تربية الطفل في الإسلام

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: مركز الرسالة
الأسرة والطفل

تربية الطفل في الإسلام


مركز الرسالة

سلسلة المعارف الإسلامية (8)

تربية الطفل في الإسلام

مركز الرسالة


حقوق الطبع محفوظة للناشر شابك (ردمك) 4 - 037 - 319 - 964

0374 - 319 - ISBN 964

الكتاب: تربية الطفل في الإسلام

الناشر: مركز الرسالة الطبعة الأُولى / لسنة 1418 هـ‍.

المطبعة: مهر - قم الكمية: 2000 نسخة السعر: 1800 ريال

إيران - قم - هاتف: 730021، فاكس: 741420، ص. ب: 737 / 37185


بسم الله الرحمن الرحيم


مقدّمة المركز

حاول علماء التربية، قديماً وحديثاً، أن يهتدوا إلى منهجٍ تربويّ شامل: يُعنى بتحديد الأساليب والقيم والمعايير، الكفيلة بدراسة ما يناسب مرحلة الطفولة والصبا. وقد بذلوا في هذا الصدد جهوداً كبيرة وشاقّة ومتواصلة؛ حتى استطاعوا التوصّل إلى نظرات ومقترحات وتوصيات تُعدُّ ـ من وجهة علمية ـ قيّمة ونافعة، إلاّ أنّهم لم يتمكّنوا ـ مع ذلك ـ من تحديد المنهج الدقيق الذي يمكن الاستناد إليه في معالجة المشاكل المعقّدة، التي تكتنف تلك المرحلة الحسّاسة من عمر الإنسان، كما أخفقوا في حلِّ الصعوبات ـ المتزايدة يوماً بعد آخر ـ التي تواجه الآباء والأُمّهات والمربّين في هذا المجال.

ولعلّ من المؤسف حقّاً أن تتوجّه أنظار كثير من المسلمين ـ وخاصةً العاملين منهم في حقل التربية ـ إلى مدارس الغرب التربوية ليتلقّوا عنهم مناهجهم التربوية، وأن يفوتهم أنّ في الشريعة الإسلامية العلاج الناجع لجميع ما استُعصي عليهم حلُّه، وأنَّ في سيرة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي سيرة أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) معيناً لا ينضب من الوصايا والإرشادات، والتعاليم والتوجيهات التي لو استُخدمت في الحقل التربوي، ووظّفت في مجالاته المتعددة، لكانت كفيلة بترسيخ أروع القيم والمثل العليا في نفس الطفل، ولأقامته بناءً سليماً معافىً، ولجعلت منه شخصية سويّة قادرة على القيام بدورها ـ كما ينبغي ـ في بناء المجتمع.


إنَّ المنهج الإسلامي الذي يمكن تحديد معالمه وقواعده بالاستناد إلى القرآن الكريم، والسُنّة النبوية المطهّرة، وما أُثر عن الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، يهدف إلى تحقيق تربيةٍ متّزنة للطفل، تبدأ من قبل أن ينعقد جنيناً في رحم الأُم، وتستمر معه إلى أن يشبَّ عن الطوق، مروراً بمرحلة الحمل، والولادة والرضاعة، والطفولة المبكّرة.

والكتاب الذي بين يديك ـ أيُّها القارئ العزيز ـ استطاع أن يحدّد ملامح المنهج التربوي الإسلامي، الذي يُعنى بكيفيّة إعداد الطفل نفسياً وعقلياً وسلوكياً، مستنداً ـ في ذلك ـ إلى آيات القرآن الكريم، وإلى المأثور عن الرسول الأعظم نبيّنا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعن أهل البيت الطاهرين (عليهم السلام)؛ مستفيداً أيضاً من الدراسات العلمية الحديثة في هذا الإطار.

ويسرّ مركزنا أن يقدّم هذه الدراسة الممتعة والنافعة؛ إسهاماً منه في خدمة الآباء والأُمهات والمشتغلين في أُمور تربية الطفل، وذلك بتيسير أوضح السبل وأكثرها دقّة وأماناً في تنشئة الطفل نشأة قويمة صالحة؛ لكي يؤدّي دوره المنشود.

والله وليّ التوفيق

مركز الرسالة


المقدِّمة

الأُسرة هي المؤسّسة الأُولى والأساسية من بين المؤسّسات الاجتماعية المتعددة المسؤولة عن إعداد الطفل للدخول في الحياة الاجتماعية؛ ليكون عنصراً صالحاً فعّالاً في إدامتها على أساس الصلاح والخير والبناء الفعّال. والأُسرة نقطة البدء التي تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، فهي نقطة البدء المؤثّرة في كلِّ مراحل الحياة إيجاباً وسلباً، ولهذا أبدى الإسلام عناية خاصة بالأُسرة منسجمة مع الدور المكلّفة بأدائه، فوضع القواعد الأساسية في تنظيمها وضبط شؤونها، وتوزيع الاختصاصات، وتحديد الواجبات المسؤولة عن أدائها، وخصوصاً تربية الطفل تربية صالحة، وتربية سليمة متوازنة في جميع جوانب الشخصية الفكرية والعاطفية والسلوكية. ودعى الإسلام إلى المحافظة على كيان الأُسرة وإبعاد أعضائها من عناصر التهديم والتدمير، ومن كلِّ ما يؤدّي إلى خلق البلبلة والاضطراب في العلاقات التي تؤدّي إلى ضياع الأطفال، بتفتيت الكيان الذي يحميهم ويعدّهم للمستقبل الذي ينتظرهم. وجاءت تعليمات الإسلام وإرشاداته لتخلق المحيط الصالح لنمو الطفل جسدياً وفكرياً وعاطفياً وسلوكياً، نموّاً سليماً يطيق من خلاله الطفل، أو إنسان المستقبل مقاومة تقلّبات الحياة والنهوض بأعبائها، ولهذا ابتدأ المنهج الإسلامي مع الطفل منذ المراحل الأُولى للعلاقة الزوجية، مروراً بالولادة والحضانة ومرحلة ما قبل البلوغ، وانتهاءً بالاستقلالية الكاملة بعد الاعتماد


على النفس.

ونوزّع البحث هنا على فصول: نتناول في الفصل الأول: المنهج التربوي العام في العلاقات الأُسرية، ثم نعرض في الفصل الثاني: (مرحلة ما قبل الاقتران ومرحلة الحمل)، ونتناول في الفصل الثالث: (مرحلة ما بعد الولادة مرحلة الرضاعة)، ثم نعرض في الفصل الرابع ما يتعلّق بمرحلة الطفولة المبكّرة، وأخيراً نتناول في الفصل الخامس: المرحلة الأخيرة (مرحلة الصبا والفتوّة)، وسنقوم بالإفادة من الآيات والروايات، خاصة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، مستفيدين من المعطيات العلمية الحديثة.

ومنه تعالى نستمد العون والتسديد.


الفصل الأول

المنهج التربوي العام في العلاقات الأُسَريّة

العلاقات الأُسرية لها دورٌ كبير في توثيق بناء الأُسرة، وتقوية التماسك بين أعضائها، ولها تأثيراتها على نمو الطفل وتربيته، وإيصاله إلى مرحلة التكامل والاستقلال.

والأجواء الفكرية والنفسية والعاطفية التي تخلقها الأُسرة للطفل؛ تمنحه القدرة على التكيّف الجدّي مع نفسه ومع أُسرته ومع المجتمع، ومن هذا المنطلق فإنّ الأُسرة بحاجة إلى منهج تربوي ينظّم مسيرتها، فيوزّع الأدوار والواجبات، ويحدّد الاختصاصات، للمحافظة على تماسكها المؤثّر في انطلاقة الطفل التربوية.

وتتحدد معالم المنهج التربوي بما يلي:

أولاً: الاتفاق على منهج مشترك

للمنهج المتبنّى في الحياة تأثير على السلوك، فهو الذي يجعل الإيمان والشعور الباطني به حركة سلوكية في الواقع، ويحوّل هذه الحركة إلى عادة ثابتة، فتبقى فيه الحركة السلوكية متفاعلة مع ما يُحدد لها من تعاليم


وبرامج، ووحدة المنهج تؤدّي إلى وحدة السلوك، فالمنهج الواحد هو المعيار والميزان الذي يوزن فيه السلوك، من حيثُ الابتعاد أو الاقتراب من التعاليم والبرامج الموضوعة، فيجب على الوالدين الاتفاق على منهج واحد مشترك يحدّد لهما العلاقات والأدوار، والواجبات في مختلف الجوانب، والمنهج الإسلامي بقواعده الثابتة من أفضل المناهج التي يجب تبنّيها في الأُسرة المسلمة، فهو منهج ربّانّي موضوع من قِبل الله تعالى، المهيمن على الحياة بأسرها، والمحيط بكل دقائق الأُمور وتعقيدات الحياة، وهو منهج منسجم مع الفطرة الإنسانية لا لبس فيه ولا غموض ولا تعقيد ولا تكليف بما لا يُطاق، وهو موضع قبول من الإنسان المسلم والأُسرة المسلمة، فجميع التوجيهات والقواعد السلوكية تستمد قوّتها وفاعليّتها من الله تعالى، وهذه الخاصيّة تدفع الأُسرة إلى الاقتناع باتباع هذا المنهج وتقرير مبادئه في داخلها، فلا مجال للنقاش في خطئه، أو محدوديته، أو عدم القدرة على تنفيذه، فهو الكفيل بتحقيق السعادة الأُسرية التي تساعد على تربية الطفل تربية صالحة وسليمة، وإذا حدث خلل في العلاقات أو تقصير في أداء بعض الأدوار، فإنّ تعاليم المنهج الإسلامي تتدخّل لإنهائه وتجاوزه.

والمنهج الإسلامي وضع قواعد كلّيّة في التعامل والعلاقات والأدوار والسلوك، أمّا القواعد الفرعية أو تفاصيل القواعد الكلّيّة ومصاديقها فإنّها تتغيّر بتغيّر الظروف والعصور، فيجب على الوالدين الاتفاق على تفاصيل التطبيق، وعلى قواعد ومعايير ثابتة ومقبولة من كليهما، سواء في العلاقات القائمة بينهما أو علاقاتهما مع الأطفال والأُسلوب التربوي الذي يجب اتباعه معهم؛ لأنّ الاختلاف في طرق التعامل وفي أُسلوب


العلاقات يؤدّي إلى عدم وضوح الضوابط والقواعد السلوكية للطفل، فيحاول إرضاء الوالد تارة والوالدة تارة أُخرى فيتّبع سلوكين في آنٍ واحد، وهذا ما يؤدّي إلى اضطرابه النفسي والعاطفي والسلوكي. (فإنّ الأطفال الذين يأتون من بيوت لا يتفق فيها الأب والأُم، فيما يخص تربية أطفالهم، يكونون أطفالاً معضلين أكثر ممن عداهم) (1) .

ثانياً: علاقات المودّة

من واجبات الوالدين إشاعة الودّ والاستقرار والطمأنينة في داخل الأُسرة، قال تعالى: ( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.. ) (2) .

فالعلاقة بين الزوج والزوجة أو الوالدين، علاقة مودّة ورحمة، وهذه العلاقة تكون سكناً للنفس، وهدوءاً للأعصاب، وطمأنينة للروح، وراحة للجسد، وهي رابطة تؤدّي إلى تماسك الأُسرة وتقوية بنائها واستمرار كيانها الموحّد، والمودّة والرحمة تؤدّي إلى الاحترام المتبادل، والتعاون الواقعي في حل جميع المشاكل والمعوّقات الطارئة على الأُسرة، وهي ضرورية للتوازن الانفعالي عند الطفل، يقول الدكتور سپوك: (اطمئنان الطفل الشخصي والأساسي يحتاج دائماً إلى تماسك العلاقة بين الوالدين، ويحتاج إلى انسجام الاثنين في مواجهة مسؤوليات الحياة) (3) .

____________________

(1) علم النفس التربوي، للدكتور فاخر عاقل: 111 ـ دار العلم للملايين 1985 ط11.

(2) الروم 30: 21، يراجع الميزان.

(3) مشاكل الآباء في تربية الأبناء، للدكتور سپوك: 44 ـ المؤسّسة العربية للدراسة والنشر 1980 ط3.


ويجب على الزوجين إدامة المودّة في علاقاتهما في جميع المراحل، مرحلة ما قبل الولادة والمراحل اللاحقة لها، والمودّة فرض من الله تعالى فتكون إدامتها استجابة له تعالى وتقرّباً إليه، وقد أوصى الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) بها فقال: (وأمّا حقّ رعيّتك بملك النكاح، فإن تعلم أنّ الله جعلها سكناً ومستراحاً وأُنساً وواقية، وكذلك كلّ واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه، ويعلم أنّ ذلك نعمة منه عليه، ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها، وإن كان حقّك عليها أغلظ وطاعتك بها ألزم فيما أحببت وكرهت ما لم تكن معصية، فإنّ لها حق الرحمة والمؤانسة، وموضع السكون إليها قضاء اللذة التي لابدّ من قضائها وذلك عظيم..) (1) .

وقد رَكّز أهل البيت (عليهم السلام) على إدامة علاقات الحبّ والمودّة داخل الأُسرة، وجاءت توصياتهم موجّهة إلى كلٍّ من الرجل والمرأة.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (خيركم خيركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي) (2).

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته) (3) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن اتخذ زوجة فليكرمها) (4) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أوصاني جبرئيل (عليه السلام) بالمرأة حتى ظننت أنّه لا ينبغي

____________________

(1) تحف العقول، للحرّاني: 188 ـ المكتبة الحيدرية ـ النجف 1380 هـ ط 5.

(2) مَن لا يحضره الفقيه، للصدوق 3: 281 | 14 باب حق المرأة على الزوج.

(3) مَن لا يحضره الفقيه، للصدوق 3: 281 ـ دار صعب ـ بيروت 1401 هـ.

(4) مستدرك الوسائل، للنوري 2: 550 ـ المكتبة الإسلامية طهران 1383 هـ.


طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة) (1).

فأقوال أهل البيت (عليهم السلام) وتوصياتهم في الإحسان إلى المرأة وتكريمها، عامل مساعد من عوامل إدامة المودّة والرحمة والحب.

وقد أوصى أهل البيت (عليهم السلام) المرأة بما يؤدّي إلى إدامة المودّة والرحمة والحب إنْ التزمت بها، ومنها طاعة الزوج، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت بعلها؛ فلتدخل من أي أبواب الجنّة شاءت) (2) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ما استفاد امرؤ فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة، تسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله) (3).

وشجّع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الزوجة على اتباع الحسن في إدامة المودّة والرحمة، بالتأثير على قلب الزوج وإثارة عواطفه (جاء رجل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: إنّ لي زوجة إذا دخلت تلقتني، وإذا خرجت شيّعتني، وإذا رأتني مهموماً قالت: ما يهمّك، إن كنت تهتم لرزقك فقد تكفّل به غيرك، وإن كنت تهتم بأمر آخرتك فزادك الله همّاً، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (بشّرها بالجنّة وقل لها: إنّك عاملة من عمّال الله ولك في كلِّ يوم أجر سبعين شهيداً) ـ وفي رواية ـ (إنّ لله عزّ وجلّ عمّالاً وهذه من عمّاله، لها نصف أجر الشهيد)) (4).

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه، للصدوق 3: 278 | 1 باب حق المرأة على الزوج.

(2) مكارم الأخلاق، للطبرسي: 201 ـ منشورات الشريف الرضي ـ قم 1410 هـ ط2.

(3) مكارم الأخلاق، للطبرسي: 200 ـ منشورات الشريف الرضي ـ قم 1410 هـ ط2.

(4) مكارم الأخلاق: 200.


وقال الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): (جهاد المرأة حسن التبعّل) (1) .

ومن العوامل المساعدة على إدامة المودّة والحب وكسب ودّ الزوج، هي الانفتاح على الزوج وإجابته إلى ما يريد، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (خير نسائكم التي إذا خلت مع زوجها خلعت له درع الحياء، وإذا لبست لبست معه درع الحياء) (2) .

فهي منفتحة مع زوجها مع تقدير مكانته، وبعبارة أُخرى التوازن بين الاحترام وعدم التكلّف.

وحدّد الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) العوامل التي تعمّق المودّة والرحمة والحب داخل الأُسرة، فقال: (لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته، وهي: الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبتها وهواها، وحسن خلقه معها، واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها، وتوسعته عليها.

ولا غنى بالزوجة فيما بينها وبين زوجها الموافق لها عن ثلاث خصال، وهي: صيانة نفسها عن كلِّ دنس حتى يطمئن قلبه إلى الثقة بها في حال المحبوب والمكروه، وحياطته ليكون ذلك عاطفاً عليها عند زلّة تكون منها، وإظهار العشق له بالخلابة والهيئة الحسنة لها في عينه) (3).

وعلاقات المودّة والرحمة والحب ضرورية في جميع مراحل الحياة، وخصوصاً في مرحلة الحمل والرضاعة؛ لأنّ الزوجة بحاجة إلى الاطمئنان والاستقرار العاطفي؛ وأنّ ذلك له تأثير على الجنين وعلى

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 278 | 6 باب حق الزوج على المرأة.

(2) الكافي، للكليني 5: 324 | 2 باب خير النساء، كتاب النكاح ـ دار التعارف بيروت 1401 هـ ط3.

(3) تحف العقول: 239.


الطفل في مرحلة الرضاع كما سيأتي.

ثالثاً: مراعاة الحقوق والواجبات

وضع المنهج الإسلامي حقوقاً وواجبات على كل من الزوجين، والمراعاة لها كفيل بإشاعة الاستقرار والطمأنينة في أجواء الأُسرة، فالتقيّد من قِبل الزوجين بالحقوق والواجبات الموضوعة لهم؛ يساهم في تعميق الأواصر وتمتين العلاقات الوديّة، وينفي كلّ أنواع المشاحنات والتوتّرات المحتملة، والتي تؤثّر سلبياً على جو الاستقرار الذي يحيط بالأُسرة، والمؤثّر بدوره على التوازن الانفعالي للطفل.

ومن أهم حقوق الزوج هو حق القيمومة، قال الله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.. ) (1) . فالواجب على الزوجة مراعاة هذا الحق؛ لأنّ الحياة الأُسرية لا تسير بلا قيمومة، والقيمومة للرجل منسجمة مع طبيعة الفوارق البدنية والعاطفية لكل من الزوجين، وأن تراعي هذهِ القيمومة في تعاملها مع الأطفال وتشعرهم بمقام والدهم.

وأهم الحقوق بعد حق القيمومة كما في جوابٍ في قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على سؤال امرأة عن حق الزوج على المرأة فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تتصدَّق من بيتها شيئاً إلاّ بإذنه، ولا تصوم تطوعاً إلاّ بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه..) (2).

____________________

(1) النساء 4: 34.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 277 | 1 باب حق الزوج على المرأة.


ومن حقوق الزوج قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (حق الرجل على المرأة إنارة السراج، وإصلاح الطعام، وأن تستقبله عند باب بيتها فترحّب به، وأن تقدّم إليه الطشت والمنديل وأن توضّئه، وأن لا تمنعه نفسها إلاّ من علّة) (1) .

ولأهمية مراعاة هذا الحق قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تؤدّي المرأة حق الله عزّ وجل حتى تؤدّي حق زوجها) (2) .

ووضع المنهج الإسلامي حقوقاً للزوجة يجب على الزوج مراعاتها، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) جواباً على سؤال اسحاق بن عمار عن حق المرأة على زوجها، فقال (عليه السلام): (يشبع بطنها ويكسو جثتها وإن جهلت غفر لها) (3).

وأجاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على سؤال خولة بنت الأسود حول حق المرأة، فقال: (حقّك عليه أن يطعمك ممّا يأكل، ويكسوك مما يلبس، ولا يلطم ولا يصيح في وجهك) (4).

ومن حقّها مداراة الزوج لها وحسن صحبته لها، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لمحمد بن الحنفية: (إنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فدارها على كلِّ حال وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك) (5) .

ومن حقّ الزوجة وباقي أفراد العائلة هو إشباع حاجاتهم المادية، قال

____________________

(1) مكارم الأخلاق 215.

(2) مكارم الأخلاق 215.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 3: 279 | 2 باب حق المرأة على الزوج.

(4) مكارم الأخلاق 218.

(5) مكارم الأخلاق 218.


رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله) (1) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ملعون ملعون من يضيع من يعول) (2) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (حقُّ المرأة على زوجها أن يسدَّ جوعتها، وأنْ يستر عورتها، ولا يقبّح لها وجهاً، فإذا فعل ذلك فقد أدّى والله حقّه) (3).

والالتزام بحقوق الزوج من قِبل الزوجة، وبحقوق الزوجة من قِبل الزوج ضروري لإشاعة الاستقرار في أجواء الأُسرة، فيكون التفاعل ايجابياً، ويدفع كلا الزوجين للعمل من أجل سعادة الأُسرة وسعادة الأطفال، واستقرار المرأة في مرحلة الحمل والرضاعة، ومرحلة الطفولة المبكّرة يؤثّر في استقرار الطفل واطمئنانه، والانطلاق في الحركة على ضوء ما مرسوم له من نصائح وإرشادات وتوجيهات، فينشأ مستقر الشخصية سوّي في أفكاره وعواطفه وسلوكه.

رابعاً: تجنّب إثارة المشاكل والخلافات

المشاكل والخلافات في داخل الأُسرة تخلق أجواءً متوتّرة ومتشنّجة تهدد استقرارها وتماسكها، وقد تؤدّي في أغلب الأحيان إلى انفصام العلاقة الزوجية وتهديم الأُسرة، وهي عامل قلق لجميع أفراد الأُسرة بما فيها الأطفال، حيثُ تؤدّي الخلافات والأوضاع المتشنّجة، بين الوالدين، إلى خلل في الثبات والتوازن العاطفي للطفل في جميع المراحل التي

____________________

(1) عدّة الداعي، لأحمد بن فهد الحلّي: 72 ـ مكتبة الوجداني قم.

(2) عدّة الداعي، لأحمد بن فهد الحلّي: 72 ـ مكتبة الوجداني قم.

