته هنا: هل أنّ مثل هؤلاء الأئمة من علماء الحديث والرواة المعتبرين، الذين تلقّتهم الأمّة بالقبول، واعتمدت عليهم فيما نقلوه من صحيح الآثار أو صحّحوه، كلهم يتواطؤن على نقل (أسطورة)؟، وكيف يعقل أن تهتم الأمّة، وأَجِلّة العلماء والمحقّقين، وأصحاب الصحاح والمسانيد (بأسطورة) إلى هذا الحد؟ ولماذا هذه الجرأة المنافية لأبسط قواعد الذوق والمنطق والعلم والأخلاق؟ أَوَ ليس تدل مثل هذه التشويشات على
____________________
(1) راجع: عقيدة أهل السُنة والأثر في المهدي المنتظر / الشيخ عبد المحسن العبّاد، مجلة الجامعة الإسلامية / العدد الثالث / السنة الأُولى 1969 م، وراجع: منتخب الأثر / العلاّمة الصافي الكلبايكاني.
ركوب الهوى، أو الانسياق واللهاث وراء تلويحات الوهابية، (ورنين إغراءاتها)؟ بل إنّ العلماء المتقدّمين منهم والمتأخرين، أثبتوا تواتر أحاديث المهدي؛ ليقطعوا الطريق والعذر على المتشكّكين والمتأوّلين، كما فعل:
الشوكاني (ت/ 1250 هـ) في رسالته المسمّاة بـ (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي والدجّال والمسيح).
والبزرنجي (ت/ 1103هـ) في (الإشاعة لأشراط الساعة).
ثمّ ذكر الشيخ عبد المحسن العبّاد في بحثه المنشور في مجلة الجامعة الإسلامية آخرين، منهم:
الحافظ الآبري السجزي (ت/ 363 هـ).
والشيخ محمد السفاريني (ت/ 1188 هـ) في كتابه لوامع الأنوار البهية.
الشيخ صدّيق حسن القنوجي (ت/ 1307 هـ).
ومن المتأخرين الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي، الشيخ محمد بن جعفر الكتاني (ت/1345هـ) في كتابه نظم المتناثر في الحديث المتواتر.
وقد تصدّى العلماء أيضاً إلى ما تعلّق به الخصوم من دعاوي، وما أثاروه من إشكالات وطعون في الروايات، وأجابوا (1) عن ذلك بجوابات سديدة ومتينة، ولعلّ من أهم هذه الدراسات الحديثة:
ألف: دراسة عبد المحسن العبّاد (2) - وهو أستاذ جامعي ومن علماء أهل السُنة - وهي على ما فيها من زلات واشتباهات، إلاّ أنّه عرض فيها بالتفصيل لذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي (ع) عن رسول الله (ص)، وأحصى منهم ستة وعشرين صحابياً، ثمّ ذكر أسماء الأئمة الذين خرّجوا أحاديث المهدي (ع)، وأحصى منهم - أي من أئمة الحديث - ثمانيةً وثلاثين، ثمّ أورد بعد ذلك أسماء العلماء الذين أفردوا مسألة المهدي (ع) بالتأليف، وذكر عشرة منهم، ثمّ ذكر بعض الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي (ع)، ثمّ انتقل إلى ذكر ما ورد في الصحيحين ممّا له تعلّق
____________________
(1) راجع الأجوبة عن طعونهم في دفاع عن الكافي / السيد ثامر العميدي 1: 205.
(2) تقدّمت الإشارة إلى عنوان بحثه ومصدره.
بالمهدي (ع)، ثمّ انتقل إلى ذكر بعض الأحاديث في غير الصحيحين من السُنن والمسانيد، ثمّ ذكر بعض العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي (ع)، واعتقدوا موجبها، ثمّ تعرّض بالمناقشة القوية للمنكرين لأحاديث المهدي (ع)، أو المتردّدين في شأنه، وذكر منهم ابن خلدون، وسجّل عليه ملاحظات وإيرادات، أظهر فيها تهافته وعدم تبصّره بالأمور، ونقل عن الشيخ المحقّق أحمد شاكر - الذي حقّق مسند الإمام أحمد، وخرّج أحاديثه - قوله عن ابن خلدون راداً عليه تشكيكاته:
(أمّا ابن خلدون فقد قفا ما ليس به علم، واقتحم قُحَماً لم يكن من رجالها، وأنّه تهافت تهافتاً عجيباً في الفصل الذي عقده في مقدمته للمهدي (ع)، وغلط أغلاطاً واضحة...) وانتهى آخر الأمر إلى أن المهدي (ع) حقيقة ثابتة لا تقبل الشك.
باء: أمّا الدراسة الثانية فكانت للباحث والمحقّق ثامر العميدي، الذي جرى على منهج علماء الإمامية الأجلاّء الذين عالجوا هذه المسألة، وأشبعوها بحثاً واستقصاءً، واستطاع هذا الباحث الفاضل أن يلخّص تلك المطالب، ويستوفي تلك المضامين ويستوعبها، ويضفي على ذلك كله من بيانه وتحقيقاته، ويخرجه على منهج علمي رصين، وقد استغرقت هذه الدراسة الصفحات من 171 إلى 611 من الجزء الأَوّل من كتابه القيم (دفاع عن الكافي)، الذي نشره مركز الغدير للدراسات الإسلامية سنة 1995 م.
ومن أهم الأمور التي عرض لها بأُسلوب علمي: تحليل فكرة الاعتقاد بالمهدي (ع) (1) ، ومناقشاته لتضعيفات ابن خلدون (2) ، ونقله أكثر من ثمانٍ وخمسين (3) شهادة وتصريح بصحة أحاديث المهدي (ع) أو تواترها، ثمّ مناقشته لمَن أنكر ولادة
____________________
(1) دفاع عن الكافي / السيد ثامر العميدي 1: 171 وما بعدها.
(2) المصدر نفسه 1: 205.
(3) المصدر نفسه 1: 343.
المهدي (ع)، وإيراده أدلةً وافية متينة، واعترافات من أهل السُنة بدءً من القرن الرابع الهجري، وحتى قرننا الحالي، بولادة الإمام المهدي (ع) ووجوده الشريف (1) ، وأخيراً مناقشته الطريفة لفرية السرداب (2) وغيرها.
لقد أوردتُ هاتين الدراستين، بصفتهما نموذجينِ حديثينِ للدراسات التي التزمت بمسلك العلماء المتقدّمين، والإفادة منهم واتّباع منهجهم، وإلاّ فهناك عشرات الدراسات لأفاضل العلماء والمحقّقين، ممّن برع في مناقشة تلك القضية (3) .
2- المنهج العقلي (منهج الشهيد الصدر (رض))
لم ينطلق الشهيد الصدر في بحثه (قضية المهدي (ع))، من بديهيات ومقدمات مسلّم بها عند الأطراف، ولم يعتمد تتبع القضية في كتب التفسير والرواية، أو مناقشة ما ورد بشأنها من أسانيد، وإنّما سلك مسلك آخر، فبدأ بطرح الإثارات حول القضية، وعرض التساؤلات والإشكالات المنتزعة ممّا قيل ويقال حول القضية، ثمّ بدأ بالمناقشة العميقة والدقيقة معتمداً الدليل العقلي، ومستنداً إلى معطيات العلم والحضارة المعاصرة، ونعرض معالم هذا المنهج كما يأتي:
ألف: لقد مهّد السيد الشهيد لبحثه، بإعطاء تصوّر واضح لفكرة المهدي (ع) (4) ، في جذورها الممتدة إلى التراث الديني والإنساني، ثمّ انتقل إلى تأصيلها في الفكر الإسلامي، ثمّ عرضها في التصوّر الإسلامي على أنّها ليست مجرد فكرة وأمل
____________________
(1) دفاع عن الكافي 1: 535.
(2) المصدر نفسه 1: 593.
(3) راجع ما أشار إليه وذكره الشيخ العبّاد في دراسته المشار إليها سابقاً، وراجع ما ذكره السيد الجلالي أيضاً في بحثه المذكور في مطلع المقدمة، وراجع دراسة الشيخ علي محمد علي دخيل المشار إليها في الصحيفة 32.
(4) راجع الصحيفة 55 وما بعدها من هذا الكتاب.
يداعب الشعور، ويجد عنده الإنسان المسلم استراحةً تخلّصه من حالة التوتر النفسي، عندما تشتد وتتعاظم المحنة - كما هو زَعم بعض الباحثين - وإنّما (المهدي (ع)) يتجسّد في إنسان معيّن (1) حي، يعيش مع الناس ويشاركهم همومهم وآلامهم، ويترقّب مثلهم اليوم الموعود.
باء: إنّ هناك صعوبةً في استيعاب هذا التصوّر الأصيل، فقد أثار إشكالات وتساؤلات هي في عقول الناس، وفي حواراتهم المعلنة والحبيسة، ومن هنا بدأ الشهيد الصدر (رض) يطرح هذه التساؤلات والإثارات بكل صراحة ووضوح، ثمّ يشرع في معالجتها بأسلوبه الخاص؛ وذلك ليضع القضية في محلها الطبيعي ضمن إطار العقيدة الإسلامية، التي تقوم أساساً على العقلانية والواقعية والبرهان.
أ - والتساؤل الأَوّل الذي يطرحه السيد الشهيد هو:
(إذا كان المهدي (ع) يعبّر عن إنسان حي عاصر كل تلك الأجيال المتعاقبة، منذ أكثر من عشرة قرون، وسيظل يعاصر امتداداتها، فكيف تأتى له هذا العمر الطويل؟ وكيف نجا من القوانين الطبيعية التي تحتمّ مروره بمرحلة الشيخوخة والهرم؟). ثمّ ينتقل من سؤال إلى سؤال، ومن إثارة إلى إثارة، بترتيب منطقي يمهّد الجواب السابق للاحق، وتترابط المضامين والمباحث ترابطاً منهجياً محكماً.
وبالنسبة إلى السؤال الأَوّل أعاد طرحه كالآتي: هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً متطاولةً، كما هو المفترض في المهدي (ع) الذي طوى من العمر أكثر من ألف ومئة وأربعين سنة (2) ؟ وهذه الصياغة للسؤال لا تختلف بشيء عن السابق،
____________________
(1) راجع الصحيفة 55 –56 من هذا الكتاب.
(2) هذا التاريخ إشارة، إلى الفترة من ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، إلى تاريخ كتابة البحث وإنجازه في سنة 1397 هـ.
وتمهيداً للجواب أعطى إيضاحاً لأنواع الإمكان المتصوّرة أو المعروفة، وهي الإمكان العملي، والإمكان المنطقي أو الفلسفي، وبعد أن بيّن المقصود بها خلص إلى القول: (إنّ امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقياً؛ لأنّ ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية)، وإنّ الإمكان العملي بالنسبة إلى نوع الإنسان ليس متاحاً الآن، والتجربة المعاصرة لا تساعد عليه.
أمّا الإمكان العلمي فلا يُوجد ما يبرّر رفض ذلك من الناحية النظرية؛ لأنّ التجارب آخذة بالازدياد لتحويل الإمكان العلمي إلى إمكان عملي، وهي سائرة بهذا الاتجاه من زاوية محاولاتها لتعطيل قانون الشيخوخة.
وفي ضوء هذا لا يبقى مبرّر منطقي للاستغراب والإنكار، اللهم إلاّ من جهة أن يسبق (المهدي (ع)) العلم نفسه، فيتحوّل الإمكان النظري إلى إمكان عملي في شخصه قبل أن يصل العلم في تطوّره إلى مستوى القدرة الفعلية، وهذا أيضاً لا يوجد مبرّر عقلائي لاستبعاده وإنكاره، إذ هو نظير مَن يسبق العلم في اكتشاف دواء السرطان أو غيره مثلاً.
إنّ هذا السبق - كما يقول السيد الشهيد - في الأطروحة الإسلامية عموماً - التي صمّمت قضية المهدي (ع) - قد وقع وحصل في أكثر من مفردة وعنوان، وقد سجّل القرآن الكريم نظائر ذلك، حين أورد وأشار إلى حقائق علمية تتعلّق بالكون والطبيعة، وجاء العلم فأزاح الستار عنها أخيراً، والأكثر صراحةً أنّ القرآن قد دوّن أمثال ذلك كما في مسألة عمر النبي نوح (ع)، قال تعالى ( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَامًا ) سورة العنكبوت: 14، ثمّ ينتقل السيد الشهيد إلى افتراض آخر ينشأ عن السابق وهو:
ماذا لو افترضنا أنّ قانون الشيخوخة قانون صارم، وأنّ إطالة العمر أكثر من الحد الطبيعي والمعتاد خلاف القوانين الطبيعية التي دلّنا عليه الاستقراء؟!.
و جوابه: أنّه حينئذ يكون من قبيل المعجزة، و هي ليست حالةً فريدة في
تاريخ الأنبياء والمرسلين، والأمر بالنسبة للمسلم الذي يستمد عقيدته من القرآن والسنة المشرّفة ليس أمراً منكراً؛ إذ هو يجد أنّ القانون الذي هو أكثر صرامةً قد عُطّل، كما حدث بالنسبة إلى النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام) في نجاته من النار العظيمة بعد أن أُلقي فيها، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) سورة الأنبياء: 69.
ثمّ يبيّن السيد الشهيد بعد ذلك، أنّ مسألة المعجزة بمفهومها الديني قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومةً بدرجةٍ أكبر ممّا كانت عليه، وشرع في تقديم المعالجة الفلسفية المتينة مستنداً إلى النظريات الفلسفية الحديثة.
ب - وينتقل السيد الشهيد إلى سؤال آخر وهو:
لماذا كل هذا الحرص على إطالة عمر المهدي (ع) إلى هذا الحد، فتُعطّل القوانين لأجله؟ ولماذا لا نقبل الافتراض الآخر الذي يقول: إنّ قيادة البشرية في اليوم الموعود يمكن أن تُترك لشخص آخر، يتمخّض عنه المستقبل وتنضجه إرهاصات ذلك اليوم؟ ويعيد صياغة السؤال كالآتي:
ما هي فائدة هذه الغيبة الطويلة؟ وما هو المبرّر لها؟ ويعقّب هنا قائلاً: إنّ الناس لا يريدون أن يسمعوا جواباً غيبياً، أي أنّهم يطالبون بتفسير اجتماعي للموقف، على ضوء الحقائق المحسوسة لعملية التغيير الكبرى نفسها.
وللإجابة عن هذا السؤال، يتقدّم السيد الشهيد وهو متسلّح بالمعرفة بقوانين الاجتماع، وبمتطلبات التغيير الاجتماعي وقوانينه، فيبدأ بطرح سؤال يمهّد به للإجابة، وهو:
هل يمكن أن نعتبر هذا العمر الطويل للقائد المدّخر، عاملاً من عوامل نجاحه في عملية التغيير المرتقب؟ ثمّ يجيب بالإيجاب، ويقدّم أدلةً تستند إلى فهم عميق
لحركة التاريخ، ومستلزمات التغيير الحضاري الشامل، وأثر الحضارات التي ينشأ الإنسان في ظلها على مستوى تفكيره ورؤاه ودوره الحضاري، ثمّ يكيّف المسألة في ضوء رسالة الإسلام والنقلة الحضارية التي يريدها.
وهكذا يحوّل السيد الشهيد البحث إلى دراسة اجتماعية، تعتمد المقولات والمفاهيم الاجتماعية، فضلاً عن تأصيل مفاهيم ونظرات اجتماعية مهمة.
ج - ينتقل الشهيد الصدر (رض) بعد ذلك إلى معالجة قضية أكبر ترتبط بقضية المهدي (ع) وهي:
(الإمامة المبكّرة) أو (كيفية إعداد القائد الرسالي) في نظرية الإمامة عند الشيعة الاثني عشرية، فيذكر أنّ هذه الظاهرة (الإمامة المبكّرة) عاشتها الأمّة فعلاً (1) ، وقد بلغت ذروتها في الإمام المهدي، والإمام الجواد (عليهما السلام) من قَبلِه.
وهذه الظاهرة - كما يقول رضوان الله تعالى عليه - (تشكّل مدلولاً حسياً عملياً عاشه المسلمون، ووعوه في تجربتهم مع الإمام بشكل وآخر، ولا يمكن أن نطالب بالإثبات لظاهرةٍ من الظواهر هي أوضح وأقوى من تجربة أمّة) (2) .
ويورد السيد الشهيد كثيراً من الحقائق التاريخية التي تؤكّد هذه الظاهرة، ثمّ يخلص إلى القول: بأنّها أي الإمامة المبكّرة في ضوء ذلك كانت ظاهرةً واقعية، وليست وهماً أو مجرد افتراض، وأنّ لها أمثلةً في القرآن الكريم، كما هو الأمر بالنسبة إلى النبي يحيى (ع)، في قوله تعالى ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ) سورة مريم: 12. وهذا ما لا يسع المسلم إنكاره.
____________________
(1) راجع: الإرشاد / الشيخ المفيد: ص 319 وما بعدها، وأيضاً الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 223 و 224.
(2) راجع: الصواعق المحرقة، كما سيذكر في محله من الكتاب المحقّق ص 94.
د - وينتقل السيد الشهيد إلى البحث الروائي، وإلى ما ردّده وأثاره المشكّكون والخصوم قديماً وحديثاً بقوله:
(كيف نؤمن فعلاً بوجود المهدي (ع)؟ وهل تكفي بضع روايات تُنقل في بطون الكتب عن الرسول الأعظم (ص) للاقتناع الكامل بالإمام الثاني عشر (ع)، على الرغم ممّا في هذا الافتراض من غرابة وخروج عن المألوف؟ بل كيف يمكن أن نثبت أنّ للمهدي وجوداً تاريخياً حقاً، وليس مجرد افتراض توفّرت ظروف نفسية لتثبيته؟).
هكذا يطرح السيد الشهيد هذا السؤال بكل تفرعاته الممكنة، والمنتزع بعضها ممّا أثاره أو يثيره بعض المتأثرين بمناهج الغرب، في دراسة تاريخنا الإسلامي، وقضيانا الإسلامية مثل أحمد أمين في دراسته (المهدي والمهدوية)، ومَن سلك هذا المسلك من الخصوم (1) .
ويتصدّى السيد الشهيد للإجابة عن هذا السؤال متسلّحاً ومتوسلاً بمنطق العقل والدليل العقلي، وعندما يعرض الدليل الروائي أيضاً في المقام، نجده يعرضه مدعوماً بالوثائق والواقع والتجربة التاريخية، ولنسمعه يقول:
(إنّ فكرة المهدي (ع) بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل، قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم (ص) عموماً، وفي روايات أئمة أهل البيت (ع) خصوصاً، وأُكّدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشك، وقد أُحصي أربعمِئة حديث عن النبي (ص) من طرق إخواننا أهل السُنة، كما أُحصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهدي(ع) من طرق الشيعة والسُنة، فكانت أكثر من (ستة آلاف روايةً)، وهذا - كما يقول السيد الشهيد - رقم إحصائي كبير لا يتوفر نظيره في كثير
____________________
(1) أشرنا إلى طائفة منهم في الصحيفة 16.
من قضايا الإسلام البديهية التي لا يشك فيها مسلم عادة) (1) .
