الإمامة الإلهية
الإمامة الإلهية
بحوث سماحة الأستاذ
آية الله الشيخ محمّد السّند
الجزء الأوّل
تأليف
السيد محمد علي بحر العلوم
مقدِّمة بقَلم الأستاذ الشيخ محمد سند
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للَّه ربِّ العالمين، وصلَّى اللَّه على سيِّد الخلق محمد المبعوث للرسالة، وعلى آله الأئمَّة الهُداة. وبعد، فإن البحوث العقائدية والمعرفة الدينية بمكان من الأهمية؛ حيث إنّها الرَّاسِمة لطريق الإنسان والمجتمع في هذه النشأة - في مختلف شؤونها وجهاتها - والنشآت اللاّحقة، فمِن ثَمَّ احتلت موقعاً في الصدارة وأولوها عناية خاصة، فالإيمان والهداية قد شدّد على صدارتهما القرآن والسنّة في قائمة أعمال الإنسان؛ فقد قال تعالى:
( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (1) .
والواجب الاعتقادي المعرفي، هو: فعل تقوم به النفس وجوانحها في الدرجة الأولى. فالإدراك والإذعان، أو المعرفة والإيمان، أو التعقُّل والإخبات، أو الاهتداء والتسليم، فعلان تقوم بهما طويَّة القوى للنفس، ومن ثَمَّ يستعقبها أفعال أخرى لواجبات أخرى، وهذا يوازي التعبير المقرَّر في العلوم الإنسانية الأكاديمية: أن رؤية الإنسان اتجاه الكون تتفرَّع عليها كل الأمور الأخرى؛ من الحقوق والآداب والقوانين والأعمال.
ولا يخفى أن الأصول الاعتقادية الخمسة؛ من التوحيد والعدل والنبوَّة والإمامة والمعاد، مآلها هو التوحيد في المقامات الخمسة، فالأوَّل: هو التوحيد في الذات الأزلية
____________________
(1) فاطر: 10.
الإلهية، والثاني: هو التوحيد في الصفات، مطلق الصفات، والثالث: هو التوحيد في التشريع والشريعة؛ وهو التوحيد في الأفعال من نمط، والرابع: هو التوحيد في الطاعة والولاية، والخامس: هو التوحيد في الغاية؛ وهو الإخلاص والخلوص. فاللَّه تعالى أحديُّ الذات؛ واحد لا شريك له في الذات ولا في الصفات، ولا شريك له في الحكم، وله الولاية وحقُّ الطاعة بالذات، وهو غاية الغايات، فليس وراءه غاية. وهذا ما تكفَّلت الإشارة إليه مقدِّمات هذا الكتاب.
كما لا يخفى أن العلوم المتكفِّلة للبحث في المعرفة الدينية قد اختلفت مناهجها؛ من الاعتماد عمدة على العقل النظري أو العقل العملي أو الواردات والإدراكات القلبية الذوقية، ومن الاعتماد على الكتاب العزيز والسنَّة المطهَّرة، أو المزيج بينها على أنحاء عديدة. وليست المعرفة بحسب الطاقة البشرية المجرَّدة كالمعرفة الحاصلة من مناهل الوحي الإلهي؛ فالمعرفة الأوَّلية الفطرية وإنْ كانت رأس المال، ولكن العقل والقلب لغتان يُقرأ بهما كتاب الوحي، وهما المخاطَبان للسانه، ومِن ثَمَّ كان البحث عن المنهجية المنطقية أمراً لابدَّ منه، ومقدَّماً على البحث المعرفي الاعتقادي، لاسيّما وأن كُلاًّ من هذه المصادر للمعرفة، كُلاًّ منها على حدة، قد تشعَّبت فيه المباني وكثُرت في أطرافه التساؤلات الجادة أو الملتبِسة، فكان اللازم متابعة البحث في ذلك وبتسلسل، وهذا ما اشتمل عليه الفصل الأوَّل من هذا الكتاب.
وقد أخذ عنانُ الحديث في الأوساط المختلفة في الآونة الأخيرة حول عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية بالتساؤل عن الخلفية القانونية للحكومة وإقامتها في عصر غيبة الإمام المهدي المنتظر، وكون مشروعيَّتها ممتدة من إمامته (عجَّل اللَّه تعالى فرجه الشريف) أو أن الصلاحية مستمَدَّة من الأمَّة والانتخاب وما يطلق عليه بالشورى، وتسليط الضوء على المذهب الرسمي لعلماء الإمامية في ذلك، مع قراءة قانونية للإمامة في سيرة الأئمَّة
الاثنى عشر عليهمالسلام وأدوارهم في التاريخ، وبالتالي البحث عن الإمامة الإلهية عند الشيعة وبُعدِها القانوني والتشريعي في النظام السياسي والاجتماعي، وهذا ما عالجه الفصل الثاني من هذا الكتاب.
كما أن معترك الكلام في الأندية المتنوِّعة حول الإمامة الإلهية للعترة المطهَّرة، تركِّز حول المقام الغيبي في حقيقة الإمامة، أو أنها مقام اعتباري قانوني صرف للعترة النبوية؛ بلحاظ تفرُّقهم على صفات كمالية كما ينسبق ذلك إلى الذهن من تعريف المتكلِّمين، فهل هي حقيقة تكوينية وصفة خارجية وسفارة إلهية كما هو الحال في النبوَّة، وإنْ اختلفت عنها سنخاً، ويكون المقام القانوني أحد شؤون تلك الحقيقة؟ من الواضح أجنبية هذه الجهة من البحث عن أدوات الاعتبار والعلوم الاعتبارية القانونية، وتطلُّبها أدوات البحث العقلي والعياني والنقلي المعارفي، كما يستدعي البحث ثلاثة أصعدة: صعيد التصوُّر اللُّغوي والعقلي والنقلي؛ وهو ما يوازي (ما) الشارحة في الأسلوب المنطقي، وصعيد التصديق العقلي والفقه العقلي للإمامة؛ وهو ما يوازي (ما) الحقيقية و(هل) البسيطة عند المناطقة، وصعيد التصديق النقلي والفقه الشرعي للإمامة؛ وهو ما يوازي (هل) المركَّبة في المنهج الاستدلالي المنطقي؛ أي كان الناقصة، ولا محالة يستلزم (كان) التامَّة أيضاً. بمقتضى الفقه النقلي يقع التدبُّر في النصوص القرآنية والنبوية - المرويَّة عند الفريقين - بالدرجة الأولى، ومن ثَمَّ عطف النصوص المأثورة عن المعصومين عليهمالسلام عليها. وفي خضم هذا البحث، تقع قراءة عقلية تفسيرية لحالات وشؤون الأئمّة (صلوات اللَّه عليهم) المأثورة في الحديث والتاريخ، ومجموع كل ذلك، هو البحث في الإمامة الإلهية وبعدها التكويني، عقلاً ونقلاً، وهذا ما اهتمَّ به الفصل الثالث من الكتاب.
ويستتبع ذلك شرح عدّة من العناوين المتفرِّعة عن البحوث السابقة، كالتولِّي والتبرِّي ونحوهما، والتي هي بمثابة وظائف للمأموم نحو الإمام، مع لمحة فهرسية لمناهج
الاستدلال في الإمامة، وهذا ما عنيتْ به خاتمة الكتاب.
وقد جاء هذا الكتاب حصيلة بحث استغرق العامين الدراسيين 1417 / 1418 هـ. ق للحوزة العلمية في قم المقدَّسة الذي عقدناه مع ثُلَّة من الأفاضل، وقرَّره بنضد منسَّق المعاني، في عبارة جزلة، الفاضل المجدّ، السيِّد محمَّد علي بحر العلوم، دام نشاطه العلمي والديني، عسى أن يقع محلّ فائدة لدى روّاد البحث والمعرفة.
قم/عشُّ آل محمّد عليهمالسلام /بجوار كريمة أهل البيت عليهمالسلام
محمد سند
الخامس من شوّال/ 1421هـ. ق
المدخل:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن البحث حول الإمامة ليس بالبحث الهيّن؛ وذلك لغور معناها وتعدُّد جهاتها، كيف لا، وأدنى معرفتها أنها عِدل النبوَّة إلاّ أنّها ليست بنبوَّة، ويصعب أكثر إذا أراد الباحث التعرُّض إلى كل الشبهات والإشكالات التي طُرحت منذ عشرات السنين وما زالت تُطرح وتُتداول في الأوساط المختلفة، شأن بقيَّة الأصول الاعتقادية. وقد اتخذنا في هذا البحث طريقةً وأسلوباً مختلفاً عمَّا سبق وتناوله السلف الصالح جزاهم اللَّه خير الجزاء.
ونتعرَّض في هذا المدخل لعدد من النقاط المهمَّة التي لابدَّ من العلم بها قبل الولوج في صلب البحث:
النقطة الأولى:
إن البحث حول الإمامة قد يكون أشقَّ من البحث حول التوحيد؛ وذلك لأن التوحيد يعني إثبات الإلوهية ونفي الشرك في مقام الذات، وهذا يرتضيه كثير من الناس حتّى غير المسلمين. أمَّا الإمامة، فإنها تمثِّل جانباً آخر من الإيمان باللَّه؛ وهو جانب الانصياع والطاعة لمَن أمر اللَّه بطاعتهم، ويُعتبر ممارسة اعتقادية وعملية للإيمان، لذا كان من المهمِّ الاهتمام به وإعطاؤه الأولوية في البحث؛ لإثبات أن الحقَّ تعالى أبقى هذا الاتصال بين الأرض والسماء.
النقطة الثانية:
من المسلَّمات التي لا يختلف فيها اثنان، أن ابن آدم يتكوَّن من بدن وروح، ومنذ بداية نشأة الإنسان على هذه الأرض تتنازعه هاتان الجنبتان، فنرى أفراداً يتغلَّب عندهم الجانب البدني، فتسيطر عليهم المادَّة، ويتخيَّل الفرد أن كمالاته تتحقَّق في اتباع كمالات وشهوات بدنه، وفي الجانب المقابل نرى أفراداً يتغلَّب الجانب الروحي لديهم، فيوغلون في الرياضات الروحية، ويُميتون حاجة أبدانهم ليرتقوا بأرواحهم في سُلّم السعادات، وهم أصحاب النزعات الباطنية.
وباستعراض سريع لتاريخ البشرية، يتَّضح لنا أن الأغلب والأكثر هم اتباع القسم الأوَّل الذي سيطر الجانب المادي والبدني عليهم، فعانت البشرية من مشاكل كثيرة؛ وذلك لأن تغلُّب هذا الجانب سوف يواجه صعوبات في إيجاد وإثبات الاتصال بين السماء والأرض؛ حيث يفقد المقاييس والضوابط التي في الجانب الروحي، ويحكِّم ضوابط ومقاييس الجانب البدني عليها، ممَّا يولد مشكلات عدَّة.
والإسلام والديانات، بشكل عام، تسعى إلى إيجاد التوازن بين هذين الجانبين في الإنسان، وعدم طغيان أحدهما على الأخر، فالدهريُّون منذ زمن الرسالة المحمدية إلى المدارس العصرية في زماننا هذا، يحملون نفس الهاجس؛ وهو سيطرة الجانب البدني وعدم الاعتراف بالضوابط والمقاييس الروحية.
ومن خلال الآيات القرآنية نستطيع أن نتلمَّس بعض المظاهر لسيطرة هذا الجانب:
*( قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ) (1)
____________________
(1) يس 36: 15.
فيرى المنكرون أنَّ مَن أُرسلوا إليهم ليسوا إلاّ بشراً، والبشر قدرته محدودة، فلا يكون رسولاً من عند اللَّه، وهذا مع إيمانهم باللَّه والتوحيد.
*( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ* قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ) (1) .
وهذا مثال آخر لقوم آخرين ينكرون الرسالة ولا يتصوَّرون وجود قوَّة غير بشرية، بل كلّها داخل قدرة البشر وقواه المختلفة، الإدراكية والعمّالة.
* وتتدخَّل لإنكار الرسالة دوافع الحسد والجاه ( وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) (2) ويرى كلُّ فرد منهم أنْ يكون له اتصال مع اللَّه بنفسه، وأن يكون هو رسول من عند اللَّه، لا غيره. بل ( يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ) (3) .
* وعندما يطلب المنكرون إثبات اتصال الرسول باللَّه، يطلبون الرؤية ( قَالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً ) (4) فهم يؤمنون باللَّه وبالتوحيد، لكن ميزان الارتباط هو أمر مادي؛ وهو رؤية اللَّه البصرية.
* والقرآن في قبال كل هذه الإنكارات يركِّز على أن الرسول بشر، وهو رجل منهم، ولا يمكن أن يرسل غير البشر، ويتميَّز الرسول عن غيره بعدم سيطرة النزعة البدنية والمادية عليه، بل هو في الجانب الروحي متَّصل باللَّه ومرتبط بالوحي، ووزَّان
____________________
(1) الأنبياء 21: 3، 4.
(2) الزخرف 43: 31.
(3) المدثر 74: 52.
(4) البقرة 2: 74.
الروح ليس كوزَّان البدن، وحدود الروح ليست حدود البدن، وهذا الجانب هو الذي يميِّز الرسول والإمام والوليَّ الصالح.
* وفي العصور المتأخرة يتغيَّر بيان هذه الإنكارات من بني الإنسان، فليجأون إلى صياغات أخرى.
منها: أن وجود اتصال دائم بين البشرية وبين الجانب الربوبي يؤدِّي إلى الضمور وعدم الانطلاق في الحياة، والكسل والاعتماد على المِنح الغيبية.
ومنها : أن قوَّة الفكر البشري كافية في إرشاد الإنسان نحو الكمال.
أو القول بأن الركون إلى وجود مثل هذا الاتصال - ولو على شكل إمامة - إفراط في النزعة الباطنية.
أو القول أن معنى النبوَّة الخاتمة هو اكتمال القوى العقلية لدى بني البشر، فلا تحتاج البشرية في مسيرتها إلى تسديد سماوي.
أو دعوى تساوي أفراد البشر في الكمالات الروحية.
والجامع بين هذه الدعوات والأساليب السابقة هو سيطرة الجانب المادي على نفوس أصحابها، فحرموا من نعمة إحساس واستطعام حلاوة الروح.
النقطة الثالثة:
من الأمور التي يعيبها أهل الفكر من المتأخرين على أهل التدُّين، هو: أن الأخيرين يُضفون على عقائدهم هالة من القدسية، تكون سوراً أمام التفكير فيها، وعائقاً يمنع عن البحث حول مدى صحَّـتها.
وفي الواقع هذا غير تام؛ إن القدسيَّة، مع الاعتراف بها، لا تمنع من البحث والتشكيك الذي يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، أو إلى مزيد من اليقين.
بيان ذلك: إن القدسية تعني إضفاء احترام وخضوع خاص لحقيقة معينة أو لقضية ما، وبتحليل أدق: هي خضوع القوى العملية للإنسان للقوى النظرية، باعتبار أنَّ هذا هو الأمر الطبيعي لقوى الإنسان؛ حيث إنَّ القوى العملية ليس لها قوّة الإدراك، فلابدَّ أن تجد طريقها في الهداية بتوسُّط القوى النظرية. فالقدسية فعل من أفعال القوى العملية، وهو احترام وخضوع لإدراك يتمُّ بواسطة قوَّة العقل النظري، وهي الحالة الطبيعية لِمَا يجب أن يكون عليه تفكير الإنسان.
ومن جهة أخرى، فإنَّ التشكيك على نحوين: أحدهما ممدوح، والآخر مذموم. أمَّا الممدوح، فهو التشكيك لاستكشاف المجهولات وبيان الحقائق، وهو الذي يدفع الإنسان للبحث والتنقيب، وهذا يزول بمجرد بروز الحقيقة، وقيام الأدلَّة والبراهين الساطعة. أمَّا المذموم، فهو التشكيك الذي يؤدِّي إلى زعزعة الحقيقة الحاصلة في النفس، من دون أن يدفع نحو الفحص، بل تبقى حالة الشك والاضطراب والتحيُّر، وعدم القدرة على الإذعان بالبرهان السليم، مستولية على هذا الفرد، وهذه حالة مرضية مستعصية يفقد بها الإنسان قدرته على التعايش؛ حيث تكون الإدراكات الصحيحة غير قادرة على توليد الإذعان بها لديه، فالشك ليس إلاّ جسر يُعبر عن طريقه إلى الحقيقة، سواء جهة النفي أم الإثبات. أمَّا بقاء حالة الشك، فهذا مرفوض ومذموم.
النقطة الرابعة:
من الدعائم الفكرية التي يقوم عليها المذهب الوهابي، والتي بنوا عليها نتائج كثيرة لها أهمية اجتماعية وسياسية، هي أن القرآن الكريم في آيات كثيرة يركِّز على
عقيدة مهمَّة؛ وهي التوحيد ونفي الشرك، ولا يتعرَّض لأصل وجود اللَّه، والسرُّ في ذلك، أن العرب في ذلك الوقت كانوا يؤمنون بأصل وجود اللَّه، لكنَّهم كانوا يجعلون له شركاء في الوجود والعبادة من أصنامهم؛ لذا واجه القرآن ذلك، وركَّز على إنه واحد لا شريك له. وبنوا على هذه العقيدة أن الإنسان يجب أن يرتبط باللَّه مباشرة؛ من دون أيَّة حاجة إلى وسيط، والخضوع غير جائز إلاّ له، وأن اللَّه لا يجعل أيَّة واسطة، أو وسيلة، بينه وبين العبد.
وقد سبقهم المفسِّرون بعض الشيء في أصل دعواهم؛ بمعنى أن الدارس للقران الكريم يتَّضح له ذلك بنحو جلي، وأن هناك آيات كثيرة تركِّز على هذا الجانب.
لكنَّنا نقول لهم: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء؛ وذلك لأنّ هذا الاستقراء ناقص، إذ إنّ الآيات التي تركِّز على ذلك الجانب واردة في العهد المكي. أمَّا الآيات الواردة في العهد المدني، وهو عصر تكوين الدولة الإسلامية، فلا تركيز لها على هذا الجانب، بل ركَّزت على جانب آخر مهم؛ وهو التوحيد ونفي الشرك في الطاعة.
وبعبارة أخرى؛ بعد بناء المجتمع الإسلامي وصيرورة مَن في المدينة موحِّداً في العبادة، لا يشرك باللَّه أحداً في الوجود الإلهي، وبطلان أصنام الجاهلية، وجّه القرآن المسلمين إلى مفهوم آخر يعتبر استكمالاً للتوحيد في العبادة؛ وذلك أن العبادة الرسمية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تقترن بالطاعة، وهذه الطاعة تكون لِمَن نصَّبه اللَّه؛ فطاعته تكون طاعة للَّه ومعصيته تكون معصية للَّه، بل إن طاعة مَن لم ينصِّبه اللَّه هي شرك؛ فليس لأحدٍ حقَّ الطاعة إلاّ من خلال أمر اللَّه جلَّ وعلا.
إذن، الآيات المكِّية ركَّزت على التوحيد ونفي الشرك في الوجود الإلهي والعبادة، والآيات المدنية ركَّزت على التوحيد ونفي الشركة في الطاعة، والوهابية
رأوا القسم الأول، وعميت أعينهم عن القسم الثاني.
ومن الشواهد على ما ذكرتْه الآيات المدنية:
*( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِدُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبَّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوْا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ) (1) ...
فإن الندَّ هو المماثل. ويكاد يجمع المفسرون على أن المراد ليس اتخاذ إله آخر مع اللَّه؛ فهم موحِّدون في العبادة الاصطلاحية الرسمية، بل يقصد بالأنداد هنا: الرؤساء الذين خضع لهم بعض الناس وأطاعوهم من غير أنْ يأذن اللَّه في إطاعتهم، كما يشهد ذيل الآية: ( إِذْ تَبَرَّأَ ) و ( اتَّبَعُوا ) .
وفي الكافي والعيَّاشي عن الباقر عليهالسلام في قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِدُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْدَاداً... ) قال: هم واللَّه - يا جابر - أئمَّة الظلم وأشياعهم.
*( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلَّا اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللّهِ ) .
والآية بعد أن تقرِّر وحدانية الإلوهية وعبادة اللَّه وحده لا شريك له، تؤكِّد على وحدانية الربوبية، وهي ربوبية الطاعة؛ إذ إنّ الربَّ هو السيِّد المربِّي الذي يطاع فيما يأمر وينهى، أي المشرِّع والمطاع من دون إرشاد اللَّه إليه، فالطاعة لا يجوز أن تكون لأيِّ فرد، بل هي مختصَّة لمَن يرشد إليه اللَّه سبحانه.
* ( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) (2)
____________________
(1) سورة البقرة: 165.
(2) آل عمران:31.
فمحبة اللَّه والإيمان به تعني وجوب اتباع الرسول الذي أرسله اللَّه إليكم، فمَن يحبُّ اللَّه يجب أن يتَّبع الرسول، وبعكس النقيض: مَن لا يتَّبع الرسول لا يحبُّ اللَّه.
* وممَّا تكفَّلت الآيات المدنية بيانه هو إرشاد المسلمين إلى خطأ اليهود والنصارى الذين وقعوا في خطأ جسيم؛ وهو اتباع رؤساء دينهم فيما يغشونهم، وجعلوه كأنه أية منزلة من عند اللَّه؛ قال تعالى: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللّهِ ) (1) فمن الواضح أنهم لم يكونوا يعبدونهم ولم يتَّخذوهم آلهة، وكل الذي فعلوه أنهم أطاعوهم طاعة عمياء.
*( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوْا لآِدَمَ... إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (2) فرتَّب الكفر الاصطلاحي على عدم خضوع الطاعة.
* ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (3) فنفى الإيمان مع عدم تسليم الطاعة قلباً وعملاً.
ونكتفي بهذا المقدار من الشواهد، مع وجود شواهد أخرى عديدة، تؤكِّد على أن الآيات المدنية وردت في أكثر من موطن لتحذِّر المسلمين من مغبَّة الوقوع في انحرافات اليهود والنصارى باتباع مَن لم يأمر الحقُّ باتباعه، فالتوحيد في الطاعة من الأمور المهمَّة التي ركَّز عليها القرآن، وطاعة الأئمَّة تدخل في هذا النطاق.
____________________
(1) التوبة 9: 31.
(2) البقرة 2: 34.
(3) النساء 4: 65.
النقطة الخامسة:
إن البعض يتصوَّر أن البحث حول الإمامة يؤدِّي إلى تفكيك المجتمع الإسلامي، وبتعبير آخر: أن هذا البحث هو في خط مقابل لبحوث الوحدة الإسلامية، وهذا الاعتقاد خاطئ؛ وذلك لأننا عندما ننظر إلى الوحدة الإسلامية، يجب أن نحلِّل هذا المصطلح طبقاً للمعايير الفقهية التي أسَّسها الفقة الإمامي، لا أن نعبِّر تعبيراً عصرياً، فننظر إليه بمنظار ما يسمَّى بـ: الثقافة الإسلامية، ونحيطه بطائفة الشعارات التي لا تمسُّ الشريعة بصلة.
فمن وجهة نظر فقهية - وبقراءة سريعة لِمَا حبَّرته يراع الفقهاء السابقون (رضوان اللَّه عليهم) - نرى أنهم ينصُّون على أن مَن تشهَّد الشهادتين فقد دخل في الإسلام؛ وتصبح له حرمة يجب الحفاظ عليها ومراعاتها، ولا يجوز أن تُهتك. وهذه الحرمة تشمل جميع جوانب الحياة اليومية؛ من اجتماعية واقتصادية وسياسية وجنائية، فلا يجوز تحميله - لمجرَّد عدم دخوله في المذهب الحق - عبئاً اقتصادياً غير ما فرضه اللَّه على المسلمين كافَّة، ولا يجوز معاقبته على جناية ارتكبها بعقوبة أكثر ممَّا فرضه اللَّه على الجميع. وهكذا فإنَّا نرى أن الفقهاء قد عملوا وأفتوا عملاً بما تستلزمه وحدة المسلمين وبقاؤهم كالبنيان المرصوص.
أمَّا الآية الكريمة ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) (1) فإنها تخاطب المسلمين بشكلٍ عام؛ وهم مَن تشهَّد بالشهادتين، وتوجِّه لهم خطابان: أحدهما وجوب الاعتصام، والآخر عدم التفرقة، وهذا قد يكون أمراً
____________________
(1) آل عمران:103.
جديداً غير الاعتصام، وقد يكون تأكيداً له. فالآية تدلُّ على نكتة مهمَّة يجب على المسلمين التنبُّه إليها؛ وهي أن مجرَّد الشهادتين واشتراك الجميع في أداء العبادات الضرورية، التي يعترف بها الجميع، غير عاصمة - هذه كلِّها - للمجتمع الإسلامي، وأن هذه الثوابت غير كافية في احتفاظ المجتمع لبنائه الواحد، وأنها معرَّضة للفشل؛ لذلك تعرض الآية إلى وجوب أن يتمسَّك المسلمون بأمر آخر يكون عاصماً للمسلمين من الضلال والغواية، وهو التمسُّك بحبل اللَّه. وفي هذا من الاستعارة التمثيلية ما لا يخفى؛ فإن الحبل الذي يستخدم للنجاة طرف منه يكون بيد المنجي، والآخر يكون بيد المعرّض للهلاك، وإضافة الحبل إلى اللَّه دليل على وجوب دوام الاتصال بين السماء والأرض إلى يوم القيامة، وأن الباري تعالى هو الذي يجعل هذا الحبل.
وهذا الحبل هو القرآن الكريم والسنَّة المتمثِّلة بآل البيت عليهمالسلام كما ورد في كثير من الروايات؛ كحديث الثقلين. فإمَّا أن يقال إنهما حبلان - كما في بعض الروايات، وإمَّا حبل واحد؛ وهو القرآن الكريم، ويكون الحافظ والمبيّن للقران هم أهل البيت عليهمالسلام .
وأخيراً؛ سوف نشير إلى كيفية دلالة الروايات الكثيرة، المتَّفق عليها بين الفريقين، على عدم قبول الأعمال، وبطلان العبادة، بدون ولاية الأئمة، و على أن الولاية هي أساس لقبول الأعمال. وهذا هو نفس مفاد الآية (1) ؛ إنه من دون تمسُّك بالحبل، فلا عصمة من الضلال، وكذا هو مقتضى آية كفر إبليس بإبائه الطاعة لآدم، ومقتضى آية إكمال الدين وإتمام النعمة بما أنزل ذلك اليوم من فريضة الولاية.
____________________
(1) الوسائل 1: باب 29/ أبواب مقدمة العبادات.
الفصل الأوَّل:
منهج المعرفة الدينية
منهج المعرفة الدينية
ونتناول فيه منهج الحجج في بحث الإمامة، فيقع البحث في الكتاب والسنة والعقل والمعرفة القلبية، والعلاقة والارتباط بين هذه الأدلَّة، لكن قبل الولوج في هذا البحث لا بأس بذكر عدَّة مقدِّمات؛ نتعرض فيها لتصوير الأحكام الشرعية في مُجمل العقائد، وبالتالي يمكن تطبيق قواعد أصول الفقه لاستنباط الأحكام الشرعية في العقائد.
المقدّمة الأولى:
ينقسم الحكم الشرعي إلى قسمين؛ أحدهما: الفقهي، والآخر: الأصولي.
يقصد بالأوَّل: الحكم الشرعي الواقعي المجعول بالجعل الأوّلي كوجوب الصلاة والخمس وقراءة السورة، ويكون ملاكه في نفسه... فهو ناظر إلى الواقع ويتعلَّق بالعناوين والموضوعات الواقعية، وبتعبير آخر؛ حكم أوَّلي مرتَّب على واقع الأفعال.
أمَّا الحكم الشرعي الأصولي، فهو الذي يبحث عنه في علم الأصول ويكون حكماً طريقيَّاً، الهدف منه إحراز الحكم الواقعي؛ فملاكه ليس في نفسه.
والبحث في: إمكان تصوير كلا القسمين في العقائد أو لا، ولذا سوف يكون البحث من الناحية الثبوتية والإثباتية.
أوَّلاً: البحث الثبوتي.
والبحث من جهتين:
الأولى: إمكان التعبُّد بالحكم الواقعي الأوَّلي في العقائد، سواء تفاصيلها أم اُمَّهات مسائلها.
والثانية: إمكان ثبوت الحكم الشرعي الأصولي في العقائد؛ بمعنى: هل يثبت بالظن النشأة السابقة، أو أحوال البرزخ؟... فعندما يُقال لا يمكن التعبّد بالظن، لا يكون ذلك منعاً للحكم الشرعي الواقعي؛ بل منعاً للحكم الأصولي.
أمَّا الجهة الأولى:
وهو إمكان وجود حكم شرعي فقهي في باب العقائد؛ أي هل يمكن للشارع أن ينشئ حكماً شرعياً بوجوب الإيمان بالرجعة مثلاً أم لا؟
إن تصوير الحكم الشرعي في تفاصيل العقائد، بل حتّى في مسائل الإمامة والنبوّة والمعاد، ليس بالأمر المشكل؛ وذلك لعدم تأتِّي إشكال وشبهة الدور، إذ إنّ هذه المسائل تثبت بعد توحيد الحقِّ تعالى والإيمان به، لذا سوف نركِّز الكلام حول التوحيد، وإثبات إمكانية الحكم الشرعي فيه.
والمدَّعى هو: إمكان ذلك، وعدم وجود المانع منه.
والدليل على ذلك يتَّضح من خلال النقاط التالية:
1 - إن الإيمان الذي يحصل لدى الفرد هو من وظيفة القوَّة العملية؛ أي العقل العملي، وليس من وظيفة القوَّة النظرية؛ وذلك لأن الإيمان هو عقد القلب على شيء، أي الإذعان والتسليم بذلك الشيء، وبهذا يكون فعلاً من أفعال النفس.
أمَّا القوَّة النظرية، فوظيفتها الإدراك البحت، والإدراك بعد حصول مقدِّماته من الأدلَّة والبراهين لا يكون اختيارياً، بل يحصل تلقائياً، لكن ليس كلُّ إدراك يستتبعه إذعان من القوَّة العملية؛ فقد يحصل إدراك بحقيقة ما، ومع ذلك تأبى النفس
التسليم بها والإخبار إلى وجودها والالتزام بها، ويتصرَّف الإنسان على خلاف ذلك.
ومن هنا، فإن الخطابات الشرعية والإحكام التي يجعلها الشارع، لا يكون متعلَّقها الإدراك، ولا الفحص عن مقدِّماته، وإنما متعلَّقها هو الفعل القلبي الذي تقوم به القوى العملية، وهنا يكمن موضع الاشتباه؛ حيث أن البعض تصوَّر أن متعلق الحكم الشرعي هو الإدراك بأن يخاطب الشارع الفرد: (أدْرِك ربك) أو (اعْرِف ربك) فأشكل بالدور وما شابهه. وما دام الإيمان وظيفة القوى العملية، فإن الترغيب والترهيب سوف يكون مؤثِّراً على النفس حتّى تنصاع القوى العملية للأدلّة الصحيحة والبراهين الساطعة التي أدركتها القوى النظرية.
2 - قد يُشكل البعض: أن المناطقة عرّفوا العلم بأنه التصديق والجزم فيعود الإشكال؟
والجواب عن ذلك: أنه طبقاً لآخر تحقيقات مدرسة الحكمة المتعالية، فإن الحكم في القضية هو غير العلم.
بيان ذلك:
أن صدر المتألِّهين ذهب إلى أن العلم الحصولي هو حصول صورة الشيء لدى العقل، وهذا التصوُّر: تارة لا يولَّد الإذعان، فيكون تصوراً محضاً، وتارة يكون كاشفاً تامَّاً يتولَّد منه إذعان النفس، فيكون تصديقاً، وهذا هو الحكم (وهُو فعل نفساني ليس من قبيل العلم الحصولي والصورة الذهنية) (1) .
وأصحاب النفوس المريضة لا يتولَّد لديهم إذعان حتّى لو كان التصوُّر مبنيَّاً على أدلَّة حقيقية؛ وذلك للحُجُب المانعة من حصول التصديق، أو الأمراض النفسانية الإدراكية أو العملية، نظير:
____________________
(1) صدر المتألِّهين، رسالة في التصور والتصديق،ص 313.
ويضيف العلاّمة الطباطبائي: أن الحكم هو فعل نفساني في ظرف الإدراك الذهني، والتصوُّر هو الصورة الذهنية الحاصلة من معلومة خاصَّة، والتصديق هو الصورة الذهنية الحاصلة من علوم معها إيجاب وسلب كالقضايا الحملية والشرطية. نهاية الحكمة ص 250ـ المرحلة 11.
الجربزة والوسوسة والعناد واللجاج والعصبية وغيرها؛ لذا يجب على الباحث والمستدِل أن يعمل على تهذيب النفس، وهذا التهذيب يكون بأحكام الشريعة.
والحاصل، أن قوام الحكم الفقهي هو كون متعلَّقه فعلاً اختيارياً، ويُجعل على امتثاله الثواب وعلى تركه العقاب، وكلا الركنين متوفِّران في الإيمان بالتوحيد، وإليه الإشارة في قول الصادق عليهالسلام : ((الإيمان عمل كلُّه)).
ومن هنا يمكن القول بأنه من اللطف الإلهي الواجب أن يأمر الحق به وأن يرغِّب في توحيده وأن ينهى ويرهِّب من الشرك به، وهذا الأمر يفسِّر لنا الأحاديث الواردة بأن على اللَّه المعرفة والبيان وعلى العبد الإيمان والتسليم (1) .
3 - إن الشبهة الحاصلة لدى البعض؛ من أن البراهين والأدلَّة المتكوِّنة من الصغرى والكبرى علِّة فاعلية للنتيجة والحكم، فقالوا باستحالة تخلُّفها عنهما، غيرُ تامَّة.
والصحيح أن هذه البراهين لها وظيفة إعدادية؛ بمعنى أنها لا تولِّد اليقين والجزم، بل هو فعل النفس نتيجة لإعداد وتهيئة تلك الأدلة، ومادام ذلك فعل النفس، يكون لإعداد النفس وتهذيبها أثر فعَّال في تولُّد اليقين من الأدلَّة الصحيحة. والفلاسفة يعترفون أن تلك الأدلَّة لا تورِّث اليقين، بل الظن؛ ولذلك يقولون: إنه إذا حصل إذعان وتسليم من النفس، فإن هذا كافٍ في المقام، وقد مدح الحقُّ تعالى: ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ ) (2) فمع أن لديهم من جهة الإدراك ظنٌّ، لكن من جهة الإذعان والتسليم لا يوجد لديهم تردُّد.
فاتضح من خلال هذا الاستعراض؛ أن الحكم الشرعي يعمُّ كلَّ المعارف الإلهية حتّى التوحيد، فثبوتاً أمكن تصوير الحكم الشرعي الفقهي.
____________________
(1) الكافي: كتاب التوحيد الباب 54 الحديث:12، 5.
(2) البقرة: 46.
أمَّا الجهة الثانية:
وهو إمكان التعبُّد بالحكم الشرعي الأصولي.
ذكرنا سابقاً أن الغاية من الحكم الأصولي هي الإرائة، فهل تحصل الإرائة من الظن؟
هذه المسألة تداولها المتأخرون بشكل وافٍ بعد أن تعرَّض لها الشيخ الأنصاري في رسائله في تنبيهات الانسداد، وحكى (1) عن كلٍّ من المحقِّق الطوسي والأردبيلي وتلميذه صاحب المدارك والشيخ البهائي والعلاّمة المجلسي والمحدِّث الكاشاني وغيرهم إمكان ذلك، وحكى (2) عن الشيخ الطوسي كفاية الجزم والظنِّ في الاعتقاد إذا طابق الواقع، وإنْ عصى المكلَّف بترك تحصيل الاعتقاد عن دليل قطعي؛ لأنه واجب مستقل، وذهب إلى ذلك الميرزا القمي في قوانينه (3) والمحقِّق الأصفهاني في نهاية الدراية (4) والسيَّد الخوئي في مصباح الأصول. وقد ذهب الشيخ نفسه إلى إمكانه بحسب مقتضى الصناعة إلاّ أنه منعه بحسب الوظيفة الشرعية.
والسرُّ في ذلك؛ أن اليقين والجزم ليس على درجة واحدة؛ إذ أنه - كما ذكرنا - يتأثَّر بدرجة الإدراك وبالعوامل النفسية المختلفة. فلدينا إذعان ينبع من اليقين العلمي، وإذعان ينبع من الظنِّ الإطمئناني( المتاخم للعلم)، وهناك إذعان يتولَّد من تساوي الطرفين؛ وذلك فيما دأبت عليه النفس من أخذ الحيطة في المحتملات البالغة الأهمية، فلا تراعي درجة الاحتمال، وإنما تراعي أهمية المحتمَل، فيحصل
____________________
(1) مبحث الظن/ تنبيهات دليل الانسداد /الأمر الخامس اعتبار الظن في أصول الدين والأقوال المستفادة من تتبع كلمات العلماء في هذه المسألة من حيث وجوب مطلق المعرفة.
(2) نقله (رحمه الله ) عن الشيخ في (العدة ) / مسألة حجية أخبار الآحاد، وفي آخر ( العدة )
(3) القوانين: 2 / 164ـ 220.
(4) نهاية الدراية 2 / 400 - ط مؤسسة آل البيت ( عليهم السلام ) مبحث الظن دليل الانسداد.
الإذعان والجزم مع وجود الاحتمال فقط؛ وذلك لأهمية المحتمَل وخطورته.
والخلاصة: أن الإذعان - وهو فعل القوى العملية - يتبع في الغالب الإدراك، وهو فعل القوى النظرية، وبما أن الإدراك ذو درجات؛ تبدأ من تساوي الطرفين وحتّى اليقين والعلم، فإن الإذعان كذلك؛ تختلف درجته - مع بقائه إذعاناً وتسليما.
تبقى الإشارة إلى أن البعض يعتبر أن الشك هو درجة إدراكية، وهذا غير صحيح؛ إذ أن الشك هو عدم الإذعان وحالة التردُّد العملي، وبالتالي فهو صفة لحالة من حالات القوى العملية، فلا إذعان مع الشك، فما ذكر من كون تساوي الطرفين هو الشك الإدراكي، فهذا غير صحيح؛ لذا لم نعبِّر عنه كذلك.
ثانياً: البحث الإثباتي.
بعد أن تمَّ تصوير إمكان توجُّه الحكم الشرعي في العقائد، سواء أصولها أم تفاصيلها، تصل النوبة للبحث الإثباتي؛ وهو مقدار ما قامت عليه الأدلَّة في الأحكام الشرعية.
1 - الحكم الشرعي الفقهي:
أي الحكم الأوَّلي، فيمكن القول أن الآيات الواردة بصيغة ( آمَنُوا بِاللَّهِ ) كلُّها أحكام شرعية لوجوب التوحيد، لذا لم تخاطب الجانب الإدراكي البحت؛ بل أتت بلفظ الإيمان، وهو ما أشرنا إليه سابقاً في البحث الثبوتي، وعليه تكون هذه الأوامر مَوْلَويَّة لوجوب طاعة اللَّه والإيمان به وتوحيده.
أمَّا الآيات الواردة بوجوب الفحص والتفكير والمعرفة، نحو ( انظُرُواْ مَاذَا فِي
السَّمَاوَاتِ... ) (1) وغيرها، فهي أوامر إرشادية، ترشد إلى وجوب الفحص الذي أدركه العقل؛ إذ أن الفحص مقدِّمة للإدراك، والإدراك متقدِّم على الإذعان.
أمَّا بالنسبة لتفاصيل الاعتقادات، فهي أيضا قامت أدلَّة كثيرة على وجوب الاعتقاد بها إذا حصل العلم بذلك؛ بمعنى، أن الحكم فيها بخلاف الأصول، فهناك يجب تحصيل الإيمان. أمَّا هنا، فالحكم معلَّق على قيام العلم، أو الحجَّة المعتبرة، على تلك التفاصيل؛ فالاعتقاد والإيمان بها واجب حينئذٍ، بل في بعض الأخبار وجوب التسليم الإجمالي بما أنزله اللَّه وما جاء به الرسول وبيّنه الأئمَّة وأن هذا هو مقتضى الإيمان بهم. ففي الرواية عن أبي عبد اللَّه عليهالسلام قال: ((مَن سرّه أن يستكمل الإيمان كلَّه، فليقل: القولُ مني في جميع الأشياء قول آل محمد، فيما أسرُّوا وما أعلنوا، وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني)) (2) .
2 - أمَّا بالنسبة للحكم الشرعي الأصولي:
فهل من الممكن التعبُّد بالظنِّ في أصول الاعتقادات وتفاصيلها؟
البحث هنا يختلف عن البحث في الحكم الأوَّلي؛ لذا سوف نقسِّمه إلى ثلاثة أقسام:
1 - التعبُّد بالظنَّ في التوحيد والنبوَّة.
يوجد تسالم على عدم التعبُّد بالأدلَّة الظنية في هذين الأصلين؛ وذلك للدور الحاصل في المقام. توضيح ذلك:
أن الإيمان بالتوحيد والنبوَّة يجب أن يستند إلى شيء حجيَّته ذاتيَّة. أمَّا إذا كانت
____________________
(1) يونس 10: 101.
(2) أصول الكافي، كتاب الحجة، باب 15.
حجيَّته عرضية، فيجب أن ينتهي إلى ما هو بالذات؛ أي إلى دليل عقلي اعتبره الشارع، و الفرض أن البحث مازال في التوحيد، فلم يثبت الشارع بعدُ حتّى نثبت اعتبار الشارع له أو عدمه.
2 - التعبُّد بالظنِّ في الإمامة والمعاد والعدل.
فالأشكال السابق غير وارد هنا؛ وذلك لأنَّ البحث فيما بعد ثبوت التوحيد والنبوَّة وإذعان النفس بهما، لكن مع ذلك يوجد تسالم بين الفقهاء على عدم جواز الاستناد إلى الدليل الظنِّي في إثبات الإمامة والمعاد، بل يجب الاستناد إلى الدليل القطعي؛ والسرُّ في هذا التسالم، هو أن الواجب في أصول الاعتقادات التحرُّز والتحفُّظ عن الوقوع في الضلال، وهذا الوجوب عقلي، والركون إلى الظنٍّ لا يؤمِّن هذا الجانب، لا أن الظنَّ غير محصِّل للإذعان، بل يمكن الإذعان والتسليم مع الإدراك الظنِّي، لكن هذا لا يكون حصَّناً أمام الشبهات والإشكالات.
3 - التعبُّد بالظنَّ في تفاصيل المعارف الإلهية.
البحث هنا حول المقدار الذي ثبت من جواز التعبُّد بالظنِّ لنيل تفاصيل الاعتقادات. وبعد أن ثبت في علم الأصول حجيَّة أخبار الآحاد والظواهر لتحصيل الأحكام الشرعية الفقهية الفرعية، يرد التساؤل: هل يمكن تعميم الحجيَّة لتشمل تفاصيل المعارف؟
وقبل البدء بأخبار الآحاد، نشير إلى أن كثيراً من تفاصيل المعارف قامت عليها الأخبار المتواترة، أو المستفيضة، والتي تورُّث القطع ويحصل بها العلم، وهي خارجة عن بحثنا.
أمَّا أخبار الآحاد:
فأول إشكال يعترضنا، هو أن العمل يكون بالخبر واجباً إذا كان مؤدَّاه حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي. وتفاصيل الاعتقادات ليس من الواجب الاعتقاد بها، فلا معنى لوجوب العمل بخبر الواحد.
والجواب عن هذه الشبهة وإنْ كان يظهر ممَّا تقدَّم ذكره في البحث، لكنَّنا نفصِّل ونقسِّم تفاصيل الاعتقادات إلى قسمين:
أحدهما: المعارف التي تتعلَّق بعالم المادة وشؤون الدنيا؛ نحو: أن تحت الأرض كذا، أو فوق السماء كذا، والظن بأحوال القرون الماضية وكيف كانت حياتهم، ولم يقل أحد بوجوب الاعتقاد بها حتّى وإنْ حصل العلم بها.
والثاني: التفاصيل المتعلِّقة بأفعال الحقِّ سبحانه، وكيفية خلقه، ونحو أفعاله، وما هو مرتبط بعالم الغيب من مختلف المعارف، وهذه يجب الاعتقاد بها، لكن في حالة حصول العلم أو قيام الحجَّة المعتبرة، وقد جعلها المتقدِّمون - كالصدوق والمفيد - من قسم العقائد. والدليل على ذلك - مضافاً إلى أنه مقتضى عموم أدلَّة الحجية التعبدية، لو ثبت شمولها - عدم تعليق وجوب الاعتقاد بها على خصوص العلم، وإيجاب الاعتقاد بتوسُّطها، ولو بدرجة العقد الظني:
1 - إنه هناك الكثير من الآيات التي توجب الإيمان بالغيب مطلقاً، بل تذكر أن الإيمان بالغيب من الصفات الممدوحة في المؤمنين. وإذا كان الملتزِم بالغيب على نحو الإجمال ممدوحاً، فتدلُّ على عموم موضوع الأدلَّة الأولى لمَن قامت لديه أدلَّة تفصيلية على هذا الغيب. فإن الإيمان بذلك يكون واجباً.
2 - إن مقتضى الإيمان بالنبي صلىاللهعليهوآله ورسالته، هو التسليم بكلِّ ما صحَّ عنه، وبكلِّ ما ثبت نسبته إليه.
3 - إن هذه الروايات تتناول صفات الحق وحكمته وأفعاله التي دلّت الأدلَّة العامَّة على لزوم الاعتقاد بها، مع أن الاعتقاد بهذه التفاصيل لا ريب في رجحانه ويزيد من قوَّة الإيمان، وهو مصحِّح للحجية.
4 - إن بعض الروايات الواردة في بعض التفاصيل قد صرَّحت بوجوب الاعتقاد بها كالرجعة، وهذه لا خصوصية لها، فيعمُّ الحكم جميع التفاصيل كعذاب القبر والبرزخ ونحوهما، ولا يُتوهَّم الدور كما لا يخفى، خصوصاً إذا ضممنا إلى ذلك أن الكثير من التفاصيل ثبت بروايات مستفيضة.
5 - إنه قد وردت روايات كثيرة في كفر - وإنْ لم يكن بالمعنى الخاص الاصطلاحي - مَن جحد ما تقوم به الحجَّة في بعض الضروريات، ولا يعتقد بها. وخصَّت الحجَّة بنقل الثقات (1) .
6 - ثُم إنه لو فرض الشك في وجوب الاعتقاد وعدم قيام الدليل، فإنه لا يُسوغ الردُّ عقلاً ولا شرعاً؛ إذ بينهما مغايرة.
أمَّا عقلاً - وذلك لعدم قيام الدليل على النفي - فإذا ردّ وجزم بالنفي، يكون كذباً؛ لعدم قيام الدليل على النفي حتّى لو كان ردُّه صحيحا.
أمَّا شرعاً، فلأن احتمال الصدور من الشارع وارد،، فمع احتمال الصدور كيف يجوز الرد؟ وقد ورد في رواية زرارة عن أبي عبد اللَّه عليهالسلام : ((لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا، لم يكفروا)) (2) .
ثُم قد يورَد إشكال ثان؛ حاصله: أن المطلوب هو الاعتقاد، وهو جزم وإذعان، فكيف يمكن تحصيل ذلك من الظن؟
وجواب هذا الإشكال واضح؛ وهو: أن الإذعان والجزم ذو مراتب، فقد يحصل
____________________
(1) الوسائل، باب/ 2؛ مقدمة العبادات.
(2) الكافي 2: 406.
من العلم والقطع، وهو أعلى المراتب، وقد يحصل من الظن المعتبَر، فهو جزم إلاّ أنه ظنُّي؛ فالتفرقة في الفعل النفسي.
وقد يُشكَل أخيراً بالآيات الواردة في النهي عن اتباع الظن، وخصوصاً أن علماء الأصول حملوا هذه الروايات على الظنِّ في الاعتقادات وأن المطلوب فيها اليقين.
وقد أجيب عن هذا بأجوبة عدَّة:
منها: أن المراد من الظنِّ المنهيِّ عن اتباعه؛ هو الظنّ الذي لا يرجع إلى اليقين. أمَّا إذا كان مدرِكاً حجية هذا الظنِّ قطعياً، فلا مانع من متابعته.
ومنها: أن النهي عن اتباع الظنِّ وارد في أصول الاعتقادات. أمَّا في التفاصيل، فلا يُعلم أن الآية تنهى عنه.
ومنها: أن الآيات واردة في ذمِّ قسم من الناس الذين يرون المعاجز النبوية الثابتة ولا يؤمنون بها، ويتَّبعون الظنَّ وما جاءهم به آباؤهم. فالآيات واردة في ذمِّ مَن يتَّبع الظنَّ المقابل والمنافي لِمَا دلّ عليه اليقين.
ومنها: أن الظنَّ إنمَّا يُذم أتباعه؛ حيث يمكن تحصيل اليقين والعلم. أمَّا مع عدم إمكان تحصيل اليقين، فإن النوبة تصل إلى الظنون المعتبَرة. وبعبارة أخرى، أن المسائل في المعارف، كلَّما ترامت وابتعدت عن الاستدلال بالبديهيات، وتوغَّلت في النظرية، كلَّما قلّ وضوح يقينيتها - كما هو مشاهد بالوجدان، وكانت إلى الظنِّ أقرب منها إلى اليقين، كيف لا! وهذا ابن سينا يقرّ بالعجز عن إقامة الدليل العقلي على المعاد الجسماني مع أنه من أصول الدين، ويتوسّل ببرهان إخبار الشريعة المحمدية الحقَّة بذلك.
ثُم هناك نكتة مهمَّة يجب التنبه إليها؛ وهي جواب أيضا عمَّا هو وارد في القرآن؛
وهي أن الظنَّ واليقين في اصطلاح القرآن (1) ليس هو طبقاً للمتعارف الشائع من كونهما درجتين من درجات الإذعان، بل المراد منهما أن المقدِّمات إذا كانت لا يصحُّ الركون إليها - وإن ولّدت احتمالاً، فإنها تسمَّى ظنَّا. وأمَّا إذا كانت المقدِّمات ممَّا يصحُّ الركون إليها، فإنه يعبِّر عنها باليقين.
ومنها: ما ذكره صاحب القوانين (2) من أن الاستناد إلى دلالة ظواهر تلك الآيات هو استناد إلى الظنِّ أيضا، فكيف يمكن الاستناد إليها.
أمَّا أدلَّة عموم التعبُّد بخبر الواحد:
بالنسبة للآيات الواردة على حجية خبر الواحد، فإن أهمَّ آية دالَّة على ذلك هي آية النفر. وفيها أنّ التفقُّه متعلِّق بالدين؛ وهو يشمل الأحكام برمَّـتها؛ فرعية وأصولية، فمَن يريد التفقُّه يجب أن يسعى للتفقُّه في كلا المجالين. والإنذار كذلك يكون في الفروع والأصول، غاية الأمر وجد مانع من شمول الآية لأصول الاعتقادات، دون تفاصيلها، وهو المانع الخارجي الذي أشرنا إليه سابقا.
ومن أدلَّة حجية خبر الواحد: السيرة؛ وهي قائمة على تعاطي خبر الواحد في تفاصيل الاعتقادات، بل هو مرتكز في وجدانهم كما نرى في كتبهم. فهذا العدد الكبير الهائل من الروايات التي يرويها الرواة في تفاصيل المعارف شاهد عليه، وهذه هي السيرة الفعلية. ويمكن التعبير عن السيرة بأن لها إطلاق تقديري؛ بمعنى
____________________
(1) وهذا ليس بدعاً في اصطلاحات القران؛ بل له مماثل في لفظ: القرية، فهي في اصطلاح القران تعني: الأمم عن المعارف الإلهية، ولا يلاحظ فيه العمران. كما يَطلق المدينة على التي فيها تمدُّن المعرفة الإلهية لا تمدُّن المادة والبدن.
(2) القوانين في الأصول: ص 168.
أنه لو لم تكن لهم سيرة قائمة بالفعل على العمل بخبر الواحد في التفاصيل، فإن ارتكاز السيرة بنحو يكون مدعاة لتعميمه وعدم الردع من الشارع لهذا الارتكاز، يعني إمضاؤه له.
كما أن الأصوليين يستندون في حجية أخبار الآحاد إلى روايات مستفيضة؛ مفادها مثل: أن السائل يسأل الإمام عليهالسلام : فلان ثقة آخذ عنه معالم ديني؟ فيجيب الإمام عليهالسلام : بالإيجاب.
و(أخذ معالم الدين) شامل للفروع والأصول.
أمَّا بالنسبة لحجية الظواهر:
فقد أشار الكثير إلى أن حجية الظواهر ليست أمراً متنازعاً فيه، وهذا يعني أن الدليل على حجيَّتها هو القطع؛ بتقريب: أن الشارع لم ترد له طريقة أخرى في التعامل مع المكلَّفين غير الطريقة القائمة فيما بينهم؛ وهو الاعتماد على الظواهر، وأن كثيراً من المعارف الإلهية وتفاصيلها قد ورد في القرآن الكريم ولم تكن للشارع في تفهيم القرآن طريقة غير طريقة أهل المحاورة، فهذا يثبت حجية الظواهر في المعارف أيضا.
وقبل أن نختم البحث في هذه المقدِّمة، نشير إلى نكات مهمَّة:
1 - إن هذه المقدِّمة والتي تليها تبرز أهميَّة أن البصيرة في هذه المباحث توجِب حصول بصيرة في كثير من المجالات، والعديد من المخاصمات في تفاصيل الاعتقادات.
2 - من المقرَّر في علم الأصول أن حجية خبر الواحد والظواهر منوطة بالفحص عن المعارض، والأمر هنا كذلك، بل الفحص عن المعارض في تفاصيل الاعتقادات يكون أشدّ وأخطر وأهمَّ لكثرة القرائن المنفصلة في هذا الباب،
ومنها القرائن العقلية، فلا بدَّ من الخوض في البحوث العقلية بمقدار كافٍ حتّى يمكن فهم كثير من الروايات.
3 - إن الأحكام الشرعية الواردة في التفاصيل، حكمها على وزان الفروع. فما كان منها ضروري، فإن عدم الإيمان به وردّه، حكمه حكم الارتداد، وغيره قد يوجب الفسق في حالة التقصير.
المقدمة الثانية:
ونتناول فيها البحث حول الميزان وأصول الأدلة في علم العقائد، مع استعراض العلاقة القائمة بين العلوم وما يرتبط منها في بحث العقائد.
فما هي أصول العقائد؟
يطلق الأصل على معان عدَّة؛ فقد يطلق ويراد به الأساس للشيء، وتارة يطلق ويراد به ما هو السبب للمسبَّب. وفي الاصطلاح، عندما يطلق على ما يعتبر أصلاً لعلم أخر، فإنه يُقصد به: العلم الذي يتكفَّل إيضاح منهجية علم آخر، وتهيئة قواعد لا تدخل نفسها كمواد في قياس ذلك العلم. ومن هنا تفترق القواعد الفقهية عن القواعد الأصولية بالنسبة لعلم الفقه، فإن القاعدة الفقهية بنفسها تدخل في استنباط الحكم الشرعي، فيستفاد منها في باب التطبيق، بينما القاعدة الأصولية لا تحضر بنفسها في الفقة، بل هي تحدِّد المنهج الذي يجب اتباعه في الاستنباط.
وبالنسبة للعقائد، يمكن القول أن القواعد العامَّة التي تذكر في علم الكلام أو الفلسفة، يتمُّ تطبيقها في الإلهيات، فتكون من قبيل القواعد الفقهية. ويمكن التعبير عن التطبيق بالقول: ( إن المحمول بنفسه يأتي في النتيجة ).
وعلى كلٍّ... ففي اصطلاح أهل الفن، يطلق الأصل ويراد به أحد هذين المعنيين.
والغرض هنا هو البحث حول إطلاق أصول أدلة العقائد:
هل يراد بالأصل ما يبحث في منهجية الاستدلال أم يُراد به ما يرادف القواعد الفقهية؟
والجواب عن هذا التساؤل:
1 - إنه إذا أطلق الأصل هنا وأُريد المعنى الأوّل، فالعلم الباحث عن منهجية الاستدلال في العقائد هو: علم أصول الفقه.
والسرُّ في ذلك، أننا ذكرنا فيما سبق أن المقصود بالأحكام الشرعية لا يخصُّ الفرعية(عبادات ومعاملات)، بل يعمُّ ويشمل العقائد أصولاً وتفاصيلا، طبقا للتصوير السابق ذكره. وعلم أصول الفقه هو الباحث عن معيار الحجَّة في استنباط الأحكام الشرعية، وبالتالي يتدخَّل في العقائد؛ ويشهد لذلك أن المتكلِّمين (حتّى أن القيصري في مقدِّمات شرح الفصوص بحث، مفصَّلاً، الملائمة بين الكتاب والسنة والكشف، وهو بحث أصولي محض) عندما يتطرَّقون في بعض مسائلهم إلى كيفية الاحتجاج لحجَّة معينة، يستعينون بما تمَّ تصويره وتحريره في علم الأصول، بل أن صدر المتألِّهين، مبتكر الحكمة المتعالية، كثيراً ما يتعرَّض لمنهجة الملائمة بين الوحي والعقل ومتى يقدم كل واحد منها وما هو مدى كلٍّ منها.
* أصول الفقه والمنطق: من الضروري جدَّاً بيان الفارق بين العلمين، وأن لا تعارض بينهما، ولا يكون علم الأصول بديلاً عنه، بل يظل علم المنطق هو الباحث عن حجية الأدلَّة العقلية فقط، ويعتبر أصولاً للفلسفة. ويمكن التمييز بينهما:
أ - إن علم الأصول يبحث عن منهجة المعارف القلبية.
ب - إن في علم المنطق لا يُبحث عن أساس حجية الدليل العقلي من حيث المواد، وإنما يوصلها إلى البداهة أو اليقين، بينما يبحث عنه في علم الأصول.
ج - في المنطق لا يبحث إلاَّ عن الدليل العقلي بينما في الأصول يبحث عن الملائمة بين العقل والنقل والكشف.
والحاصل: أن كلَّاً من العلمين يبحث عن الحجية حتّى أن علم المنطق يشتمل على صناعة كلٍّ من البرهان والجدل، والثاني فيه حيثية الإلزام، فيقترب من علم الأصول وإن كانت حيثيَّته ليست للخصومة، إلاّ أن بينهما فوارق، ومن ثَم أضحى علم الأصول منطقاً للعلوم الدينية وللمعرفة الدينية. فعلم الأصول له دخالة في كل معرفة دينية وعملية استنباط يسعى إليها الإنسان لاستكشاف المجهول.
ـ ثُم إنَّنا عندما نذكر تقدُّم علم على آخر لا نلتزم بذلك مطلقا؛ بل نقول إن من المتسالم عليه هو قاعدة التعاون بين العلوم، فقد يكون علم مقدَّما على آخر من حيثية، ويكون العلم الثاني مقدَّماً على الأوَّل من حيثية أخرى.
2 - وإنْ أريد بالأصول القواعد الفقهية، وهو المعنى الثاني، فيعتبر علم الفلسفة هو أصول العقائد - هكذا قيل، لكن الصحيح أن جميع القواعد العامَّة التي حُرِّرت في علم الكلام، وفي مقدِّمات التفسير، وفي البحث في روايات المعارف، كلَّها تكون أصلاً لعلم العقائد.
ومن هنا نشأت مدارس مختلفة في إرساء وتحرير القواعد العامة التي يحتاج إليها الباحث في علم العقائد. وهي عديدة:
منها: مدرسة المشَّائين؛ والتي اعتمدت العقل كأساس لتفسير العقائد والإيمان بها، ولا يوجد منبعا آخر، لا نقلاً ولا كشفا، وأساس هذه المدرسة، الفلسفة اليونانية، وتبنَّاها منهم أرسطو.
ومنها: مدرسة الإشراقيين - وهي أيضاً متأثرة بالفلسفة اليونانية - والتي ترى أن نيل المعارف الربوبية يكون عن طريق الإشراق والكشف الذي يتنزل إلى العقل. وبهذا تتميَّز هذه المدرسة عن المدرسة العرفانية؛ إذ لا تشترط أن تتنزَّل المعارف القلبية على العقل، بينما تشترطه الأولى.
وأشتهر قول شيخ الإشراق: لولا العقل والقلب لَمَا
أمكن الوصول إلى هذه المعارف.
ومنها: المدرسة العرفانية؛ والتي ترى عجز العقل عن الوصول إلى المعارف العالية تماماً، بل يصل الإنسان إلى المعارف عن طريق المجاهدات وتصفية القلب، فينجلي أمامه المجهول، وتنكشف أمامه الحقائق.
ومنها: مدرسة المتكلمين، الذين حاولوا الربط بين العقل والنقل، لكنَّه يركِّز فيه على ما ورد في الشريعة ويحاول بعدئذ إقامة الدليل العقلي عليه، ويحرص على موافقة الحكم المستنتج من العقل لِمَا عليه الشرع.
ومنها: مدرسة الحكمة المتعالية؛ وهي قمَّة ما وصل إليه متأخرو الفلاسفة، وقد ظهرت من تحقيقات صدر المتألِّهين الذي حاول الجمع بين المدارس المختلفة لتظهر خلاصة تحقيقات المتقدِّمين، فوافق بين العقل والعرفان وجعل محورهما هو الوحي، وحاول الملائمة بينها.
ومنها: مدرسة المفسِّرين؛ حيث أنها ترجع إلى ظواهر القرآن لاستلهام مجموعة من القواعد في المعارف الإلهية.
ومنها: مدرسة التفكيك؛ والتي ظهرت على يد الميرزا مهدي الأصفهاني؛ حيث قامت بالتفكيك بين العقل المحدود والعقل اللاّمحدود؛ وهو الوحي، والاعتماد أساساً على القرآن.
ومنها: مدرسة المحدِّثين؛ وهذه استقت معارفها الإلهية من الأحاديث والروايات، فحرَّروا مسائل كثيرة لم تذكرها المدارس السابقة، وقد برز منها: المجلسيَّان، وصاحب الوسائل، وصاحب تفسير البرهان...
فهذه المدارس كلّها، وغيرها ممَّا ظهر وانتشر، كان هدفها ابتكار أرفع الأساليب وأسلم المناهج للوصول إلى المعارف الإلهية. ولا يمكن القول بالاقتصار على لغة مدرسة منها والاكتفاء بها، بل كلُّ مدرسة
امتازت بقواعد حرَّرتها لم تهتد إليها المدرسة الأخرى، فإذا كان المراد من الأصل هو المعنى الثاني، فإن من الواجب أن تشمل الدراسة كلَّ القواعد التي دوِّنت، دون الاقتصار على بعض منها، في سبيل الوصول إلى معارف الوحي.
المبحث الأوَّل:
حُجِّـيَّة الكتاب الكريم
من بديهيات الفكر الإسلامي حجية الكتاب وأنّه المعجزة الخالدة وخاتم الرسالات الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقد أسهب الأصوليُّون في هذا البحث وفي الردِّ على الشبهات ومناقشة الإخباريين وغيرهم ممَّن فصَّـل في حجيَّته، فلا نعيد الكلام فيه، وإنما نتعرَّض إلى نقطتين:
1 - نظرية تفسير القرآن بالقران والتي نادى بها العامة وبعض الخاصة، وآخرهم العلاّمة الطباطبائي.
2 - كيفية الملائمة بين حجية الكتاب والسنَّة والعقل.
[نظرية تفسير القرآن بالقران]
أمَّا النقطة الأولى: تفسير القرآن بالقران...
وتعتبر هذه النظرية في الطرف المقابل لنظرية المحدِّثين والتي تقضي بعدم إمكان التفسير إلاّ بالرجوع إلى الروايات والأحاديث. أمَّا العلامة الطباطبائي، فإنه يرى أن القرآن فيه بيان كلِّ شيء، وفي تفسير كل آية يجب الرجوع إلى الآيات الأخرى التي توضِّح المراد والمقصود؛ فمثلا قوله تعالى: ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (1) يشتبه المراد من كيفية الاستواء، لكن إذا رُجع إلى قوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (2) عُلم أن المراد من الاستواء هو
____________________
(1) طه: 5.
(2) الشورى: 11.
التسلُّط على الملك والإحاطة بالخلق، دون التمكُّن والاعتماد على المكان الذي يستلزم التجسيم المستحيل.
ولم يكن العلاّمة في نظريَّـته منفرداً، بل متَّبِعاً لطريقة أهل البيت: فإنهم قلَّمَا يفسِّرون آية من دون ذكر آية أخرى توضِّح المراد منها، وكأنَّهم يرشدون أتباعهم إلى كيفية تفسير القرآن والتدبُّر في آياته بالاستفادة من الآيات الأخرى في تفسير ما أبهم من المعاني.
ويضيف: أن ما ورد في تقسيم آيات القرآن إلى المحكمات والمتشابهات، لا يعني أن الآية في نفسها مبهمة ولا يتَّضح منها معنى البتة، بل أن التشابه هو بلحاظ فهم السامع والقارىء وتردُّده بين معنى وآخر؛ بحيث لا يتعيَّن المراد منها إلاّ بالرجوع إلى آية محكمة والتي هي بمنزلة الأصل الواجب الرجوع إليه عند تردُّد المعاني في المتشابهات.
وحصول التشابه لدى السامع أو القارئ أمر طبيعي؛ ومرجعه أُنس الإنسان بالأمثلة المادية المحسوسة، فيحمل الألفاظ، لا على معانيها بحدها الماهوي، بل يخلط بها المصداق المألوف لديه، فيختلط عليه المراد. أمَّا إذا التفت إلى أن الألفاظ موضوعة لروح المعاني دون النظر إلى المصاديق التي هي عرضة للتبدل والتغيُّر، ارتفع لديه الاختلاط؛ فمثلا السجود موضوع لمنتهى الخضوع والخشوع، وليس موضوعا للهيئة الخاصة المتداولة، وعندها يمكن فهم أمر الحقِّ تعالى ملائكته بالسجود لأدم.
وقد يُشكَل عليه: بأن هذه الطريقة من التفسير هي ضرب القرآن بعضه ببعض، وقد نُهي عنها صراحة في قول الصادق عليهالسلام : ((ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض
إلاّ كفر)) (1) ، وغيرها.
ويجيب عن ذلك: بأن المقصود بالضرب هو التفسير بالرأي الذي يؤدِّي إلى اختلاط الآيات بعضها ببعض ببطلان ترتيبها ودفع مقاصد بعضها ببعض.
ويستدلُّ العلاّمة على نظريَّته بأدلَّة وشواهد عدَّة:
منها: أن القرآن وُصف بأوصاف متعدِّدة، منها؛ إنه نور، وهدى، ومبين، وفرقان، وإن فيه بيان لكلِّ شيء، وهذه كلها تدلُّ على عدم إغلاقه وإنَّه لا يحتاج إلى مفسِّر خارج عنه.
ومنها: أن القرآن هو المعجزة الخالدة التي تحدَّى به الرسول صلىاللهعليهوآله الناس كافَّة أن يأتوا بسورة أو آية مثله؛ ومقتضى التحدِّي كونه واضحاً غير مبهم، فهو يبيّن نفسه بنفسه.
ومنها: وردت روايات عديدة ترشد إلى كيفية تمييز الحجَّة عن اللاّحجَّة من الروايات بالعرض على كتاب اللَّه؛ فهذا يعني أن في كتاب اللَّه البرهان الواضح والمفاهيم الساطعة التي يمكن فهمها وعرض الروايات عليها.
ومنها: قوله تعالى: ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (2) تدلُّ على إمكانية نيل المعارف القرآنية، وأنه لا معنى لإرجاع ذلك إلى بيان السنَّة؛ لأن ما بَيّنه إمَّا أن يكون معنى يوافق ظاهر الكلام، وإمَّا أن يكون معنى لا يوافق الظاهر، فإن كان الأوّل، فهو ممَّا يؤدِّي إليه اللفظ ويمكن التوصل إليه ولو بعد التدبُّر، وإن كان الثاني، فهو ممَّا لا يلائم التحدِّي.
ومنها: ما ورد من الروايات التي كالنصِّ في ذلك؛ كرواية الباقر عليهالسلام : ((فمَن زعم أن
____________________
(1) بحار الأنوار، ج92، ص39؛ ح1.
(2) النساء 4: 82.
كتاب اللَّه مبهم فقد هلك وأهلك)) (1) .
ومنها: ما ذكره في حاشيته على الكفاية:
ـ من أن حجية السنَّة منبثقة عن حجية الكتاب، فبينهما طولية؛ حيث قد ورد في القرآن حجية السنَّة ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ... ) (2) ( وَلَكُم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (3) .
ـ ويرى أن قوله: ( إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (4) يعني أنه لا يبطله شيء، وبالتالي لا يُنسخ القرآن إلاّ بالقران. أمَّا ما اتفق عليه العامة والخاصة من إمكانية النسخ بالسنَّة القطعية، فمدفوع بهذه الآية.
تقييم نظرية العلاَّمة:
إن أصل ما ذكره العلاَّمة متين ونوافقه عليه، لكن النتائج التي رتَّبها على ذلك؛ من استقلال الإنسان في تفسير القرآن بالقرآن بعد معرفة طريقة أهل البيت، غير صحيحة، حتّى أنه (رضوان اللَّه عليه) لم يتَّبع ذلك في تفسيره.
وما ندَّعيه هو: أننا في تفسيرنا للقرآن نحتاج دائماً إلى الرجوع إلى السنَّة الشريفة؛ لأن المعصوم هو القيّم والحافظ للقران بدليل حديث الثقلين (5) ، والرجوع إليهم لا يعني نقصاً أو تقليلاً من حجيَّة القرآن، فلقد قُرِّر في علم الأصول
____________________
(1) بحار الأنوار، ج92، ص90، ح34.
(2) الحشر 59: 7.
(3) الأحزاب 33: 25.
(4) فصلت 41: 42.
(5) وسوف يأتي مزيد تفصيل في الفصل الثالث عند البحث في فقه الحديث.
أن حجية الظواهر إنما تكون بعد استفراغ الوسع في البحث عن القرائن المنفصلة، سواء من القرآن أم من السنَّة القطعية - أو المعتبرة - أم من القرائن العقلية.
ولتقريب الفكرة نضرب مثالاً في علم الرياضيات؛ حيث أنه من العلوم المستقلة التي لا تعتمد على علوم أخرى، ويحتوي على بديهات ونظريَّات ومعادلات، لكن هل الجميع على حد سواء في هذا العلم؟ بالطبع لا، فالافهام تتفاوت، والعقول تختلف، ودرجات الإدراك ليست على حد سواء، فيحتاج إلى قيّم وحافظ يُدرك كلَّ شيء ولا تستعصي عليه مسألة. ولا يكون هذا القيِّم إلاّ مَن اتصل بعالم الغيب ونهل معرفته من العقل المحيط، كما نرى في أجوبة مسائل أمير المؤمنين في باب الإرث.
وعليه؛ فإنا نقول: إن الأفهام بما أنها متفاوتة في فهم القرآن واستظهار معانيه؛ لذلك يحتاج إلى قيّم وحافظ، فهمُه محيط بكلِّ معاني القرآن، فيُسترشد بفهمه دائماً.
وأمَّا ما استدل به العلاَّمة؛ من الدعوة إلى التدبُّر الواردة في القرآن، فيجاب عليها: بأن التدبُّر المشروط لا ينافي التدبُّر، والشرط هو الاسترشاد بروايات أهل بيت العصمة، بل إن العلاَّمة - كما ينقل عن سيرته - لم يبدأ التفسير حتّى قرأ بحار الأنوار قراءة دقيقة بتفحُّص، ثُم بدأ في تفسير القرآن، وما ذاك إلاّ مِن أجل مراعاة خط أهل البيت وفهمهم في تفسير القرآن.
نعم، الدعوة إلى التدبُّر تقع في قبال السلب الكلي الذي ادَّعاه الإخباريون؛ من عدم إمكانية فهم القرآن إلاّ من خلال الروايات.
* وأمَّا الإعجاز والتحدِّي، فهو ممكن، لكنَّه غير مشروط بأن يصل فهم الكافرين إلى كلِّ بطون وأسرار القرآن، بل مع الفهم البسيط إلى بعض أسرار القرآن وعجزهم
عن الإتيان بمثله أكبر دليل على إعجاز القرآن وأنه من عند اللَّه. بالإضافة إلى أن جهات الإعجاز في القرآن كثيرة؛ لِمَا يحتوي من أسرار الخلق وشؤون النظام والمعارف العقلية، وهذا كلُّه دليل على ضرورة وجود القيّم والحافظ للقران الذي يرشد إلى تلكم المعارف، ويأخذ بيد المتعلِّم والمتدبِّر إلى بطون القرآن التي لا تنالها الافهام العادية.
* وما ذكره من أن جميع الحجج منبثقة من الكتاب، أمر لا ينكر، لكنَّه لا يعني انحصار حجية السنَّة بالكتاب؛ ذلك لأن المعجزات الأخرى للرسول صلىاللهعليهوآله تثبت رسالته وحجيته كما هو الحال في بدء الدعوة، بل إن في بعض الآيات ما يشير إلى حجية الكتاب وصدق ما أنزل، بتوسط صفات النبي صلىاللهعليهوآله من الصدق والأمانة ( ... أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ... ) (1) ( ... فَقَدْ لَبِثْتُ فُيكُمْ عُمُراً... ) (2) وكذلك حجيَّة كلام الأئمَّة عليهمالسلام يُعلم بمعجزاتهم وبليغ خطابهم وإخبارهم عمَّا هو مجهول في ذلك العصر، وإلى قرون متمادية لاحقة.
* أمَّا ما ذكره من روايات عرض السنَّة على الكتاب، فقد تقرَّر في علم الأصول بأن السنَّة بعضها قطعي ولا معنى للعرض. أمَّا الخبر الظني الصحيح، فمعنى عرضه هو عدم مباينته للكتاب، وليس المراد الموافقة التفصيلية، وكذلك يعرض على السنَّة القطعية.
وأمَّا حديث النسخ وامتناعه، فهو غريب منه؛ لأن القرآن قد صرَّح بصدق الرسول وحجيَّة خبره، فما المانع من النسخ؟
ونورد عليه نقضاً: بأن القائلين بهذه النظرية - من العامة والخاصة - متعدِّدون، ومع ذلك لا نراهم يتَّفقون في تفسير الآيات، وهذا الاختلاف إمَّا راجع إلى الخطأ في
____________________
(1) المؤمنون 23: 69.
(2) يونس 10: 16.
المنهج، أو خطأ في التطبيق. أمَّا الأوَّل، فذكرنا إنه صحيح في نفسه، فتبيَّن أن الاختلاف راجع إلى الثاني؛ حيث يجب الاسترشاد بالروايات، لا الانعزال التام عن السنَّة؛ حيث أن المنهج وحده لا يوجب العصمة في التطبيق.
* وقد أرشد القرآن الكريم إلى حَفَظَته بقوله تعالى: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ) (1) فهم الحافظون للكتاب المطلعون على أسراره، وبدونهم لا يمكن الاهتداء إلى بطونه، ولا يمكن التدبر في آياته.
تنبيه: يجب التفرقة بين طائفتين من الروايات؛ إحداهما: هي الروايات المبيِّنة لتفسير الآيات، فمعها لا يمكن الاعتماد على الظاهر القرآني، والأخرى: هي الروايات المتعرِّضة للتأويل التي لا تمنع من حجية الظاهر، بل يبقى الظهور على حجيَّـته.
[كيفية الملائمة بين حُجِّـيَّة الكتاب والسنَّة والعقل]
النقطة الثانية: في الملائمة بين الحجج. وقد ذكرت في ذلك نظريَّات متعدِّدة، والذي نراه أن الكتاب والسنة والعقل حجج متكافلة متضامنة فيما بينها، تشير جميعها إلى حقائق واحدة، ويجب الرجوع في كلٍّ منها إلى المحكم منها، لا المتشابه، ويجب الابتداء بالعقل؛ لأن إليه ترجع كلُّ الحجج، ولْيَكُنْ هو الأساس. والاسترشاد بالأدلَّة الواردة في القرآن الكريم في باب التوحيد؛ والسرُّ في ذلك، أن العقل مع كونه هو المبدأ في حركة الإرادة إلاّ إنه ليس بالعقل المحيط ولا المرتبط بالوحي، فيجب حتّى يأمن الخطأ ويسير في الجادة الصحيحة أن يرتبط بالوحي؛ وهو على نحوين؛ أحدهما: القرآن الكريم، والآخر هو: السنة النبوية والمعصومة.
وسوف يأتي مزيد بيان لهذه النقطة.
____________________
(1) العنكبوت 29: 49.
المبحث الثاني:
حُجِّـيَّة السنَّة
وكما تقدَّم في حجية الكتاب؛ ليس البحث في أصل حجية السنَّة، فإنه موكول إلى مباحث أخرى من علم الكلام وإلى علم الأصول، بل البحث في نكات جانبية لم يثرها الأصوليُّون:
أوَّلاً - أقسام الحديث:
ذكروا للحديث أقساماً متعدِّدة؛ منها: المتواتر، والمستفيض، والآحاد. وقسَّموا الأخير إلى أقسام؛ منها: الصحيح، والحسن، والموثَّق، والضعيف، والمعلَّّل...
وليس الغرض التعرُّض إلى هذه الأقسام، فهو موكول إلى علم الدراية؛ بل الإشارة إلى عدد من المطالب يجب ملاحظتها في العمل الروائي:
أ - ذكروا في تعريف المتواتر أنه: إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب. وقد قُسِّم المتواتر - كما نبَّه إليه المحقِّق الخراساني - إلى لفظي ومعنوي وإجمالي. وقد ذكروا أن تعدُّد الجماعة يجب أن يكون في كلِّ الطبقات وإن اختلفوا في تحديد العدد المطلوب (1) ، لكن الصحيح هو عدم التعبُّد بعدد معين، بل الضابطة هي امتناع التواطىء على الكذب.
____________________
(1) راجع: مقباس الهداية، ج1، 111.
وهذا يعني أن إنتاج المتواتر إنما يكون لضابطة رياضية وقلَّة احتمال الكذب، بل انعدامه في بعض الصور. وما دام إنتاج الخبر المتواتر للعلم عبر تلك الضابطة الرياضية، فإنَّنا نخلص إلى عدم اشتراط تساوي دائرة التواتر في كلِّ الطبقات، بل قد يكون في بعض الطبقات واسع الانتشار بينما ينحسر ذلك في دائرة أضيق في الطبقات الأخرى، فيقتصر على فئة معينة أو بأصحاب مسلك معين، وهذا لا يخدش في التواتر. والسرُّ في ذلك، أن احتمال الكذب كما يتأثر بالجانب الكمي كذلك يتأثَّر بالجانب الكيفي الذي يُعرف بتمييز طبقات الرواة وكيفية اختلاطهم، والوضع السياسي والاجتماعي لكلِّ طبقة.
ومن هنا نخلص إلى أن وجود تواتر بدائرة معينة في حديث ما في طبقة معينة وهي الأُولى، وانحسار تلك الدائرة من التواتر في الطبقات الأخرى، لا يمنع من اعتبار الخبر متواتراً، إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك الجهة الكيفية. فتحصَّـل: أن التواتر على درجات؛ فقد يكون واسع الانتشار بين الناس، وقد يختصُّ بطبقة دون أخرى، وبفئة معينة دون أخرى، لكن ذلك كلّه لا يخدش بالتواتر وتحقُّقه ضمن دوائر متعدِّدة تختلف سعة وضيقاً.
ويمكن تمثيل ذلك بعلم اللغة؛ من صرف ونحو وبلاغة... فإن التواتر بدائرته الوسيعة التي كان عليها في عموم مَن ينطق بالضاد في طبقات عديدة متأخرة، قد انقطع وانحصر وجود التواتر بالدائرة المزبورة بالطبقات الأولى. وأمّا وجود التواتر في الطبقات اللاَّحقة، فهو بدائرة أهل الاختصاص بالأدب اللغوي، وهم الحاملون لتراث اللغة عن الاندراس بكامل خصوصيَّاته جيلاً بعد جيل. وهذا لا يمنع من ثبوت اللغة وشواهدها بالتواتر، ولو ضمن طبقات أهل الاختصاص الأدبي. وكذا الحال في بقيَّة الاختصاصات والفنون. ومِن ثَمَّ قسَّموا الضرورات في العلوم وعلم المنطق إلى ضرورات عامة عند عموم الناس، وضرورات خاصة عند خصوص شرائح معينة، وهذا يدلُّ على عدم
اشتراط حصول التواتر بدائرة ثابتة في جميع الطبقات حتّى الآن، بل يكفي حصوله بأيِّ دائرة في البعض مع مراعاة ضابطة التواتر.
وبتعبير أخر، إذا حصلت ضابطة التواتر في طبقةٍ، فإن عدم حصوله بتلك الدائرة بعينها في طبقات أخرى لا يخدش في ذلك، ولا يمكن الاستدلال على عدم قطعية الحديث وبطلانه بعدم التواتر بدائرة ثابتة في بعض الطبقات وجهل كثير من الناس له، والأمثلة على ذلك متعدِّدة؛ فإن هناك دوائر من التواتر على نطاق البشرية جمعاء، وتواتر على نطاق المسلمين خاصة، وتواتر على نطاق الطائفة الإمامية... وهلمَّ جرَّا، مادامت شرائط التواتر منحفظة في الدوائر المختلفة، وإنْ كانت بين درجات الضرورة والتواتر المتعدِّدة اختلاف كبير. ولا يخفى أن جهة بحثنا هذا هو من زاوية النقل والصدور، لا من زاوية مضمون المنقول وتمامية موازينه.
ونتيجة لِمَا تقدَّم، لا وقع للتعجُّب من تواتر الخبر الواصل إلينا وإنْ ضُيِّـقت دائرة التواتر، وهذا ما نراه في بعض الأحاديث التي هي مواد خلاف بين المسلمين كحديث الغدير والثقلين؛ حيث نجد أن دائرة التواتر في الصدر الأوَّل واسعة، ثُم تنحسر هذه الدائرة في العصور المتأخر حتّى تكاد تقتصر في نطاق ضيِّق لدى المتخصِّصين في هذا الفن.
وأخيراً نشير إلى أن التواتر على درجات كما أن اليقين والجزم على درجات، واختلاف الدرجات لا يعني عدم التواتر.
ب - إن النقطة المهمَّة في التواتر هو التكرار الذي يحصل في روايات مختلفة، وهذا هو المحصِّل للتواتر اللفظي والمعنوي والإجمالي. ومن هنا تبرز أهمية الأخبار الضعيفة (غير الموضوعة أو المدلَّسة) حيث أنها تمثِّل المادة والمنبع الذي يحقِّق التواتر. فما يدَّعيه البعض من وجوب غربلة الأحاديث، وترك الضعيفة والاقتصار على
الأخبار المعتبَرة فقط، دعوى جهالة، وحديث لا أساس له من الموازين العلمية والصحة. ويمكن إبراز فوائد تلك الأخبار فيما يأتي:
1 - إن الأخبار الضعيفة تمثِّل مادة ومنبع المتواترات.
2 - إن الأخبار الضعيفة إذا كانت محفوفة بقرائن توجب الوثوق بالصدور تجعلها معتبرة يعتمد عليها.
3 - إن المطالع والمتتبِّع في تاريخ البشرية يلاحظ اعتماد الناس على الخبر الضعيف بلحاظ التواتر أو الاستفاضة، وهذا هو الذي يجعل الخبر موثوقاً بصدوره. وخير مثال على ذلك الإخبار عن الأمم والقرون الماضية؛ حيث أن مادتها الأولى أخبار لا ترقى إلى الصحاح، مع قبول الناس لها بلحاظ ما تفيده من الوثوق بصدورها؛ وتحليل ذلك يعود إلى ما يسمّى بعملية (حساب الاِحتمال) وتصاعده البالغ لذلك الحد من الوثوق طبقاً للقواعد الرياضية البرهانية.
4 - إن المباني في قبول الأخبار مختلفة ومتنوِّعة؛ فكم من خبر رفض الشهيد الثاني العمل به بينما صحَّحه المتأخرون، خصوصاً بعد بزوغ طريقة التحليل المشابه للتحليل التاريخي، والاستفادة من طبقات المحدِّثين التي ابتكرها السيِّد البروجردي والمحقِّق والأردبيلي صاحب جامع الرواة، وعليه لا يمكن اعتمادها ضابطة عامة لتضعيف الخبر، فالضابطة اجتهادية.
5 - إن الخبر الضعيف(الذي لا يُعلم وضعه أو تدليسه) يحرم ردُّه وإن لم يجب العمل به؛ إذ بين حرمة الردِّ والحجية فَرق، كما حُرّر في علم الحديث والأصول، ولم يخالف في هذا الحكم أحد. وتلك الغربلة تعني الرد.
6 - إن الخبر الضعيف إنْ لم يجب العمل على طبقه، فإنه يُفيد في مواطن عدَّة؛ من باب توليد طرح الاحتمال، فهو ليس بأقل - بل يفوق - استدلالاً منقول عن أحد الحكماء أو العلماء السابقين، فأيُّ ضرر فيها إن اُعتبرت إشارتها إلى احتمال من
الاحتمالات.
ج - إن الخبر الضعيف لا يساوي الخبر الموضوع أو المدلَّس، وهذه نكتة قلَّ الالتفات إليها، وهي إحدى الأسباب التي أدَّت إلى ترك الأخبار الضعيفة. فإننا نسلِّم أن الأخبار الموضوعة المدلَّسة يجب طرحها وإهمالها وتركها إذا عُلم وضعها وتدليسها؛ حيث اُتفق على أنه إذا ثبت كون حديث موضوعاً، حرمت روايته؛ لكونها إعانة على الإثم وإتيان للفرية في الدين. وأمَّا ما كان ضعيفُ السند غيرَ الموضوع، فلا بأس بروايته مطلقاً. نعم، العمل على طبق ما فيه يحتاج إلى جبر الضعف (1) ، وقد وضع العلماء(أعلى اللَّه مقامهم) طُرق وقرائن لكشف الحديث الضعيف الموضوع عن غيره؛ فمثلاً مجرَّد اتصاف الراوي بالكذب لا يعني وضع الخبر؛ فإن الكذوب قد يصدق، كما في وهب بن أبي وهب، كما إنا نلاحظ أن طائفة كبيرة قد وُصفت بالكذب لمجرد روايتها لأخبار المعارف.
فما ثبت وضعه وتدليسه من الأخبار الضعيفة، يجب ردُّها وتركها. أمَّا الأخبار الضعيفة كلها، فلا يجوز ردُّها؛ خصوصاً أن لدينا ضوابط سهلة يمكن بواسطتها تمييز الوضع والتدليس؛ كعرضها على المحكمات في الكتاب والسنَّة والعقل. وبالتالي لا يكون نقل الأحاديث الضعيفة تغريراً على المسلمين؛ حيث أن الخبر الضعيف مهما بلغ شأنه لا يمكن أن يحرف المسلمين عن جادة المحكمات في الحجج الثلاث. ومن هنا تساهل القوم في نقل الضعاف؛ لِمَا لها من فوائد جمّة في الحجية، ولا مجال لتوهُّم اتحادها مع أخبار الوضع والدس (2) .
د - إن المسألة المهمَّة التي يجب الالتفات إليها؛ هي: مسألة تجميع القرائن حتّى يوثق بصدور الرواية عن المعصوم؛ حيث من النادر أن تكون قرينة واحدة كافية
____________________
(1) مقباس الهداية، ج1، ص417. وقد ذكر أن الحديث الضعيف ينقسم إلى 15 قسماً.
(2) راجع: مقباس الهداية، ج1، 400.
لإثبات الصدور، بل تتجمَّع القرائن من هنا وهنالك. وهذا على غرار ما ذكرناه في بحث الرجال؛ من أن المشيخة، أو ورود الراوي في أحد الأصول المعتمدة، كلها قرائن، مع اجتماعها تفيد التوثيق، لا أن كلَّاً منهما بمفرده يفيد التوثيق. وهذا أيضاً على غرار ما ذُكر في بحث الإجماع؛ حيث ذكر الشيخ - تبعاً لصاحب المقابيس: أن قيمة الإجماع بكونه جزء الحجة تنضم إلى الحجج الأخرى، لا أنه حُجَّة مستقلة.
ومن القرائن التي تذكر في هذا الباب: الشهرة العملية والروائية، بل حتّى الفتوائية؛ وهي ممكنة الحصول في باب الاعتقادات من ملاحظة كتابي الاعتقادات و الأمالي للصدوق. والشهرة وإن نوقش في مدى جبرها للضعف، لكن على ما ذكرناه في المقام؛ تكون قرينة من القرائن، لا أنها قرينة مستقلة.
ومنها: أن يرد الخبر في بعض الكتب المعتبرة ككتب صفوان بن يحيى أو محمد بن الحسين بن أبي الخطَّاب الزيَّات، والحسن بن محبوب المعروفين بضبطهم.
ومنها: إنه يروي الخبر راوٍ هو على مذهب مخالف لِمَا يرويه من مضمون. وغيرها من قرائن توثيق الصدور المحرّرة في تلك المسألة.
هـ - نشير أخيراً إلى قسم من أقسام الحديث هو: المستفيض، وهو الخبر الذي يقرب من المتواتر ويرتفع عن الآحاد؛ حيث أن رواته لم يبلغوا حد التواتر، لكنَّه يكون مؤيَّداً ومدعوماً من جهة القرائن الداخلة والخارجة، فيصبح مستفيضاً. والخبر المستفيض، أو الموثوق الذي بدرجته، يصحُّ الاستناد إليه كما هو مقرَّر في علم الأصول، بل درجة حجيَّـته تفوق الخبر الصحيح.
ثانياً: أحوال الكتب الأربعة والمصادر الروائية:
وفي بحث الكتب توجد مسألتان يجب معالجتهما قبل الاستناد إلى أيِّ كتاب:
أوَّلاً : إثبات نسبة هذا الكتاب إلى المؤلف.
ثانياً : إثبات أن هذه النسخة الواصلة إلينا هي النسخة التي ألَّفها المؤلِّف، ولم تصل لها يد التحريف.
وعلم الدراية هو العلم المختصُّ بمعالجة هاتين المسألتين، لكنَّهم لم يذكروا سبيل العلاج على نحو مفهرس، لكنّا نستطيع - عملاً - اقتناص بعض النقاط لتوضيح منهجهم في العمل:
1 - الإلمام بكتب الفهارس؛ حيث أنها تختص بذكر كتب الطائفة وأسماء مؤلِّفيها.
2 - التعرُّف على سلسلة إسناد وطُرق صاحب الفهرست للكتاب أو صاحب المجاميع الروائية المتأخرة أو المتقدِّمة، فيُعرف أنه لم يذكره في فهرسته اعتماداً على الشياع ونحوها، بل بطريق مسلسل مسند.
3 - التعرُّف على مدى اشتهار الكتاب بين طبقات المحدِّثين والفقهاء، وذلك بملاحظة:
أ - سلسلة الإجازات المعروفة كإجازات العلاَّمة المجلسي، وإجازة العلاَّمة الحلِّي لابن زهرة، وكذلك إجازات صاحب الوسائل.
ب - متابعة كتب الاستدلال في الأحكام الفرعية بحسب القرون المتعاقبة؛ حيث يعلم منها مدى اشتهار الكتاب، وهذا يفيدنا فيما نحن فيه باعتبار ملاحظة روايات الاعتقاد المذكورة فيه.
4 - من خلال ملاحظة المجاميع الروائية في القرن التاسع والعاشر والحادي عشر، فإنه يُعلم منها أن لكلٍّ منها طريق خاص إلى الكتب الروائية الأم، مع افتراق
أصحاب ومؤلِّفي المجاميع بين الأمصار، ومنه يُعلم مدى اشتهار تلك الكتب الروائية وتوفُّرها بين المحدِّثين.
5 - مراجعة النسخ المختلفة، الخطية وغيرها، وعدم الاكتفاء بما هو مطبوع منها.
6 - ملاحظة الحواشي والتعاليق والملْكيَّـات الحاصلة على النسخ الخطية؛ حيث يتبيَّن من خلالها مدى معروفية النسخة وتوثيقها.
7 - يجب على المتتبِّع والباحث أن يلفِّق ويقارن بين الطُرق المختلفة ويستعين بكتب مختلفة من أجل أن يحرز صحة رواية أو صحة نسبة كتاب لمؤلِّفه؛ فمثلاً في العصور المختلفة إلى أصحاب المجاميع، يستعان بكتب: الذريعة، ورياض العلماء، وأعيان الشيعة، وطبقات الشيعة وغيرها، ومن أصحاب المجاميع كـ: الوسائل، والبحار، والوافي، وتفسير البرهان وغيرها، ويستعان بما يذكره المؤلف في مشيخته أو فهرسته أو كتبه الأخرى، وقد ترد طبقات مجهولة تقريباً، وهي ما بين أصحاب الكتب الأربعة وما بعدهم؛ لذا يجب أن يتم التتبُّع والمقارنة والتلفيق بين كتب مختلفة. مثال ذلك: رواية القطب الراوندي في باب ترجيح الروايات، رواها صاحب الوسائل في/ باب 9/ من أبواب صفات القاضي، ومشكلة هذه الرواية مع أهميَّتها أن صاحب الوسائل يرويها عن رسالة للقطب الراوندي في رسالة ألَّفها في أحوال أحاديث أصحابنا، ولم يرد ذكر هذه الرسالة في كلام مَن عدَّد وذكر مصنفات الراوندي، لا سيما تلميذه ابن شهر آشوب ومنتجب الدين، وقد توسَّل السيِّد الشهيد الصدر بطرق عدَّة للتصحيح هذه الرواية والتلفيق بين اسناد وطرق مختلفة (1) .
____________________
(1) انظر: تعارض الأدلة الشرعية، ص 349ـ 357.
ثالثاً: العلم الإجمالي بوجود الدس:
من المسائل المثارة في علم الحديث هو دعوى وجود علم إجمالي بحصول دسٍّ ووضع في الأحاديث والروايات، وقد ذكرها الشيخ الأنصاري في كتاب الرسائل في حجية خبر الواحد. ومن القرائن على دعوى حصول هذا الدس، ما ورد من روايات عن الأئمة بوجود كذَّابين؛ منها:
ـ ما رواه الكشِّي في ترجمة عبد اللَّه بن سبأ عن الصادق عليهالسلام : (إنَّا أهل بيت صدِّيقون، لا نخلو من كذَّاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلِّها وكان مسيلمة يكذب عليه) (1) .
ـ ما رواه في ترجمة المغيرة بن سعيد (2) عن الرضا عليهالسلام أنه قال: (إن أبا الخطَّاب كذب على أبي عبد اللَّه عليهالسلام . لعن اللَّه أبا الخطَّاب). وعن أبي عبد اللَّه عليهالسلام أنه قال: (كان المغيرة بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي، فيدفعونها إلى المغيرة لعنه اللَّه، فكان يدسُّ فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي، ثُم يدفعها إلى أصحابه ويأمرهم أن يبثُّوها في الشيعة. فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو، فذاك ما دسَّه المغيرة بن سعيد في كتبهم).
ـ وقد وصف الرضا عليهالسلام وهب بن أبي وهب البختري: (لقد كذب على اللَّه وملائكته ورسله).
وهذه القرائن وغيرها تكون محقِّقة لعلم إجمالي بوجود الدس والوضع والتزوير في الأخبار التي بين أيدينا، وهذا العلم الإجمالي هو الذي دعا البعض إلى
____________________
(1) رجال الكشِّي، ج1، ص324.
(2) المصدر، ج2، ص490.
ادعاء انسداد باب العلم بالأحكام عن طريق الأحاديث، لكن في قبال هذا العلم الإجمالي بالدس يوجد لدينا علم ويقين بما سعى إليه العلماء والمحدِّثون في إزالة هذا الدس، وهو يوجب زوال وانحلال العلم الأوَّل، وهذا العلم الثاني متولِّد من قرائن:
1 - ما ورد من عرض الكتب على الأئمَّة.
منها: ما رواه الكشِّي عن داود بن القاسم، أن أبا جعفر الجعفري قال: أدخلت كتاب يوم وليلة الذي ألَّفه يونس بن عبد الرحمن على أبي الحسن العسكري عليهالسلام فنظر فيه وتصفَّحه كلَّه، ثُم قال: (هذا ديني ودين أبائي، وهو الحقُّ كلُّه) (1) .
ومنها: ما رواه الكشِّي (2) في ترجمة الفضل بن شاذان، من أن أبا محمد عليهالسلام دخل عليه حامد بن محمد - الملقَّب بغورا - الذي بعثه الفضل بن شاذان، فلمّا أراد أن يخرج، سقط منه كتاب في حضنه، ملفوف برداء له، فتناوله عليهالسلام ونظر فيه، وكان الكتاب من تصنيف الفضل، وترحَّم عليه.
ومنها: ما ورد في عرض كتاب سليم بن قيس على السجاد عليهالسلام .
ومنها: عرض كتاب ظريف بن ناجح في الديات على ابي عبد اللَّهعليه السلام والرضاعليه السلام (3) .
ومنها: ما ذكره الحرُّ العاملي (4) حول عرض كتب يونس بن عبد الرحمن، وكتب بني فضال، والفضل بن شاذان، وعبيد اللَّه بن علي الحلبي على
____________________
(1) رجال الكشي، ج2، ص780.
(2) المصدر، ج2، ص820.
(3) الوسائل، باب 8 من أبواب صفات، ح 32.
(4) المصدر، باب 8 من أبواب صفات، ح 73ـ81.
الصادق عليهالسلام .
مضافاً إلى روايات كثيرة تثبت أن الأصحاب كانوا يعرضون كتبهم على الأئمة أو نوَّابهم، كالعرض على الحسين بن روح، ويصحِّحه الأئمة أو ينكرونه أو يقبلونه.
2 - إن أصحاب الكتب كانوا يدقِّقون في الكتب والروايات، ولا يودعونها إلاّ بعد أن يتيقَّنوا عدم الدس، كتشدُّد القميِّين في قبول الرواية وإخراجهم الضعاف أو مَن يروي عن الضعاف من قم، وكاستثنائهم لروايات كتب الحديث كالذي استثنوه من نوادر محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري وما نقل من تشدُّد محمد بن الحسن بن الوليد معروف. ومن يتصفَّح تراجم القميِّين يراه حافلاً بعملية تصفية وغربلة الأحاديث.
3 - ما ورد في ترجمة العديد من الرواة من أنه لا يروى ولا يرسل إلاّ عن ثقة كابن أبي عمير وغيره.
4 - اهتمام الأصحاب بكتب الفهارس والتي غرضها تصحيح السند إلى صاحب الكتاب. وقد بدأ تصنيف الفهارس من الحسن بن محبوب.
5 - ما ورد في طريقة رواتهم؛ حيث لا يعتمدون على التلقِّي فقط، بل يروون عمَّن سمع من الثقات. أمَّا مَن وُجد في الكتب فقط، فيتحرَّزون في الرواية عنه حتّى أن علي بن الحسن بن فضال لم يرو كتب أبيه الحسن عنه، مع مقابلتها عليه، وإنما يرويها عن أخويه أحمد ومحمد عن أبيه؛ واعتذر عن ذلك بأنه يوم مقابلة الحديث عن أبيه كان صغير السن ليس له كثير معرفة بالحديث.
وملاحظة ديدنهم في كتب الأمالي، وما ذكره الميرزا النوري من أن التهذيب وصل إليه وعليه توقيع تلامذة الشهيد الثاني، وأنهم قرأوه عليه، وكذا ما ذكره الفخر في الإيضاح عن التهذيب، يظهر مدى عناية المحدِّثين في النقل والرواية.
6 - ما هو منقول في كيفية تصنيف كتب الحديث، فالكليني قضى عشرين سنة
في التصنيف، وهذه الفترة إنما احتاج إليها لأنه كان يدقِّق في الحديث وينتقي من بين الأحاديث.
7 - ما ذكره أصحاب المصنَّفات كما في الفقيه وكامل الزيارات؛ من أنهم لا يكتبون من الأحاديث إلاّ ما يعتقدون حجيَّته بينهم وبين اللَّه، وأنهم رووه عن المشايخ الثقات و قرأوه عليهم من الكتب المعتبرة. مضافاً إلى أن خصوص القرائن المولّدة للعلم الإجمالي الأوّل هي بنفسها مذيَّلة بما يوجب انحلالها؛ فإن الأئمة عليهمالسلام كانوا على ترصّد ومراقبة لِمَا يدلّسه أولئك الكذَّبوان، وذكروا ضوابط لمعرفة الحديث المدلَّس والموضوع من أولئك؛ بحيث تمَّت عملية الغربلة في ذلك الحين مضافاً إلى ضوابط روايات العرض على الكتاب والسنة القطعية. فيتحصل: أن القرائن الكاشفة عن اهتمام الأصحاب بتنقيح الأخبار كثيرة جدا، ممّا يدعو إلى انحلال العلم الإجمالي الأول، و أن الأحاديث التي بين دفتي كتب المتأخرين صادرة عن المعصومين عليهمالسلام ، هذه بالإضافة إلى أن قرائن الدسِّ المزعومة - ممَّا هو حاصل في مسائل معروفة معينة - إنْ أدَّى إلى الانسداد، فإنه يسدّه في بابه، لا في كل الأبواب كما ذهب إليه البعض، فدائرة العلم الإجمالي الأوَّل ليست واسعة حتّى تشمل كل الروايات ويؤدِّي إلى القول بالانسداد في جميع أبواب الفقه.
المبحث الثالث:
حُجِّـيَّة العقل
وينقسم العقل إلى قسمين: نظري، وعملي.
1 - العقل النظري: هو القوَّة الموجودة في الإنسان المجرَّدة عن المادة والتي بواسطتها يحصل الإدراك، وهي تنطلق من رأس مال البديهيَّات والفطرة، وهو معصوم فيها، ومنها ينطلق إلى النظريات والتي لا يكون معصوما فيها. وتجدر الإشارة إنه في بديهيَّاته لا يكون خالقاً لها، وإنما تصل إليه عن طريق اتصاله بالعوالم العالية عن طريق الإلهام الفطري أو الإيحاء.
ـ والحقائق التي يقوم على إثباتها العقل النظري غير متناهية، بل متطوِّرة؛ فبعض الحقائق عجز عن إثباتها بالبرهان الفلاسفة المتقدِّمون كابن سينا، بينما أثبتها المتأخرون، نظير: المعاد الجسماني؛ فقد عجز عن ذلك ابن سينا، بينما أثبتها صدر المتألِّهين مسترشداً بالدليل النقلي. وكذلك مسألة الرجعة، فقد أثبتها من المتأخرين بالبرهان أبو الحسن الرفيعي (1) ، فعدم إقامة السابقين الدليل العقلي على مسألة لا يعني عدم إمكان المتأخرين على ذلك، فليس مَن سبق كمَّلَ العقول حتّى يمتنع على المتأخرين إقامة البرهان، بل العقول في سير تكاملي؛ إذ الفحص والاسترشاد بالوحي يفتح أبواباً واسعة من العلوم والمعارف العقلية.
____________________
(1) مجموعة رسائل و مقالات فلسفي[ بالفارسية]، للحكيم المحقق العلاّمة الرفيعي، ط انتشارات الزهراء، طهران.
ـ ما ثبت بالقطع من الوحي المحمدي يعتبره فلاسفة العهد الإسلامي وسطاً برهانيا؛ وذلك لأن الشريعة الحقَّة ثبتت بالبرهان، وكذلك ثبتت القدرة الغيبية بالبرهان، ومع ذلك لا يختلط علم الكلام بالفلسفة؛ لأن الأوَّل يعتمد التعبُّد الظنِّي أيضا.
ـ إن كثيراً من روايات المعارف ذُكر فيها الاستدلال العقلي، فالعمل بها لا يكون من باب التعبُّد بالنقل، بل يكون عقلياً وبرهانياً أيضاً.
2 - العقل العملي؛ عرّفوه بأنه: القوَّة المدرِكة للقضايا التي ينبغي أن يقع العمل عليها.
ومنذ القدم بزغ الخلاف؛ في أن العقل العملي والنظري قوَّتان مختلفتان أم أنهما قوَّة واحدة والاختلاف بينهما من حيث المدرَكات؟ والصحيح أنهما قوَّتان مختلفتان، وقد ذُكر لذلك أدلة متعدِّدة، نذكر منها دليلان:
1 - ويتكوَّن من مقدِّمتين:
الأولى: ما قرَّره الفلاسفة في علم النفس من أن التعرُّف على قوى النفس إنما يتمُّ باختلاف أثارها؛ فكلُّ أثر يكون ويتمُّ عن درجة معينة من درجات النفس.
والثانية: أن الفلاسفة قرَّروا في الحكمة العملية أن كمال الإنسان يكون عندما تنصاع قواه السفلية إلى القوة العقلية؛ أي أن القوة العقلية تُدير القوَّة الوهمية والحسية والشهوية والغضبية، بمعنى أن القوة العقلية تقوم بالتأثير في هذه القوى والهيمنة عليها، وهذا يعني أن القوة العاقلة لها عملان: إدراك، وتأثير، وهو عمل من غير سنخ الإدراك، فهذا يدل - بضميمة المقدمة الأولى - على أنه توجد قوَّتان عقليَّـتان: نظرية وظيفتها الإدراك، وعملية وظيفتها العمل والتأثير.
2 - إن آخر التحقيقات لدى صدر المتألِّهين أدَّت إلى القول بأن التصور
والتصديق هما قسما العلم، وكلاهما يعرَّفان بحصول الصورة لدى العقل، والفَرق بينهما أن التصور لا يوجب الإذعان والحكم، بينما التصديق يوجب حصول الإذعان والحكم؛ ولذا فالحكم خارج عن التصديق وليس هو جزء القضية، وإنما هو فعل تقوم به النفس، فبعد تصور الموضوع والمحمول والنسبة، تصل إلى الحكم، وهو الدمج بين الموضوع والمحمول، وهذه وظيفة العقل العملي الذي يقوم بالحكم والإذعان بما أدركه وتصوَّره العقل النظري، وهذا فعل غير الإدراك، تقوم به قوة غير القوة التي وظيفتها الإدراك.
ومن هنا نقول: إن العقل له أمر ونهي تكويني؛ أي بعث وزجر للقوى الأخرى الكُلِّية.
* بناء على هذا التفكيك بين القوتين تتَّضح لنا حقيقة العقل النظري؛ فهو يدرك نمطين من القضايا، أحدهما: لا يرتبط بالعمل كالقول بان الوجود المادي متناهي، والأخرى: ترتبط بالعمل، وهذا القسم من الإدراكات يتناوله العقل العملي بعدئذ ويؤثِّر على القوى المادُون لتنصاع إليها، فهو الرابط بين العقل النظري والقوى السفلية، وكمال العقل العملي هو الانصياع إلى إدراكات العقل النظري الصادقة.
* بالبيان السابق اتضحت النقاط التي كنا أثرناها في مقدِّمة الفصل الأوَّل؛ من أن معنى الإيمان والتسليم هو الإذعان، وهو وظيفة العقل العملي، وأنه ليس إدراكاً صرفا، فهناك ثلاث مراحل: فحص، و إدراك، وإذعان وإيمان.
* قال العرفاء: إن الإنسان في حالة صعود وهبوط دائمين. ومقصودهم من ذلك: أن الإنسان في حركاته اليومية وطريقة تفكيره ينتقل في درجات وجودية مختلفة أدناها هي المتصلة بعالم المادة وأعلاها هي المجرَّدة تجرُّداً تامَّا، فيبدأ من الدرجات الحسية، وهي المجردة عن المادة - دون أحكام المادة - إلى الخيال، وهي مجردة عن المادة - لا عن المقدار - ولا ترتبط بالجزئي الحقيقي كالحسي، إلى الوهم،
وهو إدراك المعاني الخالية عن المقدار كالحب والبغض، وهي مع تجرُّدها عن المادة وأحكامها إلاّ أنها متعلِّقة ومضافة إلى جزئي معين؛ إلى العقل ذي التجرُّد التامِّ عن المادة وأحكامه، وهذه كلها درجات وجودية في الإنسان.
والإنسان المهذَّب والكامل في صَلاته يتوجَّه بقلبه إلى ما فوق عالم العقل؛ حيث الصقع الربوبي والرؤية القلبية، وإلى هذا نمط من الإدراك، لكنَّه ليس بالقوة العاقلة، ويطلق عليه: الإدراك القلبي؛ وهو ذو درجات أربع: سر، وخفي، وأخفى، وهي ليست من سنخ الإدراكات الحصولية، بل إدراكات حضورية، وهذا استدراك لتوضيح درجات الإنسان الوجودية ومعرفة النفس البشرية، وسوف يأتي مزيد بيان للعلاقة والارتباط بين هذه المراتب.
* من النقاط السابقة يتَّضح لنا تعريفاً آخر للعقل العملي؛ وذلك لأننا قلنا: إن مهمته الأساسية هي الإذعان والحكم، وهذا قد يكون بقضايا ترتبط بالعمل، وحينئذٍ يترتَّب على الحكم والإذعان بها تأثُّر القوى السفلية، وقد يكون بالحكم والإذعان بقضايا لا ترتبط بالعمل كحدوث العالم وعدم تناهيه.