(3) عدّة الداعي، لأحمد بن فهد الحلّي: 81 ـ مكتبة الوجداني قم.


يعيشها، بدءاً بالأشهر الأُولى من الحمل، والسنين الأُولى من الولادة والمراحل اللاحقة بها.

والأجواء المتوتّرة تترك آثارها على شخصية الطفل المستقبلية، و (إنّ الاضطرابات السلوكية والأمراض النفسية التي تصيب الطفل في حداثته والرجل في مستقبله، تكون نتيجة المعاملة الخاطئة للأبوين؛ كالاحتكاكات الزوجية التي تخلق الجو العائلي المتوتّر الذي يسلب الطفل الأمن النفسي) (1) .

ويقول العالم جيرارد فوجان: (والأُم التي لا تجد التقدير الكافي إنسانة وأُم وزوجة في المنزل لا تستطيع أن تعطي الشعور بالأمن) (2) .

فالشعور بالأمن والاستقرار من أهم العوامل في بناء شخصية الطفل بناءً سويّاً متّزناً، وهذا الشعور ينتفي في حالة استمرار الخلافات والعلاقات المتشنّجة، والطفل في حالة مثل هذه يكون متردداً حيراناً لا يدري ماذا يفعل، فهو لا يستطيع إيقاف النزاع والخصام، وخصوصاً إذا كان مصحوباً بالشدّة، ولا يستطيع أن يقف مع أحد والديه دون الآخر، إضافة إلى محاولات كلّ من الوالدين بتقريب الطفل إليهما بإثبات حقّه، واتهام المقابل بإثارة المشاكل والخلافات، وكل ذلك يترك بصماته الداكنة على قلب الطفل وعقله وإرادته.

يقول الدكتور سپوك: (إنّ العيادات النفسيّة تشهد آلاف الحالات من

____________________

(1) أضواء على النفس البشرية، للدكتور الزين عباس عمارة: 302 ـ دار الثقافة بيروت ـ 1407هـ ط1.

(2) أضواء على النفس البشرية، للدكتور الزين عباس عمارة: 302 ـ دار الثقافة بيروت ـ 1407هـ ط1.


الأبناء الذين نشأوا وسط ظروف عائلية مليئة بالخلاف الشديد، إنّ هؤلاء الأبناء يشعرون في الكبر بأنّهم ليسوا كبقية البشر، وتنعدم فيهم الثقة بالنفس، فيخافون من إقامة علاقات عاطفية سليمة ويتذكّرون أنّ معنى تكوين أُسرة هو الوجود في بيت يختلفون فيه مع طرف آخر ويتبادلون معه الإهانات) (1) ويختلف نوع التشنّجات والخلافات من أُسرة ا أُخرى، ويختلف أُسلوب التعبير عن التشنّجات من أُسرة إلى أُخرى، فقد يكون التعبير بالألفاظ الخشنة البذيئة والإهانات المستمرّة، وقد يكون بالضرب واستخدام العقاب البدني، ويلتقط الأطفال الممارسات التي تحدث أثناء الخلافات فتنعكس على سلوكهم الآني والمستقبلي، فنجد في كثير من العوائل أنّ الابن يهين الأُم أو يضربها، أو يستخدم نفس الأُسلوب مع زوجته حين الكبر.

ومن أجل الوقاية من الخلافات والتشنّجات بين الزوجين، أو التقليل من تأثيراتها النفسية والعاطفية أو تحجيمها وإنهائها، فقد وضع الإسلام منهجاً متكاملاً إزاء الخلافات والتشنّجات، وقد مرّ في النقاط السابقة التأكيد على تعميق المودّة والرحمة داخل الأُسرة، ووضع برنامج للحقوق والواجبات بين الزوجين، والأهم من ذلك وضع برنامجٍ في أُسلوب اختيار الزوج أو الزوجة كما سيأتي. والمنهج الإسلامي يبتني على أُسلوب الحث والتشجيع على الوقاية من حدوث الخلافات، أو معالجة مقدّماتها، أو معالجتها بعد الحدوث، وعلى أُسلوب الردع والذم للممارسات الخلافية أو التي تؤدّي إلى الخلافات.

____________________

(1) مشاكل الآباء في تربية الأبناء: 45.


قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (خير الرجال من أُمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم، ويحنّون عليهم ولا يظلمونهم) (1) .

وشجّع الإمام محمد الباقر (عليه السلام) على تحمّل الإساءة؛ لأنّ ردّ الإساءة بالإساءة يوسّع دائرة الخلافات والتشنّجات، فقال (عليه السلام): (مَن احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة؛ أعتق الله رقبته من النار وأوجب له الجنّة) (2) .

وشجّع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الرجل على الصبر على سوء أخلاق الزوجة، فقال: (مَن صبر على سوء خُلُق امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب على بلائه) (3) .

والصبر على الإساءة من الزوجة أمر غير متعارف عليه، لولا أنّه من توجيهات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيكون محبوباً ومرغوباً من قِبل الزوج المتديّن، وليس فيه أي إهانة لكرامته، فيصبر عن رضا وقناعة.

والاقتداء برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تعامله مع زوجاته يخفّف الكثير من التشنّجات، وكذلك الاقتداء بسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (كانت لأبي ـ عليه السلام ـ امرأة، وكانت تؤذيه وكان يغفر لها) (4) .

ونهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن استخدام العنف مع الزوجة فقال: (أيُّ رجل لطم امرأته لطمة؛ أمر الله عزّ وجل مالك خازن النيران فيلطمه على حرّ وجهه سبعين لطمة في نار جهنّم) (5).

____________________

(1) مكارم الأخلاق 216 ـ 217.

(2) مكارم الأخلاق 216.

(3) مكارم الأخلاق 213.

(4) مَن لا يحضره الفقيه 3: 279 | 4 باب حق المرأة على الزوج.

(5) مستدرك الوسائل 2: 550.


وشجّع الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) على التفاهم لتجنّب الخلافات الحادّة، فقال: (خير نسائكم التي إنْ غضبت أو أُغضبت قالت لزوجها: يدي في يدك لا أكتحل بغمضٍ حتى ترضى عني) (1).

وعن الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته) (2).

ونهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الزوجة عن الممارسات التي تؤدّي إلى حدوث الخلافات فقال: (من شرّ نسائكم الذليلة في أهلها، العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود، التي لا تتورّع عن قبيح، المتبرّجة إذا غاب عنها زوجها، الحصان معه إذا حضر، التي لا تسمع قوله، ولا تطيع أمره، فإذا خلا بها تمنّعت تمنّع الصعبة عند ركوبها، ولا تقبل له عذراً ولا تغفر له ذنباً) (3) .

ونهى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الزوجة عن تكليف الزوج فوق طاقته، فقال: (أيّما امرأة أدخلت على زوجها في أمر النفقة وكلّفته مالا يطيق؛ لا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً إلاّ أن تتوب وترجع وتطلب منه طاقته) (4) .

ونهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن المنّ على الزوج، فقال: (لو أنّ جميع ما في الأرض من ذهب وفضة حملته المرأة إلى بيت زوجها، ثم ضربت على رأس زوجها يوماً من الأيام، تقول: مَن أنت؟ إنّما المال مالي، حبط عملها ولو كانت من أعبد الناس، إلاّ أن تتوب وترجع وتعتذر إلى

____________________

(1) مكارم الأخلاق 200.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 3: 277 | 4 باب حق الزوج على المرأة.

(3) مكارم الأخلاق 202.

(4) مكارم الأخلاق 202.


زوجها) (1) .

وحذّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من مواجهة الزوجة لزوجها بالكلام اللاذع المثير لأعصابه، فقال: (أيّما امرأة آذت زوجها بلسانها، لم يقبل منها صرفاً ولا عدلاً ولا حسنة من عملها حتى ترضيه..) (2) .

ونهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الهجران، باعتباره مقدمة للانفصام وانقطاع العلاقات، فقال: (أيّما امرأة هجرت زوجها وهي ظالمة حشرت يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون في الدّرك الأسفل من النار إلاّ أن تتوب وترجع) (3) . وهذه التوجيهات إن رُوعيت رعاية تامة فإنّها كفيلة بالحد من التوتّرات والتشنّجات، وإذا لم يستطع الزوجان مراعاتها فالأفضل أن يكون النقاش الحاد والمتشنّج بعيداً عن مسامع الأطفال، وأن يكون تبادل النظرة السلبية، وتبادل الاتهامات والإهانات بعيداً عن مسامعهم، وأنْ يوضّح للأطفال أنّ الخلافات شيء طبيعي، وأنّهما لازالا يحبّان بعضهما البعض، ويجب عليهما حسم الخلافات وإنهائها في أسرع وقت.

خامساً: التحذير من الطلاق

حذّر الإسلام من الطلاق وإنهاء العلاقة الزوجية؛ للآثار السلبية التي يتركها على الزوجين وعلى الأطفال، وعلى المجتمع. فالطلاق مصدر القلق عند الأطفال، ومصدر للاضطراب النفسي والعاطفي والسلوكي،

____________________

(1) مكارم الأخلاق 202.

(2) مكارم الأخلاق 214.

(3) مكارم الأخلاق 202.


حيثُ إنّ الطفل بحاجة إلى الحب والحنان من كلا الوالدين على حدٍّ سواء، بل إنّ التفكير المجرد بالطلاق يولّد القلق والاضطراب في أعماقه، فيبقى في دوامة من المخاوف والاضطرابات التي تنعكس سلبياً على ثباته العاطفي وعلى شخصيته السوّية، وقد وضع الإسلام منهجاً في العلاقات وإدامتها، للحيلولة دون الوصول إلى قرار فصم العلاقات الزوجية، وتهديم الأُسرة، فحذّر من الطلاق في مواضع مختلفة، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أوصاني جبرئيل (عليه السلام) بالمرأة حتى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة) (1) .

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (ما من شيءٍ ممّا أحلّه الله عزَّ وجلَّ أبغض إليه من الطلاق، وإنّ الله يبغض المطلاق الذوّاق) (2) .

وقال (عليه السلام): (إنّ الله عزّ وجلّ يحب البيت الذي فيه العرس، ويبغض البيت الذي فيه الطلاق، وما من شيء أبغض إلى الله عزّ وجل من الطلاق) (3) .

وحثّ الإسلام على اتخاذ التدابير الموضوعية للحيلولة دون وقوع الطلاق، فدعا إلى توثيق روابط المودّة والمحبّة، ودعا إلى حلّ المشاكل والخلافات التي تؤدّي إلى الطلاق، فأمر بالعِشْرة بالمعروف، قال الله تعالى: ( .. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) (4) .

____________________

(1) مَن لا يحضره الفقيه 3: 278 | باب حق المرأة على الزوج.

(2) الكافي 6: 54 | 2 باب كراهية طلاق الزوجة الموافقة ـ الذوّاق: السريع النكاح السريع الطلاق.

(3) الكافي 6: 54 | 3 باب كراهية طلاق الزوجة الموافقة.

(4) النساء 4: 19.


وحثّ على الإصلاح وإعادة التماسك الأُسري، قال الله تعالى: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.. ) (1) . فالصلح أولى من عدمه، وبما أنّ القلوب تتقلّب وأنّ المشاعر تتغيّر من وقتٍ لآخر ومن ظرفٍ لآخر، فإنّ الإسلام حثّ على إجراء مفاوضات الصلح قبل القرار بالانفصال، قال تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) (2) وإذا لم تنفع كل محاولات الإصلاح وإعادة العلاقات إلى مجاريها، وإذا لم تتوقّف التشنّجات والتوتّرات إلاّ بالطلاق، فقد يكون الطلاق سعادة لكلا الزوجين، ولكنّه يؤثّر على نفسيّة الطفل، وينعكس على سلوكه، ولهذا منح الإسلام فرصة جديدة للعودة إلى الحياة الزوجية، فأعطى للرجل حق العودة أثناء العدّة دون عقد جديد، وبعد العدّة بعقد جديد، وجعل للرجل حق العودة بعد الطلاق الأول والثاني، فإذا لم تنجح محاولات إعادة العلاقة الزوجية، وتمّ انفصالها، يجب على الوالدين مراعاة مشاعر الطفل ومنحه الحنان والحب، ويجب عليهما توفير كل الظروف التي تساعده على الإيمان بسلامة أخلاق والده أو والدته، حيثُ حرّم الإسلام البهتان والغيبة وكشف المساوئ. وبهذا الأسلوب يستطيع الطفل تحمّل صدمة الطلاق، أمّا إذا لم يُتّبع هذا الأُسلوب وحاول كلٌّ من الوالدين كشف مساوئ الآخر أمام الطفل، فإنّ الطفل سوف يبغض الحياة ويحتقر نفسه، وتنعكس على عواطفه اتجاه والديه فهو يحبهّما

____________________

(1) النساء 4: 128.

(2) النساء 4: 35.


ويبغضهما في آن واحد بعد اطلاعه على مساوئهما، فيبقى يعيش في دوّامة من القلق والاضطراب، وتزداد همومه يوماً بعد يوم وتنعكس سلبيّاً على علاقاته الاجتماعية، وعلاقاته الأُسرية في المستقبل.



الفصل الثاني

المرحلة الأُولى: مرحلة ما قبل الاقتران ومرحلة الحمل

حرص الإسلام على العناية بالطفل، والحفاظ على صحّته البدنية والنفسية قبل أن يُولد بإعداد الإطار الذي يتحرّك فيه، وتهيئة العوامل اللازمة التي تقي الطفل من كثير من عوامل الضعف الجسدي والنفسي، ابتداءً من انتقاء الزوج أو الزوجة، ومروراً بالمحيط الأول للطفل وهو رحم الأُم، الذي يلعب دوراً كبيراً ومؤثّراً على مستقبل الطفل وحركته في الحياة، وتتحدد معالم هذه المرحلة بما يأتي:

أولاً: مرحلة ما قبل الاقتران

أثبت الواقع الاجتماعي، والواقع العلمي بدراساته المستفيضة الأثر الحاسم للوراثة، والمحيط الاجتماعي في تكوين الطفل ونشوئه، وانعكاسات الوراثة والمحيط عليه في جميع جوانبه الجسدية والنفسية (1) فأغلب الصفات تنتقل من الآباء والأُمهات والأجداد إلى الأبناء، كالذكاء والاضطراب السلوكي وانفصام الشخصية والأمراض

____________________

(1) علم النفس التربوي، للدكتور فاخر عاقل: 45 ـ 57 (دار العلم للملايين 1985 م ط11).


العقلية والانضباط الذاتي، وصفات التسامح والمرونة، فيكونون وسطاً مساعداً للانتقال، أو يكون في الأبناء الاستعداد للاتصاف بها، إضافة إلى انعكاس العادات والتقاليد على الأبناء، نتيجة لتكرّر الأعمال (1) ومن هنا أكدّ الإسلام على الزواج الانتقائي، أي بانتقاء الزوجين من أُسرة صالحة وبيئة صالحة.

1 ـ انتقاء الزوجة:

راعى الإسلام في تعليماته لاختيار الزوجة الجانبين، الوراثي الذي انحدرت منه المرأة، والجانب الاجتماعي الذي عاشته وانعكاسه على سلوكها وسيرتها، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (اختاروا لنطفكم فإنّ الخال أحد الضجيعين) (2) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (تخيّروا لنطفكم فإنّ العِرقَ دسّاس) (3) .

فالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يؤكّد على اختيار الزوجة من الأُسر التي تحمل الصفات النبيلة؛ لتأثير الوراثة على تكوين المرأة وعلى تكوين الطفل الذي تلده. وكانت سيرته قائمة على هذا الأساس، فاختار خديجة (عليها السلام) فأنجبت له أفضل النساء فاطمة (عليها السلام)، وتبعه في السيرة هذه أهل البيت (عليهم السلام) فاختاروا زوجاتهم من الأُسر الكريمة، وإلى جانب الانتقاء على أُسس الوراثة، أكدّ الإسلام على انتقاء الزوجة من المحيط الاجتماعي الصالح الذي أكسبها الصلاح وحسن السلوك، فحذّر من المحيط غير الصالح

____________________

(1) علم النفس العام، للدكتور انطون حمصي 1: 94 ـ مطبعة ابن حبّان دمشق 1407 هـ.

(2) الكافي، للكليني 5: 332 | 2 باب اختيار الزوجة ـ دار التعارف 1401 هـ ط 3.

(3) المحجّة البيضاء، للفيض الكاشاني 3: 93، جامعة المدرّسين قم ط2.


الذي تعيشه، فحذّر من الزواج من الحسناء المترعرعة في منبت السوء، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إيّاكم وخضراء الدمن.. المرأة الحسناء في منبت السوء) (1) .

وحذّر الإمام الصادق (عليه السلام) من المرأة الزانية قال: (لا تتزوّجوا المرأة المستعلنة بالزنا) (2) والسبب في ذلك أنّها تخلق في أبنائها الاستعداد لهذا العمل الطالح.

وحذّر الإمام الباقر (عليه السلام) من الزواج من المرأة المجنونة خوفاً من انتقال الصفات منها إلى الطفل، فسُئل عن ذلك فقال: (لا، ولكن إن كانت عنده أمَة مجنونة فلا بأس بأن يطأها ولا يطلب ولدها) (3) .

وحذّر الإمام علي (عليه السلام) من تزوّج الحمقاء لانتقال هذهِ الصفة إلى الطفل، ولعدم قدرتها على تربية الطفل تربية سويّة فقال: (إيّاكم وتزويج الحمقاء فإنّ صحبتها بلاء وولدها ضياع) (4) .

وأكدّت الروايات على أن يكون التدّين مقياساً لاختيار الزوجة، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشجّع على ذلك، فقد أتاه رجل يستأمره في الزواج فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (عليك بذات الدين تربت يداك) (5) .

وقدّم الإمام الصادق (عليه السلام) اختيار التدّين على المال والجمال، فقال: (إذا

____________________

(1) مكارم الأخلاق، للطبرسي: 304 ـ منشورات الشريف الرضي1410 هـ ط2.

(2) مكارم الأخلاق، للطبرسي: 305 ـ منشورات الشريف الرضي 1410 هـ ط2.

(3) وسائل الشيعة، للحر العاملي 20: 85 | 1 باب 34 ـ مؤسّسة آل البيت قم 1412 هـ ط1.

(4) الكافي 5: 354 | 1 باب كراهية تزويج الحمقاء.

(5) الكافي 5: 332 | باب فضل مَن تزوّج ذات دين.


تزوّج الرجل المرأة لجمالها أو مالها وكّل إلى ذلك، وإذا تزوّجها لدينها رزقه الله الجمال والمال) (1) .

فالمرأة المنحدرة من سلالة صالحة ومن أُسرة صالحة، وكان التدّين صفة ملازمة لها، فإنّ سير الحركة التربوية يتقدّم أشواطاً إلى الأمام، وتكون تربيتها للأطفال منسجمة مع القواعد التي وضعها الإسلام في شؤون التربية، فيكون المنهج التربوي المتَّبع متَّفقاً عليه من قبل الزوجين، لا تناقض فيه ولا تضّاد، وتكون الزوجة حريصة على إنجاح العملية التربوية وتعتبرها تكليفاً شرعياً قبل كل شيء، هذا التكليف يجنّبها عن أي ممارسة سلبية مؤثّرة على النمو العاطفي والنفسي للأطفال.

2 ـ انتقاء الزوج:

للأب الدور الأكبر في تنشئة الأطفال وإعدادهم نفسياً وروحياً، ولذا أكدّ الإسلام في أول المراحل على اختياره طبقاً للموازين الإسلامية التي يراعى فيها الوراثة والمحيط الذي ترعرع فيه، وما يتصف به من صفات نبيلة وصالحة؛ لأنّه القدوة الذي يقتدي به الأطفال وتنعكس صفاته وأخلاقه عليهم، إضافة إلى اكتساب الزوجة (الأُم) بعض صفاته وأخلاقه من خلال المعايشة المستمرّة. وقد أكّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على اختيار الزوج الكفء وعرفّه بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الكفء أن يكون عفيفاً وعنده يسار) (2) . والكفء هو الذي ينحدر من سلالة صالحة وذو دين وخُلق سامٍ.

____________________

(1) الكافي 5: 333 | 3 باب فضل مَن تزوّج ذات دين.

(2) الكافي 5: 347 | 1 باب الكفء.


وحذّر الإمام الصادق (عليه السلام) من تزويج الرجل المريض نفسياً فقال: (تزّوجوا في الشكاك ولا تزوّجوهم، لأنّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه) (1) .

وجعل الإسلام التدّين مقياساً في اختيار الزوج، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إذا جاءكم مَن ترضون خلقه ودينه فزوّجوه) (2) .

وحرّم الإسلام كما هو مشهور من تزويج غير المسلم؛ حفاظاً على سلامة الأطفال وسلامة العائلة من جميع جوانب السلامة، في العقيدة وفي السلوك وفي الظواهر الروحية والنفسية؛ لتأثّر الزوجة والأطفال بمفاهيم الزوج وسلوكه في الحياة.

ونهى الإسلام عن تزويج غير المتدّين والمنحرف في سلوكه عن المنهج الإسلامي في الحياة، لتحصين العائلة والأطفال من الانحراف السلوكي والنفسي، فنهى الإمام الصادق (عليه السلام) عن تزويج الرجل المستعلن بالزنا، حيثُ قال (عليه السلام): (لا تتزوجوا المرأة المستعلنة بالزنا، ولا تزوّجوا الرجل المستعلن بالزنا إلاّ أن تعرفوا منهما التوبة) (3) .

وحذّر الإمام الصادق (عليه السلام) من تزويج شارب الخمر، فقال: (مَن زوّج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمه) (4) .

فالمنحرف يؤثّر سلبياً على سلامة الأطفال السلوكية، لانعكاس سلوكه

____________________

(1) الكافي 5: 348 | 1 باب مناكحة النصّاب والشكّاك.

(2) الكافي 5: 347 | 2، 3 باب آخر منه.

(3) مكارم الأخلاق: 305.

(4) وسائل الشيعة 20: 79. الكافي 5: 347 | 1 باب 29.


