مباني نقد متن الحديث

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: قاسم البيضاني
علم الدراية

المقدّمة

بيان الموضوع:

المقصود من مباني النقد هو: المعايير والضَوابط الشرعيّة والعُقلائيَّة، الّتي اتَّفقَ عليها أكثر المُحدّثين والعُلماء، في تَقيِيم مَتن الحديث، والحُكم عليه بالضعف أو الوضع، بغضّ النظر عن نوعيّة السَند، وبغضّ النظر عن وجود توجيهٍ مقبول لهذا الحديث، أو لا.

وسوف يأتي معنى النَقْدِ في الفصل الأوّل.

أهميّة الموضوع وضَرورته:

تحتلُّ السُنّة أهميّة كبيرة في حياة المسلمين، ليس في المجال الفقهي فقط، بل في جميع شؤون الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، ولهذا فقد تعرَّضت لهَجَمات مُتعدِّدَة من قبل الأعداء والأصدقاء، فنالَها التشويه وسوء الفَهم، والوَضْع، مّما استدعى بَذْل جهود حثيثة من قِبل العلماء للدفاع عن السُنّة، بتَنقِيَتها من التزييف والتزوير.

غيرَ أنّ المُحدِّثين أفرطوا بالنقد السَنَدي، على حساب نَقدِ المَتنِ، ولم يُبيِّنوا مَنهجهم ومبانيهم في نقد المَتن بصورة واضحة، ومُعظَم الكتابات الّتي دُوّنَت في الفترة الأخيرة فيما يخصّ المَتن - مع أهمِّيّتها وفائدتها -، لا تَتَعدّى ذكر هذه المباني، وبعض الإشارات إلى حدودها، مّما يتطلّب دراسة مُستقلّة لتنقيح هذه المباني، وتعيين حدودها.

ويأتي هذا البحث كخطوةِ أوّليّة في هذا الطريق، مّما يَستدعي خطوات أُخرى أكثر عُمقاً، واستحكاماً وتخصّصاً.


السَابِقة التاريخيّة:

ترجع جذور هذا البحث إلى زمن الصحابة وأئمّة أهل البيت (‏عليهم السلام)، حيث استخدموا بعض المعايير للحُكمِ على الحديث وردّه، وقد جَمع بعضُ العلماء الأحاديثَ الّتي استَدرَكَتها عائشة على الصحابة وسمّاها: (الإصابة فيما استَدرَكَته عائشة على الصحابة)، وهي الأحاديث الّتي نَقَدَتها عائشة ورَدَّتها؛ لمُخالَفة مُتونها لبعض المَباني.

إلاّ أنّ هذه المباني لم تكن واضحة في كتابات المُتَقدِّمين من المُحدِّثين، وكثيراً ما كانوا ينقدون الحديث من ناحية السَنَد، ويُعتبر ابن القَيّم هو أوّل من دَوَّن كتاباً مُستقلاًّ في هذا البحث، تحت عنوان: (المفاد المنيف في الصحيح والضعيف).

أمّا المحدّثون الّذين كتبوا في علم (مُصطَلَح الحديث)، فكانوا يتناولون هذا البحث تحت عنوان: (معرفة الحديث الموضوع من ناحية المتن).

أمّا في العَقدَين الأخيرين، فقد كَثرت المُؤلَّفات في هذا المجال، وسوف نُشير إلى أهمِّ الكُتب الّتي تناولتْ هذا الموضوع بصورة مُستقلِّة، منها:

1 - مَنهجُ نَقدِ المَتنِ عند علماء الحديث النبوي - صلاح الدين الأدلبي.

2 - مَقاييس نقد متون السُنّة - مُسفر عزم الله الدميني.

3 - نقد الحديث في علم الرواية والدِرايَة - حسين الحاج حسن.

4 - جهود المُحدِّثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف - محمد طاهر الجوابي.

5 - منهج النقد عند المُحدِّثين، مُقارناً بمَنهج النقد الغربي - أكرم ضياء العُمَري.

6 - الحديث النبوي، بين الرواية والدراية - جعفر سبحاني.

7 - نقد المتن، بين صِناعة المُحدِّثين ومَطاعِن المُستَشرِقين - نجم عبد الرحمن خلف.

وغيرها من المَقالات والكُتب في هذا المجال.

بالإضافة إلى الكتب الّتي تَناولتْ بالنقد كثيراً من متون الأحاديث، على ضوء بعض المباني، كما هو الحال في (الأخبار الدَخيلَة ومُستَدرَكاته)، وكتاب (الموضوعات في الآثار والأخبار) للعلاّمة هاشم معروف الحسني.


  حُدود التَحقيق:

1 - الحدود الّتي تحت اختيار المُحقِّق:

تَنحصر هذه الدراسة بالبحوث التالية:

أ - نقد المُحتَوَى، وبذلك تخرج دراسة السَنَد عن حيِّز هذه الدراسة.

ب - المُراد بالنَقد هو: نَقد التقييم، وبذلك يخرج نقد التفسير.

ج - النظر إلى هذه الضوابِط باعتبار مُخالَفَتها للأحاديث، وبذلك تخرج البحوث الّتي تتناول دراسة الحديث بما هو مُوافِق لهذه المباني.

د - المُراد بهذه الدراسة هو: بحث المَباني المُشتَرَكَة، الّتي اتّفق عليها الفريقان، وبذلك تخرج المباني المُختصّة ببعضِ المذاهب.

2 - الصعوبات الّتي هي خارج اختيار المُحقِّق:

أ - جِدَّة الموضوع، وعدم تنقيح مَبانيه، وعدم وجود دراساتٍ تَتَناول هذه النقطة بالذات.

ب - حساسيّة الموضوع؛ لأنّه يتناول حديث المعصوم (عليه السلام)، فقد يُحكَم على بعض الأحاديث الصحيحة سَنَداً بالضَعف - مثلاً -؛ لمُخالَفَتها لهذه المباني.

عِلماً بأنّ النقد لا يتوجّه إلى الحديث بما أنّه سُنّة معصومة، وإنّما يتوجّه إلى المُلابَسات الّتي أحاطّتْ بالسُنّة، من وضعٍ، أو تحريفٍ، أو فَهمٍ خاصٍّ.

ففي الحقيقة أنّ عمليّة النقد هي دفاع عن السُنّة، وليس تضعيف لها.

ج - تَشَعُّب الموضوع وتَفَرُّقه في مباحث كثيرة، تاريخيّة، أصوليّة، علميّة، و... مّما يستدعي الاطّلاع على كُتبٍ مُتخصِّصة للفريقين، في مجالات مُتعدّدة.


الفَرضِيّة:

نفترض أنّ هناك مَعايير شرعيّة وعقلائيّة مقبولة لَدى الفريقين، يُمكن من خلالها نقد وتقييم متن الحديث.

الأُصول المَوضوعيَّة:

1 - القَبول بأحكام العقل العَمَلي، بالتَحسين والتقبيح العَقلِيَّين.

2 - إمكانيّة الحصول على القطعِ من العِلم.

3 - عدم وجود التعارض بين الوَحي والعِلم.

مَنهَج التحقيق:

تعتمد هذه الدراسة على المنهج النَقلِي، النَظَري، الوصفي، من حيث العَرْضِ والتفسير.

أمّا أُسلوب جمعِ المعلومات، فهو الاستفادة من المكتبات التَخصّصيّة في الفقه والأُصول والحديث، من كُتبِ الفريقَين، ثُمَّ تقسيم كلّ بحث إلى قِسمين:

1 - القِسمُ المَبنائِي : حيث نتناول فيه المِعيار وأهمّيّته، والاستدلال عليه، وحدوده.

2 - ذكر بعض المَصادِيق ، من الأحاديث الّتي تُخالِف هذه المباني، ومن كُتب الفريقَين.

ما هو الجديد في هذه الدراسة؟

لابُدّ من النظر إلى هذا البحث كخطوة أوّليّة على الطريق؛ باعتبار جدِّة الموضوع وسِعَته، ومن الُمؤكَّد فإنّ الدراسات الآتية سوف تكون أكثر نُضجاً وإحكاماً.

ومع هذا يُمكن أن ندَّعي أنَّنا استطعنا أن نُقدِّم في هذا البحث ما يلي:

1 - تَنقِيح بعض المباني وتفصيلها، وخصوصاً في مسألة عَرضِ الحديث على القرآن.

2 - أشرنا إلى بعض المباني الّتي لم يتناولها الباحثون، مثل: دراسة الحديث في ضوء المَباحِث اللُغويّة والبلاغيّة - وإن كان ذلك بنَحوٍ إجمالي -، وغير ذلك من المباحث، سواء كان ذلك من حيث تنقيح المباني، أو من خلال ذكر المصاديق.


خطّة البحث:

تسير خطّة البحث على:

تقسيم مباحث هذه الرسالة إلى بابَين، يتكوَّن الباب الأوّل (الباب التمهيدي) من فصلَين:

تناولنا في الفصل الأوّل معنى النَقْدِ، وأسبابه، وأنواعه، ومناهجه، مع الإشارة إلى النقد التاريخي، واختلافه مع مَنهج نقد الحديث، لارتباطه بموضوع البحث.

أمّا في الفصل الثاني ، فقد قسَّمناه إلى قسمين: تناولنا في القسم الأوّل نقد المُحتَوَى عند الصحابة، وفي المَبحث الثاني نقد المحتوَى عند أهل البيت‏ (عليهم السلام)، وبذلك ينتهي الباب الأوّل.

أمّا الباب الثاني فقد قسَّمناه إلى ستّة فصول - حسب الضوابِط المذكورة في هذه الدراسة -:

فقد تناولنا في الفصل الأوّل عرض الحديث على القرآن، من حيث المَبنى والمصاديق.

وفي الفصل الثاني ، عرض الحديث على السُنّة، ثُمَّ عرض الحديث على التاريخ، العقل، العِلم القَطعِي.

وفي الفصل الأخير ، تناولنا الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقسّمناه إلى ثلاثة مباحث، وبذلك تنتهي هذه الدراسة.











البابُ الأوّل

المباحث التمهيديّة



تمهيد

المَبحث الأوّل: النقد في اللُغة والاصطلاح

النقد في اللُغة: النَقْد والتَنْقاد: تَمْيِيز الدَراهِم، وإخراج الزَيف منها، ونقدتُ لَهُ الدِرهَمَ وانتَقَدتُها: إذا أخرجتُ منها الزَيف.

وناقدتُ فلاناً: إذا ناقشتُه في الأمر.

ونَقَدَ الطائرُ الحَبَّ، يَنقُدهُ، إذا كان يَلقطهُ واحداً واحداً (5) .

ونَقَدَ النثرَ، ونَقَدَ الشعرَ: أظهرَ ما فيهما من عَيب أو حُسن (6) .

يتبيَّن من جميع استعمالات النقد، أنّها تعني: تمييز الجيِّد من الردي‏ء، يظهر ذلك من تَميِيز الدراهم، ونقد الطائر للحَبِّ؛ إذ أنّه يلتقط ما ينفعه ويَذر ما لا ينفعهُ.

ونَقْد الشخص، بمعنى المناقشة، تعني: تَقيِيم الرأي، وكشف ما به من خطأ أو اشتباه، وكذلك نقد الشعر والنثر، للكَشفِ عن مَحاسنه وسيِّئاته.

المعنى الاصطلاحي: وَرَدَتْ عدّة تعاريف للنقد لا تخرج عن معناه اللغوي، منها:

1 - نقد الحديث: هو العِلم الّذي يبحث في تمييز الأحاديث الصَحيحة من الضَعيفة، وبيان عِلَلِها، والحُكم على رُواتِها جَرحاً وتعديلاً، بألفاظٍ مَخصوصة، ذات


دلائل معلومة عند أهل الفنِّ (7) .

ويُمكن الإشارة إلى عدّة نقاط في هذا التعريف:

(أ) يشمل التعريف نقد السَنَد بالإضافة إلى نقد المَتن؛ إذ أنّ تمييز الصحيح من الضعيف، قد يكون من حيث السَند أو المتن.

(ب) لم يُشِر التعريف إلى التعريف الأساس، المعتمد في تمييز الأحاديث، ويجعله قَيداً في التعريف.

(ج) قد يكون ضعف الحديث بسبب بعض العوامل الّتي تَكتَنِف الحديث، بسبب الغَفلة عن سبب الورود، أو التصحيف، النقل بالمعنى، أو بسبب عامل الوضع.

والنقد يشمل جميع هذه الموارِد، أي أنّه يشمل الأحاديث غير الصادرة أصلاً (الموضوعات)، أو الصادرة، ولكن اعترتها بعض المُلابَسات الّتي شوَّهت معناها.

2 - عِلم نَقْدِ الحديث: وهو: الحكم على الرُواة تَجريحاً أو تعديلاً، بألفاظ خاصّة، ذات دلائل معلومة عند أهله، والنظر في متون الأحاديث الّتي صحَّ سَندها، لتصحيحها أو تضعيفها، ولرفع الإشكال عمّا بدا مُشكِلاً من صحيحها، ودفْع التعارض بينها، بتَطبيقِ مَقايِيس دقيقة (8) .

ويُمكن ذكر الملاحظات التالية على هذا التعريف:

أ - اقتصر على نقد متن الروايات الّتي صحَّ سَندها، في حين أنّه يشمل الروايات الصحيحة والحسنة، بل والضعيفة أيضاً، لتَبيِين درجة الضعف، والحُكم على بعضِها بالوَضع.

ب - اعتبر رَفْعَ الإشكال والترجيح، ودَفْع التعارض بينها، نوع من النقد، وهو صحيح؛ إذ أنّ النقد تارة يُراد به تفسير النصِّ، وأُخرى تقييم النصِّ، وسوف نُحدِّد ونحصر دراستنا هنا بالمعنى الثاني، مع استبعاد النقد الّذي يرجع إلى الترجيح، ودَفْعِ التعارض بين الروايات.

هذا كلّه من حيث تعريف النقد بصورة عامّة، أمّا المراد من نقد


المُحتوَى، فيُمكن أن يُعرَّف بأنّه:

العلم الّذي يبحث في تمييز الأحاديث الصحيحة من السقيمة، وذلك بعَرْضِ محتوى الحديث على مقاييس شرعيّة وعُقلائيّة.

المبحث الثاني: أنواع النقد

هناك تقسيمات مُتعدِّدة للنقد، منها:

1 - النقد الخارجي والداخلي:

أ - النقد الخارجي (نقد السَنَد): وهو تصحيح أو تضعيف الرواية، من خلال الحُكم على رُواتها جَرحَاً وتعديلاً وضَبطَاً، ومن خلال اتّصال السَنَد أو عدمه.

وهذا يعني أنّ بحثهم عن الرواة يكون من خلال ثلاثة أمور:

أوّلاً - شخصيّة الرَاوِيَة وتَديّنه ومُستواه الخُلُقي، وهو ما يُسمَّى بالعدالة.

ثانياً - الدِقّة والإتقان في نَقلِ الحديث، وهو ما يُسمَّى بالضَبْطِ.

ثالثاً - اتّصال السَنَد أو انقطاعه.

ب - النقد الداخلي: وهو - كما ذكرناه سابقاً - ينطلق من خلال عَرضِ المحتوى على أُسسٍ شرعيّة وعُقلائيّة، أو من خلال مُقايَسَة الروايات مع الروايات الصحيحة الأُخرى، لمعرفة ما نَشَأ من وَهْم الرواة، من نفيٍ، أو زيادة معنى، أو غير ذلك مّما يُغيّر معنى الحديث.

2 - نقد التصحيح، ونقد التفسير.

وهما نوعان من أنواع النقد، يَسبِقان عمليّة نَقد المُحتوى، فلا يُنتقَل إلى الثاني إلاّ بعد أن يَمرّ النقد بمَرحلتَين نقديَّتَين.

والمراد من نقد التصحيح هو: تصحيح المتن لُغويّاً، باستبعاد ما فيه من أغلاط سمعيّة وبَصَرِيّة، والمسلمون يُطلِقون على هذه العمليّة بـ (التَصْحِيفِ والتَحْرِيف).

فالحديث المُصَحَّف: هو الّذي غُيِّرَتْ فيه النُقط، مع الحفاظ على الشكل.

والمُحَرَّف: هو ما غُيِّر فيه الشَكل - هَيئة الكَلِمة - مع بقاءِ الحروف (9) .

أي تصحيح


الحديث مّما فيه من أغلاط سمعيّة وبَصَرِيّة، وهذه هي أُولى خطوات النقد، وغاية ما يُستفاد منها أنّ النصَّ أصبحَ خالياً من الأخطاء.

ثُمَّ تأتي المرحلة الثانية من النقد، وهي مرحلة نقد التفسير، وهي تَتكوّن من مرحلتين:

1 - شرح ما يُوجَد في النصِّ من مُفردات غريبة، وهو ما يُطلَق عليه في علم الحديث (غريب الحديث).

2 - تحليل مفهوم النصِّ وفَهْم دلالته، واستنباط الأحكام منه، من خلال فَهمِ سياق الحديث ومُلابساته، وأسباب وروده، وغيرها من الأمور الّتي تُعِين في فَهْمِ النصّ.

3 - أنواع نَقدِ المُحتَوى (النقد الخارجي).

وينقسم نقد المُحتوى إلى قِسمين:

أ - تَقيِيم النصِّ، ومعرفة صحيحه من سَقيمِه، بعرضِ المُحتوى على بعض المعايير، والحُكم عليه من خلال موافقته لهذه الضوابط، وغاية ما يُستَفاد من حاصل هذه العمليّة، صحّة مُتَضَمَّن الخبر لا صحّته في نفسه، قال الشيخ الطوسي: فهذه القرائن كلّها [ كتاب، سُنّة، عقل ] تدلّ على صحّة مُتَضمَّن أخبار الآحاد، ولا يدلّ على صحّتها أنفسِها؛ لِما بيَّنّاه من جواز أن تكون مصنوعة، وإن وافَقَت هذه الأدلّة) (10) .

ب - تقييم النصِّ والحُكم عليه، من خلال عرضه على بعض الضوابط، والنظر إليه بما هو مُخالِف لهذه المعايير، ومفهوم المُوافَقة غير مفهوم المُخالَفة، وحاصل هذه العمليّة ردّ الحديث وعدم القبول به، وهذا ما نُريده في بحث نقد المُحتَوى.

المبحث الثالث: صحّة الحديث من حيث السَنَد والمَتْن

يُمكن حصر علاقة السَنَد بالمَتن بأربع حالات:

1 - أن يصحّ السَنَد والمَتن معاً.

2 - أن يضعف السَنَد والمَتن معاً.


3 - أن يصحّ السَنَد ويضعف المَتن.

4 - أن يصحّ المَتن ويضعف السَنَد.

أمّا في الحالة الأُولى، فيكون الحديث صحيحاً قطعاً، ويُحتجّ به.

ويُرَدّ في الحالة الثانية.

أمّا بالنسبة إلى الحالة الثالثة، فإنّ بعضَهم قال: إنّنا لا نقول في هذه الموارد: أنّ الحديث صحيح مطلقاً، بل نقول صحيح الإسناد فقط.

وهنا قد يرد إشكال، وهو: أنّه كيف يكون الإسناد صحيحاً والمتن واهياً، علماً بأنّ من شروط الصحّة أن لا يكون الحديث شاذّاً ولا مَعلُولاً، والعلّة كما تَقَع في السَنَد تَقَع في المَتن أيضاً، فإذا كان الحديث صحيحاً، فلابُدَّ أن يَصحّ المَتن أيضاً؟

نعم، يُمكن أن يُحَلَّ هذا الإشكال، فيما إذا كانت جميع الشروط المأخوذة بالصحّة ترجع إلى السَنَدِ وحدهُ فقط، ولم يُؤخَذ بهذا الشرط في تعريف الحديث الصحيح.

أمّا بالنسبة إلى الحالة الرابعة، فلا يُقبَل الحديث؛ لأنّه لا يكفي أن يكون معنى الحديث مُستقيماً لِكي نَعزُوه إلى المعصوم، بل لابُدَّ أن تصحَّ النسبة كذلك.

نعم، يُمكن القبول به على بعض المَباني، الّتي تأخذ الوثوق بالرواية بنَظَرِ الاعتبار وإن كانت ضعيفة، فيما إذا اقتَرَنَت ببعضِ القَرائِن.

المَبحث الرابع: علاقة نَقد المُحتوى بعلوم الحديث الأُخرى

اختلف علماء الحديث من السُنّة والشيعة في تقسيم هذه العلوم، ولكنّ الرأي المشهور عند أهل السُنّة أنّ علوم الحديث تنقسم إلى قِسمين:

1 - عِلم الروايَة: وهو العلم الّذي يقوم بنقل ما أُضيف إلى النبي (ص) من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو صفةٍ خُلقيّة، نقلاً دقيقاً مُحرَّراً (11) .

وأضاف بعضهم، ما أُضيف إلى الصحابة والتابِعين (12) .

2 - علم الدِرايَة: وهو مجموعة القواعد والمسائل الّتي يُعرَف بها حال الراوِي


والمَروِي، من حيث القبول والردّ (13) .

وفي هذه الحالة، سوف تكون كثير من مباحث عِلم الرِجال داخلة في هذا العِلم؛ لأنّ معرفة أحوال الراوي من حيث القَبول والردّ، تَستَدعي معرفة حاله، تَحمّلاً وأداءً، وجَرحَاً وتَعدِيلاً، ومعرفة مَوطِنه وأُسرته، ومَولِده ووَفاته (14) .

أمّا عند الشيعة، فمِِنهم مَن جَعَلَ الدرايَة تقتصر على البحث في المعاني، ومفاهيم الألفاظ الواردة في الحديث (15) ، أي: دراسة مَتن الحديث خاصّة، من شرحِ لُغاته وبيان حالاته، من حيث كونه نصّاً، أو ظاهراً، أو عامّاً، أو خاصّاً، أو مُطلَقاً، أو مُقيَّداً، أو مُجمَلاً، أو مُبيَّناً (16) .

ولكنّ الرأي المشهور عند الشيعة في تعريف الدراية هو: البحث في مَتن الحديث وطُرقه، من صحيحها وسَقيمها وعِلَلِها، وما يُحتَاج إليه ليُعرَف المقبول منه من المردود (17) ، ويطلق عليه مُصطَلَح الحديث، أو أصول الحديث.

أو هو: علمٌ يبحث عن سَنَدِ الحديث ومَتنِه، وكيفيّة تحمّله وآداب نقله (18) .

فالدرايةُ إذن، تشمل دراسة المَتن والسَنَد.

والفرق بين علم الرجال وعلم الدراية، هو أنّ علم الدراية يبحث عن الأحوال العارِضَة على الحديث، أو على السَند، بما أنّه طريق للحديث، أمّا في علم الرجال، فيُبحَث عن رُواة الحديث بما هُم آحاد (19) .

وعلى كلّ حال، فسوف نقوم بدراسة العلاقة بين نَقد المحتوى، وكلٍّ من علم الرجال، مُصطَلَح الحديث (الدراية)، وفقه الحديث.


1 - علاقة نقد المَتن مع مُصطَلح الحديث.

هناك كثير من المُصطَلَحات الحديثيّة الّتي ترتبط ارتباطاً مباشراً مع موضوع بحثنا، ونحن نشير إلى بعض هذه الاصطلاحات:

أ - المَطروح: وهو ما كان مُخالِفاً للدليل القطعي، ولم يَقبل التأويل (20).

ومن المعلوم أنّ الدليل القطعي قد يكون كتاباً، أو سُنّة، أو غير ذلك من المباني الّتي يُطرَح الحديث، ولا يُحتَجّ به إذا خالفها.

ب - المَتروك: وهو الحديث الّذي يُروَى عمّن يُتَّهم بالكذب، ولا يُعرَف ذلك الحديث إلاّ من جِهته، ويكون مُخالِفاً للقواعد المعلومة (21) .

فالشرط الثاني، وهو مُخالَفة القواعد المعلومة، مّما له صلة كبيرة بنقد المَتن، فقد تكون تلك القواعد نَقليّة مُستَخرجَة من الكتاب والسُنّة، أو قد تكون عَقليّة.

ج - الحديث المُدرَج: وهو ما كانت فيه زيادة ليست منه (22) .

وهو من المباحث النَقدِيّة الراجعة إلى فَصلِ مَتن الحديث مّما خالَطه من كلام الرُواة، وهو عمل نقدي يَختَصّ بالمَتن.

د - الحديث الموضوع: وهو المَكذوب المُختَلَق المَصنوع (23) .

وهو من ألصَقِ أنواع الأحاديث بموضوع بحثنا؛ لأنّ علماء الحديث قد وضعوا علامات لمَعرفة الحديث الموضوع، مِنها ما يخصّ السَنَد، ومنها ما يختّصّ بالمَتن.

وأكثر العلامات الّتي وضعها علماء الحديث لمعرفة الحديث الموضوع من خلال المَتن، تصلح أن تكون ضابطة من الضوابط لتَقيِيم الحديث


2 - علاقة نَقد المَتن مع علم الجَرحِ والتَعديل.

الجَرحُ والتَعديل: هو العلم الّذي يبحث في أحوال الرواة، من حيث قبول رواياتهم، أو ردِّها (24) .

وهو من العلوم المساعدة في نقد الحديث؛ لأنّه يبحث في المواضيع الّتي تَتَعلَّق بشروط الراوي، من حيث العدالة والضَبط، والأسباب الّتي تقدح فيهما.

ويُمكن تناول هذا العلم، وعلاقته مع نقد المتن من زاويتين، هي:

أ - العدالة:

وقع الاختلاف بين المُحدِّثين في اعتبارها، وفي موضوعها.

فقد عرَّفها بعضهم بأنّها: عبارة عن مَلَكَة نفسانيّة راسخة، باعِثة على ملازمة التَقوى، وترك ارتكاب الكبائر، والإصرار على الصغائر، وترك ارتكاب مُنافِيات المُروءة (25) .

وعَرَّف ابن حبّان العدالة فقال: (هو ما كان ظاهر أحواله طاعة اللَّه تعالى) (26) .

وهذا الشرط من الأمور الاحتياطيّة التي اشترطها المُحدِّثون، للتَحرُّز من الكذب في الحديث، فحتّى الّذين لم يشترطوا هذا الشرط، وقبلوا رواية الفاسق، فإنّهم اشترطوا أن يكون مُتَحرِّزاً في روايته، كما أشار إلى ذلك الشيخ الطوسي، في عمل الطائفة بخبر الفاسق، إذا كان مُتحرِّزاً في روايته (27) .

وهناك شروط أُخرى اشترطها المُحدِّثون للاحتياط في الرواية، كالبلوغ، والعقل، فلا تُقبَل رواية غير المُميّز والمَجنون، وهذه الشروط لها دور رئيسي في الحديث وصِيانَته، وهي تدلّ على مَبلَغ عناية المُحدِّثين في صِيانة السُنّة، فكلّما كان الإسناد كامل النِظام، مُحتوِياً على أسماء حَسنة، استُبعِدَ كلّ اشتباه وسوء ظنّ، فإنّ العادل لا يكذب، وإلاّ سَقطتْ عنه العدالة، والضابِط غالباً لا يسهو، أو يغلط، والمُخالَفة نادرة.

وكما قُلنا: إنّ هذه ليست قاعدة عامّة، إذ القاعدة أنّه لا تلازم بين الإسناد والمَتن، فقد


يصحّ الإسناد ولا يصحّ المَتن، وقد لا يصحّ السَنَد، ويصحّ المَتن من طريق آخر.

ولذلك فإنّ الحُكمَ على الرواة غالباً ما يكون لمَصلَحة المَتن.

ب - الضَبْط:

وهو يَقْظَةُ المُحدِّثِ عند تَحَمّله، ورسوخ ما حفظه في ذاكرته، وصيانة كتابه من كلّ تغيير، إلى حين الأداء (28) .

ويُقسَّم إلى قسمين: ضَبْط صَدْرٍ، ضَبْط كتاب.

فضبط الصدر تعني: أن يُثبِت الراوي ما سمعه، بحيث يتمكّن من استحضاره مَتى شاء.

أما ضبط الكتاب فهو: صِيانَته لديه، منذ سمع فيه وصحَّحه، إلى أن يُؤدِّي عنه (29) .

ويُعرَف ضبط الراوي من خلال موافقة مَروِيّاته مع مَروِيّات الثِقات، فإن وافقتها، في الغالب، فهو ضابِط، وإلاّ فلا.

فالعوامل الّتي تُؤدِّي إلى القدح بهذه الصفة، هي: الوَهْم، والغَلَط، ومُخالَفة مَروِيّاته مع مَرويّات الثِقات.

ومن البديهي أنّ هناك علاقة مُتبادَلَة بين قوّة الحِفظ والضَبط وصحّة المتن، فكلّما كان الراوي ضابِطاً، قَلّت نسبة الخطأ في متن الرواية.

3 - علاقة نَقد المَتن مع فقه الحديث.

والمُراد من فِقه الحديث هو: العلم الّذي يبحث في مَتن الحديث خاصّة، في شرح لُغاته وبيان حالاته، من كونه نصّاً أو ظاهراً، عامّاً أو خاصّاً، مُطلَقاً أو مُقيَّداً، مُجمَلاً أو مُبيَّناً، مُعارَضَاً أو غير مُعارَض (30).

وهناك أُصول وضوابِط، يُمكن من خِلالها فَهْم الحديث فَهْماً صحيحاً، كالتَنَبُّه إلى أسباب ومُلابَسات ورود الحديث ومقاصده، والتمييز بين الوسيلة المُتَغَيِّرة والهدف الثابت للحديث.

ومثل هذه الضوابِط قلّما تُبحَث وتُحَقَّق بدراسةٍ مُستقلة.

وهناك نقطة ذات أهميّة كبيرة، وهي أنّه لا يصحّ نقد الحديث والحُكم عليه بالوَضعِ والضَعفِ، لعلاماتِ في مَتنِه، قبل فَهمه فَهماً صحيحاً، بالضوابِط والمعايِير المعروفة في


فِقه الحديث.

فهناك مَن يحكم على بعض الأحاديث بالوضع، لتَعارضه - مثلاً - مع بعض المعايير، نتيجةً الغَفلة عن سبب الورود، أو كونه منسوخاً، أو ما شابه ذلك.

ويُمكن بحث علاقة نقد المَتن مع فِقه الحديث في المحاور التالية:

أ - علاقة نَقد المَتن مع غَريْبِ الحديث.

غريب الحديث: هو فرع من فروع فِقه الحديث، وهو يبحث عمّا وَقَعَ في متون الحديث، من الألفاظ الغامِضة البعيدة عن الفَهم، لقلّة استعمالها (31) .

ويُعتَبَر معرفة الغريب، الخطوة الأُولى في فَهم الحديث، ومن أشهر ما كُتِبَ في هذا العِلم هو كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) للمُحدِّث واللُغوي (ابن الأثير)، وكذلك (فخر الدِّين الطريحي) في كتابه (غريب أحاديث الخاصة).

ومن المعلوم أنّ لكلِّ عصرٍ مَورُوثه اللُغوي، وأسالِيبه في التعبير، وأنّ اللُغة ليست ثابتة على مرّ العصور، بل هي تَتَغيَّر من عصرٍ إلى آخر، ومن بيئةٍ إلى أُخرى.

فإذا وجدنا بعض الكلمات والمُفرَدات الّتي لا تنسجم، ولا تتلاءم مع عصر المعصوم، وقَطَعْنا بذلك، فلا يُمكن قَبولها والتصديق بها، فإنّ بعض التراكيب لم يُستعمَل إلاّ في بعض الأماكن، وفي بعضِ العصور.

وسوف نتناول هذا البحث بشي‏ء من التفصيل في الباب الثاني.

ب - علاقة نَقد المَتن مع علم مُختلَف الحديث.

علم مُختلَف الحديث: هو الّذي يبحث في الأحاديث الّتي ظاهرها التعارض، فيُزِيل تعارضها، كما يبحث في الأحاديث الّتي يُشكِل فَهمِها أو تصوّرها، فيدفع إشكالَها ويُوضِّح حقيقتها (32) .

ومن أقدم التصانيف فيه كتاب (اختلاف الحديث) لابن إدريس


الشافعي (ت 204 هـ)، ويُعتَبَر كتاب (التَهذيب والاستبصار) للشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، من أهمِّ ما كُتِبَ في الأحاديث المُختَلفة عند الشيعة.

وأسباب الاختلاف كثيرة، بعضها يدخل في علم فِقه الحديث، كالعامِّ والخاصِّ، والمُطلَق والمُقيَّد، والمُجمَل والمُبيَّن، والناسِخ والمًنسوخ، وبعضها يرجع إلى الوَضْع والخَطأ والتصحيف.

ومن المعلوم أنّ هذه الأسباب هي الّتي أدَّت إلى نشوء النَقْدِ.

المَبحث الخامس: مَناهِج العُلماء والمُحدِّثين في نَقْدِ الحديث

1 - منهج المشهور.

لم يعرف العلماء والمُحدِّثون القدماء التَقسيمات الأربعة للأحاديث، فهي اصطلاح مُتأخِّر، حَصَلَ في عَصر العلاّمة وابن طاووس؛ لأنّ الصحيح كان في عُرفِهم هو ما اقترن ببَعضِ القرائِن، المُفيدة للوثوق بصدوره.

قال الشيخ حسن، بن الشهيد الثاني (ت 1011 هـ): (إنّ القُدماء لا عِلم لهم بهذا الاصطلاح قطعاً؛ لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صِدْقِ الخَبر، وإذا أُطلِقَتْ الصحّة في كلام من تقدَّم، فمرادهم منها الثبوت، أو الصدق) (33) .

بل إنّهم قد يَروُون الأحاديث عن بعض الفِرق المُخالِفة، إذا اطمَأنّوا بصحّة الخبر، قال البَحراني في توجيه نَقلِ المُحدِّثين روايات الفِرق - غير الإماميّة -: (غاية الأمر، أنّ قبولَ الأصحاب لرواياتِ بعضِ الفِرقِ المُخالِفة، لابُدّ أن يَبتَني على وجهٍ صحيح، لا يَتَطرَّق إليه الشكّ، كأن يكون سماعه من قَبلِ عدوله عن الحقِّ، أو بعد تَوبَته ورجوعه إلى الحقِّ، أو أنّ النقلَ إنّما وَقعَ عن أصلِه الّذي ألّفَه) (34) .

وقد استدلّ صاحبُ الوسائل باثني عشر وَجهاً، على بُطلانِ التقسيم الرباعي (35) ، وأشكل على


هذا المَنهج بعدَّة إشكالات:

1 - ضَعف بعض القرائِن، ومنها: موافقة الحديث مع فتوى جماعة من الإماميّة.

فهل يكون الحديث صحيحاً ومُعتبراً لمُجرَّد موافقته لفتوى جماعة من الاماميّة؟! (36)

2 - عدم الالتفات إلى نَقد المُحتوى والمباني، والضوابِط الّتي جاء ذكرها في أحاديث الأئمّة (عليهم السلام)، كعَرضِ الحديث على القرآن، أو على السُنّة، أو ما شابه ذلك (37) .

2 - منهج المُعاصِرين.

وقد انتشر هذا المَنهج بين المُتأخّرين، كالسيّد الخوئي وتلامِذته، وهو الاعتماد اعتماداً كلّيّاً على السَنَد في تصحيح الحديث، وعدم الالتفات إلى القرائِن الّتي ادَّعاها المشهور؛ لضعفها (فإنّ ما ذكروه في المَقام، وادّعوا أنّها قرائِن تدلّنا على صدور هذه الروايات من المعصوم، لا يرجع شي‏ء منها إلى مُحصّل) (38) .

ولذلك لابُدَّ من الرجوع إلى علم الرجال، ومراجعة رجال السَنَد في تَميِيز الصحيح من غيره، والحجّة من غير الحجّة، (ولكن ذكرنا أنّ كلّ خَبر عن معصوم لا يكون حُجّة، وإنّما الحُجّة هو خصوص خَبر الثِقَة أو الحَسِن، ومن الظاهر أنّ تشخيص ذلك لا يكون إلاّ بمراجعة عِلم الرجال، ومعرفة أحوالهم، وتَميِيز الثِقة والحَسِن عن الضعيف) (39).