التنبيه الأوَّل:
الحسن والقبح العقليَّان
هذه المسألة من أمهات مسائل علم الفلسفة وعلم الكلام والتي جرى البحث عنها منذ القدم في بداية عهد الفلسفة الإسلامية وقبلها الفلسفات الهندية الفهلوية واليونانية. وقد ذهب الأشاعرة إلى كونهما اعتباريين بجعل العقلاء، وأيَّدهم في ذلك بعض الإمامية وذهب كثير منهم إلى القول بعقليَّـتهما وتكوينيَّـتهما. ويبتني على هذه المسألة ثمرات عدَّة؛ إذ أن أغلب البراهين تعود إلى حسن العدل وقبح الظلم، فإذا كان الحسن والقبح اعتباريين، فإن الاستدلالات سوف تكون خطابية لا برهانية. وتظهر خطورة المسألة أكثر حيث يذهب كثير من المتأخرين إلى اعتبارها من المشهورات التي لا واقع لها وراء تطابق آراء العقلاء، وينتج عن ذلك اختلال البنية التحتية للشريعة؛ وذلك لأن المتكلمين يقولون: إن الأحكام الشرعية ألطاف في الأحكام العقلية؛ أي أن العقل لو علم بمِلاكات الأحكام الشرعية، لحكم بها، فهي موضوعات لطف في الكمال يحكم بها العقل لو اطلع عليها. فإذا كانت البنية التحتية للشريعة هي الأحكام العقلية، وهي مسألة الحسن والقبح، وهي مسألة اعتبارية بيد المعتبر وتتَّبع نظره، فينتج من ذلك تغيير الأحكام تبَعاً لتغيير الأفكار، وهو ما يُعرف حديثا بنظرية: تغيُّر المعرفة الدينية أو بسط وقبض الشريعة، فلا
تتَّصف الشريعة حينئذ بالثبات، ولكن بحمد للَّه ومنّه هذا الإشكال وغيره مدفوع حتّى على القول باعتبارية الحسن والقبح كما سوف يأتي بيانه.
من الناحية التاريخية المسألة مرَّت بمراحل متعدِّدة:
1 - إن الفلاسفة القدمى قبل الإسلام، سواء في الهندية أم البهلوية أم الحرانية أم اليونانية، كلُّهم قائلون بعقلية المسألة، وممَّن أشار إلى عقليَّـتهما من المسلمين الفارابي في كتابه المنطقيات.
2 - إن ابن سينا الذي قام بمهمة ترجمة كتب القدماء عدل عن هذا الرأي ولم يبيِّن عدوله ولم يشر إليه، وهكذا أثَّر في مَن أتى مِن بعده؛ حيث تعاملوا مع كتبه على أنها ترجمة أمينة لكتب القوم. وقد تأثَّر هو في ذلك بما ذكره أبو الحسن الأشعري في التفكيك بين معاني الحسن والقبح.
وابن سينا تتضارب كلماته، فهو في منطق الشفاء والإشارات يمثِّل للمشهورات بالحسن والقبح؛ وهي الآراء المحمودة التي تطابقت عليها آراء العقلاء، وفي مقام أخر في النمط الثالث من الإشارات يقول: (إن أحكام العقل العملي تستعين بالنظري وقضاياه، إما أوَّليَّات أو مشهورات)، وكذلك عبارات أخرى كما في إلهيات الشفاء في مسألة استجابة الدعاء يذكر فيها: أن قضايا الحسن والقبح قضايا حقَّة يمكن إقامة البرهان عليها.
3 - بعض المتأخرين كالمحقق اللاّهيجي في كتابة (گوهر مراد)، والسبزواري في (شرح الأسماء الحسنى)، ذهب إلى أنها تكوينية ولا ينافي كونها مشهورة من جهة أخرى.
4 - المحقَّق الأصفهاني ومَن بعده ذهب إلى أنها اعتبارية مطلقاً ولا يمكن إقامة البرهان عليها، وهذا هو المذهب السائد إلى الآن.
من خلال هذا السبر التاريخي نلاحظ كيف تحوَّلت هذه القضية من عقلية تكوينية إلى اعتبارية جعْلية.
أمَّا الأسباب التي دعت ابن سينا إلى القول بالاعتبارية:
1 - المغالطة التي ذكرها أبو الحسن الأشعري بالتفكيك بين معاني الحسن والقبح وجعل بعض المعاني تكوينية، أمّا معنى المدح والذم، فليس كذلك؛ وذلك لأنه لو كان بديهيا لأذعن به الجميع، فمن ثَمّ أدرجه في المشهورات. ولم يكن هو أول من ذكر هذه المغالطة، بل أن السوفسطائيين اليونانيين معاصرو سقراط قالوا بهذه المقالة وردهم سقراط في مؤلَّفاته.
2 - تعريفه للعقل العملي؛ حيث إنه قد عرَّفه بتعريف هو عين العقل النظري والاختلاف بينهما في المُدرَك، وأن العقل، مطلقاً، شأنه الإدراك، وليس من شأنه التأثير والانفعال، فكيف يمكن تصوّر أنَّ العقل له تدخُّل في أعمال الأفعال النفسانية! بل العمليات ليست إلاّ تأديبات وعادات، وهذا المبنى على خلاف مبنى الفلاسفة المتقدِّمين كالفاربي وتقسيمهم الحكمة إلى نظرية وعملية.
3 - غضَّ ابن سينا النظر عن أحد قسمي البرهان الذين ذكرهما أرسطو، وهو البرهان العياني أو الشهودي، ويمتاز هذا البرهان بأنه يقام على إثبات الجزئيات الحقيقية، واكتفى بالقسم الأول المعروف في باب البرهان، وهو مختص بالكليَّات؛ لذا يشترط فيه الأبدية وعدم التغيير.
ولا بأس بذكر نبذة عن هذا البرهان:
هناك قوة في الإنسان تسمَّى: قوَّة الفطنة، وهذه قوة تُرَوِّي أعمال الإنسان وتُراعي صدور الإرادة على طبق الحكمة، فهي قوة تكون محيطة بأحوال الأمور الواقعية الجزئية فتوجب انطباق الكليات على الجزئيات والوصول إلى الكمال المنشود.
توضيح ذلك:
أن إدراك القضايا، حتّى العملية، لا يكفي للوصول إلى الكمال، وإنما هذا هو كمال لقوة خاصة وهي العقل النظري، وكمال العقل العملي والقوى السفلى يكون بالانصياع إلى القوة العملية، ولكن هذا وحده لا يكفي، بل يجب أن تكون هناك آلة وأداة تميِّز حال الجزئيات الحقيقية، لا سيما في الأمور الاجتماعية. وعدم إدراك الواقع الجزئي على ما هو عليه يؤثِّر في عدم الوصول للكمال المنشود؛ لأن تنزُّل القضايا الكلية إلى الجزئية لا يتمُّ إلاّ بأداة قادرة على استكشاف حال الجزئي على ما هو عليه وتطبيق الكلي عليه، فيكون تسلسل الادراكات بالنحو التالي:
* - مرحلة إدراك الكمال في الأعمال والبرهان عليها، وهذا يقوم به العقل النظري.
* - ثُم مرحلة الإذعان في العقل العملي والتأثير على القوى السفلى.
* - ثُم مرحلة تشخيص الأمور الجزئية بالدقة وتطبيق تلك الكليات عليها.
وشبيه هذا التسديد عند التنزُّل من الأعلى إلى الأسفل قوله تعالى: ( بِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبالْحَقِّ نَزَلَ ) فهو إشارة إلى السداد والعصمة في مراحل التنزيل؛ حيث كونه حقَّاً لوحده لا يكفي، بل يجب أن يكون السداد في النزول، وفي النفس الإنسانية الإدراك والإذعان وحده غير كافٍ، بل يجب أن يحصل التسديد في التنفيذ على الأمور الخارجية الجزئية، وهذا لا يكون إلاّ بقوة الفطنة، وهي قوة فوق القوى المادون (الغضبية والعمّالة والشهوية)، فهي تستخدم هذه القوى للوصول إلى الجزئي الحقيقي المندرج تحت الأجناس العالية، فتصدر بعد ذلك أوامرها في عالم النفس لتولِّد الشوق والإرادة وصدور الفعل بعد ذلك.
وقوة الفطنة هي التي تقوم بالبرهان العياني الذي يحتاجه الإنسان في تطبيق الكليات على الجزئيات، والكمال في الواقعة الجزئية مبتنٍ على هذا البرهان.
فتلخص الفارق بين البرهان العياني والبرهان النظري:
1 - إن البرهان النظري هو مختص بالكليات، والعياني للجزئيات.
2 - إن النظري يتوسَّط العقل النظري والعملي، أمّا العياني، فيتوسَّط العقل النظري والعملي والفطنة.
أمَّا كيف أدَّت الغفلة عن هذا القسم من البرهان إلى إنكار الحسن والقبح العقلي، فبيانه:
إنه لو أذعنَّا بلزوم كون الأعمال برهانية، فلا بدَّ من القول بارتكاز الجزئيات على أنها قضايا برهانية، والذي يمكنه البرهنة على أن الجزيئات حسنة وحكيمة إمّا الحسن والقبح وإمّا التشريع؛ أي أنّ إدراك حسن وكمال الأفعال الجزئية يكون بأحد هذين، والأحكام الشرعية ألطاف في الأحكام العقلية.
وبتعبير أخر: أن البرهان العياني يبرهن على أن العمل الجزئي على وفق الحكمة والكمال، ولا يمكن البرهنة على كل واقعة جزئية إلاّ بتوسط استناد البرهان إلى قضايا يقينية، لا قضايا مشهورة لا أساس لها إلاّ الاعتبار، فحينئذ يحصل الالتفات إلى أن قضايا العقل العملي والحسن والقبح تكوينية لا مشهورة.
ـ وحينئذٍ نقول: إن التوحيد النظري وحده - من دون تنزُّله إلى توحيد عملي - هو توحيد أجوف، ولا يحصل هذا التنزُّل من التوحيد النظري إلى التوحيد في الطاعة إلاّ بالبرهان العياني وقوة الفطنة.
ومن هنا أن التوحيد والاعتقاد بالنبوة من دون الولاية لا يُقبل: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) وسيأتي بسط الكلام فيه.
فهذه الأمور الثلاثة هي التي سبَّبت الخلط الحاصل لدى ابن سينا، وعليه ابتنى اشتباه المتأخرين.
بعد اتضاح هذا الخلط التاريخي في مسألة القبح والحسن، نعرض للأدلة التي أُقيمت على اعتباريَّتهما ومناقشتها، ثُم نعرض إلى الأدلة التي ذكرها صدر
المتألهين.
أدلَّة اعتبارية الحسن والقبح:
1 - اختلاف العقلاء في تحسين بعض الأمور وتقبيحها باختلاف الأزمنة والأمكنة، فهذا يعني عدم وجود واقع تكويني ثابت؛ بحيث يبقى الشيء حسناً دائماً أو قبيحاً دائما.
2 - نفس وقوع التشاجر بين العلماء حول اعتباريتهما أو عقليَّتهما.
3 - يذكرون في إثبات النفس: أن الإنسان لو خلق من دون أعضاء أصلا، فإنه سوف يدرك ذاته، وهذا يدل على مغايرة الذات للبدن، وهكذا فيما نحن فيه، فلو خُلق الإنسان وحيداً في هذا العالم ولم يؤدَّب على العادات الحسنة ولم يلاقِ أيَّ إنسان آخر، فإنه سوف لن يحكم بحسن العدل وقبح الظلم، فهذا يدل على أنهما ليسا تكوينين، بل هما أمران جعليَّان.
4 - إن العقلاء إنما يحكمون بهذا الحكم من أجل مصلحة اجتماعهم ونظامهم، فلو انعدم الاجتماع والنظام، لَمَا حكم العقلاء بذلك وبعبارة أخرى: أنّ هذه الأحكام للوصول لإغراض أخرى بواسطة هذا الاعتبار.
5 - ما ذكره المحقِّق الأصفهاني: أن الفعل المقتضي للمدح والذم على أحد نحوين، إمّا بنحو اقتضاء السبب لمسبَّبه والمقتضي لمقتضاه، وإمّا بنحو اقتضاء الغاية لذي الغاية.
أما السببية والمسبَّبية، فهي تكوينية، لكنَّها ليست ناشئة عن النزعة العقلية وقوى الإنسان العقلية؛ بل هي ناشئة بدواع حيوانية كالانتقام والتشفِّي والغيظ. أما الغاية وذي الغاية، فإنها إذا ثبتت، فهي تعني وتدل على الاعتبارية؛ لأن الغاية لهيئة الاجتماع الاعتبارية، والمدح والذم،موجب لِمَا فيه صلاح العامة، فهو اعتباري محض.
6 - ما ذكره ابن سينا والأصفهاني: أن الحسن والقبح لو كانا عقليين تكوينيين، لَمَا خرجا عن إحدى البديهيات الست وهما ليسا بواحدة منها، فيبطل كونها من البديهيَّات.
7 - إن المدح والذم يعدُّه العقلاء من الإنشائيات، والإنشاء من سنخ الاعتباريات.
8 - ما ذكره الشهيد الصدر: أن تعريف العدل هو إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه، والظلم هو منع الحق، والحق أمر اعتباري قانوني، فكذلك العدل والظلم. ومن هذا القبيل ما ذكره العلامة الطباطبائي من عروض الحسن والقبح على الأمور الاعتبارية كالتوقير والاحترام.
و هذه الأدلة كلها مردودة. و قبل أن نستعرضها نتعرض لِمَا ذكره الأشعري بالتفكيك بين معاني الحسن والقبح، و هو كما ذكرنا أحد الأسباب التي أدَّت إلى مغالطة ابن سينا.
* إننا يجب أن نلاحظ الحد الماهوي للمدح و الذم؛ فالمدح هو القضية المتكفِّلة لحمل كمال معين على موضوع معين، والذم بخلافه. وعليه يُعلم أنه يجب أن يكون الممدوح آتٍ بكمالٍ، فيكون المدح هو التوصيف بالكمال، والذم هو التوصيف بالنقص، ولا يمكن أن يُمدح بغير كمال أو يذم بغير نقص؛ فيجب أن يكون هناك واقع يطابقه المدح والذم.
وبتعبير أخر: إن وظيفة المدح هو الحكاية الحقيقية عن الكمال، أي المحمول الذهني الحاكي عن الكمال الحقيقي الخارجي، والذم كذلك، فالارتباط بينهما هو الارتباط بين الحاكي والمحكي عنهما، وهما متَّحدان هويةً ومختلفان وجودا، فالكمال الحقيقي وجود خارجي، والمدح وجود ذهني. وحكاية وجود عن وجود أمر متسالم عليه، وأكمل صورة هو حكاية
الموجودات عن وجود الخالق؛ إذ أنها آيات عظمته وقدرته، وكلَّما كان الوجود أكمل، فحكايته عن الوجود الإلهي أعظم وأتم. وقد قال عليهالسلام : (ما للَّه آية أكبر منّي) باعتبار أن الكمالات التي وصل إليها عليهالسلام ( بغير وجوده البدني) حاكية عن وجود الحق أكثر من حكاية السماوات والأرضين. فالوجود الخارجي يكون حاكياً عن وجود خارجي آخر أكمل وأتم من الأول. فالحكاية ليست مقتصرة على الوجود الذهني، بل إن الأفعال القبيحة الصادرة من الفاعل البشري المختار حاكية عن الهيئات الرديئة في النفس.
* ثُم إنه لا مضايقة في أن يخلق الإنسان وجودات اعتبارية للأمور الخارجية العينية؛ وذلك لغرض الاحتياج إلى هذا الاعتبار من أجل الاجتماع والتفاهم، وهذا الوجود الاعتباري لا يلغي الوجود التكويني الخارجي العيني، ومثاله الواضح: الوجود اللفظي والوجود الكتبي، فهما وجوادن اعتباريان دعت إليهما الحاجة، وهذان الوجودان الاعتباريان يكونان حاكيين عن الوجود العيني الخارجي. وقد تدعو الحاجة إلى اعتبار وجودات أخرى حاكية عن الوجود الغيبي.
وهكذا نستطيع ملاحظة الهجاء الوارد في القرآن، فهو وإن كان إنشائياً، لكنَّه حاكٍ عن أمور تكوينية وواقع خارجي، وإنما أظهره القرآن بإنشاء الهجاء؛ لإعلام الآخرين بما حصل في الأقوام الآخرين.
* ثُم إن الشجار في الأمر البديهي لا يؤدِّي إلى عدم البداهة؛ نوضح ذلك من خلال علم المنطق: إنه قد تعتري الإنسان أسباب تؤدِّي إلى إنكار البديهة كالمغالطة والشبهة في قبال البديهة، وهذا الإنكار لا يؤدِّي إلى إنكار بديهية القضية.
وقد يكون الإنكار في بعض الأحيان نتيجة حالة مرضية تصيب القوة العاقلة؛ حيث لا ينصاع العقل العملي لمدرَكات العقل النظري، فيصاب بحالة التشكيك الدائم كما وقع للرازي. فهذا كلُّه لا يؤدِّي إلى عدم بداهة القضية.
هذا كلُّه جواب إجمالي عن أدلة اعتبارية الحسن والقبح، أمَّا الجواب التفصيلي:
1 - إن اختلاف العقلاء في التحسين والتقبيح حسب اختلاف الأزمنة والأمكنة إما أن يكون ناشئاً من اختلاف التشخيص؛ أي عدم إصابة الكمال الواقعي والنقص الواقعي، وذلك لاختلاف الافهام والعقول، وإما أن يكون ناشئاً من اختلاف الظروف البيئية المختلفة كالاختلاف بين الأماكن الباردة والحارة، فإنه في الأولى يقبح لبس الملابس الخفيفة بخلاف الثانية.
2 - أمّا وقوع التشاجر والخلاف بين العلماء، فيُعلم جوابه مما مر.
3 - أمّا ما ذكروه من أن الإنسان لو خُلق وحيداً أو لم يؤدب، لَمَا حَكم بحسن أو قبح، فإن هذا كالمصادرة على المطلوب، بل إن العقل يحكم بحسن العدل وقبح الظلم ولو لم يكن هناك اجتماع أو لم يؤدب، فإن الظلم - كما سوف نبيِّن - هو ممانعة شخص لكمال آخر، فلو عرِف العقل بذلك التعريف وفكّر به، فإنه سوف يحكم لا محالة بقبحه.
وابن سينا نفسه وقع في التناقض؛ حيث قال في إلهيات الشفاء في مسألة استحابة الدعاء والتضرُّع والتوسُّل: إن أكثر ما في أيدي الناس من الحسن والقبح حقٌّ يقام عليه البرهان.
4 - أمّا ما ذكره المحقق الأصفهاني؛ من أن سببية الفعل للمدح والذم تكون من مناشئ حيوانية، فهو غير تام؛ وذلك لأن للعقل ملائمات ومنافرات، وبالتالي يمكن أن يكون المنشأ هو داعٍ عقلي محض، ويكون العقل سبباً للمدح والذم، وهذا واضح في الكُمّلين من البشر، حيث نلاحظ أن انفعالاتهم ومدحهم وذمهم ليس ناشئاً من دواع حيوانية؛ وذلك لأن قواهم كلّها منصاعة تماماً للقوى العقلية، فتكون كل تصرفاتهم منبعثة عن العقل، فعندما يذمُّون ظالماً - مثلاً - لا يكون الذم بداعي
الغريزة الحيوانية. ويمكن أن يكون تعبير القرآن عن موسى: ( وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ ) إشارة إلى
ذلك؛ إذ أن النطق والسكوت من خصائص الإنسان، بخلاف الحركة والسكون العامة لمطلق الحيوان، فقد استخدم تعبير السكوت للدلالة على أن غضبه لم يكن ناشئاً من القوى الحيوانية، بل من القوى العاقلة؛ وسرُّه هو ما ذكرناه.
وهذا التحليل هو الذي يفسِّر لنا كيف أن الإنسان الكامل يكون رضاه رضا اللَّه وغضبه غضب اللَّه؛ لأن قواه كلها منصاعة لقواه العقلية التي هي معصومة في ما تتلقَّاه من مدرَكات عن العوالم العلْوية من مشيئة اللَّه.
ومن الجهة الأخرى؛ أي عندما نُخبَر بأن رضا اللَّه في رضا فاطمة (إن اللَّه يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها) فإن هذا يعني عصمتها؛ لأن هذا يعني سلامة النفس والانقياد إلى القوة العاقلة التي هي في اختيار مشيئة اللَّه، والتعبير المزبور إنما يُطلق ويصدق عندما يكون العبد تمام مظهر الطاعة والتبعية لربِّه.
5 - أمّا إشكال الشهيد الصدر، فجوابه بمخالفته لتعريف الظلم والعدل، فإن التعريف الصحيح للعدل هو: وصول كل موجود إلى كماله المطلوب من دون إعاقة وممانعة موجود آخر. والظلم هو: ممانعة موجود من وصول موجود آخر لكماله. فالعدالة الاجتماعية - مثلاً - هي: وصول كل أفراد المجتمع في حسن نظام المجتمع إلى كمالاته الممكنة من دون إعاقة الأفراد الآخرين، أما عندما تصل طبقة لكمالها على حساب طبقة أخرى، فإنه يكون من الظلم الاجتماعي. والتشريع إنما يكون عادلاً؛ لأنه يكون كاشفاً عن الكمالات المخبوءة في الأفعال والتي بها يصل الإنسان لكمالاته.
فالعدل كمال والظلم نقص، فيكون توصيف العدل والظلم بالحسن والقبح تكوينياً لا اعتباريا.
أما الاحترام والتعظيم، فنفس الاحترام والتعظيم ليس بشيء، بل المهم هو الداعي للاحترام والداعي للتعظيم؛ لِمَا فيه من ترويض النفس، وهو في الواقع تقديس واحترام للكمال المخبوء في ذلك الشخص، فالتقديس ليس للبدن، بل للصفات العالية، ومن هنا نقول: إن التقديس إذا كان للحقائق والكمالات، فهو دعوة نحوهما وسير حثيث اتجاههما.
وبهذا يختلف عن تقديس الأباطيل والخرافات، فهذه قدسية باطلة. وبتعبير آخر، يمكن القول: إن القدسية والتقديس هو خضوع قوى الإنسان السفلى إلى قواه العقلية العملية، فإذا كانت تلك القوى العملية مصابة بحالة مرضية وتنصاع للأباطيل، فتكون قدسية مذمومة. أمّا لو كانت القوة العملية منصاعة للكمالات العالية والتي بها تكبح جماح القوى المادون، فإنها قدسية محمودة.
6 - أمّا ما ذكر من أن المدح والذم من الإنشائيات، فقد ذكرنا أن الإنشاء لا يصدر إلاّ من داعي، وهذا الداعي أمر تكويني؛ فالهجاء هو إظهار للنقص التكويني، والمدح إبراز للكمال الخارجي الحقيقي، والبلاغيُّون قد أذعنوا بأن أقسام الإنشاء هي عناوين لماهيَّات الدواعي.
فتبيَّن من كل ما سبق: أن الحسن والقبح أمران تكوينيان واقعيان، وليسا اعتباريين كما ذهب إليه جلّ المتأخرين.
أدلَّة واقعية الحسن والقبح:
ونلفت أخيراً إلى براهين أقامها صدر المتألهين تثبت تكوينية الحسن والقبح؛ ذكرها بعد أن كان قد أنكر واقعيتهما عندما تعرض لهما ابتداءً، وهذا يلفت إلى الخلط والتردد الحاصل لدى مَن أتى بعد ابن سينا، بسبب الاضطراب الحاصل في كلماته.
والبراهين التي ذكرها للدلالة على واقعية الحسن والقبح ثلاثة:
1 - العناية الإلهية:
أي أن للحق تعالى عناية بخلقه. والقاعدة الفلسفية المثبَتة هنا هي: أن علمه بالنظام الأتم والأكمل ورضاه به لهذا النظام. توضيح ذلك:
أن الباري يكون على أكمل وأشرف وأعلى ما يمكن أن يكون في مقام ذاته، فالصادر من الحق يكون كذلك؛ حيث أن آيات ومخلوقات اللَّه تدل على صفة الكمال في الباري، والنظام الذاتي يكون علة للنظام الخلقي، وإفاضة الكمال على ما دون هو من العناية.
وهكذا يستفيد الملا صدرا أنّ علم الباري هو منشأ إفاضة الكمالات للمخلوقات، وصفة العناية هذه هي التي تفيض ما يعرف بالنظام الأحسن والأكمل، حيث يكون كل عالم من العوالم بنحو يؤدي إلى تحقيق الكمالات الوجودية بنحو أكثر وأرفع، فعناية الحق توصل تلك الموجودات الفاعلة بالإرادة إلى أكمل ما يمكن أن تكون عليه، ومن هنا يستدل على ضرورة التشريع والتقنين الإلهي؛ حيث إنه يرشد الفاعل الإرادي إلى طريق هذا الكمال.
ومؤدّى هذه القاعدة (العناية) يمكن أن يستبدل بقاعدة اللطف المعروفة إلاّ أن الأولى الحاكم بها هو العقل النظري، والثانية الحاكم بها هو العقل العملي.
ونعود فنقول: إن الأفعال يجب أن تؤدي إلى الكمال المطلوب، وهذا يقتضي أن يكون لهذه الأفعال في الواقع كمال مُعين (العلم تابع للمعلوم الذاتي) وهو النظام الكمالي الذاتي، فالعلم (فعله الصادر) يتحدَّد طبقاً للكمال الذي في المعلوم، وهذا يعني أن في الأفعال الإرادية، في حد نفسها، كمال ونقص، وأن الخير والشر نابع من واقع الفعل الإرادي، وأن الحكم التشريعي الإلهي على طبق ما في الأفعال من خير وشر، فهو كاشف عمّا هي عليه في الواقع، لا كما يقوله الأشعري: إن واقع الفعل تابع لنمط التشريع، ولا هوية له في نفسه. أو لك أن تقول ما قدَّمناه؛ من أن حقيقة المدح: الإخبار عن الكمال. والذم: الإخبار عن النقص، فللأفعال الإرادية في نفسها مدح وذم؛ أي حسن وقبح.
2 - تجسُّم الإعمال:
وهي قاعدة مهمة نقَّحها بوضوح فائق فلاسفة الإمامية مسترشدين بالروايات الواردة في ذلك؛ ومؤداها: أن تكرار الفعل يولِّد ملكات إما حسنة نورانية أو ملكات رديئة، وكلّما ازدادت، ترسَّخت في النفس أكثر حتّى تصبح جوهرية. من هنا قالوا: إن الإنسان ليس هو النوع الأخير، بل يتلبَّس بعد الصورة الإنسانية بصورة وفعل إما ملكي أو شيطاني أو بهيمي أو سبعي. وهكذا - وفي كل نوع - هناك شعب أخرى. بيان ذلك:
إن الإنسان في سعيه نحو الكمال إنما يبتغي أن يحصل على ما له ثبات، والكمال العرضي يكون في معرض الزوال، فيعود حاله إلى ما كان عليه قبل تحصيله. فهو يسعى لأن يحصل على كمال ذاتي يكون بنحو جوهري لا أن يكون معرَّضاً للزوال، وبهذا يتكامل ويصعد في سُلّم الكمالات ويثبت عند كل درجة، ويحصل هذا التغيير الجوهري عن طريق الأفعال المؤدية للكمال؛ حيث يُحدث الفعل - عند تكراره والمواظبة عليه - حالات في النفس تنتقل إلى هيئات، ثُم تتنقل إلى ملكات، فتشتد حتّى تصل وتصبح فصولاً جوهرية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن البدن يكون بشكل يتناسب مع القوة التي يتملَّكها الإنسان وغيره، فمثلاً في الذئب الهيئة الجسمانية لها تناسب مع القوة التي يمتلكها، ودلَّت الروايات على أن الأجسام الأخروية هيئتها تابعة للفصول الجوهرية التي يتكامل بها الإنسان أو يتناقص.
أمّا تطبيق القاعدة على ما نحن فيه، فهو أن موارد الحكم بالحسن هي نفسها في موارد الفضائل والكمالات، حيث يتبين أنها توجب تجسُّم تلك الأعمال بصورة نورانية، وموارد الحكم بالقبح هي نفسها موارد النقص التي تتجسَّم بصور رديئة ظلمانية، فيظهر من ذلك أن الحكم بالحسن والقبح ليس اعتبارياً، بل أمراً عقلياً له من مناشئ تكوينية.
3 - قاعدة الغاية:
وهذه قاعدة تُبحث في أبحاث العلل، وهي تعني وجود ارتباط بين صدور الفعل وغايته؛ بمعنى أن تصور النتيجة المترتبة على الفعل القصدي تكون دافعاً لرغبته للقيام بذلك الفعل، فهناك ارتباط بين الوجود العلمي للغاية وفاعلية الفاعل، وهناك ارتباط بين الوجود الخارجي للفعل والتوصل للغاية، فالوجود العلمي هو في سلسلة العلل المتقدِّمة على الفعل والثانية متأخرة عن وجود الفعل. وقد وردت هذه القاعدة في بيانات عدّة ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) فهناك تقدير مقدّم على الخلق وهداية لهم بعد الخلق، فالمخلوقات في سير تكاملي، وهو الغاية التي من اجلها خُلقت. وهذا البرهان بهذا النحو يختلف عن برهان النظم وإن اقتربا من بعضهما. وإنكار العلة الغائية يساوق إنكار العلة الفاعلية.
أما تطبيق ذلك على الحسن والقبح، فبيانه: أن الفاعل الإرادي لا يفعل فعلاً إلاّ لأجل غاية، وهذه الغاية هي تحقيق الكمال، فالكمال يتحقق بهذا الفعل، وهذه هي الموارد التي يحكم بها العقل بالحسن، فالحسن راجع لكمالٍ يتحقق بواسطة هذا الفعل، فهو أمر واقعي، والكمال المقصود هو: كمال للقوة العاقلة وما فوقها من درجات النفس، وتكون موجِبة للقرب الإلهي. أما في موارد القبح، فإن الكمال الذي تحققه بالأفعال هي كمالات للقوى الشهوانية والغضبية، فدعوى الأشعري: أن لا حسن ولا قبح واقعي في الأفعال، يساوق إنكار العلة الغائية، وإنكار العلة الغائية يؤدي إلى إنكار العلة الفاعلية.
فتلخَّص من مجمل البحث أن الحسن والقبح العقليين أمران تكوينيان واقعيان بالأدلة المثبِتة، سواء على مبنى المتقدِّمين كابن سينا أو على مبنى صدر المتألهين.
التنبيه الثاني:
الخطأ في الفكر البشري
ومن الأمور المهمة التي يجب الإشارة إليها هو في كيفية نشأة الخطأ في الفكر البشري، وقد أثار هذا التساؤل كثير من الفلاسفة والمناطقة وأجابوا بإجابات متعدِّدة:
منها: أن علوم المنطق تتكفَّل عصمة الفكر عن الخطأ، ويبقى على عاتق الإنسان مراعاته عند
التطبيق، فالخطأ الناشئ هو من سوء التطبيق.
ومنها: أن الخطأ ينشأ بسبب خطأ نفس مواد الأقيسة؛ حيث أن بعضها نظري، وكلَّما ابتعدت القضايا عن البداهة زادت نسبة الخطأ.
ومنها: أن الخطأ هو نتيجة عدم توازن في أفعال النفس؛ فقد ذكرنا سابقاً أن الإذعان والجزم الحاصل لدى النفس هو غير النتيجة، وأن وظيفة العقل النظري هو الإدراك، فالخلل يحصل عندما يحصل جزم وإذعان غير متناسب مع درجة الإدراك الحاصلة لدى العقل النظري.
وقد سعى الفلاسفة والمفكرون لإزالة هذا الخطأ، أو على الأقل تقليل نسبة الخطأ، ومن تلك المحاولات ما دعى إليه السيد الشهيد الصدر(رحمه الله) باعتماد منهج الاستقراء وتراكم الاحتمالات في الفكر البشري بدلاً من القياس الأرسطي، والاستقراء طريقة رياضية عملية، حيث تتضاءل احتمالات الخلاف حتّى تصل إلى نسبة قليلة جداً بحيث تقوم النفس بإلغاء احتمال الخلاف، وتتعامل مع النتيجة
معاملة اليقين الصحيح التام، وتكون النتيجة حينئذ يقينية برهانية.
ولنا على هذه النظرية تعليق لا يتَّصل بجوهرها، فهي متينة وتامة، لكن:
1 - إن ما توصل إليه السيد الشهيد بحساب الاحتمال وكيفية تضاؤله، ومن كون النتيجة الحاصلة من الاستقراء برهانية،خطأ؛ إذ إن النتيجة ليست برهانية، بل العمل بهذه النتيجة برهاني؛ بمعنى أنه أقام البرهان على تعين العمل بهذه النتيجة، كما يقوم البرهان في علم الأصول عبر دليل الانسداد على وجوب العمل بالظن. وبعبارة أخرى: النتيجة ليست يقينية وإن كان العمل بها لابدَّ منه بالدليل اليقيني.
2 - لقد ذكر السيد أن بإمكان استخدام هذه النظرية لإثبات الغيبيات وما وراء الطبيعة، وهذا غير تام؛ لأن هذه الطريقة تظل غير يقينية ونحن لا نحتاج إليـها في إثبـات الغيـب، إذ لدينـا كثير من البراهين - كبرهان
الصديقين - التي تورث اليقين.
3 - إن احتمال الخلاف يظل قائماً، وجزم النفس على خلافه - وهو قليل جدَّاً - لا ينفيه من أساسه، ولا يتحول إلى يقين.
التنبيه الثالث:
الثابت والمتغيِّر
من المسائل المهمة التي تبتني على مسألة الحسن والقبح هي ثبات التشريع وتغيُّره، فبناء على اعتبارية الحسن والقبح وإنه لا واقع حقيقي وراء تطابق آراء العقلاء، فإن الحسن والقبح يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان، وبالتالي لا يوجد ما هو ثابت في التشريع، بل هو متغيِّر. أمّا بناء على أنهما أمران واقعيَّان، فالنتيجة خلافها.
ـ وقد يصاغ هذا البحث بصياغة أخرى، وهي: أن ختم النبوة يعني أنْ لا حاجة إلى النبوة حتّى يوم
القيامة؛ وذلك لأنَّ العقول تكون قد تكاملت بواسطة تلك النبوة الخاتمة، ولا تحتاج إلى رعاية نبي ولا وصي، ولا هدايتهما.
ـ وقد تصاغ بنحو ثالث، كما ذكره العلاّمة الطباطبائي، وخلاصته: أن الإرادة تنبعث من جهات اعتبارية لا حقيقية، وحسب تغيُّر هذا الاعتبار تتغيَّر وجهة سير هذا الإنسان.
أمّا جواب هذه الصياغات:
فأوَّلاً: بما مرَّ من البراهين التي أثبتت تكوينية الحسن والقبح.
ثانياً: أن دعوى تكامل العقول تعني وقوف السير والبحث والفحص العلمي لدى البشرية؛ لاطلاعهم على الحقائق وإصابتهم لها، والحال أنَّا نجد من أنفسنا الإذعان بعدم توقُّف هذا السير ولن يتوقف هذا السعي الحثيث لدى الفطرة
البشرية، وهذا يدل على أمرين:
الأول: وجود واقعية وحقيقة ثابتة تسعى البشرية للوصول إليها.
الثاني: عدم إمكان وصول البشرية إلى الإحاطة بتمام تلك الحقيقة الواقعية وإن كانت الإصابة النسبية مستمرة، وهذا وإن لم يزلزل الحقائق المتوصَّل إليها، إلاّ أنها لا تعني تمام الواقع.
وهذان الأمران يستلزمان دوام حاجة البشرية إلى التشريع السماوي والنبوة المحمدية؛ لأن ربَّ الواقعية هو المحيط تماماً بها. كما يثبت بذلك عدم إحاطة البشرية بكنه غايات التشريع السماوي والمصالح المخبوّة فيه.
ثالثاً: أمّا جواب ما يُدَّعى من انبعاث الإرادة دوماً من الاعتبار، وهو الذي ذهب إليه العلامة الطباطبائي، فهو يستدعي أن نُلقي نظرة على ما سطَّره يراعه الشريف في رسالة الاعتبار والتي تُعتبر حصيلة البحث الأصولي في ذلك الوقت.
تحليل مختصر لنظرية الاعتبار:
وملخَّص ما ذكره العلاّمة:
أ - إن الاعتبار يمثِّل جانباً من نشاطات العقل العملي ومدرَكاته، وشأناً من شؤونه.
ب - إن كل موجود يسعى نحو كماله؛ فالفاعل غير الإرادي يوجد له صراط معيَّن يسير فيه. أمَّا الموجود الإرادي، فإنه يسعى نحو كماله من خلال إرادته.
ج - إن الفاعل الإرادي في تحريك إرادته يسعى نحو تحقيق ما هو غير موجود. أمَّا ما هو موجود، فلا يسعى لتحصيله كما هو واضح.
د - إن الإرادة تنطلق من قضايا غير حقيقية؛ أي لا واقع خارجي فعلي لها، فلا محالة تكون القضايا اعتبارية وهي التي تولِّد الإرادة، ومن دونها لا يمكن للإرادة أن تنطلق.
هـ - أوّل اعتبار قام الذهن بتصويره حتّى يُحرِّك الإرادة هو إيجاد نسبة الضرورة بين موضوع ومحمول لم تكن بينهما تلك النسبة من قبل؛ بيان ذلك:
إن الإنسان يرى وجود نسبة حقيقية بين ذاته وبين أعضائه، فيقوم بجعل نفس هذه النسبة بين نفسه وبين الأكل، فيسعى نحو تحقيقه، فيتحرك نحو الغذاء. وعبّر عن هذا بأنه أوَّل خديعة.
بعض تلامذة العلاّمة يصوّر الخديعة بنحو أخر؛ وذلك بأن الخديعة التي تقوم بها هي: تصوير أن حاجات البدن هي حاجات الروح، ويجعلها ضرورية لها، وتفسير هبوط آدم إنه هبوط إدراكي؛ حيث جعلت الروح البدن جزءَ حقيقةٍ نفسها، فجعلت كمالات البدن وحاجاته هي حاجات لها، فأول خديعة هي من جعل البدن جزء من الروح؛ خدعته بها الفطرةُ الإنسانية؛ لتتوصَّل بها إلى الخير بالذات والكمال المطلق الحقيقي.
و - إن نسبة الضرورة تعني الوجوب، وهو متقدِّم على الحرمة، كما أن الاستحباب متقدِّم على الكراهة؛ وذلك لأن الشعور بالحاجات والضرورات متقدِّم على الشعور بالمضرَّات والمؤذيات التي هي نسبة الامتناع.
ز - مثال آخر على نشأة اعتبار آخر؛ هو (اعتبار الملكية) وكيفية حصوله: هو أنه رأى وجود نسبة حقيقية بين الإنسان وسلطته على أعضائه وتصرُّفه بها كما يشاء، فجعل هذه السلطة بين الأمر الخارجي وبين نفسه حتّى يستطيع التصرُّف والاستفادة منه وحده؛ لا ينازعه فيه أحد.
ح - وأوَّل اعتبار اجتماعي نشأ؛ هو: اعتبار الألفاظ ودلالتها على المعاني، ثُم بعد ذلك تولَّد اعتبار العقد والمعاملات، واعتبار الرئاسة؛ وذلك لأن في الإنسان توجد قوة العقل التي تكون مهيمنة على بقيَّة القوى، فانتزع العقل هذه النسبة وجعلها في مملكة صغيرة هي مملكة الأسرة ورئاسة وهيمنة ربِّها، ثُم للمجتمع.
ط - إن الاعتبارات غير ثابتة و متزلزلة، فلا يمتنع أن لا يأتمر و لا يتبع الإنسان ذلك الاعتبار، لذا مسَّت الحاجة إلى أن تَعتبر ما يدعم هذا الاعتبار ويجعله مؤثِّراً في إرادة الإنسان، فاعتُبر الثواب والعقاب، واعتُبر المدح والذم. فاعتبار المدح والذم إنما هو لأجل أن يكون دافعاً لأن يتَّبع الإنسان الاعتبار الأصلي؛ حيث يضعف تأثيره، وكلَّما قوي تأثيره، ضعفت الحاجة إلى الثواب والعقاب أو إلى مدح وذم العقلاء.
والعلاّمة الطباطبائي في المقالة الثانية من رسالة الاعتباريات يركِّز على أمر مهم؛ وهو كيفية نشأة التكوين من الاعتبار، حيث أوضح في مقالته الأولى كيفية نشأة الاعتبار من التكوين والحقيقة، وكيف أن الاعتبار هو إعطاء حد الشيء أو حكمه لشئ آخر بتصرف الوهم، وأنه ينشأ بسبب النقص؛ وهو أمر حقيقي. أمّا في المقالة الثالثة، فبيّن أن الاعتبار يولِد الإرادة، والإرادة تُحقِّق الفعلَ التكويني الخارجي؛ وهو إما كمال للإنسان أو نقص، فينشأ حينئذ التكوين من الاعتبار، فولِّد العقلُ التكوين من خلال عنوانٍ اعتباري.
وجوه التأمل في نظرية العلاّمة:
لا يخفى ما في النظرية من ظرافة ودقَّة نظر، ويظهر كذلك مدى أهميتها في صياغة الفكر البشري، وهذا لا يمنع من وجود بعض التأملات لنا عليها:
1 - إننا نتَّفق مع العلاّمة في:
* إن العقل النظري لا يحرِّك الإرادة؛ لذا سوف يأتي في الفصل الثاني أن التوحيد النظري من دون التوحيد العملي؛ وهو تولّي وليّ اللَّه الذي يهدي لإرادات اللَّه ومشيئآته، لا يوجب تحرَّك الإنسان، بل توجد مراتب أخرى متوسطة حتّى تصل إلى مدرَكات العقل العملي.
* إن الفاعل الإرادي لا يتكامل إلاّ بتوسط إرادته.
* إن الإرادة لا تسعى إلى تحصيل ما هو متحقق بالفعل لأنه تحصيل للحاصل.
لكن نختلف مع العلاّمة في تحديد القضايا الحقيقية، فقد ذكر أن كل ما ليس له تحقق خارجي فعلي فهو قضية اعتبارية، وهذا غير صحيح وغفلة منه(قدِّس سرُّه)؛ وذلك لأن القضية الحقيقة لا تساوي القضية الخارجية، بل هي تشمل ما يكون الموضوع فيها حاكٍ عن وجودات في ظرف الاستقبال، وما تكون حاكية عن وجود تقديري، وما تكون حاكية عن موضوعات ممتنعة وهي القضايا غير البتِّية التي ليس فيها سوى فرض الوجود، وهذا أمر متسالم عليه، وبناء عليه فإن القضية التي يتصورها العقل ويحكم بها العقل العملي هي غير حاصلة في الخارج فعلاً، لكنها ليست اعتباراً محضا، بل تكون قضية حقيقية.
2 - لقد حصر العلاّمة (رحمه الله) الحاجة إلى الاعتبار في أنه مولِّد للإرادة، وهذا غير صحيح، بل إن الحاجة للاعتبار هو أمر آخر ذكره المتكلِّمون والأصوليون؛ حاصله:
إن الإرادة تنبعث من مدرَكات العقل العملي، ومدرَكات العقل العملي هي من الكلِّيات الفوقانية كحسن العدل وقبح الظلم، ومن هذه المدرَكات التي تمثِّل رأس مال العقل العملي ينطلق في سلسلة إدراكاته، وكذلك يستطيع إدراك الكلِّيات القريبة وفوق المتوسطة كحسن الصدق وقبح الكذب. أمَّا الكلِّيات النازلة والجزئيات الحقيقية، فإن العقل العملي لا يصل إليها كما في قبح القمار، ونكاح الشغار، ناهيك عن الجزئيات الحقيقية المتكثِّرة وغير المتناهية، من هنا يُحتاج إلى ضابطة تكون كاشفة عن حسن هذه الأمور وقبحها؛ وهذه الضابطة تكون بالاعتبار، فالاعتبار وظيفته الكشف عن الحقائق وما تخبِّأه من حسن وقبح، وحينئذٍ تنطلق الإرادة من هذا الاعتبار الكاشف، لا من كونه اعتباراً محضا.
والاعتبار إنما يكون كاشفاً صائباً للواقع في حال صدوره من العقل اللاّمحدود
الذي يعلم بحسن وقبح جميع الأفعال.
3 - ما ذكره من توسُّط الاعتبار بين حقيقتين وتكوينين صحيح، لكنَّه الاعتبار بما هو كاشف، لا بما هو اعتبار.
ونضيف على ما ذكره العلاّمة، وتكملة لِمَا ذكرناه من الحاجة للاعتبار:
ـ إنه قد يُتساءل: لماذا لجأ إلى الاعتبار - الذي هو إنشاء - في الكشف عن الحقائق، ولم يلتجأ إلى الإخبار عن حقيقة الأفعال الخارجية؟
والجواب عنه:
أ - إن الجزئيات غير متناهية، فإذا اعتمد أسلوب الإخبار التفصيلي، فهذا يعني إخبارات غير متناهية؛ لعدم تناهي الأفعال وعدم تناهي الأشخاص، فيجب أن يكون إخباراً لكل واحد. ويترتَّب عليه أن يُجعل كل الناس أنبياء، وأن لا يخطئ الكل في فعل، وهذا يبطل عالم الامتحان والابتلاء.
ب - إن برهان النظام الأصلح يقتضي وجود مراتب في العلم والوجود، والإخبار التفصيلي لكل واحد يقتضي عدم وجود مراتب، ويبطل النظام الأصلح.
جـ - إن الإخبار قد يؤدِّي إلى اختلاط الجزئيات؛ حيث إن الجزئي قد تكون له جهة حسن، وله قبح من جهة أخرى هي العامة، وقد يختلف الجزئي الواحد في تقديم جهة على جهة عن جزئي آخر، فلا تنضبط القضايا بضابط معين، بخلاف ما لو جعل ضابط يكون غالب المطابقة للواقع، فإنه ينظِّم حالة الإنسان بنحو أفضل. فالاعتبار أحد أمثلته: القانون الوضعي؛ حيث يراد من وضعه أن يكون كشفه غالبيا.
د - إن وساطة الاعتبارين الحقيقين هي وساطة إثباتية؛ باعتبار كشفه عن الواقع، ولا يتبعه الإنسان لأنه اعتبار، بل لأنه كاشف عن الواقع؛ وما ذلك إلاّ لأن الإنسان لا ينطلق إلاّ من الحقائق.
وما ذكره من أن أول اعتبار هو الأكل ونحوه، محلُّ إشكال؛ إذ لا داعي فيه إلى الاعتبار؛ حيث إن الأكل يُعتبر مكمِّلاً للبدن، ويَشعر الإنسان
بحاجته ويقصد إليه، وهذه حقيقة يتولَّد منها الشوق والإرادة، وهذه الواقعية يدركها العقل - سواء العملي أم النظري - بسهولة، فلا حاجة إلى الاعتبار.
وهنا قد يرد تساؤل حول ما يظهر من التناقض بين قولنا فيما سبق: إن الإرادة تنطلق دوماً من
الحقائق( القضايا الحقيقية)، وبين ما ذكرناه في الأسطر السابقة من انطلاق الفاعل الإرادي من القضايا الاعتبارية.
وحلُّ هذا الإشكال يتمُّ بالتدقيق فيما بيَّناه من الحاجة إلى الاعتبار؛ إذ إنما يَلجأ إليه العقل لجهة كشفه عن جهات الحسن والقبح في الفعل، فهذا الاعتبار يساوق الحقيقة؛ لأنه يكون كاشفاً عن أمر واقعي، وليس بما هو اعتبار محض. ومن هنا لا يتَّبع الفاعل الإرادي أيَّ مُعتبر كان، بل يتحرى المُعتبرَ المطّلع على جهات الحسن والقبح، وخير مثال على ذلك: الاعتبار التشريعي الإلهي. فالإنسان يتَّبعه لأنه صادر من عقل لا محدود ومن المحيط بكل شيء، فهو كاشف عن الواقع والتكوين، وهكذا الاعتبار في القانوني الوضعي؛ لأنه يقتضي صدوره من الكُمّلين في مجتمع بشري ما، فيتَّبعه لهذا الكشف أيضا؛ ومن ثَمّ ذكر أرسطو أنه لا يمكن أن يصدر التقنين إلاّ ممَّن يكون إنساناً إلهيَّا.
أمّا ما ذكر من الإثارة، وهي التغيُّر في التشريع وعدم الثبات، فيمكن الجواب عنه بما يلي:
1 - إن الحسن والقبح واقعيان، فأحكام العقل العملي ليست متغيِّرة، وقد برهنا على ذلك.
2 - إن الاعتبار ليس أمراً اعتباطياً يقوم به كل واحد، بل لأجل الكشف عن الواقع، فيجب أن يتولاَّه مَن تكون له تلك القدرة؛ وآية ذلك أن المقنِّن الوضعي لا يُوكل كلَّ مَن هب ودبّ، بل يتخيَّر من أفراد المجتمع فئة خاصة تمتلك الخبرة والتجربة.
3 - هناك نظريتان مشهورتان؛ أحدهما: المسمَّاة بنظرية التضاد أو الديالكتيكية.
والأخرى: نظرية العقل التجريدي.
الأولى؛ تفترض عدم الثبات والتغيُّر الدائم. أمَّا الثانية، فتفترض الثبات ولو بنحو الموجبة الجزئية. وقد أُثري البحث فيهما بنحو تام وكامل، وثبت خطأ الأولى؛ لأنهم لابدّ أن يفترضوا ثوابت حتّى في نفس نظريتهم، فيكون نقضاً عليهم. إذن؛ لابدَّ من الاستناد إلى ثوابت، وإذا افترض أن كل شيء في تغيُّر وغير ثابت، فما هو الهدف من البحث والاكتشافات؟ فإن كان للإثبات، فالسعي من أجل اكتشاف المجهول لن يصل إلى حد وغاية؛ حيث لا واقع ثابت.
4 - إنَّا نسلِّم بوجودِ ثابتٍ وبوجود متغيِّر، لكن المشكلة في تحديد ضابط كلٍّ منهما. فمنطقة الثبات - كما أشرنا إليها سابقا - هي منطقة الكلِّيات العالية - كحسن العدل وقبح الظلم - والكلِّيات المتوسطة القريبة من العالية كالأخلاق الفاضلة المنبعِثة عن المَلَكات الفاضلة. أمَّا ما دونها؛ وهي منطقة الاعتبار، فهي تحتاج إلى ضوابط لمعرفة المتغيِّر والثابت.
ونستطيع أن نستفيد من القانون الوضعي وتقسيمه لتقريب فكرة الثابت والمتغيِّر في الاعتبار، بعد ثبوت أن لغة القانون والاعتبار واحدة. فإن القانون الوضعي على ثلاثة أقسام: الدستور / التشريعات البرلمانية / التشريعات الوزارية. فالقسم الأول غير قابل للتغيُّر عادة (1) ، والقسم الثاني أقلُّ ثباتا. أما الثالث، فهو دائم التغيُّر، وهكذا في الاعتبار؛ فنجد بعض الاعتبارات غير قابلة للتغيير، والبعض الأخر يحصل فيه التغيير والتبديل.
لكن ما هي ضابطة الأمور والاعتبارات المتغيِّرة؟
لقد ذُكر هنا ضوابط متعدِّدة، نذكر منها:
____________________
(1) والدستور ينطلق في وضعه من أهداف وأغراض ثابتة بحسب رشد مقنِّني الأمة كهدف الاستقلال والحرية والعدالة.
1 - ذكر الميرزا النائيني أن ما هو قابل للتغيُّر هو الأحكام السياسية. أمَّا بقيَّة التشريعات، فثابتة. وتوضيح المقصود من الأحكام السياسية كالتالي:
إن التسيُّس هو التدبير وكيفية جعل الجزئيات متطابقة مع الكلِّيات الفوقانية؛ حيث إن الأمر الكلي الذي يُكتشف بقوة العقل يتنزَّل حتّى يصل إلى هذا الجزئي الحقيقي، فابتداءً هذا الجزئي لا يكون مندرجاً تحت قانون معيَّن، ولا محدود بميزان مخصوص، وإنما يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، ويتغيَّر بتغيُّر المصالح والمقتضيات، وبالتالي يجب أن تكون هناك قوة خاصة لدى الإنسان تُرجِع هذه الجزئيات إلى كلِّياتها حسب جهات الحسن والقبح، وهذا يكون بقوة الفطنة. وهذه الجزئيات هي منطقة البرهان العياني؛ فالفطنة لا تتدخَّل في الجزئي الخارجي بقدر ما تُشخِّص إنه تحت أي كلي؟ وكيف يتنزَّل هذا الكلي في مدارج النفس إلى العمل الجزئي؟
2 - من الأمور التي تؤدِّي إلى تغيُّر الأحكام، هو تبدُّل الموضوع الجزئي.
3 - وجود التزاحم والورود بالعناوين الثانوية كالعسر والحرج والضرر على صعيد الأحكام الاجتماعية والأمور العامة، ولكن ليُلْتفت إلى أن الحكم الثانوي لا يكون إلاّ مؤقَّتاً دائما، ولا ينقلب إلى الدوام؛ لأنه خروج عن مقتضاه.
4 - الاختلاف في الإحراز ومدى رعاية الضوابط الموضوعة، سواء في فهم القانون الإلهي أم القانون الوضعي، فكم نجد من فقهاء القانون يختلفون في تفسير القواعد القانونية، وهكذا في فقهاء الشريعة؛ حيث يختلفون في تفسير وفهم بعض النصوص الإلهية.
وهذا الاختلاف لا يتناول الكلِّيات الفوقانية؛ وذلك لأنها ثابتة وغير متغيِّرة، والأمور الثابتة أكثر وضوحا، والخفاء فيها يقل، بل يندر، والخفاء يظهر في الجزئيات والمتوسطات التي هي ذات درجات كثيرة وعرض عريض؛ حيث تتداخل
الجزئيات مع بعضها البعض، فيكون عنصر الغموض.
وتتفق هذه الأسباب الثلاث على أن مورد الاختلاف والتغيُّر هو في الجزئيات، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى فهم الضوابط التي تمنع الإنسان من الوقوع في الاشتباه عند تمييز الجزئيات، وهذه الضوابط تقع في مباحث أصول الفقه.
و يتلخَّص من كل ما مر:
1 - إن الأساس للأحكام الشرعية هو الحسن والقبح العقليين، وهما برهانيان، وهذا يعني أن لا تبدل فيهما ولا تغيُّر.
2 - إن منشأ الحاجة للاعتبار هو محدودية العقل البشري، فتظهر عناية ولطف واجب الوجود بأن يبيِّن لهم تشريعات ثابتة في تلك المنطقة التي لا يدركها العقل المحدود.
3 - إن جهات التغيُّر والتبدُّل في الاعتبار هي غالباً في منطقة الجزئيات.
التنبيه الرابع:
في تبعية الولاية التشريعية للولاية التكوينية
المقصود من هذا البحث بيان أن مَن له صلاحية التشريع وسنِّ القوانين يجب أن يكون له مقام
تكويني خاص. فبعد اتفاق جميع الموحِّدين أن المشرّع الأول والمحيط بالواقع وحقائق الوجود هو اللَّه عزَّ وجل، يرد التساؤل والبحث: هل أُعطيت صلاحية مقدار من التشريع للبشر؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فأي بشر هو الذي يمكنه سنُّ القوانين؟
للإجابة عن هذا التساؤل يوجد مسلكان:
المسلك الأول: النقل والاستدلال بالآيات القرآنية والروايات الشريفة الدالة على هذه التبعية؛ من نحو قوله تعالى: ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (1) ، ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تسليماً ) (2) ، ( لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (3) .
ومن أمثلة الروايات: ما ورد أن الصلاة الرباعية كانت ثنائية، فأوكِل التشريع للرسول فجعلها رباعية، وغيرها من الروايات.
المسلك الثاني: العقل. وهذا هو المقصود بالبحث هنا، فيمكن إقامة وجوه ثلاثة لإثبات تلك التبعية:
____________________
(1) الحشر 59: 7.
(2) النساء 4: 65.
(3) الأحزاب 33: 21.
الوجه الأول:
وهو ما ذكرناه سابقاً في التنبيه الثاني من وجه الحاجة إلى الاعتبار؛ حيث بينَّا:
أ - الحاجة إلى التشريع والقانون لتنظيم الاجتماع ولمسيرة الإنسان في هذه الحياة.
ب - إن العقل البشري لمحدوديته لا يستطيع التوصل إلى الواقع، ولا يحيط بجهات الحسن والقبح والموازنة بينها.
ح - يحتاج العقل المحدود إلى مَن يسنُّ له تلك القوانين، فتتم صياغة الحقائق عن طريق قضايا اعتبارية قانونية.
وحتّى لا تكون هذه الصياغات جهلاً، يجب أن تكون مطابقة للواقع، فيجب أن يتصف مَن يسنُّ تلك التشريعات أن يكون له علم متصل ومرتبط بالذات المقدَّسة، وإلاّ لأصاب التشريع والتقنين التغيير والتبديل كما نراه في التشريعات الوضعية الحديثة على مرّ الزمان.
د - إن من رحمة اللَّه بعباده ورأفته بهم أن يوصل العباد إلى كمالاتهم ويُبعدهم عن نقائصهم، فطِبقاً لذلك، ولِمَا ذكره المتكلِّمون بقاعدة اللطف أو ما ذكره الفلاسفة بقاعدة العناية الإلهية، يجعل الباري تعالى في بني الإنسان مَن له ذلك الاتصال الغيبي وتلك المنزلة الرفيعة.
وبذلك يثبت أنَّ مَن تكون له الولاية التشريعية وصلاحية سنِّ القوانين، له أيضاً ولاية تكوينية واتصال غيبي بالذات المقدَّسة.
الوجه الثاني:
ويعتمد على:
1 - ملاحظة الجهاز الإدراكي للإنسان وتفصيل قواه العقلية وكيفية توصُّـله للنتائج. وقد ذكر الفلاسفة أن هناك جهازين يحكمان إدراكات الإنسان؛
أحدهما: الجهاز القلبي؛ وهو يُعني بالعلم الحضوري. ومراتبه أربع: قلب، وسر، وخفي، وأخفى.
وثانيهما: الجهاز العقلي الذي يحكم إدراكاته الحصولية. ومراتبه هي: العقل النظري، والعقل العملي، وقوة الفطنة والرؤية، والقوة النازلة الإدراكية كقوة الوهم والخيال والحس، والقوى العملية النازلة كقوى الغضبية والشهوية.
وهذه القوى النازلة تكون منصاعة إلى قوة العقل العملي بحسب الفطرة الإلهية الأصلية، وهو يمارس هيمنته وتوجيهه لها.
2 - ذكرنا في التنبيه الأول ما يميِّز العقل العملي عن النظري؛ فالإدراك لأيِّ قضية يمرُّ عَبر أفعال ثلاثة:
أحدها: الفحص والبحث في الفكر.
الثاني: إدراك النتيجة المتولِّدة من المقدمات.
الثالث: الإذعان بتلك النتيجة والتسليم بها.
وقد أشار صدر المتألهين في رسالته في التصوير والتصديق وتبعه جلُّ المتأخرين: أن النتيجة والحكم في القضية لا يعتبر جزءاً للقضية. فالتصور؛ وهو الصورة الحاصلة لدى الذهن، تارة تكون مؤدِّية ومؤثِّرة في حصول الحكم، فتكون تصديقا، وتارة لا تكون مؤثِّرة، فتسمّى تصورا. وهاتان المقدمتان هما من إدراك العقل النظري؛ فهو يدرك النتيجة المتولِّدة من المقدمات، لكن هذا غير الإذعان والحكم الذي هو من أفعال العقل العملي. ويفسر العلاّمة الطباطبائي الحكم بأنه (1) : قيام النفس بدمج صورة الموضوع مع صورة المحمول في صورة واحدة.
وقد تقدَّم منَّا الإشارة إلى أن المراد من وجوب المعرفة هو الفعل الثالث، ومن هنا قلنا بإمكانية كونه واجباً شرعياً.
3 - كثير من المفكِّرين يتوهَّمون بأن العلاقة والارتباط بين المقدِّمات (الصغرى والكبرى) والنتيجة، والعلاقة بين النتيجة والحكم والإذعان، هي علاقة العلية والمعلولية؛ بمعنى استحالة تخلُّف النتيجة عن مقدِّماتها واستحالة تخلُّف الإذعان عن النتيجة، لكن الحق أن الفلاسفة اثبتوا خلاف ذلك. فقد ذكر السبزواري في منظومته في بحث القياس أن الرابطة ليست هي رابطة العلة والمعلول، بل المقدمات
____________________
(1) نهاية الحكمة، ص 252.
إعدادية فقط. والمتكلِّمون ذكروا بأن سنَّة اللَّه جلَّ وعلا قد جرت على أنه إذا أُدركت تلك المقدمات، فإنها تكون مُعِدَّة لإفاضة النتيجة على الإنسان، وهذه الإفاضة من العقول العالية على العقل البشري النازل.
والذي أوقع البعض في هذا الوهم، هو عدم التخلّف، وغفلوا عن أن هذا لا ينحصر بالعلية. وقد ذكر الحق سبحانه في مثال الفلاح الذي يقوم بعملية الزرع؛ حيث نصَّ سبحانه على أن وظيفته ليست إفاضة وجود الشجرة على البذرة، بل يقوم الفلاح بالإعداد عن طريق تهيئة التربة ووضع البذرة وريّها. أمّا المُفيض لوجود هذا النبات فهو الحق سبحانه: ( ءَأَنتُمْ تَزرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) . وقد أثبت الفلاسفة أن الجسم لا يمكن أن يُفيض صورة جسمية أخرى. وهكذا الارتباط بين النتيجة والحكم والإذعان؛ فالوظيفة التي يقوم بها العقل العملي هي الإذعان بالنتيجة، فهذا هو الحالة الطبيعية، وهي بذلك تكون مُعِدَّة لحصول ذلك الإذعان وليست علة.
4 - إن ما ذكرناه سابقاً في تسلسل عملية الإدراك في الجهاز الوجودي للإنسان هي الحالة الطبيعية والتي بمقتضاها ينصاع الأسفل إلى الأعلى، وتمارس القوى العُليا هيمنتها على القوى النازلة، وتنساب عملية الفكر والإدراك في هذه المراحل المتسلسلة، لكن هذا التسلسل لعملية الإدراك يواجه عوائق وموانع تمنع عن حصول الإدراك الصحيح، وتمنع من خروج التصرف الصحيح طبقاً للإدراك الصحيح، وتؤدِّي هذه العوائق إلى قلب عملية التفكير؛ حيث تُسيطر القوى النازلة على القوى العالية وتتحكَّم بإدراكاتها؛ بمعنى أن ما ندركه، هو ما يحقِّق كمالات تلك القوى، فيندفع الإنسان حينئذ إلى تحقيق شهواته وإشباع رغباته الفتَّاكة.
ومن هذه الأمراض (1) :
مرض الجُربزة؛ وهي مقابل للبلادة؛ وهي البطء الشديد في إدراك النتائج بعد
____________________
(1) لاحظ: ملاّ صدرا، الأسفار، ج8.
إدراك المقدمات.
العناد: وهو عدم انسياق العقل العملي لمدركات العقل النظري مع العلم بصحتها.
... الوسوسة، الاضطراب.
فهذه الأمراض هي التي تمنع من حصول إذعان النفس بمدركات العقل النظري، وهذه الأمراض هي التي تصيب قوى الإنسان في إدراكاته الحصولية. وهناك أمراض تصيب درجات إداركه الحضورية؛ حيث تمنعه من الترقِّي الوجودي، وتمنعه من الوصول إلى/ بل ومن الاتصال بـ الصقع الربوبي، فيبتعد أكثر عن ساحة الحق ويصير بينه وبين الحقائق حاجباً وساتراً لا يزول إلاّ بالتقوى والعمل الصالح ولقد قال عزَّ من قائل: ( اتَّقُوا اللَّهَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ) (1) .
ومن هذه المقدمات الأربع ننتقل إلى ما نريد التوصُّل إليه؛ وهو إنه مع وجود هذه المراحل في إدراك الإنسان، ووجود مثل تلك الموانع والعوائق التي تؤثِّر في صدور القرار الصحيح والفعل النافع، كيف يمكن تقليده صلاحية التقنين والتشريع؟ إذن؛ فإن من الواجب أن يمتلك زمام التشريع والتقنين مَن يكون جهازه الإدراكي في مأمن من تلك العوائق والموانع، ويكون محلّاً لإفاضة العلوم عليها من العوالم العلوية وتنزُّلها، في مأمن من تشويش ومشاغبة قوى النفس الدنيا؛ هذا إذا أرادنا تشريعاً يكون مظهراً للحقائق الواقعية، مطابقاً وصحيحا.
وهذا الإنسان الذي يمتلك تلك القابلية، هو الذي يكون مظهراً للرضا الإلهي وللغضب الإلهي وللعزائم الإلهية؛ وذلك لا يكون ألاّ بأن تتساوى كلُّ حركاته وسكناته بلحاظ التأثُّر بالعوالم العلوية. ومَن لا يمتلك تلك المكانة والقابلية لن يكون تشريعه سالماً وصحيحا؛ ومن هنا قلنا: إن الولاية التشريعية تابعة للمقام التكويني الخاص.
والمقام الأكمل الذي يصل إليه المشرِّع والمُسِن للقوانين هو مقام العصمة، وهي كما لا يخفى على درجات؛ فبعضهم أصحاب شرائع، وبعضهم أولوا عزم،
____________________
(1) البقرة: 282.
وبعضهم شرائعهم دائمة وأبدية، وهكذا تختلف درجاتهم العصموية باختلاف درجات قربهم من الصقع الربوبي، وتتنزَّل درجات العصمة حتّى تصل إلى العصمة في الإنسان العادي وتتمثَّل في حدود البديهيات الموجودة في العقل البشري؛ حيث إن عدم وجودها يؤدي إلى نوع من الاضطراب والخلل؛ حيث لا يوجد حينئذ ما يتَّكئ عليها الفكر البشري.
الوجه الثالث:
ذكرنا فيما سبق أن الإنسان يُركِّز ويستند في علومه إلى نوع محدود من العصمة؛ وذلك من خلال البديهيات الموجودة في العقل البشري والتي ينتهي إليها في كل قضية، وبدونها يحل الاضطراب في الفكر البشري، كما أشرنا فيما سبق إلى أن مدركات العقل العملي والنظري هي الكلِّيات الفوقانية، وأن العقل البشري - وبسبب محدوديَّـته - احتاج إلى التقنين والاعتبار لضبط الجزئيات الخارجية، وأن التفكير البشري يمرُّ في تنزُّل العلوم الكلية إلى الجزئيات بمراحل متعدِّدة، ويستعين بجملة من البراهين يُحرز من خلالها التفكير الصحيح؛ وهما: البرهان النظري؛ ورأس ماله العلوم البديهية. و البرهان العياني الذي يتَّصل بالجزئيات، وأنه يضمن اختيار الفعل الأصلح عن طريق قوَّة الفطنة والتروِّي التي تستلم من العقل العملي والبرهان النظري النتائج الصادقة الحقيقية. وتستخدم قوة الفطنة القوى الإدراكية الجزئية والقوى العمَّالة السفلية؛ حيث الغضب الرافع للموانع والشهوة المولِّدة للشوق، وبهذا الشكل يصدر الفعل الجزئي صحيحاً غير خاطئ.
التنبيه الخامس:
العلاقة بين العقل العملي والعقل النظري
نلاحظ بعض الظواهر التي يتَّحد فيها حكم العقلين وإن اختلف طريقهما؛ من أمثلة ذلك: قاعدة اللطف الكلامية المعروفة، ومدركها العقل العملي، وقاعدة العناية الفلسفية، ومدركها العقل النظري، وهما قاعدتان ينتجان نتائج متشابهة بنحو كبير.
وهكذا في بحث العقوبة الأخروية؛ بمقتضى المعاد الجسماني وكون القبح والحسن عقليين، فإن العقل العملي يحكم بالعقوبة الأخروية؛ حيث إن مدح اللَّه ثوابُه وذمَّه عقابُه، أو أن مدح الفعل بالكمال المنتهي إليه وذمِّ الفعل بالنقص، والعقل النظري يحكم بالعقوبة الأخروية بتوسُّط نظرية تجسُّم الأعمال. وهكذا سوف نجد موازاة بين قواعد أخرى يحكم بها العقلان، فهذا الارتباط بينهما ليس ارتباطاً عفوياً وصدفة؛ وإنما له منشأ تكويني.
بيان ذلك : أن ضابطة مدركات العقل العملي هو ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله، وما ينبغي فعله هو الحب التكويني الفطري والانجذاب نحو الكمال؛ فلذا هو يطلبه طلباً تكوينياً ويبتغيه كغاية، وما لا ينبغي فعله هو خلافه؛ أي ما تنفر منه تكوينا.
والكمال هو الخير والوجود، والنقص هو الشر والعدم، وضابطة مدركات العقل النظري هي الوجود ونفي الوجود، فمباحث الحكمة النظرية مرتبطة بالكمال والوجود، ومباحثه تؤثِّر في العقل العملي الذي ينجذب تكويناً نحو الكمال الذي
يحكم به العقل النظري، وقد ذكرنا فيما سبق أن محمولات العقل العملي هي الحسن والقبح بمعنى المدح والذم، والمدح هو الحكاية عمَّا يختزنه الفعل من الكمال، والذم هو الحكاية عمّا يكنزه من النقص.
وهكذا نلاحظ الارتباط الحاصل بين العقلين والاندماج بين مدركاتهما؛ بحيث يفتح باباً جديداً في الاستدلال الحِكمي البرهاني والمعرفة العقلية. ويمكن استخدام الأدلة الكلامية في المباحث الفلسفية؛ حيث تكون كاشفاً كشفاً إنيَّا، وكذلك العكس واستخدام الأدلة الفلسفية في المباحث الكلامية.
المبحث الرابع:
حُجِّـيَّة المعارف القلبية
والبحث فيها من جهات:
الجهة الأولى:
في بيان المراد من المعارف القلبية.
إن الحديث عن المعارف القلبية مُتشعِّب وطويل، وسوف نتناول منه ما يهمُّنا في بحثنا و المقدار الذي يكون فيه حجة متميِّزة عن غير الحجة.
يتَّفق الفلاسفة على أن هناك نحوين من الإدراكات التي يتوصل بها الإنسان لمعرفة الحقائق؛
الأول: الإدراكات العقلية.
والثاني: الإدراكات القلبية.
وضابطة التفصيل بينهما يعتمد على كيفية الإدراك؛ فالأول يتمُّ عن طريق الصور الحصولية للأشياء، والثاني يتمُّ عن طريق الإدراكات الحضورية؛ وهو الارتباط بالشيء ارتباطاً ما.
توضيح ذلك: أن الإدراكات العقلية تعتمد على الصور، ويختلف مدى ارتباط هذه الصور بالمادة حسب المراتب:
فالصورة الحسية وإن كانت مجرَّدة عن الخارج، إلاّ أن لها ثلاثة تعلُّقات:
1 - من جهة الأبعاد؛ الطول والعرض والعمق.
2 - من جهة المشخِّصات والألوان.
3 - لابدَّ من محاذات وجود خارجي محسوس.
فالصورة الحسية تنطوي على تجرُّد عن نفس المادة، ولها ثلاث تعلُّقات من لوازم المادة.
أمَّا الصورة الخيالية، ففيها شيء من اللطافة؛ إذ يضاف إليها تجرُّد عن المحاذات لشيء محسوس، لكن مع تعلُّق من جهة الأبعاد ومن جهة العوارض المشخِّصة.
أمَّا الصورة الوهمية، فيضاف إليها تجرُّد عن الأبعاد الثلاثة وعن العوارض، لكن يبقى لها تعلُّق؛ باعتبار وجوب إضافتها إلى الجزئي الحقيقي كحبِّ زيد وبغض عمرو... وهكذا.
وأمَّا في العقل العملي والنظري، ففيه تجرُّدات تامة، لكن يبقى له تعلُّق بالصور.
والنفس في إدراكها لهذه الصور المختلفة، لها إياب وذهاب وخلط وترتيب وربط بين هذه الصور المختلفة؛ فقد تغرب عن الصور الحسية؛ أي الوهمية أو الخيالية، وتحمل المعنى الوهمي على المعنى الحسي... وهكذا؛ وهذا ما يسمّى في الاصطلاح: أن النفس لها حركة تجرُّد وتعلُّق.
أمّا المعارف القلبية، فهي أشدُّ تجرُّدا؛ حيث لا تتعلَّق بالصور كما في الإدراكات العقلية، بل هو الارتباط بالشيء بنحو ما.
وللنفس أيضاً إياب وذهاب في مراتب المعارف القلبية الأربع وهي:
1 - القلب: وهو الارتباط بحقائق الأشياء من دون توسُّط الصور المادية، نعم، يُدرك في هذه المرحلة الصور العينية البرزخية كما في سماع أنين الموتى من الصالحين، وكذلك تشمل إدراكات عالم المثال، و يقال حينئذ: إنها تدرك صور الجوهر المثالي.
2 - السر: وهي الإدراكات التي فوق عالم البرزخ والمثال، فهي أكثر سعة من مرتبة القلب، وأكثر إحاطة وجودية.
3 و4 - الخفي والأخفى وهما المرتبتان المتعلِّقتان بالأنوار الربوبية وإدراك الأسماء الإلهية.
إذا اتضح ذلك، نقول:
1 - إنه كما أن الإدراكات العقلية موجودة في كل إنسان، لكن قد لا يستطيع
البعض استخدامها ويعجز عن الوصول حتّى إلى القوة الوهمية، بل تظل نفسه محبوسة بين الحس والخيال، فهكذا المراتب القلبية؛ فهي مراتب شأنية يستطيع كل إنسان أن ينالها، لكن تحتاج إلى قوة إيمانية وكمالات عالية حتّى يكون للنفس سبح في هذه المراتب، ولا ينالها إلاّ ذو حظٍ عظيم، والإنسان بعمله ومناعة نفسه يرتقي إلى هذه المراتب.
2 - إن التمييز بين المراتب القلبية الأربعة هو التمييز في الحدود الوجودية.
3 - إن مدرسة أهل البيت عليهمالسلام تبنَّت الرؤية القلبية للذات المقدسة، لا الرؤية الحصولية الوهمية، ولا الخيالية، ولا الحسية. وأمَّا الرؤية العقلية بتوسط المعاني المجردة، فقد أثبتتها العديد من الروايات الواردة عنهم، المتضمِّنة للتنبيه على لزوم الوحدة والبساطة في المعاني والصفات وعدم تطرُّق التركيب العقلي التحليلي فيها، وأنه الفارق في التوصيف العقلي للذات الواجبة عن الممكنات؛ وهو متطابق مع ما قام عليه البرهان الحكمي.
وفي بعض الروايات (1) أنه لو أحيل الإدراك بالمعاني العقلية، لكانت المعرفة أمر لا يطاق عند عامة البشر، كما أن الروايات نبَّهت على أن المعبود هو المحكي بالمعاني العقلية وهو المسمَّى، لا نفس المعاني العقلية وهي الاسم. فالذات المقدَّسة لا تُقتنَص بحسٍ ولا بوهمٍ ولا بخيال؛ لعدم الحدود والمقدار فيه، فكيف يمكن اقتناصها بتلك القوى وإثبات الرؤية الحسية لها؟! نعم، الإدراكات العقلية هي الحالة الوسط بين الإدراكات الصورية النازلة وبين الإدراكات القلبية؛ ولذا فهي بوابة على الغيب، لكنَّها تبقى معانٍ حاكية، وليست هي نفس المحكي؛ أي ليست هي نفس الواقع. وهذه الإدراكات العقلية بهذا المقدار، والحاكية عن أقصى غيب
____________________
(1) أصول الكافي، ج1، ص83، ح6.
الغيوب؛ وهو الباري جلَّ وعلا، هو المقدار المكلَّف به الناس؛ أي العبادة عبر إدراكاتهم العقلية.
4 - فوائد المعارف القلبية:
أ - إن الإنسان لم يخلق للخلود في هذا العالم، بل هو مخلوق لعوالم أخرى، فهو يعيش منذ ولادته عالمَه البرزخي؛ بمعنى إنه يَصنع بأعماله وعقائده عالمَه البرزخي، وعندما يتكامل ويبلغ ويرشد يصنع حياته الأخروية التي هي بعد الحياة البرزخية في عين عيشه حالياً للحياة الدنيوية، والمراتب القلبية تجعله مشرفاً على تلكم العوالم.
وقد يظنُّ البعض أن هذا نوع من الخيال وتسطير الكلمات، فما الحاجة إلى الإشراف على هذه العوالم وهو لم يعشها؛ بمعنى لم يحن ظرفها الزماني، فنقول:
خير مثال على ذلك؛ الطفل الذي يعيش في بطن أمِّه، يكون له أذن وأنف وفم ولسان وشفتين... وكل شيء، فَلِمَ كل هذه الأجهزة؟ هل هي حتّى يستعين بها في حياته داخل رحم أمه؟ بالطبع لا، من الواضح أن هذه الأجهزة لأجل أن يعيش بها في عالم آخر غير عالم الرحم؛ وهو عالم الدنيا. وهكذا الإنسان في مراحله القلبية؛ فالإنسان لا يحتاج إليها في إدارة شؤون عالم الدنيا، إلاّ إنه محتاج لها في عالم الآخرة.
ب - إن المراتب القلبية هي السبيل لمعرفة الغيب، فكلٌّ يستطيع إدراك الغيب وكلٌّ يعيش الغيب ولو مرتبة ضامرة.
جـ - الفائدة الجليلة والعظيمة في الإدراكات القلبية، هي رؤية أشرف مرئي وهو: نور واجب الوجود.
5 - إن الإنسان إذا أدرك - بلحاظ المراتب القلبية - حقيقة من الحقائق وأرادها أن تنزل إلى الإدراك العقلي النظري، فلابدَّ أن تتنزَّل بمعناها لا بوجودها وحقيقتها؛ فالارتباط بين المراتب القلبية والعقل النظري هي بوحدة المعنى وبوحدة المفهوم،
فالمراتب القلبية تدرك الشيء بوجوده العيني وهويته العينية. أمَّا القوة العقلية، فهي تعمل أكثر لاصطياد المدرك بمعناه ومفهومه ويمكن التمثيل للفرق بين الإدراكين بمَن يُدرك الشيء المقابل للمرآة تارة، ويدرك تارة أخرى صورته في المرآة.
والمرآة هي القوى الإدراكية الحصولية العقلية.
6 - إن الإدراكات العقلية يتصوَّر فيها التصور والشك والترديد والجزم. أمَّا في المدركات القلبية، فهي صحيحة دوماً، على صواب أبدا، لا مكان للشك فيها حال المعاينة القلبية؛ والسر في ذلك أنه في الإدراكات العقلية يكون المدرَك هو صورة الشيء، والحاكي عن الشيء، فيرد التساؤل عن مدى مطابقته للواقع أو عدم مطابقته، (وقد ذكرنا في نهاية التنبيه الأول مشكلة الخطأ في الفكر البشري وكيفية معالجته، وأن تحصيل اليقين في الأمور النظرية من الأمور الصعبة) بخلاف ما إذا كان نفس الشيء وعينه حاضرا، فإنه يكون يقينا؛ لا لبس فيه ولا ترديد. ومن هنا نجد أن الكثير من روّاد علم المعارف الإلهية أشار إلى ندرة الحصول على اليقين، بل كلّها ظنون متاخمة لليقين، وتطرق إلى ذلك السيد الصدر في بحثه عن الاستقراء ( كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) .
ومن هنا نعرف السر في حثِّ كثير من العلماء على تنزيه النفس وتربيتها لنيل تلك العلوم اليقينية، وألّا يُقتصر على تحصيل العلوم التي لا تتجاوز الصور؛ إذ الإدراكات القلبية أشرف من العلوم الحصولية وإن كانت هي البوابة المأمونة لها.
7 - إن مراتب الإدراكات القلبية تتفاوت شدة وضعفا؛ حيث إن الوصول إلى الحقائق يتبع سعة ظرفية الواصل (المدرِك)، فقد يصل الإنسان إلى هذه المراتب بنحو العرض، وقد يصل إلى تلك المراتب وتكون بالنسبة إليه كفصل جوهري؛ حيث يكون قد حصل لذاته تكامل ورقي وجودي أوصله إلى تلك المرحلة فيتصفَّح حيث ما شاء في العالم الغيبي.
فالذي يُدرك الغيب لا يعني أنه أدرك كل الغيب، فاللَّه عزَّ وجلَّ لا تحيطه الأبصار والقلوب، بل عرفته القلوب بحقائق الإيمان.
8 - مما ذكرنا يتَّضح السر في أن المسلمين قد صرفوا النظر عن العلوم الحصولية والعلوم المادية، وأوغلوا في بحوث الاعتقادات وفقه الأحكام من أجل تحصيل ذلك اليقين ونيل المراتب القلبية، وذلك مع تهذيب النفس وانشغالها بالعبادة، حتّى تتهيأ النفس لتصفُّح أنوار الملكوت وتقوى الإدراكات القلبية، فمنهم مَن وصل إلى المراد؛ وهو المتَّبع لطريقة أهل البيت عليهمالسلام ومنهم مَن ضل الطريق وأضل غيره.
9 - إن معرفة الإنسان لنفسه هي بوابة المعرفة الربوبية؛ وذلك لأن كل مخلوق هو آية لخالقه، وكل كامل نازل هو آية للكمال الصاعد، فيقال: إن كل غيب نازل له حكاية تكوينية لغيب صاعد، وهذه الحكاية ليست على نسق حكاية الصور الحصولية، بل هي حكاية الرقيقة عن الحقيقة، كما عبَّر بذلك الفلاسفة، أو حكاية المظهر عن الظاهر كما عبَّر العرفانيُّون، لكن هذه الحكاية وإن كانت غير قابلة للخطأ والصواب، بل هي صواب دائم، إلاَّ أنها ليست حكاية إحاطة؛ لأن الرقيقة لا تمثِّل كل كمالات الحقيقة.
10 - من الأمور التي تدلِّل على أهمية الإدراكات القلبية هو رجوع جميع الإدراكات العقلية إليها؛ بيان ذلك:
إنه قد ثبت في محلِّه رجوع جميع التصورات والتصديقات النظرية إلى البديهيات التصورية والتصديقية؛ وهي رأس مال الإنسان في تحصيل علومه، وحينما نقوم بتحليل هذه البديهيات نرى أنها في تكونها محتاجة إلى الإدراكات القلبية؛ فعندما نقول: إنه صادق، فيعني عدم احتمال اللاّمطابقة؛ والسر في ذلك أن النفس تدرك ذاتها ووجودها، والصورة نفسها مدرَكة لديها بالعلم الحضوري، فالمحكي والحاكي كلاهما موجود لدى النفس فلا يحتمل اللاّنطباق، وهذا ببركة
العلم الحضوري.
ونفس الشيء يقال في أول البديهيات التصديقية، وهو استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما، فموضوع القضية: اجتماع النقضين، ومحمولها هو: الامتناع، حيث تقيس النفس بين مفهوم الوجود ونفي الوجود، وحيث إن للوجود محكيَّاً، فترى أن هذا المحكي مع نفي هذا المفهوم لا يجتمعان.
من خلال هذا العرض نصل إلى حقيقة في وجود الإنسان هي: إنه في اتصاله بعالم المادة يكون عبر قنطرة الصور الحصولية. أمَّا اتصاله بالغيب، فهو اتصال حضوري مباشر.
الجهة الثانية:
حول ضابطة حُجِّـيَّة المعارف القلبية.
قد يتراءى لغْوية هذا البحث؛ وذلك لِمَا ذكرناه سابقاً من أن المدرَك بالقلب هو عين ومتن الواقع فلا يحتمل الخطأ، وبالتالي فهو حُجَّة كلُّه، بل كل إدراكه صدق، ولكن في الواقع نحن بحاجة إلى هذا البحث؛ وذلك لأن العرفاء أنفسهم يشيرون في بحث المكاشفات إلى أن المكاشفات على أقسام، وأن الإدراكات الحضورية على درجات، وأن بعض الأشياء العينية قد تكون من تسويل وتمثُّلات العيانية من الشياطين أو كون قوى النفس قد اختلقتها، فلا يمكن القول بحجية كل الإدراكات القلبية. فكما ذكرنا في العلوم الحصولية؛ قد تحصل الحجب والأمراض التي تمنع عن إدراك الحقائق، فهنا كذلك تحصل حُجُب النفس التي تحجب الواقع عن إدراكه. وقد تعرَّضنا - وبنحو مفصَّل - في بحث الرؤية القلبية (1) إلى أن تصرُّف الشياطين والجن في
____________________
(1) انظر كتاب: دعوى السفارة في الغيبة الكبرى - مسألة: الرؤية القلبية.
قلب الكائن البشري، هو تصرف تكويني وفعل حضوري، ولكن ليس حضور الحقائق العالية.
ـ وقد ذكر القيصري نفسه في مقدمات شرح الفصوص، والسيد حيدر الآملي في نصِّ النصوص، على أن مِن الكشف ما هو رحماني ومنه الشيطاني ومنه النفساني.... فقالوا: إن الميزان في تمحيص المكاشفة الصحيحة عن الخاطئة هو الكتاب والسنة؛ باعتبار أن الكتاب ارتباط بعالم الغيب، وأن القرآن تنزُّل من الصقع الربوبي.
نلاحظ ممَّا تقدَّم أن العرفاء ركَّزوا على نكتة أن المدرَكات قد لا تكون من الحقائق؛ فلذا يجب الاعتماد على الميزان المعصوم وإدراك معصوم.
ويتبقى جانب آخر نشير إليه؛ وهو تنزُّل المدركات القلبية إلى المدركات العقلية، حيث إن العلوم الحضورية يجب أن تنزَّل إلى القوة العقلية حتّى يستطيع أن يستفيد منها الإنسان وتكون مؤثِّرة في واقعه الحياتي، وهذا التنزّل يجب أن يكون مأموناً؛ والمقصود بالأمن: أن الصور الحصولية التي يلتقطها العقل يجب أن تكون متطابقة مع حقائق الأشياء التي توصَّل إليها بالعلم الحضوري.
فكما ذكرنا سابقا، توجد أمراض تمنع من تنزّل إدراكات العقل النظري وتمنع من سيطرة العقل العملي على القوة السفلى، فهنا أيضاً توجد أمراض وأخطار تمنع من حصول الإدراكات العقلية الصحيحة. فالعقل هو كالمرآة التي تنطبع عليه مدركات القلب، فقد يكون المنطبِع شبح الحقيقة لا عين الحقيقة، وقد تكون الصورة مشوشة. وبتعبير أخر: إن مرآة العقل قد تشوبها حجب بسبب الأخلاق الرديئة أو الأعمال السيئة، فلا تنطبع فيها صور الحقائق بنحو صاف وسليم. ومن هنا نحتاج إلى ضابط وميزان لتمييز الحجة من اللاّحجة؛ حيث ليس لنا أمان من الزلل والخطأ، لا في نفس المدرَك، ولا في تنزُّله. و من هنا تظهر الميزة
للفرد المعصوم؛ حيث إنه لا يدرك إلاّ ما هو حق، ولا يتنزَّل إلاّ بتنزّل من الحق. ومن هنا نرى أن القران يُوصف بأوصاف متعددة ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) فهو مدرك حق، ( فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) أي المعصومون من الذنوب والخطأ، ( بالحَقِّ أنْزَلناهُ وَبالحَقِّ نَزَلَ ) فالعصمة في صدوره لا تكفي، بل عصمة في التنزُّل من العوالم العلوية. فالقران الكريم سار مسيرة طولية؛ من العوالم العلوية إلى نفس النبي الأطهر صلىاللهعليهوآله إلى أن يصل إلى رسم الخط، فيجب أن يحرز أن هذا الرسم والصوت مطابق لقوة الإدراك الحسي، وهي مطابقة لقوة المخيَّلة المطابقة لقوة العاقلة العملية المطابقة للعقل النظري المطابق للقلب ومراتبه القلبية المطابق لِمَا أُوحي له من اللَّه عزَّ وجل؛ لذلك نُفي عن النبي صلىاللهعليهوآله الجنون ونفي عنه الشعر ونفي عنه الكهانة، فقواه العقلية تسير بالسير الفطري مطابقة المادون للأعلى وعدم تصرُّف الشيطان في قلبه. فكل ذلك الوارد في وصف القرآن والوارد في وصف الرسول صلىاللهعليهوآله ؛ من أجل بيان أن هذه القناة معصومة مأمونة من الخطأ والزلل. وهذا دليل على أنه ليست كل مدركات القلب حجة، وإلاّ لَمَا احتيج إلى كل ذلك التأكيد ودفع الشبهات.
فالضابطة والميزان في كل ذلك هو الكتاب والسنة؛ حيث يعبِّران عن الوحي المعصوم، وكذلك العقل البديهي والنظري، فيمكن عرض التنزُّل على تلك البديهيات ليعلم الصحيح منها من السقيم.
وهذه النتيجة لا تعني إنكار الغيب أو إنكار للمدركات القلبية، بل هي الضابطة التي تحتاج إليها النفوس البشرية غير المعصومة، ونحن لا ننفيها بنحو مطلق، بل ننفي الحجية المطلقة لها.
خاتمة:
حول العلاقة بين الحجج الأربع.
لقد مضى الكلام في هذا الفصل حول الطرق والحجج الأربع؛ اثنان نقليَّان هما: الكتاب والسنة، واثنان تكوينيَّان هما: العقل والقلب. والغرض من هذه الخاتمة هو الإشارة إلى الارتباط والعلاقة بين هذه الطرق.
وقد ذكر للعلاقة بينها أمور:
ـ إن الفلسفة وهي الباحثة عن مدركات العقل، والعرفان وهو الباحث عن لغة الإدراكات الحضورية، تلميذان يؤهِّلان لفهم نكات الوحي.
ـ إن العقل والقلب يُرجع إليهما في رفع متشابهات النص، وإنه يُرجع إلى محكمات النص لتُرفع متشابهات العقل والقلب، فيُرفع متشابه كلٍّ منهما بمحكم الآخر.
ـ إن العقل والقلب شأنهما الإدراك. أمَّا الوحي، فهو نفس المدرَك.
ـ وقال البعض: إن وظيفة العقل والقلب هي التصور، وأمّا الحكم، فهو من وظيفة الوحي؛ بمعنى أن المخاطَب هو العقل والقلب، أمّا نفس الخطاب، فهو الكتاب والسنة؛ حيث إنهما مواد الوحي. فالمخاطَب ليس هو القوى النازلة، بل المخاطب هو العقل والقلب، واللغة اللسانية وظيفتها إحداث التصوّر، واللغة العقلية وظيفتها إحداث أصل الإدراك، والحكم والتصديق يكون من الشارع، فالمدرِك لهذا الحكم والتصديق والتصوير هو العقل، والمدرِك لهذه الإشعاعات النورية هو القلب. فكما أن الألفاظ موصلة للمعنى و بها يُحتج، فكذلك في لغة العقل بهما يحتجُّ على الإنسان، فالعقل والقلب هما المخاطبان ولغة الخطاب هي الوحي.
بتعبير آخر: إن العقل أيضاً يحكم ويصدِّق ويُدرك التصورات، ولكن يتبع حكم الوحي والشارع، فليس فيه إلغاء لدورهما.
ـ إن هناك سنناً تكوينية جعلها اللَّه عزَّ وجلَّ في طريقة التفكير البشري، فالعلم وإن كان نوراً يقذفه اللَّه في قلب الإنسان، إلاّ أن طريقة القذف تعتمد على أحد نحوين:
الأوَّل: هي الوصول إلى الاستنتاج عن طريق تهيئة المقدِّمات والمواد، وعبر مراعاة موازين ما يسمَّى بالمنطق، وذكرنا أنها مُعِدَّات تعدُّ الإنسان لكي يفاض عليه النتائج.
والآخر: هو التصفية والتخلية عن الرذائل، والتحلية بالفضائل والإيمان والمعارف، فيصلُ الإنسان إلى العلوم الحضورية، وهذا مسلك الإشراق والعرفاء....
فهاتان سنتان تكوينيتان في نيل الفكر والمعرفة الإنسانية، ويضاف إلى هاتين السنتين سنة وطريقة ثالثة وهي الوحي(الكتاب والسنة).
وهذه الطُرق ليست متقابلة، بل يجب الاستعانة بكل منها مع الأخر. فإذا استمد الإنسان بالسنُّتين التكوينيَّتين دون الوحي، فإن ذلك يعني خسران المعارف الهائلة، وكذلك لا يستفيد تمام وكمال الفائدة من الرافد الأخير إلاّ بالرافدين الأوَّليين لأنهما قناتيْ وطريقي المعارف.
ـ ووجه آخر لبيان العلاقة وهو أن الرياضة العقلية في العلوم العقلية، والرياضة القلبية في العلوم القلبية العرفانية بالغتا الأهمية من حيث كونهما مُعدَّتان للتأهُّل وخوض الوحي لفهم أسراره.
والعمدة التي تدور حولها جميع هذه الأجوبة لبيان العلاقة هو بيان التلازم بين هذه الطُرق المختلفة، بوضع كلٍّ في دوره الموظَّف له؛ بحيث لا يُلغى أحدهما الأخر، بل الوصول إلى الحالة الوسطية. وهذه الوجوه هي لبيان تلك الحالة الوسطية؛ ومنها جعل العقل والقلب الحجة الباطنة، وجعل الوحي الحجة الظاهرة.
وفي حديث طويل عن الصادق عليهالسلام : (أن أول الأمور ومبدأها وقوتها وعمارتها التي لا تنفع شيء إلا به، العقل الذي جعله اللَّه زينة لخلقه ونورا لهم، فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنهم مخلوقون.... وعرفوا به الحسن من القبيح، وأن الظلمة في الجهل وأن النور في العلم، فهذا ما دلهم عليه العقل. قيل له: فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره؟ قال: إن العاقل لدلالة عقله الذي جعله اللَّه قوامه وزينته وهدايته، عَلِم أن اللَّه هو الحق، وأنه هو ربه، وعلم أن لخالقه محبة، وأن له كراهية، وأن له طاعة،وأن له معصية، فلم يجد عقله يدله على ذلك، وعلم أنه لا يوصل إليه إلاّ بالعلم وطلبه، وأنه لا ينتفع بعقله إن لم يصب ذلك بعلمه...)الحديث (1) .
لقد بيَّن الإمام عليهالسلام أن مصدر الأمور وأسسها هو العقل،ثُمَّ سأل سائل: هل يكتفي بالعقل؟ فقال: إنه علّم العقل بأنه لا يصل إلى الحقائق من رضى اللَّه وغيرهما.... بل يصل إليها بعلم الوحي، فلابدَّ منهما كليهما.
ولا يتوَّهم أن الشريعة والمعارف تجريد وغيب محض، بل هو غيب وشهادة؛ وذلك أنَّنا إذا حافظنا على موازين تلقِّي معارف الغيب، حينئذٍ يكون التنزُّل سليماً حتّى إلى عالم الحس والشهادة، فبيوت الغيب يجب أن تُؤتى من أبوابها، فلابدَّ من التدرُّج عبر بوَّابة العقل،ثُمَّ بوَّابة القلب، فكما أن سنة اللَّه مع عالم المخلوقات جرت بالتدرُّج، فكذلك تنزُّل هذه المعارف.
فالنتيجة أن التمسُّك بالوحي ورفض العقل والقلب، هو رفض للوحي أيضا؛ وذلك لأن المخاطَب بالكتاب والسنّة هو العقل، وجعل المخاطب غير العقل وإلغاء شرط العقل هو في الواقع إلغاء للكتاب والسنّة.
وكذلك مَن تمسّك بالعقل من دون الكتاب والسنّة، فقد ضيَّع العقل أيضا؛
____________________
(1) أصول الكافي، ج 1، ص29.
وذلك لأن التمسُّك بالعقل والقلب هو إبقاء الإنسان في الحدود النازلة وعدم ارتقائه إلى المعاني العالية، وهو حرمان للعقل من المعارف الإلهية، وكذلك مَن ادعى أنه يفهم الكتاب والسنة من دون الالتفات إلى النكات العقلية، فقد أنزل المعارف من مستواها العالي؛ فلابد من الوسطية والتوازن.
وقد حاول العلاّمة الطباطبائي أن يذكر في كل مسألة الفحص في هذه الطرق الأربعة، ولا يقتصر على جانب دون آخر. وممَّن حاول أيضاً الجمع بين هذه الطرق، الملاّ صدرا في الحكمة المتعالية، وبغض النظر عن مدى موفقية كلٍّ منهما في النتائج التي توصَّلا إليها، إلاّ أنها محاولة جريئة وجديدة في بابه، فلم يقصر فكره على طريقة واحدة ومنهجية واحدة؛ حيث إنه استفاد من نكات مذكورة في السنّة في إيجاد براهين عقلية لأمور عجز العقل في السابق عن إثباتها كالمعاد الجسماني.
ـ أمَّا الشيخ الأنصاري، فيذكر في الرسائل:
أن التنافي بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية، لو قُدِّر وجوده، لا يخرج عن صور ثلاث:
إمَّا صورة التعارض لدليلين قطعيَّين.
وإمّا صورة تعارض نقلي قطعي وعقلي نظري.
وإمّا صورة تعارض نقلي ظنِّي وعقلي قطعي (نظري وبديهي).
أمَّا الصورة الأولى، فلا وجود لها ولم يشر أحد من الباحثين إليها قط.
أمَّا الصورة الثانية، فهي وإن كانت بدواً تعارض، إلاّ أن الإنسان إذا دقَّق ولاحظ في مواد الدليل العقلي، لوجد أنها ظنية وليست قطعية، والمشكلة تكمن أنَّنا - للوهلة الأولى - لا نلتفت إلى ذلك، بل بعد فترة من الزمن، حيث نتصوّر استحكام التعارض؛ والسرُّ في عدم التعارض هو: أن الوحي برهان وقطعي حيث ثبتت واقعيَّـته، وأنه من واجب الوجود، فلا يمكن أن يتصادم مع العقل القطعي. وقد نبَّه الملاّ صدرا إلى أن
قول المعصوم يمكن أن يستخدم كوسط في البرهان لعصمته عن الخطأ.
أمَّا الصورة الثالثة، فإنه لو أعيد النظر في العقل القطعي وتأكَّدتَ مِن قطعيَّـته، فإنه يكون قرينة على التصرُّف في الظاهر الظني والتأويل.
وتوجد صورة رابعة في التعارض بين الظني النقلي والظني العقلي، وفي هذه الصورة نلاحظ أن العقل الظني ليس بحجة. أمّا النقلي الظني، فقد ذكرنا في بداية بحثنا إمكان اعتباره ووقوعه كما يظهر من عبارة الشيخ في بحث الانسداد، ومال إلى ذلك كثير من علمائنا كالبهائي والشيخ الطوسي والميرزا القمي وغيرهم.
ويشير الشيخ إلى توصية هامة وهي:
أنه في بحوث المقام يجب التتبُّع وبذل الجهد للحصول على المعارف النقلية، القطعية منها والظنية المعتبرة، بناءً على اعتباره في التفاصيل النظرية في شعب المعرفة، فكما نجهد أنفسنا في البحوث العقلية البحتة أو القلبية، فإنه يجب بذل الجهد بعناية فائقة في تحصيل القطعيَّات النقلية. وممَّا يؤسف له قلَّة الجهود المبذولة في هذا المضمار بالقياس إلى حجم النقل الواصل بأيدينا وبالقياس إلى ما يُبذل من جهود في المجال الآخر، فإنه لو أثريت البحوث العقلية الاستدلالية في المعارف النقلية، لتوفّر تبويب كثير من الطوائف للأدلة النقلية، ولأمكن العثور على جمٍّ كبيرٍ من القرائن والاستفاضات المعنوية في كثير من المسائل.
الفصل الثاني:
نظريَّة الحُكم على ضوء الإمامة الإلهيَّة
نظريَّة الحُكم على ضوء الإمامة الإلهيَّة
المبحث الأوَّل:
لمحة تاريخية
إن الناظر للتاريخ الإسلامي وللمذاهب التي نشأت في هذا الدين وما ذكرته لنا في مسألة الخلافة والحاكمية، يرى كم هو البون الشاسع بين المبدأ والمنتهى، وبين التنظير والتطبيق لدى أكثر المذاهب الإسلامية، فكثير ممَّن رفعوا راية الشورى لم يثبتوا على مبدأ واحد وقول متَّحد منذ بداية الخلافة الإسلامية وحتّى يومنا هذا؛ لا يوجد تطابق بين ما ادعوه من شوروية الحكم وما طُبِّق. كما أن بعض القائلين بالنص في عصرنا لم يثبتوا على مقولتهم، بل نرى ذلك البعض يحاول أن يخفِّف من وطأتها ويدمجها مع الشورى، ويحاول أن يجعلها شورى عند التطبيق... وهكذا.
بعض الباحثين في شؤون المِلل والنحل ذكروا لنا اتجاهاً ثالثاً بين الشورى والنص؛ وهو التلفيق بين هاتين النظريتين، ولم يعدُّوها من القول بالنص، بل يجعلونها من القول بالشورى، وأوضح مثال على ذلك هو: ما سارت عليه الزيدية والإسماعيلية؛ حيث حسبوا أن هناك تصادماً بين القول بالنص وبين لزوم إقامة الحكم الإسلامي، وهذا التصادم هو الذي ألجأهم إلى التلفيق. وهذا المنزلق استطاعت الإمامية أن تخرج منه، وحافطت على وتيرة القول بالنص من دون تلفيق مع الشورى. وقد يكون من الأمور التي دفعت إلى التلفيق هو إحجام مَن نُص عليه
عن إقامة الحكم السياسي، مع عدم الالتفات إلى أن الأئمَّة عليهمالسلام كانت لهم حكومة حقيقية مبسوطة على كل مَن شاء الرجوع إليهم. وإن المتتبِّع للروايات المتناثرة هنا وهناك، يرى أن الأئمَّة كانوا يمارسون كل أنواع السلطة وكافَّة شؤونها، وأنهم لم يحجموا في واقع الأمر، وإنما قد أدبر الناس عنهم.
وأكثر مؤلفي الشيعة ممّن تعرَّضوا للمِلل والنحل ردُّوا شبه الزيدية؛ فراجع: إكمال الدين والغيبة للطوسي، وأصول الكافي للكليني، والكشِّي في رجاله.
فنرى الشهرستاني في المِلل والنحل يقول: (والاختلاف في الإمامة على وجهين؛ أحدهما: القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار. والثاني: القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين. فمن قال: إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار، قال بإمامة كل مَن اتفقت عليه الأمة أو جماعة معتبرة من الأمّة؛ إمّا مطلقاً، وإمّا بشرط أن يكون قرَشيَّاً على مذهب قوم، وبشرط أن يكون هاشمياً على مذهب قوم) (1) .
وقال: (الخلاف الخامس: في الإمامة. وأعظم خلاف بين الأمّة خلاف الإمامة؛ إذ ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلَّ على الإمامة في كلِّ زمان...) ثُمَّ نقل كلام عمر حين حضر مع أبي بكر سقيفة بني ساعدة: (فقبْل أن يشتغل الأنصار بالكلام مَدَدت يدي إليه، فبايعته وبايعه الناس، وسكنت الفتنة، إلاّ أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى اللَّه المسلمين شرَّها، فمَن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فأيّما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين، فإنها تَغِرَّة يجب أن يقتلا.... وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة) (2) .
وقال: (الخلاف الثامن: في تنصيص أبي بكر على عمر بالخلافة وقت الوفاة.
____________________
(1) الشهرستاني، المِلل والنحل، ص33.
(2) المصدر، ص 30 ـ31.
فمن الناس مَن قال: قد ولَّيت علينا فظَّاً غليظاً. وارتفع الخلاف....) (1) .
وقال في الباب السادس: (الشيعة: هم الذين شايعوا عليَّاً(رضي الله عنه)على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصَّاً ووصيَّةً؛ إمَّا جليَّاً وإمَّا خفيَّاً، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده. وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحة تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهمالسلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامّة وإرساله. ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولِّي والتبرِّي قولاً وفعلاً، وعقداً، إلاّ في حال التقيَّة، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك) (2) .
وقال في الزيدية: (أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(رضي الله عنهم) ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة(رضي اللَّه عنها)، ولم يجوِّزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلاّ أنهم جوَّزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة، أن يكون إماماً واجب الطاعة.... وجوَّزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة).ثُم َّذكر السليمانية من فِرق
الزيدية: (أصحاب سليمان بن جرير وكان يقول: إن الإمامة شورى بين الخلق ويصحُّ أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنها تصحُّ في المفضول مع وجود الأفضل، وأثبت إمامة أبي بكر وعمر حقَّاً باختيار الأمة حقَّاً اجتهادياً. وربَّما كان يقول: إن الأمة أخطأت في البيعة لهما مع وجود علي(رضي الله عنه) خطأً لا يبلغ درجة الفسق... قالوا: الإمامة من مصالح الدين، ليس يحتاج إليها لمعرفة اللَّه تعالى وتوحيده، فإن ذلك حاصل بالعقل، لكنَّها يحتاج إليها لإقامة الحدود
____________________
(1) الشهرستاني، المِلل والنحل، ص31.
(2) المصدر، ص131.
والقضاء....) (1) .
وقال عن الصالحية والبترية من الزيدية:
(وقولهم في الإمامة كقول السليمانية... وأكثرهم - في زماننا - مقلِّدون؛ لا يرجعون إلى رأي واجتهاد. أمَّا في الأصول، فيرون رأي المعتزلة حذو القُذَّة بالقُذَّة، ويعظِّمون الاعتزال أكثر من تعظيمهم أئمَّة أهل البيت. وأمَّا في الفروع، فهم على مذهب أبي حنيفة....) (2) .
ويقول سعد بن عبداللَّه الأشعري القمي - وهو من الفقهاء، أخذ أصل كتابه في الفِرق عن النوبختي والأخير من المتكلِّمين له كتاب: الفِرق والمقالات، إلاّ أن سعداً أضاف على ما أخذه -: (واختلف أهل الإهمال في إمامة الفاضل والمفضول؛ فقال أكثرهم: هي جائزة في الفاضل والمفضول إذا كانت في الفاضل علّة تمنع عن إمامته، ووافق سائرهم أصحاب النص على أن الإمامة لا تكون إلاّ للفاضل المتقدِّم. واختلف الكل في الوصية؛ فقال أكثر أهل الإهمال: توفِّي رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ولم يوصِ إلى أحد من الخلق... ) ثُمَّ عدّ البترية والسليمانية من فِرق الزيدية من أهل الإهمال (3) .
وقال عن الجارودية من الزيدية: (.... فقالوا بتفضيل علي، ولم يروا مقامه لأحد سواه، وزعموا أن مَن رفع عليَّاً عن هذا المقام، فهو كافر، وأن الأمة كفرت وضلَّت في تركها بيعته، ثُمَّ جعلوا الإمامة بعده في الحسن بن علي، ثُمَّ في الحسين بن علي، ثُمَّ هي شورى بين أولادهما؛ فمَن خرج منهم وشهر سيفه ودعا إلى نفسه، فهو مستحقٌّ للإمامة) (4) (... وزعموا أن الإمامة صارت بالنص من رسول اللَّه لعلي بن أبي طالب، ثُمَّ الحسن بن علي، وبعد أن مضى الحسين بن علي لا تثبت إلاّ
____________________
(1) الشهرستاني، المِلل والنحل، ص137 - 142.
(2) المصدر، ص142 - 143.
(3) الأشعري، سعد بن عبد الله، المقالات والفِرق، ص72.
(4) المصدر، ص18.
باِختيار ولد الحسن والحسين وإجماعهم) (1) .
وفي المقالات لأبي الحسن الأشعري المتوفَّى 324 هـ (ص 467 - 451) قال: (وأجمعت الروافض على إبطال الخروج وإنكار السيف ولو قتلت، حتّى يظهر لها الإمام، وحتّى يأمرها بذلك....).
فهو يشير إلى نفس النكتة التي ألمح إليها الشهرستاني من حصر الحاكمية لدى الإمامية في النص، وفي قبالهم المعتزلة والزيدية والخوارج والمرجئة؛ حيث يرون خلاف ذلك.
ومن خلال هذه اللمحة التاريخية يتَّضح لنا أمران:
1 - إن الصياغات المختلفة للشورى، والتلفيق بينها وبين النص، معدودة عند أصحاب التراجم والمؤرِّخين في منهج يقابل النص.
2 - إن بعض الفِرق الشيعية - في الأصل - انتقلت من النصِّ إلى الشورى أو إلى التلفيق بسبب ما رأوه من تصادم بين النص وبين مسلَّمة لزوم إقامة الحكومة الإسلامية؛ حيث عجزت أفكارهم عن إيجاد حلٍّ ضمن إطار النص، بخلاف فقهاء الإمامية الاثنى عشرية الذين استطاعوا - مع بقائهم وتمسُّكهم بالنص - إيجاد صيغ بديلة عن الشورى أو التلفيق.
ومن أمثلة هذه الفِرق: الزيدية؛ الذين ذهبوا - نتيجة هذا التصادم - إلى ما ذهبوا إليه. وقد عقد الشيخ الصدوق في كتابه: إكمال الدين وإتمام النعمة (ص 77) فصلاً في الجواب عنه.
____________________
(1) الأشعري، سعد بن عبد الله، المقالات والفِرق، ص19.
المبحث الثاني:
النظريَّات المختلفة في إدارة شؤون الحكم ودور الشورى فيها (1)
النظرية الأولى المشهورة:
من أن للأمة صلاحية البتِّ في ولاية الحكم والقيادة من رأس الهرم إلى كافَّة
____________________
(1) مجموع هذه النظريات وأدلَّتها ووجوهها الآتية مستخلصة من الكتب التالية:
1 - تفسير المنار، محمد رشيد رضا.
2 - روح البيان، الآلوسي.
3 - فقه الدولة الإسلامية، الشيخ المنتظري، ج1.
4 - مفاهيم القرآن، دراسة موسَّعة عن صيغة الحكومة الإسلامية، الشيخ السبحاني.