عليهم وعدم حرصه على تربيتهم، إضافة إلى المشاكل التي يخلقها مع الزوجة التي تساعد على إشاعة الاضطراب والقلق النفسي في أجواء العائلة، وجعل الحياة العائلية بعيدة عن الاطمئنان والاستقرار والهدوء الذي يحتاجه الأطفال في نموّهم الجسدي والنفسي والروحي.

وقد كانت سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) قائمة على أساس اختيار الأكفاء لأبنائهم وبناتهم، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يزوّج فاطمة لكبار الصحابة، وكان جوابه لهم أنّه ينتظر بها نزول القضاء (1) ثم زوّجها بأمر من الله تعالى إلى عليّ بن أبي طالب (2) .

وشجّع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إحدى المسلمات وهي الذلفاء المعروفة بانتسابها إلى أُسرة عريقة، والمتصفة بالجمال الفائق من الاقتران بأحد المسلمين، وهو جويبر، الذي لا يملك مالاً ولا جمالاً إلاّ التدّين (3) .

3 ـ العلاقة قبل الحمل وتكوين الطفل

بعد عملية الاختيار للزوج على أُسس وموازين إسلامية نبيلة، يستمر الإسلام في التدرّج مع الطفل خطوة خطوة، ويضع لكلِّ خطوة واقعة في طريق تكوين الطفل ونشوئه أُسساً وقواعد واقعية لينشأ نشأة سليمة، وما على الزوجين إلاّ العمل على ضوئها.

قال سبحانه وتعالى: ( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً

____________________

(1) مجمع الزوائد، للهيثمي 9: 206 ـ دار الكتاب العربي 1402 هـ ط3.

(2) مجمع الزوائد 9: 204. المعجم الكبير للطبراني 22: 408. الصواعق المحرقة، لابن حجر الهيتمي.

(3) الكافي 5: 342 | 1 باب أنّ المؤمن كفؤ المؤمنة.


لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.. ) (1) .

فجعل العلاقة بين الزوجين علاقة مودّة وحب، وتبادل العواطف النبيلة والأحاسيس المرهفة، ومن أجل إدامة هذه العلاقة دعا الإسلام إلى ربط الزوجين بالقيم والموازين التي حدّدها المنهج الربّاني في الحياة، ففي أول خطوات العلاقة والاتصال بين الزوج والزوجة، وهي ليلة الزفاف، أمر الإسلام بالتقيّد بالقيم الربّانية؛ لكي لا تكون العلاقة علاقة بهيمية جسدية فقط، وأول هذه القيم هي استحباب الصلاة ركعتين لكلِّ منهما، وحمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسول الله وآله، ثم الدعاء بإدامة الحب والودّ: (اللّهمّ ارزقني إلفها وودّها ورضاها بي، وأرضني بها واجمع بيننا بأحسن اجتماع وأيسر ائتلاف، فانّك تحب الحلال وتكره الحرام) (2) .

والالتزام بذلك يخلق جوّاً من الاطمئنان والاستقرار والهدوء في أول خطوات اللقاء، ولا يبقى لقلق الزوجة واضطرابها مجالاً، فتكون ليلة الزفاف ليلة أُنس وحب وودّ.

ويستمر الدعاء عند الخطوة الثانية وهي مرحلة المباشرة، فيستحب أن يقول: (اللّهم ارزقني ولداً واجعله تقيّاً ذكيّاً ليس في خلقه زيادة ولا نقصان، واجعل عاقبته إلى خير)، وأفضل الذكر في أول المباشرة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) (3) .

____________________

(1) الروم 30: 21.

(2) مكارم الأخلاق: 208.

(3) مكارم الأخلاق: 209.


ثانياً: مرحلة الحمل

1 ـ انعقاد الجنين:

من أجل سلامة الجنين الجسدية والنفسية؛ وضع الإسلام برنامجاً سهلاً يسيراً لا كلفة فيه ولا عسر ولا شدّة.

فقد أوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمنع الزوجة في أُسبوعها الأول من (الألبان والخلّ والكزبرة والتفاح الحامض)، لتأثير هذه المواد على تأخّر الإنجاب واضطرابه وعسر الولادة، والإصابة ببعض الأمراض (1) التي تؤثّر سلبياً على الحمل وعلى الوليد.

كما حذّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) من المباشرة في أوقات معيّنة، وهذا التحذير لا يصل مرتبة الحرمة، ولكن فيه كراهة؛ لانعكاساته السلبية على سلامة الجنين وصحّته الجسدية والنفسية، ومن هذه الأوقات: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومن مغيب الشمس إلى مغيب الشفق، وبعد الظهر مباشرة، وفي أول الشهر ووسطه وآخره، وفي الأوقات التي ينخسف فيها القمر، وتنكسف فيها الشمس، وفي أوقات الريح السوداء والحمراء والصفراء، والأوقات التي تحدث فيها الزلازل، وشجّع (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على غير هذه الأوقات، فبعض الأوقات لها تأثير على الجانب العاطفي للطفل، وخصوصاً الأوقات المخيفة، فينشأ الطفل مضطرباً هيّاباً متردداً، والأوقات الأُخرى قد تؤدي إلى إصابة الطفل بالجذام والحمق

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 209.


والجنون (1) .

وهنالك بعض التوصيات المتعلّقة في المباشرة.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تتكلّم عند الجماع، فإنّه إن قضى بينكما ولد لا يؤمن أن يكون أخرس، ولا ينظرنَّ أحد في فرج امرأته، وليغض بصره عند الجماع، فإنّ النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد) (2) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يكره أن يغشى الرجل المرأة وقد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى، فإن فعل ذلك فخرج الولد مجنوناً فلا يلومنَّ إلاّ نفسه) (3) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تجامع امرأتك من قيام، فإنّ ذلك من فعل الحمير، وإن قضى بينكما ولد كان بوّالاً في الفراش..) (4) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك، فإنّي أخشى إن قضي بينكما ولد أن يكون مخنّثاً، مؤنّثاً، مخبلاً) (5) .

ويُفهم من هذه الرواية الشريفة أن لا يتخيّل الرجل امرأة أُخرى في أثناء المباشرة.

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلاّ وأنت على وضوء،

____________________

(1) الكافي 5: 498 | 1 باب الأوقات التي يكره فيها الباه. مكارم الأخلاق: 208 ـ 209.

(2) مكارم الأخلاق: 209.

(3) مكارم الأخلاق: 209.

(4) مكارم الأخلاق: 210.

(5) مكارم الأخلاق: 211.


فإنّه إن قُضي بينكما ولد يكون أعمى القلب، بخيل اليد) (1) .

وفي كلِّ الأوقات يشجّع الإسلام على ذكر الله تعالى قبل المباشرة والتسمية عندها، إضافة إلى استخدام الأساليب المعمّقة لروابط الحب والودّ والرباط المقدّس، كالتقبيل والعناق ورقّة الكلمات وعذوبتها (2) .

2 ـ المحيط الأوّل للطفل:

رحم الأُم هو المحيط الأول الذي ينشأ به الإنسان، ولهذا المحيط تأثيراته الايجابية والسلبية على الجنين؛ لأنّه الإطار الذي يتحرك فيه، ويعتبر الجنين جزءاً من الأُم، تنعكس عليه جميع الظروف التي تعيشها الأُم، وقد أثبتت الدراسات العلمية تأثير الأُم على نمو الجنين الجسدي والنفسي، فالاضطراب والقلق والخوف والكبت وغير ذلك، يترك أثره في اضطراب الوليد عاطفياً (3) .

فالجنين يتأثّر بالأُم ومواصفاتها النفسية، وما يطرأ عليها في مرحلة الحمل من عوامل ايجابية أو سلبية، وإنّ (الاضطرابات العصبية للأُم توجّه ضربات قاسية إلى مواهب الجنين قبل تولّده، إلى درجة أنّها تحوّله إلى موجود عصبي لا أكثر، ومن هنا يجب أن نتوصّل إلى مدى أهميّة التفات الأُم في دور الحمل إلى الابتعاد عن الأفكار المقلقة، والهمّ والغمّ، والاحتفاظ بجو الهدوء والاستقرار) (4) .

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 211.

(2) مكارم الأخلاق: 212.

(3) علم النفس التربوي، للدكتور فاخر عاقل: 46 ـ 47.

(4) الطفل بين الوراثة والتربية، لمحمد تقي فلسفي 1: 106 ـ دار التعارف 1381 هـ، عن كتاب نحن والأبناء 27.


وشهور فترة الحمل تؤثّر في الثبات العاطفي للطفل إيجاباً أو سلباً (1) .

وقد أكدّ الإسلام على هذهِ الحقيقة قبل أن يكتشفها علماء النفس في يومنا هذا، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الشقي مَن شقى في بطن أمّه، والسعيد مَن سعد في بطن أُمه) (2) .

والمقصود من الشقاء والسعادة في بطن الأُم، هو تلك الانعكاسات التي تطرأ على الجنين تأثّراً بالحالة الصحّية الجسدية والنفسية للأُم، فتولِّد فيه استعداداً للشقاء أو للسعادة، فبعض الأمراض الجسدية تؤثّر على الجنين فيولد مصاباً ببعضها وتلازمه الإصابة إلى الكبر فتكون مصدر الشقاء له، أو يكون سالماً من الأمراض فتكون السلامة ملازمة له، وكذلك الحالة النفسية والعاطفية، فالقلق أو الاطمئنان، والاضطراب أو الاستقرار، والخوف وعدمه، وغير ذلك يؤثّر في الجنين ويبقى ملازماً له ما لم يتوفّر له المحيط الاجتماعي المثالي لكي ينقذه من آثار الماضي، أو يبعده عن السلامة في صحّته الجسدية والنفسية، وفيما يلي الإجراءات الوقائية التي اتخذها الإسلام لإبعاد الجنين عن الظواهر السلبية المؤثّرة في نموه الجسدي والنفسي:

أ ـ الاهتمام بغذاء الأُم:

من الحقائق الثابتة أنّ صحّة الجنين الجسدية تتناسب طردياً مع صحة الأُم، ومن العوامل المؤثّرة في صحّة الأُم الغذاء، ونحن نلاحظ أنّ المجاعة في بعض البلدان كان لها تأثير واضح في صحّة الوليد، فالضعف

____________________

(1) مشاكل الآباء في تربية الأبناء، للدكتور سپوك: 263 ـ 1980 م ط3.

(2) بحار الأنوار، للمجلسي 3: 44 ـ مؤسّسة الوفاء 1403 هـ ط2.


الجسدي والأمراض الجسدية والتشوّهات في الخلقة، ترجع أسبابها إلى المجاعة وسوء التغذية، والعكس صحيح.

لذا أوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) بالاهتمام بغذاء الحامل، وخصوصاً الغذاء الذي له تأثير على الصفات النفسية والروحية للجنين.

السفرجل:

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (كلوا السفرجل فإنّه يجلو البصر وينبت المودّة في القلب، وأطعموه حبالاكم فإنّه يحسّن أولادكم) (1) .

اللبان:

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (اطعموا نساءكم الحوامل اللبان، فانّه يزيد في عقل الصبي) (2) .

وقال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): (أطعموا حبالاكم اللبان، فإن يكن في بطنهنَّ غلام خرج ذكي القلب عالماً شجاعاً. وإن يكن جارية حسن خَلقها وخُلقها، وعظمت عجيزتها، وحظيت عند زوجه) (3) .

التمر:

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أطعموا المرأة في شهرها الذي تلد فيه التمر، فإنّ ولدها يكون حليماً نقياً) (4) .

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 172.

(2) مكارم الأخلاق: 194.

(3) مكارم الأخلاق: 194.

(4) مكارم الأخلاق: 169.


وقد وضع أهل البيت (عليهم السلام) جدولاً متكاملاً في أنواع الأغذية المفيدة في صحّة الجسم، كما ورد في كتاب الأطعمة والأشربة من الكافي ومكارم الأخلاق، كالرمّان والتين، والعنب، والزبيب، والبقول، والسلق، والفواكه الأُخرى، وكذلك اللحم والهريسة والخضروات.

إضافة إلى منعهم من الغذاء المضرّ على الصحّة الجسدية والنفسية، كالميتة والدم ولحم الخنزير والخمر، وكل ما ورد في القرآن الكريم والسنّة النبوية من الأطعمة والأشربة المحرّمة.

ب ـ الاهتمام بالصحّة النفسية للحامل:

اختيار المنزل الواسع:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (من السعادة سعة المنزل) (1) .

وقال (عليه السلام): (للمؤمن راحة في سعة المنزل) (2) .

أثر سعة المنزل على سعادة الإنسان من الحقائق الثابتة. والإسلام يشجّع على ذلك، فإذا كان المجتمع مجتمعاً إسلامياً، يتبنّى الإسلام منهاجاً له في الحياة، فسيكون للتكافل الاجتماعي دور في إشباع هذه الحاجة، وفي غير ذلك، وفي حالة عدم قدرة الرجل على شراء أو إيجار المنزل الواسع، فيمكنه أن يطمئن المرأة الزوجة على العمل، وبذل الجهد من أجل الحصول عليه ويؤمّلها بذلك، أو تشجيعها على الصبر الجميل، وما أعدّه الله تعالى لهما من الثواب والحسنات على ما يعانونه من فقر،

____________________

(1) مكارم الأخلاق 125.

(2) مكارم الأخلاق: 131.


فإنّ ذلك يجعلها مطمئنة ومرتاحة البال وإن كان المنزل ضيّقاً.

توفير المستلزمات الضرورية للمرأة:

عن عبد الله بن عطا قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فرأيت في منزله نضداً ووسائد وأنماطاً ومرافق، فقلت ما هذا؟ قال: (متاع المرأة) (1) .

فالمستلزمات التي تحتاجها المرأة في المنزل ضرورية، كالوسائد والمتّكآت ومفارش الصوف الملوّنة، إضافة إلى الملابس الجميلة وبعض الأثاث المنزلية تؤثّر في راحتها وسعادتها، فمن الضروري توفيرها لها حسب القدرة والإمكانيات، وفي حالة عدم القدرة عليها جميعاً أو على بعضها، فيمكن للرجل إقناعها بما أعدّه الله تعالى لها من النعيم في الدار الآخرة، إضافة إلى زرع الأمل في نفسها بتحسين أوضاعها وإشباع حاجاتها.

حسن التعامل مع المرأة:

حسن التعامل مع المرأة، وخصوصاً الحامل، يجعلها تعيش حياة سعيدة مليئة بالارتياح والاطمئنان والاستقرار النفسي والروحي، فلا يبقى للقلق والاضطراب النفسي موضعاً في قلبها وروحها.

قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): (وأمّا حقّ رعيّتك بملك النكاح، فأنْ تعلم أنّ الله جعلها سكناً ومستراحاً وأُنساً وواقية، وكذلك كلّ واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه، ويعلم أنّ ذلك نعمة منه عليه، ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها، فإنّ لها حق الرحمة

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 131.


والمؤانسة وموضع السكون إليها قضاء اللذة) (1) .

وحسن التعامل يكون بالسيرة الحسنة معها، والرفق بها وإسماعها الكلمات الجميلة، وتكريمها ووضعها بالموضع اللائق بها، واعتبارها شريكة الحياة، وإشباع حاجاتها المادية والروحية، والتعامل معها كإنسانة أكرمها الإسلام، وإشاعة جو المنزل بالسرور والبشاشة والمودّة والرحمة، وإدخال الفرحة على قلبها، والحفاظ على أسرارها، إلى غير ذلك من التعاليم التي أكّد عليها الإسلام، ومنها مساعدتها في بعض شؤون البيت التي لا تستطيع انجازها، والصبر على بعض أخطائها ومساوئها التي لا تؤثّر على نهجها الإسلامي، والتفاهم في حلّ المشكلات اليومية بأُسلوب لا يثير غضبها، وتجنّب كلّ ما يؤدّي إلى الإضرار بصحّتها النفسية كالغيرة في غير مواضعها، والتعبيس في وجهها أو ضربها أو هجرها أو التقصير في حقوقها (2) .

فإذا حسنت المعاملة معها، حسنت حالتها النفسية والروحية وانعكست على الجنين.

____________________

(1) تحف العقول، للحرّاني: 188 ـ المطبعة الحيدرية النجف 1380 هـ ط5.

(2) إرشاد القلوب: 175، مكارم الأخلاق 245، الكافي 5: 511، المحجّة البيضاء 3: 19.



الفصل الثالث

المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد الولادة

وهي المرحلة التالية لمرحلة الحمل مباشرة، وتعتبر أول محيط اجتماعي يحيط بالطفل؛ لأنّها الأساس في البناء الجسدي والعقلي والاجتماعي للطفل، ولها تأثيرها الحاسم في تكوين التوازن الانفعالي والنضوج العاطفي؛ ولذلك ركّز المنهج الإسلامي على إبداء عناية خاصة بالطفل في هذهِ المرحلة، متمثّلة بالقيام بالأعمال التالية:

أولاً: مراسيم الولادة:

تبدأ مراسيم الولادة منذ اليوم الأول إلى اليوم السابع من الولادة، للحفاظ على صحّة الطفل الجسدية والنفسية معاً، فأول عمل يقوم به الوالدان هو إسماع الطفل اسم الله تعالى، فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَن وُلد له مولود فليؤذّن في أُذنه اليمنى بأذان الصلاة، وليُقم في اليسرى فإنّها عصمة من الشيطان الرجيم) (1) .

____________________

(1) الكافي 6: 24 | 6 باب ما يفعل بالمولود.


ولأهمية الأذان والإقامة في أُذن الطفل؛ أوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ضمن وصايا عديدة: (يا علي إذا وُلد لك غلام أو جارية، فأذّن في أُذنه اليمنى وأقم في اليسرى، فإنّه لا يضرّه الشيطان أبداً) (1) .

والعصمة من الشيطان هي تحصين للطفل من الانحراف بتقوية الإرادة. وهذه الوصايا وإن لم يبحثها علماء النفس وعلماء التربية المعاصرون، ولكنّها من الحقائق التي أثبتتها التجارب المتكرّرة لمَن طبّقها في منهجه التربوي، مع مراعاة الوصايا الأُخرى في جميع مراحل الطفولة.

ويستحب تسمية الوليد بأحسن الأسماء، ولا أحسن من اسم محمد وهو اسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (لا يولد لنا ولد إلاّ سميّناه محمداً، فإذا مضى لنا سبعة أيام فإن شئنا غيّرنا وإن شئنا تركنا) (2) .

وأكدّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على هذهِ التسمية بقوله: (من وُلد له أربعة أولاد لم يسمِّ أحدهم باسمي فقد جفاني) (3) .

وكان الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) يحثّون المسلمين على تسمية أبنائهم وبناتهم بالأسماء التالية: (عبد الرحمان ـ وباقي أسماء العبودية لله ولصفاته: محمد، أحمد، علي، الحسن، الحسين، جعفر، طالب،

____________________

(1) تحف العقول: 17.

(2) الكافي 6: 18 | 4 باب الأسماء والكنى.

(3) الكافي 6: 19 | 6 باب الأسماء والكنى.


فاطمة) (1) .

ولم يشجّعوا على الأسماء التالية: (الحكم، حكيم، خالد، مالك، حارث) (2) .

والأسماء الحسنة تحصّن الطفل من السخرية والاستهزاء من قِبل الآخرين، فلا تكون سبباً للشعور بالنقص كما هو الحال في الأسماء المستهجنة.

ومن مراسيم الولادة العقيقة، وهي ذبح شاة في المناسبة، وحلق رأس الطفل كما جاء في قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (عقّ عنه، واحلق رأسه يوم السابع، وتصدّق بوزن شعره فضّة) (3) .

والعقيقة التي هي مصداق للصدقة تمنع من البلاء، وتقي الطفل من المخاطر، ولعلّ فيها آثار نفسية حسنة للطفل حينما يترعرع ويفهم أنّ والديه قد اعتنوا به في ولادته، وهي ذكرى حسنة عند مَن وصلته تلك العقيقة أو بعضها.

ومن مراسيم الولادة الختان، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (اختنوا أولادكم لسبعة أيام فإنّه أطهر وأسرع لنبات اللحم...) (4) .

____________________

(1) الكافي 6: 19 باب الأسماء والكنى.

(2) الكافي 6: 21 باب الأسماء والكنى.

(3) الكافي 6: 27 | 1 باب أنّه يعق يوم السابع للمولود.

(4) الكافي 6: 34 | 1 باب التطهير.


ثانياً: التركيز على حليب الأُم

الحليب هو المصدر الأساسي والوحيد لتغذية الطفل في الأشهر الأُولى من حياته، وأفضل الحليب حليب الأُم؛ لأنّ عملية الرضاعة لها تأثيرها على الجانب العاطفي للطفل، والأُم أفضل من تمنحه الحنان والدفء العاطفي، بدافع غريزة الأُمومة التي أودعها الله تعالى في المرأة، حيثُ (تصب ركائز مشاعر الطفل وأحاسيسه من أُولى أيام الرضاع) (1) .

وتتوثّق أواصر المحبّة بين الطفل وأُمّه عن طريق الرضاعة، فيكون الطفل أقل توتّراً وأهنأ بالاً وأسعد حالاً (2) .

وجاءت روايات أهل البيت (عليهم السلام) ووصاياهم مؤكّدة على التركيز على حليب الأُم، قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): (ما من لبنٍ يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أُمّه) (3) .

فحليب الأُم أفضل غذاءً للطفل من الناحية العلمية، إضافة إلى أنَّ عملية الرضاعة يشعر الطفل من خلالها بالأمان والطمأنينة والرعاية، وفي الحالات الاستثنائية التي تعيق عملية الرضاعة بسبب قلّة حليب الأُم أو مرضها أو فقدانها بطلاق أو موت، أكدّ أهل البيت (عليهم السلام) على اختيار المرضعة المناسبة والملائمة ضمن مواصفات معيّنة، قال أمير

____________________

(1) الطفل بين الوراثة والتربية، لمحمد تقي الفلسفي 2: 82 عن كتاب عقدة الحقارة 9.

(2) قاموس الطفل الطبّي: 11 ـ 16.

(3) الكافي 6: 40 | 1 باب الرضاع.


المؤمنين (عليه السلام): (انظروا مَن ترضع أولادكم فإنّ الولد يشبُّ عليه) (1) .

