آراء علماء المسلمين في التقية والصحابة وصيانة القرآن الكريم

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: السيد مرتضى الرضوي
كتب متنوعة

آراء علماء المسلمين

في التقيَّة والصحابة وصيانة القرآن الكريم

تأليف

السيِّد مرتضى الرضوي



آراء علماء المسلمين

في التقيَّة والصحابة وصيانة القرآن الكريم

تأليف

السيِّد مرتضى الرضوي

مؤلِّف كتاب: مع رجال الفكر في القاهرة

وعضو رابطة الأدب الحديث بالقاهرة


بسم الله الرحمن الرحيم


آيات مِن الذكر الحكيم

قال الله تعالى: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ... ) .

وقال تعالى: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِي )

وقال تعالي: ( ... إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) .

وقال تعالي: ( ... فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) .

صدق الله العليّ العظيم.


قال الشّيخ محمّد الغزالي المصري:

(إنَّ كلَّ ما بقي في عصرنا هذا مِن خلاف، هو الفجوة التي افتعلت افتعالاً بين السنة والشيعة!! وهي فجوة يعمل الاستعمار على الأقلِّ يستبقيها، لتكون قطيعة دائمة بين الفريقين، ثمَّ ينفذ مِن خلالها إلى أغراضه..).

دفاع عن العقيدة والشريعة ص 253 ط رابعة بمصر عام 1395 هـ


كلمة المؤلِّف


بسم الله الرحمن الرحيم


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محّمد بن عبد الله خاتم النبييِّن، المبعوث رحمة وهداية لكافَّة الخلائق أجمعين، وعلى عترته البررة الميامين، الطيّبين الطاهرين، وصحابته الأخيار الأطياب، المُنتجبين.

وبعد، فقد صدر في أوائل هذا القرن - الخامس عشر الهجري - كتاب طُبع في مصر باسم: (الشيعة وتحريف القرآن)

بقلم محمد مال الله البحريني، و أُعيد طبعه في بيروت.

وقبل سبعة أعوام رأيت مقالاً نُشر عنه في مجلَّة سعودية وهابيّة، تصدر عن الأمانة العامة للمجلس الأعلى للمساجد برابطة العالم الإسلامي في مكَّة المكرَّمة، والمقال منشور في ص (142) في العدد الثامن مِن السنة السادسة، الصادر في شهر ذي الحجة عام (1403هـ)، فرأيت مِن الأجدر الردَّ على الكتاب المذكور عملاً بقوله (عليه السلام): (الساكت عن الحق شيطان أخرس).

وكتبت الردَّ وطبع باسم: (البرهان على عدم تحريف القرآن) بعد النصف الثاني مِن عام 1411هـ نشرته: الإرشاد للطباعة والنشر بيروت - لندن.


وحيث إنَّ هذا الكتاب يضمُّ مواضيع عديدة اخترت منها:

التقيَّة، الصحابة، عدم تحريف القرآن. وقد طُبع هذا المُختصر لأوّل مرَّة في مدينة بمبي - الهند، باسم آراء علماء المسلمين في التقيَّة والصحابة، وصيانة القرآن الكريم، نشرته إشاعة تبليغات إيماني هند عام 1409هـ، وتمتاز هذه الطبعة على ما فاتها لما فيها مِن زيادات مُهمَّة، وسيُقدَّم إلى القاري العزيز بحلَّة قشيبة و إخراج جميل.

نسأل الله أنْ يُخلص لنا النيات ويوفِّقنا للقيام بما يحبُّ ويرضي، إنَّه سميع الدعاء قريب مُجيب.

* * *


مِن همْ خير البريَّة؟

أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، مَن أكرم الخلق على الله؟

قال: (يا عائشة، أما تقرئين: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ).

وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنَّا عند النبي صلّى الله عليه وسلام فأقبل عليّ فقال النبي (صلى الله عليه [ وآله ] وسلم): (والذي نفسي بيده، إنَّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة)، ونزلت: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )

فكان أصحاب النبي (صلى الله عليه [ وآله ] وسلم) أذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البريّة (1)

وأخرج ابن عدي، وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: (عليٌّ خير البرية).

____________________

(1) الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 6 | 379 طبعه مصر.


نُبذة مِن مُعتقدات الشيعة الأماميّة

قال الأمام كاشف الغطاء (طاب ثراه):

إنَّ الدين ينحصر في قضايا خمس:

1 - معرفة الخالق.

2 - معرفة المُبلَِّغ عنه.

3 - معرفة ما تَعبَّد به والعمل به.

4 - الأخذ بالفضيلة، وترك الرذيلة.

5 - الاعتقاد بالمعاد والدينونة. فالدين علم وعمل، و ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ... ) ، والإسلام والإيمان مترادفان، ويُطلقان على معنىَ أعم يعتمد على ثلاثة أركان: التوحيد، والنبَّوة، والمعاد.

فلو أنكر الرجل واحداً منها فليس بمسلم، ولا مؤمن، وإذا دان بتوحيد الله، ونبوَّة سيِّد الأنبياء محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، واعتقد بيوم الجزاء، مَن آمن بالله ورسوله فهو مسلم حقَّاً، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، دمه و ماله حرام، ويطلقان أيضاً على معنى أخص، يعتمد على تلك الأركان الثلاثة. وركن رابع وهو:


العمل بالدعائم التي بُني الإسلام عليها، وهي خمس: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، والجهاد.

وبالنظر إلى هذا قالوا: (الإيمان اعتقاد بالجَنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان) .

(مَن آمن بالله وعمل صالحاً)

فكلُّ مورد في القرآن اقتصر على ذكر الإيمان بالله ورسوله، واليوم الآخر.

وكلُّ مورد أُضيف أليه العمل الصالح يُراد به المعنى الثاني.

والأصل في هذا التقسيم قوله تعالى: ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ... ) (49 | 14) وزاده إيضاحاً بقوله بعدها:

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (49|15).

يعني: أنَّ الإيمان قول ويقين وعمل. فهذه الأربعة هي أُصول الإسلام والإيمان بالمعنى الأخص عند جمهور المسلمين.

ولكنَّ الشيعة الإمامية زادوا (ركناً خامساً) وهو: الاعتقاد بالإمامة.

يعني: أنْ يعتقد أنَّ الإمامة منصب إلهي كالنبوَّة، فكما أنَّ الله سبحانه يختار مَن يشاء مِن عباده للنبوَّة والرسالة، ويؤيِّده بالمُعجزة التي هي كنصٍّ مِن الله عليه، ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ... ) (28| 68).

فكذلك يختار للإمامة مَن يشاء، ويأمر نبيَّه بالنصِّ عليه، وأنْ


يُنصِّبه أماماً للناس مِن بعده؛ للقيام بالوظائف التي كان على النبي أنْ يقوم بها، سوى أنَّ الإمام لا يوحى أليه كالنبي، وإنَّما يتلقَّى الأحكام منه مع تسديد ألهي.

فالنبي مبلَّغ عن الله، والإمام مبلَّغ عن النبي. والإمامة مُتسلسلة في اثني عشر، كُلُّ سابق ينصُّ على اللاحق.

ويشترطون، أنْ يكون معصوماً كالنبي عن الخطأ والخطية، وإلاَّ زالت الثقة به، والآية الكريمة مِن قوله تعالى: ( ... إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (2|124)، صريحة في لزوم العصمة في الإمام لمَن تدبَّرها جيداً.

وأنْ يكون أفضل أهل زمانه في كلِّ فضيلة، وأعلمهم بكلِّ علم؛ لأنَّ الغرض منه تكميل البشر، وتزكية النفوس، ووتهذيبها بالعلم، والعمل الصالح، ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ... ) (62| 2).

والناقص لا يكون مكمِّلاً، والفاقد لا يكون مُعطياً.

فالإمام في الكمالات دون النبي، وفوق البشر.

فمَن اعتقد بالإمامة بالمعنى الذي ذكرناه، فهو عندهم مؤمن بالمعنى الأخص.

وإذا اقتصر على تلك الأركان الأربعة، فهو مسلم ومؤمن بالمعنى الأعم. تترتَّب عليه جميع أحكام الإسلام: مِن حرمة دمه، وماله، وعرضه، ووجوب حفظه، وحرمة غيبتة وغير ذلك. إلاَّ أنَّه بعدم الاعتقاد


بالإمامة يخرج عن كونه مسلماً (1) .

____________________

(1) أصل الشيعة وأصولها ص 126، 129 طبعة القاهرة.


تسمية الشيعة (1) بشيعة أهل البيت

تمهيد:

لما رأى الاستعمار - وفي الآونة الأخيرة بالذات - أنَّ الإسلام لا

____________________

(1) الشيعة: الفرقة والجماعة، ويُقال: هم شيعة فلان، وشيعة كذا مِن الآراء. - وفرقة كبيرة مِن المسلمين اجتمعوا على حبِّ عليّ وآله، وأحقِّيتهم بالإمامة. (المُعجم الوسيط: 1 | 503).

الشيعة: مِن يتقوَّى بهم الإنسان وينتشرون عنه. (مفردات غريب القرآن ص 271 ط مصر).

أصل الشيعة: الفرقة مِن الناس، فإذا قيل: فلان مِن الشيعة عُرف أنَّه منهم، وتُجمَع الشيعة على شيع، وأصلها مِن المُشايعة وهي المُتابعة والمُطاوعة. (النهاية لابن الأثير: 2 | 519، 520).

(شايع) فلاناً: والاه وتابعه على أمر، وهو مِن الشيعة كما أنَّ والاه مِن الولاء. (أقرب الموارد 1 |626).

التشيُّع: لفرقة أو طائفة. إلخ (المصطلحات العلميّة والفنيّة:2 | 85 ط بيروت).

قال أبو علي: وحدَّثنا أبو الحسن جحظة قال: قال الشعبي: ما لقينا مِن عليّ (رضي الله عنه) إنْ أحببناه قُتلنا، وإنْ أبغضناه كفرنا.. وقال ابن هرمة:

مهما أُلام على حُبِّهم

فإنِّي أُحِبُّ بني فاطمة

بني بنت مَن جاء بالمحكما

ت والدين والسُّنن القائمة

فلقيه بعد ذلك رجل، فسأله مَن قائلها فقال: مَن عضَّ ببظر أُمِّه، فقال له ابنه يا أبت ألست قائلها قال: بلى قال: فلم تشتم نفسك، قال: أليس الرجل يعضُّ بظر أُمِّه خيراً له مِن أنْ يأخذه ابن


ينطبق إلاَّ على المذهب الشيعي الإمامي، ولا يتحقَّق النصر للمسلمين إلاَّ به، وقد أخذ يشقَّ طريقه نحو الظهور، وهو الآن في دور أو مرحلة التطبيق - وذلك بعد أنْ أعلنت إيران أنَّها جمهوريَّة إسلامية وأخذت تسير سيراً هادئاً وحثيثاً نحو تطبيق النظام الإسلامي - إذا بالاستعمار تيقَّظ مِن نومته، وأخذ يحيك المؤامرات الدنيئة - بكلِّ ما أوتي مِن خبث وشيطنة - في إحباط هذه الجهود والمساعي، وإخفاقه وتمزيقه على يد عملائه الصهاينة وغيرهم.

إنَّ إيران - منذ العهود الماضية - عُرفت بالتشيُّع والولاء المحض لأهل بيت المصطفى (عليهم السلام).

وإنَّ واضع بذرة التشيُّع هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية، يعني: إنَّ بذرة التشيُّع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب، وسواء بسواء ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية، حتَّى نمت وازدهرت في حياته ثمَّ أثمرت بعد وفاته.

وقال العلاَّمة الكبير السيِّد محمد صادق الصدر (1) :

(ونحن إذا رجعنا للأحاديث النبويَّة الشريفة، وجدنا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد عيَّن الفرقة الناجية بحديث آخر (2) مُجمع على صحته.

____________________

قحطبة. (الأماني لأبي علي القالي: 2 | 177 ط مصر).

شيعة الرجل: أولياؤه، وأنصاره، ج أشياع. وشيع (وغلَّب على مَن يتولَّى عليّاً وأهل بيته (عليهم السلام)، وهم فرق مُتعدِّدة أشهرها. وأكثرها عدداً: الإمامية الاثنا عشريَّة. وليسوا مِن الغُلاة - كما زعم صاحب التاج - بلْ إنَّهم يُكفِّرون الغُلاة كما يعرفه كلُّ مَن اطَّلع على مذهبهم، وفتاوى فقهائهم). وقال الأزهري: الشيعة هم الذين يهوون عترة النبي ويوالونهم. (معجم متن اللغة 3 | 400 ط بيروت).

(1) رئيس المجلس النيابي في العراق في العهد الملكي البائد.

(2) الحديث السابق هو قوله (ص): (ستفرق أُمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة ناجية والباقون في النار).


وقد ذكره علماء الطائفتين، وهو قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنَّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، مَن ركب فيها نجا، ومَن تخلَّف عنها غرق)، وفي رواية هلك (1) .

فأنت تراه (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد حكم بالنجاة على الفرقة التي تتمسَّك بأهل البيت (عليهم السلام)، وتعتصم بحبلهم.

وما مِن شكٍّ أنَّ الراكب في هذه السفينة، والمُتمسِّك بها ليس إلاَّ الشيعة؛ لأنَّها هي التي شايعتهم على كلِّ قول، وتابعتهم على كلِّ فعل، وأخذت عنهم معالم الدين والأصول، والفروع، والأخلاق، والتفسير، وكلَّ ما يحتاجونه مِن أُمور الدنيا والدين، يوالون وليَّهم ويُعادون عدوَّهم حتَّى أصبحوا يُلقَّبون: بـ (شيعة أهل البيت).

ومِن الغريب المُضحك أنَّا نرى ابن حجر في صواعقه، يُريد أنْ يغتصب لقب التشيُّع ويجعله له ولأتباعه، وأنَّهم هم الذين شايعوا أهل البيت، ووالوهم.

وليت شعري، هل يكون مِن شيعتهم مَن يرجع في الأصول إلى

____________________

والله درُّ الإمام الشافعي حيث يقول:

و لما رأيت الناس قد ذهبت بهم

مذاهبهم في أبحر الغيِّ والجهل

ركبت على اسم الله في سفن النجا

وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرُّسل

وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم

كما قد أُمرنا بالتمسُّك بالحبل

إذا افترقت في الدين سبعون فرقة

ونيِّف كما قد جاء في مُحكم النقل

ولم يكُ ناجٍ منهم غير فرقة

فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل

أفي الفرق الهلاَّك آل محمَّد

أم الفرق اللاتي نجت منهم قلْ لي

فإنْ قلت في الناجين فالقول واحد

وإنْ قلت في الهلاَّك جدت عن العدل

إذا كان مولى القوم منهم فإنَّني

رضيت بهم لازال في ظلِّهم ظلِّي

فخلِّ علياً لي إماماً ونسله

وأنت مِن الباقين في أوسع الحلِّ

(1) الصواعق المحرقة لابن حجر ص 93 طبعة مصر.


الأشعري؟! وفي الفقه إلى مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل؟‍‍‍‍‍‍‍!!

هل يكون مِن شيعتهم مَن لا يُعوِّل عليهم، ويُعوِّل على الخوارج، والمرجئة، والمضعَّفين؟!!

هل يكون ابن حجر وأمثاله مِن شيعتهم وفيهم أمثال ابن خلدون الذي يرى - والعياذ بالله - أنَّ أهل البيت شذاذ مُبتدعون (1) ، وأمثال ابن حزم الذي لا يرى لهم نفعاً في علم كما ستعرف ذلك؟!!

هل يكون هؤلاء مِن شيعتهم؟!!

سبحانك اللَّهمَّ هذا بُهتان عظيم.

فالمذهب الحقُّ - إذاً - هو مذهب أهل البيت، وهو مذهب الشيعة الإمامية، وهي الحرَّية بالنجاة، لما عرفت مِن مفاد الحديثين.

وهناك مسائل لا تُلائم روح الإسلام، تجدها مبثوثة في كتب القوم، وأحاديثهم، ومعتقداتهم، نضع بين يديك مثلاً تستطيع به أنْ تحكم على مُعتنقيها بالبُعد عن النجاة المنوَّه عنهما في حديث افتراق الأُمَّة.

تجسيم الله:

ومِن المسائل الغريبة التي يذهبون إليها تجسيم الله (تعالى الله عن ذلك علَّواً كبيراً) وإنْ صحاحهم

____________________

(1) ا نظر مقدِّمة ابن خلدون ص 498 المطبوعة بالقاهرة عام 1327هـ بمطبعة حسين أفندي شرف الواقعة في شارع خرنفش بمصر وإلى القارئ الكريم نص كلامه الذي ذكره تحت عنوان:

علم الفقه وما يتبعه مِن الفرائض، قال:

وشذَّ أهل البيت في طرق ابتدعوها، وقفه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح على قولهم بعصمة الأئمة، ورفع الخلاف عن أقوالهم وكلُّها أُمور واهية... إلخ.


محشوَّة بما ينطق بذالك. فهذا مسلم يروي لنا في

الجزء الأوَّل مِن صحيحه 1 |87 مصر:

عن أبي سعيد الخدري: إنَّ أُناساً - في زمن رسول الله (صلّى الله عليه [ آله ] وسلم) - قالوا: يا رسول الله: هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟

قال رسول الله (صلّى الله عليه [ آله ] وسلم): (نعم.. هل تُضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس فيها سحاب؟ وهل تُضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟) .

قالوا: لا يا رسول الله..

قال: (ما تُضارون في رؤية الله تعالى يوم القيامة، إلاَّ كما تُضارون مِن أحدهما) . ثمَّ ذكر الأُمم التي كانوا يُشركون في عبادة الله ودخولهم النار.

وقال الشهيد الصدر:

روى الحاكم بسنده عن أبي إسحاق.. سألت القاسم بن العباس: كيف ورث علي رسول الله؟

قال: لأنَّه كان أوَّلنا به لحوقاً، وأشدَّنا به لزوقاً.

وقال أيضا طاب ثراه:

ولم يكن هذا الشخص الداعي المُرشَّح للإعداد الرسالي والقيادي، والمنصوب لتسلُّم مُستقبل الدعوة وتزعمها فكرياً، وسياسياً إلاَّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي رشَّحه لذلك عمق وجوده في كيان الدعوة، وأنَّه المسلم الأوَّل، والمجاهد الأوَّل في سبيلها، عبر كفاحها المرير ضدَّ كلِّ أعدائها، وعمق وجوده في حياة القائد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنَّه ربيبه الذي فتح عينيه في حجره، ونشأ في كنفه، وتهيَّأت له مِن فرص التفاعل معه والاندماج بخطَّه ما لو يتوفَّر لأيِّ إنسان


آخر...) (1) .

(وكما أثبت الشيعة مِن كتب السنَّة أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي بعث عقيدة التشيُّع ودعا إليها، أثبتوا - أيضاً - مِن طرق السنة أنَّ النبي أوَّل مَن أطلق لفظ الشيعة على مَن أحبَّ عليَّاً وتابعه.

قال الشيخ محمد حسين المظفر في كتاب (تاريخ الشيعة ص5) طبع النجف الأشرف - العراق.

جاء في كتاب: الصواعق المُحرقة لابن جحر، وفي كتاب النهاية لابن الأثير: أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (يا علي، إنَّك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين).

وجاء في الدر المنثور للسيوطي: إنَّ النبي (صلى الله عليه [ آله ] وسلم) قال: (إنَّ هذا - وأشار إلى علي - وشيعته هم الفائزون يوم القيامة).

ثمَّ قال صاحب تاريخ الشيعة: فكانت الدعوة إلى التشيُّع لعلي مِن محمد، تمشي معه جنباً لجنب مع الدعوة إلى شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله.

وبهذا يتبيَّن معنى أنَّ المصدر الأوَّل والأخير للشيعة، والتشيُّع هو النبي دون سواه، فإنْ كان التشيُّع هو السبب لتمزيق وحدة المسلمين، وتفريق كلمتهم - كما زعم بعض أهل السنة - فالمسؤول عن ذلك هو النبي وحده دون سواه) (2) .

* * *

____________________

(1) بحث حول الولاية ص65 الطبعة الثالثة عام 1402 هـ.

(2) تجارب محمد جواد مغنية بقلمه ص238 ط دار الجواد بيروت.


طعن الإمام الشوكاني (*) في المذاهب:

لسدِّ باب الاجتهاد

ومِن عجيب صنع المُقلِّدة أنَّهم يقبلون ممَّن ينتسب إلى مذهبهم، الترجيح بين الروايتين لإمامهم وإنْ كان ذلك المرجِّح مقلِّداً غير مجتهد. ولا قريباً مِن رتبة المجتهد ومَن جاء هو كإمامهم، أو فوق إمامهم وأخبرهم مِن الراجح مِن ذينك القولين لم يلتفتوا، ولا قبلوا قوله ولو عضد ذلك بالآيات المحكمة، والأحاديث المتواترة.

____________________

(*) الإمام الشوكاني هو: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن صلاح بن علي بن عبد الله الشوكاني، الخولاني، ثمَّ الصنعاني (أبو عبد الله) ولد في (1173هـ 1760م) وتوفِّي (1350 هـ 1843 م).

مُفسِّر، محدِّث، فقيه، أصولي، مؤرِّخ، أديب، نحوي، منطقي، مُتكلِّم، حكيم.

ولد بهجرة شوكان مِن بلاد خولان، في (28 ذي القعدة)، ونشأ بصنعاء وولي القضاء، وتوفِّي بصنعاء في جمادي الآخرة ودفن بخزيمة.

مِن تصانيفه الكثيرة: البدر الطالع بمحاسن مِن بعد القرن السابع، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقِّ في علم الأصول، فتح القدير الجامع بين فنَّي الرواية والدراية مِن علم التفسير، الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، والدر النضيد في إخلاص التوحيد. وله شعر (معجم المؤلِّفين تراجم مصنفي الكتب العربيَّة: 11 | 53) و ترجمة القمِّي: في الكُنى والألقاب: 2 | 371 وقال: شوكان: موضع بالبحرين، وبلد بين أبيورد وسرخس.


بلْ يقبلون مِن موافقهم مجرَّد التخريج على مذهب إمامهم، والقياس على ما ذهب إليه ويجعلونه ديناً، ويحللون به ويحرمون.

فيالله وللمسلمين! مع كلِّ عاقل إنَّ الربَّ واحد، والنبي واحد والأمَّة واحدة، والكتاب واحد.

وبالجملة، فكلُّ مَن يعقل لا يخفى عليه أنَّ هذه المذاهب قد صار كلَّ واحد كالشريعة عند أهله، يذودن عنه كتاب الله وسنة رسوله. ويجعلونه جسراً يدفعون به كلَّ مَن يُخالفه كائناً مَن كان.

* * *

سدُّ باب الاجتهاد نسخٌ للشريعة

والعجب أنَّ هؤلاء مكاسير المُقلِّدة لم يقفوا حيث أوقفهم الله مِن القصور، وعدم العلم النافع، فقاموا على أهل العلم قومة جاهليَّة وقالوا: باب الاجتهاد قد انسدَّ، وطريق الكتاب والسنَّة قد ردمت.

وهذه المقالة مِن هؤلاء الجهَّال تتضمَّن نسخ الشريعة، وذهاب رسمها، وبقاء مجرَّد اسمها، وأنَّه لا كتاب ولا سنَّة؛ لأنَّ العلماء العارفين بهما إذا لم يبق لهم سبيل على البيان الذي أمر الله سبحانه عباده بقوله: ( وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ... ) 3: 187.

وبقوله:


( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا - إلى قوله - أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ) 3: 159.

فقد انقطعت أحكام الكتاب والسنَّة، وارتفعت مِن بين العباد، ولم يبق إلاَّ مجرَّد تلاوة القرآن، ودرس كتب السنَّة، ولا سبيل إلى التعبُّد بشيء ممَّا فيهما.

ومِن زعم هؤلاء الجهلة أنَّه مَن يقضي أو يفي بما فيهما، أو يعمل لنفسه بشيء ممَّا اشتملا عليه فدعواه باطلة وكلامه مردود.

فانظر إلى هذه الفاقِرة العظمى، والداهية الدهياء، والجهلاء، والبدعة العمياء الصمَّاء!!!

سبحانك هذا بهتان عظيم.

- وللإمام الشوكاني -

يا ناقداً لمقال ليس يفهمه

مَن ليس يفهم قل لي كيف ينتقد

يا صاعداً في وعور ضاق مسلكها

أيصعد الوعر مَن في السهل يرتعد

يا ماشياً في فلاة لا أنيس بها

كيف السبيل إذا ما اغتالك الأسد

يا خائض البحر لا يدري سباحته

ويلي عليك أتنجو أنْ علا الزبد

ومنها:

إنِّي بُليت بأهل الجهل في زمن

قاموا به ورجال العلم قد قعدوا


قوم يدق جليل القول أنَّهم

أعدى العداة لمن في علمه سدد

إذا رأوا رجلاً قد نال مرتبة

في العلم دون الذي يدرونه جحدوا

أو مال عن زائف الأقوال ما تركوا

باباً مِن الشرِّ إلاَّ نحوه قصدوا

أمَّا الحديث الذي قد صحَّ مخرجه

كالأمَّهات فما فيهم لها ولد

تراهم إنْ رأوا مَن قال حدَّثنا

قالوا له ناصبي ما له رشد

وإنْ ترضي على الأصحاب بينهم

قالوا باغض للآل مجتهد

يا غارقين بشوم الجهل في بدع

ونافرين عن الهدي القويم هدوا

ما باجتهاد فتي في العلم منقصة

النقص في الجهل لا حيَّاكم الصمدُ

لا تُنكروا مورداً عذاباً لشاربه

إنْ كان لا بدَّ مِن إنكاره فردوا

وإنْ أبيتم فيوم الحشر موعدنا

في موقف المصطفى والحاكم الأحد (1)

* * *

____________________

(1) جاء ذكر هذه الأبيات تحت عنوان: جهاد الشوكاني للمقلِّدين في كتاب: (ولاية الله والطريق إليها ص 330) طبعة مصر.


ومِن كلام الزمخشري (1) (رض):

إذا سألوا عن مذهبي لم أُبح به

وأكتمه كتمانه لي أسلم

فإنْ حنيفاً قلت قالوا بأنَّني

أُبيح الطلا وهو الشراب المحرم

وإنْ مالكيَّاً قلت قالوا بأنَّني

أُبيح لهم أكل الكلاب وهم هموا

وإنْ شافعياً قلت قالوا بأنَّني

أُبيح نكاح البنت والبنت محرم

وإنْ حنبليَّاً قلت قالوا بأنَّني

ثقيل حلولي بغيض مجسم

وإنْ قلت مِن أهل الحديث وحزبه

يقولون تيس ليس يدري ويفهم

تعجَّبت مِن هذا الزمان وأهله

فما أحد مِن ألسن الناس يسلم

وأخرني دهري وقدَّم معشراً

على أنَّهم لا يعلمون.. وأعلم

____________________

(1) وهو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري، ولِد يوم الأربعاء 27 مِن شهر رجب سنة (467 هـ) سبعاً وستِّين وأربعمئة بزمخشر بفتح الزاي والميم وسكون الخاء وفتح الشين المعجمتين وبعدها راء: قرية كبيرة مِن قرى (خوارزم) وتوفِّي رحمه الله ليلة عرفة سنة (583 هـ) بجرجانية بعد رجوعه مِن مكَّة. مصنفاته: منها: تفسير الكاشف المسمَّى: حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل، المفرد المركب في العربية، الفائق في تفسير الحديث، أساس البلاغة، المفصل في النحو، وغيرها، أنظر تفسير الكاشف: 4 | 307 طبعة مصر.


ومُذ أفلح الجهَّال أيقنت أنَّني

أنا الميم والأيَّام أفلح (1) أعلم (2)

____________________

(1) الأعلم والأفلح هو: مشقوق الشفتين الأعلى والأسفل ولا يستطيع النطق بحرف الميم.

(2) تفسير الكشاف: 4 | 310 طبعة مصر.


تسمية السنَّة بأهل السنَّة (1) والجماعة

قال العلاَّمة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره (حقائق التنزيل وعيون الأقاويل) المعروف بالكشاف: (ثمَّ تعجَّب مِن المتسمّين بالإسلام، المتسمَّين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظمة مذهباً، ولا يغرنَّك تسترهم بالبلكفة؛ فإنَّه مِن منصوبات أشياخهم والقول ما قال أحد العدلية فيهم).

لجماعة سمُّوا هواهم سنَّةً

وجماعة حمر لعمري موكفة

قد شبُّهوه بخلقه وتخوفوا

شنع الورى فتستَّروا بالبلفكة

تفسير الكشاف 2| 116 ط مصر.

* * *

____________________

(1) قال المرحوم الشيخ محمود أبو رية طاب ثراه:

إنَّنا لا نعرف شيئاً اسمه (أهل السنة) ولا شيئاً آخر يقابلها مِن سائر الفرق، أو المذاهب التي استحدثت بين المسلمين لتعريفهم، وبخاصة فإنَّ وصف أهل السنَّة هذا لم يكن معروفاً قبل معاوية بن أبي سفيان، وقد استحدثوه في عهده في العام الذي وصفوه بأنَّه (عام الجماعة) نفاقاً للسياسة لعنها الله، وما كان إلاَّ عام الفرقة. انظر: شيخ المضيرة أبو هريرة ص 309 الطبعة الثالثة لدار المعارف بمصر عام 1969 م.


تمهيد

وصف حالة المسلمين اليوم

مِن الواضح الغني عن البيان، ما وصلت إليه حالة المسلمين، ولا سيَّما في هذه القرون الأخيرة، مِن الضعف والسقوط والذلَّة، وتحكُّم الأجانب بهم، واستعبادهم، واستملاك أراضيهم وديارهم، وجعلهم خولاً وعبيداً، يستعملونهم كاستعمال البهائم في مصالحهم، ويستغلُّونهم بوضع الأغلال في أعناقهم، إلى ما فوق ذلك مِن الهوان، والخسران، ممَّا لا يُحيط به وصف واصف، ولا يستطيع تصويره ريشة مصوُّر، كلُّ ذلك جلي وواضح..

وإنَّ السبب الوحيد هو: تفرُّق المسلمين، وتباغضهم، وتعاديهم، وسعي كلِّ طائفة منهم لتكفير الأُخرى، فإذا اعتقدوا كفرهم لا محالة يسعون في هلاكهم وإبادتهم، وما هو إلاَّ الجهل المطبق، والعصبية العمياء.

فالجهل يمدُّهم، ويطغيهم، ومكائد الأجنبي المستعبد تشدُّهم، وتُغريهم، وقد أفاضت أقلام الأعلام والخُطباء وطفحت الصحف والمؤلفات في هذا الموضوع، حتَّى أُوشك أنْ يكون في الأحاديث التي صار يمجُّها الطبع وينبو عنها السمع؛ لأنَّ الطبع موكل بمعاداة المعادات، وكراهة المُكررات (1) .

____________________

(1) أصل الشيعة وأصولها ص 22 ط القاهرة عام 1377 هـ.



التقيَّة

عند الشيعة الإماميَّة

(مَن لا تقيَّة له لا دين له)

الإمام الصادق (عليه السلام)


التقيَّة في نظر الشيعة والسنَّة

أسباب نشوء التقيَّة

هي: أنَّ السلطة الحاكمة قد صادرت حريَّة الرأي، والعقيدة وتذرَّعت بالتنكيل، والخشونة فالتجأ المسلمون إلى إبطان عقيدتهم حفاظاً على أنفسهم، ومذهبهم.

فإن كانت التقيَّة تعدُّ جريمة فهي مِن فعل السياسات الحاكمة آنذاك.

والتقيَّة: إيمان صحيح، وقانون طبيعي في ظلِّ السلطات الجائرة.

عقيدة الشيعة الإمامية في التقيَّة

قال العلاَّمة الكبير الشيخ محمد رضا المظفر (1) :

____________________

(1) هو: الشيخ محمد رضا بن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله آل المظفر النجفي. عالم جليل وأديب بارع.

ولِد في النجف الأشرف في الخامس مِن شعبان سنة (1323) هـ، بعد وفاة والده بستة أشهر، فكفله أخواه الشيخ عبد النبي، والشيخ محمد حسن، فنشأ عليهما وتعلَّم المبادئ، وقرأ مقدِّمات العلوم على بعض الأفاضل، ثمَّ حضر في الفقه والأُصول على الميرزا محمد حسين


روي عن صادق آل البيت (عليهم السلام) في الأثر الصحيح:

(التقيَّة ديني ودين آبائي) و(مَن لا تقيَّة له لا دين له). وكذلك هي:

لقد كانت التقيَّة شعاراً لآل البيت (عليهم السلام) دفعاً للضرر عنهم، وعن أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمَّاً لشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها الاماميَّة دون غيرها مِن الطوائف والأُمم، وكلُّ إنسان إذا أحسَّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر مُعتقده، أو التظاهر به لا بدَّ أنْ يتكتَّم، ويتَّقي مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضية فطرة العقول.

مِن المعلوم أنَّ الإمامية وأئمتهم لاقوا مِن ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرِّياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيَّة طائفة، أو أُمَّة أُخرى، فاضطرُّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقيَّة بمكانة المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المُختصَّة بهم عنهم؛ لما كان يعقب ذلك مِن الضّرر في الدنيا.

ولهذا السبب امتازوا (بالتقيَّة) وعُرفوا بها دون سواهم.

وللتقيَّة أحكام مِن حيث وجوبها وعدم وجوبها، بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيَّة.

وليست هي بواجبة على كلِّ حال، بلْ قد يجوز، أو يجب خلافها في بعض الأحوال، كما إذا كان في إظهار الحقِّ، والتظاهر به نصرة

____________________

النائيني، والشيخ ضياء الدين العراقي، وعمدة استفادته مِن أخيه الشيخ محمد حسن المذكور، وحضر - أيضاً - في الفلسفة على الشيخ محمد حسين الأصفهاني عدَّة سنين، وأضاف إلى دراسة العلوم الدينية، العلوم الرياضية، ومبادئ العلوم الطبيعية، على الطريقة الحديثة.. وأسَّس (جمعيَّة منتدى النشر) عام (1354 هـ) وانتُخب لرئاستها مِن سنة (1357) هـ وجُدِّد انتخابه في كلِّ دورة. وله آثار علميَّة جيَّدة طبع منها: السقيفة، المنطق، عقائد الشيعة، أصول الفقه وغيرها. توفِّي في عام (1383هـ). (طبقات أعلام الشيعة: نقباء البشر في القرن الرابع عشر 1| 372، 373).


للدين، وخدمة للإسلام، وجهاد في سبيله، فإنَّه يُستهان بالأموال، ولا تعزُّ النفوس.

وقد تحرم التقيَّة في الأُمور التي تستوجب قتل النفوس المحترمة، أو رواجاً للباطل، أو فساداً في الدين، أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم، أو بإفشاء الظلم والجور فيهم (أو السبب بتفريقهم، وتمزيق شملهم).

وعلى كلِّ حال، ليس معنى التقيَّة عند الإمامية أنَّها تجعل منهم جماعة سرِّية لغاية الهدم والتخريب، كما يُريد أنْ يُصوِّرها بعض أعدائهم غير المتورِّعين في إدراك الأُمور على وجهها، ولا يكلِّفون أنفسم فَهْم الرأي الصحيح عندنا.

كما أنَّه ليس معناها أنَّها تجعل الدين، وأحكامه سرَّاً مِن الأسرار، لا يجوز أنْ يذاع لمَن لا يدين به، كيف وكتب الإمامية، ومؤلفاتهم فيما يخصُّ الفقه والأحكام، ومباحث الكلام، والمعتقدات قد ملأت الخافقين، وتجاوزت الحدَّ الذي ينتظر مِن أيَّة أُمَّة أنْ تدين بدينها!

بلى: إنَّ عقيدتنا في التقيَّة قد استغلَّها مَن أراد التشنيع على الإمامية (1) فجعلوها مِن جملة المطاعن فيهم، وكأنَّهم كان لا يشفي غليلهم إلاَّ أنْ تُقدَّم رقابهم إلى السيوف لاستئصالهم عن آخرهم في تلك العصور، التي يكفي فيها أنْ يُقال: هذا رجل شيعي ليلاقي حتفه على يد أعداء آل البيت مِن الأُمويين والعباسيين بلْ العثمانيّين.

____________________

(1) نظراء أحمد أمين المصري صاحب فجر الإسلام. محب الدين الخطيب صاحب الخطوط العريضة، محمد مال الله البحريني صاحب الشيعة، وتحريف القرآن وما شاكلهم مِن العلماء في العصر الحاضر: إحسان إلهي ظهير الباكستاني، وإبراهيم الجبهان الوهابي وعبد الله محمد الغريب المصري وغيرهم مِن أدعياء الإسلام.


وإذا كان طعن مَن أراد أنْ يطعن يستند إلى عدم زعم مشروعيتها مِن ناحية دينية فإنَّا نقول له:

أوَّلاً: إنَّنا متّبعون لأئمتنا (عليهم السلام)، ونحن نهتدي بهداهم، وهم أمرونا بها، وفرضوها علينا وقت الحاجة، وعندهم مِن الدين، وقد سمعت قول الصادق (عليه السلام): (مَن لا تقيَّة له لا دين له).

وثانياً: قد ورد تشريعها في القرآن الكريم ذلك قوله تعالى:

( ... إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ... ) النحل: الآية 106.

وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر، الذي التجأ إلى التظاهر بالكفر؛ خوفاً مِن أعداء الإسلام وقوله تعالى: ( ... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً... ) . وقوله تعالى: ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ... ) (المؤمن: 28) (1) .

* * *

____________________

(1) عقائد الإمامية ص 72، 74 طبعة مصر عام 1377 هـ مطبعة نور الأمل شارع القلعة بالقاهرة.



التقيَّة

في نظر علماء السنَّة


التقية في نظر علماء السنَّة

1- قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ( ... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً... ) .

(المسألة الرابعة): اعلم أنَّ للتقيَّة أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها:

الحكم الأول: إنَّ التقيَّة إنَّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار، ويخاف منهم على نفسه، وماله فيداريهم باللسان، وذلك بأنْ لا يظهر العداوة بالّلسان، بل يجوز أيضاً أنْ يظهر الكلام المُوهم للمحَّبة والموالاة، ولكنْ بشرط أنْ يُضمر خلافه وأنْ يُعرض في كلِّ ما يقول، فإنَّ للتقيَّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب...

الحكم الرابع: ظاهر الآية يدل أنَّ التقيَّة إنَّما تحلُّ مع الكفَّار الغالبين، إلاَّ أنَّ مذهب الشافعي (رضي الله عنه): أنَّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلَّت التقيَّة محاماة على النّفس.

الحكم الخامس: التقيَّة جائزة لصون النّفس، وهل هي جائزة


لصون المال؟ يُحتمل أنْ يحكم فيها بالجواز لقوله (صلى الله عليه وسلم): (حرمة مال المسلم كحرمة دمه).

ولقوله (صلّى الله عليه وسلم): (مَن قُتل دون ماله فهو شهيد) (1) .

2- وقال الزمخشري في تفسيره:

في تفسير قوله تعالى: ( ... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً... ) : رخَّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء، وانتظار زوال المانع مِن قشر العصا، وإظهار الطرية... (2) .

3- وقال الخازن في تفسيره:

التقيَّة لا تكون إلاَّ مع خوف القتل، مع سلامة النيَّة، قال الله تعالى: ( ... إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ... ) (60| 106). ثمَّ هذه التقيَّة رخصة... الخ (3) .

4- وقال النسفي في تفسيره:

( ... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً... ) (3 | 28). إلاَّ أنْ تخافون جهتهم أمراً يجب اتِّقاؤه، أي ألاَّ يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك، فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة، وإبطان المعاداة (4) .

____________________

(1) انظر: تفسير الفخر الرازي: 8| 13 طبعة دار الفكر عام 1401هـ.

(2) تفسير الكشاف: 1| 422، تفسير غريب القرآن للنيسابوري 3 | 178 بهامش تفسير الطبري طبع بولاق.

(3) تفسير الخازن: 1| 277.

(4) تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن: 1 |277 طبع مصر.


5- وقال الخطيب الشربيني في تفسيره:

( ... إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ... ) ، أيْ على التلفُّظ بالكفر فتلفَّظ به ( ... وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ... ) فلا شيء عليه؛ لأنَّ محل الإيمان هو القلب... (1) .

6- وقال النيسابوري في تفسيره:

( ... فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ... ) ، قيل: في الآية دليل على أنَّ التقية جائزة عند الخوف؛ لأنَّه علَّل إظهار هذه الشرايع بزوال الخوف مِن الكفار (2) .

7- وقال الزمخشري في تفسيره:

روي أنَّ أناساً مِن أهل مكَّة فُتنوا فارتدُّوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم مَن أُكره، وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو مُعتقد للإيمان. منهم عمار بن ياسر، وأبواه: ياسر، وسمية، وصهيب، وبلال، وخباب، عذِّبوا...

فأمَّا عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً... الخ (3)

8- وقال إسماعيل حقِّي في تفسيره:

( ... إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ... ) أُجبِر على ذلك التلفظ بأمر يخاف على نفسه، أو على عضو مِن أعضائه...؛ لأنَّ الكفر اعتقاد، والإكراه على القول دون الاعتقاد، والمعنى: لكنَّ المكره على الكفر باللسان ( ... وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ... ) لم تتغير عقيدته. وفيه دليل على أنَّ الإيمان المنجي المعتبر عند الله هو التصديق بالقلب (4) .

____________________

(1) تفسير السراج المنير: 2| 263.

(2) تفسير غرائب القرآن: 3 |178 بهامش تفسير الطبري.

(3) الكشاف عن حقائق التنزيل 2| 430 ط مصر.

(4) روح البيان 5 |84.


9- وقال الطبري في تفسيره:

( ... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً... ) قال أبو العالية:

التقيَّة باللسان، وليس بالعمل. حديث عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحّاك يقول في قوله: ( ... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً... ) قال: التقيَّة باللسان مِن حمل على أمر يتكلَّم به وهو لله معصية، فتكلَّم مخافة على نفسه (وقلبه مطمئن بالإيمان) فلا إثم عليه. إنَّما التقيَّة باللسان (1) .

10- وقال الحافظ ابن ماجة:

والإيتاء: معناه: الإعطاء: أيْ وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقيَّة، والتقيَّة في مثل هذه الحال جائزة لقوله تعالى: ( ... إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ... ) (2) .

11- وقال القرطبي في تفسير هذه الآية (3) : وقال الحسن: التقيَّة جائزة للإنسان إلى يوم القيامة (4) .

وقال القرطبي: أجمع أهل العالم على أنَّ مَن أُكره على الكفر حتَّى خشي على نفسه القتل، أنَّه لا إثم عليه، إنْ كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر. هذا قول مالك والكوفيين والشافعي. (الجامع لأحكام القرآن: 10| 182 ط: دار الكتب المصرية بالقاهرة).

____________________

(1) جامع البيان: 3| 153 طبعة أولى ببولاق مصر.

(2) سنن ابن ماجة: 1 | 53 شرح حديث رقم 150 ط مصر تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

(3) سورة آل عمران: الآية 28.

(4) الجامع لأحكام القرآن: 4 | 57.


12- وقال الآلوسي في تفسير هذه الآية (1) :

وفي الآية دليل على مشروعية التقيَّة، وعرَّفوها بمحافظة النفس، أو العرض، أو المال مِن شرِّ الأعداء، والعدو قسمان:

الأوَّل: مَن كانت عداوته مبنيَّة على اختلاف الدين كالكافر والمسلم.

والثاني: مَن كانت عداوته مبنيَّة على أغراض دنيويَّة، كالمال والمتاع والملك والإمارة. (روح المعاني: 3 |121 ط إدارة المطبعة المنيرية بمصر).

13- وقال جمال الدين القاسمي: ومِن هذه الآية ( ... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً... ) :

استنبط الأئمة مشروعية التقيَّة عند الخوف، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه: (إيثار الحق على الحق) فقال ما نصه:

وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران:

أحدهما: خوف العارفين - مع قلَّتهم - مِن علماء السوء، وسلاطين الجور، وشياطين الخلق، مع جواز التقيَّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً مِن إظهار الحق، ولا برح المُحق عدوَّاً لأكثر الخلق، وقد صح عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنّه قال: في ذلك العصر الأول حفظت مِن رسول الله (ص) دعاءين، فأمَّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمَّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. (محاسن التأويل 4| 82 ط مصر).

14- وقال المراغي:

( ... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً... ) :

____________________

(1) سورة آل عمران: الآية 28.


أي ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال، إلاّ في حال الخوف مِن شيء تتقونه منهم، فلكم حينئذ أنْ تتَّقوهم بقدر ما يُتَّقى ذلك الشيء، إذ القاعدة الشرعية: (إنَّ درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح).

وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر، فأولى أنْ تجوز لمنفعة المسلمين، وإذاً فلا مانع مِن أنْ تُحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأُولى، إمَّا بدفع ضرر، أو جلب منفعة، وليس لها أنْ تواليها في شيء يضرُّ المسلمين، ولا تختص هذه الموالاة بحال الضعف، بلْ هي جائزة في كلِّ وقت.

وقد استنبط العلماء مِن هذه الآية جواز التقيَّة بأنْ يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحق؛ لأجل التوقِّي مِن ضرر مِن الأعداء يعود إلى النفس، أو العرض، أو المال.

فمَن نطق بكلمة الكفر مكرهاً، وقاية لنفسه مِن الهلاك، وقلبه مطمئن بالإيمان، لا يكون كافراً بلْ يُعذر، كما فعل عمار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر، فوافقها مُكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، وفيه نزلت الآية: ( مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ... ) ...

ثمَّ قال المراغي:

ويدخل في التقيَّة مداراة الكفرة، والظلمة، والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسُّم في وجوههم، وبذل المال لهم؛ لكفِّ أذاهم، وصيانة العرض منهم، ولا يعدُّ هذا مِن الموالاة المنهي عنها، بلْ هو مشروع؛ فقد أخرج الطبراني قوله (صلّى الله عليه وسلم): (ما وقى به


المؤمن عرضه فهو صدقة) (1)

____________________

(1) تفسير المراغي: 3| 136 - 137 ط مصر.


عقيدة الشيعة الإمامية في الصحابة

تمهيد

إنَّ موضوع الحديث عن عقيدة الشيعة في الصحابة، هو أهم موضوع نُريد أنْ نتحدَّث عنه، وكان بودِّنا التجنُّب عن ذلك، ولكن مِن شرط هذا الكتاب هو التعرُّض لكل ما له علاقة بمذهب أهل البيت، وسائر المذاهب، فإنَّ هذه المسألة مِن أهمِّ المسائل، التي كانت ذريعة لمعارضة مذهب أهل البيت وانتشاره. فقد نسبوا إلى الشيعة ما لا يتَّفق مع الواقع في اعتقادهم حول الصحابة. وتقوَّلوا عليهم: بأنَّهم (أي الشيعة) يُكفِّرون جميع الصحابة - والعياذ بالله - وأنَّهم لا يعتمدون على أحاديثهم، ويطعنون فيهم إلى غير ذلك.

وجعلوا ذلك أساساً لقاعدة بنوا عليها الحكم بالزندقة، وحلَّية إراقة الدماء، فقالوا: مَن طعن في الصحابة فقد طعن على رسول الله (ص)، ومَن طعن على رسول الله فهو زنديق.

وقالوا: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً مِن أصحاب محمد فاعلم أنَّه زنديق.

وجعلوا الخوض فيما جرى بين الصحابة، وحريَّة الرأي في مُناقشتهم هو انتقاص لهم.


