الإمامة الإلهية الجزء 2

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الأستاذ الشيخ محمد سند
أصول الدين

الإمامة الإلهية



الإمامة الإلهية

بحوث

سماحة الأستاذ الشيخ محمّد السند

بقلم

صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي

الجزء الثاني



المقدّمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للَّه الجاعل في الأرض خليفة إماماً افترض طاعته على جميع الملائكة والجنّ والإنس، وقد علّمه من لدنه علماً جامعاً بالأسماء كلّها فاحتاجته الملائكة لعلمه، ولم يقبل - تعالى - طاعة وعبادة أحدٍ من خلْقه إلاّ بالطاعة لخليفته، ثمّ الصلاة والسلام على المبعوث للعالمين رحمة، إمام الخلق، التارك فينا الثقلين، الجاعل باب علمه وحكمته وصيّه المرتضى، والمستخلف على الأمّة اثني عشر، وعلى آله المطهّرين الذين يمسّون الكتاب المكنون، وهو آيات بيّنات في صدورهم، الذين قرن اللَّه بطاعته وطاعة رسوله طاعَتهم فريضة، وجعل مودّتهم قرين الرسالة وسبيلاً متخذاً إليه.

وبعد، فهذا هو الجزء الثاني والثالث من كتاب: الإمامة الإلهية. وقد اشتملا على مباحث متعدّدة من خمسة فصول، وقد كان من بواعث الخوض فيها ما يلاحظ في جملة من المقولات من النظرة إلى علم النبي - صلّى الله عليه وآله - وأهل بيته عليه‌السلام كملكة علمية بفقه الدين والشريعة، وأنّ الأحكام الصادرة عنهم أشبه بالفتاوى النابعة عن إعمال جهد الفهم المكتسب والتتبّع في الكتب والأدلّة، أو أنّ ما يحكمون به هو وليد الاستظهار من وراء حجاب الألفاظ ودلالاتها، وقد صرّح أهل سنّة جماعة الخلافة باجتهاد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله - والعياذ باللَّه تعالى - وأنّه هل يصيب أو يخطأ، ولوازم وتوالي هذا القول من الماحقات للدين.

وقد عُبرّ في بعض الأقوال عن بيان أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام للسنّة النبوّية أنّهم رواة لها ونَقَلة، وهو تخيّل أنّ إخبارهم عن النبي - صلّى الله عليه وآله - على حذو الرواة من سائر الناس، وأنّهم يخبرون عنها بما يمتلكون من رصيد مسموعات حسّية وكتب مخطوطة.


وقد جاءت سلسلة البحث بدءً بالمنهجية والنظام المتّبع في معرفتهم (صلوات اللَّه عليهم)، ثمّ تلا ذلك البحث في فقه مصادر تلك المعرفة، بالتعرض للقواعد الأمّ في معرفة مقاماتهم، ولم يكن ذلك على سبيل الاستقصاء؛ كيف؟ ومن حدّهم فقد وصفهم، ومن وصفهم بكمالهم فقد أحاط بهم فهو أعلم منهم؛ لأنّ من حدّ شيئاً فهو أكبر منه.

ثمّ البحث عن جملةٍ من أبواب تلك المعرفة وأُسُسِها.

وقد تضمّن في مطاوي تلك السلسلة محاور قد احتدم فيها الجدل العلمي: كالاستقامة في طريق المعرفة بعيداً عن إفراط الغلوّ وتفريط التقصير إنّ الإيمان - فضلاً عن الأعمال - لا يصحّ - فضلاً عن القبول - إلاّ بالتوجّه والتوسّل والانقياد لهم، فضلاً عن معرفتهم.

قراءاتٌ جديدةٌ ثلاث في حديث الغدير:

أن ولايتهم عليهم‌السلام من أصول الدين الواحد الذي بعث به جميع الأنبياء عليهم‌السلام .

ولايتهم في التشريع: إنّ الإمام هو حقيقة القرآن المكنون وهو الثقل الأكبر - أنّ ليلة القدر نافذة غيبية وقناة ارتباط سماوية لا زالت قائمة مستمرة في عقيدة الإسلام عند المسلمين -.

إنّ للقرآن منازل ومواطن غيبية، هي منال لهم عليهم‌السلام الإمامة القائمة الراهنة للمهدي (عج) في ظل الغيبة - نماذج الارتباط الغيبي لأمثال الإمامة في القرآن -.

وقد قام بتقرير وضبط هذه المباحث ذو البصيرة المعرفية والنظر النافذ الشيخ صادق الساعدي، أدام اللَّه سعيه في نشر العقائد الحقّة لمدرسة أهل البيت عليهم‌السلام .

قم عش آل محمّد عليهم‌السلام

بجوار كريمة أهل البيت عليهم‌السلام

محمد سند

الحادي من ذي القعدة 1426هـ. ق.


مقدّمة المؤلّف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للَّه ربّ العالمين، والصّلاة والسلام على صفوة الخلق محمّد وآله الهداة المهديين، الذين اجتباهم اللَّه وجعلهم صراطه المستقيم، وارتضاهم لغيبه واختارهم لسرّه، وجعلهم خلفاء في أرضه وحججاً على بريته.

الإمامة، هي ضرورة من الضرورات الفطرية؛ ولهذا تجدها في الوجدان لدى عامّة المسلمين، وتحت ذريعة الضرورة تسارع جَمْعٌ من الناس لنصب الخليفة ومنعوا مخالفته أو الخروج عليه؛ بزعم أنّهم خلفاء وألُوا أمر الذين أمر اللَّه بطاعتهم كما أمر بطاعته وطاعة رسوله.

وبهذا الزعم انقادوا لهم واتبعوا الملوك الذين تربّعوا على العروش باسم الخلافة الإسلامية، كملوك بني أُميّة وبني العبّاس وغيرهم، الذين عاثوا بالإسلام فساداً وبالمسلمين قتلاً وتشريداً، إلى أن أوصلوا الإسلام والمسلمين إلى ما نراه الآن.

والإمامة: هي منصب الولاية في الدين والحاكمية على المسلمين. وهل الإمام هو من استطاع الوصول إلى هذه الزعامة والمنصب بأيّة طريقة كانت؟ حتى لو كان عن طريق سفك دماء المسلمين وانتهاك حرماتهم، بل وحتى لو كان انتهاك لحرمة رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله؟

وهل ضرورة الإمامة مبرِّر لذلك؟ وهل يعقل أن يلتزم بهذا القول في الإمامة غالبية الأُمّة الإسلامية؟ وفي الحقيقة أنه يترتّب على الإمامة نتائج خطيرة على مستوى العقائد وبقية أبواب الدين والأحكام الفقهية، ولا أُبالغ لك في القول، كما سيتضح ذلك من خلال المباحث الموجودة في صفحات الكتاب الذي بين يديك.


والمنهج في مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام لأصل الإمامة يختلف اختلافاً جوهرياً عمّا رسمته المدارس الأخرى لهذه الحقيقة، وكذلك لصفات الإمام.

فالإمامة: هي عهد إلهي وجعل ربّاني وتنصيب منه سبحانه وتعالى. وهذا صريح الآيات والروايات، قال تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) ، وقال تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (2) .

والإمام له صفات ومقامات خاصّة أوّلها: أن يكون معصوماً، وهذا ما أشار إليه سبحانه وتعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (3) وقوله تعالى: ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .

والإمامة مستمرّة وباقية لا تنقطع ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) (4) .

وقد جاءت هذه البحوث القيّمة، التي أفاضها علينا سماحة الأستاذ الشيخ محمّد سند (دامت بركاته)، لتُجلى البصائر عن تلك المقامات للنبي وأهل بيته - عليهم‌السلام -، وبيان وتأثير تلك المقامات في مسيرة الخلق إلى الحقّ والناس في هذه المسيرة، على درجات ارتفاع وانخفاض بما لديهم من معرفة تلك المقامات.

صادق الساعدي

____________________

1) سورة البقرة: 124.

2) سورة الأنبياء: 73.

3) سورة الأحزاب: 33.

4) سورة الزخرف: 28.


الفصل الرابع:

الغلوّ والتقصير



الفرقتان أو

الثلاث المذمومة

ورد في الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة ذمّ الغلوّ والتقصير، وكذلك العداوة والضغينة لأصفياء اللَّه وحُجَجِه، قال تعالى:

( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ) (1) .

وقال تعالى:

( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ ) (2) .

وقال تعالى - على لسان المقصّرة في معرفة أصفياء اللَّه -:

( قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ) (3) .

وقال تعالى على لسانهم:

( مَا هَذَا إلاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ) (4) .

وأيضا:

( مَا هَذَا إلاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ) (5) .

وأيضا:

( فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ) (6) .

وأيضا:

( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً ) (7) .

فيبرز القرآن الكريم أهم العوامل الموجبة لجحود الصراط الإلهي، وهو قصور معرفة الأُمم بشخصيات الحُجج الإلهية، واقتصارهم في المعرفة على الحيثية

____________________

1) سورة المائدة: 77.

2) سورة النساء: 171.

3) سورة يس: 15.

4) سورة المؤمنون: 24.

5) سورة المؤمنون: 33 - 34.

6) سورة التغابن: 6.

7) سورة الإسراء: 94.


البشرية. وقد أجاب - تعالى - عن هذا القصور بقوله:

( وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ) (1) ، أي: أنّ أصفياء اللَّه وإن كانت حقائقهم ملكية، إلاّ إنّ صورتهم ولباسهم في الخِلقة هي الصورة البشرية.

وقال تعالى - في ذمّ الفرقة الثالثة المنطوية على عداوة أصفياء اللَّه -:

( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ) (2) ، والضغينة المنهي عنها في القرآن الكريم هي في مقابل المودّة المأمور بها في كتابه العزيز: ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (3) .

وقال تعالى:

( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) (4) .

وقال تعالى على لسانهم:

( أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ) (5) ، و ( وَقَالُوا لوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) (6) .

أمّا الروايات: فقد روي في زيارته - عجّل اللَّه تعالى فرجه الشريف -: (الحمد للَّه الذي هدانا لهذا وعرّفنا أولياءه وأعداءه، ووفّقنا لزيارة أئمّتنا ولم يجعلنا من المعاندين الناصبين، ولا من الغلاة المفوّضين، ولا من المرتابين المقصّرين) (7) .

وفي الزيارة الجامعة: (فالراغب عنكم مارق، واللازم لكم لاحِق، والمقصّر في حقّكم

____________________

1) سورة الأنعام: 8 -9.

2) سورة محمّد: 29.

3) سورة الشورى: 23.

4) سورة النساء: 35 - 55.

5) سورة ص: 8 - 9.

6) سورة الزخرف: 31.

7) مصباح الزائر، لابن طاووس: ص 444. ط / مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام .


زاهق) (1) ، وكذلك ما ورد في الصلوات الشعبانية:

(اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، الفلك الجارية في اللُجَج الغامرة، يأمَن من ركبها، ويغرق من تركها، المتقدّم لهم مارق، والمتأخّر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحِق) (2) .

وروى الكُليني أيضاً في مصحّح محمّد بن سنان، قال: (كنت عند أبي جعفر الثاني عليه‌السلام فأجريت اختلاف الشيعة، فقال:

يا محمّد، إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيته، ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثمّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض (3) أمورها إليهم، فهم يحلّون ما يشاؤن، ويحرّمون ما يشاءون ولن يشاءوا إلاّ أن يشاء اللَّه تبارك وتعالى. ثمّ قال: يا محمّد، هذه الديانة التي من تقدّمها مَرَق ومن تخلّف عنها مَحَق ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمّد) (4) .

قال المجلسي (5) - في شرح الحديث -: والديانةُ الاعتقادُ المتعلّق بأُصول الدين. من تقدّمها، أي: تجاوزها بالغلوّ. مَرَق، أي: خرج من الإسلام. ومن تخلّف عنها، أي: قصّر ولم يعتقدها. مَحَق، أي: أبطل دينه أو بطل. ومن لزمها واعتقد بها لحق، أي: بالأئمّة أو أدرك الحقّ. خذها إليك، أي: احفظ هذه الديانة لنفسك.

وروى المجلسي هذه الرواية عن محمّد بن سنان بطريق آخر مثل ما تقدّم، إلاّ أنّ فيها:

(وفوّض أمر الأشياء إليهم في الحكم والتصرّف والإرشاد والأمر والنهي في

____________________

1) الفقيه، ج2، ص 368، والتهذيب، ج 6، ص 97، ط / النجف الأشرف.

2) الصحيفة السجّادية.

3) ليس المراد من التفويض هنا التفويض العزلي الباطل، بمعنى عزل قدرة الباري عن الأشياء - والعياذ باللَّه - بل المراد إقدارهم، وهو تعالى أقدر منهم فيما أقدرهم عليه، نظير إيكال قبض الأرواح إلى عزرائيل، وتنزيل الوحي والعلم إلى جبرائيل، ونفخ الصور والإحياء إلى إسرافيل.

4) أُصول الكافي، ج1، ص 441.

5) البحار، ج 25، ص 342.


الخلق؛ لأنّهم الولاة، فلهم الأمر والولاية والهداية، فهم أبوابه ونوّابه وحجّابه، يحلّلون ما يشاء، ويحرّمون ما شاء، ولا يفعلون إلاّ ما شاء، عبادٌ مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. فهذه الديانة التي من تقدّمها غرق في بحر الإفراط، ومن نقّصهم عن هذه المراتب التي رتّبهم اللَّه فيها زهق في برّ التفريط، ولم يوفِ آل محمّد حقّهم فيما يجب على المؤمن من معرفتهم. ثمّ قال: خذها يا محمّد؛ فإنّها من مخزون العلم ومكنونه) (1) .

وروى المجلسي في البحار - في باب معرفتهم بالنورانية - رواية طويلة في فضائل أمير المؤمنين والأئمّة عليهم‌السلام ومقاماتهم ورتبهم، قال عليه‌السلام :

(يا سلمان، ويا جندب، قالا: لبيك يا أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليك. قال عليه‌السلام : من آمن بما قلت، وصدّق بما بيّنت وفسّرت وشرحت وأوضحت ونوّرت وبرهنت فهو مؤمن ممتحن، امتحن اللَّه قلبه للإيمان وشرح صدره للإسلام، وهو عارف مُستَبْصِر قد انتهى وبلغ وكمل، ومن شكّ وعَنَدَ وجَحَدَ ووقف وتحيّر وارتاب فهو مقصّر وناصب) (2) .

وفي صدر الرواية قال (صلوات اللَّه عليه) مخاطباً إيّاهما: (مرحباً بكما من وليّين متعاهدين، لستما بمقصّرين، إلى أن قال عليه‌السلام : إنّه لا يستكْمِل أحدٌ الإيمان حتّى يعرفني كُنه معرفتي بالنورانية، فإذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن اللَّه قلبه بالإيمان، وشرح صدره للإسلام، وصار عارفاً مُسْتَبْصِراً، ومن قصر عن معرفة ذلك فهو شاكّ ومرتاب) (3) .

وروى الشيخ الطوسي في الغيبة بطريقين (4) ، عن أبي نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري، قال: (وجّه قوم من المقصرة والمفوِّضة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي

____________________

1) البحار، ج 25، ص 339، ح 21.

2) البحار، ج 26، ص 6، ح 1.

3) البحار، ج 26، ص 1.

4) الغيبة: 159 و 160.


محمّد عليه‌السلام ، قال كامل: فقلت في نفسي أسأله: لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف معرفتي وقال بمقالتي؟. ثمّ سرد الرواية وفيها لُقياه بالإمام العسكري وتشرّفه بِلُقيا الحجّة (عج) معه. ثمّ قال (عج): وجئت تسأله عن مقالة المفوّضة؟ كذّبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيئة اللَّه، فإذا شاءَ شِئْنا، واللَّه يقول: ( وَمَا تَشَاؤُونَ إلاّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ ) (1) .. الحديث).

وفي زيارة عاشوراء المعروفة، قال عليه‌السلام تعليماً للزائر: (ولعن اللَّه أمةً دَفَعَتْكُم عن مقامكم وأزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم اللَّه فيها) (2) .

وروى الصفّار بسنده عن الثمالي عن أبي جعفر عليه‌السلام قال: (يا أبا حمزة لا تضعوا عليّاً دون ما وضَعَه اللَّه، ولا ترفعوه فوق ما رفعه اللَّه، كفى لعليّ أن يقاتل أهل الكرّة، وأن يزوّج أهل الجنّة)، وكذا رواه الصدوق في الأمالي (3) .

وروى الشيخ في الأمالي، عن الأصبغ بن نباتة، قال: (دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليه‌السلام ، حيث قال لأمير المؤمنين عليه‌السلام : وزادني أواراً وغليلاً اختصام أصحابك ببابك. قال: وفيمَ خصومتهم؟ قال: في شأنك والبليّة من قِبَلَك، فمن مفرطٍ غالٍ ومقتصدٍ قالٍ ومتردّدٍ مرتاب لا يدري أيقدم أو يحجم. قال: فحسبك يا أخا همدان، ألا أنّ خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي، وبهم يلحق التالي.. الحديث) (4) .

وروى السيّد شرف الدين في تأويل الآيات، بسنده عن الصادق عليه‌السلام قال: (قال عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام .. وإنّه ليس عبدٌ من عبيد اللَّه يُقصّر في حبّنا لخير جعله اللَّه

____________________

1) سورة الإنسان: 30.

2) مصباح المتهجّد، للشيخ الطوسي: بسنده عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن الإمام الباقر عليه‌السلام .

3) بصائر الدرجات، ص 223، الأمالي للصدوق، ص284، ط / قم مؤسّسة البعثة.

4) أمالي الشيخ الطوسي: 626، ط / قم. مؤسّسة البعثة / المجلس 30.


عنده) (1) .

وروى ابن شهرآشوب في المناقب، عن الحسن بن عليّ عليهما‌السلام ، أنّه خطب الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه وتشهّد، ثمّ قال: (أيّها الناس، إنّ اللَّه اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خَلْقه، وأنزل علينا كتابه ووحيه، وايْمُ اللَّه، لا ينقصنا أحدٌ من حقّنا شي‏ء إلاّ انتقصه اللَّه في عاجل دنياه وآجل آخرته) (2) . وهو يشير عليه‌السلام إلى انتقاصهم من مقاماتهم التي ذكرها عليه‌السلام .

وروى الكُليني في الموثّق عن عبد الخالق الصيقل، قال: (سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن قول اللَّه عزّ وجلّ: ( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) (3) فقال: لقد سألتني عن شي‏ء ما سألني أحد إلاّ من شاء اللَّه. قال: من أَمَّ هذا البيت وهو يعلم أنّه البيت الذي أمر اللَّه عزّ وجلّ به وعَرِفَنا أهل البيت حقّ معرفتنا كان آمناً في الدنيا والآخرة) (4) . ومفهوم قوله عليه‌السلام : إنّ المقصّر في معرفتهم لا يكون آمناً في الآخرة.

روى الكليني في الكافي عن ضريس الكناسي، قال: (سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول - وعنده أُناس من أصحابه -: عجبت من قومٍ يتولّونا ويجعلونا أئمّة ويصفون أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله، ثمّ يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم بضَعْف قلوبهم، فيُنقِصونا حقّنا ويعيبون ذلك على من أعطاه اللَّه برهانَ حقٍّ معرفتنا والتسليم لأمرنا! أترون أنّ اللَّه تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ثمّ يخفي عنهم أخبار السماوات والأرض...؟) (5) .

____________________

1) تأويل الآيات الظاهرة، السيد شرف الدين الحسيني الاسترابادي: ص 439، سورة الأحزاب.

2) نور الثقلين، الحويزي، ج 4، ص 474.

3) سورة آل عمران: 97.

4) الكافي ج 4، ص 545. وفي تفسير العيّاشي في ذيل الآية.

5) الكافي، ج 1، كتاب الحجّة - باب أنّ الأئمّة عليهم‌السلام يعلمون علم ما كان وما يكون.. الحديث 4، والبصائر، ص 124، و 127 الطبعة الثانية.


جدلية الغلوّ والتقصير

في قول بعض أعلام الطائفة

وسيأتي جملة عديدة من أقوال علماء الطائفة في أبواب الفصول اللاحقة حول التفويض، إلاّ أنّا سنشير إلى نبذة وجملة نافعة، منها، ما قاله الشيخ المفيد في شرح اعتقادات الصدوق عند قوله (اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة):

وإنّ علامة المفوّضة والغلاة وأصنافهم، نسبتهم المشايخ والعلماء إلى القول بالتقصير... قال: والغلاة من المتظاهرين بالإسلام، هم الذين نسبوا أمير المؤمنين وذرّيته إلى الإلوهية والنبوّة. إلى أن قال: وأمّا نصّه (رحمه الله) - أي: الصدوق - بالغلوّ على من نسب مشايخ القمّيين وعلمائهم إلى التقصير، فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلوّ الناس؛ إذ في جملة المشار إليهم بالشيخوخة والعلم من كان مقصّراً، وإنّما يجب الحكم بالغلوّ على من نسب المحقّين إلى التقصير، سواء كانوا من أهل قمّ أم من غيرها من البلاد وسائر الناس.

وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمّد بن الحسن بن الوليد لم نجد لها دافعاً في التقصير، وهي ما حكي عنه أنّه قال: أوّل درجة في الغلوّ نفي السهو عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام عليه‌السلام ، فإن صحّت هذه الحكاية عنه فهو مقصّر، مع أنّه من علماء القمّيين ومشيختهم. وقد وجدنا جماعة وردوا إلينا من قم يقصرون تقصيراً ظاهراً في الدين، وينزلون الأئمّة عليهم‌السلام عن مراتبهم، ويزعمون أنّهم كانوا لا يعرفون كثيراً من


الأحكام الدينية حتّى ينكت في قلوبهم، ورأينا من يقول إنّهم كانوا يلتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون، ويدّعون مع ذلك أنّهم من العلماء، وهذا هو التقصير الذي لا شُبهة فيه، ويكفي في علامة الغلوّ نفي القائل به عن الأئمّة عليهم‌السلام سمات الحدوث، وحكمه لهم بالإلهية والقدم... ولا يحتاج مع ذلك إلى الحكم عليهم وتحقيق أمرهم بما جعله أبو جعفر (رحمه الله) سمة للغلوّ على كلّ حال (1) .

وعلّق المجلسي على قولَي الصدوق والمفيد بقوله: ولكن أفرط بعض المتكلّمين والمحدّثين في الغلوّ؛ لقصورهم عن معرفة الأئمّة عليهم‌السلام ، وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم، فَقَدَحوا في كثير من الرواة الثقاة لنقلهم بعض غرائب المعجزات، حتّى قال بعضهم: من الغلوّ نفي السهو عنهم، أو القول بأنّهم يعلمون بما كان وما يكون، وغير ذلك، مع أنّه قد ورد في أخبار كثيرة (لا تقولوا فينا ربّاً، وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا) (2) .

وورد: (إنّ أمرنا صعب مستصعب؛ لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللَّه قلبه للإيمان).

وورد: (لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله)، وغير ذلك ممّا مرّ وسيأتي.

فلابدّ للمؤمن المتديّن، أن لا يبادر بردّ ما ورد عنهم من فضائلهم، ومعجزاتهم، ومعالي أمورهم، إلاّ إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة، كما في باب التسليم وغيره (3) .

وفي صحيحة زُرارة، قال: (دخلت على أبي جعفر عليه‌السلام فسألني: ما عندك من أحاديث الشيعة؟ قلت: إنّ عندي منها شيئاً كثيراً، قد هممت أن أوقد لها ناراً ثمّ أحرقها. قال: ولِمَ؟

____________________

1) تصحيح الاعتقاد: ص63 - 66.

2) سيأتي في الفصول اللاحقة تخريج مصادر هذه القاعدة الاعتقادية - المرويّة عنهم - وبيان مفادها.

3) البحار، ج25، ص 347.


هات ما أنكرت منها. فخطر على بالي الأُمور. فقال لي: ما كان علم الملائكة حيث قالت: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ.. ) (1) .

وقال المجلسي في شرح معنى الحديث:

لعلّ زرارة كان ينكر أحاديث من فضائلهم لا يحتملها عقله، فنبّهه عليه‌السلام بقصّة الملائكة وإنكارهم فضل آدم عليهم وعدم بلوغهم إلى معرفة فضله، على أنّ نفي هذه الأُمور من قلّة المعرفة، ولا ينبغي أن يكذب المرء بما لم يُحِط به عِلمُه، بل لا بدّ أن يكون في مقام التسليم، فمع قصور الملائكة - مع علوّ شأنهم - عن معرفة آدم لا يبعد عجزك عن معرفة الأئمّة عليهم‌السلام (2) .

وقال الوحيد البهبهاني، في فوائده (3) :

اعلم، أنّ الظاهر أنّ كثيراً من القدماء - سيما القمّيين منهم والغضائري -، كانوا يعتقدون للأئمّة عليهم‌السلام منزله خاصّة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معيّنة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوّزون التعدّي عنها، وكانوا يعدّون التعدّي ارتفاعاً وغلوّاً على حسب معتقدهم، حتّى أنّهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوّاً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم، أو التفويض الذي اختُلف فيه - كما سنذكر -، أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الإغراق في شأنهم وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، وإظهار كثير قدرةٍ لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض، ارتفاعاً أو مورثاً للتهمة به، سيما بجِهة أنّ الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين، وبالجملة، الظاهر أنّ القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأُصولية أيضاً، فربما

____________________

1) بصائر الدرجات: ص 65.

2) البحار ج 25، ص282

3) الفائدة الثانية، ج1، ص 129 - 128، من منهج المقال.


كان شي‏ء عند بعضهم فاسداً أو كفراً أو غلوّاً أو تفويضاً أو جبراً أو تشبيهاً، أو غير ذلك، وكان عند آخر ممّا يجب اعتقاده، أو لا هذا ولا ذاك.

وقال صاحب تنقيح المقال (1) ما ملخّصه:

وإنّ أكثر ما يُعدّ اليوم من ضروريات المذهب في أوصاف الأئمّة عليهم‌السلام كان القول به معدوداً في العهد السابق من الغلوّ؛ وذلك أنّ الأئمّة عليهم‌السلام حذّروا شيعتهم من القول في حقّهم بجملة من مراتبهم؛ إبعاداً لهم عمّا هو غلوّ حقيقة، فهم منعوا الشيعة من القول بجملة من شؤونهم؛ حفظاً لشؤون اللَّه جلّت عظمته، حيث كان أهمّ من حفظ شؤونهم؛ لأنّه الأصلُ وشؤونهم فرعُ شأنه، نشأت من قربهم لديه ومنزلتهم عنده، وهذا هو الجامع بين الأخبار الثمينة من الشؤون لهم والنافية لها.

____________________

(1) تنقيح المقال، الفائدة الخامسة والعشرون من المقدّمة.


لا غلوّ ولا تقصير

بل معرفة بحقّهم

والملاحظ ممّا تقدّم، من التوصية القرآنية عن الوقوع في كلّ من جانبي زيغ الغلوّ وزيغ التقصير، وكذلك لسان الروايات المتضمّن لاصطلاح الغلوّ والغلاة، والتقصير والمقصّرة، هو تخطئة كلا المنهجين والأمر بمنهج آخر يُعتمد فيه نفي الغلوّ الذي هو إفراط، ونفي التقصير الذي هو تفريط، وأنّ هذا النهج الوسط من الدقّة بمكانَةٍ يَصْعُب المحافظة على تجنّب الوقوع في الطرفين.

ومن ثمّ يُلاحظ، رسوخ هذا الاصطلاح في ذهنية علماء الطائفة الأقدمين والمتقدّمين والمتأخّرين، وتشدّدهم على توخّي نهج المعرفة والعارف بالأئمّة عليهم‌السلام ، وهو النهج الوَسَط، ومحاذرة الوقوع في طرفي الغلوّ والتقصير، فلا غلوّ ولا تقصير، بل معرفةِ عارفٍ بحقّهم عليهم‌السلام . وهذا ميزان أطّره لنا الكتاب والسنّة المطهّرة، نظير: لا تعطيل ولا تشبيه بل توصيف بما وصف به نفسه وهو التوحيد، ونظير: لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين.

كما يتبيّن ممّا تقدّم أنّ الغلوّ ذو درجات - وكذلك التقصير - شدةً وضعفاً، وأنّ محذور التقصير - لا سيّما في بعض مراتبه - ليس هو بأدون من محذور الغلوّ. وأنّ النجاة في سلوك نهج التعرّف وكسب المعرفة بكيفية مقاماتهم ومراتبهم، والتسليم الإجمالي أثناء ذلك السلوك.

هذا وقد وقف أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام قبالة ظاهرة التقصير في معرفة الأئمّة عليهم‌السلام ،


نظير وقوفهم أمام ظاهرة الغلاة، حتّى فشا وانتشر عند أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام أنّ التقصير والغلوّ والتفويض من الزيغ عن جادة سواء الحقّ، وهذا المعيار تلقّاه شيعتهم بتعليم منهم عليهم‌السلام ، وقد ورد مكرّراً تأكيدهم على زيارة قبورهم بحال كون الزائر عارفاً بحقّ الإمام حقّ معرفته، أو عارفاً بحقّه، وأنّ أدنى حقّ معرفة الإمام كونه منصوباً منتجباً من قبله تعالى لهداية الخلق.

ومحذور التقصير كونه يؤدّي بصاحبه إلى الإنكار والجحود، وبالتالي إلى نقص الإيمان أو المروق منه، ومن ثمّ قد ورد مستفيضاً (1) ، أو متواتراً الحثّ على التسليم، وأنّها من صفات الإيمان الكبرى، بل في بعضها أنّها من أعظم صفات الإيمان ولوازمه، وإليه تشير الآية الكريمة: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) (2) ، كما قد أُطلق عليه في الروايات الإخبات، كما في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ ) (3) .

ومن هذا الباب أيضاً ما ورد من حرمة الردّ للأحاديث المرويّة وإن كانت ضعيفة السند، وهذا الحكم وإن لم يكن بمعنى حجّية واعتبار الروايات الضعيفة، إلاّ أنّه يعني - فيما يعنيه - وجوب التسليم الإجمالي لِما صدر عنهم عليهم‌السلام ، فضلاً عمّا يتولّد من الأخبار الضعيفة نتيجة تراكم حساب الاحتمالات من تولّد المستفيض والمتواتر أو الموثوق بصدوره.

وهذا الحكم قد اتّفق عليه علماء الإمامية الأصوليون منهم والأخباريون، فاللازم في الخبر الضعيف ردّ عِلْمه إليهم، والتسليم إجمالاً بالواقع وحقائق الدين

____________________

(44) أُصول الكافي، ج1، ص 390، باب التسليم وفضل التسليم.

(45) سورة النساء: 65.

(46) سورة هود: 23.


وإن لم نعلمها تفصيلاً، ولا يسوغ الردّ والإنكار ولا المبادرة بالنفي والإنكار.

وهذا المفاد ممّا قرّره الحكماء بقولهم: كلّ ما قَرع سمعك ممّا لم يزدك واضح البرهان فذره في بقعة الإمكان، ويشيرون بذلك إلى هذا المنهج المنطقي الفطري؛ من أنّ الإثبات كما يحتاج إلى دليل كذلك النفي والإنكار يحتاج إلى دليل.

ولك أن تقول: إنّ الفحص والتنقيب عن الأدلّة في الشبهات الحكمية من الأحكام الشرعية الفرعية إذا كان لازماً وكان إجراء الأُصول - النافية للتكليف قبل الفحص التامّ البالغ في أبواب الأدلّة - غير سائغٍ، فكيف يسوغ في المعارف العقائدية حول شؤونهم ومقاماتهم ومراتبهم المبادرة إلى النفي والإنكار من دون فحص تامّ ومن دون تضلّع وممارسة علمية ممتدّة؟ لا سيّما وأنّ أبواب الأدلّة في المعارف هي أضعاف مضاعفة على عدد وكمّ أبواب أدلّة الفروع، وكذلك الحال في آيات القرآن في المعرفة هي أضعاف آيات الأحكام الفرعية التي عددها خمسمائة ونيف، وهو أقل من عُشر آيات القرآن!

ويكفي للمتتبّع أن يُلاحظ المجاميع الروائية ككتب الصدوق، فإنّ أغلب أسمائها هي في أبواب وفصول المعارف، وكذلك بقيّة المحدّثين وأصحاب الجوامع الروائية من متأخّري الأعصار كصاحب البحار، حيث قد وضع لروايات الفروع عشر مجلّدات (الطبعة الحديثة)، بينما الغالب في بقية المجلّدات بحوث المعارف، فإذا كانت أدلّة المعارف بهذه السعة والترامي - فضلاً عن أهمّية وخطورة أحكام المعارف التي هي مدلول تلك الأدلّة -، فكيف يتهاون في الفحص والتنقيب والممارسة العلمية الطويلة؟ وكيف يتسنّى الفحص في كلّ تلك الأبواب في وقت قصير؟ فضلاً عن البحث في الدلالة، ومعالجة العامّ والخاصّ، والحاكم والمفسّر، وتأليف القرائن العديدة، والتمعّن في الدلالات الإلتزامية، وتبويب الأدلّة في طوائف،


كيف يتمّ ذلك في برهة قصيرة؟ فلا يسوغ المبادرة بالإجابة بنفي ثبوت الأمر الفلاني أو الكذائي، أو زعم أنّه لم يقم دليل عليه، ونحو ذلك من التعابير، التي تطلق مع عدم استنفاذ الفحص وعدم المِراس والاضطلاع والخبرة المعرفية في تلك الأبواب، ومع عدم الإحاطة بأقوال علماء الإمامية، من المتكلّمين، والمحدّثين، والمفسّرين، على اختلاف مبانيهم ومشاربهم، والإحاطة بشتّى الوجوه المذكورة، وربط المسائل بعضها ببعض، فالحريّ والعزيمة - في مثل ذلك - هو التوقّف قبل استتمام الفحص، كما هو ديدن فتاوى وأجوبة الشيخ المفيد في المسائل العقائدية في الموارد التي لم يكمل تمحيصها ولم يستنفذ الوسع في الفحص والتنقيب عنها، بمثل قوله: لم أقف على الروايات في ذلك، أو المسألة بعد محتاجة إلى التأمّل، ونحو ذلك من التعابير.

وهذا منهج السالك المتعلّم من علومهم عليهم‌السلام على سبيل النجاة، وأمّا المبادرة بالنفي والإنكار فهو طابع منهج التقصير والمقصّرة.


إلفات إلى

قاعدة في الغلو

قال تعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ ) الآية (1) ، وقال تعالى: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ) (2) .

ذُكر في تفسير هاتين الآيتين أنّ الغلوّ هو التجاوز عن الحدّ والزيادة والإفراط، وغير الحقّ الباطل، وادّعاء أنّه ما أنزل اللَّه. في المعجم الوسيط: (غلا السعر وغيره، غلواً وغلاءً، زاد وارتفع وجاوز الحدّ فهو غالي وغلي... و[ غلا ] فلان في الأمر والدين، تشدّد فيه وجاوز الحدّ وأفرط) (3) .

وظاهر الآيتين يشير إلى ضابطةٍ وقيد مقوّمٍ لمعنى الغُلوّ، وهو أنّ الغلوّ تجاوز الحدّ في الشي‏ء والإفراط فيه، بغير الحدّ الذي له في الدين، وبالتالي وضْعه في غير محلّه الذي وضعه له الدين، أي: التجاوز برتبته الرتيبة التي جعلها الدين لذلك الشي‏ء، ومن ثَمّ وضعه في غير حقّ موضعه الذي حُدّد في الدين، وإلى ذلك تشير الآية الثانية.

كما يلزم من الغلوّ القول على اللَّه بغير الحقّ؛ لأنّ التديّن والديانة بالإفراط في

____________________

1) النساء: 171.

2) المائدة: 77.

3) المعجم الوسيط، ج2، ص 660.


الشي‏ء ينطوي على تشريعه و نسبة ذلك إلى دين اللَّه تعالى، وبالتالي الافتراء على اللَّه عزّ وجلّ، وإلى هذا المعنى تشير الآية الثانية.

ويتحصّل من ذلك: أنّ للغلوّ معنىً عامّ وهو التجاوز بالشي‏ء والإفراط في رتبته زيادةً على الرتبة التي حدّدها الشارع لذلك الشي‏ء. ولهذا المعنى العامّ موارد ومصاديق لا تحصى؛ إذ لا يقتصر الغلوّ على التأليه - وهو ما ارتكبته النصارى في النبيّ عيسى عليه‌السلام -، بل يعمّ الإفراط والتجاوز في كلّ شي‏ء زاد عن حدّه المرسوم في دين اللَّه، فلو أُعتُقِد في الإمام أنّه نبيّ لكان ذلك من الغلوّ، وكذا لو أُعتُقِد في النبيّ غير المرسَل أنّه رسول لكان من الغلوّ أيضاً، وهكذا لو اعتُقد في صحابة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالعصمة لكان من الغلوّ أيضاً، وكذا لو أُعتُقِد في علماء الأُمّة وفقهائها، أو في بعض العارفين السالكين، أو في بعض الحكماء والفلاسفة، بالعصمة لكان من الغلوّ أيضاً، وكذا لو أُعتُقِد في بعض أركان فروع الدين أنّه برتبة تفوق بعض أصول الدين الاعتقادية كان من الغلوّ أيضاً...

وبالجملة، فوضع أيّ شي‏ء في رتبةٍ زائدةٍ عن الرتبة التي حدّدها الدين لذلك الشي‏ء فهو من الغلوّ، ولا يقتصر ذلك على التأليه، كما لا يقتصر شكل الغلوّ ونموذجه على التصريح بالإفراط في رتبة الشي‏ء، بل قد يتّخذ أشكالاً وأنماطاً متعددة ترجع في جوهرها إلى الإفراط في الحدّ والرتبة، وذلك مثل ترتيب أحكام وآثار على ذلك الشي‏ء تتجاوز برتبتها عن رتبة الشي‏ء، مثل أن نجعل قول الصحابي في قِبال قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن الغريب زعم أهل سنّة الخلافة غلوّ الشيعة في أئّمتهم مع أنّهم لا يقولون فيهم إلاّ ما أجاز لهم القرآن في ذلك والنصوص النبوية بفقه غور تلك المعاني، ولم يتعدّوا في مقامات الأئّمة عليهم‌السلام إلاّ ما هو دون مقام سيّد الأنبياء عليهم‌السلام : (مسلِّمين للَّه، مطيعين لأمر رسوله).


بينما ترى أنّ أهل سنّة الخلافة يقرّون ويصحّحون للصحابي - كالخليفة الثاني - مواقف يعترض فيها على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ الوحي ينزل بتصويب الثاني وتخطأة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، في حكايات اختلقوها في أسباب النزول، مشحونة بالتناقض والتهافت.

أو يروون بأنّ الثاني كانت غِيْرَته على الدين - والعياذ باللَّه - أكثر من النبيّ، وأنّه أشدّ نكيراً للباطل منه صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومع أنّهم ينفون وينكرون دعوى العصمة في الصحابي - حسب زعمهم - ومع ذلك تراهم يفرطون ويغلون فيه إلى ما فوق عصمة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمن جانب قد وقعوا في الغلوّ في شأن بعض الصحابة، ومن جانب آخر وقعوا في التقصير في شأن مقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعصمته، التي قال تعالى: ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) . وإنّ اجتهاد الصحابي على حدّ حكم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بزعم أنّه اجتهاد منه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذلك جعل قول الحكيم، والفيلسوف، والعالِم، في قِبال قول المعصوم!.

هذا وقد ورد عن الأئمّة الأطهار أقوال تحثّ شيعتهم على تنزيههم عن الربوبيّة: (نزّلونا عن الربوبية) و (قولوا فينا إنّا عبيد مخلوقون) و(لا تزعموا أنّا أنبياء وقولوا فينا ما شئتم)، أي: في بيان الحدّ الذي هو دون الخالقية، أي حدّ المخلوق المكرّم عند اللَّه، (ولن تبلغوا كنه معرفتنا)، أي رتبة الإكرام والحظوة والزُلفى التي لهم عند اللَّه (2) ، وفي هذه القاعدة توصية بعدم الغلوّ فيهم، كما أنّ ذيلها متضمّن للتوصية بعدم التقصير بمعرفتهم.

____________________

1) سورة النجم: 2 - 4.

2) سيأتي بحثه مستقلاً في أبواب الفصول الآتية في معرفتهم.


ملازمة بين الغلوّ والتقصير:

وبعد ما تبيّن أنّ للغلوّ أصنافاً وأقساماً عديدة، يجدر الإلفات إلى أنّ بعض أقسام الغلوّ هي ملازمةٌ إلى أنماطٍ من التقصير، بل التدقيق يُرشد إلى تلازم كلّ أنواع الغلوّ لنمطٍ من أنماط التقصير، فمثلاً التأليه للبشر المخلوق - من نبيّ أو إمام - هو في الواقع تقصير في معرفة الباري؛ للزومه الشرك، ونحوه، وكذلك البناء على العصمة في الصحابي رافقه الخدشة في عصمة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وبكلمةٍ جامعةٍ: إنّ الغلوّ كما هو وضع الشي‏ء زيادةً على رتبته، فهو يستلزم سلب الشي‏ء الآخر رتبتَه، وإعطائها للطرف الأوّل الذي حصل فيه الغلوّ، وهذا من ميزات باب الغلوّ والتقصير، أنّهما متلازمان من جهتين، وإن كانا متقابلين في الجهة الواحدة، فلا يظنّ أنّ الخلاص من الغلوّ هو بالتقصير، بل التقصير هو وقوع في الغلوّ من نمط آخر من حيث لا يشعر المقصّر.

قال الإمام الصادق عليه‌السلام : (إلينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصّر فنقبله. فقيل: كيف ذلك يابن رسول اللَّه؟ قال: لأنّ الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصيام والحجّ، فلا يقدر على ترك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة اللَّه عزّ وجلّ أبداً، وإنّ المقصّر إذا عرف عمل وأطاع) (1) .

أسباب التقصير:

إنّ أسباب التقصير عديدة - كما هو الحال في أسباب الغلوّ - فبعضها ناجمٌ عن قصور عِلمي، وكلّ مورد بحسب العلم الذي يتكفّله، أو إلى عوامل نفسانية ذاتية، وبعضها عن تقصير.

____________________

1) أمالي الطوسي، ص 645، المجلس 33، ح 12.


وقد تقدّم أنّ القصور حالة بشرية ملازمة لغير المعصوم مهما بلغ سعيه العلمي والعملي، إلاّ أنّ المحذور هو في إنكار ما وراء الحدّ الذي بلغه الشخص، بخلاف ما إذا كان مسلِّماً بما لا يحيط بمعرفته التفصيلية (1) .

نعم، هناك من الدواعي العمدية للتقصير قد ارتكبتها طوائف من هذه الأُمّة لمنازعة الحقّ أهله، ومدافعة الأئمّة المعصومين المطهّرين، تارةً في المقامات التكوينية، وهي الخلافة الإلهية في جانبها الملكوتي. وأُخرى في الحاكمية والإمامة السياسية، وهي الخلافة الإلهية في جانبها المُلكي لتدبير النظام الاجتماعي.

وممّن وقع في ورطة النموذج الأوّل: جملة غفيرة من الصوفية والعُرفاء، حيث قالوا: بأنّ القطب في كلّ زمن من الكُمّلين، وهو لا يقتصر على أشخاص بأعيانهم محدودين، بل هو مقام نوعي، وهو الغوث والإمامة النوعية.

وممّن وقع في النموذج الثاني: فقهاء أهل سنّة الجماعة، حيث بنوا على عدم لزوم العصمة في الحاكم، وأنّ دور العِلم الكسبي يكفي في إدارة الأُمور العامّة. ومن ثمّ ترى أصحاب النموذجين ينالون من مقامات أئمّة أهل البيت وقيعةً؛ بداعي فسح المجال لتسنّم مراتبهم.

ويشير إلى هذه الظاهرة في دواعي التقصير، وإلى النموذج الأوّل ما قاله علي بن الحسين عليه‌السلام ، قال: (انتحلت طوائف من هذه الأُمّة بعد مفارقتها أئمّة الدين والشجرة النبوية إخلاص الديانة، وأخذوا أنفسهم في مخائل الرهبانية، وتعالَوا في العلوم، ووصفوا الإيمان بأحسن صفاتهم، وتحلّوا بأحسن السنّة، حتّى إذا طال عليهم

____________________

1) كما ورد عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام : (لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا)، الكافي، ج2، ص 388، ح19.


الأمد وبعدت عليهم الشقَّة، وامتحنوا بمحن الصادقين، رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى وعلم النجاة، يتفسّخون تحت أعباء الديانة تفسّخ حاشية الإبل تحت أوراق البزل.

ولا تحرز السبق الرزايا وإن جرت

ولا يبلغ الغايات إلاّ سبوقها

وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجّوا بمتشابه القرآن فتأوّلوا بآرائهم، واتّهموا مأثور الخبر ممّا استحسنوا (1) ، يقتحمون في أغمار الشبهات، ودياجير الظلمات، بغير قبس نورٍ من الكتاب، ولا أثرة علم من مظانِّ العلم، بتحذير مثبطين، زعموا أنّهم على الرشد من غيِّهم. وإلى من يفزع خَلَف هذه الأُمّة؟ وقد درست أعلام الملّة، ودانت الأُمّة بالفرقة والاختلاف يكفّر بعضهم بعضاً، واللَّه تعالى يقول: ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) (2) .

فمَن الموثوق به على إبلاغ الحجّة وتأويل الحكمة إلاّ أهل الكتاب وأبناء أئمّة الهدى ومصابيح الدجى؟ الذين احتجّ اللَّه بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجّة. هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجر المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وبرّأهم من الآفات، وافترض مودّتهم في الكتاب؟

هم العروة الوثقى وهم معدن التقى

وخير حبال العالمين وثيقها) (3) .

بيّن عليه‌السلام أنّ هنالك نموذج من هذه الأُمّة ممّن ينازع الحقّ أهله - وهم أئمّة العترة - في بعد كمالاتهم الملكوتية، فهو ينسب نفسه إلى إخلاص الديانة، أي إلى درجة المخلِصين - بالكسر والفتح -، وتزيّوا بالرسوم الظاهرية من الرهبانية والزهد

____________________

1) في نسخة: (بما استحسنوا من أهوائهم).

2) سورة آل عمران: 105.

3) كشف الغمّة، ج2، ص 98 - 100.


والانقطاع عن الدنيا، ونسبوا لأنفسهم مراتب من العلوم وأجهدوا أنفسهم في تحصيلها، وتبجّحوا في وصف الإسلام تعريضاً بالمديح لأنفسهم أنّهم يتحلّون بتمام درجات الإسلام، إلاّ أنّهم لم يتمكّنوا - لطبيعة شأنهم - في الاستقامة على هذا المنوال؛ لاحتياجه إلى إعداد رباني للذات الإنسانية، وهو الاصطفاء والانتخاب، وهم لم يُصطَفوا لذلك فلم يقدروا على مواصلة الطريق وتبيّن حال تقمّصهم لهذا المقام، وهو مقام الإمامة الملكوتية التي تنطوي على مقام العلم اللدنّي بمنبع غيبي، وعلى كمال روحي يكون فيه الشخص مخلَصاً - بالفتح - وعلى اتّصاف النفس بتمام الكمالات الروحية.

وهذا الغلوّ الذي ادّعاه هؤلاء لأنفسهم استلزم التقصير في من له حقّ تلك الرتبة، وهم الأئمّة من عِترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما مرّ بنا: كلّ غلوّ يستتبع تقصير من جهة أُخرى، وإنّ كلّ تقصير يستتبع غلوّ من جهة أُخرى، وقد وقع في شراك هذا النموذج من الغلوّ والتقصير أكثر الصوفية وكثير من العُرفاء، حيث قالو: بأنّ القطب والغوث في كلّ زمان شخص، ويتبدّل من زمان إلى آخر، ولا ينحصر في عدد محدود، وإنّ الولاية الإلهية لنوع الواصلين، وبالتالي فالعصمة الذاتية تتعدّى وتتحقّق لكلّ سالك للقرب الإلهي، فباب الوصول الكامل مفتوح للكلّ.

وقال تعالى: ( قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً ولاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ) (1) .

وفي هذه الواقعة التي سردها لنا القرآن الكريم تنبيه على منهجية وضابطة في طبيعة الإنسان - بل وكلّ موجود مدرك -، وهي أنّ الأُمور التي يصعب عليه معرفتها

____________________

1) سورة الكهف: 67 - 70.


بالتفصيل، وتَبْهُم لديه وتَجْمُل حقيقتها عن أفق إدراكه، تحصل لديه النِفرَة والجموح عن الإذعان بها، فيبادر إلى الإذعان بنفيها، وكأنّه توصّل إلى أنّ نفيها هو الحقّ، مع أنّ فرض الحال أنّ الأمر مبهم ومجمل عليه، وأنّ إبائه ونفرته منه هو لأجل ذلك، لكن يحصل لديه الخلط بين ذلك وبين أن يحسبه أنّه من قبيل ما يعلم ببطلانه وبعدمه في الواقع. وهذا الخلط في كيفية الاستنتاج يُربك على الإنسان طريقة الاستنتاج الصحيحة؛ فإنّ المطلوب منطقياً ومنهجياً في الحالة الأُولى هو التوقّف عن النفي أو الإثبات، وعن الإنكار أو القبول تفصيلاً، والقيام بعملية الفحص العلمي، لا المبادرة باستنتاج النفي ومن ثمّ الإنكار والجحود.

وهذا المنهج جاري في كلّ مسألة صعبة ومعقّدة في أيّ علم من العلوم، كعلم الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وغيرها من العلوم التجريبية، أو العلوم الإنسانية، أو علوم المعارف الإلهية، كما قد يحصل خلط لدى الإنسان بين حالة الفحص والبحث والتنقيب، وحالة التشكيك؛ فإنّ حالة التشكيك في ظاهر صورتها أنّها عملية تساءل وتنقيب، إلاّ أنّ في طياتها استنتاج عجول للنفي ومبادرة سريعة للإنكار غير مبنية على أُسس الفحص العلمي، والتمييز بين الحالتين غامضٌ يَدقّ على أفهام عامّة البشر.

ويذكر القرآن الكريم لنا مثالاً آخر في قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ


تَكْتُمُونَ ) (1) . ففي المثال يضرب تعالى عبرة لنا بالملائكة مع قدسيتهم ومكانتهم، إلاّ أنّه لاحتجابهم عن علم الغيب الإلهي بدر منهم استنكار ما جهلوه، ومسارعة إلى التنديد به مع كونه الحقّ.

ويشير إلى النموذج الثاني الإمام أبو عبد اللَّه عليه‌السلام في قوله: (إنّما مَثل علي عليه‌السلام ، ومَثَلُنا من بعده مِن هذه الأُمّة كمَثَل موسى عليه‌السلام والعالم، حين لَقِيه واستنطقه وسأله الصحبة، فكان من أمرهما ما اقتصّه اللَّه لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابه، وذلك أنّ اللَّه قال لموسى: ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (2) ، ثمّ قال: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (3) ، وقد كان عند العالِم علم لم يُكتب لموسى في الألواح، وكان موسى يظنّ أنّ جميع الأشياء التي يحتاج إليها في نبوته، وجميع العلم قد كُتب له في الألواح. كما يظنّ هؤلاء الذين يدّعون أنّهم فقهاء وعلماء، وأنّهم قد أثبتوا جميع العلم والفقه في الدين ممّا تحتاج هذه الأُمّة إليه وصحّ لهم عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلموه وحفظوه.

وليس كلّ علم رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله علموه، ولا صار إليهم عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا عرفوه؛ وذلك أنّ الشي‏ء من الحلال والحرام والأحكام يرد عليهم فيُسألون عنه، ولا يكون عندهم فيه أثر عن رسول اللَّه، ويستحيون أن ينسبهم الناس إلى الجهل، ويكرهون أن يُسألوا فلا يجيبوا فيطلب الناس العلم من معدنه.

ولذلك استعملوا الرأي والقياس في دين اللَّه، وتركوا الآثار ودانوا اللَّه بالبدع، وقد قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : كلّ بدعة ضلالة، فلو أنّهم إذا سُئلوا عن شي‏ء من دين اللَّه فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول اللَّه ردّوه إلى اللَّه وإلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم، لَعلِمهُ

____________________

1) سورة البقرة: 30 - 33.

2) سورة الأعراف: 144.

3) سورة الأعراف: 145.


الذين يستنبطونه منهم من آل محمّد عليهم‌السلام ، والذي منعهم من طلب العلم منّا العداوة والحسد لنا، لا واللَّه ما حسد موسى عليه‌السلام العالِم، وموسى نبيّ اللَّه يُوحي اللَّه إليه، حيث لقيه واستنطقه وعرّفه بالعلم ولم يحسد كما حسدتنا هذه الأُمّة بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله على ما عَلِمنا وما ورثنا عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يرغبوا إلينا في عِلمنا كما رَغب موسى عليه‌السلام إلى العالِم وسأله الصحبة ليتعلّم منه ويرشده، فلمّا أن سأل العالِمَ ذلك عَلِم العالِمُ أنّ موسى عليه‌السلام لا يستطيع صحبته ولا يحتمل علمَه ولا يصبر معه، فعند ذلك قال العالِم: ( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) (1) ، فقال موسى عليه‌السلام له وهو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله: ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ) (2) .

وقد كان العالم يعلم أنّ موسى عليه‌السلام لا يصبر على علمه، فكذلك - واللَّه يا إسحاق بن عمّار - حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم، لا يحتملون - واللَّه - علمنا ولا يقبلونه ولا يطيقونه ولا يأخذون به ولا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى عليه‌السلام على علم العالِم حين صحبه ورأى ما رأى من علمه، وكان ذلك عند موسى عليه‌السلام مكروهاً، وكان عند اللَّه رضاً وهو الحقّ وكذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخَذ وهو عند اللَّه الحقّ) (3) .

وفي هذه الرواية العديد من الوجوه على ضرورة موقعية الإمام في القيمومة على الشريعة، وسيأتي بيانها مفصّلاً، إلاّ أنّنا نقتصر في المقام على نبذة مجملة منها، وهي أنّ النبيّ موسى عليه‌السلام مع كونه نبيّاً مرسلاً من أولي العزم يتنزل عليه الوحي، أي إنّه محيط بالأحكام الشرعية وتشريعات اللَّه على ما هي عليه في الواقع، أي بالأحكام الواقعية، إلاّ أنّ ذلك لم يغنه عن العلم اللدنّي الذي أعطاه اللَّه

____________________

1) سورة الكهف: 68.

2) سورة الكهف: 69.

3) تفسير البرهان، ص 652 - 651.


للخضر وهو الشريعة في نظامها الكوني والإرادات الإلهية التكوينية. وهذا العلم اللدنّي غير النبوّة، وهو حقيقة الإمامة، والذي كان مجتمعاً بشكله الأكمل والأتمّ في خاتم النبيين صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا تُغني الإحاطة بالأحكام الواقعية لكلّ تفاصيل ظاهر الشريعة عن شريعة الإرادات الإلهية الكونية وتأويلها، فضلاً عن إحاطة الفقهاء القاصرة عن الإلمام بكلّ الأحكام الواقعية لظاهر الشريعة.

بل الفقهاء - كما ذكر المحقّق النائيني في بحث الإجزاء - لا يحيطون بجميع الأحكام الظاهرية، التي دورها إحراز الأحكام الواقعية لظاهر الشريعة؛ فإنّ جملة من الأحكام التي يستنبطها هي أحكام تخيّلية، وهي التي ينكشف له كون استنباطها على غير الموازين من الأدلّة.

وبعبارة أُخرى: إنّ الفارق بين علم النبيّ موسى وعلم الفقهاء، إنّ علم النبيّ موسى ليس منبعه نقلي، بل هو منبع وَحْياني، بينما منبع علم الفقهاء ليس إلاّ ظنون معتبرة، فضلاً عمّا لو كانت ظنون تخيّلية يتوهّم أنّها معتبرة، ومع كلّ ذلك فلم يُغنِ علم النبيّ موسى - وهو صاحب الشريعة - عن علم التأويل الذي زوّده اللَّه تعالى للخضر لَدُنِيّاً، فكيف يفرض استغناء الفقهاء في أحكام الشريعة عن دوام الرجوع إلى المعصوم؟


قاعدة آلية

لنفي الغلوّ والتقصير

وهي ما روي عنهم مستفيضاً من قاعدة: (نزّلونا عن الربوبية) ، (وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا).

فأمّا الروايات الواردة في ذلك فهي:

الأُولى: ما رواه الصدوق في الخصال من حديث الأربعمائة المعروف، قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : (إيّاكم والغلوّ فينا، قولوا إنّا عبيد مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم) (1) .

الثانية: ما رواه الصفّار في بصائر الدرجات، عن إسماعيل بن عبد العزيز، قال: (قال أبو عبد اللَّه عليه‌السلام في حديث: يا إسماعيل لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم، اجعلونا مخلوقين، وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا) (2) .

____________________

1) الخصال: ص 614، ط / قم، والبحار، ج10، ص 92.

وطريق الرواية الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، وليس فيه من يتوقّف فيه سوى القاسم بن يحيى وجدّه الحسن بن راشد، وهما وإن لم يوثّقا إلاّ أنّ كلاًّ منهما صاحب كتاب ذكره في المشْيَخَة، وطريق الصدوق والشيخ صحيح إلى القاسم بن يحيى، ويروى كتابه أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري، وإبراهيم بن هاشم، وكذلك اليقطيني، وقد حكم الصدوق بصحّة ما رواه في زيارة الحسين عليه‌السلام عن الحسن بن راشد، وفي طريقه إليه القاسم بن يحيى، وقال: إنّ هذه الزيارة أصحّ الزيارات عنده رواية. الفقيه، حديث 1614 و1615.

2) بصائر الدرجات: ص 64 - 65.


الثالثة: ما رواه الصفّار بسنده، عن كامل التمّار، قال: (كنت عند أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ذات يوم فقال لي: يا كامل، اجعل لنا ربّاً نؤوب إليه، وقولوا فينا ما شئتم. قال: قلت: نجعل لكم ربّاً تؤوبون إليه، ونقول فيكم ما شئنا؟ قال: فاستوى جالساً، ثمّ قال: وعسى أن نقول ما خرج إليكم من علمنا إلاّ ألف غير معطوفة (1) . والمراد من الألف غير المعطوفة كناية عن نهاية القلّة).

الرابعة: روى في كشف الغمّة من كتاب الدلائل للحميري عن مالك الجهني، قال: (كنّا بالمدينة حين أُجلبت الشيعة وصاروا فرقاً، فتنحينا عن المدينة ناحية، ثمّ خلونا فجعلنا نذكر فضائلهم وما قالت الشيعة، إلى أن خطر ببالنا الربوبية، فما شعرنا بشي‏ء، إذا نحن بأبي عبد اللَّه عليه‌السلام واقف على حمار، فلم ندرِ من أين جاء، فقال:

يا مالك، ويا خالد، متى أحدثتما الكلام في الربوبية؟ فقلنا: ما خطر ببالنا إلاّ الساعة. فقال: اعلما، أنّ لنا ربّاً يكلأنا بالليل والنهار نعبُده، يا مالك، ويا خالد، قولوا فينا ما شئتم، واجعلونا مخلوقين. فكرّرها علينا مراراً وهو واقف على حماره) (2) .

الخامسة: وروي في البحار في باب معرفتهم بالنورانية (أي: إنّ مبدأ خلقهم هو خلق أنوارهم)، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال: (يا سلمان ويا جندب. قالا: لبيك صلوات اللَّه عليك. قال عليه‌السلام : أنا أمير كلّ مؤمن ومؤمنة ممّن مضى وممّن بقي، وأيّدتُ بروح العظمة، وإنّما أنا عبدٌ من عبيد اللَّه، لا تسمّونا أرباباً وقولوا في فضلنا ما شئتم، فإنّكم لن تبلغوا من فضلنا كُنه ما جعله اللَّه لنا، ولا معشار العشر) (3) .

السادسة: ما رواه الراوندي في خرائجه عن خالد بن نجيع، قال: (دخلت على أبي عبد اللَّه عليه‌السلام وعنده خلق، فجلست ناحية وقلت في نفسي: ما أغفلهم، عند من

____________________

1) بصائر الدرجات، ص 149. والبحار ج 25، ص 283، ح 30.

2) كشف الغمّة عن معرفة الأئمة، ج2، ص 197.

3) البحار، ج26، ص 6.


يتكلّمون! فناداني: إنّا واللَّه عبادٌ مخلوقون، لي ربّ أعبده؛ إن لم أعبده عذّبني بالنار. قلت: لا أقول فيك إلاّ قولك في نفسك.

قال: اجعلونا عبيداً مربوبين وقولوا فينا ما شئتم إلاّ النبوّة) (1) . ورواه في بصائر الدرجات بطريقين.

السابعة: ما رواه في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه‌السلام ، عن آبائه عليهم‌السلام ، قال: (قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : لا تتجاوزوا بنا العبودية ثمّ قولوا ما شئتم ولا تغلوا، وإيّاكم والغلوّ كغلوّ النصارى؛ فإنّي بريّ من الغالين) (2) .

ورواه في الاحتجاج عن تفسير الإمام العسكري عليه‌السلام : (قال الرضا عليه‌السلام : من تجاوز بأمير المؤمنين عليه‌السلام حدّ العبودية فهو من المغضوب عليهم والضالين).

وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : (لا تتجاوزوا بنا العبودية ثمّ قولوا ما شئتم ولن تبلغوا، وإيّاكم والغلوّ كغلوّ النصارى؛ فإنّي بريّ من الغالين).

إلى أن قال، بعد شرح غلوّ النصارى: فكذلك هؤلاء، وجدوا أمير المؤمنين عبداً أكرمه اللَّه ليبيّن فضله، ويقيم حجّته، فصغر عندهم خالقهم أن يكون جعل عليّاً له عبداً، وأكبروا عليّاً عن أن يكون اللَّه عزّ وجلّ له ربّاً، فسمّوه بغير اسمه، فنهاهم هو وأتباعه من أهل ملّته وشيعته، وقالوا لهم: يا هؤلاء! إنّ عليّاً ووُلده عبادٌ مكرمون مخلوقون مدبَّرون، لا يقدرون إلاّ على ما أقدرهم عليه اللَّهُ ربُّ العالمين، ولا يملكون إلاّ ما ملَّكهم) (3) .

الثامنة: ما في غُرر الحكم، (قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : إيّاكم والغلوّ فينا، قولوا إنّا

____________________

1) بصائر الدرجات، ج 65، ص 241. واثبات الهداة، للحرّ العاملي، ج 7، ص 477، حديث 68، و ج 5، ص 417، حديث 154.

2) البحار ج 4، ص 303، ح 31.

3) البحار، ج 25، ص 278 - 274، والاحتجاج، ج 2، 233.


مربوبون واعتقدوا في فضلنا ما شئتم) (1) .

التاسعة: ما رواه الكُليني، عن عبد العزيز بن مسلم، قال: (كنّا مع الرضا عليه‌السلام ... ثمّ ساق حديثاً طويلاً عنه في الإمامة، وفيه:

إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً، مِن أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم... الإمام كالشمس الطالعة المجلَّلة بنورها للعالم، وهي في الأُفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار... فمن الذي يعرف معرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟ هيهات هيهات، ضلّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحَصُرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلّت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، عن وصف شأن مِن شأنه، أو فضيلة مِن فضائله، وأقرّت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكلّه، أو ينعت بكنه، أو يفهم شي‏ء من أمره، أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه، لا، كيف وأنّى؟ وهو بُعد النّجْم عن يد المتناولين، ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟) (2) .

وروى في المنتخب من بصائر الدرجات، لسعد بن عبد اللَّه الأشعري، عن ابن عيسى بإسناده إلى المفضّل، قال: قال أبو عبد اللَّه عليه‌السلام : (ما جاءكم منّا ممّا يجوز أن يكون في المخلوقين، ولم تعلموه ولم تفهموه، فلا تجحدوه، وردّوه إلينا. وما جاءكم عنّا ممّا لا يجوز أن يكون في المخلوقين، فاجحدوه ولا تردّوه إلينا) (3) .

فبيّن عليه‌السلام أنّ الضابطة في صحّة إسناد النعوت والأوصاف لهم عليهم‌السلام ، والمدار في تحقيق مقاماتهم، ليس على عدم غرابة النعت، ولا على تعقُّلِنا لتلك النعوت وإمكان فهمنا لها تفصيلاً، ولا على أُنسَنا لتلك الأوصاف والنعوت، بل ولا على

____________________

1) غرر الحكم: ص 159.

2) أصول الكافي، ج1، ص 198 - 201.

3) البحار، ج 25، ص 364. ومستدرك سفينة البحار، ج1، ص 199.


صحّة السند وعدمه، وإنّما المدار على إمكان كون تلك الصفة صفة المخلوقين، أي عالم الإمكان ما سوى اللَّه، وإن لم يكتنه العقل المحدود للبشر كنه حقيقة تلك الصفة بنحو التفصيل، لكنّه يدرك إجمالاً أنّ الصفةَ صفةُ ممكنٍ حادثٍ، لا صفةً مختصّةً بالذات الأزليّة الغنيّة.


قاعدةٌ آلية أُخرى

وهي معرفتهم بالخِلْقَة النوريّة

وهي أنّه تعالى أوّل ما بدأ بخلْق نورهم، ثمّ خَلَق جميع الأشياء بعد ذلك. وهذه القاعدة في المعرفة متطابقة المعنى مع الإطار السابق: نزلونا عن الربوبية، وقولوا فينا ما شئتم . من الكرامة الوجودية التي حَبَاها اللَّه تعالى لهم، ولن تبلغوا كنه ذلك. وبسبب تطابق المعنى بين الإطارين فهما قاعدة واحدة، ذُكِرا في الرواية الخامسة - المتقدّمة - في لسان الإطار الأوّل.

وقد عقدت أكثر المجامع الحديثية، من الفريقين، باباً لذكر روايات الإطار الثاني، وهي أنّ بدأ الخلقة كان نور النبيّ، ثمّ أنوار أهل بيته، ومن ثمّ بقية الخلق، من العرش، والكرسي، واللوح، والقلم، والجنّة، والسماوات، والأرضين، وعالم الأرواح، وعالم الأجسام....

وقد تعدّدت ألفاظ الحديث بسطاً واختصاراً، واللفظ الجامع لها. ثمّ نعقّبه بالمصادر من الفريقين، ثمّ إشارة مقتضبة لمفاد الحديث وأُمومته لبقية أبواب المعارف.

فأمّا لفظ الحديث من بعض طرقنا، ما روي في الكافي:

( أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد اللَّه، عن محمّد بن عيسى ومحمّد بن عبد اللَّه، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال ، قال اللَّه تبارك وتعالى: يا محمّد، إنّي خلقتك وعليّاً نوراً، يعني روحاً بلا بدن، قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري، فلم تزل تهلِّلُني وتمجِّدني، ثمّ جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة، فكانت


تمجّدني وتقدّسني وتهلِّلُني، ثمّ قسّمتها ثنتين، وقسّمت الثنتين ثنتين فصارت أربعة: محمّد واحد، وعليّ واحد، والحسن والحسين ثنتان، ثمّ خلق اللَّه فاطمة من نور ابتدأها روحاً بلا بدن، ثمّ مَسَحَنا بيمينه فأفضى نوره فينا) (1) .

وكذلك ما رواه الكافي في نفس الباب:

( الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلى بن محمّد، عن أبي الفضل عبد اللَّه بن إدريس، عن محمّد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه‌السلام ، فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمّد، إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيته، ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة، فمكثوا ألْف دهر، ثمّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوّض أمورها إليهم، فهم يحلّون ما يشاؤون، ويحرّمون ما يشاؤون، ولن يشاؤوا إلاّ أن يشاء اللَّه تبارك وتعالى.

ثمّ قال: يا محمّد، هذه الديانة التي من تقدّمها مرق ومن تخلّف عنها محق ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمّد) (2) .

____________________

1) الكافي، ج1، ص 440، كتاب ‏الحجّة ح3. وكذلك في ‏البحار، ج 15، ح18. وأورد كذلك في ج54، ص193 ح14. ونقلها الصدوق في كتابه التوحيد، باب 15، تفسير آية النور، ص 155.

2) الكافي، ج 1، ص 441، كتاب الحجة، ح 5. وقد ورد مضمون هذا الحديث بألفاظ مختلفة، متواتراً، ومستفيضاً.

وإليك جملة من المصادر:

منها ما روي في الكافي، ج 1، ص 389، باب خلقة أبدان الأئمّة وأرواحهم، وكذلك في نفس الجلد، ص 194، وفيه باب أنّ الأئمّة ( عليهم‌السلام ) نور اللَّه عزّ وجلّ، وكذلك، ج1، ص 442، باب مولد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ووفاته.

وكتاب (ترتيب الأمالي للصدوق والمفيد والطوسي)، كتاب النبوّة، ج 1، باب تاريخ نبينا سيّد المرسلين، باب 1، بدء الخلق، وفيه 12 حديثاً. وكتاب توحيد الصدوق، باب 15، تفسير آية النور، ص 155. وفي الخصال، الخصلة ألف. ومعاني الأخبار ص 306 وعلل الشرائع، ج1، ص 198. وإكمال الدين للصدوق، ص 193 - 184. ومنتخب بصائر الدرجات. وكذلك في كتاب الأثر في النص على الأئمّة الاثني عشر - للخزاز القمّي. وكذلك في البحار، ج 1، ص 103، أبواب تاريخ نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله ، الباب 1، بدء خلقه وما جرى له في الميثاق، وبدء نوره، =


وذكر المجلسي في ضمن شرحه للرواية: فأشهدهم خلقها، أي: خَلَقها بحضرتهم وبعلْمِهم، وهم كانوا مطّلعين على أطوار الخلق وأسراره، فلذا صاروا مستحقّين للإمامة؛ لعلمهم الكامل بالشرائع والأحكام، وعلل الخلق وأسرار الغيوب. وأئمّة الإمامية كلّهم موصوفون بتلك الصفات دون سائر الفرق فيه.

ولا ينافي هذا قوله تعالى: ( مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) (1) ، بل يؤيّده؛ فإنّ الضمير في (ما أشهدتهم) راجع إلى الشيطان وذرّيته، أو إلى المشركين؛ بدليل قوله تعالى سابقاً: ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي ) (2) وقوله بعد ذلك: ( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) (3) ، فلا ينافي إشهاد الهادين للخلق.

قال الطبرسي (رحمه الله): قيل، معنى الآية أنّكم اتّبعتم الشياطين كما يُتّبع من يكون عنده علم لا يُنال إلاّ من جهته، وأنا ما أطْلَعتهم على خلق السماوات والأرض، ولا على خلق أنفسهم، ولم أعطهم العلم بأنّه كيف يُخلق الأشياء، فمن أين يتبعونهم؟ انتهى.

وأجرى طاعتهم عليها: أي أوجب، وألزم على جميع الأشياء طاعتهم، حتّى الجمادات من السماويات والأرضيات، كشقّ القمر، وإقبال الشجر، وتسبيح

____________________

= وكذلك في، ج 15، ص 19 و141. وفي: ج 57، ص 65، حديث 43. وفي مجلد 35، تاريخ أمير المؤمنين، حديث 1. وفي مجلد 54، ص 195، ص 141. وفي مجلد 25، ص 340، ص 24. وفي البحار أيضاً، مجلد 57، كتاب السماء والعالم.

وهناك مصادر كثيرة أُخرى في كتب المتقدمين، كالكليني، والصدوق، وغيرهما. والمتأخرين، كصاحب البحار، والسيد هاشم البحراني، وغيرهما. وكذلك نقل النمازي - صاحب مستدرك سفينة البحار، ج 10، ص 163 - روايات أُخرى في مادة: (ن و ر). وفي مجمع البيان للطبرسي، في ذيل تفسير آية النور. وكذلك في تفسير البرهان.

1) سورة الكهف: 51.

2) سورة الكهف: 50.

3) سورة الكهف: 51.


الحصى، وأمثالها ممّا لا يحصى، وفوّض أُمورها إليهم من التحليل، والتحريم، والعطاء، والمنع. وإن كان ظاهرها تفويض تدبيرها إليهم، فهم يحلّون ما يشاؤون، ظاهره تفويض الأحكام كما سيأتي تحقيقه... إلخ (4) .

وكذلك ذكر (قدس سره) في ذيل روايات: أوّل ما خلق من الروحانيين العقل. وذكر له ستّة تفاسير، وقال عقب تفسير الفلاسفة:

فاعلم أنّ أكثر ما أثبتوه لهذه العقول قد ثبت لأرواح النبيّ والأئمّة عليهم‌السلام في أخبارنا المتواترة على وجه آخر، فإنّهم أثبتوا القدم للعقل، وقد ثبت التقدّم في الخلق لأرواحهم، إمّا على جميع المخلوقات، أو على سائر الروحانيين في أخبار متواترة. وأيضاً، أثبتوا لها التوسّط في الإيجاد، أو الاشتراط في التأثير، وقد ثبت في الأخبار كونهم عليهم‌السلام علّة غائية لجميع المخلوقات، وأنّه لولاهم لما خلق اللَّه الأفلاك وغيرها. وأثبتوا لها كونها وسائط في إفاضة العلوم والمعارف على النفوس والأرواح، وقد ثبت في الأخبار أنّ جميع العلوم والحقائق والمعارف بتوسّطهم تفيض على سائر الخلق، حتّى الملائكة والأنبياء.

والحاصل، إنّه قد ثبت بالأخبار المستفيضة أنّهم عليهم‌السلام الوسائل بين الخلق وبين الحقّ في إفاضة جميع الرحمات، والعلوم، والكمالات، على جميع الخلق. فكلّما يكون التوسّل بهم والإذعان بفضلهم أكثر، كان فيضان الكمالات من اللَّه أكثر... فعلى قياس ما قالوا، يمكن أن يكون المراد بالعقل نور النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي انشعبت منه أنوار الأئمّة عليهم‌السلام ، وحمل استنطاقه على الحقيقة. أو بجعله محلاً للمعارف غير المتناهية.

والمراد بالأمر بالإقبال: ترقّيه على مراتب الكمال، وجذبه إلى أعلى مقام القرب والوِصال. وبإدباره: إمّا إنزاله إلى البدن أو الأمر بتكميل الخلق بعد غاية الكمال،

____________________

1) البحار، ج 25، ص 343، باب نفي الغلوّ في النبيّ والأئمّة عليهم‌السلام .


فإنّه يلزمه التنزّل عن غاية مراتب القرب بسبب معاشرة الخلق، ويشير إليه قوله تعالى: ( قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً ) (1) ، وقد بسطنا الكلام في ذلك في الفوائد الطريفة. ويحتمل أن يكون المراد بالإقبال: الإقبال إلى الخلق، وبالإدبار: الرجوع إلى عالم القدس بعد إتمام التبليغ؛ ويؤيّده ما في بعض الأخبار من تقديم الإدبار على الإقبال وعلى التقادير فالمراد بقوله تعالى (ولا أكْمِلك) يمكن أن يكون المراد ولا أكمِل محبّتك والارتباط بك وكونك واسطة بينه وبيني، إلّا فيمن أحبّه، أو يكون الخطاب مع روحهم ونورهم عليهم‌السلام ، والمراد بالإكمال إكماله في أبدانهم الشريفة، أي هذا النور بعد تشعّبه بأي بدن تعلّق وكمل فيه يكون ذلك الشخص أحبّ الخلق إلى اللَّه تعالى. انتهى (2) .

وأمّا في طرق العامّة، فقد ذكر صاحب عبقات الأنوار، السيّد حامد حسين اللكهنوي، عن حديث النور، قال:

الحديث الثامن: ما رووا أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (كنت أنا وعليّ بن أبي طالب نوراً بين يدي اللَّه قبل أن يُخلق آدم بأربعة آلاف سنة، ولمّا خلق اللَّه آدم، قسّم ذلك النور جزئين، فجزء أنا وجزء عليّ بن أبي طالب...) الحديث.

قال صاحب العبقات: لقد نسب الدهلوي - صاحب التحفة الاثني عشرية - رواية حديث النور إلى الإمامية فقط، وادّعى إجماع أهل السنّة على كونه موضوعاً، ونحن نكشف عن كذب هذه الدعاوى، وعن مدى تعصّب صاحبها وعناده للحق وأهله، بذكر رواة الحديث من الصحابة، والتابعين، وكبار علماء أهل السنّة. ثمّ ذكر أسماء رواة حديث النور من الصحابة وعدّتهم ثمانية، كما ذكر رواة حديث النور من التابعين وعدّتهم ثمانية أيضاً،

____________________

81) سورة الطلاق: 10 - 11.

82) البحار، ج 1، ص 103 - 104.


وذكر العلماء والمحدّثين والحفّاظ الذين رَوَوا الحديث في مجاميعهم، وعدّتهم واحد وأربعون، بطرقهم المختلفة. منهم: ابن حنبل، وابنه عبد اللَّه، وابن مرْدَويه، وأبو نعيم الأصبهاني، وابن عبد البرّ القرطبي، وابن المغازلي، والخطيب الخوارزمي المكّي، وابن عساكر الدمشقي، والمحبّ الطبري، والحمويني، والگنجي الشافعي، والخطيب البغدادي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم.

ثمّ أخذ (رضوان اللَّه عليه) في إثبات تواتر الحديث، ثمّ ذكر مصادر الحديث واحداً واحداً، وذكر صحّة أسانيد الحديث لديهم، ثمّ ذكر كلام الشيخ ابن عربي في تفسير الحديث، بأنّه: لم يكن أقرب إلى اللَّه تعالى في عالم الهباء - وهو عالم النور - من رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأقرب الناس إليه عليّ بن أبي طالب، إمام العالَم بأسره، والجامع لأسرار الأنبياء أجمعين.

ثمّ نَقَل عن ابن عربي في الفتوحات: إنّ جميع الأنبياء يأتيهم الإمداد من تلك الروح الطاهرة لسيّد الأنبياء، في ما يظهرون فيه من الشرائع والعلوم في زمان وجودهم رُسُلاً، وتشريعهم الشرائع.

ونَقَل عنه قوله أيضا ً: إنّ اللَّه لمّا جعل منزِل محمّد (صلّى الله عليه وسلم) السيادة فكان سيداً ومن سواه سوقة، علمنا أنّه لا يُقاوَم؛ فإنّ السَوَقة لا تقاوم ملوكها، فله منزل خاصّ، وللسوقة منزل، ولمّا أُعطي هذه المنزلة وآدم بين الماء والطين، عَلِمنا أنّه الممدّ لكلّ إنسان مبعوث بناموس إلهي أو حكمي، وأوّل ما ظهر من ذلك في آدم؛ حيث جعله اللَّه خليفة عن محمّد (صلّى الله عليه وسلم)، فأمدّه بالأسماء كلّها من مقام جامع الكلم التي لمحمّد (صلّى الله عليه وسلم) (1) .

ثمّ نَقَل كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني، من كتابه اليواقيت والجواهر، وتقريره

____________________

1) الفتوحات المكّية الباب السادس في بدء الخلق.


لكلام ابن عربي. ثمّ نَقَل كلام شمس الدين القناري وتقريره لكلام ابن عربي في مصباح الأنس (1) .

ثمّ نَقَل مصادر حديث النور عند الإمامية، فذكر جملة من الروايات عن الكُليني في الكافي، وعن الصدوق في جملة من كتبه، وعن الشيخ المفيد في الاختصاص، والشيخ الطوسي في الأمالي، والراوندي في الخرائج والجرائح، والعلاّمة الحلّي في كشف اليقين، وتفسير فرات الكوفي، وجملة غفيرة أُخرى من علماء الإمامية (2) .

هذا، وقد روي بألفاظ متعدّدة أيضاً، فمنها: ما رواه عبد الرزاق الصنعاني في مصنّفه، كما حكاه عنه صاحب كشف الخفاء (3) ، بسنده، عن جابر بن عبد اللَّه، قال:

(قلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأُمّي، أخبرني عن أوّل شي‏ء خلقه اللَّه قبل الأشياء؟ قال: يا جابر، إنّ اللَّه تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيِّك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء اللَّه، ولم يكن في ذلك الوقت لوحٌ ولا قلمٌ، ولا جنّة ولا نار، ولا مَلَك ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر، ولا جنّي ولا إنسي، فلمّا أراد اللَّه أن يخلق الخلق قسّم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأوّل القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش.

ثمّ قسّم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأوّل حَمَلَة العرش، ومن الثاني الكُرسي، ومن الثالث باقي الملائكة.

ثمّ قسّم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأوّل السموات، ومن الثاني الأرضين،

____________________

1) مصباح الأُنس، ص 175.

2) عبقات الأنوار، ج 4، ولاحظ الجزء 5؛ فإنّه أطنب في ذلك أيضاً.

3) كشف الخفاء، لإسماعيل بن محمّد العجلوتي الجراحي، المتوفّى سنة 1162، ج 1، ص 311 و 312، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1405هـ.


ومن الثالث الجنّة والنار. ثمّ قسّم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأوّل نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم، وهي المعرفة باللَّه، ومن الثالث نورانيتهم، وهو التوحيد لا إله إلاّ اللَّه محمّد رسول اللَّه) الحديث.

كذا في المواهب، وقال فيها أيضاً: واختُلف، هل القلم أوّل المخلوقات بعد النور المحمّدي أم لا؟ فقال الحافظ أبو يعلى الهمداني: الأصحّ أنّ العرش قبل القلم؛ لِمَا ثبت في الصحيح عن ابن عمر، قال: (قال رسول اللَّه (صلّى الله عليه وسلّم): قدّر اللَّه مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء). فهذا صريح في أنّ التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أوّل خلق القلم، فحديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: (أوّل ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب. فقال: ربّ، وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كلّ شي‏ء)، رواه أحمد والترمذي وصحّحه.

وروى أحمد والترمذي، وصحّحه أيضاً من حديث أبي رزين مرفوعاً: (إنّ الماء خُلق قبل العرش). وروى السدِّي بأسانيد متعدّدة: (أنّ اللَّه لم يخلق شيئاً ممّا خلق قبل الماء). فيجمع بينه وبين ما قبله؛ بأنّ أوّلية القلم بالنسبة إلى ما عدا النور النبوّي المحمديّ، والماء، والعرش. انتهى.

وقيل: الأوّلية في كلّ شي‏ء بالإضافة إلى جنسه، أي أوّل ما خلق اللَّه من الأنوار نوري، وكذا باقيها.

وروي في كشف الخفاء - أيضاً - عن كتاب الأحكام لابن القطّان، فيما ذكره ابن مرزوق، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه: (أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وسلم) قال: كنت نوراً بين يدي ربّي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام). انتهى ما في المواهب.

ونبّه الشبراملسي قائلاً: ليس المراد بقوله من نوره ظاهره، من أنّ اللَّه تعالى له نور قائم


بذاته؛ لاستحالته عليه تعالى، لأنّ النور لا يقوم إلاّ بالأجسام، بل المراد خُلِق من نورٍ مخلوقٍ له، قبل نور محمّد، وأضافه إليه تعالى لكونه تولّى خَلْقه. ثمّ قال: ويحتمل أنّ الإضافة بيانية، أي خَلَق نورَ نبيّه من نورٍ هو ذاته تعالى، لكن، لا بمعنى أنّها مادّةٌ خَلَق نور نبيّه منها، بل بمعنى أنّه تعالى تعلّقت إرادته بإيجاد نورٍ بلا توسّط شي‏ء في وجوده. قال: هذا أولى الأجوبة، نظير ما ذكره البيضاوي في قوله تعالى: ( ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ) (1) ، حيث قال: أضافه إلى نفسه تشريفاً، وإشعاراً بأنّه خلقٌ عجيب، وأنّ له مناسبة إلى حضرة الربوبية. انتهى ملخّصاً (2) .

وكذا ما رواه أحمد بن حنبل (3) بسنده عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وروى سبط ابن الجوزي: (قال أحمد في الفضائل: حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن خالد بن معدان، عن زاذان، عن سلمان، قال: قال رسول اللَّه (صلّى الله عليه وسلّم): كنت أنا وعليّ بن أبي طالب نوراً بين يدي اللَّه تعالى قبل أن يُخلق آدم بأربعة آلاف سنة، فلما خُلق آدم قُسّم ذلك النور جزئين: فجزء أنا، وجزءٌ عليّ) (4)

وروى العاصمي: (أخبرنا الحسين بن محمّد، حدّثنا عبد اللَّه بن أبي منصور، حدّثنا محمّد بن بشر، حدّثنا محمّد بن إدريس الرازي، حدّثنا محمّد ابن عبد اللَّه بن المثنى، حدّثنا حمدي الطويل، عن أنس بن مالك، قال، قال رسول اللَّه (صلّى الله عليه وسلّم): خُلقت وعليّ بن أبي طالب من نور واحد يسبّح اللَّه عزّ وجلّ في يمنة العرش قبل خلق الدنيا) (5) .

وروى القطيعي: (حدّثنا الحسن، حدّثنا أحمد بن المقدام العجلي، حدّثنا الفضيل بن عياض، حدّثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن زاذان، عن سلمان، قال: سمعت

____________________

1) سورة السجدة: 9.

2) نفس المصدر، الرواية المتقدّمة.

3) كما رواه في البحار، ج 15، ص 24، تاريخ النبيّ باب بدء خلقه، أخرجه عن كتاب رياض الجنان لفضل اللَّه بن محمود الفارسي، والظاهر أنّه رواه عن فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل.

4) تذكرة الخواص، ص 46.

5) تهذيب زين الفتى، ص 133، ح 38.


حبيبي رسول اللَّه (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي اللَّه عزّ وجلّ قبل أن يخلق اللَّه آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق اللَّه آدم قسّم ذلك النور جزئين: فجزءٌ أنا، وجزءٌ عليّ) (1) .

وروى الخوارزمي: (بسند متّصل إلى زياد بن المنذر، عن محمّد بن علي ابن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، قال، قال رسول اللَّه (صلّى الله عليه وسلّم): كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي اللَّه تعالى قبل أن يُخلق آدم بأربعة عشر ألف سنة) (2) .

وروى الكنجي الشافعي: (أخبرنا إبراهيم بن بركات الخشوعي... عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): خلق اللَّه قضيباً من نور قبل أن يخلق الدنيا بأربعين ألف عام، فجعله أمام العرش، حتّى كان أوّل مبعثي، فشقّ منه نصفاً فخلق منه نبيّكم، والنصف الآخر عليّ بن أبي طالب) (3) .

وروى ابن المغازلي: (أخبرنا أبو طالب محمّد بن أحمد بن عثمان...، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي ذرّ، قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: كنت أنا وعليّ نوراً عن يمين العرش، يسبّح اللَّهَ ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق اللَّه آدم بأربعة عشر ألف عام، فلم أزل أنا وعليّ في شي‏ء واحد حتّى افترقنا في صلب عبد المطّلب) (4) .

وروى ابن المغازلي: (أخبرنا أبو غالب محمّد بن أحمد بن سهل النحوي... عن سعيد بن عبد العزيز، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)، قال: إنّ اللَّه عزّ وجلّ أنزل قطعة من نور فأسكنها في صلب آدم، فساقها حتّى قسّمها جزئين: جزءً في صلب عبد اللَّه وجزءً في صلب أبي طالب، فأخرجني نبيّاً، وأخرج عليّاً وصيّاً) (5) .

وروى الحمويني: (أخبرني الشيخ الصالح جمال الدين أحمد... عن العلاء بن عبد

____________________

1) فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل، ج 2، ص 662، ح 1130.

2) المناقب، ص 88.

3) كفاية الطالب، ص 324.

4) المناقب، ص 87.

5) المصدر السابق.


الرحمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: لمّا خلق اللَّه تعالى أبا البشر ونفخ فيه من روحه، التفت آدم يمنة العرش، فإذا في النور خمسة أشباح سجّداً وركّعاً، قال آدم: هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال: لا يا آدم، قال: فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك، لولاهم لما خلقتك...) (1) .

والحاصل: إنّ مضمون هذه القاعدة - وهي خلقتهم النورانية وإبداعها قبل كلّ الخلائق - مروية بألفاظ مختلفة عند الفريقين، وبطرق متعدّدة في المصادر الكثيرة، ويدلُّ على مضمون هذه القاعدة من الآيات قوله تعالى:

( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَة وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) .

فنورهُ تعالى المضاف إليه بالإضافة التشريفية هو نور السماوات والأرض، اشتقّ منه وجودها - كما ورد في أحاديث الفريقين، في أنّه أوّل ما خلق اللَّه نور النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - وهذا النور مرتبط في تركيب الآيات بجملة ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) ، وهذه البيوت هي رجالٌ عُصِموا عن اللهو بالتجارة والبيع، لا يفترون عن ذكر اللَّه، وإقام الصلاة وإيتاء

____________________

1) فرائد السمطين، ج 1، ص 36. ورواه أحمد في المسند أيضاً، وصاحب كتاب الفردوس الديلمي، والرياض النضرة، ج 2، ص 164، ولسان الميزان، ج 2، ص 229، وميزان الاعتدال، ج 1، ص 507، عن تاريخ ابن عساكر، ومناقب الخوارزمي، ص 46، وينابيع المودّة، ص 256، و ص 10، ومناقب المغازلي، ص 89، وكفاية الطالب، ص 314، و ص 315، ومنتخب كنز العمّال، في هامش مسند أحمد، ج 5، ص 32، وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 2، ص 430.


الزكاة، فهذا النور مرتبط بأرواحهم، فحقيقة معرفة هؤلاء الرجال هو معرفتهم بمبدأ خلقتهم وهو النور.

وبعبارة أُخرى: إنّ في صدر آيات النور ذكر مبتدأ، وهو قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) ، أي النور المضاف إلى اللَّه تعالى بالإضافة الخلقية، ثمّ بعد ذلك أخبر عنه بأخبار متعدّدة تباعاً، فأخبر عن ذلك النور:

أوّلاً: بتشبيهه بخمسة أُمور ( كَمِشْكَاةٍ... ) .

ثانياً: تعاقب هذا النور بعد الخمسة وتعدده ( نُّورٌ عَلَى نُورٍ ) .

ثالثاً: هداية اللَّه لنوره من يشاء ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ) .

رابعاً: كون هذا النور في بيوت معظَّمة مبجَّلة، رفعها اللَّه بإذنه، ووصف هذه البيوت التي فيها النور بعدّة أوصاف، وإنّ تلك البيوت رجالٌ لا بيوت حَجَرٍ ومدر: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ... ) .

ويتحصّل من هذه الأخبار المتعدّدة عن نور اللَّه، أنّ هذا النور المخلوق للَّه المشرَّف بالإضافة التشريفية والتكريم إلى الذات المقدّسة، هو في رجالٍ معصومين عن اللهو، لا يفترون عن ذكر اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، أي إنَّهم دائماً في مقام العبودية والطاعة.

وكون هذا النور فيهم يعني أنّه أعلى مرتبة في أرواحهم، كما أنّ هذا النور، بمقتضى الخبر الأوّل، مبتدأه وفي بدوه خمسة أنوار؛ لأنّ التشبيه وقع على خمسة أشياء، أي بكلّ من المصباح، والزجاجة، والمشكاة، والكوكب الدريّ، والشجرة.

كما أنّ مقتضى الخبر الثاني: تعاقب الأنوار بعد الأنوار الخمسة، وهذا المفاد لظهور الآيات متطابق مع ما ورد في روايات الفريقين في الخلقة النورانية، من أنّ الخمسة - أصحاب الكساء - هم مبتدأ خلق النور ومن ثمّ بقية العترة، ولا ريب أنّ أحد الخمسة وسيّدهم هو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا تكتمل عدّة الخمسة الذين فيهم


النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ بالخمسة الذين وقعت بهم المُباهلة، وهم أصحاب الكساء الذين نزلت في حقّهم آية التطهير بنصّ روايات الفريقين.

والعمدة التفطّن إلى أنّ تعدّد التشبيه في الآية إلى خمسة ليس جزافاً وزخرفاً في الكلام، بل المغزى منه الإشارة إلى أنّ هناك خمسة مشبّهين بخمسة أُمور مشبّهٌ بها، وأنّ لكلّ مشبّهٍ وجه شبهٍ في المشبّه به الموازي له، وقد ورد في نصوص الفريقين مسائلة النبي عن تلك البيوت، وأنّ بيت عليّ وفاطمة منها؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (نعم، من أفاضلها) (1) .

ونصّ الحديث في السيوطي، وأخرجه عن ابن مردويه، عن أنس بن مالك وبريد: (قال: قرأ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الآية: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ) ، فقام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول اللَّه؟ قال: بيوت الأنبياء. فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول اللَّه، هذا البيت منها، بيت عليّ وفاطمة؟ قال: نعم، من أفاضلها).

ولا يخفى أنّ هذه الرواية فيها دلالة على أنّ أبا بكر قد اختلج في نفسه أنّ بيت عليّ وفاطمة، ومقام عليّ وفاطمة، عند اللَّه في الحجّية والاصطفاء والطهارة لا يقصر عن مقام الأنبياء، ومقتضى جواب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إثبات هذا المعنى، بل مقتضى الجواب علوّ مقامهما وأرفعيته وأنّه أعلى.

وممّا ورد في كون هذه البيوت منطبقة على المساجد أيضاً، في الآية الكريمة وبضميمة مفاد هذه الرواية، تبيّن أنّ مراقدهم عليهم‌السلام هي بيوت لهم أيضاً، وهي أفضل شرفاً وعظمة من المساجد، ولذلك نقل السمهودي في وفاء الوفاء: إجماع أهل سنّة الخلافة بأنّ ما ضم الأعضاء الشريفة له صلى‌الله‌عليه‌وآله أعظم فضلاً من مكّة

____________________

1) رواه السيوطي في الدرّ المنثور في ذيل الآية، والثعلبي في الكشف والبيان، وابن حسنويه في بحر المناقب، ص 18، والبغدادي في عوارف المعارف، ص 261، والأمرتسري في أرجح المطالب، ص 75، روى الحديث عن طريق ابن مردويه.


المكرّمة. وحُكي هذا الإجماع عن القاضي عياض، والقاضي أبو وليد الباجي، وأبو اليمن بن عساكر، بل نُقل عن التاج السبكي، عن ابن عقيل الحنبلي: أنّ تلك البقعة هي أعظم من العرش (1) .

وتوهّم بعض الرواة أنّ المراد من البيوت هو البيت الطيني الذي يحلّ فيه أهل البيت، مع أنّ المراد - بحسب ظهور الآية - من البيوت هو نفس الرجال المطهرون، كما هو مفاد قول الإمام الباقر عليه‌السلام في ذيل الآية الكريمة.

ويعضد مفاد الخلقة النورية لهم عليهم‌السلام ، المستفادة من آيات سورة النور، ما في قوله تعالى في سورة البقرة: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) (2) .

ومقتضى مفاد هذه الآيات أنّ السبب في تأهّل آدم للخلافة الإلهية هو معرفته بعلم الأسماء الجمعي، وبه تشرّف لمقامِ سجودِ وطاعةِ وتبعية الملائكة له، ولم يكن جميع الملائكة عالمين بتلك الأسماء. ويستفاد من هذا الاستعراض القرآني لهذه الواقعة أُمور:

الأوّل: إنّ تلك الأسماء موصوفة بغيب السماوات والأرض، وفي الآية التالية من تلك الآيات نرى أنّ الملائكة لم تكن تعلم بتلك الأسماء، مع أنّ الملائكة تملأ السموات والأرض، فلو كانت كينونة تلك الأسماء في السموات أو في الأرض لعلمتها الملائكة ولأحاطت بها خُبراً، بل إنّ تنبّه الملائكة لها - بعد عرضها

____________________

1) وفاء الوفاء بأخيار دار المصطفى للسمهودي، ج 1، ص 28.

2) سورة البقرة: 31 - 33.


عليهم - ليس علم إحاطة بالأسماء، وإنّما هو علم إنبائي، لا كعلم آدم علم لدنّي، والعلم اللدنّي منه ما يكون عَياني، بخلاف الإنبائي فإنّه حصولي.

الثاني: إنّ هذه الأسماء ليست أصوات متموّجة وكلمات لسانية، بل هي موجودات حيّة شاعرة عاقلة؛ لقوله تعالى: ( عَرَضَهُمْ ) حيث إنّ الضمير (هم) لا يُستعمل إلاّ في ذلك؛ ولقوله تعالى: ( بِأَسْمَاء هَؤُلاء ) فإنّ اسم الإشارة (هؤلاء) لا يُستعمل إلاّ في ذلك أيضاً؛ ولقوله تعالى: ( ... فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ) فيُعلم أنّ هذه الموجودات الحيّة الشاعرة العاقلة، هي سنخ موجودات كينونتها في الغيب، الذي هو باطن السماوات، أي في نشأة ما وراء السماوات وما وراء نشأة الملائكة، وهذا ينطبق على المخلوقات النورية، ولا ريب في كون نور النبيّ هو أحدها، لأنّه سيّد الكائنات والمخلوقات، كما في قوله تعالى: ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) (1) ، وقوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (2) .

فتحصّل من هاتين الطائفتين، الإشارة الواضحة إلى الخلقة النورية المتقدّمة على خلق السماوات والأرض؛ باعتبار وصفها غيب السماوات والأرض.

وهناك آيات أُخرى تتعرّض لخلقتهم النورانية، لسنا في صَدد بسط الدلالة حولها، ونكتفي بالإشارة في الموضع المناسب لها، نظير قوله تعالى: ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (3) ، وقوله تعالى: ( َالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (4) .

____________________

1) سورة النجم: 8 - 9.

2) سورة الأنبياء: 107.

3) سورة التوبة: 32.

4) سورة الأعراف: 157.


والمهم الالتفات إلى أهميّة هذه القاعدة في الاعتقادات والمعرفة الدينية؛ حيث إنّ لها موقع الأُمومة والأصل لكثير من المعارف والقواعد والمسائل الاعتقادية، وقد مرّ نماذج من ذلك في الروايات، حيث إنّهم عليهم‌السلام يستدلُّون على بقية مقاماتهم بذكر هذا الأصل المعرفي.

وهذه الأُمور لهذه القاعدة تقتضيها القواعد الحَكَمِية والعقلية؛ إذ للصادر الأوّل والصوادر الأُولى في الإبداعِ الوجودُ الأشرف، بالقياس إلى سائر أقسام الخلقة، فلابدَّ من توفّرها على سائر الكمالات التي تكون فيما دونها من الخلقة، فإذا تقرّر أنّ النور المُبدَع له الأسبقية، في الخلقة فلا بدَّ أن تكون له كلّ كمالات ما دونه وزيادة، كما لا بدّ أن يكون له الإشراف والهيمنة على ما دونه، بإذن وإقدار اللَّه تعالى.

وعلى هذا التقرير لمعرفتهم بالخلقة النورانية - معرفتهم بالنورانية - يتّضح تطابق هذه القاعدة مع القاعدة المتقدّمة: نزّلونا عن الربوبية، وقولوا فينا ما شئتم، فلن تبلغوا كنه ما جعله اللَّه لنا.


الفصل الخامس

فهرست المناهج

التي اعتمدها الإمامية



فهرست المناهج

التي اعتمدها الإمامية

المنهج الأوّل: عبارة عن إثبات كبرى الإمامة بالأدلّة النقلية، ثمّ إثبات المصداق، بمعنى تشخيصه لا أصل وجوده؛ وإلاّ فأصل وجوده قد دُلّ عليه بنفس الكبرى. وهذه الكبرى إمّا قرآنية، أو روائية، أو عقلية، أو شُهُوديةٌ قلبية.

المنهج الثاني: إثبات النصوص الخاصّة الواردة بأسمائهم عليهم‌السلام ، وهي على أنحاء: تارة بأسماء كلّ واحدٍ منهم، وأُخرى في خصوص عليّ والحسن والحسين، وذرّية الحسين عليهم‌السلام . وغير ذلك من أنحاء التسمية.

المنهج الثالث: إثبات الأدلّة العقلية على الكبرى، وهي ضرورة وجود المعصوم عليه‌السلام ، وهذه الأدلّة تُثبّت تارةً: بالعقل العملي، وأُخرى: بالعقل النظري.

المنهج الرابع: إثبات إمامتهم عليه‌السلام عبر معاجزهم العلمية، ببسط البيان في موارد انعطاف الأُمّة الإسلامية إلى انحرافات هدّامة لولا الهداية العلمية التي قام بها آل البيت عليهم‌السلام . أو ببيان دقائق أسرارهم في العلوم والمعارف التي بثّوها والتي تتحدّى المضمار العلمي إلى يومنا في العصر الحديث، مع ما كانت عليه الجزيرة العربية من البداوة وندرة العلوم، وإحاطتهم باختلاف المذاهب، وتعدّد شؤون علومهم الروحية والحَكَمية والمادّية، وكذلك لجوء المخالفين بالرجوع إلى أهل


البيت عليهم‌السلام (1) ، وتراثهم العلمي في شتّى العلوم ماثل بين يدي البشرية يفوق ويتحدّى في الحلبة العلمية علم أيّ عالم وأيّ حاضرة علمية، كيف لا؟! وهم أعدال الكتاب الذي له هذه الصفة أيضاً!

المنهج الخامس: مقارعة الدول المعاصرة لهم بكلّ طاقاتها وقواها، واستعانتها ببقية الدول البشرية على ذلك، مع ما كان يدّعيه آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله من الكمال وعدم الإعياء في العلم ممّا يثير نائرة التحدّي معهم، فقد تحدّوهم في ‏العلوم والفنون ومختلف المهارات، حتّى في الفروسية والطبّ وعلوم الشعبذة، وغيرها.

المنهج السادس: إثبات خصوص إمامة عليّ عليه‌السلام أو الحسنين، أو إمامة المهدي (عجل الله فرجه)، أو هم جميعاً مع ضمّ ضمائم أُخرى، من قبيل تنصيص عليّ عليه‌السلام على من بعده، أو استلزام إمامة الثاني عشر عليه‌السلام لإمامة مَن قبله.

المنهج السابع: ريادتهم وسبقهم جميع البشر - ممّن عاصرهم ومن لم يعاصرهم - في تمام الكمالات والفضائل، وفي شتّى الصفات الفضيلية، والكمالية الروحية والعقلية، والنفسية، والبدنية.

المنهج الثامن: الآيات البينة، التي هي معاجز غير المعاجز العلمية، مثل قلع باب خيبر، وتكلّمهم بكلّ لسان، وعلمهم بلغات الحيوانات.

المنهج التاسع: الملاحم الإخبارية التي أنبأوا بها، كخطبة البيان وأخبار آخر الزمان، وما أخبروا عن أحوال معاصريهم. وقد دوّن الفريقان فصولاً في كتبهم التاريخية وكتب السِيَر ونحوها من إخبارات عليّ عليه‌السلام عن الملاحم.

المنهج العاشر: تنصيص الكتب السماوية السابقة عليهم.

____________________

1) راجع: إحقاق الحقّ.


المنهج الحادي عشر: معرفتهم التامّة لفظاً، ومعنىً، وشؤوناً، بالكتب السابقة وبالشرايع السابقة، وبتواريخها الخفية، ومنظومة الأولياء.

المنهج الثاني عشر: تطابق السنن الجارية على الأنبياء، المسطُورة في القرآن، مع ما جرى لهم وعليهم في شؤونهم الفردية وشؤونهم العامّة مع الناس. كما في هارون عليه‌السلام ، وعليّ عليه‌السلام . وغيبة الحجّة عليه‌السلام وموسى عليه‌السلام . ونظير الرضا عليه‌السلام ويوسف عليه‌السلام . ونظير يحيى عليه‌السلام والجواد عليه‌السلام . وعيسى، وإدريس، وإلياس، والخضر عليهم‌السلام مع الحجّة (عجل الله فرجه). ومريم عليها‌السلام وفاطمة عليها‌السلام .

المنهج الثالث عشر: وهو إثبات إقدار اللَّه - عزّ وجلّ - لهم على خوارق العادات والمعجزات، باعتراف خصومهم، حيث أسموا ذلك بأنّه سحر من بني هاشم، بدءاً من قريش في العهد المكّي، إلى العهد المدني، وعهد التابعين، وتابعيهم إلى بداية الغيبة.

المنهج الرابع عشر: إثبات العلم اللدنّي لهم عليهم‌السلام ، من تراجم كتب رجال وحديث العامّة، وذلك بواسطة الروايات التي روتها العامّة عنهم، المتضمّن مفادها لدعواهم عليهم‌السلام بعدم استقاء علمهم من غيرهم، وأنّ علمهم لا يَعِي عن إجابة المسائل المختلفة، مضافاً إلى تلّمذ علماء المذاهب على أيديهم دون غيرهم.

وهناك غير ذلك من المناهج، يستطيع الباحث الوقوف عليها في كتب الإمامية المستفادة من الكتاب والروايات والعقل والفطرة السليمة.



نبذة في تطْويف

الآيات القرآنية الدالّة على الإمامة

ولنستعرض جملة يسيرة من تلك الطوائف لا على سبيل الاستقصاء:

الأُولى: آيات الثَّقَلين، وهي جملة من الآيات تفيد عين مفاد حديث الثقلين.

الثانية: آيات الهداية والصراط، وهي جملة من الآيات في السور الدالّة على أنّ هداية الأُمّة هي على عاتق أئمّةٍ هداةٍ يقومون مقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

الثالثة: آيات الاستخلاف، ومفادها بيان السنّة الإلهية في جعل الخليفة في الأرض مزوّداً بالعلم اللدنّي والعلم الأسمائي الجامع.

الرابعة: آيات التبليغ، وهي المتضمّنة للأمر الإلهي بإبلاغ الإمامة والولاية.

الخامسة: آيات الولاية، وهي المتضمّنة للفظ وعنوان الولاية، وأنّها لثلّة من هذه الأُمّة خاصّة.

السادسة: آيات الاصطفاء لذرّية إبراهيم عليه‌السلام ، ومن هذه الأُمّة.

السابعة: آيات الإمامة، المتضمّنة للفظ وعنوان الإمامة.

الثامنة: آيات الأنفال والفي‏ء، والخمس لذي القربى.

التاسعة: آية التسليم على آل ياسين (آيات أولياء الدين وحُجَجِه).

العاشرة: آيات شهادة الأعمال، المتضمّنة لوجود ثلّة من هذه الأُمّة تشهد أعمال الأُمّة في كلّ عصر إلى يوم القيامة، وهم الأشهاد.

الحادية عشر: آيتا التطهير.

الثانية عشر: آية الأشهر الاثني عشر.


الثالثة عشر: آيات التولّي والتبرّي.

الرابعة عشر: آيات الكتاب المبين، والمكنون.

الخامسة عشر: آيات ربَّانِيِّ هذه الأُمّة.

السادسة عشر: آيات الوسيلة والسبيل.

السابعة عشر: آيات النور.

الثامنة عشر: آيات ليلة القدر، وصاحبها وليّ الأمر النازل في تلك الليلة.

جدولة مصادر الطوائف

الطائفة الأُولى: آيات حديث الثقلين:

آل عمران: 7، الواقعة:77 - 81، الرعد: 39 و43، النحل: 64 و89، القيامة: 19 - 16، الأنعام 38 و59، يس: 12، النحل: 40 و75، البُروج: 22، ص: 22، يونس: 61، فاطر: 32، الحجر: 75 - 76، يوسف: 111، العنكبوت: 47، الحج: 54، سَبأ: 6، البقرة: 121، الأنعام: 154 - 155، الأعراف: 144.

الطائفة الثانية: آيات الهداية والصراط:

الرعد: 7، سورة الحمد، يونس: 35 و131، الأعراف: 181 و184، الأنبياء: 73، السجدة: 24، الجِنّ: 16، طه: 82 و135، التوبة: 119، الأنعام: 153، الإسراء: 158، النمل: 75، المؤمنون: 73 - 74، النور: 55، الملك: 22، الحج: 54، الفرقان: 27، يونس: 180، غافر: 6 و10، مريم: 6 - 7، محمد: 17، الكهف: 24، العنكبوت: 69، المائدة: 67، البقرة: 18، يس: 82، إبراهيم: 22.

الطائفة الثالثة: آيات الاستخلاف:

البقرة: 30، النمل: 62، ص: 26، وهي متطابقة مع حديث: خلفائي اثنا عشر من قريش.

الطائفة الرابعة: آيات التبليغ:

المائدة: 3 و 67.


الطائفة الخامسة: آيات الولاية:

النساء: 59، المائدة: 54 - 56، الأحزاب: 6، آل عمران: 63، النور: 54 و55.

الطائفة السادسة: آيات الاصطفاء لذرّية إبراهيم:

آل عمران: 33 - 34، الحجّ: 75 - 78، البقرة: 237، النساء: 54 و58، آل عمران: 68، الزخرف: 26 - 28، الأنبياء: 73، البقرة: 127 - 128، آل عمران: 164.

الطائفة السابعة: آيات الإمامة:

البقرة: 124، النساء: 154، هود: 17، الأحْقاف: 12، يس: 12، الأنبياء: 73، السجدة: 24، القصص: 5.

الطائفة الثامنة: آيات الأنفال والفي‏ء، والخمس لذي القربى:

الحشر: 7، الروم: 38، الأنفال: 41، الشورى: 23، الإسراء: 26.

الطائفة التاسعة: أولياء الدين وحججه، وآيات الأشهر الحُرُم:

آل عمران: 61، الصافات: 130، البراءة: 36.

الطائفة العاشرة: آيات شهادة الأعمال:

البراءة: 105، النحل: 89، البقرة: 143، الحجّ: 78، الرعد: 43، آل عمران: 140، المُطَفِّفِين: 21، الواقعة: 11، النساء: 41، الأعراف: 46.

الطائفة الحادية عشر: آيتا التطهير:

الواقعة: 79، آل عمران: 42.

الطائفة الثانية عشر[ لم يذكرها المؤلّف ]

الطائفة الثالثة عشر: التولّي والتبرّي: [ المؤلّف جعل هذه هي الطائفة 12]

الأعراف: 3، الممتحنة: 4، الزخرف: 26، البقرة: 166 و167، البراءة: 114، المجادلة: 22، الشورى: 23، محمّد: 29.

الطائفة الرابعة عشر: آيات الكتاب:

الواقعة: 79، البروج: 21 - 22، آل عمران: 7 و79، النساء: 54، المائدة: 44 و48، الأنعام: 38 و59 و114، البراءة: 36، يونس: 61، هود: 1 و6، الرعد: 31 و39 و43، الحشر: 21، النحل: 89، الكهف: 49، طه: 52، الحج: 70، الشعراء: 2، النمل: 1 و 75، سبأ: 3، الدخان: 2، الزخرف: 2 - 4، فاطر: 11، الشورى: 52، المطففين: 18 - 20، يس: 12.


الطائفة الخامسة عشر [لم يذكرها المؤلف ]

الطائفة السادسة عشر: آيات الوسيلة:

التكاثر: 8، البقرة: 211، المائدة: 35، الإسراء: 58، الفرقان: 57، سبأ: 47، الشورى: 23.

الطائفة السابعة عشر: آيات مقامهم النوري:

النور: 36 - 35، البقرة: 34 - 31 و37، النساء: 171، البقرة: 124، الكهف: 109، لقمان: 27، التحريم: 12، الأنعام: 115، الأعراف: 158، الأنفال: 7، الشورى: 24، آل عمران: 39 و45، إبراهيم: 24، الزخرف: 28، التغابن: 8، البراءة: 32، الزمر: 69.

أمّا الطائفة الأولى: تفصيل آيات الثقلين، وهي على أنماط:

الأوّل: سورة الحمد.

الثاني : سورة آل عِمران.

الثالث: الواقعة: 78، الأحزاب.

الرابع: سورة الأنعام: 38 و59 و154، الدخان: 2 - 1، فاطر: 32، العنكبوت: 50 - 47، البقرة: 121، النمل: 40، الرعد: 31 و39 و43، البروج: 22، الأعراف: 145، يوسف: 101، الاسراء: 12 و14، المائدة: 48، يونس: 61.

الخامس: النحل: 89.

السادس: القيامة: 17، النحل: 64.

السابع: سبأ: 6، الحج: 54.

الثامن: النساء: 83، محمّد: 16.

التاسع: المائدة: 44. وهي تتطابق مع طائفة آيات ربانيّو الأمّة.

العاشر: الشورى: 23، الأنعام: 90، يوسف: 104، سبأ: 47.

الطائفة الثامنة عشر:

آيات ليلة القدر وصاحبها وليّ الأمر النازل فيها، وهي تتطابق مع قالب آيات حديث الثقلين: سورة القدر، سورة الدخان: 3 - 1، النحل: 1، غافر: 15، الشورى: 52.


النصوص القرآنية

الدالّة على إمامة أهل البيت عليهم‌السلام

القسم الأوّل: آيات الثقلين، وهي:

أولاً: آيات الراسخون في علم الكتاب

( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (1) .

إنّ الظهور الأوّلي الإجمالي لهذه الآية الشريفة، هو الإعلان عن وجود قسمين من آيات الكتاب الكريم: محكم ومتشابه. كما أنّها تقسّم المكلّفين إلى أقسام: راسخون في العلم، وغير راسخين. وغير الراسخين إلى قسمين: قسم يتَّبع المتشابه، وهم الذين قد زاغت قلوبهم عن الصراط المستقيم وعن الحقّ. والقسم الآخر لا يتّبع المتشابه، ولكنّها ترشد إلى لزوم اتّباع الراسخين في العلم؛ كي يهدوهم إلى تأويل المتشابه بالمحكم.

كما أنّ الآية تُعلِم بأنّ المحكمات لها مقام الأُمومة في آيات الكتاب، ممّا يعني أنّ المتشابهات كفروع لها.

والتأويل لغةً: من الأَوْل، أي الرجوع والأَوب، وانتهاء

____________________

1) سورة آل عمران: 7.


شي‏ء إلى شي‏ء، من آل شي‏ء إلى آخر، أي انتهى إليه.

وتأويل المتشابه، إمّا بمعنى الانتهاء إلى المعنى الحقيقي المراد منه، أو بمعنى انتهاء المتشابه إلى أصله وهو المُحْكَم، وهو يتّحد مع المعنى السابق أيضاً؛ إذ برجوع المتشابه إلى المُحْكَم يوجب كشف المعنى المراد من المتشابه، وأنّه منسجم ومتلائم معه.

وبمقتضى النقطة الأخيرة وما تقدّم، يستلزم أنّ الإحاطة بالمحكم إحاطة تامّة، غير مقدور عليها لغير الراسخين في العلم؛ وذلك لأنّ الإحاطة التامّة بالمُحْكَم تستلزم العلم بتأويل المتشابه؛ إذ المفروض في المحكم أنّ له الأُمومة، والهيمنة، والمرجعية لتفسير بقية الآيات، فعدم العلم بحقيقة المتشابه ناشئ من عدم فرض الإحاطة التامّة بالمحكم، إذ لا تشذ آية في المتشابه عن حيطة المحكمات وقيْمُومَة معانيها على تلك الآيات، فلا تكون متشابهة عند المحيط خبراً بالمحكمات.

وهذا يدلّ على أنّ المتشابه وصفٌ نسبيٌّ إضافي بالإضافة إلى غير الراسخين، وأمّا الراسخون، فلا تشابه لديهم في الآيات، وإن كان التقسيم: إلى المُحْكم الأمّ، وإلى الآيات الفرعية، وصفٌ حقيقي غير إضافي، لنفس الآيات في نفسها.

وكلّ ذلك لا يلزم منه تعطيل الكتاب، أو تجميده، أو فقده لصفة الإعجاز؛ بتوهّم أنّ آياته المحكمات لا يُحاط بها مِن قِبل الكُل، والمتشابه لا يؤخذ به بنفسه؛ لإجمال المراد منه، فيزيغ من يتابعه من دون مفسّرٍ معتَبَرٍ صحيح، والمحكم لا يحاط به؛ وذلك لأنّ الآية في صَدد بيان كيفية الأخذ، واشتراطه باتِّباع الراسخين بالعلم، ومعونتهم وإرشادهم.

فيتبين أنّ الأخذ - الذي لا بدّ منه المفترض في تلك الآية - والتمسّك بالكتاب اللازم يجب أن يكون مقروناً بالتمسّك بأُولي العلم الراسخين، لا أنّها في صَدد


حجب الكتاب عن التمسّك به، بل غاية دلالتها أنّ التدبّر بالقرآن، والتمسّك به، يجب أن يكون مقروناً وبمعيّة الراسخين في العلم.

وهذا عين ما يقال: مِن أنّ كلاً من الكتاب والسنّة مصدرٌ للشريعة؛ فإنّ معنى الاثنينيّة في الحجّية ليس بأن يكون كلّ منهما مستقلاً عن الآخر، ولا بأن يكون أحدهما معطِّلاً للآخر، وكونه فاعلاً أو غير فاعل، بل أن يكون هناك معيّة بينهما، وتَشَاهد وتعاضد وتكافل، ومِن ثمّ لا يستلزم تعطيل أحدهما، ولا فقد الكتاب المجيد لإعجازه؛ لأنّ إدراك المعجزة فيه لا يتوقّف على الإحاطة بكلّ محكماته، فضلاً عن متشابهاته، بل يكفي في ذلك معرفة البعض.

وكون الراسخين في العلم ثلّة من هذه الأُمّة الإسلامية، لا خصوص فرد واحد، وكون هذه المجموعة باقيةٌ سلسلتها ما بقيت حجّية القرآن في هذه النشأة، وأنّها لا تُرفع إلاّ برفع الكتاب يوم القيامة، كلّ ذلك؛ لأنّ الكتاب لا يؤخذ به بنحو تامّ إلاّ بهم.

ويستفاد من الآية: أنّ التمسّك بالكتاب على انفراد لا يتحقّق بصورة صحيحةٍ كاملةٍ تامّةٍ إلاّ بهم، كما لا يتحقّق التمسّك بهم إلاّ بالتمسّك بالكتاب؛ لأنّهم هادون إلى محكماته، وتأويل متشابهاته. وهو مفاد حديث الثقلين.

وإنّ علم الراسخين في العلم ليس من العلم الكَسْبي؛ لأنّه لا يؤهّل إلى ذلك مهما بلغ الإحاطة بدرجة من محكمات الكتاب، إذ من الضروري أنّ الكتاب المجيد، الحجّة لكلّ هذه النشأة، لا تنتفي حقائقه ولا تحصى محكماته المحيطة بتطاول هذه النشأة، بل وبالنشآت السابقة واللاحقة، فالعلم التامّ بكلّ الكتاب الذي أثبتته هذه الآية للراسخين في العلم لا يكون إلاّ من سنخ العلم اللدنّي؛ إذ الكتاب المبين الذي يستطر فيه كلّ شي‏ء - ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) - هو من لدن الغيب، والعلم التام به من سِنخه.


ولا سيما وأّن الآية قد قرنت - تشريفاً - الراسخين في العلم باللَّه تعالى، ونفتْ العلم بالكتاب كلّه عن الجميع، وحصرته في الذات الإلهية ومن بعده بالراسخين في العلم، ممّا يعطي شَرَافةً وتعظيماً للراسخين في العلم، كحجج لله على خلقه، ووهبهم ذلك النمط اللدنّي من العلم.

ومقتضى حجّية الكتاب وحجّية الراسخين في العلم، أنّ حجّيته مرهونة بحجّيتهم، وحجّيتهم مرهونة بحجّيته أيضاً، فالحجّتان من سنخ واحد، ممّا يدلّ على عصمتهم؛ وإلاّ لو جاز عليهم الخطأ لانسدّ باب العلم في الكتاب، ولزم التعطيل.

ويشير إلى مقام حجّيتهم ذيل الآية: ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) (1) ، وإشارة الآية إلى مثل هذه المضامين إنّما يتفطّن إليها ذو اللبّ، لا ذو الذهنية القشرية الذي لا يبصر إلاّ القشور. وكذلك الآية التالية: ( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) (2) ، أي أنّ ذوي الألباب بتفطّنهم لحجيّة الراسخين في العلم بمعيّة الكتاب العزيز، يكونون قد اهتدوا إلى كيفية التمسّك بالكتاب والأخذ به من دون زيغ قلوبهم عن الحقّ؛ إذ من تفرّد بالأخذ بالكتاب من دون التمسّك بالراسخين بالعلم، قد حكمت عليه الآية بزيغ قلبه، فلذلك اتّبع المتشابه، وأنّ اتّباعه للمتشابه طلباً لفتنة الناس عن الحقّ وعن الدين، وطلباً لتأويل الكتاب وعطفه على ما يوافق أهوائهم وجهالتهم.

كما أنّ جملة ( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) (3) ، المجعولة صفة للراسخين في العلم - على تقدير الواو عاطفة -، أو خبر - على تقدير كون الواو استئنافية -، فإنّ

____________________

1) سورة البقرة: 269.

2) سورة آل عمران: 8.

3) سورة آل عمران: 7.


الجملة الدالّة على علم الراسخين بالعلم بالتأويل - حيث إنّ الضمير عائد إلى التأويل -، وتعلّق الإيمان به، تستلزم العلم به بنحو ما، لا سيّما وأنّه قد وصف بإضافته إلى أنّه من عند اللَّه، والتوصيف يستلزم التعيين، كما أنّ وصفهم بالراسخين بالعلم أيضاً مشعرٌ بذلك، وكذا إرداف ذكرهم للمستثنى وهو الباري تعالى، وكذا قولهم بعدم مخالفة المتشابه للمحكم؛ لأنّ كلّ منهما من عند اللَّه تعالى، أي وحدتهما في ذلك دالّ على معرفتهم بكيفية رجوع المتشابه إلى المحكم، أي تأويله به.

مضافاً إلى أنّه لو لم يكن ثلّة من هذه الأُمّة بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله تَعْلَم متشابه القرآن، وكيفية تأويله بالمحكم، لكان يلزم حينئذٍ تعطيل الكتاب بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله . وهذا هو مفاد حديث الثقلين.

وبذلك تدلّ الآية على اختصاص علم الكتاب بهم بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، دون غيرهم من الأُمّة.

ثمّ إنّ مقتضى إحاطتهم بعلم الكتاب هو إحاطتهم بناسخه ومنسوخه، وعامّه وخاصّه، ومطلقه ومقيّده، وموارد نزوله، وعزائمه من رخصه، ومغايرة متشابهه من محكمه.

وهذه الحجّية لهم بمعيّة حجّية الكتاب كما تقدّم في تبين كيفية العمل بالكتاب، وتنفي الاستقلالية، أي استقلالية غيرهم بالفهم للاستفادة من الكتاب، فحينئذٍ، يعمل بموازين الدلالة المقرّرة في علوم الأدب، بضميمة الاستعانة بالثقل الآخر.

مضافاً إلى وجوه التشاهد الآتية بين هذه الآية وبقية آيات الثقلين، الدالّة على إحاطة الراسخين في العلم في هذه الأُمّة بالكتاب كلّه.


ثانياً: آيات مَن عندهم بيان تبيان الكتاب لكلّ شي‏ء

وهم كما في قوله تعالى: ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (1) .

وقوله تعالى: ( بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إلاّ الظَّالِمُونَ * وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (2) .

و: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتفصيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (3)

و: ( ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ) (4) .

أمّا الآية الأولى الدالّة على الثقل الأوّل - بل الثقلين معاً - فقد فُسّر ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) بأنّه تبيان لكلّ أُمور الدين، أي العلوم الدينية. والتفسير الآخر أنّ فيه تبياناً لكلّ شي‏ء من أُمور الدين وغيره، فيشمل العلوم الدينية وغير الدينية، لا سيّما أنّ معارف الدين محيطة بكلّ الحقائق الكونية.

وتقريب الاستدلال في الآية يتمّ على كِلا القولين، وقد وقع المفسّرون من العامّة في حَيص بَيص في تفسير معنى الآية فلاحظ كلماتهم، وإن كان الثاني هو الصحيح؛ لِما في قوله تعالى: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (5) ؛ وقوله تعالى: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ

____________________

1) سورة النحل: 89.

2) سورة العنكبوت: 49 - 50.

3) سورة الأعراف: 145.

4) سورة الأنعام: 154.

5) سورة النمل: 75.


إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (1) .

وقوله تعالى: ( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (2) .

وقوله تعالى: ( يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) ، وغيرها من الآيات الدالّة على إحاطة الكتاب بكلّ صغيرة أو كبيرة. مضافاً إلى ما سيأتي في المجموعة الثالثة.

ثمّ إنّ شمولية الكتاب أوسع من التوراة، كما دلّت عليه الآيات في سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) (4) .

وهذا هو الثقل الأوّل، بل في الآية إشارة إلى الثقل الثاني أيضاً، حيث تُبيِّن وجود شاهد في كلّ أُمّة، والأُمّة الجيل من الناس أو القرن، أي وجود شاهد في كلّ قرن يشهد على الناس أعمالهم، ويكون هذا الشاهد من نفس أُمّة ذلك القرن، ويكون الرسول شاهداً على هؤلاء.

قال الفخر الرازي في ذيل الآية: اعلم أنّ هذا نوع آخر من التهديدات المانعة للمكلّفين عن المعاصي، واعلم أنّ الأُمّة عبارة عن القرن والجماعة، إذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان: الأوّل: إنّ المراد أنّ كلّ نبيّ شاهد على أُمّته. والثاني: إنّ كلّ جمع وقرن يحصل في الدنيا فلابدّ وأن يحصل فيهم واحد يكون شاهداً عليهم، أمّا الشهيد على الذين كانوا في عصر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وسلّم)، فهو الرسول؛ بدليل قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (5) .

وثبت أيضاً أنّه لابدّ في كلّ زمان بعد زمان الرسول من الشهيد.

____________________

1) سورة الأنعام: 59.

2) سورة الأنعام: 38.

3) سورة الرعد: 39.

4) سورة الأعراف: 145.

5) سورة البقرة: 143.


فتحصل من هذا أنّ عصراً من الأعصار لا يخلو من شهيد على الناس، وذلك الشهيد لابدّ وأن يكون غير جائز الخطأ؛ وإلاّ لافتقر إلى شهيد آخر، ويمتدّ ذلك إلى غير نهاية، وذلك باطل، فثبت أنّه لابدّ في كلّ عصرٍ من أقوام تقوم الحجّة بقولهم، وذلك يقتضي أن يكون إجماع الأُمّة حجّة. (1)

أقول: ما تبيّن من دلالة الآية هو الحقّ من لزوم شاهد غير جائز عليه الخطأ، ولكن تطبيق ذلك على إجماع الأُمّة غاية الوهن؛ فإنّ الأُمّة منقسمة في أكثر أمرها، فأين الشاهد في ما اختلفت فيه.

وحيث أنّ الشاهد لابدّ أن يكون عالماً بأعمال العباد، كما يشير إليه قوله تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (2) ، فيرى أعمال العباد حين صدورها.

ومن الواضح أنّ علم كلّ ذلك كان لدى رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذ ما كان ينزل عليه شي‏ء إلاّ كان يعلمه ويعلّمه غيره، لكن لا يحيط بكلّ تعليمه إلاّ الأُذن الواعية، كما قال تعالى: ( لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (3) ، وهي أُذن عليّ عليه‌السلام كما جاء في أحاديث الفريقين (4) .

وقد قال تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (5) ، وقال تعالى:

____________________

1) الفخر الرازي، ج 20، ص 99، في ذيل الآية.

2) سورة التوبة: 105.

3) سورة الحاقّة: 12.

4) روى ذلك الطبري في تفسيره، وأبو نعيم في حلية الأولياء، والواحدي النيسابوري في أسباب النزول، والثعلبي في تفسيره، والرازي في تفسيره، والمتّقي الهندي في كنز العمّال، والقرطبي في تفسيره، والسيوطي في الدرّ المنثور، وابن كثير في تفسيره. لاحظ بقية المصادر: إحقاق الحقّ، ج 3، ص 147، و ج 14، ص 220 - 241، و ج 20، ص 92 - 97.

5) سورة النحل: 44.


( َمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) (1) ،

وقال تعالى: ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (2) .

وكيف يبيّن ما لم يعلمه، وكيف يفرض أنّ علمه عند غير رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ مع أنّ بيانه على عهدة ووظيفة رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ببيان كلّ الكتاب.

ثمّ إنّ عملية إنزال حقائق الكتاب لتبيان ما فيه لم ينقطع ويرتفع بموت رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ هو باقٍ لتنزّله كلّ عام ليلة القدر إلى يوم القيامة، فعلمه في كلّ الكتاب لابدّ أن يكون باقياً في ثلّة من هذه الأُمّة، وهو الثقل الثاني، وهو الذي تشير إليه الآية الثانية من قوله تعالى: ( َمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاّ الظَّالِمُونَ ) (3) ، و ( بَلْ ) للإضراب إمّا عمّا سبق في الآيات عليها، أو عن كون علم الكتاب، أي كون الآيات بيّنات في صدور من عدا الذين أوتوا العلم. وعلى كلا التقديرين تدلّ على حصر علمِ وبيان ما في الكتاب بالذين أُوتوا العلم، والضمير ( هو ) عائد إلى الكتاب المجيد، بمقتضى السياق ومقتضى توصيفه بالآيات.

ثمّ إن الذين أُوتوا العلم قد ذُكروا في آيات أُخر، كقوله تعالى: ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (4) ، وقوله تعالى: ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (5) ، وقوله تعالى: ( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (6) ، وقوله تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

____________________

1) سورة النحل: 64.

2) سورة القيامة: 17 - 19.

3) سورة العنكبوت: 48 - 49.

4) سورة سبأ: 6.

5) سورة الحج: 54.

6) سورة النحل: 27.


وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (1) ، وقوله تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاّ الصَّابِرُونَ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ) (3) ، وقوله تعالى: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (4) .

وهذه الآيات تصفهم بصفات التحلّي بالعلم اللَّدنِّي والعلم بالكتاب كما في قولهم: ( لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) (5) ، حيث بمقتضى علمهم بالكتاب المحيط بالنشأتين لا يجهلون كيفية أحكام النشأة الأخرى.

كما أنّ الآيات آنفة الذكر أثبتت لهم رؤية ومعاينة الذي أُنزل إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من الوحي.

ويُستفاد من سورة النحل أنّ الذين أُوتوا العلم هم المعصومون؛ إذ أُبعد عنهم مطلق الخزي، كما أنّ إثبات التكلّم في مواطن من يوم القيامة والبعث، دالّ على رفعتهم ومكانتهم وكونهم ذوي صلاحيات من المقام المحمود، وأنّهم لا تأخذهم أهوال يوم القيامة ولا أهوال البعث، وقد وصف اللَّه تعالى مشاهد ذلك اليوم بقوله: ( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ) (6) .

وأيضاً قد أطلق على القرآن في سورة القصص: ( طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ

____________________

1) سورة الروم: 56.

2) سورة القصص: 80.

3) سورة محمّد: 16.

4) سورة المجادلة: 11.

5) سورة الروم: 56.

6) سورة النبأ 38.


الْمُبِينِ ) (1) ، وكذا في سور أخرى (2) ، وكذا ما مرّ في الطائفة الثانية من وصف الكتاب بأنّ فيه تبيان كلّ شي‏ء، وقد نُعت الكتاب المبين في القرآن بأنّ ما من غائبة في السماء ولا في الأرض إلاّ فيه، وأنّه فيه مفاتح الغيب وما في البرّ والبحر وكلّ شي‏ء. وكذا ما مرّ في الطائفة الأُولى من وصف الآيات المحكمات للكتاب بأنّها أُمّ الكتاب، وقد ذُكر في آيات هذه الطائفة: أنّ كلّ ما يمحى ويثبت في المشيئة الإلهية هو في أُمّ الكتاب. فمحكمات الكتاب هي أُمّ الكتاب.

ويتحصّل حينئذٍ: أنّ القرآن الكريم يشتمل على جميع مسائل علوم الدين والعلوم الأُخرى، وهذا يعزّز عموم مفاد الطائفة الثانية؛ من أنّ في الكتاب تبيان كلّ شي‏ء. ويدعم ذلك أنّ القرآن قد وُصِف أنّه مهيمن على الكتب السابقة، كما في قوله تعالى: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) (3) - والهيمنة هي الإحاطة -، مع أنّه قد وصفت بعض الكتب السماوية المتقدّمة باحتوائها على غير علوم الدين، كقوله تعالى: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ) (4) ، فإنّ المجي‏ء بعرش بلقيس بقدرة علمٍ من الكتاب ليس ممّا يرتبط بالأحكام.

وكذا قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ) (5) ، فقوله تعالى: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (6) ، دالّ على أنّ حقيقة القرآن تشمل وتحوي المشيئات الإلهية، وهما: مشيئة المحو، ومشيئة الإثبات. فضلاً عن القضاء والقدر الإلهيين.

____________________

1) سورة القصص: 1 - 2.

2) سورة الزخرف: 2. القمر: 52 - 53. الشعراء: 2. يوسف: 1.

3) سورة المائدة: 48.

4) سورة النمل: 40.

5) سورة الرعد: 31.

6) سورة الرعد: 39.


كما أنّ في الكتاب عِلم بكافّة الكائنات والمخلوقات الأرضية والسماوية، بمقتضى قوله تعالى: ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ) (1) ، وقوله تعالى: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ٍ ) (2) ، وقوله تعالى: ( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (3) ، هذا كلّه في الثقل الأوّل وهو الكتاب الكريم.

أمّا الثقل الثاني، فمضافاً إلى الآيات في الطائفتين السابقتين؛ حيث بيّنت أنّ تأويل كلّ الكتاب والإحاطة بمحكماته هو عند الراسخين في العلم، وأنّ مجموع القرآن الكريم آيات بيّناتٍ في صدور الذين أوتوا العلم، وهم الراسخون في العلم المشار إليهم، وهم المطهَّرون في آية التطهير، الذين يمسُّون الكتاب المكنون، كما في قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاّ الْمُطَهَّرُونَ ) (4) . وهم المعبّر عنهم بمن عنده علم الكتاب، في قوله تعالى: ( قُلْ كَفَى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (5) ، وهذه الآية آخر سورة الرعد المكّية نزولاً، ولم يكن قد أسلم يومئذٍ في مكّة من أهل الكتاب أحد، فالمراد بها هو أحد المسلمين التابعين لرسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ممّن شرّف بهذا العلم.

فقد ذُكرت أقوال في المراد من الآيتين المتقدِّمتين:

أحدها: إنّه هو اللَّه، كما عن الحسن، والضحّاك، وسعيد بن جبير، والزجاج.

____________________

1) سورة الأنعام: 59.

2) سورة النمل: 75.

3) سورة سبأ: 3.

4) سورة الواقعة: 77 - 79.

5) سورة الرعد 43.


واستُدلّ له بقول ابن عبّاس، إنّه كان يقول: ومن عند اللَّه علم الكتاب (1) .

وثانيها: إنّ المراد به أهل الكتاب، منهم: عبد اللَّه بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري، كما نسب إلى ابن عبّاس وعبد الملك بن عمير، وجندب، وغيرهم (2) .

ومقتضى ذلك أن تكون مدنية، كما عن ابن مردويه، وابن الزبير، والكلبي، ومقاتل. وكلا القولين كما ترى في الضعف والسقوط؛ فإنّ ظاهر الآية اثنينية الشهادة والشاهدين، والسورة كلّ آياتها مكّية، والآية الأخيرة مذكورة في سياق نتيجةٍ للآيات السابقة، فكيف يفكّك النزول بينها فتكون سابقتها مكّية وهي خاصّة مدنية؟ وليس هذا إلاّ تعصّب وعناد ممجوج. وسيأتي بسط الحديث في ذلك أكثر بعد الطائفة الثالثة.

ثمّ إنّه يستفاد من الطائفة الثانية أُمور:

الأمر الأوّل: أنّ هذه الطائفة - بمجموع الآيتين - دالّة على لزوم الرجوع إلى ثلّةٍ معصومةٍ في مقام التمسّك بالكتاب العزيز، وعند إرادة تبيين الأحكام الشرعية والمعارف من الكتاب العزيز، نظير ما تقدّم في الطائفة الأُولى.

الأمر الثاني: تدلّ أيضاً على استمرار بقاء تلك الثلّة ببقاء القرآن وبقاء هذا الدين؛ حيث إنّ هذه الملحمة القرآنية في الآية الأُولى - وهي دعوى بيان حكم وعلم كلّ شي‏ء في القرآن - على مرّ الأزمان والعصور محتاجة إلى من يبيّن ذلك من القرآن.