ج - يتخذ السيد الشهيد (رض) هنا مسلكاً جديداً في الاستدلال على (الخصوصية المذهبية)، أي مسألة تجسيد الفكرة (فكرة المهدي) في إنسان معيّن هو الإمام الثاني عشر (ع)، مستفيداً من الروايات والبحث الروائي، وموظّفاً ذلك بصورة مبدعة في إثبات (المهدي (ع))، فيطرح أَوّلاً المبرّرات التي يراها كافية للاقتناع، ويلخّصها في دليلين أحدهما أطلق عليه (الدليل الإسلامي) والآخر (العلمي) فيقول: (فبالدليل الإسلامي نثبت وجود القائد المنتظر، وبالدليل العلمي نبرهن على أنّ المهدي (ع) ليس مجرد أسطورة وافتراض، بل هو حقيقة ثبت وجودها بالتجربة التاريخية).
ويشرع بتقديم الدليل الإسلامي، فيراه متمثّلاً بمئات الروايات الواردة عن الرسول الأكرم (ص)، والأئمة من أهل البيت (ع)، والتي تدل على تعيّن المهدي (ع)، وكونه من أهل البيت (ع)، ومن وُلد فاطمة (ع)، ومن ذرية الحسين (ع)، وليس من ذرية الحسن، وأنّه التاسع من وُلد الحسين (ع)، وأنّ الخلفاء اثنا عشر، فإنّ هذه الروايات تحدّد تلك الفكرة العامة، وتشخّصها في الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (ع).
ثمّ يقول رضوان الله تعالى عليه بشأن تلك الروايات: (وهي روايات بلغت درجةً كبيرة من الكثرة والانتشار - كما ورد عن طرقنا - على الرغم من تحفّظ الأئمة واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام؛ وقايةً للخلف الصالح من الاغتيال...).
إنّ الروايات الكثيرة جداً التي تشكّل رقماً إحصائياً كبيراً – أي بلوغها حدّ
____________________
(1) راجع الصحيفة 103ـ 104 من هذا الكتاب.
التواتر كما حكى غير واحدٍ من العلماء - يرى السيد الشهيد أنّ الأساس في قبولها، ليس مجرد الكثرة العددية، على الرغم من أنّه قد استقر في الأوساط العلمية الروائية اعتبار مثل هذه الكثرة، بل هناك إضافةً إلى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحتها.
فالحديث الشريف عن الأئمة أو الخلفاء أو الأمراء بعده (ص)، وأنّهم اثنا عشر إماماً أو خليفةً أو أميراً على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة، قد أحصى بعض المؤلّفين رواياته، فبلغت أكثر من مِئتين وسبعين روايةً مأخوذةً من أشهر كتب الحديث عند الشيعة والسُنة، بما في ذلك البخاري ومسلم، والترمذي وأبي داود، ومسند أحمد ومستدرك الحاكم، وقد لاحظ الشهيد الصدر (رض) هنا، أنّ البخاري (المولود 194، والمتوفى 256 هـ) الذي نقل الحديث كان معاصراً للإمام الجواد (ع) والإمامين الهادي والعسكري (ع)، وفي ذلك مغزى كبير؛ لأنّه يبرهن على أنّ الحديث قد سُجّل عن النبي (ص) قبل أن يتحقّق مضمونه، وهذا يعني أنّ نقل الحديث لم يكن متأثراً بالواقع الإمامي الاثني عشري، أو يكون انعكاس له؛ لأنّ الروايات المزيّفة التي تُنسب إلى النبي (ص)، وهي انعكاسات أو تبريرات لواقع متأخر زمنياً، لا تسبق في ظروفها وتسجيلها كتب الحديث، ولقد جاء الواقع الإمامي الاثنا عشري ابتداءً بالإمام علي (ع) وانتهاءً بالمهدي (ع)؛ ليكون التطبيق الوحيد المعقول لذلك الحديث النبوي الشريف.
هذا هو الدليل الإسلامي، كما اصطلح عليه السيد الشهيد، أي الدليل الروائي في إثبات المهدي (ع).
أمّا الدليل الآخر الذي اصطلح عليه بـ (العلمي)، والذي يسوقه السيد الشهيد؛ لإثبات الوجود التاريخي للمهدي (ع)، وأنّه إنسان بعينه وُلد وعاش واتصل بقواعده الشعبية وبخاصته، فإنّ هذا الدليل يتكوّن كما يرى السيد الشهيد من التجربة التي
عاشتها أُمّة من الناس فترةً امتدت سبعين سنةً تقريباً، وهي فترة الغيبة الصغرى.
ويعطي السيد الشهيد هنا فكرةً عن هذه الغيبة، ويفلسفها، مبيّناً دور القائد المهدي (ع)، ودور سفرائه الأربعة، وما صدر عنه من (توقيعات)، أي رسائل وإجابات كلها جرت على أسلوب واحد، وبخطٍ واحد وسليقة واحدة، طيلة نيابة النوّاب الأربعة، المختلفين أسلوباً وسليقةً وذوقاً وخطاً وبياناً، ومثل هذا كاشف بالضرورة عن وجود (الرجل)؛ لأنّه ثبت واستقر في الأوساط الأدبية وبما لا يقبل الشك أنّ الأسلوب هو الرجل، وكل الدارسين والمتذوقين للأدب يدركون هذه الحقيقة بوضوح.
وبعد هذه القرينة والشواهد القوية على وجود الإمام المهدي (ع) - كما يؤكّدها السيد الشهيد - يتجه إلى منطق الاستقراء ونظرية الاحتمال؛ لتعزيز ذلك فيقول: (وقد قيل قديماً: إنّ حبل الكذب قصير، ومنطق الحياة يثبت أيضاً، أنّ من المستحيل عملياً بحساب الاحتمالات أن تعيش أكذوبة بهذا الشكل، وكل هذه المدة، وضمن كل تلك العلاقات، والأخذ والعطاء، ثمّ تكسب ثقة جميع مَن حولها).
وهكذا يخلص السيد الشهيد إلى القول أخيراً: (أنّ ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن أن تُعتبر بمثابة تجربة علمية؛ لإثبات ما لها من واقع موضوعي، والتسليم بالإمام القائد (ع)، بولادته، وحياته، وغيبته، وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى، التي استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لأحد) (1) أي حتى يأذن الله تعالى له بالظهور؛ لتأدية دوره ووظيفته التغييرية الكبرى (فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً) ، كما بشّر بذلك خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد (ص)، وهذا هو ما عليه اعتقاد الإمامية، ومقتضى توقيع الإمام الثاني عشر (ع)، بإعلانه الغيبة الكبرى.
وأخيراً واستكمالاً للبحث، ربّما يثير بعضهم سؤالاً حول المنهج الذي اتّبعه
____________________
(1) راجع الصحائف 104 - 111 من هذا الكتاب.
الإمام الشهيد - كما حدّدناه، وكما هو في واقعه - والسؤال هو:
لماذا لم يسلك السيد الشهيد منهج المتقدّمين في البحث الروائي، ويضفي عليه من إبداعاته والتفاتاته ما يزيل الشكوك والتقوّلات، التي تُثار حول أسانيد الروايات، وتضعيف بعضهم لها؟
وفي الجواب عن ذلك نسجّل الملاحظات الآتية:
أَوّلاً: لقد ذكر السيد الشهيد أنّ هناك عدداً هائلاً من الروايات، بلغت رقماً إحصائياً لم يتوفّر لأي قضية مشابهة من قضايا الإسلام، بل إنّ بعضهم حكى التواتر فيها، وعليه فليس بوسع مسلم إنكار ذلك، أوعدم الاعتقاد بموجبه اللهم إلاّ لجهة أخرى، وليس هي إلاّ جهة تعقّل المسألة، وقد حظيت باهتمامه وبالتركيز عليها.
ثانياً: إنّ أكثر المنكرين المعاصرين إنّما أنكروها من زاوية؛ عدم تعقّل الفكرة، أو تشخيصها وتجسيدها في إنسان وُلد قبل القرون، وما يزال ذا وجودٍ حي حقيقي، ومن هنا اتجه السيد الشهيد - بلحاظ أنّ القضية في حقيقتها إسلامية، وليست مذهبيةً فحسب - إلى (عقلنتها) من جميع جهاتها أو ما يلابسها، تصوّراً وقبولاً وواقعاً.
ثالثاً: إنّ شأن الإيمان بالمهدي (ع) شأن الإيمان بمطلق ما ورد من المغيّبات، ممّا ثبت عن طريق الرواية كسؤال منكر ونكير في القبر، ونحو ذلك ممّا لم يرد في البخاري ومسلم (1) ، ومع ذلك فإنّ أحداً من أبناء الإسلام لا يسعه إنكاره.
رابعاً: إنّ الاختلاف بين المتعبّدين بحجية الخبر الصحيح، والإيمان بموجبه،
____________________
(1) راجع بحث الشيخ عبد المحسن العبّاد، المنشور في مجلة الجامعة الإسلامية الصادرة بالمدينة المنورة / سنة 1969 م.
وعدم جواز تكذيبه، إنّما كان في مصداق القضية المتجسّد في إنسان، لا في أصل قضية المهدي (ع)، وهو ممّا احتاج إلى تقديم المبرّرات المنطقية والعلمية لقبوله.
خامساً: إنّ الذين أنكروا أو شكّكوا بالروايات الواردة في المهدي، وحاولوا تضعيفها، ليسوا من أهل الفن والعلم بالرواية وبالأسانيد (1) ؛ ولذلك فليس ما يدعو إلى إتعاب النفس معهم كثيراً، بل لابدّ من الاتجاه إلى تثبيت العقيدة في نفوس المؤمنين، وذلك (بعقلنتها) وتوظيفها لإصلاح شأنهم وشؤونهم.
ولقد تعامل السيد الشهيد مع قضية المهدي (ع) على أنّها تجربة أمّة، وقضية أمّة، وكحقيقة ثابتة تاريخية تعيشها الأمّة، شعوراً، وأملاً، وترقّباً وانتظاراً إيجابياً فاعلاً ومؤثراً في حياتها، وجهادها المستمر بلا هوادة في مواجهة الظلم والظالمين، والطغاة و الجبّارين، هذا فضلاً على أنّ العلماء المتقدّمين والمتأخرين، قد أشبعوا هذا الموضوع بحثاً وتحقيقاً، وناقشوا مناقشات وافيةً شافية، كلّ الطعون والأقوال والتضعيفات المزعومة، وقد أشرنا إلى ذلك آنفاً.
سادساً: إنّ من التهافت، والخطل في الرأي، بالنسبة إلى مَن يؤمن بموجب الخبر الصحيح، ويوجب تصديقه؛ لمجرد وروده في البخاري حتى لو كان مصادِماً لبعض الحقائق الطبيعية، أو منافياً للعقل أو للذوق إذ يوجب تأويله حينئذٍ (2) ، حيث وردت مجموعة من الأحاديث والروايات ممّا يتنافى مع العقل والذوق في صحيح البخاري، ثمّ عندما تصل النوبة إلى مسألة (المهدي المنظر (ع)) على تعدّد طرقها، وصحة أسانيدها في السُنن والمسانيد، وعلى شرط البخاري ومسلم، نراه يتوقف أو يتحفّظ أو يتردّد، وليس لديه حجّة إلاّ أنّ المسألة - حسب تصوره القاصر -
____________________
(1) راجع البحث السابق للشيخ العبّاد، ودفاع عن الكافي / السيد ثامر العميدي 1: 205- 523.
(2) راجع: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: ص 276، طبعه القاهرة 1326 هـ، أضواء على السُنة المحمدية / الشيخ محمود أبو ريّة، دراسات في البخاري والكافي / هاشم معروف الحسني.
من معتقدات الشيعة (1) ، مع أنّها كما ثبت عقيدة السلف والخلف من جمهور الأمّة على امتداد القرون، كما نبّه إلى ذلك الشيخ منصور علي ناصف، في غاية المأمول على التاج الجامع للأصول، في الجزء الخامس وفي الصحيفة ثلاثمئة وإحدى وستين.
سابعاً: إنّ بحث السيد الشهيد (رض)، هو مقدمة لموسوعة ضخمة تتناول بالبحث الروائي مسألة المهدي (ع)، ألّفها العلاّمة السيد محمد الصدر، والسيد الشهيد (رض) عبّر عن أمله بالمؤلّف، وبأنّه أوفى المسألة حقها ومن جميع جوانبها؛ ولذا فلا مبرّر للبحث الروائي عنده.
____________________
(1) راجع ما نقله الشيخ عبد المحسن العبّاد في بحثه المذكور سابقا ً.
عملي في التحقيق
أَوّلاً : اعتمدت في ضبط النص على عِدّة طبعات، وهي وإن كانت متقاربةً، ولا يوجد بينها اختلاف مهم، إلاّ أنّنا أفدنا من مجموعها في إخراج النص بصورة دقيقة، والطبعات هي:
1- طبعة مكتبة النجاح طهران، نُشرت سنة 1978 م، وفيها مقدمة قيّمة للدكتور حامد حفني داود.
2- طبعة دار التعارف – بيروت / الطبعة الثالثة 1981 م، وفيها إشارة إلى أنّ البحث هو مقدمة كتبها الشهيد الصدر (رض) لكتاب الحجة السيد الصدر الموسوم بـ (موسوعة الإمام المهدي)، والتي أشار إليها الشهيد الصدر في آخر البحث.
3- طبعة معاونية العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي / الطبعة الأُولى – طهران 1986 م، وفيها مقدمة قيّمة للعلاّمة الشيخ محمد علي التسخيري.
ثانياً: قمت بتخريج الآيات القرآنية من المصحف الشريف.
ثالثاً: خرّجتُ الروايات من مظانها المعتبرة ومن كتب الفريقين المعتمدة.
رابعاً: وثّقتُ الإحالات والأقوال التي ذكرها الإمام الشهيد بالرجوع إلى مصادرها.
خامساً: كتبت تعليقات مناسبةً في الهامش للإشارات والتنبيهات التي وردت في البحث.
سادساً: ذكرت بعض النكات المهمة حيثما اقتضى الأمر ذلك في الهامش.
سابعاً: أضفنا بعض العناوين وحصرناها بين معقوفين ().
ثامناً: هناك بعض الهوامش للشهيد الصدر علّمنا عليها بعلامة (الشهيد الصدر).
ولا يسعني في الختام إلاّ أن أحمد الله تعالى على ما وفّقني إليه، شاكراً لكل مَن أعانني على إنجاز هذا التحقيق ونشره، مع خالص الدعاء بالتوفيق لمركز الغدير للدراسات الإسلامية لقيامه بنشر هذا الكتاب.
والحمد لله أَوّلاً وآخراً.
الدكتور / عبد الجبّار شرارة
قم المقدسة 1416 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )
القصص: 5
مقدمة المؤلّف
ليس المهدي تجسيداً لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتّجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهام فطريّ (1) ، أدرك الناس من خلاله - على الرغم من تنوّع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب - أنّ للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض، تُحقّق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها، بعد عناء طويل.
بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر، على المؤمنين دينيّاً بالغيب، بل امتدّ إلى غيرهم أيضاً، وانعكس حتى على أشدّ الإيديولوجيّات والاتّجاهات العقائدية رفضاً للغيب والغيبيات، كالمادية الجدلية التي فسّرت التاريخ على أساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود (2) ، تُصفّى
____________________
(1) إشارة إلى أن هذاّ ارتكاز في ضمير الإنسانية، واعتقاد سائد عند أغلب شعوب الأرض؛ إذ هناك شعور قويٌّ يخالج وجدان الإنسان بظهور المنقذ عندما تتعقّد الأمور، وتتعاظم المحنة، وتدلّهم الخطوب، ويُطبق الظلم، وهو ما تُبشّر به الأديان، ويحكيه تاريخ الحضارات الإنسانية.
راجع: سيرة الأئمّة الاثني عشر / هاشم معروف الحسني 2: 516 فيما نقله عن الكتب والمصادر، ومنها: نظرية الإمامية عند الشيعة / الدكتور أحمد محمود صبحي.
(2) إشارة إلى معتقد الماركسيّين وأمانيهم باليوم الموعود؛ حيث ستسود الشيوعيّة - كما يعتقدون - آخر الأمر ويتوقف الصراع المرير، استناداً إلى نظريّتهم الشهيرة في المادية التاريخية.
راجع: فلسفتنا / الشهيد الصدر (ره): ص 26 في عرض النظرية ومناقشتها.
فيه كلّ تلك التناقضات، ويسود فيه الوئام والسلام، وهكذا نجد أنّ التجربة النفسية لهذا الشعور التي مارستها الإنسانية على مر الزمن، من أوسع التجارب النفسية وأكثرها عموماً بين أفراد الإنسان.
وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العام، ويؤكّد أنّ الأرض في نهاية المطاف ستمتلئ قسطاً وعدلاً، بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً (1) ، يعطي لذلك الشعور قيمته الموضوعية، ويحوّله إلى إيمان حاسم بمستقبل المسيرة الإنسانية، وهذا الإيمان ليس مجرد مصدر للسلوة والعزاء فحسب، بل مصدر عطاء وقوة، فهو مصدر عطاء ; لأنّ الإيمان بالمهديّ إيمان برفض الظلم والجور، حتى وهو يسود الدنيا كلّها، وهو مصدر قوة ودفع لا تنضب (2)؛ لأنّه بصيص نور يقاوم اليأس في نفس الإنسان، ويحافظ على الأمل المشتعل في صدره مهما ادلهمّت الخطوب وتعملق الظلم ; لأنّ اليوم الموعود يثبت أنّ بإمكان العدل أن يواجه عالماً مليئاً بالظلم والجور، فيزعزع ما فيه من أركان الظلم، ويقيم بناءه من جديد (3) ، وأنّ الظلم مهما تجبّر وامتدّ في أرجاء العالم وسيطر على مقدّراته، فهو حالة غير طبيعية، ولابدّ أن ينهزم (4) . وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمّة مجده، تضع الأمل كبيراً
____________________
(1) إشارة إلى الحديث الشريف المتواتر: (لو لم يبقَ من الدهر إلاّ يومٌ، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما مُلئت جوراً) . راجع: صحيح سُنن المصطفى لأبي داود 2: 207، وراجع: التاج الجامع للأصول للشيخ منصور علي ناصف 5: 343.
(2) هذا ردُّ على مَن يزعم بأنّ العقيدة في الإمام المهديّ تورث الخمول والسلبية، وهو أبلغ ردّ مستفاد من الحديث الشريف نفسه.
(3) إشارة إلى دولة الإمام (ع)، التي أشار إليها الرسول الأكرم (ص)، راجع: التاج الجامع للأُصول 5: 343.
(4) إشارة إلى الوعد الإلهي في قوله تعالى: ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) . القصص: 5، وأيضاً إشارة إلى قوله تعالى: ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) . التوبة: 33، راجع في تفسير الآيتين الإشارة إلى المهديّ (ع) ينابيع المودّة / القندوزي الحنفي: ص 450.
أمام كلّ فرد مظلوم، وكلّ أمّة مظلومة، في القدرة على تغيير الميزان وإعادة البناء.