فلندرس هذا الموضوع بدقَّة، ورجاؤنا معقود على إيلاء هذه الدراسة جلَّ عنايتها، وإعطائها وجهة النظر بصورة خاصة؛ لأنَّ اتِّهام الشيعة بسبِّ الصحابة، وتكفيرهم أمر عظيم، ومعضلة شديدة، اتخذها خصوم أهل البيت وسيلة للقضاء على مبادئهم، وانتشار مذهبهم، عندما بانَ عجزهم عن اللحوق بهم، وقد تدخَّل الدخلاء وأعداء الإسلام في اتساع شُقَّة الخلاف بين صفوف الأُمَّة؛ ليجدوا طريقهم لبثِّ آرائهم الفاسدة، حتَّى أصبح مِن المُقرّر في تلك العصور تكفير الشيعة، وإبعادهم عن ذلك المجتمع، كلُّ ذلك مبعثة آراء السلطة وأغراضها التي قضت على الأُمَّة بكبت الشعور، وكمِّ الأفواه وسلب الأفراد حريَّة الرأي؛ لأنَّ الجمود الفكري هو الذي يخدم مصالحهم، عندما حاولوا ربط العقائد بالدولة، وإناطة الآراء بما تراه السلطة لا غير، وفرضوا ربط التعليم بهم، وضربوا سلطانهم على بعض العلماء ووجّهوهم حيث شاءت إرادتهم، إلى غير ذلك مِن المحاولات التي كانوا يقصدون بها القضاء على أهل البيت ومعارضة مذهبهم، ولكنْ شاء الله أنْ تذهب تلك المحاولات أدراج الرياح.

ويبقي ذكر أهل البيت على مرِّ الدهور والأعوام، ولم تقف تلك الدعايات الكاذبة والتُّهم المُفتعلة أمام انتشاره، وإن اتهام الشيعة بسبِّ الصحابة وتكفيرهم أمر عظيم، حاول خصومهم فيه تشويه سمعتهم؛ لأنَّهم خصوم الدولة وأنصار أهل البيت، ونحن لا نُريد أنْ نُرغم خصوم الشيعة على الاعتراف بالأخطاء، التي ارتكبوها في تعبيرهم عنهم بعبارات التهجُّم، التي تشمئزُّ منها النفوس، وتنفر منها الطباع.

ولا نريد منهم أنْ يُغالطوا أنفسهم في مجاراتهم للأوضاع الحاضرة، ولا نريد منهم أنْ يتركوا الخطأ الذي وقفوا عليه في زاوية الإهمال، ولا إسدال الستر على العيوب، التي عثروا عليها في المجتمع الشيعي. والنقص الذي لمسوه.


ولكنَّا نريد منهم أنْ لا يكذبوا، أو يتقوَّلوا.

ونريد منهم أنْ يتحرَّروا مِن تقليد أقوام أعمتهم المادة، وأخضعتهم السلطة، فحملتهم على الافتعال، والأكاذيب.

ونريد منهم أنْ يُصرِّحوا بلغة العلم والمنطق الصحيح، عن الأُمور التي استوجبت أنْ يرتكبوا بحقِّ الشيعة ما ارتكبوه، وليحاسبوا أنفسهم قبل يوم الحساب، إنْ أهملوا محاسبة الوجدان، والضمير الحُرِّ.

ونريد منهم أنْ يصرحوا لنا عن نقاط الضعف، التي وقفوا عليها فيما تدَّعيه الشيعة فأباحت لهم ذلك التهجُّم، وليقولوا بكلِّ صراحة فإنَّا نتقبَّل قول الحق.

ولا يُهمُّ الشيعة أقوال أهل التهريج والهوس، ولا يعبأون بأقلام المستأجرين مِن قِبَل أعداء الإسلام، الذين عظم عليهم انتشاره، وأخضعهم بقوَّة برهانه، وأعطوه الجزية عن يد وهم صاغرون، فالتجأوا إلى لغة الدسِّ والخيانة.

ونريد منهم أنْ يتنبَّهوا رويداً إلى التباين بين ما يدَّعونه أو يفتعلونه على الشيعة وبين الواقع.

ونريد مِن الباحث أنْ يتحرَّى ببحثه الدقَّة والتمحيص، وأنْ يتثبَّت قبل الحكم، وأنْ يعرف الخطر الذي ينجم مِن وراء ذلك، فقد بلغ الأمر إلى أشدِّ ما يكون مِن الخطورة.

ومِن المؤلم أنْ تُروَّج هذه الدعايات المغرضة، أو الأكذوبة الكبرى، فتُصبح مِن الأُمور المسلَّمة بها لا تحتاج إلى نقاش.

والواقع أنَّ اتِّهام الشيعة كان سياسيّاً قائماً على مخالفة الواقع، وإنكار الحقائق، والجهل الفاضح.


الشيعة والصحابة:

نحن أمام مشكلة كبرى، وقف التاريخ أمامها ملجماً، واختفت الحقيقة فيها وراء رُكام مِن الادعاءات الكاذبة، والأقوال الفارغة، فالتوت الطرق الموصلة إليها. كما أُثيرت حولها زوابع مِن المشاكل والملابسات، ولم تعالج القضيّة بدراسة علميّة، ليبدو جوهر المسألة واضحاً وتظهر الحقيقة كما هي.

وعلى أيِّ حال، فقد تولَّع كثير مِن المؤرخين بذمِّ الشيعة، ونسب أشياء إليهم بدون تثبُّت، فهم يكتبون بدون قيد أو شرط، ويتقوَّلون بدون وازع ديني أو حاجز وجداني، وقد اتسعت صدور الشيعة لتحمُّل أقوالهم، بلْ تقوُّلاتهم كما اتسعت سَلَّة المهملات لقبر شخصيَّاتهم، وترفَّعوا عن المقابلة بالمثل.

وإنَّ أهمَّ تلك التُّهم هي مسألة الصحابة وتكفيرهم (والعياذ بالله)، ممَّا أوجب أنْ يُحكم عليهم بالكفر والخروج عن الإسلام كما يأتي بيانه.

قال السيد شرف الدين: (إنَّ مَن وقف على رأينا في الصحابة علم أنّه أوسط الآراء؛ إذ لم نُفرِّط فيه تفريط الغُلاة الذين كفَّروهم جميعاً، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثَّقوهم جميعاً، فإنَّ الكاملية ومَن كان في الغلوِّ على شاكلتهم قالوا: بكفر الصحابة كافَّة.

وقال أهل السنَّة بعدالة كلِّ فرد ممَّن سمع النبي أو رآه مِن المسلمين مطلقاً، واحتجُّوا بحديث (كلُّ مَن دبَّ، أو درج منهم أجمعين أكتعين) .

أمَّا نحن، فإنَّ الصحبة بمجرَّدها - وإنْ كانت عندنا فضيلة جليلة لكنَّها - بما هي مِن حيث هي غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم مِن الرجال، فيهم العدول وهم عظماؤهم وعلماؤهم، وفيهم البغاة، وفيهم أهل


الجرائم مِن المنافقين، وفيهم مجهول الحال، فنحن نحتجُّ بعدولهم. ونتولاَّهم في الدنيا والآخرة.

أمَّا البغاة على الوصيِّ، وأخي النبي (صلّى الله عليه وآله)، وسائر أهل الجرائم، كابن هند، وابن النابغة، وابن الزرقاء، وابن عقبة، وابن أرطأة، وأمثالهم، فلا كرامة ولا وزن لحديثهم، ومجهول الحال نتوقَّف فيه حتَّى نتبيَّن أمره.

هذا رأينا في حملة الحديث مِن الصحابة والكتاب والسنَّة، بنينا على هذا الرأي، كما هو مفصَّل في مظانِّه مِن أصول الفقه.

لكنَّ الجمهور بالغوا في تقديس كلِّ مَن يُسمونه صحابيَّاً، حتَّى خرجوا عن الاعتدال، فاحتجُّوا بالغثِّ منهم والسمين، واقتدوا بكلِّ مسلم سمع مِن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو رآه اقتداء أعمى، وأنكروا على كلِّ حدٍّ مِن الحدود، وما أشدَّ إنكارهم علينا حين يروننا نردَّ حديث كثير مِن الصحابة، مُصرِّحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال، عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينيَّة، والبحث عن الصحيح مِن الآثار النبويَّة.

وبهذا ظنُّوا بنا الظنونا، فاتَّهمونا رجماً بالغيب، وتهافتاً على الجهل، ولو ثابت إليهم أحلامهم، ورجعوا إلى قواعد العلم، لعلموا أنَّ أصالة العدالة في الصحابة ممَّا لا دليل عليها، ولو تدبَّروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحوناً بذكر المنافقين منهم. وحسبُك منه سورة التوبة والأحزاب (1) .

____________________

(1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1| 589 - 592 ط بيروت.


درجات الصحابة

لم يكنْ الصحابة طرازاً واحداً في الفقه والعلم، ولا نمطاً متساوياً في الإدراك والفهم، وإنَّما كانوا في ذلك طبقات متفاوتة، ودرجات متباينة، شأن الناس جميعاً في هذه الحياة على مرَّ الدُّهور:

(سنَّة الله في خلقه ولن تجد لسنَّة الله تبديلاً) .

قال ابن خلدون في مقدِّمته:

(إنَّ الصحابة كلَّهم لم يكونوا أهل فتيا، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، وإنَّما كان مُختصَّاً بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمه، وسائر دلالته، بما تلقَّوه مِن النبي (صلّى الله عليه وسلم)، أو ممَّن سمعه منهم، وعن عُلِّيَّتهم، وكانوا يُسمَّون لذلك (القرَّاء)، أي الذين يقرأون الكتاب؛ لأنَّ العرب كانوا أُمَّة أُمِّيَّة، فاختصَّ مَن كان منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ، وبقي الأمر كذلك صدر الملَّة).

وعن محمد بن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه (1) قال:

(كان الذين يُفتون على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاثة نفر مِن المهاجرين، وثلاثة نفر مِن الأنصار، عمر وعثمان وعليّ، وأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت).

وعن عبد الرحمان بن القاسم عن أبيه: أنَّ أبا بكر الصدِّيق (رضي الله عنه) كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي، دعا رجالاً مِن المهاجرين، والأنصار، دعا عمر وعثمان وعليّاً، وعبد الرحمان بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت.

وكلُّ هؤلاء كان يُفتي في خلافة أبي بكر، وإنَّما تصير فتوى الناس

____________________

(1) طبقات ابن سعد 4|167.


إلى هؤلاء، فمضى أبو بكر على ذلك، ثمَّ ولَّى عمر فكان يدعو هؤلاء النفر.

وفي مسلم: عن مسروق قال:

(شاممت أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) فوجدت علمهم انتهى إلى ستَّة:

إلى عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ (1) وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، فشاممت هؤلاء الستَّة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله) (2) .

وروى ابن القيم في أعلام الموقعين عن مسروق قال:

(جالست أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا كالإخاذة، الإخاذة تروي الراكب، والإخاذة تروي الراكبين، والإخاذة لو نزل بها أهل الأرض لأصدرهم، وإنَّ عبد الله مِن تلك الإخاذة).

وروى البخاري ومسلم عن النبي قال:

(إنَّ مَثل ما بعثني به الله مِن الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فكان منها نقية (3) قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب بها طائفة أُخرى، إنَّما هي قِيعان لا تمسك ماء ولا تُنبت كلأ).

وعن عامر قال:

(كان علماء هذه الأُمَّة بعد نبيِّها ستَّة:

عمر، وعبد الله، وزيد بن ثابت. فإذا قال عمر قولاً، وقال هذان

____________________

(1) رواية ابن القيم في أعلام الموقعين، وابي بن كعب بدل معاذ.

(2) هو عبدالله بن مسعود.

(3) وفي رواية طائفة طيبة. ارجع في هذه الأخبار كلها إلى طبقات ابن سعد 2ق | 109 - 110.


قولاً، كان قولهما لقوله تبعاً، وعليّ، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، فإذا قال علي قولاً، كان قولهما لقوله تبعاً).

وقال: (قضاة هذه الأُمَّة أربعة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى الأشعري.

ودهاة هذه الأُمَّة أربعة: عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وزياد).


تفاوت الصحابة في صدق الرواية

فبعضهم أصدق مِن بعض

صدَّق عمر عبد الرحمان بن عوف وقال له: أنت عندنا العدل الرضا.

قال الذهبي في شرح الخبر: فأصحاب رسول الله، وإنْ كانوا عدولاً، فبعضهم أعدل مِن بعض، فها هنا عمر قنع بخبر عبد الرحمان، وفي قصة الاستئذان يقول لأبي موسى الأشعري:

ائت بمَن يشهد معك (1) .

رواية الصحابة بعضهم عن بعض وروايتهم عن التابعين

ليس كلُّ ما جاء مِن الأحاديث عن الصحابة ممَّا رووه عن رسول الله، ودوِّن في الكتب، قد سمعوه كلَّه بآذانهم مِن النبي (صلوات الله عليه) مشافهة، ولا أخذوه عنه تلقيناً، وإنَّما كان يروي بعضهم عن بعض، فمَن لم يسمع مِن الرسول، كان يأخذ ممَّن سمع منه (صلّى الله

____________________

(1) سير أعلام النبلاء للذهبي: 1|48، راجع ص 58.


عليه وسلم)، وإذا رواه غيره لم يعزُه إلى الصحابي الذي تلقَّاه عنه - بلْ يرفعه إلى النبي بغير أن يذكر اسم هذا الصحابي - ذلك أنَّ مجالس الرسول كانت متعدِّدة، وتقع في أزمنة وأمكنة مختلفة، ولا يمكن أنْ يحضر الصحابة جميعاً كلَّ مجلس مِن مجالسه، فما يحضره منها بعض الصحابة لا يحضره البعض الآخر.

وقد ذكر الآمدي في كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) (1):

أنَّ ابن عباس لم يسمع مِن رسول الله سوى أربعة أحاديث لصغر سنِّه، ولمَّا روى عن النبي (صلّى الله عليه وسلم): (إنَّما الربا في النسيئة) ، وأنَّ النبي (صلّى الله عليه وسلم) لم يزل يُلبِّي حتَّى رمي حجر العقبة، قال في الخبر الأول لمَّا روجع فيه قال:

أخبرني به أسامة بن زيد، وفي الخبر الثاني: أخبرني به أخي الفضل بن العباس. ولمَّا روى أبو هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وسلم) أنَّه قال: (مَن أصبح جنباً في رمضان فلا صوم له) ، راجعوه في ذلك فقال:

ما أنا قلته وربِّ الكعبة، ولكن محمداً قاله! ثمَّ عاد فقال: حدَّثني به الفضل بن العباس (2) .

وروي عن البراء بن عازب قال: (ما كلُّ ما نُحدِّثكم به سمعناه مِن رسول الله (صلّى الله عليه

____________________

(1) ص 178- 180 ج 2. وقال ابن القيم في (الوابل الصهيب): إنَّ ما سمعه ابن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وسلم) لم يبلغ العشرين حديثاً. وعن أبن معين، والقطان، وأبي داود. وفي السنن أنَّه روى تسعة أحاديث، وذلك لصغر سنِّه، ومع ذلك فقد أسند له أحمد في مُسنده 1696 حديثاً.

(2) لهذا الحديث قصة شائقة تقرؤها في تاريخ أبي هريرة الذي طبعناه باسم (شيخ المضيرة) مرَّتين.


وسلم)! ولكنْ سمعنا بعضه، وحدَّثنا أصحابنا ببعضه).

وأمَّا التابعون: فقد كان مِن عادتهم إرسال الأخبار، ويدلُّ على ذلك ما روي عن الأعمش أنَّه قال:

قلت لإبراهيم النخعيّ: إذا حدَّثتني فأُسند (1) . فقال:

إذا قلت لك: حدَّثني فلان عن عبد الله فهو الذي حدَّثني، وإذا قلت: حدَّثني عبد الله، فقد حدَّثني جماعة عنه، وقد قال الآمدي بعد ذلك: ولم يزل ذلك مشهوراً فيما بين الصحابة والتابعين مِن غير نكير فكان إجماعاً (2) إهـ.

وكما كان الصحابة يروي بعضهم عن بعض، فإنَّهم كذلك كانوا يروون عن التابعين، وهذا أمر نصَّ عليه علماء الحديث في كتبهم فارجع إليه إنْ شئت.

وفي كلام ابن الصلاح وغيره في باب (رواية الأكابر عن الأصاغر) أنَّ ابن عباس والعبادلة الثلاثة وأبا هريرة وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار اليهودي، الذي أسلم خداعاً في عهد عمر، وعدُّوه مِن كبار التابعين ثمَّ سوَّده بعد ذلك على المسلمين. وهاك ما قاله السيوطي في ألفيَّته (3) :

وقد روى الكبار عن صغار

في السنِّ أو في العلم والمقدار

ومنه أخذ الصحب عن أتباع

وتابع عن تابع الأتباع

كالحبر عن كعب وكالزهري

عن مالك ويحيى الأنصاري

____________________

(1) الحديث المُسند ما اتَّصل سنده إلى منتهاه، وكان التابعون يتبعون في ذلك سبيل الصحابة فيما يروون مِن الأحاديث التي لم يسمعوها مِن النبي، وإنَّما تلقُّوها مِن إخوانهم، فإنَّهم كانوا لا يذكرون أسماء مَن تلقُّوا عنهم.

(2) ص 178- 180 ج 2.

(3) ص 237.


وقال شارح الألفية الشيخ أحمد محمد شاكر (رحمه الله):

ومِن هذا النوع رواية الصحابة عن التابعين، كرواية الحبر عبد الله بن عباس، وسائر العبادلة، وأبي هريرة، ومعاوية، وأنس وغيرهم عن كعب الأحبار!

على أنَّ الصحابة في روايتهم عن إخوانهم أو عن التابعين، لم يكونوا - كما رأينا - يذكرون أنَّ أحاديثهم قد جاءت مِن سبيل الرواية عن غيرهم، بلْ يروون ما يروون في المناسبات التي تستدعي ذكر الحديث مهما طال الزمن مِن غير عزو إلى مَن سمعوا منه ثقة بهم، ويرفعونها إلى النبي، وظلُّوا على ذلك إلى أنْ وقعت الفتنة، ومِن ثمَّ قالوا: سمُّوا لنا رجالكم!

قال ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمَّا وقعت الفتنة (3) قالوا: سمُّوا لنا رجالكم.

وأخرج مسلم عنه: لقد أتى على الناس زمان، وما يسأل عن إسناد حديث، فلمَّا وقعت الفتنة، سُئل عن إسناد الحديث..

في سُنن الترمذي عنه: كانوا في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد! فلمَّا وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد، إنَّ الرجل ليحدِّثني فما اتَّهمه، ولكنْ أتَّهم مَن هو فوقه.

وقد روى التابعون عن (تابعي التابعين)، ومِن رواية التابعين عن تابعي التابعين... رواية الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك وهو تلميذها.

ومِن الطريف للفطن كما قال السيوطي في ألفيَّته:


أنْ يروي الصحابي عن تابعي، عن صحابي آخر حديثاً ومِن ذلك حديث السائب بن يزيد الصحابي، عن عبد الرحمان بن عبد القاري التابعي، عن عمر بن الخطاب، عن النبي (صلّى الله عليه وسلم):

(مَن نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين الصلاتين: الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنَّما قرأه في الليل) رواه مسلم في كتابه.

ومِن ذلك حديث: (لا يستوي القاعدون) .

وقد جمع الحافظ العراقي مِن ذلك عشرين حديثاً.

نقد الصحابة بعضهم لبعض

لم يقف الأمر بالصحابة عند تشديدهم في قبول الأخبار مِن إخوانهم في الصحبة كما أسلفنا، ولكنَّه تجاوز ذلك إلى أنْ ينقد بعضهم بعضاً.

ولقد كان عمر، وعلي، وعثمان، وعائشة، وابن عباس، وغيرهم مِن الصحابة، يتصفَّحون على إخوانهم في الصحبة، ويشكُّون في بعض ما يروونه عن الرسول، ويردُّونه على أصحابه.

عن محمود بن الربيع - وكان ممَّن عقل عن رسول الله وهو صغير - أنَّه سمع عثمان بن مالك الأنصاري، وكان ممَّن شهد بدراً، أنَّ رسول الله قال:

(إنَّ الله حرَّم النار على مَن قال: لا إله إلا الله يبغي بها وجه الله) ، وكان الرسول في دار عتبان، فحدَّثها قوماً فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله، فأنكرها على (أبو أيوب) وقال: والله ما أظنُّ رسول الله قد قال ما قلت!


وقد استدلَّت المرجئة (1) بهذا الحديث ونحتوه على مذهبهم.

وردَّت عائشة حديث عمر، وابن عمر:

(إنَّ الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه) فقالت:

إنَّكم لتحدِّثون عن غير كاذبين ولكنْ السمع يُخطئ. والله، ما حدَّث رسول الله: أنَّ الله يعذب المؤمن ببكاء أهله عليه! وقالت:

حسبُكم القرآن ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى... ) .

وفي رواية أنَّها لمَّا سمعت أنَّ ابن عمر يحدِّث بهذا الحديث قالت:

  وهل! إنَّما قال: (إنَّه ليعذب بخطيئته، وذنبه، وإنَّ أهله ليبكون عليه).

وفي رواية ثالثة: إنَّه لم يَكذِب ولكنَّه نسي أو أخطأ. وقالت مثل قوله (ابن عمر):

إنَّ رسول الله قال - على القليب وفيه قتلى بدر مِن المشركين فقال -:

(إنَّهم ليسمعون ما أقول). وقالت: إنَّما قال:

إنَّهم الآن يعلمون أنَّ ما كنت أقوله لهم حقٌّ ثمَّ قرأت:

(إنَّك لا تُسمع الموتى. وما أنت بمُسمع مَن في القبور)حين تبوأوا مقاعدهم مِن النار. والحديثان في البخاري ومسلم وغيرهما.

وردَّت عائشة كذلك حديث رؤية النبي لربِّه ليلة الإسراء، الذي رواه الشيخان عن عامر بن مسروق الذي قال لعائشة: يا أمتاه: هل رأى محمد ربَّه؟ فقالت:

____________________

(1) المرجئة فرقة من كبار الفرق الإسلامية تقول. لا يضر مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة.


لقد قفَّ شعري ممَّا قلت! أين أنت مِن ثلاث؟ مَن حدَّثكم فقد كَذَب (1) :

مَن حدَّثك أنَّ محمداً رأى ربَّه فقد كَذَب، ثمَّ قرأت:

( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) .

( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ... ) .

ومَن حدَّثك أنَّه يعلم ما في غد فقد كَذَب، ثمَّ قرأت:

( ... وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً... ) .

ومَن حدَّثك أنَّه كتم شيئاً فقد كَذَب، ثمَّ قرأت:

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) .

وفي مسلم: وكنت متَّكئاً فجلست فقلت:

ألم يقل الله: ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) . فقالت:

أنا أول مَن سأل رسول الله عن هذا، فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربَّك؟ فقال:

(لا، أنا رأيت جبريل منهبطاً).

وفي حديث أبي ذر عن مسلم أنَّه سأل النبي عن ذلك.

فقال: (نور أنَّى أراه).

ولأحمد: (رأيت نوراً).

وردَّت خبر ابن عمر وأبي هريرة:

إنَّ الشؤم في ثلاث، فقال: إنَّما كان رسول الله يُحدِّث عن أحوال الجاهلية، وذلك لمُعارضته الأصل القطعي مِن: ( ... إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ... ) .

ولمَّا بلغها قول أبي الدرداء: مَن أدرك الصبح فلا وتر له. قالت:

____________________

(1) في مسلم: فقد أعظم على الله الفرية. وأحاديث الرؤية بلغت كما ذكر ابن القيم في (حادي الأرواح) ثلاثين حديثاً، والمرفوع منها أكثر مِن عشرين حديثاً، دَعْ الموقوف والآثار.


لا، كذب أبو الدرداء، كان النبي يُصبح فيوتر.

ولمَّا سمعت أنَّ ابن عمر قال:

اعتمر رسول الله عمرة في رجب، قضت عليه بالسهو، وقالت: عن أنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري:

ما علم أنس بن مالك وأبي سعيد بحديث رسول الله؛ وإنَّما كانا غلامين صغيرين!

وكانت عائشة تردُّ كلَّ ما روي مُخالفاً للقرآن، وتحمل رواية الصادق مِن الصحابة على خطأ السمع، أو سوء الفهم: وكَذَّب عمران بن حصين سمرة في حديث: أنَّ للنبي سكتتين في الصلاة عند قراءته.

والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد أتينا في تاريخ أبي هريرة بطائفة مِن الأحاديث التي انتقدوه فيها، وردُّوها عليه، فراجعها هناك (1) (*) .

____________________

(1) راجع كتاب شيخ المضيرة، الطبعة الثالثة لدار المعارف بمصر.

(*) أضواء على السنَّة المحمدية ص 68- 75، الطبعة الثالثة ط دار المعارف بمصر.


عدم تكفير القادح في أكابر الصحابة

قال الشيخ محمد الراغب:

الرابع مِن تلك الأبحاث (1) :

فقد كُفِّر الروافض، والخوارج بوجوه:

الأول: إنَّ القدح في أكابر الصحابة الذين شهد لهم القرآن، والأحاديث الصحيحة بالتزكية والإيمان، تكذيب للقرآن، وللرسول (عليه السلام)، حيث أثنى عليهم وعظَّمهم، فيكون كفراً.

قلنا: لا ثناء عليهم خاصة، أيْ لا ثناء في القرآن على واحد مِن الصحابة بخصوصه، وهؤلاء قد اعتقدوا أنَّ مَن قدحوا فيه ليس داخلاً في الثناء العام الوارد فيه، وإليه أشار بقوله: ولا هم داخلون فيهم عندهم، فلا يكون قدحهم تكذيباً للقرآن.

وأمَّا الأحاديث الواردة في تزكية بعض مُعيَّن مِن الصحابة والشهادة لهم بالجنة، فمِن قبيل الآحاد فلا يُكفَّر المسلم بإنكارها.

____________________

(1) أبحاث التكفير.


أو نقول: ذلك الثناء عليهم وتلك الشهادة مقيدان بشرط سلامة العاقبة، ولم يوجد عندهم، فلا يلزم تكذيبهم للرسول.

الثاني: الإجماع منعقد مِن الأُمَّة على تكفير مَن كفَّر عظماء الصحابة، وكلُّ واحد مِن الفريقين يُكفِّر بعض أولئك العظماء فيكون كافراً!!

قلنا: هؤلاء - أي مَن كفَّر جماعة مخصوصة مِن الصحابة - لا يُسلِّمون كونهم مِن أكابر الصحابة، وعظمائهم فلا يلزم كفره.

الثالث: قوله (صلّى الله عليه وسلم): (مَن قال لأخيه المسلم: يا كافر فقد باء به) أيْ بالكفر أحدهما.

قلنا: آحاد، وقد اجتمعت الأُمَّة على أنَّ إنكار الآحاد ليس كفراً (1) .

هل يجوز تكفير المسلم في الشريعة الإسلامية؟

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

( ... وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً... ) النساء: 94.

وقال ابن الأثير: ومنه الحديث (مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما)؛ لأنَّه إمَّا يصدق عليه أو يَكذِب، فإنَّ صدق فهو كافر، وإنْ كَذَب عاد إليه الكفر بتكفيره أخاه المسلم. (النهاية في غريب الحديث والأثر: 4| 185 مادة كفر).

وقال ابن القيم: في طرق أهل البدع الموافقون على أصول

____________________

(1) سفينة الراغب ص 50 طبع دار الطباعة العامرة الكائنة ببولاق القاهرة عام 1255هـ.


الإسلام، ولكنهَّم مختلفون في بعض الأصول كالخوارج، والمعتزلة، والقدرية، والرافضة... فهؤلاء أقسام:

أحدها: الجاهل المُقلِّد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر، ولا يُفسَّق، ولا تُردُّ شهادته... (1) .

وقال الشيخ محمد عبده: إنَّ مِن أصول الدين الإسلامي: البعد عن التكفير، وإنَّ ممَّا اشتهر بين المسلمين، وعُرف مِن قواعد أحكام دينهم، أنَّه إذا صدر قول قائل يحتمل الكفر مِن مئة وجه، ويحتمل الإيمان مِن وجه واحد حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر (2) .

ونقل الشيخ محمد راغب: عن الإمام أبي حامد الغزالي عن كتابه (التفرقة بين الإسلام والزندقة):

الوصيَّة أنْ تكفَّ لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، غير مناقضين لها، والمناقضة تجويزهم الكَذِب على الرسول بعذر، أو بغير عذر. إنتهى (3) .

وقال الإمام الغزالي: وكيف يقال لمَن آمن بالله واليوم الآخر، وعبد الله بالقول الذي يُنزَّه به، والعمل الذي يقصد به المتعبد لوجهه الذي يستزيد به إيماناً، ومعرفة له سبحانه ثمَّ يُكرمه الله تعالى على ذلك بفؤاد المزيد، ويُنيله ما شرف مِن المخِّ، ويُريه إعلام الرضى، ثمَّ يُكفِّره أحد بغير شرع، ولا قياس عليه، والإيمان لا يخرج عنه إلاَّ بنبذه وإطراحه، وتركه، واعتقاد ما لا يتمُّ الإيمان معه، ولا يحصل بمقارنته (4).

____________________

(1) الصواعق الإلهية للشيخ سليمان النجدي طبع استانبول عام 1979 م.

(2) الإسلام والنصرانية ص 55 طبع القاهرة.

(3) سفينة الراغب ص 43 طبع بولاق القاهرة عام 1255 هـ.

(4) الإملاء في إشكالات الأحياء ص 57 طبع مصر عام 1357 هـ.


وقال الشيخ سليمان النجدي أخو محمد بن عبد الوهاب:

إجماع أهل السنَّة: إنَّ مَن كان مُقرَّاً بما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وسلم) ملتزماً له، إنَّه وإنْ كان فيه خصلة مِن الكفر الأكبر، أو الشرك أنْ لا يكفَّر حتَّى تُقام عليه الحجَّة التي يُكفَّر تاركها، وإنَّ الحجَّة لا تقوم إلاَّ بالإجماع القطعي لا الظنِّي، وإنَّ الذي يقوم الحجَّة: الإمام، أو نائبه.

وإنَّ الكفر لا يكون إلاَّ بإنكار الضروريَّات مِن دين الإسلام كالوجود، والوحدانيَّة، والرسالة، أو بإنكار الأُمور الظاهرة كوجوب الصلاة.

وإنَّ المسلم المقرَّ بالرسول إذا استند إلى نوع شبهة تخفى على مثله لا يُكفَّر، وإنَّ مذهب أهل السنَّة والجماعة التحاشي عن تكفير مَن انتسب إلى الإسلام (1) .

وقال الشيخ محمد راغب:

قال صاحب (المواقف) في آخر الكتاب:

ولا نُكفِّر أحداً مِن أهل القبلة إلاَّ بما فيه نفي الصانع، القادر، العليم، أو شرك، أو إنكار ما علم مجيئه (صلّى الله عليه وسلم) به ضرورة، أو إنكار المُجمع عليه كاستحلال المُحرَّمات.

قال السيد في الشرح: التي أجمع على حرمتها، فإنَّ ذلك المُجمع عليه ممَّا علم ضرورة مِن الدين، فذاك ظاهر داخل فيما ذكره، وإلاَّ فإن كان أجماعاً ظنيَّاً فلا كفر بمخالفته، وإنْ كان قطعيّاً ففيه خلاف.

قال في المواقف:

وأمَّا ما عداه - أي ما عدا ما فيه نفي الصانع وما عطف عليه -

____________________

(1) الصواعق الإلهية ص 31 ط استانبول عام 1979 م.


فالقائل به مُبتدع غير كافر.

وقال أبو الحسن عليّ بن محّمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي في شرحه:

فإنَّ الشيخ أبا الحسن قال في أول كتاب: (مقالات الإسلاميّين):

اختلف المسلمون بعد نبيِّهم (عليه الصلاة والسلام) في أشياء: ضلَّل بعضهم بعضاً، وتبرَّأ بعضهم مِن بعض، فصاروا فرقاً متباينين إلاّ أن الإسلام يجمعهم، ويعمهم فهذا مذهبه، وعليه أكثر أصحابنا وقد نقل عن الشافعي أنَّه قال:

لا أرد شهادة أحد مِن أهل الأهواء، إلاَّ الخطابية فإنَّهم يعتقدون حِلَّ الكذب (1) .

وحكي الحاكم صاحب (المختصر) في كتاب: (المنتقى) عن أبي حنيفة (رض) أنه لم يكفر أحداً من أهل القبلة.

وحكى أبو بكر الرازي مثل ذلك عن الكرخي، وغيره (2) .

____________________

(1) سفينة الراغب ص 43 ط دار الطباعة العامرة ببولاق القاهرة، 1255هـ.

(2) المصدر نفسه ص 43.



موقف النبي (ص) مِن الصحابة يوم المحشر:

أخرج ابن حجر الهيثمي عن أبي الدرداء قال:

قال رسول الله (صلّى عليه وسلم): (لألفين ما توزَّعت أحداً (1) منكم عند الحوض فأقول: هذا من أصحابي فيقول: أنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (2) .

وعن أبي الدرداء قال:

قلت: يا رسول الله، بلغني أنَّك تقول: (إنَّ ناساً مِن أُمَّتي سيكفرون بعد إيمانهم)؟ قال: (أجل - يا أبا الدرداء - ولست منهم) (3) .

وأخرج الإمام أحمد عن أبي بكرة قال: قال رسول الله: (ليردنَّ الحوض عليَّ رجال ممَّن صحبني، ورآني،

____________________

(1) في رواية (في أحدكم) كذا في مجمع الزوائد 9 | 367.

(2) مجمع الزوائد 9 | 367.

(3) المصدر نفسه: 9 | 367.


فإذا رفعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولنَّ: أصحابي، أصحابي فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (1) .

وأخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك عن النبي (صلّى الله عليه وسلم) قال: (ليردنَّ الحوض عليَّ رجال، حتَّى إذا رأيتهم رفعوا إلى، فاختلجوا دوني فلأقولنَّ: يا ربِّ أصحابي، أصحابي، فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (2) .

وأخرج الإمام أحمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) بموعظة فقال: (إنَّكم محشورون إلى الله تعالى حُفاة عُراة غُرْلاً، ( ... كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) ، فأوَّل الخلايق يُكسى إبراهيم خليل الرحمان عزّ وجلّ، ثمَّ يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال).

قال ابن جعفر: (وإنَّه سيُجاء برجال مِن أُمَّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا ربِّ أصحابي [ قال: ] فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك لم يزالوا مرتدِّين (3) على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول - كما قال العبد الصالح -:

____________________

(1) مسند الإمام أحمد: 5| 50 الطبعة الأُولى.

(2)المصدر نفسه: 3 | 281.

(3) الارتداد: الرجوع، ومنه المرتد، والردَّة - بالكسر - اسم منه، أي الارتداد. (المختار مِن صحاح اللغة).


( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ... [ الآية، إلى ] فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (1) .

____________________

(1) مسند الإمام أحمد: 1 | 235 طبعة مصر



ما أحدثه الصحابة بعد الرسول (ص):

قال محمد بن عمر الواقدي:

وكان طلحة بن عبيد الله، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، يقولون:

صلّى رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) على قتلى أُحد، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلم): (أنا على هؤلاء شهيد).

فقال أبو بكر (رضي الله عنه): يا رسول الله، أليس إخواننا؛ أسلموا كما أسلمنا، وجاهدوا كما جاهدنا؟! قال: (بلى، ولكنْ هؤلاء لم يأكلوا مِن أجورهم شيئاً، ولا أدري ما تحدثون بعدي)، فبكي أبو بكر وقال:

إنَّا لكائنون بعدك (1) ؟

وأخرج البخاري عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: لقيت البراء بن عازب (رض) فقلت: طوبى لك، صحبت النبي (صلى الله عليه

____________________

(1) كتاب المغازي: 1| 310.


وسلم)، وبايعته تحت الشجرة. فقال:

يا بن أخي، لا تدري ما أحدثنا بعده (1) .

وقال العلاَّمة الشيخ لطف الله الصافي دام ظلُّه:

نعم: لو قال: لقد رضي الله عن الذين بايعوك، تشمل كلَّ مَن بايعه كائناً مَن كان، وإنْ شكَّ في إيمانه، ولكنْ لا يجوز التمسُّك به فيمَن شككنا في أصل بيعته، كما لا يثبت إيمان مَن شككنا في إيمانه بقوله: ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ... ) .

وهذا كلام متين في غاية المتانة.

وأيضاً هذه الآية لا تدلُّ على حسن خاتمة أمر جميع المبايعين المؤمنين. وإنْ فَسَقَ بعضهم أو نافق؛ لأنَّها لا تدلُّ على أزيد مِن أنَّ الله تعالى رضي عنهم ببيعتهم هذه، أي قَبِل عنهم هذه البيعة، ويُثيبهم عليها، وهذا مشروط بعدم إحداث المانع مِن قبلهم.

والحاصل: إنَّ اتِّصاف الشخص بكونه مرضيَّاً لا يكون إلاَّ بعمله المرضيّ، والعامل لا يتَّصف بنفسه بهذه الصفة، فهذه الصفة تعرض على الشخص بواسطة علمه. فإذا صدر عنه الفعل الحسن، والعمل المرضي، يوصف العامل بهذه الصفة أيضاً، ولا دلالة للآية على أنَّ مَن رضي الله عنه بواسطة عمله يكون مرضيَّاً طول عمره، وإنْ صدرت منه المعاصي الموبقة بعد ذلك، ورضى الله تعالى عن أهل بيعة الحديبية ليس مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد.

والدليل على ذلك قوله تعالى في هذه السورة في شأن أهل هذه البيعة، وتعظيمها:

____________________

(1) صحيح البخاري: 3| 144، باب غزوة الحديبية مِن كتاب المغازي. ط مصر موطِّأ الإمام مالك: 2 | 462 باب الشهداء في سبيل الله، الحديث رقم 32. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.


( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) .

فلو لم يجز أنْ يكون في المبايعين مَن ينكث بيعته، وكان رضى الله عنهم مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد لا فائدة لقوله:

( ... فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ... ) .

وأيضاً قد دلَّت آيات مِن القرآن، وأحاديث صحيحة على وقوع غضب الله تعالى وسخطه على مَن يرتكب بعض المعاصي، ومع ذلك لم يقل أحد: بأنَّ هذا مانع مِن حسن إيمانه في المستقبل، وذلك مثل قوله تعالى في سورة الأنفال:

( وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) .

فإذا لم يكن بَوْءُ شخص أو قوم إلى غضب الله مانعاً مِن حسن حاله في المُستقبل، لم يكن رضاه أيضاً سبباً لعدم صدور فسق، أو كفر مِن العبد بعد ذلك.

والقول بدلالة على حسن حال المبايعين مطلقاً - وعدم تأثير صدور الفسق عنهم في ذلك - مستلزم للقول بوقوع التعارض بين هذه الآية، وبين آية الأنفال المذكورة فيمَن ولَّى دُبُره عن الجهاد مِن المبايعين؛ لأنَّها أيضاً تدلُّ بإطلاقها على سوء حال مَن يولِّي دبره، وعدم تأثير صدور الحسنات في رفع ذلك.

والحديث الأوَّل صريح بأنَّ حسن خاتمة مثل: أبي بكر مِن الصحابة المبايعين المهاجرين موقوف على ما يحدث بعد الرسول (ص).

هذا مختصر الكلام حول مدلول الآية الكريمة.


وعليه: ليس المُستفاد منها أنَّ أبا بكر وعمر لم يمحضا الإيمان.

نعم: لا يثبت بها إيمان واحد مُعيَّن مِن المبايعين على نحو التفصيل، فلا يصحُّ التمسُّك بها في إثبات إيمان صحابي خاص، وعدم نفاقه، أو حسن إيمانه إذا شُكَّ فيه (1) .

لعن الرسول (ص) لبعض الصحابة:

قال برهان الدين الحلبي: وفي رواية: صار (صلّى الله عليه وسلم) يقول: (اللَّهمَّ العن فلاناً وفلاناً) (2) .

وأخرج البخاري عن يحيى بن عبد الله السلمي: أخبرنا معمر عن الزهري، حدَّثني سالم عن أبيه أنَّه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا رفع رأسه مِن الركوع مِن الركعة الأخيرة مِن الفجر يقول: (اللَّهمَّ العن فلاناً وفلاناً) بعدما يقول: (سمع الله لمَن حمده، ربَّنا ولك الحمد)، فأنزل الله:

( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ - إلى قوله - فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) (3) .

وقال السيوطي: وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، والبيهقي في (الدلائل) عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) يوم أُحد: (اللَّهمَّ العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام.

____________________

(1) مع الخطيب في خطوطه العريضة: ص 120، 122.

(2) السيرة الحلبية: 2| 234 طبعة مصر.

(3) صحيح البخاري مشكول: 3| 24 طبعة عيسى البابي الحلبي بمصر.


اللَّهمَّ العن سهيل بن عمرو، واللَّهمَّ العن صفوان بن أُميَّة). ثمَّ قال السيوطي:

وأخرج الترمذي، وصحَّحه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال:

كان النبي (صلّى الله عليه وسلم) يدعو على أربعة نفر... وكان يقول في صلاة الفجر: (اللَّهمَّ العن فلاناً و فلاناً...) (1) .

وأخرج نصر بن مزاحم المنقري، عن عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلم): (اللَّهمَّ العن التابع والمتبوع، اللَّهمَّ عليك بالأُقعيس).

فقال ابن البراء لأبيه: مَن الأُقيعس (2) ؟ قال معاوية (3) .

وأخرج نصر عن علي بن الأقمر (4) في آخر حديثه قال: فنظر رسول الله إلى أبي سفيان وهو راكب، ومعاوية وأخوه،

____________________

(1) الدرُّ المنثور في التفسير المأثور: 2 | 71.

(2) قعس ومنه حديث الأخدود (فتقاعست أنْ تقع فيها) تقعَّس أي تأخَّر، ومنه حديث الزبرقان (أبغض صبياننا إلينا الأُقعيس الذكر) هو تصغير الأقعس. النهاية في غريب الحديث والأثر 4 | 87 - 88.

(3) وقعة صفِّين ص 217 تحقيق وشرح الأستاذ عبد السلام محمد هارون طبع مصر.

(4) هو علي بن الأقمر بن عمر الهمداني الوادعي. كوفي ثقة. تقريب الراوي (عن هامش الكتاب).


أحدهما قائد والآخر سائق، فلمَّا نظر إليهم رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) قال:

(اللَّهمَّ العن القائد، والسائق، والراكب).

قلنا: أنت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟! قال: نعم، وإلاَّ فصُمَّتا أُذناي كما عميتا عيناي (1) .

____________________

(1) وقعة صفِّين ص 220 طبعة مصر.


كلمة عامَّة

قال الشيخ أبو ريَّة (رحمه الله):

ولا يفوتنا أنْ نذكر هنا أنَّ علماء الجرح والتعديل قد بذلوا جهداً كبيراً في تمحيص ما روي مِن أحاديث رسول الله، ممَّا يستحقُّون عليه الثناء الطيِّب، والتقدير الحقَّ.

بيد أنَّهم على فضلهم وتدقيقهم، لم يبلغوا الغاية مِن عملهم؛ إذ لا تزال كتب الحديث تحمل الكثير مِن الأحاديث المشكلة، أو التي يبدو عليها الوضع، ولم يكن ذلك عن تقصير منهم - رحمهم الله -؛ لأنَّهم قد بذلوا كلَّ طاقتهم في عملهم، وإنَّما كان ذلك لأمر فوق قدرتهم البشريّة، ذلك بأنَّ حكمهم على الرجال إنَّما كان (لظاهر أحوالهم) وما وصل إلى علمهم مِن أخبارهم، أمَّا بواطنهم ودخائل نفوسهم، ومطويَّات ضمائرهم، فهذا أمر مِن وراء إدراكهم لا يطَّلع عليه إلاَّ علاَّم الغيوب، ورُبَّ رجل حسن السَّمت، طيب المظهر، إذا كشف عن دخيلته تبيَّن لك سوء مخبره، وهذا أمر لا يمتري فيه أحد، وقد تكلَّم فيه العلماء المُحقِّقون.

قال مجتهد اليمن الوزير اليماني في (الروض الباسم) (1| 151):


إنَّ الإجماع منعقد على الاعتبار بالظاهر دون الباطن، ومِن نَجم نفاقه، وظهر كفره يترك حديثه ومَن (ظهر إسلامه) وأمانته، وصدقه قُبِلَ، وإنْ كان في الباطن خلاف ما ظهر منه، فقد عملنا بما وجب علينا، وبذلنا في طلب الحقِّ جُهدنا، وقد كان رسول الله يعمل بالظاهر، ويتبرَّأ مِن علم الباطن، وإلى ذلك الإشارة في هذه الآية بقوله: ( ... لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ... ) أي إنَّه (ص) لم يكن يعلم المنافقين وذلك في الآية (101) مِن سورة التوبة ونصُّها:

( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) (1) .

كلمة قيِّمة للدكتور طه حسين:

قال العلاَّمة الشيخ محمود أبو ريَّة:

وقال الدكتور طه حسين في كلمة قيِّمة (1) قرَّظ فيها كتابنا (الأضواء)، وهو يذكر ما بذله رجال الجرح والتعديل:

وقد فطن المحدِّثون القدماء لهذا كلِّه، واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح مِن الحديث وتنقيته عن كذب الكذَّابين، وتكليف المُتكلِّفين، وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنَّما هي الدرس لحياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلاً بعد جيل حتَّى تمَّ تدوينه، فكانوا يتتبَّعون كلَّ واحد مِن هؤلاء الرجال، ويتحقَّقون مِن أنَّه كان نقيّ السيرة صادق الإيمان بالله ورسوله. شديد الحرص على الصدق في حديثه كلِّه، وفي

____________________

(1) أضواء على السنَّة المحمدية ص 337 ط ثالثة لدار المعارف بمصر.

(2) نشرت هذه الكلمة في جريدة الجمهورية المصرية الصادرة في 25 نوفمبر 1958 م.


حديثه عن النبي خاصة، وهو جهد محمود خصب، بذله المُتَّقنون مِن علماء الحديث، واخلصوا فيه ما وجدوا إلى الإخلاص سبيلاً. ولكنْ هذا الجهد على شدَّته، وخصبه لم يكن كافياً، فمِن أعسر الأشياء وأشدِّها تعقيداً، أنَّ تتبُّع حياة الناس والبحث والفحص، والتنقيب عن دقائقها، فمِن المُمكن أنْ تَبحث وتُنقِّب دون أنْ تصل إلى حقائق الناس، ودقائق أسرارهم، وما تُضمر قلوبهم في أعماقها، وما يمنعون في الاستخفاء به مِن ألوان الضعف في نفوسهم، وفي سيرتهم أيضاً.

ولم يكن بدٌّ إلى أنْ يُضاف إلى هذا الجهد جهد آخر، وهو درس النصِّ نفسه. فقد يكون الرجل صادقاً مأموناً في ظاهر أمره، بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد عندهم، ولكنَّ الله وحده هو الذي اختصَّ بعلم السرائر، وما تُخفيه القلوب، وتستره الضمائر، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله، يَقبل القضاة شهادتهم إنْ شهدوا عندهم. ولكنَّ سرائرهم مدخولة يخفى دخائلها على الناس، فلا بدَّ - إذاً - مِن أنْ نتعمَّق في نصِّ الحديث الذي يرويه عن أمثاله مِن العدول، لنرى مقدار موافقته للقرآن الذي لا يتطرَّق إليه الشكُّ، ولا يبلغه الريب مِن أيِّ جهة مِن جهاته؛ لأنَّه لم يصل إلينا مِن طريق الرواة أفراداً، أو جماعات، وإنَّما تناقلته أجيال الأُمَّة الإسلاميَّة مُجمعة على نقله في صورته التي نعرفها.