الأمر الثالث: أنّ حجّية هؤلاء - الثلّة - عِدْل حجّية القرآن، وإنّ هذه الحجّية

____________________

1) فتح القدير، للشوكاني، ج3، ص90، دار إحياء التراث العربي.

2) المصدر السابق، ج3، ص89.


بنحو مَعِيٍّ، ومن الواضح اقتضاء ذلك عصمة تلك الثلّة عِلماً وعَملاً؛ وإلاّ لاختلّ وانسدّ باب الرجوع في الكتاب إلى كلّ شي‏ء؛ أمّا العصمة العلمية، فلأنّ الآية الثانية تدلّ على أنّ مجموع القرآن هو بيّنٌ في صدورهم، والمفروض أنّ القرآن فيه تبيان لكلّ شي‏ء، مضافاً إلى أنّه مع فرض الجهل العِلمي في تلك الثلّة يستلزم حصول العَجَز لكافّة الأُمّة عن الوصول إلى كلّ ما يحتاجونه من أحكام الكتاب ومعارفه.

وأمّا في صورة عدم العصمة العملية؛ فلأنّه سوف تُفقد الأمانة والوثوق في الرجوع إلى أقوالهم.

الأمر الرابع: أنّ هذه الطائفة تعضد الاستثناء في الطائفة الأُولى من أنّ الذي يعلم متشابه القرآن إنّما هو اللَّه والراسخون في العلم؛ حيث إنّ في هذه الطائفة دلالة على أنّ آيات القرآن بيّنة عندهم غير متشابهة.

الأمر الخامس: أنّ العلم الذي بتوسّطه صار مجموع القرآن بيّن لهم، إيتائي، فهذا العلم هبة معطاة من اللَّه تعالى، لا تسبيبي (كسبي)، أي إنّه علم لدنِّي.

وقد أشار إليه القرآن الكريم في آيات عديدة، كما في سورة الكهف، حيث قوله تعالى: ( فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ) (3) . وقوله تعالى: ( إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (4) ، وقوله تعالى: ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (5) ، وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ

____________________

1) سورة الكهف: 65.

2) سورة البقرة: 247.

3) سورة النمل: 40.


آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ) (1) .

الأمر السادس: أنّ علمهم لدنيّ، علمٌ تالي لعلم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وتابع للنبوّة؛ حيث إنّ ذلك العلم متعلّق ببيان كلّ الكتاب، كما في آية العنكبوت المتقدّمة، أو تأويل كلّ الكتاب، كما في قوله تعالى في سورة آل عمران: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (2) ، وهو تأويل الكتاب المنزّل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعلمهم متأخر رتبة عمّا أُنزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن ثمّ أُطلق على علمهم أنّه وراثة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليست هذه الوراثة هي الوراثة المعهودة بل هي وراثة نورانية، أي أنّ تلقّيها لدنيّ من اللَّه تعالى وبوساطة نبويّة.

ثالثاً: الذين يحيطون بالكتاب المبين

قوله تعالى: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (3) ، وقوله تعالى: ( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (4) ، وقوله تعالى: ( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (5) ، وقوله تعالى: ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.. ) (6) ، وقوله تعالى: ( يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (7) ، وقوله تعالى: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * لا يَمَسُّهُ إلاّ الْمُطَهَّرُونَ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ) (8) ، وقوله تعالى: ( كَفَى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ

____________________

1) سورة لقمان: 12.

2) سورة آل عمران: 7.

3) سورة النمل: 75.

4) سورة سبأ: 3.

5) سورة الأنعام: 38.

6) سورة الأنعام: 59.

7) سورة الرعد: 39.

8) سورة الواقعة: 79 - 75.


وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (1) .

والآيات الأُولى الدالّة على أنّ كلّ شي‏ء في الخِلقة مذكور في الكتاب، فكلّ غائبة، وكلّ رَطْب، وكلّ يابس، لم يفرط في تدوينه في الكتاب، وكل ما يُمحى ويُثبت في عالم الخلقة في الكتاب. وقد وصف القرآن بالكتاب المبين - أي بأنّ القرآن هو ذلك الكتاب المبين -، كما في سورة الدخان في قوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ) (2) .

وقوله تعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) (3) .

وقوله تعالى: ( طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ) (4) .

وقوله تعالى: ( وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) (5) .

وقوله تعالى: ( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (6) . مع أنّ احتواء كلّ شي‏ء في الكتاب المبين صرّح به في إحدى الآيات: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (7) . وقوله تعالى: ( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (8) .

وهذه الطائفة مع كونها دالّة بالاستقلال على الثقلين بضميمة قوله تعالى في سورة الرعد: ( كَفَى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (9) . فالحريّ بنا أن نُنقّح الحال في كون الآية مكّية؛ في قِبال القولين السابقين اللذين مرّا في الآية وأنّها

____________________

1) سورة الرعد: 43.

2) سورة الدخان: 1 - 3.

3) سورة المائدة: 15.

4) سورة النمل: 1.

5) سورة البقرة: 97.

6) سورة يونس: 61.

7) سورة النمل: 75.

8) سورة هود: 6.

9) سورة الرعد: 43.


مدنية.

وهذا القول يستلزم كون الآية مدنية؛ لأنّ هؤلاء - وهم عبد اللَّه بن سلام، أو سلمان الفارسي، أو تميم الداري - أسلموا بعد الهجرة، وكلا القولين بعيدين عن الحقيقة والصواب.

أمّا القول الأوّل ، فإنّ ما نُسب إلى ابن عبّاس فمع كون النسبة غير مسندة، فتكون القراءة شاذّة لا يجب التعويل عليها في قِبال المتواتر من قراءة الآية، أي أنّ (مَنْ) اسم موصول لا حرف جرّ.

أمّا القول الثاني ، فيردّه شواهد عديدة:

الأوّل: كون الآية مكّية؛ كما عن النحاس، عن ابن عبّاس. وممّن ذهب إلى أنّها مكّية: سعيد بن جُبير، والحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر بن زيد (1) .

الثاني: إنّ سياق السورة من أوّلها إلى آخرها سياق واحد في المحاججة مع الكفّار، مثل قوله تعالى: ( وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (1) ، وقوله تعالى: ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (1) .

ومن الظاهر أنّ هذا اللحن لحن دعوة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في مكّة مع كفّار قريش كبقية السور المكّية، لا أُسلوب المواجهة بالقوّة والتهديد بالقتال، وكذلك هو لحن الطرف الآخر - وهم الكفّار - لحن المطالبة بالمعجز أي الحِجاج المنطقي، وهي مرحلة متقدّمة في عهدٍ مكّيٍّ من الرسالة، تختلف عن العهد المدني؛ حيث أُسلوب المواجهة مع الرسول

____________________

1) فتح القدير، للشوكاني.

2) سورة الرعد: 5.

3) سورة الرعد: 6 - 7.


القائد لدولته التي أنشأها في المدينة.

ثمّ إنّ السورة تتابع آياتها بنفس السياق والأُسلوب، كقوله تعالى:

( للَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ * وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ... ) (1) .

وكذلك الآيات اللاحقة: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ) (2) .

وكذا قوله تعالى: ( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ * وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً ) (3) .

وأجمع المفسّرون وأصحاب السِّيَر: أنّ الآية الأخيرة نزلت في مكّة لمطالبة قريش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذه الأُمور الخوارق، ومن الواضح أنّ السياق لا يمكن تفكيكه بل هو تابع مع مبتدأ السورة، فمن الغريب ما نُسب إلى بعضهم قوله أنّ السورة مكية وخصوص هذه الآية مدنية، مع أنّ هذه الآية - كما يلاحظ بالتدبّر - في السورة متّصلة النظم، وهي في مقام الجواب عن حُجج الكافرين، فكيف يصحّ إقحام هذه الآية المدنية بعد فرض كون الآيات السابقة جميعاً مكية؟

وهكذا في استرسال بقية الآيات كقوله تعالى: ( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) (4) ، والإمهال كان في مكّة، وقوله تعالى: ( بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ... ) (5) ، وكذا قوله تعالى: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا

____________________

1) سورة الرعد: 14 - 16.

2) سورة الرعد: 27.

3) سورة الرعد: 31.

4) سورة الرعد: 32.

5) سورة الرعد: 33.


رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ) (1) و: ( يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (2) و : ( وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ) (3) و: ( أَوَلَمْ يَرَوْا... ) (4) و: ( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) (5) و: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (6) .

فتجد أنّ مخاطبة الكفّار في هذه الآية الأخيرة هي عين مخاطبتهم السابقة وبنفس اللحن من الحِجاج المنطقي. بل إنّ مضمون هذه الآية الأخيرة ملخّص وحاصل لجميع الآيات السابقة. بل في هذه الآية تصريح وتعرّض لرفض مقترحات الكفّار والتي طلبت في الآيات السابقة، كما في قوله تعالى:

( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ) (7) ، ومقترحهم بتسيير جبال مكّة وتكليم الموتى رفض بقوله تعالى: ( قُلْ كَفَى... ) ، أي إنهاء للمحاجَجة، وقطع للحجّة بشهادة اللَّه وشهادة مَن عنده علم الكتاب، وهذا دلالة على مكّية الآية الأخيرة.

الثالث: لم يوصف علماء اليهود والنصارى والأحبار - عدا أنبيائهم ورسلهم وأوصيائهم - بهذه الصفة من العلم بالكتاب، فهم في قوله تعالى: ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً... ) (8) ، هو وصف لآصف بن برخيا، وصيّ سليمان، وقد بيّنت هذه الآية أنّ خاصّية علم

____________________

1) سورة الرعد: 38.

2) سورة الرعد: 39.

3) سورة الرعد: 40.

4) سورة الرعد: 41.

5) سورة الرعد: 42.

6) سورة الرعد: 43.

7) سورة الرعد: 27.

8) سورة النمل: 40.


الكتاب هي القدرة التكوينية الخارقة، كالتي كانت حاصلة لدى آصف، وقد أشارت إليها سورة الرعد نفسها، في قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى... ) (1) ، ومن الواضح أنّ هذه الخاصّية والصفة إنّما تُعطى لذوي المناصب الإلهية كالأوصياء والرسل، ومن ثمّ وصف بعلم الكتاب أكثر أنبياء اللَّه.

كما أنّ آيات الثقل الأوّل في هذه الطائفة مبيّنة لاحتواء الكتاب على كلّ المشيئات الإلهية وبكلّ غائبة في السماوات والأرض وكلّ صغيرة وكبيرة ورطب ويابس، فالإحاطة بمثل هذا العلم لم يكن لدى من أسلم من اليهود والنصارى كما زُعِم، كعبد اللَّه بن سلام، وتميم الداري، وغيرهما، فمع خطورة هذا المقام وعظمة شأن هذه الصفة يمتنع أن يكون مِصداقها هؤلاء، وذلك دليل بيّن على كون نزولها في مكّة، وأنّ مِصداقها هو من يكون وصياً للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

الرابع: أنّ شهادة من عنده علم الكتاب أمر أُردف بشهادة اللَّه تعالى؛ للدلالة على أنّها تتلوها في السِنخ، وبعبارة أُخرى: إنّ إدلاء الشاهد بالشهادة يستلزم تحمّل الشاهد عياناً للأمر المشهود به، ممّا يعني أنّ الشاهد لديه إدراك حضوري عَياني لعملية إنباء النبيّ ونزول الوحي على قلبه الشريف، ونزول الوحي على قلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر غيبي ليس من عالم الشهادة والحسّ، فلا يتيسّر للشاهد الشهادة إلاّ أن يشهد بقلبه كيفية نزول الوحي على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكيف لا يتيسّر له ذلك وعنده علم الكتاب الذي استطرّ فيه كلّ شي‏ء.

وهذا ما يشير إليه قول علي عليه‌السلام في الخطبة المعروفة بالقاصعة: (... ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي

____________________

1) سورة الرعد: 31.


والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حيث نزل الوحي عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقلت: يا رسول اللَّه، ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنك لست بنبيّ، ولكنّك لوزير وإنّك لعلى خير (2) .

ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ) (3) ، فإّنه قد أثبت الرؤية لا الرأي، وقد وصف القرآن الذين أوتوا العلم بأنّ مجموع القرآن آيات بيّنات في صدورهم.

وأمّا قوله تعالى: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) (4) ، وهذا وإن كان شهادة ممّن أسلم من بني إسرائيل على مثل القرآن من الكتب السابقة المنزّلة، إلاّ أنّه في الحقيقة ليس الاعتداد بشهادتهم الصادرة منهم من جهة أشخاصهم، وإنّما هي في الحقيقة شهادة الكتب السابقة على نبوّة النبيّ الخاتم وحقّانية القرآن المنزّل، فالشهادة إذن لصدق النبوّة وصدق القرآن هي بشاهد غيبي، وهو الكتب المنزّلة السابقة مسانخ ومن نمط المشهود له.

الخامس: إنّ لفظ (الكتاب) في الآية لم يُقيّد بقيد الدالّ على إرادة الكتب السابقة المنزّلة، مضافاً إلى أنّ)ال(إمّا جنسية أو عَهْدِيّة، والجنسية هو ما يراد به اللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب، وقد تقدّم أنّه لا يحيط به من أسلم في المدينة من أهل الكتاب، ولا ادَّعى ذلك ولا ادُّعي فيهم ذلك، وإنّما الذي ادّعى ذلك في الأُمّة الإسلامية هم خصوص عِترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمّا إن كانت عَهْدية، فالعهد الذهني، والعهد الذِكْري واللفظي في السورة إنّما هو القرآن الكريم، فالعالم بالكتاب المراد به العالم بتمام القرآن.

____________________

1) نهج البلاغة خطبة 192.

2) سورة سبأ: 6.

3) سورة الأحقاف: 10.


فتحصّل حينئذٍ:

إنّ مَن عنده علم الكتاب - المقرونة شهادته بشهادة اللَّه تعالى - هو ممّن أسلم مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في مكّة، وممّن قد زُوّد بعلم أُمّ الكتاب، أي ممّن له عِلماً لدنياً بتمام حقائق القرآن الكريم. ومن البيّن أنّ صلة الموصول في الآية دالّة على حجّية شهادته، وأنّ منشأ تلك الحجّية هو إحاطته بالكتاب المُسْتَطَرتُ فيه المغيّبات، إذ من يكون بهذه المنزلة هو الذي يتمكّن من تحمّل تلك الشهادة والإحاطة بصدق المشهود بها، وهذا وجه حجّية شهادته.

وحيث احتجّ اللَّه تعالى بشهادته فلابدّ من علم قريش ومعرفتهم لهذه الصفة التي فيه وإن جحدوا لساناً، سواء حصلت معرفتهم بذلك - وباتّصاف هذا الشاهد بهذه الصفة - سابقاً، أم بتوسّط نفس الاحتجاج، بأن يكون في وصف اللَّه أنّ الشاهد هو بتلك الصفة؛ تنبيهاً للكفّار على منشأ حجّية شهادته، وأنّ ذلك المنشأ وتلك الصفة بإمكانهم التحقّق من وجودها والفحص عن ثبوتها في الشاهد.

وهذا ما تشير إليه المصادر التاريخية من وقيعة قريش في بني هاشم؛ بأنّهم بيت سحر - والعياذ باللَّه - وأنّه طالما رُؤي منهم السحر. ووقيعتهم تلك كانت شاملة لعليّ عليه‌السلام ، ممّا يدلّل على مشاهدة قريش خوارق العادات من بني هاشم ومن عليّ عليه‌السلام ، إلاّ أنّهم يجحدوها بلسانهم ويصفوها بأنّها سحر.

ويشير إلى ذلك قول عليّ عليه‌السلام في الخطبة القاصعة عندما طلبت قريش من رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يظهر لهم معجزة الشجرة في حركتها وتكلّمها، فأظهر لهم رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك، فقال عليّ عليه‌السلام : (فقلت أنا: لا إله إلاّ اللَّه إنّي أوّل مؤمن بك يا رسول اللَّه، وأوّل من أقرّ أنّ الشجرة فعلت ما فعلت بإذن اللَّه تعالى تصديقاً بنبوّتك وإجلالاً لكلمتك، فقال القوم كلّهم: بل ساحر كذّاب، عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك إلاّ مِثلُ هذا - يعنونني - وإنّي لمن قومٍ لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم، سيماهم سيماء


الصدّيقين وكلامهم كلام الأبرار، عُمّار الليل ومَنار النهار، يتمسّكون بحبل القرآن، يُحْيون سنن اللَّه وسنن رسوله، لا يستكبرون ولا يعلون، ولا يضلّون ولا يفسدون، قلوبهم في الجنان، وأجسادهم في العمل) (1) .

وعدم استجابة قريش للأمر في القرآن بأنّ عليهم الاكتفاء بشهادة اللَّه وشهادة من عنده علم الكتاب، أي أنّهم لم يستشهدوا بمن عنده علم الكتاب، كما لم يستشهدوا بالقرآن على صدق نبوّته صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فيتحصّل من هذه الطائفة أُمور:

الأوّل: اشتمال القرآن على لوح التشريع والتكوين، أي على تمامِ كلٍّ من اللوحين.

الثاني: إحاطة من عنده علم الكتاب، وهم المطهّرون الذين يمسُّون مكنون القرآن - كما سيأتي في الطوائف اللاحقة - وهم الراسخون في العلم - كما في الطائفة الأولى -، والذين يعلمون تأويله ومتشابهه، وهم الذين أوتوا العلم، فمجموع آيات القرآن بيّنات في صدورهم - كما في الطائفة الثانية -.

وإرادة الجمع من اسم الموصول ( َمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) متعارف في مثل الأسماء الموصولة، ولذلك فَسّره بالجمع أيضاً من زعم أنّ الآية مدنية، وطبّقها على مَنْ أسلم من اليهود والنصارى.

الثالث: مقتضى قوله تعالى: ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرّاً ) (2) .

وقوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً ) (3) .

إنّ خاصّية علم الكتاب هو إقدار اللَّه تعالى لصاحب ذلك العلم على إحياء الموتى، والتصرّف

____________________

1) نهج البلاغة: خطبة 192.

2) سورة النمل 40.

3) سورة الرعد: 31.


بخوارق العادات، مع أنّ آصف بن برخيا الذي أُشير إليه في الآية الأُولى كان عنده بعض علم الكتاب؛ لمكان (مِن) التبعيضية، لا سيما أنّ الآية الثانية في نفس سورة الرعد - ومورد نزولها هو اقتراح الكفار باتساع أرض مكّة بإزالة الجبال، وتسوية الأرض، وتكليم الموتى، من دون تقييدهم وقوع ذلك بالقرآن الكريم - تتضمّن جوابه تعالى بإمكان القدرة على ذلك بتوسّط القرآن، بياناً لعظمة القرآن التكوينية وشؤونه في الآفاق الخارجية، نظير قوله تعالى: ( لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (1) .

الرابع: تتوضّح مفاد هذه الطائفة مع مفاد الطائفتين السابقتين بأمور مستنتجة، وذلك مثل: ضرورة وجود ثلّة عالمة بالكتاب وما فيه؛ وإلاّ لزم تعطيل الكتاب الذي جُمعت فيه حقائق الكون والتشريع، والذي فيه بيان كلّ شي‏ء، وأنّهم عليهم‌السلام في علمهم هذا بالكتاب تالين تابعين لرسول اللَّه؛ لأنّ علمهم متعلّق بما أُنزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكذا تلازم وجود القرآن ووجودهم بأنّهم حينئذٍ الوسيلة للوصول إلى تمام حقائق القرآن التشريعية والتكوينية، وما به من هداية المكلّفين مما تضطرّهم إليه الحاجة.

رابعاً: المطهّرون، والكتاب المكنون، واللوح المحفوظ.

قوله تعالى: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا

____________________

1) سورة الحشر: 21.


الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) (1) .

وقوله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .

وقوله تعالى: ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) (3) .

ومقتضى القسم في الآية كون المقسوم به جملة خبرية لا جملة إنشائية؛ إذ القسم لأجل توثيق الإخبار بالمقسوم به، كما أنّ القسم في الآية موصوف بالعظمة لبيان عظمة المخبر به، والمخبر به كرامة القرآن، وقد فُسرت كرامته باكتنانه في كتاب غيبي لا يصل إليه إلاّ المطهّرون من الذنوب ومن الضلال، وفي ذلك بيانٌ لعزّة القرآن وقداسته عن أن يكون مبتذلاً لغير المطهَّرين.

فمن الواضح - حينئذٍ - عدم إرادة القرآن في وجوده في رسم المصحف الشريف، بل المراد من الوجود وجوداً مكنوناً أسمى، محفوظاً في لوح غيبي، لا يناله ولا يصل إليه إلاّ مَن كان على ارتباط بذلك الغيب، واطّلاع بالمغيبات.

وهذا الوجود للقرآن ليس فيه متشابه؛ لأنّ المتشابه وصف للقرآن المنزّل، أي: في وجوده النازل على صورة آيات وسور، ومنه محكم؛ وإلاّ فهو في وجوده الغيبي كتاب كلّه مبيّن، كما تقدّم وصفه بذلك في الطائفة الرابعة آنفة الذكر. وهذا سبب كون القرآن بتمامه آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم حيث إنّهم مطهرون يطّلعون على الوجود الأرفع للقرآن - أي الغيبي - وهو معنى مسّهم للكتاب المكنون..

____________________

1) سورة الواقعة: 75 - 82.

2) سورة الأحزاب: 33.

3) سورة البروج: 19 - 22.


إذن، هناك تَشَاهُد جَلِي بين هذه الطائفة والطوائف المتقدّمة، كما إنّ للقرآن في وجوده النزولي أوصافاً كما في رسم المصحف الشريف، ففي وجوده المكنون أوصاف أُخرى، فبعض الأوصاف للوجود الأوّل، وبعض الأوصاف للوجود الثاني.

وهذا التعدّد في الأوصاف راجع إلى تعدّد مراتب وجود ونزول القرآن نفسه، وهو مقتضى التعبير المتكرّر في الآيات والسور بإنزال القرآن ونزوله، المستلزم لتواجد القرآن في رتبةٍ عالية ثمّ أُنزل إلى النشأة الأرضية.

كما أنّ الآية تحصر الواصل لحقيقة القرآن الغيبية بـ (المطهَّرين)، ولا تكون الطهارة إلاّ بعدم اقتراف الذنب، وهي المعبّر عنها بالعصمة، وهي شاملة للبعد عن الضلال، وقد وصِف الضلال، والشكّ والريب، بالرجس في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) (1) ، وقوله تعالى: ( كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) (2) .

بل قد أطلق القرآن الكريم الرجس على الجهل والجهالة، كما في قوله تعالى: ( ... وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) (3) . كما أطلق الرجس على المعاصي المُرتكبة بالجوارح، كما في قوله تعالى: ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) (4) .

فيُعلم من ذلك: أنّ المطهرون هم الواجدون للطهارة عن جميع أنواع الرجس، فلا يرتابون، ولا يشكّون قطّ، كما أنّهم لا يجهلون، ولا يقعون في جهالة قطّ، فهم مستكملي العقل.

____________________

1) سورة التوبة: 125.

2) سورة الأنعام: 125.

3) سورة يونس: 100.

4) سورة المائدة: 90.


فالطهارة قسمان: منها، عن الرذائل العَمَلِيّة، وأُخرى، عن رذائل الجَهالات. فهم على كمال في العلم، والعمل، بدرجة يتميزون بها، وتؤهّلهم للاتّصال بالغيب، والكتاب المكنون واللوح المحفوظ. فالآية دالّة على وجود هؤلاء المطهّرين في الأُمّة. ومن البيّن أنّ وجود هؤلاء المطهّرين لازم لبقاء القرآن؛ وإلاّ لَلَزِم تعطيل حقائق وأسرار القرآن، وقد عيّنتْ وشخّصتْ آية التطهير مصداق المطهّرين، وهم أهل البيت عليهم‌السلام ؛ لقوله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) ، ولا يخفى الفرق اللغوي بين المُطَهَّر والمُتَطَهِّر.

ويتحصّل ممّا مرّ أُمور:

الأوّل: معيّة الثقلين، وهم الكتاب والمطهّرون من عِترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

الثاني: تصريح الآية باطّلاع الثقل الثاني على مكنون القرآن الغيبي الذي هو من أنماط العلم الغيبي، والذي يمتازون به دون الأُمّة.

الثالث: طهارتهم وعصمتهم عِلماً وعملاً، وأنّ ذلك سبب تأهّلهم للإحاطة بحقائق القرآن الغيبية.

الرابع: إنّ المطهّرين هم المجموعة المعصومة المعدودة من عِترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

الخامس: إنّ للقرآن حقائق غيبية تكوينية وراء وجود رسم المصحف.

خامساً: وراثة الكتاب والعصمة في التدبير

قوله تعالى: ( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ

____________________

1) سورة الأحزاب: 33.


لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (1) .

وقوله تعالى: ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (2) .

وقوله تعالى: ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) (3) .

من الواضح أنّ الكتاب في الآية الثانية هو القرآن الكريم بحسب السياق، كما أنّ هذا التوريث المشار إليه في الآية ليس توريثاً مادّياً بالأسباب المتعارفة، نظير ما ورد في قوله تعالى: ( َخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى ) (4) ، و ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ) (5) ، وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ) (6) ، فالتوريث هذا توريث إلهي من سنخ الملكوت والعلم اللدنّي؛ بقرينة تخصيص هذه الوراثة للكتاب بـ (المُصْطَفَين)، والاصطِفاء في الاصطلاح القرآني قد خُصّ بالأنبياء والرسل والملائكة، ونحوهم من المعصومين والمطهّرين.

وأمّا تقسيم الآية في الذيل: فمنهم ظالم، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق. فالضمير عائد إلى (عبادنا) أنّهم منقسمون إلى ثلاث فئات، بخلاف التوريث؛ فإنّه قد خُصّ بـ (المُصْطَفَين)، نعم قد عُرِّف المصطفَون بأنّهم بعض من عبادنا، و(من) للتبعيض هنا لا بيانية، ويدلُّ على كون التوريث من سنخ العلم اللدنّي الغيبي ذِكْر (السابق بالخيرات)، فإنّه عُرّف في سورة الواقعة بالمقرَّب، وعُرّف المقرَّب في سورة المطفّفين بأنّه يشهد الأعمال وكتاب الأبرار، وهو قوله تعالى: ( كَلاّ إِنَّ

____________________

1) سورة النساء: 83.

2) سورة فاطر: 31 - 32.

3) سورة النمل: 59.

4) سورة الأعراف: 169.

5) سورة الشورى: 14.

6) سورة غافر: 53.


كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) (1) ، فالسابق هو المقرّب وهو الشاهد على أعمال الأبرار، فهو مهيمِن على مقام العلّيين الذي يُدوّن فيه كتاب الأبرار، وهو مقام غيبي، وهو الذي أُصطفيَ وَوُرِّث الكتاب بوراثة لدنيّة. وقد تقدّم في الطائفة الثالثة أنّ الذي عنده علم الكتاب يحيط بالكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ شي‏ء، ومنها أعمال الأبرار.

محصّل مفاد الآية (2) : إنّ السابق هو الذي اصطُفي من العباد، والعباد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم، ومقتصد، وسابق بالخيرات.

أمّا الآية الأولى (3) ، فهي دالّة على أنّ المفْزَع والمصدر في الأُمور هو الرسول، وأُولي الأمر، وأنّ الواجب على المسلمين إذا انتابهم أمر يمسّ حياتهم الاجتماعية الرجوع والردّ إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأولي الأمر، للبتّ في شأنه؛ وذلك لإحاطة تلك الثلّة باستنباط واستخراج ما هو الحقّ في تدبير ما ألَمَّ بهم من أمر.

فالآية دالّة على أنّ تدبير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأُولي الأمر، ليس اجتهادياً ولا ظنّياً، كما ذهب إليه أكثر أهل سنّة الجماعة، بل هو تدبير عن علم وإحاطة بالأُمور بأقدارٍ من اللَّه عزّ وجلّ.

فهذا الاستنباط هو استخراج صُراح الحقّ، كما هو أصل معنى الاستنباط لغةً، دون المعنى المصطلح عليه المتأخّر في العلوم الدينية. وليس إعمال للموازين الظاهرية التي قد تخطأ أو تصيب، كما لا مجال للخطأ في استخدام الموازين في تدبير الأُمور العامّة من قِبل الرسول، وأُولي الأمر.

نعم، قد يتوهم إسناده إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُولي الأمر، من ناحيتين:

____________________

1) سورة المطففين: 18 - 21.

2) وهي قوله تعالى: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) .

3) سورة النساء: 83.


الأُولى: أنّ الجهاز الحاكم في حكومة الرسول، وأُولي الأمر، غير معصوم، وقد يرتكب الأخطاء أو المعاصي، فينسب ذلك بعضهم إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُولي الأمر، على أنّ هذا الإسناد ليس في حقيقته متّصل بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل يُنسب إلى أعضاء حكومته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، نظير ما صنعه خالد بن الوليد في فتح مكّة حيث غدر ببني الأجلح فتبرّأ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من فعله بقوله: (اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا فعله خالد) (1) ، وكان معيّناً من قبل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على إحدى الفرق العسكرية المرسلة، ثمّ انتَدَب رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً عليه‌السلام ليسترضيهم، ويعطي الديّة لمن قُتل منهم.

وكذا ما صنعه أُسامة بن زيد حينما قتل مَن أظهر الإسلام شبهةً وظنّاً منه أنّ إظهار الشهادتين لا يحقن الدم مع الريبة.

الثانية: أنّ الميزان الشرعي الموظّف العمل به ظاهري، وإنّ معنى أن يكون ظاهري: أي قد يخطئ وقد يصيب، نظير البيّنة والحلف في القضاء كما في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنما أقضي بينكم بالبيِّنات والأَيْمان، وبعضكم ألَحَنُ بحجّته من بعض، فأيّما رجل قَطَعْتُ له من مال أخيه شيئاً فكأنّما قطعت له قطعة من النار) (2) .

فتحصّل: أنّ تدبيره صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُولي الأمر - كذلك - في الحكم بمقتضى مفاد الآية الشريفة هو العصمة عن الزلل والخطأ، وأنّه إن شوهد ما يوهم ذلك في سيرته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّ ذلك عند التدبّر راجع إلى أعضاء جهازه الحكومي من ولاة وغيرهم، أو إلى كون الميزان الشرعي الموظّف في التدبير حيث إنّه ظاهري، فقد لا يصيب الواقع في بعض الموارد. ولكن جملة تدبير الرسول وتدبير أُولي الأمر في النظام السياسي قائم على استخراج الحقيقة والواقع، كما هو مفاد هذه الآية.

____________________

1) المسترشد لمحمد بن جرير الطبري: 492.

2) الوسائل، ج27، ص232، نشر مؤسسة آل البيت.


ثمّ إنّ هذه الآية (1) دالّة على وجود ثلّة هم ولاة الأمر مقرونة ولايتهم بولاية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ لهم عصمة في التدبير وهي متقوّمة بالعصمة العلمية والعملية، وأنّ هذه الثلّة باقية ما بقيت الأُمّة وما بقي القرآن الكريم؛ لأنّ هذه الآية خطابٌ إلى كلّ المكلّفين إلى يوم القيامة، وأنّ الواجب عليهم ردّ وإيكال ما يعتريهم في أُمورهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وغير ذلك، بإيكاله وردّه إلى أُولي الأمر العالمين بحكمه من خلال قدرتهم على استنباط واستخراج الحقّ والواقع فيه.

ومن البيّن أنّ هذا الاستنباط الموصّل إلى العلم بحقائق الأُمور، مستقى من الكتاب الكريم لا بلِحاظ ما فيه من تشريع فقط؛ فإنّ ذلك لا يؤمِّن بمفرده العصمة في التطبيق والتدبير، بالإضافة إلى ذلك ما في الكتاب من احتواءه على كلّ شي‏ء، من غائبة في الأرض أو في السماء، أو رطب أو يابس، في رتبة حقائقه العالية من الكتاب المكنون، الذي هو الكتاب المبين، والذي لا يمسّه إلاّ المطهّرون، وهو وصف أُولي الأمر المعصومين.

الأمر الذي يتنزّل عليهم في ليلة القدر بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، هذا الأمر الذي فيه يفرق ويقدّر كلّ شي‏ء إلى العام القابل، ويفصّل فيه مقادير جميع الأشياء، ومن ثمّ يحيط أُولي الأمر وأصحاب الأمر المتنزّل في ليلة القدر بكلّ الحوادث الخارجية وملابساتها ويحكمون تدبيرها وإصلاحها.

وسيتحصل من هذه الطائفة أُمور:

الأوّل: أنّ توريث الكتاب بالاصطفاء ليس من نمط الوراثة البشرية المعتادة، وإنّما هو عبر اصطفاء الشخص المورّث للمقام الغيبي والمنصب الإلهي اللدنّي، أي أن الوراثة من سنخ ملكوتي، لا تمليكي مادّي، نظير ما تشير إليه الطوائف السابقة

____________________

1) وهو قوله تعالى: ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ... ) .


من كون آيات الكتاب كلّها بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم وهو علم الكتاب، وهم الراسخون الذين يعلمون تأويل متشابهه الذين يمسّون الكتاب المكنون.

ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) (1) ، فإنّه كالعطف التفسيري لبيان أنّ هذه الوراثة لَدُنيّة وهْبِيّة إلهية، كما هو الحال في علم منطق الطير، وأسباب القدرة التي أوتيت لداود وسليمان، وإن لم تنحصر الوراثة في الآية بالوراثة التكوينية وشملت الوراثة الاعتبارية القانونية، أو أنّ شمولها للاعتبارية بالأولوية القطعية، ولذلك أحتجّت بالآيةِ الصدّيقةُ الزهراء عليها‌السلام للمطالبة بإرثها من فَدَك، ويتم احتجاجها عليها‌السلام على كلا المعنيين كما يتبين بالتدبّر.

الثاني: أنّ تدبير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله للحكم، وشؤونه السياسية والعسكرية، وغيرها - وأُولي الأمر الذين تقدّم وصفهم في الأمر الأوّل - هو تدبير بعلمٍ معصوم عن الخطأ، وهذا يخالف ما ذهب إليه أهل سنّة الجماعة من حصر عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله في تبليغه الأحكام.

الثالث: الآية دالّة على أن لا اعتصام للمسلمين - في نظامهم الاجتماعي والسياسي - عن الخطأ، والزلل، والضعف، والوهن إلاّ بردّ شؤونهم العامّة إلى الرسول وأُولي الأمر، والتمسّك بذيلهم من أجل الاعتصام بحبل اللَّه الممدود لهم.

الرابع: أنّ هذه الطائفة دالّة على أنّه ما دام للمسلمين حوزة واجتماع، وما داموا مكلّفين بكتاب اللَّه وأحكامه، فإنّ هناك ثلّة مصطفاة في الأُمّة الإسلامية باقية وهم ولاة الأمر، ولهم وراثة الكتاب اللدُنيّة، وأنّهم معصومون علماً وعملاً، ومن ثمّ كان تدبيرهم للحكم بصواب وعلم لا يخالطه جهل؛ إذ لو كان استنباطهم للأمر

____________________

1) سورة النمل: 16.


في التدبير العام بموازين ظنّية، لَمَا صدق إطلاق الجزاء (لَعَلِمَه) بإطلاق الشرط (لو رَدُّوه) في الجملة الشرطية لمخالطة الجهل.

فهذه الطائفة دالّة على أنّ هناك اصطفاء لثلّة من الأُمّة الإسلامية، كما أنّ الطوائف السابقة دالّة على أنّ هناك ثلّة مطهّرة في المسلمين.

وقد استُخدم لفظ الاصطفاء والتطهير في آيات الكتاب العزيز في الأنبياء وأولياء اللَّه الحُجَج، كقوله تعالى: ( إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ) (1) ، فمن هذه الأُمّة الإسلامية من يجتبيه اللَّه عزّ وجلّ ويطهّره من النقائص العِلْميّة والعملية، وهي المعبّر عنها بالعصمة، فقد وقع الاصطفاء من بين هذه الأُمّة كما قد وقع التطهير، ووقع إيتاء العلم - علم الكتاب - لأُولئك المعنيين من بين هذه الأُمّة.

الخامسة: أنّ في ذيل هذه الآيات وصف توريث الكتاب للمصطفين وسبقهم للخيرات بإذن اللَّه، إنّه فضل كبير كما يصفه تعالى، ليس بلحاظ النعم والعطاءات في دار الدنيا، بل مطلقاً، أي أخروياً أيضاً؛ إذ لم يصف اللَّه بهذا الوصف إلاّ في حقّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كقوله تعالى: ( وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً ) (2) ، فقد وصف اللَّه تعالى إنزال الكتاب على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وإيتاءه الحكمة والعلم اللدنّي بالفضل العظيم، وهو موافق لإطلاق الفضل الكبير على توريث الكتاب المصطفين، وسبقهم للخيرات.

وكذا قوله تعالى: ( وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ) (3) ، حيث أطلق الفضل الكبير

____________________

1) سورة آل عمران: 33 - 34.

2) سورة النساء: 113.

3) سورة الإسراء: 86 - 87.


على وحي الكتاب بتمام حقائقه ومعرفة بُطونه، وقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ * ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (1) ، فهو إطلاق على عطاء دار الآخرة لا عطاء دار الدنيا، مضافاً إلى أنّ السياق يشهد بإرادة ذوي القربى.

وفي مقابل ذلك لم ينصّ القرآن على إعطاء فضل كبير وعظيم لأحدٍ من الأنبياء غير الرسل، كقوله تعالى حكاية عن سليمان: ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) (2) ، فأطلق عليه أنّه فضل مبيّن، أي ظاهر غير خفي، ولم يصفه بالعظمة وكونه كبيراً.

وكذا قوله تعالى: ( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ) (3) ، وقوله تعالى: ( وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ) (4) ، وقوله تعالى على لسان داود وسليمان عليهما‌السلام : ( وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) (5) ، وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ) (6) .

ذكر اللَّه تعالى الفضل بصورة التنكير؛ للدلالة على أنّه نوعٌ من الفضل، ولم يوصف بالعظمة والكِبر. فمجموع هذه الشواهد دالّ على أنّ توريث الكتاب للمصطفين من هذه الأُمّة هو توريث من سنخ الوحي بالقرآن، أي: لَدُنِيّاً، وإن لم يكن نبوّة، وأنّ هذا الفضل قد خصّ بصيغة الكِبر والعظمة بخلاف الفضل الذي

____________________

1) سورة الشورى: 23.

2) سورة النمل: 16.

3) سورة الإسراء: 55.

4) سورة الأنعام: 86.

5) سورة النمل: 15.

6) سورة سبأ: 10.


أُعطي لبقية النبيين والمرسلين فإنّه لم يوصف بذلك.

ونظير الدلالة على هذا الامتياز ما تقدّم في سورة الواقعة أنّهم في هذه الأُمّة، وهم أهل البيت عليهم‌السلام بنصّ آية التطهير، وهم الذين يمسّون القرآن المحفوظ في كِنْ (1) الكتاب المحفوظ، والمتنزّل من ذلك المقام الغيبي وهو المصحف الشريف الذي بين الدفّتين.

السادسة: إنّ في تقييد وصفهم (السابقون للخيرات) بإذن اللَّه، يتوافق ويَتَشاهَد مع قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاة وَإِيتَاءَ الزَّكَوةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (2) ، الدالّة على أنّ فعلهم وسبقهم للخيرات هو بإذنٍ من اللَّه، والمراد بالإذن الإيحاء، الذي هو أعمّ من الوحي الاصطلاحي، كالوحي التسديدي والإلهامي، أي: هو العلم اللدنّي لا الوحي النبوي.

____________________

1) أي: حفظ.

2) سورة الأنبياء: 73.



قراءات جديدة

في آيات وحديث الغدير

القراءة الأُولى

(النبيّ وأهل بيته أولياء لدين اللَّه)

إنّ مفهوم الولاية قد انطبع في الأعصار الأخيرة بحدود ضيّقة، تقتصر على صلاحية الحكم السياسي بمصطلحاته الثلاثة: القضائي، والتنفيذي، والتشريعي. وكذلك الحال في مفهوم حقّ الطاعة، بينما مفهوم الولاية في أصل الوضع اللغوي والاستعمال القرآني والروائي أعمّ من ذلك، أي هو في معنى يساوي الدين والديانة، كما يقتضيه التدبّر في الشواهد الآتية.

وعلى ضوء ذلك، فالولاية تمتدّ بامتداد سعة دائرة الدين وأبوابه، وبعبارة أُخرى: الولاية تَسَنّم وتقلّد صلاحية كلّ شي‏ء بحسبه، ومن ثمّ يقال: ولاية التنفيذ، وولاية القضاء، وولاية التشريع، وولاية الإفتاء، وولاية إبلاغ الرسالة، كما سيأتي في الاستعمال القرآني. وكذلك يقال: الولاية التكوينية، وهو القدرة على التصرّفات بإذن اللَّه تعالى.

وفي لسان العرب: ولي في أسماء اللَّه تعالى؛ الولي هو الناصر، وقيل: المتولّي لأُمور العالم والخلائق والقائم بها، ومن أسمائه عزّ وجلّ: الوالي، وهو مالك الأشياء جميعها المتصرّف فيها.


قال ابن الأثير: وكأنّ الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم يطلق عليها اسم الوالي... وعن ابن السكّيت: الوِلاية - بالكسر - السلطان. وقال سيبويه: الوَلاية - بالفتح - المصدر، والوِلاية - بالكسر - الاسم، مثل: الإمارة والنقابة؛ لأنّه اسم لما تولّيته وقمْت به.

وروى ابن سلام عن يونس، قال: المولى له مواضع في كلام العرب، منها: المولى في الدين وهو الوليّ، وذلك قوله تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ ) (1) ، أي: لا وليّ لهم. ومنه قول سيّدنا رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (من كنت مولاه فعليّ مولاه) أي: من كنت وليّه. وروي أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (من تولاّني فليتولّ عليّ)، معناه من نصرني فلينصره (2) .

وقال الفرّاء في قوله تعالى: ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ) (3) ، أي تولّيتم أُمور الناس - والخطاب لقريش - قال الزجّاج والفرّاء: إن تُوُلِّيتُم أي وَلِيَكُم بنو هاشم (4) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (اللهمّ والِ من والاه) أي: أحبب من أحبّه وانصر من نصره.

ثمّ قال: وقد تكرّر ذكر المولى في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو الربّ، والمالك، والسيّد، والمنعِم، والمعتق، والناصِر، والمحبّ، والتابع، والجارّ

____________________

1) سورة محمّد: 11.

2) قد ذكرنا في كتاب الإمامة الإلهية، ج 1، الفصل الثالث، في مفاد الوليّ والولاية في حديث الغدير أنّ المعنى سواء كان القيام بالأُمور، أو النصر، أو الحبّ، أو الحلف، أو أي معنى آخر، لِما قد ذكروه. فإنّ أيّ من تلك المعاني بقول مطلق مقتضاه الإمامة والرئاسة وولاية الأمر، فراجع.

3) سورة محمّد: 22.

4) لكن خطاب ( أَن تُفْسِدُوا ) هو لقريش. أي إن وليكم بنو هاشم فعسى أن تفسد قريش في الأرض، عناداً لولايتهم، كحرب الجمل وصفين والنهروان.


وابن العم، والحليف، والعقيد، والصِهر، والعبد، والمُعْتَق، والمنعَم عليه، قال: وأكثرها قد جاءت في الحديث، فأضاف كلّ واحد لما يقتضيه الحديث الوارد فيه، وكلّ من ولي أمراً أو قام به فهو مولاه ووليّه.

قالوا: وقد تختلف مصادر هذه الأسماء، فالوَلاية - بالفتح - في النسب، والنصرة، والعتق. والوِلاية - بالكسر - في الإمارة. والولاء في المُعتق الموالاة مِن والى القوم. قال ابن الأثير: وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (من كنت مولاه فعليّ مولاه) يحمل على أكثر الأسماء المذكورة. وقال الشافعي: يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ ) (1) . قال: وقول عمر لعليّ: أصبحت مولَى كلّ مؤمن، أي وليّ كلّ مؤمن (2) .

وقال النيسابوري في وجوه القرآن: إنّ الولي على ثمانية أوجه. وذكر أنّ أحدها بمعني الآلهة، كقوله تعالى: ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ) (3) ، وقوله تعالى: ( أَمِ اتَّخَذَوُا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ) (4) (5) .

هذا وإنّما أطلنا في نقل كلام اللغويين روماً في إثبات أنّ معنى الولاية معنىً عام إذا أُضيف إلى الدين شمل كلّ من الإمارة، وبقية الصلاحيات والمناصب في الدين.

وبعبارة أُخرى: إنّ للولاية معنىً جامع، وأصل فارد، يستعمل في الموارد العديدة، وهو الذي تنبّه إليه ابن الأثير فيما تقدّم من قوله: (إنّ الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل)، أي: إنّ المعنى الجامع مفاده التمكين والقدرة على التصرّف.

فإذا تقرّر ذلك يتبيّن من خلال ما مضى وسيأتي من شواهد عديدة، أنّ الولاية

____________________

1) سورة محمّد: 11.

2) لسان العرب، ج 15، ص41.

3) سورة العنكبوت: 41.

4) سورة الشورى: 9.

5) انتهى كلام النيسابوري في وجوه القرآن، ص 583، ويحكي هذا المعنى عن كتاب التصاريف والوجوه. وكذا، في الإمامية الإلهية، ج1، الفصل الثالث.


المجعولة في الأدلّة لعليّ عليه‌السلام والأئمّة عليهم‌السلام هي ولاية كلّ الدين، بما في ذلك من الإمارة والحكومة والقيام بالأُمور السياسية في النظام الاجتماعي، وكذا الولاية في التشريع والقيمومة على الدين ووساطتهم في التدين بالدين، وغير ذلك من الشؤون.

وهذه الآية ملْحَمَة قرآنية في قريش، بأنّها ستتولّى الأُمور وتكون سيرتها ما ذكرته الآية.

وفي القراءة الثانية: إن تولّت بنو هاشم الأُمور ستعاديهم قريش فتضمّنت الملحمة القرآنية نبوءة مستقبلية قد جاء بتصديقها ما وقع في الصدر الأوّل للأُمّة الإسلامية.

فالولاية من معاني الولاية في جميع أبواب الدين، ومن تلك الأبواب الإبلاغ عن اللَّه تعالى ممّا أبلغه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن اللَّه لهم خاصّة، سواء في نشأة حياته الدنيا أو حياته الأُخرى، ولا زال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يبلّغ الإمام القائم بالأمر(عج) عن اللَّه تعالى، وهذه هي السفارة الإلهية وإن لم تكن من سنخ النبوّة، أي السبب المتّصل بين الأرض والسماء، قال الشيخ الصدوق في الاعتقادات: وقد فوّض اللَّه تعالى إلى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر دينه، فقال عزّ وجلّ: ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (1) ، وقد فَوّض ذلك إلى الأئمّة عليهم‌السلام (2) .

فالولاية الواردة لهم عليهم‌السلام في الآيات والأحاديث - كحديث الغدير - هي ولاية كلّ الدين عدا النبوّة، فكلّ ما كان للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فهو ثابت لهم، وكذا وساطتهم عن اللَّه، غاية الأمر بتوسّط النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وليست ولايتهم مقصورة على الولاية السياسية والرئاسة وقيادة النظام الاجتماعي، وإن كانت هذه الولاية إحدى شعب ولايتهم في الدين، وبعبارة

____________________

1) سورة الحشر: 7.

2) الاعتقادات: ص101.


أُخرى، إنّ الإمامة كما تقرّر في معناها ليست مقتصرة على الرئاسة العامّة وحفظ الدين في جانب الحاكمية والتدبير، بل حدودها ومعناها أوسع من ذلك؛ بنحوٍ يتناول الهداية التشريعية الإرائية في طول النبوّة، والهداية الإيصالية للنفوس إلى الكمالات الحقيقية بتدبير ملكوتي.

وكلّ من الهدايتين هي من موقع تكويني لنفس وروح الإمام المعصوم، نظير ما ذَكَره المتكلّمون في تعريف النبوّة والنبيّ؛ من أنّها كون النفس البشرية بحيث تسمع كلام اللَّه، أي أنّه مقام تكويني للروح النبويّة. فكذلك الحال في الإمامة فإنّها مقام تكويني كمالي وإن اختلفت سِنخاً عن النبوّة.

ويتقرّر من ذلك أنّ الولاية بمعناها الوسيع الشامل تتطابق (1) مع ماهية الإمامة. ويجدر هاهنا الإشارة إلى جملة من الشواهد على سعة معنى الولاية بالإضافة إلى الدين وأبوابه ومقاماته:

أوّلاً: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ) (2) ، مفاد الآية يقرّر أنّ الدعوة إلى اللَّه وهي الهداية الإرائية هي صلاحية وولاية يعطيها اللَّه عزّ وجلّ، وهذا مؤدّى قوله ( بِإِذْنِهِ ) ؛ إذ إعطاء الإذن إنّما هو في حقل الولاية والملكية والقدرة والسلطنة. فيظهر من الآية أنّ إحدى محطّات الولاية وشعبها هي الدعوة إلى اللَّه والهداية التشريعية، ونظير هذا المفاد قوله تعالى: ( قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ الله لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آلله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ) (3) .

حيث أوضحت الآية التقابل بين الفريّة من جانب والفتيا بالإذن من جانب

____________________

1) ومِن ثمّ كانت الشهادة لعليّ عليه‌السلام بالإمامة هي عين الشهادة لعليّ بالولاية، فـ (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ اللَّه) هي عين مفاد أشهد أنّ علياً إماماً للدين والدنيا.

2) سورة الأحزاب: 45 - 46.

3) سورة يونس: 59.


آخر، مع أنّ المتبادر في بدو النظر أنّ المقابل للافتراء هو الصدق، والمقابل للفتيا بالإذن هو الفتيا بغير إذن، فجَعْل المقابلة في الآية بين الافتراء والفتيا بالإذن يقتضي كون التحليل والتحريم وبيان الأحكام الإلهية متوقّفاً على الإذن ممّن له الولاية، وأنّها أُمور مولوية، وأنّ جهة التشريع من شعب ولايته تعالى.

وثانياً: إنّ الجعل التشريعي قِوامُه بالمَوْلَوية ومولوية المولى؛ لأنّ الحكم التكليفي قِوامُه بالطلب المولوي، والمولوية هي ولاية الباري تعالى، كما أنّ قِوام الحكم الوضعي هو بالحكم التكليفي، فيكون قِوام الأحكام التشريعية بولاية المولى، والتقنين ينقسم إلى سنخين: من الحكم الوضعي، والتكليفي، أي ينقسم التقنين إلى قانون يقرّر المعاني كالملكية والحقوق والعقود، وإلى قانون فيه اقتضاء الفعل والإلزام به، وكلّ من الحكمين أصيل في التشريع إلاّ أنّ مآل الحكم الوضعي في التشريع إلى الحكم التكليفي، ولذلك أفرط بعض علماء الأُصول في نفي تأصيل الحكم الوضعي في التشريع، وقالوا إنّه منتزع وتابع لحدود الحكم التكليفي.

وعلى أيّ تقدير، فإنّ الحكم الوضعي الذي هو تقرير لمعاني الأشياء كمؤدّى اعتباري قانوني، إنّما يشرّع ويقنّن لتنظيم أفعال أفراد المجتمع، أي فمآل الحكم الوضعي وغايته الحكم التكليفي الذي يتعلّق بفعل الفرد مباشرةً، هذا من ناحية.

ومن ناحيةٍ أُخرى، فإنّ قوام الحكم التكليفي هو بمولوية الشارع، والمولوية قِوامها بولاية المولى وحقّ الطاعة له، وبذلك يكون التشريع وصلاحيته وليدة ولاية المشرّع والمقنّن على المتدين بذلك الشرع، والمتّبع لذلك التقنين.

ويعضد ذلك أنّ فقهاء الشريعة وفقهاء القانون الوضعي في استنباطهم وقراءتهم للنصوص الشرعية والقانونية، إنّما يستنبطون الحكم - ولو كان وضعياً - فيما إذا كان الشارع يُعْمِل جهة المولوية في إنشائه للحكم، أي لا يكون بداعي


الإرشاد، أي: لابدّ أن يكون المقنّن من جهة سيادته وسيادة القانون يقرّر ذلك النصّ القانوني لا من باب النصيحة، والإرشاد منه، وهذا ممّا يدلّل على أنّ الحكم الوضعي في تشريعه يستند إلى ولاية الشارع وسيادته، وبالتالي يتّضح لنا أنّ الولاية تتشعّب إلى الولاية التشريعية كما تتشعّب إلى ولاية القضاء، والتنفيذ، والتدبير.

ثالثاً: إنّ مفهوم الدين والديانة هو الخضوع بالطاعة في اتّجاه من له الولاية، ومن ثمّ كانت الديانة هي الطاعة، والمطاع هو الدائن، وكذلك في مفهوم الإسلام الذي هو من التسليم والخضوع.

ومن ذلك يتقرّر المطلوب من أنّ ولاية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام ، أي وجوب طاعتهم تتّسع لكلّ حدود ودائرة الدين والديانة في طول وتبع ولاية اللَّه تعالى وطاعته، ومن ثمّ تتبلور القراءة الصحيحة لقوله تعالى: ( أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (1) ، وقوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ ) (2) .

بأنّ وجوب طاعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام وولايتهم ليست مقتصرة على الحاكمية السياسية، بل هي ولاية وقيمومة على هذا الدين، كما هو الحال في وجوب طاعة اللَّه وولايته، حيث إنّها غير مقتصرة على الحاكمية السياسية والقضائية والتشريع السياسي، بل هي ولاية عامّة بحدود سعة الدين والديانة، حتّى في الأبواب العِبادية، بمعنى أنّ رسم العبادة للَّه تعالى هو بتوسّط سنن وأوامر

____________________

1) سورة النساء: 598.

2) سورة المائدة: 55 - 56.


نبوية وسنن وأوامر ولوية، كما هي مشتملة على فرائض وأوامر إلهية، فقصد الأمر المأخوذ في العبادة هو إمتثال الأمر الشامل للأقسام الثلاثة من الأوامر، فبطاعتهم يُعبد اللَّه تعالى.

وإلى ذلك يشير ما رواه الكليني، والمفيد، والطوسي، في الصحيح عن محمّد بن زيد الطبري، قال: (كنت قائماً على رأس الرضا عليّ بن موسى عليه‌السلام بخراسان وعنده جماعة من بني هاشم، منهم إسحاق بن العبّاس بن موسى، فقال له عليه‌السلام : يا إسحاق، بلغني أنّكم تقولون، إنّا نقول: إنّ الناس عبيد لنا. لا، وقرابتي من رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ما قلته قطّ، ولا سمعته من أحد من آبائي، ولا بلغني عن أحدٍ منهم قاله، لكنّا نقول: الناس عبيد لنا في الطاعة، مَوالٍ لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب) (1) .

وما ورد في الروايات من زيارة الإمام الرضا عليه‌السلام :

(اللّهمّ صلِّ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، عبدك، وأخي رسولك الذي انتجبته بعلمك، وجعلته هادياً لمن شئت من خلقك، والدليل على من بعثته برسالاتك، وديّان الدين بعدلك، وفصْل قضائك بين خلقك، والمهيمن على ذلك كلّه) (2) .

وورد وصف ديّان الدين في الصلاة على الحسنين، وعلى علي بن الحسين، في الزيارة المزبورة التي ورد فيها: (اللهمّ صلِّ على عليّ ابن موسى الرضا المرتضى عبدك ووليّ دينك) (3) ، كما ورد أيضاً في زيارة آل ياسين في الناحية: (السلام عليك يا باب اللَّه وديّان دينه) (4) ، ومنها قوله تعالى تلقيناً لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ

____________________

1) أمالي المفيد، المجلس 253، ورواه أيضاً الكليني في الكافي، ج1، ص 187، والطوسي في أماليه: ص22.

2) منتهى المطلب: ج2، ص 894. الكافي: ج1، ص 527. كامل الزيارات لابن قولويه: ص 97.

3) الجامع العبّاسي: ص 182.

4) الاحتجاج: ص 316.


وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) (1) ، فإنّ إنزال الكتاب وإن كان وصفاً لاسم الجلالة، إلاّ أنّ الوصف ذُكر للمناسبة مع عنوان الولي، كما هو مطّرد في الاستعمال والأدب القرآني، وإلاّ لَذَكر وصف آخر غير إنزال الكتاب.

رابعاً: ما يظهر من دلالة العديد من أدلّة ولايتهم عليهم‌السلام أنّها قيمومة على مجمل الدين، في طُول وتبع قيمومة الرسول، وفي طُول قيمومة وتبع اللَّه عزّ وجلّ، فالولاية على الدين هي بالأصالة للَّه عزّ وجلّ، كما قال تعالى: ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) (2) .

وقوله تعالى: ( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ) (3) .

وقوله تعالى: ( الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ) (4) .

فإن خلوص الدين للَّه من قبل العبد يقتضي أن لا يخضع العبد لغير اللَّه، ولا يدين بولاية وطاعة غير اللَّه تعالى، أي يقتضي أنّ الولاية والطاعة في الدين في كلّ شعبها مبدأها ومنتهاها وأصلها وغايتها وأقسامها واختلاف ضروبها هي للَّه تعالى: ( أَطِيعُواْ الله وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) (5) ، و: ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله ) (6) ، وغيرها من الآيات المتظافرة الدالّة على ولاية الرسول في قيمومته على دين اللَّه، التابع لولاية اللَّه في كلّ شعبها وضروبها وأقسامها، فهي ثابتة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله تبعاً لولاية اللَّه، سواء في ولاية التشريع، والحكم، والقضاء، والتصرّف، والبيان، والترخيص، والنسخ، والإقرار، وأنّ طاعتهم باب العبادة للَّه تعالى... وغيرها من ضروب أنماط الولاية وحقّ الطاعة في أبواب الدين الكثيرة المتعدّدة، التي يكون ولاية الحكم السياسي بقواه الثلاثة باباً من أبوابه؛ إذ الدين دائرته ومِلاكاته أوسع من النشأتين فضلاً عن أن ينحصر بأحكام النظام السياسي في النشأة الدنيا.

____________________

1) سورة الأعراف: 196.

2) سورة الزمر: 3.

3) سورة الأنفال: 39.

4) سورة الكهف: 44.

5) سورة آل عمران: 32.

6) سورة النساء: 80.


فتحصّل: أنّ ولايتهم الواردة في الأدلّة المتعدّدة، هي الولاية على كلّ الدين في جميع أبوابه وروافده، وهذا أصل من أُصول الشريعة في المعرفة، تنشعب منه قواعد عديدة من المعارف.


توحيد اللَّه في العبادة

بولايتهم وطاعتهم

قال تعالى: ( َلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) (1) ، فأطلق على الطاعة للشيطان أنّها عبادة له، وهذا يقتضي أنّ عبادته تعالى لا تتقوّم حقيقة بمجرّد السجود والركوع وأشكال النُسك، بل لانطوائها واحتوائها وتضمّنها لطاعة اللَّه فحينئذٍ تكون عبادة له تعالى، وهذا الاستعمال للعبادة في الطاعة يقتضيه المعنى اللغوي؛ لأنّ قِوام العبادة بالخضوع.

والخضوع هو الطوعانية والائتمار والانقياد لإرادته تعالى، فذلك هو روح وجوهر العبادة، وأمّا أشكال النُسك والطقوس العبادية فهي قشر ولباس وثوب وبدن العبادة، وأمّا اللُباب والروح فهي الطاعة، وعبودية الانقياد والخضوع والانقهار أمام إرادته تعالى، والتسليم والضِّعة والإخبات لمشيئته تعالى، فإنّما صارت العبادة - النُسك والطقوس - عبادةً بالطاعة.

ونظير ذلك قوله تعالى: ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ) (2) ، فأطلق تعالى على طاعة الجنّ وتولّيهم وموالاتهم عبادة لهم وقال

____________________

1) سورة يس: 60 - 61.

2) سورة سبأ: 40 - 41.


تعالى: ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) (1) ، أي الذين يعبدون الطاغوت، وقد فسّر بطاعتهم للأحبار والطاغوت كلّ من أطيع في معصية اللَّه، ويعضد هذا التفسير قوله تعالى: ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله ) (3) ، وفي صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام في قول اللَّه تعالى: ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله ) قال: (واللَّه ما صلّوا لهم ولا صاموا ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً فاتّبعوهم) (4) .

وفي رواية أُخرى، قال عليه‌السلام : (واللَّه ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون) (5) .

وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه‌السلام : (... وأمّا قوله أحبارهم ورهبانهم، فإنّهم أطاعوهم وأخذوا بقولهم واتّبعوا ما أمروهم به ودانوا بما دعوهم إليه، فاتّخذوهم أرباباً بطاعتهم لهم وتركهم أمر اللَّه وكتبه ورسله، فنبذوه وراء ظهورهم، وما أمرهم به الأحبار والرهبان اتّبعوه وأطاعوهم وعصوا اللَّه، وإنّما ذُكر هذا في كتابنا لكي يُتّعظ به) (6) .

وروى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال: (أتيت رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وفي عنقي صليب، فقال لي: يا عدي اطرح هذا الرق (الوثن) من عنقك. قال: فطرحته ثمّ انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة براءة هذه الآية: ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ

____________________

1) سورة المائدة: 60.

2) سورة التوبة: 31.

3) سورة آل عمران: 64.

4) المحاسن: ح1، ص 246، وكذلك في تفسير البرهان: ج 2، ص768، في ذيل الآية.

5) المصدر السابق.

6) تفسير القمّي: ص 289، والبرهان: ج2، ص 769.


الله ) حتّى فرغ منها، فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرِّمون ما أحلّه اللَّه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللَّه فتستحلونه؟ قال، فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم) (1) .

فإذا تقرّر ذلك يتبيّن أنّ قِوام العبادة بالطاعة، وهي روحها وجوهرها، ولا ريب أنّ الطاعة للَّه لا تُعرف إلاّ بدِلالة منه عزّ وجلّ، إذ لا يصيب العقل البشري مواطن رضا اللَّه وإرادته ومشيئته، ولا يميزها عن مواطن سخطه ونقمته، إلا النزر القليل، ممّا تقضي به الفطرة البشرية من المحاسن وتدركه من القبائح، فمن ثمّ تتبلور ضرورة وجود الدليل على طاعته والهادي إلى إرادته ومشيئته، ومن ثمّ كانت بعثة الأنبياء ونَصبْ الأوصياء من بعدهم ضرورة ملِحّة للوقوف على مواطن طاعة اللَّه.

وبمعرفة طاعة اللَّه يصيب المسلم والمؤمن حقيقة العبادة، وبجهله بطاعة اللَّه يخفق عن إقامة عبادته، فالتوحيد في العبادة هو بالطاعة التي هي الركن الركين، وطاعته تعالى لا طريق لها إلاّ بطاعة نبيّه ورسوله وحججه المنصوبين من قِبله خلفاء في أرضه.

المنهج السلفي وعبادة إبليس:

أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في استعراضه لقصّة إبليس مع آدم في أكثر من سبع سور (2) ، إذ قال تعالى في سورة ص: ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ

____________________

1) مجمع البيان: ج5، ص 43.

2) سورة البقرة: 30، سورة الأعراف:11، سورة الحجر:30، سورة الإسراء:61، سورة الكهف:50، سورة طه: 116، سورة ص: 57.


وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِين َ ) (1) .

وقال في سورة البقرة: ( إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (2) .

قد بيّنت الآيات الكريمة أنّ الخضوع والانقياد لآدم توحيد للَّه في العبادة، لأنّه خليفة اللَّه، وأنّ ترك الانقياد له شرك وكفر في العبادة وإن أتى بصورة السجود للَّه كما ورد في الأحاديث.

ففي الخطبة القاصعة لأمير المؤمنين عليه‌السلام قال: (ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين؛ ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه - وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب -: ( إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ ) ، اعترضته الحميّة، فافتخر على آدم بخَلْقه، وتعصّب عليه لأصله، فعدو اللَّه إمام المتعصّبين، وسلف المستكبرين... وكان قد عبد اللَّه ستّة آلاف سنة، لا يُدرى أمن سِنِي الدنيا أم من سِني الآخرة، من كِبرٍ ساعة واحدة، فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللَّه بمثل معصيته؟) (3) .

وكالذي رواه الراوندي بإسناده إلى الصدوق بسنده الصحيح: (عن هشام، عن الصادق عليه‌السلام قال: أُمر إبليس بالسجود لآدم، فقال: يا رب، وعزّتك إن أعفيتني من السجود لآدم لأعبدنّك عبادة ما عبدك أحد قطّ مثلها. قال اللَّه جلّ جلاله: إنّي أُحبّ أن أُطاع من حيث أُريد) (4) . ورواه القمّي في تفسيره بسنده، إلاّ أنّ فيها: (لا حاجة لي إلى عبادتك؛ إنّما

____________________

1) سورة ص: 71 - 85.

2) سورة البقرة: 32.

3) نهج البلاغة، خطبة 192، الخطبة القاصعة.

4) البحار: ج 2، ص 262، و: ج 11، ص 145، و: ج 60، ص 250.


أريد أن أعبد من حيث أُريد لا من حيث تريد) (1) .

وكذا في تفسير علي بن إبراهيم كما نقله المجلسي في البحار (2) .

وروى الطبرسي في الاحتجاج في جواب مسائل الزنديق، عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، أنّه سُئل: (أيصلح السجود لغير اللَّه؟ قال: لا. قال: فكيف أمر اللَّه الملائكة بالسجود؟ فقال: إن من سجد بأمر اللَّه فقد سجد للَّه فكان سجوده للَّه؛ إذ كان عن أمر اللَّه. ثمّ قال عليه‌السلام : فأمّا إبليس فعبدٌ خَلقه...) (3) .

وروى الشوكاني في فتح القدير، قال: (وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس، قال: كانت السجدة لآدم والطاعة للَّه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الحسن، قال: سجدوا كرامة من اللَّه أُكرم بها آدم. وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم المزني، قال: إنّ اللَّه جعل آدم كالكعبة) (4) .

وقال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله ) (5) .

والآية الكريمة من ملاحم الآيات في تبيان حقيقة العبادة والقبلة والصلاة، حيث بيّن تعالى أنّ غاية جعل القبلة السابقة في الصلاة هو اتّباع الرسول وطاعته، وليحْصِل التمحيص بين المطيع وبين مَن ينقلب على عقبيه، ولا يخفى ما لصعوبة هذا الامتحان، حيث تمّ تبديل القبلة من البيت الحرام إلى بيت المقدس، أي إلى قبلة اليهود والنصارى، وشُرّعت بعدما كان البيت الحرام - في بدء الشريعة النبوية وأوائل البعثة في مكّة - هو القبلة، وهو من الخطورة بمكان؛ حيث إنّ القبلة في العبادة والدين من النواميس العظيمة.

____________________

1) تفسير القمّي: ج1، ص 42.

2) البحار: ج 11، ص141، و: ج 63، ص 274.

3) البحار: ج 11، ص 138.

4) فتح القدير: ج1، ص 66، ذيل سورة البقرة: الآية 34.

5) سورة البقرة 143: 2


ولا سيما وأنّ قبلة البيت الحرام قد توارثتها قريش من ملّة إبراهيم وإسماعيل الحنيف، وكان البيت الحرام هو محور النسك والمناسك المختلفة العبادية في الصلاة والطواف والذبائح والقرابين، وتبديل القبلة - حينئذٍ - التي هي مَعْلَم رئيسي في الدين يدلّ على مدى موقعيّة الرسول وولايته وطاعته في الديانة، وأنّ الديانة وطريق العبودية للَّه تعالى هو باتّباع وطاعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ قوام القبلة والعبادة باتّباع الرسول وطاعته، فكانت محنة هذا الامتحان عظيمة جدّاً ليتقرّر معنى الديانة والدين.

ومن ثمّ قال تعالى: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ) (1) ، وقال تعالى: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (2) ، وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) (3) .

فتبيّن من الآيات: إنّ روح العبادة ولبّ التوجّه في القبلة إلى وجه اللَّه، هو الاتّباع والطاعة للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّ حقيقة عبادته تعالى كامنة في طريق طاعة واتّباع

____________________

1) سورة البقرة: 177.

2) سورة التوبة: 19، نزلت هذه الآية في محاجّة بين عليّ عليه‌السلام وشخص آخر، فنزلت بتفضيل عليّ عليه‌السلام .

3) سورة الحجرات: 1ـ3، نزلت هذه عند رفع الأوّل والثاني صوتهما فوق صوت النبيّ (صلّى الله عليه وآله


النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا مخالفته والجرأة عليه.

فتبيّن من ذلك: إنّ جوهر العَبَدة ليس بشكل وهيئة رسوم العَبَدة، بل جوهر العَبَدة الطاعة والطوعانية، والخضوع والانقياد؛ إذ لو كان مدار التوحيد في العَبَدة على نفي الواسطة المنصوبة من قبله تعالى ونفي الوسيلة، لكان إبليس إمام الموحّدين، ولكان قدوة الموحّدين في نفي العقيدة الشركية في العَبَدة؛ لأنّه عَرض على اللَّه أن يعبده عَبَدة من دون واسطة خليفة اللَّه آدم، وهذا العرض - بحسب الصورة الظاهرة - أبلغ في دعاء اللَّه وحده بلا شريك، بينما نرى الباري تعالى قد حكم بأنّ ما فعله إبليس بنفي الواسطة الإلهية كفر، بل وحكم بأنّ رغبة إبليس في عبادته مباشرةً شرك.

وقد فسّر أمير المؤمنين وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ذلك: بأنّ رفض إبليس للواسطة الإلهية، وطلبه للسجود مباشرةً للَّه من دون الانقياد لآدم عليه‌السلام ينطوي في الحقيقة على تكبّر على اللَّه؛ لأنّه لم يسلّم لربّ العزّة في قضائه وأمره.

والكبر: انفساخ عن العبودية وبروز لفرعونية الذات، فرأى في نفسه الاستقلال عن باريه، فردّ عليه أمره، ورأى تقدّم رأيه على حكم اللَّه وحكمته. وكلّ ذلك ينطوي على إنكار مقامات ربوبيته تعالى، وصفاته الكمالية بنحو مستبطن، فاعتدّ إبليس بذاته؛ بأنّ له شأن الارتباط والتلقّي مباشرةً عن الباري، وهذا يؤول إلى الاستخفاف بعلوّ مقامات الربوبية، وإنكار عزّ الشؤون الإلهية.

وسنّة إبليس هذه قد ارتكبتها أغلب الأُمم التي كفرت بأنبيائها وأوصيائها، كما قال تعالى: ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِي‏ءٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ) (1) ، فبيّن أنّ سبب إنكارهم

____________________

1) سورة المدّثّر: 49 - 52.


لدعوات الأنبياء استطالتهم ليكون كلّ واحد منهم نبيّاً، فالتكبّر والاستعلاء على الواسطة الإلهية ينطوي على الكفر بالمقامات الإلهية، وبالتالي إلى جحد وإباء للواسطة الإلهية.

وقال تعالى أيضاً: ( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولاً ) (1) ، فدعاوى نفي الوسائط الإلهية والوسيلة إليه تعالى تحت ذريعة الارتباط مباشرةً به، هي هتك للحجب الإلهية، وتجرّي على حرمات الشؤون الإلهية، وهو ناشئ - حقيقةً - عن عدم التسليم بعظمة الصفات الإلهية، وعدم التوحيد في المواطن المختلفة. فالإباء والرفض للتوجّه إلى الواسطة والوسيلة المنصوبة من قبله تعالى، تحت شعار لزوم الطلب مباشرة من اللَّه لا من الواسطة ولا التوبة إلى الواسطة، ينطوي على التكبّر الإبليسي، والاستخفاف بالمقام الربوبيّ.

ومن ثمّ نجد أنّ القرآن الكريم يشير إلى أنّ شِرْك عَبَدة الأوثان ناشئ من اختيار الوثنيين تلك العَبَدة من عند أنفسهم دون إذنٍ من اللَّه تعالى وحُكِم منه، لا من جهة وجود الواسطة والوسيلة بين المخلوق - الذي ليس من المقرّبين إلى الساحة الربوبية - وبين الخالق؛ فإنّ الواسطة والوسيلة ضرورة تكوينية وسنّة إلهية، بل شِرك الوثنيين وعَبَدة الأوثان هو من جهة اقتراحية الواسطة والوسيلة، أي كون تعيينها من قبل أنفسهم. والخلط بين الأمرين غالط به الكثير في باب التوحيد، والوجه الذي إليه يتوجّه الأولياء.

فشرك الوثنيين في الواسطة هو من حيث هم يريدون ويختارون، لا من حيث يريد اللَّه ويختار. ومن حيث هم يشاؤن، لا من حيث يشاء اللَّه.

____________________

1) سورة الإسراء: 94.


فيجعلون لأنفسهم حقّ التصرّف في تحديد العلاقة بينهم وبين ربّهم، ويجعلون لأنفسهم السلطان المقدَّم على سلطانه تعالى، ومن ثمّ يجعلون أنفسهم أرباباً بدل أن يكونوا عبيداً له تعالى.

فمن ذلك يتبيّن: أنّ الوثنية وشرك عَبَدة الأصنام ينطوي على الاستكبار والكفر الذي هو سنّه إبليس اللعين، لا من جهة ضرورة أصل الواسطة والوسيلة، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) (1) . وقال تعالى: ( أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ) (2) .

فالآيتان يشير مفادهما إلى أنّ المحذور، وهو عدم إلاذن - وهو السلطان - من اللَّه في تعيين مصداق الواسطة والوسيلة، لا كون المحذور في وجود الوسيلة.

وكذا قوله تعالى على لسان إبراهيم الحنيف في محاجّته لعَبَدة الأصنام: ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (3) .

وقوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِْثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (4) .

وقوله تعالى في مشركي قريش في معركة أُحد: ( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ) (5) .

وقوله تعالى على لسان يوسف النبيّ عليه‌السلام : ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (6) .

قابلت

____________________

1) سورة الحج: 71.

2) سورة الروم: 35.

3) سورة الأنعام: 81.

4) سورة الأعراف: 33.

5) سورة آل عمران: 151.

6) سورة يوسف: 39 - 40.


بين توحيد الحكم وتوحيد العبادة من جهة، وبين عَبَدة الأرباب من دون اللَّه من جهةٍ أُخرى؛ لكونها بدون سلطان وأمر منه تعالى، ممّا يقتضي أنّ مدار الشرك في العبادة في قبال التوحيد في العبادة يدوران مدار وجود الأمر الإلهي وعدمه.

فتؤكّد هذه الآيات، على أنّ شرك الوثنيين وعَبَدة الأصنام ليس بسبب وجود الواسطة بين البشر والباري، ولا بسبب وجود الوسيلة، بل إنّما شرك الوثنيين هو بسبب استقلالهم باتّخاذ الواسطة من عند أنفسهم، وتقديم اختيارهم وإرادتهم على اختيار اللَّه وإرادته. ففي الآيات تقرير لضرورة الوسيلة والواسطة، فأمّا الوثنيون فأشركوا إرادتهم ومشيئتهم مع إرادة اللَّه ومشيئته، ونازعوه في سلطانه.

ومن ثمّ تكرّر التعبير في هذه السور والآيات لعنوان عدم السلطان لهم بذلك من اللَّه، فجعلوا لأنفسهم سلطاناً يشاركون فيه سلطان اللَّه في تعيين الواسطة والباب إليه تعالى، كما فعل إبليس عندما اقترح على اللَّه نفي الواسطة المنصوبة من قبله تعالى، مقابل أن يعبده كما هو يريد لا كما يريد اللَّه، وكان هذا حال مشركي العرب وعَبَدة الأصنام الذين عبدوا اللَّه من حيث يريدون لا من حيث أراد اللَّه.

فالعقيدة الشركية ليست في الانقياد لواسطة الباري، وإنّما في إشراك إرادة العبد في العبادة مع إرادة المعبود، ومن ثَمّ كان سجود الملائكة لخليفة اللَّه آدم توحيد، وإباء إبليس عن الانقياد للواسطة شرك وكفر؛ لأنّ سجود الملائكة لآدم كان بأمرٍ من اللَّه وسلطانٍ منه، كما قال الإمام الصادق عليه‌السلام في تفسير سجود الملائكة له: (إنّ من سجد بأمر اللَّه فقد سجد للَّه، فكان سجوده للَّه إذ كان عن أمر اللَّه) (1) .

فالشرك يدور مدار إشراك العبد سلطان نفسه في العبادة وكيفيتها مع سلطان الباري، لا في وجود الواسطة من حيث هي واسطة، والوسيلة من حيث هي وسيلة.

____________________

1) البحار، ج 11، ص 138.


كيف! وهي ضرورة، كما أنّ مدار التوحيد هو في التسليم لأمر اللَّه وسلطانه، ولو عبر واسطة ووسيلة، لا في نفي الواسطة والحجاب والباب في البين.

ولك أن تقول: إنّ ما قرّره علماء الكلام والمعرفة من العلوم الأُخرى في تعريف الشرك: بأنّه الخضوع لغير اللَّه بما أنّ الخاضع عبدٌ والمخضوع له ربّ. هو الآخر يرجع إلى تحديد سلطان اللَّه والقول بسلطان الغير وتقديمه على سلطان اللَّه.

وبعبارة أُخرى: إنّ الشرك باعتباره من أقسام الكفر يقابل التوحيد في مقامات عديدة، فكما أنّ التوحيد يُقرّر في مقام الذات الإلهية كذلك الشرك - في مقام الذات - يكون عبارة عن القول بتعدّد الذات الإلهية الواجبية.

فكما أنّ التوحيد في الصفات، هو عبارة عن وحدة الصفات الكمالية مع الذات الأزلية، وأنّ تلك الصفات الكمالية الواجبية لا يتّصف بها أحد غير الباري، فكذلك الشرك في الصفات يُقرّر بتعدّد وتغاير ذوات الصفات عن الذات الإلهية، أو باتّصاف غيره تعالى بتلك الصفات. وكما يُقرّر التوحيد - أيضاً - في الأفعال بأن تُسند الأفعال إلى الباري تعالى وأنّ لا مؤثّر في الوجود إلاّ هو، من دون استلزام ذلك الجبر في أفعال المخلوقين، فكذلك الشرك في الأفعال يُقرّر بأسناد الأفعال لغيره بنحو الاستقلال.

كذلك التوحيد في العبادة هو الخضوع له تعالى بما أنّه واجب الوجود، وأنّ له حقّ الطاعة وسلطان الولاية. والشرك في العبادة يُقرّر بالخضوع لغير اللَّه؛ باعتبار أنّ الغير مستقلّ الذات أو الفعل أو مستقلّ الولاية والسلطان ومستقلّ في حقّ الطاعة، فالشرك في العبادة لا ينحصر في النمط الأوّل - أي الشرك في الذات - كما قد يوهمه التعريف الدارج.

بل إنّ مشركي العرب في الجزيرة وعَبَدة الأصنام من غيرهم لا يعتقدون في


الأصنام والأوثان الاستقلال في وجود ذواتها، ولا أزليتها، ولا الأرواح الكلّية المزعوم تعلّقها في الأصنام. وإنّما شركهم - كما تقدّم - لقولهم بحقّ الطاعة لتلك الأصنام والأرواح من دون إذنٍ ولا أمرٍ من اللَّه.

ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) (1) ، فاتّضح أنّ الشرك في العَبَدة لا يتحقّق بمجرّد الخضوع لغير اللَّه تعالى، بل فيما كان بغير أمر اللَّه وسلطانه، كما أنّ التوحيد في العبادة لا يتحقّق بمجرّد صورة الخضوع للَّه تعالى، بل إنّما يتحقّق فيما كان بأمر اللَّه وسلطانه.

فالشرك في العبادة يدور مدار معنى العبودية من الخضوع والطوعانية لولاية وسلطان المعبود، فإذا جُعل الخضوع لمبدأ سلطانٍ غير اللَّه فيقع الشرك في العبادة، فتعريف العبادة التي هي عبودية التأليه وربوبية المعبود، كما أشار إلى ذلك الشيخ الكبير كاشف الغطاء في رسالته منهج الرشاد لمن أراد السداد: (إنّها الامتثال والانقياد للعظيم في ذاته، المستوجب للطاعة لا بواسطة أمر غيره) (2) أي يستوجب الطاعة بذاته.

ولك أن تقول بأنّها الطاعة والامتثال والخضوع والانقياد للعظيم في ذاته، المستوجب للطاعة لا بأمر غيره، أي المستوجب للولاية بذاته لا بتولية غيره، فالعبادة هي الطوعانية من العابد للمعبود بما له من ولاية ذاتية.

وهذا هو المعنى المصطلح لعبادة التأليه في قبال عَبَدة الخدمة، وعبادة الطاعة بأمر الغير.

____________________

1) سورة الزمر: 3.

2) منهج الرشاد لمن أراد السداد، في المقصد الثاني في تحقيق معنى العبادة: ص54.


صورية الطاعات بدون الولاية

الإيمان شرط في قبول الأعمال

إنّ قبول الأعمال والجزاء عليها هي من السنن الإلهية التي تتبع شروطاً تكوينية خاصّة، والشرط المهم في ذلك هو الإيمان؛ لأنّ العمل إذا لم ينل النور والصفاء عن طريق الإيمان والنية السليمة فهو سراب بقيعة، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (1) ، فالآية تقرّر أنّ الأعمال مهما بلغت من العظمة - التي يراها الناس - إذا لم تقترن بالإيمان باللَّه فهي جميعاً عبث، وهباء، وخيال كالسراب.

وقال تعالى في آية أخرى: ( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْ‏ءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) (2) ، وقال تعالى: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (3) ، تشير إلى أنّ المجازات على الأعمال في الآخرة مشروط بالبقاء على الإيمان، وقال تعالى: ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِْيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (4) .

____________________

1) سورة النور: 39.

2) سورة إبراهيم: 18.

3) سورة الزمر: 65.

4) سورة المائدة: 5.


فهذه الآيات الكريمة تبين لنا الموقف من قبول الأعمال أو رفضها من الباري عزّ وجلّ. ونستطيع أن نعبّر: أنّه يشترط في قبول الأعمال الحُسن الفاعلي؛ لأنّ كلّ عمل له بعدان أو حيثيتان في جهات الحسن والقبح، فتارةً يُلحظ العمل بما هو موجود في الخارج فيحكم عليه بالحسن أو القبح، وتارةً يُلحظ العمل من حيث صدوره من الفاعل وبما ينطوي عليه من دوافع لذلك العمل.

كما جاء في الحديث النبويّ: (إنّما الأعمال بالنيّات)، فوزن وقوام الأعمال والعمل هو بالنيات والنية، والثواب والعقاب على الأعمال يلحظ فيه جانب الحسن الفاعلي، قال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (1) ، فلم يقل عزّ وجلّ: (أكثركم عملاً) حتّى يكون المدار على الحسن الفعلي، بل قال ( أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) ؛ وإلاّ لو كان الحسن الفعلي هو المدار لعُوقب المجبور والمضطرّ على صدور المحرّم منه أو ترك الواجب.

ولهذا يُلاحظ أنّ بعض الأعمال قد أعطى اللَّه سبحانه وتعالى الثواب عليها لبعض الناس، ولم يعط لآخرين قاموا بأعمال هي في الظاهر أكثر، كما في تصدّق الخاتم من أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى الفقير حال الركوع فنزلت بحقّه الآية المباركة: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (2) ، وقوله تعالى: ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ... ) (3) ، فإنّ القيمة ليست للخاتم التي بسببها نزلت الآية، بل من جهة قيمة خلوص العمل، وهكذا قضية تصدّق الزهراء عليها‌السلام بأقراص الشعير.

وهكذا الأعمال تقاس بهذا المنظار، فالزكاة مع الرياء، أو الجهاد وفتح البلدان

____________________

1) سورة الملك: 2.

2) سورة المائدة: 55.

3) سورة الإنسان: 9.


بغير خلوص هو سراب يصبّ في نزوات الهوى، وجمع الثروات، والتوسّع في اللذائذ والشهوات.

فالإيمان باللَّه واليوم الآخر شرط أساسي في قبول الأعمال؛ لأنّ الحسن الفاعلي - كما قلنا - لا يمكن أن يتحقّق بدون عقيدة الإيمان؛ لأنّ العمل بدون الإيمان باللَّه سبحانه وتعالى لا يكون إليه، وإنّما يكون للأنا وللذات ونزعاتها السفلية، وهو فارغ عن الغاية التي يريدها اللَّه من الأعمال؛ فإنّ روح الأعمال هو الإخلاص، ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (1) .

أمّا العمل بدون الخلوص فهو في حقيقته تمرّد وتكبّر على الباري، كما هي أعمال إبليس التي أوصلته إلى الهلاك والكفر وحبط الأعمال.

فقصّة إبليس الواردة في القرآن الكريم نموذج على ما آلت إليه أعماله التي هي في ظاهرها منتهى العبودية، فإنّه - لعنه اللَّه - كان قد سجد، سجدة واحدة، ستّة آلاف سنة، وكان يقرّ للَّه بالوحدانية، وأنّه مخلوق من مخلوقاته، وكان يقرّ بيوم المعاد وبنبوّة آدم بنصّ القرآن الكريم: ( خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) (2) ، و ( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (3) ، فهذا اعتراف وإقرار منه باللَّه تعالى وأنّه مخلوق من مخلوقاته، وأمّا إقراره بيوم المعاد والآخرة: ( قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (4) ، ولكن لم ينفعه كلّ ذلك العمل وذلك الإقرار، صار لعيناً مرجوماً كافراً، ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (5) .

وعليه، فالإيمان شرط في قبول الأعمال، وهذه حقيقة مسلّمة عند جميع المسلمين، إنّما الكلام يقع حول أجزاء الإيمان، فهل تقتصر على التوحيد والنبوّة

____________________

1) سورة البينة 5.

2) سورة الأعراف 12.

3) سورة ص 79.

4) سورة الأعراف 14.

5) سورة البقرة 34.


والمعاد؟ أم تشمل معرفة الإمام، والولاية له، وممّا يقرّر ذلك؟ وأنّ ولاية أهل البيت شرط في قبول الأعمال؟

نذكر في مقام الاستدلال على ذلك عدّة وجوه: قرآنية، وحديثية، وعقلية:

ولاية أهل البيت عليهم‌السلام شرط لقبول الأعمال

الدليل الأوّل: الآيات القرآنية:

الآية الأُولى: قوله تعالى: ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) ، ذكر علماء المسلمين من الخاصّة والعامّة، من رواة ومؤرّخين ومفسّرين متواتراً: أنّ كلمة القربى هي خاصّة بأُناس قد عيّنهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعندما يستعرض الباحث للسيرة النبويّة الشريفة يرى أنّ النبيّ لم يكن يدع فرصة أو مناسبة صغيرة كانت أو كبيرة إلاّ ويؤكّد لهم من خلالها على تحديد قُرُباه، في حديث الكساء، والأحاديث الأُخرى: (عليّ منّي وأنا من عليّ)، (فاطمة بضعة منّي. .. )، (حسين منّي وأنا من حسين)، وهكذا توجد أحاديث كثيرة بهذا المضمون.

ولابدّ أن يكون هناك خطب كبير يترتّب على هؤلاء القُربى، مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالرسالة التي بعث بها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله . والآية المباركة هي من ملاحم الآيات القرآنية التي تبيّن حقيقة الرسالة الخاتمة الكاملة التي جاء بها، والتي تشمل جميع الأعمال من اعتقادات: بالتوحيد، والنبوّة، والمعاد. وعبادات: من صلاة، وصيام، وحجّ وزكاة... إلخ.

وبعبارة أُخرى: من فروع وأُصول، فإنّها جميعاً وقعت طرف معاوضة وتعادل في قبال محبّة أهل البيت، ومقتضى التعادل والمعادلة بين العوض والمعوّض هو

____________________

1) سورة الشورى: 23.


كون العوض بدرجة قيمة المعوّض، ولا ريب أنّ عمدة وثقل الرسالة هي في أُصول الدين وأركانه، لا مجرّد الفروع، فإذا كان في المعوّض والتي هي الرسالة جملة أُصول الدين، فلا بدّ أن يكون العوض هو أيضاً من أُصول الدين؛ بمقتضى الموازنة والمعادلة.

وجعل العوض في قبال جملة أُصول الدين في المعوّض دالّ على كون مودّة القربى وولايتهم هو مفتاح لمعرفة بقية أُصول الدين. وهذا يدلّ ويقضي بالترابط بين مجموع هذه الأُصول وأنّ الباب والمفتاح لبقية حقائق أُصول الدين يمرّ بولايتهم.

فمن أراد مدينة الإيمان فلابدّ عليه أن يأتيها من بابها، فمغزى إفراد الولاية، والمودّة للقربى، في كفّة وطرف المعاوضة، في قبال جملة بقية أُصول الدين في طرف آخر، هو إشارة لهذا المعنى وبيان لهذا الترابط العضوي في محاور أُصول الدين، وأنّ الوصول إلى حقائق الإيمان - لا مجرّد ظاهر الإسلام - هو بولاية القربى ومودّتهم؛ لأنّها الهداية إلى بقية الأُصول، والعاصمة عن الضلال، كما هو مؤدّى حديث الثقلين؛ حيث اشترط في العصمة من الضلال لزوم التمسّك بالكتاب والعترة.

وهذا ممّا يفيد أنّ صحّة التوحيد وصحّة الإيمان بالنبوّة والمعاد لا بدّ في تحققهما من ولاية ومودّة ذي القربى، فضلاً عن الثواب والجزاء عليها، فإذا كان هكذا الحال في أُصول الدين ففي فروعه أوضح؛ حيث إنّها في الرتبة الثانية من أجزاء الرسالة.

فتبين من مفاد هذه الآية الشريفة: أنّ مودّة القربى شرط في تحقّق أُصول الدين، فضلاً عن الثواب عليها. ناهيك عن أعمال الفروع والثواب عليها. وبالتالي، فولاية القربى شرط في صحّة الأعمال فضلاً عن قبولها، وأنّ المراد


بتلك الأعمال ما يشمل الاعتقاد لا صرف أفعال الجوارح، وهذه قراءة عميقة لقاعدة شرطية الولاية في صحّة الأعمال.

الآية الثانية: وهي قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلامَ دِينًا ) (1) النازلة بعد قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (2) .

ومن الواضح من الآيتين أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أُمر من قِبله تعالى بإبلاغ أمر بالغ الخطورة والأهميّة، بحيث لولا إبلاغه لما كانت هناك أيّة جدوى في إبلاغ التوحيد والنبوّة والمعاد وأركان الدين، فضلاً عن تفاصيل الفروع؛ إذ عمدة اسم الرسالة قد طُبّق على الأُصول والأركان.

وكان ذلك الأمر المأمور بإبلاغه شديد الوقع على نفوس المسلمين؛ إلى درجة كان الرسول يتخوّف تمرّدهم عن الطاعة والتسليم. وكلّ هذا المفاد يجده المتمعّن اللبيب في أجواء ألفاظ الآيتين، وقد ذكر المفسّرون ورواة الحديث نزولهما في إبلاغ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لإمامة وولاية عليّ عليه‌السلام من بعده في غدير خم (3) .

ومفاد الآيتين يتناغم بشدة مع مفاد آية المودّة؛ حيث يشير إلى التقابل بين جملة الرسالة والديانة في طرف، وما أُبلغ في ذلك اليوم في طرف آخر، كما مرّ ذلك في مفاد آية التبليغ، حيث علّق رضاه تعالى بمجمل الرسالة والدين على ذلك الأمر، أي علّق رضاه بالتوحيد والنبوّة والمعاد وأركان الدين على ذلك الأمر، فقبولها موقوف عليه، بل في الآية دلالة على توقّف صحّتها عليه حيث علّق إكمال الدين عليه.

____________________

1) سورة المائدة: 3.

2) المائدة: 67.

3) لاحظ: كتاب الغدير، للأميني، ج1،ص214 - 247.


والإكمال يغاير الإتمام الذي في النعمة، حيث إنّ كمال الشي‏ء يغاير تمامه؛ إذ كمال الشي‏ء هو بصورته التي هي قوام هويته، وأمّا تمام الشي‏ء فهي نعوته الطارئة بعد تحقّق هويته، فمفاد هذه الآية يدلّ على ما تقدّم استنتاجه واستظهاره في آية المودّة من أنّ أُصول الدين وأركانه فضلاً عن الفروع مشروطة بالولاية، كما أنّ المشروط في الأعمال بالولاية هو صحّتها فضلاً عن قبولها.

الآية الثالثة: وهي قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ) (1) ، وقد تقدّم دلالة الآيات المتعرّضة لقصّة آدم وإبليس على المطلوب إجمالاً، حيث إنّ إبليس كان مقرّاً بالتوحيد والمعاد حينما قال: ( رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (2) ، وكذا كان مقرّاً بنبوّة لآدم عليه‌السلام حينما قال: ( أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) (3) .

ولكنّه لم يكن يأتمّ بآدم ويتولاه ويتابعه ويطيعه، حيث إنّ السجود عنوان لكلّ ذلك فالإباء عن السجود عبارة عن ذلك، ومع كلّ إقراره بالثلاثة من الأُصول، ولكنّه استحقّ الطرد والرجم والذمّ من اللَّه تعالى. وظاهر هذه الأحكام هو عدم صحّة صور ما أقرّ به من توحيد ومعاد ونبوّة، إذ حُكم على صورة إيمانه بالكفر، مضافاً إلى العقوبة؛ فليس التولّي لوليّ اللَّه والائتمام به مجرّد شرط لقبول بقية

____________________

1) سورة ص: 71 - 78.

2) سورة ص: 79.

3) سورة الإسراء: 62.


الاعتقادات، بل هو شرط صحة لها. فالأُصول الاعتقادية عبارة عن نسيج مترابط كلّ منها دخيل في صحّة الآخر.

ويظهر من مفاد هذه الآيات ما ظهر من مفاد الآيات السابقة؛ من كون ولاية خليفة اللَّه وحجّته شرط في صحّة الأعمال - لا في مجرّد قبولها فقط -، وشرطٌ في صحّة الاعتقادات، لامجرّد أعمال الجوارح.

وهناك طوائف أُخرى من الآيات الواردة في ولايتهم عليهم‌السلام دالّة على ذلك، لكن نكتفي بهذا القدر من الإشارة في المقام.

الدليل الثاني: الأحاديث النبويّة والقدسيّة المستفيضة الواردة عند الفريقين:

(لو أن عبداً عمّره اللَّه ما بين الركن والمقام، يصوم النهار ويقوم الليل حتّى يسقط حاجباه على عينيه، ثمّ ذُبح مظلوماً كما يُذبح الكبش، ثمّ لقي اللَّه بغير ولايتهم عليهم‌السلام ، لكان حقيقاً على اللَّه عزّ وجلّ أن يكبّه على منخريه في نار جهنّم) (1) .

وفي الحديث القدسي: (ثمّ لقيني جاحداً لولاية عليّ لأكببته في سقر) (2) .

بل في بعضه: (إنّ للَّه في وقت كلّ صلاة يصلّيها هذا الخلق لعنة، قال: قلت: جُعلت فداك ولم؟ قال: بجحودهم حقّنا وتكذيبهم إيّانا) (3) .

وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام في جواب الزنديق مدّعي التناقض في القرآن، قال: (..

____________________

1) ورواه جملة من العامة ومنهم الحاكم في المستدرك ج 3، ص 148، ط / حيدرآباد، وقال: إنّه صحيح على شرط مسلم. ومنهم العلامة الطبراني في ذخائرالعقبى، ص 18، ط / مكتبة القدس بمصر. ومنهم السيوطي في إحياء الميت ص 111، ط / مصطفى الحلبي مصر. ونقله في الخصائص الكبرى، ج 2، ص 265. ومنهم: الهيثمي في مجمع الزوائد، ج9، ص 171، ط/ مكتبة القدسي بالقاهرة. ومنهم: القندوزي في ينابيع المودة، ص 192، وغيرهم، فلاحظ: إحقاق الحق، ج 9، ص 492 - ص 294، وكذلك: ج 15، ص 599 و ج 19، ص 284.

2) المحاسن للبرقي، ج1، ص90، روضة الواعظين للنيسابورى، ص 126.

3) الوسائل، ج 1، ص 95، البحار، ج 69، ص 132.


وأمّا قوله: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ) (1) . وقوله: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) (2) ، فإنّ ذلك كلّه لا يغني إلاّ مع الاهتداء، وليس كلّ من وقع عليه اسم الإيمان كان حقيقاً بالنجاة ممّا هلك به الغواة، ولو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد، وإقرارها باللَّه، ونجا سائر المقرّين بالوحدانية، من إبليس فمَن دونه في الكفر، وقد بيّن اللَّه ذلك بقوله: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) (3) ، وبقوله: ( الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) (4) .

وللإيمان حالات ومنازل يطول شرحها، ومن ذلك: إنّ الإيمان قد يكون على وجهين: إيمان بالقلب، وإيمان باللسان كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لمّا قهرهم السيف، وشملهم الخوف، فإنّهم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم.

فالإيمان بالقلب هو التسليم للربّ، ومن سلّم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره، كما استكبر إبليس عن السجود لآدم، واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم، فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل، فإنّه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام لم يُرد بها غير زخرف الدنيا والتمكين من النظرة، فلذلك لا تنفع الصلاة والصدقة إلاّ مع الاهتداء إلى سبيل النجاة وطريق الحقّ) (5) .

وفي بعض الروايات عن الإمام الصادق عليه‌السلام : (فلو كان لك بدل أعمالك هذه عبادة الدهر من أوّله إلى آخره، وبدل صدقاتك والصدقة بكلّ أموال الدنيا، بل بمل‏ء الأرض ذهباً، لما زادك ذلك [ بدون ولاية أهل البيت عليهم‌السلام ] من رحمة اللَّه إلاّ بُعداً، ومن سخط اللَّه إلاّ

____________________

1) سورة الأنبياء: 94.

2) سورة طه: 82.

3) سورة الأنعام: 82.

4) سورة المائدة: 41.

5) الاحتجاج للطبرسي، ج1، ص 368، البحار، ج27، ص 174.


قرباً) (1) .

ونُقل عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (رجلٌ حضر الجهاد في سبيل اللَّه فقُتل مقبلاً غير مدبر، والحور العين يطلعن إليه، والخزّان يتطلّعون ورود روحه عليهم، وأملاك الأرض يتطلّعون نزول حور العين إليه، والملائكة وخزّان الجنان، فلا يأتونه! فتقول ملائكة الأرض - حوالي ذلك المقتول -: ما بال الحور العين لا ينزلنّ إليه؟ وما بال خزّان الجنان لا يردون عليه؟ فيُنادَون من فوق السماء السابعة: يا أيّتها الملائكة، انظروا إلى آفاق السماء ودوينها. فينظرون، فإذا توحيد هذا العبد، وإيمانه برسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصلاته، وزكاته، وصدقته، وأعمال برّه، كلّها محبوسات دوين السماء، قد طبّقت آفاق السماء كلّها كالقافلة العظيمة قد ملأت ما بين أقصى المشارق والمغارب ومهاب الشمال والجنوب، تنادي أملاك تلك الأثقال الحاملون لها الواردون به: ما بالنا لا تفتح لنا أبواب السماء لندخل إليها بأعمال هذا الشهيد؟ ... ).

وفي تتمّة الرواية أنّه يُأمر بتلك الأعمال فتوضع في سواء الجحيم؛ لأنّ ليس لذلك الرجل موالاة عليّ والطيبين من آله، ومعاداة أعدائه، ويُقلّب اللَّه تلك الأثقال من الأعمال أوزاراً وبلايا على فاعلها؛ لمّا فارقها عن مطاياها من موالاة أمير المؤمنين عليه‌السلام ؛ ولموالاته لأعدائه (2) .

قراءة ثالثة للقاعدة:

العبادة من دون الولاية عصيان وعدوان، والأعمال بدون الولاية آثام.

ومضمون هذه الروايات يتضمّن ما تقدّم، من أنّ الولاية شرط في الصحّة فضلاً عن القبول، وشرط في أُصول العقائد فضلاً عن الفروع. ويزيد ويمتاز بمعنى

____________________

1) البحار، ج27، ص 187.

2) البحار، ج 27، ص 187 - 190.


ثالث، وهو أنّ تلك الأعمال التي صورتها إيمان وطاعة، هي في حقيقتها كفر ومعصية.

وهذا المعنى يثقُل على السامع تصوّره، فضلاً عن تصديقه في الوهلة الأُولى، وتمجّه النفوس وتنفر منه الأذهان وتتلّكأ عنده الألسن، لكنّ الحقيقة إذا اتضحت معالمها لا مفرّ من الأخذ بها واتّباعها، وإذا حصحص الصبح انقشعت غياهب الظلمة، وليكن تقرير مفاد هذه الروايات هو تقرير الدليل العقلي كما ترشد إليه الروايات بل والقرآن أيضاً، فالأحرى في المقام تقريره.

الدليل العقلي، ويقرّر بأنحاء:

الأوّل: قد مرّ أنّ حقيقة، وروح، ومخّ وقوام العبادة، هو بالطوعانية والضَراعة والخضوع والتذلّل للباري، والتسليم والسِلم والانقياد له، وهو جوهر العبادة والعبودية، وقلب ومركز وقطب معناها، فمع خلوّها عنه لا تعدوا أن تكون قشور خاوية اللب، وبدن جائف ميتة بلا روح، فهو قوام القربة والتقرّب، فالعبادة والعبودية هي الطاعة والطوعانية، والطاعة هو الانقياد لإرادة اللَّه والخضوع لها. وأمّا تحكيم إرادة النفس على إرادة الربّ فهو تجرّي واستكبار على العظيم - عزّ وجلّ - وعصيان له.

وإرادة اللَّه لا يهتدي إليها البشر من أنفسهم، ومن ثمّ احتاجوا إلى بعثة الرسل، وبمجملات الشريعة ومتشابهاتها لا يحيط البشر بتفاصيل إرادة الربّ من قبل أنفسهم، ومن ثمّ اضطرّوا إلى الحجّة والإمام الراسخ في العلم الذي تكون إرادته ومشيئته هي مظهر مشيئة وإرادة اللَّه.

فمِن ثمّ امتنع الاطّلاع على إرادات الربّ من دون حجّته وخليفته في أرضه، ومِن ثمّ اضطرّ البشر إلى ولاية خليفة اللَّه والمطهَّر من عترة نبيّه؛ لكي يطلعوا على مواطن إرادات اللَّه ورضاه، وإلاّ امتنع عليهم عبادة اللَّه، وكانوا فيما يمارسونه من طقوس وصور عبادية هي معاصي وتجرّي على اللَّه؛ بتحكيمهم إراداتهم وميولهم وأهوائهم على إرادة


اللَّه، وكانوا يطيعونه من حيث تريد أنفسهم، ولا يطيعونه من حيث يريد، ولأجل ذلك احتاجوا - في تحقّق عبادتهم للَّه تعالى - إلى دلالة وهداية الإمام والحجّة المنصوب من قبله.

ومن ذلك يتبيّن أنّ السجود الطويل من قبل إبليس حيث لم يكن منطوياً على الخضوع للَّه؛ لعدم خضوع إبليس لمن أمره اللَّه تعالى بالخضوع له، وهو خضوعه لآدم وتوليّه له. فلم يكن إبليس في صورة طاعته مقيمٌ على الطاعة ولا خاضع لإرادة الربّ، بل كان في سجوده مقيم على الجموح والطغيان والتعدّي على الربّ، وتحكيم إرادته على إرادة اللَّه، وكان سجوده الصوري حقيقته معصية وطغيان، واستكبار وعدوان، على ساحة القدس الإلهي.

وبذلك يتبين أنّ صورة العبادات من دون طاعة اللَّه بولاية وليّه هي عدوان وعصيان، وترك للمواطن الحقيقية لعبادة اللَّه، وانتهاج لمناهج عبادية تتطاول فيها إرادة العبد على إرادة المعبود. وبهذا البيان العقلي يتبين المعنى الثالث للقاعدة وهي شرطية الولاية في العبادات والأعمال، وأنّ بدونها تكون تلك الأفعال هتوك واجتراءات على المولى العزيز، يُؤزر فاعلها ويأثم بها بدل أن يُثاب، لا أن يُحرم من مجرّد الثواب.

هذا تقرير لهذا الوجه في الأعمال، وأمّا تقريره على صعيد الإيمان والاعتقادات، فبيانه:

أنّ الإيمان عمل كلّه وطاعة كلّه، فليس الطاعة والعمل مخصوصين بأعمال الجوارح، بل يعمّان أعمال الجوانح، كما يعمّان أعمال القلوب من الإيمان بالأصول الاعتقادية، ولذلك ورد: أنّ أوّل الفرائض التي افترضها اللَّه على العباد هو التوحيد والمعرفة، بمعنى الإيمان والإذعان والإخبات والتسليم، وكذلك الإقرار القلبي ببعثة الرسل، والمعاد، والكتب، وكذلك بأوصياء الرسل، وهم الأئمّة المستخلفين بعدهم. كما مرّ في مفاد آية المودّة الدالّة على أنّ


تولّي العترة المطهّرة هو من أصول الديانة، وكذلك هو مفاد آيتي المائدة النازلتين في بيعة الغدير، وغيرها من طوائف الآيات والأحاديث النبويّة الدالّة على ذلك.

فإذا تقرّر أنّ الإيمان بأُصول الدين فريضةٌ، وطاعةٌ، وعملٌ - بل هو من أكبر الفرائض وأعظم الطاعات والأعمال -، يتبين أنّ الإيمان أيضاً لابدّ فيه من الإخبات والخضوع والانقياد والتسليم، ونحو ذلك. بخلاف ما إذا امتزج بجموح واستكبار وعناد، وجرأة على ساحة الباري، فإنّه لن يعود طاعة وعملاً عبادياً، بل سيكون معصية وطغياناً وفرعنة وصَنَمية للنفس، وعبادة للطاغوت، لا عبادةً للَّه.

فالإباء، والاستكبار عن الإخبات والتسليم والإيمان بوليّ اللَّه وخليفته، يدلّ على انقلاب حقيقة الإيمان إلى طغيان وكفر، أي يدلّ على صورية الإيمان بالتوحيد والمعاد؛ إذ مقتضى الإقرار بالتوحيد هو الإقرار بكلّ الصفات الكمالية للباري، وأنّه الغنيّ المطلق، وأنّ المخلوقات هي عين الفقر المحض والافتقار إليه تعالى، وأنّ له الملك وهو مالك جميع الأشياء، فله ملك ذوات المخلوقات ووجوداتها وأفعالها، وله مالكية الخضوع والطاعة.

فالتمرّد عليه في أُمّهات الطاعات استكبار وإنكار لهذه المالكية، فيرجع إلى الخلل في الإيمان بالتوحيد، وبالتالي يتّضح أنّ عصيان اللَّه في التولّي لوليه هو كفر بمالكية اللَّه واستحقاقه للطاعة، نظير الخلل الواقع في الإيمان بالمعاد أو بالرسالة، فإنّه يؤول إلى الخلل في التوحيد أيضاً، فيكون هناك غاية وراء اللَّه، فتكون - والعياذ باللَّه - ذاته محدودة.

وكذلك الحال في إنكار الرسالة، فإنّه يرجع إلى إنكار كون صلاحية الحكم والتشريع للباري، وبالتالي يؤول إلى عدم الإقرار بعلم الباري النافذ ولا بحكمته، ولا بإحاطته بخفيات وعواقب الأُمور. فالإقرار والإيمان بالتوحيد بمنزلة الإقرار المبهم المجمل الذي لا يتمّ تفصيله


وكماله إلاّ بالإقرار بالتوحيد في مقامات أُخرى، فالإيمان بالمعاد هو مقام آخر من مقامات التوحيد - وهو التوحيد في الغاية - كما أنّ أصل التوحيد هو توحيد في مقام المبدأ والأوّلية، ولا يكمل التوحيد بالاعتقاد بأنّه أوّل من دون الاعتقاد بأنّه آخر، كذلك الحال في الاعتقاد بالرسالة، وببعثة الرسل والكتب المنزّلة، هو اعتقاد بالتوحيد في مقام التشريع ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ ) .

ونفس الشي‏ء يقال في الولاية والإمامة، هو اعتقاد بالتوحيد في مقام الطاعة والولاية، فهذه مقامات وأركان للتوحيد لا يتمّ صرح الاعتقاد بالتوحيد إلاّ بها. وفي تفسير القمّي عنه عليه‌السلام حينما سئل عن التوحيد قال: (هو لا إله إلاّ اللَّه، محمّد رسول، عليّ وليّ اللَّه، إلى ها هنا التوحيد) (1) .

وفي البصائر والتوحيد: عن الصادق عليه‌السلام في بيان فطرة التوحيد، قال عليه‌السلام : (فَطَرَهم على التوحيد، ومحمّد رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله، وعليّ أمير المؤمنين - عليه‌السلام -) (2) .

وبذلك يتبيّن أنّ الاعتقاد ببعض الأُصول والتخلّف عن البعض الآخر، هو كالاعتقاد ببعض الصفات الإلهية وإنكار البعض الآخر، ويؤدّي إلى القول بمحدودية الذات، وتركيبها وتجزّئها، ومن ثَمّ ورد قوله تعالى: ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (3) .

الثاني: قد تقدّم في الأدلّة القرآنية والروائية السابقة أنّ الأعمال تُحبط، وهي حابطة بدون الإيمان، وهذا غير مختصّ بالفروع بل شامل للأُصول أيضاً، والحبط الأخروي للعمل والاعتقاد وإن لم يكن في الاصطلاح الفقهي ملازماً لعدم صحّة العمل والاعتقاد، كذلك في المصطلح الكلامي الدارج، وأنّه فساد بلحاظ الثواب

____________________

1) تفسير الصافي، ج4، ص 132.

2) المصدر السابق.

3) سورة يوسف: 106.


الأخروي والقبول، لا بلحاظ ماهية العمل. إلاّ أنّ الحبط وفق نظرية تجسّم الأعمال هو كون الجزاء هو عين العمل وحقيقته الباقية، ويكون موجِب الحبط كاشفاً عن دخالة ذلك الشي‏ء في الوجود البقائي للعمل والاعتقاد.

وبعبارة أُخرى عندما لا يكون للعمل أجر وثواب فذلك يعني أنّه ليس للعمل حقيقة باقية في الأبد الأخروي، فليس هناك إلاّ صورة العمل لا حقيقته، ويستلزم ذلك كون الموجِب للحبط دخيلاً في حقيقة العمل وبقائه، وكذلك دخيلاً في حقيقة الاعتقاد وبقائه.

ويتبيّن صورية الاعتقاد والأعمال بدون الإيمان، وليس المقصود من صورية الاعتقاد مجرّد الإقرار اللساني، بل إنّ عقد القلب هو على الصورة لا على الحقيقة، فما رواه الفريقان من حبط الأعمال والاعتقادات من دون حبّ علي عليه‌السلام وولايته - كما مرّت الإشارة إلى المصادر - وكذلك ما رواه الفريقان: أنّه قسيم الجنّة والنار، وأنّ حبّه إيمان وبغضه نفاق. دالّ على حبط الاعتقاد، فضلاً عن العمل بدون ولايته.

فقد روى الصدوق في الأمالي بإسناده، عن ابن عبّاس، قال: (قال رسول اللَّه - صلّى الله عليه وآله -: المخالف على عليّ بن أبي طالب بعدي كافر، والمشرك به مشرك، والمحبّ له مؤمن، والمبغض له منافق، والمقتفي لأثره لاحِق، والمحارب له مارق، والراد عليه زاهق. عليٌّ نور اللَّه في بلاده، وحجّته على عباده، وعلي سيف اللَّه على أعدائه، ووارث علم أنبيائه، عليّ كلمة اللَّه العليا، وكلمة أعدائه السفلى، عليّ سيّد الأوصياء ووصيّ سيّد الأنبياء، عليّ أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين وإمام المسلمين، لا يقبل اللَّه الإيمان إلاّ بولايته وطاعته) (1) .

____________________

1) الأمالي، ص 61.



القراءة الثانية

(ولاية عليّ في الشرائع السابقة)

النقطة الأولى:

فكما قد أخذ اللَّه تعالى على النبيّين والرسل الميثاق بالإقرار بنبوّة خاتم الأنبياء، وبُعثوا بالبشارة بها لأقوامهم، أخذ عليهم وعلى أُممهم الإيمان والتصديق بها: ( وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنَّا بِالله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (1) .

فأخذ اللَّه الميثاق على النبيّين في مقابل إيتائهم وبعثهم بالكتاب والحكمة والنبوّة، وشرط عليهم الإيمان بخاتم الأنبياء ونصرته، وكان ذلك الميثاق مشدّداً مغلّظاً وقد أخذ فيه إقرارهم بذلك وأشهدوا عليه تغليظاً.

ولا يخفى أنّ الآية مشحونة بالدلالات على هيمنة مقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على جميع

____________________

1) سورة آل عمران: 81 - 85.


الأنبياء:

منها: التعبير عنهم بالنبوّة والتعبير عنه بالرسالة؛ فإنّ وصف الرسالة أعلى من مقام النبوّة، وفيه إشارة إلى توسّطه صلى‌الله‌عليه‌وآله بين اللَّه تعالى وبين الأنبياء بالرسالة.

ومنها: التعبير عنه (بمصدّق)، والتعبير عنهم بأنّهم (يؤمنون به)، فإنّ ذلك يقتضي اتّباعهم له دونه؛ فإنّه يوثّق نبوّاتهم.

ومنها: التعبير عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ تصديقه أسند إلى ما معهم ممّا قد أُوصي لهم، وهذا يغاير التعبير بأنّه (مصدّق لهم)، بينما التعبير عنهم عليهم‌السلام بأنّهم (يؤمنون به صلّى الله عليه وآله)، أي: جعل متعلّق إيمانهم به صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفيه بيان لعلوّه عليهم في المقامات الإلهية.

ومنها: قد أخذ عليهم نصرته دونه، ولم يؤخذ ذلك عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله . ثمّ بين تعالى أنّ الإيمان بنبوّة خاتم الأنبياء هو دين اللَّه الذي هو الإسلام، وهو دين إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى، والنبيّين.

ونظير هذه الآيات قوله تعالى على لسان نبيّه عيسى عليه‌السلام : ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) (1) ، وكذا قوله تعالى في قضية بني إسرائيل: ( وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ) (2) ، فبيّن تعالى أنّ اليهود كانوا قبل بعثة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يستبشرون به، ويستظهرون ببعثته وملكه على المشركين؛ لمعرفتهم ذلك في توراتهم: ( لَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ

____________________

1) سورة الصفّ: 6.

2) سورة البقرة: 89.


وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) .

النبوّة والولاية

وكما قد أُخذ نبوّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والإيمان بها على الأنبياء السابقين وأُممهم؛ لكونها قوام دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء، فكذلك قد أُخذت ولاية عليّ عليه‌السلام وإمامته على الأنبياء السابقين وأُممهم لأخذها في قوام دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء والرسل السابقين. ولبيان ذلك لابدّ من الالتفات إلى نقطتين:

قاعدة أديانية: وحدة الدين وتعدّد الشرايع

الأُولى: إنّ هناك تعدّد بين معنى الدين والشريعة، فإنّ الدين واحد وهو الإسلام الذي قد بُعث به جميع الأنبياء والرسل ولا نسخ فيه، وهو مجموعة أُصول العقائد والمعارف، وأركان الفروع وأُصول المحرّمات والواجبات في الفروع، وهذا بخلاف الشريعة؛ فإنّ لكل رسول شريعة وهي ناسخة لشريعة النبيّ والرسول الذي قبله، والشريعة هي تفاصيل التشريعات في الفروع.

ويشير إلى هذا التغاير قوله تعالى: ( ِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (2) ، فالدين عند اللَّه واحد وهو الإسلام، ولم يبعث الأنبياء بأديان مختلفة، وإنّما الذي أحدث اختلاف الأديان هم أتباعهم، حيث حرّفوا الدين

____________________

1) سورة الأعراف: 157.

2) سورة آل عمران: 19.


الواحد وهو دين الإسلام بغياً.

ويشير إلى ذلك أيضاً قوله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) (1) ، فبيّن تعالى تعدّد شرائع ومناهج الأنبياء بخلاف الدين فإنّه واحد، وسيأتي تفصيل هذه النقطة وبسطها.

ونستخلص من هذه النقطة في المقام أنّ الأُصول الاعتقادية وأُصول الإيمان هي من مساحة الدين، ومن مقوّمات دين الإسلام غير القابلة للنسخ والتبدّل والتغيّر، فلا تكون من أجزاء الشريعة ولا من تفاصيل الفروع.

وهذا المبحث والقاعدة الأديانية ينبع منها مناهل عذبة في بحوث المعرفة الدينية واختلاف المذاهب، وينبّه إلى هذا التغاير بين الدين والشريعة، ووحدة الدين وتعدّد الشرايع ما رواه الشيخ المفيد في الاختصاص، من (مسائل عبد اللَّه بن سلام) للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله :

(... قال: صدقت يامحمّد، فأخبرني إلى ما تدعو؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إلى الإسلام والإيمان باللَّه. قال: ما الإسلام؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : شهادة أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لاشريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللَّه يبعث من في القبور. قال: صدقت يا محمّد، فاخبرني كم دين لربّ العالمين؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : دينٌ واحد، واللَّه واحد لا شريك له. قال: وما دين اللَّه؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : الإسلام. قال: وبه دان النبيّون من قبلك؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : نعم. قال: فالشرائع؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : كانت مختلفة وقد مضت سنّة الأوّلين. قال: صدقت يامحمّد...) (2) .

____________________

1) سورة المائدة: 48.

2) الاختصاص، ص42.


ولاية عليّ عليه‌السلام أصل في الدين لا من فروع الشريعة:

النقطة الثانية: إنّ جملة ما ورد من آيات قرآنية في ولاية عليّ وولده عليهم‌السلام وإمامتهم، وكذلك ما ورد من أحاديث نبويّة متواترة ومستفيضة في ذلك، دالّ على أخذ ولايتهم وإمامتهم أصلاً إيمانياً قوامياً في الاعتقاد، كما أشبع ذلك علماء الإمامية ومتكلّميهم في كتبهم، وهذا يقتضي أخذ ولايتهم وإمامتهم ركناً في الدين الحنيف وهو الإسلام، لا أنّها فريضة في تفاصيل الشريعة بمقتضى ما تبين في النقطة الأُولى السابقة

ويعزّز هذه الحقيقة قوله تعالى في آية الغدير: ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (1) .

وبيان الآية وإن كان له مقام آخر سيأتي، إلاّ أنّ مفادها إجمالاً: إنّ الذي بلغه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك اليوم من أخذ البيعة لعليّ عليه‌السلام في غدير خم من المسلمين، بها يتحقّق كمال الدين، وهو الإسلام وهو الركن الركين لرضا الربّ لدين الإسلام، فبيّنت الآية أنّ ولايته وولاية ولده عليهم‌السلام مأخوذة ركناً في الدين، لا فريضة فرعية في تفاصيل الشريعة.

وسيأتي ثمّة وجه التعبير بأنّها (كمال الدين) ولم يعبّر أنّها (تمام الدين أي الفرق بين الكمال والتمام كما يعزّز هذه الحقيقة قوله تعالى في آية الغدير الثانية وهي: ( يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (2) ، حيث جعل الباري تعالى تبليغ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لبقية أجزاء الدين وللشريعة في طرف، وتبليغه لما أمر به في يوم

____________________

1) سورة المائدة: 3.

2) سورة المائدة: 67.


الغدير من حجّة الوداع في سورة المائدة في طرف آخر، وهذا ممّا يقضي بكون ولايته وإمامته هي بتلك المكانة في الشأن والأهميّة في الدين، أي من الأُصول الاعتقادية، فهي من الأركان في الدين الحنيف، لا من التفاصيل الفرعية في الشريعة.

وهذا هو مفاد آية المودّة أيضاً في قوله تعالى: ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) ، حيث جعل الباري تعالى مودّتهم في كفّة والرسالة في كفّة أُخرى، سواء رجع ضمير (عليه) إلى الدين أو إلى جهده صلى‌الله‌عليه‌وآله في تبليغ الدين؛ فإنّ المآل واحد، حيث إنّ قيمة العمل وأجرته هي بقيمة نتيجة العمل وهو الدين، فإذا قوبلت مودّتهم ببقية أجزاء الدين برمّتها اقتضى ذلك كون مودّتهم هي الركن الركين في الدين، وعليه يظهر أنّ ولايته عليه‌السلام وولده المطهرين هي تتلو نبوّة خاتم الرسل في الموقعية فهي من الأركان الثابتة في الدين الحنيف وهو الإسلام. وقد تبيّن ممن مضى أنّ الدين واحد وهو الذي بعث به جميع الأنبياء والرسل)

وهو أمر لا نسخ فيه ولا تبديل، كما قال تعالى: ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) (2) ، فبيّن تعالى أنّ الدين الذي بُعث به الأنبياء وأُولو العزم واحد، لم يتفرّقوا فيه، وإنّ تفرّق أتباعهم ليس من الدين في شي‏ء، وإنّما هو لبغي الأتباع والأقوام.

ويتّضح من ذلك، أنّ جميع الأنبياء والرسل بُعثوا على الإقرار برسالة خاتم النبيّين ومحبّة قرباه وولاية أهل بيته.

____________________

1) سورة الشورى: 23.

2) سورة الشورى: 13 - 14.


القواعد الثلاث الأُمّ

المحيطة في معرفة مقاماتهم

القاعدة الأولى:

من شرائط قبول التوبة التوسّل والتوجّه بهم إلى اللَّه بعد المعرفة والتصديق بولايتهم.

القاعدة الثانية:

إنّ شرط صحّة العبادة وقبولها بل صحّة الإيمان باللَّه وبرسوله وبولايتهم هو التوجّه بهم إلى اللَّه بعد التصديق بولايتهم.

القاعدة الثالثة:

إنّهم عليهم‌السلام باب اللَّه الأعظم الذي منه يُؤتى للقرب والزلفى ونيل كلّ مقام، وإنّ دعاء العبد والعباد لا يستجاب إلاّ بعد أن يطلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من اللَّه تعالى ويسأله إجابة طلبهم، وهو معنى شفاعته ووسيلته عند اللَّه تعالى كما سيتبين من الآيات.

أمّا القاعدة الأولى: وهي شرطية التوسّل والتوجّه بهم إلى اللَّه تعالى في صحّة وقبول التوبة بعد التصديق بولايتهم، فقد ذكر جملة من المتكلّمين والمفسّرين والمحدّثين وفقهاء الإمامية: أنّ ولايتهم عليهم‌السلام من جملة شروط قبول وصحّة التوبة؛


لقوله تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) (1) ، حيث اشترطت الآية في التوبة الهداية علاوة على أصل الإيمان والعمل الصالح، وهي المشار إليها في آيات عديدة، كقوله تعالى: ( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) (2) ، وقوله تعالى: ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد ) (3) ، وقوله تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (4) .

وغيرها من الآيات فضلاً عن الروايات المستفيضة المشيرة إلى وجه دلالة الآيات على ذلك. إلاّ أنّ مقتضى جملة من الآيات والروايات إضافة شرط آخر وهو التوسّل والتوجّه بهم عليهم‌السلام إليه تعالى، ويدلّ عليه جملة من الآيات:

منها: قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ) (5) ، فذكرت الآية ثلاثة شروط لحصول التوبة:

الأوّل: مجي‏ء مذنبي الأُمّة إلى الرسول. والمراد: الالتجاء والتوسّل والتوجّه به إلى اللَّه تعالى، فجعل تعالى ذكره التوجّه أوّلاً إلى نبيّه الذي هو الوسيلة، لكي يتمّ التوجّه من بعد إليه، كاستقبال المصلّي أوّلاً الكعبة متوجّهاً بها إلى اللَّه تعالى، فهذا الشرط الأوّل من ناموس أدب الدعاء في القرآن الكريم.

ودعوى السلفية بشركية التوجّه في‏ الدعاء إلى النبيّ وأهل بيته رَدٌّ لهذه السنّة القرآنية العظيمة في أدب الدعاء، بل إنّ الآية ناصّة بكل وضوح على أنّ دعاء أي داعي لا يستجاب إلاّ بطلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من اللَّه تعالى، فلا بدّ من سؤال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من

____________________

1) سورة طه: 82.

2) سورة الفاتحة: 7.

3) سورة الرعد: 7.

4) سورة الأنبياء: 73.

5) سورة النساء: 64.


ربّه كي يستجاب طلب الداعي.

الثاني: إعلان التوبة والاستغفار من الذنب.

الثالث: استغفار الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لهم بعد ذلك، وهو عبارة عن شفاعته لهم، فأيّ مذنب في هذه الأُمّة إلى يوم القيامة لا يغفر اللَّه له ذنبه إلاّ بشفاعة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهذه الآية الكريمة هي من الآيات المتعرّضة لشرائط التوبة، حيث اشترطت لحصولها الشرائط الثلاثة الآنفة الذكر.

وقد حكى الآلوسي في روح المعاني عن ابن عطاء في تفسير قوله تعالى: ( لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (1) ، أي: لو جعلوك الوسيلة لديّ لوصلوا إليّ (2) .

هذا وقد وردت عن أهل البيت عليهم‌السلام روايات مستفيضة تفيد أنّ الدعاء من الأوّلين والآخرين - مطلقاً وبدون استثناء - محجوب حتّى يصلّي الداعي على محمّد وآل محمّد، كصحيح صفوان الجمال عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (كلّ دعاء يُدعى اللَّه عزّ وجلّ به محجوب عن السماء حتّى يصلّي على محمّد وآل محمّد) (3) .

ومثلها: صحيح هشام بن سالم (4) .

ومثلها: رواية الخزار بسندٍ متّصل عن أبي ذر، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومثلها: ما رواه الصدوق عن حارث الأعور عن أمير المؤمنين عليه‌السلام (5) .

وفي موثقة السكوني عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (من دعا ولم يذكر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله رفرف الدعاء على رأسه، فإذا ذكر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله رُفع الدعاء) (6) . وغيرها من الروايات.

____________________

1) سورة النساء: 64.

2) روح المعاني للآلوسي، ج 5، ص 110، في ذيل تفسير آية 75.

3) الوسائل، ج7، ص92، ب 36، ح 1.

4) المصدر السابق، الحديث 5.

5) المصدر السابق، الحديث 16.

6) المصدر السابق، الحديث 6.


ومن الواضح أنّ التوبة والاستغفار من الذنب دعاء، فلا يرفع ولا تفتح له أبواب السماء إلاّ بالتوجّه بالنبيّ وآله، وسيأتي أنّ هذه الروايات تشير إلى مضمون عدّة من الآيات، فلابدّ من الالتفات إلى ذلك.

ويصبّ في مضمون قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ ) (1) قوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) (2) ، لكنّ الآية السابقة صريحة في الشرطية، وأمّا الآية الثانية فغاية دلالتها أنّ التوسّل والتوجّه بالنبيّ في التوبة والتسليم والخضوع والتعظيم لرسول اللَّه من مفاتيح الوَفادة على اللَّه تعالى، ومن علائم الإيمان، والاستكبار عن التوجّه بالنبيّ من صفاة النفاق والمنافقين.

التوجّه إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالدعاء

وهذه الآيات القرآنية هي الأُخرى تدلّل على أنّ من سنن ناموس الدعاء في القرآن التوجّه أوّلاً إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والطلب منه للتوسّط عند اللَّه لقضاء الحاجة، وليس من الأدب الإلهي - في دعاء العبد - أن يتوجّه بالدعاء والطلب إلى اللَّه تعالى مباشرة ويصدّ عن التوجّه إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، تحت شعار الابتعاد عن الشرك والتفويض والغلوّ - كما يدّعيه السلفية -؛ فإنّ هذا عين الاستكبار والنفاق، كما صرحت به هذه الآية الكريمة، وهو عين المرض الذي ابتلى به إبليس، حيث أبى أن يتوجّه بآدم كالملائكة في عبادته وسجوده حيث توجّهت لآدم لتتوجّه بعدُ به إلى اللَّه تعالى - وكانت الملائكة بذلك موحّدين - بخلاف إبليس؛ فإنّه وصِفَ بالكفر.

بل إنّ الآية تحصر استجابه دعاء كلّ داعي بأن يطلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من اللَّه تعالى حاجة العبيد كي

____________________

1) سورة النساء: 64.

2) سورة المنافقين: 5.


يستجيب. وهو معنى إستغفاره ‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله وسؤاله، أي لابدّ من طلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومنها: قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) (1) ، فاشترطت الآية لفتح أبواب السماء التصديق بآيات اللَّه والخضوع لها، والمراد من آياته تعالى حججه المصطفون؛ كما في قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (2) ؛ وذلك لأنّ التكذيب في مقابل التصديق، وهما في حقّ الحجّة المنصوب الذي يخبر عن اللَّه تعالى، خلاف الآيات التكوينية في الآفاق مثلاً، فإنّه إليها يقال: غافلون عنها، ولا يسند التكذيب.

فاشترط في الآية المباركة أمران:

الأوّل: التصديق والإيمان بالآيات.

والثاني: الخضوع لها والتوجّه إليها؛ لأن التعبير بـ (استكبروا عنها) متضمّن لمعنى الصدّ، فمقابله الخضوع للآيات والتوجّه إليها.

وممّا يدلّل على أنّ المراد من الآيات الحجج المُصْطَفون، ورود التعبير بنفس الشاكلة في إباء إبليس عن التوجّه بآدم في عبادة ربّه، كما في قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ِلآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (3) . فشاكل التعبير بالإباء الاستكبار؛ إذ الإباء هو الجحود القلبي، والاستكبار هو في جانب العمل والصد، في مقابل الخضوع والتوجّه. ومن الواضح أنّ فتح أبواب السماء لابدّ منه في التوبة لقبول دعاء الاستغفار.

ثمّ إنّ الآية جعلت هذين الشرطين من شروط دخول الجنّة، وأكّدت استحالة ذلك،

____________________

1) سورة الأعراف: 40.

2) سورة المؤمنون: 50.

3) سورة البقرة: 34.


أي: فتح أبواب السماء ودخول الجنّة، من دون الإيمان بآيات اللَّه الحجج المنصوبين من قِبله تعالى، ومن دون الخضوع والتوجّه بهم إليه تعالى، أي أنّه وإن حصل الإيمان بحجج اللَّه المصطفين لا يُفتح باب السماء للدعاء ولا يُدخل الجنّة من دون التوجّه إليهم والتوسّل بهم؛ ليحصل بذلك التوجّه إلى اللَّه تعالى.

ولا يخدعنّك استكبار إبليس، حيث أبى أن يتوجّه لآدم ويجعلُه قبلةً في سجوده، ليحصل بذلك التوجّه إلى اللَّه تعالى، كما فعلته كلّ الملائكة الموحّدين، بخلافه حيث أراد التوجّه مباشرة إلى اللَّه تعالى؛ استكباراً وصدّاً عن خليفة اللَّه تعالى ووسيلته. فما يقوله السلفية: من أنه يكون تفويض وغلو. هي مقوله إبليس وقد ردّ القرآن مقولته.

ثمّ إنّ هذه الآية لا تقتصر في الدلالة على القاعدة الأُولى، بل هي تدلّ على القاعدة الثانية؛ حيث إنّ فتح أبواب السماء ليس فقط في مقام الاستغفار والتوبة، ولا يقتصر على مطلق الدعاء، بل هو في مطلق التوجّه والنية في مقام العبادة للإقبال والوفود على الحضرة الإلهية، وفي صعود الأعمال والعقائد وقبولها، كما في قوله تعالى: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (1) ، فإنّ صعود الكلم الطيب وهو المعتقد ورفع العمل الصالح لا يتمّ إلاّ بفتح أبواب السماء، ومفاتيح أبواب السماء هي:

أوّلاً: التصديق بحجج اللَّه المصطفون الذين اصطفاهم بالطهارة.

وثانياً: الخضوع لهم بالتوجّه بهم إلى اللَّه تعالى، لا الاستكبار والصدّ عنهم.

ومعنى التوجّه بهم إليه تعالى: هو التوجّه إليهم لكي يحصل التوجّه إليه تعالى، ولهذا أمر - تعالى - الملائكة بالتوجّه لآدم في السجود كي يحصل التوجّه إليه تعالى،

____________________

1) سورة فاطر: 10.


وكما هو الحال في التوجّه في العبادة إلى الكعبة لُيُتوجّه إلى الباري تعالى، ولهذا ابتدأت الآيتان السابقتان بذلك: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ) (1) ، و ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ... ) (2) ، فالمجي‏ء إلى الحضرة النبويّة هو التوجّه للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أولاً؛ ليطلب لهم من اللَّه تعالى، وليحصل لهم التوجّه إليه تعالى مآلاً، بل إنّ هذه الآية تدلّ على القاعدة الثالثة. وتقريب دلالتها:

أنّ التعبير بأبواب السماء وفتحها هو تعبير عن مسير الوفادة إلى الحضرة الإلهية، وبيان لمسافة القرب والزُلفى إلى الساحة الربوبية. فهو بيان للاستقبال والتوجّه إلى الحضرة الربانية، فكما تُستقبل القبلة ويُتوجّه بها إلى اللَّه فكذلك لابدّ في الاستقبال والتوجّه القلبي من التصديق بآياته، وحججه، والخضوع لطاعتهم والتوجّه بهم إليه في مطلق المقامات القُربية والزُلفية. فيمتنع على المستخفّين بحجج اللَّه والمستهينين بهم، الصادّين عن التوجّه إليهم وبهم إلى اللَّه أن تفتح لهم أبواب القرب الإلهي.

كما طُرد إبليس من درجة القرب وحُرمت عليه الرحمة الإلهية، وأُسقط من مقام الزُلفى إلى حضيض البعد وهاوية اليأس، وقعر الحرمان واللعنة؛ لاستكباره على خليفة اللَّه، وإباءه عن استقبال آدم في السجود والتوجّه به إلى اللَّه، فهو بذلك لم يقصّر في آداب العبودية مع الحضرة الربوبية فقط، بل امتنع عليه الوفود إليه تعالى، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) (3) ، فمن أُصول السنن الإلهية في أدب التوجّه واللقاء

____________________

1) سورة المنافقون: 5.

2) سورة النساء: 64.

3) سورة الأعراف: 12 - 13.


والقرب هو الخضوع لآياته وأصفياءه الذين نصّبهم حججاً على خلقه، بالتوجّه إليهم ليتّخذهم وسيلة إلى اللَّه.

حقيقة ابتغاء الوسيلة هو قصدها:

ومنها: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1) ، والآية يمكن أن يذكر في إعرابها احتمالان:

الأوّل: أن يكون قوله (ابتغوا) قد أُسند إلى كلّ من (إليه) و (الوسيلة) ، فيعمل فعل (ابتغوا) في كلّ من الجار والمجرور والاسم، وهو الوسيلة، وعلى ضوء هذا التقدير في الإعراب يكون الابتغاء - وهو القصد والتوجّه - قد جعل متعلّقاً بكلّ من الجار والمجرور والوسيلة.

وحاصل المعنى حينئذٍ أنّه في مقام القصد يتوجّه إلى كلّ من الساحة الربوبية ويتوجّه إلى الوسيلة، غاية الأمر يكون التوجّه إلى الوسيلة مقدّمة للتوجّه إلى الساحة الربوبية.

الثاني: أن يكون فعل ( ابتغوا ) أُسند إلى (الوسيلة) فقط، أي أنّه يعمل في هذه اللفظة فقط، ويكون مفعول به للفعل، وأمّا الجار والمجرور فهو متعلّق بنفس الوسيلة، والذي يعمل في الجار والمجرور هو لفظ (الوسيلة) بما اشتمل من معنى الحذف، فيكون حاصل المعنى - حينئذٍ - أنّ القصد والتوجّه والابتغاء هو إلى الوسيلة ابتداءً وحصراً، غاية الأمر أنّ الوسيلة التي يتوجّه إليها هي تلك التي بذاتها تُوصّل وتُسلك بالذي يتوجّه إليها وبها إلى الساحة الربوبية، ويعضد هذا المعنى - وهو كون ابتغاء الوسيلة هو بالتوجّه إلى الوسيلة وقصدها ليحصل التوجّه إلى اللَّه

____________________

1) سورة المائدة: 35.