5 - بيام قرآن، ج10 (قرآن مجيد وحكومت اسلامى)، الشيخ مكارم الشيرازي.
6 - طرح حكومت اسلامى، الشيخ مكارم الشيرازي.
7 - تفسير الميزان، ج4، ص124، العلامة الطباطبائي.
8 - الحكومة الإسلامية في أحاديث الشيعة، للشيخ السلطاني، والمظاهري، والمصلحي، والخرازي، والأستادي.
9 - الاجتماع السياسي الإسلامي، الشيخ شمس الدين.
10 - مجلَّة: حكومت إسلامي، ع 1 و 2، مقالات الشيخ مهدي الحائري.
11 - تنبيه الأمَّة وتنزيه الملَّة، الميرزا النائيني.
12 - حكومت در إسلام، السيد الروحاني.
13 - الإسلام يقود الحياة، ص172، الشهيد السيد الصدر.
14 - الفقه - الاجتهاد والتقليد، ج1، السيد الشيرازي.
وغيرها من الكتب التي صدرت أخيراً عن الحكومة الإسلامية وخصَّت الشورى بباب أو فصلٍ مستقل.
الأجنحة، وهذه النظرية مع شهرتها إلاّ أنها لا تجد أساساً تطبيقياً في التاريخ الإسلامي من انتخاب الخلفاء الثلاثة إلى دولة بني أميّة وبني العبّاس؛ لذا نجد أن معالمها قد تكاملت مع العصور المتأخرة ويمكن التعبير عنها بالمصطلح الحديث: إن السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية بيد الأمة.
ولكن بقي في هذه النظرية نقاط لم تحسم:
منها: أن المدار في الانتخاب هل هو على الأكثرية الكمية أو على الكيفية؛ ممَّا قد يَصطلح عليه أهلُ الحلِّ والعقد؟ وعلى الفرضية الأولى: هل هي مطلق الكثرة النسبية؛ ولا يلتفت إلى الطرف المقابل ولو كان بنسبة 40% فما فوق، حتّى وإن كان الطرف الأقل أكثر وعياً وأبصر بالأمر؟
ثُم هل المدار على ما يهوى المنتخِبون من دون ملاحظة شرائط ومواصفات في المنتخَب أو أنهم مقيَّدون في انتخابهم بشرائط خاصة؟ وهل عليهم مراعاة توفُّرها بالنحو الأكمل في المنتخَب أم بأيِّ درجة كانت؟
ومنها: أن الأساس القانوني أو - بتعبير آخر - شرعية الحاكم في تولِّي السلطة لم يتم تشخيصه وتحديده؛ فهل الحاكم المختار هو وكيل عن الجماعة في إدارة شؤونها العامة؟ وهذا يعني وجود عقد وكالة بينهم، مع ما يستلزمه هذا من القول بأنه وكالة من نوع خاص؛ إذ لا تسري عليه كل أحكام الوكالة.
أو أن سلطة الحاكم المختار هي ولاية على الأمة؟ وهذه يُتصوَّر على نحوين:
أحدهما: أن تنقل الأمة الولاية التي لديها على نفسها إلى هذا الحاكم.
والأخر: أن يكون له الولاية من قبل أهل الحلِّ والعقد الذين يجعلون الحاكم المنتخَب له الولاية، فتكون ولايته طولية كما في ولاية حاكم المدينة المعيّن من قبل الإمام المعصوم.
ففقهاء المذاهب مختلفون في تحديد شرعية سلطة الحاكم.
وقد ظهر متأخراً طرح ثالث للشورى؛ وهو أن الشورى تكون كاشفة ومبيِّنة عمَّن له حق الولاية في علم اللَّه عزَّ وجل، والشورى تكون كاشفاً إثباتياً عن الأجدر والأكثر تأهُّلاً لنيل منصب الولاية، وأن الولاية ثابتة له من اللَّه عزَّ وجل. ويظهر هذا الطرح في كتابات بعض المتأخرين من أتباع المذاهب غير الإمامية.
النظرية الثانية:
أن الولاية تثبت بالنص لشخص الولي، إلاّ أن فعلية ولايته منوطة بالبيعة والشورى، وعند فقد النص يكون الأمر شورى. وبالتعبير الحديث يقال: إن السلطة التنفيذية بيد الأمة، غايتها يكونون مقيَّدين بالمنصوص عليه، وفي حالة عدمه، يختارون مَن تنطبق عليه المواصفات والشرائط. أما السلطة التشريعية، فهي بيد الأمة. فالولاية للمختار بالأصالة، لا بالنيابة عمّن اختار المنصوص عليه.
النظرية الثالثة:
في حالة وجود النص فهو المتَّبع ولا دور للشورى، وفي حالة عدمه أو غيبة المنصوص عليه، فالأمر يعود للأمة لاختبار الحاكم، لكن ذلك مشروط بنظارة أهل الخبرة الشرعية؛ وهم الفقهاء.
وفي عصر الغيبة يكون الأمر للأمة شورى، تمارس السلطة التنفيذية والتشريعية، غايته يكون ذلك تحت نظارة وإشراف الفقيه.
ولهذه النظرية صياغات:
1 - أن دور الفقيه يكون كدور المحكمة الدستورية في التعبير الحديث؛ وهو فصل النزاعات والاختلافات الحاصلة بين السلطات، وإمضاء التشريعات التي
تصدرها الهيئة التمثيلية للأمة، وهذا هو ما ذكره الميرزا النائيني في تنبيه الأمة وتنزية المِلَّة.
2 - أن الفقيه يكون له دور المشاهد والرقيب على سير عمل السلطات الثلاث، فإذا ما انحرفت عن مسارها الصحيح، تدخَّل لتقييم اعوجاجها، وهذا ما يذكره الشهيد الصدر في عهد الغيبة.
3 - أن الفقيه هو المحور في الحكم، غايته قد تعوزه الخبرة العملية في تحصيل الموضوعات فيستعين بأهل الخبرة في كافَّة المجالات التي يحتاجها في تسيير شؤون الدولة؛ من سياسة واقتصاد وقانون وثقافة... وهذا نظير ما طرحه السيد الخوئي في الجهاد من كونه بيد الفقيه غايته يجب أن يستعين بأهل الخبرة من السياسين والعسكريين في إعلان الجهاد.
وهذا التفسير الأخير يباين النظرية المزبورة، وقد يتطابق مع النظرية الخامسة الآتية.
النظرية الرابعة:
أن ولاية الأمر هي بيد المنصوص عليه أو مَن ينيبه المنصوص عليه، ولا يعود الاختيار للأمة. غايتها أن كليهما ملزمان في تسيير أمور الأمة بالشورى، ويكون رأي الشورى ملزِماً لهما ولا يجوز لهما مخالفته.
وطبقاً للتعبير الحديث: السلطة التنفيذية بيد المنصوص عليه أو مَن ينيبه، والسلطة التشريعية - في كلا الفرضين - بيد الأمة.
النظرية الخامسة:
أن ولاية الأمر تكون بالنص ولا مناص منه؛ حيث إن الولاية للَّه عزَّ وجلَّ يجعلها لمَن يشاء من خلقه، فهي تابعة للمنصوص عليه أو مَن ينيبه، غايته يكون ملزَماً في طريقة تسيير شؤون دولته وأمَّته بالاستشارة، لكنَّه غير ملزَم بنتيجة المشورة فيستطيع مخالفتها.
وتكون فائدة الاستشارة بالنسبة للمعصوم ما سوف نبيِّنه فيما بعد، أمَّا بالنسبة لغير المعصوم، فهي نوع من الاستعانة الفكرية.
وهذه النظرية هي التي يتبناها فقهاء الإمامية، وهي مؤدَّى نظرية النص، غايته فيها نوع من الاستعانة بالشورى في إدارة شؤون الأمة.
وهناك طرح أخير يُتَدَاول بين علماء الإمامية - ولْيَكن نظرية سادسة - حاصله: أن الولاية هي بالنص دائماً، غايته في عصر الغيبة جَعل المعصومُ نيابةَ عامة ضمن مَن تتوفَّر فيهم شرائط خاصة، ويعود للأمة تعيين ذلك المصداق فيمَن تتوفَّر فيهم الشرائط.
وشرعية سلطة ذلك الولي المختار من قبل الأمة هي بكون الولاية له من المعصوم، لا من الأمة، غاية الأمر أن الاستنابة من المعصوم هي لمَن تتوفَّر فيه شرائط؛ أحدها: رجوع الأمة إليه، المستفاد من: (فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا) (اجعلوا بينكم ممَّن قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته قاضيا) (فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً).
وهذا الطرح الأخير يكاد يتطابق مع النظرية الخامسة، مع إناطة دور للأمة في الاختيار والرجوع إلى الفقيه.
وقد خالف الإنصاف مَن نسب النظريات الأخرى إلى الإمامية، بل هي رأي عدَّةٍ من المتأخرين، لا المتسالم بينهم المنسوب إلى الضرورة عندهم، ومِن ثَمَّ لم يكن
من الإنصاف أيضاً التعبير والاقتصار على تلك النظريات مع كونها خلاف ظاهر المشهور بين الإمامية، فإن تصريحاتهم تنادي بالخلاف، مع إطباقهم في كل الطبقات على حصر مشروعية الحكم - بكل شعبه، وفي كل الأدوار الزمانية - بالنص. وقد بحث الفقهاء جانباً من هذا الموضوع في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وكتاب القضاء، وكتاب الجهاد، ومسألة التولِّي عن السلطان الجائر في المكاسب المحرَّمة.
ولابدَّ أن نشير إلى أن النظريات الأربع عندما تسند دور الشورى في تشريع القوانين، فإن ذلك يكون في الموارد التي سكت عنها الشارع ولم يكن له فيها حكم خاص، وبتعبير أخر: أن الشورى تكون لسد منطقة الفراغ في التشريع، بخلاف النظريتين الخامسة والسادسة؛ حيث لا يكون لمجلس الشورى - مثلاً - أيُّ دور تشريعي، بل هو أشبه بالمجلس الاستشاري، فتحتاج قوانينه إلى إمضاء الفقيه.
المبحث الثالث:
الأدلَّة النقلية التي أُقيمت على النظريَّات المختلفة.
وتشترك النظريات الأربع في إناطة جانب من الحكم - التنفيذي والتشريعي - أصالة بالأمة؛ ومن هنا سوف نجعل ذلك هو المحور في البحث، فهل يوجد للأمة مثل هذا الدور أم لا؟
والمستدِل بهذه الأدلة تارةً يستدِل على أن الولاية لمجموع الأمة، وتارة للنخبة؛ وهم أهل الحل والعقد، وقد يستدل بها على أن الولاية ثابتة للأمة في عصر الغيبة فقط؛ دون عصر النص.
أولاً:
الأدلة المتضمِّنة للفظ الشورى.
1 - الآيات: وقد ورد لفظ الشورى في موضعين من القرآن الكريم:
أ - قوله تعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (1) .
ب - ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) (2) .
فالآية الأولى وردت بصيغة الأمر، والآية الثانية وردت في سياق بيان صفات
____________________
(1) آل عمران 2: 159 / مدنية.
(2) الشورى 42: 38 / مكِّية.
المؤمنين، وبعض هذه الصفات إلزامي وبعضها ندبي.
وصيغة الأمر في الآية الأولى تجلي الخطاب؛ إذ هو أمر في وجوب المشاورة في كافَّة الشؤون حتى بالنسبة للرسول، ويكون الهدف من ذلك تعليم الأمة وتثقيفها على هذا النوع من الأسلوب؛ وهو المشورة.
أمَّا الآية الثانية، فورد فيه لفظان:
الأول: (أمرهم)، والمراد به الشأن أو الشيء المهم، وعند إضافته إلى المسلمين يكون المجموع دالَّاً على أن الأمر والشيء المهم هو الذي يرتبط بالمجموع، وهل يوجد ما هو أهم من تعيين الولي الذي يقوم بإدارة شؤون المجتمع؟!
الثاني: (الشورى)، فتعني تداول الآراء بين المجموع. وكلمة (بينهم) تؤكِّد دخالة المجموع في إبداء الرأي، واستقلالية هذا الرأي عن العناصر الخارجة عنهم.
والآية الكريمة تعدِّد مجموعة من صفات المؤمنين؛ أكثرها إلزامي كإقامة الصلاة والإنفاق الواجب والاجتناب عن الكبائر، وهذا الوصف طبيعي من حيث تعلُّقه بالوظائف العامة، والأمور التي تعني المجتمع لا تقبل الندبية؛ حيث أن بعض الأمور إنْ شُرِّعت، وجبت، ولا يمكن أن تكون مشروعة وغير واجبة، وبهذا يُستدل على إلزامية الشورى الواردة في هذه الآية.
ويلاحظ أن هذه الآية مكِّية؛ وقد نزلت في وقت لم يكن للمسلمين دولة وكيان بالمعنى المتعارف.
2- الاستدلال بسيرة الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله حيث التزم بالشورى في عدِّة مواضع:
1 - واقعة بدر: حينما نزل الرسول في موقع، قال له الحباب بن المنذر بن الجموح: يارسول اللَّه، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة). فقال: يارسول اللَّه، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتّى نأتي أوَّل
ماء من القوم، فننزله، ثُمَّ نغور ما وراءه من القُلُب، ثُمَّ نبني عليه حوضاً، فنملؤه ماءً، ثُمَّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال له الرسول صلىاللهعليهوآله : (لقد أشرت بالرأي) (1).
2 - غزوة أحد: حيث تشير كثير من كتب السير على أنه صلىاللهعليهوآله كان رأيه البقاء في المدينة، ورأي عامة المسلمين هو الخروج، وقد اختار ما رآه عامة المسلمين في الخروج من المدينة، حيث دخل صلىاللهعليهوآله بيته وخرج لابساً لامته وصلَّى بهم الجمعة، ثُم خرج، فندم الناس وقالوا: يارسول اللَّه، استكرهنا ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد صلى اللَّه عليك، فقال صلىاللهعليهوآله : (ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لامته أن يضعها حتّى يقاتل) (2) .
3 - غزوة الأحزاب/ الخندق:
فقد أخذ برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق، وقصته معروفة مشهورة.
وموقف آخر حينما أراد الرسول صلىاللهعليهوآله عقد الصلح مع غطفان، فأرسل إلى عيينة بن حصين والحارث بن عوف؛ وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمَن معهما عنه وعن أصحابه، فلمَّا أراد أن يوقِّع معهما الشهادة والصلح، بعث إلى سعد بن مُعاذ وسعد بن عُبادة، فذكر لهما ذلك واستشارهما، فقالا: يارسول اللَّه، أمراً تحبُّه فنصنعه، أم شيئاً أمرك به اللَّه لابدَّ لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: (بل شيء أصنعه لكم، واللَّه ما أصنعُ ذلك إلاّ لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمرٍ ما)، فقال له سعد بن معاذ: يارسول اللَّه، قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللَّه وعبادة الأوثان، لا نعبد اللَّه ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلاّ قِرىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا اللَّه بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك
____________________
(1) ابن هشام، السيرة النبوية، ج1، ص620.
(2) المصدر، ج3، ص 63.
وبه، نعطيهم أموالنا، واللَّه مالنا بهذا من حاجة، واللَّه لا نعطيهم إلاَّ السيف حتّى يحكم اللَّه بيننا وبينهم، قال رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله : (فأنت وذلك)، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثُم قال: يجهزوا علينا (1) .
فهذه المواقف هي نبذ يسيرة من سيرة الرسول صلىاللهعليهوآله في تعامله مع قومه، وأنه كان ينزل عند رأي مَن يستشيرهم، ولو لم يكن ينزل عند رأيهم؛ لكان الأمر بالمشورة لغواً وعبثاً.
وعليه نعود إلى الآيتين الكريمتين، فإن الأمر الوارد الاستشارة فيه، إمَّا أن نعمِّمه إلى رأس الهرم السياسي، وهو الخليفة والزعيم، أو لا أقل يستفاد منها الإلزام في الوظائف التي تهمُّ المجتمع كالقوة التنفيذية والتشريعية.
3 - الاستدلال بالعديد من الروايات الدالَّة على وجوب الشورى.
ونحن نقسِّمها إلى أصناف:
الصنف الأوَّل: روايات الشورى.
ـ قول علي عليهالسلام في النهج / قسم الكتب / الكتاب 6: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ؛ وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً، كان ذلك للَّه رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة، ردُّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى، قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين، وولّاه اللَّه ما تولَّى، وإن طلحة والزبير بايعاني، ثُم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردِّهما، فجاهدتهما على ذلك حتّى جاء الحق وظهر أمر اللَّه وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون).
وقد ذكر صدرها ابن
____________________
(1) ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص223.
مزاحم في وقعة صِفِّين: (أمَّا بعد، فإن بيعتي لزمتك وأنت بالشام؛ لأنه بايعني....).
ـ النبوي: (إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهْر الأرض خير لكم من بطنها) (1) .
ـ النبوي: (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة). البخاري/ كتاب المغازي/ باب: كتابه صلىاللهعليهوآله إلى كسرى.
ـ قوله عليهالسلام عندما أُريد البيعة له: (دعوني والتمسوا غيري.... واعلموا إن أجبتكم، ركبتُ بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني، فأنا كأحدكم، ولعلِّي أسمعكم وأطوعكم لمَن ولّيتموه أمركم، وأنا لكن وزير خير لكم من أمير) (2) .
ـ تاريخ اليعقوبي( ج2/ ص9) في أحداث غزوة مؤتة، قال رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله : إن أمير الجيوش زيد بن حارثة، فإن قُتل، فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل، فعبد اللَّه بن رواحة، فإن قُتل، فليرتضي المسلمون من أحبوا).
ـ وفي الطبري(ج6 / ص3066) عن ابن الحنفية قال: كنت مع أبي حين قُتل عثمان، فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله فقالوا: إن هذا الرجل قد قُتل، ولا بدَّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحقَّ بهذا الأمر منك؛ لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله فقال: (لا تفعلوا؛ فإني أكون وزيراً خير من أن أكون أميرا) فقالوا: لا واللَّه، ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك. قال: (ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفية، ولا تكون إلاّ عن رضى المسلمين).
ـ وفي الكامل ( ج3 / ص193): (أيُّها الناس، عن ملأ وأذن إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلاّ مَن أمّرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، وكنت كارهاً لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم،
____________________
(1) تحف العقول، ص36، وسنن الترمذي، ج3، 361، باب الفتن/ 64.
(2) النهج، خ 92، و الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج6، ص3076، وابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص193.
ألا وإنه ليس لي دونكم إلاّ مفاتيح ما لكم، وليس لي أن أخذ درهماً دونكم).
ـ كشف المحَجة لابن طاووس (ص180) قوله عليهالسلام : (وقد كان رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله عهد إليَّ عهداً؛ فقال: ياابن أبي طالب، لك ولاء أمتي، فإن ولُّوك في عافية واجمعوا عليك بالرضا، فقم بأمرهم، وإن اختلفوا عليك، فدعهم وما هم فيه).
ـ النبوي في شرح ابن أبي الحديد(ج11 / ص11): (إنْ تولُّوها عليَّاً، تجدوه هادياً مهديا).
ـ كتاب سليم بن قيس (ص118) عن النبي صلىاللهعليهوآله قال: (ما ولَّت أمة - قط - أمرها رجلاً وفيهم أعلم منه إلاَّ لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتّى يرجعوا إلى ما تركوا).
ـ كتاب سليم بن قيس (ص182) عنه عليهالسلام : (والواجب في حكم اللَّه وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل.... أن لا يعملوا عملاً، ولا يحدثوا حدثاً، ولا يقدِّموا يداً ولا رجلاً، ولا يبدؤوا بشيء، بل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً عارفاً بالقضاء والسنة يجمع أمرهم).
ـ مقاتل الطالبيين (ص36) عن الحسن المجتبى عليهالسلام في خطاب لمعاوية: (إن علياً لمَّا مضى لسبيله.... ولَّآني المسلمون الأمر بعده، فدع التمادي بالباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي؛ فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك).
ـ بحار الأنوار (ج65 / ص44/ ب 19) كيفية المصالحة من تاريخ الإمام الحسن عليهالسلام : صالحه على أن يسلِّم له ولاية أمر المسلمين، على أن يعمل فيهم بكتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله وسيرة الخلفاء الصالحين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين).
ـ إرشاد المفيد (ص185) و الكامل في التأريخ لإبن الأثير(ج4 / ص20) كتاب وجهاء الكوفة لسيد الشهداء عليهالسلام : (أمَّا بعد، فالحمد للَّه الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة، فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضى منها)
فأجابهم عليهالسلام : (إني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملائكم وذوى الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم، فإني أقدم إليكم وشيكاً).
ـ الدعائم (ج2 / ص572/ كتاب آداب القضاء) عن الصادق عليهالسلام : (ولاية أهل العدل الذين أمر اللَّه بولايتهم وتوليتهم وقبولها والعمل لهم، فرض من اللَّه).
ـ قوله عليهالسلام لطلحة والزبير: (ولو وقع حكم ليس في كتاب اللَّه بيانه، ولا في السنة برهانه، لشاورتكما) (1) .
ـ سنن أبي داود (ج 2 / كتاب الجهاد/ باب القوم يسافرون يؤمِّرون أحدهم) عن النبي صلىاللهعليهوآله : (إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمَّر أحدهم). وفي مسند أحمد بن حنبل(ج2/ص177): (لا يحلُّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة، إلا أمَّروا عليهم أحدهم).
ـ في كتاب الوثائق السياسية (ص 120 / الوثيقة 33) معاهدته مع أهل ومضمون المعاهدة هو أنه: (ليس عليكم أمير إلاّ من أنفسكم أو عن أهل رسول اللَّه، والسلام).
ـ في خطبة الإمام علي عليهالسلام (رقم 73): (ولعمري لأن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى تحضرها عامة الناس، فما إلى ذلك بسبيل، ولكن أهلها يحكمون على مَن غاب عنها، ثُم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار).
وفي الخطبة(127): (والزموا السواد الأعظم؛ فإنّ يد اللَّه مع الجماعة، وإيَّاكم والفِرقة).
ـ وفي وقعة صِفِّين عندما كان القرّاء يتوسطون بين الإمام ومعاوية، قال معاوية: إن كان الأمر كما يزعمون، فما له ابتز الأمر دوننا على غير مشورة منا ولا ممَّن هاهنا معنا؟ فقال علي عليهالسلام : (إنما الناس تتَّبع المهاجرين والأنصار، وهم شهود المسلمين
____________________
(1) ابن أبي الحديد، شرح النهج، ج7، ص 41.
على ولايتهم وأمر دينهم، فرضوا بي وبايعوني، ولستُ استحلُّ أن أدع حزب معاوية يحكم على الأمة ويركبهم ويشقَّ عصاهم).
فرجعوا إلى معاوية، فأخبروه بذلك، فقال: ليس كما يقول، فما بال مَن هاهنا من المهاجرين والأنصار، لم يدخلوا في الأمر فيؤامِّروه؟! فانصرفوا إلى علي عليهالسلام ، فقالوا له ذلك واخبروه، فقال عليهالسلام : (ويحكم هذا للبدريِّين دون الصحابة، وليس في الأرض بدري إلاّ وقد بايعني، وهو معي، أو قد أقام ورضي، فلا يغرنّكم معاوية من أنفسكم ودينكم) (1) .
فهذا الجواب للإمام يدلِّل على مدى قيمة رأي النخبة في المجتمع أو أهل الحلِّ والعقد.
وأمر الإمام معروف عندما أقبل عليه الثائرون من الأمصار بعد مقتل عثمان وأرادوا مبايعته، فقال: (إنما ذلك لأهل الشورى وأهل بدر).
ولا يُتَصوَّر أنَّ أجوبة الإمام هي في مقام المحاجَّة؛ فقد ورد عن الإمام الرضا عليهالسلام عن إبائه عليهمالسلام عن النبي صلىاللهعليهوآله : (مَن جاءكم برأيه يفرّق الجماعة ويغصب الأمة أمرها ويتولَّى من غير مشورة، فاقتلوه) (2) ، فهي ليست في مقام المحاجة، بل ذكرها ابتداءً وتأسيساً لقانون وجوب اتباع رأي الأمة، وهو الشورى وعدم جواز الخروج عن رأيهم.
الصنف الثاني: روايات الاستشارة.
وهي روايات كثيرة متظافرة من جهة المعنى، تؤكِّد على ضرورة المشاورة والاستشارة في الأمور كافّة؛ نحو قوله عليه السلام: ( لن يهلك امرؤ عن
____________________
(1) وقعة صِفِّين، ص 189 - 190.
(2) عيون أخبار الرضا، ح2، ب31، ص62.
مشورة)، (خاطر بنفسه مَن استغنى برأيه)، وذكرت الروايات فضيلة المشاورة والشروط الواجب توفرها في المستشار؛ من الإيمان والعقل، وهي مفصَّلة يمكن ملاحظتها في:
- وسائل الشيعة/ كتاب الحج، وأبواب أحكام العِشرة/ ب 26 - 21.
- بحار الأنوار/ ج72 / ب 48 - 43.
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة:
أ - إن التأكيد الوارد في هذه الروايات يدلِّل على محبوبية الاستشارة ولزوم اتباع نتيجتها، ولو كانت نتيجتها غير واجبة الاِتباع؛ لكان الأمر بها والحثُّ عليها بهذا النحو لغواً وعبثاً.
ب - إنه قد ورد في بعض الروايات على نحو القضية الشرطية: (مَن لم يستشر، هلك). فقد يقول قائل: إن الوقوع في الهلكة في بعض الحالات قد يكون له وجه، لكن إذا عمَّمنا الأمر بالاستشارة للوظائف العامة التي تهمُّ صالح المجتمع، فإن الوقوع في التهلكة لا يكون جائزاً بأيِّ نحوٍ كان؛ فهي تدلّ على وجوب الاستشارة ولزوم نتيجتها.
ج - بعض الروايات توجب اتباع أراء المستشارين، وفي بعضها التحذير: (إيَّاك والخلاف، فإن مخالفة الوَرِع العاقل مفسدة في الدين والدنيا) (1)؛ فهذه تدل على لزوم الأخذ بالاستشارة.
د - ورد في روايةٍ أنه قيل: يارسول اللَّه ما الحزم؟ قال: (مشاورة ذوي الرأي واَتباعهم) (2) .
فالاستشارة لها ارتباط بالحزم؛ وهو استجماع العزم والإرادة، فالإرادة في مثل هذه الأمور التي تهم المجتمع، والتي يجب أن يؤخذ بها بالحزم، يجب أن تكون صادرة
____________________
(1) وسائل الشيعة، أبواب العشرة، ب22، ح5.
(2) المصدر، ب21، ح1.
ومنبعثة عن الاستشارة.
هـ - إن العقل العملي يحكم بلزوم الاستشارة؛ وذلك لأن عقل الإنسان وحده غير محيط بجهات الحسن والقبح في الأفعال، فإذا أراد أن يقْدم على أمرٍ ما، يجب عليه مشاورة الآخرين والأخذ بأرآئهم حتّى يظهر له وجوه الحسن والقبح. وتزداد أهمية الاستشارة كلَّما ازدادت أهمية المورد الذي يريد الإنسان أخذ قرار فيه، فكيف إذا كان شأناً من الشؤون والمصالح العامة للمجتمع. والحِكَم والعِلل المذكورة في الروايات إنما هي إرشاد لهذا الحكم العقلي.
وقد يقال: إن الآيات والروايات الواردة في الشورى لا تدل على المطلوب؛ وذلك لأنها اكتفت بذكر العنوان فقط مع الإغفال عن ذكر تفصيلات الاستشارة وكيف تكون؟ وما هو دور أهل الحلِّ والعقد؟ وماذا يحصل عند الخلاف؟ هذا مع عظم أهمية الشورى حسب مدعى القائل، ودخالتها في تلك الأمور الهامة، فلماذا سكت الشارع عن تحديد كل هذه التفصيلات؟
والجواب: أنه ممّا لاشك فيه أن هذه القاعدة تدخل في تنظيم شؤون المجتمع، فهي تتأثر بظروف المجتمع الخاصة، فلو كان الرسول صلىاللهعليهوآله قد أتخذ عدداً معيناً للمشورة، فهو عدد يتلائم مع تعداد المسلمين في ذلك الزمان، ومع ذلك؛ فإنه سوف يتمسَّك بهذا العدد حتّى مع بلوغ عدد أفراد المجتمع الآف الأضعاف؛ فلذلك لم يشأ الرسول صلىاللهعليهوآله أن يجعل هناك ضوابط جزئية لهذه المسألة الهامة حتّى يكون لكل مجتمع - في كل زمان - ما يرتأيه؛ طبقاً لظروفه الخاصة، وحتّى يكون الإسلام متلائماً مع التطوُّرات الحاصلة في كل مجتمع.
هذا تمام ما يمكن الاستدلال به من الطائفة الأولى؛ وهي أهم الطوائف، يبقى تقييم أدلة الشورى:
كيفية الاستفادة من الشورى في اتخاذ الآراء والقرارات؛ هل يُتَّبع الكم أم الكيف؟
فمن جهة يقال: إنه من أجل حفظ النظام واستقامة الأمر لا يمكن طرح رأي
الأكثرية، فيجب أن يؤخذ به على حساب الأقلِّية.
والمشكلة تنشأ من أن الأقلِّية لو كانت متضمِّنة لرأي نخبة المجتمع من المفكرين والعلماء، فكيف يمكن غمض النظر عن هذا الأمر وترجيح رأي الأكثرية؟
فذهب كثير إلى محاولة التلفيق بين هذين الرأيين:
ـ فقال البعض: إن الأمة يجب أن تقوم بانتخاب النخبة، وهؤلاء ينتخبون الولي.
ـ أن توضع حدود لانتخاب واختيار الأمة؛ أي لا تكون الأمور مطلقة على عنانها بالنسبة للأمة، بل يجب أن يتقيَّدوا بقوانين وأحكام إسلامية.
التقييم:
أوَّلاً: رأي آخر في فهم الأدلَّة.
في مقام تقييم هذه الأدلة من آيات وروايات، وقبل أن نبدأ بالإجابة على كل نقطة من النقاط السابقة، فإنا نذكر أن نفس الآيتين اللتين اِستُدِل بهما على الشورى يوجد لهما تفسير آخر؛ وهو مشهور وشائع بين المفسِّرين والمفكرين، وحاصل ذلك:
أن المستفاد من الآيات والروايات هو حثُّ المكلف - الذي هو في موضع المسؤولية عن الأمة وإدارة شؤونها، بل حتّى في أموره الخاصة - على الاستشارة وتوسعة أفق التفكير ومنابعه، وعدم التعنُّت برأيه والتوحُّد به، بل يُلزم الإنسان بفحص أراء الآخرين مع تمسُّكه بأن يكون الرأي النهائي له، وألاّ يكون متحرِّكاً تبعاً لإرادة المجموع.
بيان ذلك:
ذكرنا سابقاً في الفصل الأول عن وجود قوتين مفكِّرتين في النفس البشرية؛ أحدهما: النظرية، والأخرى: العملية،
فالأولى تقوم بدور البحث بين المعلومات المتوفِّرة؛ لأجل تهيئة مقدِّمات استكشاف المجهول وإدراك النتيجة.
والأخرى عملية تقوم بدور الإذعان والتسليم والجزم بتلك النتيجة، وتسيير القوى السفلى وممارسة دور الأمير والتوجيه لها.
وبتعبير آخر: أن الإنسان في منهجية تفكيره يتَّبع ما هو متداول في العصر الحديث من سلطات الشورى والتشريع؛ حيث دور البحث والتنقيب، ثُم دور القضاء القانوني الذي يقوم بالإذعان والجزم بهذه النتيجة وعدمها، ثُم دور التنفيذ وتوجيه القوى العمالة.
فالإنسان في تفكيره ينطوي على تلك السلطات التي تدير شؤون المجتمع المدني؛ لذلك عُبِّر عن المجتمع بـ: الإنسان المجموعي. وكلَّما دقَّقنا النظر وتأملنا في سير عملية التفكير في الإنسان الصغير، سوف يتَّضح لنا حلاً لملابسات كثيرة في الإنسان المجموعي.
فالمدَّعى هو: أن الشور والتشاور فعل ومادة وعنوان لفعل القوى الفكرية النظرية، وليس عنواناً لفعل القوى العملية وسلطتها العمَّالة على القوى النازلة، وهي الإرادة، ثُم ترد مرحلة الجزم والتسليم والإذعان، وهي مرحلة قضائية؛ إذ تكون فيصلاً بين التسليم بتلك النتيجة وعدمها، وهو فعل مزدوج بين القوة الفكرية والعملية، فالقضاء يقوم بتحديد الكبرى، وهو عمل فكري وليس بعملي، ثُم تطبيق الكبرى على النزاعات والموارد الموجودة والمعروضة أمامه.
وعلى كل حال.... فالمشورة والتساؤل يقابله الفعل الأول من أفعال العقل، وهو البحث والتنقيب، والفعل الثاني هو إدراك النتيجة، فهو أمر غير مسألة البحث، وإن
اختص بها العقل النظري أيضاً، إلاّ أنه ليس عين الفعل الأول، ويبقى الفعل الثالث: وهو الجزم والتسليم والإذعان، وهو ما أطلقنا عليه بالقضائية.
إذن؛ فالمشورة والتشاور ماهية لفعل إدراك المعلومات، لا ماهية لفعل عملي، فكيف يناسب عنوان السلطة والولاية والقدرة التي هي عناوين لأفعال القوى العملية؟ فهناك جمع للآراء تارة، وتارة أخرى جمع للإرادات، والشورى عنوان للأول لا الثاني، بل ليست هي - أيضاًـ في حقيقتهاً جمع للآراء، كما ليس للجمع والاجتماع مدخلية فيها، بل هي - كما سيأتي في معناه المقرَّر في اللغة - تقليب الآراء لاستخراج الصواب، سواء كان هو رأي الواحد أم الأقل أم الأكثر، فصبغة الرأي المنتخب هو لصوابيته لا لكثرته، فهي لا تعني حسم الأمر في اتخاذ قرار في مسألة ما، بل هي مقدمة لفعل آخر يقوم به المستشير.
وإذا عدنا إلى مفسَّري العامة في القرون الأربعة الأولى، لا نلاحظ وجود نظرية معينة حول الشورى أو تفسير كلا الآيتين بمعنى ولاية الشورى، بل على العكس، تراهم يذهبون في تفسيرها إلى معنى المشورة اللغوية. ويشكك الطبري: أنه كيف يؤمَر النبيّ باتباع الشورى مع أنه صلىاللهعليهوآله غني عن المسلمين بالوحي؟ (1) ، ويذكر فوائد الشورى؛ من اقتداء الأمة به، وتأليف قلوبهم، وينقل ذلك عن قتادة وابن إسحاق والربيع والضحَّاك والحسن البصري. والسيوطي في (الدر المنثور) يورد روايات كثيرة في ذيل الآية الكريمة على حسن الاستشارة واستحبابها، وأن المشاورة من الأمور الموصِلة للحق؛ ومنها ما عن الإمام علي عليهالسلام : (يارسول اللَّه، إذا نزل بنا الأمر من بعدك، وليس فيه قران؛ وليس فيه من قولك ومن سنتك، فماذا نصنع؟ قال: اجتمعوا وليكن فيكم العابد، فتُرْشَدون إلى أصوب الآراء).
____________________
(1) الطبري، جامع البيان، ذيل سورة آل عمران، ج4، ص101.
فقد يستفاد منها؛ أنه في مورد منطقة الفراغ يكون التشريع بيد الشورى، إلاّ أن الأمر ليس كذلك، بل المشاورة من أجل معالجة الأمر من كافة جوانبه، وتبادل الرأي للوصول إلى ما هو الصواب في نفسه، لا من جهة نسبته للأكثرية أو شبهها.
يقول الزمخشري في ذيل ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) : إن الشورى كالفُتيا بمعنى التشاور. ويقول في ذيل ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) : يعني في أمر الحرب ونحوه ممَّا لم ينزل عليك فيه، وهي لتستظهر برأيهم.... ويذكر من فوائده: لئلاَّ يثقل على العرب استبداده صلىاللهعليهوآله بالرأي دونهم، ( فَإِذَا عَزَمْتَ ) يعني قطعت الرأي على شيء بعد الشورى (1) .
فالجزم والرأي النهائي يكون للرسول صلىاللهعليهوآله ، وهو قد يخالف أكثرية الآراء.
وما نلاحظه من استدلال العامة بالآيتين على ولاية الشورى بدأ في العصور المتأخرة بكتابات الآلوسي ورشيد رضا وابن الخازن.
إذن، خلاصة ما يذهب إليه هذا الرأي أنه يوجد منحى في فهم هاتين الآيتين غير ما استدل به أصحاب ولاية الشورى، وأن أوائل المفسِّرين لم يجعلوا هذه الآية دليلاً على ولاية الشورى.
مضافاً إلى أن مبدأ ولاية الشورى يقترب من مبدأ سيادة الأمة، وهو المصطلح الحديث في النظم السياسية المعبِّر عن حكم الأمة، وتدخل الأمة في إدارة شؤونها بنفسها، وهذا المبدأ من المبادئ الحديثة التي ظهرت في القرنين الأخيرين وما زالت تتدخَّل فيه يد القانونيين حتّى يسدُّوا الثغرات التي تظهر بين آونة وأخرى، فلا نجد مظهراً واحداً معبِّراً عن هذا المبدأ، مع أن أغلب دول العالم تتمسَّك به. وأن الديمقراطية هي الأساس الذي تستند عليه الدولة الحديثة إلاّ أن الثغرات والعيوب
____________________
(1) الزمخشري، الكشَّاف، ج1، ص242.
الكثيرة التي ظهرت في هذه الممارسة للسلطة، دعتهم إلى أن يعيدوا النظر مرة وثانية وثالثة ليغيِّروا في طريقة الانتخاب وأهلية المنتخِب؛ وما ذلك إلاّ لأنهم يرون أن هذه الديمقراطية تؤدي إلى مظهر من مظاهر الدكتاتورية الحديثة؛ بسيطرة أصحاب رؤوس الأموال وظهور طبقة معينة تتداول الحكم فيما بينها.
ثانياً: الجواب عن تلك الأدلة.
بعد استعراض السير التأريخي لنظرية الشورى والرأي الآخر في فهم الآيتين الشريفتين، وهو الحق، فإنا نذكر الجواب عن الأدلة السابقة، وهي في نفسها تكون دليلاً على الفهم الآخر الذي ذكرناه وقوِّيناه.
الوجه الأول:
وهو العمدة؛ حيث إن المعنى اللغوي لمادة الشور والمشاورة معاً هو الموضوع لهذا المصطلح.
ـ فسَّر الراغب الأصفهاني الشورى بأنها من التشاور والمشاورة والمشورة؛ وهي استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض الآخر. وقولهم: شرت العسل إذا أخذته من موضعه واستخرجته منه (1) .
ـ يذكر ابن منظور في لسان العرب أن الأصل اللغوي هو من شار العسل إي استخرجه من الوقية واجتناه.... ويقال: شرت الدابة إذا أجريتها لتعرف قوتها. وحمله البعض على قوله تعالى: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) بمعنى لتعْلَم الأمين والمخلص من غيره، واستشاره أي طلب منه المشورة.
____________________
(1) المفردات، مادة (شور)، ص 270.
فالمدار في الاشتقاقات يشير إلى عملية الفحص والبحث الفكرية عن حقيقة الأمر، والوصول إلى نتيجة صحيحة (1) .
ـ تاج العروس: فلان شَيِّرُك؛ أي وزيرك، يقال: فلان وزير فلان وشَـيِّره أي مشاوره. وجمعه شوراء كما في شُعراء، وأشرني عسلاً وأشرني على عسل أعني على جَنْيه وأخذه من مواضعه (2) .
وهذه تؤكد أن المشاورة هي أحد أساليب الفحص والبحث قبل اتخاذ الرأي النهائي والعزم الإرادي في المسألة، وهو ما أشرنا إليه بأنه الفعل الأول للفكر.
ـ وأوضح من كل ما مضى ما يذكره ابن فارس أن شور وضعت لأصلين مفردين: الأول إبداء شيء وأظهاره وعرضه. والآخر أخذ شيء (3) .
وكلا المعنين شاهدان على ما ذكرناه؛ فالأول عملية استكشاف واختبار وفحص، والثانية أخذ الرأي الصائب من تصفُّح الآراء. فتكاد كلمات اللُّغويين تشير إلى هذه الحقيقة في الشورى، ولم يرد منها ذكْرٌ وإشارة إلى جهة سلطة أو إرادة أو ولاية أو قدرة تتحلَّى بها الشورى.
ـ ومن كتب اللغة المتأخرة نرى ما ذكر في المعجم الوسيط: (شار الشيء عرضه ليُبدي ما فيه من محاسن، وأشار إليه بيده، أومأ إليه معبِّراً عن معنى من المعاني كالدعوة للدخول والخروج. اشتور القوم: شاور بعضهم البعض، والمستشار: العليم الذي يؤخذ رأيه في أمر هام؛ علمي أو فني أو سياسي أو قضائي ونحوه، هو اصطلاح محدَث) إلاّ أنها ليست مرتجلة، بل منقولة عن الأصل اللغوي؛ لمناسبة بين المنقول منه والمنقول إليه، بل قد يقال: إنه نفس المعنى القديم وليس معنى جديداً
____________________
(1) لسان العرب، ج4، ص335.
(2) الزبيدي، تاج العروس، مادة(شور).
(3) معجم مقاييس اللغة، مادة شور.
منقولاً (1) .
وإنما أسهبنا في استعراض كلمات اللُّغويين؛ لأن عمدة ما يستدل به على عدم وجود ولاية أو سلطة في مادة الشورى هو أصل وضعها اللغوي، فإذا ادُّعي مثل ذلك في ظهور اللفظة، فيجب أن يكون بمؤنة زائدة على مجرد ورود اللفظ في الكلام.
وكل ما تفيده الكلمة أنها شبيهة ما يسمَّى بـ (بنك المعلومات أو بنك الخبرات).
ويمكن أن نضيف بعض الشواهد المؤيِّدة لِمَا ذكره اللُّغويون:
1 - إن البشرية تعتمد على نظام المستشارين في إدارة أيِّ عمل، وقلَّما يوجد مدير أو مسؤول خالٍ عن المستشارين، وفي نفس الوقت لا يكون لهم أيُّة سلطة على المستشير، بل وظيفتهم مجرد إبداء الرأي والنصح.
2 - إن الفقهاء - من الفريقين - يذكرون أن أحد أنواع الاستخارة هي: الاستشارة، وهذا يدل على أن فهمهم لمادة الشورى هو بمعنى انتقاء الرأي الصائب، لا وجود سلطة للمستشار على المستشير.
3 - سوف نشير فيما بعد إلى التحليل الماهوي لمادة الشورى، حيث نذكر أنه لا ملازمة بين إبداء الرأي ووجوب الأخذ به، وإنما الملزِم هو حقَّانية الرأي واستصوابه.
4 - إن الآية الشريفة في مقام بيان صفات خاصة يتحلَّى بها المؤمنون، ومن هذه الصفات عدم استبدادهم بالرأي وعدم نبذهم لآراء الآخرين، فهي تشير إلى ما يجب أن يتحلّى به المسلم في شؤونه الخاصة من تحرِّيه للصواب والحكمة التي هي ضالَّته أينما وجدها أخذها، وليس الأمر محصوراً بالشؤون العامة التي تهمُّ جميع المسلمين.
____________________
(1) لجنة المجمع اللُّغوي، المعجم الوسيط، القاهرة، ص499.
5 - إن القران اعتنى بمسألة الولاية ومَن تكون لهم الولاية على الآخرين؛ ولذا في أيِّ موضع أرادها، أشار إليها صراحة ( وأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ ) ... فالولاية من الأمور المهمة، سواء كانت فردية أم جماعية، فلو كان الشارع قد أرادها في الشورى، لصرَّح بها بمادتها بنحو لا يعتريه شك.
6 - قد ورد في القران الكريم في قوله تعالى: ( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا... )
فالحديث في الآية حول خصام الزوج والزوجة حول الطفل، والفقهاء متَّفِقون على أن الولاية للأب، وأن الحضانة هي للأم، ومع ذلك ورد التعبير بالتشاور، فمع اختصاص الولاية نَدَبَ إلى التشاور بين الزوجين في أمر الرضاع، وهذا لا يعني كون المشورة ملزِمة للولي، وهو الأب، بل هي معرفة أراء الأخير من أجل اتخاذ الرأي النافع لمصلحة الطفل.
7 - ما ورد في قصة بلقيس - ملكة سبأ - عندما جاءتها رسالة النبي سليمان عليهالسلام ، فإنها استشارت قومها مع أن الحكم بيدها، فأشاروا إليها: ( نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ) .
فواضح أنهم عرفوا موقعهم في الدولة، وأن الأمر بيد الملكة، وأن وظيفتهم بيان ما يرونه من الرأي، وأن التصميم على الحرب أو السلم بيد الملكة. وهي لم تأخذ برأيهم في المواجهة، بل اختارت طريق السلم والدبلوماسية.
والغرض ليس الاستدلال بفعل بلقيس، بل الإشارة إلى أن مسألة الشورى والاستشارة أمر عقلائي منذ القديم، وأسلوب في الإدارة متَّبع منذ الأزمنة الغابرة. والشارع قد أكدَّ على ذلك الأمر المهم وحثّ عليه.
8 - في سورة الحجرات (49 / 6): ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ.... ) .
حيث إنها واضحة الدلالة في أن الرسول لو أُلزم بالأخذ بنتيجة أرائهم دائماً، لوقع المسلمون في العنت والشقة.
والآية واقعة في سلسلة من الآيات التي ترشد الأمة الإسلامية إلى كيفية التعامل مع الرسول صلىاللهعليهوآله ، وكيفية الخضوع والمتابعة والتوقير وعدم رفع الصوت فوق صوته صلىاللهعليهوآله ، ويظهر من الآية أن الرسول كان يداري قومه في بعض الشيء لأجل تطييب خاطرهم وتحبيب قلوبهم؛ لأجل تمهيد الطاعة له صلىاللهعليهوآله .
9 - ما ورد في أول سورة الحجرات: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي لا تتقدَّموا على رسول اللَّه في البتِّ في الأمور فضلاً عن تنفيذها، فإنها ليست من وظيفتهم، بل هي وظيفة القيادة في حسم الأمر واتخاذ القرار النهائي؛ فهم تابعون حتَّى مع طلب المشورة منهم.
بل إن ملاحظة ما تقدِّم هذه الآية من قضية إخبار الوليد بن عقبة حول بني المصطلق، وتريث الرسول الأكرم في الأخذ بقوله، وعدم تريث المسلمين، بل تصميهم على العمل بقوله، [يثبت ذلك]. فالآية تنهاهم عن مثل هذا العزم المتقدِّم على عزم الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله .
10 - إن الحكمة من المشاورة - بناءً على هذا - هو ربط القيادة بالقاعدة، وتحفيز المواطنين على المشاركة في الشأن العام.
تلك عشرة كاملة تدعم وتثبت الأصل اللُّغوي لاصطلاح الشورى؛ وهو مداولة الآراء وكونها جسراً للتفاهم والتحاور وإيصال المرادات؛ حتّى يصل القائد والمستشير إلى نتيجة أقرب إلى الصواب، ويقلُّ احتمال الخطأ فيها.
وبناء على هذا التحقيق في المعنى اللُّغوي نصل إلى أن التعبير السائد بولاية الشورى غير صحيح؛ وذلك لأن الولاية تدل على القوة العملية والتنفيذية وجهة
الحسم واتخاذ القرار. والشورى تدل على أصل بداية المداولة الفكرية، فيوجد تدافع وتنافي بين اللفظين؛ فهذا تعبير ركيك وأعجمي، والأعجب صدوره من أدباء عرب يدَّعون العلم بموازين البلاغة واللغة.
الوجه الثاني:
أمَّا ما استُدل به في آية: ( وأمْرَهُم... ) ؛ من أن الإضافة دالة على أن الشأن المستشار فيه هو ما يهم مجموع المسلمين، فجوابه يكون بعد بيان المقدمة التالية:
إن علماء أصول الفقه وأصول القانون يتَّفقون على أن القضية لا تتكفَّل إثبات موضوعها؛ بمعنى أن القضية تدل على ثبوت المحمول والحكم للموضوع، ويكون الموضوع مفروض الوجود والتحقق. أمَّا تحديد الموضوع وتعيين موارده ومصاديقه، فهو قضية أخرى لا تتصدَّى لها نفس القضية.
وبناء عليه، فإذا نظرنا إلى الآية الكريمة التي تشير إلى ( وأمْرَهُم... ) فإن غاية ما تدل عليه أن الأمر والشأن مضاف إلى المسلمين، ولكي يترتَّب عليه المحمول - كما يدَّعيه المدَّعى - يجب توفُّر أمران:
أحدهما: أن يكون الأمر ممَّا يهم جماعة المسلمين.
والثاني: أن تكون صلاحية النظر في هذا الأمر إليهم؛ أي مضاف إليهم مختص بهم. وهذا شرط مهم حتّى يمكن تطبيق الآية والحكم بشورائية الأمر. فيجب أن نُحرز أنَّ هذا الأمر المجموعي مفوَّض ومُوكَل إلى الجماعة. وممَّا لا شك فيه أن تعيين الإمام وثبوت النص وعدم إقحام الأمة في اختيار قيادتها - سيَّما في عصر النبي صلىاللهعليهوآله والأئمة عليهمالسلام - أمر مسلَّم؛ لا يختلف في الأول - أي في عصر النبي - أحد من المسلمين، ولا في الثاني - أي في عصر الأئمة - أحد من الشيعة، فإنه يدل على أن هذا الشأن - وهو اتخاذ القائد والزعيم - ليس من الأمور التي تعود صلاحيتها بيد الشورى.
وعلى كل حال... فنفس الآية، ومجرد
تعبير ( أمْرَهُم ) ، لا يثبت المراد.
الوجه الثالث:
ملاحظة ذيل الآية ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ) .
فإن العزم يغاير الشور، وهما ليسا بمعنى واحد، فالأول متأخر عن الثاني زماناً؛ إذ أنه حاصل - في سياق الآية الكريمة - بعد الاستشارة، وهو بحسب بياننا لمراحل التفكير يمثِّل الفعل الثالث في أفعال النفس للإنسان الصغير أو الكبير، وهو عنوان للقوة الإجرائية والتنفيذية، وهي تسند العزم له وحده صلىاللهعليهوآله دون بقية المسلمين؛ فاتخاذ القرار بيده.
مضافاً إلى أن الشورى جعلت فيها للمجموع، أمَّا هنا، فإنه مسند إليه وحده. فهذه مقابلة بين الفعلين مادة وإسنادا.
وثالثاً: أن الأمر بالتوكُّل هو للنبيّ صلىاللهعليهوآله والخطاب له وحده.
ورابعاً: أن مادة التوكُّل يؤتى بها لأجل استمداد القوة ورباطة الجأش، فهو يدل على أنه صلىاللهعليهوآله لو خالف رأيهم، فعليه أن يعزم عليه ويتوكل على اللَّه، وخصوصاً إذا ما قارنَّا هذه الآية مع ما ورد في سورة الشعراء: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) ؛ ففيها ندب للرسول الأكرم أن يربِّي المسلمين ويجذبهم بلطيف المعاملة وحسن السيرة وخفض الجناح، وليس هذا معناه أن يكون لهم سلطة عليه، بل يبقى الأمر بيده، وعليهم المتابعة والانقياد. فإدارة شؤون الأمة والحاكمية ليست أمراً فردياً يقوم به شخص واحد ولو كان رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ، بل هو واجب مجموعي يتقاسمه الحاكم والمحكوم كل حسب دوره؛ ولذا حرص الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله على
تربية المؤمنين وحثِّهم على القيام بهذه المهمة، وتكون الشورى وقيامه صلىاللهعليهوآله باستشارتهم لإشعارهم أن الأمر يهمُّهم وإن كان عليهم الطاعة المطلقة لقيادته، ويكون له الرأي النهائي والعزم طبقاً للرأي الصائب في نفسه وإن كان مخالفاً لهواهم وأكثريتهم.
فإذا كانت سيرة المعصوم عليهالسلام مع أمَّـته هي سيرة اللين والمداراة والاستشارة، فكيف بغير المعصوم الفاقد للعلم اللدني؛ فهو ألزم باتباع طريقته وعدم الاستبداد بالرأي وأن كان اختيار الرأي النهائي راجعاً إليه وبيده زمام الأمور.
الوجه الرابع:
وهو جواب عمَّا قيل: إنه لو لم تكن نتيجة الشورى ملزمة، لكان الأمر بها مع الآية الكريمة عبثاً. وهذا يقودنا إلى البحث عن الحِكَم والمصالح المترتبة على الشورى، وهي كثيرة:
منها: تطييب القلوب وتآلفها.
ومنها: اختبار القيادة للقاعدة وتمحيصهم لمعرفة المؤمن الذي يشير من واقع الإحساس بالمسؤولية من غيره الذي يتَّبع هواه.
ومنها: إشراكهم في الأمر وأن للأمة دور في إدارة دفة الحكم، وأنّ القرار الصادر وإنْ كان بيد القائد إلاّ أنّ لهم دور في صنعه، ممَّا يجعلهم يتعاملون معه - في تنفيذه ونشره والدفاع عنه بين الناس - بشكل أكبر وحماس أكثر؛ حيث يكون عملهم على بصيرة وقناعة.
ومنها: أن الاستشارة تكون نوعاً من تربية القائد للأمة على كيفية التعامل مع الحوادث المختلفة، وأن المحور في كل الاستشارات هو الرأي الصائب والحقَّاني.
ومنها: أن في الاستشارة حداً من الاستبداد البشري والدكتاتورية المطلقة التي
تجعل الإنسان يستبد برأيه مع أنه حقيقة الفقر والاحتياج وأن الاستبداد المطلق هو من الصفات الإلهية. أمَّا بني البشر، فهم الفقر المطلق والحاجة المطلقة، ولا يكون معصوماً عن الخطأ إلاّ مَن عصمه اللَّه عزَّ وجل. فالنبي والإمام مع أن لهم هذه الخصوصية إلاّ أنهم أرادوا تعليم وتربية أمتهم على عدم الاستبداد بالرأي، وأنّ بالمشاورة يمكن الوصول إلى أرجح الآراء ومعالجة المشكل من كافة جوانبه؛ فيقلّ فيه احتمال الخطأ.
ومنها: أن الاستشارة تؤدي إلى إفشال ما يقوم به المعارضون والمنافقون؛ حيث إنهم يستغلُّون الغموض الذي يكون في القرارات والأحكام للتلبيس على الأمة، فالاستشارة تؤدي إلى رفع ذلك الغموض بحيث يكون ملابسات الحكم وخلفيَّاته واضحة معروفة.
فمن خلال هذه الحِكَم وغيرها التي تظهر بالتأمل، يتَّضح أن لا لغْوية في البَين، وهي حكم ومصالح مهمة في نفسها يهتم بها الشارع ومن أجلها يكون تشريع الاستشارة والحثِّ عليها. وسوف يأتي مزيد بيان لهذه النقطة في البحث العقلي.
فاتضح من خلال هذه الوجوه الأربعة أن المستدِل إذا استدل بالآية الكريمة على لزوم رأي الأكثرية من اصطلاح (الشورى وشاورهم)، فهو غير دال على ما ذكر.
أمَّا إذا استدل على مراده من خلال بيان أن الولاية هي للمجموع، فإنه لم يقم الدليل عليه، ونفس الآيتين لا تثبتان موضوع نفسهما كما تقدم بيانه، بل يجب أن يقيم دليلاً آخر على أن هذا الأمر والشأن هو لمجموع الأمة؛ وحينئذ يكون لهم الولاية. والمستدل يستفيد من هذه المغالطة في الاستدلال بالآية الكريمة.
ا لوجه الخامس:
لو أغمضنا العين عن حقيقة معنى الشورى، وسلَّمنا أنها بمعنى الإرادة والولاية
للشورى، فإن مقتضى استعراض الآراء ومداولتها هو تمحيص الصواب من الخطأ، والحق من الوهم، والسداد من الخطل، وحينئذٍ، فاللازم أن تكون الولاية للصواب والصائب وإن كان مخالفاً لرأي الأكثر وأهوائهم وميولهم الشخصية؛ فإنه كثير ما يُصحِّح الصواب ويُتَبين السداد ويَلتفت الأكثر إلى صواب القلَّة، لكن تمنعهم ذواتهم من الاستجابة إلى ذلك. فلازم ولاية الشورى ليس هو نافذية رأي الكثرة، وكون المدار على الأكثرية، بل هو نافذية الرأي الصائب والسديد ومحوريته، وإلا لكان استخدام عنوان ومادة الشورى في الأدلة خاطئاً، وكان الصحيح التعبير بأن الأمة أو المؤمنون أملك بأمرهم أو أولى به ونحو ذلك ممَّا يعطي محض معنى السلطة والقدرة والصلاحية الذي لا ربط له بالفحص والتنقيب الفكري.
الوجه السادس:
فقد استُشهد بالعديد من الوقائع والحوادث التي تمسَّك بها الرسول الكريم صلىاللهعليهوآله برأي الأكثرية المشاوَرة ولم يخرج عنها.
وفي مقام الجواب نشير - من باب المقدمة - إلى حقيقة تأريخية يجب أن يُلتفت إليها عند تحقيق الحال في الحوادث التأريخية؛ بيان ذلك:
أن المدقِّق في سيرة النبي الأكرم وما جرى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، يلاحظ أن الملتفِّين حول الرسول الأكرم لم يكونوا على نسقٍ واحد من الجهة الإيمانية، بل كانوا على درجات مختلفة وأهواء متعددة، وإن كان وجود النبي صلىاللهعليهوآله قد منع البعض من إظهار ما يكنّه، لكنَّه بعد وفاته صلىاللهعليهوآله رأى متَّسعاً لإظهار حقيقة أمره واتباعه لأهوائه، فظهر خطَّان مختلفان تمام الاختلاف، وكان من تقدير اللَّه عزَّ وجل أن يتولَّى قيادة الأمة طيلة سنوات متمادية، بل قرون طويلة، الخط المناوئ لعلي عليهالسلام وأهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله .
ومن الساعة الأولى عمل هذا الخط الحاكم على توطيد سلطانه وملكه على حساب خط آل محمد صلىاللهعليهوآله المتمثِّل بعلي عليهالسلام وشيعته والمُعَنْوَن بـ: خط الإمامة. وكان من الركائز التي استند عليها الخط الحاكم هو أن زعامة الأمة ليست نصية، بل هي شوروية؛ ولذا حَشّد الكُتّاب والُمحدِّثين والمؤرِّخين وكل الأجهزة الأخرى، لبيان هذه النظرية وتجذيرها في المجتمع الإسلامي، ومن هنا فإنا نقول: إن التاريخ المكتوب ما هو إلاّ صورة لِمَا أراده الحُكّام؛ وعليه لا يمكننا في مقام التحقيق والتمحيص القبول بكل ما هو مكتوب، بل يجب الرجوع إلى المصادر الخاصة واستنطاق الآيات الكريمة لمعرفة الحق من الباطل في تلك الحوادث التاريخية. ويرى أحد الباحثين طرح منهجية جديدة في دراسة التاريخ؛ وهي أن مراجعة القرآن الكريم - الذي يعتبر كتاب تاريخ وسيرة لحياة الرسول صلىاللهعليهوآله - والتأمّل في الترتيب التاريخي لنزول الآيات الكريمة وملاحظة سياقها يعطينا صورة كاملة للسيرة النبوية، كما يجب مقارنة الروايات المختلفة ودفع ما بينها من تعارض حتّى نستنتج رواية تاريخية مقبولة عقلاً ونقلاً. بعد ذلك نقول:
أولاً: كان أهم ما استند عليه المستدِل هو غزوة أحد، وما قام به الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله في الاستشارة والنزول عند رغبة القوم وإنْ كان مخالفاً لِمَا يراه، وخصوصاً أن آية ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) قد نزلت في هذه الواقعة؛ فلذا يجب التفصيل في بيان هذه الواقعة؛ فنقول:
إنّه لمَّا سمع الرسول صلىاللهعليهوآله بخروج قريش قال للمسلمين: (إني قد رأيت - واللَّه - خيراً؛ رأيت بقراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأوَّلتها المدينة).
ثُم إنه استشار قومه في قتال المشركين، وكان رأي عبداللَّه بن أُبي بن سلول مع رأي النبي صلىاللهعليهوآله ، وهو البقاء في المدينة. وقال له: يارسول اللَّه، أقم بالمدينة لا تخرج
إليهم، فواللَّه ما خرجنا منها إلى عدوٍ لنا قط إلاّ أصاب منا، ولا دخلها علينا أحد إلاّ أصبنا منه، فدعهم يارسول اللَّه، فإن أقاموا بشرٍّ، فحبس، وإن دخلوا، قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا، رجعوا خائبين كما جاءوا. وقال رجل ممَّن أكرمه اللَّه بالشهادة يوم أُحد، وغيره ممَّن كان قد فاته يوم بدر: يارسول اللَّه، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جَبُنّا وضعفنا.
فلم يزل الناس برسول اللَّه صلىاللهعليهوآله - الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم - حتّى دخل بيته ولبس لامته، ثُم خرج عليهم، وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ولم يكن لنا ذلك. فلمّا خرج الرسول صلىاللهعليهوآله عليهم، قالوا: يارسول اللَّه، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد (صلى اللَّه عليك)، فقال الرسول صلىاللهعليهوآله : (ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتّى يقاتل). فخرج النبي في ألفٍ من أصحابه حتَّى إذا مشوا مسافة، رجع عنه عبداللَّه بن أُبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني (1) .
هذا هو التقرير الرسمي لِمَا جرى في حادثة الاستشارة في غزوة أُحد. وتشير مصادر أخرى - كما في الكامل في التاريخ لإبن كثير في (3 / 23) - بما يلي:
وأبى كثير من الناس إلاّ الخروج إلى العدو، ولم يتناهوا إلى قول رسول اللَّه ورأيه، ولو رضوا بالذي أمرهم، كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر. وعامة مَن أشار إليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدراً، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة.
ويدل ما ذكره ابن كثير على أنّ كبار الصحابة كانوا يرون رأيه، والشباب المتحمِّس هو الذي أصر على الخروج.
إذن فالآية وردت في هذه الغزوة، وقد طبَّقها الرسول صلىاللهعليهوآله حيث استشار قومه،
____________________
(1) راجع: ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص63، و ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2، ص12، الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص14.
ونزل عند رغبتهم بالخروج مع كراهته لذلك.
هذا هو ما ادعُي في المقام.
وفي مقام التحقيق في هذه الحادثة التاريخية المهمة التي نزلت فيها آيات عديدة، يجب الرجوع إلى عرض هذه الحادثة على ما ورد من نصوص قرآنية ومقارنتها؛ ليحصل الغرض النهائي، وهو الوصول للحقائق الناصعة.
وعدم الأخذ بالأمر على عواهنه من دون غربلة وتحقيق، ومن خلال تشعُّبنا واستخدامنا لهذا المنهج؛ أعني العرض على القرآن الكريم ومقارنة الروايات المختلفة، نستنتج:
1 - أن رأي الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله لم يكن البقاء في المدينة، بل الخروج منها.
2 - أن الصواب من الناحية الحربية والقتالية هو الخروج لحرب المشركين خارج المدينة.
3 - أن سبب هزيمة المسلمين في أُحد؛ لم يكن الخروج من المدينة - كما يظهر من بعض الكتّاب - بل هو تخلُّف المسلمين عن التوصيات العسكرية لرسول اللَّه صلىاللهعليهوآله .
4 - أن البقاء في المدينة كان رأي عبداللَّه بن أُبي بن سلول، وهو رأس المنافقين والذي أثنى ثلث جيش المسلمين عن القتال مع الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله ، وقد وافقه على ذلك أكابر الصحابة؛ وهم الذين كانوا على رأس عقد البيعة لأبي بكر، وهم السبعة أصحاب الصحيفة، أثنين من الأنصار وخمسة من المهاجرين.
5 - أن القرآن امتدح القتال خارج المدينة وذمَّ البقاء داخلها.
6 - أن اللَّه عزَّ وجل قد وعد المسلمين بالنصر المؤزَّر قبل غزوة أُحد إذا همْ خرجوا للحرب.
أما القرائن التي يستفاد منها هذه المُدَّعَيات:
القرينة الأولى: ما ورد في تفسير علي بن إبراهيم في ذيل قوله تعالى: ( إِذْ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَل ) (1) .
حيث يذكر أنها نزلت في عبداللَّه بن أُبي بن سلول، وأن أصحابه اتبعوا رأيه في ترك الخروج والقعود عن نصرة رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله . عن الصادق عليهالسلام قال: (وكان سبب غزوة أحد أن قريشاً لمَّا رجعت من بدر إلى مكَّة، وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر، قال أبو سفيان: يامعشر قريش، لا تدعوا النساء تبكي قتلاكم؛ فإن البكاء والدمعة إذا خرجت، أذهبت الحزن والحرقة والعداوة لمحمد، ويشمت بنا محمد وأصحابه. فلمّا غزا رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله يوم أُحد، أذِن لنسائهم بعد ذلك بالبكاء، ولمّا أرادوا أن يغزوا رسولَ اللَّه في أُحد، ساروا في حلفائهم من كنانة وغيرها، وجمعوا الجموع والسلاح، وخرجوا من مكة في 3000 فارس وألفي راجل، وأخرجوا معهم النساء يذكرنّهم ويحثنّهم على حرب الرسول صلىاللهعليهوآله ، وأخرج أبو سفيان هند بن عتبة، وخرجت معهم عمرة بنت علقمة. فلمّا بلغ رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ذلك، جمع أصحابه، وأخبرهم أن اللَّه عزَّ وجل قد أخبره أن قريشاً قد تجمَّعت تريد المدينة، وحثَّ أصحابه على الجهاد والخروج، فقال عبداللَّه بن أُبي بن سلول: يارسول اللَّه لا نخرج من المدينة حتّى نقاتل في أزقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والأمة على أفواه السكك وعلى السطوح، فما أرادنا قوم قط، فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودورنا، وما خرجنا على عدوٍ لنا قط إلاّ كان لهم الظفر علينا. وقال سعد بن معاذ وغيره من الأُوس: يارسول اللَّه ما طمع فينا أُحد من العرب ونحن مشركون نعبد الأصنام، فكيف يطمعون بنا وأنت فينا، لا حتّى نخرج إليهم، فنقاتلهم؛ فمَن قُتل منا كان شهيداً، ومَن نجا كان في هدى. وقبل رسول اللَّه قوله).
____________________
(1) آل عمران: 121.
فيلاحظ من هذا النص:
ـ أن رأي بعض الأكابر كان هو الخروج كما يظهر من سعد بن معاذ، وهو من الأنصار.
ـ أن دعوى الأنصار كانت مستندة إلى دلائل على أن الخروج أفضل؛ منها:
أ - أن بقاءنا يُطمع فينا أعدائنا، ويضعف شوكة المسلمين من الجهة السياسية والعسكرية.
ب - أن ذلك سوف يحرمنا من الأراضي التي حول المدينة؛ حيث سوف يمنعونا من الاستفادة منها، مضافاً إلى طمع كثير من القبائل في هذه الأراضي.
جـ - أن عدَّتنا في بدر كانت أقل من ذلك وكان النصر حليفنا، فكيف في هذه المعركة التي تضاعف فيها عدد المسلمين وقويت شوكتهم؟!
هذا مضافاً إلى أن بعض كتب السير قد عبَّرت عن أصحاب الرأي بالخروج أنهم من ذوي البصائر والرأي، وعن أصحاب الرأي في المكث والبقاء في المدينة بالمتخاذلين، فكيف يكون الصواب هو المكث؟ وكيف يكون ذلك هو رأي الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله .
القرينة الثانية: وهي العمدة في الباب؛ حيث نستنطق الآيات الواردة في هذا الباب، وهي في سورة آل عمران (160 - 121).
وهذه الآيات الكريمة تتحدَّث عن الواقعة بنحو مفصَّل، وسوف نورد أهم النقاط الواردة حسب ترتيبها:
1 - ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) حيث أن اللَّه عزَّ وجل يذكّر النبي صلىاللهعليهوآله عندما خرج يهيِّئ أماكن القتال ومواضع الرماة والفرسان في غزوة أحد، فهذا مدح لِمَا فعله النبي صلىاللهعليهوآله من الخروج للقتال وتحريضه للمؤمنين على ذلك، وفي ذيلها يشير الباري عزَّ وجل إلى أنه سميع
لأقوالكم، وعليم بنيَّات ما ذكره المسلمون في المدينة من البقاء والخروج عليهم، ويعلم المخلص من المتخاذل.
2 - ( إِذْ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) .
وقد ورد في تفسيرها أن المقصود بهذه الطائفة إمَّا عبداللَّه بن أُبي بن سلول وأصحابه وقومه، وإمَّا بنو سلمة من الخزرج وبنو الحارث من الأوس؛ أرادا الرجوع إلى المدينة مع ابن سلول إلاّ أن اللَّه عزَّوجل أثنى ذلك عن قلوبهما.
وعلى كل حال... فالآية تذم المتخاذل والمتراجع إلى المدينة، فكيف يُدّعى أن البقاء في المدينة هو الصائب؟!
3 - ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَء ( 123 ) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةٍ مُنزَلِينَ.. لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) ، ففي هذه الآيات تذكير للرسول بما جرى يوم بدر حينما خرج لمحاربة الكفار - وكانوا قلَّة - ومع ذلك انتصروا ودحروا الكفار؛ وذلك بالإمداد الغيبي، وبالملائكة الذين كانوا يقاتلون ويدخلون في قلوب الكفار الرعب.
فهذه الآيات وإن كانت نازلة بعد غزوة أحد إلا أنها تعكس الموقف الذي جرى قبل الغزوة، وتخاذل بعض المسلمين، وتذكير الرسول لهؤلاء أن الخروج للقتال هو الأفضل؛ حيث إن الإمداد الإلهي حاصل بلا شك كما حصل في غزوة بدر، فما كان البعض يُصرُّ عليه من ضرورة البقاء في المدينة؛ لأنه أحفظ للأنفس وأمنع، لا داعي له؛ إذ أن المدد الإلهي متيقن، واللَّه يَعِدُ رسوله بالنصر في حال الخروج لمقاتلة الكفار.
ثُم تتعرَّض الآيات (138 - 129) إلى مواضيع أجنبية عن البحث، ويعود إلى محل الكلام في الآية 139.
4 - ( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) .
وفي هذه الآية بيان للأمر لمّا تراجع المسلمون عن مواقعهم العسكرية التي أبانها الرسول صلىاللهعليهوآله لهم، فسيطر الكفَّار على ساحة المعركة، فحثَّهم على الصبر وعدم الضعف عن الجهاد؛ إذ مع هذه الخسارة المؤقتة، أنتم الأعلون، وإن كنتم قد أُصبتم، فقد أصاب الكفَّار في بدر أكثر ممَّا أُصبتم به ألان، ويذكر سنَّة من سنن اللَّه في الكون؛ وهي أنّ الأيام يصرّفها بين الناس، فتارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء.
5 - ثُم يبيِّن الحِكَم والمصالح التي تظهر من تلك المداولة والفوز والخسارة؛ فإنها امتحان للمسلمين ( وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ء ( 141 ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) فالحكمة واضحة والابتلاء ظاهر؛ فليس جميع المسلمين في مرتبة واحدة من الإيمان والاعتقاد، فيجب تمحيصهم وابتلاءهم بشتَّى صنوف الاختبار. وإذا ما انتصر الظالمون يوماً، فهذا مؤقَّت؛ ولا يدل على حب اللَّه لهم، بل هو امتحان وابتلاء للمؤمنين، ودخول الجنة ليس بالإيمان اللفظي، بل بالعمل والجهاد والصبر.
فما حصل من تضعضع في صفوف المسلمين، يجابهه القرآن ويرفعه ويذكِّرهم ( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) . وقد ورد أن المؤمنين عندما أخبرهم اللَّه تعالى بمنزلة شهداء بدر، قالوا: اللَّهُم أرنا قتالاً نستشهد فيه. وقد نقلت كتب السير بعض مواقف هؤلاء الثابتين والمشتاقين إلى لقاء اللَّه.
5 - ( وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) .
وهذا هو الامتحان الأهم؛ فبعد أن سيطر الكفَّار على ساحة المعركة، لأسباب سوف تشير إليها الآيات القادمة، ولم يبق مع الرسول الأكرم إلاّ الخُلَّص؛ مثل أمير
المؤمنين وأبو دجانة سمَّاك بن خرشة، وأُشيع بأن الرسول قد قُتل، وهنا أنقلب عدد من المسلمين ورجعوا.
وكان من المنقلبين بعض الصحابة كما تشير إليه رواية الطبري (1) ، قال: انتهى أنس بن النضر - عمُّ أنس بن مالك - إلى عمر بن الخطَّاب وطلحة بن عبيد اللَّه في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قُتل محمد رسول اللَّه، قال: فما تصنعون بالحياة بعده، فموتوا على ما مات عليه رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ، ثُم استقبل القوم، فقاتل حتّى قُتل.
وفشا في الناس أن رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولاً إلى عبداللَّه بن أُبي؛ فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان. يا قوم، إن محمداً قد قُتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم، فيقتلوكم) (2) .
ومنهم: عثمان بن عفَّان، وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان، وهما رجلان من الأنصار؛ فقد فرُّوا حتّى بلغوا الجلَعب، جبلاً بناحية المدينة، فأقاموا به ثلاثاً (3) ومَن أراد المزيد فليراجع: (الصحيح من سيرة الرسول الأعظم/ ج2 / ص 240 - 250).
فالآية الكريمة تصف فرقتان من المسلمين:
أحدهما: المنقلبة.
والأخرى: الثابتة مع رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله .
وقد وصف اللَّه عزَّ وجل الأولى أنها لا تضر اللَّه شيئاً، بل الضرر على أنفسهم. أمَّا الثانية، فمنهم الشاكرون الذين سيجزيهم اللَّه.
وفي الآيات التالية يؤكِّد على ذلك، ويكرِّر الباري تعالى ( وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) . ويستمر القرآن في وصف الفئة التي ثبتت مع النبي صلىاللهعليهوآله على قول الحق، وأنه لا يصيبهم
____________________
(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص12.
(2) المصدر، ج2، ص201.
(3) المصدر، ج2، ص21.
الضعف والحزن والوهن، ولا يقعدوا عن الجهاد.
6 - ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَان ) .
فهو نهي للمسلمين عن اتباع الكفار الذين استغلوا ما أُشيع عن موت النبي صلىاللهعليهوآله ، فقالوا للمسلمين: ارجعوا إلى إخوانكم، وارجعوا إلى دينهم، فاللَّه هو الناصر، وهو المؤيِّد والمعز.
وقد سيطرة المشركين على المعركة إلا أن اللَّه قد ألقى في قلوبهم الذعر والخوف، فعادوا إلى مكة.
7 - ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم ) ؛ فهذا يدل على وعد سابق من اللَّه لرسوله بالنصر، وبالفعل، فقد تحقَّق هذا النصر في بداية المعركة، وقُتل عدد كبير من المشركين ( حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ) أي ملتم إلى الغنيمة وتركتم مواقعكم وخالفتم أوامر الرسول، وكان الرسول الأكرم قد نبَّـهَّهُم وأمرهم عند بداية المعركة، فقال للرماة: (لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم، وإن رأيتموهم ظهروا علينا،
فلا تغيثونا) (1) ؛ يجب عليكم الثبات في مواقعكم، لكنهم شغلوا أنفسهم بجمع الغنائم، ( وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ) ؛ وهم الثابتون: عبداللَّه بن جبير ومَن ثبت معه من الرماة الذين بقوا في مواقعهم حتّى قتلوا. ( ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ) تفضُّلا، ( وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) .
فالآيات واضحة في بيان سبب الهزيمة، ولا مجال حينئذٍ للاجتهاد بأنّ سبب الهزيمة هو الخروج من المدينة.
____________________
(1) تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص14.
8 - ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلى مَا فَاتَكُمْ ) .
والآية تستمر في بيان حال المسلمين بعد سماعهم لشائعة موت الرسول صلىاللهعليهوآله ، فإذا هم قد همّوا بالفرار والرسول يناديهم؛ يقول: (إليّ عباد اللَّه، ارجعوا أنا رسول اللَّه، إليّ أين تفرُّون عن اللَّه وعن رسوله، مَن يكرُّ فله الجنة). ثُم تبيَّن صفة هؤلاء الذين ( يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ) ، وهو الاعتقاد بأن اللَّه لا قدرة له، وأن يد اللَّه مغلولة، ولابد من الاستعانة باللَّات والْعُزَّى وهبل؛ فهذا هو اعتقاد الجاهلية.
( قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ ) وهو مالك كل شيء.
فيتَّضح أن اللَّه قد وبّخ المسلمين في ثلاثة مواضع:
1 - عصيان الرماة لأوامر الرسول صلىاللهعليهوآله وتركهم لمواقعهم.
2 - الفرار عندما أُشيع موت الرسول صلىاللهعليهوآله .
3 - ظن البعض باللَّه ظنَّ الجاهلية؛ ونسبة العجز إليه جلّ عن ذلك وعلا علوَّاً كبيراً.
9 - ثُم يتعرَّض الحق تعالى لِمَا يقولون ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) .
وهذا التصريح بأنهم في ساعة الهزيمة كرَّروا قولهم: أن لو كنا في المدينة، لكنّا أمنع وأحصن. متناسين تقدير اللَّه وقضاءه الذي لا رادَّ له حتّى لو كان في أمنع الحصون؛ فهذا ذمٌّ لهم على تفكيرهم، وسوف يرد ذم آخر لهم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ
وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .
فتبين خطأ هذا التفكير وأن سبب الهزيمة ليس هو الخروج من المدينة، بل العصيان. والموت والأجل أمر محتوم وقضاء اللَّه.
وبعد هذا التوبيخ تبيِّن الآيات أن مصير المجاهدين والمستشهدين هو الجنة والقرب الإلهي، ثُم في هذا السياق ترد آية ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) ؛ في سياق بيان صفات النبي التي تحلَّى بها من حسن الخلق ولين الجانب.
10 - تعود الآيات للتذكير بين واقعة أُحد وواقعة بدر.
( إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِن بَعْدِهِ وَعَلى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ) حيث نسب البعض إلى النبي هذه الخيانة في المغنم ( وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) .
( أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَ ) وذلك في غزوة بدر؛ حيث إنكم قد أصبتم الكفار بعض ما أصابوكم ألان ( قُلْتُمْ أَنَّى هذا ) أي مِن أين أصابنا هذا؟ وظننتم باللَّه ظنَّ الجاهلية ( قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) أي بسبب فعلكم وعصيانكم ( إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
( وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَء166 وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلاِْيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ... )
ثُم تبيِّن الآيات صفات المؤمنين؛ من الثبات ورباطة الجأش وعدم الخوف، ثُم يذكر صفة أخرى لها صلة بما تقدَّم ( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِمَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) .
فالفئة المؤمنة هي التي رجعت مع الرسول الأكرم، وعندما جاء النداء مرة أخرى بأمر اللَّه لرسوله بالخروج في أثر القوم، وأن لا يخرج معه إلا مَن به جراحة، فنادى منادٍ: يامعشر المهاجرين والأنصار، مَن كانت به جراحة فليخرج به، ومَن لم يكن به جراحة فليقم، فأقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداونها، فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح. فلمّا بلغ الرسول صلىاللهعليهوآله حمراء الأسد - وقريش قد نزلت
الروحاء - قال عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد: نرجع ونغير على المدينة؛ قد قتلنا سراتهم وكبشهم؛ يعني حمزة، فوافاهم رجل خرج من المدينة، فسألوه الخبر، فقال: نزل محمد وأصحابه في حمراء الأسد يطلبونكم جد الطلب. فرجعوا إلى مكَّة، وسمِّيت بغزوة بدر الصغرى.
وهذا الاستعراض الطويل للآيات الكريمة(174 - 121) خير شاهد على ما جرى ودار في هذه الغزوة التي تدل على حنكة الرسول الأكرم في استخبار نيَّات القوم ومعرفة المنافقين وما يسعون إليه من تثبيط عزيمة المسلمين، كما اتضح من ذلك أن الخروج كان هو الحل الأمثل، وأن المنافقين أرادوا الإيقاع بالمسلمين من خلال البقاء في المدينة والتكاسل عن الخروج والجهاد في سبيل اللَّه.
وأخيراً نشير إلى رواية أن الرسول قال بعد نزول الآية: (أمَا إن اللَّه ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها اللَّه رحمة لأمتي، مَن استشارهم لم يعدم رشداً، ومَن تركها لم يُعدم غيَّا) (1) .
ثانياً: غزوة الخندق؛ فقد استُدل بها على الشورى وإلزاميَّـتها في موطنين؛ الأول:
____________________
(1) الشورى بين النظرية والتطبيق، ص 27 - 30.
في حفر الخندق؛ حيث نزل الرسول عند رأي سلمان الفارسي، والعجيب اعتبار ذلك من الشورى بالمعنى الذي اصطلحوا عليه؛ حيث إنه رأيُ فردٍ واحد وليس أكثرية.
مضافاً إلى أنه دليل على أن الرسول صلىاللهعليهوآله يختار دائماً الرأي الصائب وإن قلّ قائله. ومنه يتَّضح الجواب عن سائر الموارد التي استشهد بها لمتابعة الرسول لرأي الأكثرية.
الثاني: في مداولاته مع عيينة بن حصين والحارث بن عوف؛ لاستجلابهما ومساومتهما على تمر المدينة، ورفض سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ذلك، ونزوله عند رأيهما.
والجواب: أنه بعيد عمَّا يدَّعونه من ولاية الشورى، بل أن الرسول الأكرم إنما أراد مساومة بني غطفان من أجل التخفيف عن أهل المدينة وإزالة الحصار، شأنه شأن أي قائد يريد فك الحصار عن قومه، ولكنَّه عندما رأى عزيمة وثبات الأوس والخزرج، لم يجد أيَّ داعٍ إلى مثل هذه المساومة؛ فالموضوع قد تبدَّل والأمر بعيد عن ولاية الشورى.
الوجه السابع:
أنه توجد حوادث تاريخية تُثبت أن الرسول صلىاللهعليهوآله استشار أصحابه ولم يتَّبع رأي الأكثرية كما في:
ـ صلح الحديبية
حيث تَنقل كتب السير أن كثيراً من المسلمين كانوا على خلاف الصلح، بينما أصرَّ رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله على الصلح مع تعنُّت الكفار ورفضهم ذكر اسم اللَّه تعالى في بداية الصلح، وإصرارهم على كتابة اسم النبي مع أبيه دون عبارة (رسول اللَّه)، ومع ذلك كان يرى أن في الصلح خير المسلمين، مع أن الصلح لم يكن أمراً سماوياً
بمصطلح الوحي حتّى تُمنع المعارضة، وإن كان أصل التوجُّه للعمرة أمراً إلهيَّاً. أمَّا الصلح وما تضمَّنه من بنود، فإنه من تدبير النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله .
ـ تأمير زيد بن حارثة في وقعة مؤتة.
ويدل عليها ما ذكره الرسول الأكرم عند تأمير أسامة؛ حيث خالفه عدد من المسلمين، فقال صلىاللهعليهوآله : (إن طعنتم في تأميري أسامة، فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل).
ففيه إشارة إلى مخالفة عدد منهم لتأمير زيد وأبنه أسامة، فهذا يُظهر أنه صلىاللهعليهوآله لا يرى نفسه مُلزَماً بالشورى.
الوجه الثامن:
إن آية: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) مكِّية كما ينص عليه المفسِّرون. ومن المعلوم أنه لم تكن للمسلمين في مكة دولة أو شأناً عاماً بالمعنى الذي يُحتاج فيه إلى اعتماد الشورى كتنظيم يستند إليه المسلمون، فاستفادة كون الولاية للشورى مع عدم وجود مورد لها في ذلك الوقت، أمر بعيد عن الصواب، خصوصاً إذا لاحظنا أن الآية تعدِّد الصفات الفعلية للمسلمين؛ فهذا يدل على أن هذه الصفة فعلية أيضاً. مضافاً إلى أن حاكمية الرسول صلىاللهعليهوآله في ذلك الوقت بجعل إلهي، وليست نابعة من تولية المسلمين له، وهذا أمر لم يختلف فيه أحد. فهذه الأمور تدلِّل على أن المراد من الشورى هو نفس المفاد اللُّغوي؛ وهو المداولة الفكرية، وأن من صفات المؤمن الاستفادة من خبرات الآخرين، وعدم الاستبداد برأيه ولو كان في مسألة خاصة.
إذن فما يذهب إليه البعض في الاستدلال بهذه الآية على أحد صياغات نظرية الشورى، مجانبة للحق.
الوجه التاسع:
مضمون ما ذكره الشهيد الصدر؛ وحاصله:
أن نظرية الشورى بالمصطلح المزعوم تعبِّر عن نظامٍ حديث في تولي السلطة السياسية في المجتمع، وهو سلطة الجماعة. وهو نظام نشأ في القرنين 19 و20 الميلاديين وكان المجتمع الغربي مَهْد هذا النظام ومازال حتّى الآن يتطوَّر بين آونة وأخرى وتتعدَّد صياغاته، ويبقى منه الإطار العام فقط؛ وهو أن الجماعة تحكم نفسها بنفسها. أما كيفية هذا الحكم؟ وكيف يتم تداول السلطة؟ وكيف يتم التشريع؟ وأسئلة كثيرة...، فقد اختُلف الجواب عنها.
وقد تصل أشكال النظم التي تطبِّق هذا المبدأ إلى ما يزيد على سبعة أشكال، تتمركز في دول العالم الجديد؛ أوروبا وأمريكا. وما تعدد هذه الأشكال إلاّ دليل على ما يعثر عليه العقل البشري من سلبيات وثغرات أثناء التطبيق.
وبناءاً عليه، فإنه عند نزول القرآن لم يأنس المجتمع المكي - بل لم يعرف - مثل هذا النظام، على العكس؛ كان النظام السائد هو النظام الفردي، حيث نجد أن القبيلة هي المجتمع الخاص، وسلطة رئيس القبيلة هي السلطة المطلقة. ومن غير المعقول أن يقوم الإسلام بتشريع نظام يخالف فيه تماماً النظام السائد آنذاك، ولا يبيِّن فيه سوى آية أو آيتين تثبتان الإطار العام، بل تثبت العنوان فقط. أمَّا المعنوَن والطريقة والكيفية، فلا نرى لها أثراً لا في القرآن ولا في السنة. فيُعلم من ذلك - بل يجزم - بأن ما ورد في الآيتين الكريمتين لم يكن طرحاً لنظام جديد؛ وإنما أرادت الآيتين أن ترشد الإنسان المؤمن إلى طريق جديدة في التوطئة ومقدمات التصميم والحزم، ويقع في حيز المداولة الفكرية واستجماع المعلومات.
وقد حاول البعض الإجابة عن هذا الأمر قائلاً:
إن الدين الإسلامي حينما يصوغ قاعدة، فإنه يؤطِّرها بعنوانها العام، تاركاً
التفاصيل والجزئيات؛ لكي يتم استنباطها بِما يتوافق مع زمان مسار التطبيق. والسر في هذه الطريقة أن الإسلام لو جعل التفاصيل الجزئية، فإن القاعدة سوف تكون موافقة لتلك التفاصيل ولشرائط ذلك الزمان، ولا تستطيع مواكبة كل الإعصار.
ولكن هذه الإجابة مدفوعة؛ من جهة أن هذه القاعدة التي ذكرها وإن كانت مقبولة في بعض القواعد إلاّ أن الشارع لم يكتف فيها أيضاً بذكر العنوان فقط، بل كان يجعل أسساً وضوابط خاصة تمثِّل الإطار العام للقاعدة التي يريد تطبيقها. أما أن يكتفي بذكر العنوان فقط، فهذا ممَّا لا نظير له في الفقه الإسلامي، بل لا نظير له في القانون الوضعي، لا سيما في مثل هذه المسألة الخطيرة التي هي دعامة كل المجتمع والأفراد.
وما نحن بإزائه في مسألة الشورى بالمعنى المصطلح المزعوم، من هذا القبيل، بل إن القول بأن الشارع قد جعل نظرية الشورى؛ يعني أن الشارع - مع حكمته - قد جعل المجتمع يتخبَّط في عالم من العشوائية لا تتناسب مع بدء نشأته للدولة الإسلامية التي يريد لها البقاء حتّى قيام الساعة.
فمن البعيد عن الإنصاف القول أن الشارع يترك تابعيه من دون تأهيل، ومن دون أن يُعبّد لهم طريق آخر للسلطة والقيادة؛ وذلك من خلال نظرية النص، لكن لا بالمعنى المألوف من رئاسة المجتمع القبلي الاستبدادي، بل من خلال التنصيص على الفرد الأكمل على الإطلاق والأشبه بالنبي صلىاللهعليهوآله ، وهو حكم فردي يقوم على أساس إشراك الناس في مهمَّات الأمور من دون أن يكون لهم السلطة والولاية، بل الرقابة والمتابعة.
الوجه العاشر:
من الأدلة التاريخية الثابتة والتي تدلِّل على عدم دلالة الآيتين على ولاية
الشورى هي طريقة اختيار الخليفة الأول والثاني والثالث.
فما جرى في سقيفة بني ساعدة؛ واحتجاج أبي بكر بالقرابة من النبي الأكرم، يوضح أن هذه الجهة تعتمد على أُسس قبلية جاهلية أزالها الإسلام وحاربها إلاّ أنّهم أعادوا استخدامها، خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما كان قد استعد له تكتّل السقيفة؛ من حشد القبائل المحيطة بالمدينة وإيجاد جوٍ من الإرهاب بحيث لا يمكن أنْ يجابههم أحد.
وهكذا طريقة انتخاب الثاني؛ فإنها كانت بتعيين الأول. أما الآن، وإثر وقْع ما جرى، فترتفع أصوات لتأول فعله بأنه قد استشار الأمة، وأنها أوكلته في الاختيار؛ بدليل البيعة التي لا تدل على الشورى المصطلحة بأيِّ نحو. كما سوف نشير فيما بعد إلى مدى دلالة البيعة، فضلاً عن البيعة التي كانت تؤخذ فرضاً ورهبةً، ولا يحق لأحد الاعتراض، فأين هي الأكثرية؟ وأين هي سلطة وولاية الشورى؟
فمن الجهل أن نعتبر المنحى القبلي البدائي الذي ساد هذه الخلافات، هو تنظير لنظام عصري؛ وهو نظام سلطة الجماعة.
الوجه الحادي عشر:
مع التنزُّل عن جميع الإشكالات والوجوه السابقة المقتضية لأجنبية دلالة الآيتين عن ولاية الشورى، فإنها سوف تقع في طرف المعارضة مع آيات كثيرة تبيِّن أن الولاية في الأصل للَّه عزوجل، ثُم للرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله ، ومن بعده لطائفة خاصة من الأمة؛ وهم أولوا الأمر الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وهي آيات كثيرة تامة الدلالة. فهذا إما أن نعتبره تخصيص لـ ( أَمْرُهُمْ ) ؛ أي أن الولاية والقضاء والتشريع ليس من شؤون المسلمين التي تخضع للشورى بالمعنى المزعوم. وإمَّا أن نقول بتقديم الطائفة الأخرى على آيتي الشورى.
أمَّا طوائف الروايات التي استُدل بها على نظرية الشورى - وعمدتها ما ورد عن أمير المؤمنين في بعض احتجاجاته؛ حيث يستند إلى الشورى واختيار الأمة - فإننا نذكر ثلاث نقاط مهمة قبل الدخول في تفصيلاتها وأجوبتها:
1 - أن ما يظهر من كلام الإمام مؤيِّداً به الشورى، ومعتبِراً أن سلطة الجماعة هي ما أسَّسه الإسلام في الفقه السياسي، هو من باب التنزُّل والجدل مع الخصم وإلزامه بما التزم به من نظرية الشورى؛ حيث إن الإمام كان يواجه - في كل هذه الموارد - مَن يتشبث بالشورى، فهو عليهالسلام يبيِّن أحقيَّته حتّى على مذهب الشورى.
2 - أن المستدِل يأخذ بقسم خاص وقليل من كلام الإمام عليهالسلام بينما نجده يترك القسم الأوفر من كلامه عليهالسلام الذي يبيِّن أحقيَّـته بموجب النص القاطع. ففي كثير من خطبه يبدأ عليهالسلام ببيان أحقيته ووجود النص على إمامته، ثُم يتعرَّض بعد ذلك لإثبات أحقيته على فرض التنزل وغض النظر عن النص، فنلاحظ المستدل يقتطع جزءاً من كلامه ويأخذ بالذيل تاركاً الصدر.
فمع قطع النظر عن هذا التقطيع الذي يؤدي بدلالة السياق، نلاحظ أنه يجب إعمال المعارضة بين كلا الطائفتين التي تُنسب إليه الاستدلال بالشورى والتي يتمسّك بها بدلالة النص، لكن المستدل حتّى هذه المعارضة نجده يغفل عنها مع كثرتها وأن الإمام ما كان يترك أي فرصة إلاّ ويبيِّن فيها ذلك.
3 - من الثابت تاريخياً - والذي لا مجال لإنكاره - أن الإمام عليهالسلام امتنع عن البيعة لأبي بكر حتّى وفاة الصديقة الزهراء، وأنه لم يبايع إلاّ مُكرهاً، وهذا يدل على أنه لا يقبل شورى بني ساعدة كأساس لانتخاب الخليفة، فكيف يُسند إليه القول بنظرية الشورى مع هذه المخالفة الشديدة؟!
ومن المصادر التي ذكرت عدم بيعة الإمام للأول:
ـ مسلم في صحيحه/ كتاب الجهاد/ ب 1 / 72 و 5 / 153.
ـ الاستيعاب وأسد
الغابة في ترجمة أبي بكر
ـ كنز العمال 3 / 140
ـ أنساب الأشراف 1 / 586
ـ تاريخ ابن عسكر 3 / 174
ـ مسند بن حنبل 1 / 55
ـ فتح الباري في شرح صحيحة البخاري 5 / 143
ـ سيرة ابن هشام 4 / 338
ـ الإمامة والسياسة 1 / 12
مضافاً إلى المصادر الخاصة التي تطبَّق على هذا الأمر:
ـ في الخطبة (2): (هم موضع سرِّه، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائص...) ثُم يصف آخرين أعداء آل محمد...: (رزعوا الفجور وسقوه الغرور وحصدوا الثبور، لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد، ولا يُسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا؛ هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل إلى متنقله).
وهذه الخطبة كانت أثناء انصرافه من صِفِّين؛ ففيها تصريح أن الحق كان مغتصباً، وأنه ألان قد عاد إلى أهله؛ فهو تنديد بما كان قد جرى سابقاً ممَّا يسمَّى بالشورى.
ـ وفي الشقشقية: (فياللَّه وللشورى). فإذا كان هذا تعبيره عن الشورى بالمعنى المصطلح المزعوم وتقريعه لها، فكيف يكون قد أقرَّ بالشورى؟! فالشورى في نظر الإمام عليهالسلام استصواب الرأي في الأمر المجهول الحال (ومتى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتّى صرت أُقرن إلى هذه النظائر). أمَّا إذا كان الأمر بيّن، ومعالمه واضحة لا غبار عليها، فلا حاجة إلى استصواب الرأي، وما بعد الحق إلاّ الضلال.
ـ وفي خطبته عليهالسلام : (بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم ذروة العلياء، وبنا أفجرتم عن السرار...)(خطبة 4).
فبأي مناسبة يتعرَّض عليهالسلام لحقِّه وحقوق آله المغصوبة؟
ـ خطبة (87): (فأين تذهبون؟ وأنى تؤفكون؟ والأعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم؟ وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم؟ وهم أزمّة الحق، وهم أعلام
الدين وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش... ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأنزل فيكم الثقل الأصغر؟ (إشارة إلى حديث الثقلين) قد ركزت فيكم راية الإيمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام.
انظروا أهل بيت نبيكم، فألزموا سمتهم واتبعوا أثرهم؛ فلن يخرجوكم عن هدى ولن يعيدوكم في ردى، فإن بعدوا، فابعدوا، وإن نهضوا، فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا، لقد رأيت أصحاب محمد صلىاللهعليهوآله فما أرى أحداً يشبههم منكم).
ـ خطبة(100): (ألا إن مثل أل محمد صلىاللهعليهوآله كمثل نجوم السماء؛ إذا هوى نجم، طلع نجم. فكأنكم قد تكاملت من اللَّه فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون).
ـ خطبة(74) حينما عزموا البيعة لعثمان: (لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، وواللَّه لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة).
ـ خطبة(109): (نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكمة، ناصرنا ومحبُّنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة).
فهنا يُظهر الإمام وجود صنفان في المجتمع الإسلامي، وهذان تياران ليسا من جهة الدين فقط، بل تياران سياسيَّان ودينيَّان.
ـ خطبة(152) في بيان صفات اللَّه جلَّ جلاله، وصفات أئمة الدين:
(قد طلع طالع، ولمع لامع، ولاح لائح، واعتدل مائل، واستبدل اللَّه بقوم قوماً، وانتظرنا الغير انتظار المجدب، وأن الأئمة قوام اللَّه على خلقه، وعرفائه على عباده، ولا يدخل الجنة إلاّ مَن عرفهم وعرفوه). وهذا معنى: (مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).
ـ الخطبة (154): في فضائل أهل البيت عليهمالسلام :
(فيهم كرائم القرآن، وهم كنوز الرحمن؛ إنْ نطقوا صدقوا، وإن سكتوا لم يسبقوا، فليصدق رائد أهله، وليحضر عقله، وليكن من أبناء الآخرة، فإن منها قدم وإليها ينقلب).
ففيها دلالة على العصمة وهي محصورة بهم.
ـ الخطبة (172): (الحمد للَّه الذي لا تواري عنه سماء سماء، ولا أرض أرضاً. وقد قال قائل: إنك على هذا الأمر يابن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم واللَّه لأحرص وأبعد، وأنا أخصُّ وأقرب. وإنما طلبت حقاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلمّا قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين، هبّ كأنه بُهت لا يدري ما يجيبني. اللَّهُم إني استعديك على قريش ومَن أعانهم؛ فإنهم قطعوا رحمي، وصغَّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي على أمرٍ هو لي، ثُم قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحق أن تتركه...)
فهل يوجد أصرح من هذا البيان على أحقيَّـته، ورفضه للشورى وما يسمَّى بسلطة الجماعة؟!
خطبة (178): (أيُّها الناس، إن الدنيا تغر المؤمّل لها والمخلِّد لها، ولا تَنْفَسُ مَن نافس فيها، وتغلب مَن غلب عليها. وأيم اللَّه، ما كان قوم قط في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلاّ بذنوب اجترحوها (...) وإني لأخشى عليكم أن تكونوا في فترةٍ (والفترة في الاصطلاح المدة الفاصلة بين رسول ورسول بعده) وقد كانت أمور مضت مِلتم فيها ميلة كنتم فيها عندي غير محمودين، ولإنْ رُدّ عليكم أمركم، إنكم سعداء، وما عليَّ إلا الجهد ولو أشاء أن أقول لقُلت: عفى اللَّه عمَّا سلف).
وانظر أيضاً إلى كتابه (62) لأهل مصر مع مالك الأشتر، وكتابه (28) إلى معاوية. وفيه يقول: (فإسلامنا قد سمع، وجاهليَّتنا لا ترفع، وكتاب اللَّه يجمع لنا وما شذَّ عنا، وهو قوله تعالى: ( وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ ) ).
وما ورد في كتاب سليم بن قيس/ ص 182 في جواب كتاب معاوية؛ حيث طلب منه قتلة عثمان ليقتلهم، قال لمَن حمل كتاب معاوية: (إن عثمان بن عفَّان لا يعدوا أن يكون أحد رجلين؛ إما هو إمام هدى حرام الدم، وواجب النصرة لا تحلُّ معصيته، ولا يسع الأمة خذلانه، أو إمام ضلالة حلال الدم، لا تحلُّ ولايته ولا نصرته، فلا يخلو من إحدى خصلتين، والواجب في حكم اللَّه وحكم الإسلام على المسلمين، بعدما يموت إمامهم أو
يقتل، ضالاً أو مهتدياً، مظلوماً كان أو ظالماً، حلال الدم أو حرام الدم، أن لا يعملوا عملا، ولا يحدثوا حدثا، ولا يقدموا يداً ولا رجلا، ولا يبدؤا بشيء، قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنة.... هذا أول ما ينبغي أن يفعلوه: أن يختاروا إماماً يجمع أمرهم، إن كانت الخيرة لهم، ويتابعوه ويطيعوه، وإن كانت الخيرة إلى اللَّه عزَّ وجل وإلى رسوله، فإن اللَّه قد كفاهم النظر في ذلك والاختيار، ورسول اللَّه قد رضى لهم إماما، وأمرهم بطاعته واتباعه. وقد بايعني الناس بعد قتل عثمان، وبايعني المهاجرون والأنصار بعدما تشاوروا بي ثلاثة أيام، وهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وعقدوا إمامتهم، ولى ذلك أهل بدر والسابقة من المهاجرين والأنصار؛ غير أنهم بايعوهم قبلي على غير مشورة من العامة، وإن بيعتي كانت بمشورة من العامة. فإن كان اللَّه جلّ اسمه جعل الاختيار إلى الأمة، وهم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم، واختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها خير لهم من اختيار اللَّه ورسوله لهم، وكان من اختاروه وبايعوه بيعته بيعة هدى، وكان إماماً واجباً على الناس طاعته ونصرته، فقد تشاوروا فيّ واختاروني بإجماع منهم، وإن كان اللَّه عزَّ وجل الذي يختار، له الخيرة، فقد اختارني للأمة واستخلفني عليهم وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنة نبيه صلىاللهعليهوآله ؛ فذلك أقوى لحجتي وأوجب لحقي).
فهذه تدل على أن حجاجه بالشورى حجاج تنزيلي، وأن الشورى يجب أن تكون على ميزانٍ؛ والميزان هو الضوابط العقلية والشرعية، وليست سلطة الجماعة وأهواء الكثرة. وإنما تكون وظيفة الأمة في اكتشاف وجود هذه الصفات والضوابط في المختار، فليست الولاية والسلطة للشورى، بل هي استكشاف.
ففي هذه الرواية يبيِّن الإمام أن البيعة على نحوين: بيعة هدى، وبيعة ضلال. فالبيعة إذا كانت على الموازين، وكان الإمام واجداً للشرائط، تكون بيعة هدى، أمَّا إذا كانت على خلاف الضوابط، فإنما تكون بيعة ضلال. ونلاحظ أن البعض اقتطع من هذه الرواية جزءاً استدل به على الشورى تاركاً بقية الرواية التي توضح تمام موقف
الإمام عليهالسلام .
وممَّا استدل به في المقام، ما ورد في شرح النهج للمعتزلي(ج41 / 7): أن طلحة والزبير قالا للإمام عليهالسلام : أعطيناك بيعتنا على ألاّ تقضي الأمور ولا تقطعها دوننا، وأن تستشيرنا في كل أمر، ولا تستبد بذلك علينا. فقال عليهالسلام : (ولو وقع حكم ليس في كتاب اللَّه بيانه ولا في السنة برهانه، لشاورتكما).
وقد استُدل بها أيضاً على أن الشورى مشروعة في منطقة الفراغ التشريعي، حسبما يزعم من وجود ذلك الفراغ.
وهذا الاستدلال ممنوع.
بيان ذلك:
1 - أن لو تقيَّد الامتناع للامتناع؛ أي امتناع الجواب لامتناع الشرط، فالعبارة تقيِّد: أن مشاورتكما قد انتفت؛ لامتناع خلو الواقعة من حكم في كتاب اللَّه والسنة. والذي أوقع هذين الشخصين في هذه الملابسة هو أن الخلفاء السابقين على الإمام كانوا يستشيرون بعض الصحابة في بعض الأحكام، وفي كيفية إعمال المرجِّحات، أما الإمام، فلم يقم بهذا العمل؛ والسرُّ في ذلك أن الاعتقاد الحق هو أنه ما من شيء يقرِّبكم إلى اللَّه إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يبعدكم عند اللَّه إلاّ وقد نهيتكم عنه. فالقاعدة أن لا تخلو واقعة من حكم للَّه، إلاّ أن هذا الحكم قد يخفى على العقول القاصرة غير المطلعة. أمّا مَن له إحاطة بأحكام اللَّه وسنة نبيه، ومَن عايش النبي في حلّه وترحاله، لا يخفى عليه حكم حتّى يحتاج فيه إلى مشاورة البعض. نعم، قد يكون للمشورة مجال في باب تطبيق الأحكام الكلية على مصاديقها، واختيار أفضل الأساليب في كيفية تطبيق الحكم الموجود، إلاّ أن هذا بعيد عن مرام القائل؛ إذ لا تكون الشورى مُنشئة للحكم حينئذ.
وممّا ذكره عليهالسلام فيه، تعرضه لمَن كان قبله؛ حيث كثُر جهلهم بالأحكام الشرعية، وليست المسألة بالنسبة إليه عليهالسلام من باب الاستبداد في شيء.
ـ وممَّا استُدل به أيضا، ما أشرنا إليه من محاولة توسُّط بعض القرّاء بين الإمام ومعاوية، والكتاب السادس في نهج البلاغة والجواب عنه، مضافاً إلى ما مضى، وإلى الأجوبة العامة، وأنه لم يرضَ بمَن بايعه الأنصار في سقيفة بني ساعدة: أنه اشترط لتحقق البيعة (فإن اجتمعوا وسمَّوه إماما). فإن الشرط المهم هو حصول الاجتماع المطلق، ولا أقل عدم الاعتراض، وهذا لم يحصل فيمن سبقه، أما معه عليهالسلام ، فقد حصل ذلك الاجتماع، ومَن سكت، فإنه لم يعترض كعبداللَّه بن عمر وأبو موسى وسعد بن أبي وقَّاص. ففي هذا التعبير تعريض بمَن يشترط الأكثرية.
ـ وممّا استدل به قوله عليهالسلام : (إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحائكم، وأموركم شورى بينكم، فظهْر الأرض خير لكم من بطنها).
الظاهر أن هذا النص مقتطع من جواب الإمام عليهالسلام المتقدِّم لكتاب معاوية، وقد قام الشريف الرضي بتقطيع بعض النصوص لمناسبتها لأبواب مختلفة.
مضافاً إلى أنه ذكر عنوانين (أمراؤكم خياركم) و(أموركم شورى بينكم)؛ فمورد الأمراء غير مورد الشورى، وهما من واديان يختلف أحدهما عن الأخر. وفي هذه العبارة أيضاً يرد البحث الذي ذكرناه في ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) ، وأن الإضافة لا تعني أن لهم الولاية والسلطة في كل شيء، بل ما يضاف إليهم؛ فقد لا تكون لهم القابلية في بعض الصور للبحث في هذا الأمر، وهو خارج عن اختصاص الأمة. كما يرد فيها نفس البحث في لفظ الشورى، وقد ذكرنا أنها ندب وإرشاد إلى صياغة فكرية في كيفية الاسترشاد في الأمور المختلفة واستصوابها.
وممَّا استُدل به ما ورد في عيون أخبار الرضا عن الرضا عليهالسلام عن النبي صلىاللهعليهوآله : (مَن جاء يريد أن يفرِّق الجماعة، ويغصب الأمة أمرها، ويتولّى من غير مشورة، فاقتلوه؛ فإن اللَّه قد أذن بذلك)
وهذا الحديث لا يدل على مرادهم أيضاً؛ وذلك لأنه مهما كانت النظرية
المدَّعاة، فإن من الواجب على الأمة أن تقاوم إمام الضلال الذي يتولَّى أمورها غصباً بقوة السلاح. وفي هذا جوابٌ على أحد نظريات العامة التي أجازت تولّي السلطة بالسيف، فالغاصب مهدور الدم؛ حيث أنه قد غصب أعظم وأخطر الأمور في المجتمع الإسلامي، وهو ولاية الأمر.
وقد عنى عليهالسلام بقوله: (من غير مشورة)، الغصب وعدم رضا الناس به، لا أنّ للشورى سلطة وولاية في هذا الأمر. و لا دلالة فيه على إرادة إعطاء الشورى سلطة وولاية؛ وذلك لأن نفي الشيء لا يعني إثبات ما عداه، لاسيما إذا كان محتمِلاً لوجوه، لكنَّه ذكرها من باب الحِجاج مع القوم، والتعريض بسلطة بني العبّاس وغيرهم الذين تولّوا الأمور بالسيف والقوة والقهر.
ـ وممَّا استدل به على الشورى ما ورد عن الصادق عليهالسلام : (مَن فارق جماعة المسلمين قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) و(مَن فارق جماعة المسلمين، ونكث صفقة الإمام، جاء إلى اللَّه تعالى أجذم) أصول الكافي/ ج1 / ص405.
وما ورد في النهج/ خطبة (127): (والزموا السواد الأعظم؛ فإن يد اللَّه على الجماعة. وإيَّاكم والفُرقة، فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب).
ويتضح المقصود من هذه الروايات إذا عرفنا المقصود من الجماعة:
ففي رواية عن أبي عبداللَّه عليهالسلام : (سئل رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله عن جماعة أمته؟ فقال جماعة أمتي أصل الحق وإن قلّوا).