وهذه الأجيال لم تنقله بالذاكرة، وإنَّما تناقلته مكتوباً، كُتب في أيَّام النبي نفسه، وجمع في خلافة أبي بكر، وسجِّل في المصاحف، وأرسل إلى الأقاليم في خلافة عثمان، فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة، والرواية المحفوظة في الذاكرة، وتطابقت كلتا الروايتين دائماً، فلا معنى للشكِّ، في نصٍّ مِن نصوص القرآن؛ لأنَّها وصلت إلينا عن طريق لا يُقبل فيها الشكُّ.


وإنَّا إذ نسوق ما سقناه مِن عرض الحقائق على وجهها، وإظهار وقائع التاريخ بعد تمحيصها، لا نقصد - وأيْمَ الله - أنْ ننال أحداً بسوء مِن عندنا، وإنَّما لنُبيِّن في غير حرج أمر الصحابة على حقيقته، وأنَّهم أُناس مِن الناس فيهم البرُّ والآثم، والصادق وغير الصادق، وأنَّهم كانوا يعيشون في الحياة ويستمعون بها كما يعيش الناس. ويستمتعون، وهذا كلُّه لا يضرُّ الإسلام في شيء وإنَّ ضياءه ليُشرق مِن كتابه العظيم على الناس إلى يوم الدين.

وقال العلاَّمة الكبير السيد هاشم معروف الحسني تحت عنوان (عدالة الصحابة):

وإلى جانب التصوُّف، والإرجاء، والجبر، برز في مطلع العهد الأُموي سلاح آخر لعلَّ أثَّر على العقول، والقلوب، والأفكار، ومساندة الحكم الأُموي لا يقلُّ عن آثار الأسلحة الثلاثة، ذلك السلاح هو عدالة الصحابة.

لقد برزت هذه الفكرة في مطلع العهد الأُموي بعد أنْ أكلت الحروب الكثير منهم، ومات أكثر الباقين بآجالهم.

وكان مِن الطبيعي - بعد ذلك التاريخ الذي تركه الأُمويُّون الملوَّث بالشرك والجرائم، والذي كان ماثلاً لدى الجميع - أنْ يُحاولوا استبدال تلك الصورة الكريهة العالقة في الأذهان عنهم، نتيجة لمواقعهم المعادية للإسلام حتَّى بعد أنْ دخلوا فيه مُكرهين، كان مِن الطبيعي أنْ يحاولوا استبدال تلك الصورة بصورة تتناسب مع مراكزهم التي تسنَّموها باسم الإسلام، فوضعوا فكرة العدالة لجميع مَن عاصر الرسول مِن المسلمين، حتَّى ولو لم يرَه، أو يسمع منه شيئاً، وتوسَّع بعضهم فيها وأثبتها لكلِّ مَن ولِد في عصر الرسول، وما دام أبو هريرة، وزملاؤه مِن الوضَّاعين في


تصرُّفهم، فمِن السهل عليهم أنْ يحصلوا على عشرات الأحاديث التي تدعمها.

وظلَّت فكرة العدالة لجميع الصحابة التي تتَّسع للأُمويين، وعلى رأسهم أبو سفيان، والحَكم طريد رسول الله (ص)، تسير وتتفاعل حتَّى أصبحت وكأنَّها مِن الضرورات عند السنَّة وحكَّامهم في عصر الصراع العقائدي؛ لأنَّها تخدم مصالحهم ومبادئهم التي اعتمدوها في سيرة الخلافة، ومواقفهم المعادية لأهل البيت (عليهم السلام).

ولم يكن الصحابة أنفسهم يتصوَّرون بأنَّ الغلوَّ بهم سينتهي إلى هذه النتيجة، وتكون لهم تلك الهالة التي استخدمها معاوية لخدمة الجاهلية، التي تجسَّدت في البيت الأُموي، ذلك البيت الذي ظلَّ يُحارب الإسلام منذ أنْ بزغ فجره وحتَّى اللحظات الأخيرة مِن حكمهم.

عدالة الصحابة:

وتعني عدالة الصحابة فيما تعنيه، أنْ كلَّ مَن عاصر الرسول، أو ولِد في عصره لا يجوز عليه الكذب والتزوير، ولا يجوز تجريحه، ولو قتل آلاف الأبرياء، وفعل جميع المنكرات؛ وعلى أساس ذلك فجميع الطبقة الأُولى مِن الأُمويين كأبي سفيان وأولاده، وعثمان بن عفان وحاشيته، وجميع المروانيِّين بما فيهم طريد رسول الله الوزغ وأولاده الأوزاغ، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وزياد بن سميّة، وعمرو بن العاص، وولده عبد الله، الذي كان في حدود العاشرة مِن عمره حين وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، ومع ذلك فقد نسبوا إليه مجموعة مِن الأحاديث كتبها على النبي في صحيفة يُسمُّونها الصادقة، فجميع هؤلاء الذين همْ مِن أشدِّ الناس عداوة للإسلام، ولله ورسوله مِن العدول، ومرويَّاتهم مِن نوع الصحاح، حتَّى ولو كانت في تجريح عليّ وأهل البيت


وفي التقريظ، والتقديس لعبد الرحمان بن ملجم.

وكلُّ ما رووه وما لفَّقوه في فضل الصحابة الأوائل، وفضل الأُمويين، ومعاوية، والشام، وما إلى ذلك مِن آلاف الروايات، التي كانت تُنتجها مصانع أبي هريرة مِن عشرات الرواة، الذين استعملهم معاوية للدَّسِّ والكذب، وتشويه الإسلام.

هذه المرويَّات يجب قبولها، ولا يجوز ردُّها؛ لأنّ رواتها مِن العدول، والعادل لا يعتمَّد الكذب، والذين اتَّبعوا معاوية وسايروه طيلة ثلاثين عاماً مِن حُكمه، هؤلاء كانوا على الحقِّ والهدى، وحتَّى الذين سمَّوا الحسن بن علي، وقتلوا الحسين وأصحابه، وفعلوا ما فعلوا مِن الجرائم في الكوفة وغيرها، كانوا مُحقِّين أيضاً، ومِن المُهتدين؛ لأنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال - على حدِّ زعمهم -: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. (1) ، ومَن هو أولى بالاقتداء به مِن معاوية؟!! الذي كان الوحي كلَّما نزل على النبي يتفقَّده ويُسلِّم عليه، ويوصي به، كما تدَّعيه مرويَّات تلك الطغمة مِن أنصاره، إلى كثير مِن أمثال هذه الأحاديث التي أفرزتها مصانع أبي هريرة، وابن العاص، وابن جندب، وكعب الأحبار وغيرهم، في معاوية، وبني أُميَّة، ومَن سبقهم مِن الخلفاء وغير ذلك، واختلطت بين الصحيح مِن حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم).

ولولا المُخلصون مِن أهل البيت وشيعتهم، وقليل غيرهم مِن بقيَّة المُحدِّثين، لفُقدت السنَّة أبرز سماتها، وانطمست معالمها وكنوزها، بسبب ما أدخلوه عليها مِن التحريف والبدع، والمُفتريات.

____________________

(1) طعن في هذا الحديث أبن تيمية وقال: ضعَّفه أئمَّة الحديث فلا حجَّة فيه.


لقد كان الصحابة يُفسِّق بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً، واتَّفق أكثرهم على ضلال (1) عثمان وحاشيته، وأنصاره، واستحلال دمه.

وكان طلحة، والزبير، وعائشة، مِن أكثر الناس تحريضاً عليه، وبلغ الحال بعائشة أنْ كفَّرته، واستعارت له اسماً ليهودي كان مِن أقذر أهل المدينة، يُسمُّونه نعثلاً، وقالت - أكثر مِن مرَّة -:

اقتلوا نعثلاً فقد كفر. وأخذت بيدها قميصاً كان لرسول الله (ص) وقالت:

هذا قميص رسول الله لم يُبلَ، وقد أبلى عثمان سنَّته!!

وبعد مصرع عثمان على يد المهاجرين والأنصار تحريضاً، ومباشرة مِن الوفود التي زحفت مِن مُختلف الأمصار، اتَّجهت تلك الوفود الزاحفة مِن مُختلف الجهات، وجميع المهاجرين والأنصار إلى علي (عليه السلام)، وانضمَّت تحت لوائه، وأكثر المهاجرين وجدوا أنَّهم قد حقَّقوا بهذه البيعة وصيَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأعزَّ أمانيه، وإنْ جاءت مُتأخِّرة عن وقتها، وراحوا ينتظرون فجراً جديداً مُشرقاً بتعاليم الإسلام ومبادئه، وعدالته.

واتَّجه الفريق الذي اشترك في قتل عثمان، وكان مِن أشدِّ الناس تحريضاً عليه مِن الصحابة، إلى حرب الخليفة الشرعي الذي تمَّت خلافته بالإجماع والاختيار، وبكلِّ الشروط التي وضعوها للخلافة في عصر الصراع العقائدي، الذي وضعوا فيه الشروط للخلافة الإسلاميَّة؛ لتصحيح خلافة الذين تقمَّصوها بعد وفاة الرسول عليه السلام.

وبعد أنْ بذل لهم إمام الهدى جميع الوسائل ليرجعوا عن غيِّهم

____________________

(1) في رأي الدكتور طه حسين أنَّ عثمان كان يُقاد كالثور. انظر: مع رجال الفكر في القاهرة الحلقة الأُولى ص 198 طبع القاهرة.


وضلالهم، فلم يسمعوا له قولاً، ولا رعوا له وللأبرياء حُرمة.

وكانت المعركة لغير صالحهم كما هو المعلوم مِن حالها، واتَّجه بعدهم معاوية لحربه في أهل الشام، ومعه فريق ممَّن يُسمُّونهم الصحابة، حسب التحديدات التي وضعوها للصحبة، لتسقطب أولئك المأجورين، الذين كانوا يسيرون في ركابهم، ويتمرَّغون على أعتابهم، لقاء مبالغ مِن أموال الأُمَّة، وضعها ابن هند في تصرُّفهم، ليضعوا له الحديث في انتقاص عليٍّ وذويه (ع)، وفضل الأُمويين والسائرين في ركابهم، وكانت مصانع أبي هريرة، وكعب الأحبار، وسمرة بن جندب، وابن العاص، وولده عبد الله تُنتج لهم ما يشاؤون، ويشتهون مِن مختلف الألوان، ولعلَّ أبا هريرة، وابن جندب، وكعب الأحبار كانوا مِن أبرز المقرَّبين لمعاوية في صنع الحديث مِن بين مَن أسموهم بالصحابة.

وجاءت الطبقة الثانية وعلى رأسها عروة بن الزبير، ومحمد بن شهاب الزهري، وغيرهم مِن عشرات الرواة، والمحدِّثين الذين اعتمدوا مصانع الطبقة الأُولى، ومضوا على نفس الطريق الذي يخدم مصالح أصحاب القصور وأهدافهم، متسترِّين بقداسة الصحابة وعدالتهم، وبما أنتجته مصانع أبي هريرة، وكعب الأحبار، وسمرة بن جندب، وابن العاص، وولده عبد الله الذي اشتملت مرويَّاته عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وهو يوم وفاته لم يتجاوز سنَّ الطفولة، فيما اشتملت عليه، صحيفة عُرفت في أوساطهم بالصحيفة الصادقة، كما ذكرنا.

وظلَّت تلك الأحاديث إلى جانب المرويَّات الصحيحة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، مِن أشدِّ الأسلحة فتكاً بيد الحاكمين أعداء الإسلام الذين تستَّروا به، ليطعنوه مِن الداخل بتلك الأسلحة التي وفَّرها لهم عدول الصحابة! وفي الوقت ذاته لإضفاء الشرعية على حكمهم الذي استمرَّ قرابة قرن مِن الزمن.


وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه، وهو مِن أكبار المحدِّثين وأعلامهم، كما جاء في شرح النهج للمعتزلي:

(إنَّ أكثر الأحاديث في فضائل الصحابة، افتُعلت في أيَّام بني أُميَّة تقرُّباً إليهم بما يظنُّون أنَّهم يرغمون أنوف بني هاشم).

ومع أنَّ تلك الأحاديث قد صنعها الوضَّاعون لمصلحة المروانيين والعثمانيين، وأبي سفيان، وولده معاوية وأنصاره، فقد صاغوها بأسلوب يجعل مِن كلِّ صحابي قدوة صالحة لأهل الأرض، وتصبُّ اللعنات على كلِّ مَن سبَّ أحداً منهم أو اتَّهمه بسوء، كما جاء فيما رووه عن أنس بن مالك أنَّ النبي (ص) قال: (مَن سبَّ أحداً مِن أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين!!) .

ومَن عابهم، أو انتقصهم فلا تؤاكلوه، ولا تُشاربوه، ولا تُصلُّوا عليه (1) .

مع أنَّها جاءت بهذا الأسلوب، ولم تُفرِّق بين صحابي وصحابي، فقد فرض معاوية سبَّ عليٍّ (عليه السلام)، وانتقاصه في جميع المقاطعات التي كانت تخضع لحكمه بما في ذلك الكوفة، وجهاتها التي تجرَّعت كلَّ أنواع الأذى، والظلم لكثرة الموالين فيها لعليٍّ وولده (عليهم السلام)، الذين تعرَّضوا للقتل والحبس، والتشريد، وكان يقول في جواب ناصحيه مِن أنصاره، الذين كانوا يرون أنَّ هذا الأُسلوب مِن السياسة الخرقاء، يخدم عليَّاً وشيعته أكثر ممَّا يُسيء إليهم: (والله، لا أدع سبَّه وشتمه حتَّى يهرم عليه الكبير، ويشبَّ عليه الصغير!).

وقد بذل للصحابي أبي سمرة بن جندب خمسمئة ألف درهم

____________________

(1) انظر: ص 238 مِن كتاب الكبائر للحافظ الذهبي.


ليروي له عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الآية:

( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ) (1) نزلت في علي بن أبي طالب.

وأنَّ الآية:

( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ... ) (2) . نزلت في عبد الرحمان بن ملجم؛ لأنَّه قتل عليّاً (عليه السلام)، إلى غير ذلك مِن الموضوعات التي كان يبذل لصانعيها بسخاء لا حدود له، مع أنَّه فعل ذلك بإجماع المؤرِّخين، فقد بقي مِن عدول الصحابة كما بقيت مُنتجات مصانع الوضَّاعين، ممَّن كانوا يتمرَّغون على أعتاب قصر الحمراء، وغيره مِن قصور الحاكمين، التي كانت تعجُّ بالفساد والظلم والمنكرات، إلى جانب غيرها مِن مرويَّات الثقاة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومِن صحاحها؛ لأنَّها مِن صنع الصحابة، والصحابة كلُّهم مِن العدول، ومَن سبَّهم أو انتقصهم فعليه لعنة الله، ولم يُستثنَ منهم سوى عليٍّ (عليه السلام)، ومَن وقف إلى جانبه مِن صحابة الرسول، الأوفياء لرسالة الإسلام وتعاليمه، فهؤلاء بنظر معاوية وزبانيَّته، كانوا يسعون في الأرض ليُفسدوا فيها، ويهلكوا الحرث، والنَّسل والله لا يُحبُّ الفساد!!

لقد بقيت إلى جانب غيرها مِن مرويَّات عدول الصحابة مرجعاً للجمهور في التشريع وغيره، على اختلاف مذاهبهم، ونزعاتهم الفقهيَّة،

____________________

(1) سورة البقرة: الآيتان 204 - 205.

(2) سورة البقرة: الآية 207.


وعلى أساس ذلك غلب عليهم اسم السنَّة في مقابل الشيعة، الذين رجعوا إلى الأئمة مِن أهل البيت (ع)، وإلى ما رواه ثقاة الصحابة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بالإضافة إلى كتاب الله في جميع ما جاء به الإسلام مِن أصول وفروع وتشريعات، ولم يعرف الجمهور بهذا الوصف قبل أواخر القرن الأول، وبهذا الاعتبار يُمكن اعتبار التسنُّن مِن الأحداث الطارئة، وبخاصة عندما نلاحظ أنَّ مفهوم السنَّة خلال تلك الفترة مِن تاريخ المسلمين قد أصبح أوسع ممَّا كان عليه في عهد الصحابة، والطبقة الأُولى مِن التابعين، فبعد أنْ كان عند أوائلهم لا يتجاوز أقوال الرسول، وأفعاله وكانوا يلاحقون الراوي للتأكُّد مِن صدقه وبعضهم يستحلفه، ويتجنَّب أكثرهم مرويَّات أبي هريرة، وكعب الأحبار، وأمثالهما ممَّن كانوا لا يتورَّعون الكذب والافتراء على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالرغم مِن أنَّ دُرَّة ابن الخطاب كانت لهم بالمرصاد.

فبعد أنْ كانت لا تتعدَّى أقوال الرسول، وأفعاله عند متقدِّمي الصحابة، أصبحت في العصور التي تعدَّدت فيها المذاهب، وتوزَّعت في العواصم، وبقيَّة الأقطار بنظر العلماء، وأئمَّة المذاهب تتَّسع لرأي الصحابي وفتواه، إذا لم يجدوا نصَّاً على حكم الواقعة في كتاب الله وسنَّة الرسول، وأصبحت آراء الصحابة في أحكام الحوادث التي كانت تعرض عليهم المصدر الثالث مِن مصادر التشريع بعد كتاب الله، وسنَّة رسوله، ولعلَّ أئمَّة المذهب الثلاثة وعلماءهم الأحناف والمالكية والحنابلة، أكثر تعصُّباً لآراء الصحابة، واجتهاداتهم مِن الشوافع كما يبدو ذلك مِن تصريحاتهم، ومجاميعهم الفقهية، ومع أنَّ أبا حنيفة كان مُتحمِّساً للقياس، ويراه مِن أفضل المصادر بعد كتاب الله، كان يُقدِّم رأي الصحابة عليه إذا تعارضا في مورد مِن الموارد (1) .

____________________

(1) المُستصفى للغزالي ص 135- 136.


وجاء عنه أنَّه كان يقول:

إنْ لم أجد في كتاب الله، ولا في سنَّة رسوله، أخذت بقول أصحابه، فإنْ اختلفت آراؤهم في حكم الواقعة آخذ بقول مَن شئت، وأدع مَن شئت، ولا أخرج مِن قولهم إلى قول غيرهم مِن التابعين (1) .

وجاء في (أعلام الموقعين) لابن القيِّم:

إنَّ أصول الأحكام عند الإمام أحمد خمسة:

الأول: النصُّ.

الثاني: فتوى الصحابة، وإنَّ الأحناف والحنابلة قد ذهبوا إلى تخصيص الكتاب بعمل الصحابي؛ لأنَّ الصحابي العالم لا يترك العمل بعموم الكتاب إلاَّ لدليل، فيكون عمله على خلاف عموم الكتاب، دليلاً على التخصيص، وقوله بمنزلة عمله (2) .

وما أبعد ما بين هؤلاء، وبين القائلين بعدم جواز الاعتماد على السنَّة في مقام التشريع إلاَّ إذا تأيَّدت بآية مِن القرآن؛ لأنَّ فيه تبيان كلِّ شيء، وقد نزل بلغة العرب، وبأسلوب يفهمه كلُّ عربي؛ وذلك لأنَّ السنَّة رواها عن الرسول جماعة يجوز عليهم الخطأ، والكذب، وكانوا لا يقبلون مرويَّات بعضهم أحياناً، ويعمل كلٌّ منهم بما يوحيه إليه اجتهاده، وقد تراشقوا بأسوأ التُّهم، واستحلَّ بعضهم دماء البعض الآخر (3) .

ومهما كان الحال فأقوال الصحابة، وآراؤهم، واجتهاداتهم كانت مِن أبرز أصول التشريع عند الجمهور بعد كتاب الله. وفي الوقت ذاته يُخصِّصون بها عموماته ويُقيِّدون بها مطلقاته، وكأنَّها مِن وحي السماء

____________________

(1) أنظر أبا حنيفة لأبي زهرة ص 304. والإمام زيد له أيضاً ص 418.

(2) المدخل إلى علم أصول الفقه لمعروف الدواليبي ص 217.

(3) أنظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور محمد يوسف موسى عن كتاب الأُمِّ للشافعي ص 228.


الذي لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا مِن خلفه.

ومِن المعلوم أنَّ هذا الغلوَّ في تقديس الصحابة، الذي لا يختلف عن العصمة في شيء، ويتَّسع للمُنافقين منهم وحتَّى للمشركين ممَّن أُرغموا على التظاهر بالإسلام كأبي سفيان، وولده معاوية، والمروانيين وغيرهم ممَّن كانوا يكيدون للإسلام، ويعملون لإحياء مظاهر الجاهلية التي حاربوا مِن أجلها نحواً مِن عشرين عاماً أو تزيد.

هذا الغلوُّ في تقديس الصحابة، قد تحوَّل في الفترة التي ظهرت فيها المذاهب الفقهيَّة لمحاربة التشيُّع لأئمَّة أهل البيت في فقههم، وأصولهم وجميع تعاليمهم، التي تجسَّد الإسلام في جميع مراحله وفصوله، كما ورثوه عن جدِّهم أمير المؤمنين عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) الذي سمَّاه باب مدينة العلم في حديث رواه محدِّثوا السنَّة في صحاحهم جاء فيه أنَّه قال: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، ألا ومَن أراد المدينة فليأت الباب).

وكان الأئمَّة (عليهم السلام) يقولون: (إنَّا إذا حدَّثنا لا نُحدِّث إلاَّ بما يوافق كتاب الله، وكلُّ حديث يُنسب إلينا لا يوافق كتاب الله، فاطرحوه)، كما كان الإمام الصادق يقول: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدِّي، وحديث جدِّي حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله).

لم يكتف الحاكمون وأئمَّة المذاهب، الذين كانوا يسيرون في ركابهم ويُباركون جميع تصرُّفاتهم بثوب العدالة، الذي ألبسوه حتَّى لمُنافقي الصحابة ومشركيهم حتَّى جعلوا لأقوالهم واجتهاداتهم، نفس القداسة التي جعلها الله لأقوال رسوله وأحاديثه، لا لشيء إلاَّ لأنَّ الشيعة يُقدِّسون أقوال الأئمَّة؛ مِن حيث إنَّها تُجسِّد أقوال الرسول، وما جاء به مِن


عند الله، ويقفون عندها كما يقفون عند المرويَّات الصحيحة عن الرسول، وإذا لم يجد أهل السنَّة للصحابة قولاً، أو رأياً فيما يعرض لهم مِن الحوادث يرجعون إلى القياس، والاستحسان، والاستصلاح، والمصالح المُرسلة، وقد أنهى الأستاذ عبد الوهاب الخلاف في كتابه، مصادر التشريع وأدلَّة الأحكام عند فقهاء السنَّة الأوائل، إلى تسعة عشر دليلاً وعدَّ منها - بالإضافة إلى ما ذكرناه - الأخذ بالأخفِّ، وسدَّ الذرائع، والعوائد، وغير ذلك ممَّا لم يرد في كتاب، أو سنَّة، ولا يعتمد على غير الاجتهاد المبني على الحدس، والظنِّ، اللذين لا يُغنيان عن الحقِّ شيئاً، ولم يرجعوا إلى الإمامين: الباقر، والصادق اللذين أسَّسا مدرسة الفقه، والفلسفة، واجتمع إليها أكثر مِن أربعة آلاف طالب مِن مُختلف الأقطار، وكان التشريع الإسلامي مِن أبرز ما أنتجته تلك الجامعة، التي غلب عليها الطابع الروحي، ولم يستطع الحكَّام أنْ يتدخَّلوا في شيء مِن شؤونها، وإنَّهم لم ينقلوا مرويَّات الشيعة عن الرسول وغيره، ويشترطون في الراوي أنْ لا يكون شيعيَّاً، وعند أكثرهم يشترط فيه - بالإضافة إلى ذلك - أنْ لا يكون مُتَّهماً بالتشيُّع؛ لأنَّ التشيُّع والوثاقة لا يجتمعان!!

ولمَّا وثق يحيى بن معين سعيداً بن خالد البجلي، قيل له: إنَّ سعيداً يدين بالتشيُّع فقال عند ذلك: وشيعيٌّ ثقة! مُستغرباً أنْ تجتمع هاتان الصفتان في واحد مِن البشر، ولم يستغرب عدالة معاوية، والحكم طريد رسول الله، وأبناء الأوزاغ، وسمرة بن جندب، وأمثاله مِن المنافقين، والمشركين لأنَّهم مِن الصحابة، والصحابة كالنجوم بأيِّهم اقتدى الإنسان يهتدي كما نسب الوضَّاعون إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذا.

في حين أنَّ الشيعة يأخذون برواية الراوي إذا كان ثقة، ومُستقيماً في دينه مهما كان مذهبه، ولا يشترطون في الراوي أكثر مِن ذلك كما


تؤكِّد ذلك مجاميعهم التي وضعوها في أحوال الرواية، والرواة (1) .

مِن غرائب كتاب مسلم!

وقال المرحوم الشيخ محمود أبو ريَّة (طاب ثراه) تحت هذا العنوان: لكي يدرأوا التُّهم عن بعض الصحابة الذين فتنتهم الدنيا أوردوا حديثاً يقول: (أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم) .

وهذا الحديث لا أصل له، ولهذا الحديث قصَّة جرت بيني وبين الناصبي (2) مُحبّ الدين الخطيب، فإنَّه عندما ظهر كتابي: (الأضواء) واطَّلع فيه على فصل عدالة الصحابة قابلني غاضباً وقال:

كيف تذكر ذلك بعد أنْ قال فيهم النبي (صلّى الله عليه وسلم): (أصحابي كالنجوم...) الحديث.

فقلت له: إنَّك قد أوردت هذا الحديث في تعليقاتك على كتاب (المُنتقى) للذهبي ص 71 على أنَّه صحيح، وقد طعنوا فيه ومِن كبار الطاعنين ابن تيميَّة فاشتدَّ غضبه وقال:

في أي موضع هذا الطعن؟ فقلت له: في نفس كتابك (المنتقى)! فكاد يتميَّز مِن الغيظ وقال:

في أيِّ صفحة، قلت له: في صفحة 551 وفيها يقول ابن تيميَّة:

____________________

(1) الانتفاضات الشيعية عبر التاريخ ص 141 - 150ط بيروت.

(2) النواصب قوم يتديَّنون ببغضة عليٍّ (عليه السلام). لسان العرب (مادَّة نصب) (الناصب وهو الذي يتظاهر بعداوة أهل البيت أو لمواليهم لأجل مُتابعتهم لهم، وفي القاموس: النواصب، والناصبة، وأهل النصب المتديِّنون ببغُض علي (ع) لأنَّهم نصبوا له، أيْ: عادوه) مجمع البحرين ومطلع النيرين للطريحي 2 | 173.


(وحديث أصحابي كالنجوم) ضعَّفه أئمَّة الحديث فلا حجَّة فيه.

وما كاد يقرأ هذا الكلام الذي أثبته هو بنفسه في كتاب حقَّقه ونشره بين الناس، حتَّى بُهت واصفرَّ وجهه. وقد قلت له قبل أنْ أُغادر مجلسه:

إنَّ كتاب (المنتقى) هذا سيسجِّل عليك هذا الجهل، وهذه الوصمة إلى يوم القيامة!!

وبمناسبة التشيُّع لمعاوية، والتقرُّب إليه برواية أحاديث مكذوبة على النبي (صلّى الله عليه وسلم)، ترفع مِن شأنه، نسوق إليك حديثاً رواه مسلم في صحيحه!! معناه:

إنَّ أبا سفيان بن حرب طلب مِن النبي (صلّى الله عليه وسلم) أنْ يزوِّجه ابنته أم حبيبة، وأنْ يجعل معاوية كاتباً بين يديه.. إلخ. الحديث، وقد ذكر أئمَّة الحديث:

أنَّ هذا الحديث باطل بالإجماع؛ لأنَّ أبا سفيان قد دخل في الإسلام يوم فتح مكَّة بالإجماع.

أمَّا ابنته أمُّ حبيبة واسمها: رملة، قد أسلمت قبل الهجرة، وحسن إسلامها، وكانت ممَّن هاجر إلي الحبشة هرباً مِن أبيها، وقد تزوَّجها رسول الله وأبوها كافر، ولمَّا بلغه هذا الزواج قال كلمته المشهورة:

(ذلك الفحل لا يجدع أنفه) ص 16 مِن تفسير سورة الإخلاص لشيخ الحنابلة ابن تيميَّة، والذي يُلقَّب عند الجمهور بشيخ الإسلام (1).

____________________

(1) شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي ص 200 الطبعة الثالثة لدار المعارف بمصر عام 1969 م.


موالاة الشيعة للصحابة

والشيعة يوالون أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذين أبلوا البلاء الحسن في نصرة الدين، وجاهدوا بأنفسهم، وأموالهم.

وإنَّ الدعاء الذي تُردِّده الشيعة لأصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) لهو دليل قاطع على حسن الولاء، وإخلاص المودَّة.

نعم، إنَّ الشيعة ليدعون الله لأتباع الرُّسل عامة، ولأصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله) خاصة بما ورثوه مِن أئمَّتهم الطاهرين.

ومِن أشهر الأدعية هو: دعاء زين العابدين (عليه السلام) في صحيفته المعروفة بزبور آل محمد، الذي يقول فيه:

(اللَّهمَّ، وأتباع الرُّسل ومصدِّقوهم مِن أهل الأرض بالغيب، عند مُعارضة المعاندين لهم بالتكذيب، والاشتياق إلى المرسلين، بحقايق الإيمان في كلِّ دهر وزمان، أرسلت فيه رسولاً، وأقمت لأهله دليلاً، مِن لدن آدم إلى محّمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) مِن أئمَّة الهدى، وقادة أهل التقى على جميعهم السلام.

وأصحاب محّمد خاصة، الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه، وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له، حيث أسمعهم حجَّة رسالاته، وفارقوا الأزواج، والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء، والأبناء في تثبيت نبوَّته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلَّقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظلِّ قرابته.

اللَّهمَّ، ما تركوا لك وفيك، وأرضهم مِن رضوانك وبما حاشوا الحقَّ عليك وكانوا مِن ذلك لك وإليك، واشكرهم على هجرتهم فيك ديارهم، وخروجهم مِن سعة المعاش إلى ضيقه...).


هؤلاء هم أصحاب محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) الذين تُعظِّمهم شيعة آل محمد (ص) ويدينون بموالاتهم، ويأخذون تعاليم الإسلام فيما صحَّ وروده عنهم.

ولكنَّ التلاعب السياسي، واحتدام النزاع بين الطوائف، خَلَقَ كثيراً مِن المشاكل في عصور قامت بها فئات لإثارة الفتن حبَّاً للسيطرة، وطمعاً في النفوذ مِن باب فرِّق تسُّدْ.

* * *

وصفوة القول: إنَّ عصور التلاعب بالمبادئ، والتطاحن حول بغية ذوي الأطماع قد ولَّت، ونحن في عصرنا الحاضر عصر انطلاق الفكر مِن عقاله والتقدُّم والرقي.

أيصحُّ لنا أنْ نستمرَّ على ضرب وتر العصبية، ونطرب لنغمات النزعة الطائفيَّة، ونكرع بكأس الشذوذ عن الواقع، ونهمل ما يجب علينا مِن مكافحة خصوم الإسلام وأعدائه، فقد وجَّهوا إلينا سيلاً جارفاً مِن الآراء الهدَّامة، والمبادئ الفاسدة.

أليس مِن الذوق السليم الترفُّع عن التعبير بتلك العبارات، التي اتَّخذها ضعفاء العقول، وأهل الجمود الفكري عندما يكتبون عن الشيعة فينبزونهم بكلِّ عظيمة؟

أليس مِن الحقِّ أنْ يتبيَّنوا مِن صحَّة ما يقولون؟.

وإنَّ اتِّهام الشيعة بسب الصحابة، وتفكيرهم أجمع أنَّما هو اتِّهام بالباطل، ورجم بالغيب، وخضوع للعصبية، وتسليم لنزعة الطائفية، وجري وراء الأوهام، والأباطيل (1) .

____________________

(1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1| 601 - 602.


مَن هو الصحابي؟

علينا قبل أنْ نتكلَّم عن عدالة الصحابة: أنْ نُبيِّن مَن هو الصحابي كما عرَّفوه، وأوفى تعريف له عند الجمهور ما ذكر البخاري:

قال البخاري في كتابه (1) : (مَن صحب النبي (صلّى الله عليه وسلم) أو رآه مِن المسلمين فهو صحابي!) (2) .

وقد شرح ابن الحجر العسقلاني تعريف البخاري بقوله:

يعني أنَّ اسم صحبة النبي (صلّى عليه وسلم) مُستحقٌّ لمَن صحبه أقلَّ ما يُطلق على اسم صحبة لغة، وإنْ كان العرف يخصُّ ذلك ببعض الملازمة، ويُطلق أيضاً على مَن رآه ولو على بُعْد.

وهذا الذي ذكره البخاري هو الراجح، إلاَّ أنَّه: هل يُشترط في الرائي بحيث يُميِّز ما رآه!، أو يكتفي بمُجرَّد حصول الرؤية - محلُّ نظر -.

وعمل مَن صنَّف في الصحابة يدلُّ على الثاني، فإنَّهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق، وإنَّما ولد قبل وفاة النبي بثلاثة أشهر وأيَّام، كما ثبت في الصحيح أنَّ أُمَّه أسماء بنت عميس ولدته في حجَّة الوداع قبل أنْ يدخلوا مكَّة، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة (20هـ).

وقال علي بن المديني: مَن صحب النبي أو رآه ساعة مِن نهار فهو

____________________

(1) فتح الباري: 3 | 2.

(2) قال العلاَّمة المقبلي - يردُّ على الذين أثبتوا الصحبة لكلِّ مَن رأى النبي -: إنَّهم يصطلحون على شيء في متأخِّر الأزمان، ثمَّ يُفسرون الكتاب والسنَّة باصطلاحهم المجرَّد، والصحبة ليس فيها لسان شرعي إنَّما هي بحسب اللغة، وكذلك سائر الألفاظ التي وردت فيها فضائل الصحابة، لكنَّ المُحدِّثين اصطلحوا وقضوا بغير دليل على أنَّ الصحبة لكلِّ مَن رآه النبي - أو رأى هو النبي - ولو طفلاً! بشرط أنْ يكون محكوماً بإسلامه، ويشترط أنْ يموت ولا يرتدُّ..


مِن أصحاب النبي. وكأنَّهم أيَّدوا تعريفهم هذا بما رووه عن النبي مِن أنَّه قال:

(يعزو قوم فيُقال: هل فيكم مِن رأى رسول الله فيفتح لهم!) .

وقال (1) في مقدِّمة (كتاب الإصابة في تمييز الصحابة):

أصحُّ ما وقفت عليه مِن ذلك أنَّ الصحابي مَن لقي النبي (صلّى الله عليه وسلّم) مؤمناّ به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه، ومَن طالت مجالسته له أو قصرت.

ومَن روى عنه، أو لم يرُ، ومَن غزا معه، أو لم يغزُ، ومَن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومَن لم يرَه لعارض كالعمى... (2) .

أوجب العلماء... البحث عن رواة الحديث، فجرحوا مَن جرحوا، وعدَّلوا مَن عدَّلوا، وهم على حقٍّ في ذلك؛ إذ لا يصحُّ أنْ يؤخذ قول أي إنسان مهما كان بغير تمحيص، وتحقيق، ونقد، وعلى أنَّهم قد جعلوا جرح الرواة وتعديلهم واجباً تطبيقه على كلِّ راوٍ، مهما كان قدره، فإنَّهم قد وقفوا دون عَتبة الصحابة فلم يتجاوزوها، إذ اعتبروهم جميعاً عدولاً لا يجوز عليهم نقد، ولا يتَّجه إليهم تجريح، ومِن قولهم في ذلك: (إنَّ بساطهم قد طوي).

ومِن العجيب أنَّهم يقفون هذا الموقف، على حين أنَّ بعض الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضاً، وكفَّر بعضهم بعضاً.

قال النووي في التقريب: الصحابة كلُّهم عدول، مَن لابس الفتنة وغيرهم.

____________________

(1) أي ابن حجر.

(2) ص 4.


وقال الذهبي: في رسالته التي الَّفها - في الرواة الثقاة (1) :

ولو فتحنا هذا الباب (الجرح والتعديل) على نفوسنا لدخل فيه عدَّة مِن الصحابة والتابعين والأئمَّة، فبعض الصحابة كفَّر بعضهم بعضاً - بتأويل ما!!!

والله يرضى عن الكلِّ ويغفر لهم، فما هم بعصومين، وما اختلافهم، ومحاربتهم بالتي تلينهم عندنا.

ثمَّ قال: وأمَّا الصحابة رضي الله عنهم فبساطهم مطوي، وإنْ جرى ما جرى، وإنْ غلطوا كما غلط غيرهم مِن الثقاة!! فما يكاد يسلم أحد مِن الغلط، ولكنَّه غلط نادر لا يضرُّ أبداً! إذ على عدالتهم، وقبول ما نقلوا العمل وبه ندين الله تعالى.

وأمَّا التابعون فيكاد يعدم فيهم مَن يكذب عمداً، ولكن لهم غلط، وأوهام، فمَن ندر غلطه في حديث ما احتمل، ومَن تعدَّد غلطه وكان مِن أوعية العلم اغتُفر له أيضاً، ونُقل حديثه وعمل به، على تردُّد بين الأئمَّة الإثبات في الاحتجاج بمَن هذا نعته، وكثر تفرُّده. ومَن فحش خطؤه لم يحتجَّ بحديثه.

وأمَّا أصحاب التابعين، كمالك، والأوزاعي، وهذا الضرب، فعلى المراتب المذكورة.

ووجِد في عصرهم مَن يتعمَّد الكذب، أو مَن كثر غلطه فتُرك حديثه.

هذا مالك: هو النجم الهادي بين الأمَّة وما سلم مِن الكلام فيه! ولو قال قائل عند الاحتجاج بمالك: فقد تكلَّم فيه لعذر، وأُهين! وكذا

____________________

(1) مِن ص 3- 21.


الأوزاعي ثقة، حجَّة، وربَّما انفرد ووهم، وحديثه عن الزهري فيه شيء! وقد قال فيه أحمد بن حنبل رأي ضعيف. وحديث ضعيف وكذا تكلَّم مَن لم يفهم في الزهري لكونه خضب بالسواد، ولبس لبس الجند، وخدم هشام بن عبد الملك، وهذا باب واسع.

ومحمد بن إدريس الشافعي مَن سارت الركائب بفضله، ومعارفه، وثقته وأمانته، فهو حافظ متثبت نادر الغلط، ولكنْ قال أبو عمر بن عبد البر:

روينا عن محمد بن وضاح قال: سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال: ليس بثقة.

وكلام ابن معين (1) في الشافعي إنَّما كان مِن فلتات اللسان بالهوى، والعصبية (2) .

فإن ابن معين كان مِن الحنفيَّة، وإنْ كان محدِّثاً.

وجعفر بن محمد الصادق، وثَّقه أبو حاتم، والنسائي إلاَّ أن البخاري لم يحتجَّ به (3) .

وسعيد بن أبي عروبة: ثقة، إمام ساء حفظاً بآخرته، وحديثه في الكتب، إلاَّ أنّه قدري - قاله أحمد بن حنبل.

والوليد بن مسلم: عالم أهل دمشق ثقة حافظ لكنَّه يُدلِّس عن الضعفاء، وحديثه في الكتب كلِّها.

انتهى ما نقلناه مِن هذه الرسالة باختصار.

____________________

(1) يحيى بن معين مِن كبار أئمَّة الجرح والتعديل، الذين جعلوا قولهم في الرجال حجَّة قاطعة.

(2) انظر كيف تفعل العصبية.

(3) وإذا كان البخاري لا يحتجّ بمثل هذا العلم الشامخ فبمَن يحتجّ؟ وانظر ما فعل البخاري بأئمَّة أهل البيت، الذين تجافى الرواية عنهم.


وقال الآمدي في (الأحكام) (1) :

اتَّفق الجمهور مِن الأئمَّة على عدالة الصحابة، وقال قوم: إنَّ حكمهم في العدالة حكم مِن بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم في الرواية.

ومنهم مَن قال: (إنَّهم لم يزالوا عدولاً إلى حين ما وقع الاختلاف والفتن فيما بينهم، وبعد ذلك فلا بدَّ مِن البحث في العدالة عن الراوي، أو الشاهد منهم، إذا لم يكن ظاهر العدالة).

ومنهم مَن قال: (إنَّ كلَّ مَن قاتل علياً عالماً منهم، فهو فاسق، مردود الرواية، والشهادة على الإمام الحقِّ).

ومنهم مَن قال: بردِّ رواية الكلِّ وشهادتم؛ لأنَّ أحد الفريقين فاسق، وهو غير معلوم ولا مُعيِّن. أ هـ (2) .

وقال الغزالي في (المستصفى): وزعم قوم أنَّ حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث..

وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثمَّ تغيَّرت الحال، وسفكت الدماء، فلا بدَّ مِن البحث.

وممَّا يَتَّكئ عليه مَن يعتقدون عدالة جميع الصحابة قولهم: إنَّ رسول الله قال:

(أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم) ، وفي رواية: (فأيُّهم أخذتم) .

____________________

(1) الأحكام 2| 128.

(2) قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث قالوا: ومِن عجيب شأنهم أنَّهم ينسبون الشيخ إلى الكذب، ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدِّثون بقدح يحيى بن معين وعلي بن المديني، وأشباههما، ويحتجُّون بحديث أبي هريرة، فيما لا يوافقه عليه أحد مِن الصحابة، وقد أكذبه عمر، وعثمان، وعائشة ص 10- 11.


بقوله... ولكنَّ هذا الحديث باطل لا أصل له (1) .

* * *

تعريف الصحابي ونقطة الخلاف

اختلفت الأقوال في حدِّ الصحبة ومَن هو الصحابي، فقيل:

مَن صحب النبي أو رآه مِن المسلمين، فهو مِن أصحابه.

وإليه ذهب البخاري في صحيحه وسبقه إليه شيخه علي بن المديني، وقال: مَن صحب النبي (صلّى الله عليه وسلم) أو رآه ولو ساعة مِن نهار فهو مِن أصحابه.

وهذا التعريف ينطبق على المرتدِّين في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعده، وعلى كلِّ راءٍ له، وإنْ لم يعقل، وهذا أمر لا يُقرُّه العقل والوجدان، فإنَّ الردَّة مُحبطة للعمل، فلا مجال لبقاء سمة الصحبة، وقد ذهب أبو حنيفة إلى الإحباط، ونصَّ عليه الشافعي في (الأمِّ).

وقال الزين العراقي: الصحابي مَن لقي النبي مسلماً ثمَّ مات على الإسلام.

وقال سعيد بن المسيب: مَن قام مع النبي سنَّة كاملة، أو غزا معه غزوة واحدة.

وهذا القول لم يعملوا به؛ لأنَّه يُخرج بعض الصحابة الذين لم تطل مدَّتهم مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ولم يغزوا معه.

قال ابن حجر: والعمل على غير هذا القول (2) .

____________________

(1) أضواء على السنَّة المحمدية ص 341 - 344. ط. دار المعارف بمصر.

(2) المواهب شرح الزرقاني 8 | 26.


وحكى ابن الحاجب قولاً لعمر بن يحيى، أنَّه يشترط في الصحابي طول الصحبة، والأخذ عنه (1) .

كما أنَّهم جعلوا مِن الصحابة مَن لم يرَ النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو مُسلِّم له، أو له رؤية قصيرة.

ومهما تكن الأقوال والتعاريف، فإنَّ هذا الاسم يطلق على كلِّ مَن سمع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أو رآه مِن المسلمين مطلقاً، وهم كلُّهم عدول عندهم، وما صدر منهم يحتمل لهم بحجَّة أنَّهم مجتهدون.

وهذه هي النقطة الجوهرية التي وقع الاختلاف فيها؛ إذ الشيعة لا يذهبون لهذا القول، فلا يثبتون العدالة إلاَّ لمَن اتَّصف بها، وكانت فيه تلك الملكة، وأصالة العدالة لكلِّ صحابي لا دليل عليه، ولا يمكن إثباته.

فالشيعة تناقش أعمال ذوي الشذوذ منهم بحرِّية فكر، وتزن كلَّ واحد منهم بميزان عمله، فلا ( ... يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... ) ويتبرَّأون ممَّن ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ... ) .

والشيعة لا يخالفون كتاب الله، وسنَّة رسوله، وعمل السلف الصالح في تمييز الصحابة، ومَن هو مصداق هذا الاسم حقيقة.

ومِن هذا فُتحت على الشيعة باب الاتِّهامات الكاذبة، وقد لفَّقها خصومهم، ولو كان هناك صبابة إنصاف، ومُسكة مِن عقل، وقليل مِن تتبُّع، وإعطاء الفكر حرِّيَّته، لمَّا وقعت تلك الملابسات، وحلَّت تلك المشاكل.

ومِن الغريب أنْ تُتَّهم الشيعة بسبِّ الصحابة، والطعن عليهم

____________________

(1) شرح ألفية العراقي: 4| 32.


أجمع، وبذرة التشيُّع نشأت في مجتمع الصحابة، ومنهم أبطال التشيُّع، وحاملو دعوته، وهم الذين عرفوا بالولاء لعليٍّ (عليه السّلام)، وناصروه في حربه لمَن بغى عليه، وهم خيار الأئمَّة (1) .

* * *

الأخذ بعدالة جميع الصحابة

وإذا كان الجمهور على أنَّ الصحابة كلَّهم عدول، ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم، كما قبلوه في سائر الرواة، واعتبروهم جميعاً معصومين مِن الخطأ والسهو والنسيان، فإنَّ هناك كثيراً مِن المُحقِّقين لم يأخذوا بهذه العدالة (المطلقة) لجميع الصحابة، وإنَّما قالوا كما قال العلاَّمة المقبلي: إنَّها (أغلبية) لا عامة، وإنَّه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم مِن الغلط والسهو والنسيان، بلْ والهوى، ويؤيِّدون رأيهم بأنَّ الصحابة إنْ هم إلاَّ بشر يقع منهم ما يقع مِن غيرهم، ممَّا يرجع إلى الطبيعة البشرية.

وإنَّ سيّدهم الذي اصطفاه الله (صلوات الله عليه) (والله أعلم حيث يجعل رسالته) قد قال:

(أنا بشر أصيب وأُخطئ) .

ويعزون حكمهم بمَن كان منهم في عهده (صلوات الله عليه) مِن المنافقين، والكاذبين. وبأنَّ كثيراً منهم قد ارتدُّوا عن دينهم بعد أنْ انتقل إلى الرفيق الأعلى، بلْ ما وقع منهم مِن الحروب والفتن، التي أهلكت الحرث والنسل، ولا تزال آثارها - ولمَّا تزل - إلى اليوم، وما بعد اليوم، وكأنَّ الرسول (صلوات الله عليه) قد رأى بعين بصيرته النافذة

____________________

(1) الإمام الصادق والمذهب الأربعة: 1 / 599 - 601.


ما سيقع مِن أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

فقال في حجَّة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفَّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).

وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي قال: (إنَّكم تحشرون حُفاة عُراة، وإنَّ أُناساً مِن أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال.

فأقول: أصحابي! أصحابي! فيقول: إنَّهم لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذ فارقتهم.

فأقول: كما قال العبد الصالح: ( ... وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ... ) ).