تعالى مآلاً ومنتهىً - جملة من الشواهد:

منها: إنّ اتّخاذ الوسيلة المأذون بها من قِبله تعالى مقتضاه أنّ مقام الإقبال والارتياد للقرب لا يُطوى إلاّ بالوسيلة؛ لأنّ الوسيلة هي ما يُتوسّل به ويُعالج به لبلوغ غاية. فإذاً كان القصد إليه تعالى، والتوجّه إليه، كمنتهى الغايات يتوقّف على الوسيلة، مع أنّ الباري تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد من جانبه، لكنّه ليس قرباً مكانياً كقرب جسم من جسم، يستلزم قرب أحد الطرفين قرب الطرف الآخر، بل قربه تعالى منّا قرب قُدرةٍ وهيمنةٍ وقيمومة، وهو كمال سيطرته وقاهريته على عباده.

وأمّا من طرف العباد، فمسيرهم إلى شاهق الساحة الربوبية ذو مسافة بعيدة؛ لبعدهم وقصورهم عن الكمال المطلق، فلا يتسنّى لكلّ وارد أن يهتك الحُجُب. ومنه يظهر أنّ الآية في بيان سنّة إلهية دائمة دائبة في كلّ المخلوقات للتوجّه إلى الحضرة الإلهية.

ومنها: إنّ الآيات وسيلة لمعرفة الربّ عند القلب والعقل؛ فإنّ الباري تعالى من عظمته لا يُكتنه ولا يُكتنف ولا يُحاط به، كما لا يلمس، ولا يُجْبَه، ولا يمسّ، ولا يجسّ؛ إذ ليس هو بجسم، وليس بروح، وليس بعقل، فلا يجسّم ولا يشبّه بأحد من خلقه، إلاّ أنّ نفي التشبيه بمراتبه لا يستلزم التعطيل، بل إنّ فعله دالّ عليه، ولا سيما عظائم خلقه، وهي آياته الكبرى، ومنها يتعرّف العقل، ويهتدي إليه تعالى وإلى عظيم صفاته. كما هو محرّر مبسوط في مباحث المعرفة التوحيدية.

فبين نفي التشبيه ونفي التعطيل إقامة التوحيد، تتحقّق بدلالة الآيات، كما أشارت إلى ذلك الصدّيقة الزهراء فاطمة عليها‌السلام في مستهل خطبتها، حيث قالت: (وأحمد اللَّه، الذي لعظمته ونوره يبتغي مَن في السموات والأرض إليه الوسيلة، ونحن


وسيلته في خلقه، ونحن خاصّته ومحلّ قدسه، ونحن حجّته في غيبه) (1) . فتُعلّل - سلام اللَّه عليها - ضرورة الوسيلة وابتغاءها بشدّة عظمة اللَّه، وحيث إنّ التعطيل مفروغ من بطلانه، فتحتّمت ضرورة الوسيلة. فالبرهان المتقدّم مستفاد من كلامها عليها‌السلام .

ويُستفاد البرهان المتقدّم أيضاً من قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : (اللَّه عزّ وجلّ حامل العرش والسماوات والأرض... ( أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) (2) ... وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة...) (3) ، ومثلها عن الإمام أبي الحسن موسى عليه‌السلام (4) .

فإذا كانت معرفة العقل هي بوسيلة الآيات والتوجّه إليها، والتدبّر فيها، يحصل التوجّه مآلا إليه تعالى، ومعرفة العقل والقلب هي الإيمان، وهي عبادة العقل والقلب؛ لأنّ الإيمان إخبات، وتسليم، وإذعان، وخضوع، وانقياد، وهو معنى العبادة، ومن ثمّ أُشير في تفسير قوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (5) ، أي: ليعرفون. ففُسّرت العبادة بالمعرفة، كما في النصوص المستفيضة وتفاسير الفريقين؛ لأنّ المعرفة والإيمان من العقل، يعني عدم إباءه، وعدم جحوده، وعدم تمرّده وطوعانيته، وخضوعه للحقّ، وهو حقيقة العبادة المتصوّرة من جوهر العقل.

فإذا كانت معرفة التوحيد والعبادة التوحيدية في العقل لا تقام إلاّ بالتوسّل بالآيات، والتوجّه إليها وقصدها؛ ليحصل التوجه والقصد إليه تعالى فهي بابه الأعظم الذي منه يُؤتي، فبماذا يلهج هؤلاء السلفية؟ وأنّى يُصرفون عن التوجّه إلى الوسيلة، ويزعمون أنّهم يتوجّهون مباشرة إليه تعالى؟ وهل وجدوا من أنفسهم أنّهم أقرب

____________________

1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد،ج 16، ص 211.

2) سورة فاطر: 41.

3) الكافي، ج1، ص 129.

4) الكافي، ج8، ص 124.

5) سورة الذاريات: 56.


الخلق إليه تعالى؟ وإذا كان هذا حال العقل فكيف بمن دونه؟

فالعبادة لا تقتصر على بدن الإنسان وحركاته، ولا على النفس وأفعالها الجانحية من النية والقصد، بل يعمّ عبادة أفعال العقل والقلب والروح، وإذا كانت هذه الثلاثة - التي هي أقرب إلى اللَّه تعالى - تحتاج في عبادتها، بل مطلق قصدها وتوجّهها إلى اللَّه تعالى، إلى التوجّه إلى الآيات وقصدها، فكيف بما دونها؟ وإذا كان للآيات أخطر دور في علاقة العبد بالباري وهو مقام المعرفة، وأنّ معرفتها معرفته تعالى، والتوجّه إليها توجّه إليه تعالى، يتّضح أنّ آياته الكبرى هي بابه الأعظم الذي منه يُؤتى، ومنه الوفاد إلى الحضرة الإلهية. وبذلك يتّضح ما ورد (بنا عُبد اللَّه وبنا عُرف) (1) .

ومنها: تعاضد دلالة آية الوسيلة مع الآية السابقة، الدالّة على كون الآيات مفتاح أبواب السماء ومفتاح دخول الجنّة، حيث دلّت على أنّ الآيات الإلهية ممّا يتوجّه بها إليه تعالى، وأنّها مفتاح التوجّه والسير إليه عزّ شأنه، والآية هي العلامة الدالّة، فيتطابق معناها مع الاسم؛ لأنّ الاسم من الوسم، وهو العلامة أيضاً.

فتكون الآيات الإلهية هي أسماءه الحُسنى التي قال عنها تعالى: ( وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (2) فأتى في الآية بلفظ الجمع، ممّا يدلّ على كثرتها، مع أنّ اللَّه هو الواحد الأحد، فالأسماء كثرة لكن المسمّى هو الواحد الأحد، فهي دوالٌّ عليه.

وهذه الدلالة هي حقيقة الآيات؛ إذ العبادة للمسمّى الواحد الأحد، لا للكثرة ولا للأسماء ولا للآيات الدالّة عليه، كما يستفاد هذا البيان العقلي من قول الإمام الصادق عليه‌السلام ، من صحيحة هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن أسماء اللَّه

____________________

1) الكافي، ج1، ص 145.

2) سورة الأعراف: 180.


واشتقاقها: (اللَّه ممّا هو مشتقّ؟ فقال: يا هشام، اللَّه مشتقّ من إله، وإله يقتضي مألوهاً، والاسم غير المسمّى، فمن عَبَد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد، أفهمت يا هشام؟ قال: قلت: زدني. قال: للَّه تسع وتسعون اسماً، فلو كان الاسم هو المسمّى لكان كلّ اسم منها إلهاً، ولكن اللَّه معنى يدلّ عليه بهذه الأسماء وكلها غيره. يا هشام، الخبز اسم للمأكول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس، والنار اسم للمحرق، أفهمت يا هشام فهماً تدفع به وتناضل به أعدائنا المتّخذين مع اللَّه غيره؟ قلت: نعم. فقال: نفَعكَ اللَّه به وثبّتك يا هشام. قال: فو اللَّه ما قهرني أحد في التوحيد حتّى قمت مقامي هذا) (1) .

فإذاً، تبيّن أنّ الأسماء الحُسنى هي التي يُدعى بها الربّ ويُتوجّه إليها وبها إليه، وهي الأبواب التي منها يُقصد، وهي الآيات الكبرى التي أُمر العباد بتصديقها والخضوع لها والتوجّه بها، وأُنذروا عن التكذيب بها، والاستكبار عنها، وهي حججه المصطفين، وهي كلماته التامّات.

كما أُطلق لفظ الآية والكلمة على عيسى، في قوله تعالى: ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ) (2) ، وكما في قوله تعالى في وصف يحيى أنّه مصدّق بعيسى، خطاباً لزكريا: ( أنَّ الله يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله ) (3) ، فأطلق على عيسى أنّه الكلمة التي يُصدق بها، نظير الأمر بتصديق آيات اللَّه وعدم التكذيب بها، كما ورد في وصف مريم: ( وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ) (4) ،

____________________

1) الكافي، ج1، ص114، باب معاني الأسماء واشتقاقها.

2) سورة مريم: 21.

3) سورة آل عمران: 39.

4) سورة التحريم: 12.


فغاير بين الكلمات والكتب، فجعلت الكلمات مقابل الكتب، وأنّها عليها‌السلام صدّقت بالكلمات.

فيظهر من ذلك: إنّ الكلمات التي يُصدَّق بها، وكذا الآيات التي يصدق بها ولا يكذّب بها، ولأنّ التكذيب والتصديق للخبر، فالآية التي توصف بذلك هي ذات مؤدّى خبري وهو: الحجّة المنصوب من قِبله تعالى يخبر عنه، فالحجج المصطفون هم الآيات التي لا يُكذّب بها ولا يُستكبر عنها، كما قد أطلقت على النبيّ عيسى ليتبين أنّ المراد بها هم الحجج الذين اصطفاهم اللَّه، كما أنّهم هم الأسماء الحسنى التي يُتوسّل بها ويتوجّه، ويُدعى الربّ بها، بعد ما تبين تطابق معنى الاسم والآية والكلمة في أصل المعنى لغةً بمعنى العلامة الدالّة.

ثمّ إنّ الآية الأُولى، وهي قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ) (1) ، دالّة على القاعدة الثانية والثالثة، ولا تقتصر دلالتها على القاعدة الأُولى.

انحصار إجابة الدعاء بطلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله منه تعالى:

وذلك لأنّه إذا كان التوسّل والتوجّه بالنبيّ شرط في التوبة لكلّ من أذنب من هذه الأُمّة، بل اشترط علاوة على ذلك في قبول التوبة تشفّع وشفاعة الرسول ووساطته، والتوبة من العبد هي الأوبة والإياب والرجوع إلى الساحة الإلهية، بتوطين النفس على الطاعة والانقياد، وترك التمرّد والإعراض، فماهية التوبة ذاتياً الخضوع العبادي، والانقياد القربي، وبالتالي فهذان الشرطان، وهما: التوجّه بالنبيّ، وشفاعة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، دخيلان في قبول هذه العبادة؛ إذ توبة اللَّه على العبد التي هي

____________________

1) سورة النساء: 64.


معنى ( لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ) هو قبول الباري لهذه العبادة، وإقباله على العبد بالرحمة وفيض الكمالات، والعطاء بالمنح والهبات، والفضل العميم والمنّ الكثير.

والأَوْبة من العبد في حقيقتها هي حالة وصفة الانقياد السارية في حقيقة كلّ العبادات؛ لأنّ كلّ عبادة هي نمط من الانقياد والخضوع وقوامها بذلك، فإذا كانت السنّة الإلهية في الانقياد هي اشتراطه بالتوجّه والتوسّل بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليس مجرّد ذلك فقط! بل لابدّ من قيام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالشفاعة والتشفّع لدى اللَّه في قبول عبادات أُمّته كي يقبلها الباري.

فلا يكفي الحُسن الذاتي لعبادة العبد - وهو ما يعرف بالحسن الفعلي - ولا يكفي ضمّ الحُسن الفاعلي أيضاً - وهو انقياد العبد إلى اللَّه وإلى نبيه بالتوجّه إليهما والتوسّل برسوله - بل لابدّ من ضمّ وساطة الرسول وشفاعته وتشفّعه لدى اللَّه في قبول عبادات أُمّته، والعبادات أعظم أعمال الأُمّة، ولابدّ من تشفّعه صلى‌الله‌عليه‌وآله لدى الباري؛ كي يقبل عبادات وأعمال الأُمّة، وهذا وجه قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (1) .

فوصفَ - تعالى - نبيه بالرحمة الواسعة العظيمة، الشاملة لكلّ العالمين والعوالم؛ إذ العالم هو اسم جمع، فكيف بجمع الجمع؟ وكيف مع دخول (أل) للاستغراق؟ فمِن ثَمّ كان صاحب الشفاعة الكبرى والوسيلة العظمى، كما ورد في روايات الفريقين.

وهو وجه قوله تعالى: ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ) (2) ، وصلاته على الأُمّة دعاءه وتشفّعه لدى اللَّه في حق أمته، ومثله قوله تعالى: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ

____________________

1) سورة الأنبياء: 107.

2) سورة التوبة: 103.


أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (1) ، فخلع تعالى عليه خلعة ربانية عظيمة، وهي وصفين من الأسماء الحُسنى: الرؤوف والرحيم (2) ، وقال تعالى في وصفه صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ) (3) .

فكرّر تعالى في وصفه صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّه: الرحمة الإلهية والأمان للمؤمنين. وقال: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) (4) ، فاشترط تعالى لحصول محبّته لعباده اتّباع نبيّه.

حقيقةُ التوسّل والتوجّه بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله تقديمُه أمام التوجّه والطلب من اللَّه تعالى، وهو معنى الوفادة به على اللَّه:

فيُعلم من ذلك أنّ الأُمّة في وفودها على باريها بعباداتها، وأعمالها، لابدّ عليها من أن تأتي إلى باب اللَّه الأعظم الذي منه يُؤتى، وهو سيّد أنبياءه. ومع كلّ ذلك لابدّ لكي يعود الربّ تعالى بالرحمة على هذه الأُمّة، ولكي يقبل وفادتها إليه، أن تَفِدَ بنبيّها، وتقدّمه بين يدي اللَّه.

وبعبارة أُخرى: إنّ التوجّه بالشي‏ء لغةً عبارة عن جعله وجهاً وأماما وإماماً، فالتوجّه بالنبيّ عبارة عن جعله الوجه المتقدّم للوفود على الساحة الربوبية، وكذلك معنى التوسّل بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لغةً فإنّ معنى الوسيلة هو بالتوجّه إليها أوّلاً، ليمهّد ويوطّد ويهيّئ له الوصول إلى الشي‏ء الآخر، وليس معنى التوسّل بالوسيلة الإعراض عن التوجّه إليها بالتوجّه مباشرة إلى الغاية والمنتهى؛ فإنّ هذا ترك للأخذ بالوسيلة.

____________________

1) سورة التوبة: 128.

2) اللهمّ أعنا على طاعته، وصِلة أهلِ بيته، وموالاتهِ وآلهِ، والبراءة من التمرد ومن المتمردين عليه.

3) سورة التوبة: 61.

4) سورة آل عمران: 31.


ولابدّ في كلّ ذلك من أن يشفع لهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لدى الباري تعالى، ويطلب منه ويسأله في قضاء حوائجهم، وشفاعته وبابيته ووساطته لا تقتصر على محو ذنوب الأُمّة، بل وكذلك تشمل في نيل الدرجات والمقامات، بل لا يقتصر ذلك على هذه الأُمّة، بل تعم جميع الأُمم من الأوّلين والآخرين.

وساطة النبيّ وشفاعته في نيل جميع الأنبياء والمرسلين للنبوّة والمقامات:

بل تعم جميع الأنبياء والمرسلين، كيف لا؟ ولم يعطِ الباري تعالى نبوّة لنبيّ من الأنبياء إلاّ بعد تسليمهم لولاية النبيّ وطاعته والخضوع له، وأخذ في ذلك عليهم العهد المغلظ الشديد، ولم يكتفِ بذلك، بل أشهدهم على ذلك، وأشهد عليهم ذاته الأزلية، وهذا مفاد قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ) (1) .

فالميثاق الذي أخذه اللَّه على النبيّين هو على ولِما أتاهم من نبوّة وحكمة، وفي مقابل ذلك شرط عليهم وأخذ العهد على أن يؤمنوا ويتدينوا بنبوّة سيد الرسل، وبأن يلتزموا بمناصرته وطاعته وموالاته. ثمّ أخذ تعالى بعد ذلك الميثاق، أخذ الإقرار والالتزام والتعهّد منهم بتلك المشارطة والمعاوضة. ثمّ في ‏المرتبة الثالثة شدّد عليهم عهده، وغلّظ، وبيّن عظمته. ثمّ في المرتبة الرابعة أشهد عليهم.

فلم يستحصل الأنبياء على النبوّة، والكتاب والحكمة، فضلاً عن بقية المقامات الغيبية، إلاّ بالموالاة والطاعة والخضوع لسيد الأنبياء، والتوجّه به إلى اللَّه، فشفاعته صلى‌الله‌عليه‌وآله يضطرّ إليها جميع الأنبياء والمرسلين، فضلاً عن جميع الأُمم، فنيل

____________________

1) سورة آل عمران: 81.


كلّ مقام للأصفياء المصطفين لا يتمّ لهم إلّا بالتوجّه إلى باب الله الأعظم، وهو سيد الأنبياء.

ويشير إلى توسّل الأُمم السابقة بسيد الأنبياء ما في قوله تعالى: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (1) ، والآية نازلة في اليهود، حيث كانوا يؤمنون بمجيء خاتم الأنبياء من قبل، وكانوا في حروبهم مع الكفّار يستفتحون بالنبيّ ويتوسّلون به إلى الله؛ لكي ينزل النصر عليهم، فلمّا جاءهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي يعرفونه وكانوا يتوسّلون به كفروا به، فمفاد الآية أنّ مقتضى‌ الإيمان بخاتم الأنبياء هو الاستفتاح به.

والاستفتاح هو طلب الفتح لكلّ باب من أبواب البركة والنصر والخير والسعادة والنعيم والنصر، وكلّ فوز عظيم وغنم جزيل، فالاستفتاح ينطوي على معنى طلب الفتح والمفتاح، وقد تقدّم قوله تعالى‌: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَاتُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) (2) ، حيث بينت هذه الآية أنّ الإيمان بآيات اللَّه والتصديق والإقبال والتوجّه إليها وتعظيمها هو المفتاح الذي تُفتح به أبواب السموات، أي أنّه الباب الذي يفتح منه كلّ باب، فهو باب الأبواب وباب اللَّه الأعظم، وقد أقرّ الباري تعالى استفتاح أهل الكتاب بالنبيّ، وأنّ ذلك من تشريع اللَّه لهم في الديانة التي بعث بها أنبيائهم في جميع الشرائع السماوية السابقة، أي أنّ التوسّل والتوجّه بسيد الرسل صلى‌الله‌عليه‌وآله كان من الدين الواحد المتّفق الذي بُعث به جميع الأنبياء على‌ اختلاف شرائعهم.

____________________

(1) سورة البقرة 2: 89.

(2) سورة الأعراف 7: 40.


كيف لا يكون سيد الأنبياء استفتاح لكلّ شي‌ء بعد اسم اللَّه مع أنّ كلّ شي‌ء يستفتح بـ (بسم اللَّه الرحمن الرحيم)، إلّاأنّ فتح هذا الاستفتاح لابدّ أن يقرن باسم الحبيب المصطفى‌، فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله استفتاح لكلّ خير ولنيل كلّ مقام وفضل وكمال وإسعاد، كيف لا يكون ذلك وقد تقدّم قوله تعالى‌: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ .. ) (1) ، إن جميع الأنبياء استأهلوا النبوّة بشرف الإقرار بولاية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وولاية عليّ عليه‌السلام كما سيأتي.

وقد روى الفريقان: أنّ آدم لما اقترف الخطيئة ما كان اللَّه ليغفر له لولا توسّله وتوجّهه إليه تعالى‌ بسيد الأنبياء وأهل بيته (2) ، وهي الكلمات التي تلقّاها في قوله تعالى‌: ( فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) (3) ، بل ورد أنّ هذه الكلمات هي الكلمات التي امتحن بها إبراهيم فأُعطي مقام الإمامة، كما في قوله تعالى‌: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ .. ) (4) ، ويُشاهد أنّ التعبير ورد (بكلمات) لا بكلمه، أي بصيغة الجمع.

وقد تقدّم أنّ الكلمة أُطلقت على‌ النبيّ عيسى‌، وتصديق مريم بالكلمات أُطلقت على‌ أولياء اللَّه الحجج في مقابل التصديق بكتبه، وأنّ (الكلمة) متطابقة مع (الآية)، وقد أطلقت (الآية) على‌ النبيّ عيسى‌. فظاهر التعبير بالجمع في الكلمات التي تلقّاها آدم، والتي قد رويت في طرق أهل سنّة الجماعة أنّه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله -

____________________

(1) سورة آل عمران 3: 81.

(2) أمّا روايات أهل البيت فمستفيضة في ذلك، لاحظ: تفسير البرهان، ونور الثقلين، وغيرهما في ذيل قوله تعالى: ( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) . أمّا مصادر العامّة فلاحظ: مستدرك الحاكم على الصحيحين ج 2 ص 615 التضمّن: لولا محمّد ما خلقت آدم ولا الجنّة ولا النار. ولا كبس العرش على الماء.

(3) سورة البقرة 2: 37.


والجمع يقتضي أنّه سيد الأنبياء، وكذا أهل بيته الذين قُرنوا معه في آية التطهير وأُشركوا معه في إرادة الربّ بتطهيرهم، كما قُرنوا معه صلى‌الله‌عليه‌وآله في احتجاج اللَّه بهم على‌ أهل الكتاب، أي أنّهم حجّة للَّه‌على‌ أهل الكتاب والأُمم إلى‌ يوم القيامة، كما شهد لهم القرآن بأنّهم يعلمون الكتاب المكنون في اللوح المحفوظ الذي لا يمسّه إلّا المطهّرون كما ورد في سورة الواقعة- فهم أصحاب وصف التطهير في هذه الأمة بتخصيص القرآن.

كما يعطي امتحان إبراهيم بتلك الكلمات أنّ أُولئك الحجج الذين امتُحن بهم النبيّ إبراهيم هم ممّن نال مقام الإمامة بالتوجه بهم إلى‌ اللَّه والتصديق والإقرار والتسليم بولايتهم.

وقد مرّت دلالة آية الميثاق على‌ النبيّين أنّهم لم ينالوا مقام النبوّة إلّابالتصديق والتسليم لولاية سيد الأنبياء، كما قد تقدّم في المقالات السابقة من هذا الفصل أنّ جملة من الآيات القرآنية في السور المتعدّدة دلّت على‌ أخذ ولاية عليّ عليه‌السلام في أُصول الدين الواحد، وهو الإسلام الذي بُعث به جميع الأنبياء من آدم إلى‌ النبيّ عيسى‌، وإن اختلفت شرائعهم.

ومنها: قوله تعالى‌: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (1)

وهذه الآية وإن خصّها جمع من مفسّري الفريقين في الشأن العام السياسي، ولكنّ الصحيح كما بسطنا الكلام فيه في ما تقدّم- أنّها في مطلق شؤون الدين؛ إذ طاعة اللَّه لا تُحدّ بحدود، بل هي بسعة الدين كلّه، فكذلك طاعة الرسول وأُولي الأمر، لا سيما أنّ الأمر المراد منه هو الأمر المتنزّل في ليلة القدر، كما في سورة القدر والدخان والنحل وغافر، وغيرها من السور.

____________________

(1) سورة النساء 4: 59.


معنى شرطية الولاية في صحّة العبادات:

فالأمر في (أولي الأمر) عالم الأمر من الملكوت، وكما في سورة الشورى: ( رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) (1) ، فأصحاب وأولياء الأمر هم أصحاب روح القدس الأمري، هؤلاء طاعتهم بتبع طاعة الرسول، وطاعته صلى‌الله‌عليه‌وآله بتبع طاعة اللَّه تعالى، وهي في كلّ دائرة الدين، ومنها أبواب العبادات، فكما يتعلّق الأمر الإلهي بالعبادات كالصلاة وغيرها، فكذلك الأمر النبوّي والأمر الولوي قد تعلّق برسم حدود العبادات وأجزاءها وشرائطها، ولذلك فقد اشتملت العبادات على فرائض إلهية، وسنن نبوية، وسنن ولوية. والقرب العبادي للَّه تعالى في العبادة - وإن لم يذكر في علم أُصول الفقه - لا يتمّ إلاّ بطاعة الأصناف الثلاثة من الأوامر في العبادات، فالطاعات الثلاث هي التي تحقّق القرب العبادي للَّه تعالى، وهذا بيان آخر لكون التوجّه بهم يحقّق القرب إلى الباري تعالى وبدونه لا يتحقق.

وبعبارة أُخرى ، أنّه قد حُرّر في مبحث التعبّدي والتوصّلي في علم أُصول الفقه: قوام العبادية في العبادات بنية القربى، وأنّ نية القربى هي قصد للمسبّب لا تحصل إلاّ بنية وقصد السبب، وهو قصد امتثال الأمر الإلهي المتعلّق بالصلاة والصوم والحجّ وغيرها من العبادات، حيث إنّ قصد المكلّف كونه ماثلاً أمام الإرادة الإلهية وخاضعاً وطائعاً للأمر الإلهي، يوجب الزلفى والاقتراب من الساحة الإلهية.

وما ذكره علماء الأُصول وإن كان متيناً، إلاّ أنّهم لم يستوفوا تمام أطراف البحث، فإنّ العبادات كما قد تعلّق بها الأمر الإلهي كـ: ( أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ) و ( َآتُواْ الزَّكَاة َ ) و ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) و ( قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله ) وغيرها من الأوامر الإلهية

____________________

1) سورة الشورى: 52.


المتعلّقة بالعبادات، فكذلك قد تعلّق الأمر النبويّ بتلك العبادات؛ فإنّ جملة عديدة من أجزاء العبادات إنّما هي سنن نبويّة بأمر منه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، نظير السبع ركعات التي أمر بها صلى‌الله‌عليه‌وآله في الفرائض، كما روى ذلك الفريقان، ومن الواضح حينئذٍ، أنّ صحّة الصلاة اليومية مثلاً متوقّفة على امتثال أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً.

فقصد امتثال الأمر يعمّ كلّ من أمر اللَّه تعالى وأمر رسوله في العبادات، والامتثال والطاعة هي شاملة لكلّ من امتثال وطاعة أمر اللَّه وأمر رسوله.

وكذلك الحال لأُولي الأمر المتنزّل في ليلة القدر، فإنّ جملة غفيرة من الشرائط والموانع، وتفاصيل الأجزاء، إنّما هي بأوامر أئمّة أهل البيت ‏ عليه‌السلام ومنهاجهم وهديهم، فالعبادة والصلاة والصوم والزكاة، وغيرها، لابدّ أن يؤتى بها على صورة منهاجهم وهديهم وطريقتهم، وذلك بامتثال أوامرهم المتعلّقة بالعبادات.

فيتّضح بذلك أنّ قصد الأمر المحقّق لنية القربى في العبادات - الذي ذكره علماء الفقه والأُصول - لابدّ أن يعمّ الأوامر الثلاثة، وأنّ الامتثال والطاعة في عبادية العبادة هي لكلّ من أمر اللَّه، وأمر رسوله، وأمر أولياءِ أمره.

وبذلك تتحقّق العبادة الخالصة للَّه تعالى وحده من دون استكبار النفس، وهو الذي أخفق فيه إبليس اللعين حينما ترك التوجّه بآدم في العبادة. ويتّضح عموم آية الطاعة للعبادات ولدائرة الدين، وأنّ هذا المعنى قراءة جديدة لمعنى أخذ ولايتهم عليهم‌السلام في صحّة العبادات.

ثمّ إنّه قد اتّفقت كلمات فقهاء الإمامية على رجحان دعاء التوجّه قبل تكبيرة الإحرام في الصلاة، بل جملة كلمات المتقدّمين والمتأخّرين على رجحانه بعد تكبيرة الإحرام قبل قراءة الحمد، وهي فتوى بالنصّ المأثور (وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملّة إبراهيم ودين محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ومنهاج عليّ، حنيفاً مسلماً


وما أنا من المشركين) (1) .

وفي النصّ الآخر بعد ومنهاج عليّ (والائتمام بآل محمّد حنيفاً مسلم) (2) .

وفي بعض النصوص (وهدي عليّ أمير المؤمنين - عليه‌السلام -) (3) .

وفي مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي: (اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة والصلاة القائمة بلّغ محمّداً - صلّى الله عليه وآله - الدرجة والوسيلة والفضل والفضيلة، باللَّه استفتح وباللَّه أستنجح، وبمحمّد رسول اللَّه - صلّى الله عليه وآله - أتوجّه، اللهم صلّي على محمّد وآل محمّد، واجعلني بهم عندك وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين) (4) .

وقد اتّفقت - أيضاً - كلمة جمهور مذاهب المسلمين على رجحان التسليم على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بلفظ: (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته) وذلك قبل التسليم المُخرِج من الصلاة، أي: إنّ التسليم على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يأتي به المصلّي ولمّا يخرج بعدُ من الصلاة.

ومؤدّى هذا التسليم من المصلّي - وهو في صلاته - أنّه زيارة من المصلّي إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من كلّ الأُمّة، من كلّ مؤمنٍ ومسلمٍ في اليوم خمس مرّات، بل في كلّ صلاة يأتي بها، كما أنّ هذه الزيارة والتسليم للنبيّ ينطوي على مخاطبة النبيّ بـ (كاف) الخطاب، كما ينطوي على نداء النبيّ ومخاطبته صلى‌الله‌عليه‌وآله بـ (ياء) النداء القريب: (أيّها).

وهذا كلّه من التسليم والزيارة للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ومخاطبته بالنداء القريب والمصلّي في صلاته ونجواه لربّه وخطابه مع بارئه، ففي محضر الوفادة الربانية والضيافة الإلهية يتوجّه المصلّي بالالتفات لنبيّه؛ إذ هو باب اللَّه الأعظم، فكما بدأ صلاته

____________________

1) من لا يحضره الفقيه، ج1، ص204، باب وصف الصلاة وأدب المصلّي.

2) وسائل الشيعة، ج6، ص25، الحديث 3، ولاحظ أيضاً: مستدرك الوسائل.

3) المصدر السابق.

4) مصباح المتهجّد، ص73، فصل في ذكر الأذان.


بالإقرار بالرسالة للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد الإقرار بالتوحيد في الأذان والإقامة وتوجّه به في بدو الصلاة، عاود التوجّه إليه، وبه، إلى اللَّه. فهذه الصلاة التي هي عمود الدين ومعراج المؤمن إلى ربّه ونجواه مع خالقه، يزدلف إلى ربّه بالولاية لنبيّه والتعظيم له وتوقيره.

( الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) ، وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (2) .

فترى ما أوجب تعالى من التعظيم والمهابة لنبيّه؛ أن افترض عدّة من السنن والآداب والخضوع في محضر النبيّ، جعل جزاء الإخلال بها - ولو كرفع الصوت - حبط جميع الأعمال، وأنّ تعظيم النبيّ وإجلاله هو من تقوى القلوب، وأنّ الذين يستخفّون بمقام النبيّ ليس لهم شعور ولا عقل، أي: من زمرة البهائم.

وكلّ هذا التعظيم الإلهي، بمراسم ورسوم في سنن الآداب الإلهية لنبيّه لم يَرِد في حقّ نبيّ من الأنبياء، فهذا المحلّ من القدس من الباري هداية منه تعالى إلى الباب الذي منه يُؤتى، وجعل تعالى الصدّ عن هذا الباب الأعظم وعن الالتجاء إليه

____________________

1) سورة الأعراف: 157.

2) سورة الحجرات: 1 - 4.


من صفات المنافقين، حيث قال: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) (1) .

كما قرن تعالى رضاه برضا رسوله، فقال: ( يَحْلِفُونَ بِالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ) (2) ، فجعل باب رضاه رضا رسوله، كما قرن حبّه بحبّ رسوله، فقال: ( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (3) ، فجعل محبّة الرسول باب لمحبّته، فلم يقتصر تعالى على حبّ العبد له، ولا على مجرّد حبّ الأعمال الصالحة، بل اشترط أن يُقرن بحبّ الرسول، كما اشترط في الهجرة إلى اللَّه الهجرةَ إلى الرسول، فقال تعالى: ( وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى الله وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) (4) ، فجعل باب الهجرة إليه تعالى الهجرة إلى الرسول، والهجرة سفرٌ وقصدٌ وتوجّه.

والتوجّه بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله شرط زائد على شرطية الإيمان به، كما مرّ في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا... ) (5) ، هو الإقرار بولاية النبيّ والإخبات والخضوع لها، إذ الولاية مجموع كلّ من التصديق والطاعة، حيث تضمن الميثاق على النبيّين، ( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ) (6) ، وقد عُبّر عن الاستفتاح به صلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً بقوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (7) أي أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يستمطر به كلّ رحمة لكلّ

____________________

1) سورة المنافقين: 5.

2) سورة التوبة: 62.

3) سورة التوبة: 24.

4) سورة النساء: 100.

5) سورة الأعراف: 40.

6) سورة آل عمران: 81.

7) سورة الأنبياء: 107.


عالم من العوالم والنشآت، فهو باب اللَّه الأعظم الذي تجري منه الرحمة الإلهية، وقد قَرَن اللَّه تعالى ولايته بولايته، فقيّد جلَّ آيات الأمر بطاعة اللَّه بطاعة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجعل التمرّد على ولاية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عين التمرّد على ولاية اللَّه وطاعته.

كما قرن طاعته وطاعة رسوله بطاعة أُولي الأمر، حيث قال تعالى: ( أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (1) ، فجعل باب النبيّ هو أهل بيته، وباب طاعة النبيّ طاعة أهل بيته، وباب حبّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حبّ أهل بيته، وباب الهجرة إلى النبيّ الهجرة إلى أهل بيته، وباب رضا النبيّ رضا أهل بيته، وقد أوضح أصحاب هذا الأمر أنّهم الذين يتنزّل عليهم الأمر في ليلة القدر في كلّ عام إلى يوم القيامة، حيث قال تعالى: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) (2) وقال تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (3) ، وقال تعالى: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (4) .

فالأمر هذا هو روح القدس، وأصحابه هم الذين يتنزّل عليهم هذا الروح في ليلة القدر، كما سيأتي تفصيله في الفصل السابع. وأنّهم أصحاب علم الكتاب المطهّرون في هذه الأُمّة بشهادة آية التطهير وهم أهل البيت عليهم‌السلام .

فَقَرن طاعتهم عليهم‌السلام بطاعته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وولايتهم عليهم‌السلام بولايته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، يقتضي إرادتهم من لفظ الآيات في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ... ) (5) .

تبيّن ممّا مرّ أنّ التصديق بالآيات والتوجّه والخضوع لها عبارة عن التسليم

____________________

1) سورة النساء: 59.

2) سورة القدر: 4.

3) سورة الدخان: 2 - 6.

4) سورة غافر: 15.

5) سورة الأعراف: 40.


لولايتهم؛ لأنّ مقتضى كلّ من كون التسليم لولاية الآيات مفتاح أبواب السماء، مع جعل النبيّ استفتاحاً في شرائع الأنبياء يُستفتح به، وإطلاق الآية على النبيّ عيسى.

هذه الأُمور الثلاثة، وغيرها من الشواهد المتقدمة، نظير ما مرّ من أن الآية التي يصدّق بها هو صاحب المنصب الإلهي الذي يخبِر عن اللَّه تعالى، لا الآية التكوينية - فإنّ التعبير عنها ورد وهم عنها غافلون -، وكذا ما تقدّم من إطلاق الكلمات على النبيّ وأهل بيته، كلّ ذلك يقتضي إرادة سيد الأنبياء من تلك الآيات، وولاية أهل بيته، الذين قرنت ولايتهم بولايته، وأنّ أهل البيت هم الباب لسيد الأنبياء.

وقد ورد في أحاديث الفريقين أنّ عليّاً باب مدينة الرسول: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها) (1) ، وقد نزّلت آية المُباهلةُ عليّاً بمنزلة نفس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ذلك في قوله تعالى: ( وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ) (2) .

فحقيقة الطاعة للرسول وأُولي الأمر الخضوعُ والتسليمُ والانقيادُ والتعظيم له ولهم سلام اللَّه عليهم، وقد تقدّم أنّ الكلمات التي تلقّاها آدم - من نصوص الفريقين - منها اسم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فيتبيّن من ذلك: أنّ هناك أسماء أُخرى توجّه بها آدم ليتوب اللَّه بها عليه، كذلك في الكلمات التي امْتُحِن بها إبراهيم لنيل مقام الإمامة، الامتحان كان بكلمات، لا بكلمة واحدة، وأنّ هناك جناس في لفظ (الكلمات) في قصّة آدم وإبراهيم عليهما‌السلام ، فهناك أسماء مقرونة مع اسم النبيّ، وولايتها مقرونة بولاية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعسى من تكون تلك الأسماء غير أهل بيته الذين قُرنوا به في جملة المقامات الإلهية، كآية

____________________

1) قد عقد صاحب العبقات مجلّداً كاملاً في إثبات تواتر الحديث في مصادر العامّة، فضلاً عن طرق الخاصّة، لاحظ: خلاصة عبقات الأنوار، ج 1.

2) سورة آل عمران: 61.


الطاعة والولاية، وآية التطهير، وآية الاحتجاج في المُباهلة، وآية شهادة الأعمال في قوله تعالى: ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) (1) ، فهؤلاء الشهداء على جميع الناس هم من نسل إبراهيم، وعلى ملّة أبيهم إبراهيم، وقُرنوا مع النبيّ في الشهادة، إلاّ أنّ النبيّ شاهد عليهم.

وهم الذرّية، كما دعا إبراهيم ربّه أن تكون الإمامة في ذرّيته: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (2 ، فهم المقصودون من قوله تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (3) ، فيُتوجّه بهم إلى رسول اللَّه وإلى اللَّه تعالى، كما يتوجّه بالرسول إلى اللَّه، وقد قال تعالى: ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (4) ، وقال تعالى: ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) (5) ، وقال تعالى: ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إلاّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ) (6) .

فبيّن تعالى أنّ مودّتهم وتولّيهم وولايتهم نفعها عائد إلى الأُمّة نفسها؛ وذلك لأنّ مودّة وولاية أهل البيت السبيل والوسيلة إلى اللَّه تعالى، فهذه الآيات بمنزلة مفاد آية الوسيلة مع تعيين لهوية الوسيلة، ومن ثمّ ورد في الزيارة الجامعة: (ومن وحّده قَبِل عنكم، ومن قصده توجّه بكم) (7) وهذه الفقرة إشارة إلى القواعد الثلاثة.

____________________

1) سورة الحج: 78.

2) سورة البقرة: 124.

3) سورة التوبة: 105.

4) سورة الشورى: 23.

5) سورة سبأ: 47.

6) سورة الفرقان: 57.

7) من لا يحضره الفقيه للصدوق، ج2، ص 615.



بقاء جميع الكتب السماوية بهم عليهم‌السلام

لكونهم دعاته تعالى إلى كتبه

إنّ إحدى مقاماتهم عليهم‌السلام في الديانة الإلهية هو كونهم دعاة اللَّه إلى جميع كتبه وصحفه السماوية المُنزّلة، وهم حفظة تلك الودائع؛ إذ قد تبيّن من المقالة السابقة (1) :

إنّ الدين عند اللَّه واحد وهو الإسلام ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ ) (2) ، وهو الذي بُعث به جميع الأنبياء والرسل من آدم عليه‌السلام إلى النبيّ الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّ الاختلاف بين بعثات الأنبياء إنّما هو في الشرائع، حيث قال تعالى: ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) (3) .

والدين عبارة عن مجموعة من العقائد الحقّة، وأركان الفروع وأُصول الواجبات والمحرّمات. وأمّا الشريعة، فهي تفاصيل التشريعات الفرعية. وإذا تبيّنت هذه النقطة - وتبيّن لك من أنّ الصحف والكتب السماوية المنزّلة في جملة وعمدة ما اشتملت عليه هو في العقائد وأركان الفروع، وشطر يسير منها في الشريعة وتفاصيل الفروع - فيتبيّن من ذلك: أنّ الجملة الغالبة ممّا اشتملت عليه تلك الكتب غير منسوخ بل ثابت وماضٍ إلى يوم القيامة؛ لأنّه لا نسخ في الدين ودائرته وهو الإسلام، وإنّما

____________________

1) ولاية عليّ في الشرائع السابقة.

2) سورة آل عمران: 19.

3) سورة المائدة: 48.


النسخ في شرائع الأنبياء السابقين، وبالتالي يلزم الإيمان والتصديق بتلك الكتب والتقيّد بما فيها، ممّا كان من دائرة الدين، لا من دائرة الشريعة المنسوخة، كما قال تعالى: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ) (1) ، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (2) .

لكن لا النُّسَخ المحرّفة عند أتباع وأُمم الأنبياء، بل النُّسَخ المصونة عن التحريف، المُودعة كمواريث عند الأوصياء وهم أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام ، كما سيتبيّن من الآيات الآتية، ومن ثمّ يتجلّى بقاء قدسية الكتب والصحف السماوية غير المحرّفة لوحدة الدين عند أصحاب الكتب، وهم الأنبياء والرسل المبعوثون بها.

غاية الأمر أنّ بين الكتب السماوية تمايز من جهة أُخرى، وهو أنّ المعارف العقائدية في كلّ كتاب دائرتها بحسب مقام ودرجة ذلك النبيّ، قال تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (3) ، وقال تعالى: ( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ) (4) ، وقال تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) (5) ، فالعقائد والمعارف الواردة في الكتب الإلهية وإن لم يكن فيها تبدّل أو تغيير، ولا هي قابلة للنسخ، إلاّ أنّ كلّ نبيّ وكلّ كتاب يُبعث به يمتاز عن الآخر في سعة ما يُنبئَهُ وضيقه وعمقه وتوسّطه، بحسب مقام ذلك النبيّ ودرجة كتابه الذي تلقّاه عن اللَّه تعالى. فخاتم الأنبياء حيث كان سيدهم كان كتابه أُمّ الكتب الإلهية والجامع لِما فيها

____________________

1) سورة البقرة: 285.

2) سورة النساء: 136.

3) سورة البقرة: 253.

4) سورة الإسراء: 55.

5) سورة المائدة: 48.


والمهيمن عليها، إلاّ أنّ كلّ ذلك لا يَسلب ولا يُفقد الكتب الإلهية - غير المحرّفة - الأُخرى قدسيتها وحقانيتها، ولا درجات مواقعها التي هي فيها، ومن ثمّ نجد إشادة القرآن الكريم ومديحه لها، كما قال تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) (1) .

وقال تعالى: ( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ الله ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (2) .

وقال تعالى في سياق ما سبق: ( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) (3) .

وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ... ) (4) ، ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) (5) ، وقال تعالى: ( إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ

____________________

1) سورة الأعلى: 14 - 19.

2) سورة المائدة: 43 - 43.

3) سورة المائدة: 46 - 48.

4) سورة المائدة: 66.

5) سورة المائدة: 68.


وَالْقُرْآنِ ) (1) ...، وغيرها من الآيات.

ومع هذه الموقعية للكتب والصحف المنزلة السابقة، وتأكيد الباري تعالى على الإيمان بها، فلا يمكن أن تذهب سدى أدراج الرياح، بل لابدَّ أن تكون محفوظة مودَعة عند من أودِع علم القرآن عندهم، حيث إنّ الكتب والصحف المنزلة السابقة كلّها كأجزاء متنزّلة من الكتاب المبين الذي هو أصل حقيقة القرآن، وقد أسند القرآن الكريم علم الكتاب كلّه والكتاب المبين إلى أهل البيت المطهّرين. فها هنا نقطتان لابدّ من بيانهما:

الأُولى: كون الكتب والصحف المنزلة السابقة هي أبعاض وأجزاء متنزّلة من الكتاب المبيّن المكنون، فقد قال تعالى في شأن موسى عليه‌السلام : ( وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (2) ، وقال تعالى في شأن عيسى عليه‌السلام : ( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ ) (3) ، وقال تعالى في شأن عموم الأنبياء: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ الله وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ) (4) ، فجعل الكتاب مقابل الفرقان والتوراة والإنجيل، وكذلك في مقابل الحُكْم والنبوّة، مع أنّ عنوان الكتاب قد أُطلق على التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب المنزلة، كما قال تعالى: ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ) (5) ، وقال تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) (6) .

وقد أطلق على أتباع موسى وعيسى عنوان أهل الكتاب، وعنوان الذين أوتوا

____________________

1) سورة التوبة: 111.

2) سورة البقرة: 53.

3) سورة المائدة: 110.

4) سورة آل عمران: 79.

5) سورة الأنعام: 154.

6) سورة هود: 110.


الكتاب كراراً في مواضع كثيرة في السور القرآنية، والذي أوتوه هو التوراة والإنجيل، فأُطلق اسم الكتاب عليهما، نظير ذلك قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) (1) ، وفي مواضع أُخرى من القرآن قد وصف الفرقان أو التوراة أو الإنجيل بأنّه بعض الكتاب لا كلّه، كما في قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً ِ ) (2) .

وكرّر هذا التعبير في سورة النساء مرّتين (3) ، ووصفت التوراة في قوله تعالى: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (4) ، فلم يكتب فيها كلّ شي‏ء، بل من كلّ شي‏ء، وقال تعالى عن وصي سليمان آصف بن برخيا: ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (5) ، فوصف علمه الذي ورثه من سليمان بأنّه علم من بعض الكتاب.

وقال تعالى في شأن الإنجيل وعيسى عليه‌السلام : ( قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) (6) ، أنّ فيه بيان بعض ما يختلف فيه بنو إسرائيل، لا بيان كلّ ما يختلفون فيه، مع أنّ القرآن قد وصف بأنّه بيان لكلّ شي‏ء، فقال تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (7) .

فتحصّل: أنّ الكتب والصحف المتنزّلة السابقة، وإن كانت هي من الكتاب، إلاّ أنّها أبعاضٌ وأجزاء له لا تمامه، بخلاف القرآن الكريم؛ حيث يقول الباري: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ، وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ الله وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ

____________________

1) سورة الجاثية: 16.

2) سورة آل عمران: 23.

3) سورة النساء: 44 و 51.

4) سورة الأعراف: 145.

5) سورة النمل: 40.

6) سورة الزخرف: 63.

7) سورة النحل: 89.


الْعَالَمِينَ ) (1) .

والكتاب، والكتاب المبين، والكتاب المكنون، هو وجود عُلويٌّ غيبي، قد وصف بأوصاف عديدة، كما في قوله: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) (2) ، فالقرآن النازل هو تنزيل للكتاب المبين، وقال تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (3) ، فالقرآن المتنزّل في الصورة العربية هو إنزال للكتاب المبين، والقرآن له وجود علوي الذي هو أُمّ الكتاب.

قال تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) (4) ، فوصف القرآن بوجود علوي في الكتاب المكنون، وأنّ القرآن النازل هو تنزيل لذلك الوجود العلوي، وقال تعالى: ( طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ) (5) ، وقال تعالى: ( الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ) (6) ، وقال تعالى: ( ... وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (7) ، وقال تعالى: ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (8) .

النقطة الثانية: بيّن تعالى في القرآن الكريم أنّ أهل البيت عليهم‌السلام يمسُّون الكتاب المكنون كما مرّ في الآية في سورة الواقعة؛ إذ هم أهل آية التطهير المطهّرون دون سائر الأُمّة، وفرقٌ بين المطهّر ذاتاً وخلقةً والمتطهّر بالوضوء

____________________

1) سورة يونس: 37.

2) سورة الدخان: 1 - 3.

3) سورة الزخرف: 1 - 4.

4) سورة الواقعة: 77 - 80.

5) سورة النمل: 1.

6) سورة الحجر: 1.

7) سورة يونس: 61.

8) سورة الأنعام: 59.


والغسل.

وكذا أشار إليه تعالى في سورة الرعد: ( كَفَى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (1) ، وهي السورة المكّية التي نزلت في عليّ، وكذا قوله تعالى: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (2) ، وقال تعالى: ( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (3) .

فبيّن تعالى أنّ في هذه الأُمّة ثلّة تعلم تأويل الكتاب كلّه؛ لعلمهم بمحكمات الكتاب التي هي أُمّ الكتاب، فيعلمون أُمّ الكتاب فضلاً عن الكتاب المبين. والقرآن بتمامه آيات بيّنات في صدورهم، فلا يشكل عليهم شي‏ء منه، ولا يكون شي‏ء منه متشابهاً عليهم، ولأجل ذلك يعلمون الذي تشابه على غيرهم من الكتاب، وهو لديهم بيّن.

وقد دلّلت سور الرعد والأحزاب والواقعة على أنّ أهل بيت النبوّة هم المطهّرون الذين يمسّون الكتاب المكنون، الذي هو حقيقة القرآن العلوية، وهو الكتاب المبين، فمن ثَمّ لديهم علم الكتاب كلّه لا علم بعضٍ من الكتاب، كما أشارت إلى ذلك سورة الرعد النازلة في علي عليه‌السلام ، وغيرها.

وإذا تبيّنت هاتان النقطتان، يتبيّن أنّ أهل بيت النبوّة حيث يحيطون بالكتاب والكتاب المبين علماً، فهم يحيطون علماً بكلّ الكتب والصحف المنزلة السابقة، وهم حفظتها، فهم الدعاة إلى كتب اللَّه المنزلة، كما جاء في الزيارة الجامعة التي رواها ابن طاووس في مصباح الزائر: (أشهدُ أنكم أبواب اللَّه، ومفاتيح رحمته، ومقاليد مغفرته، وسحائب رضوانه، ومصابيح جنانه، وحملة فُرقانه، وخزنة علمه، وحفظة سرّه

____________________

1) سورة الرعد: 43.

2) سورة العنكبوت: 49.

3) سورة آل عمران: 7.


ومهبط وحيه، وعندكم أمانات النبوّة وودائع الرسالة، أنتم أُمناء اللَّه وأحبّاؤه، وعباده وأصفياءه، وأنصار توحيده، وأركان تمجيده، ودعاته إلى كتبه، وحَرَسة خلائقه، وحفظة ودائعه).

وفي زيارة الإمام الكاظم عليه‌السلام : (... وحامل التوراة والإنجيل...).

وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام في نهج البلاغة في صفة آل محمّد: (هم موضع سرّه، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهف كتبه، وجبال دينه).

وفي صحيح هشام بن الحكم في حديث بريه: (أنّه لمّا جاء معه إلى أبي عبد اللَّه عليه‌السلام فلقي أبا الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام ، فحكى له هشام الحكاية، فلمّا فرغ قال أبو الحسن عليه‌السلام لبريه: يا بريه، كيف علمك بكتاب اللَّه؟ قال: أنا به عالم. ثمّ قال: كيف ثقتك بتأويله؟ قال: ما أوثقني بعلمي فيه. قال: فابتدأ أبو الحسن عليه‌السلام يقرأ الإنجيل. فقال بريه: إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك... قال أبو عبد اللَّه عليه‌السلام : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . فقال بريه: أنّى لكم التوراة، والإنجيل، وكتب الأنبياء؟ قال: هي عندنا وراثة من عندهم، نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما قالوا، إنّ اللَّه لا يجعل حجّة في أرضه يُسأل عن شي‏ء فيقول: لا أعلم) (1) .

وينبّهنا إلى ما تقدّم من الآيات ونسق الارتباط في دلالتها الموصل إلى تلك النتيجة ما رواه الشيخ المفيد في الاختصاص، من مسائل عبد اللَّه بن سلام للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : (... صدقت يا محمّد فاخبرني إلى ما تدعو؟ قال: إلى الإسلام والإيمان باللَّه. قال: وما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شريك له... قال: وما دين اللَّه؟ قال: الإسلام. قال: وبه دان النبيّون من قبلك؟ قال: نعم. قال: فالشرائع؟ قال: كانت مختلفة وقد مضت سنّة الأوّلين. قال: صدقت) (2) .

____________________

1) الكافي، ج1، ص 227.

2) الاختصاص، للشيخ المفيد، ص43.


والرواية صريحة بأنّ الدين واحد، من آدم عليه‌السلام إلى النبيّ الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّما التغاير في الشرائع والمنهاج، وهي تفاصيل الفروع، كما أنّها تشير إلى أنّ الشهادتين هما من أُمّهات أُصول الديانة الإسلامية التي بُعث بها الأنبياء، وأنّ الإقرار بخاتم النبيّين يتلو التوحيد في أُصول الديانة الواحدة بين النبيّين، والترتيب في أُصول الدين لا يختلف ولا يتخلّف بين نبيّ وآخر؛ لأنّ الدين واحد كما اتّضح.

وأُصول المعرفة الدينية ليست إلاّ حقائق واقعية يؤمن بها الإنسان، بل يجب أن يؤمن بها؛ فسلسلة مراتب أُصول الديانة تُنبّئ عن موقعية كلّ أصل وأهمّيته وخطورته في الدين الواحد. فمن ثمّ الترتيب في أُصول دين الإسلام الذي بُعث به خاتم النبيّين هو بعينه قد بُعث به جميع الأنبياء والمرسلين، ومن ثمّ فسيادة خاتم النبيّين على الرسل أصل إيماني في الدين الواحد قد أُخذ الإقرار به في الدين الذي بُعث به جميع الأنبياء، كما يشير إلى هذه الحقيقة قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (1) .

وفي رواية عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام قال: (أوصى موسى عليه‌السلام إلى يوشع بن نون، وأوصى يوشع بن نون إلى ولد هارون، ولم يوصِ إلى ولده، ولا إلى ولد موسى؛ إنّ اللَّه تعالى له الخيرة يختار من يشاء ممّن يشاء. وبشّر موسى ويوشع بالمسيح عليهم‌السلام .

فلمّا أن بعث اللَّه عزّ وجلّ المسيح قال المسيح عليه‌السلام لهم: إنّه سوف يأتي من بعدي نبيّ اسمه أحمد، من ولد إسماعيل عليه‌السلام ، يجي‏ء بتصديقي وتصديقكم، وعذري وعذركم،

____________________

1) سورة آل عمران: 81.


وجرت من بعده في الحواريين في المستحفظين، وإنّما سمّاهم اللَّه المستحفظين؛ لأنّهم استحفظوا الاسم الأكبر، وهو الكتاب الذي يُعلم به علم كلّ شي‏ء، الذي كان مع الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، يقول اللَّه تعالى: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ... ) (1) ، ( ... وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ) (2) .

الكتاب: الاسم الأكبر، وإنّما عُرف ممّا يُدعى الكتاب التوراة والإنجيل والفرقان، فيها كتاب نوح وفيها كتاب صالح وشعيب وإبراهيم عليهم‌السلام ، فأخبر اللَّه عزّ وجلّ: ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) (3) ، فأين صحف إبراهيم؟ إنّما صحف إبراهيم الاسم الأكبر، وصحف موسى الاسم الأكبر، فلم تزل الوصية في عالم بعد عالم حتّى دفعوها إلى محمّد صلّى الله عليه وآله. .. ) (4) .

وفي الرواية دلالة واضحة على أنّ الكتاب العلوي، ذا الوجود الغيبي الذي هو الاسم الأكبر، يتوفّر على جميع الكتب السماوية المنزلة، وأنّها متنزّلة منه، غاية الأمر أنّ إحاطة كلّ نبي وأوصيائه تختلف عن إحاطة النبيّ الآخر وأوصيائه، ومن ثمّ اختلفت الكتب المنزلة عليهم.

وحيث كانت إحاطة الرسول الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله أتمّ إحاطة بالكتاب المبين والكتاب المكنون، كان الكتاب المنزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الكتاب المهيمن على جميع الكتب، ففي جملة من الروايات عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال: (إنّ عيسى بن مريم عليه‌السلام أُعطي حرفين كان يعمل بهما، وأُعطي موسى أربعة أحرف، وأُعطي إبراهيم ثمانية أحرف، وأُعطي نوح خمسة عشر حرفاً، وأُعطي آدم عليه‌السلام خمسة وعشرين حرفاً، وإنّ اللَّه تعالى جمع ذلك كلّه لمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّ اسم اللَّه الأعظم ثلاثة وسبعون حرفاً، أُعطي لمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله اثنين وسبعين حرفاً وحُجب عنه حرف

____________________

1) سورة الرعد: 38.

2) سورة الحديد: 25.

3) سورة الأعلى: 19.

4) الكافي، ج1، ص293.


واحد) (1) .

ومن كلّ ما تقدّم يظهر: شطط ما قيل: (كان مذهب جماهير السلف والأئمّة أنّ شَرْعَ من قبلنا شَرْعٌ لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ومن حكم بالشرع المنسوخ فلم يحكم بما أنزل اللَّه في القرآن وفيه الناسخ والمنسوخ، فهكذا القول في جنس الكتب، قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ . .. مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (2) ) (3) .

حيث لم يفرّق بين دائرة الدين الواحد، الذي بُعث به جميع الأنبياء والذي لا نسخ فيه بل تكامل وزيادة بيان، وبين الشريعة والمنهاج الذي هو محلّ النسخ، وتخيل أنّ ما تضمّنته الكتب السماوية المنُزلة يقتصر على الشريعة، فهل التوحيد الذي تضمّنته الكتب السماوية قابل للنسخ؟ وكيف حال المعاد كذلك، وكذلك نبوّة الأنبياء؟ مضافاً إلى ما بشّرت به بنبوّة الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما أنبئَت به من الآخرة والجنّة والنار، والعوالم، ومطلق المعارف الاعتقادية، هل هو قابل للنسخ؟!

لكن، لا عجب في الوقوع في مثل هذا الخلط؛ لمن ترك التمسّك بالثقلين اللذين أمر بهما النبيّ (صلّى الله عليه وآله، ولا يخفى أنّ هذا القائل قد أسقط في استشهاده تمام الآية؛ لأنّه مناقض لدعواه، إذ لفظها: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) ، فأسقط وصف ( مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ) ، وليس في الآية لكلّ منكم جعلنا ديناً، بل قال تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِْسْلامُ ) (4) ، فلاحظ ما تقدّم في صدر المقالة.

____________________

1) الكافي، ج1، ص230.

2) سورة المائدة: 48.

3) التفسير الكبير، لابن تيمية، ج4، ص 108.

4) سورة آل عمران: 19.



العصمة النوعية

الولاية والإمامة النوعية

المعروف لدى مذاهب الصوفية القول بالإمامة النوعية، سواء على صعيد المقام الباطني وهي الإمامة المَلَكُوتية، أو على صعيد الإمامة في مقام الظاهر وهي الإمامة السياسية، ويستدلّون لكون الولاية المطلقة نوعية لعموم أفراد الحقيقة الإنسانية، وكون الباب مفتوحاً لكلّ سالك واصل، أنّه يؤهّل لمقام الخلافة العظمى الإلهية إذا طوى منازل السائرين إلى اللَّه، ويستدلّون لذلك بوجوهٍ: نقلية، وعقلية، وكشفية :

أمّا النقلية:

فبالعمومات الواردة في الكتاب والسنّة، مثل قوله تعالى: ( وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) (1) ، وقوله تعالى: ( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) (3) ، وقوله تعالى: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) (4) ، وقوله تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (5) .

ومن السنّة قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (اتّقوا فراسة المؤمن؛ فإنّه ينظر بنور اللَّه) (6) . وما ورد في الحديث: (إنّ اللَّه جلّ جلاله قال: ما يتقرّب إليّ عبد من عبادي بشي‏ء أحبّ إليّ ممّا

____________________

1) سورة البقرة: 282.

2) سورة الأنفال: 29.

3) سورة البقرة: 269.

4) سورة يوسف: 22.

5) سورة الحجرات: 13.

6) الكافي، ج1، ص 218.


افترضتُ عليه، وأنّه ليتقرّب إليّ بالنافلة حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته) (1) .

وكذلك حديث قرب الفرائض، وكذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (من أخلص للَّه أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) (2) .

فكلّ هذه الآيات والأحاديث دالّة على أنّ أبواب السلوك والسير والمقامات مفتوحة لجميع أفراد البشرية، كمقام الإحسان، ومقام التقوى، وباب الحكمة والعلم والفرقان، وغيرها من أبواب ولاية اللَّه، فمن أدّى الفرائض وأقامها بحدّها كان عين اللَّه، وسمع اللَّه، وجنب اللَّه، ولسان اللَّه... فضلاً عن مقام قرب النوافل، بل يستطيع الوصول إلى مقام الخلافة الإلهية العظمى، فيكون خليفة اللَّه في أرضه وصاحب الولاية المطلقة.

أمّا الدليل العقلي:

فلأنّ العقل لا يحيل وقوع الكمالات الممكنة للماهية الإنسانية في أيّ فرد من أفرادها بعد إمكان توفّر الشرائط الحاصلة بالإرادة الاختيارية، وأنّ فيض الذات الأزلية على استواء مع الذوات القابلة الإمكانية.

أمّا دليل الكشف فيُقرّر بوجوه:

منها: فلأنّ الأسماء الإلهية تطلب الظهور من خلال مظاهر ومجالي، وقد قُرّر في محلّه أنّ مجمع الأسماء هو الحقيقة الإنسانية، وهو مظهر الاسم الجامع وصراط الحقيقة الإنسانية، هو السبيل لظهور جميع الكمالات الأسمائية، ومن ثمّ

____________________

1) الوسائل، أبواب أعداد الفرائض، باب 17، حديث 6.

2) نهج الفصاحة، ج2، ص534.


استحقّ أن يكون خليفة دون بقية الممكنات.

ومنها: إنّ كلّ موجود له إضافة من الجهة التي تلي الربّ، كما قيل إنّ الطرق إلى اللَّه بعدد أنفاس الخلائق، فكلّ ممكن، وإن كان في سلسلة التجلّيات والظهورات والصدور والإفاضة، يتوسّط بينه وبين الذات الربوبية الوسائط الإمكانية، إلاّ أنّ هذا من الجهة التي تلي الخلق، لا من الجهة التي تلي الربّ، فلكلّ موجود ظهر وبطن، وظهره وإن كان محجوباً بوسائط إلاّ أنّ بطنه لا حجاب بينه وبين الواجب.

وأمّا مذهب الإمامية، فإنّ عقيدتهم أنّ الإمامة محصورة في عدد الاثني عشر، والولاية المطلقة محصورة بهم بعد خاتم النبيّين، وكذلك الخلافة الإلهية، استدلّوا على ذلك بالنصوص المتظافرة القرآنية والأحاديث النبوية، وملأوا في ذلك أسفاراً من الكتب.

إلاّ أنّنا نذكر نبذة ممّا له صلة خاصّة في المقام، ممّا نُصّ فيه على أنّ هذه المقامات الخاصّة الإلهية ليست كسبية في دار الدنيا وغيرها من النشآت، بل هي وهْبِية اصطفائية في هذه الدار، وأنّها محصورة بذلك العدد.

أمّا الدليل النقلي :

كقوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) ، فدلّت الآية - كما بسّط ذلك علماء الإمامية في كتب التفسير والكلام - أنّ الذي تقع منه المعصية ظالم لنفسه، في بدء كتابة التكليف عليه أو في طول عمره ونهايته، لا يتأهّل لإعطاء الإمامة ولا تكون له قابلية لنيل هذا العهد الإلهي، فلابدّ أن تكون ذاته مطهّرة معصومة من البدو إلى الختم، وهذه القابلية في الذات لا تكون كسبية.

____________________

1) سورة البقرة: 124.


وكقوله تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللهِ ) (1) ، فتنفي الآية قابلية الفرد البشري لحمل النبوة أو الإمامة أو الحجّية على الخلق إذا لم تكن ذاته مأمونة عن الوقوع في الزيغ والانحراف. فالتعبير في الآية الكريمة ليس ما كان ليؤتيه النبوّة، أي ليست في صدد نفي السنّة الإلهية والإفاضة منه تعالى، بل التعبير في صَدد نفي الإمكانية والقابلية: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ ) .

وكذلك هنا طائفة من الآيات تُدلّل على أنّ الإمامة في نسل إبراهيم وذرّيته وعقبه، باقيةً إلى يوم القيامة، كقوله تعالى: ( نَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ

____________________

1) سورة آل عمران: 79.

2) سورة آل عمران: 33 - 34.


الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (1) .

فمجموع هذه الآيات تدلّ على دعاء إبراهيم في أن تكون الإمامة في ذرّيته، وعلى استجابة ذلك الدعاء، وبقاء أُمّة مسلمة في ذرّيته لم تنجسّهم الجاهلية بأنجاسها وأرجاسها، ولم تُلبسهم من مُدْلَهِمّات ثيابها، وأنّ إمامتهم هي وصية إبراهيم في بنيه، وهي اصطفاء اللَّه لهم.

وممّا يشير إلى توارث الإمامة بالإرث الإلهي، في خصوص نسل وعقب إبراهيم في هذه الأُمّة دون غيرهم، قوله تعالى: ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (2) .

فتشير الآية إلى أنّ من نسل إبراهيم عليه‌السلام أُمّة تكون شهداء على الناس والرسول عليهم شهيداً، ومقام الشهادة على الناس أجمعين لا يمكن أن يرقى إليه إلاّ من تحلّى بالعصمة علماً وعملاً؛ وإلاّ فغير المعصوم من الزلل والخطل، والجهل والضلال، حقيقٌ أن يُشهَد عليه لا أن يَشهد على الناس.

فهذه الأُمّة المسلمة، الموحّدة، المعصومة، الشاهدة على الناس، أبوها إبراهيم وهي من ذرّيته، وهي المشار إليها في قوله تعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) (3) ، أي أُخرجت من عقب إبراهيم عليه‌السلام ،

____________________

1) سورة البقرة: 133.

2) سورة الحج: 78.

3) سورة آل عمران: 110.


وكذلك قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (1) .

وليس المراد بالأُمّة الوسط الأُمّة الإسلامية جمعاء؛ فإنّ فيها من لا تُقبل شهادته على بقلة خُضار، فكيف يشهد على جميع أعمال الناس يوم يقوم الأشهاد؟ ومن أين له العلم والإحاطة بأعمال الناس، كي يقوم بأداء الشهادة يوم الحساب؟

فهذه الأُمّة الوسط هي التي أُشير إليها في آخر سورة الحجّ في قوله تعالى: ( مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ) (2) ، وهي الذرّية التي دعا إبراهيم بأن تكون مسلمةً في قوله: ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً ) (3) ، والتي دعا ربّه أن يجعل الإمامة فيها في قوله تعالى: ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ) (4) ، وهي التي دعا إليها إبراهيم في قوله تعالى:

( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء * الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ) (5) .

وهذه الذرّية هي التي سلّم اللَّه عليها في قوله تعالى: ( سَلامٌ عَلَى إِلْ

____________________

1) سورة البقرة: 143.

2) سورة الحج: 78.

3) سورة البقرة: 128.

4) سورة البقرة: 124.

5) سورة إبراهيم: 40.


يَاسِينَ ) (1) ، أي آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّ ياسين اسم للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله سمّاه به القرآن الكريم في سورة يس، وهم الذين نزلت فيهم آية التطهير في قوله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .

وقوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ ) (3) ، والآية باتّفاق جمهور المفسّرين ونصوص الفريقين (4) ، نزلت في عليّ عليه‌السلام ، وهي نصّ في حصر الولاية المطلقة في اللَّه تعالى، ثمّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ عليّ عليه‌السلام .

وهذا ينافي، أو يتنافى، مع نظرية الصوفية؛ من دعوى الولاية والإمامة النوعية، فإنّه على وفق تلك النظرية لا وجه للحصر في أيّ زمن من الأزمان، حتّى زمن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والزمن الذي يليه.

وبعبارة أُخرى: إنّه على نظرية الإمامة النوعية لا حصر لها على صعيد النظرية والتنظير، وإن كان القطب أو قطب الأقطاب، ذو الولاية العامّة يتعاقب على هذا المقام واحداً تلو آخر، وأمّا على صعيد الإمكان والتنظير، أو التعاقب الزمني، فلا حصر بل هو شِرعةٌ لكلّ وارد، واحد بعد آخر.

____________________

1) سورة الصافات: 130. كما في قراءة: نافع، وابن عامر، ويعقوب، ورويس، والأعرج، وشيبة، وزيد بن علي، وعبد اللَّه، لاحظ: معجم القراءات القرآنية، ج5، ص246، فقد ذكرها عن ستّة عشر مصدراً من كتب القراءات، ورواه جملة آخرون عن ابن عبّاس: كالسيوطي في الدرّ المنثور، ج5، ص136. والرازي في التفسير الكبير، ج26، ص162. والاسكافي، في شواهد التنزيل، ج2، ص109، والآلوسي، في روح المعاني، ج23، ص129، وتفسير الخازن، ج4، ص24.

2) سورة الأحزاب: 33.

3) سورة المائدة: 55 - 56.

4) أورد الجمهور في كتب الحديث، والكلام، والفقه، روايات كثيرة نصّوا على صحّتها والوثوق بها، فلاحظ ما ذكره: العلّامة الأميني في الغدير، ج2، ص25، والسيد شرف الدين في المراجعات، والنصّ والاجتهاد. والفيروزآبادي في الفضائل الخمس من الصحاح الستّة.


وكذلك قوله تعالى: ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِالله وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ) (1) .

وكذا قوله تعالى: ( مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ ) (2) .

فإنّ تخصيص الفي‏ء وضريبة الخمس بذوي القربى يعني: ملكية التدبير والتصرّف لهم؛ لموضع اللام في الآية، حيث أُضيفت إلى اللَّه ورسوله وذوي القربى دون الموارد الثلاثة الأُخرى؛ لبيان أنّ ملكية ولاية التدبير لهم عليهم‌السلام خاصّة إلى يوم الإشهاد، وأنّ الموارد الثلاثة الأخيرة مواردٌ للصرف، وهذا الحكم ثابت إلى يوم القيامة.

ولا يخفى أنّ ذلك يعني أنّ القدرة المالية المطلقة في دين الإسلام وأُمّة المسلمين إلى يوم القيامة هي لذوي القربى؛ لأنّ الفي‏ء كما مرّ هو مطلق المنابع المالية، والخمس الذي يعني 20% من مجموع أموال المسلمين، كلّ ذلك يشكّل سلطة وإقتدار مالي لا نظير له، وقد علّل هذه الصلاحية لهم عليهم‌السلام ؛ لأجل إرساء العدالة في الأُمّة الإسلامية ( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ ) ؛ لأنّ سلطة المال يتمكّن بها من إرساء العدالة، ليس فقط في المجال المالي، بل كذلك في المجال السياسي والقضائي والحقوقي والأمني، وغيرها من الحقول.

الوجه النقلي في الأحاديث النبويّة:

هم الذين قال فيهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الحديث المتواتر: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه، وعِترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً؛ فإنّهما لن يفترقا

____________________

1) سورة الأنفال: 41.

2) سورة الحشر: 7.


حتّى يردا عليّ الحوض) (1) ، فبيّن صلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا الحديث أنّ وراثة حقيقة القرآن إلى يوم القيامة والإمامة هي في العِترة دون غيرها.

ومثله حديث السفينة: (مَثَلُ أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نَجى، ومن تخلّف عنها هلك) (2) ، ومفاده: حصر النجاة بولايتهم، كما كان طريق النجاة من الطوفان منحصراً بركوب سفينة نوح.

وكذلك قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الحديث المتواتر: (لن يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناواه حتّى يملك اثنى عشر كلّهم من قريش) (3) ، وكذا قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت ذهبوا، وأهل بيتي أمان للأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) (4) .

وهذا الحديث مفاده انحصار النجاة والولاية العامّة بأهل البيت عليهم‌السلام ، كما أنّ الحديث يشير إلى تأبيد حصر الأمان بهم إلى يوم القيامة؛ لمكان تشبيههم بالنجوم لأهل السماء، فإنّ أمان أهل السماء دوامه بدوام النجوم، وهذا موضع آخر لوجه التشبيه.

وكذا قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث النور الذي تقدّم: (كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي اللَّه تعالى من قبل أن يُخلق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق اللَّه تعالى آدم سلك ذلك

____________________

1) ورواه الترمذي في سننه، ج13، ص 200 - 201، باختلاف يسير في اللفظ. ومسلم في صحيحه، ج7، ص122 - 123. وأحمد في مسنده، ج3، ص14 و17 و26 و59، وكذا: ج4، ص366. والدارمي في سننه، ج2، ص432.

2) لم يذكر مصدره.[ هذا الكلام لمصحح الكتاب يجب أن يحذف ويذكر بدل عنه المصدر]

3) لاحظ: ملحقات إحقاق الحق، ج13، ص1 - 48.

4) صحيح مسند أحمد بن حنبل، ج4، ص 107 و ج6، ص 292، و ج1، ص 330، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة في باب فضائل اهل البيت، ونور الأبصار للشبنلجي، ص111، التاج الجامع للأصول، ج3، ص247.


النور في صلبه، فلم يزل اللَّه تعالى ينقله من صُلب إلى صُلب حتّى أقرّه في صُلب عبد المطّلب، ثمّ أخرجه من صلب عبد المطّلب فقسّمه قسمين، فجعل نوري في صُلب عبد اللَّه، ونور عليّ في صُلب أبي طالب، فعليّ منّي وأنا منه، لحمه لحمي، ودمه دمي، فمن أحبّه فيحبّني أحبّه فمن أبغضه فيبغضني أبغضه) (1) ، والحديث الشريف يدلّ على تخصيص الولاية العامّة والإمامة بالذوات النورية المخلوقة بخلق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ هذا المقام لابدّ أن يسبقه اصطفاء في العوالم السابقة من عالم النور والميثاق والذرّ والأصلاب والأرحام، فليس يُنال بالكسب الدنيوي المجرّد.

وكذا قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليقصد الباب) (2) .

الحديث السابع في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ضمن حديث تبليغ سورة البراءة: (لا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ) (3) ، وتقريب الدلالة في مفاد هذا الحديث والحديث الذي سبقه هو ما تقدّم في آية حصر الولاية: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ

____________________

1) تقدّم مصادر الحديث، وأنّه متوافر عند العامّة فضلاً عن الخاصّة، في مقال بعنوان: (قاعدة بمعرفتهم بالخلقة النورية).

2) قد عقد صاحب العبقات السيد حامد اللكهنوي مجلّداً في‏ مصادر هذا الحديث وأثبت تواتره عند العامّة، فقد أخرجوه عمّا يزيد عن عشرة من الصحابة، ورواه عنهم ما يزيد على أربعة عشر تابعياً، ثمّ ذكر عدد الحفّاظ والمحدّثين الذين رووه في كلّ قرن قرن إلى القرن الثالث عشر، ثمّ ذكر عددَ مَن نصّ على صحّة الحديث ومن أرسله إرسال المسلمات. لاحظ: خلاصة عبقات الأنوار، ج 10.

3) مسند أحمد، ج2، ص164 - 165، بخمسة طرق، وخصائص النسائي:19 - 20 بطريقين، وصحيح البخاري، ج3، ص229، والتاج الجامع للأُصول، ج3، ص335، والصواعق المحرقة، ص74، وتاريخ الخلفاء، ص169، وسنن البيهقي، ج2، ص5، وصحيح الترمذي، ج2، ص297، ومجمع الزوائد، ج9، ص127، ومستدرك الحاكم، ج3، ص110، ومسند أبي داود، ج3، ص111، وكنز العمال، ج6، ص399.


الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1) ، من حصر هذه المقامات بعليّ والعِترة، ولا ينسجم مع الولاية والإمامة النوعية في جميع الأزمان.

أمّا الدليل العقلي والكشفي:

فنقول:

إنّ مسألة كون العصمة وهبية إلهية، أو كسبية اختيارية، أو جبرية، هي من المسائل والقواعد المعرفية الحسّاسة الهامّة، إلاّ أنّه بعد إلقاء الضوء على هذه المسألة يتّضح عدم كون العصمة المعهودة للمقامات المتقدّمة ممّا يمكن أن تُكتسب في دار الدنيا، فلا تكون كسبية دنيوية.

وتوضيح ذلك: إنّ العصمة لها جهات اختيارية، وإن كان لها أيضاً جهات غير اختيارية، فمن تلك الجهات الاختيارية الأفعال الصادرة عن العصمة، فإنّها اختيارية؛ حيث إنّها تصدر عن علمٍ وقدرةٍ؛ إذ العلم اللدنّي الخاصّ الاصطفائي، والقدرة المتولّدة منه، تستتبع صدور الأفعال عنها، وكلّ فعل يصدر عن علم وقدرة فهو اختياري.

ومن الجهات الاختيارية في العصمة هي أصل العصمة، كملكةٍ أو جوهرٍ نوراني من سنخ العلم في الذوات المطهّرة، ومعنى الاختيارية في أصل العصمة ليس بمعنى إمكان اكتسابها في دار الدنيا بعد أن لم تكن، بل بمعانٍ أُخرى:

منها: ما أُشير إليه في صدر دعاء الندبة الشريف، عند قوله عليه‌السلام : (اللّهمّ لك الحمد على ما جرى به قضاؤك في أوليائك، الذين استخلَصتَهم لنفسك ودينك، إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم الذي لا زوالَ له ولا اضمحلال، بعد أن شرطتَ عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزُخرفها وزِبرِجِها، فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم

____________________

1) سورة المائدة: 55.


الوفاء فقبلتهم وقرّبتهم، وقدّمت لهم الذكر العليّ، والثناء الجليّ، وأهبطت عليهم ملائكتَك، وكرّمتهم بوحيك ورَفدتهم بعلمك، وجعلتهم الذريعة إليك والوسيلة إلى رضوانك) (1) .

فبيّن عليه‌السلام أنّ العصمة المعطاة لهم والتي عبّر عنها عليه‌السلام بقوله: (فقبلتهم... وجعلتهم)، أي إهباط الوحي والملائكة عليهم، والإرفاد بالوحي اللدنّي وتقديم الذكر العلي، وغيرها من شؤون العصمة الوهبية، إنّما أعطاها الباري لهم منذ بدو نشأتهم؛ لعلمه تعالى بخصوصية في ذواتهم، وهي اشتراطهم وتعهّدهم بطاعة اللَّه من بدو تولّدهم إلى منتهى عمرهم في دار الدنيا، وزهدهم في كلّ درجات الدنيا وزخرفها وزبرجها.

وهذا نظير المعلّم الذي يتفرّس في بعض تلاميذه النبوغ والأهلية والقابلية والجدّ والاجتهاد منذ أوائل حقبة التعليم، فيولّيه عناية خاصّة تزيد على بقية الطلاب؛ لاستحقاق ذلك التلميذ وتأهّله بقابلية تفوق البقية، فيكون من الحكمة والجود أن يولّي المعلّم مزيد اهتمام ورعاية وتفقّد وتعليم لذلك التلميذ دون الآخرين، وذلك مثل الزارع إذا كانت له أنواع من قطع الأرضين، فواحدة خصبة حيّة منتعشة طيبة، وأُخرى متوسّطة معتادة الأوصاف، وثالثة سبخة أقرب إلى الميتة، فإنّه - والحال هذه - يخصّ الأرض الخصبة بالبذر الثمين المنتج والمثمر ويولّيها مزيد من الخصائص، كالماء العذب وتقليب التربة ونحو ذلك، دون القطعتين الأُخرتين، بل الثالثة لا يُزرع فيها إلاّ العشب وما تقتاته الحيوانات.

ومنها: من الجهات الاختيارية، في أصل وجود صفة العصمة، ما أُشير إليه في خطبة الصدّيقة وزيارتها عليها‌السلام :

____________________

1) المزار للمشهدي.


(... وأشهد أنّ أبي محمّداً عبده ورسوله، اختاره قبل أن يجتبِلَه، واصطفاه قبل أن يبتعِثه، وسمّاه قبل أن ينتجبه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة وبستر الأهاويل مصونة وبنهاية العدم مقرونة، علماً منه بمآل الأُمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة منه بمواقع المقدور، وابتعثه إتماماً لعلمه، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حقّه) (1) .

وكذلك ما ورد في زيارتها: (يا ممتحنة، امتحنك اللَّه - الذي خلقكِ - قبل أن يخلقكِ، فوجدكِ لما امتحنكِ صابرة) (2) ، فإنّ الامتحان في رتبة العلم الربوبي، والاصطفاء والاختيار والانتجاب في أُفق العلم الإلهي قبل خلق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقبل خلق الزهراء عليها‌السلام ، يدلّ على وقوع العلم الإلهي على خصوصية في تلك الذوات المطهّرة التي حباها اللَّه بختم النبوّة والحجّية على الخلق.

ونظير ذلك ما يصنعه الزارع، فإنّه يرجع في انتخاب البذر والزرع إلى علمه بخصائص البذور وأنواع ثمارها، وصالحها من طالِحها، ثمّ يختار أَنفَسَها جودةً وطيبة، ويُسمّى هذا بالامتحان في مقام العلم قبل الإيجاد والوجود الخارجي.

ومنها: ما وقع من امتحانات في العوالم السابقة كعالم الذرّ، المشار إليه بقوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) (3) ، ومثله: عالم الميثاق، وخلق الطينة، وعالم الأصلاب والأرحام والنطفة، وغيرها من العوالم السابقة على نشأة الإنسان في دار الدنيا، فإنّ في تلك العوالم سِنخُ امتحانٍ واختبار يختلف عن سنخ الامتحان والاختبار في دار الدنيا، ولا يُؤهّل للمقام الخاصّ من

____________________

1) كشف الغمة، ص482.

2) مصباح المتهجد للطوسي، ص711.

3) سورة الأعراف: 172.


النبوّة والإمامة والحجّية على الخلق إلاّ من قد فاز في تلك الامتحانات وانتُجب واصطُفي ها هناك. فمن ثمّ لا تكون كسبية في دار الدنيا.

ومنها: لا يمكن أن تتحقّق فيمن يفترض فيه إمكان الزلل، أي فيمن يُفترض فيه عدم الأمان من الوقوع في المعصية، ولأجل خفاء تلك الامتحانات في تلك العوالم عن الخلق وخفاء قابليات البشر، وخفاء معادنهم وطينتهم، كان من الضروري في البديهة التكوينية والعقلية أن يكون تعين صاحب مقام النبوّة أو الرسالة، أو الإمامة والولاية المطلقة والحجّية على الخلق، هو باطلاع الله تعالى المخلوقاتِ على معرفة ذلك، بالنصّ الإلهي المُوحى والمعجزة، وإلى ذلك يشير تعالى: ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ) (1) .

ولأجل ذلك، أطبقت الإمامية على ضرورة المعجزة والنصّ الإلهي على صاحب الإمامة والولاية المطلقة والحجّية على الخلق، وأنّها تستحيل أن تكون كسبية في دار الدنيا. وهذا بخلاف نظرية الصوفية وبعض العُرفاء؛ حيث زعموا أنّ مقام الولاية المطلقة مفتوح بابه لكلّ وارد وسالك للطريقة، ويتحقّق بالحقيقة.

وقد عرفت أنّ الوجوه التي تشبثّوا بها من الآيات والأحاديث غاية مفادِها هو إمكان الوصول إلى المقامات المعنوية العامّة، كمقام استجابة الدعوة بنحوٍ محدود، أو نيل شي‏ءٍ من الحكمة، وبعض درجات التقى، والصدق، والإحسان، والعبودية، وغيرها. لا بنحو الاستيفاء التامّ بكلّ درجاتها لتبلغ المقامات الخاصّة، كالولاية المطلقة، والإمامة، والحجّية على الخلق.

ومن ثَمّ لم يتجرّوا على دعوى بلوغ النبوّة التشريعية، أو مقام إبلاغ الرسالة

____________________

1) سورة القصص: 68 - 69.


الإلهية، مع أنّ التفرقة لا وجه لها، إلاّ قاعدة الاصطفاء والاختيار الإلهي، التي هي مفاد نظرية النصّ الإلهي على أصحاب هذه المقامات الخاصّة، من دون فارقٍ بين النبوّة والرسالة، والإمامة والولاية المطلقة، والحجّية على الخلق، والخلافة الإلهية الكبرى.

وخير شاهدٍ على بطلان زعمهم ما يلاحظه المتتبّع المدقِّق المحقِّق في كتبهم وكلمات روّادهم في تفسير الآيات والمعارف، وباب التأويل للآيات التنزيلية والتكوينية، وباب الآداب والسنن، وغيرها من أبواب المعارف، فيلاحظ كم لهم من رأي ونظر قد تبيّن - في التحقيقات العلمية والحكمية والمشاهدات - بطلانها وقصورها عن الإحاطة بتمام الواقع، وضحالة نابعة من البيئة العلمية والمذهبية التي ترعرع ونشأ فيها ذلك الصوفي والعارف. فبون بين ما يفسّرونه من معارف وتأويلات، وبين ما يشاهده المحقِّق الحكيم السالك في المعارف المأثورة عن بيت النبوّة، وأين الثرى من الثريا؟!

حتّى أنّ بعض الأكابر من الصوفية يعتقد بالهيئة البطليميوسية ويرتّب عليها مزاعم من المكاشفات، أو تراه يبني على الجبر الأشعري والمسلك الأشعري في الحسن والقبح، أو يقول أنّ الولي وإن كان تابعاً في علم التشريع والأحكام للنبيّ، إلاّ أنّ النبيّ قد يكون تابعاً له في المعارف والعلوم الحقيقية، ثمّ اعتمد في ذلك على قصّة أُسارى بدر المُختلَقة، وحديث تأبير النخيل الموضوع.

وقد ردّ عليه السيد حيدر الآملي بقوله: فكيف يخطئ فيها من هو موصوف بأنّه: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) ، وكذلك من هو موصف بـ: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رَمَى ) (2) . فالشيخ ابن عربي والشارح

____________________

1) سورة النجم: 3 - 4.

2) سورة الأنفال: 17.


الكاشاني لو كانا عالمين بأُصول أهل البيت عليهم‌السلام لمَا قالا هذا، ولما نسبا الرسول المعصوم من الخطأ إلى الخطأ، ولما نسبا غيره إلى الصواب (1) .

ثمّ قال: فنسبة مثل هذا من الشيخ الحاتمي - والشُرّاح - إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله سوء أدب وإهمال من جانبه.

وأمّا الشارح الثالث، وهو داود القيصري - وكان تلميذاً لعبد الرزّاق الكاشاني المذكور -، فهو قد أخذ بطرف النقيض والتعصّب، وقال: ... وأمثال هذه المهملات - من غير تمسّكٍ إلاّ بقول الشيخ - لا يُعتد بها. ثمّ نقل قول ابن عربي في كون علماء الظاهر، من الأئمّة الأربعة، لهم الوراثة في التشريع، وأنّ الوراثة لباطن الشرع مخصوصة لعلماء الباطن العالمين بأسرار الحقيقة.

فردّ عليه السيد حيدر بقوله: وقط ما التفت في ذلك إلى ذكر أهل البيت عليهم‌السلام وعِترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمير المؤمنين والمهدي عليهم‌السلام ، الذين هم ورثته حقيقةً من غير خلاف كما سبق ذكره من قول اللَّه وقول النبيّ، والحال أنّ الأئمّة الأربعة ليسوا بقائلين لأنفسهم بالعلوم الإرثية بل الاجتهادية الكسبية، كما أشار إليه الشيخ (الحاتمي) أيضاً. وبناءً على هذا، كيف يصدق اسم الإرث على الكسب، وبالعكس؟

هذا بحسب العلوم الظاهرة ونسبتها إلى الأئمّة الأربعة. وأمّا بحسب العلوم الباطنة ونسبتها إلى العارفين، فهم - أي: أهل البيت عليهم‌السلام - أولى، وأقدم، وأليق، وأنسب، كما بيّنا في انتساب جميع العلوم إليهم قبل هذا، وكذلك المشايخ والعارفون فإنّهم - بأسرِهم - منسوبون إليهم صورةً ومعنى. وبالجملة، فكلّ من يكون عِلمه حاصلاً بالكسب من الأُستاذ، والشيخ، بطريق التعليم والتعلّم فليس بإرثٍ أصلاً، وكلّ من

____________________

1) نص النصوص في شرح فصوص الحكم، ص 332، طبعة طهران.


يكون علمه حاصلاً بالكشف والشهود.

والعجب كلّ العجب، أنّ أمثال هؤلاء يدّعون الكشف والعرفان ويحصل منهم مثل هذا الكلام. أمّا القيصري فقد عرفتَ خَبْطه ومهملاته، وأمّا الشيخ (الحاتمي) فإنّه حيث كان يعرف أنّ عيسى عليه‌السلام ينزل في آخر الزمان ويحضر عند المهدي، ويكون تابعاً له ولجدّه في النبوّة والولاية، فنقول:

كيف حكم أنّه خاتم الولاية المطلقة مع وجود عليّ عليه‌السلام بما ثبت (أي: الذي ثبت) له استحقاق هذه الصورة نقلاً، وعقلاً، وكشفاً، وبقوله أيضاً؟ وحيث كان عارفاً بحال المهدي عليه‌السلام إلى هذه الغاية التي ذكرها، وخصّ به الختمية للولاية المقيّدة المحمّدية، كيف كان ينسبها إلى نفسه، ويجزم بذلك بعقله. والعجب أنّه يثبت هذا المقام لنفسه بحكم النوم! وقد ثبت هذا لغيره بحكم اليقظة، بمساعدة النقل والعقل والكشف، وأين النوم من اليقظة؟! و(أين) القياس من الدلائل العقلية، والشواهد النقلية، التي تطابق الكشف الصحيح؟! (1) .

وقال السيد حيدر في الكتاب المتقدّم - في معرض الردّ على دعوى بعض العُرفاء بأنّه خاتم الولاية المطلقة -: وهذا أمرٌ جليل، وشأنٌ عظيم، لا يستحقّه إلاّ الخاتم للولاية المطلقة الذي هو عليّ بن أبي طالب - صلوات اللَّه عليه - فلينظر العاقل إلى هذا المنصب الرفيع ويحكم بما يرى فيه، والحقّ جلّ ذكره ما اكتفى بهذا حتّى قال: ( أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (2) ؛ لأنّ ( َأُوْلِي الأَمْرِ ) في الدين لا يجوز (إلاّ) أن يكون (من) الأولياء، قائماً بأوامر دين اللَّه وإجراء أحكام نبيّه، شريعةً، وطريقةً، وحقيقةً، ولا يجوز أن يكون (مثل هذا الولي) إلاّ معصوماً في نفسه منصوصاً (عليه) من عند اللَّه؛ لأنّ متابعته ومطاوعته كمطاوعة

____________________

1) نصّ النصوص في شرح فصوص الحكم، ص 238، طبعة طهران.

2) سورة النساء: 59.


اللَّه تعالى ومطاوعة رسوله، ومطاوعتهما واجبةٌ شرعاً وعقلاً، فتكون مطاوعة أُولي الأمر كذلك، وكلّ من يأمر الحقّ بمطاوعته على سبيل الوجوب، لو لم يكن في نفسه معصوماً ومنصوصاً (عليه) من عند اللَّه سبحانه، يلزم أن يكون هو سبحانه آمراً بمطاوعة من يكون جائز الخطأ، وهذا غير جائز عقلاً؛ لأنّ الأمر بالقبيح قبيح (1) .

وقال: فلم يبقَ إلاّ أن يكون المراد (بأُولي الأمر) الإمام المعصوم الذي لا تصدر عنه صغيرة ولا كبيرة من الصِغَر إلى الكبر؛ لئلاّ يلزم الإخلال بالواجب منه تعالى ومن نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله . ومع ذلك، فمعَنا تقسيمٌ عقلي وقانون كليّ نرجع إليهما.

ثمّ استدلّ على لزوم كونه معصوماً معلوماً معيناً، أي منصوصاً عليه (2) . وقال: وأعظم الدليل على ذلك علمه (أي: المهدي) بالقرآن على ما هو عليه، وليس للشيخ (ابن عربي) ولا لغيره هذا، حتّى قالوا (إنّه) لا يقرأ القرآن على ما هو عليه إلاّ المهدي إذا ظهر، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (كتاب اللَّه وعِترتي) يشهد بذلك، لأنّه جعلهما توأمين، وقال: (لا يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض)، وقال بعبارة أُخرى: (إنّ أولى الناس بكتاب اللَّه: أنا وأهل بيتي من عِترتي). وعند التحقيق: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (3) إشارة إليه (أي: إلى المهدي - عليه‌السلام -) وإلى أجداده المعصومين عليهم‌السلام .

وقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : (من أراد علوم الأوّلين والآخرين فعليه بالقرآن) يشهد بصدق هذا كلّه، وليس الشيخ (ابن العربي) وإن كان عالماً عارفاً في هذا المقام، أعني بأن يكون له الاطّلاع على أسرار القرآن على ما هو عليه في نفس الأمر. وإن قال:

____________________

1) نصّ النصوص في شرح فصوص الحكم: 189، طبعة طهران.

2) المصدر السابق.

3) سورة آل عمران: 7.


أنا القرآن والسبع المثاني وروح الروح لا روح الأواني (1) .

وقال بعض العلماء في قوله تعالى: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (2) الآية، فالظالم ها هنا من العباد هو: الذي ما أعطى حقّ كتاب اللَّه تعالى، وما حكم به. والمقتصد هو: الذي أعطى حقّه، وأقرّ به، وقام بما فيه بقدر وسعه. والسابق بالخيرات هو: الإمام المعصوم المنصوص (عليه)، المخصوص بهذا المقام. فافهم جيداً، واسمع قوله جلّ ذكره: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (3) ، ومن جملة ما أنزل اللَّه قوله تعالى: ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (4) ، وأنت لا تعطي عوض المودّة إلاّ المبَغَضَة، فكيف حكمت بالقرآن؟! وأقلّ المبغضة أنّك تنسب مرتبتهم وإمامتهم إلى الغير بغير حقّ، لا جَرَم صرت مُستحِقّ أن يُقال فيك: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (5) ، وأن يقال: ( أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ) (6) ، ويقال: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) (7) ، هذا مضى وتلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت أمراً (8) .

____________________

1) نصّ النصوص في شرح فصوص الحكم، ص 249، طبعة طهران.

2) سورة فاطر: 32.

3) سورة المائدة: 47.

4) سورة الشورى: 23.

5) سورة المائدة: 45.

6) سورة هود: 18.

7) سورة البقرة: 161 - 162.

8) نصّ النصوص في شرح فصوص الحكم، ص 241.



القراءة الجديدة الثالثة في حديث الغدير:

ولايتهم السياسية المدنية

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيل * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (1) .

فبيّن تعالى أنّ الانقياد والطاعة، والتبعية السياسية في النظام الاجتماعي السياسي، لا تجوز ولا تحلّ لغير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأولي الأمر المعصومين عليهم‌السلام . وكلّ مُطاعٍ ومُنقاد له في النظام السياسي دونهم - بحيث لا يؤول إليهم - فهو طاغوت أُمِرَ بالكفر به، وإن كانت الآية غير خاصّة بالنظام السياسي، بل تعمّه وغيره؛ كما مرّ أنّه الصحيح من عموم مفاد الآية.

فالانتماء السياسي إلى أيّ جهة لا تنتسب إليهم عليهم‌السلام ، يُعد ذلك انتماءً إلى الطاغوت. فعلى صعيد الولاء السياسي واتّخاذ الهوية في الانتساب إلى أي نظام سياسي دونهم عليهم‌السلام غير منتسب إليهم، يُعدّ ذلك الانتماء ركون إلى حاكم الجور، وتحاكم إلى الطاغوت، وقد قال تعالى: ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِالله فَقَدِ

____________________

1) سورة النساء: 59 - 60.


اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ) (1) .

وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (2) ، فإنّ الولوج في الانتماء السياسي إلى غير جماعة الحقّ التابعين لولاء اللَّه تعالى، وولاء رسوله، وولاء المؤمنين وهم أولي الأمر الذين أُمرنا بطاعتهم أصحاب الأمر المتنزّل ليلة القدر، وهم الذي يرون أعمال العباد ويشهدونها كما في قوله تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (3) . وهذه الآية قد ذُكرت في سياق نفس الآية في سورة البراءة، ومن الظاهر أنّهم ليسوا عموم المؤمنين، بل خصوص أئمّة المؤمنين.

ومن ثمّ قُرّر في النصوص المستفيضة، والمتواترة الواردة في الفقه، وكذا في الفتوى، باباً بعنوان البغي والبغاة، المستمد من التشريع القرآني والسنّة القطعية، وعُنون في الفقه لدى كافّة المذاهب، فهو من الأبواب المتأصّلة في الفروع، وقد اتّفقوا على تعريفه بأنّه: الخروج عن طاعة الإمام العادل. وهذه مرتبة من مراتب ولاية إمام الحقّ.

وقد روى الفريقان بطرق عديدة: (إنّ من مات ولم يبايع إمام زمانه مات ميتةً جاهلية)، وفي بعض الروايات: (مَن مات وليس في عُنقه بيعة إمام مات ميتةً جاهلية). وقد روي بألفاظ أُخرى أيضاً.

ولا ريب أنّ مفاده لا ينطبق إلاّ على إمام الأصل وهو المعصوم علماً وعملاً؛ لأنّه لا يُتصوّر أن يكون شخصاً غير المعصوم له من الطاعة السياسية وغيرها ذات هذا

____________________

1) سورة البقرة: 256.

2) سورة التوبة: 16.

3) سورة التوبة: 105.


الشأن، بحيث لا يموت المسلم والمؤمن على صفة الإسلام، ويكون موته ميتةً جاهلية، فطاعته هي الحدّ الفاصل بين الإسلام والكفر بلحاظ الأثر الأخروي، فهذا الشأن لا يكون إلاّ لمن اصطفاه اللَّه وطهّره من الأرجاس والذنوب، لا من يكون في معرض اقتراف المعاصي والكبائر، ولا يؤمن من الوقوع في سخط اللَّه وغضبه.

فمفاد الحديث النبويّ يقرّر: أنّ تولّي الإمام سياسياً، وطاعته في الحكم والانتماء إليه في الهوية السياسية، دخيل في الإيمان وصحّته والخروج عن حدّ الكفر القلبي الأُخروي. هذا فضلاً عن معرفة ذلك الإمام والاعتقاد والإيمان بإمامته، فالطاعة والولاء لحاكميته هي بهذا الشأن، فأيّ انتماءٍ وتحرّك وحركة، وهوية سياسية، لا تستند إلى إذن الإمام وأمره يكون خروج عن طاعته وتدبيره، وبغياً على ولايته السياسية. وهذا المفاد للحديث النبويّ يطابق مفاد الآية السابقة من لزوم إطاعة أُولي الأمر وحرمة التحاكم إلى غيرهم من الطواغيت.

وقد وردت الروايات المستفيضة بهذا المضمون، الدالّة على أنّ المسلم والمؤمن يجب عليه أن ينتمي ويعيش في ظلّ النظام السياسي المدبَّر من قبل المعصوم، سواء كان ذلك النظام السياسي بصورة الحكومة المعلنة رسمياً، كما في عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعهد وصيّه عليه‌السلام ، وسبطه المجتبى عليه‌السلام ، أم بصورة الحكومة غير الرسمية في ظل النظام الإيماني، وهو نظام الطائفة الإمامية الاثنى عشرية الاجتماعي الذي بُني بيدهم عليه‌السلام .

ويندرج في هذا المقام عدّة أبواب في النظام السياسي، كباب الجهاد، من: حرمة الجهاد مع إمام لا يُؤمّن على الحكم ولا ينفِّذ في الفي‏ء أمر اللَّه عزّ وجلّ. وكبَاب القضاء، من: حرمة التحاكم إلى حكام الجور، وهو كلّ حاكم لم يستمد صلاحية قضائه من المعصوم. وكباب الفتوى أيضاً؛ وذلك لأنّ التقاضي والقضاء وصلاحية بيان القوانين الشرعية هما من شُعب سلطات النظام السياسي، واللازم


فيه هو الانتظام في المنظومة التابعة والمنقادة للمعصوم وتدبيره، وبالتالي يتحقّق العيش في ظلّ حكومته وحاكميته، ولو بصورة نظام اجتماعي للطائفة والمذهب، وإن لم يكن بصورة نظام الدولة الرسمية.

وحينئذٍ يكون ذلك تمسّكاً وأخذاً بِحُجزَتِهم، وعيشاً في كنفهم، ومكثاً في ظلّهم السياسي، وتأديةً لحقوقهم. ومن ثمّ أشارت الآية السابقة إلى التناقض والتهافت بين دعوى الإيمان بما أنزل اللَّه، وبين العيش والانتماء السياسي في ظلّ الكيانات الجائرة التي لا تستمدّ مشروعيتها من اللَّه ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك:

كقوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ) (1) . وقوله تعالى: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (2) . وقوله تعالى: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) (3) ، وهذه الآية في ذيل الآية الأُولى.

فتبين الآيات الكريمة أنّ الإيمان لا يتمّ إلاّ بالولاء السياسي في كلّ شُعَبِه، من: القضاء، والتشريع، والتدبير، إلى من أعطت السماء له الصلاحية، ولا يكفي مجرّد المعرفة والإقرار بالقلب.

وهذا مقامٌ خطير من مقامات ولاية اللَّه وولاية رسوله وأُولي الأمر المطهّرين الذين أُمرنا بطاعتهم.

ويتّضح بذلك؛ أنّه يحتمل في قوله تعالى - في آية الغدير -: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (4) ، أنّ إكمال الدين حصل بالبيعة السياسية لأمير المؤمنين عليه‌السلام في غدير خُمّ؛ وإلاّ ففرض

____________________

1) سورة النساء: 60.

2) سورة المائدة: 50.

3) سورة النساء: 65.

4) سورة المائدة: 3.


الإقرار بإمامته، ومعرفته بالإمامة، وأخذ ذلك في حصول الإيمان القلبي قد حصل في يوم الدار عند نزول هذه الآية: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين َ ) (1) ، المعروف بحديث الدار، في الآيات والسور المكّية (2) فضلاً عن المدنية. فالتدرّج هو في بيان رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله لشعب الولاية ومراتبها؛ وإلاّ فأصل الولاية قد أُخذ ركناً في الإيمان والدين منذ أوائل البعثة، كما في سورة الشعراء، وجعل آدم خليفة أي إماماً، ومقام الإمامة في السور المكّية.

____________________

1) سورة الشعراء: 214.

2) آخر آية في سورة الرعد، وما في: آية 79، من سورة الواقعة. وسورة النحل، آية 89. ومجموع سور القدر، والنحل، والدخان، وغيرها.



تلوّن الفقه بولايتهم عليهم‌السلام

موقعية الإمامة في بقية أركان الدين

قراءة جديدة في حديث: (مَن ماتَ ولم يعرف إمام زمانه ماتَ ميتةً جاهلية).

قد روى الفريقان، بنحوٍ مستفيض أو متواتر، حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : (مَن ماتَ ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية) (1) . وألفاظ الحديث في بعض الطرق: (مَن ماتَ وليس في عنقه بيعة لإمام ماتَ ميتة جاهلية) (2) .

والمتبادر من فقه هذا الحديث وجود أئمّة في هذه الأُمّة ولهذا الدين بهم يتقوّم الإيمان، وبمعرفتهم النجاة، وأنّ معرفتهم على حدّ معرفة بقية أُصول الدين؛ في كونها موجبة لحصول حقيقة الدين والديانة، وعدم تلك المعرفة موجب الخروج من حدّ الإيمان وحقيقة الإسلام إلى حدّ الكفر الأُخروي.

وأمّا مفاد الحديث على اللفظ الآخر وهو البيعة، والتي بمعنى الطاعة السياسية، فله معنى يتناول المعنى السابق وزيادة، حيث يبيّن الحديث على اللفظ الثاني (البيعة): أنّ الطاعة السياسية والقانونية للإمام دخيلة في تحقّق الإيمان، ومن ثمّ

____________________

1) مسند الطيالسي: ص259، طبعة حيدر آباد. وصحيح القتيري النيسابوري، ج8، ص107. وينابيع المودّة للقندوزي، ص117. وفي بعض طرق الحديث: (مَن مات بغير إمامٍ مات ميتة جاهلية).

2) مجمع الفائدة للمحقق الأردبيلي، ص 215.


ينفتح مسار آخر لقراءة الحديث بنحو أعمق، ألا وهو البحث في العلاقة بين الإمامة وبقية أركان الدين، ولك أن تعبّر: موقعية الإمامة في الأبواب الفقهية وفصول التشريع. كي نلاحظ ونتتبّع لون الولاء السياسي والقانوني للمعصوم عليه‌السلام . فلو أراد الباحث تصفّح التشريع في الأبواب:

فأوّلاً: في باب الاجتهاد والتقليد، فإنّ منصب الإفتاء والفُتيا للمجتهد والفقيه، منشعبةٌ صلاحيتُه من إذن وتخويل الإمام المعصوم، ويرشد إلى هذه الحقيقة أنّ الفُتيا ليست مجرّد إخبار محض كما هو الحال في نقل الراوي للرواية، بل هي سلطة تشريعية، لا بمعنى الصلاحية في تشريع الأحكام، بل بمعنى أنّ الفهم التخصّصي لاستنباط واستنتاج الأحكام هو قدرة في معرفة الأحكام وبيانها، وبالتالي فهي قدرة في الخطاب القانوني المؤثّر في المجتمع.

ومن ثمّ اعتُبرت السلطة القانونية إحدى سلطات الحكم السياسي الاجتماعي، ذات نفوذ وامتداد في المجتمع. ومن ثمّ كان منصب الفتوى - والذي هو أحد مناصب المرجعية الدينية - هو مسند ولاية نيابية، ينوب فيها الفقيه والمجتهد عن المعصوم، ضمن مجال محدود بالقياس إلى علم المعصوم اللدنّي. ويشير إلى ذلك قوله تعالى:

( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (1) ؛ حيث جعلت الآية موقعية الفقيه في طول نيابته عن المعصوم في حدود ما يتلقّاه عنه، فلا يُعقل إسناد هذا المنصب لغير المؤمن وغير العادل. وليس هو وِزان الرواية؛ حيث يُقبل فيها خبر الموثّق وإن لم يكن عادلاً.

وبعبارة أُخرى: لا يستنيب الإمامَ المعصوم مَن لا يأتمّ به، ولا يعتمد إمامته في هذا الدور من المنصب الخطير

____________________

1) سورة التوبة: 122.


في ‏الدين.

وكذلك الحال في منصب القضاء، والمناصب الأُخرى التي يقوم بها نيابة عن المعصوم في ضمن مجال محدود، بالقياس إلى صلاحيات المعصوم بسبب العصمة العلمية والعملية، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (1) ؛ حيث جعل الأحبار - وهم العلماء - في‏ طول الربانيين، وهم الأوصياء المستحفظون، ينوبون عنهم في بعض حدود الصلاحيات.

فيُعلم من ذلك: أنّ صلاحيات نيابة الفقيه أو المجتهد كلّها منشعبة ومتعلّقة بالمعصوم وإمامته، فهذا الباب مرتبط عضوياً بشؤون الإمام المعصوم، فمن الغفلة بمكان بتر صلة هذا الباب، الذي هو باب الفتوى والقضاء وباب الحكم وباب الحدود ونحوها، عن الصلة بشؤون المعصوم، بدعوى أنّ الفتوى إخبار محض، أو أنّ القضاء ليس بتنصيب نيابي، بل هو عبارة عن قاضي التحكيم، أي بتراضٍ من الخصمين، وأنّ صلاحية نفوذ القضاء ناشئة من التزام وتوافق طرفي النزاع في الخصومة، أو أنّه ناشٍ من قاعدة الحُسبة، التي مؤدّاها استكشاف الجواز وإن لم يكن إذناً ولائياً ونيابة، بل هو جواز تكليفي محض وليس مؤدّىً حقوقياً، وبالتالي يكون التمسّك بقاعدة الحسبة تجاوز على ضرورة امتداد ولاية المعصوم إلى هذه المواقع، والحدّ من أياديه وشؤون تصرّفه وصلاحيات تصرّفه.

وكذلك ما يقال من تفسير صلاحية الحكم للفقيه والمجتهد، الناشئة من

____________________

1) سورة المائدة: 44.


انتخاب الأُمّة بمقتضى قاعدة الشورى بالمعنى المقلوب لها، بمعنى سلطة الأكثرية؛ لأنّ المعنى الأوّل - الصحيح - لها هو بمعنى المداولة الفكرية والاطّلاع والفحص المعلوماتي، واتّباع منهج الفحص العلمي الخبروي، والفرق الاستشارية التخصّصية في كلّ مجال.

وكذلك ما يقال من تفسير صلاحية الفقيه والحاكم من أنّها ناشئة من العقد والتعاقد بين الأُمّة والحاكم المسمّى بالبيعة. وكلّ هذه المباني تصبّ في بتر الصلة مع المعصوم، وتحديد صلاحياته وولايته أو تجميدها، وبالتالي هذه التنظيرات الفقهية تؤول إلى حسر المعصوم عن ولايته الفعلية وتجميدها، وتصوير المبني على تصوّر خاطئ، وهو عدم التصدّي الفعلي من قبل المعصوم للأمور، وبالتالي يؤول الأمر إلى تصوّرات اعتقادية خاطئة خطيرة في معرفة الإمام والإمامة، وإن كان هذا التلازم بين هذا التنظير الفقهي وهذه اللوازم الأُخرى هو تلازم نظري خفي مغفول عنه.

وقال الشيخ المفيد في المقنعة (1) في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (فأمّا إقامة الحدود: فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل اللَّه تعالى، وهم أئمّة الهدى من آل محمّد عليهم‌السلام ، ومن نصّبوه لذلك من الأمراء والحكّام، وقد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان، فمن تمكّن من إقامتها... ويجب على إخوانه من المؤمنين معونته على ذلك إذا استعان بهم، ما لم يتجاوز حدّاً من حدود الإيمان، أو يكون مطيعاً في معصية اللَّه تعالى به، لم يجز لأحدٍ من المؤمنين معونته فيه، وجاز لهم معونته بما يكون به مطيعاً للَّه تعالى، من إقامة حدٍّ، وإنفاذ حكم، على حسب ما تقتضيه الشريعة، دون ما خالفها من أحكام أهل الضلال... وليس لأحد من فقهاء الحقّ، ولا من نصّبه سلطان الجور منهم للحكم، أن

____________________

1) المقنعة: 810.


يقضي في الناس، بخلاف الحكم الثابت من آل محمّد عليهم‌السلام ، إلاّ أن يضطرّ لذلك؛ للتقية، والخوف على الدين والنفس... ومن لم يصلح للولاية على الناس لجهلٍ بالأحكام، أو عجزٍ عن القيام بما يُسند إليه من أُمور الناس، فلا يحلّ له التعرّض لذلك والتكلّف، فإن تكلّفه فهو عاصٍ غير مأذون له من جهة صاحب الأمر الذي إليه الولايات، ومهما فعله في تلك الولاية فإنّه مأخوذ به، محاسب عليه ومطالب فيه بما جناه، إلاّ أن يتّفق له عفو من اللَّه تعالى، وصفحٌ عمّا ارتكبه من الخلاف له، وغفران لما أتاه) . انتهى.

ثانياً: في باب العبادات ، فإنّ مشهور علماء الإمامية بنوا على شرطية الإيمان والمعرفة بالأئمّة في صحّة العبادات، وقد ساقوا في ذلك أدلّة قرآنية وروائية (1) ، وهي:

الآيات التي تدلّ على حبط العمل من دون الإيمان، نظير ما وقع في قصّة إبليس اللعين، حيث حبطت عبادته الطويلة الأمد بتركه ولاية وليّ اللَّه وخليفته.

وكذا قوله تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) (2) . وقوله تعالى: ( وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) (3) . وقوله تعالى: ( وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (4) . وقوله تعالى في وصف حال الذين في قلوبهم مرض: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) (5) . وقد فسّر الباري المرض في القلوب بالضغينة حينما قال: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ) (6) ، وهي في قِبال مودّة القربى المفترضة، إلاّ أنّ بعض متأخّري هذا العصر احتملوا أنّ غاية مفاد تلك الأدلّة هي نفي القبول والثواب

____________________

1) أبواب مقدّمات العبادات، باب 29، وقد تقدّم بسط الكلام في ذلك.

2) سورة طه: 82.

3) سورة المائدة: 5.

4) سورة هود: 16.

5) سورة محمّد: 9.

6) سورة محمّد: 29.


الأُخروي، لا صحّة العمل بلحاظ سقوط العقوبة، وإن لم يعتمدوا على مجرّد هذا الاحتمال في صحّة نيابة غير المؤمن في ‏العبادة. ولا يخفى أنّ هذا البحث شامل للاعتقاديات أيضاً، من الأيمان بالتوحيد والنبوّة والمعاد، كما أشرنا إليه في مقالة سابقة.

فيتأتّى القولان في ذلك أيضاً، وإن كان في تسمية الاحتمال الثاني قولاً مسامحةٌ، فعلى قول المشهور لا يكون ذلك الاعتقاد بأُصول الدين من دون الولاية لخليفة اللَّه سالماً صحيحاً، بل منطوياً على نِمْطٍ من الشرك والكفر، كالذي حصل لإبليس مع إقراره بالربوبية والمعاد، حيث طلب الإنظار إلى يوم البعث، وكذلك كان مقرّاً بنبوّة آدم وتفضيله عليه إلاّ أنّه حيث كان غير منقاد لولاية خليفة اللَّه، لم يكن إيمانه صحيحاً، ولم ينجه من مصير الخلود في النار.

وأمّا على القول الآخر، فيكون الإقرار متحقّقاً، ولا يُعاقب على التوحيد والنبوّة والمعاد، وإن عوقب على ترك الإقرار والإيمان بالولاية، لكنّه لا يُثاب على ما قد أقرّ به من التوحيد والنبوّة والمعاد من أُصول الدين.

ومحصّل الفرق بين القولين: إنّه على قول المشهور يبطل جميع أعمال التارك للولاية والإيمان، سواء البدنية أو القلبية الاعتقادية، فيعاقب على تركها، لأنّه قد أتى بها بنحو فاسد خاطئ، وبالعكس على القول الآخر، فإنّه لا يعاقب على ما أقرّ به من أُصول الدين، بل غايته أنّه لا يثاب عليها، وغاية ما يعاقب عليه على هذا القول يقتصر على ترك ولاية وليّ اللَّه.

فبين القولين جهات من الفرق واضحة، فعلى القول الثاني تضعف شدّة لون ولاية الإمام في الأعمال، بخلافه على القول الأوّل؛ فإنّ التركيز فيه واضح، وباب العبادات أحد الأقسام الأربعة لمجموع الفقه.


الضريبة المالية:

ثالثاً: الخمس، وهو وإن كان من العبادات، إلاّ أنّ الكلام فيه من حيثية أُخرى، وهي جواز التصرّف فيه بإيصاله إلى المصارف الشرعية. وقد اختلفت التخريجات في ذلك، فمن تخريج أنّه من باب مجهول المالك، ومن ثمّ يحتاط بالتصدّق به عنه(عج) عند صرفها في المصارف الشرعية. فيكون مستند جواز التصرّف حكم مجهول المالك، لا المأذونية المنشعبة من ولاية الإمام عليه‌السلام .

وقيل: بجواز التصرّف والإيصال إلى المصارف الشرعية من باب أنّ الخمس هو لمقام الحاكم والحكومة، وإن كان بعض مصارفه الذرّية من بني هاشم - زادهم اللَّه شرفاً -. وعلى ذلك، فكلّ من يتصدّى للحكم الشرعي يسوغ له التصرّف، وإن كانت صلاحية حكمه قد انبثقت من ولاية الأُمّة على نفسها، وبالتالي فلا يكون التصرّف في الخمس بأذنٍ منه عليه‌السلام ، بل ولا تكون ولايته على الخمس فعلية حينئذٍ.

وقيل: تخريج الجواز المزبور من باب الحسبة؛ إذ الأصل عدم ثبوت ولاية نيابية للمجتهد من قبل المعصوم. إلى غيرها من التخريجات التي تبتني على عدم استفادة الجواز من المأذونية منه (عج) باعتبار ولايته على الخمس.

فهي إمّا تعطّل ذات الولاية التي له (عج)، أو تعطّل آثار الولاية، مع أنّ جعل الخمس بنصّ الآية، وكذلك الفي‏ء، هو لذي القربى المعصومين؛ لمكان التعليل في آية الفي‏ء بإقامة العدالة المالية في المجتمع، قال تعالى: ( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ ) (1) ، حيث إنّ إرساء العدالة يتوقّف على العلم اللدنّي التامّ، المحيط بنظم المال والنقد والاقتصاد، وغيرها من المنابع والحقول المالية وموارد البيئة

____________________

1) سورة الحشر: 7.


الأُخرى لتداول المال، كما يتوقّف على علوم الإدارة والتدبير الثاقبة، وعلى الأمانة البالغة لدرجة العصمة العملية.

فالولاية للخمس والفي‏ء خاصّة به (عج)، وولايته فعلية غير معطّلة، إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها، وكلّ صلاحية ومأذونية يجب أن تكون من قبل شخصه الشريف، نظير التوقيع الشريف: (أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)، ونحو ذلك مما يستشفّ منه المأذونية.

وقد يُظنّ أنّ قاعدة الحسبة أوفق بالاحتياط، حيث إنّها مبتنية على عدم ثبوت النيابة للمجتهد من قبل المعصوم، وإنّ ما يتصدى له المجتهد من الأُمور العامّة إنّما هو من باب الجواز التكليفي المحض، لا المأذونية النيابية، وفي الحقيقة فإنّ قاعدة الحسبة في أصلها مبنية - كما هي لدى جمهور أهل سنّة الجماعة - على عدم وجود المنصوب للولاية العامّة بالنصّ الإلهي، فيتمسّك لجواز التصرّف بتقرير مقدّمات الحسبة، فمؤدّى الحسبة في الحقيقة مبنية على عدم لزوم تولّد الجواز من قبل إذنه (عج)، وبالتالي عدم انحصار انشعاب المأذونية من ولايته.

السلطة في النظام العالمي:

رابعا ً: الجهاد الابتدائي، فإنّه قد أطبقت الإمامية على اختصاص هذا المقام بالإمام المعصوم عليه‌السلام ، حيث إنّ الجهاد الابتدائي في لغة القانون الوضعي الحديث يوازي ويعادل الوصاية على المجتمعات البشرية، والنظام المدني العالمي الموحّد، لإرساء العدالة العالمية في جميع أرجاء الكرة الأرضية في نظام موحّد عالمي، ويكون بيده القرار الأوّل في مصير البشرية. وهذا مقام حسّاس خطير لا يتأهّل له غير المعصوم، فمن الغريب بعد ذلك التمسّك بذيل قاعدة الحسبة وتقرير مقدّمات لتصوير جواز التصدّي لغير المعصوم لهذا الشأن والمقام الخطير.


النظام الإيماني في‏النظام المدني:

خامساً: باب النكاح مع أهل الخلاف، فقد ذهب كثير من المتقدّمين إلى عدم جواز نكاح المؤمنة من غير المؤمن لاسيّما غير المستضعف، كالمعاند. وذهب المتأخّرون إلى الكراهة أو إلى تقيّد المنع إذا خِيف على إيمانها، وفي بعض ما ورد في ألسن الروايات كراهة تزويج المؤمن بغير المستضعفة، ونظير ذلك ورد في باب الذبائح من التفصيل بين ذبيحة المستضعف وبين ذبيحة المعاند.

المشاركة في الأنظمة الوضعية:

سادساً: باب الولايات في الأنظمة الوضعية. فقد ورد أنّ تسلّم أحد المناصب في الأنظمة المزبورة مشروط إمّا بالإكراه، وإمّا بغرض خدمة المؤمنين وقضاء حوائجهم. وفي الحقيقة أنّ هذا الجواز ليس تكليفاً محضاً، وإنّما هو مأذونية منه عليه‌السلام وبما له من الولاية.

الإمامة والنظام المالي:

ونظير ذلك باب إحياء الموات - (من أحيا أرضاً فهي له) - فإنّ الجواز هنا مأذونية منهم عليهم‌السلام لولايتهم. وكذلك باب التعامل المالي في أشكاله المختلفة من المداولات المالية مع الأنظمة الوضعية، كما في شراء المقاسمات، والخراج، وإجارة الأراضي، وقبول المنح، وغيرها. فهو إذن تسهيلي منهم عليهم‌السلام ؛ لكونهم الحكّام الأصليين في الحقيقة، وبيدهم شرعاً زمام الأمور، فلا يكون من مجهول المالك ونحو ذلك.

كما ورد عنهم عليهم‌السلام : (لك المُهنّا وعليهم الوزر)، ومن ثمّ قال الشيخ المفيد في المقنعة: (... ومن تأمّر على الناس من أهل الحقّ بتمكين ظالم له


وكان أميراً من قبله في ظاهر الحال، فإنّما هو أمير في الحقيقة من قبل صاحب الأمر الذي سوّغه ذلك وأذن له فيه، دون المتغلّب من أهل الضلال) (1) .

وقد تقدّم أنّ الصلاحية في باب القضاء وإقامة الحدود والقصاص وغيرها من أبواب إقامة الحكم، هي نيابية لا بالأصالة، ناشئة من المأذونية منه (عج)، لا من تراضي المتنازعين في باب الخصومات، ولا من تولية الناس والأُمّة، ولا من باب قاعدة الحسبة التي مؤدّاها جواز التكليف المحض، وتطاول على ولايته في هذه الأبواب من الحكم والحكومة، كما ورد قول أمير المؤمنين لشريح القاضي: (قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبيّ، أو وصيّ نبيّ، أو شقي) (2) .

والمراد من الحصر في كلامه عليه‌السلام : الحصر في مقام الصلاحية التي هي بالأصالة، فلا تنافي الصلاحية التي هي بالنيابة بالإذن من قبلهم عليهم‌السلام ، حيث يكون فيها الفقيه تابعاً لنظام القضاء عندهم عليهم‌السلام .

والحاصل: أنّ أزمّة وزمام عقال الأبواب الفقهية تتناهى إلى ولايتهم عليهم‌السلام ، التي هي تابعة إلى ولاية الرسول، وبالتالي إلى ولاية اللَّه. والتركيز على هذا اللون والحيثية والجهة في الأبواب الفقهية، يضبط سلامة النتائج في التفاصيل؛ بسبب استقامة البنية الأصلية في قواعد الأبواب المحكّمة فيها.

هذا فضلاً عن حجّية أقوال وفعل وتقرير المعصوم عليه‌السلام كمصدر في الأدلّة الشرعية الأصلية، فالحجّية في إبلاغ الشريعة والأخذ بالأحكام الشرعية عنهم عليهم‌السلام ؛ لدورهم وصلاحيتهم التشريعية التابعة لسنن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله التابعة لفرائض اللَّه تعالى، حيثية تغاير حيثية ولايتهم عليهم‌السلام في نظام القانون والفقه بما هم ولاة أمر

____________________

1) المقنعة: ص812، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ط / قم.

2) الوسائل، أبواب صفات القاضي، الباب الثالث، حديث 2 و 3.


وحكّام من قِبَل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن قِبَله تعالى عزّ اسمه، فلا يكفي في البحث الفقهي الالتفات إلى إحدى الحيثيتين وهي الحجّية مع الغفلة عن الحيثية الأُخرى وهي ولايتهم في الحكم والحكومة، بل اللازم الالتفات إلى تمام الحيثيات التي لهم عليهم‌السلام في الأبواب الفقهية، لا الاقتصار على الاثنتين، فضلاً عن الاقتصار على الواحدة منهما.



حرمة طاعة حكام الجور والطواغيت

قال بعض: إنّ مثل معاوية ويزيد والحجّاج طاعتهم لازمة، وتولّي الجائرين واجب بالعنوان الثانوي، ويستدلّ على ذلك بضرورة حفظ النظام، وأنّه لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر. والدليل أجنبي عمّا يتديّن به القائل من طاعة حكّام الجور وتولّيهم، وبيان ذلك بوجوه:

الأوّل: إنّ ضرورة الفعل، وهو النظم، لا تدلّ على مشروعية فاعلية الفاعل. نظير السجّان الذي يسقي المحبوس لديه المشرف على الهلاك ماءً غصبياً لا يدلّ على إباحة الماء؛ لأنّ شرب الماء للسجين المظلوم لا يوجب حُسناً فاعلياً للفاعل، بل يوجب سوءاً في فاعلية الفاعل. ولهذا الأمر أمثلة عديدة ذكرها علماء الأُصول، نظير من يتوسّط الدار الغصبية فإنّ خروجه ضرورةٌ بحكم العقل، ولكنّ ذلك لا يعني عدم العقاب للفاعل على الخروج مع كونه بضرورة العقل. ونظير ذلك قوله تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ) (1) ، فإنّه تعالى أحلّ الميتة عند الضرورة لأكلها، واستثنى من يتعمّد إلقاء نفسه في الهَلَكَة، كأن يسلك طريقاً صحراوياً من دون مؤونة فيضطرّ إلى أكل الميتة، فإنّ مثل هذا الشخص الذي يوقع نفسه في هذا الاضطرار أكله ضروري بحكم العقل، ولكن تلك الضرورة لا ترفع عنه العقاب وسوء فاعليته.

____________________

1) سورة البقرة: 173.


وكذلك من يذهب بنفسه إلى مجلس يعلم بأنّه سيُكره على الفعل الحرام كالزنا، والفاحشة، وشرب الخمر، فإنّه بعد ذهابه إلى ذلك المجلس يكون إتيانه للفعل ضرورة؛ لوقوعه في الإكراه، ولكنّ ذلك لا يكون عنواناً ثانوياً رافعاً لحرمة الفعل.

ومن ثمّ قال علماء الأُصول: إنّ التسبّب للوقوع في الاضطرار للضرورات لا يرفع الحرمة، وإن كان رافعاً لفاعلية (خطاب الحكم) ومحرّكية حرمة الفعل، المسمّاة: بخطاب الحرمة.

الثاني: إنّه بمقتضى تمسّكه بوجوب حفظ النظام المدني من الأموال والأعراض والنفوس، يجب تولّي الحاكم الكافر والاستعمار الأجنبي - على حسب كلام هذا القائل - وإطاعته، ويلزم مشروعية حكومته؛ للضرورة المزبورة حسب ذلك الزعم.

الثالث: إنّ ضرورة حفظ النظام أيّ علاقة لها مع مشروعية حكم الحاكم الجائر ومشروعية تولّيه والركون إليه قلباً وقالباً، بل غاية لزوم حفظ النظام هو لزوم الكفّ عمّا يسبّب المزيد من الفساد والهرج والمرج، إذا كان أهل الحقّ لا قدرة لهم على إزالة الجائر، ولزوم اعتماد جانب التقية (سياسة الأمن)، لا الموالاة للظالم الجائر، وكم البون بعيد بين الأمرين؟

الرابع: إنّ حفظ النظام هو الذي يوجب إزالة النظام الجائر في جملة من الصور والموارد، كما إنّ حفظ النظام يقتضي دوام إنكار المنكر. وهو على درجات: بدءاً من القلب - وهو لا يسقط بحال - ثمّ اللسان (المعارضة الإعلامية)، فاليد (المعارضة التغييرية)؛ وذلك لأنّ الجور يتعدّى على أوّليات الحقوق الأوّلية في النظام الاجتماعي، فكيف يُتوهّم أنّ حفظ النظام يقتضي ترك إنكار المنكر، فضلاً عن اقتضائه التولّي والذوبان في الجور وولاء الظلم؟!


الخامس: قوله تعالى: ( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (1) ، و: ( يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ) (2) و: ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا ) (3) ، تبين هذه الآيات حرمة الركون إلى الظالم الجائر والطاغوت، بل يجب الكفر به والتمرّد عليه، كما قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (من رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرام أو تاركاً لعهد اللَّه ومخالفاً لسنّة رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعَمَلَ في عباد اللَّه بالإثم والعدوان، ثمّ لم يغيّر عليه بفعلٍ ولا قول كان حقّاً على اللَّه أن يُدخله مَدخله) (4) .

السادس: إنّ ملف سيرة الغاصبين لخلافة أهل البيت عليهم‌السلام ، وبدعهم وضلالاتهم، يبرهن امتناع مشروعية خلافتهم مع منكر أفعالهم. فهل مع هذا الملف من الضلالات تبقى مشروعية خلافتهم تحت عنوان ضرورة حفظ النظام؟ وهل ضرورة حفظ النظام تستلزم الضلالات والبدعة، والظلم في الحكم؟

السابع: إنّ العنوان الثانوي، كما حُرّر في علم الأُصول، لا يرفع واقع الحكم وملاكه من المصلحة أو المفسدة في الفعل، وإنّما يرفع العقوبة والمؤاخذة، بشرط أن لا يكون الإقدام على الاضطرار بسوء الاختيار، وإلاّ فلا ترتفع العقوبة أيضاً.

الثامن: ما قام به أمير المؤمنين عليه‌السلام من الامتناع على أصحاب السقيفة في مؤامرتهم، وكذلك مواجهة الصدّيقة الزهراء لأبي بكر، وكذلك مقاطعة الحسن لمعاوية، ومواجهة الحسين عليه‌السلام ليزيد، وهم أهل بيت التطهير الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وهم الثقل الثاني الذين أُمرنا بالتمسّك بهم، بل

____________________

1) سورة هود: 113.

2) سورة النساء: 60.

3) سورة البقرة: 256.

4) البحار، ج44، ص382، تاريخ الطبري، ج4، ص304، ابن الأثير، ج3، ص280، مقتل الخوارزمي، ج1، ص234.


كلّ أئمّة أهل البيت من الحسن المجتبى والسجّاد وبقية الأئمّة عليهم‌السلام ، كانوا على حرب مقاطعة مع سلطات بني أُمية وبني العبّاس، ومجانبة للحكم الجائر، ولذلك قُتلوا وسُبوا وشُرّدوا عن أوطانهم.


الفصل السادس

أقسام الصلاحيات المفوّضة لهم عليهم‌السلام



أقسام الصلاحيات المفوَّضة لهم عليهم‌السلام

والغرض من الخوض في بحث التفويض (الصلاحيات المفوّضة) ليس بسط الكلام فيه، ولا استعراض أدلّة وجوه البطلان في أقسامه أو الصحيحة منه، بل الغاية من ذلك التنبيه على تعدّد أقسامه وتكثّرها، وتباينها عن بعضها البعض، وأنّ جملة من أقسام الصلاحيات المفوّضة ليست تفويضاً عُزْلياً بعزل قدرة وهيمنة الباري تعالى، كما يتوهّمه غير المتضلّع في علوم المعارف، بل هي من باب إقداره تعالى، وهو أقدر فيما أقدر غيره على ذلك الشي‏ء.

الأقوال في التفويض:

قال الشيخ المفيد (قدس سره):

(التفويض: هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة بما شاءوا من الأعمال، وهذا قول الزنادقة وأصحاب الإباحات، والواسطة بين هذين القولين أنّ اللَّه أقدر الخلق على أفعالهم، ومكّنهم من أعمالهم، وحدّ لهم الحدود في ذلك، ورسم لهم الرسوم، ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف، والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها، ولم يفوّض لهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم


عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض) (1) .

قال المجلسي في البحار:

(وأمّا التفويض: فيطلق على معاني بعضها منفي عنهم عليهم‌السلام وبعضها مثبّت لهم. فالأوّل: التفويض في الخلق، والرزق، والتربية، والإماتة، والإحياء. فإنّ قوماً قالوا إنّ اللَّه تعالى خلقهم وفوّض إليهم أمر الخلق فهم يخلقون، ويرزقون، ويميتون، ويحيون... - ثمّ ذكر لهذا القول وجهين، حكم بأنّ أحدهما كفرٌ صريح، والآخر دلّت الأخبار على المنع عنه، ثمّ قال: -

الثاني: التفويض في أمر الدين وهذا أيضاً يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون اللَّه فوّض إلى النبيّ والأئمّة عليهم‌السلام عموماً أن يحلّوا ما شاءوا ويحرّموا ما شاءوا من غير وحي وإلهام، أو يغيّروا ما أُوحي إليهم بآرائهم، وهذا باطل لا يقول به عاقل؛ فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان ينتظر الوحي أياماً كثيرة لجواب سائل ولا يجيبه من عنده، وقد قال تعالى: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (2) .

وثانيهما: أنّه تعالى لمّا أكمل نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله بحيث لم يكن يختار من الأُمور شيئاً إلاّ ما يوافق الحقّ والصواب، ولا يحلّ بباله ما يخالف مشيئته تعالى في كلّ باب، فوّض إليه تعيين بعض الأُمور، كالزيادة في الصلاة، وتعيين بعض النوافل في الصلاة والصوم وطعمة الجدّ، وغير ذلك ممّا مضى - وسيأتي - إظهاراً لشرفه وكرامته عنده، ولم يكن أصل التعيين إلاّ بالوحي، ولم يكن الاختيار إلاّ بالإلهام، ثمّ كان يؤكّد ما اختاره صلى‌الله‌عليه‌وآله بالوحي، ولا فساد في ذلك عقلاً، وقد دلّت النصوص

____________________

1) تصحيح اعتقادات الإمامية، ص47.

2) سورة النجم: 3 - 4.


المستفيضة عليه ممّا تقدّم في هذا الباب وفي أبواب فضائل نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولعلّ الصدوق إنّما نفى المعنى الأوّل؛ حيث قال في الفقيه: وقد فوّض اللَّه عزّ وجلّ إلى نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر دينه ولم يفوّض إليه تعدّي حدوده، وأيضاً هو رحمه اللَّه قد روى كثيراً من أخبار التفويض في كتبه ولم يتعرّض لتأويلها.

الثالث: تفويض أُمور الخلق إليهم من: سياستهم، وتأديبهم، وتكميلهم، وتعليمهم، وأمر الخلق بإطاعتهم فيما أحبّوا وكرهوا، وفيما علموا جهة المصلحة فيه وما يعلموا، وهذا حقّ لقوله تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (1) ، وغير ذلك من الآيات والأخبار، وعليه يحمل قولهم عليهم‌السلام : (نحن المحلّلون حلاله والمحرّمون حرامه)، أي: بيانهما علينا ويجب على الناس الرجوع فيهما إلينا، وبهذا الوجه ورد خبر أبي إسحاق والميثمي.

الرابع: تفويض بيان العلوم والأحكام بما رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم - أي عقول الناس - أو بسبب التقية، فيفتون بعض الناس بالواقع من الأحكام وبعضهم بالتقية، ويبيّنون تفسير الآيات وتأويلها، وبيان المعارف بحسب ما يحتمل عقل كلّ سائل، ولهم أن يبيّنوا ولهم أن يسكتوا، كما ورد في أخبار كثيرة: (عليكم المسألة وليس علينا الجواب)، كلّ ذلك بحسب ما يريهم اللَّه من مصالح الوقت، كما ورد في خبر ابن أشيم (2) ، وغيره.

وهو أحد معاني خبر محمّد بن سنان في تأويل قوله تعالى: ( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ) (3) ، ولعلّ تخصيصه بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأئمّة عليهم‌السلام ؛ لعدم تيسّر هذه التوسعة لسائر الأنبياء والأوصياء عليهم‌السلام ، بل كانوا مكلّفين بعدم التقية في بعض الموارد، وإن

____________________

1) سورة الحشر: 7.

2) قد مرّ ذكره.

3) سورة النساء: 105.


أصابهم الضرر. والتفويض بهذا المعنى أيضاً ثابت وحقّ بالأخبار المستفيضة.

الخامس: الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة أو بعلمهم وبما يلهمهم اللَّه من الواقع ومخّ الحقّ في كلّ واقعة، وهذا أظهر محامل خبر ابن سنان، وعليه أيضاً دلّت الأخبار.

السادس: التفويض في العطاء، فإن اللَّه تعالى خلق لهم الأرض وما فيها، وجعل لهم الأنفال، والخمس، والصفايا، وغيرها، فلهم أن يعطوا ما شاءوا ويمنعوا ما شاءوا، كما مرّ في خبر الثمالي، وسيأتي في مواضعه.

وإذا أحطت خُبراً بما ذكرنا من معاني التفويض سهل عليك فهم الأخبار الواردة فيه، وعرفت ضَعف قول من نفى التفويض مطلقاً ولمّا يحط بمعانيه (1) .

وقال الحكيم الفقيه الشاه آبادي في كتابه رَشحات البحار:

(المطلب الثالث عشر في الولاية التشريعية، وهي قسمان:

الأوّل: معرفة النبيّ، والوليّ، بأنّهم المقرّبون الواقعون في مرتبة الإطلاق والمشيئة، بحيث لم يكن بينهم وبين اللَّه أحد، وهي من العقائد اللازمة في الشريعة. ومعرفتهم بالنورانية؛ لأنّهم أولياء النعم، حيث إنّ نعمة الوجود وكمالاته تحصل بمشيئته وهم صاروا مشيئته، والفرق بينهم وبين الوجود المطلق هو المشيئة، إنّ النقطة قد أخذت القرب من غير اختيار وهم أخذوها.. بالاختيار والامتحان، وليست الحقيقة الإطلاقية إلاّ أمراً واحداً، والأفراد عين الطبيعة المطلقة، فتدبّر فيه.