فالحليب ونوعيّة المرضعة يؤثّر على الطفل من ناحية نموّه الجسدي والنفسي. وقد أثبتت التجارب صحّة تعاليم أهل البيت في هذا المجال.

وهنالك مواصفات عند المرضعة حبّذها أهل البيت (عليهم السلام) في الاختيار.

قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (استرضع لولدك بلبن الحسان، وإيّاك والقباح فإنّ اللبن قد يعدي) (2) .

وقال: (عليكم بالوضاء من الظّؤرة فان اللبن يعدي) (3) .

وجاء النهي عن استرضاع الطفل عند بعض المرضعات، فنهى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن الاسترضاع عند المجوسية، فعن عبد الله بن هلال قال: سألته عن مظائرة المجوسي، فقال: (لا، ولكن أهل الكتاب) (4) .

وجعل الاسترضاع من الكتابيات مشروطاً بمنعهنّ من شرب الخمر: فقال (عليه السلام): (إذا أرضعن لكم فامنعوهنّ من شرب الخمر) (5) .

وعن علي بن جعفر، عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل المسلم، هل يصلح له أن يسترضع اليهودية والنصرانية وهنّ يشربن الخمر؟ قال: (امنعوهنّ من شرب الخمر، ما أرضعن لكم) (6) .

____________________

(1) الكافي 6: 44 | 1 مَن يكره لبنه ومَن لا يكره.

(2) الكافي 6: 44 | 12 باب مَن يكره لبنه ومَن لا يكره.

(3) الكافي 6: 44 | 13 باب مَن يكره لبنه ومَن لا يكره. الوضاءة: الحسن والنظافة.

(4) الكافي 6: 42 | 2 باب مَن يكره لبنه ومَن لا يكره.

(5) الكافي 6: 42 | 3 باب مَن يكره لبنه ومَن لا يكره.

(6) وسائل الشيعة 21: 465 | 7 باب 76 من كتاب النكاح.


ونهى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من الاسترضاع من المرأة الزانية، والتي تكوّن لبنها بسبب الزنا، فقال: (لا تسترضعها ولا ابنتها) (1) .

وقال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية أحبّ إليّ من لبن ولد الزنا) (2) .

والحكمة في النهي هو تأثير اللبن على طباع الطفل، فالمرأة الزانية تعيش حالة القلق والاضطراب النفسي والشعور بالإثم والخطيئة من أول يوم انعقاد الجنين، وتبقى على هذه الحالة في جميع فترات الحمل وفي أثناء الولادة، وهذا القلق والاضطراب يؤثّر في التوازن الانفعالي للطفل.

وأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالوقاية من لبن البغيّة والمجنونة فقال: (توقّوا على أولادكم من لبن البغيّة والمجنونة فإنّ اللبن يعدي) (3) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تسترضعوا الحمقاء فإنّ الولد يشبّ عليه) (4) .

وقال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (إنّ عليّاً كان يقول: لا تسترضعوا الحمقاء، فإنّ اللبن يغلب الطباع) (5) .

ويؤكّد علماء الطب على أن تكون الأُم مستريحة وهي تقوم بعملية الرضاعة، ثم تمس برفق وجنة الطفل، ويجب ألاّ تحاول الأُم إرغامه على

____________________

(1) الكافي 6: 42 | 1 باب مَن يكره لبنه ومَن لا يكره.

(2) الكافي 6: 42 | 5 باب مَن يكره لبنه ومَن لا يكره.

(3) مكارم الأخلاق: 223.

(4) مكارم الأخلاق: 237.

(5) مكارم الأخلاق: 237.


توجيه رأسه نحو ثديها؛ لأنّ ذلك يربكه ويحيّره (1) .

ووضع أهل البيت (عليهم السلام) برنامجاً في أُسلوب الرضاعة ومدّتها، وهو الرضاع من جهتين، وإطالة مدّتها إلى واحد وعشرين شهراً، قال الإمام جعفر الصادق لأُمّ إسحاق بنت سليمان: (يا أمّ إسحاق لا ترضعيه من ثديٍ واحدٍ وأرضعيه من كليهما يكون أحدهما طعاماً والآخر شراباً) (2) .

وقال (عليه السلام): (الرضاع واحد وعشرون شهراً فما نقص فهو جور على الصبي) (3) .

فطول مدة الرضاعة له تأثير ايجابي على الوضع النفسي والعاطفي للطفل، وهي أهم المراحل في البناء العاطفي للطفل حيثُ تحتضن الأُم طفلها وتضمّه إلى صدرها، فيشعر بالحنان المتواصل والدفء العاطفي، وفي هذا الصدد تقول عالمة النفس لويز كابلان: (إنّ الطفل الذي ينعم بحنان أُمّه المتدفّق خلال العام الأول والثاني من عمره يشعر بالأمان، وعادة لا يشعر بالقلق أو الخوف فيتصرّف بتلقائية عندما يبلغ سن الثالثة أو الرابعة، والطفل الذي يشعر بالطمأنينة يتمتّع بالثقة بالنفس ويتعامل مع الآخرين بسهولة، ويندمج مع الأطفال في مثل عمره) (4) .

ومناغاة الطفل في هذه المرحلة ضرورية للطفل، تؤثّر على نموّه اللغوي ونموّه العاطفي في المستقبل، فكانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) تناغي الحسن (عليه السلام) وتقول:

(أشبه أباك يا حسن

واخلع عن الحق الرّسن

____________________

(1) قاموس الطفل الطبّي: 33.

(2) الكافي 6: 40 | 2 باب الرضاع.

(3) الكافي 6: 40 | 3 باب الرضاع.

(4) قاموس الطفل الطبّي: 257.


واعبد إلهاً ذا منن

ولا توالِ ذا الإحن)

وكانت تناغي الحسين (عليه السلام):

(أنتَ شبيهٌ بأبي

لستَ شبيهاً بعلي) (1)

وأكدّ أهل البيت (عليهم السلام) كما تقدّم على إقامة علاقات المودّة والحب بين الوالدين، وتجنّب المشاكل التي تؤثّر على الصحّة النفسية لكليهما وللأُم على وجه الخصوص، لانعكاس انفعالاتها المتشنّجة واضطرابها النفسي على الطفل في مرحلة الرضاعة. وفي هذه المرحلة أوصى أهل البيت (عليهم السلام) بالاهتمام بغذاء الأُم، المصدر الأساسي لتكوين الحليب من حيثُ الكمّيّة والنوعية، وكان التركيز على التمر في إطعام الأُم لتأثيره على الرضيع، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ليكن أول ما تأكل النفساء الرّطب..) قيل: يا رسول الله، فإن لم يكن أوان الرطب؟ قال: (سبع تمرات من تمر المدينة، فإن لم يكن فسبع تمرات من تمر أمصاركم) (2) .

وأوصى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بأكل أحد أنواع التمر وهو البرني فقال: (اطعموا البرني نساءكم في نفاسهنّ تحلم أولادكم) (3) .

وفي رواية عنه (عليه السلام): (اطعموا نساءكم التمر البرني في نفاسهنّ تجمّلوا أولادكم) (4) .

ووضع أهل البيت (عليهم السلام) لائحة بالمواد الغذائية المهمّة في النمو

____________________

(1) بحار الأنوار 43: 286.

(2) الكافي 6: 22 | 4 باب ما يستحب أن تطعم الحبلى.

(3) الكافي 6: 22 | 5 ما يستحب أن تطعم الحبلى.

(4) مكارم الأخلاق: 169.


والصحّة (1) .

فخبز الشعير وقاية من الأمراض، وسويق الحنطة ينبت اللحم ويشد العظم ويسهّل الهضم، وسويق العدس يسكّن هيجان الدم ويقلّل من حرارة الجسم، واللحوم وخصوصاً لحم الدرّاج يقلّل من الغضب، والهريسة تنشّط الجسم وتمنحه الحيوية، والزيتون يطرد الرياح، والعنب يقلّل الغضب، والسفرجل يقوّي القلب، والخس يصفّي الدم، كما أكّدوا على العسل والبيض واللبن وسائر أنواع الفواكه. وتنتقل فوائد هذه المواد الغذائية من الأُم إلى الطفل عن طريق الحليب المتكوّن منها.

وخلاصة القول يجب الاهتمام بالاسترضاع من حليب الأُم، فإذا تعذّر فيجب اختيار المرضعة المؤمنة السالمة من الإمراض الجسدية والنفسية، وإذا تعذّر فتسترضع غير المؤمنة، بشرط منعها من شرب الخمر وكل ما يضرّ بصحّة الطفل، والاهتمام بالصحّة النفسية للاأُم والاهتمام بصحّتها الجسدية، وإشباع حاجتها إلى الطعام الضروري في إنتاج الحليب النقي والغني بالمواد الغذائية الضرورية؛ لينعكس ذلك ايجابياً على صحّة الطفل النفسية والجسدية.

____________________

(1) الكافي 6: 305 وما بعدها.



الفصل الرابع

المرحلة الثالثة: مرحلة الطفولة المبكِّرة

تبدأ مرحلة الطفولة المبكّرة من عام الفطام إلى نهاية العام السادس أو السابع من عمر الطفل، وهي من أهم المراحل التربوية في نمو الطفل اللغوي والعقلي والاجتماعي، وهي مرحلة تشكيل البناء النفسي الذي تقوم عليه أعمدة الصحّة النفسية والخلقية، وتتطلّب هذه المرحلة من الأبوين إبداء عناية خاصة في تربية الأطفال، وإعدادهم؛ ليكونوا عناصر فعّالة في المحيط الاجتماعي، وتتحدد معالم التربية في هذه المرحلة ضمن المنهج التربوي التالي:

أولاً: تعليم الطفل معرفة الله تعالى

الطفل مجبول بفطرته على الإيمان بالله تعالى، حيثُ تبدأ تساؤلاته عن نشوء الكون، وعن نشوئه ونشوء أبويه، ونشوء مَن يحيط به، وأنّ تفكيره المحدود مهيّأ لقبول فكرة الخالق والصانع، فعلى الوالدين استثمار تساؤلاته لتعريفه بالله تعالى الخالق في الحدود التي يتقبّلها تفكيره المحدود، والإيمان بالله تعالى كما يؤكّده العلماء سواء كانوا علماء دين أو علماء نفس (من أهم القيم التي يجب غرسها في الطفل.. ممّا سوف


يعطيه الأمل في الحياة والاعتماد على الخالق، ويوجد عنده الوازع الديني الذي يحميه من اقتراف المآثم) (1) .

والتربية والتعليم في هذه المرحلة يفضّل أن تكون بالتدريج ضمن منهج متسلسل، متناسباً مع العمر العقلي للطفل، ودرجات نضوجه اللغوي والعقلي، وقد حدّد الإمام محمد الباقر (عليه السلام) تسلسل المنهج قائلاً:

(إذا بلغ الغلام ثلاث سنين يقال له: قُلْ لا إله إلاّ الله سبع مرّات، ثم يُترك حتى تتم له ثلاث سنين وسبعة أشهر وعشرون يوماً فيقال له: قُلْ محمد رسول الله سبع مرّات، ويُترك حتى يتم له أربع سنين ثم يقال له: قُلْ سبع مرّات صلّى الله على محمد وآله، ثم يُترك حتى يتم له خمس سنين، ثم يقال له: أيّهما يمينك وأيُّهما شمالك؟ فإذا عرف ذلك حوّل وجهه إلى القبلة ويقال له: اسجد، ثم يُترك حتى يتم له سبع سنين، فإذا تمّ له سبع سنين قيل له اغسل وجهك وكفّيك، فإذا غسلهما قيل له صلِّ، ثم يُترك، حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمّت له تسع سنين عُلّم الوضوء وضُرب عليه وأُمر بالصلاة وضُرب عليها، فإذا تعلّم الوضوء والصلاة غفر الله عز وجلّ له ولوالديه إن شاء الله) (2) .

وقد أثبت علم النفس الحديث صحّة هذا المنهج (2 ـ 3 سنوات، يكتسب كلام الطفل طابعاً مترابطاً ممّا يتيح له إمكانية التعبير عن فهمه لكثير من الأشياء والعلاقات... وفي نهاية السنة الثالثة يصبح الطفل قادراً على استخدام الكلام وفق قواعد نحوية ملحوظة، وهذا يمكنه من صنع

____________________

(1) قاموس الطفل الطبّي: 294.

(2) مَن لا يحضره الفقيه، للصدوق 1: 182 | 3 باب الحد الذي يُؤخذ فيه الصبيان بالصلاة ـ دار التعارف للمطبوعات 1401 هـ.


جمل أوّلية وصحيحة) (1) .

وتعميق الإيمان بالله ضروري في تربية الطفل.

والطفل في هذه المرحلة يكون مقلِّداً لوالديه في كل شيء، بما فيها الإيمان بالله تعالى، يقول الدكتور سپوك: (إنّ الأساس الذي يؤمن به الابن بالله وحبّه للخالق العظيم، هو نفس الأساس الذي يحب به الوالدان الله).

ويقول: (بين العمر الثالث والعمر السادس يحاول تقليد الأبوين في كلِّ شيء، فإذا حدّثاه عن الله فإنّه يؤمن بالصورة التي تحدّدها كلماتهما عن الله حرفيّاً) (2) والطفل في هذه المرحلة يميل دائماً إلى علاقات المحبّة والمودّة والرقّة واللين، فيحب أو يفضّل (تأكيد الصفات الخاصة بالرحمة والحب والمغفرة إلى أقصى حدٍّ ممكن، مع التقليل إلى أدنى حدٍّ من صفات العقاب والانتقام) (3) .

فتكون الصورة التي يحملها الطفل في عقله عن الله تعالى صورة جميلة محبّبة له، فيزداد تعلّقه بالله تعالى، ويرى أنّه مانح الحب والرحمة له.

وإذا أردنا ان نكوّن له صورة عن يوم القيامة فالأفضل أن نركّز على نعيم الجنّة بما يتناسب مع رغباته، من أكل وشرب وألعاب وغير ذلك، ونركّز على أنّه سيحصل عليها إنْ أصبح خلوقاً ملتزماً بالآداب الإسلامية، ويُحرم منها إنْ لم يلتزم، ويؤجّل التركيز على النار والعذاب إلى مرحلة متقدّمة من عمره.

____________________

(1) علم النفس التربوي، للدكتور علي منصور 2: 132 ـ 1407 هـ.

(2) مشاكل الآباء في تربية الأبناء: 248.

(3) مشاكل الآباء في تربية الأبناء: 251.


ثانياً: التركيز على حبّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام)

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيّكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن) (1) .

في هذه المرحلة تنمو المشاعر والعواطف والأحاسيس عند الطفل، من حب وبغض وانجذاب ونفور، واندفاع وانكماش، فيجب على الوالدين استثمار حالات الاستعداد العاطفي عند الطفل وتنمية مشاعره وعواطفه، وتوجيهها نحو الارتباط بأرقى النماذج البشرية، والمبادرة إلى تركيز حبّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وحبّ أهل البيت (عليهم السلام) في خلجات نفسه. والطريقة الأفضل في تركيز الحبّ هو إبراز مواقفهم وسلوكهم في المجتمع، وخصوصاً ما يتعلّق برحمتهم وعطفهم وكرمهم، ومعاناتهم، وما تعرّضوا له من حرمان واعتداء، يجعل الطفل متعاطفاً معهم مُحبّاً لهم، مبغضاً لمَن آذاهم من مشركين ومنحرفين.

والتركيز على قراءة القرآن في الصغر يجعل الطفل منشدّاً إلى كتاب الله، متطلّعاً على ما جاء فيه، وخصوصاً الآيات والسور التي يفهم الطفل معانيها. وقد أثبت الواقع قدرة الطفل في هذه المرحلة على ترديد ما يسمعه، وقدرته على الحفظ، فينشأ الطفل وله جاذبية وشوق للقرآن الكريم، وينعكس ما في القرآن من مفاهيم وقيم على عقله وسلوكه.

____________________

(1) كنز العمّال 16: 456 | 45409.


ثالثاً: تربية الطفل على طاعة الوالدين

يلعب الوالدان الدور الأكبر في تربية الأطفال، فالمسؤولية تقع على عاتقهما أوّلاً وقبل كلّ شيء، فهما اللذان يحدّدان شخصية الطفل المستقبلية، وتلعب المدرسة والمحيط الاجتماعي دوراً ثانويّاً في التربية.

والطفل إذا لم يتمرّن على طاعة الوالدين فإنّه لا يتقبّل ما يصدر منهما من نصائح وإرشادات وأوامر إصلاحية وتربوية، فيخلق لنفسه ولهما وللمجتمع مشاكل عديدة، فيكون متمرّداً على جميع القيم، وعلى جميع القوانين والعادات والتقاليد الموضوعة من قِبل الدولة ومن قِبل المجتمع.

قال الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام): (جرأة الولد على والده في صغره، تدعو إلى العقوق في كبره) (1) .

وقال الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): (... شرّ الأبناء من دعاه التقصير إلى العقوق) (2) .

وتربية الطفل على طاعة الوالدين تتطلّب جهداً متواصلاً منهما على تمرينه على ذلك؛ لأنّ الطفل في هذه المرحلة يروم إلى بناء ذاته وإلى الاستقلالية الذاتية، فيحتاج إلى جهد إضافي من قِبل الوالدين، وأفضل الوسائل في التمرين على الطاعة هو إشعاره بالحبّ والحنان، يقول

____________________

(1) تحف العقول: 368.

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 320.


الدكتور يسري عبد المحسن: (أهم العوامل التي تساعد الطفل على الطاعة.. الحب والحنان الذي يشعر به الطفل من كلِّ أفراد الأُسرة) (1) .

ومن الوسائل التي تجعله مطيعاً هي إشباع حاجاته الأساسية وهي: (الأمن، والمحبّة، والتقدير، والحرية، والحاجة إلى سلطة ضاغطة) (2) .

ويرى الدكتور فاخر عاقل هذه الحاجات بالشكل التالي: (الحاجة إلى توكيد الذات، أو المكانة، أن يعترف به وبمكانته، وأن ينتبه إليه.. والحاجة إلى الأمان والحاجة إلى المحبّة والحاجة إلى الاستقلال) (3) .

فإذا شعر الطفل بالحب والحنان والتقدير من قِبل والديه، فإنّه يحاول المحافظة على ذلك بإرضاء والديه، وأهم مصاديق الإرضاء هو طاعتهما.

فالوالدان هما الأساس في تربية الطفل على الطاعة، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (رحم الله والدين أعانا ولدهما على برّهما) (4) وأُسلوب الإعانة كما حددّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (رحم الله عبداً أعان ولده على برّه بالإحسان إليه، والتألف له، وتعليمه وتأديبه) (5) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (رحم الله مَن أعان ولده على برّه، وهو أن يعفو عن سيّئته، ويدعو له فيما بينه وبين الله) (6) .

____________________

(1) قاموس الطفل الطبّي: 328.

(2) علم النفس، لعبد العزيز القوصي: 264.

(3) علم النفس التربوي، لفاخر عاقل: 100 ـ 101.

(4) مستدرك الوسائل 2: 618.

(5) مستدرك الوسائل 2: 626.

(6) عدّة الداعي: 61.


وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (رحم الله مَن أعان ولده على برّه... يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه ولا يخرق به...) (1) .

وحبّ الأطفال للوالدين ردّ فعل لحبّ الوالدين لهما (2) .

فإذا كان الحبُّ هو السائد في العلاقة بين الطفل ووالديه، فإنّ الطاعة لهما ستكون متحقّقة الوقوع، وعلى الوالدين أنْ يُصدرا الأوامر برفق ولين بصورة نصح وإرشاد فإنّ الطفل سيستجيب لهما، أمّا استخدام التأنيب والتعنيف فإنّه سيؤدّي إلى نتائج عكسية؛ ولذا أكدّ علماء النفس والتربية على التقليل من التعنيف كما جاء في قول أنور الجندي: (يقتصد في التعنيف عند وقوع الذنب؛ لأنّ كثرة العقاب تهوّن عليه سماع الملامة وتخفّف وقع الكلام في نفسه) (3) .

وإطاعة الأوامر لا يجد فيها الطفل الذي حصل على المحبّة والتقدير أيّة غضاضة على حبّه للاستقلال، وبالمحبّة التي يشعرها تتعمّق في نفسه القابلية على تقليد سلوك مَن يحبّهم وهما الوالدان، فينعكس سلوكهما عليه، ويستجيب لهما، فإنّه إذا عُومل كإنسان ناضج وله مكانة فإنّه يستريح إلى ذلك، ويتصرّف بنضج وبصورة لا تسيء إلى والديه، فيتمرّن على الطاعة لوالديه، ومن ثمّ الطاعة لجميع القيم التي يتلقّاها من والديه، أو من المدرسة، أو من المجتمع.

____________________

(1) الكافي 6: 50 | 6 بِرّ الأولاد.

(2) علم الاجتماع، لنقولا الحداد: 252 ـ دار الرائد 1982 م ط2.

(3) التربية وبناء الأجيال: 167


رابعاً: الإحسان إلى الطفل وتكريمه

الطفل في هذه المرحلة بحاجة إلى المحبّة والتقدير من قِبل الوالدين، وبحاجة إلى الاعتراف به وبمكانته في الأُسرة وفي المجتمع، وأن تسلّط الأضواء عليه، وكلّما أحسَّ بأنّه محبوبٌ، وأنّ والديه أو المجتمع يشعر بمكانته وذاته فإنّه سينمو (متكيّفاً تكيّفاً حسناً، وكينونته راشداً صالحاً يتوقّف على ما إذا كان الطفل محبوباً مقبولاً شاعراً بالاطمئنان في البيت) (1) .

والحبُّ والتقدير الذي يحسّ به الطفل له تأثير كبير على جميع جوانب حياته، فيكتمل نموّه اللغوي والعقلي والعاطفي والاجتماعي، والطفل يقلّد مَن يحبّه، ويتقبّل التعليمات والأوامر والنصائح ممّن يحبّه، فيتعلّم قواعد السلوك الصالحة من أبويه، وتنعكس على سلوكه إذا كان يشعر بالمحبّة والتقدير من قِبلهما.