وإذا كانت فكرة المهديّ أقدم من الإسلام وأوسع منه، فإنّ معالمها التفصيلية التي حدّدها الإسلام، جاءت أكثر إشباعاً لكلّ الطموحات، التي انشدّت إلى هذه الفكرة منذ فجر التاريخ الديني، وأغنى عطاءً، وأقوى إثارةً لأحاسيس المظلومين والمعذّبين على مرّ التاريخ؛ وذلك لأنّ الإسلام حوّل الفكرة من غيب إلى واقع، ومن مستقبل إلى حاضر، ومن التطلّع إلى منقذ تتمخّض عنه الدنيا في المستقبل البعيد المجهول إلى الإيمان بوجود المنقذ فعلاً، وتطلّعه مع المتطلّعين إلى اليوم الموعود، واكتمال كلّ الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم، فلم يعد المهديّ فكرةً ننتظر ولادتها، ونبوءةً نتطلّع إلى مصداقها، بل واقعاً قائماً ننتظر فاعليته، وإنساناً معيّناً يعيش بيننا بلحمه ودمه، نراه ويرانا، ويعيش مع آمالنا وآلامنا، ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا، ويشهد كلّ ما تزخر به الساحة على وجه الأرض من عذاب المعذّبين، وبؤس البائسين، وظلم الظالمين، ويكتوي بكلّ ذلك من قريب أو بعيد، وينتظر بلهفة اللحظة التي يُتاح له فيها أن يمدّ يده إلى كلّ مظلوم، وكلّ محروم (1) ، وكلّ بائس، ويقطع دابر الظالمين.
وقد قُدّر لهذا القائد المنتظر أن لا يعلن عن نفسه، ولا يكشف للآخرين
____________________
(1) إشارة إلى بشارة الرسول الأعظم نبيّنا محمد (ص) في الحديث الشريف: (إنّ في أمّتي المهديّ، يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً) ، (الشك من الراوي) قال: قلنا: وما ذاك؟ (قال: سنين، قال: فيجيء إليه الرجل فيقول يا مهديّ أعطني أعطني قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله) .
رواه الترمذي. راجع: التاج الجامع للأصول / الشيخ منصور علي ناصف 5: 343، وفيه أكثر من إشارة إلى كون الإمام المهديّ موجود حيٌّ يعيش في وسط الأمّة، وأنّ خروجه وعيشه، سبع سنين يعني ظهوره، وقيام دولته المباركة التي فيها الخلاص والعدل.
حياته، على الرغم من أنّه يعيش معهم انتظاراً للّحظة الموعودة.
ومن الواضح أنّ الفكرة بهذه المعالم الإسلامية، تقرّب الهوّة الغيبية بين المظلومين، كلّ المظلومين والمنقذ المنتظر، وتجعل الجسر بينهم وبينه في شعورهم النفسي قصيراً مهما طال الانتظار.
ونحن حينما يراد منّا أن نؤمن بفكرة المهديّ، بوصفها تعبيراً عن إنسان حيّ محدّد، يعيش فعلاً كما نعيش، ويترقّب كما نترقّب، يُراد الإيحاء إلينا بأنّ فكرة الرفض المطلق لكلّ ظلم وجور التي يمثّلها المهديّ، تجسّدت فعلاً في القائد الرافض المنتظر، الذي سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم، كما في الحديث (1) ، وأنّ الإيمان به إيمان بهذا الرفض الحيّ القائم فعلاً، ومواكبة له.
وقد ورد في الأحاديث الحثّ المتواصل على انتظار الفرج، ومطالبة المؤمنين بالمهديّ أن يكونوا بانتظاره، وفي ذلك تحقيق لتلك الرابطة الروحية، والصلة الوجدانية بينهم وبين القائد الرافض، وكلّ ما يرمز إليه من قيم، وهي رابطة وصلة ليس بالإمكان إيجادها، ما لم يكن المهديّ قد تجسّد فعلاً في إنسان حيّ معاصر (2) .
وهكذا نلاحظ أنّ هذا التجسيد أعطى الفكرة زخماً جديداً، وجعل منها
____________________
(1) ورد عنه (ع) أنّه سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم، راجع: الاحتجاج / الطبرسي 2: 545.
(2) إشارة إلى أنّ (المهديّ) ليس مجرد حلم أو فكرة تداعب أفكار المظلومين وتناغي شعورهم، بل هو حقيقة حيّة مجسّدة متشخّصة في ذات إنسان بعينه، ومن هنا تكون الفكرة ملامسة لوجدانهم، يعيشون بها، ويعيشون لها، ويسهمون في التحضير والتهيئة للالتحام في المعركة الفاصلة، التي سيقودها القائد المنتظر، ولو كانت مجرد حلم أو فكرة، فليس من المتوقّع أن تكون مثل تلك الصلة الوجدانية والشعورية، ومن هنا تتأتّى أهمية الانتظار، وتبين فلسفته وغاياته، وهو في جملته يتّسق مع حالة الترقّب والإرهاص، التي تسبق ظهور المنقذين من الأنبياء والمصلحين.
مصدر عطاء وقوة بدرجة أكبر، إضافةً إلى ما يجده أي إنسان رافض من سلوة وعزاء وتخفيف، لِما يقاسيه من آلام الظلم والحرمان، حين يحسّ أنّ إمامه وقائده يشاركه هذه الآلام، ويتحسّس بها فعلاً بحكم كونه إنساناً معاصراً، يعيش معه وليس مجرد فكرة مستقبلية، ولكنّ التجسيد المذكور أدّى في نفس الوقت إلى مواقف سلبية تجاه فكرة المهدي نفسها (1)، لدى عدد من الناس، الذين صعب عليهم أن يتصوّروا ذلك ويفترضوه.
فهم يتساءلون!
إذا كان المهديّ يعبّر عن إنسان حيّ، عاصر كلّ هذه الأجيال المتعاقبة منذ أكثر من عشرة قرون، وسيظلّ يعاصر امتداداتها إلى أن يظهر على الساحة، فكيف تأتّى لهذا الإنسان أن يعيش هذا العمر الطويل، وينجو من قوانين الطبيعة التي تفرض على كلّ إنسان أن يمرّ بمرحلة الشيخوخة والهرم، في وقت سابق على ذلك جدّاً، وتؤدّي به تلك المرحلة طبيعيّاً إلى الموت؟ أوَليس ذلك مستحيلاً من الناحية الواقعية؟ (2)
____________________
(1) اختلفت الآراء وتباينت المواقف من مسألة المهديّ المنتظر، تبعاً لاختلاف المواقف من مسألة الغيب الديني، والنصوص الدينية المشهورة والمتواترة، على أنّ هناك إطباقاً بين علماء المسلمين والمحقّقين من أهل الحديث من السنّة والشيعة على صحة العقيدة بالمهديّ، وعدم جواز التشكيك بها حتى جاء في المأثور: (مَن أنكر المهديّ فقد كفر...) وقد استوفى هذه المسألة بحثاً الشيخ عبد المحسن عبّاد في محاضرته، التي نشرتها مجلة الجامعة الإسلامية / العدد الثالث / 1969 م. وراجع: غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول للشيخ منصور علي ناصف 5: 343.
(2) هذا تساؤل فريق من الناس، والواقع أنّه يمكن تسجيل الملاحظة السريعة الآتية، وإن كان سيأتي جوابه تفصيلاً:
أ - إنّه ليس مستحيلاً بالمعنى المنطقيّ، بل هو في دائرة الإمكان.
ب - إنّه ليس مستحيلاً عادةً ; لوقوع نظائر ذلك فعلاً كما نصّ القرآن الكريم في مسألة نوح (ع) في قوله تعالى: ( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَامًا ) . العنكبوت: 14.
ويتساءلون أيضاً!
لماذا كلّ هذا الحرص من الله - سبحانه وتعالى - على هذا الإنسان بالذات؟ فتُعطّل من أجله القوانين الطبيعيّة (1) ، ويُفعل المستحيل لإطالة عمره والاحتفاظ به لليوم الموعود؟ فهل عقمت البشريّة عن إنتاج القادة الأكفّاء؟ ولماذا لا يُترك اليوم الموعود لقائد يولد (2) مع فجر ذلك اليوم، وينمو كما ينمو الناس، ويمارس دوره بالتدريج، حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعد أن ملئت ظلماً وجوراً؟
ويتساءلون أيضاً!
إذا كان المهديّ اسماً لشخص محدّد، هو ابن الإمام الحادي عشر (3) من أئمة
____________________
(1) إنّ تعطيل القوانين الطبيعية قد حدث مراراً بالنسبة إلى معاجز الأنبياء (ع)، وهذا أمرٌ ضروريّ من الدين لا مجال لنكرانه، فإذا أخبر بذلك مَن وجب تصديقه جاز بلا خلاف.
(2) هذا إشارة إلى عقيدة طوائف من إخواننا أهل السنّة. راجع: التاج الجامع للأصول 5: 360 الهامش.
(3) هذا التساؤل أُثير من قَبل ويُثار اليوم، بأساليب مختلفة، وكلها تستند إلى موهومات وافتراضات لا تقوم على أساس من العلم، بل هي مجرد تشكيكات ومحاولات بائسة؛ للفرار من أصل القضية ولوازمها الضرورية، فهي لا تعدو أن تكون أشبه بتشكيكات المادّيين، عندما جوبهوا بأدلة العقل والمنطق والعلم فيما يتعلّق بالله تعالى، فلجأوا إلى تساؤلات ساذجة تحكي عدم إيمانهم بما قامت عليه الأدلة الوفيرة، نظير قولهم: لو كان موجوداً فلماذا لا نراه؟ ولماذا لا يفعل كذا وكيت؟
وهكذا شأن هؤلاء، فعندما جوبهوا بالأدلة المنطقية والروايات المتواترة في مسألة المهديّ المنتظر، ممّا أطبق عليه الخاص والعام، وبما لا يسع المرء إنكاره، لجأوا إلى التشكيك في أنّه لم يُعرف للحسن العسكري ولدُ، كما اخترعوا أمراً نسبوه زوراً إلى الشيعة، من أنّهم يقفون على السرداب يومياً ينادون على إمامهم بالخروج، إلاّ أنّهم اختلفوا في السرداب فقال قائل منهم: هو في سامراء، وذهب آخرون إلى أنّه في النجف، وثالث في مكان آخر، وهكذا شأن المنكرين للضرورات تراهم يخبطون خبط عشواء. راجع: معالجتنا في المقدمة.
أهل البيت (ع)، الذي وُلد سنة (256 هـ) (1) وتوفّي أبوه سنة (260 هـ)، فهذا يعني أنّه كان طفلاً صغيراً عند موت أبيه، لا يتجاوز خمس سنوات، وهي سن لا تكفي للمرور بمرحلة إعداد فكري وديني كامل على يد أبيه، فكيف وبأي طريقة يكتمل إعداد هذا الشخص (2) لممارسة دوره الكبير، دينياً وفكرياً وعلمياً؟
ويتساءلون أيضاً!
إذا كان القائد جاهزاً، فلماذا كلّ هذا الانتظار الطويل مئات السنين؟
أَوَليس في ما شهده العالم من المحن والكوارث الاجتماعية ما يبرّر
____________________
(1) لقد أثبت الشيخ المفيد في الإرشاد: ص 346، والشيخ الشعراني في اليواقيت والجواهر ج 2 / المبحث 65، ولادة محمد بن الحسن العسكري في عام 255 هـ، وهما من أجلّة المحقّقين لدى الفريقين، وهذا ما يدحض التشكيكات التي يثيرها بعض أدعياء العلم، فضلاً على ما يقتضيه الحديث المتواتر: (الأئمّة اثنا عشر كلهم من قريش) ، فهو لا يستقيم إلاّ بما تقرّر لدى الإمامية، وبما التزموا به من إمامة اثني عشر إماماً كلّهم من العترة الطاهرة، أَوّلهم الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وآخرهم المهديّ، وهؤلاء هم المنصوص عليهم، ويدعم ذلك ويشهد له حديث الثقلين المتواتر، وحديث مَن مات لا يعرف إمام زمانه، فهما لا يستقيمان إلاّ على عقيدة الإمامية الاثني عشرية. راجع مناقشة وافية في: الأصول العامة للفقه المقارن / العلاّمة محمد تقي الحكيم / بحث حجية السُنّة: ص 145 وما بعدها.
(2) إنّ الذي تعهّد وتكفّل بإعداد النبيّ عيسى (ع)، ووهب النبيّ يحيى الحكم والحكمة وهو صبيّ، كما صرّح القرآن، يمكن أن يتعهّد ويتكفّل بمَن أعدّه لتطهير الأرض من الظلم والجور في آخر الزمان، كما هو نصّ الخبر المتواتر في المهديّ الذي هو من عترة فاطمة وذريّة الحسين (ع). راجع: التاج الجامع للأصول 5: 341 - 343.
بروزه (1) على الساحة، وإقامة العدل على الأرض؟
ويتساءلون أيضاً!
كيف نستطيع أن نؤمن بوجود المهديّ، حتى لو افترضنا أنّ هذا ممكن؟ وهل يسوغ لإنسان أن يعتقد بصحة فرضية من هذا القبيل، دون أن يقوم عليها دليل علمي أو شرعي قاطع (2) ؟ وهل تكفي بضع روايات تُنقل عن النبيّ (ص)، لا نعلم مدى صحّتها (3) للتسليم بالفرضية المذكورة؟
ويتساءلون أيضاً بالنسبة إلى ما أعدّ له هذا الفرد من دور في اليوم الموعود!
كيف يمكن أن يكون للفرد هذا الدور العظيم الحاسم في حياة العالم؟! مع أنّ الفرد مهما كان عظيماً لا يمكنه أن يصنع بنفسه التاريخ، ويدخل به مرحلة جديدة، وإنّما تختمر بذور الحركة التاريخية وجذوتها في الظروف الموضوعية وتناقضاتها، وعظمة الفرد (4) هي التي ترشّحه لكي يشكّل الواجهة لتلك الظروف الموضوعية، والتعبير العملي عمّا تتطلبه من حلول؟
____________________
(1) إنّ هذه المسألة مرهونة باشتراطاتها الخاصة، وكما تأخّر النبي (ص) إلى زمن ظهوره المبارك؛ لحِكَم وأمور اقتضتها حكمة المرسِل (الله) تعالى على رغم الاحتياج إليه، فكذا الأمر هنا.
(2) سيناقش الشهيد الصدر هذه المسألة تفصيلاً.
(3) الواقع - وكما سيأتي - أنّ علماء الأمّة الإسلامية أجمعوا على صحة أحاديث المهديّ (ع)، ولم يشذ إلاّ مَن هو ليس من أهل المعرفة بالحديث. راجع: التاج الجامع للأصول 5: 361.
(4) لقد رأينا صنع (الأبطال) تاريخ أممهم، على أنّ الشهيد الصدر (ره) هنا يقدّم فهماً أصيلاً ومهمّاً جداً لحركة التاريخ، ودور الفرد البطل، وأهمية الظروف الموضوعية في التأثير. وقد أشار توماس كارليل في كتابه (الأبطال) إلى دور البطل. راجع كتابه المذكور، ترجمة الدكتور السباعي - مصر - سلسة الألف كتاب.
ويتساءلون أيضاً!
ما هي الطريقة التي يمكن أن نتصور من خلالها ما سيتمّ على يد ذلك الفرد، من تحوّل هائل وانتصار حاسم للعدل ورسالة العدل، على كلّ كيانات الظلم والجور والطغيان، على الرغم ممّا تملك من سلطان ونفوذ، وما يتواجد لديها من وسائل الدمار والتدمير، وما وصلت إليه من المستوى الهائل في الإمكانات العلمية، والقدرة السياسية، والاجتماعية، والعسكرية؟ (1)
هذه أسئلة قد تتردّد في هذا المجال وتقال بشكل وآخر، وليست البواعث الحقيقية لهذه الأسئلة فكرية فحسب، بل هناك مصدر نفسي لها أيضاً، وهو الشعور بهيبة الواقع المسيطر عالمياً، وضآلة أي فرصة لتغييره من الجذور، وبقدر ما يبعثه الواقع الذي يسود العالم على مرّ الزمن من هذا الشعور، تتعمّق الشكوك وتترادف التساؤلات، وهكذا تؤدّي الهزيمة والضآلة والشعور بالضعف لدى الإنسان، إلى أن يحسّ نفسيّاً بإرهاق شديد؛ لمجرد تصوّر عملية التغيير الكبرى للعالم، التي تفرغه من كلّ تناقضاته ومظالمه التاريخية، وتعطيه محتوىً جديداً قائماً على أساس الحق والعدل، وهذا الإرهاق يدعوه إلى التشكّك في هذه الصورة، ومحاولة رفضها لسبب وآخر.
ونحن الآن نأخذ التساؤلات السابقة تباعاً ; لنقف عند كلّ واحد منها وقفةً قصيرة بالقدر الذي تتسع له هذه الوريقات.
____________________
(1) في هذا إشارة إلى أسلحة الدمار (الشامل)، فضلاً عن التطوّر التكنولوجي الذي شمل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وتأثيراتها الهائلة. إلاّ أنّنا شهدنا كيف توجد بالمقابل الأسلحة المضادّة، التي كثيراً ما تعطّل تلك التأثيرات، وكذلك رأينا تأثير المعنويات في إبطال مفعول أسلحة الخصم، أو التقليل من آثارها إلى حدٍّ كبير جداً، كما حدث في الثورات والانتفاضات الشعبية.
المبحث الأَوّل
كيف تأتّى للمهدي هذا العمر الطويل؟
هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً كثيرة، كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم، الذي يبلغ عمره الشريف فعلاً أكثر من ألف ومِئة وأربعين سنة، أي حوالي (14) مرة بقدر عمر الإنسان الاعتيادي، الذي يمرّ بكل المراحل الاعتيادية من الطفولة إلى الشيخوخة؟
كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معان: الإمكان العملي، والإمكان العلمي، والإمكان المنطقي أو الفلسفي.
وأقصد بالإمكان العملي:
أن يكون الشيء ممكناً، على نحو يتاح لي، أو لك، أو لإنسان آخر، فعلاً أن يحقّقه، فالسفر عبر المحيط، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر، أشياء أصبح لها إمكان عملي فعلاً. فهناك مَن يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر (1) .
وأقصد بالإمكان العلمي:
أنّ هناك أشياء قد لا يكون بالإمكان عملياً لي أو لك، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدينة المعاصرة، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا
____________________
(1) ولم تكن مثل هذه الأمور بمتصوّرة سابقاً قبل وقوعها، ولو حُدّث بها أحدٌ من الناس قبل تحقّقها فعلاً لعدّ الحديث مجرّد تخيّلات وأوهام
تشير اتّجاهاته المتحركة، إلى ما يبرّر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصة، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه، بل إنّ اتّجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى إمكان ذلك، وإن لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك ; لأنّ الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى القمر ليس إلاّ فارق درجة، ولا يمثّل الصعود إلى الزهرة إلاّ مرحلة تذليل الصعاب الإضافية، التي تنشأ من كون المسافة أبعد، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً، وإن لم يكن ممكناً عملياً فعلاً (1)، وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في كبد السماء، فإنّه غير ممكن علمياً، بمعنى أنّ العلم لا أمل له في وقوع ذلك، إذ لا يتصوّر علمياً وتجريبياً إمكانية صنع ذلك الدرع الواقي من الاحتراق بحرارة الشمس، التي تمثّل أتوناً هائلاً مستعراً بأعلى درجة تخطر على بال إنسان.
وأقصد بالإمكان المنطقي أو الفلسفي:
أن لا يوجد لدى العقل وِفق ما يدركه من قوانين قبليّة - أي سابقة على التجربة - ما يبرّر رفض الشيء والحكم باستحالته.
فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين، ليس له إمكان منطقي ; لأنّ العقل يدرك - قبل أن يمارس أي تجربة - أنّ الثلاثة عدد فردي وليس زوجاً، فلا يمكن أن تنقسم بالتساوي ; لأنّ انقسامها بالتساوي يعني كونها زوجاً، فتكون فرداً وزوجاً في وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقياً.
ولكن دخول الإنسان في النار دون أن يحترق، وصعوده للشمس دون أن تحرقه الشمس بحرارتها، ليس مستحيلاً من الناحية المنطقية؛ إذ لا تناقض في
____________________
(1) الكلام في وقته دقيق علميّاً، فهو يقول: إنّه ممكن علمياً، ولكنّه لم يكن قد تحقّق فعلاً، والواقع أنّ كثيراً من الإنجازات في عالم الفضاء، وتسيير المركبات الفضائية إلى كواكب وتوابع الأرض وغيرها، قد أصبح حقائق في أواخر القرن العشرين.
افتراض، أنّ الحرارة لا تتسرّب من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، وإنّما هو مخالف للتجربة، التي أثبتت تسرّب الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، إلى أن يتساوى الجسمان في الحرارة.
وهكذا نعرف أنّ الإمكان المنطقي أوسع دائرة من الإمكان العلمي، وهذا أوسع دائرة من الإمكان العملي.
ولا شكّ في أنّ امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقياً ; لأنّ ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أي تناقض ; لأنّ الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع، ولا نقاش في ذلك.
كما لا شكّ أيضاً ولا نقاش في أنّ هذا العمر الطويل ليس ممكناً إمكاناً عملياً، على نحو الإمكانات العملية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر؛ ذلك لأنّ العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً، والمتاحة من خلال التجربة البشرية المعاصرة، لا يستطيع أن يُمدّد عمر الإنسان مئات السنين، ولهذا نجد أنّ أكثر الناس حرصاً على الحياة وقدرة على تسخير إمكانات العلم، لا يُتاح لهم من العمر إلاّ بقدر ما هو مألوف.
وأمّا الإمكان العلمي فلا يوجد علمياً اليوم، ما يبرّر رفض ذلك من الناحية النظرية (1) . وهذا بحث يتصل في الحقيقة بنوعية التفسير الفسلجي لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الإنسان، فهل تعبّر هذه الظاهرة عن قانون طبيعي يفرض على أنسجة جسم الإنسان وخلاياه - بعد أن تبلغ قمّة نموّها - أن تتصلّب بالتدريج
____________________
(1) نعم، لا يوجد مبرّر علمي واحدٌ يرفض هذه النظرية، بل إنّ علماء الطبّ منشغلون فعلاً بمحاولات حثيثة لإطالة عمر الإنسان، وإنّ هناك عشرات التجارب التي تتمّ في هذا المجال، وذلك وحده ينهض دليلاً قوياً على الإمكان النظري أو العملي.
وتصبح أقلّ كفاءة للاستمرار في العمل، إلى أنْ تتعطَّل في لحظةٍ معيَّنة، حتى لو عزلناها عن تأثير أيِّ عاملٍ خارجي؟ أو أنَّ هذا التصلّب وهذا التناقض - في كفاءة الأنسجة والخلايا الجسمية للقيام بأدوارها الفسيولوجية - نتيجة صراع مع عوامل خارجية كالميكروبات، أو التسمّم الذي يتسرَّب إلى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاءٍ مكثَّف؟ أو ما يقوم به من عملٍ مكثَّف أو أيِّ عامل آخر؟
وهذا سؤال يطرحه العِلم اليوم على نفسه، وهو جادّ في الإجابة عنه، ولا يزال للسؤال أكثر من جوابٍ على الصعيد العلمي.
فإذا أخذنا بوجهة النظر العلمية التي تتَّجه إلى تفسير الشيخوخة والضعف الهرمي، بوصفه نتيجة صراع واحتكاك مع مؤثِّرات خارجية معيَّنة، فهذا يعني أنَّ بالإمكان نظريّاً إذا عُزِلتْ الأنسجة التي يتكوَّن منها جسم الإنسان عن تلك المؤثِّرات المعيَّنة، أنْ تمتدّ بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشيخوخة وتتغلَّب عليها نهائياً.
وإذا أخذنا بوجهة النظر الأُخرى، التي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعيّاً للخلايا والأنسجة الحيّة نفسها، بمعنى أنَّها تحمل في أحشائها بذرة فنائها المحتوم، مروراً بمرحلة الهرم والشيخوخة وانتهاءً بالموت.
أقول:
إذا أخذنا بوجهة النظر هذه، فليس معنى هذا عدم افتراض أيِّ مرونة في هذا القانون الطبيعي، بل هو - على افتراض وجوده - قانون مَرِن ; لأنَّنا نجد في حياتنا الاعتيادية، ولأنَّ العلماء يشاهدون في مختبراتهم العلمية: أنَّ الشيخوخة كظاهرة فسيولوجية لا زمنيّة، قد تأتي مبكِّرة، وقد تتأخَّر ولا تظهر إلاّ في فترة متأخِّرة، حتى أنَّ الرجل قد يكون طاعناً في السن ولكنّه يملك أعضاءً ليِّنة، ولا
تبدو عليه أعراض الشيخوخة كما نصّ على ذلك الأطبّاء (1) ، بل إنَّ العلماء استطاعوا عمليّاً أنْ يستفيدوا من مرونة ذلك القانون الطبيعي المفترض، فأطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرّات بالنسبة إلى أعمارها الطبيعية ; وذلك بخلق ظروف وعوامل تؤجِّل فاعلية قانون الشيخوخة.
وبهذا يثبت علمياً أنَّ تأجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معيَّنة أمرٌ ممكن علمياً، ولئن لم يُتح للعلم أنْ يمارس فعلاً هذا التأجيل بالنسبة إلى كائنٍ معقَّد معيَّن كالإنسان، فليس ذلك إلاّ لفارق درجةٍ بين صعوبة هذه الممارسة بالنسبة إلى الإنسان وصعوبتها بالنسبة إلى أحياء أُخرى، وهذا يعني أنَّ العلم من الناحية النظرية وبقدر ما تُشير إليه اتِّجاهاته المتحرِّكة لا يوجد فيه أبداً ما يرفض إمكانية إطالة عمر الإنسان، سواء فسَّرنا الشيخوخة بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع مؤثِّرات خارجية، أو نتاج قانون طبيعي للخليّة الحيّة نفسها يسير بها نحو الفناء.
ويتلخَّص من ذلك: أنَّ طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعدِّدة أمرٌ ممكن منطقياً وممكن علمياً، ولكنَّه لا يزال غير ممكن عملياً، إلاّ أنَّ اتِّجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل.
وعلى هذا الضوء نتناول عمر المهدي (عليه الصلاة والسلام) وما أُحيط به من استفهام أو استغراب، ونلاحظ:
إنَّه بعد أنْ ثبت إمكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً، وثبت أنَّ العلم
____________________
(1) يؤكّد الأطباء والدراسات الطبيّة على هذه الملاحظة، وأنّ لديهم مشاهدات كثيرة في هذا المجال، ولعلّ هذا هو الذي دفعهم إلى إجراء محاولات وتجارب؛ لإطالة العمر الطبيعي للإنسان، وكالمعتاد كان مسرح التجربة في البداية هي الحيوانات لميسورية ذلك، وعدم وجود محاذير أخرى تمنع إجراء مثل تلك التجارب على الإنسان.
سائر في طريق تحويل الإمكان النظري إلى إمكانٍ عملي تدريجاً، لا يبقى للاستغراب محتوىً إلاّ استبعاد أنْ يسبق المهدي العلم نفسه، فيتحوَّل الإمكان النظري إلى إمكان عملي في شخصه، قبل أنْ يصل العلم في تطوِّره إلى مستوى القدرة الفعلية على هذا التحويل، فهو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء ذات السحايا أو دواء السرطان.
وإذا كانت المسألة هي أنَّه كيف سبق الإسلام - الذي صمَّم عمر هذا القائد المنتظر - حركة العلم في مجال هذا التحويل؟
فالجواب:
إنَّه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سَبَقَ فيه الإسلام حركة العلم، أَوَلَيست الشريعة الإسلامية ككل، قد سبقتْ حركة العلم والتطوّر الطبيعي للفكر الإنساني قروناً عديدة؟! (1) .
أوَلَم تنادِ بشعاراتٍ طرحتْ خططاً للتَّطبيق، لم ينضج الإنسان للتوصِّل إليها في حركته المستقلَّة إلاّ بعد مئات السنين؟!
أوَلَم تأتِ بتشريعاتٍ في غاية الحكمة، لم يستطع الإنسان أنْ يدرك أسرارها ووجه الحكمة فيها إلاّ قبل بُرهة وجيزة من الزمن؟!
أوَلَم تكشف رسالة السماء أسراراً من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان، ثمّ
____________________
(1) هذه التساؤلات التي يثيرها السيد الشهيد (ص) تهدف إلى ترسيخ حقيقة مهمة، هي أنّ الرسول الأعظم (ص) عندما بشّر (بالمهديّ)، وهو حالة غير اعتيادية في سياق البشرية، تُنبئ في جملتها عن تسجيل سبق في الإمكانية العملية، بعد تأكيد الإمكانيّة العلمية، أي لبقاء الإنسان مدةً أطول بكثير من المعتاد، فإنّ مثل هذا السبق في التنبيه على حقائق في هذا الوجود، كان قد سجّله القرآن الكريم، والحديث الشريف في موارد كثيرة جداً، في مسائل الطبيعة والكون والحياة، راجع: القرآن والعلم الحديث / الدكتور عبد الرزاق نوفل.
جاء العلم ليثبِّتها ويدعمها؟!
فإذا كنَّا نؤمن بهذا كلِّه، فلماذا نستكثر على مرسِل هذه الرسالة - سبحانه وتعالى - أنْ يسبق العلم في تصميم عمر المهدي (1) ؟! وأنا هنا لم أتكلَّم إلاّ عن مظاهر السبق التي نستطيع أنْ نحسّها نحن بصورةٍ مباشرة، ويمكن أنْ نضيف إلى ذلك مظاهر السبق التي تحدِّثنا بها رسالة السماء نفسها.
ومثال ذلك: إنَّها تخبرنا بأنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد أُسرِيَ به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذا الإسراء (2) إذا أردنا أنْ نفهمه في إطار القوانين الطبيعيّة، فهو يعبِّر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكلٍ لم يُتح العلم أنْ يحقِّقه (3) إلاّ بعد مئات السنين، فنفس الخبرة الربانية التي أتاحت للرسول (صلّى الله عليه وآله) التحرّك السريع قبل أنْ يُتاح للعلم تحقيق ذلك، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمرَ المديد، قبل أنْ يُتاح للعلم تحقيق ذلك.
نعم، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقِذ المنتظر يبدو غريباً في
____________________
(1) إشارة إلى أنّ هذا من قبيل الإعجاز أيضاً، وهو إفاضة ربانية خاصة، وهذا أمر لا يسع المسلم إنكاره، بعد أن أخبرت بأمثاله الكتب السماوية، وبالأخص القرآن، كالذي ورد في شأن عمر النبيّ نوح (ع)، وكذا ما أخبر به القرآن من المغيّبات الأخرى، على أنّ كثيراً من أهل السنّة، ومن المتصوّفة، وأهل العرفان، يؤمنون بوقوع الكرامات وما يشبه المعجزات للأولياء، والصلحاء، والمقرّبين من حضرة المولى تعالى. راجع: التصوّف والكرامات / الشيخ محمد جواد مغنيّة. وراجع: التاج الجامع للأصول 5: 228 / كتاب الزهد والرقائق، الذين تكلّموا في المهد.
(2) إشارة إلى الآية المباركة: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى... ) الإسراء: 1.
(3) إشارة إلى تصميم المركبات الفضائية، وركوب الفضاء والتوغّل إلى مسافات بعيدة عن أرضنا، وقطعها في ساعات أو أيام معدودة، وقد أضحت هذه حقائق في حياتنا المعاصرة في أواخر القرن العشرين.
حدود المألوف حتى اليوم في حياة الناس، وفي ما أُنجِز فعلاً من تجارب العلماء.
ولكن، أوَلَيس الدور التغييري الحاسم الذي أُعدَّ له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة الناس، وما مرَّت بهم من تطوّرات التاريخ؟!
أوَلَيس قد أُنيط به تغيير العالم، وإعادة بنائه الحضاري من جديد على أساس الحقّ والعدل؟!
فلماذا نستغرب إذا اتّسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة والخارجة عن المألوف، كطول عمر المنقِذ المنتظر؟! فإنَّ غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود إنجازه، فإذا كنَّا نستسيغ ذلك الدور الفريد (1) تاريخياً على الرغم من أنَّه لا يوجد دور مناظر له في تاريخ الإنسان، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة؟!
ولا أدري، هل هي صدفة أنْ يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكلّ منهما عمر مديد يزيد على أعمارنا الاعتيادية أضعافاً مضاعفة؟
أحدهما مارس دور في ماضي البشرية وهو النبيّ نوح، الذي نصّ القرآن
____________________
(1) إشارة إلى ما أُعدّ للإمام المهدي المنتظر، من دور ومهمة تغييرية على مستوى الوجود الإنساني برمّته، كما يشير الحديث الصحيح: (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً) . وهذا الدور وهذه المهمة عليهما الإجماع بين علماء الإسلام، والاختلاف حصل في أمور فرعية.
ومن هنا كان التساؤل الذي أثاره السيد الشهيد (رض) له مبرّر منطقي قويّ.
الكريم (1) على أنَّه مَكَثَ في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وقُدِّر له من خلال الطوفان أنْ يبني العالم من جديد.
والآخر يمارس دوره في مستقبل البشرية، وهو المهدي الذي مَكَثَ في قومه حتى الآن أكثر من ألف عام، وسيُقدَّر له في اليوم الموعود أنْ يبني العالم من جديد.
فلماذا نقبل نوح الذي ناهز ألف عام على أقلِّ تقدير، ولا نقبل المهدي؟! (2)
____________________
(1) في الآية المباركة: ( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَامًا ) . العنكبوت: 14.
(2) السؤال موجّه إلى المسلمين المؤمنين بالقرآن الكريم وبالحديث النبوي الشريف، وقد روى علماء السنّة لغير نوح ما هو أكثر من ذلك. راجع تهذيب الأسماء واللغات / النووي 1: 176، ولا يصحّ أن يشكل أحدٌ بأنّ ذاك أخبر به القرآن فالنصّ قطعيّ الثبوت، وهو يتعلّق بالنبيّ المرسل نوح (ع)، أمّا هنا فليس لدينا نصّ قطعي، ولا الأمر متعلّق بنبيّ.
والجواب:
أنّ المهمة أَوّلاً واحدة، وهي تغيير الظلم والفساد، وأنّ الوظيفة كما أوكلت إلى النبيّ، فقد أوكلت هنا إلى مَن اختاره الله تعالى أيضاً، كما هو لسان الروايات الصحيحة.
قال الرسول الأعظم (ص): (لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم؛ حتى يبعث رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً...) التاج الجامع للأصول 5: 343.
وأمّا من جهة قطعيّة النص، فأحاديث المهديّ بلغت حدّ التواتر، وهو موجب للقطع والعلم، فلا فرق في المقامين، راجع: التاج الجامع للأصول 5: 341 و 360 فقد نقل التواتر عن الشوكاني، وانتهى المحقّقون من علماء الفريقين إلى القول بأنّ مَن كفر بالمهديّ فقد كفر بالرسول محمد (ص)، وليس ذلك إلاّ بلحاظ أنّه ثبت بالتواتر، وأنّه من ضرورات الدين، والمنكر لذلك كافر إجماعاً. وراجع: الإشاعة لأشراط الساعة / البرزنجي في بحثه حول المهديّ. وقد نقلنا حكاية التواتر في المقدّمة أيضاً.
المبحث الثاني
المعجزة والعمر الطويل
وقد عرفنا حتى الآن أنَّ العمر الطويل ممكن علمياً، ولكن لنفترض أنَّه غير ممكن علمياً، وأنَّ قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم، لا يمكن للبشرية اليوم ولا على خطِّها الطويل أنْ تتغلَّب عليه، وتُغيِّر من ظروفه وشروطه، فماذا يعني ذلك؟
إنَّه يعني أنَّ إطالة عمر الإنسان - كنوح أو كالمهدي - قروناً متعدِّدة، هي على خلاف القوانين الطبيعية التي أثبتها العلم بوسائل التجربة والاستقراء الحديثة؛ وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة عطَّلت قانوناً طبيعياً في حالة معيَّنة للحفاظ على حياة الشخص الذي أُنيط به الحفاظ على رسالة السماء، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمدّة من نصِّ القرآن والسنّة (1) .
فليس قانون الشيخوخة والهرم أشدّ صرامة من قانون انتقال الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقلّ حرارة حتى يتساويا، وقد عُطِّل هذا القانون لحماية حياة إبراهيم (عليه السلام)، حين كان الأُسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون، فقيل للنار حين أُلقِيَ فيها إبراهيم: ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (الأنبياء: 69)، فخرج منها كما دخل سليماً لم يُصبه أذىً، إلى كثيرٍ من القوانين الطبيعية التي عُطِّلت
____________________
(1) أي أنّ الأمر يصبح من قبيل المعجز، وهو ما نطق به القرآن، وجاء في صحيح السنّة المطهّرة، والإعجاز حقيقة رافقت دعوة الأنبياء، وادّعاء سفارتهم عن الحضرة الإلهيّة، وهو ما لا يسع المسلم إنكاره أو الشك فيه، بل إنّ غير المسلم يشارك المسلم في الاعتقاد بالمعجزات.
لحماية أشخاص من الأنبياء وحُجج الله على الأرض، فَفُلِق البحر لموسى (1) ، وشُبِّه للرومان أنَّهم قبضوا على عيسى (2) ولم يكونوا قد قبضوا عليه، وخرج النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله) من داره وهي محفوفة بحشود قريش التي ظلَّت ساعات تتربَّص به لتهجم عليه، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم (3) ، كلّ هذه الحالات تمثِّل قوانين طبيعية عُطِّلت لحماية شخص، كانت الحكمة الربّانية تقتضي الحفاظ على حياته، فليكن قانون الشيخوخة والهرم من تلك القوانين.
وقد يمكن أنْ نخرج من ذلك بمفهوم عام وهو: إنَّه كلّما توقَّف الحفاظ على حياة حجّةٍ لله في الأرض على تعطيل قانون طبيعي، وكانت إدامة حياة ذلك الشخص ضرورية لإنجاز مهمَّته التي أُعدَّ لها، تدخَّلتْ العناية الربانية في تعطيل ذلك القانون لإنجاز مهمَّته التي أُعدَّ لها، وعلى العكس إذا كان الشخص قد انتهت مهمَّته التي أُعدَّ لها ربانياً، فإنَّه سيلقى حتفه ويموت أو يستشهد وفقاً لِمَا تُقرِّره القوانين الطبيعية.