الثاني: الاعتقاد بأنّهم ولاة الأمر وأنّهم أَولى بالأنفس، كما قال صلى‌الله‌عليه‌وآله في الغدير: (أَلستُ أَولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى. فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، كما

____________________

1) البحار، ج25، ص350 - 347.


رواه العامّة في أزيد من ثمانين طريقاً، والخاصّة أزيد من أربعين طريقاً واصلاً إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بداهة أنّ الوليّ في المقام لا يمكن أن يكون معناه إلاّ السيد والأولى بالأمر؛ لعدم مناسبة سائر المعاني من استنطاقه صلى‌الله‌عليه‌وآله وإقرارهم له صلى‌الله‌عليه‌وآله بأولويّته على الأنفس، كما لا يخفى على المنصف غير المتعصّب.

مضافاً إلى أن هذه الولاية والأولويّة من توابع الولاية الأوّلية؛ فالتشريع على طبق التكوين، يعني: فكما أنّهم توابع لهم وجوداً وتحقّقاً في الواقع، وهم تحت لوائهم ذاتاً وأصلاً، فلابدَّ وأن يكونوا لهم طوعاً وتبعاً في الظاهر؛ حتّى يطابق الظاهر الباطن، اللّهمّ اجعلنا ممّن اعتقد بولايتهم ظاهراً وباطناً، وممّن يواليهم ظاهراً وباطناً). انتهى كلامه (قدس سره).

أقسام التفويض:

ولنبسّط الكلام في أقسام صلاحياتهم وما خُوّل إليهم في شؤون الدين الحنيف بترتيب آخر، سواء في التبليغ أو التشريع أو إقامة الشرع الحنيف:

القسم الأوّل: في كونه صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام هم الباب، والدلائل، على شرع اللَّه تعالى، وهو ما يعبّر عنه في علم القانون الحديث بالناطق الرسمي لإمضاء ونفوذ القانون، فلا يؤدّي عن اللَّه تعالى إلاّ هو صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأهل بيته عليهم‌السلام عنه.

وبعبارة أُخرى: إنّ التشريع في مرحلته الإنشائية لا يكون نافذاً ولا مدوّناً وثابتاً في منظومة التشريع إلاّ بعد أن يُصوّب إنفاذه، فما لم يبرز إنشاء التشريع عبر القناة المخوّلة لذلك لا يكون ذلك التشريع إلاّ في مرحلة الأطوار البدائية للحكم، غير الواصل إلى مرحلة البلوغ التامّ. وهذه المراحل في الحكم الإنشائي وأطواره مغايرة لمرحلة تطبيق التشريع في الخارج على الموضوعات، أي ما يسمى بالحكم الفعلي الجزئي.


فقناة التبليغ والمبلّغ لهما تمام الموضوعية في رسمية القانون والتشريع المُبرَم المحكم، وفي الحقيقة مقتضى ما حُقّق في علم الأُصول من أنّه ليس هناك إنشاء محض خالي عن الإخبار، بل كلّ من الإنشاء والإخبار ممتزج ومتداخل مع الآخر، غاية الأمر أحدهما بالمطابقة والآخر بالدلالة الالتزامية. ففي الإخبار المُخبِر وإن لم يكن يُنشئ المخبر به بل يحكيه ويدلّ عليه، إلاّ أنّ الحكاية والدلالة أمر ينشأ فيُوجد، فالمخبر به وإن لم يكن إنشائياً إلاّ أنّ الإخبار نفسه كفعل أمر إنشائي بضرب من ضروب الإنشاء، بل هناك دلالة إنشائية أُخرى في الإخبار أيضاً، وهي إنشاء المخبر للشهادة بمضمون الإخبار، ويتعهّد ويلتزم بصدق ما يخبر به هذا في الإخبار.

أمّا في الإنشاء، فهو وإن كان بالمطابقة إيجاد اعتباري للمعنى المُنشأ، إلاّ أنّ فيه مداليل خبرية أيضاً، منها:

إخبار عن وجود إرادة جدّية له بمضمون الإنشاء.

ومنها: الإخبار عن وجود مصلحة أو مفسدة فيما يأمر به أو ينهى عنه في موارد إنشاء الطلب والتشريع والتقنين.

ومنها: الإخبار عن وجود داعي للإنشاء، وهذا في جميع الأقسام الثمانية أو التسعة من أبواب الإنشاء، وغير ذلك من المداليل الأُخرى.

وإذا اتّضحت هذه المقدّمة، يتبيّن عدم وجود إخبار محض في بيان الأحكام عن اللَّه تعالى، بل هو مندمج ومشوب بضرب من الإنشاء، ومن ثمّ كان النطق الرسمي في القنوات الوضعية في الأنظمة السياسية في الدول إنشاء تفعيلي للتشريع، فإبراز وإيصال الأحكام من قبل الناطق عن السماء منصبٌ تشريعيّ يرسم فعلية التشريع، ومن ذلك يتبين الغفلة السطحية في حسبان أنّ الأئمة عليهم‌السلام قناة تبليغية معتادة كالرواة، أو عملية خُبرَوية معتادة كالفقهاء، والقانونيين، في إيصال الأحكام.


وفي ظلّ هذا القسم يتبيّن دَخالة موقعية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في التشريعات الصادرة من الباري تعالى، عطية منه لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالمخبر بالقرآن والمبلّغ لكلّ ما فيه عن اللَّه إنّما هو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكذلك الحال في بقية فرائض اللَّه في الأحاديث القدسيّة، وهذه المرتبة الخطيرة في شؤون التشريع من المصادقة على تشريعات السماء، فضيلة منه تعالى حَباها لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا الموقع في شؤون الدين ثابت في الجملة للأئمّة عليهم‌السلام فيما يبلّغونه عن الرسول عن اللَّه تعالى، في تلك الموارد التي لم يتلقّاها الناس عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّما أدّاها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا زال يؤدّيها إلى خاصّة عِترته، بحسب ما لديه ولديهم من ارتباط لدني غير مقصور على حال الحياة.

ومن أمثلة هذا القسم: تبليغ سورة البراءة، ويشير إلى هذا القسم قوله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (1) ، وقوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) (2) ، وغيرها من الآيات المتضافرة في هذا الشأن له صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمّا الآيات المتعرّضة لإثبات هذا الشأن لهم عليهم‌السلام ، فقوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (3) ، بضميمة قوله الآخر: ( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاّ الظَّالِمُونَ ) (4) ، فدلّت الآيتان على وجود مجموعة في هذه الأُمّة قد أُودعوا الكتاب مُبيّناً كلّه في صدورهم، ومع دوام وأبدية حاجة الناس إلى الكتاب، الذي لا تنفذ كلماته وبحور

____________________

1) سورة النحل: 44.

2) سورة الجمعة: 2.

3) سورة النحل: 89.

4) سورة العنكبوت: 48 - 49.


علومه، فتدوم الحاجة لوجود هذه المجموعة الذين شهد لهم القرآن بالقدرة على بيان الكتاب كلّه إلى يوم القيامة، ونظيره قوله تعالى: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) (1) ، بضميمة قوله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) ، وغيرها من الآيات التي سنستعرضها في الأبحاث اللاحقة.

أمّا الروايات، فهي ما رواه الفريقان عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: (لا يبلّغ عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي أو قال: من أهل بيتي) (3) ، وهذا الحديث النبويّ أصله حديث قدسيّ جاء به جبرائيل للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : (لا يبلّغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك)، ونُقل أيضاً في حديث، قال: ثمّ بعثَ أبا بكر بسورة التوبة فبعث عليّاً عليه‌السلام خلْفه فأخذها منه، قال: (لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه) (4) .

____________________

1) سورة الواقعة: 75 - 80.

2) سورة الأحزاب: 33.

3) كفاية الطالب، لمحمّد بن يوسف الكنجي، ص151، ط / الغري. وكذلك: المعتصر من المختصر، للقاضي أبي الوليد المالكي، ج2، ص332، ط / حيدر آباد - الدكن.

4) مسند أحمد بن حنبل،ج1، ص330، ط / مصر. وذكره كذلك في الفضائل، ج2، ص240، مخطوط. وفي الخصائص، ص 8. ونقله النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، ج3، ص132. ونقله ابن المؤيّد الموفّق بن أحمد في كتابه المناقب، ص74، ط / تبريز. ونقله كذلك محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى، ص86، ط / مكتبة القدسي بمصر. ومنهم الذهبي في تلخيص المستدرك، ج3، ص132. ومنهم: الحمويني في فرائد السِمطين، وكذلك في البداية والنهاية، عماد الدين أبو الفداء، ج7، ص337. وكذلك مجمع الزوائد، ج9، ص118. وكذلك: الإصابة لابن حجر العسقلاني، ج2، ص502. وكذلك: في مفتاح النجاة في مناقب آل العبا، للميرزا محمّد خان ابن رستمخان المعتمد البدخشي، ص50، مخطوط. وكذلك: في القول الفصل، للسيد علوي بن طاهر الحدّاد، ج2، ص218. وتفسير القرطبي، ج 8، ص 68، في ذيل سورة براءة. والدرّ المنثور، في ذيل سورة براءة، وقد تضمّن بعض الطرق أنّه = (يتبع في الصفحة اللاحقة)


والظاهر أنّ مفاد صدور هذا الحديث في عدّة مواطن، منها: إبلاغ سورة البراءة كما تقدّم.

ومنها: في عام حجّة الوداع حيث قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنّ عليّاً منّي وأنا من علي، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي، لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ) (1) .

ومفاد هذا الحديث وحديث البراءة وإن كان سيأتي بسط دراية معناه لاحقاً، إلاّ أنّه تجدر الإشارة إلى المعنى الظريف في مفاده، وهو تعبيره تعالى: (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك)، لا يخلو من ظَرافة بلاغية ومعرفية استعمل فيها التجريد، حيث افترض في الحديث القدسيّ والنبويّ أداء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن نفسه، وهو لا يتمّ تصوّره إلاّ بتجريد مرتبة ومقام عالي للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يؤدّي عنه، أي: عن تلك المرتبة منه تؤدّي المرتبة النازلة منه، أي يؤدّي المرتبة الجسمانية النفسانية منه عن المرتبة النورية منه القلبية، وهذا يقتضي أنّ علياً عليه‌السلام يتحمّل عن المرتبة النورية من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ويبلِّغ عنه بلحاظ ذلك المقام النوري، لا عن الجسماني فقط، لا سيّما وأنّ أحد مواطن صدور الحديث هو في إبلاغ سورة من القرآن إلى أسماع

____________________

= حديث قدسي جاء به جبريل عليه‌السلام ، وقد أخرج ذلك الحديث القدسي عن عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند، وعن أبي الشيخ، وعن ابن مردويه، وذكره الشوكاني في فتح الباري، ج2، ص334، في ذيل سورة براءة.

1) مسند أحمد، ج4، ص164 - 165، بخمسة طرق. أخرجه في مسند الشاميّين حديث حبشي بن جنادة السلولي، وهو ممّن قد شهد حجّة الوداع. وخصائص النسائي، ص19 - 20، بطريقين، وصحيح البخاري، ج2، ص 229، كتاب المناقب، مناقب الصحابة، مناقب عليّ. والتاج الجامع للأصول، ج3، ص 335. والصواعق المحرقة، ص74. وتاريخ الخلفاء، ص169. وسنن البيهقي، ج8، ص 5. وصحيح الترمذي، ج2، ص 297. ومجمع الزوائد، ج9، ص127. ومستدرك الحاكم، ج3، ص 110. ومسند أبو داود، ج3، ص111. وكنز العمال، ج6، ص399. وفضائل الخمسة من الصحاح الستّة، ج1، ص337. وقد أخرج العلاّمة الأميني مصادر الحديث في الغدير، ج6، ص338، ط / دار الكتب الإسلامية، عن 73 من حفّاظ أئمّة الحديث. وكذلك في الاختصاص، ص200.


البشرية تبليغاً عن السماء في أوّل نطق رسمي بهذه السورة.

القسم الثاني: التفويض في بيان تأويل الكتاب وبطونه قال تعالى: ( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ) (1) ، فأجزاء الشريعة جلّها في بطون الكتاب وتأويله، وإن كانت أُصولها في ظاهر الكتاب، سواء ذلك في المعارف والأُصول الاعتقادية، أو في الأحكام والفروع، ومن ثمّ كان بطون الكتاب سبعين بطناً وظاهره واحد، مع أنّ السبعين كناية عن الكثرة التي لا تُحصى، كقوله تعالى: ( إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ) (2) .

وكذلك الحال في التأويل فإن التأويل للكتاب لا يقف على موارد النزول، بل يدور مدار العصور والدهور، بل يعمّ النشأتين، والنشآت وما فوقها من العالم الربوبي، وقد قال تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (3) ، وقال تعالى: ( وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) (4) ، وقال تعالى: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (5) ، وقال تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (6) ، وقال تعالى: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (7) .

____________________

1) سورة آل عمران: 7.

2) سورة التوبة: 80.

3) سورة النحل: 44.

4) سورة النحل: 64.

5) سورة القيامة: 16 - 19.

6) سورة النحل: 89.

7) سورة العنكبوت: 49.


أمّا الروايات (1) فقد عقد في ملحقات إحقاق الحقّ (2) باباً بعنوان: أنّ عليّاً يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله على تنزيله، وأورد في الباب ما يقرب من ستّة أحاديث وأخرج لكلّ حديث عدّة طرق من مصادر العامة.

منها: ما رواه الحافظ أحمد بن حنبل في مسنده (3) ، قال: (حدّثنا عبد اللَّه، حدّثني أبي، حدّثني وكيع، حدّثني قطر، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال، قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله. قال: فقام أبو بكر وعمر (4) ، فقال: لا، ولكن خاصِف النعل، وعليّ يخصف نعله).

ومنها: ما رواه النسائي في الخصائص بسنده إلى أبي سعيد الخدري، قال: (كنّا جلوساً ننتظر رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرج إلينا قد انقطع شِسع نعله، فرمى به إلى عليّ عليه‌السلام فقال: (إنّ منكم رجلاً يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. قال أبو بكر: أنا؟ قال: لا. قال عمر: أنا؟ قال: لا. ولكن خاصف النعل) (5) .

ومنها: ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك (6) : (أَلاَ أنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. واستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر... إلخ).

وبسط الكلام في هذا القسم من مقاماتهم عليهم‌السلام ، وإن كان سيأتي لاحقاً في الأبواب القادمة، إلاّ أنّه ينبغي التنويه بذكر نبذة من ذلك، وهو أنّه لابدّ من تبيّن

____________________

1) فتح الباري، ج8، ص209، كتاب التفسير، باب: منه آيات محكمات.

2) ملحقات إحقاق الحق، ج6، ص 24 - 38، باب 32.

3) مسند أحمد بن حنبل، ج3، ص33، في باب مسند أبي سعيد الخدري، ط / الميمنة بمصر، وطبعة دار صادر - بيروت.

4) هذا الموقف من الأوّل والثاني قد تكرّر في مواطن عديدة، وهو يشفّ عن وجود نزعة لديهما للوصول إلى الإمارة وتقلّد أُمور المسلمين.

5) الخصائص، ص40، ط / التقدّم بمصر.

6) المستدرك، ج3، ص 122 - 123، ط / حيدر آباد.


وبيان لتأويل الكتاب العزيز، كما تقدّم ذلك في مفاد الآيات، وقد عُيّن هذا الدور الخطير بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُوكل إلى عليّ ووُلدِه عليهم‌السلام ، كما صرّحت بذلك الآيات، كآية التطهير، ومسّ المطهّرين للكتاب المكنون.

وكذلك نصّت على ذلك الأحاديث النبويّة، نظير الحديث المتقدّم: (تقاتل على تأويل القرآن كما قاتل رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله على تنزيله) ، وهذا ممّا يقتضي إسناد مقام إلهي إلى عليّ وأهل البيت عليهم‌السلام مؤازراً لمقام النبوّة. وإنّ علم تأويل الكتاب كلّه لدى عليّ وأهل بيته عليهم‌السلام وراثةً عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بوراثة لدّنية لا كسبية.

فتبيّن: أنّ عليّاً ووُلده هم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن، وأنّ الأُمّة إلى يوم القيامة مضطرّة ومحتاجة إليهم ما بقيت الأُمّة محتاجة إلى الكتاب العزيز، وما بقي دين الإسلام خالداً للبشر، لكلّ البيئات والعصور المختلفة.

والجدير بالإشارة أنّه قد قُرن في مفاد الروايات بين دور الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وبين دور أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وأنّ الدور الثاني عِدلٌ للأوّل، نظير ما في حديث الثقلين؛ من عدلية أهل البيت عليهم‌السلام للكتاب، إلاّ أنّ هاهنا قد جُعلت القيمومة على تنزيل القرآن للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والقيمومة على تأويله مهمّةٌ على عاتق أمير المؤمنين، ووُلده المعصومين عليهم‌السلام ، وراثةً من قيمومة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على التأويل.

وكما أنّ دور النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في التنزيل هو انتداب من الغيب إلى الشهادة، فكذلك الحال في دورهم في التأويل، فالحديث يدلّ على المشاطرة بين التنزيل والتأويل في اكتمال بيان حقيقة القرآن، وبالتالي مشاطرتهما في تأليف مجموع الشريعة ومشاركتهما في مجموع أبواب الدين.

القسم الثالث: صلاحيته صلى‌الله‌عليه‌وآله في سنّ الأحكام والتشريعات المتنزَّلة من أُصول تشريعية قد شرّعها اللَّه عزّ وجلّ، وهذا ما يعبّر عنه في علم القانون بالتشريعات المستمدّة من الأُصول القانونية، والظاهر أنّ كلّ تشريعات الرسول هي من هذا


القبيل، وقد أُطلق عليها في الشريعة عنوان واسم السنّة (أي: السنّة النبوية) (1) ، في مقابل الفريضة.

وقد أُشير إليه في متواتر الروايات الآتية (2) نظير صحيحة الفُضيل بن يسار، قال: (سمعت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إنّ اللَّه عزّ وجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدَبه، فلمّا أكمل له الأدب قال: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (3) ، ثمّ فوّض إليه أمر الدين والأُمّة؛ ليسوس عباده، فقال عزّ وجلّ: ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (4) ، وأنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله كان مسدَّداً موفَّقاً مؤيَّداً بروح القدس، لا يزلّ ولا يخطأ في شي‏ء ممّا يسوس به الخلق) (5) .

ثمّ ذكر عليه‌السلام جملة من سنن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله المضافة إلى فرائض اللَّه تعالى، وستأتي تتمّة الحديث في المقالات اللاحقة.

وظاهر الروايات أنّ كلّ تشريعات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله - التي بمعنى إنشاء الحكم الجديد - هي من هذا القبيل، وكذا الحال في تشريعاتهم عليهم‌السلام ، فإنّها في طول الأُصول القانونية القرآنية، والنبويّة.

ولابدَّ من الالتفات إلى أنّ الأُصول التشريعية القانونية ليست على مرتبة واحدة، فبعضها فوقاني جدّاً يُعدّ في الصدارة والمرتبة الأُولى من التشريعات الأديانية، نظير المراتب في المواد الدستورية، وبعضها متوسّطات، وبعضها الآخر

____________________

1) لا سنّة الجماعة والسلف، والخلافة والسلطان.

2) البحار، ج25، ص 332، حديث 7، عن بصائر الدرجات: 112 صحيحة زرارة، وأيضاً: رواية عبد اللَّه بن سنان الكافي، ج1، ص267، حديث 7. وكذلك البحار، ج 25، ص340، حديث 23. وأيضاً: أصول الكافي، ج1، ص 267، حديث 6. وكذلك في الاختصاص، ص308 - 309 و 110 رواية محمّد بن مسلم.

3) سورة القلم: 4.

4) سورة الحشر: 7.

5) الكافي، ج1، ص 266، حديث 4.


مراتب منشعبة، والتنظير بين منظومة التشريعات في الدين ومنظومة التشريعات الدستورية ليس من كلّ وجه؛ لأنّ مجموعة القوانين الدستورية هي لنظام الدولة الذي هو أحد الأبواب العديدة في التشريع الديني، وإنّما التشبيه هو من جهة عموم بحث مراتب التشريع وكيفية ترامي المراتب، نزولاً وصعوداً.

وبعبارة أُخرى: كما للمجالس النيابية دور تشريع في طول وتبعٍ للأُصول والمواد الدستورية إلاّ أنّ هذه التبعية لا تلغي ما لتلك المجالس من دور وصلاحية تشريع، كما أنّ تلك الولاية والسلطة المفوّضة للتشريع لتلك المجالس النيابية لا يُنفى تبعيتها لأُصول الدستور.

وكذلك الحال في التشريعات الوزارية، فإنّها تبعٌ لتشريعات المجالس النيابية من دون تنافي بين التبعية و تفويض صلاحية التشريع، وهذا المثال لبيان ظاهرة تنزّل التشريعات والاشتقاق القانوني والاستخراج، الذي هو ليس عملية تطبيق محضٍ كالكلّي والفرد، بل استخراج وانشعاب وتنزّل وتولّد، نظير تولّد نظام النقد العادل من أجل إرساء العدالة الاجتماعية، وهذه الظاهرة القانونية بديهية في علم القانون.

وعلى ضوء هذه القاعدة، في أُصول التشريع، يتّضح أنّ الأُصول التشريعية النبويّة حيث إنّها تنزيل وتنزّل للأُصول التشريعية من قِبله تعالى، يتّضح المراد من فوقية الأُصول التشريعية الإلهية على الأُصول التشريعية النبويّة، بمعنى ضرورة نُشوء الأصل التشريعي النبويّ من أصل تشريعي إلهي، لا بمعنى فوقية مجموع الأُصول التشريعية الأُولى على الأصل التشريعي الثاني. فقد يكون الأصل النبويّ هو فوق أصل تشريعي إلهي آخر، وفي الحقيقة أنّ الأصل التشريعي الأوّل الذي استمدّ منه الأصل التشريعي النبويّ هو فوق الأصل التشريعي الآخر، ومن ثمّ يعرض متشابه القرآن على محكم كلّ من القرآن والسنّة النبويّة، كما يعرض متشابه السنّة على محكم كلّ منهما.


القسم الرابع: صلاحية الخيار لهم في البيان والعمل بين الحكم الواقعي والظاهري، بل يمتدّ هذا الخيار في درجات الحكم الواقعي نفسه، حيث بيّن القرآن الكريم أنّ للحكم الواقعي وللحقّ مراتب، إذ قال تعالى: ( وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ) (1) ، فقرّر تعالى أنّ كلاّ من الحكمين حقّ مع اختلافهما.

وكذلك ما قصّه القرآن الكريم عن النبيّ موسى والخضر عليهما‌السلام ، وقد استعرضت سورة الكهف ثلاث قضايا وهي بالتأمّل ليس من قبيل الحكم الواقعي والظاهري، بل من قبيل الحكمين الواقعيين، أحدهما واقعي أوّلي، والآخر تأويلي.

وكذا ما يشير إليه القرآن الكريم من مراتب الهداية، كقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ) (3) ، وقوله تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) (4) ، وقوله تعالى: ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) (5) ، وقوله تعالى: ( نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ) (6) ، فتقرّر هذه الآيات أنّ الهداية إلى الحقّ ذات مراتب مختلفة، ممّا يقتضي أنّ للحقّ مراتب ومدارج وأبدال على الخيار لهم عليهم‌السلام ، وقد أشاروا إلى ذلك في قوله تعالى: ( هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (7) ، فتقرّر الآية أنّ العطايا اللدنِية الإلهية يخيّر فيها المعصوم بين البذل لكلّ مرتبة من تلك المراتب وبين

____________________

1) سورة الأنبياء: 78 - 79.

2) سورة محمّد: 17.

3) سورة مريم: 76.

4) سورة طه: 82.

5) سورة الكهف: 13.

6) سورة التحريم: 8.

7) سورة ص: 39.


الإمساك، ويشير إلى ذلك جملة من الروايات سيتمّ استعراضها لاحقاً (1) .

القسم الخامس: صلاحية بيان المعارف والعلوم المختلفة، فقد قال تعالى: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (3) ، وقوله تعالى: ( وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (4) ، وغيرها من الآيات الدالّة على أنّ بيان القرآن هي من مسؤوليات الشرع، ومن الواضح أنّ القرآن مصدر خالد وهداية للبشرية إلى يوم القيامة، وبالتالي فإنّ الحوادث تستجدّ وتتشابه، فيحتاج لهداية القرآن وحكمه الصائب العدل في تلك الحوادث المستجدّة في كلّ ما ينتاب البشرية.

ومن الواضح أنّ استخراج ذلك من القرآن وتبيانه، بعيداً عن الخطأ، والجهالة، والزلل، والظنّ، هو السبب في عدم تفويض اللَّه لتلك المسؤولية إلى المسلمين، وجعلها مسؤولية خاصّة لذاته المقدّسة، أي بتوسّط رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبعد الرسول لابدَّ من قيام أشخاص بتلك المهمّة يحذون حذوه صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى يوم القيامة.

وبعبارة أُخرى: إنّ جعل اللَّه تعالى بيان القرآن وظيفة خاصّة به تعالى وبرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله يحمل في طياته أنّ الإحاطة بتمام معاني القرآن الكريم وحقائقه - التي بها تحصل هداية الأجيال البشرية جيلاً بعد جيل - لا سبيل لأحد إليها، بل هي خاصّة به تعالى وبمن يطلعه من أصفياء خلقه، ولا مَحال أنّ ذلك يستلزم وجود من يخلف رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا الدور التشريعي، وهذه الإحاطة التامّة اللدُنِية بكافّة العلوم كذلك.

فإن الإحاطة بكافّة مسائل علم الرياضيات مثلاً، أو الطبيعيات، كالفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء وغيرها، لا يتسنّى

____________________

1) الاختصاص باب جهات علوم الأئمّة عليهم‌السلام : 288 - 287.

2) سورة القيامة 19 - 16: 75.

3) سورة النحل 44: 16.

4) سورة الأنعام 105: 6.


ولا يتأتّى لروّاد العلوم، بل كمية المجهولات - التي لم يهتدوا إليها ويقرّون بعجزهم عن معرفتها - هي أكثر بكثير من المسائل المعلومة، وهذا دليل على ضرورة وجود من يحيط بهذا العلم بإحاطة لدنِية تامّة، فضلاً عن القرآن الكريم الجامع لكلّ العلوم.

القسم السادس: ولايتهم في تأديب، وتزكية، وتعليم الخلق، ومطلق السياسات التربوية. وقد يوازي هذا القسم التشريعات في ظلّ الحكم السياسي، سواء على نطاق الأُمور العامّة أو على نطاق الأحوال الشخصية، وسواء كانت في جانب الأُمور التنفيذية أو في الجنائيات والعقوبات، وغيرها من أمور التدبير العام، قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) (1) ، وقال تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) (2) .

ولا يخفى أنّ هذه الآيات قد تعرّضت إلى عدّة أقسام من مهام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورتبه ومواقعه البنيَوية الأصلية في الدين، حيث إنّ قوله تعالى: ( يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ) إشارة إلى القسم الأوّل، وهو النطق والإدلاء بالتنزيل بالقرآن، وقوله تعالى: ( يُزَكِّيهِمْ ) بيان لهذا القسم السادس وللصلاحية المفوّضة للحكم السياسي وتدبير نظام المجتمع، وقوله تعالى: ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ) بيان لصلاحية القسم الثالث، وهو بيان التأويل والبطون، وقوله تعالى: ( الْحِكْمَةَ ) بيان للقسم الثاني، كما يشمل القسم السادس.

وقال تعالى: ( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ

____________________

1) سورة الجمعة: 2.

2) سورة آل عمران: 164.


وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (1) ، وهي تدلّ على أنّ المصدر والمفزع في الأُمور هو الرسول وأُولي الأمر، وأنّ الواجب على المسلمين إذا انتابهم أمر يمسّ حياتهم في النظام الاجتماعي، هو الرجوع والردّ للبتّ في شأنه إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وإلى أولي الأمر؛ وذلك لإحاطة تلك الثلّة باستنباط واستخراج العلم بما هو الحقّ في تدبير ما ألمّ بهم من أمر، لا الظنّ بالحقّ؛ لكون التعبير في‏ الآية ( لَعَلِمَهُ ) لا (ظَنّه)، ولذلك حصر نجاة الأُمّة عن اتّباع الشيطان، بردّ الأُمور إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُولي الأمر، ممّا يدلّ على أنّ الرجوع إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وإلى أُولي الأمر عاصمٌ للأُمّة عن اتّباع الشيطان.

فالآية دالّة على أنّ تدبير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُولي الأمر ليس اجتهادياً ولا ظنّياً كما ذهب إليه العامّة، بل هو تدبير عن علم وإحاطة بالأُمور بإقدار من اللَّه عزّ وجلّ، فهذا الاستنباط هو استخراج صُراح الحقّ، وليس إعمال الموازين الظاهرية التي قد تخطأ أو تصيب، كما لا مجال للخطأ في استخدام الموازين الآلية في تدبير الأُمور العامّة من قبل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُولي الأمر.

نعم، قد يوهم إسناد الخطأ إلى الرسول وأُولي الأمر من ناحيتين:

الأُولى: الجسم البشري في الجهاز الحاكم في حكومة الرسول وأُولي الأمر عليهم‌السلام ، هذا الكمّ والحشد البشري غير معصوم، وقد يرتكبون الأخطاء والمعاصي، فينسب بعضهم ذلك إلى الرسول وأُولي الأمر. لكنّ هذا الإسناد ليس في الحقيقة متّصلاً بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل يسند ويُنسب إلى أعضاء حكومته.

نظير ما ارتكبه خالد بن الوليد يوم فتح مكّة، حيث غدر ببني الأجلح، فتبرّأ

____________________

1) سورة النساء: 83.


النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من فعله بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا فعله خالد)، فقد كان معيّناً من قبل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على إحدى الفرق العسكرية، ثمّ انتدب رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً عليه‌السلام ليسترضيهم، ويعطي الديّة عن من قتل منهم.

وكذا ما ارتكبه أُسامة بن زيد من قتل من أظهر الإسلام اشتباهاً منه في أنّ إظهار الشهادتين لا يحقن الدم مع الريبة عندما كان يقود سرية.

الثانية: إنّ الميزان في الموضوعات الخارجية هو الظاهر الشرعي، لا الواقع واستكشافه ومعرفته. وقد خلط العامّة بين الميزان الظاهري في الموضوعات، وعمّموا ذلك لمعرفة الأحكام في حقّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام ، وهو من الخلط بين المقامين، مع أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في مقام العمل والتطبيق والتنفيذ ليس غالب، أدواته بموازين ظاهرية في الموضوعات، وهذا الذي وظّف اللَّه تعالى نبيّه وولاة الأمر عليهم‌السلام بالعمل به، هو من جملة الموازين الموظّفة شرعاً، فبعضها موازين ظاهرية بضميمة الموازين الواقعية.

وحيث كان بعضها ظاهرياً فالميزان قد يخطئ وقد يصيب، نظير البيّنة، والحلف في القضاء، كما في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض، فأيّما رجلٍ قطعتُ له من مال أخيه شيئاً فكأنّما قطعت له قطعةً من النار) (1) .

فتحصّل: إنّ تدبيره صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمره في الحكم السياسي - بمقتضى مفاد الآية الشريفة - هو العصمة عن الزلل والخطأ، وإنّه إن شوهد ما يوهم ذلك في سيرته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّ ذلك - عند التدبّر - راجع إلى أعضاء جهازه الحكومي من الولاة والأُمراء وغيرهم، أو إلى كون الميزان الشرعي في الموضوعات الموظّف العمل به في التدبير ظاهرياً،

____________________

1) الوسائل، باب كيفية الحكم، ب 2، ح 1.


فقد لا يصيب الواقع في بعض موارده.

ثمّ إنّ هذه الآية دالّة على وجود ثُلّة في هذه الأُمّة هم ولاة الأمر، مقرونة ولايتهم بولاية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ لهم عصمة في التدبير، والعصمة في التدبير متقوّمة بالعصمة العلمية والعملية، وأنّ هذه الثلّة باقية ما بقيت الأُمّة وما بقي القرآن الكريم؛ لأنّ الآية خطاب إلى كلّ المكلّفين إلى يوم القيامة، وأنّ الواجب عليهم ردّ وإيكال ما يَنُوبَهم ويعتريهم، في أُمورهم السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وغيرها، بإيكاله وردّه إلى أُولي الأمر العالمين بحكمه؛ لقدرتهم على استنباط واستخراج الحقّ والرأي الصائب فيه.

ومن البيّن: أنّ هذا الاستنباط الموصِل إلى العلم بحقائق الأُمور المستقاة من الكتاب الكريم، لا بلحاظ ما فيه من تشريع فقط؛ فإنّ ذلك لا يوجب بمفرده العصمة في التطبيق والتدبير، بل لابدّ بالإضافة إلى ذلك معرفة ما في الكتاب من تبيان كلّ شي‏ءٍ فيه، من كلّ غائبة في الأرض أو في السماء أو رطب أو يابس، في رتبة حقائقه العالية من الكتاب المكنون، الذي هو الكتاب المبين، والذي لا يمسّه إلاّ المطهرون، وهو وصف أُولي الأمر المعصومين.

القسم السابع: صلاحيتهم في بيان النسخ؛ وذلك بأن يُودع رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله الناسخ لديهم إلى حين أوانه فيبرِزُوه ناسخاً. وقد أثبت هذا القسم جملة من أعلام الإمامية، كما سيأتي في الأبواب تفصيل أقوالهم.

وحقيقة هذا البيان للنسخ، لا يخفى أنّه ليس إخبار محض، كما هو الحال في القسم الأوّل الذي مضى بيانه مفصّلاً، وأنّه بمثابة الناطق الرسمي القانوني عن السماء، أي في أصل أداء الأحكام عن اللَّه، حيث قد مرّ أنّه لا يخلو هذا البيان عن ماهية الإنشاء، فكيف بإبراز النسخ الذي هو إنهاء لفعلية تشريع ثابت وتفعيل وتشريع جديد، فهو أوغل في إنشائية التشريع.


ويندرج في هذا القسم نسخ القرآن بالسنّة القطعية النبويّة، وقد قال بذلك أغلب الخاصّة والعامّة إلاّ من شذَّ، ومن أمثلته (1) تبليغه عليه‌السلام سورة البراءة، حيث إنّ مفاد سورة البراءة قد نسخ بعض الأحكام السياسية مع المشركين المذكورة في السور السابقة، مع أنّ المبلّغ للنسوخ إلى البشرية هو أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وسيأتي بيانه لاحقا ً.

القسم الثامن: صلاحية تفويض القضاء والحكم فيه، وقد قال تعالى: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ ) (3) ، وقوله تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ) (4) ، وقوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (5) .

وقد استظهر من قوله تعالى: ( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ) تخيّره صلى‌الله‌عليه‌وآله في الحكم بحسب الموازين الشرعية بين الظاهرية والواقعية، بحسب واقع الأمور التي يُريها اللَّه له صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما قد استفيد من مجموع هذه الآيات وغيرها، وتخيّره صلى‌الله‌عليه‌وآله في الحكم بين مراتب الحكم الواقعي. قال الشيخ المفيد (رحمه الله): (للإمام أن يحكم بعلمه كما يحكم بظاهر الشهادات، ومتى عرف من المشهود عليه ضدّ ما تضمّنته الشهادة أبطل بذلك شهادة من شَهدَ عليه، وحكم عليه بما أعلمه اللَّه) (6) .

القسم التاسع: من الصلاحيات المفوّضة ولاية الإمامة السياسية والخلافة،

____________________

1) ومن أمثلته نسخ أفضلية الاستحباب للسور الخواصّ، (أي: الأفضلية) في الصلاة.

2) سورة النساء: 65.

3) سورة المائدة: 49.

4) سورة النساء: 105.

5) سورة الأحزاب: 36. 6) أوائل المقالات: 66.


وإقامة الحكم السياسي والدولة، وإدارة النظام الاجتماعي والسياسي، وقد كتب في هذا المضمار علماء الإمامية أسفاراً جمّة، وأشبعوا البحث درايةً وبياناً وتفصيل) (1) .

القسم العاشر - من الصلاحيات المفوّضة لهم -: كونهم الفيصل والمصدر العلمي الشرعي المهيمن عند الاختلاف في معاني ومؤدّيات الأدلّة والأحكام الشرعية، فضلاً عن المتشابه في المعارف والاعتقادات. سواء كان الاختلاف أو التشابه في ظواهر أدلّة القرآن والسنّة النبويّة هو بنحو التعارض أو الإجمال والإيهام، أو تزاحم المقتضيات، وغيرها من أقسام الاختلاف، فلزوم الرجوع إليهم عليهم‌السلام كما هو في الابتداء - كما مرّ في الأقسام السابقة -، كذلك في المآل عند وقوع الاختلاف في جميع أقسامه، فهم عليهم‌السلام بلحاظ هذا القِسم بمثابة المحكمة الدستورية لكلّ الدين، لا لخصوص نظام الدولة الذي هو شعبة من فروع الدين، فهم الفيصل عند الاختلاف في تفسير الدين والشريعة وقراءة النصوص، ويشير إلى هذا القسم قوله تعالى: ( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (2) ، و: ( الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ ) بمعنى يستخرجون حقيقة الواقع - كما هو معنى الاستنباط لغةً، لا المعنى المتداول عند الفقهاء بمعنى الاستظهار الظنّي - هم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُولي الأمر من قُرباه، أهل آية التطهير، والمباهلة، كما مرّ بيانه.

____________________

1) راجع: الجزء الأوّل من كتاب الإمامة الإلهية.

2) سورة النساء: 83.


صلاحية التشريع

مبدأً، وماهيةً، ومنتهى

تقديم:

إنّ البحث في صلاحية التشريع، أو الولاية التشريعية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة من بعده، إنما هو بعد وضوح أنّ الشارع الأوّل والمهيمن هو الباري تعالى، إلاّ أنّه وقع الكلام في ثبوت هذه الصلاحية والمقام له صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولهم عليهم‌السلام ، في مدار محدود تابع لتشريع اللَّه تعالى، وفي ظلّ التشريعات الإلهية.

كما قد وقع الكلام في حقيقة وساطته صلى‌الله‌عليه‌وآله بين الباري والناس، أي في حقيقة التبليغ عن اللَّه، وكذلك في حقيقة وساطة الأئمّة عليهم‌السلام عن اللَّه ورسوله، أي في حقيقة تبليغ الأئمّة عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي ماهية الطرق والمنابع التي يأخذ منها الرسول والأئمّة صلوات اللَّه عليهم أجمعين.

فلابدّ من إقامة البحث في ذلك؛ ليتبين لنا حقيقة صلاحية جعل القوانين، وسَنّ الأحكام، وحقيقة التبليغ. وهل هي على وِزان دور سائر الناس في عملية التبليغ والإبلاغ؟ كما هو الحال في الرواة الذين يكونون وسائط في مجرّد نقل محضّ اللفظ من دون أن يكون لهم بالضرورة دراية تامّة محيطة بتمام معاني التشريعات وحقائقه. وهذه النظرية، والنظرة له صلى‌الله‌عليه‌وآله ولهم عليهم‌السلام ، يترتّب عليها آثار خطيرة:

منها: عدم اشتراط العصمة في الرسول والإمام لأداء مهمّة التبليغ، بل يكفي الصدق بدرجة العدالة في ذلك، حيث إنّ هذه النظرة مسخ لماهية التبليغ النبويّ


والتبليغ الولوي (1) ، وأنّ درجته لا تتطلّب أكثر من ذلك.

ومنها: تساوي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام عليه‌السلام مع جملة من الأفراد الآخرين الذين يعرفون جملة من ما أُثر عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وعنهم عليهم‌السلام .

بل قد يكون الأفراد الآخرون في بعض الأحيان - والعياذ باللَّه تعالى - أفقه منهم صلوات اللَّه عليهم؛ إذ على هذه النظرية من حقيقة تبليغهم تجري قاعدة ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه (والعياذ باللَّه)، وهذه النظرة والنظرية هي التي كانت لدى بعض الصحابة (2) ، ولأجل ذلك كان يُكثر من المشاققة والاعتراض على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، يعارضه في القول والفعل، حتّى نزلت الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (3) .

ومنها: إطلاق الرواة عليهم، وقد ارتكبه جملةٌ في الأعصار المتأخّرة، وبالتالي فعلمهم - صلوات اللَّه عليهم - منحصر في التنزيل دون التأويل، وبالمحكم دون المتشابه، فقال بعضهم، حول صلاحية التشريع، وحول ما دلّ من الآيات والروايات على كون النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام أولى بالمؤمنين من أنفسهم: (وأما ما كان من الأحكام المتعلّقة بالأشخاص بسبب خاصّ من زواج وقرابة ونحوهما، فلا ريب في عدم عموم الولاية له، وأن يكون أولى بالإرث من القريب وأولى بالأزواج من أزواجهم، وآية: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ ) إنّما يدلّ على أولويته فيما لهم - أي الأشخاص - الاختيار، لا فيما لهم من الأحكام تعبّداً وبلا اختيار).

وقال آخر: (أي: فوّض إليهم أن يحلّلوا ما شاءوا ويحرّموا أيضاً ما شاءوا

____________________

1) أي تبليغ الإمام المعصوم.

2) كالشيخين، وفيهما نزلت الآية من سورة الحجرات، كما أخرج ذلك السيوطي في الدرّ المنثور في ذيل الآية، عن جملة من مصادر الحديث لديهم.

3) سورة الحجرات: 1.


وهذا أيضاً ضروري البطلان؛ فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس شارعاً للأحكام، بل مبين وناقل له، وليس شأنه في المقام إلاّ شأن ناقل الفتوى بالنسبة للمقلّدين).

وقال بعضهم: إنّ وصول المعصوم إلى الحكم الشرعي يتمّ في جملة من الأحيان بواسطة مراجعة المعصوم إلى الكتب التي ورثها عن رسول اللَّه، والفحص في أبوابها، وملاحظة المطلق والمقيد والعامّ والخاصّ والناسخ والمنسوخ والمجمل والمبين، تماماً كما يمارس ذلك الفقيه، غاية الأمر الفرق بينهما أنّ المعصوم مسدّد عن الخطاء.

وأمّا قول العامّة باجتهاد الرسول - والعياذ باللَّه - فهو إفك جاء به عصبتهم الأوائل، لتبرير معارضة وعصيان الرسول، وتلقّاه أواخرهم بألسنتهم وحسبوه هيناً وهو عند اللَّه بهتان عظيم.

وقد تفشّت هذه المقولة واتُّبعت هذه الخطوات في بعض الأقلام المنتحلة، فأطلقوا التعبير باجتهاد أئمّة أهل البيت، وأنّ هذا فهمهم، وأنّهم رواة عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ علمهم قائم بالكتب المدوّنة المنفصلة عن أرواحهم، إلى غير ذلك من الأقاويل التي يطلقونها.

وكلّ ذلك ناشئ عن قصور وتقصير في معرفة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام ، وموقعية وساطتهم في الدين الحنيف والشريعة الغرّاء، وعن الجهل بمصادر علومهم، وضروب العلم لديهم وأبوابها، وحقيقة مراحل التشريع والشريعة، وأنّ الإحاطة الواقعية بتفاصيل الأُمور وحقائقها لا يتمّ إلاّ بالعلم الجمعي اللدنّي بأُمّهات أُصول الشريعة، فمن ثمّ استدعى البحث في دورهم ومقامهم في منابع علومهم عليهم‌السلام التي هي مصادر الشريعة.

قال العلاّمة الطباطبائي: (إنّهم يقيسون نفوس الأنبياء في تلقّيهم المعارف الإلهية ومصدريتهم للأُمور الخارقة بنفوسهم العادية -


ثمّ ذكر خلطهم من إرادة النبيّ إبراهيم عليه‌السلام عملية الإحياء بين جانبها الملكوتي وجانبها الحسّي الظاهري، إلى أن قال: -

لكنّ هؤلاء لإهمالهم أمر الحقائق وقعوا فيما وقعوا فيه من أمر الفساد، وكلّما أمعنوا في البحث زادوا بعداً عن الحقّ) (1) .

وقال في موضع آخر: (ومنشأ هذه الشبهة ونظائرها من هؤلاء الباحثين، أنّهم يظنّون أنّ دعوة إبراهيم عليه‌السلام للطيور في إحيائها، وقول عيسى عليه‌السلام لميت عند إحيائه: قم بإذن اللَّه. وجريان الريح بأمر سليمان، وغيرها، ممّا يشتمل عليه الكتاب والسنّة، إنّما هو لأثر وضعه اللَّه تعالى في ألفاظهم المؤلّفة من حروف الهجاء، أو في إدراكهم التخيلي الذي تدلّ عليه ألفاظهم، نظير النسبة التي بين ألفاظنا العادية ومعانيها، وقد خفي عليهم أنّ ذلك أنّما هو عن اتّصال باطني بقوّة إلهية غير مغلوبة، وقدرة غير متناهية هي المؤثّرة الفاعلة بالحقيقة) (2) .

____________________

1) الميزان، ج2، ص376.

2) الميزان، ج2، ص 370.


منابع علومهم عليهم‌السلام

هي مصادر ومتون الشريعة

أقسام الوحي:

( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ الله رَمَى )

قال تعالى: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (1) .

والبحث في هذه الآيات هو أحد أُمّهات البحوث في معرفة النبوّة، وقد استدلّ بها فريق المثبتين لصلاحيته صلى‌الله‌عليه‌وآله لدور التشريع التابع لتشريع اللَّه، كما استدلّ بها النافون لهذا الدور والمقام.

وقد استدلّ بها كثير من العامّة لحصر عصمة النبوّة في التبليغ دون بقية الأفعال والشؤون، وهذه الدعوى منهم مبنية على التفكيك بين شخصية النبوّة فيه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشخصية شؤونه الأُخرى، وعلى تعدّد حيثيات شخصيته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن ثمّ تعدّد حيثيات شؤونه، وبالتالي انقسام أقواله وأفعاله إلى ما يرتبط بالشريعة، وإلى ما لا صلة له بالشريعة، وهذه النظرة إلى شخصيّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أصبحت عندهم من المسلّمات (2) ، وهي بعيدة تمام البعد عن حقيقة شخصيّة النبيّ؛ فإنّ حقيقة تكوين

____________________

1) سورة النجم: 1 - 5.

2) وزيّفت موارد مفتراة على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قد أخطأ، كقضية أُسارى بدر، وتأبير النخل، وغيرها = [ تتمة الفهرس في الصفحة التالية ]


وتركيب شخصيّته ليست بنحوٍ يتصوّر فيه انفكاك فطرته الغريزية وفطرته الإنسانية والعقلانية عن فطرته الوحيانية، وبالتالي هيمنة الفطرة الوحيانية على تمام درجات فِطَرِه الأُخرى، وذوبانها فيها، وتبعيتها وانقيادها لها، وانصباغها وتلوّنها بها، فلا مجال للتفكيك والتفكّك، ولا للانفصال والفصل، بل كلّ حركاته وسكناته، وخوضه وإمساكه، وقوله وفعله، وحِلّه وترحاله، مسيره وخطواته، كلّ ذلك متنٌ وحياني ونموذج أمثل ركّبته يد القدرة الإلهية؛ ليحتذي به النبيّون والمرسلون والأوصياء والمصطفون، فضلاً عن سائر البشرية.

فالتفكيك في شخصيّته بين الشؤون الشرعية وأُمور الحياة الاعتيادية نظرية خاطئة متفشّية في بحوث المعرفة والعلوم الدينية، ولأجل الوقوف على مفاد الآيات الكريمة السابقة لابدّ من تحرّي المراد من كلّ من العناوين الواردة فيها، من: الوحي، والنطق، والهوى، والضلال، والغواية.

أمّا العنوان الأوّل: فالوحي، الذي هو مصدر نطق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد عُلّل به قضايا الإخبار الثلاث في الآيات السابقة، حيث قد سبق الإخبار عن حصر مصدر النبيّ ومعتمده علي الوحي - ( إِنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) - ثلاثة إخبارات، الأوّل: ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ) ، الثاني: ( وَمَا غَوَى ) ، الثالث: ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ) ، فجاء الإخبار الرابع: ( إِنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) في مقابل الإخبارات الثلاثة، أي: في مقابل المنفي في الإخبارات الثلاثة، فهو بمنزلة العلّة للنفي فيها، فليس هو تعليل للنفي في الإخبار الثالث فقط، كما شاع في كلمات جملة من المفسّرين وأبحاث العلوم الإسلامية، بل هو تعليل للنفي في كلّها.

وعلى ذلك، فالضمير في الإخبار الرابع ( إِنْ هُوَ إِلاّ... ) لا يعود إلى النطق، بل

____________________

= من حكايات مصطنعة لفّقوها بأقلام أموية مَرْوَانية، تنفث عن أدبيات يهودية نصرانية، في الإزراء بمقام الأنبياء عليهم‌السلام .


يعود إلى شخص النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهويته، والإخبار عن هويته وشخصيّته بأنّها وحيٌ يوحى، وهو من قبيل زيدٌ عدلٌ، أي لبيان استغراق زيد في العدالة في أفعاله، وأقواله، ومواقفه، وإحجامه، وإقدامه. فكذلك الحال في الإخبار عن هويته صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّه وحيٌ يوحى للدلالة على أنّ شخصيّته صلى‌الله‌عليه‌وآله في تمام أبعادها هي بتركيب وتصوير وهيئة وحيانية.

بل إنّ في الإخبار الرابع عناية فائقة في تأكيد ذلك بأداة الحصر، أي بحصر هويته في الوحي، أي ليس هويته بشي‏ء من الأشياء إلاّ وحيٌ يوحى. وهذا مفاد ما مرّ من أنّ الفطرة والغريزة فيه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والفطرة الإنسانية والفطرة العقلانية لا استقلال لها مقابل الفطرة الوحيانية التي له صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكلّ تلك الفطر قد انقادت وتبعت الفطرة الوحيانية.

بل في الآية تأكيد آخر، وهو أنّه لم يُجعل الخبر عن هويته صلى‌الله‌عليه‌وآله الوحي بمفرده، بل جُعل مؤكّداً بنفس العنوان بصيغة الفعل المضارع المستمر؛ للدلالة على التأكيد، والتأبيد، والاستمرار، والشمولية، لكلّ شؤونه صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد أُكّد هذا المضمون في الآية بالقَسم الإلهي: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ) ، ولا يخفى أنّ القَسم الإلهي وقع على مجموع الإخبارات الأربعة وما بعدها، وهو ممّا يؤكّد أنّ الضمير في ( إِنْ هُوَ إلاّ ) غير راجع لخصوص النطق، بل هو إلى حقيقة وهوية وشخصيّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله . وممّا يؤكّد هذا المفاد أيضاً الإخبار الخامس في الآيات، وهو: ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) ، فإنّ الضمير في ( علّمه ) راجع إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، متّحد السياق مع ضمير ( هو ) ، مع أنّ التعليم شامل لكلّ شؤون النبيّ لا لخصوص القرآن.

وإلى هذا التقرير من مفاد الآية يشير الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام (1) : (ولقد قرن اللَّه

____________________

1) نهج البلاغة الخطبة القاصعة.


به صلّى اللَّه عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يَسلُكُ به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهارهُ).

وفي صحيح الفُضيل بن يسار عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام : (إنّ اللَّه عزّ وجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه، فلمّا أكمل له الأدب قال: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (1) ، ثمّ فوّض إليه أمر الدين والأُمّة ليسوس عباده، فقال عزّ وجلّ: ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ، وإنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس، لا يزلّ، ولا يخطى‏ء، في شي‏ء ممّا يسوس به الخلق، فتأدّب بآداب اللَّه) (2) .

وما في ذيل الرواية قد يشير إليه الإخبار الخامس في الآيات: ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) ، فإذاً، تبين أنّ مرجع الضمير ليس هو النطق والكلام النبويّ، بل هو كلّ سلوكيات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسيرته، وهديه، وبسطه، وقبضه، وظهر أنّ الوحي في الآيات الكريمة السابقة ليس هو خصوص الوحي التشريعي، بل يعمّ الوحي التسديدي، والتأييدي، والإلهامي، والتوفيقي، وغيرها.

ولكلّ من هذه الأقسام معنىً وسنخٍ ونمط يختلف عن الآخر، أُوضِحت في محالّها.

وقد أُشير إلى الوحي التسديدي وغيره في مواطن عديدة من القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (3) .

حيث إنّ الوحي في الآية ليس هو الوحي التشريعي الذي هو عبارة عن الأمر والنهي الإنشائي؛ لأنّ متعلّق الوحي قد جُعل نفس فعل الخيرات، أي أنّها كانت تصدر عنهم بوحي مقارن بصدور الفعل، كما أشار إلى ذلك العلاّمة الطباطبائي في

____________________

1) سورة القلم: 4.

2) الكافي، ج1، ص266، كتاب الحجّة.

3) سورة الأنبياء: 73.


الميزان، فالآية تشير إلى أنّ الموصوفين بجعلهم أئمّة من قبله تعالى مؤيدون بحقيقة أمرية من عالم الأمر، وهو روح القدس الطاهرة، ومسدّدون بقوّة ربانية ينبعث منهم بتوسّطها فعل الخيرات.

والقرينة الأُخرى على إرادة الوحي التسديدي في الآية المزبورة: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) ، أنّه لو أُريد الوحي التشريعي لفُصل بين كلمة الوحي وكلمة فعل الخيرات بأنّ، ونحوها، كما هو الشائع في الاستعمال القرآني واللغوي.

وممّا يعضد استعمال الوحي في الأعمّ من الوحي التشريعي (الإنبائي) والتسديدي قوله تعالي: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ ) (1) ، فإنّ الإيحاء بالروح الأمري (أي: من عالم الأمر) المراد به تسديده صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك الروح لا صِرف الإنباء، بقرينة ذكر كلّ من الكتاب والإيمان، فإنّ الإيمان فعل تسديدي نظير: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) ، مضافاً إلى أنّه جعل متعلّق الوحي في قوله تعالى: ( أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) هو نفس الروح، ممّا يدلّل على إرساله ليلتحم بروح النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فيتحصّل في مفاد الآية تعليل هدي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ورشاده صلى‌الله‌عليه‌وآله ونور نطقه بأنّ الباري اصطنعه بيد القدرة الربانية، كما في قوله تعالى: ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) (2) ، وقوله تعالى في شأن النبيّ موسى: ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) (3) ، بنحوٍ تكون جميع شؤونه وحْيانيةً. ومن ثمّ فرض الباري على البشرية لزوم التأسّي برسوله في جميع شؤونه، حيث قال: ( لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (4) ، وأطلق تعالى الأمر بالأخذ بجميع ما يأتي به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والانتهاء عمّا ينهى عنه، فقال: ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) .

____________________

1) سورة الشورى: 52.

2) سورة طه: 39.

3) سورة طه: 41.

4) سورة الأحزاب: 21.


وما اشتهر، في كلمات المفسّرين، وجملة من المتكلّمين وعلماء الأُصول، وكثير من بحوث المعرفة الدينية، من تقييد هذه الآية وآية ( مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) وآية (التأسّي) بالشرعيات، والأحكام دون العاديات وأُمور المعاش، فقال بعضهم: (ويحتجّ بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، ويُجاب: بأنّ اللَّه تعالى إذ سوّغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يستند إليه كلّه وحياً لا نطق عن الهوى) (1)

فمبنيّ على النظرية - التي سبق تخطئتها - التفكيك في شخصيّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بين الفطرة الغريزية والنفسانية، والفطرة العقلانية، والفطرة الوحْيانية. وقد سبق عدم تعقّل خروج درجات النفس النبويّة عن هيمنة الفطرة الوحْيانية، ومن ثمّ وصَفَه الباري بقوله: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (2) ، وقال تعالى: ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) (3) .

وقال تعالى: ( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (4) ، ووصفه تعالى بالرؤوف الرحيم، مع أنّها من أسمائه الحسنى، فقال تعالى: ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (5) .

ووصفه تعالى بأنّه رحمة للعالمين، فقال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (6) ، وبيّن تعالى استغراق عنايته بنبيّه في كلّ أحواله ومقاماته بقوله تعالى: ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) (7) .

كما أنّ نظرية التفكيك مبنية على التفكيك في سياق الآيات في سورة النجم، مع أنّه قد اتّضحت المقابلة في الآيات بين الضلال والغي والهوى من جهة، والتسديد الوحْياني من جهة أُخرى.

____________________

1) الكشّاف للزمخشري، ج2، ص 418.

2) سورة القلم: 4.

3) سورة الشرح: 1.

4) سورة يس: 3 - 4.

5) سورة التوبة: 128.

6) سورة الأنبياء: 107.

7) سورة الطور: 48.


ومن ثمّ ترى مفسّري العامّة حيث لا يقولون بالعصمة المطلقة للأنبياء يرتكبون التمحّل في الآيات الأُولى في سورة النجم بنحوٍ ممجوج، فيقيدون متعلّق الضلال بموارد خاصّة، مع أنّ الآية تنفي مطلق الضلال عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في كلّ شؤونه، وتثبت الهدى والهداية في كلّ مقاماته.

وكذلك تمحّلوا في نفي الغواية عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله بتقييدها بموارد خاصّة أيضاً، مع أنّ الآية تنفي الغواية في كلّ سلوكه، وتثبت الرشاد في كلّ سيره ومسيرته. ولم يكتفوا بذلك، بل تمحّلوا التقييد في الآية الثالثة، فقالوا: إنّه لا ينطق عن الهوى في تبليغه للقرآن خاصّة.

وبعضهم قال في تبليغ الشريعة والشرائع خاصّة دون تدبيره في الأُمور العامّة فضلاً عن أُموره الخاصّة، مع أنّ الآية تنفي مطلق النطق عن الهوى، ولم يُقيد متعلّقها بشي‏ء، كما أنّهم ارتكبوا التمحّل مرّةً رابعة في مرجع الضمير: ( إِنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ ) ، فجعلوه القرآن خاصّة تارة، أو قوله في التبليغ خاصّة، وكذلك جعلوا هذه الآية الرابعة في مقابل الثانية فقط، مع أنّه قد مرّ - بوضوح - أنّ الضمير راجع إلى شخصه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمقابلة هي مع الآيات الثلاث السابقة.

ومن ثمّ يتبيّن وجهان آخران في الآيات، دالاّن على كون مفادها هو تقرير العصمة المطلقة للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله :

الأوّل: إنّ في الآيات حصر عقلي، حيث تعرّضت لنفي الضلال والغواية والهوى، وهي مناشئ الخطأ والزلل والزيغ في فعل الإنسان وشؤونه. والضلال: النقص في الجانب العلمي، والغواية: النقص في صفات النفس العملية الموجبة للمعصية، والهوى: فَلَتان النفس عن السيطرة عليها.

وبعبارة أُخرى: الضلال هو القصور العلمي والزلل بسبب ذلك، وأمّا الغواية فهو الزيغ عن عمدٍ، لصفة عملية رذيلة للشخص، كما في إبليس اللعين للاستكبار، والعناد، واللُجاج، والعصبية، والحميّة. وفي قِبالهما الزيغ بسبب ميل الهوى.


وبهذا التقريب يتبين أنّ الآية الرابعة: ( إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ... ) هي في مقابل الآيات الثلاثة السابقة، أي أنّ علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الشامل لكلّ الموارد منبعه الوحي التسديدي والتأييدي، والإلهامي، والتوفيقي الوِفاقي، وغيرها من أقسام الوحي اللدنّي، كما أنّ فعل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلوكه وإراداته النفسانية منبعها الوحي، وهو ذلك الوحي التأييدي والتسديدي، وغيرهما، وكذلك نطقه صلى‌الله‌عليه‌وآله سواء فيما يخبر عنه أو يأمر به وينهى عنه، على صعيد التشريع أو التدبير في الأُمور الكلّية أو الجزئية، فكلّ نطقه وأقواله صلى‌الله‌عليه‌وآله نابعة من ذلك الوحي الذي أُيّد وسُدّد به ويشير إلى محصّل ذلك قوله تعالى:

( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ ) (1) .

فلم يجعل أثر الروح الأمري درايته صلى‌الله‌عليه‌وآله للكتاب فقط، بل كمال الإيمان ونور الهداية، ممّا يؤكّد كون هذا الروح الذي أُيّد به رسول اللَّه ليس للأنباء والدراية فقط، بل للتسديد في العمل والسلوك أيضاً، ومن ثمّ فرّع عليه تعالى: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ، كما قال في حقّ عيسى: ( إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) (2) ، وقال تعالى: ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) (3) .

فكيف بسيد الرسل وقد تقدم؟ ويأتي أيضاً اختلاف درجات التأييد الإلهي بروح القدس للأنبياء بحسب اختلاف درجاتهم، ويشير إلى هذا المعنى في الآية قول الإمام الصادق عليه‌السلام في صحيحة أبي بصير، عندما سأله عن معنى الآية، قال عليه‌السلام : (خلق من خلق اللَّه عزّ وجلّ أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يخبره

____________________

1) سورة الشورى: 52 - 53.

2) سورة المائدة: 110.

3) سورة البقرة: 87.


ويسدّده، وهو مع الأئمّة من بعده) (1) .

وفي رواية أُخرى، قال: (سألت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن العلم، أهو علم يتعلّمه العالم من أفواه الرجال، أم الكتاب عندكم تقرأونه فتعلمون منه؟ قال: الأمر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول اللَّه عزّ وجلّ: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (2) ) (3) .

وفي رواية سعد الاسكاف قال: (أتى رجل أمير المؤمنين عليه‌السلام يسأله عن الروح أليس هو جبرئيل؟ فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : جبرئيل من الملائكة، والروح غير جبرئيل. فكرّر ذلك على الرجل، فقال له: لقد قلت عظيماً من القول، ما أحد يزعم أنّ الروح غير جبرئيل! فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : إنّك ضالّ تروي عن أهل الضلال، يقول اللَّه تعالى لنبيّه عليه‌السلام : ( أَتَى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ ) (4) ، والروح غير الملائكة صلوات اللَّه عليهم) (5) .

الثانية: إنّ الآيات المتقدّمة من سورة النجم لم تكتفِ بنفي الضلال والغواية عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل أثبتت وحصرت هويته بالدرجة الوحْيانية، وهذا يقتضي العصمة اللدُنية من لدن الوحي التأييدي والتسديدي.

وبيان ذلك: إنّ بين نفي الضلالة والغواية والهوى وبين الذات الوحْيانية هناك درجات أُخرى، كالهدي، والرشد، والنطق العقلي والعقلاني، أو العرفي الأدبي، ونحو ذلك من الدرجات، فلأجل ذلك لم يكتفِ الباري تعالى بنفي الأُمور الثلاثة، بل أثبت منشأ سلوك وسيرة ونطق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله - أي: مجموع أفعاله - هي من الوحي

____________________

1) الكافي، ج1، ص273.

2) سورة الشورى: 52.

3) الكافي، ج1، ص274.

4) سورة النحل: 1 -2.

5) الكافي، ج1، ص274.


التأييدي اللدُنّي، بل حصرها في ذلك.

وبعبارة أُخرى: عندما يقال ما ينطق عن الهوى، فقد يقال: ينطق عن العقل أو السنن العرفية المحمودة. وكذا عندما يقال: ما ضلّ، فقد يقال هدي عند أحلام البشر، وكذا عندما يقال: ما غوى فقد يقال رَشُد، كما في تحسين أهل المحامد، بخلاف ما إذا ضمّ إليه منشأية الوحي التأييدي، بل حصر المنشأ في ذلك.

فتحصّل: إنّ الآية في بيان العصمة المطلقة في كلّ أفعاله وأقواله، وأنّها متن الوحي والشريعة، وغاية الأمر الوحي أعمّ من الوحي الإنبائ، أو الوحي التأييدي والتسديدي، والإلهامي والتوفيقي، والإيتائي واللدنّي، والبسط في‏ العلم والإلقائي، وغيرها من العناوين الواردة في السور والآيات القرآنية الشارحة لأنواع الوحي.

ومن ثمّ نقف على حقيقة هامّة.

حقيقة التشريع النبويّ:

وهي: أنّ التشريع منه ما يكون بفرض من اللَّه، وإنباء لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بتوسّط الوحي الإنبائي، ومنه ما يكون من فعل النبيّ وسيرته وقوله وسننه، وهو قسم آخر من الوحي ليس من قبيل الوحي والإنباء وإرسال الملك، بل هو من الوحي المؤيّد المسدّد به النبيّ بتوسّط روح القدس والروح الأمري.

وهو الذي أشار إليه أمير المؤمنين في معنى مجموع الآيات المتقدّمة: (أن قد قرن بنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أعظم ملائكته من لدن أن كان فطيماً، فلمّا أكمل له الأدب قال له: ( إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ، ثمّ فوّض إليه أمر دينه فقال: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (1) ، ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) (2) . أي: أنّ كلّ حركات وسكنات وأفعال وسيرة وهدي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله هو

____________________

1) سورة الحشر: 7.

2) سورة الأحزاب: 21.


على وفق القالب للأدب الإلهي النموذج الذي صاغته اليد الربانية، فيمتنع أن يوجد في هذا القالب النموذجي أي تفاوتٍ أو فطور، فارجع البصر ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير.

ثمّ إنّ مَن ذهب من علماء العامّة إلى اجتهاد النبيّ، وعمله بالظنّ، تشبّث بوجوه واهية؛ من التمسّك بأحاديث مدسوسة بيّنٌ عليها علائم الوضع من خلال قرائن لا تخفى على البصير، مع أنّه نوع من التمسّك بالمتشابه الوهمي في مقابل المحكم القطعي.

ويجدر في نهاية هذه المقالة أن نشير إلى وهن بعض الأقاويل المتقدّمة:

منها: ما تقدّم من أنّ اجتهاد النبيّ - والعياذ باللَّه - إذا كان بأمر من الوحي فهو كلّه وحيٌ لا نطق عن الهوى.

ويُجاب، أوّلاً: إنّه وفق هذه المقولة والنظرية تكون اجتهادات الفقهاء وحي يوحى.

ثانياً: إنّ عدم النطق عن الهوى بالاستناد إلى موازين الاجتهاد الظنّية لا يستلزم صدق الوحي على الحكم الظنّي.

وثالثاً: إنّ لازم تسويغ الاجتهاد من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله هو جواز معارضته وعصيانه والاعتراض عليه لمن قطع، على خلاف الحكم الظنّي الذي يحكم به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما اجترأ على ذلك أبو بكر وعمر في صلح الحديبية، ويوم التخلّف عن جيش أُسامة، وغير ذلك من الموارد (1) .

____________________

1) كاعتراض عمر على رسول اللَّه وهو مسجّى على فراش الموت، عندما طلب دواةً وكتف، ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا ما إن تمسّكوا به، فقال عمر: إنّ الرجل ليهجر، قد غلبه المرض. وكذلك تشكيك جملة من الصحابة فيما يخبرهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من فضائل ومقام عِترته، وسؤالهم: إنّ ذلك من اللَّه أو منه صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟


بل إنّ مغزى القائلين باجتهاد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهدفهم هو فتح باب الاعتراض والردّ على النبيّ، ونبذ طاعته، وتبرير ما وقع من جمعٍ من الصحابة من الاجتراء على عصيان الرسول ومشاققته والردّ عليه.

ومنها: وصف النبيّ أو وصف الأئمّة من عِترته بأنّهم مجرّد نَقَلة الأحكام الإلهية.

فيُردّ عليه - مضافاً إلى ما تقدّم -:

أوّلاً: إنّ لازم ذلك احتمال أعلمية المنقول إليه من الناقل؛ إذ رواية العلم غير درايته ووعايته؛ فربّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه، مع أنّ الباري تعالى قال: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (1) ، وقال تعالى: ( َمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) (2) ، وقال تعالى: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (3) ، وقال تعالى: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) (4) .

وغيرها من الآيات، الدالّة على أنّ بيان القرآن كلّه، تنزيله وتأويله، عمومه وخصوصه، ناسخه ومنسوخه، ظاهره وباطنه، هو على عهدة النبيّ، مع أنّ الكتاب والكتاب المبين يستطرّ فيه كلّ شي‏ء، وكلّ غائبة في السماء والأرض.

وكلمات اللَّه تعالى لا تنفذ ولو كان ما في الأرض من شجر أقلاماً، والبحر مداداً، ومن بعده سبعة أبحر، ما نفذت كلمات اللَّه تعالى في كتابه، فالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي يكون على عهده تبيان كلّ ذلك - ولو بتوسّط تعليمه جملة ذلك لأهل بيته؛ ليبينّوا على مرّ العصور والدهور وإلى يوم القيامة للأُمّة ما تحتاجه من الكتاب - هل يعقل تطرّق

____________________

1) سورة النحل: 44.

2) سورة النحل: 64.

3) سورة القيامة: 16 - 19.

4) سورة الجمعة: 2.


الظنّ والجهل إلى ساحته المطهّرة بالنور الإلهي؟

هذا مع أنّ روح القدس يتنزّل عليه ليلة القدر، وكلّ ليلة - كما سيأتي في الفصل السابع -، بالقضاء والقدر لكلّ شي‏ء، فكيف تخفى عليه صغيرة وكبيرة، وذرّة إلى مجرّة؛ وكيف لا يكون علمه الوحياني لدنّيٌّ يؤيّده ويسدّده؟ وكيف لا يكون سَيْره وسيرته، وكلّ نطقه، هداية ورشاد وحياني، وقد جعل اللَّه على عهدته تزكية الأُمّة جمعاً؟ وكيف يعزب عنه باب من الحكمة وقد جعل الباري على عهدته تعليم الكتاب كلّه والحكمة للبشرية أجمع؟

ونظير هذه المقامات قد أسندها الباري إلى عِترته المطهّرة، فقال تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) (1) ، وقال تعالى: ( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (2) ، وقال تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (3) ، وقال تعالى: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (4) .

وقد روى العامّة، كابن حنبل في مسنده، عن عبد اللَّه بن عمر، قال: (كنت أكتب كلّ شي‏ء عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنّك تكتب كلّ شي‏ء تسمعه من رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ورسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله بشر يتكلّم في الغضب. فأمسكت عن الكتاب! فذكرت لرسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منّي شي‏ء إلاّ الحقّ) (5) .

____________________

1) سورة الواقعة: 77 - 80.

2) سورة آل عمران: 7.

3) سورة النحل: 89.

4) سورة العنبكوت: 49.

5) أخرجه أحمد وأبو داود، وفي بعض الروايات: (بشر يتكلّم في الرضا والغضب)، =


ورووا عنه وزعموا أنّه قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (ما أخبرتكم أنّه من عند اللَّه فهو الذي لا شكّ فيه) (1) ، وهذه الرواية متدافعة مع الرواية السابقة.

وعن أبي هريرة، عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: (لا أقول إلاّ حقّاً. قال بعض أصحابه: فإنّك تداعبنا يا رسول اللَّه؟ قال: إنّي لا أقول إلاّ حقاً) (2) .

والملاحظ في رواية عبد اللَّه بن عمر تصريحه بأنّ الذين كانوا يتبنّون عدم عصمة النبيّ المطلقة هم قريش دون الأنصار، ويُظهر دوافع قريش من ذلك، وأنّ سياستهم في تبني هذه النظرية هو لفتح باب الردّ على النبيّ ومعارضته، وتقليب الأُمور في جانب التشريع والحكم، فيفتح الطريق أمام إحكام قبضتهم على مجمل الأُمور.

وأمّا الرواية الثانية ، فلا يخفى تدافعها مع الرواية الأُولى، ويد قريش في وضعها لائحٌ بيّن؛ إذ هي سياستهم في تبنّي نظرية التفصيل في عصمة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمّا الرواية الثالثة، فهي متطابقة مع الرواية الأُولى، ومتطابقة مع مفاد آيات سورة النجم التي مرّ أنّ ظاهرها هو وحيانية كلّ شخصيّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهويته، وأنّ كلّ سلوكه وسيره وسيرته وكلّ نطقه وأقواله وجميع شؤونه حقّاً وحيانياً، إمّا بالوحي التأييدي التسديدي وغيرهما، أو الوحي الإنبائي.

إلى هنا تم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث - بإذن اللَّه تعالى -، وهو المستعان، وله المنّة والفضل، والحمد للَّه أوّلاً، وآخراً.

____________________

= المستدرك على الصحيحين: ج1، ص 106. مسند أحمد: ج2، ص162. تقييد العلم: 80 / 18، وجامع بيان العلم: ج1، ص71.

1) أخرجه الحافظ البزاز، وتفسير ابن كثير في ذيل سورة النجم.

2) تفسير ابن كثير، في ذيل سورة النجم، وأخرجه الإمام أحمد.


الإمامة الإلهيّة

الجزء الثالث

بحوث سماحة الأستاذ

آية الله الشيخ محمّد سند

تأليف: الشيخ صادق الساعدي



الفصل السابع:

ليلة القدر حقيقة الإمامة (أُسّ المعرفة)



ليلة القدر

في أقوال أهل سنة الجماعة

قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) : (أجمع المفسّرون على أنّ المراد إنّا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، ولكنّه تعالى ترك التصريح بالذكر؛ لأنّ هذا التركيب يدلّ على عظم القرآن.

للقرآن نُزولان:

إن قيل: ما معنى إنّه أُنزل في ليلة القدر، مع العلم بأنّه أُنزل نجوماً؟ قلنا: فيه وجوهاً:

أحدهما، قال الشعبي: ابتدأ بإنزاله ليلة القدر؛ لأنّ البعث كان في رمضان.

والثاني، قال ابن عبّاس: أُنزل إلى سماء الدنيا جملةً ليلة القدر، ثمّ إلى الأرض نجوماً.

معنى القدر:

اختلفوا في أنّه لِم سُمِّيت هذه الليلة ليلة القدر؟ على وجوه:

أحدها: إنّها ليلة تقدير الأُمور والأحكام. قال عطاء، عن ابن عبّاس: إنّ اللَّه قدّر ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق، وإحياء وإماتة، إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية، ونظيره قوله تعالى: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) ، واعلم أنّ تقدير اللَّه لا


يحدث في تلك الليلة؛ فإنّه تعالى قدّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض في الأزل (1) ، بل المراد إظهار تلك المقادير للملائكة في تلك الليلة، بأن يكتبها في اللوح المحفوظ (2) .

بقاء ليلة القدر في كلّ عام:

وهذا القول اختيار عامّة العلماء، ففي كون هذه الليلة هل هي باقية؟ فقد قال الخليل : مَن قال إنّ فضلها لنزول القرآن فيها، يقول انقطعت وكانت مرّة. والجمهور على أنّها باقية.

وعلى هذا، هل هي مختصّة برمضان أم لا؟ روي عن ابن مسعود، أنّه قال: من يقم الحول يصيبها، وفسّرها عِكرمة بليلة البراءة في قوله: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ) (3) ، والجمهور على أنّها مختصّة برمضان، واحتجّوا عليه بقوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) ، وقال: ( إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ، فوجب أن تكون ليلة القدر في رمضان، لئلاّ يلزم التناقض.

ليلة القدر عوض للنبيّ من غصب بني أُميّة الخلافة:

وقال في تفسير الآية (4) بوجوه:

____________________

1) لا يخفى أنّ الرازي قد خلط بين علم الباري الأزلي بالأشياء ومقاديرها، وبين نفس فعل التقدير في اللوح والقلم والقضاء وإبرامه، فإنّ هذه أفعال حادثة في عالم المخلوقات، كما هو صريح روايات الفريقين في شأن ليلة القدر.

2) هذا التصريح منه متدافع مع نفيه حدوث التقدير السابق.

3) سورة الدخان: 3.

4) وهي قوله تعالى: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ ) .


منها: روى القاسم بن فضل، عن عيسى بن مازن، قال:

(قلت للحسن بن عليّ عليه‌السلام : يا مسوّد وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له، يعني معاوية، فقال: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وسلّم) رأى في منامه بني أُمية يطؤون منبره واحداً بعد واحد - وفي رواية: ينزون على منبره نزو القردة - فشقّ ذلك عليه، فأنزل اللَّه تعالى: ( إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) إلى قوله: ( خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ ) ، يعني ملك بني أُمية. قال القاسم: فَحَسِبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر).

طعن القاضي في هذه الوجوه، فقال: ما ذُكر من ( ألْفِ شَهْرٍ ) في أيّام بني أُمية بعيد؛ لأنّه تعالى لا يذكر فضلها بذكر ألف شهر مذمومة، وأيّام بني أُمية كانت مذمومة.

واعلم أنّ هذا الطعن ضعيف؛ وذلك لأنّ أيّام بني أُمية كانت أيّاماً عظيمة بحسب السعادات الدنيوية، فلا يمتنع أن يقول اللَّه: إنّي أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من تلك السعادات الدنيوية.

تنزّل الملائكة على أرواح البشر:

قال في تفسير قوله تعالى: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ وَالرُّوحُ فيها ) : اعلم أنّ نظر الملائكة على الأرواح، ونظر البشر على الأشباح. فكذا الملائكة لمّا رأوا في روحك الصورة الحسنة، وهي معرفة اللَّه وطاعته، أحبّوك فنزلوا إليك معتذرين عمّا قالوه أوّلاً، فهذا هو المراد من قوله: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ ) ، فإذا نزلوا إليك رأوا روحك في ظلمة ليل البدن، وظلمة القوى الجسمانية.

إنّ قوله تعالى: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ ) يقتضي ظاهره نزول كلّ الملائكة، ثمّ إنّ الملائكة لهم كثرة عظيمة. والمروي أنّهم ينزلون فوجاً فوجاً، فمِن نازل وصاعد، كأهل الحجّ فإنّهم على كثرتهم يدخلون الكعبة بالكلّية، لكنّ الناس بين داخل


وخارج، ولهذا السبب مدّه إلى غاية طلوع الفجر، فلذلك ذكر بلفظ ( تَنَزَّلُ ) الذي يفيد المرّة بعد المرّة.

والقول الثاني: وهو اختيار الأكثرين، أنّهم ينزلون إلى الأرض، وهو الأوجه؛ لأنّ الغرض هو الترغيب في إحياء هذه الليلة؛ ولأنّه دلّت الأحاديث على أنّ الملائكة ينزلون في سائر الأيام إلى مجالس الذِكر والدين، فلأن يحصل ذلك في هذه الليلة مع علوّ شأنها أولى؛ ولأنّه روي عن عليّ عليه‌السلام : (أنّهم ينزلون ليسلّموا علينا وليشفعوا لنا، فمن أصابته التسليمة غُفِرَ له ذنبه).

مَن الروح النازل ليلة القدر؟

وقال: ذكروا في الروح أقوالاً:

أحدها: أنّه ملك عظيم، لو التقمَ السماوات والأرضين كان له ذلك لقمة واحدة!

وثانيها: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلاّ في ليلة القدر....

وثالثها: خَلْق من خلق اللَّه، يأكلون ويلبسون، ليسوا من الملائكة ولا من الإنس، ولعلّهم خدم أهل الجنّة.

ورابعها: يُحتمل أنّه عيسى عليه‌السلام ؛ لأنّه اسمه، ثم إنّه ينزل في مواقفه الملائكة ليطّلع على أُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وخامسها: إنّه القرآن؛ لقوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ) (1) .

وسادسها: الرحمة، قُرئ: ( وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ ) بالرفع، كأنّه تعالى يقول: الملائكة ينزلون رحمتي تنزل في أثرهم، فيجدون سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

____________________

1) سورة الشورى: 52.


وسابعها: الروح أشرف الملائكة.

وثامنها، عن أبي نجيح: الروح هم الحفظة والكرام الكاتبون، فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب، وصاحب الشمال يكتب تركه للقبيح.

والأصحّ أنّ الروح هاهنا جبرئيل، وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه، كأنّه تعالى يقول: الملائكة في كفّة والروح في كفّة.

أقول: إذا كان النازل هو جبرئيل عليه‌السلام كلّ عام، فعلى من يتنزّل جبرئيل عليه‌السلام بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة؟!!

ما هي الأُمور التي تتنزّل بها الروح والملائكة؟

وقال: وأمّا قوله تعالى: ( مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) فمعناه تنزّل الملائكة والروح فيها من أجل كلّ أمر، والمعنى: إنّ كلّ واحد منهم إنّما نزل لمهمّ آخر ما. ثمّ ذكروا فيه وجوهاً:

أحدها: إنّهم كانوا في أشغال كثيرة، فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود وبعضهم بالدعاء، وكذا القول في: التفكير، والتعليم، وإبلاغ الوحي، وبعضهم لإدراك فضيلة الليلة، أو ليسلّموا على المؤمنين.

وثانيها - وهو قول الأكثرين -: من أجل كلّ أمرٍ قُدّر في تلك السنة من خير أو شرّ، وفيه إشارة إلى أنّ نزولهم إنّما كان عبادة، فكأنّهم قالوا: ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا، لكن لأجل أمرٍ فيه مصلحة المكلَّفين. وعمّ لفظ الأمر ليعمّ خير الدنيا والآخرة؛ بياناً منه أنّهم ينزلون بما هو صلاح المكلّف في دينه ودنياه، كأنّ السائل يقول: من أين جئت؟ فيقول: ما لك وهذا الفضول؟ ولكن قُل: لأي أمرٍ جئت؛ لأنّه حظّك.

وثالثها: قرأ بعضهم ( مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) ، أي من أجل كلّ إنسان، وروى أنّهم لا


يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلاّ سلّموا عليه.

قيل: أليس أنّه قد رُوي أنّه تقسّم الآجال والأرزاق ليلة النصف من شعبان، والآن تقولون أنّ ذلك يكون ليلة القدر؟

قلنا: عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: (إنّ اللَّه يقدّر المقادير في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلّمها إلى أربابها). وقيل: يقدّر ليلة البراءة الآجال والأرزاق، وليلة القدر يقدّر الأُمور التي فيها الخير والبركة والسلامة. وقيل: يقدّر في ليلة القدر ما يتعلّق به إعزاز الدين، وما فيه النفع العظيم للمسلمين، وأمّا ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من يموت ويسلّم إلى ملك الموت).

وقال في سورة الشورى في ذيل قوله تعالى ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) (1) : والمراد به القرآن، وسمّاه روحاً لأنّه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر.

وقال في سورة الدخان، في ذيل قوله تعالى ( إنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ) (2) : اختلفوا في هذه الليلة المباركة، فقال الأكثرون: إنّها ليلة القدر، وقال عكرمة وطائفة آخرون: إنّها ليلة البراءة.

وإنّه تعالى قال في صفة ليلة القدر: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ ) ، وقال أيضاً هاهنا: ( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حْكيمٍ ) ، وهذا مناسب لقوله: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ وَالرُّوحُ فِيها ) ، وهاهنا: ( أَمْراً مِنْ عِنْدِنا ) ، وقال في تلك الآية ( بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) ، وقال هاهنا: ( رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) ، وقال في تلك الآية: ( سَلامٌ هِيَ ) .

____________________

1) سورة الشورى 52: 42.

2) سورة الدخان 3: 44


اشتمال مراتب القرآن على المقدّرات الحادثة في كلّ عام:

وقال: (المسألة الثامنة) في تفسير مفردات هذه الألفاظ، أمّا قوله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ) (1) فقد قيل فيه: إنّه تعالى أنزل كلّية القرآن، يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتُدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب إلى جبرائيل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت، انتهى كلامه.

وقال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: (في تفسير قوله تعالى: ( إنّا أَنْزَلْناهُ ) يعني القرآن، وإن لم يجرِ له ذكر في هذه السورة؛ لأنّ المعنى معلوم، والقرآن كلّه كالسورة الواحدة، وقد قال: ( شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ ) ، وقال: ( حم وَالْكِتابِ الْمُبينِ إنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ) (2) يريد: في ليلة القدر.

وقال الشعبي: المعنى إنّا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. وقيل: بل نزل به جبريل عليه‌السلام جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى بيت العزّة، وأملاه جبريل على السَفَرة، ثمّ كان جبريل ينزّله على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله نُجوماً نُجوماً، وكان بين أوّله وآخره ثلاث وعشرون سنة. قاله ابن عبّاس، وقد تقدّم في سورة البقرة.

وحكى الماوردي عن ابن عبّاس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان وفي ليلة القدر، في ليلة مباركة جملة واحدة من عند اللَّه، من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجّمته السفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجّمه جبريل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عشرين سنة.

قال ابن العربي: وهذا باطل؛ ليس بين جبريل وبين اللَّه واسطة، ولا بين جبريل

____________________

1) سورة الدخان: 3.

2) سورة الدخان: 1 - 3.


ومحمّد عليهما‌السلام واسطة.

قوله تعالى: ( في لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ، قال مجاهد: في ليلة الحكم، ( وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) ، قال ليلة الحكم. والمعنى ليلة التقدير، سمّيت بذلك لأنّ اللَّه تعالى يقدّر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل والرزق وغيره، ويسلّمه إلى مدبّرات الأُمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل عليهم‌السلام .

أُمّ الكتاب في القرآن متضمّنة لتقدير كلّ شي‏ء:

وقال: وعن ابن عبّاس، قال: يكتب من أمّ الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر، وحياة وموت، حتّى الحاجّ. قال عكرمة: يكتب حجّاج بيت اللَّه تعالى في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء آبائهم، ما يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم.

وقاله سعيد بن جُبير، وقد مضى في أوّل سورة الدخان هذا المعنى. وعن ابن عبّاس أيضاً: إنّ اللَّه تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلّمها إلى أربابها في ليلة القدر. وقيل: إنّما سمّيت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم: لفلان قدر، أي شرف ومنزلة) (1) .

ليلة القدر عوض للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وآلهعليهم‌السلام عن غصب الخلافة:

وقال: (وفي الترمذي عن الحسن بن علي رضي اللَّه عنهما: أنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله رأى بني أُمية على منبره فساءه ذلك، فنزلت ( إنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) ، يعني نهراً في الجنّة، ونزلت ( إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ

____________________

1) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن، ج20، ص129 - 130، طبعة القاهرة.


أَلْفِ شَهْرٍ ) ، يملكها بعدك بنو أُمية. قال القاسم بن الفضل الحدّاني: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً. قال: حديث غريب.

قوله تعالى: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ ) أي تهبط من كلّ سماء، ومن سدرة المنتهى، ومسكن جبريل على وسطها، فينزلون إلى الأرض ويؤمّنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر، فذاك قوله تعالى ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكْةُ ) .

حقيقة الروح النازل ليلة القدر:

وقال: ( وَالرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ ) (1) ، أي جبرئيل عليه‌السلام ، وحكى القُشيري: أنّ الروح صنف من الملائكة جُعلوا حفظة على سائرهم، وأنّ الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة. وقال مقاتل: هم أشرف الملائكة وأقربهم من اللَّه تعالى.

وقيل: إنّهم جند من جند اللَّه عزّ وجلّ من غير الملائكة، رواه مجاهد عن ابن عبّاس مرفوعاً، ذكره الماوردي، وحكى القُشيري: قيل هم صنف من خلق اللَّه، يأكلون الطعام، ولهم أيدٍ وأرجل وليسوا ملائكة.

وقيل: (الروح) خلق عظيم يقوم صفّاً، والملائكة كلّهم صفّاً. وقيل: (الروح) الرحمة ينزل بها جبريل عليه‌السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها، دليله: ( يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (2) ، أي بالرحمة، (فِيها) أي في ليلة القدر، ( بِإذْنِ رَبِّهِمْ ) أي بأمره، ( مِن كُلِّ أَمْرٍ ) (3) أمر بكلّ أمر قدّره اللَّه وقضاه في تلك السنة إلى قابل.

وقيل عنه: إنّها رُفعت - يعني ليلة القدر - وإنّها إنّما كانت مرّة واحدة.

____________________

1) سورة القدر: 4.

2) سورة النحل: 2.

3) سورة القدر: 5.


بقاء ليلة القدر في كلّ عام:

وقال: (والصحيح أنّها باقية... والجمهور على أنّها من كلّ عام من رمضان... وقال الفرّاء: لا يقدّر اللَّه في ليلة القدر إلاّ السعادة والنعم، ويقدّر في غيرها البلايا والنقم) (1) .

وقال الطبري في تفسيره، في ذيل سورة البروج: ( فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) ، بسنده إلى مجاهد: في لوح، قال: ( فِي أُمِّ الْكِتَابِ ) (2) .

وقال ابن كثير في تفسيره، بعد ما نقل جملة ممّا ذكره عنه الرازي والقرطبي، والذي مرّ نقله، قال: (اختلف العلماء هل كانت ليلة القدر في الأُمم السالفة، أم هي من خصائص هذه الأُمّة؟

فقال الزهري:... وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأُمّة بليلة القدر. وقيل: إنّها كانت في الأُمم الماضين كما هي في أُمّتنا، ثمّ هي باقية إلى يوم القيامة وفي رمضان خاصّة) (3) .

وقال الزمخشري في الكشّاف، بعد ما ذكره جملة ممّا ذكره عنه الرازي والقرطبي، في ذيل قوله تعالى: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) (4) قال: (وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من المصالح الدينية التي ذكرها، من تنزّل الملائكة والروح، وفصل كلّ أمر حكيم).

وقال في ذيل قوله تعالى ( مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) (5) : أي تتنزّل من أجل كلّ أمر قضاه اللَّه لتلك السنة إلى قابل... وروي عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (من قرأ سورة القدر أُعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيى ليلة القدر)، وذكر في هامش المطبوع: أنّ الحديث أخرجه الثعلبي، والواحدي، وابن مردويه، بسندهم إلى أُبَيّ ابن كعب.

____________________

1) تفسير القرطبي، ج20، ص133 - 137، في تفسير الجامع لأحكام القرآن طبعة القاهرة.

2) جامع البيان، ج30، ص176.

3) تفسير ابن كثير، ج4، ص 568.

4) سورة القدر: 2.

5) سورة القدر: 5.


ليلة القدر عوض له صلى‌الله‌عليه‌وآله عن غصب بني أُمية خلافته، وتعدد مصادر الحديث لديهم:

وقال الآلوسي في روح المعاني: (ويستدلّ لكونها مدنية بما أخرجه الترمذي، والحاكم، عن الحسن ابن عليّ (رضي اللَّه تعالى عنهما): (أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أُري بني أُمية على منبره فساءه ذلك، فنزلت ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) (1) ، ونزلت: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (2) .. الحديث). وهو كما قال المزني: حديث منكر، انتهى.

وقد أخرج الجلال هذا الحديث في الدرّ المنثور عن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل أيضاً، من رواية يوسف ابن سعد، وذكر فيه: أنّ الترمذي (3) أخرجه وضعّفه، وأنّ الخطيب أخرج عن ابن عبّاس نحوه، وكذا عن ابن نسيب، بلفظٍ: قال نبي اللَّه: (أُريتُ بني أُمية يصعدون منبري، فشقّ ذلك عليّ فأُنزِلت ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ، ففي قول المزني هو منكر تردّد عندي.

وقد ورد في روايات أهل البيت عليهم‌السلام ما رواه الكافي بسنده إلى أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (أُري رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله في منامه بني أُمية يصعدون على منبره من بعده ويضلّون الناس عن الصراط القهقري، فأصبح كئيباً حزيناً، قال: فهبط عليه جبرئيل فقال: يا رسول اللَّه مالي أراك كئيباً حزيناً؟ قال: يا جبرئيل إنّي رأيت بني أُمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي، يضلّون الناس عن الصراط القهقري. فقال: والذي بعثك بالحقّ نبيّاً إنّي ما اطّلعت عليه. فعرّج إلى السماء فلم يلبث أن نزل بآي من القرآن يُؤنسه بها، قال: ( أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) (4) ، وأُنزل عليه: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) ، جعل اللَّه ليلة القدر لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

1) سورة الكوثر: 1.

2) سورة القدر: 1.

3) سنن الترمذي، ج5، ص444، ح 3350.

4) سورة الشعراء: 205 - 207.


خيراً من ألف شهر ملك بني أُمية) (1) .

وروى الكُليني، عن علي بن عيسى القمّاط عن عمّه، قال: (سمعت أبا عبد اللَّه يقول: هبط جبرئيل عليه‌السلام على رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ورسول اللَّه كئيب حزين، فقال: رأيت بني أُمية يصعدون المنابر وينزلون منها. قال: والذي بعثك بالحقّ نبيّاً، ما علمت بشي‏ء من هذا. وصعد جبرئيل إلى السماء، ثمّ أهبطه اللَّه جلّ ذكره بآي من القرآن يعزّيه بها قوله: ( أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) (2) .

وأنزل اللَّه جلّ ذكره: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) للقوم، فجعل اللَّه ليلة القدر (لرسوله) خير، من ألف شهر) (3) .

وفي سند الصحيفة السجّادية، عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (إنّ أبي حدّثني عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليه‌السلام : إنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أخذته نَعسةٌ وهو على منبره، فرأى في منامه رجالاً ينزون على منبره نزو القردة، يردّون الناس على أعقابهم القهقري، فاستوى رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله جالساً والحزن يعرف في وجهه، فأتاه جبرئيل عليه‌السلام بهذه الآية ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا ) ، يعني بني أُمية. قال: يا جبرئيل على عهدي يكونون وفي زمني؟

قال: لا، ولكن تدور رحى الإسلام من مُهاجرك فتلبث بذلك عشراً، ثمّ تدور رحى الإسلام على رأس خمسة وثلاثين من مهاجِرَك فتلبث بذلك خمساً، ثمّ لابدّ من رحى

____________________

1) الكافي، ج4، ص159.

2) سورة الشعراء:205 - 206.

3) الكافي، ج8، ص223.


ضلاله هي قائمة على قطبها ثمّ ملك الفراعنة. قال: وأنزل اللَّه تعالى في ذلك: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) يملكها بنو أُمية. فيها ليلة القدر.

قال: فأَطلع اللَّه عزّ وجلّ نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ بني أُمية تملك سلطان هذه الأُمّة وملكها طول هذه المدّة، فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها، حتّى يأذن اللَّه تعالى بزوال ملكهم، وهم في ذلك يستشعرون عداوتنا أهل البيت وبغضنا. أخبر اللَّه نبيّه بما يلقي أهل بيت محمّد وأهل مودّتهم وشيعتهم منهم في أيامهم وملكهم) (1) .

وفي تأويل الآيات: (روي عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: قوله عزّ وجلّ: ( خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ ) هو سلطان بني أُمية.

وقال: ليلة من إمام عادل خير من ألف شهر ملك بني أُمية.

وقال: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) أيّ من عند ربّهم على محمّد وآل محمّد، بكلّ أمر سلام) (2) .

وفي تفسير القمّي: بسنده، في معنى سورة: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) فهو القرآن... قوله: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) .

أقول: تكثر الروايات في غصب الخلافة من بني أُمية، وتأذّي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وتعويضه بليلة القدر، وسيأتي معنى تعويضه بليلة القدر، وتسالم كثير من علماء الجمهور بهذه الروايات، هذا الأمر أحد الأدلّة على أنّ الخلافة في الشريعة الإلهية هي منصب أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فتدبّر تبصُر.

____________________

1) الصحيفة السجّادية الكاملة: 15 - 16.

2) تأويل الآيات، ج2، ص817، ح2.


حقيقة النازل الذي نزل في ليلة القدر:

وقال في ذيل قوله تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) : الضمير عند الجمهور للقرآن، وادّعى الإمام فيه إجماع المفسّرين، وكأنّه لم يعتقد بقول من قال منهم برجوعه لجبرئيل عليه‌السلام أو غيره؛ لضعفه. قالوا: وفي التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدّم ذكره تعظيم له، أي تعظيم لِما أنّه يشعر بأنّه لعلوّ شأنه كأنّه حاضر عند كلّ أحد.

جهل الخلق بحقيقة ليلة القدر:

وقال في ذيل قوله تعالى ( وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) (1) : لِما فيه من الدلالة على أنّ علوّها خارج عن دائرة دراية الخلق، لا يُعلم ذلك، ولا يَعلم به إلاّ علاّم الغيوب.

حقيقة نزول القرآن جملة واحدة:

ثمّ ذكر جملة في تعدّد نزول القرآن جملةً واحدةً ونجوماً، وذكر في ضمنها هذه الرواية، عن ابن عبّاس: (أُنزل القرآن جملةً واحدة حتّى وضع في بيت العزّة في السماء الدنيا، ونزل به جبريل عليه‌السلام على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بجواب كلام العباد وأعمالهم)... ثمّ نقل الاختلاف بين المفسّرين عندهم في قوله تعالى: ( أَنْزَلْنَاهُ ) من جهة نزول القرآن جملةً واحدة، فهل تضمّن القرآن النازل جملةً واحدة هذه العبارة أم لا؟ فلابدّ من ارتكاب المجاز في الإسناد؛ لأنّه إخبار عمّا وقع فيما مضى، فكيف يكون هذا اللفظ في ضمنه؟

____________________

1) سورة القدر: 2.


فذكر قولاً للرازي في حلّ الإشكال، وللقرطبي، وابن كثير، وضعّف قولهم. ونقل عن ابن حجر في شرح البخاري أنّه أُنزل جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السماء الدنيا، بل حكى بعضهم الإجماع عليه، ثمّ نقل جواباً لحلّ الإشكال عن السيد عيسى الصفوي، ثمّ الاختلاف بين الدَّواني وغيره، وأنّه ألّف رسالة في ذلك، في الجواب عن مسألة الحذر الأصمّ.

ثمّ نقل عن الإتقان قول أبي شامة: فإن قلت ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ) إن لم يكن من جملة القرآن الذي نزل جملة، فما نزل جملة؟ وإن كان من الجملة فما وجه هذه العبارة؟

قلت: لها وجهان:

أحدهما: أن يكون المعنى إنّا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر، وقضينا به وقدّرناه في الأزل.

والثاني: أنّ لفظ ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ) ماضٍ ومعناه على الاستقبال، أي تنزّله جملة في ليلة القدر. ثمّ ذكر عدم ارتضائه لهذا القول وعدم حسنه.

ثمّ نقل أقوالاً أُخر، ثمّ قال: والمراد بالإنزال إظهار القرآن من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، أو إثباته لدى السَفَرة هناك، أو نحو ذلك ممّا لا يشكل نسبته إلى القرآن.

تقدير الأُمور في ليلة القدر على من تُنزّل؟

وقال في معنى ليلة القدر: إنّها ليلة التقدير، وسبب تسميتها بذلك لتقدير ما يكون في تلك السنة من أُمور. قال: المراد إظهار تقديره ذلك للملائكة عليهم‌السلام المأمورين بالحوادث الكونية. ثمّ نقل عن بعض تفسير ذلك: هاهنا ثلاثة أشياء:

الأوّل: نفس تقدير الأُمور، أي تعيين مقاديرها وأوقاتها، وذلك في الأزل.


الثاني: إظهار تلك المقادير للملائكة عليهم‌السلام بأن تكتب في اللوح المحفوظ، وذاك في ليلة النصف من شعبان.

الثالث: إثبات تلك المقادير في نسخ وتسليمها إلى أربابها من المدبّرات، فتدفع نسخة الأرزاق، والنباتات، والأمطار، إلى ميكائيل عليه‌السلام ، ونسخة الحروب والرياح والجنود والزلازل والصواعق والخسف إلى جبرئيل عليه‌السلام ، ونسخة الأعمال إلى إسرافيل عليه‌السلام ، ونسخة المصائب إلى ملك الموت، وذلك في ليلة القدر.

وقيل: يقدّر في ليلة النصف الآجال والأرزاق، وفي ليلة القدر الأُمور التي فيها الخير والبركة والسلامة. وقيل: يقدّر في هذه ما يتعلّق به إعزاز الدين وما فيه النفع العظيم للمسلمين، وفي ليلة النصف يكتب أسماء من يموت ويسلّم إلى ملك الموت، واللَّه تعالى أعلم بحقيقة الحال.

أقول: إنّ المكتوب في ليلة القدر ويقدّر يُفترض أنّ كتابته وتقديره إنّما يُكتب ويقدّر لتسليمه إلى من يوكّل إليه تدبير الأُمور بإذن اللَّه، كالملائكة الموكّلين، فالتنزّل بكلّ هذه التقديرات والكتابة إلى الأرض إلى من يسلّم؟ ومن هو الذي يطّلع على ذلك من أهل الأرض؟ وما هو التناسب بين نزول ما فيه إعزاز الدين والأُمّة، والحديث النبويّ: (إنّ الإسلام لا يزال عزيزاً إلى اثني عشر خليفة... كلّهم من قريش) (1) ؟

أقوال علماء سنّة الجماعة في عِوَضية الليلة له عن غصب الخلافة:

قال في تفسير ( أَلْفِ شَهْرٍ ) : وقد سمعت إلى ما يدلّ أنّ الألف إشارة إلى مُلك بني أُميّة، وكان على ما قال القاسم بن الفضل: ألف شهر، لا يزيد يوماً ولا ينقص

____________________

1) المعجم الكبير للطبراني، ج2، ص232. ولاحظ: إحقاق الحق، ج13، 1 - 49.


يوماً، على ما قيل: ثمانين سنة، وهي ألف شهر تقريباً؛ لأنّها ثلاثة وثمانون سنة وأربعة أشهر، ولا يعكّر على ذلك ملكُهم في جزيرة الأندلس بعد؛ لأنّه ملك يسير في بعض أطراف الأرض وآخر عمارة العرب، ولذا لا يعدّ من مَلَكَ منهم هناك من خلفائهم، وقالوا بانقراضهم بهلاك مروان الحمار.

وطعن القاضي عبد الجبّار في كون الآية إشارة لما ذُكر؛ بأنّ أيام بني أُمية كانت مذمومة أي باعتبار الغالب، فيبعد أن يقال في شأن تلك الليلة إنّها خير من ألف شهر مذمومة:

ألم ترَ أنّ السيف ينقص قدره

إذا قيل إنّ السيف خيرٌ من العصا

وأُجيب: إنّ تلك الأيام كانت عظيمة بحسب السعادات الدنيوية، فلا يبعد أن يقول اللَّه تعالى: أعطيتك ليلة في السعادات الدينية أفضل من تلك في السعادات الدنيوية، فلا تبقى فائدة.

ليلة القدر مع الأنبياء في ما مضى فهي مع من في ما بقي:

الروح النازل في ليلة القدر قناة غيبية كانت مع الأنبياء، فهي مع من بعد النبيّ الخاتم؟ قال: وما أشير إليه من خصائص هذه الأُمّة هو الذي يقتضيه أكثر الأخبار الواردة في سبب النزول، وصرّح به الهيثمي وغيره.

وقال القسطَلاني: إنّه معترض بحديث أبي ذر عند النسائي، حيث قال فيه: (يا رسول اللَّه، أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رُفعت. قال: بل هي باقية). ثمّ ذكر أنّ عمدة القائلين بذلك الخبر الذي قدّمناه في سبب النزول من رؤيته صلى‌الله‌عليه‌وآله تقاصر أعمار أُمّته عن أعمار الأُمم، وتعقّبه بقوله هذا محتمل للتأويل، فلا يدفع الصريح في حديث أبي ذر كما قاله الحافظان: ابن كثير في تفسيره، وابن حجر في فتح الباري.


وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً، وتحصّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولاً، كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتركتا في إخفاء كلّ منهما ليقع الجدّ في طلبهما:

القول الأوّل: إنّها رُفعت أصلاً ورأساً. حكاه المتولّي في التتمّة عن الروافض، والفاكهاني في شرح العمدة عن الحنفية، وكأنّه خطأ منه، والذي حكاه السروجي أنّه قول الشيعة.

أقول: بل الشيعة الإمامية هم المذهب الوحيد على وجه الأرض القائلون ببقاء الاتّصال بين الأرض والسماء، وأنّ هناك سبب متّصل هو الإمام من عِترة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإن لم يكن هذا الاتّصال وحياً نبويّاً، وهو الذي يتنزّل عليه الروح الأعظم والملائكة كلّ عام بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بينما المذاهب الإسلامية كلّها حتّى الزيدية، وإن قالوا باستمرار الإمامة السياسية وعدم حصرها بالأئمّة المنصوص عليهم وأنّ الإمامة هي لكلّ من قام بالثورة على الظلم ولا يشترط فيها العصمة، إلاّ أنّهم قائلون بانقطاع الاتّصال أيضاً بين الغيب والشهادة.

وانقطاع الاتّصال ذهبت إليه اليهود بعد النبيّ موسى عليه‌السلام ، كما ذهبت إليه النصارى بعد النبيّ عيسى عليه‌السلام .

وقال: وقد روى عبد الرزّاق من طريق داود بن أبي عاصم، عن عبد اللَّه بن يخنس: قلت لأبي هريرة: زعموا أنّ ليلة القدر رُفعت، قال: كذّب من قال ذلك. ومن طريق عبد اللَّه بن شُريك قال: ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنّه أنكرها، فأراد زر بن حُبيش أن يحصبه فمنعه قومه.

الثاني: إنّها خاصّة بسنة واحدة وقعت في زمن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حكاه الفاكهاني أيضاً.

الثالث: إنّها خاصّة بهذه الأُمّة، ولم تكن في الأُمم قبلهم، جزم به ابن حبيب وغيره من المالكية ونقله الجمهور، وحكاه صاحب العدّة من الشافعية ورجّحه،


وهو معترض بحديث أبي ذر عند النسائي، حيث قال فيه: قلت: يا رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت قال: لا، بل هي باقية.

وعمدتهم قول مالك في الموطأ: بلغني أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تقاصر أعمار أمّته عن أعمار الأُمم الماضية، فأعطاه اللَّه ليلة القدر، وهذا يحتمل التأويل، فلا يدفع التصريح في حديث أبي ذر (1) .

ليلة القدر يفصل فيها المقدّرات لأحداث كلّ السنة:

وقال الآلوسي في روح المعاني في تفسير قوله تعالى ( مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) (2) : أي من أجل كلّ أمر تعلّق به التقدير في تلك السنة إلى قابل وأظهره سبحانه وتعالى لهم، قاله غير واحد. ف)من(بمعنى اللام التعليلية متعلّقة بتنزّل، وقال أبو حاتم: (من) بمعنى الباء، أي تنزّل بكلّ أمر، فقيل: أي من الخير والبركة، وقيل: من الخير والشرّ وجعلت الباء عليه للسببية.

والظاهر على ما قالوا إنّ المراد بالملائكة المدبّرات؛ إذ غيرهم لا تعلّق له بالأُمور التي تعلّق بها التقدير ليتنزّلوا لأجلها على المعنى السابق، وهو خلاف ما تدلّ عليه الآثار من عدم اختصاصهم بالمدبّرات (3) .

ليلة القدر يتحقّقها وتتنزّل على من شاء اللَّه تعالى من عباده:

جاء في شرح صحيح مسلم للنووي قوله: (اعلم أنّ ليلة القدر موجودة... وأنّها تُرى ويتحققّها من شاء اللَّه تعالى من بني آدم كلّ سنة في رمضان، كما تظاهرت عليه الأحاديث... وأخبار الصالحين بها، ورؤيتهم لها أكثر من أن تُحصر. وأمّا قول القاضي عيّاض عن المهلّب بن أبي صُفرة: لا يمكن رؤيتها حقيقةً. فغلط فاحش

____________________

1) فتح الباري، ص262 - 263، كتاب فضل ليلة القدر.

2) سورة القدر: 6.

3) روح المعاني، ج30، ص196.


نبهتُ عليه لئلاّ يُغترّ به) (1) .

وقال في ذيل سورة الدخان، في قوله تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) (2) : أي الكتاب المبين الذي هو القرآن على القول المعوّل عليه في ( لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ) هي ليلة القدر، على ما روي عن ابن عبّاس وقتادة.

وفي تحفة المحتاج لابن حَجَر الهيتمي: (ليس لرائيها كَتْمها، ولا ينال فضلها - أي كمالها - إلاّ من أطلعه اللَّه عليها)، انتهى.

والظاهر أنّه عَنى برؤيتها: رؤية ما يحصل به العلم له بها، ممّا خُصّت به من الأنوار، وتنزّل الملائكة عليهم‌السلام ، أي: نحوٍ من الكشف ممّا لا يعرف حقيقته إلاّ أهله، وهو كالنصّ في أنّها يراها من شاء اللَّه تعالى من عباده. ثمّ حكى عن ابن شاهين: إنّه لا يراها أحد من الأوّلين والآخرين إلاّ نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ قال: وفي بعض الأخبار ما يدلّ على أنّ رؤيتها مناماً وقعت لغيره صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففي صحيح مسلم وغيره، عن ابن عمر: (إنّ رجالاً من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرّياً فليتحرَّها في السبع الأواخر) (3) .

وحُكي نحو قول ابن شاهين عن غيره أيضاً، وغلّط، ففي شرح صحيح مسلم وابن جُبير ومجاهد وابن زيد والحسن، وعليه أكثر المفسّرين والظواهر معهم.. والمراد بإنزاله في تلك الليلة إنزاله فيها جملةً إلى السماء الدنيا من اللوح، فالإنزال المنجّم في ثلاث وعشرين سنة أو أقل كان من السماء الدنيا، وروي هذا عن ابن جرير وغيره، وذكر أنّ المحلّ الذي أُنزل فيه من تلك السماء البيت المعمور، وهو

____________________

1) شرح مسلم، ج8، ص66.

2) سورة الدخان: 3.

3) صحيح مسلم، ج3، ص170.


مسامِت للكعبة، بحيث لو نزل لنزل عليها.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنّه قال: أُنزل القرآن جملةً على جبرئيل عليه‌السلام ، وكان جبرئيل عليه‌السلام يجي‏ء به بعدُ إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ليلة القدر في سورة الشورى والنزول الأول للقرآن:

وقال في ذيل قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ... ) (1) : وهو ما أُوحي إليه (عليه الصلاة والسلام)، أو القرآن الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان حيث يحييها حياة أبدية. وقيل: أي ومثل الإيحاء المشهود لغيرك، أوحينا أبو القاسم إليك. وقيل: أي مثل ذلك الإيحاء المفصّل، أوحينا إليك، إذ كان عليه الصلاة والسلام اجتمعت له الطرق الثلاث، سواء فُسّر الوحي بالإلقاء، أم فُسّر بالكلام الشفاهي.

وقد ذُكر أنّه (عليه الصلاة والسلام) قد أُلقي إليه في المنام كما أُلقي إلى إبراهيم عليه‌السلام ، وأُلقي إليه عليه الصلاة والسلام في اليقظة على نحو إلقاء الزبور إلى داود عليه‌السلام . ففي (الكبريت الأحمر) للشعراني، نقلاً عن الباب الثاني من (الفتوحات المكّية): أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أُعطي القرآن مجملاً قبل جبرئيل عليه‌السلام ، من غير تفصيل الآيات والسور. وعن ابن عبّاس تفسير الروح بالنبوّة. وقال الربيع: هو جبرئيل عليه‌السلام .

وعليه، فأوحينا مضمّن معنى أرسلنا، والمعنى: أرسلناه بالوحي إليك؛ لأنّه لا يقال: أوحى الملك بل أرسله.

ونقل الطبرسي عن أبي جعفر، وأبي عبد اللَّه (رضي اللَّه تعالى عنهما): أنّ المراد بهذا الروح ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يصعد

____________________

1) سورة الشورى 52: 42.


إلى السماء. وهذا القول في غاية الغرابة، ولعلّه لا يصحّ عن هذين الإمامين.

وتنوين (روحاً) للتعظيم، أي روحاً عظيماً (1) ... وقال في ذيل قوله تعالى ( وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ ) : أي الروح الذي أوحيناه إليك. وقال ابن عطية: الضمير للكتاب، وقيل للإيمان، ورجّح بالقرب، وقيل للكتاب والإيمان ووحّد؛ لأنّ مقصدهما واحد فهو نظير ( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) (2) .

____________________

1) روح المعاني، ج25، ص 80 - 81.

2) سورة التوبة: 62.


ليلة القدر

في روايات أهل سنّة الخلافة

دوام ليلة القدر في كلّ عام إلى يوم القيامة:

1 - فقد روى عبد الرزّاق الصنعاني في (المصنّف) بسنده، عن مولى معاوية، قال: (قلت لأبي هريرة: زعموا أنّ ليلة القدر قد رُفعت، قال: كذّب من قال كذلك، قلت: فهي كلّ شهر رمضان استقبله؟ قال: نعم... الحديث) (1) ، ورواه عنه بطريق آخر (2) ، ورواه كنز العمّال أيضاً (3) .

2 - وروى عبد الرزّاق الصنعاني في المصنّف بسنده، عن ابن عبّاس، قال: (ليلةٌ في كلّ رمضان يأتي، قال: وحدّثني يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد: أنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله سُئِل عن ليلة القدر، فقيل له: كانت مع النبيّين ثمّ رُفعت حين قُبضوا، أو هي في كلّ سنة؟ قال: بل هي في كلّ سنة، بل هي في كلّ سنة) (4) .

3 - وروي عن ابن جرير، قال: (حُدّثت: أنّ شيخاً من أهل المدينة سأل أبا ذر بمنى، فقال: رُفعت ليلة القدر أم هي في كلّ رمضان؟ فقال أبو ذر: سألت رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت: يا رسول اللَّه رُفعت ليلة القدر؟ قال: بل هي كلّ رمضان) (5) .

4 - وروى ابن أبي شيبة الكوفي في المصنّف في باب ليلة القدر، بسنده إلى ابن

____________________

1) المصنّف، ج3، ص216، ح 5586.

2) المصنّف، ج3، ص255، ح 7707.

3) كنز العمّال، ج3، ص634، ح 24490.

4) المصنّف، ج4، ص255، ح 7708.

5) المصنّف، ج4، ص255، ح 7709، وأخرجه هق، ج4، ص307، والطحاوي، ج2، ص50.


أبي مرثد عن أبيه، قال: (كنت مع أبي ذر عند الجمرة الوسطى، فسألته عن ليلة القدر، فقال: كان أسأل الناس عنها رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أنا: ليلة القدر كانت تكون على عهد الأنبياء فإذا ذهبوا رُفعت؟ قال: لا ولكن تكون إلى يوم القيامة) (1) .

5 - أخرج السيوطي في الدرّ المنثور: (عن محمّد بن نصر، عن سعيد بن المسيّب أنّه سُئل عن ليلة القدر، أهي شي‏ء كان فذهب، أم هي في كلّ عام؟ فقال: بل هي لأُمّة محمّد ما بقي منهم اثنان) (2) .

أقول: وفي هذه الرواية - وإن كانت مقطوعة - دلالةٌ على أن لو بقي في الأرض رجلٌ واحد لكان الثاني هو الحجّة وخليفة اللَّه في الأرض، الذي تنزّل عليه ليلة القدر بمقادير الأُمور، وأنّ ليلة القدر هي من حقائق وخصائص روح الحجّة في الأرض.

6 - وروى الطبري بسنده عن ربيعة بن كلثوم، قال: (قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر في كلّ رمضان هي؟ قال: نعم، واللَّه الذي لا إله إلاّ هو إنّها لفي كلّ رمضان، وأنّها ليلة القدر، فيها يُفرق كلّ أمر حكيم، فيها يقضي اللَّه كلّ أجل وعمل ورزق إلى مثلها) (3) .

النزول في ليلة القدر وحي للأنبياء، واستمراره بعد الأنبياء:

قال ابن خزيمة في صحيحه (4) : باب ذكر أبواب ليلة القدر، والتأليف بين الأخبار المأثورة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيها ما يحسب كثيراً من حملة العلم، ممّن لا يفهم صناعة العلم، أنّها متهاتِرةٌ متنافية، وليس كذلك هي عندنا بحمد اللَّه ونعمته، بل هي

____________________

1) المصنّف لابن أبي شيبة، ج2، ص394، ح 5، باب 341.

2) الدرّ المنثور، ج6، ص371، في ذيل سورة القدر.

3) جامع البيان، ج25، ص139، ح24000.

4) صحيح ابن خزيمة، ج3، ص320.


مختلفة الألفاظ متّفقة المعنى، على ما سأبيّنه إن شاء اللَّه.

قال أيضاً: باب ذكر دوام ليلة القدر في كلّ رمضان إلى قيام الساعة، ونفي انقطاعها بنفي الأنبياء.

7 - وروى بسنده إلى أبي مرثد، قال: (قال: لقينا أبا ذر وهو عند الجمرة الوسطى، فسألته عن ليلة القدر، فقال: ما كان أحد بأَسأل لها منّي، قلت: يا رسول اللَّه ليلة القدر أُنزلت على الأنبياء بوحي إليهم فيها ثمّ ترجع؟ فقال: بل هي إلى يوم القيامة.. الحديث) (1) ، ورواه بطريق آخر أيضاً، في باب أنّ ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان (2) .

8 - وروى النسائي، والقسطلاني، والهيثمي، وابن حجر في فتح الباري، وابن كثير في تفسيره حديث أبي ذر - في ليلة القدر - قال: (يا رسول اللَّه أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رُفعت؟ قال: بل هي باقية).

9 - وروى أحمد بن محمّد بن سلمة في شرح معاني الآثار، في باب الرجل يقول لامرأته أنت طالق ليلة القدر، متى يقع الطلاق؟ بسنده، إلى مالك ابن مرثد عن أبيه، قال: (سألت أبا ذر فقلت: أسألت رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله عن ليلة القدر؟ قال: نعم، كنت أسأل الناس عنها، قال عكرمة: يعني أشبع سؤلاً، قلت: يا رسول اللَّه، ليلة القدر أفي رمضان هي أم في غيره؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : في رمضان. قلت: وتكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا رُفعوا رُفعت؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة) (3) .

10 - وفي صحيح ابن حِبان، قال في باب ذكر البيان بأنّ ليلة القدر تكون في العشر الأواخر كلّ سنة إلى أن تقوم الساعة، ثمّ روى بسند متّصل رواية أبي ذر

____________________

1) صحيح ابن خزيمة، ج3، ص320.

2) صحيح ابن خزيمة، ج3، ص321.

3) شرح معاني الآثار، ج3، ص85.


المتقدِّمة واللفظ فيها... (تكون في زمان الأنبياء ينزل عليهم الوحي، فإذا قُبضوا رُفعت؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : بل هي إلى يوم القيامة) (1) .

وروى البيهقي في فضائل الأوقات رواية أبي ذر المتقدّمة بإسناده (2) ، وقال - قبل تلك الرواية -: وليلة القدر التي ورد القرآن بفضيلتها إلى يوم القيامة وهي في كلّ رمضان... ثمّ نقل الخبر المزبور. وروى الهيثمي في موارد الظمآن رواية أبي ذر بسنده (3) .

11 - وروى أحمد بن محمّد بن سَلمة في معاني الآثار، في باب الرجل يقول لامرأته أنت طالق ليلة القدر، متى يقع الطلاق؟ بسنده إلى سعيد بن جبير عن ابن عمر، قال: (سُئل رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا أسمع عن ليلة القدر؟ فقال: في كلّ رمضان). ففي هذا الحديث أنّها في كلّ رمضان، فقال قوم هذا دليل على أنّها تكون في أوّله وفي وسطه، كما قد تكون في آخره. وقد يحتمل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (في كلّ رمضان)، هذا المعنى، ويحتمل أنّها في كلّ رمضان إلى يوم القيامة (4) ، ورواه بطرق أخرى غير مرفوعة.

أقول: هذه الروايات عند العامّة مطابقة لما يأتي من الروايات عند أهل البيت عليهم‌السلام ، من عدّة وجوه، أهمّها:

أوّلاً: ليلة القدر كانت من لَدُن آدم عليه‌السلام ، واستمرّت إلى النبيّ الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي مستمرّة إلى يوم القيامة نزولاً على خلفاء النبيّ الاثني عشر.

وثانياً: إنّ هذا الروح النازل في ليلة القدر هو قناة ارتباط الأنبياء والأوصياء مع الغيب.

وثالثاً: ممّا يدلّل على عموم الخلافة الإلهية: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ

____________________

1) صحيح ابن حِبّان، ج8، ص438.

2) البيهقي، ص 219.

3) موارد الظمآن، ص 231.

4) شرح معاني الحديث، ج3، ص84.


خَلِيفَةً ) (1) ، من لدن آدم وفي أوصياء كلّ نبيّ حتّى أوصياء النبيّ الخاتم، وأنّ هذه السفارة الإلهية لم تزل متّصلة ما استمرّ بنو آدم في العيش على الأرض.

استمرار نزول باطن القرآن في ليلة القدر إلى يوم القيامة:

12 - وروى الطبراني في المعجم الكبير بسنده: (حدّثنا أحمد بن رشدين، ثنا أبو صالح الحرّاني، سنة ثلاثة وعشرين ومائتين، حدّثنا حيان بن عبيد اللَّه بن زهير المصري أبو زهير منذ ستّين سنة، قال: سألت الضحّاك بن مزاحم عن قوله: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (2) ، وعن قوله: ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (3) ، وعن قوله: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (4) ، فقال:

قال ابن عبّاس: إنّ اللَّه عزّ وجلّ خلق العرش فاستوى عليه، ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ فَأَمَرَهُ لِيَجْرِيَ بِإِذْنِهِ، وَعَظَّمَ الْقَلَمَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَقَالَ الْقَلَمُ : بِمَ يَا رَبِّ أَجْرِي ؟ قَالَ : بِمَا أَنَا خَالِقٌ وَكَانَ فِي خَلْقِي مِنْ قَطْرٍ، أَوْ نَبَاتٍ، أَوْ نَفْسٍ، أَوْ أَثَرٍ، يعني به: العمل أو الرزق أو الأجل، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فأثبته اللَّه في الكتاب المكنون عنده تحت العرش. وأمّا قوله: ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ، فإنّ اللَّه وكّل ملائكته يستنسخون من ذلك الكتاب كلّ عام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة، فيعارضون به حفظة اللَّه على العباد كلّ عشية خميس، فيجدون ما رفع الحفظة موافق لما في كتابهم ذلك، ليس فيه زيادة ولا نقصان) (5) .

____________________

1) سورة البقرة: 30.

2) سورة الحديد: 22.

3) سورة الجاثية: 29.

4) سورة القمر: 49.

5) المعجم الكبير للطبراني، ج10، ص247، ح 10595.


أقول: في تفسير ابن عبّاس لهذه الآيات عدّة أُمور:

الأوّل: كلّ ما كان وما يكون وما هو كائن فهو مستطرّ مكتوب في الكتاب المكنون، الذي هو الوجود الغيبي للقرآن الكريم.

والثاني: إنّه يتنزّل منه ليلة القدر ما يتعلّق بكلّ سنة، وهذا يقتضي احتواء القرآن الكريم، وكذا ما ينزل منه ليلة القدر لكلّ تقدير في الخلق، وقدر كلّ كائن وتكوين.

والثالث: إنّ ما يتنزّل ليلة في كلّ عام هو ما وراء لفظ التنزيل، فلا تقتصر حقيقة القرآن وباطنه وتأويله على ظاهر لفظ المصحف.

والرابع: إنّ عشية كلّ خميس - أي ليلة الجمعة - هناك معارضة الكتبة الحفظة على العباد من أعمال، وبين ما نزل من الكتاب المكنون من القرآن في ليلة القدر.

وهذه الأُمور الأربعة أُشير إليها بنحوٍ مستفيض في روايات أهل البيت عليهم‌السلام كما سيأتي، ولا غرو في ذلك؛ لأنّ ابن عبّاس قد نهل من أمير المؤمنين والحسنين عليهم‌السلام ، فعرف منهم هذا المقدار، وإن خفي عليه ما هو أعظم.

فيتحصّل من كلامه:

أوّلاً: اشتمال القرآن لكلّ علم وجميع العلوم.

ثانياً: إنّ ما ينزل في ليلة القدر من كلّ عام إلى يوم القيامة هو من باطن القرآن.

ثالثاً: فباطن القرآن لا زال يتنزّل في كلّ عام إلى يوم القيامة، وقد ذُكر كلّ ذلك في روايات أهل البيت عليهم‌السلام .

رابعاً: إنّه يتمّ معارضة أي مطابقة ما ينزل منه ليلة القدر في كلّ أُسبوع، كما قد حصل للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله معارضة ظاهرة التنزيل كلّ عام مع جبرئيل عليه‌السلام .

13 - وروى البيهقي في فضائل الأوقات بسند متّصل إلى أبي نظير، قال: يفرّق


أمر السنة كلّها في ليلة القدر، بلائها ورخائها ومعاشها إلى مثلها من السنة (1) .

تباين حقيقة النازل من القرآن في المرتين

تكرّر نزول جملة القرآن مرّتين بل أكثر إلى يوم القيامة:

14 - روى الطبراني في المعجم الكبير، بسند متّصل إلى ابن عبّاس في قوله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ، قال: أُنزل القرآن جملة واحدة حتّى وضع في بيت العزّة في السماء الدنيا، ونزّله جبرئيل على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بجواب كلام العباد وأعمالهم (2) .

15 - وروى ابن أبي شيبة الكوفي في المصنّف، في باب القرآن متى نزل، بسند متّصل عن ابن عبّاس، في قوله [ تعالى ]: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ، قال: رفع إلى جبرئيل في ليلة القدر جملة، فرفع إلى بيت العزّة، جعل ينزل تنزيلاً (3) .

16 - وروى النسائي في السنن الكبرى بسند متّصل عن ابن عبّاس، قال: نزل القرآن في رمضان في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، فكان إذا أراد اللَّه أن يحدث شيئاً نزل، فكان بين أوّله إلى آخره عشرين.

وروى مثله بخمسة طرق أُخرى كلّها عن ابن عبّاس، وزاد في بعضها، قال: ( وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ) (4) ، وقرأ: ( وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً ) (5) .

وفي طريق آخر منها زاد، وذلك ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) (6) (7) .

____________________

1) فضائل الأوقات للبيهقي، ص 219.

2) المعجم الكبير، ج12، ص26.

3) المصنّف لأبي شيبة الكوفي، ج75، ص191، ح4، الباب 46.

4) سورة الفرقان: 33.

5) سورة الإسراء: 106.

6) سورة الواقعة: 75.


17 - وروى الطبراني في المعجم الأوسط، قال: روي نزول القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى السماء الدنيا جملة ثمّ أُنزل نجوماً، ورواه بطرق أُخرى متعدّدة (1) .

ومقتضى هذه الروايات، أنّ الذي نزل به جبرئيل على النبيّ من القرآن أنّما هو النزول الثاني، أي النزول نجوماً من السماء الدنيا من بيت العزّة إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، دون النزول الأوّل الذي هو جملة واحدة، ودون النزول المستمرّ في كلّ عام في ليلة القدر، ويقتضيه ظاهر آية سورة الشورى، وسورة القدر، كما سيأتي بيانه مفصّلاً، وأنّ النازل بجملة القرآن وفي ليلة القدر من كلّ عام إلى يوم القيامة هو روح القدس، والذي أُطلق عليه في القرآن ( رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) ، وجُعل في سورة القدر مقابل للملائكة ( يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ ) (2) .

ومن ذلك يُعلم الاختلاف النوعي في حقيقة التنزيلَين، وأنّ النوعية الأُولى من النزول - وهي نزول القرآن جملة - هو المستمرّ في ليلة القدر إلى يوم القيامة، وهو يرتبط بتأويل الكتاب، وتقدير كلّ شي‏ء يقع من المقادير في الخلق.

نزول القرآن ليلة القدر على آل محمّد عوض غصب الخلافة:

18 - وروى البيهقي في كتاب فضائل الأوقات بسند متّصل إلى يوسف بن مازن، قال: (قام رجل إلى الحسن بن عليّ (رضيَّ الله عنه)، فقال: يا مسوّد وجه المؤمنين. قال الحسن بن عليّ (رضيَّ الله عنه): لا تؤنّبني رحمك اللَّه؛ فإنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قد رأى بني أُميّة يخطبون على

____________________

1) السنن الكبرى للنسائي، ج5، ص6،ح7989، و: ح7990، و: ح7991، و: ح11372، و: ح11565، و: ح11689.

2) المعجم الأوسط للطبراني، ج2، ص231، وفي المعجم الكبير، ج11، ص247، و: 31، و: ج12، ص26.

3) سورة النحل: 2.


منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك، فنزلت ( إنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) (1) نهر في الجنّة، ونزلت ( إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) (2) تملكه بنو أُمية، فحسبنا ذلك.. فإذا هو لا يزيد ولا ينقص) (3) .

19 - وروى ابن أبي الحديد، قال: (وقد جاء في الأخبار الشائعة المستفيضة في كتب المحدّثين، أنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أُخبر: أنّ بني أُمية تملك الخلافة بعده مع ذمّ منه صلى‌الله‌عليه‌وآله لهم. نحو ما روي عنه في تفسير قوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) (4) ، فإنّ المفسّرين قالوا، إنّه رأى: بني أُمية ينزون على منبره نزو القردة، هذا لفظ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي فسّر لهم الآية به، فساءه ذلك، ثمّ قال: الشجرة الملعونة بني أُمية وبني المغيرة. ونحوه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا بلغ بنو العاص ثلاثون رجلاً اتّخذوا مال اللَّه دُوَلاً وعباده خولاً. ونحوه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله في تفسير قوله تعالى: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) (5) قال: ألف شهر يملك بها بنو أُمية). وورد عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله في ذمّهم الكثير المشهور نحوه.. وروى المدائني عن دخول سفيان بن أبي ليلى النهدي، رواية عن الحسن بن عليّ عليه‌السلام في تفسير الآية، وهي التي قد تقدّم ذكرها (6) .

20 - وروى الطبري في سورة القدر بسنده المتّصل عن عيسى بن مازن، قال: (قلت للحسن بن عليّ (رضيَّ الله عنه): يا مسوّد وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له - يعني معاوية بن أبي سفيان - فقال: إنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أُري في منامه بني أُمية يعلون منبره خليفة خليفة، فشقّ ذلك عليه، فأنزل اللَّه: ( إنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) ، و ( إنّا أنْزَلْناهُ

____________________

1) سورة الكوثر: 1.

2) سورة القدر: 3.

3) كتاب فضائل الأوقات: 211.

4) سورة الإسراء: 60.

5) سورة القدر: 3.

6) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي، ج9، ص 219.


في لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) ، يعني ملك بني أُمية. قال القاسم: حسبنا ملك بني أُمية فإذا هو ألف شهر).

21 - وروى الترمذي في سننه، والحاكم بسند متّصل إلى الحسن بن عليّ عليه‌السلام : (إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أُري بني أُمية على منبره فساءه ذلك، فنزلت ( إنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ) ، ونزلت ( إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) .. الحديث) (1) .

ورواه السيوطي في الدرّ المنثور عن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل من رواية يوسف بن سعد، وأخرج الخطيب عن ابن عبّاس نحوه، وكذا عن ابن نسيب، عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أُريت بني أُمية يصعدون منبري فشقّ ذلك عليّ، فاُنزلت ( إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ).

أقول: ومقتضى هذه الروايات أنّ اللَّه تعالى قد عوّض النبيّ وأهل بيته عن غصب الخلافة الظاهرية بإعطائهم ليلة القدر، أن تكون معهم كما كانت مع الأنبياء السابقين؛ إذ مقتضى جواب الإمام الحسن بن عليّ عليه‌السلام عن غصب معاوية الخلافة منه، هو أنّ اللَّه تعالى قد عوّض النبيّ وأهل بيته، أصحاب الكساء والأئمّة الاثني عشر (سلام اللَّه عليهم)، بنزول الروح عليهم والملائكة في ليلة القدر ينبّئونهم بكلّ أمر، وإلاّ لما صحّ جواب الإمام الحسن بن علي عليه‌السلام في قِبال اعتراض السائل.

بل ولمَا كان تعويض للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّ مساءة النبيّ من نزو بني أُمية على خلافته وغصبهم لها ليس في زمانه، وإنّما بعد رحيله صلى‌الله‌عليه‌وآله حيث وقعت الفتنة بنصّ الآية الكريمة: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) (2) ، وبنصّ الروايات الواردة في ذيل الآية عن النبيّ من طريقهم فضلاً من طرقنا، فهذه الروايات المستفيضة عندهم وعندنا في ذيل الآية مع نفس

____________________

1) سنن الترمذي، مستدرك الحاكم.

2) سورة الإسراء: 60.


مضمون الآية هي أحد ملامح الأدلّة على إمامة أهل البيت عليهم‌السلام وغصب أهل السقيفة وبنو أُمية للخلافة.

كما أنّها دالّة على أنّ ليلة القدر وما يتنزّل فيها والروح النازل، كلّ ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقيقة إمامتهم التكوينية الإلهية.

وسيأتي - لاحقاً - في هذا الفصل، والذي يُعدّ أيضاً ارتباط حقيقةِ ليلة القدر بحكومتهم السياسية الخفية في النظام الاجتماعي السياسي، ولكن بنمو تكويني منظومي.

وهذا النازل في ليلة القدر ليس وحي شريعة، وإنّما هو علم في الإدارة والتدبير، والقيادة والإمامة الإلهية، ومحلّ تقدير وتدبير لكلّ شي‏ء في القضاء والقدر الإلهي إلى السنة المقبلة.

حقيقة القرآن هي الروح النازل ليلة القدر:

22 - وروى السيوطي في ذيل سورة النحل قوله تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ ) (1) ، قال: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ ) ، قال: بالوحي.

23 - وكذلك روى السيوطي في الموضع السابق عن جملة من المصادر، عن قتادة في قوله: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) ، قال: بالوحي والرحمة. وأخرج عن جملة، عن الضحّاك في قوله تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) ، قال: القرآن (2) . وروى الطبري بسنده عن قتادة مثله.

____________________

1) سورة النحل: 2.

2) الدرّ المنثور في ذيل آية: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) من سورة النحل.


24 - وروى السيوطي في الدرّ المنثور في سورة الشورى في ذيل قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ) (1) ، قال: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس (رضي اللَّه عنهما) في قوله: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) ، قال: القرآن (2) .

حقيقة الوحي هو نزول الروح كما في ليلة القدر، وهو مستمرّ إلى يوم القيامة:

أقول: ويُستفاد من مجموع هذه الطائفة من الروايات: أنّ حقيقة القرآن هي الروح الذي يتنزّل في كلّ ليلة قدر، وأنّ نزوله في كلّ ليلة قدر نزول للوحي الإلهي، بل إنّ الوحي ليس إلاّ نزول الروح والملائكة على من يشاء من العباد المصطفون، من الأنبياء والأوصياء، ومن ثمّ عبّر في سورة الشورى، في قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ) عن إرسال الروح الأمري بأنّه وحيٌ.

فالوحي هو: إنزال الروح، وإنزال الروح هو وحي، فتصريح القرآن الكريم في سورة القدر بتنزيل الروح كلّ عام، هو تصريح باستمرار الوحي بعد سيد الأنبياء، غاية الأمر الذي يتنزّل هو من غيب القرآن الذي قد ورّثه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لأوصيائه.

عقيدة البَدَاء وحقيقة ليلة القدر:

25 - وروى الطبري في سورة الرعد في ذيل قوله تعالى: ( يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) بسنده المتّصل عن مجاهد، قول اللَّه: ( يَمْحُواْ اللَّهُ مَا

____________________

1) سورة الشورى: 52.

2) الدرّ المنثور في ذيل الآية المتقدّمة.

3) سورة الرعد: 39.


يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) ، قالت قريش حين أُنزل: ( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) : ما نراك يا محمّد تملك من شي‏ء، ولقد فُرغ من الأمر، فأُنزلت هذه الآية تخويفاً ووعيداً لهم: أنّا إن شئنا أحدثنا من أمرنا ما شئنا، ونُحدث في كلّ رمضان، فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم، وما نعطيهم وما نقسّم لهم (1) .

أقول: وفي هذه الرواية، والروايات التي رويت في ذيل الآية، والتي رواها أهل سنّة جماعة الخلافة والسلطان، دالّة على عقيدة البَدَاء التي هي نوع من النسخ التكويني الواردة في روايات أهل البيت، كما تدلّ هذه الروايات على أنّ ما في أمّ الكتاب، الذي هو أصل القرآن وحقيقته العلوية الغيبية، متضمّن لكلّ قضاء وقدر، وليس هو مجرّد ظاهر التنزيل.

وهذه الحقيقة للقرآن لا ينالها إلاّ المعصوم الذي ينزّل عليه الروح في ليلة القدر، ولا يطمع في نيلها غير المعصوم؛ إذ ليس الأمر بالأماني والتمنّي، هيهات. وما سيأتي ومضى من رواياتهم لا يخفي تضمّنه لمعنى النسخ والبَدَاء.