وقد وردت عدّة روايات تؤكّد على ضرورة محبّة الطفل وتكريمه:

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم) (2) وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (رحم الله عبداً أعان ولده على بِرّه بالإحسان إليه والتآلف له وتعليمه وتأديبه) (3) .

____________________

(1) علم النفس التربوي، للدكتور فاخر عاقل: 111 ـ دار العلم للملايين 1985 ط1.

(2) مستدرك الوسائل 2: 625.

(3) مستدرك الوسائل 2: 626.


وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (نظر الوالد إلى ولده حبّاً له عبادة) (1) وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أحبّوا الصبيان وارحموهم، فإذا وعدتموهم فوفّوا لهم، فإنّّهم لا يرون إلاّ أنكم ترزقونهم) (2) .

ومن مصاديق محبّة الطفل وإشعاره بمكانته التشجيع له، ومدحه على ما ينجزه من أعمال وإنْ كانت يسيرة، والتجاوز عن بعض الهفوات، وعدم تسفيه أقواله أو أعماله، وعدم حمله على مالا يطيق كما جاء في قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (رحم الله مَن أعان ولده على بِرّه... يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه، ولا يخرق به...) (3) .

وتقبيل الطفل من أفضل الوسائل لإشعاره بالحب والحنان، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أكثروا من قبلة أولادكم، فإنّ لكم بكلِّ قبلة درجة في الجنّة) (4) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن قبّل ولده كان له حسنة، ومَن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة...) (5) .

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم) (6) .

ومن مصاديق إشعار الطفل بأنّه محبوب إسماعه كلمات الحبّ والودّ

____________________

(1) مستدرك الوسائل 2: 626.

(2) مكارم الأخلاق: 219.

(3) الكافي 6: 50 | 6 باب بِرّ الأولاد.

(4) مكارم الأخلاق: 220.

(5) عدّة الداعي: 79.

(6) تحف العقول: 267.


ففي روايةٍ: (جاء الحسن والحسين يسعيان إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأخذ أحدهما فضمّه إلى إبطه، وأخذ الآخر فضمّه إلى إبطه الآخر، وقال: (هذان ريحانتاي من الدنيا)) (1) .

ومن أجل إشعار الطفل بمكانته الاجتماعية لتتعمّق الثقة بنفسه، كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يسلّم على الصغير والكبير كما جاء في الخبر أنّه: (مرّ على صبيان فسلّم عليهم) (2) .

وتعامل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع الحسن والحسين تعاملاً خاصاً، فقد (بايع الحسن والحسين وهما صبيّان) (3) .

وإشعار الطفل بالحب والحنان من أهم العوامل التي تساعده على الطاعة والانقياد للوالدين (4) .

والأفضل أن يكون إشعار الطفل بأنّه محبوب مرافقاً له في كلِّ الأوضاع والأحوال، حتّى وإنْ أخطأ أو ارتكب ما يوجب التأنيب أو العقاب، والأفضل أن نجعل الطفل مميّزاً بين الحب له وعدم كراهيته في حالة خطئه أو ذنبه، يقول الدكتور سپوك: (إنّنا كآباء يجب أن لا نجعل الطفل يشعر في أي مرحلة من مراحل عمره بأنّه منبوذ، ولو حتى بمجرّد نظرة عين، إنّ الطفل لا يستطيع أن يفرّق بين كراهية والديه لسلوكه وبين

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور 7: 14 ـ دار الفكر 1405 هـ ط1.

(2) مستدرك الوسائل 2: 69.

(3) تحف العقول: 337.

(4) قاموس الطفل الطبّي: 328.


كراهيّتهما له) (1) .

ولكن بالتدريب وتكرار العمل يمكننا أن نقنع الطفل بأنّ العمل الخاطئ الذي يرتكبه مبغوضاً من قِبل والديه، أو من قِبل المجتمع مع بقاء المحبوبية له، ونحاول إقناعه بالإقلاع عن الأعمال الخاطئة، وإشعاره بأنّ الحب والحنان سيصل إلى أعلى درجاته في هذه الحالة.

خامساً: التوازن بين اللين والشدّة

تكريم الطفل والإحسان إليه وإشعاره بالحب والحنان، وإشعاره بمكانته الاجتماعية، وبأنّه مقبول عند والديه وعند المجتمع، يجب أنْ لا يتعدّى الحدود إلى درجة الإفراط في كلِّ ذلك، وأن لا تُتْرك له الحرية المطلقة في أن يعمل ما يشاء، فلابدّ من وضع منهجٍ متوازن في التصرّف معه من قِبل الوالدين، فلا يتساهلا معه إلى أقصى حدود التساهل، ولا أن يُعنَّف على كلِّ شيء يرتكبه، فلا بدّ أنْ يكون اللين وتكون الشدّة في حدودهما، ويكون الاعتدال بينهما هو الحاكم على الموقف منه حتى يجتاز مرحلة الطفولة بسلام واطمئنان، يميّز بين السلوك المحبوب والسلوك المنبوذ؛ لأنّ السنين الخمسة الأُولى أو الستة من الحياة هي التي تكوّن نمط شخصيته.

وقد أكدّت الروايات على الاعتدال في التعامل مع الطفل فلا إفراط ولا تفريط.

____________________

(1) مشاكل الآباء: 141.


قال الإمام الباقر (عليه السلام): (شرّ الآباء من دعاه البرّ إلى الإفراط..) (1) وفي حالة ارتكاب الطفل لبعض المخالفات السلوكية، على الوالدين أنْ يُشعِرا الطفل بأضرار هذه المخالفة وإقناعه بالإقلاع عنها، فإذا لم ينفع الإقناع واللين يأتي دور التأنيب أو العقاب المعنوي دون البدني، والعقوبة العاطفية خيرٌ من العقوبة البدنية، كما أجاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) حينما سُئِل عن كيفيّة التعامل مع الطفل؛ فقال: (لا تضربه واهجره... ولا تطل) (2) .

وقد أكّدت الروايات على الاعتدال في التعامل مع الطفل فلا إفراط ولا تفريط.

فالإمام لا يدعو إلى اللين والتساهل مع الطفل في حالة تكرار الأخطاء، كما لا يدعو إلى استمرار العقوبة العاطفية وهي الهجر، وإنّما يدعو إلى الاعتدال والتوازن بين اللين والشدّة.

والإفراط أو التفريط يؤدّي إلى تأثيرات سلبية على الطفل من جميع الجوانب العقلية والعاطفية والخلقية.

ويجب في ضوء المنهج التربوي السليم، أنْ يحدث التوازن بين المدح والتأنيب، فالمدح الزائد كالتأنيبْ الزائد يؤثّر على التوازن الانفعالي للطفل، ويجعله مضطرباً قلقاً، فالطفل (الناشئ في ظل الرأفة الزائدة لا يطيق المقاومة أمام تقلّبات الحياة، ولا يستطيع الصراع معها) (3) .

وقد أكّدت الروايات على الاعتدال في التعامل مع الطفل فلا إفراط ولا تفريط.

ويتأخّر النضوج العاطفي عند الطفل المدلّل، (وتطول فترة الطفولة

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 320

(2) بحار الأنوار 23: 114.

(3) الطفل بين الوراثة والتربية 2: 180 عن كتاب نحن والأبناء 39.


لديه) (1) فيبقى محتاجاً لوالديه في كلِّ المواقف التي تواجهه وتستمر هذه الحالة معه حتى في كبره، فنجد في واقعنا الاجتماعي أطفالاً أو كباراً ينتظرون من المجتمع أن يلبّي مطالبهم أو يؤيّد آرائهم، أو يمدحهم ويثني عليهم، فهم لا يستطيعون مواجهة المشاكل التي تقف في طريق تلبية طموحاتهم، ونفس الكلام يأتي في سلوك الطفل المنبوذ، أو المتعرّض للإهانات أو التأنيب الزائد من قِبل والديه، ومحاسبته على كلِّ شيء يصدر منه، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (الإفراط في الملامة يشبّ نيران اللجاج) (2) .

ولذا نجد في المجتمع أنَّ الأحداث المنحرفين المتصفين بصفات عدوانية اتجاه الآخرين، كانوا معرّضين للإهانات والعقوبات المستمرّة.

وعلى الوالدين أنْ يضعوا للأطفال برنامجاً يوضّحون لهم المحبوب والمذموم من الأعمال، ويكون المدح أو التأنيب منصبّاً على العمل المرتكَب؛ لكي نزرع في قلوبهم حبّ الأعمال الصالحة وبغض الأعمال غير الصالحة، وأن تعمل على تقوية الضمير في نفس الطفل في هذهِ المرحلة حتى يكون صمّاماً له في المستقبل، فنزرع في قلبه الخوف من ارتكاب العمل غير الصالح والشوق إلى العمل الصالح، بدلاً من الخوف من العقوبة أو الشوق إلى المدح والإطراء، وعلى الوالدين أن يجعلوا المدح أو التأنيب خالصاً من أجل تربية الأطفال، وأن لا يعكسوا أوضاعهم النفسية في التربية، كمَن يواجه مشكلة فيصّب غضبه على

____________________

(1) علم النفس التربوي، للدكتور فاخر عاقل: 535.

(2) تحف العقول: 84.


الطفل دون أي مبرّر.

وفي هذا الصدد (نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الأدب عند الغضب) (1) وهنالك بعض الحالات يجب على الوالدين الانتباه إليها لكي لا تأتي على عقل الطفل وعواطفه بآثار عكسيّة، فمثلاً: يقوم الطفل بكسر شيء ثمين فيصيبه الفرح؛ لأنّه يرى نفسه قد أقدم على شيء جميل بأن حوّل هذا الشيء إلى شيئين عن طريق عملية الكسر، فهو يحتاج في نظره إلى مدح وثناء، وهنا تأتي بدلاً من المدح العقوبة فيتفاجأ الطفل، وتكون للعقوبة تأثيراتها النفسية عليه.

وفي حالات أُخرى يكون الطفل بحاجة إلى التأنيب أو الذّم أو الهجران، أو العقوبة البدنية أحياناً، كما يقول الدكتور سپوك: (إنّ الأطفال في معظم الأحوال يفرحون؛ لأنّ الوالد قد وضع حدّاً لوقاحتهم) (2) .

والطفل في حالة مرضه بحاجة إلى الرعاية المتوازنة فلا إفراط ولا تفريط، فلا اهتمام زائد ولا عدم اهتمام، والتوازن أفضل، وهو إشعاره بالاهتمام في حدوده المعقولة؛ لأنّ (طريقة المبالغة التي تتبعها الأُمّهات عندما يُصاب أطفالهن بالمرض؛ تؤثّر على نفسيّة الطفل في الكبر... يخلق منه طفلاً مكتئباً كثير الشكوى سريع الانفعال) (3) .

ويجب مراعاة وحدة الأُسلوب التربوي من قِبل الوالدين، والاتفاق

____________________

(1) بحار الأنوار 79: 102.

(2) مشاكل الآباء: 75.

(3) قاموس الطفل الطبّي: 278.


على منهجٍ واحدٍ من أجل أنْ يتعرّف الطفل على الصواب والخطأ في سلوكه، فلو استخدم الأب التأنيب مع الطفل لخطأ معيّن، فعلى الأُم أن لا تخالف الأب في ذلك، وكذا الحال في المدح؛ لأنّ (الاضطرابات السلوكية والأمراض النفسية التي تصيب الطفل في حداثته والرجل في مستقبله، تكون نتيجة المعاملة الخاطئة للأبوين... كتناقضات أُسلوب المعاملة، كالتذبذب بين التسامح والشدّة... والتدليل والإهمال، وتكون نتيجة هذه التطوّرات: إمّا خلق روح العدوان والجنوح وبرود العاطفة والإحباط والوسواس من ناحية، أو المغالاة في الاعتماد على الغير والسلوك المدلّل وضعف الشخصية من ناحية أُخرى) (1) .

سادساً: العدالة بين الأطفال

الطفل الأول في الأُسرة يكون موضع حب وحنان وعناية من قِبل والديه؛ لأنّه الطفل الأول والطفل الوحيد، فيُمنح الاهتمام الزائد، والرأفة الزائدة، وتُلبّى كثيراً من حاجاته المادية والنفسية، فنجد الوالدين يسعيان إلى إرضائه بمختلف الوسائل، ويوفرّون له ما يحتاجه من ملابس وألعاب وغير ذلك من الحاجات، ويكون مصاحباً لوالديه في أغلب الأوقات سواء مع الأُم أو مع الأب أو مع كليهما، وبعبارة أُخرى يلقى دلالاً واهتماماً استثنائياً. ومثل هذا الطفل وبهذه العناية والاهتمام، سيواجه مشكلة صعبة عليه في حالة ولادة الطفل الثاني، وتبدأ مخاوفه من الطفل الثاني؛ لأنّه سيكون منافساً له في كلِّ شيء، ينافسه في حب الوالدين ورعايتهم له، وينافسه في منصبه باعتباره الطفل الوحيد سابقاً، وينافسه في ألعابه،

____________________

(1) أضواء على النفس البشرية، للدكتور الزين عباس عمارة: 302 ـ دار الثقافة 1407 هـ ط1.


وتبدأ بوادر الغيرة عليه منذ أول يوم الولادة، إذ ينشغل الوالدان بالوضع الطارئ الجديد وسلامة الوالدة والطفل، فإذا لم ينتبه الوالدان إلى هذه الظاهرة، فإنّ غيرة الطفل الأول ستتحوّل بالتدريج إلى عداء وكراهية للطفل الجديد، وينعكس هذا العداء على أوضاعه النفسية والعاطفية، ويزداد كلمّا انصبّ الاهتمام بالطفل الجديد وأُخرج الطفل الأول عن دائرة الاهتمام، فيجب على الوالدين الالتفات إلى ذلك والوقاية من هذه الظاهرة الجديدة، وإبقاء الطفل الأول على التمتّع بنفس الاهتمام والرعاية وإشعاره بالحب والحنان، وتحبيبه للطفل الثاني، وإقناعه بأنّه سيصبح أخاً أو أُختاً له يسلّيه ويتعاون معه، وأنّه ليس منافساً له في الحب والاهتمام، ويجب عليهما تصديق هذا الإقناع في الواقع بأن تقوم الأُم باحتضانه وتقبيله، ويقوم الأب بتلبية حاجاته أو شراء ألعاب جديدة له، إلى غير ذلك من وسائل الاهتمام والرعاية الواقعية، والحل الأمثل هو العدالة والمساواة بين الطفل الأول والثاني؛ فإنّها وقاية وعلاج للغيرة والكراهية والعداء.

وتتأكّد أهميّة العدالة والمساواة كلمّا تقدم الطفلان في العمر، إذ تنمو مشاعرهما وعواطفهما ونضوجهم العقلي واللغوي بالتدريج يجعلهما يفهمان معنى العدالة ومعنى المساواة، ويشخّصان مصاديقها في الواقع العملي، وقد وردت الروايات المتظافرة لتؤكّد على إشاعة العدالة بين الأطفال.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (اعدلوا بين أولادكم كما تحبّون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف) (1) .

والعدالة بين الأطفال مطلقة وشاملة لكلِّ الجوانب الحياتية التي تحيط

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 220.


بالأطفال في جانبها المادي والمعنوي، أي في إشباع حاجاتهما الماديّة، وحاجاتهما المعنوية للحب والتقدير والاهتمام.

جاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنّه نظر إلى رجل له ابنان فقبّل أحدهما وترك الآخر، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فهلاّ ساويت بينهما)) (1) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الله تعالى يحبّ أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القُبَل) (2) .

وأكدّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على العدالة في العطاء والهدية، سواء في الأكل والشرب والثياب والألعاب إلى غير ذلك، كما جاء في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ساووا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضّلاً أحداً لفضلّتُ النساء) (3) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (اعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبّون أن يعدلوا بينكم في البرّ واللطف) (4) .

والعدالة لا تعني عدم التفضيل بين الأطفال، فبعض الأطفال يكونون أكثر جاذبية من بعض من قِبل الوالدين، فعن رفاعة الأسدي قال: (سألت أبا الحسن ـ موسى بن جعفر (عليه السلام) ـ عن الرجل يكون له بنون وأُمّهم ليست بواحدة، أيفضّل أحدهم على الآخر؟ قال (عليه السلام): (نعم، لا بأس به، قد كان أبي (عليه السلام) يفضلّني على أخي عبد الله)) (5) والتفضيل يجب أن يكون مستوراً لا يظهره أمامهما ويحتفظ به في

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 221.

(2) كنز العمّال 16: 445 | 45350.

(3) كنز العمّال 16: 444 | 45346.

(4) كنز العمّال 16: 444 | 45347.

(5) مكارم الأخلاق: 221.


مشاعره القلبيّة، أمّا في الواقع فلا يعمل إلاّ بالعدالة والمساواة، كما قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (قال والدي: والله لأُصانع بعض ولدي وأُجلسه على فخذي وأُكثر له المحبّة، وأُكثر له الشكر، وإنّ الحق لغيره من ولدي، ولكن محافظةً عليه منه ومن غيره؛ لئلاّ يصنعوا به ما فعل بيوسف إخوته) (1) ؛ لأنّ عدم العدالة له تأثيره السلبي على نفسية الأطفال، تؤدّي إلى زرع روح الكراهة والبغضاء بينهم، وتؤدي بهم في النتيجة إلى العداء المستحكم، واتخاذ الموقف غير السليم، كما فعل أُخوة يوسف به حينما ألقوه في البئر.

وقد كانت السيرة قائمة على أساس إشاعة العدالة بين الأطفال، سواء كانوا أُخوة أو أرحام، فعن عبد الله بن عبّاس قال: (كنت عند النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، وهو تارة يقبّل هذا وتارة يقبّل هذا) (2) .

فإبراهيم ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والحسين ابن بنته، ومع كلِّ هذهِ الاختلافات في الروابط فإنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يفرّق في المعاملة بينهما.

وفي رواية (كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يصلّي فجاء الحسن والحسين فارتدفاه، فلمّا رفع رأسه أخذهما أخذاً رفيقاً فلمّا عاد عادا، فلمّا انصرف أجلس هذا على فخذه الأيمن وهذا على فخذه الأيسر) (3) .

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخطب على المنبر فجاء الحسن والحسين

____________________

(1) مستدرك الوسائل 12: 626.

(2) بحار الأنوار 43: 261.

(3) بحار الأنوار 43: 275.


يمشيان ويعثران (فنزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه) (1) .

ومن مصاديق العدالة والمساواة هو عدم إقامة المقارنة بين الأطفال، في صفاتهم الجسمية والمعنوية والنفسية، فلا يصح أن يقال فلان أجمل من فلان، أو أذكى منه أو أكثر خُلقاً منه؛ لأنّها ستكون منبعاً للحقد؛ لانّ المقارنة بين الأطفال تؤدّي إلى (الغيرة من بعضهم وإلى التنافس) (2) .

والمقارنة تؤدّي إلى فقدان الثقة بين الأشقّاء والعكس صحيح: (عدم التفرقة في المعاملة، هو أكبر دعامة لخلق جو من الثقة المتبادلة بينه وبين سائر أفراد العائلة) (3) .

ونلاحظ عند كثير من الآباء مواقفَ غير مقصودة بأن يقول: إنّ ابني فلان يشبهني، وفلان لا يشبهني. فحتى هذه المقارنة تعمل عملها في الغيرة والتنافس، والأفضل اجتنابها.

ومن العدالة هو عدم التمييز بين الولد والبنت؛ لأنّ التميز يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على نفسيّة البنت، وعلى زرع العداوة والحقد بين الأُخت وأخيها، وهذه ظاهرة شائعة في أغلب البلدان، حيثُ يميل الأبوين إلى الابن أكثر من ميلهما إلى البنت، ويلبيّان مطاليب الولد أكثر من مطاليب البنت، ولغرض التقليل من شأن هذهِ الظاهرة؛ جاءت الروايات لتعطي للبنت عناية استثنائية، وتمرّن الأبوين عليها، كما جاء عن ابن عباس، عن رسول ً

____________________

(1) بحار الأنوار 43: 284.

(2) حديث إلى الأُمّهات: 68.

(3) قاموس الطفل الطبّي: 274.


الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور..) (1) .

والبدء بالإناث لا يوّلد أي تأثير سلبي على الطفل الابن؛ لأنّه يراه أمراً طبيعياً فلابدّ من تقديم أحدهم، وغالباً ما يسكت الطفل ولا يلتفت إلى التمييز إنْ حصل على عطاء والديه، سواء كان العطاء أوّلاً أو ثانياً.

والعدالة بين الأطفال لا تعني أن لا نتخذ أُسلوباً للتشجيع بأن تُخصّص هدية إضافية لمَن يعمل عملاً صالحاً؛ فإنّ ذلك ضروري لتشجيع الطفل على السلوك الصالح، وقد ينفع في إقامة المنافسة المشروعة بين الأطفال لا تؤثّر على نفسيّاتهم بصورة سلبية، بل يجدونها أمراً مشروعاً وحقّاً طبيعياً. وعلى الوالدين التعامل بحذر في مثل هذه الحالة بالتعرّف على نفسية أطفالهم، وابتكار الأساليب الناجحة في التشجيع، المنسجمة مع حالاتهم النفسية التي لا تؤدّي إلى الشعور بعدم العدالة.

ومهما تحقّقت العدالة والمساواة بين الأطفال، فإنّها لا تستطيع إنهاء بعض المظاهر السلبية كالشجار والصراع بين الأطفال، وهي ظاهرة طبيعية تحدث بين الأطفال في كل أو أغلب الأُسر، فتحدث حالات من النقاش الحاد أو الاشتباك بالأيدي بين الأطفال، ويتهم أحد الأطفال أخاه أو أُخته بأنّه المقصِّر في حقّه أو البادئ في العدوان عليه، وفي مثل هذه الحالة على الوالدين أن يدرسا المشكلة دراسة موضوعية، وأن ينظرا إلى الشجار والصراع بأنّه حالة طبيعية، فإذا كان سهلاً وبسيطاً ومحدوداً، فالأفضل عدم التدخّل في إنهائه، وأن يُترك الأطفال يعالجون أُمورهم بأنفسهم

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 221.