وروى مسلم هذا الحديث بلفظ: (ليردنَّ عليَّ ناس مِن أصحابي حتَّى إذا عرفتهم اختلجوا مِن دوني، فأقول: أصحابي! فيقول: لا تدري ماذا أحدثوا بعدك).

وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي قال: (بينا أنا قائم فإذا زمرة حتَّى إذا عرفتهم، خرج رجل مِن بيني وبينهم، قال: هلم: قلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص منهم إلاَّ مثل هَمَل النعم) (1) .

وفي رواية أُخرى أنَّ النبي قال: (يرد عليَّ يوم القيامة رهط مِن أصحابي فيحلأون عن الحوض، فأقول:

يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنَّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنَّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقري).

____________________

(1) همل النعم: الإبل بلا راع، أيْ لا يخلص منهم مِن النار إلاَّ قليل.


وأخرج عن سهل بن سعد قال: قال النبي: (ليوردنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثمَّ يُحال بيني وبينهم).

قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش.

فقال: هكذا سمعت مِن سهل؟!

فقلت: نعم.

فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته - وهو يزيد فيها - فأقول: (إنَّهم منِّي، فيُقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك! فأقول: سُحقاً، سُحقاً لمَن غيَّر بعدي!).

وأخرج مِن حديث عن ابن عباس جاء فيه: (... وأنَّ أُناساً مِن أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي! أصحابي! فيُقال: إنَّهم لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذ فارقتهم...) الحديث.

أخرج أبو يعقوب عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة، أنَّه كان يحدِّث أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) قال: (يرد عليَّ يوم القيامة رهط (1) مِن أصحابي فيجلون عن الحوض، فأقول: يا ربِّ أصحابي، فيقول: إنَّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنَّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقري). (مسند عمر ص 86 ط بيروت).

وأخرج أبو يعقوب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلم): (ليذادنَّ (2) رجال عن حوض كما يذاد البعير الضَّال، أُناديهم

____________________

(1) الرهط: الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين. عن هامش مسند عمر بن الخطاب ص 86 ط بيروت.

(2) ليذادنَّ: مِن الذود وهو الطرد، لأذودنَّ: لأطردنَّ. عن هامش مسند عمر بن الخطاب ص 87 ط بيروت.


ألا هلَّم، فيقال: إنَّهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سُحقاً) (1) . (مسند عمر ص 87).

وأخرج أبو يعقوب بن شيبة عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) خطيباً، فحمد الله عزَّ وجلَّ وأثنى عليه، ثمَّ ذكر الغلول فعظَّمه وعظَّم أمره ثمَّ قال: (لألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول:

يا رسول الله أغثني، أقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، لألفينَّ أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله، (صلى الله عليه وسلم) أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لألفينَّ أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله، أغثني. أقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لألفينَّ أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته صامت يقول: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أغثني. أقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لألفينَّ أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، يقول: يا رسول الله، أغثني. أقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لألفينَّ أحدكما يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، يقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك) (2) . (مسند عمر بن الخطاب ص 87 ط بيروت).

وأخرج أبو يعقوب عن ابن أبي مليكة، عن أسماء ابنة أبي بكر، قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)،: (أنا على الحوض حتَّى أنظر مَن يرد عليَّ منكم، وسيؤخذ بأُناس دوني فأقول: أيْ ربِّ منِّي ومِن

____________________

(1) أي بُعداً بُعداً.

(2) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الغلول وقول الله تعالى: ( ... وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ... ) .


أُمَّتي، فيُقال: ما شعرت ما عملوا بعدك. والله، ما برحوا يرجعون على أعقابهم).

قال: فكان ابن أبي مليكة يقول:

اللَّهمَّ، إنَّا نعوذ بك أنْ نرجع على أعقابنا، وأنْ نفتتن في ديننا. (مسند عمر ص 92 ط بيروت).

وأخرج البخاري - أيضاً - في باب غزوة الحديبية، عن العلاء بن المسيب عن أبيه.

قال: لقيت البراء بن عازب فقلت له: طوبى لك! صحبت النبي (صلى الله عليه وسلم)، وبايعته تحت الشجرة.

فقال:

يا بن أخي: إنَّك لا تدري ما أحدثنا بعده!

وأخرج عن عبد الله عن النبي (صلّى الله عليه وسلم): (أنا فرطكم على الحوظ، وليُرفعنَّ رجال منكم، ثمَّ ليختلجنَّ دوني، فأقول: يا ربِّ، أصحابي! فيُقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك).

قال البخاري: تابعه عاصم عن أبي وائل، وقال حصين عن أبي وائل، عن حذيفة عن النبي (صلّى الله عليه وسلم).

وأخرج عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم):

(إنِّي على الحوض حتَّى أنظر مَن يرد عليَّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا ربِّ منِّي، ومِن أُمَّتي! فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك. والله، ما برحوا يرجعون على أعقابهم).

قال البخاري: فكان ابن مليكة يقول: (اللَّهمَّ، إنَّا نعوذ بك أنْ نرجع على أعقابنا، ونُفتن عن ديننا!).


هذا بعض ما نقلناه مِن البخاري ومسلم، وفيهما وفي غيرهما كثير أعرضنا عنه خشية التطويل (1) .

مسألة الصحابة:

وعلى أيِّ حال، فإنَّ فروض المسألة ثلاثة:

الأول: إنَّ الصحابة كلَّهم عدول أجمعين، وما صدر منهم يحتمل لهم، وهم مجتهدون، وهذا هو رأي الجمهور مِن السنَّة.

الثاني: إنَّ الصحابة كغيرهم مِن الرجال وفيهم العدول، وفيهم الفسَّاق، فهم يوزنون بأعمالهم، فالمحسن يُجازى لإحسانه، والمسيء يؤخذ بإساءته.

وهذا رأي الشيعة.

الثالث: إنَّ جميع الصحابة كفَّار - والعياذ بالله - وهذا رأي الخارجين عن الإسلام ولا يقوله إلاَّ كافر، وليس مِن الإسلام في شيء.

هذه ثلاثة فروض للمسألة، وهنا لا بدَّ أنْ نقف مليَّاً لنفحص هذه الأقوال:

أمَّا القول الثالث فباطل بالإجماع، ولم يقل به إلاَّ أعداء الإسلام، أو الدخلاء فيه.

وأمَّا القول الأوَّل وهو أشبه شيء بادعاء العصمة للصحابة، أو سقوط التكاليف عنهم، وهذا شيء لا يُقرُّه الإسلام، ولا تشمله تعاليمه.

بقي القول الوسط، وهو ما تذهب إليه الشيعة، مِن اعتبار منازل الصحابة حسب الأعمال، ودرجة الإيمان.

____________________

(1) أضواء على السنَّة المحمدية ص 353 - 356 ط. دار المعارف بمصر.


إنَّ الصحبة شاملة لكلِّ مَن صحب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أو رآه، أو سمع حديثه.

فهي تشمل المؤمن، والمنافق، والعادل، والفاسق، والبرّ، والفاجر، كما يدلُّ عليه قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك، عندما أخبره جبرئيل بما قاله المنافقون:

إنَّ محمداً يُخبر بأخبار السماء، ولا يعلم الطريق إلى الماء، فشكا ذلك إلى سعد بن عبادة، فقال له سعد: إنْ شئت ضربت أعناقهم.

قال (صلّى الله عليه وآله وسلم): (لا يتحدَّث الناس أنَّ محّمداً يقتل أصحابه، ولكنْ نُحسن صحبتهم ما أقاموا معنا).

فالصحبة - إذاً - لم تكن بمجرَّدها عاصمة تُلبِس صاحبها أبراد العدالة، وإنَّما تختلف منازلهم وتتفاوت درجاتهم بالأعمال.

ولنا في كتاب الله وأحاديث رسوله (صلّى الله عليه وآله) كفاية عن التمحُّل في الاستدلال على ما نقوله، والآثار شاهدة على ما نذهب إليه، مِن شمول الصحبة وأنَّ فيهم العدول مِن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ورسخت أقدامهم في العقيدة، وجرى الإيمان في عروقهم وأخلصوا لله، فكانوا بأعلى درجة مِن الكمال، وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ( ... أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) (1) .

وهم المؤمنون ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا

____________________

(1) سورة الفتح: الآية 29.


بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (1) .

وقد أمر الله تعالى باتِّباعهم والاقتداء بهم بقوله تعالى:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) (2)

( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (3) .

هؤلاء هم أصحاب محمّد (صلّى الله عليه وآله) ومَن يستطيع أنْ يقول فيهم ما لا يرضى الله تعالى ويُخالف قوله (4) .

بحث قيِّم في الاختلاف

عقد الإمام المقبلي (5) في كتابه: (العلم الشامخ في تفضيل الحقِّ على الآباء والمشايخ)، فصلاً قيِّماً عرض فيه لأمر الاختلاف في الدين، واستطرد لأمر الصحابة وعدالتهم، نأتي به هنا ببعض اختصار لما فيه مِن الفوائد الجزيلة، والقواعد الجليلة.

نوَّه الله سبحانه بالاختلاف في الدين، وكرَّر ذلك في كتابه العزيز؛ لعلمه سبحانه وتعالى بضرره في الدنيا، وكم كرَّر ذلك في بني إسرائيل قائلاً:

____________________

(1) سورة الحجرات: الآية 15.

(2) سورة التوبة: الآية 119.

(3) سورة التوبة: الآية 100.

(4) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1| 592 ط بيروت.

(5) هو الشيخ صالح مهدي المقبلي مِن علماء اليمن المجتهدين توفِّي سنة (1108 هـ)، كان في الأصل على مذهب الزيدية، ثمَّ طلب الحقَّ بعدم التقليد، فانتهى إلى ترك التمذهب، وقبول الحقِّ الذي يقوم على الدليل، وقد شهد له الإمام الشوكاني بالاجتهاد المطلق، رحمه الله ورضي عنه.


( وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ... ) ونحوها، وصدق الله تعالى، ما وجدنا الخلاف إلاَّ في محلٍّ قد تبيَّن الحقُّ فيه. وقد تمَّم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، فنهى رسول الله عن مظانِّ الخلاف، وحذَّر منها كالجدل في القدر. وقال تعالى: ( ... لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ... ) .

وقال رسول الله: (اتركوني ما تركتكم)، وكمَّل الله سبحانه الدين على لسان نبيّه (صلّى الله عليه وسلّم) فلم يبق شيء يُقرِّبنا إلى الجنَّة إلاَّ بيَّنه لنا، ولا شيء يقرِّبنا إلى النار إلاَّ بيَّنه، وما عفا الله عنه، وسكت عنه رسوله، فلا يُريد الله أنْ نبحث عنه بمجرَّد عقولنا القاصرة، فإنَّها إنَّما جُعلت الدنيا في قدر محدود في علمه سبحانه، وجاءت الرسل بتتميم ما تتمُّ به النعمة، وتؤكِّد الحُجَّة، فما عدا ذلك فضول يُخاف ضرره ولا يرجى نفعه، وقد قام بمراد الله في ذلك خير القرون فكانوا يُحاذرون الاختلاف أشدَّ المحاذرة وما فرط منهم تلافوه أشدَّ التلافي، ولم يُصرِّوا على ما فعلوه وهم يعلمون. كما كان مِن طلحة والزبير، وعائشة رضي الله عنهم.

ولقد صبر مَن بقي مِن الصحابة بعد خلافة النبوَّة على أمراء الجور أشدَّ الصبر، إلى أنْ ظهرت البدع بسبب التنقير عمَّا سكت الله عنه ورسوله، ولو كان لهم مِن ذلك خير لوقَّفهم الله على تلك المطالب على لسان رسوله، ولم يتركهم يتخبَّطون.

ثمَّ حدثت بين المسلمين أنفسهم نوادر كالكلام في القدر، ومسألة خلق القرآن، والتعرُّض لما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم، واتَّصل بذلك المناظرة عند الملوك والأُمراء وصارت عصبية، والدعوى مِن الجانبين أنَّ ذلك تديُّن، وما هو إلاَّ أنَّهم لمَّا تعدُّوا طورهم، ولم يقفوا على حدِّهم الذي وقَّفهم الله ورسوله (صلّى الله عليه وسلم) عليه، تركهم


الله وشأنهم ولبسهم شيعاً، وأذاق بعضهم بأس بعض، فكان خليفة يوافق هؤلاء، فيُذيق مخالفيهم العذاب الأليم، ويُخلفه الآخر، وينقض ما فعله الأول ويُنكِّل بهؤلاء، ويوطئ شأن هؤلاء حتَّى استحكم الشرُّ، وصار الناس شيعاً.

نجد أحدهم ينتقل مِن مذهب إلى آخر بسبب شيخ أو دولة، أو غير ذلك مِن الأسباب الدنيوية، والعصبيّة الطبيعيّة، كما رووا أنَّ ابن عبد الحكم أراد مجلس الشافعي بعد موته فقيل له: قال الشافعي:

الربيع أحقُّ بمجلسي، فغضب وتمذهب لمالك، وصنَّف كتاباً سمَّاه: (الردُّ على محمد بن إدريس فيما خالف فيه الكتاب والسنَّة).

هكذا ذكره ابن السبكي.

وقد علم الله والراسخون في العلم أنَّ الحقَّ لم يكن برمَّته عند فرقة، والباطل عند البواقي، ولكنَّ الحقَّ - والحمد لله لا يخرج عن مجموعهم - وما الحق كلُّه إلاَّ عند مَن بقي على ما كان النبي (صلّى الله عليه وسلم)، ولا بدَّ له مِن الخطأ في اجتهاداته في المسائل المعفوِّ عن الخطأ فيها، لا في المهمَّات.

وقل لي: مَن ذا الذي وقف على ما وقف، وقنع بما جاء عن الله ورسوله (صلّى الله عليه وسلم)، ولم يتمذهب، ويؤثر الأسلاف على الكتاب والسنَّة، ويترك هذا الداء الدويَّ، ويتمسَّك بالإنصاف فيما يأتي ويذر؟ لا والله، ما أعرف أحداً في هذه الكتب التي طبقت البسيطة إلاَّ وقد تخبَّط وخلط، وتعسَّف لمذهبه وما أنصف، وردَّ كتاب الله تعالى إلى عقيدته وحرَّف!

وبعد أنْ تكلَّم عن أحوال المتكلِّمين، أخذ يُبيِّن أحوال المحدِّثين، فقال: وهؤلاء المحدِّثون الذين يزعمون الثبوت على السنَّة، وينهون عن


الكلام (1) قد سرت فيهم المفسدة أكثر منها في غيرهم؛ لأنَّهم قاعدون في طريق الشريعة، والمفسدة والحرب والفتك، والحيات والعقارب، والسموم والسباع في الجادة أعظم ضرراً منها في ثنيَّات الطريق، مع أنَّ داءهم جاء مِن الخوض في الكلام، وصاروا أشدَّ عصبية مِن المتكلِّمين، لأنَّ المتكلِّمين بنوا أمرهم على التفتيش، وأنْ لا يُلام الطالب على المباحثة وإيراد الأسئلة، واختراع التعليلات، بل يعدُّون ذلك ظرافة وكمالاً، فربَّما انكشف للمتأخِّر مع تعاقب الأنظار تقارب كلام الفريقين ونحو ذلك، كما انكشف لأتباع الأشعري بطلان الجبر، ثمَّ تشبَّثوا بالكسب، ثمَّ تبيَّن عواره، فصاروا إلى مذهب المعتزلة مِن حيث المعنى كما مضى، وليس ثبوت الاختيار يختص بالمعتزلة حتَّى ينفر منه، إنَّما هو دين الله وحجَّته.

فمَن حقَّق مِن المتأخِّرين هوَّن ما عظم سلفه، ولانت عريكته.

وأمَّا المحدِّثون، فإنَّما أخذوا شيئاً بأول رؤية، ثمَّ لم يُنقِّروا كأنَّ ذلك بدعة وصدقوا، ولكنَّه بدعة مِن أوله إلى آخره، فما لهم دخلوا فيه! كأنَّ دخولهم مِن غير نيَّة، لكنْ دسَّ لهم الشيطان:

أنتم أهل السنَّة فمَن يذبُّ عنها إن تركتم هؤلاء؟ فلا هم اقتصروا على ما هم عليه، ولا هم بلغوا إلى مقاصد القوم ليتمكَّنوا مِن الردِّ عليهم!

هذا الإمام أحمد حفظه للسنَّة، وتقدُّمه وتجريده نفسه لله سبحانه وتعالى لا يجهل، لكنَّه لمَّا تكلَّم في مسألة خلق القرآن وابتُلي بسببها، جعلها عديل التوحيد أو زاد! حتى إنَّه بلغه أنَّ محمد بن هارون قال لإسماعيل بن علية:

يا بن الفاعلة! قلت: القرآن مخلوق! أو نحو هذه العبارة!

____________________

(1) أي علم الكلام.


قال أحمد: لعلَّ الله يغفر له، يعني محمد بن هارون، وكان إسماعيل بن علية أحقَّ أن يرجو له أحمد، لأنَّه إمام مثله علماً وورعاً، وإن فرض خطؤه فيما زعم أحمد، فعفو الله أوسع، وما خطؤه فيها كمَن يقعد في الخلافة خالياً عن صفاتها ويعوث (1) في الدماء، والأموال!.

غفر الله لأحمد، لقد بلغ في هذه المسألة ما أمكنه مِن التعصُّب، حتى صار يردُّ كلَّ مَن خالفه فيها ولا يقبل روايته، وهذه خيانة للسند، فإنَّ الذي أوجب قبول خبر العدول، يوجب قبول خبر هذا، وها هو ذا يقول: نروي عن القدريّة.

ولو فتَّشت البصرة وجدت ثلثهم قدرية. هكذا في تهذيب المزي وغيره.

وهذه المسألة لا تزيد على القدر، لو كان للخلاف في المسألتين استقرار، بلْ زاد فصار يردُّ الواقف ويقول: (فلان واقفي (2) مشئوم)، بلْ غلا وزاد وقال: لا أحبُّ الرواية عمَّن أجاب في المحنة كيحيى بن معين. مع أنَّ أحمد ليس مِن المُتعنِّتين، ولا مِن المتشدِّدين.

فمِن شيوخه: عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوّام.

قال فيه النسائي: ليس بثقة، وقال الدار قطني بتركه. وقال ابن معين:

كذَّاب خبيث عدوُّ الله، ليس بشيء. وقال: جُنَّ أحمد، يحدِّث

____________________

(1) يقال: عثى يعثي وعثاً وفيه لغة أُخرى عاث يعيث وهو أشدُّ الفساد ص 43 مِن كتاب (القرملين).

(2) الواقف هو الذي يتكلَّم في مسألة خلق القرآن.


عن عامر بن صالح؟ وقال الذهبي: واهن. لعلَّ ما روى أحمد عن أحد أوهى منه، مع غلوِّ الذهبي (1) ، في أحمد ورؤيته له بعين الرضا.

وعلى الجملة فلا يشكُّ أنَّ رواته لم يكن فيهم بالشحيح، إلاَّ أنْ يكون مِن قبيل مسألة القرآن. فيا هذا، ما الذي عندك في القرآن والسنَّة؟!

إنَّ القرآن ليس بمخلوق! أو أنَّه مخلوق! وبحثك وبحث غيرك كلاهما بدعة! والله وصف القرآن بأنَّه قرآن عربي ( ... غَيْرَ ذِي عِوَجٍ... ) وقال:

( جَعَلْنَاهُ ) ، ( وَنَزَّلْنَاهُ ) ، و ( فَصَّلْنَاهُ ) ، ولم يقل: خلقناه، ولم يقل: ليس بمخلوق.

فمِن أين جئت بهذه السنَّة.

ولمَّا أجاب علي بن المديني الذي قال البخاري (2) :

ما أستحقر نفسي عند أحد إلاَّ عنده، فأجاب في المحنة فتكلَّموا فيه، مع أنَّه عذر له لو أجاب في الترك، كيف مسألة خلق القرآن حتى تحاماه بذلك مسلم (3) مع تساهله في رجاله.

وأعجب مِن هذا أنَّ الذابِّين عن علي بن المديني لم يجدوا مِن الذبِّ إلاَّ قولهم:

روى عنه فلان، وروى عنه فلان أنَّه قال:

مَن قال: إنَّ القرآن مخلوق فقد كفر! ومَن قال: إنَّ الله لا يرى فقد كفر!

____________________

(1) وصف المقبلي الذهبي بأنَّه كان يتكلَّف الغمز في أهل البيت، ويُعمي عن مناقبهم، ويُحابي بني أُميَّة، ولا سِيَّما المروانية.

(2) مِن الذين تكلَّموا في مسالة خلق القرآن البخاري ونصُّ قوله: أفعالنا مخلوقة وألفاظنا مِن أفعالنا.

(3) مسلم بن حجاج صاحب الكتاب المشهور.


فهذا التنزيه إنْ صحَّ هو الذي ينقم عليه به؛ لأنَّه تكفير مسلم يبوء به أحدهما مِن غير دليل، وكيف وما سلم مِن هذا التكفير أمُّ المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها، ومَن وافقها مِن الصحابة والتابعين في نفي الرؤية - ولكنَّ المحدِّثين لم يعرفوا مقدار الخطأ في الكلام؛ لأنَّه غير صنعتهم - وكلُّ صاحب سلعة لا يعرض إلاَّ سلعته، فنقِّر عن هذا المعنى وخُذْ في كلَّ فنٍّ عن أئمَّته، وإيَّاك والدخيل فيه - وتراهم يُكرِّرونه فمَن أرادوا تنزيهه، أو مدحه قالوا: مَن قال: القرآن مخلوق فهو كافر - ذكروا هذا في جماعة، منهم ابن لهيعة وغيره بلْ قالوا: ترك المحاسبي ميراث أبيه وقال:

أهل ملَّتين لا يتوارث (1) ؛ لأنَّ أباه كان واقفيّاً.

وقال يحيى بن معين أمير الجرح والتعديل:

كان عمرو بن عبيد دهرياً! قيل: وما الدهري؟ قال: يقول: لا شيء... وما كان عَمْرُ هكذا (2) .

فلو طلبت أعظم المتكلِّين، بلْ القصُّاص المجازفين لا تكاد تجد مَن يتجاسر هذا التجاسر على رجل علمه، وزهده، وتألُّهه، مثل الشمس في الضحى، وقد تبعه شطر هذه البسيطة.

وقال يحيى بن معين في عنبسة بن سعيد بن العاص بن أُميَّة: ثقة، وهو جليس الحجاج بن يوسف، وكذا قال النسائي، وأبو داود، والدارقطني، بل روى له البخاري ومسلم، وروى البخاري لمروان بن الحكم الذي رمى طلحة وهو في جيشه والمتسبِّب في خروجه على عليّ، وفعل كلِّ طامَّة.

____________________

(1) و (2) راجع تعريفهم للصحابي الذي مرّ تحت عنوان: من هو الصحابي.


وقال ابن حجر العسقلاني وهو إمام المتأخِّرين (كامل) في ترجمة مروان:

إذا ثبتت صحبته لم يؤثِّر الطعن فيه!!

كأنَّ الصحبة نبوَّة، أو أنَّ الصحابي معصوم (1) ! وهو تقليد في التحقيق بعد أنْ صارت عدالة الصحابة مسلَّم بها عند الجمهور.

والحقُّ أنَّ المراد بذلك (الغلبة) فقط؛ فإنَّ الثناء مِن الله تعالى ورسوله - وهو الدليل على عدالتهم - لم يتناول الأفراد بالنصوصية، إنَّما غايته عموم، مع أنَّ دليل شمول الصحبة لمطلق الرأي (2) ونحوه ركيك جداً، وليت شعري مَن المخاطب الموصي؟! وهل هو عين الموصى به في نحو قوله (صلى الله عليه وسلم): لا تسبُّوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً لم يبلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه.

فانظر أسباب تلك الأحاديث (3) وهو وقوع شيء مِن متأخِّري الإسلام في حقِّ بعض السابقين، كما قال لعمار رضي الله عنه: أيسبُّني هذا العبد!.

وإذا أردت تعميم اسم الصحبة مِن الطرف الأعلى إلى الأدنى، أعني: مِن السابقين إلى مَن ثبت له مطلق الرؤية، فانظر مواقع الممادح التي كانت في الكتاب والسنَّة، وأفرق بين ما يقضي بالدرجة المنيفة، التي أقلُّ أحوالها العدالة وما يقضي بنوع شرف، مع أنَّه ربَّما جاء تفريق النبوي صريحاً كقوله (صلّى الله عليه وسلم) في بعض فقراء الصحابة:

(هو خيرٌ مِن ملء الأرض مثل هذا) .

____________________

(1-2) راجع تعريفهم للصحابي الذي مرَّ تحت عنوان: مَن هو الصحابي.

(3) قيل: هذا الحديث عندما تقاول عبد الرحمان بن عوف، وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال، ولما بلغ ذلك رسول الله قال: لا تسبُّوا أصحابي الحديث، فهو - إذاً - في مناسبة خاصة والحديث رواه مسلم.


يعني بعض الرؤساء مِن متأخِّري الإسلام.

وعلى الجملة فمَن تتبَّع تلك الموارد، وسوَّى بين الصحابة فهو أعمى، أو متعامٍ.

فمنهم مَن علمنا عدالتهم ضرورة، وهو الكثير الطبيب، ولذا قلنا: (إنَّها غالبية فيهم)، بحيث يسوغ ترك البحث في أحوالهم.

ومِن الصحابة نوادر ظهر منهم ما يخرج عن العدالة فيجب إخراجه (كالشارب) (1) مِن العدالة لا مِن الصحبة.

ومنهم مَن أسلم خوف السيف كالطلقاء (2) وغيرهم.

فمَن ظهر حسن حاله فذاك. وإلاَّ بقي أمره في حيِّز المجهول وهم في حيِّز الندور، ومع هذا فالعدالة غير العصمة، وقد غلا الناس فيمَن نبتت صحبته في التعنُّت في إثبات العدالة.

فلو سلَّمنا شمول الصحبة، ثمَّ العدالة لم يبلغ الأمر إلى الحدِّ الذي عليه غلاة الرواة.

ولو نفعت الصحبة نحو بشر بن مروان على نحو الثبوت، أو الوليد لتُبيِّن لنا، أنَّ الصحبة لا يضرُّ معها عمل غير الكفر، فتكون الصحبة أعظم مِن الإيمان، ويكون هذا أخصَّ مِن مذهب مقاتل وأتباعه مِن المرجئة!!

ثمَّ أين أحاديث (لا تدري ما أحدثوا بعدك)، وهي متواترة المعنى، بلْ لو أدعي في بعضها تواتر اللفظ لساغ ذلك، والمدَّعون للسنَّة ادَّعوا الصحبة أو ثبوتها لمَن لم يقض له بها دليل، وفرَّعوا عليها ما ترى. ثمَّ بنوا الدين على ذلك ألم يقل الله: ( ... إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا... ) في رجل مُتبيَّن صحبته (3) ولم تزل حاله مكشوفة مع الصحبة.

____________________

(1) أي شارب الخمر.

(2) كأبي سفيان ومعاوية. ومَن معهما.

(3)أي إنَّه مِن الصحابة وهو الوليد بن عقبة.


ومنهم مَن شرب الخمر (1) ، وما لا يُحصى ممَّا سكت عنه رعاية لحقِّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، ما لم يُلجئ إليه ملجأ ديني فيجب ذكره.

ومِن أعظم المُلجئات ترتُّب شيء مِن الدين على رواية مروان، والوليد بن عقبة (2) وغيرهما، فإنَّها أعظم خيانة لدين الله، ومخالفة لصريح الآية الكريمة، والنقم بذلك لا يعود على جملة الصحابة بالنقص، بلْ هو تزكية لهم، فإيَّاك والاغترار!

ولا شكَّ أنَّ البخاري مِن سادات المحدِّثين الرفعاء - فما ظنُّك بمَن دونه - ومع هذا تجنَّب (البخاري) مالا يُحصى مِن الحفَّاظ العبَّاد، كما يُخبرك عنه كتب الجرح والتعديل، وعلي بن المديني تجنَّبه مسلم.

وقال العجلي في عمر بن سعد بن أبي وقاص تابعي ثقة روى عنه الناس. وهو الذي باشر قتل الحسين.

فقل لي: أيَّ جرح في الدين أكبر مِن هذا! وهذا تنبيه.

وإلاَّ فهذا باب لو فُتح وصنِّف فيه لكان فنَّاً كبيراً، وكذلك سائر الكلام مِن المحدِّثين في مخالفيهم في العقائد فاختبره، وشاهد هذه الدعوى مِن كتب الجرح، فتأمَّل كلامهم في الموافق والمخالف، واجعله مِن شهادة الأعداء، وأهل الإحن.

وليتهم جعلوا ذلك باطناً وظاهراً، ولكنْ يقولون:

نحن نروي عن المبتدعة، ثمَّ يُعاملونهم هذه المعاملة.

قال يحيى بن معين: وقيل له في سعيد بن خالد البجلي حين وثَّقه (شيعي).

____________________

(1) كقدامة بن مظعون.

(2) هو الذي نزلت فيه الآية ( ... إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا... ) .


قال: وشيعيٌّ ثقة، وقدريٌّ ثقة.

وقال العجلي: كذلك في عمران بن حطان ثقة، وهو خارجي مدح ابن ملجم (1) (لعنه الله) بقوله:

يا ضربة مِن تقيٍّ ما أراد بها

إلاَّ ليبلغ عند الله رضوانا

فانظر عمَّن رضي بقتل علي، وعمَّن قتله طلحة، وعمَّن قتل الحسين، وتوثيقهم لهم.

وأمَّا علماء الأُمَّة، وحفَّاظها كحماد بن سلمة الإمام، ومكحول العالم الزاهد، فتجنَّبهم مثل البخاري ومسلم أيضاً.

وقد اختلفت عقائد المحدِّثين، فترى الرجل الواحد تختلف فيه الأقوال، حتَّى يوصف بأنَّه أمير المؤمنين، وبأنَّه أكذب الناس، أو قريب مِن هاتين العبارتين، وانظر الصحيحين كم تحامى صاحباهما مِن الأئمَّة الكبار، الذين يتطلَّب النقم عليهم تطلُّباً، ولو نظر تجنُّب أفضلهم لاضمحلَّ، ولما أثَّر في ظنِّ صدقهم إلاَّ كقطرة دمٍ في بحر يمٍّ، وفي رجالهما مَن صرَّح كثير مِن الأئمَّة بجرحهم، وتكلَّم فيهم مَن تكلَّم بالكلام الشديد، وإنْ كان لا يلزمهما - أعني صاحبي الصحيحين - إلاَّ العمل باجتهادهما.

وأعجب مِن هذا أنَّ في رجالهما مَن لم يثبت تعديله، وإنَّما هو في درجة المجهول، أو المستور.

قال الذهبي: في ترجمة حفص بن بغيل قال ابن القطان: لا يُعرف له حال ولا يُعرف، يعني فهو مجهول العدالة، ومجهول العين، فجمع الجهالتين.

قال الذهبي: لم أذكر هذا النوع في كتابي (الميزان).

____________________

(1) ابن ملجم هو الذي اقترف إثمَ قتل عليٍّ رضي الله عنه.


قال ابن القطان: تكلَّم في كلِّ ما لم يقل فيه إمام عاصر ذلك الرجل، أو أحد ممَّن عاصره ما يدلُّ على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين مِن هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعَّفهم أحد، ولا هم مجاهيل.

وقال في ترجمة مالك بن خير الزبادي:

في رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أحداً نصَّ على توثيقهم.

فانظر: هذا العجب. يروي عمَّن حاله ما ذكر، ويترك أئمة مشاهير مصنِّفين لأنَّهم قالوا بخلق القرآن، أو وقفوا، أو نحو ذلك.

والعجب هنا مِن مجاملة الذهبي بقوله: ولا هم مجاهيل، فمَن لم يعلم عدالته لم تشمله أدلَّة قبول خبر الآحاد الخاصة بالعدول، واللا اصطلاح على تسميته مستوراً لا يدخله في العدول الذين تتناولهم أدلَّة قبول الآحاد، فهذا تفريط، وإفراط!

يترك أبا حنيفة، ومحمد بن الحسن، وابن إسحاق، وداود الظاهري.

ومنهم: مَن أذعن له الناس في المغازي، ومنهم: مَن تبعه شطر أهل البسيطة، ثمَّ يروي عن مستور لا يعلم مَن هو، ولا ما هو.

وليس مرادنا الحطَّ مِن الصحيحين، ولكنْ ليعلم أنَّ الخلاف دخلت مفسدته في كلِّ شعب، فهذا هو ما نحن بصدده مِن التنقير عن الخلاف فاعلمه. ا هـ باختصار (1) .

ثمَّ قال المقبلي في ذيل هذا الكتاب المسمَّى بالأرواح النوافخ فيما شرح به قوله (2) :

____________________

(1) مِن كتاب العلم الشامخ للمقبلي.

(2) ص 687 - 688.


وادَّعوا الصحبة وأثبتوها لمَن لم يقض له بها دليل:

وجه هذا الكلام ما كرَّرناه أنَّهم يصطلحون على شيء في متأخِّر الأزمان، ثمَّ يفسِّرون الكتاب، والسنَّة باصطلاحهم المجدَّد.

والصحبة ليس فيها لسان شرعي إنَّما هي بحسب اللغة، وكذلك سائر الألفاظ التي وردت بها فضائل الصحابة، لكنَّ المحدِّثون اصطلحوا أو قضوا بغير دليل، على أنَّ الصحبة لكلِّ مَن رأى النبي، أو رأى هو النبي ولو طفلاً، بشرط أنْ يكون محكوماً بإسلامه، ويموت على ذلك، ولا يرتد.

ولا يشكُّ مُنصف بلْ عاقل أنَّ هذه القيود أمر اصطلاحي لا تقضي اللغة بها؛ لأنَّ الاشتقاق إنَّما هو مِن صحب، لا مَن رأى أو رُئي تحقيقاً أو تقديراً، ليدخل الأعمى.

وكان عليهم أنْ يقولوا تقديراً قريباً أو نحوه؛ ليخرج المعاصر الذي لم يره، بلْ ليخرج كلُّ احد؛ إذ التقدير بحر واسع، فهذا أصل الخطأ في هذه المسألة، كما قد حذَّرناك مِن هذه الغلطة التي وقع الناس كثيراً فيها.

ثمَّ بعد أنْ تمَّ لهم تعريف الصحبة ذيَّلوها بإطراح ما وقع مِن مسمَّى الصحابي، منهم مَن يتستَّر بدعوى الاجتهاد، دعوى تكذِّبها الضرورة في كثيرة مِن المواضع.

ومنهم مَن يُطلق! - ويا عجباه مِن قلَّة الحياء في ادعاء الاجتهاد - لبسر بن أرطأة (1) ، الذي انفرد بأنواع الشرِّ لأنَّه مأمور المجتهد معاوية ناصح

____________________

(1) نقل الحافظ ابن حجر في الإصابة أنَّ معاوية وجَّه بسر بن أرطأة إلى اليمن والحجاز، وأمره أنْ ينظر مَن كان في طاعة علي فيوقع بهم ويقتلهم، وهو الذي قتل طفلين لعبيد الله بن عباس، ولأُمهما عائشة بنت المدان قصيدة في ذلك، نكتفي منها بهذا البيت:

أنحى عليَّ ودجى إنِّي مُرهَفة

مشحوذة وكذلك الإثم يقترف

ثمَّ وسوست فكانت تقف في الموسم تُنشد هذا الشعر وتهيم على وجهها.


الإسلام في سبِّ عليّ بن أبي طالب وحزبه. وكذلك مروان، والوليد الفاسق، وكذلك الاجتهاد الجامع للشروط في البيعة ليزيد ومَن أشار بها وسعى فيها، أو رضيها وما لا يُحصى، والله ما قال قائلهم ذلك نصحاً لله ولرسوله، اللَّهمَّ، إلاَّ مُغفَّل لا يدري ما يخرج مِن رأسه، قد سلَّم مقدِّمات وغذَّى لحمه، وعروقه بالهوى، والتقليد، وعوَّد جسمه ما اعتاد، فصار بذلك غذاؤه. ثمَّ أخذ يتجاسر في البناء على ذلك، كنظائر لها قلَّما يخلو منها أحد، وإنْ اختلفت مكانتها في الدين. غايته أنَّ الورِع يتحرَّز مِن الرضا بتلك الطوام، فمَن غاب عن المعصية ثمَّ رضيها، كان كمَن حضرها، والعكس كما صرَّح به الحديث النبوي... ا هـ (1) (*) .

____________________

(1) ممَّن جعلوهم مِن الصحابة مَن لمز النبي (صلّى الله عليه وسلم) في الصدقات، ومنهم مَن آذاه وقال: ( ... هُوَ أُذُنٌ... ) ، ومنهم مَن اتَّخذوا مسجداً ضراراً وتفريقاً بين المؤمنين، ومنهم مَن كان في قلبه مرض، ومنهم: المعوِّقون، ومنهم الذين اعتذروا في غزوة تبوك وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، وحلفوا للنبي، فقبل منهم علانيَّتهم فنزل فيهم قوله ( سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) .

وفي هذه الغزوة هم أربعة عشر منافقاً أنْ يفتكوا برسول الله في ظلمات الليل عند عقبة هناك. ولمَّا انصرف النبي مِن هذه الغزوة إلى المدينة، كان في الطريق ماء يخرج مِن وشل بوادي المشقَّق، فقال رسول الله: (مَن سبقنا إلى ذلك الماء فلا يسقينَّ منه شيئاً حتَّى نأتيه). فسبقه إليه نفر مِن المنافقين واستقوا ما فيه فلمَّا أتاه رسول الله! وقف عليه فلم يرَ فيه شيئاً، ولمَّا علم النبي بأمر المنافقين قال: (أولم ننههم أنْ يستقوا منه شيئاً حتى نأتيه)، ثمَّ لعنهم ودعا عليهم.

وبحسبك أنْ تجد أنَّ في القرآن سورة تسمَّى سورة المنافقين. وسيأتيك بيان مفصَّل عن المنافقين في غزوة تبوك.

وروى البخاري عن زيد بن ثابت: لمَّا خرج النبي إلى أُحد، رجع ناس مِن أصحابه فقالت فرقة منهم: نقتلهم وقالت فرقة: لا نقتلهم، نزلت الآية الكريمة: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ... ) ، الآية قال الراغب في مفرداته: أركسهم أي ردَّهم إلى كفرهم - والكلام في هذا الباب - كثير جدَّاً.

(*) أضواء على السنَّة المحمدية ص 344- 353.


شمول الصحبة ومميِّزاتها

كما أنَّ الصحبة تشمل مَن مردوا على النفاق، والذين ابتغوا الفتنة مِن قبل، وقلبوا لرسول الله الأُمور، وأظهروا الغدر، حتَّى جاء الحقُّ وظهر أمر الله وهم كارهون.

وفيهم: مَن كان يؤذي رسول الله وقد وصفهم الله بقوله:

( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ... وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1) . و ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) (2) .

وفيهم المخادعون والذين يُظهرون الإيمان، وقد وصفهم الله تعالى بقوله:

( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ) (3) .

( وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) (4) .

( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ) (5) .

والحاصل أنَّ الصحبة منزلة عظيمة، وفضيلة جليلة، وهي

____________________

(1) سورة التوبة: الآية 61.

(2) سورة الأحزاب: الآية 57.

(3) سورة البقرة: الآيتان 8 - 9.

(4) سورة البقرة: الآية 14.

(5) سورة التوبة: الآيات 75- 76- 77.


بعمومها تشمل مَن امتحن الله قلبه للإيمان، وأخلص لله، وجاهد، وناصر، ومَن رقى درجة الكمال النفساني. فكان مثالاً لمكارم الأخلاق، وهم يخشون الله، ويمتثلون أوامره، كما وصفهم الله بقوله:

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (1) .

كما أنَّها لم تشمل مَن لم يدخل الإيمان قلبه:

( ... يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ... ) (2) .

ليت شعري ما هذه العصمة، أكانت في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أم بعده؟! فإنْ كانت في حياته فما أكثر الشواهد على نفي ذلك:

أخرج البيهقي بسنده، عن أبي عبد الله الأشعري، عن أبي الدرداء قال:

قلت: يا رسول الله، بلغني أنَّك تقول: (ليرتدنَّ أقوام بعد إيمانهم)؟

قال (صلّى الله عليه وآله وسلم): (أجل، ولست منهم!) (3) .

ومِن الغريب أنْ البعض علَّل ذلك بأنَّ المراد مِن هؤلاء المرتدِّين، هم الذين قتلوا عثمان، وإنَّ أبا الدرداء مات قبل قتل عثمان، وبهذا التوجيه يتوجَّه الطعن على أكثر الصحابة، فإنَّهم اشتركوا بقتل عثمان،

____________________

(1) سورة الأنفال: الآيات 2- 3- 4

(2) سورة الفتح: الآية: 11.

(3) تاريخ ابن كثير: 6 / 170


والمُتخلِّفون عن ذلك عدد لا يتجاوز أصابع الكفِّ.

وبمقتضى هذا التأويل، يدخل في قائمة الحساب عدد كثير هو أضعاف ما في قائمة الشيعة مِن المؤاخذات، ومِن الشواهد على نفي العدالة في زمان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):

1- كان رجل يكتب للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وقد قرأ البقرة، وآل عمران، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يُملي عليه غفوراً، رحيماً، فيكتب: عليماً، حكيما. فيقول له النبي: (اكتب كذا وكذا) . فيقول: أكتب كيف شئت، ويُملي عليه عليماً حكيماً فيكتب: سميعاً بصيراً، وقال:

أنا أعلمكم بمحمد. فمات ذلك الرجل. فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): (إنَّ الأرض لا تقبله).

قال أنس: فحدَّثني أبو طلحة، أنَّه أتى الأرض التي مات فيها الرجل، فوجده منبوذاً، فقال أبو طلحة:

ما شأن هذا الرجل؟! قالوا: دفنَّاه مراراً فلم تقبله الأرض.

قال ابن كثير: وهذا على شرط الشيخين ولم يُخرجاه (1) .

2- وهذا الوليد بن عقبة بن أبي معيط، الذي سمَّاه الله فاسقاً حينما أرسله النبي (صلّى الله عليه وآله) على صدقات بني المصطلق، فعاد وأخبر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّهم خرجوا لقتاله، فأراد أنْ يُجهِّز لهم جيشاً، فأنزل الله فيه:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ... ) (الآية)، فقد كان في عداد الصحابة، فأين العدالة مِن

____________________

(1) تاريخ ابن كثير: 6 / 170.


الفاسق؟! (1) .

3- وهذا الجدّ بن قيس أحد بني سلمة، نزلت فيه:

( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) (2).

4- وهذا مسجد ضرار، وما أدراك ما مسجد ضرار؟! قد بناه قوم وسمِوا بالصحبة، يتظاهرون فيه بأداء الصلاة في أوقات لا يسعهم الوصول إلى النبي (صلّى الله عليه واله وسلم)، ولكنْ فضح الله سرَّهم، وأبان أمرهم فهم منافقون.

وانزل الله فيهم: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (3) .

وكانوا اثني عشر رجلاً مِن المنافقين منهم:

خذام بن خالد بن عبيد، ومِن داره أخرج المسجد.

ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن أبي الأزعر وغيرهم (4) .

5- وهذا ثعلبة بن حاطب بن عمر بن أميَّة، ممَّن شهد بدراً وأُحداً، فقد منع زكاة ماله، فأنزل الله فيه:

( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم

____________________

(1) تفسير ابن كثير: 4/ 212.

(2) سيرة ابن هشام: 2/ 332.

(3) سورة التوبة: الآية 107.

(4) سيرة ابن هشام: 1/ 341، وتفسير ابن كثير 2/ 388.


مُّعْرِضُونَ ) (1) .

وكان ثعلبة هذا مِن الصحابة ملازماً لأداء الصلاة في أوقاتها، وكان فقيراً مُعدماً، فقال لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم):

ادع لي أنْ يرزقني مالاً.

فقال (صلّى الله عليه وآله وسلم): (ويحك يا ثعلبة! قليل تشكره خير مِن كثير لا تُطيقه).

فقال ثعلبة:

والذي بعثك في الحق نبيَّاً، لئن دعوت الله فيرزقني مالاً لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (اللَّهم، ارزق ثعلبة مالاً)، فزاد وِفره، وكثُر ماله، وامتنع مِن أداء زكاته، فأعقبه نفاقاً إلى يوم يلقاه بما أخلف وعده وكان مِن الكاذبين.

6- وهذا ذو الثدية كان في عداد الصحابة مُتنسِّكاً عابداً، وكان يُعجبهم تعبُّده واجتهاده، فأمر النبي بقتله، وكان (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: (إنَّه لرجل في وجهه لسفعة مِن الشيطان)، وأرسل أبا بكر ليقتله، فلمَّا رآه يصلِّي رجع، وأرسل عمراً فلم يقتله، ثمَّ أرسل عليَّاً (عليه السلام) فلم يُدركه (2) وهو الذي ترأس الخوارج وقتله علي (عليه السلام) يوم النهروان.

7- وهؤلاء قوم وسِموا بالصحبة، كانوا يجتمعون في بيت سويلم، يثبِّطون الناس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأمر مَن أحرق عليهم بيت سويلم (3) .

____________________

(1) سورة التوبة الآيتان: 75و 76.

(2) الإصابة في تميز الصحابة: 1/429.

(3) سيرة ابن هشام: 3/235.


8- وهذا قزمان بن الحرث شهد أُحداً، وقاتل مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قتالاً شديداً، فقال أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ما أجزأ عنَّا أحد كما أجزأ عنَّا فلان! فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): (أمَّا إنَّه مِن أهل النار).

ولمَّا أصابته الجراحة وسقط فقيل له:

هنيئاً لك بالجنَّة يا أبا الغيداق.

قال: جنة مِن حرمل، والله، ما قاتلنا إلاَّ على الأحساب.

9- وهذا الحكم بن أبي العاص بن أُميَّة بن عبد شمس، طريد رسول الله ولعينه، وهو والد مروان وعمُّ عثمان.

حدَّث الفاكهي بسند عن الزهري، وعطاء الخراساني أنَّ أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله) دخلوا عليه وهو يلعن الحكم فقالوا: يا رسول الله، ما باله؟!

فقال: (دخل على شقِّ الجدار وأنا مع زوجتي فلانة).

ومرَّ النبي بالحكم فجعل الحكم يغمز النبي بإصبعه فالتفت فرآه، فقال: (اللَّهمَّ، اجعله وزغاً)، فزحف مكانه (1) . وكان يسمى خيط الباطل.

وقال (صلّى الله عليه وآله) فيه: (ويلٌ لأُمَّتي ممَّا في صُلب هذا).

ومِن حديث عائشة أنَّها قالت لمروان بن الحكم:

أشهد أنَّ رسول الله لعن أباك وأنت في صُلبه.

____________________

(1) الإصابة: 3/ 235.


10- وهذه أمُّ المؤمنين عائشة لم يُثبت لها (صلّى الله عليه وآله) الإيمان كما حدَّث كثير بن مروة عنها: إنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (أطعمينا يا عائشة).

قالت: ما عندنا شيء.

فقال أبو بكر: إنَّ المرأة المؤمنة لا تحلف أنَّه ليس عندها شيء وهو عندها.

فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): (ما يُدريك أنَّها مؤمنة؟! إنَّ المرأة المؤمنة في النساء كالغراب الأبقع في الغربان) (1) .

وهذا إنكار مِن النبي (صلّى الله عليه وآله) على القطع بالعدالة، والإيمان.

ولو كان كما يدَّعى لقال مؤيِّداً لقول أبي بكر. نعم، إنَّها مؤمنة، وزوجة نبي ومِن أهل الجنَّة، ولكنَّه (صلّى الله عليه وآله) لم يرض بذلك الاعتقاد، وإنَّما الأُمور منوطة بالعمل وحسن الخاتمة.