26 - وروى الطبري في سورة الدخان، بسنده عن ابن زيد في قوله عزّ وجلّ: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) (2) ، قال: تلك الليلة ليلة القدر، أنزل اللَّه هذا القرآن من أُمّ الكتاب في ليلة القدر، ثمّ أنزله على الأنبياء في الليالي والأيام، وفي غير ليلة القدر (3) .

أقول: هذه الرواية دالّة على أنّ الذي يتنزّل من أُمّ الكتاب الذي هو أصل القرآن وحقيقته الغيبية العلوية، والذي يتنزّل منه، ليس ظاهر التنزيل، بل كلّ المقادير وقضاء الحوادث الكونية وأنّ ذلك التنزّل مستمرّ ليس في خصوص ليلة القدر

____________________

1) جامع البيان، في سورة الرعد، ذيل قوله تعالى: ( يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) .

2) سورة الدخان: 3.

3) جامع البيان، ج25، ص64.


بل على مرّ الليالي والأيام والآناء واللحظات، وأنّه لا زال يتنزّل بعد ذهاب الأنبياء، يتنزّل على الأوصياء - خلفاء النبيّ - الاثني عشر من قريش (سلام اللَّه عليهم)، وهذا المضمون قد ورد في روايات أهل البيت عليهم‌السلام .

27 - وروى الطبري في سورة الرعد، بسند متّصل عن قتادة قوله تعالى: ( وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ، قال: جملة الكتاب وأصله.

28 - وروى الطبري في الموضع المذكور بسنده إلى الضحّاك في قوله: ( وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ، قال: كتاب عند ربّ العالمين.

29 - وروى الطبري عن الضحّاك أيضاً في الموضع المزبور، ( وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) قال: جملة الكتاب وعلمه، يعني بذلك ما ينسخ منه وما يثبت. وروى نظيره بسند متّصل عن ابن عبّاس ( كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ) (1) .

أقول: مقتضى التعبير بلفظ جملة الكتاب عنده تعالى، أنّ ظاهر التنزيل ليس كلّ درجات حقيقة الكتاب، وأنّ جملته مجموع ما فيه من التأويل والحقائق وكلّ قضاء وقدر، وكلّ ما كان ويكون فهو في أُمّ الكتاب، وهو الذي ينزل منه كلّ عام في ليلة القدر بتوسّط الروح، وأنّه لازال ينزل من باطن الكتاب وتأويل كلّ عام في ليلة القدر إلى يوم القيامة، بل في كلّ ليلة، وأنّه كما مرّ في بعض الروايات المتقدّمة.

وكلّ هذا المضمون قد ورد في روايات أهل البيت كما ستأتي الإشارة إليه، فللكتاب جملة يستطرّ فيها كلّ شي‏ء، ما من غائبة في السماء والأرض، ولا رطْب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين، فظاهر التنزيل الذي بين الدفّتين وهو المصحف الشريف، لا يحيط ولا يحتوي بما في أُمّ الكتاب، وإنّما هو ظهر يوقف عليه

____________________

1) سورة الأحزاب: 6.


للوصول إلى البطون والتأويلات والحقائق، بهداية الراسخين في العلم الذين هم أهل آية التطهير الذين يمسّون الكتاب المكنون، كما دلّت على ذلك الآيات الكريمة في السور المختلفة.

بل، إنّ من تصريح الآيات بأنّ أهل البيت المطهّرين الذين يمسّون الكتاب المكنون، يُعلم بالتلازم أنّ أهل البيت هم الذين يتنزّل عليهم روح القدس في ليلة القدر، بما في أُمّ الكتاب من القضاء والقدر لكلّ سنة، كما أنّ من التلازم في حديث الثقلين من العِترة والكتاب وعدم افتراقهما، يُعلم تلازمهما في كلّ ما ينزل من الكتاب في كلّ سنة.

كما أنّ من التعبير بأنّ عنده أُمّ الكتاب الذي هو جملة مجموعة، وأصله وحقيقته التعبير بأنّ هذه الجملة والحقيقة عند اللَّه للدلالة على القرب المعنوي بحسب نشأة عوالم الخِلقة، فمكانته الوجودية غيبية مكنونة في لوح محفوظ ذات مجد كوني وتكويني، وهي الروح الأعظم كما سيأتي في الروايات.

30 - وروى بسنده عن ابن عبّاس أنّه سأل كعب عن أُمّ الكتاب، قال: علم اللَّه ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتاباً فكان كتاباً... وقال الطبري بعد ذلك: وأولى الأقوال - في ذلك - بالصواب قول من قال: وعنده أصل الكتاب وجملته؛ وذلك أنّه - تعالى ذِكره - أخبر أنّه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقّب بذلك بقوله: ( وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ، فكان بيّناً أنّ معناه عنده أصل المثبت منه والمحو، وجملته في كتاب لديه.

31 - وروى الطبري في سورة الدخان، بسند متّصل عن ابن زيد في قوله عزّ وجلّ: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) (1) ، قال: تلك الليلة ليلة القدر،

____________________

1) سورة الدخان: 3.


وأنزل اللَّه هذا القرآن من أُمّ الكتاب في ليلة القدر، ثمّ أنزله على الأنبياء في الليالي والأيام وفي غير ليلة القدر.

32 - وروى الطبري في ذيل سورة الدخان بسنده، عن عمر مولى غفرة، قال، يقال: يُنسخ لملك الموت من يموت في ليلة القدر إلى مثلها؛ وذلك لأنّ اللَّه عزّ وجلّ يقول: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) ، وقال: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (1) ، قال: فتجد الرجل ينكح النساء ويغرس الغرس واسمه في الأموات.

أقول: ومقتضى هاتين الروايتين أنّ القرآن النازل في ليلة القدر - وهي الليلة المباركة - يُسمّى بحسب حقيقته الغيبية بعدّة أسماء، وهي بحسب مراتبه الغيبية: الكتاب المبين، وأُمّ الكتاب، والكتاب المكنون.

كما أنّ مقتضى الرواية الأخيرة هيمنة القرآن والروح النازل في ليلة القدر على وظائف ملك الموت، وأنّه تابع منقاد للروح، وكذلك ميكائيل الموكّل بالأرزاق، وإسرافيل الموكّل بالأحياء، وجبرئيل الموكّل بالعلم والبطش.

وقال الطبري في ذيل سورة الدخان: وقوله ( إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (2) ، يقول تعالى ذكره: ( إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) رسولنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عبادنا ( رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (3) .

وقال: وقوله ( أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (4) ، يقول تعالى ذكره: في هذه الليلة المباركة يُفرق كلّ أمر حكيم أمراً من عندنا.

أقول: إنّ الإرسال في الآيات الكريمة في سورة الدخان مرتبط بإنزال الروح

____________________

1) سورة الدخان: 4.

2) سورة الدخان: 5.

3) سورة الدخان: 6.

4) سورة الدخان: 5.


ليلةَ القدر بتقادير الحوادث كلّها، وهذا الإرسال في كلّ ليلة قدر من كلّ عام إلى يوم القيامة وإن لم يكن إرسال نبوّة ورسالة، بل هو تزويد لخليفة اللَّه في الأرض، واطّلاعه بإرادات اللَّه ومشيئاته؛ للقيام بالمسؤوليات الإلهية الخطيرة التي تُعهد إليه من الباري تعالى، والتي تتوقّف على هذا الكمّ الهائل من العلم بالمقدّرات الإلهية المستقبلية.

دوام ليلة القدر من الروايات الحاثّة على فضيلتها في الصحاح:

قد عقد البخاري ومسلم كلّ منهما باباً بعد كتاب الصوم أُدرج فيه خمسة أبواب:

الأوّل: في فضل ليلة القدر.

الثاني: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر.

الثالث: تحرّي ليلة القدر في الوتر من العشر. وأورد فيها البخاري روايات عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّها آمرة بالتماس وتحرّي ليلة القدر، أي طلبها كلّ عام، ممّا يقضي بدوام ليلة القدر إلى يوم القيامة.

وممّا أورده في تلك الروايات بسنده، عن ابن عمر: أنّ رجالاً من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السبع الأواخر.

أقول: مقتضى هذه الرواية أنّ ليلة القدر حقيقة قد يرى بعضُ آياتها، وبعض لمعانها وأنوارها بعضُ البشر. ومثله في صحيح مسلم.



شهر رَمَضَان إعداد لليلة القَدْر

وهي باب عظيم لمعرفة الإمام عليه‌السلام

فكما أنّ هناك صلة بين شهر رمضان وليلة القدر، فهناك صلة وثيقة بينهما وبين حقيقة الإمام عليه‌السلام ، وكما أنّ شهر رجب وشهر شعبان يوطّئان ويمهّدان لشهر رمضان، فكذلك شهر رمضان يوطئ لليلة القَدْر، وليلة القدر بدورها توطئ لنزول الروح والملائكة الذي هو نزول لحقيقة القرآن.

والروح إنّما ينزل بكلّ أمر على من يصطفيه اللَّه من عباده في كلّ عام وهو الإمام، وتعظيم شهر رمضان إنّما هو لِما فيه من ليلة القدر، وعظمة ليلة القدر إنّما هي لِما فيها من نزول الروح ونزول القرآن، وهو إنما ينزل على من يشاء من عباد اللَّه، مَنْ اصطُفي لذلك.

فشهر رمضان بيئة نورية لليلة القدر، وليلة القدر بيئة أشدّ نوراً لنزول الروح، ونزول الروح أشدّ نوراً بأضعاف عند من يتنزّل عليه الروح.

فالانشداد إلى شهر رمضان انشداد إلى ليلة القدر، والانشداد إلى ليلة القدر انشداد إلى الإمام الذي يتنزّل عليه الروح. وإدراك ليلة القدر هو بمعرفة حقيقة القدر وهي نزول الروح على من يشاء اللَّه من عباده المصطفين بكلّ أمر يقدّره من حوادث السنةّ، فمعرفة ليلة القدر معرفة لحقيقة النبوّة والإمامة وإدراكها هو بهذه المعرفة.

روى الكُليني عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال: (... فضل إيمان المؤمن بجملة ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ) وتفسيرها على من ليس مثله في الإيمان بها، كفضل الإنسان على البهائم،


وإنّ اللَّه عزّ وجلّ ليدفع بالمؤمنين بها عن الجاحدين لها في الدنيا - لكمال عذاب الآخرة لمن علم أنّه لا يتوب منهم - ما يدفع بالمجاهدين عن القاعدين)، الحديث (1) .

بِيئة ليلة القدر شهر رمضان:

إنّ الناظر في خصائص شهر رمضان وما أحيط به من هالة معنوية، وزخمٍ روحيٍّ كبير، وتركيز مكثّف، هو تمهيد لليلة القدر، وإنّ ذلك لا يقتصر على شهر رمضان بل يبدأ من شهر رجب ومن بعده شهر شعبان إلى أن يصل شهر رمضان، شهر اللَّه الذي عُظّم من اللَّه عزّ وجلّ، حيث نُسب إليه تعالى وجُعلت فيه ليلة القدر. وكذلك كونه شهر ضيافة اللَّه عزّ وجلّ وأنّه أُنزل فيه القرآن العظيم، حيث قال تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (2) .

وكلّ هذا التعظيم حلقات مترابطة لتصل إلى ما في شهر رمضان من أوج العظمة وهي ليلة القدر، حيث إنّ فضائل شهر رمضان في جانب وفضائل ليلة القدر في جانب آخر، فإنّ كلّ ما حفّ به شهر رجب الأصبّ الذي تصبّ فيه الرحمة صبّاً، وشهر شعبان الذي تتشعّب فيه طرق الخير، كلّ ذلك قد تضاعف أضعافاً في خصائص شهر رمضان، وتضاعف ما في شهر رمضان من خصائص إلى ثلاثين ألف ضعف في ليلة القدر.

فليلةُ القدر هي أوج عظمة الضيافة الإلهية والحفاوة الربّانية، فأوج نصيب حظّ العباد إدراك ليلة القدر، إلاّ أنّ هذا الإدراك للّيلة العظيمة ليس بمجرّد الكمّ الكبير من العبادات والأدعية والابتهال والتنفّل؛ فإنّ كلّ ذلك إعداد ضروري لِما وراءه من

____________________

1) الكافي، ج1، ص250، ح 7.

2) سورة البقرة: 185.


إدراك آخر لحقيقة ليلة القدر وهو معرفة هذه الليلة، ومعرفتها هو بمعرفة حقيقتها المتّصلة بحقيقة الإمام والإمامة.

فمن ثمّ كان شهر رمضان شهر اللَّه الأغرّ وشهر معرفة الإمام خليفة اللَّه في أرضه، فكما أنّ شهر رمضان نفخ بالحياة للدين القويم، فإنّ ليلة القدر هي القلب النابض في هذا الشهر؛ لِما لها من صلة بالإمام وتنزّل الروح الأعظم عليه.

فشهر رمضان بوابة لمعرفة ليلة القدر، وليلة القدر بوابة لمعرفة الإمام والارتباط به والانشداد إليه، فجُعل شهر رمضان سيد الشهور كما جاء في روايات الفريقين، وجُعلت ليلة القدر قلب شهر رمضان كما ورد في الحديث.

وقد جُعل شهر رمضان أعظم حرمة من الأشهر الحُرُم الأربعة، وهذه العظمة لشهر رمضان أنّما هو لِما فيه من تلك الليلة العظيمة، فهو كالجسم وهي كالروح له، مع أنّ شهر رمضان هو كالروح للأشهر الحُرُم الأربعة التي منها شهر رجب. وكلّ ذلك يرسم مدى العظمة التي تحتلّها ليلة القدر، وقد بيّن الغاية من الصيام في شهر رمضان في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (1) .

والصيام على درجات كما كان في الشرائع السابقة، فلا يقتصر على الإمساك البدني بل يرتبط بالدرجات الاعتقادية كالإمساك عن الكذب على اللَّه ورسوله، فصيام على مستوى الجانب البدني وصيام الجوانح، وصيام على مستوى الحالات النفسية والخواطر، وهناك صيام على مستوى الحالات القلبية وحالاته وخواطره.

وأعظم المراتب على مستوى الاعتقاد، كما يشير إليه قول الإمام الصادق عليه‌السلام

____________________

1) سورة البقرة: 183.


في رواية جراح المدائني (1) ، فبيّن عليه‌السلام صوم الصمت كما هو صوم زكريا ومريم، وعُرف بصوم الصمت الداخل، أي الإمساك بحسب كلّ مراتب النفس الباطنية.

فشهر رمضان بيئة عظيمة لليلة القدر، وقد وصف هذا الشهر كما في خطبة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله التي رواها الصدوق بسند معتبر عن الرضا عليه‌السلام ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام :

(شهر اللَّه ذي البركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند اللَّه أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات. هو شهرٌ دُعيتم به إلى ضيافة اللَّه، وجُعلتم به من أهل كرامة اللَّه، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب... فإنّ الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم... ومن تَلى فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.

أيّها الناس، إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة فسلوا ربّكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلّقة فسلوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فسلوا ربّكم أن لا يسلّطها عليكم).

فهذا الشهر قد عظّمه الباري وكرّمه وشرّفه وفضّله على الشهور، وافترض صيامه على العباد، وأنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، وجعل فيه ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر.

أوصاف ليلة القدر:

إلاّ أنّ كلّ هذه الأوصاف لشهر رمضان - بالقياس إلى أوصاف ليلة القدر منه - هي دون الأوصاف التي وصفت بها تلك الليلة؛ فإنّ تلك الأوصاف قد ذكرت لليلة

____________________

1) أبواب آداب الصائم، باب 12، أنّه يكره للصائم الجدال، والجهل، والحلف، الحديث 13.

مصباح المتهجّد للطوسي، ص625، حيث يقول الصادق عليه‌السلام : (إنّ الصيام ليس من الطعام والشّراب وحده... قالت مريم عليها‌السلام : (إنّي نذرت للرّحمن صوماً) أي صمتاً، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم...).


القدر بنحو مضاعف أضعافاً، وكأنّ الشهر توطئة وإعداد للولوج في تلك الليلة، حتّى أنّ أغلب أدعية ذلك الشهر المأثورة تركّز على الدعاء والطلب لإدراك تلك الليلة، ولطلب حسن ما يقضي ويقدّر من الأمر المحتوم، وما يفرق من الأمر الحكيم في تلك الليلة من القضاء الذي لا يردّ ولا يبدّل.

ومن تلك الأوصاف، أنّها أوّل السنة المعنوية بلِحاظ لوح القضاء والقدر. فقد روى الكُليني عن رفاعة عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام قال: (ليلة القدر هي أوّل السنة وهي آخره) (1) .

وروى الشيخ في التهذيب بعدّة أسانيد إلى مولانا الصادق‏ عليه‌السلام أنّه قال: (إذا سلم شهر رمضان سلمت السنة، وقال: رأس السنة شهر رمضان) (2) .

وروى الكُليني بسنده إلى أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (الشهور عند اللَّه اثنا عشر شهراً في كتاب اللَّه يوم خلق السماوات والأرض، فغرّة الشهور شهر اللَّه عزّ وجلّ وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر) (3) .

وروى ابن طاووس في الإقبال بإسناده إلى علي بن فضّال من كتاب الصيام، بإسناده إلى ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (شهر رمضان رأس السنة) (4) .

وقال أيضاً في كتاب إقبال الأعمال بعد ذكر جملة للروايات المتضمّنة لهذا المضمون: (واعلم أنّني وجدت الروايات مختلفات، هل أنّ أوّل السنة محرّم أو شهر رمضان؟ لكنّني رأيت من عمل من أدركته من علماء أصحابنا المعتبرين

____________________

1) الكافي، ج4، ص160.

2) التهذيب، ج4، ص333.

3) الكافي، ج4، ص67.

4) إقبال الأعمال، ج1، ص32، الباب الثاني.


وكثيراً من تصانيف علمائهم الماضين، أنّ أوّل السنة شهر رمضان على التعيين، ولعلّ شهر الصيام أوّل العام في عبادات الإسلام، والمحرّم أوّل السنة في غير ذلك من التواريخ ومهام الأنام؛ لأنّه جلّ جلاله عظّم شهر رمضان، فقال جلّ جلاله: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (1) ، فلسان حال هذا التعظيم كالشاهد لشهر رمضان بالتقديم؛ ولأنّه لم يجر لشهر من شهور السنة ذكر باسمه في القرآن وتعظيم أمره إلاّ لهذا الشهر شهر الصيام، وهذا الاختصاص بذكره كأنه ينبّه - واللَّه أعلم - على تقديم أمره.

ولأنّه إذا كان أوّل السنة شهر الصيام وفيه ما قد اختصّ به من العبادات التي ليست في غيره من الشهور والأيام، فكأنّ الإنسان قد استقبل أوّل السنة؛ ولأنّ فيه ليلة القدر التي يُكتب فيها مقدار الآجال وإطلاق الآمال، وذلك منبّه على أنّ شهر الصيام أوّل السنة) (2) .

قال المجلسي (قدس سره)، قال الوالد العلاّمة: (الظاهر أنّ الأوّلية باعتبار التقدير، أي أوّل السنة التي تقدّر فيها الأُمور لليلة القدر، والآخرية باعتبار المجاورة، فإنّ ما قدّر في السنة الماضية انتهى إليها، كما ورد أنّ أوّل السنة التي يحلّ فيها الأكل والشرب يوم الفطر، أو أنّ عملها يُكتب في آخر السنة الأُولى وأوّل السنة الثانية، كصلاة الصبح في أوّل الوقت. أو يكون أوّل السنة باعتبار تقدير ما يكون في السنة الآتية وآخر سنة المقدّر فيها الأُمور) (3) .

ومنها: ما رواه الطبرسي في مجمع البيان، والاستربادي في تأويل الآيات. عن ابن عبّاس عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: (إذا كانت ليلة القدر تنزّل الملائكة الذين هم سكان سِدرة المنتهى وفيهم جبرئيل، ومعهم ألوية فينصب لواء منها على قبري ولواء منها

____________________

1) سورة البقرة: 185.

2) إقبال الأعمال، ج1، ص32 - 33، الباب الثاني.

3) الكافي، ج1، ص160.


في المسجد الحرام ولواء منها على طور سيناء، ولا يدع مؤمن ولا مؤمنة إلاّ ويسلّم عليه، إلاّ مدمن خمرٍ، وآكل لحم خنزير، والمتضمّخ بالزعفران) (1) . ونظيره ما روي في كتاب جعفر بن محمد الدورستري.

ومنها: يفرق فيها كلّ أمر حكيم، وأنّها مباركة ببركة خاصّة مضاعفة مُمتازة عن بركة شهر رمضان كلّه، حيث قال تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) (3) .

ومنها: أنّها موصوفة بالسلامة، حيث قال تعالى: ( سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (4) ، مع أنّ شهر رمضان - كما تقدّم - تُصفد فيه الشياطين وتُفتح فيه أبواب السماء وأبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران، إلاّ أنّ في ليلة القدر يزداد هذا الفتح لأبواب والغلق لأبواب أُخرى.

ومنها: يُضاعف العمل ثلاثين ألف ضعف، كما قال تعالى: ( خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) إلى غير ذلك من الخصائص التي امتازت بها ليلة القدر، إلاّ أنّ كلّ ذلك هو تمهيد وتوطئة وإعداد لأكبر امتياز وخاصّية امتازت بها ليلة القدر، وهو نزول القرآن والروح والملائكة فيها في كلّ عام.

وروي في مجمع البيان عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (إنّ الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتّى يضي‏ء فجرُها، ولا يستطيع فيها أن ينال أحداً بِخَبَل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيه سحر ساحر) (5) .

____________________

1) مجمع البيان، ج10، ص409، في ذيل سورة الفجر. وتأويل الآيات، ج2، ص816.

2) سورة الدخان: 3 - 4.

3) سورة القدر: 2 - 6.

4) سورة القدر: 7.

5) تفسير مجمع البيان، ج10، ص409.


ليلة القَدْر بيئةٌ لنزول القرآن كلّ عام:

فكلّ الإعداد السابق للمسلم والمؤمن في بيئة شهر رمضان المباركة، ومحيط أجواء النور في ليلة القدر وعبادة المؤمن وأعماله في هذه الليلة المتضاعفة أضعافاً، تبلغ أجر العمل في هذه الليلة من كلّ عام ما يزيد على عمر الإنسان لو قدّر تطاوله إلى ما يزيد على ثلاث وثمانين عاماً.

كلّ هذا الإعداد والرقي الروحي للمؤمن يُكتب له لأجل أن يدرك ليلة القدر، وإدراكها بدراية (ما ليلة القدر؟) حيث قال تعالى: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) (1) ، وهو تحضيض وترغيب، وحثّ على دراية ومعرفة ليلة القدر؛ فـ ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) ، أي: ما أعلمك بليلة القدر، فإدراكُها بدرايتِها؟

وليست درايتها ومعرفتها هي بمعرفة وقتها الزماني ليتخيّل أنّ إدراكها هو بتحديد أي ليلة هي من الليالي لتوقع الأعمال العبادية فيها، بل هذا أدنى درجات الإدراك، ومُعدّ إلى درجات أُخرى لإدراكها بدرايتها ومعرفة الإرهاصات التي تقع فيها، ومن ثمّ قال تعالى عقيب قوله: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) ، بقوله تعالى بخيرّيتها من ألف شهر، وأوج معرفتها بتنزّل الملائكة والروح فيها من كلّ أمر، فالعمدة في درك ودراية هذه الليلة بمعرفة نزول الروح والملائكة فيها من كلّ عام.

ويواجه الباحث هنا عدّة تساؤلات:

الأوّل: ما هي العلاقة بين نزول القرآن في ليلة القدر ونزول الروح؟ وما هذه الصلة التي يجدها ملحوظة في سورة القدر؟ حيث إنّ الضمير في: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) يعود إلى القرآن، كما أنّ الضمير في سورة الدخان: ( حم * وَالْكِتَابِ

____________________

1) سورة القدر: 2.


الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) يعود إلى الكتاب المبين، وقوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (1) .

الثاني: هل النزول للقرآن يستمرّ باستمرار نزول الروح في ليلة القدر من كلّ عام؟

الثالث: ما هي الصلة بين الكتاب المبين والقرآن الذي أُنزل في الليلة المباركة ليلة القدر؟ كما في سورة الدخان التي تقدّمت، وفي سورة الزخرف من قوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (2) .

وقد وصفت الآيات المحكمات بأنّهن أُمّ الكتاب في سورة آل عمران في قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) .

الرابع: ما هي الصلة بين نزول القرآن ونزول الروح والملائكة، وتقدير كلّ أمر من الحوادث والآجال والأرزاق، وكلّ صغيرة وكبيرة تقع على كلّ شخص وكلّ مجتمع، بل كلّ نبات وحيوان وجماد، وكون ومكان، ودول وجماعات وأحزاب ومنظمات إقليمية وقطرية، ومذاهب وطوائف، وحرب وسلم، وغلاء ورخص، وأمن وخوف، ومواليد وأموات؟

وتدبير كلّ شي‏ء من عظائم الأُمور وصغائرها، وأحلاف سياسية وعسكرية وأمنية، ومخطّطات ومشاريع، وظواهر اجتماعية واقتصادية، وظواهر فكرية اعتقادية، وانتشار الأمراض والأوبئة المهدّدة للصحّة العالمية البشرية، والسياسات المتبنّاة في كلّ إقليم، وتوازن القوى الاجتماعية والإقليمية والدولية،

____________________

1) سورة البقرة: 185.

2) سورة الزخرف: 1 - 4.

3) سورة آل عمران: 7.


وسقوط دول وبروز أُخرى، وتبدّل أعراف ونشوء أُخرى قانونية واجتماعية وأخلاقية، وما سيدور في الدوائر الأمنية والسياسية والمخابراتية الدولية والقطرية من خلف الكواليس؟ حيث قال تعالى في سورة الدخان: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (1) .

وقال في سورة القدر: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) (2) ، وقوله تعالى: ( يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) ، وقوله تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) (4) ، وقوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ) (5) .

وروى الكُليني عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام قال: (كان عليّ عليه‌السلام كثيراً ما يقول: ما اجتمع التيمي والعدوي عند رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقرأ: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ) بتخشّع وبكاء، فيقولان: ما أشدّ رقّتك لهذه السورة؟ فيقول رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : لِما رأت عيني وَوَعى قلبي، ولِما يرى قلبُ هذا من بعدي.

فيقولان فما الذي رأيت وما الذي يرى؟ قال: فيكتب صلى‌الله‌عليه‌وآله لهما في التراب: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) . قال: ثمّ يقول: هل بقي شي‏ء بعد قوله عزّ وجلّ: ( كُلِّ أَمْرٍ ) فيقولان: لا...) الحديث (6) .

وروى الكُليني صحيح محمّد بن مسلم، عن أحدهما، قال: (... وسُئل عن ليلة القدر فقال: تنزّل فيها الملائكة والكتبة إلى السماء الدنيا، فيكتبون ما يكون في أمر السنة وما يصيب العباد، وأمره عنده موقوف له وفيه المشيئة، فيقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء) (7) .

وروى في صحيح الفضلاء في حديث، في قوله عزّ وجلّ: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر

____________________

1) سورة الدخان: 4 - 5.

2) سورة القدر: 4.

3) سورة الرعد: 39.

4) سورة النحل: 2.

5) سورة النحل: 89.

6) الكافي، ج1، ص249.

7) الكافي، ج4، ص157.


ٍ حَكِيمٍ ) قال: يقدّر في ليلة القدر كلّ شي‏ء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل، خيرٌ وشرٌ، وطاعة ومعصية، ومولود وأجل أو رزق، فما قدّر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم وللَّه عزّ وجلّ فيه المشيّة (1) .

الخامس: من هو الذي ينزل عليه الروح والملائكة بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الأُمّة إلى يوم القيامة؟ حيث إنّ نزول الملائكة والروح، بحسب سورة القدر وسورة الدخان، كان قطعاً على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث إنّ نزول الروح والملائكة كان إنزالاً للقرآن على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يكن نزولاً بلا مقصد ينتهي إليه النزول، وكذا قوله في سورة الدخان:

( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (2) ، فالآية تصرّح أنّ مورد النزول هو من يشاء اللَّه من عباده، أي يصطفيهم لذلك ليكونوا منذرين، وكذلك سورة غافر في قوله تعالى: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (3) .

السادس: هل هذا المتنزّل من الكمّ الهائل من المعلومات عن كلّ ما يحدث في الأرض، والذي ينزل على من اصطفاه اللَّه لذلك وشاء له ذلك بنصّ سورة النحل وغافر، والتي هي نظم ومنظومات معلوماتية بالغة الخطورة عن المستقبل في كلّ الحقول ونظم الاجتماع السياسي، والاقتصادي، والأمني، فهل نزولها للترف العلمي ومجرّد اطّلاع من يشاء اللَّه من عباده، أم أنّ ذلك ليقوم بمهام وأدوار خطيرة في البشرية في كافّة أرجاء الأرض؟

وعلى كلّ تقدير، فإنّ ظاهر سورة القدر: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) هو نزول القرآن في ليلة القدر، كما هو ظاهر قوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ

____________________

1) الكافي، ج4، ص156.

2) سورة الدخان: 3 - 5.

3) سورة غافر: 15.


الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (1) ، فإنّ مفادهما كما اعترف بذلك جملة كثيرة من المفسّرين من الفريقين، هو نزول القرآن جملة واحدة في شهر رمضان، وظاهر الضمير في سورة القدر عائد إلى القرآن، كما أنّ لفظ الآية في سورة البقرة كذلك: ( الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) ، حيث إنّ ظاهر (الـ) في المجموع، وكذلك هو مفاد قوله تعالى في سورة الدخان: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) ، فإنّ الضمير عائد إلى الكتاب المبين برمّته.

هذا مضافاً إلى أنّ بعثة الرسالة النبويّة هي في شهر رجب وهو مبدأ نزول القرآن نجوماً، وأنّ أوّل سورة نزلت هي سورة العلق وغيرها من السور، فمن ثمّ حُمل ذلك على استظهار أنّ للقرآن نزولان:

النزول الأوّل: بجملة القرآن.

والنزول الثاني: هو نزول مفصّل تدريجي نجومي بحسب الوقائع والأحداث.

وقد تفطّن إلى ذلك في دلالة الآيات ببركة ما ورد من روايات أهل البيت عليهم‌السلام وانتشر من حديثهم، فتبنّاها جملة من طبقات التابعين أخذاً عنهم وإن لم يسندوها إليهم، فقد ورد عنهم عليهم‌السلام كما في صحيحة حَمران أنّه سأل أبا جعفر عليه‌السلام عن قول اللَّه عزّ وجلّ: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) ؟ قال: (نعم، ليلة القدر، وهي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلاّ في ليلة القدر...) (2) .

وقال علي بن إبراهيم في تفسيره في معنى ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) : فهو القرآن نزل إلى البيت المعمور في ليلة القدر جملة واحدة، وعلى رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله في طول ثلاث وعشرين سنة: ( وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) . ومعنى ليلة القدر أنّ اللَّه

____________________

1) سورة البقرة: 185.

2) الكافي، ج4، ص157.


تعالى يقدّر فيها الآجال والأرزاق، وكلّ أمر يحدث من موت أو حياة، أو خصب أو جدب، أو خير أو شرّ، كما قال اللَّه تعالى: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (1) ، إلى سنة، قوله: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) قال: تنزّل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما قد كتبوه من هذه الأُمور) (2) .

وروى الكُليني بسنده عن الحسن بن عبّاس بن جريش، عن أبي جعفر الثاني عليه‌السلام ، قال: (قال اللَّه عزّ وجلّ في ليلة القدر: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) يقول: ينزل فيها كلّ أمر حكيم، والمحكم ليس بشيئين إنّما هو شي‏ء واحد، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم اللَّه عزّ وجلّ) (3) . الحديث.

وروى الكُليني بسنده إلى أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (نزل القرآن جملةً واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ نزل في طول عشرين سنة. ثمّ قال، قال النبيّ عليه‌السلام : أُنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان) (4) .

وروى الكُليني بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (نزلت التوراة في ستّ مضت في شهر رمضان، ونزل الإنجيل في اثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ونزل الزبور ثماني عشرة من شهر رمضان، ونزل القرآن في ليلة القدر) (5) .

مكان نزول القرآن:

ومن ثمّ كان للقرآن نزولان، وكان ما يتلقّاه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في النزول الأوّل هو حقيقة القرآن التكوينية، وفي النزول الثاني هو معاني القرآن وألفاظه.

فالنزول الأوّل: هو نزول جملة القرآن وحقيقته التي في نشأة الملكوت

____________________

1) سورة الدخان: 4.

2) تفسير القمّي، ج2، ص431.

3) الكافي، ج1، ص247، ح 3.

4) الكافي، ج2، ص629، ح 6.

5) الكافي، ج4، ص157، ح 5.


التي هي الكتاب المبين، وقد أطلق عليها الروح في القرآن الكريم، أي أنّه وجود حيّ شاعر عاقل أعظم خلقاً من الملائكة، كما أشارت إليه الآيات والروايات.

والنزول الثاني: هو نزول معاني وألفاظ القرآن، وهو نزول القرآن نجوماً على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والذي سُمّي القرآن فرقاناً بلِحاظه.

وقد ذهب إلى تنوّع النزول أكثر المفسّرين والمحدّثين، ويشير إلى النمط الأوّل من النزول قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء ) (1) ، وقوله تعالى: ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ) (2) ، وقوله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) (3) ، وقوله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (4) ، وقوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ ) (5) . ومن ثمّ اختلف توقيته، توقيت النزول الجملي للقرآن عن بدء البعثة في رجب، التي هي مبدأ لأوّل ما نزل بنحوٍ نجومي متفرّق فُرقاني، أو الذي هو من النمط الثاني.

ويشير أيضاً إلى النمط الأوّل من النزول جملة من الروايات:

منها: ما رواه العياشي عن إبراهيم، عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (سألته عن قوله تبارك وتعالى: ( شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ ) (6) ، كيف أُنزل فيه القرآن وإنّما أُنزل القرآن في عشرين سنة من أوّله إلى آخره، فقال عليه‌السلام : نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ أُنزل من البيت المعمور في طول عشرين سنة) (7) .

وفي اعتقادات الصدوق، قال في نزول القرآن: اعتقادنا في ذلك أنّ القرآن نزل

____________________

1) سورة الشورى: 52.

2) سورة الشعراء: 193 - 194.

3) سورة الدخان: 3.

4) سورة القدر: 1.

5) سورة البقرة: 185.

6) سورة البقرة: 185.

7) تفسير العيّاشي، ج1، ص80، والكافي، ج2، ص629.


في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثمّ نزل من البيت المعمور في مدّة عشرين سنة، وأنّ اللَّه تبارك وتعالى أعطى نبيّه العلم جملة واحدة، ثمّ قال له: ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) (1) وقال عزّ وجلّ: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (2) (3) .

وما ذكره مضمون جملة من الأخبار والروايات، وفي بعض الزيارات تضمّن الخطاب (أيها البيت المعمور) (4) .

وفي تفسير القمّي: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ) يعني القرآن، ( فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) وهي ليلة القدر أنزل اللَّه القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثمّ نزل من البيت المعمور على رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله في طول عشرين سنة... الحديث (5) . وبنفس هذه الرواية والألفاظ رواها عن الإمام الصادق عليه‌السلام في تفسير سورة القدر.

في دلائل الإمامة للطبري بسنده إلى الإمام الصادق عليه‌السلام في حديث أنّه قال عليه‌السلام : (ونحن البيت المعمور الذي من دخله كان آمن) (6) .

وروى الصدوق في الأمالي صحيحة حفص، قال، قلت للصادق عليه‌السلام : (أخبرني عن قول اللَّه عزّ وجلّ: ( شَهْرُ رَمَضانُ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ ) كيف أُنزل القرآن في شهر رمضان وإنّما أُنزل القرأن في مدّة عشرين سنة أوّله وآخره؟ فقال عليه‌السلام : أُنزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم أُنزل من البيت

____________________

1) سورة طه: 114.

2) سورة القيامة: 16 - 19.

3) الاعتقادات، ص 83.

4) مقدمة تفسير البرهان، مادة المعمور.

5) تفسير القمّي في ذيل سورة الدخان.

6) البحار، ج56، ص197، ودلائل الإمامة للطبري، ص126.


المعمور في مدّة عشرين سنة)، وروى مثله في كتاب فضائل الأشهر الثلاثة (1) .

وفي دلائل الإمامة للطبري بسنده عن الصادق عليه‌السلام في حديث، قلت: (والبيت المعمور أهو رسول اللَّه؟ قال: نعم، المُمْلي رسول اللَّه والكاتب عليّ) (2) .

وغيرها من الآيات والروايات التي تشير إلى النمط الأوّل من النزول، الذي هو عبارة عن نزول حقيقة القرآن الملكوتية لا المعاني والألفاظ، والتي تقدم أنّها روح القدس، وهي خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل.

الروح النازل في ليلة القدر هو القرآن:

وفي جملة من الروايات المتضمّنة لنزول القرآن في ليلة القدر الظاهر منها أنّ القرآن النازل في ليلة القدر هو الروح الأعظم الذي ينزل في ليلة القدر ويُنزّل به الملائكة.

فقد روي في الكافي والفقيه بإسنادهما، عن حَمران أنّه سأل أبا جعفر عليه‌السلام عن قول اللَّه تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) ؟ قال: (هي ليلة القدر، وهي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، ولم ينزّل القرآن إلاّ في ليلة القدر، قال تعالى: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (3) ...) الحديث (4) .

وبإسنادهما عن يعقوب قال: (سمعت رجلاً يسأل أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن ليلة القدر، فقال: أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كلّ عام؟ فقال أبا عبد اللَّه عليه‌السلام : لو رُفعت ليلة القدر لرُفع القرآن) (5) .

وبهذا المضمون جملة مستفيضة من الروايات في ذيل سورة القدر وسورة

____________________

1) البحار، ج94، ص11، والأمالي، ص62.

2) دلائل الإمامة، ص 478.

3) سورة الدخان: 3.

4) الكافي، ج4، ص157، ح 6.

5) الكافي، ج4، ص158.


الدخان، ومقتضاها: أنّ قوله تعالى: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) عطف بيان أو بدل عن الضمير في قوله تعالى: ( أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ، أو أنّ الفعل (تَنَزَّلُ) الملائكة والروح بدل عن فعل (أنزلناه)، والنتيجة متّحدة مع الاحتمال السابق.

ثمّ إنّ تفسير البيت المعمور بقلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما أشارت إليه الروايات السابقة، لا ينافي تفسير البيت المعمور في جملة أُخرى من الروايات بالبيت الضراح المبني في السماء الرابعة التي تطوف به الملائكة كلّ يوم، فإنّه من تعدّد معاني التأويل، وقد أطلق البيت في التعبير القرآني بهذا المعنى، كما في قوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ ) (1) ، فرجال عطف بدل على بيوت.

أمّا النمط الثاني من النزول: وهو النزول التدريجي والنجومي، أي نزول المعاني والألفاظ، فيشير إليه جملة من الآيات والروايات، كما في قوله تعالى: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) (3) .

وكذا الآيات التي تشير إلى حدث زماني بخصوصه، نظير قوله تعالى: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) (4) ، ومثلها: قوله تعالى: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ) (5) ، وغيرها من الآيات والسور النازلة بحسب أسباب النزول الحادثة حالاً بحال، فضلاً عن تدريجية نزول الآيات والسور كما في أوّل ما نزل من السور، كما في قوله تعالى:

____________________

1) سورة النور: 36 - 37.

2) سورة القيامة: 16 - 19.

3) سورة طه: 114.

4) سورة المجادلة: 1.

5) سورة الجمعة: 11.


( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِْنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ) (1) ، وغيرها من السور النازلة بحسب سنوات البعثة وسنوات الهجرة الذي عُرف بآخر السور نزولاً.

وبعبارة أُخرى: أنّ ظاهر قوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (2) ، وقوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) (3) ، وقوله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (4) ، هو نزول القرآن جملة واحدة، أي نزول جملي لحقيقة واحدة غير مفصّل، ثمّ فُصّل تنزيله بحسب موارد نزول السور والآيات المختلفة، ولذلك كان نزول القرآن بنحو مفصّل في بداية البعثة النبويّة الشريفة في آخر شهر رجب بقوله تعالى: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ... ) ، وكذا بقية السور الأوائل نزولاً، وليس المراد من نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان هو ابتداء نزوله.

ممّا يشير إلى وجود نمطين من النزول للقرآن الكريم - نزول جملي لحقيقة واحدة، ونزول مفصّل - قال تعالى: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (5) ، وظاهر مفاد الآية يقتضي أنّ مرحلة جمع مفصّل القرآن وتفصيله غير مرحلة الوحي والقرآن جملة، فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله كان عالماً بالقرآن إلاّ أنّه نُهي عن الاستعجال به قبل تنزيل قرآنه ونزول الوحي به، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) (6) ، حيث ( يُقْضَى ) إمّا بمعنى يتمّ أو بمعنى يصل، وعلى كلا التقديرين فظاهر الآية دالّ على علمه بالقرآن قبل إنزاله بالوحي

____________________

1) سورة العلق: 1 - 3.

2) سورة البقرة: 185.

3) سورة الدخان: 1.

4) سورة القدر: 1.

5) سورة القيامة: 16 - 19.

6) سورة طه: 114.


بنحو التفصيل نجوماً، أمّا على كون (يُقْضَى) بمعنى (يصل) فملائمته ظاهرة للمفاد المزبور، وأمّا على كونها بمعنى يتمّ فقيل إنّه بمعنى قراءته للقرآن قبل أن ينتهي جبرئيل من الوحي بتحريك لسانه، ولكنّه خلاف الظاهر؛ حيث إنّه يستلزم الاستخدام في الضمير، ويكون المعنى على هذا التقدير لا تعجل ببعض القرآن من قبل أن يتمّ إليك وحي الباقي منه.

وحمل الكلام على الاستخدام يتوقّف على القرينة الخاصّة، بخلاف الحال ما لو جعلنا مرجع الضمير متّحد بلا استخدام، فإنّ تقدير المعنى يكون حينئذٍ: لا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه مرّة أُخرى، أي وحي الإنزال والتنزيل من النمط الثاني وهو نزول القرآن تفصيلاً ونجوماً، فيدلّ على علمه صلى‌الله‌عليه‌وآله به من قبل أن يتمّ الوحي من النمط الثاني.

وممّا يدلّ على تعدّد نزول القرآن أيضاً قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (1) ، فإنّ المطهّرون وهم النبيّ وأهل بيته عليهم‌السلام عالمون بالكتاب المكنون بمسّ وصول يختلف عن تنزيل القرآن المفصّل، فالكتاب المكنون قد تقدّم أنّه الوجود المجموعي للقرآن بنحو الإحكام والوجود الجملي، وهو الحقيقة الواحدة وهي الروح الأمري الذي يتجدّد نزوله في كلّ ليلة قدر في كلّ عام، وتتنزّل الملائكة به وهو روح أعظم من جبرئيل وميكائيل.

وممّا يشير إلى اختلاف النزولين أيضاً قوله تعالى: ( كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (2) ، وقد ثبت في تفسير الآية بحسب نزولها المكّي وبحسب وحدة سياق السورة مع الآيات السابقة عليها وبحسب توسّم

____________________

1) سورة الواقعة 80 - 77: 56.

2) سورة الرعد 43: 13.


قريش في‏بني هاشم جملة من الصفات والحالات غير المعتادة لدى قدرات البشر وبحسب نصوص الفريقين وبحسب النصوص الواردة في ذيلها، أنّ المراد بمن عنده علم الكتاب هو عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام .

والآية مع كونها مكّية - ولمّا يَستتم نزول القرآن التفصيلي المكّي فضلاً عن المدني - تدلّ على علم الوصيّ فضلاً عن علم النبيّ بالكتاب كلّه؛ إذ هذا التعبير يفترق عن قوله تعالى: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) (1) ، بأنّ التعبير الأوّل يدلّ على العلم المحيط بكلّ الكتاب، فالآية ظاهرة بوضوح في حصول العلم بجملة الكتاب لدى المطهّرين، وهم النبيّ ووصيه عليهم‌السلام منذ البداية، وذلك بتوسّط نزول حقيقة القرآن جملة في الوحي من النمط الأوّل.

وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (2) ، فتدلّ الآية على درايته صلى‌الله‌عليه‌وآله بالكتاب كلّه، مع أنّ سورة الشورى مكّية.

وكذا، قوله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ) (3) ، وقوله تعالى: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) (4) ، وجملة من الآيات التي تضمّنت إنزال الكتاب عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله بناءً على ظهور (أل) في الاستغراق أو الجنسية، لجملة الحقيقة بجملة الآيات السابقة الدالّة على علمه صلى‌الله‌عليه‌وآله بجملة الكتاب المبين والمكنون وأُمّ الكتاب واللوح المحفوظ، وكذلك الأئمّة من أهل بيته تلقّوا ذلك عنه، إلاّ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله كان مأموراً باتّباع ما ينزل عليه من الوحي التفصيلي والتنزيل النجومي فيتّبع قرآنه.

____________________

1) سورة النمل 40: 27.

2) سورة الشورى 52: 42.

3) سورة النساء 105: 4.

4) سورة المائدة 48: 5.


وأمّا اشتمال القرآن الكريم على قوله تعالى: ( الآنَ خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ) (1) ، وقوله تعالى: ( عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) (2) ، وقوله تعالى: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ) (3) ، وغيره كثير ممّا يشير إلى تدريجية نزول القرآن حسب سلسلة أحداث زمانية ومكانية طوال البعثة والرسالة الشريفة، فلا يتنافى مع نزول الكتاب جملةً على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله قبل ذلك.

اختلاف صفات القرآن في النزولَين:

لأنّ الكتاب بعد تنزيله بالنمط التدريجي تطرأ عليه أوصاف أُخرى أشار إليها القرآن الكريم، كقوله تعالى: ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (4) ، وقوله تعالى: ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (5) ، وقوله تعالى: ( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ) (6) ، وقوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (7) ، وقوله تعالى: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) (8) ، وغيرها من الآيات التي تشير إلى اتّصاف القرآن بأوصاف طرأت عليه عند نزوله، كالتفصيل، والعربية، وكونه تصديق الذي بين يديه، وتشابه بعض آياته، والناسخ والمنسوخ، والظاهر والباطن، والتنزيل والتأويل، والجمع والتفريق، وغيرها من الأوصاف الطارئة، فإنّها أوصاف له بعد نزوله نجوماً.

____________________

1) سورة الأنفال: 66.

2) سورة التوبة: 43.

3) سورة المجادلة: 1.

4) سورة الزخرف: 3.

5) سورة هود: 1.

6) سورة يونس: 37.

7) سورة آل عمران: 7.

8) سورة البقرة: 106.


وليست أوصافاً له بحسب موقعه في الكتاب المكنون واللوح المحفوظ والكتاب المبين، وكذلك الحال بالنسبة إلى صورة الألفاظ وما يتبع ذلك من أوصاف، وهي: العربية، والخطابية، والإنشاء، والإخبار، والبلاغة، والفصاحة، وغيرها، فهذه ليست أوصافاً له بحسب موقعه المكنون باللوح المحفوظ، وأنّما هي حادثة له بعد النزول، أمّا جملة معارفه وحقائقه وأحكامه فلا يطرأ عليها مثل تلك الأوصاف.

وبكلمة جامعة: إنّ القرآن بمجموع وجوداته اللفظية وتراكيب جمله، والمعاني ‏المدلول عليها في الظهور الأوّلي في ظاهر الكتاب، هي من نزول القرآن من النمط الثاني؛ إذ النمط الأوّل - كما تقدّم - هو من سنخ الحقائق التكوينية والوجودات العينية، وإن لم ينحصر النمط الأوّل بذلك بل يشمل ما يكون من سنخ معاني التأويل.

النمط الثالث للنزول:

وقد تُعدّ درجات بطون القرآن ومعانيه التأويلية من سنخ ونمط تنزّل ثالث سيأتي بسط الحديث عنه في مقالات لاحقة.

هذا مضافاً إلى متواتر الروايات المتضمّنة للإشارة إلى موارد النزول وتأليف آيات وسور القرآن بوجوده اللفظي. ثمّ إنّ المعاني المتنزّلة من حقيقة القرآن الكلّية وحقائقه الجملية ليست محيطة بها؛ فإنّ المعاني والمفاهيم مهما كانت في السعة والشمول ليست إلاّ لَمَعَات يسيرة من أنواع تلك الحقائق، هذا فضلاً عن الألفاظ المشيرة إلى تلك المعاني التي هي تنزّل لفظي لها؛ فإنّ الألفاظ ليست إلاّ علامات ودوالّ إشارية على مجمل بحور المعاني، وليست بتلك التي تحيط بها، والنسبة بين الألفاظ والمعاني كالنسبة بين المعاني والحقائق.


فالألفاظ مفتاح وأبواب للمعاني، والمعاني لا تتناهى درجاتها وبطونها، وهي بوابات لشعب الحقائق من دون أن تُكتَنَه المعاني؛ فما يحمله صلى‌الله‌عليه‌وآله من حقائق، وحقيقة القرآن، لا يمكن أن تسعه المعاني، كما أنّ المعاني التي تنزّلت من تلك الحقائق لا يمكن أن تسعها الألفاظ.

حقيقة وراثة الأوصياء للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله :

ومن ثمّ ورد أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكلّم أحداً بكنه عقله قطّ، وكذلك الحال فيما تحمّله الوصيّ عليه‌السلام ووُلده الأوصياء عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، عُمْدَتُه ليس من الألفاظ والمعاني من قبيل: الحديث والرواية، بل عمدة ما تحمّله عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله هو حقيقة القرآن التي هي الروح الأعظم، وهو أعظم أنماط التحمّل؛ لأنّه اكتناه حضوري للحقائق لا يغيب عنه شي‏ء منها، بخلاف تحمّل المعاني فضلاً عن تحمّل الألفاظ.

ففرق بين الوصاية والفَقَاهة والرواية، حيث دلّت سورة القدر ونحوها من السور على بقاء تنزّل ذلك الروح كلّ عام على من يشاء من عباده، قال تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (1) ، وقال تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (2) ، وقال تعالى: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (3) ، فكما أنّ تنزّل الروح الأعظم في ليلة القدر دائم دائب في كلّ سنة بالضرورة، فكذلك ليلة القدر تعني وراثة وليّ اللَّه تعالى لمقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في تنزّل الروح عليه.

____________________

1) سورة القدر: 1 - 5.

2) سورة النحل: 2.

3) سورة غافر: 15.


وقد تقدم في هذه المقالة أنّ ذلك الروح هو حقيقة القرآن، وأنّه عطف بيان وبدل على الضمير في (أنزلناه) ولو من باب بدل الجملة من جملة، ومن ثمّ قال تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ ) (1) ، والمطهّرون بصيغة الجمع، وهم أهل آية التطهير، حيث قال تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .

وتقدّم أنّ الكتاب المكنون ليس لوحاً ونقش صور الألفاظ، بل هو الروح (الذي هو حقيقة القرآن التكوينية)، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) (3) ، فالروح الأمري هو الكتاب، والذي يمسّ الكتاب هو الذي يتلقّى تنزّل الروح الأمري كلّ عام في ليلة القدر، والمطهّرون الذين يمسّون الكتاب المكنون هم الأئمّة عليهم‌السلام الذين يتوارثون الكتاب وهو الروح الأمري، حيث قال تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (4) ، فالهداية الأمرية هي بالروح الأمري.

وكذلك في قوله تعالى: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (5) ، والذين اصطفاهم وأصفاههم أهل آية التطهير، فهذه الآيات تتشاهد لبعضها البعض؛ لتدلّ على أنّ الأئمّة المطهّرون المصفّون الذين يمسّون الكتاب ويرثوه يتلقّون حقيقة الكتاب، وهو الروح الأمري والذي يتنزّل في ليلة القدر في كلّ عام على من يشاء اللَّه من عباده، وقد ذُكر عنوان ورثة الكتاب والذين يمسّونه بصيغة

____________________

1) سورة الواقعة: 77 - 80.

2) سورة الأحزاب: 33.

3) سورة الشورى: 52.

4) سورة الأنبياء: 73.

5) سورة فاطر: 32.


الجمع؛ للتدليل على أنّهم مجموعة ممتدّة طوال عمر هذا الدين وما بقي القرآن.

قراءة جديدة في حديث الثقلين وأنّ الأئمّة عليهم‌السلام هم الثقل الأكبر:

ولكي نبرهن على ذلك لابدّ من توضيح جملة من الأُمور:

الأوّل: إنّهم عين حقيقة القرآن، وهذا معنى عدم افتراق القرآن عن العِترة، أي عدم افتراق حقيقة القرآن التكوينية - وهو الكتاب المكنون وهو الروح الأعظم - عن ذوات العترة المطهّرة، بل هو أحد أرواحهم الذي يسدّدهم.

قراءة جديدة في آية ( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) :

وهذا معنى تنزيل نفس عليّ عليه‌السلام منزلة نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله تعالى: ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) (1) ، كيف لا؟! والروح الأمري - الذي هو الروح الأعظم والذي هو حقيقة القرآن وهو الكتاب المبين الذي نُزّل على قلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأُوحي إليه - قد ورثه الوصيّ ويتنزّل عليه وعلى ذرّيته الأوصياء عليهم‌السلام .

وفي صحيح أبي بصير قال: (سألت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن قول اللَّه تبارك وتعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ ) (2) ؟ قال: خَلْق من خَلْق اللَّه عزّ وجلّ أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يخبره ويسدّده، وهو مع الأئمّة من بعده) (3) .

وفي صحيحه الآخر قال: (سألت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن قول اللَّه عزّ وجلّ: ( وَيَسْأَلُونَكَ

____________________

1) سورة آل عمران: 61.

2) سورة الشورى: 52.

3) الكافي، ج1، ص273، ح1.


عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (1) ؟ قال: خَلْق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو مع الأئمّة، وهو من الملكوت) (2) .

وفي صحيح ثالث لأبي بصير - بعد وَصْفه للروح بما تقدّم -: (لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو مع الأئمّة يسدّدهم) (3) .

وفي موثّق علي بن أسباط، عن أبيه أسباط بن سالم، زيادة قوله عليه‌السلام : (منذ أنزل اللَّه عزّ وجلّ ذلك الروح على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ما صعد إلى السماء، وإنّه لفينا) (4) .

وفي رواية أبي حمزة، قال: (سألت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن العلم، أهو علم يتعلّمه العالم من أفواه الرجال، أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه؟ قال: الأمر أعظم من ذلك ٍ وأوجب، أما سمعت قول اللَّه عزّ وجلّ: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ... ) (5) ..) الحديث (6) . وهذا المعنى الذي يشير إليه عليه‌السلام هو ما تقدّم ذكره من أنّ الأوصياء في تحمّلهم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس هو تحمّل رواية ألفاظ، ولا مجرّد فهم معاني، بل حقيقة تحمّلهم وعمدته هو تحمّل حقيقة القرآن التي هي روح القدس.

فعمدة ما يتلقّونه بقلوبهم وأرواحهم عليهم‌السلام هو عن قلب وروح النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليس العمدة هو عن مجرّد لسانه الشريف وآذانهم الطاهرة، ولا عمدته من كتب يقرؤونها كالجامعة ونحوها، فهم بدورهم فيما يبلغونه من ألفاظ مؤدّية إلى طبقات المعاني الموصلة إلى بعض الحقائق التي تلقّوها.

____________________

1) سورة الإسراء: 85.

2) الكافي، ج1، ص273، ح3.

3) الكافي، ج1، ص273، ح 4.

4) الكافي، ج1، ص273، ح2.

5) سورة الشورى 52.

6) الكافي، ج1، ص273، ح5.


قراءة جديدة في حفظ وبقاء الذكر والقرآن المنزّل:

فمن ثمّ يكون دورهم متمّم ومكمّل لدور النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في هداية البشرية، وإلى ذلك يشير قوله تعالى في آية الغدير: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) (1) ، لبيان خطورة وشدّة دورهم عليهم‌السلام المتمّم لدور النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في تبليغ الرسالة، وأنّه الأمر الذي يجب أن يُبلّغ لامتداد الرسالة وبقاء القرآن، أي بقاء حقيقيته النازلة والمتنزّلة منها درجات في كلّ عام في ليلة القدر لإبقاء المصحف المنقوش بالخط.

وإلاّ لو كان دورهم هو مجرّد النقل السماعي اللفظي عن الرسول كقناة لإيصال الألفاظ والصوت لما كان لسان الآية بهذا اللحن الشديد والخطب البليغ، كما أنّ تعليق وتبليغ الرسالة برمّتها على شخص يخلف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أمير المؤمنين عليه‌السلام لابدّ أن يكون في تحمّله عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله خصوصية لا يشترك معه فيها أحد؛ وإلاّ لشاركه آخرون في القيام بذلك الدور ولَمّا انحصر تبليغ الرسالة بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله به.

وليست هذه الخصوصية وليدة عن كثرة سماع الوصي لكميّة كثيرة من الأحاديث، أو لقوّة حافظة عليّ عليه‌السلام لِما يسمعه من الحديث على النمط المألوف، ولا لمجرّد أكثرية ملازمته؛ وإلاّ لشاركه الآخرون في ذلك ولو بدرجة نازلة.

وإنّ تفسير خصوصية عليّ والعِترة الطاهرة بمجرّد هذه المزايا لا يحسم جَدَلِية السؤال عن وجه تخصيص الدور بهم، دون بقية الصحابة، والتابعين، وسائر فقهاء وعلماء الأُمّة، بل لكانت هذه المزايا نظير الترجيح بين الفقهاء في مسند الفتيا والقضاء وليست عملية اصطفاء إلهي، بل لما كان في تقديم المفضول على الفاضل ذلك القبح الشديد المستنكر، بل للزم احتياج العِترة إلى مشاركة الصحابة والتابعين معهم في

____________________

1) سورة المائدة: 67.


القيام بهذا الدور.

بل خصوصية الاصطفاء الإلهي لهم دون غيرهم هو لحملهم حقيقة القرآن التي هي الروح الأمري، والتي قد تقدّم بيان صفاتها في الآيات والسور والروايات التي تقدّمت، وتبين أنّ لديهم عليهم‌السلام علم حقيقة القرآن كلّه، فضلاً عن درجات معانيه غير المتناهية وألفاظه، وهذا التراث والوراثة التكوينية لا يشاركهم فيها غيرهم بأدنى مشاركة، وهذا معنى انحصار باب مدينة علم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بعليّ عليه‌السلام ، بل ليس لغيرهم مهما بلغت درجته من العلم سوى الوقوف على حدود المعاني الظاهرة وبعض درجاتها التي توصّل إليها بواسطة الألفاظ.

وحيث إنّ الحاجة وبقاء الرسالة قائم بحقيقة القرآن لا بسطحية المعاني المنزّلة من تلك الحقيقة، ولأجل ذلك كان مقدار ما تنزّل من القرآن من المعاني الظاهرة والألفاظ لا يسدّ الحاجة لهداية البشرية إلاّ بضميمة التأويل، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (1) ، فالتأويل باب مفتوح... درجات وطبقات المعاني المتنزّلة من الحقائق.

الوجودات الأربعة للقرآن:

ولتوضيح أقسام وجود القرآن ينبغي الالتفات إلى التقسيم الذي ذُكر في علم المنطق من أنّ لكلّ شي‏ء أربعة وجودات:

الأوّل: الوجود الكتبي للشي‏ء ، وهو نقش اسم الشي‏ء على الورق، أو نقش رسم

____________________

1) سورة آل عمران: 7.


صورته - فيما لو كان جسمانياً - كلفظ زيد أو صورته، ويُسمّى الوجود الكتبي لزيد ونقش اسمه.

الثاني: الوجود الصوتي لاسم زيد أو صوته، ويُسمّى بالوجود اللفظي الصوتي لزيد.

وهذان الوجودان يقال عنهما: الوجودان التنزيليان لزيد أو الوضعيان، أي أنّهما قُرِّرا وجودين لزيد أو للشي‏ء بحكم الاعتبار الأدبي، فلولا تباني البشر وأهل اللسان عن التعبير عن معنى زيد أو عن وجوده بذلك اللفظ أو بذلك الرسم والنقش من الكتابة، لَمَا كان لهما دلالة على معنى زيد أو وجوده، ولَمَا كان له صلة بحقيقة زيد ولا بمعناه، ومن ثمّ يعبّر عنهما وجودان تنزيليان لزيد، فلفظ زيد الصوتي تنزيل لحقيقة زيد، وكذلك نقش كتابة لفظ زيد تنزيل لحقيقة زيد.

الثالث: معنى زيد في الذهن والصورة التي له في الذهن، أي التي تنتقش تكويناً في ذهن الإنسان وفكره، ويُقال عنه الوجود المعنوي لزيد، وهذا الوجود تكويني وليس من قبيل الأوّلَين، أي: ليس وجوداً تنزيلاً اعتبارياً، بل هو وجود تكويني لزيد، ولكن لا لحقيقة وجوده بل لحقيقة معناه.

وقد يُطلق عليه تنزيل تكويني لا اعتباري لحقيقة وجود زيد، فهو ليس عين حقيقة الوجود ولكنّه عين حقيقة المعنى، وبين ذات معنى زيد وذات وجوده فرق فارق، بل إنّ لمعنى زيد مراتب:

منها: صورة بدنه في الذهن.

ومنها: معنى روحه ونفسه وعقله، أو ماهيته وذاته العقلية.

الرابع: حقيقة وجود زيد وهو وجوده العيني الخارجي، وهو وجود تكويني لزيد، كما أنّه الأصل في أقسام وجودات زيد، فليس هو وجود تنزيلي اعتباري أدبي كالأوّلَين، ولا وجود تكويني كالقسم الثالث، بل هو حقيقة وعين وجود زيد وهذا القسم بدوره أيضاً يشتمل على مراتب، منها: الوجود البدني لزيد، ووجود


نفسه وروحه.

فتبيّن أنّ الوجود التكويني هو القسمان الأخيران، وكلّ منهما ذو مراتب، وهذا التقسيم يعمّ جميع الأشياء؛ فإنّ لكلّ شي‏ء من الأشياء وجود لفظي صوتي وكتبي نقشي، ووجودان تكوينان، وهو وجود معانيها في الذهن ووجود عيني خارجي.

فإذا تبيّن ذلك يتبيّن أنّ للقرآن الكريم هذه الوجودات الأربعة، فالتنزيل الذي في المصحف هو وجود كتبي ونقش للوجود اللفظي للقرآن، كما أنّ صوت قراءة القرآن هو وجود لفظي صوتي للقرآن.

ولكلّ من هذين الوجودين أحكام، فإنّه يُحرم لمس خطّ كتابته من دون طهارة، كما أنّ وجود المصحف الشريف المقدّس حرز وأمان، كما أنّه يُستحبّ النظر إليه، والقراءة منه أفضل وأكثر فضيلة من القراءة عن ظهر قلب، كما أنّ قراءة القرآن - وهو الوجود الصوتي - يدخل النور في البيت، ويطرد الشياطين، ويُكثر البركة والرزق، ويُستحب تحسين الصوت وتجويده، كما يُستحب قراءته بخشوع وحزن.

وأمّا معاني القرآن فهو الوجود الذهني للقرآن ومعانيه، وهو مصدر الهداية والبصيرة.

ومن أحكامه: لزوم التدبّر، كما قال تعالى: ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (1) ، فالتدبّر سرح للنظر في المعاني والسير في مدارجها بالتفكّر، قال تعالى: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) (2) . فلا يقتصر وجود القرآن على النقش الكتبي ولا على حركة ولقلقة اللسان وبديع التجويد وتحسين الصوت، بل كلّ ذلك إلى غاية أهمّ وهو وجود القرآن في أُفق المعنى، والاستضاءة بنور هدايته

____________________

1) سورة محمد: 24.

2) سورة القمر: 17.


من خلال وجوده في أُفق المعنى ورحاب بصيرة تلك المعاني، ومنه تحصل معرفة الدين والشريعة والشرائع. وينقسم إلى: معنى ظاهري، ومعنى تأويلي، وإلى العلوم جمّة، علوم الحكمة والآداب والأخلاق، وأسرار الفقه والقانون، وحقائق التكوين والمعارف، وعلوم التربية الإنسانية، وبالجملة العلوم العقلية والظواهر الطبيعية، وغيرها من منظومات العلوم.

حقيقة القرآن ووجوده:

والوجود الرابع للقرآن العيني الخارجي هو الذي يشير إليه قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (1) ، فربط تعالى بين إنزال الروح الأمري وإحيائها وإرسالها، ومعرفة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالكتاب كلّه، وقد عبّر عن ذلك بالإيحاء وهو الإرسال الخفي، وتشير الآية إلى معرفة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بجملة الكتاب دفعةً.

ونفس هذا الترابط بين الروح الأمري وبين نزول جملة الكتاب نجده في سورة القدر، حيث قال تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ... ) (2) ، نلاحظ أنّ نزول القرآن والروح الأمري مترابطان.

وكذلك في سورة الدّخان، قوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (3) ، والضمير عائد على الكتاب

____________________

1) سورة الشورى: 52.

2) سورة القدر: 1ـ 4.

3) سورة الدخان: 1 - 5.


المبين جملة وإرسال الروح الأمري.

فيستخلص من جملة هذه الآيات: أنّ نزول القرآن جملة هو نزول حقيقته، وهو الروح الأمري، وهذا هو حقيقة الفرق بين تنزيل القرآن نُجوماً الذي هو الوجود اللفظي للقرآن، وبين نزوله دفعة.


الأمر الثاني

إنّ للقرآن درجات ومدارج

هناك حقيقة ثابتة مسلّمة بين المسلمين، وهي حقيقة قرآنية من كون القرآن المنزّل ذا تأويل، كما قال تعالى: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (1) ، فللقرآن تأويل وبطون، وقال تعالى: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ ) (2) ، وقال تعالى: ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) (3) ، فالتأويل والبطون سوى ظاهره المنزّل، بل وتلك البطون التي لا تنفذ من بحور حقائق القرآن تترقّى وتتّصل بأصل حقيقة القرآن الغيبية التي يُطلق عليها: الكتاب المكنون، والكتاب المبين، أو اللوح المحفوظ، أو أُمّ الكتاب.

وعلى ضوء ذلك، فليست الشريعة والدين تقتصران وتنحصران في الظاهر المنزّل، بل هما يشملان تلك البطون، فلا ينحصر تبليغ وأداء الشريعة بأداء الظاهر المنزّل وإبلاغ آيات التنزيل، بل يعمّ تلك البواطن.

ولم يقف على تلك البواطن وأُمّ الكتاب إلاّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعِترته الذين ورثوه بوراثة الاصطفاء، فسنخ ونمط تحمّل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وتبليغه، وتحمّل أهل بيته عليهم‌السلام عنه وتبليغهم، ليس سنخُ نمطِ تحمّلِ وتبليغ الرواة للأخبار الحسّية المسموعة لفظاً، التي

____________________

1) سورة آل عمران: 7.

2) سورة الأعراف: 53.

3) سورة يونس: 39.


تحمّلوها ليؤدّوها إلى غيرهم، كي يكون الحال في هذا التبليغ (رُبّ حامل لا يفقه ما حُمّل، أو رُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه) ، لأن ما تحمّله النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن اللَّه تعالى وتحمّله أهل بيته عليهم‌السلام عنه هو تحمّل للحقائق المهيمنة والمحيطة بالمعاني.

حقيقة تبليغ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته:

المنزّلة في آفاق درجات المعاني الباطنة والظاهرة والألفاظ المقروءة.

فمن ثمّ سُمّي هذا التبليغ والإبلاغ (إنزالاً) و (تنزيلاً) ، بينما سُمّي تبليغ الرواة إلى غيرهم (نقلاً) وإيصالاً في خطّ أُفقي، ونقلاً للحديث الملفوظ وإسماع الكلام المسموع (ورواية) للخبر المعلوم بالحواسّ الظاهرة، فالذي تحمّلوه هو ألفاظ مسموعة وطبقة من المعاني‏ الظاهرة لأفهامهم من وراء حجاب اللفظ، فهذا النمط والنوع من التحمّل والتبليغ يتحرّك في سير أُفقي، ومن ثمّ قد يصعد المنقول إليه ويتصاعد إلى بعض درجات المعاني وغورها، على عكس الناقل الذي ربّما يكون واقفاً على الألفاظ والدرجة الأُولى لمعانيها، فيكون المنقول والمحمول إليه الخبر أكثر إحاطةً من الناقل والحامل.

وهذا لا يُتصوّر في التحمّل الوحياني والتبليغ النبويّ، وتحمّل الإمام عن النبيّ وتبليغه لا يكون إلاّ عن إحاطة بالحقائق الوجودية، فضلاً عن الإحاطة بكل آفاق المعاني التي هي صور منعكسة متنزّلة عن تلك الحقائق، وأشعةٌ ولمعات يسيره من وهج نور الحقيقة، كيف لا؟! وتلك الحقائق لا يشذّ عنها رطْب ولا يابس ولا غائبة في السماوات والأرض، ولا ما كان ولا ما يكون وكلّ شي‏ء مستطرّ، وتحيط بكلّ هدى ونور، وكلّ فلاح وصلاح، وكل سعادة ونجاح، وتبيان لكلّ شي‏ء.

ففيما يبلّغه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام لا تقف الرعية - بما فيها من الفقهاء والعلماء والحكماء والعارفين - إلاّ على الألفاظ المتنزّلة والمعاني الظاهرة، وقد


يترقّى الحال في بعضهم للوصول إلى بعض درجات المعاني أو لمح بعض لمعان أنوار الحقائق، من دون التحقّق بعينية تلك الحقائق فضلاً عن اكتناهها، ولا الإحاطة بجميع مدارج المعاني.

من ثمّ تدوم وتظلّ حاجة الرعية والبشرية قائمة ومستمرّة إلى تواصل بيانات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام وهدايتهم وتبليغهم، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ( مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (1) ، وقوله تعالى: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (2) .

وكذلك يشير قول الإمام الصادق عليه‌السلام في رواية إسحاق بن عمار، قال:

(إنّما مثل عليّ عليه‌السلام ومثلنا من بعده من هذه الأُمّة كمثل موسى عليه‌السلام والعالم حين لقيه واستنطقه وسأله الصُحبة، فكان من أمرهما ما اقتصّه اللَّه لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابه، وذلك أنّ اللَّه قال لموسى: ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (3) ، ثمّ قال: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (4) .

وقد كان عند العالم علم لم يكتب لموسى في الألواح، وكان موسى يظنّ أنّ جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته وجميع العلم قد كتب له في الألواح، كما يظنّ هؤلاء الذين يدّعون أنّهم فقهاء وعلماء وأنّهم قد أثبتوا جميع العلم والفقه في الدين، ممّا تحتاج هذه الأُمّة إليه، وصحّ لهم عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلموه وحفظوه. وليس كلّ علم رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله علموه ولا صار إليهم عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا عرفوه؛ وذلك أنّ الشي‏ء من الحلال والحرام والأحكام يرد عليهم فيُسألون عنه، ولا يكون عندهم فيه أثر عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ويستحون أن ينسبهم الناس إلى الجهل

____________________

1) سورة آل عمران: 7.

2) سورة العنكبوت 49.

3) سورة الأعراف 144: 7.

4) سورة الأعراف 145: 7.


ويكرهون أن يُسألوا فلا يجيبوا، فيطلب الناس العلم من معدنه، فلذلك استعملوا الرأي والقياس في دين اللَّه، وتركوا الآثار ودانوا اللَّه بالبدع، وقد قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : كلّ بدعة ضلالة. فلو أنّهم إذا سُئلوا عن شي‏ء من دين اللَّه فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ردّوه إلى اللَّه وإلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم من آل محمّد، والذي منعهم منّا العداوة والحسد لنا.

لا واللَّه، ما حَسَد موسى عليه‌السلام العالِم، وموسى نبيّ اللَّه، يُوحي اللَّه إليه حيث لقيه واستنطقه وعرّفه بالعلم، ولم يحسده كما حسدتنا هذه الأُمّة بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله على علمنا وما ورثنا عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى عليه‌السلام إلى العالِم وسأله الصحبة ليتعلّم منه ويرشده. فلمّا أن سأل العالِم ذلك علَم العالِمُ أنّ موسى عليه‌السلام لا يستطيع صحبته ولا يحتمل علمه ولا يصير معه، فعند ذلك قال العالم: ( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) (1) ، فقال موسى عليه‌السلام له - وهو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله -:

( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ) (2) ، وقد كان العالم يعلم أنّ موسى عليه‌السلام لايصبر على علمه، فكذلك واللَّه - يا إسحاق بن عمار - حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم، لايحتملون واللَّه علمنا ولا يقبلونه، ولا يطيقونه ولا يأخذون به ولا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى عليه‌السلام على علم العالِم حين صحبه ورأى ما رأى من علمه، وكان ذلك عند موسى عليه‌السلام مكروهاً وكان عند اللَّه رضاً وهو الحقّ، وكذلك عِلْمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخذ وهو عند اللَّه الحق) (3) .

فإذا التفتّ بنحو الإجمال إلى سنخ تحمّل وتبليغ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن اللَّه تعالى

____________________

1) سورة الكهف: 68.

2) سورة الكهف: 69.

3) العياشي، ج2، ص330، ح 46، والبرهان، ج3، ص651، في ذيل سورة الكهف، آية 18.


وتحمّل وتبليغ أهل بيته عليهم‌السلام عنه، يجدر بالمقام الالتفات إلى كون القرآن ذا حقيقة عينية غيبية، والتي هي: الكتاب المبين، وأُمّ الكتاب، واللوح المحفوظ، والكتاب المكنون . كما في قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (1) ، حيث يشير إلى وجود كينونة للقرآن علوية تُدعى بالكتاب المكنون، أي المحفوظة من أن يصل إليها إلاّ المطهرون من الذنوب والرجس، وأنّ ما بين الدفّتين من القرآن تنزيل ونزول من ذلك المقام العلوي له.

ومثل هذه الإشارة نجدها في قوله تعالى: ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) (2) ، فوصف القرآن بالمجد والعظمة لكينونته العلوية، أي أنّ المجد والعظمة وصْف لذلك الوجود، ولا يغرق الباري تعالى في وصْف موجود بالعظمة إلاّ لخطورة موقعيته في عالم الأمر والخِلقة، وتلك الكينونة هي المسمّاة باللوح المحفوظ، والوصف بلفظ المحفوظ مع لفظ المكنون مترادف.

وكذلك نجد الإشارة نفسها في قوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (3) ، فوصف القرآن بأنّ له كينونة في أُمّ الكتاب وهي وجود علوي لدني عنديَّ لدى الباري تعالى، وهذا الوجود موصوف بالعلوّ والإحكام في قِبال التفصيل الذي طرأ على القرآن حين النزول، كما يشير إليه قوله تعالى: ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (4) .

وكذلك قوله تعالى: ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ

____________________

1) سورة الواقعة: 77 - 81.

2) سورة البروج: 25.

3) سورة الزخرف: 4.

4) سورة الأعراف: 52.


خَبِيرٍ ) (1) ، وكذلك قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (2) ، فالقرآن النازل تفصيل ونجوم للكتاب العلوي، ويشير إلى الوجود العلوي للقرآن قوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) (3) ، أي أنّ القرآن متنزّل من الكتاب المبين، وقد وصِفَ الكتاب المبين بعدّة أوصاف:

منها: قوله تعالى: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (4) ، وقال تعالى: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (5) .

وقوله تعالى: ( ... وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (6) ، وقوله تعالى: ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (7) .

ثمّ إنّ هناك تعدّداً أيضاً بين مقام وموقع القرآن الكريم بحسب الكتاب المبين واللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب، وبين إنزاله جملةً واحدة، وبين تنزيله مفصّلاً مفرّقاً بحسب الزمان، فهناك ثلاثة مقامات ومواقع ومراحل رئيسية للقرآن الكريم لا يسع المقام الخوض في تفصيلها، إلاّ أنّ المحصَّل ممّا مرّ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله عالم بالكتاب المبين واللوح المحفوظ.

وكذلك أهل بيته المطهّرون، كما أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أُنزل إليه القرآن جملة وهي

____________________

1) سورة هود: 1.

2) سورة يونس: 37.

3) سورة الدخان: 3.

4) سورة النمل: 75.

5) سورة الأنعام: 59.

6) سورة يونس: 61.

7) سورة هود: 6.


المرحلة الثانية، كما تنزل عليه القرآن نجوماً مفصلاً أو تفصيلاً وهي المرحلة الثالثة، كما تبين أنّ حقائق القرآن العينية موجودة بوجود علوي، وأنّ المعاني وطبقاتها متنزّلة من تلك الحقائق معاكسة وحاكية لها، وأنّ ألفاظ التنزيل ثوبٌ وصورة.

قراءة في معنى إكمال الدين بعليّ:

للمعاني المتنزّلة ودرجاتها إلى درجة المعنى الظاهر.

فالكتاب لا يقتصر على التنزيل والظاهر، بل له بطون لا تُحصى من المعاني، ولبطونه بطون هي حقائق مهيمنة، وأنّه لا يحيط بكلّ ذلك إلاّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بما أوحاه اللَّه إليه، ومن بعده أهل بيته عليهم‌السلام عنه، وبالتالي، لا يمكن الاقتصار على التنزيل والظهور في الوصول إلى معرفة الدين القويم ونيل الهداية الإلهية من دون وجود الشخص المبيّن لتلك البطون والكاشف عن حقائق التنزيل؛ لِحاجة البشرية إلى الكتاب كلّه، ولكلّ درجاته، على نحو التدريج بحسب مرّ الزمان والعصور.

فمن ثمّ اتّفقت - الإمامية أتباع مذهب أهل البيت عليهم‌السلام - على أنّ الدين لم يكمل بالتنزيل إلاّ بعد أن نصّبَ اللَّهُ عليّاً إماماً وهادياً لدينه وكتابه من بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما ينادي بذلك قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلامَ دِينًا ) (1) ، فإكمال الدين وإتمام النعمة لم يحصل بمجرّد التنزيل، بل بنصب قيّم بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مبيناً لبطون القرآن وحقائقه، ومن بعد عليّ أولاده المعصومين، وفي هذا الزمان وَلده الحجّة الإمام المنتظر (سلام اللَّه عليه).

وقد روى الكُليني بسنده إلى الحسن بن العباسي بن الحريش عن أبي جعفر

____________________

1) سورة المائدة: 3.


الثاني عليه‌السلام قال: (قال أبو عبد اللَّه عليه‌السلام : بينا أبي عليه‌السلام يَطُوف بالكعبة إذا رجل مُعتجرٌ قد قيض له - في حديث مسائلة إلياس النبيّ عليه‌السلام للباقر عليه‌السلام - وما قاله له: أخبرني عن هذه العلم الذي ليس فيه اختلاف من يعلمه؟

قال أبو جعفر عليه‌السلام : أما جملة العلم فعند اللَّه جلّ ذكره، وأمّا ما لابدّ للعباد منه فعند الأوصياء. ففتح الرجل عجيرته واستوى جالساً وتهلّل وجهه، وقال: هذه أردتُ، ولها أتيتُ، زعمت أنّ علم ما لا اختلاف فيه من العلم عند الأوصياء، فكيف يعلمونه؟

قال: كما كان رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يَعْلَمُه، إلاّ أنّهم لا يرون ما كان رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يرى؛ لأنّه كان نبيّاً وهم محدَّثون - بالفتح -، وأنّه كان يَفِد إلى اللَّه عزّ وجلّ فيسمع الوحي وهم لا يسمعون. فقال صدقت يا بن رسول اللَّه...

فإن قالوا لك: فإنّ عِلم رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله كان من القرآن، فقل: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (1) .

فإن قالوا لك لا يرسل اللَّه عزّ وجلّ إلاّ إلى نبيّ، فقل: هذا الأمر الحكيم الذي يفرق فيه هو من الملائكة والروح التي تنزّل من سماء إلى سماء أو من سماء إلى أرض.

فإن قالوا: من سماء إلى السماء. فليس في السماء أحدٌ يرجع من طاعة إلى معصية.

فإن قالوا: من سماء إلى أرض وأهل الأرض أحوج الخلق إلى ذلك، فقل: فهل لهم بد من سيد يتحاكمون إليه؟

فإن قالوا: فإنّ الخليفة هو حكمهم فقل: ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (2) ، لعمري ما في الأرض ولا في

____________________

1) سورة الدخان: 1 - 5.

2) سورة البقرة: 257.


السماء وليٌّ للَّه عزّ ذكره إلاّ وهو مؤيّد، ومن أُيّد لم يخطّ، وما في الأرض عدوّ للَّه عزّ ذكره إلاّ وهو مخذول، ومن خُذل لم يصبْ، كما إنّ الأمر لابدّ من تنزيله من السماء يحكم به أهل الأرض كذلك لابدّ من وال.

فإن قالوا: لا نعرف هذا.

فقل: ( لهم) قولوا ما أحببتم، أَبَى اللَّه عزّ وجلّ بعد محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يترك العباد ولا حجّة عليهم) (1) .

ويتبيّن من ذلك أنّ إنكار أحد أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، أي إنكار اتّصال سلسلة إمامتهم أعظم كفراً من إنكار أحد المرسلين السابقين ، أي: من إنكار سلسلة اتّصال رسالات المرسلين السابقين؛ وذلك لأنّ إنكار سلسلة اتّصال إمامة أهل البيت تعني إنكار بقاء حجّية القرآن، للقول بتعطيل الكتاب بتعطيل نزول تأويله في كلّ عام.

وإنكار القرآن أعظم جحوداً من إنكار أحد الكتب المنزّلة السابقة، وقد عرفت أنّ ليلة القدر قد كانت منذ أوّل نبيّ بعثه اللَّه عزّ وجلّ واستمرّت مع جميع الأنبياء إلى قائم الأنبياء إلى خاتم الأنبياء، وكانت مع أوصياء الأنبياء، وهي مع الأوصياء من أهل البيت عليهم‌السلام بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وذلك لأنّها من أبرز قنوات الاتّصال مع الغيب، وبتوسّطها ينزل تأويل الكتب السماوية في من سبق، وتأويل القرآن على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى أهل بيته من بعده.

ومن ثمّ ورد: أنّه لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن. كما مرّت الإشارة إليه، فليلة القدر تمثّل وحدة السبب الاتّصالي بين الأرض والسماء، وأنّ إنكارها بإنكار أحد الأئمّة من أهل البيت هو في الحقيقة إنكار لطبيعة هذا الاتّصال الواحد الموحّد لدى السفراء الإلهين، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى

____________________

1) الكافي، ج1، ص242.


وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (1) .

وقوله تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (2) .

فلم يكتفِ الباري عزّ وجلّ في الإيمان بالرسول‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقط، وإنّما قَرَن معه بالنور النازل معه والذي هو الروح الأمري روح القدس، الذي هو حقيقة الكتاب الذي وصف بالنور بأنّه مع من اصطفاه اللَّه من العباد بعد رسول اللَّه ‏ صلى‌الله‌عليه‌وآله وذلك لقوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) (3) .

وروى الكُليني بسند معتبر عن أبي جعفر عليه‌السلام قال: (لقد خَلق اللَّه عزّ وجلّ ذكره ليلة القدر أوّل ما خلق الدنيا، ولقد خلق فيها أوّل نبيّ يكون، وأوّل وصيّ يكون، ولقد قضى أن يكون في كلّ سنة ليلة يهبط فيها بتفسير الأُمور إلى مثلها من السنة المقبلة، من جَحَدَ ذلك فقد ردّ على اللَّه عزّ وجلّ عِلمه؛ لأنّه لا يقوم الأنبياء والرسل والمحدثون إلاّ أن تكون عليهم حجّة بما يأتيهم في تلك الليلة مع الحجّة التي يأتيهم بها جبرئيل عليه‌السلام ، قلت: والمحدّثون أيضاً يأتيهم جبرئيل أو غيره من الملائكة عليهم‌السلام ؟

قال: أمّا الأنبياء والرسل (صلّى الله عليهم) فلا شكّ، ولابدّ لمن سواهم من أوّل يوم خلقت فيه الأرض إلى آخر فناء الدنيا أن تكون على أهل الأرض حجّة ينزل ذلك في تلك الليلة إلى من أحبّ من عباده.

وايمُ اللَّه، لقد نزل الروح والملائكة بالأمر في ليلة القدر على آدم، وايمُ اللَّه ما

____________________

1) سورة البقرة: 136.

2) سورة الأعراف: 157.

3) سورة الشورى: 52.


مات آدم إلاّ وله وصيّ، وكلّ مَن بعد آدم من الأنبياء قد أتاه الأمر فيها ووضع لوصيه مِن بعده، وايمُ اللَّه إن كان النبيّ ليؤمر فيما يأتيه من الأمر في تلك الليلة، من آدم عليه‌السلام إلى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أن أُوصي إلى فلان، ولقد قال اللَّه عزّ وجلّ في كتابه للولاة من بعد محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله خاصّة: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (1) .

يقول: استخلفكم لعلمي وديني وعبادتي بعد نبيّكم، كما استخلف وُصاة آدم من بعده، حتّى يُبعث النبيّ الذي يليه ( يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) ، يقول: يعبدونني بإيمان لا نبيّ بعد محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمن قال غير ذلك ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) .

فقد مكّن ولاة الأمر بعد محمّد بالعلم ونحن هم، فاسألونا فإن صدّقناكم فأقرّوا، وما أنتم بفاعلين!

أمّا علمنا فظاهر، وأمّا إبان أجلنا الذي يظهر فيه الدين منّا حتّى لا يكون بين الناس اختلاف، فإنّ له أجلاً من ممرّ الليالي والأيام، إذ أتى ظهر وكان الأمر واحداً.

وأيم اللَّه لقد قُضي الأمر أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف، ولذلك جعلهم شهداء على الناس ليشهد محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله علينا، ولنشهد على شيعتنا، ولتشهد شيعتنا على الناس. أبى اللَّه عزّ وجلّ أن يكون في حكمه اختلاف، أو بين أهل علمه تناقض.

ثمّ قال أبو جعفر عليه‌السلام : فضْل إيمان المؤمن بجملة ( إنّا أنْزَلْناهُ ) وبتفسيرها على من ليس مثله في الإيمان بها كفضل الإنسان على البهائم، وإنّ اللَّه عزّ وجلّ ليدفع بالمؤمنين بها...) (2) .

وقد ورد من طرق الفريقين عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله لعليّ عليه‌السلام : (أنا أقاتل على التنزيل وعليّ

____________________

1) سورة النور: 55.

2) الكافي، ج1، ص251.


يقاتل على التأويل) (1) .

ومنه ظهر أنّ سنخ تبليغ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عن اللَّه، وأهل بيته عليهم‌السلام عنه، لا يقف على حدّ التنزيل والألفاظ، بل يتّسع إلى ما لا يُحصى من مَدارج المعاني وبيان الحقائق، فالحاجة إلى تبليغهم وأدائهم عن اللَّه ووساطتهم بين اللَّه وخلقه تمتدّ إلى يوم القيامة في دار التكليف ونشأة الامتحان، ما دام البشر يحتاجون في كل بيئة إلى رؤية كونية عقائدية أعمق للحقائق والمعارف، ويحتاجون إلى هداية من الشريعة إلى أطوار نظامهم الاجتماعي السياسي وحقوله.

فتلخّص: أنّ ما تسالم عليه المسلمون من وجود الظهور والبطون في الكتاب العزيز وكون علومه وحقائقه وكلماته لا تتناهى، يستلزم دوام الحاجة إلى تبليغ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته عليهم‌السلام من بعده، وعدم سدّ الحاجة بخصوص الظاهر؛ بعد كون الإيمان بباطن القرآن على حذو الإيمان بظاهره.

ويشير إلى ذلك أيضاً قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (2) ، فإنّ توقّف تبليغ مجمل الرسالة على نصب عليّ عليه‌السلام في الغدير بحيث لو لم يُنصّب لم تُبلّغ الرسالة من رأس وهذا المفاد في الآية، مؤشّر واضح على أنّ ما حمل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من الرسالة بالوحي مُعظَمه لا يقتصر على التنزيل، بل جُلّه في البطون وحقيقته العلوية التي لا يشذّ عنها شي‏ء، وهذا لم يؤدِّه النبيّ إلاّ لعليّ وأهل بيته خاصّة، وتأديته صلى‌الله‌عليه‌وآله لأهل بيته لم تقتصر على النمط الحسّي ولا

____________________

1) الخصال للصدوق، ص650.

2) سورة المائدة: 67، وروى الواحدي النيشابوري في أسباب النزول بسند متّصل، عن أبي سعيد الخدري، قال: نزلت هذه الآية: ( أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ... ) يوم غدير خُم في عليّ بن أبي طالب (رضيّ الله عنه).


هو عمده الطريق لتلقّيهم عليه‌السلام عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فمن ثمّ كان إبلاغ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله التنزيل للناس من دون نصب عليّ نفي لإبلاغ وبلاغ جُلّ الرسالة، وأنّ ما عند الناس من الدين والشريعة والرسالة هو أقلّ من قليل، إلاّ باتّباعهم لأهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخذهم عنهم ما أدّاه النبيّ إلى أهل بيته من حقائق القرآن والشريعة، ويشير إلى ذلك ما روته العامّة في الصحاح وغيرها كما ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (1) : (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش).

وفي رواية: (إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي له فيهم اثني عشر خليفة كلّهم من قريش) (2) ، وفي رواية عن أبي داود: (لا يزال هذا قائماً حتّى يكون لكم اثني عشر خليفة) (3) .

فإنّ التعبير بأنّ الدين قائم بهم أي أنّه ينقضي بزوالهم ويزول بمضيهم، وأنّ عمر هذا الدين وصلاحه مرهون عند اللَّه عزّ وجلّ بالخلفاء الاثني عشر.

وهذا المفاد للحديث النبويّ المستفيض يقتضي بأنّ ما وصل بأيدي الناس من ظاهر التنزيل من المصحف الشريف وروايات السنّة النبويّة بمجرّده لا يكفي في بقاء الدين، ممّا يدلّ على أنّ معظم الدين وقوامه موجود لدى الاثني عشر سلام اللَّه عليهم دون غيرهم، وكذا لا يمكن الاكتفاء بظاهر التنزيل والروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم‌السلام والاستغناء عن المهدي (عج).

حيث قال تعالى: ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَد

____________________

1) تاريخ الخلفاء، ص10، طبعة السعادة في مصر، كما نقلنا ذلك في محلقات إحقاق الحقّ،ج13، ص12.

2) السيوطي عن صحيح مسلم، نفس المصدر.

3) سنن أبي داود، ج4، ص150، طبعة السعادة بمصر، ومسند أحمد بن حنبل، ص86 - 87، طبعة الميمنة مصر، ومسند أبي عوانة، ج4، ص399، طبعة حيدر آباد، وهناك مصادر أخرى، لاحظ: ملحقات إحقاق الحق، ج13، ص1 - 48.


كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) (1) ، وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (2) .

وليس المراد من الكلمات التي لا تنفذ الألفاظ الصوتية، أو المنقوشة المدوّنة، أو المعاني المفهومة المتصوّرة؛ إذ إطلاق الكلمة والكلمات على هذين الموردين إطلاق مجازي عند العقل، إذ الكلمة هي الشي‏ء الدالّ بذاته تكويناً على أمر آخر، ومن ثمّ يُطلق على وجودات الأشياء المخلوقة - لا سيّما الشريفة - أنّها كلمات اللَّه؛ لدلالتها على صفات الباري تعالى.

ومنه يُعرف الترادف عند العقل بين الكلمة الحقيقية والآية، ومن ثمّ ورد إطلاق كلّ منهما على النبيّ عيسى عليه‌السلام ، وقال تعالى في بشارة الملائكة لمريم: ( إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) (3) ، فجعل تعالى وجود نبيّه كلمة منه تعالى وتكلّمٌ منه، وجعل عنوان المسيح - عيسى بن مريم - اسم للكلمة، كما أطلق تعالى الآية على عيسى بن مريم حيث قال: ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ) (4) .

فهذه الكلمات الوجودية والتي قد تعرّضت جملة من الآيات لنعوتها وصفاتها والتي لا تنفذ، كلّها مجموعة في الكتاب المبين؛ إذ الكتاب هو ما يتألّف من كلمات، فالكتاب المبين متكوّن من وجود جُملي لكافّة الكلمات الوجودية بالوجود الملكوتي، ومن ثمّ نعت الكتاب المبين بأنّه مفاتح الغيب كما في الآية المتقدّمة: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلاّ فِي كِتَابٍ

____________________

1) سورة الكهف: 109.

2) سورة لقمان: 27.

3) سورة آل عمران: 45.

4) سورة مريم: 21.


مُبِينٍ ) (1) .

تلقي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته للكلمات والكلام الإلهي بوجوده التكويني لا الاعتباري:

إنّ ما يتلقّاه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من وحي لا ينحصر في الوحي الإنبائي، كما أنّ سِنخ الوحي الإنبائي لا ينحصر في إلقاء المعاني أو الأصوات، بل إنّ عمدة أنواع وأنماط الوحي هو ما يكون من قبيل تلقّي حقائق الأشياء بحقيقتها التكوينية بكينونة تفوق الكون المادّي، وهو ما يعبّر عنه بنشأة الملكوت في القرآن الكريم، قال تعالى: ( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (2) .

وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود كينونة للأشياء في نشأة الملكوت فقال تعالى: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (3) .

وقال تعالى: ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) (4) .

وقال تعالى: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (5) .

وقال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (6) ، وغيرها من الآيات التي تدلّ على أنّ في نشأة الكتاب المبين - وهي نشأة تحيط بغيب السماوات والأرض - يستطرُ فيها كلّ شي‏ء بحسب ملكوته، قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ

____________________

1) سورة الأنعام: 59.

2) سورة يس: 83.

3) سورة الأنعام: 59.

4) سورة الأنعام: 38.

5) سورة النمل: 75.

6) سورة يس: 12.


نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (1) ، فأثبت تعالى للسماوات والأرض مَلَكُوت، فإحاطة وهيمنة الملَكُوت على كلّ الأشياء وصف مقرّر للكتاب المبين، وتقرّر الأشياء بحسب ملكوتها فيه ليس تقرّر معانيها ومفاهيمها، بل تقرّر كينونة وجودية مَلَكُوتية، بل أنّ هناك أوصافاً ونعوتاً قرآنية أُخرى للكتاب المبين تفوق ذلك.

والقرآن جملة وهو جملة حقيقية، فحقيقة القرآن ليست بلفظ عربي أو أعجمي، كما أنّه ليس بمعنى بل هو الروح الأعظم، حيث عبّر عنه في سورة النحل قوله تعالى: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (2) ، والآية الكريمة في نفس السورة التي صدرها: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ ) (3) .

فبين الآيتين في السورة الواحدة ارتباط، وأنّ ذلك الروح الذي ينزل به الملائكة هو روح القدس، وهو الروح النازل في ليلة القدر بجملة الكتاب، ويعضد هذا الارتباط بين الآيتين في سورة النحل توسّط آية أُخرى في السورة وهي قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (4) ، ومن الواضح في هذه الآية إرادة جُملة الكتاب وحقيقته ، لا النزول النُّجومي ولا تنزيل القرآن بوجوده اللفظي؛ لأنّ الذي فيه تبيان كلّ شي‏ء هو حقيقة القرآن، الذي يعبّر عنه بالكتاب المبين، والمكنون، واللوح المحفوظ، إلى غيرها من الأوصاف الآتي استعراضها لهذا الوجود الرابع.

وكذلك سيأتي استعراض روايات أهل البيت عليهم‌السلام الكاشفة لتفسير كلّ ذلك من

____________________

1) سورة الأنعام: 75.

2) سورة النحل: 102.

3) سورة النحل: 2.

4) سورة النحل: 89.


ظاهر ألفاظ الآيات الكريمة. وتقدّم الكلام في أنّ القرآن اسم حقيقة لروح القدس، النازل على النبيّ جملة في النزول الدفعي الجملي للقرآن كما في آخر سورة الشورى، وأنّه ملتحم مع روح النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن بعده مع أرواح الأوصياء من أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولا يخفى أنّ لفظة الكتاب شأنها في أقسام الوجود شأن ما تقدّم من الوجودات الأربعة لكلّ شي‏ء، فإنّ الكتاب يُطلق على: وجود النقش والرسوم المكتوبة ، وهو الذي يُستعمل فيه كثيراً.

كما يُطلق الكتاب أيضاً على: أصوات الألفاظ المجموعة ، فيقال قراءة الكتاب.

ويُطلق على: وجود المعاني، فيقال حفظتُ كتاباً كاملاً.

ويُطلق على: الوجود العيني الخارجي الجامع للكلمات التكوينية .

وبعبارة أُخرى: إنّ الكتاب الذي هو مجموع الكلمات، والكلمة بدورها لها أربع وجودات:

الأوّل: الكلمة المكتوبة المنقوشة.

الثاني: الكلمة الملفوظة المصوّتة.

الثالث: الوجود الذهني في الفكر للكلمة.

الرابع: الوجود العيني الخارجي لشي‏ء دالّ على شي‏ء آخر.

كما أطلق تعالى القرآن على عيسى عليه‌السلام في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) (1) ، وقوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ ) (2) ، وهذا الإطلاق ليس مجازياً، بل حقيقياً؛ لكون الأصل في معنى الكلمة هو الشي‏ء الموجود لأجل الدلالة على المعنى الخفي، وأي دلالة أعظم على صفات اللَّه من أنبيائه ورسله والأوصياء والحجج، والكلمة مقاربة في

____________________

1) سورة آل عمران: 45.

2) سورة النساء: 171.


معناها لمعنى الآية، حيث إنّ معناها العلامة الدالّة على معنى ومدلول ما، وقد أُطلق لفظ الآية على الوجودات التكوينية في كثرة كاثرة من الموارد في القرآن الكريم.

منها: قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (1) .

وقوله تعالى: ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) (2) .

وقوله تعالى: ( فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) (3) .

فأطلق على النبيّ عيسى عليه‌السلام كلّاً من (الكلمة والآية)، ويقرب لفظ (الاسم) من هذا المعنى من لفظ (الكلمة والآية) وإطلاقهما على الوجود التكويني، حيث إنّ معناه من السمة وهو العلامة أيضاً الدالّة على شي‏ء أو معنى ما. فهذه الألفاظ الثلاثة هي بدورها - أيضاً - لها أربع وُجُودات:

الأُوّليّان اعتباريان وهما: الصوت الملفوظ، والنقش المرسوم على الورق.

والأُخريان تكوينيان: الثالث منها، وجودها في أُفق المعنى والفكر والذهن ومدارج المعاني، والرابع: الوجودات العينية.

وعلى ضوء ذلك، فالكتاب الذي هو مجموع الكلمات أيضاً هو بدوره له أربع وُجُودات:

اثنان اعتباريان، وهما: المنقوش والملفوظ.

واثنان تكوينيان، وهما: الوجود في أُفق الفكر والذهن، والوجود العيني الخارجي

وإذا كان عيسى بن مريم عليه‌السلام ، بما له من روح نبويّة، كلمةٌ من هذا الكتاب وآية من آياته، فكيف بك في بقية الكلمات والآيات؟ بل ما هو الحال في جملة الكتاب؟ مع أنّه تعالى يقول في عيسى بن مريم عليه‌السلام - الذي هو كلمة من هذا الكتاب -: ( وَآتَيْنَا

____________________

1) سورة المؤمنون 50: 23.

2) سورة مريم 21: 19.

3) سورة الأنبياء 91: 21.


عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) (1) ، فعبّر تعالى بتأييده بروح القدس، ممّا يفهم أنّ روح القدس أعظم من روح النبيّ عيسى عليه‌السلام ؛ حيث قال تعالى في عيسى عليه‌السلام : ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ) (2) ، وقال تعالى: ( اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) (3) ، ومن ثمّ لم يكن للنبيّ عيسى العلم بالكتاب كلّه كما كان لسيد الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لقوله تعالى في عيسى: ( قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) (4) ، تبيّن الآية أنّه عليه‌السلام يبيّن بعض اختلاف بني إسرائيل لا كلّه.

وكذلك الحال في موسى عليه‌السلام حيث قال تعالى: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (5) ، فما كُتب لموسى ليس كلّ شي‏ء وإنّما من كلّ شي‏ء، بخلاف القرآن الكريم حيث وصف بالمهيمن وأنّه تبيان كلّ شي‏ء.

فهذا الارتباط بين كون عيسى كلمة وآية وبين كونه مؤيد بروح القدس، لا أنّ عيسى هو روح القدس.

كما أنّ الارتباط والصلة التي تشير إليها سورة القدر والدخان والشورى والنحل وغافر - كما تقدّم استعراض آيات السور - بين الروح الأمري وروح القدس وبين نزول الكتاب المبين، يدلّ بوضوح أنّ الكتاب المبين حقيقته هو روح القدس، والذي يعبّر عنه في بعض الروايات بالروح الأعظم.

فهذا الروح، الذي هو حقيقة وجود الكتاب المبين، هو الذي أُوحي به إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ... ) (6) ، فدراية الكتاب كلّه هو بإرسال هذا الروح إلى روح النبيّ، ومقتضى دراية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالكتاب كلّه هو

____________________

1) سورة البقرة: 87.

2) سورة النساء: 171.

3) سورة المائدة: 110.

4) سورة الزخرف: 63.

5) سورة الأعراف: 145.

6) سورة الشورى: 52.


التحام الروح في ضمن روحه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذلك تنزّل هذا الروح في الليلة المباركة وهي ليلة القدر والذي هو تنزّل لحقيقة الكتاب عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله .


نعوت حقيقة الكتاب وهي روح القدس

منها: قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ) (1) .

فوصف القرآن بأنّه يسيّر به الجبال، وتقطّع به الأرض، ويُحيى به الموتى، ومن الواضح أنّ هذه الخواص ليست للكتابة المنقوشة التي هي بين الدفّتين للمصحف المقدّس، بل هي لحقيقة القرآن الموجودة في الغيب وهي روح القدس.

ومنها: قوله تعالى: ( يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (2) ، ومن الواضح أنّ لوح المحو والإثبات وما فوقه من أُمّ الكتاب ليس في المصحف الورقي، بل هو في نشأة الغيب.

ومنها: قوله تعالى: ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (3) ، ومن الواضح أنّ المصحف المقدّس المنقوش بين الدفّتين لو وُضع على جبل ما رأيناه ينهدّ متصدّعاً، إذن، المراد بذلك هو نزول روح القدس على ملكوت الجبل؛ لأنّ لكلّ شي‏ء ملكوت كما قال تعالى: ( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (4) ،

____________________

1) سورة الرعد: 31.

2) سورة الرعد: 39.

3) سورة الحشر: 21.

4) سورة يس: 83.


فملكوت الجبل ليست له تلك القابلية والظرفية لنزول روح القدس عليه، بل لم تكن تلك القابلية في الأنبياء أُولي العزم كما تقدّمت الإشارة إليه، بل هي خاصّة بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته المطهّرين، كما سيأتي بيان ذلك.

ومنها: قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (1) ، ومن الواضح أنّ تبيان كلّ شي‏ء ليس في ظاهر المصحف المنزّل، وإنّما في الكتاب المبين في النشأة الغيبية أي روح القدس، ومن ثمّ تكرّر التعيير المشابه للوصف في سورة النحل وفي سورة الشورى، ونظير هذا الوصف في قوله تعالى:

( وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (2) ، فذكر أنّ فيه كلّ مغيّبات السماء والأرض وتقدير الحوادث، كما ذكر ذلك في سورة القدر والدخان، ونظيره قوله تعالى:

( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (3) ، وقوله تعالى:

( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (4) ، وقوله تعالى:

( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إلاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (5) ، وكذلك قوله تعالى:

( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (6) ، وقوله تعالى:

( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (7) .

ومن الظاهر أنّ هذه الإحاطة بتفاصيل كلّ الأشياء ليست في تفاصيل ظاهر

____________________

1) سورة النحل: 89.

2) سورة يونس: 61.

3) سورة هود: 6.

4) سورة النمل: 75.

5) سورة سبأ: 3.

6) سورة الأنعام: 38.

7) سورة الأنعام: 59.


التنزيل، وأنّما هو نعت للنشأة الغيبية لحقيقة الكتاب، ومِن ثمّ هذا الوصف بيّن ظرفه في أرواح الذين أوتوا العلم في قوله تعالى: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (1) ، وهذا ممّا يدلّ على التحام روح القدس مع من يتنزّل الروح عليه ليلة القدر ، وهم الذين يؤتون علم الكتاب كلّه.

ونعوت الوجود التنزيلي للقرآن وصفت في الآيات العديدة أنّه بلسان عربي مبين، كما في قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (2) ، فالتشابه وصف لظاهر التنزيل، بينما المبين كلّه وصف للكتاب المكنون؛ وإلاّ لو حُمِلَت النعوت على مرتبة واحدة من وجود القرآن - وهو ظاهر التنزيل - لتناقض الوصفان، فكيف يكون فيه متشابه ويكون مبيناً كلّه وتبياناً لكلّ شي‏ء؟

ومنها: وصْفُه بالكنّ والمجد، كقوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) (3) ، وقوله تعالى: ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) (4) ، فوصف الكرامة قريب من وصف المجد، ووصف المكنون قريب من وصف المحفوظ، ومعنى اللوح قريب من الكتاب.

ومن ثمّ وُصِف أيضاً بكونه: ( لاَ يَمَسُّهُ إلاّ الْمُطَهَّرُونَ ) (5) أي لا يصل إليه إلاّ من طهّره اللَّه، لا المتطهّر بالوضوء والغسل. ومن ثمّ وصف أيضاً بتنزيل من ربّ العالمين أي له وجود علوي.

____________________

1) سورة العنكبوت: 49.

2) سورة آل عمران: 7.

3) سورة الواقعة: 77 - 78.

4) سورة البروج: 21 - 22.

5) سورة الواقعة: 79.


الثقل الأكبر هو القرآن الناطق:

إذا تبينت الأُمور الثلاثة المتقدّمة من أنّ حقيقة القرآن هي روح القدس وتلك الحقيقة هي عين ذواتهم عليهم‌السلام ، وأنّ للقرآن مدارج ودرجات، وأنّ المصحف هو أنزل الدرجات، فهو القرآن النازل وهو تنزيل القرآن، وأمّا الدرجات العليا فهي حقيقة القرآن وهي أكثر عظمة وقدسية وبهاءً وسموّاً، وأنّ تلك الحقائق هي الثقل الأكبر، إذ كيف يكون الوجود النازل وهو المصحف أكبر من أُمّ الكتاب ومن الكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ شي‏ء، ومن اللوح المحفوظ والكتاب المكنون الذي لا يمسّه إلاّ المطهرون.

وتلك الحقائق الغيبية التي هي روح القدس مرتبطة وملتحمة مع أرواح الأئمّة عليهم‌السلام حقيقةً لا تنزيلاً واعتباراً، فالارتباط الحي الحيوي بروح القدس هو ذات الإمام عليه‌السلام ، فالثقل الباقي بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الأكبر لا محالة يكون الإمام والمصحف هو الأصغر، وعلى ذلك جملة من الشواهد:

الأوّل: ما ورد بنحو مستفيض ومتواتر أنّهم عليهم‌السلام القرآن الناطق، والمصحف هو القرآن الصامت، ولا ريب أنّ القرآن الناطق هو الثقل الأكبر؛ إذ الناطق أعظم شَرافة من الصامت، بل أنّ ملحمة صفّين الكبرى تُسطّر ملحمة عقائدية للأئمّة، في أنّ القرآن الناطق هو عليّ عليه‌السلام ، وأنّ المصحف قرآن صامت.

كما أنّ تلك الروايات المستفيضة في كونهم القرآن الناطق دلالة واضحة على هيمنة حجّيتهم على حجّية المصحف الشريف، أي حجّية ذواتهم الناطقة لا كلامهم المروي في الكتب الذي هو إمام صامت.

وفي الكافي روى فيما هو كالموثق عن مسعدة عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في حديث: (ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم، أُخبركم عنه: أنّ فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم وبيان ما أصبحتم فيه


تختلفون فلو سألتموني عنه لعلمتكم) (1) .

الثاني: ما رواه الشريف الرضي في كتابه خصائص الأئمّة بسند صحيح عن أبي موسى الضرير البجلي - وهو عيسى ابن المستفاد -، وهو وإن ضُعّف من النجاشي إلاّ أنّه مستندٌ في ذلك إلى تضعيف ابن الغضائري المتسرّع، والحال أنّ مضامين رواياته عالية المعارف، عن أبي الحسن عليه‌السلام في خطبة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله التي خطبها في مرضه، قال:

(يا معاشر المهاجرين والأنصار، ومن حضر في يومي هذا وساعتي هذه من الأنس والجنّ، ليبلغ شاهدُكم غائبَكم، ألا وأنّي قد خلّفت فيكم كتاب اللَّه، فيه النور والهدى، والبيان لِما فرض اللَّه تبارك وتعالى من شي‏ء، حجّة اللَّه عليكم وحجّتي وحجّة وليّي، وخلّفت فيكم العلم الأكبر، علم الدين ونور الهدى وضياءه، وهو عليّ بن أبي طالب، ألا وهو حبل اللَّه: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (2) .

أيّها الناس، هذا عليّ، من أحبّه وتولاّه اليوم وبعد اليوم فقد أوفى بما عاهد عليه اللَّه، ومن عاداه وأبغضه اليوم وبعد اليوم جاء يوم القيامة أصمّ وأعمى، لا حجّة له عند اللَّه،. .. وكلّ سُنّة وحديث وكلام خالف القرآن فهو زور وباطل، القرآن إمام هادٍ، وله قائد يهدي به، ويدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ) (3) .

ودلالة الرواية على أنّهم الثقل الأكبر في مواضع:

منها: وصف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ عليه‌السلام بأنّه العلم الأكبر، علم الدين في مقابل المصحف الشريف، مع تكراره صلى‌الله‌عليه‌وآله للأوصاف التي ذكرها لنعت القرآن، كأوصاف

____________________

1) الكافي، ج1، ص60.

2) سورة آل عمران: 103.

3) خصائص الأئمّة للسيد الرضي، ص72 - 74، طبعة آستان قدس رضوي.


لعليّ أيضاً.

ومنها: تخصيصه صلى‌الله‌عليه‌وآله حبل اللَّه بعليّ، مع أنّ المصحف الشريف حبل اللَّه، كما في الأحاديث الأُخرى إلاّ أنّ هذا التخصيص في هذه الرواية للتدليل على أنّه الحبل الأكبر.

ومنها: وصفه الكتاب بأنّه حجّة اللَّه على الناس، وحجّة الرسول، وحجّة الوصيّ، فجعلَ المصحف الشريف حجّة لِما هو مقام أعظم، وهو مقام اللَّه، ورسوله، ووليه.

ومنها: وصف عليّ عليه‌السلام بأنّه قائد للقرآن وأنّه الهادي به، مع أنّ القرآن إمام وهاد، فجُعلت القيمومة لعليّ على المصحف.

الثالث: إنّ المقابلة ليست بين كلام اللَّه تعالى وكلام المعصوم؛ إذ لا ريب أنّ كلام الخالق فوق كلام المخلوق، بل هي بين كلامَي الخالق، أي الكلام النازل، وهو تنزيل الكتاب، وكلامه تعالى في الكتاب المكنون واللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب.

ولك أن تقول: إنّ المقارنة ليست بين المصحف وكتب الحديث وروايات السنّة النبويّة وسنّة المعصومين؛ إذ لا ريب في عظمة المصحف على كتب الحديث؛ فالحديث يُعرض على الكتاب، وإن كان متشابه المصحف يُعرض على محكمات كلّ من الكتاب والسنّة، فمتشابه السنّة يُعرض على محكمات الكتاب والسنّة، وكذلك الحال في متشابهات العقل في القضايا النظرية تُعرض على محكمات الكتاب والسنّة وبديهيات العقل.

فليس المقارنة بين الكتاب والمصحف العزيز وكتاب الحديث، وإنّما المقارنة هي بين المصحف وذات الإمام المعصوم نفسه عليه‌السلام ، وقد وصف المصحف العزيز بأنّه القرآن الصامت، أي الذي لا ينطق بنفسه في مقام التطبيق وتفاصيل الوقائع ولا متشابه الأُمور، بخلاف ذات المعصوم، فإنّها وصفت بالقرآن الناطق؛ لأنّ ذات


المعصوم تلتحم بذات الكتاب وأُمّ الكتاب والكتاب المبين.

فدرجات القرآن العليا التي هي جزء ذات المعصوم قرآن ينطق، فيرفع المتشابه في الأُمور، ويكون تلاوة للكتاب حقّ تلاوته، أي يتلو الآية ويطبّقها وينزل تطبيقها في حقّ المورد التي يجب أن تطبّق فيه.

وكذلك الحال في المقارنة بين ذات الإمام وكتب الحديث، فإنّ ذات الإمام إمام ناطق وكتب الحديث إمام صامت، ومن ثمّ لا يُستغنى بتراث حديث النبيّ وأهل بيته عليهم‌السلام عن وجود الإمام المهدي (عج).

وبهذا يتّضح أنّ المقارنة ليس بين كلام اللَّه وكلام المعصوم، بل المقارنة بين كلامَي اللَّه، فإنّ ذات المعصوم هو كلام اللَّه حقيقة، ألا ترى الإشارة في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) (1) ، وقوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ.. ) (2) .

فأطلق على عيسى عليه‌السلام أنّه كلمة اللَّه. وأيضاً لاحظ التعبير في قوله تعالى لزكريا: ( أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) (3) ، أي مصدّقاً بعيسى بن مريم، والتعبير في قوله تعالى في شأن مريم: ( وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ ) (4) ، فقوبل هنا بين الكلمات والكتب.

رابعاً: قد يُعترض على جعل أهل البيت الثقل الأكبر في مقابل المصحف الكريم، بأنّه مخالف للحديث النبويّ المستفيض وهو الوصية بالتمسّك بالثقلين، فإنّ الحديث وإن كان متواتراً إلاّ أنّ ما ورد فيه بلفظ الأكبر والأصغر هو في جُلّ الطرق لا كلّها.

____________________

1) سورة آل عمران: 45.

2) سورة النساء: 171.

3) سورة آل عمران: 39.

4) سورة التحريم: 12.


منها: ما رواه الشيخ المفيد في المجالس بسنده عن أبي جعفر عليه‌السلام ، عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (يا أيّها الناس، إنّي تارك فيكم الثقلين... سببٌ طرفه بيد اللَّه وطرف بأيديكم تعملون فيه... ألا وهو القرآن والثقل الأصغر أهل بيتي. ثمّ قال: وايمُ اللَّه إنّي لأقول لكم هذا ورجالٌ في أصلاب أهل الشرك أرجى عندي من كثير منكم) (1) .

وروى في البحار أيضاً عن تفسير القمّي وغيره قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أما وأنّي سائلكم عن الثقلين كتاب اللَّه الثقل الأكبر، طرفٌ بيد اللَّه وطرفٌ بأيديكم فتمسّكوا به) (2) .

وروى أيضاً في البحار عن تفسير العياشي، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (الثقل الأكبر كتاب اللَّه سبب بيد اللَّه وسبب بأيديكم فتمسّكوا به لن تهلكوا أو تضلّوا، والآخر عِترتي، وأنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض) (3) .

وروى في البحار أيضاً عن كتاب النشر والطي، عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أيّها الناس، إنّي تارك فيكم الثقلين: الثقل الأكبر كتاب اللَّه عزّ وجلّ، طرفٌ بيد اللَّه تعالى وطرفٌ بأيديكم فتمسّكوا به، والثقل الأصغر عِترتي أهل بيتي؛ فإنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، كإصبعيّ هاتين - وجمع بين سبابتيه - ولا أقول كهاتين - وجمع بين سبابته والوسطى - فتفضل هذه على هذه) (4) .

وروى في بصائر الدرجات عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: (الثقل الأكبر كتاب اللَّه سببٌ طرفه بيد اللَّه وسببٌ طرفه بأيديكم) (5) .

وروى في الخصال عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله قوله: (أمّا الثقل الأكبر فكتاب اللَّه عزّ وجلّ سببٌ ممدود

____________________

1) بحار الأنوار، ج12، ص475، نقلاً عن مجالس المفيد، والأمالي للصدوق، ص134.

2) البحار، ج23، ص129، و: ج36، ص328، و: ج89، ص27، تفسير القمّي، ج1، ص3.

3) بحار الأنوار،ج37، ص141، تفسير العيّاشي، ج1، ص4.

4) البحار، ج37، ص128.

5) بصائر الدرجات، ص414.


من اللَّه ومنّي في أيديكم، طرفه بيد اللَّه والطرف الآخر بأيديكم، فيه علم ما مضى وما بقي إلى أن تقوم الساعة، وأمّا الثقل الأصغر فهو حليف القرآن وهو عليّ بن أبي طالب وعِترته، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض) (1) .

وتوضيح دفع الاعتراض:

أوّلاً: إنّ كلّ هذه الروايات قد وصفت الكتاب أو القرآن بالثقل الأكبر، فلم تأت بلفظ المصحف والكتاب، القرآن كما يطلق على المصحف يطلق على أُمّ الكتاب وعلى الكتاب المبين وعلى اللوح المحفوظ وعلى روح القدس، كما تقدّم ذلك مفصّلاً في استعمالات آيات السور والاستعمال الروائي، فالكتاب أو القرآن ذو درجات ومقامات متعدّدة.

ثانياً: القرينةُ على إرادة تلك المقامات العالية من لفظ الكتاب والقرآن في طرق حديث الثقلين الموصوف بالثقل الأكبر، وأنّه ليس المراد به مجرّد المصحف الشريف، وصف صلى‌الله‌عليه‌وآله القرآن بأنّه سببٌ أحد طرفيه بيد اللَّه والطرف الآخر بيد الناس، ومثله توصيفه بأنّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، ممّا يدلّل على أنّ الموصوف بالثقل الأكبر هو الدرجات الغيبية، كروح القدس وأُمّ الكتاب، وهي الطرف الذي بيد اللَّه، فتكرار هذا الوصف بأنّ له طرفان تأكيد على كون أنّ وصف الأكبرية هي بلحاظ الطرف الذي بيد اللَّه.

ثالثاً: إنّه ورد في عدّة طرق من ألفاظ الحديث الشريف أنّهما لن يفترقا كإصبعيَّ هاتين، وجمع صلى‌الله‌عليه‌وآله بين سبابتيه، وليس كهاتين وجمع صلى‌الله‌عليه‌وآله بين سبابته والوسطى، وعلّل صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك لئلاّ يفضّل أحدهما على الآخر ممّا يقضي بالتساوي، وأنّ الأكبرية هي بلحاظ الطرف الذي بيد اللَّه.

____________________

1) الخصال، ج1، ص65.


رابعاً: إنّه قد ورد في ألفاظ الحديث وصف مجموع الثقلين بأنّه حبل اللَّه الممدود بينه وبين خلقه، ممّا يقضي بأنّ مجموع الثقلين هما حبل واحد باطنهما متّحد كحبل نوري واحد.

وقد تقدّم دلالة الآيات المتعرّضة لحقيقة ليلة القدر وإنزال روح القدس على العترة المطهّرة وتأييد أرواحهم به، كما في قوله تعالى: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (1) ، وغيرها من الآيات.

ففي ما رواه النعماني في الغيبة من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (ألاَ وأنّي مخلّف فيكم الثقلين: الثقل الأكبر القرآن، والثقل الأصغر عِترتي أهل بيتي، هُما حبل اللَّه، ممدودٌ بينكم وبين اللَّه عزّ وجلّ، ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا، سببٌ منه بيد اللَّه وسببٌ بأيديكم، إنّ اللطيف الخبير قد نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض كإصبعي هاتين - وجمع بين سبابتيه -، ولا أقول كهاتين - وجمع بين سبابته والوسطى - فتفضّل هذه على هذه) (2) ، وصفٌ في لفظ هذا الطريق لكلٍّ من الثقلين بأنّهما حبل اللَّه الممدود.

كما وصف صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ كلاًّ من الثقلين طرف منه بيد اللَّه وطرف منه بيد الناس، كما أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قرنهما بجمع السبابتين لا بجمع السبابة والوسطى؛ لئلاّ تفضل هذه على هذه.

فكلّ ذلك يؤكّد أنّ الأكبرية هي بلحاظ الطرف الغيبي في كلّ من المصحف والعِترة ممّا ينتهي إلى يد اللَّه وقدرته، ويزيدك وضوحاً في هذا المعنى أنّه قد ورد مستفيضاً وصْف عليّ والعِترة بأنّهم حبل اللَّه، نظير ما رواه النعماني أيضاً وبسنده عن عليّ بن الحسين عليهما‌السلام قال:

(كان رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم جالساً ومعه أصحابه في المسجد، فقال: يطلع عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنّة يسأل عمّا يعني. فطلع رجل طويل، يشبّه برجال مضر، فتقدّم وسلم على رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: يا رسول اللَّه، إنّي

____________________

1) سورة غافر: 15.

2) الغيبة للنعماني، ص43.


سمعت اللَّه عزّوجلّ يقول فيما أنزل: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ) (1) ، فما هذا الحبل الذي أمرنا اللَّه بالاعتصام به وأن لا نتفرّق عنه؟ فأطرق رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ملياً، ثمّ رفع رأسه وأشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وقال: هذا حبل اللَّه الذي من تمسّك به عُصم في دنياه ولن يضلّ به في آخرته. فوثب الرجل إلى عليّ عليه‌السلام فاحتضنه من وراء ظهره، وهو يقول: اعتصمت بحبل اللَّه وحبل رسوله، ثمّ قام فولّى وخرج) (2) .

وقد عقد النعماني باباً خاصّاً (3) في ذلك، كما روى غيره من المحدّثين من الخاصّة والعامّة مثل ذلك (4) .

وهذه الأحاديث المستفيضة أو المتواترة شاهدة على أنّ وصف الحبل في حديث الثقلين هو لمجموع الثقلين، والحبل كناية أنّ الثقلين لهما امتداد ممدود من عند اللَّه في النشأة الغيبية إلى أن يصل ممتدّاً إلى ما هو ظاهر بين يدي الناس وهو المصحف والعِترة، كما أنّ توصيف جملة من الأحاديث في الثقل الأصغر كالذي رواه في العدد القوية من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (معاشر الناس، أنّ عليّاً والطيبين من وُلده هو الثقل الأصغر، والقرآن هو الثقل الأكبر) (5) .

ومثل ما رواه ابن طاووس في اليقين عن عليّ عليه‌السلام قوله: (يا ابن عبّاس، ويلٌ لمن ظلمني ودفع حقّي وأذهب عنّي عظيم منزلتي، أين كانوا أولئك وأنا أُصلّي مع رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله صغيراً لم يكتب عليّ صلاة، وهم عبدة الأوثان، وعصاة الرحمن، ولهم يوقد

____________________

1) سورة آل عمران: 103.

2) الغيبة للنعماني، ص42.

3) الغيبة للنعماني، ص39.

4) قد ذكر السيد المرعشي في ملحقات إحقاق الحقّ هذا الحديث، وهو وصف عليّ وأهل البيت بحبل اللَّه، عن مصادر غفيرة، فلاحظ: ج4، ص285 - 288، و: ج14، ص384 - 521، و: ج13، ص385 و48، و: ج18، ص 28، و535 و541، وغيره من المجلّدات، لاحظ الفهرس مادّة ح ب ل.

5) العدد القوية، ص174.


النيران؟! فلمّا قرب إصعار الخدود، وإتعاس الجدود، أسلموا كرهاً، وأبطنوا غير ما أظهروا؛ طمعاً في أن يُطفئوا نور اللَّه بأفواههم، وتربّصوا انقضاء أمر رسول اللَّه وفناء مدّته، لمّا أطمعوا أنفسهم في قتله ومشورتهم في دار ندوتهم، قال اللَّه عزّ وجلّ: ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (1) و: ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ لاَ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) . .. ولولا اتّقائي على الثقل الأصغر أن يُبيد، فينقطع شجرة العلم وزهرة الدنيا وحبل اللَّه المتين وحصنه الأمين وُلد رسول ربّ العالمين...) الحديث (3) .

وروى ابن طاووس في التحصين بسنده... قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (يا معاشر الناس، أمرني جبرئيل عليه‌السلام عن اللَّه تعالى... أن أعلمكم أنّ القرآن الثقل الأكبر، وأنّ وصييّ هذا وابناي ومَن خلفهم مِن أصلابهم حاملاً وصاياهم الثقل الأصغر، يشهد الثقل الأكبر للثقل الأصغر، ويشهد الثقل الأصغر للثقل الأكبر، كلّ واحد منهم ملازم للآخر...) (4) .

وأخرج في البحار عن... بسنده عن الكاظم، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في حال مرضه، قال: (... أصحاب الكساء الخمسة، أنا سيدهم ولا فخر، عِترتي أهل بيتي السابقون المقرّبون يسعد من اتّبعهم... اسودّت وجوه قوم وردوا ظماء مظمّئين إلى نار جهنّم، مزّقوا الثقل الأوّل الأعظم وأخّروا الثقل الأصغر، حسابهم على اللَّه) (5) .

وما روى المجلسي في البحار: (... قال أمير المؤمنين: يا كميل نحن الثقل الأصغر والقرآن الثقل الأكبر وقد أسمعهم رسول اللَّه...) (6) .

____________________

1) سورة آل عمران: 54.

2) سورة التوبة: 32.

3) اليقين، ص324.

4) التحصين، ص582، وكذلك رواه ابن فتال في روضة الواعضين، ج1، ص94.

5) البحار، ج22، ص495.

6) البحار، ج74، ص276، وبشارة المصطفى، ص29.


وكذلك روى المجلسي في البحار: (ألَم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر وركزت فيكم الإيمان) (1) .

وهذا النمط من ألفاظ حديث الثقلين هو الآخر فيه جملة من القرائن الدالّة على أنّ نعت الأكبر أو الأعظم هو ليس مقتصر على المصحف الشريف، بل هو نعت للكتاب والقرآن، وهما اسمان - كما تقدّم - صادقان في الدرجة الأولى على الوجود الغيبي للقرآن، وهو أُمّ الكتاب، والكتاب المبين، واللوح المحفوظ، وروح القدس، ومن مراتبه النازلة المصحف الشريف، وهذه المراتب العالية كما هي متنزّلة في ألفاظ المصحف الشريف بنحو الوجود اللفظي وفي معانيه بطور عالم المعاني، فهو متنزّل أيضاً - أي: روح القدس - بحقيقته ووجود التكويني لا الاعتباري على العِترة كما تقدّم مبسوطاً في دلالة الآيات والروايات من الفريقين على ذلك.

وهذا التنزّل يجعل من العِترة قرآناً ناطقاً، بينما المصحف الشريف قرآناً صامتاً يستنطق، أي في مقام التطبيق للإرادات الإلهية في الموارد والحوادث الواقعة حين بعد حين إلى يوم القيامة، وهو أحد معاني التأويل، ويكون تطبيق العِترة بنطق قرآني وإشراف من روح القدس الذي هو حقيقة القرآن، بخلاف المصحف الشريف؛ فإنّ أخذ الأُمّة به لتطبيقه من دون العِترة استنطاق منهم ظنّي، وتطبيق ظنّي أيضاً.

فنعت الأكبر صفة للحبل الممدود من اللَّه، طرفه بيده وتنزّله منشَعِب إلى المصحف والعِترة الطاهرة. ومن القرائن التي تقدّمت من الروايات أيضاً أنّ أمير المؤمنين مع وصفه للعِترة بالثقل الأصغر إلاّ أنّه وصفهم أيضاً بشجرة العلم وحبل

____________________

1) البحار، ج24، ص209.


اللَّه المتين، وهو تأكيد على أنّ التسمية بالثقل الأصغر هو في مقابل الكتاب في درجاته العالية، كأُمّ الكتاب واللوح المحفوظ وروح القدس، ولأجل تنزّله عليهم وراثةً عن رسول اللَّه وصفوا بأوصاف الثقل الأكبر، وهو كونهم حبل اللَّه المتين، مع أنّ الحبل ذو طرفين كما مرّ. وكذلك وصفهم بشجرة العلم فإنّه للدلالة على الامتداد من الأرض إلى سماء الغيب، فالنعت بالأصغر بلحاظ أنّهم أوعية لنزول القرآن، وهم قرآن ناطق بلحاظ أنّ النازل عليهم هو الأكبر.

ومن القرائن أيضاً: أنّ الثقل الأوّل الأعظم الذي مُزّق ليس المراد منه مجرّد المصحف الشريف، إنّما يُراد منه عدم العمل بالكتاب، وقد تقدّم أنّ التطبيق الوحياني للكتاب إنّما يحصل بتوسّط العِترة بتنزّل روح القدس. نعم، يبقى لتطبيق المصحف بحدود دائرة المحكمات في حال كون الموارد والحوادث بيّنة الوجه أنّه تطبيق يقيني.

روى العيّاشي عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال:

(إنّما مثل عليّ عليه‌السلام ، ومثلنا من بعده من هذه الأُمّة، كمثل موسى عليه‌السلام والعالم حين لقيه واستنطقه وسأله الصحبة، فكان من أمرهما ما اقتصّه اللَّه لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابه، ذلك أنّ اللَّه قال لموسى: ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَلاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (1) ، ثمّ قال: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (2) . وقد كان عند العالم علم لم يُكتب لموسى في الألواح، وكان موسى يظنّ أنّ جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته، وجميع العلم قد كُتب له في الألواح، كما يظنّ هؤلاء الذين يدّعون أنّهم فقهاء وعلماء وأنّهم قد أثبتوا جميع العلم والفقه في الدين ممّا تحتاج هذه الأُمّة إليه، وصحّ لهم عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلموه وحفظوه،

____________________

1) سورة الأعراف: 144.

2) سورة الأعراف: 145.


وليس كلّ علم رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله علموه، ولا صار إليهم عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا عرفوه؛ وذلك أنّ الشي‏ء من الحلال والحرام والأحكام يرد عليهم فيُسألون عنه ولا يكون عندهم فيه أثر عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويستحون أن ينسبهم الناس إلى الجهل، ويكرهون أن يُسألوا فلا يجيبوا فيطلب الناس العلم من معدنه.

فلذلك استعملوا الرأي والقياس في دين اللَّه، وتركوا الآثار ودانوا اللَّه بالبدع، وقد قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : كلّ بدعة ضلالة، فلو أنّهم إذا سُئلوا عن شي‏ء من دين اللَّه، فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول اللَّه، ردّوه إلى اللَّه وإلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم، لَعَلِمه الذين يستنبطونه منهم من آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله . والذي منعهم من طلب العلم منّا العداوة والحسد لنا.

لا واللَّه ما حسد موسى عليه‌السلام العالم، وموسى نبيّ اللَّه، يوحي اللَّه إليه حيث لقيه واستنطقه وعرّفه بالعلم، ولم يحسده كما حسدتنا هذه الأُمّة بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله على ما عَلِمناه وما ورثناه عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يرغبوا إلينا في عِلمنا كما رغب موسى عليه‌السلام إلى العالِم وسأله الصحبة ليتعلّم منه ويرشده، فلمّا أن سأل العالِم ذلك، عَلِم العالم أنّ موسى عليه‌السلام لا يستطيع صُحبته، ولا يحتمل عِلْمه ولا يصير معه، فعند ذلك قال العالم: ( كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) (1) .

فقال موسى عليه‌السلام له - وهو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله -: ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ) (2) ، وقد كان العالِم يعلم أنّ موسى عليه‌السلام لا يصبر على عِلمه، فكذلك واللَّه، يا إسحاق بن عمّار، حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم، لا يحتملون واللَّه عِلْمَنا، لا يقبلوه، ولا يطيقونه، ولا يأخذون به، ولا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى عليه‌السلام على عِلم العالِم حين صَحبه ورأى ما رأى من عِلمه، وكان ذلك عند

____________________

1) سورة الكهف: 68.

2) سورة الكهف: 69.


موسى عليه‌السلام مكروهاً وكان عند اللَّه رضاً وهو الحقّ، وكذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخذ وهو عند اللَّه الحقّ) (1) .

يشير الإمام عليه‌السلام في هذه الرواية إلى أنّ العلم بالكتاب المبين ليس هو مجرّد العلم بالمصحف الشريف كي يظنّ مَن ألَمَّ بالمصحف الشريف أنّه قد استغنى عن علم أهل البيت عليهم‌السلام ، مع أنّ الإحاطة بكلّ المصحف ومحتملاته وتناسبات الآيات مجموعها ضمن منظومة مترامية لا تقف عند حدٍّ مفاداً وعدداً.

وبعبارة أُخرى: أنّه وصف القرآن في أُمّ الكتاب، وفي اللوح المحفوظ، والكتاب المبين، وروح القدس، بأوصافٍ تختلف عن أوصاف المصحف الشريف، ومن ذلك يتبيّن أنّ نعت الأكبرية للثقل إنّما هي بلحاظ الكتاب المبين وأُمّ الكتاب واللوح المحفوظ، لا بِلحاظ مجرّد المصحف الشريف.

ومن الواضح أنّه لا سبيل للناس في الوصول إلى ما في الكتاب المبين وأُمّ الكتاب واللوح المحفوظ إلاّ عن طريق أهل البيت الذين يحيطون بذلك ويمسّونه، لا الاقتصار على مجرّد المصحف الشريف، وقد ذكر في المصحف الشريف أوصاف الكتاب المبين كما ذكر نعت من يحيط به علماً.

أمّا النعت الأوّل كقوله تعالى: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ) (2) ، ممّا يدلّ على إحاطة الكتاب بكلّ شي‏ء، وهذا وصف القرآن بالكتاب المبين. وكذلك قوله تعالى: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبينٍ ) (3) ، وقوله تعالى: ( وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي

____________________

1) البرهان، ج5، ص54 - 55، في ذيل آية 82 من سورة الكهف، عن تفسير العيّاشي، ج2، ص357.

2) سورة الأنعام: 38.

3) سورة الأنعام: 59.


السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (1) .

وقوله تعالى: ( يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ) (3) ، وقوله تعالى: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (4) ، وقوله تعالى: ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) (5) ، وأثر التصدع إنّما هو نعت لذلك الوجود من القرآن الكريم.

وقوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ) (6) ، فنعت قدرة تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وإحياء الموتى، وصِفٌ للقرآن بِلحاظ ذلك الوجود.

ومن الواضح أنّ نعت الأكبر مناسب وأنسب لهذا المقام من القرآن، وأنّ المصحف الشريف والعِترة الطاهرة هما السبب الذي بيد الناس من الحبل المتين الممدود، والطرف الآخر من هذا الحبل، الذي بيد اللَّه، هو أُمّ الكتاب، والكتاب المبين، واللوح المحفوظ، وروح القدس، والنعت بالأكبر هو بِلحاظ الطرف الذي بيد اللَّه، وبالأصغر الطرف الذي بيد الناس، ومن المعلوم تنزّل هذا الأكبر بنحوٍ ينطق في الحوادث، ويكون نزولاً وتنزيلاً لكلّ مورد وحدث بنحو وحياني لدنّي لا يحتمل الخطأ والزلل، إنّما هو بتوسّط العِترة، وإن كانت محكمات المصحف باقية على وصف أنّها تنزّل لأُمّ الكتاب.

أمّا النعت الثاني وهو ورود القرآن بنعت من يحيط بأُمّ الكتاب والكتاب المبين واللوح المحفوظ وروح القدس، كما في قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ

____________________

1) سورة يونس: 61.

2) سورة الرعد: 39.

3) سورة النحل: 89.

4) سورة النمل: 75.

5) سورة الحشر: 21.

6) سورة الرعد: 31.


مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (1) ، والمطهّرون الذين شهد لهم القرآن بالطهارة وهم أهل آية التطهير: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (2) ، وعرّفهم تعالى في آية أُخرى حيث قال: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (3) . وهذه الآية تفسّر قوله تعالى المتقدّم: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (4) ؛ حيث إنّ الآية الكريمة تصرّح بأنّ الكتاب بجملته آيات بينات في صدورهم، مع أنّ المصحف الشريف نُعِت بأنّ منه آيات محكمات وأُخر متشابهات، بينما وصف الكتاب الذي في صدورهم بأنّه بتمامه آيات بينات.