حتّى الشُهْرَة لا تكون جابِرة لضَعفِ الخَبر، ولا يكون إعراض المَشهور مُوجِباً لوَهن الخَبر، (فإنّ الخَبَرَ الضعيف ليس بحُجّة في نفسه، وكذلك فإنّ فتوى المشهور ليست حُجّة، وانضمام غير الحُجّة إلى غير الحُجّة لا يُوجِب الحُجّيّة.

وبعد قيام الحُجّيّة على الخبر - لكونِه صَحيحاً أو مُوثّقاً - لا وَجه لرفع اليَد عنه، لإعراض المشهور عنه) (40) .

وقد أُشكِل على هذا المَبنى بكونِه:

1 - مِعياراً ناقصاً، إذ كيف يُمكِن الحُكم على الحديث بالصحّة أو الضَعف، بمُجرَّد


توثيق رِجال السَنَد فقط، وقد كان الكذّابون يدسّون الأحاديث في الكُتبِ، وبأسانِيد صَحيحة، لكي تكون مَقبولة ويُؤخَذ بها؟!

روى الكشّي بسَنَده عن محمد بن عيسى، أنّه قال: ( إنّ بعضَ أصحابنا سألَ يونس بن عبد الرحمان، وأنا حاضِر، فقال له: يا أبا محمّد، ما أشدَّك في الحديث، وأكثرَ إنكارك لِما يرويه أصحابنا! فما الّذي يحمِلك على ردِّ الأحاديث؟ فقال: حدَّثني هشام بن الحَكم: أنّه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تَقْبَلُوا علينا حَديثاً إلاّ ما وافَقَ القرآن والسُنّة، أو تَجِدون مَعه شاهِداً مِن أحادِيثِنا المُتَقدّمة، فإنَّ المُغيرة بن سَعيد - لَعَنَهُ الله - قدْ دَسَّ في كُتُبِ أصْحابِ أبي أحادِيثَ لمْ يُحَدِّث بها أبي...) (41) .

وقال السيوطي: (كثيراً ما يكون الحديث ضعيفاً أو واهِياً، والإسناد صحيح مُركّب عليه) (42) .

وذكر ابن حَجَر: أنّ من الوضّاعِين مَن حَمَلَتْهم الشُهرة، ومَحبَّة الظهور، فجعلَ للإسناد الضعيف إسناداً صحيحاً مَشهوراً (43) .

2 - الرُواة المُشتَرَكون: وهي مُشكلة أُخرى واجهتْ علماء الرجال، فكثيراً ما يَقع الاشتراك بالاسم والكنية، وغيرها من الصِفات، وكثيراً ما يُصادَف أنّ الرُواة المُشترَكون فيهم الثِقة وغير الثِقة، مّما يُسبِّب مشكلة في التمييز، ولا زال هذا الإشكال موجوداً في كثير من الرُواة.

3 - اختلافهم في مَباني الجَرْحِ والتَعديل، وإبهام كثير من المَفاهيم، وعَدمِ ضَبطِها بضابِط، كمفهوم الغُلوِّ.

4 - إرسال التَوثِيقات، وعدم وجود الأدلّة على الأَحكام الرِجاليّة.

5 - عدم الالتِفاتِ إلى نَقدِ المُحتوى (44) .


إلى غيرها من الإشكالات، والّتي يُمكن الخروج منها بنتيجة، أنّه لا يُمكن الاعتماد على هذا المَبنى في نقد الحديث لوحده، بل إنّه يُمكن أن يكون أحد القرائِن على الوثوق بالخبر، فلا يُمكن أن تقول: إنّ تَمَام موارد الكَذب تُحرز عن هذا الطريق، (إنّ الحقَّ الحَقِيق بالقبولِ، كما نَقّحنَاه في علم الأُصول، أنّ العمل بالأخبار إنّما هو من باب الوثوق والاطمئنان العُقلائِي، ومن البَيّن، الّذي لا مِريَة فيه لذي مِسكَة، في مَدخليّة مُلاحظة أحوال الرجال في حصول الوثوق وعدمه) (45) .

3 - مَنهَجُ أهل السُنَّة في نَقدِ الحديث (46).

بعد أن كَثُرتْ الأحاديث الموضوعة لأسباب عديدة، منها الكَذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حتّى إنّ ابن حَجَر روى في مُقدِّمة فَتحِ الباري: أنّ أبا علي الغساني روى عن البُخاري أنّه قال: (خَرَّجْتُ الصحيحَ من 600 ألف حديث) (47) ، ونُقلَ عن أحمد بن حَنبَل أنّه قال: (صحَّ من الحديث سبعمئة ألف وكَسر) (48) .

ازدادَتْ حَركة النَقدِ تبعاً لذلك، ويُعتبَر البُخاري هو أوّل مَن دَوَّن في الصحيح، وَوَضعَ شروطاً لمَعرفته، وأصبحَ هذا المَنهَج هو مَنهَج عامّة المُحدِّثين.

ويُمكن معرفة هذا المَنهَج عن طريق تعريف الحديث الصحيح، فقد عرَّفه ابن الصلاح، فقال: (الحديث الصحيح: هو الحديث المُسنَد، الّذي يتّصل إسناده بنَقلِ العَدل الضابِط إلى مُنتَهاه، ولا يكون شاذّاً ولا مُعلّلاً) (49) .

وهذا يعني أنّ شروط الصحيح خمسة، هي:


1 - عَدالة الرواة.

2 - ضَبْط الرواة.

3 - اتّصال السَنَد.

4 - السلامة من الشذوذ في السَنَدِ والمَتنِ.

5 - السلامة من العِلَّة في السَنَدِ والمَتنِ.

فمَفهوم النَقدِ يشمل نقد السَنَد، من خلال الشروط الثلاثة الأُولى، ونقد المَتنِ من خلال الشرطَين الأخيرَين.

والمُراد من العلَّة الّتي تقدح بالحديث هي: الأسباب الخَفِيَّة الغامِضة، الّتي تُضعِّف الحديث، مع أنّ الظاهرَ السلامة منها (50) ، ويُستَعان على إدراكِها، بتَفرّد الراوي، وبمُخالَفة غيره له، مع قرائِن تَنضمّ إلى ذلك، تُنبِّه العارِف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وَقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث...

ثُمَّ قد تَقع العلَّة في إسناد الحديث، وهو الأكثر، وقد تَقَع في مَتنِه (51) .

أمّا بالنسبة إلى الشاذّ: فهو الحديث الّذي يَرويه المَقبول، مُخالِفاً لمَن هو أَولى منه (52) .

ومن هنا يتبيَّن، أنّ النقد عند جمهور المُحدِّثين أكثر ما يتناول السَنَد - يعني أنّ اهتمامَهم بنَقدِ السَنَدِ أكثر من نَقدِ المَتن -، وهذا ما صَرَّح به الدكتور الأدلبي وغيره، عندما قامَ بعَرضِ المُصطلَحات الحَديثيّة في كتاب (الحاكم) فقال: (ومِن خلال هذا يتبيَّن مَدى اهتمام، وتركيز الإمام الحاكم، على النقد الإسنادي، حتّى في الأبواب الّتي يُمكن التوسّع فيها في نقد المتون) (53) .

هذا هو مَنهَج جمهور المُحدِّثين في نَقدِ الحديث، وهناك مَناهِج غير علميّة، ولا تُعتَبر حُجّة على الآخرين.


فهناك طائفة من المُتصوِّفة والعُرفاء، لم تنظر إلى السَنَد في نَقد الحديث، واعتمدتْ على الكَشف والشُهود في نقد الحديث، وتَصحيحه أو تضعيفه، قال ابن عربي: (ورُبّ حديثٍ يكون صحيحاً من طريق رواية يحصل لهذا المُكاشَف، الّذي قد عايَن هذا المَظهر وسألَ النبي (ص) عن هذا الحديث، فأنكَرَه، وقال: لم أقُله، ولا حَكَمتُ به، فيَعلم ضَعفه، فيترك العمل به، عن بيِّنة من ربِّه) (54) .

ونقلَ كلاماً عن بايزيد البسطامي (أحد العُرفاء) في هذا المقام، وهو يُخاطِب عُلماء الإسلام، قال: (أخذتُم علمَكم ميِّتاً عن ميِّت، وأخذنا عِلمنا عن الحيِّ الّذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدَّثني قَلْبِي عن ربِّي، وأنتم تقولون: حدَّثني فلان، وابن فلان، قالوا: مات...) (55) .

ومن المعلوم أنّه لا يُمكن تصحيح الحديث اعتماداً على المَتن وحده، إذ ليس كلّ حقّ يُمكن أن نَنْسبه إلى الرسول (ص)، وإنَّ صِدْقَ مَضمون الخبرِ غير كافٍ لجًعْلِه حديثاً، إذ أنَّ القاعدة هي: أنّ كلّ ما قاله الرسول (ص) فهو حقّ، وليس كلّ ما هو حقّ فهو قول رسول الله (ص)؛ ولذلك عَلَّق ابن العربي الاشبيلي على الحديث الموضوع في فضيلة سورة المائدة، وفيه: (أنّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) قال لعليٍّ‏ (عليه السلام) لمّا رَجع من الحُديبيَّة: (يا علي، أشَعَرتَ أنّه نَزَلَتْ عليَّ سورة المَائِدة؟ وهي نعمت الفائدة).

قال: (أمّا إنّا نقول سورة المائدة نعمت الفائدة، فلا نُؤثِره على أحد، ولكنّه كلامٌ حَسن) (56) .

مَنهج النقد التاريخي.

نظراً لِتشابهِ منهج النقد عند المُؤرِّخين والمُحدِّثين؛ ارتأينا أن نعرض لمنهج المُؤرِّخين في النقد، ومقارنته مع منهج أهل الحديث.

فقد عرفَ عُلماء التاريخ نوعَين من النقد للوَثائِق التاريخيّة، أي إنّهم يَقومون بخُطوتَين عندما ينقدون الوثيقة:


1 - النقد الظاهري (نقد التحصيل).

وهي عمليّات يقوم بها المُؤرِّخ للوصول بالنصِّ كما هو، دون إضافة أو نقصان، فهو وسيلة للقيام بالخطوة الأُخرى من النقد، وينقسم هذا النقد إلى قسمين:

أ - النقد الظاهري السلبي.

ويتركَّز على إثبات صحَّة أصل الوَثيقة، وسلامتها في حالتها الأصليّة، ومُطابَقة الوثيقة لزمان التَدوِين، والكشف عمّا إذا كانت الوثيقة في أصلها مُنتَحَلة، أو مُشوَّهة.

فالوثيقة المكتوبة والخالِية من النُقَطِ، والمَنسوبة إلى القَرن الرابع الهجري، أو ما بعد ذلك، فمِن الأرجح أنّها مُزيَّفة.

ويُمكن أن نُجمِل الأمور السلبيّة الّتي تَطرأ على الوثيقة التاريخيّة:

- انتِحال الوَثيقة وتَزوِيرها.

- تَشويه الوثيقة، نتيجة لِتَلَفِ بعض الأوراق؛ لقدمها، أو نتيجة للخطأ والتَصحِيف والحشو من قِبَل بعض النسَّاخِين، فإنّ كثيراً من الوثائق اعترتها إضافات، من المُهمِّ تَميِيزها من النصِّ الأصلي، والإضافات على نَوعَين: الحَشو، والإكمال، والحشو إدخال كلمات أو جُمَل، لم تكن فيه من قَبل، ولكن قد يحدث أحياناً أن يكون الحشو مُتَعمَّداً، فيُضاف أو تُستبدل عبارات من عند الناسخ، بقصد الإكمال.

وعند الانتهاء من الخطوة الأُولى، تَبتَدئ الخطوة الثانية، وهي:

ب - النقد الظاهري الإيجابي.

فيُنظَر في لُغة الوثيقة، ومطابقتها للُغة العَصر واستعمالاتها، والصِيَغ المُعتادَة فيه، كما يُنظر إلى شكل الخَطِّ وما في ذلك.

وعند ذلك نَنتَهي من هذه الخطوة، لتَبدأ الخطوة الأُخرى من النقد.

2 - النقد الباطني.

وينقسم بدَوره إلى قِسمين:


أ - النقد الباطِني الإيجابي:

وهو قراءة النَصِّ والوثيقة، للوقوف على مَعناه، ومَعرفة قَصْد وغَرَض صاحب الوثيقة.

وهي تَتَطلَّب من المُؤرِّخ معرفة لُغة النَصِّ، ولابُدَّ أن يُأخَذ بنظر الاعتبار عدَّة أمور، في تفسيره للأصل:

أوّلاً - تَتَغيَّر اللُغة من عَصْر إلى عصر، ولذلك يجب الوقوف، ومعرفة الاصطلاحات والكلمات المُستخدَمة في عصر النَصِّ.

ثانياً - اختلاف معاني الكلمات من مكان إلى آخر.

ثالثاً - أُسلوب الكاتب يختلف من كاتب لآخر، ولذلك يجب معرفة لُغة الكاتِب وأُسلوبِه.

رابعاً - يجب تفسير الكلمة في السياق العامِّ للنَصِّ التاريخي.

ب - النقد الباطني السلبي:

ونعني به: نقد دِقَّة الكاتِب ونزاهته، والمقصود من الدِقَّة هي: الأخطاء الّتي يَقع فيها كاتِب الوثيقة بدون قَصْد، والنزاهة هي: النَقل غير الأمين؛ نتيجة لمَصالِح مُعيَّنة.

ومن خلال هذه الخطوات، ننتهي من النقد بكلا قِسمَيه، والآن نأتي لنُقارِن بين مَنهج المُحدِّثين والمُؤرِّخين (57) .

مُقارَنة المَنهَجَين

أمّا بالنسبة إلى الخطوة الأُولى، وهي التأكّد من صحّة الأصل، فقد قام بها المُحدِّثون، سواء كانت الوثيقة حديثاً أم كتاباً مَنسوباً إلى صاحِب الأصل، وذلك من خلال إبعاد


كلّ حديث في سَنده أحد الكذَّابين، أو مُتَّهم بالكذب، أو عن طريق إعْمال بعض المَباني، والمعايير في نَقد المَتن.

أمّا إذا كانت الوثيقة كتابًا، أو أصلاً حديثيّاً، فقد ناقش بعض النُقَّاد في صحّة بعضها؛ نتيجة لبعض القرائن الموجودة في الكتاب.

فقد ناقش ابن الغَضَائِري في صحّة كتاب سُلَيم بن قَيس؛ لاشتمال الكتاب على أُمور لا يمكن التصديق بها (58) ، وشكَّكَ ابن الغضائري، والمُحقِّقُ الداماد، والسيّد الخوئي، في صحَّة انتساب التفسير المنسوب للإمام العسكري‏ (عليه السلام)، فقد ذكروا أنّ مَن يرجع إلى التفسير، يرى أنّه لا يصدر عن عالِم، فَضْلاً عن الإمام (‏عليه السلام) (59).

قال بعض المُحدِّثين: (اتّفق مُحدِّثو الشيعة والسُنّة، على جواز نقل الأحاديث، والكتب الّتي ثَبتَ انتسابها إلى المُؤلِّفين يقيناً، وإلاّ فلابُدَّ أن يَذكرَ: وَجدتُ، ولا يقول: حَدَّثَني) (60) .

وهنا يَتَفوَّق المَنهج الحَديثي على مَنهج المُؤرِّخين؛ بسبب وجود مُؤلَّفات كثيرة في تاريخ الرواة، وفي الجَرحِ والتعديلِ، لتَوثيق وتجريح رواة الحديث، مع فقدان المُؤرِّخين لمِثل هذه المِيزة.

أمّا بالنسبة إلى الخطوة الثانية من النقد الظاهري، وهو اشتمال الوثيقة لأخطاء؛ نتيجة للتَصحِيف والخطأ والوَهمِ من قِبل النُسّاخ وغيرهم، فقد بحث المُحدِّثون ذلك، في باب الحديث المُصحَّف، والمُدرَج، والمُضطَرِب وغيره.

وقد بحث المُحدِّثون النقد الباطني (الإيجابي)، في غَريب الحديث، لمعرفة ألفاظه، ومعرفة سَبَبِ وروده، ولابُدَّ من الإشارة إلى أنّ المُحدِّثين لم يعطوا هذه النُقطَة الأهمّيّة الّتي تَستَحقّها، وقد أشار بعض العلماء المُعاصرين إلى هذا البحث فقال: (بأنّه من المُهمِّ جدّاً لفَهمِ السُنّة، التأكّد من مَدلولات الألفاظ الّتي جاءتْ بها السُنّة، فإنّ الألفاظ تَتَغيَّر وتَتَطوَّر من زمن إلى آخر)، وضَرَبَ مثلاً بكلمة التصوير الّتي وَردتْ الأحاديث في حُرمتها، فهي لا تَعني التصوير (الفوتوغرافي) المُتعارَف عندنا؛ لأنّ هذا اللَون من


الفَنِّ لم يُعرَف في عصر التشريع (61) .

أمّا بالنسبة إلى النقد الباطني (السلبي)، المُتعارف عند المُؤرّخين، فقد بحثه علماء الجَرحِ والتَعديل بعنوان (شروط الراوي)، من العَدالة، والضَبْطِ، كما مرَّت الإشارة إلى ذلك.

المبحث السادس: أسبابُ النَقْدِ

يُمكن تقسيم هذه الأسباب إلى مجموعتَين: أسباب مُباشرة، وأسباب غير مُباشرة.

والمقصود من الأسباب غير المباشرة: هي العوامِل الّتي من شأنها أن تُؤدِّي إلى الاشتباه، والخطأ في نقل الحديث، أو تُشجِّع على الوضع، بخلاف المجموعة الثانية من الأسباب، الّتي تَستَوجِب نقد الحديث بصورة مباشرة.

فكلّ مَن يُدقِّق في المجموعتين، يجد هناك فَرقاً أساسيّاً بين الوَضع والتصحيف، وبين ظنّيّة الأخبار، الّتي تُشكِّل عامِلاً من شأنه أن يَستَوجِب الأخطاء، والاشتباهات في الأخبار.

ويُمكن تقسيم العوامل غير المباشرة، الّتي تَستوجِب نقد الحديث، إلى ثلاثة أنواع:

1 - ظنّيّة أخبار الآحاد.

يُعتبر خَبر الآحاد هو المَجال الرئيسي من مَجالات نقد الحديث، وقد اختلف علماء الحديث والأصوليون في إفادته للعلم، إلى ثلاثِ طوائف:

1 - خبر الواحد يُفيد العِلم مُطلقاً.

2 - خبر الواحد لا يُفيد العِلم مُطلقاً.

3 - يُفيد العِلم، إذا احْتَفَّ بالقرائِن.

والمذهب الأوّل هو مذهب جمهور المُحدِّثين، ويُنسَب إلى عامّة السَلَف وأهل الظاهِر، قال ابن حزم: (كلّ عَدْل روى خبراً، عن رسولَ اللَّه (ص)، في الدِّين، أو فعله (عليه السلام)، فذلك الراوي معصوم مِن تَعمّد الكذب، ومن جواز الوَهم) (62) .


أمّا الرأي الثاني، فهو مَذهب بعض المُتكلِّمين والأُصوليِّين، كالجوَيني، والغَزالي، والباقلاني (63) .

أمّا الرأي الثالث، فهو مَذهب جمهور المُحدِّثين والأُصوليِّين، قال الشيخ المُفيد: (إنّه لا يجب العِلم، ولا العَمل بشي‏ء من أخبار الآحاد، ولا يجوز لأحد أن يَقطَع بخَبر الواحد في الدِّين، إلاّ أن يَقتَرِن به ما يَدلّ على صِدقِ راويه على البَيان، وهذا مذهب جمهور الشيعة، وكثير من المُعتَزِلة، والمُحكِّمَة، وطائفة من المُرجِئة، وهو خِلاف لما عليه مُتَفقّهة العامّة، وأصحاب الرأي) (64) .

ولَسنا هنا بصَدَد الترجيح بين الآراء ومناقشتها، ولكنّ القول: بأنَّ خبر الواحد العادِل عن مثله، يُفيد العِلم القطعي، مُخالِف للبَديهيّات والضرورة.

وكيف يُفيد القطع والراوي مُعرّض للاشتباه والوَهم؟ نعم، غاية ما يدلّ خبر العادِل، أنّه لا يتعمَّد الكذب في الحديث.

إنّ ظنِّيّة أخبار الآحاد، وعدم القطع بالصدور، واحتمال تعرّض الراوي للوَهم والاشتباه والخطأ، هي من الأسباب المُوجِبة لظهور النَقد، قال السيّد المُرتضى: (إنّ الحديث المَروِي في كُتبِ الشيعة، وكُتب جميع مُخالِفينا، يَتَضَمَّن ضُرُوب الخطأ، وصُنُوف الباطل، من محالٍ لا يجوز ولا يُتَصَوَّر، ومن باطلٍ قد دلّ الدليل على بطلانه وفساده... ولهذا وَجبَ نَقد الحديث) (65) .

2 - تَأخُّر التَدوِين.

مَهما تكن أسباب منع التدوين والتحديث، وجوازه أو مَنْعِه، فإنّ تأخّره إلى فترةٍ طويلةٍ، كان له آثار سلبيّة على الحديث.

فمهما بُولغ في قوَّة الذاكرة في ذلك الوقت، فإنّ النقل الشَفوي له آثار سَيّئة، في التبديل والتحريف بمرور الزمن، مّما سَبَّبَ ضياع كثير من الأحاديث (كاد القَرن الأوّل ينتهي، ولم يُصدِر أحدٌ من الخُلفاء أمره إلى العلماء


بجَمْعِ الحديث، بل تركوه مَوكولاً إلى حِفظِهم، ومرور هذا الزمن الطويل، كفيل بأن يذهب بكثيرٍ من حَمَلَة الحديث، من الصحابة، والتابعين) (66) .

ثُمّ إنّ عدم التدوين لفترة مُتأخِّرة، جَعَلَ لبعضِ الأشخاص والمُندَسِّين، مَنفَذاً ينفذون إليه في وَضْعِ الأحاديث، والكذب على رسول الله (ص)، قال الشيخ أبو ريّة: (كان من آثار تأخير تدوين الحديث، ورَبطِ ألفاظِه بالكتابة، إلى ما بعد المئة الأُولى من الهجرة، وصَدرٍ كبيرٍ من المئةِ الثانية، أن اتّسَعتْ أبواب الرواية، وفاضتْ أنهار الوَضعِ، بغير ما ضابِطٍ ولا قَيْد) (67) .

3 - أحاديث (مَن بَلَغَ)، والوضع في الحديث.

هناك رأي مشهور بين الفَريقَين وهو (التَساهل في أحاديث السُنَنِ)، أي إنّ روايات الترهيب والترغيب، والفضائل، وثواب الأعمال، لا يُتَشدَّد في أسانيدها.

واستخرجَ فقهاء الشيعة قاعدة مَعروفة هي (قاعدة التَسامُح في أدلَّة السُنَن)، على ضوء بعض الروايات الموجودة في بعض المَجاميع الفقهيّة، منها:

عن أبي عبد الله‏ (عليه السلام) أنّه قال: (من سَمعَ شيئاً من الثواب على شي‏ء صَنَعه، كان له، وإن لم يكن على ما بَلَغَه) (68) ، وقد تكون هذه الأحاديث عامِلاً مُساعِداً في انتشار ظاهرة الوَضعِ، من خِلال عدم تَشدّد الأئمّة في مثل هذا النوع من الأحاديث.

فقد رُوي عن أحمد بن حنبل أنّه قال: (إذا رَوينا في الحلال والحرام والسُنَن والأحكام تشدَّدنا، وإذا رَوينا عن النبي (‏صلّى الله عليه وآله)، في فضائِل الأعمال، وما لا يَصنع حُكماً ولا يَرفعه، تَساهَلنا في الأسانيد) (69) .

والجدير بالذكر، أنّ عَدمَ التَشدّد، والتسامح في أدلّة السُنَن، جاء نتيجة لهذه الأحاديث عند الشيعة، ومن المُحدِّثين مَن لم يَقبَل هذه القاعدة، إمّا لعَدمِ صحّة هذه


الأحاديث عنده، واعتبارها من صُنع القصَّاصِين، (فقد وَضَعَ القَصّاصون أحاديث، لتَدْعِيم مَروِيّاتِهم وأساطيرهم، وزيَّفوا لها الأسانيد الّتي تربطها بالنبي، والأئمّة، بأسلوبٍ يُوحي بصحّتِها... فَرَووا لهم أنّ الإمام‏ (عليه السلام) قال: (مَن بَلَغَه ثواب على عمل، فَعَمله رجاء ذلك الثواب، أُعْطِيه، وإن لم يكن رسول الله قاله...) (70) .

وبعضهم اعتبرها من صُنع الغُلاةِ والزنادقة، (ولمّا رَأتْ الغُلاة والزنادقَة أنّ طُلاّب العلوم، ورُوّاد الحديث، يَتَحرَّجون عن الأخذ والسماع، حتّى عن ضعاف المَشايخ المَطعونين... ولمّا رأوا عُبّاد الليل والنهار قد رَجعوا إلى السُنّة العادلة، ورَفضوا العبادات والأدعيَة المُختَرَعة، زعموا لهم (أنّ مَن بَلَغه ثواب مِن الله...) ، فتََمَّتْ بهذه الأكاذيب المُخترَعة أكاذيبهم) (71) .

ويظهر من كلام صاحب المَدارك، بأنّه لا يقبل هذه القاعدة: (وما يُقال من أنّ أدلَّة السُنَنِ يُتسامَح فيها، ما لا يُتَسامَح في غيرها، فَمَنظور فيه؛ لأنّ الاستحباب حُكم شرعي، يَتَوقَّف على دليلٍ شرعي) (72) .

وعلى كلِّ حال، فنحن لسنا بصدَدِ نَفْي، أو إثبات هذه القاعدة المشهورة عند الفقهاء والُمحدِّثين، بل ما أُريد قوله: إنّ العلماءَ والمُحدِّثين قد وضعوا شروطاً، للعمل بمِثل هذه الأحاديث، وبسبب الغَفلَة عن هذه الشروط، انتشرتْ الأحاديث المَكذوبة، والضعيفة، وإنّ كثيراً من الوَضّاعِين استغلّوا مثل الأحاديث، للكَذبِ على لِسانِ الرسول (‏صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام)، فمِن هذه الشروط - الّتي وَضَعها المُحدِّثون - في قبول الأحاديث الضعيفة:

1 - أن لا يَبلغ الضَعْف حدَّ الوَضْعِ.

قال الشهيد الثاني: (وجَوّز الأكثر العمل به - الخبر الضعيف - في نَحوِ القِصَصِ والمَواعِظ، وفضائِل الأعمال، لا في نَحوِ صفات


الله المُتَعال، وأحكام الحلال والحرام، وهو حَسن مِن حيث لا يَبلغ الضَعف حدّ الوَضع والاختِلاق) (73) ؛ لأنّه لا فَرْق في الكَذبِ، بين أن يكون في الحلال والحرام، أو في فضائل الأعمال والمَواعِظ، وأنّ الرسول نَهى عن مُطلَقِ الكَذبِ، ولم يَستثنِ الكذب في الفضائل والترغيب والترهيب، (إنّ البلوغَ فيها، ليس هو البلوغ ولو بطريقةٍ لا يُطمأنّ به، بل المُراد به البلوغ العُقلائي، المُطمأنّ به، نحو البلوغ في الإلزاميّات) (74) .

2 - أن يكون مُندرِجاً تحت أصل عامّ، فيخرج ما يُخترَع، بحيث لا يكون له أصل (75) .

ولم أجد هذا الشرط فيما بحثتُ فيه في مصادرنا، وهو حسن، حيث يمكن أن نَتَفادى البُدع، والأُصول الخارجة عن الكتاب والسُنّة، بأحاديث واهِية وضَعيفة.

3 - أن لا يُعتقَد عند العمل به ثُبوته، لئلاّ يُنسَب إلى النبي‏ (صلّى الله عليه وآله) ما لم يَقُله (76) .

وهو شَرْط بديهي؛ لأنّ الضعيف لا يُمكن نِسبته إلى النبي ‏(صلّى الله عليه وآله)، وقد أضافَ أحدُ المُعاصِرين شَرطاً آخراً، وهو ألاّ يشتمل الحديث على مُبالَغات، وتَهويلات يَمُجّها العقل، أو الشرع، أو اللغة؛ لأنّ ذلك يُؤدِّي إلى اختلال النِسَب الّتي وَضَعَها الشارع للتكاليف والأعمال، فلكلّ عَمَل وَزْن مُعيَّن في نَظرِ الشارع، ولا يجوز لنا أن نتجاوز به حَدّه، الّذي حَدَّه له الشارع (77) ، وهذا ما سنُبيِّنه فيما بعد.

وهنالك أحاديث أُخرى، ساهَمَتْ بإعطاء المُبرِّر للكذّابين والغُلاة، للكَذبِ على الأئمّة، عَمْداً أو جَهْلاً، منها:

عن أمير المؤمنين‏ (عليه السلام) أنّه قال: (إّياكم والغُلوّ فينا.

قولوا: إنّا عبيد مَربوبون، وقولوا في فَضْلِنا ما شِئتُم) (78) .

وما جاء عن أبي عبد الله (‏عليه السلام)، أنّه قال: (يا أبا إسماعيل، لا تَرفع البناءَ فوق طاقَته فيَنهَدِم، اجعلونا مَخلُوقِين، وقولوا فينا ما شِئتُم، ولن تَبلغوا...) (79) .

أو الروايات الّتي تُشَجِّع على الأخذ بالروايات، حتّى وإن لم تكن صادِرة


عن رسول الله.

مثل ما رُوي عن رسول الله، أنّه قال: (إذا حُدِّثتُم عنّي بحديث يُوافِق الحقّ فخُذوا به، حَدَّثتُ به أو لم أُحدِّث) (80) .

فمِن المُؤكَّد، أنّ الوَضّاعِين والغُلاة اتّخذوا مثل هذه الأحاديث ذريعة، للكذب على الأئمّة (عليهم السلام).

يظهر ذلك لِمَن لاحَظَ مَحاور الوَضعِ، وأنّ أحاديث الفضائل والغُلوّ في صفات الأئمّة، أخذتْ حيّزاً كبيراً (81) .

بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك أسباب مباشرة تستدعي نقد الحديث، هي:

1 - النقل بالمَعنى.

كان من أسباب تأخّر التدوين، نَقْلُ الحديث بالمَعنى.

وقد اتّفق أكثر المُحدِّثين على جوازِه، بشروط مُعيّنة، والغَفلة عن هذه الشروط، قد يُؤدِّي إلى تَغيِير مَعنى الحديث، بالزيادة والنقصان، مّما يُؤدِّي إلى الاشتباه في فَهمِه، مّما يستوجب نقده.

2 - التَقطِيع.

إنّ تدوين المَجامِيع الحديثيّة على شَكل أبواب فقهيّة، استدعى تقطيع الحديث، ونقل جزء منه في مَقام الاحتجاج، أو لتسهيل الرجوع إليه، وتَجنُّب التكرار.

وكثيراً ما يُؤدِّي هذا العمل إلى سوء الفَهمِ، لضَياعِ بعض القرائِن اللفظيّة والسياقيّة، مّما له دَخْل في فَهمِ الحديث.

3 - إغْفال سَبَب الحديث ومُلابَساتِه.

إنّ كثيراً من الأحاديث، لها أسباب وظروف خاصّة، استَدعَتْ المعصوم على قول الحديث، أو فِعل شي‏ء من الأشياء، تُشابه أسباب النزول في القرآن، وإنّ هذه الأسباب لها دَور رئيسي ومُهمّ في فَهْم الحديث، فَهْمَاً صحيحاً، وإنّ الغفلة عن السَبب، يُؤدِّي إلى سوء فَهْم الحديث.


4 - الوَهْمُ والتَصحِيف.

كثيراً ما يَشتبه الرواة في نقل الحديث، إذا حَدَّثوا من مَرويَّاتِهم، أو الغَلط والتصحيف، إذا نقلوا من الكُتب؛ ولذلك أعتبر المُحدِّثون أنّ أفضل طريقة لتَحَمّل الحديث، هو السَماع من الشيخ، أو القراءة عليه، للأمنِ من هذه الاشتباهات، وخصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أنّ كثيراً من النُسَّاخِ يَجهلون اللسان العربي، فلا يُفرِّق بين المَرفوعِ والمَنصوب، ولا يعرف اللُغة ومَجازاتِها، مّما يُسبِّب الخطأ في نقل الحديث.

5 - الوَضْع.

الحديث الموضوع - في اصطلاح المُحدِّثين - هو: ما نُسِبَ إلى المعصوم، مّما لم يَقلْه أو يَفعله، أو يُقِرّه، وهو من أهمِّ أسباب النقد.

وهناك أسباب كثيرة للوَضعِ، يُمكن أن نُجملها فيما يلي:

أ - العامِل السياسي.

والمقصودُ بذلك هو: الاستفادة من حديث المعصوم (‏عليه السلام) في تَدعِيم سُلطة مُعيَّنة، بإسباغِ نوعٍ من الشرعيّة عليها، من خلال الإشادَةِ بمَلِكِها، ومَدح قادَتها، وذلك بأقوالٍ ينسبونها زُوراً وبهتاناً إلى الرسول الأكرم.

وقد استفادَ الأمَويّون - وخصوصاً في زمن معاوية - من هذه الوسيلة، في سبيلِ تَوطِيد سُلطانِهم، وإحكَامِ سَيطرتِهم، وإسباغ نَوعاً من الشرعيّة على مُلْكِهم، الّذي حصلوا عليه عن طريق المَكيَدَة والخُداع والدَهاء.

وقد كان بأمسِّ الحاجةِ إلى هذا الأمر، بِسَبَبِ ماضيه السيّئ في مُحارَبَة الإسلام والمسلمين.

ولم يكن صَعباً على معاوية أن يَجدَ بين المسلمين مَن يَبِيع دِينه، بوَضعِ الأحاديث، ونسبتها إلى النبي‏ (صلّى الله عليه وآله)، فقد روى البعض عن رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله)، أنّه قال: (لَيَلِيَّنّ بعض مَدائن الشام رجل عزيز منيع، هو منّي وأنا منه، فقال: مَن هو يا رسول اللَّه (‏صلّى الله عليه وآله)؟ فقال رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله) بقَضِيبٍ كان في يَدِه في قفا معاوية: هو هذا) (82) .

وقال


إسحاق ابن راهَوَيه: لا يَصحّ في فضائل معاوية بن أبي سفيان، عن النبي (‏صلّى الله عليه وآله) شيء (83) .

ولم يقتصر هذا الأمر على بَني أُميّة، بل استفاد العبّاسيّون من هذا السلاح في تَدعِيم مُلكهم، فقد نسبوا إلى رسول اللَّه أنّه قال: (هبط علَيّ جبريل‏ (عليه السلام)، وعليه قَباء أسود، وعمامة سوداء، فقلت: ما هذه الصورة الّتي لم أرَكَ هبطتَ علَيَّ فيها قط؟ قال: هذه صورة المُلوك من ولد العبّاس، عمّك، قلتُ: وهُم على الحقّ؟ قال جبريل: نعم، قال النبي‏ (صلّى الله عليه وآله): اللّهمّ أغفر للعبّاس ولِولده، حيث كانوا، وأين كانوا...) (84) .

وغيرها من الأحاديث المَكذوبة.

ب - العامل الدنيَوِي.

وهو من العوامِل المُهمّة في وَضعِ الحديث، أي، وَضْع الحديث بدافعِ الكَسبِ المادِّي، أو الحصول على مَصلَحةٍ شخصيّة.