لإنهاء الشجار، وليس صحيحاً أن يدخل الوالدان أو أحدهما كقاضي في الحكم بينهما؛ لأنّ الحكم لأحد الأطفال دون الآخر لا ينسجم مع مبدأ تطبيق العدالة والمساواة مع الأطفال، أمّا إذا تكرّر الشجار والصراع عدّة مرّات أو كان مستمرّاً طول النهار، أو كان قاسياً وخطراً على الأطفال، يأتي دور الأبوين في التدخّل لإنهائه، بإصدار الأوامر لكليهما بالتوقّف السريع عن الاستمرار به، أو إلفات نظرهم إلى موضوع آخر، وإشغالهم به، أو التدخّل لإبعاد أحدهم عن الآخر، وإذا تطلبّ الأمر استخدام التأنيب، أو العقوبة المعنوية، فالأفضل أن تكون موجّهة لكليهما انسجاماً مع تطبيق العدالة بين الأطفال.

سابعاً: الحرّيّة في اللعب

اللعب استعداد فطري عند الطفل، يتم من خلاله التخلّص من الطاقة الزائدة، وهو مقدّمة للعمل الجدّي الهادف، وفيه يشعر الطفل بقدرته على التعامل مع الآخرين، وبمقدرته اللغوية والعقلية والجسدية، ومن خلاله يكتسب الطفل المعرفة الدقيقة بخصائص الأشياء التي تحيط به. فللعب فوائد متعددة للطفل، وهو ضروري للطفل في هذه المرحلة والمرحلة التي تليها، فالطفل (يتعلّم عن طريق اللعب عادات التحكّم في الذات والتعاون والثقة بالنفس... والألعاب تضفي على نفسيّته البهجة والسرور، وتنمّي مواهبه وقدرته على الخلق والإبداع) (1) .

ومن خلال اللعب يتحقق (النمو النفسي والعقلي والاجتماعي

____________________

(1) قاموس الطفل الطبّي: 221 ـ 222.


والانفعالي للطفل... ويتعلّم الطفل من خلاله المعايير الاجتماعية، وضبط الانفعالات والنظام والتعاون... ويشبع حاجات الطفل مثل حب التملّك... ويشعر الطفل بالمتعة ويعيش طفولته) (1) .

فاللعب حاجة ضرورية للطفل، فلا يمكن أن نتصوّر أو نرى طفلاً لا يلعب، وحتى الأنبياء والصالحين فإنّهم مرّوا في مرحلة اللعب، وان اختلفوا عن الآخرين في طريقة وأُسلوب اللعب، ولذا جاءت الروايات لتؤكّد على إشباع هذه الحاجة؛ قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (دع ابنك يلعب سبع سنين...) (2) .

ووردت رواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بتعبير آخر (الولد سيّد سبع سنين...) (3) .

وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (يرخى الصبي سبعاً...) (4) .

فالروايات تؤكّد على أنّ مرحلة ما قبل الثامنة من العمر هي مرحلة اللعب، وعلى الوالدين أن يمنحا الطفل الحرية في اللعب دون ضغطٍ أو إكراه، باستثناء الألعاب الخطرة التي يجب إبعادها عن الطفل أو إبعاده عنها.

والحرية في اللعب تعني: عدم تدخّل الوالدين في اختيار وقت اللعب

____________________

(1) العلاج النفسي الجماعي للأطفال، لكاميليا عبد الفتاح: 162 ـ مكتبة النهضة المصرية 1975 م.

(2) مكارم الأخلاق: 222.

(3) مكارم الأخلاق: 222.

(4) مكارم الأخلاق: 223.


أو نوعه أو أُسلوبه، ما دام اللعب لا ينافي الأخلاق العامة ولا خطورة فيه على الطفل أو على الآخرين، والطفل في هذه المرحلة لا يحبّذ تدخّل الوالدين في شؤونه، ولا يحبّذ كثرة الأوامر الصادرة إليه.

وأفضل اللعب عند الطفل هو اللعب الذي يختاره، أو يصنعه بنفسه، أو يكتشف بنفسه طريقة جديدة للعب، أو طريقة خاصة لاستعمال اللعب. ومن الأفضل للطفل أن يقوم الوالدان بتوفير اللعبة التي يحتاجها الطفل، وتكون منسجمة مع رغباته، يقول الدكتور سپوك: (إنّنا يجب أن نترك للأطفال إدارة شؤون ألعابهم حتى يستطيعوا التعلّم منها... لابد أن نترك له قيادة الأمر بنفسه، وأن يتبع ما يقوله له خياله، بهذا فقط تصبح اللعبة مفيدة، إنّها يجب أن تكون معلّمة له، ولابدّ أن يخضعها لأفكاره، وعندما يجد نفسه في حاجة إلى مساعدة أحد الوالدين لإدارة الكميّة من المشاكل الطارئة مع لعبته، فلابدّ أن يساعده الوالدان) (1) .

ويؤكّد جميع علماء النفس والتربية على حرية الأطفال في اللعب (إذا حاول الأطفال رسم برنامج خاص لهم في أعمالهم فلا تمنعوهم من ذلك؛ لأنّ مواصلة تطبيق خطّة مرسومة، دون وقوف العوائق في طريق ذلك، عامل فعّال في تكوّن الشخصية عندهم) (2) .

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشجّع الحسن والحسين على المصارعة بينهما فإنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دخل ذات ليلة بيت فاطمة (عليها السلام) ومعه الحسن والحسين (عليهما السلام) فقال لهما:

____________________

(1) مشاكل الآباء: 106.

(2) الطفل بين الوراثة والتربية 2: 64، عن كتاب نحن والأبناء 56.


(قوما فاصطرعا...) (1) .

وعن صفوان الجمّال قال: (... أقبل أبو الحسن موسى، وهو صغير ومعه عناق مكيّة، وهو يقول لها: اسجدي لربّك، فأخذه أبو عبد الله (عليه السلام) وضمّه إليه..) (2) .

وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يمنح الحرية الكاملة للحسن والحسين في التعامل معه، فكان الحسن والحسين أحياناً (يركبان ظهر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويقولان: حَلْ حَلْ، فيقول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): نعم الجمل جملكما) (3) ومثل هذه العملية تتكرّر في علاقة الطفل مع أبيه، إذ يقوم الأطفال بالركوب على ظهر أحد الوالدين في الصلاة، ولذا يجب على الوالدين عدم تعنيف الطفل على ذلك وترك الحرية له، فإنّه سيتركها بمرور الزمن.

وقد يفهم من بعض الروايات أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يسهّل مثل هذهِ العملية وإن كانت على مرأى المجتمع، فعن عبد الله بن الزبير قال: (أنا أحدّثكم بأشبه أهله إليه وأحبهم إليه الحسن بن عليّ، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته أو ظهره، فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته يجيء وهو راكع، فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر) (4) .

____________________

(1) بحار الأنوار 103: 189.

(2) الكافي 1: 311 | 15 باب 71 من كتاب الحجّة.

(3) بحار الأنوار 43: 296.

(4) مختصر تاريخ دمشق 7: 10.


وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشارك الحسن والحسين في فعلهما، ومشاركته لا تعني التدخّل في شؤونهما، وإنّما يشارك متصرّفاً كأنّّه أحدهما (فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يبرك للحسن والحسين ويخالف بين أيديهما وأرجلهما، ويقول: (نعم الجمل جملكما)) (1) .

ومشاركة الوالدين أو أحدهما للأطفال في اللعب ضروري جدّاً وهي من (أهم العوامل لتنمية قدرات الطفل، وأهمّها أن يصبح مستقلاً وقويّ الشخصية) (2) .

وأفضل طرق المشاركة في اللعب: أن يتكلّم الوالدان مع الأطفال بالكلمات والعبارات التي يفهمونها، والمتناسبة مع مستواهم اللغوي والعقلي. وبمعنى آخر: أن يتصرّف وكأنّه طفل، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن كان عنده صبي فليتصاب له) (3) .

وقد أكدّ علماء التربية هذه الحقيقة، يقول موريس تي يش: (يجب أن تسلكوا مع أولادكم كأصدقاء، أن تعملوا معهم، أن تشاركوهم في اللعب... أن تتحدثوا معهم بعبارات الودّ والصداقة... إنّ الفرد يجب أن يعرف كيف يجعل نفسه بمستوى الأطفال ويتكلّم بلغة يفهمونها) (4) .

واللعب مع الأطفال يمنحهم الإحساس بالمكانة المرموقة، ويُدخِل عليهم البهجة والسرور فيجب (على الكبار الخضوع لرغبة الصغار إذا

____________________

(1) مستدرك الوسائل 2: 626.

(2) قاموس الطفل الطبّي: 222.

(3) مَن لا يحضره الفقيه 3: 312 | 21 باب فضل الأولاد.

(4) الطفل بين الوراثة والتربية 2: 97.


طلبوا منهم اللعب معهم) (1) .

واللعب وسيلة من وسائل التربية والإعداد للعمل الجدّي فهو (وسيلة لفهم نفسيّات الأطفال، والوقوف على استعداداتهم، ووسيلة لتعليمهم وتربيتهم اجتماعياً وخُلقياً) (2) .

ويعتبر لعب الأطفال تعبيراً حقيقياً عن سلوكهم السوي أو المضطرب (فالطفل أثناء لعبه، يعبّر عن مشكلاته وصراعاته التي يعاني منها، ويسقط ما بنفسه من انفعالات تجاه الكبار على لعبه) (3) .

ومن هنا فعلى الوالدين مراقبة الأطفال في لعبهم دون أنْ يشعروا بالمراقبة، فسيحصلون على معلومات متكاملة عن جميع الجوانب لدى الطفل، في التفاعل الاجتماعي بينهم، وملاحظة الأحاديث والانفعالات التي تصاحب اللعب، وملاحظة أُسلوب تعبير الطفل عن رغباته وحاجاته ومخاوفه ومشكلاته، وخصوصاً في حالة التكرار المتزايد، وملاحظة سلوك الأطفال من حيثُ اللين والعنف، والاضطرابات العاطفية، وملاحظة آرائه بوالديه، وخصوصاً في حالة تمثيل الطفل لدور الأب أو دور الأُم، ومن خلال المراقبة والملاحظة يمكن التعرّف على نموّه اللغوي والعقلي والعاطفي، ويأتي دور الوالدين بعد المراقبة في وضع منهج متكامل للتوجيه والتربية؛ ينسجم مع حالة الطفل العاطفية والنفسية والعقلية.

____________________

(1) قاموس الطفل الطبّي: 317.

(2) علم النفس أُسسه وتطبيقاته التربوية، للدكتور عبد العزيز القوصي: 239 ـ 1978 م ط8.

(3) علم النفس العلاجي، للدكتور اجلال سري: 152 ـ عالم الكتب 1990 ط1.


والملاحظة والمراقبة غير المباشرة تجدي نفعاً أكثر من الملاحظة والمراقبة المباشرة عن طريق المشاركة في اللعب؛ لأنّ الطفل في هذهِ الحالة المباشرة يخفي كثيراً من عواطفه وآرائه وتصوّراته خجلاً من والديه أو خوفاً منهم.

ثامناً: التربية الجنسية وإبعاد الطفل عن الإثارة

التربية الجنسية من أصعب وأعقد أنواع التربية، وهي من الظواهر التي تسبّب إحراجاً للوالدين، وتتنوّع طريقة التربية تبعاً للمنهج الذي يتبنّاه الوالدان، وتبعاً للعادات والتقاليد الحاكمة على المجتمع، وتبعاً لدرجة الإدراك والوعي التي يحملها الوالدان، ولذا نجد إفراطاً أو تفريطاً في كثير من أساليب التربية الجنسية، والطفل سواء كان ذكراً أم أُنثى يبدأ بالتساؤل عن كثير من الأُمور المتعلّقة بالجنس، فيتساءل عن كيفية خلقه في بطن أُمّه، واختصاص الأُم بالحمل دون الأب، وكيفية الولادة، ويتساءل عن عدم الحمل عند الطفلة الصغيرة أو المرأة غير المتزوّجة، ويتساءل عن الفرق بين الذكر والأنثى وعن سببه، إضافة إلى العديد من الأسئلة، ومن العقل والحصانة أن يعتبر الوالدان أنّ هذهِ الأسئلة طبيعية، فلا يظهروا مخاوفهم منها، والأفضل عدم منع الطفل من هذه الأسئلة؛ لأنّه سيبحث عن الإجابة من غير الوالدين فتسبّب له أتعاباً وانزعاجات وقلقاً إن كانت إجابات غير شافية أو إجابات صريحة، فعلى الوالدين أن يكونا على استعداد تام لمساعدة الطفل بإجابات معقولة مريحة تشبع فضولهم وتقطع تساؤلاتهم بعد الإقناع والوثوق بها، على أن تكون منسجمة مع فهم الطفل وإدراكه ودرجة تقبّله. وعلى سبيل المثال: إن سأل عن الحمل


فيكون الجواب (إنّ الله تعالى يضع الطفل في بطن أُمه)، وإن سأل على الاختلاف بين الجنسين يكون الجواب (أنتَ مثل والدك، وأنتِ مثل والدتك) أو يقال له: (لقد خلق الله الأولاد مختلفين عن البنات)، وأن تكون الإجابة بشكل طبيعي بعيداً عن القلق والاضطراب، بل بشكل هادئ لا يفهم الطفل من خلالها أنّ سؤاله والجواب عنه غير طبيعي؛ لأنّه يدفعه للبحث بنفسه عن الجواب.

وهنالك رغبات عند الأطفال يجب أنْ تُعالج بصورة هادئة ومرنة، دون تزمّتٍ باستخدام التأنيب أو الضرب، ففي المرحلة التي تقع بين السنة الثالثة والخامسة أو السادسة من العمر يميل الأطفال إلى (التلذّذ بعرض أجسامهم من حين لآخر) (1) .

وبعض الأطفال يعبثون باللعب بأعضائهم التناسلية، فعلى الوالدين إبعادهم عن ذلك بالأُسلوب الهادئ وإشغالهم بشيءٍ آخر، وعليهم أن لا يتعرّوا أمام الأطفال، فإنّ معظم الأطبّاء النفسيين قررّوا من واقع خبراتهم وتجاربهم (أنّ عري الأبوين وكشفهم لما يجب أن يُستر، أمر مزعج للطفل)، ويعلّق الدكتور سپوك على ذلك قائلاً: (اقترح على كلِّ الآباء والأُمّهات، أن يراعوا ذلك ويستروا ما يجب أن يُستر إلى الحد المعقول في وجود الطفل، دون أن يحيطوا الأمر بهالات الانزعاج العفوية التي تحدث في كلِّ أُسرة) (2) .

وأغلب الأطفال في مرحلة الطفولة المبكّرة من العام الرابع حتى

____________________

(1) مشاكل الآباء: 282.

(2) مشاكل الآباء: 283.


السادس تصبح عندهم (أعضاء التناسل منطقة مولدّة للذة) ثم تأتي بعدها مرحلة الكمون (1) .

ولهذا حذّر أهل البيت (عليهم السلام) من إثارة الطفل الجنسية في هذه المرحلة، وأفضل طريقة لإبعادهم عن الإثارة الجنسية هو إبعاده عن رؤية المباشرة بين الوالد والوالدة، فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ: والذي نفسي بيده لو أنّ رجلاً غشي امرأته، وفي البيت صبي مستيقظ يراهما ويسمع كلامهما ونَفَسَهُما؛ ما أفلح أبداً إن كان غلاماً كان زانياً، أو جارية كانت زانية) (2) .

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (لا يجامع الرجل امرأته ولا جاريته، وفي البيت صبي، فإنّ ذلك ممّا يورث الزنا) (3) .

والطفل في هذه المرحلة يحاكي سلوك الأبوين ويقلدّهم (فيعمل ما يعمله أبواه) (4) .

وبما أنّ (اللعبة المفضّلة في تلك الأعمال هي لعبة العريس والعروسة) (5) .

لذا فإنّ الأطفال سيمارسون في لعبهم ما شاهدوه من ممارسات جنسية من قِبل الوالدين، وقد يستمرّون عليها في مراحل العمر

____________________

(1) علم النفس العلاجي: 106.

(2) وسائل الشيعة 20: 133 | 2 باب 67.

(3) وسائل الشيعة 20: 134 | 7 باب 67.

(4) التربية وبناء الأجيال، لأنور الجندي: 166 ـ دار الكتاب بيروت 1975 م ط1.

(5) مشاكل الآباء: 205.


المتقدّمة.

فيجب على الوالدين التجنّب عن ذلك، والتجنّب عن مقدّماته كالتقبيل وغيره ومن الخطأ الفاحش الذي يقوم به بعض الوالدين هو التحدّث عن أُمور الجنس أمام الأطفال في بعض المناسبات؛ فإنّ ذلك يدفع الأطفال إلى زيادة فضولهم. وعلى الوالدين أن يحتاطوا في إجراء المباشرة حتى في حالة نوم الطفل، خوفاً من استيقاظه فجأة، فإنّ ذلك يولّد في أعماقه صدمة نفسية تبقى كامنة في اللاشعور.

وعلى الوالدين أن يراقبوا سلوك أبنائهم وطريقة ألعابهم، وخصوصاً في أماكن اختلائهم بعضهم بالبعض الآخر.

ويجب على الوالدين وقاية الأطفال من الإثارة الجنسية، وهو التفريق بينهم في حالة المنام، بأن توضع فاصلة بينهم فلا ينامون تحت غطاء واحد بحيث يحتك جسم أحدهم بالآخر، وقد وردت عدّة روايات تؤكّد هذه الوقاية، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يفرّق بين الصبيان في المضاجع لست سنين) (1) .

وفي رواية أُخرى عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فرّقوا بين أولادكم في المضاجع إذا بلغوا سبع سنين) (2) .

والتفريق مطلق بين الذكور والذكور، وبين الإناث والإناث، وبين الذكور والإناث.

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 223.

(2) مكارم الأخلاق: 223.


وفي وقتنا الحاضر، وبعد انتشار أجهزة السينما والتلفزيون والفيديو، تكون الحاجة شديدة إلى إبعاد الطفل عن الإثارة الجنسية، ويجب على الوالدين في البلدان التي لا تتبنّى الإسلام منهجاً لها في الحياة، وتعرض الأفلام المثيرة، أن يقوما بجهدٍ إضافي في مراقبة الأطفال ووقايتهم من النظر إلى هذه الأجهزة؛ حذراً من مشاهدة الأفلام غير المحتشمة، وفي الخصوص في البلدان التي ترى أنّ أفضل أُسلوب لتحرير الأطفال من الكبت المستقبلي هو عرض الأفلام الجنسية، وقد أثبت علماء النفس والتربية صحّة النظرية الإسلامية في ذلك، فالدكتور سپوك الأمريكي يقول: (إنّ النسبة المعتدلة من التحريم التي فُرضت علينا جميعاً أثناء الطفولة، والتي نقلناها نحن بدورنا إلى أبنائنا، تلعب دوراً ايجابياً في تحرير عقل الطفل في أثناء سنوات الدراسة، للتفرّغ لاهتمامات غير ذاتية مثل الكتابة والقراءة والحساب) (1) .

ولذا نراه ينتقد الممارسات الخاطئة في أمريكا، وهو عري الرجال وعري النساء على الشواطئ الأمريكية.

وخلاصة القول: إنّ على الوالدين أن يجيبوا على أسئلة الأطفال حول مسائل الجنس بهدوء لا تزمّت فيه، وأن يبعدوهم عن الإثارة الجنسية بمختلف ألوانها وأشكالها، وخصوصاً في عصر السينما والتلفزيون والفيديو.

____________________

(1) مشاكل الآباء: 284.


تاسعاً: تنمية العواطف

العواطف من أهم دوافع الإنسان للعمل، وتبدأ العواطف ـ كما تقدّم ـ منذ الأيام الأُولى في مرحلة الرضاعة، ثم تنمو بالتدريج حينما يتقدّم الطفل في العمر، وحينما يتّسع محيطه الاجتماعي، ويتأثّر نمو العواطف وتغيّرها بالفكر الذي يؤمن به الطفل في حدود إدراكه العقلي، فحينما يؤمن الطفل بأنّ أداء العمل الفلاني يرضي والديه أو يرضي الله تعالى فإنّه يندفع لأدائه، والعكس صحيح. ويمكن تقسيم العواطف إلى أربعة أقسام: الفردية، والعالية، والاجتماعية، والخلقية.

ونقصد بالعواطف الفردية: هي العواطف التي تتعلّق بذات الإنسان: كحب التملّك، وحب الاستقلال، وحب التفوّق على الآخرين، وحب المكانة الاجتماعية واحترام الآخرين له، وهي العواطف التي تجلب له المنفعة الشخصية والذاتية.

والعواطف العالية: هي العواطف التي تسمو بالطفل في حدود إدراكه العقلي إلى المثل الأعلى، فتحبّب إليه الارتباط والتعلّق بالمطلق وهو الله تعالى مصدر اللطف والإنعام والرأفة والرحمة، وتحبّب إليه الحقيقة والخير، وليس فيها تحصيل المنفعة الشخصية والذاتية.

والعواطف الاجتماعية: هي العواطف التي تدفعه إلى الارتباط بالآخرين، ابتداءً بالوالدين والإخوة والأخوات والأقارب وانتهاءً بالمجتمع والإنسانية جمعاء.


والعواطف الخُلُقية: هي العواطف التي تتعلّق بالممنوع وغير الممنوع من أنواع السلوك، كالتعلّق بالصدق وترك الكذب، وسائر الأخلاق الممدوحة والمذمومة.