ويدلُّ على ذلك أنَّه (صلّى الله عليه وآله) عاد كعباً في مرضه، فقالت أمُّ كعب: هنيئاً لك الجنَّة يا كعب، فقال (صلّى الله عليه وآله):

(مَن هذه المتألِّية على الله عزَّ وجل؟!).

قال كعب: هي أُمِّي يا رسول الله.

فقال (صلّى الله عليه وآله): (وما يُدريك يا أمَّ كعب، لعلَّ كعباً قال ما لا يُعنيه، ومنع ما لا يُغنيه) (2) .

____________________

(1) علل الحديث لا بن أبي حاتم: 1/439.

(2) تاريخ بغداد: 4/273.


11- وأخرجا النسائي في صحيحه، عن ابن عباس في نزول قوله تعالى:

( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) أنَّه قال:

كانت امرأة تصلِّي خلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حسناء مِن أحسن الناس، وكان بعض القوم يتقدَّم لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخَّر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه ليراها. فأنزل الله فيهم ذلك.

12- وأخرج ابن حنبل مِن طريق ابن عباس، وابن عمر أنَّهما سمعا النبي (صلّى الله عليه وآله) على منبره يقول: (لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجماعات، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم ثم َّليكتبنَّ مِن الغافلين) (1) .

13- وأخرج أحمد في مسنده: عن عبد الله بن مسعود، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنَّه قال لأصحابه: (أنا فرطكم على الحوض ولأنازعنَّ أقواماً ثمَّ لأغلبنَّ عليهم فأقول: يا ربِّي أصحابي، فيقول: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (2) .

وأخرج عن ابن مسعود أيضاً بلفظ: (وأنِّي مُمسك بحجورك إنْ تهافقوا في النار كتهافت الفراش) (3) .

وأخرج الترمذي عن النبي (ص) ويؤخذ مِن أصحابي برجال ذات اليمين، وذات الشمال فأقول: (يا ربِّي أصحابي! فيقال: إنَّك لا تدري

____________________

(1) مسند أحمد: 5/40.

(2) مسند أحمد: 5/231.

(3) مسند أحمد: 6/51.


ما أحدثوا بعدك، فإنَّهم لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ... ) ) (1)

وأخرج مسلم مِن طريق عائشة بلفظ: (إنِّي على الحوض أنتظر مَن يرد عليَّ منكم، فو الله، لينقطعنَّ رجال فلأقولنَّ: أي ربِّي...) الحديث.

وأخرج مثله مِن طريق أمِّ سلمة (2) .

ولعلَّ الاستمرار بذكر الشواهد - وما أكثرها - يوجب الإطالة، والإطالة توجب المَلل؛ فلهذا نكتفي بالقليل مِن البيان حول الشواهد على نفي العدالة المزعومة: (لكلِّ مَن هبَّ ودرج) .

والحقُّ أنَّ الصحبة بما هي فضيلة جليلة، لكنَّها غير عاصمة، فإنَّ فيهم العدول، والأولياء والصدِّيقون، وهم علماء الأُمَّة، وحملة الحديث، وفيهم مجهول الحال، وفيهم: المنافقون وأهل الجرائم، كما أخبر تعالى بقوله: ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) (3) .

وفيهم: مَن كان يؤذي رسول الله (صلّى الله عليه وآله):

( ... وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (4) .

____________________

(1) صحيح الترمذي: 2/67.

(2) صحيح مسلم: 4/65 - 67.

(3) سورة التوبة: الآية 101.

(4) سورة التوبة: الآية 61.


فإلى الله نبرأ مِن هؤلاء، وممَّن ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (1) .

والذين ( ... يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (2) .

والكتاب العزيز يُعلن بصراحة، عن وجود طائفة تستمع إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولكنْ طبع الله على قلوبهم لأنَّهم اتبعوا الهوى، فقال تعالى:

( وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ) (3) .

كما أعلن تعالى لعن طائفة منهم، وهم الذين في قلوبهم مرض، والذين يُفسدون في الأرض ويقطعون أرحامهم ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (4) .

أجل، أين ذهب أولئك بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وقد جرَّعوه الغصص في حياته، ودحرجوا الدِّباب، فهل انقلبت حالهم بعد موته (صلّى الله عليه وآله) مِن النفاق إلى الإيمان؟ ومِن الفساد إلى الصلاح، ومِن الشكِّ إلى اليقين، فأصبحوا في عداد ذوي العدالة مِن

____________________

(1) سورة المجادلة: الآية 16.

(2) سورة النساء: الآيتان 142- 143.

(3) سورة محمد(ص): الآية 16.

(4) سورة محمد(ص): الآيتان 23- 24.


الصحابة الذين طُبعت نفوسهم على التُّقى والورع، وعفَّة النفس والعلم، والحلم، والتضحية في سبيل الله، وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله:

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (1) .

فنحن لا نرتاب في ديننا، ولا نُخالف قول الحقِّ في تمييز منازل الصحابة، ودرجاتهم فنتَّبع الصادقين منهم، ونوالي مَن اتَّصف بتلك الصفات التي ذكرها الله ورسوله، كما أنَّا لا نأتمن أهل الخيانة لله ورسوله، ففي ذلك جناية على الدين وخيانة لأمانة الإسلام، ولا نركن لمَن ظلم منهم، ولا نوادُّ مَن حادَّ الله ورسوله.

هذا هو قوله الحقُّ. والحقُّ أحقُّ أنْ يُتَّبع (2) .

* * *

الصحابة في حدود الكتاب والسنَّة

وهل تجاوزت الشيعة في نقد أعمال بعض الصحابة حدود الكتاب والسنَّة؟ إذ وجدوا في أعمالهم مخالفة ظاهرة، لا يُمكن لها التأويل والتسامح؛ لأنَّ عموم الصحبة لا يمنحهم سلطة التصرف بالأحكام، ولا تسوِّغ لهم مخالفة تلك الحدود، وإنَّ الاجتهاد في مقابلة النصِّ هو في الحقيقة طرح للأحكام، ونبذ للقرآن وراء الظهور، وإنَّ كثيراً منهم حديثو عهد في الإسلام، قد ألَّفت نفوسهم أشياء وطُبعت عليها، ومِن الصعب أنْ تتحلَّل منها بسرعة.

____________________

(1) سورة الحجرات: الآية 15.

(2) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1/593 - 596.


وليس مِن الإنصاف أنْ يكون هؤلاء بمنزلة أهل السبق، ومَن رسخ الإيمان في قلوبهم فنشروا الإسلام، وحملوا ألوية العدل، ونشروا العقيدة الإسلامية، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم عن نيَّة صادقة، وهاجروا عن إيمان خالص.

وقد قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة يتزوَّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) (1) .

وسأله ناس مِن أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟

فقال (صلّى الله عليه وآله): (أمَّا مَن أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ به، ومَن أساء أُخذ في الجاهلية والإسلام) (2) .

وعن صهيب مرفوعاً: (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه) (3) .

وعنه (صلّى الله عليه وآله) بلفظ: (مَن أحسن في الإسلام لم يؤاخَذ بما عمل في الجاهلية، ومَن أساء في الإسلام أُخذ في الأوَّل، والأخر) (4) .

وعن ابن عمر قال: صعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المنبر فنادى بصوت رفيع فقال:

____________________

(1) صحيح مسلم: 6/48.

(2) صحيح مسلم: 1/ 77.

(3) صحيح الترمذي: 2/151.

(4) صحيح مسلم: 1/77.


(يا معشر مَن أسلم بلسانه، ولم يُفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيِّروهم ولا تتبعوا عوراتهم. مَن تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومَن تتبَّع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) (1) .

وهكذا يتَّضح لنا - على ضوء الأحاديث النبوية وآي القرآن الكريم - مساواة الناس وشمول الأحكام لهم، وأنَّ ثبوت العدالة بالعمل، ولا أثر لها بدونه، والصحابة هم أولى بتنفيذها، والقول في اجتهادهم مطلقاً يحتاج إلى مشقَّة في الإثبات، والنتيجة عقيمة لا تُثمر كثير فائدة، والتأويل في مقابلة النصِّ معناه طرح للأحكام. فلا يصحُّ أنْ يتأوَّلوها على خلاف ظاهرها، ثمَّ يستبيحوا لأنفسهم مخالفة الظاهر منها، بلْ الأحكام شُرِّعت واحدة بين الناس لتشملهم عدالتها. فلا مجال لأحد عن الخضوع لها وتطبيقها.

ولنا في سياسة الإمام علي بن أبي طالب، وسيرته في عصر الخلفاء وفي عصره، لأكبر دليل على ما نقول:

فقد كان يُقيم الحدَّ على مَن تعدَّى حدود الله، ويعامل كلَّ واحد بما يقتضيه عمله، وبقدر منزلته عند الله تعظم منزلته عنده.

وكم كان يدعو على أولئك الذين وسمُّوا بالصحبة، وخالفوا كتاب الله وسنَّة رسوله، ونصبوا له الحرب.

وقد أعلن (عليه السلام) البراءة منهم على منبره؛ لأنَّهم خالفوا كتاب الله وسنَّة نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

ومَن وقف على عهوده (عليه السلام) لعمَّاله، ووصاياه لأُمراء جيشه، ورسائله لولاة أمره، يعرف هناك عدم الالتزام بما ألزموا الأُمَّة

____________________

(1) صحيح الترمذي: 1/365.


به، مِن القيود التي فرضتها ظروف خاصة، وهو القول بعدالة الصحابي، وإنْ ارتكب ما حرَّم الله.

والتحدُّث عن سيرة علي لا يتَّسع له مجال هذا الموضوع الذي خضناه بهذه العجالة، والغرض أنَّ أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) لا بدَّ أنْ يلتزموا باجتناب ما حرَّم الله تعالى، ويهتدوا بهدي رسوله (صلى الله عليه وآله)، ولم يفتحوا المجال لمتأوِّل في مقابلة النصِّ، وللاجتهاد شروط، ولعلَّ في قصَّة قدامة أكبر دليل على ذلك.

قدامة بن مضعون:

قدامة بن مضعون بن حبيب المتوفَّى (سنة 36هـ) كان مِن السابقين الأوَّلين، وهاجر الهجرتين، واستعمله عمر بن الخطاب على البحرين، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب مِن البحرين، وشهد على قدامة أنَّه شرب الخمر فسكر، فقال: مَن يشهد معك؟

فقال الجارود: أبو هريرة.

فقال عمر لأبي هريرة: بم تشهد؟

قال: لم أره شرب الخمر، ولكنْ رأيته سكران يقيء.

فقال عمر: لقد تنطَّعت في الشهادة، ثمَّ كتب إلى قدامة أنْ يَقدم عليه مِن البحرين، فقدم.

فقال الجارود: أقم على هذا حدَّ الله.

فقال عمر: أخصمٌ أنت أم شهيد؟!

فقال: شهيد.

فقال: قد أدَّيت شهادتك.

ثمَّ غدا الجارود على عمر فقال: أقم على هذا حدّ الله.

فقال عمر: ما أراك إلاَّ خصماً، وما شهد معك إلاَّ رجل واحد.


فقال الجارود: أُنشدك الله.

فقال عمر: لتمسكنَّ لسانك أو لأسوأنَّك.

فقال: يا عمر، ما ذلك بالحقِّ أنْ يشرب ابن عمِّك الخمر وتسوءني.

فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين، إنْ كنت تشكَّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فأسألها - وهي امرأة قدامة - فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها.

فقال عمر لقدامة: إنِّي حادُّك.

فقال قدامة: لو شربت - كما تقول - ما كان لكم أنْ تحدَّني.

فقال عمر: لم؟!

قال قدامة: قال الله عز وجل: ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ... ) الآية.

فقال عمر: أخطأت التأويل! أنت إذا اتَّقيت الله اجتنبت ما حرَّم الله.

ثمَّ أقبل عمر على الناس فقال: ما ترون في جلد قدامة؟

فقالوا: لا نرى أنْ تجلده ما دام مريضاً. فسكت على ذلك أيَّاماً، ثمَّ أصبح وقد عزم على جلده، فقال: ما ترون في جلد قدامة. فقالوا: لا نرى أنْ تجلده ما دام وجعاً.

فقال عمر: لأنْ يلقى الله تحت السياط أحبُّ إليَّ مِن أنْ ألقاه وهو في عنقي، ائتوني بسوط تامٍّ. فأمر به فجُلد (1) .

هذه قصة قدامة، وإقامة الحدِّ عليه، وتأويله فيما ارتكبه، ولم نوردها لنحطَّ مِن كرامته، أو نطعن عليه في دينه، فله شرف الهجرة

____________________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة: 3/228.


والسبق، ولكنَّا ذكرناها ليتَّضح لنا عدم صحة ما يقولون، بعدم مؤاخذة المتأوِّل، وإنْ خالف الإجماع، وما هو معلوم بالضرورة، كقضيَّة أبي الغادية وقتله لعمار بن ياسر، مع اعترافه بأنَّ ما ارتكبه جريمة توجب دخول النار.

وهناك جماعة مِن الصحابة تأوَّلوا فأخطأوا، فلم يدرأ تأويلهم الحدّ لوقوعهم في الخطأ. منهم:

أبو جندل، وضرار بن الخطاب، وأبو الأزور، فقد وجدهم أبو عبيدة قد شربوا الخمر فأنكر عليهم. فقال أبو جندل:

( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ... ) الآية، ولم ينفعهم ذلك وأقام عليهم الحدَّ.

فأين العدالة مِن إقامة الحدِّ عليهم.

وكان عبد الرحمان بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر بمصر، فأقام الحدَّ عليه عمرو بن العاص إلى كثير مِن ذلك (1) .

* * *

سياسة عمر تجاه بعض الصحابة:

وهذا عمر بن الخطاب لم يثبت العدالة لأبي هريرة، عندما استعمله على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر:

استأثرت بهذه الأموال يا عدوَّ الله، وعدوَّ كتابه.

فقال أبو هريرة:

لست بعدوِّ الله، ولا عدوِّ كتابه، ولكنْ عدوُّ مَن عاداهما.

____________________

(1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1/602- 05


فقال عمر: مِن أين لك؟

قال: خيل نتجت، وغُلَّة، ورقيق لي، وأعطية تتابعت (1) .

وفي لفظ ابن عبد ربَّه: إنَّ عمر دعا أبا هريرة فقال له:

علمت أنِّي استعملتك على البحرين، وأنت بلا نعلين، ثمَّ بلغني أنَّك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمئة دينار قال:

كانت له أفراساً تناتجت، وعطايا تلاحقت.

قال عمر: قد حسبت لك رزقك ومؤنتك وهذا فضل فأدِّه.

قال أبو هريرة: ليس لك ذلك.

قال: بلى، أوجع ظهرك، ثمَّ قام إليه بالدرَّة فضربه حتَّى أدماه، ثمَّ قال:

ائت بها. قال احتسبتها عند الله.

قال: لو أخذتها مِن حلال، وأدَّيتها طائعاً، أجئت مِن أقصى البحرين تجبي الناس لك لا لله، ولا للمسلمين؟ ما رجعت به أميمة إلاَّ لرعيَّة الحُمر، وأميمة أم أبي هريرة (2) .

هكذا رأينا عمر يقابل أبا هريره بشدَّة، ويتَّهمه بخيانة أموال المسلمين، وينسبه لعداء الله، وعداء كتابه، ولا يصدِّقه فيما يدَّعيه. ولو كان أبو هريرة عادلاً في نظر عمر لصدق قوله. ولقال: أنت عادل، أو مجتهد مُخطئ، وكذلك موقف عمر مع خالد بن الوليد في جنايته الكبرى مع مالك بن نويرة.

ويحدِّثنا البلاذري أنَّ أبا المختار، يزيد بن قيس، رفع إلى عمر بن الخطاب كلمة يشكو بها عمَّال الأهواز وغيرهم يقول فيه:

____________________

(1) تاريخ ابن كثير: 8/113.

(2) العقد الفريد: 1/26.


أبلغ أمير المؤمنين رسالة

فأنت أمين الله في النهي والأمر

وأنت أمين الله فينا ومَن يكن

أميناً لربِّ العرش يسلم له صدري

فأرسل إلى الحجَّاج فاعرف حسابه

وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر

ولا تنسينَّ النافعين كليهما

ولا ابن غلاَّب مِن سراة بني نصر (1)

إلى آخر الرسالة، وذكر فيها جماعة مِن عمَّاله الذين استأثروا بالأموال، وجلُّهم مِن الصحابة، فعاقبهم عمر، واتَّهمهم بالخيانة، والخيانة لا تجتمع مع العدالة.

ولا نُطيل الحديث حول قاعدة أصالة العدالة لكلِّ صحابي، أو تأويل الأخطاء لهم على وجه يلزم السكوت عليه.

ما ذلك إلاَّ تحدٍّ لنواميس الدين، ومقدَّسات الشريعة، ومجادلة بالباطل لحفظ كرامة معاوية وحزبه ( هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) (2) .

____________________

(1) فتوح البلدان: ص 227.

(2) سورة النساء: الآية 109، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1/605، 606.


المنافقون مِن الصحابة

ما جاء عنهم في سورة التوبة عن غزوة تبوك

ذكر البغوي وغيره، عن ابن عباس أنَّه قال: لم يكن رسول الله يعرف المنافقين حتَّى نزلت سورة براءة، وكان قبلها يعرف بعض صفاتهم وأقوالهم وأفعالهم، ممَّا جاء عنهم في عدَّة سور نزلت قبل براءة، منها سورة المنافقين، والأحزاب، والنساء، والأنفال، والقتال، والحشر.

أمَّا سورة براءة فقد فضحتهم، وكشفت جميع أنواع نفاقهم الظاهرة، والباطنة ومِن أجل ذلك سُمِّيت (الفاضحة) والمُبعثرة، والمُشرَّدة، والمُخزية، والمُثيرة، والحافرة، والمُنكِّلة، والمُدمدمة، وسورة العذاب!

وإليك بيان أُمورهم في غزوة تبوك، وحدُّها، وأعمالهم، وآيات نفاقهم، وهتك أستارهم، وعقابهم، مرتبة على سياق آيات سورة التوبة لا على الحروف (1):

____________________

(1) هذا الفصل منقول عن الجزء العاشر مِن تفسير القرآن الحكيم للإمامين محمد عبده، ومحمد رشيد رضا رضي الله عنهما، والأرقام الموضوعة هي أرقام الصفحات مِن هذا الجزء.


1- استئذانهم في التخلُّف وهو لا يقع مِن مؤمن، وإنَّما يستأذن ترك الجهاد مَن لا يؤمن بالله ولا بالآخرة (467).

2- لو أرادوا الخروج لأعدُّوا له عدَّة (471).

3- إنَّ الله كره انبعاثهم فثبَّطهم (471).

4- إنَّهم لو خرجوا في المؤمنين لم يزيدوهم إلاً خبالاً، ويبغون فتنتهم (473).

5- إنَّهم اتَّبعوا الفتنة مِن قبل تبوك في غزوة أُحد؛ إذ أوقعوا الشقاق في المسلمين، وثبَّطوا بعضهم (474).

6- إنَّهم قلَّبوا الأُمور للنبي مِن أول الأمر، إلى أنْ جاء الحقُّ بنصره وظهور أمر الله وهم كارهون لذلك (475).

7- إنَّ منهم مِن استأذن النبي في القعود متعذراً، بأنَّه يخاف على نفسه الافتتان بجمال نساء الروم، فسقطوا في فتنة معصية الله ورسوله بالفعل (477).

8- إنَّ كلَّ حسنة تُصيب النبي تسؤوهم، وكلَّ مصيبة تعرض له تُسرُّهم، ويرون أنَّهم أخذوا بالحزم في التخلُّف (478).

9- إنَّ المؤمنين يتربَّصون بالمنافقين عذاب الله مباشرة أو بأيديهم (479).

10- إنَّ صدقاتهم لا تُقبل لفسوقهم ولكفرهم، وإتيانهم الصلاة وهم كسالى، وإنفاق ما يُنفقون وهم كارهون (481).

11- تعذيبهم بأموالهم وأولادهم في الدنيا وموتهم على كفرهم (485 - 574).

12- حلفهم للمؤمنين بأنَّهم منهم، ووصف خيبتهم، وفرقهم منهم (485).


13 - لمز بعضهم للرسول في الصدقات، فإنْ أُعطوا منها رضوا، وإلاَّ سخطوا (467).

14 - إيذاؤهم له (ص) بقولهم: هو أُذنٌ (516).

15 - حلفهم للمؤمنين ليرضوهم دون إرضاء الله ورسوله (522).

16 - حذرهم إنزال سورة تُنبئهم بما في قلوبهم ووعيدهم على استهزائهم بإخراج ما يحذرون (525).

17- اعتذارهم عن استهزائهم بأنَّهم كانوا يقصدون الخوض واللعب، وكون هذا الخوض عين الكفر، ووعيدهم بتعذيب طائفة منهم بإصرارهم على إجرامهم، واحتمال العفو عن طائفة أُخرى (528 - 532).

18- بيان حال المنافقين وصفاتهم العامة ذُكراناً، وإناثاً، وإيقادهم هم والكفار نار جهنَّم ولعنهم إلخ (533).

19 - تشبيههم بمنافقي الأُمم الغابرة في كونهم لا حظَّ لهم إلا الاستماع بما ذكِّروا في خوضهم بالباطل، وحبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة مثلهم وخسارهم التام (527). وتذكيرهم بنبأ أقوام الأنبياء قلبهم (539).

20- ( ... إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) . الآية (67).

21- قرنهم بالكفار في وجوب جهادهم والإغلاظ في معاملتهم ووعيدهم (549).

22- حلفهم على إنكار ما قالوا مِن كلمة الكفر، وإثبات الله لما نفوه ( ... وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ... ) أيْ محاولة اغتياله (ص) (551 - 555).

23- مَن عاهد الله منهم على الصدقة في حالة العسر، وإخلافه،


وكذبه، بعد الغنى واليسر، وأعقبهم ذلك نفاقاً يصحبهم إلى الحشر، وجهلهم علم الله بحالهم في السرِّ والجهر (558).

24 - لمزهم وعيبهم للمؤمنين في الصدقات، وسخريَّتهم منهم. (563).

25 - حرمانهم الانتفاع باستنفار الرسول لهم بكفرهم، حتَّى بالله ورسوله لا يُرجى اهتداؤهم بالرجوع عن قسوتهم (666).

26 - فرح المخلَّفون منهم بمقعدهم خلاف رسول الله، وتواصيهم بعدم النفر في الحرِّ، وتذكيرهم بحرِّ جهنم (569).

27- كون الأجدر بهم أنْ يحزنوا، ويضحكوا قليلاً ويبكوا كثيراً (572).

28 - نهيه (ص) عن الصلاة على موتاهم، وتعليله بكفرهم وموتهم عليه (573).

29 - استئذان أغنيائهم بالتخلُّف عن الجهاد كلَّما نزلت سورة تأمر بالجمع بين الإيمان والجهاد (581).

30- حال الأعراب، واستئذان بعضهم بالقعود عن الجهاد، وقعود الكاذبين بغير اعتذار ووعيدهم بعذاب أليم على الكفر (583).

نكتفي بذلك مِن صفات المنافقين في غزوة تبوك، التي جاءت بسورة التوبة ومَن أراد المزيد مِن معرفة سائر أعمال المنافقين فليرجع إلى سور: المنافقين، والأحزاب، والنساء، والأنفال، والقتال، والحشر.

وفي الصحيحين مِن حديث الإفك أنَّ أسيد بن الخضير قال لسعد بن عبادة:

إنَّك منافق، تُجادل عن المنافقين. واختصم الفريقان فأصلح النبي بينهم - فهؤلاء البدريُّون فيهم مَن قال لآخر منهم:


إنَّك منافق، ولم يكفر النبي لا هذا ولا ذاك.

والأخبار في ذلك كثيرة، ومَن شاء أنْ يقف على أسماء المنافقين مِن الخزرج والأوس فليرجع إلى الجزء الأول مِن (أنساب الأشراف) يجد أسماءهم قد ملأت عشر صفحات كاملة مِن ص 274 إلى ص 283.

يفضِّلون التجارة واللهو عن الصلاة:

ولا بأس أنْ نورد هنا ما فعله الصحابة مع رسول الله، وانفضاضهم مِن حوله إلى التجارة واللَّهو، وتفضيل ذلك على الصلاة، وتركهم إيَّاه قائماً وحده يُصلِّي يوم الجمعة، وذلك بعد أنْ أمرهم الله سبحانه بأنْ يسعوا إلى الصلاة، ويتركوا البيع؛ لأنَّ ذلك خير لهم (إنْ كانوا يعلمون) فخالفوا عن أمر الله، وانصرفوا إلى تجارتهم، ولهوهم، مِن حول رسول الله! وإليك هذه الآية الكريمة التي تفضحهم قال تعالى:

( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) الجمعة: 11.

نفاق الصحابة على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعده:

وإليك حديثاً رواه البخاري وغيره (1) ، عن حذيفة بن اليمان يُبيِّن فيه نفاق الصحابة على عهد النبي (صلّى الله عليه وسلم) وبعده.

قال حذيفة: إنَّ المنافقين اليوم، شرٌّ منهم على عهد النبي (صلّى الله عليه وسلم)، كانوا يومئذ يُسرُّون، واليوم يجهرون!

وفي رواية أُخرى للبخاري كذلك عنه:

____________________

(1) فتح الباري: 13/62 - 63 ط مصر.


قال: إنَّما كان النفاق على عهد النبي (ص)، فأمَّا اليوم فإنَّما هو الكفر بعد الإيمان.

(وفي رواية): فإنَّما هو الكفر والإيمان.

وأخرج البزار عن أبي وائل، قلت لحذيفة: النّفاق اليوم شرٌّ أمْ على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وسلم)؟

قال: فضرب به على جبهته وقال: أوه! هو اليوم ظاهر، إنَّما كانوا يستخفون على عهد رسول الله (1) !

____________________

(1) أضواء على السنَّة المحمدية ص 356- 359 ط دار المعارف بمصر الطبعة الثالثة.


صيانة

القرآن من التحريف


قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في: وصف القرآن الكريم: (جعله الله ريَّاً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء ومحاج لطرق الصلحاء، ودواء ليس بعده داء، ونوراً ليس معه ظلمة).

نهج البلاغة


نقدِّم إلى القارئ الكريم بعض الآراء لعلماء الشيعة الإماميّة عن سلامة القرآن مِن الزيادة والنقصان.

معنى التحريف

قال الراغب الأصباني:

وتحريف الشيء إمالته كتحريف القلم. (المفردات في غريب القرآن ص 114 ط مصر).

الشيعة مأمورون بالأخذ بما يوافق القرآن

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (خطب النبي (صلّى الله عليه وآله) بمنى فقال: أيُّها الناس، ما جاءكم عنِّي يوافق كتاب الله فأنا قلته، وماجاءكم يُخالف كتاب الله فلم أقله). (أصول الكافي: 1/69 رقم الحديث 5).

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنَّ على كلِّ حقٍّ حقيقة، وعلى كلِّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه). (اصول الكافي: 1/69 رقم الحديث 1).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما لم يوافق مِن الحديث القرآن فهو زخرف). (أصول الكافي: 1/69 رقم الحديث 4).

التمسُّك بالقرآن الكريم

إنَّ الإمامية أشدُّ تمسُّكاً بالقرآن، ومحافظة عليه، وتعظيماً له، ومنه يستقون عقيدتهم وأحكامهم، وبه يدفعون شبهات المقياس المبطلين وأقوال المتحذلقين، فهو عندهم: المعجزة الكبرى، والمقياس الصحيح للحقِّ، والهداية. فقد رووا أنَّ أئمَّتهم أمروهم أنْ يعرضوا ما يُنقل عنهم على القرآن، فإنْ خالفه فهو كذب، وافتراء، وزخرف وباطل يجب ضربه في عرض الجدار (1) .

صيانة القرآن عن الزيادة والنقصان:

قال الله تعالى:

( هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ) ، ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ، ( ... كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) ، ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (2) .

(صدق الله العليُّ العظيم).

____________________

(1) الشيعة في الميزان ص 314 طبع بيروت - لبنان.

(2) المؤلِّف: علماء الشيعة الإمامية يستدُّلون بالآيات الواردة تحت عنوان: (صيانة القرآن عن =


جمع القرآن الكريم على عهد النبي (ص):

قال الإمام شرف الدين العاملي (قدِّس سرُّه):

وكان القرآن مجموعاً أيَّام النبي (صلّى الله عليه وآله) على ما هو عليه الآن مِن الترتيب، والتنسيق في آياته، وسوره، وسائر كلماته، وحروفه بلا زيادة، ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، ولا تبديل، ولا تغيير..

أجل، إنَّ القرآن عندنا كان مجموعاً على عهد الوصي، والنبوَّة، مؤلَّفاً على ما هو عليه الآن... وقد كان القرآن زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) يُطلق عليه الكتاب، قال الله تعالى:

( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) (1) البقرة: 2.

____________________

= الزيادة والنقصان) وبأحاديث كثيرة وردت عن طريق أئمَّة أهل البيت النبوي (عليهم السلام) بإرجاع شيعتهم إلى التمسُّك بهذا القرآن المتداول بين يدي عامَّة المسلمين في جميع أقطار العالم، وإليك نصَّ أوَّل إمام مِن أئمَّة العترة الطاهرة وصيِّ الرسول وخليفته (صلّى الله عليه وآله) بلا فصل أمير المؤمنين، وسيد الوصيين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

قال (عليه السلام): (وعليكم بكتاب الله؛ فإنَّه الحبل المتين، والنور المُبين، والشفاء النافع، والرَّي الناقع [ نفع العطش إذا أزاله ] والعصمة للمتمسك، والنجاة للمتعلِّق، لا يعوج فيُقام ولا يزيغ فيُستعتب، ولا تخلفه كثيرة الرَّد، وولوج السمع مَن قال به صَدَق، ومَن عمل به سبق).

(نهج البلاغة شرح محمد عبده ص 335 ط بيروت - دار المعارف).

(1) بعض الآيات التي فيها جاء ذكر(الكتاب):

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ... ) النساء: 136.

( ... قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) المائدة: 15.

( ... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ... ) النجل: 89.

( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ... ) . الجمعة: 2.

( ( ... وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً... ) الأحقاف: 12.

( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ... ) الزمر: 2.

( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) ص: 29.

( إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ... ) الزمر: 41.

=


وهذا يشعر بأنَّه كان مجموعاً، ومكتوباً فإنَّ ألفاظ القرآن إذا كانت محفوظة، ولم تكن مكتوبة لا تُسمَّى كتاباً، وإنَّما تسمَّى بذلك بعد الكتابة كما لا يخفى، وكيف كان فإنَّ رأي المحقِّقين مِن علمائنا:

أنَّ القرآن العظيم إنَّما هو ما بين الدفَّتين الموجود في أيدي الناس، والباحثون مِن أهل السنَّة يعلمون منَّا ذلك، والمنصفون منهم يصرِّحون به. (أجوبة مسائل جار الله ص 34، 37 الطبعة الثانية صيدا عام 1377 هـ).

____________________

=

( ... تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) القصص: 2.

( هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ... ) الجاثية: 29.

( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ) الواقعة: 37، 38.


لا تحريف في القرآن

1- معنى التحريف (1)

يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدَّة معانٍ على سبيل الإشراك، فبعض منها واقع في القرآن باتِّفاق مِن المسلمين، وبعض منها لم يقع فيه باتِّفاق منهم أيضاً، وبعض منها وقع الخلاف فيما بينهم، وإليك تفصيل ذلك:

____________________

(1) علماء الشيعة الإمامية الذين ألَّفوا في فقه القرآن يُنكرون التحريف، وكذلك علماء التفسير.

وأمَّا علماء الحديث والرجال مِن الشيعة فإنَّهم قائلون بتمحيص الروايات حتَّى في كتب الحديث المُعتبرة عندهم (*).

وأمَّا فقهاء الشيعة، ومؤلِّفو آيات الأحكام فهم يحتجون بالقرآن وذلك إذعاناً منهم بحجية القرآن، وصيانته مِن التحريف، وأهمُّ مِن هؤلاء جميعاً علماء الكلام، ومؤلِّفو الفلسفة الإسلامية، والحكماء منهم الذين دوَّنوا عقائد الشيعة بالأصول العلمية والفلسفية يرفضون الرأي القائل: بتحريف القرآن رفضاً باتَّاً بلْ إنَّهم في مقام الاستدلال على الإمامة والخلافة يستدلُّون بآيات مِن القرآن الكريم.

____________________

(*) راجع معجم رجال الحديث الجزء الأول.

قال الراغب الأصبهاني: وتحريف الكلام أنْ تجعله على حرف مِن الاحتمال يمكن حمله على غيره، قال عز وجل: ( ...يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ... ) و ( ... مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ... ) ( ... وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (المفردات في غريب القرآن ص 114).


الأول: (نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره) ومنه قوله تعالى: ( مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ... ) النساء: 46.

ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله، فإنَّ كلَّ مَن فسَّر القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه فقد حرَّفه، وترى كثيراً مِن أهل البدع، والمذاهب الفاسدة، قد حرَّفوا القرآن بتأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم.

وقد ورد المنع عن التحريف بهذا المعنى، وذمِّ فاعله في عدَّة مِن الروايات منها:

رواية (الكافي) بإسناده عن الباقر (عليه السلام) أنَّه كتب في رسالته إلى سعد الخير: (... وكان مِن نبذهم الكتاب أنْ أقاموا حروفه، وحرَّفوا حدوده، فهم يروونه، ولا يرعونه، والجهَّال يُعجبهم حفظ للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية...) الوافي 3/274. أبواب القرآن وفضائله.

الثاني: (النقص أو الزيادة في الحروف، أو في الحركات، مع حفظ القرآن، وعدم ضياعه، وإنْ لم يكن مميَّزاً في الخارج عن غيره).

والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعاً فقد أثبتنا فيما تقدَّم (1) عدم تواتر القراءات، وأمَّا غيرها فهو إمَّا زيادة في القرآن، وإمَّا نقيصة فيه.

____________________

(1) انظر: البيان في تفسير القرآن ص 158 طبع بيروت تحت عنوان: أدلَّة تواتر القراءات.


الثالث: (النقص أو الزيادة بكلمة، أو كلمتين، مع حفظ التحفظ على نفس القرآن المنزل).

والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام، وفي زمان الصحابة قطعاً، ويدلُّنا على ذلك إجماع المسلمين على أنَّ عثمان أحرق جملة مِن المصاحف وأمر ولاته بحرق كلِّ مصحف غير ما جمعه.

وهذا يدلُّ على أنَّ هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه، وإلاَّ لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها.

وقد ضبط جماعة مِن العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف، منهم:

عبد الله بن أبي داود السجستاني، وقد سمَّى كتابه هذا بكتاب (المصاحف).

وعلى ذلك فالتحريف واقع لا محالة، إمَّا مِن عثمان، أو مِن كتاب تلك المصاحف، ولكنَّا سنبيِّن بعد هذا إنْ شاء الله تعالى: أنَّ ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين، الذي تداولوه عن النبي (صلّى الله عليه وآله) يداً بيد.

فالتحريف بالزيادة والنقيصة إنَّما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان.

وأمَّا القرآن الموجود فليس فيه زيادة، ولا نقيصة.

وجملة القول: إنَّ مَن يقول بعدم تواتر تلك المصاحف - كما هو الصحيح - فالتحريف بهذا المعنى، وإنْ كان قد وقع عنده في الصدر الأول، إلاّ أنَّه قد انقطع في زمان عثمان، وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبي (صلّى الله عليه وآله).

وأمَّا القائل: بتواتر المصاحف بأجمعها، فلا بدَّ له مِن الالتزام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المُنزَل، وبضياع شيء منه.


الرابع: (التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة مع التحفُّظ على القرآن المنزل، والمتسالم على قراءة النبي (ص) إيّاها).

والتحريف بهذا المعنى أيضاً واقع في القرآن قطعاً. فالبسملة - مثلاً - ممَّا تسالم المسلمون على أنَّ النبي (ص) قرأها قبل كلِّ سورة غير سورة التوبة.

وقد وقع الخلاف في كونها مِن القرآن بين علماء السنَّة. فاختار جمع منهم أنَّها ليست مِن القرآن، بلْ ذهبت المالكيَّة إلى كراهة الإتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة، إلاَّ إذا نوى بها المصلِّي الخروج مِن الخلاف، وذهب جماعة أُخرى إلى أنَّ البسملة مِن القرآن.

وأمَّا الشيعة الإمامية فهم متسالمون على جزئية البسملة مِن كلِّ سورة غير سورة التوبة، واختار هذا القول جماعة مِن علماء السنَّة أيضاً... وإذاً، فالقرآن المنزل مِن السَّماء قد وقع فيه التحريف يقيناً بالزيادة، أو بالنقيصة.

الخامس: (التحريف بالزيادة بمعنى أنَّ بعض المصحف الذي بأيدينا ليس مِن الكلام المُنزل).

والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين، بلْ هو ممّا علم بطلانه بالضرورة.

السادس: (التحريف بالنقيصة، بمعنى أنَّ المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل مِن السماء، فقد ضاع بعضه على النّاس).

والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون (1) .

____________________

(1) البيان في تفسير القرآن ص 200 طبع بيروت.


2 - رأي المسلمين في التحريف

المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن، وأنَّ الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المُنزل على النّبي الأعظم (ص)، وقد صرّح بذلك كثير من الأعلام.

منهم: بطل العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي (1) في مقدِّمة تفسيره (آلاء الرحمان)، وقد نسب جماعة القول بعدم التحريف إلى كثير مِن الأعاظم منهم:

شيخ المشايخ المفيد [ محمد بن محمد النعمان ] وَالمُتَبَحّر الجامع الشيخ البهائي، والمحقِّق القاضي نور الله، وأضرابهم. وممَّن يظهر منه

____________________

(1) قال الشيخ آقا بزرك في طبقات أعلام الشيعة: الشيخ محمد جواد البلاغي المولود سنة (1282 هـ) - والمتوفَّى سنة (1352 هـ) هو: الشيخ محمد جواد بن الشيخ حسن... ابن الشيخ محمد علي بن محمد البلاغي النجفي الربعي نسبة إلى ربيعة القبيلة المشهورة. مِن مشاهير علماء الشيعة في عصره. علاَّمة جليل، ومجاهد كبير، ومؤلِّف مُكثر خبير.

(آل البلاغي) مِن أقدم بيوتات النجف وأعرقها في العلم والفضل والأدب.

أنجبت هذه الأسرة عدَّة مِن رجال العلم والدين... والمُترجَم مِن أعلام هذا البيت المعاصرين. كان أحد مفاخر العصر علماً وعملاً.

وإليك مِن مؤلَّفاته المطبوع منها: (الهدى إلى دين المصطفى) جزءان في الردِّ على عبدة الثالوث، و(أنوار الهدى) في إبطال بعض الشُّبه الإلحادية و(الرحلة المدرسية) أو المدرسة السيَّارة ثلاثة أجزاء في الردِّ على الملل الخاطئة طبع مرتَّين وتُرجِم إلى الفارسية وطُبِع أيضاً، و(التوحيد والتثليث) في الردِّ على النصارى أيضا، و(إبطال فتوى الوهابيين) بهدم قبور البقيع، ورسالة في إبطال فتوى الوهابيين أيضاً، و(البلاغ المبين) في الإلهيات، و(أجوبة المسائل البغدادية) في أصول الدين ورسالة في وضوء الإمامية وصلاتهم، وصومهم طُبعت بالإنجليزية، و(العقود المفضَّلة) في حلِّ المسائل المشكلة في الفقه، تعليقة على مباحث البيع مِن (المكاسب) للشيخ الأنصاري، و(آلاء الرحمان) في تفسير القرآن طُبع منه الجزءان الأول والثاني وهو آخر تأليفه ومِن أثمن التفاسير وأليقها بهذا العصر. وأمَّا غير المطبوع فهو كثير... الخ.

(نقباء البشر في القرن الرابع عشر: 1/324-325 طبعة النجف الأشرف - العراق).


القول بعدم التحريف: كلُّ مَن كتب في الإمامة مِن علماء الشيعة وذكر فيه المثالب، ولم يتعرَّض للتحريف فلو كان هؤلاء قائلين في التحريف لكان ذلك أولى بالذكر مِن إحراق المصحف وغيره.

وجملة القول: إنَّ المشهور بين علماء الشيعة الإمامية ومحقّقيهم، بلْ المُتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف (1) .

____________________

(1) البيان في تفسير القرآن ص 200، 201.


رأي علماء الإماميَّة بعدم الزيادة والنقيصة في القرآن

رأي الشيخ الصدوق طاب ثراه

قال العلاَّمة الجليل المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي (طاب ثراه) في مقدِّمة تفسيره (آلاء الرحمان) المطبوعة في أوائل تفسير القرآن الكريم للعلاَّمة الجليل المفسِّر، السيد عبد الله شبَّر (1) في القاهرة تحت عنوان: قول الإمامية بعدم النقيصة في القرآن:

ولا يخفى أنَّ شيخ المحدِّثين والمعروف بالاعتناء بما يروي، وهو الصدوق (طاب ثراه) (2) قال في كتاب (الاعتقاد):

____________________

(1) هو السيد عبد الله بن السيد محمد رضا شبَّر، ولد رحمه الله في النجف الأشرف عام (1188هـ) وتوفِّي في مدينة الكاظمية قرب بغداد في ليلة الخميس مِن شهر رجب (عام 1242هـ)، ودفن في رواق الكاظمين (عليهما السلام).

وقال السيد الخوانساري في (روضات الجنات):

السيد عبد الله بن محمد رضا العلوي الحسيني الكاظمي الشهير بشبَّر (على زنه سكَّر).

كان مِن أعيان فضلاء هذه الأواخر ومحدِّثيهم. فقيهاً، متبحِّراً، جامعاً، متتبِّعاً متوطِّناً بأرض الكاظمين المطهرة على مشرِّفيها السلام. وله مؤلَّفات كثيرة في التفسير، والحديث والفقه، والأصول، وغير ذلك.

(2) الشيخ الصدوق: مِن كبار علماء الإمامية في القرآن الثالث الهجري.


اعتقادنا أنَّ القرآن الذي أنزله الله على نبيِّه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو ما بين الدفَّتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر مِن ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مئة وأربع عشرة سورة، وعندنا: أنْ الضّحى، وألم نشرح سورة واحدة ولإيلاف، وألم تر كيف.. سورة واحدة، ومَن نَسب إلينا أنَّا نقول: أكثر مِن ذلك فهو كاذب (1) .

وقال الشيخ المفيد (2) محمد بن محمد بن النعمان (طاب ثراه):

____________________

=

ولِد في مدينة قم المقدسة (عام 306هـ) (وهي أولى سنيِّ سفارة الحسين بن روح، وهو السفير الثالث مِن السفراء الأربعة الذين هم نوَّاب الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، الإمام الثاني عشر (عليه السلام) في الغيبة الصغرى).

وتوفِّي في بلدة ري - طهران - (عام 381) مِن الهجرة.

مؤلَّفاته كثيرة تعرَّض لذكرها بعض أرباب المعاجم. انظر:

رجال النجاشي، فهرست الشيخ الطوسي، خلاصة الأقوال للعلاَّمة الحلّي، معالم العلماء لابن شهرآشوب، مستدرك الوسائل للعلاَّمة النوري، الذريعة إلى تصانيف الشيعة للعلاَّمة الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني وغيرها.

(1) كتاب (الاعتقاد) ص 63 طبع طهران (عام 1370 هـ) نشرته مكتبة العلاَّمة الشيخ ميرزا حسن المصطفوي، (بحر الفوائد في شرح العقائد) للعلاَّمة الحجَّة الشيخ محمد حسن الآشتياني ص 98 طبع طهران (عام 1314 هـ)، مقدِّمة تفسير (الآء الرحمان) المطبوعة في أوائل تفسير شبَّر بمصر (عام 1385) هجرية. الوافي: 3/273 طبع على الحجر بطهران (عام 1324 هـ).

(2) محمد بن محمد بن النعمان المفيد، يكنَّى أبا عبد الله المعروف بابن المعلّم، مِن جملة متكلِّمي الإمامية، انتهت إليه رياسة الإمامية في وقته، وكان مقدَّماً في العلم، وصناعة الكلام وكان فقيهاً متقدِّماً فيه. حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاظر الجواب، وله قريب مِن مئتي مصنَّف كبار، وصغار، وفهرست كتبه معروف.

ولِد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة (338هـ) وتوفِّي لليلتين خلتا مِن شهر رمضان سنة ثلاث عشر وأربعمئة (413هـ). وكان يوم وفاته يوماً لم يُرَ أعظم منه مِن كثرة الناس للصلاة عليه، وكثرة البكاء مِن المخالف والموافق. ومِن كتبه:

كتاب المقنعة في الفقه، وكتاب الأركان في الفقه، ورسالة في الفقه إلى ولده لم يتمَّها، وكتاب الإرشاد، وكتاب الإيضاح في الإمامة...الخ

(انظر: فهرست الشيخ الطوسي ص 157 - 158 طبع النجف الأشرف - العراق، رجال النجاشي ص 283 طبع الهند، نقد الرجال للنقرشي ص 331 طبع إيران ذكر مولده في 11 =


وأمَّا الوجه المجوِّز فهو أنْ يُزاد فيه الكلمة، والكلمتان، والحرف، والحرفان وما أشبه ذلك ممَّا لا يبلغ حدَّ الإعجاز، ويكون مُلتبساً عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن، غير أنَّه لا بدَّ - متى وقع ذلك - مِن أنْ يدلَّ الله عليه، ويوضِّح لعباده عن الحق فيه.

ولست أقطع على كون ذلك، بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه (1) .

رأي الشريف المرتضى (قدس سره):

قال الآشتياني:

وممّن صرَّح بعدم النقيصة علم الهدى (2) (قدِّس سرّه)، قال في جملة كلام له في تقريب عدم حدوث التغيير في القرآن المنزل للإعجاز ما هذا لفظه:

____________________

=

مِن ذي القعدة عام 336 هجري، الكنى والألقاب للقمِّي 3/197، أعيان الشيعة للسيد الأمين 10/133 طبعة بيروت (عام 1403هـ) بتحقيق الأُستاذ الكبير السيد حسن الأمين نجل المؤلِّف، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 3/199 معجم المؤلِّفين لعمر رضا كحالة طبع بيروت 11/306).

(1) أوائل المقالات في المذاهب المختارات ص 95 طبع إيران.

(2) هو عليّ بن الحسين الموسوي المتقدِّم ذكره، وسبب تسميته بـ: (علم الهدى) أنَّه مرض الوزير أبو سعيد محمد بن الحسين بن عبد الصمد في سنة عشرين وأربعمئة، فرأى في منامه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقول:

: (قل لعلم الهدى يقرأ عليك حتى تبرأ).

فقال: يا أمير المؤمنين، ومَن علم الهدى؟!

قال (عليه السلام): (عليّ بن الحسين الموسوي).

فكتب الوزير إليه بذلك، فقال المرتضى (رضي الله عنه):

الله الله!! في أمري، فإنَّ قبولي لهذا اللقب شناعة عليَّ!!

فقال الوزير: ما كتبت إليك إلاَّ بما لقَّبك به جدُّك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فعلم القادر الخليفة بذلك، فكتب إلى المرتضى تقبل يا عليّ بن الحسين ما لقَّبك به جدُّك؟ فقبل وأسمع الناس. انظر: (الكنى والألقاب للقمّي: 2/412).