ونواجه عادةً بمناسبة هذا المفهوم العام السؤال التالي: كيف يمكن أنْ يتعطَّل القانون؟ (4) ، وكيف تنفصم العلاقة الضرورية التي تقوم بين الظواهر الطبيعية؟ وهل هذه إلاّ مناقضة للعِلم الذي اكتشف ذلك القانون الطبيعي، وحدَّد هذه العلاقة
____________________
(1) إشارة إلى قوله تعالى: ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) الشعراء: 63
(2) إشارة إلى قوله تعالى: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ... ) النساء: 157.
(3) راجع: سيرة ابن هشام 2: 127، فقد نقل هذه الحادثة وهي مجمعٌ عليها.
(4) قد يقال: إنّ القانون بصفته قانوناً لابدّ أن يطّرد، ولا يتصوّر التعطيل والانخرام، وقد لاحظ بعضهم أنّ الانخرام إنّما هو بقانون آخر، كما هو الأمر بالنسبة إلى قانون الجاذبية، الذي يستلزم جذب الأشياء إلى المركز، ومع ذلك فإنّ الماء يصعد بعملية الامتصاص في النباتات من الجذر إلى الأعلى بواسطة الشعيرات، وهذا بحسب قانون آخر هو (الخاصيّة الشعريّة). راجع: القرآن محاولة لفهم عصري / الدكتور مصطفى محمود.
الضرورية على أُسُسٍ تجريبية واستقرائية؟!
والجواب:
أنَّ العلم نفسه قد أجاب عن هذا السؤال بالتنازل عن فكرة الضرورة في القانون الطبيعي، وتوضيح ذلك: إنَّ القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة، فحين يطَّرد وقوع ظاهرة طبيعية عقيب ظاهرة أُخرى يستدلّ بهذا الاطِّراد على قانون طبيعي، وهو أنَّه كلَّما وجِدَتْ الظاهرة الأُولى وجِدَت الظاهرة الثانية عقيبها، غير أنَّ العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعي علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم هذه الظاهرة وذاتها، وصميم تلك وذاتها ; لأنَّ الضرورة حالة غيبية، لا يمكن للتجربة ووسائل البحث الاستقرائي والعلمي إثباتها؛ ولهذا فإنَّ منطق العلم الحديث يؤكِّد أنَّ القانون الطبيعي - كما يعرِّفه العلم - لا يتحدَّث عن علاقة ضرورية، بل عن اقتران مستمرّ بين ظاهرتين (1) ، فإذا جاءت المعجزة وفُصِلتْ إحدى الظاهرتين عن الأُخرى في قانون طبيعي لم يكن ذلك فصماً لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين.
والحقيقة أنَّ المعجزة بمفهومها الديني، قد أصبحتْ في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومةً بدرجةٍ أكبر ممّا كانت عليه في ظلِّ وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببيّة.
فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض أنَّ كلَّ ظاهرتين اطَّرد اقتران إحداهما بالأُخرى فالعلاقة بينهما علاقة ضرورة، والضرورة تعني أنَّ من المستحيل أنْ تنفصل إحدى الظاهرتين عن الأُخرى، ولكن هذه العلاقة تحوَّلتْ في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطِّرد (2) بين الظاهرتين، دون افتراض تلك الضرورة الغيبيّة.
____________________
(1) وقد بسط الشهيد الصدر القول في هذه المسألة في كتابه فلسفتنا فراجع، ص 295 و 299.
(2) راجع: فلسفتنا ص282 وما بعدها.
وبهذا تصبح المعجزة حالة استثنائية لهذا الاطِّراد في الاقتران أو التتابع، دون أنْ تصطدم بضرورة أو تؤدّي إلى استحالة.
وأمّا على ضوء الأُسُس المنطقية للاستقراء (1) ، فنحن نتَّفق مع وجهة النظر العلمية الحديثة، في أنَّ الاستقراء لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين، ولكنَّا نرى أنَّه يدلّ على وجود تفسير مشترك لاطِّراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار، و هذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية، كذلك يمكن صياغته على أساس افتراض حكمة دعت منظِّم الكون إلى ربط ظواهر معيَّنة بظواهر أُخرى باستمرار، وهذه الحكمة نفسها تدعو أحياناً إلى الاستثناء فتَحدُث المعجزة.
____________________
(1) راجع بسط وشرح النظرية في (الأسس المنطقية للاستقراء)، حيث توصّل الإمام الشهيد الصدر (ره) إلى اكتشاف مهمّ وخطير على صعيد نظرية المعرفة بشكل عام.
المبحث الثالث
لماذا كلّ هذا الحرص على إطالة عمره (عج)؟
ونتناول الآن السؤال الثاني، وهو يقول:
لماذا كلّ هذا الحرص من الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان بالذات، فتُعطَّل من أجله القوانين الطبيعية لإطالة عمره؟ ولماذا لا تُترَك قيادة اليوم الموعود لشخصٍ يتمخَّض عنه المستقبل، وتُنضجه إرهاصات اليوم الموعود، فيبرز على الساحة ويمارس دوره المنتظَر.
وبكلمةٍ أُخرى: ما هي فائدة هذه الغيبة الطويلة، وما المبرّر لها؟
وكثيرٌ من الناس يسألون هذا السؤال وهم لا يريدون أنْ يسمعوا جواباً غيبيّاً، فنحن نؤمن بأنَّ الأئمّة الاثني عشر مجموعةٌ فريدة (1) ، لا يمكن التعويض عن
____________________
(1) إشارة إلى معتقد الإماميّة الاثني عشريّة المستند إلى أدلة المعقول والمنقول، وبالأخص إلى حديث الثقلين المتواتر (إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي) . راجع: صحيح مسلم 4: 1874 وراجع الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 89، قال: ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابيّاً.
وكذلك إلى قوله (ص): (لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض...) ، وإلى قوله (ص): (الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش) . ومفاد ذلك كلّه تقرير هذا المعنى.
أيِّ واحدٍ منهم، غير أنَّ هؤلاء المتسائلين يطالبون بتفسيرٍ اجتماعي للموقِف، على ضوء الحقائق المحسوسة لعملية التغيير الكبرى نفسها، والمتطلَّبات المفهومة لليوم الموعود.
وعلى هذا الأساس نقطع النظر مؤقَّتاً عن الخصائص التي نؤمن بتوفّرها في هؤلاء الأئمّة المعصومين (1) ، ونطرح السؤال التالي:
إنَّنا بالنسبة إلى عملية التغيير المرتقَبة في اليوم الموعود، بقدر ما تكون مفهومة على ضوء سُنن الحياة وتجاربها، هل يمكن أنْ نعتبر هذا العمر الطويل لقائدها المدَّخر عاملاً من عوامل إنجاحها، وتمكّنه من ممارستها وقيادتها بدرجةٍ أكبر؟
ونُجيب عن ذلك بالإيجاب؛ وذلك لعدّة أسباب، منها ما يلي:
إنَّ عملية التغيير الكبرى تتطلَّب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها، مشحوناً بالشعور... بالتفوّق، والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أُعدَّ للقضاء عليها، وتحويلها حضاريّاً إلى عالمٍ جديد.
فبقدر ما يعمِّر قلبَ القائد المغيِّر من شعورٍ بتفاهة الحضارة التي يصارعها، وإحساسٍ واضحٍ بأنَّها مجرّد نقطة على الخط الطويل لحضارة الإنسان، يصبح أكثر
____________________
(1) تحدّث النبيّ الأكرم محمد (ص) كثيراً عن خصائصهم وأدوارهم، ووظيفتهم ومهمّاتهم، وأنّهم حَمَلة الشريعة، وسفن النجاة، وأمان الأمّة، وعصمتها من الضلال، كما إليه الإشارة في حديث الثقلين، وحديث لن يفترقا، وكلاهما يؤكّدان عصمتهم، إذ لا يعقل أنّهم عصمة الأمّة من الضلال، وأنّهم لن يفترقا عن القرآن المعصوم، وهم غير معصومين!!
راجع في هذا المطلب: الأصول العامّة للفقه المقارن / العلاّمة محمد تقي الحكيم / مبحث حجّية السنّة: ص 169 وما بعدها.
قدرة من الناحية النفسية (1) على مواجهتها، والصمود في وجهها، ومواصلة العمل ضدّها حتى النصر، ومن الواضح أنَّ الحجم المطلوب من هذا الشعور النفسي يتناسب مع حجم التغيير نفسه، وما يراد القضاء عليه من حضارة و كيان، فكلَّما كانت المواجهة لِكيانٍ أكبر ولِحضارة أرسخ وأشمخ، تطلَّب زخماً أكبر من هذا الشعور النفسي المفعَم.
ولمّا كانت رسالة اليوم الموعود تغييرَ عالمٍ مليءٍ بالظلم وبالجور، تغييراً شاملاً بكلِّ قيمه الحضارية وكياناته المتنوِّعة، فمن الطبيعي أنْ تفتِّش هذه الرسالة عن شخصٍ أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالَم كلّه، عن شخصٍ ليس من مواليد ذلك العالَم الذين نشؤوا في ظلِّ تلك الحضارة التي يراد تقويضها واستبدال حضارة العدل والحقّ بها ; لأنَّ مَن ينشأ في ظلِّ حضارةٍ راسخة، تعمر الدنيا بسلطانها وقيمها وأفكارها، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة اتِّجاهها ; لأنَّه ولِدَ وهي قائمة، ونشأ صغيراً وهي جبّارة، وفتح عينيه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة.
وخلافاً لذلك، شخص يتوغَّل في التاريخ عاش الدنيا قبل أنْ ترى تلك الحضارة النور، ورأى الحضارات الكبيرة سادت العالَم الواحدة تلو الأُخرى، ثمّ تداعت وانهارت (2) ، رأى ذلك بعينيه ولم يقرأه في كتابِ تاريخ..
____________________
(1) أن يكون القائد التاريخي مهيّئاً نفسياً ومعدّاً إعداداً مناسباً لأداء المهمة، أمرٌ مفروغ منه، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدناه يتحدّث عن هذه المسألة في تاريخ الأنبياء بصورة واضحة جدّاً، وبخاصة فيما يتعلّق بالنبيّ نوح (ع)، وهو أمرٌ يلفت الانتباه والنظر، وربّما يكون للتشابه والاتّفاق في الدور والمهمة التي أُوكلت لهما، كما نبّه الشهيد الصدر (ره) إليه.
راجع: مع الأنبياء / عفيف عبد الفتاح طبارة.
(2) ويمكن أن نقرّب هذا المعنى بما عشناه وشاهدناه من صعود الاتّحاد السوفيتي وترقّيه حتى صار القطب الثاني في العالم، وتقاسم هو وأمريكا النفوذ الحضاري والهيمنة السياسية، وركبا معاً أجواء الفضاء، ثمّ شهدنا انهيار الاتّحاد السوفيتي، وتفكّك أوصاله بمثل تلك السرعة القياسية في الانهيار، فكم كان لذلك من أثر؟ وكم كان فيه من عِبرة؟ وكم فيه من دلالة عميقة؟
ثمّ رأى الحضارة التي يقدَّر لها أنْ تكوِّن الفصل الأخير من قصّة الإنسان قبل اليوم الموعود، رآها وهي بذور صغيرة لا تكاد تتبيَّن..
ثمّ شاهدها وقد اتَّخذتْ مواقعها في أحشاء المجتمع البشري تتربّص الفرصة لكي تنمو وتظهر..
ثمّ عاصرها وقد بدأت تنمو وتزحف وتصاب بالنكسة تارةً، ويحالفها التوفيق تارةً أُخرى..
ثمّ واكبها وهي تزدهر وتتعملق وتسيطر بالتدريج على مقدّرات عالم بكامله، فإنَّ شخصاً من هذا القبيل عاش كلّ هذه المراحل بفطنةٍ وانتباهٍ كاملين، ينظر إلى هذا العملاق - الذي يريد أنْ يصارعه - من زاوية ذلك الامتداد التاريخي الطويل الذي عاشه بحسّه، لا في بطون كُتُب التاريخ فحسب، ينظر إليه لا بوصفه قدراً محتوماً، ولا كما كان ينظر (جان جاك روسو) (1) إلى المَلَكيّة في فرنسا، فقد جاء عنه أنَّه كان يرعبه مجرّد أنْ يتصوّر فرنسا بدون مَلِك، على الرغم من كونه من الدعاة الكبار فكريّاً وفلسفيّاً إلى تطوير الوضع السياسي القائم وقتئذٍ ; لأنَّ (روسو) هذا نشأ في ظلِّ المَلَكِيّة، وتنفَّس هواءها طيلة حياته، وأمّا هذا الشخص المتوغِّل في التاريخ، فله هيبة التاريخ، وقوّة التاريخ، والشعور المفعَم بأنَّ ما حوله من كيانٍ وحضارةٍ وليد يومٍ من أيام التاريخ، تهيّأت له الأسباب فوجد، وستتهيّأ
____________________
(1) جان جاك روسو (1712 - 1778 م) كاتب وفيلسوف فرنسي، اعتبره بعض النقّاد الوجه الأبعد نفوذاً في الأدب الفرنسي الحديث والفلسفة الحديثة، وقد مهّدت كتاباته ومقالاته للثورة الفرنسية، وأشهر مؤلّفاته العقد الاجتماعي، راجع: موسوعة المورد / منير البعلبكيّ 8: 169.
الأسباب فيزول فلا يبقى منه شيء، كما لم يكن يوجد منه شيء بالأمس القريب أو البعيد، وأنَّ الأعمار التاريخية للحضارات والكيانات مهما طالت فهي ليست إلاّ أياماً قصيرة في عمر التاريخ الطويل.
هل قرأت سورة الكهف؟
وهل قرأت عن أولئك الفتية الذين آمنوا بربّهم وزادهم الله هدىً؟ (1) ، وواجهوا كياناً وثنيّاً حاكماً، لا يرحم ولا يتردّد في خنق أيِّ بذرةٍ من بذور التوحيد والارتفاع عن وحدة الشرك، فضاقت نفوسهم ودبّ إليها اليأس، وسُدَّت منافذ الأمل أمام أعينهم، ولجؤوا إلى الكهف يطلبون من الله حلاً لمشكلتهم بعد أنْ أعيتهم الحلول، وكبر في نفوسهم أنْ يظلَّ الباطل يحكم ويظلم ويقهر الحقّ، ويصفّي كلَّ مَن يخفق قلبه للحقّ.
هل تعلم ماذا صنع الله تعالى بهم؟
إنَّه أنامهم ثلاثمئة سنة وتسع سنين (2) في ذلك الكهف، ثمّ بعثهم من نومهم ودفع بهم إلى مسرح الحياة، بعد أنْ كان ذلك الكيان الذي بَهَرَهم بقوّته وظلمه قد تداعى وسقط، وأصبح تاريخاً لا يرعب أحداً ولا يحرّك ساكناً، كلّ ذلك لكي يشهد هؤلاء الفتية مصرع ذلك الباطل الذي كبر عليهم امتداده وقوّته واستمراره، ويروا انتهاء أمره بأعينهم، ويتصاغر الباطل في نفوسهم.
ولئن تحقَّقتْ لأصحاب الكهف هذه الرؤية الواضحة بكلّ ما تحمل من زخمٍ وشموخٍ نفسيَّين، من خلال ذلك الحدث الفريد الذي مدَّد حياتهم ثلاثمئة سنة، فإنَّ
____________________
(1) إشارة إلى الآية القرآنية المباركة: ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً... ) الكهف: 13، وراجع تفسيرها في الكشّاف / الزمخشري 2: 706، نشر دار الكتاب العربي - بيروت.
(2) إشارة إلى الآية: ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا... ) الكهف: 25.
الشيء نفسه يتحقَّق للقائد المنتظَر، من خلال عمره المديد الذي يُتيح له أنْ يشهد العملاق وهو قِزم، والشجرة الباسقة وهي بذرة، والإعصار وهو مجرّد نسمة (1) .
أضف إلى ذلك، أنَّ التجربة التي تُتيحها مواكبة تلك الحضارات المتعاقبة، والمواجهة المباشرة لحركتها وتطوّراتها، لها أثرٌ كبير في الإعداد الفكري وتعميق الخِبرة القيادية لليوم الموعود ; لأنَّها تضع الشخص المدَّخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكلّ ما فيها من نقاط الضعف والقوّة، ومن ألوان الخطأ والصواب، وتعطي لهذا الشخص قدرة أكبر على تقويم الظواهر الاجتماعية بالوعي الكامل على أسبابها، وكلّ ملابساتها التاريخية.
ثمّ إنّ عملية التغيير المدَّخرة للقائد المنتظَر تقوم على أساس رسالة معيَّنة هي: رسالة الإسلام، ومن الطبيعي أنْ تتطلَّب العملية في هذه الحالة قائداً قريباً من مصادر الإسلام الأُولى، قد بُنِيتْ شخصيَّته بناءً كاملاً بصورةٍ مستقلَّة ومنفصلة عن مؤثِّرات الحضارة التي يُقدَّر لليوم الموعود أنْ يحاربها.
وخلافاً لذلك، الشخص الذي يولَد وينشأ في كَنَفِ هذه الحضارة، وتتفتَّح أفكاره ومشاعره في إطارها، فإنَّه لا يتخلَّص غالباً من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها، وإنْ قاد حملة تغييريّة ضدها.
فلكي يُضمن عدم تأثّر القائد المدَّخر بالحضارة التي أُعدَّ لاستبدالها، لابدّ أن تكون شخصيته قد بُنِيتْ بناءً كاملاً في مرحلةٍ حضاريةٍ سابقة، هي أقرب ما
____________________
(1) وكلّ ذلك له مدخليّة في تربيته، وإعداده الإعداد الخاص، بما في ذلك امتلاكه النظرة الشمولية العميقة، فضلاً عن شهوده بنفسه ضآلة أولئك المتعملقين الذين يملؤون الدنيا ضجيجاً وصخباً، ويسترهبون الناس، وهذا الشهود يؤهّله أكثر فأكثر لأداء مهمته الكونية في التغيير، أي ملئه للأرض عدلاً بعدما ملئت ظلماً، هذا بغمض النظر عن مؤهّلاته الذاتية، والعناية الربّانيّة الخاصة.
تكون في الروح العامة ومن ناحية المبدأ إلى الحالة الحضارية التي يتَّجه اليوم الموعود إلى تحقيقها بقيادته (1) .
____________________
(1) ولا ينبغي أن يُشكِل أحدٌ بأنّ النبيّ محمد (ص) مع عالمية رسالته ومهمّته التغييرية الكبرى، إلاّ أنّه عاش في كنف الحضارة الجاهلية، ولم يتأثر بها، وكذا الأنبياء السابقون، فما هو الوجه في هذا الرأي؟
فجوابه:
أ - إنّ النبيّ (ص) قد أُخضع فعلاً إلى حالة عزلة تامة عن الحضارة الجاهلية، وأنّه كما ورد في السيرة النبوية قد حُبّب إليه الخلاء، وكان يذهب إلى غار حراء يتحنّث فيه، وكذا الأنبياء كانوا يتنزّهون عمّا عليه مجتمعهم، وكانوا يعتزلون، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ) مريم: 49.