وأفضل الطرق والوسائل لتنمية العواطف عند الطفل من قِبل الوالدين: إشعاره بالحب عن طريق إحاطته بالحنان والرأفة، وإشباع حاجاته المادية والروحيّة، فإذا استشعر الطفل بذلك فانّه يرتبط ارتباطاً عاطفياً بمصدر الحب والحنان، وهما الوالدان، فتزداد ثقته بهما وتقليدهما، والاستجابة أو الاقتناع بكل ما يطرحانه عليه من أفكار ومفاهيم ومُثُل، ويكون مستعدّاً للاستجابة إلى أوامرهم وتنفيذ ما يطلبانه منه، فتصبح لهما القدرة على الهيمنة على عواطفه، وتوجيهها توجيهاً حسناً، ومتابعة خبراته ونشاطاته وخصوصاً أثناء اللعب، فيتمّ لهما العمل على تنمية عواطفه وتهذيبها بالصورة المنسجمة مع المفاهيم والقيم الصالحة، وخلق التوازن بين مختلف أنواع العواطف لديه، وأهم العواطف التي يجب تنميتها هي العاطفة نحو الله تعالى، فتنمو عنده مشاعر الحب والثقة بالله تعالى والتقديس له، حينما يؤمن بأنّ الله تعالى هو مصدر الإنعام والرحمة والمغفرة، وأنّه تعالى خلق النعيم الدائم في الجنّة للصالحين والمطيعين. ويجب على الوالدين تنمية عواطف الطفل اتجاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسائر الرسل والأنبياء وأهل البيت (عليهم السلام)، وأفضل طريقة في هذا المجال هي طريق السرد القصصي الهادف، والذي يحقّق فائدتين:

الأُولى: تعميق حبّهم في قلبه.

والثانية: محاولة الاقتداء بهم بعد التعلّق بسلوكهم في الحياة.


فتنمو في داخله العواطف المختلفة: كحب الإخلاص، وحب الكرامة، وحب الشجاعة والكرم والإيثار، وحب القيم والسلوك الصالح، والابتعاد عن كلِّ ما ابتعدوا عنه. وتنمو عواطف البغض والكره والنفور من الذين خالفوهم ووقفوا في مواجهتهم، واجتناب سلوكهم في الحاضر أو في المستقبل.

ومن الأساليب الأُخرى لتنمية العواطف: هو الإرشاد والتوجيه المستمرّين، حتى يفهم الطفل المسموح والممنوع من السلوك، وكذلك التشجيع على الارتباط والتعلّق بالقيم والأعمال الصالحة، والتشجيع على ممارستها في الواقع، فحينما يعطي شيئاً من ألعابه لطفل آخر يتم تشجيعه على ذلك بالكلام الحسن، وتعويضه بإهداء لعبة أُخرى له، وحينما يصدق في قوله، أو يحترم الآخرين، أو يرأف بالفقراء، أو يساعد إخوانه أو والديه في أداء بعض الأعمال، يُشجَّع على ذلك بالمدح والثناء والإطراء أمامه وأمام الأُسرة وأمام أقاربه وأصدقائه.

والتعامل مع الطفل كصديق يشجّعه على التعبير عن عواطفه ومشاعره المكبوتة، وهذا التعبير مفيد جداً في تحقيق التوازن العاطفي، وتهذيب العواطف غير المرضية.

ونحن نجد من خلال التجربة: أنَّ الأُسلوب القصصي من أفضل الأساليب في تنمية العواطف، وخصوصاً الأُسلوب المنسجم مع إدراكه وقدرته العقلية، فيمكن أن نقصَّ عليه قصصاً عن الطيور والحيوانات، تتضمّن القيم الصالحة والقيم الطالحة التي يتخذها الطير الفلاني أو الحيوان الفلاني، فتنمو عنده العواطف اتجاه العدل أو التعاون أو الإيثار أو


القيم الأخلاقية الأُخرى، وتنمو عنده عاطفة حبّ المظلومين وبغض الظالمين.

والقصص عن الطيور والحيوانات مرغوبة ومحبّبة لدى أطفال هذه المرحلة، فيستمعون إليها بشوق وتلهّف أكثر من القصص الواقعية، وتتضمّن أحداثاً كثيرة تتوقّف على خيال الوالدين في السرد القصصي، وتكون شاملة لإظهار جميع أنواع وأقسام العواطف.

عاشراً: الاهتمام بالطفل اليتيم

اليتيم بعد فقد والده أو والدته أو كليهما؛ يشعر بالحرمان المطلق، حرمان من إشباع حاجاته العاطفية والروحية، وحرمان من إشباع حاجاته المادية: كالحاجة إلى المأكل والمشرب والملبس؛ فتنتابه الهواجس والمخاوف، ويخيّم عليه القلق والاضطراب. فالشعور بالحرمان من العطف والحنان له تأثيراتها السلبية على كيان الطفل وعلى بناء الشخصية، ومن خلال متابعة الواقع الاجتماعي نجد أنّ أغلب الأيتام الذين لم يجدوا العناية والاهتمام من قبل الآخرين، كانوا مضطربي الشخصية تنتابهم العُقَد النفسية، وسوء التوافق مع المجتمع الذي حرمهم من العناية والاهتمام، لذا أوصى الإسلام برعاية اليتيم رعاية خاصة، لا تقل إن لم تَزِدْ، على الرعاية الممنوحة للأطفال الآخرين، فأكدَّ على إشباع جميع حاجاتهم المادية والروحية، وكانت الآيات القرآنية المختصة برعاية الأيتام أكثر من الآيات المختصة بعموم الأطفال.

وأول الحاجات التي أكدّ الإسلام على إشباعها هي الحاجات المادية.


قال سبحانه وتعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً.. ) (1) .

( ... أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ) (2) .

( ... وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ ) (3) .

وجعل الله تعالى لليتيم حقّاً في أموال المسلمين: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ... ) (4) .

وقال تعالى: ( قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ) (5) .

ونهى تعالى عن التصرّف بأموال اليتيم إلاّ بالصورة الأحسن التي تجدي له نفعاً وربحاً: ( وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) (6) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن عال يتيماً حتى يستغني، أوجب الله له بذلك الجنّة) (7) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن كفل يتيماً من المسلمين فأدخله إلى طعامه وشرابه،

____________________

(1) الإنسان 76: 8.

(2) البلد 90: 14 ـ 15.

(3) البقرة 2: 177.

(4) الأنفال 8: 41.

(5) البقرة 2: 215.

(6) الأنعام 6: 152.

(7) تحف العقول: 198.


أدخله الله الجنّة البتّة، إلاّ أن يعمل ذنباً لا يُغفر) (1) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنا وكافل اليتيم في الجنّة كهاتين ـ وهو يشير بإصبعيه ـ) (2) .

وراعى المنهج الإسلامي إشباع الحاجات المعنوية لليتيم كالإحسان إليه والعدل معه.

قال سبحانه وتعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ... ) (3) .

وقال تعالى: ( ... وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ ) (4) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (خيرُ بيتٍ من المسلمين بيتٌ فيه يتيم يُحسن إليه، وشرّ بيتٍ من المسلمين بيتٌ فيه يتيم يُساء إليه) (5) .

وأوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على مداراة اليتيم والرفق به وتكريمه، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (حثّ الله تعالى على برِّ اليتامى لانقطاعهم عن آبائهم، فمَن صانهم صانه الله تعالى، ومَن أكرمهم أكرمه الله تعالى، ومَن مسح يده برأس يتيم رفقاً به؛ جعل الله تعالى له في الجنّة بكلِّ شعرة مرّت تحت يده قصراً أوسع من الدنيا وما فيها...) (6) .

وشجّع الإمام الصادق (عليه السلام) على التعامل مع اليتيم بحنان ورحمة، فقال:

____________________

(1) مستدرك الوسائل 1: 148.

(2) المحجّة البيضاء 3: 403.

(3) البقرة 2: 83.

(4) النساء 4: 127.

(5) المحجّة البيضاء 3: 403.

(6) المحجّة البيضاء 3: 403.


(ما من عبدٍ يمسح يَدَه على رأس يتيم، ترحمّاً له، إلاّ أعطاه الله تعالى بكلِّ شعرة نوراً يوم القيامة) (1) .

ومن رعاية اليتيم معالجة المشاكل التي تواجهه، والتي تسبّب له الألم والقلق والاضطراب، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إذا بكى اليتيم اهتزّ العرش على بكائه، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي اشهدوا عليّ أنَّ مَن أسكته واسترضاه أرضيته في يوم القيامة) (2) .

وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إذا بكى اليتيمُ في الأرض يقول الله مَن أبكى عبدي وأنا غيّبت أباه في التراب، فو عِزّتي وجلالي إنّ مَن أرضاه بشطر كلمة أدخلته الجنّة) (3) .

ومن الوصايا بشؤون اليتيم إدخال الفرح على قلبه بإشباع حاجاته المادية أو الروحية، من احترام وتقدير ومحبّة، أو مدح وتشجيع، إلى غير ذلك.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنَّ في الجنّة داراً يُقال لها دار الفرح، لا يدخلها إلاّ مَن فرّح يتامى المؤمنين) (4) .

ومن الاهتمام والعناية باليتيم هو القيام بتربيته تربية صالحة، وإعداده لأن يكون عنصراً صالحاً في المجتمع، قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام): (أدّب

____________________

(1) المحجّة البيضاء 3: 403.

(2) مستدرك الوسائل 2: 623.

(3) مستدرك الوسائل 2: 623.

(4) كنز العمّال 3: 170 | 6008.


اليتيم بما تؤدّب منه ولدك...) (1) .

فاليتيم الذي يحصل على العناية والرعاية والحب والحنان، يشعر بالراحة والطمأنينة، ويعيش سوّياً في عواطفه وفي شخصيته. أمّا في حالة الحرمان، فإنّه لا يصبح سويّاً، وقد يلتقطه بعض المنحرفين فيوجّهه الوجهة غير الصالحة؛ فيصبح عنصراً ضارّاً في المجتمع.

____________________

(1) الكافي 6: 47 | 8 باب تأديب الولد.



الفصل الخامس

المرحلة الرابعة: مرحلة الصبا والفتوّة

تبدأ هذه المرحلة من نهاية العام السابع إلى نهاية العام الرابع عشر من عمر الطفل، وهي مرحلة إعداد الشخصية، ليصبح الطفل راشداً ناضجاً وعضواً في المجتمع الكبير، وفي بداية هذه المرحلة أو قبلها بعامٍ ينتهي بالتدريج تقليد الطفل للكبار، ويبدأ بالاهتمام بما حوله، وتكون إمكانيّاته العقلية قادرة على التخيّل المجرّد، وقادرة على استيعاب المفاهيم المعنوية.

وفي هذه المرحلة يبدأ الطفل بالتفكير في ذاته، وينظر إلى نفسه أنّها كائن موجود مستقل، له إرادة غير إرادة الكبار، فيحاول أن (يتحدّى وأن يفعل ما يغيظ الأهل ليعلن أنّه كائن موجود مستقل) (1) .

ويحاول التأكيد على استقلاليّته بشتّى الوسائل والمواقف، والتي تكون غالباً مخالفة لما ألفه في المرحلة السابقة، فيختار كل ما يخصّه أو يتعلّق به بأُسلوبه الخاص وبالطريقة التي يفهمها، فيكون له ذوق خاص في اختيار ملابسه، والرغبة في اكتساب المهارات العقلية والعلمية بمفرده،

____________________

(1) حديث إلى الأُمّهات: 207.


ويحاول إقامة علاقات اجتماعية مع بقيّة الأطفال بالطريقة التي يختارها.

وهذه المرحلة هي من أهم المراحل التي ينبغي للوالدين إبداء عناية تربوية إضافية بالطفل؛ لأنّها أول المراحل التي يدخل فيها الطفل في علاقات اجتماعية أوسع من قبل، وهي مرحلة الدخول في المدرسة.

ومن العوامل المؤثّرة في إعداد وبناء شخصية الطفل، علاقاته مع والديه وباقي أفراد أُسرته، هذه العلاقة بجميع تفاصيلها تؤدّي إلى اتّصافه بصفات خاصة تصحبه حتى الكبر، وللمدرسة أيضاً أثر عميق في شخصيته؛ حيثُ يجد فيها أطفالاً من مختلف المستويات العلمية، أكثر أو أقل منه ذكاءً أو أكثر أو أقل نشاطاً منه، (فيباريهم أو يتغلّب عليهم، أو يخضع لهم فيؤثّر ذلك في تكوين شخصيته) (1) .

وهنالك عوامل أُخرى مؤثّرة في بناء الشخصية، وهي مواصفات الجسم من حيثُ الطول والقصر، ومن ناحية الضخامة والضعف، ومن ناحية الصحّة والمرض.

ومن أهم العوامل الأُخرى هو تأثير الأفكار التي تعلّمها الطفل في بناء شخصيته، وفي هذه المرحلة تزداد حاجاته، فيجب على الوالدين إشباعها ومنها (2) : الدوافع الحيوية كالحاجة إلى المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك.

والحاجة إلى السلامة النفسية والعاطفية والتحرّر من القلق.

____________________

(1) علم النفس، لجميل صليبا: 385.

(2) علم النفس التربوي، لفاخر عاقل: 478 ـ 486.


والحاجة إلى القبول من قِبل المجتمع أثناء علاقته به.

والحاجة إلى الاهتمام به وتقدير مكانته.

والحاجة إلى تعلّم المهارات اللازمة للنجاح في الحياة الجديدة.

ونضيف إلى ذلك الحاجة إلى فلسفة وأفكار ومفاهيم ملائمة لمستواه العقلي، وهذه المرحلة هي مرحلة الحاجة إلى التربية المكثّفة والمتابعة المكثّفة، مع ملاحظة الحاجة إلى الاستقلال المتولّدة عند الطفل.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الولد سيّد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين) (1) .

وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (يرخى الصبي سبعاً، ويؤدّب سبعاً، ويُستخدم سبع) (2) .

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (دع ابنك يلعب سبع سنين، ويؤدّب سبعاً، وألزمه نفسك سبع سنين) (3) .

فهذه المرحلة مرحلة تربوية شاقّة لرغبة الطفل في الاستقلال، ولتوسع علاقاته خارج الأُسرة، فتحتاج إلى جهد متواصل في التربية والمراقبة في جميع ما يخصُّ الطفل، في أفكاره وعواطفه وفي علاقاته، وفي دراسته وتعلمّه، وفي إشباع حاجاته المختلفة، فهو بحاجة إلى التوجيه المستمر والإرشاد والتعليم، والمساعدة في رسم طريق الحياة وتحمّل ما يصدر

____________________

(1) مكارم الأخلاق: 222.

(2) مكارم الأخلاق: 223.

(3) مكارم الأخلاق: 222.


منه برحابة صدر وانفتاح، مصحوباً بالحسم في كثير من الأحوال.

وتتحدّد معالم هذه المرحلة بما يأتي:

أولاً: تكثيف التربية

التربية الصالحة وحسن الأدب من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتق الوالدين، وهي حق للطفل أوجبه الإسلام على الوالدين، والطفل في هذه المرحلة التي تسبق بلوغ سن الرشد، بحاجة إلى تربيّة مكثّفة وجهد إضافي، قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (وأمّا حق ولدك... أنّك مسؤول عمّا وليته من حسن الأدب والدلالة على ربّه، والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزيّن بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر إلى ربّه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والأخذ له منه) (1) .

ولحراجة المرحلة التي يمرُّ بها الطفل فانّ الوالدين بحاجة إلى الرعاية الإلهية للقيام بمهام المسؤولية التربوية، قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (اللهّم ومُنّ عليّ ببقاء ولدي... وربِّ لي صغيرهم... وأصِحّ لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم... واجعلهم أبراراً أتقياء بُصراء... وأعنّي على تربيتهم وتأديبهم وبرِّهم... وأعذني وذرّيّتي من الشيطان الرجيم) (2) .

وقد أكدّت الروايات على المبادرة إلى التربية وحسن الأدب.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم) (3) .

____________________

(1) تحف العقول: 189.

(2) الصحيفة السجّادية الجامعة: 128 ـ 129 مؤسّسة الإمام المهدي قم 1411 هـ ط1.

(3) مستدرك الوسائل 2: 625.


وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنّ للولد على الوالد حقاً، وإنّ للوالد على الولد حقّاً، فحقُّ الوالد على الولد أن يطيعه في كلِّ شيء، إلاّ في معصية الله سبحانه. وحقُّ الولد على الوالد أن يحسِّن اسمه، ويحسِّن أدبه، ويعلمّه القرآن) (1) .

والتربية في هذه المرحلة أكثر ضرورة من المراحل الأُخرى؛ لأنّ فطرة الطفل في هذه المرحلة لا تزال سليمة ونقيّة، تتقبّل ما يُلقى إليها من توجيهات وإرشادات ونصائح، قبل أن تتلوّث ويستحكم التلوّث فيها، فيجب على الوالدين استثمار الفرصة لأداء المسؤولية التربوية.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته للإمام الحسن (عليه السلام): (... وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما أُلقي فيها من شيءٍ قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبُّك، لتستقبل بجدِّ رأيكَ من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته..) (2) .

وقال (عليه السلام): (علمّوا أنفسكم وأهليكم الخير وأدّبوهم) (3) .

والمنهج التربوي المراد تحكيمه في الواقع، هو المنهج الإسلامي الذي يدور حول العبودية والطاعة لله تعالى في كلِّ شؤون الحياة.

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (اعملوا الخير وذكّروا به أهليكم، وأدّبوهم على طاعة الله) (4) .

____________________

(1) نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: 546.

(2) نهج البلاغة: 393.

(3) كنز العمّال 2: 539 | 4675.

(4) مستدرك الوسائل 2: 362.


وقال (عليه السلام): (تأمرهم بما أمر الله به وتنهاهم عمّا نهاهم الله عنه...) (1) .

وهذا الحديث جامع للقواعد الكلّيّة، التي تقوم عليها أعمدة المنهج التربوي السليم، في كلِّ جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، العاطفية والروحية، فإذا أبدى الوالدان عناية فائقة في العمل على ضوء المنهج التربوي، فإنّ الطفل سيكون عضواً صالحاً في المجتمع.

وقد كان أهل البيت (عليهم السلام) قد أبدوا عناية خاصة بتربية أبنائهم في هذه المرحلة؛ حتى أعدّوهم إعداداً متكاملاً فكانوا قمّة ونموذجاً أعلى في كلِّ شيء، فأمير المؤمنين (عليه السلام) تربّى في مرحلة الصبا في بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أن يُبعث، فآمن في اللحظات الأُولى لدعوة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأخلص في إيمانه وطاعته لله ولرسوله، وكان قمّة في الشجاعة والإقدام، وفي التضحية والفداء، وفي الكرم والتواضع والصدق، وفي كلِّ الفضائل الخُلُقية، وربّى (عليه السلام) بدوره أبناءه فكانوا على شاكلته في الارتقاء إلى القمّة الشامخة في جميع المكارم والفضائل، وهكذا كان بقيّة الأئمّة (عليهم السلام).

وتزداد مسؤولية الوالدين في التربية والتأديب كلمّا ابتعد المجتمع عن الإسلام، أو كان مجتمعاً إسلامياً في الظاهر ولم يتبنَّ الإسلام منهاجاً له في الواقع العملي، لتأثير العادات والتقاليد والأفكار والمناهج التربوية غير السليمة على تربية الطفل، وخصوصاً أجهزة الإعلام: كالراديو والتلفزيون والسينما وغيرها.

ويلحق بالتربية الروحية والنفسية والعاطفية، شطرها الآخر وهو التربية

____________________

(1) بحار الأنوار 100: 74.


البدنية، فهي ضرورية جداً للطفل للحفاظ على صحّته البدنية وإعداده للعمل البدني، حيثُ حثّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على التربية البدنية قائلاً: (علمّوا أولادكم السباحة والرماية) (1) .

وجعل الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) حمل الطفل وتدريبه على الأُمور الشاقّة من المستحبّات فقال: (تستحب عرامة الصبي في صغره ليكون حليماً في كبره) (2) .

والصحة البدنية لها تأثير واضح على الصحّة النفسيّة كما هو مشهور عند علماء النفس والتربية (3) .

ثانياً: المبادرة إلى التعليم

التعليم في هذه المرحلة ضروري للطفل، فهي أفضل مرحلة للمبادرة إلى التعليم، لنضوج القوى العقلية عند الطفل، وللرغبة الذاتية لدى الطفل في (اكتساب المهارة العلمية) (4) .

والطفل في هذه المرحلة لديه الاستعداد التام لحفظ كل ما يُلقى على مسامعه، والتعليم في هذهِ المرحلة يساعد على رسوخ المعلومات في ذهنه وبقائها محفوظة في الذاكرة، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مثل الذي يتعلّم في صغره كالنقش في الحجر) (5) .

____________________

(1) الكافي 6: 47 | 4 باب تأديب الولد.

(2) الكافي 6: 51 | 2 باب 37 من كتاب العقيقة.

(3) علم النفس، لجميل صليبا: 383.

(4) حديث إلى الأُمّهات: 217.

(5) كنز العمّال 10: 294 | 29336.


وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (حفظ الغلام كالوسم على الحجر) (1) .

ولضرورة تعليم الطفل أوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الوالدين به: (مروا أولادكم بطلب العلم) (2) .

وجعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تعليم الطفل باباً من أبواب الرحمة الإلهية للأب، فقال: (رحم الله عبداً أعان ولده على برّه بالإحسان إليه، والتآلف له وتعليمه وتأديبه) (3) .

والتعليم حق للطفل على والديه، قال الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (... وأمّا حق الصغير فرحمته وتثقيفه وتعليمه...) (4) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من حقِّ الولد على والده ثلاثة: يحسّن اسمه، ويعلّمه الكتابة، ويزوجّه إذا بلغ) (5) .

والتعليم على القراءة والكتابة في عصرنا الراهن تقوم به المؤسّسات التعليمية وخصوصاً المدرسة، ولكنّ ذلك لا يعني انتفاء الحاجة إلى الوالدين في التعليم، بل يجب التعاون بين المدرسة والوالدين في التعليم.

ويجب أن يكون التعليم غير مقتصر على القراءة والكتابة بل يكون

____________________

(1) كنز العمّال 10: 238 | 29258.

(2) كنز العمّال 16: 854 | 45953.

(3) مستدرك الوسائل 2: 626.

(4) تحف العقول: 194.

(5) مكارم الأخلاق: 220.


شاملاً لكلِّ جوانب العلم، في مجالاته المختلفة كعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية: كالأدب والتاريخ والفلسفة وغيرها، إضافة إلى التركيز على الجوانب الروحية والعبادية، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تأكيده على تعليم القرآن: (... ومَن علّمه القرآن دُعي بالأبوين فكسيا حلّتين تضيء من نورهما وجوه أهل الجنة) (1) .