المحكي: أنَّ القرآن كان على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مجموعاً مؤلَّفاً على ما هو عليه الآن، فإنَّ القرآن كان يُحفظ، ويدرَّس جميعه في ذلك الزمان حتّى عيَّن على جماعة مِن الصحابة في حفظهم له، وأنَّه كان يُعرض على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويُتلى عليه، وإنَّ جماعة مِن الصحابة مثل:

عبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عدَّة ختمات وكلُّ ذلك يدلُّ بأدنى تأمُّل على أنَّه كان مجموعاً مرتَّباً غير منثور، ولا مبثوث. إلى آخر ما ذكره (1) .

وقال الشيخ الطوسي (طاب ثراه) (2):

____________________

(1) بحر الفوائد في شرح الفرائد: ص 99 طبع طهران (عام 1314 هـ).

(2) هو الشيخ محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة، ولِد في طوس (مِن مُدن خراسان) في شهر رمضان (سنة 358هـ)، وهاجر إلى العراق، فهبط بغداد في (سنة 408هـ) وهو ابن (23) عاماً، وكانت زعامة المذهب الجعفري فيها يومذاك لشيخ الأمَّة، وعلم الشيعة محمد بن محمد بن النعمان، الشهير بالشيخ المفيد، فلازمه وعكف على الاستفادة منه، حتى اختار الله للأستاذ دار لقائه في (سنة 413هـ) فانتقلت زعامة الدين، ورياسة المذهب إلى السيد المرتضى (طاب رمسه) فانحاز شيخ الطائفة وحتى توفِّي لخمس بقين مِن ربيع الأول (سنة 436هجرية) فاستقلَّ شيخ الطائفة بالإمامة، وأصبح علماً للشيعة، ومناراً للشريعة.

وفي حوادث سنة (449هـ) كُبست دار شيخ الطائفة بالكرخ، وهاجر إلى النجف الأشرف لائذاً بجوار مولانا: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصيَّرها مركزاً للعلم، وجامعة كبرى للشيعة الإمامية، ولم يبرح شيخ الطائفة في النجف الأشرف مشغولاً بالتدريس، والتأليف مدَّة اثنتي عشرة سنة حتَّى توفِّي ليلة الاثنين (22) مِن المحرم (سنة 460هـ) عن (75) سنة ودفِن في داره، وتحوَّلت الدار بعده مسجداً حسب وصيَّته تغمّده الله برحمته الواسعة، انتهى تلخيصاً مِن ترجمته بقلم المؤرِّخ الشيخ آقا بزرك الطهراني وانظر: (الكنى والألقاب للقمي 2/359)

وقال محمد بن علي الحموي في كتابه: (التاريخ المنصوري) تلخيص الكشف والبيان في حوادث الزمان طبع دار النشر للآداب الشرقية موسكو(1963م):

(سنة ستِّين وأربعمئة مات أبو جعفر الطوسي فقيه الشيعة).


اعلم أنَّ القرآن معجزة عظيمة على صدق النبي (عليه السلام)، بل هو أكبر المعجزات وأشهرها. غير أنَّ الكلام في إعجازه، واختلاف الناس فيه، لا يليق بهذا الكتاب؛ لأنَّه يتعلَّق بالكلام في الأصول. وقد ذكره علماء أهل التوحيد، وأطنبوا فيه، واستوفوه غاية الاستيفاء. وقد ذكرنا منه طرفاً صالحاً في شرح الجمل، لا يليق بهذا الموضع؛ لأنَّ استيفاءه يخرج به عن الغرض، واختصاره لا يأتي على المطلوب، فالإحالة عليه أولى.

والمقصود مِن هذا الكتاب علم معانيه، وفنون أغراضه.

وأمَّا الكلام في زيادته، ونقصانه فممَّا لا يليق به أيضاً؛ لأنَّ الزيادة فيه مُجمع على بطلانها. والنقصان منه، فالظاهر أيضاً مِن مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح مِن مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله (1) وهو الظاهر في الروايات... ورواياتنا متناصرة بالحثِّ على قراءته، والتمسُّك بما فيه، وردّ ما يرد مِن اختلاف الأخبار

____________________

(1) هو عليّ بن الحسين الموسوي، ولِد في (سنة 355هـ) وتوفِّي لخمس بقين مِن شهر ربيع الأول (436هـ)، خلَّف بعد وفاته ثمانين ألف مجلَّد مِن مقروءاته، ومصنَّفاته، ومحفوظاته. ومِن الأموال، والأملاك ما يتجاوز عن الوصف، وصنَّف كتاباً يُقال له: الثمانين، وخلف مِن كلِّ شيء ثمانين، وعمَّر إحدى وثمانين سنة. وبلغ في العلم وغيره مرتبة عظيمة.

قلّد نقابة الشرفاء شرقاً وغرباً، وإمارة الحاج والحرمين، والنظر في المظالم، وقضاء القضاء وبلغ على ذلك ثلاثين سنة. (الكنى والألقاب للقمي: 2/483 طبعة صيدا - لبنان).

وقال ابن العماد الحنبلي: كان إماماً في التشيّع، والكلام، والشعر، والبلاغة كثير التصانيف متبحِّراً في فنون العلم. أخذ عن الشيخ المفيد.

ونقل ابن العماد عن ابن خلكان قال: كان إماماً في علم الكلام، والشعر، والأدب، وله تصانيف على مذهب الشيعة، ومقالة في أصول الدين، وله: ديوان شعر إذا وصف الطيف أجاد فيه.

(شذرات الذهب: 3/256 طبع القاهرة).


في الفروع إليه. وقد روي عن النبي (ص) رواية لا يدفعها أحد أنَّه قال:

(إنِّي مخلِّف فيكم الثقلين، ما إنْ تمسَّكتم بهما لن تضلُّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليّ الحوض).

وهذا يدلُّ على موجود في كلِّ عصر؛ لأنَّه لا يجوز أنْ يأمر بالتمسُّك بما لا نقدر على التمسُّك به، كما أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) ومَن يجب اتِّباع قوله حاصل في كلِّ وقت.

وإذا كان الموجود بيننا مُجمعاً على صحَّته؛ فينبغي أنْ نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه، ونترك ما سواه (1) .

وقال الشيخ الطبرسي طاب ثراه (2) في مقدِّمة تفسيره:

____________________

(1) تفسير التبيان: 1/3 المطبعة العلمية النجف الأشرف - العراق (عام 1376هـ).

(2) هو: الفضل بن الحسن بن الفضل، أمين الدين أبو علي الطبرسي، ثقة فاضل ديِّن عين مِن أجلاَّء هذه الطائفة، له تصانيف حسنة منها كتاب مجمع البيان في تفسير القرآن عشر مجلَّدات، والوسيط في التفسير أربع مجلَّدات، والوجيزة مجلَّدة.

انتقل رحمه الله مِن المشهد المقدس الرّضوي - على ساكنه مِن الصلاة أفضلها ومِن التحيَّات أكملها - إلى سبزوار في شهور ثلاث وعشرين وخمسمئة، وانتقل بها إلى دار الخلود ليلة النحر سنة ثمان وأربعين وخمسمئة رضي الله عنه.

(نقد الرجل ص 366 ط طهران للسيد مصطفى التفريشي، وانظر ترجمته في أمل الآمل: 2/216 ط بيروت عام 1403 هـ، وفي لؤلؤة البحرين ص 346 ط النجف الأشرف وفي: رياض العلماء 4/340 ط قم - إيران للميرزا عبد الله أفندي الأصبهاني وفي روضات الجنات: 5/375 ط قم - إيران للسيد الخوانساري، وفي جامع الرواة 2/4 ط بيروت، وذكر السيد حسن الصدر في تأسيس الشيعة ص 419 ط بغداد وفاته سنة أربعين وخمسمئة، والمحدِّث النوري في مستدرك الوسائل: 3/486 ط طهران، وفي إيضاح المكنون 2/433 ط بيروت، للبغدادي، والشيخ عباس القمي في الفوائد الرضوية ص 350 ط طهران وفي الكنى والألقاب 2/440 ط النجف الأشرف - العراق، والسيد محسن الأمين في: أعيان الشيعة: 8/398 ط بيروت عام 1403 بتحقيق ولده الأستاذ السيد حسن الأمين).


وقبل أنْ نشرع في تفسير السور والآيات، فنحن نُصدِّر الكتاب بذكر مقدِّمات لا بدَّ مِن معرفتها لمَن أراد الخوض في علومه تجمعها فنون سبعة. وذكر في الفنِّ الخامس رأي السيد الشريف الرضي وقال:

واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب: (المسائل الطرابلسيّات) وذكر في مواضع أنَّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنَّ العناية اشتدَّت، والدواعي توفَّرت على نقله، وحراسته، وبلغت إلى حدِّ لم يبلغه فيما ذكرناه؛ لأنَّ القرآن معجزة النبوَّة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه، وحمايته الغاية حتَّى عرفوا كلِّ شيء اختلف فيه مِن إعرابه، وقراءته، وحروفه، وآياته، فكيف يجوز أنْ يكون مُغيِّراً، أو منقوصاً مع العناية الصادقة، والضبط الشديد... الخ (1) .

* * *

رأي الفيض الكاشاني (2)

قال العلاَّمة المولى محسن بن مرتضى المعروف بالفيض

____________________

(1) مجموع البيان 1/15 مطبعة العرفان صيدا - لبنان، وقد تقدَّم ذكر هذا التفسير في كشف الظنون: 2/1602 للحاج خليفة.

(2) قال الشيخ عباس القمي رحمه الله * محمد بن مرتضى المدعو بمحسن الكاشاني كان المحدِّث الكاشاني مِن أرباب العلم والفهم والمعرفة والمكاشفة ومِن العرفاء الشامخين والعلماء المحدِّثين.

يروي عن جماعة مِن المشايخ وأسانيد الدين، كالشيخ البهائي والمولى محمد طاهر القمي والمولى خليل القزويني والشيخ محمد ابن صاحب المعالم، والمولى محمد صالح المازندراني =


الكاشاني: قال عز وجل:

( ... وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ *لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ... ) .

وقال: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .

فكيف يتطرَّق إليه التحريف والتغيير؟!!

وأيضاً قد استفاض عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) حديث عَرْض الخبر المروى على كتاب الله؛ ليعلم صحَّته بموافقته له، وفساده بمخالفته، فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرَّفاً فما فائدة العرض، مع أنَّ خبر التحريف مخالف لكتاب الله، مكذِّب له، فيجب ردُّه، والحكم بفساده (1) .

وقال العلاَّمة الكبير الشيخ جعفر الجناجي النجفي (2) :

____________________

= والسيد ماجد البحراني والشيخ سليمان الماحوزي والمولى محمد بن إبراهيم الشيرازي إلى غير ذلك.

(*) فوائد الرضوية في أحوال علماء الجعفرية ص 640- 641.

وقال الشيخ عباس القمي طاب ثراه: **

الفيض لقب العالم الفاضل، الكامل العارف، المحدِّث المحقِّق، المدقِّق، الحكيم المتألِّه، محمد بن مرتضى المدعو بالمولى محسن الكاشاني، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة كالوافي، والصافي، والشافي، والمفاتيح والنخبة والحقايق، وعلم اليقين، وعين اليقين، وخلاصة الأذكار، وبشارة الشيعة، ومحجَّة البيضاء في إحياء، إلى غير ذلك ممَّا يقرب مِن مئة تصنيف.

توفِّي سنة (1091هجرية) في بلدة كاشان ودفن بها. (الكنى والألقاب: 3/39-40).

وانظر ترجمته في: معجم المؤلِّفين 12/12 ومؤلَّفاته: في إيضاح المكنون في الذيل على كشف الفنون.

(1) تفسير الصافي: 1/33، 34 طبع المكتبة الإسلامية بطهران (عام 1384هـ).

(2) هو الشيخ الأكبر الشيخ جعفر بن الشيخ خضر الجناجي النجفي، المتوفَّى في شهر رجب (سنة 1328هـ) وقبره في النجف مزار مشهور.

قال العلاَّمة النّوري في (مستدرك الوسائل) هو: آية مِن آيات الله العجيبة التي تقصر عن دركها العقول، وعن وصفها الألسن، فإنْ نظرت إلى علمه فكتابه: (كشف الغطاء) الذي ألَّفه في سفره يُنبئك عن أمر عظيم، ومقام عليٍّ في مراتب العلوم الدينية أصولاً، وفروعاً. =


المبحث السابع في زيادته:

لا زيادة فيه مِن سورة، ولا آية مِن بسملة وغيرها لا كلمة، ولا حرف.

وجميع ما بين الدفَّتين، ممَّا يُتلى كلام الله تعالى بالضّرورة مِن المذهب بلْ الدين، وإجماع المسلمين، وأخبار النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وإنْ خالف بعض مَن لا يعتدُّ به في دخول بعض ما رسم في اسم القرآن.

المبحث الثامن في نقصه:

لا ريب في أنَّه محفوظ مِن النقصان بحفظ الملك الديَّان، كما دلَّ عليه صريح القرآن، وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر (1) .

رأي العلاَّمة الآشتياني

وقال العلاَّمة الكبير الحاج محمد حسن الآشتياني (قدِّس سرّه) (2) :

____________________

= وله كتاب كبير في الطهارة والصلاة سمَّاه: (بغية الطالب)، ورسالة في مناسك الحجِّ، والعقائد الجعفرية، والحق المُبين في الردِّ على الأخباريين. وله شرح على أبواب المكاسب مِن قواعد العلاَّمة إلى غير ذلك. انظر: (الكنى والألقاب للقمي: 3/101، 103).

(1) كشف الغطاء عن خفيَّات مبهمات شريعة الغرّاء، كتاب القرآن المبحث 7/8 ص 298 طبع إيران.

(2) هو الحاج محمد حسن الأشتياني، كان مِن تلامذة الحاج ميرزا حبيب الله الجيلاني الرشتي، وكان فاضلاً مدقِّقاً، وعالماً محقِّقاً في الأصول، وله مصنَّفات كثيرة كـ: بحر الفوائد في شرح الفرائد، وجملة أُخرى مِن الرسائل في الفقه، والمسائل.

كان في بداية أمره في كمال الفقر والفاقة. فجاء إلى طهران بالتماس بعض الأعيان فوسَّع الله عليه، وصار ذا ثروة عظيمة، ونال الرئاسة العامة، ومات بها رحمة الله عليه، في (سنة 1319هـ). =


والمشهور بين المجتهدين، والأصوليَّين، بل أكثر المحدِّثين عدم وقوع التغيير مطلقاً، بلْ ادَّعى غير واحد الإجماع على ذلك (1) .

رأي المجتهد الأكبر العاملي

وقال العلاَّمة الكبير السيد محسن الأمين (2) :

ونقول: لا يقول أحد مِن الإمامية - لا قديماً ولا حديثاً - إنَّ القرآن مزيد فيه، قليل، أو كثير فضلاً عن كلُّهم، بل كلُّهم متَّفقون على عدم

____________________

= انظر: (لباب الألقاب للمولى حبيب الله الشريف الكاشاني طبع بطهران (عام 1378هـ) نشرته مكتبة العلاَّمة الحاج ميرزا حسن مصطفوي).

(1) بحر الفوائد في شرح الفرائد ص 99 طبع طهران (عام 1314هـ).

(2) ولِد السيد الأمين في مدينة شقرا مِن بلاد جبل عامل (سنة 1284 هـ)، ووالده السيد عبد الكريم بن السيد علي كان تقيَّاً نقيَّاً صالحاً، صوَّاماً قوَّاماً طيِّب السريرة بكاء مِن خشية الله تعلم القرآن الكريم وسنَّه لم يتجاوز السبع سنين بين (سنة 1291و 1292هـ).

وقرأ (قطر الندى) لابن هشام في النحو، وشرح سعد الدين التفتازاني في الصرف بين (سنة 1295هـ) و (1296هـ) على ابن عمَّه السيد محمد حسن في جبل عامل، وقرأ شرح ألفيَّة بن الناظم وشيئاً مِن المغني على السيد جواد مرتضى، وقرأ على السيد نجيب الدين فضل الله العاملي في بنت جبيل المطوَّل، وحاشية ملاَّ عبد الله، وشرح الشمسية كلاهما في المنطق والمعالم إلى الاستصحاب، وفي حوالي (سنة 1310هـ) عاد إلى النجف برفقة ابن عمِّه السيد محمود، وقرأ شرح اللمعة على ابن عمِّه السيد محمود، وعلى السيد أحمد الكربلائي والشيخ محمد باقر النجم آبادي قرأ عليهما القوانين وشرح اللمعة والرسائل، وقرأ على شيخ الشريعة أكثر الرسائل في السطوح، وقرأ على الشيخ ملاَّ كاظم الخراساني صاحب الكفاية في الأصول وحاشية الرسائل وشرح التبصرة، وقرأ على الشيخ آقا رضا الهمداني والشيخ محمد طه نجف: الفقه خارجاً.

مؤلَّفاته: أعيان الشيعة عشرة مجلَّدات كبار، نقض الوشيعة، تاريخ جبل عامل، لواعج الأشجان كشف الارتياب، وله مؤلَّفات في شتَّى العلوم في الحديث والمنطق، وأصول الفقه، والفقه، والنحو، والصرف، والبيان وفي الردود والنقود.

وفاته: انتقل إلى جوار ربِّه في بيروت في 4 رجب (عام 1371هـ)، ونقل إلى مقرِّه الأخير في دمشق، ودفِن في حجرة مِن حجرات مقام السيدة زينب. انظر: أعيان الشيعة 10/333- 424 طبعة بيروت (عام 1403هـ).


الزيادة، ومَن يعتدُّ بقوله مِن محقِّقيهم متَّفقون على أنَّه لم ينقص منه (1) .

وقال السيد الشريف شرف الدين (طاب ثراه) (2) :

والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل مِن بين يديه، ولا مِن خلفه إنَّما هو ما بين الدفَّتين، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفاً، ولا ينقص حرفاً، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة، ولا لحرف بحرف، وكلُّ حرف مِن حروفه متواتر في كلِّ جيل تواتراً قطعيَّاً إلى عهد الوحي والنبوَّة، وكان مجموعاً على ذلك العهد الأقدس مؤلَّفاً على ما هو عليه الآن، وكان جبرائيل (عليه السلام) يُعارض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالقرآن في كلِّ عام مرَّة، وقد عارضه به عام وفاته مرَّتين.

والصحابة كانوا يعرضونه، ويتلونه على النبي (ص) حتَّى ختموه عليه (صلّى الله عليه وآله) مراراً عديدة، وهذا كلُّه مِن الأُمور المعلومة الضروريَّة لدى المحقِّقين مِن علماء الإمامية (3) .

ثمَّ قال الإمام شرف الدين العاملي:

____________________

(1) أعيان الشيعة: 1/43 الطبعة الخامسة وفي بدايتها مقدِّمة بقلم الشيخ محمد جواد العاملي.

(2) ولِد الإمام شرف الدين في مدينة الكاظمية - العراق (عام 1290هـ)، ودرس على عدد مِن الأساتذة الفحول مِن أقطاب العلم، وقادة الإسلام، أمثال: آية الله الشيخ محمد كاظم الشيرازي، والشيخ محمد طه نجف، والشيخ آقا رضا همداني، والشيخ محمد جواد شريعت مدار، وشيخ الشريعة الأصفهاني، والشيخ عبد الله المازندراني، والشيخ حسين النوري. ورُفِعت روحه الطاهرة إلى الرفيق الأعلى في (8 جمادي الآخرة سنة 1377هـ).

مؤلَّفاته: المراجعات، الفصول المهمَّة، النص والاجتهاد، أبو هريرة، الكلمة الغرَّاء، عقيلة الوحي، مسائل فقهية، أجوبة مسائل جار الله، إلى المجمع العلمي العربي بدمشق، كلمة حول الرؤية، فلسفة الميثاق والولاية، وغيرها. وقد تكرَّرت طبعات هذه الكتب في مصر ولبنان والعراق، وإيران. وترجم بعضها إلى لغة أردو والفارسية. أنظر: حياة الإمام شرف الدين في سطور للشيخ أحمد القبيسي ط بيروت (1400هجـ).

(3) الفصول المهمَّة في تأليف الأمَّة ص 163 الطبعة الثالثة (عام 1375) هـ نشرتها مكتبة النجاح في النجف الأشرف - العراق.


نُسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات الخ.

فأقول: نعوذ بالله مِن هذا القول، ونبرأ إلى الله تعالى مِن هذا الجهل، وكلُّ مَن نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا، أو مُفترٍ علينا، فإنَّ القرآن العظيم، والذكر الحكيم متواتر مِن طُرقنا بجميع آياته وكلماته، وسائر حروفه، وحركاته، وسكناته، تواتراً قطعيَّاً عن أئمَّة الهدى مِن أهل البيت (عليهم السلام)، لا يرتاب في ذلك إلاَّ معتوه؛ وأئمَّة أهل البيت كلُّهم أجمعون رفعوه إلى جدِّهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن الله تعالى، وهذا أيضاً ممَّا لا ريب فيه، وظواهر القرآن الحكيم - فضلاً عن نصوصه - أبلغ حُجج الله تعالى، وأقوى أدلَّة أهل الحق بحكم الضرورة الأوَّلية مِن مذهب الإمامية، وصحاحهم في ذلك متواترة مِن طريق العترة الطاهرة، وبذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار، ولا يأبهون بها عملاً بأوامر أئمَّتهم (عليهم السلام). (أجوبة مسائل جار الله ص 33 ط صيدا (عام 1373 هـ)).

رأي آية الله السيد البروجردي (قدس سره):

نقل العلاَّمة الشيخ لطف الله الصافي، عن أستاذه آية الله السيد الحاج آقا حسين البروجردي (1) وقال: فإنَّه أفاد في بعض أبحاثه في

____________________

(1) هو السيد آغا حسين بن السيد علي بن السيد أحمد بن السيد علي نقي بن السيد جواد بن السيد مرتضى (*) ابن محمد بن عبد الكريم الطباطبائي البروجردي، أكبر زعيم ديني للإمامية اليوم؛ ومِن أشهر مشاهير علماء الشيعة المعاصرين.

ولِد المُترجَم له في شهر صفر (1292هـ) - كما حدَّثني به - ونشأ على أبيه فتلقَّى عنه بعض المبادئ وبعض العلوم، وقرأ قسماً مِن المقدمات على غيره أيضاً، وفي (1310هـ) هاجر إلى إصفهان لتكميل دروسه؛ إذ كان يومذاك مِن حملة العلم وأبطاله عدد لا يُستهان به - فحضر =


الأصول، كما كتبنا عنه في تقريرات بحثه بطلان القول بالتحريف، وقداسة القرآن عن وقوع الزيادة فيه، وأنَّ الضرورة قائمة على خلافه، وضعف أخبار النقيصة غاية في الضعف سنداً ودلالة، وقال: وإنَّ بعض هذا الروايات تشتمل على ما يخالف القطع والضرورة، وما يخالف مصلحة النبوَّة.

وقال في آخر كلامه الشريف:

ثمَّ العجب كلُّ العجب مِن قوم يزعمون أنَّ الأخبار محفوظة في الألسن والكتب في مدَّة تزيد على ألف وثلاثمئة سنة، وأنَّه لو حدث فيها نقص لظهر، ومع ذلك يحتملون تطرُّق النقيصة إلى القرآن المجيد (1) .

رأي آية الله الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (ره)

وقال الإمام كاشف الغطاء طاب ثراه (2) :

____________________

=

على الميرزا أبي المعالى الكلباسي، والسيد محمد باقر الدرجهي، والسيد محمد تقي المدرسي، والموالى محمد الكاشاني، والشيخ جهانكيرخان القشقائي وغيرهم.

وقضى في إصفهان قرب عشر سنين حتَّى أتقن السطوح، وتقدَّم على أقرانه، وزملائه واشتغل بتدريس (قوانين الأصول) برهة استفاد منه خلالها بعض الطلاب، ثمَّ هاجر إلى النجف الأشرف قرب (1320هـ) فتعارفنا منه ذلك الحين، واشترك السيد معنا بالحضور على الشيخ محمد كاظم الخراساني، وشيخ الشريعة الإصفهاني وغيرهما مِن مدرِّسي الفقه والأصول... الخ، وتوفِّي صبيحة الخميس (الثالث عشر مِن شوال سنة 1380هـ) انظر: (نقباء البشر: 2/605 الترجمة برقم /1038).

(1) مع الخطيب في خطوطه العريضة: ص 49 الطبعة الثالثة.

(*) السيد مرتضى والد السيد مهدي بحر العلوم.

(2) ولِد المغفور له آية الله الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في مدينة النجف الأشرف (عام 1295 هـ)، وبعد أنْ أكمل دراسة المقدِّمات المتعارفة في الوسط العلمي بالنجف، أقبل على حضور حلقات علماء عصره، فكان يتلقَّى معارفه الأصولية على الشيخ محمد كاظم الخراساني، وحضره في الفقه على الملاَّ رضا الهمداني، والسيد كاظم اليزدي، وفي الأخبار =


وإنَّ الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله للإعجاز والتحدّي، وتمييز الحلال مِن الحرام، وأنَّه لا نقص فيه، ولا تحريف، ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم (1) .

رأي الإمام الحكيم (2) بعدم التحريف:

(وبعد: فإنَّ رأي كبار المحقِّقين، وعقيدة علماء الفريقين،

____________________

= والحديث على الميرزا حسين النوري، وفي الحكمة والكلام على الشيخ أحمد الشيرازي، والميرزا محمد باقر الإصطهباناتي، والشيخ محمد رضا النجف آبادي.

مؤلَّفاته: وجيزة المسائل (متن فقه) فارسي جواشي (عين الحياة) في الفقه طبع في (بمبي)، (المراجعات الريحانية) في جزأين (نقد ملوك العرب) للريحاني حاشية على (العروة الوثقى) في الفقه للسيد كاظم اليزدي، حاشية (التبصرة) للعلاَّمة الحلّي، (الآيات البيِّنات) ويتناول الردَّ على الأُمويَّة، والبهائية، والوهابية، والطبيعيَّة، (الأرض والتربة الحسينيّة) (الفردوس الأعلى) مجموعة مسائل في علل بعض الأحكام الشرعية وبيان فوائدها ومطابقتها للنَّظم الحديثة. (مختصر الأغاني)، (الدين والإسلام) جزءان (نُبذة مِن السياسة الحسينية) (الميثاق العربي الوطني) (التوضيح في الإنجيل والمسيح) جزءان، (محاورة بينه وبين السفيرين البريطاني والأمريكي) (المُثل العليا في الإسلام لا في بحمدون) (أصل الشيعة وأصولها). والمخطوطة كثيرة.

وفاته: توفِّي في مدينة (كرند) بإيران يوم الاثنين (18 ذي القعدة عام 1373هـ) راجع: (أصل الشيعة وأصولها ص 7 طبعة القاهرة تحت عنوان: ملامح مِن حياة المؤلِّف).

(1) أصل الشيعة وأصولها ص 133 طبعة مصر تحت عنوان: النبوَّة.

(2) ولِد المغفور له آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم (طاب ثراه) في (غرَّة شوال سنة 1306هـ) في النجف الأشرف، وهو ثاني ثلاثة أخوة أكبرهم السيد محمود الحكيم، وأصغرهم السيد هاشم الحكيم، وتوفِّي في بغداد ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف (سنة 1390هـ).

بعد وفاة والده وهو ابن سبع سنين شرع في قراءة القرآن الكريم، على النهج المتعارف في ذلك الزمان.

ثمَّ ابتدأ دراسة علم النحو وهو في التاسعة مِن عمره، وقد تولَّى تربيته العلمية أخوه الأكبر السيد محمود الحكيم، فدرس عليه المقدَّمات إلى (القوانين)، ودرس بقيَّة الكتب على جملة مِن الفضلاء، منهم الشيخ صادق بن الحاج مسعود البهبهاني، والشيخ صادق الجواهري =


ونوع المسلمين مِن صدر الإسلام إلى اليوم على أنْ القرآن بترتيب الآيات والسور، والجمع كما هو المتداول بالأيدي، لم يقولوا الكبار: بتحريفه مِن قبل، ولا مِن بعد. (النجف الأشرف - 1383/23ذق - السيد محسن الطباطبائي الحكيم).

رأي آية الله الميلاني (1)

وقال آية الله السيد محمد هادي الميلاني (طاب ثراه):

____________________

= ثمَّ حضر درس الملاَّ كاظم الخراساني، والآقا ضياء العراقي، والشيخ علي باقر الجواهري، والميرزا محمد حسين النائيني، والسيد محمد سعيد الحبوبي.

وفي (سنة 1332هـ) عندما قاد السيد الحبوبي جمهور المسلمين في العراق في جبهة الناصرية ضدَّ الاحتلال الإنكليزي استصفى الحبوبي السيد الحكيم لنفسه، وصحبه معه وأولاه ثقته.

وفي سنة (1333هـ) توجَّه للتدريس.

وفي سنة (1350هـ) سافر إلى جبل عامل للمرَّة الأُولى، فمكث مِن أواخر ذي الحجَّة حتَّى شوال سنة (1351هـ)، ثمَّ سافر إليه مرَّة ثانية سنة (1353هـ).

وبعد وفاة السيد أبو حسن الأصفهاني اتَّجهت أليه الأنظار، وكان السيد البروجردي قد حلَّ في قم، فتقسَّمت المرجعية بين السيد الحكيم في النجف، والسيد البروجردي في قم، حتَّى وفاة السيد البروجردي فاستقلَّ بالمرجعيّة بعده.

له مِن المؤلَّفات:

1- المستمسك على العروة الوثقى.

2- نهج الفقاهة، وهو تعليق على المكاسب للشيخ الأنصاري.

3- حقائق الأصول. تعليقة على الكفاية طبع مع الكفاية في مجلَّدين.

4- دليل الناسك: وهو تعليقة على مناسك الشيخ الأنصاري المُتضمِّن لأحكام الحج.

5- تعليقة على ملحقات العروة الوثقى.

6- تعليقات على مهمَّات التبصرة.

7- منهاج الصالحين - رسالة عملية في جزأين.

8- منهاج الناسكين - أعمال الحجِّ. (أعيان الشيعة 9/56، 57 طبعة بيروت (عام 1403 هـ)).

(1) السيد محمد هادي الميلاني بن السيد جعفر الميلاني بن السيد حسين مِن شرفاء المدينة =


الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.

(في جواب السائل: هل وقع تحريف في القرآن؟).

أقول - بضرس قاطع -: إنَّ القرآن الكريم لم يقع فيه أيُّ تحريف، لا بزيادة ولا بنقصان، ولا بتغيير بعض الألفاظ، وإنْ وردت بعض الروايات في التحريف المقصود منها تغيير المعنى بآراء وتوجيهات وتأويلات باطلة، لا في تغيير الألفاظ والعبارات.

وإذا اطَّلع أحد على رواية وظنَّ بصدقها وقع في اشتباه وخطأ، وإنَّ الظنَّ لا يُغني مِن الحقِّ شيئاً (1) . (محمد هادي الميلاني).

رأي آية الله الكلبايكاني

وقال العلاَّمة الكبير الشيخ لطف الله الصافي (دام ظله):

ولنعم ما أفاده العلاَّمة الفقيه، والمرجع الديني السيد محمد رضا

____________________

= المنوَّرة نزح إلى ميلان، واستوطن بها إلى أنْ توفَّاه الله تعالى ودُفِن هناك، وقبره يزار، ومعروف في تلك المنطقة.

ولادته: (عام 1313هـ).

ومِن أساتذته: شيخ الشريعة الإصبهاني، والشيخ آقا ضياء العراقي، والميرزا حسين النائني.

مؤلفاته:

محاضرات في فقه الإمامية خرج منه أربعة أجزاء: في الزكاة والخمس.

حاشية المكاسب أربعة أجزاء.

قواعد فقهية وأصولية، كتاب استدلالي في الزراعة، تفسير سورة الجمعة وغيرها.

وفاته:

كانت وفاته (قدِّس سرُّه) في (30 رجب 1395هـ) بمشهد الإمام الرضا (عليه السلام) بخراسان.

نقلنا هذه الترجمة باختصار مِن ترجمته مِن كتاب (المحاضرات قسم الزكاة).

- المؤلِّف -

(1) (مئة وعشرة أسئلة): ص 5.


الكلبايكاني (1) ، بعد التصريح بأنَّ ما في الدفَّتين هو القرآن المجيد، ذلك الكتاب لا ريب فيه، والمجموع المرتَّب في عصر الرسالة، بأمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) بلا تحريف ولا تغيير، ولا زيادة ولا نقصان، وإقامة البرهان عليه:

إنَّ احتمال التغيير - زيادة ونقيصة - في القرآن كاحتمال تغيير المُرسَل به، واحتمال كون القبلة غير الكعبة في غاية السقوط لا يقبله العقل، وهو مستقلُّ بامتناعه عادة (2) .

رأي الإمام الخوئي (3) (مد ظله):

(.. إنَّ حديث تحريف القرآن حديث خرافة، وخيال، لا يقول

____________________

(1) هو: السيد محمد رضا بن السيد محمد باقر الكلبايكاني مِن مراجع التقليد، وأحد زعماء وأعمدة الحوزة العلمية في مدينة (قم) المقدَّسة.

ولِد في (سنة 1316 هـ) ونشأ فتعلَّم المبادئ، وقرأ المقدَّمات على بعض الفضلاء، وحضر في (قم) على الحجَّة الشيخ عبد الكريم اليزدي الحائري مدَّة كتب فيها تقريراته، وهو عمدة أساتيذه وهو اليوم مِن العلماء الفضلاء في (قم) ومِن المدرِّسين المشاهير بها، وله أثار علمية منها:

حاشية (درر الفؤائد) لأستاذه المذكور، فرغ منها في (سنة 1356هـ) إلى غير ذلك. (نقباء البشر في القرآن الرابع عشر: 2/742).

أقول: وله تعليق على كتاب وسيلة النجاة لآية الله الإصبهاني، صدر في ثلاثة مجلدات ورسائل أُخرى عملية مطبوعة عدَّة مرَّات ومناسك الحج وغيره.

(2) مع الخطيب في خطوطه العريضة الطبعة الثالثة.

(3) هو: السيد أبو قاسم بن السيد علي أكبر بن المير هاشم الموسوي الخوئي النجفي، أحد مراجع العصر [ بلْ المرجع الوحيد اليوم في العالم الإسلامي، والمقيم حاليَّاً في النجف الأشرف ].

ولِد في مدينة (خوي) مِن أعمال آذربايجان في النصف مِن رجب (1317هـ)، فنشأ على والده العلاَّمة السيد علي أكبر نشأة طيبة، وفي حدود (1330 هـ) هاجر به رحمه الله إلى النجف الأشرف، فوجَّهه إلى الدراسة وكان يومذاك يمتاز باستعداد، وذكاء فقطع مراحل الدراسة الأوَّلية، وأكمل مقدَّماته، وحضر على أساتذة العصر كالعلاَّمة الشهير الميرزا حسين =


به إلاَّ مِن ضعف عقله أو مِن لم يتأمَّل في أطرافه حقَّ التأميل، أو مَن ألجأه إليه حبُّ القول به، والحبُّ يُعمي، ويصمُّ.

وأمَّا العاقل المُنصف، المتدبِّر فلا يشكُّ في بطلانه وخرافته (1) .

رأي العلاَّمة الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي

(إنَّ القرآن مصون عن التحريف)

قال العلاَّمة الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي (2) :

____________________

= النائيني، والعالمين الجليلين: الشيخ محمد حسين الكتَّاني، والشيخ: آقا ضياء الدين العراقي، وكتب تقريراتهم في الفقه، والأصول وطبع أكثرها مثل (أجود التقريرات) في الأصول و (تقريرات الفقه) أيضاً و (الفقه الاستدلالي) وحاشية على (العروة)، وله يد في التفسير والتصانيف أيضاً، منها: (نفحات الإعجاز) ورسالة في اللباس المشكوك، و(رسالة في الغروب)، و(رسالة في قاعدة التجاوز)، و(رسالة في إرث الزوج والزوجة قبل الدخول)، وغيرها (*) وهو اليوم مِن مشاهير المدرِّسين في النجف الأشرف، وحلقته تعدُّ بالعشرات مدَّ الله في عمره ونفع به. (طبقات أعلام الشيعة: نقباء البشر 1/71، 72) (**).

(*) [ وله مُعجم رجال الحديث صدر منه 23 مجلداً، ومنهاج الصالحين وتكملة المنهاج في 4 مجلَّدات ] (**).

(1) البيان في تفسير القرآن ص 259طبع بيروت.

(**) مابين المعقوفين مِن مؤلِّف هذا الكتاب.

(2) ولِد المغفور له: السيد محمد حسين الطباطبائي في آخر ذي الحجَّة (عام 1321 هـ).

نشأ على أفاضل أُسرته، وسُراة قومه فتلقَّى الأوَّليات، ودرس مقدِّمات العلوم، ثمَّ هاجر إلى النجف الأشرف فحضر في الفقه والأصول والفسلفة على أعلام الدين وكبار المدرِّسين، وحاز مِن ذلك على قسط وافر، ثمَّ هبط (قم) واشتغل فيها بالتدريس والإفادة، ومضت برهة فإذا به وقد سطع نجمه، وحلَّ المكانة اللائقة به مِن بين تلك الجموع، وحفَّ به جمع مِن الطلاَّب يدرس الفقه والأصول والفلسفة، وله آثار منها (الأعداد الأولية) فيه استخراج الأعداد مِن الواحد إلى العشرة آلاف، وله: (أصول فلسفة وروش رياليسم) فارسي، في ردِّ المادِّيين، وهو كتاب نافع، وأكبر آثاره: الميزان في تفسير القرآن موسوعة كبيرة في تفسير القرآن في عشرين جزءاً بأسلوب رصين، وطريقة فلسفية، وليس تفسيراً صرفاً، بلْ تتخلّله بحوث في الفلسفة والتاريخ، والاجتماع وغير ذلك.

توفِّي في مدينة (قم) المقدَّسة (عام 1402هـ)، ودفِن في أحد أروقة حرم السيدة المعصومة. راجع: (نقباء البشر في القرن الرابع عشر: 2/645).


أوضح دليل على أنَّ القرآن الذي بأيدينا اليوم هو القرآن الذي نزل على النّبي الكريم، ولم يطرأ عليه أيُّ تحريف أو تغيير (1)، وقال:

مِن ضروريات التاريخ أنَّ النبي العربي محمداً (صلّى الله عليه وآله) جاء قبل أربعة عشر قرناً - تقريباً - وادَّعى النبوة، وانتهض للدعوة وآمن به أُمَّة مِن العرب وغيرهم، وأنَّه جاء بكتاب يُسمِّيه القرآن، وينسبه إلى ربِّه مُتضمِّن لجُمل المعارف، وكليِّات الشريعة التي كان يدعو إليها، وكان يتحدَّى به ويعدُّه آية لنبوَّته، وأنَّ القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جاء به، وقرأه على الناس المعاصرين له في الجملة بمعنى أنَّه لم يَضِعْ مِن أصله، بأنْ يُفقد كلُّه ثمَّ يوضع كتاب آخر يُشابهه في نظمه، أو لا يُشابهه، ويُنسب إليه، ويشتهر بين الناس بأنَّه القرآن النازل على النبي (صلّى الله عليه وآله).

فهذه أُمور لا يرتاب في شيء منها إلاَّ مصاب في فهمه، ولا احتمل بعض ذلك أحد مِن الباحثين في مسألة التحريف مِن المخالفين، والمؤالفين ثمَّ قال:

فقد تبيَّن ممَّا فصَّلناه، أنَّ القرآن الذي أنزله الله على نبيِّه (صلّى الله عليه وآله) ووصفه بأنَّه ذكر محفوظ على ما أُنزل، مصون بصيانة إلهية عن الزيادة والنقيصة والتغيير، كما وعد الله نبيَّه فيه.

وخلاصة الحجَّة أنَّ القرآن أنزله الله على نبيِّه، ووصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصَّة لو كان تغيير في شيء مِن هذه الأوصاف - بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثِّر - فقَدَ آثار تلك الصفة قطعاً، لكنَّا نجد القرآن الذي بأيدينا واجداً لآثار تلك الصفات المعدودة على أتِّم ما يُمكن، وأحسن ما يكون، فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئاً مِن صفاته،

____________________

(1) القرآن في الإسلام ص 139 ط بيروت (عام 1398 هـ) دار الزهراء للطباعة.


فالذي بأيدينا منه هو القرآن المُنزل على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعينه، فلو فرض سقوط شيء منه أو إعراب، أو حرف، أو ترتيب وجب أنْ يكون في أمر لا يؤثِّر في شيء مِن أوصافه، كالإعجاز وارتفاع الاختلاف، والهداية، والنورية، والذكرية، والهيمنة على سائر الكتب السماوية إلى غير ذلك، وذلك كآية مكرَّرة ساقطة، أو اختلاف في نقطة أو إعراب ونحوها (1) .

وقال العلاَّمه الشيخ عبد الرّحيم المدرِّس التبريزي:

نعم، لا إشكال إذا قلنا بعدم التحريف مِن عروض التقديم والتأخير، وعدم رعاية الترتيب في الآيات كتقديم الآية الناسخة على الآية المنسوخة في سورة البقرة في عدِّة الوفاة، وغيرها. فإنَّ في قوله تعالى:

( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ... ) وكذا في السور، أوعروض تغيير في اللّفظ، بحيث لا يتغيَّر به المعنى، كإسقاط ضمير الموصول في قوله تعالى:

(وما عملت أيديهم) في موضع وما عملته أيديهم، كما صرَّح بذلك علماء النحو (2) .

وقال العلاَّمة الكبير السيد حسين مكِّي (طاب ثراه)

(لا نقص ولا زيادة في القرآن)

نعتقد نحن الإمامية الاثنا عشرية أنَّ القرآن الذي بأيدينا اليوم، الذي يقرأه العالم الإسلامي على ما هو عليه الآن، هو القرآن الذي أنزله

____________________

(1) تفسير الميزان 12/104، 107.

(2) آلاء الرحيم في الردِّ على تحريف القرآن الكريم ص 20 طبع طهران (عام 1381هـ).


الله تعالى شأنه على نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ولا نقص فيه ولا زيادة، وقد صان الله تعالى شأنه عن أنْ يعتريه نقص، أو تبديل لقوله تعالى شأنه:

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .

وقد أجمعت كلمة علمائنا - خصوصاً المحقِّقين منهم - على عدم النقص والزيادة فيه (1) .

رأي آية الله الشيخ الصافي

وقال العلاَّمة الكبير الشيخ لطف الله الصافي:

القرآن معجزة نبيِّنا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا مِن خلفه، قد عجز الفصحاء عن الإتيان بمثله، وبمثل سورة، وآية منه، وحيَّر عقول البلغاء، وفطاحل الأدباء، وقد بيَّن الله تعالى فيه أرقى المباني، وأسمى المبادئ، وأنزله على نبيِّه دليلاً على رسالته، ونوراً للناس، وشفاء لما في الصدور، وهُدى، ورحمة للمؤمنين.

قال سيِّدنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام):

(واعلموا أنَّ هذا القرآن (2) هو الناصح الذي لا يغشُّ، والهادي الذي لا يُضلُّ، والمحدِّث الذي لا يكذب. وما جالس هذا القرآن أحد إلاَّ قام عنه بزيادة، أو نقصان، زيادة في هدى، ونقصان مِن عَمى، واعلموا أنَّه ليس على أحد بعد القرآن مِن فاقة، ولا لأحد قبل القرآن مِن

____________________

(1) عقيدة الشيعة في الإمام الصادق ص 161 طبع بيروت.

(2) هذا القرآن الّذي يشير إليه أميرالمؤمنين، والأئمة من ولده عليهم السّلام ويحثّون شيعتهم بالرجوع إليه، و الاستشفاء به، وهو الكتاب المجيد الّذي يعرفه المسلمون، ويتلونه جميعاً في اللّيل والنّهار هو ما بين الدفّتين، (عن هامش الكتاب ص 40).


غنى، فاستشفوه مِن أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم...) (1) .

ولا ينحصر إعجاز القرآن في كونه في الدرجة العُليا مِن الفصاحة والبلاغة، وسلاسة التركيب والتأليف العجيب، والأسلوب البكر فحسب.

بلْ هو معجزة أيضاً؛ لأنَّه حوى أصول الدين والدنيا، وسعادة النشأتين.

ومعجزة لأنَّه أنبأ بأخبار حوادث تحقَّقت بعده.

كما أنَّه معجزة مِن وجهة التاريخ، وبما أنَّ فيه مِن أخبار القرون السالفة والأُمم البائدة، التي لم يكن لها تاريخ في عصر الرسول (ص) ممَّا أثبتت الكشوف الأثريَّة صحَّتها.

ومعجزة لأنَّ فيه أصول علم الحياة، والصحَّة، والوراثة، وما وراء الطبيعة، والاقتصاد، والهندسة، والزراعة.

ومعجزة مِن وجهة الاحتجاج.

وإعجاز مِن وجهة الأخلاق، و... و... و...

وقد مرَّ عليه أربعة عشر قرناً، ولم يقدر في طول هذه القرون أحد مِن البلغاء أنْ يأتي بمثله، ولن يقدر على ذلك أحد في القرون الآتية، والأعصار المستقبلة، ويظهر كلُّ يوم صدق ما أخبر الله تعالى به: ( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ... ) .

هذا هو القرآن، وهو روح الأُمَّة الإسلامية وحياتها، ووجودها وقوامها، ولولا القرآن لما كان لنا كيان.

هذا القرآن هو كلُّ ما بين الدفَّتين ليس فيه شيء مِن كلام البشر

____________________

(1) نهج البلاغة 2: الخُطبة 171 مطبعة الاستقامة بمصر.


وكلُّ سورة مِن سوره، وكلُّ آية مِن آياته متواتر مقطوع به، ولا ريب فيه دلَّت عليه الضرورة، والعقل والنقل القطعي المتواتر.

هذا هو القرآن عند الشيعة الإمامية، ليس إلى القول فيه بالنقيصة فضلاً عن الزيادة سبيل، ولا يرتاب في ذلك إلاَّ الجاهل، أو المُبتلى بالشذوذ (1) .

رأي العلاَّمة الشيخ محمد جواد مغنية (2)

قال: ويستحيل أنْ تناله يد التحريف بالزيادة، أو بالنقصان للآية: 9- الحجر: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) وللآية 42 مِن فصلِّت: ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) .

ونُسب إلى الإمامية - افتراء وتنكيلاً - نقصان آيات مِن القرآن، مع أنَّ علماءهم المتقدِّمين، والمتأخِّرين الذين هم الحجَّة، والعمدة قد صرَّحوا: بأنَّ القرآن هو ما في أيدي الناس لا غيره (3) .

____________________

(1) مع الخطيب في خطوطه العريضة: ص 40 الطبعة الثالثة (عام 1389هـ).

(2) الشيخ محمد جواد مغنية، ولِد (سنة 1322هـ) في قرية (طيردبا) مِن جبل عامل، وتوفِّي في (21محرم سنة 1400هـ) في بيروت - لبنان.

درس على شيوخ قريته، ثمَّ سافر إلى النجف، فأنهى هناك دراسته وكان مِن أبرز أساتذته: السيد حسين الحمامي، ثمَّ عاد إلى جبل عامل، فسكن قرية (طيرحرفا)، ثمَّ عُيِّن قاضياً شرعيَّاً في بيروت، ثمَّ مستشاراً للمحكمة الشرعية العليا، فرئيساً لها بالوكالة.... فنجح في إقصائه عن الرئاسة ثمَّ أُحيل للتقاعد فانصرف إلى التأليف، فأخرج العديد مِن المؤلَّفات مِن أهمِّها: (الفقه على المذاهب الخمسة)، و(فقه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في ستَّة مجلَّدات، و(التفسير الكاشف) وهو تفسير مطوَّل للقرآن، و(في ظلال نهج البلاغة) وهو شرح له، و(والتفسير المتين) وغير ذلك. انظر: (أعيان الشيعة: 9 / 205 ط بيروت عام 1403هـ).