مثل أحاديث (الهَريسة تَشدُّ الظَهر) (85) ، فإنّ واضِعَه محمد بن الحجّاج النَخعِي كان يَبيع الهَريسة (86) . ومن ذلك ما وَضعه غياث بن إبراهيم، عندما دَخَلَ على الخليفة العبّاسي، المهدي، فوَجدَه يلعب بالحَمام، فروى له (لا سَبق إلاّ في خُفٍّ، أو نَصل، أو حافر، أو جَناح) (87) .

ومن هذه الطائفة (القُصّاص)، وهم طائفة من الناس، عَمَلَهم التذكير والوعظ، بأيّ وسيلة كانت، وهم طوائف مُتَعَدِّدة، منهم وعّاظ غايتهم التذكير، ومنهم الّذين يَسعون لجَمعِ المالِ عن طريقِ التَحديث، وقد كانوا يَعتمدون المَناكير، والأكاذيب، ويَستَدِرّون جيوب الناس عن هذا الطريق.

فقد روي في بعض المَجامِع: أنّ قاصّاً جلسّ ببغداد، فروى في تفسير قوله تعالى: ( عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) (88) : أنّه يُجلِسه معه على عرشِه، فبلغ ذلك الإمام محمد بن جرير الطَبري، فأحْتدَّ من ذلك، وبالَغَ في


إنكاره، وكَتَبَ على بابِ دارٍه: سُبحان مَن ليس له أنيس، ولا لَه في عَرشِه جليس.

فثارتْ عليه عَوامُّ بغداد، ورَجَموا بيته بالحِجارة، حتّى أسْتَدَّ (89) بابه بالحجارة، وعَلَتْ عليه (90) .

ج - العامِل الدِّيني.

والمقصود هو: وضع الأحاديث بدافع ديني، أي في سبيل الترغيب والترهيب، وحَثّ الناس على فعل الخير، كأنَّ الدِّين ناقص، وهم يُريدون أن يُتَمّموا نقصه بمثل هذا الكذب.

ويَغلِبُ على هؤلاء الزُهد. نُقل عن يحيى بن سعيد القطّان أنّه كان يقول: (ما رأيتُ الكذب في أحد أكثر منه فيمَن يُنسَب إلى الخير والزُهد) (91) .

وكان هدفهم كما قُلنا هو الترغيب، كما نُقل عن بعض المُحدِّثين أنّه سمع ابن المهدي يقول لمَيسرة بن عبد ربّه: (من أين جئتَ بهذه الأحاديث، (مَن قرأ كذا فَلَه كذا)؟ قال: وضعتُها أُرغّب الناس فيها) (92) .

وكذلك قيل لأبي عصمة، نوح بن أبى مريم: من أينَ لك عن عكرمة عن ابن عبّاس، في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إنّي رأيت الناس أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومَغازي ابن إسحاق، فوضعتُ هذا الحديث حِسْبَة (93) .

د - الزَندَقة.

والمقصود بهذا العامل هو: وضع الأحاديث من أجل أفساد الشريعة وتشويها في أعين الناس، لأبعادهم عنها؛ ولهذا فقد وضعوا الأحاديث في تحريم الحلال وتحليل الحرام، كما نُقل عن ابن أبى العوجاء أنّه عندما أُمر بضَرْبِ عُنقه، قال: (واللَّه، لقد


وضعتُ فيكم أربعة آلاف حديث، أُحرِّم فيها الحلال، وأُحلّ فيها الحرام، لقد فَطّرتُكم أيّام صومِكم، وصوّمتكم أيّام فطركم) (94) .

ومن أمثلة ما وضعوه: (رأيتُ ربّي بمِنَى يوم النَحر على جمل أوْرَق، عليه جُبّة صوف، أمام الناس) (95).

ونسبوا إلى رسول اللَّه أنّ أبا هريرة سَأَله: (مِمَّ ربّنا؟ فقال: من ماء مرُور، لا من أرضٍ ولا من سماء، خَلَقَ خيلاً فأجراها فعَرقَتْ، فخَلقَ نفسه من ذلك العَرَق) (96).

وقال بعض المُحدِّثين فى الأحاديث المَنسوبة إلى رسولِ اللَّه في فَضلِ العَدسِ، والباقلاّء، والجبن، والجَوز، والباذنجان، والرمّان، والزَبيب: (أنّه لم يَصحّ منها شي، وأنّها وَضْع الزنادقة، شَيْناً للإسلام) (97).

هـ - التَعَصُّب.

وهو من العوامل المُهمَّة في وضع الحديث، وله مَصاديق مُتعدِّدة، فقد يكون التعصّب للمَذاهب الكلاميّة والفقهيّة الّتي نَشَأتْ في القَرن الثاني من الهجرة، والّتي شَمَلت كثيراً من مسائل الفروع والأُصول، وقد صوَّر ابن قُتَيبَة هذا الوَضع فقال: (ولو كان اختلافهم في الفروع والسُنَن، لا يَسع لهم العُذْر... ولكن اختلافهم في التوحيد، وفي صفات اللَّه تعالى وفى قدرته، وفي أهل الجنة وعذاب أهل النار وعذاب البرزخ، وفي اللوح، وفي غير ذلك من الأمور الّتي لا يعلمها نبيّ إلاّ بوَحيٍ من اللَّه تعالى) (98).

هذا الاختلاف، أدّى ببعضِ أتباع هذه المذاهب لتأييد ما يعتقدون بالأحاديث المُزوَّرة، المَنسوبة إلى النبيّ.

نقل ابن الجَوزِي، بإسناده عن ابن لهيعة، قال: (سمعتُ شيخاً من الخوارج وهو


يقول: إنّ هذه الأحاديث دِين، فانظروا عمَّن تأخذون دِينكم، فإنّا كنّا إذا هوَينا أمراً، صَيَّرناه حديثاً) (99).

ومن أمثلة هذه الأحاديث قولهم: (مَن زَعم أنّ الإيمان يزيد وينقص، فزيادته نِفاق ونقصانه كُفر، فإن تابُوا وإلاّ فاضربوا أعناهم بالسيف...) (100)، وظَهرتْ الأحاديث المُتناقِضة في فضائل ومَثالِب رؤساء المَذاهب الفقهيَة الكلاميَة، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحدِّ، بل شمل التَعصّب للجِنس، كالأحاديثِ الواردة في التُرْكِ والسُودان (101)، والتَعصّب للُّغة (102) وتَفضيل بعض البلدان، فقد وَضع (أبو عصمة) حديثاً طويلاً في فضائل مُدنِ خُراسان، واحدة واحدة (103).

هذه هي أهمّ الأسباب المُوجِبة لنقد الحديث، وفيها نَختَتِم الفصل الأوّل من الباب التَمهيدي.


الباب الأوّل / الفصل الثاني

المَبحث الأوّل: نَقْد المَتن عند الصحابة.

المَبحث الثاني: نَقد المَتن عن أهل البيت (‏عليهم السلام).

الفصل الثاني

المَبحث الأوّل: تاريخ نقد المتن عند الصحابة وأهل البيت (عليهم السلام).

استخدم الصحابة مَنهج نقد المَتن للحديث النبويّ، فكانوا ينتقدون بعضهم بعضاً، وذلك بعَرضِ مَرويّاتِهم على القرآن والسُنّة والعَقل، وذلك نتيجة للخَطأ في نقل الحديث، أو الاشتباه، أو الغفلة عن ملاحظة سَبَبِ ورود الحديث، مّما يُسبِب تعارض الحديث مع المَباني المذكورة.

ويُعتبر هذا المنهج هو السائد بينهم؛ لأنّ نقد السَنَدِ - بمعناه الاصطلاحي - لم يُعرف في هذه الفَترة، وذلك لعدم وجود الواسطة بين الصحابة والرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولِقُرب العهد به، بالنسبة لمَن حدَّثوا بعد موته؛ وإن كانت هناك إشارات ودلائل تدلّ على أنّهم يُدقِّقون فيمَن يَروون عنه.

فقد نقل ابن قُتيبَة عن القطام أنّه قال: (إنّ الصحابة كانوا يُكذِّبون أبا هريرة، منهم: عُمر وعثمان وعليّ‏ (عليه السلام)، وإنّه لمّا أكثر من الرواية، وأتى ما لم يَأتِ بمثله من جُلّة أصحابه والسابقين الأوّلين إليه، اتّهموه وأنكروا عليه، وقالوا: كيف سَمعتَ هذا وحدك؟! ومن سَمعه مَعك؟!) (104).

وقد جَمَعَ الزَركشي جميع هذه الاستدراكات في كتابه (الإجابة لإيراد ما استَدرَكتْه عائشة على الصحابة)، وسوف نُورد نماذج من هذه الانتقادات مُرتَّبة حسب أسماء


الصحابة، وسوف نُلْحِقُ بها الاستدراكات على بعض الفتاوى الصادرة من الصحابة؛ لأنّها غالباً ما تكون مُستَنبَطة من أقوال الرسول (صلّى الله عليه وآله)؛ ولأنّ الهدف هو تَبيِين المَنهج النَقدي للمَتن عند الصحابة.

1 - نقد المحتوى عند عائشة:

أ - الحديث المُتضمِّن رؤية النبي (ص) للهِ تعالى.

روى البخاري بسنده إلى عائشة، أنّها قالت: (مَن زَعم أنّ محمّداً رأى ربّه، فقد أعظم الفِريَة، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخَلقِه، سادّاً ما بين الأُفق) (105) .

وفي رواية أُخرى عن مسروق، قال: قلت لعائشة: (يا أُمّاه، هل رأى محمّد ربّه؟ فقالت: لقد قَفَّ (106) شَعري مّما قلت، أين أنت من ثلاث مَن حَدَّثَكَهُنَّ فقد كذب، من حَدَّثك أنَ محمّداً (ص) رأى ربّه فقد كذب، ثُمَّ قرأت الآية ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ، ولكن رأى جبريل في صورتِه مرَّتَين) (107) ، وهذا الحديث رواه مُسلِم والتَرمُذي عن ابن عبّاس، باختلاف يَسير.

ويظهر أنّ المُراد بالرُؤية في هذه الأحاديث، هي الرُؤية البَصَريّة، ولذلك فقد دُهشَتْ عائشة من هذا الرأي، وانتَقَدته، وعَرضته على القرآن.

ب - الميّتُ يُعذَّب ببُكاءِ أهله عليه .

روى البُخاري عن عبد الله بن عُمر أنّه قال: (لمّا أُصيب عُمر، جعل صُهيب يقول: وا أخاه، فقال عمر: أما عَلِمت أنّ النبيّ (ص) قال: (إنّ الميّتَ لَيُعذّب ببكاء الحيّ) ؟) (108) .


وقد انتقدتْ عائشة هذه الرواية، بعَرضِها على القرآن مرّة، وتصحيحها بذكر مُلابَسات الحديث مرّة أُخرى، قال ابن عبّاس (رضي الله عنه): (فلمّا مات عُمَر، ذكرتُ ذلك لعائشة، فقالت: رَحمَ الله عُمَر، والله ما حَدَّث رسول الله (ص) (أنّ الله لَيُعذِّب المؤمنَ ببكاءِ أهله عليه) ، ولكن رسول الله (ص) قال: (إنّ الله لَيزيد الكافر عذاباً ببُكاءِ أهلِه عليه)، وقالت: حَسبُكم القرآن ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (109) .

وفي رواية أُخرى عن عَمرَة بنت عبد الرحمان، أنّها سَمعتْ عائشة، وذُكر لها أنّ عبد الله بن عُمَر يقول: (إنّ المَيِّت ليُعذَّب ببُكاء الحيِّ)، فقالت عائشة: إنّما مَرَّ رسول الله (ص) على يهوديّة يَبكي عليها أهلُها، فقال (ص): (إنّهم ليَبكون عليها، وإنّها لتُعذَّب في قَبرِها) (110) ، - وقد نَسبتْ عبد الله بن عُمَر إلى عَدم الحِفْظ - قالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمان، أمَا إنّه لم يَكذِب، ولقد نَسِيَ أو أخطأ) (111) وذكرتْ القِصّة.

ج - الذمّ لوَلد الزِنا والتَنفير من عتقِه.

روى الحاكِم، عن أبي هريرة، عن رسول الله (ص) أنّه قال: (وَلد الزِنا شَرَّ الثلاثة) (112) ، وقال: (لأن أُمتع بسوطٍ في سبيل الله، أحبُّ إليَّ من أن أُعتق ولد الزنا) (113) .

وقد انتقدتْ عائشة هاتين الروايتين، وصَوَّبَتْهما بذكر أسباب الوُرود، فقالت: (رحم الله أبا هريرة، أساءَ سَمْعاً فأسَاءَ إصابةً)، وذكرت مُلابَسات الحديث الأوّل، فقالت: فلم يكن الحديث على هذا، إنّما كان رجل من المنافقين يُؤذي رسول الله (ص)، فقال (ص): (مَن يُعذرني من فلان؟ قيل: يا رسولَ الله، مع ما به ولد زنا، فقال رسول الله (ص): هو شَرّ الثلاثة، والله عزّ وجَلّ يقول: ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ) (114) .


أمّا بالنسبة إلى الحديث الثاني، فقالت: (أمّا قوله: (لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أُعتق ولد الزنا)، إنّها لمّا نزلتْ: ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) ، قيل: يا رسولَ الله، ما عندنا ما نعتق إلاّ أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهُنَّ فزَنَينَ فَجِئنَ بالأولاد، فأعتقناهم، فقال رسول الله (ص): (لأن أمتع بسوط...) (115) .

ونُؤكِّد هنا، أنّنا لسنا في مَقام إثبات أو نفي الحديث، وإنّما المُراد تبيِين المَنهج النَقْدِي عند الصحابة.

د - حديث الشُؤم في ثلاث.

روى أحمد، عن أبي حسان، أنّ رجلَين من بَني عامِر دخلا على عائشة، فأخبراها أنّ أبا هُريرَة يُحدِّث أنّ النبيَّ (ص) قال: (الطِيرة من الدار والمَرأة والفَرَس)، فغضبت، فطارت شُقَّة منها في السماء وشُقَّة في الأرض، وقالت: والّذي أنزل الفرقان على محمّد، ما قالها رسول الله (ص) قطْ، إنّما قال: (كان أهل الجاهليّة يقولون الطِيرة في المرأة والدابّة والطير) (116) .

فالغفلة عن أسباب الصدور وملابساته، أدَّتْ إلى الخطأ في فَهمِه ونقلِه من الخصوص إلى العموم، مّما يُسبِّب التعارض مع القرآن، أو باقي المَباني النقديّة.

هـ - حديث الماء من الماء.

عن أبي سَلَمَه بن عبد الرحمان، قال: دخلتُ على عائشة، فقلت: يا أُمّاه، إن جابر بن عبد الله يقول: (الماء من الماء) ، فقالت: (أخطَأَ، جابر أعلم منّي برسول الله (ص)؟! يقول: (إذا جاوز الخِتان الخِتان، فقد وجب الغُسل) أيُوجِب الرَجم ولا يُوجب الغُسل؟) (117) .


و - منع التَطَيّب عند الإحرام.

عن إبراهيم بن محمّد، عن أبيه، قال: سألتُ عائشة، فذكرتُ لها قول ابن عُمَر: (ما أُحبُّ أن أُصبح مُحرِماً أنضخُ طِيباً) ، فقالت: (أنا طيَّبتُ رسولَ الله (ص)، ثُمَّ طافَ في نسائِه، ثُمَّ أصبح مُحرِماً) (118) .

والنقد المُوجَّه من عائشة إلى ابن عُمر وإن كان نقداً للفتوى، وليس للحديث، ولكن يُمكن أن يدخل تحت هذا الباب؛ لمُشابَهته له في المعنى.

ز - المرأة والكَلْب والحِمار تَقطع الصلاة.

روى مُسلِم عن أبي هُريرة، وأبي ذَر: أنَّ المرأةَ والحمار والكلب تقطع الصلاة، إذا لم يكن بيَدَي المُصلِّي سترة، قال: قال رسول الله (ص): (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويبقى ذلك مِثلُ مُؤخّرَة الرَحْلِ) (119) .

وفي رواية ابن داود: (يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب) (120) .

وقد استَنكرَتْ عائشة هذا المعنى استنكاراً شديداً، وأنّه مُخالِف لسُنّة رسول الله العمليّة، فقد وَرَدَ عن عائشة، أنّها قالت - عندما سَمعتْ هذا الحديث -: (بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونا بالحمارِ والكلب، لقد رأيتُ رسولَ الله (ص) يُصلِّي وأنا مُعْتَرِضَةٌ بين يَدَيه، فإذا أرادَ أن يَسجُد، غمزَ رِجلي فضَمَمتُها إليَّ ثُم يَسجُد) (121) .

وفي رواية أُخرى، قالت: (عَدَلْتُمُونا بالكلاب والحمير! لقد رَأيتني مُضطَجِعة على السَرير، فَيَجِي‏ ءُ رسول الله (ص)، فيَتوسّط فيُصلِّي، فأكره أن أُسَنِّحَه فأنْسَلُّ من رِجلَي السَرير حتّى أنْسَلُّ من لِحَافِي) (122) .


ح - دخولُ امرأة في النارِ بسَبَبِ هِرَّة.

أخرجَ البُخاري عن أبي هُريرة، عن النبي (ص)، قال: (دَخَلَتْ امرأةٌ النارَ في هِرّة رَبَطَتْها فلم تُطعِمها، ولم تَدَعها تأكلُ من خَشَاشِ الأرض) (123) ، وفي رواية مُسلِم، قال: (عُذِّبَتْ امرأةٌ في هِرَّة لم تُطعِمها ولم تَسقِها، ولم تَترُكها تأكل من خَشَاشِ الأرض) (124) .

وقد صَحَّحت عائشة هذه الرواية، وذَكرتْ سَبَب الورود، واستَبعدتْ دخول المُؤمن للنارِ بسَبَبِ الهِرّة.

فقد أخرج أحمد في مُسنَدِه عن عَلقَمة، قال: (كُنّا عند عائشة، فدخل أبو هريرة، فقالت: أنت الّذي تُحدِّث أنّ امرأة عُذِّبتْ في هِرّةٍ رَبَطتْها، فلم تُطعِمها ولم تَسقِها؟ فقال: سَمِعتُه منه - يعني النبي (ص) -، فقالتْ: هل تدري ما كانت المرأة؟ إنّ المرأة مع ما فعلت، كانت كافرة، وإنّ المُؤمِن أكرم على الله (عزّ وجلّ) من أن يُعذبِّه في هِرّة، فإذا حدَّثْت عن رسول الله (ص) فانظر كيف تُحدِّث) (125) .

ط - مَن حَملَ مَيتاً فَلْيَتوضَّأ.

عن أبي هُريرة أنّه قال: (من غَسَلَ مَيتاً فليَغتَسِل، ومن حَمَلهُ فليَتَوَضَّأ) ، فبَلَغَ ذلك عائشة، فقالت: (أونجِسٌ موتى المسلمين؟ وما على رَجلٍ لَو حَملَ عُوداً؟) (126) .

فعائشة تُناقِش في الحديث، وتستبعده بأنّه كما أنّه لا غَضاضَة على مَن حَملَ عُوداً أو خَشَباً، فكذلك لا شي‏ء عليه إذا حمل جَنازَة أحد المَوتى.

وكما قُلنا مِراراً، نحن هنا ليس في مَقام النَقدِ، بقَدرِ ما نُريد أن نَعرض الروايات الّتي تَدلّ على مَنهجِ الصَحابة، في نَقدِهم للحديث النبويِّ وتَصحيحه، وقد لا حظنا أنّهم يَستخدمُون المِقياس القُرآني، والسُنّة النَبويّة بصورةٍ واضِحة، وأنّهم قد يَعرِضون الحديث ويَنقِدونه على أساس


عَقْلِي، وليس بالضَرورة أنْ يكون نَقدهم هذا مُنصَبَّاً على تكذيب الراوي، فالعَوارِض والآفات الّتي تَطْرَأ على الحديث النَبوي كثيرة، كما قُلنا من قَبل، كالخطأ والاشتباه، ونَقْلِ الحديث دون ملابَساتِه، مّما قد يُؤدِّي إلى حدوث تعارض واختلاف مع القرآن، والعقل، والسُنّة النبويّة.

2 - نَقْد المُحتوى عند عُمَر

المُطلَّقة المَبْتُوتَة لا نَفَقة لها.

روى الشعبي قال: (دخلتُ على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله (ص) في السُكْنى والنَفَقة، قالت: فلم يجعل لي سُكنى ولا نَفَقة، وأمرني أن أعتدّ في بيت أُمّ مَكتوم) (127) .

وقد أنكر عُمر هذا الحديث ولم يأخذ به، واعتبره مُخالِفاً للقرآن، روى ابن داود، عن أبي إسحاق، قال: (كنت في المَسجد الجامِع مع الأسود، فقال: أتتْ فاطمةُ بنت قيس عُمرَ بن الخطّاب، فقال: ما كُنّا لنَدع كتاب ربّنا وسُنّة نبيّنا (ص) لِقولِ امرأة لا ندري أحفظت [ ذلك ] أم لا؟! (128) .

3 - نَقد المَتن عند ابن عبّاس

الوضوء مّما مَسَّتْ النار.

روى النسائي عن أبي هريرة، قال: (سمعتُ رسول الله (ص) يقول: (تَوضّؤوا مّما مَسّتْ النار) (129) ، وقد استَبعدَ ابن عبّاس هذه الرواية، وكان يعتقد أنّ الطعام الحلال لا ينقض الوضوء، فكان يقول: (أتَوَضّأ من طعام أجِده في كتاب الله حلالاً، لأنّ النار مَسّتهُ) (130) .


المبحث الثاني: نَقْد المَتنِ عند أهل البيت (ع)

ابتلى أئمّةُ أهل البيت (عليهم السلام) بمَجموعةٍ من الكذّابين والغُلاة، الذين كانوا يضعون الأحاديث بوسائل كثيرة، عن طريق الدَسِّ في كُتب الأصحاب، وخصوصاً في زمن الإمامَين الباقر والصادق‏ (عليهما السلام)، فقد نقل الكَشّي بسَنَده عن أبي عبد الله‏ (عليه السلام)، أنّه قال: (إنّا أهل بيتٍ صِدّيقون، لا نَخلو من كذّابٍ يكذب علينا، ويُسقط صِدقنا كذبه علينا عِند الناس) (131) .

وقد وَصفَ الإمام الصادق (عليه السلام) الغُلاة فقال: (إنّ فيهم مَن يَكذب حتّى أنّ الشيطان ليَحتاج إلى كَذبه) (132) .

ولذلك كان أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) يَتَحَذّرون في نقل الأحاديث، ويعرضونها على الأئمّة (عليهم السلام) لتصحيحها، فيما إذا شَكّوا في وَضْعِها، أو في فَهْمِ دلالتها، فتارة كانوا يعرضون عليهم أحاديث مُفرَدَة لِفَهمِ معناها، وخصوصاً عند التَعارض بين الأحاديث، وكان الأئمّة (عليهم السلام) يُعلِّمونهم الطريق الصحيح في نقد الحديث.

روى المَجلسي، بسَنَده عن المَيثمي، أنّه سأل الرضا (عليه السلام) يَوماً - وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه، وقد تنازعوا في الحَديثَين المُختَلفَين عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الشي‏ءِ الواحد - فقال (‏عليه السلام):

(إنّ الله (عزّ وجلّ) حرّم حراماً وأحلَّ حلالاً، وفرضَ فرائِض، فما جاء في تحليل ما حرّم الله، أو تحريم ما أحلَّ الله، أو دفع فريضة في كتاب الله رَسْمها بَيِّن قائم، بلا ناسِخ نَسَخَ ذلك، فذلك ما لا يَسع الأخذ به؛ لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يكن ليُحرِّم ما أحلَّ الله، ولا ليُحلِّل ما حرّم الله (عزّ وجَلّ)، ولا ليُغيِّر فرائض الله وأحكامه...) (133) .

وعرّفه المَنهج الصحيح في الأخذِ بالحديث.

ومرّة أُخرى كانوا يعرِضون عليهم مجموعة من الأحاديث، أو نُسخَة من الكتاب؛ لأنّ كثيراً من النُسَخِ والكُتب اعتراها الشكّ بدَسِّ الأحاديث، كما فعل المَغيرة بن سعيد، فقد عَرَضَ


ابنُ فضال ويونس بن عبد الرحمان كتاب الدِيّات لظريفِ بن ناصح على الإمام الرضا (عليه السلام)، فقال: (نعم هو حقّ، وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمُر عُمّاله بذلك) (134) ، وكذلك عَرضَ يونس بن عبد الرحمن، وابن فضال، ومحمّد بن عيسى، كتاب الفرائض على الإمام الرضا (عليه السلام)، فقال: (هو صحيح) (135) .

وسوف نقوم بذِكرِ بعض الأحاديث الّتي عرضها الأصحاب على الأئمّة (عليهم السلام)، ومنهج الأئمّة في نقدها.

  1- نَقدُ المَتنِ عند أمير المؤمنين (عليه السلام).

روى ابن أبي داود، بسَنده عن ابن مسعود، في رجلٍ تَزَّوج امرأةً فمات عنها، ولم يدخل بها ولم يفرض لها [ الصَداق ]، فقال: (لها الصَداق كامِلاً، وعليها العدَّة، ولها الميراث)، فقال مَعقِل بن سِنَان: (سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قَضى به في بِرْوَعَ بنت وَاشِق) (136).

وقد اعتبر أمير المؤمنين أنّ هذه الفتوى والحديث الّذي سمعه مَعقِل، مُخالِفاً لكتاب الله، فقد رُوي عنه (عليه السلام) أنّه قال في المتوفى عنها، ولم يُفرَض لها صَداقاً: (لها المِيراث ولا صَداق لها) (137) ، وقال: (لا يُقبَل قول أعرابيّ من أشجعَ على كتابِ الله) (138) .

والظاهر أنّ هذا الحديث مُخالِفاً للآية الكريمة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاًً ) (139) .

وهذا المَذهب هو ما أجمعَ عليه أهل البيت، فقد سُئلَ الإمام الصادق (عليه السلام) في المُتوفّى عنها زوجها ولم يدخل بها، قال: (هي بمَنزلة المُطلَّقة الّتي لم يُدخَل بها، إن كان سَمّى لها مَهراً فلها نِصفه وهي تَرِثه، وإن لم يكُن سَمّى لها مَهراً فلا مَهرَ لها وهي ترثه...) (140) .


2- نَقد المُحتوى عند الإمام الحسين (عليه السلام).

سُئلَ الإمام الحسين (عليه السلام) عن قول الناس في الأذان، وأنّ السبب في تشريعه كان في رؤيا رآها عبد الله بن زيد، فأخبر بها النبي (صلّى الله عليه وآله)، فأمرَ بالأذان، فقال الحسين (عليه السلام): (الوحي يَتَنزّل على نَبيِّكم، وتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبد الله بن زيد، والأذان وَجْه دينكم، وغضب (عليه السلام) وقال: (بل سمعتُ أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: أهبَطَ اللهُ (عزّ وجَلّ) مَلكاً حتّى عرج برسول الله (‏صلّى الله عليه وآله)، وساق حديث المعراج...) (141) .

3- نقد المحتوى عند الإمام الباقر عليه السلام.

1 - عن عمرو بن أبي المُقدام، عن أبيه، قال: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام): ( من أيِّ شي‏ء خَلَقَ الله تعالى حوّاء؟ فقال: أيّ شي‏ء يقول هذا الخَلْق؟ قلتُ: يقولون: إنّ الله خَلَقَها من ضلعٍ من أضلاع آدم (142) ، فقال: كذِبوا، أكان الله يَعجزه أن يخلقها من غير ضِلعه؟! فقلت: جعلتُ فداك - يا بن رسول الله - من أيِّ شي‏ء خَلَقَها؟ فقال: أخبرني أبي، عن آبائه، قال: قال رسول الله (‏صلّى الله عليه وآله): إنّ الله تبارك وتعالى قبض قبضةً من طين فخلطها بيمينه - وكلتا يَدَيه يَمين -، فخلق منها آدم، وفَضَلت فَضْلَة من الطين، فخلق منها حوّاء) (143) .

نقد المحتوى عند الإمام الصادق (عليه السلام).

1 - روى الكُليني عن علي بن المغيرة، قال: ( قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جُعلتُ فداك، الميتة يُنتَفع بشي‏ء منها؟ قال: لا، قلتُ: بَلَغَنا أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرَّ بشاةٍ ميّتة، فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهَابِها ، قال: تلك شاة لِسودَة بنت زمعة،


زوج النبيّ (‏صلّى الله عليه وآله)، وكانت شاة مَهزُولَة لا يُنتَفَع بلحمها، فتركوها حتّى ماتتْ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما كان على أهلها إذ لم يَنتَفِعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهَابِها، أن تُذَكّى) (144) .

2 - قال رجل لأبي عبد الله (عليه السلام) حديث: ( يُروى أنّ رجُلاً قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنّي أُحبّك، فقال له: أعدَّ للفَقرِ جِلبَاباً، فقال: ليس هكذا قال، إنّما قال له: أعدَدْت لفاقَتِك جِلباباً، يعني يوم القيامة) (145) .

3 - روى الكُليني، في سَنده عن أبي عبد الأعلى، مولى آل سام، قال: (قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّا نروي عندنا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: إنّ الله تبارك وتعالى يبغض بيت اللَحْمِ (146) ،

فقال‏ (عليه السلام): كذِبوا، إنّما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): البيت الّذي يَغتابون فيه الناس ويأكلون لُحومَهم، وقد كان أبي (عليه السلام) لَحماً، ولقد مات يوم مات وفي كُمِّ أُمّ ولده ثلاثون درهماً لِلّحمِ) (147) .

نقد المحتوى عند الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام).

1 - روى الصَدوق عن الإمام أبي الحسن (عليه السلام)، قال: ( ذُكِرَ عنده قوم يزعمون أنّ الله (تبارك وتعالى) ينزل إلى السماء الدنيا، فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لا ينزل، ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القُربِ والبُعدِ سواء، لم يَبْعد منه قريبٌ، ولم يَقرب منه بعيد... أمّا قول الواصِفين: إنّه (تبارك وتعالى) ينزل، فإنّما يقول ذلك مَن يَنسِبه إلى النَقْصِ أو الزيادة...) (148) .

وعَين هذا الحديث قد عُرضَ على الإمام الرضا (عليه السلام)، كما في (الفَقِيه)، عن إبراهيم بن أبي محمود: ( قلتُ للرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله، ما تقول في الحديث الّذي يرويه الناس عن رسول الله، أنّه قال: إنّ الله (تبارك وتعالى) ينزل كلّ ليلة جمعة إلى


السماء الدنيا، فقال (عليه السلام): لَعن الله المُحرِّفين الكَلِم عن مواضِعه، والله ما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك، إنّما قال: إن الله (تبارك وتعالى) يُنزِل مَلكاً إلى السماء الدنيا، كلّ ليلة في الثلث الأخير، وليلة الجمعة في أوّل الليل، فيأمره فيُنادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائِب فأتوب عليه؟...) (149) .

نقد محتوى الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام).

1 - روى الكُليني في كتابه، عن صفوان بن يحيى، قال: ( سَألني أبو قُرَّة المُحدِّث أن أُدخله إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فاستأذنته في ذلك، فأذِن لي فدخل عليه، فسأله عن الحلال والحرام والأحكام، حتّى بَلَغَ سُؤاله إلى التوحيد، فقال أبو قُرَّة: إنّا روينا أنّ الله قَسَّم الرؤية والكلام بين نَبِيَّين، فقسَّم الكلامَ لموسى، ولمحمّد الرُؤية.

فقال أبو الحسن (عليه السلام): فمَن المُبَلِّغ عن الله إلى الثَقلَين من الجِنِّ والإنس: ( لا تُدرِكُهُ الأبْصَارُ ) و ( لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) و ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ ) ، أليسَ محمّد؟ قال: بلى، قال: كيف يجي‏ء رجلٌ إلى الخَلقِ جميعاً فيُخبِرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، فيقول: ( لا تُدرِكُهُ الأبْصَارُ ) و ( لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) و ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ ) ، ثُمَّ يقول: أنا رأيتُه بعَيني، وأحطتُ به عِلماً، وهو على صورة البشر؟! أما تَستَحيُون؟! ما قدرت الزنادقة أن تَرمِيه بهذا، أن يكون يأتي من عند الله بشي‏ءٍ، ثُمَّ يأتي بخلافه من وجهٍ آخر، قال أبو قُرَّة: فإنّه يقول: ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) .

فقال أبو الحسن‏ (عليه السلام): إنّ بَعد هذه الآية ما يَدلّ على ما رأى، حيث قال: ( ما كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، يقول: ما كَذبَ فؤاد محمّد، ما رأتْ عَيناه، ثُمَّ أخبر بما رأى، فقال: ( لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الكُبْرَى ) ، فآيات الله غير الله، وقد قال الله: ( وَلا يُحِيطُوْنَ بِهِ عِلْمَاً ) ،


فإذا رَأته الأبصار، فقد أحاطتْ به العِلم وَوَقعتْ المَعرفة ، فقال أبو قُرَّة: فتُكَذِّب بالروايات؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إذا كانت الروايات مُخالِفة للقُرآن كَذَّبتُها، وما أجْمَعَ المسلمون عليه أنّه لا يُحاط به علماً، ولا تُدرِكه الأبصار، وليس كمِثله شي‏ء) (150) .

2 - وفي عيون الأخبار، في باب مَجلِس الرضا (عليه السلام) عند المأمون، مع أصحاب المِلَلِ والمَقالات،: ( قال الرضا (عليه السلام) لابن جهم: وأمّا داود، فما يقول مَن قبلكم فيه؟

فقال علي بن محمّد بن الجهم: يقولون: إنّ داود (عليه السلام) كان يُصلّي في محرابه، إذ تَصوَّر له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع داود صلاته، وقام يأخذ الطير، فخرج الطير إلى الدار فخرج في أثره، فطار الطير إلى السطح فصعد في طَلَبه، فسقط الطير في دار أوريا بن حيّان فاطلَعَ داود في أثر الطير، فإذا بامرأةِ أوريا تَغتَسل، فلمّا نظر إليها هواها، وكان قد أخرجَ أوريا في بعض غَزواته، فكتب إلى صاحبه أن قَدِّم أوريا أمام التابوت... فقُدِّم فقُتِل أوريا (رحمه الله) وتَزوَّج داود امرأته) (151) .

قالَ: فضرب الرضا (عليه السلام) يَدَه على جبهته وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لقد نَسبتُم نبيّاً من أنبياء الله‏ (عليهم السلام) إلى التهاون بصلاته، حتّى خَرَجَ في أثرِ الطير، ثُمَّ بالفاحشة، ثُمَّ بالقتل!

ثُمّ بَيَّن الخبر الصحيح في القِصّة، وزواج داود (عليه السلام) من زوجة أوريا) (152) .

  نقد المحتوى عند الإمام الهادي (عليه السلام).

في رسالته (عليه السلام) إلى أهل الأهواء، ذكر المَنهج الصحيح في التعامل مع الأخبار، فقد قال: (فإذا وردت حقائِق الأخبار، والتمست شواهدها من التنزيل، فوُجد لها مُوافِقاً، وعليها دليلاً، كان الاقتداء بها فرضاً لا يَتَعدَّاه إلاّ أهل العناد) (153)، ثُمَّ صحَّح الخبر الوارد عن أبي


عبد الله‏ (عليه السلام) في إنكار الجَبْرِ والتَفوِيض، فقال: (ولمّا التَمَسْنا تحقيق ما قاله الصادق (عليه السلام) من المَنزلة بين المَنزِلتَين، وإنكاره الجَبر والتفويض، وجدنا الكتابَ قد شهد له، وصَدّق مَقالته في هذا) (154) .

ثُمّ ذَكَرَ الآيات القرآنيّة الّتي تُبطِل الجَبْر والتَفويض، فقال: (فمَن زعم أنّه مُجبِرٌ على المعاصي، فقد أحالَ بذَنبِه على الله، وقد ظَلَّمه في عُقوبتِه، ومن ظَلَّم الله فقد كَذَّبَ كتابه) (155) .