ب - إنّ النبيّ المرسل يُوحى إليه، ويُسدّد مباشرةً من السماء، ويبلّغ بالأعمال والخطوات التي يتخّذها خطوةً خطوةً، والإمام (ع) لا يُوحى إليه - كما هو عقيدة الإمامية - ولا يبلّغ بالأمور مباشرةً من السماء، نعم يكون مسدّداً وتحت العناية الربانيّة؛ ولذلك فهو يحتاج إلى إعداد خاص. ففي نفس الوقت الذي يكون فيه قريباً ومتّصلاً بالحضارة الإسلامية، مستمدّاً من آبائه (ع) الأصالة والمعرفة والعلم، يكون مطّلعاً على التجارب البشرية والحضارات في صعودها، وعوامل تكوّنها وقوّتها، وكذلك إخفاقاتها وعوامل ضعفها وانهيارها، فيستمد الخبرة والقدرة والإحاطة بالأمور جميعاً، هذا مع اعتقادنا بقدرات الإمام العلمية الذاتية التي وهبها الله تعالى له، وبكونه مسدّداً من السماء، كما سيتوضّح في المبحث الرابع.
المبحث الرابع
كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر؟
ونأتي الآن على السؤال الثالث القائل:
كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر مع أنّه لم يعاصر أباه الإمام العسكري إلاّ خمس سنوات تقريباً؟ وهي فترة الطفولة التي لا تكفي لإنضاج شخصية القائد، فما هي الظروف التي تكامل من خلالها؟.
والجواب: إنّ المهديّ (ع) خلف أباه في إمامة المسلمين، وهذا يعني أنّه كان إماماً بكلّ ما في الإمامة من محتوىً فكري وروحي في وقت مبكّر جداً من حياته الشريفة.
والإمامة المبكّرة ظاهرة سَبقهُ إليها عددٌ من آبائه (ع)، فالإمام محمد بن علي الجواد (ع) تولّى الإمامة وهو في الثامنة من عمره (1) ، والإمام علي بن محمد الهادي تولّى الإمامة وهو في التاسعة من عمره (2) ، والإمام أبو محمد الحسن العسكري (3) - والد القائد المنتظر - تولّى الإمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره،
____________________
(1) راجع: الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكيّ المكّيّ (ت / 855 هـ). وراجع: الإرشاد / الشيخ المفيد: ص 316 وما بعدها.
(2) راجع: التتمّة في تواريخ الأئمّة / السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسّسة البعثة - قم.
وراجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123 - 124، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته.
(3) راجع: التتمّة في تواريخ الأئمّة / السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسّسة البعثة - قم.
وراجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123 - 124، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته.
ويلاحظ أنّ ظاهرة الإمامة المبكّرة بلغت ذروتها في الإمام المهديّ والإمام الجواد، ونحن نسمّيها ظاهرةً، لأنّها كانت بالنسبة إلى عدد من آباء المهديّ (ع)، تشكّل مدلولاً حسيّاً عملياً عاشه المسلمون، ووعوه في تجربتهم مع الإمام بشكل وآخر، ولا يمكن أن نُطالب بإثبات لظاهرة من الظواهر أوضح وأقوى من تجربة أُمّة (1) .
ونوضّح ذلك ضمن النقاط التالية:
أ - لم تكن إمامة الإمام من أهل البيت، مركزاً من مراكز السلطان والنفوذ، التي تنتقل بالوراثة من الأب إلى الابن، ويدعمها النظام الحاكم كإمامة الخلفاء الفاطميّين، وخلافة الخلفاء العباسيّين، وإنّما كانت تكتسب ولاء قواعدها الشعبية الواسعة عن طريق التغلغل الروحي، والإقناع الفكري لتلك القواعد بجدارة هذه الإمامة لزعامة الإسلام، وقيادته على أُسس روحية وفكرية.
ب - إنّ هذه القواعد الشعبية بُنيت منذ صدر الإسلام، وازدهرت واتّسعت على عهد الإمامين الباقر والصادق (ع)، وأصبحت المدرسة التي رعاها هذان الإمامان في داخل هذه القواعد، تشكّل تيّاراً فكرياً واسعاً في العالم الإسلامي، يضم المئات من الفقهاء والمتكلّمين والمفسّرين والعلماء، في مختلف ضروب المعرفة الإسلامية والبشرية المعروفة وقتئذ، حتى قال الحسن بن عليّ الوشا: إنّي دخلت مسجد الكوفة فرأيت فيه تسعمِئة شيخ (2) ، كلّهم يقولون حدّثنا جعفر بن محمد.
____________________
(1) راجع: الإرشاد / الشيخ المفيد: ص 319 وما بعدها. والصواعق المحرقة: ص 123 - 124
فقد أوردا قصة المحاورة التي دارت بين الإمام الجواد (ع) ويحيى بن أكثم زمن المأمون، وكيف استطاع الإمام (ع) أن يثبت أعلميّته وقدرته على إفحام الخصم وهو في تلك السن المبكّرة.
(2) راجع: المجالس السنيّة / السيد الأمين العاملي 5: 209، وهذه قضية مشهورة تناقلها الخاص والعام. وراجع: صحاح الأخبار / محمد سراج الدين الرفاعي: ص 44، نقلاً عن الإمام الصادق والمذاهب الأربعة / أسد حيدر 1: 56.
وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 120: (جعفر الصادق، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمّة الأكابر كيحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك والسفيانين، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيوب السختياني...).
ج - إنّ الشروط التي كانت هذه المدرسة وما تُمثّله من قواعد شعبيّة في المجتمع الإسلامي، تؤمن بها وتتقيّد بموجبها في تعيين الإمام، والتعرّف على كفاءته للإمامة، شروط شديدة ; لأنّها تؤمن بأنّ الإمام لا يكون إماماً إلاّ إذا كان أعلم علماء عصره (1) .
د - إنّ المدرسة وقواعدها الشعبية، كانت تقدّم تضحيات كبيرة في سبيل الصمود على عقيدتها في الإمامة ; لأنّها كانت في نظر الخلافة المعاصرة لها تشكّل خطّاً عدائياً، ولو من الناحية الفكرية على الأقل، الأمر الذي أدّى إلى قيام السلطات وقتئذ وباستمرار تقريباً بحملات من التصفية والتعذيب، فقُتل مَن قُتل، وسُجن مَن سُجن، ومات في ظلمات المعتقلات المئات. و هذا يعني أنّ الاعتقاد بإمامة أئمّة أهل البيت كان يكلّفهم غالياً (2) ، ولم يكن له من الإغراءات سوى ما يحسّ به المعتقد أو يفترضه من التقرّب إلى الله تعالى والزلفى عنده.
هـ - إنّ الأئمّة الذين دانت هذه القواعد لهم بالإمامة لم يكونوا معزولين عنها،
____________________
(1) كون الإمام أعلم أهل زمانه أمرٌ متسالم عليه عند الإمامية. راجع: الباب الحادي عشر / العلاّمة الحلّيّ، هذا وقد عُرّضوا لأكثر من اختبار (صلوات الله وسلامه عليهم)؛ لإثبات هذا المدّعى، ونجحوا فيه.
راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123، فقد نقل تفصيلاً في هذه المسألة عن مسائل يحيى بن أكثم للإمام الجواد (ع).
(2) إنّ الاعتقاد بإمامة الأئمّة كلّف أتباعهم غالياً، وهذا ثابت تاريخياً، وليس إلى إنكاره من سبيل، والشاهد يدلّ على الغائب أيضاً. راجع: مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الأصفهاني.
ولا متقوقعين في بروج عالية، شأن السلاطين مع شعوبهم، ولم يكونوا يحتجبون عنهم إلاّ أن تحجبهم السلطة الحاكمة بسجن أو نفي، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الكبير من الرواة والمحدّثين عن كلّ واحد من الأئمّة الأحد عشر، ومن خلال ما نُقل من المكاتبات التي كانت تحصل بين الإمام ومعاصريه، وما كان الإمام يقوم به من أسفار من ناحية، وما كان يبثّه من وكلاء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من ناحية أخرى، وما كان قد اعتاده الشيعة من تفقّد أئمتهم وزيارتهم في المدينة المنوّرة، عندما يؤمّون الديار المقدّسة من كلّ مكان لأداء فريضة الحج (1) ، كلّ ذلك يفرض تفاعلاً مستمراً بدرجة واضحة، بين الإمام وقواعده الممتدّة في أرجاء العالم الإسلامي، بمختلف طبقاتها من العلماء وغيرهم.
و - إنّ الخلافة المعاصرة للأئمّة (ع)، كانت تنظر إليهم وإلى زعامتهم الروحية والإمامية، بوصفها مصدر خطر كبير على كيانها ومقدّراتها؛ وعلى هذا الأساس بذلت كلّ جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة، وتحمّلت في سبيل ذلك كثيراً من السلبيّات، وظهرت أحياناً بمظاهر القسوة والطغيان حينما اضطرّها تأمين مواقعها إلى ذلك، وكانت حملات الاعتقال والمطاردة مستمرّة للأئمّة (2) أنفسهم، على الرغم ممّا يخلّفه ذلك من شعور بالألم أو الاشمئزاز، عند المسلمين وللناس الموالين على اختلاف درجاتهم.
____________________
(1) وقد أوصى الأئمّة بذلك أتباعهم كما هو لسان الروايات الكثيرة.
راجع: أصول الكافي 1: 322 / كتاب الحجّة / باب 2 (إنّ الواجب على الناس بعدما يقضون مناسكهم، أن يأتوا الإمام فيسألونه عن معالم دينهم، ويُعلمونه ولايتهم ومودّتهم له).
(2) راجع في تاريخ الأئمة (ع)، وتعرّضهم للاضطهاد والمطاردة والسجن والقتل أحياناً:
أ - الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي.
ب - مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الأصفهاني.
ج - الإرشاد للشيخ المفيد.
إذا أخذنا هذه النقاط الست بعين الاعتبار، وهي حقائق تاريخية لا تقبل الشكّ، أمكن أن نخرج بنتيجة، وهي: أنّ ظاهرة الإمامة المبكّرة كانت ظاهرةً واقعية، ولم تكن وهماً من الأوهام ; لأنّ الإمام الذي يبرز على المسرح وهو صغير، فيعلن عن نفسه إماماً روحيّاً وفكريّاً للمسلمين، ويدين له بالولاء والإمامة كلّ ذلك التيّار الواسع، لابدّ أن يكون على قدر واضح وملحوظ، بل وكبير من العلم والمعرفة، وسعة الأفق، والتمكّن من الفقه والتفسير والعقائد ; لأنّه لو لم يكن كذلك لَما أمكن أن تقتنع تلك القواعد الشعبية بإمامته، مع ما تقدّم من أنّ الأئمّة كانوا في مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم، وللأضواء المختلفة أن تُسلّط على حياتهم وموازين شخصيّتهم.
فهل ترى أنّ صبيّاً يدعو إلى إمامة نفسه، وينصّب منها علماً للإسلام، وهو على مرأىً ومسمع من جماهير قواعده الشعبية، فتؤمن به وتبذل في سبيل ذلك الغالي من أمنها وحياتها، بدون أن تكلّف نفسها اكتشاف حاله، وبدون أن تهزّها ظاهرة هذه الإمامة المبكّرة؛ لاستطلاع حقيقة الموقف، وتقويم هذا الصبيّ الإمام؟ (1) وهب أنّ الناس لم يتحركوا لاستطلاع المواقف، فهل يمكن أن تمرّ المسألة أيّاماً وشهوراً، بل أعواماً دون أن تُتكشّف الحقيقة، على الرغم من التفاعل الطبيعي المستمرّ بين الصبيّ الإمام وسائر الناس؟ وهل من المعقول أن يكون صبيّاً في فكره وعلمه حقّاً، ثمّ لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل؟
وإذا افترضنا أنّ القواعد الشعبية لإمامة أهل البيت لم يُتح لها أن تكتشف واقع الأمر، فلماذا سكتت الخلافة القائمة ولم تعمل لكشف الحقيقة إذا كانت في صالحها؟ وما كان أيسر ذلك على السلطة القائمة، لو كان الإمام الصبيّ صبيّاً في فكره وثقافته، كما هو المعهود في الصبيان، وما كان أنجحه من أسلوب أن تقدّم هذا الصبي إلى شيعته وغير شيعته على حقيقته، وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة
____________________
(1) إشارة إلى الإمام المهديّ (ع)، ومن قبلُ إلى الإمام الجواد مثلاً.
والزعامة الروحيّة والفكرية. فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخص في الأربعين أو الخمسين، قد أحاط بقدر كبير من ثقافة عصره لتسلّم الإمامة، فليس هناك صعوبة في الإقناع بعدم كفاءة صبيّ اعتيادي، مهما كان ذكيّاً وفطناً للإمامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الإماميون (1) ، وكان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقّدة وأساليب القمع، والمجازفة التي انتهجتها السلطات وقتئذ.
إنّ التفسير الوحيد لسكوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة (2) ، هو أنّها أدركت أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة حقيقيّة وليست شيئاً مصطنعاً.
والحقيقة أنّها أدركت ذلك بالفعل، بعد أن حاولت أن تلعب بتلك الورقة فلم تستطع، والتاريخ يحدّثنا عن محاولات من هذا القبيل وفشلها (3) ، بينما لم يحدّثنا إطلاقاً عن موقف تزعزعت فيه ظاهرة الإمامة المبكّرة، أو واجه فيه الصبيّ الإمام إحراجاً يفوق قدرته، أو يزعزع ثقة الناس فيه.
وهذا معنى ما قلناه، من أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت، وليست مجرّد افتراض، كما أنّ هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء، الذي امتدّ عبر الرسالات والزعامات الربّانيّة.
ويكفي مثالاً لظاهرة الإمامة المبكّرة في التراث الربّاني لأهل البيت (ع)
____________________
(1) أي على أنّه يجب أن يكون أفضل الناس وأعلم الناس، كما هو معتقد الإماميّة الاثني عشريّة.
راجع: حقّ اليقين في معرفة أُصول الدين للسيد عبد الله شُبّر (ت / 1242 هـ) 1: 141، المقصد الثالث.
(2) يقصد تقديم الإمام الصبيّ للاختبار أمام الملأ لإظهار حقيقة الأمر.
(3) قد فعل المأمون ذلك، وانكشف لدى الخاصّ من العلماء مدى ما يمتلكه الإمام الجواد (ع) من الفقه والعلم. راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص 123.
يحيى (ع) إذ قال الله سبحانه وتعالى: ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) مريم: 12.
ومتى ثبت أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة واقعية، ومتواجدة فعلاً في حياة أهل البيت (ع)، لم يعد هناك اعتراض فيما يخصّ إمامة المهديّ (ع)، وخلافته لأبيه وهو صغير (1) .
____________________
(1) وقد شاهد خاصّة الشيعة الإمام المهديّ واتّصلوا به، وأخذوا عنه، كما حصل عن طريق السفراء الأربعة. راجع: تبصرة الولي فيمَن رأى القائم المهديّ / البحراني، والإرشاد / الشيخ المفيد: ص 345، وراجع تفصيلاً وافياً في دفاع عن الكافي / السيد ثامر العميدي 1: 535 وما بعدها.
المبحث الخامس
كيف نؤمن بأنّ المهديّ قد وُجد؟
ونصل الآن إلى السؤال الرابع وهو يقول:
هب أنّ فرضيّة القائد المنتظر ممكنة بكلّ ما تستبطنه من عمر طويل، وإمامة مبكّرة، وغيبة صامتة، فإنّ الإمكان لا يكفي للاقتناع بوجوده فعلاً.
فكيف نؤمن فعلاً بوجود المهديّ؟ وهل تكفي بضع روايات تُنقل في بطون الكتب عن الرسول الأعظم (ص)، للاقتناع الكامل بالإمام الثاني عشر، على الرغم ممّا في هذا الافتراض من غرابة وخروج عن المألوف؟ بل كيف يمكن أن نثبت أنّ للمهدي (ع) وجوداً تاريخياً حقّاً، وليس مجرد افتراض توفّرت ظروف نفسية لتثبيته في نفوس عدد كبير من الناس؟ (1)
والجواب: إنّ فكرة المهديّ بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل، قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموماً، وفي روايات أئمّة أهل البيت
____________________
(1) هذه التساؤلات يطرحها السيد الشهيد (ص) بصفتها من الإشكالات التي أثيرت وتُثار عادةً حول المهديّ (ع)، وهي أقصى ما يُثار في هذا الصدد، حتى أنّ بعض الكتّاب المعاصرين قد أثاروها أخيراً مدفوعين بدوافع غير علمية، مصحوبة تلك الإثارة بضجيج مكثّف، ومحاولات بائسة من الوهابية لترويجها وتبنّيها، ولا تخفى الدوافع بعد ذلك على أحد. وقد أجاب الإمام الشهيد بجواب علمي لمَن يريد الحقيقة. راجع ما كتبناه في المقدمة أيضاً.
(2) يلاحظ كتاب (المهديّ) للسيد (العم) الصدر قدّس الله روحه الزكية. (الشهيد الصدر).
راجع: ما أثبته الشيخ العبّاد في مجلد الجامعة الإسلامية / العدد 3 سنة 1969.
وراجع: المهديّ الموعود المنتظر / الشيخ نجم الدين العسكري.
خصوصاً، وأُكّدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشكّ، وقد أُحصي أربعمِئة حديث عن النبيّ (ص) من طرق إخواننا أهل السنّة (1) ، كما أُحصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهديّ من طرق الشيعة والسنّة، فكان أكثر من ستة آلاف رواية (2) ، وهذا رقم إحصائي كبير لا يتوفّر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهية، التي لا يشكّ فيها مسلم عادة.
وأمّا تجسيد هذه الفكرة في الإمام الثاني عشر (عليه الصلاة والسلام)، فهذا ما توجد مبرّرات كافية وواضحة للاقتناع به.
ويمكن تلخيص هذه المبرّرات في دليلين:
أحدهما إسلامي
والآخر علمي
فبالدليل الإسلامي نثبت وجود القائد المنتظر.
وبالدليل العلمي نبرهن على أنّ المهديّ ليس مجرّد أُسطورة وافتراض، بل هو حقيقة ثبت وجودها بالتجربة التاريخية.
أمّا الدليل الإسلامي:
فيتمثّل في مئات الروايات الواردة عن رسول الله (ص) (3) والأئمّة من أهل
____________________
(1) يلاحظ كتاب (المهديّ) للسيد (العم) الصدر قدّس الله روحه الزكية. (الشهيد الصدر).
راجع: ما أثبته الشيخ العبّاد في مجلة الجامعة الإسلامية / العدد 3 سنة 1969.
وراجع: المهديّ الموعود المنتظر / الشيخ نجم الدين العسكري.
(2) يلاحظ كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، للشيخ لطف الله الصافي. (الشهيد الصدر).
(3) راجع: معجم أحاديث الإمام المهديّ / مؤسّسة المعارف الإسلاميّة / الجزء الأَوّل - أحاديث النبيّ.
البيت (ع)، والتي تدلُّ على تعيين المهديّ (ع)، وكونه من أهل البيت (1) :
ومن وُلد فاطمة (2)
ومن ذرية الحسين (3)
وأنّه التاسع من وُلد الحسين (4)
____________________
(1) أخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة ونعيم بن حمّاد في الفتن، عن علي (ع) قال: (قال رسول الله (ص): (المهديّ منّا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة) .