وفي أخرى قيل: (يارسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ما جماعة أمتك؟ قال: مَن كان على الحق وإن كانوا عشرة).
وفي رواية عن الإمام علي عليهالسلام : (الجماعة أهل الحق وإن كانوا قليلا، والفُرقة أهل الباطل وإن كانوا كثيرا).
وعن الرسول صلىاللهعليهوآله : (أن القليل من المؤمنين كثير) (1) .
وهذه الروايات واضحة الدلالة في كون المدار هو على الصواب والسداد للأمر بحسب الواقع، وعدم القيمة الموضوعية للكثرة بذاتها.
ـ وممَّا استدل به أيضاً الروايات الكثيرة الواردة في فضائل الاستشارة والحثِّ عليها كما في كتاب الوسائل / كتاب الحج / أبواب أحكام العشرة / باب 26 - 21.
ويُلاحظ على الاستدلال:
أ - أنها واردة بعموم يشمل الأمور الفردية الشخصية التي ليس لها بُعد اجتماعي؛ حيث لا توجد سلطة للجماعة على الفرد، فيجب أن يكون معناها الوحداني العام هو الإراءة نحو: (مَن لا يستشر ندم) و(مَن استبد برأيه هلك، ومَن شاور الرجال شاركها في عقولها) و(ولا ظهير كالمشاورة) و(خاطر بنفسه من استغنى برأيه) فحينئذ الاستشارة هي إصابة الواقع والوصول إلى نتيجة صائبة، وليس فيها جهة تحكيم سلطة الجماعة أو إرادة خارج إرادة الفرد، بل هي تمد جهة التفكير الإنساني بالآراء الأخرى فتمكنه من استكشاف أصوب الآراء.
ب - أن الروايات المذكورة تورد صفاتٍ في المستشار؛ من الورع والعقل و(أن مخالفة الورع العاقل مفسدة في الدين والدنيا) وأنها تارة تكون نافعة، وتارة ضارة. وإذا كانت بمعنى سلطة الجماعة، فأي معنى للضرر والنفع، فالحق أنها نمط من التفكير، وفي بعض الروايات يشترط أن يكون المستشار حراً متديناً.
فلا ارتباط بين هذه الشرائط مع الحقوق العامة، وإنما تريد الروايات بيان مَن له أهلية الاستضاءة بخبراته وتجاربه، وأن يكون رأيه الذي يدلي به خالصاً ومحضاً عن النزعات الأخرى. ولذا ورد (مَن استشار أخاه فلم ينعمه محض الرأي، سلب اللَّه عزَّوجل رأيه).
____________________
(1) بحار الأنوار، ج2، ص265، ح21، 22، 23، 26.
ـ وممَّا استُدل به أيضا: (إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمِّروا أحدهم)... ونحوه ممَّا ورد في مصادر غير الإمامية كسنن أبي داود 2 / 34.
وهذه الروايات لم يقل فقهاؤكم فيها بالوجوب، بل قالوا: إنها من باب الندب، فينظر إلى أرجح القوم عقلاً فيؤمِّره ويستهدي برأيه. وفي كتاب الوثائق السياسية (ص 120) في معاهدته مع أهل مصر: (وأن ليس عليكم أمير إلاّ من أنفسكم أو من أهل رسول اللَّه) صلىاللهعليهوآله .
وواضح منها أن الرسول قد خوّلهم في ذلك الظرف الزماني والجغرافي المكاني على أن يكون الأمر بيدهم في اتخاذ أمير عليهم، ومفاده يدلِّل على أن الأمر لا يكون بيدهم ابتداءً، بل بتخويل من الرسول.
ويلاحظ في هذه الطوائف أنها وردت بصيغ الاستشارة (الاستفعال) والمشورة (مفعلة) والشورى (فعلى)، وهي كلها بمعنى واحد؛ لاتحاد المادة.
وفي نهاية هذه الروايات نذكر روايات صحيحة تؤكِّد ما ذكرناه من معنى الاستشارة:
1 - صحيحة معمر بن خلّاد قال: هلك مولى لأبي الحسن الرضا عليهالسلام يقال له سعد، فقال: (أشرْ عليّ برجل له فضل وأمانة)، فقلت: أنا أشير عليك؟! فقال - شبه المغضب ـ: (إن رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله كان يستشير أصحابه ثُم يعزم على ما يريد).
2 - صحيحة الفضيل بن يسار قال: استشارني أبوعبداللَّه عليهالسلام في أمر، فقلت: أصلحك اللَّه، مثلي يشير على مثلك؟! قال: (نعم، إذا استشرتك).
3 - في موثَّقة الحسن بن جهم قال: كنَّا عند أبي الحسن الرضا عليهالسلام ، فذكر أباه عليهالسلام فقال: (إن عقله لا تُوازن به العقول، وربَّما شاور الأسود من سودانه)، فقيل له: تشاور مثل هذا؟! فقال: (إن اللَّه تبارك وتعالى ربَّما فتح على لسانه). قال: فكانوا ربما أشاروا عليه بالشيء، فيعمل به من الضيعة والبستان.
4 - وفي النهج أن الإمام عليهالسلام قال لابن عبَّاس - وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه -: (عليك أن تشير عليّ، فإذا خالفتك، فأطعني) (1) .
فالخلاصة التي نخرج بها من هذه الروايات الكثيرة هي أن المراد من الاستشارة والشورى والمشورة، هو المداولة الفكرية للوصول إلى نتيجة أكثر دقة وأقرب إلى الصواب، لا أن للمستشار سلطة وولاية على المستشير.
ونختم الكلام حول هذه الطائفة بالحديث حول قوله تعالى:
( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ )
فالآية تتناول قضية مهمة، وتعالج وظيفة من الوظائف التي تهم المجتمع؛ وهي وظيفة القضاء، وهي من الوظائف المشتركة بين أفراد المجتمع حاكماً ومحكوماً، فيجب أن يشترك الجميع في تطبيقها والعمل بها، ولا ينفع الالتزام من طرف واحد.
وببيان آخر: نشير إلى أن الوظائف والتكاليف، سواء الاجتماعية أو العبادية، على نحوين؛ أحدهما: ما يقوم به فرد واحد كما في الصلوات والعبادات المختلفة. والنحو الثاني: الوظائف المشتركة كما في صلاة الجمعة؛ حيث لا يكفي وجود الإمام العادل لإقامتها، بل يجب أن يتواجد أفراد المجتمع لإقامتها، ويقع على عاتق كل طرف منهم قسم من أداء هذه الوظيفة المهمة السياسية العبادية، وهكذا الجهاد؛ فهو وظيفة مشتركة بين الأفراد والقائد، وهكذا في كثير من الوظائف التي تهم الاجتماع، فلابدَّ من اجتماع واتحاد إرادات في الأطراف المختلفة لأداء هذه الوظيفة والقيام بالتكليف المراد. والقضاء الوارد في الآية الكريمة من هذا القبيل؛ فإن الرسول الأكرم هو المنصوب من قبل اللَّه قاضياً وحاكماً فيما شجر بين المسلمين،
____________________
(1) وسائل الشيعة، باب 24 من أبواي أحكام العشرة من كتاب الحج، ح1 و2 و3 و4.
لكن التحقق الخارجي لهذه القضية لا يكون إلاّ إذا التزم المسلمون بذلك، وهي وظيفتهم؛ إذ عليهم واجب الرجوع إلى الرسول فيما شجر بينهم، وعليهم الالتزام بما يحكم به، وهذا لا يعني أن رجوعهم إليه تنصيب منهم له صلىاللهعليهوآله ، ولا أنه الذي أعطاه صلاحية القضاء، بل التنصيب وصلاحية القضاء هي من عند اللَّه عزَّوجل، وهذا ممَّا اتفق عليه كل المسلمين؛ فليس المراد من ( يُحَكِّمُوكَ ) هو إنشاء منصب الحكومة لك، بل يعني إقدارُك خارجاً تكويناً، ومعاونتُك على تنفيذ قضاءك وفصلك للخصومات بينهم.
ونفس المعنى الوارد في الآية الكريمة يُذكر في مسألة الشورى وألسنة بعض الروايات التي وردت بها صيغة: (ولّاني المسلمون الأمر بعده) (فإن ولّوك في عافية...) (إن تولُّوها عليَّاً). فهو لا يعني إنشاء الأمة للولاية وتنصيبهم للوالي، بل هي في صدد وجود واجب وتكليف استغراقي على كل أفراد المجتمع بالرجوع لمن نصَّبه اللَّه عليهم والياً وحاكماً؛ فالانصياع لأحكامه والانقياد لأوامره وظيفة أفراد المجتمع، فكل من الطرفين يتحمل عبئاً من المسؤولية وشطراً منها.
ومن هنا يمكننا أن نعود لآية: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) فنضيف إشكالاً مهماً إلى الإشكالات السابقة؛ وهو أن الأمر المهم المسند إلى المجموع يختلف تحديده ونمطه حسب نوعه وماهيته، فإذا كان الأمر يشمل مسألة الولاية والحاكمية، فذلك بمفرده لا يدل على سلطة الأمة في أمر الولاية، بل يبقى السؤال والإجمال أنه ما هو طبيعة الأمر المهم المسند إليهم؟ وما هي وظيفتهم اتجاهه؟ هل بنحو الفاعلية والإصدار والتنصيب أم بنحو القابلية والمتابعة والإعانة كأيدي وسواعد للوالي المنصوب من الشريعة المقدسة، أو أن الآية مهملة من هذه الجهة؟!
والمعهود في الشرايع السماوية كون دور المجتمع هو القبول والانصياع، وقد جاءهم التأنيب على التقصير في ذلك ( أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ
اسْتَكْبَرْتُمْ ) .
فتقاعسهم عن إقامة صرح الهداية، واستكبارهم عن متابعة الرسول، سبب توجيه هذا الذم والتوبيخ للمجتمع.
وهذا هو طبيعة كل فعل مشترك بحيث يكون صدوره من طرف على نحو الفاعلية ومن طرف آخر على نحو القبول والانصياع. ومن هنا عندما يخاطب بعض الأئمة عليهمالسلام الناس بـ: أنكم ولَّيتمونا. فهو صحيح من الجهة والحيثية التي ذكرناها؛ وهي أنكم عملتم بوظيفتكم التي أوجبها اللَّه عليكم، وهي الرجوع إلينا. والإمام علي عليهالسلام في رواية سليم بن قيس يذكر كلا الطريقين؛ إن كانت الخيرة للأمة وإن كانت الخيرة للَّه وأنه الحق، فالأمة قد عملت بوظيفتها من الائتمام وإعانة وتمكين وليّ وخليفة اللَّه.
فهذان خطان متقابلان؛ أحدهما: يسند الأمر للأمة على نحو يكون لها الولاية، وهو ما رفضناه منذ بداية البحث. والأخر: أن الأمر بيد اللَّه يجعله حيث يشاء، وعلى الأمة تطبيق ذلك خارجاً بنحو القبول والانصياع لأوامر مَن نصَّبه اللَّه، وتمكينه من نفوذ قدرته التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وعلى ضوء ذلك، إذا فسرنا ( أَمْرُهُمْ ) بهذا النحو، يكون كيفية تقبُّل هذا الأمر، وكيفية القيام بهذه الوظيفة المهمة، تكون بالتداول والتشاور، كما يجب عليهم - وذلك يكون برضاهم - الانصياع والمتابعة للقائد المنصوب.
وقد ورد عن الصادق عليهالسلام : (أن الأئمة أهل العدل الذين أمر اللَّه بولايتهم وتوليتهم وقبولها، والعمل لهم فرض من اللَّه) (1) .
وبهذا يتضح تمام المراد من آيات وروايات الشورى.
____________________
(1) دعائم الإسلام، ج2، ص527، والإرشاد، ص185.
وقد ذُكرت بعض الإشكالات:
1 - أنه لو كان المراد من الشورى هو المداولة الفكرية فقط - من دون لزوم اتباعهم -، فإن عقد الاستشارة في الأمور المهمة سوف يؤدِّي إلى؛ أوّلاً: عدم تفاعل المستشارين في إبداء الرأي. وثانياً: سوف يخلق مشكلة اجتماعية؛ حيث تتعدد الآراء ولن يكون هناك حسم لهذا الأمر المهم، بخلاف ما إذا قلنا بولاية الشورى والأكثرية؛ فسوف تكون ضابطة وميزان الأكثرية هي لحسم مثل هذه المشاكل الاجتماعية الهامَّة.
والجواب عن هذا الإشكال يكون بملاحظة التطور الحاصل في حضارات المجتمع البشري منذ بداية تَكوّن أول اجتماع من الأسرة إلى القبيلة إلى القرية إلى البداوة إلى التحضُّر والتمدُّن، وقد تعددت وسائل الاتصال بين أفراد الإنسان خلال فترات التطور هذه، حتّى أصبح مجتمع القرن العشرين والواحد والعشرين الميلادي قد طوى حضارة التكنولوجيا والتصنيع وحضارة الذرة، فانتهى به المطاف حاليَّاً إلى حضارة المعلومات؛ من الارتباط والاتصالات، والهدف من جعل الارتباط والاتصال هو محور حضارة هذا العصر؛ هو سرعة انتقال المعلومات والأفكار بين أفراد الإنسان، وهذا يدل على أن أحد أبرز وسائل السيطرة هي الهيمنة على المعلومات واستقصاء البحث. والقرآن الكريم قبل ما يزيد على الإلف عام ندب إلى هذا الأمر المهم؛ وأن يكون القائد مهيمناً على أفكار الناس، جامعاً لمعلوماتهم، مستمعاً لآرائهم، فهذا منهج مهم في حدِّ ذاته لا يمكن الاستهانة به.
أما بالنسبة للنقطة الثانية، فقد عولجت من جهتين؛ الأولى: أن أحد ثمار الشورى هو كون الجميع على مستوى من الوعي الثقافي والمعلوماتي بحيث يستطيع المشاركة فيما يهم المجتمع، وهذا أمر يقفز بالمجتمع على طريق الرقي، وبعد استقصاء الآراء المختلفة سوف يتَّضح لدى المستشير ولدى الأطراف الرأي المتين
من الهزيل.
ومن جهة أخرى تعمل الاستشارة على توحُّد الإرادة في مجتمع المستشارين، فقد عالجته نظرية الولاية بحصر الإرادة والعزم بالشخص المنصوب خليفة للَّه تعالى ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ) فإرادته هي التي تكون لها السيطرة على جميع الإرادات، وتخضع لها كل الإرادات، وكذلك الحال في نائبه العام، وهو الفقيه، وإن كانت ولايته على نطاق محدود بدائرة التطبيق للأحكام الشرعية في مجال القوى الثلاث.
2 - وقد يُشكل: أنه إذا كان المراد ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) هو الأمر المهم الذي يمسُّ المجموع، فهذا يعني أنه من الأمور الخطرة، فكيف ينسجم هذا مع كون الاستشارة في نفسها مستحبة؟!
والجواب عنه: أن الشورى تكون في كلِّ موردٍ بحسبه؛ فإن كانت في الأمور التي طبيعتها خطيرة، وطبيعة الغرض الشرعي فيها بالغ الأهمية عند الشرع، فإن الشورى والفحص عن الصواب وواقع الحال تكون واجبة، ولا يمكن للقائد غير المعصوم، النائب من قبله، أن يستبد برأيه كما لاحظنا في فتوى الفقهاء في باب الجهاد؛ فمع أن الإفتاء بالجهاد هو بيد الفقيه، إلاّ أنه ملزم بالرجوع إلى أهل الخبرة العسكرية في ذلك. وإذا لم يكن الأمر المجموعي بهذا الوقع والخطورة، تكون الاستشارة ندبية، وتكون فوائدها هو ما ذكرناه سابقاً.
3 - وقد استدل محمد رشيد رضا بذيل آية الشورى على سلطة الجماعة وولاية الشورى؛ وذلك بقوله تعالى: ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ) ؛ حيث إن متعلق العزم غير مذكور، فهو مطلق، لكن لمَّا كانت الآية في صدد بيان ما يميِّز رأي الجماعة، فيكون المراد منه هو رأي الجماعة؛ أي فإذا عزمت على ما يرون وما يريدون، فتوكَّل على اللَّه.
وهذا مردود؛ حيث إنه من الواضح أن فاعل العزم هو الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله ، والظهور العرفي (1) شاهد على أن المراد هو تصميم نفس فاعل العزم؛ أي بعد أن نظرتَ أنت إلى هذه الأقوال المختلفة والآراء المتضادة، فاختر منها ما شئت، واستصوب منها ما تراه مناسباً واعزم.
ويؤيد ذلك ما ورد في الأمر بالتوكل على اللَّه وعدم خشية الآخرين؛ أي أن مورد العزم قد يكون على خلاف ما عليه أراء الأكثرية؛ فتوكَّلْ على اللَّه فيما عزمت مهما كان ذلك، وإن كان على خلاف ما يرونه. وواضح أن الآيات الكريمة وردت في غزوة أُحد حيث ظهر فرار بعض المسلمين وتخلَّف البعض الأخر عن ميدان الحرب، وطمعهم في الغنائم، وسوء ظنِّهم باللَّه بعد ذلك، وتصديقهم موت رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ، وهذا كله يدلُّ على أن الرأي هو ما اختاره الرسول الأكرم وما عزم عليه، بغض النظر أنه وافق الأكثرية أم لا.
مضافاً إلى أن الرسول الأكرم هو القسطاس المستقيم ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) ، والجادة الواضحة، والذي يجب أن يتبعه الآخرون. وقد أمره اللَّه عزَّوجل ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) عندما يحيدون عن جادة الصواب، فكيف يُتصوَّر بمَن يكون بهذه المرتبة وبهذا المقام أنه ملزَم بأن يتَّبع رأي الأكثرية والأغلبية وإن كان رأيها على خطأ.
____________________
(1) بقرينة ما قدمناه مفصَّلا؛ مثل: العفو عنهم والاستغفار لهم الدال على خطئهم مثل قوله تعالى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) فهذه شهادة من الله تعالى بخطأهم في كثير من الموارد، وكذا لينه لهم المذكور في الآية الدال على مقام المربي لمَن تحت يده صلىاللهعليهوآله ، وغيرها من القرائن فراجع، مع أن المعنى على إدعاء صاحب تفسير المنار مؤدَّاه لزوم طاعته صلىاللهعليهوآله لِمَا يريدوه، وهو باطل. وكلٌّ لِمَا ذكرناه من أن الشورى، معنى ومادة، عنوان للفعل الفكري للنفس، وهم يجعلونه عنواناً للفعل العملي للنفس كالإرادة والسلطة والقدرة، فيتناقض عندهم الكلام.
الخلاصة:
إن لفظ الشورى مشتق من تشاور واشتور، والإشارة والمشورة هي إراءة المصلحة، وشاورته في كذا راجعته لأرى رأيه، وشرت العسل أشوره جنيته، وأشار بيده إشارة أي لوح بشيء يفهم من النطق.
فمادة الشورى تعطي معنى الاستفادة من الخبرات والعقول الأخرى؛ لكي يكون العزم على بصيرة تامة، فهي نظير ما جاء من أن أعقل الناس مَن جمع عقول الناس إلى عقله، وأعلم الناس مَن جمع علوم الناس على علمه، فهي توصية بجمع الخبرات وتنضيج وتسديد الرأي وتصويبه بكشف كل زواياه الواقعية عبر الأذهان المختلفة، وقريب من ذلك ما قاله اللُّغويون: إنها استخراج الرأي بالمفواضة في الكلام ليظهر الحق.
إن استبداد الإنسان برأيه يؤدِّي به إلى الجهالة، سواء كان الأمر بيده وحده أم لا، كما هو الحال في سلطة الإنسان على أمواله إذا أراد أن يقدم على بيع أو عقد معاملي، بخلاف ما إذا اعتمد المشورة والاستشارة، ولكن ذلك لا يعني في وجه من الوجوه قط: سلطة المشير على المستشير، أو سلطة المشير مع المستشير، وإنما يعني اعتماد الوالي على منهج العقل الجماعي في استكشاف الموضوعات والواقعيات العارضة، وهذا هو مفاد الروايات المستفيضة في باب الإشارة والمشورة والاستشارة والشورى؛ أي التوصية باعتماد تجميع الخبرات والعقول، لا جعل السلطة بيد المجموع، بل الفصل والنقض والإبرام والترجيح بين وجهات النظر يكون للولي على الشيء بعد اطلاعه على الآراء المختلفة، كما هو دارج قديماً وحديثاً في
الزعامات الوضعية البشرية؛ حيث تعتمد على لجان وخبرات (مستشارين) (1) في كل حقل ومجال، مع عدم إفادة ذلك - لدى المدرسة العقلية البشرية - ولايةً لأفرادِ تلك اللجان يشاركون فيها ذلك الزعيم.
ولذلك عدَّ الفقهاء تلك الروايات المستفيضة أحد أنواع الاستخارة، بل أفضلها، والاستخارة هي طلب الخير، لا تولية المشيرين مع المستشير، فلا يُتوهَّم أن فتح باب الاستشارة والشورى في الرأي، إن لم يكن بمعنى التشريك في الولاية وتحكيم سلطة المستشارين، فهو لغو؛ إذ أي فائدة أبلغ وأتم من استكشاف الوالي واقع الأشياء وحقائق الأمور عبر مجموع الخبرات والعقول، واعتماده منهج جمع العلوم إلى علمه؟ فإن ذلك يصيّره نافذ البصيرة، سواء كان ذلك على الصعيد الفردي كولاية الفرد على أمواله أم على الصعيد الاجتماعي كولاية الشخص على المجتمع.
من هنا فإن مجيء مادة المشورة في قوله تعالى، يعطي هذه التوصية للمؤمنين في التدبير، بأن يكون البتُّ فيه بعد استخراج الرأي الصائب من العقول المختلفة بالمداولة والمفاوضة مع العقول الأخرى. أمَّا مَن يكون له الرأي النهائي، فليست الآية في صدده؛ لاختلاف ذلك التعبير مع ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى ) حيث إن اليد هي من أقرب الكنايات عن السلطة، وكذلك يختلف مع التعبير في قوله تعالى: ( وأُولُوا الارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ ) ، وغيرها من التعبيرات القرآنية والمتعرضة للولاية في الأصعدة المختلفة.
وممَّا يعزِّز ما تقدم، قوله تعالى: ( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) فإنه تعالى ندب إلى التشاور بين الزوجين في رضاعة الطفل، مع أن
____________________
(1) كالمستشارين العسكريين والماليين والسياسيين والاجتماعيين وغيرهم.
ولاية الرضاعة ذات الأجرة بيد الزوج فقط، وإن كانت الحضانة في غير ذلك من حق الزوجة.
وكذا قوله تعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) ففيه ندبة من اللَّه للرسول صلىاللهعليهوآله إلى مشورة المسلمين في سياق الرأفة والرحمة بهم واللين معهم والعفو عنهم والاستغفار لهم، لا لتحكيم ولايتهم عليه(صلَّى الله عليه وآله ) (والعياذ باللَّه)؛ إذ ذيل الآية صرّح بأن العزم على الفعل مخصوص به صلىاللهعليهوآله ، بل إن الأمر بالتوكُّل فيه إشعار بنفوذ عزمه وحكمه صلىاللهعليهوآله وإن خالف آراءهم؛ ولذلك ذكر أكثر المفسِّرين وجوهاً في أمره بالمشاورة:
الأوَّل: أن ذلك لتطييب أنفسهم والتألُّف لهم والرفع من قدرهم.
الثاني: أن يُقتدى به في المشاورة، كي لا تُعد نقيصة، وليتميَّز الناصح من الغاش كتشاوره صلىاللهعليهوآله قبل واقعة بدر - الكبرى والصغرى - وغيرها من الوقائع.
الثالث: لتشجيعهم وتحفيزهم على الأدوار المختلفة، والتسابق إلى الخيرات والأعمال الخطيرة المهمة، وتنضيج عقول المسلمين وتنميتها، ولكي يتعرَّفوا على حكمة قرارات الرسول وأفعاله صلىاللهعليهوآله .
ومن الغفلة الاستدلال بمورد نزول الآية في غزوة أحد على كون الشورى ملزمة له صلىاللهعليهوآله ؛ بدعوى أن رأيه صلىاللهعليهوآله كان هو اللبث في المدينة وعدم الخروج، ورأي بقية أصحابه على الخروج، ومع ذلك تابع رأي الأكثرية وخرج إلى جبل أُحد. وقدمنا مفصَّلاً خطأ هذا الاعتقاد.
وممَّا يستأنس لكون معنى الشورى بمعنى المشورة والاستشارة، لا تحكيم السلطة الجماعية، أن الآية مكية ولم يكن ثمَّة كيان سياسي للمسلمين، بل إن ظاهر
الآية - حين نزولها - ترغيب المؤمنين في الاتصاف بتلك الصفات، فيكف يلتئم مفاد السلطة الجماعية مع ولاية الرسول صلىاللهعليهوآله المطلقة؟ ولذلك ترى أن كثيراً من مفسِّري العامة فسروا الآية بمعنى الاستشارة واستخراج الرأي، لا تحكيم السلطة الجماعية.
مناقشة الاستدلال على نظرية التلفيق بين النص والشورى
قام بعض المفكِّرين بمحاولة الجمع بين أدلة التعيين والنصب - ككثير من الآيات القرآنية الدالة على أن الإمامة عهد وجعل إلهي، وأن المنصوب هو علي عليهالسلام وذرِّيته - وبين ما يُزعم من مفاد آية الشورى ودلالتها على أن السلطة للأمة، بأنَّ مورد الأدلة الأولى هو مع وجود المعصوم عليهالسلام وتقلُّده للزعامة الاجتماعية السياسية، ومورد الثانية هو مع عدم وجوده عليهالسلام كما في زمن الغيبة. وهذا الرأي مردود؛ لأنه إن جُعل المدار لسلطة الأمة والشورى، وعدم تَقلُّد المعصوم الزعامة بالفعل، فذلك يعني شرعية سلطة الأمة في الفترة التي كان فيها علي عليهالسلام مُبعداً عن السلطة، وكذلك في فترة ما بعد صلح الحسن عليهالسلام إلى عصر الغيبة؛ حيث إنهم عليهمالسلام لم يكونوا متقلِّدين بالفعل زمام الحكم، وهذا مناقض لمبدأ النص و جعل المدار على وجودهم عليهمالسلام وإن لم يتقلَّدوا زمام الأمور و
الحكم بالفعل، فوجودهم لا تخلو منه الأرض (اللَّهُم بلى، لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحججه، إمَّا ظاهر مشهور أو خائفاً مغمور، لكي لا تبطل حجج اللَّه وبيِّناته) (1) .
____________________
(1) رواه الصدوق في الإكمال بأسانيد مستفيضة عن كميل عن عليٍّ عليهالسلام ، وأسانيد أخرى في الخصال والأمالي، والحديث موجود في النهج وتحف العقول وكتاب الغارات،بل هذا المضمون روي في أحاديث متواترة في أكثر كتبنا الروائية.
ولا فرق بين حضور الإمام وغيبته بعد كون عدم تقلُّده زمام الأمور بالفعل غير مؤثِّر في كونه إماماً بالفعل - بما للإمامة من عهد إلهيٍّ معهود ذا شؤون عظيمة بالغة - كما في الحديث النبوي المروي عن الفريقين: (الحسن والحسين إمامان إن قاما أو قعدا) فقعودهما عليهماالسلام بسبب جور الأمة لا يفقدهما الجعل الإلهي والخلافة الإلهية على الأمة.
وهل من الإمكان إبداء الاحتمال أنه(عج) في غيبته يفقد هذا المنصب والجعل الإلهي؟! إذ هذا لا ينسجم مع مبدأ النص والتعيين. ومن هنا كان تمسُّك الفقهاء في نيابتهم في عصر الغيبة الكبرى بنصبه لهم نوَّاباً في قوله المروي مسنداً في غيبة الشيخ الطوسي: (وأمَّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة اللَّه) فقوله عليهالسلام : (فإنهم حجتي عليكم) استنابة منه عليهالسلام للفقهاء.
وهل يُتعقَّل أن يكون للَّه حجتان بالأصل في عرض واحد بالفعل؛ بأن يكون الحجة(عج) في غيبته حجة بالأصل، ومُنْتَخَب الأمة حجة أخرى بالأصل، ولكن بالانتخاب لا بالنيابة عنه؟! ومن هنا كان دأب فقهاء الإمامية - على ضوء مبدأ النص والتعيين - على القول أن ولاية الفقيه مستمدة، في الغيبة، منه(عليه السلام وعجَّل اللَّه فرجه الشريف)، لا أنها للفقيه بالأصالة مع خلعه عليهالسلام عن ذلك المنصب.
هذا؛ ولا يغفل عن أن سبب عدم تقلُّده(عج) زمام الأمور والحكم وعدم الظهور، هو المذكور في قوله عليهالسلام : (لو كنتم على اجتماع من أمركم؛ لعُجِّل لكم الفرج) ولذلك قال السيد المرتضى والخواجة وغيرهما أن سبب غيبته منَّا نحن.
نعم، إذا أمكن أن تخلو الأرض من الحجة المعصوم، وأن يتْرُك اللَّه البشر وحالهم مع قوانين دينه على أوراق، وتكون - والعياذ باللَّه تعالى - يد اللَّه مغلولة، أمكن حينئذ ذلك الاحتمال والجمع المزعوم بين الأدلة.
ومن الطريف أن الدعوى المزبورة تُذعن في طيَّاتها بشروط المرشَّح بالانتخاب؛
من الفقاهة والكفاءة والأمانة والعدالة والضبط وسلامة الحواس إلى غير ذلك من الشروط التي لا تتوفَّر بنحو الإطلاق والسعة وبنحو الثبات الذي لا تزلزل فيه إلاّ في المعصوم عليهالسلام ، وكأن ذلك أوْبٌ إلى النص مرة أخرى؛ إذ الاشتراط في جذوره تعيين.
نعم، نصبه(عج) للفقهاء كنوّاب بالنيابة العامة قد استُفيد من قوله: (فارجعوا) الإيكال للأمة في اختيار أحد مصاديق النائب العام الجامع للشرائط، ولا يعني ذلك أن النصب بالأصالة من الأمة بالذات، بل منه(عج) بالأصالة ومن الأمة بتبع إيكال وتولية المعصوم لها، كما هو الحال في القضاء والإفتاء عند التساوي في الأوصاف.
ولا يُتوهَّم أن تولية الأمة ذلك يلزمه إمكان توليتها السلطة على نفسها بالأصالة من اللَّه تعالى في اختيار خليفة اللَّه في أرضه، إذ بين المقامين فيصل فاصل وفاروق فارق؛ حيث إنه لابدَّ من العصمة في قمة الهرم الإداري للمجتمع دون بقيَّة درجات ذلك الهرم، إذ بصلاح القمة يصلح مجموع الهيكل.
كما لا يُتوهَّم أنه حيث لابدَّ للناس من أمير برّ أو فاجر تدار به رحى إدارة النظام الاجتماعي البشري، وهذه اللَّابدَّية والضرورة العقلية التي نبَّه عليها علي عليهالسلام في النهج تقتضي تنصيب الأمير على الناس بالذات بالأصالة؛ من دون حديث النيابة عن المعصوم.
ووجه اندفاع التوهُّم: أن الضرورة العقلية تقتصي الزعيم. أمَّا شرائط كونه أمير برّ لا فاجر، فهو كون إمارته من تشريع اللَّه تعالى وإذنه؛ إذ الولاية للَّه تعالى الحق، والإمارة تجري على يد الفرد البشري المخوَّل منه تعالى في ذلك؛ ولذلك ترى أن عدة من الفقهاء(قدس سرُّهما) استدلوا بتلك الضرورة في الكشف عن إذنه وتنصيبه للفقهاء باعتبار أنهم القدر المتيقن، أو غير ذلك من التقريبات المذكورة
في كلماتهم.
وبذلك ننتهي إلى أن الآية هي في صدد الإشادة بصفة ممدوحة مهمة في المؤمنين؛ وهي عدم الاستبداد بالرأي، واعتماد العقل المجموعي في استخراج الرأي الصائب وفتح الأفق. وأما أين هي منطقة السلطة الجماعية؟ وأين هي منطقة السلطة الفردية؟ ومَن هو منهم؟ فذلك يتم استكشافه من مبدأ السلطات، وهو اللَّه تعالى، ومن ثُمَّ رسوله صلىاللهعليهوآله وخلفائه المعصومين، بالوقوف على حدود نصوص الجعل والتنصيب كما ذكرنا لذلك مثالاً في النائب العام والقاضي والمفتي.
والمهم التركيز على هذه الجهة في الآية: أن مادة الشورى هي لاستطلاع الرأي الصائب والمداولة مع بقية العقول، وفرق بين استطلاع رأي الآخرين وبين جمع إرادة الآخرين؛ فالأول هو موازنة بين الأفكار والآراء من المستطلِع والمستشير، والثاني سلطة جماعية، فلا يمكن إغفال التباين الماهوي بين الفكر والإرادة، وأن الشركة في الأول لا تعني الشركة في الثاني بتاتاً.
فالتوصية في الآية هي في اعتماد التلاقح الفكري في إعداد الفكرة. أما مرحلة البتّ والعزم والإرادة، فلا نظر إليها من قريب ولا من بعيد، ومجرد إضافة الأمر إلى ضمير الجماعة، لا يعني كونها في المقام الثاني، بعد كون مادة المشورة صريحة في المقام الأول، بل غاية ذلك هي أهمية اعتماد المفاوضة في استصواب الرأي في الموضوعات التي تخصُّ وتتعلق بمجموعهم، هذا لو جمدْنا على استظهار الموضوع المتعلق بالمجموع من لفظة (أمرهم)، ولم نستظهر معنى الشأن من الأمر - كما استظهره كثير من المفسِّرين - أي بمعنى: شأنهم وعادتهم ودأبهم على عدم الاستبداد بالرأي في الولاية والأمر بالمعروف، واعتماد طريقة الاستعانة بالمستشارين.
ونكتة الإضافة إلى ضمير الجماعة هي وحدة سَوق الأفعال في الآيات كما في:
( وَأَقِيمُوا الْصَّلاَةَ ) ( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) ( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ ) . وأمَّا لفظة (بينهم)، فهي ظرف لغوٍ متعلق بمادة الشورى؛ لكونها مداولة بين الآراء ومفاوضة لا تقلُّ عن كونها بين اثنين، فهي فعل بينيٌّ وفيما بينهم.
بعد هذا الاستعراض المطوَّل للطائفة الأولى من أدلة نظرية الشورى بالمعنى المصطلح؛ وهي ما ورد من الآيات والروايات من مادة الشورى والاستشارة، توصَّلنا إلى نتيجة: أن مفاد الشورى هو بيان منهج عقلائي؛ وهو جمع الخبرات والتجارب والاستضاءة بمعلومات الآخرين، وأن لا يكون إقدام على مهام الأمور إلاّ بعد المداولة الفكرية، وهي بعيدة عن تشريع سلطة للجماعة، بل تبقى السلطة لذلك الفرد الذي يقوم بغربلة هذه الآراء واختيار الأصح منها والأوفق مع ما عليه قواعد الدين. وهذا المنهج أصبح ألان منهجاً حضارياً مُتَّبعاً، بعيداً عن الدكتاتورية المطلقة والاستبداد بالرأي الواحد.
ثانياً: عنوان الولاية والأمر بالمعروف
وقد ورد ذلك في آيتين:
أ - قوله تعالى: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (1) .
إن الظاهر من الآية الكريمة إسناد الولاية إلى الكل، فالمولى هو الكل، والمولى عليه كذلك؛ فهي ولاية الكل على الكل، وهذا يعني أن أمر الأمة بيدهم، وهذه الولاية تعمُّ ولاية النصرة (2) وولاية الأخوة والمودة. والأمر بالمعروف معنى عام شامل
____________________
(1) التوبة 71: 9.
(2) المنار، ج10، ص542 و105.
(ويذهب محمد رشيد رضا إلى أن الولاية معنى عام يشمل كلَّ معنى يحتمله، ولا يختص بأمر دون آخر) ويدخل في هذا السياق جميع الآيات الواردة فيها معنى الولاية كما في الأنفال 8 / 73.
ب - ( وَلِتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) .
فهو أمر لكل المسلمين بأن تكون منهم جماعة خاصة وقوة معينة تأمر بالمعروف وتدير فيهم دفَّة الأمور؛ حيث إن الأمر بالمعروف عام يشمل كل ما فيه صلاح الأمة الإسلامية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في درجاته الأولى مُثبِت لنحو من الولاية من الآمر والناهي على الطرف الآخر، فكيف في درجاته القصوى المستلزمة للضرب أو المنع الخارجي بالقوة؟
وبتقريب آخر: أن الأمر بالمعروف له صورتان:
أحدهما: صِرف الأمر والنهي الإنشائي والقولي.
والأخر: أن يراد منه الأمر التنفيذي وتطبيق ذلك المعروف والردع عن المنكر.
فإن كان الأمر الأول، فلا خصوصية فيه حتّى تختص به طائفة معينة، بل هو عام شامل لجميع المسلمين، فلابدَّ أن يكون المراد منه هو الصورة الثانية، وحينئذ يُتعقَّل تخصيصه بجماعة خاصة تقوم بهذا الأمر، بل إن محمد رشيد رضا (2)يرى أن هذه الآية في دلالتها على كون الشورى أصل الحكم في الإسلام أقوى من دلالة آيتي الشورى.
وفي كل ما ذُكر نظر؛ بيان ذلك:
1 - مادة (أولياء) و(ولي) ورد استعمالها في القران في موارد كثيرة جداً (3)
____________________
(1) آل عمران 3: 104.
(2) المنار، ج4، 45.
(3) راجع: معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج2، 840.
واختلفت معانيها تبعاً لموارد استخدامها، ويمكن من خلال نظرة عامة إلى تلك الموارد القول: إنّ أكثر مواردها التي بصيغة الجمع كان معناها النصرة والمحبة. والمراد من هذه الآية هو ذلك بقرينة نفس الآيات المحيطة بهذه الآية، فإنها قد وردت ضمن آيات يقارِن فيها الحقُ تعالى بين فئتين من الناس؛ هم المنافقون والمؤمنون، ومورد هذه المقارنة في غزوة تبوك (1) حيث تخلَّفوا عنه صلىاللهعليهوآله واستهزؤوا به، فذكر ابتداءً وصف المنافقين؛ بأنّ بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويستمر في ذكر صفاتهم وبُعدهم عن الحق تعالى والعذاب في الآخرة. وفي قبال هذه الفئة يقف المؤمنون، وهم كالبنيان المرصوص في توادِّهم وتناصرهم وتحابِّهم، ويذكر صفاتهم التي هي على طرف النقيض من المنافقين، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعندما يقال: المؤمن ولي المؤمن. معناه: أنه ينصر أولياء اللَّه وينصر دينه، واللَّه وليه بمعنى: أولى بتدبيره وتصريفه وفرض طاعته عليه.
وبقية الصفات المذكورة من عباداتهم؛ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة اللَّه ورسوله، والنتيجة الأخروية، وهي رحمة اللَّه تعالى والوعد بالجنة، وهذه كلها في قبال صفات المنافقين.
فالمنافقون يأمرون بالمنكر، والمؤمنون يأمرون بالمعروف.
والمنافقون ينهون عن المعروف، والمؤمنون ينهون عن المنكر.
والمنافقون يقبضون أيديهم، والمؤمنون يؤتون الزكاة.
والمنافقون نسوا اللَّه فنسيهم، والمؤمنون يطيعون اللَّه ورسوله وسيرحمهم اللَّه.
والمنافقون وعدهم نار جهنم، والمؤمنون وعدهم جنات تجري من تحتها
____________________
(1) البيان في تفسير القرآن، ج5، 257.
الأنهار.
فالمنافقون كتلة واحدة لهم نفس الوصف والجزاء، والمؤمنون ينصر بعضهم بعصاً ولهم نفس الوصف والجزاء.
فالآية الكريمة غير ناظرة إلى الولاية بمعنى الحكم وإدارة الشؤون كما هو مورد الاستشهاد بها.
وممَّا يدل على ما ذكرناه أيضاً أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أعمال فردية، وليست متفرِّعة عن ولاية البعض على البعض. مضافاً إلى أن ذيل الآية: ويطيعون اللَّه ورسوله، فإذا كانت بصدد بيان سلطة الجماعة على مجموع الأمة، فكيف يلتئم مع الحثِّ على طاعة الرسول صلىاللهعليهوآله وانصياعهم ومتابعتهم؟
2 - أمَّا الآية الثانية، فإن غاية ما تدل عليه أن الأمة يجب عليها تشكيل مثْل هذه الجماعة لتدير دفة الدولة، ولكن هذا لا يفيد أن السلطة من الأمة، بل السلطة تكون من قبل اللَّه تعالى، وأن التولية الفعلية العملية هي بيد الأمة، وهذه وظيفتهم من حيث أن الحكم وظيفة يقوم بها الحاكم والمحكوم، فالحاكم تكون سلطته من قبل اللَّه تعالى، وعلى المحكوم الرجوع وتمكين الحاكم من ذلك.
وبتعبير آخر: أن الآية تبيِّن الدور الذي يجب أن تقوم به الأمة في مجال الحكومة، وهو تمكين صاحب الصلاحية والسلطة، لا أن التشريع والقدرة هو بيد الأمة، فالآية لا تتعرض لهذا المقام، بل تذكر ما هو تكليف الأمة وكيف تتعامل مع مسألة الحكم وتمكين الحاكم.
3 - أن هذا الدور لا يعني أنّ لها تخويل مَن تشاء وتسلِّطه على نفسها، كيف والآية تصف الجماعة الآخذة بزمام الأمور أنها داعية إلى الخير كل الخير؛ لمكان اللام الجنسية أو الاستغراقية، آمرة بالمعروف كل المعروف؛ لمكان اللام أيضاً، ناهين عن المنكر كل المنكر؛ لذلك أيضاً، بما فيه المنكر الاعتقادي أو الاقتصادي أو المالي أو
الاجتماعي في كل المجالات والشؤون؟ ومن الظاهر أن الداعي إلى كل سبل الخير والآمر بكل معروف، دقَّ أو جلَّ وعظُم، وتوقُّفه، خبر بماهية المنكر، وحائز على العصمة العملية، كي لا يتوانى عن الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر، لا تأخذ في اللَّه لومة لائم، ولا يعدل به هوى عن ذلك؛ فتنحصر وظيفتهم - أي الأمة - في التكوين والرجوع الخارجي إلى تلك الجماعة غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
4 - أن الآيات الحاصرة للولاية في فئة خاصة تكون مفسِّرة وحاكمة في الدلالة، ومبينة للفئة الخاصة التي يجب على الأمة الرجوع إليها وتمكينها خارجاً.
5 - أن في الآية احتمالاً آخر؛ وهو كونها في صدد بيان الوجوب الكفائي للآمر بالمعروف غير المشروط بالعلم بالمعروف، بل العلم قيد واجب فيه؛ وهو مغاير للوجوب الاستغراقي المشروط بالعلم بالمعروف؛ نظير: وجوب الحج الكفائي - غير المشروط - على كل المسلمين في كل سنة؛ أن يقيموا هذه الشعيرة لئلا يخلو البيت، وهو مغاير للوجوب الاستغراقي العيني المشورط بالاستطاعة.
ويمكن تقريبه بأن الشرط العام الذي يذكره الفقهاء في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العلم بأحكام الشريعة، فالجاهل لا يتأتى منه ذلك. فاشتراط العلم هو شرط وجوب، وبضميمة أن التعلُّم لجميع الأحكام، أو غالباً غير ما يبتلى به نفس المكلف، واجب كفائي، فهذا يعني أن الواجب هو قيام فئة من المجتمع بالتعلُّم المزبور، فيتحقق موضوع الوجوب الآخر المشروط به؛ وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فمن المحتمل أن تكون الآية الكريمة بصدد الإشارة إلى ضرورة حصول ذلك التوجه لدى فئة من المجتمع للقيام بهذه الوظيفة؛ نظير: الوجوب الكفائي، لإقامة الحجج غير المشروط بالاستطاعة؛ لئلاّ يخلو بيت اللَّه الحرام عن إقامة هذه الشعيرة ولئلاّ يعطّل.
وبتعبير آخر: أننا تارة ننظر إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعنى إقامة
العدل والحدود وحفظ النظام الذي هو وظيفة الدولة، وتارة ننظر إليه بنحو شامل وعام لجميع الأفراد، والآية ناظرة إلى الثاني؛ والدليل على ذلك هو ما سبق الآية من قوله تعالى: ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) وهذه كلها ناظرة إلى تكاليف اجتماعية يقوم بها أفراد المجتمع، ويتوجَّب على المجتمع إقامتها والعمل على إيجادها خارجاً، وأن الآية ليست في صدد بيان واجبات الدولة اتجاه المجتمع.
وقد ورد في تفسير هذه الآية قوله عليهالسلام : (إنما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العالم). فوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الاحتمال وجوب كفائي؛ وهو واجب على الأمة بنحو الكفاية.
ثالثاً: آيات البيعة
1 - ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (1) .
2 - ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (2) .
تقريب الاستدلال:
ينطلق المُستدِل من المعنى اللغوي للبيعة؛ فالبيعة: الصفقة على إيجاب البيع، وبايعته من البيع، والمبايعة: عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحد منهما باع
____________________
(1) الفتح 48: 10.
(2) الممتحنة 60:12.
ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه (1) .
فالبيع تمليك من جهة البايع للمشتري، ونقل الولاية على هذه العين للمشتري، ولا يصح البيع إلاّ ممَّن له الولاية والصلاحية للتصرُّف في المبيع. والبيعة هي إنشاء ولاية من المبايِع للمبايَع على نفسه، وإسناد هذه المبايعة للأمة يدل على أن الولاية هي للأمة، وهي تنقلها إلى الرسول صلىاللهعليهوآله أو للمعصوم في نظرية النص.
وقد استدل من الروايات:
ـ عن موسى بن جعفر عليهالسلام قال: (ثلاث موبقات: نكث الصفقة، وترك السنة، وفراق الجماعة) (2) . وقال العلامة المجلسي: نكث الصفقة نقض البيعة، وإنما سُمِّيت البيعة صفقة؛ لأن المتبايعَين يضع أحدهما يده في يد الأخر عندها. ويؤيِّد ما مضى السبر التأريخي؛ حيث نرى الالتزام بالبيعة، فبيعة العقبة الأولى والثانية، وبيعة الإمام علي وأبنيه الحسن والحسين عليهمالسلام ، ومبايعة الإمام الرضا عليهالسلام ، وما ورد في مبايعة الإمام المهدي(عجل اللَّه تعالى فرجه) (3) .
وتقريب الاستدلال بالروايات:
1 - نفس المعنى اللغوي المتقدم والذي يجعل البيعة نوع تولية وإنشاء ولاية، فالطاعة وإنشاء الولاية للحاكم في مقابل تقسيم بيت المال والغنائم كما يظهر من مفردات الراغب، وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته/ الفصل الثالث/ فصل 29: أن
____________________
(1) لسان العرب، ج8، ص26؛ مادة: بيع.
(2) بحار الأنوار، ج2، ب32، ح26.
(3) سيرة ابن هشام، ج2، ص66 - 73، والكامل لابن الأثير، ج2، ص252، والإرشاد، ص116 - 170 ـ186، والاحتجاج، ج1، ص34، ونهج البلاغة، الخطب، ص137 - 229، وفي الغيبة للنعماني، ص175 - 176 في أمر الحجة عليهالسلام : (فوالله، لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام؛ يبايع الناس بأمر جديد، وكتاب جديد، وسلطان جديد من السماء).
البيعة هي العهد على الطاعة؛ كأنما المبايع يعاهد أميره على أن يُسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين. وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهداً، جعلوا أيديهم في يده تأكيد للعهد، فأشبه فعل البايع والمشتري، فسُمِّي بيعة؛ مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي.
2 - ما ورد من التعبير أنه عهد اللَّه، وهذا ينسجم مع قوله تعالى: ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، ومنه يعلم أن الإمامة والحاكمية تنوجد وتتولَّد من البيعة.
3 - أن السيرة العقلائية الجارية في فترة ما قبل الإسلام مقتضاها أن البيعة وسيلة لعقد التولية وتأمير الحاكم، وهذه الحقيقة والماهية أمضاها الإسلام.
4 - من تكرُّر السيرة على أخذ البيعة عند الاستخلاف يدل على ضرورة وجود نوع من المناسبة بين البيعة وبين تسليط وتأمير الآخرين، وهذا يدل على أنه كما ننشئ بالتأمير والولاية بالنص فإنها تنشأ بالبيعة، فكأنه يوجد طريقان لحصول التأمير والاستخلاف؛ أحدهما: النص، والأخر: البيعة، فإذا ما وجدا معاً، فإنه يكون من باب التأكيد والثبوت، كما في تولية الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله حيث لم يقل أحد أن تولِّيه كان بالبيعة، بل بنص اللَّه عزَّوجلَّ الذي أوجب حاكمية الرسول صلىاللهعليهوآله ، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما أوجب رسالته ونبوته. أما كون البعية له هي المنشئة لتولِّيه وإمرته، فهي بعيدة عن أقوال العامة والخاصة، ومَن ادعى ذلك من المتأخرين، فهو عن غفلة عن تلك النصوص ومخالفة لضرورة الذين عند الفريقين.
وفي هذا الاستدلال تأمل من جهات:
1 - إننا ننطلق من نفس مدلول البيع؛ فإن المحققين والفقهاء (1) نصُّوا على أن البيع ليس من الأسباب الأولية لحصول الملكية، فهو ليس والابتكار
____________________
(1) يراجع: الشيخ الأنصاري، المكاسب، أول كتاب البيع، كما نصَّ على ذلك السنهوري في الوسيط.
والإرث، بل هو يكون فرعاً عن ملكية سابقة، ففي الرتبة السابقة يجب أن يكون للبايع (المبايع) صلاحية وسلطان معين على مورد المبايعة، ثم ينقله إلى آخر. فنفس دليل البيعة لا يدل على وجود تلك الملكية السابقة والسيادة السابقة للأمة؛ إي إذا فرض كون سيادة موجودة، فحينئذ تكون المبايعة نقل لتلك السيادة من الأمة إلى الحاكم (1)؛ ويؤيِّد ذلك أن نفس المعاني التي ذكرها اللُّغويُّون بعيدة عن إنشاء الإمرة والحاكمية، بل غاية ما تدل عليه هو الالتزام ببذل الطاعة. وفي مسند أحمد بن حنبل؛ قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله يوم الحديبية؟ قال: بايعته على الموت. فلم تكن المبايعة على الترشيح أو التولية.
2 - لو لاحظنا ما ذُكر في الآيتين الكريمتين من مورد البيعة، وأن المسلمين عندما بايعوا على ماذا بايعوا؟ وأن المؤمنات عندما بايعن على ماذا بايعن؟ هل بايعوا على أمور لهم صلاحية تركها والالتزام بها، فاختاروا الثاني؟ أم أن المبايعة كانت على الحاكمية؟
إننا نلاحظ أنه في الآيتين - وفي غيرها - لم يرد ذكر للحاكمية على الإطلاق، بل وردت المبايعة على المناصرة والالتزام بأمور أوجبها الإسلام كعدم الشرك وترك الزنا وعدم العصيان، وهي أمور يجب الالتزام بها ويحرم عليهم تركها، فما الذي أفادته البيعة؟! إذن... البيعة تعبير ظاهري وخارجي عن ذلك الالتزام؛ فهي أولاً: لم يكن موردها الحاكمية، فإن حاكمية الرسول هي من اللَّه، وثانياً: لم تكن فيه عملية نقل أو إنشاء ولاية على الإطلاق، وهذا يعني أن للبيعة معنى آخر ليس هو نفس المعنى المأخوذ في البيع.
____________________
(1) ويمكن التنظير بالدليل التعليقي التقديري، فإنه يثبت الحكم على فرض وجود موضوعه، ولا يتعرَّض لحالات الموضوع، فإذا ورد دليل يتعرَّض لنفي الموضوع للحكم المزبور في مورد معين، فإنه لا يعارض ذلك الدليل؛ لأنه لا يتعرَّض للموضوع، بل للمحمول فقط.
3 - النقض بالنذر والعهد واليمين؛ فإن مورد هذه الأمور قد يكون المباحات وقد يكون الواجبات أيضاً، فالصلاة الواجبة والثابت وجوبها قبل النذر يجعلها المكلف مورداً للنذر، وحينئذٍ يكون الوجوب آكد، ويكون وجوبان؛ أحدهما: سابق على النذر، والآخر: لاحق عليه، ويفسِّر الفقهاء ذلك بأنه إنشاء عهد للَّه عزَّوجل. ومورد البيعة قد لا يكون أمراً بيد المكلف اختياره، بل يكون من الواجبات ويكون النذر بها تعهُّداً زائداً، والبيعة كذلك؛ فالمبايع يُنشئ التعهد بالتزام حاكمية ذلك المبايَع مع أن أصل الحاكمية ثابت في رتبة سابقة، وليس سبب الحاكمية هو المبايعة، بل قد تكون في بعض صورها أداء لأمر واجب عليهم كما في مبايعة الرسول صلىاللهعليهوآله والإمام عليهالسلام .
إذن، فالبيعة تكون نوعُ توثيقٍ وزيادة تعهُّدٍ وتغليظ للتكليف والثبات على مَن نُصَّ على ولايته، وغاية ما يفرق بينها وبين النذر وأخويه، أن الأخير في الأمور العبادية، والأول في الأمور الاجتماعية والسياسية. ويشير لذلك عدة من الروايات؛ منها: موثَّقة مسعدة بن صدقة، عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام أنه قال له: (إن الإيمان قد يجوز بالقلب دون اللسان؟) فقال له: (إن كان ذلك كما تقول، فقد حرم علينا قتال المشركين، وذلك أنَّا لا ندري بزعمك لعل ضميره الإيمان، فهذا القول نقض لامتحان النبي صلىاللهعليهوآله مَن كان يجيئه يريد الإسلام، وأخذه إياه بالبيعة عليه وشروطه وشدة التأكيد) قال مسعدة: ومن قال بهذا فقد كفر البتة مِن حيث لا يعلم) (البحار/ ج68 / ص241) نقلاً عن قرب الإسناد للحميري( ومفاده: أن الإيمان لو كان في القلب دون اللسان لتوجَّه النقض - والعياذ باللَّه - على رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله في قتاله للمشركين؛ إذ قد يكون آمن وتحقَّق الإيمان في قلبه دون لسانه. ونقض آخر: أنه لم يطالب صلىاللهعليهوآله مَن أتاه يريد الإسلام بالتشهد بالشهادتين وأخذ البيعة بعد تشهده التي هي زيادة استيثاق وتأكيد للالتزام بالتشهد.
4 - إن ما ذُكر من موارد المبايعة في الآيتين، أمور يجب على المبايع الالتزام بها عند إنشائه للشهادتين ودخوله في الإسلام، ولا تحتاج إلى البيعة لأجل إيجابها عليه، ففي بيعة الشجرة كان الجهاد مفروضاً على المسلمين قبلها، وكان واجباً عليهم الإطاعة ممَّا يدل على أن البيعة لم تُنشأ أصل الالتزام، بل هو تغليظ وتعهُّد ظاهري.
5 - من المسلمات والبديهيات الدينية أن منشأ السلطة هو الله عزَّوجل ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ) ، وهذا لا يتلائم مع ما استدل به المدعي من أنّ ماهية البيعة هي نقل سلطة الفرد للمبايَع، وهذا يعني وجود سلطنة للفرد على مورد البيعة في رتبة سابقة، وهذا ينافي تلك المسلمة البديهية وأن السلطنة للَّه عزَّوجلَّ وقد استخلف الرسول صلىاللهعليهوآله في أيَّام حياته.
6 - إن القائل بالبيعة لا يقول بها بنحو مطلق، بل يجعلها مقيَّدة بقيود أوجبها الشارع والعقل، فلا تجوز بيعة الظالمين، وكذلك يجب توافر الشروط التي أوجبها الشارع في الوالي وتدور حول محورين، هما: الكفاءة والأمانة، وهاتان الصفتان لا تكونان بنحوٍ واحد عند كل الأفراد، بل تختلف بنحوٍ متفاوت، فإذا انطبقت على أحدهما دون الآخر، فإن العقل سوف يعيِّن مَن هو أكفأ وأكثر أمانة. وإذا ثبت توفر الصفتين بنحو تام الكمال إلى حد العصمة بأدلة أخرى ونصوص تامة السند والدلالة - طبقاً لنظرية النص - فإنها سوف تكون هي المعينة. وعلى كل حال... فإنّ التعيين، إما أن يكون للعقل أو الشرع.
فيعود الأمر إلى أن الشارع هو الذي يعطي الصلاحية لا الفرد، ويكون دور الفرد هو الكاشفية فقط.
7 - إن الروايات طافحة بعبائر أمثال: (الأمر للَّه يضعه حيث يشاء)، وهذا يعني أن البيعة ليست تولية، وخصوصاً إذا لاحظنا ما دار بين الرسول صلىاللهعليهوآله وبين عامر بن
صعصعة حيث دعاهم إلى اللَّه وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم: إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك اللَّه على مَن خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال صلىاللهعليهوآله : (الأمر للَّه يضعه حيث يشاء).
8 - إن البيعة نوع من العقود والعهود، وهذا يعني أنها تصنَّف في باب المعاملات، فيجب أن نعود قليلاً إلى الأدلة الواردة في باب المعاملات. فإن الفقهاء يصنِّفون الأدلة هناك إلى قسمين: أدلة صحة، وأدلة لزوم. ويعنون بأدلة الصحة: هي الأدلة التي تتعرَّض إلى ماهية المعاملة وحقيقتها وأنها صحيحة أم لا، والثانية تتعرَّض إلى المعاملة الصحيحة وأنها لازمة ولا يجوز فسخها.
وبتعبير آخر؛ الفرق بينهما موضوعاً ومحمولاً:
أما موضوعاً، فموضوع أدلة الصحة هي الماهية المعاملية، بفرض وجودها عند متعارف العقلاء، وموضوع أدلة اللزوم هو المعاملة الصحيحة عند الشرع.
أما محمولاً، ففي أدلة الصحة المحمول هو صحة المعاملة، وإثبات وجودها الاعتباري في اعتبار الشارع. أما أدلة اللزوم، فمحمولها هو لزوم المعاملة وعدم جواز فسخها. والتفريق بين هذين الصنفين من الأدلة مهم جداً؛ حيث لا يمكن التمسَّك بـ (المؤمنون عند شروطهم) إذا شك في صحة ماهية معاملية، فهي ليست من أدلة الصحة، بل من أدلة اللزوم التي يؤخذ في موضوعها ماهية معاملية أولية صحيحة ويتعرض لوصف يطرأ عليها، وهو وصف اللزوم.
وبناء عليه يطرح التساؤل: أين يمكن تصنيف أدلة البيعة أفي أدلة الصحة أم في أدلة اللزوم؟ بمقتضى التعاريف اللغوية وأنها بمعنى العهد، فإنها تصنَّف في الثانية، وهذا يعني أن هذه الأدلة لا تتعرَّض لمورد البيعة وأن المبايعة لهذا الوالي صحيحة أم لا، بل يجب أن يثبت في مرتبة سابقة، ومن خلال أدلة أخرى، أنّ التولية لهذا الشخص ممكنة وواجبة، ثم تكون البيعة نوع توثيق وتوكيد لذلك الأمر الثابت
سابقاً، فعنوان البيعة كعنوان العقد والشروط، تعرض على ماهيات أولية مفروغ من صحتها.
والخلاصة أن البيعة إنشاء الالتزام بمفادٍ ثابتة صحته في رتبة سابقة.
نقض ودفع:
وهنا قد يورَد نقض أو تساؤل أن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله لم يهاجر إلاّ بعد أن أخذ البيعة من أهل المدينة، وأن أمير المؤمنين عليهالسلام لم يرضَ أن يستلم السلطة إلاّ بعد البيعة، وهذان التصرُّفان يدلان على وجود خصوصية في البيعة.
والجواب عن ذلك: أن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله قبل أخذ البيعة قام بالدعوة إلى نفسه وبيان حقيقة رسالته، فحصل انجذاب أفراد المجتمع إليه، ومِن ثَمَّ أخذ منهم البيعة، وهكذا يقال في أمير المؤمنين عليهالسلام ؛ فبعد إيمان العامة بالإمام علي، وأنه الشخصية التي تنقذهم من التفكُّك والانهيار الذي صادف الدولة الإسلامية، حصلت المبايعة.
فالغرض من المبايعة هو التغليظ والتوكيد وحصول الاطمئنان للرسول الأكرم؛ حيث أنه ينتقل إلى مرحلة المواجهة مع المجتمع المكِّي، فيجب أن يطمئن إلى التزام جماعته وتعهُّدهم بذلك الالتزام، وهكذا يقال في ولاية أمير المؤمنين عليهالسلام ، وولاية الحسن عليهالسلام ، وبيعة أهل الكوفة وحواليها للحسين عليهالسلام بتوسط نائبه مسلم بن عقيل، وهكذا يمكن تصوير أخذ البيعة للحجة المنتظر(عجَّل اللَّه تعالى فرجه)، فالبيعة في كل هذا، ضرب من التوثيق والتغليظ في المتابعة.
ـ وأمَّا ما ورد في مبايعة المسلمين للرسول الأكرم فى الحديبية، فسببه أن المسلمين لم يريدوا إيقاع الصلح مع المشركين، خلافاً لرأي الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله الذي كان يرى فيه انتصاراً للمسلمين وإذلالاً للكافرين حيث اعترفوا
للمسلمين بكيان ودولة، فيكون أكبر انتصار سياسي للمسليمن، لكن غالبية مَن كان مع الرسول لم يتفطَّن لذلك، وازدادت الشُّـقَّة بينهم، وبعد تمامية الصلح وقبل رجوعه للمدينة، أراد الرسول أن يجدِّد المسلمون التزامهم وتعهُّدهم بمناصرته التي هي في الأساس واجبة عليهم بحكم وجوب الطاعة.
وما ذُكر من الروايات الأخرى تؤكِّد كلَّها هذا المطلب.
ـ وأمَّا خُطب الإمام عليهالسلام ، ففي بعضها يقيم الإمام الحجة على مبنى الخصم؛ وهو اعتبار البيعة شرط في تولِّي الحاكم وإن كانت على خلاف ماهية البيعة وخلاف ما يعتقد به عليهالسلام .
ـ وأما قوله للذين تخلَّفوا عن بيعته: (أيها الناس، إنكم بايعتموني على ما بويع عليه مَن كان قبلي، وإن الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا، فلا خيار لهم، وهذه بيعة عامة؛ مَن رغب عنها رغب عن دين الإسلام واتبع غير سبيل أهله). فبالإضافة إلى ذلك الجواب، فإن هذا المقطع من خطبته مقتطع من صدره المذكور في كتاب سليم؛ حيث يبتدأها: (إن كانت الإمامة خيرة من اللَّه ورسوله، فليس لهم أن يختاروا، وإن كانت الخيرة للناس، فقد بايعني الناس بالشورى...)
رابعاً: الآيات المثبِتة للوظائف الاجتماعية العامة
الاستدلال بآيات كثيرة وردت في الكتاب العزيز يخاطب الحق تعالى الناس عموماً بوجوب الجهاد وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء وإقامة الحدود ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1) . وقوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا
____________________
(1) آل عمران 3: 200.
نَكَالاً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (1) .
( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ ) (2) فاجلدوا ولا تأخذكم، اقطعوا الخطاب فيها للمجموع.
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (3) . وغيرها من الآيات التي تخاطب الناس بما هو من وظائف الدولة.
وتقريب الاستدلال بها: أن هذه الآيات تحدِّد وظيفة الأنبياء والرسل بالتبليغ، أما نفس الحكومة وإدارة أمور المجتمع والوظائف العامة، فهي للناس يجب عليهم القيام بها.
والجواب عنها:
1 - قد ذكرنا سابقاً وظائف الدولة كجهاز لا يمكن أن يقوم به فرد واحد، بل لابد أن يقوم به الجماعة والناس كافَّة، وبتعبير آخر: إن الدولة والحكم جهد مشترك بين الناس والحاكم، ولا يستطيع الحاكم أن يقوم به بمفرده. ومن دون تفاعل الناس مع جهاز الدولة وطاعتهم له لا يمكن لهذا الجهاز أن يقوم بمهمته.
2 - لو سلمنا بدلالة الآيات على المدعى، فنتساءل كيف يمكن للناس أن يقوموا بتلك المهام؟ فهل يؤدُّونها بنحو المجموع؟! هذا غير ممكن، بل لابد أن يكون هناك جهاز يتولَّى هذه المهمة، فمع قيام هذا الجهاز نتساءل: هل يسقط عن الواجب الأمة وبقية الناس؟ الجواب: بالطبع لا، فالواجب يبقى مع وجود هذا الجهاز.
وبتعبير آخر: أن وجوب هذه الأمور على الناس لا يعني عدم وجود جهاز خاص يقوم بتنفيذ هذه المهام، فإنه يبقى على الناس الطاعة والالتزام بما يقرِّره هذا
____________________
(1) المائدة 5: 38.
(2) التوبة 9: 3.
(3) الحديد 57: 25.
الجهاز. فهذه الآيات على فرض تمامية دلالتها لا تنافي وجود جهاز خاص يقوم بتنفيذ هذه الأمور.
3 - إن أي فعل له جهات ثلاث؛ أحدها: ماهية الفعل وكيفية أدائه وشرائطه. والثانية: الذي يقوم بالفعل، والثالث: الذي يقع عليه الفعل (القابل).
والأدلة التي تذكر في بيان أداء وظيفة أو فعل ما، تكون في صدد بيان إحدى هذه الجهات، ولا يمكن الاستفادة منها في بيان الجهة الأخرى، فقوله عليهالسلام : (نهى النبي صلىاللهعليهوآله عن بيع الغرر)، لبيان الجهة الأولى، ولا يمكن الاستفادة منها لمعرفة شرائط المتعاقدين، وما ذكر من الآيات في صدد بيان الجهة الأولى؛ وهي: ما هي الأمور التي يجب تنفيذها في المجتمع الإسلامي؟ أما مَن هو الذي يقوم بهذا
العمل؟ فإن الآيات غير متعرِّضة له؛ فهذه وظائف خاصة واجبة على عامة المجتمع بنحو الوجوب الكفائي، وهو لا ينافي كونه واجباً عينياً على الزعيم والمدير والرئيس وهو نظير تجهيز الميت إذ أنه واجب كفائي على عامة المسلمين ولا ينافيه كونه واجباً عينياً على الولي أو الوصي، وهذا النحو من الوجوب مشترك بين نظرية النص والشورى.
4 - ورد في ذيل آية سورة الحديد: ( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ، فالآية الكريمة فيها دلالة واضحة أن الأمر في الواقع بيد الرسل والمبلِّغين عن اللَّه، وأن وظيفة الناس هي المناصرة والطاعة؛ وليميِّز اللَّه الخبيث من الطيب.
5 - إن المستدل استدل بظاهر هذه الآيات وأن هذه الأوامر عامة للناس، لكن غفل عن آيات أخرى كان المخاطب فيها الرسول(صلَّى الله عليه وآله وحده) ( جَاهِدِ الْكُفَّارَ ) ( فَاحْكُم بَيْنَهُم بالعَدْلِ ) .
وهذا يعني أنه لا يمكن الإغفال عن هذه الآيات ووضعها بجانب تلك الآيات
حتى يظهر لنا ما هو الواجب على الأمة وما هو الواجب على المرسلين، ولا يمكن النظر إليها بنحو منفصلٍ عن بقية الآيات التي تُثبت الولاية ووظائف الولاة، وأدلة الولاية لا تكون معارضة لهذه الآيات، بل تكون قرينة على تعيين مفادها.
خامساً: آيات الاستخلاف
( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَا يَشَاءُ... ) (1) ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الارْضِ... )( 2 ) ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ ) (3) ( إِنَّا عَرَضْنَا الامَانَةَ عَلَى السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ ) (4) ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ... ) (5) .
وتقريب الاستدلال بها بأن بني البشر قد وُلُّوا عمارة الأرض من قبل اللَّه جلَّ وعلا، ومن بين الأمور التي تقتضيها الخلافة هو تولي أحدهم وتأميره وإعطاء الولاية له.
وهذا الفهم للآية يقابله فهم آخر - طبقاً لنظرية النص -: أن هذه الآيات هي إذن عام بالاستفادة من خيرات الأرض وإعمارها في قبال بقية الكائنات التي ليست لها هذه القابلية ولم يفوض لهم تكويناً ذلك. أمَّا الولاية الخاصة والتأمير، فهو أمر آخر لا
____________________
(1) الأنعام 6: 133.
(2) الأنعام 6: 165.
(3) النحل 27: 62.
(4) الأحزاب 33: 72.
(5) فاطر 35: 39.
يستفاد من هذه الخلافة العامة.
وههنا ملاحظات حول هذه الطائفة من الآيات:
1 - إن غاية تقريب هذه الطائفة لا يفوق ما ذكر من الآيات والوجوه السابقة من تكليف الأمة بالوظائف العامة، فيرد عليها ما أوردناه هناك، والوظيفة التي تظهرها هذه الآيات هي أن وظيفتهم إعمار الأرض والاستفادة من مواردها الطبيعية في قبال الإفساد والإهمال.
2 - يصرِّح كثير من المفسِّرين أن هناك نوعين من الاستخلاف؛ أحدهما: عام يشمل جميع البشر، والأخر: خاص، وهو الذي يتعرَّض فيه للولاية، وهو خاص بمَن يصطفيه اللَّه تعالى (البقرة:30 - 35)، وخصَّ مَن اصطفاه بخصوصيات منع منها الآخرين كالعلم اللَّدُني وإسجاد الملائكة له. وكذلك راجع: سورة ص/ آية 26، والنور، آية 25.
والآيات المذكورة في هذا الوجه هي في الاستخلاف العام، وهو غير ناظر للولاية.
3 - إن آيات الخلافة العامة مدلولها هو تفويض إعمار الأرض للبشر تكويناً، أمَّا تشريعاً، فإنه لم يفرضها لمطلق البشر، بل لمَن توفَّرت فيه شرائط من قبيل التوحيد والعمل بأحكام اللَّه وطاعته، وأن اللَّه لا يريد صرف ومجرد الإعمار البشري المادي ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ... ) (1) . وهذا وجه التعبير بالفيء على ما استولى عليه الرسول صلىاللهعليهوآله من أموال يهود خيبر ونواحيها، وكل مال للكفار لم
____________________
(1) التوبة 129: 38 - 39.
يوجف عليه بخيل ولا ركاب؛ بمعنى المال الراجع، فلم يعتبر للكفار صلاحية التملُّك، واعتبر لخليفة اللَّه نبيِّه صلىاللهعليهوآله ولاية الأموال العامة في الأرض.
سادساً: آية الأمانة
قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (1) .
يوجد للآية تقريبان:
الأول: أن يكون المراد من الأمانة هنا هو خصوص الحكم بين الناس بقرينة التفريع ( وَإِذَا حَكَمْتُم ) بمعنى أن الحكم بين الناس أمانة، وأن مَن يملُك تدبير هذا الحكم هو الناس حيث إنهم المخاطبون بذلك، فإذا وُلِّي بعضهم على بعض يجب أن يحكموا بين الناس بالعدل.
الثاني: أن الأمانة هي الحكم بين الناس بالأصالة، وعند وجود المعصوم، فإن الولاية تكون له بموجب النص، وعند عدمه، فإنها تعود للأمة.
وقوله تعالى: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (2) .
وقد فُسِّرت الأمانة تارة بالتكاليف، وأخرى بالأحكام، وعلى كليهما تنفع في المقام؛ إذ تفيد شمولها للتكاليف الولائية وأنشطة الدولة التي هي نوع من التكاليف الكفائية في المجتمع المدني، فالأمانة بيد الأمة إما بالأصالة مطلقة؛ أي في عرض النص، أو أنها في طول النص.
والجواب عن هذا كلِّه:
____________________
(1) النساء 4: 58.
(2) الأحزاب 73: 72.
أننا لو لاحظنا آية سورة النساء، لوجدنا أنها ابتدأت بضمير المخاطب ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ ) وفي ذيلها: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) وقد تغيَّر الأسلوب إلى الخطاب بالصفة، وهذا يقرّب ما ورد من الروايات أن المخاطب في الأولى هم ولاة الأمر، فالإمامة هي أمانة الحكم إلا أن المخاطب بها هم ولاة الأمر.
وفي الثانية خطاب إلى عامة الناس لطاعة أولي الأمر، وقد ورد في ذيلها رواية عن الباقر عليهالسلام : (أن إحدى الآيتين لنا والأخرى لكم) وقد ذهب بعض الكتّاب إلى شرح الرواية بالقول: أن الآية الأولى هي للناس والثانية للأئمة. وهذا عجيب؛ إذ أن الخطاب في الثانية بـ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ، وهو خطاب عام، والآية الأولى وإن كان الخطاب فيها عاماً إلا أنه لا يُعقل توجيهه لكل الناس؛ لأنه ليس وظيفتهم حكم كل الناس، وواضح أن المخاطب فيها هم الحكّام.
وعلى فرض التنزُّل وأن المخاطب في الآية الأولى هم عامة الناس، فهي أصرح على نظرية النص؛ حيث يكونون مطالبين بأن يولّوا عملياً ويمكِّنوا مَن هو أهل لذلك، وهم الواجب طاعتهم.
أمَّا بقية الآيات، فهي بصدد بيان الأمانة العامة ومطلق التكاليف، الفردية منها والاجتماعية، وليست في صدد التعرُّض إلى ولاية الأمر بالخصوص.
وبعبارة أخرى: أن ذيل الآية؛ من لزوم طاعة أولي الأمر المقرونة طاعتهم بطاعة اللَّه وطاعة رسوله ممَّا يدلل على أنها متفرِّعة منهما لا من تنصيب الناس، شاهدٌ على أن الأمانة والحكم بين الناس ليس من صلاحية الناس وتنصيبهم؛ لأن اللازم على الناس المتابعة والانقياد، ومَن بيده النصب لا يكون تابعاً منقاداً، فالأمانة عهد اللَّه الذي لا يناله الظالمين كما في سورة البقرة، لا العهد من الناس.
سابعاً: آيات تدل على نفي مسؤولية الرسول عن الأمة
( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) (1) ، ( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ) (2) ، ( وَلَوْ شَاءَ اللّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ) (3)، ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ) (4) ، ( فَإِن أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلَنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاَغُ ) (5) ، وغيرها من الآيات: ق/ 45، النحل/ 125، الغاشية/ 21، يونس/ 99.
وتقريب الاستدلال: أن هذه الآيات تحصر مهمة الرسول في التبليغ وهداية الناس ونفي مسؤوليته عن تولي زمام الأمة، وأنه ليس مسؤولاً عنهم إذا اختاروا طريقاً آخر، فهي تدل على أنه ليس من مهام الرسول الولاية في الأصل.
والجواب عن هذا الاستدلال: أنه يجب ملاحظة شأن نزول هذه الآيات، وملاحظة ما يحيط بها من آيات تكون قرينة على بيان معناها؛ حيث إن الآيات بصدد الإشارة إلى مطلب مهم بعيد عمَّا يستشهدون بها عليه، وهو أن الإيمان - الذي هو مدار النجاة في الآخرة - لا يمكن للرسول أن يلجيء أو يُقسِر عليه ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) ، وكان الرسول صلىاللهعليهوآله يتألم لِمَا يرى من صدود المنافقين، وهو الذي أُرسل رحمة للعالمين وما يتحلَّى به من رأفة وشفقة عليهم ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) .
____________________
(1) النساء 4: 80.
(2) الأنعام 6: 66.
(3) الأنعام 6: 107.
(4) الفرقان 25: 43.
(5) الشورى 42: 48.
مضافاً إلى أن الرسول كان رحمة للناس، وكان يظهر شفقته وحزنه حتى على المنافقين، وأن الحفاظة والوكالة المنفية هي في مورد الإيمان والدين، لا في مورد إدارة المجتمع ونحوه، كما أن هذا التفسير لا ينسجم مع الآيات الصريحة بأن على الرسول إقامة العدل، سواء في مجال الاقتصاد والأموال أم في الحقوق والمنازعات - السياسية أو الفردية - والحكم بين الناس، والقضاء شعبة ركنية من شعب الدولة، ولا ينسجم مع الآيات التي تأمر النبي بالجهاد ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ) ؛ فإنها صريحة في وجوب إقامة الحكم الإسلامي وحمل الناس على العيش في ضمن قوانين الدولة الإسلامية والتسليم الخارجي لهم، أما من جهة القلب والإيمان الباطني، فإن هذا أمر غير قابل للإكراه فيه. وفي هذا المجال نرى تلك الآيات التي تنفي مسؤولية الرسول صلىاللهعليهوآله عنهم، أمَّا الجانب الأول، فإن الآيات صريحة في وجوب إقامة الحكم على الرسول صلىاللهعليهوآله وجعل كلمة اللَّه هي العليا.
ثامناً: آية المائدة
( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .
استدل البعض بهذه الآية الشريفة على أن الحكم عن طريق الشورى، وأنه يكون في طول النص؛ حيث أن الآية ذكرت أنه أنزل التوراة ليحصل بها الحكم، وهو غير الهداية، بل يشمل التشريع والقضاء، وهو للنبي أولاً، ثُم يأتي دور الربانيين، وهي صيغة مبالغة، ورباني المنسوب إلى الرب، وهم المطيعون للَّه عزَّوجل طاعة خالصة غير مشوبة بمعصية غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وهم أوصياء كل نبي، ثُم يأتي ثالثاً دور الأحبار، وهم العلماء الذين عليهم مسؤولية استلام سدة
الحكم، وأن هذه السنة الإلهية في تولِّي الحكم جارية في جميع الأديان.
وهذا الحكم العام يستفاد من مجموعة من القرائن:
أ - قوله تعالى: ( فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) ، فالمخاطب بها المسلمون، وهذا يدل على جريان هذه السنة الإلهية فيهم أيضاً.
ب - أن القرآن ليس كتاب تاريخ أو قصص، بل هو كتاب اعتبار وتشريع، فكل ما يذكره إنما يأتي به اللَّه عزَّوجل من أجل العبرة، والتشريعات تكون ثابتة ما لم يُنص على خلاف ذلك. فهذه السنة العامة التي ذكرها القران في بني إسرائيل غير مختصة بهم؛ بدليل عدم ذكر القران لهذا الاختصاص، بل إن ذكرها للدلالة على إرادتها من المخاطبين.
جـ - الآيات الواردة بعد ذلك في بيان حكم أهل الإنجيل؛ إذ يعيد الحق سبحانه نفس المفاد حيث تنص على وجوب الحكم بما جاء في الإنجيل ( وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ومِن ثَمَّ تستمر الآيات في بيان وجوب أن يحكم الرسول صلىاللهعليهوآله بما أنزل اللَّه.
والخلاصة: أن الآيات تبيِّن سنة إلهية جارية في جميع العهود والأزمان، وأنه إذا أنزل كتاباً سماوياً، فمراده من ذلك هو أن يكون دستوراً إلهياً على الأمة أن يتخذوه في تصرفاتهم على كافّة الأصعدة الفردية والاجتماعية والقضائية والتشريعية والولائية. وتُظهر الآية تسلسل ترتب الحاكمية، فهي للنبين ثُم لوصيه، ثُم للأمة والأحبار، أي العلماء الذين هم جزء من الأمة، مع اشتراط توفُّر العلم والكفاءة والأمانة، وهي أمور لا ريب فيها.
وفي هذا الاستدلال تأمل:
1 - أن الآية لا تنافى نظرية النص، بل تدل عليها؛ وذلك لأن إيكال سدة الحكم للأحبار هل هو بالأصالة عرضاً مع الربانيِّين أم بالنيابة عنهم؟ والآية تصلح
للانطباق على كلا المعنين.
2 - أن الترتيب في الذكر الوارد في الآية ليس اعتباطياً، بل هو للدلالة على نيابة المتأخر عن المتقدِّم بمقتضى ولاية المتقدِّم ذكراً على المتأخر؛ لأن المتأخر من رعية المتقدم، فتكون ولاية المتأخر متفرِّعة عن المتقدم، وحيث إن العلماء مستقى علمهم من المعصومين، فتوليهم للحكم يكون بالنيابة عن المعصوم، والدليل على تسنُّمهم سدة الفتيا هو آية النفر (1) فإسناد سدة الفتيا للفقهاء هو من عصر الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله غايته أنه في طول المعصوم عن الرسول؛ حيث أن أصل العلوم كلها هي للرسول صلىاللهعليهوآله وهو الذي يُطْلِع المعصوم عليها، وإن كان تشريع فتياهم، أي الفقهاء، هو من قبل اللَّه عزَّوجل، لكنها عن المعصوم عليهالسلام عن الرسول صلىاللهعليهوآله .
إن قلت: ظاهر الآية أن ولاية الأحبار ليست نيابة؛ وذلك لأن اللَّه عزَّوجل أسند الحكم إليهم، فالتخويل هو من قبل اللَّه.
قلت: إن لهذا نظائر كما في طاعة اللَّه وطاعة الرسول، وولاية اللَّه ولاية الرسول، فإن المزاوجة بين الولايتين لا يدل على أنهما في عرض واحد، بل إنها جعلت للمعصوم بتخويل من اللَّه عزَّوجل استخلافا. ومن نظائرها ما ذُكر في موارد الخمس والزكاة وأصنافها، فإن الولاية على الأموال هي للرسول والمعصوم، لا للأصناف، فالفقراء ليست لهم الولاية على أموال الزكاة.
إن قلت: هل تُتصور - بناء على نظرية النص - ولاية الرسول صلىاللهعليهوآله على المعصومين بعد وفاته صلىاللهعليهوآله .
قلت: إن ولاية الرسول صلىاللهعليهوآله باقية على مَن بعده حتى بعد وفاته؛ وذلك لأن الرسول الأكرم هو الطريق لوصول العلوم إليهم عليهمالسلام . ويذكر مضافاً إلى نفوذ
____________________
(1) راجع في تفصيل ذلك كتابنا: دعوى السفارة في عصر الغيبة.
أحكامه صلىاللهعليهوآله في كل المجالات على مَن بعده إلى يوم القيامة - كمثال على ذلك - ما جرى بين الحسين عليهالسلام وابن عباس عندما سأله الأخير عن خروجه مع علمه بما فعلوه بأبيه وأخيه، فأجابه عليهالسلام : أنه قد رأى النبي صلىاللهعليهوآله في المنام وأخبره بالخروج إلى العراق؛ حيث أن رؤيا المعصومين صادقة، فهذه تمثِّل استمرار ولايته عليهم وبقاء تلك الطولية بينهم.
3 - قوله تعالى: ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) ، فإن هذه العبارة في الآية ليست متعلقة بالأحبار، بل متعلقة بالنبيين والربانيين؛ وذلك:
ـ أن مادة الحفظ واردة في القرآن غالباً بمعنى الإيكال العهدي الخاص الشبيه بالتكويني من اللَّه عزَّوجل إلى الملائكة المسمون (بالحفظة)، ولفظة ( اسْتُحْفِظُوا ) لم ترد إلاّ في هذا المورد، وهذا يدل على أن المراد منها هو العهد الخاص، ويقابل الاستحفاظ لفظ (التحميل) حيث ورد وصفاً لعلماء بني إسرائيل في سورة الجمعة ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ) ، فالتعبير بالحمل هو بمعنى التكليف، وهو غير الاستحفاظ، والثاني ورد في علمائهم، لا الأول.
ـ ورد عن الصادق عليهالسلام في ذيل الآية: (الربَّانيون هم الأئمة دون الأنبياء الذي يربّون الناس بعلمهم، والأحبار هم العلماء دون الربانيين). قال: (ثُم أخبر عنهم فقال: ( بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء ) ولم يقل بما حملوا منه). تفسير الصافي 2 / 38.
وهذا أيضاً يدل على أن المراد من الاستحفاظ هو عهد خاص من اللَّه عزَّوجل.
ـ وقد يتساءل عن السر في تأخير ( بِمَا اسْتُحْفِظُواْ ) وإيرادها بعد الأحبار، وكان الأنسب ذكرها بعد الربانيين. والجواب عن ذلك:
أ - مثل هذا التعبير وارد في مواضع أخرى في القران مثلاً في سورة النساء (72 -
73): ( وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَعَهُمْ شَهِيداً وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَم تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ) . فجملة ( كَأَن لَم تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ) متعلقة بالآية السابقة عندما يقول المنافقون عند هزيمة المسلمين: الحمد للَّه الذي لم نكن معهم، فوجود الفاصل لا ينفي الارتباط بين الجملتين.
ب - أن هذا التعليل يبيِّن أنَّ المحورية والمركزية في الحكم للنبي والربانيين؛ وذلك لأن لهم العهد الخاص من قبل اللَّه عزَّوجل، ويكون موضع الأحبار هو النيابة عنهم، وبمنزلة الأيدي والأعوان، ولا يكونون مستقلين بالحكم والأمر، بل يصدر الأمر عنهم. نعم، يكون لهم نوع من الاستقلالية في ما لم يُنط بهم كما في ولاية الإمام عليهالسلام لمالك الأشتر، فقد زوَّده بالخطوط العامة للحكم، وعليه التصرف ضمن تلك الحدود ولا يرجع في كل صغيرة للإمام، وهذا مقام لا يعطى لكل أحد، بل لمَن يمتلك الكفاءة العلمية والأمانة؛ ولذا عبَّر عنهم بالأحبار، فعدم الاستقلال بالولاية يرجع إلى عدم توفُّر التعليل فيهم؛ حيث إنه منحصر بالنبيِّين والربانيين.
4 - وأخيراً يرد على المستدِل بهذه الآية الكريمة للجمع بين الشورى والنص وأنه مع انتفاء النص تصل النوبة للشورى، أن ذلك يتنافى مع ما هو مقرَّر في العقيدة الشيعية من أن الأرض لا تخلو من حجة ظاهرة أو باطنة، وأن الولاية مع وجود المنصوص عليه تكون فعلية، وليست اقتضائية ولا تقديرية، وهذا يعني أن موضوع النص لا ينفى أصلاً حتى يمكن أن نفرض الشورى عند انتفاء النص، ولا يمكن اعتبار عدم تسلُّم الإمام لسدة الحكم لجور الأمة وضلالها انتفاء للنص؛ فهو كما في تصريح الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله : (الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا).
وكذلك غيبة المعصوم لا تعني انتفاء النص؛ لأنه موجود ومؤثِّر بتسديده للأمة
وهدايته لها من ستار الغيب كما يظهر من الروايات الكثيرة في هذا المجال.
منها: قوله عليهالسلام (إني لازلت راعٍ لكم، ولست بغافل عما يدور حولكم). فضرورة المذهب السائدة أن الفقهاء هم نوَّاب الإمام وشرعيَّتهم من شرعية الإمام - مع اختلافهم في مساحة تلك النيابة سعة وضيقاً - لا أن لهم ذلك بالأصالة. وهذه النيابة للفقهاء بالنصب العام، لا الخاص لجماعة وأشخاص بخصوصهم. نعم، أوكل أمر تعيين هذا المصداق النائب للأمة، فهو نوع من التخويل، سواء كان هذا الانتخاب بنحو مفرد أم لمجموعة واجدة لشرائط النيابة، وهذا نظير صلاحية القاضي فإنها استنابة عنه عليهالسلام إلاّ أنه جعل تعين المصداق بيد المتخاصمين.
وهذا المعنى ليس إيكالاً للأمة باختيار القائد؛ بمعنى أن الأمة تختار مَن ينوب عنها، بل هو تفويض للأمة في تعيين المصداق من بين هؤلاء العلماء. فما يذكره بعض المتأخرين من أن للفقهاء الولاية بالأصالة في عصر الغيبة، مخالف لضرورة من ضروريات المذهب.
تاسعاً: سيرة الأئمة عليهمالسلام
وقد ذكرت وجوه أخرى للدلالة على الشورى، بعضها قد مضى في تضاعيف الاستدلال بالآيات السابقة:
1 - الاستدلال بالسيرة: أن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله والإمام عليهالسلام جرت سيرتم وعملهم على عدم استلام سدة الحكم إلاّ بعد حصول البيعة ورجوع الناس إليهم، وأن الإمام نُقل عنه أنه يكون وزيراً ومرشداً أفضل من أن يكون أميراً، وأن حكومة الرسول صلىاللهعليهوآله هي حكومة معنوية أقرب منها أن تكون حكومة سياسية. ولذا قيل: أن الموروث من الرسول صلىاللهعليهوآله ليس بذاك الحجم الذي يمكن أن يؤسَّس به دستور لدولة، سواء في الجانب القضائي أو التشريعي أو التنفيذي.
ـ أن الأئمة عليهمالسلام كانوا يبتعدون عن السلطة ولا يسعون لإقامة الحكم، بل على العكس كانوا يدفعون مَن يأتي ليبايعهم. فالإمام علي عليهالسلام عندما أتاه الناس لمبايعته، صدهم وامتنع أول الأمر، وهذا يعني أن الأمر بيد الأمة؛ فإنْ انتخبتهم، فقد أصابت طريق الرشاد والصلاح. كما أن أبا مسلم الخراساني قد عرض الحكم على الإمام الصادق عليهالسلام وقد رفض ذلك، والإمام الرضا قد عرض عليه المأمون الحكم وقد رفض، فهذا يعني أنهم لم يكن يرون أنفسهم منصوبين من قبل اللَّه.
2 - أن السياسة وتدبير الأمور ليست جزءاً من الدين والشريعة، بل هي أمور عامة ترجع إلى تقدير الناس وحسن رويتهم؛ فالحكومة تستمد مشروعيتها من الأمة والمجتمع.
3 - أن المعصومين مبشِّرون ومبلِّغون وهُداة، والنص على إمامتهم يعني وجوب الرجوع إليهم في معرفة أحكام الدين أصولاً وفروعاً، وإن الحكومة ليست تكليفاً إلهياً، وليس من مراتبه ومقاماته الحكومة؛ وأوضح مثال على ذلك أنبياء بني إسرائيل إذ لم يكونوا يديرون شؤون الناس.
4 - أن الكتاب الكريم لم يحتوي إلاّ على جزء قليل من أحكام الدولة.
5 - أن مفهوم النبوة والإمامة يعتمد على العلم الخاص، وليس فيه دلالة أو إيماء إلى الحكم والولاية.
والجواب عن هذه الوجوه:
أولاً: قد ذكرنا سابقاً الجواب عن السيرة ونكرره هنا:
ـ إن الآيات التي تأمر النبي بإقامة القسط والعدل والقضاء والجهاد والنشاط العسكري والدفاع عن المجتمع الإسلامي كثيرة، وهذه خطابات لا تصلح إلاّ للحاكم والوالي. وأمَّا البيعة، فقد ذكرنا نكتها وأنه لا يكفي مجرد التكليف من دون حصول
الوثوق والاطمئنان، وقد ذكرنا أن البيعة ليست تفويضاً أو توكيلا، بل هي إظهار الالتزام وأخذ العهد والتغليظ.
ـ وهكذا في سيرة الإمام علي عليهالسلام ، فإنه في كثير من كلماته يشير إلى أحقِّيته بالخلافة والحكومة، وأن مماطلته في استلام الخلافة بعد مقتل عثمان لحكمة تتضح لمَن له أقل تتبُّع للتأريخ؛ حيث أنه أراد قطع العذر لمَن يشق عصا المسلمين والطاعة عليه، وحتى لا يكون هناك مجالاً لمَن أراد أن ينكث البيعة.
ـ وقد يشكل بما روي عن الإمام الحسين عليهالسلام ؛ من أنه في ليلة العاشر من المحرم قال لأصحابه: (وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍ ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا).
وجوابه: أن الإمام الحسين واجب النصرة؛ لأنه مظلوم، فضلاً عن كونه إماماً مفترض الطاعة، فنصرته لم تجب بالبيعة فقط، بل بدونها نصرته واجبة. وقد ذكروا وجوها لهذه المقالة؛ منها: أنه أراد امتحان أصحابه ليعلم الثابت منهم عن غيره.
ومنها: أنه يكون إذن خاص منه عليهالسلام حيث علم أن سوف يستشهد.
ومنها: أن أصحابه ليسوا كلهم على درجة واحدة من الثبات، فلذا تنقل بعض الروايات أنه قد ذهب بعض منهم - ولكن يسير جداً - فهؤلاء لم يلزمهم بالبقاء.
ومنها: أن الاستشهاد معه عليهالسلام مرتبة لا ينالها إلاّ مَن أُتي نصيباً وافراً من المعرفة الحقيقية بمقامهم عليهمالسلام ؛ ولذا كان هذا التحليل هو لذوي النفوس الضعيفة التي ليس من مقامها الاستشهاد معه عليهالسلام . وهؤلاء كانوا يظنون أن بقاءهم معه عليهالسلام مرتبط ببيعتهم له، فعاملهم الإمام عليهالسلام على اعتقادهم.
ـ أما بالنسبة للإمام الصادق عليهالسلام ، فلقد عرض عليه أبو مسلم الخراساني البيعة، ولكن الإمام رفض ذلك، وسرُّه واضح؛ لأن أبا مسلم لم يرد تحكيم وتولية الإمام، وإنما أراد التستر والاستفادة من شخصية الإمام عليهالسلام ؛ لأنه يعلم أن التغيير غير ممكن إلاّ إذا كانت
هناك شخصية ذات نفوذ وسلطة في قلوب الناس، والإمام عليهالسلام كان له إحاطة بالأوضاع الاجتماعية وعلى دراية بخبايا أبي مسلم. ولذلك ما أن أعرض عنه الإمام، حتى بادر ودعى إلى بني العباس.
ـ أمَّا بالنسبة للرضا عليهالسلام ، فأولاً عندما امتنع عن قبول الولاية حقَّق هدفاً مهماً؛ وهو اتضاح أن ولاية المأمون لا أساس شرعي لها. وثانياً عندما قبل الولاية تحت الإجبار والإكراه مع شرط عدم التدخل في أمور السلطة، فإنه يتجنب إمضاء مشروعية أفعال السلطة الحاكمة؛ حيث يتَّضح أن المأمون لا شرعية لسلطته حتى يوليه ولاية العهد. وبهذا يكون قد خلص من الهدف الذي توخاه المأمون من استغلال مكانة الإمام الدينية في دعم شرعية سلطته.
ـ أما ما استشكله البعض من انصراف الأئمة عليهمالسلام عن الجانب السياسي، وعدم سعيهم لإقامة الدولة والحكم، فجوابه يتضح من خلال النقاط التالية:
أ - أن الأئمة عليهمالسلام انصرفوا إلى إعمال تعتبر أهم مِلاكاً من إقامة الحكم عند التزاحم؛ وهي بيان أحكام الدين ومعارفه، أي تدبير الجهة العقلية والمعرفية عند الناس، وهي مقدمة على تدبير الأبدان. واضح أن نشر الدين وبيان الأحكام تعمُّ منفعته جميع المسلمين في الأزمنة كافة، بينما تدبير الحكم وإقامة الدولة يفيد الأجيال المعاصرة لتلك الحقبة فقط، فإذا دار الأمر بين النفع والفائدة الأطول زماناً مع آخر ذي فائدة اقصر زمانا، فالتقديم للأول.
ب - أن المجتمع الإسلامي قد توسَّع بشكل كبير في القرنين الأول والثاني، وانفتح على حضارات مختلفة، واختلط بأمم متعددة، ممَّا أثار جملة كبيرة من الأسئلة والاستفسارات والشبهات التي احتاجت إلى أجوبة شافية دامغة لكل ما يمسُّ الدين الحنيف، وقد عجزت الأذهان العادية التي تنهل من العلوم الكسبية عن الإجابة عليها واحتاجت إلى مَن يكون له علم لدني يجيب عنها، خصوصاً أن
الحركة المسيحية واليهودية لم تألوا جهداً في ضرب الإسلام فكرياً وعقائديا بعد أن عجزت عن الإطاحة به عسكرياً، فقامت ببث التشكيك في معارف القران والجبر والتفويض وتجسيم اللَّه عزَّوجل ومعاجز النبي صلىاللهعليهوآله و...
جـ - أن إقامة الحكم ورئاسة الأمة وظيفة مشتركة بين القائد والأمة، فإذا لم تتمثَّل الأمة للواجب المُلقى على عاقتها؛ من رجوعها إلى الإمام المعصوم، فإنه لا يجب على الإمام إجبارهم على ذلك. وقد تخاذلت الأمة عن القيام بواجبها، فاتجه الإمام إلى الوظيفة الأخرى.
ـ أن الأئمة لم يغفلوا الجانب السياسي البتة، وكانوا لا يفوّتون الفرصة من حين لآخر لإثبات أحقِّيتهم بالخلافة؛ فالإمام الكاظم عليهالسلام عندما حجَّ هارون الرشيد وزار المدينة وجعل الأخير يسلِّم على الرسول: السلام عليك يابن العم. قال عليهالسلام في السلام: (السلام عليك ياجداه)؛ للإشارة إلى أن المشروعية إذا كانت بالأقربية، فإنَّا أقرب إليه منكم. وغيره من مئات الوقائع التي رصدها التاريخ لهم عليهمالسلام مع سلاطين بني أمية وبني العبَّاس.
ـ أن الأئمة عليهمالسلام كانوا يمارسون نوعاً من الحكومة الخفية، ويأمرون وينهون شيعتهم؛ ومن هذه المواقف:
أ - نهي الكاظم عليهالسلام لصفوان عن إيجار جماله - والتي كانت له أكبر مؤسسات النقل في العالم الإسلامي آنذاك - للدولة الحاكمة آنذاك.
ب - جباية الأموال في ذلك الزمان من الأمور المختصة بالدولة، ومع ذلك فإنهم عليهمالسلام كانت تجبى إليهم الأخماس والزكوات، واتفاق الفقهاء على أنه مع حضور الإمام لا تبرأ ذمة شخص إلاّ بتسليمها للإمام عليهالسلام ؛ لِمَا كان علي بن يقطين يدفع زكاته للإمام الكاظم عليهالسلام مع كونه وزيراً للسلطان العباسي، حتى أن جواسيس بني العباس خاطبوا هارون يوماً بما مضمونه: هل للمسلمين خليفتان تجبى لكل
منهما الأموال، وأن الثاني هو موسى بن جعفر عليهماالسلام ، وأن معه من شيعته عشرات آلاف السيوف تنصره، ممَّا ينذر الخليفة العباسي بتنامي نفوذ الكاظم عليهالسلام في المجتمع الإسلامي.
ب - نصب الوكلاء في المناطق المختلفة، وهؤلاء يرجع إليهم الناس في كلٍّ مِن معرفة الأحكام وفي خصوماتهم القضائية وفي كل توابع ولواحق القضاء؛ من إنفاذ الأوقاف والوصايا وتقسيم المواريث وإدارة أموال القصّر وأخذ القصاص أو الديَّات وغيرها.
وكان النصب على نحو نصب خاص ونصب عام، ونجد أن فقهاء الشيعة يجعلون المناصب ثلاثة: الإفتاء - القضاء - المرجعية؛ حيث يرون لكل منها شروطاً تختلف عن الأخر، وقد تتداخل بعضها. وهذا التفصيل استفيد من روايات الأئمة عليهمالسلام فعن تقرير يرفعه أحد عيون الجاسوسية للدولة العباسية - يرويه لنا الكشي في كتابه الرجالي - يصف الشيعة في الكوفة أنهم على ثمان طوائف؛ أحدها: زرارية بن أعين، والأخرى: مسلمية اتباع محمد بن مسلم، وهشامية: أتباع هشام بن الحكم، وبصيرية: أتباع أبي بصير، وهذا يذكر في الحقيقة تعداد الجماعات الشيعية التي ترجع إلى فقهاء الرواة عن الباقر والصادق والكاظم عليهمالسلام كما نجد أن الأئمة قد أجازوا إقامة الحدود بما يتناسب مع هذه الحكومة الخفية كالأب على ابنه والزوج على زوجته والسيد على عبده.
جـ - الممانعة من الجهاد الابتدائي مع السلطة الأموية والعباسية كما في رواية زين العابدين عليهالسلام في الرواية المعروفة عندما اعترض عليه أحد أقطاب العامة، قائلا: تركت الجهاد وخشونته ولزمت الحجج وليونته، واللَّه تعلى يقول: ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ... هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) فأجابه عليهالسلام : (أكمل الآية، فقال: ( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) ، فقال عليهالسلام : إذا وجدتَ مَن هذه أوصافهم من المجاهدين، فحينها لا ندع الجهاد والقتال)، وهو عليهالسلام يشير إلى أن الفتوحات التي تقوم الدولة بها حينذاك هدفها لم يكن نشر الإسلام، بل جني الغنائم وتحصيل الجاه والأموال والجواري...
د - ما ورد في رواية ابن حمزة عن أبي جعفر عليهالسلام قال: سمعته يقول: (مَن أحللنا له شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرَّمناه ذلك فهو له حرام). وهذه ممارسات ولائية حكومية في تحليل ما يؤخذ من السلطة الجائرة التي كانت تقوم بجباية الأموال من خراج وزكاة ومقاسمة.
هـ - الإشراف على تولِّي المناصب في الدولة القائمة من قبل بعض الشيعة حتّى يسهل إدارة أمور الشيعة؛ كما في الإمام الصادق عليهالسلام مع داود الزربي، والكاظم عليهالسلام مع علي بن يقطين، والصادق عليهالسلام مع النجاشي في تولِّيه للأهواز، والإمام الرضا مع محمد بن إسماعيل بن بزيع.
و - الإذن لأصحابهم في التصدِّي للفتيا.
ز - تقنينهم لبعض التشريعات الولائية التي هي مقتضيات منصب الحاكمية، وليست تشريعات ثابتة. فكما في إحياء الموات والأمور الخاصة بها، والتفويض الخاص بالأراضي هو نوع من الممارسة الولائية، وليس تشريعاً ثابتاً؛ بدليل ما في بعض الروايات المشيرة إلى أنه عند ظهور الحجة عليهالسلام سوف يتغيَّر هذا النظام في الأراضي.
حـ - إعفاؤهم شيعتهم من إعطاء الخمس في بعض الموارد وفي بعض السنين كما في رواية علي بن مهزيار عن الجواد عليهالسلام . وما ورد عن الباقر عليهالسلام في تقنين نظام التضمين وعدم ضمان الأجير.
ط - حثُّ الشيعة على التمسُّك بالأحكام الخاصة بالمذهب من التولِّي والتبرِّي،
وعدم الولاء للسلطة الحاكمة وعدم مشروعيَّـتها، من قبيل التقية، ومتعة الحج والنساء، وإقامة الإحكام الفقهية الخاصة في الإعمال اليومية، وحثّ الإمام الباقر عليهالسلام والصادق عليهالسلام لأصحابه على إقامة الجمعة فيما بينهم.
وبنظرة استقرائية لأحد المجاميع الروائية القديمة، أو لكتاب الوسائل مثلاً، يجد الناظر مشجَّرة كاملة في الأبواب الفقهية المروية لممارسات الأئمة عليهمالسلام في المجال التنفيذي الولائي والقضائي، فضلاً عن التشريعي، فرسم صورة كاملة عن أنشطة الحكومة الشرعية في كل المجالات التي تقوم بدورها في الخفاء عن الظهور أمام السلطة الظاهرية آنذاك.
ثانياً: الدين والسياسة
أمَّا ما ذُكر من أن السياسة ليست من الدين، وأن الحكومة من الأمور الخارجة عن التكليف الإلهي، وأن الكتاب غير حاوٍ لأحكام السياسة، فيجاب عنه:
أ - أن القران عالج جوانب عدة من كيفية إقامة النظام في المجتمع؛ فوضع نظام الأحوال الشخصية، وقواعد القضاء (وهذه القواعد تتفرَّع منها آلاف القضايا الفرعية)، وكذا الحدود الجنائية والتعزيرات، والجهاد وأحكامه (والذي هو نظام علاقة المسلمين بالكفار وبأهل الكتاب في الحرب والسلم)، والخطوط العامة للنظام الاقتصادي الذي تقوم عليه الدولة في دائرة اقتصاد الكل والجزء (الدولة والمدينة والريف)، ونظام المنابع المالية العامة، وقد أُعدت دراسات حديثة لاستخراج نظام القانون الدولي بين الدول من القران.
فهل يعقل أن يقال: إن مَن اهتم ببيان هذه الموارد أغفل عن ذكر نصوص تتعلق بالحاكم وشروطه وتعيينه؟
ب - يُنقض على المستشكِل بأن حكومة الرسول صلىاللهعليهوآله في تلك الفترة الحرجة
وصلت وحقَّقت الكثير من الأهداف والانجازات، فهذا يعني أن هذا النظام - مع وجود الشخصية المؤهلة - قادر على تأدية وظائف الحكومة وتنفيذها بأحسن حال، كيف وقد انتشلت المجتمع البدوي القبلي المتخلِّف إلى درجة أعظم نظام دولة يناهض القوتين العظميين حينذاك الكسروية والقيصرية؟!
جـ - أن القول بكون مشروعية الحكومة مستمدة من الأمة يناقض فصل الدين عن السياسة؛ لأن المشروعية تعني الأمر الذي شرَّعه الشارع واعتبره وصحّحه، والذي لا حرج في التعامل والأخذ به، فإذا كانت الحكومة المنبثقة من الأمة مشروعة؛ أي اعتبرها الشارع، فكيف لا تتعرَّض الشريعة للحكم السياسي؟ وكيف تكون تلك الحكومة تستمد كل صلاحيتها من الأمة دون الشارع؟ وبعبارة أخرى: ما المعنى المحصَّل للمشروعية في كلامه إن لم ترجع إلى عدم التأثيم والعذر عند مالك يوم الدين، وأي معنى للحديث عن المشروعية حينئذ؟
ثُم إن مقتضى أن اللَّه سبحانه وتعالى مالك للمخلوقين ولأفعالهم، أن مبدأ وأصل الولاية هو للَّه تعالى، وأن كل الولايات تتشعَّب من ولايته ( الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ) و ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ) . وهذا أصل غاية الأمر؛ حيث جعل للإنسان الاختيار، لا القسر، فكانت الولاية الربانية عليه من نمط تكويني غير قاسر، ونمط تشريعي اعتباري قانوني، فمنطق التوحيد ومنطق الشرعية الإلهية يبنى على أن أصل الولاية للَّه، وأن كل شعبة لابد وأن تنتهي إلى ذلك الأصل.
نعم، المنطق الوضعي غير المتقيِّد بالملة والنهج السماوي وأن للكون خالقاً مالكاً، يجعل مصدر الولاية هو الإنسان وسلطة الفرد على نفسه، فيجعل من العقد الفردي والاجتماعي مصدر السلطات والولايات كما يفصل ذلك الدكتور السنهوري في (الوسيط)، فبين المنهجين بعد المشرقين.
د - أن أحدث النظريات في القانون الوضعي تشير إلى أن تعيين القائد الذي
تنتخبه الأمة ليس اعتباطياً، بل يجب أن تتوفَّر في القائد المواصفات والأهلية اللازمة التي وضعها الدستور من الكفاءة والأمانة وغيرها. وحينئذ فإذا رُشَّح مَن له هذه الصفات وانتخبته الأمة، يكون الانتخاب صحيحاً. فحقيقة الانتخاب هي استكشاف مَن ترى الأمة أن توفُّر هذه الصفات فيه بنحوٍ أكمل وأفضل، فمنشأ ولايته هو توفر تلك الشروط فيه، لا اختيار الأمة، وإنما هو استكشاف فقط، وهذا يقترب من نظرية النص التي تدعَّي أن السماء هي التي تتكفّل ببيان هذه الصفات وتحديدها ويكون بيد الأمة تشخيصهم في الخارج.
وقد أثار هذا الباحثين من فقهاء القانون الوضعي فذهبوا إلى أن العقد ليس هو مبدأ نشوء السلطنة، سواء على الأفعال أو الأعيان، بل المنشأ هو السلطة التكوينية على الأولى، والحيازة أو العمارة للثانية. وأمَّا فقهاء الشرع من الفريقين، فقد نصُّوا على لزوم إمضاء الشارع لهذا الاعتبار البشري للسلطة؛ إذ أن للَّه ما في السموات والأرض، فلا يملك الفرد البشري في الاعتبار من الأفعال والأعيان إلاّ ما حدَّده الشرع له؛ لأن الشارع الأقدس مبدأ السلطات والولايات، لا أن الإنسان فاعل ومالك لِمَا يشاء ومطلق العنان، إلاّ ما ينقله هو باختياره عن نفسه بالعقد الفردي أو العقد الاجتماعي (الانتخاب) أو العقد السياسي (البيعة) إلى الغير. فبين المنهج التوحيدي والمنهج الوضعي بون بعيد. وبذلك يتضح أن أساس الحكومة في المجتمع مختلف بين المنهجين؛ فعند المنهج التوحيدي هو متشعب من ولاية اللَّه تعالى على المخلوقات البشرية، وعند المنهج الوضعي هو مستمد من سلطة الفرد والأفراد على أنفسهم، بل إن الدراسات القانونية في الفقه الوضعي تكاد تصل - كما ذكرنا آنفا - إلى هذه النتيجة؛ وهي: أن الأساس في الحكومة هو حكم العقل الفطري؛ وذلك لأن العقد الاجتماعي (الانتخاب) الناشئ من سلطة الفرد على نفسه لا يبرر حكومة الأغلبية
على الأقلية ولو بتفاوت يسير. وكذلك لزوم توفر شرائط في الشخص المنتخب بالعقد الاجتماعي، وليس هو من وضع سلطة الأفراد على أنفسهم، بل كلا الأمرين وغيرها من النتائج - التي لا تتلائم مع فلسفة السلطة الفردية والعقد - هي من قضاء العقل كمادة قانونية مرعيّة عند الكل. فمثلا: لزوم كون الرئيس المنتخب ذو خبرة وكفاءة عالية (العلم بمعناه الوسيع) وذو أمانة فائقة (العدالة وإذا ترقَّت أصبحت عصمة) أمر لابدَّ منه، وليس للفرد والأفراد تخطي هذا القانون تحت ذريعة السلطة الفردية المطلقة العنان، وهذا ما يقال من غلبة النزعة للمذهب العقلي في القانون الوضعي الحديث على المذهب الفردي.