الباب الثاني: المَبانِي المُشتَرَكة في نَقْدِ مَتْنِ الحَديث

الفصل الأوّل: عرض الحديث على القرآن

الفصل الثاني: عرض الحديث على السُنَّة

الفصل الثالث: عرض الحديث على التاريخ

الفصل الرابع: عرض الحديث على العَقل

الفصل الخامس: عرض الحديث على العِلم القَطعِي

الفصل السادس: الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام المَعصوم ‏(عليه السلام)

الباب الثاني / الفصل الأوّل:



تمهيد

لم تكن أُصول نَقد المَتن واضحة عند المُتقدِّمين من نُقّاد الحديث، فقد كانوا ينقدون المَتن من خلال نقدهم للسَنَد وبالعكس، كما ذكرنا سابقاً في الفصل الأوّل، ولا يعني هذا فقدان المَنهج النقدي عندهم، فقد سُئلَ عبد الرحمان بن المهدي: كيف تعرف الكذّاب؟ قال: كما يعرف الطبيبُ المَجنونَ (156).

وقال الربيع بن خثيم: (إنّ من الحديث حديثاً له ضوء كضوء النهار، نعرفه به، وإنّ من الحديث حديثاً له ظُلمة كظُلمة الليل، نعرفه بها).

وبمرور الزمن تَميَّزت هذه المباني والأُصول، حتّى بَلَغتْ أوجهاً عند ابن القيِّم، وسوف نتعرَّض إلى ذكر بعض المباني عند بعض العلماء، ثُمَّ نختار المباني والأصول المُشترَكة عند الفريقَين.

1 - أُصول نقد الحديث عند الخطيب البغدادي (ت 463 هـ).

وقد ذَكر أصول النقد عند تعرّضه للخَبر الواحد، فقال: ولا يُقبَل الخبر الواحد في مُنافاة العقل، وحُكم القرآن الثابت، والسُنّة


المَعلومَة، والفعل الجاري مَجرى السُنّة، وكلّ دليل مَقطوع) (157) .

فتَعمِيمُه للدليل المَقطوع يُمكن أن يشمل كثيراً من الأُصول والمَباني، كالتاريخ الصحيح القطعي والعلم القطعي وما شابه ذلك، مّما لا يَتَطَرَّق إليه الشكّ.

2 - أُصول النَقد عند الغَزالي (ت 505 هـ).

قَسَّم الغزالي الأخبارَ إلى ثلاثة أقسام: ما يَجب تصديقه، ما يُعلَم كذبه، ما لا يُعلم صِدقه ولا كذبه، ثُمَّ ذكرَ الأصول الّتي يُمكن بواسطتها مَعرفة الحديث المَكذوب، فقال:

أ - ما يُعلم خِلافه بضرورة العقل، أو نَظَرِه، أو الحسّ، أو المُشاهَدة، أو أخبار التواتر.

ب - ما يُخالِف النَصّ القاطع من الكتاب والسُنّة المُتواترة، وإجماع الأُمّة.

ج - ما صرّحَ بتكذيبه جمعٌ، يستحيل في العادَة تواطؤهم على الكذب.

د - ما سَكَتَ الجمعُ عن نَقله والتحدّث به، مع جريان الواقعة بمشهدٍ منهم، مع إحالة العادة السكوت عن ذكره لِتَوفّر الدواعي على نقله (158).

3 - أُصول نَقد المُحتوَى عند ابن الجَوْزِي (510 هـ - 597 هـ).

في دراسةٍ لأحَد الباحثِين، استخرج المَباني والأصول الّتي اعتمد عليها ابن الجَوزِي في نقد مُحتوَى الحديث، فكانت كالتالي:

أ - العَرض على السُنّة.

ب - التاريخ.

ج - مُخالَفة الإجماع.

د - مخالفة العقل والأمر المُحال.

هـ - مُخالَفة الشريعة، الإسلام، أُصول الدِّين، الصِفات الإلهيّة.

و - فساد المَعنى، الرَكَاكَة، المُجازَفَة.


ز - مُخالَفة أُصول الاعتِقادات.

ح - العَرض على عَمل الصَحابَة.

ط - الاستِبعاد.

ي - العَرض على القُرآن.

ك - العَرض على نَظَرِ المُتَخَصِّص.

ل - عَدم الاطمئنان القَلبي، إلى غيرها من الأُصول الّتي ذَكَرَها هذا الباحث (159) .

4 - أُصول نَقْد المُحتوى عن ابن القَيِّم (691 هـ - 751 هـ).

يُعتَبَر ابن القَيّم أوّل من تَناولَ هذا الموضوع بدراسةٍ مُستقلِّة، وبَيَّن أُصول نقد المُحتوى، مع ذكر مَصاديق لهذه الأصول في كتابه (المَنار المُنيف في الصحيح والضعيف).

فعندما سُئل، هل يُمكن معرفة الحديث المَوضوع بضَابِطٍ من غير أن يُنْظَر في سَنَده؟ قال: (هذا سُؤال عظيم القدر، وإنّما يَعلم ذلك من تَضَلَّع في مَعرفة السُنَن الصحيحة، واختَلَطَتْ بلَحمهِ ودَمه، وصارَ له فيها مَلَكَة، وصار له اختِصاص شديد بمَعرِفة السُنَن والآثار، ومعرفة سِيرة رسول الله (ص) وهَدْيِه فيما يَأمر به ويَنهى عنه) (160) ، ثُمَّ ذكر هذه المباني، وهي:

أ - اشتماله على المُجازَفات، الّتي لا يقولها رسول الله (ص).

ب - تكذيب الحَسِن له.

ج - سَماجَة الحديث، وكونه مّما يُسخَر منه.

د - مُناقَضة الحديث لما جاءتْ به السُنّة الصريحة، مُناقَضَة بَيِّنَة.

هـ - الادّعاء بأنّ النبيّ (ص) فَعَلَ أمراً ظاهراً بمَحضرٍ من الصَحابة كلّهم، وأنّهم اتّفقوا على كِتمانِه.


و - أن يكون الحديث باطِلاً في نَفسِه.

ز - أن يكون كلامه لا يُشبه كلام الأنبياء.

ح - أن يكون بوَصفِ الأطبّاء أشبَه.

ط - أن يكون في الحديثِ تاريخ كذا وكذا.

ي - مُخالَفة الحديث لصَريح القُرآن.

ك - رَكَاكَة اللَفظِ وسَمَاجَته، بحيث يَمُجّها السَمْع، ويَدفَعها الطَبْع.

ل - أن يقترنَ بالحديثِ من القرائِن الّتي يُعلَم بها أنّه باطِل (161) .

وغيرها من الضوابِط الّتي يُمكن من خلالها مَعرفة الحديث الموضوع، من غير نظرٍ في سَنَده.

والجدير بالذِكر، أنّ بعض هذه الضوابِط لا يُمكن عَدّها من الأُصول والمباني في نقد الحديث دائماً.

5 - أُصول النَقْدِ عند ابن كَثير (ت 774 هـ).

من أصول النقد عند ابن كثير:

أ - رَكاكَة اللَفظ.

ب - فَسادُ المَعنى.

ج - المُجازَفة الفاحِشة.

د - المُخالَفة لِما ثبتَ في الكتاب والسُنّة الصحيحة (162) .

6 - أصول النقد عند الشيخ الطوسي (ت 470 هـ).

ذكر مجموعة من القرائِن الّتي تَدلّ على صحّة مُتضمَن الخَبَر، ثُمّ قال: (فمَتى تَجرَّد الخبر عن واحد من هذه القرائن... فإن كان ما تَضَمَّنه هذا الخبر، هناك ما يدلّ على خِلافه من كتابٍ أو سُنّة أو إجماع، وَجبَ إطراحه والعمل بما دلَّ الدليل عليه (163) .


فأصول النقد عند الشيخ في هذا النصّ هي: الكتاب والسُنّة والإجماع، والّتي يُمكن ردّ الحديث فيما إذا كان مُخالِفاً لها.

7 - أُصول النَقْدِ عند العلاّمة المَامَقانِي - عبد الله المَامَقاني (ت 1351 هـ).

ذكر العلاّمة المامَقاني عدّة مَقايِيس لمَعرفة الحديث الموضوع، منها:

أ - الرَكاكَة.

ب - فساد المَعنى، كما لو كذّبه الحسّ والوجدان.

ج - مُخالَفة الكتاب والسُنّة المُتواترة.

د - مُخالَفة الحقائِق التاريخيّة.

هـ - الإفراط في الثواب العظيم على العمل الصغير وبالعكس.

و - الخَبَر عن أمرٍ جَسِيم تَتَوافر أسباب نَقلِه، ولا يَنْقله إلاّ واحد مَجهول أو مَجروح (164) .

8 - أُصول النَقْدِ عند العلاّمة التُستَرِي.

من المقاييس الّتي ذكرها العلاّمة في نقد الحديث هي:

أ - العَرض على القرآن (165) .

ب - عرضُ الحديث على السُنّة القَطعيّة، أو مَجموعة من الأحاديث (166) .

ج - عرضُ الحديث على التاريخ (167) .

د - عرضُ الحديث على العَقل (168) .

هـ - مُخالَفة الحديث للواقِع (169) .


و - عدم مُطابَقة الحديث مع قواعد اللُغة (170) .

ز - عدم مُطابَقة الحديث مع شأنِ وأدبِ الأئمّة (171) .

ح - مُخالَفة الحديث مع فتوى المَشهور (172) .

ط - مُخالَفة الحديث مع ضَروريّات المَذهب (173) .

9 - أُصول نقد المُحتوى عند العلاّمة الطَباطَبائي (174) .

استخدمَ العلاّمة الطباطبائي عدّة مَعايِير لنَقْدِ مُحتَوَى الحديث، منها:

أ - العِلم القَطعي (175) .

ب - البُرهان العَقلي (176) .

ج - القرآن (177) .

د - السُنّة (178) .

هـ - المَباني والأُصول المَأخوذة من الكتاب والسُنّة (179) .

و - ضَرورَة الدِّين (180) .

ز - التاريخ (181) .


10 - أُصول النَقْدِ عند الشيخ السُبحاني.

ذكر الشيخ السُبحاني عدَّة مَعايِير لنَقدِ المَتنِ، وهي:

أ - الكتاب.

ب - السُنّة المُتواترة أو المُستَفِيضَة.

ج - العَقل الحَصِيف.

د - ما اتّفقَ عليه المُسلِمون.

هـ - التاريخ الصحيح (182) .

من خِلال هذا العَرضِ السريع، يُمكن الخروج بعدّة مَباني وأُصول مُشتَرَكة، اتَّفقَ عليها أكثر العُلماء، بعد إدغام بعضِ المَباني المُتشابِهة، وهذه المباني هي:

أ - مُخالَفة الحَديث للقرآن.

ب - السُنّة القَطعيّة.

ج - إجماع المسلمين.

د - العَقل.

هـ - الحِسّ والمُشاهَدة، أو المُسلَّمات العِلميّة.

و - التاريخ.

ز - أنْ لا يُشبِه الحديث كلامَ الأنبياء؛ لرِكَّةٍ في مَعناه، أو تَضمّنه لبَعضِ المُجازَفات، أو ما شابَه ذلك (183) .



الفَصل الأوّل: عَرْضُ الحَدِيثِ عَلى القُرآن

المَبحث الأوّل: أهمّيَّة القرآن.

المَبحث الثاني: مَرْتَبَة السُنّة من القرآن.

المَبحث الثالث: علاقة السُنّة بالكتاب.

المَبحث الرابع: أحاديث العَرْضِ على الكتاب.

المَبحث الخامس: التَأويل.

المَبحث السادس: الروايات الّتي تُخالِف القرآن.

المبحث الأوّل: أهمّيَّة القُرآن

لم تكن هناك نِعمة أعظم من إنزال القرآن على هذه الأُمّة، بعد أن حُرِّفت الكُتب السَماويّة، وقَسَتْ القلوب، وبُدِّلتْ الشرائع الإلهيّة حسب الأهواء والمَصالح، قال تعالى - مُمْتَنّاً على المسلمين -: ( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (184).

فهو الكتاب الّذي لا يأتيه الباطل من بين يَدَيه ولا من خَلفه، فمَن طلب الهداية في غيره ضلَّ.

كيف لا؟! وقد تجلَّى الله لِخَلقه بالقرآن، كما قال أمير المؤمنين‏ (عليه السلام): (فتَجَلَّى لَهم سُبحانه في كتابِه، من غير أنْ يَكونوا رَأوه، بما أراهُم من قُدرته) (185) .

وروى الإمام الحَسن (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: (قِيل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنَّ أُمّتك ستُفْتَن، فَسُئل ما المَخرَج من ذلك؟ فقال: كتاب الله العزيز، الّذي لا يأتيه الباطِل من بين يَدَيه ولا من خَلفِه، تنزيلٌ من حكيم حميد، مَن ابتَغَى العِلم في غَيره أضلّه الله) (186) .

وقد وَصَفه أمير المؤمنين (‏عليه السلام)، قال: (جَعَلَه الله ريّاً لعَطشِ العُلماء، ورَبيعاً لقُلوب الفُقهاء،


ومَحاجَّ لطُرق الصُلحاء، ودواءً ما بعده داء، ونوراً ليس معه ظُلمة) (187) .

إلى غير ذلك من الأقوال، الّتي لو استعرضناها لطال بنا المَقام، فهو المَصدر الأوّل للتشريع عند جميع المسلمين، لا يختلف على ذلك أحد، وهو المَرجِع عند الاختلاف، قال تعالى: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (188) .

المَبحث الثاني: مَرتبة السُنّة من القرآن

اتّفقَ المسلمون على أنّ السُنّة هي المَصدر الثاني للتشريع، بعد القرآن الكريم، وأنّ رتُبَتَها هي التأخّر عن القرآن، وقد استدلّ الشاطِبي على ذلك بعدّة أدلّة:

1 - إنّ الكتابَ مَقطوعٌ به والسُنّة مَظنونَة، والقَطع فيها إنّما يَصحّ في الجُملة، بخلاف القرآن فإنّه مَقطوع به في الجُملَة والتَفصيل، والمَقطوع به مُقدَّم على المَظنون.

2 - إنّ السُنّة إمّا بيانٌ للكتاب، أو زيادة على ذلك، فإنْ كان بَياناً فهو ثانٍ على المُبيَّن في الاعتبار، إذ يَلزَم من سقوطِ المُبيَّن سقوط البيان، ولا يَلزَم من سقوط البيانِ سقوط المُبيَّن، وما شأنه هذا فهو أولَى في التقدُّم.

وإن لم يكن بَياناً فلا يُعتبَر، إلاّ بعد أنْ لا يُوجَد في الكتاب، وذلك تَقديم على تَقدِيم الكتاب.

3 - ما دلَّ من الأخبار على تقديم الكتاب على السُنّة، كحديث مَعاذ (189) .

وقال البعض: إنّ الكتاب أحوَج إلى السُنّة من السُنّة إلى الكتاب، وإنّها تَقْضِي عليه (190) .

وقد رَدَّ الشاطِبي هذا القول: بأنّ قضاءَ السُنّة ليس بمعنى تقديمها على القرآن، بل إنّ ذلك المُعبَّر عنه في السُنّة هو المراد في الكتاب، فكأنّ السُنّة بمَنزِلة التَفسير والشَرحِ لمَعاني القرآن، فمَعنى كونِها قاضِية يَعني أنّها مُبَيِّنة له (191) .

وهو الحقّ؛ لأنّ السُنّة فرع القرآن، وحُجِّيَّتها نابعة منه، وما كان هكذا فمَنزلته التأخّر بلا ريب.


المَبحث الثالث: علاقة السُنّة بالكتاب

قُلنا سابقاً: إنّ رُتبة السُنّة من القرآن تأتي بالدرجةِ الثانية بَعده، وإنْ كانتْ حُجّة بنفسها، أمّا بالنسبة إلى علاقتها ومَنزلَتها بالنسبة إلى القرآن، فقد قَسّمها الشافعي إلى ثلاثة أقسام، اتّفق علماء المسلمين على اثنين - وإنْ اختلفوا في بعض التفاصيل -، واختلفوا في القِسم الثالث، قال: (إنّ سُنَن النبي (ص) من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا فيها على وَجهَين، والوجهان يَجتمعان ويَتفَرَّعان.

أحدهما: ما أنزلَ الله فيه نصّ كتاب، فبيَّنَ رسولُ الله (ص) مِثل ما نصّ.

والآخر: ما أنزل الله فيه جُملة كتاب، فبيَّن عن الله مَعنى ما أراد.

وهذان الوجهان اللَذان لم يختلفوا فيهما.

والوجه الثالث: ما سَنَّ رسول الله (ص) فيما ليس فيه نصّ كتاب.

فمنهم: جَعلَ الله له، بما افترضَ من طاعته وسبق في عِلمه من توفيقه لرضاه، أن يَسنَّ فيما ليس به نَصّ كتاب.

ومنهم: مَن قال: لم يَسنّ سُنّة قَطْ إلاّ ولها أصل في الكتاب، كما كانت سُنَنه لتَبيِين عَدَد الصلاة... (192) .

والّذي يظهر من كلام الشافعي: أنّهم لم يَختلفوا في النوع الثالث، وإنّما الاختلاف كان حول كيفيّة تشريع الحُكم من قِبل الرسول (ص)، هل أنّ كلّ ما سَنَّه الرسول (ص) له أصل في الكتاب، أو لا؟

ولذلك يُمكن تقسيم علاقة السُنّة مع الكتاب كالتالي:

1 - السُنّة الّتي تدلّ على الكتاب من جميع الوجوه، فتكون من تَوارُدِ الأدلّة، كما في قوله (ص): (لا يحلّ مَال امرئٍ مِنكم إلاّ بِطِيبِ من نَفسه)، فإنّه يُوافِق قوله تعالى: ( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ) ، أو قول الرسول (ص): (اتّقُوا الله في النِساءِ، فإنّهنَّ عَوَانٌ عندَكم...)، فإنّه يُوافِق قول الله تعالى: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) .

2 - السُنّة الّتي تُبيِّن القرآنَ فتُفَصِّل مُجمَله، أو تُوضِّح مُشكله، أو تُقيِّد مُطلَقه، أو تُخصِّص عامَّه، وذلك مِثل السُنَن الّتي بَيَّنَتْ كيفيّة الصلاة والصوم، والحجّ وأحكام الحجّ، وتفاصيل الرِبَا... الخ.


3 - السُنّة الدالّة على حُكمٍ سَكَتَ عنه القرآن - لم يَنصّ عليه الكتاب، ولا على مُخالَفته - وذلك مثل الأحاديث الّتي دلّتْ على تحريمِ ما يَحرم من النَسَبِ، وتحريم الجَمعِ بين المرأةِ وخالَتِها (193) .

وقد اختلف فقهاء المسلمين حول تَخصِيص عموم القرآن بخَبَرِ الواحد، وحُكم الزيادة على القرآن.

والجَدير بالذِكر، أنّ اختلاف المَباني سوف يُؤثّر على الحُكم على بعض الأحاديث، بالتَعارض أو عدم التعارض مع القرآن، ولذلك سوف يكون البحث في النقاط التالية:

1 - هل أن خبر الواحد يخصص عموم القرآن؟

صَرَّح فقهاء الحَنفيّة بأنّهم لا يُجِيزون تَخصيص عموم القرآن بخَبَرِ الآحاد؛ لأنّ عموم القرآن قَطعي، وخَبَر الواحد ظنّي، ولا يُمكِن تخصيص القَطعي بالظنّي، أمّا الخبر المُتواتر، فقد أجمعَ المسلمون على جواز تَخصيص الكتاب به، قال أحد فقهاء الحنفية: (العامُّ من الكتاب والسُنّة المُتواترة لا يحتمل الخصوص، أي لا يجوز تَخصِيصَه بخَبَر الواحد والقياس؛ لأنّهما ظنِّيّان، فلا يجوز تخصيص القَطعي بهما) (194) .

وقال السَرخَسِي: (ولأنّ الكتابَ مُتَيَقَّنٌ به، وفي اتّصال الخَبَرِ الواحد برسول الله (ص) شُبْهة، فعند تَعذّر الأخذ بهما لابُدَّ من أنْ يُؤخَذ بالمُتَيَقَّن ويُترَك ما فيه شُبهة، والعامّ والخاصّ في هذا سواء) (195) .

وخَالفهم الجمهور، فقالوا بتخصيص عامِّ الكتاب بخَبَرِ الواحد، كما يُخصِّصه الخَبر المُتواتر (إنّ خَبر الواحد يَخصّ عامّ الكتاب، كما يخصّه المُتواتر) (196) .


أمّا عند الشيعة، فقد ادّعى الشيخ الأنصاري الإجماع على تخصيص العامّ بخَبَرِ الواحد: (قام الإجماعُ من الأصحاب على العَمل بأخبارِ الآحاد، في قِبال العامّ الكتابي... بل وذلك مّما يُقطَع به في زمن الصَحابة والتابِعين، فإنّهم كانوا يَتَمَسَّكون بالأخبار في قِبال العُمومات الكتابيّة، ولم يُنكَر ذلك عليهم، وهذه سِيرة مُستَمرّة إلى زمن الأئمّة (عليهم السلام)) (197) .

والحقّ أنّ الإجماع الّذي نَسَبَه الشيخُ إلى الشيعة لم يَثبُت، فهذا الشيخ المُفيد يُنكِر أن يكون خبر الواحد مُخصِّصاً للقرآن، قال: (ولا يجوز تخصيص العامّ بخَبر الواحد؛ لأنّه لا يُوجِب عِلماً ولا عَملاً) (198) .

وقال الشيخ الطوسي بعد أن بَيَّنَ مَذاهب الفقهاء في تخصيص عموم الكتاب بالسُنّة: (والّذي ذُهِبَ إليه، أنّه لا يجوز تخصيص العموم بها على كلِّ حال، سواء خُصَّ أم لم يُخصَّ، بدليلٍ مُتّصل أم مُنفصِل، وكيف كان.

والّذي يدلّ على ذلك، أنّ عمومَ القرآن يُوجِب العِلم، وخبر الواحد يُوجِب الظنّ، ولا يجوز أن يُترَك العِلم للظنِّ على حال، فوَجَبَ لذلك أن لا يُخَصّ العموم به) (199) .

ونتج عن هذا الاختلاف في المباني، قبول بعض الأخبار عند عامّة الفقهاء، باعتبارها تَبيِين للقرآن، في حين رَفضَها فقهاء الحَنفيّة وغيرهم، باعتبارها تُعارِض القرآن، ويُمكِن ذِكر بعض الأمثلة، منها:

أ - يرى أهل الرأي، أنّ المُسلِم إذا ترك التَسمِية على الذَبيحة عامِداً لا تَحلّ الذَبيحة؛ أخذاً بعموم قوله تعالى: ( وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ ) (200) ، ورَفضوا الحديث الوارِد عن رسول الله (ص): (المُسلِم يَذبحُ على اسم الله، سَمَّ أو لَم يُسَمِّ)؛ باعتباره مُخالِفاً لعُموم القرآن، وقَبِلَه الجمهور (201) .

ب - يرى أصحاب الرأي أنّ مُباحَ الدَمِ بردَّة أو زِنى أو قصاص، إذا التَجأ إلى الحَرَمِ


يكون آمِناً؛ تَمَسّكاً بقوله تعالى: ( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) (202) ، واعتبروا الحديث المَروِي عن رسول الله (ص)، الّذي يقول: (الحَرَمُ لا يُعِيذ عاصِياً، ولا مارّاً بدَم) معارِضَاً لعُموم الآية، لا مُخصِّصاً لها، وقَبِلَه الجمهور (203) .

ج - رَدَّ أصحابُ الرأيِ الحديث الوارِد عن رسول الله (ص)، الّذي يُحرِّم فيه أكل كلّ ذِي مَخلَب من الطير؛ لأنّه يُعارِض الآية الكريمة: ( قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ ) (204) .

ولابُدَّ من الإشارة إلى أنّ مَذهبَ مالِك ردّ الحديث الّذي يُعارِض عموم القرآن، إذا لم يَعضُده شي‏ء آخر، إذ مَشهور مَذهبِه إباحة أكلِ الطيور، ولو كانت ذات مَخلَب (205) .

والجدير بالذِكر، أنّ الّذين يرفضون تخصيص عامّ الكتاب بخَبَرِ الواحد، يشترطون أن لا يكون الخبر مَشهوراً، أو مُجمَعاً عليه، ولذلك فقد قَبلوا كثيراً من الأحاديث، مع مُخالَفتها للقرآن، فقد رَدَّ الشيخ الطوسي، في جوابه على مَن قال إنّ الصحابة قد خصّتْ عموم القرآن بخَبَرِ الواحد - كالخبر الّذي رُوي عن النبي (ص): (إنّ القاتِل لا يَرِث)، الّذي خصَّ آية المَواريث -، فقال: (إنّهم تركوا عموم آية الميراث بالخبرِ الّذي تَضَمّن أنّ القاتِل لا يَرِث؛ لأنّهم أجْمَعوا على صحّته) (206) .

وقد أجاب الحنفيّة على الإشكال الّذي يقول: إنّ الصَحابة خَصّوا قوله تعالى: ( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ... ) بقوله (ص): (لا مِيرَاث لقَاتِل...)، وخَصّوا قوله تعالى: ( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ) بقوله (ص): (لا تُنْكَح المَرأة على عَمَّتِها)، فقالوا: إنّ هذه الأحاديث مَشهورة، يجوز الزِيادة بمِثلها على الكتاب، ولا كلام فيها (207) .


2 - حُكْمُ الزِيادَة على القُرآن.

ومن الاختلافات بين أصحاب الرأي وأصحاب الحديث، المُؤثِّرة في كونِ الحديث مُعارِضاً للقرآن أو مُبيِّناً له، هي: حُكم الزيادة الحاصِلة من أقوال النبي (ص)، والّتي لا يُوجَد عَينها في القرآن، قال البزدوي - أحد فقهاء الحنفية -: (إنّ الزيادة المُتأخّرة عن النَصِّ المَزيد عليه، تكون نَسخُ مَعنى، لا تَخصيص لهذا النَصّ) (208) .

ومن المَعلوم أنّ نَسخَ القرآن بخَبَرِ الواحد مَرفوض عند الجميع، فيكون الحديث حينئذٍ مُعارِضاً للقرآن، وقد خَالَفهم الجُمهور في ذلك، قال ابن القَيِّم - بعد أن بيَّن مَنزلة السُنّة من القرآن، وأنّها على ثلاثة وجوه، الثالث منها -: (أنْ تكون مُوجِبة لحُكمٍ سَكَتَ القرآنُ عن إيجابه، أو مُحرِّمة لما سكتَ عن تحريمه، فما كان منها زائداً على القرآن فهو تشريع مُبتدأ من النبي (ص) تَجِبُ طاعته فيه، ولا تَحلّ مَعصيَته.

وليس هذا تقديماً لها على كتاب الله، بل امتثال لِما أمر الله به من طاعةِ رسوله، ولو كان رسول الله (ص) لا يُطاع في هذا القسم، لم يكن لِطاعَته مَعنىً) (209) .

وقد فصَّلَ الشيخ المُفيد والسيّد المُرتضى والطوسي في ذلك، فقال الشيخ الطوسي: إنّه إذا كانت الزيادة مُغيِّرة لحُكمِ المَزيد عليه، بحيث لو فعلَ بعد الزيادة على الخَبَرِ الّذي كان يُفعَل قَبلها، لم يكن مُجزياً وَوَجبَ إعادته، فذلك يُوجِب نَسخ المَزيد، أمّا إذا كان مُجزِياً فلا يُوجِب نَسخ المَزيد عليه.

وضرب مثلاً في الثاني، وهو النَفي على حَدِّ الزاني للبِكرِ، وزيادة الرَجمِ على حَدِّ المُحصَن (210) .

وترتيب الاختلاف في هذه المَباني ما يَلي:

أ - تغريب الزاني غير المُحصَن.

ذهبَ أهل الرأي إلى أنّ حَدَّ الزاني غير المُحصَن الجَلْد فقط، ولم يُجيزوا تَغريبه؛ أخذاً بعموم قوله تعالى: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ... ) (211)؛ لأنّ


هذا الحديث الّذي يَتَضمَّن الزيادة على القرآن يُعتَبَر ناسِخاً للقرآن، ومعارِضاً له، وخالَفهم أهل الحديث وعامّة الفقهاء في هذا الأمر (212) .

ب - القضاءُ بالشَاهِد واليَمين.

ذهبَ أهل الرأي إلى أنّه لا يجوز القضاء بالشاهدِ واليَمين، واعتبروا الأحاديث زيادة ناسِخة للقرآن، ومُخالِفة للآية: ( وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء... ) .

وخالفهم الجمهور، فأجازوا القَضاء بالشاهِدِ واليَمين؛ أخذاً بما وَرَدَ عن الرسول (ص) (213) .

المَبحث الرابع: أحاديث العَرْضِ على الكتابِ عند الشِيعَة

وَرَدَتْ أحاديث كثيرة تأمُر بعرضِ الحديث على القرآن، وطرحِ ما يُخالِفه، وَصَفَها بعضُ المُحقِّقين بأنّها مُتواترة معنى (214) ، ويُمكِن تقسيمها إلى عدِّة أقسام:

1 - تقسيم الشيخ الأنصاري لأخبار العَرض.

قسّمَ الشيخ الأنصاري أخبار العَرضِ إلى مَجموعتَين:

أ - ما دلَّ على طَرْحِ الخَبَرِ المُخالِف للقرآن.

منها: (ما جَاءَكم مِن حَدِيثٍ لا يُصَدِّقه كتاب الله، فهوَ باطِل) (215) ، وقوله (عليه السلام): (لا تَقْبَلوا علينا خِلاف القرآن، فإنّا إنْ حَدَّثنا حَدَّثنا بمُوافقَة القرآن، ومُوافقَة السُنّة) (216) .

وهذه الأخبار على قِسمَين أيضاً:

أوّلاً : منها ما يدلّ على عدمِ صدورِ الخَبرِ المُخالِف للكتابِ والسُنّة عنهم (‏عليهم السلام)، وأنّ المُخالِف لهما باطِل وليس بحَدِيثِهم.

ثانياً : ومنها ما يدلّ على عدمِ جواز تصديقِ الخَبرِ المُخالِف للكتاب والسُنّة عنهم‏ (عليهم السلام).


ب - ما دَلّ على طَرْحِ ما لا شَاهِد عليه مِن الكِتاب والسُنَّة.

وهي على طائفتين أيضاً:

أوّلاً : ما يدلّ على بطلانِ ما لا يُوافِق الكتاب، وأنّه باطل وزُخرُف.

ثانياً : ما يدلّ على عدمِ جواز تصديق ما لا يُوجَد عليه شاهِد من الكتاب.

وهي كثيرة منها: صحيحة هِشام بن الحَكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنّه قال: (لا تَقبلوا علينا حَدِيثاً إلاّ ما وافَق الكِتاب والسُنَّة، أو تَجِدون معه شاهِداً مِن أحاديثِنا المُتَقدِّمة) (217) .

والفَرقُ بين الطائِفة (أ) و (ب) هي أنّ الطائفةَ الأُولى من الأخبار - الأخبار الّتي تدلّ على طَرحِ ما يُخالِف الكتاب - لا تَمنَع من الأخْذِ بالخَبر الّذي لا يُوجَد مَضمونه في الكتاب؛ لعدم صِدقِ المُخالَفة حينئذٍ، بل تَمنع من الأخذ بالأخبار المُخالِفة لمَضمُون الكتاب، ولذلك قال: (وأمّا الطائفة الأُولى، فلا تدلّ على المَنْعِ عن الخَبرِ الّذي لا يُوجَد مَضمونه في الكتاب والسُنّة) (218) .

أمّا الطائفة الثانية من الأخبار، فتشمل مُطلَق الأخبار، سواءٌ كان مَضمونها موجوداً في الكتاب وخَالَفَها الخَبَر، أم لا؛ لصِدق عدم المُوافَقة في كلتا الحالَتَين.

وقد أجاب الشيخ على الإشكال القائِل بأنّ المُراد من المُخالَفة هنا ليست بمعنى التَباين الكُلّي، بل بمَعنى مُطلَق المُخالَفة؛ وذلك لأنّ حَملَها على التَباين الكُلّي حَملٌ على الفَردِ النادرِ، فقال: (إنّ ذلك يستلزم المَحذور، وهو رَدّ أخبار كثيرة صادرة عن الأئمّة قَطعاً، واعتبارها مُخالِفة للكتاب، وإلاّ لعُدّت الأخبار الصادِرة يَقيناً عن الأئمّة (عليهم السلام) المُخالِفة لعُمومات الكتاب والسُنّة مُخالِفة للكتاب والسُنّة) (219) .

وإجمالاً، يُمكِن الخروج بعدَّة نتائج، من خلال بحثِ الشيخ الأنصاري حول أخبار العَرْضِ:

1 - إنّ أخبار العَرْضِ مُتواترة معنىً.


2 - إنّ أخبار العرضِ على قِسمَين، منها ما يدلّ على طَرحِ ما لا يُوافِق الكتاب، ومنها ما يدلّ على طرحِ ما لا شاهِد عليه في الكِتاب.

3 - إنّ الطائفة الأُولى لا تدلّ على طَرحِ ما لا يُوجَد مَضمُونه في الكتاب وخَالَفه الخَبَر، على عَكس الطائفة الثانية.

4 - إنّ مَعنى المُخالَفة هنا، هي المُخالَفة بنَحو التَبايُن الكُلِّي، وليس بمعنى الخاصّ والعامّ، والمُطلَق والمُقيَّد.

5 - إنَّ أخبار الطائفة الأُولى يُمكِن حمل بعضها على الأخبار الوارِدة في أُصول الدِّين، وبعضها الآخر على صُورة تَعارض الخَبرَين.

6 - إنّ أخبار الطائفة الثانية يُمكِن حمل بعضها على الأخبار الواردة في أُصول الدِّين، أو على صورةِ التَعارضِ، أو على أخبارِ غيرِ الثُقات.

2 - تَقسِيم الشَهيد الصَدر لأخبار العَرضِ.

قَسَّمَ الشهيدُ الصَدر أخبارَ العَرضِ إلى ثلاثِ طوائف (220) :

أ - ما وَرَدَ بلسان الاستِنكار، والتَحاشِي عن صدور ما يُخالِف الكتاب من المَعصومين‏ (عليهم السلام)، مثل ما وردَ عن أيّوب بن الحُرّ، قال: ( سمعتُ أبا عبد الله‏ (عليه السلام) يقول: كُلّ حديث مَردُود إلى الكتابِ والسُنّة، وكُلّ شي‏ءٍ لا يُوافِق الكتاب فهو زُخرُف) (221) .

وفي رواية أُخرى عن هشام بن الحَكَم، قال: ( خَطَبَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا أيّها الناس، ما جاءَكم عنِّي يُوافِق كتابَ الله فأنا قُلتُه، وما جاءَكم يُخالِف كتابَ الله فلَمْ أقُلْه) (222) .

وفي رواية أُخرى، وَصَفَتْ الحديث الّذي لا يُشبه كتاب الله بأنّه باطِل.

ب - الطائفة الثانية من الروايات، وهو إناطَة العَملِ بالرواياتِ بأنْ يكون مُوافِقاً


للكتاب، وعليه شاهِد منه، مثل رواية ابن أبي يَعفور، قال: ( سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث، يَرْوِيه مَن نَثِقُ به، ومنهم من لا نَثِقُ به؟ قال: إذا وَرَدَ عليكم حَديث فوجدتم له شاهِداً من كتاب الله، أو من قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وإلاّ فالّذي جاءَكم به أولَى به) (223) .