راجع: الحاوي للفتاوي / السيوطي 2: 213 و 215 وفيه، أيضاً: أخرج أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود، عن عليّ، عن النبيّ (ص) قال: (لو لم يبقَ من الدهر إلاّ يومٌ، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً)، و راجع: صحيح سنن المصطفى 2: 207، وسنن ابن ماجة 2: 1367 / 4085.
وراجع: معجم أحاديث المهديّ 1: 147 وما بعدها، إذ ينقل أحاديث كثيرة عن الصحاح والمسانيد في هذا المعنى. موسوعة الإمام المهديّ / ترتيب مهدي فقيه إيماني، الجزء الأَوّل، وفيها نسخة مصوّرة عن محاضرة الشيخ العبّاد حول ما جاء من الأحاديث والآثار في المهديّ (ع).
(2) الحاوي للفتاوي / السيوطي جلال الدين 2: 214، قال: وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: (المهديّ من عترتي من وُلد فاطمة) . راجع صحيح سُنن المصطفى لأبي داود 2: 208.
(3) حديث المهديّ من ذرية الحسين (ع)، كما في المصادر الآتية على ما نقل في معجم أحاديث المهديّ وهي: الأربعون حديثاً لأبي نعيم الأصفهاني كما في عقد الدرر للمقدسي الشافعي، وأخرجه الطبراني في الأوسط على ما في المنار المنيف لابن القيّم، وفي السيرة الحلبية 1: 193، وفي القول المختصر لابن حجر. راجع منتخب الأثر للشيخ لطف الله الصافي في ما نقله من كتب الشيعة، وراجع توهين الرواية التي تقول بأنّه من وُلد الإمام الحسن (ع)، كتاب السيد العميدي (دفاع عن الكافي 1: 296).
(4) راجع الرواية التي تنص على أنّه التاسع من وُلد الحسين (ع) في: ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي: ص 492، وفي مقتل الإمام الحسين للخوارزمي 1: 196، وفي فرائد السمطين للجويني الشافعي 2: 310 - 315 الأحاديث من 561 - 569، وراجع منتخب الأثر للعلاّمة الشيخ الصافي إذ خرّجها من طرق الفريقين (دفاع عن الكافي 1: 294).
وأنّ الخلفاء اثنا عشر (1) :
فإنّ هذه الروايات تحدّد تلك الفكرة العامة، وتشخّصها في الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت، وهي روايات بلغت درجة كبيرة من الكثرة والانتشار، على الرغم من تحفّظ الأئمّة (ع) واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام؛ وقايةً للخلف الصالح من الاغتيال أو الإجهاز السريع على حياته (2) .
وليست الكثرة العددية للروايات هي الأساس الوحيد لقبولها، بل هناك إضافةً إلى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحّتها، فالحديث النبوي الشريف عن الأئمّة أو الخلفاء أو الأمراء بعده، وأنّهم اثنا عشر إماماً أو خليفةً أو أميراً - على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة - قد أحصى بعض المؤلّفين رواياته فبلغت أكثر من مئتين وسبعين روايةً (3) مأخوذة من أشهر كتب الحديث عند الشيعة والسنّة، بما في ذلك البخاري (4) ومسلم (5) والترمذي (6) وأبي داود (7)
____________________
(1) حديث (الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش) أو (لا يزال هذا الدين قائماً ما وليه اثنا عشر، كلهم من قريش) .
هذا الحديث متواتر، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعدّدة وإن اختلف في متنه قليلاً.
نعم، اختلفوا في تأويله واضطربوا. راجع: صحيح البخاري 9: 101 كتاب الأحكام / باب الاستخلاف. وصحيح مسلم 2: 119 كتاب الإمارة. مسند أحمد 5: 90، 93، 97.
(2) راجع الغيبة الكبرى / السيد محمد الصدر: ص 272 وما بعدها.
(3) راجع التاج الجامع للأصول 3: 40، قال: رواه الشيخان والترمذي، وراجع في تحقيق الحديث وطرقه وأسانيده كتاب الإمام المهديّ (ع) / عليّ محمد عليّ دخيل.
(4) صحيح البخاري / المجلد الثالث / 9: 101، كتاب الأحكام / باب الاستخلاف. طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(5) و (6) و (7) راجع: التاج الجامع للأصول 3: 40، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: (لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفةً...) ، وراجع سنن أبي داود 2: 207.
ومسند أحمد (1) ومستدرك الحاكم على الصحيحين (2) ، ويلاحظ هنا أنّ البخاري الذي نقل هذا الحديث كان معاصراً للإمام الجواد والإمامين الهادي والعسكريّ، وفي ذلك مغزىً كبير ; لأنّه يبرهن على أنّ هذا الحديث قد سُجّل عن النبيّ (ص)، قبل أن يتحقّق مضمونه، وتكتمل فكرة الأئمّة الاثني عشر فعلاً، وهذا يعني أنّه لا يوجد أي مجال للشك في أن يكون نقل الحديث، متأثراً بالواقع الإمامي الاثني عشري وانعكاساً له ; لأنّ الأحاديث المزيّفة التي تُنسب إلى النبيّ (ص) - وهي انعكاسات أو تبريرات لواقع متأخر زمنياً - لا تسبق في ظهورها وتسجيلها في كتب الحديث ذلك الواقع الذي تشكّل انعكاساً له، فما دمنا قد ملكنا الدليل المادي، على أنّ الحديث المذكور سبق التسلسل التاريخي للأئمّة الاثني عشر، وضُبط في كتب الحديث قبل تكامل الواقع الإمامي الاثني عشري، أمكننا أن نتأكد من أنّ هذا الحديث ليس انعكاساً لواقع، وإنّما هو تعبير عن حقيقة ربانية، نطق بها مَن لا ينطق عن هوى (3) ، فقال: (إنّ الخلفاء بعدي اثنا عشر) (4) ، وجاء الواقع الإمامي الاثني عشري ابتداءً من الإمام عليّ وانتهاءً بالمهديّ ; ليكون التطبيق الوحيد المعقول (5) لذلك الحديث النبوي الشريف.
____________________
(1) مسند الإمام أحمد 5: 93، 100.
(2) المستدرك على الصحيحين 3: 618.
(3) إشارة إلى قوله تعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) النجم: 3 - 4.
(4) تقدّم تخريج الحديث.
(5) اضطرب العلماء في تأويله بعد إطباقهم على صحته، وما أوردوه من مصاديق لا يمكن قبولها، بل أنّ بعضها غير معقول تماماً، كإدخالهم يزيد بن معاوية المجاهر بالفسق، المحكوم بالمروق والكفر، أو مَن هو على شاكلته. راجع ما نقله السيد ثامر العميدي من أقوالهم، وقد ناقش هذه القضية مناقشةً وافيةً وعلمية، وأبطل تأويلاتهم بما لا مزيد عليه في دفاع عن الكافي 1: 540 وما بعدها.
وأمّا الدليل العلميّ:
فهو يتكوّن من تجربة عاشتها أمّة من الناس فترة امتدّت سبعين سنة تقريباً، وهي فترة الغيبة الصغرى.
ولتوضيح ذلك نمهّد بإعطاء فكرة موجزة عن الغيبة الصغرى (1) .
إنّ الغيبة الصغرى تعبّر عن المرحلة الأُولى من إمامة القائد المنتظر (عليه الصلاة والسلام)، فقد قُدّر لهذا الإمام منذ تسلّمه للإمامة أن يستتر عن المسرح العام، ويظلُّ بعيداً باسمه عن الأحداث، وإن كان قريباً منها بقلبه وعقله، وقد لوحظ أنّ هذه الغيبة إذا جاءت مفاجئةً حقّقت صدمةً كبيرة، للقواعد الشعبية للإمامة في الأمّة الإسلامية ; لأنّ هذه القواعد كانت معتادةً على الاتّصال بالإمام في كلّ عصر، والتفاعل معه والرجوع إليه في حلّ المشاكل المتنوّعة، فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأةً، وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية، سبّبت هذه الغيبة (2) المفاجئة - الإحساس بفراغ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كلّه ويشتّت شمله - فكان لابدّ من تمهيد لهذه الغيبة ; لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى، التي اختفى فيها الإمام المهديّ عن المسرح العام، غير أنّه كان دائم الصلة بقواعده وشيعته عن طريق وكلائه ونوّابه، والثقات من أصحابه، الذين يشكّلون همزة الوصل بينه وبين الناس المؤمنين بخطه الإمامي (3) .
وقد شَغل مركز النيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعة،
____________________
(1) راجع: الغيبة الصغرى / السيد محمد الصدر، فقد توسّع في بحثها.
(2) إشارة إلى الغيبة الكبرى.
(3) راجع: تبصرة الولي فيمَن رأى القائم المهديّ / السيد هاشم البحراني. ودفاع عن الكافي / السيد ثامر العميدي 1: 568 وما بعدها.
ممّن أجمعت تلك القواعد على تقواهم وورعهم ونزاهتهم التي عاشوا ضمنها.
وهم كما يلي:
1 - عثمان بن سعيد العمريّ.
2 - محمد بن عثمان بن سعيد العمريّ.
3 - أبو القاسم الحسين بن روح.
4 - أبو الحسن عليّ بن محمد السمريّ.
وقد مارس هؤلاء الأربعة (1) مهامّ النيابة بالترتيب المذكور، وكلما مات أحدهم خلفه الآخر الذي يليه بتعيين من الإمام المهديّ (ع).
وكان النائب يتصل بالشيعة ويحمل أسئلتهم إلى الإمام، ويعرض مشاكلهم عليه، ويحمل إليهم أجوبته شفهيةً أحياناً وتحريريّة (2) في كثير من الأحيان، وقد وجدت الجماهير التي فقدت رؤية إمامها، العزاء والسلوة في هذه المراسلات والاتّصالات غير المباشرة، ولاحظت أنّ كلّ التوقعيات والرسائل، كانت ترد من الإمام المهديّ (ع) بخطّ واحد وسليقة واحدة (3) ، طيلة نيابة النوّاب الأربعة التي استمرت حوالي سبعين عاماً، وكان السمّريّ هو آخر النوّاب، فقد أعلن عن انتهاء مرحلة الغيبة الصغرى التي تتميز بنوّاب معيّنين، وابتداء الغيبة الكبرى، التي لا يوجد فيها أشخاص معيّنون بالذات للوساطة بين الإمام القائد والشيعة، وقد عبّر التحوّل من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى عن تحقيق
____________________
(1) راجع ترجمة هؤلاء الأربعة في كتاب الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر، الفصل الثالث: ص 395 وما بعدها، نشر دار التعارف للمطبوعات / بيروت 1980.
(2) وهذه تُعرف بالتوقيعات، وهي الأجوبة التحريريّة والشفويّة التي نُقلت عن الإمام المهديّ (ع). راجع: الاحتجاج / الطبرسي 2: 523 وما بعدها.
(3) ممّا استقر في الأوساط الأدبية، وعند نقّاد الأدب قديماً وحديثاً، أنّ الأسلوب هو الرجل، وهذه المقولة صحيحة. ومن هنا رأينا وسمعنا أنّ كثيراً من الأدباء وقارئي الأدب، يميّزون بمجرّد قراءة النصّ شعريّاً كان أم نثريّاً أنّه لفلان، وما ذلك إلاّ لأنّ الأسلوب هو الرجل، وأنّ لكلّ كاتب سمةً وطابعاً خاصّاً في كتابته يمكن تمييزه من غيره، هذا فضلاً على تميّز خطّه الشريف من غيره من الخطوط.
مرحلة الغيبة الصغرى التي تتميز بنوّاب معيّنين، وابتداء الغيبة الكبرى، التي لا يوجد فيها أشخاص معيّنون بالذات للوساطة بين الإمام القائد والشيعة، وقد عبّر التحوّل من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى، عن تحقيق الغيبة الصغرى لأهدافها وانتهاء مهمتها ; لأنّها حصّنت الشيعة بهذه العملية التدريجية، عن الصدمة والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبة الإمام، واستطاعت أن تكيّف وضع الشيعة على أساس الغيبة، وتعدّهم بالتدريج لتقبّل فكرة النيابة العامة عن الإمام، وبهذا تحوّلت النيابة من أفراد منصوصين (1) إلى خطّ عام (2) ، وهو خط المجتهد العادل البصير بأمور الدنيا والدين، تبعاً لتحوّل الغيبة الصغرى إلى غيبة كبرى.
والآن بإمكانك أن تقدّر الموقف في ضوء ما تقدّم؛ لكي تدرك بوضوح أنّ المهديّ حقيقة عاشتها أمّة من الناس، وعبّر عنها السفراء والنوّاب طيلة سبعين عاماً من خلال تعاملهم من الآخرين، ولم يلحظ عليهم أحدٌ كلّ هذه المدة تلاعباً في الكلام، أو تحايلاً في التصرف، أو تهافتاً في النقل.
فهل تتصور - بربّك - أنّ بإمكان أكذوبة أن تعيش سبعين عاماً، ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتّفقون عليها، ويظلّون يتعاملون على أساسها، وكأنّها قضية يعيشونها بأنفسهم ويرونها بأعينهم، دون أن يبدر منهم أي شيء يثير الشكّ، ودون أن يكون بين الأربعة علاقة خاصة متميّزة تتيح لهم نحواً من التواطؤ، ويكسبون من خلال ما يتّصف به سلوكهم من واقعية ثقة الجميع، وإيمانهم بواقعية القضية التي يدّعون أنّهم يحسّونها ويعيشون معها؟!
لقد قيل قديماً: إنّ حبل الكذب قصير، ومنطق الحياة يثبت أيضاً، أنّ من
____________________
(1) إشارة إلى النوّاب الأربعة المذكورين.
(2) وهو ما اصطلح عليه (بالمرجعيّة الدينيّة)، ويلاحظ هنا الصفات التي يرى الإمام الشهيد لزوم توفّرها في المرجعيّة.
المستحيل عمليّاً بحساب الاحتمالات، أن تعيش أكذوبة بهذا الشكل، وكلّ هذه المدّة، وضمن كلّ تلك العلاقات والأخذ والعطاء، ثمّ تكسب ثقة جميع مَن حولها.
وهكذا نعرف أنّ ظاهرة الغيبة الصغرى، يمكن أن تعتبر بمثابة تجربة علمية لإثبات ما لها من واقع موضوعيّ، والتسليم بالإمام القائد بولادته (1) وحياته وغيبته، وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسرح، ولم يكشف نفسه لأحد (2) .
____________________
(1) إنّ اتّصال الإمام القائد المهديّ بقواعده الشيعيّة عن طريق نوّابه ووكلائه، أو بأساليب أخرى متنوّعة واقع تاريخي موضوعي، ليس من سبيل إلى إنكاره، كما في السفارة، فضلاً عن الدلائل الأخرى الكثيرة المستندة إلى إخبار مَن يجب تصديقه، ثمّ هو مقتضى الأحاديث المتواترة، كحديث: (مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية)، وغير ذلك. إنّ كلّ ذلك مجموعاً - وهو محل اتّفاق أكثر طوائف الملّة الإسلامية - يدحض وبشكل قاطع ما يثيره المتشكّكون، حول وجود الإمام، واستمرار حياته المباركة الشريفة، راجع: الغيبة الصغرى / السيد محمد الصدر: ص 566. وراجع ما أثبتناه في المقدمة: ص 15 وما بعدها.
(2) ورد التوقيع الشريف عن الإمام القائد المهديّ (ع)، بعدم إمكان رؤيته بشكل صريح بعد وقوع الغيبة الكبرى، وهذا محل اتّفاق علماء الإمامية. وراجع مناقشة المسألة في: الغيبة الصغرى / السيد محمد الصدر: ص 639 وما بعدها.
المبحث السادس
لماذا لم يظهر القائد إذن؟
لماذا لم يظهر القائد إذن طيلة هذه المدة؟
وإذا كان قد أعدّ نفسه للعمل الاجتماعي، فما الذي منعه عن الظهور على المسرح في فترة الغيبة الصغرى، أو في أعقابها بدلاً عن تحويلها إلى غيبة كبرى، حيث كانت ظروف العمل الاجتماعي والتغييري وقتئذ أبسط وأيسر، وكانت صلته الفعلية بالناس من خلال تنظيمات الغيبة الصغرى، تتيح له أن يجمع صفوفه ويبدأ عمله بداية قويّة، ولم تكن القوى الحاكمة من حوله، قد بلغت الدرجة الهائلة من القدرة والقوة التي بلغتها الإنسانية بعد ذلك، من خلال التطوّر العلمي والصناعي؟
والجواب:
أنّ كلّ عملية تغيير اجتماعي يرتبط نجاحها بشروط وظروف موضوعية، لا يتأتّى لها أن تحقّق هدفها إلاّ عندما تتوفر تلك الشروط والظروف.
وتتميّز عمليات التغيير الاجتماعي التي تفجّرها السماء على الأرض، بأنّها لا ترتبط في جانبها الرسالي بالظروف الموضوعية (1) ; لأنّ الرسالة التي تعتمدها
____________________
(1) على الرغم من الأهمية التي يعطيها الشهيد الصدر (ره) هنا للظروف الموضوعية ; ودور نضوجها أو إنضاجها في نجاح الثورات - وهذا فهم عميق لأثر العالم الاجتماعي والنفسيّ - إلاّ أنّ الشهيد الصدر (ره) يعرض نظريةً جديدة في فهم عملية التغيير الاجتماعي، الذي تحدثه السماء من خلال الرسالات السماوية، فهي في جانبها الرسالي ترتبط بقانونها الخاص، ولكن في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية، وترتبط بها توقيتاً ونجاحاً، وأعني بالظروف الموضوعية: الحالة السياسية، والحالة الاجتماعية للأمّة، والواقع الدولي المعاصر، ومدى قدرة الأمّة في إمكاناتها الذاتية واستعدادها النفسي.
عملية التغيير هنا ربّانيّة، ومن صنع السماء لا من صنع الظروف الموضوعية، ولكنّها في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية، ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف؛ ومن أجل ذلك انتظرت السماء مرور خمسة قرون من الجاهلية، حتى أنزلت آخر رسالاتها على يد النبيّ محمد (ص) ; لأنّ الارتباط بالظروف الموضوعية للتنفيذ كان يفرض تأخّرها، على الرغم من حاجة العالم إليها منذ فترة طويلة قبل ذلك.
والظروف الموضوعية التي لها أثر في الجانب التنفيذي من عملية التغيير، منها ما يشكّل المناخ المناسب والجو العام للتغيير المستهدف، ومنها ما يشكّل بعض التفاصيل التي تتطلّبها حركة التغيير من خلال منعطفاتها التفصيلية.
فبالنسبة إلى عملية التغيير التي قادها - مثلاً - لينين في روسيا بنجاح، كانت ترتبط بعامل من قبيل قيام الحرب العالمية الأُولى، وتضعضع القيصرية، وهذا ما يساهم في إيجاد المناخ المناسب لعملية التغيير، وكانت ترتبط بعوامل أخرى جزئية ومحدودة، من قبيل سلامة لينين مثلاً في سفره الذي تسلّل فيه إلى داخل روسيا وقاد الثورة، إذ لو كان قد اتّفق له أي حادث يعيقه، لكان من المحتمل أن تفقد الثورة بذلك قدرتها على الظهور السريع على المسرح.