وروى الكُليني بسندٍ معتبرٍ عن الحسن بن العبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني عليه‌السلام ، قال: (قال أبو عبد اللَّه عليه‌السلام : بينا أبي عليه‌السلام يطوف بالكعبة إذ رجل معتجر قد قيض له).

ثمّ ذكر مسائلة إلياس النبيّ للإمام الباقر عليه‌السلام عن حقيقة علم سيد الأنبياء وعلم أوصياءه، وحقيقة العلم المتنزَّل ليلة القدر من أُمّ الكتاب والكتاب المبين، وأنّه يتنزّل على الوصيّ حجّة اللَّه في أرضه، حيث قال الباقر عليه‌السلام :

(أَبَى اللَّه عزّ وجلّ بعد محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يُترك العباد ولا حجّة عليهم، قال أبو عبد اللَّه عليه‌السلام : ثمّ وقف فقال: ها هنا يا ابن رسول اللَّه بابٌ غامضٌ، أرأيت إن قالوا: حجّة اللَّه القرآن؟ - أي: المصحف - قال: إذن أقول لهم: إنّ القرآن ليس بناطق يأمر وينهي، ولكن للقرآن أهلٌ يأمرون وينهون، وأقول: قد عَرَضت لبعض أهل الأرض مصيبة ما هي في السنّة، والحكم الذي ليس فيه اختلاف

____________________

1) سورة الواقعة: 77 - 80.

2) سورة الأحزاب: 33.

3) سورة العنكبوت: 49.

4) سورة النحل: 89.


وليست في القرآن - أي: المصحف - أبى اللَّه لعلمه بتلك الفتنة أن تظهر في الأرض وليس في حكمه رادّ لها ومفرّج عن أهلها، فقال: ها هنا تّفْلِجون يا ابن رسول اللَّه، أشهد أنّ اللَّه عزّ ذكره قد عَلم بما يصيب الخلق من مصيبة في الأرض أو في أنفسهم من الدين، أو غيره، فوضع القرآن دليلاً. قال:

فقال الرجل: هل تدري يا ابن رسول اللَّه دليل ما هو؟

قال أبو جعفر عليه‌السلام : نعم، فيه جمل الحدود وتفسيرها عند الحكم.

فقال: أَبَى اللَّه أن يصيب عبداً بمصيبة في دينه أو في نفسه أو في ماله ليس في أرضه من حكمه قاض بالصواب في تلك المصيبة. قال:

فقال الرجل: أمّا في هذا الباب فقد فلجتهم بحجّة إلاّ أن يفترى خصمكم على اللَّه فيقول: ليس للَّه جلّ ذكره حجّة...) (1) .

فبين‏ عليه‌السلام أنّ حجّية المعصوم الناطق مهيمنة - رتبةً - على حجّية المصحف.

____________________

1) الكافي، ج1، ص 246.



على مَنْ يتنزّل الروح والملائكة في ليلة القدر؟

لا ريب أنّ ليلة القدر كانت تتنزّل على خاتم الأنبياء؛ كما هو نصّ القرآن الكريم في قوله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (1) ، أي أنزلنا القرآن، وكذا سورة الدخان، من قوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) (2) ، وقوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) (3) ، وهو النزول لجُملة القرآن وحقيقته كما تقدّم بيانه، والذي هو الروح النازل ليلة القدر روح القدس.

كما أنّه بمقتضى روايات الفريقين ، التي مرّ استعراضها، كانت تتنزّل على الأنبياء السابقين منذ آدم عليه‌السلام إلى نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وهو مقتضى الأدلّة العقلية ؛ حيث إنّ عالم ولوح القضاء والقدر وإمضائه في عالم الدنيا ونشأة الأرض وعالم المادّة الغليظة لابدّ أن يطوي هذه المراحل، فهذه السلسلة التكوينية من العوالم، كما هو محرّر في مباحث الحكمة الإلهية، لا يختصّ بزمان دون آخر، بل هو من السنن الإلهية في عوالم الخِلقة، فمقتضاها الاستمرار من بدء الخلقة البشرية إلى يوم القيامة، فهذا الدليل العقلي يقضي‏ باستمرار وجود من تتنزّل عليه ليلة القدر إلى يوم القيامة بعد سيد الأنبياء، وهذا المعنى هو الذي

____________________

1) سورة القدر: 1.

2) سورة الدخان: 1 - 3.

3) سورة البقرة: 185.


نشاهده بوضوح من دلالة النصّ والسور القرآنية العديدة كحقيقة قرآنية بيّنة، وكذلك في روايات الفريقين كما مرّت الإشارة إلى ذلك.

أمّا الآيات القرآنية الدالّة على الاستمرار، فمضافاً إلى الضرورة بين المسلمين على استمرار ليلة القدر، يقع الكلام في معرفة من تتنزّل ليلة القدر عليه بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فهنا جانبان من البحث:

الأوّل: في استمرار ليلة القدر.

الثاني: على من تتنزّل ليلة القدر بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

والآيات تفيد كلا الجانبين، كقوله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) (1) ، فالتعبير - بتنزّل - جملة فعلية بالفعل المضارع الدالّة على الاستمرار، وكذا قوله في سورة الدخان: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (2) ، بنفس التقريب المتقدّم، فإنّه قد وصف الليلة المباركة التي يتنزّل فيها بالجملة الفعلية بالفعل المضارع، وإنّ شأن هذه الليلة على الدوام أن يُفرق فيها كل أمر حكيم، وأن يُرسل فيها الروح إلى من يصطفيه اللَّه من عباده في الأرض.

نزول الروح وحيٌ رباني:

وأمّا الثاني: كما أنّ نزول الروح والملائكة من كلّ أمر - أي بكلّ أمر - يقتضي وجود من تُرسل إليه تقادير الأُمور، إذ لا يعقل إرسال من دون مرسَل إليه، بعد تصريح سورة الدخان، وغيرها، بأنّه إرسال كما هو إنزال، وتصريحها بالمرسل به

____________________

1) سورة القدر: 4.

2) سورة الدخان: 1 - 5.


والمرسل، فلابدّ من وجود مرسل إليه، مع أنّ الآيات الأُخرى صرّحت بالمرسل إليه.

وبعبارة أُخرى: إنّ نزول الروح في استعمال القرآن هو نمط من الوحي الإلهي في القرآن الكريم، ومصطلح قرآني دالّ على الوحي، وإن كانت أقسام الوحي الإلهي في القرآن الكريم غير منحصرة بالوحيّ النبوي، كما في مورد مريم، وأُمّ موسى، وذي القرنين، وطالوت، وصاحب موسى - الخضر -، وغيرها من الموارد.

ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (1) ، فلم يخصّص التكليم الإلهي بالأنبياء والرُسل، بل عمّم إلى المصطفَين والحُجَج من البشر، كما هو الحال في مريم، وأُمّ موسى.

وقد عبّر عن الوحي بنزول الروح في قوله تعالى: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) (2) ، وقوله تعالى: ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ أَلأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ ) (3) ، وإن كانت هذه الآية تشير إلى النزول الثاني للقرآن وهو تنزيل المعاني والألفاظ، لكنّه تعبير عن الوحي، وكذا قوله تعالى: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (4) ، فنزول الروح اصطلاح قرآني للوحي وإن لم يكن وحياً نبوياً.

وهذا يعني أنّ في ليلة القدر من كلّ عام يقع هذا الوحي الإلهي والنزول، ومن ثمّ عبّر تعالى في سورة الدخان: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (5) بالإرسال، أي أنّ هذا الروح الأمري مرسل من قِبله تعالى إلى مُرسَل إليه من

____________________

1) سورة الشورى: 51.

2) سورة النحل: 102.

3) سورة الشعراء: 193 - 194.

4) سورة البقرة: 97.

5) سورة الدخان: 1 - 5.


البشر، كما في ذيل آية الشورى من قوله تعالى: ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) (1) ، فسورة الدخان أيضاً تدلّ على أنّ في ليلة القدر هناك وحي إلهي، عبّرت عنه بالقول: ( إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) ، وكذلك في قوله تعالى في سورة النحل: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ ) (2) ، فصرّحت الآية الكريمة بأنّ نزول الروح هو على من يشاء اللَّه أي من يصطفيه لذلك من العباد من دون التقييد بالنبوّة.

فهذا النزول للروح هو وحي، وهو نازل على من يشاء ويصطفيه من عباده، وكذا قوله تعالى في سورة غافر: ( ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (3) ، وإلقاء الروح الأمري عبارة عن نزوله وإرساله، نظير التعبير بقوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ) (4) وجعل في الآية الملقى إليه الروح هو من يشاء ويصطفي من عباده من دون التقييد بعنوان النبوّة والرسالة والاصطفاء، فقد تعلّق بمريم، كما تعلّق بطالوت، الإمام غير النبيّ في سورة البقرة في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ ) (5) .

قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) (6) الضمير في ( جَعَلْنَاهُ نُورًا ) الظاهر عوده إلى الروح الأمْري؛ إذ لو كان يعود إلى الروح الذي هو مبتدء الكلام في الآية، ويكون المراد أنّ الروح الأمري يجعله اللَّه نوراً ويوحي ويهدي به من يشاء من عباده ويصطفيهم لذلك فيحصل لهم العلم ودراية الكتاب والإيمان.

والحاصل: أنّ تعميمه تعالى إلى من يوحى إليه الروح الأمري غير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

1) سورة الشورى: 51.

2) سورة النحل: 2.

3) سورة غافر: 15.

4) سورة الشورى: 52.

5) سورة البقرة: 247.

6) سورة الشورى: 52.


يدلّ على عموم ظرف الإيحاء للحجج المصطفين من العباد، الإيحاء والوحي به، وقد قرّر في روايات الفريقين كما هو ظاهر سورة القدر والدخان، أنّ هذا الوحي غير مرتبط بوحي النبوّة والرسالة، وإنّما هو وحي إلهي مرتبط بتقدير الأُمور وقضائها وإبرامها الذي هو من تأويل الكتاب، وقد عبّر في سورة النحل بأنّ هذا النزول والوحي الإلهي غير النبويّ هو على من يشاء من عباده، فعبّر بلفظ عباده ولم يؤت بلفظ أنبيائه أو رسله؛ للدلالة على العموم عموم المصطفَين الذين اختارتهم المشيئة الإلهية لذلك.

ومقتضى ذلك وجود ثلّة في هذه الأُمّة بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله تتنزّل عليهم الروح ليلة القدر، وقد أُشير إليهم في سورة الواقعة والأحزاب حيث قال تعالى:

( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (1) ، فأخبر أنّ القرآن الذي في الكنّ محفوظ كما في سورة البروج من قوله تعالى:

( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) (2) ، فأخبر تعالى أنّ القرآن الذي في اللوح المحفوظ والكتاب المكنون لا يمسّه ولا يصل إليه إلاّ المطهّرون، لا المتطهّرون بالوضوء والغسل، بل المطهَّرون من قِبله تعالى بنصّ آية التطهير في سورة الأحزاب: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (3) .

فيتبيّن من ضمّ الآيات بعضها إلى بعض أنّ من يتنزّل عليه الروح الأمري من يشاء اللَّه ويصطفيه من عباده - كما في سورة النحل - وهم أهل آية التطهير، فإنّهم يمسّون الكتاب في ليلة القدر في الليلة المباركة.

____________________

1) سورة الواقعة: 77 - 80.

2) سورة البروج: 21 - 22.

3) سورة الأحزاب: 33.


نسب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته هو سورة القدر:

حيث يتبيّن ممّا مضى أنّ روح القدس الذي هو القرآن الكريم كما هو ملتحم بروح النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كذلك ملتحم بروح أوصياء النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من بعده واحد بعد آخر، حيث يتنزّل عليهم الروح ليلة القدر، بل أنّ ظاهر سورة النحل عدم اختصاص التنزّل عليهم بليلة القدر، وقد أشارت إلى ذلك جملة من الروايات عنهم عليهم‌السلام ، فهذا النزول والوحي بهذا الروح لهم هو المعرّف لهويتهم ونسبهم الروحي لشخصية ذواتهم ونسب مقام ذاتهم عليهم‌السلام .

في صحيحة ابن أُذينة التي رواها الكافي عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، في صلاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في السماء في حديث الإسراء، قال عليه‌السلام :

(ثمّ أوحى اللَّه عزّ وجلّ إليه: اقرأ يا محمّد نسبة ربّك تبارك وتعالى: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * أَللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (1) ، وهذا في الركعة الأُولى... ثمّ أوحى اللَّه عزّ وجلّ إليه: أقرأ: بالحمد للَّه، فقرأها مثل ما قرأ أوّلاً، ثمّ أوحى اللَّه عزّ وجلّ إليه: اقرأ ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ) فإنّها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة) (2) ، وروى مثله في علل الشرائع، وغيرها من الروايات.

فهذا التعريف لهوية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأهل بيته عليهم‌السلام ، هو نظير تعريف الإنسان بالنطق الذي هو الروح العاقل، أي: تمييز وتعريف الشخص بالمراتب العالية الوجودية من ذاته، ونظير ذلك تعريف القرآن النبيّ عيسى عليه‌السلام بأنّه كلمة اللَّه وأنّه آية، لكن لا يخفى أنّ في آيات خِلقة النور في سورة النور، وروايات خلق النور، يظهر أن أُصول ذَواتهم خَلقا ما هو أرفع من روح القدس .

وفي رواية بصائر الدرجات عن محمّد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن أبي

____________________

1) سورة الإخلاص: 1 - 4.

2) الكافي، ج3، ص485.


عبد اللَّه عليه‌السلام في حديث عن ولادة الإمام عليه‌السلام وما يرافق ذلك من مراسم مَلكوتية وأنّ الإمام عليه‌السلام يقول بعد ذلك: ( ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (1) ، فإذا قالها أعطاه العلم الأوّل والعلم الآخر، واستحقّ زيادةً الروح في ليلة القدر) (2) .

وروي عن الحسن بن عبّاس بن حريش، قال: (قال أبو عبد اللَّه ‏ عليه‌السلام : إنّ القلب الذي يعاين ما ينزل في ليلة القدر لعظيم الشأن. قلت: وكيف ذاك يا أبا عبد اللَّه؟ قال: يُشق واللَّه بطن ذلك الرجل ثمّ يؤخذ ويكتب عليه بمداد النور ذلك العلم، ثمّ يكون القلب مصحفاً للبصر، ويكون الأذن واعيةً للبصر، ويكون اللسان مترجماً للأذن، إذا أراد ذلك الرجل علم شي‏ء نظر ببصره وقلبه فكأنّه ينظر في كتاب...) الحديث (3) . والمراد من شقّ البطن أي انفتاح نوافذ الروح.

وقريب من ذلك ما روي في معاني الأخبار بسنده إلى الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، قال: قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (يا علي، أتدري ما معنى ليلة القدر؟ فقلت: لا يا رسول اللَّه، فقال: إنّ اللَّه تبارك وتعالى قدّر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة، وكان فيما قدّر عزّ وجلّ ولايتك وولاية الأئمّة من وُلدك إلى يوم القيامة) (4) . وروى مثلها بإسناده المتّصل، عن المفضّل بن عمر، عنه عليه‌السلام .

فكون الروح النازل وهو روح القدس - وهو أحد أرواحهم عليهم‌السلام - يبيّن هوية ولايتهم والتي هي الكتاب المبين، وقد تقدّم نعوت الكتاب المبين وآثار القدرة والولاية التكوينية له، ووصفه بالمجد في سورة البروج والكرامة في سورة الواقعة، إشارة إلى آثار القدرة لحقيقة الكتاب التي هي روح القدس.

وفي صحيحة جابر الجعفي، قال: قال أبو عبد اللَّه عليه‌السلام - في حديث عن أصناف

____________________

1) سورة آل عمران: 18.

2) بصائر الدرجات، ص223 باب ما يُلقى إلى الأئمّة في ليلة القدر.

3) بصائر الدرجات المورد السابق.

4) معاني الأخبار للصدوق، ص315.


الخلق -: (فالسابقون هم رسول اللَّه وخاصّة اللَّه من خلقه، جعل فيهم خمسة أرواح: أيدهم بروح القدس فبه عَرفوا الأشياء، وأيدهم بروح الإيمان فبه خافوا اللَّه عزّ وجلّ، وأيدهم بروح القوّة فبه قَدَرُوا على طاعة اللَّه، وأيدهم بروح الشهوة فبه اشتهوا طاعة اللَّه عزّ وجلّ وكرهوا معصيته، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون) (1) .

وفي رواية أُخرى لجابر عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (سألته عن علم العالم؟ فقال لي: يا جابر، إنّ في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس، وروح الإيمان، وروح الحياة، وروح القوّة، وروح الشهوة. فبروح القدس - يا جابر - عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى. ثمّ قال: يا جابر، إنّ هذه الأربعة أرواح يصيبها الحَدَثان إلاّ روح القدس فإنّها لا تلهو ولا تلعب) (2) .

وفي رواية المفضّل بن عمر عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام : (سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخي عليه ستره؟ فقال: يا مفضّل، إنّ اللَّه تبارك وتعالى جعل في النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله خمسة أرواح...، وروح القدس فبه حمل النبوّة، فإذا قُبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام، ولا يغفل، ولا يلهو، ولا يزهو، والأربعة الأرواح تنام، وتغفل، وتزهو، وتلهو. وروح القدس كان يُرى به) (3) .

وهذه النعوت لروح القدس المذكورة فيهم وهو النازل عليهم ليلة القدر، بل وفي غيرها أيضاً، كما هو مقتضى سورة النحل (4) ، وسورة غافر (5) ، حيث لم يقيّد إنزاله بوقت خاصّ، وروح القدس النازل الملتحم بأرواحهم المتّصل بها كما هو

____________________

1) الكافي، ج1، ص271، كتاب الحجّة، باب ذكر الأرواح التي في الأئمّة عليهم‌السلام .

2) الكافي، ج1، ص272، كتاب الحجّة، باب ذكر الأرواح التي في الأئمّة عليهم‌السلام .

3) المصدر السابق.

4) سورة النحل: 2.

5) سورة غافر: 15.


معنى الوحي في الحكمة والعلوم العقلية، قد عرّف وطوبق في سورة الدخان بالكتاب المبين: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (1) ، فجُعل الكتاب المبين هو الروح النازل في ليلة القدر.

وقد تقدّم وصف الكتاب المبين بأنّه يُستطرّ فيه كلّ شي‏ء، وكلّ غائبة في السماوات والأرض وكلّ صغيرة وكبيرة، وهو القرآن الكريم في الكتاب المكنون، والقرآن المجيد في اللوح المحفوظ، وهذا معنى قوله عليه‌السلام : (فبه حمل النبوة)، وقوله عليه‌السلام : (كان يُرى به)، أي ما في أقطار الأرض وما في عنان السماء وما دون العرش وما تحت الثرى، وقوله عليه‌السلام : (فبه عرفوا الأشياء).

روح القدس وراثتهم عليه‌السلام للكتاب وعلوم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله :

فقوله عليه‌السلام في الرواية السابقة للمفضّل عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام : (إذا قُبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله انتقل روح القدس فصار إلى الإمام)، هو معنى وراثتهم عليهم‌السلام للكتاب، أي: لحقيقة الكتاب الذي هو مكنون ولوح محفوظ، لا للمصحف الشريف الذي هو الوجود المنقوش للقرآن الكريم، فقوله تعالى:

( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (2) يشير إلى الوراثة التكوينية لحقيقة الكتاب بوجوده الوحياني في عالم الوحي، لا الكتاب بوجوده المنقوش في المصحف، من هنا فإنّ تخصيص الوراثة بالمصطفَين من العباد، فإنّ الإصطفاء هو الطهارة الروحية الخاصّة اللدُنِية

____________________

1) سورة الدخان: 1 - 5.

2) سورة فاطر: 31 - 32.


التي يتأهّل بها المصطفون من العباد للوحي الإلهي الأعمّ من الوحي النبويّ وغيره، كما في تأهّل مريم لمحادثة الملائكة لها، ووحي اللَّه لها مباشرة، كما في سورة آل عمران.

ومن ثمّ ترى نسق التعبير والتركيب في الآية الكريمة على نسق التعبير في سورة النحل: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ ) (1) ، فالتعبير فيها على من يشاء من عباده، أي: من يختار ويصطفي، فوراثة الكتاب نزول الروح وهي وحي حقيقة الكتاب، كما في سورة الشورى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ) (2) ، وكذلك يتناغم التعبير بين كلّ من آية فاطر وآية النحل وآية الدخان وآية غافر حيث ذكر مع نزول الكتاب المبين ونزول روح القدس في ليلة القدر وغيرها حصول الإنذار والإرسال، وقد أسند فعل الإنذار إلى غير الأنبياء وغير الأوصياء ممّن يجوز عليهم الخطأ في موارد من القرآن الكريم، كما في آية التفقّه في سورة البراءة (3) ، فكيف يستبعد إطلاقه على كلام الأوصياء.

فإرسال الروح وحصول الإنذار لا يختصّ بالوحي النبويّ، بل يعمّ الوحي غير النبويّ وراثة بعد الأنبياء، كما تعلّق البعث الإلهي بطالوت الإمام مع عدم كونه نبيّاً في قوله تعالى على لسان نبيّ من بني إسرائيل: ( قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ) (4) .

وأمّا التعبير بالآية: ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) (5) ، فالضمير ليس عائد إلى الذين اصطفينا بل إلى عبادنا، أي أنّ عبادنا بعضٌ ظالم

____________________

1) سورة النحل: 2.

2) سورة الشورى: 52.

3) سورة التوبة: 122.

4) سورة البقرة: 247.

5) سورة فاطر: 32.


لنفسه وبعضٌ مقتصد وبعضٌ سابق بالخيرات، كما أنّ الذين اصطفيناهم بعضٌ من عبادنا، فلفظ (من) التي تكرّرت أربع مرّات في الآية بمعنى بعض؛ وإلاّ كيف يصطفي اللَّه الظالم لنفسه؟

ومنه يُعرف أنّ المراد من السابق بالخيرات هم الذين اصطُفوا من العباد، وأنّهم الأئمّة، وأنّ الإمامة وهي وراثة الكتاب هي الفضل الكبير، والتعبير بالسابق بالخيرات بإذن اللَّه يقرب من التعبير في سورة الأنبياء في قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (1) ،

فكما جعل في آية فاطر السبق بإذن اللَّه اصطفائي لدنّي، فكذلك في آية الأنبياء جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمّة يهدون بأمر اللَّه، وأنّ فعل الخيرات منهم بوحي تسديدي من اللَّه، وأنّ هذا الأمر ليس أمراً إنشائياً بل هو أمر تكويني الذي أُشير إليه في سورة النحل بقوله تعالى: ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (2) .

وكذلك في سورة القدر قوله تعالى: ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) (3) ، وكذلك في سورة الشورى قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ ) (4) ، وهذا ممّا يشير أنّ روح القدس من عالم الأمر الملكوتي الابداعي.

وقد ذُكر عالم الأمر في قوله تعالى: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (5) ، وقوله تعالى: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (6) ،

____________________

1) سورة الأنبياء: 73.

2) سورة النحل: 2.

3) سورة القدر: 4.

4) سورة الشورى: 52.

5) سورة الأعراف: 54.

6) سورة يس: 82.


وقوله تعالى: ( وَمَا أَمْرُنَا إِلاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) (1) ، أي أنّه مِن عالم الإبداع لا الخلق التقديري، ومن ثمّ ورد أنّ تقدير السماوات والأرض - أي: عالم الملك والمادة، بمعنى ما يشمل عالم الدنيا وعالم البرزخ - كلّ ذلك قد قُدّر في ليلة القدر.

وقد مرّ في الروايات أنّ تقدير ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام في مقامها التكويني قد قدّر في ليلة القدر، فقد روى الصدوق في معاني الأخبار بإسناده إلى المفضّل بن عمر، قال: (ذُكر عند أبي عبد اللَّه عليه‌السلام : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ، قال: ما أبين فضلها على السِّور. قال: قلت: وأي شي‏ء فضلها؟ قال: نزلت ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام فيها. قلت: في ليلة القدر التي نرتجيها؟ قال: نعم، هي ليلة قدّرت فيها السماوات والأرض، وقدّرت ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام فيها).

ولا يخفي التعريض في كلامه عليه‌السلام بين تقدير السماوات والأرض وتقدير ولاية أمير المؤمنين من الناحية الكونية التكوينية، ودور روح القدس، وتناسب سجود الملائكة كلّهم أجمعين، أي طاعتهم لخليفة اللَّه في الأرض كما في سورة البقرة وغيرها من السور، سواء ملائكة الأرض أو ملائكة السماوات أو ملائكة الجنّة والنار.

وقد ورد أيضاً أنّ روح القدس أعظم خلقاً، ففي صحيح أبي بصير، قال: (سألت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن قول اللَّه تبارك وتعالى: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ ) (2) ؟ قال: خَلْق من خَلْق اللَّه عزّ وجلّ أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله يخبره ويسدّده، وهو مع الأئمّة من بعده) (3) .

وفي صحيحه الآخر قال: (سألت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام عن قول اللَّه عزّ وجلّ: ( يَسْأَلُونَكَ

____________________

1) سورة القمر: 50.

2) سورة الشورى: 52.

3) الكافي، ج1، ص273، كتاب الحجّة باب الروح التي يسدّد اللَّه بها الأئمّة عليهم‌السلام .


عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (1) ؟ قال: خَلْق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مع الأئمّة، وهو من الملكوت) (2) .

وفي معتبر أسباط بن سالم عنه عليه‌السلام : (منذ أنزل اللَّه عزّ وجلّ ذلك الروح على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ما صعد إلى السماء وإنّه لفينا) (3) .

وفي صحيح سعد الإسكافي، قال: (أتى رجلٌ أميرَ المؤمنين عليه‌السلام يسأله عن الروح أليس هو جبرئيل؟ فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : جبرئيل عليه‌السلام من الملائكة والروح غير جبرئيل، فكرّر ذلك على الرجل، فقال له: لقد قلتَ عظيماً من القول ما أحد يزعم أنّ الروح غير جبرئيل، فقال له أمير المؤمنين عليه‌السلام : إنّك ضالّ تروي عن أهل الضلال، يقول اللَّه تعالى لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : ( أَتَى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ ) (4) ، والروح غير الملائكة صلوات اللَّه عليهم) (5) .

وحيث كانت ليلة القدر وراثة الكتاب بنزول روح القدس الذي هو حقيقة الكتاب، ورد عن أبي جعفر عليه‌السلام قال: (يا معشر الشيعة خاصموا بسورة ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ) تُفلحوا؛ فواللَّه إنّها لحجّة اللَّه تبارك وتعالى على الخلق بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّها لسيدة دينكم، وإنّها لغاية علمنا، يا معشر الشيعة خاصموا بـ ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) (6) ، فإنّها لِولاة الأمر خاصّة بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (7) .

ولا يخفى أنّ في كلامه عليه‌السلام محطّات للتدبير والغور، منها: وصفه لسورة القدر

____________________

1) سورة الإسراء: 85.

2) الكافي: ج1، ص273، كتاب الحجّة باب الروح التي يسدّد اللَّه بها الأئمّة عليهم‌السلام .

3) المصدر السابق.

4) سورة النحل: 1 - 2.

5) الكافي، ج1، ص274، كتاب الحجّة باب الروح التي يسدّد اللَّه بها الأئمّة عليهم‌السلام .

6) سورة الدخان: 1 - 3.

7) الكافي، ج1، ص193، ح6.


أنّها سيدة دينكم، إي حقيقتها مرتبطة بإلامامة الإلهية، وفيه إشارة لكون الإمام الناطق ثقل أكبر مهيمن على حجّته المصحف.

ومنها: قوله (وأنّها لغاية عِلْمَنا)، أي: أنّ عمدة ما ورثوه من العلم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله هو بتوسّط روح القدس، لا الطُّرق السماعية والرواية.


الفصل الثامن

معتقدات الإمامة والمهدي عليه‌السلام

(حاضر المعرفة)



المقالة الأولى

العلم اللدُنّي والولاية

الشريعة بحسب الظاهر وسنن النظام الكوني

العلم اللدني المقوّم لماهية الإمامة:

وقبل الخوض في ذلك يجدر الإلفات إلى النقاط التالية:

1 - البحث يرتبط بصلة وثيقة بالفصول السابقة من الجزء الأوّل من كتاب الإمامة.

2 - غالب البحث سيكون ذا طابع قرآني، وذلك بعد التنبّه إلى نكات الظهور بتوسّط روايات أهل البيت عليهم‌السلام .

3 - تذكير بنقاط مستخلصة ممّا سبق:

أ - تعريف الإمامة - والذي تقدّم مفصّلاً في الفصل الثالث من الجزء الأوّل - باختصار: إنّ ما ذكره المتكلّمون باقتضاب واختزال - حتّى الشيعة منهم - في تعريف الإمامة موهم أنّ مقام الإمامة عبارة عن الزعامة والرئاسة الاعتبارية الاجتماعية فقط؛ لخلوّه من التنويه إلى ارتباط المعصوم بمقام الغيب، ومن ثمّ أوهم التعريف المزبور أنّ الإمام كأيّ عالم آخر سوى أنّه في درجة متقدّمة، ممّا أوقع الكثير في شبهات حول الإمامة..

وذكرنا في الفصول السابقة المفهوم الذي اخترناه لمعنى الإمامة، وأنّ ما ذكره المتكلّمون وبعض الحكماء من الإمامية في تعريف الإمامة لا يستوعب جميع


جوانب الإمام.

فالمتكلّمون اقتصروا على الرئاسة الدينية والدنيوية، وهذا قصر للإمامة على الزعامة السياسية والولاية التشريعية، بل إنّ البعض اقتصر على حفظ الدين، ومن الواضح أنّ هذا التعريف وأمثاله أهمل الإشارة إلى مقام الإمام ومنبع علمه، فهل هو القناة الحسيّة أم أُخرى غيبية يمتاز بها عن بقية البشر؟

وهذا الإهمال وقصر حقيقة الإمامة على الشأن الدنيوي هو الذي أوقع كثير من المتأخّرين في العديد من الإشكالات التي لم يجدوا لها جواباً شافياً على هذا التفسير للإمامة. ومن هنا حدّدنا في الفصول السابقة الأركان والمحاور الأساسية التي تبتني عليها حقيقة الإمامة وماهيتها، وهي:

1 - الهداية الإرائية: ويقصد بها التبليغ والتشريع وإراءة الطريق للمؤمنين، وهذه تعتمد على أنّ للإمام علم لدنّي وقناة غيبية يستقي منها علومه، وهي ليست من سنخ النبوّة، بل هي وحي بالمعنى الأعمّ، كما ورد عنهم عليهم‌السلام في الزيارات ما مضمونه: (أنّ الإمامة سفارة إلهية) .

2 - الهداية الإيصالية: وهي حيثية ولائية مولوية، وقدرة، وقد عرّفها العلاّمة الطباطبائي في الميزان في ذيل آية ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ) (1) ، ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (2) : قيادة المعصوم للنفوس وإيصالها إلى المنازل المعنوية الكمالية. وهاتان النقطتان من المحاور الأساسية في حقيقة الإمامة، وقد مثّلنا لهما بقوّة العقل النظري والعملي في الإنسان الصغير، وبمقتضى التطابق بين الإنسان الصغير والكبير يمكن معرفة كثير من خصائص الإمامة في مقام الهداية الإرائية والإيصالية.

____________________

1) سورة البقرة: 124.

2) سورة الأنبياء: 73.


فالهداية الإرائية تتمّ عبر قناة التبليغ، وعبر قناة الاتّصال.

والهداية الإيصالية للمعصوم تتمّ كما في قوّة العقل العملي (1) من دون إلجاء وإجبار، حيث يشوّق، ويحثّ، ويجذب من دون قهر لقوى الإنسان الأخرى، فالهداية الإيصالية تتمّ من دون أن يكون هناك سلب للإرادة والاختيار.

3 - إنّ الأصل الاشتقاقي للإمامة هو من: أمَّ، يؤمّ، وهي تتضمّن خاصّية المتابعة من المأموم للإمام، وهي تتضمّن استمرارية السير والحركة الشعورية الدائمة، وعدم التوقّف والجمود، فلا يكون صرف الإراءة محقّقاً للائتمام، بل هي والإيصالية.

4 - لابدّ للسير والحركة من غاية، وبدون هذه الغاية لا تتحقّق ماهية الإمامة.

وكلّ هذا ممّا حدا بالمحدّثين، والمفسّرين، والفلاسفة، لدفع الإيهام في تعريف المتكلّمين بالإلفات إلى أنّ الإمامة سفارة إلهية...

ومن ثمّ ورد عن أمير المؤمنين عليه‌السلام : (أنا سفير السفراء) (2) ، وكذا عبّر الإمام الهادي عليه‌السلام في زيارته لجدّه أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم الغدير: (يا أمين اللَّه في أرضه

____________________

1) إنّ الإمام كما يكون هادياً في العلوم الحصولية فهو يكون هادياً في العلوم الحضورية أيضاً، والتي ذكرنا مراتبها في الفصل الأوّل من الإمامة، ويكون توسّطه بمعنى: إنّنا نرتبط به حضوراً، وذلك بمقدار ما يكون للإنسان من استعداد، وقد يحرم نفسه بسوء اختياره؛ عندما لا يوفّر الشرائط المطلوبة لمثل هذا الاتّصال، ولكن الطريق للمعصوم بمعنى الحجّية على الآخرين، بل وعلى الشخص نفسه، لا تكون إلاّ بالهداية الإرائية الحصولية من قسم البيان والمعاني.

وأمّا القسم الآخر من الحصولية: وهي الارتباط بالصور المرتسمة في العقل الكلّي والحضورية فليس بحجّة ما لم يعزّز بشاهد من الكتاب والسنّة، نعم هو ينفع في سعة أُفق المعارف وإلفاته إلى نكات في الكتاب والسنّة يعزّز فيها ما انكشف له وشاهده، وسرّ عدم الحجّية هو امكان الخطأ وعدم العصمة، ولذا لا يحتجّ برواية ما يشاهده؛ لإمكان وقوع الخطأ عند تحويله إلى علم حصولي.

2) بحار الأنوار، ج26، ص292.


وسفيره في خلقه)، وفي زيارته عليه‌السلام ليلة المبعث ويومه - أوردها المفيد، وابن طاووس، والشهيد -: (وعيبة علم اللَّه وسفير اللَّه في خلقه)، وفي البحار: (سفير السفراء)، وفي زيارة الإمام الحسين عليه‌السلام الرجبية: (السلام عليك يا سفير اللَّه وابن سفيره)، رواه المفيد وابن طاووس والشهيد. فإنّها عبارة عن: الهداية الإرائية والإيصالية.

ومنبع الإرائية: الوحي والغيب، ولكنّه بالمعنى الأعمّ، وليس على حدّ النبوّة. ومنبع الإيصالية: القدرة والولاية، كما ذكر ذلك الطباطبائي في ذيل آية: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) (1) ، و ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً ) (2) ، أنّه: قيادة المعصوم للنفوس وإيصالها إلى المنازل المعنوية والكمالية..

علماً أنّه اقتصر على هذا البعد في تعريفها، مع أنّ الصحيح أنّها هداية إرائية أيضاً؛ استناداً إلى مجموعة أدلّة سبقت الإشارة إليها.

وقال المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية في تعريف الإمامة: الرئاسة المعنوية الكبرى في الدين والدنيا، المنبعثة عن كمال نفسه المقدّسة التي من شؤونها الروحانية وساطتها للفيض وكونها مجرى الفيض النازل من سماء عالم الربوبية، وعليه ينطبق كمال الانطباق قولهم: (مجاري الأُمور بيد العلماء باللَّه) دون الفقيه الذي هو - بما هو فقيه - عالم بأحكام اللَّه لا باللَّه (3) .

وجعل (قدس سره) هذا التعريف من الرئاسة المعنوية، أي: الروحية والتكوينية في قبال الرئاسة الاعتبارية المجعولة تشريعاً من اللَّه تعالى في أُمور الدنيا والدين، وأنّها من المناصب المجعولة الاعتبارية (4) ، بخلاف المعنى الأوّل، فإنّه من المعاني

____________________

1) سورة البقرة: 124.

2) سورة الأنبياء: 73.

3) نهاية الدراية، ج5، ص213، وكذا المجلّد السادس.

4) نهاية الدراية، ج5 و ج6، ص213.


التكوينية. وجعل التقابل بين هذين المعنيين نظير التقابل بين معنيّ النبوّة، فإنّ المعنى التكويني لها عبارة عن:

أوّلاً: إنّها من الصفات الواقعية ومرتبته عالية من الكمالات النفسانية، وهو تلقّي المعارف الإلهية والأحكام الدينية من المبادئ العالية بلا توسّط بشر، وصيرورة نفسه المقدّسة مجلى المعارف والأحكام معنى بلوغها درجة النبوّة.

ثانياً: إنّها معنى إعتباري من المناصب المجعولة، بمعنى جعله مخبراً ومبلّغاً عن اللَّه تعالى وسفيراً - تشريعاً - إلى خلقه (1) .

هذا، ويلاحظ على تعريفه (قدس سره) إنّ ما جعله منشأ الرئاسة التكوينية، كمال نفسه المقدّسة ووساطته للفيض على النفوس والأرواح ومجاري الأُمور هو الأولى أن يجعل أصلاً في التعريف، وبجعل رئاسته التكوينية وقدرة تصرّفه في الخارج شأن من شؤون حقيقة الإمامة فضلاً عن الرئاسة الاعتبارية القانونية في الدين والدنيا، كما أشار هو (قدس سره) إلى خطأ جعل الرئاسة الاعتبارية هي الأصل في تعريف الإمامة.

كما أنّ هناك فارقاً آخر بين الإمام المعصوم والفقيه - مضافاً إلى ما ذكره من الفارق الأوّل - هو أنّ الفقيه لا يحيط بأحكام اللَّه تعالى في اللوح المحفوظ بتمامها، كما أنّ علمه بأحكام اللَّه هو من وراء حجاب عالم دلالات الألفاظ وبتوسط تركيب الدلالة وتناسباتها، ومن ثمّ قد يصيب في تأليف الدلالة باستكشاف الواقع وقد يخطئ، بل في جملة من المواضع يغيب عنه شطر واسع من النصوص اللفظية، فهو لا يحيط بالأحكام الظاهرية فضلاً عن منظومة الأحكام الواقعية، بل قد يكون ما قد توصّل إليه حكماً تخيّلياً لا ظاهرياً، كما نبّه على ذلك علماء الأُصول في مبحث الإجزاء، إلى غير ذلك من الفوارق.

____________________

1) المصدر السابق.


هذا وسيأتي في كلام البياضي - في (الصراط المستقيم)، وهو من علماء القرن التاسع - ما يظهر منه التفطّن إلى هذه الجهات في تعريف الإمامة الإلهية.

وقد مثّلنا هاتين الهدايتين بالعقل النظري والعَمَلي، فالإمام هو العقل النظري للإنسان الكبير وعالم التكوين، وهو العقل العملي كذلك.

وكلّما تدبّرنا في خصوصيات العقلين نجدها في الإمام، بما في ذلك أنّهما لا يَقهران الإرادة، ولا يسلبان الاختيار، كذلك الإمام لا يقهر الإرادة ولا يسلب الاختيار، وإنما يُعلِّم ويشوّق فقط.

بل إنّ العقل مرتبط بالعلم الحصولي والإنسان يمتلك علماً آخر وهو العلم الحضوري، والذي ذكرت له مراتب تبدأ بالقلب، فالسرّ، والخفي، والأخفى. كذلك الإمام هو هادي في رتبة العلم الحضوري أيضاً، عِلماً أنّ الهدايتين في هذه المرتبة تندّكان بوجود واحد بسيط.

وعندما نرجع إلى اللغة حيث إنّ الأصل الاشتقاقي للإمامة هو من: أمَّ، يأمُّ ، نلاحظ أنّ الإمامة في الوقت الذي تستبطن الخصوصيتين (الإراءة والإيصال)، تستبطن الحركة والسير والمتابعة للإمام نحو غاية ما عن شعور واختيار.

ومن ثمّ لم يكن صِرف الإراءة محقّقاً للائتمام، وصرف الإيصال كذلك؛ لأنّه سيكون لا عن شعور.

ب - البطون والتأويل في تعريف جديد: إنّ السائد في فهم البطون وتفسيره أنّه التأويل الذي لا يمكن الوصول إليه عبر منصّة الظاهر ومن خلال موازين الظهور.

إلاّ أنّ الاتّجاه المعاصر أخذ ينحو منحىً آخر في فهم وتعريف البطون؛ تبعاً للآيات وكثير من الروايات، وهو: المعنى الذي لا يمكن للذهن العادي - غير المعصوم - الوصول إليه بنفسه عبر منصّة الظهور. أي إنّ البطون هو قسم من


الظهور لكن لا يهتدي بغير المعصوم إلى تأليف موازين اللفظ والدلالة من مختلف القرائن والمناسبات، ونضد المقدّمات الدقيقة لتحصيل مفاده من منصّة الظهور الأوّلي. وهو يعني أنّه ليس هناك باطن غير ظاهر، سوى أن استنطاقه من النصّ غير متاح لكلّ أحد، وإنّما هو خاصّ بالمعصوم.

وعلى ضوء هذا يفهم قول الصادق عليه‌السلام : (قد ولدني رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا أعلم كتاب اللَّه، وفيه بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة، وفيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر الجنّة وخبر النار، وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، أعلم ذلك كما أنظر إلى كفي، إنّ اللَّه يقول: ( تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (1) (2) .

ويفهم حثّه عليه‌السلام أصحابه كما في موثق أبي الجارود، قال، قال أبو جعفر عليه‌السلام : (إذا حدّثتكم بشي‏ء فاسألوني من كتاب اللَّه، ثمّ قال في بعض حديثه: إنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال، فقيل له: يا ابن رسول اللَّه أين هذا من كتاب اللَّه؟ قال: إنّ اللَّه عزّ وجلّ يقول: ( لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) (3) وقال: ( وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً ) (4) وقال: ( لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (5) ) الحديث (6) .

وهذا طبيعي بعد أن كان مصحف الكتاب العزيز نسخة من لوح التكوين وتنزيلاً له.

فيوجد تعريفان للباطن:

أحدهما: هو الذي يعتبر من التأويل الذي لا يمكن الوصول إليه عبر منصّة

____________________

1) سورة النحل: 89.

2) الكافي، ج1، ص61.

3) سورة النساء: 114.

4) سورة النساء: 5.

5) سورة المائدة: 101.

6) الكافي، ج1، ص60.


الظاهر وموازينه، وهذا هو التعريف المشهور على ألسنة الكثير من المحقّقين.

والثاني: هو نحو من الظهور الذي لا يمكن للأذهان العادية الوصول إليه إلاّ عبر تعليم المعصوم، فهو ليس في قبال الظاهر، بل هو قسم من الظاهر، وهو غير ممتنع على أحد بل هو مفتوح، إلاّ أنّ الوصول إليه يتمّ عبر مناسبات وتأليف للمقدّمات الدقيقة العميقة التي لا تهتدي الأذهان العادية إلى الوصول إليها، وهذا لا يجعله خفياً بل يكون حاله حال علم الرياضيات الذي يعتمد على الأوّليات البديهية ومع ذلك ما زالت ما لا تحصى من المسائل الرياضية متعسّرٌ على الذهن العادي حلّها، وهو لا يخرجها عن حدود علم الرياضيات.

والذي نختاره هو المعنى الثاني؛ لأنّا نراه أقرب إلى مسلك الأئمّة عليهم‌السلام ، حيث كانوا يحثّون أصحابهم على استنطاق القرآن الكريم بإرشادهم إلى أوجه الدلالة، وترغيبهم في السؤال عن مصدر الحكم، والإشارة إلى المناسبات المتعدّدة والقرائن التي تكون محفوفة بالآيات، وتجميع الآيات المتفرّقة بنحو برهاني، وما استدلال الإمام بالقرآن على روايات الطينة إلاّ من هذا القبيل. وبناءً على هذا نقول:

1 - إنّ روايات الأئمّة عليهم‌السلام في ذيل الآيات لا تكون أمراً مستقلاً عن الآيات ومخالفة للظاهر، بل يجب اعتمادها كملاحق وتبصرات للأُصول القانونية ولأُسس المعارف، وهذا من الناحية العلمية له فوائد جمّة.

2 - إنّ التعامل مع الروايات الواردة في تفسير الآيات لا يكون على أساس مجرّد التعبّد فقط، بل يكون على أساس الإرشاد والإشارة أيضاً إلى كيفية سلوك موازين الظاهر، وإيجاد المناسبات للوصول إلى البطون. وهذا التفسير في كلّ آية آية لا يمكن للعقول الاهتداء إليه إلاّ بهداية المعصوم، ومن ثمّ التنبّه إلى إعمال الموازين الدلالية في الوصول إليه.

وهذه الطريقة هي التي يجب اتّباعها في استخلاص هذه البطون، وسوف


تكون مرتبة من مراتب الظهور، وسوف يكون هذا المنهج برهاناً دلالياً لمذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وقد ورد عنهم عليهم‌السلام : (من أخذ دينه من كتاب اللَّه وسنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله زالت الجبال قبل أن يزول) (1) .

3 - إنّ الطريقة التي نريد تطبيقها في فهم الآيات القرآنية تعتمد على الظهورات الابتدائية للآيات، وتكون نقطة الانطلاق في أيّ فهم آخر.

4 - إنّ الإعتماد على القرائن العقلية يكون تامّاً بشرط أن تعتمد على العقل البيّن، وكلّما أمكن تقليل الاعتماد على العقل النظري يكون أجدر وأصحّ.

وهذا لا يعني أنّه على التفسير الأوّل للباطن يتمّ التسليم بتهمة الباطنية أو عدم وجوب الإيمان به؛ لأنّه ليس من الظاهر؛ وذلك لأنّ الإيمان بالظاهر دون الباطن - الذي هو الغيب والتأويل - كفر، والإيمان بالباطن دون الظاهر هو كفر أيضاً، بل يجب الإيمان بهما معاً. وعليه، فإنّ الذي يقع مورد الثواب والعقاب هو الشريعة الظاهرة ومدى العمل بواجباتها ومحرّماتها، وعدم الالتزام بها والالتفات إلى الباطن فقط زيغ. ومن الجهة الثانية أيضاً إن الاقتصار على الظاهر فقط يكون تركاً للتأويل الحقّ الذي هو الباطن الخفي، ويصبح من الشاذّ والنادر مع مرور الزمن، فلذا يجب الالتزام بهما معاً، والدمج بينهما.

ومن ثمّ تجد أنّ المعصوم عليه‌السلام في أخبار الطينة الغامضة يستنطقون فيها ألفاظ القرآن، وبالتأمّل نلحظ أنّ القرآن ظاهر في ذلك لنكات كانت خفيّة علينا، لا أنّه من باب الجري وذكر المصداق.

بل ظاهرة البطون - أي المعاني الغامضة المعقّدة الخفية - ليست خاصّة بالمعارف الدينية، بل نجد ذلك في مثل علم الرياضيات، فإنّه في حين كونه

____________________

1) الكافي، ج1، ص7.


بديهياً وتقلّ إن لم تنعدم فيه الفرضيات، إلاّ أنّه ما زالت هناك مجهولات لم يوفّق لحلّها كبار العلماء مع قبولهم وجود الحلّ في داخل البديهيات الرياضية، سوى أنّهم لم يتمكّنوا من التفطّن لكيفية تنظيم المعادلات بحيث يتوصّل بها لحلّ المجهول (1) ، وكذلك نجدها في مسابقات الأدب، فإن مهرة الأدب يخوضون في التحليل الأدبي إلى درجات عميقة في النصّ يعجز كثير من أبناء اللغة بل بقية

____________________

1) قد يقال: صرف استدلال الإمام بالقرآن، واستخراجه من القرآن، لا يكشف عن أنّ الباطن ظاهر، إلاّ أن يكون عليه‌السلام يلفت إلى نكات تجعل المعنى يظهر لنا من القرآن.

ويجاب: نعم، الإمام عليه‌السلام يُلفت إلى نكات، ونحن ندّعي الموجبة الكلّية في ذلك.. ولكن ليس بالضرورة في كلّ رواية، وإنّما من مجموع ما ورد من روايات في المسألة الواحدة.

وقد يقال: ثمّ هل البطون - بعد حصره بالظاهر - هو التأويل أو أنّ التأويل أعمّ؟ فهناك ما يرتبط منه بالمصداق والوجود الخارجي الذي هو حقيقة القرآن ولوح تكوينه.

ويجاب: نعم، البطن هو التأويل، وليس الثاني أعمّ، والبطن يشمل المصداق والحقيقة، ولكن لا يمنع أن يكون مدلولاً مطابقياً للّفظ بعد أن كان له مفهوم، فالبطن يبدأ من المفاهيم غير الظاهرة إلاّ للمعصوم ويستمرّ في تراميه إلى المصداق، فالحقائق التكوينية بكلّ مراتبها، وكلّها مداليل مطابقية، وظاهرة من اللفظ لوجود ما يدلّ عليها، ولكنّه خفي علينا.

فاللّفظ له مراد استعمالي، فتفهيمي، فجدّي، وهي متاحة لنا، ثمّ تبدأ المرادات الجدّية بالترامي، وكلّ منها يظهر من اللّفظ - لا أنّه لازم لسابقه كي يكون مدلولاً عقلياً لا لفظياً - سوى أنّ الذهن العامّ لم يوفّق للعثور على تلك الدلالات بدون إرشاد المعصوم ووصايته وقيمومته على فهم القرآن.

وقد يقال: هل يعني أنّ اللوازم الفقهية - والتي برع فيها بعض فقهائنا - كلّها ظواهر، كذا ما يكون‏ حصيلة الجمع بين الأدلّة، كالملكية الآنية؟

ويجاب: نعم.

أو يقال: هل يمكن القول بأن العلاّمة قد نهج نفس المنهج - أي التوسع - وإن لم يخرج ذلك بما ذكرتم من تفسير البطن؟

فيجاب: نعم، بالإضافة إلى أنّه - كما ذكرنا في الأُصول - اكتفى بالرجوع للرواية حدوثاً لا بقاءً، وهو ممّا لا نقبله؛ إذ مقتضى تأبيد المعية بين الثقلين هو المعية في الرجوع إليهما ابتداءً وانتهاءً.


الأدباء في الوصول إليها، نظير: ترسيم شخصّية صاحب النصّ، وبيئته، وخلفيته العلمية، وخلقه، وتاريخه، إلى غير ذلك من العوامل والبيئات التي ترتبط بصاحب النصّ، كلّ ذلك من خلال مقطوعة لفظية يدرسها ويحلّلها الأديب البارع. ولقد كانت المسابقات الأدبية معهودة عند عرب الجاهلية حيث كانوا يتعاطون في سوق عكاظ حول القصائد الشعرية والمقطوعات النثرية عند من برز نجمه في الأدب.

والنتيجة: أنّ الروايات التفسيرية ليست مجرّد تعبّدية إجمالية محضة، بل مدلّلة مُبيّنة - على التفسير الثاني للبطون التأويلي الخفي - لأنّ فيها إرشاداً إلى كيفية الاستفادة من الظهور القرآني، بخلافه على المعنى الأوّل؛ فإنّها لا تعدو التعبّد بمعنى: الذي لا نعرف موازينه، ولم نتعرّف عليها.

في حين أنّها على الفهم الثاني للبطون ستكون شرحاً وتفصيلاً للقرآن الذي هو بمثابة الدستور، كما ذكر السيد البروجردي تبعاً لمنهج العلاّمة المجلسي في البحار.

وبهذا الفهم يتمّ القضاء على الشبهة الموجّهة للشيعة الإمامية بأنّها فرقة باطنية غنوصيّة لا تعلن عن أفكارها ومتبنياتها؛ إذ عرفت أنّ الشيعة لا تعتقد ولا تتبنّى فكرة إلاّ وهي ظاهرة مآلاً من القرآن والسنّة (1) .

____________________

1) على الفهم الأوّل للبطون يجاب عن شبهة الباطنية بالحديث الشريف: (من آمن بالظاهر دون الباطن فقد كفر، ومن آمن بالباطن دون الظاهر فقد كفر، ومن آمن بهما معاً فقد آمن).

وذلك لأنّ الإيمان بالباطن دون الظاهر يساوق عدم الالتزام بالشريعة الظاهرية وبواجباتها ومحرّماتها، بل وعقائدها، وهو واضح أنّه انحراف وكفر. فتهمة الباطنية إنّما تشكّل وصمة، وتعبّر عن الانحراف إذا كان بالتنكّر للظاهر، أمّا مع الدمج بينهما فهو الإيمان، بل ورد في الحديث أنّ إنكار الباطن والاقتصار على الظاهر كفر. كيف، وهناك جملة من الآيات القرآنية دالّة على ذلك كقوله تعالى: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ، وقوله تعالى =


وعلى أساس هذا الفهم يمكن الدعوة إلى تأسيس تفسير جديد يعتمد الكشف عن خفايا الظهور ومعادلاته وتناسباته بتوسّط روايات أهل البيت عليهم‌السلام بإضافة الاعتماد على العقل البديهي، وإن كانت نقطة الانطلاق هي من الظهورات الابتدائية للآيات.

وستظهر النتيجة في واحدة من صورها بالشكل التالي: (من عرف حقّنا من الكتاب زالت الجبال ولم يزل إيمانه).

ج - وغاية البحث في هذا الرافد: إنّ القرآن ينوّه ويشير إلى حجج غير الأنبياء والرسل، وأنّهم يقومون بدورهم في الأرض بتوسّط وبركة العلم اللدنّي كالأنبياء والرسل، مع بيان لحدود هذا العلم، بحيث يفرزه عن علم النبوّة والرسالة.

د - (منهج البحث) خطوط البحث: سيتمّ الحديث فيما سيأتي ضمن التسلسل التالي، بعد التذكير أنّ سمة الحديث ستكون قرآنية:

1 - استعراض الآيات المستعرضة لنماذج الإمامة والأئمّة الذين قاموا بدورهم

____________________

= ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاّ الْمُطَهَّرُونَ ) ، وقوله تعالى: ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) ، وقوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ، وقوله تعالى: ( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) ، وغيرها من الآيات الدالّة على أنّ لظاهر القرآن تأويل وحقائق في اللوح المحفوظ، والكتاب المكنون، والكتاب المبين، لا يطّلع عليها إلاّ المطهّرون أهل آية التطهير؛ حيث الكتاب آيات بينات في صدورهم، والإيمان بظاهر الكتاب وإنكار تأويله في اللوح المحفوظ، والكتاب المكنون، والكتاب المبين، هو من باب: ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) .

ونظير ذلك الحديث النبويّ: (ربّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه)، حيث يدلّ على أنّ فقه الدين وفهمه له مراتب ومدارج مترامية متلاحقة، تمتدّ بامتداد ما للدين من عمق وغُوَرٍ خفيّة عن مرتبة الظاهر الأوّل، وقد أشبعنا البحث في ذلك في الفصول السابقة.

وكذا قوله: ( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ) .


الملقى على عاتقهم في الأرض بعلمهم اللدنّي.

2 - إرسال الرسول يؤدّي إلى ثمرةٍ وهي الإمامة، وأنّ القرآن يثبت أنّ الغاية هي الإمامة الثابتة لجملة من الرسل وأبنائهم؛ فإنّ جملة من الأنبياء كانوا أئمّة أيضاً: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (1) ، وقوله تعالى: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا... ) (2) ، وكذلك الحال في سيد الرُسل، بل هو صلى‌الله‌عليه‌وآله إمام الأئمّة.

3 - استعراض الآيات المبينة للسيرة النبويّة في إمامة المجتمع البشري، أو السيرة الإلهية التي أمر اللَّه تعالى نبيّه بها في الحكم وقيادة الناس وأنّها تقتضي مقام الإمامة له صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو يغاير مقام النبوّة.

4 - الشرح القرآني لماهيات المناصب الإلهية، وأقسام الحجج الإلهية.

5 - بيان القرآن للمعاد والسير إلى اللَّه واستلزامه لوجود منصب الإمامة.

هـ - (فوارق النبوّة والإمامة): قبل الدخول في صلب البحث، لابدّ من الوقوف على حقيقة العلم اللدنّي المقوّم لماهية الإمامة، وما ينتج عن هذا من معرفة حقيقة الشريعة في مقابل ظاهر الشريعة، وهو ما قد يعبّر عنه بالشريعة التكوينية والسنّة الإلهية الكونية، كما ذُكر في قصّة الخضر عليه‌السلام مع موسى عليه‌السلام في سورة الكهف، وكقضاء داود من غير بيّنة، وكحكومة سليمان وذي القرنين عليه‌السلام بتوسّط الأسباب اللدنية.

وقد يعبّر عن الشريعة التكوينية والسنّة الإلهية الكونية بالولاية الشاملة للطريقة والحقيقة، كما جاء في تفسير قوله تعالى: ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ

____________________

1) سورة الأنبياء: 73.

2) سورة البقرة: 124.


مَاءً غَدَقًا ) (1) بأنّ الطريقة هي ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وعن الشريعة الظاهرة بالنبوّة، وإن كان سيد الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله قد جمع أعظم مقامات الولاية والنبوّة.

ولابدّ من الالتفات إلى أنّ الشريعة واحدة حدوداً وموازيناً، إلاّ أنّ الفرق هو آلة التطبيق، ولا يخفى أنّ البطون والباطن يطلق على عدّة معانٍ: كالتأويل، والغيب. وفي مقابل ذلك قد يطلق على: التخليط، والخبط، والنزوع الروحي والنفساني والإيحائي، أو الغرائب مع عدم التقيّد بالموازين والأدلّة والحجج، ونحو ذلك.

وقد يطلق على المعاني الغامضة الخفية أو الحقائق المستورة، والمراد في المقام ما يَقرب من المعنيين الأخيرين، والتفرقة بينه وبين العلم المقوّم لماهية النبوّة (الوحي)، وما ينتج عنه من الشريعة الظاهرة فوارق - مع التنبيه على أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله هو إمام الأئمّة أيضاً إلاّ أنّ الكلام في بيان الفارق بين مقامه من حيث النبوّة ومقامه من حيث الإمامة - في تميّز المراد من العلم اللدنّي.

من الأُمور المهمّة التي يجب تسليط الضوء عليها قبل الشروع في بيان أصل البحث، هو المائز بين العلم اللدنّي والعلم النبوّي، أو ما يمكن تسميته الفرق بين الشريعة الظاهرة والشريعة التكوينية (أي: السنّة الإلهية الكونية)، ويمكن إيجاز الفرق في أُمور:

1 - إنّ تطبيق وتنفيذ أحكام العلم النبويّ هو من سنخ الاعتبارات الكلّية الإنشائية القانونية تُبنى على العلم الحصولي، بينما في العلم اللدنّي هي من سنخ تكويني وتعتمد على العلم الحضوري.

ومن الأمثلة على ذلك: أنّ القرآن الكريم والروايات تثبت أنّ للملائكة أوامر إلهية متوجّهة إليهم وهم لا يعصونه، وهذه الأوامر هي ليست من سنخ الاعتبارات

____________________

1) سورة الجن: 16.


والأحكام الظاهرية، فهي من سنخ آخر، مع المحافظة على أنّها موجودات شاعرة مختارة، فهذه الأوامر إرادات إلهية تكوينية من سنخ الشريعة التكوينية والسنّة الإلهية الكونية، حيث إنّ الملك مزوّد بالعلم اللدنّي، وتصوير الأوامر والإرادات التكوينية لا ينافي إختيارية الملك.

2 - إنّ الأحكام الواقعية في الشريعة الظاهرة نابعة من أغراض وملاكات، وتحقيق الأحكام لهذه الأغراض يكون غالبياً لا دائمياً، أمّا في العلم اللدنّي فالإصابة تكون دائمية كلّية ولا تحتمل الخطأ.

3 - إنّ الشريعة الظاهرة لها موازين خاصّة بها، حيث إنّها تعتمد في تطبيقها على العلم الحسّي الحصولي، بخلاف الشريعة التكوينية والسنّة الإلهية الكونية، فهي لها موازين خاصّة من حيث اعتمادها على علم القضاء والقدر.

ويجب التنبّه إلى عدم الخلط بين الموازين، فاستخدام موازين الشريعة التكوينية والسنن الإلهية الكونية في الشريعة الظاهرة قد تؤدّي إلى الخروج عن الدين، أو العكس، بأن يستخدم موازين الشريعة الظاهرة في الشريعة التكوينية والسنّة الإلهية الكونية، وكثير من الإشكالات والشبهات تنشأ من الجهل والغفلة بين هذه الموازين، حيث يستخدم موازين الظاهر في فهم مفادات هي من سنخ الشريعة والسنّة الإلهية الكونية.

ولهذا السبب، وبسبب الغفلة والخلط، نشأت الفرق المنحرفة عن خطّ أهل البيت، فهي من هذا القبيل، حيث إنّهم أَسْرَوا وعمّموا أحكام الشريعة والسنّة الإلهية الكونية التي اطّلعوا عليها على الشريعة الظاهرة التي هم مخاطبون بها أيضاً، فيجب التنبّه إلى وضع هذا الحاجز بين الموازين في كلا الدرجتين من الشريعة، درجة الظاهر ودرجة السنّة الإلهية الكونية.

ومن صور الخلط الذي يحصل: إلغاء الشريعة الظاهرة بحجّة الوصول إلى


أهداف وأغراض الشريعة بدعوى السفارة والنيابة، الإخبار والرواية عنه مع انقطاع الطريق الرسمي بيننا وبينه (عج).

وإحدى التفسيرات لما ورد من أنّ صاحب الأمر عليه‌السلام عند ظهوره سوف يأتي بدين جديد أنّه سوف تقترن موازين الشريعة الظاهرة بالسنن الإلهية الكونية، وهو ليس من باب النسخ، بل هو من باب أنّ الشريعة هي الظاهرة إلاّ أنّ تطبيقها سوف يكون بموازين الشريعة والسنّة الإلهية الكونية.

وليتنبّه إلى أنّ عموم الناس غير مكلّفين إلاّ بالشريعة الظاهرة، ولا يمكن لهم العمل بالدرجة الخفيّة، كما أنّه ليس هناك شريعتان، بل شريعة واحدة لا تختلف وإنّما تطبيقها تارةً بموازين الظاهر وأُخرى بآليات تُصيب الواقع ولا تخطئه، وهي موازين خفية باطنة، وسيأتي بيان حقيقة الشريعة بحسب السنن الإلهية الكونية.

ومن هنا نعرف كيف يتمّ الملائمة بين معرفة الإمام بأنّه سوف يُقتل على يد ابن ملجم، وأنّ الإمام الحسين عليه‌السلام يعلم أنّه مقتول لا محالة، وذلك عن طريق العلم اللدنّي طبقاً لموازين الشريعة والسنّة الكونية، لا بتوسّط العلم من الأسباب العادية طبقاً لموازين الشريعة بحسب الدرجة الظاهرة.

بل إنّ موازين الظاهر في باب التزاحمات تطبّق على الأحكام الفعلية، أمّا في الشريعة والسنّة الإلهية الكونية فإنّها تلاحظ بما لها من لوازم ومصالح حتّى في الحقب التاريخية التالية، فلا يقصر الحدث على أهمّيته في حقبة زمنية معينة، بل يلاحظ عموم التاريخ، ومن هنا فإنّ أثر شهادة الحسين عليه‌السلام على حفظ الدين والشريعة والتزام الناس على مرّ الزمان، وعدم الرضوخ للظلم والطغيان، وسنّ هذه السنّة هي إحدى الملاكات التي نشأت من شهادته عليه‌السلام ، والتي ما كان لها أن تظهر لو قصرنا النظر في حادثة الاستشهاد على الفترة الزمنية الخاصّة.

ويمكن بيان الفوارق كالتالي:


الفارق الأوّل: إنّ النبوّة لإبلاغ الأحكام الاعتبارية الإنشائية القانونية، بما يشمل الآداب والعلوم الحصولية كالمعارف، في حين أنّ نفس تلك الشريعة للإمام من سنخ تكويني لا اعتباري، ومعلومة حضوراً لا حصولاً، وشاملةٌ كالأولى، ومن الأمثلة على ذلك: أنّ القرآن الكريم والروايات تُثبت أنّ للملائكة أوامر إلهية متوجّهة إليهم وهم لا يعصونه.

الفارق الثاني: إنّ إصابة الشريعة الظاهرة، أي الأحكام الاعتبارية القانونية الواقعية للواقع - أي الملاكات والمصالح والمفاسد وللأغراض - غالبية لا كلّية دائمية، نظير الحكم الظاهري الأُصولي بالنسبة للحكم الواقعي، وإن كان بين النسبتين فرق جَلِي، كما أنّ هناك فرق في المعنى بين الشريعة الظاهرة والحكم الظاهري، بينما الإصابة في الشريعة بحسب الدرجة الواقعية والسنّة الكونية دائمية كلّية.

الفارق الثالث: إنّ تطبيق الشريعة الظاهرة يرتكز على العلم الحسّي وموازين هذه النشأة، نشأة الظاهر ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (1) ، وتطبيق الشريعة بحسب السنّة الكونية الإلهية يرتكز على علم القضاء والقدر، والمشيئة والإرادة وآثار الأفعال بحسب النشآت الأُخروية.

علماً بأنّ الكثير من الخلط والشبهات والجهالات نشأت نتيجة الخلط بين نحوين من مفادات القرآن والسنّة، حيث إنّ قسماً منها مفاده الأوّل، والآخر الثاني.

وواحدة من عوامل الانحراف في هذا المضمار وزن الظاهر بموازين السنن الكونية أو العكس؛ فالخطّابية والمَغِيرية حكّمت موازين السنن الإلهية الكونية على الظاهر، وقد مرّ أن إحدى التفسيرات لما ورد من أنّ صاحب الأمر المهدي

____________________

1) سورة الروم: 7.


(عج) يأتي بدين جديد أنّه سوف تقترن موازين الشريعة بحسب الدرجة الظاهرة بالسنّة الكونية، وهو ليس من باب النسخ، بل هو من باب تطبيق الشريعة الظاهرة بموازين الشريعة التكوينية (1) .

فالتساؤل المتوهّم حول الشجاعة في مبيت عليّ عليه‌السلام في فراش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، هل هي مع علمه أنّه لا يقتل؟ ثمّ كيفية كونها منقبة عظيمة مدحه بها القرآن المجيد، وكيف يقدم الإمام عليه‌السلام على الصلاة في جامع الكوفة، أو دخول الإمام الحسين عليه‌السلام في معركة كربلاء مع علمه بقتله؟ يرجع التساؤل إلى معالجة التكوين بموازين الظاهر، بل إنّ موازين الظاهر في باب التزاحمات تطبّق على الأحكام الفعلية، أمّا في الشريعة - بحسب السنّة الكونية الإلهية - فإنّها تلاحظ بما لها من لوازم ومصالح

____________________

1) وقد يطرح السؤال: إنّه ما معنى أنّ سنخ الحكم في الشريعة والسنّة الإلهية الكونية تكويني؟

ويجاب: بمعنى أنّ أحكام الشريعة الإلهية الكونية عبارة عن الإرادات التكوينية الإلهية المتعلّقة مباشرة بفعل المكلّف، لا بفعل الحاكم وهو الآمر كما هو في الظاهرة.

ويُتسائل: ولكن على هذا يلزم الجبر؛ لعدم إمكان تخلّف المراد عن الإرادة.

فيجاب: نعم لا يمكن تخلّف المراد عن الإرادة، ولكن من دون جبر؛ لأنّ المراد هو الفعل عن اختيار مع العلم أنّه سيختار، نظير متابعة القوى للعقل العملي فإنّها لا تكون مجبرة.

ويُتسائل: لم كانت الإصابة غالبة في الظاهرة دون الكونية؟

فيجاب: لأنّ متعلّق الإرادة والإرادة في الشريعة الكونية جزئي فلا يتخلّف، وأمّا في الظاهرة فهو كلّي، والكلّيات عندما تتناسب يحصل بينها تزاحم، فلابدّ أنّ تتخلّف في الجملة، فتجد أنّ المقتضي لا يتحقّق مقتضاه كصلاة لا تنهى عن الفحشاء، بل قد تجد تحقّق العكس، كما في ترتّب مفسدة عظيمة على وجود شخص، إلاّ أنّه مع ذلك لا يجوز قتله، مع أنّ حرمة القتل لأجل حفظ الشخص والنوع.

والسؤال: هل يمكن تنظير الفرق بينهما بالفرق بين الحكم والفتوى، وبين القضية الخارجية والحقيقية، فإنّ الأولى يتكفّل تطبيقها الشارع فلا تخطئ عكس الثانية؟

والجواب: نعم.


حتّى في الحقب التاريخية التالية، فلا يقصر الحدث على أهميته في حقبة زمنية معينة، بل يلاحظ بحسب عموم التاريخ.

ومن هنا فإنّ أثر شهادة الحسين عليه‌السلام على حفظ الدين والشريعة إلتزامُ الناس على مرّ الزمان وعدم الرضوخ للظلم والطغيان، وقد سنّ (صلوات اللَّه عليه) هذه السنّة في الدين التي هي إحدى الملاكات المتولّدة من شهادته عليه‌السلام ، والتي ما كان لها أن تظهر لو قصرنا النظر على زمن الحادثة والاستشهاد في تلك الفترة الزمنية الخاصّة، وكذلك الحال في جملة سيرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرة أمير المؤمنين عليه‌السلام .

الفارق الرابع: النسخ في الشريعة بحسب الدرجة الظاهرة اعتباري، علاوة على وجود مرتبة الظاهر الكاشف عن الدرجة الظاهرة التي هي واقعية بحسبها، وظاهرة التقييد بالمعنى العامّ - من تخصيص وحكومة وورود - وتقييد الأدلّة والدلالة على الشريعة الظاهرة لا في متنها، بينما النسخ في الولاية والشريعة بحسب السنن والنظام الكوني تكويني وهو المعروف بالبداء، وبمعرفة الناسخ تتفاوت مراتب الأولياء والحجج.

الفارق الخامس: لم يُستثن أحد من التكليف بالشريعة الظاهرة، فالتدين بها في عهدة الجميع من جنّ وإنس، بما في ذلك الأولياء والحُجج، أمّا في الشريعة الكونية فهي وظيفة خاصّة بحجج اللَّه وملائكته.

ومن ثمّ ينبثق سؤال: إنّ ما عدا المذكورين - وهم غير المعصوم - قد يصلون بالرياضات الشرعية إلى مقامات عالية حيث تتفتّح قلوبهم على عوالم الغيب، فَلِمَ لا يكونون مكلّفين بالولاية وبالشريعة الكونية الإلهية بعد أن تمّ وصولهم إلى أسافل تلك المنازل؟

والجواب: إنّ رقيهم هذا محمود حيث يزيد من علمهم وإيمانهم، ولكنّهم لم يُكلّفوا إلاّ بالشريعة الظاهرة؛ لعدم حجّية ما يتلقّونه بقنواتهم الروحية لعدم


عصمتهم.

الفارق السادس (حقيقة الشريعة الإلهية الكونية) : إنّ أحكام الشريعة الكونية بحسب الدرجة الواقعية والتكوينية لا تعدو كونها إلاّ تطبيقاً للشريعة الظاهرة وسوى أنّه تطبيق بعلم لدني لا بوسيلة الحسّ والعلم الحصولي؛ لأنّ الشريعة واحدة لا تختلف بحسب الظاهر الواقعي ولا الكوني، ولا حدودها وأحكامها، كما استعرض القرآن الكريم لنا قصّة الخضر مع موسى التي كانت يُتراءى فيها في بادئ الأمر الخلاف، ثمّ آل الأمر إلى الوفاق بعد وضوح رجوع التأويل إلى تطبيق خفي لظاهر الشارع، وهذا التعريف أضبط وأصلح التعريفات للشريعة الإلهية في النظام الكوني.

وتوضيح ذلك يتمّ بالالتفات إلى هذه الزاوية:

أشرنا في الفصول السابقة إلى أنّ أصل الولاية للَّه تعالى ( إِنِ الْحُكْمُ إلاّ لِلَّهِ ) (1) ، و ( هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ) (2) ، أعمّ من التشريع، والحكم القضائي، والحكم التنفيذي، وعندما نطالع القرآن نجد أنّه يلفت إلى الأصل المذكور وتفاصيله، بل في الآيات المرتبطة بالمسائل العامّة الحكومية كآيات الجهاد والأنفال وأمثالها، هي تشريعية بلحاظ تنظيرها الكلّي، وحكم تنفيذي ولوي بلحاظ مواردها التطبيقية الجزئية، وهذه قراءة ثانية لأسباب النزول، لا يقرّ بها ولا يتفطّن إليها أهل سنّة الخلافة وجماعة السلطان، لعدم تصويرهم لولاية اللَّه تعالى السياسية في الأحكام التنفيذية الجزئية زيادة على ولايته تعالى في التشريع الكلّي.

وكذلك في القضاء كما يلحظ ذلك بوضوح في حكومة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله التي يستعرض لنا القرآن الكريم سيرتها، فإنّ في المنعطفات الخطيرة في الأحداث

____________________

1) سورة يوسف: 40.

2) سورة الكهف: 44.


السياسية أو القضائية أو العسكرية والمالية نرى في الآيات أنّ الحاكم الأوّل هو الباري تعالى في تلك الأحداث، والحاكم الثاني هو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأهل سنّة الخلافة وجماعة السلطان يخشون هذا التصوير لحاكمية اللَّه تعالى السياسية على البشر؛ لأنّهم لا يمكنهم تصوير ذلك بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله على ما ذهبوا إليه من انقطاع الاتّصال بالغيب وعدم إمكان إستعلام الإرادة الإلهية الجزئية في الأحداث.

ومن ثمّ فالولاية في هذا المضمار للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن بعده للمعصومين عليهم‌السلام هي في طول ولاية اللَّه تعالى وبإذنه، وليست مستقلّة، خلافاً لإطروحة المعتزلة وغيرهم من المذاهب الأُخرى، ومن قبل اليهود؛ حيث قصروا ولاية اللَّه تعالى على التشريع دون مباشرة القضاء وسلطة التنفيذ، حينما قالوا: ( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.. ) (1) .

فالرئيس والحاكم السياسي الأوّل، والمشرّع الأصلي، والقاضي الفعلي، هو اللَّه سبحانه وتعالى، ومَن ثبتت له الولاية وهو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام، فهي في ظلّ تلك الدولة والولاية المباشرة للَّه تعالى لا بالاستقلال عنها، فكلّ ما يصدر عنهم فهو يصدر عن اللَّه حقيقة.

بل تلك الحاكمية تجلّت بوضوح في القرآن الكريم بمعنى الحكم المسند إليه تعالى خاصّة من دون نسبته إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أو الإمام (2) على صعيد التنفيذ والفصل القضائي والحكم التنفيذي، وبالتالي يصحّ القول بأنّ حكم وحاكمية اللَّه تعالى ليست بالقوّة في عهد حكومة المعصومين عليهم‌السلام ، بل هي حكومة فعلية للَّه تعالى في الجوانب الثلاثة. أمّا أمثلة التشريع الصادرة مباشرة منه تعالى فكثيرة، وهكذا في القضاء فينشئ تعالى حكماً فاصلاً للنزاع كما في قصّة البقرة في بني

____________________

1) سورة المائدة: 64.

2) الحكم في هذا نظير التشريع، فإنّ منه فريضة إلهية، ومنه سنّة نبويّة، أو علوية ولوية، كذلك في الحكم السياسي والقضائي.


إسرائيل، وموارد أُخرى استعرضها القرآن الكريم في الحكم الولوي (التنفيذي)، نظير أوامر الجهاد النازلة في موارد معينة، وإن استفيد منها تشريعاً كلّياً أيضاً، وكحكمه تعالى بزواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من زينب، وزواج عليّ عليه‌السلام من فاطمة عليها‌السلام ، إذ حكمه تعالى الولوي شامل للوظائف العامّة للدولة والأُمور الخاصّة للبشر.

وهذا النمط ثابت طولاً للمعصومين عليهم‌السلام ، وهذا أحد تفاسير قوله تعالى: ( .. أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ.. ) (1) ، وهذا معنى كون حكومة المعصوم إلهية أي لا يقتصر في أحكامها وتشريعاتها على كلّيات الأحكام في الدين، بل إنّ الحاكمية بالفعل في الجوانب الثلاثة هي للَّه سبحانه، وهذا غير متوفّر في غير حكومة المعصوم، وإن كانت بالرسم الديني، وسيأتي توضيحه مبسوطاً في سيرة الرسول على صعيد الدولة في القرآن الكريم.

وبضمّ هذا الفرض إلى ما ذكرناه في الأُصول والفصول السابقة، من أنّ الحكم التنفيذي تطبيق للحكم التشريعي فهو حكم جزئي وذلك كلّي، يتبلور: أنّ أحكام الشريعة الكونية الإلهية بحسب الدرجة الواقعية التكوينية ليست إلاّ أحكاماً تطبيقية للشريعة الظاهرة بعلم لدنّي على حدّ الحكم الولوي (2) ، وأنّ الولاية إقامة وتحقيق وإنجاز لأغراض النبوّة.

الفارق السابع: إنّ منظومة إقامة أحكام الشريعة بحسب المنظومة الظاهرة تخضع للأسباب الطبيعية الظاهرية، وفي باب ومقام الولاية والواقع الخفي الباطن، وشريعة السنّة الإلهية الكونية تخضع للَّه تعالى وتتسلسل تبياناً وبلاغاً

____________________

1) سورة التين: 8.

2) ومن ثمّ امتثالها لا يعدو امتثال الشريعة الظاهرة حتماً، ومن ثمّ يتّضح وجه عدم جواز الأخذ بها لغير المعصوم؛ لاحتمال الخطأ، ومن ثمّ نحتاج إلى جعلٍ، كأيّ طريق أو كأيّ حكم ولوي، وهو لم يثبت.


وتطبيقاً وتنفيذاً وإقامةً وتشييداً إلى الأوصياء والملائكة، وقد يستعان بغير المعصوم بشكل قسري لا جبري.

ويمكن بيان الفوارق الأخيرة بصياغة أُخرى:

* - إنّ العلم اللدنّي والشريعة الكونية خاصّة بأولياء اللَّه - حججه وملائكته - وليست هي وظيفة عموم البشر الآخرين مهما بلغوا من العلم، وحتّى لو استطاعوا الوصول إلى نفحة ورشحة يسيرة من بحار محيطات العلوم والشريعة.

* - يوجد في الشريعة الظاهرة نسخ هو نسخ اعتباري، وهو المبحوث عنه في الأُصول، بينما في الشريعة الكونية الإلهية يوجد نسخ تكويني وهو البداء المعروف، وتختلف مراتب أصحاب العلم اللدنّي في ذلك، فبعضهم له علم بالمنسوخ فقط وبعضهم له علم بالناسخ والمنسوخ.

* - ذكرنا في الفصل الثاني أنّ الولاية المطلقة للَّه سبحانه وتعالى، ومنها تتفرّع إلى النبيّ الخاتم، ومن ثمّ للمعصومين من وُلده، فولايتهم في التشريع والقضاء والتنفيذ هي متشعّبة عنه جلّ وعلا، إلاّ أنّ هذا لا يعني عدم تدخّله المباشر في صياغة كلّ منها في بعض الأحيان. وبالتالي لابدّ من القول إنّ حكومة اللَّه ليست بالقوّة الشأنية في زمن حكومة المعصومين، بل هي حكومة فعلية للَّه تعالى، فهو يكون مشرّعاً ويكون حاكماً، ويكون مصدراً للحكم الولوي (التنفيذي) في زمن حكومة المعصومين، وهذا يجعل حكومته فعلية.

ومن أمثلة التشريع كثير، إذ في كثير من الأحيان يصدر التشريع منه مباشرة، ولا يكون الاعتبار صادراً من الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهكذا في القضاء إذ يحكم هو كما في قصّة البقرة. وموارد أُخرى يكون الحكم والفصل فيها للَّه سبحانه، وفي الحكم الولوي كذلك كما في آيات الجهاد، وزواج النبيّ من زينب، وزواج عليّ من الزهراء (سلام اللَّه عليهما)، ويفترق الحكم الولوي هنا عن غيره بأنّه ليس في


وظائف الدولة العامّة بل في الأُمور الخاصّة، وهذا النمط ثابت للَّه والمعصومين دون النوّاب من الفقهاء.

فالحقّ تعالى يتصرّف مباشرةً في التطبيق بموازين العلم الإلهي، أي تطبيق الشريعة الظاهرية بما له من موازين العلم الإلهي، ولن يكون التطبيق بموازين ظنّية حسّية، والعلم اللدنّي يختلف درجاته، وبالنسبة للَّه المحيط له أعلى الدرجات، فهو: ( أَصْدَقُ قِيْلاً ) ، وهو ( أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) ، فعندما يقال إنّ حكومة المعصوم إلهية لا يعني أنّ أحكامها وتشريعاتها دينية فقط، بل يعني أنّ الحاكمية هي للَّه سبحانه بالفعل، وهذا غير متوفّر في حكومة غيرهم وإن كانت دينية.

وبناءً عليه نقول: إنّ الشريعة الكونية الإلهية هي عبارة عن تطبيق للشريعة الظاهرة بعلم لدنّي، فتطبيق اللَّه تعالى دوماً يكون بالعلم اللدنّي، أمّا في تطبيق المعصوم فهو في الجملة - لا بالجملة - بحسب الوظيفة المأمور بها.

أمّا الشريعة الظاهرة فهي التنظير في الأُمور الكلّية، والتطبيق يكون بالشريعة الكونية (1) .

____________________

1) في نظام التكوين في كلّ موجود حيثيتان واقعيتان:

أ - ما منه الوجود (حيث كون الوجود مفعولاً موجَداً مفاضاً لم يكن فكان)، ومن هذه الحيثية ينسب إلى اللَّه تعالى فإنّه الفاعل وما منه الوجود.

ب - ما به الوجود (حيث كون الوجود معَدّاً لِما به الوجود)، ومن هذه الحيثية ينسب للواسطة، فإنّها (ما به الوجود)، بمعنى أنّها (معدٌّ ومقرِّب) حيث كان هناك عجز في القابل، وبهذا العرض لا نقع في إشكالية الاعتزال، فلا حاجة لتصوير تجاوز نظام الوسائط. أمّا في التشريع فالحال يختلف؛ فإنّ حصر التشريع والاعتبار بالواسطة يوقعنا في إشكال الاعتزال؛ وذلك لأنّ الاعتبار من زاوية كونه ظاهرة تكوينية وإن كان لا ينتسب إلى الواسطة إلاّ بنسبة (ما به الوجود)، وإلى اللَّه بنسبة (ما منه الوجود)، فلا مشكلة في حصر التشريع بالواسطة لو كانت القضية تنتهي إلى هذا الحدّ، ولكن =


* - إنّ منظومة الشريعة الظاهرة والارتباطات بين حلقاتها خاضع لآليات النشأة الدنيوية أي الأسباب الظاهرية، أمّا في منظومة الشريعة الباطنة من اللَّه عزّ وجلّ، والنبيّ، والرسل، والأوصياء، فهم مزودون بالعلم اللدنّي، وقد يستعان بغير المعصوم كما في تسخير الآخرين ويكون الفاعل بالقسر والفاعل بالجبر، وآلياته تكون غير ظاهرية، وقد تكون ظاهرية.

بعد استعراض هذه المقدّمات ندخل في صلب البحث، وذلك باستعراض مجموعة من النماذج القرآنية:

1 - استعراض الآيات المرتبطة بالحُجج الذين قاموا بدورهم الملقى على عاتقهم في الأرض بالعلم اللدنّي.

2 - بيان غاية إرسال الرسل، وسنرى أنّ القرآن يثبت أنّ الغاية هي الإمامة.

3 - استعراض الآيات المبيّنة للسيرة النبويّة، أو السيرة الإلهية التي أمر اللَّه تعالى بها.

4 - الشرح القرآني لماهيات المناصب الإلهية.

5 - بيان القرآن للمعاد، والسير إلى اللَّه.

____________________

= هناك زاوية أُخرى في الاعتبار وهي الزاوية الاعتبارية أي المعتبر والوجود الاعتباري، وهذا ينتسب إلى الواسطة بنسبة (ما منه الوجود)، ومن ثمّ كانت هناك ضرورة لفرض الاعتبار المباشر منه تعالى - والذي هو ثابت ديني - كي لا يحصل حالة الاعتزال في هذا المجال.

ويمكن تفسير ظاهرة التشريع بشكل آخر: أنّ التشريع كالتكوين دوماً يكون بنظام الوسائط، سوى أنّ الواسطة قد تكون نفس النبيّ الجزئية المرتبطة بالبدن الجزئي، وقد تكون نفسه الكلّية التي هي المرتبة العالية من نفسه الشريفة، وفي الأوّل يكون للواسطة لون لعدم محوضتها، بخلاف الثاني لا لون للواسطة لتمحّضها بالآيتية، ومن ثمّ فالتشريع إن كان بالواسطة الثانية لا ينسب إلاّ للَّه تعالى فتلغى نسبة ما به الوجود، بخلافه على الأوّل، فإنّه ينتسب إلى الواسطة بنسبة ما به الوجود.



الأمر الأوّل

استعراض نماذج الإمامة في القرآن

ونستعرض فيها قائمة لأولياء اللَّه الحُجج، وكيفية توفّرهم على العلم اللدنّي وتصرّفهم على طِبقه، ومنه سوف ينكشف لنا جوانب هذا العلم.

القائمة الأولى

النموذج الأوّل:

قصّة الخضر وموسى والتي تناولها القرآن الكريم في سورة الكهف، من الآية 60 وحتّى الآية 82.

وقبل استعراض الآيات يجب أن نلقي الضوء على الجوّ العامّ الحاكم على سورة الكهف، فالآيات التي ابتدأت بها السورة تستعرض حرص الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله على قومه لعدم استجابتهم وأسفه عليهم لعنادهم، حيث قال تعالى: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) (1) ، فنزلت هذه السورة لتسلية فؤاده صلى‌الله‌عليه‌وآله من خلال استعراض ثلاث وقائع هي:

* أصحاب الكهف.

* الخضر وموسى.

* ذو القرنين.

وكأنّها تسلّي قلب النبيّ الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ الإرادة الإلهية لا تتخلّف، وأنّ الهداية الإيصالية تتحقّق، وأنّ هناك منظومة من رجال الغيب الذين يقومون بحماية الشريعة من الانحراف والأخذ بيد الناس في أحلك الظروف والمحن بتدبير النظام العامّ بنحوٍ خفي.

____________________

1) سورة الكهف: 6.


استعراض تفصيلي للآيات:

( وَإِذْ قَالَ مُوسَى... ) (1) أي: واذكر أيضاً قصّة موسى، ممّا يدلّل على ما ذكرناه من أنّ القصص الثلاث أتت في سياق واحد ومن أجل هدفٍ واحد.

وفي أسباب النزول: أنّ موسى عندما أنزل اللَّه عليه الألواح رجع إلى بني إسرائيل وصعد المنبر وأخبرهم أنّ اللَّه قد أنزل عليه التوراة وكلّمه، فقال في نفسه: ما خلق اللَّه خلقاً أعلم منّي، فأوحى اللَّه إلى جبرئيل أدرك موسى فقد هلك، واعلمه أنّ عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجلاً أعلم منك، فسر إليه وتعلّم منه. أي: أنّ للخضر علم مغاير لعلم موسى، وهذا مع التسالم على أنّ موسى أفضل من جميع من سواه في عصره.

( لا أَبْرَحُ... ) (2) ظاهر في وجود أمر بالمجي‏ء إلى هذا المكان وبالتالي وجوده فيه ضرورة.

( ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ) (3) يدلّ على تحديد المكان بالعلامة. والآيات اللاحقة تبين أنّ موسى قد لقي الخضر نائماً ولم يلتفت إلى أنّه هو الذي يجب أن يتبعه فسار قليلاً، فارتدّا على آثارهما بعد أن التفتا إلى ذلك ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ) (4) ، وهذه الآية تبين لنا صفات الخضر:

أ - الإضافة التشريفية للَّه جلّ وعلا، حيث عبّر عنه أنّه من عبادنا، ممّا يدلّ على الحظوة والانتساب.

ب - إنّ التتبّع في استخدامات (عبادنا) يفيد أنّه لم يُستخدم إلاّ في الأنبياء

____________________

1) سورة الكهف: 60.

2) سورة الكهف: 60.

3) سورة الكهف: 64.

4) سورة الكهف: 65.


والمرسلين والأولياء، ولم يستخدم هذا التعبير لجميع العباد.

ج - إنّه مشمول بالرحمة الخاصّة.

د - إنّه متّصل بالغيب من خلال العلم الذي أوتي من الذات المقدّسة، وإنّ هذا العلم من لدن العليم الخبير، ففيه إشارة إلى عدم كون علمه كسبياً بل إفاضياً، وأنّه علم يفاض من لدن الذات.

( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ) (1) ، يذكر الشهيد الثاني في منية المريد جملة دلالات في هذه الفقرة على التواضع، إنّ في هذه الجملة الوجيزة اثني عشر فائدة من فوائد الآداب، منها:

التواضع في الطلب، فقوله: ( هَلْ َ ) تفيد الاستيذان منه قبل الالتحاق به، والتعبير بـ ( أَتَّبِعُك ) ولم يقل أرافقك أو أماشيك، ممّا يفيد معنى التبعية وما فيه من معنى المتابعة المطلقة، وهي الإتيان بمثل فعل الغير لأنّه فعله، لا لوجه آخر، ولا يخفى ما فيها من الخضوع للخضر، وهو في هذه المتابعة مأمور بالكون معه، وفي هذه كمال التواضع والتفخيم للخضر، والتعبير ( عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ ) أي لا يشترط أن تعلّمني، فيدلّ على الرجاء، والتعبير بتعلّمني ولم يقل أعلم، والتعبير ( مِمَّا عُلِّمْتَ ) ، أي ليس هو كلّ ما عُلّمت وهو تفخيم ودليل أنّه تعليم إلهي.

وهذا خضوع وتواضع من قبل النبيّ موسى للخضر عليه‌السلام مع أنّه من أولي العزم ومن الأئمّة، حيث إنّ بعض الأنبياء من غير أولي العزم وصفوا بأنّهم أئمّة، فكيف بأولي العزم، مضافاً إلى أنّه كان حاكماً على بني إسرائيل، والحكومة من شؤون الإمامة لا من شؤون النبوّة، لكنّ الإمامة لها درجات مختلفة في الكمال والفضيلة الكونية كاختلاف النبوّة في الدرجات.

____________________

1) سورة الكهف: 66.


كما أنّ هذا التواضع ليس من باب الخلق الحسن، بل هو من باب ما يقتضيه حقيقة العلم الذي يمتلكه الخضر والذي امتاز به عن النبيّ موسى.

الواضح من هذه الآيات أنّ العلم الذي كان لدى الخضر هو من الشريعة الكونية والسنن الإلهية في نظام التكوين؛ وذلك لأنّه لو كانت من الظاهرة لعلم بها موسى، وإنّما سميت شريعة لأنّ فيها أوامر وإرادة إلهية كونية، وعدم تزويد موسى بها دليل على أنّها خاصّة بالبعض.

والعامّة لجمودهم وابتعادهم عن بيت الوحي والعصمة تراهم وقعوا في حيصَ بيصٍ في كيفية تصوير اختلاف العلم الذي لدى الخضر مع العلم الذي لدى نبيّ اللَّه، وهل هو من سنخ النبوّة أم غير ذلك؟ وما ذلك إلاّ لأنّهم لم يذعنوا بالإمامة والعلم اللدنّي ولم يعترفوا بمقام الولاية الذي يطّلع على المشيئة الإلهية والإرادات الإلهية، والذي يعرّف الشريعة بحسب السنن الإلهية التكوينية، وجمدوا على منصّة الشريعة الظاهرة.

( قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) (1) ، دلالة على أنّ الصبر يتصوّر مع العلم، وأنّ العلم التشريعي والنبوّة لم يُحيطا إحاطة تامّة، وأنّه لابدّ أن يزوّد الحجّة بالعلم اللدنّي والشريعة الكونية وهي الولاية؛ إذ لو كانت ظاهرة لما افتقدها موسى عليه‌السلام وشريعته عامّة، وهو وإن كان إماماً أيضاً إلاّ أنّ الإمامة درجات، وكذلك اختلاف العلم اللدنّي الذي يزوّد به الإمام.

ويدلّ هذا المقطع على اختصاص الشريعة بحسب الدرجة الواقعية الكونية بالأولياء المصطفين المعصومين، حيث لم يزوّد بها بتمامها حتّى موسى عليه‌السلام فضلاً عن عموم المكلّفين.

____________________

1) سورة الكهف: 67.


( قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ) (1) ، إشارة إلى نظير وما فعلته عن أمري، الدالّ على أنّه أمر إلهي وإرادة كونية، إلاّ أنّه ليس من الشريعة الظاهرة، وهو إشارة إلى ما يأتي من قول الخضر.

( قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ) (2) ففيه - أيضاً - إشارة إلى تأدّب الخضر مع النبيّ، فلم يأمره بالاتّباع بل علّقه على مشيئته وإرادته، كما أنّ الاستعلام العلمي عن حكمة فعل من الأفعال لا ينافي الائتمام؛ وذلك لأنّ التبعية ليست معلّلة أو موقوفة على حكمة الفعل.

إنّ هذه الآداب بين الحجج تشير إلى مطلب مهم وهو اعتقادهم بالمناصب الإلهية لكلّ منهما، وقد ورد في حديث المعراج: أنّ النبيّ في أحد المواقف تقدّم على الأنبياء وأمّهم للصلاة، ولم يكن لديه خشية وخوف مع إذعان جميع الأنبياء لهذا التقدّم.

وقد أثار علماء المعارف مدى الارتباط بين الفروع والعقائد، وأنّ الأفعال لها مناشئ وعلل خلقية، ففي قوس النزول نرى أنّ العقيدة تولّد صفات وهي تكون مصدراً لعدد من الأفعال، بينما في قوس الصعود الأفعال تولّد صفات وهي تولّد ملكات جوهرية أي عقائد.

كما يدلّ هذا المقطع على أنّ المأموم تابع لإمامه إمامةً تعبّدية، فلا يحقّ له تعليق تبعيته على معرفة الحكمة والمصلحة في أوامر إمامه، نعم، له الحقّ أن يسأل إمامه عن وجه الحكمة، ولكن كما ذكرنا أنّ منشأ المتابعة ليس معرفة الحكمة وإنّما الإمامة، فالآداب المتبادلة بين الخضر وموسى ذات منشأ وبذر عقائدي.

____________________

1) سورة الكهف: 69.

2) سورة الكهف: 70.


( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) (1) ، اعتراض من موسى بحسب الشريعة الظاهرة؛ لأنّ خرق السفينة تصرّف في ملك الغير.

( قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ) (2) ، ليس المقصود من النسيان المعنى المصطلح وهو المنفي عن مقام العصمة للنبيّ، كما سيتّضح ذلك في الآيات القادمة، بل إنّ عدم اعتراض موسى سوف يكون نقصاناً في علمه النبويّ، وإنّ من الكمال لموسى هو الاعتراض، فالمعنى المراد من النسيان هاهنا ضرب من المعنى لا ينافي العصمة، نظير المعنى المجازي في قوله تعالى: ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) (3) ، إذ النسيان هو بحسب مقام الولاية الذي كان عند الخضر المطّلع على الشريعة بحسب الواقع الكوني، وهو لا ينافي عصمة موسى بحسب الشريعة الظاهرة، كيف والنسيان ليس أسوأ من عدم علمه بما يعلمه الخضر، ومع ذلك لم ينافِ عصمته.

والمفاد المطابقي لكلام النبيّ موسى عليه‌السلام ليس كلاماً واستفهاماً وإنّما هو اعتراض بمقتضى الشريعة الظاهرة واستنكار للفعل. نعم، يقتضي بالتلازم العقلي الدفاع والجواب من الخضر، فمحور التجاذب في الكلام هو عمّا لم يطلع عليه موسى، ومن ثمّ كانت إجابة الخضر: ( قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) (4) ، وهو يشير إلى ما قاله لموسى في بدء لقائهما: ( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) (5) ، أي: ما لم تعلمه، ومن ثمّ لم يقل له إنّك لم تفِ بما تعهّدت به، فالموازين بحسب الشريعة الظاهرة هي السبب في اعتراضه الموجب لترك الشرط فيما بينهما، إذ الشرط لا يغير الحكم الأوّلي عمّا هو عليه.

____________________

1) سورة الكهف: 71.

2) سورة الكهف: 73.

3) سورة التوبة: 67.

4) سورة الكهف: 72.

5) سورة الكهف: 68.


( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) (1) ، وهذه هي الحادثة الأولى، والتي رأى فيها موسى تصرّفاً في ملك الغير وتعريض الآخرين للغرق، كما يُلاحظ أنّ موسى استخدم تعبير ( إِمْرًا ) أي: مستقبح، بينما في قتل الغلام - كما سترى - يستخدم ( نُكْرًا ) وهي أشدّ من الأولى؛ لشدّة قَباحة الفعل ظاهراً.

( فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) (2) ، وهو قتل الخضر للطفل الصغير الذي لم يبلغ الحلم، وفي هذا تعدّيان في نظر موسى، أحدهما: هو القتل من دون سبب مجوّز له، والآخر: أنّه ما زال صغيراً ولا يؤاخذ بما يفعل فضلاً عمّا لم يأت به.

( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) (3) ، فالفعل هنا ليس كسابقه؛ إذ ليس فيه تعدّي، بل عمل تبرّعي محض لمصلحة الآخرين، كما يظهر أنّ إقامة الجدار قام بها الخضر بنفسه من دون موسى، وأنّه كان دفعياً بنحو التصرّف التكويني لا تدريجياً، لذا كان اعتراض موسى عليه بعد انتهاء العمل.

( قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ) (4) .

إنّ هذه الآية الكريمة توضّح لنا أنّ للخضر نوع من العلم الذي ليس لدى النبيّ موسى؛ وذلك لأنّ العلم النبويّ هو العلم بإرادات اللَّه التشريعية، وهذا بخلاف العلم اللدنّي الذي يكون لدى أولياء اللَّه الحُجج، ونحن في نفس الوقت نثبت أنّ كلّ نبيّ من حيث نبوّته قد يكون مطّلعاً على العلم اللدنّي من بعض جوانبه.

____________________

1) سورة الكهف: 71.

2) سورة الكهف: 74.

3) سورة الكهف: 77.

4) سورة الكهف: 78.


ومن امتيازات الشريعة في تطبيقها بدرجتها في سنن نظام الكون والعلم اللدنّي، أنّ الواجبات والأحكام يمكن تطبيقها في دائرة واسعة زمنية، أي يقع التزاحم بين الفعلي والمستقبلي حيث يعلم به، وكذا تشخّص الأهمّية في الملاك بعد ملاحظة تداعياته وما يترتّب عليه.

وهذا هو سرّ الفرق بين حكومة المعصوم عليه‌السلام وحاكميته بتوسّط ما يتنزّل عليه كلّ عام في ليلة القدر من مقدّرات كلّ شي‏ء، وبين حكومة غير المعصوم وحاكميته حيث يجهل كلّ ذلك، بل في حكومة المعصوم يُتفادى ذات التزاحم نفسه، لما فيه من التفريط ببعض المصالح الشرعية، بخلاف حكومة غير المعصوم فإنّه لعدم إحاطته بتداعيات الأحداث والحوادث يفرط وينفرط عليه زمام الحفظ للمِلاكات والحدود الشرعية، ويقع في سلسة من التفويت للأغراض الشرعية؛ تحت ضغط ظروف التزاحم المفاجئ والتدافع التي تفرض عليه بسبب عدم قدرته على الإحاطة بخفايا الأُمور الراهنة والمستقبلية.

وعلى ضوء ذلك، تتبلور فظاعة الطغيان والكفر، كما في مَن أحيا نفساً فقد أحيا الناس جميعاً، كما ورد عن الصادق عليه‌السلام : ( ذلك تأويلها الأعظم ) (1) ، الإحياء بالمعرفة، وهو قد ينطبق ويلتئم مع تداعيات الفعل في سلسلة ممتدّة، كما في إعزاء كلّ ذنوب الأُمّة إلى الأوّل والثاني.

وهناك مقولة تقول: إنّ الفقه - بمعنى الكلمة - مَنْ يتوصّل إلى أغراض الشرع بدون تزاحم، ومن بعد الدرجة اللاحقة مَنْ يصل إليها بالتزاحم، ولا تصل النوبة إلى التعارض، ومن بعد مَنْ يتوصّل إليها بالجمع العرفي، فالتعارض هو الخيار الأخير لمن يعجز عن الإحاطة بالدرجات السابقة.

____________________

1) راجع الكافي، ج2، ص211.


وهذه المقولة تؤشّر على أنّ كثيراً من التزاحمات المتصوّرة هي وَهْمُ تزاحم لا حقيقة، ومع تحقّقه فلا طريق إلاّ التعامل مع الملاك بشكل مقطعي، وهذا ليس إلاّ لفقدان الوسيلة، لا لاختلاف التزاحم بين الشريعة بحسب درجة تطبيقها في النظام الكوني والظاهرة.

نعم، لا يحيط غير المعصوم بالإرادات الكلّية حضوراً، وإنّما هو مختصّ بمن له الهداية في الإراءة، كما أنّه لا قياس ولا مقارنة بين علم المعصوم بالشريعة الظاهرة وما يتوصّل إليه الفقيه بالظنّ القاصر عن الإحاطة بكلّ الشريعة الظاهرة، بل القاصر عن الوصول إلى متن الشريعة، بل من وراء حجاب دلالة الألفاظ مع عدم إحاطته أيضاً بكلّ الدلالة ولا بكلّ تناسباتها، فمن ثمّ يقع الخطأ حتّى في هذا المقدار المحدود من النزر اليسير، فضلاً عن عدم إحاطته بتنزّلات الإرادات الكلّية ومنظوماتها.

وبالجملة لا محلّ لقياس الثرى من الثريا، والتراب من فلك عالم الإمكان، وقد روى العيّاشي عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام ، قال: (إنّما مثل عليّ عليه‌السلام ومثلنا من بعده من هذه الأُمّة كمثل موسى النبي عليه‌السلام والعالم حين لقيه واستنطقه وسأله الصحبة، فكان من أمرهما ما اقتصّه اللَّه لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابه، وذلك أنّ اللَّه قال لموسى: ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (1) ، ثمّ قال: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (2) ، وقد كان عند العالم علمٌ لم يُكتب لموسى في الألواح، وكان موسى يظنّ أن جميع الأشياء التي يحتاج إليها في تابوته، وجميع العلم قد كتب له في الألواح، كما يظنّ هؤلاء الذين يدّعون أنّهم فقهاء وعلماء، وأنّهم قد أثبتوا جميع العلم والفقه في الدين ممّا تحتاج هذه الأُمّة إليه وصحّ

____________________

1) سورة الأعراف: 144.

2) سورة الأعراف: 145.


لهم عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلموه وحفظوه، وليس كلّ علم رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله علموه ولا صار إليهم عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا عرفوه؛ وذلك أنّ الشي‏ء من الحلال والحرام والأحكام يَرِد عليهم فيُسألون عنه ولا يكون عندهم فيه أثر عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويستحيون أن ينسبهم الناس إلى الجهل، ويكرهون أن يُسألوا فلا يجيبوا فيطلب الناس العلم من معدنه، فلذلك استعملوا الرأي والقياس في دين اللَّه، وتركوا الآثار ودانوا اللَّه بالبدع، وقد قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : كلّ بدعة ضلالة.

فلو أنّهم إذا سُئلوا عن شي‏ء من دين اللَّه فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول اللَّه ردّوه إلى اللَّه وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم من آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والذي منعهم من طلب العلم منّا العداوة والحسد لنا، لا واللَّه ما حسد موسى عليه‌السلام العالم، وموسى نبيّ اللَّه يوحِي اللَّه إليه، حيث لقيه واستنطقه وعرفه بالعلم، ولم يحسده كما حسدتنا هذه الأُمّة بعد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله على ما علمنا وما ورثنا عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى عليه‌السلام إلى العالم وسأله الصحبة ليتعلّم منه ويرشده.

فلمّا أن سأل العالم ذلك عَلِم العالم أنّ موسى عليه‌السلام لا يستطيع صحبته ولا يحتمل علمه ولا يصير معه، فعند ذلك قال العالم: ( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) (1) ، فقال موسى عليه‌السلام له - وهو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله -: ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ) (2) .

وقد كان العالم يعلم أنّ موسى عليه‌السلام لا يصبر على علمه فكذلك - واللَّه يا إسحاق بن عمار - حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم لا يحتملون - واللَّه - علمنا، ولا يقبلونه، ولا يطيقونه، ولا يأخذون به، ولا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى عليه‌السلام على علم العالم حين صحبه ورأى ما رأى من علمه، وكان ذلك عند موسى عليه‌السلام مكروهاً وكان عند

____________________

1) سورة الكهف: 68.

2) سورة الكهف: 69.


اللَّه رضاً وهو الحقّ، وكذلك علمنا عند الجهلة مكروه ولا يؤخذ وهو عند اللَّه الحقّ) (1) .

والهداية الإيصالية شي‏ء وراء الوساطة في الفيض في قوس الصعود أو هي، ومع كونها هي هل هي مختصّة بالمؤمن أو تعمّ الكافر حيث إنّ الوساطة لم يُستثن منها أحد؟

بل هي مع خصوصيات تذكر في محلّها، والوساطة لم يُستثن منها أحد سوى أنّ الكافر لا فيض إليه وإنّما حرمان، فالوساطة وساطة في الحرمان من تحصيله على كمالات، والواسطة في مثل هؤلاء أئمّة الشرّ والضلال، كإبليس والجبت، والطاغوت.

وباختصار: أنّ السورة المباركة (الكهف) في صدد بيان قصّة الإمامة، وإنّها ظاهرة مستمرّة لا تنقطع، وإنّ إكمال الدين ليس بالنبوّة المجرّدة عن الولاية والإمامة، فإنّها ليست الغرض الأقصى، وإنّما التمام بالهداية الإيصالية، والمتمثّلة بإمام له الولاية وإدارة جماعة خفية مهمّتهم حفظ أغراض الشريعة الظاهرة بتحقيقها سواء المرتبطة بنظام المجتمع أم المرتبطة بالفرد.

ثمّ إنّ الظاهر أفضلية موسى على الخضر من بعض الجهات؛ بقرينة تبعية الثاني لشريعة الأوّل، المستفاد من بيانه لشرعية أفعاله بموازين شريعة التوراة، وإن كان يمتاز على موسى بالعلم اللدنّي للوصول إلى أغراض الشريعة.

وبيانه بشكل مفصّل يعتمد الالتفات إلى هاتين النقطتين:

النقطة الأولى: يذكر في علم أصول الفقه أنّ القضية الشرعية الحقيقية التي يُنشأها الشارع ويعتبرها، لها بعد تكويني وهو الإرادة التشريعية، وحقيقة هذه الإرادة تكوينية تتعلّق باعتبار الحكم الذي هو فعل الشارع.

____________________

1) تفسير العيّاشي، ج2، ص357، ح 46.


والإرادة التكوينية هذه كلّية من جهة أنّ متعلّقها هو الاعتبار الكلّي. بل العراقي - ومن قبل النهاوندي - افترضا أنّ حقيقة الحكم هي هذه الإرادات والإنشاء والاعتبار مجرّد وسيلة تخبر عن حكم اللَّه الذي هو الإرادة.

ومن ثمّ سواء قلنا إنّ حقيقة الحكم الاعتبار والإرادة مبدأه كما هو الحقّ، أم قلنا إنّ حقيقته الإرادة، والاعتبار مبرز وكاشف ومخبر، فالنتيجة المتوخاة واحدة، وهي أنّ التكوين ذو صلة بالاعتبار، وأنّ غطاء الاعتبار أو محكيه هو الإرادات الإلهية التكوينية الكلّية، وهذه الإرادات بحكم نظام الوسائط تتنزّل حتّى تنتهي بنفس الوحي ومن قبل النبيّ.

هذا ويذكر في علم الأُصول أيضاً أنّ الحكم الكلّي ينحلّ عقلاً إلى أحكام جزئية شرعية اعتبارية، وكذا الإرادات الكلّية تنحلّ إلى إرادات جزئية تكوينية، وقد نبّه إلى ذلك العرفاء أيضاً، وهو الحقّ.

النقطة الثانية: إنّ تنزّل الأمر والشأن منه تعالى على عالم مثل الدنيا يتمّ عبر مراحل ولوائح تكوينية ونشآت متعدّدة، وكلّما كان العالم والنشأة أكثر علوية كلّما كانت المتنزّلات أكثر بساطة، وكلّما توغّل في التنزّل كلّما كان أكثر تقديراً ومحدودية وتضيّقاً.

وعلى هذا الأساس نقول: إنّ النبيّ الحامل لشريعة الظاهر تتلقّى نفسه الشريفة التشريع في لوائح عالية في النشآت الغيبية، فهو يعلم بالاعتبارات وموجبها وهي الإرادات الكلّية التكوينية.

وأمّا حامل الولاية والشريعة في السنن الكونية فيتلقّى الإرادات الإلهية التكوينية الجزئية في نشآتها النازلة، كما يتلقّى الإحاطة بالإرادات الكلّية عن المقام الروحي للنبيّ عن مقامه الغيبي، ومن ذلك يظهر استحالة النبوّة مجرّدة عن الولاية كاستحالة تجرّد الحكم الاعتباري الشرعي وانفكاكه عن الإرادة الشرعية،


فكما أنّ الحكم الشرعي من دون إرادة إلهية مستبطنة خلفه محال، فكذلك استحالة النبوّة والرسالة من دون تعقّبها بما يليها في المقام الغيبي وهي الولاية والإمامة.

ومنه يتّضح أنّ الشريعة لو اقتصر فيها على سطح العلم الظاهر من فقه المعارف والأحكام وهو العلم الحصولي الكسبي بالشريعة الظاهرة، من دون عمق العلم اللدنّي بالحقائق والإرادات الإلهية التكوينية وهو الولاية والإمامة الإلهية، لكان ذلك من قيام الاعتبار من دون نشأة الحقيقة التكوينية، وكان خيال وسراب محض، ولكن مثل الخضر عليه‌السلام من أقسام الولي الحجّة، وكذا مريم عليها‌السلام ، كما تقدّم له الهداية الإراءية فهو محيط بالإرادات الكلّية حضوراً، فكيف كان موسى أفضل منه؟ فهو باعتبار أنّ الولي الحجّة مع النبيّ المتبوع له يتلقّى في القنوات الروحية عن ذلك النبيّ بتبعه، فالزهراء عليها‌السلام تتلقّى في الباطن الروحي عن المقام الروحي لسيد الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وعلى أساس هذا الفرق يتبين أكملية النبيّ حامل الشريعة الظاهرة على التابع له الولي الحجّة الحامل للولاية وللشريعة بحسب الدرجة في النظام الكوني.

ثمّ إنّنا نلحظ في قضية الخضر أدباً إلهياً بعد الالتفات إلى أنّه أسند الأفعال تارةً إلى نفسه في: ( أَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ) لا إلى اللَّه تعالى، وأُخرى إلى اللَّه في: ( فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا ) (1) ، وسرّ الاختلاف كما تبينه الرواية عن الصادق عليه‌السلام أنّ في القول الأوّل حيث كان الفعل معبّراً عن نقص فلم ينسب إليه تعالى تأدّباً، بخلاف الثاني، فلمّا لم يكن إلاّ أمراً خيرياً نسب إلى اللَّه تعالى.

وبهذا يمكن أن نفهم الفرق بين موسى والخضر وأكملية الأوّل على الثاني من

____________________

1) سورة الكهف: 81.


بعض الجهات.

كما يمكن على هذا الأساس أن نسجّل تعريفاً دقيقاً لكلّ من شريعة الظاهر ونظام التكوين، فالأُولى: هي الإرادات الكلّية التكوينية الإلهية المتعلّقة بأفعال المختار بتوسّط تعلّقها بفعل الشارع، وهو الأمر والإنشاء والاعتبار.

والثانية: هي الإرادات الجزئية المنحلّة من الإرادات الكلّية.

وهذه القصّة في واقعها أحد أوجه الفرق بين العلم النبويّ والعلم اللدنّي والتي سبق أن أشرنا إليها، وهي أنّ العلم اللدنّي له مجال أوسع؛ إذ يشمل أولياء اللَّه الحُجج وهو نوع من الاصطفاء، ويكون مقاماً أعمّ من الإمامة وأعمّ من النبوّة، فيشمل الزهراء عليها‌السلام ، ومريم عليها‌السلام التي لها نوع من الولاية، وبقية أولياء اللَّه الحُجج التي تشير إليهم الآيات القرآنية، لذا فهو يشمل النبيّ، والإمام، والحجّة الولي.

أمّا العلم النبويّ فإنّه يختصّ بالأنبياء، وهذا لا يعني التقاطع بينهما، بل إنّ النبوّة تلازم وجود شعبة من العلم اللدنّي للنبيّ دون العكس، ومن هنا قيل إنّ كلّ نبيّ وليّ وليس كلّ وليّ نبيّ؛ إذ لا يمكن للنبيّ أن يصل لنبوّته من دون أن تكون له شعبة من شعب العلم اللدنّي، ومن هنا قيل إنّ ولاية النبيّ أرفع من نبوّة نفس ذلك النبيّ، ويدلّلون في علوم المعارف أنّ الولاية هي غيبية دائماً وتكوينية، والنبوّة وإن لم تكن ظاهرية تماماً، إلاّ أنّها بالإضافة إلى ولاية ذلك النبيّ تعتبر ظاهراً.

وبتعبير آخر: أنّ النبيّ بولايته يتلقّى من الباري ويعلم بالإرادات التكوينية ثمّ في تنزّلها تكون ظاهراً ورسالة، وهذا العلم اللدنّي هو المنشأ للظاهر ولا يشمل كلّ الإرادات التكوينية، كما يأتي الإشارة مفصّلاً في حقيقة التشريع.

أمّا التأويل الوارد ذكره في الآية الكريمة، فإنّ التأويل عموماً ورد في القرآن بعدّة استعمالات:

1 - في سورة يوسف، تأويل الأحاديث والرؤيا، وأنّه لديه علم التأويل، وهذا


لا يخصّ الرؤيا كما قد يبدو لأوّل وهلة، بل يعمّ كلّ ما يرتبط بالنشأة ما قبل الدنيا.

2 - في قوله تعالى: ( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ) (1) بلحاظ نفس الوجود الخارجي لحقيقة القرآن.

3 - التأويل بلحاظ الوجودات والنشآت المختلفة، ومنه ما ورد أنّ الآخرة تأويل للدنيا.

4 - التأويل الوارد في آية المحكم والمتشابه.

5 - التأويل الوارد في هذه السورة، وهو تأويل ببيان الشريعة بحسب السنن الكونية الإلهية.

والتأويل مأخوذ من الأَوْل والأَوْب، وهو الرجوع والانتهاء، والغاية تأويل المغيّا، وغاية الغاية تأويل الغاية، وهذا هو المعنى الجامع بين هذه المعاني، وهو ما يعني تعاقب النشآت لبعضها البعض وجعل التالية غاية للسابقة، فما قبل النشأة الدنيا غايتها النشأة الدنيوية، والبرزخ والآخرة هي غاية للدنيا، وعليه لا تكون التأويلات محصورة بل تتعدّد بتعدّد النَشَآت، وقد يحظى الأولياء الحجج ببعض أو كلّ هذه التأويلات حسب مقاماتهم.

في تفسير الخضر أفعاله لموسى، وقبل ذلك نعرض لنقطتين:

النقطة الأولى: على صعيد التعليلات التي ذكرها الخضر لموسى يجب التوجّه إلى:

أ - إنّ مقام التعليل الغرض منه هو إقناع الطرف الآخر، ولذا يجب أن يذكر فيه علّة مشتركة على مبنى المتكلّم والسامع.

ب - إنّ فعل الخضر كان على أساس مقام الولاية من الشريعة بحسب السنن

____________________

1) سورة الأعراف: 53.


الإلهية الكونية، واعتراض موسى كان على أساس الشريعة الظاهرة من مقام النبوّة، ممّا يعني وجود مشترك بين درجتي الشريعة بحسب الظاهر ونظام التكوين؛ وإلاّ لما كان تعليل الخضر مفهوماً لموسى، مع أنّا نلحظ أنّ موسى اقتنع بل انجلى له فظاعة ما تقدّم.

ج - يستنتج من هاتين النقطتين أنّ ما علّل به الخضر هو القاسم المشترك بين الشريعة الظاهرة والشريعة في السنّة الإلهية الكونية.

د - إنّ موسى اقتنع بما ذكر له الخضر وانجلى له صحّة الأفعال التي قام بها الخضر حتّى على مستوى الشريعة الظاهرة.

هـ - ومن هنا نستنتج حقيقة مهمّة في النسبة بين درجتي الشريعة، وهي أنّ السنّة الإلهية الكونية تطبيق للظاهرة، وأنّ النظام الكوني لا يلغي الظاهر بل هما متلاحمان، وأنّ الولاية إنجاز لأغراض النبوّة.

ومن هذه النتيجة يمكن أن نؤشّر على ظواهر انحرافية، هي تلك التي ألغت الظاهر بالنظام الكوني الإلهي، أو افترضت أنّ السنن الكونية لا تفهم بالظاهر أبداً ولو بتوسّط المعصوم، أو أنكرت العلاقة بينهما وأنّها مفترضة أجنبية ومغايرة، بل ناسخية الشريعة الكونية للظاهرة، وأنّ الولاية في الإمامة ناسخة للنبوّة بتوهّم أنّها نبوّة أُخرى، وأنّ كلّ مقام غيبي فهو نبوّة.

النقطة الثانية: من القواعد المهمّة التي تحكم الشريعة الظاهرة، والتي تحتاج من الفقيه إلى تدبّر وتمعّن في الموازنة بين الأحكام الظاهرية، هي حالة التصادم بين الأحكام المختلفة وأي حكم يجب تقديمه في هذا المقام، وهو المعروف بين الفقهاء بالتزاحم، وقد ذكرنا مفصّلاً في بحث علم أصول الفقه التزاحم في المِلاكات، وفي مقام الامتثال، والضوابط التي يجب مراعاتها في تقديم أي الملاكين، وقد أشرنا هناك إلى أنّ ما ذهب إليه العامّة من بحث المصالح المرسلة


وسدّ الذرائع ما هو إلاّ نوع من التطبيق لمبدأ التزاحم، واختلافنا معهم في كيفية استكشاف المِلاكات وفي طريقة التقديم، فهم قد اكتفوا بالملاكات الظنّية والتقديم الظنّي أو جعلوا ذلك ضابطة للتشريع الثابت.

وسوف نلاحظ أنّ الأفعال التي قام بها الخضر هي من باب التزاحم والسعي إلى حفظ الملاكات الواقعية التي خفيت عن النبيّ موسى، والتي لو كان قد علم بها لما اعترض عليه:

أوّلاً: خرق السفينة.

وهاهنا سؤالان:

الأول: كيف ينسجم التعليل مع موازين الظاهر؟

الثاني: مع الانسجام ما هو الواقع في السنن الإلهية الكونية الذي اختصّ به الخضر؟

ففي هذا الفعل كان هناك ملاكاً مهمّاً سعى الخضر إلى المحافظة عليه؛ وهو حفظ مال المساكين من سطوة الحاكم الظالم، وهذا لم يكن موسى على علم به، ثمّ في مقام التطبيق كان الأمر يدور بين عطب السفينة وبين تعييبها؛ إذ في كلاهما يتحقّق الغرض، ومن الواضح أنّ المحافظة على الكلّ أولى من المحافظة على البعض، فالخضر عمل بقاعدة التزاحم وهذا من موازين الظاهر أيضاً، لكنّه اختصّ بعلم وجود مصاديق التزاحم من اغتصاب الملك الظالم لكلّ سفينة.

ثمّ في كيفية التصرّف الذي قام به الخضر من دون إذن أصحابها، فيمكن القول فيه: إنّ التصرّف العَقْدي يحتاج إلى إذن صريح ورضا بالإنشاء، أمّا التصرّف المجرّد غير العقدي - كالأكل والشرب - فلا يحتاج إلى ذلك بل يكتفي فيه بالعلم بطيب النفس وإن لم يكن المالك ملتفتاً، ومن هنا تظهر النكتة في أنّ إذن الفحوى


لا يحتاج إلى إبراز إنشائي، ومن الواضح أنّ المالك لو خير بين تلف العين أو صفة العين فإنّه سوف يختار الثاني.

فنلاحظ أنّ الخضر بالعلم اللدنّي عَلِم أنّ الملك سوف يأخذ كلّ سفينة غصباً، فهو إعمال للعلم اللدنّي في تطبيق الشريعة الظاهرة، وهذا هو الحدّ الذي تعطيه الآية في العلقة بين الشريعتين، أو بتعبير أدق بين درجتي الشريعة، أي أنّ الشريعة بحسب السنّة الإلهية الكونية ومقام الولاية تسعى إلى التحفّظ على المِلاكات في الشريعة الظاهرة ومقام النبوّة بنحوٍ لا يقبل الخطأ، وتكون مصيبة دائماً.

ثانياً: قتل الغلام.

والإشكال فيه كما ذكرنا سابقاً من جهة الاقتصاص قبل الجريمة، وكونه غلاماً لم يبلغ الحلم.

والجواب عنه نقضاً وحلاًّ:

أمّا النقض، فبوجود موارد يوجد فيها جواز للقتل من دون جرم، كما في حالات تترّس الكفّار بالمسلمين في الحرب فيجوز عند استهداف الكفّار للقتل - حينئذٍ - قتل المسلمين. وكما في حالات الدوران - على بعض الأقوال الفقهية وإن لم يكن تامّاً عند المشهور المنصور من الرأي الفقهي - بين حفظ النفس ونفس أُخرى أهمّ ملاكاً من الأُولى، فيرفع اليد عن وجوب حفظ أحد النفسين، ويحافظ على النفس الأهمّ.

أمّا الحلّ: إنّ قوانين التزاحم التي تحكم الشريعة الظاهرة هي مختصّة في الحكمين الفعليين، أمّا في شريعة السنن الإلهية الكونية فإنّ التزاحم يطبّق حتّى في موارد الشي‏ء الفعلي والآخر المستقبلي، وهذا ما يحدث في العلم اللدنّي حيث يرى أنّ الملاك الأهمّ بمراتب وإن كان ليس بفعلي يتصادم مع الملاك


الفعلي، وهذا وإن لم يكن ميزاناً في ظاهر الشريعة لعدم حصول العلم بالشي‏ء المستقبلي، لاسيّما إذا كان متمادياً في طول الزمان.

والروايات تشير إلى أنّ اللَّه أبدلهما ببنت تزوّج منها نبيّ من أنبياء اللَّه وتسلسل منه سبعون نبيّاً، فلو بقي هذا الغلام لكان سبباً في كفر الأب، وبالتالي انقطاع النسل النبويّ، وهذا لا يمكن استعلامه بالشريعة الظاهرة، بل يتمكن منه من أُوتي العلم اللدنّي.

ثالثاً: الجدار.

إنّ إشكال موسى هنا لم يكن في مؤاخذة إلزامية، بل كان لترك ما هو الأولى والأرجح.

ويلاحظ من التعليل الوارد في هذه الآية الشريفة أمران:

أ - إنّ الإرادة الإلهية ليست من سنخ إرادة اللَّه على نحو (كن فيكون)، بل إرادة في واقعها تتحقّق بالاختيار البشري، وبتوسّط البشر لا بتوسّط الملك أو مخلوقات أُخرى.

ب - إنّ الملاك الأهمّ الذي أراد اللَّه عزّ وجلّ حفظه هو ملاك ندبي، وهو كون أبيهما صالحاً، فأراد الحقّ تعالى إكراماً لهذا الأب الصالح أن يحفظ بصلاحه ذرّيته.

وهنا ننتقل للقول بأنّ الإرادة الإلهية كان لها هذا الدور من خلال هذه المنظومة في حفظ هذه الأغراض التي ليس لها تلك الأهمّية الإلزامية وتتّصف بالشخصية، فكيف بتلك الأغراض الجادّة المهمّة التي تؤدّي إلى انعطافات مهمّة في الدين والشريعة، فهذا يدلّنا على وجود مجموعة من الأولياء ورجال الغيب الذين لهم تلك الخصوصية من الاطلاع على العلم اللدنّي، وتكون وظائفهم حفظ الأغراض التي يوليها الشارع تلك العناية، وأنّ الحقّ تعالى لا يوكل الأمر إلى مجموع


الاختيار البشري، بل إنّ هذه المجموعة هي التي تسعى بالمجموع للوصول إلى مقاصد الشريعة.

والأمر المهمّ الذي نستفيده من هذه التعليلات أنّ الشريعة الكونية والسنن الإلهية التكوينية تطبيق للشريعة الظاهرة، وأنّ الهداية الإيصالية في الشريعة الكونية هي إقامة خفية للشريعة الظاهرية، فلا يُكتفى بالهداية الإرائية، بل تكون إلى جنبها الهداية الإيصالية، وأن لا تترك الأُمور إلى الصدف، بل تكون هناك يد غيبية لأجل المحافظة على تحقيق الأهداف والأغراض.

وقوله تعالى: ( عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ) ، يؤكّد أنّ الخضر ليس وحيد سِنخه، وإنّما هنالك منظومة من الأبدال والأوتاد والأولياء قد زوّدوا بالعلم اللدنّي، وأنّ من جملة وظائفهم تحقيق الأغراض التي هي المِلاكات وغايات الشريعة الظاهرة.


فوائد

الفائدة الأُولى:

حقيقة التشريع

إنّ قضية الخضر مع النبيّ موسى، وما اختصّ به كلّ منهما من الكمالات، تستدعي التعمّق قليلاً في بيان حقيقة التشريع السماوي الذي أوتيه النبيّ موسى عليه‌السلام وحقيقة العلم الذي أوتيَه الخضر، وأنّ هذه القصّة لا تدلّ على أفضلية الخضر على النبيّ موسى من كلّ جهة، بل هو تابع له في شريعته السماوية.

لقد سعى الأصوليون خلال سنين متعدّدة إلى تركيز النظر في حقيقة الحكم الشرعي والمراحل التي يمرّ بها، وإذا كان تسليط الضوء على أحكامه في الفترة التي تعقب صدوره من الناحية المقدّسة عن طريق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّ المراحل التي تسبق مرحلة الإنشاء كانت أيضاً محلّ بحث وتأمّل بين العلماء، وكان السؤال الذي دار في أذهانهم ما هو الارتباط بين عالم الاعتبار وعالم التكوين؟ وهل هما منفصلان بعد المفروغية من أنّ الاعتبار يستتبعه التكوين والفعل الخارجي لكنّ الكلام في المرحلة السابقة؟

* فذهب جمهرة من الأصوليين إلى أنّ الإرادة الإلهية التكوينية هي الأساس لهذا التشريع والاعتبار، بمعنى أنّ وراء الاعتبار إرادات تكوينية متعلّقها ليس الفعل الخارجي، بل متعلّقها إنشاء الحكم واعتباره، وهي بالتأكيد تسبق الاعتبار والحكم التشريعي، وكلّيتها متعلّقها هو الاعتبار والإنشاء أو جعل حكم كلّي.

وذهب المحقّق النهاوندي في تشريح الأصول إلى أنّ الأحكام الشرعية ليست


أحكاماً اعتبارية، بل هي إرادات تكوينية تشريعية، ومتعلّقة بفعل المكلّف، وتبعه المحقّق العراقي. وأنّ الأحكام الشرعية التكليفية إرادات تكوينية سابقة على النشأة الأرضية، والإنشاء مجرّد وسيلة تخبر عن حكم اللَّه الذي هو الإرادة.

وعلى كلّ حال، فسواء جعلنا الإرادة التكوينية هي منشأ الشريعة الظاهرة أو أنّها هي، فإنّ هذه الإرادات ليست حالة في الذات، بل هذه الإرادات بحكم نظام الوسائط تتنزّل من اللوح والقلم. حتّى تصل إلى نفس النبيّ أو الوصيّ أو الوليّ الحجّة، وأن إراداتهم هي إرادة اللَّه ومشيئاتهم مشيئات اللَّه.

* نبّه الأصوليون إلى أنّ الأحكام قسمان: الشرعية الاعتبارية والأحكام التكوينية. فالأُولى تكون على صيغة القضايا الحقيقية، وهي تنحلّ إلى قضايا جزئية في موارد عديدة، وبالمقابل في الأحكام التكوينية، أي أنّ الأحكام التكوينية الكلّية تنحلّ إلى أحكام تكوينية جزئية تكون وراء كلّ حكم شرعي جزئي، وقد نبّه أهل المعرفة على ذلك.

* وقد أشارت الروايات - وفسّرها أهل المعرفة والحكمة - إلى أنّ الأمر والشأن من اللَّه في تنزّله إلى العوالم السفلية يتمّ عبر مراحل، ويعبّرون أنّها تتمّ عبر لوائح تكوينية وأقلام تكوينية، وكلّما كانت النشأة أكثر علوية كانت الإرادات الإلهية فيها كلّية، وكلّما تنزّلت هذه الأوامر الإلهية في اللوائح النازلة كلّما ضيّقت وقدّر وصارت ليلة القدر، أي: ليلة التحديد.

* إذا التفتنا إلى النكات السابقة نستطيع معرفة الفارق المحوري بين الشريعة في الدرجة الظاهرة والكونية ونظام التكوين، وبين مقام صاحب الشريعة بالدرجة الظاهرة، وبين مقام صاحب شريعة السنن الكونية الإلهية.

فإنّ النفس النبويّة تتلقّى الإرادات الكلّية التشريعية الإلهية في لوائح ونَشَآت عالية، ويكون لها علم بتلك الإرادات التكوينية الكلّية، أمّا صاحب النفس الولوية


والشريعة الكونية فإنّه يتلقّى الإرادات الإلهية الجزئية التكوينية في اللوائح والنَشَآت النازلة.

وبناءً عليه نرى أنّ الذي يطّلع على تلك الإرادات الكلّية يكون أفضل مقاماً من الذي يطّلع على الإرادات الجزئية فقط، ولا يكون له اطّلاع على تلك الكلّيات إلاّ من خلال الإرادات التشريعية الواردة عن طريق النفس النبويّة، ومن هنا نقول إنّ هؤلاء الأولياء الحُجج يكونون تابعين لصاحب الشريعة، النبيّ الذي في زمانهم؛ وذلك لأنّ تلك الإرادات الكلّية تكون عن طريق تلك النفس النبويّة في عهده.

ومن ثمّ إنّ النبيّ الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله يكون واسطة في تلقّي الأئمّة عن طريق الملكوت والأرواح التي هي مرتبطة بعالم الأمر والملكوت، لا عن طريق الحسّ والظاهر. وبتفاوت النبوات وأفضليتها تتفاوت مقامات التابعين والأولياء، ويمكن أن نفهم الفرق بين موسى والخضر، وأكملية الأوّل على الثاني، مع عدم علم موسى ببعض ما عند الخضر.

كما يظهر تعريف آخر للشريعة الظاهرة: أنّها الإرادات الكلّية الإلهية ومتعلّقها أفعال المكلّفين المختارين بتوسّط تعلّقها بفعل الشارع وهو الأمر والإنشاء والاعتبار.

والشريعة في السنن الإلهية الكونية: أنّها الإرادات الجزئية المنحلّة من تلك الإرادات الكلّية (1) .

____________________

1) وهذا من الفوارق بين الشريعة الكونية والظاهرة في مقام التعبير؛ وذلك لأنّه لا يمكن التعبير في الشريعة الكونية إلاّ بحدودها الحقيقية، أمّا في الظاهرة فيجوز استخدام المثال والصورة الكونية وأمثالها من التمثيلات التي لا يجوز استخدامها في نظام التكوين.

ولا بأس أن نشير هنا إلى أنّ النسبية في الحقائق تارةً يراد منه معنى ويكون مؤدّياً إلى السفسطة، وتارةً يكون معنى مقبولاً، فالقول بالنسبية المطلقة والتي تعني عدم وجود ثابت فهو =


كما يعلم الحال في غير المعصومين وأنّ فقهاء الشريعة إنّما يصلون إلى الحكم الظاهري في الشريعة الظاهرة عن طريق الطرق والإمارات الشرعية، بينما النبيّ يكون له اطّلاع مباشر على الإرادات التكوينية الكلّية، أمّا الفقيه فلا يحيط بذلك فضلاً عن الاطّلاع على الإرادات الجزئية، ويفهم من ذلك أنّ مجرّد الحصول على الملكة الكسبية لا يعني الاطّلاع والوصول إلى تلك الإرادات الكلّية ولا الجزئية، فلابدّ أن يكون تابعاً إلى صاحب الولاية.

الفائدة الثانية:

وتتضمّن تحليل أدبي لغوي فلسفي لأدب من الآداب الإلهية، أشار إليه الإمام الصادق عليه‌السلام في رواية ذكرها صاحب نور الثقلين، وهي تتعلّق بملاحظة طريقة تفسير الخضر لأفعاله واختلاف نسبة الأفعال في الوقائع الثلاث، ففي قصّة السفينة قال: ( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ) ، وفي قضية القتل قال: ( فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا ) (1) ، وفي واقعة الجدار قال: ( فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا... ) .

فنلاحظ أنّه تارةً يسنده إلى نفسه، وتارةً للمجموع، وثالثةً للَّه عزّ وجلّ، والملاحظ أنّه في الأفعال الخيرة يسند الفعل للَّه عزّ وجلّ، وفي الأفعال التي ظاهرها النقص يسندها إلى نفسه أو إلى من هو مثله. فالإعابة، والقتل، والخشية من أفعال الآدميين، والإرادة والإبدال هي من أفعال اللَّه عزّ وجلّ، فمع أنّ الكلّ من عند اللَّه عزّ وجلّ إلاّ أنّه في مقام التأدّب معه تعالى لا يسند ما ظاهره النقص له

____________________

= سفسطة، أما إذا عنينا بها النسبية التي تسعى إلى درك الحقائق الواقعية اللامتناهية التي هي غير محدودة فإلى أي مقدار تصل إليه تظلّ المعرفة محدودة ولا تستطيع الإحاطة بها.

1) سورة الكهف: 80 - 81.


تعالى.

أمّا المجموع في: ( فَخَشِينَا ) فلا يمكن أن يريد الخضر نفسه، والجمع بلحاظ التفخيم؛ وذلك لأنّ الخضر لا يفخّم نفسه في قبال اللَّه تعالى، ولا أيضاً في قبال موسى، مضافاً إلى أنّه في الشريعة للسنن الكونية الإلهية يُراعى دقّة الحقائق لا المجازات، وإذا أخذنا في عين الاعتبار ما ورد في صدر القصّة من عبادنا، فنعلم أنّ المراد من الخشية هنا هو مجموع رجال الغيب، وهي مجموعة تسالمت المذاهب المختلفة على وجودها وإن اختلفت تسميتها من الأبْدال، والأوتاد، والسياح، والأركان، وأنّ هذا العلم لا يختصّ بالخضر بل إنّ تلك العلوم يزوّد بها رجال هذه المنظومة، فهم وإن كانوا غير موكّلين كلّهم بهذه المهمّة إلاّ أنّ العلم بهذا العلم يولد خشية لدى الجميع، وإن كان التنفيذ مختصّاً بواحد منهم، وكأنّه ينوب عنهم في تأدية هذا الفعل.

إنّ هذا الأدب الإلهي الذي أشرنا إليه فيما مضى أيضاً في طلب موسى من الخضر وإجابة الخضر له، إنّما يدلّ على جذر عقائدي يدعم ويولّد تلك المعرفة التي يكون تلفّظ الإنسان بها وخطابه مع الذات المقدسة بما يتلاءم مع مقام الذات وتنزّهها عن المعايب والنواقص، وقد أشار علماء المعرفة إلى هذه النكتة في موارد عدّة، مثلاً في صفة الكرم يرجعونها إلى أنّ الاعتقاد بحسب الفطرة بأنّ فيض وجود اللَّه عزّ وجلّ وكمالاته غير متناهية، فالرزق والعطاء لا يكون محدوداً، ومنه ينشأ صفة الكرم.