أجابَ الشهيدُ الصدر على الإشكال الوارِد على هذه الأحاديث، باعتبارها وارِدة في صورة تَعارض الخَبرَين، فقال: (لأنّ الاستدلال إنّما يكون بجوابِ الإمام (عليه السلام)، الّذي يَحتَوِي على كُبرَى كُلِّيّة مُستَقلَّة، تَدلّ على أنّ كُلّ حديثٍ ليس عليه شاهد من الكتاب الكريم، أو السُنّة النَبويّة فلا يُؤخَذ به) (224) .

ج - الطائِفة الثالثة من الروايات، وهي الّتي تَنفي حُجِّية كُلّ حديث يُخالِف الكتاب، منها: رواية السَكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ( قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنَّ على كُلِّ حقٍّ حقيقة، وعلى كُلِّ صَوابٍ نوراً، فما وافق الكتاب فخُذوه، وما خالَف كتاب الله فدَعوه) (225) .

وغيرها من الروايات.

مُناقَشَةٌ وَتحلِيل.

وهنا لابُدَّ من ذكرِ عدَّة نقاط حول هذه الأخبار:

1 - إنّ الاختلاف حول شُمول هذه الأخبار لمُطلَق الاختلاف، أو الاقتِصار على التَبايُن الكُلِّي، يَرجع في الحقيقةِ إلى اختلافٍ مَبنائِي، وهو هل أنَّ أخبار المعصومين‏ (عليهم السلام) يُمكِنها تَخصيص أو تقييد عُموماتِ وإطلاقاتِ الكتاب، أو لا يُمكن ذلك؟

فإذا بَنَيْنا على إمكان ذلك، فحينئذٍ سوف تَكون هذه الأخبار ناظِرة إلى صورةِ التَبايُن الكُلِّي فقط، دون المُخصِّصات والمُقيِّدات، أمّا إذا قُلْنا بعدمِ إمكان ذلك


واقتَصرنا في التخصيص والتَقييد على الأخبار المُتواترة أو المُجمَع عليها، كما هو رأي بعض العلماء، فحينئذٍ سوف تشمل هذه الأخبار جميع أنواع التعارض بما فيها التخصيص والتقييد.

2 - إنّ الاختلاف حول شمول أخبار العَرضِ للأحاديث المُخالِفة للمَضمون القرآني، وكذلك للأشياء الّتي سَكَتَ عنها الكتاب، يرجع إلى مسألة مُسلَّمَة عند جميع المذاهب، وهي حجِّيّة السُنّة، وأنّه يُمكن للرسول (صلّى الله عليه وآله) التشريع بصورةٍ مُستقلَّة عن القرآن.

حتّى لو قُلنا برأي الشاطبي، بأنّ تشريعات النبي (‏صلّى الله عليه وآله) ترجع بصورةٍ أو بأُخرى إلى القرآن، عن طريق القياس أو الاجتهاد؛ لأنّه في هذه الحالة يُمكن للمعصوم (عليه السلام) أن يَستقلّ بالتشريع في طول القرآن، ولا تكون هذه التشريعات والأحكام الصادرة منه مُخالِفة للقرآن، لأنّها جاءتْ بحُكمه وأمره.

3 - إنّ غاية ما تدَلّ عليه أخبار المُوافَقة هو صحّة المَضمون، فلا يُمكن اعتبار مُوافَقة الأحاديث مِعياراً لصحّتها، بل المِعيار هو رَدّ الأحاديث المُخالِفة، وأنّ المقصود من مُوافَقة الأحاديث للكتاب هو عدم مُخالَفَتِها له.

4 - إنّ المُراد من المُخالَفة للكتاب، هي مُخالَفة ظواهر الكتاب ونُصوصه، وهذا أكَّده السيّد الشهيد، فقال: (ولا يُتَوَهَّم اختصاص مَفاد هذه الأخبار المُخالَفة النَصِّيَّة، فإنه يَصْدُق وجداناً عنوان المُخالَفة بالنسبة إلى الظاهر، كما يَصْدُق بالنسبة إلى النَصِّ، وإنّ الّذي يَتَتبَّع الأخبار يرى أنّ المَقصود منها ما شاعَ وقتئذٍ، من الكَذب والافتراء والتزوير على الأئمّة، وهؤلاء الكذّابون كانوا يَكذبون عادةً بما يُخالِف القرآن، لا بما يُخالِف ظاهر النَصِّ القَطعيِّ للقرآن، الّذي لا شائبة فيه) (226) .

ولم يَستبعِد الشهيد الصدر معنىً آخر للمُخالَفة، وهي مُخالَفة الرُوح العامّة للقرآن، وما لا تكون نَظائِره وأشبَاهه موجودة فيه، فإذا لم يكن الدليل الظنِّي مُنسَجِماً مع طبيعة تشريعات القرآن ومزاج أحكامه العام، لم


يكن حُجّة (227) .

واستدلّ على ذلك في الروايات الّتي تَتَضَمّن بعض التعبيرات، مثل قوله: (إنْ وَجَدْتُم عليه شاهِداً أو شاهِدَين من الكتاب)، فقال: فإنّ التعبير بالشاهِد، الّذي يكون بحسب ظاهره أعمّ من المُوافَقة بالمَعنى الحرفي، فهذه قرينة على أنّ المُراد وجود الأمثال والنَظائِر (228) .

روايات العَرْضِ في كُتبِ أهل السُنَّة.

أمّا بالنسبة إلى الروايات الوارِدة عن طريق كُتب أهل السُنّة فهي كثيرة أيضاً، وردت عن طريق، أبي هُريرة، الأصبغ بن محمّد، ابن عُمر، علي بن أبي طالب (‏عليه السلام)، منها:

1 - روى الخَطيب البغدادي عن أبي هُريرة، عن النبي (ص)، أنّه قال: (سيَأتِيكم عنِّي أحاديث مُخْتلِفةٌ، فما جاءَكم موافِقاً لكتابِ اللهِ وسُنّتي فهوَ مِنِّي، وما جاءَكم مُخالِفاً لكتابِ اللهِ وسُنَّتِي فليسَ مِنِّي) (229) .

2 - روى الدارقطني بسَنَده عن أمير المؤمنين (ع)، عن النبي (ص)، أنّه قال: (إنّها ستكون بعدي رُواةٌ يَروون عنّي الحديث، فاعرضوا حَدِيثَهُم على القرآن، فما وافقَ القرآنَ فخُذوا به، وما لم يُوافِق القرآنَ فلا تأخُذوا به) (230) .

قال الدارقطني: هذا وَهمٌ، والصَوابُ عن عاصِم، عن زيد، عن علي بن الحسين (عليه السلام)،مُرسَلاً عن النبي (ص).

3 - أمّا حديث ابن عُمَر، فقد رواه الطَبراني في الكبير، قال: (سُئلَتْ اليهود عن موسى، فأكثروا فيه وزَادوا ونَقصوا، حتّى كفروا به، وإنّه سَتُفْشو عنّي أحاديث، فما أتاكُم من حَديثِي فاقرؤوا كتابَ الله فاعْتبروه، فما وَافقَ كتابَ الله فأنا قُلتُه، وما لم يُوافِق كتاب الله فلَم أقُله) (231) .


وهناك أحاديث أُخرى رواها ابن حزم في الإحكام، عن طريق أمير المؤمنين (عليه السلام)، في نفس المَضمُون (232) .

وقد ناقش جُمهور المُحدِّثين في مثل هذه الأحاديث، فقال الشافعي: (إنّ قول مَن قال: تُعرَض السُنّة على القرآن، فإن وافَقتْ ظاهره، وإلاّ استَعمَلنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث جهل) (233) .

وعَلّق على الحديث المَنسوب إلى رسول الله (ص)، الّذي يقول: (ما جاءَكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قُلته، وما خالفه فلم أقله)، فقال: (ما رواه أحدٌ ثَبَتَ حديثُه في شي‏ء، صغير ولا كبير) (234) .

وقال في مَوضِع آخر - عن هذه الرواية -: بأنّها مُنقَطعة عن رجلٍ مَجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية (235) .

وقد اعتبر الدكتور أبو شهبة، أنّ جميع هذه الروايات الّتي تَدلّ على عَرضِ الحديث على القرآنِ مَوضوعَة ومُختلقَة، وضَعَها الزَنادقة، كي يَصلِوا إلى غَرضِهم من إهمال الأحاديث (236) .

وقال آخر، أمّا عن أحاديث العَرضِ على كتاب الله: فكُلّها ضَعيفة لا يَصحّ التمسّك بها، فهي مُنقطِعة، أو أنّ في بعضِ رواتها غير ثِقةٍ أو مَجهول (237) .

وقد أجابَ فُقهاء الحنفيّة: إنّ الحديث وإنْ كان ضَعيفاً، ولكن له ما يُتَأيّد به.

عن محمّد بن جُبير بن مَطعم، أنّ النبي (ص) قال: (ما حَدَّثتُم عنّي مّما تَعرِفون فصَدّقوا به، وما حَدَّثتُم عنّي مّما تُنكِرون فلا تُصدِّقوا، فإنّي لا أقول المُنكَر، وإنّما يُعرَف ذلك بالعَرضِ على الكتاب) (238) .


وقد أشكلوا أيضاً على هذا الحديث فقالوا: إنّا عرضنا هذا الحديث على كتابِ الله فوَجدناه مُخالِفاً له؛ لأنّ الله سُبحانه وتعالى يقول: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (239) ، وقال تعالى: ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ... ) (240) .

والجوابُ: إنّ ظاهر الحديث يَقتضي بأنّ الّذي يُعرَض على القرآن، هو الحديث الّذي يُشكّ في صدوره عن الرسول (ص)، وليس الحديث الثابِت عنه، فلا إشكال في الأخذ به والعمل بمقتضاه؛ لأنّ طاعة الرسول (ص) نابعة من طاعة الله سُبحانه.

وقالوا أيضاً: إنّ الالتزام بهذا الحديث يَستلزِم رَدّ الكثير من الأحاديث، الّتي لا يُوجَد عَينها في كتاب الله، والّتي ورَدتْ عن الرسول (ص) بأسانيد صحيحة.

وقد أُجيبَ: بأنّ المقصود من الحديث هو الّذي يُخالِف كتاب الله ولا يُوافِقه، أمّا الحديث الّذي لا يُوافق ولا يُخالِف فهو خارج عن البحث.

قال السَرخَسي في حديثه عن الشَرط المُخالِف لكتاب الله: (والمُراد كُلّ شرطٍ مُخالِف لكتاب الله، لا أن يكون المُراد ما لا يوجد عَينه في كتاب الله، فإنّ عين هذا الحديث لا يُوجَد في كتاب الله تعالى، وبالإجماع من الأحكام ما هو ثابِت بخَبَرِ الواحد والقياس، وإن كان لا يُوجَد في كتاب الله تعالى) (241) .

وكلامُه واضح في أنّ المقصود هو الحديث المُخالِف، أمّا الّذي لا يُوجَد عينه في الكتاب، فلم تَتَعَرَّض له هذه الأحاديث، والدليل على ذلك هو: أنّ الأحْنافَ قد قَبلتْ كثيراً من الأحاديث الّتي لا يُوجَد مَضمُونها في الكتاب، كما تَعَرَّضنا له سابقاً.

وفي الختام، لابُدَّ من تناول بعض المَسائل المُهمّة الّتي تَتَعَلَّق بموضوع البحث، وهي أحاديث التأويلِ والبطون؛ لأنّ هناك الكثير من الأحاديث الوارِدة في مَجال التفسير، تبدو وكأنّها مُعارِضة مع ظواهر القرآن.

فما هو معنى التَأوِيلِ والبَطْنِ؟

وما هي ضَوابِطه وحُدوده؟

هذا ما سوف نتناوله في البحوث التالية.


المَبحث الخامِس: التَأوِيل

الأصلُ عند العُلَماء والمُفسّرين، أنّه لا يُمكن تَجاوز ظواهِر الألفاظ في القرآن إلاّ بدَليلٍ مُعتبَر، سواء كان هذا الدليل شرعيّاً أم عقليّاً.

فالعامّ يبقى على عمومِه إلاّ بمُخَصِّص، و المُطلَق على إطلاقِه إلاّ بمُقيِّد، والأصل في اللُغة هو الحقيقة ولا يُتجاوَز عنها إلى المَجاز إلاّ بدليل.

وقد اتّفقَ أكثر علماء المسلمين على جواز التأويل في كلام الله، حتّى الظاهريّة استخدموا التأويل في بعض الأحاديث (242) ، بل إنّ استخدام التأويل يُعتَبر من الضَرورات في بعضِ الأحيان، وهذا يَنبَع من طبيعة اللُغة العربيّة، فقد كانت العَربُ تُقيم سَبَب الشي‏ءِ مَقام الشي‏ء وتُسمِّيه باسمه، والقرآن نزلَ بمَذاهب العَرَبِ، وإنّ العربَ سَمّوا المطرَ سماء؛ لأنّه من السماء؛ لأنّ السماءَ سَبَب المَطر.

كما قد تأتي الأساليب العربيّة ويُقصَد بها غير ظواهرها، فمِن سُنَن العربِ مُخالَفة ظاهر اللَفظ، ومُهمّة التأويل أن يُبيِّن عن القصد من وراء الإشارات والرموز، ويكشف الحُجُبَ عن الكَلِمات (243) .

مَعنى التأويلِ وضَوابِطه

هناك مَعاني اصطلاحيّة كثيرة للتأويل، وما نريده هنا هو المَعنى المَشهور، وهو: صَرْفُ اللَفظ من مَعناه الظاهر إلى مَعنى مَرجوح يَحتَمله، لدليلٍ يُصَيِّره راجِحاً (244) .

ومن هذا التعريف يُمكن أن نستخرج عدَّة ضوابِط لصحّة التأويل:

1 - يجب أن يكون صَرْف اللفظ إلى مَعنى يحتمله، وإن كان مرجوحاً.


2 - لابُدَّ أن يكون اللفظ المَصروف راجِحاً.

3 - لابُدَّ من وجودِ قرينةٍ مُعتَبَرة على هذا الصَرْفِ، سواء كانت شرعية أم عقليّة أم لُغويَّة، وهناك ضوابِط أُخرى، منها: أنْ لا يُناقِض التأويل نصّاً قرآنيّاً، وأنْ لا يُخالِف قاعدة شرعيّة مُجمَعاً عليها بين العُلماء (245) .

أنواع التأويل.

هناك تَقسيمات كثيرة للتأويل، منها:

1 - تقسيم التأويل من حيث بُعده وقُربه من الذِهن.

وهو على ثلاثة أقسام:

أ - التأويل القريب: وهو التأويل الّذي يَقبله الذِهن بأدنى دليل، مثل تأويل قوله تعالى: ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) ، حيث يُمكِن رَفع اليَد عن ظاهر القرآن بأدنى تَكلُّف؛ لوجود القرائِن اللفظيّة والعَقليّة.

ب - التأويل البعيد: وهو التأويل الّذي لا يُمكن للذِهنِ أن يَصلَ إليه بسهولة، وهو بحاجةٍ إلى دليلٍ قوي (246) ، أو ما يحتاج إلى مَعرفتِه والوصولِ إليه مَزيد من التأمُّل، مع كَونِ اللفظ يَحتَمِله (247) .

ج - التأويل الفاسد: وهو التأويل المُتَكلّف، الّذي لا يَمُتّ إلى ظاهر اللفظ بأدنى مُناسَبة، ولا يُوجَد دليل على صَرفِ اللفظ عن مَعناه، لا قويّاً ولا ضعيفاً.

وما نقبله من التأويل هو النوع الأوّل والثاني، فيما إذا كان الدليل قويّاً، أمّا التأويلات المُتَكلّفة، فلا يُمكِن القبول بها؛ لافتقارها إلى الضوابِط الّتي ذكرناها سابقاً.


2 - تقسيمُ التأويلِ من حيث القَبولِ والرَدِّ.

ويُمكن تقسيم التأويلِ من لِحاظٍ آخر - أي من حيث القبولِ والرَدّ - إلى قِسمَين:

أ - التأويل المقبول

وهو بِدَورِه يَنقسم إلى قِسمين:

أوّلاً - الجَري والتَطبيق.

يُعتَبَر العلاّمة الطَباطَبائي أوّل مَن استخدم اصطلاح الجَري على كثيرِ من الروايات التَفسيريّة، الوارِدة عن أهل البيت‏ (عليهم السلام)، وقد أخذَ هذا المعنى من الرِواية الوارِدة عن الإمام الباقر (عليه السلام)، عندما سُئلَ عن مَعنى الظَهْرِ والبَطْنِ فقال: (ظَهْرُه تنزيله، وبَطنُه تأوِيله، منه ما مَضى ومنه ما لم يَكن بَعْدُ، يَجْرِي كما يَجْرِي الشَمسُ والقمر، كُلّما جاءَ منه شي‏ء وَقع) (248) .

والفرق بين الروايات التَفسيريّة وروايات الجَرْي، هو أنّ الثانية لا تُعتَبَر تفسيراً للآية، بل تُبَيِّن مصداقاً من مَصاديق الآية، أو أكملِ المَصاديق.

فالقرآن بما أنّه لا يَختَصّ بعصرٍ دون عصر، ولا لأُمّة دون أُمّة، بل هو خالد وباقي ما بَقيتْ السماوات والأرض، فالآية منه لا تَختَصّ بمَوردِ التنزيل، بل هي تشمل مَصاديق كثيرة في كُلِّ عصر من العصور، (للقُرآن اتّساعَاً من حيث انطباقِه على المَصاديق وبَيانِ حالِها، فالآية منه لا تَختصّ بموردِ نزولها، بل تجري في كلّ مَورد يتَّحد مع مورد النزول مِلاكَاً، كالأمثال لا تَختَصّ بموردِها الأوّل، بل تَتَعدَّاها إلى ما يُناسِبها) (249) .

ورواياتُ الجَري كثيرة في المَجاميع الروائيّة، وخصوصاً في مَوارِد تطبيق الآيات القرآنيّة على أهل البيت (‏عليهم السلام) وأعدائِهم، قال العلاّمة: (رواياتُ الجَريِ كثيرة في الأبواب المُختلِفة، وربّما تبلغ المئتين) (250) .

وعلى هذا، فإذا وَرَدَتْ رواياتٌ تُخالِف ظواهر الآيات، وتدخل في دائرة الروايات


الِمصداقيّة، فلا يُمكن رَدّها واعتبارها مُخالِفة للقرآن، بشرطِ أن لا يكون في الروايةِ إشارةٌ إلى أنّها من روايات التفسير، مثل عبارة (هكذا نَزَلَتْ)، أو غيرها من القرائِن الّتي تُبعِدها عن أن تكون من روايات الجَري.

نموذج من روايات التطبيق

عن ابن عبّاس، قال: ( لمّا نزلتْ ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، وضعَ (ص) يَدَه على صَدرِه، فقال: أنا المُنذِر، ولكلِّ قومٍ هَاد ، وأومَأ بيَدِه إلى مَنكبِ علي، فقال: أنتَ الهادي يا عليّ، بك يَهتَدِي المُهتَدون بعدي) (251) .

وقد علّق العلاّمة على هذه الرواية فقال: (معنى قوله (صلّى الله عليه وآله): (أنا المُنذِر وعلي الهادي)، أنّي مِصداق المُنذِر والإنذار هِداية مع دَعوة، وعليٌّ مِصداقٌ للهادِي من غير دَعوة، وهو الإمام، لا أنّ المُراد بالمُنذِر هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والمُراد بالهادي هو علي (عليه السلام)، فإنّ ذلك مُنافٍ لظاهر الآية) (252) .

ثانياً - انتزاع مَفهومٍ من الآية وتَطبِيقه.

وهو النوع الثاني من أنواع التأويل المَقبول، ونَعنَي به استخراج مَفهومٍ عامٍّ من بَطْنِ الآية، بعد إلغاء الخُصوصيّات الّتي ليس لها مَدخليّة في موضوعها، بالسَبْرِ والتَقسيم.

ويُمكن أن نَضرب مثالاً على ذلك في الآية: ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (253) ، فهناك ثلاثة خُصوصيّات في هذه الآية:

1 - مورد السؤال، وهو التشكيك بنُبوَّة النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله) وإمكان أن يكون الرسول المَبعوث من البشر.

2 - المُخاطَب في الآية، وهُم المُشرِكون.

3 - الأشخاص المَسؤولون، وهم أهل الكتاب.


وهذه هي الخُصوصيّات الثلاثة المذكورة في الآية، جاءَتْ نتيجة للظروف التاريخيّة، وكانت سَبَباً لنزولِ هذه الآية.

ولكن بعد تجريد هذه الخصوصيّات عن الآية المَذكورة، فلا يكون لهذه الخُصوصيّات - الشرك، أهل الكتاب، المسألة مورد السؤال - أيّ مَوضوعيّة، بل إنّها تُعتبَر مُجرّد مثال.

فحينئذٍ يُمكن لنا استخراج مَفهومٍ عامٍّ من الآية، وتطبيقه في كلّ زمان ومكان، وهو: (أنّ كلّ شخصٍ جاهلٍ في بعضٍ من أبْعادِ الشريعة، يجب عليه أن يَسأل العُلماء في هذا الشأن) أو (يَجب على الجاهِل مُراجَعة العالِم فيما لا يَعلَم) (254) ، فالجَهل والعِلم هُما المِلاك في هذه الآية، وليست المُلابَسات التاريخيّة وسَبَب نزول الآية.

فإذا وَرَدَتْ روايات تذكر بأنّ المَقصود من أهل الذكر هُم أهل البيت، فلا يُمكن أن تُرَد هذه الأحاديث بحُجَّة مُخالَفَتِها لظاهر الآية، ولا يعني هذا أنّ الرواية تُعتَبَر تفسيراً للآية، بل هي من بابِ التأويل والبَطنِ، ويُمكن انطباقها على مصاديق عديدة، إذا كان المَفهوم العامّ المُستنبَط من الآية يشمل مثل هذه المصاديق.

هذان المَورِدان من أنواع التأويل المَقبول، وفي غير ذلك لا يُمكن قبول الرواية بحُجَّة أنّها من البَطنِ، إذا كانت فاقِدة للضَوابِط المَذكورة سابقاً، أو لم تَكُن من مَصاديق الآية، أو أنّ المَفهومَ لا ينطبق عليها.

ب - التأويل المردود

وهو التأويلُ الباطِني الّذي لا يَتَّفِق مع ظواهر الكتاب، ولا تُوجد قَرينة على هذا الصَرفِ، لا من بعيد ولا من قريب، وبالتالي فهو تحميلٌ للقرآنِ تَبَعاً للمُيولِ والأهواء الزائِغة.

فهو من التفسير بالرأي، ويشمل نماذِج كثيرة من تأويلاتِ الفِرق الباطنيّة وغُلاة الصوفيّة، قال أبو حامد الغَزالي في تأويلاتِهم للظواهر: (والقول الوَجيز فيه أنّهم لمّا عَجزوا عن صَرفِ الخَلقِ عن القرآنِ والسُنّة، صَرفوهم عن المُرادِ بهما إلى


مَخاريق زَخْرَفُوها، واستفادوا - بما انتزعُوه من نفوسِهم من مُقتضَى الألفاظ - إبطال مَعاني الشَرْع... وأنّهم لو صرّحوا بالنَفْيِ المَحضِ والتَكذيب المُجرّد، لم يخطوا بمُوالاة المُوالِين، وكانوا أوّل المَقصودِين المَقتولِين) (255) .

والجَديرُ بالذكر أنّ هؤلاء غالِباً ما يَستَعينون بروايات يَنسبونها زُورَاً وبُهتاناً إلى المعصومين‏ (عليهم السلام)، لتمرير مُخطَّطاتِهم الفاسِدة.

خلاصة وتقويم.

يُمكن تلخيص ما تَوصَّلنا إليه بالنقاط التالية:

1 - إنّ أحاديث العَرضِ من الأحاديثِ الّتي اجتمعتْ عليها كَلمة المسلمين، وإنّ القولَ بوَضعِها من قِبل الزَنادِقة مّما لا دليل عليه ولا برهان.

2 - إنّ المقصودَ بالأحاديثِ الّتي تُخالِف القرآن هي: الّتي تُخالِفه بنَحوِ التَبايُن الكُلِّي، ولا يُمكن الجَمْع بينَها وبَينه إلاّ بالتَعَسُّف والتأويل البعيد.

3 - إنّ أحاديث العَرضِ لا تشمل الأحاديث الّتي لا تُوافِق ولا تُخالِف، أي إنّها ساكِتَة عن هذا النوعِ من الأحاديث.

4 - المَقصود بالمُخالَفة، هي مُخالَفة ظواهر القرآن، أو نَصِّه، أو رُوحه العامَّة.

5 - اعتبرَ الحَنفيّة الخَبَرَ الواحِد المُخصِّص لعُموم القرآنِ، وكذلك الزيادَة على القرآن، مُخالَفة للقرآنِ، فيما إذا لم يكن مُجمَعاً عليه، وخالفهم الجُمهور في ذلك.

6 - لا يُمكن اعتبار روايات التأويلِ أو البَطنِ مُخالِفة لظَواهر القرآن، فيما إذا كانت:

أ - مِن مَصاديقِ التَطبيق والجَري.

ب - فيما إذا كانتْ تُشكِّل مَفهوماً انتزاعيّاً عامّاً.

7 - تُرَدُّ الروايات الّتي تُشكِّل تأويلاً بعيداً وفاسداً؛ لأنّها تُخالِف ظواهر القرآن، ولا يُوجَد دليل يَصرف الظاهِر عن معناه.


المَبحث السادس: الروايات الّتي تُخالِف القُرآن

نموذج من روايات التأويل.

1 - وَرَدَتْ روايات مَنسوبة إلى الأئمّة (عليهم السلام) في تفسير بعض الآيات، منها:

ما وردَ في تفسير: ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ) (256) ، بأنّ المُراد من الثقلين هُم: كتاب الله وأهل البيت‏ (عليهم السلام) (257) .

وقد وردَت لَفْظَة (الثَقَلانِ) في الأحاديث النَبويّة، وقُصِدَ بها القرآن وأهل البيت، ولكن لا يُمكِن أنْ يُراد من (الثَقَلَين) في هذه الآية هذا التفسير؛ لمُخالَفته لظاهر وسياق الآية، فسورة (الرحمان) من أوَّلها إلى آخرها تَتَحدَّث عن الإنس والجِنّ ( خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ) (258) ، وقال تعالى: ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ... ) (259) .

ثُمَّ سياق الآية التالية يُنافِي إرادة مثل هذا التفسير أو التَطبِيق، فسياق الآيات يَتَضمَّن التهديد للثَقَلَين ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) (260) ، فهل يُمكِن الالتزام بأنّ هذا الخِطاب مُوجَّه إلى أهل البيت‏ (عليهم السلام)؟!

2 - روى المُعلّى بن خُنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في تفسير قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ) (261) ، قال: (إنّ هذا المَثل ضَربَه الله لأمير المؤمنين‏ (عليه السلام)، فالبَعُوضَة أمير المؤمنين (‏عليه السلام)، وما فَوقَها رسول الله (‏صلّى الله عليه وآله) ) (262) .

ومثل هذا التفسير لا يُمكِن القبول به؛ لمُخالَفته الصريحة لظواهر القرآن.

الروايات الّتي تَنسب المَعصِية إلى المَلائِكة.

روى المَجلسي عن سلمان الفارسي، أنّه قال: (أُهْديَ إلى النبي‏ (صلّى الله عليه وآله) قِطْفٌ من العِنَبِ في غيرِ أوانِه، فقال لي: يا سلمان، ائتِني بوَلَدَي الحسن والحسين ليَأكُلا معي من هذا العِنَبِ.

قال سلمان الفارسي: فذهبتُ أطرق عليهما مَنزِل أُمِّهما فلم أرَهما، فأتيتُ مَنزل


أُختِهما أُمّ كُلثوم فلم أرَهما، فجِئتُ فَخبَّرتُ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) بذلك، فاضْطَربَ وَوَثَبَ قائِماً وَهوَ يقول: وا وَلَداه، وا قُرَّة عَيناه، مَن يُرشِدُني عليهما فلَه على اللهِ الجَنّة.

فنَزَلَ جبرئيل من السماءِ، وقال: يا مُحمّد، علامَ هذا الانزِعاج؟ فقال: على وَلَدَيَّ الحسنِ والحُسينِ، فإنّي خائِفٌ عليهما من كَيدِ اليَهود، فقال جبرئيل: يا مُحمّد، بل خَفْ عليهما من كَيدِ المُنافقين، فإنَّ كَيدَهم أشَدُّ من كَيدِ اليَهودِ، واعلم يا محمّد إنّ ابنَيكَ الحسن والحُسين نائِمان في حَديقةِ أبي الدحداح.

فصَارَ النَبيّ (صلّى الله عليه وآله) من وقْتِه وسَاعَتِه إلى الحديقة وأنا مَعه، حتّى دَخلنا الحديقة، وإذا هُما نائِمان وقد اعتَنَقَ أحدهما الآخر، وثُعبان في فيهِ طَاقَة رَيحان، يُرَوِّح بها وَجهَيهِما، فلمّا رأى الثعبانُ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) ألقَى ما كان في فيهِ، فقال:

السلامُ عليك يا رسولَ الله، لست أنا ثُعباناً، ولكنِّي مَلك من مَلائِكة [ الله ] الكروبيّين، غَفلتُ عن ذِكْرِ ربِّي طرفة عَين فغَضَبَ عليَّ ربِّي ومَسَخَنِي ثُعباناً كما تَرى، وطَرَدَني من السَماءِ إلى الأرضِ...) (263) .

وكذلك الروايات الّتي نَقَلَها بعض المُفسّرين في شأن هاروت وماروت، وهي من الروايات الإسرائيليّة الّتي لا يَقبلها عَقلٌ ولا وجدان، فقد نقلَ ابن جُرير والسيوطي، في تفسيرهما كيفيّة نزول المَلَكين هاروت وماروت إلى الأرض، واقترافهما للذنوب، كشرب الخمر والقتل والزنا والشرك (264) - ومِثل هذه الروايات الّتي تَنسب المَعصية إلى الملائِكة تُخالِف صريح القرآن، الّذي أشارَ إلى عِصمَتِهم وعدم غَفلَتِهم -.

فالرواية الأُولى تُصَرِّح بأنّ الملائِكة يُمكن أن تَغْفَلَ عن العبادةِ وذكرِ الله، والقرآن ينفي ذلك: ( وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) (265).

والرواية الثانية تَنسب المَعاصي إلى المَلائِكة والقرآن يَنْفِي ذلك ( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (266) . وقد عُرِضَ


هذا الحديث على الإمام الرضا (عليه السلام) فأنكرَه وكذَّبه، فعن علي بن محمد بن الجهم، قال: ( سمعتُ المأمون يسأل الرضا (عليه السلام) - علي بن موسى (عليه السلام) - عمّا يرويه الناس من أمر الزهرة، وأنّها كانت امرأة فُتِنَ بها هاروت وماروت، وما يَروونه من أمر سُهَيل، وأنّه كان عَشَّاراً باليَمن، فقال: كذبوا في قولهم، إنّهما كَوكَبان) (276) .

قال العلاّمة الطباطبائي في مثل هذه الروايات: (وقد رُوي قريب منه في بعض كُتب الشيعة، مَرفوعاً عن الباقر (عليه السلام).

وروى السيوطي أمرَ هاروت وماروت والزهرة نَيفاً وعشرين حديثاً، صرَّحوا بصحَّة طريق بعضها، (وهذه القصّة خُرافيّة تَنسب إلى الملائكة المُكرّمين - الّذين نَصَّ القرآن على نَزاهة ساحتِهم وطهارة وجودهم من الشرك والمعصية - أغلظَ الشِركِ وأقبح المَعصيةِ، وهو عبادة الصَنم والقتل والزنا وشرب الخمر...) (268) .

بالإضافة إلى ذلك فإنّ هذه الروايات مُعارَضة بروايات أُخرى تَدلُّ على عِصمَة الملائكة من المَعصية، قال أمير المؤمنين في وصف الملائكة: (فليس فيهم فَتْرة، ولا عندهم غَفْلَة، ولا فيهم مَعصِية... ومُسبِّحُون لا يَسأمُون ولا يَغْشاهم نَوم العيون، ولا سَهو العقول، ولا فَتْرة الأبدان، ولا غفلة النسيان) (269) .

الروايات الّتي تَنسب الظُلم إلى الله.

أخرج ابن داود بسَنَده عن رسول الله (ص)، أنّه قال: (الوَائِدة والمَوءُوْدَة في النارِ) (270) .

وعن سَلَمَه بن يزيد الجعفي، قال: (انطلقتُ أنا وأخي وأبي إلى رسول الله (ص)، قال: قُلنا يا رسول الله، إنَّ أُمّنا مَليكة، كانت تَصِل الرَحم وتُقرِي الضَيف وتَفعل وتَفعل، هلكتْ في الجاهليّة، فهل ذلك نافِعُها شيئاً؟ قال: لا، قُلنا فإنّها كانت وأدَتْ أختاً لها، فهل ذلك نافِعها شيئاً؟ قال: الوائِدة والمَوءُودَة في النار، إلاّ أن تُدرِك الوائدة الإسلام


ليَعفوا الله عنها) .

قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله، رجال الصحيح (271) .

ولنا أنْ نسأل، ما هو ذَنْب المَوءُوْدَة حتّى تدخل النار، وهي لم ترَ من الدنيا شيئاً ولم تَصل إلى سنِّ التكليف؟!

أليس هذا يُخالِف أُصول العَدل وصريح القرآن الّذي يقول: ( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) (272) .

وفي نفس هذا المَعنى روى مُسلِم بسَنَده عن أنسِ: (إنّ رجُلاً قال لرسول الله (ص) أينَ أبي؟ قال: في النارِ، فلمّا قَضَى دَعَاهُ، فقال: إنّ أبي وأباكَ في النارِ) (273) .

ومن المعلوم أنّ عبد الله قد تُوفِي في الفترة قبل البعثة، فكونه في النار يُخالِف قوله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (274) ، وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى ) (275) ، وقال تعالى: ( أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ) (276) .

وَلد الزِنا لا يَدخل الجَنَّة.

رَوى الصَدوق بسَنَده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنّه قال: (إنّ اللهَ تعالى خَلَقَ الجَنَّة طاهِرة مُطهَّرة، فلا يَدخلها إلاّ مَن طابَتْ وِلادَته) .

وروى أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنّه قال: (يَقولُ ولدُ الزِنا: يا رَبِّ، ما ذَنْبي، فما كان لي في أمْرِي صُنْع؟! قال: فيُنادِيه مُناد، فيقول: أنتَ شَرّ الثلاثةِ، أذنب والداكَ فتُبْتُ عليهما، وأنتَ رِجْس ولن يَدخل الجَنّة إلاّ طاهِر) (277) .

ومثل هذه الروايات تُخالِف أُصول العَدلِ وصَريح القرآنِ، قال أحد العلماء في وَصْفِ هذه الروايات: (وَلَد الزنا حَسب قواعد العدليّة المُطابِقة للمَوازِين العَقليّة


والأدلّة القَطعيّة، من أنّه لا تَزِر وازِرَة وِزْر أُخرى، ولا يُعاقَب شَخص بجَرِيمة غيره، فَحَاله إذاً حال سائِر المُكلَّفين، إنْ اختار الطاعة وعَمل الخير، فهو من أهلِ الجَنّة والنَعيم، وإنْ اختار المَعصِية وعَمل الشرَّ كان من أهل الجَحيم، وكُلّ ما في الأخبار مّما يُنافِي هذا فلا بُدّ من تأوِيلِها وحَمْلها على ما لا يُنافِي تلك القاعِدة المُحكَمَة) (278) .

روايات التَجسيم والتَشبيه.

روى أبي داود بسَنَده عن محمّد بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِه) أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جُهِدَتْ الأَنْفُسُ، وَضَاعَتْ الْعِيَالُ، وَنُهِكَتْ الأَمْوَالُ، وَهَلَكَتْ الأَنْعَامُ، فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ وَنَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): وَيْحَكَ، أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟! وَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ، إِنَّهُ لا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟! إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ) (279) .