(3) الشيعة في الميزان ص 314 ط. بيروت.



روايات العامَّة

حول تحريف القرآن الكريم



الآيات القرآنية المحرَّفة

في بعض كتب العامَّة

مرتَّبة

على حروف المُعجم

أخرج العلاَّمة السيوطي عن ابن عمر قال:

ليقولنَّ أحدكم: قد أخذت القرآن كلَّه، وما يُدريه ما كلّه؟!

قد ذهب منه قرآن كثير، ولكنْ ليقل: قد أخذت منه ما ظهر.

الإتقان 3/25ط مصر

روح المعاني 1/25

الدرُّ المنثور 2/289ط مصر


نبذ مِن الأحاديث الواردة

في

تحريف القرآن

مُلتقطة مِن صحاح العامَّة ومسانيدهم

رأي السنَّة في جمع القرآن

قال الأستاذ العلاَّمة مُفتي مكَّة السيد أحمد زين دحلان:

وفي حديث: أنَّ أبا بكر أمر زيد بن ثابت بجمع القرآن مِن الرقاع، والأكتاف، والكتب، وصدور الرجال، فجمع في مصحف إلى أنْ كان زمن خلافة عثمان فجمع في المصاحف، فما جمعه عثمان إلاَّ مِن الصحف التي جمعها أبو بكر. (الفتوحات الإسلامية: 2/365 طبعة مصر).

* * *

الفَرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان

قال العلاَّمة الكبير الشيخ محمود أبو ريَّة (طاب ثراه):

قال ابن التين وغيره:

الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان، أنَّ جَمْع أبي بكر كان لخشية أنْ يذهب مِن القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنَّه لم يكن مجموعاً في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتِّباً لآياته وسوره على ما وقفهم


النبي (صلّى الله عليه وسلم)، وجَمْع عثمان كان لمَّا كثر الاختلاف في وجوه القراءة، حتَّى قرأوا بلغاتهم مِن اتساع اللغات، فأدَّى ذلك إلى تخطئه بعضهم بعضاً، فخشي مِن تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتِّباً لسوره، واقتصر مِن سائر اللغات على لغة قريش، محتجَّاً بأنَّه نزل بلغتهم، وإنْ كان قد وسَّع في قراءته بلغة غيرهم؛ رفعاً للحرج والمشقَّة في ابتداء الأمر، فرأى أنَّ الحاجة في ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة. (أضواء على السنَّة المحمدية ص 251 الطبعة الثالثة لدر المعارف بمصر).

وقال الشيخ محمود أبو ريه طاب ثراه:

غريبة توجب الحيرة

مِن أغرب الأُمور، وممَّا يدعو إلى الحيرة أنَّهم لم يذكروا اسم علي (رضي الله عنه) فيمَن عهد إليهم بجمع القرآن، وكتابته لا في عهد أبي بكر، ولا في عهد عثمان: ويذكرون غيره ممَّن همْ أقلُّ منه درجة في العلم، والفقه! فهل كان علي لا يُحسن شيئاً مِن هذا الأمر؟! أو كان مِن غير الموثوق بهم؟! أو ممَّن لا يصحُّ استشارتهم أو إشراكهم في هذا الأمر؟!

اللهمَّ، إنَّ العقل والمنطق ليقضيان بأنْ يكون علي أول مَن يُعهد إليه بهذا الأمر، وأعظم مَن يُشارك فيه، وذلك بما أُتيح له مِن صفات، ومزايا، لم تتهيَّأ لغيره مِن بين الصحابة جميعاً - فقد ربَّاه النبي (صلى الله عليه وسلم) على عينه، وعاش زمناً طويلاً تحت كَفنه، وشهد الوحي مِن أوَّل نزوله إلى يوم انقطاعه، بحيث لم يندَّ عنه آيته مِن آياته!!

فإذا لم يُدعَ إلى هذا الأمر الخطير فإلى أيّ شيء يُدعى؟!

وإذا كانوا قد انتحلوا معاذير ليسوُّغوا بها تخطيِّهم إيَّاه في أمر خلافة


أبي بكر فلم يسألوه عنها، ولم يستشيروه فيها، فبأيِّ شيء يعتذرون مِن عدم دعوته لأمر كتابة القرآن؟! فبماذا نُعللّ ذلك؟! وبماذا يحكم القاضي العادل فيه؟! حقَّاً إنَّ الأمر لعجيب! وما علينا إلاَّ أنْ نقول كلمة لا نملك غيرها وهي:

لك الله يا علي! ما أنصفوك في شيء!. (أضواء على السنَّة المحمدية ص 249 الطبعة الثالثة لدار المعارف بمصر).

بعض الروايات الواردة في تحريف القرآن مِن طرق العامَّة (1) .

قال العلاّمة جلال الدين السيوطي:

أخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب مرفوعاً: القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمَن قرأه صابراً مُحتسباً كان له بكلِّ حرف زوجة مِن الحور العين. رجاله ثقاة.

ثمَّ قال السيوطي: وقد حمل ذلك على ما نُسِخ رسمه مِن القرآن أيضاً؛ إذ الموجود الآن لا يبلغ هذا العدد.

الإتقان في علوم القرآن 2/70ط مصر

( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا... ) .

أخرج المتَّقي الهندي، عن أبي إدريس الخولاني قال:

كان أُبيُّ يقرأ: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميَّة حميَّة الجاهلية، ولو حميتم كما حموا نفسه لفسد المسجد الحرام، فأنزل الله

____________________

(1) وردت روايات كثيرة في كتب العامة فيها دلالة على وقوع التحريف في القرآن الكريم من حيث الإسقاط والتغيير.

- المؤلف -


سكينته على رسوله، فبلغ ذلك عمر فاشتدَّ عليه، فبعث إليه فدخل عليه، فدعا ناساً مِن أصحابه فيهم زيد بن ثابت، فقال:

مَن يقرأ منكم سورة الفتح؟ فقراء زيد على قراءتنا اليوم، فغلَّظ له عمر.

فقال أُبيُّ: لأتكلَّم.

قال: تكلَّم.

قال: لقد علمت أنِّي كنت أدخل على النبي (صلّى الله عليه وسلم)، ويُقرِّبني وأنت بالباب، فإنْ أحببت أنْ أُقرئ الناس على ما أقرأني أقرأت، وإلاَّ لم أُقرئ حرفاً ما حييت.

(كنز العمَّال 2/568 رقم الحديث 4745 ط بيروت).

(إنَّ انتفاء كم مِن آبائكم كفر بكم)

قال الحافظ جلال الدين السيوطي:

أخرج ابن عبد البرَّ في (التمهيد) مِن طريق عدي بن عدي بن عمرة بن قزوة أنَّ عمر بن الخطاب قال لأُبيِّ:

أوليس كنَّا نقرأ فيما نقرأ مِن كتاب الله: أنَّ انتفاءكم مِن آبائكم كفر بكم.

قال بلى. (الدرُّ المنثور في التفسير المأثور: 1/106).

(أنْ جاهدوا كما جاهدتم)

عن المسوّر بن مخرمة، قال: قال عمر لعبد الرحمان بن عوف:

ألم تجد فيما أنزل علينا: أنْ جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرَّة. فإنَّا لم نجدها.

قال: أُسقط فيما أُسقط مِن القرآن.

مُنتخب كنز العمَّال بهامش مسند الإمام أحمد: 2/42 طبعة مصر.

الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور 1/106، 2/ 298 طبعة مصر.

الإتقان في علوم القرآن: 2/25 طبعة مصر


( إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ... )

عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي حميد، عن حميدة بنت أبي يونس قالت:

قرأ عليَّ أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة:

إنَّ الله وملائكته يصلّون على النبي، يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما وعلى الذّين يصلون الصفوف الأُولى.

قالت: قبل أنْ يغيِّر عثمان المصاحف. (الإتقان في علوم القرآن: 2/25 طبعة مصر). (تفسير روح المعاني للألوسي: 1/25 طبعة المطبعة المنيرية بمصر).

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ... )

عن أبي سفيان الكلاعي:

إنَّ مسلمة بن مخلّد الأنصاري قال لهم ذات يوم:

أخبروني بآيتين في المصحف لم يخبروه، وعندهم: أبو الكنود سعد بن مالك.

فقال مسلمة:

إنّ الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا فابشروا أنتم المفلحون والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أُخفي لهم مِن قرَّة أعين جزاء بما كانوا يعملون. (الإتقان في علوم القرآن: 2/25).

(إنَّ الله سيؤيّد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم)

أخرج أبو عبيد في فضائله، وابن الضرَّيس عن أبي موسى


الأشعري قال: نزلت سورة شديدة نحو (براءة) في الشدَّة ثمَّ رُفِعت، وحفظتُ منها:

إنَّ الله سيؤيِّد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. (الدر المنثور: 1/105، الإتقان في علوم القرآن: 2/25).

وقال أبو عبيد: حدَّثنا حجاج عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن أبي حرب بن الأسود، عن أبي موسى الأشعري قال:

نزلت سورة نحو براءة، ثمَّ رُفعت، وحفظ منها:

إنَّ الله سيؤيِّد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أنَّ لابن آدم واديين مِن مال لتمنَّى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب، ويتوب الله على مَن تاب. (الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 6/378).

(أنْ بلِّغوا عنَّا قومنا)

قال الحافظ جلال الدين السيوطي:

وفي الصحيحين عن أنس: في قصّة أصحاب بئر معونة الذين قُتلوا، وقنت يدعو على قاتليهم.

قال أنس. ونزل فيهم قرآن قرأناه حتَّى رُفع:

أنْ بلِّغوا عنَّا قومنا إنَّا لقينا ربَّنا فرضي عنَّا وأرضانا.

وفي المستدرك: عن حذيفة قال:

ما تقرأون ربعها يعني: براءة.

ثمَّ قال السيوطي:

وقال في (البرهان): في قول عمر: لولا أنْ تقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها يعني: آية الرجم.


ظاهره: إنَّ كتابتها كانت جائزة، وإنَّما منعه قول الناس، والجائز في نفسه قد يقوم مِن خارج ما يمنعه، فإذا كانت جائزة لزم أنْ تكون ثابتة، لأنَّ هذا شأن المكتوب... (الإتقان في علوم القرآن: 2/25).

(النّبي أولى بالمؤمنين وهو أب لهم)

أخرج المتَّقي الهندي عن بجالة قال:

مرَّ عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف:

(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمَّهاتهم وهو أب لهم) .

فقال: يا غلام، حكَّها.

قال: هذا مصحف أُبيَّ، فذهب إليه فسأله فقال:

إنَّه كان يُلهيني القرآن، ويُلهيك الصفق بالأسواق. (منتخب كنز العمال بهامش مسند الإمام أحمد: 2/43، كنز العمال 2/569 رقم الحديث 4746 ط بيروت).

وأخرج الفاريابي، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه كان يقرأ هذه الآية:

(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أُمهاتهم) .

وأخرج الفاريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ:

(النبي أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم وهو أب لهم) .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال:

كان في الحرف الأول:


(النبي أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم وهو أب لهم) . (الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور: 5/183).

* * *

( حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى... )

أخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة أنَّها استكتبت مصحفاً، فلمَّا بلغت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، قالت:

اكتب: العصر. (كتاب المصنِّف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة 2/504 طبع دار السلطنة بمبي - الهند).

وقال العلاَّمة جلال الدين السيوطي:

أخرج عبد الرزَّاق، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن أبي داود في (المصاحف) عن أبي رافع مولى حفصة قال:

استكتبتني حفصة مصحفاً فقالت:

إذا أتيت على هذه الآية، فتعال حتَّى أُمليها عليك كما أُقرئتها، فما أتيت على هذه الآية: حافظوا على الصلوات.

قالت: اكتب: حافظوا على الصّلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر. فلقيت أُبي بن كعب فقلت:

أبا المنذر إنَّ حفصة قالت: كذا، وكذا.

فقال: هو كما قالت، أوليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر في عملنا ونواضحنا؟!

وأخرج مالك، وأبو عبيد، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن الأنباري في (المصاحف)، والبيهقي في (سننه)، عن


عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوج النبي (صلّى الله عليه وسلّم) فقالت:

إذا بلغت هذه الآية فآذنّي: ( حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى... ) .

فلمَّا بلغتها، آذنتها فأملت عليّ: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين.

وقالت: أشهد أنِّي سمعتها مِن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم).

وأخرج مالك، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن جرير، وابن أبي داود، وابن الأنباري في (المصاحف)، والبيهقي في (سننه) عن أبي يونس، مولى عائشة قال:

أمرتني عائشة أنْ أكتب لها مصحفاً وقالت:

إذا بلغت هذه الآية فآذنّي، ( حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى... ) . فلمّا بلغتها، آذنتها فأملت عليّ:

حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر وقوموا لله قانتين. وقالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي داود في (المصاحف)، وابن المنذر عن أم حميد بنت عبد الرحمان أنَّها سألت عائشة عن الصلاة الوسطى فقالت:

كنَّا نقرأها في الحرف الأول على عهد النبي (صلّى الله عليه وسلم):


حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين.

وأخرج ابن أبي داود في (المصاحف) مِن طريق نافع عن ابن عمر، عن حفصة أنَّها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني، حتَّى أخبرك ما سمعت مِن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فلمَّا أخبرها قالت:

اكتب إنِّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) يقول:

حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر.

وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة في (المصنّف)، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي داود في (المصاحف)، وابن المنذر عن عبد الله بن رافع عن أمِّ سلمة أنَّها أمرته أنْ يكتب لها مصحفاً فلمَّا بلغت: ( حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى... ) . قالت اكتب:

حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين. (الدرِّ المنثور في التفسير بالمأثور: 1/302، 303).

* * *

قوله تعالى: ( ... فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ... ) .

أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن ابن عمر قال:

لقد توفِّي عمر وما يقول هذه الآية التي في سورة الجمعة إلاَّ: فامضوا إلى ذكر الله.

وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن


الأنباري، والطبراني مِن طرق عن ابن مسعود أنَّه كان يقرأ:

فامضوا إلى ذكر الله.

قال: ولو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي.

وأخرج الشافعي في (الأُمّ) وعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري (المصاحف)، والبيهقي في (سننه)، عن ابن عمر قال:

ما سمعت عمر يقرأها قطُّ إلاَّ: فامضوا إلى ذكر الله (1).

وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي العالية، عن أبي بن كعب، وابن مسعود أنَّهما كانا يقرآن: فامضوا إلى ذكر الله.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله تعالى: ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ... ) قال: فامضوا. (الدرُّ المنثور6/219).

فما استمتعتم به منهنَّ إلى أجل مسمّى

أخرج الطبري عن أبي نضرة قال:

سألت ابن عباس عن متعة النساء قال: أما تقرأ سورة النساء؟

قال: قلت: بلى.

قال: فما تقرأ فيها (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) ؟

قلت: لا، لو قرأتها هكذا ما سألتك!

قال:

____________________

(1) انظر: كنز العمال: 2/593 رقم الحديث (4809) ط مؤسسة الرسالة بيروت عام (1399هـ).


فإنَّها كذا.

وقال أبو جعفر الطبري:

حدَّثنا ابن المثنى قال: حدَّثنا محمد بن جعفر قال: حدَّثنا شعبة، عن أبي سلمة، عن أبي نضرة قال:

قرأت هذه الآية على ابن عباس:

( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ... ) .

قال ابن عباس: إلى أجل مسمَّى.

قلت: ما أقرأها كذلك.

قال: والله، لأنزلها الله كذلك ثلاث مرَّات .

وعن أبي إسحاق عن عمير أنَّ ابن عباس قرأ: فما استمعتم به منهن إلى أجل مسّمى (1) .

(انظر الدرَّ المنثور في التفسير بالمأثور: 6/219).

وقال الفخر الرازي:

الطريق الثاني: أنْ نقول: هذه الآية مقصورة على نكاح المتعة، وبيانه مِن وجوه:

الأول: ما روي أنَّ أُبيَّ بن كعب كان يقرأ:

(فما استمتعتم به إلى أجل مسمّى فآتوهن أجورهنّ).

وهذا أيضاً هو قراءة ابن عباس، والأُمَّة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة فإنَّ ذلك إجماعاً مِن الأُمَّة على صحة هذه القراءة. (تفسير الفخر الرازي المجلَّد الخامس: 10/53 تفسير سورة النساء آية 24).

____________________

(1) تفسير الطبري: 4/9، تفسير غرائب القرآن للنيسابوري: 4/18 بهامش تفسير الطبري، الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور: 2/140، تفسير الكشاف: 1/519، تفسير السراج المنير: 1/295.


المؤلِّف يقول:

قول الفخر الرازي: فإنَّ ذلك إجماعاً مِن الأُمَّة على صحة هذه القراءة.

يدلُّ على أنَّ القرآن الذي بأيدي المسلمين ناقص وكلمة:

(إلى أجل) ساقطة مِن القرآن على حدِّ زعمه مِن إجماع الأمَّة على صحة هذه القراءة.

وهذه القراءة تؤيِّد صراحة تحريف القرآن الكريم - والعياذ بالله -

( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا... )

قال الحافظ السيوطي: وأخرج أحمد عن أُبي قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (إنَّ الله أمرني أنْ أقرأ عليك) . فقرأ عليّ:

لم يكن الذين كفروا مِن أهل الكتاب والمشركين منفكِّين حتَّى تأتيهم البيِّنة، رسول مِن الله يتلو صحفاً مطهَّرة فيها كتب قيِّمة، وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب إلاَّ مِن بعد ما جاءتهم البيِّنة، إنَّ الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومَن يفعل خيراً فلن يكفره .

قال شعبة: ثمَّ قرأ آيات بعدها، ثمَّ قرأ:

لو أنَّ لابن آدم وادياً مِن مال لسأل ثانياً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب.

قوله تعالى: ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا... )

قال جلال الدين السيوطي:


وأخرج أبن مردويه، عن أُبي بن كعب أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) قال: (يا أُبيُّ، إنِّي أُمرت أنْ أقرأ سورة) ، فأقرأنيها:

ما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة رسول مِن الله يتلو صحفاً مطهَّرة فيها كتب قيِّمة أي ذات اليهوديّة والنصرانية.

إنَّ أقوم الدين الحنيفيّة مسلمة غير مشركة، ومَن يعمل صالحاً فلن يكفره، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاَّ مِن بعد ما جاءتهم البيِّنة، إنَّ الذين كفروا وصدُّوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لمَّا جاءهم، أولئك عند الله شرُّ البريَّة، ما كان النّاس إلاَّ أُمَّة واحدة ثمَّ أرسل الله النبيِّين مبشِّرين ومنذرين، يأمرون النّاس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويعبدون الله وحده وأولئك عند الله هم خير البريّة، جزاؤهم عند ربِّهم جنَّات عدن تجري مِن تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمَن خشي ربَّه (1) .

ثمَّ قال السيوطي:

وأخرج أحمد عن ابن عباس قال:

جاء رجل إلى عمر يسأله، فجعل ينظر إلى رأسه مرَّة، وإلى رجليه أُخرى هل يرى عليه مِن البؤس.

ثمَّ قال له عمر: كم مالك؟

قال: أربعون مِن الإبل.

____________________

(1) تفسير روح المعاني للآلوسي: 1/25 طبع مصر.


(لا ترغبوا عن آبائكم فإنَّه كفر بكم)

قال ابن عباس: قلت:

صدق الله ورسوله: لو كان لابن آدم واديان مِن ذهب لابتغى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب ويتوب الله على مَن تاب.

فقال عمر: ما هذا؟

فقلت: هكذا أقرأني أُبيُّ.

قال: فمُرَّ بنا إليه.

فقال: ما تقول هذا.

قال أُبي: هكذا أقرأنيها رسول الله (صلّى الله عليه وسلم).

قال: إذاً أثبتها في المصحف؟!!

قال نعم. (انظر: الدرَّ المنثور في التفسير بالمأثور: 6/378).

أخرج السيوطي، عن عمر بن الخطاب قال: كنَّا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم.

ثمَّ قال لزيد: أ كذلك يا زيد؟

قال: نعم.

(الإتقان في علوم القرآن: 2/25 ط مصر).

ليس عليكم جناح في مواسم الحج

أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال:

كانت عكاظ ومجنَّة، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فلمَّا


كان الإسلام تأثَّموا (1) مِن التجارة فأنزل الله: (ليس عليكم جناح في مواسم الحج) (2) .

قرأ ابن عباس كذا. (صحيح البخاري: 2/11 باب الأسواق التي كانت في الجاهلية، فتبايع بهم الناس في الإسلام، تفسير الطبري: 2/166 الطبعة الأُولى ببولاق مصر).

* * *

قوله تعالى: ( ... مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ... )

قال السيوطي في تفسير قوله تعالى: ( ... مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ... ) :

أخرج عبيد بن حميد، وابن الأنباري في المصاحف عن الشعبي قال:

في قراءة أُبي بن كعب : مثل نور المؤمن كمشكاة.

وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله:

( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ... ) .

يقول: مثل نور مَن آمن بالله كمشكاة.

قال: وهي النقرة يعني: الكوَّة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس مثل نوره قال:

هي خطأ مِن الكاتب:

هو أعظم مِن أنْ يكون نوره مثل نور المشكاة.

قال:

____________________

(1) قال ابن الأثير: وفي حديث معاذ: (فأخبر بها عند موته تأثُّماً) أي تجنُّباً للإثم، يُقال: تأثَّم فلان إذا فعل فعلاً خرج به مِن الإثم، كما يُقال: تحرَّج إذا فعل ما يخرج به مِن الحرج.

النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/24.

(2) قال الطبري: فأنزل الله (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً مِن ربِّكم في مواسم الحجِّ) .


مثل نور المؤمن كمشكاة.

(الدر المنثور: 5/48).

* * *

( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً... )

قرأ أُبيُّ بن كعب:

ولا تقربوا الزنى إنَّه كان فاحشة، ومقتاً وساء سبيلاً، إلاَّ مَن تاب فإنَّ الله كان غفوراً رحيماً.

فذكر لعمر فأتاه فسأله عنها فقال: أخذتها مِن في رسول الله (صلّى الله عليه وسلم)، وليس لك عمل إلاَّ الصفق بالبقيع. (أخرجه المتَّقي الهندي في منتخب كنز العمال بهامش مسند الإمام أحمد: 2/43 طبعة مصر).

( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا... )

أخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أشته، وابن الأنباري معاً في (المصاحف)، والدار قطني في (الإفراد)، والحاكم وصحَّحه، وابن مردويه عن عبيد بن عمير أنَّه سأل عائشة:

كيف كان رسول الله يقرأ هذه الآية؟:

والذين يؤتون ما أتوا، أو الذين يؤتون ما آتوا.

فقالت: أيَّتهما أحبُّ إليك؟!

قلت: والذي نفسي بيده، لأحداهما أحبُّ إليَّ مِن الدنيا جميعاً.

قالت: أيُّهما؟

قلت: الذين يؤتون ما أتوا.

فقالت: أشهد أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كذلك كان


يقرأها، وكذلك أُنزلت، ولكنَّ الهجَّاء حرَّف. (الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور: 5/12).

(وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب)

قال الحافظ السيوطي:

وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عساكر، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنّه كان يقرأ هذا الحرف:

(وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ بن أبي طالب) .

(الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور: 5/192).

(وسل مَن أرسلنا مِن قبلك مِن رسلنا)

قال الحاكم النيسابوري:

حدَّثنا أبو الحسن محمد بن المظفر الحافظ، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن غزوان، قال: حدَّثنا محمد بن فضيل، قال: حدَّثنا محمد بن سوقة عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله، قال: قال النبي (صلّى الله عليه وسلم): يا عبد الله، أتاني مَلك فقال: يا محمد، وسل (1) مَن أرسلنا مِن قبلك مِن رسلنا على ما بعثوا؟) .

قال: على ولايتك، وولاية عليّ بن أبي طالب.

قال الحاكم: تفرَّد به علي بن جابر عن محمد بن خالد، عن محمد بن فضيل، ولم نكتبه إلاَّ عن (ابن) مظفر، وهو عندنا حافظ ثقة مأمون.

____________________

(1) وفي القرآن الكريم في سورة الزخرف آية 45 ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا... ) .

(2) معرفة علوم الحديث ص 96 طبع المكتب التجاري بيروت.


(يا أيُّها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون)

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال:

كنَّا نقرأ سورة نُشبِّهها بإحدى المسبِّحات ما نسيناها، غير أنِّي حفظت منها:

يا أيُّها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة. (انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 1/105، 6/386 طبعة مصر).

وأخرج مسلم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الدلائل كما في (الدرُّ المنثور) عن أبي موسى الأشعري قال:

كنَّا نقرأ سورة نُشبِّهها في الطول، والشدَّة ببراءة، فأنسيتها غير أنِّي حفظت منها...

وكنَّا نقرأ سورة نُشبِّهها بإحدى المسبِّحات أوّلها:

(سبَّح لله ما في السَّموات والأرض) فأنسانيها، غير أنِّي حفظت منها:

(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. (الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور: 1/105).

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... )

قال العلاَّمة جلال الدين السيوطي:

وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري قال:

نزلت هذه الآية:


( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) (1) على رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) يوم (غدير خم) في علي بن أبي طالب (2) .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال:

كنَّا نقرأ على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم):

يا أيُّها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك مِن ربِّك أنَّ عليّاً مولى المؤمنين، وإنْ لم تفعل فما بلَّغت رسالته، والله يعصمك من الناس (3) .

* * *

____________________

(1) سورة المائدة: الآية 67.

(2) تفسير الدرِّ المنثور: 2/298.

(3) المصدر نفسه: 2/ 298.


المؤلِّف: هذه النصوص المتقدِّمة لا تهتمُّ بها الشيعة الإمامية ولا تحفل بها، وتغضُّ النّظر عنها، بلْ تُهملها ولا تنظر إليها بنظر الاعتبار؛ لصراحتها في تحريف القرآن، وإنَّ الاعتقاد بتحريف القرآن يجرُّ إلى الطعن بالقرآن، والطعن بالقرآن يجرُّ إلى الكفر، وفي إلزام الأئمَّة الاثني عشر شيعتهم على التمسُّك بهذا القرآن المتداول بأيدي المسلمين، والأخذ بما فيه وعرض أحاديثهم (عليهم السلام) عليه للأخذ بما يوافقه، والترك لما يُخالفه دليل على عدم نقصه وقوله تعالى:

( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ... ) ، و ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) فيهما المزيد مِن الكفاية في عدم إطراء النقص، والتحريف عليه.

وأتينا بمجوعة مِن آراء علمائنا الأعلام الشيعة الإمامية مِن القرن الثالث الهجري حتَّى العصر الحاضر (القرن الخامس عشر) تُثبت عدم الزيادة والنقيصة في القرآن الكريم.

وكما أنَّنا أوردنا نصوص بعض جهابذة وأعلام أبناء السنَّة، الواردة في تحريف القرآن الكريم، نقلناها مِن صحاحهم ومسانيدهم.

ومِن أدعياء الإسلام وحثالة رجال هذا العصر، مَن ينسب أحاديث تحريف القرآن إلى الشيعة الإمامية، وهم أمثال:

الباكستاني: إحسان إلهي ظهير (1) ، والبحريني: محمد مال الله (2) ، وعبد الله محمد الغريب (3) ، وإبراهيم الجبهان (4) ، وأحمد محمد التركماني (5) .

____________________

(1) مؤلِّف: الشيعة وأهل البيت طبع بباكستان على نفقة الوهابيّين.

(2) مؤلِّف: الشيعة وتحريف القرآن طبع بالقاهرة وبيروت.

(3) مؤلِّف: وجاء دور المجوس طبع بالقاهرة عام 1981 مطبعة 14 قصر اللؤلؤة بالفجالة.

(4) مؤلِّف: تبديد الظلام وتنبيه النيام طبع الرياض، في المملكة العربية السعودية.

(5) مؤلِّف: تعريف بمذهب الشيعة الإمامية طبع الجزائر عام 1983 م.

وهذه الكتب وغيرها يقوم الوهابيون بجميع نفقات طبعها ونشرها وتوزيعها.


فإنَّ هؤلاء الجهَّال ينسبون التحريف إلى الشيعة الإمامية، مع العلم أنَّ الأحاديث الواردة في التحريف التقطناها مِن صحاحهم، ومسانيدهم وتفاسيرهم، وأوردناها في هذا الكتاب ليقف عليها القارئ النبيل وليحكم (بعد الاطِّلاع الكامل، والوقوف على المصادر) على إحدى الطائفتين برأيه الثاقب.

وقال العلاَّمة المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي (طاب ثراه):

وعن الشيخ البهائي رحمه الله قال:

وما اشتهر بين الناس مِن إسقاط اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض المواضع مثل قوله تعالى:

( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ... ) (في عليّ) فهو غير معتبر عند العلماء (1) .

- يقصد علماء الشيعة الإمامية -

____________________

(1) انظر مقدِّمة آلاء الرحمان ص 17 المطبوعة في أوائل تفسير شبَّر بمصر عام 1385 هـ.


2

نُبَذ مِن الأحاديث الواردة

في تحريف القرآن

مُلتقطة مِن صحاح العامَّة ومسانيدهم

قال الله تعالى:

( ... وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ... )

المائدة: 13

يقول المؤلِّف:

وإلى القارئ الكريم ذكر طرف مِن المصادر، التي اعتمدت عليها أبناء السنَّة كالصحاح الستَّة، والمسانيد وغيرها مِن عصر البخاري حتَّى العصر الحاضر، والتي أوردت أحاديث تحريف القرآن فيها، ولنبدأ بصحيح البخاري لكونه أصحَّ كتاب عند أبناء السنَّة بعد كتاب الباري.



آية الرجم: والشيخ والشيخة إذا زنيا.

أخرج البخاري (1) : عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله قال:

حدَّثني ابن عباس رضي الله عنهما قال:

كنت أُقرئ عبد الرحمان بن عوف، فلمَّا كان آخر حجَّة حجّها عمر فقال عبد الرحمان بمنى:

لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل قال: إنَّ فلاناً يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلاناً (2) .

فقال عمر: لأقومنَّ العشيَّة فأُحذِّر هؤلاء الرَّهط، الذين يُريدون أنْ يغصبوهم.

قلت: لا تفعل؛ لأنَّ الموسم يجمع رعاع الناس يغلبون على

____________________

(1) هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري. ولِد ببخارى سنة (194هـ) وتوفِّي سنة (256 هـ) ولم يعقِّب ولداً ذكراً. وقال: خرَّجت كتابي هذا مِن زهاء (قدر) ستمئة ألف حديث، وما وضعت حديثاً إلاَّ وصلّيت ركعتين. وصنّفه في ستَّة عشر سنة، وسمعه منه تسعون ألف رجل. انظر: (التاج الجامع للأصول 1/15).

(2) قال ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو القاسم البلخي، قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ: إنَّ الرجل الذي قال:

لو قد مات عمر لبايعت فلاناً: عمار بن ياسر. انظر (شرح نهج البلاغة: 1/123 طبعة مصر).


مجلسك، فأخاف أنْ لا ينزلوها على وجهها فيُطار بها كلَّ مُطَّيِّر، فأمهل حتَّى تقدم المدينة دار الهجرة، ودار السنَّة فتخلص بأصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) مِن المهاجرين والأنصار فيحفظوا مقالتك، وينزلوها على وجهها.

فقال: والله، لأقومنَّ به في أوّل مقام أقومه بالمدينة.

قال ابن عباس: فقدمنا المدينة فقال:

إنَّ الله بعث محمّداً (صلّى الله عليه وسلّم) بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل آية الرَّجم (1) .

وأخرج البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

كنت أُقرئ رجالاً مِن المهاجرين منهم: عبد الرحمان بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجَّة حجَّها، إذ رجع إليَّ عبد الرحمان بن عوف، فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين فقال:

يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان يقول:

لو مات عمر لقد بايعت فلاناً؟! فو الله، ما كانت بيعة أبي لك إلاَّ فلتة (2) فتمَّت، فغضب عمر ثمَّ قال (3) :

____________________

(1) صحيح البخاري مشكول 4/265 باب ما ذكر النبي (صلّى الله عليه وسلم) وحضَّ على اتِّفاق أهل العلم. شرح نهج البلاغة: 1/122 طبعة مصر.

(2) قال ابن الأثير: ومنه حديث عمر (إنَّ بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرَّها) ، ومثل هذه البيعة جديرة بأنْ تكون مهيجة للشرِّ والفينة.. والفلتة كلُّ شيء فُعِل مِن غير روية. (النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/467).

(3) وأورد ابن الأثير هذا الحديث باختلاف يسير وفيه: فقال عمر: إنِّي لقائم العشيَّة في الناس أُحذِّرهم هؤلاء الرهط الذين يُريدون أنْ يغتصبوا الناس أمرهم. انظر: (الكامل في التاريخ 2/326 ط. بيروت). و (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/123 الطبعة الأولى بمصر).


إنِّي إنْ شاء الله لقائم العشيَّة في النَّاس فمُحذِّرهم هؤلاء الذين يُريدون أنْ يغصبوهم أمورهم.

قال عبد الرحمان: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل؛ فإنَّ الموسم يجمع رعاع النّاس، وغوغاءهم، فإنَّهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أنْ تقوم فتقول مقاله يطَّيَّرها عنك كلُّ مطَّيَّر، وأنْ لا يعوها، وأنْ لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتَّى تقدم المدينة فإنَّها دار الهجرة، والسنَّة فتخلص بأهل الفقه، وأشراف الناس فتقول ما قلت مُتمكِّناً، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها.

فقال عمر: أما والله، إنْ شاء الله لأقومنَّ بذلك في أول مقام أقومه بالمدينة.

قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجَّة، فلمَّا كان يوم الجمعة قال: عجَّلنا الرواح حين زاغت الشمس حتّى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمسُّ ركبتي ركبته فلم أنشب (1) أنْ خرج عمر بن الخطاب، فلمَّا رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل:

ليقولَنَّ العشيَّة مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر عليَّ وقال:

ما عسيت أنْ يقول ما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلمَّا سكت المؤذَّنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثمَّ قال:

أمَّا بعد: فإنِّي قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أنْ أقولها، لا أدري لعلَّها بين أجلي، فمَن عقلها، ووعاها، فليحدِّث بها حيث انتهت إليه

____________________

(1) نشب بعضهم في بعض: أي دخل وتعلَّق. يقال: نشب في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص منه، ولم ينشب أنْ فعل كذا: أي لم يلبث. راجع: (النهاية لابن الأثير: 5/52).


راحلته، ومَن خشي أنْ لا يعقلها فلا أُحلُّ لأحد أنْ يكذب عليَّ:

إنَّ الله بعث محمّداً (صلّى الله عليه وسلّم) بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان ممَّا أُنزِل آية الرجم فقرأناها، ووعيناها، رجم رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) ورجمنا بعده، فأخشى إنْ طال بالناس زمان أنْ يقول قائل: والله، ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلُّوا بترك فريضة أنزلها الله.

والرجم في كتاب الله حق على مَن زنى إذا أحصن مِن الرجال، والنساء إذا قامت البيِّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف.

ثمَّ إنَّا كنَّا نقرأ مِن كتاب الله:

أنْ لا ترغبوا عن آبائكم فإنَّه كفر بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم (1) أو إنْ كفراً بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم.

  ثمَّ إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: (لا تُطروني كما أُطري عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله...) الخ (2).

وأخرج الزمخشري عن زرٍّ قال: قال لي أُبي بن كعب (رضي الله عنه):

كم تعدُّون سورة الأحزاب؟

____________________

(1) إلى هنا ذكره الطبري في تاريخه: 3/199 ضمن حديث السقيفة في حوادث السنة الحادية عشر، الطبعة الأُولى طبع المطبعة الحسينّية بمصر عام 1326هـ وأورده الإمام أحمد في المسند: 1/55 مِن الطبعة الأُولى طبعة القاهرة.

(2) صحيح البخاري مشكول: 4/179 باب رجم الحبلى مِن الزنا إذا أُحصنت. وأورده القسطلاني في (إرشاد الساري) في نفس الباب 10/20، 21 مِن الطبعة السادسة مطبعة الأميرية ببولاق مصر(عام 1305هـ)، وأورده ابن الأثير الجزري في (جامع الأصول): 4 / 475، 478 رقم الحديث 2077 طبع مصر وأشرف على الكتاب الأستاذ الكبير الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر (عام 1370هـ).


قلت: ثلاثاً وسبعين آية.

قال: فو الذي يحلف به أُبيُّ به كعب، إنْ كانت لتعدل سورة البقرة، أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) . (تفسير الكشَّاف: 3/248 طبعة مصر، الدرُّ المنثور: 5/179).

وأخرج البخاري: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر:

لقد خشيت أنْ يطول بالناس زمان حتَّى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلُّوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإنَّ الرجم حقٌّ على مَن زنى وقد أُحصن إذا قامت البيِّنة أو كان الحمل أو الاعتراف (1) .

وأخرج المتَّقي الهندي عن زرٍّ قال:

قال أُبيُّ بن كعب: يا زرُّ، كأيَّن تقرأ سورة الأحزاب.

قال: ثلاثاً وسبعين آية.

قال: إنْ كانت لتُضاهي سورة البقرة، أو هي أطول مِن سورة البقرة، وإنْ كنَّا لنقرأ فيها آية الرجم.

وفي لفظ: وإنَّ في آخرها، الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّة نكالاً مِن الله والله عزيز

____________________

(1) صحيح البخاري مشكول: 4/179 باب الاعتراف بالزنا، صحيح مسلم: 3/1317 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مسند الإمام أحمد 1/40 الطبعة الأُولى بمصر (عام 1313هـ)، صحيح الترمذي بحاشية ابن العربي المالكي: 5/204 الطبعة الأُولى بمصر (عام 1350 هـ)، باب ما جاء في تحقيق الرجم.

وقال محمد فؤاد عبد الباقي في (الموطأ 2/623) هذا مختصر مِن خُطبة لعمر طويلة، قالها في آخر عمره (رضي الله عنه).

رواها البخاري بتمامها في 86 كتاب الحدود - 31 باب رجم الحبلى مِن الزنا إذا أُحصنت.


حكيم. (منتخب كنز العمال بهامش مسند الإمام أحمد: 1/43).

وأخرج مسلم (1) عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنَّه سمع ابن عباس يقول:

قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم):

إنَّ الله بعث محمداً (صلّى الله عليه وسلم) بالحق، وأنزل عليه الكتاب. فكان ممَّا أنزل عليه آية الرجم (2) قرأناها، ووعيناها، وعقلناها، فرجم رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) ورجمنا بعده، فأخشى، إنْ طال بالناس زمان أنْ يقول قائل:

ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلُّوا بترك فريضة أنزلها الله.

وإنَّ الرجم في كتاب الله حقٌّ على مَن زنى إذا أحصن، مِن الرجال والنساء، إذا قامت البيِّنة، أو كان الحبل، أو الاعتراف (3) .

____________________

(1) هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري. ولِد (سنة 204هـ) أربع ومئتين، وتوفِّي (سنة 261هـ) إحدى وستِّين ومئتين. وقال رحمه الله: صنَّفت كتابي هذا مِن ثلاثمئة ألف حديث مسموعة. ولو اجتمع أهل الحديث وكتبوا فيه مئتي سنة فمدارهم على هذا السند، وعدد ما فيه أربعة آلاف حديث.

وفضَّله بعضهم على البخاري. فقد قال الحافظ النيسابوري الشيخ الحاكم: ما تحت أديم السّماء أصحُّ مِن كتاب مسلم. ووافقه علماء المغرب. وهذا مسلم بالنسبة إلى قلَّة تكراره، وحسن وضعه فإنَّه يستوفي الوارد في الموضوع ثمَّ لا يعود له بخلاف البخاري. ولكنَّ جمهور الحفَّاظ، وأهل الإتقان، والغوص في أسرار الحديث على أنَّ البخاري أفضل. انظر: (التاج الجامع للأصول 1/15).

(2) قال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في هامش صحيح مسلم: (فكان ممَّا أُنزل عليه آية الرجم) أراد بآية الرجم: الشيخ والشيخة، فارجموهما البتَّة.

(3) صحيح مسلم: 3/1317 رقم الحديث 1691 باب الحدود، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي صحيح البخاري مشكول: 4/179، مسند الإمام أحمد: 1/40 الطبعة الأُولى المصرية صحيح الترمذي بحاشية ابن العربي المالكي: 5/204 الطبعة الأُولى بمصر (عام1350هـ) باب ما جاء في تحقيق الرجم، وأورده النووي في شرح صحيح =


وأخرج السيوطي عن عاصم بن أبي النجود عن زرِّ بن حبيش قال:

قال لي أُبي كأين تعدُّ سورة الأحزاب.

قلت: اثنتين وسبعين آية، أو ثلاثاً وسبعين آية.

قال: إنْ كانت لتعدل سورة البقرة، وإنْ كنَّا لنقرأ فيها آية الرجم.

قلت: وما آية الرجم؟!

قال: إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما البتَّة نكالاً مِن الله والله عزيز حكيم.

وأخرج السيوطي عن مروان بن عثمان عن أبي أمامة بن سهل أنَّ خالته قالت:

لقد أقرأنا رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) آية الرجم:

الشيخ والشيخة فارجموهما البتَّة بما قضيا مِن اللَّذَّة (1) .

وأخرج النيسابوري عن عمر أنَّه قال:

كنَّا نقرأ آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّة نكالاً مِن الله والله عزيز حكيم. (تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري: 1/361، 362 ط بولاق).

قال السيوطي: وأخرج أحمد، والنسائي عن عبد الرحمان بن عوف، أنّ عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول:

____________________

= مسلم 7/212، 213 بهامش (إرشاد الساري)، وأورده الحافظ ابن ماجة في السنن: 2/853 والحديث برقم 2553 مِن كتاب الحدود 9 باب الرجم، طبعة مصر، تحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وأورده الإمام مالك في الموطأ: 2/623 الحديث برقم 8 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي وأورده الدميري في (حياة الحيوان 2/266 الطبعة الأُولى (عام 1306هـ). تفسير المنار: 5/26 طبع مصر).

(1) الإتقان في علوم القرآن: 2/25، 26.


ألا وإنَّ أُناساً يقولون ما بال الرجم، وفي كتاب الله الجلد، وقد رجم النبي (صلّى الله عليه وسلم)، ورجمنا بعده، ولولا أنْ يقول قائلون، ويتكلَّم متكلِّمون: إنَّ عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه، لأثبتُّها كما نزلت.

وأخرج النسائي، وأبو يعلى عن كثير بن الصلت قال: كنَّا عند مروان، وفينا زيد بن ثابت، فقال زيد ما تقرأ: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّة.

قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟!

قال: ذكر ذلك، وفينا عمر بن الخطاب قال: أشفيكم مِن ذلك فكيف؟

قال: جاء رجل إلى النبي (صلّى الله عليه وسلم) قال: يا رسول الله، أنبئني آية الرجم قال: (لا أستطيع الآن) (1) .

وقال الإمام مالك (2) : حدَّثني مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب؛ أنَّه سمعه يقول:

لمَّا صدر عمر بن الخطاب مِن منى، أناخ بالأبطح. ثمَّ كوَّم كومة بطحاء ثمَّ طرح عليها رداءه، واستلقى. ثمَّ مدَّ يده إلى السّماء فقال:

____________________

(1) الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور: 5/180 طبعة مصر.

(2) هو مالك بن أنس. ولِد سنة(93) مِن الهجرة على أصحِّ الأقوال. بدأ مالك يطلب العلم صغيراً، فأخذ عن كثيرين مِن علماء المدينة، ولعلَّ أشدَّهم في تكوين عقليَّته العلميَّة التي عُرف بها هو: أبو بكر عبد الله بن يزيد، المعروف بابن هرمز المتوفَّى (سنة 148هـ). إنَّ المهدي ولي الخلافة العباسية سنة (158هـ) في وقت كان مالك في نحو الخامسة والستِّين مِن عمره أي إنَّه كان في أواخر سنيِّ حياته. وأنَّ المهدي وهو أمير روى عن مالك: الموطِّأ.

انظر: الموطِّأ المجلد الأول ص (طي) بعد مقدِّمة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، للأستاذ الدكتور محمد كامل حسين، أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب، جامعة فؤاد الأول.


اللَّهمَّ كبرت سنيِّ، وضعفت قوَّتي، وانتشرت رعيَّتي. فأقبضني إليك غير مضيِّع ولا مفرِّط. ثمَّ قدم المدينة فخطب الناس فقال:

أيُّها الناس، قد سُنَّت لكم السنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة. إلاَّ أنْ تضلُّوا بالناس يميناً وشمالاً. وضرب بإحدى يديه على الأُخرى.

ثمَّ قال: إيَّاكم أنْ تهلكوا عن آية الرجم، أنْ يقول قائل: لا نجد حدَّين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) ورجمنا. والذي نفسي بيده، لولا أنْ يقول الناس:

زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: (الشيخ والشيخة فارجموهما البتَّة) .

فإنَّا قد قرأناها.

قال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيّب: فما انسلخ ذو الحجَّة حتَّى قُتل عمر. رحمه الله.

قال يحيى: سمعت مالكاً يقول:

قوله: الشيخ والشيخة، يعني الثيِّب والثيِّبة فارجموهما البتَّة (1) .

قال العلاَّمة الكبير المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي (قدس سره):

ويا للعجب! كيف رضي هؤلاء المحدِّثون لمجد القرآن وكرامته، أنْ يُلقى هذا الحكم الشديد على الشيخ والشيخة، بدون أنْ يذكر السبب وهو زناهما أقلَّاً فضلاً عن شرط الإحصان.

____________________

(1) موطَّأ الإمام مالك: 2/824.


وإنَّ قضاء الشهوة أعمُّ مِن الجُماع، والجُماع أعمُّ مِن الزنا، والزنا يكون كثيراً مع عدم الإحصان.

سامحنا مَن يزعم أنَّ قضاء الشهوة كناية عن الزنا، بلْ زِدْ عليه كونه مع الإحصان. ولكنَّا نقول:

ما وجه دخول الفاء في قوله: (فارجموهما) وليس هناك ما يصحِّح دخولها مِن شرط، أو نحوه لا ظاهر، ولا على وجه يصحُّ تقديره. وإنَّما دخلت الفاء على الخبر في قوله في سورة (النور):

( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا... ) ، لأنَّ كلمة (اجلدوا) بمنزلة الشرط. وليس الرجم الجزاء للشيخوخة، ولا: الشيخوخة سبباً له.

نعم: الوجه في دخول الفاء هو الدلالة على كذب الرواية.

ولعلَّ في رواية سليمان سقطاً بأنْ تكون صورة سؤاله: هل يقولون في القرآن رجم؟!!

وكيف يرضى لمجده، وكرامته في هذا الحُكم الشديد أنْ يقيِّد الأمر بالشيخ والشيخة؟! مع إجماع الأمَّة على عمومه لكلِّ زانٍ مُحصن بالغ الرشد مِن ذكر وأنثى. وأنْ يُطلق الحكم بالرجم مع إجماع الأمَّة على اشتراط الإحصان فيه.

وفوق ذلك يؤكِّد الإطلاق، ويجعله كالنَّصِّ على العموم بواسطة التعليل بقضاء اللذَّة والشهوة الذي يشترك فيه المحصن وغير المحصن، فتبصَّر بما سمعته مِن التدافع، والتهافت، والخلل في رواية هذه المهزلة (1) ؟!!