وقد جرت سُنة الله تعالى - التي لا تجد لها تحويلاً في عمليات التغيير الربّاني - على التقيّد من الناحية التنفيذية بالظروف الموضوعية، التي تحقّق المناخ المناسب والجو العام لإنجاج عملية التغيير، ومن هنا لم يأتِ الإسلام إلاّ بعد فترة من الرسل وفراغ مرير استمرّ قروناً من الزمن.
فعلى الرغم من قدرة الله - سبحانه وتعالى - على تذليل كل العقبات والصعاب في وجه الرسالة الربّانية، وخلق المناخ المناسب لها خلقاً بالإعجاز، لم يشأ أن يستعمل هذا الأسلوب ; لأنّ الامتحان والابتلاء والمعاناة التي من خلالها يتكامل الإنسان، يفرض على العمل التغييري الربّاني، أن يكون طبيعيّاً وموضوعيّاً من هذه الناحية، وهذا لا يمنع من تدخّل الله - سبحانه وتعالى - أحياناً فيما يخصّ بعض التفاصيل، التي لا تكوّن المناخ المناسب، وإنّما قد يتطلّبها أحياناً التحرّك ضمن ذلك المناخ المناسب، ومن ذلك الإمدادات والعنايات الغيبية، التي يمنحها الله تعالى لأوليائه في لحظات حرجة فيحمي بها الرسالة، وإذا بنار نمرود تُصبح برداً وسلاماً على إبراهيم (1) ، وإذا بيد اليهوديّ الغادر التي ارتفعت بالسيف على رأس النبيّ (ص) تُشلّ وتفقد قدرتها على الحركة (2) ، وإذا بعاصفة قوية تجتاح مخيّمات الكفّار والمشركين، الذين أحدقوا بالمدينة في يوم الخندق، وتبعث في نفوسهم الرعب (3) ، إلاّ أنّ هذا كلّه لا يعدو التفاصيل وتقديم العون في لحظات حاسمة، بعد أن كان الجو المناسب والمناخ الملائم لعملية التغيير على العموم، قد تكوّن بالصورة الطبيعية ووفقاً للظروف الموضوعية.
وعلى هذا الضوء ندرس موقف الإمام المهديّ (ع)، لنجد أنّ عملية التغيير التي أُعدّ لها ترتبط من الناحية التنفيذية كأي عملية تغيير اجتماعي أخرى، بظروف موضوعية تساهم في توفير المناخ الملائم لها، ومن هنا كان من الطبيعي أن تُوقّت وفقاً لذلك. ومن المعلوم أنّ المهديّ لم يكن قد أَعدّ نفسه لعمل اجتماعي محدود،
____________________
(1) إشارة إلى قوله تعالى: ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ ) الأنبياء: 68 - 70.
(2) راجع الرواية في تفسير ابن كثير 2: 33، وراجع: البحار / المجلسي 18: 47 و 52 و 60، 75، باب معجزات النبيّ (ص).
(3) تاريخ الطبري 2: 244 حوادث السنة الخامسة من الهجرة.
ولا لعملية تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم أو ذاك ; لأنّ رسالته التي ادّخر لها من قِبل الله - سبحانه وتعالى - هي تغيير العالم تغييراً شاملاً، وإخراج البشرية كلّ البشريّة، من ظلمات الجور إلى نور العدل (1)، وعملية التغيير الكبرى هذه لا يكفي في ممارستها مجرد وصول الرسالة والقائد الصالح، وإلاّ لتمّت شروطها في عصر النبوة بالذات، وإنّما تتطلّب مناخاً عالمياً مناسباً، وجوّاً عاماً مساعداً، يحقّق الظروف الموضوعية المطلوبة لعملية التغيير العالمية.
فمن الناحية البشرية، يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد، عاملاً أساسياً في خلق ذلك المناخ المناسب لتقبّل رسالة العدل الجديدة، وهذا الشعور بالنفاد يتكوّن ويترسّخ من خلال التجارب الحضارية المتنوّعة، التي يخرج منها إنسان الحضارة مثقلاً بسلبيات ما بنى، مدركاً حاجته إلى العون، متلفّتاً بفطرته إلى الغيب أو إلى المجهول.
ومن الناحية المادية، يمكن أن تكون شروط الحياة المادية الحديثة أقدر من شروط الحياة القديمة - في عصر كعصر الغيبة الصغرى - على إنجاز الرسالة على صعيد العالم كلّه، وذلك بما تحقّقه من تقريب المسافات، والقدرة الكبيرة على التفاعل بين شعوب الأرض، وتوفير الأدوات والوسائل التي يحتاجها جهاز مركزي؛ لممارسة توعية لشعوب العالم، وتثقيفها على أساس الرسالة الجديدة.
وأمّا ما أُشير إليه في السؤال، من تنامي القوى والأداة العسكرية التي يُواجهها القائد في اليوم الموعود كلّما أُجّل ظهوره، فهذا صحيح، ولكن ماذا ينفع نمو الشكل
____________________
(1) كما هو نصّ الحديث النبويّ الشريف: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يومٌ لطوّل الله ذلك اليوم؛ حتى يبعث رجلاً منّي أو من أهل بيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً) .
راجع: التاج الجامع للأصول / منصور علي ناصف 5: 360 الهامش، قال: رواه أبو داود والترمذي.
المادي للقوة مع الهزيمة النفسية من الداخل، وانهيار البناء الروحي للإنسان الذي يملك كلّ تلك القوى والأدوات؟ وكم من مرة في التاريخ انهار بناءٌ حضاري شامخ بأَوّل لمسة غازية ; لأنّه كان منهاراً قبل ذلك، وفاقداً الثقة بوجوده، والقناعة بكيانه، والاطمئنان إلى واقعه (1) .
____________________
(1) لقد شاهدنا في بداية التسعينات المصداق لهذه المقولة، التي أطلقها الشهيد الصدر (ره) استناداً إلى خبرته العميقة بالمجتمع البشري، فقد انهار الاتّحاد السوفيتي، وهو أحد القطبين اللذينِ كانا يهيمنان على العالم انهياراً سريعاً جداً، وبصورة أذهلت الجميع.
المبحث السابع
وهل للفرد كلّ هذا الدور؟!
ونأتي إلى سؤال آخر في تسلسل الأسئلة المتقدمة، وهو السؤال الذي يقول:
هل للفرد - مهما كان عظيماً - القدرة على إنجاز هذا الدور العظيم؟ وهل الفرد العظيم إلاّ ذلك الإنسان الذي ترشّحه الظروف ليكون واجهةً لها في تحقيق حركتها؟
والفكرة في هذا السؤال ترتبط بوجهة نظر معيّنة للتاريخ، تفسّره على أساس أنّ الإنسان عامل ثانوي (1) فيه، والقوى الموضوعية المحيطة به هي العامل الأساسي، وفي إطار ذلك لن يكون الفرد في أفضل الأحوال إلاّ التعبير الذكي عن اتّجاه هذا العامل الأساسي.
ونحن قد أوضحنا في مواضع أُخر من كتبنا المطبوعة (2)، أنّ التاريخ يحتوي على قطبين:
أحدهما الإنسان، والآخر القوى المادية المحيطة به، وكما تؤثّر القوى المادية وظروف الإنتاج والطبيعة في الإنسان، يؤثر الإنسان أيضاً فيما حوله من قوىً وظروف، ولا يوجد مبرّر لافتراض أنّ الحركة تبتدئ من المادة وتنتهي بالإنسان، إلاّ بقدر ما يوجد مبرّر لافتراض العكس، فالإنسان والمادة يتفاعلان
____________________
(1) إشارة إلى نظرية المادية التاريخية، أي إلى التفسير الماركسي للتاريخ، راجع: اقتصادنا 1: 19، وفيه تحليل علميّ ومناقشة فلسفية عميقة بقلم الإمام الشهيد الصدر (ره).
(2) إشارة إلى كتاب (فلسفتنا)، وإلى مقدّمة كتاب (اقتصادنا).
على مرّ الزمن، وفي هذا الإطار بإمكان الفرد أن يكون أكبر من ببغاء في تيار التاريخ، وبخاصة حين نُدخل في الحساب عامل الصلة بين هذا الفرد والسماء (1) ، فإنّ هذه الصلة تدخل حينئذ كقوة موجّهة لحركة التاريخ، وهذا ما تحقّق في تاريخ النبوّات، وفي تاريخ النبوّة الخاتمة بوجه خاصّ، فإنّ النبي محمّداً (ص) بحكم صلته الرسالية بالسماء تسلّم بنفسه زمام الحركة التاريخية، وأنشأ مدّاً حضاريّاً لم يكن بإمكان الظروف الموضوعية - التي كانت تحيط به - أن تتمخّض عنه بحال من الأحوال، كما أوضحنا ذلك في المقدمة الثانية للفتاوى الواضحة (2).
وما أمكن أن يقع على يد الرسول الأعظم، يمكن أن يقع على يد القائد المنتظر من أهل بيته، الذي بشّر (3) به ونوّه عن دوره العظيم.
____________________
(1) راجع: كتاب الأبطال (البطل في صورة نبيّ) / توماس كارليل / ترجمة الدكتور السباعي، سلسلة الألف كتاب / مصر.
(2) راجع المقدمة الثانية في الفتاوى الواضحة: ص 63، وفيها توضيح وتفصيل لهذه المسألة.
(3) التاج الجامع للأصول 5: 343، عن أبي سعيد (رض) عن النبيّ (ص): (المهديّ منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً) .
المبحث الثامن
ما هي طريقة التغيير في اليوم الموعود؟
ونصل في النهاية إلى السؤال الأخير من الأسئلة التي عرضناها، هو السؤال عن الطريقة التي يمكن أن نتصوّر من خلالها ما سيتمُّ على يد ذلك الفرد من انتصار حاسم للعدل، وقضاء على كيانات الظلم المواجهة له.
والجواب المحدّد عن هذا السؤال، يرتبط بمعرفة الوقت والمرحلة التي يقدّر للإمام المهديّ (ع) أن يظهر فيها على المسرح، وإمكان افتراض ما تتميّز به تلك المرحلة من خصائص وملابسات؛ لكي تُرسم في ضوء ذلك الصورة التي قد تتّخذها عملية التغيير، والمسار الذي قد تتحرك ضمنه، وما دمنا نجهل المرحلة ولا نعرف شيئاً عن ملابساتها وظروفها، فلا يمكن التنبّؤ العلمي بما سيقع في اليوم الموعود، وإن أمكنت الافتراضات والتصوّرات التي تقوم في الغالب على أساس ذهني لا على أسس واقعية عينية.
وهناك افتراض أساسي واحد بالإمكان قبوله على ضوء الأحاديث التي تحدثت عنه (1)، والتجارب التي لوحظت لعمليات التغيير الكبرى في التاريخ، وهو
____________________
(1) إشارة إلى علامات الظهور أو الملابسات والأحداث والوقائع، التي تسبق ظهوره المبارك، أو ترافق ظهوره كما صوّرتها الروايات، ووردت بها الآثار الصحيحة، وقد بُسّطت تفصيلاً في (عصر الظهور) للسيد محمد الصدر. وراجع: الإرشاد / الشيخ المفيد: ص 356 وما بعدها.
وراجع أيضاً: الإشاعة لأشراط الساعة / محمد بن رسول الحسينيّ البرزنجيّ.
افتراض ظهور المهديّ (ع) في أعقاب فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة (1) ، وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتدّ، وهذه النكسة تهيئ الجو النفسي لقبولها، وليست هذه النكسة مجرد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وإنّما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله - سبحانه وتعالى - التي لا تجدُ لها في نهاية المطاف حلاًّ حاسماً، فتشتعل النار التي لا تُبقي ولا تذر، ويبرز النور في تلك اللحظة ; ليطفئ النار ويقيم على الأرض عدل السماء.
والحمد الله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.
وقد وقع الابتداء في كتابة هذه الوريقات في اليوم الثالث عشر من جمادى الثانية سنة 1397 هـ، ووقع الفراغ منها عصر اليوم السابع عشر من الشهر نفسه.
والله ولي التوفيق.
محمد باقر الصدر - النجف الأشرف
تمّ الفراغ من تحقيق هذا الكتاب في شهر رجب المرجّب من سنة 1416 هـ، وذلك في قم المقدّسة.
الدكتور عبد الجبّار شرارة
____________________
(1) وفيه إشارة إلى ما يمكن أن تنجّر إليه الإنسانية من أزمة حضارية؛ بسبب التنافسات والصراعات بين الحضارات المادية والكيانات السياسية، وفشلها في تحقيق الأمن والاستقرار والسعادة للإنسان، ولقد بدأت بوادر مثل هذا الفراغ تظهر وتتّسع شيئاً فشيئاً، في عصرنا الراهن في شرق الأرض وغربها، وكلّ متتبع للأخبار والتقارير الصحفية والتحقيقات الخبريّة يعرف ذلك جيّداً. وما اليوم الموعود ببعيد.
مصادر التحقيق
1 - الاحتجاج
أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، من علماء القرن السادس، تحقيق: الشيخ إبراهيم البهادري والشيخ محمد هادي بِهْ، بإشراف العلاّمة الشيخ جعفر السبحاني، نشر أُسوة، التابعة لمنظمة الأوقاف والشؤون الخيرية، الطبعة الأُولى 1413 هـ.
2 - الإرشاد
الشيخ محمد بن النعمان المفيد (ت /413 هـ)، طبعة طهران / 1377 هـ.
3 - الأصول العامة للفقه المقارن
العلاّمة محمد تقي الحكيم، الطبعة الثانية / مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث / بيروت 1979 م.
4 - أصول الكافي
الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت / 329 هـ)، نشر المكتبة الإسلامية / طهران 1388 هـ.
5 - الإشاعة لأشراط الساعة
السيد الشريف محمد بن رسول الحسيني البرزنجي ثمّ المدني (ت / 1103 هـ)، الطبعة الأولى، نشر عبد الحميد أحمد حنفي / القاهرة 1370 هـ / شارع المشهد الحسيني.
6 - اقتصادنا
الشهيد محمد باقر الصدر رضي الله عنه، طبعة دار الفكر - بيروت.
7 - بحار الأنوار
العلاّمة الشيخ محمد باقر المجلسي (ت / 1111 هـ)، طبع دار الكتب الإسلامية - طهران.
8 - الباب الحادي عشر وشروحه
العلاّمة أبو منصور حسن بن يوسف الحلّي (ت / 726 هـ)، تحقيق: الدكتور مهدي محقّق، نشر مؤسسة آستانه رضوي 1368 هـ.
9 - التاج الجامع للأُصول في أحاديث الرسول
الشيخ منصور علي ناصف، من علماء الأزهر الشريف، نشر مكتبة پاموق استانبول / الطبعة الثالثة، دار إحياء الكتب العربية 1381 هـ / 1961م.
10 - تاريخ الأُمم والملوك
الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت / 310 هـ)، مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1939م.
11 - تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي
السيد هاشم البحراني، نشر مؤسسة المعارف الإسلامية - قم.
12 - التصوف والكرامات
الشيخ محمد جواد مغنية، طبعة بيروت.
13 - تفسير القرآن العظيم
ابن كثير الدمشقي (ت / 774 هـ)، طبعة جديدة، دار المعرفة - بيروت 1994 م.
14 - الجامعة الإسلامية (مجلة)
السنة الأُولى / العدد الثالث / المدينة المنورة 1969م.
15 - الحاوي للفتاوي
جلال الدين السيوطي (ت / 911 هـ)، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت.
16 - حق اليقين في معرفة أُصول الدين
السيد عبد الله شبّر (ت / 1242هـ)، مطبعة العرفان - صيدا 1352 هـ.
17 - دفاع عن الكافي
ثامر هاشم العميدي، نشر مركز الغدير للدراسات الإسلامية - قم 1995 م.
18 - سُنن ابن ماجة
الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت / 275 هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي / دار الفكر - بيروت.
19 - السيرة النبوية
ابن هشام (ت / 218هـ)، تحقيق: عبد الحفيظ شلبي - مصطفى السقا - إبراهيم الأبياري، مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر 1355 هـ / 1936م.
20 - صحيح مسلم
مسلم بن الحسين القشيري (ت / 261هـ)، الطبعة الثانية، دار إحياء التراث العربي - بيروت 1978م.
21 صحيح البخاري
أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت / 256 هـ)، نشر مؤسسة التاريخ العربي - بيروت.
22 - صحيح سُنن المصطفى
أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت / 275هـ)، نشر دار الكتاب العربي - بيروت.
23 - الصواعق المحرقة
ابن حجر الهيتمي (ت / 974هـ)، الطبعة الأُولى / المطبعة الميمنية - مصر 1312 هـ.
24 - تاريخ الغيبة الصغرى
محمد الصدر، نشر دار التعارف للمطبوعات - بيروت.
25 - غاية المأمول شرح التاج الجامع للأُصول
الشيخ منصور علي ناصف، المطبوع بهامش التاج الجامع للأُصول.
26 - الفتاوى الواضحة
الشهيد الإمام محمد باقر الصدر، نشر دار التعارف للمطبوعات - بيروت.
27 - فلسفتنا
الشهيد الإمام محمد باقر الصدر، الطبعة الثالثة، دار الفكر - بيروت 1970 م.
28 - الفصول المهمة
ابن الصباغ المالكي (ت / 855هـ)، مطبعة العدل - النجف الأشرف.
29 - الفصول المهمة في تأليف الأُمة
العلاّمة السيد عبد الحسين شرف الدين، نشر مؤسسة البعثة - طهران.
30 - المستدرك على الصحيحين
أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت / 405هـ)، دار الفكر - بيروت 1398 هـ.
31 - مسند الإمام أحمد بن حنبل
دار صادر - بيروت.
32 - مع الأنبياء
عفيف عبد الفتاح طبارة، نشر مكتبة الشريف الرضي - قم / الطبعة الأولى 1413 هـ.
33 - مقاتل الطالبيين
أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني (ت / 356 هـ)، وينتهي نسبه إلى مروان بن الحكم بن أبي العاص.
34 - الملل والنحل
أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت / 548 هـ)، تخريج محمد ابن فتح الله بدران، مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة.
35 - المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السُنّة والإمامية
الشيخ نجم الدين جعفر بن محمد العسكري، نشر مؤسسة الإمام المهدي - قم 1402 هـ.
36 - موسوعة الإمام المهدي
نشر مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام - أصفهان، مطبعة الخيام - قم 1401 هـ.
37 - معجم أحاديث الإمام المهدي
تأليف ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية - قم / الطبعة الأُولى 1411 هـ، بإشراف الشيخ علي الكوراني.
38 - ينابيع المودة
الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي / مؤسسة الأعلمي - بيروت، أُفست على الطبعة الأُولى في استانبول.
الفهرس
مقدمة المحقّق 13
مقدمة المؤلّف 51
المبحث الأَوّل: كيف تأتّى للمهدي هذا العمر الطويل؟ 63
المبحث الثاني: المعجزة والعمر الطويل 75
المبحث الثالث: لماذا كلّ هذا الحرص على إطالة عمره (عج)؟ 81
المبحث الرابع: كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر؟ 91
المبحث الخامس: كيف نؤمن بأنّ المهديّ قد وُجد؟ 101
المبحث السادس: لماذا لم يظهر القائد إذن؟ 113
المبحث السابع: وهل للفرد كلّ هذا الدور؟! 121
المبحث الثامن: ما هي طريقة التغيير في اليوم الموعود؟ 125
مصادر التحقيق .129