ومن ذلك يتضح أن العقد الاجتماعي والسياسي، سواء الانتخاب أم البيعة، ليس إلاّ عبارة عن عملية توثيق وإحكام وعهد مغلّظ للعمل بالقانون، سواء على المنهج التوحيدي الديني أم الوضعي أخيراً، فضابطة الصحة للحاكم ليس هو العقد السياسي، بل هو توفُّر شرائط القانون الإلهي فيه أو الوضعي الإلهي، حيث إنه يُشعّب الولاية من المالك المطلق الخالق طبق موازين الكمال والعصمة والاصطفاء، فهو يُعيِّن المصداق الذي تتوفَّر فيه الشرائط ويكسبه ولاية الحكم، وتكون البيعة والعقد السياسي معه من قبل الناس ما هو إلاّ زيادة تعهُّد وإلزام بالعمل نظير النذر والقسم المتعلق بأداء صلاة الظهر أو صيام رمضان تغليظاً للوجوب.
وأما المنهج الوضعي، فهو يترك مجال تعيين المصداق لاختيار الأمة، لكن يظل هذا التخيير له لون صوري غير واقعي في حالة تخلُّف الشرائط والمواصفات في الشخص الحاكم التي يعيّنها القانون، ويظل التخيير غير صائب في حالة توفُّر الصفات بنحو أكمل في شخص لم يقع عليه الاختيار، وهذا الجانب السلبي في المنهج الوضعي قد عالجه المنهج الربَّاني الإلهي بجعل الانتخاب بيد العالم بالسرائر وبمعادن البشر ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) .
فالعقد السياسي وثيقة إلزام والتزام وسبب لزيادة التعهُّد، لا أنه عملية مولِّدة لصحة الشيء الذي تمَّ التعاقد عليه، بل الصحة والسلامة آتية من الشارع أو القانون، والعقد هذا مفاده من أوليات الأبحاث القانونية؛ فالعقد السياسي والبيعة لا يؤمِّنان صحة الانتخاب وسلامة المنتخَب والمبايع، وإنما الذي يؤمِّنه، تعيين الشرع في المنهج التوحيدي والقانون في المنهج الوضعي. فالعقد لا يؤمِّن الصحة والسلامة، وهذا ما نجده عند فقهاء القانون من تمييزهم أدلة الصحة عن أدلة اللزوم.
ثُم كيف يتلائم قول القائل بأن الحكمة الإلهية في المعصوم عليهالسلام هي تجسيده للقانون الإلهي على كل الأصعدة السياسية والاجتماعية والفردية وغيرها، مع قوله بعدم نصب الشارع له حاكماً ووالياً على الأمة؟! وهل يكون ناطقاً حيَّاً بالقانون إلاّ بجعل الزعامة له على الأمة؟
هـ - أن من الضروري معرفة الفرق الجوهري بين القانون الوضعي والقانون الإلهي، ففي القانون الوضعي يكون المحور هو الفرد والإنسان بما هو هو، وفي القانون الإلهي يكون المحور اللَّه جلَّ وعلا أو الفرد بما هو عبد للَّه، وهذا المائز مهم جداً في فهم عملية التقنين وما يمكن أن يوضع ويقنن؛ إذ يضفي آثاره على بنوده والأهداف المتوخاة.
ففي القانون الإلهي يكون الالتفات إلى القوى الناطقية والإلهية في الإنسان، وفي الوضعي يكون الالتفات إلى القوى النازلة والحيوانية له؛ ولذا تكون نظرية النص أكثر انسجاماً مع القانون الإلهي. ونظرية الشورى تنسجم مع القانون الوضعي؛ حيث تجعل السلطة للفرد.
وفي القانون الوضعي تختلف الرؤية الكونية، وفي القانون الإلهي تراعى الكمالات التي تُوصل إلى الحق تعالى؛ وهي غير محدودة. ومن هنا يمكننا القول أن
هناك مائزين جوهريين بين نطريتي النص والشورى:
ـ أن نظرية الشورى تكاد تشترك مع القانون الوضعي من زاوية فصل الدين عن السياسة؛ حيث إن الدين لا يقع منهاجاً وتقنيناً للنظام السياسي الحاكم، لأن النظام المتكامل هو الذي يتكفَّل بنصب الحاكم وبيان خصائصه وشروطه وامتيازاته، بخلاف نظرية النص التي تتكفَّل هذه الجهة وتطرح نظاماً سياسياً تاماً يعتمد على أساس الوراثة الملكوتية والتنصيب والتأهيل السماوي.
ـ أن أصحاب نظرية الشورى يجدون فراغاً كبيراً في التشريع؛ إذ أنهم يعتمدون على ظاهر الكتاب وما ورد عن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله . أما أصحاب نظرية النص، فالتشريع لديهم مستمر عشرات السنين على يد الأئمة المعصومين الذين أثروا الفكر الإسلامي بالتشريعات المناسبة، وأكملوا مسيرة الرسول الأكرم، واستخرجوا كنوز القران الكريم التي لا تفتح للأذهان العادية؛ ولذا يكون اندماج الدين في السياسة واضح وجلي.
و - ما ذُكر من خلو الكتاب الكريم من النصوص المتعلقة بالسياسة العامة، باطل، لكن قد يقال بأن السياسة ليست هي معرفة تلك الأمور الكلية، بل هي فن من الفنون قائم على الفصل بين الجزئيات المختلفة التي تحتاج إلى كياسة وخبرة وتجربة، والسائس يكون مؤهّلاً إذا حصلت لديه تلك الممارسة، ولذا صنف الحكماء السياسة في باب الحكمة العملية.
والجواب عن هذا:
ـ أن السياسة كما لها جانب عملي، فإنّ لها جانب نظري أيضاً، وتحكمه أصول كلية، وهذه الأصول الكلية موجودة في الدين (وقد أوضحنا ذلك مفصَّلاً في بحث الاعتبار والحسن والقبح). ثُم إن الدين لا يختص بالأمور النظرية العقائدية فقط، بل يرتبط بالجانب العملي، وفروع الدين تمثِّل هذا الجانب.
ـ أن السياسة علم يدرس في الجامعات الأكاديمية ويحتوي على كليات مسطورة في الكتب. نعم، الجانب التطبيقي منها يعتمد على الخبرة والكياسة، وفي نظرية النص يكون المعصوم هو صاحب الخبرة؛ حيث إنه لا حاجة له مع علمه اللَّدُني إلى اكتساب خبرة من الأجيال البشرية لِمَا قد يُصوِّره البعض في غيبة الحجة عليهالسلام ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ) ، والعلم نور يقذفه اللَّه في قلب مَن يشاء، وما التجارب والممارسات إلاّ مُعدَّات لذلك الفيض الإلهي. هذا بجانب علمه المحيط بالموضوعات بتسديد من البارئ وترفره على كمال الصفات في قواه النفسية الأخرى.
ثالثاً:
إن الأنبياء لم يكونوا هداة ومبلغين فقط، بل يديرون دفَّة الحكم، والآية المذكورة في سورة المائدة (44) أوضح دليل على ذلك، غاية الأمر أن الأنبياء - في أداء هذه الوظيفة بالذات - يحتاجون إلى مؤازرة الناس وإقْدَارهم وبدون رجوع الناس إليهم لا تتم هذه الوظيفة.
رابعاً:
ما ذكر من أن الحاكمية خارجة عن معنى الإمامة والنبوة، باطل بالنّص والعقل
وجوابه يتَّضح من قوله تعالى: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) ، ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ) ، ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) ، ( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ) ، ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) ، ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ ) ، ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ) ، ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ ) ، ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) ، ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم ) فكل المنابع المالية العامة والضرائب المالية هي بيد الرسول صلىاللهعليهوآله والإمام، مضافاً إلى آيات
الولاية العامة الكثيرة ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) ، ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) وغيرها.
خامساً: النص والعقل
إن القول بالحاكمية التعينية يلازم ويسوق إلى الحَجْر على عقل الإنسان وفكره وتقييد لسلطة العقلاء، فحتى في المعصوم يحتاج إلى انتخاب الناس، وإلا فالولاية عليهم من دون الانتخاب هو حكم بقصورهم العقلي. وبتعبير آخر: إن النص يحمل في طيَّاته التناقض؛ وذلك لأن جعل الولاية يقتضي التعين، والقيمومة موردها القصور والحجر، وكونهم قُصر يعني عدم جواز توليتهم وتنصيبهم مع أنها وظيفتهم، فالتولية يلزم منها عدمها. ومع افتراض أن الناس عقلاء فلا معنى لجعل الولاية عليهم، فالعصمة التي في الأئمة هي عصمة التبليغ والهداية، لا الولاية الحاكمية، والجانب السياسي في حياة الإنسان أمر دنيوي لا يرجع فيه إلى السماء، والحاكم ليس إلاّ وكيل عن الجماعة في إدارة شؤونها.
وجوابه: أن كون الانسان عاقلا لا يعني أن له الولاية المطلقة على نفسه وعلى كل جزء من بدنه، بل إن الولاية المطلقة هي للَّه عزَّوجل وتتَّصل به ولاية الرسول والإمام، أي المعصوم. فبمجرد كونه عاقلاً لا يعني عدم ثبوت ولاية عليه من أحد، بل إن هذا العقل ينقصه الكثير الكثير لكي يحيط خبراً بكافة الأمور غير المتناهية، سواء كانت داخل ذاته أم في العالم المحيط به، فولاية اللَّه ورسوله وخليفته هي ولاية الحكيم المطلق على العاقل بعقل محدود في حدود نسبية يسيرة.
فلو قلنا إن الولاية تابعة لمدى عقلائيته، لازمه أن تعطى الولاية للآخرين في الأمور التي لا يحيط بها عقله. فتبين أن صرف ثبوت الولاية لأحد على أحد لا يعني أن الأخر محجور عليه، بل للفرد العاقل ولاية في حدود عُقلائيته. والمعصوم عقله محيط بجميع الأمور، فولايته أقوى من ولاية الإنسان على نفسه ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) . مضافاً إلى أن المستشكِل يرى أن الفرد عندما ينتخب أخر
ويعطيه الولاية على نفسه فهذا لا يجعله متنافياً مع عقلائيته، والبعض ذهب - فراراً من هذا الإشكال - إلى أن الحكم والانتخاب هو وكالة وليس ولاية، لكن الصحيح أنه لا يمكن تصوير الوكالة في الحكم بالمعنى المصطلح الجاري عليه في باب المعاملات؛ وذلك لأن الحاكم يقوم بإلزام المجتمع بنوع خاص من القوانين والتصرفات، ولا يمكن تصوير أن الوكيل يُلزم الموكِّل بما لا يريده فضلاً عن لزوم هذه الوكالة؛ إذ مقتضى أن الوكالة جائزة هو أن الأمة يمكن أن ترجع في اختيارها حتى من دون سبب، وهذا لا يقول به أحد في هذا المقام.
مضافاً إلى العديد من الشواهد التي لا تنسجم مع الوكالة الاصطلاحية كالتعبير عنها بالنيابة والتولية، والقَسَم الدستوري الذي يؤدِّيه الحاكم، وعدم إمكان الحاكم الثاني إبطال أعمال الحاكم الأول، وغيرها من الشواهد الكثيرة التي تبطل كون الحاكم وكيلاً عن الفرد.
وعلى كل تقدير يبقى المجال أمام الولاية، فإذا كان القول بأنّ نقل ولاية الفرد على نفسه بنفسه لا تنافي عقلانيته، فكذلك جعل الوالي من قبل اللَّه لا ينافي عقلائيته.
سادساً: النص والاستبداد
إن البعض ذكر أن نظرية النص تؤدي إلى الاستبداد، والاستبداد من المعاني المذمومة في القران والسنة؛ إذ قد وردت كثير من الآيات التي تذم ظاهرة الفرعونية التي تجعل ذات الفرد هي المحور، ولذا قال البعض - فراراً من هذا الإشكال -: إن المعصوم ملزَم بالشورى والاستشارة، وملزم أيضاً بنتيجة الشورى.
والجواب عنها:
أ - إن الاستبداد ينشأ تارة من أصل النظرية وتارة ينشأ من تطبيق النظرية، ولأجل إبطال النظرية يجب إثبات الأول.
ب - إن المشرِّع في نظرية النص وضع وسائل تمنع حصول الاستبداد؛ وذلك عن
طريق ضمانات إجرائية:
منها: أن المنصوص عليه هو المعصوم من الزلل والخطأ ولا ينساق وراء الذات والشهوات، وسوف يأتي في الحديث في غير المعصوم.
ومنها: لزوم التقيُّد بالأحكام الإلهية بعيداً عن الهوى والأحاسيس، وهذه قاعدة فوقانية تشبه المواد الدستورية والتي يبطل كل تصرُّف مخالف لها.
ومنها: رقابة الأمة تحت إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحرمة طاعة المخلوق في معصية الخالق. ورقابتها بالنسبة إلى حكومة نائب المعصوم ظاهرة. وأما بالنسبة إلى حكومة المعصوم، فأجنحة الدولة وأفراد جهاز الدولة ليسوا بمعصومين، فتكون الأمة مُعينة للمعصوم على مراقبة جهاز الدولة كما هو الحال في سيرة علي عليهالسلام .
ومنها: لزوم اتصافه بالمواصفات المؤهلة له كالعدالة والأمانة والكفاءة هذا في غير المعصوم الذي ينوب عنه، وإلاّ فهي في المعصوم بالنحو الكامل المتصاعد إلى العصمة العملية والعصمة العلمية. وقد قال الإمام عليهالسلام : (لا تكلموني بما تكلّم به الجبابرة، ولا تتحفَّظوا مني بما يتحفَّظ به عند أهل البادرة).
ومنها: أن الحاكم في نظرية النص له في الجانب التشريعي - مضافاً إلى الجانب التكويني الخاص - حيثيَّـتان حقوقية بما هو رسول أو إمام أو نائب إمام، والأخرى حقيقية، ومن هذه الحيثية يعتبر كسائر أفراد المجتمع، له ما لهم وعليه ما عليهم؛ وهذا لِمَا مرَّ في النائب عن المعصوم، وأمَّا فيه، فإنه كذلك سوى ما خُصّ به من امتيازات في التشريع الإلهي ممَّا شُرِّف وفُضِّـل به على سائر الناس. فكل تصرف ينبع من شخصيته الحقوقية يكون نافذاً، وكل تصرف ينبع من الأخرى لا يكون نافذاً، هذا في النائب غير المعصوم، وإلاّ ففيه لا مجال لاحتمال التصرف الاقتراحي. وبتعبير آخر: إن ولاية شخصٍ ما، ينوب عن المعصوم، هي لعقيدته وفقاهته وعدالته
أنيب في الولاية، لا لخصوصية شخصه، وفي نظرية النصِ الحاكمُ (المعصوم أو نائبه) ينظر إلى الحكم كمسؤولية وأمانة وخدمة ووظيفة.
ومنها: المساواة أمام القانون، فالجميع يقفون أمام القانون على حدٍ سواء، والجميع تطبَّق العدالة عليهم، وهو لا يعني أن يتساوى الجميع في العطاء - مثلاً -، بل يُعطى كلٌّ على حسب ما هو مقدَّر له في الشرع، فالتفاضل والتمايز حاصل، لكنَّه تمايز وتفاضل رضى عليه الشرع، وهو بلحاظ عالم الآخرة لا عالم الدنيا.
ومنها: المحورية في نظرية النص ليس للفردي بما هو هو، بل بما هو عبد اللَّه، بينما في القانون الوضعي تكون المحورية للفرد بما هو هو. وقد ذكرنا سابقاً ما يترتَّب على هذه التفرقة، وأهمُّها أنها في التقنين تُؤمِّن ما يسد رغباته وحاجاته الشخصية وغرائزه الدانية من ملكية وحرية... وهذه كلها تعتبر من درجات الإنسان السفلى. بينما في التقنين الإلهي يكون الانطلاق من الجهة العقلية والتألهية، أي قوى الإنسان العليا، وهي المحور في التقنين، فمصلحة المجموع قبل المصلحة الشخصية والحرية ليس في إشباع الإنسان لرغباته وشهواته، بل الحرية الحقيقية هي في سيره اللامحدود نحو الكمال المطلق ونيل الكمالات اللامحدودة. والاستبداد يأتي من حرص الإنسان على نفسه وخصوصيته، وهذا إنما يرد في النظريات الأخرى، لا نظرية النص التي تجعل اللَّه هو الأصل والمقصد والغاية.
فهذه الأمور والضمانات الإجرائية المانعة من الاستبداد، وهي كالقواعد الدستورية التي يبطل كل تصرف يخالفها.
أمَّا الاستبداد، فإن نشأته تعود إلى عوامل:
أ - جهل وقلة وعي بالقانون.
ب - وجود طبقة من العلماء والمفكِّرين يروِّجون لمحورية ذاتهم / الصلاحيات المعطاة لأصحاب المناصب/ محورية الفرد.
جـ - التفكُّك والاختلاف في صفوف الأمة.
د - إشاعة الرعب والرهبة من الولاة.
هـ - جعل منابع الثروة بيد طبقة معينة ممَّا ينشأ استبداد طبقي.
وهذه العوامل تجد أرضية خصبة في عالمنا اليوم في الأنظمة الغربية المدَّعية للديمقراطية ولانتخاب الأمة وسيادتها؛ حيث تجد الفارق الطبقي شديد و واسع الهوَّة، والمال دُولة بين الأغنياء، وفرعنة للطبقة الثرية تحت عنوان سيادة الأمة وتحكيم آرائها (ولاية الشورى)، وهذا ما أطلعنا عليه التاريخ قديماً، فإن أكثر من جاء تحت هذا الغطاء إلى سدة الحكم، كان في الحقيقة بالتغلُّب والفتك، بينما تقاوم نظرية النص نشأة مثل هذه العوامل بعد كون مركز القوى السياسية والمالية والقضائية والعسكرية والأمنية هي بيد مَن عُصم علماً وعملاً كما بيَّناه مفصَّلاً، وكما أطلعنا التاريخ على حكومة الرسول صلىاللهعليهوآله والأمير عليهالسلام وبرهة من حكم الحسنين عليهماالسلام .
المبحث الرابع:
الأدلة العقلية على الشورى
وله تقريبات ثلاثة:
التقريب الأول: ينطلق من أن الانسان مدني بطبعه، ويُعلم من ضرورة العقل أنه لابد في كل اجتماع مدني من نظام وإدارة تقيم هذا الاجتماع، وهو المشار إليه في قوله عليهالسلام : (لابد للناس من أمير بر أو فاجر). كما أن الواجبات الكفائية المُلْقاة على عاتق المسلمين لا يمكن تعطيلها في زمان ما، فهذه الحكومة التي تدير شؤون هذا الاجتماع لا تخلو إمَّا أن تكون منصوبة من قبل اللَّه عزَّوجل، أو تنصبها الأمة، أو تنال الحكم بالقهر والغلبة، وهذا الثالث باطل بالتأكيد؛ لأنه ظلم واستئثار، فينحصر الأمر بين الأولين، والفرض أن النصب من قبل اللَّه منتفٍ إمَّا مطلقاً أو على الأقل في عصر الغيبة؛ فيتعيَّن انتخاب الأمة.
التقريب الثاني: أن السيرة العقلائية والبناء العقلائي جاريان على أن الناس ينتخبون حُكَّامهم بأنفسهم، ولا يوجد ردع عن هذا البناء العقلائي، وهي سيرة عقلائية جارية حتى زماننا هذا، وهي ليست سيرة فحسب، بل تقنين مركوز في عالم الاعتبار لدى العقلاء.
التقريب الثالث: وحاصله أنه قد ثبت أن الناس مسلَّطون على أموالهم، والسلطنة على المال فرع من السلطنة على فعل النفس، فهذا كافٍ في إثبات سلطنة الناس على أنفسهم. وقد يقال استدلالاً على هذه المقدمة: إن الإنسان مسلَّط على نفسه بحكم العقل العملي، حيث إن الإنسان مسلَّط على نفسه تكوينا، فهو مالك لتصرفاته وحركاته وسكناته بيده، ومع وجود تلك الملكة التكوينية لا حاجة للاعتبار، ومن هنا قالوا في الإجارة: إن عمل الأجير لا يملكه المؤجِّر قبل عقد الإيجار. وهذه المقدمة قد يستدل عليها بنحو آخر بالقول: إن اللَّه تعالى ذكر أن الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو يثبت ولاية الإنسان على نفسه في مرتبة سابقة، غايتها أن الشارع جعل الرسول أولى منه بذلك، وهذا خاص بالرسول أو المعصوم، ومقتضى تسلُّط كل فرد على نفسه أنه لا يجوز لأحد أن يقهرهم، وعندما تقام الحكومة لابد من حصول تنسيق بين حريات الأفراد المقتضي للحد من إطلاقها، وهذا التحديد لحرية الفرد يخالف تلك السلطنة المطلقة التي للفرد على نفسه، فلابد أن يحصل ذلك بإذنه أو بتوكيل منه.
ويرد على هذه التقريبات:
أمَّا الأول ، فمع التسليم بالمقدمات، لكنَّا نختار من شقوقه نصب اللَّه عزَّوجل، بل نفس لابُدِّية الحكم نستخدمها لقلب الاستدلال لصالح نظرية النص؛ حيث إن تعيين الحاكم والقائد من الأمور التي يتحقَّق بها لطف اللَّه، حيث إنه يدخل في الهداية، وهو ألطف بالبشر وأكثر عناية بهم، وهذا وإن كان ينطبق على المعصوم
إلا أنه بنفسه يمكن ذكره في الغيبة، أي ترتُّب المقدمات بعينها بعد فرض وجود المعصوم حيَّاً، وإن كان في ستار الغيبة فنستكشف من اللابدية المزبورة، نصب الفقيه العادل نائباً من قبل المعصوم، إذ الولي في الأصل هو المعصوم فلا معنى لولاية الفقيه العادل بالأصالة، بل بالنيابة عن إمام الأصل، فيقال: إن اللَّه لا يترك مجتمعه هكذا بدون إرشاد وبدون تعيين، بل يذكر لهم الشروط والطريقة الفضلى في تعيين القائد. وهذا يستلزم استكشاف نصب المعصوم للنائب الفقيه العادل، وينسجم مع نظرية النيابة عن المعصوم، وخصوصاً أن المعصوم حي ومازال يمارس دوره في هداية الأمة وحفظها، سواء عبر نوَّابه بالنيابة العامة، أو عبر دائرة الأبدال والأوتاد والسيَّاح المغمورين بين الناس كما تشير إليه الروايات الكثيرة الواردة من طرق الخاصة والعامة، لكنَّهم نشطون في مجريات الأمور المتغيِّرة في العالم البشرى أجمع، فضلاً عن العالم الإسلامي، ولكَ أن تمثِّل لذلك بالتنظيم السياسي السري الذي يقوم بدور فعّال في مجريات الأمور من دون ظهور بارز على منصة السياسة في العلن، وقد أشار إلى ما يقرب من ذلك كل من الشيخ المفيد والطوسي والسيد المرتضى في كتبهم المتعلقة بغيبته (عج).
وما يقال من أن الأمة الإسلامية قد وصلت إلى مرحلة الرشد العقلي التي به تستغني عن الهداية الإلهية المباشرة من خلال المعصوم أو نائبه، مردودٌ بأن الكمالات الإلهية والهداية الربانية لا حدود لها، وأن الحامل لهذه الكمالات لابد أن يكون شخصاً لا محدود، فينحصر بالعترة الطاهرة، وبعدهم تصل النوبة لهؤلاء الذين يهتدون بهداية العترة، حينئذٍ فإن هذا التقريب لا يتأتَّى إلاّ في نيابة الفقيه عن المعصوم، مع أن ما يشاهد حالياً في الأمة من تحكيم الأهواء والأمراض الفكرية والاجتماعية الفتَّاكة خير شاهد على ضرورة المعصوم.
أمَّا التقريب الثاني ، فيردُّه أن هذا البناء العقلائي ليس بممضى، بل ورد الردع عنه في آيات وروايات - تقدَّم ذكرها - تشير إلى أن الحكم للَّه فقط، وأنه يضعه حيث يشاء. ويجب التنبه إلى أن السيرة العقلائية ليست هي حكم العقل؛ فالسيرة تعني تواضع ووضع العقلاء الاعتباري وإنشاؤهم الفرضي لأجل تنظيم مجريات أمورهم وحياتهم، وبعضه يقع موضع إمضاء الشارع وبعضاً لا يقع كذلك، وما نحن فيه من هذا القسيم.
وقد يقال بإمضاء البناء العقلائي من جهة ما ورد في نهج البلاغة (الكتاب 51) حيث يصف عمَّال الخراج: (من عبداللَّه علي إلى أصحاب الخراج، أمَّا بعد... فأنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم؛ فإنّكم خزّان الرعية، ووكلاء الأمة) فالتعبير بوكلاء الأمة يعني أن الأمة قد أوكلت الإمام، وهو بدوره أوكل هؤلاء.
والجواب:
أ - في التقنين الاقتصادي الإسلامي يعتبر الخراج ضريبة توضع على الأراضي، وهي ملك المسلمين، وليست ملكاً للإمام ولا الحاكم، فمَن يكون على أموالهم، له نوع من التوكيل، وهذا غير ما نحن فيه، وهذا التقنين غير وارد في الفيء والأنفال حيث إنها ملك لولاية المعصوم نظير ما يقال حالياً: ملك الدولة لا الأمة.
ب - إن الإمام قال: (وكلاء الأمة، وسفراء الأئمة). فهؤلاء لهم لِحَاظان؛ فمِن حيث كون المال للمسلمين، فهو بمنزلة الوكيل، ومن ناحية الولاية على التصرف والتدبير، فهو بيد الحاكم، وهو سفير له.
جـ - الإيكال له معنى آخر غير الاصطلاحي؛ وهو يحصل بأن يوكل الإنسان أمراً إلى آخر مع أنه ليس تحت يده كما في التوكُّل على اللَّه وإيكال الأمر إليه، وإنما يعني جعل همِّ وتدبير ذلك الشيء بيد الآخر.
وما قيل من دلالة قوله تعالى: ( فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ ) (1) على مشروعية الانتخاب ومدح وتحسين غريزة الانتخاب، وهو دليل على إمضاء السيرة العقلائية، مردودٌ بأن الآية في صدد بيان ممدوحية متابعة القول الحسن، فالمحورية ليس لانتخاب الفرد وإعمال سلطته وولايته وإرادته، وإنما انتخاب قوته الفكرية وانتقاءه أصوب وأحسن الآراء كما تقدم في الاستشارة والشورى، وهذا هو مضمون الآية، ثُم ليس أن ما انتخبه هو الحسن، بل المحورية للحسن في نفسه وأنه يجب على الفرد اتباع ما هو حسن، لا أن ما ينتخبه يصبح حسناً.
أمّا التقريب الثالث: وهذا التقريب تارة يُستدل به على الشورى في قبال النص، وتارة في طول النص، وعلى كل حال، فانطلاقة هذا التقريب هو من أن الناس مسلَّطون على أنفسهم، لكن الرواية لم تذكر ما هو مورد السلطنة هل هو التصرفات الفردية الخاصة، أم التسلط على النفس في الأمور العامة التي تمس منافع الآخرين؛ من الأموال العامة كالمباحات، وإقامة أركان الدين في المجتمع، وبث الهداية بتوسط جهاز الدولة، والرقابة والإشراف على مسير الأمة في كل المجالات لتأخذ طريق الكمال؟ والرواية غير ناظرة للأمر الثاني، بل تتعرض فقط للأمر الأول، وحتى هذه السلطنة ليست مطلقة له، بل هي محدودة بما أجاز له اللَّه. والدليل على ذلك - مضافاً إلى ما تقدم ذكره من أن الولاية في الأساس هي للَّه، وكل الولايات بما فيها الولاية الفرد على نفسه متشعِّبة من الولاية الأولى - أن اللَّه عزَّوجل حرَّم بعض التصرفات التي يكون فيها ربا، وأحل البيع وهو نوع تصرف، وغيرها من القيود التي جعلها اللَّه على تلك التصرفات، فهذا أدل دليل على أن هذا النوع من السلطنة على تصرفه غير مطلقة، بل هي للَّه عزَّوجل، وقد أحل له التصرف في نطاق وحدود معينة. ومن هنا نقول:
____________________
(1) الزمر 39: 17.
إن اللَّه عزَّوجل يمكن أن يجعل الولاية في الأمور العامة لِمَن يشاء، وأن يمنعه من التصرف فيها كيف يشاء.
وقد يصوَّر البعض هذا التقريب بحكم العقل العملي بحسن تصرف الإنسان بما يتولاّه، أو أن الواقعية التكوينية تدل على أنه مسلَّط على نفسه وعلى عمله تكويناً، فضلاً عن الأغيار.
ويجاب عن هذا التصوير: أن حكم العقل العملي بتحسين أو تقبيح التصرف يعود ويدور مدار الكمال الواقعي، وهو مدى أحقية هذا الفرد بالتصرف، و في مثل هذا المورد الخفية جهاته مع كثرتها تُعلم هذه الأحقية من كتاب اللَّه.
أمَّا لو أريد الاستدلال بالتقريب على الشورى في طول النص، فجوابه أنه مع وجود النص فهو تقييد وتخصيص للرواية وللقاعدة العقلية، فيجب أن يُعلم أن هذا التخصيص هو استثناء طارئ أو استثناء دائم. مضافاً إلى أنه في عصر الغيبة لا نعدم وجود الإمام، فالولاية له وليست منقطعة أو متوقفة كما هو ضروري مذهب الإمامية ومقتضى الأدلة كتاباً وسنة. مع أن لازم هذه الدعوى؛ من كون منتخب الأمة له الولاية بالأصالة من قبل الأمة لا من قبل المعصوم لعدم بسط يده في الخارج، هو أنه في فترة الخمس والعشرين عاماً التي لم يتسلَّم الأمير عليهالسلام مقاليد السلطة فيها وكذا بقية الأئمة عليهمالسلام ، تكون الولاية للأمة ولمنتخَبها، لا للإمام المعصوم عليهالسلام ، وهو كما ترى يناقض أوَّليَّات المذهب والأدلة القطعية.
إشكالان ودفعهما:
من الأدلة على الشورى - وهي في كنهها إشكالات على نيابة الفقيه عن الإمام - وأن النيابة إنما تكون
للمجموع؛ أي أن النائب عن المعصوم لابد أن تكون المجموع لا الفرد (الفقيه)، فالشورى إن لم تكن صياغة بديلة عن النص في الغيبة
وفي طول النص، فلا محالة هي المتعيِّنة لنيابة المعصوم، وأنها تستمد الولاية منه نيابة، لا بالأصالة من الأمة.
وبعبارة أخرى: إن الأدلة المتقدمة وإن لم تتم لإثبات الشورى إلاّ أن هناك نمطين آخرين لإثباتها غير ما تقدم:
الأول: عدم تمامية أدلة النيابة للفقيه.
الثاني: أن أدلة النيابة توكل الأمر إلى الأمة.
ـ الإشكال الثاني الذي اعترض به على نظرية نيابة الفقيه هو عدم إمكان حصر السلطات بيد الفقيه لأنه ليس بمعصوم، وقد يقرَّب الإشكال بنحو آخر؛ وهو أن يقال: إن الشيعة في تجويزهم للفقيه بتولِّي السلطات مع أنه غير معصوم، يكونون قد تراجعوا عمَّا دافعوا عنه في زمن ظهور الأئمة من وجوب تولّي المعصوم سدة الحكم، وعليه فإذا جاز للفقيه تولّي الحكم، فالعصمة ليست شرطاً وبطلت ضرورة خلافة الأئمة، و إذا كانت العصمة شرطاً فكيف يجوز للفقيه تولّي السلطة؟
والجواب عن كل ذلك: أن هذا الإشكال يرد لو قلنا بالولاية المطلقة للفقيه نيابة عن الإمام وأن ما للإمام له، أما على ما يقوله مشهور علماء الإمامية من أنّ تولّي الحكم ليس يعني تولّيه لكل الصلاحيات الثابتة للمعصوم، بل الفقيه في تولّيه للسلطة في زمن الغيبة حاله حال الولاة النوّاب في زمن ظهور الإمام عليهالسلام ؛ من كون صلاحيّاته النيابية هي في تطبيق الأحكام الشرعية في مجال الولاية التنفيذية كما له منصب القضاء ومنصب الإفتاء واستنباط الأحكام.
ثُم إن اختيار مصداق وفرد الفقيه الذي يتولّى سُدّة الحكم أوكله المعصوم للأمة، فهم الذين يختارون مَن تجتمع فيه الشرائط، لكن منشأ ولايته تكون بإنابة المعصوم له بالنيابة العامة، والأمة بعد ذلك تظل في رقابتها للفقيه وحيازته وواجديَّته للشرائط العلمية والعملية.
وبعبارة أخرى: حيث أن الأئمة عليهمالسلام لم ينصبوا نائباً خاصاً كما في عصر الحضور والغيبة الصغرى، كان جعلها نيابة عامة يفيد تخيير الأمة في اختيار أحد المصاديق ممَّن ينطبق عليه شرائط النيابة العامة عن المعصومين عليهمالسلام .
وأمَّا ما ذُكر من التقريب الآخر، فهذا نابع من جهل بمقام الإمامة وما يرادفها، فإن الإمامة لا تساوي تسلم سُدَّة الحكم، وبالتالي فلو كانت تعني الإمامة التسلُّم الفعلي لسدة الحكم، لكان عدم تسلُّم الأئمة عليهمالسلام السابقين لسدة الحكم يعني عدم فعلية إمامتهم وعدم فعلية ولايتهم، مع أنَّا ذكرنا أن الحكم ليس منحصراً في الحكومة الظاهرية؛ فإن ممارسة الحكومة الخفية والنفوذ على الأتباع في الأبعاد المختلفة، هي نوع من المباشرة للولاية، وكذا الحال في الإمام الثاني عشر (عج)، فإن مباشرته للأمور ليست منحصرة في العلن، فراجع، بل إن هناك شؤون ومقامات أخرى للإمامة - وهذه الشؤون والمقامات ليس للفقيه منها حظ -:
منها: السلطة والولاية المعنوية والتكوينية، وهذه لها شُعب لا مجال لبسطها في المقام.
ومنها: وجوب المودّة بنص القرآن ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) .
ومنها: الإقرار والاعتقاد بهم، وهو ركن في تحقق الإيمان قال صلىاللهعليهوآله : (مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (1) فأوجب معرفة الإمام، وهو عنوان غير عنوان الطاعة الواجبة، وحذّر صلىاللهعليهوآله بأن مَن لم تتحقَّق لديه تلك المعرفة، فسيموت على الكفر الجاهلي الذي ما دخل الإسلام.
____________________
(1) وللحديث مصادر كثيرة بأسانيد مستفيضة إن لم تكن متواترة، راجع: الكافي، ج2، 18 باب دعائم الإسلام بعدة طرق، ورواه من العامة أحمد في مسنده، ج4، ص96، وذكره التفتازاني في شرح عقائد النسفي، وعدة غيرهما.
ومنها: عرض أعمال العباد عليهم، قال تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) ، فإن عرض أعمال كل الأمة المخاطبة في هذه الآية لا يكون على الأمة المخاطبة، وإنما على عدَّة خاصة من المؤمنين الذين يتلون مقام رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله .
وغيرها من المقامات والمناصب الأخرى.
ـ ومن الإشكالات: عدم وجود نص على نصب الفقيه نائباً عن المعصوم، وعندئذ نعود إلى مقتضى القاعدة عند عدم النص؛ وهو كونه بيد المجموع، والأصل عدم تسلُّط أحد على أحد.
وبتقريب آخر: إنه مع الإيمان بوجود الإمام عليهالسلام في سماء الغيب إلاّ أنه مع عدم تمامية النص على فقيه معين يعني عدم وجود النائب الخاص.
والجواب: أن النص ثابت وجلي في نصب الفقيه كما تقدمت الإشارة إليه من الآية والروايات والدليل العقلي وقد حُرِّر في محلِّه، وقد نشير إليه بنحو أوفى مؤخَّرا.
مضافاً إلى أنه عند عدم النص على النائب كيف يصل الأمر إلى ولاية الشورى والحال أن المعصوم الحيّ هو الوليّ بالفعل؟ بل تصل النوبة طبقاً لقاعدة الحسبة، وهي إمّا يُستكشف منها نيابة الفقيه العادل كما قدمناه، وإمَّا يستكشف مجرد مأذونيه التصدي وتجعل القدر المتيقن هو الفقيه، وهذا واضح من الفقهاء الذين لم تتم لديهم أدلة النيابة العامة للفقيه طبقا ًلقاعدة الحسبة؛ فقد أسدوا جواز التصدِّي والتصرف للفقيه لكن من باب مجرد المأذونية، لا المنصب والتولية في الجهاد ونحوه. وبين التخرجين فروق مذكورة في تلك الأبواب.
وعليه فيمكننا القول إن المذهب الرسمي لفقهاء الإمامية لا ينتهي إلى قاعدة الشورى، بل لا يمكن ملائمة تلك القاعدة مع القول بالإمامة.
فلنستعرض ألان النظرية المختارة، والهدف منها هو: القراءة العقائدية للطرح الموجود في الفقه السياسي؛ أي أن الأطروحة هل تتلاءم مع الأسس التي أُسست في علم الكلام أم لا؟
والوجه الأخر الذي نريد الإشارة إليه هو أن أدلة النص على نيابة الفقهاء تامة، وهي تُوكِل تعيين المصداق الواجد للشرائط بيد الأمة وأنها تظل على مراقبته له. وهذه الطريقة لها نظائر في الفقه الإمامي:
* - في تولّي سُدَّة القضاء؛ فقد تسالم الفقهاء على أن للمتخاصمين وللمتنازعين أن يعيِّنوا مَن يشاؤون من القضاة الجامعي للشرائط فيختارون مَن شاؤوا ويرجعون إليه.
* - ما ورد في المرجعية وسُدَّة الفتيا؛ إذ مَن اجتمعت فيه الشرائط يصح للناس الرجوع إليه فيختار الناس مَن يشاؤون ممَّن اجتمعت فيه الشرائط، وجواز فتياه لا يكون بسبب رجوع الناس إليه، بل بالنصب العام من الإمام عليهالسلام لمَن اجتمعت فيه شرائط الفتيا.
المبحث الخامس:
أدلة نصب الفقهاء
ـ أمَّا ما ورد من النصب للفقهاء بنحو عام، فيمكن الاستدلال به بما يأتي:
1 - في سورة المائدة: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) (1) .
سبب النزول: يكاد يجمع المفسِّرون من العامة والخاصة على أن سبب النزول هو اختلاف بني النضير وبني قريظة، فقالت بنو قريظة إنه إذا قَتل منهم واحد شخصاً من بني النضير، قتلوا القاتل، وإذا كان القاتل من بني النضير والمقتول من بني قريظة، أعطوا الدية.
وكان اليهود إذا كان الزاني من الأشراف، لم يقيموا عليه الحد، وإذا كان من غيرهم، أقاموا عليه الحد. فنزلت هذه الآيات الشريفة لبيان ماذا يجب على علماء بني إسرائيل وربَّانيهم من الحكم.
ـ إن الآية تدل على أن العلماء مخوَّلون طولياً في طول الربَّانيين ( وهم أوصياء الأنبياء؛ بقرينة ذكرهم بعدهم وقبل الأحبار وغيرها من القرائن التي تقدَّمت الإشارة إليها ) لتولِّي سُدَّة القضاء والفتيا، والتي أُجملت في سدة الحكم. وهذه النيابة ثابتة بإذن المعصوم.
ـ إن هذا التفويض ليس مختصَّاً بعلماء بني إسرائيل؛ وذلك بقرينة كونه خطاباً
____________________
(1) المائدة 5: 44.
للرسول صلىاللهعليهوآله من بداية آية 41، وإنما ذكر التوراة لأنها هي التشريع الإلهي الذي يقضي به الأنبياء والربَّانيُّون والعلماء في ذلك الموقف فكذلك القرآن فيه التشريع الإلهي الذي يحكم به هؤلاء وإنّ هؤلاء هم الذين يصلحون للحكم.
ـ إن الحكم المذكور أعم من القضاء، بل يشمل الفتيا، والحكم إنما يقام لأجل أن يُعمل به ويُنفَّذ.
2 - رواية عمر بن حنظلة:
جرى الكلام في مدى وثاقة عمر بن حنظلة حيث لم يُنص على توثيقه في كتب الرجال المعروفة؛ ولذا يعتبر البعض رواياته من المقبولات، ولكنَّنا نذهب إلى وثاقته، بل نعدّ هذه الرواية من الصحيح الأعلائي تبعاً لِمَا ذهب إليه عدَّة من الفقهاء منهم الشهيد الثاني، والدليل على ذلك:
أ - ما رواه في الكافي عن يزيد بن خليفة، قال: قلت لأبي عبداللَّه عليهالسلام : إن عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبوعبداللَّه عليهالسلام : (إذاً لا يكذب علينا).
وهذه الرواية واردة في مسألة حسَّاسة كانت محل خلاف بين كبار فقهاء الشيعة في الكوفة، فعندما يكون لابن حنظلة رأي يرويه عن الصادق عليهالسلام ، فهذا يدل على مكانة علمية له ومرجعيَّته لثُلَّة من الشيعة كما لا يخفى على مَن أحاط خبراً بمسألة الوقت التي ثارت بين جماعة زرارة وجماعة أبي بصير وجماعة محمد بن مسلم وروايات يزيد بن خليفة متينة.
ب - نفس الرواية التي هي مورد الاستشهاد نلاحظ فيها التشقيقات الواردة، وجواب الإمام عن كل منها يدل على فقاهة وعلمية للسائل، وأن الإمام جاراه في تشقيقاته ولم يمانع.
جـ - يُروى عن محمد بن مسلم بسند صحيح (1) أن مشكلة حصلت لدى آل المختار فحمّلوها ابن حنظلة ليسأل الإمام عنها، وإذا عُلم أن ديدن الشيعة هو تحميل
____________________
(1) الوسائل: كتاب الإيمان، ب11، ح10.
المسائل للكبار المعروفين بالفضل، لاسيما من البيوتات المعروفة، وأن نفس محمد بن مسلم - مع منزلته ومكانته - هو الذي يروي الرواية ولم يذكر مغمزاً في ابن حنظلة ممّا يُدلِّل على أرفعية منزلة ابن حنظلة على ابن مسلم؛ إذ العادة في الأقران عدم التصريح بوقوع مراجعة لقرينه من وجهاء الشيعة في مسألة علمية مهمة.
د - رواية أصحاب الإجماع عنه.
هـ - أن 21 راويا مسلّم بوثاقتهم يروون عنه.
د - أن أخيه علي بن حنظلة نصّ على توثيقه، وهو دون أخيه وجاهة وعلمية (1) .
أمَّا فقه الرواية
فالبعض كالسيد الخوئي(قُدِّس سرُّه) أصرّ على أن مورد الرواية هو في قاضي التحكيم، والمشهور هو دلالتها على قاضي التنصيب؛ والدليل على ذلك: أن القاضي الذي ينصبه الإمام حيث إنه يحتاج في إنفاذ حكمه وبسط يده إلى مؤازرة الناس، وعبّر عليهالسلام بـ: (فليرضوا به حكَما)، إلاّ أنه قد جعله حاكماً في الرتبة السابقة معلِّلاً الأمر في (فليرضوا...) وألان تصل النوبة للناس حتى يرضوا به حكَماً.
ويؤيد ذلك أنه في معتبرة أبي خديجة - حيث وردت بنفس اللسان - يعترف السيد الخوئي أنها في قاضي التنصيب، ولا يُعلم وجه التفرقة بينهما.
وبعبارة أخرى: أنه في المعتبرة ذكر بعد (فليرضوا...) (فإني قد جعلته...) وليست الفاء للتفريع، بل هي تعليل لوجه الأمر بالرضا؛ ولو كان قاضي تحكيم لَمَا كان للتعليل وجه.
ويؤيده أنه ورد في المعتبرة: (فالراد عليه كالراد علينا)، ولو كان قاضي التحكيم لَمَا كان هناك وجه لاعتبار الراد عليه كالراد علينا، بل الوجه هو لأنه قاضٍ منصوب من قبل الإمام فالراد عليه هو راد على مقام الطاعة والولاية.
ومادة الحكم - كما ذكرنا - ليست خاصة بالفقهاء، بل الترافع سابقاً كان يجري لدى
____________________
(1) وللمزيد من التعرّف على حاله راجع: كتاب هويَّات فقهية - بحث حكم الحاكم في المِلاك.
السلطات والقاضي على حد سواء، مضافاً إلى أن القاضي كان يمارس جميع الأمور الحسبية والفتيا بالجهاد (وهو أمر تنفيذي كما في الفتيا الملعونة لابن شريح بقتل سيد الشهداء عليهالسلام ) وكذا إقامة الحدود والقصاص (وهو جانب تنفيذي يتعلق بأمن الدولة والمجتمع) وغيرها من المجالات التي يجدها المتصفِّح لعصر صدور الرواية، والتفكيك بين القضاء والفتيا وبين الممارسة السلطوية غير تام.
3 - التوقيع الشريف الصادر عن الناحية المقدَّسة.
فقد اعتبره البعض ضعيفاً لوروده في الاحتجاج مرسلاً، لكن الشيخ الطوسي أورده في الغيبة بسند عالٍ؛ حيث يورده عن الكليني، وكان يتشدَّد في التوقيعات أكثر من تشدُّده في الرواية العادية، والسرُّ في ذلك أنه صادر عن الإمام الحي الفعلي، فهو يعيِّن التكليف الفعلي للسائل، مضافاً إلى ظروف التقيَّة، ووجود النائب الخاص الذي يستطيع تكذيبه، وأنّ إجابة الناحية المقدسة للسائل يعتبر نحو تشريفٍ له، فلو لم يكن التوقيع موثَّقاً لَمَا رواه الكليني.
نعم، قد أُشكل أنه لم يورد الكليني هذا التوقيع في الكافي، وجوابه: أن الكافي خالي من التوقيعات تماماً مع أنه معاصر للنوَّاب الخاصِّين؛ ويُعزى سبب ذلك إلى أن الكليني أراد أن ينشر كتابه ومع ظروف التقية واختفاء الإمام نقل التوقيع يُعلم منه وجود الإمام ونحوه.
ثُم إن الكليني يروى عنه الطوسي كثيراً من الروايات وهي غير موجودة في الكافي، فهذا يعني أنه لم يودع كل ما يرويه في الكافي، مضافاً إلى ضياع بعض مؤلَّفات الكليني وعدم وصولها إلينا.
أمَّا فقه الرواية:
فإن التوقيع يحمل أجوبة عن أسئلة متعددة لا ارتباط بينها، ومحل الاستشهاد الفقرة: (وأمَّا الحوادث الواقعة).
أ - يصرف المحقق الأصفهاني في حاشية المكاسب ظهور هذه الفقرة عن محل الاستشهاد، ويذكر أن لها ارتباطاً بما ذُكر سابقاً في التوقيع ويتعرّض فيه لوقت الظهور، وأن الوقَّاتين كاذبون أو المقصود بالحوادث أي الأمور المرتبطة بعلامات الظهور لا ارتباط لها بجعل الفقهاء في سُدَّة الحكم والقضاء والفتيا.
ويجاب عنه: بأنّ الفاصل بين الفقرتين فقرات ترتبط بمواضيع أخرى، فلا يعقل أن تعود الحوادث لعلامات الظهور.
ب - واحتُمل أن يكون المراد من الحوادث هي الشبهات الواقعة من قبيل حكمها الكلي، فيرجع فيها إلى رواة الحديث والفقهاء. أو يقال يراد منها - بالإضافة إلى ما سبق -: الشبهات الحكمية من حيث حكمها الجزئي؛ أي من جهة فصل الخصومة، وهو القضاء، وجعل سُدَّة القضاء للفقيه. لكن الجمع بينهما غير ممكن؛ لأن الشبهة الحكمية من حيث حكمها الجزئي تتبع موازين القضاء، ومن حيث حكمها الكلي تتبع موازين الفتيا.
وقد استدل البعض للتعميم بقوله: (هم حجتي عليكم)، وهذا لا يناسب مقام الفتيا؛ إذ لا موقعية لكلام المعصوم، فالفتيا إخبار عن المعصوم، وهو مخبر محض عن الرسول عن اللَّه، فيكون المقصود الولاية في القضاء أو الولاية في تدبير الشؤون، وهذا أيضاً غير تام؛ لأن في فتيا الفقيه ونقله - في مقام الفتيا - عن المعصوم موضوعية، وليس طريقاً محضاً؛ إذ فتيا الفقيه هي دراية للحديث، لا رواية للحديث. وأمَّا كون فهم الفقيه فتيا مستندة إلى ما فهمه من قول المعصوم، فله موضوعية أيضاً؛ لحجية قول المعصوم، لا من باب أنه راوٍ بحت للحكم كبقية الرواة، بل إنهم عليهمالسلام يبلّغون عن اللَّه بقنوات ربانية مسدَّدة لا يداخلها الوهم والخيال ولا وساوس الشيطان ولا الهوى ولا الجهل، فمستسقى علمهم لَدُني؛ معصوم من الزلل والخطأ، ينقلونه بالحق والصواب، ويؤدُّونه إلى الخلق بالحق والصواب. فعلمهم ليس مرهون بدرجة
التتبع والفحص وقوة التدبر والاستظهار نظير أفراد الفقهاء والمجتهدين، فلا يصح التنظير لحكمهم وإخبارهم عن اللَّه ورسوله وتقدمه على حكم وإخبار غيرهم برواية الأعدل والأضبط عند المعارضة برواية الأقل عدالة وضبطاً؛ فإن هذا التنظير مرتكِز على نظرة بقية المذاهب، لا نظرة الإمامية والنصوص القرآنية والنبوية في حقِّهم.
جـ - إن (ال) في الحوادث ليست عهدية أو إشارة إلى حوادث معينة، بل هي مطلقة تشمل كل الحوادث، ويدلِّل على ذلك أن هذا التعبير متَّخذ كالاصطلاح في الأوساط العلمية من العامة والخاصة آنذاك، بل منذ القرن الثاني يدل على مجريات الأمور الحادثة وسُدَّة الحكم. فراجع كلمات العامة عن متقدِّميهم.
ـ إنه قد ورد في التوقيع: (أنهم حجتي عليكم وأنا حجة اللَّه) فهذا تصريح بالطولية وأن حُجِّـيَّـتهم منبثقة عن حجية المعصوم، وهي وإن لم تكن عينها، بل بينهما فوارق، لكن إطلاق المتعلَّق للحجية يفيد الشمول لكل من الحكم والقضاء والفتيا. وبعبارة أخرى: أن متعلق حجيته (عج) سارية في الموارد الثلاثة، ومع إطلاق النيابة المدلول عليها بالطولية في التعبير المزبور تشمل الموارد المزبورة مع التحفُّظ على عدم الإطلاق بنحو التطابق كما ذكرنا سابقاً لموضوعية العصمة كما لا يخفى.
وههنا إشكال معروف له صياغتان:
إحداهما: أنه كيف يُتصوَّر في عهد الغيبة الصغرى ومع وجود النوَّاب الخاصِّين، جعل النيابة العامة والولاية للفقهاء؟
والأخرى: أن رواية ابن حنظلة ومعتبرة أبي خديجة إذا استفيد منها النصب العام، فهو نصب من قبل الإمام الصادق عليهالسلام فكيف يبقى ذلك التنصيب إلى زمن الحجة عليهالسلام والمعروف أنه بموت المنوب عنه تبطل النيابة؟
وجواب هذا الإشكال يُعلم من التأمل في حالة النيابة العامة وفلسفتها؛ حيث إن الأئمة عليهمالسلام وأتباعهم كانوا يعيشون ظرفاً خاصاً، فمع أنهم أرادوا المحافظة على المذهب وتعاليمه، أرادوا ألاّ يظهروا بمظهر المخالف؛ حتى لا ينالوا عقاب السلطة
الحاكمة آنذاك. فمع هذه الظروف كان هناك وكلاء خاصُّون للأئمة، لكنَّهم كانوا محطَّ نظر لا يستطيع الشيعة الرجوع إليهم دائما، فجُعل النصب العام والنيابة العامة حتى يكون للأئمة عليهمالسلام أذرع مختلفة، فيسهل الأمر على الشيعة في الرجوع إليهم.
مضافاً إلى أن الحكم الولائي التنفيذي لا يلزم أن يكون مؤقَّتاً، بل يمكن أن يكون دائماً؛ فإذا وُجدت القرائن على ذلك - كصيغة الحكم هنا - ووردت على نحو القضية الحقيقية، دلَّت على عمومه وديمومته. نعم، إذا وُجدت قرائن تدل على توقيته، فإنه يبطل بوفاة الإمام مباشرة، وعندئذٍ لا يسمّى تنصيباً، بل يكون نحواً من الوكالة والمأذونية. أمَّا الديمومة، فإنها تُتَصوَّر في التنصيب.
هذا كله مضافاً إلى ما تقدم في المناقشات السابقة من الإشارة إلى الوجه العقلي للنيابة، ووجه قاعدة الحسبة في استكشاف النيابة للفقيه العادل وغيرها من الوجوه المحرَّرة في موضعها من علم الفقه.
الخلاصة:
1 - إن للفقيه الولاية بحسب بسط يده، وهذه نظرية مشهورة بين علماء الإمامية، فلاحظ ما ذكروه في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما صرَّح بذلك المفيد في أوائل المقالات وغيره من الفقهاء، فهم يقومون بالرقابة التنفيذية على شؤون الحاكمين إذا أُتيح لهم المجال، وهذه الرقابة لا تكون في مورد النزاع والتخاصم فقط، بل في المجال التنفيذي، نعم، ذلك لا يعني عدم استعانته بالخبرات الكفوءة، بل لابد منه كلٌّ حسب مجاله وخبرته واستشارتهم أو إيكال بعض الأمور في تلك المجالات لهم مع رقابته، وبعبارة أخرى: شكل الجهاز والنظام هو بحسب آليَّته بحسب الظروف مع مراعاة الموازين العامة.
2 - في حالات عدم بسط اليد لا تكون الولاية لغيره؛ لأن بسط اليد من قبيل قيد الواجب، وهو فرض إمكان تنفيذ الوظيفة. نعم، في الأمور التي لا يستطيع مباشرتها يوكلها للمتخصِّص الكفؤ.
3 - التعبير الوارد (فارجعوا... فليرضوا... واجعلوا) خطاب عام لكل المكلَّفين بوجوب السعي إلى تعيين المصداق من بين الفقهاء كما مرَّ بيانه.
4 - إن الاستشارة لازمة وإنْ كانت غير ملزِمة له، وأفضليَّـتها من باب أن الاستعانة بالعقل الجماعي أسد وأفضل ممَّا يتوصل إليه العقل الفرد، وهو ما يسمّى حديثاً بالاستعانة ببنك المعلومات.
5 - ذكر بعض أصحاب التلفيق بين نظرية النص والشورى في كيفية الحكم في عصر الغيبة من أن النصوص عمومها مجموعي، وبالتالي يصل إلى شورى الفقهاء. وإن إرادة العموم الاستغراقي يلزم الترجيح بلا مرجِّح؛ إذ ترجع كل فئة إلى واحد، فترجيح أحدهما على الأخر يكون بلا مرجِّح.
والجواب عن هذا:
أ - أن ظاهر لسان الدليل: (فاجعلوا رجلاً...) هو الاستغراق لا المجموع، وديدن الفقهاء على استظهار الاستغراق منها، وتكون النتيجة أن يتصدَّى الكل للفتيا، ولو في عرض واحد، ويمارس الكل الجانب التنفيذي وإن كان في منطقة محدودة وإلاّ لزم في القضاء أن لا ينفذ إلاّ الحكم الصادر من المجموع، وهو كما ترى.
ب - أن استظهار الاستغراق لا ينافي إمكان أخذ شورى الفقهاء، إذ قد يرى الفرد والأمة الصلاحية في فَقِيهين أو أكثر، وقد أثير نظيره في بحث القضاء في أحكام اتخاذ قاضِيَين أو أكثر، ويذكرون هناك كيف يكون الحل عند الاختلاف.
وللمسألة تفريعات وتشقيقات تُستعرض في مواضعها.
الفصل الثالث:
المقام الغيبي في الإمامة
مقدِّمة:
المقام الغيبي في الإمامة
كما ذكرنا في بداية الكتاب أن الحديث حول الإمامة له جوانب متعددة وجهات مختلفة، وقد تناول علماؤنا المتقدمون والمتأخرون (رضوان اللَّه تعالى عليهم) البحث حول إثبات النص وإفحام الخصم وإقامة الأدلة المتنوِّعة على إثبات إمامة أمير المؤمنين عليهالسلام وخلافته عن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله أمثال: الإرشاد والغدير وعبقات الأنوار والمراجعات... وغيرها كثير، وكانت نتيجة هذه الجهود المتواصلة أن أصبح البحث حول صحة وتواتر حديث من أحاديث الولاية من السهولة واليسر ممَّا لا ينكره إلاّ مكابر أو معاند.
والبحث الذي نريد أن نتناوله هنا هو حقيقة الإمامة وماهيَّتها وكنهها، وهو ليس أمراً مبتكراً في بابه، فقد تناوله الأعلام لكن بنحو مضغوط ومبعثر في ذيل تفسير بعض الآيات القرآنية، وفي شرح بعض الأحاديث الشريفة، ونسعى إلى طرح ذلك من خلال نهج واضح وأسلوب يرفع الستار عن كثير من الحقائق التي خفيت في كتب الأقدمين ويعتبرها بعض أهل العصر من العجائب والغرائب، وقبل الشروع في ذلك نقدِّم ذكر بعض الأمور التي لها مدخليَّة في البحث:
أولاً: تحرير محل النزاع
يعتبر مصطلح الإمامة من الموضوعات التي كانت مثار بحث وجدل بين المتكلِّمين والفقهاء من الصحابة والتابعين وغيرهم منذ بدأ عصر الرسالة، وعندما
يحرِّرون محل النزاع يقال: إن الإمامة ترادف الزعامة الدنيوية، وأن البحث حول الإمامة هو البحث حول مَن يجب أن يتولّى إدارة أمور المسلمين ومَن يكون له الأمر والنهي، وبالتعبير الحديث حصر محل النزاع في ما يصطلح عليه اليوم بـ: الفقه السياسي.
وتوسَّع بعض المتكلمين من الإمامية، بل أكثرهم، في محل النزاع، وأضافوا إليه الزعامة الدينية؛ بمعنى أنه بالإضافة إلى دور الإمام في إدارة شئون المجتمع، فهو يقوم ببيان الدين والذب عنه ونشر الأحكام الشرعية، فيُعد قوله وتقريره مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي.
ونحن لا ننكر هذين الموردين - وإن كان العامة قد أنكروهما وأصبح مورداً للنزاع - لكن نقول: إن الأمر لا ينحصر بهما، بل أن الإمامة تحمل في طيَّاتها معنى أوسع وأكبر ممَّا ذكره هؤلاء جميعا. ويمكننا القول أن علماءنا (رضوان اللَّه تعالى عليهم) ألجأتهم ظروف التخاصم والتقية إلى ذكر ذلك كمحل للنزاع ولا يحصرون اعتقادهم بالإمامة في هذا النطاق.
فالإمامة في حقيقتها هي محور الاتصال بين الأرض والسماء؛ حيث إن الاتصال الغيبي بين الخالق ومخلوقه لم ولن ينقطع منذ بدء الخليقة حتى قيام الساعة، فدائماً يوجد مَن يمثِّل تلك الصلة الروحية والمعنوية، ومِن هنا اعتبروا الإمامة امتداداً للنبوة والرسالة، فهي من تلك الجهة تؤدِّي نفس وظيفة النبوة في عالم الدنيا.
فإن الأدلة قائمة على ضرورة وجود حجة للَّه عزَّ وجل في كل زمان، وأن الاتصال لا ينقطع بوفاة النبي صلىاللهعليهوآله ، وهذا هو المقام الإلهي الذي يثبته الإمامية الاثني عشر، وهو من الأمور التي انفردوا بها عن بقية المذاهب حتى الإسماعيلية والزيدية، وهنا يكمن النزاع والخلاف مع المذاهب الأخرى، وتلك الحقيقة هي
التي نريد إماطة اللثام عنها.
ومن الشواهد التي تؤيِّد ما ذكرناه: أن الأئمة في دعواهم للإمامة لم يكونوا ليقْصروا حديثهم على زعامة المسلمين، بل كانوا يركِّزون على مقامات أكبر من ذلك ويذكرون في كلماتهم اتصالهم بالغيب، وتحديث الملَك لهم، وأن علومهم من نور، وإطلاعهم على أعمال العباد، وأن ما لديهم هو علم لدني.
والجدير بالذكر أن مثل هذه الدعاوى لم تصدر عن غيرهم ممَّن عاصرهم أو مَن أتى بعدهم، بل غاية ما ادعوه هو تصدِّيهم للزعامة الدنيوية، ومن هنا نرى بعض المنحرفين يرمون الأئمة بدعوى الإلوهية والنبوة، وذلك لأن الأئمة كانوا يركزون على مسألة الاتصال بالغيب وهي أعم من النبوة والإمامة.
بل في موقف عمر بن الخطاب مع سلمان المحمدي ما يدلِّل على أعمق من ذلك؛ فقد روى الشيخ الطبرسي (1) أن سلمان قال لعمر: أشهدُ أني قد قرأت في بعض كتب اللَّه المنزلة أنك باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب جهنم. فقال لي: قل ما شئت! أليس قد أزالها اللَّه عن أهل هذا البيت الذين قد اتخذتموه أرباباً من دون اللَّه ؟(2) .
وفي ذيل قوله تعالى: ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا ) (3) يذكر البحراني في البرهان، وكذلك الطباطبائي في الميزان، أن نافع كان على خط الخليفة الثاني جالساً في المسجد الحرام في موسم الحج، إذ رأى أن الناس قد تجمعوا حول شخص، وهو الإمام الباقر عليهالسلام ، فسأل هشام بن عبد الملك: مَن هذا الجالس الذي اجتمعت عليه الناس؟ فقال: هذا نبي أهل الكوفة.
____________________
(1) الاحتجاج، 210.
(2) كتاب سليم بن قيس، 90.
(3) الزخرف، 45.
فهم كانوا يعرفون أن عقيدة الإمامية هي بأن هؤلاء هم الرابط بين السماء والأرض، فالتهمة بالربوبية ليست تهمة جديدة، بل لها جذورها من العصر الأول؛ والسبب في ذلك أن دعوى الربوبية - في أذهانهم - تختلف عن دعوى الإلوهية، فالربوبية تعني اتحاد الوسائط بين الأرض والسماء، وذلك لأن الإنسان بنفسه يذعن بعدم إمكانيته الاتصال بالغيب، وفي نفس الوقت يشهد عقله بأن الاتصال بالغيب لابد منه.
فحكم الفطرة يوجب أن تكون هناك واسطة، ولكن يجب في هذه الوسائط أمران:
أحدهما: أن تكون مجعولة من قبل الخالق الواحد الأحد، لا أن يختلقها بنو الإنسان كما كانوا يفعلون في الأصنام.
والثاني: أن لا تصل هذه الوسائط إلى رتبة الإلوهية، فهي مخلوقة للَّه، وهي ذليلة للَّه تعالى ( إِن كُلُّ مَن فِي السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ) (1) وخاضعة له سبحانه في السر والعلانية، وسوف يأتي مزيد بيان لهذا المطلب.
ثانياً: الإمامة وراثة نسَبية أم روحيّة؟
يُنسب إلى الشيعة القول بأن الإمامة وراثية، وبالتالي فهم يقولون إن الزعامة تنتقل بالوراثة كما تنتقل الرئاسة بين الملوك وأبنائهم. وهذا لا أساس له من الصحة؛ إذ بناء على ما ذكرنا من أن الإمامة مقام إلهي واتصال بالغيب، فإنها تكون بعيدة عن التوريث النسَبي، بل هي مقام تكويني ووراثة روحية بمعنى وجود استعداد في روح أخرى للكمالات التي أفيضت على روح سابقة، وعندما يقال: أن الإمامة وراثة فإن ما ذكرنا هو المقصود منه، قال تعالى ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ
____________________
(1) مريم 19: 93.
إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ) (1) .
ثالثاً: الإمامة نصّ أم شورى؟
ممَّا ذكرنا في الأمر الأول يتَّضح أن مثل هذا المقام لا يكون بيد الانسان، بل للَّه عزَّ وجل يجعله حيث يشاء. أمَّا إذا اقتصرنا في محل النزاع على الزعامة الدنيوية، فواضح أن ما يطرحه العامة من جعله بيد الناس واختيارهم، يكون أوهم إلى العقول وأميل إلى النفوس، وكأنه أشبه بلغة العصر، لنفرة الإنسان من تسلُّط فئة معينة على إرادته وتقييدها في إدارة شئون مجتمعه، فطرح محل النزاع بتلك الصورة يخدم العامة. أمَّا على ما ذكرناه من حقيقة الإمامة، فيتضح السبب في إيكال ذلك الأمر إلى اللَّه عزَّ وجل، وما إن يجعل الحق تعالى إماما، فلا معنى للِّجوء إلى طرق أخرى لتعيين مَن له الزعامة الدنيوية، بل يكون هو المتعيَّن، وبتعبير آخر: أن مَن تثبت فيه الكمالات الروحانية العالية ومَن يتَّصل بالغيب لا يمكن أن يلجأ الناس إلى غيره لإدارة شئونهم، وبهذا ترى أن مركز الزعامة الدنيوية متفرِّع على ذلك المقام وتابع، كما رأينا في حياة الرسول صلىاللهعليهوآله ، فإنه بعد ثبوت نبوته وإيمان الناس به، لم ينازع أحد في حاكميته.
والخلاصة: أنه يمكننا القول أن مقام الزعامة الدنيوية هو أدنى مراتب الإمامة ومقاماتها.
رابعاً: الاعتبار والتكوين
إن وظيفة النص في تعيين الإمام لا تنحصر في الجعل والاعتبار والإنشاء كما يقوم أي حاكم في تعيين حاكم آخر، بل إن النص سوف يكون كاشفاً عن الإرادة التكوينية والجعل الإلهي.
ومن هنا يتَّضح أن نصب الرسول - أو الإمام السابق - للإمام اللاحق، لا يقوم به مَن
____________________
(1) آل عمران:34.
تلقاء نفسه، بل هو بإيحاء من اللَّه عزَّوجل؛ فهو جعل اعتباري كاشف عن الجعل التكويني.
خامساً: الإمامة من أصول الدين
من الأمور المهمة التي تترتب على تغيير محل النزاع هو أن مسألة الإمامة تدخل في ضمن المسائل الاعتقادية الأصلية في الدين؛ لأنها تكون بمنزلة النبوة وإن اختلفت عنها، وتكون هذه المسألة ما بها النجاة يوم القيامة، بخلاف المسائل الاعتقادية غير الأصلية؛ وهي التي لا تكون النجاة يوم القيامة مرهونة بها.
بيان ذلك: أنا ذكرنا أن الركن الأساسي في مقام الإمامة هو مقام السفارة الإلهية، ومَن يكون سفيراً من قبل الغيب ومَن هو حجة اللَّه على خلقه، فالأمر الرئيسي هنا هو في الاعتقاد والتسليم بهذه السفارة والسفير، وهذا أمر اعتقادي وليس مسألة عملية فرعية. نعم، هذا المقام تلحقه شؤون عملية وفرعية، لكن الأمر الأساس هو الأمر الاعتقادي، كما هو الحال في بحث النبوة.
وللأسف الشديد نجد البعض يعبّر بأن مسألة الإمامة خارجة عن الأصول وداخلة في الفروع، وهذا بلا شك غفلة عن حقيقة الحال، وله لوازم فاسدة؛ من نحو عدم وجود فائدة عملية لهذا البحث في زماننا الحاضر، وذلك لأن الإمام غائب فينتفي موضوع الزعامة ولو انتفاء مؤقتا، كما أنه لا فائدة من البحث عمَّن كان يجب أن يخلف النبي صلىاللهعليهوآله فهذا حدث تاريخي قد مضى. أمَّا على ما ذكرنا، فإن البحث تبقى له أهميته القصوى؛ إذ قضية الاعتقاد لا ترتبط بحضوره وعدم حضوره، ولا بحياته وعدم حياته.
ومثل هذا في الوهن أن يقال: إن أهمية بحث الإمامة تنحصر في أن الإمام هل هو مصدر من مصادر التشريع الإسلامي أم لا؟ فهذا وإن كان صحيحاً إلا أن فائدة البحث لا تنحصر به، بل البحث في أمر اعتقادي جوانحي كما يُبحث حول النبوة مع
عدم وجود نبي على قيد الحياة، إلاّ أن البحث له أهمية وخطورة من حيث وجوب الاعتقاد على كل مسلم.
فليس البحث حول مَن يكون رئيساً وزعيماً فقط، وليس البحث عن ميزان استنباط الأحكام الفرعية وهل السنة تشمل النبي والأئمة أم يقتصر فيها على النبي؟ فهذه كلها أمور فرعية تبتني على ذلك الأصل الاعتقادي، وهو أن الإمامة استمرار لمسيرة النبوة فالاعتقاد بها على نحو الاعتقاد بالنبوة.
سادساً: مقامات الأئمّة عليهم السلام
إن البحث قد يتعمَّق إلى البحث حول مقامات الأئمة (سلام اللَّه عليهم)، وليعلم أن مقام الإمامة مِن أهم هذه المقامات كما أن مقام الزعامة أدناها وأقلها، فتوجد مقامات أخرى تتجاوز الإمامة ككونهم كلمات اللَّه (1) وأسماء اللَّه الحسنى، وغيرها من المقامات العالية التي تعدُّ مِن أسرار معارف أهل البيت، وفي كل هذه المقامات لا يخرجون عن زيِّ العبودية، بل إن خضوعهم وتذللهم التام وفنائهم في المعبود هو الذي جعلهم ينالون هذه المقامات.
وبعض هذه المقامات يشاركهم فيها غيرهم من الأنبياء والمرسلين، وفي بعضها يتفرَّدون ويشاركون بها الخاتم صلىاللهعليهوآله ، وكذلك الزهراء عليهاالسلام تشاركهم في بعض هذه المقامات كمقام حجة اللَّه، كما ورد في الخبر المتواتر معنى (وفاطمة حجة اللَّه علينا) أو كون مصحفها مصدر من مصادر علومهم.
سابعاً: الوظيفة الشرعيّة
إذا تمَّ مقام الإمامة، فسوف يتوجَّه إلى المكلَّفين عدد من الوظائف الشرعية، بدءاً من الاعتقاد والمعرفة والتسليم إلى التولِّي والتبرِّي القلبي والعملي، ووظائف
____________________
(1) قال تعالى: ( إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) آل عمران، 45.
أخرى سوف نأتي على ذكرها في الخاتمة.
ولا يخفى أن هذه المقامات الأخرى لا يتوقف عليها الإيمان، فكثير من علمائنا في علم الرجال يشيرون إلى أن الاعتقاد بأدنى مراتبه، وهو إجمال الزعامة الدينية والدنيوية - كما هو حال كثير من الناس والرواة - كافٍ في اعتبارهم من الإمامية.
ثامناً: تحليل الاقتداء
وقد يطرح هاهنا إشكال؛ حاصله:
إن إثبات المقامات الغيبية للنبي والأئمة، وتعميق هذا الجانب في شخصيتهم البشرية، يتنافى مع جعلهم قدوة للبشرية، ولا يتلاءم مع أمر اللَّه عزَّ وجل باتباعهم واتخاذهم أسوة.
بيان ذلك: أن طبيعة الاقتداء والإتباع أن يأمل المقتدي من الوصول إلى مرتبة المقتدى، وأن يجعل همَّه الأول هو الوصول إليه والسير على هداه، وهذا يعني أن يكون المقتدى بمرتبةٍ ومقامٍ يمكن الوصول إليه. أمّا إذا كان مقامه ممَّا لا يمكن الوصول إليه، بل هو ممتنع المنال، فكيف يُجعل قدوة ونؤمَر باتخاذه أسوة؟! فعليه يجب حصر الجانب الغيبي في ما يظهرونه من معجزة لإثبات الرسالة والإمامة فقط.
وقد يطرح الإشكال بنحو آخر: بأن تعميق هذا الجانب الغيبي في أحكام الإقتداء في أحكام الدين، سوف يبعد الدين عن الجوانب الاجتماعية والمادية التي جعلها ضمن اهتماماته. وبتعبير آخر: أنه لو قلنا أن مِلاكات الأحكام أمور غيبية بعيدة عن التأثيرات الوضعية والدنيوية، فسوف يفقد المكلَّف الدافع المحرِّك للسعي وتحصيل تلك المِلاكات.
وفي الواقع ليس هذا الإشكال بصياغتيه شيئاً جديداً مبتكرا، بل هو إشكال يعود في جذوره إلى ما قبل الإسلام؛ حيث كان الناس يعتقدون أن الوصول والاتصال
باللَّه سبحانه وتعالى ذي القدرة المطلقة اللامحدودة، متعسِّر وممتنع، فيجب توسيط وسائط تُعدُّ أرباباً وآلهة صغيرة تكون وسيلة وواسطة.
أمَّا الجواب:
أولاً: إن طبيعة الاقتداء تقتضي أن يكون هناك فارق بين المقتدي والمقتدى، فإذا كان المقتدى مساوياً للمقتدي، فإن الإقتداء يكون ممتنعا؛ إذ لا توجد مزيَّة للمقتدى حتى يُقتدى به، فالسعي والحركة والانبعاث الذي يحصل للمقتدي إنما هو من أجل تحصيل أمور وكمالات هو فاقد لها، لكنَّها متوفِّرة وحاصلة في المقتدى، إذن يجب أن يكون المقتدى غير مساوٍ للمقتدي.
ثانياً: كما أن الحاصل لا يسعى الإنسان إلى تحصيله، كما أن الممتنع أيضاً لا يسعى الانسان إلى تحصيله، فإن من الواجب أن يكون المقتدى له مرتبة بين هذين الأمرين. وفي نفس الوقت يجب أن يكون هذا الاقتداء ملازماً للإنسان في كل مسيرته؛ بمعنى أن المقتدى يجب أن يكون متفوِّقاً دائماً على المقتدي، وإلاّ لو فقد هذا التفوق، لتوقف الاقتداء في فترة من فترات حياة الإنسان؛ وذلك فيما إذا نال كل كمالات المقتدى، وحينئذٍ لا يكون هناك سعي ولا يكون هناك هدف يحرك هذا الانسان، فيجب أن يكون هناك باعث ومحرك دائمي للإنسان وللإنسانية قاطبة، وفي نفس الوقت لا تكون كل درجات كمالات المقتدى ممتنعة، كي يمكن السعي والتحصيل.
وهذا هو معنى الحالة الوسطية بين الأمرين؛ أي لا كمالاته كلها ممتنعة ولا كل كمالاته بكل درجاتها حاصلة، فيسعى الانسان لتحصيل تلك الكمالات فقد يصل بجهده إلى تحصيل بعضها وقد لا يستطيع (ألا إنكم لا تستطيعون على ذلك فأعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد).
فتحصيل كل كمالات المقتدى أمر مستحيل؛ غير ممكن. أمَّا تحصيل بعض
درجات كمالاته، فهو أمر مرجو ممكن الحصول عليه، فلماذا لا يصح الاقتداء؟ ولماذا لا يمكن السعي نحوها؟!
وقد يقال: ما الحاجة إلى الإمام من أجل الإقتداء به إذا لم يكن من الممكن الحصول على كل كمالاته؟ فليقتدى مباشرة بالكمال المطلق اللامحدود وهو الذات المقدسة؟
وجوابه: أن الإمام هو الآية العظمى، وفي الحديث (ما للَّه أية أكبر مني) وآيته في الصفات الخلقية، فالسعي إلى اللَّه غير متناه لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومن رحمة اللَّه بعباده أن جعل لهم إماماً يقتدون به يماثلهم في البشرية ومتخلِّقاً بأخلاق اللَّه عزَّ وجل، وهذا هو لطف اللَّه بعباده؛ لأن المقتدى أيضا هو في حالة سير وحركة من أجل تحصيل الكمال اللامتناهي، وسوف يأتي مزيد بيان لهذه النقطة.
ونعود إلى محل الكلام، فإن هذه الحالة الوسطية هي التي تدفع الإنسان - دائماً - نحو الحركة والعمل كما هو الحال في الخوف والرجاء؛ فلا هو حصر في حالة الخوف فقط؛ لأنه يأس من رحمة اللَّه، واليأس عدم اعتقاد برحمته تعالى، فهو كفر، والرجاء المطلق كفر أيضاً؛ لأنه عدم اعتقاد بعقاب اللَّه.
فالإمام ليست صفاته كلها قابلة للمنال، ولو كانت كذلك، لَمَا كان الانسان متحرِّكاً نحوها بحركة مستمرة دائمة لا تقف عند حد، ولا هي حاصلة للإنسان حتى لا يكون هناك دافع نحو السير والسعي الحثيث. وسوف نشير في بحث الفقه العقلي للإمامة إلى أن الوسيلة الصحيحة للتوحيد هي الإمامة.
ثالثاً: ذكرنا أن كمالات الإنسان تشمل جنبتيه البدنية المادية و الروحية المعنوية، وكمالات الجنبة الأخيرة على قسمين؛ القسم الأول: ما له ارتباط بالبدن كالشجاعة، فهي كمال روحي، إلاّ أن له ارتباطاً بالبدن. والقسم الآخر: كمالات روحية لا ارتباط لها بالبدن، بل ترتبط بعوالم الغيب و الآخرة والعوالم المجردة.
وكمالات هذا الجانب أشرف من الجوانب الأخرى، والاقتداء المؤدي للكمال لا بد أن يشمل جميع جوانب النفس الإنسانية، ومن هنا نحتاج في المقتدى أن تكون له جوانب غيبية وكمالات مرتبطة بعالم الغيب.
رابعاً: إن دراسة طبيعة حركة الانسان ترشدنا إلى أن جوارحه تنطلق في حركتها من الجوانح، والأخيرة تتحرك طبقاً للإذعان والإيمان والاعتقاد الذي يلتزم به الانسان، فهذه الهيكلية في صدور تصرفات الانسان هي الأساس، وهذا يعني أن أساس تحرك الانسان هو معارفه الاعتقادية. والاعتقاد يشمل جميع الجوانب الغيبية وغيرها، فلا يمكن أن نتمسك بقسم معين من المعارف ونثبته ونغض الطرف عن القسم الآخر؛ لأن العقائد شأن مجموعي تبتني عليه عمل الجوانح التي هي المحرك للجوارح، فإذا اختل الأساس، اختل ما عليه من البناء.
خامساً: نحن نسائل المستشكِل الذي لا ينفي الغيبيات في المقتدى، بل يحصرها في إثبات المعجزة للرسالة والنبوة والإمامة، نقول: لماذا في هذا الجانب نُثبت الأمر الغيبي؟
والجواب: أن هذا هو الكاشف عن اتصال هذا الشخص بالغيب، وأنه مبعوث وسفير من قبل اللَّه سبحانه وتعالى، فالمعجزة هي المثبِتة للاتصال والسفارة الإلهية، وأن هذا الاتصال غير موجود في بقية أفراد البشر. ونحن نقول: إن هذا الاتصال الغيبي هو المقام الغيبي نفسه؛ بمعنى أن هذا الاتصال يكشف أن لهذا الشخص درجة وجودية معينة، وهذه الخصوصية مَنّ اللَّه تعالى بها عليه، وهي التي مكنته من الإتيان بالمعجزة حتى يثبت لبني البشر أنه سفير من قبل اللَّه تعالى.
وممَّا لا شك فيه أن تصحيح محل النزاع بما ذكرنا سوف يهيّء لنا الأرضية والذهنية المطلوبة للتعامل مع الأدلة العقلية والنصوص الشرعية، حيث إن طائفة كبيرة سوف تدخل في ضمن نطاق التحليل والاستنطاق، بخلاف ما إذا كان
المطلوب هو إثبات الزعامة الدنيوية، فإنه سوف يتم إسقاط عدد كبير من الأدلة بحجة أنها تبحث عن ما هو خارج عن محل النزاع.
ولا يخفى أن الخوض في مثل هذه المباحث يحتاج إلى أهلية عقلية، وإلمام تام بالمباحث الفقهية والتفسيرية والكلامية والفلسفية والعرفانية، مضافاً إلى ما يمكن استفادته من علمي النفس والاجتماع الحديثين.
المبحث الأول:
تعريف الإمامة
الجهة الأولى: التحليل اللُّغوي
إنَّا لا نهدف من بحثنا استعراض المعنى اللغوي الذي يسطره اللغويون في كتبهم، بل مرادنا هو الوصول إلى ماهية وحقيقة الإمامة، وبتعبير اصطلاحي: رفع الستار عن ما الشارحة وما الحقيقية. وإذا ما استعرضنا كلمات اللُّغويين، فما ذلك إلاَّ توطئة للوصول إلى التعريف الماهوي واستخلاص المعاني العقلية التي تنطوي عليها اللفظة.
ومن خلال ما يذكره اللغويون يمكن ذكر بعض الملاحظات التالية:
1 - أن اصطلاحات الإمام والأمة والمأموم كلها تعود إلى جذر لغوي واحد هو أمّ يؤم.
2 - أن المراد من يؤمُّه أمّ إذا قصده، والأمّ هو القصد المستقيم والتوجُّه نحو المقصود (1) ففي هذا الأصل الاشتقاقي جنبة السير والسلوك.
3 - أن المراد من الأمة هي الجماعة الذين يكون لهم مقصد واحد.
4 - أن الإمام هو كل مَن ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، وعلى هذا يكون معنى إمام بمعنى المقتدى اسم مفعول، ويكون المأموم اسم فاعل
____________________
(1) المفردات، مادة أمَّ.
أي الذي يقتدي بغيره. وأمَّا إذا كانت بمعنى الهداية، فسوف يكون الإمام بمعنى الهادي، وهو اسم
فاعل، والمأموم المهتدى، فهو اسم مفعول.
فيلاحظ أن المعنى اللغوي يستطبن معنى الاقتداء والهداية.
من خلال تلك النقاط نرى أنه في جميع اشتقاقات (أمّ)، يتضمن قصد وسلوك غاية وهدف معين مع إضافات أخرى في كل اشتقاق؛ فإذا كانت الأمة، فإنها تُطلق على الجماعة البشرية التي لها مقصد واحد، فهي بالضرورة تتبع إماماً لها يقتدي به الناس ويأخذ بيدهم نحو ذلك المقصد وتلك الغاية؛ ومن هنا ورد التعبير في القران ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (1) ، ولذا لم يُطْلِق لفظ الأمة على كل المجتمع البشري، بل أطلقه بحسب الحقب الزمانية.
ويمكننا القول أن الإمامة في اللغة تساوق الهداية، والهداية كما يذكر اللغويون لها معنيان؛ أحدهما: مجرد إراءة الطريق المستقيم، والآخر: هو الإيصال إلى المطلوب، والثاني يستلزم الأول؛ وذلك لأنه لو قلنا أنها بمعنى الأخذ بيد المأموم وإيصاله إلى المطلوب والغاية المرادة، فهي لا تقتصر على مجرد الإراءة، بل تتعداها إلى الإيصال.
ونقول: إن المراد من الهداية هنا هو الثاني؛ وذلك لأن الأمة، وهي الجماعة التي لها مقصد واحد، تسير نحو هذا المقصد وتتبع الإمام من أجل الوصول إلى تلك الغاية، ووجود الإمام و السير يقتضيان أن يكون المراد من الهداية هو الإيصال، وأن الإمام لا يقتصر على مجرد إراءة الطريق الصحيح، بل يتبع ذلك بالأخذ بيد الأمة من أجل إيصالهم إلى الغاية القصوى. نعم، تلك الهداية والإيصال ليس إيصالاً جبرياً، بل إيصال اختياري.
____________________
(1) الإسراء: 71.
الجهة الثانية: التحليل العقلي
إنَّا إذا قمنا بتحليل أعمق لماهية الإمامة وكيفية أخذ الإمام بيد الأمة لتحقيق الغاية القصوى، فإنه يجب أن تكون هناك طاعة ومتابعة وانقياد من قبل المأموم للإمام، مع المحافظة في نفس الوقت على الاختيار والإرادة التي للمأموم، وهذا يعني وجود نوع من السلطة والولاية من قبل الإمام على المأموم مع المحافظة على اختياره؛ وهو أنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
فالإمامة متقوِّمة بطرفين: الإمام والمأموم، وفي كل طرف منهما يكون لها معنى؛ ففي الأول له التسلُّط والولاية، وفي الثاني له الاختيار؛ بمعنى أن الإمام لا يُلجأ المأموم على التصرف المعين، ولا يقوم بتسخيره أو قهره، بل يجب أن يقوم المأموم بذلك طواعية واختيارا، ونستطيع تشبيه ذلك بالانجذاب الحاصل بين المحب ومحبوبه وسيطرة الأخير على الأول لا بنحو يقهره ويسلبه، وهذا لا ينافي اختياره.
ومن هنا نستطيع القول أن الإمامة ليست علة تامة للهداية، بل هي مقتضٍ لحصولها إذا ارتفع المانع، وهو إرادة نفس المأموم واختياره؛ إذ بيده أن يتبع هداية الأمام حتى يوصله إلى الغاية، وأن يسلِّم له القيادة، وله أن لا يستجيب له، فلا تؤثِّر عليه هداية الإمام.
فالتحليل الماهوي للإمامة يقوم على حيثيات؛ حيثية الاقتداء، وحيثية الهداية الإيصالية، وحيثية السير السلوك والحركة، وحيثية الولاية والسلطة والجذب.
وإذا أردنا أن نتلمس بنحو أفضل، فما علينا إلّا التأمل في هذه الأمثلة الثلاثة والموازنة بينها: الإنسان الصغير، وهو ذلك المخلوق الذي كرَّمه اللَّه تعالى بالعقل، والإنسان المجموعي، وهو المجتمع البشري، والإنسان الكبير، وهو عالم الخلقة، فنتناول دور الهداية في هذه العوالم الثلاثة.
ـ أمَّا الإنسان الصغير، فهو ذو جنبتين؛ أحدهما: البدن، والأخرى: الروح، ولكل
منهما تكامل وارتفاع وصعود، كما أن لهما تسافلاً وهبوطاً وانحداراً.
ولندقِّق النظر في تكامل الروح؛ فإن اللَّه تعالى قد كرَّم بني آدم بالقوى العقلية والعملية المختلفة التي تضمن للإنسان أفضل السبل للصعود إلى الكمالات العالية. وعلى رأس القوى العملية والإدراكية يقف العقل ليقود هذه القوى، فإذا ما رضخت له القوى الأخرى تصاعد الإنسان في الكمالات، وإذا ما انقلبت الآية ولم يأخذ العقل موقعه المناسب تجد الإنسان في هبوط وانحدار.
والقوى العقلية على نحوين: العقل النظري والعقل العملي. الأول وظيفته الإدراك، والآخر؛ وهو العقل العملي، وظيفته الإدراك والعمل والتأثير على القوى المادون التي تتبعه في الحركة، فيكون أميراً لها وتكون أسيرة له، وفي اتباعه لا تكون ملجئة، بل يبقى للقوى الأخرى الاختيار في اتباع العقل العملي، فإذا ما تسلَّطت القوى المادون على قوة العقل العملي، تكون إمام ضلال وباطل. وقد ورد في حكمة لأمير المؤمنين عليهالسلام : (كم من عقل أسير تحت هوى أمير) (1) .
أمَّا إذا أذعنت لقوة العقل العملي، فإنه يصبح إمام هدى، فالعقل العملي هاد ومرشد لقوى الإنسان المختلفة، ووجود هذه القوة أمر لا بدَّ منه وإلاَّ لسعت كل قوة إلى ما يؤدي إلى تكاملها وأدى الصراع بين قوى الإنسان إلى فنائه؛ فيحتاج إلى ما يكون هادياً وموصلاً للكمال، وهو العقل العملي. زود هذا العقل بسلطة إخضاع القوى المادون مع احتفاظ النفس الإنسانية بالاختيار؛ والاختيار حيثية نفسانية توظِّفه النفس - التي هي غير القوى العملية والإدراكية - في يد القوى الفوقانية أو القوى المادون، ولو كان العقل العملي مُلجِئاً وسالباً للاختيار، لَمَا صدرت المعصية من أحد؛ لأنه موجود في كل إنسان.
____________________
(1) نهج البلاغة، الكلمات القصار، 211.
والعقل العملي يعتمد في فعله على الإدراكات الصحيحة التي تتم في العقل النظري والعملي، فهو يقود لأنه يمتلك العلم الذي لا تمتلكه بقية القوى، وهذا العلم هو الذي يعطيه الصلاحية لقيادة قوى الإنسان، ولو كان هذا العلم محتمِلاً للخطأ، لَمَا أصبحت لديه اللياقة لقيادة الإنسان وقواه، وقد بيَّنا في الفصل الأول مفصَّلاً مدركات العقل العملي والنظري وعلمه الحصولي والحضوري، والمهم هو الأخير؛ لأنه أعلى وأشرف من الأول، فالهداية الإيصالية للعقل العملي، وهو إمام هدى للقوى المادون، تتم بواسطة علم شريف أشرف من العلم الحصولي، وهو العلم الحضوري.
والعقل في نفسه مبرَّأ من الغرائز الشَّهوية والزلل، وليس العقل هو الذي يسبِّب الزلل والوقوع في الخطأ، بل هو بسبب سيطرة القوى المادون، وقد قرَّروا في محلِّه: أن إدراكات العقل في نفسها لا خطأ فيها إلاّ إذا تدخَّلت القوى الأخرى فيها؛ وهي الواهمة والمخيِّلة والقوى الشهوية والغضبية.
الخلاصة:
أ - أن قوى الإنسان تهتدي إلى الكمال بواسطة العقل العملي.
ب - أن العقل العملي يقوم بدور إمام هدى، وهذه الهداية إيصالية وليست مجرد إراءة وإلاّ لاكتفى بالعقل النظري؛ وهذا يدل على الحاجة الفطرية داخل الإنسان لوجود ما يقوده إلى الكمال.
ج - أن العقل العملي استحق هذا المقام بسبب العلم الذي لديه.
د - أن العلم الحصولي لدى العقل العملي يعتمد على أساس العلم الحضوري الذي لا خطأ فيه.
هـ - أن العقل واسطة لتنزل العلوم من العوالم الغيبية العلوية إلى العوالم المادون، ولا يمكن للقوى المادون (الغضبية والشهوية...) أن تتَّصل بتلك العوالم إلاّ
بالعقل العملي؛ وذلك لضعف قابليتها.
و - ورد في الأثر أن للَّه حجتين ظاهرة وباطنة؛ أمَّا الظاهرة، فهو الرسول، وأما الباطنة، فهو العقل، وهذه الموازنة تعني أن مقام النبوة كما له دوره وموقعه في الإنسان المجموعي، فإن له موضع في الإنسان الصغير، وأن اللَّه عزَّ وجل قد أودع في الإنسان رسولاً باطناً وظيفته الهداية، وهي على وزان الهداية التي يقوم بها الرسول الظاهر، وهي الإراءة ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ) (1) فهي هداية إرائية وإنذار وبيان أين يكمن الطريق الصائب والصحيح، من دون أن تقوم بوظيفة الإيصال. نعم، قد يكون النبي إماماً فتجتمع لديه ولاية تشريعية وتكوينية كما في أولي العزم. والعقل المقصود به هنا هو العقل النظري، فتكون أوامره تشريعية يشخص الصواب من الخطأ، ولا تكون له سيطرة على بقية القوى، وهذه هي مهمة الرسول الباطن.
ز - أن الرسول الباطن وحي فطري إنبائي، والإمام الباطن وحي فطري ولوي.
أمَّا كونه وحْياً، فلأن العقل قوامه بالعلم، لكن العلم الذي في الوحي النظري غير عمّال، أي علم باطني غيبي. أمَّا في العقل العملي، فهو علم عمّال ومستند للعلم الحضوري، والعلم الإنبائي الذي في العقل النظري مستند أيضاً للعلم الحضوري إلاّ أن تكامل العقل النظري يكون فيما إذا وجد العقل العملي، وعندما نقول إن العلم فيه حيثية ولوية، فلا نقصد بذلك تعبيراً أدبياً، بل إشارة إلى عمّاليته ومحركيته وقدرته.
أمَّا سبب إطلاقنا عليه بالوحي (2) ؛ فلأن حقيقة الوحي هي الارتباط بالغيب، والإنسان لوجود حيثية التجرُّد فيه هو مفطور على الارتباط بعالم التجرد بواسطة
____________________
(1) الرعد: 7.
(2) نظير قوليه تعالى: ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ) (النحل: 68) أي فطرها على ذلك.
العقل، أي بتوسط نفسه، ومن هنا كان فطرياً، لا وحياً نبوياً تشريعياً جعلياً،ومن هنا نقول: إنه عندما يقال: انقطع الوحي، فإنما يعني الوحي التشريعي، لا انقطاع الوحي بمعناه الأعم الشامل لِمَا بيَّناه، أي مطلق الارتباط بعالم الغيب.
ح - في مراتب العلم الحضوري يذكرون أن مرتبة القلب من النفس بوابة الغيب والعوالم العلوية لكلا العقلين، والعقل العملي والنظري يأتمَّان به، وهو مصدر علومهما الحضورية.
ط - أن تصرف الإمام الباطن في القوى المادون، يكون بقدرة ملكوتية؛ ونعني بها القدرة التجرُّدية التي ليس فيها تدريج وتدرُّج، بل على نحو كن فيكون. وهذه القدرة لا تحتاج إلى شرائط عالم المادة، و لا شرائط في فعله وتأثيره؛ وإنما مجرد الإذعان يحرِّك النفس تحريكاً اختيارياً، فلو أن المحرِّك لم يختر التحريك، فلا يتحرك، وليس معنى (كن فيكون) الجبر.
وبيان أخر للملكوتي: أنه اصطلاح يطلق على القدرة النابعة من العلم محضاً، في مقابل القدرة التي تتوقَّف على العلم والآلة المادية، وتسمَّى القدرة المادية، وهذا أمر متفق ومبرهَن عليه في علوم المعارف العقلية والنقلية نذكره كأصل موضوعي. فالعلم الحصولي، وهو مرتبة ضعيفة من العلم، يحتاج إلى الآلة كما في قدراتنا المعتمدة على العلم الحصولي. أمَّا إذا كانت القدرة نابعة من العلم الحضوري، فإنها لا تحتاج إلى شرائط المادة؛ لشرافة و قوة العلم المعتمدة عليه.
فإمامة الإمام الباطن وعمّاليته بتوسط قدرة ملكوتية وهداية الامام الباطن بأمر ملكوتي، ويسمَّى أمر إلهي، والإلهي إشارة إلى عالم التجرد، وقد يطلق على عالم الملكوت بعالم الأمر فتسمَّى القدرة الأمرية.
فتبيَّن أن الإمام الباطن تكون له نحو إحاطة وقيمومة على من دونه، وهذه ليست كإحاطة واجب الوجود ببقية الممكنات، بل هي كإحاطة العلة بمعلولها،
ويُمثَّل لها بالصور الخيالية الحاصلة لدى النفس، فإن النفس تحيط بها إحاطة قيمومية، فظاهرها وباطنها وأصل وجودها مرهون بفعل النفس.
وفي الإنسان الصغير نرى أن نسبة العقل العملي والنظري لِمَا دونه من القوى هي إحاطة قيمومية؛ والوجه في ذلك أن النفس والقوى المادون لا تستطيع أن تُصدر فعلاً من الأفعال، سواء كان فعلاً إدراكياً أم عملياً، من دون توسيط العقل في البين، فهو يحيط بأعمال وأفعال القوى المادون، وأن الكمالات العملية تفاض عليها بتوسُّط العقل وبسبب كونه واسطة في الفيض، فهو يدرك كمالات المادون ولا يكون جسراً للعبور فقط.
وبناء على كل ما مضى نقول في تعريف الإمام الباطن في الإنسان الصغير: إنه يكون هادياً وموصلاً للنفس إلى كمالاتها بأمر ملكوتي.
ي - نقطة أخيرة نضيفها؛ أن التسلسل في تنزُّل الفيوضات يكون من القلب للعقل النظري الذي هو الرسول الباطن، ومن ثُم للعقل العملي الذي هو إمام باطن، وقد ذكرنا أن العلم الذي في الثاني أشرف من الأول، لكن إذا جمع الأول بين الرسالة والإمامة، فإنه ينال الشرف العالي، وقد ورد في كلمات أمير المؤمنين عليهالسلام عن الذين ابتعدوا عنه (احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة)، وهذا قريب ممَّا ذكرنا أن كمال العقل النظري هو بالعقل العملي، فالإمامة هي ثمرة النبوة؛ وذلك لأن مجرد العلم ومجرد التمييز بين الحسن والقبيح من دون ترجيحها إلى إعمال وإثارة القوى المادون لا يكون ذا أثر، والأثر الوحيد هو في الاستفادة من العلم الذي يتوصل إليه العقل النظري لوصول الإنسان إلى الكمال وتجنُّب الوقوع في المفاسد والقبائح، ومن هنا تكون الإمامة ثمرة النبوة، والرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله قد حاز شرف النبوة والإمامة، وكما أنه إمام للخليقة فهو إمام للأئمة كما أن القلب إمام للعقل العملي الذي هو إمام لِمَا دونه من القوى.
وبهذا البيان نستطيع استيعاب ما ورد في الأثر من أن المؤمن جماعة بمفرده في صلاته؛ حيث يكون أحد تفسيراته أن كل قواه تكون مسخَّرة لقوة العقل العملي وهو مسيطر عليها.
الإنسان المجموعي:
وهو مجموع المجتمع بما فيه من أركان؛ وهي الدولة والحكومة، فإنَّا نشاهد أنها تتألَّف من فقرات متعددة؛ منها: القوة التنفيذية، ومنها: القوة التشريعية، ومنها: القوة القضائية، كما أن كلاً من تلك القوى الثلاث تتشعَّب إلى أقسام.
والقوة التشريعية وظيفتها الهداية الإرائية، والقوة التنفيذية وظيفتها الهداية الإيصالية، والقوة القضائية وظيفتها كوظيفة الوجدان في الإنسان الصغير، وهي لتعديل الأشياء لكي لا تستعصي في قبول الهداية الإرائية الإيصالية والسير نحو التكامل وعدم التخلف عن ذلك، ويمكن المطابقة في التفاصيل الأخرى بين الإنسان المجموعي والإنسان الصغير؛ فمثلاً وزارة الجيش والدفاع توازي القوى الغضبية، ووزارة الرياضة والتربية البدنية أو السياحة ونحوها ممّا يغطِّي جانب اللهو واللعب توازي القوى الشهوية، وإلى غير ذلك من التطابق، إلاّ أن أهم ركن في الإنسان المجموعي هو ما يقوم بالهداية الإرائية والهداية الإيصالية إلى الكمالات المنشودة.
الإنسان الكبير:
ونقصد به عالم الخلقة وما يحويه من عوالم ونشآت في قوس النزول وقوس الصعود، وذلك لنتعرَّف على دور الإمامة وحقيقتها في هذا العالم الكبير، وهذا الانتقال طبقاً لمَا هو المسلَّم به في المعارف أن (مَن عرف نفسه فقد عرف ربه)؛ أي أن معرفة آيات اللَّه وأفعاله جلَّ وعلا يكون عن طريق معرفة الإنسان نفسه، وهذا يقتضي موازاة الإنسان الصغير للإنسان الكبير، وأن معرفة فعل اللَّه، وهو الخلقة، تكون
بمعرفة الإنسان الصغير.
ففي الإنسان الكبير أيضاً مراحل ومراتب من النفوس الكلية (بمعنى السعة والإحاطة) إلى العقول الكلية التي تدير تلك النفوس، ونحن في بحثنا نعتمد على قاعدة عقلية مؤدَّاها أن التعريف الماهوي للإمامة له مصداق في الإنسان الصغير؛ إي في ترتب قوى النفس الإنسانية، وبمقتضى التطابق مع الإنسان الكبير - عالم الخِلقة - نستكشف الأخير.
والمهم لدينا هو استكشاف موقع الإمامة في الإنسان الكبير، وأنها مرتبة تكوينية ومقام وجودي في ضمن المراتب الوجودية المختلفة، وهذا هو محل النزاع مع الآخرين والذي أردنا إثباته، فهم قد جعلوا محور البحث في الإنسان المجموعي، ونحن ننقل ذلك إلى الإنسان الكبير أيضاً.
ولا ندَّعي أنَّا قد توصَّلنا إلى معرفة كُنه وحقيقة الإمامة في هذا الموقع، بل تمكَّـنَّا من وضع تصور إجمالي يرفع الغموض واللبس وإن بقيت جوانب مجهولة، وهذا المقدار لا يمنع من ثبوت المعرفة وتحقُّقها.
ونبدأ بحديث هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد المعروف والمشهور حيث قال له: ألك عين؟ قال: نعم، قلت: ما ترى بها؟ قال: الألوان والأشخاص، قال: قلت: فلك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: اشتم به الرائحة، قلت: فلك فم؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أذوَّق به الطعم. قلت: ألك قلب؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أميِّز به كل ما ورد على هذه الجوارح، قلت: أليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بني، الجوارح إذا شكَّت في شيء شمَّته أو رأته أو ذاقته، ردته إلى القلب، فيتيقَّن اليقين ويبطل الشك، قلت: وإنما أقام اللَّه القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم، قلت: فلا بد من القلب وإلاّ بمَ تستيقن الجوارح؟
قال: نعم، قلت: يا أبا مروان، إن اللَّه لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً يُصحِّح لها الصحيح ويتيقَّن لها ممَّا شكَّت فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافاتهم، لا يقيم لهم إماماً يردون إليه شكهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك (1).
فيلاحظ في هذه الرواية أن ما ذكره عمرو بن عبيد من التسالم على خضوع القوى المادون للقلب وأن هذا الخضوع ليس اعتباريا بل تكويني حقيقي.
الجهة الثالثة: التعريف النقلي
يلاحظ أن هذه الكلمة وردت في القران في موارد عدة هي: ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) (2) ، ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (3) ، ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (4)، ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (5)، ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (6) .
والعلاّمة الطباطبائي يتعرَّض لتفسير مقام الإمامة الذي أُعطي لإبراهيم وأنه مغاير لمقام النبوة والرسالة، ويأتي بشواهد عدة:
1 - أن هذا المقام أُعطي لإبراهيم على كبره و بعد تولد ذرِّيَّته إسماعيل وإسحق، وقد كان قبلها نبيَّاً بلا شك؛ وذلك لأنه لو لم يكن لديه ذرية، لَمَا كان سؤاله اللَّه تعالى ( وَمِنْ ذُرِّيَتِي ) .
____________________
(1) رجال الكشي، ج2، ص259.
(2) البقرة 2: 24.
(3) السجدة 32: 34.
(4) الأنبياء 21: 73.
(5) الإسراء 17: 71.
(6) القصص 5: 28.
2 - أنه لو كان المراد من الإمامة هنا النبوة، فلا معنى لأن يقال لنبي مفترض الطاعة إني جاعلك للناس نبياً أو مطاعاً فيما تبلغه من نبوتك، فهذا لا يتناسب مع كونه نبيا.
3 - أن القران كلَّما تعرَّض للإمامة تعرَّض معها للهداية ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) والهداية الجديدة التي حاز مرتبتها إبراهيم يجب أن تكون مخالفة للهداية السابقة التي كان حائزاً عليها عندما كان نبياً، ولا شك أن الهداية التي في النبوة هي هداية إراءة، فالهداية هنا هي هداية إيصال.
4 - أن لفظ الهداية قُيِّد بالأمر في آية السجدة، والذي يبيِّن حقيقة الأمر هو ما ورد في قوله تعالى ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (1) ، وقوله ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) (2) ، فهذا الأمر هو أمر ملكوتي ليس فيه تدريج، بل يحصل دفعة واحدة بمجرد إرادته، بعيداً عن شرائط المادة والآلة، وهذا الملكوت قد حاز عليه إبراهيم كما ورد في ( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (3) . إراءة الملكوت لإبراهيم كانت مقدمة لإفاضة اليقين عليه، وأهل اليقين لا يحجبهم عن ربهم حجاب قلبي من معصية أو جهل أو شك أو ريب، بل يكون لهم شهود حضوري على الأعمال؛ أي أعمال البشر.
فالإمام هادٍ، يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه، والإمامة بحسب الباطن نحو ولاية على الناس في أعمالهم، وهدايتها إيصالها إياهم إلى المطلوب بأمر اللَّه دون مجرد إراءة الطريق الذي هو شأن النبي والرسول (4) .
____________________
(1) يس 36: 83.
(2) القمر 54: 50.
(3) الأنعام 6: 75.
(4) الميزان 1: 274.
ولأن محور تعريف الإمام حول فهم الملكوت، فإنَّا نستكشف رأي العلاّمة في ذلك. إن هناك آيات عدِّة تتعرَّض للملكوت؛ وهي يس(83)، الأنعام(75)، الملك(3)، المائدة(120)، القمر(50)، آل عمران(26).
ففي سورة الملك: ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ... ) . فالآية تشير إلى أن الذي بيده الملك هو بيده القدرة؛ وعلَّله بـ: ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماوَاتٍ ) أي كل عالم الخلقة، فالملك بيد اللَّه لأن إيجاد الخلق بيد اللَّه، فكون وجود الأشياء منه وانتساب الأشياء بوجودها وواقعيتها إليه تعالى هو المِلاك في تحقق مُلْكِه الذي لا يشاركه فيه غيره، ولا يزول عنه إلى غيره ولا يقبل نقلاً ولا تفويضا. وهذا هو الذي يفسِّر الملكوت في قوله تعالى ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) (1) فالملكوت هو وجود الأشياء من جهة انتسابها إلى اللَّه سبحانه وتعالى؛ أي جنبة الإيجاد والقيومية والهيمنة والإحاطة.
فالمخلوق يكون ذا جهتين؛ فإذا لحظناه بما هو في نفسه، فإنك تلحظه من جهة المخلوقية، أمَّا إذا لحظته بما هو دال على خالقه، فتكون جنبة ملكوتية. ومن هنا كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي الإنسان إلى التوحيد هداية قطعية، فإراءة إبراهيم ملكوت السماوات والأرض هو توجيهه تعالى نفسه الشريفة إلى مشاهدة الأشياء من جهة استنادها ووجودها إليه (2) .
ـ ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ ) (3) ، فالملك هنا يشمل الحقيقي والاعتباري، بل قد يقال بالأول فقط، وهو قد يعطيه مَن
____________________
(1) يس 83.
(2) الميزان 7: 170 - 172.
(3) آل عمران: 6.
يشاء من عباده؛ وليس فيه معنى تعطيل نفسه عن الملك وحصر لقدرته حتى تكون يده مغلولة والعياذ باللَّه، وإنما هو إقدار في عين أنه قادر.
إذن فالإمامة هي الهداية الإيصالية الملكوتية النابعة من العلم والقدرة، والإمام هو رابطة تكوينية بين الخالق والمخلوق، فهو يشهد الإعمال ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) (1) ، فالمقرَّبون لهم نوع من العلم الحضوري. ويضيف العلاّمة أنه يوجد في سورة الأنبياء قيد آخر ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ) . فمتعلق الوحي جاء خال من (إن)، وقد حُرِّر في البلاغة أن إضافة العامل إلى معموله إن كانت بـ (أن والفعل)، فإنه يفيد الاستقبال، وأنه أمر تشريعي؛ مثل ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أنْ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ ) . أمَّا إذا أضيف إلى ما يضاف الفعل لمعموله من دون توسُّط (أن) بين أوحينا إليهم وبين فعل الخيرات، فهذا يدل على تحقُّقه فعلاً على نحو ما ورد في آية التطهير ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ ) ؛ فإن الفعل لم يُسبق بأن، وهو دال على وقوع التطهير فعلاً، ففعلهم نابع من الوحي والتسديد الإلهي، وهو معنى العصمة؛ أي لا يحتاج إلى هداية غيره.
ـ وقوله تعالى ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) .
يذهب العلاّمة إلى أن المراد من الإمام هنا هو إمام الهدى؛ إذ أن الآية تدل على أن لكل زمان إمام، ولا يخلو أناس في عصر من العصور من إمام، فيكون المراد من الإمام هنا هو إمام الهدى. نعم، الروايات دالة على وجود إمامين هدى وضلال، واستظهار العلاّمة وإن خالف ظاهرها، لكن لا مخالفة حقيقية عند التدبُّر في الروايات؛ وذلك لأن الروايات المفسِّرة للقران على نحوين:
أحدهما: أنها تقوم بمعالجة ظاهر القران الكريم بحيث تُبيِّن المراد من الآية
____________________
(1) المطَـفِّفِين: 20.