وتُعرَف هذه الرواية عند المُحدِّثين بـ (حديث الأَطِيْطِ)، وهي تُشبِّه الله (سبحانه وتعالى) بصِفات المَخلوقِين، وتُصوِّره راكِباً على العَرش ركوباً هادياً.

وهذا الحديث من أحاديث التَجسيم الّتي لا تَقبل التأويل بأيّ حالٍ من الأحوال، وهي بالإضافة إلى كونِها تُخالِف العَقل، فإنّها تُخالِف القرآنَ مُخالَفة صريحة، قال تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (280) .

الروايات الّتي تدلّ على استمرار النبوّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله).

روى ابن مَاجَة في سُنَنِه عن ابن عبّاس، أنّه قال: (لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلهِِ) وَقَالَ: إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ، وَلَوْ عَاشَ لَكَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، وَلَوْ عَاشَ لَعَتَقَت أَخْوَالُهُ الْقِبْطُ


وَمَا اسْتُرِقَّ قِبْطِيٌّ) (281) .

وفي الحديثِ تصريح بإمكان كونه - إبراهيم - نبيّاً، فيما إذا استمرَّت له الحياة، وفي هذا دلالة على أنّ الرسول (ص) لا يعلم أنّه خاتَم النبيِّين، والقرآن يُصرِّح بأنّ النبيَّ (ص) هو الّذي قد خُتمَت فيه النبوَّة: ( وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (282) .

الروايات الّتي تَأمر بمُخالَفة النساء.

أوردَ الحرُّ العامِلي بسَنَده مَجمُوعة من الروايات تَحتَ عنوان (بابُ كراهَة استشارَة النساء إلاّ بقَصد المُخالَفة)، منها:

1 - عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (ـ ذُكِر عنده النساء - فقال: لا تُشاوروهُنّ في النَجوى، ولا تُطيعوهُنَّ في ذي قَرابَة) (283) .

2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (إيّاكُم ومُشاوَرة النساء، فإنَّ فِيهنَّ الضَعف والوَهْن والعَجْز) (284) .

3 - عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (وإيّاكَ ومُشاوَرة النساء، فإنَّ رَأيهنَّ إلى أفَنٍ، وعَزْمهنَّ إلى وَهن...) (285) .

4 - روى الكُليني بسَنَده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (ذَكَرَ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) النساء فقال: اعصوهُنَّ في المَعروف قبل أن يَأمرنكم بالمُنكَر، وتَعوّذوا بالله من شِرارِهنَّ، وكونوا من خِيارِهنَّ على حَذر) (286) .

5 - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (تَعوَّذوا باللهِ من طَاعَة نِسائِكم، وكونوا مِن خيارِهنَّ على


حَذر، ولا تُطيعوهنَّ في المَعروفِ فيَأمرنكم بالمُنكَر) (287) .

6 - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (قال أميرُ المؤمنين: في خلافِ النِساء البَرَكَة) (288) .

إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي تَصبّ في نفس المَعنى.

فإذا أمْكَن توجيه هذه الروايات بأنّها تَخصّ صِنفاً خاصّاً من النساء، فهو، أمّا إذا كانت تَأمر بمُخالَفة النساء حتّى في أمور الخَيرِ، وأنّ الرُشدَ في خلافِها - على نحو القضيّة الحقيقيّة - فهي بلا رَيب مُخالِفة لظواهر القرآن وآياتِه الكثيرة الّتي تأمر بالتَشاور مع النساء، والأخذ برأيهنّ في عدّةِ آيات، منها:

1 - تَشاور الرَجُل مع زوجته فيما يَخصّ القضايا المُتّصلة بالوَلد، قال تعالى: ( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) (289) .

2 - الآيات الّتي تدلّ على قَبول رأي المَرأة في العديدِ من القضايا المُهمَّة، مع العِلم أنّ رأي المَرأة كان هو الصَواب في هذه الأمور، وليس العكس منها:

أ - إشارةُ بنتِ شُعيب على أبيها بأنْ يَستأجر موسى (عليه السلام): ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) (290) .

ب - رأي أُخت موسى (عليه السلام) لآل فرعون بأنْ تَتَولّى أُمّ موسى إرضاعه: ( فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) (291) .

ج - رأي زوجة فرعون إلى فرعون بأنْ لا يَتَعرّض إلى موسى بالقَتل: ( وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) (292) .

د - وأخيراً تَصرّف المَلِكة بَلقيس الّذي يَنُمّ عن عقليّة كبيرة وتَصرّف حكيم، فهي لم تَتَصرَّف بالأمور المَصيريّة إلاّ بعد مَشورة ذَوي الخِبرَة: ( قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي


فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ) (293) ، وكيف أنّها لم تَستَصوِب رأيهم في القتال ما لم تَستَخبِر الحال: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) (294) وكيف أنّها آمَنتْ وأنقَذتْ قومَها لمّا رأتْ دلائِل الحقِّ، والبراهِين المُؤيِّدة لنُبوَّة سُليمان: ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (295) .

هذه هي الرؤية القرآنيّة في مسألة المرأة، وهي حاكِمة على جميع الروايات الّتي تُخالِف هذا المَعنى مُخالَفة بيّنة، ومن الواضحِ أنّ القول بعدم مُشاوَرة النساء على نَحوِ القضيّة الحقيقيّة، مُخالِفة لهذه الرُؤية.

قال أحدُ المُفكِّرين - بعد أن تناول القِصص القرآنيّة الّتي تَتَناول قضيّة المرأة -: (إنّ هدف هذا القصص ليس تَدوين التاريخ وتَوثيق الأحداث، وليس التَسلِية، بل هو التَعليم بذِكْرِ القُدوة العمليّة في مَجال الخير، وذِكْر أمثلة الانحراف والشرِّ؛ للتحذير منها، فهي للعمل والاتّباع، وليست لمُجَرَّد المَعرفة النظريّة، ولا يُعقَل وقوع النَسْخِ في هذا النحوِ من البيان)

ومن هنا يَتَبيَّن أنّه ليس المَقصود في الروايات - إن صحَّت - عدم مُشاوَرة النساء على الإطلاق، وأنه لابُدَّ من مُخالَفتها حتّى وإن كانت على صواب، فإنّ هذا لا يُمكن قبوله بأيّ حالٍ من الأحوال، ولابُدَّ من أن يُراد به نوع خاصّ من النساء، على نحوِ القضيّة الخارجيّة، أو تَخصِيص ذلك بالمرأة غير العاقِلة مثلاً.

الروايات الّتي تُصرِّح بأنّ حقّ المرأة لا يُساوِي واحد من المِئةِ من حقِّ الرَجُل.

روى الكُليني بسَنَده عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه قال: (جاءتْ امرأةٌ إلى النبيّ (‏صلّى الله عليه وآله)، فقالت: يا رسول الله، ما حقّ الزوج على المرأة؟ فقال لها: أن تُطِيعه ولا تَعصِيه، ولا تصدّق من بيتِه إلاّ بإذنِه، ولا تصوم تطوّعاً إلاّ بإذنه، ولا تَمنعه نفسها وإن كانت على ظهرِ قَتَّب، ولا تَخرج من بيتِها إلاّ بإذنه، وإن خرجتْ من بيتها بغير إذنه لَعَنتها ملائكة السماء وملائكة الأرض، وملائكة الغضب وملائكة الرحمة، حتّى تَرجع إلى بيتها.

فقالت: يا رسول الله، مَن أعظم الناس حقّاً على الرجل؟ قال: والدهُ، فقالت: يا رسولَ الله، مَن أعظم الناس حقّاً على المرأة؟ قال: زوجها، قالت: فما لي عليه من الحقِّ مثل ما له عليَّ؟ قال: لا ولا، من كُلِّ مئةٍ واحدة، قال: فقالت: والّذي بَعَثَك بالحقِّ نبيّاً، لا يَملك رَقَبَتي رَجُل) (296) .


فمثل هذه الروايات الّتي تجعل حقّ المرأة لا يُساوي واحد إلى المئةِ من حقّ الرجُل، تعارض ظاهر القرآن الّذي يُصرِّح بأنّ للمرأة ما للرجُل تماماً، وله عليها درجة واحدة، وليست كما جاء في الروايات بأنّها لا تملك واحد إلى المئةِ من حقِّ الرجُل، قال تعالى: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) (297) .

ولهذا انتَفَضتْ هذه المرأة، وقرَّرتْ أن لا تَتَزوّج أبداً؛ لمُخالَفة ذلك مع أُصول العَدل.

الأكرادُ قومٌ من الجِنِّ.

1 - عن أبي الربيع الشامي، قال: (سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) فقلتُ: إنّ عندنا قومَاً من الأكراد، وإنّهم لا يزالون يَجيئُون بالبَيعِ فنُخالِطَهم، فقال: يا أبا الربيع، لا تُخالِطوهم، فإنّ الأكراد حَيٌّ من أحياءِ الجِنِّ كشفَ الله عنهم الغِطاء، فلا تُخالِطوهم) (298) .

2 - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنّه قال: (لا تَشْتَر من السودان، فإنْ كان لابُدَّ فمِن النَوبَة... ولا تنكحوا من الأكراد أحداً؛ فإنّهم جِنس من الجِنّ كُشِفَ عنهم الغطاء) (299) .

وهذه الرواية مُخالِفة للروح العامّة في القرآن، ومَضامِين ومُحتَوى القرآن الكريم.

قال السيّد الشهيد في مثل هذه الروايات: (فمَثلاً لو وَرَدَتْ رواية في ذمِّ طائفة من الناس، وبيان خِسَّتِهم في الخَلْق، أو أنّهم قِسم من الجِنِّ، قُلنا: إنّ هذا مُخالِف مع الكتاب، الصريح في وحدةِ البشريّة جِنساً وحَسباً، ومُساوَاتهم في الإنسانيّة ومسؤولياتها، مهما اختَلَفَتْ أصنافهم وألوانهم) (300) .


الباب الثاني / الفصل الثاني: عَرْضُ الحَديثِ على السُنَّة

1 - المَبحث الأوّل: السُنّة في اللُغة والاصطلاح، وأقوال العُلماء.

2 - المَبحث الثاني: مَعنى السُنّة عند الفَريقَين.

3 - المَبحث الثالث: أدلَّة القاعِدة.

4 - المَبحث الرابع: حُدود القاعِدة.

5 - المَبحث الخامس: الروايات الّتي تُخالِف السُنّة.

- روايات الاستخارة بالرِقَاعِ والبَنادِقِ والحَصَى.

- الروايات الوارِدة في نُحُوسَةِ الأيّامِ والأشياء.

- الروايات الوارِدة في نَجاسَة الحَديد.

- الروايات الوارِدة في الرَضَاعِ.

- الروايات الوارِدة في تَحريمِ أو كَراهة الخِضَابِ.

المَبحث الأوّل:

السُنّة في اللُغة

تُعرَّف السُنّة في اللُغة بأنّها السِيرة، حَسنة كانتْ أو قبيحة (301) .

والأصلُ فيها الطَريقة والسِيرة (302) ، وقال بعضُهم: إنّ الأصلَ الواحد في هذه الماّدة: هو جَرَيان أمرٍ مُنضبِط، سَواء كان هذا الأمر وجَرَيانه في ظهور صِفة، أم عَمل، أم قول، وإنّما سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنّها تَجري جَرْياً (303) .

فالسُنّة إذن، هي: الطَرِيقَة، السِيْرَة، ومن صِفاتها الاستِمرار والجَرَيان.

السُنّة في الاصْطِلاح

السُنّة في اصطلاح الفقهاء هي: (قول النبيّ أو فِعله أو تَقريره)، وعند فقهاء الإماميّة هي: (قول المَعصومِ أو فِعله أو تَقريره).

وليس لها إلاّ قِسم واحد فقط، وهو الصَحيح المَصُون عن الكَذبِ والخَطأ (304) .

وقال الجُرجاني: السُنّة في الشريعة هي: الطَريقة المَسلُوكَة في الدِّين في غيرِ


افتراضٍ ولا وُجوب (305) .

وهناك مَن جعلَ السُنّة مُرادفة للحديث المَنقول أو فعله أو تقريره. وإطلاق السُنّة على الحديث اصطلاحٌ حادِث لا تَعرفه اللغة.

معنى السنة في الأحاديث وأقوال العلماء.

المُتَتبِّع لأحاديث المعصومين (عليهم السلام) يَتبيَّن له بوضوح، أنّهم قد استخدموا السُنّة في مَعناها اللغوي، ففي الحديث الوارد عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، في الحثِّ على الالتزام بالسُنّة وعدم الخروج منها، قال: (... أمّا إنّي أُصلِّي وأنام وأصوم وأفطر، وأضحك وأبكي، فمَن رَغبَ عن مِنهاجي وسُنَّتي فليس مِنِّي) (306) .

وقد كان القدماء من العلماء يستخدمون هذا المُصطَلَح في هذا المَعنى فقط، فمِن خلال تَتَبُّع هذه الكلمة في بعض آثار الشيخ المُفيد وغيره، يَتبَيَّن لنا أنّها لا تخرج عن معناها اللغوي، وسوف نضرب بعض الأمثلة لتوضيح هذا المعنى، قال الشيخ:

1 - ويُستَحَب أن لا يُجاوِز الإنسان في المَهْرِ السُنَّة، وهي خمسمئة دِرهَم (307) .

2 - ومن السُنّة الثابتة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) الدعاء عند رؤية الهلال (308) .

3 - والسُنّة في الصيد، بالكلابِ المُعلَّمَة (309) .

وغيرها من الأمثلة الأُخرى الّتي تدلّ على أنّ السُنّة هي طريقة النبي في حياته الشخصيّة والاجتماعيّة، في عباداته ومُعامَلاته، وتنقسم إلى قِسمين: السُنّة الواجِبة، والمُستحبَّة، وهذا ما يشهد له الحديث الوارِد عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، قال: (السُنّة سُنَّتان: سُنّة في فريضة، الأخذ بها هدى وتَرْكها ضَلالة، سُنّة في غير فريضة، الأخذ بها فَضيلة وتركها غير خَطيئة) (310) .

وقد كان القدماء يُفرِّقون بين الحديث والسُنّة، فيقولون مثلاً: سُفيان الثَوري إمامٌ في الحديث، وليس بإمامٍ في السُنّة.


المبحث الثاني: معنى السُنّة عند الفريقَين

اتّفق الفريقان على حُجيّة السُنّة، لم يَشذّ منهم أحد، واختلفوا في المعنى المُراد من السُنّة، فهي عند الشيعة تشمل قول وفعل وتقرير المعصوم (الرسول (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)).

أمّا عند السُنّة، فقد اقتصروا على قول وفعل وتقرير النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله).

واستدلّ الشيعة بنوعين من الأدلّة:

1 - الأدلّة الّتي تدلّ على حُجّيّة سُنّتهم بصورةٍ مُستقلِّة.

أ - الكتاب:

استدلّوا بآياتٍ كثيرة أهمّها آية التطهير، والّتي تدلّ على عِصمَتِهم، ومنها على حُجِّيّة أقوالهم، قال تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (311) .

أمّا كيفيّة الاستدلال: فما وَرَدَ فيها من أداةِ حَصْر، وأنّ المُراد من الإرادة هنا هي الإرادة التكوينيّة، واستحالة تَخلّف المُراد بالنسبة إليه تعالى..

ب - السُنّة:

ومن أقوى الأدلّة على ذلك هو الحديث المُتواتِر بين السُنّة والشيعة، وهو حديث الثَقلَين، ففي رواية أبي سعيد الخدري عن الرسول (ص)، قال: (إنّي أُوشِك أن أُدعَى فأُجِيب، وإنّي تَارِكٌ فِيكُم الثَقَلَين، كتاب الله وعِتْرَتِي، كِتاب الله حَبْلٌ مَمَدُود مِن السَمَاءِ إلى الأرْضِ، وَعِتْرَتي أهلُ بَيْتي، وإنّ اللَطيفَ الخبيرَ أخبَرني أنَهما لَنْ يَفتَرِقا حتّى يَرِدا عَليَّ الحَوضَ، فانْظُرُوا كَيفَ تَخلُفُوني فيهما) (312) .


2 - الأدلّة الّتي تدلّ على كونِهم واسِطة إلى سُنّة النبي:

أ - عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (حَديثِي حَديثُ أبي، وحَديثُ أبي حَديثُ جَدِّي، وحَديثُ جَدِّي حَديثُ الحسن، و... وحديثُ أمير المؤمنين حَديثُ رسولِ الله‏ (صلّى الله عليه وآله) ، وحَديثُ رسولِ الله ‏ (صلّى الله عليه وآله) قولُ الله (عَزَّ وَجَلَّ) ).

ب - عن يونس بن عبد الرحمان، عن هِشام بن الحَكم - في حديثٍ طويل نقتصرُ على مَوضع الحَاجة -، أنّه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (لا تَقْبَلوا علينا حَديثاً إلاّ ما وافقَ القرآن والسُنّة... فإنّا إذا حَدَّثْنا قُلنا: قال الله (عزّ وجلّ) ، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ).

وغيرها من الأحاديث.

والفرق بين المجموعة الأُولى من الأدلّة والثانية، أنّ الثانية تُثبِتْ حُجّيّة أقوالهم وسُنّتهم بما هُم رُواة مُوَثَّقون، وطريق إلى سُنّة النبي، على عكس الأدلّة الأُولى، فهي تُثبِت حُجِّية سُنّتهم بصورةٍ مُستقلّة (313) .

المبحث الثالث: أدلّة القاعدة

استُدِلَّ على هذه القاعدة بالقُرآن والسُنّة والإجماع، والأحاديث على طائفتين:

الطائفة الأُولى:

ما يَدلّ صراحة على رَدِّ كلّ حديث يُخالِف السُنّة، وهي:

1 - عن ابن أبي يَعفور، قال: ( سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث، يَرويه مَن نَثِق به، ومنهم مَن لا نَثِق به؟ قال: إذا وردَ عليكم حَديث فوَجدتُم له شاهِداً من كتاب الله، أو من قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وإلاّ فالّذي جاءَكم به أولَى به) (314) .

2 - عن أبي جعفر (عليه السلام) في مُناظَرته مع يَحيى بن أكثر، أنّه قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حُجّة الوَداع: قد كَثُرتْ عليَّ الكذَّابَة وستَكْثُر، فمَن كَذبَ عليَّ مُتعمّداً فليَتَبَوّأ مَقعدَه من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله وسُنَّتي، فمَن وافَق كتاب الله


وسُنّتي فخُذوا به، وما خالَفَ كتاب الله وسُنّتي فلا تأخُذوا به) (315) .

3 - روى سدير عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، أنّهما قالا: (لا تُصدِّق علينا إلاّ بما يُوافِق كتاب الله وسُنّة نَبِيّه) (316) .

4 - روى الكُليني بسَنده عن أيّوب بن الحُرّ، قال: ( سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) أنّه يقول: كُلّ شي‏ء مَردود إلى الكتاب والسُنّة، وكُلّ حديث لا يوافِق كتاب الله فهو زُخرُف) (317) .

5 - عن هِشام بن الحَكم، أنّه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (لا تَقْبَلوا علينا حَديثاً إلاّ وافَق الكتاب والسُنّة، أو تَجِدون معه شاهِداً من أحادِيثنا المُتقدِّمَة) (318) .

6 - روى الخطيب البغدادي عن أبي هُريرة، أنّ النبيّ (ص) قال: (سَيأتيكُم عنّي أحاديث مُخْتَلَقَة، فما جاءَكم مُوافِقاً لكتاب الله وسُنّتي فهو منّي، وما جاءَكم مُخالِفاً لكتابِ الله وسُنّتي فليس منّي) (319) .

إلى غيرها من الأحاديث.

وهناك طائفة من الأحاديث الّتي يُمكِن أن يُستَدَلّ بها، والواردة عن أهل البيت‏ (عليهم السلام) الّتي تَنصّ على أنّ كُلّ حديثٍ لا يُشبِه أحاديثهم فهو باطِل.

الطائفة الثانية من الأخبار:

ما يدلّ على التَمسّك بالسُنّة، حيث يَقتَضِي رَدّ كلّ ما يُخالِفها، وهي:

1 - روى الكُليني بسَنده عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: (إنّ أفضلَ الأعمال عند الله ما عمل بالسُنّة وإن قلَّ) (320) .

2 - عن زُرارَة بن أعيُن، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (كُلّ مَن تعَدّى السُنّة رُدَّ إلى السُنّة) (321) .

إلى غيرها من الأحاديث الكثيرة الّتي تدلّ على التَمسّك بسُنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والّتي تدلّ بصورة

غير مباشرة برَدِّ الأحاديث الّتي تُخالِفها.


الإجماع.

أجمعَ المسلمون كافّة على ردَِ الأحاديث الّتي تُخالِف سُنّة الرسول (صلّى الله عليه وآله) مُخالَفة صريحة، وهذا مّما لا خلاف فيه، قال الشيخ المُفيد: (أمّا إجماع الأُمّة، فإنّهم مُطبِقون على أنّ كلّ ما خالَف الكتاب والسُنّة فهو باطِل) (322) .

وقال السيّد الطباطبائي: (وبالجملة، لا مُوجِب لطَرحِ رواية أو روايات، إلاّ إذا خالَفتْ الكتاب والسُنّة القَطعيّة) (323) .

المبحث الرابع: حُدود القاعِدة

لكي نَحكم على الحديث بمُخالَفته للسُنّة، لابُدّ من تَحقّق شَرطَين رئيسيَّين، وهما:

1 - لابُدّ من أن يكون الكاشِف عن السُنّة إمّا الخبر المُتواتر، أو الإجماع على النَقلِ بين الفريقَين.

ولتَحقيق الكلام هنا، نقول: إنّ السُنّة - كما جاءَ في التعريف - هي نفس قول وفعل وتقرير المَعصوم، فلا يُوجَد غير قِسمٍ واحد منها فقط، وهو الصحيح، فلابُدَّ أن يكون الكاشِف عنها إمّا شي‏ء قَطعِي أو قريب من القَطعِي، وذلك لسَبَبَين:

1 - لأنّ أحاديث العَرْضِ صَرَّحتْ بعرضِ الحديث على السُنّة، والسُنّة أمر قطعي، فلابُدَّ أن يكون الكاشِف عنها أمراً قطعيّاً أيضاً.

2 - لكي يكون الشي‏ء مِقياساً ومِعياراً، لابُدَّ من تَوفّر عنصر القَطعِ فيه، حتّى يُمكِن رَدّ أو قبول الأحاديث في ضوءه، وأمّا إذا كان ظنّيّاً فلا يُمكن جعله مِعياراً؛ إذ لا يُمكن ترجيح ظَنّ به ظَنّ آخر.

والآن نأتي إلى مُفرَدات الكَشفِ عن السُنّة، والّتي يمكن أن تكون:

1 - الأخبار المُتواتِرة.

2 - أخبار الآحادِ المَحفوفَة بالقرائِن.


3 - الإجماع على النَقْلِ بين الفَريقَين.

4 - خَبَر الواحِد المُجَرَّد عن القَرينة.

أمّا بالنسبة إلى الثلاثة الأُولى، فلاشكَّ ولا رَيب في كونِها كاشِفة عن السُنّة كَشْفاً قَطْعِيّاً، أو على الأقلِّ حصول الاطمِئنان بكونِها هي السُنَّة.

وإنّما الخِلاف في وجودِ أخبار الآحاد المَحفوفَة بالقرائِن، فقد قال بعضُهم بعَدَمِ وجودِ أخبارٍ مَحفوفَة بالقرائِن في أخبارنا (فأخبارنا اليوم كلّها ظنّيّة، إلاّ ما نَدَرْ، ومُخالَفة الإخباريّين في ذلك ودعواهم قَطْعيَّتها فاسدة) (324) .

أمّا بالنسبةِ إلى أخبارِ الآحاد، فيُمكن تقسيمها إلى قِسمَين:

أ - الخبر الواحد الّذي لا يَصل إلى درجةِ الاستفاضة.

ب - الخبر الواحد المُستَفِيض.

أمّا بالنسبة إلى الأوّل، فيُمكن اعتباره كاشِفاً عن السُنّة كشفَاً ظنَيّاً، وحُجّة في مَقام العَمل بالأحكام - كما حُقِّقَ في مَحلِّه - إمّا باعتباره قاعِدة في تَميِيز الخَبرِ الصحيح من غيره، وميزاناً تُوزَن به الأخبار فلا؛ لأنّه ظنّ، ولا يُمكن ترجيح ظنٍّ على ظنٍّ آخر.

ثُم إنّه خارج من دائرة أخبار العرضِ على السُنّة، باعتبار أنّ الظاهرَ والقَدر المُتيقّن منها هو السُنّة المَقطوع بها، والّتي يُمكن الكَشف عنها بالأخبار المُتواترة، والإجماع على الرواية الصادرة من المَعصوم من الفريقَين.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّه يُمكن الاسْتِينَاس بقول أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن عبّاس - عندما بعثه إلى الخوارج للاحتجاج عليهم -، قال له: (لا تُحاجِجْهُم بالقرآن، فإنّه حَمّال ذو وُجوه، ولكنْ حَاجِجْهُم بالسُنّة، فإنّهم لَن يَجدوا عنها مَحيصاً) (325) .

فالسُنّة هنا أمرٌ ثابِتٌ مُجمَع عليه يُمكن الاحتجاج به، بحيث إنّهم لا يملِكون الحُجّة للرَدِّ، ولو كان أمراً مُختَلَفاً فيه لما أمكن إفحامهم بها.


أمّا بالنسبة إلى النوع الثاني من أخبار الآحاد، وهي الأخبار المُسْتَفِيضَة، فقد أفرَدْناها بالبحث؛ لأنّ الكثيرَ من الّذين كَتَبوا في هذا الموضوع اعتبروا الأخبار المُستفيضَة قاعِدة، يُمكن رَدّ أو قبول الأخبار في ضوئِها.

وقبل أن نتكلَّم عن هذا الأمر، لابُدَّ من تعريف الخبر المُستَفِيض.

وهو: الخَبَرُ الّذي تَكثُر رُواته في كلّ مَرتبة عن ثلاثة، وعن بعضِهم أنّه ما زادتْ عن اثنين (326) .

ولا شكّ أنّه من أخبار الآحاد ولا يفيد إلاّ الظنّ. نعم، يُمكن أن يرتفع إلى درجة العِلم بضَميمَة القرائِن الداخليّة والخارجيّة، ولكن الكلام في نوعيّة هذه القرينةِ وتحقّقها خارِجاً.

فالمُتحصِّل: أنّه لا يُمكن اعتبار الاستفاضة مِقياساً لرَدِّ الأخبار؛ لأنّها لا تخرج عن حَيِّز الظنِّ كما قُلنا.

أمّا الإجماع بين الفريقَين على الحديث ونَقْلِه، فإنّه يُحقِّق كِلا الأمرين، بالنسبة إلى درجة الاطمئنان والكشفِ عن السُنّة، بالإضافة إلى كونه مبنىً مُشتَرَك لنقدِ الأخبار.

وهناك نقطة جديرة بالذِكر، وهي أنّه ليس بالضرورة أن تكون السُنّة قولاً أو فعلاً أو تقريراً، بل قد يكون هناك خبراً مَنقولاً عن الرسول، قام الإجماع بين الفريقَين بأنّه لم يَرِدْ في السُنّة ولم يَفعله الرسول، فإنّه يَنطبِق عليه بأنّه مُخالِف للسُنّة، أي نقول: إنّ هذا ليس من سُنّة الرسول.

2 - الشرط الثاني الّذي لابُدّ من تَوفُّره - للحُكمِ على الحديث بالرَدِّ - وهو: عدم إمكانيّة الجَمعِ بينهما بدون تَكَلُّف ولا تَعَسّف، سواء كان جَمْعاً عُرْفِيّاً أم مِن خلال الحَمل على اختلاف الأحوال والأزمان.

خلاصة وتقويم.

تبيَّن من خلال هذا العَرضِ السريع، أنّ هذا المِقياس هو مّما أجمع عليه المسلمين ووردتْ فيه الأخبار، وإن اختلفَ علماء الحديث في تفاصيل هذا المقياس.

وتَوَصَّلنا


إلى أنّ المقصود من السُنّة هي: السيرة المَسنُونَة لرسول الله، وتشمل أفعاله وأقواله وتقريراته، المَكشوفة من خلال إجماع المسلمين أو تواتر الأخبار، وأنّ الأخبار الّتي تُخالِف الخبر المُجمَع عليه بين الفَريقَين أو المتواتر، فإنها تُعتبر مُخالِفة للسُنّة، وكذلك يُرَدّ الخبر الّذي يتَحقّق الإجماع بين الفريقين بأنّه لم يفعله الرسول أو لم يَقُله، فإنّه ينطبق عليه بأنّه مُخالِف للسُنّة.

المَبحث الخامس: الروايات المُخالِفة للسُنّة

1 - روايات الاستخارة بالرِقَاعِ، والبَنَادِقِ، والحَصَى.

وردت روايات كثيرة في كيفيّة الاستخارة، منها: الاستخارة بالرِقاع، بالبَنادِق، بالحَصى والسُبحَة، نذكر منها على نحو الإجمال:

روى الكُليني بسَنده عن أبي عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، أنّه قال: (إذا أرَدْتَ أمراً فخُذ سِتّ رِقاع، فاكتبْ في ثلاثٍ منها: بسم الله الرحمن الرحيم، خِيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة (افْعَلْ)، وفي ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم، خِيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة، (لا تَفْعَلْ).

ثُمَّ ضَعها تحت مُصلاّك، ثُمَّ صَلِّ ركعتين، فإذا فَرغت فاسجدْ، وقُل فيها مئة مرّة: أستَخيرُ الله برحمَته خِيرة في عافية، ثُمَّ استَوِ جالِساً وقُل: اللّهمّ خِرْ لي واخترْ لي في جميع أموري، في يُسرٍ مِنك وعافية، ثُمَّ استوِ جالِساً وقُلْ: اللّهمّ خِر لي واختر لي في جميع أموري، في يسر منك وعافية، ثُمَّ اضربْ بيَدِك إلى الرِقاع فَشَوِّشْها وأخرجْ واحدة واحدة.

فإن خرجَ ثلاث متواليات (افعل) افعل الأمر الّذي تُريده، وإن خرجَ ثلاث متواليات (لا تفعل) فلا تفعله، وإن خرجت واحدة (افعل) وواحدة (لا تفعل)، فأخرجْ من الرِقاع إلى خَمسٍ، فانظر أكثرها فاعمل به ودَع السادسة لا تحتاج إليها) (327) .

وفي رواية أُخرى - فيما تُسمَّى الاستخارة المُصَرَّيَة - عن مولانا الحُجّة صاحب


الزمان (عليه السلام): (يُكتَب في رقعتين (خِيرة من الله ورسولِه لفلان بن فلانة)، ويكتب في إحداهما (افعل) وفي الأُخرى (لا تفعل)، ويُترَك في بُندُقَتَين من طين ويُرمَى في قَدحٍ فيه ماء، ثُمّ تَتَطَهَّر وتُصلِّي ركعتين وتَدعُو عقيبها... ثُمَّ تَسجد سَجدةً تقول فيها: (أستخير الله خِيرة في عافِية، مئة مرّة، ثُمَّ ترفع رأسك وتُفَرقِع البَنادِق، فإذا خَرَجَتْ الرُقعة من الماء، فاعمل بمُقتضاها إن شاء الله تعالى) (328) .

إلى غيرها من الروايات في هذا الباب.

وقد حَكَمَ بعضُ العلماء بشذوذِ هذه الروايات، قال الشيخ المُفيد - بعد أن أورد الاستخارة بالرقاع -: (وهذه الرواية شاذَّة، ليستْ كالّذي تقدَّم، لكنّا أوردناها للرُخصَة، دون تحقيق العمل به) (329) .

والمقصود أنّها لا تُشِبه الروايات الوارِدة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام)، والواردة عن طريق الفَريقَين في كيفيّة الخِيرة، وهي الصلاة ركعَتين ثُمَّ الدعاء بالمَأثور.

روى البُخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِه) يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ...) (330) .

وقد نُقِلَ ما يُشبِه هذا الحديث عن طريق رواياتِنا، قال صاحب البحار: (وقد ورد في العمل بها [ الاستخارة ] وُجوه مُختلِفة، من أحسنها أن تَغتَسِل ثُمَّ تُصلِّي ركعتين، تَقرأ فيهما ما أحبَبْت، فإذا فَرغت منهما قُلْت: (اللّهمّ إنّي أستخيرك لعِلمك...) (331) ، وقد ساقَ


الدُعاء.

وهي روايات كثيرة منقولة عن الفريقَين (وهذه الروايات كثيرة، وهي مَشهورة بين العامّة والخاصّة) (332) .

أمّا الروايات الأُخرى، فهي ضعيفة ولم ينقلها أحد من العلماء السابقين، ومُخالِفة لِما نُقلَ عن الفريقَين (فأمّا الرِقاع والبَنادِق والقُرعَة، فمِن أضعَفِ أخبار الآحاد، وشواذّ الأخبار؛ لأنّ رُواتها فَطَحيَّة مَلعونُون مثل: زرعة، ورفاعة، وغيرهما، فلا يُلتَفتْ إلى ما اختَصّا بروايَته، ولا يُعرَّج عليه.

والمُحصّلون من أصحابِنا ما يَختارون في كُتبِ الفقهِ إلاّ ما اخترناه، ولا يَذكرون البَنادِق، والرِقاع، والقُرعة إلاّ في كُتبِ العبادات، دون كُتبِ الفِقهِ.

فشيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) لم يذكر في نهايته ومَبسوطِه واقتِصادِه، إلاّ ما ذكرناه واخترناه، ولم يَتَعرَّض للبَنادِق، وكذلك شيخنا المُفيد - في رسالَتِه إلى وَلَدِه - لم يَتَعَرَّض للرِقاع ولا للبَنادِق (333) .

والظاهر أنّ هذه الأخبار مُخالِفة لسُنَنِ الرسول (صلّى الله عليه وآله) - طِبْقاً لرأي هؤلاءِ الأعلام - فلم يَرِدْ عنه في كتب السيرة والسُنَنِ والتاريخ، أو عن الأئمّة (عليهم السلام)، أنّه كان يعمل بالرِقاعِ والسُبحَةِ والبَنادِق،وما شابه ذلك، والأخبار المَنقولة عن الأئمّة (عليهم السلام) في هذا الأمر هي أخبارٌ شَاذَّة ضعيفة، بقولِ الشيخ المُفيد وغيره، وهي مُتأخِّرة لم ينقلها المُتقدِّمون من عُلمائنا، وتُخالِف الصحيح الوارِد عن الفَريقين.

2 - الروايات الوارِدة في نُحُوسَة الأيّام والأشياء.

وَرَدَتْ روايات كثيرة تَدلّ على نُحُوسَة بعض الأيّام والشهور والأشياء، والتَطَيُّر منها، وأكثرها ضعيفة (وهي رواياتٌ بالِغةٌ في الكَثرة، مُودَعة في جوامِع الحديث، أكثرها ضِعاف من مَراسِيل ومَرفوعات، وإنْ كان فيها ما لا يَخلو من اعتبار من حيث إسنادِها) (334) .

وهذه الروايات مُخالِفَة للقرآن والسُنّة النبويّة الّتي تَنهي عن التَطيُّر


والتَشاؤم، والتَوكُّل على الله وَحده في هذه الأمور، فمن هذه الروايات:

عن الرضا (عليه السلام)، عن آبائِه (‏عليهم السلام)، قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): آخر أربعاء في الشهر يوم نَحْسٍ مُستمر) (335) .

وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (قال علي (عليه السلام): ينبغي أن يُتَوَقَّى النَورة يوم الأربعاء؛ فإنّه يوم نَحْس مُستمر) (336) .