وهكذا صفة الشجاعة فهي تعود إلى مقام توحيدي بالاعتقاد بأنّ القدرة الحقيقية كلّها ترجع إليه سبحانه، وبالتالي لا يكون هناك أحد مالكاً للقدرة إلاّ بإقدار منه، فينشأ من هذا الاعتقاد عدم خشية الإنسان من أحد، وإذا شاهدنا أمثال هذه الصفات من أحد فإنّها تنمّ عن مقدار من التوحيد بنحو الإجمال البسيط في


فطرته، بل ما ورد في سورة البلد يدلّ على أنّ الصفات الحميدة دالّة على الإيمان: ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) (1) .

ولا يخفى أنّ هذا الأدب ليس مجرّد مجاملات شكلية، وإنّما يعتمد أساساً على قاعدة تمّ مراعاتها من قبل الخضر، وهو ما أشار إليه القرآن من نسبة السيئة إلى العبد ونسبة الحسنة إلى اللَّه مع كون كلّ منهما من عند اللَّه.

____________________

1) سورة البلد: 11 - 17.


المقالة الثانية

التصدّي الفعلي الخفيّ للإمام في عصر الغيبة لإدارة وتدبير النظام الاجتماعي البشري

وهذا التصدّي الفعلي الخفي السريّ المستتر ليس خاصّاً بعصر الغيبة وليس خاصّاً بالإمام المهدي (عج)، بل هو من لدن إمامة آدم عليه‌السلام وأوصيائه، وإمامة نوح وإبراهيم إلى إمامة سيد الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله قبل بعثته وأثناء حكومته الظاهرية، وأمير المؤمنين عليه‌السلام قبل حكومته الظاهرية وأثناءها أيضاً، وكلّ الأئمّة عليهم‌السلام إلى عهد إمامة المهدي (عج) في عصر غيبته، ونلحظ هذه الحقيقة في شؤون الإمامة الإلهية من خلال نموذج الخضر.

فنلحظ أنّ الخضر قد نسب ثالثة الفعل إلى المجموع في قوله: (فخشينا، فأردنا)، وهو ينسجم مع قوله: ( عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ) ، الظاهر في أنّ الخضر واحد من مجموعة قد زوّدوا بالعلم اللدنّي وكُلّفوا للمحافظة على أغراض الشريعة الظاهرة بتطبيقها، فالخشية هي خشية المجموع، وإرادة الجميع تدلّ على أنّ ما قام به الخضر واجب كفائي قد انبرى الخضر لأدائه.

بعد كلّ هذا، يمكن أن يسجل هذا السؤال معترضاً على فكرة الولاية و(النزعة الملكوتية والخفاء) في الإمامة، وفكرة الجماعة المزوّدة بالعلم اللدنّي الموظّفة بما ذكرناه والتي يديرها الإمام عليه‌السلام ، وفكرة أنّ قوام الإمامة المقوّم لها هو الهداية الإيصالية.


والسؤال: إنّ ما ذكر لا يظهر من الكتاب والسنّة المستفيضة، وهو لا يعدو تنظير الصوفية، والذي خلاصته: تشابك الأرواح والنفوس على شكل منظومة هرمية تستبطن عدة خلايا ترتبط جميعها بالإمام، والذي اختلفت تعبيراتهم عنه بين: القطب، والغوث، والإمام.

وقد جاء ما يوازي هذا الفهم في تعبير الفلاسفة - والذي برهنوه عقلاً - بسلسلة الارتباط العلّي الوجودي.

ومعه لا يمكن أن تأخذ هذه الأُطروحة مجالها في الفكر الشيعي ما لم تصبغ بصبغة دينية وتكون ذات غطاء قرآني روائي، وهو مفقود.

ومن ثمّ لابدّ من الاقتصار على أنّ الإمامة منصب إلهي يعني المرجعية الدينية (الهداية الإرائية) والزعامة السياسية، مع قبول ارتباطه بالغيب وتزويده بالعلم اللدنّي؛ فإنّ هذا القدر هو الظاهر من القرآن والسنّة.

والجواب: إنّ الموجود عند الصوفية لا يتجاوز بذوره ومبدأ نشأته القرن الثالث، بل بلورته كنظرية جاءت في أواخر القرن السابع وبدايات القرن الثامن، مع أنّ الروايات في هذا المجال أسبق بكثير من هذا التاريخ فضلاً عما في القرآن وكلمات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأمير عليه‌السلام ، وبقية الأئمّة عليهم‌السلام ، بل إنّ معظم ما لدى الفرق الصوفية والعرفاء هو طُفيل ووليد عن فرق الغلاة الشيعية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الأوّل، وفي القرن الثاني والثالث الهجري، بينما فرق الصوفية متأخّرة زمناً عن فرق الغلاة.

بل إنّ سلسلة مشايخ الصوفية جلّها تنتهي إلى غلاة الشيعة وجملة من هؤلاء الغلاة - لا كلّهم - كانوا أصحاب سرّ في المعارف لدى أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، غاية الأمر لم يحالفهم الحظ أن يبقوا على الاستقامة، كما حصل مع بلعم بن باعورا؛ حيث آتاه الباري تعالى بعض حروف الاسم الأعظم: ( آتَيْنَاهُ


آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ) (1) .

فلم يكن خلاف الحكمة الإلهية إعطاءه الآيات من الاسم الأعظم مع علم الباري في الغابر أنّه لن يستقيم، ولكن الإعطاء الغيبي من الباري لبلعم بن باعورا حجّة عليه بعد استحقاقه في ظرف الاستقامة للعطية الغيبية الإلهية، وفي ذلك حكم أُخرى منه تعالى، مثل تنبيه البشر على أنّ من يتّق اللَّه يجعل له فرقاناً، واتّقوا اللَّه يعلمكم، أي تنبيههم على وجود علوم غيبية ليست في متناولهم.

وأنّ نشأة الغيب نشأة لا تنزف ولا تنفذ كما ورد في الحديث القدسي: (لأعطين الحكمة من زهد في الدنيا، فأمّا المؤمن فهي حجّة له، وأمّا الكافر فهي حجّة عليه).

هذا وغيره هو وجه الحكمة في تربية أهل البيت عليهم‌السلام بعض أصحاب السرّ أيام الاستقامة مع علمهم بما سيؤول حال أُولئك الأصحاب، هذا مع أنّ جملة كثيرة أُخرى من أصحاب السرّ بقوا على الاستقامة، كسلمان الفارسي، وكميل بن زياد النخعي، وميثم التمّار، ورشيد الهجري، وحبيب بن مظاهر، وجابر بن يزيد الجعفي، ويونس بن عبد الرحمن، وذريح المحاربي، وغيرهم.

وعلى أي تقدير، فما عند الصوفية من سَمنٍ إذا فصل عن الغثّ، أو صواب أسرار المعرفة، فإنّما تلقوا وأخذوا جذوره من فرق الشيعة، ومن ثمّ قالت أهل سنّة الخلافة وجماعة السلطان عن الصوفية والتصوّف إنّه قنطرة التشيع.

وبالإضافة إلى أنّ الصوفية لا يعدون ذلك من مبتدعاتهم أو ما ثبت لهم بالمكاشفة فقط، وإنّما ينسبون ذلك إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام .

وبالتالي فما ذكرناه لا يمثّل اختراقات الفكر الصوفي السنّي للفكر الشيعي،

____________________

1) سورة الأعراف: 175.


وإنّما هو تأثيرات الفكر الشيعي على الفكر السنّي المتمثّل بهذه الطبقة.

ومن ثمّ نفهم الحسّاسية البالغة عند فقهاء السنّة ومحدّثيهم من صوفيتهم، حيث تجرّ أطروحة الصوفيين الفكر السنّي إلى الفكر الشيعي، وتجعل من مبدأ الإمامة الشيعي ضرورة، فحاولوا الطعن عليهم بأنّهم متأثّرون بالاتّجاه الباطني، وهو الشيعة، مستهدفين بذلك تجريد الأُطروحة من الدليل والشرعية.

فقد جاءت الباطنية في كلماتهم في سياق الذمّ وأنّها منقصة، ومن ثمّ نسبوها إلى أئمّة أهل البيت، حتّى قال بعضهم: إنّ نسبة الباطنية إلى عليّ عليه‌السلام لها وجه، وأمّا نسبتها إلى جعفر بن محمّد فلا ريب فيها.

وقد غفل هؤلاء عن أنّ ما ذكر مديح للأمامية بأنّهم يؤمنون بالغيب، وأنّ فكرة الباطنية بمعنى الاعتقاد بعالم ونشأة الغيب والارتباط به وإشرافه على عالم الشهادة من دون التنكّر لعالم الغيب، كما هو مذاق المادّيين الحسّيين، هي أطروحة الشيعة لا من مستورداتهم، سوى أنّ هذه الفكرة قبلتها الشيعة بالشكل الذي مرّ، وهو حفظ التوازن بين البطون والظهور وعدم تغليب أحدهما على حساب الآخر، وبين التأويل كحقيقة قرآنية بيد الراسخين في العلم، وهم أهل آية التطهير، وبين ظهور الكتاب. وبين تنزيل الكتاب في المصحف الشريف بين الدفّتين وبين القرآن المجيد، في نشأة اللوح المحفوظ والكتاب المكنون الذي لا يمسّه إلاّ المطهّرون، والكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ شي‏ء الذي هو حقيقة قرآنية يجب الإيمان بها على حدّ الإيمان بالمصحف بين الدفّتين، وإلاّ لكان من الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر.

فالباطن، والبطون، هو الغيب الذي ليس منالاً لكلّ أحد كما يدّعيه الصوفية، بل هو في موقعه القطبي المركزي خاصّ بعِترة النبيّ المطهّرة، فالإيمان بالظاهر دون الباطن كالإيمان بعالم الشهادة والكفر بعالم الغيب، ومن الإيمان بالحسّ والإنكار


بما وراء الحسّ كما يصنع أصحاب مدرسة الحسّ والمادّة، غاية الأمر أنّ البطون وورود هذه العوالم الغيبية لا تتسنّى إلاّ لمن شهد له القرآن بالقدرة على ذلك، وهم المطهّرون أهل آية التطهير، وأمّا غيرهم فلابدّ من إقامة البرهان وميزان الدلالة في الوصول إلى بعض المعاني المحدودة اليسيرة من التأويل.

وأمّا دلالة الكتاب والسنّة على ما ذكر من معنى الإمامة الإلهية، مضافاً إلى ما تقدم في الفصل الثالث من الجزء الأوّل من شواهد قرآنية من الكتاب والسنّة القطعية والأدلّة العقلية والفطرية، نشير إلى شواهد أُخرى على هذا التوسّع والإضافة في معنى الإمامة الإلهية الذي نحن بصدده في هذا الفصل.

الشاهد الأوّل:

قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ... ) (1) ، فإنّ الخليفة عنوان من عناوين الإمام المدبّر المتصرّف في الأرض وبجعل تكويني إلهي، كما تقدّم في الفصل الثالث شرح هذه الآيات مبسوطاً. وموضع الاستشهاد في المقام يتبين عبر النقاط التالية:

الأولى: هو أنّ أوّل تعريف ذكره الباري للخليفة هو ذكر اعتراض الملائكة (الإفساد في الأرض، وسفك الدماء) بمثابة الجنس والفصل لتعريف الخليفة، فما هي الصلة الوثيقة بين تعريف الخليفة والإمام في الأرض وبين هذين الاعتراضين؟ فلابدّ ثمّة من ارتباط وثيق بينهما أراد أن ينبّه الباري تعالى عليه، حيث إنّ القرآن الكريم في مقام تعريف الخليفة والإمام.

الثانية: إنّ اعتراض الملائكة بالإفساد في الأرض وسفك الدماء لابدّ أن يراد منه المقدار الغالب من الإفساد وسفك الدماء بمقدار أكثري؛ وذلك لأنّ الفساد الأقلّ

____________________

1) سورة البقرة: 30.


في مقابل الإصلاح والصلاح الأكثر ليس مذموماً بل راجح، كما أنّ سفك الدماء القليل بالقياس إلى مجموع عدد البشرية الكبير وبنحو مانع عن انقراض النسل ليس قبيحاً، بل حسن، فلابدّ أن يكون مصب الاعتراض هو بالفساد الكثير وسفك الدماء الأكثر، أي الشرّ الكثير في مقابل الخير القليل، لا الاعتراض بالشرور القليلة في مقابل الخيرات الكثيرة، فهذا المعنى هو الذي اعترض به الملائكة على جعل الخليفة.

الثالثة: إنّ من الواضح أنّ المجي‏ء بالاعتراض الملائكي والمحذور الذي تخوّف منه الملائكة في أصل سياق تعريف خليفة اللَّه في الأرض، هو لبيان أنّ هذا الخليفة من أبرز خواصه ومهامه وآثاره أنّه بوجوده دارئ ممانع عن وقوع هذا المحذور، وذلك عبر عملية استخلافه وتصرّفه من قبل اللَّه أي قيامه بالتدبير فيما استخلف فيه، فبتدبيره وتصرّفه في الأُمور يحول دون انفراط النظام الفطري الإلهي للنظام الاجتماعي البشري، وبذلك يحول دون وقوع الفساد والإفساد في الأرض في كلّ المجالات، سواء البيئي، والصحّي، والزراعي، والاقتصادي، والأخلاقي، والأمني، والعسكري، والتجاري، وكذلك يحول دون وقوع سفك الدماء الغالب المبيد للنسل البشري.

فهو بتدبيره في النظام العام يقوم بمهمّة الاستخلاف وهي حكومة النظام العالمي البشري في ضمن حكومة موحّدة تدفع بالنظم البشرية في البلدان إلى تقارب نظام عالمي موحّد على أساس الفطرة البشرية والرعاية الإلهية والعناية السماوية، ومن ذلك يظهر سرّ نزول كلّ ملفّات التقدير والقضاء سنوياً في ليلة القدر على صاحب الأمر، والذي قد تقدّم مفصّلاً بيانه في الرافد الخامس، فإنّ هذا الكم المعلوماتي الهائل عن وضع البشرية السنوي في كل عام الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها في جدول إحصائي لسياسات الحكومة الإلهية يقوم


برئاستها ولي الأمر في ليلة القدر.

من ذلك يتّضح أنّ الملف القرآني لليلة القدر بمجموع السور والآيات المتعرّضة لحدث ليلة القدر في كلّ عام وما يتنزّل فيها هو دليل مستقلّ برأسه على هذه المهمّة الخطيرة الموكلة لوليّ الأمر الإمام المعصوم عبر الاستخلاف الإلهي، إذ إرسال هذا الحجم الخطير من المعلومات الحسّاسة عن الوضع البشري في كلّ شؤونه لكلّ سنة مستقبلة في ليلة القدر هو عمل من الاستراتيجيات الأوّلية في الحكم والحكومة للنظام البشري، وبنية ضرورية أساسية من أركان الحكومة في منظومة الاجتماع البشري.

وبتوسّط ذلك الملف من المعلومات وعبر المنظومة الخفية لجهاز الحكم يتمّ إنجاز وإنقاذ السياسات الإلهية في حكم والحكومة على النظام البشري بحيث يحول دون وقوع الفساد والإفساد الغالب في شتّى مجالات النظم البشرية.

وربما يُطرح في المقام تساؤلان:

الأوّل: إنّنا نرى ونشاهد في طيلة التاريخ البشري مظاهر وأنظمة من الفساد والإفساد في الأرض، وأنواع الظلم العاتي، والحروب المبيدة للنسل البشري، وفي عصرنا الراهن البشرية في شتّى البلدان قابعة تحت أنظمة الظلم والجور والعدوان، إضافة إلى تحريف الأديان، وابتداع المذاهب والسنن الباطلة، وتفشّي الزيغ والأهواء، فأين هذا الحائل، وأين الطامس لآثار الزيغ والعدوان، وأين المبيد للظلمة، وأين صاحب راية الهدى؟

الثاني: إنّه على ضوء وجود مثل هذا التصدّي من قبله (عج) لتدبير أُمور البشرية فما الفرق بين التدبير الخفي في الغيبة وبين حكومته المباركة بعد الظهور، لاسيما أنّ ظهوره بعد أن تُملئ الأرض ظلماً وجوراً، وذلك يعني وقوع المحذور الذي تخوّفت منه الملائكة ولو في برهة من الزمن؟ كما أنّه مع وجود هذا التدبير


الخفي من قبل جميع الأئمّة عليهم‌السلام فأي معنى لإزوائهم عن سدّة الحكم والتصرّف في الأُمور؟ ولماذا لم يستطيعوا بهذا التدبير الخفي إرجاع الأُمور إلى نصابها؟

والجواب:

إنّما يُلاحظ في تاريخ البشرية إلى عصرنا الحاضر، رغم كلّ سلسلة الطغيان، وسفك الدماء والعدوان والجور في المجالات العديدة والبقاع المختلفة، إلاّ أنّه لم يكن بطابع الحالة المستمرّة، بل نرى الإصلاح ينقض عليه وإن كان نسبياً فلا يبقيه، كما لا يدع له مجالاً لأن يكون غالباً، وكذلك الحروب التي اصطلت بها البشرية ما كانت تتمادى لتفني النسل البشري.

بل إنّ سلسلة وقافلة ومسار الرقي الفطري البشري وحاكمية القيم الفطرية على العقل والوعي البشري آخذة في الازدياد جيلاً بعد جيل، وإن كانت ممارسة أصحاب القدرة والحكومات الوضعية يزداد بها المارد الشيطاني عتوّاً وفساداً ويعيثون في الأرض عدواناً وفجوراً.

وبذلك نلحظ أنّ الفساد ليس هو الأغلب؛ فقد مرّت البشرية في عصور مظلمة مدلَهِمة لكن لا يتمّ لها الإصلاح والتطوّر الشامل الكامل والمدينة الفاضلة المثالية إلاّ بتسلّم خليفة اللَّه في أرضه زمام كافّة مقاليد القدرة والإدارة في كلّ مراتبها وشؤونها، ولا تقتصر على المرتبة الخفية، وستأتي الإشارة في الروايات المروية من الفريقين إلى ذلك وتتمّة إيضاح لهذا الأمر.

الشاهد الثاني: مجموع السور والآيات التي سبق استعراضها في الفصل السابق حول ما ينزل في ليلة القدر، والتي ينزل فيها ملفّات تدبير للنظام البشري وصلة ذلك في التدبير الخفي لولي الأمر في النظام البشري الذي تتنزل عليه الروح والملائكة كلّ عام، كما ألمحنا إلى ذلك في الشاهد الأوّل.

الشاهد الثالث: قوله تعالى للنبيّ إبراهيم عليه‌السلام : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ


فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) (1) ، وصريح الآية هو أنّ الجعل فعلي منه تعالى للإمامة الفعلية لإبراهيم، مع أنّه في الظاهر المعلن من التاريخ لم يتقلّد النبي إبراهيم حكومة معلنة وسلطة رسمية في بلد من البلدان، فهذه الإمامة للبشر لابدّ أن يكون تدبيرها الفعلي للنظام البشري لا يقتصر على السلطة الرسمية المعلنة، بل يشمل التدبير السياسي الاجتماعي الخفي، مضافاً إلى هداية الأرواح والنفوس لإيصالها إلى المنازل المعنوية في الكمال.

وكذلك قوله تعالى: ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاة وَإِيتَاءَ الزَّكَوةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (3) .

فهذا الوصف للجعل الإلهي الفعلي لإمامتهم بالفعل - إمامة إسحاق ويعقوب - مع أنّهم لم يتقلّدوا زمام أي سلطة رسمية في التاريخ، وقد ورد في روايات الفريقين حول حياة النبيّ إبراهيم من لقائه أولياء اللَّه في شتّى أقطار الأرض، وأنّه كان على اتّصال وارتباط معهم.

هذا مضافاً إلى النقلة الحضارية التي أحدثها النبيّ إبراهيم في الخطّ الأدياني والقانوني للبشر، في العراق، وبلاد الشام، وأرض الحجاز، ومصر، كما هو الحال في دور أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام في إرساء رحى عقائد الإيمان ومعالم الدين وما نشروه وشيدوه من معارف وأحكام الدين والتي كانت مجهولة لدى المسلمين في عصر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث لم يتلقّها عن النبيّ إلاّ العِترة بالعلم اللدنّي لا مجرّد السماع

____________________

1) سورة البقرة: 124.

2) سورة الأنبياء: 72 - 73.

3) سورة السجدة: 24.


الحسي.

الشاهد الرابع: قصّة الخضر في سورة الكهف والتي تقدّم بيان جملة من شؤونها، وتأتي تتمّة ذلك.

الشاهد الخامس: جملة النماذج القرآنية الأُخر التي سيتمّ استعراضها لاحقاً، وموضع الاستشهاد فيها من إحدى زواياها المبيِّنة لنحو التدبير الخفي لنماذج الإمامة في النظام البشري، وتأثيرهم في المنعطفات الحضارية في المسار البشري.

أمّا الشواهد الروائية، فنذكر نبذة من الروايات يتفطّن منها المتتبّع للوقوف على جملة وافرة متكاثرة متضمّنة لنفس المعنى:

منها: ما ورد في دعاء رجب الذي رواه الشيخ الطوسي، من التوقيع من الناحية المقدّسة على يد الشيخ الكبير أبي جعفر محمّد بن عثمان أبي سعيد (رضوان اللَّه تعالى عليه)، حيث فيه: (صلّى على محمّد وآله، وعبادك المنتَجَبين، وبشرك المحتَجِبين، وملائكتك المقرّبين، والبُهم الصافين الحافين...) (1) ، فوصف أنّ هناك جماعة من البشر مُحتَجبين ومستترين عن الأنظار، بمعنى أنّ الناس لا تعرفهم.

ومنها: ما رواه الشيخ في المصباح في دعاء أُمّ داود: (صلِّ على الأبْدال، والأوتاد، والسياح، والعباد، والمخلَصين) (2) .

ومنها: ما ورد في زيارته (عج) في سرداب الغيبة: (اللّهمّ صلّي عليه وعلى خدّامه وأعوانه على غيبته ونأيه، واستره ستراً عزيزاً، واجعل له معقلاً حريزاً) (3) .

ومنها: ما ورد في دعاء زيارة العسكريين عليهما‌السلام في زيارة الإمام أبي محمّد الحسن العسكري في الدعاء عقبها، حيث فيه: (وأتوسّل إليك يا ربي بإمامنا ومحقّق

____________________

1) مصباح المتهجد: 559.

2) مصباح المتهجد: 556.

3) مصباح الزائر لابن طاووس: ص444، بحار الأنوار: ج99، ص103.


زماننا اليوم الموعود والشاهد المشهود والنور الأزهر والضياء الأنور المنصور بالرعب والمظفر بالسعادة... اللّهمّ واحشرنا في زمرته واحفظنا على طاعته واحرسنا بدولته وأتحفنا بولايته وانصرنا على أعدائنا بعزّته) (1) .

فيشير الدعاء إلى طلب الحراسة الفعلية منه تعالى من قبل كلّ مؤمن وذلك بتوسّط الدولة الفعلية الخفية له (عج)، وطلب النصرة على الأعداء بتوسّط عزّته، أي بطلب قدرته الفعلية.

ومنها: الدعاء المعروف للحجّة (عج): (اللّهمّ كُنْ لوليك الحجّة ابن الحسن العسكري، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كلّ ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتّى تسكنه أرضك طوعاً وتمكّنه فيها طويلاً) (2) . فإنّ الدعاء بالنصرة في هذه الساعة الفعلية وطوال فترة الغيبة حتّى الظهور يقضي بوجود كيان فعلي يتجاذب مع القوى الراهنة في الأنظمة البشرية، وكذلك الدعاء بالقيادة الإلهية يقضي بوجود حركة فعلية تحتاج إلى الدلالة الإلهية.

ومنها: ما رواه المجلسي في البحار عن مؤلّفات أصحابنا، بسنده عن المفضَّل بن عمر، في حديث قال، قال الصادق عليه‌السلام : (أحسنت يا مفضَّل، فمن أين قلت برجعتنا، ومقصرة شيعتنا تقول معنى الرجعة أن يردّ اللَّه إلينا ملك الدنيا وأن يجعله للمهدي (عج)؟ ويحهم متى سُلبنا الملك حتّى يردّ علينا؟!

قال المفضل: لا واللَّه وما سُلِبتُموه ولا تسلبونه؛ لأنّه ملك النبوّة والرسالة والوصية والإمامة) (3) .

ومنها: ما رواه في البحار من زيارة طويلة لأئمّة البقيع وفيها: (اللّهمّ صلِّ على

____________________

3) مصباح الزائر لابن طاووس، ص412.

2) الكافي، ج4، ص162، التهذيب، ج3، ص103.

3) البحار، ج53، ص4، ح 1.


الإمام الوصيّ، والسيد الرضي، والعابد الأمين، عليّ بن الحسين زين العابدين، إمام المؤمنين ووارث علم النبيين، اللّهمّ اخصصه بما خصصت به أوليائك ... وسلك بالأُمّة طريق هُداك، وقضى ما كان عليه من حقّك في دولته، وأدّى ما وجب عليه في ولايته، حتّى انقضت أيّامه وكان لشيعته رؤوفاً، وبرعيته رحيماً) (1) .

ومنها: ما رواه الصدوق في الفقيه، في استحباب الجماع ليلة الجمعة، من الحديث النبويّ: (وإن جامعتها في ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة فإنّه يرجى أن يكون الولد من الأبدال إن شاء اللَّه تعالى) (2) .

ومنها: ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا بسنده عن عمر بن واقد، في حديث استشهاد الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام ووصيته للمسيب بن زهير، ومجي‏ء الإمام الرضا عليه‌السلام لتغسيل والده من المدينة إلى بغداد بطيّ الأرض، قال:

(فواللَّه لقد رأيتهم بعيني وهم يظنّون أنّهم يغسلونه - أي السندي بن شاهك وجماعته من جلاوزة النظام العباسي - فلا تصل أيديهم إليه، ويظنّون أنّهم يحنّطونه ويكفّنونه وأراهم لا يصنعون به شيئاً، ورأيت ذلك الشخص - أي الإمام الرضا عليه‌السلام - يتولّى غسله وتكفينه وتحنيطه، وهو يظهر المعاونة لهم وهم لا يعرفونه، فلمّا فرغ من أمره قال لي ذلك الشخص: يا مسيب، مهما شككت فيه فلا تشكنّ فيّ؛ فإنّي إمامك ومولاك وحجّة اللَّه عليك بعد أبي، يا مسيب، مَثَلِي مَثَل يوسف الصديق عليه‌السلام ، ومَثَلهم مَثَل أخوته حين دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون. ثم حُمِل عليه‌السلام حتّى دفن في مقابر قريش) (3) .

ونظير ذلك ورد في الإمام المهدي (عج) أنّه يقوم بدوره في تدبير الأُمّة

____________________

1) البحار، ج100، ص209.

2) الفقيه، ج3، ص554، الوسائل، ج20، ص 254.

3) عيون أخبار الرضا، ج1، ص100، البحار، ج48، ص225.


والبشرية كما كان يقوم يوسف عليه‌السلام بذلك من حيث لا يعرفونه، ممّا يدلّل على وجود التدبير الخفي عند الأئمّة عليهم‌السلام ، وأنّ هذا التدبير مصيري في بقاء نظام الملّة والدين والأُمّة، فقد روى النعماني بسند قريب من الاعتبار عن سدير الصيرفي، قال، سمعت أبا عبد اللَّه الصادق عليه‌السلام يقول:

(إنّ في صاحب هذا الأمر لشبهاً من يوسف.

فقلت: إنّك لتخبرنا بغيبة أو حيرة؟

فقال: ما ينكر هذا الخلق الملعون، أشباه الخنازير، من ذلك؟ إنّ أُخوة يوسف كانوا عقلاء ألبّاء أسباط أولاد أنبياء، دخلوا عليه فكلّموه وخاطبوه وتاجروه وراودوه، وكانوا أخوته وهو أخوهم لم يعرفوه حتّى عرّفهم نفسه وقال لهم: أنا يوسف، فعرفوه حينئذٍ.

فما تنكر هذه الأُمّة المتحيّرة أن يكون اللَّه - جلّ وعزّ - يريد في وقت من الأوقات أن يستر حجّته عنهم؟ لقد كان يوسف النبي ملك مصر، وكان بينه وبين أبيه مسير ثمانية عشر يوماً، فلو أراد أن يعلمه بمكانه لقدر على ذلك، واللَّه لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيام من بَدْوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأُمّة أن يكون اللَّه يفعل بحجّته ما فعل بيوسف، وأن يكون صاحبكم، المظلوم المجحود حقّه، صاحب هذا الأمر، يتردّد بينهم ويمشي في أسواقهم، ويطأ فرشهم، ولا يعرفونه حتّى يأذن اللَّه له أن يعرّفهم نفسه، كما أذِن ليوسف حين قال له أخوته: إنّك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف) (1) .

ومنها: ما روي في قصّة شقيق البلخي المعروفة مع الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام ، حيث شاهد منه العجائب فلمّا رأى منه ذلك قال: (إنّ هذا الفتى لَمِنَ الأبْدال، لقد تكلّم على سرّي مرّتين) (2) .

وهذا يدلّل على أنّ مقولة الأبْدال والأوتاد حقيقةٌ مسلّمة في أذهان المسلمين،

____________________

1) غيبة النعماني، ص163، الباب العاشر.

2) البحار، ج48، ص80، نقلاً عن كشف الغمّة وعن مطالب السؤل، ص83، ط / إيران، ملحق بتذكرة الخواص.


مصدرها الأحاديث النبويّة.

وقد أطلق عنوان الأبدال والأوتاد في الروايات على الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، ولكن الإطلاق بمعنى آخر، بمعنى أنّهم عليهم‌السلام بدل الأنبياء إذ رَفع الأنبياءَ وختمهم محمّدٌ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما جاء في الحديث عن الرضا عليه‌السلام ، روى في الاحتجاج عن خالد بن الهيثم الفارسي، قال: (قلت لأبي الحسن الرضا عليه‌السلام : إنّ الناس يزعمون أنّ في الأرض أبدالاً، فمن هم هؤلاء الأبدال؟ قال: صَدقوا، الأبدال هم الأوصياء، جعلهم اللَّه في الأرض بدل الأنبياء، إذ رَفَعَ الأنبياء وختمهم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (1) .

وعلّق عليها المجلسي (رحمه اللَّه) بأنّه يظهر من دعاء أُمّ داود في النصف من رجب مغايرة الأبْدال للأئمّة عليهم‌السلام ، وقال: ليس بصريح فيها فيمكن حمله على التأكيد، ويحتمل أن يكون المراد به في الدعاء خواصّ أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ، والظاهر من الخبر نفي ما تفتريه الصوفية من العامّة، كما لا يخفى على المتتبّع العارف بمقاصدهم عليهم‌السلام (2) .

ويشير (قدس سره) إلى اقتباس الصوفية هذا المعنى ممّا ورد في أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام وزعمهم هذه المقامات لأنفسهم، كيف لا وهم متأخّرين عن أهل البيت عليهم‌السلام ورواياتهم بقرون.

ومنها: قال الشيخ الكفعمي (رحمه اللَّه) في هامش جنّته عند ذكر دعاء أُمّ داود: قيل إنّ الأرض لا يخلو من القطب، وأربعة أوتاد، وأربعين أبدالاً، وسبعين نجيباً، وثلاثمائة وستّين صالحاً. فالقطب هو المهديّ عليه‌السلام ، ولا يكون الأوتاد أقلّ من أربعة؛ لأنّ الدنيا كالخيمة والمهدي كالعمود وتلك الأربعة أطنابها، وقد يكون الأوتاد أكثر من أربعة، والأبدال أكثر من أربعين، والنجباء أكثر من سبعين، والصلحاء أكثر من ثلاثمائة وستّين، والظاهر أنّ الخضر وإلياس من الأوتاد؛ فهما ملاصقان

____________________

1) البحار، ج27، ص 48.

2) البحار، ج27، ص 48.


لدائرة القطب.

وأمّا صفة الأوتاد، فهم قوم لا يغفلون عن ربّهم طرْفة عين، ولا يجمعون من الدنيا إلاّ البلوغ، ولا تصدر منهم هفوات الشرّ، ولا يشترط فيهم العصمة من السهو والنسيان بل في فعل القبيح، ويشترط ذلك في القطب، وأمّا الأبدال فدون هؤلاء من المراقبة، وقد تصدر منهم الغفلة فيتداركونها بالتذكّر، ولا يتعمّدون ذنباً.

وأمّا النجباء فهم دون الأبدال، وأمّا الصلحاء فهم المتّقون الموفون بالعدالة، وقد يصدر منهم الذنب فيتداركونه بالاستغفار والندم، قال اللَّه تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (1) ، جعلنا اللَّه من القسم الأخير؛ لأنّا لسنا من الأقسام الأُوَل، لكن ندين اللَّه بحبّهم وولايتهم، ومن أحبّ قوماً حشر معهم.

وقيل: إذا نقص أحد من الأوتاد الأربعة وضع بدله من الأربعين، وإذا نقص أحد من الأربعين وضع بدله من السبعين، وإذا نقص أحد من السبعين وضع بدله من الثلاثمائة وستّين، وإذا نقص أحد من الثلاثمائة وستّين وضع بدله من سائر الناس (2) .

ومنها: ما رواه ابن شهر آشوب في المناقب بسند عن علي بن أبي حمزة، قال: كان يتقدّم الرشيد إلى خدمه إذا خرج موسى بن جعفر من عنده أن يقتلوه، فكانوا يهمّون به فيتداخلهم من الهيبة والزمّع (3) . فلمّا طال ذلك أمر بتمثال من خشب وجعل له وجهاً مثل وجه موسى بن جعفر، وكانوا إذا سكروا أمرهم أن يذبحوها بالسكاكين، وكانوا يفعلون ذلك أبداً، فلمّا كان في الأيام جمعهم في الموضع وهم

____________________

1) سورة الأعراف: 201.

2) البحار، ج53، ص 301.

3) الزمع: رعدة تأخذ الإنسان إذا همّ بأمر. و: الدَّهَش.


سكارى وأخرج سيدي إليهم، فلمّا بصروا به همّوا به على رسم الصورة، فلمّا علم منهم ما يريدون كلّمهم بالخزرية والتركية، فرموا من أيديهم السكاكين ووثبوا إلى قدميه فقبّلوهما، وتضرّعوا إليه، وتبعوه إلى أن شيّعوه إلى المنزل الذي كان ينزل فيه.

فسألهم الترجمان عن حالهم، فقالوا: إنّ هذا الرجل يصير إلينا في كلّ عام فيقضي أحكامنا ويرضي بعضنا من بعض ونستسقي به إذا قحط بلدنا وإذا نزلت بنا نازلة فزعنا إليه، فعاهدهم أنّه لا يأمرهم بذلك فرجعوا (1) .

ومنها: ما رواه العامّة بطرق مستفيضة أو متواترة، وهو الحديث النبويّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش - وفي ألفاظ الحديث الأُخرى - لا يزال هذا الأمر عزيزاً، يُنصَرون من ناوأهم عليه... وفي الأحاديث: لا يزال أمر أُمّتي قائماً حتّى يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش... وفي البعض الآخر: لا يزال هذه الأُمّة مستقيماً أمرها، ظاهرة على عدوّها، حتّى يمضي منهم اثني عشر خليفة كلّهم من قريش... وفي بعضها: لا يزال أمر الناس ماضياً. وبعضها: لا يضرّهم عداوة من عاداهم) (2) .

والملاحظ - في هذا الحديث النبويّ المتواتر - أنّه مضافاً إلى تحديد خلافته صلى‌الله‌عليه‌وآله بالاثني عشر، وأنّهم كلّهم من قريش، بل في بعضها من بني هاشم، ولا ينطبق إلاّ على العِترة المطهّرة، فإنّ في دلالتها مقطع آخر هامّ جدّاً وهو آثار خلافة هؤلاء الاثني العشر، فقد ذكر في الحديث بطرقه المختلفة، والظاهر تكرّره من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في مواضع شتّى بتعدّد الرواة والمشاهد:

الأوّل: إنّ دين الإسلام والذي هو ميراث جميع الأنبياء والمرسلين لاسيّما

____________________

1) البحار، ج48، ص140.

2) وذكروها في صحاحهم وغيرها بطرق عديدة متظافِرة، لاحظ: المصادر الغفيرة التي ذكرها ملحقات إحقاق الحقّ، ج13، ص 1 - 48.


سيدهم خاتم النبيّين صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يتمّ حفظه عن الاندراس والزوال والصيانة عن التحريف إلاّ بهؤلاء الاثني عشر، ومن الواضح أنّ هذا الحفظ لا يتمّ إلاّ بأسباب علمية وعملية، أمّا العلمية: فَلِكون علمهم لَدُنِيّاً - كما مرّ - لا ينزف، يحيطون باللوح المحفوظ، والكتاب المبين، والكتاب المكنون. وأمّا الأسباب العملية: فلا ريب أنّه بتوسّط الأسباب والمسببات سواء من عالم الملك والملكوت وهو يستبطن التدبير الخفي.

الثاني: إنّ عزّة الأُمّة الإسلامية بتوسّط خلافة الاثني عشر، أي قيادتهم وإمامتهم لنظام الأُمّة، ومن الواضح أنّ ذلك لم يكن إلاّ بالإدارة الخفية بتوسّط منظومات بشرية متستّرة، وإن كان حفظ العزّة لهذه الأُمّة أمر نسبي لا يصل إلى كماله إلاّ بظهور المهدي وقيام دوله الرجعة للأئمّة عليهم‌السلام .

الثالث: حفظ أمر نظام عموم الناس والبشرية بهم عليهم‌السلام ، وهو أيضاً لا يتمّ إلاّ بالتدبير والإدارة الخفية بتوسّط مجموعات بشرية مخترِقة للأنظمة المعلنة الظاهرية، ومفاد ألفاظ الحديث يقارب ما استظهرناه من قوله تعالى: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) (1) كما مرّ، ولفظ الحديث (أمر الناس) ، وليس (أمر الأُمّة) ممّا يقتضي التعميم ويعضد إرادة العموم، ما تكرّر في الأحاديث أن لولا الاثني عشر لكان الهرج والمرج، وهو عامّ في جميع البشرية؛ إذ هو اصطلاح في الحديث مِن قبيل قيام الساعة لجميع أهل الأرض.

والحاصل: إنّ هذا الحديث النبويّ المتواتر دالّ بالتدبّر والتأمّل على آثار وجود الخلفاء الاثني عشر، وهي لا تتحقّق إلاّ بتصرّفهم عليه‌السلام من مقام صلاحية خلافتهم في الأرض، وتدبيرهم بما أوتوا من أسباب لدنيّة وعلوماً من لدنه تعالى.

روى

____________________

1) سورة البقرة: 30.


الشيخ الطوسي بسنده إلى جابر الجعفي، قال: قال أبو جعفر عليه‌السلام : (يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف عدّة أهل بدر، فيهم النجباء من أهل مصر، والأبدال من أهل الشام، والأخيار من أهل العراق، فيقيم ما شاء اللَّه أن يقيم) (1) ، ورواه في الاختصاص، إلاّ أنّ فيه و (عصائب العراق) (2) .

وروى الشيخ المفيد بسنده إلى محمّد بن سويد، إلى جعفر بن محمّد عليه‌السلام ، قال له: (كيف الحديث الذي حدّثتني عن أبي الطفيل - رحمه اللَّه - في الأبدال؟ فقال فطر (3) : سمعت أبا الطفيل يقول: سمعت عليّاً أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول: الأبدال من أهل الشام، والنجباء من أهل الكوفة، يجمعهم اللَّه لشرّ يوم لعدوّنا) (4) .

في النهاية لابن الأثير في مادّة (بدل).. في حديث عليّ رضى الله عنه: (الأبدال بالشام هم الأولياء والعباد، الواحد بِدل، كحِمل وأحمال، وبَدل كجَمل، سُمّوا بذلك لأنّهم كلمّا مات واحد أُبدِل بآخر) (5) .

وروى ابن الفتّال في روضة الواعظين عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (إنّ اللَّه تبارك وتعالى اختار من كلّ شي‏ء أربعة... واختار من أُمّة محمّد أربعة أصناف: العلماء، والزهّاد، والأبدال، والغزاة) (6) .

وقال البياضي في الصراط المستقيم: (غاية طعن المنكرين لولادته متعلّقة بنفي مشاهدته. قلنا: قد أسلفنا مشاهدة قوم من أوليائه، على أنّ نفي رؤيته لا يدلّ على نفي وجوده، ولا يقدح فيه قول المنحرف عنه بجحوده، إذ ليس طرق العلم محصورة في المشاهدة، فإذا دلّت البراهين على إمامته ووجوده لم تكن غيبته عن الأبصار مانعة عن تولّده، وأكثر المواليد إنّما تثبت بالشياع وهي حاصلة هنا من

____________________

1) الغيبة: ص477، ح 502.

2) الاختصاص، ص 208.

3) فطر بن خليفة كما في صدر الرواية.

4) أمالي المفيد، ص 31، المجلس الرابع، ح 4.

5) النهاية لابن الأثير، ج1، ص 107.

6) روضة الواعظين، ص 405.


الشيعة، وكيف ينكر وجوده لعدم مشاهدته؟ والأبدال موجودون ولا يشاهدون.

قال [ ابن ] ميثم في شرحه للنهج: قد نقل أنّهم سبعون رجلاً، منهم أربعون بالشام، وثلاثون في سائر البلاد. وفي الحديث عن عليّ عليه‌السلام : الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعصائب بالعراق، يجتمعون فيكون بينهم حرب...) (1) .

ومنها: ما روي في التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه‌السلام ، عن أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه‌السلام في حديث عن فتح مكّة (2) (.. فلما حُتم قضاء اللَّه بفتح مكّة واستوسقت له - [ أي للنبيّ ] - أمّر عليهم عتاب بن أسيد، فلمّا اتّصل بهم خبره قالوا: إنّ محمّداً لا يزال يستخف بنا حتّى ولّى علينا غلاماً حدث السنّ ابن ثماني عشرة سنة، ونحن مشايخ ذوي الأسنان، وجيران حرم اللَّه الآمن وخير بقعة على وجه الأرض.

وكتب رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله لعتاب بن أسيد عهداً على مكّة، وكتب في أوّله: من محمّد رسول اللَّه إلى جيران بيت اللَّه الحرام وسكّان حرم اللَّه، أمّا بعد:

فمن كان منكم باللَّه مؤمن، وبمحمّد رسوله في أقواله مصدّقاً، وفي أفعاله مصوّباً، ولعليّ أخي محمّد رسوله نبيه، صفيّه ووصيّه، وخير خلق اللَّه بعده، موالياً، فهو منّا وإلينا.

ومن كان لذلك، أو لشي‏ء منه، مخالفاً فسحقاً وبعداً لأصحاب السعير، لا يقبل اللَّه شيئاً من أعماله وإن عَظُم وكبر، يصليه نار جهنّم خالداً مخلّداً أبداً.

وقد قلّد محمّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عتّاب بن أسيد أحكامكم ومصالحكم، وقد فوّض إليه تنبيه غافلكم، وتعليم جاهلكم، وتقويم أود مضطربكم، وتأديب من زال عن أدب اللَّه منكم؛ لِما علم من فضله عليكم، من موالات محمّد رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن رجحانه في التعصّب لعليّ وليّ اللَّه، فهو لنا خادم، وفي اللَّه أخ، ولأوليائنا موالياً ولأعدائنا معادٍ، وهو لكم سماء

____________________

1) الصراط المستقيم، ج2، ص243 - 244، الفصل 6، الباب 11.

2) تفسير العسكري عليه‌السلام . بحار الأنوار ج21، ص 121.


ظليلة، وأرض زكية، وشمس مضيئة، قد فضّله اللَّه على كافّتكم بفضل موالاته ومحبّته لمحمّد وعليّ والطيبين من آلهِما، وحكّمه عليكم يعمل بما يريد اللَّه، فلم يخلّيه من توفيقه، كما أكمل من موالاة محمّد وعليّ شرفه وحظّه، لا يؤامر رسول اللَّه ولا يطالعه بل هو السديد الأمين، فليطمع المطيع منكم بحسن معاملته شريف الجزاء وعظيم الحياء، وليتوقّ المخالف له شديد العذاب وغضب الملك العزيز الغلاّب، ولا يحتجّ محتجّ منكم في مخالفته بصغر سنّه؛ فليس الأكبر هو الأفضل، بل الأفضل هو الأكبر، وهو الأكبر في موالاتنا وموالاة أوليائنا ومعادات أعدائنا، فلذلك جعلناه الأمير عليكم والرئيس عليكم، فمن أطاعه فمرحباً به، ومن خالفه فلا يبعد اللَّه غيره.

قال: فلمّا وصل إليهم عتاب وقرأ عهده ووقف فيهم موقفاً ظاهراً نادى في جماعتهم حتّى حضروه، وقال لهم: معاشر أهل مكّة، إنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله رماني بكم شهاباً محرقاً لمنافقكم، ورحمة وبركة على مؤمنكم، وإنّي أعلم الناس بكم وبمنافقكم. .. ففعل - واللَّه - كما قال، وأعدل وأنصف وأنفذ الأحكام مهتدياً بهدى اللَّه غير محتاج إلى مؤامرة ولا مراجعة) (1) .

وفي الرواية مواضع للاستشهاد:

قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (يعمل بما يريد اللَّه فلم يخلّيه من توفيقه، كما أكمل من موالاة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي عليه‌السلام شرفه وحظّه، لا يؤامر رسول اللَّه ولا يطالعه بل هو السديد الأمين)، فإنّه دالّ على أنّ تصرّفات عتاب بن أسيد لم تكن عن طريق توصيات ووصايا قولية وأوامر لفظية من رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل كانت عبر تسديد الإلهام من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما هو الحال في الأبدال، والأوتاد، وكما ورد نظير ذلك في النوّاب الأربعة في الغيبة

____________________

1) التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه‌السلام ، ص554، ح 329، عن عليّ بن الحسين عليه‌السلام ، وفي نسخ عن الحسن بن عليّ، وبحار الأنوار، ج23، ص121، وتفسير البرهان، ج1، ص144.


الصغرى، حيث إنّهم كانوا سفراء لا رواة، وكما ورد نظير ذلك في أصحاب الإمام المهدي الثلاثمائة والثلاثة عشر في كيفية تلقّيهم برامج وأنشطة الحكم الذي يزاولونه.

ويعضد هذا المفاد قوله في آخر الرواية: (ففعل واللَّه كما قال وأعدل وأنصف وأنفذ الأحكام مهتدياً بهدى اللَّه غير محتاج إلى مؤامرة ولا مراجعة)، وهذا تكرار في التصريح أنّ إنفاذه للأحكام لم يكن بأوامر لفظية ولا مراجعة قولية سماعية، وهذا من خواصّ منظومة الحكومة الخفية، حكومة الأبدال والأوتاد والنقباء والأركان.

وقد بيّن صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ وصول عتاب لهذا المقام هو بسبب الدرجة الخاصّة التي وصل إليها من موالاة ومحبّة النبيّ ووصيّه وآلِهِما عليهم‌السلام ، ومعادات أعدائهم، وأنّه فاق في ذلك كلّ أهل مكّة آنذاك، ومن ثمّ حظي بهذا المقام الخاصّ كما ورد نظيره في النواب الأربعة. وعتاب مع صغر سنّه خاطب أهل مكّة كما حَكى عليه‌السلام قوله تقريراً له: (وأنّي أعلم الناس بكم وبمنافقكم).

ونموذج عتاب بن أسيد يدلّل على أنّ الحكومة الخفية السرّية تظلّ قائمة موجودة في ضمن الحكومة المعلنة، بل إنّ عتاب بقي أميراً على مكّة في عهد خلافة أبي بكر، ممّا يشير إلى اختراق الحكومة الخفية للأنظمة الأُخرى.

ومنها: ما رواه الصدوق في الأمالي بسنده عن الأعمش، عن الصادق عليه‌السلام ، قال: (لم تخل الأرض منذ خلق اللَّه آدم من حجّة للَّه فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة للَّه فيها، ولولا ذلك لم يُعبد اللَّه.

قال سليمان: فقلت للصادق عليه‌السلام : فكيف ينتفع الناس بالحجّة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب) (1) .

____________________

1) البحار، ج52، ص 92.


ولا يخفى دلالة الرواية على أنّ الغيبة بمعنى التستّر والخفاء والسرّية، لا الزوال والذهاب والابتعاد والإقصاء، كما أنّ التشبيه بالشمس إذا سترها السحاب صريح في ذلك في أنّه يقوم بكلّ أدواره إلاّ أنّه بنحو متستّر خفي.

ونظير هذه الرواية ما رواه الصدوق في إكمال الدين، والطبرسي في الاحتجاج عن الكليني، عن إسحاق بن يعقوب، أنّه ورد من الناحية المقدّسة على يد محمّد بن عثمان: (.. وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب..) (1) .

ونظير ما رواه الصدوق في إكمال الدين أيضاً بإسناده عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث عن الأئمّة الاثني عشر عليهم‌السلام ، وأنّ آخرهم المهدي ويغيب عن شيعته وأولياءه: (. قال جابر يا رسول اللَّه فهل ينتفع الشيعة به في غيبته؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إي، والذي بعثني بالنبوّة، إنّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جلّلها السحاب) (2) .

ومنها: ما ورد في التوقيع الشريف من الناحية المقدّسة للشيخ المفيد، الذي رواه الطبرسي في الاحتجاج: (... فإنّا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شي‏ء من أخباركم، ومعرفتنا بالذلّ ( بالزلل / بالإذلال ) الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم، كأنّهم لا يعلمون.

إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء، واصطلمكم الأعداء، فاتّقوا اللَّه جلّ جلاله، وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت

____________________

1) إكمال الدين، ج2، ص162، والبحار، ج52، ص92.

2) البحار، ج36، ص250.


عليكم، يهلك فيها من حمّ أجله، ويُحمى عنها من أدرك أمله، وهي إمارة لأزوف حركتنا ومباثّتكم بأمرنا ونهينا، واللَّه متمّ نوره ولو كره المشركون، اعتصموا بالتقية...) (1) ثمّ ذكر الحجّة (عج) سلسلة من الأحداث المستقبلية وكيفية التدبير فيها.

ومفاد التوقيع الشريف ناصّ على تصدّيه (عج) لتدبير الأُمور بنحو خفي، وتمام مراقبته للأحداث صغيرها وكبيرها والبرامج المتّخذة فيها، وأنّه لولا هذه الإدارة والتدبير الخفي لاستأصل الأعداء كيان المؤمنين.

وفي التوقيع الثاني ابتدأ نسخته: (من عبد اللَّه المرابط في سبيله إلى مُلهَم الحقّ ودليله)، وقد تضمّن قوله (عج): (... ويأتيك نبأ منّا بما يتجدّد لنا من حال، فتعرف بذلك ما نعتمده من الزُلفة إلينا...)، ثمّ ذكر (عج) جملة من الحوادث وكيفية التدبير فيها، وقال:

(وآية حركتنا من هذه اللوثة، حادث بالحرم المعظّم، من رجس منافق مذمّم مستحلّ للدم المحرّم، يعمد بكيده أهل الإيمان ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم لهم والعدوان؛ لأنّنا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فليطمئنّ بذلك من أوليائنا القلوب، وليثقّوا بالكفاية منه وإن راعتهم بهم الخطوب، والعاقبة بجميل صنع اللَّه سبحانه تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب. .. ولو أنّ أشياعنا وفّقهم اللَّه لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا) (2) .

ومفاد التوقيع الشريف نظير سابقه في رصده (عج) للأحداث وتدبيرها قبل وقوعها، ولا سيّما صدر التوقيع حيث عبّر (عج) عن نفسه الشريفة بالمرابط في سبيل اللَّه، الدالّ على قيامه (عج) الشريف في رأس الهرم للتصدّي لتدبير

____________________

1) الاحتجاج للطبرسي، ج2، ص598.

2) الاحتجاج، الطبرسي، ج2، ص600، و ص602.


الأحداث، إذ الرباط هو الجهاد في سبيل اللَّه لحفظ الثغور عن أن ينفذ منها الأعداء.

وفي حديث رواه النعماني في غيبته بسنده، عن أبي جعفر محمّد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين عليهم‌السلام في تفسير هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ) (1) ، قال عليه‌السلام : (سيكون ذلك ذرّية من نسلنا المرابط...) الحديث (2) .

ومنها: صحيحة معاوية بن وهب، قال: (سمعت أبا عبد اللَّه عليه‌السلام يقول: قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ عند كلّ بدعة تكون من بعدي، يكاد بها الإيمان، ولياً من أهل بيتي موكّلاً به يذبّ عنه، ينطق بإلهام من اللَّه ويعلن الحقّ وينوّره، ويردّ كيد الكائدين، يُعبّر عن الضعفاء، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتوكّلوا على اللَّه) (3) .

ومنها: ما ذكره الوحيد البهبهاني في تعليقته على منهج المقال، في ترجمة علي بن المسيّب، عن بعض الكتب المعتمَدة، أنّه أُخذ من المدينة مع الكاظم عليه‌السلام وحبس معه في بغداد، وبعد ما طال حبسه واشتدّ شوقه إلى عياله قال عليه‌السلام له:

(اغتسل، فاغتسل. فقال: غمّض، فغمّض، فقال: افتح، ففتح، فرآه عند قبر الحسين عليه‌السلام فصلّيا عنده وزارا، ثمّ قال: غمّض، وقال: افتح، فرآه معه عند قبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: هذا بيتك فاذهب إلى عيالك وجدّد العهد وارجع إليّ. ففعل، فقال: غمّض وافتح، قال: فرآه معه فوق جبل قاف، وكان هناك من أولياء اللَّه أربعون رجلاً، فصلّى وصلّوا مقتدين به، ثمّ قال: غمّض، وقال: افتح، ففتح فرآه معه في السجن) (4) .

وهذه الرواية تشير وتعزّز أنّ الحكومة الخفية كانت لدى جميع المعصومين يديرونها.

____________________

1) سورة آل عمران: 200.

2) الغيبة للنعماني، ص 199.

3) الكافي، ج1، ص54.

4) منتهى المقال ترجمة عليّ بن المسيّب، ومنتهى الآمال، ج2، ص326، نقلاً عن تعليقة الوحيد البهبهاني على منهج المقال، ص 95 حرف (العين).


وهناك إشكال أثارته العديد من مدارس المعرفة الحديثة ضدّ أبناء الإمامية حول تعريف الإمامة الإلهية، وهو يوجّه إلى وجود مثل هذه المنظومات الغيبية التي تقوم بالهداية الإيصالية في مراتبها المختلفة، وحاصله أنّ هذا البيان لحقيقة الإمامة ولهذه المنظومة يقترب من عقائد الصوفية والعرفاء، حيث إنّهم يعتقدون بوجود سلسلة من المراتب المترتّبة على هيئة هرم له مركز في الأعلى هو القطب، وقد يقال له الغوث أو الإمام، وإنّ عالم الأرواح والنفوس متشابك ومترابط وجوداً على هذه الهيئة الهرمية.

وبعبارة أُخرى: يهدف المستشكل إلى القول بأنّ هذا الاعتقاد بحقيقة الإمامة هو من تأثير الصوفية.

والجواب: إنّ الموجود عن الصوفية لا يتجاوز بذوره عن القرن الثالث، بل إنّ بلورته كنظرية جاءت في أواخر القرن السابع وبدايات القرن الثامن، والروايات الواردة في ما نذكره بل الآيات في هذا المجال، أسبق بكثير من هذا التأريخ، وقد أشرنا إلى أنّ حقيقة الإمامة إنّما نهتدي إليها من الآيات والروايات، فلا يكون من التأثير الصوفي على الفكر الشيعي، بل هو من تأثير الحكمة الشيعية على الفكر الصوفي كما تقدّم.

هذا، وعندما نتأمّل في كتاب الإحياء للغزالي، الذي تأثّر به كثيراً ابن عربي، نلاحظ ذلك في الروايات المنقولة عن أهل البيت عليهم‌السلام من المصادر الحديثية للشيعة، وأنه في جملة المباحث، يحاول أن يستقي ويبني نظرياته على ضوء ما يستظهره من تلك الروايات المفصلية في بحوثهم، هي روايات أهل البيت، وأنّهم على أساس هذا خالفوا الجمهور في الكثير من متبنياتهم الكلامية.

بالإضافة إلى كلّ ما تقدّم: وجود الروايات المتواترة وبألسنة متعدّدة وطوائف متنوّعة - كما ذكر العلاّمة في مقالات تأسيسية - تثبت الهداية الإيصالية


للإمام عليه‌السلام ، من قبيل ما ورد في ذيل آية: ( فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (1) .

ومن ثمّ نفهم الحسّاسية البالغة عند فقهاء السنّة ومحدّثيهم من صوفيتهم حيث تُجرّ أُطروحاتهم إلى الفكر الشيعي وتقترب منه، وتجعل من مبدأ الإمامة الشيعي ضرورة، فحاولوا الطعن عليهم بأنّهم متأثّرون بالاتّجاه الباطني وهو الشيعة، مستهدفين بذلك تجريد الأُطروحة من الدليل والشرعية.

فقد جاءت الباطنية في كلماتهم في سياق الذمّ وأنّها منقصة، ومن ثمّ نسبوها إلى الأئمّة، حتّى قال بعضهم: إنّ نسبة الباطنية إلى عليّ عليه‌السلام محتملة، وأمّا نسبتها إلى جعفر بن محمّد عليه‌السلام فلا ريب فيها.

وقد غفل هؤلاء عن أنّ ما ذُكر إقرار بأصالة الفكرة لدى الإمامية، وإنّ فكرة الخفاء والباطنية هي أُطروحة الشيعة لا من مستورداتهم، سوى أنّ هذه الفكرة قبلتها الشيعة بالشكل الذي مرّ، وهو حفظ التوازن بين البطون والظهور وعدم تغليب أحدهما على حساب الآخر.

وعندما نتأمّل كلمات الغزالي وابن عربي نلحظ أنّ المقاطع المفصلية في بحوثهما مأخوذة من روايات أهل البيت عليهم‌السلام ، وقد يستعملان نفس العبائر في كثير من الأحيان، ولذا خالفا الجمهور في التنظير لمتبنّياتهما الكلامية، مع وجود تحفّظات على كثير ممّا ذهبا إليه.

كما ذكر العلاّمة في مقالات تأسيسية في إثبات الهداية الإيصالية للإمام في كثير من الآيات، من قبيل: ( فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (2) ، من أنّ الإمام يشهد أعمال أُمّته وهو واضح في الهداية الإيصالية، بل تدلّ على وجود المنظومة

____________________

1) سورة التوبة: 105.

2) سورة التوبة: 105.


الهرمية، ومن قبيل ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (1) ، الدالّ على أنّ دور الهادي هو الهداية الإيصالية، ومن قبيل الروايات الدالّة على أنّ الإمام يحضر على الصراط في الحشر والنشر.

ويوافق هذا اضطراب الأُطروحة الصوفية في الإمامة والولاية، مع ضمور ما انتهوا إليه بالقياس إلى ما ورد في الروايات ممّا يشفّ عن أنّهم ليسوا أصحاب النظرية.

ولابدّ من التنبّه إلى أنّ واحدة من ألوان الاختراق الفكري هي مسخ المفاهيم عن حقيقتها واستبدالها بمحتوى آخر، ويأخذ هذا اللون من الاختراق طابع الثبات في الذهنية العامّة في بعض حالاته، فتقع الأُمّة في شرك التحريف من دون أن تشعر؛ وذلك لأنّ عملية المسخ لم تأت معلنة وإنّما متلبّسة بصورة الحقّ، حيث استغلّ القائمون بهذه المهمّة فكر العلاقات بين المعاني والمعاني وبين ألفاظها مع المعاني كذلك أو وحدها، بعد التفاتهم إلى أنّ اللفظ يكتسب حسناً من معناه الحسن؛ نتيجة العلقة الوطيدة بين اللفظ والمعنى، والكناية والاستعارة والمجاز العقلي مرتبط كلّه بهذا المجال الذي ذكرناه، وهو معبّر عن بعد إيجابي في اللغة.

ولكن البعض قد يستفيد من لفظ محبّب إلى القلوب، أو ذي قداسة وحرمة لمحبوبيّة أو حرمة محتواه، بتفريغه من محتواه واستبدال المعاني بمعاني أُخر، فضلاً عن تقنيع المعاني بألفاظ أُخرى ووضع محتوى جديد له لا يمتّ إلى الدين بصلة، كاستعمال العدالة في الظلم الخاصّ، ومن ثمّ قيل: من أجل تحريف الدين يكفي مسخ المعاني دون التلاعب بالألفاظ (2) .

____________________

1) سورة الرعد 7: 13.

2) الاعتراضات على الشيعة في قضية البطون: =


كما يمكن أن يكون ذلك واحدة من حِكَم ومبرّرات حرمة التعرّب بعد الهجرة، وهو يشمل استيطان بلاد الكفر وما يسمّى بالمهجر مطلقاً، وهو الوقوع في عملية مسخ في محتوى الدين. وعلى هذا الأساس كانت أوّل مهمّة لابدّ أن ينجزها الباحث هي التأكّد من ضبط معنى اللفظ قبل أن يدخل في التفاصيل.

وواحدة من الألفاظ التي تعرّضت لهذا النوع من المسخ للمعنى كلمة الباطن و(الغيب)، حيث أصبحت تعبّر عن اتّجاه منحرف فاقد للشرعية، فوصمت اللفظتين بهذا الطابع السلبي، ومن هنا فإنّ فكرة البطن في الفكر الشيعي وإن كانت حقيقة؛ لكون أئمّة أهل البيت هم المطّلعين على اللوح المحفوظ والكتاب المبين والكتاب المكنون، ولكن بالمعنى الذي مرّ، تحديده مع العلاقة التي ألفتنا إليها بين البطن والظهر.

الفائدة الرابعة:

إنّ القضايا التي تعرّض لها موسى مع الخضر قد وقعت بنفسها له من قبل، فوضْع أُمِّه له في اليم يشبه خرق السفينة من جهة تعرّضها للغرق ولم تغرق، وقتله للقبطي، وهو لم يكن مقصوداً، يشبه قتل الخضر للغلام، واستسقائه لبنات شعيب، وعدم أخذه الأجرة مع جوعه وضناه الشديد على ذلك، كإصلاح الحائط

____________________

= 1 - توسعة مع إغراق في الجانب الغيبي للأئمّة؛ وذلك لاستحكام الجانب الحسّي المادّي لأصحاب الاعتراض.

2 - تطبيق الظاهر على الغيب بغرض التناسب بينهما بالشكل الذي مرّ؛ وذلك لحصر أصحاب الاعتراض الشريعة ومعارف الدين في ظاهر الألفاظ وإنكار العملي غير اللساني للتأويل الحقّ.

3 - تصوير المنظومة الهرمية وأنّ قطبها الإمام عليه‌السلام ؛ وذلك لحصر أصحاب الاعتراض آليات وأدوات الإدارة والتدبير للنظام البشري بما يكون على السطح المعلن الرسمي.


من دون أخذ الأجرة مع جوعهما. فهذه الأُمور الثلاثة التي حصلت للخضر كانت قد حصلت له مثيلاتها ممّا يكشف عن موازاة بين ما وقع لكلّ منهما.

وهذا مصداق لما قيل في بحوث المعرفة؛ من أنّ كلّ إنسان في كلّ حادثة تقع له تكون مورداً لاستغرابه قد وقعت له حادثة شبيهة لها من قبل ولم يستغرب منها؛ لأنّه كان عارفاً بأسبابها آنذاك، ولكنّه غفل عنها عند الاستغراب الآن، بل كلّ ما سيقع للإنسان في مستقبل أيامه وفي البرزخ وعرصات يوم القيامة كلّها يندرج في قوله تعالى: ( هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) (1) .

وقد ظهرت تفسيرات متعددة لهذه الموازاة:

أوّلها: تفسير أهل المعنى والذوق.

أن يُري اللَّه تعالى عباده أنّ سرّ القدرة هو تكرّر ما يجري في السابق على أساس وحكمة.

وثانيها: تفسير المفسّرين.

لأجل إعلام موسى أنّ علمه محدود وأنّ الإحاطة الكلّية محجوبة عنه. وهذا التفسير مقبول على شرط أن لا يتنافى مع العصمة.

ولكن كلا التفسيرين ناقصان، ومن ثمّ نقدّم تفسيراً ثالثاً مقتبساً من القرآن متمّماً لهما، وهو:

إنّ هناك تطابقاً بين عالم القضاء والقدر والإرادات التكوينية، أي بين السنن الكونية الإلهية، وبين الشريعة بحسب الظاهر، وأنّهما جميعاً تسعيان لغاية واحدة ولا تتخلّف في الجميع.

ومن ثمّ يفهم قوله تعالى: ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (2) وقوله تعالى: ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (3) ،

____________________

1) سورة البقرة: 25.

2) سورة البقرة: 9.

3) سورة الأنفال: 30.


ورتّب على ذلك ما في قوله تعالى: ( لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّى‏ءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ ) (1) . إذ يتصوّر هؤلاء أنّهم نقضوا إقامة الشريعة الظاهرة بمكرهم ودسائسهم، فأجابهم القرآن بأنّ عملهم هذا وإن كان رأس فتنة الشرّ ومكرهم تكاد تزول الجبال منه، كما هو الحال في شر إبليس، إلاّ أنّه في مجموع نظام الخلقة يصبّ في تحقيق أغراض الشريعة الظاهرة من دون أن يشعروا، إذ الإرادات التكوينية تأخذ مجالها نحو غايتها، وهي في نفسها غاية الشريعة بحسب الدرجتين، وهذا لا يعني نفي شرّية عملهم ولا نفي شرّية إبليس ولا مشروعيته، إلاّ أنّ الباري تعالى يوظّفه في منظومة الخير كما هو الحال في العقرب، والأفعى، والذئب.

وهذا العالم هو عالم القضاء القدر والإرادات التكوينية قد يعبّر عنه بعالم الملائكة كما في لغة القرآن، وقد يعبّر عنه بعالم العقول والنفوس الكلّية كما في لغة الاصطلاح الفلسفي، حيث جعل العقل الأخير والعقول التي قبله تعبيراً عن القضاء، والنفس الكلّية تعبيراً عن لوح القدر، وقد يعبّر عنه بعالم الأنوار والأرواح والنفوس، مع مغايرة الثالث للثاني بأنّه أدنى درجة، كما استقرّ عليه الاصطلاح عند أهل المعرفة، أخذاً له من الشرع، وهو عالم الولاية.

وهذا العالم ذو درجات متسلسلة تكويناً، وقد عبّر عنه الفلاسفة بالنظام العليّ والعلمي، ونظام الوجوب والعلم، مع استثناء لوح القدر حيث لا يكون مبرماً.

وقد لوحظ على الحكماء بأنّ فهمهم وإحاطتهم بهذه العوالم محدودة، ومن ثمّ لم يعكسوا لنا إلاّ صورة نظام جامد يفتقد الحياة، ومن ثمّ لم يتفاعل الناس معهم كما تفاعل مع الأنبياء والأوصياء ومن بعدهم أهل المعنى، حيث قدّموا صورة مفعمة بالحياة لتلك العوالم، وأعطوا صورة عنها بأنّها موجودات حية مختارة، مع

____________________

1) سورة فاطر: 43.


حفظ الفارق أيضاً بين تصوير العرفان والدين، في حين لم يتمكّن الحكماء إلاّ بتقديم كلّيات تؤمن حالة من المعرفة من بعيد لا أكثر. والمتكلّم اعتمد على الحسن والقبح وفيه حيوية العقل العملي، ومن ثمّ كان واحداً من امتيازاته.

وبعبارة أُخرى: إنّ الفلاسفة وإن قبلوا أنّ الملائكة موجودات حيّة مختارة، ولكنّهم في الوقت نفسه قالوا بأنّها أسباب تكوينية لا تتخلّف، مع تركيزهم على هذه الزاوية في عموم كلماتهم، ومن ثمّ فسّروا الأمر في: ( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ) (1) ، و ( هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (2) والأمر بالسجود لآدم، بأنّها ليست أمراً اصطلاحياً، وإنّما بالأسباب التكوينية التي لا تتخلّف، وهي لفتة صحيحة وغير صحيحة بمعنى آخر!

فهي صحيحة: من جهة أنّه ليس هناك أوامر اعتبارية وإنشاءات وشريعة ظاهرة.

وهي غير صحيحة: من جهة أنّها أوامر حقيقية، فلا مبرّر لتأويلها بالسبب الموهم لانعدام الاختيار، وإن كان الفلاسفة لا ينفون الاختيار، وإنّما هي شريعة كونية في الإرادات الإلهية التكوينية، وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : (إنّ حكم اللَّه في أهل السماء والأرض واحد) (3) ، فهم مختارون حقيقة، وإمكان المخالفة موجودة وباب التكامل مفتوح، فقد ورد أنّهم يزدادون بعبادتهم لربّهم علماً.

نعم: المخالفة لا تكون بالمعصية؛ فإنّ القرآن صريح في أنّهم لا يعصون، كما أنّهم لم يتوفّروا على داعي المعصية - كما جاء في الحديث الشهير - وهي الشهوة

____________________

1) سورة التحريم: 6.

2) سورة الأنبياء: 27.

3) نهج البلاغة، الخطبة القاصعة.


والغرائز الحيوانية، وإنّما تتحقّق المخالفة بترك الأولى الناشئ من محدودية العلم بسبب محدودية وجودهم، فيقعون في مخالفة الواقع الأوّلي.

وتصوير إمكان المخالفة في عالم النفوس الكليّة أوضح، حيث إنّها تحتاج إلى تأمّل ورَويّة في أخذ قرار العلم، بالإضافة إلى محدودية الوجود واختلافها في درجة العلم مع الملائكة التي من سنخ العقول.

وبهذا العرض يمكن أن نفهم اعتراضهم (أتجعل فيها) ، وقضية (فطرس) وعشرات الروايات التي يظهر منها تخلّف الملائكة عن الصواب، لكن بنحو ترك الأولى لا المعصية، بل إنّ الموجود كلّما تجرّد كلّما كان أقوى وجوداً وصفة ومنها الاختيار والحياة، فالملائكة أشدّ اختياراً وحياةً، ومع تصوير القدرة البشرية لابدّ أن تكون هذه القدرة موجودة هناك وبنحوٍ أرقى وأشدّ.

وبعد كلّ هذا يتّضح أنّ فكرة الأمر والنهي متصوّرة في عالم الملائكة بشقّيه العقلي والنفسي، فلا داعي للتأمّل، بل بهذا العرض يتبين الوساطة في الفيض، وفي قوس النزول أيضاً علّة اختيارية، ما به الوجود لا ما منه الوجود؛ فإنّه خاصّ به تعالى. وقد قرّر ذلك في مباحث الفلسفة أيضاً، إلاّ أنّ نمط البحث العقلي النظري لا يترقّى في تصويره إلى بيان أنّ نظام الأسباب في حين كونه نظام وجوب؛ فهو بأفعال اختيارية تنفيذاً للأمر الإلهي.

ويتّضح أنّ المطلب الذي أوقع البحث العقلي في التقريب الناقص للموضوع، وإلى حدٍّ قد ينعكس منه الجبر وأنّ القضية ذات نظام ذاتي لا يمكن الخروج عنه، نظير ما قالته اليهود من أنّ يد اللَّه مغلولة، هو اعتمادهم على لغة العقل وحده منفصلاً عن النقل.

والمؤسف أنّ البعض لم يرضَ بالنقلة الإيجابية التي خطاها صدر المتألّهين في حكمته حيث طعّمها بالقرآن والسنّة، آخذاً عليه أنّه خروج عن منهج البحث


الفلسفي الذي يتطلّب التمحّض في العقليات.

ولا نقصد بذلك التفكيك في العمل بالنقل بمعزل عن العقل، وإنّما الغرض هو التنبيه على عدم الجمود على القواعد الفلسفية والعرفانية والكلامية مع ضرورة الخوض فيها، وأنّها بدونها تكون عملية التفقّه في العقائد سطحية، لكن اللازم الترقّي بالتوغّل أكثر في روايات أهل البيت؛ لاكتشاف المعارف التي قصرت المناهج عن الوصول إليها، مع أنّها مدلَّلة بنكات بينة في الروايات، لكن لم يحصل التنبّه إليها في العلوم العقلية، بل جملة كثيرة مترامية من المسائل لم تعنون في البحوث العقلية.

وبعد كلّ هذا، اتّضح نظام عالم الملائكة وأنّه مختار ومتكامل ومعصوم، ووقوع المخالفة لإرادة المولى بنحو ترك الأولى بسبب الجهل الممكن تلافيه، ومن ثمّ أمكن تعقّل الأمر والنهي الحقيقيين فيه، وأنّه لا يختلف عن البشر إلاّ في قضية الشهوة والغرائز، ويشترك معه في باقي الخصوصيات. وهذا ما يستفاد من كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام - في بيان أمر اللَّه الملائكة بالسجود لآدم وإباء إبليس -: (فمن ذا بعد إبليس يَسلَمُ على اللَّه بمثل معصيته؟ كلاّ، ما كان اللَّه سبحانه ليدخل الجنّة بشراً بأمرٍ أخرج به منها ملكاً، إنّ حُكمَه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد، وما بين اللَّه وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حِمىً حرّمه على العالمين) (1) .

فصريح كلامه عليه‌السلام أنّ الأحكام الإلهية بحسب دائرة الدين واحدة لأهل النشأة الأرضية والنشآت الأُخرى، فدين اللَّه واحد في العوامل وليس يخصّص بدار الدنيا، وكلامه عليه‌السلام يشير إلى قوله تعالى: ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) (2) .

____________________

1) نهج البلاغة، الخطبة القاصِعة.

2) سورة آل عمران: 83.


ومن ثمّ نقول: إنّ هذا النظام الملائكي قد كلّف بشريعة مطابقة لشريعة السنن الإلهية الكونية والظاهرة، بعد التذكير بأنّنا قد انتهينا من تصوير الشريعتين الظاهرة والكونية في نظام التكوين، بأنّها شريعة واحدة والوسيلة في التلقّي والتطبيق مختلفة، بيان ذلك:

إنّ الشريعة الظاهرة عبارة عن صفحة نازلة قد دُوّن فيها كلّ ما في عالم التكوين في قوس الصعود والنزول ونشأة الدنيا وهي الواقعة بين القوسين، نهاية الأوّل وبداية الثاني، وبهذا التصوير يفهم قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (1) ، فإنّه يدلّ بوضوح على عدم وجود شرعة أجنبية عن شرعة الظاهر.

وبهذا نصل إلى نتيجة وهي: إنّ القضايا التكوينية التي واجهها موسى قبل لقائه بالخضر المشابهة للقضايا التي شاهدها مع الخضر، أيضاً مطابقة لشريعة الظاهر بنفس البيان، سوى أنّ القضايا التي واجهها موسى أوّلاً حديث ضمن المسار التكويني، والتي واجهها ثانياً مع الخضر حدثت على أساس الشريعة الكونية.

الفائدة الخامسة:

إنّ الأئمّة عليهم‌السلام يطبّقون الشريعة الكونية في السنّة الإلهية التكوينية ويعملون بموازينها جنباً إلى جنب عملهم بالشريعة بدرجة الظاهرة.

وبتعبير آخر: إنّ الأئمّة في تطبيقهم للشريعة الظاهرة يستخدمون كلتا الوسيلتين: العلم اللدنّي والعلم الحسّي، ويشهد لذلك تعليلهم لبعض القضايا بعلم القضاء والقدر، مثل: (شاء اللَّه أن يراهنّ سبايا).

وشاهد آخر: إقدامهم على ما يعلمون، كالإقدام على القتل، فإنّ تفسيره

____________________

1) سورة النحل: 89.


الصحيح هو العلم اللدنّي، حيث كان استشهادهم بعد إجراء قانون التزاحم بين الملاكات الكاملة أولى (1) .

وظهر أيضاً: أنّ مهمّة الهداية الإيصالية لا تخصّ الملائكة - كما يظهر ذلك من العامّة - بل تعمّ قسماً من البشر الذين يتمتّعون بمواصفات خاصّة، بل يظهر من القرآن أنّهم أكمل من الملائكة. وظهر كذلك أنّ الإمامة غاية النبوة وأنّ الهداية الإيصالية غاية الهداية الإرائية.

وهذه النكتة هي المحور الأصلي في القصّة، بقرينة أسى النبي الذي ورد في أوّل السورة: ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ ) (2) ، فكانت قصّة الخضر وغيرها لتطمين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ الهداية الإيصالية موجودة وبواسطتها ستتحقّق الأغراض المجموعية والفردية للشريعة الظاهرة.

فإنّ الإرادة الإلهية لمّا كانت تعني بالتحفّظ على أغراض الشريعة الكلّية في الجزئيات التفصيلية بالنسبة إلى عموم المجتمع، وبالأغراض التي تعدّ استراتيجية بالنسبة إلى الشريعة الظاهرة، كما نلحظ ذلك في قضية الخضر، فإنّه يدلّ بالأولوية

____________________

1) نحن لا نرمي بأطروحتنا هذه التفكيك والعمل بالنقل بلا أُصول وبمعزل عن العقل، وإنّما أردنا التنبيه على عدم الجمود على قواعد الفلسفة والعرفان والكلام، مع قبول فائدتها لتكون عملية التفقّه في العقائد تامّة، وإنّما لابدّ من الترقّي بالتوغّل أكثر في الكتاب وروايات أهل البيت لاكتشاف معارف قصرت المناهج تلك من الوصول إليها، وهي مستمدّة ومعتمدة على قواعد بديهية في الروايات لم يتنبّه إليها في الفلسفة، بل قد تدفع إلى إعادة النظر في تلك القواعد كالحركة التكاملية في المجرّدات.

فلا معنى للجمود على قواعد نظرية قد تكون مترامية في نظريتها، وتأويل ما هو بديهي‏ ونصّ في الروايات من أنّ هناك حركة اختيار ومخالفة الأمر في عالم الملائكة.

2) سورة الكهف: 6.


على أنّ الإرادة الإلهية والهداية الإيصالية لا تهمل ما كان بالغ الأهمّية في الشريعة الظاهرة كالشؤون المرتبطة بالدولة والحكم وهداية المجموع.

الخلاصة:

وهذا استعراض لأهمّ المحاور التي وردت في هذه الآيات الكريمة:

المحور الأوّل: وجود تشكيلة من أولياء اللَّه الذين اختارهم اللَّه حججاً على عباده يقومون بدور وظّفوا له ومن وراء الستار، وقد جاء في سورة الكهف (1) ذكر مواصفاتهم.

المحور الثاني: إنّ الإمامة غاية النبوّة، وقد جاءت القصّة لتؤكّد هذا الأمر وطمأنة للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ الهداية الإيصالية ستتكفّل تحقيق أغراض الشريعة الظاهرة والهداية الإرائية التي قام بها الرسول الأعظم على أكمل وجه.

المحور الثالث: هناك قسم آخر من الحجج وراء الرسالة والنبوّة والإمامة، والذي تمثّله الزهراء عليها‌السلام ومريم عليها‌السلام والخضر عليه‌السلام مع حفظ الفارق، وقد أشارت الروايات (2) إلى هذا القسم.

المحور الرابع: وجود شريعتين ظاهرة وكونية في الإرادات ومن دون بينونة بينهما.

المحور الخامس: الملاك والحكم في الشريعتين أو درجتي الشريعة واحد، إنّما الاختلاف في وسيلة الإحراز والإنفاذ.

المحور السادس: التزاحم الملاكي ظاهرة غالبة في الشريعة الكونية، وحلّه هو ترجيح أحد الملاكين الأهم، يتمّ بواسطة العلم اللدنّي بعد مقايسة بين الملاكين ولكن لا بحدود ضيقة مقطعية.

المحور السابع: إنّ الملائكة في قوس النزول مخاطبون ومكلّفون بالدين

____________________

1) سورة الكهف: 45.

2) البحار، ج23، باب أنّ الأئمّة محدّثون.


والشريعة في السنن والإرادات الإلهية الكونية، بعد أن كانت لهم إرادة واختيار وتكامل، ممّا يمكن به تعقّل التكليف والطاعة والمخالفة، مع قبول عصمتهم وأنهم لا يعصون اللَّه ما أمرهم، مع الالتفات إلى تبعيتهم في الدين للأنبياء والرسل الذين لهم مقام الإمامة وخلافة اللَّه في الأرض، كما أسجدهم الباري تعالى لآدم، والذي يهدف إلى خضوعهم وتبعيتهم لخليفة اللَّه في أرضه، هذا بعد أن كانت شرائع الأنبياء مشتملة على قوس النزول والصعود والفروع.

وبعبارة أُخرى: أنّ الشرائع التي بُعث بها الأنبياء وإن كانت مختصّة بأهل الأرض من الإنس والجنّ لكنّ الدين المتّحد بين الأنبياء فهو عامّ لأهل السماء والملائكة، كما أنّه عامّ لكلّ النشآت والخلائق.

المحور الثامن: ولاية كلّ نبيّ ورسول مقامٌ أرفع من نبوّته وإمامته، ولكنّ النبيّ أرفع مقاماً من الوليّ الحجّة المعاصر له؛ حيث كان الأوّل محيطاً بالإرادات الكلّية والثاني بالجزئية، فهو تابع للأوّل.

المحور التاسع: إلفتنا لأقسام التأويل، وفرق الباطن عن الظاهر، وفرق الشريعة الكونية عن الظاهر، ولمّا كان الأوّل مأخوذاً فيه الانتهاء والرجوع أمكن أن نضع إصبعنا على الجامع بين الأقسام: إنّ كلّ عالم سابق له تأويله في اللاحق.

ونضيف: أنّ هناك عكس التأويل، فعالم الذرّ والميثاق يفسّران العديد من الظواهر التي تجري لأشخاص في النشأة، وبتعبير أوضح: كما أنّ النشأة اللاحقة تأويل للسابقة، كذا السابقة لها نوع تفسير لِلاّحقة، وهذا هو الذي أشارت له أخبار الطينة: (لو علم الناس كيف خلق اللَّه تبارك وتعالى هذا الخلق لم يلم أحدٌ أحداً...) (1) وكذا روايات الذرّ والميثاق.

____________________

1) الكافي، ج2، ص44.


المحور العاشر: إنّ الهداية الإيصالية هداية المجموع والجميع؛ فإنّها كما تُعنى بالأغراض المرتبطة بالمجموع البشري كذا تُعنى بأغراض كلّ فرد بل حتّى الواسطة.

النموذج الثاني القرآني: قصّة ذي القرنين.

سيتمّ الإلفات إلى المحاور التالية:

1 - مرتبة ذي القرنين.

2 - القوّة التي مُنحت له.

3 - التدبير الإلهي لجزئيات وتفاصيل المجتمع البشري في قصّة ذي القرنين.

4 - ربط القصّة بالمحور الأصلي في سورة الكهف.

قوله تعالى: ( وَيَسْأَلُونَكَ ) ، ظاهر في أنّ قصّة ذي القرنين شائعة لدى الأقوام، وأنّ الرجل وقصّته حقيقة تاريخية عاشتها البشرية.

قوله تعالى: ( سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ) ، ظاهر في أنّ القرآن لا يروي كلّ تفاصيل القصّة، وإنّما يقتصر على بعض ملامحها.

قوله تعالى: ( إِنَّا مَكَّنَّا ) تعريف بشخصيّة الرجل كما في قصّة الخضر حيث ابتدأت بالتعريف به، وهذا التمكين هبة وأنّ التمكين هاهنا تمكين لدنّي. والتمكين لا يطلق على المُلك اليسير وإنّما على الملك الواسع العظيم، ومن ثمّ ذكر ذلك في سورة يوسف والآيات الواردة في نشأة المهدي عليه‌السلام في جانب الخير، وفي عاد ونمرود في جانب الشرّ.

قوله تعالى: ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَبًا ) ، لا سبب كلِّ شي‏ء، ولكن مع كون (من) تبعيضية إلاّ أنّها دخلت على (كلّ شي‏ء) ، ومن ثمّ شكّل هذا الإعطاء ميزة وخصوصية لذي القرنين؛ لأنّ (كلّ) تفيد


العموم، ومدخولها في غاية الإبهام والعمومية.

قوله تعالى: ( سَبَبًا ) ، لم يُستعمل في القرآن في غير ذي القرنين، نعم ذكرت منفية عن غيره، مثل: ( فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ ) (1) ، و ( لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ ) (2) ، و ( وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ) (3) . والسبب في اللغة: كلّ شي‏ء يقتدر به على شي‏ء آخر، سوى أنّه في القرآن استعمل في الوسيلة غير المتعارفة.

وهذا الإعطاء حَبوة إلهية ومنحة، وهي القدرة اللدنّية؛ بقرينة أنّه لم يذكر لغيره، وأنّه أردف الإتيان بالسبب، وأنّ ذا القرنين من الأولياء الحجج كما سيأتي، وأنّه قد استعملت فيه نفس التعبيرات المستعملة في سليمان.

ثمّ إنّ المراد من السبب في عالمنا - كما يظهر من الروايات وجاء في كلمات الحكماء والمتكلّمين - المعدّ، لا سيّما في عالم المادّة، لا الفاعل ومعطي الوجود؛ فإنّه منحصر به تعالى، فهو ما منه الوجود وغيره ما به الوجود.

ويترتّب على ذلك أنّ كلّ المعادلات والقوانين في هذا العالم لا ضرورة بتّية فيها بعد أن لم تكن الظواهر من الأسباب سوى معدّات تعدّ القابل وتهيئه لاستقبال الفيض الإلهي، بل ليس معدّات عالم الطبيعة هي تمام المعدّات، بل توجد معدّات أُخرى ملكوتية فضلاً عن الأسباب الفاعلية، لا سيّما أنّ بعض الأسماء الإلهية تقتضي بعض المعدّات التي لا نعلم بها.

وبه يمكن تفسير جملة من التخلّفات مثل: ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (4) ، ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ... ) .

والواو فيها استئنافية، فيكون المفاد أنّه بالإضافة إلى تمكينه - الذي قُيّد بـ (في

____________________

1) سورة ص: 10.

2) سورة غافر: 36.

3) سورة البقرة: 166.

4) سورة الأنبياء: 69.


الأرض) - الإيتاء وهو المنسجم مع عمومية التعبير الذي سبقت الإشارة إليه، وهو الظاهر من الروايات حيث ذكرت أنّها من أسباب السماوات والأرض، بل الظاهر من الروايات أنّه أوتي ملكوت السماوات والأرض، حيث جاء التعبير بـ (كشط له).

( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) من تلك الأسباب.

( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ) سار بالأسباب التي زوّد بها، وقد ذكرت الروايات أنّه كان يسير في فتوحاته بالزئير.)مغرب الشمس(إشارة إلى أقاصي الأرض، وقد يقال بأنّ رحلته فضائية في السماء كما مرّ إشارة الروايات إلى أنّ الأسباب التي أوتيها سماوية وأرضية وأنّه (كُشط له).

قوله تعالى: ( قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ ) ، خطاب مباشر منه تعالى لذي القرنين، ومن ثمّ قيل إنّه نبيّ، ولكنّه خلاف ظاهر القرآن حيث لم يصفه بالنبوّة ولا بالبعثة والرسالة، مع أنّه في مقام الإجابة عن التساؤل عن الغموض في حال ذي القرنين.

وهذا هو الظاهر من الروايات أنّه محدّث، كما يلاحظ ذلك في أجوبة الأئمّة عليهم‌السلام عندما كانوا يُسألون عن علمهم فكانت الإجابة أنّه كصاحب موسى وذي القرنين، أي ليست علومهم بنبوّة، ولكنّه علم لدنّي معصوم، والوحي المباشر لا يعني النبوّة وإنّما التشريف والحظوة في الاصطفاء، نظير: ( يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجيِهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (1) .

____________________

1) سورة آل عمران: 45 - 47.


قوله تعالى: ( إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا ) ، تدلّ على أنّ الحاكمية - القيادة السياسية والقوّة التنفيذية - أوّلاً وبالذات هي للَّه تعالى، وكلّ حاكم عداه سواء كان نبياً أو وصياً أم غيرهما من الحجج المصطفين، فحاكميته في طول حاكمية اللَّه تعالى. حيث يظهر من الآية أنّ هذا التخيير الإجرائي والتدبير السياسي التفصيلي منحه اللَّه لذي القرنين، ممّا يدلّل على أنّ الحكومة السياسية التنفيذية بيده تعالى، ولم تفوّض للبشر بمعزل عن اللَّه، كما عليه أهل سنّة الخلافة وجماعة السلطان. والقيادة السياسية شعبة من شعب الهداية الإيصالية كما سيأتي توضيحه.

قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ) ، والحديثُ الحديث، مع دلالتها على أنّ ذا القرنين كان معنياً بتدبير عدّة مجتمعات وفي مجالات متعدّدة.

قوله تعالى: ( لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ) ، ممّا يكشف أنّهم كانوا في تخلّف مدني حتّى على مستوى الضروريات والأولويات، وقد كُلّف ذو القرنين برفع هذا التخلّف. والروايات أيضاً تدلّ على أنّ من مهام الإمام والولي الحجّة هو رفع هذا النمط من التخلّف، كما في تصدّي الإمام الباقر عليه‌السلام في حساب المسافة في قضية البريد وصكّ النقود، وتصدّي أئمّة أهل البيت لتأسيس جملة من العلوم، كما هو شأن الأنبياء السابقين حيث جاءوا للبشرية بأُسس العلوم (1) ، وهذا مقتضى العناية الإلهية بعد أن كانت لضروريات العيش مدخلية في التكامل الروحي للأُمّة.

قوله تعالى: ( كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ) يدلّ على إحاطة الربّ تعالى بتفاصيل ما يجري وأنّها محور عنايته واهتمامه، فكان كلّ ما يجري تحت نظره.

وبعد اتّضاح الصورة في ملامح ذي القرنين يمكن أن نخرج ببعض النتائج التالية، وهي:

____________________

1) لاحظ كتاب تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، للسيد حسن الصدر.


أوّلاً: إنّ تمكينه في الأرض لأجل استصلاح المجتمعات البشرية وإيصالها إلى الكمال المنشود ببناء حضارتهم ومدَنيتهم بالقدر اللازم، وإرساء العدل، وإفشاء الصلاح ورفع الظلم عنه، كما يبدو ذلك من النماذج التي تعرّض لها القرآن من حياته.

والقرآن - كما ذكرنا سابقاً - يتناول التعريف بالحياة الشخصية للرجالات والأُمم السابقة كسنن إلهية، ويركّز على المحاور ذات العبرة التي تساهم في رسم العقيدة والشريعة، والروايات حدّثتنا عن جملة من الأبعاد الشخصية لهؤلاء.

وما ذكر من ملك ذي القرنين الذي مُكّن منه مع النماذج التدبيرية التي قام بها، تلحظ أنّها وثيقة الصلة في سورة الكهف بالمحور الأصلي وهي طمأنينة الرسول بأنّ الهداية الإيصالية، وهي مقام الإمامة، أنّها هي التي ستحقّق أهداف الرسالة، والهداية الإرائية التي هي مقام النبوّة.

قوله تعالى: ( لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ) ، تخلّفهم أكثر من القوم الذين التقى بهم سابقاً.

ثانياً: قوله تعالى: ( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) ، مع أنّ ذا القرنين أوتي كلّ ما سبق وأنّه منصوب من قبل اللَّه تعالى وفي الوقت الذي زوّد بتلك القدرة اللدنية وقد ملك فيها الدنيا، إلاّ أنّه يطلب الإعانة، ممّا يعني أنّ الغرض الإلهي لا يتحقّق بالإلجاء، وإنّما لابدّ للأُمّة أن تنهض بمسؤوليتها، في الوقت الذي منّ اللَّه عليها بالهداية الإيصالية أي بنصب الإمام لهم.

ومن هنا أمكن أن نفهم توجيه الخطاب بالحكم ووظائف الدولة للأُمّة، وأنّه لا يعني أنّ الولاية بيد الأُمّة كما فهمه البعض، كما لا يعني أنّ الأُمّة مرفوع عنها المسؤولية تماماً في هذا المجال، وإنّما تعني أنّ هناك مسؤولية ملقاة على عاتق الأُمّة تجاه الحكم والوالي، وهي الإعانة والتجاوب والطاعة، حيث لم تكن سنة اللَّه الإلجاء وكن فيكون في نشأة الدنيا، وبالتالي اليد الواحدة - يد الوالي - لا


تصفّق، كما في المثل، فنصب الإمام من اللَّه للناس لا يعني إسقاط التكليف عن الأُمّة بنصرته وتمكينه وإقداره من قبلهم، فهناك تكليف مُلقى على عاتق الإمام كما أنّ هناك تكليف مُلقى على عاتق المأمومين وهم الأُمّة.

ثمّ تستعرض الآيات تفصيل بناء السدّ للدلالة على أنّ الأولياء يعملون بالأسباب الظاهرية، على العكس من توقّع الناس أن يكون سيرة ولي اللَّه فيهم كلّها بالإعجاز وخرق الأسباب.

قوله تعالى: ( رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) في حال أنّ بناء السدّ كان من خلال الأسباب الطبيعية، ولكن لم تكن تلك الأسباب مكتشفة آنذاك، ومن ثمّ كان رحمة، حيث اطّلعوا على بعض أسرار الطبيعة.

فتلخّص:

أوّلاً: إنّ هناك قدرة لدنية، زُوّد بها ذو القرنين، وملكاً عريضاً، ربما كان أوسع من ملك سليمان.

وثانياً: وكان برنامجه استصلاح الأقوام البشرية المغلوبة والمتخلّفة والمتناحرة، فأفشى العدل في قوم، وهيّأ ضروريات المدنية لآخرين، وبنى السدّ لثالث.

وثالثاً: وبأسباب طبيعية كُشفت لهم.

ورابعاً: مع نفي الإلجاء وحفظ دور الأُمّة ومسؤوليتها.

وقد ألفت القرآن إلى كلّ هذا في حياة هذا الولي؛ لرفع أسى صلى‌الله‌عليه‌وآله وطمأنته بأنّ الأغراض التي على أساسها كان التشريع ستحقّق من خلال الهداية الأمرية في إمامة الأُمّة، كما قال تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاة ) (1) .

____________________

1) سورة الأنبياء: 73.


النموذج الثالث القرآني: قصة أصحاب الكهف

وهذه السورة متميزة ببحث الإمامة بنحو مركّز جدّاً، ولو سمّيت بسورة الإمامة لكان حرياً، لا سيّما وأنّه ذكر نموذج رابع فيها وهو استخلاف آدم كخليفة للَّه في الأرض، وإطواع جميع الملائكة له، وهذه الواقعة برمتها عنوان كبير لمعتقد الإمامة، فسلسلة البحث في كلّ هذه السورة يدور حول الوصول إلى أهداف الرسالة وغاياتها بتوسّط الإمامة، وأصحاب الكهف وإن لم يكونوا حججاً مصطَفين، إلاّ أنّ الحديث عنهم له صلة بالإمامة من جهة صلة هدايتهم بالهداية الإيصالية، وهي الإمامة عبر قناة الروح لا عبر قناة الهداية الإرائية وهي النبوّة الظاهرة والسماع بالحسّ.

قوله تعالى: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ ) ، بيان أنّ عالمنا عالم الامتحان، فلا إلجاء ولا جبر، كما في قوله تعالى: ( لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) (1) ، وإنّما اختيار واختبار، كما في قوله تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) (2) .

وقد توسّطت هذه الآية بين آية ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ... ) وقصّة الكهف؛ للتنويه على أنّ الهداية الإيصالية وإن كانت متحقّقة في إمامة الإمام إلاّ أنّ المسؤولية ما زالت قائمة على الأُمّة، ولابدّ أن تخطو باختيارها نحو الكمال ومن اللَّه التسديد والتأييد.

ثمّ إنّ سورة أهل الكهف مكّية، نزلت إثر محاولة قريش إحراج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عندما استعانت بثلاثة أرسلتهم إلى نجران للتوفّر على مسائل معقّدة يعجز عن الإجابة عليها، فكانت: أهل الكهف، وصاحب موسى، وذو القرنين. وقد قال علماء نصارى ويهود نجران: إنّ محمّداً إن أجاب عنها فهو نبيّ وإلاّ فلا، ثمّ طلبوا سؤاله برابعة إن

____________________

1) سورة الغاشية: 22.

2) سورة تبارك: 2.


أجاب عنها فهو ليس بنبيّ، وهو: عن الساعة ومتى هي؟

وتذكر الرواية أنّ الرسول أوعد بالإجابة غداً من دون تعليق وعده على المشيئة الإلهية فحُبس عنه الوحي أربعون يوماً، فاغتمّ وحزن كثيراً، وكذا حزن عمّه أبو طالب عليه‌السلام حتّى نزل الوحي بالإجابة.

والملفت للنظر ترابط هذه القصص الثلاث في فكرة الهداية الإيصالية التي هي حقيقة الإمامة، مع أنّ اليهود اختاروها على أساس من المسائل الصعبة لا أكثر.

قوله تعالى: ( أَمْ حَسِبْتَ ) ، لا دلالة في السورة على أنّ أصحاب الكهف أولياء وحجج، وإنّما هم من القسم الخامس وهو الأولياء غير الحجج، وقد شُرّفوا بمقام أوجب ذكرهم.

قوله تعالى: ( الرَّقِيم ) ، في الروايات أنّ أسماءهم مرقومة في لوح من رصاص، رقّمها الملك الكافر الذي كان يريد قتلهم، أو الذي عرفهم بعد إفاقتهم فرقّم أسماءهم على هذا اللوح ووضعه على قبورهم بعد موتهم.

( أَمْ حَسِبْتَ ) تدلّ على أمرين:

الأوّل: البعث والمعاد كما سنبين.

والثاني: إنّ الغلبة للَّه تعالى، وإن أغراضه ستتحقّق، فهؤلاء مجموعة غلبت على أمرها من رواد الباطل وعلى رأسهم المَلك آنذاك، إلاّ أنّ الدائرة دارت عليهم فانقرضوا وبقيت تلك المجموعة المستضعفة خالدة تشكّل نبراساً للحقّ.

وارتباط هذا البعد بالمحور الأصلي واضح، وأنّه مهما حصل وفعل أهل الباطل، ومهما قويت شوكتهم فلن يعيق تحقّق الغرض الإلهي، فإنّ المغلوب ظاهراً غالب باطناً، أي في الخفاء والمآل.

ومن ثمّ يفهم السرّ في ترديد الرأس الشريف المقطوع للحسين عليه‌السلام المشال على رأس الرمح لهذه الآية المباركة وهو يُطاف به في بلدان أُمّة الإسلام.


والروايات تشير إلى هذا المضمون.

قوله تعالى: ( الْفِتْيَة ) أشرنا ويأتي تفصيل أنّ هؤلاء ليسوا من الأولياء الحجج، وقصّتهم معجزة. ومن ثمّ نفهم أنّ المعجزة ذات طابع الرحمة تكشف عن شرف من تقوم فيهم وعلوّ مقامهم.

هذا في المعجزة الرحمة، والعكس بالعكس، فالمعجزة العذاب كالقمّل، والضفادع، والدم، تعبّر عن ذلّة من قامت فيه المعجزة وخسّتهم.

كما أشرنا إلى أنّ هؤلاء الفتية صاروا عظة وعبرة وقدوة للبشرية، ممّا يؤكّد أنّ مقامهم وإن لم يصل حدّ الحجّية إلاّ أنّه مقام رفيع ومكانة مرموقة في مجال التكامل المعنوي، ومن هنا جاء في الدعاء: (اللهم إنّي أسألك بكلّ عبد امتدحته فيه)، أي في القرآن. ولم يقتصر القرآن في ذكر هذا النمط من البشر على أصحاب الكهف، وإنّما ذكر آخرين، كمؤمن آل فرعون.

قوله تعالى: ( إِذْ أَوَى ) ، ظاهر في نوع الإلجاء والاستجارة، ويؤكّد ذلك طلبهم الرحمة الخاصّة من اللَّه تعالى، ممّا يكشف عن عمق محنتهم.

قوله تعالى: ( أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ) ، عبّرت عن كلا الطرفين بالحزب، مع أنّ أهل الكهف قلّة جدّاً، ممّا يدلّ على التفخيم، وأنّهم يمثّلون خطّاً هو خطّ الهداية.

قوله تعالى: ( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ) ، النوم نوع من التُوفّي كما أشار إليه القرآن الكريم، ونظير البعث الإيقاظ من النوم للتعريف بالأطول بقاءً، والتدليل على أنّ الهداية الإيصالية لا تتخلّف، وهذا هو البعد المرتبط بالمحور الأصلي.

وفي الروايات بيّن هدف بعثة أصحاب الكهف من رقدتهم بأنّه: دحض دعوى الكافرين حيث كانوا ينكرون المعاد، كما يشير إليه قوله تعالى: ( لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ


اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا ) (1) .

قوله تعالى: ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ ) ، هذه الآية تتعرّض لمجمل عقائدهم التوحيدية الرفيعة وحكمتهم العملية، من دون أن توجد دلالة في الآيات على تعريفهم بواحدة من الديانات المعروفة، ممّا يعني أنّ إيمانهم هذا بدافع من فطرتهم السليمة.

قوله تعالى: ( وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) ، وهي هداية خاصّة مُنحوا إياها علاوة على إيمانهم، ممّا يدلّ على رفعة مكانتهم.

قوله تعالى: ( فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ ) بداية لإنشاء مجتمع توحيدي منفصل ومستقلّ عن مجتمع الكفّار؛ لوجود التقاطع بين المجتمعين، ممّا يفرض وجود دارين: الإيمان والكفر.

قوله تعالى: ( وَتَرَى الشَّمْس... ) ، النوم وما جرى عليهم في أثنائه أُمور غير اختيارية إلاّ أنّها ممزوجة باختيارهم، وبها كانوا آية من آيات اللَّه تعالى.

قوله تعالى: ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ... ) ، لباب القصّة وحلقة الوصل مع المحور الأصلي في السورة، والهداية من دون قرينة يقصد منها الإيصالية في قبال النذارة، وذيل الآية قرينة على الإيصالية؛ لظهور الولاية في ذلك، والإرشاد وإن كان إراءة إلا أنّه ليس إراءة كلّية كما في نذارة النبوّة، بل هداية تفصيلية متولّدة من الإرادة الكلّية النبويّة في التشريع، ومن ثمّ لم يستعمل نعت الإرشاد للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من جهة مقام النبوّة.

ومرّة أُخرى نلفت إلى أنّ محور الخلاف مع العامّة هو أنّهم اقتصروا على ضرورة الإراءة والتنظير من دون الإيصال إلى المطلوب.

____________________

1) سورة الكهف: 21.


قوله تعالى: ( لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ) ، عناية إضافية حفظاً لهم عن التلف.

قوله تعالى: ( وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا... ) ، واحدة من الأدلّة القرآنية على مشروعية التقية.

قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ... ) ، واحدة من الغايات، وهي - على الظاهر - نصر المؤمنين في الدين وقدرة الباري تعالى على بعث الأموات.

قوله تعالى: ( وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا ) ، غاية أُخرى: وهي المعاد وهو امتداد الهداية الإيصالية، فإنّه يعني السير إلى اللَّه تعالى واللقاء به، وهو لا يتمّ إلاّ بواسطة الهداية الإيصالية والإيصال إلى المطلوب. ومن ثمّ كان المعاد واحداً من الأدلّة على الإمامة، فالآية تدلّ على أنّ الهداية الإيصالية تحقّق وتوفّر بلوغ الغاية في الدنيا والآخرة.

قوله تعالى: ( لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.. ) ، فيه تقرير لجواز اتّخاذ المساجد على القبور ، وجعله مكاناً إذا كان موجباً للعبرة كأصحاب الكهف، والقرينة على ذلك هي تذكير القرآن بهذا الاقتراح من بين الاقتراحات المطروحة من القوم حول أهل الكهف الذين فارقوا الحياة.

قوله تعالى: ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا... ) ، مرتبط بما ذكرناه في سبب نزول السورة ووعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إجابة الأسئلة من دون تعليق ذلك على المشيئة.

قوله تعالى: ( اللَّهُ أَعْلَمُ... ) ، لعلّه ظاهر في أنّ سنّة اللَّه أن يُبقي الولاية والهداية الإيصالية محاطة بشي‏ء من الغموض و الخفاء، فلا تكون معروفة في حينها للجميع، كما لا يتمّ التعريف بكلّ جنباتها، خاصّة النوع الأوّل والثاني المتمثّل في أصحاب الكهف والخضر.

قوله تعالى: ( مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ... ) ، فهو الذي يتولّى البشر ويهديهم، والولاية مفهوم قد استبطن فيه القدرة، فالإمامة هي نافذية حكم اللَّه من دون إشراك.


قوله تعالى: ( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ... ) للدلالة على بالغية إحاطة اللَّه تعالى بمجريات الأُمور ومقدّراتها على صعيد الأفراد والمجموع البشري.

وبهذا ينتهي الحديث في هذه القصّة، وأهمّ ما جاء فيها:

1 - وجود هداية إرائية وإيصالية حتّى فيمن لم يتوفّر على هداية الرسول الظاهر.

2 - وجود قسم من الأولياء وذوي الشأن وراء الوليّ الحجّة، وقد وصل بعضهم إلى مقام ضرب المثل والآيتية والقدرة، كما في أصحاب الكهف، ولعلّ نظيرهم: ( وجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى ) (1) .

3 - إنّ المأخوذ في ماهية الهداية الإيصالية نوع من القدرة والتصرّف التكويني، ولكن من دون إلجاء، بقرينة مرشداً التي تعني الهداية الإرائية والتبعية.

4 - إنّ النصرة والظفر في الدنيا من سنن اللَّه التكوينية، ومن ثمّ يستتبّ الأمر أخيراً لحزب اللَّه النجباء.

5 - وجود ارتباط وثيق بين الإمامة وبين المعاد، وعلى أساسه يمكن فهم فكرة: (الشفاعة)، و (الحضور عند الاحتضار)، و (شهادة الأعمال)، و (قسيم الجنّة والنار).

6 - حكمة اللَّه اقتضت كتمان بعض زوايا الهداية الإيصالية، ومن ثمّ قد توجب نوعاً من الاستغراب والتعجّب عند من لم يطّلع على الأُمور ويتعامل معها بشكل سطحي، وإلى حدّ قد تصل الحالة إلى تفسير بعض الظواهر بالعبث.

7 - ( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ) ، يدلّ على أنّ الذي يحقّق الأغراض هو تعالى، فلا تنحصر القضية حينئذٍ بالهداية الإرائية.

8 - مقتضيات الفطرة هي البنية التحتية للأُصول والفروع.

____________________

1) سورة يس: 20.


والآيات اللاحقة تحوم حول هذه الأفكار:

أ - غايات اللَّه لا مبدّل لها، فلابدّ أنّ تتحقّق: ( وَاتْلُ مَا أُوحِيَ... ) .

ب - الدعوة للتمسّك بالهداية الإرائية والتي هي الخطوة الأُولى في السير والاهتداء بالهداية الإيصالية: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ... ) .

ج - أعمال الكفّار هباء وأعمال المؤمن مثمرة وإن استقلّتها الأعين: ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً ) .

د - كلّ سير وسلوك تحت قدرة اللَّه جلّ وعلا: ( مَثَلُ الْجَنَّةِ ) .

هـ - سلسلة المنظومة الطبيعية ذات غايات: ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً ) .

و - عدم النظرة المقطعية ودعوة إلى نظرة طولية: ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ ) .

( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ... ) ، أذكر أيها الرسول استخلاف آدم وقد تقدّم تبيانه في الفصول السابقة، وأنّ ظاهر ألفاظ آياتها، كما هو مفاد الروايات، هو لأجل تبيان الإمامة، واتّضح فيها أنّ رائد منظومة الهداة في الإيصال إلى المطلوب هو الإنسان الكامل، وأنّ التدبير في هذا المجال لا يختصّ بالملائكة كما يتوهّم ذلك أهل سنّة الخلافة وجماعة السلطان. هذا وأنّ سورة الكهف اقتصرت على هذا المقطع من القصّة وهو ذو الارتباط بالمحور الأصلي في القصّة.

سورة الكهف سورة الإمامة:

إلفاتة: بعد كلّ ما تقدّم من قصّة أصحاب الكهف، وبعد عرض كلّ من قصّتي موسى مع الخضر، وذي القرنين، أصبح من المناسب الإلفات إلى زاوية التناسب بين القصص الثلاث:

حيث يطالعنا القرآن في سورة الكهف في القصّة الأُولى على نموذج لم يكن نصيبهم من الهداية الإرائية أكثر من قضاء الفطرة وحكم العقل، وكأنّهم كانوا في


زمن الفترة بين الرسل فلم يوَفّقوا لمعرفة الإمام والوصي الخفي آنذاك، ولكن لم يمنعهم ذلك من الاستجابة لفطرتهم وعقولهم، وإن كانت محدودة بالعمومات والأُسس العامّة الفطرية الأوّلية الإجمالية، فلم يحرموا من الهداية الإيصالية بالقدر الموازي لما عرفوه.

في حين نلحظ في القصّة اللاحقة أنّ دائرة ورقعة الهداية الإرائية أوسع من العقلية حيث اقترنت معها هداية تشريعية، فالخضر كان تابعاً لموسى ومتديناً بشريعته، سوى أنّ الهداية الإيصالية كانت خفية وبشكل غير رسمي. في الوقت الذي نلحظ أنّ ذا القرنين زُوّد بالهداية الإيصالية الكاملة:

قال تعالى: ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) .

فالأنواع والدرجات التي أَلفتَ إليها القرآن في الهداية الإرائية الثلاث، وبما أنّ اللَّه بالغ أمره في من اتّبعها، فتكون الهداية الإيصالية لكلّ درجة متناسبة معها.

وعندما ندرس خطوات الأنبياء نلحظ أنّها متدرّجة بالشكل الذي سلسلته سورة الكهف، حيث إنّ أوّل خطوة يخطوها الرسول في طريق الدعوة إلى اللَّه بإراءة الأُمور الكلّية الفطرية، ثمّ التشريعية في مرتبة ترافقها الهداية الإيصالية ذات الطابع السرّي غير المعلن، ثمّ تصل الذروة كما نشهده في قصّة موسى حيث أقام الدولة، وكذا سليمان و النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في بقعة من الأرض، وتُختم جميعاً بدولة المهدي عليه‌السلام ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) ، والذي كان نموذج ذي القرنين مثالاً له.

ولم يكتف القرآن بذلك كي ينبّهنا أنّ المجتمع البشري دوماً في حالة تقلّب وتغيّر في هذه الأدوار الثلاثة.

ثمّ إنّ الآيات لا تشير إلى انتماء أهل الكهف إلى شريعة خاصّة، وكما في قوله تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ


بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) (1) ، على الفترة لا يعني خلوّ الأرض من حجّة كما قد يتوهّم خصوصاً من تعبيره بالفاء في الآية الدالّة على التراخي، وإنّما في كلّ عصر يوجد شريعة وهداية إيصالية، سوى أنّ هناك فترات يكون فيها المعصوم مخفياً، وإلاّ فبم نفسّر نبوّة آدم وكيف نكيفها مع الفترة مع الانسياق للتوهّم؟

وهناك روايات (2) تدلّ على أنّ الهداية الإرائية موجودة ومتوفّرة، وهي ما يحكم به العقل والفطرة العقلية في الإنسان وأنّه منجّز وأنّ الإنسان يؤاخذ عليها ويحتجّ بها عليه.

وقصّة أهل الكهف شاهد من بين شواهد كثيرة على أنّ التجاوب مع هذه الهداية الإرائية يوصل إلى الهداية الإيصالية، فلا يحرم التسديد الإلهي في الوصول إلى الكمالات المنشودة والأغراض التي أراد اللَّه من عبيده تحقيقها.

وللتذكير والإيقاظ: نلفت إلى أنّ أحكام العقل لا تغني عن الشرع؛ لمحدوديتها وعموميتها ممّا يجعلها بحاجة إلى الشرع في تنزّلها وتفصّلها، ومن ثمّ لا نلحظ في ما حدّثنا القرآن عن معارف أولئك الفتية والتزامهم أكثر من الأُسس العامّة التي وفّرها الرسول الباطن لهم، كالتوحيد وبعض الفروع الواضحة التي لا تخفى على العقل كقبح الكذب، كما أنّ القرآن لم يحدّثنا عن توفّرهم على الهداية الإيصالية أوسع مدى من هدايتهم الإرائية.

النموذج الرابع القرآني: قصّة طالوت

وتبدأ من آية (246) وتنتهي بآية (253) من سورة البقرة.

في البداية نذكّر مرّة أُخرى: إنّ منهجنا في التفسير يعتمد على الروايات التي

____________________

1) سورة البقرة: 213.

2) الكافي، ج2، ص464.


وردت في ذيل الآيات مفسّرة لها، والتي يصنّف قسم كبير منها في حقل التأويل، والآخر لمعالجة الظهور الابتدائي.

وبما أنّ التأويل له صلة بمنصّة الظهور - وقد أَلفتَتْ الكثير من الروايات إلى كيفية ذلك - صرنا في صدد التعرّف على الظهور الثاني بتوسّط الظهور الأوّل ببركة الروايات.

وهناك رواية عن أمير المؤمنين عليه‌السلام تلفت إلى أنّ قصّة طالوت التي قصّها القرآن هي لضرب المثل للإمامة، وأنّها فيمن ولمن وممّن تكون.

ونبدأ الحديث بعرض سردي لقصّة طالوت وتجميع مفرداتها ثمّ ننتقل إلى دراستها محورياً.

قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ... ) ، الملأ لغة: وجوه القوم وأعيانهم، فإنّه بهم تملأ العين، أو مجلس البلد وندوته.

قال تعالى: ( مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى... ) ، في الروايات بعده خمسمائة سنة.

قال تعالى: ( نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... ) ، جالوت القبطي كما في الروايات وما يأتي في الآيات، حيث كان مستعمِراً لبعض أراضي بيت المقدس، ويبدو من الآية أنّهم كانوا يفتقدون الملك القوي المدبّر.

قال تعالى: ( لِنَبِيٍّ لَهُمُ... ) ظاهر في أنّه رسول؛ حيث يفترق النبيّ عن الرسول فيما إذا كان قد نبّأ لنفسه أو لأهله، وأمّا إذا كان مبعوثاً لأُمّة فهو رسول، هكذا ورد في الروايات، ومثله في الآيات: ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ) (1) ، نعم ليس شرطاً في الرسول أن يكون صاحب شريعة؛ إذ يمكن أن يكون تابعاً لشريعة رسول قبله، والاصطلاح القرآني في جملة من استعمالاته

____________________

1) سورة يس: 13.


في القرية والمدينة ليس بالعمران والحضارة المادّية وإنّما المدنية والتحضّر بالمعرفة الأديانية.

قوله تعالى: ( ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا... ) ، ظاهره في أنّه مغاير للنبوّة، حيث طلبوه من النبيّ، وأنّه غير انتخابي، وإنّما مجعول من اللَّه تعالى، وأنّه أرفع منزلة من ذلك النبيّ؛ وإلاّ لَما أمكن أن يحكم المفضول الفاضل.

ثمّ إنّنا نؤكّد مرّة أُخرى على أنّ الإمامة وإن كانت تستبطن الإيصال، وأنّ لطف اللَّه تعالى بالبشر ونعمته عليهم يتمّ بها فهي ضرورة، إلاّ أنّها ليست بالإلجاء الإعجازي التكويني، ومِن ثمّ كان على المجتمع - كما ذكرنا في قصّة ذي القرنين - أن يبادر ويتحرّك تحت راية الإمام من أجل تحقيق الأغراض الإلهية المرتبطة بعموم المجتمع.

قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا... ) ، فهذا المُلك عهد إلهي خاصّ، وعبّر عنه القرآن الكريم ببعثة إلهية، فالإمامة بعثة إلهية أيضاً؛ لِما تشمل من مقام غيبي لدنّي، والمبعوث من اللَّه تعالى إماماً بالتالي يكون سفيراً وله سفارة إلهية تغاير سفارة النبوّة والرسالة.

فكون الإمامة سفارة إلهية وبعثة أصل قرآني، وليس بالانتخاب والتعيين من البشر، وطالوت من سلالة بنيامين أخ يوسف عليه‌السلام ومن ثمّ كان محور اعتراضهم؛ حيث كانوا يرون أنّ الملك منحصر فيهم وهم أبناء (لاوا)الأخ الأكبر ليوسف، وقد صاغ القرآن اعتراضهم: ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ) ، وكان جواب النبيّ لهم: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ... ) فالأمر بيده تعالى، لا أنّه يخضع للمقاييس العادية التي يتصوّرونها هم، وإنّما هو نصب إلهي لا ملك دنيوي، ومن ثمّ ستذكر الآيات اللاحقة معجزة هذا الملك، والآية والمعجز دليل على أنّ النصب تشريعي إلهي، فلابدّ أن يستجيب له البشر


باختيارهم؛ وإلاّ حقّ عليهم العذاب.

قوله تعالى: ( وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ) ، يدلّ على أنّ المشيئة التكوينية أيضاً اقتضت أن يكون طالوت ملكاً، وكلتا المشيئتين مرتبطتان بالهداية الإيصالية، والتدبير الإلهي للأُمور الاجتماعية العامّة.

قوله تعالى: ( قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ... ) ، إخبار السماء لنبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله باعتراض اليهود على نصب السماء شخصاً فكيف بنصب شخص ليس منهم، لبيان واحدة من أسرار عداء اليهود للإسلام، كما في الرواية عن الإمام عليّ عليه‌السلام .

قوله تعالى: ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ... ) ، تبين الآية المباركة ضرورة المعجزة في الإمامة - مع الالتفات إلى أنّ القرآن لم يعبّر عن المعجز إلاّ بالآية والبينة ونحوهما، والتعبير بالمعجزة اصطلاح كلامي - وأنّ النصّ لا يكون وحده في السنّة الإلهية، بل مع المعجزة والآية. وعندما نطالع تاريخ الشيعة مع أئمّتهم نلحظ أنّهم كانوا يتحرّون عن المعجز العلمي والعملي كشي‏ء إضافي للنصّ.

قوله تعالى: ( سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ... ) ، في الروايات: ريح من الجنّة لها وجه كوجه الإنسان، أو روح مخلوق من اللَّه يتكلّم، كانوا إذا اختلفوا في شي‏ء كلّمهم وأخبرهم.

قوله تعالى: ( وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ) ، يدلّ على أنّ الإمام وارث من سبقه، والتركة وإن كانت مادّية إلاّ أنّ لها سنخ ارتباط بالغيب، كعصى موسى، وخاتم سليمان، وقميص إبراهيم ويوسف، كما أنّ الآية تشير إلى أنّ الوراثة في بيوت الأنبياء، وأنّها ليست وراثة كسروية ترابية، بل وراثة اصطفائية؛ كما في قوله تعالى: ( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ... ) .

قوله تعالى: ( تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ) ، الحفظ الغيبي يدلّ على خطورة وعظم هذا المقام وعظم وخطورة مواريث الأنبياء، والتي هي الآن جميعها عند أهل بيت النبوّة عند خاتمهم المهديّ (عج).


قوله تعالى: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ َلآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ... ) ، فلا إلجاء جبري تكويني، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

قوله تعالى: ( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ) ، فارق طالوت وجنوده المكان.

قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ) ، يكشف عن علمه اللدنّي وإبلاغه إرادات اللَّه التفصيلية لا بتوسّط النبيّ، فيدلّ على إمامته وأنّ الإمام يحيط علماً بالمشيئة والإرادة الإلهية التفصيلية، لا سيّما وأنّ الإرادة منسوبة إلى الباري صرفاً، كما يكشف عن أنّ التدبير يُباشر من قبل اللَّه تعالى، فالحاكم الأوّل هو تعالى، بل في جملة من مواقع حكومة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يسند إليه تعالى الحكم التفصيلي ولا يسند إلى الرسول، أي وإن كان بتوسّط الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما ألفتنا إلى ذلك مراراً.

قوله تعالى: ( فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ) ، ظاهر في أنّ الغاية من هذا الامتحان هو التولّي وعدمه، واستعراض القرآن له للإلفات إلى أنّ التولّي لصيق بالاعتقاد بالإمامة، بل هو في درجاته الأُولى، والوجه الآخر للإذعان والإيمان بالإمامة، كما أوضحناه في الفصل الثالث من الجزء الأوّل.

فالأُمّة الواحدة وحدتها على أساس التولّي وعدمه، فالملأ كانوا على شريعة موسى، إلاّ أنّه لم يكف ذلك حتّى صُنّفوا إلى صنفين، من اتّبع الإمامة، ومن لم يتّبعها.

ولا يخفى أنّنا لحدّ الآن لاحظنا جملة من مقوّمات الإمامة وأبرز معالمها، وليكن تجميعها وضبطها بالشكل التالي:

أ - إنّ الإمامة بالنصب والبعثة الإلهية: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ ) .

ب - إنّها اصطفاء: ( اصْطَفَاهُ ) .

ج - ذو علم متميز لدنّي: ( بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ ) .

د - التكامل الجسدي والقدرة اللدنيان: ( وَالْجِسْمِ ) .


ه - من شأنه المعجزة: ( آيَةَ مُلْكِهِ ) .

و - وارث من سبقه: ( وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ ) .

ز - التولّي هو الوظيفة المطلوبة من الأُمّة بالنسبة لإمامها: ( فَإِنَّهُ مِنِّي ) ، ( فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاّ قَلِيلاً ) ، هو المتولّي، وبقانون لتركبنّ طبقاً عن طبق تعرف النتيجة في عالمنا الإسلامي، كذا ذكر القرآن الذي هو معجزة الإسلام، قرينة على أنّ ما حصل آنذاك سيحصل بعد.

قوله تعالى: ( فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) ، عرف المتولّي لطالوت بالذين آمنوا، وهذا هو الذي يدّعيه الشيعة من أنّ قضية الإمامة من أُصول الدين الإيمانية.

خاصّة مع الإلفات إلى أنّ الشرائع متطابقة فيما بينها على مستوى المعارف، بل هذا ليس محلّ للنسخ؛ لأنّه من أجزاء الدين الواحد للأنبياء لا من الشريعة التي يعرضها النسخ، نعم تتفاوت بينها بالإجمال والتفصيل.

قوله تعالى: ( وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ) ، المقام الذي كان لطالوت أُعطي لداود، ولم تبين هذه الآية نبوّته، وإنّما اقتصرت على: ( آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ) ، ويظهر من الآية أن شجاعة وبأس داود في اللَّه أهّلته لهذا المنصب، فإنّ ذكر الأوصاف قبل المنصب يدلّ على الأقلّ على التناسب بين الأمرين.

قوله تعالى: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ) ، سنّة إلهية أن يُدفع غيّ البعض بالبعض، وله مراتب أقصاها القتل، وقد طبّقت لدفع طالوت وجنوده لجالوت، وهو يعني أنّ صلاح الأرض يتحقّق بالإمامة، وبعبارة أدقّ: أنّ بالإمامة - التي هي خلافة اللَّه تعالى في الأرض - صلاح الأرض وتطهيرها من الغي والشرّ.

ثمّ يلحظ من مجموع الآيات المرتبطة بطالوت أنّ الإمامة لم تُعرَف إلاّ بالملك، (ملك التصرّف في الأُمور العامّة) كذا في آية: ( فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ


وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) (1) .

وعندما نراجع الروايات نراها تلفت إلى أنّ إبراهيم أحد الأربعة الذين بُعثوا بالسيف، إلاّ أنّه لم يعهد منه الإمارة، كذا بعض من جاء ذكرهم في الآية، ومن ثمّ كان التعبير: ( وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) مورداً للتساؤل، وجوابه: أنّ الملك باصطلاح القرآن ذو جنبتين:

الأوّلى: تكوينية كالاصطفاء والعلم الخاصّ والسكينة وفصل الخطاب والمواريث، وهذه متوفّرة مُكّن من الملك الظاهر في العلن أو لم يُمكّن، لكنه متمكّن من التصرّف في النظام الاجتماعي البشري بصور خفية متستّرة.

الثانية: التشريعية وهو الأخذ بزمام الأُمور، وهذا البعد قد أُلقي تنفيذه على عاتق الأُمّة، بأن تمارس دورها بإقدار الإمام وإيصاله سدّة الحكم الظاهر في العلن.

وقد عبّر عن الملك الذي مُنح لداود في آية أُخرى بالخلافة في الأرض: ( إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ ) (2) .

وقد جاء في آية أُخرى: أنّ الخلافة في الأرض سنّة إلهية ما دامت البشرية، كما نلحظ ذلك في آية من آيات سورة البقرة: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) ، والذي طُبّق على آدم. وبالتالي سنخرج بنتيجة، هي أنّ الإمامة قانون تكويني إلهي وضعه اللَّه للبشرية ما دامت في هذا العالم.

قوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) من بعد الرسل، ممّا يدلّ على وجود سنّة إلهية، وهي سنّة الاقتتال بين أتباع الرسول بعضهم مع البعض الآخر، ومن ثمّ استشهد أمير المؤمنين عليه‌السلام في حرب الجمل بهذه الآية.

____________________

1) سورة النساء: 54.

2) سورة ص: 26.


قوله تعالى: ( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ) (1) ، تبين سرّ الاقتتال وخلفيته، وهو أيضاً: ( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) ، ومن هنا نعرف أنّ الاختلاف الحادث لا ينسجم مع اجتهاد كلّ من الفريقين وإصابته؛ وإلاّ لا معنى لتصنيف أحدهما فريق الإيمان والآخر فريق الكفر. وبالإضافة إلى أنّه اختلاف مع البينة، فلا معنى للتأويل والاجتهاد.

النموذج القرآني الخامس: قصّة مريم

سورة آل عمران، من آية 41 إلى 47.

قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ ) ، وفي بعض القراءات كما في الروايات: وآل محمّد.

قوله تعالى: ( ذُرِّيَّة ) ، والتوارث في الاصطفاء من باب التوارث الروحي المعنوي لا المادّي، والمعبّر عنه: بالخيرة بعد الخيرة، والنجباء بعد النجباء.

قوله تعالى: ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ ) ، عرض لقصّة ومصداق للذرّية المصطفاة.

قوله تعالى: ( إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ) ، كان في شريعة بني إسرائيل أنّ للأب مُلكية ابنه المطلقة، ومن ثمّ كان يستطيع إيقافه على المسجد.

قوله تعالى: ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ) ، إمّا نقل لكلام امرأة عمران أو هو كلام اللَّه، وعلى الحالين يدلّ على عدم المساواة بين الجنسين على صعيد الوظائف والقانون في الدنيا، وإن أمكن للمرأة الترقّي في مجال التكوين والمعنى إلى حدّ الاصطفاء، وهذا عموم فوقاني من نوع الجعل الدستوري، وإن صحّ التعبير عنه فهو أصل قانوني من أُسس التشريع ومقصد من مقاصد الشريعة، وبالتالي فالتشريعات التي نحتمل

____________________

1) سورة البقرة: 253.


أنّها وظيفة خاصّة بأحدهما لمناسبة متميزة في أحد الجنسين لا يمكن التمسّك بعمومها.

قوله تعالى: ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا... ) ، كما يظهر من الروايات أنّه دعاء بالعصمة، ومع قرينة الاصطفاء وما يأتي من أنّه تعالى تقبّلها بقبول حسن، دليل العصمة واستجابة الدعاء.

قوله تعالى: ( وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ) ، النبت يعني النمو، والآية ظاهرة في أنّ التنشئة المادّية للمصطفى تختلف عن غيره، من قبيل تهيئة اللقمة الحلال. و قوله تعالى: ( زَكَرِيَّا ) ، زوج خالتها.

قوله تعالى: ( أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) ، نوع من التكريم والحبوة الإلهية والاعتناء الخاصّ، مع أنّها ليست نبيّاً ولا إماماً، وهذه الآية تكشف عن نوع ارتباط غيبي بين مريم وبين اللَّه تعالى، والروايات دلّت على أنّ ملكاً كان يأتي لها بالطعام.

قوله تعالى: ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا... ) ، بعد أن شاهد مريم وكرامتها.

( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ... ) ، تصريح بارتباطها بالغيب، والاصطفاء الأوّل كما في الروايات هو الاختيار، والاصطفاء على النساء هو الحجّية عليهنّ.

وقد ظهر لحدّ الآن:

أ - ارتباط مريم بالغيب ونوع من الاتصال من دون وساطة نبيّ كما سيأتي في عين تبعيتها لشرائع الأنبياء. وهذا ليس غلوّاً في مريم، وبعدما عرفت أنّها لم توصف بالنبوّة، ومعه لا نستغرب إذا كان لفاطمة عليها‌السلام مصحف فيه تأويل الكتاب.

ب - اختصاص وليٌّ حجّةٌ بخطاب إلهي خاصّ، وقد يُكلّف بتكاليف خاصّة كما سيأتي لا يعدو مقام التطبيق، لا أنّه خارج عن عموم شريعة موسى كما في

____________________

1) سورة ص: 26.

2) سورة البقرة: 253.


المثال.

والظاهر من بعض الروايات وإن كان أنّ مريم محلّ للحجّية والمعجزة والآية، إلاّ أنّها ليست محلّاً ساذجاً كتكلّم الشجرة وشقّ القمر، وإنّما هي متمّمة للإعجاز ودخيلة فيه، حيث بيّنت الحجّة والمعجزة في إشارتها إليه، وإحضارها للمعجز في وسط بني إسرائيل كما سيأتي مفصّلاً، فهي شريكة عيسى في تبيان معجزته، ومن ثمّ جاء في القرآن: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (1) .

قوله تعالى: ( يُبَشِّرُكَ... ) ، نوع من الإنباء بالغيب المستقبلي، حيث كانت البشارة بنبيّ وباسمه المجعول من قبله تعالى ووجاهته الدنيوية ومكانته الغيبية (قرباً منه تعالى) ومعجزته.

وهذا مجانس لما تعتقده الشيعة في مصحف فاطمة، فإنّه مجموعة إنباءات غيبية مستقبلية (ما كان وما يكون إلى يوم القيامة)، وهو تأويل للكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ غائبة في السماء والأرض.

قوله تعالى: ( قَالَتْ رَبِّ... ) ، كانت تخاطبها الملائكة إلاّ أنّها خاطبت ربّها مباشرة، والظاهر أنّ الجواب (قَالَ) ليس بواسطة الملائكة، وإن كان قد يستفاد أنّه بواسطة جبرئيل بقرينة الآيات الواردة حول مريم في سورة مريم، حيث تمثّل لها جبرئيل بشراً سوياً، وأخبرها أنّ اللَّه أمره أن يهب لها غلاماً، فقالت له: أنّى يكون لي غلام؟ فأجابها جبرئيل.

ولكن ما ذكر لا يصلح قرينة بعد الالتفات إلى أنّ الحوار مع جبرئيل حوار آخر حصل بعد مدّة من الحوار الأوّل المذكور في سورة آل عمران عندما انتبذت مكاناً قصياً، وقرينة ما ذكرنا إجابة جبرئيل الظاهرة في أنّ اللَّه تعالى قد أجابك من قبل

____________________

1) سورة المؤمنون: 50.


عن هذا التساؤل والاستغراب: ( قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) (1) .

وحيث إنّ الخطاب مع مريم لم يكن بواسطة رسول، فهو إمّا من قسم الوحي المباشر، أو من وراء الحجاب بموجب الحصر المذكور في الآية: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (2) .

والترتيب المذكور في الآية معنوي علاوة على كونه ترتيباً ذكرياً كما في الروايات، ومن ثمّ كان التكليم من وراء حجاب فضلاً عن الوحي أرفع ممّا كان بواسطة الرسول، ممّا يعبّر عن سموّ مكانة مريم.

وعندما نرجع إلى النماذج التي سبق الحديث عنها لا نلحظ هذا الارتباط المباشر مع اللَّه فيها، وعلى الأقلّ لا صراحة في ذلك، على العكس من مريم فإنّ الآية صريحة في الخطاب المباشر.

قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً.. ) (3) ، سبق أن ألفتنا إلى دلالة الآية على شراكة مريم في الإعجاز والحجّية، وهو تقرير لعقيدة النصارى في مريم أنّها من أركان العقيدة ولكن لا بما هي محرّفة من التأليه. كما أنّ مدلول الآية أعمّ من اصطفائها على نساء العالمين المدلول لآية أُخرى.

بالإضافة إلى أنّ الآية ليست لخصوص أبناء الشريعة المسيحية، وإنّما لكلّ البشر، بما في ذلك أبناء الشريعة المحمّدية، بعد أن كانت واحدة من عقائدنا الإيمان بآيات اللَّه، ومن ثمّ كان علينا بعد إخبار القرآن الإيمان بمقام السيدة مريم،

____________________

1) سورة مريم: 21.

2) سورة الشورى: 51.

3) سورة المؤمنون: 50.


كما كان من الضروري الإيمان بنبوّة عيسى.

ويظهر أيضاً أنّه ليس بدعاً في شرائع السماء أن تأخذ امرأة هذا المقام وأن يكون الإيمان بها جزءً من أُصول الدين.

بالإضافة إلى أنّها ضُربت مثلاً كما في سورة التحريم، وعلى القاعدة القرآنية: أنّ القرآن لا يذكر إلاّ ما فيه العبرة في حياة المسلمين، والروايات الكثيرة الدالّة على أنّه يجري في حياة المسلمين ما جرى على الأُمم السابقة حذو القذّة بالقذّة.

من هنا أصبحت الفرصة مواتية للحديث عن الزهراء عليها‌السلام شيئاً ما، حيث يمكن لنا أن نفهم ما قيل في حقّها أو على تقدير كونه رواية، من قبيل: (نحن حجج اللَّه وفاطمة حجّة علينا) ، و (وأنّها برزخ بين النبوّة والإمامة)، و (أنّها رفع عنها حجاب النبوّة) ، وكثير غيرها، ممّا يمكن أن يستشهد له بطوائف أُخرى متواترة معنوياً، من قبيل روايات ترتّب خلقة أنوارهم عليهم‌السلام .

ومن قبيل: روايات أنّ أحد مصادر علوم الأئمّة مصحف فاطمة عليها‌السلام .

ومن قبيل : أنّها أوّل مصاديق القُربى الذين لهم ولاية الفي‏ء والأنفال، وأنّها الشاهد شهادة لدنية بصدق النبوّة في آية المباهلة لمشاهدتها عياناً حقيقة النبوّة... وغير ذلك من الآيات والروايات؛ مفادها أنّ الزهراء وإن لم تكن نبيّاً وإماماً إلاّ أنّها حجّة وواسطة علمية للأئمّة عليهم‌السلام من ذريتها، أي أنّها مصدر من مصادر علومهم.

بالإضافة إلى أنّ إدانتها موقف السقيفة لا يقلّ دلالة في الحجّية عن قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم الغدير، ويشهد لذلك قبول السنّة ذلك كبروياً، ومن ثمّ ركّزوا إنكارهم للصغرى أي وقوع الإدانة منها للسقيفة.

فهي كمريم في أنها شريكة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الآيتية على مذهب الحقّ والإمامية، حيث لم يكن بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مصدر حجّة يرجع إليه بعد جحودهم لِدلالة الكتاب على الإمامة، وجحودهم حجّة عليّ عليه‌السلام ، لم يكن إلاّ الزهراء، ومن ثمّ يفهم ما ورد


في وصية النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : (يا عليّ انفذ لما أمَرَتك به فاطمة، فقد أمَرْتُها بأشياء أمر بها جبرئيل عليه‌السلام ) (1) ، وكذا يفهم من احتجاج الأمير بالزهراء. وآية التطهير تدلّ على الاصطفاء والحجّية للزهراء بإرادة إلهية مشتركة في الخمسة أصحابَ الكساء.

وسورة الدهر تثبت مقاماً أرفع من مقام الأبرار لأهل البيت عليهم‌السلام ، وبضميمة سورة المطفّفين فإنّهم المقرّبون الذين يشهدون كتاب الأبرار، كلّ هذا وأمثاله من الآيات والروايات (2) يملي الاعتقاد بمقام الصدّيقة الزهراء.

فإنّها وجود تنزيلي للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فهي لها الحجّية على المسلمين في إثبات الإمامة، والبُعد التقديسي لها من اللَّه ورسوله معلول مقامها السامي.

قوله تعالى: ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا... ) ، جبرئيل الذي عبّر عنه في آية أُخرى بالروح الأمين، وليُلتفت إلى أنّه لم يصرّح في آيات آل عمران بنوع الملائكة الذين حدّثوها، بينما صرّح به في آيات سورة مريم، ممّا يكشف عن أن التكليم بواسطة الرسول ذو درجات ومراتب.

وفي الروايات أنّ التمثّل الذي حصل لمريم أحد أنماط نزول الوحي عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونمط آخر أن يسمع من دون رؤية، وثالثة أن يراه ومن معه.