وترشد إلى النكات الأدبية والبلاغية في الآية، و هذه لا مجال لاستظهار غير المعنى الذي تشير إليه، بل يجب الأخذ بها، وأمثلتها كثيرة؛ منها: في تفسير آية الوضوء ( إِلَى الْمَرَافِقِ ) ، فإنه ليس المراد بيان انتهاء عملية الغسل، بل لتحديد المقدار المغسول، ويذكر الإمام شواهد على ذلك، ومنها قوله ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ ) ، فليس المراد هو التخيير بين القصر والتمام، بل المراد هو الإلزام، فمثل هذه الروايات يجب الأخذ بها في تعيين الظهور.
والقسم الآخر: الروايات التي تقوم ببيان باطن القرآن، وهذه الروايات لا تنفي حجية الظاهر، بل يبقى على حجيته، فهي لا تحصر معنى الآية فيما تذكر، والشاهد على ذلك ورود روايات متعددة في تفسير الآية الواحدة، فهذه كلها غير متناقضة؛ إذ أنها تشير إلى أسرار الآيات التي لا يصل إليها غير المعصوم. وهذا بحث حرَّره الأصوليُّون.
نعود إلى الآية الكريمة؛ فعلى فرض كون المراد من الإمام هو إمام الضلال أيضاً، لا الإمام الذي اجتباه اللَّه، فإن إمام الهدى هو من البشر، وقد عرَّفته آيات أخرى من أن هدايته تكون بأمر ملكوتي، خلاف إمام الضلال الذي لم تعرِّفه الآيات بهذا السنخ، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا المعنى في فقه الآيات.
وقد ذهب البعض إلى أن المراد من الإمام هو الكتاب التشريعي كالتوراة والإنجيل والقرآن، وهذا غير صحيح؛ لأن المراد من ( كُلَّ أُنَاسٍ ) أنه يعم كل الناس من الأولين والآخرين، وليس مختصاً بفئة معينة. ويلاحظ أن القرآن إذا أراد تخصيص فئة معينة من الناس لها هدف معين، فإنه يعبِّر عنهم بالأمة، وعدم استخدامه لهذا اللفظ هنا يدل على إرادته كل الناس في مختلف الأزمنة.
ونعود إلى إمام الهدى والضلال؛ فإن إمام الهدى هو الذي تكون هدايته بأمر ملكوتي، بخلاف إمام الضلال الذي تكون هيمنته على مستوى الشيطنة، وهذه
الهيمنة يوازيها في الإنسان الصغير التخيُّل والتوهم، إي العقل المقيَّد. وفي رواية في ذيل سورة القدر: (أنه ليس من يوم ولا ليلة إلاّ وجميع الجن والشياطين يزورون أئمة الضلال وتزور إمام الهدى عددهم من الملائكة).
فكما في الإنسان الصغير يظل أئمة الضلال من الواهمة والمتخيَّلة والغضبية والشهوية لا تستطيع أن ترتفع إلى مستوى التجرد العقلي كذالك الحال مع أئمة الضلال في الإنسان الكبير إبليس وأشياعه وأتباعه.
ويستعين العلاَّمة في توضيح الهداية المخبؤة في الإمام بقوله تعالى: ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى ) (1) ، فإن الآية تجعل المقارنة بين هاديَين إلى الحق (والهادي إلى الضلال خارج عن هذه المقارنة)؛ أحدهما: يهدي إلى الحق من نفسه، والآخر: يحتاج إلى هداية الغير من أجل أن تهتدي نفسه، ثُم يقوم بهداية غيره.
إن قلت: إن الذي يهدي من نفسه، ولا يحتاج إلى هداية الغير، هو اللَّه سبحانه وتعالى كما ذكرته الآية في الشقِّ الأول، والذي يحتاج إلى هداية الغير هم الأنبياء والرسل والأئمة المهتدون بهداية اللَّه سبحانه.
قلت: إن لازم ذلك أن يبعث اللَّه للناس نحو هداية نفسه مباشرة، لا الهداية التي في الرسل والأنبياء؛ لأنهم يهتدون بغيرهم. وبتعبير آخر: لازم ذلك أن ينهانا عن اتباع الرسل والأنبياء في حين لا توجد لدينا قناة لاستلام الهداية إلاّ من الرسل، فيحصل تنافي في مدلول الآية الشريفة، وهداية اللَّه لا يدَّعيها أحد من دون توسُّط الرسل والأنبياء، فبالتأكيد هذا المعنى خاطئ. والصواب أن الآية دالة على أن الهادي الذي يُتبع هو المعصوم الذي علمه لَدُني، لا من الأغيار البشرية وإن كانت
____________________
(1) يونس: 35.
في خط الهداية، ومَن يهدي بهداية غيره لا يكون مأموناً من الخطأ والزلل، فلا يكون هاديا.
وذلك المعصوم هو الذي يكون هادياً للحق على نحو الدوام. أمَّا الشخص الآخر الذي لا يهتدي إلى الحق إلاّ بهداية غيره، فإذا لم يوجد ذلك الغير، فهو يهدي إلى الباطل والضلال. وهداية اللَّه لهؤلاء المعصومين تكون بأحد الطرق الثلاثة ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ) (1) .
وينقل العلاّمة دليلاً عقلياً على وجوب العصمة؛ وهو تفسير الإمامة بأنه يهدي ( بِأَمْرِنَا ) ، وأن الهداية إيصالية كما مرَّ ذكره سابقاً، فلابد أن مَن يكون لديه القدرة على تلك الهداية أن يكون مهتدياً بنفسه، بل تدل الآية على أن الفيوضات الكمالية العملية على النفوس وانتقال النفوس في سيرها التكاملي من موقف لآخر إنما يتم عبر الإمام؛ وذلك لأنه يهدي ( بِأَمْرِنَا ) ؛ إي بالأمر الملكوتي، وهو (كن فيكون). فالفيوضات تكون بواسطة رابطة الإمامة. أمَّا رابطة النبوة، فهي من أجل هداية الخلق في الإراءة فقط، وهي الجهة التشريعية.
فتحصَّل ممَّا تقدم:
1 - ضرورة كون الإمام معصوما.
2 - أن يكون موجوداً في كل زمان.
3 - أنه يفوق غيره في الفضائل النفسية، سواء المعاشية أم الأخروية.
4 - أن الإمامة باقية في عقب إبراهيم؛ وهذا يستفاد من نفس سؤاله للَّه تعالى في سورة البقرة، واستجابته تعالى لذلك، وما ورد في سورة الإنعام من الآية 90 - 82: ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ... وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا
____________________
(1) الشورى: 51.
وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ... ) حيث الخطاب في الآية لذرِّية إبراهيم واصطفاء اللَّه لهم وهدايتهم، ثُم يقول عزَّ مَن قائل: ( فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ) ؛ فالمراد من ( بِهَا ) الإمامة، وهذا يدل على تأبيدها واستمرارها، وأن الخطاب ما زال لإبراهيم وذرِّيته فهم الموكَلون بهداية البشرية.
ويطرح العلاّمة إشكالاَ ويجيب عنه. أمَّا الإشكال، فهو أن الآية تدل على أن مَن يكون نبياً فهو مهتديا، فهذا يدل على أن كل نبي إمام. ويجيب عنه: أنه ممّا لا شك فيه أن النبي يكون مهتديا، لكن ليست لدينا قاعدة أن كل مهتدي فهو هاد هداية إيصالية. نعم، ما دلَّت عليه آية ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ... ) هو أن على الهادي إلى الحق أن يكون مهتديا، فالتلازم من طرف واحد لا من طرفين.
ويضيف العلاّمة في آية سورة الزخرف 28: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ *إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أن اللَّه عزَّ وجل جعل الهداية باقية في عقبه.
نعم، يبقى إثبات أن المراد من الهداية في ( سَيَهْدِينِ ) ؛ حيث إنه كان نبياً ويدعو قومه، فيجب أن تكون تلك الهداية غير ما هو حاصل عنده، وما ذلك إلاّ الهداية الإيصالية والأمرية المجعولة باقية في عقبه.
ويخلص العلاّمة إلى أنه يتضح من آية البقرة سبع مسائل هي أمهات مسائل الإمامة:
1 - أن الإمامة مجعولة.
2 - أن الإمام يجب أن يكون معصوماً بعصمة إلهية.
3 - أن الأرض لا تخلو من إمام حق.
4 - أن الإمام يجب أن يكوم مؤيَّداً من عند اللَّه.
5 - أن أعمال العباد غير محجوبة عن علم الإمام.
6 - أنه يجب أن يكون عالماً بجميع ما يحتاج إليه الناس في أمور معادهم وحياتهم.
7 - أنه يستحيل أن يوجد مَن يفوقه في فضائل النفس.
وفي كتاب (المقالات التأسيسية) يذكر العلاّمة تعريفاً أوسع للإمامة: أن الإمام هو السائق للنفوس البشرية إلى لقاء اللَّه وإلى المعاد؛ حيث يسوق أعمالهم ونفوسهم إلى اللَّه تعالى، فبه معادهم وحشرهم ونشرهم؛ حيث تشير الروايات المستفيضة إلى ورود الإمام في كافة منازل الآخرة، وقد أشار القرآن إلى ذلك ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) فهذه الآية تثبت للرسول - الذي هو حي في عالم الدنيا - بأنه يشهد الأعمال، وهي من سنخ ملكوتي، والمؤمنون هم المعصومون يشهدون الأعمال بمقتضى ( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) .
ونضيف على ما ذكره العلاّمة: أن رابطة الإمام والرسول بما هو إمام لا تقتصر على عالم الدنيا وما بعده، بل حتى ما قبل عالم الدنيا، حيث بعثه في عالم الذرِّ إلى الآخرين وبقية العوالم السابقة على نشأة الدنيا، وأن الهداية الإرائية مفروضة أيضاً في الإمامة لتقدُّمها على الإيصالية وإن كانت هي في الإمام في طول الهداية الإرائية للنبي صلىاللهعليهوآله ، وهو ما يُعبَّر عنه بالحافظ والمبين للدين عند المتكلمين، وأن الإمامة في المجتمع - الإنسان المجموعي - هي الزعامة السياسية أيضاً مفروضة في حدّ الإمامة.
المبحث الثاني:
الأدلة العقلية على ماهية الإمامة الإلهية
وقبل الدخول في البحث، نذكر مقدمة تنفع في المقام:
من المسائل المهمة التي دار البحث عنها في الأمم السابقة هي مسألة اتصال الأرض بالسماء، وهل أن اللَّه بعد أن خلق الخلق تركهم أم استمر اتصاله بهم؟ واتخذت هذه المسألة أشكالاً متعددة؛ ففي عهد اليهود شاعت مقولة ( يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ ) بمعنى أن اللَّه عزَّ وجلَّ ترك عالم الخلق يسير كما يشاؤن، ولا يتدخَّل في سيرهم ولا يعيق إرادتهم.
وفي عهد مشركي الجزيرة العربية قالوا بضرورة توسيط آلهة صغار ليتم الاتصال مع الذات المقدَّسة اللامحدودة.
وفي العهد الإسلامي ظهرت مقولة العامة من انقطاع الاتصال بين الأرض والسماء بعد الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله ، وأنه لا يمكن أن تتنزل مشيئة إلهية جزئية في الموارد الخاصة، وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق. إن دعوى العامة وإن لم تكن في انقطاع التشريع الإلهي، لكنَّها في انقطاع الإرادة التكوينية المرتبطة بالناموس البشري؛ فتكون هذه العقيدة قريبة المضمون من ( يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ ) .
والقران الكريم عالج كل تلك المقولات؛ فبالنسبة لعقيدة اليهود أجابهم بصراحة: ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) وأن الإرادة الإلهية لم ينقطع اتصالها
بالمخلوقين.
كما أن القران قد عالج مشكلة المشركين حيث خطّأهم في نقطتين:
1 - في اعتقادهم أن الرابطة مع الغيب يجب أن تكون ذاتاً مستقلة صغيرة(إله صغير).
2 - في اختراعهم لتلك الوسيلة والواسطة من عند أنفسهم دون اللَّه تعالى.
وفي نفس الوقت يؤكِّد القران الكريم على عدم انقطاع الاتصال بالغيب المطلق، وأن هناك وسيلة للاتصال بالعوالم العلوية، وهي في حقيقتها محكومة للَّه عزَّ وجل، ولا تكون معبودة، بل العبودية المطلقة للَّه عزَّ وجل.
فهذه الصيغ الثلاث تتضمن نفس المحتوى؛ وهو انقطاع الوحي عن الأرض وعدم الاتصال مع السماء. وأمَّا استمرار الاتصال، فهو عين التوحيد؛ وذلك لأن التوحيد الخالص هو توحيد الذات والصفات والأفعال، بل حتى التوحيد في التشريع حيث لا يكون للإنسان حق التشريع والتقنين، بل اللَّه وحده له هذا الحق الذي بيّنه عن طريق الأنبياء والأئمة.
وأيضاً هناك التوحيد في الولاية؛ أي نتبع اللَّه عزَّ وجل فيمَن نتولَّاه ونستهديه للوصول إلى الكمالات العالية، وهذا هو معنى الإمامة؛ فنفي الإمامة يكون شركاً ونفياً للتوحيد في الطاعة.
ويمكن لنا أن نضم إلى هذه الصيغ الثلاث صيغة رابعة نادى بها أصحاب المدرسة المادية الحديثة التي تدعي أن عالم المادة تحكمه المعادلات المادية والقوانين الخاصة بها؛ حيث إنهم يجعلون مصدر الخلقة والإيجاد هو المادة، ثُم يختلفون في تفسير هذه المادة؛ فيجعل البعض أن المقصود منها: الطاقة والقدرة، ولأجل الأقلمة مع أساس العقيدة يجعلون المادة شاعرة عالمة.
ولكنَّنا - في مقابل الصياغات المتقدمة - نقول: إن ارتباط مراتب الوجود مع
الذات المقدسة موجود، ودائم غير منقطع حتى في عالم الإنسان الصغير، وهذا الارتباط اختياري لا إجباري، وقد بُرهن عليه في محله.
الدليل الأول: ضرورة الارتباط بالغيب
وخلاصته:
أنه لابد من ارتباط غيب الغيوب، وهو الذات المقدَّسة، بالعوالم النازلة وبالأخص عالم الإنسان الصغير وإراداته وهدايته الإرائية والإيصالية، وهذا التنزُّل - بلا شك - يجب أن يكون عبر قناة وجودية خَلْقية وإلاَّ لاقتضت وجود طفرة، ولابد لهذه القناة من أن تتَّصف بصفتين؛ أحدهما: الارتباط بالغيب، والأخرى: الارتباط بالعالم النازل. وتفصيل ذلك من خلال النقاط التالية:
* أننا أثبتنا فيما سبق وجوب الارتباط وعدم انقطاع الاتصال بين الأرض والسماء.
* أن الاتصال إمَّا أن يكون من خلال ارتباط الذات المقدسة بكل فرد فرد وبكل نفس بشرية، وهذا يعني أن تكون كل النفوس أنبياء ورسل وأئمة، وهذا وإن أمكن ثبوتاً وليس بممتنع على الحق تعالى، لكنَّه على خلاف نظام الخلقة؛ إذ أنه قائم على أن لا يكون الكل كذلك.
* أن الاتصال حينئذٍ يكون عبر أفراد، ولا يخلو أمرهم أن يكونوا إمَّا بشراً أو ملائكة؛ أي أننا اشترطنا أن يكون فيهم جنبة بشرية؛ وذلك لِمَا ذكرنا سابقاً من أن عدم وجود الجنبة البشرية مطلقاً يفقد خيرية الاقتداء والأسوة إذا أنه لا يحقق البعث والتحريك نحو الكمال فهو بشر يراه الناس كأنفسهمن، لكنَّها نفس تعالت عن مزالق الشهوات إلى مراتب الكمال فأصبحت تهدي بأمر ملكوتي، فهو نموذج بشري توفَّرت فيه صفات الكمال. وفي هذا جواب على ما ذكره بعض العرفاء أو
الصوفية من أن المرتاض في سير وسلوك وارتباط بالأرواح الكلِّية و العوالم العلوية. أمَّا في عالم الشهادة، فإنه يخطئ في تطبيق تلك الروح المرتبطة بعلي عليهالسلام فيجعل لها مصداقا من آخرين كزيد وعمرو... فهو في حقيقة أمره مرتبط ومذعن بالعوالم النورية، مثل ما قد ينسب إلى بعض عرفاء العامة فيرى أنه وصل في سيره وسلوكه إلى الحقائق العلوية، ولكنَّه أخطأ في التطبيق في هذه النشأة.
وقد ذكرنا أن هذا الارتباط غير نافع أيضاً؛ وذلك لأن الحقيقة الإنسانية هي أشرف صور المخلوقات الإلهية ومنها يبدأ السير التكاملي والاتصال بالغيب، فيجب أن لا يكون دونها كمالاً، وهذا - مع ما ذكرناه سابقاً - يقتضي أن يكون الهادي والرابط بين الأرض والسماء له جنبة بشرية.
* نعم، يبقى الجواب عن إشكال قد يطرأ على ذهن البعض؛ وهو أن الاتصال بالغيب يكفي فيه النبوة فما الحاجة للائمة، وبتعبير آخر: ما الحاجة إلى الهداية الإيصالية مع وجود الهداية الإرائية؟
وفي مقام الجواب نشير إلى أن الروايات قد استفاضت أو تواترت على أن للأئمة جنبة تشريعية للأحكام، لا بمعنى الإتيان بأصل الشريعة، بل هي هداية تشريعية متمِّمة للنبوة والرسالة. وبيان ذلك من خلال مقدمات:
ـ من المبادئ الأساسية التي تحكم التشريعات والتقنينات على مدى العصور هو مبدأ تدرج القوانين؛ وهو يعني أن القانون يبدأ من قواعد كلية وعمومات فوقانية، ثُم تتدرج إلى قوانين متوسطة حتى تصل إلى القوانين الجزئية التي تُطبَّق على الظواهر الفردية والاجتماعية، وهذا النحو هو الحاكم على التقنينات الوضعية؛ فترى الدستور، ثُم القوانين الصادرة من المجالس النيابية، ثُم القوانين الصادرة من السلطة التنفيذية. وقد أشرنا في بحوث الأصول إلى تماثل الاعتبار الشرعي مع الاعتبار الوضعي على أساس اتحاد لغة التقنين والتشريع.
ـ أن تنزل القوانين العامة والقواعد الكلية إلى المصاديق يحتاج إلى مراقبة؛ وذلك لمنع حصول الاختلاط والتدافع والتصادم في التطبيق.
ـ أن السنة الجارية في عالم الخلقة هي محدودية أعمار الأنبياء والرسل، ولذا فهم يكتفون بذكر الكليات والقوانين العامة ولا يستوفون تنزيلها وتطبيقها على كل الدرجات و الموارد الجزئية؛ إذ أن محدودية أعمارهم تمنع من مراقبة كل الدرجات و الجزئيات الحاصلة بعد حياتهم الشريفة.
ـ أن سلامة الشريعة وصوابية التقنين تقتضي استمرار المراقبة في تطبيق تلك القواعد العامة والقوانين الكلية، خصوصاً في القواعد الإلهية التي ترعى المصالح والمفاسد الواقعية التي تخفى على الأذهان العادية، فلابد من استمرار بيان المتوسطات والتطبيقات، خصوصاً إذا قلنا: إن الأحكام الشرعية هي إرادات إلهية صادرة من جانب الذات المقدسة في الوقائع الجزئية والفردية والمجموعية.
ـ أن البشر العادي المنقطع عن الغيب ليس له أن يتوصَّل إلى بيان مؤدى النقطة السابقة؛ وذلك لاحتياجها إلى عصمة علمية.
والنتيجة: أنه لا بد من وجود فرد له عصمة علمية مضافاً إلى العصمة العملية والكمالات النفسانية العالية، وهذا الفرد الذي يكمل مسيرة الأنبياء التشريعية هو الإمام.
ولا يخفى على كل ذي لبٍّ ما نشاهده في حياتنا العملية من حال التشريعات الوضعية والمراقبة المستمرة على كيفية تطبيق التشريعات الدستورية وعدم مضادتها لها، ومع ذلك توجد موارد عديدة للنقض والخطأ، وبين كل فترة وأخرى تحصل الاستدراكات والملاحق لغرض تفادي الأخطاء والنقص. وفي القانون الإلهي وإن كان لا يقاس بالقانون الوضعي البشري إلاّ أنه لا بد من وجود المعصوم عصمة علمية يقوم ببيان تلك المتوسطات؛ وبذلك يؤمَن عن الوقوع في الخطأ
والزلل في التطبيق أو التنزيل المسمَّى في اصطلاح الوحي بـ: التأويل. ومجرد احتواء الكتاب على تلك التشريعات العامة لا يدفع الخطأ في مجال التنزيل أو التفريع؛ فكم نرى في عملية الاجتهاد أثناء استنباط الأحكام الشرعية من أخطاء وغفلات؟! (1)
وبهذا يندفع الإشكال من أنه لا حاجة إلى افتراض العصمة العلمية بواسطة وجود كتاب يروونه عن النبي صلىاللهعليهوآله فيعتبرون لكونهم رواة عدولاً، ولا حاجة إلى العصمة حينئذ.
ووجه الاندفاع: أنه مهما بلغت درجته العلمية فإنه لا يؤمَن من الوقوع في الخطأ في بيان القوانين المتوسطة وتطبيقها على الجزئيات، فلا بد من الاتصال بالغيب.
وبناء على ما مضى يتبين ضرورة إبراز جنبة الهداية الإرائية في الأئمة مضافاً إلى الهداية الإيصالية، وعدم الاكتفاء بالأخيرة فقط كما ذهب إليه السيد العلاّمة في الميزان.
* وقد يثار إشكال آخر: أنه ما المانع من عدم وجود أئمة معصومين عملاً، فكل ما نحتاجه هو عصمة نسبية عملية كالعدالة، وعصمة نسبية علمية كالفقاهة، فنكتفي بهما عن العصمة الشاملة بمعنى المقام الغيبي والملكوتي؟
ويوجد في المقام جوابان:
الأول: أن هذا الإشكال قد حصل فيه تغافل عما ذكرناه في بداية البحث من أن الأنبياء والرسل، وبمقتضى محدودية أعمارهم البشرية، لا يوضحوا كل شيء ولا يبيِّنوا كل القوانين الجزئية والمتوسطات، فمن أين للفقيه أن يعلم بقية المتوسطات مع عدم كونه متَّصلاً بالغيب؛ إذ المتوسطات ليست مجرد تطبيقات للكليات، بل هي
____________________
(1) حتى عرف مسلك فقهاء الإمامية بمسلك التخطئة دون التصويب.
نوع من الإنشاء التشريعي من نفس المشرع الأول. وبتعبير آخر: أن الأنبياء نحو إراءتهم كانت إراءة
إجمالية، فلابد من الإراءة التفصيلية واستمرارها عن طريق الأئمة بأن تكون متصلة بالغيب معصومة من الوقوع في الخطأ.
الثاني: أن بيان الإمام وفهمه للحكم الشرعي لا يكون كفهم الفقيه، بل هو بيان بعلم الغيب والتسديد الإلهي المصيب للحق دوماً. فإراءة الإمام للأحكام الشرعية ليست شريعة جديدة، بل بيان لتلك الشريعة الإجمالية الكلية المتنزلة عبر القناة الغيبية للنبي صلىاللهعليهوآله .
إذن نلاحظ في مقام الإمامة والنبوة نقاط التقاء وافتراق، وأفضلية جانب على آخر؛ فكلاهما حلقة اتصال بالغيب، وكلاهما حجة اللَّه على الخلق وسفارة إلهية إلاّ أن وظيفة كل منهما تختلف عن الآخر؛ فالنبوة فضيلة في نفسها والإمامة فضيلة في نفسها، ورأينا في تفسير آية البقرة كيفية استحقاق إبراهيم للإمامة، وأنه كان عبر تلك الابتلاءات المختلفة والشديدة.
فالنبوة لها فضل والإمامة تفصيل لتشريع النبوة، ويبقى للإمامة الهداية الإيصالية بخلاف النبوة التي تقتصر على الهداية الإرائية، وبعض الأنبياء هم أئمة أيضاً. أمَّا الأئمة، فليسوا بأنبياء، وتفضيل بعضهم على بعض ثابت بالنصوص القرآنية والروائية، وقد تبيَّن أيضاً كيف أن النبوة لا تقوم مقام الإمامة وأنها تكتمل بها.
وهاهنا تساؤل آخر؛ وحاصله: لماذا لا يُكتفى بالإمامة عن النبوة؛ فإنها جامعة للهداية الإيصالية والإرائية؟!
والجواب عن ذلك:
1 - أن المفروض أن الهداية الإيصالية ليست إلجائية، بل اختيارية.
2 - أن المكلَّف في اختياره لأي سيرة في حياته يجب أن يكون طبقاً لعلم؛ لكي يؤمِّن جانب الاختيار والكمال في المسير الإنساني. فلابد أن يكون الانسان على
علم بالطريق والغاية والهدف من هذا المسير، وهذا الجانب العلمي لا يؤمَّن إلاّ بالهداية الإرائية، فعلمه وانتقاؤه طبقاً لهداية النبي هو قوام الاختيار.
وبعد حصول ذلك العلم لدى المكلَّف يأتي دور الهداية الإيصالية والتسبُّب الملكوتي الذي يرى أن أرضية المكلَّف مخيَّرة ومهيَّأة لتقبُّل الكمال، ويستطيع المكلف الاختيار ويتبع إمام الهدى ويفضِّله على اتباع إمام الضلال.
فتظهر أهمية العلم بالشريعة الذي يبينه النبي، ثُم يأتي دور الإمام بعد أن يختاره المكلف، فتكون هدايته اختيارية لا إلجاء فيها ولا جبر، وخصوصاً أن السير التكاملي لا يؤدي هدفه إلاّ اختيارياً، وإذا كان جبرياً، فلا كمال فيه.
وعليه فمِن تمام عناية اللَّه ولطفه بالإنسان أن يهيَّئ له الأسباب المعدَّة للكمال، ونظير هذا حقيقة الإنسان الصغير حيث إن العقل العملي لا يغني عن العقل النظري؛ فحكمة وجوده هو نوع إعداد وتهيئة أرضية لانجذاب الإنسان إلى نزعات العقل العملي وذلك بما يحصل عليه من علوم حصولية (1) .
تقييم الدليل الأول:
ما يلاحظ على هذا الدليل هو تركيزه على حيثية الهداية الإرائية في الإمام، ولا يقوم بإثبات المقام الغيبي للإمام بما هو هادٍ هداية إيصالية، وهذا الدليل هو الذي اعتمده عامة المفسِّرين من الإمامية طيلة قرون عديدة، ولكنَّهم عند ذكره لم يتطرَّقوا إلى المقام الغيبي للإمام الذي يمكن التعمُّق فيه من خلال نفس المقدمات
____________________
(1) ومن هنا يتبيَّن أنه من دون حصول التولِّي للأئمة لا يمكن أن ينشدَّ الإنسان للكمال، ولا تنفع كلمة العرفاء من كفاية السير والمجاهدة الباطنية وإن أخطأ في مصداقه في عالم الشهادة؛ وما ذلك إلاّ لأن الهداية الإرائية لا يمكن أن تتم إلاّ بالإمام في عالم الدنيا حيث إن الأحكام الشرعية هي طريق الكمال، فإذا أخطأ في الإمام في هذه النشأة، فسوف تكون تشريعاته في حيز الوقوع في الزلل والخطأ، فكيف يمكن السير في طريق الكمال والهداية الإيصالية من دون الهداية الإرائية متعذرة؟!
المذكورة.
الصياغة الثانية لنفس الدليل:
في بداية هذا الفصل بيّـنَّا الجهاز العلمي والإدراكي في الإنسان الصغير، وذكرنا أنه توجد مدارج إدراكية ثلاثة:
ـ المراتب الروحية(الأخفى والخفي والسر والقلب).
ـ المراتب الإدراكية(العقل والوهم والخيال والحس).
ـ المراتب العملية(العقل العملي والقوى الشهوية والقوى الغضبية والاختيار).
وذكرنا أن تنزُّل العلوم البشرية دليل على وجود العالم العيني وعالم ما وراء المادة؛ حيث إن العلم ليس بمادي وليس له عوارض المادة. وقد ثبت في محلِّه أن التجربة و الاستقراء لا يفيدان العلم؛ وذلك لأن الجزئي لا كاسب ولا مكتسب، بل العلم يفاض من العالم الغيبي. وفي تنزُّل العلوم تدرُّج في تلك المراتب حتى يصل إلى عالم الخارج.
وقد أشرنا إلى أن البديهيات توفِّر عصمة نسبية لدى الانسان؛ ولهذا أطلق على العقل الرسول الباطن. وأن هذه البديهيات لا تكون بديهية لدى العقل النظري إلاّ بعد ارتباطها بعلوم حضورية؛ وذلك لأن العلوم الحصولية - وهي الصور الذهنية - تظل قابلة للانطباق على كثيرين، وطبيعتها أنه يظل فيها الاحتمال والإمكان، فهي لا تولِّد اليقين ولا الضرورة؛ أي ضرورة الوقوع والوجود. أمَّا الدرك العياني الحضوري، فليس محلاً للاحتمال والزلل؛ لذلك يجب أن تستند الإدراكات الحصولية إلى إدراكات حضورية حتى تكون يقينية صحيحة.
وعلى كل حال... فهذه القنوات الإنسانية ليست بمأمونة من الخطأ باعتبار تجاذب النزعات الشيطانية؛ باعتبار أن الجن والشيطان ذو وجود خفي لطيف، حيث بإمكانه أن يرتبط بالإنسان عبر مدارج وجوده لا سيما الإدراكية النازلة، وهو ما يُعبَّر عنه في
الروايات أنه يجري في البدن (مجرى الدم في العروق). فللشيطان منافذ يستطيع أن ينفذ من خلالها في الإنسان.
ونضيف هنا أنه كيف يمكن أن تتنزل الإرادات والمشيئات الربانية من دون اشتباه والتباس وخطأ؟ والجواب: أن هذا غير ممكن إلاّ لمَن أهّله اللَّه بمدارج روحانية وإدراكية بأن لا يستطيع الشيطان النفوذ إليها، وهو ما تشير إليه الآية قاصدة النبي صلىاللهعليهوآله : ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبالْحَقِّ نَزَلَ ) ( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ) فما دام الاتصال بالغيب موجوداً في كل الأزمنة، وأن عالم الشهادة قائم على وجود هذا الاتصال، وأن يد اللَّه مبسوطة، فهذا يدل على ضرورة وجود قناة معصومة تتنزل عن طريقها المشيئات الإلهية.
وبعبارة أخرى: أن الإرادة والمشيئة الإلهية يجب أن تبرز إلى عامة البشر المختارين حتى يستعلموا مواطن مشيئة وإرادة اللَّه حتى في الموارد الجزئية، سواء الجزئي الإضافي أم الحقيقي، وهذه الإرادات لا يمكن أن تتنزل إلاّ عِبر مَن كانت له عصمة عملية وعلمية، أي يكون على صعيد المدارج الإدراكية النازلة وعلى المدارج الإدراكية الروحية الفوقانية. وبتعبير جامع: له مقام غيبي، فلا تنازعه قوى الغضب ولا الشهوة والخيال ولا الوهم: ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) (1) ، فالشيطان يدعو ويغري الإدراك، فالذي تكون إرادته ومشيئته مظهراً لإرادة اللَّه يجب أن يكون مأموناً من نفوذ الشيطان إلى إدراكاته.
تقييم الصياغة الثانية للدليل:
هذه الصياغة توضح كثيراً من الروايات نحو (نحن تراجمة أمر اللَّه... ) (وجعلهم تراجمة مشيئته وألسن إرادته... ). وفي هذه الصياغة ترميم للنقص في تعريف الإمامة لدى
____________________
(1) الشعراء: 222.
العلاّمة الطباطبائي؛ حيث إنه قد ركَّز على أن للإمام مقاماً ملكوتياً يوجب بمقتضاه التصرُّف في النفوس والسير بها من منزل إلى منزل معنوي أعلى، وما ذكرناه يركِّز على الهداية الإرائية للمعصوم.
فالدليل الأول بصياغتيه يقوم بمهمة البرهنة على جانب الهداية الإرائية في الإمام.
الدليل الثاني: الفطرة
وهو المعروف بالدليل الفطري، وقد ورد في عدة روايات، وإجماله:
أن كل فطرة بشرية تجد في أعماقها انجذاباً فطرياً نحو الكامل علماً وعملاً، وهذا الانجذاب هو الباعث والمحرك للإنسان لأن يتكامل، وهذا دال على وجود مَن هو كامل علماً وعملاً.
تفصيل الدليل: من خلال بيان عدة مقدمات:
المقدمة الأولى:
إن مدارس المعارف البشرية تتَّفق على وجود الأمور البديهية والفطرية لدى الانسان، ويعرفون القضية البديهية بأنها القضية التي يضطر الإنسان إلى الإذعان بها بالضرورة من دون حاجة إلى إعمال الفكر، بل مجرد الرجوع إلى النفس ورفع الموانع يجد نفسه مُصدِّقاً بها.
ونلاحظ أن هذا التعريف للبديهة ينطبق على الأمور التي فُطر عليها الإنسان، فإذا افترض أمر اشتركت البشرية فيه، فإنه يعلم أنه من الأمور الفطرية. ومن أدلة التوحيد دليل الفطرة، وهو من براهين الصديقين، حيث يقولون: إن انجذاب الفطرة البشرية نحو الكمال اللاّمحدود، دليل على وجود اللاّمحدود؛ وذلك لأنه لا يعقل أن تشترك البشرية بالإيمان بأمر ما وتكون خاطئة به، وإلاّ لزم السفسطة؛ لأنه لو تبين
خطؤها فهذا يعني عدم وجود حقيقة يمكن أن يرتكز عليها الإنسان في علومه، إذ أن السفسطة تعني احتمال الخطأ في كل علم تذعن به النفس، فالعلوم التي تكون على وزان الأمور الفطرية والبديهية والتي يشترك بها عامة البشرية لا يمكن أن تكون خاطئة.
المقدمة الثانية:
إن الإنسان في حين انجذابه إلى اللامحدود يقر في نفسه أنه لا يستطيع أن يكون لا محدوداً؛ لأن قدرته وإمكاناته كلها محدودة. فحتى لا يصاب باليأس وعدم الأمل والرجاء يجب أن يسعى لتحصيل الكمالات العلمية والعملية بالمقدار الممكن على حسب قدرته ووسعه، وهذا أحد وجوه تفسير ما يعبَّر عنه في بعض الروايات (آهٍ من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر) فهذا السفر لا نهاية له لأن المقصود لا محدود ولا متناه.
المقدمة الثالثة:
إن من مسبِّبات الانجذاب إلى الكامل اللامحدود الانجذاب إلى الكامل من بني الإنسان، فنجد الناس ينجذبون إليه، وهذا ما يثبته علماء الاجتماع حيث يذكرون أن من أعرق الأساطير في تاريخ البشرية هي أسطورة البطل، ولا يكاد يخلو مجتمع ومِلَّة منها، حيث يصوِّرون البطل الشجاع والهمام المتحلِّي بمحاسن الأخلاق، ونرى الناس يندفعون إلى التشبُّه به في كافة جوانبه؛ وذلك للاعتقاد أن كمالاته من اللامحدود.
المقدمة الرابعة:
إن من كمالات الإنسان الارتباط باللامحدود علماً وقدرة و هيمنة على كل عالم الخلقة أو مَن تكون له السيطرة على كل شيء، وهذا لا يعني الإحاطة المطلقة بالعزل عن الذات المقدسة وإلاّ لم يكن ذلك كمالاً، ونفس وجود هذا الأمر و النزع
الفطري دال على عدم امتناعه.
والنتيجة: أنه لا بد من وجود مثل هذا الكامل لامتناع السفسطة وثبوت ذلك بالفطرة.
الصياغة الثانية للدليل الثاني:
وهي تنطلق من نفس ما انطلقت منه الأولى: إن الإنسان ينجذب نحو الكمال اللامحدود.
المقدمة الثانية:
إن الحركة نحو أية غاية كمالية يشترط فيها أمران ذكرناهما فيما سبق: كون الهدف ممكناً وليس بممتنع ولا محال، وأن يكون الكمال المطلوب غير حاصل للإنسان فعلا.
المقدمة الثالثة:
إن الكمالات المطلقة للذات المقدسة لا يحدَّها حد، والإنسان يعلم من نفسه أنه لا يمكن أن ينقلب إلى اللامحدود، فحتى تكون تلك الكمالات ممكنة يجب أن تتنزل إلى الحظيرة الإنسانية حتى يتصوَّرها الإنسان ممكنة التحصيل مع بقاء تلك الكمالات المتنزلة غير حاصلة لديه.
وينتج من ذلك أن الارتباط بالذات المقدسة يجب أن يكون بواسطة رابطة من الحقيقة البشرية، وقد ذكرنا سابقاً أن المقتدى يجب أن يتحلى بالصفتين الغيبية والبشرية، وقد أشار القران إلى هذه الحقيقة ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ ) (1) ، فهذه الآية تؤكِّد ذات الحقيقة؛ ولذا يعيش الإنسان الحالة الوسطى ما بين الخوف والرجاء، فالارتباط مع الذات المقدسة يكون بواسطة
____________________
(1) الأنعام: 9.
المعصوم، وإذا لم نفترض ذلك، فإنه يعني انقطاع الاتصال مع الخالق جلَّ وعلا.
والخلاصة: أن الموجِب لحفظ الخوف والرجاء حسب التعبير الشرعي، والموجب لضمان دوام الحركة حسب التعبير الفلسفي، والموجب للإيمان بالغيب حسب تعبير الروايات (ونعني بالإيمان بالغيب الاعتقاد بغيب الكمال اللامحدود والانجذاب إليه فتتحكم إرادات الغيب في التكامل بنحو غير منقطع) لا يتحقَّق إلاّ بوجود الرابطة، فمآل مَن لم يؤمن بالرابطة أنه لا ينجذب ولا يؤمن بالذات المقدسة، ومعنى الإيمان بها هو الإيمان باللَّه تعالى.
وضرورة الارتباط باللَّه عزَّ وجلَّ عن طريق الواسطة يؤمن به العامة أيضاً باضطرارهم الفطري، إلاّ أنهم في تطبيق مَن يلبسونه لباس العصمة يشتبهون في التطبيق، وهذا هو عين الانحراف والضلال؛ مثلاً يلبسون الصحابي - أو بعضهم - ثوب العصمة والكمال العلمي والعملي، وهذا واضح من خلال ما ينقلونه من فضائل للأول والثاني والعشرة المبشَّرة بالجنة كما يدَّعون. ونحن نستشهد بذلك على أنه في واقعه استجابة لنداء الفطرة الذي قد أشرنا إليه في بداية الدليل، وإقرار بمسلك الإمامية ومعتقد الإمامة العهدية الإلهية، و لأجل ذلك نلاحظ إطلاق الروايات على الأول والثاني الجبت والطاغوت؛ لأنهما في قبال العبودية والمخلوقية، فالجبت مأخوذ من الجب، وهو الطم أو القطع؛ أي السد العام لطريق الحق وسلوك الكمال، والطاغوت من الطغيان والتمرد في الذات على ما توجبه حقيقة الفطرة البشرية بأن يكون عبداً للعيش ويدرك حالة الفقر في حقيقته لربه، فيتمرد ويعتد بذاته مستقلة ومستغنية عن المدد الرباني.
ولذلك فبوابة التوحيد هو الإمام، وهو السبيل إلى الإيمان الخالص باللَّه، وفي الرواية عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله : (يا علي، من قصد اللَّه و لم يقصدني، فلم يقصد اللَّه، و من قصدني ولم يقصدك، فلم يقصدني). إذن فالواسطة والرابط يجب أن يكون من الكمال
العلمي والعملي بمكان حتى يتحرك الإنسان وينبعث انبعاثاً صحيحاً سليماً نحو الكمال المطلق والذات الأزلية، وواضح من الحديث أن الهداية النبوية هي هداية إرائية إجمالية بحاجة إلى هداية تفصيلية يقوم بها الإمام.
فالإمام مظهر عقلي أتم للخوف والرجاء الذي يجب أن يتحلّى به الإنسان ليتكامل وليكون مرتبطاً بالذات المقدسة.
وهاهنا إشكال: أن هذه الصياغة تثبت كيفية الارتباط بين أفراد البشر والذات المقدسة وذلك عبر المعصوم الذي يتوفِّر فيه الشرطان اللذان يدفعان الإنسان نحو الحركة، لكن كيف هو الارتباط بين المعصوم، وهو بشر، مع الذات المقدسة؛ حيث يعلم أن كمالات الذات المقدسة أزلية أبدية لا يمكن تحصيلها، فكيف يحصل الاقتداء والسير التكاملي بالنسبة إلى نفس المعصوم؟
والجواب: لقد ذكرنا في المراتب الوجودية أن النبي الخاتم صلىاللهعليهوآله هو أفضل الأئمة والمعصومين فهو يمثِّل الرابطة بينهم وبين الذات المقدَّسة، ويكونون في حالة استسعاء تام لتحصيل كمالات الحقيقة المحمدية، وهذا ما تفيده الروايات والآيات، وارتباط النبي الخاتم صلىاللهعليهوآله بالذات المقدسة تكون مسألة من مختصات النبوة، ولكن نشير إليها بنحو الإجمال، حيث إنه عليه (الصلاة والسلام) أول ممكن في الوجود، فهو يعلم أن ما في الذات الأزلية غير منقطع الفيض عنه، والكمالات كلها تتجلى أو تتنزل تدريجياً شيئاً فشيئاً، فالنبي صلىاللهعليهوآله في تكامل دائم.
الصياغة الثالثة للدليل الثاني :
تعتمد على مقدمة نقلية ذكرناها فيما سبق، حاصلها: أن لفظ الأمة أطلق في اللغة على المجموع البشري السائر نحو هدف، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بوجود هادٍ مطلعٍ وعالمٍ بالهدف يقود الأمة في هذا المسير التكاملي، ولا يمكن أن ينال هذا الدور أحد إلاّ إذا توفرت لديه العصمة العلمية والعملية حتى يمكن الوثوق بهدايته
فيتبعه الآخرون. فماهية الأمة يستحيل أن تتخلف عن وجود الإمام فيها.
يبقى إشكال على هذه الصياغة: بأن القران الكريم أطلق الأمة على عدد آخر من الأمم، بل بعضها منحرف وتَتْبَع إمام الضلال؟
والجواب: أن القرآن أطلق على هذه الأمة أنها الملة الحقة والأمة الحقة، وهي التي لديها هدف حقيقي يوصل إلى الكمال الواقعي. أمَّا الأمم الأخرى، فإطلاق الأمة عليها لا يكون بلحاظ قصد الكمال الحق، فهم لا يؤمّون إليه؛ لأن سيرها لا ينتهي إلى الكمال المطلق.
تقييم الدليل الثاني:
أن هذا الدليل يثبت ما ذكره العلامة الطباطبائي من جنبة الهداية الإيصالية في مقام الإمامة وفيها جنبة الهداية الإرائية، وهو ما ذكرناه من الإشكال والجواب ومدى الحاجة إلى الهداية التفصيلية ليحصل الاطمئنان في اتباع هذا الهادي.
الدليل الثالث: برهان الغاية
وله عدة مقدمات:
1 - أن كل انسان عندما يتكامل لا بد أن يجعل له غاية يريد الوصول إليها وهذا أمر ثابت في جميع مدارس المعارف البشرية القديمة والحديثة.
2 - أن الموحدين يجعلون هدفهم هو اللَّه عزَّ وجل؛ أي التخلٌّق بأخلاق اللَّه.
3 - ثبت لدى أصحاب المعارف أن الفطرة لا يستحثها الكمال فقط، بل ما يدفعها نحو السعي هو خوف الضرر والهلاك أيضاً، وعليه فالإيمان بالتوحيد والنبوة يوفِّر الجانب الأول وهو كونه غاية وهدف. أمَّا الجانب الآخر، فيوفره الإيمان بالمعاد والعقاب الأخروي، وأن الإنسان لا يعيش عالم الدنيا فقط، وإنما يوجد هناك عوالم أخرى يحياها الإنسان، وهذه الرابطة بين المعاد والتوحيد يقرُّها كثير من علماء
النفس والاجتماع.
4 - أن الكمالات التي يسعى الإنسان إلى تحصيلها لا تقتصر على كمالات عالم الدنيا، بل هي كمالات في عوالم لاحقة لهذه الدنيا؛ فهناك عوالم آتية فيها كمالات و دركات ومفاسد، وأعمال الإنسان في هذه الدنيا تهيئ الأرضية لنيل المكانة في تلك العوالم وهذا هو معنى المعاد.
فالنتيجة: أن هذا السير يقتضي وجود الهادي والمعصوم الذي يسير بالأمة نحو المعاد الحقيقي وإحراز الكمالات العالية في العوالم اللاحقة، وهذه المقدمات تثبت ضرورة تحلِّي الإمام الهادي بـ:
أ - الهداية الإيصالية، وأن يكون له تصرُّف في النفوس تصرفاُ غير إلجائي؛ أي تتكامل النفوس باختيار الإنسان.
ب - الهداية الإرائية التفصيلية.
ج - الزعامة الاعتبارية في الإنسان المجموعي، وهو المجتمع.
فهذا الدليل يثبت ضرورة الإمامة حسب تعريف العلاّمة مع التكملة التي أضفناها.
كذلك يبيِّن الدليل الارتباط بين المعاد ومعرفة الإمام، ومن هنا نفهم قوله تعالى: ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) . فالدعوة والحشر والمعاد يكون بتوسُّط الإمام؛ لأنه هو الهادي لهم نحو الكمالات التي تظهر في العوالم اللاحقة، والآثار التي تظهر في المعاد إنما هي بتوسط الإمام حيث يكون مرتبطاً بالغيب، ويعلم بلوازم الأفعال الدنيوية وحقائقها وما يضر وما ينفع.
ومن الأدلة النقلية التي تؤيد هذا الدليل، وما هو دور الإمام في المعاد،
قوله تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (1) ، وهذه الآية سوف نفرد لها بحثاً مستقلاً في المقام الثالث، إلاّ أنّا نريد أن نشير إلى أن الآية تنص على أن المؤمنين - وهم الأئمة كما في العديد من الروايات - يشاهدون حقائق أعمال العباد في الدنيا، وهذا الاطلاع اطلاع ملكوتي.
وفي روايات أخرى تشير إلى أن الأعمال إذا أُريد أن تصعد إلى السماء والعرش، فإن الصاعد بها هو الإمام، وروايات تشير إلى أن دور الإمام يكون عند قبض الروح وفي البرزخ وعقبات الانتقال من عالم إلى عالم، وروايات تشير إلى أن الإمام يُنصب له عمود من نور على كل مدينة فيطَّلع على أعمال العباد.
وفي تفسير ( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ ) (2) يشير العلاّمة إلى أنه على الأعراف رجال مشرِفون على الناس من الأولين والآخرين يشاهدون كل ذي نفس منهم في مقامه الخاص به على اختلاف مقاماتهم ودرجاتهم ودركاتهم (3) .
تقييم الدليل الثالث:
إن هذا الدليل يثبت مقام الهداية الإيصالية والإرائية والزعامة والرئاسة التي ذكرها المتكلمون.
الدليل الرابع: معرفة النفس
ويعتمد على مقدمات:
1 - أنه من الثابت روائياً وعقلياً أن معرفة النفس من أشرف الطرق للمعرفة الربوبية؛ وذلك لأنه طريق برهاني يؤول إلى العيان الحضوري بناء على (مَن عرف
____________________
(1) التوبة 9: 105.
(2) الأعراف: 46.
(3) الميزان 8: 132.
نفسه فقد عرف ربه) (أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه).
2 - قد بيَّنَّا في زاوية التعريف العقلي لـ (ما الحقيقية) شئون النفس والرسول الباطن ودور العقل العملي والقلب، وأشرنا إلى صفات عشر لدور العقل العملي وآثار القلب وسائر القوى.
3 - بمقتضى المطابقة بين الإنسان الصغير والكبير، وأن المقصود من معرفة الرب ليس معرفة الذات الأزلية، بل معرفة أفعال الذات وعالم الخلقة الذي هو عالم ربوبية الباري للخلق، والرب هو عنوان من الصفات الفعلية للباري عزَّ وجل، بل وبمقتضى المطابقة بين الإنسان الكبير والمجموعي؛ أي المجتمع، وهو وأن كان اعتبارياً إلاّ أن هذا الاعتبار ليس ناشئاً من لا شيء، بل الاعتبار - كما أشرنا إليه - يقتنص وينتزع من التكوين، وقد مثلنا أن قوى الإنسان الصغير كلها تتمثَّل في المجتمع؛ فالجيش يمثِّل القوة الغضبية، ووزارات الترفيه تمثِّل القوة الشهوية، والقوى المقنِّنة تمثِّل العقل النظري، والقوة القضائية تمثِّل الوجدان والضمير وحسب تعبير القرآن: ( النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) ؛ فهذه هي المطابقة بين الإنسان الكبير والصغير والمجموعي.
وبمقتضى هذه المقدمات إذا كان في الإنسان الصغير توجد إمامة ذات هداية إيصالية إرائية، فنستكشف وجود ذلك في الإنسان الكبير والمجموعي، وهو دور الإمامة في المجتمع، وما ذكرنا في كيفية تصرف العقل العملي في بقية القوى ينطبق على الإمام في الإنسان المجموعي.
الدليل الخامس: برهان العناية
وهو برهان العناية، وقد تعرَّضنا له في الفصل الأول إلاّ أنّا نعيده هنا ملخَّصاً:
وهو علم الباري بالنظام الوجودي الأحسن، وعلى أكمل ما يكون عليه، وهذا
العلم مستلزم لإفاضة الوجود الإمكاني الخَلقي على أحسن ما يمكن أن يكون عليه ولو بنحو الترتيب أو التدريج في العوالم كي تستقصي كل الكمالات في عالم الإمكان (وهذا التعريف مأخوذ من مدرسة الإشراق والحكمة المتعالية).
وقد أشرنا إلى أن قاعدة العناية الفلسفية هي بعينها قاعدة اللطف لدى المتكلمين؛ حيث إن الأخيرة تعني أن كل فعل موجب لقرب المكلَّف من كماله المنشود، فإن الباري يحسن ويلطف تهيئته وإيجاده ويقبح عدم إيجاده، فمن حيث اللب القاعدتان تعبِّران عن مفهوم واحد وأمر واحد، إلاّ أن الفلاسفة في منهجهم يعتمدون على العقل النظري في إثبات القاعدة. أمَّا المتكلمون، فيعتمدون على العقل العملي في إثبات القاعدة.
* أن أعلام الإمامية، واستناداً إلى الروايات المختلفة، ذهبوا إلى أن موقع الإمام في الإنسان المجموعي (موقع الرئاسة والزعامة) هو لطف؛ فلذا يحسن عن اللَّه نصبه وتعيينه. واللطف هو أكمل ما يمكن أن يكون عليه الوجود، فإذا كان أكمل ما يمكن أن يكون عليه الإنسان المجموعي هو بوجود الإمام، فبمقتضى قاعدة العناية يجب عن الحق تعالى إيجاده.
* أن الحفظ للدين و تدبير الدنيا يستلزمان أن تتوفَّر في الإمام الهداية الإيصالية والإرائية التفصيلية؛ وذلك أن الإمام لا يكون حافظاً للدين إلاّ إذا أمّنت جنبة المقام الغيبي، ويكون على اتصال بالغيب، فلا تصدر منه زلة علمية في تبيان مدارج الأحكام الشرعية، وأيضاً لأن الغاية هو تكامل الأفراد إلى الكمالات المنشودة، وهو نوع من الهداية الإيصالية.
تقييم الدليل الخامس:
إن المتكلمين اقتصروا في إثبات الإمامة في الإنسان المجموعي على قاعدة اللطف، ولم يتناولوا جانب الهداية الإيصالية مع أنها لطف أيضاً، وقد قمنا بتوسعة
الدليل ليشمل هذا الجانب أيضاً؛ حيث إن العناية صفة من صفات الباري وأنه لطيف خبير ( إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) .
ملاحظة عامة:
إلى هنا نلاحظ الارتباط بين الإمامة وبقية أصول الدين؛ ففي الدليل الأول بيَّنَّا كيف الارتباط بين الإمامة والنبوة، وفي الدليل الثاني بيَّنَّا الارتباط بين الإمامة وفطرة التوحيد، وأن بوابة التوحيد هو الإمامة، وفي الدليل الثالث بيَّنَّا الارتباط بين الإمامة والمعاد ودور الإمام في عوالم ما بعد نشأة الدنيا، وفي الدليل الرابع انتقلنا من معرفة النفس إلى الإمامة، وفي الدليل الخامس ننتقل من صفات الباري وإنها تستلزم الإمامة.
وبتعبير آخر: أن هذه الأدلة ليست أدلة خطابية، بل هي برهانية عرفانية في آن واحد؛ أي أن إدراكها يحتاج إلى مقدمات فكرية من المعاني الحصولية، وإلى ذائقة قلبية كي يدرك كنه تلك الأدلة الخمسة؛ ففيها مطالب علمية ممتزجة من العلم الحصولي والعلم الحضوري، والنكتة التي أردنا الإشارة إليها أن هذه الأدلة الخمسة اللمية تدلِّل على أن أصول الدين تقود إلى الإمامة.
الدليل السادس: الأدلة الإنْيَّة
وهو من الأدلة الإنْيَّة التي اعتمدها المتكلمون والتي تنطلق من احتياج الكل إليه وغناؤه عن الكل دليل على إمامته، وعبَّر البعض عنه: أنه اجتمعت فيهم من الفضائل كلها، فهم أحق بالأمر بحكم العقل العملي، وبتعبير ثالث: أنهم عليهمالسلام المشار إليهم بأشخاصهم وأسمائهم بحسب الجرد التاريخي، وباعتراف كل الفِرق والمِلل قد فاقوا نوابغ كل صفة في كمال تلك الصفة.
تفصيل ذلك:
* أن التاريخ يذكر أنهم قد وضعوا الحلول الناجعة لكثير من المعضلات الفكرية التي ابتليت بها الأمة الإسلامية؛ كما في إشكالية صفات الباري حيث قالوا: (لا تعطيل ولا تشبيه وإنما أمر بين أمرين)، فلا يجوز تعطيل الصفات والقول أننا لا ندرك شيئاً من صفاته تعالى، كما لا يجوز التشبيه والقول أننا ندركه كما ندرك المحسوسات، وكذا نفي التجسيم ولوازمه عن ذات الباري، فقد كانت الأذهان عالقة بهذا الوهم. ونفي الجبر والتفويض وإثبات الاختيار في الأفعال.
وهكذا في معالجتهم للمشاكل الفكرية التي انتقلت إلى الأمة الإسلامية من الحضارات الأخرى، فتراهم يجعلون لها الحلول بنحوٍ لا يصطدم مع الإسلام وضرورياته، وموارد هذا شتى من التوحيد وصفات الحق تعالى، والعدل والمعاد والقضاء والقدر وما ورد من الشبهات حول نبوة الأنبياء عليهمالسلام ، وبقول ابن أبي الحديد في ذيل إحدى الخطب: (لم تنتشر المعارف الإلهية من غير هذا الرجل، ولم يكن في الصحابة من تصوُّر أو صور شيئاً طفيفاً من المعارف)، ونضيف على مقولته تلك: أن عباراتهم وحلولهم وحكمهم ظلت حتى يومنا هذا مدار بحث وتشييد؛ لأنها تفوق ما توصل إليه السابقون من الفلسفة اليونانية ويستنير بهديها المتأخرون من الفلاسفة.
* المرحوم الشاه أبادي يذكر: أنه في الصحيفة السجادية لفتات وحلول لمعضلات في عالم المعنى والعرفان، بنحو لم يكن مطروحاً في العرفان الهندي الذي هو من أقوى وأقدم المدارس العرفانية لدى البشرية، ويشير إلى أنه في الأدعية الأولى بحوث عديدة وغريبة ودقيقة في السير والسلوك أو في مقامات الهادي أو مقامات الخلقة والتكامل الإنساني، ويعبّر عن أدعيتهم عليهمالسلام أنها بمثابة القرآن الصاعد لِمَا تحتويه من أسرار المعرف الإلهية.
فمثلاً المتقدمون يجعلون الظاهر في قبال الباطن والأول في قبال الآخر، بينما الإمام عليهالسلام جعل الذات المقدسة هو الظاهر والباطن والأول والآخر، (فهو وحدة واحدة؛ يستوي فيها الظاهر والباطن والأول والآخر)، وفي كتاب التوحيد في ما ذكره الإمام الصادق عليهالسلام تبيان لكيفية الدلالة على ذلك.
* أن خضوعهم وعبوديتهم المطلقة للَّه عزَّ وجلَّ لا تجد لها مثيلاً عند مَن عاصرهم أو تأخر عنهم.
* أن معجزة السماء الخالدة القرآن الكريم لم ولن يوجد في الساحة الإسلامية ترجمان له - بحيث يثبت للبشرية أن القران الكريم يغطي كل احتياجاتها، وأن كل تساؤل يطرح على وجه الأرض لم يتمكن أحد من الإجابة عليه - سوى الإمام، ممَّا يوضح وجود رابطة بينهم وبين القران، وهو ما سوف نثبته في المرحلة الثالثة في فقه الآيات.
* يضاف إلى تلك الأدلة مقدمة مشتركة لا بد منها؛ وذلك لأن الاقتصار عليها يثبت أن الأئمة هم أليق الناس وأفضلهم لإدارة شؤون الأمة، لكن لا يثبت بها وجود مقامات أخرى، في حين أننا يمكن أن نستفيد من تلك الأدلة لِمَا هو أوسع من ذلك بإضافة هذه المقدمة، وحاصلها:
أن توافر هذه الصفات بهذا النحو في هؤلاء الاثنى عشر إمَّا أن يكون من باب الصدفة والاتفاق أو يكون بسبب
وعلَّة.
أمَّا الأول، فباطل؛ وذلك لأن القول به هو نفي لوجود اللَّه، وذلك لأن الطفرة هي صدور شيء من شيء من دون سبب وعلَّة، والاتفاق عبارة أخرى عن نفي السببية، وأن حيازة هؤلاء على الريادة في الصفات الكمالية - إن كان اتفاقاً - يعني أن يد اللَّه مغلولة، وأنه ترك الخلق كما خلقهم من دون هدايتهم والاتصال بهم. فيبقى الثاني وأن وجود تلك الصفات فيهم لم يكن من باب الصدفة والاتفاق،
بل إن هذا يدل على عناية إلهية وإفاضة ربانية جعلت هؤلاء متَّصفين بتلك الصفات طيلة تلك السنين المتعاقبة والتي شهدت منافسين عدة حاولوا النيل منهم بشتى الطرق والوسائل، فتوجد في البين إفاضة ربانية للكمالات العلمية والعملية، وإن الوراثة بينهم ليست وراثة نسبية، بل وراثة نورية تكوينية جعلت تلك الحقيقة الغيبية مستمرة فيهم.
وبهذه المقدمة تكون تلك الأدلة الإنْيَّة مثبتة للمقام الغيبي الذي نتوخَّاه في الإمامة والذي يكون به عِدل النبوة وسفارة إلهية.
المبحث الثالث:
الإمامة في القران الكريم
إن الهدف الذي نتوخَّاه من هذه الدراسة هو فهم حقيقة الإمامة ودورها في عالم الغيب بعد أن استوفى الباحثون حقيقتها في عالم الشهادة، ونعتمد في ذلك على الآيات الكريمة التي تحمل معانٍ نورانية لنستوحي منها معاني تلك القناة المعصومة المرتبطة بالغيب.
وهاهنا ملاحظة مهمة: أنه يجب الالتفات إلى أن القرآن الكريم قد صدر من الحكيم العالم بخفايا الأمور والعارف بأساليب اللغة ومفرداتها، فالألفاظ المستخدمة في القرآن ليست قوالب لفظية شعرية وأدبية بغرض إبراز الجمال الأدبي، بل إن وراء استخدام ألفاظ دون أخرى أو صياغات معينة دون غيرها غاية وهدف ومعنى يرمي إليه القران، وعدم فهم كلام الباري بهذا النحو يكون ابتذالاً وتوهيناً للمعاني القرآنية، وتزييفاً لمعارفه، ومخالفاً لقوله تعالى: ( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) ؛ فليس المراد أن القرآن فيه تبيان للحقائق التشريعية فقط، بل إن القرآن فيه بيان للحقائق التكوينية أيضاً كما يظهر من كثير من الآيات التي تذكر خلق العالم وسنن التكوين، وإن هذا القران الحامل لسبعين بطناً لا يجوز لنا أن نقف أمام ظاهره فقط، بل يجب الغوص في حقائق معانيه وما تحمله الألفاظ من معارف، بل نجد أن البعض يقدِّس القرآن ويسلّم بعظمته، لكن عندما نلاحظ فهمه لآياته نجده يبتذل
معانيه ويقف عند حاق اللفظ والظاهر فقط جاهلا أن الألفاظ ليست هي الهدف والغاية، بل هي قنطرة للوصول إلى المعنى المراد، فيجب تجاوز منطق الأدب وعلومه، فتنفتح أمام الإنسان حينئذ تلك المعاني العالية الدقيقة التي تحتاج إلى موازين العقل والمنطق. وهذه نقطة نفترق بها عن العامة الذين حجبوا عن أعينهم تلك الأمور.
وقد قسَّمنا الآيات التي تتحدث عن الإمامة إلى طوائف عدة نتناولها بالتفصيل:
الطائفة الأولى: آيات استخلاف آدم
من الوقائع القرآنية العجيبة التي يحكي بها الحق تعالى بدء الخلقة وكيفية خلق آدم عليهالسلام وأمر الملائكة بالسجود إليه، وهي من الآيات التي تحمل معانٍ كبيرة تدلِّلنا على موقع الإمامة في الوجود الإمكاني، ويمكن القول أنها تمثِّل البوابة لهذا البحث، والعلامة الأم لهذا الموقع الإلهي. وقد تكرَّر ذكر هذه الواقعة أو مقاطع منها في مواضع كثيرة من القرآن في السور التالية:
1 - سورة البقرة 2: 30
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوْا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتَما وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ
وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .
وهذه السورة تحوي جميع مقاطع الواقعة منذ إخبار اللَّه الملائكة بخلق آدم وحتى هبوطه إلى الأرض.
2 - سورة الكهف: 50
( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) .
3 - سورة الحجر: 28
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) .
4 - سورة الإسراء: 61
( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قَالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً ) .
5 - سورة طه: 115
( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَّيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ... ) .
6 - سورة الأعراف:11 - 25
( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكِةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ... )
7 - سورة ص: 71 - 75
( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ... )
وقبل الاستعراض التفصيلي لهذه الطائفة نذكر عدة ملاحظات:
1 - إن هذه الواقعة العجيبة التي يذكرها اللَّه جلّ وعلا لعباده تحتوي على معانٍ جليلة وعظيمة وتستحق وقفة مطولة.
2 - إن ست سور من التي وردت فيها القصة مكِّية، وسورة واحدة مدنية؛ وهي البقرة.
3 - إن العنصر المشترك المتكرر في كل هذه الموارد السبعة هو أمر الملائكة بالسجود لآدم وامتناع إبليس عن ذلك.
4 - تمتاز سورة البقرة بورود نص الاستخلاف فيها ومناقشة الملائكة فيه، وهذا لم يتكرَّر في الموارد الأخرى.
5 - قد رتَّبنا السور المكِّية التي ورد فيها هذه القصة حسب النزول.
وسوف تكون دراسة هذه الحادثة في مقامات أربع:
أولاً: دراسة الألفاظ الواردة فيها
نبدأ بدراسة الواقعة كما وردت في سورة البقرة والتدقيق في المعاني الواردة فيها:
* الملائكة: وهو وإن كان جمع معرَّف باللام ويفيد العموم، أي جميع الملائكة، إلاّ أن بعض الروايات تشير إلى أنهم قسم من الملائكة، لا أقل أنهم من نمط جبرئيل
وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، لكن إدخال عنصر غيب السماوات والأرض يدل على أن الملائكة في الواقعة لم يكونوا صنفاً خاصاً منهم، بل عموم الملائكة؛ إذ أن ما غاب عنهم هو خافٍ على كل السماوات والأرض. كما أن الخطاب للملائكة بإخبارهم عن جعلٍ عام، وهو جعل الخليفة، ولم يخصص بآدم.
* في الأرض: وفيه احتمالات ثلاث:
أ - أن تكون متعلقة بـ(خليفة).
ب - أن تكون متعلقة بالضمير المستتر في (خليفة) لأنها مشتق.
جـ - أن تكون متعلقة (جاعل).
فعلى الاحتمال الأول يكون المعنى أن الخليفة مقيَّد في الأرض، فدائرة الخلافة تكون محدَّدة حينئذ بالأرض.
وعلى الاحتمال الثاني تكون دائرة الخلافة مطلقة غير محددة، والمستخلَف مقيَّد بكونه أرضياً، فهو إنسان أرضي دائرة خلافته مطلقة غير محددة فتشمل كل عالم الخلقة.
وعلى الاحتمال الثالث فحيث أن (جاعل) تتعدى إلى مفعولين؛ الأول (في الأرض) والثاني (خليفة)، فيكون المعنى إخباراً من اللَّه عزَّ وجلَّ أن الذي هو في الأرض قد جعلته خليفة على نحو (جعلت الآجر بيتا).
أمَّا الاحتمال الأول، فهو بعيد؛ حيث إن من البعيد جداً تقيُّد الخلافة في الأرض، وذلك لمجموعة من القرائن نستوحيها من الآية نفسها:
أ - أن العلم الذي يمتلكه هذا الخليفة علم خاص يفوق علم الملائكة؛ إذ أنه علم محيط بكل الأشياء حتى التي لا ترتبط بالواقع الأرضي كما سوف نتبين ذلك لاحقاً، فلو كانت خلافته محددة بالأرض فما هو الحاجة لهذا العلم؟ ثُم ما هو الداعي لإظهار تفوُّق علمه على علم الملائكة؟ بخلاف ما إذا كانت دائرة الاستخلاف
غير محددة بالأرض.
ب - أن إسجاد الملائكة لآدم يدل على الهيمنة التكوينية للمطاع بإذن اللَّه، وهذه الطاعة وتلك الهيمنة إنما هي وليدة العلم؛ بحيث أن الملائكة تستقي علومها منه كما سوف يأتي التدليل عليه، ومعلوم أن شؤون الملائكة ليست منحصرة بالأرض، بل بكل عالم الخلقة، فهذا يدل على أن دائرة الخلافة غير مقيدة بالأرض، بل هي تشمل كل عالم الخلقة غايتها هذا الموجود كينونة بدنه هي في الأرض.
وقد يُستَشكَل أنه لو كانت خلافته عامة لكل عالم الإمكان فكيف يجعل متأخراً عن الملائكة؛ أي كيف تتأخر خلقته عنهم؟
والجواب: أن خلقته غير متأخرة عنهم وإنما المتأخر هو وجوده الأرضي. أمَّا أصل الخلقة، فإنها لم تتأخر عنهم كما سيتضح ذلك لاحقاً.
جـ - استنكار الملائكة وتساؤلهم لم يكن دائراً حول دائرة الاستخلاف، بل حول الموجود الأرضي، فهي فهمت أن هناك ذاتاً في الأرض سوف تكون هي الخليفة، فجاء الاستنكار. وبعبارة أخرى: أن مقتضى كلامهم ( أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ... ) هو تعلق ( في الأرض ) بالجعل.
د - أن مقتضى تقدم الجار والمجرور على لفظة الخليفة، مع صلاحية تعلُّقه بالعامل المتقدم، يعيِّن تعلقه به، وخلاف ذلك يحتاج إلى قرينة.
* أمَّا بالنسبة إلى (جاعل)، فإنها تأتي بمعنيين؛ أحدهما بمعنى موجِد، وهو يتعدى إلى معمول واحد، والأخر يعني الصيرورة، وهو يتعدى إلى معمولين، والأقرب أن يكون الوارد هنا الثاني، ومعمولاه هما: (في الأرض) و(خليفة)، وهذا يؤدي نفس المعنى الذي نتوخاه؛ وهو عدم تقييد وتحديد دائرة الخلافة في الأرض.
إن أصل المعمولين مبتدأ وخبر، فلو قدَّرنا المبتدأ (خليفة) والخبر (في الأرض)، فمقتضاه أنه ليس في صدد جعل الاستخلاف، بل هو أمر مفروغ منه، وإنما هو في
صدد الإخبار عن الجعل الأرضي لهذا الخليفة. أمَّا لو كان العكس، فإنه يعني أن كونه في الأرض أمر مفروغ منه والجعل والإخبار عن الاستخلاف. والأول أنسب؛ وذلك لأن مسائلة الملائكة هو عن كينونته في الأرض، وعن هذا القيد الذي يظهر أنه مجهول بالنسبة إليهم.
ويحتمل أن يكون الجعل بمعنى الإيجاد فيأخذ معمولاً واحداً هو (في الأرض) وخليفة صفة له، وقد يُعترض عليه أن هذا التركيب يشبه قولك: إني جاعل في البيت مسئولاً أو إني جاعل في المؤسسة مديراً وهذا تقيد للمسؤولية والإدارة؟ والجواب: أن هنا مناسبة بين المؤسسة والإدارة والبيت والمسؤولية في حين أنها مفقودة بين الأرض والاستخلاف، كما أن القرائن التي ذكرناها سابقاً من التعليم وإلاسجاد وما يأتي من تعليم الأسماء كلِّها، تؤكد على أن الاستخلاف دائرته أوسع من الأرض، ثُم إن هذا الجعل - مضافاً إلى ظهوره في الإطلاق الزماني والتأبيد ما دام الموجود الأرضي - يبطل اعتراض الملائكة الذي يكفي في وجاهته صدقه ولو لبرهة وفترة يسيرة؛ فالتخطئة لهذا الاعتراض لابد أن تكون بنحو النفي والسلب المطلق له، وذلك بدوام وجود الخليفة ذي العلم اللَّدُني ما دام الخلق البشري على الأرض.
* خليفة : والاستخلاف الوارد في القرآن على نحوين؛ الأول: استخلاف عام لنوع البشر؛ والهدف منه إعمار الأرض والعالم الكوني، والثاني: استخلاف خاص، وهو خلافة الاصطفاء، وهي المقصودة هنا؛ وذلك لأن الحق تعالى قد ربط هذا الاستخلاف بالعلم اللدني المحيط، ومثل هذا العلم ليس لدى نوع البشر، بل لدى فئة خاصة منتخبة من البشر، ولكن هذا لا يعني الاختصاص بآدم، بل قد يعمُّ فئة من بني البشر، نعم، هو لا يعم كل البشر.
والفارق بين الاستخلاف والنيابة والوكالة، أن هذه العناوين تقتضي وجود
طرفين أحدهما يتولَّى عن الآخر الفعل والعمل إلاّ أن دائرة التولي إذا كانت محدودة، فتسمّى وكالة، ويتبع ذلك ضيق صلاحيات الطرف، وإذا اتسعت تسمّى نيابة وتزداد صلاحيات الطرف، وإذا اتسعت أكثر تسمى ولاية، وإذا ازداد اتساعها تسمّى خلافة؛ وهي قيام شخص مقام آخر، فيقال: خلف فلان فلانا، أي حلَّ محلَّه. غاية الأمر أنه في عالم الممكنات تكون بدلاً عن فقد، أي بعد فقد المستخلَف في ذلك المقام. أمّا عندما تكون الخلافة عن الواجب، فلا تكون عن فقد، بل بنحو الطولية. فاللَّه مالك الملك في السماوات والأرض، فهو يملك ويُقْدِر الملائكة على شيء، وليس هو فاقد للقدرة، بل في عين تملُّكهم وإقدارهم يكون مالكاً وقادرا، فهذا الاستخلاف ليس هو التفويض الباطل، بل هو إقدار وتمكين من دون تجافٍ وفقد.
فالمستخلِف هو اللَّه عزَّ وجل، والخليفة يكون هو الرابطة التكوينية بين الذات الأزلية ومورد الاستخلاف، نظير الأفعال الاختيارية التي يقدم بها الفاعل المختار المخلوق فإنها إقدارٌ وتمكينٌ من مالك الملوك واستخلافٌ فيها من دون عزلة ولا انحسار لقدرة واجب الوجود.
وأخيراً فإن عنوان الخليفة غير عنوان النبوة والرسالة، بل يكون أهم شأناً منها؛ لأنه يقوم مقام اللَّه ويخلف اللَّه بخلاف العنوانين.
* ( قال: إني أعلم ما لا تعلمون ) .
إن اعتراض الملائكة يدل على أنهم تصوَّروا أن الهدف من إيجاد آدم هو إعمار الأرض، ولكن الآية تبيِّن خطأهم في فهمهم، ومحط اعتراض الملائكة أن مَن يصدر منه الإفساد وسفك الدماء، أي مَن يصدر منه الزلل والخطأ لا يتساوى مع مَن يكون معصوماً عن الخطأ، فهم أحق بخلافته من هذا الموجود. وكان الجواب: أن هذا الاعتراض منشؤه الجهل؛ حيث إن العصمة العملية ليست هي فقط العاصمة عن الزلل، بل المهم هو العصمة العلمية التي تكون عاصمة حينئذ عن الزلل العملي
أيضاً، فالجهل العلمي هو الذي يسبب الوقوع في الأخطاء والزلل، ومن هذه الآية نعرف السر في حثِّ القرآن على طلب العلم واستخدام العقل؛ حيث غن التقدّس والتعبد غير مانع وعاصم من الوقوع في الخطأ، بل العلم التام والصحيح هو العاصم الأتم. وبذلك يمكننا القول أن سؤال الملائكة ليس اعتراضا؛ فهم مسلمون للَّه وخاضعون له إلاّ أنه سؤال استفهامي ناتج عن عدم إحاطتهم بكل شيء، فتصوَّروا أنهم أكثر أهلية لهذا المقام.
* الأسماء: وهو جمع محلَّى باللام مفيد للعموم، والكلام في المراد من هذه الأسماء؛ فذهب البعض إلى أنها المعاني المختلفة، وبعض إلى أنها أسماء المعاني كلِّها، ولكن التدبر في الآيات الشريفة لا يساعد على الاقتصار على أيٍ منها؛ وذلك:
ـ أن العلم بهذه الأسماء أوجد امتيازاً لآدم على الملائكة وبه استحق الاستخلاف، وإذا كان هو ما ذكروه من المعلومات الحصولية فإن آدم بتعليمه للملائكة يصبحون في مستوى واحد، بل قد يكون تدبر اللاحق أشرف من السابق، وعليه لا موجب لاستحقاق الأفضلية لآدم على الملائكة.
ـ أن الأسماء لو كانت هي اللغات وأسماء هذه المعاني المتداولة، فإن الحاجة إليها إنما هو لانتقال المعاني والمرادات بين الناس، والملائكة ذات كمال أعلى وأشرف من ذلك، فإنها تطَّلع على النوايا من دون حاجة إلى الألفاظ، فأي كمال تحصل عليه الملائكة في إنبائها بهذه الأسماء؟!
ـ أن هذه الأسماء أرفع من أن تصل إليها الملائكة مع تنوُّع شؤونها ووظائفها؛ حيث أنها جاهلة بها، خصوصاً أن الملائكة كانت عالمة بشؤون الأرض، ولذا سألت عن هذا الموجود الأرضي، فلا يخفى عليها شأن من شؤون الأرض، فلا بد أن تكون هذه الأسماء غير أرضية.
ـ في الآية اللاحقة عندما عرض اللَّه (جلَّ وعلا) المسمَّيات أو الأسماء على الملائكة أشار إليها باسم الإشارة (هؤلاء) وهو يستخدم للعاقل الحي الحاضر، ولا يقال للمعدوم ولا للجماد،وكذا استعمل ضمير الجمع للعاقل (هم) في جملة (عرضهم) وفي جملة ( أنبأهم بأسمائهم، فلمَّا أنبأهم بأسمائهم ).
ـ أن تميُّز آدم عن الملائكة ظل حتى بعد إنباء الملائكة بهذه الأسماء أو بأسماء الأسماء.
ـ أن آدم لم يُعلم الملائكة بهذه الأسماء، بل أنبأهم، والإنباء غير التعليم؛ إذ أن التعليم هو العيان الحضوري، أمَّا الأنباء، فهو إخبار بالعلم الحصولي.
ـ التعبير عن هذه الأسماء أنها ( غيب السماوات والأرض ) ، فالإضافة هنا لامية وليست تبعيضية؛ أي غيب للسماوات والأرض لا أنه غيب من السماوات والأرض، أي ما وراء السماوات والأرض وأنها كانت غائبة عن الملائكة، بل خارجة عن محيط الكون.
وهذه القرائن والشواهد تدل على حقيقة واحدة:
أن هذه الأسماء لمسمَّيات ووجودات شاعرة حية عاقلة عالمة أرفع مرتبة وأشرف وجوداً من الملائكة، بل هي أشرف من آدم، لأنه بالعلم بها استحق الخلافة، فهي أشرف مقام في الخليقة.
* العلم: أن العلم الذي تعلمه آدم من قبل الحق تعالى لم يكن بالتعليم الكسبي الحصولي إنما هو بالعلم الحضوري، وهو نوع من الارتباط والرقي للروح إلى عوالم عالية حيث ترتبط الروح بتلك العوالم العلوية عياناً وحضورا، والحديث هنا ليس في مقام الرسالة والنبوة، بل في مقام الخلافة وخليفة اللَّه.
إذن فالعلم المذكور هنا هو خارج حد الملائكة؛ لذا نفي التعليم عنهم حتى بعد إنباء آدم يدل على أن هذا المقام هو غير مقام النبوة، بل هو مقام الإمامة والخلافة، كما
ترتَّب عليه إطواع وإتباع الملائكة له.
ثم أن هذا التعليم لآدم كان قبل دخوله الجنة وقبل نزوله للأرض كما يتَّفق عليه المفسِّرون؛ أي قبل أن يكون مقام النبوة لأدم. وقد يقال: إن إنبائه للملائكة يدل على كونه نبياً لهم، لكن هذا ليس من قبيل النبوة الاصطلاحية للأرض حيث التكليف والعمل، وإنما الإنباء هاهنا من قبيل التعليم اللدني الذي هو فوق مقام الملائكة.
ويذهب البعض إلى القول أن الخلافة التي جعلت عنواناً لهذا الموجود هي خلافة عن النسناس الأرضي، وهذا خطأ فاحش، بل بقرينة الإنباء المزبور هو مقام خلافة اللَّه عزَّ وجل، أي بمعنى الإقدار من قبله عزَّ وجل.
وممَّا يدلل على أن العلم الوارد ليس علم النبوة والرسالة أن في هذا العلم لا يحتمل واسطة ملائكية بين اللَّه وبين آدم بينما في علم النبوة يحتمل واسطة ملائكية ويمكن وقوعها.
فهذه القرائن تدل على أن هذا العلم الذي تعلمه آدم نحو من العلم الحضوري الخاص، وأنه استحق به مقام الولاية والرتبة التكوينية، وهو فوق مقام النبوة والرسالة.
* ( إن كنتم صادقين ) .
إن القرآن في حديثه عن الصدق يذكر له مراتب من مقام الصدِّيقين والصدِّيق، وهذه المراتب ليس في قبالها الكذب الاصطلاحي، بل هي مراتب اشتدادية في نفس الصدق، وقد أشرنا قبل إلى قوله تعالى: ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ) حيث ذكرنا أن اللَّه أصدق من سيد الكائنات، وهذا لا يعني أنه كاذب - والعياذ باللَّه - فالأصدق دوام كلامه وسعته أكثر من الآخر، والأمر الذي نريد التأكيد عليه أن مراتب الصدق لا يقابلها الكذب فالآية لا تدل على كذب الملائكة، بل تشير إلى عدم واقعية ما
حسبوه وتوهَّموه.
وهناك روايات تبيِّن كيفية الطريق إلى أن يكون الإنسان من الصدِّيقين، وهو مقام أوسع من الصدق الخبري والمخبري، فالذي يكون أكثر علماً وأكثر إحاطة يكون أصدق من الأقل علماً؛ وذلك لأن الأول يكون علمه محيطاً والآخر أقل إحاطة فتأتي علومه غير مطابقة، فالمقصود أن المراد هنا من الصدق الإحاطة وعدمها، لا المطابقة للواقع وعدمها.
ونظير ذلك ما تصف الروايات بعض آيات القرآن أنها أصدق من آيات أخرى وأكثر إحكاماً وأكثر حقا، وهذا لا يقصد منه بطلان الآيات الأخرى، بل يقصد منه أن تلك الآيات أكثر إحاطة بالواقع فتكون أصدق وأحق وأحكم.
فالملائكة في هذه الآية يخبرون عن أحقيَّتهم وأهليَّتهم للخلافة في الأرض، حيث إنهم أنبئوا عن استحقاق ذلك لمَن تكون له العصمة العملية، لا أنهم يخبرون عن واقع، بل من باب المسائلة.
* الإنباء: بناء على ما ذكرنا سابقاً من أن استخدام الحق تعالى للألفاظ المختلفة ليس من باب التنوُّع اللفظي والنثر البلاغي، بل القرآن كتاب حقائق، وتغيُّر اللفظ من موضع إلى آخر يدل على تغاير في المعنى الحقيقي المراد للحق تعالى.
فنلاحظ هنا أن الباري تعال أسند تعبيرين لهذه الأسماء؛ أحدهما: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) ، والآخر: قوله للملائكة: ( أَنبِئُونِي ) ؟ وأجابت الملائكة: ( لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا ) فأمر آدم بإنبائهم باسمائهم، فالارتباط بين الحق تعالى وآدم كان بالتعليم، أمَّا عندما أخبر آدم الملائكة، فكان الارتباط بالإنباء. وهذا التغاير يدل على أن الملائكة لم ينالوا العلم الحقيقي بهذه الأسماء.
والسر في هذا التغاير هو أن التعليم عياني حضوري، والإنباء إخبار من وراء حجب الصور والمفاهيم وما شابه ذلك، فإضافة آدم مع ربه من نحو العلم
الحضوري، وأمَّا الإضافة بينه وبين الملائكة، فهي إضافة إنباء، وهي درجة نازلة عن العلم، ومن القرائن على تلك المغايرة:
ـ أن الملائكة لو كانت قابلة لتعليم الأسماء لأصبحوا في الشرف سواء مع آدم، ولَمَا كانت لآدم مزية عليهم، فالملائكة لم يستحصلوا على ذلك العلم إلى آخر المطاف، خصوصاً إذا لاحظنا أن الأهلية للخلافة غير منوطة بالأسبقية الزمانية للحصول على العلم، بل الأهلية هي بالعلم، وهي حاصلة لآدم.
ـ فاطلاع الملائكة لم يكن بالعلم اللدني، ولو كان كذلك، لَمَا كانت حاجة لإنباء آدم.
فالخلاصة أن الملائكة بعد إنباء آدم أصبح لديهم علماً حصولياً بتلك المسمَّيات.
* غيب السماوات والأرض: ذكرنا في بحث الأسماء أن الإضافة في غيب السماوات هي إضافة لامية؛ أي غيب للسماوات والأرض، وقد جعل بعض العامة أن المراد بهذا الغيب هو ما كتمته الملائكة، لكنَّه غير تام؛ وذلك لأن قوله تعالى ( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) (1) من عطف المغاير زيادة على الجملة السابقة؛ إذ ( مَا تُبْدُونَ ) ليس من الغيب أصلاً، وما كانت تكتمه هو أنها كانت ترى أنه لا يوجد مَن هو أقرب منها إلى اللَّه كما يفهم من مفاضلتها ذواتها على مطلق مَن هو غيرها من المخلوقات، فليس هذا المراد من غيب السماوات والأرض، بل المراد منه أمر ليس بجزء من السماوات والأرض.
ومقابل الإضافة اللامية الإضافةُ التبعيضية، أي خصوص غيب هو جزء من السماوات والأرض، وهو ينطبق على الكونية المستقبلية، لكن المورد ليس من هذه الموارد التي
____________________
(1) البقرة: 133.
تكون الإضافة تبعيضية؛ وذلك لأنه مقام إظهار قدرته تعالى وإحاطته وعجز الملائكة، وتمام العجز أن هذه الأسماء أمور غائبة عن العالم السماوي والأرضي خارج محيط الكون، وممّا يبعد معنى التبعيض وأن الغيب بمعنى المستقبل الذي هو جزء السماوات والأرض، أنه قد عرضهم على الملائكة فهي موجودات بالفعل لا مستقبلية، وهذا ممَّا يعزِّز أيضاً أن المراد غيب فعلي عن السماوات والأرض، فإذن هي موجودات أحياء فعلية خارج إطار السماوات والأرض.
* أية السجود: وفيها موقفان يجب التأمل فيهما؛ أحدهما: أمر اللَّه عزَّ وجل الملائكة بالسجود لآدم، والآخر هو: إباء إبليس واستكباره وكونه من الكافرين.
أمَّا الأمر الأول ، وهو السجود، ففيه عدة نقاط:
ـ أن التساؤل يثار عادة هل أن السجود لغير اللَّه تعالى صحيح أم لا؟ وهذه مسألة كلامية فقهية نتعرض لبعض جوانبها ومن ثم نذكر ما يمكن استيحاؤه من الآية الكريمة.
ذهب بعض الفقهاء إلى أن السجود ذاتيُّه العبادة، فأينما وقع فهو عبادة، فلا يجوز إيقاعه لغير اللَّه تعالى لأنه هو المعبود حقيقة؛ ولذا يذهبون إلى تأويل ما ورد في القرآن الكريم من السجود لغير اللَّه تعالى إلى أنها تحمل على مطلق الخضوع والخشوع، لا أداء تلك الحركة المعينة؛ لأنه من المحال أن يأمر اللَّه تعالى بعبادة مَن ليس أهلاً للعبادة، فهو شرك وقبيح، ويستشهدون بما ورد من الأثر عن النبي صلىاللهعليهوآله : (لو كنت آمراً أحداً بالسجود، لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها)، وهذا يعني عدم جواز الأمر بالسجود.
والجواب عنه: أن المستدِل يستدل بوجهين؛ أحدهما: أن السجود ذاتيُّه العبادة، والآخر: نهي الشارع عن السجود لغير اللَّه.
أمَّا الأول، فكون السجود - لو كان بمعنى الهيئة الجسمانية المخصوصة - ذاتيُّه
العبادة أول الكلام، بل إن السجود مُظهِر ومُبرِز للعبادة، وفرق بين الأمرين؛ والشاهد على ذلك: أن تلك الهيئة المعينة قد يوقعها الإنسان و مقصوده الرياضة أو الاستراحة أو أي أمر آخر، وهذا يدل على أن العبادية فيها متقوِّمة بالقصد، لا أن الهيئة متى وقعت كانت عبادة، وعليه نقول: إن تلك الهيئة لو وقعت بقصد الإكرام والاحترام، لا بقصد الخضوع العبادي، فلا تكون عبادة. وقد مورس هذا النوع من التكريم والاحترام في الشعوب القديمة حيث كان يسجد للسلطان والملك كما في عهد النبي يوسف عليهالسلام ولم يكن في البين عبودية، وهذا يدلِّل على أن تلك الهيئة ليست ماهيتها التكوينية العبادة. مضافاً إلى أن أصحاب هذا الرأي لا يعتبرون الركوع عبادة مطلقاً، ويجوّزون وقوعه لغير اللَّه إذا كان القصد منه الاحترام والتكريم.
وبعبارة أدق: أن الخضوع تارة عبودي وأخرى مطلق الاحترام والتكريم والتعظيم، والفارق بينهما أن الخضوع إن كان بقصد أن المخضوع له ذات واجبة الوجود بنفسه خالق متَّصف بجميع الكمالات بالذات، فهو عبادة، وإن كان لا بقصد منتهى الخضوع ولا أن المخضوع له ذات مستقلة الوجود، فلا يكون عبادة، بل إن القبح يزول عن هذه الهيئة عندما يكون الآمر إلى هذا السجود هو اللَّه عزَّ وجل، بل يعد السجود لهذا الشخص هو منتهى الامتثال والخضوع لأوامر اللَّه، بل هو منتهى الفناء والابتعاد عن أنانية الذات. والحق تعالى عندما يأمر بالسجود لا يكون أمراً بمعنى العبادة لغيره؛ إذ أنه مستحيل، بل العبادة للَّه تعالى بتوسط الاحترام والخضوع لخليفته تعالى، وهذا ما توضحه كثير من الأخبار والآثار الواردة في ذيل السجود ليوسف عليهالسلام وفي آية ( وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ) (1) ، إذ ليس
____________________
(1) يونس: 87.
المراد السجود لبيت موسى، بل هو سجود للَّه وإكرام واحترام للشخص.
أمَّا الوجه الثاني، فابتداءً ليتنبَّه إلى أنه غير الوجه الأول إذ أنه يتم، ولو فرض التنزُّل بأن السجود ليس ذاتيُّه العبادة، فهو منهي عنه من قبل الشارع إيقاعه لغير اللَّه؛ وبذلك لا نحتاج إلى تأويل آيات السجود في القرآن، بل بأن السجود بهذا المعنى لم يكن محرَّماً في شريعة يوسف وموسى عليهماالسلام ، وعلى كل حال نقول: إن السجود بمعنى العبادة لغير اللَّه منهي عنه من قبل الشارع.
أمَّا الآية الكريمة التي نحن بصددها، فإنه - على ما ذكرنا - لا حاجة لتأويل السجود إلى معنى الخضوع والاحترام وما معناه، ولا حاجة إلى القول أن السجود على معناه الحقيقي ولا مانع منه لأنه لم يكن محرماً إلا في شريعة الخاتم، لا حاجة إلى كل هذا، بل نقول: إن السجود لا مانع منه حيث لم يُوقع بقصد العبادة.
مضافاً إلى أنه لو كان منهياً عنه، فيمكن أن يأمر اللَّه تعالى به في هذا الموضع ويكون تخصيصاً للنهي العام عن السجود لغير اللَّه، ولا مانع من تخصيص العام على الوجه الثاني؛ حيث إن السجود كان تكريما لآدم، وقد أشارت الروايات من الفريقين إلى أن إبليس كان ومازال يستطيع التوبة بالسجود لآدم، فلو سجد لتاب اللَّه عليه، وهذا من سعة حلمه تعالى بعباده، إلاّ أن إبليس أخذته العزة بالإثم فأبى عن السجود.
2 - ومن أجل الوصول إلى المعنى المراد من السجود في الآيات الكريمة نستعرض عدداً من النقاط:
أ - نعيد التذكير بأن القرآن كتاب حقائق، فعندما نلاحظ لفظاً كُرِّر عدة مرات، فلا يمكن القول أن التعبير به أمر أدبي، بل يكون إشارة إلى ماهية معينة أراد الحق تعالى إفهامها لخلقه، وهذا هو ما ذكرناه سابقاً في مقدمة البحث.
ب - عبَّر في آية 29 من سورة الحجر ( فَقَعُوا ) ، حيث لم يكتف بذكر مادة
السجود، بل عبَّر بالوقوع الفوري، وهذا فيه نوع من التشديد والتأكيد لمعنى الخضوع والتعظيم.
جـ - أن حادثة السجود هي الحلقة المتصلة بين هذه السور السبعة، فقد كُرِّرت في كل الآيات بخلاف بقية مقاطع قصة آدم.
د - أن لفظ السجود ومشتقاته تكرَّر كثيراً حتى في السورة الواحدة؛ مثلاً في سورة الحجر كُرِّر 5 مرَّات وفي الأعراف 4 مرَّات وفي الإسراء وص كُرِّر 3 مرَّات،وهذا التكرار لهذه اللفظة لابد له من وجه، لا أنه مجرد التحسين اللفظي والأدبي، بل يدل على محورية هذه الماهية وجعلها فيصلاً بين الطاعة والمعصية.
هـ - في بعض الآيات ورد التأكيد على أن الأمر بالسجود كان لجميع الملائكة ولم يكتف بدلالة الجمع المحلَّى بالـ ( الْمَلآئِكَةُ ) ، بل أردف بالتأكيد بـ ( أَجْمَعُونَ ) و ( كُلُّهُمْ ) للدلالة على الاستغراق.
و - أنه عندما رفض إبليس السجود لآدم عبَّر عن ذلك بـ ( أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ) ؛ أي أن منشأ عصيان إبليس هو الإباء والاستكبار، وفي مقابله طاعة الملائكة، وهو الانقياد والمتابعة والخضوع، فمعنى السجود المأمور به، فيه زيادة على معنى الاحترام والتكريم، بل هو إظهار لمطلق الانقياد (غير العبادي) لآدم، و إبليس لم يستكبر عن عبادة اللَّه في الصورة، بل استكبر عن أمر اللَّه بالانقياد لآدم حيث زعم أن آدم أقل مرتبة منه.
ز - أن قوله تعالى في خطابه لإبليس ( مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) منطوٍ على ظريفة لا تحصل من التعبير بلفظ الملائكة أو الضمير (ما منعك أن تكون معهم)؛ إذ وصفهم بالساجدين لبيان حالة الانقياد، وهو السجود.
حـ - نسبة آدم للَّه جلَّ وعلا ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) فيها تشريف لأدم وأنَّ سرَّ خلقته وتسويته مباشرة من اللَّه من دون توسيط الملائكة.
ط - يظهر من بعض الآيات الحاكية لهذه الواقعة أن الأمر بالسجود وقع مباشرة بعد خلقة آدم من دون وجود تراخي ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ؛ وهذا يدل على التلازم والفورية وأن لا تمر فترة من بعد الخلقة من دون انقياد الملائكة به.
ي - أن تكرار هذا المقطع بالذات من دون بقية المقاطع فيه دلالة مؤكَّدة على أن ما جرى من الواقعة هو من باب المقدمة لهذا الأمر، وأن كل ما مضى كان إعداداً لها، وبتعبير آخر: أن المحاورة من إخبار الملائكة بالخلق وغيره كله جَرَت تمهيداً وبياناً لمقام هذا المخلوق الجديد حتى لا يكون الأمر بالسجود مفاجئاً للملائكة ولا تنفر منه ذواتهم.
فهذه عشر قرائن وملاحظات عامة على التعابير الواردة في هذا المقطع. أمَّا ما يمكن استظهاره من المعاني في هذا الشأن، فهو:
1 - كما أن إنباء آدم للملائكة تعبير عن الهداية الإرائية وأنه استكمال لهم؛ لولاه لَمَا حصل لهم ذلك العلم، فإن السجود لآدم هو تعبير عن الهداية الإيصالية والمتابعة العملية التي بدونها لا يحصل لهم أيُّ كمال، وهذا الانقياد لم يكن لمجرد مخلوق، بل إنما هو لمقام الخلافة الذي جعله اللَّه تعالى لآدم، فلازم مقام الخلافة عند اللَّه هو متابعة وانقياد الملائكة والجن (بناء على القول المشهور أن إبليس من الجن) وهذا هو مفاد الإمامة؛ وهي المتابعة العملية والعلمية والهداية الإرائية والإيصالية، ويثبت بذلك أن شؤون الإمامة ليست للناس فقط وإنما هي تشمل الملائكة والجن.
2 - أن حدود إمامة آدم لا تقتصر على البشر، بل تشمل الملائكة والجن أيضاً.
3 - أن القرآن الكريم قد أثبت للملائكة وظائف وشؤون متعدِّد؛ منها: الحفظة، إنزال الذكر، قبض الأرواح، نشر الرياح، اللواقح، المقسمات، نصرة الرسل
وتأييدهم، تسبيح اللَّه...
ونتيجة أن علمهم كان من آدم وأن عليهم متابعة آدم والانقياد له وأنه حاز مقام الخلافة، فهذه كلها تدل على أن لآدم الولاية التكوينية على الملائكة، وتكون شؤون الملائكة كلها تحت يده وفي تصرفه.
4 - أن خلافة آدم ليست خلافة مقيَّدة، بل خلافة مطلقة، ونستطيع أن نطلق عليها أنها: خلافة اسمائية
للَّه عزَّ وجل؛ وذلك لأنه بالعلم بالأسماء الشاعرة الحية العاقلة استحق مقام الخلافة، وأسماء اللَّه لها تأثير في عالم الخلقة؛ حيث إنها حقائق حيَّة واقعية مهيمنة، حيث أن أفعال اللَّه تعرف باسمائه، وهي آثار وتوابع اسمائه، فتكون بذلك كل القدرات الموجودة في عالم التكوين محاطة بها، وهو ذلك المقام.
وبالطبع ليس هذا الثبوت بنحو التفويض العزلي الباطل، بل هو إقدار من اللَّه سبحانه وتعالى في عين ثبوت القدرة المستقلة الأزلية للَّه عزَّ وجل.
الأمر الثاني: إباء إبليس
* إن من المسلَّم به أن إبليس كان في جمع الملائكة عندما خاطبهم اللَّه وأمرهم بالسجود لآدم. أمَّا أن إبليس هل هو من الجن أو الملائكة، فقد كان موضع خلاف وتعبير القرآن أنه من الجن ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) وهذا وإن كان له تفسيران؛ أنه كان من الملائكة فصار من الجن وأن (كان) هنا بمعنى صار، أو أن يقال: إنه من الجن، وإنما تواجد في جمع الملائكة لأن اللَّه جلَّ وعلا كان يكلِّفه بوظائف الملائكة، وهذا نوع تشريف لإبليس، والروايات الواردة تشير إلى أن لإبليس قبل الامتحان مقاماً رفيعاً؛ ويدل عليه انضمامه في الخطاب الموجَّه للملائكة، كما أن تشريفه بالخطاب الإلهي يدلِّل على أنه كان من الموحِّدين والمؤمنين باللَّه وبعالم الغيب والمعاد ( أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) . وأمَّا إنباء آدم
للملائكة، فقد كان حاضراً بمقتضى تواجده معهم،
ومقتضى ذلك أن إبليس استحق الكفر لأنه لم يؤمن بالإمامة؛ مقام خلافة اللَّه، وبالتحديد لعدم طاعته للَّه عزَّ وجل في الائتمام والانقياد لمَن جعله اللَّه إماماً، ولم يذكر لإبليس فعلاً وعصياناً آخر استحق به هذا العقاب، وكانت النتيجة أن مصير إبليس هو جهنم وأن كل ما عمله قد ذهب سدى وهباء.
فهذا يثبت أحد معتقدات الإمامية؛ وهي أن النجاة مرهونة بالائتمام بخليفة اللَّه في أرضه، وقد وصف إبليس بالكفر، وهو على درجات، و يراد منه هاهنا: الكفر الاصطلاحي الذي يقابل أصل الإيمان ويستوجب الخلود في النار.
والكفر على قسمين: أحدهما بحسب الواقع دون الظاهر، والآخر بحسب الواقع والظاهر معاً، والظاهري هو ما عليه الكفَّار الآن. وأمَّا الأول، فهو ما نشاهده من المقصِّرين الذين اطلعوا على الأدلة الحقَّة إلاّ أنهم لم يؤمنوا ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (1) ، فهؤلاء وإن كانوا في الظاهر غير كافرين إلاّ أنهم بحسب الواقع كافرون، ويعاملون في الآخرة على طبق الواقع الحقيقي. وأمّا في هذه النشأة والدار، فيعاملون معاملة ظاهر الإسلام، فالإمامة مرتبة من مراتب التوحيد والإيمان، فهي توحيد في الطاعة كما ذكرنا ذلك مراراً في الفصل الأول، وبالتعبير الوارد في هذه الواقعة رأينا أن الكفر أُطلق في قبال الائتمام كما أطلق في مقابل الإيمان والتوحيد.
* كما أننا نلاحظ أن من أصعب الامتحانات الإلهية في العقيدة هو الإيمان بالإمامة؛ حيث إن هذين الموجودين (الملائكة والجن) لا يظهر منهما أي تمنُّع من الاستجابة لنداء التوحيد والنبوة بخلاف الإمامة - وهو الانقياد المطلق لخليفة اللَّه والخضوع و السجود إليه - حيث تمنَّع إبليس عن ذلك.
____________________
(1) الحجرات: 14.
وبتعبير آخر: أن أكمل مراتب التوحيد والإيمان هو الإمامة؛ أي أن بها تمام التوحيد، لا بمعنى أنها الأصل والباقي فرع.
ثانياً: الفوائد
بعد هذا الاستعراض للمقاطع الواردة في هذه الآيات الشريفة نستعرض الفوائد التي نقتطفها من هذه الآيات:
الفائدة الأولى: يمكن القول أن هذه الآيات تعتبر من أمهات الآيات الوارد ذكرها في قوله تعالى ( هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ) ؛ وذلك لأنها تبيِّن ركناً من أركان النجاة الأخروية، وتبين كيفية بدء الخليقة ومقام خليفة اللَّه.
الفائدة الثانية: أن المفاد الإجمالي هو استخلاف اللَّه عزَّ وجلَّ لخليفةٍ أحد مصاديقه آدم، وهذه الخلافة مطلقة غير مقيدة بقيد، وهي خلافة اسمائية كما بيَّـنَّاه.
الفائدة الثالثة: أن هذا المقام الذي يبينه الحق تعالى في هذه الآيات ليس مقام النبوة والرسالة وإن كان يتصادق
معهما، بل ينطبق على مقام الإمامة، وسوف يأتي مزيد بيان لهذه النقطة في شرح الخطبة القاصعة.
الفائدة الرابعة: أن الخلافة ليست محدودة في الأرض وغير مقيدة بهذه النشأة وإن كان المستخلَف ذا بدن وسنخه أرضيا.
الفائدة الخامسة: الذي يظهر من الآيات الكريمة أن آدم كان قد تلقَّى العلم اللَّدُني قبل نزوله الأرض، بل قبل دخوله الجنة، وهذا يدفعنا للقول أن الموجود الإنساني حقيقته ليست جهته البدنية التي يحيا بها على هذه الأرض، بل إن له مدى أعمق من ذلك، وأن وراء تلك الحقيقة البدنية الأرضية حقيقة بعيدة عن عالم البدن؛ هي الروح، تكون - بشهادة قصة آدم - سابقة على الوجود الأرضي؛ مخلوقة قبل خلق البدن، وهذا هو المقدار الذي اتفق عليه كثير من الفلاسفة من لدن أفلاطون وحتى صدر المتألهين وإن اختلفوا بعد ذلك في كيفية
التقدم وتفسير ذلك التقدم وحدوثه أو قدمه على نظريات مختلفة، لكن القدر المتَّفق عليه بينهم أن خلق الأرواح كان قبل خلق الأبدان بمعنى ما وإن عبّر المشاؤون بأنها حادثة بحدوث البدن.
فهذه الروح أيضاً ذات درجات مختلفة تبعاً لاختلاف درجات العلم كما يظهر من قصة آدم، ووجود هذه الروح يتلاءم مع تفسير العلم أنه من سنخ المجرَّدات.
وأخيراً نود أن يسائل الإنسان نفسه: إذا كان تلك حال آدم وروحه المقدسة ودرجاتها العالية، فكيف يكون الحال مع مَن تكون حقيقته الأسماء التي أشير إليها بلفظ ( هؤلاء ) ؟!
الفائدة السادسة: أثبتنا سابقاً أن مِلاك استخلاف آدم هو العلم اللدني الذي تلقَّاه من الحق تعالى.
الفائدة السابعة: أن متعلق العلم الذي تلقاه آدم حقائق نورية حية عاقلة شاعرة جامعة للعلوم، وهي غيب السماوات والأرض. وما ورد في بعض روايات العامة والخاصة من أن المراد بالأسماء هي مسميات كل الأشياء في عالم الخلقة، فهو لا يتنافى مع ما نذكره؛ وذلك لأن الفرض أن العلم بالمعلومات التي هي جوامع ومحيطة بما تحتها من مصاديق وأنواع وأجناس، فيكون متعلق العلم اللدني جامع كل العلوم وذلك بجنسية اللام.
الفائدة الثامنة: أن هذه الآيات تقودنا إلى ما يثبته الإمامية من أبدية الخليفة على وجه الأرض ودوام وجود الحجة على هذه الأرض إلى أن يرث اللَّه الأرض وما عليها. ويتضح ذلك من خلال تساؤل الملائكة عن الخليفة الأرضي؛ حيث إنها نظرت إلى الصفات السلبية، فأجاب الحق تعالى: أنه يكفي في صحة الاستخلاف وجود إنسان كامل تتمثَّل فيه الحقيقة البشرية، وهو حاصل العلم اللدني، وهو خليفة اللَّه في أرضه. فلو فرضنا انتفاء ذلك الموجود الكامل على وجه الأرض فترة
وبرهة زمنية ما، لصح اعتراض الملائكة وتساؤلهم وأن ما ذكره اللَّه عزَّ وجلَّ غير متحقِّق - والعياذ باللَّه.
الفائدة التاسعة: ورد في الروايات أن الإمامة سفارة ربانية إلهية كالنبوة وإن لم تكن نبوة، فآدم حلَّ في مقام الخليفة والسفير، وهو الحجة صاحب التعليم وهم ينقادون إليه، فهو ينطبق عليه الحد الماهوي للإمامة؛ بدليل اكتمال الملائكة بالعلم الحصولي الذي حصلوا عليه وأنبأهم به آدم، وبالانقياد إليه وإلاّ لَمَا أمرهم تعالى بذلك، فهو إمام الإنس والجن.
الفائدة العاشرة: أن الخلافة هنا لا تكون بعزل المستخلف عن الأمر، بل هي خلافة مع وجوده تعالى ولا انحسار لقدرته تعالى، بل هو إقدار من جانبه لآدم. والخليفة هنا حاوٍ وجامع لصفات المستخلِف بنحو التنزُّل في عالم الإمكان، لا أن الاستخلاف هو عين تلك الصفات.
الفائدة الحادية عشر: ذكرنا مراراً أن مراتب التوحيد لا تتم إلاّ بالمرتبة الأخيرة؛ وهي: التوحيد في الطاعة، ومن هنا نجد أن الروايات المختلفة لدى العامة والخاصة تشير إلى أن كفر إبليس ليس كفر شرك، فهو لم يعبد غير اللَّه، وإنما كان جحده واستكباره عن توحيد اللَّه في مقام الطاعة، وقد ورد في بعضها أنه طلب من ربه إعفائه من السجود لآدم وسوف يعبده عبادة لا نظير لها، وجاء الجواب من الحق تعالى: (إني أريد أن أطاع من حيث أريد لا من حيث تريد) (1) ، وفي رواية أخرى: (إني أُريد أن اُعبد من حيث أُريد لا من حيث تريد) (2) ، وهذه هي الضابطة المهمة في بحث الإمامة، فالإمامة هي توحيد في عبادة وطاعة الباري من حيث يريد لا من حيث الذوات الأخرى تريد.
____________________
(1) قصص الأنبياء، 7، 43، وبحار الأنوار، ج2، ص262.
(2) تفسير القمي، ج1، ص41، وبحار الأنوار، ج11، ص141.
الفائدة الثانية عشر: أنه ورد في بعض الروايات عن أهل البيت عليهمالسلام : (الناس عبيد لنا) وهذه ليست عبادة ربوبية، بل هي خضوع وانقياد وعبودية الطاعة ونكران الذات والانقياد المطلق للسفير الإلهي، وهذا التسليم هو الذي نستفيده من الإسجاد الوارد في هذه الآيات.
الفائدة الثالثة عشر: أن قبول الأعمال مرهون بالتولِّي لخليفة اللَّه وسفيره، وهذا نستفيده من الغضب الإلهي الذي حل على إبليس لامتناعه عن السجود كما أن عبادته السابقة ذهبت هباء لا أثر لها؛ لعدم التولي والانقياد لخليفته. وقد أشرنا فيما سبق أن قبول الأعمال مرهون بالموافاة، أي موت المكلف الحي على موافاة التوحيد؛ أي أن لا يكفر، وقد ذكرنا أن التوحيد المقابل للكفر الاصطلاحي أحد أركانه التوحيد في الطاعة؛ أي تولِّي ولي اللَّه. وهذا الأمر الذي دلت عليه هذه الواقعة القرآنية مُدلَّل عليه أيضا في علم الكلام والتفسير.
وبتعبير آخر: أن الثواب على الأعمال هو التكامل، والتكامل هو السير إلى المقامات المعنوية العالية والإمام هو صاحب ذلك المقام الملكوتي الذي يسير بالنفوس في سيرها التكاملي من كمال إلى كمال.
الفائدة الرابعة عشر: أن الآية تثبت الولاية التكوينية؛ وذلك لأن سجود الملائكة لآدم - كما ذكرنا - لم يكن سجوداً عبادياً، بل طاعتيا، وهذا يعني إقداره عليهم، وهذا يعني ولايته على أهل السماوات والأرضين والغيب، ومن ثُم الإشراف على كل عمل يسند إلى الملائكة في الكتاب المجيد.
ويجب الالتفات إلى أن المقصود بالولاية التكوينية هي إقدار من عند الحق تعالى وفي طوله، من دون أن يوجب ذلك حصر قدرته وعزله عن مخلوقاته، ومن دون أن يؤدي إلى التفويض الباطل، ومن دون أن يحيط المخلوق - الذي أقدره تعالى - بقدرة الباري؛ وحيثية الشرك ناشئة من عزله تعالى وحصر قدرته، بل إن
الاعتقاد باستقلالية الممكن استقلالية تامة هو شرك وندِّيَّة للَّه تعالى. أمَّا الاعتقاد بالطولية وإقدار اللَّه وأن كل عالم الإمكان هو في حضرته تعالى، فهو ليس بشرك، بل تمام التوحيد في الأفعال.