وعن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: (الشُؤم للمُسافِر في طريقه خَمْسَة: الغُراب الناعِق عن يَمينِه، الناشِز لذنبه، والذِئب العاوِي الّذي يَعوِي في وجهِ الرجل وهو مُقع على ذَنَبه، يعوي ثُمّ يرتفع ثُمّ يَنخَفِض ثلاثاً، والظَبي السَانِح من يمين إلى شمال، والبُومَة الصَارِخة، والمَرأة الشَمطاء تَلْقِي فَرجها، والأتان العَضْباء - يعني: الجَدعَاء - فمَن أوجَسَ في نفسه مِنهنَّ شيئاً، فليَقُل: اعتصمتُ بك يا ربّ من شرِّ ما أجد في نفسي، فاعصمْني من ذلك، قال: فيُعصَم من ذلك) (337) .

وغيرها من الروايات الّتي تَصبّ في نفس المعنى، والّتي تُؤكِّد على وجود شُؤم ونَحْسٍ في ذات الأيّام والأشياء، وهو نوع من التطيُّر المَنهي عنه والّذي يُخالِف السُنّة النبويّة الشريفة، والّتي تُؤكّدها الروايات الكثيرة الواردة عن الفريقين، فمنها مثلا:

كتبَ بعضُ البغداديِّين إلى أبي الحسن الثاني (عليه السلام)، يسأله عن الخروج يوم الأربعاء لا يَدور، فكتبَ (عليه السلام): (مَن خرجَ يوم الأربعاء لا يدور، خِلافاً على أهل الطِيَرَة وُقِيَ من كلِّ آفة، وعُوفِي من كلِّ عاهَة، وقَضَى اللهُ له حاجته) (338) .

وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا طِيَرَة) (339) .

وروى التَرمذي بسَنده عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أنه قال: (الطِيَرَة من الشرك وما منّا، ولكنّ الله يُذهبه بالتوكّل) (340) .

وغيرها من الأحاديث الّتي تَنفي التَطيِّر وتأمر بالتوكّل على الله


سبحانه وتعالى، فقد أجاب أمير المؤمنين (عليه السلام) لمَن قال له عند مسيره إلى الخوارج: ( إن سرتَ يا أمير المؤمنين في هذا الوقت خشيتُ أن لا تظفر بمَرامِك - عن طريقِ علم النجوم -، فقال: أتَزعُم أنّك تُهدِي إلى الساعة الّتي مَن سار فيها صُرِفَ عنه السوء؟ وتُخوِّف مِن الساعة الّتي مَن سار فيها حاقَّ به الضرّ؟ فمَن صدَّقك فقد كذَّب القرآن، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المَحبوب ودَفع المَكروه) (341) .

وأمّا ما يظهر من بعض الآيات في وجود نَحْسٍ في بعض الأيّام، فليس المقصود به النَحْس الذاتي، بل إنّ نُحوستها إنّما جاءَت لاقترانها ببعض الحوادث المَشؤومة، كما صرَّح بذلك العلاّمة، حيث قال في التعليق على الآية (26) من سورة السَجدة: (لكن لا يظهر من سِياق القصّة ودلالَة الآيتين، أزيد من كون النُحُوسة والشُؤم خاصّة بنفس الزمان الّذي كانت تَهبّ عليهم فيه الريح عذاباً، وهو سبع ليالِ وثمانية أيّام مُتوالِية، يستمرّ عليهم فيها العذاب من غير أن تَدور بدَوران الأسابيع، وهو ظاهر وإلاّ كان جميع الزمان نحوساً) (342) .

وفي الختام قال السيّد الطباطبائي: (فتبيَّن مّما تقدَّم على طوله، أنّ الأخبار الواردة في سَخاوَة الأيّام ونُحوسَتها، لا تدلّ على أزيد من ابتنائهما على حوادث مُرتَبطة بالدِّين، تُوجِب حُسناً وقبحاً بحسب الذوق الدِّيني، أو بحسب تأثير النفوس.

وأمّا اتّصاف اليوم أو أيّ قطعة من الزمان بصفة المَيمَنه أو المَشأمه، واختصاصه بخواصّ تكوينيّة عن علَل وأسباب طبيعيّة تكوينيّة فلا، وما كان من الأخبار ظاهراً في خِلافِ ذلك، فإمّا مَحمول على التقيّة أو لا اعتماد عليه) (343) .

3 - الروايات الواردة في نَجاسة الحديد.

روى الطوسي بسَنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل إذا قصَّ أظفاره بالحديد، أو جَزَّ من شعره أو حلق قفاه، فإنّ عليه أن يَمسحه بالماء قبل أن يُصلِّي، سُئِلَ: (فإن صَلَّى ولم


يمسح من ذلك بالماء، قال: ([ يمسح بالماء و ] يُعيد الصلاة، لأنّ الحديد نَجس، وقال: لأنّ الحديد لباس أهل النار والذَهب لباس أهل الجنة) (344) .

وهو خبر مُخالِف للإجماع العامّ، فلم يقل أحد من المسلمين بأنّ الحديد نَجس، قال الشيخ الطوسي: (لأنّه خبر شاذّ مُخالِف للأخبار الكثيرة، وما يجري هذا المَجرى لا يُعمل عليه) (345) .

4 - الروايات الواردة في الرَضاع.

ورُوى أيضاً عن زُرارَة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (قال: سألتُه عن الرَضاع، فقال: لا يحرم الرَضاع إلاّ ما ارتَضَعا من ثديٍ واحد حولَين كاملين) (346) .

وعن العلاء بن رزين، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (سألتُه عن الرَضاع فقال: لا يحرم من الرَضاع إلاّ ما ارتضعَ من ثديٍ واحد سنة) (347) .

فمثل هذه الأخبار مُخالِفة لإجماع المسلمين والروايات المتواترة، قال الشيخ الطوسي في الحديث الأخير: (فهذا الخبر نادر مُخالِف للأحاديث كلّها، وما كان هذا سبيله لا يعترض به الأخبار الكثيرة) (348) .

5 - الروايات الوارِدة في تحريمِ أو كراهة الخِضاب بالسَواد.

عن ابن عبّاس قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يكون قوم يَخْضِبُون في آخر الزمان كحَواصِل الحمام، لا يَريحُون رائِحة الجنّة) .

وعن أبي الدَرداء قال: (قال رسول الله (ص): مَن خَضَب بالسَواد سوَّد الله وجهه يوم القيامة) (349) .


قال الهَيثَمي: وفيه الوَضين بن عطاء - وثَّقَه أحمد، وابن مُعين، وابن حبّان، وضعََّفه من هو دونهم في المنزلة، وبقيّة رجاله ثُقات (350) -، وقد سَئلَ أحد المُفتِين عن حُكمِ صبغ اللِحيَة بالسواد، فأجاب: (لا يجوز أن يصبغ الرجل لِحيته بالسواد؛ لوُرود الأمر باجتنابه والنهي عن فعله) (351) .

ومثل هذه تُخالِف ما وردَ عن الرسول‏ (صلّى الله عليه وآله) من الأحاديث المُتَّفق عليها بين الفَريقَين.

روى ابن ماجة بسَنده عن طريق صُهيب، عن رسول الله (ص)، أنّه قال: (إنّ أحسن ما اختَضَبْتُم به لهذا السواد، أرْغَب لنسائِكم فيكم، وأهْيَب لكم في صدور عَدوِّكم) (352) .

وكذلك روى الهَيثمي أنّ الحسن والحسين ابني فاطمة يَخضِبان بالسَواد (353) .

وعن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: (دخل قوم على الحُسين بن علي (عليه السلام) فرَأوه مُختَضِباً بالسواد، فسألوه عن ذلك، فمَدَّ يَدَه إلى لحيته، ثُمَّ قال: أمَر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غُزاةٍ غَزاها أن يَختَضِبوا بالسواد ليَقووا به على المُشرِكين) (354) .

6 - روايات بيع التَمر مّمن يَجعله خَمراً.

وردتْ روايات تدلّ على جواز بيع التمر مّمن يجعله خمراً، وقد فعل ذلك الأئمّة (عليهم السلام)، منها:

عن رفاعة بن موسى، قال: (سُئل أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر، عن بيع العَصير مّمن يُخمِّره، قال: حلال، ألسنا نَبيع تَمرنا مّمن يجعله شراباً خبيثاً) .

وهذه الرواية مُخالِفة للروايات الكثيرة الّتي وردتْ في تحريم الخمر ونجاسته، بل وتحريم حتّى مُعتصرها وبائعها ومُشتريها (355) .


قال الإمام الخُميني في التعليق على هذه الروايات: (إنّ العمل بمِثل تلك الروايات جُرأة على المَولى؛ لمُخالَفة مَضمونها للكتاب والسُنّة) (356) .

ولكن مع هذا، يُمكن المُناقَشة في مُخالَفة هذه الرواية للسُنّة؛ لاختلاف الموضوع في كلتا الحالتين، فالموضوع في الرواية الأُولى هو بيع التمر، في حين أنّ الموضوع في الروايات الأُخرى هو الخمر.

نعم، يُمكن رَدّ هذه الأخبار لمُخالَفتها لشأن الأئمّة ومنزلتهم، وإنّ مثل هذه الأعمال لا يُمكن أن تصدر منهم.


الباب الثاني / الفصل الثالث :عَرْضُ الحَدِيثِ على التاريخِ

المبحث الأوّل: مفهوم التاريخ ودليليّته

المبحث الثاني: التاريخ بين الظَنِّ واليَقين

المبحث الثالث: مصاديق الروايات الّتي تُخالِف التاريخ

عَرْضُ الحَدِيثِ على التاريخِ

المبحث الأوّل: مفهوم التاريخ ودليليّته

بدأ التدوين التاريخي للحوادث في بداية القرن الثاني للهجرة، وكان يُطلَق على المُؤرِّخين لقب (الإخباريِّين)، ويُعرَّف التاريخ بأنّه: البحث عن وقائع الزمان من حَيثيَّة التعيين والتوقيت، بل عمّا كان في العالَم (357)، ويمكن تصنيف الكتابة التاريخيّة إلى أشكال مُتنوّعة مثل:

1 - كُتُب السِيَر والمَغازِي.

2 - المَقاتِل والفِتَن والحروب.

3 - التواريخ العموميّة (الأخبار الطِوال - تاريخ اليَعقوبي).

4 - التواريخ المَحلِّيَّة (تاريخ مكّة - تاريخ بُخارى).

5 - الأنْساب (أنساب الأشراف).

6- الطَبَقات (طَبَقات ابن سَعْد).

7 - تاريخ الفِرَق والمَذاهِب، وغيرها من أشكال الكتابة التاريخيّة.

وقد اعتبر كثير من نُقّاد الحديث أنّ التاريخ هو أحد المَعايير المُهمَّة في نقد


الحديث، ويرجع ذلك إلى اعتباره قَرينَة قَطعيَّة على كذب الخبر وترجيح القَطع والاطمئنان على الظنِّ.

وقد استخدم القرآن الكريم هذا المقياس في ردِّ بعض المسائل والدعاوي الكاذبة، فقد وَرَدَ في الروايات أنّ علماء اليهود والنصارى جاؤوا إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، وأخذوا يُجادلونه في إبراهيم‏ (عليه السلام)، فقالت اليهود: إنّه كان يهوديّاً، وادّعى النصارى مثل هذا الادعاء، فنزلتْ الآية: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (358) لتبين كذب هذه الادعاءات (359) ، فقال تعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (360).

وهذا في الحقيقة استناد إلى التاريخ في كذبِ هذه الدعوة، فقد كانت رسالة إبراهيم سابقة على رسالة موسى وعيسى، فكيف يُدين نَبيّ سابق بدِينٍ لاحِق؟!

ملاحظة:

يَفترِق هذا المِعيار عن المِعيار السابق (السُنّة)، فالتاريخ له ماهيّة خاصّة يختلف عن السُنّة؛ لأنّه أعمّ من السُنّة بالمَعنى المنطقي؛ وذلك لأنّ السُنّة هي قول وفعل وتقرير المعصوم (‏عليه السلام)، في حين أنّ التاريخ يشمل السُنّة وغيرها من الوقائع الّتي يُمكن أن تُشكِّل قرينة على كذبِ الخبر.

المبحث الثاني: التاريخ بين الظنِّ واليَقين

تأثَّر منهج المُؤرِّخين في نقل الحوادث التاريخيّة بمَنهجِ المُحدِّثين في بادئ الأمر، فكانوا يذكرون الروايات التاريخيّة مُسنَدة كما هو الحال في تاريخ الطبري (ت 310 هـ)، وكانت مُهمّة المُؤرّخ تنحصر في النقل الصادق للخبر، والتأدية له كما سمع دون إعْمَال النَقْد، وكان يعتقد أنّ التَبِعة لا تقع عليه في هذه الحالة، إنّما تقع على


الراوي الأصلي الّذي سمع الخبر من المصدر الأصلي.

قال الطَبري في مقدّمة تاريخه: (فما يكن في كتابي هذا من خبرٍ ذكرته عن بعض الماضين مّما يستنكره قارئه، أو يَستَبشِعه سامِعه؛ من أجل أنّه لم يُعرَف له وجهاً من الصحّة ولا معنى من الحقيقة، فليُعلَم أنّه لم يأت في ذلك من قِبَلِنا، وإنّما أُوتي من قِبل بعض ناقليه إلينا، وإنّا إنّما أدّينا ذلك على نحو ما أُدّى إلينا) (361) .

فهو يعترف أنّ تاريخه يتضمّن من الحوادث المُستَبشَعة في نظر العقل، ويستنكرها الذَوق السليم، وأنّه إنّما روى ذلك كما سَمِعَه.

وقد نَقَدَ ابن خلدون (ت 808 هـ) مَنهج المُؤرِّخين في نقل الأخبار، فقال: (ولم يُلاحِظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يُراعوها، ولا رفضوا تُرَّهات الأحاديث ولا دفعوها، فالتحقيق قليل، وطُرق التنقيح في الغالب كلَيل، والغَلَط والوَهم نَسيب للأخبار وخليل) (362) .

ثُمَّ دعا إلى مَنهج جديد في نقد الروايات التاريخيّة، سَمَّاه (عِلم العمران)، فقال: (لأنّ الأخبار إذا اعتُمِدَ فيها على النقل، ولم تُحكّم أُصول العادَة وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قِيس الغائِب منها بالشاهِد، والحاضِر بالذاهب، فرُبّما لم يُؤمَن فيها من العثور ومَزلَّة القدم، والحَيد عن جادّة الصِدق) (363) .

فكيف - والحال هذه - يمكن أن يكون التاريخ مِقياساً في رَدِّ الأخبار؟

وكيف نحصل على القطع في النقل التاريخي، وهو لا يرقى إلى رُتبَة روايات الآحاد في إفادَة الظنّ؟

في هذا الجواب على هذا السؤال نقول: إنّه لا مَطمَع لنا في الحصول على الحقيقة التاريخيّة المُطلَقة، وكلّ ما نستطيع الحصول عليه من التاريخ - بعد النقد والتَمحيص - هو الحقيقة النِسبيَّة.

قال أحد الباحثين في هذا المجال: (وينبغي علينا أن نُلاحِظ أنّه ليس المقصود بالحقيقة التاريخيّة الوصول إلى الحقيقة المُطلَقة؛ إذ أنّ هذا الأمر غير مُستطاع لعَوامِل مُختلِفة، مثل ضياع الأدلّة وانطماس الآثار...

فالحقيقة الّتي يصل إليها المُؤرِّخ هي حقيقة صحيحة نسبيّاً، وكلّما زادتْ نِسبة الصدق فيها اقترب التاريخ من


أن يُصبح تاريخاً بالمَعنى الصحيح) (364) .

والآن نأتي على ذكر بعض الطُرقِ للوصول إلى الحقيقة النسبيّة.

طُرق الوصول إلى الحقيقة النسبيّة:

للوصول إلى الرواية التاريخيّة الصحيحة، الّتي تُورِث الاطمئنان ويُمكن اعتبارها مقياساً لردِّ الحديث، هناك بعض الطُرق:

1 - الاعتماد على وَثائق تُعتبَر من الطِراز الأوّل في التَدوين.

وذلك لأنّ المُؤرِّخ يعتمد في تدوينه على نوعَين من الوَثائق (365) :

أ - وثائق الدرجة الأُولى: وهي الوثائق الّتي لم يقصد كاتبوها شهادة التاريخ، ومن هنا يأتي صِدقها، كما هو الحال في المعاملات الرسميّة مثل عقود البيع والشراء، الايجار، والزواج. وذلك بعد إجراء بعض العمليّات النقديّة المعروفة في النقد التاريخي (366) .

ب - وثائق الدرجة الثانية: الّتي يقصد مُؤلِّفوها شهادة التاريخ، مثل مُعظَم كتب التاريخ، ومثل هذه الوثائق تتأثر بكثير من الأسباب الّتي تُقلِّل من قيمتها التاريخيّة.

2 - الإجماع على النَقلِ بين جميع المُؤرِّخين، وعدم وجود أيّ قَرينة على خِلاف هذا النقل.

إنّ الإجماع على النقل بين المُؤرِّخين يُمكن أن يُشكّل مقياساً صحيحاً لردِّ الرواية؛ لأنّ هذا الإجماع لم يأتِ جُزافاً، وإنّما جاء نتيجة لعدَّة عوامل، منها استقراء السيرة النبويّة والأحاديث ومُقارَنتها مع نصوص القرآن، بالإضافة إلى استخدام العقل في ترتيب الحوادث.

كُلّ هذه العوامِل شكَّلتْ إجماعاً عند المُؤرِّخين على نقل هذه


الحادثة، ولو كان هناك قرينة على كذب هذا الإجماع لذكرها بعض المُؤرِّخين، ولذلك يُمكن اعتبار التاريخ مقياساً يُورِث الاطمئنان على صحّة أو كذب الخبر.

المبحث الثالث: الروايات الّتي تُخالِف التاريخ

وردتْ روايات كثيرة تُخالِف ما أجمع عليه المُؤرِّخون أو كادتْ، منها الروايات الّتي تذكر حضور أسماء بنت عُمَيس في زواج فاطمة الزهراء (عليها السلام) وزَفافِها، وفي ولادة الحسن والحسين‏ (عليهما السلام)، وأنّها عاهدتْ خديجة أُمّ السيّدة فاطمة الزهراء عند وفاتها في مكّة أن تقوم مَقامها، إنْ هي بَقَتْ إلى وقت زفاف الزهراء، ونذكر هذه الروايات حسب التسلسل الزمني:

1 - أسماء بنت عُمَيس تُعاهِد خديجة (عليها السلام):

نقلَ صاحِب البحار عن أسماء بنت عُمَيس، قالت: (حضرتُ وفاة خديجة (عليها السلام) فبَكتْ، فقلتُ: أتَبكين وأنتِ سيّدة نساء العالمين، وأنت زوجة النبي (ص)، مُبشَّرة على لسانه بالجنّة؟! فقالت: ما لهذا بكيت، ولكن المرأة ليلة زفافها لابُدَّ لها من امرأة تُفْضِي إليها بسِرِّها، وتستعين بها على حوائِجها، وفاطمة حديثة عهد بصِبَى، وأخاف أن لا يكون لها مَن يتولََّى أمرها حينئذٍ، فقلت: يا سيّدتي لك [ عَلَيَّ ] عهد الله، إنْ بَقِيت إلى ذلك الوقت أن أقوم مَقامك في هذا الأمر (367) .

2 - أسماء تَحضر زواج فاطمة (عليها السلام):

عن أسماء بنت عُمَيس، قالت: (لقد جَهّزتُ فاطمة بنت رسول الله (ص) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وما كان حَشو فَرشِها إلاّ لِيف) (368) .

وعن أسماء بنت عُمَيس، قالت: (كنتُ في زفاف فاطمة بنت رسول الله (ص)، فلمّا أصبحنا جاء النبيُّ إلى الباب فقال: يا أُمَّ أيمن، ادعي لي أخي) (369).


3 - أسماء عند ولادة الحسن والحسين:

عن أسماء بنت عُمَيس، قالتْ: (قَبِلْتُ جَدَّتك فاطمة (عليها السلام) بالحسن والحسين (عليهما السلام)، فلمّا وُلِد الحسن (عليه السلام)، جاء النبي (ص) فقال: يا أسماء، هاتي ابني، فدَفعتُه إليه في خُرقَة صفراء...) (370)

وجميع هذه الروايات تُخالِف الحقائق الّتي تَسالَم عليها المُؤرِّخون، في عدم وجود أسماء بنت عُمَيس في جميع هذه الفَترات، فقد هاجرتْ مع زوجِها جعفر بن أبي طالب إلى الحَبَشة في السنة الخامسة من البعثة النبويّة، ولم ترجع إلى المدينة إلاّ في السنة السادسة من الهجرة، في عام فتح خيبر، وقد وُلِدَ لها من جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) عبد الله، وعوف، ومحمّد (371) .

وهذا ما تَسالَم عليه المُؤرِّخون (وقد كانت هذه الهجرة [ الهجرة إلى الحبشة ] في السَنة الخامسة من البعثة، كما نصَّ عليه عامّة المُؤرِّخون) (372) .

قال ابن حجر: (وهاجرَ إلى الحبشة، فأسلَمَ النَجاشي ومن تبعه على يديه [ جعفر ]، وأقام جعفر عنده، ثُمَّ هاجر منها إلى المدينة، فقدم والنبيّ (ص) بخَيبَر، وكُلّ ذلك مشهور في المَغازي بروايات مُتعدِّدة صحيحة) (373) .

ومن المعلوم أنّ وفاة خديجة (عليها السلام) كان في مكّة، في السنة العاشرة من البعثة، وأنّ زواج فاطمة (عليها السلام) وولادة الحسن والحسين (عليهما السلام) كان في المدينة، كما نصَّ عليه جميع المُؤرِّخون والمُحدِّثون، لم يَشذّ منهم أحد (374) .

قال الكنجي الشافعي: (إنّ ذِكرَ أسماء بنت عُمَيس في خَبرِ تزويج فاطمة (عليها السلام) غير صحيح؛ لأنّ أسماء الّتي حضرتْ في عُرسِ فاطمة إنّما هي بنت يزيد بن السكن الأنصاريّة... وأسماء بنت عُمَيس كانت مع زوجها جعفر بن أبي طالب بالحبشة، وقَدمَ بها يوم فتح خَيبَر، سنة سبع، وكان زواج فاطمة بعد بَدرٍ بأيّام يسيرة) (375) .


4 - نزول آيات من سورة التوبة في حَقِّ ٍٍٍٍٍحَمزة وعليّ وجعفر (عليهم السلام):

روى الكُليني بسَنده عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله (عزّ وجلّ): ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) : (نزلتْ في حمزة وعلي‏ (عليه السلام) وجعفر والعبّاس وشَيبة، إنّهم فَخروا بالسِقاية والحِجابَة، فأنزل اللهُ (عزَّ ذكره) ( أجعلتم سقاية الحاج... ) ، وكان علي (عليه السلام)، وحمزة وجعفر هُم الّذين آمنوا بالله واليوم الآخر، وجاهدوا في سبيل الله، لا يَستَوون عند الله) (376) .

وهذه الرواية تُواجِه عدّة إشكالات، منها أنّ سورة التوبة مَدنيّة، بل إنّ بعضهم قال: هي آخر ما نزلت على النبي (صلّى الله عليه وآله) بالمدينة (377) .

وأنّ علي (عليه السلام)، وجعفر (عليه السلام)، وحمزة (عليه السلام)، لا يُمكن أن يجتمعوا في آن واحد؛ لأنّ جعفر (عليه السلام) هاجر إلى الحَبشة قَبل هِجرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ثُمَّ رجعَ إلى المدينة أيّام فتح خيبر - كما قُلنا سابقاً -، وقد استُشهد حمزة قبل ذلك بمُدَّة في معركة أُحُد - كما هو معلوم -.

فالرواية لا تَتَّفِق مع المُسلَّمات التاريخيّة.

قال العلاّمة الطباطبائي في التعليق على هذه الرواية: (والرواية لا تُلائم ما يُثبِته النَقل القطعي، فقد كان حمزة من المهاجرين الأوّلين، لَحِقَ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثُمّ استُشهد فى غزوة أُحُد، في السنة الثالثة من الهجرة.

وقد كان جعفر هاجر إلى الحبشة قَبل هجرة النبي‏ (صلّى الله عليه وآله)، ثُمّ رجعَ إلى المدينة أيّام فتح خيبر، وقد استُشهد حمزة قبل ذلك بمُدّة.

فلو كان من الخَمسة اجتماع على التَفاخر، فقد كان قبل الهجرة النبويّة) (378) .

5 - رواية المِسْوَر عن الرسول (ص) مُباشرة:

عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، أنّه سمع رسول الله (ص) على المنبر وهو يقول: (إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنَتهم عليّ بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثُمَّ لا آذن لهم، إلاّ أن يُحِبّ ابن أبي طالب أن يُطلِّقَ ابنتي وينكح ابنتهم، فإنّما ابنتي بضعة منّي، يُريبُني


ما رابَها، ويُؤذيني ما آذاها) (379) .

وقريب منه في كتاب البُخاري، وزاد فيه (سمعتُ رسولَ الله وأنا مُحتلِم) (380) .

وهذه الرواية بهذا السَند لا يُمكن القبول بها؛ لأنّها واردة عن المِسوَر بن مَخرَمَة بلفظِ (سمعتُ)، وهذا يدلّ على أنّه سمعها من الرسول (صلّى الله عليه وآله) مباشرة، وليس عن طريق أحد الصحابة، في حين أنّ المِسوَر بن مَخرَمَة لم يتجاوز السابعة من العمر، كما نصَّ عليه أصحاب السِيَر والتواريخ، قال ابن حجر في هذه الأحاديث: (وهو مُشكل المَأخَذ؛ لأنّ المُؤرِّخين لم يختلفوا أنّ مَولِده كان بعد الهجرة، وقضيّة خطبة عليّ كانت بعد مَولد المِسوَر بنَحوِ ستِّ سنين أو سبع سنين، فكيف يُسمّى مُحتَلِماً؟!) (381) .

6 - سَعد بن مُعاذ وغَزْوَة تَبُوك:

عن أنس بن مالك، قال: (أقبل رسول الله (ص) من غزوة تَبُوك فاستقبَله سَعد بن مُعاذ الأنصاري، فصافحه النبي (ص) ثُمّ قال له: ما هذا الّذي أكْتَبت يداك؟ فقال: يا رسول الله، أضرب بالمَرو المِسحاة فأُنفِقه على عيالي، قال: فقبَّل النبي (ص) يَدَه وقال: هذه يَدٌ لا تَمسّها النار أبداً) .

وهذا الخبر مُخالِف لما تَسالَم عليه أهل السِيَر والمُؤرِّخون؛ لأنّ سَعد بن مُعاذ تُوفّي سنة خمس من الهجرة، وغزوة تَبوك كانت في السنة التاسعة للهجرة.

فقد ورد في كيفيّة وفاته (سَعد بن مُعاذ الأنصاري، سيّد الأوس... شَهدَ بدراً باتّفاق، ورُمِيَ بسهمٍ يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهراً، حتّى حكم في بني قُريضَة، وأُجيبت دعوته في ذلك، ثُمّ انتقضَ جُرحه، فمات... وذلك سنة خمس) (382) .


7 - مُخاطَبة الرسول لأزواجه في السنة الثالثة من الهجرة:

روى السيوطي عن أبي أمامة، قال: (لمّا نزلتْ: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (383) ، جمعَ رسول الله (ص) بني هاشم فأجلَسهم على الباب، وجمع نساءَه وأهله فأجلسهم في البيت، ثم اطّلع عليهم فقال: يا بني هاشم، اشتروا أنفسكم من النار، واسعوا في فَكاكِ رقابكم أو افتكوها بأنفسكم من الله، فإنّي لا أملك لكم من الله شيئاً، ثُمّ أقبل على أهل بيته فقال: يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عُمر، ويا أُمّ سَلَمَه، ويا فاطمة بنت محمّد، ويا أُمّ الزبير عَمّة رسول الله، اشتروا أنفسكم من الله، واسعوا في فكاك رقابكم، فإنّي لا أملك لكم من الله شيئاً ولا أُغني، فبكتْ عائشة رضي الله عنها وقالت:...) (384) .

وقد اتّفق جميع المُفسّرين والمُؤرّخين على أنّ هذه الآية مَكّية، نزلتْ في السنة الثالثة أو الرابعة من البعثة النبويّة المُبارَكة، وذلك بعد انتهاء الفترة السرّيّة وبداية الفترة العلنيّة من الدعوة. (ثُمّ أنّ الله تعالى أمر النبي (ص) بعد مَبعثه بثلاث سنين أن يَصدع بما يُؤمَر، وكان قَبل ذلك في السِنين الثلاثِ مُستَتِراً بدعوته، لا يُظهرها إلاّ لمَن يَثِق به... قال ابن عبّاس: ( لمّا نزلت: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) خرجَ رسول الله (ص)، فصعدَ على الصفا فَهَتفَ: يا صباحاه! فاجتمعوا إليه...) ) (385) .

وفي رواية أُخرى عن علي‏ (عليه السلام)، قال: (لمّا نزلتْ: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ، دعاني النبي (ص) فقال: يا علي، إنّ الله أمرني أن أُنذر عشيرتي الأقربين، فضِقتُ ذرعاً وعلمتُ أنّي متى أُبادرهم بهذا الأمر أرَ منهم ما أكره...) (386) .

والّذي يظهر من الرواية أنّ أُمّ سَلَمَه، حفصة، عائشة، كُنَّ من أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في


ذلك الوقت، في حين أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) تزوَّج أُمَّ سَلَمَه وحفصة في المدينة، بعد الهجرة (387) .

وقد ذكر ابن جرير رواية أُخرى في سبب نزول هذه الآية، عن أبي هُريرة، ولم يذكر فيها فاطمة (عليها السلام)، ولا حفصة ولا عائشة ولا أُمّ سَلَمَه (388) .

ولهذا فإنّ الرواية تُواجِه عِدّة إشكالات، فكيف يُمكن أن يُخاطب النبي (ص) عائشة وهي لم تولَد بعد؟! لأنّ عائشة وُلِدَتْ بعد المَبعث بأربع أو خمس سنين (389) .

8 - ابن مَسعود في مَعركة صِفِّين:

عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: (سمعتُ أبا نُعيم، وذكر المُعَلَّى بن عرفان، فقال، قال: حدَّثنا أبو وائل، قال: خرج علينا ابن مسعود بصفين فقال أبو نُعيم: أتراه بُعِثَ بعد الموت) (390) .

وقد علّق النوَوي، فقال: (معنى الكلام أنّ المُعلّى كذب على أبي وائل في قوله هذا؛ لأنّ ابن مسعود (رض) تُوفّي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين... وصِفِّين كانت في خلافة علي (رَضيَ الله عنه)، بعد ذلك بسَنَتَين، فلا يكون ابن مَسعود (رضيَ الله عنه) خرجَ عليهم بصِفِّين، إلاّ أن يكون بُعثَ بعد الموت، وقد علمتم أنّه لم يُبعَثْ بعد الموت... فتعيَّن أن يكون الكذب من المُعلَّى بن عرفان، مع ما عُرِفَ من ضَعفه) (391) .

9 - خروج النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى مَشاهِده:

عن شَهْر بن حَوشَب، قال: (قال لي الحجّاج، وسألني عن خروج النبي (ص) إلى مشاهِده، فقلت: شهد رسول الله (ص) بدر في ثلاثمئة وثلاثة عشر، وشهد أُحُداً في ستّمئة، وشهد الخندق في تسعمئة، فقال: ممَّن؟ قلتُ: عن جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فقال: ضلَّ والله مَن سلك غير سبيله) (392).


وهذا الحديث مُخالِف للتاريخ؛ لأنّ الّذي يظهر من الرواية أنّ الراوي يُحدِّث عن الإمام في حال إمامته، وكانت إمامته (عليه السلام) سَنة أربع عشرة ومئة (393) ، وولادته سنة ثلاث وثمانين من الهجرة (394)، وقد تُوفي شَهر بن حَوشَب سنة مئة (395) ، وهلك الحَجّاج سنة خمس وتسعين من الهجرة (396) .

وقد علّق بعض الباحثين على هذه الرواية فقال: (وفيه إشكال من جهة التاريخ؛ إذ المشهور في التواريخ هو أنّ الحجّاج (لعنه الله) مات سنة خمس وتسعين من الهجرة، وفي هذه السنة تُوفي سيّد الساجِدين (صلوات الله عليه)، ولو كانت ولادة الصادق (عليه السلام) سنة ثلاث وثمانين، وكانت بدء إمامته سنة أربع عشرة ومئة، كانت وفاة شَهر بن حَوشَب أيضاً قبل إمامته؛ لأنّه مات سنة مئة أو قبلها بسَنة.

ويحتمل على بُعْد، أن يكون سمع ذلك منه (عليه السلام) في صغره، في زمان جَدِّه (عليه السلام)، والأظهر أنّه كان جَدّه أو أباه، فاشتبه ذلك على الرواة) (397) .

أقول: إنّ الاحتمال الثاني هو الصحيح؛ لأنّه من المُستبعَد أن يُطلِق الحجّاج هذا القول على الإمام في حال إمامته، فضلاً أن يكون في حال صغره.

10 - فاطمة (عليها السلام) ولَيلة الإسراء:

روى ابن عبّاس بسَنده، قال: (كان النبي (ص) يُكثِر قُبَلَ فاطمة، فقالت عائشة: يا نبيَّ الله، إنّك تُكثِر قُبَل فاطمة، فقال النبي (ص): لَيلة أُسرِي بي دخلتُ الجنّة فأطعمني [ جبرائيل ] من جميع ثمارها، فصار ماء في صُلْبي، فحَملتْ خديجة بفاطمة، فإذا اشتقتُ إلى تلك الثمار قَبَّلتُ فاطمة، فأُصيب من رائحتها تلك الثمار الّتي أكلتها) (398) .

قال ابن الجَوزي: (هذا حديث موضوع، لا يَشكّ المُبتدِى‏ء في العِلم في وضعِه،


فكيف بالمُتبحِّر.

ولقد كان الّذي وضعه أجهل الجهّال بالنقل والتاريخ، فإنّ فاطمة وُلِدَت قبل النبوّة بخمسِ سِنين... وذِكره الإسراء كان أشدّ لفضيحته؛ فإنّ الإسراء كان قبل الهجرة بسَنة بعد موت خديجة... وقد كان لفاطمة من العُمر لَيلة المِعراج سبع عشرة سَنة) (399) .

أقول: إنّ الحُكم على هذه الرواية بالوَضع لمُخالَفتها لمُسلَّمات التاريخ، يتوقَّف على أمور، منها: القَطع أو التَسالم بين المُؤرِّخين على تاريخ ولادة الصدِّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أوّلاً، والتَسالم بين المُؤرِّخين على تَعيِين حادثة الإسراء والمعراج.

فإذا قَطَعْنا بصحّة هاتين الحادثتين، أمكن الحُكم على الرواية بالوَضع أو الصحّة، وكِلا الحادِثتَين وقع الاختلاف بين المُؤرِّخين والمُحدِّثين فيهما.

أمّا بالنسبة إلى ولادة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فمَشهورِ مُحدِّثي السُنَّة: أنّ ولادتها كانت قبل البعثة. (واُختلِف في سِنِّ مولدها؛ فروى الواقدي عن طريق أبي جعفر الباقر (ع)، قال: (قال العبّاس: وُلِدَت فاطمة والكعبة تُبْنى، والنبيّ (ص) ابن خمس وثلاثين سَنة)، وبهذا جَزَمَ المَدائِني (400) .

وقال الشيخ المُفيد: (إنّ ولادة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت يوم العشرين من جمادى الآخرة، سنة اثنتين من المَبعَث) (401) ، وهناك روايات تُؤكِّد أنّ ولادَتها كانت سنة خمس من المَبعث (402) .