قوله تعالى: ( فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا... ) ، خاصّية الوارد الرحماني - الهاتف والمكاشفة - التي بها يختلف عن الأنواع الأُخرى - كالشيطاني - أنّه ذو هيبة وسكينة ووقار ويدعو إلى الخير بأتمّ أشكاله.

قوله تعالى: ( قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ِلأَهَبَ لَكِ غُلامًا... ) ، في الوقت الذي كان الوارد

____________________

1) البحار، ج22، ص484، نقلاً عن خصائص الأئمّة للشريف الرضي.

2) لاحظ: كتاب مقامات الزهراء.


رحمانياً، إلاّ أنّ مضمون الرسالة كان شديداً غايتَه على مريم، وتفرّ منه، لارتباطه بعِرضها وناموسها، ومن ثمّ اعترضت مرّة أُخرى حين قالت: ( أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) ، ويلحظ في المحادثة السابقة في سورة آل عمران أنّه لم تعتر مريم حالة الاستيحاش كما ظهر هنا، وربما لأنّها كانت تسمعهم هناك من دون أن تراهم.

قوله تعالى: ( قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ ) ، تذكير مريم بما دار من حوار وحياني سابق.

قد يقال: كيف ينسجم هذا الاعتراض من مريم مع ما لها من مقام سامٍ، ثمّ هل نست الوحي السابق كي تعيد الاعتراض ثانية؟

والجواب: لم تنس مريم، ولكن صعوبة الموقف حيث إنّ القضية مرتبطة بالعِرض: ( وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) ، وبه يفسّر قولها: ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) . وفي الروايات: أنّ الأنبياء والرسل يتحمّلون البلاء إلاّ ما يرتبط بالعِرض.

قوله تعالى: ( وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) ، وفي آل عمران: ( إِذَا قَضَى أَمْرًا ) ، الظاهر في التعليق، ومن ثمّ يصلح قرينة إضافية على أنّ ما جرى في السورتين حواران اثنان وحيانيان.

قوله تعالى: ( فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ) ، لها دور رعاية وكفالة لصاحب الشريعة وباختيارها، وهو يوافق ما يظهر من ثنايا زيارة فاطمة بنت أسد من أنّ رعايتها للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كسبها مقام صفة بأنّها صدّيقة، فإنّ لها إسهاماً في التمهيد لظهور النبيّ والمعجز.

ودور مريم وإن كان يحتوي على مخاطر لارتباطه بالعِرض فهو سنّة قرآنية للجهاد بالعِرض، إلاّ أنّه كان لكشف دجل وزيف علماء اليهود المقيْمِين على تحريف الديانة، ولم يتغلّب على فضحهم النبيّ زكريا ولا يحيى، وهو نظير ما


ورد في حرم وعيالات سيد الشهداء عليه‌السلام : (شاء اللَّه أن يراهنّ سبايا).

ونظير تصدّي السيدة الزهراء - حتّى عُصرت بين الحائط والباب - لكشف الزيف والدجل المتلوّن بالدين والديانة، ونظير نقل إبراهيم هاجر إلى البرية تمهيداً لظهور حكمة اللَّه ومعجزته.

قوله تعالى: ( فَنَادَاهَا... ) ، استمرار التواصل الغيبي مع مريم ورعايتها وتسديدها. ووجود أوامر كُلّفت بها مريم مباشرة من دون وساطة نبيّ، مع خطورة بعض هذه الأوامر؛ كارتباطها بصرح الشريعة المسيحية، وأصل نبوّة عيسى، ونسخ الشريعة الموسوية، بحيث لو أخلّت مريم عصياناً لما تحقّقت المعجزة.

قوله تعالى: ( مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ... ) ، عرّضوا بها بأبشع تهمة، وقد كانت هذه الظاهرة المثيرة سبباً في الانشداد إلى المعجز والالتفات إليه وكشف قناع الزيف عن علماء اليهود، كما حصل ذلك من السيدة الزهراء، حيث عرّت نفاق السقيفة على المكشوف. والسيدة زينب؛ حيث كانت سبباً في الانتباه إلى افتضاح مسار السقيفة وأنّه هو مسار الأحزاب وبني أُمية.

قوله تعالى: ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) ، نقلتهم من التركيز على شي‏ء دني‏ء للغاية إلى خطير للغاية. وبهذا ينتهي الحديث عن آيات مريم في سورة مريم.

وهناك ما رود في سورة التحريم، حيث أُشير فيها إلى أنّ مريم مَثَل يضربه تعالى، والمَثَل ليس لخصوص قوم دون قوم، وإنّما لسائر البشرية ولهذه الأُمّة الإسلامية.

كما أشير إلى أنّها صدّيقة: ( وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ) ، فقابل بين الكلمات والكتب، وأنّها: ( كَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ ) ، وتشريفها بـ: ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا... ) .

والخلاصة:

إنّه بالتدبّر في مجمل الآيات الواردة في مريم، ينبثق هذا السؤال،


وهو: كيف ارتبطت بالتكليم الإلهي، وكيف وثقت أنّه من عند اللَّه مع أنّها ليست نبيّاً ولا وصيّ نبيّ؟ كما لم يتمّ ذلك بتوسّط نبي زمانها، بل تمّ ذلك من دون وساطة رسول أصلاً، وكيف صدّقت بنبوّة نبيّ آت وبشريعته المقبلة؟ وكيف قامت ببدايات أعباء الرسالة قبل عيسى، حتّى جعلها القرآن في درجة عيسى؟ كما يظهر من قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ) ، و ( يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ ) ، و ( كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ) ، و ( كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ.. ) (1) ، الدالّة جميعاً على أنّ مريم كانت في مصاف الرسالة ومن أصول الدين، خاصّة مع الالتفات إلى أنّ المخاطب به مثل زكريا - على فرض حياته - ويحيى وأنبياء زمانها. لا جواب على هذا السؤال سوى أنّها معصومة مصطفاة، وأنّ لها مقاماً لا يقلّ عن مقام النبوّة.

ومع كلّ هذا، لا عجب أن تكون فاطمة عليهما‌السلام شافعة للأنبياء، كما في الرواية المنقولة، كيف لا وهي من أهل آية التطهير الذين شهد القرآن أنّهم يَمُسُّون الكتاب المكنون كلّه، ولديهم العلم بالكتاب المبين العلويّ كلّه، بينما لم ينعت القرآن الأنبياء أولي العزم، فضلاً عن غيرهم، بأنّهم يعلمون الكتاب كلّه، بل قال في حقّ موسى عليه‌السلام مثلاً: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ) (2) ، فما اُوحي لموسى هو (من كلّ شي‏ء)، وفي حقّ عيسى عليه‌السلام : ( قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) (3) ، فكان ما جاء به بعض العلم، بينما وصف القرآن أنّه مهيمن على ما بين يديه من الكتب التي بعث بها الأنبياء السابقين، وأنّه تبياناً لكلّ شي‏ء.

____________________

1) سورة النساء: 171.

2) سورة الأعراف: 145.

3) سورة الزخرف: 63.


أو: (على معرفتها دارت القرون الأولى) ، بل يمكن أن نسجّل جملة امتيازات قرآنية للسيدة الزهراء على مريم عليهما‌السلام .

الامتياز الأوّل: افتراق في نوعية التطهير بين فاطمة الزهراء عليها‌السلام وبين مريم، حيث إنّ الذي ورد في مريم التعبير بصيغة الفعل الماضي، وهو دالّ على وقوع التطهير فيما سبق وإلى حدّ درجة من العصمة، بينما الذي ورد في فاطمة عليهما‌السلام هو إذهاب الرجس عنها، أي توقيتها عن أن يقترب إليها وإلى أصحاب الكساء الرجس، وعبّر عن التطهير بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار وأكّد بالفعل المطلق ( تطهيراً ) ، مضافاً إلى أنّ هذا التطهير الخاصّ المستمرّ هو من نمط خاصّ بسيد الأنبياء وأهل بيته أصحاب الكساء، فأين ذاك من ذا؟

الامتياز الثاني: إنّ لفاطمة علم الكتاب دون مريم عليهما‌السلام ؛ لأنّ فاطمة عليها‌السلام من المطهّرين في أُمّة النبيّ الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد وصف المطهّرون من هذه الأُمّة بقوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) (1) ، وهو وصف للقرآن، ثمّ أردف بـ: ( لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ ) (2) .

فشهود حقيقة القرآن والكتاب كلّه بتلك الدرجة من الكرامة في كنانة الكتاب وهو ذو المجد القرآن المجيد في حفظ اللوح المحفوظ، ولفاطمة عليهما‌السلام حيث إنّها من المطهّرين في آية التطهير علم الكتاب الموصوف في القرآن بأوصاف متعدّدة: ( وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (3) ، و ( يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (4) ، وغيرها من الأوصاف.

وهذا العلم شهودي لدنّي، بينما لم يكن للمطهّرين في الشرائع السابقة حتّى الأنبياء هذا المقام؛ إذ إنّهم لم يشهدوا إلاّ ما تنزّل عليهم، بينما مريم سلام اللَّه عليها

____________________

1) سورة الواقعة: 77 - 78.

2) سورة الواقعة: 79.

3) سورة الأنعام: 59.

4) سورة الرعد: 39.


وصفت بأنّها صدّقت بالكتب وهو غيب بالنسبة إليها، وبهذه الآيات يتبين أحد دلالات القرآن بأفضلية خاتم الأنبياء وأهل بيته على سائر الأنبياء.

الامتياز الثالث: وهو وليد للامتياز السابق، وهو شهادة الأعمال لارتباطه بالكتاب المكنون، وقد حفل ملف آيات الإشهاد في القرآن الكريم على جميع الناس من الأوّلين والآخرين، أنّ هؤلاء الأشهاد من هذه الأُمّة، وأنّ سيد الأنبياء هو الشاهد على الأشهاد، وأنّ هؤلاء الأشهاد هم من ذرّية إبراهيم وإسماعيل، كما أشارت إليه آخر سورة الحج، ودعاء إسماعيل وإبراهيم في سورة البقرة، وكذا في سورة الدهر؛ حيث بينت أنّ عباد اللَّه الذين يطعمون الطعام للمسكين، واليتيم، والأسير، هم الذين يسقون الأبرار من عين الكافور، فلهم الإشراف على الأبرار وأعمالهم كما في سورة المطفّفين أيضاً، وهذا المقام لم تُنعت به مريم عليها‌السلام في القرآن الكريم.

الامتياز الرابع: آية المباهلة، لا بتقريبها السطحي وهو أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يباهل إلاّ بأعزّ ما لديه، وإنّما بما يستبطنه هذا التقريب من معنى دقيق وهو: أنّ المباهلة نوع من الدعاء والملاعنة، والقسم والحلف لإثبات الحقّ وتوثيقه، فالآية تدلّ على أنّ الدين في بُعده الغيبي مرتبط بهؤلاء الخمسة.

بعد الالتفات إلى أنّ الذي كان يستهدفه الرهبان من هذه العملية إطفاء برهان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي يمثّل رمز الدعوة وحربتها، فضمّ النبيّ تلك الصفوة معه في هذه العملية للتدليل على رمزيتهم وأنّهم أصحاب الدعوة أيضاً وشركاؤه، فمن قَبِله فبها، ومن ثمّ قال تعالى: ( فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) ، في مقابل الصادقين، فكان التعبير بالجمع لا بالمفرد (على من كان كاذباً)، فهي شهادة بالشركة على أنّ نبوّته خاتمة وهي دين ____________________

1) سورة آل عمران: 61.


الإسلام، ونبوّته خاتمة النبوّات وأنّ المسيح عبد اللَّه ورسوله، خاصّة مع وجود قرابة آخرين له، ولفيف من الصحابة، وبعضهم يُزْعَم له شأن في الإسلام، إلاّ أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يشركهم في العملية.

أضف إلى ذلك أنّ تعيين هؤلاء كان من اللَّه سبحانه وتعالى وليس من النبيّ، ممّا يؤكّد أنّ القضية ليست بحكم المَعزَّة والقرابة.

ولو أبيت عن قبول دلالة القصّة على فكرة كون أصحاب الدعوى شراكة بنحو الطولية والتبعية، وأنّها لا تعني إلاّ التوثيق وقد حصل بهؤلاء، فنقول: إنّ التوثيق عادة يكون بالثقل، وإنّ هؤلاء عليهم‌السلام أثقل المسلمين، ومن ثمّ تمّ اختيار اللَّه لهم للوقوف إلى جانب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه العملية، فهم وثيقة للدين كما هو صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعندما نستذكر زيارة الرضا عليه‌السلام نلحظ فيها أنّ كلّ إمام في عصره آية حقّانية للنبيّ ومعجزة صدقه.

النموذج القرآني السادس: قصّة أُمّ موسى

سورة القصص من آية 1 إلى 13.

في المقدّمة نشير إلى مدلول آية: ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ... ) ، فإنّ الواضح منها الاستمرار، وبيان السنّة الإلهية وقاعدة القضاء والقدر، وإلاّ لو كانت خاصّة بالأُمم السابقة لجاء التعبير (وأردنا) بصيغة الماضي لا بصيغة المضارع الدالّ على الاستمرار.

قوله تعالى: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ) :

أ - يلحظ الشبه الكبير بين خفاء ولادة موسى وخفاء شخصه وظفره، وبين خفاء ولادة صاحب الزمان (عج) وخفاء شخصه وظفره.

ب - لم ينصّ في الآية على أنّ الوحي كان بتوسّط نبيّ أو رسول أو وصيّ، بل


في الروايات أنّها نوديت، وأنّه مباشرة، في الوقت ذاته لا دلالة في الآية على أنّه من أيّ قسم من الأقسام الثلاثة للوحي.

قوله تعالى: ( أَنْ أَرْضِعِيهِ... ) ، سلسلة من الأوامر في كيفية التعاطي مع الوليد الجديد بشكل يحفظه مع إخبار الغيب المستقبلي: ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .

مثل هذه الأوامر التفصيلية من اللَّه تعالى هي لخواصّ من هو حجّة، مصطفاة من القسم الرابع الذي يتجسّد فيه إعمال الحقّ تعالى ولايته مباشرة، ومن دون توسيط نبيّ تلك الأُمّة. ولكن من دون خروج عن الشريعة الظاهرة آنذاك بالشكل الذي بيّناه في قصّة الخضر، ولهذه الأوامر دلالة على أنّ الوحي في الآية ليس هو الوحي الفطري كما قد يتصوّر أنّه من قبيل: ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ... ) (1) بعد الالتفات إلى أنّ متعلّقات الأوامر المذكورة ليست ممّا تُدركه الفطرة.

يضاف إلى ذلك الإخبارات بالغيب التي رافقت الأوامر، واطمينان أُمّ موسى بالوحي المذكور، دليل مقامها وسموّ مكانتها، وإلاّ لتلكّأت لاحتمال أن يكون نفث الجنّ، أو مكاشفة وإلقاءات شيطانية. وبتعبير آخر: أنّ الوحي المباشر، وقبولها له لا يعقل إلاّ مع كون القناة معصومة، وإلاّ لم تكن تستوثق منه.

هذه القصّة وسابقاتها تدفعُ الإنكارَ على مقولة الشيعة: بأنّ الإمام يرتبط بالوحي‏. بعد وضوح معتقدهم أنّه ليس وحي نبوّة، علماً أنّ القرآن لم يحدّثنا عن حجّية أُمّ موسى بدائرة أوسع من حجّيتها على نفسها في ما يرتبط بطبيعة التعامل مع الوليد.

قوله تعالى: ( وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) ، فقد آمنت أُمّ موسى برسالته قبل أن يُرسل، كما

____________________

1) سورة النحل: 68.


آمن الأنبياء السابقون بنبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله قبل أن يولد، وكما نصّت الزهراء البتول بإمامة الأئمّة حيث دوّنوا في اللوح الأخضر الذي نزل من السماء.

قوله تعالى: ( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) ، توضّح عن رابطة الأُمّ بطفلها، وأنّها امتحنت بأصعب شي‏ء كما امتحنت السيدة مريم بكرامتها وعِرضها وعفّتها، وهي سيدة العفّة في زمانها.

لولا أن جاء التسديد الإلهي لمثل هؤلاء البشر الذين اختاروا تنفيذ الإرادة ولو على حساب أعزّ ما لديهم: ( لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا ) .

النموذج القرآني السابع: قصة لقمان

وهذا النموذج وإن لم يكن نموذج للإمامة ولا للحجّية المصطفاة، إلاّ أنّه نموذج على الهبة اللدنية الإلهية، وهي ليست مقام نبوّة أيضاً. نعم الحجّية في الحكمة هو في ذاتها ومقالاتها حيث إنّها منطوية على الدليل والبرهان، وهاهنا نقاط يُلفت إليها:

1 - تشير الروايات إلى أنّ لقمان لم يصل إلى مقام الحكمة إلاّ بعد أن واظب على جملة من السنن، منها أنّه لم يكن يتكلّم إلاّ عند الحاجة.

2 - وتشير أيضاً إلى أنّه قبل أن يُمنح هذا المقام خيّر بين النبوّة والحكمة فاختار الحكمة، على العكس من داود.

3 - وتشير أيضاً إلى أنّ سلمان المحمدي أعظم حكمةً من لقمان، وفي زيارته والروايات الواردة في شأنه إشارة إلى مقامات خاصّة، من قبيل أنّه (باب علم الوحي) و (أدرك علم الأوّلين والآخرين)، بل في الروايات يستشهد الصادق عليه‌السلام بكلمات سلمان وهو دليل حكمة سلمان.

4 - وفي الروايات: مَن أخلص للَّه أربعين صباحاً جرت ينابيع الحكمة على


لسانه.

5 - يظهر من سورة لقمان وممّا ورد في سلمان أنّ هذا المقام والمنزلة مفتوح لكلّ مَن يجاهد نفسه، ومثل مقامات أُخرى كالصدّيقين. وفي رواية في كفاية الأثر للخزّاز وغيره يشرح الصادق عليه‌السلام هذه المقامات ويذكر الطريق إليها.

6 - يظهر أنّه مقام لدني كالنبوّة بحكم التخيير.

قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ... ) ، وقد وردت الحكمة في آل إبراهيم وآيات أُخر، منها: ( مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) (1) ، ويظهر من الآية أنّها علم إلهي خاصّ يغاير النبوّة والمقامات الأُخر في الجملة، وهذا العلم لدني ويمنح وليس فطرياً؛ بقرينة: ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) ، فإنّ تعلّم الكتاب ليس فطرياً.

وقد عُرّفت الحكمة بتعريفات متعدّدة أشرنا إليها في كتاب العقل العملي، والحقّ أنّها: العلم الذي يتلقّاه العقل العملي فيتمّ الإذعان به والتصديق، فهي ليست صفة عملية بحتة ولا علمية بحتة.

قوله تعالى: ( أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ... ) ، الظاهر من (أن) أنّها تفسيرية، وبالتالي الظاهر من الآية تفسير الحكمة بالشكر، ممّا يعبّر عن أنّ رأس الحكمة شكر اللَّه.

وقد أخذ قِبال الشكر في القرآن الكفر: ( إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) ، كما قابلت الروايات بين الجهل والعقل، ممّا يعني كلّ ذلك أنّ هذه الصفات ليست إدراكية محضة، وإنّما عملية، من ثمّ كان الشغل الشاغل للأنبياء هو العقل العملي الذي هو تحت اختيار الإنسان، وأمّا الإدراك والعلم، فالفطري منه موجود من دون اختيار.

ثمّ لا ريب أنّ العلم الذي مُنح للقمان، والذين نُعتوا بالحكمة، وإن لم يندرج تحت واحد من الأقسام الحجج، إلاّ أنّ علم الحكم حجّيته منطوية فيه لانطواء

____________________

1) سورة البقرة: 269.


البرهان والدليل في أقضيتها.

ويستفاد من هذه نتيجتان مفصليتان بعد الالتفات إلى النقاط التالية:

1 - إنّ لقمان ليس نبيّاً باتّفاق الجميع.

2 - إنّ المستعرض لحكمة لقمان في القرآن هو اللَّه تعالى، أي لم تُعرض حكمته في القرآن على لسان نبيّ وإنّما على لسان الحقّ تعالى.

3 - إنّ استعراض الحقّ تعالى لحكمته كاستعراضه لكلام الأنبياء.

4 - بل استعراضه يمتاز عن سنن بعض الأنبياء من جهة أنّ شرائعهم منسوخة ولا يفهم أبديتها إلاّ بالقرينة: ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) (1) ، بينما الظاهر من حكمة لقمان أبديتها، بنكتة كونها كلّيات فوقانية، فهي البنية التحتية للشرائع، أو لأنّها حكمة، أو لأنّها فطرية عقلية مستوسعة، والكلّ واحد تقريباً.

نعم، تمتاز سنن الأنبياء عن الحكمة بأنّها تنزل الهداية للتفاصيل ولدائرة أوسع بكثير من الحكمة، بينما الحكمة هي في دائرة الكلّيات.

5 - لم يذكر حجّية حكمة لقمان من جهة عرضه على نبيّ أو من جهة إقرار القرآن لها، وإنّما حجّيتها من جهة تضمّنها للدليل والبرهان.

6 - إنّ حجّية الحكمة هي من حجّية العقل، وحجّية العقل تلازم حُكم الشرع؛ لأنّه كلّ ما حَكم به العقل البديهي أو النظري المبدّه حكم به الشرع، فهو لا يختلف روحاً عن التشريع الظاهر، وإن كان تشريعاً باطناً كما يسمّى العقل بالرسول الباطن.

من ثمّ وبعد أن عرفنا أنّ طبيعة الحكمة ليست إلاّ علماً خاصّاً أُودع من قبل اللَّه تعالى في فطرة لقمان بنحو البسط، فهي لا تختلف عن العلوم الفطرية التي

____________________

1) سورة المائدة: 48.


يمتلكها البشر جميعاً من هذه الزاوية، إلاّ في أنّها أوسع نطاقاً من الآخرين، فحينئذٍ أمكن أن نفهم:

أوّلاً: ما ورد في الروايات أنّ العقل رسول باطن وحجّة باطنة ومنزّل منزلة قناة الوحي، الظاهر في أنّ كلّ إنسان مرتبط بعلم اللَّه تعالى وإرادته في دائرة البديهيات أو النظريات المبدّهة. وبهذا يكون ردّاً على الأشاعرة، والسلفيين، والظاهريين، وقبلهم أصحاب السفسطة، حيث أنكروا العقل أو حجّيته.

حيث عرفت أنّ هذا النمط من العلم موجود ويوجب اليقين والجزم، وأنّه قد استوسع للقمان، وفي الروايات إشارة إلى أنّ مصدراً من مصادر علومهم عليهم‌السلام هذا النمط من العلم وهو الحكمة، لكن بدائرة تفوق كلّ من أوتي الحكمة.

ثانياً: النقض على أهل سنّة الخلافة وجماعة السلطان؛ حيث أنكروا وجود مصدر للحجّية والارتباط بالسماء غير النبوّة، مع أنّا لاحظنا وجود قنوات أُخرى لها، وجود ضامر في كلّ إنسان وأنّها قد توسّع للبعض لا بتوسّط نبيّ، فالحال في الإمام الذي هو خليفة اللَّه تعالى في أرضه المعلّم علم الأسماء كلّها أوضح.

بل إنّ أهل سنّة الجماعة إذا ارتضوا العقل كالمعتزلة، متجاوزين المسلك الأشعري ولو في مساحة محدودة، فلا بدع في سنّة اللَّه في الإمامة بعد أن كان العقل قناة إلى جنب قناة النبوّة، فيمكن للَّه تعالى أن يفتح قناة ثالثة أو يوسّع من قناة العقل والفطرة، وتكون ملزمة وحجّة.

والملفت أنّ القرآن لم يذكر جملة من الأنبياء، أو ذكر جملة أُخرى منهم ولم يذكر لهم قولاً، في الوقت الذي تعرّض فيه لجملة من المؤمنين مع عرض كلماتهم، كمؤمن آل فرعون، ومؤمن آل ياسين، وزوجة فرعون، بالإضافة إلى النماذج التي سبقت الإشارة إليها بمَن فيهم لقمان.


وليس ذكر مثل هؤلاء إلاّ للعِبرة، وليس ذكر كلماتهم إلاّ للاحتجاج في أنّ الحجّية الذاتية لا تنحصر بالنبوّة، إذ قد تكون من خلال علم فطري تفتّق، أو علم لدنّي خاصّ مُنح من قبل اللَّه تعالى، إلاّ أنّ حجّية النبوّة والإمامة دائرتها أوسع بلا مقايسة مع دائرة حجّية العقل الفطري البديهي.

قوله تعالى: ( أَنِ اشْكُرْ... ) ، وجوب الشكر في الحكمة العملية يوازي في الحكمة النظرية وجوب وجوده تعالى.

قوله تعالى: ( فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) ، بدليل: ( إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) ، و ( حَمِيد ) ، فيها إشعار إلى أنّه يشكر مَن شكره: ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) ، أو يعني جامع الكمالات.

قوله تعالى: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ، في هذه الآية وعموم الآيات القرآنية يلاحظ الترابط بين البعد النظري والعملي، فالشرك أعظم غلطة وكذباً وجهلاً على مستوى الإدراك، والظلم العظيم أعظم قبحاً في العقل العملي.

قوله تعالى: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ... ) ، المداقّة في الحساب - وكما ورد في سورة الزلزلة - ممّا لا يدركه العقل لوحده، كذا باطن الفعل في الملكوت بمقتضى الآية المبين فيها، حيث إنّ إتيان اللَّه به يوم الحساب دليل بقائه وثباته.

قوله تعالى: ( فِي السَّمَوَاتِ ) ، إمّا كناية عن الإحاطة الإلهية، أو إشارة إلى وجود جزاء لأهل السماء مجهول الكيفية لنا، كما يبدو من آيات وروايات متعدّدة، مثل: ( سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَآ إلاّ مَا عَلَّمْتَنَا ) ، وقول أمير المؤمنين عليه‌السلام في نهج البلاغة حول الملائكة: (إنّهم يزدادون بعبادتهم لربّهم علماً)، و.. الكاشف عن وجود ظاهرة العمل والجزاء في الملائكة.

قوله تعالى: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاة ) ، بعد أن فرغ من توحيد اللَّه ومعاده ودخل في استعراض كلّيات الشريعة، وفيه دلالة على أنّ الصلاة ثابت في كلّ شريعة، حيث كانت فطرية، وأنّ الأمر بالمعروف فطري، وهو وإن كان في الفقه الاصطلاحي يقابل


الجهاد والقصاص والديات والقضاء، إلاّ أنّه بالمعنى الأعمّ شامل لها، بل شامل لكلّ معروف بعد أن كان الإتيان به يستبطن الدعوة لإقامته. والصبر يكشف عن أنّ الأُمور العملية فيها عناء ولا يتمّ إلاّ بالصبر.

قوله تعالى: ( وَلا تُصَعِّرْ ) ، فعل جارحي ناتج عن الكبر.

قوله تعالى: ( مَرَحًا ) الزهو، وهو الترف والفرح للمادّيات المذموم في القرآن.

قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ، إنباء لقمان عن المحبّة الإلهية، والتي على أساسها أمكنه العلم بالمحبوبات، وعلى أساس ذلك أمكنه النسبة. ويعرّف أيضاً: أنّ الحكمة ليست علماً صرفاً، وإنّما هي التي تستوجب العمل. وبه يمكن الردّ على من يقول: إنّ حكم العقل منجّز فقط. حيث ظهر أنّه يلازم حكم الشرع، بل يمكن نسبته إليه تعالى.

قوله تعالى: ( إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ ) ، فيه دلالة على إلمامه الواسع بالخليقة، وإن كان قد ورد أنّ المراد بذلك صوت بعض أصحاب التابوت في قعر جهنّم.

النموذج القرآني الثامن: قصّة آصف بن برخيا صاحب سليمان.

وتبدأ من آية 35 إلى آية 41 من سورة النحل.

قال تعالى: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ.. ) ، إنّما كان سليمان حريصاً على السرعة الخاطفة في إحضار عرش بلقيس لإظهار مقام آصف وأنّه وصيّه والإمام من بعده، كذا جاء في الروايات عنهم عليهم‌السلام ، ويعاضده سياق الآيات.

والإتيان بالوصف: ( عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) مشعر بالعلّية، وأنّ الوصف هذا هو الذي أهّله للقيام بهذا العمل. وآصف ليس نبيّاً بالاتّفاق، فتدلّ الآية على توفّر غير الأنبياء أيضاً على علم لدنّي وهو خاصّ، وصنّف هذا العلم بعلم الكتاب وهو علم مرتبط بالأديان،


وبالدقّة: علم السنن الإلهية الكونية والشريعة بحسب التكوين.

وقد جاءت أوصاف العلوم اللدنية في الروايات متنوّعة: علم الكتاب، فصل الخطاب، علم الوصايا، علم الأصلاب، علم شهادة الأعمال، علم المنايا والبلايا، علم التأويل، علم تأويل الأحاديث، منطق الطير، وغيرها. كما ألفت القرآن إلى علم الكتاب في مواضع متعدّدة:

أ - ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا... ) (1) .

وقد نزلت الآية في كفّار قريش الذين طالبوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بأن يقوم بتسيير الجبال المحيطة بالبيت الحرام بعيداً، ويقطّع الهضاب في مكّة كي تصير الأرض سهلة زراعية كأرض الشام وتذهب حُزونتها، ويحيي لهم موتاهم ممّن مضى، إلاّ أن القرآن ذكر أنّ المطلوبات الثلاثة لو أُنجزت بالقرآن لا بالمصحف الشريف المقدّس لما آمنوا، فهذه الآية دالّة على أنّ هذه الأُمور ممّا يمكن تحقّقها بحقيقة القرآن إلاّ أنّه تعالى لم يأذن لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله بتحقيقها وإيجادها بتوسّط ما لديه من حقيقة القرآن؛ لأنّ مشركي قريش لا يفون بشرطهم باستجابتهم للإيمان، ممّا يكشف عن أنّ هذه الأُمور تحصل بالقرآن، سوى أنّه لم يحصل لأنّه لا يؤدّي إلى وفائهم وإيمانهم.

ب - ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) (2) ، فالخشية ها هنا عظيمة، ومن ثمّ جاء: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ، ومن الواضح أنّ نفس المصحف الشريف لو وضع على جبل لا يوجب تصدّعه، فمن الواضح أنّ المراد هو نزول حقيقة القرآن على الذات الحقيقية الخفية للجبل، حيث يثبت القرآن الكريم للأشياء الجامدة ذاتاً خفية وراء أجسامها، كقوله تعالى:

____________________

1) سورة الرعد: 31.

2) سورة الحشر: 21.


( أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ) (1) ، و ( وَإِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (2) ، ممّا يثبت أنّ لذوات الأشياء إدراك وشعور.

ج - وفي آيات أُخرى: ( آتَانِيَ الْكِتَابَ ) (3) وما أشبه، دالّة على مؤهّلات النبيّ الظاهرة في أنّ إيتاء الكتاب غير جعل النبوّة، وإنّما هو مقام غيبي آخر وعلم لدني قد يقترن بالنبوّة.

د - قوله تعالى: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (4) ، وقوله تعالى: ( مَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (5) ، الدالّ على أنّ كلّ شي‏ء مستطرّ في الكتاب والكتاب المبين، فالذي لديه علمه يحيط بذلك أو لديه بعضه فيحيط بقدر منه.

والقرآن هو الكتاب كما ورد في الواقعة وهي قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) (6) ، وكذا في سورة الدخان وهي قوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ... ) (7) ، وغيرها من السور الدالّة. وقد منح شطر من العلم المزبور لآصف بن برخيا.

ونرجع دفّة الكلام إلى أصل القصّة وبدايتها، من قوله تعالى: ( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَأَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ

____________________

1) سورة فصلت: 21.

2) سورة الإسراء: 44.

3) سورة مريم: 30.

4) سورة الأنعام: 59.

5) سورة النمل: 75.

6) الواقعة: 77 - 78.

7) سورة الدخان: 1 - 3.


أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (1) .

والمفاد الأوّلي لهذه الآية: أنّ جليس سليمان لم يصفه القرآن بأنّه نبيّ ولا مرسل، بل لديه علم من الكتاب، في حين يثبت له القرآن الكريم علم غير كسبي.

ثمّ يستفاد من الآية أُمور:

أوّلاً: إنّ جليس سليمان الذي هو آصف بن برخيا - والذي عليه الفريقان - لم يكن نبيّاً ولا مرسلاً، مع ذلك زوّد بعلم لدنّي غير كسبي، ممّا يعني أن هذا العلم لا يختصّ بنبيّ ولا رسول، بل تعلّق بغيرهما، ولكونه حجّة من الحجج الإلهية.

ثانياً: إنّ علمه لدني غير كسبي، ودليل ذلك:

1 - وصفه القرآن الكريم بأنّه علم من الكتاب توطئة لبيان القدرة على المجي‏ء بعرش بلقيس، والوصف دخيل في العلّية، حيث وصف علمه بعلم الكتاب، فالعلّة والسبب لهذا الفعل هو العلم غير الكسبي بل اللدنّي كما يقال في علم البلاغة والبيان الوصف مشعر بالعلّية.

2 - إنّ آصف بن برخيا مؤهّل لهذه المهمّة الإلهية التي تُعدّ إحدى المقامات العالية التي لا ينالها إلاّ أهلها، ممّا يعني أنّ آصف بن برخيا في درجة من الطاعة والعبودية يستحقّ عندها الاصطفاء لهذه الحبوة الكريمة. على أنّ الكتاب المشار إليه في الآية لم يكن هو الكتاب الخطّي المنقوش، بل هو الكتاب الحقيقي الملكوتي الذي يهيمن على النشآت الأُخرى، لذا ورد لفظ الكتاب في القرآن الكريم في عدّة موارد مشيراً إلى هذه الحقيقة، كما في قوله تعالى: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (2) ، وقد أشارت إلى ذلك سورة الواقعة في قوله تعالى: ( فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاّ

____________________

1) سورة النمل: 38 - 40.

2) النمل: 75.


الْمُطَهَّرُونَ ) (1) ، وفي سورة الرعد وصف لهذا الكتاب: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا... ) (2) ، وكما في سورة الحشر قوله تعالى: ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) (3) ، فالإنزال المشار إليه هو إنزال ملكوتي حقيقي، وليس هذا المصحف المنقوش بل بوجوده اللدنّي الملكوتي. ومن آثار هذا العلم اللدنّي إمكانية حامله بإتيان عرش بلقيس قبل أن يرتدّ الطرف، وهي قدرة خارقة عجيبة حاز عليها آصف بن برخيا بتحمّله هذا العلم الإلهي الذي هو بعض ذلك العلم، لتنكير كلمة (علم) الواردة في الآية ولفظة (من) ممّا يشير إلى أنّ آصف حُبي ببعضه فقط.

كما يجب التنويه إلى أنّ وجود علم الكتاب عند غير الأنبياء دليل تشريك في المسؤولية والحجّية بينهم وبين مَن عنده علم الكتاب وهم الحُجج. وبانتظام ومطابقة بين علم الكتاب في سورة الرعد وعلم الكتاب في سورة الواقعة يُتنبه إلى حقائق:

الأُولى: إنّ سوراً عديدة تفسّر الكتاب المبين بالقرآن، كما هو عليه سورة الدخان في قوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) (4) ، والتنزيل إشارة إلى أنّ المنزّل هو ذلك القرآن الذي وصفته الآية بالكتاب المبين، وكما في سورة الواقعة عند قوله تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) (5) ، وقوله تعالى في سورة النمل: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (6) ، ممّا يعني أنّ الكتاب المشار هو القرآن الكريم.

____________________

1) سورة الواقعة: 78 - 79.

2) سورة الرعد: 31.

3) سورة الحشر: 21.

4) سورة الدخان: 1 - 3.

5) سورة الواقعة: 77 - 78.

6) سورة النمل: 75.


الثانية: إنّ الكتاب تارةً يُطلق على جنس الكتاب، وتارةً يُطلق على الكتاب العهدي للام العهدية، والمقصود من الكتاب هنا هو القرآن الكريم لورود اللام العهدية في تعريفه، وأنّ للقرآن مواقع ومنازل كونية ملكوتية، وأنّ المصحف الشريف هو أنزل تلك المواقع والمنازل، ومن ثمّ وصف في الآيات بأنّه تنزيل الكتاب، أي الدرجة والموقع النازل من الكتاب لا المواقع المكنونة الغيبية القدسية ذات المجد والكرامة.

الثالثة: إنّ القرآن الكريم وصفه اللَّه تعالى بأنّه مهيمن على الكتاب، وهذه الصفة تعني الإحاطة، فما نزل على الأنبياء من الحقائق العلمية والتي أودعت في كتب مثل التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى فهي مودعة مثلها في القرآن الكريم.

والخلاصة:

إنّ ما كان عند آصف بن برخيا هو بعض علم الكتاب أي بعض من القرآن؛ إذ الكتاب هو القرآن الشامل لكلّ الكتب التي أسلفنا.

وتبين عند ذلك أنّ الكتاب له وحدة واحدة وهو القرآن، أي: أنّ المعارف السماوية وحقائقها كلّها أودعت في القرآن الكريم، وإذا كان آصف بن برخيا قد علِم بعض حقائق القرآن فكيف بمَن أُحيط بعلمه كلّه، ظاهراً وباطناً، وهو رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله وأوصيائه الحجج المعصومين من أهل بيته الطاهرين (صلوات اللَّه عليهم أجمعين)؟.

النموذج القرآني التاسع: قصّة عُزير

قوله تعالى: ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ


اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ) (1) ، على اختلاف الروايات عند الفريقين فإنّ الذي مرّ على قرية هل هو (إرميا) النبيّ أم هو عزير الذي هو أحد الحجج الإلهية؟

وعلى كلا الوجهين فإنّ الذي يهمّنا هو أنّ الكلام الإلهي المقصود في الآية كونه إسناداً مباشراً إلى اللَّه تعالى فهذا الوحي والخطاب الإلهي خوطب به الذي مرّ على القرية.

وعلى فرض أنّ المقصود هو عُزير - وهو المشهور بين الفريقين - فإنّ عُزير لم يكن نبيّاً، بل هو حجّة من حجج اللَّه تعالى، ومع ذلك فقد حصل على مقام التكليم مع اللَّه تعالى مباشرة، ممّا يعني أنّ التكليم الإلهي ليس من مختصّات مقام النبوّة فقط، بل يشترك معها مقام الحجج الإلهية كذلك.

ولسائل أن يقول: إذا كان نبيّ اللَّه إبراهيم قد سأل اللَّه تعالى بنفسه ما سأل عُزير حين قال حكاية عن إبراهيم: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (2) ، فكان ذكره في مقام مدح وثناء، بينما كان تساؤل عُزير في مقام ذمّ واستياء، كما يفيد ظاهر الآيتين وسياقهما.

وقد ذهب المفسّرون أنّ إبراهيم كان في تساؤله طلباً واستفهاماً وغايته الاطمئنان القلبي، في حين كان تساؤل عُزير استنكاراً لقدرة اللَّه تعالى، وأنّ إبراهيم استعمل أدباً خاصّاً في طرحه لهذا التساؤل الاستفهامي، لذا فإنّ الإحياء الذي وقع لإبراهيم كان فيه كرامة في حين كان الإحياء لدى عُزير واقعاً في نفسه حيث كان محلاًّ لقدرة اللَّه تعالى.

____________________

1) سورة البقرة: 259.

2) سورة البقرة: 260.


إضاءة حول الرَّجعة:

وفي قوله تعالى: ( كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) .

فالمحاورة التي جرت بين اللَّه تعالى وبين عُزير كانت على مستوى الروح وليس على مستوى البدن؛ لأنّ بدن عُزير لم يتمّ إنشاء إعادته أثناء المحاورة، فلا سمع بدني عندئذٍ ولا لسان ولا جوارح أُخرى تُقدِره على ذلك.

كما أنّ طبيعة النفس الإنسانية إذا وجدت في نشأة بعد نشأة أُخرى فإنّها تكون في حالة غيبوبة، ولدى النفس إقبال على النشأة الجديدة وذهول عن النشأة السابقة، كما في قوله تعالى: ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إلاّ عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إلاّ يَوْمًا ) (1) ، وهذا ممّا يؤيّد ما تذهب إليه الإمامية في الرجعة، وذلك أنّه لو أُشكل بأنّ القول بالرجعة ينافي كون الدنيا دار امتحان وذلك بسبب إبطال الامتحان فيما سبق من النشآت، ممّا يعني أنّ أهل جهنّم عندما يرجعون إلى دار الدنيا قبل يوم القيامة بسبب ما ذاقوه من عذاب البرزخ سوف يتوبون وأنّ أهل الحقّ سوف يزدادون في أعمال الخير وهذا خلاف حكمة الامتحان في دار الدنيا.

والجواب: إنّ النفس عندما تقبل على نشأة أُخرى جديدة فإنّها تنسى النشأة السابقة وتعيش في نشأة جديدة.

ونفس الجواب يُجاب به لمن أشكل من فلاسفة المسلمين من الخاصّة حيث يستشكلون في عالم الذرّ من أنّ فرض وجود روح والمخاطبة في عالم لو كان كذلك لما نُسي عالم الذرّ في عالم النشأة اللاحقة، وكما أشكل ملاّ صدرا - إضافة إلى ما سبق - بقوله: ولكنّا معطّلين الوجود في عالم الذرّ أي لو كانت النفس غير

____________________

1) سورة طه: 102 - 104.


حادثة بحدوث البدن، بأن كانت أسبق منه في الخلق، واستدلّ بأنّا لا نتذكّر أنّا كنّا في حركة وتأثير وفعّالية، ومن ثمّ اختار وأسّس نظريته أنّ النفس جسمانية الحدوث وروحانية البقاء، ورفض كون النفس روحانية الحدوث وروحانية البقاء.

والجواب عن كلّ ذلك هو: أنّ انبعاث النفس إلى نشأة جديدة وانشدادها إليها ينسيها مشاهد النشأة السابقة والنشآت السابقات، كما يقصّه لنا القرآن الكريم حول نسيان النفوس نشأة البرزخ. علماً أنّ السؤال الفطري في عالم الذرّ لا ينافي النسيان في النشأة اللاحقة.

وقوله تعالى: ( فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ) .

إنّ بدن عُزير في الظاهر قد بُلي، أمّا الطعام والشراب لم يبلَ، وهو نوع إعجاز، والقدرة الاعجازية هنا تعلّقت بالطعام والشراب الذي لابدّ من فساده ولم يفسد، وإحياء ما قد بُلي وهو عُزير.

وهذا شاهد قرآني على طول عمر الإمام الحجّة (عج)؛ فإذا أمكن إبقاء قابلية الطعام والشراب على البقاء ففي قدرته تعالى على إبقاء الإمام الحجّة (عج) أولى.

وقوله تعالى: ( وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ) ، أي: معجزة للناس، ولم يكن عُزير نبيّاً ولا رسولاً.

إنّ كون الشي‏ء آية لعموم النوع والجنس مثل خلق الإنسان، فلا تكون الحجّية لكلّ واحد من الناس بخصوصه في خلقته، في حين لو كان الإعجاز لشخص معين من حيث هو فعل اللَّه تعالى لشخص من باب التكريم والرحمة، فإنّ هذه الكرامة هي قدرة اللَّه تعالى تظهر في الشخص الذي هو في مقام الحجّة الإلهية.

على أنّ الذي يُحبى بالمعجزة الإلهية لا يمكن أن يكون غير حجّة؛ لأنّ ذلك سيكون تغريراً بالمكلّفين، نعم، فيما إذا كانت المعجزة لا من باب التكريم بل من باب النقمة، فإنّ الذي تقع عليه المعجزة عندئذٍ ليس بحجّة، كما حدث لفرعون


وأمثاله من الظالمين.

كما أنّ أغلب موارد غير الحجّة لا يُعبّر عنها بالجعل، بل يُعبّر عنها بغير ذلك، نحو: (ليكون آية)، ( فَالْيَوْمَ نُنَجّيِكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) (1) ، في حين موارد الحجّية أغلبها عبّر عنها القرآن الكريم (بالجعل)، كما في قوله تعالى: ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً ) (2) ، وقوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (3) ، وهذا ما يؤيّد حجّية عُزير، فقوله تعالى: ( وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ) (4) ، والآية هنا آية تكوينية.

قوله تعالى: ( قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) .

وهذا أحد مؤيّدات حجّية عُزير؛ لأنّ العلم هنا إشارة إلى العلم اللدنّي لا الاكتسابي، ومن القرائن المؤيّدة أنّ عُزير له مقام الحجّة، ذكره في دعاء أُمّ داود في النصف من رجب، حيث ورد ذكره في سياق الحجج كلقمان، وخالد بن حنظلة، وغيرهما.

قوله تعالى: ( قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ ) ، إنّ اليهود ادّعوا أنّ العُزير ابن اللَّه لا على سبيل البنوّة، بل تشريفاً، كقوله تعالى: ( قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ) (5) ، أي: اتّخاذ تشريفي لا حقيقي على سبيل البنوّة. لذا فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حين حاجج اليهود - كما في رواية الطبرسي في الاحتجاج - وسألهم عن سبب اتّخاذهم هذه الدعوى، وكون عُزير هو ابن اللَّه، فقالوا: لأنّه أحيى التوراة فأقرّهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على أنّه أحيى التوراة، ولكن لم يؤيّدهم على دعواهم الفاسدة أنّه ابن اللَّه. وهذه بنفسها قرينة على أنّ الإحياء للتوراة لا يكون إلاّ من قبل وصي.

____________________

1) سورة يونس: 92.

2) سورة مريم: 21.

3) سورة المؤمنون: 50.

4) سورة البقرة: 259.

5) سورة الكهف: 4.


وفي رواية ابن عبّاس أنّ اللَّه تعالى ألقى التوراة في قلب عُزير، فهو إلهام لدنّي، ولكنّ بعض المفسّرين قالوا: إنّ الإحياء هو جمع أوراق التوراة وليس هو إلقائها، إلاّ أنّ الروايات متّجهة إلى الرأي الأوّل، وهو إلقاء التوراة من قبل عُزير.

وفي رواياتنا أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام استنسخ التوراة، وتوارثها أهل البيت عليهم‌السلام ، وهو ما يسمّى بالجفر الذي يشمل التوراة وصحف موسى وغيرها، ففيها ما هو كائن.

والقرآن الكريم لم يُخطّئ اليهود في تعظيم عُزير ومقام الحجّية لديه، بل يخطّئهم في دعواهم أنّ العُزير ولد اللَّه، سبحانه عما يصفون.

كما يُلاحظ في قصّة عُزير نكتة هامّة وهي أنّ إحياؤه للتوراة وحفظه للرسالة دليل على أنّ عُزير نفسه مؤهّل أن يُفاض عليه ما أفاض اللَّه تعالى على النبيّ موسى عليه‌السلام ، وهذا دليل على كونه حجّة من حجج اللَّه تعالى.

النموذج القرآني العاشر: الحواريون

قوله تعالى: ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ) (1) ، وظاهر الآية هو وحي وإحياء اللَّه لهم مباشرة لا بتوسّط النبيّ عيسى، كما ورد في الرواية عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام في تفسير العياشي أنّهم: أُلهموا، وقولهم استجابة لهذا الوحي تخاطباً مع اللَّه عزّ وجلّ، أي اشهد يا اللَّه.

وقد ورد عن الإمام الرضا عليه‌السلام : (أنّ عدّتهم اثنا عشر، وأنّهم سمّيوا بالحواريّين لأنّهم مخلصين في أنفسهم ومخلّصين لغيرهم من أوساخ الذنوب) (2) ، وكذلك عن

____________________

553) سورة المائدة: 111.

554) عيون أخبار الرضا، ج2، ص79، وتوحيد الصدوق، ص421، وعلل الشرائع، ص80.


الإمام الرضا عليه‌السلام : (إنّ عدّتهم اثنا عشر وكان أفضلهم ألوقا) (1) ، وفي احتجاج الرضا عليه‌السلام على جاثليق النصارى في مجلس المأمون، قال عليه‌السلام : (أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه وما بشّر به أُمّته وأقرّت به الحواريّون) (2) . أي بشارته لأُمّته بسيد الأنبياء، وهو الذي أقرّت به الحواريّون، فيظهر من كلامه عليه‌السلام أنّ الحواريين هم من الحجج المنصوبين، حيث احتجّ بإقرارهم.

وفي رواية عن أبي جعفر عليه‌السلام : (ثمّ إنّ اللَّه أرسل عيسى بن مريم إلى بني إسرائيل خاصّة، فكانت نبوّته في بيت المقدس، وكان من بعده الحواريّون اثني عشر، فلم يزل الإيمان يستسر في بقية أهله منذ رفع اللَّه عيسى عليه‌السلام ، وأرسل اللَّه تعالى محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الجنّ والإنس عامّة، وكان خاتم الأنبياء وكان من بعده الاثنا عشر الأوصياء عليهم‌السلام ) (3) .

____________________

555) التوحيد، ص421، وعيون أخبار الرضا، ج1، ص158.

556) التوحيد، ص420، وعيون أخبار الرضا، ج1، ص 156، وبحار الأنوار، ج10، ص301.

557) البحار، ج11، ص52، عن إكمال الدين للصدوق.


القائمة الثانية

من النماذج القرآنية

وهو ما حَبى اللَّه تعالى به من الأنبياء والرسل كما في القرآن الكريم من مقامات ومناصب إلهية، لا ترتبط وحيثية النبوّة، إلاّ أنّ أهل سنّة الجماعة فسّروا هذه المقامات بأنّها من باب الإعجاز، إلاّ أنّ القرآن الكريم وصفها بأنّها مناصب إلهية وليس هي لغرض الإعجاز فقط.

وجواب آخر لهذا التوهّم: وهو أنّ المعجزة يكفي فيها وقوعها بنحو دُفعي فقط فيما كانت من الأفعال، أما استمرارها فلا حاجة إليه، فالمعجزة كالبارقة الغيبية لإثبات الإعجاز، والحال أنّ هذه المقامات الموهوبة لهم مستمرّة طيلة أعمارهم الشريفة.

وجواب ثالث: إنّ هذه القدرات والمناصب لا ترتبط بحيثيات النبوّة، والشاهد على ذلك أنّ عصمة الأنبياء لو كانت في دائرة التبليغ فقط دون مقام حكومتهم لاستلزم التدافع عقلاً بين عدم العصمة في حكومتهم والقول بأنّ نصبهم من اللَّه تعالى؛ وذلك لأنّ أمر اللَّه تعالى بطاعتهم المطلقة يتناقض مع فرض إمكان خطئهم.

فيتبين من ذلك أنّ منصب الحاكمية والحكومة والإمامة الثابت لسيد الرسل، ولمن قبله في جملة من الرسل، هو مقام لهم لدنّي زائد على مقام النبوّة، وهذا ممّا يدلّل على أنّ المقامات الإلهية لا تختصّ بالنبوّة والرسالة فقط، بل تشمل الحاكمية وهي الإمامة وغيرها، كما في مقام الحجّية في دائرة محدودة كما في


مريم وأُمّ موسى، ومن ثمّ فإنّ أهل سنّة الجماعة يذعنون للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالعصمة في حكومته ولكن يتحاشون من التصريح بذلك؛ خوفاً من لوازمها، ويشهد لإذعانهم الخفي بذلك أنّهم يقرّون بلزوم التوفّر على الفضائل في من يخلف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ولابدّ أن يكون صاحب فضائل يفوق غيره.

وهذه الفضائل والمناقب التي يذعنون بلزومها فيمن يخلف النبيّ إذا أمعن النظر في معانيها وحقيقتها يتّضح أنّها هي حقيقة العصمة، وأنّهم اضطرّوا إلى دعوى أنّ الخلفاء الثلاثة هم أفضل الخلق لأجل ذلك، فهذا إقرار خفي منهم بأنّ المفضول لا يقدّم على الفاضل، وبذلك أذعنوا إلى حقيقة مهمّة وهي أنّ من يتولّى منصب الإمامة والخلافة لابدّ من عصمته، إلاّ أنّهم يحاولون الاجتناب عن التصريح بذلك.

إذن فهناك حَبَوات ملكوتية تُعطى للأنبياء ليس على سبيل الإعجاز فقط، بل هي عناوين ومناصب إلهية أُخرى غير النبوّة.

ومعنى ذلك أنّ هذه المقامات لدى الأنبياء لا بما هم أنبياء، بل بما هم أولياء، فهذه الجهات مجعولة من قبل اللَّه تعالى بما هم حجج أولياء؛ لغرض الهداية الإيصالية، فالقرآن نبّه على هذه المقامات بما هم حكام أولياء لا بما هم رسل أنبياء.

النموذج الأوّل لهذه القائمة: آدم عليه‌السلام .

قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا


تَعْلَمُونَ ) (1) ، والآية مطلقة في الجعل الكلّي للخلافة والإمامة، والخلافة هي ولاية مطلقة، والنيابة هي ولاية متوسّطة، والوكالة هي ولاية ضعيفة.

والقرآن الكريم لا يستعرض بصراحة نبوّة آدم بل صرّح بخلافته، لذا أنكر بعض المنحرفين نبوّة آدم ؛ لعدم التصريح بذلك في الآيات.

قوله تعالى: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ ) ، فاعتراضهم من جهة ولاية آدم وليس في تبليغه كنبيّ.

قوله تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ) ، وتعليم الأسماء ليس فيه بعثٌ لآدم في مقام النبوّة، فهي ليست شريعة ولا منهاجاً، بل حقائق مقامات تكوينية مرتبطة بأصل الديانة والولاية الإلهية.

والآية بينت أنّ ولاية آدم ليست مختصّة في الأرض، بل هي شاملة على الملائكة والإنس والجنّ، فالكلّ تُفترض عليه طاعة آدم.

وفي قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (2) ، والاصطفاء لا يختصّ بالنبوّة، بل يعمّ سائر المقامات والفضائل والكمالات اللدنية الوهبية، هذا الاصطفاء كالجنس العامّ للمقامات الغيبية؛ وذلك لدخول مريم عليها‌السلام في آل عمران مع كونها غير نبيّ بل كونها حجّة، فالاصطفاء إذن هو اجتباء للطهارة والعصمة، وللمقام من المقامات الغيبية.

النموذج الثاني: إبراهيم عليه‌السلام .

قوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا

____________________

1) سورة البقرة: 30.

2) سورة آل عمران: 33 - 34.


قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) ، إنّ أصل الإمامة ليس هو مجرّد منصب اعتباري، بل هو منصب تكويني غيبي، وجعل إبراهيم إماماً إحدى درجاته النازلة هو الإدارة الظاهرة المعلنة أو الخفية لشؤون البشر، وتزويده بالعلم اللدنّي وجعله إماماً هو مقام غيبي يغاير مقام النبوّة.

وإذا كانت الهداية الإراءية أي بقاء الشرائع والتي هي من مهام الأنبياء غير منقطعة في أي حقبة من حقبات البشر، فإنّ الهداية الإيصالية التي هي من مهام الإمامة غير منقطعة كذلك، ومعنى ذلك أنّ الإمامة لا يمكن أن تنقطع أبداً، فمنصب الإمامة يؤكّده القرآن كسنّة إلهية، وليس هو بدعاً في العقيدة بل عقيدة قرآنية راسخة.

قوله تعالى: ( تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ) (2) ، ومعنى الإيتاء هنا هو الإيتاء بالعلوم اللدنّية والمقامات الإلهية التي ليست زائدة على شؤون النبوّة وحيثياتها.

قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) (3) ، فإيتاء الكتاب والحكمة يغاير النبوّة، بشهادة سياق التعداد لبيان تنوّع النعم والمنن على بني إسرائيل، فكيف يُدّعى أنّ إيتاء الكتاب والحكمة هي النبوّة؟ ويعلم من الآية الكريمة أنّ الذي عنده علم الكتاب ليس بالضرورة أن يكون نبيّاً، كما هو الحال في آصف بن برخيا صاحب سليمان كما تقدّم. بل القرآن فيه موارد متعدّدة تدلّل على أنّ الإيتاء غير النبوّة.

قوله تعالى: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ

____________________

1) سورة البقرة: 124.

2) سورة الأنعام: 83.

3) سورة الجاثية: 16.


الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) (1) ، فالكتاب، والحكمة، وإيتاء المُلك العظيم، ليس يتعلّق بحيثيات النبوّة، والمُلك سِنخ ملكوتي لدنّي وليس سِنخ اعتباري، ومن هنا يُفسّر الملك العظيم كما في الروايات بأنّه الإمامة.

لأنّ الملك مصحوب بالقدرة نظير عنوان الخلافة، كما في آدم، زوّد بالأسماء ثمّ سجدت له الملائكة، فقدرته نابعة من الأسماء التي علّمها اللَّه تعالى إيّاه.

ودُعّم هذا المعنى بنفس الآية في قوله تعالى: ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) ، وهذا هو المُلك العظيم الذي هو القدرة وطاعة وخضوع جميع الملائكة في السموات والأرضين وائتمارهم للخليفة فضلاً عمّن هو تحت سيطرة الملائكة.

قوله تعالى: ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (2) ، يُعبّر عن الإمامة بتعابير مختلفة، فمرّة يُعبّر عنها بالملك، وأُخرى يُعبّر عنها بالخليفة والإمامة، ورابعاً يُعبّر عنها بالكلمة، وإلى غير ذلك.

وذهب بعض أهل سنّة الخلافة بأنّ الكلمة هي كلمة التوحيد، أي مجرّد قول لا إله إلا اللَّه على اللسان، وهذا غير موافق لظاهر الآية؛ لأنّ إطلاق الكلمة قرآنياً لا يقتصر على الكلمة لفظياً، فقد أطلق على عيسى بكلمة اللَّه، فالحجج الإلهية هم كلمات اللَّه تعالى، والكتاب التكويني هو الذي تجمع فيه الكلمات جميعاً، أمّا هذا الكتاب الذي بين أيدينا فهو كتاب اعتباري جُمعت فيه الكلمات الاعتبارية.

وقوله تعالى: ( يُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) (3) أي يقيم الحقّ بكلماته، بيان للقائمين بالهداية الإرائية والإيصالية، والكلمات هم الحجج الذين يتولّون مهام

____________________

1) سورة النساء: 54.

2) سورة الزخرف: 28.

3) سورة يونس: 82.


الهداية الإرائية، ومن ثمّ مهام الهداية الإيصالية كذلك.

وفي قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) (1) وإراءة الملكوت مقام زائد على مقام النبوّة، ومن ثمّ امتاز به إبراهيم على جملة من بقية الأنبياء، والملكوت هو الجانب الأمري والسلطة على كلّ مخلوق والذي هو بيده تعالى.

النموذج الثالث: إسحاق ويعقوب عليهما‌السلام

قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (2) ، فالجعل هنا كالتعريف لبيان حدود المعنى للإمامة، إذ هناك منصب آخر غير النبوّة وهو منصب الإمامة كما ورد في القرآن الكريم، والهداية المعبّر عنها بقوله تعالى: ( يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) هي هداية أمرية وهي هداية مَلَكوتية في مقابل الهداية المُلكية، وقد تقدّم شطر من بيان معنى الأمر من الكلام في الفصل السابق في مباحث ليلة القدر والفصول السابقة أيضاً، وأنّ الأمر هو الروح الأمري، وهو روح القدس الذي يتنزّل ليلة القدر وينزل الملائكة معه.

وقوله تعالى: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ... ) ، ممّا يدلّ على أنّ الإمامة هي وحي تسديدي وليس من الوحي النبوي.

وقوله تعالى: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) ، ولم يكن التعبير: (وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات) والفرق بين التعبيرين أنّ في التعبير الأوّل متعلّق الوحي ذات فعل الخير تكوينياً، وأمّا في التعبير الثاني متعلّق الوحي ليس هو ذات الفعل وإنّما هو الأمر التشريعي والطلب الإنشائي للفعل، وهو دليل على أنّ الأئمّة عليهم‌السلام لديهم

____________________

1) سورة الأنعام: 75.

2) سورة الأنبياء: 73.


العصمة الفعلية، كما أنّ منصب الإمام ليس هو مجرّد منصب تشريعي اعتباري، بل منصب تكويني لدنّي.

فهناك عصمة علمية وعصمة عملية لقوله تعالى: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) ، ممّا يدلّ على أنّ أفعالهم حجّة إلهية، فضلاً عن أقوالهم صلوات اللَّه عليهم أجمعين.

وقوله تعالى: ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (1) ، والآية تدلّ على وجود الهداية الإيصالية في الإمامة لقوله تعالى: ( وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) ، أي هناك حيثية إيصالية في هدايتهم لبيان الغاية والعاقبة.

وقوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (2) ، وهنا تبين أنّ الإمامة سنخ غيبي غير سنخ النبوّة، فالأمر الإلهي في القرآن هو جانب الملكوت. والإيقان هو التسليم والمعرفة التامّة، فالإمام لديه اليقين التامّ، أي أنّ الملكوت أمامه دائماً، والروح الأمري وهو غيب عن عالم السماوات وعن عالم الملائكة، لذا فهو يهدي بالهداية الإيصالية.

وقوله تعالى: ( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (3) ، إنّ التعبير: ( إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) دليل على أنّ العلم هذا ليس علماً كسبياً، بل هو علم لدنّي أوتي به يعقوب غير مرتبط بالنبوّة، هو من غير قناة النبوّة، بل هو من باب الولاية الاصطفائية.

قوله تعالى: ( وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ

____________________

1) سورة القصص: 5.

2) سورة السجدة: 24.

3) سورة يوسف: 96.


شَيْ‏ءٍ إِلاّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (1) ، وهذا هو العلم الذي عُلّم به يعقوب، غير مرتبط بالنبوّة، بل مرتبط بتدبير الأُمور على نحو التفصيل في الشؤون المعاشية المرتبط بالولاية، والتعبير لما علّمناه هو تأكيد آخر على كونه علماً لدنياً غير كسبي.

النموذج الرابع: يوسف عليه‌السلام .

قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (2) ، إيتاء علم تأويل الأحاديث ليوسف ليس كسبياً بل هو لدنّي، وليس هو من شؤون النبوّة؛ إذ ليس مرتبطاً بالتشريع أو المسائل الاعتقادية. فما المقصود بتأويل الأحاديث؟

إنّ تأويل الأحاديث ليس هو تأويل الرؤيا وحده، بل هو أحد مهامه إذ تأويل الأحاديث أعمّ من ذلك، حيث إنّ كلّ نشأة تأويل للنشأة السابقة، فعالم الأصلاب هو تأويل لعالم الذرّ وعالم الأرحام تأويل لعالم الأصلاب وهكذا، إذ التأويل من الأوْل أي الرجوع، فكلّ نشأة راجعة إلى النشأة السابقة، فالتأويل هو منتهى الشي‏ء والمآل له.

ونبيّ اللَّه يوسف عليه‌السلام ليس لديه تأويل الرؤيا فحسب، بل لديه علم معرفة مآلات أحداث الدنيا أي عواقب تلك الأحداث الدنيوية.

هذا على مستوى نطاق نبوّة يوسف عليه‌السلام ، فكيف بنبيّ اللَّه الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأوصيائه المعصومين؟ فقد حُبوا أكثر وأعظم مما حُبي به يوسف عليه‌السلام ، وذلك لقوله تعالى:

____________________

1) سورة يوسف: 68.

2) سورة يوسف: 21.


( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (1) ، والضمير في تأويله عائد إلى كلّ الكتاب، وتأويل كلّ الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ولا رطب ولا يابس ولا غائبة في السماء والأرض إلاّ أحصاها، ومعلوم أنّ الراسخين في العلم في هذه الأُمّة هم صلوات اللَّه عليهم أجمعين؛ وذلك بشهادة آية التطهير، وأنّ أهل البيت هم المطهّرون في هذه الأُمّة، وقد قال تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (2) .

وأما قوله تعالى: ( هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) (3) ، فالظاهر أنّ ذلك إشارة إلى ما أنعم اللَّه عليه من معرفة تأويل الأحاديث، ومنه تفسير الرؤيا الذي عرف به مآل مستقبل أهله وإخوته.

وهذا نوع من أنواع العلم اللدنّي الذي حُبي به يوسف عليه‌السلام ، ولا ربط له بالرسالة بل بعلوم الولاية. وتأويل الأحاديث أعمّ من تعبير الرؤيا إلاّ أنّه أخصّ من تأويل القرآن؛ لأنّ تأويل القرآن تأويل لكلّ النشأت السابقة واللاحقة للنشآت الأُخروية، فالذي يحيط بعلم تأويل القرآن هو أعلم ومهيمن على علم من يحيط بتأويل الأحاديث، ومن هذا القبيل قوله تعالى:

( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً ) (4) ، إشارة إلى أنّ الاستنباط بالمعنى القرآني لا بمعنى الاجتهاد الظنّي؛ إذ هو لا يورث العلم ولا يوقي عن اتّباع الشيطان في تدبير النظام الاجتماعي السياسي؛ إذ يتوقّف ذلك علاوة على العلم المحيط بالتشريعات الإلهية، على العلم اللدنّي المحيط

____________________

1) سورة آل عمران: 7.

2) سورة الواقعة: 80.

3) سورة يوسف: 100.

4) سورة النساء: 83.


بالموضوعات في الشؤون المختلفة وعلم الأحداث الذي يزوّد به وليّ الأمر في ليلة القدر، حيث يتنزّل عليه تفاصيل كلّ الأحداث المستقبلية صغيرها وكبيرها، وقد تقدّم شطر وافر من الكلام في الفصل السابع من مباحث ليلة القدر، وقرينة على إرادة هذا المفاد من الآية هو التعبير بـ ( لَعَلِمَه ) الظاهر في حقيقة العلم لا الظنّ، لا سيّما قد وصف هذا العلم بأنّه يوقي بنحو دائمٍ باتٍ عن اتّباع الشيطان، وهو أشرف من علم تأويل الأحاديث.

قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) (1) ، إنّ الآية تبيّن أنّ التمكين بيد اللَّه تعالى فزمام الأُمور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكلّ دقائق الحياة - كما سيأتي بيانه مفصّلاً - موكول أمره إلى اللَّه تعالى.

وتمكين يوسف في الأرض مقاماً غير النبوّة، بل هو مقام حاكمية من قبل اللَّه تعالى، وهي إحدى الحَبوات التي حُبي بها يوسف عليه‌السلام .

وإنّ ما عمله أُخوة يوسف عليه‌السلام هو بنفسه يصبّ في الغرض الإلهي، وإن كان معصية من قِبَلهم، وهذه سنّة لا تتخلّف من أنّ كلّ ما يعمله الظالمون والمفسدون فإنّه غير غالب لتدبير اللَّه تعالى، بل اللَّه تعالى غالب على أمره قد جعل اللَّه لكلّ شي‏ء قدراً: ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (2) ، فإنّه أخيراً سيصبّ في الغرض الإلهي، ولا يعني هذا حسن عمل السوء، فالقبيح يبقى قبيحاً، وعمل السوء يحيق بصاحبه: ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّى‏ءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ ) (3) ، ولا يضرّ اللَّه شيئاً

____________________

1) سورة يوسف: 21 - 22.

2) سورة الأنفال: 30.

3) سورة فاطر: 43.


- وهو ما تؤكّده الآية التالية - نظير عمل إبليس، فإنّ دخول الشرور في منظومة الخلقة الإلهية لا يخرج الأمر عن تدبيره تعالى، ولا يعيق قيد شعرة الخطّة الإدارية التكوينية عن الوصول إلى الغايات الكمالية.

قوله تعالى: ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ) وهذا تأكيد على أنّ كلّ مجريات العالم بدقائقه وكلّياته مرتبطة بإرادته تعالى، وهذا خلاف ما ادّعته اليهود بأنّ يد اللَّه مغلولة، فأجابهم اللَّه تعالى بقوله: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ، فالإرادات التكوينية للمخلوقين لا يمكن أن تتخطّى إرادة اللَّه تعالى، لا بمعنى إلجائهم بنحو يُفقدهم الاختيار إلى الجبر، بل بمعنى إنّ ما يفعلوه من أفعال الشرّ يستثمره الباري تعالى بلطيف قضاءه وقدره، ومكنون حكمته، في تحقيق الغايات الكمالية الإلهية، ففعلهم شرّ، إلاّ أنّ فعله تعالى في تدبير القضاء والقدر لاستثمار ذلك خير تامّ بالغ، فكيف نتصوّر بعد ذلك أنّ اللَّه تعالى قد رفع اليد عن الأُمور الاجتماعية وأهمّها قيادة المجتمع الذي يمثّله تعيين الإمام الخليفة بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

قوله تعالى: ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ، أي: لا يعلمون أنّ كلّ حدث يجري ويصبّ هو في الإرادة الإلهية.

وبالتدبّر في سيرة حكومة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في القرآن، وتصرّف وإرادات اللَّه تعالى في حكومة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله المستعرضة في القرآن واضحة جلية، فهل يعقل انقطاع تصرّف الإرادات الإلهية في تدبير النظام البشري بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لعدم تعيين الخليفة الذي تتنزّل عليه المشيئة الإلهية والإمام من قبل اللَّه تعالى؟

فالقول بعدم تعيين الإمام من قبل اللَّه تعالى تعطيل محض لإرادات اللَّه تعالى وحُكْمه وحاكميته في تدبير النظام البشري.

قوله تعالى: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) ، فإيتاء العلم والحكمة جزاء لمن وصل إلى مقام الإحسان؛ لقوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ


نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) ، ولا علاقة لهذا الإيتاء بالنبوّة.

فالعلم اللدنّي هنا لمقام المحسنين وليس للنبوّة، وهو ما يتوفّر لدى الأئمّة عليهم‌السلام الذين آتاهم اللَّه تعالى علماً لدنياً بسبب مقامات عدّة ليس لها علاقة بمقام الرسالة، بل لكونهم حججاً مصطفين.

قوله تعالى: ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) ، فصرف السوء والفحشاء ليس لكونه نبيّاً فقط، بل لكونه من عباده المخلَصين، وقد عبّر تعالى بقوله: ( لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ) ، أي نمنع عنه السوء والفحشاء، ولم يقل ونصرفه عن السوء والفحشاء، أي نبعد السوء عن أن يقترب إليه، وليس إبعاد يوسف عن أن يقترب إلى السوء والفحشاء؛ إذ لم يكن من قبل النبيّ يوسف إقبال على الفحشاء والسوء كي يُبعد عنه، بل الفحشاء في فعل زليخا حيث أرادت أن تقبل على يوسف فصُرفت عنه، فهذه دلالة على عصمة يوسف ذاتاً بل وعصمته عن أن يُخترق حريم عصمته من البيئة المعاشة.

وبذلك يظهر دلالة قوله تعالى الذي هو بنفس التعبير والتركيب: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً ) (1) على عصمتهم الذاتية، وعلى عصمتهم عن أن يخترق الرجس حريم عصمتهم، كما يشير إلى ذلك أيضاً ما في زيارة سيد الشهداء عليه‌السلام : (ولم تنجّسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمّات ثيابها)، وهذا دليل على أنّ يوسف عليه‌السلام لم يهمّ بها بل هي همّت به.

لذا فإنّ لدى المعصوم شعاع من العصمة يمنع السوء عن المعصوم فضلاً عن عصمته الذاتية. وفي سورة الدهر أكّدت أنّ أهل البيت عليهم‌السلام من عباد اللَّه المخلصين حيث أخلصوا مع اللَّه تعالى فانتجبهم واجتباهم، وحيث جعلوا فوق مقام الأبرار

____________________

1) سورة الأحزاب: 33.


فهم يسقون الأبرار من عين الكافور فيمزجون شرابهم منه.

قوله تعالى: ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (1) .

وهذه المرتبة حيثية أُخرى غير النبوّة يمكن أن تجعل النبيّ حاكماً في الأرض، والشرائط الشرعية في كونه حاكماً أن يكون حفيظاً عليماً، وهي بعينها شرائط الإمامة، وهي كونه تتوفّر لديه العصمة العلمية (عليم) ، فضلاً عن العملية (حفيظ) ، بخلاف من قال بتقديم المفضول على الفاضل كما ذهبت إليه المعتزلة.

وفي الآية مفهوم من أقوى المفاهيم، وهو مفهوم التعليل حيث علّلت العلم علّة لمنصب الحاكمية والجاهل ليس له ذلك، وهذا ما تلتزم به الإمامية من كون الإمام والخليفة لابدّ أن تتوفّر لديه العصمة العلمية فضلاً عن العملية، فيكون عليماً بنظم التدبير في النظام الحاكم في مجالاته المختلفة، ولا يجهل أوفق البرامج الموصلة إلى المثل العليا في الكمال في الأنظمة الاجتماعية في الميادين المختلفة، ويكون حافظ لهذه الأمانة في الحاكمية فلا يميل به الهوى ولا تستولي عليه العصبية ولا يغلبه التجبّر ولا يقعده الجبن، إلى غير ذلك من الصفاة المانعة من حفظ الأمانة.

قوله تعالى: ( كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) (2) ، وهي إشارة إلى أنّ الأُمور لدى الأنبياء فضلاً عمّن دونهم كلّياتها وجزئياتها تجري وفق التدبير الإلهي

____________________

1) سورة يوسف: 54 - 56.

2) سورة يوسف: 76.


وضمن مسارات الإرادة الإلهية، فأخذ يوسف أخاه في دين الملك لم يكن بتدبير يوسف منعزلاً عن الإرادة الإلهية والمشيئة الربّانية.

قوله تعالى: ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) (1) ، فخاصّية قميص يوسف أنّه إذا أُلقي على أبيه يرتدّ بصيراً، فكيف ببدن يوسف عليه‌السلام ، لذا فإنّ اللَّه تعالى يكرّم أولياءه بخاصّيات تكوينية.

قوله تعالى: ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (2) ، وهذا أيضاً تأكيد على أنّ ما أُوتي من مقامات لا ترتبط بمقام النبوّة والرسالة بل بمقام الولاية.

النموذج الخامس: موسى عليه‌السلام .

قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَاْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاّ فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَاتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (3) .

____________________

1) سورة يوسف: 93.

2) سورة يوسف: 101.

3) سورة البقرة: 67 - 73.


إنّ البقرة هنا لها خاصّية إحياء الموتى على يد موسى عليه‌السلام فكيف بالنبيّ أو الوصيّ عليهما‌السلام ، وليس في ذلك غلوّ أو خلاف الحقّ، بل القرآن ينصّ على خصائص تكوينية لأجسام الأنبياء والأوصياء.

ثمّ إنّ الآية - وهي في منازعة قضائية جنائية - تؤكّد أمراً مهمّاً، وهو متابعة اللَّه تعالى للمجتمع الإسرائيلي الذي أسّسه موسى عليه‌السلام في كلّ صغيرة وكبيرة، وهذا يعني أنّ اللَّه تعالى يباشر حكومة هذا المجتمع عن طريق موسى في السياسات الكلّية والجزئية، ممّا يؤكّد أنّ اللَّه تعالى يمارس الحاكمية بشكلٍ تفصيلي بكلّ دقائق الأُمور وكلّياتها.

إنّ التوجّه السائد لدى أهل سنّة الجماعة والخلافة - وللأسف - أنّهم يُبعدون الذات المقدّسة عن ساحة الأحداث، وهو لازم قولهم إنّ خلافة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر دنيوي لا دخل للحاكمية والولاية الإلهية التفصيلية فيه، أي تعطيل الدور الإلهي وإزوائه، والإرادة الإلهية التفصيلية والمشيئة التنفيذية لا تتنزّل على أحد إلاّ على نبيّ أو وصي معصوم، وهو ما دفع أهل سنّة الجماعة - على ما يبدو - إلى عدم الالتزام بهذه الحقيقة القرآنية العظيمة وهي حاكمية اللَّه وسلطته التنفيذية في تفاصيل تدبير النظام البشري السياسي والاجتماعي.

قوله تعالى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) (1) ، والآية صريحة في عقيدة الإمامية من كون الحكم بالشريعة في النظام الاجتماعي السياسي هو للأنبياء، وهو منصب يختصّون به، والمرتبة الثانية أنّ الحكم للربّانيين وهم الأولياء المصطفون، والرتبة الثالثة الحكم للأحبار أي

____________________

1) سورة المائدة 44: 5.


العلماء، وهذه الطولية في جعل الحكم هي لمغايرة الربّانيين للأحبار.

والربّاني هو المنسوب إلى الربّ، وهي صيغة مبالغة وهذه الصيغة تدلّ على شدّة القرب للَّه تعالى، فهو لابدّ أن يكون معصوماً، والربانية هي مرتبة اصطفائية وهم الأئمّة عليهم‌السلام .

وقرينة أُخرى على أن المراد بهم الأوصياء بقوله تعالى: ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) ، فالذي يكون شهيداً على الكتاب كلّه لابدّ أن تكون إحاطته بالكتاب لدنيّة، أي نظير تعبير بمن عنده علم الكتاب، كما تدلّ هذه القرينة على أنّ الربّاني لا تخلو منه الأرض، لأنّه الحافظ لإقامة كتاب اللَّه في النظام البشري فقد استحفظ وكان على ذلك شهيداً، فلا يستقلّ الأحبار في الحكم النيابي عن الربّاني وعن هيمنة وإشراف الوصي المعصوم في كلّ الأزمان.

قوله تعالى: ( إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ) (1) ، وجعل الملك في بني إسرائيل من قبل اللَّه تعالى دليل على كونه جعلاً إلهياً وعهداً منه، وأنّ سنخ جعل الملك كما هو في جعل النبوّة، كما في قصّة طالوت حيث جعله اللَّه ملكاً بغضّ النظر عن اختيار الناس له.

والملك هنا ملك تصرّف فهو لا يقتصر على الاعتبار التشريعي، بل الملك هنا أعمّ كما في قوله تعالى في آل إبراهيم: ( وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) (2) ، فهو منصب إلهي غير منصب النبوّة؛ إذ إنّ موسى عليه‌السلام جعل الملك نعمة وحَبوة، وهي غير مختصّة ببني إسرائيل فتعمّ كلّ الأمم، والأُمّة الإسلامية هي أولى في جعل الملك لديها وهي الإمامة، ففي آيات عدّة عُرّف حدّ الإمامة بالملك وولاية التصرّف.

وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) (3) ،

____________________

1) سورة المائدة: 20.

2) سورة النساء: 54.

3) سورة المائدة: 12.


فمع كون النقباء غير أنبياء إلاّ أنّ التعبير ورد ( وَبَعَثْنَا ) ، فبعث النقباء كبعث الأنبياء عهدٌ إلهيٌّ، ملكوتي، تكويني، وقد ورد التعبير بعينه أيضاً في طالوت حيث قال تعالى على لسان نبيّ بني إسرائيل: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ) (1) كذلك.

والنقابة هي معرفة أحوال القوم وخفاياهم، فالنقيب من نقّب عن أحوال قومه، ولذا فقد ورد في صِفاة الإمام معرفته لأحوال وأسرار أُمّته، حيث ورد في الروايات أنّ الإمام عليه‌السلام له عمود نور يرى بواسطته أعمال الناس، وهو مفاد قوله تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (2) ، فالمؤمنون هاهنا خصوص الأئمةّ الشهداء على أعمال البشر، يرون الأعمال حين صدورها من الإنسان، وهو معنى الشهادة والرؤية لها في سياق رؤية اللَّه تعالى، ومن بعده رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن بعده المؤمنون المعني بهم ما ذكرهم تعالى في آخر سورة الحجّ:

( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاة وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (3) ، فهم من نسل إبراهيم الخليل من قريش، فالإمام نقيب بما فيه من التأهيل لمعرفة أحوال البشر.

كما أنّ العدد اثني عشر له دلالة على الإمامة الاثني عشرية، فالعدد هذا ليس اعتباطي بل سنّة إلهية في الأُمم؛ إذ ورد أنّ أوصياء كلّ نبيّ اثنا عشر، كما ورد أنّه يجري في هذه الأُمّة ما جرى في بني إسرائيل، وورد في الحديث النبويّ (4) المتواتر: (أنّ خلفائي اثني عشر كلّهم من قريش من هذا البطن من بني هاشم).

قوله تعالى: ( وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ

____________________

1) سورة البقرة: 247.

2) سورة التوبة: 105.

3) سورة الحجّ: 78.

4) لا حظ إحقاق الحقّ، ج1، ص1 - 50.


لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (1) ، تدلّل الآية على أنّ الشريعة الموسوية فيها حاكمية وإمامة إلهية؛ لأنّ موسى عليه‌السلام استخلف هارون عليه‌السلام في قومه حاكماً فترة غيابه والتي وهي أربعون ليلة، فكيف لا يستخلف النبيّ عليه‌السلام إماماً وخليفة بعد وفاته؟ مع أنّ أهل سنّة الجماعة أقرّوا أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله استخلف في حياته على المدينة المنوّرة عند خروجه في الغزوات.

قوله تعالى: ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (2) ، والأُمّة هي المجموعة ذات الهدف الواحد، و (من) تبعيضية، أي بعض قوم موسى يقومون بالهداية ويقيمون العدل بالحقّ، ودوام الصفة وإطلاقها يدلّ على العصمة العلمية والعملية؛ إذ الصفة أوتي بها بصيغة جملتين من الفعل المضارع للدلالة على الاستمرار والشمولية، والتعبير في الجملة الأُولى يدلّ على دوام الفيض العلمي اللدنّي لديهم، والتعبير في الجملة الثانية يدلّ على دوام البسط والتمكين الإلهي لهم لأسباب إقامة العدل، وهم أئمّة وذلك بهديهم وإمامتهم للناس، فكيف في أُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إذن لا يكون هناك أُمّة منهم أئمّة هدى؟

قوله تعالى: ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً ) (3) ، فاختيار موسى للميقات هو اختياره لهم إلى مقام تشريفي، إلاّ أنّ اللَّه تعالى لم يرتضِ أهلية هؤلاء؛ لأنّ فيهم السفهاء وهم جهلاء ظالمون، فلا يكونوا مؤهّلين لسماع الوحي والتكليم الإلهي، لقوله تعالى لإبراهيم في إمامة ذرّيته: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، وكما أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّف أبا بكر تبليغ سورة براءة، إلاّ أنّ الوحي استدرك وأمره: (أن لا يبلّغ إلاّ

____________________

1) سورة الأعراف: 142.

2) سورة الأعراف: 159.

3) سورة الأعراف: 155.


أنت أو رجل منك)، وهذه سنّة إلهية ثابتة.

فالاختيار والاصطفاء إذن من اللَّه تعالى، فلو كان مع موسى غير سفهاء لكانوا مؤهّلين لسماع الوحي مع أنّهم غير أنبياء، فما تعتقده الإمامية من أنّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام استمع الوحي ورآه لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

(يا عليّ، إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى) (1) ، سنّة قرآنية أصيلة، ومن ثمّ أمر اللَّه نبيّه في آية المباهلة انتداب عليّ لشهوده الوحي ومسؤوليته لهذه الشهادة، هو وزوجه البتول وشبليه سيدا شباب أهل الجنّة، حيث كانوا أصحاب الكساء يشاهدون الوحي عياناً، فحمّلهم اللَّه تعالى مسؤولية الشهادة في المباهلة كشركاء تابعين للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في الحجّة الإلهية.

كما في قوله تعالى: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) ، وهو الوحي النازل، ( وَيَتْلُوهُ ) أي يتبعه وتابع له، ( شَاهِدٌ ) أي يشهد الوحي عياناً ويشهد البينة من الربّ، ( مِنْهُ ) أي من أهله وبمنزلة نفسه كما في ( أَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) .

وقد يُعترض: بأنّ كلّ مؤمن يشهد بوحدانية اللَّه وبرسالة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلماذا خصوص الأمر الإلهي في آية المباهلة بأهل البيت عليهم‌السلام بأن يشهدوا للنبيّ والرسالة دون غيرهم؟ أليس قد شهد خُزيمة بن ثابت للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بما لم يره عندما نازع الأعرابي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في عين مال، فأمضى النبيّ شهادته عن بينة بمنزلة شهادة رجلين؟ وذلك ليقين خزيمة بصدق النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وللإجابة عن هذا الاستفسار: أنّ شهادة المؤمن حيث كانت تستند إلى إدراك المعجزة الإلهية على نبوّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فهي إخبار قطعي لا ظنّي، بل هي إخبار عن عيان؛ لأنّ المعجزة كما هو الصحيح عندنا عيان للقدرة للغيبة يتكشّف شي‏ء من ستار الغيب، فإدراك المعجزة عيان لبروز القدرة الغيبية الإلهية.

____________________

1) نهج البلاغة الخطبة القاصعة.


لا كما عرفها المتكلّمون من أنّها برهان فكري في الاستنتاج الذهني ومن نمط العلم الحصولي، بل هي علم حضوري في الأساس، وإن كانت معجزة علمية أو تكوينية تستند إلى الحسّ في مقدّماتها وإلى المعاني الذهنية، إلاّ أنّ أبصار الإعجاز المترتّب عليها هو عيان وجداني للقدرة الخارقة الغيبية، ومن ثمّ تكون مسؤولية المؤمن الإقرار والشهادة والإخبار القطعي بما أدركه عياناً، إلاّ أنّ هذا الإدراك لمّا كان محدوداً وبنحو إجمالي كانت المسؤولية الملقاة على كاهل المؤمن هي متناسبة بقدر ذلك من افتراض الإيمان عليه والتسليم والطاعة، بل والقيام في الواجبات في الشريعة.

وهذا بخلاف من يحتمل أن يكون قوله وشهادته سنداً بنفسه يقينياً قطعياً لحجّية نفس الرسالة والنبوّة ليضاهي قوله وشهادته المعجزة في إثبات الرسالة، فإنّ مثل ذلك الشخص والأشخاص لا ريب ولابدّ أنّهم يتمتّعون بعيان حضوري لكلّ تفاصيل الوحي، ويشاكلون ويشاركون النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مع تبعيتهم له في العلم والعيان؛ لِما ينزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن ثمّ خُصّوا بهذه المسؤولية دون غيرهم، وكانت لهم أهلية ذلك دون بقية كبار الصحابة ودون زوجات النبيّ، كما تقدّم في اختصاص عليّ بتبليغ سورة براءة دون أبي بكر؛ بأمر اللَّه النازل: (لا يبلّغ عنك إلاّ أنت أو رجل منك)، فكانوا على درجة من الصفات توجب اليقين من شهادتهم على حذو اليقين الحاصل من المعجزة.

قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ) (1) ، فالوزارة للنبوّة جعل إلهي، لذا فقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى)، بمعنى الخلافة والوزارة والإمامة، وكون هارون وزيراً غير كونه نبيّاً.

____________________

1) سورة الفرقان: 35.


النموذج السادس: سليمان وداود عليهما‌السلام

قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ) (1) ، فهذه المقامات المذكورة والنعم الموصوفة هي غير مقامات النبوّة، بل هي مقامات إمامة وولاية.

وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) ، وهي كسابقتها من الآيات؛ إذ الأعطيات التي استوجبت الحمد من قبل داود وسليمان لمكان الحبوة التي حَظيا بها من اللَّه تعالى، لا لمقام النبوّة منهما، بل لحجّيتهما وإمامتهما.

قوله تعالى: ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (3) ، فقد وصف اللَّه تعالى داود أنّه عبد في هذه الآية والمقام ولم يذكر وصف النبوّة، ممّا يدلّل - بمقتضى أنّ الوصف مشعر بالعلّية - على أنّ هذه الحبوات إنّما أُعطيت له بمقتضى درجة العبودية التي وصل إليها، والتي هي معنى الولاية كما في الخضر حيث قال تعالى: ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ) (4) .

فبيّنت الآية أنّ العلم اللدنّي والرحمة الخاصّة التي هي من مقامات الولاية وأُعطيت للخضر استحقّها بالعبودية بدرجة خاصّة، فهذه المقامات أُعطيت لداود بسبب مقاماته في العبودية، وهي الولاية؛ لأنّ العبودية هي الجانب الذي يلي من العبد تجاه مولاه، لا بما لداود من مقام النبوّة.

____________________

1) سورة سبأ: 10 - 12.

2) سورة النمل: 15.

3) سورة ص: 17.

4) سورة الكهف: 65.


فالآيات المتقدّمة تشير إلى حقيقة مهمّة، وهي أنّ الحبوات التي حصل عليها الأنبياء لا لمجرّد كونهم أنبياء بل لكونهم حججاً أولياء وأئمّة، فالنبوّة وإن كانت تحتاج إلى المعجزة، إلاّ أنّ المعجزة لا ضرورة لدوامها واستمرارها بنحو ممتدّ، بل يكفي وقوعها وحدوثها لإيجابها واستلزامها الثبات على نحو الدوام، أي أنّ وجودها وإن كان دفعياً إلاّ أنّ حجّيتها ووصف الحجّية لها مستمرّ؛ إذ هي في حدود تصديق نبوّة النبيّ.

فإذا تمّ الغرض انتفت الضرورة لاستمرار وجودها، وإن كان بعض المعاجز - كالقرآن الكريم - معاجز مستمرّة الوجود، بينما هذه الحبوات والمقامات ثابتة لحجج اللَّه تعالى وأوليائه، وهو ما حدث وما يحدث لأئمّة آل البيت عليهم‌السلام من الحظوة بالمقامات الإلهية التي حازوا عليها وأكرمهم اللَّه تعالى بحبواته، فلا مجال إذن لإنكار هذه الحقيقة المعرفية القرآنية تحت ذريعة وغطاء التفويض والغلوّ، كما توهّم البعض. فإيتاء الملك لداود هي الإمامة.

قوله تعالى: ( وَلَوْلاَ دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) ، إشارة إلى التدبير الاجتماعي الذي يديره داود في بني إسرائيل، فإيتاء الملك يختلف عن إيتاء النبوّة، فهو منصب خاصّ من قبل اللَّه تعالى، فالإمامة أهلية خاصّة غير أهلية النبوّة.

قوله تعالى: ( أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (1) ، فتوريث الأرض للعباد الصالحين لا لكونهم أنبياء، بل لكونهم عباداً صالحين، وهذا وعد إلهي.

إنّ أحد حدود الإمامة هي العبودية بدرجة فائقة للَّه تعالى وهي ولاية ولي اللَّه الإمام وتولّيه لربّه تعالى، وقد روى هارون بن الفضل، قال: (رأيت أبا الحسن عليّ

____________________

1) سورة الأنبياء: 105.


بن محمّد في اليوم الذي توفّي فيه أبو جعفر عليه‌السلام فقال: إنّا للَّه وإنا إليه راجعون، مضى أبو جعفر عليه‌السلام . فقيل له: وكيف عرفت؟ قال: لأنّه تداخلني ذلّة للَّه لم أكن أعرفه) (1) .

وفي رواية أُخرى أنّه عليه‌السلام سُئل عن كيفية علمه بوفاة أبيه، قال: (قد دخلني من إجلال اللَّه ما لم أكن أعرفه قبل ذلك، فعلمت أنّه قد مضى) (2) .

فالإمامة ولاية ملكوتية غيبية وليست ولاية ملك مادّي فقط، بل ولاية عبودية للَّه تعالى. والولاية أعلى رتبة من النبوّة، وذلك أنّ الولاية هي جهة القرب والارتباط باللَّه تعالى، فولاية كلّ نبيّ هي أعلى وأشرف من نبوّته؛ لأنّها جهة عبودية النبيّ للربّ تعالى، فلذلك الولاية أعظم من النبوّة، أي ولاية ولي اللَّه الإمام وتولّيه لربّه.

قوله تعالى: ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (3) ، إنّ غواية إبليس وإضلاله لا تشمل المخلَصين - بالفتح - فهم معصومون عن غواية إبليس على صعيد العمل وعلى صعيد العلم.

وإنّ سورة الصافات في أربع مواضع ذكرت (عباد اللَّه المخلَصين ) .

1 - قوله تعالى: ( وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (4) .

2 - قوله تعالى: ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ * إِلاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (5) .

3 - قوله تعالى: ( فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (6) .

4 - قوله تعالى: ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (7) .

____________________

1) أصول الكافي، ج1، ص381.

2) بحار الأنوار، ج27، ص293، عن بصائر الدرجات.

3) سورة ص: 82 - 83.

4) سورة الصافات: 39 - 40.

5) سورة الصافات: 73 - 74.

6) سورة الصافات: 127 - 128.

7) سورة الصافات: 159 - 160.


فوصف اللَّه تعالى هؤلاء العباد بأنّهم مخلَصين لا تقع منهم معصية ولا يراودهم شكّ أو شبهة، فهم مخلِصين للَّه في عبادتهم، ومخلَصين من أي ذنب أو قبيح.

لذا فإن قوله تعالى: ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) ، حيث نزّه اللَّه تعالى عن كلّ وصف إلاّ توصيف عباد اللَّه المخلَصين، وهي أعلى مقامات المخلَصين التي تعني المعرفة الحقّة له تعالى.

فالصلاح الذاتي وما يترتّب عليه من صفات لم يكن كسبياً، بل هو منصب إلهي اصطفائي جعلي؛ وذلك لقوله تعالى: ( وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ ) (1) .

ومثله الرشد الذاتي اللدنّي حيث لم يكن عادياً كسبياً، بل هو إلهي جعلي يمنّ على خاصّة عباده؛ لقوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ) (2) .

المشاركة في الحجية:

قوله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ ) (3) ، فهذه مشاركة بين موسى وهارون في الحجّية، فنزول الفرقان لم يختصّ به موسى، بل شاركه هارون كذلك. وهذا مفاد حديث المنزلة، إذ كونه عليه‌السلام من النبيّ الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله بمنزلة هارون من موسى، يشير إلى جَنْبة مشاركة ما ينزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله شِرْكَة تابعٍ له، كما في قوله تعالى: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) (4) .

أي يتلو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ويشهد الوحي عياناً وهو البينة من الربّ وهو رجل من النبيّ من نفسه.

____________________

1) سورة الأنبياء: 72.

2) سورة الأنبياء: 51.

3) سورة الأنبياء: 48.

4) سورة هود: 17.


فقد ورد عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : (أنا مدينة العلم وعليّ بابه) (1) ، وغيرها من الموارد التي تشير إلى المشاركة، كآية المباهلة وآية التطهير.

النموذج السابع: عيسى عليه‌السلام .

قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِْنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِي‏ءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ ) (2) .

فهذه المناصب بعضها لا ربط لها بالنبوّة بما هي نبوّة، وكونه رسولاً هو أحد مناصبه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقوله ( أَخْلُقُ لَكُمْ... ) بمعنى الخلقة والتكوين وليس هو تشكيل الطين على هيئة الطير فقط.

إنّ شبهة كون الخلقة التي يتولاّها عيسى عليه‌السلام هو تشكيل فقط دخلت على العامّة، محتجّين بها على كون الخلق لا يمكن أن يقوم به غير اللَّه تعالى، في حين نقول إنّ الخلقة بأمر اللَّه تعالى ولا مانع من أن يقوم بها أحد عباده المصطفين الذين اصطفاهم اللَّه لهذه المهمّة.

وإنّ تشكيل المادّة لا يقال لها خلقة، بل الخلقة هي حالة إيجاد وتكوين بأقدار اللَّه تعالى وإرادته، مع إمكان تفويض ذلك إلى خاصّة عباده كما هو الحال في عيسى عليه‌السلام ، تفويضاً غير عزلي، أي من دون أن يكون الباري تعالى معزولاً ولا النبيّ

____________________

1) خلاصة عبقات الأنوار، للسيد حامد حسين اللكهنوي، ج 10، فقد عقد مجلّداً خاصّاً في بيان تواتر الحديث الشريف.

2) سورة المائدة: 110.


عيسى عليه‌السلام ونحوه من الأولياء مستقلاً في فعله كما هو الحال في غير ذلك من الأفعال، لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين. ويُستدلّ على ذلك بقوله تعالى: ( فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا ) (1) ، فالنفخ هنا خلق كما في نفخ الصور، فالنفخ هنا ليس تشكيل، إذ الخلق للطير متفرّع على نفخ عيسى عليه‌السلام . ثمّ إحياء الموتى ليس هو كخلق الطير، بل إحياء الموتى هو تزويج الروح بالبدن.

وقوله تعالى: ( وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ) ، فالإبراء وإن كان إحياء وخلق لكن خلق حال وليس إعادة لحياة الذات، وهذا ما يمكن تصوّره في أولياء اللَّه المصطفين كالأئمّة عليهم‌السلام ؛ إذ إمكان إعطائهم هذه الحَبوة كما أُعطيت لعيسى ليس تفويضاً عَزْلياً باطلاً - تعزل فيه قدرة اللَّه تعالى وهيمنته وقاهريته وقيّوميّته - كما هو الحال في أفعال الإنسان: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين.

ولا فرق في تمكين وإقدار الباري للمخلوق على الفعل بين فعل النملة وفعل عزرائيل وميكائيل وأعاظم الملائكة والأرواح؛ فإنّه بقانون واحد: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين. ومن لا يميز بين التفويض العزلي الباطل وبين التفويض بمعنى الإقدار والتمكين في حين قدرته تعالى، من انحسار لقدرته فيما أقدرهم عليه، يحصل لديه الخلط بينهما، كما أشار إليه أمير المؤمنين عليه‌السلام في نهج البلاغة.

قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (2) ، إنّ أُصول الدين لا تُنسخ، بل النسخ يكون في الفروع، كما أنّ أركان الفروع غير منسوخة، فأُصول المحرّمات هي واحدة في كلّ الشرائع كحرمة الزنا

____________________

1) سورة آل عمران: 49.

2) سورة آل عمران: 55.


والكذب والغشّ وغيرها، وكذلك أُصول الواجبات.

فالنسخ لا يكون في المعارف ولا إلغاءً لها، بل الحال فيها حالات تكامل وتوسّع وتعمّق، وكذلك الكتب الإلهية في نسخها الأصلية غير المحرّفة والتي هي عند الإمام المهدي (عج)؛ لكونه وارث الأنبياء والمرسلين كذلك، وشرائعها السابقة لها قدسيتها في القرآن الكريم وفي كلام أهل البيت عليهم‌السلام .

فمع أنّ عيسى عليه‌السلام قد نسخت شريعته، فهو مع ذلك سيكون له دور مهمّ في شريعة الإسلام، إذ سيؤدّي دوره المقدّر من قبل اللَّه تعالى حيث نزوله من السماء والتحاقه بالإمام المهدي المنتظر (عج).

على أنّه تجدر الإشارة إلى أنّ غيبة الإمام (عج) لا تعني أكثر من خفاء هوية وليس تغييباً لوجوده ولا إبعاده عن مسرح الأحداث ولا مزايلة عن تدبير الأوضاع البشرية، ولذلك الاعتقادِ أدلّة قائمة قد مرّ الإشارة إليها. وظهور الإمام (عج) يعني ظهور هويته المغيبة، أي المخفية المستترة، وليس بداية لحضور وجوده الشريف، بل وجوده حاضر بيننا نعيشه بوجداننا وأعماقنا.

وكلمة: ( مُتَوَفِّيكَ ) ، أي: قابضك، فهو قبض له حتّى يبعثه اللَّه، إلى حيث يوجّهه لمناصرة وليه الإمام المهدي (عج) ومؤازرته.

قوله تعالى: ( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) (1) ، فروح القدس حبوة إلهية لعيسى عليه‌السلام ، وهي ليست من خصائص النبوّة، كما أنّ روح القدس قد تقدّم الحديث عنه مبسوطاً في الفصل السابع في مباحث ليلة القدر، وهو نور كما فُسّر بلحاظ الهيمنة العلمية، فهو مع الأئمّة عليهم‌السلام ، وهو بلحاظ المناصب الأُخرى غير النبوّة.

____________________

1) سورة البقرة: 87.


قوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ) (1) ، ومضافاً إلى كون عيسى عليه‌السلام رسول اللَّه فقد وُصِف أيضاً بأنّه كلمته وأنّه روح اللَّه.

والكلمة هي الشي‏ء التكويني الدالّ على معنى بدلالة تكوينية لا فرضٌ اعتباري أدبي، وهذا المعنى هو الأصل في معنى ومصداق الكلمة حقيقةً، وأمّا الكلمة التي تتداول في الكلام المحاوري فهي اعتبارية يعتبرها ويفترضها المتكلّم والمخاطب فيما بينهم، فعيسى هو كلمة اللَّه وهو اسمه أيضاً؛ لأنّ الاسم في اللغة يعني السِّمة والعلامة، وهو نفس معنى كلمته وهو آية من آيات ربوبيته، كما قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (2) ، وقال تعالى: ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) (3) ، والآية في اللغة العلامة والسِّمة أيضاً، وعليه تكون الآية والكلمة والاسم بمعنى واحد، أو مشتركة في أصل معناها.

وكونه روح اللَّه يعني بوجوده وولادته وحالاته الملكوتية خروجه من الغيب مقاماً، فأضيفت إلى الذات الإلهية تشريفاً لمقامها.

وقد قام الدليل على أنّ الأئمّة كلمات اللَّه، كما في قوله تعالى: ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) (4) ، ولعلّ الإشارة في كلمات الصدق، وتمامية الكلمات صدقاً، هو للمرسلين، وتمامية الكلمة عدلاً هو لجعل اللَّه تعالى للأئمّة الهادين بأمره الذين يوحي إليهم فعل الخيرات وإقامة العدل، ولا ريب أنّ من كلمات اللَّه في عموم هذه الآية هو النبيّ عيسى عليه‌السلام ، فالمراد من الكلمات هم الحجج المصطفين.

وقد ورد من طريق الفريقين في قوله تعالى: ( فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ

____________________

1) سورة النساء: 171.

2) سورة المؤمنون: 50.

3) سورة مريم: 21.

4) سورة الأنعام: 115.


فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (1) ، فقد روى الحاكم في مستدركه: (أنّ آدم لمّا اقترف الخطيئة قال: يا ربّي أسألك بحقّ محمّد لما غفرت لي. فقال: يا آدم كيف عرفت؟ قال: لأنّك لمّا خلقتني نظرت إلى العرش فوجدتُ مكتوباً فيه: لا إله إلاّ اللَّه محمّد رسول اللَّه فرأيت اسمه مقروناً مع اسمك فعرفته أحبّ الخلق إليك) (2) .

وقد تقدّمت الإشارة في قوله تعالى حول مريم: ( وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ) (3) ، أنّ مقتضى المقابلة بين الكلمات والكتب قرينة على إرادت الحُجج المصطفين الذين منهم النبيّ عيسى عليه‌السلام ، كما ورد عين هذا التعبير في قوله تعالى لزكريا: ( أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) (4) ، أي مصدّقاً بالنبيّ عيسى، نظير التعبير عن مريم: ( وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا ) ، فكلمات اللَّه وكلمة الربّ تطلق على كلّ من اصطفاه اللَّه من أولياءه الحجج، سواء جعله نبيّاً رسولاً أو جعله إماماً للناس خليفة له في أرضه، فلا مجال للإنكار ولا للتنكّر عن هذه المعارف القرآنية؛ إذ عيسى حُبي بهذه الحبوة وهو كونه كلمة، وهذه الحبوة ليست من مناصب خصوص النبوّة ولا من حالاتها، وإنّما هي من شؤون عموم الاصطفاء والجعل الإلهي.

قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا ِلأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (5) ، طلب عيسى من اللَّه سبحانه أن يُنزّل مائدةً من السماء اطمئناناً

____________________

1) سورة البقرة: 37.

2) مستدرك الحاكم، ج2، ص615.

3) سورة التحريم: 12.

4) سورة آل عمران: 39.

5) سورة المائدة: 112 - 114.


لقلوب الحواريين وقد استجاب اللَّه لسؤاله وأكرمه بنزول المائدة، فكانت تلك المائدة كرامةً لعيسى بن مريم عليه‌السلام ، علماً أنّ هذه الكرامة ليس لخصوص منصب كونه نبيّاً ورسول اللَّه، بل لكونه حجّة إلهية، وبذلك فقد ألقى اللَّه حجّته على الحواريين بحجّية عيسى بن مريم، على أنّ الحجّية كلّما اشتدّت كلّما اشتدّت العقوبة واشتدّ تنجيزها.

قوله تعالى: ( وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) (1) ، قد تفسّر البينات بالمعجزة، إلاّ أنّ المعجزة مشتركة مع جميع الأنبياء، فلا يبعد أن تكون البينات منزلة إلهية غير أصل معجزة النبوّة، والقرينة على ذلك هو مجيئه بالحكمة، فهو إشارة إلى خصوصية اختصّ بها عيسى إضافة لنبوّته.

والعامّة لا يثبّتون للنبيّ من وراء نبوّته مقاماً آخر، وهذه مشكلة تُضاف إلى الأذهان لتتبلّد عن معرفة النبوّة ومقاماتها الإلهية وكراماتها من اللَّه تعالى.

____________________

1) سورة الزخرف: 63.


القائمة الثالثة

معجزات الأنبياء

إنّ الهدف من المعجزات هو التصديق والإذعان والإخبات لنبوّة النبيّ الذي يأتي بالمعجزة. فإتيان موسى عليه‌السلام بتسع آيات، أي: معجزات، فكلّما أتى بمعجزة ورأوا العذاب قد حلّ بساحتهم، سألوا موسى أن يرفع اللَّه عنهم ما أصابهم حتّى يؤمنوا لمّا شاهدوا من الحقّ، فإذا رُفع عنهم العذاب رجعوا إلى ما هم عليه من التكذيب والبهتان.

وهكذا تستمر المعجزة باستمرار الحاجة في التصديق وإلقاء الحجّة على القوم الذين يأتيهم إنذار من اللَّه تعالى. والمعجزة من سنخ الهداية الإيصالية لا الإرائية المحضة.

وهكذا في جميع الأنبياء تُلاحظ حالات الإعجاز المتواترة المستمرّة، كما أنّ المعجزة ليست إلاّ ما عجزت جميع البشرية عن إتيان مثلها، فتحدّي صالح عليه‌السلام قومه بإتيان ناقة من الجبل لا يعني تحدّ لقوم صالح وحدهم، بل إنّ التحدّي هذا مستمرّ على مدى استمرار البشرية قاطبة وإلى أبد الآبدين.

فالخطاب والتحدّي عام شامل، فالمعجزة هو التحدّي لإقرار ادّعاء منصب إلهي.

كما أنّ المعجزة شرطها مقام التحدّي فضلاً عن كونها حَبوة، إلاّ أنّ الإعجاز استمراره قائم إلى اليوم، وسرّ ذلك أنّ آيات اللَّه باقية حتّى اليوم والكلام في المقام


هو كون البينات والآيات المتولّدة من المعجزة سواء كانت علمية أو تكوينية استمرارها وقابلية تحدّيها إلى اليوم. وخصائص القرآن الإعجازية أنّه علمي، أي أنّ المعجزة القرآنية في عين أنّه علم فهو قدرة إعجازية غيبية. ثمّ هل أنّ التصديق من سنخ الهداية الإيصالية أم الهداية الإراءية؟

والهداية الإراءية: معرفة المطلب وتشخيصه والتنجيز وإقامة الحجّة، أما الإيصالية فهي: الإيصال إلى الهدف. والإمامة هي هداية إيصالية، والذي يدلّل على أنّ الأنبياء المرسلين كلّهم اشتملوا على مقام آخر وهو كونهم أئمّة هداة: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (1) ، هو إتيان الأنبياء للمعاجز، إذ هو دالّ على أنّ هناك غرض إلهي وهو الهداية الإيصالية، فالهداية الإيصالية هي محطّ غرض إلهي وهي الإمامة، وحينئذٍ فإنّ هذه المعاجز هي في صدد الهداية الإيصالية.

وبمعنى آخر: فإنّ المعاجز لا يقتصر غرضها على الإرادة والهداية الإراءية وإقامة الحجّة فقط، كما اشتهر عند المتكلّمين. بل إنّ غرضها هو الهداية الإيصالية، كذلك هي الإمامة.

وممّا يعزّز ذلك ما أشرنا إليه في مواضع متعدّدة من أنّ المعجزة ليست مجرّد برهان من العلم الحصولي كما اشتهر عند المتكلّمين، بل هي برهان عياني من العلم الحضوري؛ إذ في المعجزة يدرك ويلمس من يُحتجّ عليه بها لمعان الغيب ويشهد رفع الستار عن وجه من القدرة الغيبية، ومن ثمّ صحّ ممّن احتجّ عليه بالمعجزة أن يشهد ويتشهّد بمؤدّى المعجزة، أي بالأمر الذي أُريد إثباته بالمعجزة، كما يتشهّد المؤمن بالشهادتين وبالشهادة الثالثة، حيث إنّ ذلك التشهّد ليس استعمالاً مجازياً

____________________

1) سورة الأنبياء: 73.


ولا إقراراً لسانياً كلقلقة محظة، بل هو إخبار قطعي وإنباء عمّا أدركه شهوداً.

ولا سبيل للمؤمن لشهود التوحيد، والنبوّة، والإمامة، والمعاد، إلاّ بعيان الأدلّة الإعجازية، سواء العلمية أو الآيات الخارجية: (لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان) (1) . ومن ثمّ أجاز النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله شهادة خزيمة بن ثابت فسُميّ بذي الشهادتين.

وعلى ضوء ذلك فإنّ من شأن المعجزة الجذب والهداية الموصلة إلى المطلوب من دون إلجاء، فدور النبوّة هو الاحتجاج بتوسّط التعريف بالغرض والغاية، في حين أنّ الإمامة هي إيصال للغرض، كما في قوله تعالى: ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (2) ، فالمنذر هو معرّف للغرض، والهادي هو الموصل بالهداية الإيصالية إلى الغرض.

ومعنى ذلك: أنّ الإراءة والبيان من صنع اللَّه تعالى، أمّا الإيمان - أي التصديق - فهو من فعل البشر، فالنبيّ الباطن هو العقل النظري، إلاّ أنّ العامّة ترى أنّ النبوّة هي مجرّد إراءة وبيان وليس أكثر من ذلك.

فالمعاجز دالّة على أنّ أصحابها لهم مقام الإمامة والتي هي هداية إيصالية دائمة متواجدة، وكونها أحد الأغراض الإلهية الهامّة في بعثة الأنبياء.

____________________

1) نهج البلاغة، الخطبة 179.

2) سورة الرعد: 7.



القائمة الرابعة

مؤدّى السنّة الإلهية في معاجلة العذاب للأمم

وهو مسلسل العذاب والعقوبات التي تطال الأُمم في دار الدنيا، وهذا المسلسل يطالعنا فيه القرآن الكريم في موارد عدّة، مثل قوم لوط وعاد وقوم ثمود وصالح وموسى.

ومسلسل هذا العذاب في صوره العديدة التي يحكيها القرآن الكريم قد رُفِع عن أُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله سواء كان المسخ أو غيره، إلاّ أنّ بعض صوره الأُخرى تراودها وتعاقب بها، من قبيل الأمراض والفتن وغيرها، فضلاً عن الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل وغيرها.

وإنّ الإرادة التشريعية الإلهية للأُمم لم يكتفِ اللَّه تعالى بتنظيرها اعتباراً، بل أراد تحقّقها في النشأة الدنيوية، واللَّه تعالى يعالج بعضهم بالعذاب والغرض منه إنجاز الهداية الإيصالية، والقرآن يصرّح في سورة الفجر بهذه الحقيقة بقوله تعالى:

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (1) ، أي أنّ استمرار المراقبة والرقابة الإلهية المستمرّة لمنع الفساد والطغيان في الأرض.

____________________

1) سورة الفجر: 6 - 14.


وكذا في سورة الحشر في إجلاء أهل الكتاب: ( وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (1) ، فعلّل معاجلة العذاب لهم في الدنيا بمشاققتهم للَّه ولرسوله، وأنّ هذا سنّة إلهية، وهذا نظير اعتراض الملائكة على اللَّه تعالى عند خلق الإنسان: بأنّه يريد هلاك الحرث والنسل وسفك الدماء، ولكن الباري عزّ وجلّ أنبأهم بالواقع، وبخلاف ما ظنّوه، وخلاف ما اعتقدوه؛ إذ من هذا البشر سيكون أولياء وأنبياء وصلحاء، يهدون إلى الخير والوصول إلى الهداية الإيصالية فضلاً عن الهداية التشريعية.

وإنّ الهداية الإيصالية هي من غايات الهداية التشريعية، وأن يكون المجتمع البشري مجتمعاً فاضلاً تكاملياً وإصلاحياً لجميع البشر، والوصول إلى الحقيقة وهي العبودية الخالصة للَّه عزّ وجلّ والوصول إلى الأهداف والأغراض المطلوبة، هذا مضافاً إلى أنّ فريضة الإيمان بالمعاد الغرض منها هو التحرّك والحركة إلى الهداية الإيصالية، فإنّ الإيمان بالمعاد هو لغرض الوصول إلى الغاية الحقيقية وهو الهداية الإيصالية، فكون المعاد ضرورة، بمعنى: أنّ الأُمور ليست من دون علّة غائية وغرض نهائي.

____________________

1) سورة الحشر: 3 - 4.


القائمة الخامسة

مسلسل سيرة حكومة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في القرآن

إنّ هذا المسلسل في سيرته صلى‌الله‌عليه‌وآله - خصوصاً في السور المدنية حيث نلاحظ سلوكياته وتصرّفاته السياسية والاجتماعية وغيرها - هي من نمط الهداية الإيصالية، التي هي من نمط الإمامة.

فجانب منها في القضاء، كما في قوله تعالى: ( وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) (1) . وقوله تعالى: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (2) .

وجانب آخر في تدبيره للأموال العامّة ، كقوله تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (3) . وقوله تعالى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (4) .

أمّا الجانب السياسي والتنظيم الحربي فلقوله تعالى: ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ) (5) ، وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) (6) ، وقوله تعالى: ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ

____________________

1) سورة النور: 48.

2) سورة النور: 51.

3) سورة الأنفال: 1.

4) سورة الأنفال: 41.

5) سورة الأنفال: 58.

6) سورة التوبة: 123.


لَهَا ) (1) .

وقوله تعالى: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) (2) .

وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا اُخِذَ مِنْكُمْ ) (3) .

وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) (4) .

وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) (5) .

وقوله تعالى: ( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) (6) .

أمّا الجانب الاجتماعي والتقنين الأُسري ، فلقوله تعالى: ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ) (7) .

وفي الجانب الأمني ، قوله تعالى: ( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) (8) .

فضلاً عن الآيات التي تحدّثت عن إقامة أحكام الحدود مثل الزنا والسرقة وغيرها.

كما أنّ الولاية العامّة وغيرها ليست مرتبطة بالنبوّة، بل بإمامته وولايته صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لقوله تعالى: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (9) ، بيان صلاحيته صلى‌الله‌عليه‌وآله في إقامة المعاهدات مع أهل الكتاب أو قتالهم وحقوق المسلمين وما يتعلّق بشؤونهم.

إذن فالموارد التي مارسها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأقام في حكومته بإجراءاتها وتنفيذ الإرادة الإلهية فيها، أشار إليها القرآن بذكر بعض تفاصيلها فضلاً عن الإشارة إلى أحكامها.

وإنّ أوامر اللَّه تعالى للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله التي وردت في القرآن الكريم كانت بمستوى

____________________

1) سورة الأنفال: 61.

2) سورة الأنفال: 67.

3) سورة الأنفال: 70.

4) سورة النساء: 144.

5) سورة الممتحنة: 1.

6) سورة التوبة: 43.

7) سورة الأحزاب: 37.

8) سورة التوبة: 108.

9) سورة الأحزاب: 6.


التنفيذ والتنجيز لا التنظير الكلّي فقط، وهي تشريعات لإقامة الدولة، حتّى أنّ المسلم ليشعر أنّ الإسلام له دخل في كلّ تفاصيل حياته اليومية فضلاً عن كلّيات أحكامها، والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان أوّل مصداق في تطبيق هذه العلاقة القرآنية.

وبعبارة أُخرى: أنّ أسباب النزول في التشريعات القرآنية في دولة الرسول وحكومته ليس مفاد سبب النزول وثمرته، التي هي بيان المعنى الكلّي للتشريع وتوضيحه فقط، بل هناك بُعدٌ هام بالغ الخطورة أيضاً في معنى سبب النزول لتلك التشريعات القرآنية هو: أنّ تلك الموارد لأسباب النزول تصدّي من اللَّه تعالى لتدبير الحكم السياسي في المجالات المختلفة بإرادة إلهية لا بإرادة نبويّة.

فمن ثمّ التصرّف الحكومي والحاكمي يسند إليه تعالى، فالحاكم الأوّل في حكومة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل هو اللَّه تعالى؛ يتصدّى في المنعطفات الخطيرة السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والأمنية، وغيرها، في دولة وحكومة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحاكم الثاني هو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكذلك الحال في حكومة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فإنّ الحاكم الأوّل في المنعطفات الخطيرة هو الباري تعالى ثمّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، عبر ارتباط أمير المؤمنين بالغيب بالعلم اللدنّي، والحاكم الثالث هو أمير المؤمنين كما في الأمر بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، في برنامج حكومته عليه‌السلام .

وكذلك في حكومة الحَسَنَين عليهما‌السلام على العراق، وكذلك في حكومة الإمام المهدي (عج)، وحكومة سائر الأئمّة، فيستشهد بسيرة دولة الرسول في آيات القرآن على أنّ الحاكمية السياسية في التفاصيل الخطيرة كانت بعهدة الباري تعالى.

وذلك أنّ ممارسة القضاء وإدارة السياسات المالية والاجتماعية وغيرها هي من قبل اللَّه تعالى وثانياً النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ ولاية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله التي من خلالها يمارس صلاحياته في الحكم والقضاء هي فرع ولاية اللَّه تعالى، فالحكم الجزئي التنفيذي الإجرائي فضلاً عن الكلّي هو من قبل اللَّه تعالى.


ففي دولة الرسول الحاكم المباشر لا بمعنى التجسيم والتشبيه، بل بمعنى أنّ إرادته تعالى تتنزّل على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله فينفّذها من دون أن يكون التصرّف الحكومي منبعثاً من إرادة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإرادة اللَّه تعالى متنزّلة في القرارات الجزئية التفصيلية من معاهدات وحروب وعلاقات كذلك.

والإمامية تستشهد بذلك على الإمامة، وهل أنّ اللَّه تعالى يعمل حاكميته السياسية في فترة معينة دون غيرها من الفترات بغضّ النظر عن ولايته تعالى التكوينية؟

فإذا كان المصدر الرئيسي للأحكام الجزئية التنفيذية التفصيلية في المنعطفات الخطيرة وممارستها من قبل اللَّه تعالى، فهل هذه الممارسة هي لفترة محدودة تقتصر على الحقبة النبويّة المباركة - أي من خلال وجوده الشريف فقط - دون فترة ما بعد رحيله الشريف، ثمّ تنقطع بعد ذلك ولاية اللَّه تعالى في الإشراف السياسي وتلغى؟ أم لابدّ لولاية اللَّه تعالى من الاستمرار والدوام والبقاء؟

فإن قلنا بالأوّل - وهو انقطاع ولايته تعالى عند وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله - ألزمنا أنفسنا بالتعطيل وانحسار إرادته تعالى، ومن ثمّ عجزه - والعياذ باللَّه - عن الأمر، وبالتالي عزل إرادته عن الحاكمية على خلقه، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، وقد قال تعالى: ( إِنِ الْحُكْمُ إلاّ لِلَّهِ ) (1) ، وأنكر على اليهود قولهم: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) (2) ، فيد تصرّفه تعالى مبسوطة لا مغلولة.

وإذا أخذنا بالقول الثاني وهو استمرار ولايته وبقاؤها فعن أي طريق تمرّ وتتنزّل إرادته وولايته تعالى، ومن أي قناة ستكون؟ إذ هو تعالى لا يُحسّ ولا يُجسّ ولا يُجبه.

____________________

1) سورة الأنعام: 57.

2) سورة المائدة: 64.


فالقول بولايته تعالى في الحاكمية السياسية في النظام البشري إذن يلزم منه القول بوجود المعصوم في كلّ وقت وفي كلّ زمان، وهو معنى قوله تعالى بنحو دائم كلّي عام: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) (1) ، وقول أمير المؤمنين عليه‌السلام : (إنّ الأرض لا تخلو من حجّة)، فالحجّة هنا هي القناة المعصومة التي من خلالها إمرار ولايته تعالى وإنفاذها على الخلق، وهو ما يدعو إلى القول بوجود الإمام المعصوم في كلّ آن من آنات الخلق، فهو سفير اللَّه في خلقه.

ولذلك يطالعنا القرآن الكريم بسيرته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويضيف إلى ذلك سيرة الأنبياء الباقين في تأسيس الدولة، كما في سيرة موسى وسليمان وداود وطالوت وذي ‏القرنين، فقد أقاموا دولهم وشكّلوها بأمر إلهي صرف استعرض بعض جوانبها القرآن الكريم.

فمباشرة اللَّه تعالى للتفاصيل السياسية في حاكمية التدبير لجزئيات الأُمور نصّ عليها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ) ، إذ هذا الاختبار لأصحاب طالوت ليس باختياره، بل هو بأمر اللَّه تعالى كما في غيرها من موارد أحكام الأنبياء، إلاّ أنّ سيرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله تلاحظ بشكل أكثف وأكبر تركيزاً على مستوى آيات القرآن الكريم.

وهنا تنبيه يجدر الإشارة إليه: وهو أنّ بعض المفسّرين لم يبلوروا ويميزوا بين التشريع والتنزيل، وبين مورد النزول ومورد التنزيل، إذ جعلوا مورد النزول والتنزيل مجرّد شاهد ومبيّن لمعنى التنزيل الكلّي أي التشريع العام لا أكثر من ذلك، وهذا بخس في حقيقة التنزيل.

فالمفسّرون فهموا أنّ التنزيل دوره تفسيري إيضاحي للآية دون أن يكون له

____________________

1) سورة البقرة: 30.


دور آخر، في حين أنّ التنزيل هو نوع ممارسة فعلية لحاكمية اللَّه تعالى السياسية في الجزئيات التفصيلية وسلطته السياسية، وهذا مفاده غير مفاد التشريع.

وقد ذهب أهل سنّة الجماعة إلى هذه الشبهة التي تؤول إلى ما اعتقده اليهود من أنّ اللَّه تعالى شرّع فقط ولم يمارس الحاكمية والسلطة السياسية التفصيلية في تدبير النظام السياسي الاجتماعي والحكم التنفيذي، وهو قوله تعالى: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) (1) ، فالتعطيل الذي تصوّرته اليهود في حقّه تعالى، قد انجرّ إلى بعضهم حتّى عطّلوا إرادته؛ إيهاماً منهم بأنّ اللَّه تعالى لم يمارس ولايته إلاّ في حدود التشريع فقط، أي في السلطة التشريعية دون السلطة السياسية التنفيذية والقضائية.

في حين أنّ متابعة سريعة لآيات القرآن الكريم، يجد من خلالها الباحث أنّ وقائع قرآنية، سواء التشريعية أو المالية أو السياسية أو القضائية وغيرها، لم تنفرد فيها إرادة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله دون إرادة اللَّه تعالى.

فالتنزيل إذن ليس هو تنزيل لألفاظ التشريع الكلّي فقط لا غير، بل هو أحد جهاته، والتنزيل حقيقة هو إعمال ولايته تعالى السياسية المباشرة على جميع الدقائق والجزئيات التفصيلية الخطيرة في منعطفات الحياة الاجتماعية السياسية.

كما أنّ التنزيل هو تطبيق التشريع الكلّي على مصاديقه، أي استمرار حاكمية اللَّه تعالى السياسية التفصيلية في كلّ الموارد.

ثم إنّ التنزيل والتأويل كلّ منهما انطباق الحكم الكلّي على مصاديقه، إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ التنزيل هو بدء نزول الأحكام، والتأويل هو استمرار نزول الأحكام.

فحاكمية اللَّه تعالى هو تنزيل إرادته في تفاصيل الجزئيات الخطيرة، إذ لا تستند

____________________

1) سورة المائدة: 64.


إلى النبيّ أو الوصيّ عليهما‌السلام ، وهذه موجودة في كلّ دول الأنبياء كما في دول موسى، وسليمان، وداود، وطالوت - إذ هم محطات -، وهذه الإرادة الإلهية تمارس من قبل المعصوم عليه‌السلام ، وحيث ورد أنّهم أوعية لمشيئات اللَّه تعالى، ممّا يعني أنّ الإرادة الكلّية تتوزّع وتتفصّل على كلّ الإرادات الجزئية، وهذا هو التأويل، أي: أَوْل الإرادات الجزئية إلى الإرادة الإلهية الكليّة، أي رجوع كلّ الإرادات إلى الإرادة الإلهية وطريقها المعصوم عليه‌السلام الذي تمرّ من خلاله إرادات اللَّه تعالى.

هذا هو تفسير نظرية الإمامة، حيث تظهر من خلالها أهمّ مظاهر التوحيد، وهو التوحيد في الولاية، فالاعتقاد بالنبوّة والرسالة توحيد في التشريع، والاعتقاد بالإمامة توحيد في الولاية، فأصول الدين كلّها أبواب للتوحيد حتّى الإيمان بالمعاد توحيد في الغاية: ( إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ) .

فالإمامة توحيد في السلطة والحاكمية في النظام السياسي الاجتماعي، وذلك من خلال إرجاع كلّ الجزئيات التفصيلية الخطيرة في تدبير النظام البشري لإرادة واحدة تمثّل وحدة المرجع الربوبي عن طريق قناة معصومة يمثّلها الإمام، ممّا يعني أنّ هناك منصب غير منصب النبوّة يتمّ من خلاله تدبير الشؤون الكلّية والجزئية، وهي نوع إعمال للإرادة الإلهية القاهرة.

كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله له ذلك المنصب وهو الإمامة، ولابدّ من استمراره من بعده إلى يومنا هذا، بل إلى يوم القيامة؛ لضرورة استمرار ولاية اللَّه تعالى في الحاكمية والسلطة السياسية على البشر، وفي زماننا هذا هو الإمام المهدي (عج)، حيث يدبّر ويدير النظام البشري عبر خفاء الغيبة وسرّيّتها إلى أن يئن آنُ الإعلان والظهور.

إلى هنا تمّ الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع - بإذن اللَّه تعالى - وهو المستعان، وله المنّة والفضل، والحمد للَّه أوّلاً وآخراً.



محتويات الكتاب

المقدّمة 5

مقدّمة المؤلّف ..7

الفصل الرابع: الغلوّ والتقصير .9

الفرقتان أو الثلاث المذمومة 11

جدلية الغلوّ والتقصير في قول بعض أعلام الطائفة 17

لا غلوّ ولا تقصير بل معرفة بحقّهم .21

إلفات إلى قاعدة في الغلو 25

ملازمة بين الغلوّ والتقصير: 28

أسباب التقصير: 28

قاعدة آلية لنفي الغلوّ والتقصير .36

قاعدةٌ آلية أُخرى وهي معرفتهم بالخِلْقَة النوريّة 41

الفصل الخامس: فهرست المناهج التي اعتمدها الإمامية 57

نبذة في تطْويف الآيات القرآنية الدالّة على الإمامة 63

جدولة مصادر الطوائف ..64

النصوص القرآنية الدالّة على إمامة أهل البيت عليهم‌السلام....67

أولاً: آيات الراسخون في علم الكتاب ..67

ثانياً: آيات مَن عندهم بيان تبيان الكتاب لكلّ شي‏ء 72

ثالثاً: الذين يحيطون بالكتاب المبين .81

رابعاً: المطهّرون، والكتاب المكنون، واللوح المحفوظ. 90

خامساً: وراثة الكتاب والعصمة في التدبير .93

قراءات جديدة في آيات وحديث الغدير 103

توحيد اللَّه في العبادة بولايتهم وطاعتهم .113

المنهج السلفي وعبادة إبليس: 115


صورية الطاعات بدون الولاية 125

الإيمان شرط في قبول الأعمال .125

ولاية أهل البيت عليهم‌السلامشرط لقبول الأعمال .128

قراءة ثالثة للقاعدة: العبادة من دون الولاية عصيان وعدوان .134

القراءة الثانية: ولاية عليّ عليه‌السلامفي الشرائع السابقة 141

النبوّة والولاية 143

قاعدة أديانية: وحدة الدين وتعدّد الشرايع .143

ولاية عليّ عليه‌السلامأصل في الدين لا من فروع الشريعة: 145

القواعد الثلاث الأُمّ المحيطة في معرفة مقاماتهم .147

التوجّه إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآلهبالدعاء 150

حقيقة ابتغاء الوسيلة هو قصدها 154

انحصار إجابة الدعاء بطلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآلهمنه تعالى .159

حقيقةُ التوسّل والتوجّه بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآلهتقديمُه أمام التوجّه 161

وساطة النبيّ وشفاعته في نيل جميع الأنبياء والمرسلين للنبوّة والمقامات: 162

معنى شرطية الولاية في صحّة العبادات: 166

بقاء جميع الكتب السماوية بهم عليهم‌السلامدعاته تعالى إلى كتبه 175

العصمة النوعية الولاية والإمامة النوعية 187

الوجه النقلي في الأحاديث النبويّة: 194

القراءة الجديدة الثالثة في حديث الغدير وولايتهم السياسية المدنية 207

تلوّن الفقه بولايتهم عليهم‌السلامموقعية الإمامة في بقية أركان الدين .213

الضريبة المالية: 219

السلطة في النظام العالمي: 220

النظام الإيماني في‏النظام المدني: 221

المشاركة في الأنظمة الوضعية: 221

الإمامة والنظام المالي: 221

حرمة طاعة حكام الجور والطواغيت ..225


الفصل السادس: أقسام الصلاحيات المفوَّضة لهم عليهم‌السلام....231

الأقوال في التفويض: 231

أقسام التفويض: 235

صلاحية التشريع مبدأً، وماهيةً، ومنتهى .253

منابع علومهم عليهم‌السلامهي مصادر ومتون الشريعة 257

أقسام الوحي: 257

حقيقة التشريع النبويّ: 266

الفصل السابع: ليلة القدر حقيقة الإمامة (أُسّ المعرفة) 273

ليلة القدر في أقوال أهل سنة الجماعة 275

للقرآن نُزولان: 275

معنى القدر: 275

بقاء ليلة القدر في كلّ عام: 276

ليلة القدر عوض للنبيّ من غصب بني أُميّة الخلافة: 276

تنزّل الملائكة على أرواح البشر: 277

مَن الروح النازل ليلة القدر؟ 278

ما هي الأُمور التي تتنزّل بها الروح والملائكة؟ 279

اشتمال مراتب القرآن على المقدّرات الحادثة في كلّ عام: 281

أُمّ الكتاب في القرآن متضمّنة لتقدير كلّ شي‏ء 282

ليلة القدر عوض للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهوآله: عن غصب الخلافة 282

حقيقة الروح النازل ليلة القدر 283

بقاء ليلة القدر في كلّ عام 284

ليلة القدر عوض له صلى‌الله‌عليه‌وآلهعن غصب بني أُمية خلافته 285

حقيقة النازل الذي نزل في ليلة القدر 288

جهل الخلق بحقيقة ليلة القدر 288

حقيقة نزول القرآن جملة واحدة 288

تقدير الأُمور في ليلة القدر على من تُنزّل؟ 289


أقوال علماء سنّة الجماعة في عِوَضية الليلة له عن غصب الخلافة 290

ليلة القدر مع الأنبياء في ما مضى فهي مع من في ما بقي .291

ليلة القدر يفصل فيها المقدّرات لأحداث كلّ السنة 293

ليلة القدر يتحقّقها وتتنزّل على من شاء اللَّه تعالى من عباده 293

ليلة القدر في سورة الشورى والنزول الأول للقرآن .295

ليلة القدر في روايات أهل سنّة الخلافة 297

دوام ليلة القدر في كلّ عام إلى يوم القيامة 297

النزول في ليلة القدر وحي للأنبياء، واستمراره بعد الأنبياء 298

استمرار نزول باطن القرآن في ليلة القدر إلى يوم القيامة 301

تباين حقيقة النازل من القرآن في المرتين .303

تكرّر نزول جملة القرآن مرّتين بل أكثر إلى يوم القيامة 303

نزول القرآن ليلة القدر على آل محمّد عوض غصب الخلافة 304

حقيقة القرآن هي الروح النازل ليلة القدر 307

حقيقة الوحي هو نزول الروح كما في ليلة القدر، ومستمرّ إلى يوم القيامة 308

عقيدة البَدَاء وحقيقة ليلة القدر 308

دوام ليلة القدر من الروايات الحاثّة على فضيلتها في الصحاح .313

شهر رَمَضَان إعداد لليلة القَدْر 315

وهي باب عظيم لمعرفة الإمام عليه‌السلام....315

بِيئة ليلة القدر شهر رمضان .316

أوصاف ليلة القدر 318

ليلة القَدْر بيئةٌ لنزول القرآن كلّ عام 322

مكان نزول القرآن .327

الروح النازل في ليلة القدر هو القرآن .330

اختلاف صفات القرآن في النزولَين .335

النمط الثالث للنزول .336

حقيقة وراثة الأوصياء للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله....337

قراءة جديدة في حديث الثقلين وأنّ الأئمّة عليهم‌السلامهم الثقل الأكبر .339


قراءة جديدة في آية ( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) .339

قراءة جديدة في حفظ وبقاء الذكر والقرآن المنزّل .341

الوجودات الأربعة للقرآن .342

حقيقة القرآن ووجوده 345

الأمر الثاني: إنّ للقرآن درجات ومدارج .347

حقيقة تبليغ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهوأهل بيته عليهم‌السلام ....348

قراءة في معنى إكمال الدين بعليّ عليه‌السلام....353

تلقي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآلهوأهل بيته للكلمات بوجودها التكويني لا الاعتباري: 361

نعوت حقيقة الكتاب وهي روح القدس .367

الثقل الأكبر هو القرآن الناطق .370

على مَنْ يتنزّل الروح والملائكة في ليلة القدر؟ 387

نزول الروح وحيٌ رباني .388

نسب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآلهوأهل بيته هو سورة القدر: 392

روح القدس وراثتهم عليه‌السلامللكتاب وعلوم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : 395

الفصل الثامن: معتقدات الإمامة والمهدي عليه‌السلام....401

المقالة الأولى: العلم اللدُنّي والولاية 403

الشريعة بحسب الظاهر وسنن النظام الكوني .403

العلم اللدني المقوّم لماهية الإمامة 403

الأمر الأوّل: استعراض نماذج الإمامة في القرآن .429

النموذج الأوّل: قصّة الخضر وموسى عليه‌السلام....429

استعراض تفصيلي للآيات ..430

أوّلاً: خرق السفينة. 445

ثانياً: قتل الغلام. 446

ثالثاً: الجدار. 447

فوائد/ الفائدة الأُولى: حقيقة التشريع .449

الفائدة الثانية: 452


المقالة الثانية: التصدّي الخفيّ للإمام في إدارة النظام الاجتماعي .455

الفائدة الرابعة: 482

الفائدة الخامسة: 488

النموذج الثاني القرآني: قصّة ذي القرنين. 492

النموذج الثالث القرآني: قصة أصحاب الكهف ..498

سورة الكهف سورة الإمامة: 504

النموذج الرابع القرآني: قصّة طالوت ..506

النموذج القرآني الخامس: قصّة مريم .513

النموذج القرآني السادس: قصّة أُمّ موسى .524

النموذج القرآني السابع: قصة لقمان .526

النموذج القرآني الثامن: قصّة آصف بن برخيا صاحب سليمان. 531

النموذج القرآني التاسع: قصّة عُزير 536

إضاءة حول الرَّجعة: 538

النموذج القرآني العاشر: الحواريون .541

القائمة الثانية: من النماذج القرآنية 543

النموذج الأوّل لهذه القائمة: آدم عليه‌السلام. 544

النموذج الثاني: إبراهيم عليه‌السلام. 545

النموذج الثالث: إسحاق ويعقوب عليهما‌السلام.....548

النموذج الرابع: يوسف عليه‌السلام. 550

النموذج الخامس: موسى عليه‌السلام. 556

النموذج السادس: سليمان وداود عليهما‌السلام.....563

المشاركة في الحجية 566

النموذج السابع: عيسى عليه‌السلام. 567

القائمة الثالثة: معجزات الأنبياء 573

القائمة الرابعة: مؤدّى السنّة الإلهية في معاجلة العذاب للأمم .577

القائمة الخامسة: مسلسل سيرة حكومة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآلهفي القرآن .579

محتويات الكتاب ..587


الإمامة الإلهية الجزء ٢

الإمامة الإلهية

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الأستاذ الشيخ محمد سند
تصنيف: أصول الدين
الصفحات: 592