وتعليم القرآن يكون شاملاً لجميع جوانبه ابتداءً بتعلّم القراءة الصحيحة وفق الضوابط اللغوية، ثم التشجيع على الحفظ مع مراعاة المستوى العقلي للطفل، والتعليم على التفسير الصحيح لبعض الآيات والسور التي يحتاجها الطفل في هذه المرحلة، وخصوصاً ما يتعلّق بالجانب العقائدي والأخلاقي، والجانب الفقهي المتعلّق بالأحكام الشرعية المختلفة من العبادات والمعاملات.

وفي هذه المرحلة يجب تعليم الطفل على كيفيّة العبادات ومقدّماتها كالوضوء والصلاة، قال الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): (... حتى يتّم له سبع سنين قيل له اغسل وجهك وكفّيك، فإذا غسلهما قيل له صلِّ، ثم يُترك حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمّت له تسع سنين عُلّم الوضوء...) (2) .

والطفل بحاجة إلى تعلّم الحديث لتحصينه من التأثّر بالتيّارات المنحرفة، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام):

(بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليه المُرجئة) (3) .

____________________

(1) الكافي 6: 49 | 1 باب بر الأولاد.

(2) مَن لا يحضره الفقيه 1: 182.

(3) الكافي 6: 47 | 5 باب تأديب الولد.


وقال الإمام الحسن (عليه السلام) موضّحاً ما تعلّمه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (علمّني جدّي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كلمات أقولهّن في قنوت الوتر... اللهّم اهدني فيمَن هديت، وعافني فيمَن عافيت، وتولّني فيمَن توليّت) (1) .

ويجب على الوالدين تعليم الطفل على كلِّ ما ينفعه في حياته، ففي الرواية التالية يعلّم أمير المؤمنين (عليه السلام) ولده الحسن على الخطابة (قال علي ابن أبي طالب (عليه السلام) للحسن: (يا بنيّ قم فأخطب حتى أسمع كلامك، قال: يا أبتاه كيف أخطب وأنا أنظر إلى وجهك استحيي منك)؟ فجمع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أُمّهات أولاده ثم توارى عنه حيثُ يسمع كلامه...) (2) .

ومن مصاديق التعليم تعليم الرمي والسباحة كما تقدّم، ولأهمّية التعليم شجّع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المعلّم والصبي والوالدين على حدٍّ سواء فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ المعلّم إذا قال للصبيّ: بسم الله، كتب الله له وللصبي ولوالديه براءة من النار) (3) .

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يشجّع على تعليم الأطفال شعر أبي طالب (عليه السلام)، فعن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: (كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعجبه أن يروي شعر أبي طالب وأن يدوّن، وقال: تعلّموه وعلمّوه أولادكم فإنّه كان على دين الله وفيه علم كثير) (4) .

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 7: 5.

(2) بحار الأنوار 43: 351.

(3) مستدرك الوسائل 2: 625.

(4) مستدرك الوسائل 2: 625.


ثالثاً: تمرين الطفل على الطاعات

الطاعات وإن كانت سهلة ويسيرة إلاّ أنّها تحتاج إلى تمرين وتدريب ينسجم مع القدرة على الأداء، والطفل يحتاج إلى عناية خاصة في التمرين والتدريب على الطاعات؛ من أجل أن تذلّل مشقّتها عليه، وأن يحدث الأُنس بينه وبينها فتكون متفاعلة مع عواطفه وشعوره؛ لكي تتحوّل إلى عادة ثابتة في حياته اليومية، يقدم عليها بشوق واندفاع ذاتيين دون ضغط أو إكراه أو كلل أو ملل.

ويبدأ المنهج التربوي الإسلامي في وضع قواعد أساسية تتناسب مع أعمار الأطفال للتمرين على الطاعات، مع مراعاة القدرة العقلية والبدنية للأطفال، ففي التمرين على الصلاة قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبع سنين واضربوهم على تركها إذا بلغوا تسع) (1) .

وفي رواية: (مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبع سنين واضربوهم إذا كانوا أبناء تسع سنين) (2) .

والمقصود من الضرب إمّا الضرب الحقيقي في حالة تمرّد الأطفال، أو استخدام الشدّة النفسية، فإنّها وإن كان لها ضرر سلبي على الطفل ولكنّه ضرر وقتي سرعان ما ينتفي، ولا يمكن اعتباره ضرراً بالقياس إلى المصلحة الأكبر وهو التمرين على الصلاة.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أدّب صغار بيتك بلسانك على الصلاة والطهور، فإذا بلغوا عشر سنين فاضرب ولا تجاوز ثلاثاً) (3) .

____________________

(1) مستدرك الوسائل 2: 624.

(2) بحار الأنوار 101: 98.

(3) تنبيه الخواطر، لورّام بن أبي فراس: 390 ـ دار التعارف بدون تاريخ.


والأفضل أن يكون التمرين غير شاقٍ للطفل؛ لأنّه يؤدّي إلى النفور من الصلاة وخلق الحاجز النفسي بينه وبينها، فعن الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام): (إنّه كان يأخذ من عنده الصبيان بأن يصلّوا الظهر والعصر في وقتٍ واحد والمغرب والعشاء في وقتٍ واحد، فقيل له في ذلك، فقال (عليه السلام): (هو أخف عليهم وأجدر أن يسارعوا إليها ولا يضيّعوها ولا يناموا عنها ولا يشتغلوا)، وكان لا يأخذهم بغير الصلاة المكتوبة، ويقول: (إذا أطاقوا فلا تؤخّرونها عن المكتوبة)) (1) .

فيجب على الوالدين مراعاة الاستعداد النفسي والبدني للطفل، وعدم إرهاقه بما لا يطيق، فيبدأ معه بالصلاة الواجبة دون المستحبّة، فإذا تمرّن عليها وحدث الأُنس بينه وبينها فإنّه على غيرها أقدر إن تقدّم به العمر.

ويبدأ التمرين على الصوم من العام السابع، ويستمر بالتدريج كلّما تقدّم العمر، مع مراعاة الطاقة والقدرة البدنية والاستعداد النفسي له، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (إنّا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإن كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقل، فإذا غلبهم العطش والغرث أفطروا حتى يتعوّدوا الصوم ويطيقوه، فمروا صبيانكم إذا كانوا أبناء تسع سنين بما أطاقوا من صيام فإذا غلبهم العطش أفطروا) (2) .

وعن سماعة قال: سألته عن الصبي متى يصوم؟ قال الإمام

____________________

(1) مستدرك الوسائل 2: 624.

(2) الكافي 4: 124 | 1 باب صوم الصبيان.


الصادق (عليه السلام): (إذا قوي على الصيّام) (1) .

فإذا تمرّن على الصيام في السنوات السابقة لسن التكليف فإنّه سيؤدّيه بأتم صوره ولا يجد في ذلك حرجاً.

عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في كم يؤخذ الصبي بالصيام قال (عليه السلام): (ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة فإن هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته) (2) .

ويستحبّ تمرين الطفل على الحج، فعن أحد الإمامين الباقر أو الصادق (عليهما السلام) قال: (إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير فإنّه يأمره أن يلبّي ويفرض الحجَّ، فإن لم يحسن أن يلبّي لبّى عنه ويُطاف به ويصلّي عنه... يذبح عن الصغار ويصوم الكبار ويتّقى عليهم ما يتّقى على المحرم من الثياب والطّيب، فإن قتل صيداً فعلى أبيه) (3) .

وفي جواب للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن سؤالٍ حول الخوف على الصبي من البرد في حالة الإحرام قال: (ائتِ بهم العرج فيحرموا منها... فإن خفت عليهم فائتِ بهم الجحفة) (4) .

وقال (عليه السلام): (انظروا مَن كان معكم من الصبيّان فقدّموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر، ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم، ويُطاف بهم ويُرمى عنهم، ومَن لا يجد منهم هدياً فليصم عنه وليّه).

(وكان الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يضع

____________________

(1) الكافي 4: 125 | 3 باب صوم الصبيان.

(2) الكافي 4: 125 | 2 باب صوم الصبيان.

(3) الكافي 4: 303 | 1 باب حج الصبيان والمماليك.

(4) الكافي 4: 304 | 3 باب حج الصبيان والمماليك.


السكين في يد الصبي ثمَّ يقبض على يديه الرّجل فيذبح) (1) .

ويستحب تمرين الطفل على عمل الخير كالصدقة على الفقراء والمساكين، قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام):

(مر الصبي فليتصدّق بيده بالكسرة والقبضة والشيء وإن قلّ، فإنّ كلِّ شيء يُراد به الله وإن قلّ بعد أن تصدق النيّة فيه عظيم...) (2) .

وقال (عليه السلام): (فمره أن يتصدّق ولو بالكسرة من الخبز) (3) .

فتمرين الطفل على الصدقة من أفضل أساليب التربية على عدم الركون إلى الدنيا، والتقليل من تأثير حب المال في نفس الطفل، وهو تمرين له على التعاطف مع الفقراء والمساكين.

وتمرين الطفل في مرحلة الصبا على الطاعات والعبادات تجعله يداوم عليها في كبره، وخير شاهد على ذلك سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، فالإمام الحسن بن علي (عليه السلام) (مشى عشرين مرّة من المدينة للحجّ على رجليه) (4) .

وطلب الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) من الجيش الأموي أن يمهلوه ليلة العاشر من المحرّم للتفرّغ للعبادة هو وأصحابه (فلمّا أمسوا قاموا الليل كلّه يصلّون ويستغفرون ويتضرّعون ويدعون) (5) .

____________________

(1) الكافي 4: 304 | 4 باب حج الصبيان والمماليك.

(2) الوسائل 9: 376 | 1 باب 4.

(3) الوسائل 9: 376 | 2 باب 4.

(4) مختصر تاريخ دمشق 7: 23.

(5) الكامل في التاريخ، لابن الأثير 4: 59 ـ دار صادر 1399 هـ.


ولكثرة عبادة الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) سُمّي بزين العابدين (1) .

(وكان لا يدع صلاة الليل في السفر والحضر) (2) .

وكان إذا أتاه السائل يقول: (مرحباً بمَن يحمل لي زادي إلى الآخرة) (3) .

وكان بقيّة أهل البيت (عليهم السلام) قمّة في الارتباط بالله تعالى والإخلاص في العبادة، فقد تمرّنوا عليها في مقتبل العمر، فكان بينهم وبينها أُنساً خاصّاً وشوقاً للأداء.

فيجب على الوالدين تشجيع الطفل على التمرّن على العبادات والطاعات بالأُسلوب الأنجح، بالإطراء والمديح أو بإهداء الهدايا الماديّة والمعنوية له.

رابعاً: مراقبة الطفل

يحتاج الطفل في هذه المرحلة ـ من أجل إنجاح العملية التربوية ـ أن يقوم الوالدان بمراقبة الطفل سلوكياً، وإرشاده إلى الاستقامة والصلاح، وكذلك مراقبة أفكاره وتصوّراته وعواطفه بالأُسلوب الهادئ غير المثير له، وأن يتعامل الوالدان معه كأصدقاء لمساعدته في شق طريقه في الحياة.

ومراقبة سلوكه في المجتمع أكثر ضرورة منه في البيت، فيختار له

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق 17: 234.

(2) صفوة الصفوة، لابن الجوزي 2: 95 ـ دار المعرفة 1405 هـ ط3.

(3) صفوة الصفوة، لابن الجوزي 2: 95 ـ دار المعرفة 1405 هـ ط3.


الأصدقاء الصالحين، ويمنع من مسايرة الأصدقاء غير الصالحين، وتكون العقوبة أحياناً ضرورية إنْ لم ينفع الإرشاد والتوجيه. ويجب تمرين الطفل على محاسبة نفسه، وتقبّل المحاسبة من قِبل الآخرين، إضافة إلى ترسيخ مفهوم الرقابة الإلهية في أعماقه؛ لتكون رادعاً له من الانحراف في حالة غياب المراقبة من قِبل والديه.

والمراقبة من حيثُ الأساليب والوسائل متروكة للوالدين، كلٌّ حسب وعيه وتجربته في الحياة، وهما بحاجة إلى التعاون في هذا المجال، ومراقبة الوالدة للطفل ذكراً كان أم أُنثى أكثر ضرورة لانشغال الوالد غالباً بأعماله خارج المنزل.

ومن الضروري أن يشعر الطفل بأنّه غير متروك من قِبل والديه، وأنّهما يحرصان عليه ويراقبان سلوكه، ويمكن للوالدين الاستعانة بغيرهما في المراقبة، كالاعتماد على الأقارب والأصدقاء في المجالات الحياتية للطفل التي لا يدخلها الوالدان، كالمدرسة مثلاً وبعض تجمّعات الأطفال، والتعاون في هذا المجال مثمر جداً في تربية الطفل تربية صالحة، وإنقاذه من الانحراف الذي يمكن أن يطرأ عليه في حالة الغفلة والإهمال.

خامساً: الوقاية من الانحراف الجنسي

الانحراف الجنسي من أخطر أنواع الانحرافات التي تؤدّي إلى تدمير المجتمع من جميع النواحي، المادية والصحية والعاطفية والأخلاقية، ولهذا أبدى الإسلام عناية خاصة بالوقاية منه قبل الحدوث وعلاجه بعده. وتربية الأطفال على العفّة من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتق الوالدين، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من حق الولد على والده أن يحسن اسمه


إذا وُلد، وأن يعلمّه الكتابة إذا كبر، وان يعفّ فرجه إذا أدرك) (1) .

والتربية على العفّة تستلزم الوقاية من الانحراف في مرحلة ما قبل البلوغ.

وأوّل بوادر الوقاية إبعاد الطفل عن الإثارة الجنسية، وأبعاده عن الاطلاع على صورتها، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (والذي نفسي بيده، لو أنّ رجلاً غشي امرأته وفي البيت صبي مستيقظ يراهما ويسمع كلامهما ونفسهما ما أفلح أبداً؛ إن كان غلاماً كان زانياً، أو جارية كانت زانية) (2) .

ومن أساليب الوقاية التفريق بين الصبيان أثناء النوم، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (... وفرّقوا بينهم في المضاجع إذا كانوا أبناء عشر سنين) (3) .

والتفريق بين الصبيان والنساء أكثر ضرورة، قال الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): (يُفرّق بين الغلمان والنساء في المضاجع إذا بلغوا عشر سنين) (4) .

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الصبي والصبي، والصبي والصبيّة، والصبية والصبية يفرّق بينهم في المضاجع لعشر سنين) (5) .

ونهى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) من تقريب الجارية من غير أرحامها إذا بلغت ست سنين فقال: (إذا أتى عليها ست سنين فلا تضعها

____________________

(1) مستدرك الوسائل 2: 626.

(2) وسائل الشيعة 20: 133 | 2 باب 67.

(3) مستدرك الوسائل 2: 558.

(4) مكارم الأخلاق: 223.

(5) وسائل الشيعة 20: 231 | 1 باب 128.


على حجرك) (1) .

ونهى عن تقبيل الصبيّة فقال: (إذا بلغت الجارية الحرّة ست سنين فلا ينبغي لك أن تقبّلها) (2) .

والمقصود هو عدم التقبيل من قِبل الغرباء لا الأب أو الأُم أو العم أو محارمها، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (... والغلام لا يقبّل المرأة إذا جاز سبع سنين) (3) .

وإذا حدث الانحراف الجنسي، فيجب استخدام العقوبة للحدّ من تكرار الممارسة، سُئل الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في غلام صغير ابن عشر سنين زنى بامرأة، قال: (يُجلد الغلام دون الحدّ) (4) .

ويجب في وقتنا المعاصر منع الصبي عن كلِّ ما يؤدّي إلى إثارته من قصص وروايات وصور، وما يُعرض من أفلام منافية للعفّة، ويجب مراقبة الصبيان في خلواتهم وفي علاقاتهم مع الآخرين، للوقاية من الانحراف الجنسي.

سادساً: ربط الطفل بالقدوة الحسنة

الطفل في الأعوام المتأخّرة من هذه المرحلة يحاول التشبّه بالأشخاص الأكثر حيوية والأشد فاعليّة في المجتمع، ويطلق علماء النفس مفهوم المحاكاة للتعبير عن التشبّه الفجائي السريع الذي ينتهي بانتهاء المؤثّر، فهو تشبّه آني، ويطلقون عبارة الاقتباس على التشبّه

____________________

(1) وسائل الشيعة 20: 229 | 1 باب 127.

(2) وسائل الشيعة 20: 230 | 2 باب 127.

(3) وسائل الشيعة 20: 230 | 4 باب 127.

(4) مكارم الأخلاق: 320.


البطيء (1) الذي يستحكم في العقل والعاطفة ومن مصاديقه التقليد والاقتداء، والنماذج العالية من الشخصية هي المؤثّرة في التشبّه، فأهل الكرامة وأهل القدوة يكرّمهم الشعب ويبجّلهم وهم الذين (يقتدي بهم عامة الشعب) (2) .

والطفل غالباً ما يتشبّه بمَن لهم سلطان روحي ونفسي على الناس ومنهم الملوك والحكام، والفائزون والناجحون في الحياة، وكلّ مَن له تأثير على الناس كالمعلم وعالم الدين.

ويرى بعض علماء النفس الحاجة إلى تصوّر المثل الأعلى لدى كل إنسان (3) وهي حاجة ضرورية، والمثل الأعلى في رأي هؤلاء العلماء يختلف باختلاف الناس، ويتبدّل بتبدّل ظروفهم المادية والنفسية والاجتماعية، ويعتبرون المثل الأعلى متجسّداً في القيم المعنوية والأهداف المتوخّاة في الحياة.

والمثل الأعلى بهذا المفهوم ضروري جداً لكلِّ إنسان، وخصوصاً الطفل في الأعوام المتأخّرة من هذه المرحلة، ولكنّ المثل الأعلى إن لم يتحوّل من المفهوم إلى المصداق وإلى مَن تتجسّد فيه قيم هذا المثل الأعلى؛ يبقى محدوداً في حدود التصوّرات، فالطفل بحاجة إلى التشبّه والاقتداء بما هو ملموس في الواقع الموضوعي، وخير مَن يتجسّد به المثل الأعلى هو النموذج الأعلى للشخصية الإنسانية.

____________________

(1) علم الاجتماع نقولا الحدّاد: 86.

(2) علم الاجتماع: 140.

(3) علم النفس جميل صليبا: 728.


والاقتداء بالأسلاف (أكثر من الاقتداء بالطبقة العليا) (1) .

ومن هنا فالضرورة الحاكمة في الاقتداء، هي: الاقتداء بالسلف الصالح وهم الأنبياء والأئمّة من أهل البيت، والصالحين من الصحابة والتابعين، والماضين من علماء الدين، فهم قمم في الفضائل والمكارم والمواقف النبيلة، وممّا يساعد على التشبّه والاقتداء بهم تأثيرهم الروحي على مختلف طبقات الناس الذين يكنّون لهم التبجيل والتقديس.

وحياة الصالحين مليئة بجميع القيم والمكارم التي يريد الإنسان التمسّك بها. والاقتداء هو الذي يجعل الطفل إنساناً عظيماً تبعاً لمَن يقتدي بهم، وإذا فُقد الاقتداء جمدت جذوة الحياة وضعف الطموح، وانحرف عن مساره للتعلّق والاقتداء بالهامشيين من الأشخاص العاديين.

فالواجب على الوالدين توجيه أنظار الطفل وأفكاره وعواطفه ومواقفه نحو الشخصيات النموذجية، ابتداءً من آدم وانتهاءً بالعظماء المعاصرين، ولكلِّ نبيٍّ أو إمامٍ من أئمّة الهدى تاريخ حافل بجميع المكارم والقيم والمواقف السائدة في الحياة.

والقدوة الصالحة لها تأثير ومواقف مشرّفة في كلِّ زاوية من زوايا الحياة، والاقتداء بها تنعكس آثاره على جميع جوانب شخصيّة الطفل العاطفية والعقلية والسلوكية، فتندفع الشخصية للوصول إلى المقامات العالية التي وصلها الصالحون المقتدى بهم.

والحمدُ لله أولاً وآخراً

____________________

(1) علم الاجتماع: 146.


الفهرس

الفصل الأول : المنهج التربوي العام في العلاقات الأُسَريّة 9

أولاً: الاتفاق على منهج مشترك.9

ثانياً: علاقات المودّة 11

ثالثاً: مراعاة الحقوق والواجبات..15

رابعاً: تجنّب إثارة المشاكل والخلافات..17

خامساً: التحذير من الطلاق.22

الفصل الثاني: المرحلة الأُولى: مرحلة ما قبل الاقتران ومرحلة الحمل.27

أولاً: مرحلة ما قبل الاقتران.27

ثانياً: مرحلة الحمل.34

الفصل الثالث: المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد الولادة 43

أولاً: مراسيم الولادة: 43

ثانياً: التركيز على حليب الأُم 46

الفصل الرابع: المرحلة الثالثة: مرحلة الطفولة المبكِّرة 53

أولاً: تعليم الطفل معرفة الله تعالى.53

ثانياً: التركيز على حبّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) 56

ثالثاً: تربية الطفل على طاعة الوالدين.57

رابعاً: الإحسان إلى الطفل وتكريمه 60

خامساً: التوازن بين اللين والشدّة 63

سادساً: العدالة بين الأطفال.67

سابعاً: الحرّيّة في اللعب..73

ثامناً: التربية الجنسية وإبعاد الطفل عن الإثارة 79

تاسعاً: تنمية العواطف..84

عاشراً: الاهتمام بالطفل اليتيم.87


الفصل الخامس: المرحلة الرابعة: مرحلة الصبا والفتوّة 93

أولاً: تكثيف التربية 96

ثانياً: المبادرة إلى التعليم.99

ثالثاً: تمرين الطفل على الطاعات..103

رابعاً: مراقبة الطفل.107

خامساً: الوقاية من الانحراف الجنسي.108

سادساً: ربط الطفل بالقدوة الحسنة 110


تربية الطفل في الإسلام

تربية الطفل في الإسلام

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: مركز الرسالة
الناشر: مركز الرسالة
تصنيف: الأسرة والطفل
الصفحات: 114