____________________

(1) انظر: تفسير شبَّر ص 15 طبعة مصر (عام 1358هـ).


وقال العلاَّمة البلاغي (طاب ثراه):

هذا وممَّا يُصادم هذه الروايات، ويُكافحها ما روي مِن أنَّ علياً (ع) لمَّا جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة قال: (أجلدها بكتاب الله، وأرجمها بسنَّة رسوله)، كما رواه أحمد، والبخاري، والنسائي وعبد الرزاق في (الجامع) والطحاوي، والحاكم في (مستدركه) وغيرهم... فعلي (ع) يشهد بأنَّ الرجم مِن السنَّة لا مِن الكتاب (1) .

آية الرجم ورضاع الكبير

قال الراغب الإصبهاني (2) :

قالت عائشة: لقد نزلت آية الرجم، ورضاع الكبير (3) في رقعة

____________________

(1) المصدر السابق ص 15، 16.

(2) هو أبو القاسم حسين بن محمد بن المفضل الإصبهاني، الفاضل المتبحِّر الماهر في اللغة والعربيّة والحديث، والشعر والأدب، مِن مؤلَّفاته: المفردات في غريب القرآن، أفانين البلاغة، المحاضرات الذريعة إلى مكارم الشريعة. انظر: (الكنى والألقاب للقمي 2/268 طبع النجف الأشرف العراق).

(3) موطِّأ الإمام مالك: جاءت سهلة بنت سهيل، وهي امرأة أبي حذيفة - وهي امرأة عامر بن لؤي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) فقالت: يا رسول الله، كنَّا نرى سالماً ولداً يدخل عليَّ وأنا فُضُل (*) وليس لنا إلاَّ بيت واحد. فماذا ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وسلم): (أرضعيه خمس رضعات) ، فيحرم بلبنها، وكانت تراه ابناً مِن الرضاعة. فأخذت بذلك عائشة أمُّ المؤمنين فيمَن كانت تحبُّ أنْ يدخل عليها مِن الرجال فكانت تأمر أختها أمَّ كلثوم بنت أبي بكر الصدِّيق، وبنات أخيها. أنْ يُرضعن مَن أحبَّت أنْ يدخل عليها مِن الرجال.

انظر موطَّأ الإمام مالك: 2/605 كتاب الرضاع، باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر، طبعة مصر بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي. الإصابة في تمييز الصحابة 2/7 الطبعة الأُولى (عام 1328هـ) مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر - القاهرة.

(*) فُضُل: أي مكشوفة الرأس والصورة. وقيل: عليَّ ثوب واحد لا إزار تحته. عن هامش موطِّأ الإمام مالك 2/606.


تحت سريري وشُغلنا بشكاة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فدخلت داجن فأكلته. (المحاضرات: 2 / 250 طبعة مصر).

وأخرج هذا الحديث ابن قتيبة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة عن عائشة وقال في آخره: دخلت داجن للحيِّ فأكلت تلك الصحيفة. (تأويل مختلف الحديث ص 210 طبع مصر).

وأخرج مسلم عن عائشة أنّها قالت: كان فيما أُنزل مِن القرآن: عشر رضعات (1) معلومات يحرِّمن . ثمَّ نُسخن (بخمس معلومات) فتوفِّي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهنَّ فيما يُقرأ مِن القرآن.

(صحيح مسلم: 4/167، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 213، تفسير ابن كثير: 1/469).

وقال السيوطي:

وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت:

لقد كانت في كتاب الله عشر رضعات، ثمَّ ردَّ ذلك إلى خمس، ولكن مِن كتاب الله ما قبض مع النبي (صلّى الله عليه وسلّم).

ثمَّ قال:

وأخرج ابن ماجة، وابن الضرّيس عن عائشة قالت:

____________________

(1) أخرج الإمام أحمد عن عروة عن عائشة قالت: أتت سهلة بنت سهيل رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) فقالت له: يا رسول الله، إنَّ سالماً كان منَّا حيث قد علمت أنَّا كنّا نعدُّه ولداً، فكان يدخل عليَّ كيف شاء لا نحتشم منه، فلمَّا أُنزل فيه وفي أشباهه ما أُنزل أنكرت وجه أبي حذيفة إذا رآه يدخل عليّ قال: فأرضعيه عشر رضعات، ثم ليدخل عليك كيف شاء؛ فإنَّما هو ابنك. فكانت عائشة تراه عامَّاً للمسلمين. وكان مَن سواها مِن أزواج النبي (صلّى الله عليه وسلم) يرى أنَّها كانت خاصَّة لسالم مولى أبي حذيفة التي ذكرت سهلة مِن شأنه رخصة له. (انظر: مسند الإمام أحمد: 6/269. تفسير ابن كثير: 1/470).


كان ممَّا نزل مِن القرآن ثمَّ سقط لا يُحرِّم إلاَّ عشر رضعات، أو خمس معلومات. (الدرُّ المنثور:2/135).

وأخرج الإمام أحمد عن سهلة امرأة أبي حذيفة أنّها قالت:

قلت: يا رسول الله، إنَّ سالماً مولى أبي حذيفة يدخل عليَّ وهو ذو لحية.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): (أرضعيه) .

فقالت: كيف أرضعه وهو ذو لحية؟ فأرضعته فكان يدخل عليها.(مسند الإمام أحمد 6/356).

وقال الإمام أحمد (1) : حدَّثنا عبد الله، حدَّثنا يعقوب قال: حدَّثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمان عن عائشة زوج النبي (صلّى الله عليه وسلم) قالت:

لقد أنزلت آية الرجم، ورضعات الكبير عشراً فى ورقة تحت سرير في بيتي، فلمَّا اشتكى رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) تشاغلنا بأمره، ودخلت دويبة لنا فأكلتها.

(مسند الإمام أحمد: 6/269 طبع المطبعة الميمنية بمصر (عام 1313هـ)).

وقال الأستاذ محمد التيجاني السماوي تحت عنوان: خلاف عائشة

____________________

(1) هو شيخ الأمَّة وعالم أهل العصر أبو عبد الله، أحمد بن حنبل الذهلي الشيباني المروزي، ولد ببغداد، ونشأ بها. وأوّل طلب أحمد للعلم في سنة تسع وسبعين ومئة.

رحل إلى الكوفة والبصرة، ومكة والمدينة، واليمن والشام والجزيرة، وقد تجاوز سبعاً وسبعين سنة، توفِّي في (12 ربيع الأول) سنة إحدى وأربعين ومئتين. كان إماماً في الحديث وضروبه، إماماً في الفقه ودقائقه، إماماً في السنَّة ودقائقها، إماماً في الورع وغوامضه، وإماماً في الزهد وحقائقه. انظر: (شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 2/96 طبعة مصر).


مع بقيَّة أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وسلم)، وذكر الحديث المتقدِّم عن امرأة أبي حذيفة مِن دخول سالم عليها، وقول النبي (صلّى الله عليه وآله لها: (أرضعيه) ، قال:

ولكنَّ سائر أزواج النبي (صلّى الله عليه وسلم) أمَّهات المؤمنين أبين، ورفضن أنْ يدخل عليهنّ بتلك الرّضاعة أحد مِن الناس، وقلن: لا والله، ما نرى الذي أمر به رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) سهلة بنت سهيل إلاَّ رخصة مِن رسول الله في رضاعة سالم وحده، لا والله، لا يدخل علينا بهذه الرّضاعة أحد.

فعلى هذا كان أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) في رضاعة الكبير.

صحيح مسلم: 4/167 (باب رضاعة الكبير)

ثمَّ قال الأستاذ التيجاني:

إنَّ الباحث عندما يقرأ مثل هذه الروايات، يكذِّب عينيه لأوّل وهلة، ولا يصدّق ما يرى، وما يقرأ، ولكنّها الحقيقة المؤلة الّتي شوَّهت عصمة الرّسول، وجعلت منه شخصاً مُستهتراً بالقيم الأخلاقية إلى أبعد الحدود، ويجعل مِن دين الله أحكاماً تُضحك المجانين، ولا يُقرُّها عقل ولا ذوق، ولا مروءة ولا شهامة، ولا حياء ولا إيمان، وإلاَّ كيف يقبل المسلم مثل هذه الأحاديث المنكرة عن رسول الله الذي جعل الغيرة والحياء مِن دعائم الإيمان.

وهل يقبل مؤمن أنْ يسمح لزوجته أنْ تُخرج ثدييها إلى شابٍّ بلغ مبالغ الرجال ليرضعهما وتُصبح بعد ذلك أمَّاً له؟!!

سبحانك إنَّه بهتان عظيم، ولست أتصوَّر كيف منع رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) وحرّم علينا لمس ومصافحة المرأة الأجنبيّة، وأباح لنا مصَّ ثدييها، أنا لم أفهم المقصود مِن وضع مثل هذا الحديث ولكنَّ المسألة لم


تقف عند حدِّ الحديث، بل تعدّاه وأصبح سنَّة متَّبعة، فكانت عائشة تبعث بالرّجال الذين كانت تحبُّ أنْ يدخلوا عليها إلى أمِّ كلثوم أختها فتُرضعهم، وما عليك أيُّها القارئ الاَّ أنْ تعرف بأنَّه لابدّ مِن خمس رضعات مُشبعات حتَّى تُبيح لهم عائشة الدخول عليها، فقد روت عائشة قالت:

كان فيما أُنزل مِن القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثمَّ نُسخن بخمس معلومات، فتوفِّي رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) وهن فيما يُقرأ مِن القرآن.

صحيح مسلم 4/167 (باب التحريم بخمس رضعات)

ثمَّ قال الأستاذ التيجاني:

وعلى هذا لابدَّ أنْ يتردَّد الرجل على أمِّ كلثوم خمس مرَّات، وتُرضعه في كلّ مرَّة حتَّى يُصبح ابن أخت أمُّ المؤمنين، فتستبيح عائشة مقابلته بعد ما كان حراماً عليها.

ولعلَّ ذلك هو الذي رغَّب الناس فيها فتسابقوا إليها، وأحبُّوا الدخول عليها، وأطروها وعظَّموهما، حتَّى أنزلوها منزلة يقصر عنها عظماء الصّحابة، فقالوا: بأنَّ عندها نصف الدين فمَن مِن الرجال - وخصوصاً في ذلك العصر - لا يحبُّ التقرُّب إلى أمِّ المؤمنين زوجة الرسول وابنة أبي بكر، ثمَّ على أيِّ طريق؟ طريق رضاعة أمِّ كلثوم بنت أبي بكر، وبنات أخيها.

إنَّها روايات مخزية تُنسب إلى أعظم شخص عرفه تاريخ البشريّة، وانظر - أيُّها القارئ - إلى الرواية كيف تستنكر سهيلة على رسول الله عندما قال: (أرضعيه) .

قالت: وكيف أُرضعه وهو رجل ذو لحية؟!

قالت: فضحك رسول الله وقال: قد علمت أنَّه رجل كبير.

صحيح مسلم:4/168 (باب رضاعة الكبير)


وانظر أيضاً أنَّ الراوي لهذه القصَّة تهيَّب أنْ يحدِّث بها.

قال ابن رافع بعد رواية الحديث:

فمكثت سنة أو قريباً منها لا أُحدِّث به وهِبْته، ثمَّ لقيت القاسم، فقلت له:

لقد حدَّثتني حديثا ما حدَّثته بعد.

قال: فما هو؟

فأخبرته، قال: فحدِّثه عنِّي أنَّ عائشة أخبرتنيه.

صحيح مسلم: 4 / 169.(باب رضاعة الكبير)

ولعلَّ أمَّ المؤمنين عائشة كانت تنفرد بهذا الحديث؛ ولذلك أنكر عليها أزواج النبي سائر أمَّهات المؤمنين، وقلن: لا والله، لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد مِن الناس - كما تقدَّم -.

واعتقد أنَّ قولهنَّ: ما نرى الذي أمر به رسول الله سهلة إلاَّ رخصة في رضاعة سالم وحده - هذا القول - زيادة مِن المحدِّثين؛ لأنَّهم استفضعوا أنْ يكذِّب سائر أزواج النبي عائشة، ويستنكرون عليها مثل هذا الحديث.

ويحقُّ لهنَّ استنكار ذلك فهنَّ أعلم برسول الله (ص) مِن عائشة، لأنهنَّ ثمانية وفيهنَّ أمثال: أمِّ سلمة المرأة الصالحة التي كبر سنُّها وكمل عقلها، ثمَّ هذا هو الذي يتماشى وغيرة الرسول (صلّى الله عليه وسلم) وعدم تساهله في المحارم.

ولعلَّ أمَّ المؤمنين عائشة توافق أُمَّهات المؤمنين، مِن أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لا يتسامح في مثل هذه الأُمور، فلنستمع إليها تروي عن نفسها: قالت:

دخل عليّ رسول الله وعندي رجل قاعد فاشتدَّ ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه. قالت: قلت: يا رسول الله،


إنَّه أخي مِن الرضاعة. قالت:

فقال: (انظرن إخوتكنَّ مِن الرّضاعة؛ فإنَّما الرّضاعة مِن المجاعة) .

صحيح مسلم: 4/170 (باب إنَّما الرضاعة مِن المجاعة)

صحيح البخاري: 3/150 (كتاب الشهادات)

فلعلَّها كانت تجتهد هي أيضاً في حياة النبي (صلّى الله عليه وسلم) فكانت ترى صحَّة رضاعة الكبير وبهذه الرواية أثبتت أنَّها كانت تستبيح ذلك في حياة النبي، ولكنَّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يوافقها على ذلك وغضب وأشتدَّ ذلك عليه وقال لها: (إنَّما الرّضاعة مِن المجاعة) . يعني لا تكون الرضاعة إلاَّ للصبيان الذين لا ينفذون إلاَّ بالرّضاعة.

فهذا الحديث يُبطل رضاعة الكبير كما لا يخفى.

لأكون مع الصادقين ص 118- 120

ط مؤسسة البشرى - باريس


وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت:

لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً. ولقد كان في صحيفة تحت سريري. فلما مات رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها (1)

قراءة القرآن بالمعنى

قال الراغب الأصبهاني:

وذكر بعض العلماء: أنَّ ابن عباس كان يجوِّز أنْ يقرأ القرآن بمعناه، واستدلَّ بما روي عنه أنَّه كان يعلِّم رجلاً: طعام الأثيم، فلم يكن يُحسن الأثيم.

فقال قلْ:

الفاجر، وليس ذلك بشيء فيما ذكره جُلُّ العلماء؛ لأنَّ ابن عباس أراد أنْ يعرِّفه الأثيم، فعرَّفه بمعناه، لمَّا أعياه.

وقرأ بدل ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا... ) ، فاقطعوا أيمانهما.

وكان عمر يقرأ: (غير المغضوب وغير الضالّين).

وعبد الله بن الزبير: (صراط مَن أنعمت عليهم).

وقرأ بعضهم:(وضربت عليهم المسكنة والذّلّ).

وأبو بكر (رض): (وجاءت سكرة الحق بالموت) (2) .

وقال السيوطي:

وأخرج ابن جرير، وابن الأنباري في (المصاحف) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قرأ:

____________________

(1) سنن ابن ماجة: الحديث برقم 1944 مِن كتاب النكاح ص 626 باب رضاع الكبير 214.

(2) المحاضرات: 2/250 طبعة مصر عام 1287 هـ.


(أفلم يتبَّين الذين آمنوا) ، فقيل له: إنَّها في (المصحف): أفلم ييأس فقال:

أظنُّ الكاتب كتبها وهو ناعس.

وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه أنّه كان يقرأ: (أفلم يتبيَّن الذين آمنوا) .

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما:.

أفلم ييأس يقول: يعلم (1) .

ما أُسقط مِن القرآن

قال السيوطي: وفي المُستدرك عن ابن عباس قال:

سألت علي بن أبي طالب: لِمَ لم تُكتب في براءة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: (لأنَّها أمان، وبراءة نزلت بالسيف)، وعن مالك، أنَّ أوّلها لمَّا سقط، سقط معه البسملة؛ فقد ثبت أنَّها كانت تعدل البقرة لطولها.

(الإتقان في علوم القرآن: 1/65).

وأخرج ابن أبي شيبة، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، عن حذيفة رضي الله عنه قال:

التي تسمُّون سورة التوبة هي: سورة العذاب، والله، ما تركت أحداً إلاَّ نالت منه، ولا تقرأن إلاَّ ربعها.

وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة رضي الله عنه قال:

ما تقرأن ثلثها. يعني: سورة التوبة. (الدرُّ المنثور: 3/208).

____________________

(1) الدر المنثور: 4 / 63، 64.


وفي المستدرك عن حذيفة قال:

ما تقرأون ربعها يعني: براءة.

(الإتقان في علوم القرآن: 2/26 طبعة مصر).

وأخرج الحاكم عن حذيفة (رضي الله عنه) قال: ما تقرأون ربعها، يعني: براءة، وأنَّكم تسمُّونها سورة التوبة وهي سورة العذاب، ثمَّ قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه.

(المستدرك: 2/331 طبع حيدر آباد - الهند).

قال الراغب: أسقط ابن مسعود مِن مصحفه: أمَّ القرى، والمعوَّذتين.

(قراءة تُخالف صور حروفها ما في المصحف، أو ترتيبها).

قُرئ بدل كالعهن: كالصوف. وبدل: فهي كالحجارة، فكانت كالحجارة.

(المحاضرات: 2/250 طبعة مصر).

قال أبو عبيد، حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال:

ليقولنَّ أحدكم قد أخذت القرآن كلَّه، وما يُدريك ما كلُّه قد ذهب منه قرآن كثير..

ولكنْ ليقل: قد أخذت منه ما ظهر. (الإتقان في علوم القرآن: 2 / 25، الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور 2 / 298).

وأخرج ابن الأثير عن أبي الأسود الدؤلي قال:

... وكنَّا نقرأ سورة كنَّا نُشبِّهها بإحدى المُسبِّحات فأنسيتها. غير أنِّي حفظت منها:

(يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتُكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) . (جامع الأصول: 3/8 رقم الحديث 904).


وقال الرافعي:

فذهب جماعة مِن أهل الكلام ممَّن لا صناعة لهم إلاَّ الظنَّ والتأويل، واستخراج الأساليب الجدليَّة، مِن كلِّ حكم، وكلُّ قول إلى جواز أنْ يكون قد سقط عنهم مِن القرآن شيء حملاً على ما وصفوا مِن كيفيَّة جمعه.

(إعجاز القرآن ص 41 طبعة مصر).

وقال السيوطي:

فائدة - قال ابن إشته في كتاب (المصاحف):

أنبأنا محمد بن يعقوب: حدَّثنا أبو داود، حدَّثنا أبو جعفر الكوفي قال:

هذا تأليف مصحف أُبيُّ:

الحمد، ثمَّ البقرة، ثمَّ النساء، ثمَّ آل عمران، ثمَّ الأنعام، ثمَّ الأعراف، ثمَّ المائدة، ثمَّ يونس، ثمَّ الأنفال، ثمَّ براءة، ثمَّ هود، ثمَّ مريم، ثمَّ الشعراء، ثمَّ الحجِّ، ثمَّ يوسف، ثمَّ الكهف، ثمَّ النحل، ثمَّ الأحزاب - إلى أنْ يقول: - ثمَّ الضحى، ثمَّ ألم نشرح، ثمَّ القارعة ثمَّ التكاثر، ثمَّ العصر، ثمَّ سورة الخلع، ثمَّ سورة الحفد، ثمَّ ويل لكلِّ همزة... إلخ.

ثمَّ قال السيوطي:

وبراءة نزلت بالسيف. وعن مالك: إنَّ أوّلها لمَّا سقط سقط معه البسملة؛ فقد ثبت أنَّها كانت تعدل البقرة لطولها. (الإتقان في علوم القرآن: 1/64، 65).

وفي مصحف ابن مسعود: (عدد سور القرآن) مئة واثنتي عشرة سورة؛ لأنَّه لم يكتب المعوَّذتين.

وفي مصحف أُبيِّ: ستَّ عشرة؛ لأنَّه كتب في آخره سورتي الحفد والخلع.

(الإتقان في علوم القرآن: 1/65 طبعة مصر).


وأخرج أبو عبيد عن ابن سيرين قال:

كتب أُبيُّ بن كعب في مصحفه:

فاتحة الكتاب، والمعوَّذتين، واللهمَّ إنَّا نستعينك، واللهمَّ إيَّاك نعبد، وتركهنَّ ابن مسعود.

وكتب عثمان منهنَّ: فاتحة الكتاب، والمعوَّذتين.

وأخرج البيهقي مِن طريق سفيان الثوري، عن ابن جريج عن عطاء، عن عبيد بن عمير، أنَّ عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال:

بسم الله الرّحمن الرّحيم، اللهمّ إنَّا نستعينك، ونستغفرك، ونُثني عليك، ولا نكفرك، ونخلع، ونترك مَن يفجرك، اللهمَّ إيَّاك نعبد، ولك نُصلِّي ونسجد، وإليك نسعى، ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى نقمتك، إنَّ عذابك بالكافرين مُلحق.

وممَّا رُفع رسمه مِن القرآن، ولم يُرفع مِن القلوب حفظه سورتي: القنوت في الوتر وتسمَّى سورتي: الحفد، والخلع.

ذكر هذا الحسن بن المنازي في كتابه الناسخ والمنسوخ.

(الإتقان في علوم القرآن: 1/25، 26).

وأخرج الراغب الأصبهاني عن عائشة قالت:

كانت الأحزاب تقرأ في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) مئة آية، فلمَّا جمعه عثمان لم يجد إلاَّ ما هو الآن، وكان فيه آية الرجم.

(المحاضرات: 2/250 ط مصر عام 1287هـ).

وأخرج البخاري في تاريخه عن حذيفة قال:


قرأت سورة الأحزاب على النبي (صلّى الله عليه وسلم) فنسيت منها سبعين آية ما وجدتها.

وأخرج أبو عبيد في (الفضائل)، وابن الأنباري، وابن مردويه عن عائشة قالت:

كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمان النبي (صلّى الله عليه وسلم) مئتي آية، فلمَّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاَّ ما هو الآن. (الدرُّ المنثور: 5/180، الإتقان في علوم القرآن: 2/25).

وقال العلاَّمة النيسابوري:

ويروى: أنَّ سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال، أو أزيد ثمَّ وقع النقصان.

(تفسير غريب القرآن لنظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري، المطبوع بهامش تفسير الطبري طبع بولاق: 1/361، 362).

وأخرج الترمذي (1) عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال:

رجم رسول الله (صلّى الله عليه وسلم)، ورجم أبو بكر، ورجمت، ولولا أنِّي أكره أنْ أزيد في كتاب الله لكتبته في المصحف، فإنِّي قد خشيت أنْ تجيء أقوام فلا يجدونه في كتاب الله فيكفرون به.

قال: وفي الباب عن علي.

قال أبو عيسى: حديث عمر حسن صحيح وروي من غير وجه عن عمر (2) .

____________________

(1) هو: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. ولِد سنة مئتين، بترمذ، وتوفِّي بها (سنة279) تسع وسبعين ومئتين هـ وكان حافظاً متقناً في صناعة الحديث، وفي كتابه فوق خمسة آلاف حديث. انظر: (التاج الجامع للأصول 1/15).

(2) صحيح الترمذي: 5/204 الطبعة الأُولى المطبعة المصرية بالأزهر (عام 1350هـ - 1931 م) بشرح ابن العربي المالكي، باب ما جاء في تحقيق الرجم.


وقال الشيخ محمد أنور في (فيض الباري على صحيح البخاري): 4/453 ط مصر باب رجم الحبلى مِن الزنا إذا أُحصنت.

قوله: (فأخشى إنْ طال بالناس زمان أنْ يقول قائل:

والله، ما نجد آية مِن كتاب الله، الخ) وقد كان عمر أراد أنْ يكتبها في المصحف.

فإنْ قلت: إنَّها إنْ كانت مِن كتاب الله وجب أنْ تكتب، وإلاّ وجب أنْ لا تكتب، فما معنى قول عمر؟!!

قلت: أخرج الحافظ عنه: لكتبتها في آخر القرآن.

وقال جلال الدين السيوطي:

وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة، عن أُبيِّ بن كعب أنَّه كان يقنت بالسورتين فذكرهما، وأنَّه كان يكتبهما في مصحفه.

وقال بن الضرّيس:

أنبأنا ابن جميل المروزي، عن عبد الله بن المبارك، أنبأنا الأجلح عن عبد الله بن عبد الرحمان عن أبيه قال:

في مصحف ابن عباس قراءة أُبيِّ، وأبي موسى:

بسم الله الرحمن الرّحيم

اللهمَّ إنَّا نستعينك، ونستغفرك، ونُثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخلع ونترك مَن يفجرك. وفيه:

اللهمَّ إيَّاك نعبد، ولك نُصلِّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك، إنَّ عذابك بالكفار مُلحق (1) .

وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي إسحاق قال:

____________________

(1) الإتقان في علوم القرآن:1/65، تفسير روح المعاني 1/25 المطبعة المنيرية بمصر.


أمَّنا أُميَّة بن عبد الله بن خالد بن أُسيد بخراسان، فقرأ بهاتين السورتين:

إنَّا نستعينك ونستغفرك (1) .

وقال العلاَّمة الكبير الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي (طاب ثراه):

لا نقول لهذا الراوي: إنَّ هذا الكلام لا يُشبه بلاغة القرآن ولا سوقه، فإنَّا نُسامحه في معرفة ذلك، ولكنَّا نقول له: كيف يصحُّ قوله: يفجرك؟! وكيف تتعدَّى كلمة يفجر؟!!

وأيضاً إنَّ الخلع يناسب الأوثان، إذاً؛ فماذا يكون المعنى، وبماذا يرتفع الغلط؟!!

والثانية منها:

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهمَّ إيَّاك نعبد، ولك نُصلِّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إنَّ عذابك بالكافرين مُلحق.

ولنسامح الراوي أيضاً فيما سامحناه فيه في الرواية الأُولى، ولكنَّا نقول له:

ما معنى الجدِّ هنا؟!!!

أهو العظمة؟! أو الغنى؟! أو ضدُّ الهزل؟! أو حاجة السجع؟!

نعم: في رواية عبيد: نخشى نقمتك، وفي رواية عبد الله: نخشى عذابك.

وما هي النكتة في التعبير بقوله: (مُلحق)؟!!

____________________

(1) المصدر السابق:1/65.


وما هو وجه المناسبة، وصحَّة التعليل لخوف المؤمن، مِن عذاب الله بأنَّ عذاب الله بالكافرين مُلحق؟!!

بلْ إنَّ هذه العبارة تُناسب التعليل لئلا يخاف المؤمن مِن عذاب الله، لأنَّ عذابه بالكافرين مُلحق. (1)

* * *

أخرج البخاري: عن إسرائيل عن المغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة قال:

قدمت الشام فصلَّيت ركعتين ثمَّ قلت:

اللهمَّ يسِّر لي جليساً صالحاً. فأتيت قوماً فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، فقلت مَن هذا؟

قالوا: أبو الدرداء.

فقلت: إنِّي دعوت الله أنْ ييُسِّر لي جليساً صالحاً فيسَّرك الله لي.

قال: ممَّن أنت؟

قلت: مِن أهل الكوفة.

قال: أوليس عندكم ابن أمِّ عبد صاحب النعلين، والوسادة، والمطهرة؟ وفيكم الذي أجاره الله مِن الشيطان على لسان نبيّه (صلّى الله عليه وسلّم)؟

أوليس فيكم صاحب سرِّ النّبي (صلّى الله عليه واله وسلّم) الذي لا يعلمه أحد غيره؟

ثمَّ قال: كيف يقرأ عبد الله (والليل إذا يغشى، والنّهار إذا تجلّى، والذكر والأنثى) ؟

قال:

____________________

(1) مقدِّمة تفسير آلاء الرحمان ص 16 المطبوع في أوائل تفسير شبَّر بالقاهرة.


والله، لقد أقرأنيها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) مِن فيه إلى فيَّ (1) .

وقال البخاري: حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: ذهب علقمة إلى الشام، فلمّا دخل المسجد قال:

اللهمَّ يسِّر لي جليساً صالحاً، فجلس إلى أبي الدرداء،

فقال أبو الدرداء: ممّن أنت؟

قال: مِن أهل الكوفة.

قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السرِّ الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة.

قال: قلت بلى.

قال: أليس فيكم، أو منكم الّذي أجاره الله على لسان نبيّه (صلّى الله عليه وسلّم) مِن الشيطان؟ يعني عماراً.

قلت: بلى.

قال: أليس فيكم، أو منكم صاحب السَّواك، أو السرِّ؟

قال: بلى.

قال: كان عبد الله يقرأ: (والليل إذ يغشى، والنّهار إذا تجلّى)؟

قلت: والذكر والأنثى.

قال: ما زال بي هؤلاء حتَّى كادوا يستنزلوني عن شيء سمعته مِن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم).

وأخرجه بلفظ آخر كما يأتي:

حدَّثنا موسى عن أبي عوانة، عن مغيرة عن علقمة قال:

____________________

(1) صحيح البخاري مشكول بحاشية السندي: 2/305 طبعة دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي ومسجلة برقم 223 باب مناقب عمار وحذيفة (رض).


دخلت الشام فصلَّيت ركعتين فقلت:

اللهمَّ، يسِّر لي جليساً، فرأيت شيخاً مقبلاً فلمَّا دنا قلت: أرجو أنْ يكون استجاب.

قال: مِن أين أنت؟

قلت: مِن أهل الكوفة.

قال: أفلم يكن فيكم صاحب النعلين والوسادة والمطهَّرة؟

أولم يكن فيكم الذي أُجير مِن الشيطان؟

أولم يكن فيكم صاحب السرِّ الذي لا يعلمه غيره؟

كيف قرأ ابن أمِّ عبد والليل؟

فقرات: (والليل إذا يغشى والنّهار إذا تجلى والذكر والأنثى) .

قال: أقرأنيها النبي (صلّى الله عليه وسلم) فاه إلى فيِّ فما زال هؤلاء حتَّى كادوا يردُّوني (1) .

الزيادة والنقيصة في القرآن:

أخرج المتَّقي الهندي، عن أبي عبيد عن أُبيِّ، أنَّ النبي (صلّى الله عليه وسلم) قال: (إنَّ الله أمرني أنْ أقرأ عليك القرآن فقرأ عليه):

لم يكن، وقرأ عليه:

إنَّ ذات الدين عند الله الحنيفية، لا المشركة، ولا اليهودية، ولا النصرانية، ومَن يعمل خيراً فلن يكفره. وقرأ عليه:

لو كان لابن آدم وادٍ لابتغى إليه ثانياً، ولو أعطى ثانياً لابتغى

____________________

(1) صحيح البخاري: 2/307 باب مناقب عبد الله بن مسعود، المحاضرات للراغب، وفي المحاضرات 2/250 ط مصر عام 1278 هـ ذكر الراغب بدل يردُّوني: يردُّونني، وزاد بعده: عنهما.


ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب، ويتوب الله على مَن تاب (1) .

وقال الراغب الأصبهاني:

أثبت زيد بن ثابت سورتي القنوت في القرآن، وأثبت ابن مسعود في مصحفه:

لو كان لابن آدم واديان مِن ذهب لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب، ويتوب الله على مَن تاب (2) .

وقال جلال الدين السيوطي:

وأخرج ابن الضرّيس ليؤيِّدنَّ الله هذا الدين برجال ما لهم في الآخرة مِن خلاق، ولو أنَّ لابن آدم، واديين مِن مال، لتمنَّى وادياً ثالثاً، ولا يملاً جوف ابن آدم إلاَّ التراب، فيتوب الله عليه، والله غفور رحيم.

وأخرج أبو عبيد، وأحمد، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في (شعب الإيمان) عن أبي واقد الليثي قال:

كان رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) إذا أُوحي إليه أتيناه فعلمنا ما أُوحي إليه.

قال: فجئته ذات يوم فقال:

إنَّ الله يقول:

إنَّا أنزلنا المال لإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولو أنَّ لابن آدم وادياً لأحبَّ أنْ يكون إليه الثاني، ولو كان له الثاني لأحبَّ أنْ يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب، ويتوب الله على مَن تاب (3) .

____________________

(1) منتخب كنز العمال بهامش مسند الإمام أحمد: 2/42.

(2) المحاضرات: 2/250 طبعة مصر.

(3) الدرُّ المنثور: 1/105، الإتقان في علوم القرآن: 2/25.


وقال ابن الأثير (1)

أبو الأسود الدؤلي قال: بعث أبو موسى إلى قرَّاء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمئة رجل قد قرأوا القرآن فقال:

أنتم خيار أهل البصرة وقرَّاؤهم، فاتلوه، ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسوه قلوبكم، كما قست قلوب مَن كان قبلكم، وإنَّا كنَّا نقرأ سورة كُنَّا نُشبِّهها في الطول والشدِّة ببراءة، فأُنسيتها، غير أنِّي حفظت منها:

لو كان لابن آدم واديان مِن مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب (2) .

  أخرج أبو داود، وأحمد، وأبو يعلى، والطبراني عن زيد بن أرقم قال:

كنَّا نقرأ على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم):

لو كان لابن آدم واديان مِن ذهب، وفضَّة لابتغى الثالث، ولا يملأ بطن ابن آدم إلاَّ التراب، ويتوب الله على مَن تاب(3) .

وأخرج أبو عبيد، وأحمد عن جابر بن عبد الله قال: كنَّا نقرأ:

لو أنَّ لابن آدم ملء وادٍ مالاً، لأحبَّ إليه مثله، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب، ويتوب الله على مَن تاب.

____________________

(1) هو المبارك بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري الشافعي، أبو السعادات المشهور بابن الأثير. ولِد (سنة 544 هـ) في جزيرة ابن عمر، وانتقل في شبابه إلى الموصل حيث أكبَّ على الدرس فبزَّ أقرانه في مختلف العلوم، وذاع صيته، وأثبتت شهرته في سائر الأقطار. انظر: مقدَّمة جامع الأصول 1|3.

(2) جامع الأصول: 3|8 رقم الحديث 904 طبعة مصر (عام 1370 هـ).

(3) الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور: 1|105 وأورده الآلوسي في تفسيره روح المعاني: 1|20 باختلاف يسير.


وأخرج ابن الأنباري عن زر، قال: في قراءة أُبيِّ بن كعب،

ابن آدم لو أُعطي وادياً مِن مال لابتغى ثانياً، ولو أُعطي واديين مِن مال لالتمس ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب، ويتوب الله على مَن تاب (1) .

وعن ابن عباس قال:

كنت عند عمر فقرأت:

لو كان لابن آدم واديان مِن ذهب لابتغى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب، ويتوب الله على مَن تاب.

قال عمر ما هذا؟!!

قلت: هكذا أقرأنيها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) (2) .

قال الأمام أحمد: حدَّثنا عبد الله، حدَّثني أُبي، حدَّثنا عبد الرحمان، عن مالك عن الزهري، عن عروة عبد الرحمان بن عبد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

سمعت هشام بن حكيم يقرأ (سورة الفرقان) في الصلاة على غير ما أقرأها، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) أقرأنيها، فأخذت بثوبه فذهبت به إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقلت: يا رسول الله،

إنِّي سمعته يقرأ (سورة الفرقان) على غير ما أقرأنيها، فقرأ القراءة التي سمعتها منه (3) .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن عباس قال:

____________________

(1) المصدر السابق 1/106، الجامع الصغير: 2/131

(2) منتخب كنز العمال بهامش مسند الإمام أحمد: 2/43

(3) مسند الإمام أحمد: 1/40، صحيح مسلم: 3/137 بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي.


أمر عمر بن الخطاب منادياً فنادى: إنَّ الصلاة جامعة، ثمَّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال:

يا أيُّها الناس لا تجزعنَّ مِن آية الرجم؛ فإنَّها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها، ولكنَّها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد، وآية ذلك أنَّ النبي (صلّى الله عليه وسلم) قد رجم، وأنَّ أبا بكر قد رجم، ورجمت بعدهما وإنَّه سيجيء قوم مِن هذه الأمَّة يكذبون بالرجم. (الدرُّ المنثور في التفسير بالمأثور 5/179).

وقال العلاَّمة الكبير الشيخ أبو ريَّة (طاب ثراه):

ولم يقف فعل الرواية عند ذلك، بلْ تمادت إلى ما هو أخطر مِن ذلك، حتَّى زعمت أنَّ في القرآن نقصاً، ولحناً وغير ذلك ممَّا أورد في كتب السنَّة، ولو شئنا أنْ نأتي به كلِّه هنا لطال الكلام - ولكنَّا نكتفي بمثالين ممَّا قالوه في نقص القرآن، ولم نأت بهما مِن كتب السنَّة العامَّة بلْ ممَّا حمله: الصحيحان، ورواه الشيخان: البخاري، ومسلم.

أخرج البخاري وغيره عن عمر بن الخطاب أنَّه قال - وهو على المنبر:

إنَّ الله بعث محمّداً بالحقِّ نبيِّاً، وأنزل عليه الكتاب فكان ممَّا أنزل آية الرَّجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها. رجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده، فأخشى إنْ طال بالناس زمان أنْ يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلُّ بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حقٌّ على مَن زنى إذا أُحصن مِن الرجال والنساء.

ثمَّ إنَّا كنَّا نقرأ فيما يقرأ في كتاب الله، ألا ترغبوا عن آبائكم فإنَّه كفر بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم.

وأخرج مسلم عن أبي الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى


الأشعري، إلى قرَّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن فقال:

أنتم خيار أهل البصرة، وقراؤهم، ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب مَن كان قبلكم، وإنَّا كنَّا نقرأ سورة كنَّا نُشبِّهها في الطول، والشدَّة ببراءة فأنسيتها غير أنِّي قد حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان مِن مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب) وكنَّا نقرأ سورة كنَّا نُشبِّهها بإحدى المُسبَّحات فأنسيتها غير أنِّي حفظت منها:

(يا أيُّها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتُكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة).

نجتزئ بما أوردنا وهو كافٍ هنا لبيان كيف تفعل الرواية حتَّى في الكتاب الأول للمسلمين، وهو القرآن الكريم! ولا ندري كيف تذهب هذه الروايات التي تفصح بأنَّ القرآن فيه نقص، وتحمل مثل هذه المطاعن مع قول الله سبحانه:

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) وأيُّهما نصدق؟!

اللهمَّ إنَّ هذا أمر عجيب يجب أنْ يتدبَّره أولو الألباب. (أضواء على السنَّة المحمدية ص 256، 257 الطبعة الثالثة لدار المعارف بمصر).



كلمة الختام:

وها نحن أُولاء قد أوردنا في هذا البحث الوجيز، نُبذة مِن آراء علمائنا الأعلام (الشيعة الإمامية) مِن القرن الثالث الهجري حتَّى العصر الحاضر(القرن الخامس عشر)، وإنَّهم جميعاً ينفون تحريف القرآن الكريم ولا يعترفون بزيادة فيه أو بنقصان.

فيلزم على علماء السنَّة - كذلك - أنْ لا يعترفوا بصحَّة الأحاديث الواردة في صحاحهم، ومسانيدهم والتي تُثبت تحريف القرآن الكريم عندهم.

فالواجب يُحتِّم علينا جميعاً تنزيه القرآن الكريم مِن هذه المطاعن، أنْ نضرب بمثل هذه الأحاديث عرض الجدار لمخالفتها لنصِّ القرآن الكريم، قال الله تعالى: ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) .

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .

وممَّا هو محفوظ منه: الزيادة، والنقصان.

وقد ألزمنا أئمَّتنا الأطهار أهل بيت الرسول الأكرم المختار (عليهم


أفضل الصلاة وأتمُّ السلام) بالعمل بهذا القرآن العظيم، المتداول بأيدينا وأيدي جميع المسلمين، في شرق الأرض وغربها؛ لأنَّ ما بين الدفَّتين كلَّه كلام الله تعالى ربِّ العالمين وهو: القرآن وليس غيره.

وأكثر مِن ذلك... فقد ألزمنا الأئمَّة الاثنا عشر أوصياء الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعرض الأحاديث المروية عنهم (عليهم السلام) على القرآن الكريم، فإنْ كانت موافقة للقرآن فإنَّها منهم، وإنْ كانت مخالفة له فإنَّها ليست منهم، ويجب تركها وعدم الاهتمام بها، وضربها عرض الجدار.

هكذا وبهذه الصراحة، والعمل جارٍ على هذا المنهاج.

فإذاً؛ يجب على علماء المسلمين الغيارى كافَّة في جميع الأقطار الإسلامية، أنْ يشكِّلوا لجاناً خاصة لمراجعة أمثال هذه الأحاديث المذكورة، والمتكرِّرة في الصحاح الستَّة والمسانيد، والتي تُثبت تحريف القرآن الكريم بالزيادة والنقصان، لتحقيق متونها والبحث عن سلسلة رواتها (1) كيلا يتسنَّى للمُنحرفين (عملاء الاستعمار) أنْ يصلوا إلى أهدافهم الدنيئة مِن هذا الطريق، وإلى غايتهم المشؤومة مِن الطعن في الإسلام.

والاستعمار يُهمُّه دائماً نشر هذه الأحاديث؛ لأنَّها تشوِّه سمعة الإسلام وتشغل المسلمين بأنفسهم بتفريق كلمتهم، وتشتيت شملهم!!

والأمل مِن أمَّة الإسلام أنْ تعي، ورجال الحكم الغيارى أنْ

____________________

(1) قبل نصف قرن تقريباً، قامت دار الكتب المصرية بالقاهرة بمديرية الأستاذ علي فكري للدار، لمراجعة الكتب التي يشمُّ منها التأييد للشيعة الإمامية، أو لأهل البيت الأطهار (عليهم السلام) فكانت اللجنة تحذف ذلك الكلام كلَّه، وتختم الكتاب بالعبارة الآتية: راجعته اللجنة المغيِّرة للكتب بتوقيع رئيس اللجنة علي فكري.


يتيقَّظوا مِن هذا السُّبات العميق، ويكونوا وحدة متماسكة مع جميع مسلمي العالم؛ كي لا يوفَّق الاستعمار لنيل أغراضه الخبيثة، وغاياته الدنيئة.

وفي الآونة الأخيرة، عندما شاهد الاستعمار صولة الإسلام ورقيِّه في بناء صرح الجمهورية الإسلامية في إيران، أوحى إلى عملائه، وأذنابه - في الشرق الأوسط وخاصة في هذا العصر - أمثال:

إبراهيم الجبهان، إحسان الهي ظهير الباكستاني، عبد الله محمد الغريب، محمد عبد الستار التولستوي...، أبو الحسن الندوي، محمد أحمد التركماني ومَن لفَّ لفَّهم (1) فاشترى منهم ما تبقَّى مِن دينهم، وضمائرهم، بثمن بخس لبثِّ السّموم ونشرها على مستوى عالمي، قال الله تعالى:

( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ) . البقرة: 16.

( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا ) . الأحزاب: 67.

( ... أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) . التوبة: 69.

( ... وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ) . النساء: 119.

ليشنُّوا الأكاذيب، والافتراءآت، ويُلصقوا التُّهم الرّخيصة بنشر مقالة في صحيفة أو مجلَّة، أو كرَّاس، أو تأليف كتيِّب، أو كتاب ضدَّ

____________________

(1) راجع بداية هذا الكتاب تجد عدداً غير قليل منهم.


الطائفة المسلمة (الشيعة الإمامية) وليتسنَّى لهم بذلك ضرب المسلمين بعضهم ببعض، وما هي إلاَّ دسيسة يقوم بها المستعمر الكافر.

فهل تعي أُمَّة الإسلام، وتستيقظ مِن هذا السُّبات العميق؛ كي لا يوفَّق الاستعمار لبلوغ أغراضه، ولا تُحقِّق له غايته المشؤومة التي تهدف إلى السيطرة على بلاد الإسلام، وليستعيد المسلمون قوَّتهم، ومجدهم ونشاطهم.

هذا وليعلم الأفَّاكون والمضلِّلون، والذين يسعون في نشر هذه السُّموم ضدّ هذه الطائفة (الشيعة الإمامية) أنَّ هذا لا يضيرهم بشيء؛ لأنَّ الله تعالى وعد المؤمنين المجاهدين في سبيله بالنّصر فقال عزّ مِن قائل:

( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... ) ( ... وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ... ) ( ... وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) صدق الله العليُّ العظيم.

وفي ختام هذا الكتاب نسأل الله أنْ يخلص لنا النيَّات ويوفِّقنا للقيام بما يحبُّ ويرضى إنَّه سميع الدعاء قريب مجيب.

ربَّنا عليك توكَّلنا، وإليك أنبنا وإليك المصير.

بيروت - لبنان

السيِّد مرتضى الرضوي


آثار المؤلِّف

1- مع رجال الفكر في القاهرة، الطبعة الرابعة في ثلاث حلقات طبع القاهرة.

2- في سبيل الوحدة الإسلامية، الطبعة السابعة.

3 - بامردان انديشه در قاهرة، الطبعة الأُولى، جمهورية إيران الإسلامية - طهران.

4 - صفحة عن آل سعود الوهابيين، الطبعة الأُولى.

5 - صفحة عن آل سعود الوهابيين، الطبعة الثانية بزيادة.

6 - آراء علماء المسلمين وهو هذا الكتاب الذي بين يديك.

تحت الطبع

1- الشيعة الإمامية والصحابة.

2 - آراء المُعاصرين حول آثار الإمامية.

4 - بضعة المصطفى، يتضمَّن سيرتها في حياة أبيها وبعده (مخطوط).

5 - محاورة حول الإمامية والخلافة بين عباس وعلوي المشهور في أكثر مِن مئتي صفحة.


كتب راجعها المؤلِّف وعلَّق عليها وطُبعت

1 - دلائل الصدق في علم الكلام، الطبعة الثالثة، طبعة القاهرة.

2 - وسائل الشيعة ومستدركاتها، الطبعة الثالثة، صدر منها خمسة أجزاء بمصر.

3 - الشيعة الإمامية، الطبعة الثالثة في مصر.

4 - الشيعة وفنون الإسلام.

5 - علي ومناوئوه.

6 - مع الخطيب في خطوطه العريضة.

7 - نظرت في الكتب، الطبعة الثالثة للدكتور حفني داود طبعت بمصر.

8 - تحت راية الحق، الطبعة الرابعة للدكتور حفني داود طبعت بمصر.

9 - مِن وحي الأخلاق، الطبعة الأُولى، السيد مصطفى اعتماد الموسوي.

10 - الروائع المختارة، مِن خُطب الإمام الحسن السبط.


الفهرس

آيات مِن الذكر الحكيم .5

كلمة المؤلِّف ..7

نُبذة مِن مُعتقدات الشيعة الأماميّة 12

تسمية الشيعة بشيعة أهل البيت ..16

تسمية السنَّة بأهل السنَّة والجماعة 28

تمهيد .29

التقيَّة عند الشيعة الإماميَّة 31

التقيَّة في نظر علماء السنَّة 37

عقيدة الشيعة الإمامية في الصحابة 45

تمهيد .45

صيانة القرآن من التحريف ..147

روايات العامَّة حول تحريف القرآن الكريم .183

الآيات القرآنية المحرَّفة في بعض كتب العامَّة مرتَّبة على حروف المعجم .185

نبذ مِن الأحاديث الواردة في تحريف القرآن مُلتقطة مِن صحاح العامَّة ومسانيدهم .186

2 نُبَذ مِن الأحاديث الواردة في تحريف القرآن مُلتقطة مِن صحاح العامَّة ومسانيدهم .208

آثار المؤلِّف ..248