إذن في هذه الآيات بيان لجانب من جوانب الولاية التكوينية وخصوصاً إذا لاحظنا أن السجود قامت به كل الملائكة وليس بعضهم، بخلاف المواقف الأخرى في الآيات الكريمة حيث إنه كان بمحضر بعض الملائكة كما يظهر من بعض الروايات. أمَّا مقام السجود، فإنه كان بحضور جميع الملائكة كما يظهر من (كلهم، أجمعون، اللام في الملائكة)، ويؤيِّده ما ورد في الحديث أن جبرائيل لا يتقدم على رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله وفي كثير من المواطن يخاطبه الرسول صلىاللهعليهوآله عن ذلك؛ فيعلله من أن اللَّه أسجدنا نحن أجمعين لآدم. وفي صحيح عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليهالسلام قال: (لمَّا مات آدم عليهالسلام ، فبلغ إلى الصلاة عليه، فقال هبة اللَّه لجبرئيل: تقدَّم يا رسول اللَّه، فصل على نبي اللَّه، فقال جبرئيل: إن اللَّه أمرنا بالسجود لأبيك، فلسنا نتقدَّم على أبرار ولْده، وأنت من أبرِّهم) (1) .
الفائدة الخامسة عشر: يستفاد من جعل الخليفة سابقاً على الخلق أن الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق؛ وهو تفسير لِمَا ورد: (لولا الحجة لساخت الأرض).
الفائدة السادسة عشر: إن إمامة آدم وغيره من خلفاء اللَّه وسفراءه مطلقة وعامة للجميع البشر والملائكة والجن، وهذا يستدعي بيان مقدمات:
ـ أشرنا في الفصل الثاني إلى أن الاستخلاف لبني البشر على نحوين؛ أحدهما: استخلاف اصطفاء، وهو مقام خليفة اللَّه والإمامة، والثاني: الاستخلاف العام لنوع
____________________
(1) التهذيب، ج3، ص330، ح 1033.
بني الشر، وفي هذا النحو اختلفت الآراء في الهدف من هذا الاستخلاف، فذهب جمع من العامة إلى أن الغاية من هذا الاستخلاف هو إعمار الأرض؛ تمسُّكاً بظاهر قوله تعالى: ( هُوَ أَنشَأَكُم مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيَها ) (1) ، ولكن في هذا الرأي مجانبة للحقيقة والواقع؛ وذلك لأن ظاهر كثير من الآيات القرآنية تدل على خلاف ذلك، أو بالأحرى تدل على أن الغاية من الخلقة والاستخلاف في هذه النشأة لا ينحصر بالإعمار، وأوضح تلك الآيات: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ؛ حيث فسَّرت العبادة بالمعرفة، فالغاية النهائية من الاستخلاف في هذه النشأة هو معرفة الحق تعالى حقَّ معرفته وإطاعته وعبادته، بل في قوله تعالى: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّماوَاتِ... وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) إشارة إلى أن الغاية من خلق الإنسان ليس خصوصيته الأرضية، بل هو أمر أعمق غوراً، وآيات تسخير المخلوقات له وأنَّ أكرم الخلق هم بني آدم التي تدل دلالة قاطعة على أنه حُشِد في هذا المخلوق من الإمكانيات والطاقات ما لا يتناسب مع جعل الغاية هو إعمار جزء عالم الإمكان.
ـ وبتعبير فلسفي عرفاني: أن الإنسان هو المظهر الجامع للأسماء الحسنى، فمظاهر كل اسم من أسماء اللَّه الحسنى يمكن أن تتجلَّى وتظهر في الإنسان وفي أفعاله ودرجات وجوده بخلاف بقيَّة الكائنات؛ ولذا يوصف الإنسان بأنه مظهر الاسم الجامع اللَّه وإنْ كان هناك أبرز أفراد البشر؛ وهو النبي صلىاللهعليهوآله ، في مظهر اسم الجمع (اللَّه)، أمَّا بقية الأفراد، فقد يكونوا مظهراً لبعض الأسماء كالعليم أو غيره...
وعليه فالإنسان أتمُّ مخلوق وأشرف مخلوق وأكرم مخلوق، ومن غير الممكن أن يُخلق كائن بكل تلك الإمكانيات والقدرات من أجل أمر سافل، بل لا
____________________
(1) هود:61.
بد أن يكون لأجل شيء أعلى وهدف أسمى.
وهذا الأمر العقلي يتناسب مع ما ذكرنا من ظواهر الآيات القرآنية أن هدف الخلقة ليس هو مجرد إعمار الأرض، بل يجب أن يكون أمراً أسمى وأعلى، وأن المطلوب من الإنسان غير الذي هو مطلوب من غيره، وهذا من باب الكشف الإنِّي.
ـ أشرنا أيضاً إلى أن حادثة السجود حضرها جميع الملائكة بدون استثناء، ومع أن الملائكة هي التي تدير الكون بأمر اللَّه تعالى، وأن رُتبتها تفوق كثير من المخلوقات، فهي - مع ذلك - تنقاد لخليفة اللَّه؛ فيظهر من ذلك أن الجن وما دون الجن تنقاد أيضاً لخليفة اللَّه.
الفائدة السابعة عشر: من الأمور التي رُكّز عليها في قصة آدم هو مسألة خلق آدم من الطين، وأن اللَّه عزَّ وجلَّ تعمَّد إخبار الملائكة بذلك قبل أمرهم بالسجود؛ وهذا يدلِّل على أمر مهم، وهو: أن الملائكة مع أنهم معصومون، إلاّ أن تكاملهم ورُقيِّهم يتوقَّف على الامتحان والابتلاء - كما سوف تأتي الإشارة إلى ذلك في الخطبة القاصعة في نهج البلاغة - وذلك بالأمر بالسجود، مع علمهم أنه مخلوق من طين وهو ليس من جنسهم، وهذا فيه تشديد في الابتلاء والامتحان؛ وما ذلك إلاّ لأن الطاعة - حينئذٍ - سوف تكون خالصة للَّه، لا شائبة فيها، فلو كان في خلق آدم مزية على خلق الملائكة، وكان له من النور ما يخطف به الأبصار، لكانت الطاعة مشوبة لا خالصة. وهذا يرشدنا إلى ما يجب أن تكون عليه الواسطة من كونها لمجرد الإرشاد والعلامتية والحرفية للذات المقدسة، وأن لا يرى فيها الإنسان شيئاً سوى حرفيَّتها؛ ولهذا كان التنبيه الدائم على الطبيعة الأرضية لآدم.
فكمال التوحيد وتمامه هو بالائتمام، وبه يتم الخلوص في العبادة، وهذا ليس شرطاً كمالياً للعبادة، بل يكون شرطاً مقوِّماً للتوحيد والعبادة؛ حيث يرى أن كل
ما سوى اللَّه مخلوقاً للَّه.
وإذا نظر إليها على نحو الاستقلالية، فإنها سوف تكون ربَّاً، وحال الواسطة حال المعنى الحرفي الذي إذا لوحظ في نفسه فلن ينبأ عن معنى في غيره، وإذا لم يلاحظ كذلك، فسوف ينبأ عن معنى في غيره ويؤدي الغرض منه.
ومن هنا يجب أن تكون الطاعة خالصة للَّه عزَّ وجل؛ لا يُرى فيها إلاّ وجه المعبود، خالية من الزوائد والشوائب. وهذا لا يكفي فيه الخطور الذهني فقط، بل يجب أن يرى في نفسه حقيقة العبودية، والخلوص بهذا المعنى نستفيده من هذه الآية، وأن ما جرى لإبليس أنه كان يرى لنفسه استقلالية، فقال: ( لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ) ، فهو رأى أن لا يليق بشأنه أن يسجد لآدم، وهذا نحو من رؤية استقلال الذات ونفي للواسطة التي نصبها اللَّه، أي نفي للحاظ الافتقار إلى الباري. ومن هنا يظهر أن الإيمان أحد محاوره هو الإمامة؛ حيث فيها يظهر كيف يقوم الإنسان بإماتة الذات ودحر الأنانية، وأن عدم الاعتقاد بالإمامة هو بداية الشرك.
الفائدة الثامنة عشر: والحديث حول نفس الوسائط حيث يجب أن يؤمن فيها معنى الحرفية، وهذا يعني أنهم لا يشيرون إلى ذواتهم وغرور ذاتهم، بل هم في حالة خضوع وتذلُّل لباريهم، وهذا لا يكون إلاّ بعصمتهم العلمية والعملية؛ وذلك لأنه إذا نصب واسطة غير معصومة، فإنها سوف لا تكون مشيرة إلى الحق تعالى، وسوف تُظهر نفسها ولا تظهر عظمة اللَّه، ولدينا في بعض الروايات: (أن مَن حكم بغير حكم اللَّه فهو طاغوت).
وهنا يجب التدقيق في: ما هو منشأ عدم حكمه بما حكم به اللَّه؟ والجواب: هو غرائزه النفسية؛ فذاته طغت على ما يجب أن تكون عليه الذات الإنسانية من حقيقة العبودية للَّه والحرفية له تعالى، وطاغوت صيغة مبالغة من الطغيان، وقال
في المفردات: (أنه كل متعدٍّ، وكل معبود ما سوى اللَّه)، أي تعدَّى حدود نفسه ونظر إليها على نحو الاستقلالية. والإيمان بالطاغوت هو الإيمان بذلك الطاغوت، وهي الذوات التي ليس فيها إراءة للَّه عزَّ وجل، إذن العصمة هي التي تؤمِّن لنا أن يكون الواسطة دائماً مظهراً للَّه يطوِّع إرادته لإرادة ربِّه في كل مكان ولا يرى لنفسه شيئاً.
فيجب على العابد:
1 ـ أن لا يلتفت إلى ذاته، وأن يرى نفسه - دائماً - مخلوقا.
2 - أن تكون الوسائط حقَّة؛ من عند اللَّه، لا أن توسُّطها له من عند المخلوق، بل توسطها منتسب إلى اللَّه ولا استقلالية لها في نفسها، وأن الواسطة دائماً في حالة خضوع وتذلل إلى اللَّه ولا تشير إلى نفسها. ومن هنا كان التنصيب للواسطة من عند اللَّه وكانت الواسطة معصومة؛ حتى لا ترى لنفسها مكاناً سوى مكان الطاعة والخضوع للَّه عزَّ وجل، بل يجب أن تكون - في تمام شؤونها - حاكية عن اللَّه؛ قال تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِن دُونِ اللّهِ ) (1) .
وإذا لم تكن الواسطة آية، فسوف تكون حجاباً ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللّهِ ) ؛ إذ من الواضح أن المسيحيين لم يؤلِّهوا أحبارهم، وإنما كانوا مستقلين في أحكامهم؛ يحكمون بهواهم ورغباتهم، ولم يستقوها من عند اللَّه.
وفي كلام بعض أهل المعرفة والتحقيق عند شرحه للسفرين الأولين من الأسفار الأربعة قال: وفي هذين السفرين لو بقي من الأنانية شيء يظهر له شيطانه الذي بين جنبيه بالربوبية ويصدر منه (الشطح)، والشطحات كلها من نقصان السالك والسلوك وبقاء الإنِّيَّة والأنانية؛ ولذلك بعقيدة أهل السلوك لا بدَّ للسالك
____________________
(1) آل عمران: 79.
من معلم يرشده إلى طريق السلوك، عارفاً كيفيَّاته، غير معوج عن طريق الرياضات الشرعية، فإن طرق السلوك الباطن غير محصور، بل هو بعدد أنفاس الخلائق) (1) .
والأئمة عليهمالسلام في حالة خضوع وخشوع وتضعضع للَّه دائماً، ومَن اقترب منهم فقد اقترب من الحق تعالى لأنهم مرآة له وآيات له.
الفائدة التاسعة عشر: أن إحدى الشؤون النازلة لمقام سفير اللَّه وحجته هي الزعامة السياسية، وأن غصبها منه لا يعني غصب مقام الإمامة، وهي أدنى شؤون الإمامة، وقد أشرنا أن أعلاها هو الخلافة الأسمائية لأسماء اللَّه حيث يبيَّن في الآيات أن استحقاقه لهذا المقام هو بتعلُّمه لهذه الأسماء؛ فأدني الدرجات اعتبارية كما في نصبه في حديث الغدير وأعلاها تكوينية.
الفائدة العشرون: أن الإمامة أمر اعتقادي ومن أصول الدين وليست مسألة فرعية، ويبتني عليه أن البحث فيها يكون ذا ثمرة خطيرة وليس بحثاً متوسط الفائدة، ولا تنحصر الفائدة منه في كونه مصدراً للأحكام فقط، بل المسألة اعتقادية كمسألة النبوة تناط بالتواجد الفعلي، فيجب بحثها حتى مع غيبة المعصوم، كما أنها ليست مسألة فرعية يكون الحكم فيها دائراً مدار وجود الموضوع، ومن الغفلات الشديدة أن يقال: إن البحث في الإمامة لا محل له الآن.
وهذا الأمر نستفيده من مقام الولاية على الملائكة الوارد في الآية، وأن هذا المقام حقيقة تكوينية، ويحاول البعض من العامة الاستفادة من غفلة البعض ليعترض بأن الإمام الثاني عشر غائب فما الفائدة من البحث في إمامته؟ وهذا الأمر يؤثِّر على المبنى المتبع في تنظير الحكم والحكومة في زماننا هذا؛ حيث إنه مع عدم وجود الإمام فقد يقال بالشورى، وهذا كله غفلة عن حقيقة الإمام و مقامه
____________________
(1) الإمام الخميني، مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، ص88 عند نقله لكلام الشيخ العارف القمشه أي.
التكويني وأنه يتصرَّف في النفوس لا من باب الجبر، وقد مضى البحث في هذا مفصَّلا.
الفائدة الحادية والعشرون: إثبات المعرفة النورانية وأنهم كانوا أنواراً، لِمَا تقدم من أن اسم الإشارة (هؤلاء) وضمير الجمع (هم) المتكرِّر ثلاث مرات، إنما يستعمل في الحي الشاعر العاقل، وأن تلك المسمَّيات غيب محيط بالسماوات والأرض، وأنه بالعلم بأسمائهم استُحق مقام الخلافة والتفوق على الملائكة، فهذه المسميات موجود نوري؛ أي حي شاعر لطيف منشأ للقدرة والعلم، وكونهم أعلى وأرفع شأنا من آدم فضلاً عن الملائكة. وفي الحديث عن أمير المؤمنين عليهالسلام : (إنه لا يستكمل أحد الإيمان حتى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية، فإذا عرفني بهذه المعرفة، فقد امتحن اللَّه قلبه للإيمان وشرح صدره للإسلام وصار عارفاً مستبصراً،... معرفتي بالنورانية معرفة اللَّه عزَّ وجل، ومعرفة اللَّه عزَّ وجل معرفتي بالنورانية، وهو الدين الخالص الذي قال اللَّه تعالى: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) (1) ) والحديث طويل يتناول فيه معرفتهم بالنورانية وشؤون الإمامة ن وهو وإن كان حديثا مرسلاً إلاّ أن مضمونه عالٍ، وهكذا الرواية التي تليها من نفس الباب عن جابر بن يزيد الجعفي عن الإمام السجاد والباقر عليهماالسلام وهي كالسابقة عالية المضامين ويشير بعض الأعلام في ذيلها (إنما أفردت لهذه الأخبار باباً؛ لعدم صحة أسانيدها، وغرابة مضامينها، فلا نحكم بصحتها ولا ببطلانها ونرد علمها إليهم - عليهم السلام) وهذا عجيب منه(قدس سره)؛ حيث إن أحاديث النورانية عنهم كثيرة في غير هذا الباب وليس فيها غرابة، انظر: بحار الأنوار/ المجلدات 25 - 24 - 23 يذكر روايات كثيرة في بيان مقام الإمامة التكوينية
____________________
(1) البيِّنة: 5.
وعلومهم اللَّدُنيَّة، وكذا من طرق العامة التي بمضمون (أول ما خلق اللَّه نور نبيك يا جابر).
وفي حديث طارق بن شهاب عن أمير المؤمنين المروي في البحار / مج25/ ص169: (يا طارق، الأمام كلمة اللَّه و حجة اللَّه ووجه اللَّه ونور اللَّه وحجاب اللَّه و أية اللَّه، يختاره اللَّه ويجعل فيه ما يشاء ويوجب له بذلك الطاعة والولاية على جميع خلقه، فهو وليه في سماواته وأرضه أخذ له بذلك العهد على جميع عباده، فمَن تقدم عليه كفر باللَّه من فوق عرشه) وهذه الموارد كلها قد ذكرناها في النقاط الماضية حيث إنه يكون حرفياً بالنسبة للَّه مشيراً إليه دائماً، وأن إمامته تشمل جميع الخلائق. و لا نريد الاسترسال في البحث الروائي وإنما أوردنا البعض فقط من باب التأييد لِمَا يستفاد من ظهور الآية الكريمة، ومن أراد الاستزادة فعليه بما ورد عن الإمام الرضا في الكافي حيث يزاوج بين مقامات الإمام العالية وشؤونه النازلة.
الفائدة الثانية والعشرون: أن اللَّه عزَّ وجلَّ بيّن موضوعية الواسطة والوسيلة وضرورة الأخذ منها، فلا يقول قائل: ملك مقرَّب أو عبد ممتحن، وإنه يجب أن يكون كل شيء عن طريقه. وفي نفس الوقت نؤكِّد أن تمام وجودها آية والاقتراب من الحق سبحانه هو بالواسطة، ومن دون الواسطة سوف يكون كفراً إبليسياً وحجابا.
الفائدة الثالثة والعشرون: أن الملائكة على عظم مقاماتهم وخلوصهم وصفائهم ونورانيتهم غير مؤهلين لخلافة اللَّه تعالى.
الفائدة الرابعة والعشرون: أن إضافة الرب إلى ضمير الخطاب (ربك)، يفيد أن هذه السنة الإلهية في هذه الأمة أيضا، بل إن صياغة التعبير المكرَّر في السور لهذه الواقعة آب عن الاختصاص بأمة دون أخرى، بل لنوع البشرية، هذا مضافاً إلى ما ذكرناه من أن عموم جواب الملائكة لدفع اعتراضهم يقتضي التأبيد أيضا.
الفائدة الخامسة والعشرون: أن مقتضى الجملة الاسمية واعتماد هيئة الفاعل في
الخبر الذي هو بمنزلة الفعل المضارع يفيد الاستمرار، ومقتضاه الحصر به تعالى في جعل هذا المقام.
الفائدة السادسة والعشرون: أن مقتضى مادة الخلافة تعطي تحلي الخليفة بصفات المستخلِف؛ لأنه ينوب في جهة ومورد الخلافة وإن كان في الباري الأمر بلا عزلة ولا انحسار رباني ولا تفويض باطل.
ثالثاً: قراءة في الخطبة القاصعة
في قراءة للخطبة القاصعة التي يتناول فيها الإمام عليهالسلام مقامات الأئمة ويتعرَّض للآيات السابقة:
(الحمد للَّه الذي لبس العزَّ والكبرياء، واختارهما لنفسه دون خلقه وجعلهما حمى وحرماً على غيره، واصطفاهما لجلاله وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده).
ففي هذا المقطع نشاهد أنه انطلق من كون هذين الاسمين مختصيَن به تعالى لأن العز والكبرياء من لوازم الاستقلال وما عداه فهو خاضع ومتذلِّل له، ومن ينازعه فيهما ويدعي له هاتين الصفتين فسوف يبعد عن رحمة اللَّه، ولا يخفى ما في الابتداء من براعة الاستهلال؛ حيث يريد أن يبيِّن في الخطبة حقيقة التوحيد والطاعة، وأن لا استقلالية لأحد على الإطلاق، وسوف نشاهد أن هذا الأمر هو السلك الذي تنتظم عليه فقرات الخطبة، وهو المنتهى إلى وجه ركنية الإمامة في عقيدة التوحيد ونفي الشرك.
(ثُم اختبر بذلك ملائكته المقرَّبين ليميِّز المتواضعين منهم من المستكبرين).
ثم أراد الباري اختبار ملائكته في التوحيد في الطاعة ليتميَّز المتواضع عن المستكبر، ومنه يعلم أن التواضع جذره عقيدتي وليس مجرد أخلاق؛ حيث إن المتواضع هو الذي لا يرى لنفسه موقعاً ومقاماً ومكانا، ومنه أيضاً يتبيَّن أن الملائكة يعملون ويتكاملون لكن فرقهم عن غيرهم أن الملك لا يعمل بغريزة
الشهوة والغضب، واختبارهم يدلل على أنه يفعل ما يفعل عن علم واختيار. ثم إن اختبار التوحيد؛ وهو اتصاف الباري فقط بالاستقلالية، هو في اتباع ولي اللَّه، وهو كما أشرنا إليه مراراً أشقُّ المقامات.
(وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ ) ).
ويوجد بحث بين الفلاسفة أنه هل لدى الملائكة علوماً وصوراً مرتسمة أم لا؟ العلامة الطباطبائي في الميزان والنهاية ينفي ذلك، لكن ما في القرآن ( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) يدلِّل على أن لديهم نوع من العلم الحصولي، ويركِّز الإمام على الصفة الطينية لآدم، وكذلك اجتماع (فقعوا) مع (السجود) حيث أن فيه زيادة في الإخضاع.
( اعترضته الحمية، فافتخر على أدم بخلقه وتعصب عليه لأصله، فعدو اللَّه إمام المتعصبين، وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبية ونازع اللَّه رداء الجبرية وادَّرع لباس التعزُّز، وخلع قناع التذلُّل ) .
فيشير الإمام إلى أن إبليس نازع اللَّه تعالى رداء الكبر الذي لا يحق لأحد إلاّ له سبحانه، واعتقد لنفسه الاستقلال ورفض الانصياع لولي اللَّه وخلع قناع التذلَّل، فجحود خليفة اللَّه تعالى وحجَّته على خلقه جذره ومنشأه كبر في الجاحد واستكبار على أمر اللَّه تعالى ورؤية استقلالية للجاحد في ذاته، وكانت عاقبته:
(ألا يرون كيف صغّره اللَّه بتكبُّره، ووضعه بترفُّعه؟! فجعله في الدنيا مدحوراً وأعدَّ له في الآخرة سعيرا).
وهذه هي نتيجة الكفر الإبليسي وعدم الانصياع لأوامر اللَّه تعالى، وعاقبة مَن لا ينزل نفسه منزلتها ويرى الأنا دون خالقه.
(ولو أراد اللَّه أن يخلق أدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه، ويبهر العقول رواؤه، وطيب يأخذ الأنفاس عَرفه، لفعل، ولو فعل لظلت له الأعناق خاضعة، ولخفت البلوى فيه على الملائكة، ولكن اللَّه سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله؛ تمييزاً بالاختبار لهم، ونفياً للاستكبار عنهم، وإبعاداً للخُيلاء منهم).
فهكذا نرى أن آدم لو كان في خلقه مبهِراً للعقول، لاستجاب له الملائكة؛ لأنه بهرهم، لا لأن اللَّه أمرهم بذلك. ومن هنا كان امتحان الإمامة أصعب الامتحانات وأشقها حيث يكون المعنى حرفياً دالاً عليه فقط، وبه يكون التوحيد خالصاً حيث لا يكون في اتباع الواسطة سوى حرفيته وآيتيَّته للَّه جلَّ وعلا، فإذا نجح في هذا الامتحان الشاق واستطاع أن يكبح جماح ذاته وأناه، فبها، وإلاّ لم تنفعه عبادته الماضية كإبليس.
(فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بإبليس؛ إذ أُحبط عمله الطويل وجهده الجهيد - وكان قد عبد اللَّه ستة ألاف سنة، لا يُدرى أمن سنيِّ الدنيا أم من سنيِّ الآخرة - عن كبر ساعة واحدة، فمَن ذا بعد إبليس يسلم على اللَّه بمثل معصيته؟! كلا ما كان اللَّه سبحانه ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً).
ويتبين أن إبليس كان ملكاً، كما يشير إلى أن القانون واحد بين أهل الأرض والسماء، وسير الكمال واحد، وحكمه واحد.
(فاحذروا عباد اللَّه عدو اللَّه أن يعديكم بدائه، وأن يستفزَّكم بخيله ورجله؛ فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد، وأغرق إليكم بالنزع الشديد...
فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية وأحقاد الجاهلية، فإن تلك الحمية تكن في المسلم من خطرات
الشيطان...
ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم! الذين تكبروا عن حسبهم وترفَّعوا فوق نسبهم، وألقوا الهجينة على ربهم وجاحدوا اللَّه على ما صنع بهم...
ولا تطيعوا الأدعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم، وخلطتم بصحتكم مرضهم، وأدخلتم في حقكم باطلهم، وهو أساس الفسوق وأحلاس العقوق، اتخذهم إبليس مطايا ضلال، وجنداً بهم يصول على الناس، وتراجمة ينطق على ألسنتهم، استراقاً لعقولكم ودخولاً في عيونكم ونفثاً في أسماعكم، فجعلكم مرمى نبله وموطئ قدمه ومأخذ يده).
فهذا تحذير منه عليهالسلام من عدوى داء إبليس إليهم؛ ودائه هو عدم التسليم لخليفة اللَّه تعالى والكبر عن طاعة اللَّه في أمره بطاعة حجته، وترفُّع ذاته عن الخضوع لأمر اللَّه بمتابعة خليفته، وأن إبليس أخذ على نفسه إغواء البشر بنفس الغواية التي ابتلي بها، وإخباره عليهالسلام بأن قد وقع منهم تأثر بعدوى إبليس، وهذا إشارة إلى ترك الناس الائتمام بإمامته عليهالسلام بعد رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ؛ وأن سبب ذلك الحمية الجاهلية التي يسعرها إبليس في قلوبهم إيجاداً للكبر والاستكبار عن متابعة وطاعة خليفة اللَّه تعالى، وأن دواء هذا الداء هو التواضع. ثُم يشير مرة أخرى إلى وجود مَن هو مبتلى بهذا الداء في هذه الأمة ومتابعته لكبرياء إبليس وجحود حجة اللَّه تعالى وأن عليه الوزر والآثام إلى يوم القيامة. ثُم يقتبس عليهالسلام من القرآن قوله تعالى: ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) الوارد في سياق ذم محترفي النفاق في الأمة وتحذيرهم بأنهم لاستكبارهم بحمية وفخر الجاهلية عن طاعة خليفة اللَّه تعالى في أرضه، إذا تقلَّدوا زمام الأمور أمعنوا في الغيِّ وافسدوا في الأرض، إلاّ أنه عليهالسلام يخبر عن تحقُّق ما حذّرتْ عنه الآية الكريمة.
ثُم إنه عليهالسلام يحذّر الناس من طاعة واتباع الذين تكبروا عن طاعة أمر اللَّه في خليفته في أرضه وحجته على عباده الذي هو كبر إبليس أيضاً، ووصفهم بأنهم جحدوا اللَّه، وكابروا قضائه... ومن هنا يتبين أن هذه الخطبة أصرح من الخطبة الشقشقية في بيان زلة طريقة القوم.
(فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللَّه وصولاته ووقائعه
ومَثُلاته، واتعظوا بمثاوي خدودهم، ومصارع جنوبهم...
فلو رخص اللَّه في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه، ولكنَّه سبحانه كره إليهم التكابر...
فإن اللَّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم، بأوليائه المستضعفين في أعينهم، ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون (صلَّى اللَّه عليهما) على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصي...
ولو أراد اللَّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذُّهبان، ومعادن العقيان... ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء واضمحلت الأنباء، ولَمَا وجب للقابلين أجور المبتلين، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين، ولا لزمت الأسماء معانيها، ولكنَّ اللَّه سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفاً فيما ترى العين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى.
وكلَّما كانت البلوى والاختبار أعظم، كانت المثوبة والجزاء أجزل).
فيستعرض عليهالسلام استكبار الأمم الماضية وكيف آل مصيرهم، ومن المعلوم أن أكثر استكبارهم كان على أنبياء اللَّه استصغاراً لهم، وهو عين الاستكبار والجحود الإبليسي. ثُم وصف عليهالسلام حالة موسى وهارون عند دخولهما على فرعون من حالة التواضع والمسكنة زيادة امتحان اللَّه لفرعون؛ إذ لو بعث اللَّه أنبياءه بالقدرة المهيبة والسطوة الشديدة، لسقط البلاء وبطل الجزاء ولكان الإيمان عن خوف القوة أو رغبة فيها ولدبّ الشرك في النيات، ولكان التسليم ليس للَّه تعالى وحده؛ ومن ثَم يظهر وجه التناسب الطردي بين شدة الامتحان وشدة الخلوص في التوحيد، وهذا يتجلّى بوضوح في رسل اللَّه تعالى وخلفائه؛ حيث إنه تعالى أراد أن يكون الاتباع لرسله والاستكانة لأمره له
خاصة، أي التذلُّل له تعالى في كل من التابع وهم البشر والمتبوع وهم الرسل والحجج، فيصفى الأمر عن أي كبر وإدعاء استقلالية في البين
لأن الكبر هو دعوى المخلوق الفقير الغنى والاستقلال عن الباري بأيِّ نحو كان.
(ألا ترون أن اللَّه سبحانه اختبر الأولين من لدن أدم ( صلوات اللَّه عليه ) إلى الآخِرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع... ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنات وانهار، وسهل وقرار، جم الأشجار، داني الثمار، ملتف البنى، متصل القرى، بين برة سمراء، وروضة خضراء، وأرياف محدقة، وعراص مغدقة، وزروع ناضرة، وطرق عامرة، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء... ولكن اللَّه يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبَّدهم بأنواع المَجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره إخراجاً للتكبر من قلوبهم، وإسكاناً للتذلل في نفوسهم، وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فضله، وأسباباً ذُلُلاً لعفوه...
فاللَّه الله في عاجل البغي، وآجل وخامة الظلم، وسوء عاقبة الكبر؛ فإنها مصيدة إبليس العظمى، ومكيدته الكبرى...
انظروا إلى ما في هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر وقدع طوالع الكبر).
يتعرَّض إلى وجود هذا السلك التوحيدي الجامع لكل أبواب الشريعة؛ فيتعرَّض إلى وجود هذه الحكمة في الحج إلى بيت اللَّه الحرام، وأن ضروب المشقة في السفر وأداء الأعمال ووعورة المسالك، كل ذلك اختباراً بالشدائد وأنواع المجاهد ليخرج التكبر من قلوبهم وإسكاناً للتذلُّل في نفوسهم، إذ حالة التكبر شرك وندية لذوات البشر مع باريهم، وخروج منهم عن طورهم وواقعهم - وهو الفقر لباريهم - بخلاف حالة الذل في النفس فإنها حالة توحيد وخضوع لتسليم الذوات حينئذ بالفقر للباري وأن الغنى والعز خاص به تعالى.
ثُم إنه عليهالسلام يبين وجود هذه الحكمة أيضاً في بقية الفرائض في الصلاة والزكاة والصيام مع ما فيها من الحِكم الأخرى من أنها تسبب خشوع أبصار البشر، وتسكنّ
أطرافهم، وتذلل نفوسهم، وتذهب خيلاءهم، وأنها دواء عن السموم القاتلة لإبليس، وهي الكبر الذي وصفه عليهالسلام بأنه مكيدة إبليس الكبرى.
(ولقد نظرت فما وجدت أحداً من العالمين يتعصَّب لشيء من الأشياء إلاّ عن علة تحتمل تمويه الجهلاء، أو حجة تليط بعقول السفهاء غيركم، فإنكم تتعصَّبون لأمر ما يُعرف له سبب ولا علة. أمَّا إبليس، فتعصب على أدم لأصله وطعن عليه في خلقته... وأمَّا الأغنياء من مترفة الأمم، فتعصبوا لآثار مواقع النعم...
فإن كان لا بدَّ من العصبية، فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأفعال ومحاسن الأمور...
فتعصبوا لخلال الحمد؛ من الحفظ للجوار، والوفاء بالذمام، والطاعة للبر، والمعصية للكبر، والأخذ بالفضل، والكف عن البغي، والإعظام للقتل، والإنصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الأرض.
واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذمم الأعمال، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم...
وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء، ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباءً، وأجهد العباد بلاءً، وأضيق أهل الدنيا حالاً... ألا وقد قطعتم قيد الإسلام، وعطَّلتم حدوده وأمتم أحكامه).
ثم إنه عليهالسلام يبين أن العصبية وليدة الكبر والاستكبار على اختلاف ألوانه وأقسامه، وأن الحريّ بالإنسان أن يتعصَّب للفضائل والمكارم المحمودة.
ثم إنه عليهالسلام بيَّن أن النصرة والعزة لأي أمة من الأمم لا تكون إلاّ بالولاية؛ فإنه بها يذهب تشتت الألفة ويزول اختلاف الكلمة والأفئدة، وكذلك كان حال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل؛ حيث كانت الأكاسرة والقياصرة غالبين لهم، قاهرين عليهم، إلاّ أنه بنعمة اللَّه عليهم حين بعث رسولاً إليهم انتظمت به مِلَّتهم
وطاعتهم وألفتهم وأُغدقت عليهم البركات، فعادوا قاهرين بعد أن كانوا مقهورين، وغالبين بعد أن كانوا مغلوبين، ولكنَّهم سرعان ما تركوا - بعد رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله - حبل الطاعة والولاية، وهدموا حصن اللَّه تعالى بأحكام الجاهلية، وصاروا بعد الهجرة أعرابا، وبعد موالاتهم لولي اللَّه أحزابا، لم يبقوا إلاّ على ظاهر الإسلام يرفعون شعار النار ولا العار، إلى أن تمادى بهم الأمر أن قطعوا قيد الإسلام وعطَّلوا حدوده وأحكامه.
(ألا وقد أمرني اللَّه بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الأرض، فأمَّا الناكثون فقد قاتلت، وأمَّا القاسطون فقد جاهدت، وأمّا المارقة فقد دوَّخت...
أنا وضعت بكلاكل العرب، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر...
ولقد قرن اللَّه به صلىاللهعليهوآله مِن لدن أن كان فطيماً أعظم ملَك من ملائكته؛ يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره.
ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولايراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة. ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلىاللهعليهوآله ، فقلت: يا رسول اللَّه، ما هذه الرنَّة؟ فقال: هذا الشيطان، قد أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنك لست بنبي، ولكنَّك لوزير، وإنك لعلى خير...).
فبعد ما بيَّن عليهالسلام أن قوة الأمة وعزَّها بموالاة ولي اللَّه وخليفته في أرضه، وأن هذه الموالاة تذلُّل في النفوس وتواضع للباري تعالى سبب لنزول الفيض الإلهي والبركات والنعم، وأن بدون موالاة حجة اللَّه تعالى في أرضه تدب الفرقة والأهواء والأحزاب؛ لكون ذلك عن كبر في النفوس واستكبار، وهو منشأ نزاع كل منهما مع الآخر.
بعد هذا كله، أخذ عليهالسلام في بيان الأدلة والبراهين على تقلُّده لمقام خليفة اللَّه
في أرضه وحجته على عباده بعد رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله من بيان الصفات الخاصة التي يتحلّى بها، سواء للتربية السوية أم الأهلية الروحية الخاصة به حيث يرى نور الوحي والرسالة ويسمع المغيبات حتى قال له رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله : (أنك تسمع ما اسمع وترى ما أرى...) إي أنه قد أوتي مؤهَّلات العلم اللَّدُني، ثُم يبيِّن أنه أول السابقين إلى الإسلام، وأنه معصوم من الزلل والخطل، وأنه أقرب وأشد الناس اتباعاً لرسول اللَّه صلىاللهعليهوآله وغيرها من الصفات التي تشير إلى تقلُّده الخلافة الإلهية.
وبهذا يختم خطبته عطفاً على ما بدأ من أن كمال التوحيد وتمام الإخلاص هو بموالاة ولي اللَّه وطاعته كما في سجود الملائكة لآدم؛ ولذلك كفر إبليس اللعين، ودُحر - باستكباره - عن ولاية خليفة اللَّه.
وبذلك يفصح عليهالسلام عن وجه هذه الواقعة القرآنية التي تكرَّرت في سبع سور من القرآن الكريم، كما أنه عليهالسلام أفصح عن حقِّه وغصب القوم له. ومن بديع الحكمة الذي أظهره عليهالسلام أن يبيِّن كيفية كون الصفات الخلقية هي جذر الأفعال، وأن الاعتقادات جذر للصفات الخلقية؛ أي أن كل فعل صادر من الفاعل المختار منشؤه صفة خلقية في نفس الإنسان، وهي منشؤها أمر اعتقادي يبطنه الفاعل ذو الصفة المعينة، وهذا يفسر موالاة ولي اللَّه وخليفته في أرضه وعدم موالاته أنهما يتسبَّبان عن التواضع في النفس في الموالي والمنقاد، والكبر في الجاحد والمنكر، وأن التواضع متسبِّب عن خلوص الشخص لربِّه، أي خلوص توحيده لربه عن الشرك بإقامة ذات نفسه ندَّاً لخالقه، والكبر كفر وجحود وشرك؛ لإقامة المتكبِّر ذات نفسه مستقلة على غير ما هي عليه من الحد الواقعي من الفقر للَّه تعالى.
ومن ثَم يتبيَّن أن الولاية لخليفة اللَّه في أرضه على أصعدة ثلاث: في الفعل، وفي الخلق بالمحبة له، وفي الاعتقاد بالإذعان أنه مجعول من قبل الباري.
وهكذا نرى الإمام يتدرَّج من الكفر الإبليسي إلى الكفر في النبوة، ثُم الكفر في
الأفعال، ويرى أن جذرها كلها واحد؛ وهو الانصياع إلى الأنا وعدم تسليم النفس للَّه الواحد الأحد، وعدم الانصياع لأوامره، وأن كل شيء ذائب فيه، وأن لا استقلالية لأحد، بل كل في سبيله ومن أجله، وكل آية له سبحانه. و أخيراً يصل إلى الأخلاق وأن منشأ جميع الرذائل يرجع إلى الكبر، ومنشأ كل الفضائل يرجع إلى الخضوع، والإمام في كل هذا يربط بين أقسام الكفر ويرجعها إلى الأصل الواحد.
رابعاً: عصمة آدم
هذه من المسائل المهمة التي كثرت فيها الأقوال والآراء وزلت الأقدام من القديم وحتى يومنا هذا، وخصوصاً أن القران قد عبَّر: ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) ، فكيف يتناسب هذا التعبير مع غيره من نسبة زلة الشيطان لآدم الذي له تلك المقامات العالية والخلافة عن الحق تعالى، وهي خلافة اسمائية؟ وهذا له جواب نقضي وحلي.
أمَّا الجواب النقضي، فهو: أن الواقعة تحكي نوع من المخالفة للملائكة مع أنهم معصومون ولا يعصون اللَّه
ما أمرهم، وذلك عندما قال لهم الحق تعالى: ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ، فإن فيها نوع من التأنيب، فأي جواب يذكر للملائكة فيتجه لآدم. ثُم إن المكان الذي يجب أن يكون فيه هو الأرض، وإنَّ فعله هذا لم يؤثِّر على مقامه وخلافته؛ بدليل رد الاعتبار الذي حصل له بالتوبة، وإن الذي فقده هو الخروج من الجنة ولا يُعلم أن هذا عقاب؛ حيث إن آدم مخلوق أرضي أصلاً، ثُم إن الإنزال للأرض ليس فيه عقاب، بل هو نوع من التكريم؛ لأنها دار الحصاد وفيها الابتلاء والتكامل والسعي نحو الآخرة، وهذه الجنة التي كان فيها ليست جنة الخلد، بل هي أقل شأناً من جنة المأوى والآخرة؛ وذلك لأن الخلود في الأخيرة، وهذا كله شاهد على أن الهبوط للأرض ليس فيه توهين لآدم.
أمَّا الجواب الحلي:
1 - أن الحق تعالى يتعرض - دائماً - في حديثه عن الأنبياء إلى جنبتهم البشرية، وأنهم مخلوقون له، وأن كمالاتهم بالنسبة إليه ناقصة ومحدودة، كما يتعرض إلى كمالاتهم الغيبية التي يفوقون بها على البشر؛ وهذا ليس لأجل بيان عيوبهم ونقائصهم، بل لأجل بيان أنهم ليسوا بآلهة يعبدون من دون اللَّه، بل هم عباد مكرَّمون محتاجون إلى اللَّه، وحتى الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله الذي لا خلاف في مقاماته ومنزلته، فإن القران يركِّز على بشريته، كما يركز على مقاماته الغيبية ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ) (1) ففي الحين الذي يؤكد على مماثلته لهم بالبشرية يؤكد على اختلافه معهم بالمقام الغيبي، وهو الارتباط بالوحي والعوالم الإلهية؛ حتى لا يُعبد من دون اللَّه، فهم بالإضافة إلى بارئهم محدودين، كمالاتهم ناقصة، ولكن بالإضافة إلى ما سواهم فهم المعصومون، الأنبياء الواجب اتباعهم واتخاذهم قدوة. وهذا كله لأن الواسطة - في الحين الذي هي ضرورة لا بد منها - يجب أن يتوفّر فيها خاصية الوساطة، لا خاصية الحجاب.
وبتحليل آخر: يشير علماء النفس إلى أن الإنسان يجب أن يستشعر في نفسه النقص، فإذا أحسَّ به سار وسعى نحو الكمال؛ ولذلك كانت العبادة - أي أصل العبادة - تكاملاً، لكن المتعلقة بالمعبود الحقيقي، وحيث كان الأنبياء هم قدوة المخلوقات، فيجب أن يشعر الناس فيهم كلا الجنبتين، يرونهم أعلى منهم شأناً وأرفع منزلة من جهة الهدي الخارق والأفعال التكوينية الخارقة ليستشعر الإنسان النقص في نفسه فيسعى نحو الكمال الذي يراه، ويجب في نفس الوقت أن يلحظوا فيهم جنبة النقص والحاجة للَّه، وأنهم مخلوقون مثلهم حتى لا يكونوا حجاباً دون الحق تعالى فيظهر الحق تعالى جانب النقص فيهم من خلال بعض
____________________
(1) فصِّلت: 6.
الأفعال؛ ويكون جانب النقص بالإضافة إلى من هو أعلى رتبة منه، لا بالنسبة إلى مَن هو دونه ممَّن يكون لهم إماماً، فالأنبياء والأئمة في حركة إلى اللَّه تعالى.
2 - الجواب الآخر المذكور في بعض الروايات أن النهي في عالم الجنة ليس هو نهي تكليفي؛ حيث إن الجنة ليست دار تكليف، إذ التكليف مقارن مع الكمال والعقاب والثواب، وبالتالي لا تكون معصيته معاقباً عليها كما في عالم الأرض، مضافاً إلى أن هذه الجنة كانت مختصة بأحكام خاصة؛ منها: أن لا تجوع ولاتعرى. ومن المتفق عليه بين العامة والخاصة أن المخالفة ليست لعزيمة، وليس لها عقوبة أخروية.
3 - أن الآية تدل على أن هناك مقامات ورتب و مدارج في الإمامة؛ وهي تلك الوجودات الحية النورية الشاعرة التي عرضها على آدم، وهي بالتأكيد غير الذات الإلهية المقدَّسة، ونسبتهم لآدم كنسبة آدم لبقية الخلق.
الطائفة الثانية: آيات الكتاب
وهي كل آية ورد فيها لفظ القرآن أو الكتاب، وعمدة البحث في آيتين الأولى: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (1) .
الثانية: ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ) (2) .
أوَّلاً: البحث في الآية الأولى
والبحث في الآية الأولى، ويقع في أمور:
____________________
(1) الرعد 13: 43.
(2) هود 11: 17.
1 - في شأن النزول: المعروف أن سورة الرعد مكِّية وإن ادعى البعض أن خصوص الآية التي هي مورد بحثنا مدنية، على أساس أن المقصود من ( مَن عنده علم الكتاب ) هم أهل الكتاب، وهؤلاء أسلموا في المدينة، وهذا ليس بشيء؛ لأن الاتفاق على نزولها في مكة.
كما أن السورة - كأغلب السور المكية - واردة في بيان التوحيد والرسالة والرسول، وتأكيد أن الرسول حق من عند اللَّه عزَّ وجل، وقد ورد فيها لفظ الكتاب 7 مرات، والآية واردة مورد الاحتجاج مع الكفار حيث ظلُّوا يجحدون بآيات اللَّه ويستهزؤن بالرسول، فهي بقرينة ( بيني وبينكم ) دالة على ورودها مورد الاحتجاج، وهذا كله يدفع ورودها في المدينة؛ حيث لم يتعرض الرسول لمثل هذه المواقف.
2 - أن الآية تذكر شهادتين؛ الأولى: شهادة اللَّه تعالى، والثانية: شهادة مَن عنده علم الكتاب، واقترانها بالأولى يدل على عظمها وفضلها، وهي غيرها وإلاّ لَمَا ذكرت ثانية، فإن التعدد دال على المغايرة.
3 - كيفية شهادة اللَّه: إن الكفار لمَّا كانوا مشركين فأنهم يؤمنون بالقدرة المطلقة للَّه، غايته أنهم يشركون بعبادته ويكفرون بنبوة النبي الخاتم صلىاللهعليهوآله ، كما أنهم يذعنون بكبرى مؤداها أن الذي يتقوَّل على المقام الربوبي - سيما مقام الشريعة وبيان مطلق الإرادات الإلهية - فهذا ليس بكذب في مسألة جزئية، بل هو ادعاء مقام من وإلى الرب، ومن هاتين كان وجه حجية المعجزة أنه إقدار الباري بقدرة يعجز عنها بقية البشر وتكون مقرونة بدعوى الوساطة. وهم مع إذعانهم أنها قدرة خاصة لا تصدر من البشر، إلاّ أنهم يغالطون ويقولون: إنها قدرة سحرية، فهم يذعنون كبروياً أن القدرات التي لا يقدر عليها البشر لا بدَّ أن يكون منبعها الغيب.
فشهادة اللَّه هي إقداره للنبي صلىاللهعليهوآله ؛ إي إعطاؤه قدرة غيبية، وكيفيتها هي نفس كيفية المعجزات، وأنها هي شهادة منه، والمعجزة هنا هي القرآن
الكريم.
ويمكننا القول أن الشهادة نوع من البرهان، وهو لا ينحصر بالعلم الحصولي، بل يطلق على ما يولّد العلم الحضوري، وذكرنا أن الكثير من الفلاسفة ومنذ عهد ابن سينا غفل عن البرهان العياني، وغرضنا أن شهادة اللَّه هي من نوع البرهان العياني، خلافاً لِمَا هو مشهور عند المتكلمين من الخاصة والعامة مِن حصر برهانية المعجزة في العلم الحصولي، بيان ذلك:
أن معجزات الأنبياء المذكورة في الكتاب باقية، وليست منصرمة ومختصة بزمن معين؛ وذلك لأن الغرض من المعجزة هو تحدِّي جميع الأقوام، وليس خصوص القوم الذي أُرسل لهم الرسول، ولو كانت المعجزة خاصة بمَن أُرسل إليهم، لأمكن أن يطلع على إيجادها الأمم الأخرى، فينتهون إلى بطلان نبوته، ولا تكون في واقعها معجزة، بل أمراً عادياً خفى سببه عن الآخرين، فلابد أن يتوفر في المعجزة أنها تحدٍ أبدي للبشرية؛ أي ما يعجز عنه الأولون والآخِرون، ولذا نقول إنه يطلق على المعاجز البرهان العياني.
أمَّا تطبيق البرهان العياني على شهادة اللَّه، فذلك بعد كون بعض مواده المؤلِّفة عيانية لا بتوسط الصور الحصولية، وهنا قد يتساءل عن وجه تقديم (باللَّه) على (شهيداً)؟ والجواب: أنه من جهة الحصر، ثُم من جهة العيانية، فاللَّه حاضر بقدرته اللامتناهية واللامحدودة فكفى باللَّه الحاضر عياناً وكفى بحضوره العياني. ويذكر بعض المفسرين أن التعبير بـ (شهيداً) وليس بشاهد، دليل على إرادة الحضور لا الشهادة المنشأة بالكلام.
وممَّا يدلِّل على أن المراد من الشهادة الشهادة التكوينية لا الاعتبارية، هو الرجوع إلى أصل اشتقاقها اللغوي حيث إنها أطلقت على التأدية والأداء مع أنها اسم للتحمل
والحضور، فأطلقت على التأدية باعتبار المنشأ، أي أن مَن له التأدية هو مَن كان حاضراً فتحمّل الشهادة، والشهادة في الأمور الاعتبارية تجعل السامع كالحاضر حين التحمُّل. أمَّا في الأمور التكوينية، فإنها تجعل المشهود له في أكمل إدراك وأقصى ما يمكن تصوُّره، وهذا لا يكون إلاّ بحصول علم لديه من الشهادة علما حضوريا.
وكأن المعنى: كفى باللَّه حاضراً وتشهدون حضوره في بيان الحق، حيث إن هذه القدرة المدرَكة في القرآن التي يعجزون عنها نحو مَن رفع الستار عن قدرة الغيب، فهو ظهور للغيب عياني لهم بعد كونهم يذعنون بأن اللَّه موجود وحاضر.
4 - شهادة مَن عنده علم الكتاب: وهاهنا تطرح أسئلة متعددة في كيفية شهادة هذا الشاهد، وفي إمكان كونها شهادة على صدق النبي وفي مصداقها؛ وذلك لأن المشهود به هو النبوة والإرسال، فكيف يكون هذا الشاهد شاهداً على إرساله، وهذا يعني أنه يكون حاضراً في مقام إنباء الرسول حتى يستطيع تحمّل الشهادة والإدلاء بها، وإذا لم يكن حاضراً عند تحمله، فسوف تكون شهادته اطمئناناً بصدق النبي صلىاللهعليهوآله ، ومقتضى كون النبي في مقام الاحتجاج أن هذا الشاهد حاضر الإنباء حتى يستطيع الإدلاء. ومن هنا نستطيع أن نفهم ما ورد في الخطبة القاصعة (إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى)، وهذا يعني أن(مَن عنده) جُهِّز بجهاز وجودي وروح ذات خصائص معينة مشابهة للروح النبوية ( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) .
قد يقول قائل: إنَّ تحمَّل (مَن عنده) ببرهان حصولي ثبت لديه، سوَّغ له الشهادة كما في قصة ذي الشهادتين؛ حيث شهد لمجرد أنَّ الرسول هو الذي أخبر أن الدرع له.
وهذا القول مدفوع بأن تسمية هذا بالشهادة من باب التنزيل، وهذا مسلَّم به، ولو كان حصول العلم لدى الشاهد بهذه الطريقة، فالأولى أن يذكر نفس البرهان، ولا
حاجة حينئذ لشهادته؛ لأن ترامي الشهادة إضعاف للمشهود به، فلو أمكن الإدلاء بالمشهود به، فهو أولى، فالغرض من الشهادة أن ما حصَّله الشاهد بعين الشهود واليقين المستند إلى العلم الحضوري، وهذا يدل على أن مستند الشاهد ليس علماً حصوليا.
وهاهنا تساؤل يطرح: أنه كيف تكون شهادة الشاهد، وهو من تابعي النبي، يحتج بها على الكفار الذين يشككون في النبي؟
ومن أجل الإجابة على هذا التساؤل يجب الإشارة إلى أن النبي محمد صلىاللهعليهوآله كان قبل البعثة معروفاً لدى قومه ببعض الخصال والصفات التي استيقن منها الجميع كالصدق والأمانة وأنه من الذين يستسقى بهم الغمام، وهو من عائلة سلِّمت إليها زعامة قريش؛ وذلك لأهليَّتهم وصدور خوارق العادات منهم، ومن هنا كان يُتَّهم بالسحر، وقد تواتر النص التاريخي من المشركين على وصفه (أنه سحر قديم في بني هاشم) مع ما هو مقرَّر عند قريش من كونهم من نسل إبراهيم وإسماعيل الذبيح وهم ورّاثهما، وقد ذكر الإمام ذلك في ذيل الخطبة القاصعة (وأني لمِن قوم لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم سيماهم سيما الصديقين، وكلامهم كلام الأبرار، عمار الليل ومنار النهار، متمسِّكون بحبل القرآن، يحيون سنن اللَّه وسنن رسوله، لا يستكبرون ولا يعلون ولا يغلون ولا يفسدون، قلوبهم في الجنان، وأجسادهم في العمل) أي أنه من قوم وشجرة توفَّرت فيهم صفات الكمال من الحكمة والصدق والإحسان والعفاف والشجاعة والخلوص للَّه تعالى والاجتهاد في العبادة والتحلِّي بالعصمة العملية، فلم يشاهد لهم زلل ولا خطل في جاهلية قريش ولا في الإسلام.
ثم أن نفس ولادة الإمام في الكعبة وانشقاق الجدار ودخول فاطمة بنت أسد وبقاؤها داخل الكعبة ثلاثة أيام لم يكن بالأمر الذي لاقى استنكاراً من قريش؛ لِمَا تعوَّدوه من أهل هذا البيت من خوارق العادات.
وعلى كل حال لا نجد فيما بأيدينا من أخبار وتواريخ اعتراض الكفَّار على هذه الشهادة وطعنهم فيها، ثُم إن وصفه بأنه عنده علم الكتاب يعطي الحجية على وجه الاستشهاد به؛ لأن في ذلك إشارة إلى انطوائه عليهالسلام على العلم الجامع، وفي ذلك تبيان لكيفية استعلام ذلك بالمسائلة ونحوها ليتحقَّقوا من ثبوت الوصف ومن ثم يستثبتوا وجه حجية شهادته عليهالسلام ، وهذا الكتاب إمَّا أن يراد به الكتب السماوية أو القرآن الكريم، والأخير هو الأرجح؛ حيث إن سورة الرعد نزلت دفعة واحدة، غير متقطعة، وموارد الكتاب فيها قد قُصد منها القران الكريم، بل في بعض الآيات من السورة إرادة كتاب التكوين كما في أم الكتاب.
5 - مَن عنده علم الكتاب: من بين معاني الإضافة الأنسب أن تكون الإضافة بيانية استغراقية؛ ولو أريد منها التبعيض لأتى بلفظ من كما في وصف آصف بن برخيا في سورة النمل، وقد ذكرنا أن الاختلافات الواردة في تعابير القرآن تدل على اختلاف المعاني وليس الهدف منها بلاغياً أدبيا، والإحاطة بمعاني الكتاب ليس بالعلم الحصولي، بل بالعلم الحضوري، حيث إن الكتاب ليس الموجود النقشي، بل كتاب التكوين كما سوف يأتي بيانه فيما بعد. هذا مضافاً إلى أن العلم لو كان ببعض الكتاب، لَمَا كان في شهادته مزية؛ حيث إن المشهود عليه هو أعظم الغيبيات، وهو نبوة النبي الخاتم.
ثم إن ماهية هذا العلم لا يمكن أن تكون حصولية؛ وذلك لِمَا ذكرناه من أن هذا العلم جعل منشأ لحجية الشهادة، ومقتضاه أن يكون التحمُّل حضوريا.
وقد ينقض على هذا المعنى بأن القرآن استشهد بشهادة بعض أصحاب الكتب السابقة؛ وذلك في عدة آيات، منها: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ
شَاهِدٌ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) (1) .
ومنها: ( أَوَ لَمْ يَكُن لَهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) (2) .
ومنها: ( لكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً ) (3) .
ومنها: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ ) (4) .
والجواب العام عن هذه الموارد أن الاستشهاد بطائفة من علماء بني إسرائيل وما شابههم ليس من جهة أشخاصهم، بل استشهاد بما ورد في كتبهم من بشارات بالنبي الخاتم، وواضح أن هذه الكتب غيبية من عند اللَّه، والمشركون متأكِّدون من أن كتبهم متقدمة بقرون على زمن النبي صلىاللهعليهوآله ، وهي منسوبة إلى السماء وليست من السحر، وفي ذلك بيِّنة وبرهان قاطع على نبوة النبي الخاتم؛ فهي شهادة الكتب السماوية بالنبوة، وهي تكون من سنخ شهادة اللَّه، وهي بمعنى آخر شهادة الأنبياء السابقين على صدق النبي الخاتم، وشهادة الملائكة أيضاً شهادة غيبية وسنخها ليس بالعلم الحصولي، وعليه نصل إلى نتيجة أن جميع الشهادات ترجع إلى سنخ واحد.
أمَّا الأجوبة التفصيلية:
1 - فشهادة الملائكة ليس شهادة عادية؛ وذلك لأنهم لا يستطيعون استنطاق الملائكة، فكيفيَّتها يجب أن تكون بما ذكر في شهادة اللَّه؛ من أن ذلك هو بمحضره
____________________
(1) الأحقاف: 10.
(2) الشعراء: 198.
(3) النساء: 166.
(4) النمل: 45.
وقدرته، حيث إن مشركي قريش يذعنون بوجود الملائكة وأنهم أعوان اللَّه؛ وذلك بدليل نسبتهم الأنوثة لملائكة للَّه وأنهم بنات اللَّه (والعياذ باللَّه تعالى).
2 - أن قريش والمشركين كانوا على اطلاع وخبر من علم أحبار اليهود ببعثة النبي صلىاللهعليهوآله ؛ حيث كانوا من قبل يستبشرون ببعثته ويأملون النصر به على المشركين، قال تعالى: ( وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) (1) .
3 - أن الآية الأخيرة ليس فيها استشهاد على أصل الرسالة والبعثة، بل دفع لاستبعادهم كون الرسول المرسَل بشراً رجلا، ومع ذلك فإن الاستشهاد بأهل الذكر لا باعتبار أشخاصهم كما قدمنا.
6 - ونتعرَّض فيه لمقام القران الكريم ومراتبه.
وفيه مسائل ثلاث:
المسألة الأولى: أن القران ذو حقيقة تكوينية؛ بمعنى أن القرآن لا تنحصر درجات وجوده بالعبارات الوارد ذكرها بين الدفتين، وأنَّ هذا الوجود للقرآن هو المعبر عنه بالكتبي، وأنه معبَّر عن وجود آخر للقرآن؛ وهو الوجود التكويني، ويدل على هذه المرتبة للقرآن مجموعة من الشواهد:
أ - أن التنزُّل يدل على أن القرآن كان موجوداً ثُم تنزَّل بما نراه نحن الآن، وهذا التنزُّل لا يضاهيه التعبير بأنه كان لفظاً مصوتاً وكلاماً نفسيا.
ب - بعض الآيات القرآنية التي تدل على آثار للقرآن لا يمكن نسبتها إلى هذا الوجود الاعتباري؛ من نحو: ( وَلَوْ أَنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْكُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بِل لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً ) (2) ، حيث إنه قد ذكر في شأن النزول أن قريش اقترحت على النبي صلىاللهعليهوآله أن يباعد بين جبال مكَّة؛ لأن مكة ضيقة فتتوسع وتصبح بها
____________________
(1) البقرة: 89.
(2) الرعد: 31.
وديان وسهول ومزارع وما شابه ذلك، وطلبوا منه أن يحيي لهم قصي جد قريش وأجدادهم ليكلموهم، فاللَّه تعالى يخاطبهم أن لو أظهر لهم تلك الآثار بالقرآن، لَمَا آمنوا، وهذه الآثار لا تُفترض للكتاب الاعتباري؛ لأن هذه ألفاظ، والوجود اللفظي وجود تنزيلي للشيء.
جـ - قوله تعالى: ( لَوْ أَنزَلْنَا هذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) (1) ، وواضح أن المقصود في هذه الآية ليس القرطاس والورق الذي كتب عليه القرآن له هذه الخصوصية، ولم ينزل القرطاس المكتوب على صدر النبي الخاتم، بل إن ما نزل هو المعاني وإن حقيقة القرآن التكوينية هو الذي يجعل الجبل خاشعاً متصدِّعا، ولدينا شاهد على تصدع الجبل؛ وهو في قوله تعالى: ( فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً ) فتدكدك الجبل هو من تجلي النور الإلهي، والحقيقة القرآنية هي التي تجعل الجبل متصدِّعا، وهي التي لها الآثار التكوينية.
د - قوله تعالى: ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) (2) ، فهذا القرآن المتَّصف بالمجد، وهو نوع من العلو والرفعة والعز والعظمة، في اللوح المحفوظ، فهو متنزِّل من حقيقة أخرى.
هـ - قوله تعالى: ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِن رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (3) وهذه الآية صريحة في كون حقيقة القرآن التكوينية في كنٍّ محفوظ لا يناله إلاّ المعصومون.
المسألة الثانية: ما ورد من وصف الكتاب بالمبين، وقد ورد ذلك في أماكن
____________________
(1) الحشر: 21.
(2) البروج: 21.
(3) الواقعة: 74 - 76.
متعددة.
ويذكر العلامة الطباطبائي في ذيل قوله تعالى ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ... فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (1) أن الكتاب وارد في ثلاثة معان:
الأول: الكتب المنزلة على الأنبياء، وهي المشتملة على شرائع الدين، مثل كتاب نوح ( وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ) (2) ( صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) (3) وكتاب عيسى، وهو الإنجيل ( وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ ) (4) وكتاب محمد صلىاللهعليهوآله ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ) (5) .
والثاني: الكتب التي تضبط أعمال العباد من حسنات أو سيئات، وهو كتاب الأعمال والآجال ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً ) (6) وما ورد في سورة المطففين: 21.
والثالث: الكتب التي تضبط تفاصيل نظام الوجود و الحوادث الكائنة فيه، ولعل هذا النوع من الكتب فيه ضبط عام حفيظ لجميع الموجودات؛ وهو أم الكتاب، يستطر فيه كل شيء وفيه ضبط خاص يتطرَّق إليه المحو والإثبات، وهذا هو الكتاب المبين واللوح التكويني ( وَمَا يَعْزُبُ عَن رَبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ... إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (7) .
فالكتاب المبين - بشهادة الآيات - هو الذي يستطر فيه كل شيء، وهو يحصي
____________________
(1) الأنعام: 59.
(2) البقرة: 213.
(3) الأعلى: 19.
(4) المائدة: 46.
(5) الحجر: 1.
(6) الإسراء: 13.
(7) يونس: 61.
جميع ما وقع في عالم الصنع والإيجاد، ممَّا كان وما يكون وما هو كائن، من غير أن يشذَّ عنه شاذ، وفيه نوع تعيين وتقدير للأشياء إلاّ أنه موجود قبل الأشياء ومعها وبعدها.
المسألة الثالثة: أن القرآن الكريم هو الكتاب المبين؛ بدليل قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (1) ، وهذا الكلام الصادر من الحكيم العليم ليس من قبيل الألفاظ العادية والمبالغات، وقد أشرنا إلى ذلك في بداية الفصل حول المعاني القرآنية العالية، و أننا إذا استنطقنا القرآن ووصلنا إلى معنى، فلا يجوز أن نتراجع عنه خشية ذلك المعنى الهائل، فإذا كان القرآن فيه تبيان لكل شيء صادر من حكيم، وهو تعالى يعبِّر عن القران بذلك، وفي موضع آخر: أن الكتاب المبين فيه كل شيء ولا يعزب عنه شيء، وليس المقصود من التبيان هو خصوص الأحكام الشرعية؛ وذلك لان الواقع يخالفه؛ حيث إن أربعة أخماس القرآن في المعارف الإلهية، ولا يمكن أن نقول: إن ظاهر هذا الذي بين الدفتين هو فيه كل شيء من أحكام الوجود وهو محدود، إلاّ إذا اعتبرناه نافذة على أمر آخر، وأنه يشير إلى حقيقة معينة هي القرآن الذي فيه تبيان لكل شيء، وهذا هو الذي نريد الوصول إليه من أن النبي الخاتم اختص بالكتاب المبين، ومن هنا لم تطلق على كتب بقية الأنبياء القرآن، بل الفرقان.
ونستطيع أن نوجز الدليل على اتحادهما من خلال اتحاد وصفهما:
1 - أن الكتاب المبين يستطر فيه كل شيء وهكذا القرآن الكريم.
2 - أن المقصود من القرآن ليس هو خصوص اللفظ المصوت، بل الحقائق النورانية التي ليست من سنخ المعاني الحصولية؛ ومن الشواهد على ذلك قوله
____________________
(1) النحل: 89.
تعالى: ( فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) ، فكيف يكون مكنوناً مع أن المنقوش برسم الخط متداول بين أيدي الناس؟!
3 - قوله تعالى ( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ... ) وقد ورد توصيف الكتاب المبين بأنه أم الكتاب.
4 - أن في القرآن الاسم الأعظم، وهو ليس من جنس الألفاظ المصوتة وإن كان لاسمه لفظ، فلا يعقل وجوده في القرآن بوجوده الاعتباري بنقش رسم الخط، بل في القرآن التكويني.
ومن هنا ننتقل إلى نقطة أخرى أن هذه الأقسام التي ذكرناه للكتاب هي في واقعها تنزُّلات ومراتب للكتاب المبين، وأنها كلها تعود إليه، والكتاب المبين هو عين القرآن الكريم، وهو له مدارج عالية ونازلة، ومدارجه العالية أم الكتاب؛ أي المصدر الذي يتنزَّل عنه كل شيء، والبقية تنزُّلات.
والدليل على ذلك:
أ - أنه قد ورد أن في القرآن أشياء يراد منها أمور تكوينية كالأسماء الحسنى واللوح والقلم والصحف والرق المنشور.
ب - أن الماهية المقرَّرة للكتاب شيء يكتب فيه ويجمع فيه الكلمات والكلام، والكلمة والكلام هو ما يدل على أمر ما، وهذه الدلالة وإن كانت بالوضع الاعتباري كما في الألفاظ، فهي كلمة وكلام اعتباري، ومصداق فرضي لماهية ومفهوم الكلمة والكلام، وأمَّا إن كانت الدلالة تكوينية، فالشيء الدال تكويناً كلمة وكلام حقيقيان ومصداق خارجي للماهية، قال تعالى: ( إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) (1) ، وبالتالي فإن الكتاب الحقيقي هو الذي يجمع ويضم الكلمة
____________________
(1) آل عمران: 45.
والكلام الحقيقيين جمعاً وضماً تكوينا.
وكذلك الحال في الاسم؛ فهو إنما سمِّي اسماً لأنه يكون علامة على ذي العلامة، والمصداق الاعتباري له هو اللفظ المصوت؛ لكون دلالته بالوضع الفرضي الاعتباري، بخلاف المصداق الحقيقي فهو الدال تكويناً والعلامة التكوينية على الشىء، فالكتاب مجموع الكلمات، و ماهية الكلمة هي الشيء المنطوق بها، والنطق هو الإظهار والإعراب، وهو أيضاً ينقسم إلى إظهار تكويني واعتباري، وهو إعراب عن مغيب ومستور، فنطق اللَّه تعالى خلْقُه وإيجاده، ومخلوقاته كلماته، وبعضها تام.
جـ - ذُكر في المعقول أن كل معنى ماهوي له وجود اعتباري، ولا يمكن أن يكون هناك شيء اعتباري ليس وراءه أمر تكويني؛ أي أن الماهية التي يفرض لها وجود اعتباري إنما تُقتنص وتنتزع عن وجود تكويني لها، فالكلمة لها وجود تكويني، والاسم له وجود تكويني، فالمعنى الاعتباري لا يمكن أن يكون مستلَّاً لا من شيء، بل لا بد أن يستلَّ من وجود تكويني، وهذه مسألة استوفي البحث فيها في الاعتباريات في علم الأصول أيضا. ومن شواهدها القرآنية التعبير عن بعض الأنبياء أنه كلمة من اللَّه، (النساء: 171، المؤمنون: 50)، وهذا الإطلاق ليس مجازياً، بل هو إطلاق حقيقي، وإطلاق الكلمة على اللفظ هو المجازي؛ لأن حقيقة الكلمة هي المعبرة تكويناً عن معنى لدى المتكلم، والمتكلم هنا هو اللَّه (جلَّ وعلا)، والنبي معبِّر حقيقي عن اللَّه وعن عظمته وينبئ عمَّا في الغيب، فهذا الإطلاق
حقيقي.
وإذا كان القرآن الكريم هو الكتاب المبين وهو أم الكتاب - وهذا يعني أنه الكتاب التكويني - فكل الكمالات المتنزلة تكون هناك موجودة بشكل بسيط شريف وعالٍ، ويكون معنى الكتاب هو: وجود جمعي بسيط مجموع فيه كل الكلمات التي تعبِّر
عن الغيب.
د - وهناك الكثير من الآيات التي يذكر فيها الحق سبحانه تنزيل الكتاب والآيات مع ذكر خلق السموات والأرض مثل قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّماءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرَ مُتَشَابِهاتٌ ) (1) ، وقوله تعالى: ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ *... * وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ... ) (2) ، وقوله تعالى: ( الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ... ) (3) ، وقوله تعالى: ( طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشَى * تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّماوَاتِ الْعُلَى ) (4) ، وغيرها من الآيات في السور الأخرى.
5 - الروايات الواردة أن في القرآن عمل كل عامل ومكانه في الجنة مآله وثوابه وعقابه... وهذه الكتب في الكتاب المبين باعتبار أنه يستطر فيه كل شيء، وهذا يعني أن القرآن فيه كل شيء، وهو عبارة ثانية عن العينية بين القرآن والكتاب المبين.
والخلاصة: أن المراد من حقيقة القرآن الكريم هو الكتاب بوجوده التكويني، وهو حقيقة علوية تكوينية جامعة لجميع الكلمات الإلهية، والشهادة المعطوفة على
____________________
(1) آل عمران: 6.
(2) هود: 1، 6، 7.
(3) إبراهيم: 1 - 2.
(4) طه: 1 - 4.
شهادة اللَّه تعالى هي شهادة مَن عنده علم مثل هذا الكتاب، فمن ثَمّ ذكرت تلو الشهادة الأولى.
ثانياً: البحث في الآية الثانية
الآية الثانية قوله تعالى: ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ) (1) .
* الآية الكريمة في مقام الموازنة بين كفَّتين بعد أن ذكر الاحتجاج مع الكفَّار على كون القرآن كتاباً منزلاً من عند اللَّه سبحانه، ثُم يطيِّب خاطر النبي بأن ليس مَن كان كذا وكذا كغيره ممَّن ليس كذلك، وأنت على هذه الصفات من كونك على بصيرة من ربك ويتلوه مَن يشهد بأحقِّـيَّة القرآن وكان على بصيرة من أمره، فآمن به عن بصيرته وشهد بأنه حق منزل من عند اللَّه تعالى.
* إنما أوردناها في هذه الطائفة من حيث إن هذا الشاهد من شأنه أن يشهد على أصل النبوة وأحقِّيَّة القرآن، فتكون قريبة المضمون من آية سورة الرعد، مع اتفاقهما في كونهما مكِّيَّتان.
* حاول البعض صرف ظهورها عن الإمام علي عليهالسلام ؛ وذلك بالتصرف في إرجاع الضمائر ونحوه أو القول أن المراد منه جبرائيل يتلو القرآن على النبي صلىاللهعليهوآله ، لكن كلّها مردودة، وخصوصاً على ما ورد في بعض القراءات عند أهل البيت عليهمالسلام من أن الآية (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى)، فوصف الإمامة والرحمة للشاهد لا لكتاب موسى، إلاّ أنهم بدَّلوا موضعها عند جمع القرآن.
* وجود قيد (منه) للشاهد تدفع الاحتمالات التي ادعوها في المقصود من الشاهد؛ حيث لا معنى أن يرجع الضمير إلى غير الرسول، وأن المراد من (يتلوه)
____________________
(1) هود: 17.
التلو التابع لا التلاوة.
* أن المراد من حرف الجر في قوله تعالى: (بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) هي النشوية لا البيانية؛ أي أنها ناشئة من اللَّه وآتية من جانبه.
* لفظة (منه) الواردة في (شاهد منه) هل المراد منها الاتصال النسبي أم أمر آخر؟ والأول بعيد؛ وذلك لأن القرآن لا يعتد بخصوص ظاهرة الولاء النسبي فقط في نسبة الأشخاص كما في قوله تعالى ( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) مع أنه إبنه، بل يعتبر أن من خرج عن الطريق الصحيح فهو خارج عن اتصاله بالنبي، وهنا إطلاق (منه) على الإمام علي عليهالسلام من جهة نسبة الروح والولاء والإيمان وكونه منه لها دخالة في شهادة الشاهد؛ ويؤكِّده ما ورد عن الإمام من رؤيته لنور النبوة، وقوله صلىاللهعليهوآله : (أنت أخي)، فالأخوة ليست نسبية، والشقيق يعني الاشتقاق من أصل واحد، فمرتبتهما الغيبية تؤول إلى أصل واحد، وقريب منه ما ورد (كنَّا نوراً واحدا)، ومثله قوله تعالى (وأنْفُسَنا وأنْفُسكُم).
ثالثاً: ما يستفاد من طائفة آيات الكتاب
أمَّا النقاط التي يمكن استفادتها من هذه الطائفة:
1 - ثبوت مقام الطهارة والعصمة لمَن عنده علم الكتاب؛ حيث إن الشهادة لا يمكن أن تُقبل في هذه المواطن التي هي اللبنة الأولى للشريعة إلاّ لمَن اتصف بذلك، وإنَّ سرَّ وحقيقة العصمة يعود للعلم، ولم يدَّعِ أحد من الأولين والآخرين أن لديه علم الكتاب إلاَّ هؤلاء الأطهار واستعدادهم للجواب على كل تساؤل، ومن دلائل العصمة أجوبتهم وكلماتهم التي صحَّت نسبتها إليهم؛ فإنها تظل مناراً هادياً ومشعلاً مضيئاً إلى أبد الدهر ودالاً على إمامتهم وعصمتهم ومعاجزهم العلمية.
2 - أن الأئمة عليهمالسلام لديهم العلم اللَّدُني المحيط بكل الأشياء، وهو ليس غير علم الأسماء الجامع، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في الطائفة الأولى.
3 - أن مَن يكون لديه العلم اللدني يكون مؤهَّلاً للهداية التكوينية الإيصالية، وهي
الحد لماهية الإمامة كما ذكرنا في الطائفة الأولى.
4 - بما أن لديهم هذا العلم الحضوري فلديهم القدرة، وهذا يعني أن لديهم الولاية التكوينية والقدرة التكوينية على من سواهم حتى الملائكة، وهذا العلم يكسب مثل هذه القدرة الغريبة كما رأينا في آصف بن برخيا؛ إذ أن إتيانه بعرش بلقيس بهذه السرعة ليس إلاّ بسبب ما حصل عليه من علم من الكتاب فكيف بمَن عنده علم الكتاب؟! وقد حُرِّر في محلِّه أن القدرة فرع العلم.
5 - لقد أشرنا إلى أن الكتاب هو الكتاب المبين، وهو كتاب التكوين، وهو الحاوي لكل شيء، ومن وصل إلى هذا العلم يدل على علو منزلته ومقامه، وعلى حسب ما أوتي نستطيع معرفة رقيِّه الروحي، ومن المسلَّم به في علوم المعارف الإلهية أن فضيلة الإنسان بمقدار ما أوتي من ربه.
6 - أن مقتضى النقاط السابقة هو إمامتهم لمَن دونهم، وأن هذه الإمامة هداية تكوينية، وأنها باقية على مر
الزمان إذ تنزَّل العلوم والكمالات من المراتب العليا على النفوس المستعدة لها، وقد مرّ عليك إطلاق الكلمة على بعض الأنبياء، كما أنه قد عرفت الفرق بين الكلمة والكتاب التكوينيين؛ فعلم الكتاب حاوٍ لجميع الكلمات، وإيَّاك أن تحمل هذه الاستعمالات القرآنية على المجاز والتفنُّن اللفظي، فإنه كتاب حقائق، موزونة ألفاظه واستعمالاته ومعانيه ولطائفه وحقائقه من لدن حكيم عليم، فلاحظ ما ذكرناه في الفصل الأول.
7 - أن القرآن معجزة خالدة باقية على حقانية الرسول، وهكذا الإمام الذي هو شاهد حي على مر الدهور على صدق الرسول، حيث إن شهادة مَن عنده علم الكتاب لكل أفراد الإنسانية، فكما أن القرآن لجميع الإنسانية فكذلك الشاهد الآخر يكون شاهداً أبدياً على صدق الرسالة وصدق الكتاب من الحق سبحانه، وهو القرآن الناطق.
وهذا المفاد عين مفاد حديث الثقلين، وقد أشارت روايات أهل البيت عليهمالسلام إلى العديد من الآيات التي يتطابق مفادها مع حديث الثقلين، وبالتالي فإن هذا الحديث وإن كان متواتراً بين الفريقين إلاّ أنه يزداد رصيد اعتباره مفاداً وسندا، وسوف يأتي مزيد بيان في فقه الروايات.
والمحصَّل: أن وجود الأئمة عليهمالسلام وتصديقهم بنبوة النبي صلىاللهعليهوآله شهادة و معجزة على نبوته صلىاللهعليهوآله على حذو شهادة ومعجزة القرآن الكريم على نبوته، وهذا مفاد يدق معناه ويلطف في معنى معية الثقلين، فوجود الأئمة عليهمالسلام وعلومهم وسيرتهم وطهارتهم وكمالاتهم المختلفة في الجوانب العديدة التي بهرت العقول دليل صدق على النبوة، ومن ثَمَّ ورد عنهم عليهالسلام أن آية ( وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً... ) مورد نزولها في أمير المؤمنين عليهالسلام ، وهي جارية في الأئمة عليهمالسلام ، ولقد كان تحدِّي السلطات القائمة - دولة بني أمية و بني العباس - لهم مستمرة في العلوم المختلفة والرياضات النفسانية والقدرات الكمالية وعلى الأصعدة كافَّة، وكانوا يستعينون برواد العلوم والفنون والرياضات من الأقطار المختلفة في العالم ومن الممالك المختلفة، بل كانوا يستعينون بالسباع فيرونها تخبت لهم خاضعة.
8 - يثبت من خلال الآية أن ولايتهم وإمامتهم أمر اعتقادي وليس من الفرعيات؛ وذلك باعتبار أن المعجزة يجب الإيمان بها كالقرآن، وهذه الشهادة أمر اعتقادي وهي دليل النبوة، مما يدلِّل على أن النبوة والإمامة توأمان وقرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
الطائفة الثالثة: آيات الهداية
وهي على ثلاثة ألسنة:
أ - ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (1) .
( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدِّي ) (2) .
ب - ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) (3) .
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (4) .
جـ - ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ) (5) .
( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً ) (6) .
( وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً ) (7) .
( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (8) .
إن الهداية الواردة في القرآن الكريم على أنحاء مختلفة:
1 - الهداية التكوينية الخلقية ( وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) أي الذي خلق كل شيء وجعله في صراطه التكويني الذي يؤدي إلى كماله وهدفه، وجعل ذلك في فطرته حتى الكائنات غير الشاعرة، غير الإرادية.
____________________
(1) الرعد: 7.
(2) يونس: 35.
(3) طه: 82.
(4) المائدة: 82.
(5) مريم: 76.
(6) محمد: 17.
(7) الكهف: 24.
(8)العنكبوت: 69.
2 - الهداية التشريعية الإرائية العامة، وهي التي تصدر عن النبوَّات وشرائع الأنبياء، وهي معلَّقة على العلم والإدراك الذي يستطيع أن يصيبه كل أحد.
3 - الهداية الإيصالية للفاعل المختار، وهي التي نبحث عنها بالآيات من القسم الأول، ويقابلها الإضلال
التكويني، وفي القسم الثالث يتضح أن هذه الهداية معلَّقة على العمل والطاعة ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً ) ، ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ ) .
فهذه الألسنة الثلاثة تعالج ماهية الإمامة، وهي المستبطِنة للهداية الإيصالية، وأمَّا الإرائية، فتكون تابعة لصاحب الشريعة، ونلاحظ أن القران في مواطن كثيرة يشير إلى أن العمل الصالح له آثار وضعية؛ منها: أنه يؤدي إلى عمل صالح آخر أكثر من الأول.
و - يظهر من آية (24) من سورة الكهف أن الهداية على مراتب ودرجات، وهي لا تقف عند حد، فكلما زاد العمل والسعي، زادت الهداية؛ وما ذلك إلاّ لأن الكمال لا حد له، والقرب الإلهي لا يقف عند نقطة معينة، وفي هذا جواب قاطع على العامة الذين يقولون: إن الهداية حاصلة بمجرد التلفظ بالشهادتين، بل إن قوله تعالى: ( وَزِدْنَاهُمْ هُدىً ) (1) ، وقوله تعالى: ( وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً ) (2) دليل على خطئهم.
وتشير آية سورة المائدة إلى تعين الولاية وتشخيص صاحب الهداية الإيصالية، ممَّا يعني أن هذا السعي يجب أن يسري عن هذا الطريق ومن هذا الباب.
إن آية سورة طه التي أشرنا إليها في البداية تدل على أن الغفران منوط بالولاية؛ لأنها تشترط الإيمان والعمل الصالح والهداية، وهو اتباع الهادي.
____________________
(1) الكهف: 13.
(2) الكهف: 24.
المفاد التفصيلي للآيات:
1 - ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ )
في هذه الآية الشريفة موارد للبحث:
أولاً: مَن المقصود بالـ(هاد)، فقد ذكر البعض أن المقصود هو الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله أي أنك هادٍ لكل قوم، وهذا الاحتمال ضعيف لأمور؛ منها: أن الحصر بـ(إنما) في قبال توهُّم أن وظيفته صلىاللهعليهوآله هي إهتداؤهم بالفعل بتلبية طلبهم بإتيان المعجزة والآية التي يقترحونها.
ومنها: من الجهة الإعرابية؛ حيث سوف يتنازع (منذر) و(هادٍ) الجار والمجرور، ولذا لا يجوز توسطها، كما لا يجوز الفصل بين العامل والمعمول بالواو.
ومنها: أن الإنذار هداية إرائية، فتكون (هادٍ) عطف تفسير، وهو خلاف الأصل الأولي في ظهور الكلام في التأسيس.
ومنها: أنه لا يكون هناك وجه لتأخير (هادٍ) عن الجار والمجرور.
ثانياً: أن الهداية ليست الهداية الإرائية، بل الإيصالية؛ وذلك لعدَّة وجوه:
* المقابلة بين الإنذار والهداية.
* أن الكفَّار طلبوا من الرسول آية، وهي مظهر للقدرة، والقدرة مظهر الولاية؛ وهذا ما يحتاج إلى بيان:
وذلك لأن المدَّعى أن المعجزة التي تظهر على يد الرسول هي من حيثية ولايته، لا رسالته، ويكون جواب طلبهم: إنك من حيث الرسالة لا تجري بيدك الآية، وإنما ظهور الآية، والمعجزة بيد الهادي ومَن له الهداية الإيصالية، والنبي الأكرم حيثياته متعددة ومن هذه الحيثية يكون المعجز على يديه.
* أن هذه الهداية جعلت عدلاً للنبوة؛ باعتبار أنها تحقق الإيمان في الخارج، وهو غاية الهداية الإرائية، فإن الإيمان في الخارج متوقِّف على الهادي.
* أن مجيء أداة العموم (كل) والتنوين في (قوم، هاد) يدل على الاستغراق، وأن لكل قوم هادٍ، وحيث إن النبي صلىاللهعليهوآله محدود العمر و ليس باقٍ في هذه النشأة لجميع الأقوام، فبتكثر الأقوام يتكثَّر الهادي.
* أن سياق الآيات التالية لهذه الآية يدل على العلم اللدني، وأن علم الحق وموارد قدرته التكوينية تتسع وتحيط بكل شيء، وهو مناسب للهداية التكوينية.
2 - الآية الثانية ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى ) .
والآية مكِّية واردة في مقام الاحتجاج مع الكفَّار، وأن الإلهة التي يعبدونها لا تستطيع شيئا، وأن الهادي هو اللَّه، وإسناد الهداية إليه لا يختص بالهداية الإرائية، بل يعم حتى الإيصالية. ويكاد يجمع المفسرين أن (يهدي) في الأصل يهتدي، ثُم قلبت التاء دالاً لأجل التخفيف، والمقابلة هنا بين مَن يهدي إلى الحق، وهو عام ولم يخصص كما في قوله تعالى: ( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ) وبين مَن يهدى؛ أي أن السؤال هو: مَن الأحق بالاِتباع هل هو الذي يهدي إلى الحق أم من لا يهتدي إلى الحق إلاّ أن يهدى.
فالذي تكون هدايته من ذاته ومن نفسه هو الذي يكون هاديا. أمَّا مَن لا تكون هدايته ذاتية وليست من نفسه، فإنه لا يكون هاديا للحق، فتوجد ملازمة بين الهداية الحقة والهداية اللدنية، فيجب أن يكون الهادي مهتدياً لا بغيره، وفي المقابل الذي يهتدي بغيره لا يكون هادياً للحق، فتوجد ملازمة بين الاثنين؛ أي أن المهتدي بنفسه هدايته ملكوتية بإقدار اللَّه عزَّ وجل. والمهتدي باللَّه لا يقال إنه مهتدي بغيره من المخلوقين؛ إذ الاهتداء بهداية اللَّه كما ورد في ( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ) هو عبر اتباع رسوله، واللَّه هو الحق وهداية الرسول إلى الحق هي هداية إلى اللَّه، ونتيجة لهذه الخصوصية في الهداية نقول: إن المراد هو الهداية الإيصالية؛ وذلك لأن المهتدي بسبب غيره قادر على الهداية
الإرائية. أمَّا الإيصالية، فلا يستطيعها.
ثُم إن للهداية درجات كما تشير إليه العديد من الآيات كقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) (1) ، وقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ) (3) ممَّا يدلِّل على كون الهداية على درجات، وفي الاستعمال القرآني أيضاً استعملت الهداية في مقابل الضلالة، والهداية بمعنى الصراط المستقيم في مقابل بقية السُّبل المتفرقة.
كما أن في قوله تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) (4) دال على وجود درجة من الهداية دخيلة في أصل النجاة الأخروية، وهذه الدرجة وراء مبدأ الإيمان والعمل الصالح، وهذا المفاد كما يلاحظ مقارب لمفاد الطائفة الأولى في واقعة آدم عليهالسلام ؛ حيث تبيَّن أن إبليس لم ينفعه إيمانه باللَّه تعالى واليوم الآخر، ولا عبادته بعد عدم توليه آدم عليهالسلام وعدم خضوعه وانقياده إليه كخليفة للَّه تعالى، وهذا المفاد في آية سورة طه لمفاد آية الإكمال ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) فالإسلام بما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد والفروع من الصلاة وغيرها كمُلت بالذي نزل ذلك اليوم وتمَّ به، ورضا الرب مشروط بما نزل في حجة الوداع عند رجوعه صلىاللهعليهوآله في غدير خم في قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (5)، فوعده بالعصمة ممَّا
____________________
(1) محمد: 17.
(2) الكهف: 24.
(3) مريم: 76.
(4) طه: 83.
(5) المائدة: 76.
يحذره صلىاللهعليهوآله من الناس، وأن من يكفر بذلك الذي أنزل، فإن اللَّه لا يهديه، فهذه الهداية هداية زائدة على ما ذكرنا تشترط في النجاة الأخروية، وهي الهداية التي في هذه الطائفة.
الطائفة الرابعة: آيات الملك
قوله تعالى: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً ) (1) .
والآية تتعرَّض للنبي الخاتم صلىاللهعليهوآله بأن الآخرين يحسدونه على ما آتاه اللَّه من فضله، ثُم يعدد ذلك الفضل بالكتاب والحكمة والملك العظيم. أمَّا الكتاب والحكمة، فمعناهما واضح إجمالاً؛ فالأول هو النبوة، والثاني هو العصمة كما تشير إليه كثير من الروايات، فإن مقتضى الحكمة عدم الزلل.
أمَّا الملك العظيم، فيتضح معناه بالالتفات:
أولاً: أن آل إبراهيم لم يستلم أحد منهم السلطة والملك إلاَّ سليمان وداود، وهذا لا يتناسب مع مجيئه مورد صفة الجمع والمنَّة على كل آل إبراهيم.
وثانياً: هذا الملك العظيم لا بدَّ أن يكون مغايراً للكتاب والحكمة ولا يكون غير الاقتدار والسلطنة، وهذا هو الحد الماهوي للملك.
وثالثاً: إذا لاحظنا الآية السابقة عنها، وهي ( أَم لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ) فما هو الملك الذي لو أوتوه بني إسرائيل لَمَا أعطوا الناس منه شيئا؟ بالتأكيد ليس هو الملك الظاهري؛ حيث إن المراد من النقير هو المتخلِّف من التمر في النواة، وهذا نوع تشبيه؛ و المراد منه: باب المحاجة وبيان المباغضة والحسد الذي
____________________
(1) النساء: 54.
عند اليهود تجاه نبوة النبي صلىاللهعليهوآله ، وهي في مقام النعم الغيبية الإلهية التي حباها اللَّه تعالى آل إبراهيم، فإذا كانت لديكم النبوة وما هو من قبيلها من المنح الإلهية، فلا تؤتونها أحداً من الناس وتمانعون من وصول هذا الفضل الإلهي لأحد، فلا بد من مجموع هذه القرائن أن يكون هذا الملك ولاية تكوينية.
وهذا يعني أن الملك هو الذي تنبثق عنه النبوة، وهو أعظم مقام من النبوة؛ بمعنى أن ولاية كل نبي أرفع شأناً من نبوته، لا أن ولاية أيُّ ولي أرفع من مطلق النبوة؛ وذلك لأن الولاية تعبِّر عن أرقى مراحل الروح التي ترتقي فيها فترتبط بالفيض عن الذات الأزلية، أو ترتبط بالذات، ويعبر عنه بـ: باطن النفس، وهي تنقاد للرب وتعبد الرب منتهى الانقياد والعبادة بحيث تكون مشيئته مشيئة اللَّه وإرادته إرادة اللَّه.
فالولاية هي الجانب الملكوتي. أمَّا الإنباء والنبوة، فدون ذلك المقام؛ وذلك لأنه بتوسط رقي روحه يفاض عليه المطالب العالية حيث أن علومها أوسع من التشريعية وتكون مصدراً لها، ويشير إلى ذلك قوله تعالى ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) ، حيث إن الابتلاء كان في كبر سنه بعد ما رزق الذرِّية، والابتلاء بتوسط ما أوحي إليه كما تشرحه بقية السور، فهو بعد النبوة والرسالة كان التأهُّل لمقام الإمامة.
ثُم بالنظر إلى الآيات الأخرى نرى أن آل إبراهيم قد أوتوا الإمامة وحبوا بها ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا... ) ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) ، فالحبوة التي حبى بها اللَّه آل إبراهيم هي الإمامة، وهل يوجد ملك أعظم من هذا؟! وهذا الملك العظيم هو الذي حباه اللَّه لرسوله
____________________
(1) البقرة: 124.
الأكرم وعترته الطاهرة.
يذكر العلامة الطباطبائي (أن المراد من الملك هو السلطنة على الأمور المادية والمعنوية، فيشمل ملك النبوة والولاية والهداية وملك الرقاب والثروة؛ وذلك أنه هو الظاهر من سياق الجمل السابقة واللاحقة، فإن الآية السابقة تومئ إلى دعواهم أنهم يملكون القضاء والحكم على المؤمنين، وهو مسانخ للملك على الفضائل المعنوية) ثُم عندما يصل إلى الملك العظيم يقول: (تقدَّم أن مقتضى السياق أن يكون المراد بالملك ما يعم الملك المعنوي الذي منه النبوة والولاية الحقيقية على هداية الناس وإرشادهم، ويؤيِّده أن اللَّه سبحانه لا يستعظم الملك الدنيوي لو لم ينته إلى فضيلة معنوية ومنقبة دينية) (1) ، ونحن وإن نقلنا كلام العلاّمة بطوله، إلاّ أنَّا لا نتَّفق معه على أن كلاً من النبوة والإمامة داخلتان في الملك العظيم، لِمَا ذكرناه من القرائن، ونضيف أن قوله تعالى ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ... ) يدل على أن القدرة هو علم الكتاب، وهو الإمامة كما توصَّلنا إليه.
ثُم إن المراد بآل إبراهيم هم النبي وآله؛ وذلك لجملة من القرائن:
ـ أن المقام هو المحاجَّة، والحاسدين هم بنو إسرائيل، وحسدهم للنبي صلىاللهعليهوآله ، ولو كان المراد أنبياء بني إسرائيل، لكان تقريراً لحجَّتهم لا دحضاً، لها فلا بدَّ أن آل إبراهيم لا يشمل بني إسحاق.
ـ أن الناظر في الآيات الأخرى:
كقوله تعالى ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا
____________________
(1) الميزان، ج4، ص377.
وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَاكانُوا يَعْمَلُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَأَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) (1) .
وقوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (2) .
وقوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (3) .
فإن ما في سورة الأنعام دل على أن إبقاء هذا الاجتباء والحبوة الإلهية في ذرَّية إبراهيم متصلة حتى النبي الخاتم صلىاللهعليهوآله ، ( فَإِن يَكْفُرْ بِهَا ) ، أي بهذه النعم اللدنية الإلهية
____________________
(1) الأنعام: 83 - 90.
(2) البقرة: 124 - 125.
(3) الزخرف: 28.
(الكتاب والحكم والنبوة) ( فَقَدْ وَكَّلْنَا... )
وهكذا في سورة البقرة أن الإمامة متصلة في ذرَّيته، وهي ذرية إسماعيل، وكذا ما في سورة الزخرف؛ فإن كلمة التوحيد ونفي الشرك جعلها اللَّه باقية في عقب إبراهيم متصلة، ومن الواضح أن الباقي على التوحيد ونفي الشرك إنما هو في عقب إسماعيل، وتدل كل هذه الآيات في السور على بقاء هذا الأمر والأمور بعد النبي الخاتم في ذرِّيته التي هي ذرية إسماعيل وإبراهيم عليهالسلام أيضا.
فيستنتج أن الإمامة في عقب إبراهيم و إسماعيل إلى النبي الخاتم صلىاللهعليهوآله ، ثَّم في ذرِّيته.
ـ قوله تعالى: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (1) ، فهذا التشقيق الثلاثي الذين اتبعوه والنبي والذين آمنوا، فهو أولى الناس بإبراهيم...
ـ أن ما ورد في دعاء إسماعيل عند بناء البيت العتيق واستجابة الدعاء وأن الإمامة في ذريته، وهي الآية المتقدمة في سورة البقرة.
وعلى كل حال... فإن المتتبِّع لآي القرآن الكريم يقف على أن المراد من آل إبراهيم في اصطلاحه؛ هم: محمد وآله (عليهم الصلاة و السلام).
الطائفة الخامسة: آيات الاصطفاء والطهارة
( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ) (2)، ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم ْ
____________________
(1) آل عمران: 68.
(2) آل عمران: 33.
تَطْهِيراً ) (1) .
( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) (2) ، ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ) (3) ، ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (4) .
* ونبدأ البحث في آية سورة الأحزاب، وقد وردت الآية في ضمن سياق آيات تخاطب نساء النبي، وقد أشبع علماء الإمامية البحث عن أن المراد منهم أصحاب الكساء خاصة، لا نساء النبي؛ ولذا نكتفي بما قرَّروه و نتحدث في فقه الآية:
ـ إن في الآية قصرين؛ أحدهما بـ (إنما)، والمقصور عليه إذهاب الرجس عن أهل البيت، والآخر هو: تكرار الاسم بعد الضمير في عليكم، وهو دال على القصر والاختصاص؛ أي أن المخاطب هم أهل البيت.
ـ إن الإرادة هل هي تشريعية أم تكوينية؟ وهذا أيضاً بحَثه علماء الإمامية، وأثبتوا أن الإرادة تكوينية؛ ولذا نكتفي بالإشارة إلى نكتتين:
إحداهما: أن الإرادة لو كانت تشريعية، وأن اللَّه يريد تبيين أن الهدف من إرادته - أي من التكاليف - هو تطهير أهل البيت، فهو غير مختص بهم عليهمالسلام ؛ حيث إن المعنى أن إرادته تعالى متعلقة بصدور الفعل الواجب تشريعاً من غيره بإرادته واختياره كما في إرادة اللَّه سبحانه وتعالى صدور العبادات والواجبات من عباده باختيارهم وإرادتهم، لا مجرد حصولها بأعضائهم وصدورها بأبدانهم، وحملها هنا عليهم فقط لا خصوصية فيه؛ لأن الجميع مخاطبون بذلك كما في ( فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ... إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) ،
____________________
(1) الأحزاب: 33.
(2) الواقعة: 79.
(3) الدهر: 121.
(4) البقرة: 222.
لأن التعليل بالاعتزال لا يختص بأهل البيت، بخلاف ما إذا كانت الإرادة تكوينية، فهي لا تتخلَّف، أي أن المراد يتحقَّق لا محالة، فيصح التخصيص في لفظ الآية، هذا مع أن الأغلب في استعمال الإرادة التشريعية مجيء لفظ (أن) التفسيرية متوسطة بين الإرادة و متعلقها تدليلاً على التكليف.
ثانيهما: يبقى التساؤل حول التعبير بالمضارع الدال على التدريجية لا الدفعية، وإذا كانت الإرادة كذلك، فهذا يدل على أن المراد من الإرادة هو التشريعية لا التكوينية؛ إذ أن الإرادة التكوينية لا يتخلَّف عنها المراد فلا مجال للتدريج والاستمرار، مضافاً إلى أن (أهل البيت) استخدمت في القرآن وأريد منها الزوجة كما في سارة امرأة إبراهيم ( رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) .
أمَّا الأخير، فجوابه أن سارة هي ابنة عم إبراهيم، فهي من أهل بيت الوصاية، وهي من أهل البيت من هذه
الجهة، لا من جهة زوجيَّتها لإبراهيم. مع أنه في هذه الآية أيضاً لم يستعمل في خصوص الزوجة، وكذا في قوله تعالى حول موسى عليهالسلام : ( وَسَارَ بِأَهْلِهِ ) ؛ حيث إن الإطلاق عليها وهي حامل مقرِب.
وعلى أيَّة حال... فإطلاق الأهل على ذي الرحم ودخوله فيه ممَّا لا ريب فيه. وأمَّا الأزواج، فهو - على فرض الإطلاق - ليس إطلاقاً ذاتياً، بل معلَّق على الوصف؛ وهو الزوجية، ويزول بزواله، وظاهر الحكم في الآية أنه بلحاظ الذوات هنا. مضافاً إلى ما حرَّره العديد من الأعلام من ورود الروايات من طريق العامة على قراءة الرسول صلىاللهعليهوآله هذه الآية ستة أشهر على باب أصحاب الكساء، أي اختصاصها بهم عليهمالسلام . مضافاً إلى تغاير الضمير بين آيات سورة الأحزاب المخاطبة لنساء النبي صلىاللهعليهوآله بضمير جمع الإناث بينما الضمير في الآية بلفظ جمع المذكر، كما أن لسان تلك الآيات التحذير والوعيد والتشدد بينما لسان هذه الآية المجد والتودد ممَّا يوجب الوثوق بأن هذه الآية أقحمت بين تلك الآيات عند جمع القرآن الكريم.
أمَّا الإشكال الأساس في الإرادة، فجوابه؛ أولاً: إن الإرادة التكوينية على نحوين إمَّا دفعية وإمَّا تدريجية كما في الأمطار وإرسال الرياح لواقح، وهذه التدريجية لا تقدح في كونها تكوينية؛ وذلك لأن الخاصية الأساس لها هو عدم التخلُّف، وهي متوفرة، وكونها تدريجية لا يقدح في كون الإرادة تكوينية. أمَّا أن التدريجية تقدح في العصمة، فهذا أيضاً غير تام؛ وذلك لأن العصمة على درجات فالملائكة معصومون ولكن هذا لم يمنع أن يتركوا الأولى، والمسلمون قاطبة يجمعون على أن النبي الخاتم صلىاللهعليهوآله - بالنسبة إلى ربه تعالى - هو في تكامل مستمر ويكتسب الفيض منه تعالى وإن كان بالنسبة لمَن دونه لا يصل إليه أحد؛ لِمَا له من مقام لا يصل إليه نبي ولا وصي، إذن، التدريجية لا تنافي العصمة؛ لأن التكامل والسير نحو اللَّه مستمر وهم مكلَّفون بحقيقة التشريع.
وأمَّا الإشكال: بأن الإذهاب من زاوية التدريج لا يستلزم العصمة، لكن من زاوية إثبات الرجس قبل الإذهاب يدل على عدم العصمة.
فجوابه: أن هناك مقطعين في الآية: أحدهما يذهب الرجس، والأخر يطهِّركم تطهيرا، فلنتأمل في سر المخالفة
بينهما! والسر في هذه المخالفة أنه قد قُرِّر في علم الفلسفة والعرفان وأيَّده الأخلاق أن هناك مقامان: مقام التزكية أو التخلية، ثُم مقام التحلية و التجلية؛ وذلك لأن التحلية بالفضائل لا تكون إلاّ بعد التخلية عن الرذائل، وهذا شرط في تحقُّق التحلية، وبدونه لا تتحقق. وفي مقامنا نقول: إن إذهاب الرجس تخلية والتطهير تحلية، ويلاحظ أن التطهير - وإن كان مستمراً - فعلي؛ حيث لا يوجد فيه دلالة على الاستقبال، بل إنه مؤكد بالمفعول المطلق، وهذا يدل على الوقوع الحالي، فلا بد من وقوع الإذهاب قبل ذلك، وهذا التطهير غير متناه.
ثم إن هناك معنى آخر لإذهاب الرجس يجتمع مع ما تقدم من المعنى؛ وهو بمعنى الإبعاد، وأن لا يقترب الرجس من الذات والتوقية عن حريم ذواتهم نظير
قوله تعالى ( لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (1) ، أي الصرف، فلا يقترب إليه.
والجواب الثاني: يذكر علماء الأخلاق والعرفان أن المرتبة الأدنى من العصمة هي عدم الرجس وما فوقها كمالات، كما أن ليس كل عدم يطلق عليه رذيلة؛ وذلك لأن العدميات تصنَّف إلى قسمين: أحدهما ما يكون منشأ للرذيلة والشرور، والأخر عدم كمال، والمنطقة الأولى من العصمة سمِّيت بإذهاب الرجس، ومنه يبدأ السير التكاملي.
أمَّا المراد من الطهارة في الآية، فهي في معناها اللغوي مقابل القذارة، وقد استعملت في القرآن في مصاديق مادية ومعنوية؛ أمَّا الأولى، ففي النقاء من الحيض وموارد الاستنجاء بالماء، أمَّا المعنوية، فقد عُبِّر عن الكفر بالرجس في آيات عديدة ( كَذلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ ) ، وقد أطلق فيها الرجس على أحد معاني الشرك أو الالتفات لغير اللَّه.
وللطهارة مراتب ومدارج نستفيدها من نفس القرآن الكريم؛ ففي سورة الدهر ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ) ، في الرواية عن الإمام الصادق عليهالسلام قال: (يطهِّرهم عن كل شيء سوى اللَّه) (2)، فهؤلاء الذين أدخلوا الجنة ونعموا بها يبقى هناك مجال للتطهير مع أنهم داخل الجنة ولا يدخلها إلاّ المؤمنون، ولكن مع ذلك يمكن أن ينظروا بانشداد وجذبة في هذه الجنة إلى غير الذات الإلهية نظرة مستقلة، وهذا معنى للشرك دقيق قد لا يلتفت إليه الإنسان في حياته اليومية، وفي بعض الروايات نرى التعبير: أن كل شيء شغلك عما سوى اللَّه فهو صنم، وهذا يدلنا على أن الطهارة
____________________
(1) يوسف: 24.
(2) الصافي: 265.
لها مدارج عديدة وعجيبة.
* ثم إن هاهنا تحقيق دقِّي يزول به اللبس المتوهَّم في معنى الإذهاب، وذلك بالإمعان في هذه النكتة العقلية؛ وهي أن الرفع وإن عرف بأنه إزالة ما كان، والدفع ممانعة الشيء عن الحصول منذ البدء، إلاّ أنه في الواقع يرجع الرفع في حقيقته إلى الدفع؛ لأنه أيضاً ممانعة من الوجود غاية الأمر بقاءً، إذ أن وجود الشيء حدوثاً لا يشفع في وجوده بقاءً، بل هو محتاج إلى سبب ليفيض عليه وجوده آناً فآنا، فمن ثَمَّ يتَّضح أن الرفع هو دفع ممانعة عن حصة الوجود اللاحقة، لا أن ما هو موجود بالفعل يزال ويعدم في عين فرض وجوده، فإن ذلك تناقض؛ فإن العدم لا يصدق على نفس الوجود، فمن ثَمَّ يتضح أن الرفع أو الإذهاب في حقيقته دفع وليس هناك رفع حقيقي، نعم، المصحِّح للتفرقة هو الوجود السابق، ثم لحوق العدم أو العدم من الابتداء، ولكن المصحح للتفرقة لا ينحصر بذلك، بل يسوغه أيضاً وجود القابلية في المحل؛ إذ أن الممانعة التي في الدفع لا تصحح إلاّ بوجود الاقتضاء القابلي، وإلاّ فلا معنى للممانعة (لولا التقى لكنت أدهى العرب)، وهو ممانعة التكليف، فالإذهاب والرفع والدفع يصحِّحه الإمكان الذاتي والاقتضاء القابلي، فليس يتوقف الذهاب على الوجود الفعلي كما يُتوهَّم. وهذا الذي قرَّرنا باللغة العقلية هو المعنى الثاني للإذهاب الذي أشرنا إليه سالفاً بمعنى الصرف والإبعاد للرجس عن حريم الذوات المطهَّرة.
* أمَّا الآية الثانية، وهي ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ء * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) .
لقد تقدم البحث في شؤون الكتاب في الطوائف السابقة، ونشير هنا إلى المراد من المس، وقد ذكر أن المس غير اللمس الحسي، بل يقصد به الإدراك والعلم به، وعليه يحمل على أن الكتاب مكنون في العوالم العلوية؛ لا يصل إليه إلاّ المطهَّر،
والمطهر - بقول مطلق - هو الذي عنده علم الكتاب، وبهذا يكون التناسب بين هذه الآية وبين الآيات السابقة في الكتاب.
* آيات الاقتران بين التوبة والطهارة.
وهنا نلاحظ أن منشأ التوبة هو منشأ الطهارة، وبيانها العقلي: أن كل أوبة وتوبة هو رجوع وسير إلى
اللَّه عزَّ وجل؛ إذ هو انقلاع للنقائص، والبعد عن الباري هو سبب النقائص والقرب منه تعالى هو سبب الكمال.
* آيات الاصطفاء.
وواضح أن المراد منها هو الغربلة والانتقاء؛ ومنها: ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى الْنَّاسِ بِرِسَالاَتِي ) (1) ، وهو اختصاص بمقام غيبي واصطفاء آل إبراهيم وآل عمران على العالمين، واضح فيه أنه لمقام فوق مقام بقية العالمين، وفي بعض الآيات: ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) (2) ، وهذا سلام مخصوص يدل على مقام مخصوص.
الطائفة السادسة: آيات شهادة الأعمال
( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (3) .
( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) (4) .
وقوله تعالى ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ
____________________
(1) الأعراف: 144.
(2) النمل: 59.
(3) التوبة: 105.
(4) المطفِّفيِن: 17 - 21.
فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (1) .
وهذا المقام هو مقام غيبي؛ حيث فيه شهادة أعمال الأمة.
( لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) (2) .
الكلام يقع أولاً في الشهادة على الناس، فليس المراد شهادة مطلق المسلمين، بل المراد ثلَّة خاصة منهم؛ وذلك لقرائن:
ـ لِمَا ورد في آية الحج: ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هذَا... ) (3) والتعبير بـ (أبيكم) حيث لا يراد منه مطلق المسلمين.
ـ أن هذه الأمة المسلمة التي دعى لها إبراهيم ربه ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً ) (4) ، وهذه هي التسمية التي أطلقها إبراهيم عليهم.
ـ ما ورد في آيات عديدة من خصائص لذرية إبراهيم من الاصطفاء، وأن ليس كل الذرية مشمولون بكل دعاء، وقوله تعالى ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (5) .
ـ وقوله تعالى ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاَءِ شَهِيداً ) (6) ، ومن الواضح أن مقام الشهادة ليس لكل الناس، بل لفئة خاصة؛ حيث يكون الرسول شاهداً على جميع الأمم الغابرة، وهذا يقتضي نوع خاص من التحمُّل، خارج إطار الحياة البشرية؛ حيث إنها قبل ولادة الرسول وبعد وفاته.
____________________
(1) يس: 21.
(2) الحج: 87.
(3) الحج: 78.
(4) البقرة: 128.
(5) الزخرف: 28.
(6) النساء: 41.
ـ أن سنخ هذه الشهادة التي هي مقرونة برؤية اللَّه تعالى للأعمال تعني أن التحمُّل لهذه الشهادة ليس من سنخ الإدراك الحسي؛ إذ هو ممتنع في حقه تعالى لأنه ليس بجسم، وممتنع في حق رسوله صلىاللهعليهوآله والمؤمنون المعنيون في الآية، بحسب أجسامهم البدنية أن يفرض لها الإحاطة بكل الناس مع أن رؤية الأعمال غير مخصوصة بما إذا كانوا في النشأة الدنيوية للتأبيد والعموم في الآية، فيحدس اللبيب بالقواعد العقلية أن نحو الإحاطة بأعمال العباد إحاطة ملكوتية في طول إحاطة الباري تعالى.
ـ وقد ورد مثلها في قوله تعالى: ( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (1) ، وفي قراءة أهل البيت ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً ) ؛ حيث فرَّع غايتين على الوسطية: شهادتهم على الأعمال، وشهادة الرسول عليهم. وهذه الوسطية ليست متوفِّرة في جميع أفراد الأمة؛ فإن فيها الطغاة والظالمين، فليس كونهم مسلمين هو الذي جعل لهم تلك الوسطية، بل إن الوسطية في الصفات العلمية والعملية والخلقية بين الإفراط والتفريط على نحو الإطلاق تعني التوفر على أكمل الصفات وأعلاها، وإلاَّ لم يكن وسطاً ميزاناً شاهدا، وهو يعني العصمة من كل النقائض.
وفي العياشي عن الصادق عليهالسلام قال: (ظننت أن اللَّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين؟! أفترى أن مَن لا يجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب اللَّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية؟! كلا، لم يعنِ اللَّه مثل هذا من خلقه؛ يعني الأمة التي وجبت لها دعوة إبراهيم ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) وهم الأئمة الوسطى، وهو خير أمة أخرجت للناس) (2) .
____________________
(1) البقرة: 143.
(2) تفسير الصافي، ج1، ص196.
إذن ما نستفيده من الآية أن الرسول والأئمة لهما مقام الشهادة على كل الأمم على كل أعمال الناس. وفي قوله تعالى لعيسى بن مريم ( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ ) (1) ، فهو شهيد عليهم في زمن حياته، بخلاف شهادة النبي صلىاللهعليهوآله فهو مقام شهادة يفوق مقام شهادة بقية الأنبياء.
كما نستفيد من هذه الطائفة أن الإمام هو رائد قافلة الأعمال الذي له وسطية الفيض في العمل، وله إحاطة بالعمل، وقد ورد في كثير من تعاريف الإمامة على لسان الأئمة بشهادة الأعمال؛ فقد روى في بصائر الدرجات بعدة أسانيد معتبرة عن الباقر عليهالسلام : (أن الإمام إذا قام بالأمر رفع له في كل بلد منار ينظر به إلى أعمال العباد)، وروي بعدة أسانيد أخرى: (أنه يجعل له في كل قرية عمود من نور يرى به ما يعمل أهلها فيها) (2) .
الطائفة السابعة: آيات الولاية
وهي الآيات التي تبيِّن مقامات من ولاية النبي صلىاللهعليهوآله في الأمة، ولسان آخر تبين أن الولاية للنبي وآخرين معيَّنين: ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (3) .
وهذه الآيات وثيقة الصلة ببحث التوحيد في الطاعة، وهي آيات أغلبها مدنية، وقد أشبعنا البحث حولها في الفصول السابقة. أمَّا هنا، فالكلام في نقاط:
____________________
(1) المائدة: 117.
(2) بصائر الدرجات، ص129، وبحار الأنوار، ج26، ص133 - 134.
(3) المائدة: 55 - 56.
* قوله تعالى: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) (1) .
في هذه الآية يطرح بحث حول حدود ولايته وسلطانه، وكما ذكرنا مراراً ليس الغرض من القرآن التفنُّن الأدبي الصرف، والتزويق اللفظي المجرد، بل الألفاظ لقولبة المعاني وهندسة القواعد وتحديد الحقائق، وأن انتقاء الألفاظ للدلالة على المعاني المعينة المحددة، وهنا يعبِّر عزَّ مِن قائل عن النبي بأنه أولى من النفس، فكل ما يثبت أنه شأن من شؤون النفس فالنبي أولى به، وشؤون النفس غير منحصرة في الإرادة؛ قال العلاّمة: (فالمحصَّل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة وإنفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه، ولو دار الأمر بين النبي وبين نفسه في شيء من ذلك، كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه، وكذا النبي أولى بهم فيما يتعلق بالأمور الدنيوية أو الدينية؛ كل ذلك لمكان الإطلاق في الآية) (2) .
وهكذا تظهر الأولوية بنصوصية في قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (3) ، وواضح من نزول الآية كون موردها قضية شخصية؛ وهي زواج زينب بنت جحش، وهو أمر شخصي، وهذا يعني أن ولايته تعم حتى الأمور الشخصية.
ـ وهاهنا إشكالات قد تطرح على تعميم الولاية:
1 - وحاصله: أن إرادة النبي لو كانت في الأغراض الشرعية والأمور العامة المهمة التي يعتمد عليها مصير الجماعة، فيكون هناك وجه لتقديم ولاية النبي صلىاللهعليهوآله . أمَّا لو كانت إرادته صادرة عن أمر نفساني خاص وشوق شخصي، فإن ذلك لا يليق بالشريعة،
____________________
(1) الأحزاب: 6.
(2) الميزان، ج16، ص276.
(3) الأحزاب: 36.
وأنه لو كانت الولاية عامة لشملت حتى وطء الزوجة والنظر إلى محارم المؤمنين.
والجواب: أن هذه الأحكام منوطة بعناوين خاصة كالزوجية وعناوين الرحم الخاصة كالابن والأب والعم ونحو ذلك، مضافاً إلى عدم كونها أفعالاً منوطة بالرضا والاختيار؛ أي بقدرة وولاية الشخص، فلم ينط حلِّيَّة وطء الزوج للزوجة برضا الزوج، ولم يعلِّق حلِّيَّة نظر لمُحْرِم للمرأة المحرم برضاه، والولاية خارج هذا الإطار؛ وإنما الولاية تشمل المواطن التي تناط بالاختيار والإرادة وتكون للمؤمن ولاية على نفسه. وبتعبير آخر: الأشياء الثابتة للمؤمن بما هو مؤمن، وليست ثابتة له بعنوان خاص مثل عنوان الولد أو الأب أو الزوج، لذا لا تصح المقايسة بين البيع والنظر؛ لأن الأول منوط بالرضا والاختيار لذا يستطيع المالك أن ينيب غيره عنه، بخلاف الوطء فإنه لا يعقل أن ينيب فيه أحد
عنه، والطلاق كفعل مثلاً أنيط برضا الزوج بما أن له الولاية، وحينئذ يثبت للنبي صلىاللهعليهوآله .
2 - ما ذكره البعض من أن الآية ليست في صدد بيان الولاية الخاصة للنبي على الأمة، بل في صدد بيان ولايته على بيت المال وإمرة المؤمنين؛ بدليل ما ورد في أدلة الإرث من أن النبي ولي مَن لا ولي له، وأن الإمام مَن ضمن طبقات الميراث، وأنه إذا لم يوجد مَن يسدد ديون الميت، فالإمام هو الذي يقوم بسداده، مع الاستدلال بهذه الآية في مثل تلك الروايات؛ منها: ما روي عن النبي صلىاللهعليهوآله أنه كان يقول: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيُّما رجل مات وترك دينا، فإليَّ، ومَن ترك مالاً، فهو لورثته) (1) ، وأمثال هذه الروايات العامة التي تثبت ولايته في الأمور السياسية العامة وما يشبه الضمان الاجتماعي في يومنا هذا.
____________________
(1) الميزان، ج16، ص282.
ولكن الحق أن كل هذا لا يدل على تحديد لولاية النبي صلىاللهعليهوآله ؛ وذلك لأن الآية ظاهرة في أن للنبي مقاماً فوق منزلة النفس يجب الانصياع لها في كل مورد يوجد نفوذ للإرادة التي هي في مجال الولاية، وهذه الروايات في الإرث لا تتنافى مع هذا الذي ذكرناه؛ وذلك لأنها تعلِّل وتنزِّل ولاية النبي على الأمة منزلة الوالد على الولد، وهذه الولاية تعني أنه في موارد التزاحم تنفذ ولاية الوالد بمناط حرمة العقوق ووجوب الطاعة (وهي لا تعني أن يجب أن يستأذن من والده في كل تصرف)، وهكذا في مورد البيع أنيط برضا المالك الشخصي ولم ينط بإرادة النبي صلىاللهعليهوآله ، وكذلك بقية التصرُّفات الاعتبارية أنيطت بالملاك الشخصيين، ولم تنط بولاية النبي، نعم، في بعض الموارد إذا أعمل النبي صلىاللهعليهوآله ولايته وإرادته تكون المفاضلة له وهي النافذة.
هذا في موارد وجود الإرادة النبوية. أمَّا في موارد عدمها، فإن صرف الاعتقاد والمحبة هو الذي يكون عليه الفرد المسلم، ويوطِّن نفسه أنه في بعض الموارد إذا أراد النبي استعمال إرادته، فعليه أن يستجيب.
3 - أنه لا يعقل تعميم الولاية للميل الشخصي؛ أي أن النبي صلىاللهعليهوآله يعمل ولايته تبعاً لرغبات وأمور شخصية، لأنه يكون فيها نوع من الاستبداد الذي ينبذه القرآن والعقل، فلا بدَّ من اعتماده ميزاناً شرعياً يرجع إليه في تصرفاته، وهذا يعني أن ولايته غير مطلقة، بل محدَّدة. وشبيه بهذا ما يقال في الأنفال والأخماس من أنه ليس ملكاً شخصياً للإمام، بل هو للمقام، ويترتَّب عليه أن الإمامة حينئذ لا تكون حيثية تعليلية، بل تقييديَّة؛ لأنها إذا كانت تعليلية، فتكون ملكاً شخصياً للإمام، وعليه لا يكون المعصوم منطلقاً من الميول الشخصية خصوصاً في الأمور العامة ومصالح المسلمين.
والجواب: إن في هذا الكلام خلطا؛ لأنَّا عندما نتكلم عن إعمال الولاية في الأمور
العادية والشخصية هل مرادنا هو غرائز المعصوم أم الإرادة المعصومة؟ ولاشك أنَّا نريد الثاني، وأصل البحث أن ثبوت هذه الولاية لهم هو بتعليل عصمتهم، فهم آباء هذا الأمة، فإرادته معصومة عن الزلل والخطأ وغرائز الشهوة وكبرياء الذات، ولا يمكن أن تصدر منه نزوة و لا يكون تصرفه صادر عن جهالة، بل إنَّا من تصرفه نستكشف الإرادة الشرعية؛ لأن إرادته هي إرادة شرعية وإنْ لم نعلم جهتها الشرعية.
وخلاصة القول:
إن المعصوم غير خالٍ من الغرائز والشهوات كبقية بني آدم، لكن الفارق أن مبدأها هو العقل والإرادة الإلهية التي تجعل كل فعل يقوم به الإنسان يكون خالصاً لوجهه الكريم، ولا يكون مبدؤها الشهوات الطامحة البهيمية التي تأكل الإنسان العادي، بل القوة العاقلة المتصلة بالأفق المبين هي التي تسيطر على جميع القوى المادون، فتجعلها تسير في خط مستقيم لا ينحرف عن جادة الصواب والحق.
وهذا يقودنا إلى بحث آخر؛ وهو: أن الجنبة البشرية في النبي والإمام هل تعني إلغاء الأفعال الغيبية أو أن الجنبة الغيبية للمعصوم تلغي أفعاله البشرية؟
وللاجابة عن هذا التساؤل نقول: إنه يُذكر في أقسام العبادات: عبادة الأحرار؛ وهو: مَن يعبد اللَّه حباً فيه وأنه أهلاً للعبادة، وعبادة التجَّار؛ وهي: عبادة مَن يرغب في الجنة، وعبادة العبيد؛ وهي: مَن يعبد اللَّه خوفاً من النار. ومن جانب آخر نرى في الأدعية حرص الأئمة على العبادة والدعاء خوفاً من ناره وطلباً لجنته، وقد ألفت صدر المتألهين في مبحث المعاد من كتاب الأسفار إلى أن هذا الرجاء والخوف لا ينافي الأكملية؛ إذ أن تلبية الغرائز الدانية للنفس ليس ينافي الأكملية دوماً، فليس كل مَن طلب بعبادته الجنة فهي عبادة التجَّار، بل توجد روايات تشير إلى أن الذي يعبد طلباً للجنة بما هي جنة من دون غاية أخرى فهي عبادة التجَّار. أمَّا إذا أتى بالعبادة طلباً للجنة والنجاة من النار كغاية متوسطة، والغاية النهائية هي اللَّه، فلا
يكون خلافاً للراجح، وتكون هي عبادة الأحرار.
وببيان عقلي: أن لكل قوة من قوى النفس كمال تسعى إليه، وهذه القوى المادون كمالها هو في النعيم الأخروي والأجر والابتعاد عن النار، فيجعل الإنسان سعيه في الدنيا لغرض تسكين تلك الغرائز في النشأة الدنيوية كي لا تمانعه من أن يسير في طريق آخر، وهو طريق الحق وسير النفوس في كمالاتها العالية، فالخوف من النار وطلب الجنة هو غاية متوسطة للقوى النازلة حتى لا تمانع من سير النفوس العالية.
وروي في الصحيفة السجادية أنه عليهالسلام رؤي بعد منتصف ليلة متهيأ بأحسن وأجمل هيئة في سكك المدينة فسئل: إلى أين؟ فقال عليهالسلام : (إلى خطبة الحور)، وقصد بذلك التهجد في المسجد النبوي. وفي كفاية الأثر في باب ما جاء عن الصادق عليهالسلام في التنصيص على الأئمة عليهالسلام في حديث قال عليهالسلام : (إن أولي الألباب الذين عملوا بالفكرة حتى ورثوا منه حب اللَّه، فإن حب اللَّه إذا ورثه القلب استضاء به وأسرع إليه اللطف، فإذا نزل منزلة اللطف صار من أهل الفوائد، فإذا صار من أهل الفوائد تكلم بالحكمة، فإذا تكلم بالحكمة صار صاحب فطنة، فإذا نزل منزل الفطنة عمل في القدرة، فإذا عمل في القدرة عرف الأطباق السبعة، فإذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته ومحبته في خالقه) (1) .
4 - أنه ورد في معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهمالسلام قال: قال أمير المؤمنين عليهالسلام : (إذا حضر سلطان من سلطان اللَّه جنازة، فهو أحق بالصلاة عليها إن قدّمه ولي الميت، وإلاّ فهو غاصب) (1) فقد قيَّد صلاته على الجنازة بإذن ولي الميت، ولم يجعل أولى منه.
والجواب: أن متن الرواية متدافع؛ حيث إن إثبات الأحقية يفيد أولويته على
____________________
(1) كفاية الأثر، ص253.
(2) وسائل الشيعة، أبواب الجنازة، ب23، ح3.
الكل وعلى ولي الميت، والتقييد بـ (إن قدَّمه ولي الميت) ينفي الأحقية الخاصة به؛ إذ أن مَن يقدمه ولي الميت أحق من غيره سواء كان السلطان أو غيره، فلو كان المدار على تقديم مَن يقدمه ولي الميت، فلا اختصاص لها بالسلطان، كما أن الأحقية هي لتقديم ولي الميت، فلو لم يقدمه لَمَا كان أحق، فكيف يجعل الأحقية الخاصة به دون بقية الناس.
فالوجه في مفاد الرواية هو كون المراد أن سلطان اللَّه أحق بالصلاة، وعلى ولي الميت تقديمه على الجميع، وإلاّ فولي الميت غاصب في التصرف فيما غيره - وهو السلطان - أحق منه، ويعضد هذا التفسير لمفاد الرواية، ما رواه الكليني في الصحيح عن طلحة بن زيد - وهو وإن كان عامِّياً بترياً إلاّ أن الشيخ الطوسي وصف كتابه بأنه معتمد - عن أبي عبد اللَّه عليهالسلام قال: (إذا حضر الإمام الجنازة، فهو أحق الناس بالصلاة عليها) (1) ، وقد رواه الشيخ في التهذيب أيضاً، فإن ظاهر إطلاقها الأحقية على الجميع بما فيهم ولي الميت، ويكفي بياناً في المقام قضية زواج زينب بنت جحش من زيد بن حارثة، فقد روى في تفسير البرهان عن الكليني عن أحمد بن عيسى عن أبي عبد اللَّه عليهالسلام في قول اللَّه عزَّ وجلَّ ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) قال: (إنما يعني أولى بكم؛ أي أحق بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم، وللَّه ورسوله والذين آمنوا يعني علياً وأولاده عليهمالسلام إلى يوم القيامة.
____________________
(1) المصدر، ح4.
المبحث الرابع:
الإمامة في السنة النبوية
وجرياً على ما اتخذناه من المنهج، فإنا لن نتعرَّض للروايات الخاصة الواردة في مقامات الأئمة عليهمالسلام ، بل سوف ننتقي الروايات التي تواتر نقلها لدى الفريقين والتركيز على الفقه العقلي والذوق المعرفي.
الحديث الأول: حديث الثقلين
وهو حديث متواتر ومشهور بين العامة والخاصة، ويظهر التسليم على أنه قد ذكره النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله في مواطن عدة حتى قال ابن حجر الهيثمي في صواعقه: (ثم أعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا، ومرَّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال لمَّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، ولا تنافٍ؛ إذ لا مانع من أنه كرَّر عليهم ذلك في تلك المواضع وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة) (1) .
والاستدلال من طرق العامة في ثبوت هذه الأحاديث له فائدة في إفحام الخصم، لأن الحديث كلَّما كان نَقَلته غير مؤمنين بما ورد فيه كلَّما كان ابعد عن الرمي
____________________
(1) الصواعق المحرقة، 89 - 90.
بالتدليس والكذب.
والبيان الإجمالي لهذا الحديث هو: أن النبي اشترط للنجاة من الضلال التمسك بالعترة؛ ومن ثَم ورد في كثير من الروايات أنهم أعدال الكتاب، فلا مجال لمقولة حسبنا كتاب اللَّه، ولا أن يقال: حسبنا الروايات المأثورة، وعلى حسب تعبير العلامة: أن من يقول حسبنا كتاب اللَّه فقد خالف الحديث؛ وذلك لأن من فارق التمسك بهما فقد فارقهما، لا أنه فارق أحد والتزم بالأخر.
ثم أن مقتضى العِدلية هي اتحاد صفاتهما، فإذا كان الكتاب تبياناً لكل شيء ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ونور وهدى وغير ذلك هو ثبوت الصفات للعِدل الآخر، ومن ثم تسمى كل منهما باسم الآخر، فهم القرآن الناطق، والكتاب إمام لمَن استهداه وعمل به.
ومن الغريب بعد ذلك حسر مفاد حديث الثقلين بكون مفاده كالقاعدة الفقهية؛ وهو كون مصدر التشريع الكتاب والعترة، وحجية أقوالهم، كيف وأن نفي الضلال المشروط بالتمسك بهما ليس مخصوصاً بالأعمال الجارحية، بل إن الشطر الأعظم في جانب الضلال هو في العقيدة والمعرفة فبالتمسك بهما يتحرَّز عنه أولا، وعن الضلال في الفروع ثانياً، كما أن الكتاب الكريم أكثر ما اشتمل عليه هو في المعتقدات والمعارف، وكذلك مجموعة المنظومة الروائية المأثورة عنهم عليهمالسلام ، وهل يتم التمسُّك بالكتاب - مع ذلك - من دون الاعتقاد به أنه منزل من الباري تعالى، فكذلك في التمسك بالعترة لا يتم من دون الاعتقاد بنصبهم من قبله تعالى، مع أن لازم حجية أقوالهم الأخذ بما يدعون إليه من الاعتقاد بإمامتهم.
1 - حديث الثقلين في القرآن الكريم:
ذكرنا سابقاً أن هذا الحديث الشريف أكدَّ عليه القرآن في ضمن مجموعة من الآيات نستعرضها:
1 - قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (1) ، وقوله تعالى: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) وغيرها من الآيات الدالة على أن الكتاب الكريم فيه تبيان لكل شيء ولا يعدوه شيء، ثم نربط هذا بقوله تعالى: ( هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (2)، حيث إن القرآن - الحامل لهذا النعت المادح لنفسه - لابد أن يوجد من يصل إلى هذا البيان العظيم الذي اقتصر على الذين أوتوا العلم وصاروا هم المحيطون به إحاطة علمية تامة، فقد جعل اللَّه لهذا القرآن عِدلاً مطَّلعاً على أسراره وإحاطته، وهؤلاء موجودون ما وُجد القرآن؛ وذلك لأنه لو كان تبياناً ولا يوجد مَن يصل إلى هذا التبيان لَمَا كان هناك فائدة من هذا الوصف، واللطيف أنه لم يدَّع أحد من المسلمين علم ما في القرآن إلاّ هم عليهمالسلام .
2 - قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) ، وهي دالة على أن للقرآن مرتبة وجودية تكوينية غيبية لا يصل إليها أحد إلاّ المطهَّرون المعصومون، كما نستطيع اقتناص عدة نكات من الآية:
آ - أن مسَّ هذا الكتاب المكنون - وهو مرتبة للقرآن قد أشرنا سابقاً إلى مؤداها تفصيلاً - مختص بالمطهَّرين؛ ممَّا يدل على أن لهم رقي روحي يجعلهم قادرون على الوصول إلى تلك المرتبة.
ب - أنهم معصومون.
ج - أن المؤهل لهذه المرتبة العلمية العالية إنما ينالها بفضل الطهارة والعصمة التي يتمتع بها.
3 - قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرَ مُتَشَابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) . ويستفاد منها:
أ - أن الاستفادة المستقلة من الكتاب من دون توسُّط ( الرَّاسِخُونَ ) غير ممكن
____________________
(1) النحل: 89.
(2) العنكبوت: 49.
ويجب الاستهداء بهم في رفع المتشابه.
ب - كما تدل أيضاً على أن المحكم لا سبيل للوصول إليه من دونهم؛ وذلك لأن المحيط بالمحكم يرتفع عنده التشابه حينئذ، حيث إنها أم الكتاب والأمومة هي في الإحاطة التامة، فهم يهدون إلى القرآن، وعليه نستطيع فهم المعية فهماً صحيحاً؛ فلا مقولة حسبنا كتاب اللَّه تامة ولا مقولة حسبنا الروايات المأثورة تامة، بل هما معاً.
جـ - أن هذه الآية تدل على وجودهم دائماً؛ لأن القرآن موجود دائماً والمحكم والمتشابه موجودان، فيجب أن يكون هناك مَن يرفع هذا المتشابه، خصوصاً أن التشابه في كثير من الأحيان يعود إلى المصداق والتطبيق، لا المعنى المراد، و إلى تأويل القرآن تطبيقاته؛ حيث إن كثير من الأخطاء والانحرافات تنشأ من إرجاع الصغريات أو الكليات العديدة المتوسطة إلى الكليات الفوقانية.
ومن هنا أيضاً نفهم كيف يقاتل عليهالسلام على التنزيل وعلى التأويل أيضاً، ومن هنا نلتفت لمعنى ما روي
عنهم عليهمالسلام أنهم الكتاب الناطق، وأن بدونهم يعني تعطيل الكتاب وترك التمسك به. ومن أمثلة رفع التشابه ما ذكره المشايخ الثلاث وابن حمزة والحلبي: أن من فوائد وجوده عليهالسلام أنه ينبه بوسائل خفية؛ بوسائط غيبية، شيعته، ولذا اعتبروا الإجماع حجة من باب اللطف، وأن الإمام إذا وجد الاتفاق على الخطأ، فإنه يتدخَّل لإزالته وإحداث الخلاف، فيرتفع الاتفاق.
د - أن هذه الطائفة تدلِّل على وجوب الاتباع في الجزئيات والكليات المتوسطة، ومن ثَمَّ تدل على لزوم الائتمام
بهم، وهذا هو الهداية الإيصالية التي هي حد الإمامة، فإذا كان أمير المؤمنين عليهالسلام قاتل على التأويل، فإن بقية الأئمة يهدون إلى التأويل، فليس الإيمان فقط بالتنزيل، بل المهم أيضاً الإيمان بالتأويل وأنه بيد ثلة خاصة هم أهل البيت عليهمالسلام ؛ إذ ما الفائدة في الإيمان بالكليات الفوقانية مع فرض الخطأ في الكليات المتوسطة - بدرجات عديدة - و في الجزئيات والمصاديق.
4 - قوله تعالى: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) ، وقوله تعالى: ( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) .
وواضح الارتباط بين الآيتين؛ إذ أن الكتاب هو الحاوي لكل شيء، وهو الذي لم يغادر صغيرة ولا كبيرة، وأن الذي عنده علم الكتاب هم أهل البيت عليهمالسلام .
5 - قوله تعالى: ( كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) الدالة على أن الصادقين المأمور بالكون معهم موجودون في كل زمان ومكان.
2 - ألفاظ حديث الثقلين:
التعبير بـ (الثقل)، وهو العيار الذي يوضع ليثبت به الميزان، وقد يعبَّر به عن الثقل والتثبت وأن حركته تكون مطمئنة، فالكتاب والعترة هما اللذان تستقر بهما الحياة المطمئنة الدنيوية، وبارتفاعهما يرتفع الاستقرار، وبهذا المضمون (لولا الحجة، لساخت الأرض بأهلها).
ـ (فيكم) ممَّا يدل على التواجد الدائم، وأنه أمر يُتوصَّل إليه وليس ممتنعاً.
ـ (ما إن تمسكتم بهما) لم يقيد التمسك بمورد معين أو في مجال ما، بل جعله مطلقاً حتى يشمل كل شيء ومطلق الأمور، وخصوصاً أن القرآن جامع لكل العلوم.
ـ (لن تضلوا أبدا) تأكيد الإطلاق بـ (أبدا) يدل على عدم الضلال المطلق، وهو يعني أنه غير مختص بالإراءة
فقط، بل يعمه إلى الهداية الإيصالية، وهو يدلِّل على ماهية الإمامة التي ذكرناه.
ـ (لن يفترقا) دليل على العصمة؛ حيث إن العترة مع الكتاب دوماً، والكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا غير مختص بهذه النشأة، بل يدل على الاتصال في جميع مراتبه ومدارجه
ـ أن المعية بين القرآن والعترة مؤبَّدة؛ بدليل قوله: (حتى يردا عليَّ الحوض)، وهذا يشمل جميع النشآت التالية للدنيوية والبرزخ والبعث وتطاير الكتب... والمراد
من الحوض هو حوض يوم القيامة، وقد يشار به إلى حقائق أخرى. كما يستفاد من الورود على النبي أنه صلىاللهعليهوآله أعلى مكانة ومنزلة ومقاماً من العترة ومن الكتاب؛ إذ أنه المرجع والمنتهى، وهو المبدأ (إني تارك) لحجية الثقلين، وهو المنتهى (علي الحوض) لهما.
3 - النظريات في تفسير الْمَعِيَّة بين القرآن والعترة:
ثُم إن مقتضى المعية الواردة هو التلازم بينهما كما ذكرنا مراراً، وهاهنا بحث في تفسير هذه المعية وقد ظهرت ثلاث نظريات في بيان العلاقة بينهما:
النظرية الأولى:
حسبنا كتاب اللَّه وأنه هادٍ، ولذلك ورد الأمر في تمييز الحجة عن اللاَّحجة من الروايات بعرضها على الكتاب الكريم، وهذا مؤيِّد بأنه المعجزة الخالدة الباقية الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه، ودور أهل البيت هو كونهم مقدمة للقرآن الذي عليه المدار، فإذا وصل واصل إلى تلك المفادات بأي طريقة كانت، فبها ونعمت، فيكون الآل طريق ليس إلاّ، ويستدل لهذا البيان بقوله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ) (1) ، ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (2) ، فدوره دور المعلم والدال على طريق التعليم، والأصل هو القرآن. ويعضده ما ورد من تحدِّي المشركين بأن يؤتوا بمثل هذا القرآن، فلو كان مغلقاً مقفلاً، لَمَا كان هناك معنى للتحدي، بل إن حجية قوله صلىاللهعليهوآله مستمدة من معجزة القرآن وحجيته.
وفي مقام تقييم هذه النظرية نرى أن أدلة النظرية الثانية وإن لم تتم منفردة فهي بلا شك تخدش في تمامية هذه النظرية، ولكن يمكن الإجابة عن هذه النظرية بعدة وجوه:
____________________
(1) النحل: 43.
(2) البقرة: 129.
منها: وجود آيات (قد أشرنا إليها؛ وهي التي ذكرنا أنها دالة على الثقلين ومعيتهما على الإطلاق وغيرها) وطوائف روايات عدة دالة على أنهم المخاطبون بالقرآن وهم القادرون على فهمه وتأويله، والظاهر من عموم الأدلة أنه لا يمكن الاستبداد دونهم والانفراد في فهم القرآن.
منها: أن معجزة الرسالة المحمدية ليست هي القرآن وحده؛ والذي يظهر من النصوص - سواء من حديث الثقلين أم غيره - أن مقام النبي الخاتم فوق مقام القرآن، فهو كما ذكرنا المبدأ لهما بمقتضى أنه صلىاللهعليهوآله أسند وجود الثقلين في الأمة إلى نفسه الشريفة (إني تارك)، فهو بمنزلة المصدر لاعتبارهما، وهو المنتهى باعتبار (يردا عليَّ الحوض).
بل أحد وجوه حجية القرآن هي صفات الرسول صلىاللهعليهوآله ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَايَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُل لوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فُيكُمْ عُمُراً مِن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (1) ( أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ ) (2) ، فأمانته وصدقه ووثاقته كانت بدرجة عالية فائقة تضاهي أمانة وصدق ووثوق المعجزة في الدلالة على كون القرآن من الباري تعالى، وقد لبث فيهم عمراً لم يأتهم بشيء؛ لأنه لم يأته من تلقاء نفسه، وهذه كلها من الموثِّقات على أن القرآن من عند اللَّه، والتاريخ ينقل لنا أن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله سأل المشركين: أنه لو أخبرتكم أن العدو وراءكم وراء هذا الجبل أكنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى إنك الصادق الأمين، إذن نفس حجية الكتاب من نفس قطع المشركين بصدقه وأمانته وما رأوا من بقية معجزاته، لكنَّه العناد
____________________
(1) يونس: 15.
(2) المؤمنون: 69.
والتكبر هو الذي منعهم عن التسليم له.
ومنها: أن الاحتياج إلى الغير في فهم القرآن لا يدل على نقص القرآن الكريم، بل هو أشبه شيء بالوادي العميق الذي يحتاج في ارتياده إلى رائد يقود المسير، والقرآن فيه المحكم والمتشابه والظاهر والباطن، فالنقص في الواقع هو في الإنسان الذي يقرأ القرآن ويتداوله حيث لا يستطيع أن يصل إلى أعماقه، لا في القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين وعلى الإنسان أن يغرف منه ما استطاع طبقاً لِمَا يمتلك من القدرات والإمكانيات العلمية.
ومنها: أن الصحيح بعد ما تقدم هو تكافل الحجج الإلهية، فصفات الرسول صلىاللهعليهوآله وبقية معجزاته أحد وجوه حجية القرآن، و القرآن هو أحد معجزات النبي صلىاللهعليهوآله ، ومَن عنده علم الكتاب والراسخون في العلم والذين أوتوا العلم... أحد وجوه حجية القرآن، وهم شهداء للرسول صلىاللهعليهوآله ، فالتكافل والتشاهد بين الحجج برهان، وفي مقام الدلالة الإثباتية كذلك.
وأخيراً؛ قد ذكرنا بحثاً مبسوطاً في الفصل الأول في جواب منهج العلاّمة الطباطبائي القائل أنه بممارسة السنة يحصل لنا الدربة في طريقة تفسير القرآن بالقرآن.
النظرية الثانية:
ومؤداها حسبنا الأحاديث المأثورة عن العترة الطاهرة، وقد نادى بها الإخباريون؛ واستدلوا على ذلك بما ورد بأنهم المخاطبون بالقرآن وأنه لا يحيط بالقرآن إلاّ أهل البيت، وأن القرآن فيه المحكم والمتشابه وله ظاهر وباطن وفيه العام والخاص والناسخ والمنسوخ، وهذا يعني عدم إمكان توصلنا إلى معانيه المرادة الواقعية، وكذلك يُستدل بما ورد من النهي عن التفسير بالرأي والذي فُسِّر على أساس النهي عن الاستبداد بالرأي، كما يستدل بالحصر الوارد في قوله تعالى:
( والرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ ) ؛ حيث إن فيها حصراً في عدم العلم بالتأويل إلاّ لهؤلاء، وهذا يعني أن المحكم أيضاً لا يحيط به كل أحد؛ وذلك لأن للمحكم قيمومة على المتشابه باعتبار أنه أمُّ الكتاب، فلو كان غير الراسخين لهم إحاطة بالمحكمات، فلا يبقى متشابه حينئذ، وعليه يبطل الحصر الوارد أن المتشابه لا يعلمه إلاّ اللَّه والراسخون في العلم.
وما ذكره الإخباريون من مواد الأدلة متين، لكن لا يؤدي إلى ما ذكروه، ونفس أدلة النظرية الأولى تبطل أدلَّتهم، كما أن النصوص القرآنية لا تجعل المدار على أقوال العترة فقط، بل تنص على أن للقرآن دورا؛ خصوصاً مع روايات العرض على الكتاب، ونفس الآيات التي مفادها حديث الثقلين، وكذا نفس الحديث، فإن التمسك فيه بهما معا - لا بأحدهما - هو المدار في عدم الضلال، بل قد تقدم أن التمسك بأحدهما هو تمسك صوري، وإلاّ فهو في واقعه عدم تمسك به أيضاً؛ لأنهما لا ينفكان عن الآخر، فالانفكاك عن أحدهما انفكاك عن كلٍّ منهما معا.
النظرية الثالثة:
وهي التي نادى بها أغلب علماء الإمامية والتي تنص على المعية على نحو المجموعية، لا الاستقلال كما أفادته النظريتان السالفتان، وهذه المجموعية هي المدار في المعرفة الدينية واستنباط الأحكام الشرعية الأصولية والفرعية، فالتعامل يكون معهما كوحدة واحدة. هذا هو البيان الإجمالي لمفاد النظرية، أمَّا المفاد التفصيلي:
فإن المعية بين الكتاب والسنة على صعيدين: أحدهما تكويني، والأخر اعتباري باعتبار الحجية.
أمَّا الصعيد الأول، فقد أشرنا في بحث الآيات إلى طوائف عدة تشير إلى أن للقرآن حقائق تكوينة و مدارج في عالم التكوين، وأن لأهل البيت حقيقة تكوينية، وأن تلك الحقيقتين في الواقع واحدة.
ونشير مجملاً إلى ذلك ببيان أن المصداق الحقيقي للكتاب هو الشيء الوجودي الجامع للكلمات الحقيقية، فالكتاب له دلالة على شيء جامع لكل شيء، وهو شاعر، ومَن تكون له الإحاطة الحضورية بذلك الوجود الجامع، ويكون هناك اتحاد بين العالم والمعلوم والعلم، فهذا يعني أن العلم يكون فصلاً نوعياً واحدا، وكذا الفصول النوعية للراسخين في العلم والذين أوتوا العلم، فهي تدل على أن كمال جوهر الفصل النوعي ورُقيِّه بذلك العلم، وهو يدل على الوحدة التكوينية بينهما، فهناك مَعيَّة في مدارج الوجود.
نعم، في تنزل هذه الحقائق العلوية تتنزل بكثرة، ويُعبَّر عن ذلك في بعض الروايات أن الأئمة نور واحد، وقد يُعبَّر عنه في مقام التنزل بالروح الأعظم التي تنتقل من إمام إلى إمام.
فإذا كان الحال هكذا في مدارج التكوين، فهو بنفسه في مدارج الاعتبار، فالوجود الاعتباري اللفظي المصوت أو للنقوش المرسومة في الخط للقرآن، في محاذاته وجود اعتباري للإمام، وهو كلامه، وممَّا تقدم يتضح أن كلامهم عليهمالسلام واحد وإن كان متفرقا، ومجموعه حجة وإن تعددت رواياته. نعم، القرآن له إضافة تشريفية في كونه كلام اللَّه، وكلام العترة هو دونه وأنه كلام المخلوق، وفي الجهة الحقيقية التكوينية فإنهم كلمات اللَّه التكوينية، كما في التعبير عن عيسى أنه كلمة اللَّه، وهم حقيقة القران.
ومن هنا نفهم لماذا يجب عرض رواياتهم على الكتاب الكريم؛ بمعنى أن المتشابهات من كلٍّ من الكتاب والعترة تعرض على المحكمات منهما جميعا؛ وما ذلك إلاّ لأن مصدر الكلام واحد، وقريب من هذا التعبير في عالم الاعتبار والحجية ما يقال من أن الكتاب الكريم هو كالمتن، وأن روايات المعصومين هي كالشرح على المتن، وأنهم شارحون لشريعته صلىاللهعليهوآله والهادين إليها على أساس ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ
قَوْمٍ هَادٍ ) .
4 - خلاصة ما يستفاد من الحديث:
1 - أن من المسامحة والبعد عن الإنصاف حصر مفاد الحديث في التشريع والفروع، حيث إن التمسك بهما ورد مطلقاً من دون تقييد، ومقتضى الإطلاق وجوب الأخذ بهما في الاعتقادات، كما أن مقتضى ذلك هو وجوب الاعتقاد بكل منهما.
2 - دوام وتأبيد بقاء إمامتهم، وهذا التأبيد شامل لعالم الدنيا والحشر.
3 - أن النبي صلىاللهعليهوآله هو المبدأ لحجية الثقلين والمنتهى لهما، وأنه أفضل من أهل البيت عليهمالسلام .
4 - أن لهم مقام غيبي باعتبارهم عِدلاً للقرآن، فصفات القرآن المسطورة في الآيات والسور المتكثرة كلها فيهم بمساعدة الآيات الدالة على الحديث.
5 - المعية في الحجية بين الكتاب والعترة، فلا يجوز الاكتفاء بأحدهما دون الأخر.
6 - مفاضلتهم على بقية الأنبياء؛ حيث إن الكتاب وصف بأوصاف لم يتَّصف بها أيٍّ من الكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء، وكونهم عدل الكتاب المتصف بهذه الأوصاف يدل على مدارجهم الروحية وإحاطتهم بهذا الكتاب الذي امتاز بهذه المميزات.
الحديث الثاني: (مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).
وهذا من الأحاديث التي ثبتت صحتها من كتب العامة والخاصة والكلام في فقه الحديث.
وللأسف حاول البعض تفسير هذا الحديث سياسياً بمعنى وجوب مبايعة الإمام
ولو كان فاسقا، ولا يجوز أن تكون رقبة وذمة المكلَّف خالية من البيعة، وقد وجدنا أمثال هؤلاء في العصر المتقدم كعبد اللَّه بن عمر مع الحجاج عندما ذهب إليه ليبايعه مستدلاً بهذا الحديث، وسوف نتناول الحديث في نقاط عدة:
* إن أول أمر يواجهنا في هذا الحديث هو الأثر المترتِّب على عدم المعرفة، لا عدم البيعة؛ وهو أن تكون النتيجة كميتة الجاهلية؛ أي أن هذا الإنسان مُدْرَج في الذي لم يشم رائحة الإسلام في الآخرة، أي بحسب الواقع، وكأن الرواية الشريفة تعطي مفاد الآية: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) فرضية كانت متوقفة على الإمامة التي بلّغها الرسول في هذا اليوم، وبها يتم الدين والإسلام كمجموع متكامل وكل شيء مرهون به، وقبله لم يكن رضا؛ ولذلك قال عزَّ مِن قائل: ( وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) ، وهذه كلها تؤكد المضمون الذي يورده هذا الحديث: من أن المعرفة والاعتقاد بالإمامة دخيلان في أصل الدين والتدين بالإسلام بحسب الواقع والآخرة.
* نعود إلى الشرط المذكور في الرواية؛ حيث إنه مطلق غير مقيد بشيء، بل هو المعرفة المطلقة، ممَّا يدلِّل على أن المطلوب العمدة هو أمر اعتقادي، فليس المطلوب الأهم المتابعة في الفروع، ولا المتابعة السياسية، بل المتابعة الاعتقادية والمعرفة والتدين والائتمام، وهل يعقل ترتُّب مثل هذه النتيجة، وهي الموت ميتة الجاهلية، على مجرد عدم المتابعة في الفروع، بل الأمر أهم وأكبر، وهو محور اعتقادَي المعرفة والاعتقاد. ولو فرض المتابعة السياسية (المصطلح عليه بالولاء السياسي) والمتابعة في الفروع والأخذ من الإمام المنصوب أحكام الفروع من دون المتابعة الاعتقادية (المصطلح عليه بالولاء الاعتقادي المعرفي)، لَمَا تحقَّق أصل التدين بالإسلام بحسب عالم الآخرة والواقع.
* إن الرواية مطلقة من حيث الزمان والمكان، فهذا اللسان عام وشامل لكل
الأفراد في جميع الأزمنة، ممَّا يدلِّل على عموم وجود الإمام وأنه موجود حتى قيام الساعة، وهذا يؤيِّد مدَّعى الإمامية من تأبيد وجود الإمام.
* إن الرواية تدلِّل على وجود واجب شرعي في قسم من الأصول الدينية على الفرد المسلم، وهو السعي إلى معرفة الإمام في كل فترة من فترات حياته، فهذه وظيفته التي أوكلها إليه الحق سبحانه، ويقع على عاتقه تشخيص الإمام، وأن هذا الواجب جانحي، وأن هذا الإمام تناط به النجاة من النار.
* ثم إن هذا الوجوب الاعتقادي - من قسم الأصول الدينية - دال على كون المعتقد من الإمامة ليس من سنخ حسي مشهود بالآلات الحسية، بل متعلق المعرفة ومتعلق الاعتقاد هو من السنخ الغيبي؛ فمثلاً نبوَّة النبي ليست أمراً حسيا، بل شيئاً وراء الحس ومن قبيل نشأة الروح وإن كان لها آثار في عالم الدنيا والحس دالة عليها برهانا، وإلاّ فمثل السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ونحوها من الحسيات ليست تتعلق بها المعرفة الدينية، فالمعرفة الحسية والشواهد المادية ليست من متعلقات الإيمان والمعرفة الدينية، فالإيمان ركن متعلقه لابدَّ أن يكون غيبيا، من النشئآت أخرى، وإن كانت تلك النشئآت مهيمنة محيطة على الحس، يقصر الحس عن مدرج ظهورها، فتكون غيباً عنه، فظهورها الشديد عين غيبها عن الحس.
* وقد ينقض على هذا اللسان ما ورد من أن مَن استطاع الحج ولم يحج، أو سوَّف في ذلك، ثم مات، بعثه اللَّه يهودياً أو نصرانيا، ولكن التأمل في هذا المفاد يبيِّن الفرق بين أن يبعث يهوديا، وأن يبعث كافراً جاهليا، فإن الثاني هو مَن لم يدخل في الدين السماوي من الأساس. أمَّا الأول، فهو المعتنق للديانة الإلهية إلاّ أنه بعّض في التدين وآمن ببعض وكفر ببعض، فقد تكرَّر في أحاديث كثيرة أن تكون هناك درجة معينة من العذاب في النار مترتبة على ارتكاب بعض الكبائر، ولكنه بخلاف
ما نحن فيه من أن المنكِر وغير العارف لإمام زمانه يخلد في النار ويموت ميتة الجاهلية، وهو إنما يتفق مع كون الواجب الاعتقادي من أصول الديانة.
الحديث الثالث: في تبليغ سورة براءة
وقد ورد الحديث بألسنة متعددة؛ منها: أن جبرائيل نزل على رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله، فقال: (يا محمد، لا يؤدي عنك إلاّ رجل منك). ومنها: (لا يبلِّغ عنك إلاّ علي). ومنها: (لا يؤدي عني إلاّ أنا أو رجل مني).
ولا خلاف في نزول هذا الحديث في أمير المؤمنين عليهالسلام ، ولكن الكلام في مدلول هذا الحديث الشريف الذي ينطوي على دلالات مهمَّة تفوق مسألة التبليغ لسورة براءة كما يحاول كثير من العامة تصويرها؛ على أساس أن مِن عادات العرب أن لا ينقض العهد إلاّ عاقده أو رجل من أهل بيته، ومراعاة هذه العادة الجارية هي التي دعت النبي صلىاللهعليهوآله أن يأخذ سورة براءة - وفيها نقض ما للمشركين من عهد - من أبي بكر ويسلِّمها إلى علي ليستحفظ بذلك السنة العربية، فيؤديها عنه بعض أهل بيته، ويزعمون أن أبا بكر لم ينفصل من إمارة الحاج.
وواضح أن هذا التأويل من العامة لا أساس له.
أمَّا أولاً: فأي شهادة من التاريخ أن مِن عادة العرب ذلك، بل من عاداتهم أنهم يبعثون في إجراء العهد أو حلِّه عَلِيَّة القوم ومَن يطمئنون إليه، وأي مدرك في سير ووقائع العرب دال على أنه يجب أن يكون من عشيرة القوم، فهذه قريش في صلح الحديبية بعثت مسعود الثقفي، وهو ليس من قريش، لإبرام العهد مع النبي صلىاللهعليهوآله ، والواقعة في تبليغ سورة براءة ليست قبَلية وعائلية وشخصية، بل أمر إلهي لا يتحمَّله إلاّ مَن هو أهل له.
وثانياً: إن كتب السير والتاريخ مختلفة في كون أمارة الحاج بيد أبي بكر في ذلك
العام، مضافاً إلى أن أبا بكر لم يكن هو الأمير إلى الأبد، بل تولَّى الأمارة غيره أيضا.
وثالثاً: ما ذكره العلاّمة الطباطبائي من أن البحث ليس في أفضلية مَن على مَن، بل الكلام في ما يمكن فهمه من الحديث: (فليت شعري من أين تسلموا أن هذه الجملة التي نزل بها جبرائيل: (أنه لا يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك) مقيدة بنقض العهد لا تدل على أزيد من ذلك؟! ولا دليل عليه من نقل أو عقل، فالجملة ظاهرة أتم ظهور في أن ما كان على رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله أن يؤديه لا يجوز أن يؤديه إلاّ هو أو رجل منه، سواء كان نقض عهد من جانب اللَّه كما في مورد سورة براءة أم حكماً آخر إلهياً على رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله أن يؤديه ويبلِّغه)، ثم إن هذا التبليغ يتميز أنه التبليغ الأول عن السماء؛ حيث إن الحكم لم يعلن بعد على مسامع المسلمين وغيرهم، بل اختص به النبي صلىاللهعليهوآله ، ومن هنا ورد في الرواية أن الكتاب كان لدى أبي بكر مغلق لا يعلم ما فيه، وعندما أتى الإمام أخذه منه.
وهذا يغاير إبلاغ بقية الأحكام بتوسط مَن سمعها إلى مَن لم يسمعها التي كان النبي قد أعلن عنها في ملأ المسلمين في مناسبات عدة، فمقام تبليغ سورة براءة هو مقام الناطق الرسمي عن السماء، وهذا لا يعني الشركة في النبوة مع النبي الخاتم (صلَّى الله عليه وآله وسلم)؛ لأن الوارد هو: (لا يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك)، وليس الوارد (لا يؤدي إلاّ أنت أو رجل منك)، وواضح الفرق بين المعنيين بأدنى تأمل.
وبتعبير آخر: أن الذي له أهلية التبليغ عن الغيب يجب أن يكون له ارتباط بالغيب، فلا يبلغ عن تلقيك النبوي إلاّ لسانك النازل وبفيك أو فاه آخر، لكنَّه من سنخك الذي يسمع صوت الوحي ويرى نوره ويشمه، ويسمع رنة إبليس، كما تقدم في الخطبة القاصعة.
وهذا يفتح الباب لفقه حديث المنزلة (أشركه في أمري)، وأن هارون كموسى نبي، وحيث يضفي النبي على عليّ تلك المنزلة إلاّ النبوة؛ أي الإنباء، فبقية الصفات
تكون ثابتة للإمام بمقتضى حديث المنزلة، كما يتضح معنى الحديث: (يا علي، أنا وأنت أبوا هذه الأمة)، والظاهر أن هذا المقام من مختصات علي أمير المؤمنين، وهكذا نفهم المؤاخاة بينهما في المدينة ليست اعتبارية، بل تكوينية حقيقية.
فالمدلول الذي نستفيده من الحديث أنه يشير إلى مقام للإمام عليهالسلام ، وأن مقام تأدية الأحكام الإلهية لا يكون إلاّ للنبي أو مَن يؤديه عنه وهو منه، ونستفيد منه أن ما يبلِّغه الإمام وبقية الأئمة لا ينحصر فيما بلَّغه النبي، بل حتى الموارد التي لم يبلِّغها للأمة فهم يبلِّغونها عنه، وتشمل الأخذ عن مقامه النوري بعد مماته كما هو الحال في مصحف فاطمة عليهاالسلام ؛ لأن عنعنتهم عن النبي ليست روائية حسية سماعية كما هو المتعارف في نَقَلة الحديث خاضعة لشرائط الحس والمشاهدة، بل هي عنعنة نورية.
وقد روى الصدوق في العيون: (أن المأمون سأل الرضا عليهالسلام : ما وجه إخباركم بما يكون؟ قال: (ذلك بعهد معهود إلينا من رسول اللَّه صلَّى الله عليه وآله ) قال: فما وجه إخباركم بما في قلوب الناس؟ قال عليهالسلام : (أمَا بلغك قول الرسول صلىاللهعليهوآله : اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور اللَّه؟)، قال: بلى، قال: (وما من مؤمن إلاّ وله فراسة ينظر بنور اللَّه على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه، وقد جمع اللَّه في الأئمة منّا ما فرَّقه في جميع المؤمنين، وقال اللَّه عزَّ وجلَّ في محكم كتابه: ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) ، فأول المتوسِّمين رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ثُم أمير المؤمنين عليهالسلام من بعده، ثُم الحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين عليهمالسلام إلى يوم القيامة)، قال: فنظر المأمون، فقال له: يا أبا الحسن، زدنا ممَّا جعل اللَّه لكم أهل البيت، فقال الرضا عليهالسلام : (إن اللَّه عزَّ وجلَّ قد أيَّدنا بروح منه مقدسة مطهرة ليست بملَك، ولم تكن مع أحد ممَّن مضى إلاّ مع رسول اللَّه، وهي مع الأئمة منَّا تسددهم وتوفقهم، وهو عمود من نور
بيننا وبين اللَّه عزَّ وجل) (1) .
ومن هنا يجب أن نهتم كثيراً بإزالة هذا الالتباس عن أذهان الجميع: من أن روايتهم ليست رواية بالموازين العادية أو أن حجية أقوالهم بما أنهم رواة.
ونتجاوز إطار اللفظ إلى عمق المعنى لنقول: إن هذا الحديث يدلُّنا على حجية الزهراء البتول عليهاالسلام ؛ وذلك من جهة أن المناط في حجية المؤدي عن النبي صلىاللهعليهوآله هو الوصف المتعقب للرجل، وهو (منك)، وهذا الوصف يدل على عدم خصوصية الرجل، بل الوصف هو المهم، وقد ورد في الحديث أنها منه صلىاللهعليهوآله ، فما تؤديه عن النبي لا ينبغي التشكيك فيه، ومن هنا كان مصحف فاطمة مصدر لعلوم الأئمة عليهمالسلام .
إشكال ودفع:
قد يقال: إن رواة الحديث الذين ينقلون الحديث عن المعصومين لهم هذا المقام، حيث يسأل الإمام حول مسألة معينة ولم يكن الإمام قد أظهر الحكم فيها قبل ذلك، ويكون دور الراوي نشر هذا الحكم بين أهل مدينته أو قبيلته وما شابه ذلك؟
والجواب عن هذا الإشكال: أن الحديث يتحدث عن مقام خاص اختص به الأمير عليهالسلام ، وليس الحديث عن مسألة شرعية سألها أحد المسلمين بتلقيه حساً عن حسِّ المعصوم، وهذا المقام هو مقام التلقي النبوي الذي حازه النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله ، ولو كان هذا التلقي عن الوجود النازل لمقام النبوة لَمَا قيل في الحديث القدسي: (لا يؤدي عنك إلاّ أنت أو...)، فتأدية النبي صلىاللهعليهوآله عن نفسه، ليست بمعنى تأدية حسِّه الشريف عن حسه، بل هو نحو من التجريد وتأدية المراتب النازلة من وجوده
____________________
(1) عيون أخبار الرضا(ع)، ج2، ص200، ب46.
الشريف عن المراتب العالية من روحه المقدسة، وعن مقام التلقي للوحي في درجة وجوده، فالذي يبلغ عن ذلك المقام من روحه وجوده النازل، أو رجل منه يتلقى عن ذلك المقام، فعلي عليهالسلام يتلقى من المقام الروحي النوري النبوي كما تتلقى القوى الإدراكية النازلة في نفس النبي صلىاللهعليهوآله عن المقام الباطن لروحه الشريفة، ومن ذلك يتضح أن علياً في حين أخوته للنبي صلىاللهعليهوآله إلاّ أن النبي صلىاللهعليهوآله يمتاز عليه وعلى بقية الأئمة عليهالسلام أنهم يتلقون ممَّا قد تلقاه المقام الروحي النوري النبوي؛ أي في طوله متأخراً عنه.
فالتصريح بأنه (لا يؤدي عنك)، أي عن هذا المقام الذي أنت فيه (إلاّ أنت أو رجل منك)، والترديد هو لإفادة كونكما في نفس هذه المرتبة الصالحة للتأدية عن مقامك النوري.
وجواب ثالث: أن المعصوم في السؤال والجواب العاديين لا يكون غرضه تخصيص السائل دون غيره بالحكم، بل أي شخص أتى وسأله هذا السؤال لكان أجابه بنفس الحكم، لأنه أدى إليه الحكم عبر قناة الحس إلى حسه، فليس المقام مقام تبليغ حكم عن السماء وكون المبلغ هو الناطق الرسمي، بل من باب الاتفاق اختص هذا السائل بهذا الحكم، ثم إن الحصر الوارد في هذا الحديث القدسي عن رب العزَّة بالحصر في التأدية بهذين دليل على أن هذا لا يشمل مقام الرواية.
الحديث الرابع: (إن اللَّه يرضى لرضا فاطمة)
إن هذا الحديث من الأحاديث المهمة التي نستفيد منها عصمة الزهراء البتول، وليست المسألة هي مداراة من العلي القدير لنبيه الأكرم في تبجيل ابنته التي يحبها، بل هو مقام حباها اللَّه به، حيث تكون هي ممثلة لرضا اللَّه جلَّ وعلا ويكون رضاه برضاها، وهذا يعني أنها لا تفعل المعصية لأنها ممثِّلة لرضا الرب وغضبه.
وقد ذكرنا سابقاً في بحث المراتب الوجودية للإنسان وتنزل العلوم أن للإنسان مراتب ثلاث: هي مرتبة العلم الحضوري، ومرتبة العلوم الحصولية، ومرتبة القوى
العملية التي هي دون المرتبتين، وسلامة الأفعال تتوقَّف على مدى المطابقة بين هذه المدارج الثلاثة حيث تتنزل الإرادات الإلهية من دون عوائق، ولا تكون هناك مشاكسات من القوى المادون؛ وذلك إذا ما ابتلي بالأمراض والوساوس والبلادة والحدة أو سلطنة الغرائز النازلة... وقد استعرضنا ذلك - بنحو مفصَّل - وشواهده من الآيات القرآنية.
وبناء على هذا فعندما يقال: إن الرضا الإلهي هو برضا أحد عباده، فهذا يعني أن هذا العبد هو ممثل للمشيئة الإلهية وتكون كل حركاته وسكناته لا تتخلَّف عن المشيئة الإلهية، وهذا يعني أن تكون القنوات التي تسير فيها علوم الإنسان - وهي ما تقدم ذكره - غير مبتلاة بأمراض إدراكية ولا عملية، ولا يكون هناك عائق أمامها، فتتنزَّل صافية من دون كدر، وهذا ليس تأليها، بل هو استقامة في مدارج الوجود، فيخرج العمل مظهراً للإرادة الإلهية. وعلى هذا البيان لا تنحصر العصمة في الموضوعات الكلية، بل تشمل الجزئيات الخارجية ولا يشذ عنها مورد، وقريب من هذا المعنى الحديث الذي ينص على أن علياً مع الحق والحق مع علي؛ إذ لا يمكن أن تكون هناك موائمة بينه وبين الحق إلاّ إذا افترضنا أن هناك عصمة علمية عملية تجعل كل تصرفاته نابعة عن العلم الحضوري، وأن إراداته تمثِّل الإرادة الإلهية.
ومنه نستطيع الربط مع الأحاديث التي تبين كيفية تلقي الإمام عليهالسلام عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله ؛ حيث لا يكون التلقِّي من الوجود البشري للنبي صلىاللهعليهوآله ، بل هو تلقي عن مقام النورية للنبي، وخصوصاً في مثل الحديث القائل: (علَّمني رسول اللَّه ألف باب من العلم، ينفتح من كل باب ألف باب)؛ حيث لا يوجد تفسير لها على نحو العلوم الحصولية، بل هي الوراثة النورية التي ورثها النبي صلىاللهعليهوآله للأئمة الأطهار، وعليه يكون أداء الأئمة عن النبي ليس عن مرتبته الوجود الحسي له، بل عن المرتبة النورية.
وقد أورد على هذا التقريب لفقه الحديث عدة نقوض حاصلها: أنه قد ورد في الأحاديث والآيات القرآنية تصريح برضا اللَّه تعالى عن بعض المؤمنين، مثل: ( قَالَ
اللّهُ هذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (1) ، وورد في موارد أربعة قوله تعالى ( رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ ) : الفتح 18 / المجادلة 22 / البينة 8 / التوبة 100، ما ورد في الحديث الشريف من رضي اللَّه عن عمار، وأن أبا ذر لا يكذب قط.
وهناك جواب تفسيري عن هذه الأحاديث ينفع جواباً كلياً عن هذه الموارد نذكره: وهو أن العصمة على درجات، وليس كلها من نحو واحد، فإن منها: العلمية، ومنها: العملية، ومنها: الذاتية، ومنها: الأفعالية؛ أي في مقام الفعل دون الذات، وكل منها فيه شدة وضعف، وقد مر بعض الحديث عن ذلك في آية استخلاف آدم والفرق بين عصمته وعصمة الملائكة، كذلك هناك مقامات تتلو أدنى مراتب العصمة كمقام الحكمة الذي مَن أوتيه أوتي خيراً كثيراً كما وردت الإشارة إليه في الآيات، وكمقام الصدِّيقين ومقام أهل الفوائد، ومنهم مَن يُعطى علم البلايا والمنايا وغير ذلك من المقامات.
ويشير إلى تلك المقامات حديث الإمام الصادق عليهالسلام الذي رواه الخزَّاز القمي(كفاية الأثر / ص253)، وهي مقامات من سنخ غيبي وهيبة ملكوتية بحسب تولِّي الشخص وتسليمه لأوامر اللَّه تعالى ونواهيه الإلزامية والندبية وطوعانيته لإراداته.
فلا يقال بامتناع انوجادها في مَن يتلو المعصومين من المؤمنين المتمسِّكين بحبل اللَّه كالأوتاد والأبدال الذين أخلصوا في طاعة اللَّه؛ مثل: لقمان الذي لم يكن نبياً ومع ذلك أوتي الحكمة، وهي نحو يتلو العصمة العلمية، وكما في ذي القرنين الذي ورد عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنه (كان عبداً أحبَّ اللَّه، فأحبه اللَّه... وآتاه الله من كل شيء)، و مثل زينب عندما قال لها الإمام زين العابدين: (يا عمَّة، إنك عالمة غير معلمة)، وفي السيد محمد ابن الإمام الهادي عليهالسلام وأبي الفضل العباس وغيرهم من أبناء الأئمة، وهكذا عمار وأبو ذر، مضافاً إلى أنهم ممَّن ائتمَّ بإمامة أهل
____________________
(1) المائدة: 119.
البيت عليهمالسلام وآمن بالمقام الغيبي للائمة ويتولُّون أهل الكساء وممَّن يتشفع بهم، وهذا المقدار لا يجعل مقامهم مقام الأئمة.
وقد ذكرنا في علم الكلام وعلوم المعارف أن الصفات الكمالية وإن كانت مشتركة بين الخالق وعبده، ولكنَّها ليست بمرتبة واحدة، كالصدق؛ فقوله تعالى: ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ) ، والنبي الأكرم صلىاللهعليهوآله هو الصادق الأمين أيضا، لكن اتصاف الحق تعالى بهذه الصفة في مرتبة واجب الوجود لا متناهية، غير مرتبة اتصاف الرسول الأكرم بها، وهذا التفاوت في الدرجات حاصل أيضاً بين المعصوم وغيره؛ إذ أن رضا اللَّه لرضا المعصوم غير رضاه على عمار أو أبي ذر لأنهم آمنوا بالمعصوم واعتقدوا به فهم في مرتبة تلي المعصوم، وروايات كثيرة تشير إلى الأوتاد وأن وجودهم هو حفظ لمدنهم أو لمَن يحيط بهم، كالذي ورد عن الرضا عليهالسلام في زكريا بن آدم (1) والذي ورد في سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار (2) ، كما تشير المصادر إلى أن عمار إنما وصف بهذا الوصف في سياق نصرته وولائه لعلي عليهالسلام (3) .
أمَّا الجواب التفصيلي:
1 - أمَّا آية المجادلة: ( لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِروحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، وهذه الآية لا ينقض بها على ما تقدم؛ وذلك لأن الرضا الإلهي مترتِّب على الاتصاف بهذه الأوصاف الخاصة، وهي الإيمان باللَّه واليوم الآخر و عدم موادة مَن حاد اللَّه
____________________
(1) رجال الكشي، 857، ح111.
(2) المصدر السابق، 33، ح13.
(3) صحيح مسلم، كتاب الفتن، وكتاب صفات المنافقين.
ورسوله، كتب الإيمان في قلوبهم، التأييد بروح منه و الاتصاف بها مورد رضا اللَّه، وهو يختلف عمَّا نحن فيه؛ حيث إن الرضا مترتب على ذات فاطمة من دون تقييدها بوصف معين ولا زمان ولا مكان معين، بل هو عام شامل ومطلق. أمَّا ما ورد في الآية، فهو رضا للوصف، لا لذات هؤلاء بما هي هي.
2 - وقريب منه ما في سورة البينة؛ حيث إن الرضا هو للوصف، ويزاد عليه ما ختمت به الآية من أن ( ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) ؛ أي مقيَّد بالخشية منه تعالى، وإلاّ ينتفي عنه الرضا، مضافاً إلى أن المفسِّرين ينصُّون على أنها نزلت في علي عليهالسلام ، وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور في ذيل آية خير البرية من السورة.
3 - آية الفتح: ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) ، وهذه الآية الشريفة تؤكد نفس المدلول من أن الرضا هنا بالوصف، وهو الإيمان، لا أنه مطلق؛ وذلك مع أن مطلق المسلمين قد بايع، لكن الرضا لم يكن عن الكل، ويؤيد ذلك إذ التعليلية؛ حيث إن الرضا نتيجة الفعل الصالح، وهو المبايعة تحت الشجرة، وليس رضا بالذات. ثم إن تمامية المبايعة والحصول على الرضا الإلهي مناط بالموافاة والبقاء على العهد حتى الموت، وهكذا آية المائدة التي ذكر فيها الرضا مقيداً بالوصف، وهو الصدق مع شرط الموافاة.
4 - أمَّا آية التوبة ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) ، فالجواب عن النقض بها - مضافاً إلى الأجوبة السابقة -:
أ - ورد في الحديث في ذيل الآية أنهم هم النقباء وأبو ذر والمقداد وسلمان وعمار ومَن آمن وثبت على ولاية أمير المؤمنين عليهالسلام (1) ؛ ويشهد لذلك - و لعدم إرادة العموم - أن سورة التوبة تقسِّم مَن صحب النبي صلىاللهعليهوآله من المكِّيين والمدنيين إلى أقسام
____________________
(1) تفسير الصافي: ج2، ص329.
عديدة كالذين في قلوبهم مرض، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق، الذين يلمزون المطوعين، المخلّفون، الذين يؤذون النبي، المنافقون وغيرهم.
ب - أنه ليس فيها تعميم لكل المهاجرين والأنصار، بل خصوص السابقين، بل خصوص الأولين من السابقين.
جـ - أن اصطلاح (السابقون) تشرحه الآيات القرآنية: ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) ، ومَن هم
المقرَّبون؟ ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) ، فهم شهداء الأعمال الذين لا يكونوا بشراً عاديين؛ إذ لا يمكن أن يشهد الأعمال إلاّ البشر الذين يكون لهم نفوس خاصة هي عِدل النبوة، كما تقدم مفصَّلا.
د - أن الآيات في سورة المدثر تشير إلى أن بعض مَن أسلم أول البعثة من المنافقين من الذين في قلوبهم مرض، أي أن إسلامهم لم يكن عن إيمان، فلا يمكن أن يراد منها السابقون من المهاجرين والأنصار على العموم، وكذا ما في سورة العنكبوت المكِّيَّة (الآية 1 ـ13) وسورة النحل المكِّية (107 - 110)
هـ ورد في الرواية: أن المقصود من السابقين علي عليهالسلام ، ومن الأنصار الحسن والحسين، والذين اتبعوهم بإحسان هم الأئمة الذين لم يدركوا النبي صلىاللهعليهوآله ؛ ويشهد لذلك ما تقدم من إرادة شهداء الأعمال من السابقين الأولين.
و - أن (من المهاجرين) ليس متعلَّقا و لا معمولاً للسابق، بل للفاعل المضمر فيه؛ إذ لا تصلح (من) التبعيضية للتعلُّق لمادة السبق، ولو أريد ذلك لأتي بلفط (في الهجرة) ونحوه، وهذا يعني أن (السابقون) وصف مستقل و(المهاجرين) وصف مستقل آخر لهؤلاء الأشخاص، لا أن المراد السابقون هجرة كما يريد البعض تصويرها.
ز - أنه ورد في العديد من السور تأنيب الصحابة الذين خالفوا أوامر الرسول؛ ونجد ذلك في سورة الأنفال، وهي من أوائل السور المدنية وتتعرَّض لغزوة بدر، وتقسِّم مَن شهد بدراً إلى صالح وبعضهم طالح، وكذا سورة آل عمران تتعرض لمَن شهد أُحداً، وتقسّمهم إلى ثلاث فئات: واحدة صالحة مخلصة واثنتان
طالحتين، فلاحظ سياق مجموع الآيات في السورتين، وكذا سورة الأحزاب في مَن شهد الخندق، وسورة محمد، وفي سورة التوبة نفسها - وهي آخر ما نزل في المدينة - تقسِّيم مَن صحب النبي صلىاللهعليهوآله من المكِّيين والمدنيين إلى فئات عديدة كما تقدم، وتشير إلى فرار المسلمين في حنين أمام الزحف إلاّ ثلة من بني هاشم...
ومن هنا لا نستطيع القول أن الآية شاملة لكل مَن أسلم مع الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله .
وهناك نكتة تشير إليها الآية؛ وهي أن التابع موصوف بالمحسن فكيف بالسابق! إذ مقام الإحسان ليس من المقامات العادية؛ حيث ورد في القرآن ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيَما طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (1) ، فهو مقام بعد الإيمان والعمل الصالح والتقوى بدرجات من المنازل العلْوية، ثم المذكور في هذه الآية هو التابعين المقيَّدين بقيد الإحسان، وهذا لا يكون إلاّ في المعصومين الذين لم يشهدوا الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله .
وورد في رواية أن علياً عليهالسلام قرأ هذه الآية في زمن عثمان وقرأ بعدها آية السابقون السابقون، وقال متسائلاً عمَّن يشهد أنها نزلت فيمَن؟ فشهد عدة من الصحابة أنها نزلت في الأنبياء والأوصياء وفي علي، وكذا ينفي العموم ما ورد في مسلم (كتاب الفضائل - باب حوض النبي صلَّى الله عليه وآله)، والبخاري (كتاب الفتن) مِن عرض الصحابة على رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله عند الحوض، إلاّ أن جماعات منهم يحال بينهم وبين رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله ، ويذادون عن الحوض، فيقول: (أصحابي أصحابي، فيقال: لقد أحدثوا أو بدلوا بعدك، فيقول: بُعدا بُعدا) (على اختلاف في ألفاظ الحديث)، وهي تؤكد أن الصحبة ليست هي الموجبة للنجاة، بل الموافاة على منهاج رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله حتى الممات هو المناط في النجاة.
____________________
(1) المائدة: 93.
الحديث الخامس: (علي مني وأنا من علي)
هذا الحديث الشريف الذي تواتر نقله في كتب العامة والخاصة، دال - بلا ريب - على النشوية؛ وهي ليست البدنية فقط، بل هي وحدة بلحاظ الروح و النورية. وفي بعض الروايات قال جبرائيل: (وأنا منكما)؛ وهذا يدل على أن الوحدة من سنخ الملَك الغيبي العلوي اللطيف. وقريب من هذا المعنى ما ورد من أن (الناس معادن شتى، وأشجار شتى، وأنا وعلي من شجرة واحدة)، وبنفس البيان حديث النور الوارد (كنت أنا وعلياً نوراً بين يدي اللَّه...)
الحديث السادس: (يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل)
والتنزيل هو تلقِّي المقامات الكلية لحقيقة القرآن الكريم، والتأويل هو تطبيق تلك المقامات الكلية على الموارد و الدرجات المتوسطة و الجزئية العديدة. ولا يمكن لشخص أن يحيط بكل تأويل القرآن إلاّ أن يكون قد أحاط بمراتب القرآن، وأن تكون قواه خالية من الزلل والزيغ؛ ومنه يعلم أن النبوة في التنزيل والإمامة في التأويل، فهي تلو النبوة الخاتمة ومشتقة منها ومترتبة عليها. وفي كثير من الأحاديث نرى أن النبي صلىاللهعليهوآله يقرن بين النبوة والإمامة المتمثلة بشخص النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله وعلي عليهالسلام ، مع بيان الفاصل بين الشأن النبوي والشأن الولوي.
تذييل:
بعد هذا الاستعراض لفقه الروايات الواردة في الإمامة نحاول أن نذكر عدد من التوصيات التي تنفع في المقام:
أولاً: إن قدماء الإمامية - وتبعاً للطرق المبيَّنة في الكتاب والسنة للمعصومين عليهمالسلام - قد ذكروا عدة مناهج لإثبات إمامة الأئمة الاثنى عشر، سواء من متكلمي الرواة أو متكلمي الغيبة كالشيخ المفيد والمرتضى والطبرسي، ونحن نشير إلى تغاير صياغات أدلتهم ومواد قوالبها تنبيهاً على تعدُّد أشكالها وموادها المنطقية:
منها: التدليل على الكبرى بما ورد من نصوص عديدة تنص على أن الخلفاء بعد الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله اثنا عشر، وفي بعضها أنهم من قريش، وفي بعضها أنهم من بنى هاشم، وهذه طائفة من الأحاديث.
وقد وقع العامة في بلبلة وتشويش في كيفية التطبيق الخارجي للخلفاء الاثنى عشر، واختلفت أقوالهم، والبعض جعل بينهم فاصل ولم يشترط التتابع، والبعض أنهاهم قبل يوم القيامة مع أن في بعض الألسنة أن هؤلاء الخلفاء باقون حتى يوم القيامة. ولو بحث الباحث عن الحقيقة بعيداً عن التعصُّب، لَمَا رأى مصداقاً لهذا الحديث إلاّ لدى الإمامية الاثنى عشرية؛ حيث لا يوجد طائفة لديها تفسير لهذه الطائفة المتواترة إلاّ لدى الإمامية الاثنى عشرية، حيث إن الإمامة المنصوبة المجعولة من قبل اللَّه تعالى عندهم إلى يوم القيامة هي في الاثنى عشر.
ونشير إلى نكتة مهمة يلحظها المطالع لكتب التاريخ: أنه لم يدّع أحد لنفسه هذه المقامات وأنها خلافة الرسول طبقاً لهذا الحديث إلا الأئمة الاثنى عشر، فكانوا يدّعون علم الكتاب كلِّه وهم على مرأى ومسمع من الدولتين الأموية والعباسية قرابة ثلاثة قرون، ولم تفتأ تلك الدولتين من امتحانهم في العلوم المختلفة ومسائل الدين وأحكامه، بل كانوا يمتحنونهم في الفنون المختلفة وفي الصفات البدنية بغية منهم أن يقطعوا عليهم دعواهم، ولم تكتفِ الدولتين بما كان لديها من أفراد في العلوم المختلفة، بل كانت تستعين بعلماء النصارى واليهود والروم والهند وغيرها، وبأصحاب الرياضات المختلفة، وبمختلف وسائل القوى روماً في دحض دعوى هؤلاء الأئمة الاثنى عشر.
لكن الرصد التاريخي ينبئنا بفشل الدولتين في ذلك، وفشل علماء الفرق الإسلامية الأخرى في مقابلتهم، بل كان نجمهم يزداد تلألؤاً ممَّا يضطر السلطات إلى تصفية وجودهم المبارك، فكان ذلك تحدي وإعجاز للبشرية أجمع طيلة قرون ثلاثة.
وقد تحدوا جميع مَن حولهم أن يُقدِموا على مساجلتهم وقطع حجتهم ولم
يظفر أحد على ذلك، ومناظراتهم مع اليهود والنصارى أكثر من أن تحصى، بل إنَّا نجد أن الأئمة المعروفة الآن قبورهم قد تواتر بين كل المسلمين أنهم هم الذين ادعوا الإمامة بهذا المعنى من السفارة الإلهية والخلافة للَّه في أرضه، ولم يدعها غيرهم.
ثم إذا تساءلنا عن كيفية الخلافة وأنها في أي شيء؟ نجيب: أن الحديث مطلق وإذا ضممنا إلى ذلك أن الزعامة الدنيوية لم يتولَّها إلاّ البعض منهم فقط، وحينئذ يكون الحديث لا أثر له مع تواتره وتعدد المواضع التي ذكّر الرسول أمته بهؤلاء، وهذا يدلنا على أن مقام الخلافة عمدتها في المقامات الغيبية، وهي المهمة بدليل أنهم لم يتولُّوا الزعامة الدنيوية، إذن مقام الإمامة لا ينحصر بالزعامة الدنيوية، بل يشمل المقام الغيبي.
ومنها: الأجوبة العلمية الإعجازية في المسائل العلمية التي كان علماء اليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب الملل والنحل التي دخلت الإسلام يسألون عنها، وهي أسئلة يمكن القول أنها فوق أفق البشرية، وهذه الأجوبة تكون مقدمة لكبرى أن مَن يستطيع الإجابة عنها لا بد أن يكون له نحو من العلم يختلف عن بقية البشر ومستقى من معين خارج إطار القدرات البشرية العادية، ويثبت بذلك أهليتهم وإمامتهم وأفضليتهم وقد اعتبرها الطبرسي من الدلائل الصريحة على إمامتهم.
وهذه الأجوبة لا زالت تتحدى المعارف والعلوم البشرية، و مادة إعجازية لبيان إمامتهم من اللَّه تعالى، فمثلاً في علم المعرفة الإلهية، ببركة كلماتهم المبسوطة المتكثرة، ننفي التجسيم ولوازم الجسم عن الذات الإلهية؛ من الأين والمتى والكيف ونحوها، حتى أصبح الأمر من البديهيات في الدين الإسلامي مع أن بعض الفرق الإسلامية لا زالت مجسِّمة فيما يُسرُّونه من اعتقادات.
وكذلك ببركة كلماتهم عليهمالسلام ننفي الجبر والتفويض؛ حيث أثبتوا الاختيار والأمر بين الأمرين، وبكلماتهم أبانوا عن عينية الصفات للذات وأن الذات في عين بساطتها هي عين كل كمال حتى صفة العلم، بينما بقية فرق المسلمين تجعل
الذات جوفاء خالية تتبعها الصفات الكمالية، بل إن ذلك حتى في فلسفة البشر المشائين والإشراق؛ فإنهم يخلون الذات من العلم وأنه عبارة عن الصور المرتسمة أو عين الفعل، بينما يقول الصادق عليهالسلام : (إن الله علم لا جهل فيه، نور لا ظلمة فيه، حياة لا موت فيه).
وكذلك كلامهم في التوحيد وتوحيد العبادة وأن مَن عبد الاسم دون المسمَّى فقد ألحد، ومَن عبدهما فقد أشرك، ومَن عبد المسمى دون الاسم فقد وحّد، ومراده عليهالسلام مطلق مدارج و درجات الاسم، وهذا من البحوث العرفانية الوعرة التي لم تفتق معرفتها في البشرية قبل ذلك.
وكلماتهم في أن الإرادة صفة فعل لا صفة ذات، وغيرها من غوامض المعرفة؛ مثلاً: الصحيفة السجادية - زبور آل محمد صلىاللهعليهوآله - فيها من دقائق المعرفة والتهذيب للنفس ولطائف السير والسلوك لمَن رام الرياضة وآداب العبودية، هذا فضلاً عمَّا يجده الباحث في ما يبهر الألباب في نهج البلاغة وبقية الروايات عنهم عليهمالسلام .
ومنها: الملاحم المذكورة عن كل واحد منهم عليهمالسلام بدءاً بأمير المؤمنين عليهالسلام وما أخبر به من ملاحم عديدة في كيفية قتل أصحابه وما يجري على شيعته وعلى بقية المسلمين إلى قرون متمادية، وكذلك ما أخبر به الحسنان عن أعدائهما، وإخبار الصادق عليهالسلام للمنصور الدوانيقي بوصوله للسلطة وأن بني الحسن لا يصلوا إليها.
ومنها: ريادتهم وسبقهم في كل فضيلة وكمال علمي وعملي في الصفة والأخلاق؛ ويكفيك التنبيه لذلك أنهم عليهمالسلام من السجاد للعسكريين لم يقوموا بنشاط للإطاحة بالنظام الحاكم من الأمويين والعباسيين، ومع ذلك كان الحكام على أشد هيبة وخوف منهم، وكأنَّ أصل وجودهم الحامل لهذه المناقب والفضائل ينادي بحقَّانيَّتهم ونصبهم من قبل الباري تعالى.
ومنها: إن الأصل في الفكر البشري هو الاختلاف؛ فلا يكاد يكون هناك اثنان يتفقان في طريقة معينة للتفكير، وهذا بخلاف الفكر السماوي الآتي من السماء حيث يكون واحداً؛ لأنه لا يصطبغ بطبيعة الفرد، بل يعبر عن المصدر الواحد، وهذه
الكبرى نطبقها على أئمتنا حيث نلاحظ أنهم يصدرون عن فكر واحد ورأي واحد، لا تضارب بين آرائهم وعقائدهم في ما لا يحصى من أبواب المعرفة والاعتقادات وأبواب الفروع المتكثرة الهائلة، فما ثبت عنهم بطريق قطعي لا تخالف فيه، وما ثبت عنهم بالظن يندفع ما بينه من التخالف بطرق الجمع المعروفة، ونظيره في ظواهر الآيات فيما بينها؛ وذلك بقانون حمل المحكم على المتشابه والمظنون على ما يتفق مع المقطوع، وهذا القانون من أصول البيان في النطق البشري، والعمدة أن ما هو مقطوع به عنهم لا ترى فيه أي تخالف ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (1) .
ومن الطرق الأخرى لإثبات الإمامة النظر في نبوءات الأديان الأخرى المتقدمة وتبشيرهم بأوصياء خاتم الأنبياء كما ورد في الكتابة على سفينة نوح وما هو مذكور في التوراة والإنجيل والزبور، وقد استقصى عدة من محقِّقي الإمامية هذا الباب ووضعوا فيه كتباً جليلة، ويذكر هذا المنهج: المسعودي في إثبات الوصية وفي تاريخه، واليعقوبي في تاريخه.
ثانياً: إن البحث حول الإمامة يتناول الكتاب والحديث، ومن غير الصحيح أن يتناول الباحث أحدهما ويهمل الآخر، بل يجب ضمهما إلى بعضهما دائماً؛ حيث إن الآيات الكريمة توضح الأمر الكلي ومواصفاته، والروايات توضح المصاديق المتَّصِفة، إذ أن الروايات تشير إلى وجود ثلة مع النبي، وأن لها هذه المواصفات والمقامات من بعده، ومن ثم نأتي إلى الأحاديث التي تنصُّ على التطبيق ومَن له هذه الصفات.
وبعبارة أخرى: إن طوائف الآيات تثبت كبرى هي وجود ثلة معصومة هم أئمة منصبون من اللَّه تعالى، ولهم ذلك المقام الغيبي إلى انقضاء هذه النشأة النبوية، وتدل بعض تلك الطوائف على إمامة علي عليهالسلام ، وبعضها على ضميمة الحسنين.
____________________
(1) النساء: 82.
ونظير إثبات الكبرى كثير من الأحاديث النبوية المتواترة كحديث الثقلين؛ فإنه يدل على دوام بقاء العترة حتى الحوض، وأنهم عِدل الكتاب، واللازم التمسك بكل منهما والائتمام بهما، وكحديث الاثنى عشر خليفة كلهم من قريش، وحديث مَن مات ولم يعرف إمام زمانه، وغيرها من الأحاديث التي إمَّا تشمل جميع الأئمة أو بعضهم.
وعلى أية حال... فإن إثبات الكبرى ينضم إليها عدة تقريبات لإثبات الصغرى والمصادق كما أشرنا إليه في النقطة السابقة.
ثالثاً: من خلال قراءة التاريخ نستطيع أن نكشف عن طريقة أخرى من الاستدلال، وهي أن التاريخ ينص على وجود فرقة عاشت في الدولة الأموية والعباسية؛ اسمها: الرافضة، وهؤلاء كانوا يتبعون الأئمة من أهل البيت عليهمالسلام ، وكان من المنطقي والطبيعي أن يقوم أصحاب الطوائف الأخرى ويقطعوا الطريق عليهم من خلال محاولة إفحام أئمتهم في المناظرات والأسئلة، وأن يكون ذلك بمساعدة السلطة الحاكمة، والحال أن التاريخ لا يذكر لنا شاهداً ولو واحداً حول إبكات هؤلاء الأئمة، بل على العكس، ينقل لنا صوراً مشرقة عن العديد من المناظرات والمحاجات التي أجراها أمراء الدولتين في محاولة للإطاحة والنيل من الأئمة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ما نقل إلينا هو النزر اليسير الذي لم تستطع السلطة الحاكمة إخفاؤه عن الناس.
وعليه نستطيع القول: أن منهج الاستدلال يكون بالآيات والأحاديث والعقل والتاريخ.
رابعاً: يجب الالتفات إلى ما أشرنا إليه في حقيقة التواتر؛ وأنه لابدَّ من الرجوع إلى كتب الحديث والأخذ بالنصوص ولو فرض أنها بمفردها غير تامة، لكن بتظافرها و بمعية الجميع وبتراكم الاحتمالات كمَّاً وكيفاً ينتج التواتر.
وقد أشرنا في الفصل الأول إلى تقسيم التواتر إلى ثلاثة أقسام: لفظي ومعنوي وإجمالي، وبيّنا كل قسم، كما ذكرنا أن دوائر التواتر تختلف سعة وضيقا، وأن هذا الاختلاف لا يخل بضابطة التواتر الرياضية البرهانية، فمن الخطير الغفلة عن ذلك.
الخاتمة:
الوظيفة الإجمالية في الائتمام
بعد هذا الاستعراض كنموذج لفقه ماهية الإمامة فقهاً عقلياً وقرآنياً وروائياً، وبيان مقتطف من المقامات التي للأئمة عليهمالسلام ، رأينا من المناسب أن نختم البحث في بيان الوظائف الإجمالية للمكلَّفين اتجاه أئمتهم؛ حيث قال تعالى: ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ ) (1) ، وقال تعالى: ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) ، وقال تعالى: ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) (3) ، وسوف نوجزها بالأمور التالية:
1 - معرفتهم كأمر اعتقادي، وهو غير مرهون بحضورهم، بل حتى بعد مماتهم في زمان غيبتهم، فمعرفتهم واجبة كما هو الحال في الاعتقاد بنبوة الرسول صلىاللهعليهوآله .
2 - كون الإمامة من أصول الدين لا من فروعه، ومن تحريف الكلم عن مواضعه بمكان حصر تولِّيهم على الموالاة السياسية فقط، والتولِّي والتبرِّي المذكوران في الفروع صحيحان، ولكنَّهما غير معرفتهم.
3 - إن محبتهم وبغض أعدائهم من الأمور الركنية في معرفتهم والاعتقاد بهم التي لا تتوقف على حياتهم، بل يجب إظهارها؛ لأن المحبة من الأمور التي تكون مصداقاً
____________________
(1) الصافات: 23.
(2) الشورى: 23.
(3) الفرقان: 57.
للموالاة، ألا ترى في قوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِدُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبَّاً لِلَّهِ ) (1) ؛ حيث إن المحبة وإظهارها مصداق من مصاديق الولاء، وإن حب أعداء اللَّه يوجب الخسارة وضياع الأعمال حسرات، بل والخلود في النار كما تشير إليه تتمة هذه الآية من سورة البقرة وبقية الآيات الناهية عن موادة من حادّ اللَّه ورسوله.
4 - تحليل فلسفي وذوقي معرفي لنكتة ما ورد في بعض الروايات: (هل الإيمان إلاّ الحب والبغض).
إن الإيمان بنحو مطلق فعل من أفعال النفس، و لا يمكن للموجود البشري أن يعيش من دونه؛ لأن الإيمان والإذعان بشيء ما من كمال الفرد البشري. ولو عثر على فرد بشري لا يعتقد بشيء أصلاً، فهو لا يستطيع أن ينتهج أي جادة في حياته، ومن ثَمّ فسيكون من الممتنع أو الصعب على بقية البشر التعامل معه؛ لأن المفروض أنه لا يتقيَّد بأي منهج ولا طريقة، إذ لا يؤمن بشيء ما كي يتقيد به، وحينئذٍ سوف يكون مطلق العنان في جميع غرائزه ورغباته كالوحش الكاسر أو الحيوان المسعور المخيف لمَن حوله، ويتبين بذلك أن الإيمان بأي نحلة كانت وبأي شيء ما من الكمال بالمعنى الأعم؛ بمعنى أنه لا يستطيع أحد أن يتركه، ومن هنا وقع البحث في علوم مختلفة حول حقيقة الإيمان بغض النظر عن متعلقه، فهل حقيقته هو الإدراك أم المعرفة أم الاعتقاد والتصديق أم أنه مجرد الانجذاب نحو الشيء؟
وذكرنا فيما سبق أن الإيمان ليس هو مجرد الإدراك؛ لأن بعض درجات الإدراك الحصولي لا يلازمها الإيمان. وبتعبير آخر: علينا معرفة أن الإيمان من أفعال العقل النظري أو العملي؟
ومن الأمور التي تسهِّل البحث في الحكم في القضايا المدرَكة أن الحكم - طبقاً
____________________
(1) البقرة: 165.
لآخر التحقيقات - ليس جزء القضية، فقد ذكر الملاّ صدرا أن الإدراك تارة يلازمه الإذعان، فيسمَّى تصديقاً، وتارة لا يلازمه، فلا يسمَّى تصديقاً، ثُم في التحقيقات الأخيرة فسروا الحكم بما تقوم به النفس من دمج المحمول بالموضوع، وهو من أفعال العقل العملي، ولكنَّه لا يقوم به إلاّ مع الإدراك والوضوح بنحو يدفع العقل العملي للحكم والإذعان، ومن ثَمّ التسليم والإخبات؛ فاتضح أنه من لوازم الإدراك بدرجته العالية.
أمَّا حالة الجحود التي تحصل عند استيقان الحق، فهي ناشئة من أمراض النفس من استهواء نزعات الغرائز أو جربزة الخيال وانفعالات الوهم التي تمنع من الانفعال الطبيعي الفطري لليقين؛ ولذا تقدم في الفصل الأول أن اليقين ليس علَّة تامة للإذعان، ولكنَّه مقتضٍ له.
ومن ثم نستطيع معرفة تعريف الإمام أن الإيمان هو الحب والبغض؛ لأن الإيمان يعني إذعان النفس، فإن الحب والبغض من أفعال العقل العملي، فإن الإيمان بشيء يعني انجذاب النفس إليه، وعدم الإيمان بشيء خلاف ذلك؛ فتنفر النفس منه، فالنفرة تعني البغض والابتعاد.
وبتعبير آخر نقول: إن أفعال العقل العملي والنظري وجهان لعملة واحدة، والحقائق التي يدركها العقل النظري إثباتاً لوجودها أو نفياً لها إذا أدركها العقل العملي بعينها، يكون لها آثار أخرى كالحب والبغض.
ومن هنا يتضح ما ذكره أهل المعرفة من الإمامية من أن التولِّي لأولياء اللَّه - وهم الأئمة عليهمالسلام - والتبرِّي من أعدائهم من مظاهر الجلال والجمال الإلهي. وذكرنا أن الجلال والجمال من لوازم الصفات الثبوتية والسلبية للذات الإلهية؛ لأن معرفة الصفات الثبوتية يلازمها المحبة، لأنه مفطور على حب الكمال، ومعرفة الجلالية يلازمه النفرة والخوف، وقد بيَّـنَّا ملازمة معرفة الذات لمعرفة الإمام؛ فمن لوازم الصفات الثبوتية الجمالية الإيمان لوليِّه وأنه مهبط لنافذية قدرة اللَّه ومحل لتنزل مشيئة اللَّه تعالى وإراداته في مقام الفعل، وفيما ينكره العقل النظري يوازيه في
العملي التبرِّي من أعدائه.
ومنه يتبين أن التولِّي والتبرِّي بعض درجاته في الأصول وبعضها في الفروع؛ فالذي يكون في القلب من الأصول ويتنزَّل إلى الجوارح فيكون من الفروع، كما أن المتابعة السياسية ليست وحدها من الفروع، بل قبول أقوالهم ومودة أوليائهم ومعاداة أعدائهم في أفعال الجوارح أيضاً منها.
وقد ورد عنهم عليهمالسلام : (كذب مَن يزعم أنه يحبُّنا ويتولَّى عدونا ويبغض وليَّنا).
والبرهان عليه بنفس النحو؛ إذ كيف يمكن للإنسان إن يجمع بين الكمال والنقص، ويثبت الصفات الثبوتية ولا يثبت الصفات السلبية؟! لأن الصفات السلبية تعني نفي النقص عن الباري، فالجلال لا يمكن أن لا يلازم الجمال، ومن ثمّ من لوازم إثبات الجمال والجلال والصفات الثبوتية ونفي السلبية هو إثبات كمال قدرة الباري تعالى بإرسال الرسول وجعل خليفته في الأرض، الهادي لمراضيه، ما دامت النشأة الدنيوية.
كما أوضحنا في صدر هذا الفصل كون الإمامة ركن من أركان التوحيد، فالتوحيد وإثبات القدرة الأزلية يستدعي عدم مغلولية يد الباري عن خلقه، أي تولِّي خلفائه في أرضه، كما أن توحيده بنفي الصفات السلبية عنه - أي صفات الجلال - يعنى الخوف والابتعاد عن قهره ومواطن غضبه بالتبري من أعدائه.
5 - إن الحب والولاء محدود بحد، وهو عدم الغلو (وهو الإفراط)، وعدم الجفاء (وهو التفريط)، فيجب بيان الحد الذي يجعل الإنسان مغالياً أو جافياً قالياً وخارجاً عن جادة الصواب؟
قال بعض: بأن مَن يثبت صفة لهم خارجة عن نطاق البشر يوجب الغلو والخروج عن حد الاستقامة، فهو يثبت لهم مقام العصمة العملية والعلمية فقط، وهذا مع أنهم أنفسهم يروون روايات إحاطة أنوارهم - لا أجسامهم - بالعوالم والنشآت السابقة واللاحقة.
أمَّا أصحاب السر كسلمان ورشيد الهجري ومحمد بن سنان ويونس بن عبد الرحمن وجابر بن يزيد الجعفي
وأمثالهم، فإنهم يعتقدون بهم فوق ذلك المقام
( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ) ، فالرسول في عين مثليَّته البشرية للآخرين إلاَّ أنه يغايرهم في ( يُوحَى إِلَيَّ ) وأي مغايرة هذه، وأي مفارقة!! وإنهم منذ بدء الخليقة كانوا أنواراً، وإنهم مطَّلِعون على عالم الملكوت بما يزيد على الأنبياء من أولي العزم، ورواية تفسير الثمانية الذين يحملون العرش أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين؛ وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهمالسلام على يسار العرش، ومحمد صلىاللهعليهوآله وعلي والحسن والحسين على يمين العرش، ومن المعلوم أن اليمين واليسار في الرواية يدل على الدنو وعلو المقام، وأنه لا من جهة المكان والأين؛ إذ لا مكان جسماني للعرش الذي هو العلم، وقد عرفت في استخلاف آدم أنه يحمل من علم اللَّه ما لم تحمله الملائكة. وقد أشير إلى تفسير الثمانية عند العامة: (فقد رواه السيوطي في الدر المنثور عن رسول اللَّه صلىاللهعليهوآله : يحمله اليوم أربعة، ويوم القيامة أربعة، فإن اليوم إشارة إلى مَن يحملهم من هذه الأمة، وقد صرَّح بأسمائهم في روايات أهل البيت).
وكل الإمامية متَّفقون على أن مستقى علومهم ليس بالعلم الحصولي الاعتيادي، بل لهم العلم الواقعي، وأنهم مطهَّرون مبرَّؤون من العيب والأدناس والأرجاس، وهذه كلها بعيدة عن الغلو.
فالمقياس العقلي هو أن الخروج بهم عن حد الإمكان أو الخروج بصفاتهم عن صفات الممكن هو إفراط، وأن كل ما عندهم هو من عند اللَّه العزيز الحكيم الذي أعزَّهم وأقدرهم وأعطاهم من نعمه ما لا يحصى، مع بقاء محدودية ذاتهم وأنهم معاليل مخلوقون، والمعلول لا يبلغ شأن العلة، بل يجب الاعتقاد أنهم محتاجون إليه تعالى ولا يوكِل إليهم الأمور بنحو العزلة والاستقلال المطلق المستقل والعياذ باللَّه، فهم الفقراء إلى اللَّه واللَّه هو الغني المطلق كما هو البحث والكلام الجاري في أدنى فعل يوجده البشر من أعمال جوارحه أنها بإقدار اللَّه لا بنحو التفويض العزلي الباطل.
وأمَّا جانب الجفاء والذي يجب الابتعاد عنه أيضاً، فمعناه هو تنزيلهم عن مقام
كرامة الخلقة التي أولاها الباري تعالى لهم، وبيان ذلك على نحو الإجمال:
إن الصوادر الأولى في عالم الخلقة لها صفات لا يقاس بها سائر المخلوقات الأخرى، وهذا يعني أن لهم مقاماً وأنهم ليسوا كبقية البشر، وبالنسبة إلى باقي الخلق فبينهم بون شاسع، وهم بوجودهم النوري - لا بأجسادهم - واسطة في الفيض كما تقدم إثبات ذلك برهانياً في طيَّات البحوث السابقة. قال تعالى: ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ ) ، ولم يقل تعالى: عرضها أو أسماء هذه، فهم ذوات عالية ( أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) وقد تقدم شرح ذلك، فكما أن إفاضة الحياة في الزرع لا تكون إلاّ بواسطة مادة البذر وصورة الزرع وإعداد التربة فهي في حقيقتها شرائط قابلية القابل ولذا كان الكمال من الباري يتنزل عن طريقهم، وهذا أيضاً لعجز القابل المخلوق، لا الفاعل جلَّ وعلا علواً كبيرا، وهذا كله لا يجعلهم شركاء للباري؛ فهل التربة شريكة اللَّه وهل الصورة الزرعية ومادة البذر شريكة اللَّه؟!
والضابطة الشرعية - المتطابقة مع الضابطة العقلية المتقدمة - المهمة ما ورد مستفيضاً أو متواتراً على لسانهم عليهمالسلام : (نزِّلونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم، ولن تبلغوا) (1) ، وهناك طوائف عديدة من الروايات التي تثبت هذا المطلب والمعنى بلسان آخر كما في حديث الرضا (فمَن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام... ضلَّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيَّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شئونه وفضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره) (2) .
وببيان فقهي نقول: إن المتابعة والتعظيم ليس فيه أي حد من حدود الشرك، بل إن كبار الفقهاء من المسلمين يذكرون أن التعظيم لغير اللَّه لا يكون شركاً إذا كان لا
____________________
(1) بصائر الدرجات: 527، 261.
(2) أصول الكافي، ج1، ص202.
عن عبادة، وأنه يكون عبادة اصطلاحية وتأليها إذا كان تمام الخضوع مع اعتقاد الاستقلال؛ ولذلك لا يجوز. أمَّا إذا كان مع اعتقاد حاجة المخضوع له وفقره إلى اللَّه سبحانه، فإنه لا يكون عبادة، هذا من جانب الحد الأعلى.
أمَّا من جانب الحد الأدنى، فإن أدنى درجات الولاء هو المودة والمحبة القلبية، وعليه يكون التشفُّع بهم وزيارتهم والتوسل والدعاء بهم لا يكون عبادة ولا يدخل تحت حد الغلو، قال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرَوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) (1) ، وقال تعالى مخاطباً نبيَّه: ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) (2) ، وقال تعالى: ( أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) (3) ، وقال تعالى: ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ) (4) ، وقال تعالى: ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (5) ، قال تعالى: ( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) (6) .
6 - ولا بأس بالإشارة - مختصراً - إلى أن شرك الجاهلية في العبادة كان بالتعظيم والتوسل بأمور من دون جعل اللَّه تعالى وإذنه، والتوحيد في العبادة هو نفي الطقوس التي لم تؤخذ من عند اللَّه سبحانه وتعالى، ونستطيع أن نجد ما يدعم نظرية الإمامية في التوسل بهم:
أ - أن اللَّه يأمر بابتغاء الوسيلة إليه؛ قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا
____________________
(1) النساء: 64.
(2) التوبة: 103.
(3) التوبة: 74.
(4) يوسف: 93.
(5) يوسف: 98.
(6) البقرة: 255.
إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (1) ، وقد تقدَّمت الإشارة إلى أنهم السبيل إلى اللَّه.
ب - أن الشفاعة مذكورة بنص القرآن الكريم: ( وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) والعديد من الآيات، وهذا الاستثناء يدل على وجود أصل الشفاعة، والشفاعة تعني كرامة خاصة ومنزلة للشافع عند اللَّه تعالى.
جـ - أنه لا فرق بين الوسيلة أن تكون تصرفاً وعملاً كالصلاة والصوم للَّه من أجل تحقيق حاجة معينة، وبين أن تكون بالتوسل بالنبي صلىاللهعليهوآله ، بل إن آية المائدة المتقدمة تدل على أن الوسيلة هي غير العمل الصالح والتقوى، وأنها درجة فوق ذلك.
د - أن القرآن ذكر سجود الملائكة لآدم، وأبناء يعقوب ليوسف، سجود احترام لا عبادة.
هـ - أن النذر مباح في أصله، فقد نذرت والدة مريم ما في بطنها لمكان العبادة كما ينذر الشيعة للَّه تعالى الآن مالاً يختص بالأئمة والصالحين؛ أي يصرف في خيراته.
و - قوله تعالى: ( واسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) الواردة في العديد من السور القرآنية.
ز - ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) فوجوده صلىاللهعليهوآله كان حرزاً لهم.
حـ - ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ، فلا بد من مطلق التسليم النفسي للرسول فضلاً عن عمل الجوارح.
فوجوب الخضوع للتوقير ثابت في القرآن للرسول الأكرم، وهو مغاير للعبادة، والتفريق بينه حيَّاً وميتاً ممَّا يضحك الثكلى، و في بعض الروايات لدى العامة والخاصة أن المسلمين كانوا يتبركون بفضل وضوء رسول اللَّه (كما في ما حكاه مندوب مشركي قريش في صلح الحديبية من فعل المسلمين، فلاحظ كتب السير والتاريخ)، و في غزوة خيبر تنص الروايات التاريخية على أن الإمام علي كان به رمد، فدعاه الرسول صلىاللهعليهوآله وتفل فيها، فبرأت، وغير هذا كثير جداً،
____________________
(1) المائدة: 35.
بل إن أحد مبرِزات التودد وإظهار محبتهم هو زيارة قبورهم وتعاهدها وغير ذلك؛ وكل ذلك لكرامتهم عند اللَّه تعالى وشأن قربهم ومنزلتهم عنده وخاصتهم به وصدق مقاعدهم عنده
ومن مراتب ولايتهم هي الولاية التشريعية؛ بمعنى أنهم ليسوا رواة عدول ليس إلاّ، بل إن علومهم مستقاة من معين الغيب، وأن واسطتهم الروائية هي بالقناة النورية، لا بالحس كما في عنعنة النبي صلىاللهعليهوآله عن جبرئيل عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللَّه تعالى وإن اختلفت القناة النبوية بالوحي والنبوة وقناتهم بالعلم اللدني الجامع بالكتاب المكنون ( لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) ، ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
وكذلك ولايتهم التكوينية بإذن اللَّه تعالى، وقد أشرنا إليها في موارد عدة ونشير هنا إلى بعض الآيات التي تنص على وجود ولاية تكوينية للبعض، منها قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونَ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (1) ، ( كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمَحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (2) ، ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ) (3) ، ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (4) ،
____________________
(1) المائدة: 110.
(2) آل عمران: 37.
(3) النمل: 11.
(4) النمل: 17.
( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ) (1) .
أخيراً... فإن من الواجب على الإنسان الذي يوالي أئمة الهدى أن يثبت لهم هذه المقامات العلْوية عند اللَّه من دون أن يكون هناك تحفُّظ أو تردُّد في أحدها؛ فهم خلفاء اللَّه في أرضه وآيات قدرة اللَّه الواسعة التي لا يحدها شيء يؤتيها مَن يشاء من عباده، وهو تعالى أقدر بلا كفو على الشيء الذي يؤتيه.
وهؤلاء هم الذين عرفوا اللَّه حق معرفته واستحقوا بذلك تلك المقامات، وهم على ما هم عليه من المنزلة الرفيعة في جميع عالم الوجود إلاّ أنهم يستشعرون النقص والفقر والعبودية اتجاه الذات المقدَّسة وأنهم دونها منزلة، وهل يقاس برب الأرباب شيء؟! ولذا نرى عبادتهم - التي لم يبلغها بشر كمَّاً وكيفاً - تتناسب مع قدر معرفتهم بربهم، وعظيم تذلُّلِهم - الذي لا يُرى لأحد غيرهم - لعلمهم أنهم أمام العليم الجليل.
____________________
(1) النمل: 40.
الفهرس
مقدِّمة بقَلم الأستاذ الشيخ محمد سند .5
المدخل: 9
النقطة الأولى: أولوية بحث الإمامة 9
النقطة الثانية: توازن قوى الإنسان .10
النقطة الثالثة: القدسيّة 12
النقطة الرابعة: التوحيد في الطاعة 13
النقطة الخامسة: الإمامة والوحدة الإسلاميّة 17
الفصل الأوَّل: منهج المعرفة الدينية 19
المقدّمة الأولى: تصوير الحكم الشرعي في العقائد .21
أوَّلاً: البحث الثبوتي. 22
ثانياً: البحث الإثباتي. 26
1 - الحكم الشرعي الفقهي: 26
2 - الحكم الشرعي الأصولي: 27
المقدمة الثانية: الميزان في اصول العقائد .34
المبحث الأوَّل: حُجِّـيَّة الكتاب الكريم .39
تقييم نظرية العلاَّمة الطباطبائي: 42
المبحث الثاني: حُجِّـيَّة السنَّة 47
أوَّلاً - أقسام الحديث: 47
ثانياً: أحوال الكتب الأربعة والمصادر الروائية: 53
ثالثاً: العلم الإجمالي بوجود الدس: 55
المبحث الثالث: حُجِّـيَّة العقل .59
التنبيه الأوَّل: الحسن والقبح العقليَّان .63
أدلَّة اعتبارية الحسن والقبح: 68
أدلَّة واقعية الحسن والقبح: 73
1 - العناية الإلهية: 74
2 - تجسُّم الإعمال: 75
3 - قاعدة الغاية: 76
التنبيه الثاني: الخطأ في الفكر البشري .77
التنبيه الثالث: الثابت والمتغيِّر .79
تحليل مختصر لنظرية الاعتبار: 80
وجوه التأمل في نظرية العلاّمة: 82
التنبيه الرابع: في تبعية الولاية التشريعية للولاية التكوينية 89
الوجه الأول: 90
الوجه الثاني: 90
الوجه الثالث: 94
التنبيه الخامس: العلاقة بين العقل العملي والعقل النظري .95
المبحث الرابع: حُجِّـيَّة المعارف القلبية 97
الجهة الأولى: في بيان المراد من المعارف القلبية. 97
الجهة الثانية: حول ضابطة حُجِّـيَّة المعارف القلبية. 103
خاتمة: حول العلاقة بين الحجج الأربع. 106
الفصل الثاني: نظريَّة الحُكم على ضوء الإمامة الإلهيَّة 111
المبحث الأوَّل: لمحة تاريخية 113
المبحث الثاني: النظريَّات المختلفة في إدارة شؤون الحكم ودور الشورى فيها 119
النظرية الأولى المشهورة: 119
النظرية الثانية: 121
النظرية الثالثة: 121
النظرية الرابعة: 122
النظرية الخامسة: 123
المبحث الثالث: الأدلَّة النقلية التي أُقيمت على النظريَّات المختلفة. 125
أولاً: الأدلة المتضمِّنة للفظ الشورى. 125
1 - الآيات: 125
2- سيرة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله 126
3 - الروايات وهي على صنفين .127
الصنف الأوَّل: روايات الشورى. 128
الصنف الثاني: روايات الاستشارة. 132
التقييم: 135
أوَّلاً: رأي آخر في فهم الأدلَّة. 135
ثانياً: الجواب عن تلك الأدلة. 139
الوجه الأول: المعنى اللغوي لمادة (شور) 139
الوجه الثاني: تحليل لقوله تعالى: (وأمرهم ...) 144
الوجه الثالث: ملاحظة (واذا عزمت فتوكل) 145
الوجه الرابع: فوائد الشورى .146
الوجه السادس: تحليل لغزوة أحد والخندق 148
الوجه السابع: مخالفة الرسول صلّى الله عليه وآله لرأي الأكثرية 161
الوجه الثامن: آية الشورى .162
الوجه التاسع: استدلال الشهيد الصدر قدس سره 163
الوجه العاشر: طريقة انتخاب الخليفة الأول والثاني 164
الوجه الحادي عشر: المعارضة بأدلة النص ..165
الخلاصة: 182
مناقشة الاستدلال على نظرية التلفيق بين النص والشورى .185
ثانياً: عنوان الولاية والأمر بالمعروف ..189
ثالثاً: آيات البيعة 194
تقريب الاستدلال: 194
نقض ودفع: 201
رابعاً: الآيات المثبِتة للوظائف الاجتماعية العامة 202
خامساً: آيات الاستخلاف ..205
سادساً: آية الأمانة 207
سابعاً: آيات تدل على نفي مسؤولية الرسول صلّى الله عليه وآله عن الأمة 209
ثامناً: آية المائدة (44) 210
تاسعاً: سيرة الأئمة عليهمالسلام ....215
والجواب عن هذه الوجوه: 216
المبحث الرابع: الأدلة العقلية على الشورى .233
إشكالان ودفعهما: 238
المبحث الخامس: أدلة نصب الفقهاء 243
الخلاصة: 249
الفصل الثالث: المقام الغيبي في الإمامة 251
أولاً: تحرير محل النزاع .253
ثانياً: الإمامة وراثة نسَبية أم روحيّة؟ 256
ثالثاً: الإمامة نصّ أم شورى؟ 257
رابعاً: الاعتبار والتكوين .257
خامساً: الإمامة من أصول الدين .258
سادساً: مقامات الأئمّة عليهم السلام 259
سابعاً: الوظيفة الشرعيّة 259
ثامناً: تحليل الاقتداء 260
المبحث الأول: تعريف الإمامة 265
الجهة الأولى: التحليل اللُّغوي .265
الجهة الثانية: التحليل العقلي .267
الخلاصة: 269
الإنسان المجموعي: 273
الإنسان الكبير: 273
الجهة الثالثة: التعريف النقلي .275
المبحث الثاني: الأدلة العقلية على ماهية الإمامة الإلهية 285
الدليل الأول: ضرورة الارتباط بالغيب ..287
تقييم الدليل الأول: 292
الصياغة الثانية لنفس الدليل: 293
تقييم الدليل: 294
الدليل الثاني: الفطرة 295
تقييم الدليل الثاني: 300
تقييم الدليل الثالث: 302
الدليل الرابع: معرفة النفس ..302
الدليل الخامس: برهان العناية 303
تقييم الدليل: 304
ملاحظة عامة: 305
الدليل السادس: الأدلة الإنْيَّة 305
تفصيل ذلك: 306
المبحث الثالث: الإمامة في القران الكريم .309
الطائفة الأولى: آيات استخلاف آدم عليه السلام 310
أولاً: دراسة الألفاظ الواردة فيها 312
ثانياً: الفوائد .329
ثالثاً: قراءة في الخطبة القاصعة 341
رابعاً: عصمة آدم 350
الطائفة الثانية: آيات الكتاب ..352
الطائفة الثالثة: آيات الهداية 370
الطائفة الرابعة: آيات الملك ..375
الطائفة الخامسة: آيات الاصطفاء والطهارة 379
الطائفة السادسة: آيات شهادة الأعمال .385
الطائفة السابعة: آيات الولاية 388
المبحث الرابع: الإمامة في السنة النبوية 395
الحديث الأول: حديث الثقلين .395
1 - حديث الثقلين في القرآن الكريم: 396
2 - أما ما ورد من الألفاظ في الحديث الشريف: 399
3 - النظريات في تفسير الْمَعِيَّة بين القرآن والعترة: 400
الحديث الثاني: (مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). 405
الحديث الثالث: في تبليغ سورة براءة 408
إشكال ودفع: 411
الحديث الرابع: (إن اللَّه يرضى لرضا فاطمة) 412
الحديث الخامس: (علي مني وأنا من علي) 419
الحديث السادس: (يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل) 419
تذييل: 419
الخاتمة: 425
الوظيفة الإجمالية في الائتمام 425
1 - وجوب المعرفة 425
2 - الإمامة من اصول الدين .425
3 - المحبّة والبغض ..425
4 - تحليل لرواية: هل الإيمان الّا الحب والبغض ..426
5 - الوسط بين الإفراط والتفريط .428
6 - شرك الجاهلية 431
الفهرس .435