أمّا بالنسبة إلى حادثة الإسراء والمِعراج، فالمشهور أنّه كان قبل الهجرة بمُدَّة وَجيزة، وفي مُقابِل ذلك فإنّ بعضهم يقول: إنّه وقع في السَنة الثانية من البعثة، وقيل في الثالثة (403) .

ومن خلال هذا التضارب في الآراء والاختلافات، لا يُمكن الحصول على نتيجة مُعيَّنة، ما لم يُحرز ويُقطع بصِحّة هاتين الحادثتَين، من خلال قرائِن تُوجِب القطع والاطمئنان، ولذلك لا يُمكن الحُكم على هذه الرواية بمُخالَفتها للواقع التاريخي في ظلِّ مثل هذا الاختلاف.


الفصل الرابع: عَرْضُ الحَديث على العَقل

المبحث الأوّل: المَعنى اللُغوي والاصطلاحي للعَقل.

المبحث الثاني: تقسيم القضايا مِن حيث إدراك العَقل لها.

المبحث الثالث: علاقة العَقل بالعُلوم النَظريَّة.

المبحث الرابع: الحُسْنُ والقُبح العَقلِيَّين.

المبحث الخامس: أسباب التَعارض بين العَقل والنَقْل.

المبحث السادس: دَليلُ القاعِدة.

المبحث السابع: مَصاديق الأحاديث المُخالِفة للعَقْل.

الباب الثاني / الفصل الرابع: عَرْضُ الحَديثِ على العَقْلِ

المبحث الأوّل:

المعنى اللُغوي للعَقْل:

العَقل: يَعني الحَبْس والإمْسَاك، فاعتُقلَ لِسانه إذا حُبس ومُنع عن الكلام، وعَقَلَ بَطنَه إذا استَطْلَقَ بَطنُ الإنسانِ ثُمَّ استَمْسَك (404).

وقد تطوَّر هذا المَعنى من معناه المادّي إلى المَعنوي، فأُطلِق العقل على القوّة النفسيّة الرادِعَة للنفس عن شهواتِها وغرائزها، فالعَاقِل: هو الّذي يَحبِس نَفْسه ويردّها عن هَواها (405).

المعنى الاصطلاحي للعَقل:

هناك مَعاني اصطلاحيّة كثيرة للعقل، نُشير إلى بعضها:

قال الغزالي: إنّ العقلَ اسمٌ يُطلَق على أربعة مَعاني:

1 - الوَصف الّذي يُفارِق الإنسان به سائِر البَهائم، وهو الّذي استَعدَّ به لقبول العلوم النظريّة، وتدبير الصناعات الخَفيّة.

2 - العلوم الّتي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المُمَيّز، بجوازِ الجائِزات


واستحالة المُستَحِيلات.

3 - علومٌ تُستَفاد من التَجارب.

4 - مَعرِفة عواقب الأمور، ومَنع الشَهوَة الداعِية إلى اللَذّة (406) .

والفرق بين المَعنى الأوّل والمَعاني الأُخرى، هو اعتبار العقل قوّة في المَعنى الأوّل، أمّا في المَعاني الأُخرى فالعقل يُطلَق على العلوم المُستَفادَة، فهي في التعريف الثاني علوم ضَروريّة، وفي التعريف الثالث والرابع علوم مُكتَسَبَة.

وقَسَّمَ العلاّمة المَجلسي العقلَ الاصطلاحي إلى ستّةِ أقسام، فقال:

1 - هو قوَّة إدراك الخَير والشرّ والتمييز بينهما، والتَمَكُّن من معرفة أسباب الأمور وذرات الأسباب.

2 - مَلَكَة وحالة في النفس، تدعو إلى اختيار الخير والنَفعِ، واجتناب الشرور والمَضارِّ.

3 - القوَّة الّتي يستعملها الناس في أمور مَعاشِهم.

4 - مَراتِب استعداد النَفْسِ لتَحصيل النَظريّات، وقُربها وبُعدها عن ذلك.

5 - النَفْسُ الناطِقة الإنسانيّة، والّتي يَتميَّز بها عن سائر البَهائِم.

6 - ما ذهبَ إليه الفلاسِفة، من كَونِها جوهر مُجَرَّد قَديم، لا تَعَلُّق له بالمادَّة ذاتاً ولا فِعْلاً (407) .

وما نُريده من العقل هو القوّة المَوجودة في الإنسان، والّتي يتميّز بها عن سائر البَهائم، وبها يستطيع أن يُميِّز الخير عن الشرِّ، والتَمكُّن من مَعرفة الأسباب وربطها بالحوادِث، والاستدلال بالشاهِد على الغائِب، وتَشخِيص المَصالِح وتشخيص الحُسْن والقُبح، كما سيأتي في البحوث الآتية.


المَبحث الثاني: تَقْسيم القضايا من حيث إدراك العَقل لها

تُقَسّم القضايا، من حيث إدراك العقل لها، إلى ثلاثة أقسام:

1 - القَضايا الضَروريَّة:

وهي القضايا الّتي لا تحتاج إلى دليل لإثباتها، ويتساوى جميع البشر في إدراكها، كعِلمِ الإنسان بوجوده، وأنّ الواحد نصف الاثنين وما شابَه ذلك، وهذه القضايا لا يُمكِن التَشكيك بها، وهي على نوعين:

أ - القضايا الضروريَّة الّتي يُدرِكها العَقل النَظَرِي (408) ، مثل: امْتِناع اجتماع الضِدَّين أو ارتفاعهما.

ب - القضايا الضروريّة الّتي يُدرِكها العَقل العَمَلِي (409) ، مثل: حُسْنُ العَدْلِ وقُبْحُ الظُلْمِ، وهي أهَمّ القضايا في العقل العملي، وسوف يأتي بحث هذه القضايا فيما بعد.

2 - القضايا النَظَرِيَّة:

وهي القضايا الّتي تُكتَسَب عن طريق النَظَرِ والتَجارب، والّتي تُشكِّل مُعظَم قضايا العلوم.

3 - القضايا الّتي لا يَملك العَقل طريقاً لإدراكها:

لأنّها فوق مُستوى العقل، ولابُدَّ من وجودِ مَصدرٍ آخر لتحصيل العِلم بها، كمُعظَم مَسائل الآخرة والجنَّة والنار، وصِفات المَلائكة وما شابه ذلك.

قال ابن خلدون: (العَقلُ ميزان صحيح، فأحكامه يَقينيَّة لا كذب فيها، غير أنّك لا تَطمعْ أنْ تَزِن به أُمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوَّة، وحقائق الصِفات الإلهيّة، وكُلّ ما وراء طوره؛ فإنّ ذلك طَمَع في مُحال) (410) .


ورغم أنّ هذه المسألة من المَسائل الّتي اتّفقتْ عليها أكثريّة المَذاهب الإسلاميّة، ولكن اختلفوا في تطبيق ذلك على المَصاديق، فالّذين يَنفُون رُؤية الباري، يقولون باستحالة الرُؤية عقلاً؛ لأنّ ذلك يَقتضي وجود الجهة والغير، ومُخالِفوهم يقولون إنّ العَقل يُجوِّز ذلك ولا يُحِيله.

وقال بعض العلماء في توجيه إمكان الرُؤية في الآخرة، بأنّ كلّ شي‏ء في الآخرة غيره في الدنيا.

وقد رُدَّ ذلك بأنّ القضايا البَديهيّة لا تَتَبَدّل في الآخرة إلى نقيضِها (411) .

ومن هنا فإنّ هناك اختلافاً في هذه المَباني، فبعض الأحاديث قد يَعتبرها البعض مُخالِفة لبَديهيَّات العقول، بَينما يعتبرها آخرون من الأمور الجائزة عقلاً، وجاء بها القرآن، كما سيأتي فيما بعد في أحاديث رؤية الله وغيرها.

المبحث الثالث: علاقة العَقْلِ مع العلوم النَظريَّة

لقد اتَّفق العلماء كافّة، على عدم وجود التعارض بين الحُكم الشرعي والعقل إذا كانا قطعيَّين، وقد استخرجوا من ذلك قاعدة، وهي: إنّ النقل الصحيح لا يأتي مُخالِفاً للعَقل الصريح.

قال الشيخ الأنصاري مُستغرِباً وجود التناقض بين أحكام العَقل والنَقْلِ - إذا كانا قطعيّين -: (وكذا لو فُرضَ حصول القَطعِ من الدليل النَقلي، كيف يُجوّز حُكم العقل بخلافه على وجهِ القَطع) (412) .

وقال الغزالي: (ودليل العقل لا يجوز أن يُقابِل النُطْق الصريح من الشارع؛ لأنّ الأدلّة لا تَتَعارَض) (413).

ودليل عدم المُعارَضة في نفس الأمر؛ لأنّ كلَيهما يَخرجان من مِشكاةٍ واحدة، فالشَرع حُجّة من الخارج، والعقل حُجّة من الداخل كما وَرَدَ في الروايات.

ولهذا، فسوف تكون علاقة العقل مع الشَرع على ثلاثة أقسام:


1 - إذا كان الدليل العَقلي قطعيّاً والنَقْلِي ظنيّاً، فيُقدَّم الدليل العقلي هنا على الظنّي؛ لأنّ القَطع حُجّة من أيّ طريق كان.

2 - إذا كان الدليل النَقلي قطعيّاً والعقلي ظَنّيّاً، فيُقدَّم النَقلي على العقلي.

3 - إذا كان كِلا الدليلَين ظَنّيّاً، فيُوجَد هنا رأيان:

أ - تقديم الدليل النَقلي على العقلي؛ لأنّ الظَنّي حجّة من باب حجيّة الظَنِّ.

ب - تقديم الراجِح منهما. قال ابن تَيمِيّة: (فأمّا القطعيّان فلا يجوز تعارضهما، سواء كانا عقليَّين أم سَمعيَّين، أم أحدهما عقليّاً والآخر سَمعيّاً، وهذا مُتَّفَق عليه بين العُقلاء... وأمّا إن كانا جميعاً ظنّيَّين فإنّه يُصار إلى مَطلَب ترجيح أحدهما، فأيّهما مُرجَّح كان هو المُقدَّم) (414) .

المبحث الرابع: الحُسْنُ والقُبح العَقليَّين

وهي من المسائل الّتي كَثُر حولها الجدال بين المذاهب الإسلاميّة، وإنّ تحديد مَوقف ما من هذه المسألة، قد يُحدّد المَوقِف من بعض الأحاديث، بكونها مُعارضة مع العقل أو غير مُعارضة، ويمكن تلخيص هذه الآراء بما يلي:

1 - قالت الشيعة والمُعتزِلة وغيرهم من العدليّة: بأنّ العقلَ يستقلّ بمَعرفة حُسنِ بعض الأشياء وقُبحِها، بغضِّ النَظرِ عن حُكم الشارع، مثل: حُسن العَدل وقبح الظلم، واستَدلّوا بأدلّة كثيرة لا مَجال لذِكرها الآن.

2 - ذهبت الأشاعِرة إلى أنّ التحسين والتقبيح شَرعيٌّ مَحْض، ويُعرَف ذلك عن طريق العَقل.

قال الغزالي في - مَعرَض الرَدِّ على القائلين بالتَحسين والتقبيح العقليَّين -: (ادّعيتم أنّ حُسن بعض الأفعال وقُبحها مُستدرَك ببَداهَة العقول وأدائِها، ونحن نُنازعكم في ذلك، ومَواضع الضرورات لا يُتَصوَّر فيها الخلاف بين العقلاء) (415) .

ومن ثَمرات هذه القاعِدة:


1 - العدل الإلهي، والّذي يشمل المُفردات التالية:

أ - قبح التكليف بما لا يُطاق (416) .

ب - قبح العِقاب بلا بَيان.

2 - لزوم شُكر المُنعِم.

3 - أنَّ أفعال الله مُعلَّلة.

والجدير بالذِكر أنّ الالتزام بأحدِ المَباني في مسألة التَحسين والتَقبيح، يُؤثِّر في قبول الحديث أو عدم قبوله، كما هو الحال في أحاديث الجَبْرِ. قال القاضي عبد الجبّار: (والّذين يُثبِتُون القَدَر هُمْ المُجبِّرة، فأمّا نحنُ فنَنْفيه ونُنَزِّه الله تعالى من أن تكون الأفعال بقَضائه وقَدَرِه) (417) .

الدليلُ على عدمِ وجود أحكام شرعيّة تُخالِف العَقل:

1 - إنّ الله حكيم وسيّد العقلاء، فكيف يُمكن أن يُصدِر تشريعاً وحُكماً على خلافِ العقل.

2 - لقد جاء في بعض الأحاديث أنّ العَقل حُجَّة من الداخل، كما أنَّ الشَرع حُجَّة من الخارج، ومن المُحال أن تَتَعارَض حُجَّتَين؛ لأنّ الأحكام الشرعيّة تَتَحدَّث عن أمور واقعيّة، وأنّه لا يُمكن أن تتعارض هذه الواقعيّات فيما بينها؛ لأنّ العقل النظري يُمكن أن يُدرِك الواقع كما قلنا سابقاً.

3 - لو كان في الشريعة الإسلاميّة ما يُنافي العقول، لَما رفعتْ التكليف عن المَجانين؛ فإنّ تكليف المَجنون أقرب من تكليف العاقِل بما يُناقِض عقله.

المبحث الخامس: أسباب التَعارض بين العَقل والنَقل

قُلنا: إنّه لا يُوجَد تعارض أصلاً بين العقل والنقل إذا كانا قطعيَّين؛ لأنّها يخرجان من مِشكاة واحدة (أدلّة الشريعة لا تَتَعارض في نفس الأمر، ولذلك لا تَجِد دليلَين أجمع


المسلمون على تعارضهما، بحيث وجبَ عليهم الوقوف، لكن قد يَقَع التَعارض في فَهْمِ النَاظرين) (418) .

أمّا إذا لم يكونا قطعيَّين، فالتعارض قد يكون لأحد الأسباب التالية:

1 - إنّ القضيّة العقليّة الّتي يُعتَقد أنّها تُخالِف المَنقول، ليستْ من القضايا العقليّة السليمة.

2 - إنّ المَنقول الّذي يُعارِض العقل السليم القطعي غير صحيح.

3 - الخطأ في فَهْمِ الدليل النَقلي، الّذي يُظَنّ أنه يُخالِف العَقل.

4 - عدم التَمييز بين ما يُحيله العَقل وما لا يُدْرِكه.

المبحث السادس: الدليل على القاعدة

يُمكن الاستدلال على هذا المِقياس في عَرض الروايات على العقل بثلاثة أدلَّة:

1 - القرآن.

2 - الروايات.

3 - تقديم القَطْع على الظَنِّ.

ماهِيَّة العَقْل في القرآن والسُنَّة:

لم يذكر القرآن صَراحة هذا المِقياس وتقديمه في حالة التَعارض، ولكن يُمكن أن نستنتج أهمَّيّة العَقل في القرآن، في مَنْزِلَته العظيمة في الاستدلال على وجود الله، وفي التَدبّر في سُنَنِ الله في الكون والحياة.

ولفظة (العَقل) لم تأتِ مَصدراً في القرآن، وإنّما وردَ بصيغة الفِعْل وفي ألفاظ مُختَلِفة، كلَفْظِ يَعقِلون، تَعقِلون، تَشكرون، وقد وردت مُرادفات هذه الكلمة، مثل: الألْبَاب، الحِجْر، النُهى.

ولقد ذُكرَتْ كلمة (العقل) في القرآن قُرابة خمسين مَرَّة (419) ، وبأساليب مُتعدِّدَة:


1 - فتارة يُرَغِّب القرآن في استعمال العَقل ويحثّ عليه: ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (420) .

2 - مَدح أهل العَقل: ( وما يَذكَّرُ إلاّ أُولو الألبَاب ) (421) .

3 - إظهار التأسّف على عدمِ استعمال العَقل وتعطيله: ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (422) .

4 - ذَمّ الّذين يهمِلون عُقولهم: ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) (423) .

وقد كانت دعوة القرآن لاستعمال العَقل في مَجالات كثيرة، منها:

1 - الاستدلال والتَدبّر بآيات الله العظيمة في الكون والإنسان، للتَعرّف على عظمة الله (سُبحانه وتعالى)، والاستدلال على وجوده: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ) (424) .

2 - الاستدلال على المَحذورات الفاسِدة للقَضِيَّة، لإثبات القضيّة المُراد قِيام الدليل عليها: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (425) ، ( إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (426) .

3 - الاستدلال على عدمِ العَبث في الخَلقِ، من خلال النظام الموجود في الكون، والترتيب

وحسن التنسيق: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) (427) .

4 - يُخاطِب القرآن العقلَ بأن يَتدبَّر في السُنَن الربانيّة، الّتي تجري في حياة البشريّة، وأنّها لا تَتَبدَّل ولا تَتَغيَّر: ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ... ) (428).

5 - يُوجِّه الله (سُبحانه وتعالى) العقلَ إلى أسرار الكون، للتعرّف إلى أسراره، والاستفادة منها في تعمير الأرض: ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ) (429) .


إلى غيرها من الآيات الّتي تدلّ على مَنزلة العقل عند الله (سبحانه وتعالى)، ذلك العقل الّذي يُمكنه أن يُدرك الحقائق بالاستدلال الصحيح، العقل الّذي يستطيع أن يُميّز الصالِح من الفاسِد.

ماهِيَّة العَقل في الروايات وحُجّيّته:

ذُكرَت كلمة العقل في الروايات بكثرة، فقد جاء في بعض الروايات بأنّ الحُجَّة لا تَتمّ على العبد إلاّ بالعقل، فبه يُعرف الصادق والكاذِب على الله (430) ، وبه يُحاسَب الناس على قَدَرِ عقولهم في الآخرة (431) ، وهو مِقياس التكليف في الدنيا.

فلوح القَلَم مرفوع عن المَجنون والطفل والنائِم (432) ، وأنّ الأنبياء إنّما جاؤوا ليُثيروا دَفائِن العقول في الناس (433) ، وأنّ العُقلاء هُم الّذين يَعملون بطاعةِ الله (434) ، وأنّ للهِ حُجَّتَين، ظاهِرة وباطِنة، فالظاهِرة هي الرُسل والباطنة هي العَقل (435) ، وأنّ العقل هو أصل الفِكر والفَهْم، والّذي يُمكن من خلاله أخذ العِبرة في السَير في الأرض والنظر في عاقبة الظالِمين (436) ، وأنّه أصل العِلم ودَاعية الفَهْمِ (437) ، وأنّ العاقِل مَن عَقل لِسانه (438)، وغيرها من الروايات الكثيرة، والّتي يُمكن تصنيفها إلى ما يلي:

1 - يُمكن للإنسان عن طريق العَقل أن يُشخِّص ويُميِّز، ويُدرِك الأشياء والخير والشرّ، باعتباره حُجَّة على الإنسان.

2 - من ثَمرات العَقل - وهي القوّة الموجودة في داخل الإنسان - الفَهْم والعِلم والتَفكير.

3 - من خلال قوّة العَقل يُمكن أخذ العِبرة من الأشياء، وسلوك الطريق المُستقيم.

4 - العاقِل هو الّذي يَتَّصف بالصِفات الأخلاقيّة الكامِلة، كالزُهد والصَبر وطاعة الله


وكفّ اللسان، والابتعاد عن الشرِّ، وغيرها من الأمور والمَصاديق الّتي يَتَّصف بها العاقِل، وما يَهمّنا هنا هو المَعنى الأوّل والثاني.

وقد ظهر مّما مَرَّ أنّ مَنزلة العقل في الروايات كبيرة جدّاً، فهو مَبدأ التكليف والحِساب والعقاب، فبه يُعرَف الله وبه يُعبَد، وهو حُجّة باطِنة كما أنّ الأنبياء (عليهم السلام) حُجّة ظاهرة، وبه يُميّز بين الخَير والشَرِّ والمَنافع والمَضارّ، وأنّه أصل العِلم وداعيته.

فإذا كان كذلك، فكيف لا يُمكن اعتباره مِعياراً ومقياساً لمَعرفة صَحيح الرواية من سَقيمها، خصوصاً إذا كان حُكم العقل قطعيّاً؟!.

ويُمكن اعتبار حُجّيّة العقل ومِعيارِيَّته من باب كونه قَطْعَاً؛ لأنّ المُراد من العقل هنا ليس حُكم العقل الظنِّي، بل حُكم العقل القطعي، والقطع حُجَّة من أيِّ وَسيلةٍ جاء.

قال أحدُ العلماء: (اعلَم أنّ خبر الواحِد إذا وردَ مُخالِفاً لمُقتَضَى العَقل، فإنْ أمكن تأويله من غير تَعَسّف، يُقبَل التأويل الصحيح، وإن لم يَقْبَل تأويلاً إلاّ بتَعَسّف، لم يُقبَل؛ لأنّه لو جاز التأويل مع التَعسّف لبَطل التناقض في الكلام كُلّه) (439) .

وقال الشيخ المفيد: (إذا وَجَدْنا الخبر يُخالِف العَقل نَردّه) (440) .

المُراد من العَقل في الحُكْمِ على الروايات:

اختلفتْ أنظار العلماء في المُراد من العَقل في الحُكم على الروايات، فقال بعضُهم: إنّ المُراد من العَقل هو العَقل الحَصِيف، الّذي يَتَّفِق عليه جميع العُقلاء، إذا تَجرَّدوا عن كلّ النَزَعات والرواسِب والخَلْفِيَّات (441) .

وقال آخر: إنّ المُراد بالعَقل هو العَقل المُستَنِير بالكتاب والسُنّة الثابِتة، لا العَقل المُجرَّد (442) .


وقال آخر: إنّ العقل مُجرَّداً، لا يُمكن الاعتماد عليه في ردِّ ما يُتَوَهّم مُخالَفته للنصوص، وإنّ الحُجَج الفعليّة الصِرفة غير مَعصومَة عن الخَطأ، والدليل العقلي الّذي يَطمَئِنّ إليه المُسلم، هو الّذي يكون في جزءٍ منه شرعيّاً، أو دائراً في فَلَكِ النصوص (443) .

وقال بعضهم مُستَنكِراً استخدام البعض هذا المقياس: (لنَفرِض أنّ تحكيم العَقل في الأحاديث هو الصواب، فنحن نسأل: أيّ عقل هذا الّذي تُريدون أنْ تُحَكِّموه؟

أعَقل الفلاسِفة؟ أنّهم مُختَلِفون.

أمْ عقل الأُدباء، أمْ عقل الأطبَّاء، أم...؟ (444) .

ونحن نقول هنا: إنّ الخروج بنتيجةٍ قاطِعة تَتَّفِق عليها جميع المَذاهب في جَعلِ العَقل مِقياساً غير مُمكنة؛ لاختلافهم في بعض المَباني كما ذكرنا ذلك سابقاً، فقد تكون هناك قضيّة مُستحِيلة عند البعض مُمكنة عند البعض الآخر، ولكن يُمكن أن يُقال: إنّ المُراد من العَقل هو العَقل القَطعي، والعَقل النَظري يكون قَطعيّاً فيما إذا كانت مادّة القِياس بَديهيّة، أو نَظريّة تنتهي إلى البَديهيّة.

والقضايا البديهيّة - كما هو معروف في علم المَنطق - تتكوَّن من ستِّ قضايا (445) ، هي:

1 - الأوّليّات: وهي قَضايا يُصدِّق بها العَقل لذاتِها، دون سَببٍ خارج عن ذاتها، مثل قولنا: (الكُلُّ أكبر من الجزء)، (النَقِيضَان لا يَجْتَمِعان).

2 - المُشاهَدات (المَحسُوسَات): وهي القضايا الّتي يحكم بها العَقل بواسِطة الحِسِّ.

3 - التَجْريبِيَّات: وهي القضايا الّتي يحكم بها العقل بواسِطة تَكرّر المُشاهَدة في إحساسِنا، كالحُكم بأنّ كلّ نارٍ حارّة.

4 - المُتواتِرات: وهي قضايا تَسْكُن إليها النفس سُكُوناً يزول معه الشَكّ، ويحصل الجَزم القاطِع، بواسطة إخبار جماعة يَمتَنِع تَواطؤهم على الكذب، ويَمتَنِع خطأهم في فَهمِ الحادِثة.


5 - الحَدسيّات: وهي قضايا، مَبْدَأ الحُكم بها حَدسٌ من النفس قوّيٌّ جدّاً، يزول معه الشَكّ، ويُذعِن الذِهن بمَضمونِها.

6 - الفِطْريّات: وهي القضايا الّتي قِياساتها مَعها، أي أنّ العقل لا يُصدِّق بها بمُجرَّد تصوّر طَرفيها، بل لابُدَّ لها من وَسَط، مثل: حُكمنا بأنّ الاثنين خُمس العَشرة.

أمّا بالنسبة إلى المُتواتِرات، فقد بَحثناها في عَرْضِ الحديث على السُنّة.

وأمّا التَجريبيّات، فإذا كانت تحتاج إلى تَجارب دقيقة يقوم بها المُختصّون، وتحتاج إلى وضْعِ قوانين دقيقة، فسوف نقوم بدراستها بمِعيار خاصّ، هو عَرض الحديث على قطعيّات العُلوم التجريبيّة، وإن كانت لا تحتاج إلى ذلك، فشَأنها شأن المَحسوسَات، الّتي يَحكم العقل بردِّها فيما إذا خالَفتْ المَحسوس.

وقد ناقش السيّد الشهيد في عَدَمِ بداهة القضايا الأربعة، عدا الأوّليّات والفِطريّات، فقال: (ادّعى المَنطِق الصوري أنّ هذه القضايا كلّها بديهيّة، ونحن نُسلِّم معهم في اثنين منها، هما الأوّليّات والفطريّات... وأمّا غيرهما من القضايا الأربع، فليست المَعرفة البشريّة فيها قَبْلِيّة، بل بَعديّة تَثْبتُ بحِساب الاحتمالات وبطريقة الاستقراء) (446).

نقول: حتّى على هذه النظريّة، فإنّه يُمكن اعتماد هذه القضايا الّتي لا تُوجِب اليَقين الموضوعي، وإنّما ينشأ نتيجة ضعْفِ الاحتمال إلى حدٍّ كبير، حيث تَتَحوّل الظنون في نهاية المَطاف إلى يقين وجَزم، ضمن مُصادرات مُعيَّنة مَشروحة في أُسُس الدليل الاستقرائي كما قال السيّد الشهيد (رَضي الله عنه)؛ وذلك لأنّ أكثر مَعارِفنا هي من هذا النوع.

هذا بالنسبة إلى العَقل النَظَرِي، أمّا بالنسبة إلى بَديهيّات العَقل العَملي - على القائِلين بنظريّة الحُسن والقُبح العقليَّين -، فهناك بَديهيّات يُدرِكها العَقل، مثل: (العَدْلُ حَسن)، (الظلم قبيح)، (جزاء الإحسان بالإحسان حَسن)، (جَزاؤه بالإساءة قبيح) وغيرها، والّتي يُمكن ضَمّ بعضها إلى بعض الأُصول المُسلَّمة العقليّة، لإنتاج حُكمٍ عقليٍّ بقُبْح فِعل أو حُسن آخر، مع العِلم أنّ هذه المَسألة هي مَسألة خلافيّة أيضاً، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.


الخلاصة:

ومن خلال هذا العَرْض السريع، يُمكن تحديد المُراد بالعَقل هنا، فنقول:

1 - حُكْمُ العَقل المُعتمِد على المُسلَّمات البَديهيّة، سواء كانت بَداهتها ثابِتة بالعقل أم عن طريق حساب الاحتمالات.

2 - حُكْمُ العَقل العَملي بقُبحِ وحُسنِ الأعمال، بناءً على نظريّة التحسين والتقبيح العقليَّين، وذلك مع ضَمِّها إلى بعض المُسلّمات العقليّة، لإنتاج حُكم عقلي على بعض الأحاديث.

3 - هناك فَرْق بين ما يرفضه العَقل وما يَستبعده ويَستغربه؛ لأنّ ما يرفضه ناشِئ‏ من استحالَته أو قُبحه، وما يَستغربه ناشئ‏ من استبعاده وعَدَمِ القُدرة على تَصوّره.

وأكثر ذلك يرجع إلى المَسائل الّتي ليس للعَقلِ عليها سبيل، مثل أمور الآخرة والجنَّة والنار.

4 - هناك بعض الأحاديث تُعتَبَر مُستحيلة ومُخالِفة للعَقل القَطْعي على بعض المَباني، حيث تُعتَبر مُمكِنة وجائِزة على مَباني أُخرى.

المَبحث السابع: الأحاديث المُخالِفة لِهذه القاعِدة

1 - روى الكُليني بسَنده عن هِشام بن الحَكَم، قال: (سألني عبد الله الديصاني، فقال لي: ألكَ رَبّ؟ فقُلتُ: بلى، قال: أقادرٌ هو؟ قُلتُ: نعم، قادِر قاهِر، قال: يَقدر أنْ يُدخِل الدنيا كُلّها البَيضَة، لا تَكبر البَيضة ولا تَصغر الدُنيا؟ قال هشام: النَظْرَة، فقال له: قد أنْظَرتُك حولاً، ثُمَّ خرجَ عنه.

فركبَ هشامُ إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، فاستأذن عليه، فأذن له، فقال له: يا بن رسول الله، أتاني عبد الله الديصاني بمسألةٍ ليس المُعوّل فيها إلاّ على الله وعليك.

فقال له أبو عبد الله‏ (عليه السلام): عمّاذا سألك؟ فقال: قال لي: كَيتْ وكَيتْ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا هشام، كَمْ حَواسّك؟ قال: خمس، قال: أيّها أصغر؟ قال النَاظِر، قال: وكَمْ قَدْرُ النَاظِر؟ قال: مِثل العَدَسَة أو أقلّ منها، فقال له: يا هشام، فانْظُر أمامك وفَوقك


وأخبرني بما تَرى، فقال: أرى سماءً وأرضاً، ودُورَاً وقصوراً، وبراريَ وجبالاً وأنهاراً، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إنّ الّذي قَدَرَ أن يُدْخِل الّذي تراه العَدَسَة أو أقلّ منها، قادِر أن يُدْخِل الدنيا كُلّها البيضة، لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة...) (447) .

ولذلك، فالحديث بمَعناه الحقيقي والظاهري غير مَعقول؛ لأنّ قُدْرَة الله لا تَتَعلَّق بالمُحالات العقليّة، وهذا ليس نقصاً في قُدرَته تعالى، ولكن هناك قُصور في القابِل، وامتِناعه الذاتي.

وقد اعتبر السيّد المُرتضى هذا الخَبر من الموضوعات، قال: (وهذا الخبر المذكور بظاهره، يَقتَضي تجويز المُحال المَعلوم بالضَرورات فَساده، وإنْ رواه الكُليني (رحمه الله) في كتاب التوحيد.

فكم رَوى هذا الرجلُ، وغيره من أصحابنا (رحمهم الله تعالى) في كُتبِهم ما له ظواهِر مُستحيلَة أو باطِلة.

والأغلَب الأرجَح أنْ يكون هذا خبراً مَوضوعاً مَدسوساً) (448) .

وقد سُألَ أمير المؤمنين (‏عليه السلام) عن هذا السؤال نفسه، فقال: (إنَّ الله تبارَك وتَعَالى لا يُنسَب إلى العَجزِ، والّذي سألتَني لا يكون) (449) .

2 - رُوي أيضاً: أنّ أربعين صحابيّاً طلبوا أمير المؤمنين إلى الضيافة، في ليلةٍ واحدة وفي وقتٍ واحد، ولمّا أصبحوا، قال كلّ واحد منهم: إنّ عليّاً كان ضيفي البارحة (450) .

وهو من المُحالات العقليّة؛ إذ لا يُمكن أن يتواجد أمير المؤمنين (عليه السلام) في مَكانين مُختلفَين وفي نفسِ الوقت.

ولا يُمكن المُناقَشة في ذلك بأنّ هذا الأمر من المُعجِزات؛ لأنّ المُعجِزة لابُدَّ أن تقع في مَقام التحدِّي، ولا يُوجَد في المَقام ما يُثبِت ذلك.

وحتّى لو قُلنا إنّها مُعجِزة، فإنّ المُعجِزة لا تقتضي تجويز المُحال، إلاّ أن يُقال إنّ الأمرَ لا يعدو أن يكون تخيّلا وليس له واقعيّة حقيقيّة.

3 - روى البُخاري بسَنَده عن أبي هُريرة، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (إِنَّ مُوسَى


كَانَ رَجُلاً حَيِيًّاً سِتِّيراً، لا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلاَّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ.

وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلا يَوْمًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَئٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ.

وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ، إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَباً مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ، ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعاً أَوْ خَمْساً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ... ) ) (451) .

وفي هذا الحديث من ما لا يجوز من إنسان عادي، فكيف بكَليمِ الله!

والمُضحِك المُبكِي أنّ مُسلِم ذكره في باب (فضائِل موسى)، ولا أدري أيّ فضيلة في انكشاف عورةِ نبيٍّ من الأنبياء، من أُولِي العَزم، أمام الملأ من بني إسرائيل؟! وكيف يُمكن لحَجرٍ أصمّ أن يعدو بالثوب؟!

إلاّ أن يُقال إنّها مُعجِزة من المُعجِزات، ولكن المُعجِزات لا تصدر إلاّ في مَقام التحدِّي، لا في سبيل فَضحِ أنبياء الله، على أنّ الأُدْرَة والبَرص والآفة ليس أمراً مُستَهجَناً، بحيث يستلزم معها هذا الأسلوب. (ولو فُرِضَ ابتلاؤه بالأُدرَة، فأيّ بأس عليه بذلك؟ وقد أُصيبَ شُعَيب (عليه السلام) ببَصَره وأيّوب (عليه السلام) بجِسمه، وأنبياء الله كافّة تَمَرَّضوا وماتوا.

ولا يَجب انتفاء مثل هذه العوارِض عن أنبياء الله ورُسلِه، ولاسيّما إذا كانت مَستورة عن الناس، كالأُدرَة) (452) .

ثُمَّ إنَّ الحَجَرَ هل يَشعر بأثرِ العَصا، حتّى يُعاقِبَه موسى بالضَرْب؟!

وبالإجمال، فإنَّ هذه الرواية تتضمّن أُموراً مُستهجَنة وقبيحة عقلاً، نَربَأ بأصحابها من أنْ يُسوِّدوا صفحات كُتبِهم بمِثل هذه الروايات.

4 - أخرجَ الشيخان بسَندهما عن أبي هُريرة، واللَفظ لمُسلِم، قال: (فُقِدَتْ أُمَّةٌ


مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلا أُرَاهَا إِلاّ الْفَأْرَ، أَلا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاةِ شَرِبَتْهُ...) (453) .

واستنتجَ النَوَوي من عَدَمِ تناول الفأرة من لَبن الإبل، على أنّها مِسخٌ من بني إسرائيل، فقال: (معنى هذا أنّ لُحوم الإبل وألبانها حُرِّمت على بني إسرائيل، دون لُحوم الغَنَمِ وألبانِها، فدلّ بامتناع الفأرةِ من لَبنِ الإبلِ، على أنّها مِسخ من بني إسرائيل) (454) .

ولا أدري ما هي العلاقة المنطقيّة في الاستدلال، بين كون الفأرة مِسخاً من بني إسرائيل، وشربها أو عدم شربها من ألبان الشَاء والإبل، هذا إذا تَنَزَّلنا وقلُنا بصحّة هذا المَسخ، وبصِدق الدعوى.

وقد علّق السيّد عبد الحسين شرف الدِّين فقال: (أين أولوا الألباب ينظرون إلى هذا التخريف في أصل الدعوى، وفي دليلها؟!) (455) .

5 - روى البُخاري بسَنده عن أبي هُريرة، أنّه قال: (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ (عَلَيْهِمَا السَّلام) لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِئَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ.

وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ) (456).

وهذا الحديث يُخالِف العَقل من عدّة جوانب، فبالإضافة إلى أنّه قَبيح عقلاً، ومُستهجَن عند الناس؛ لأنّه يصوّر نبي من أنبياء الله لم يكن همه إلاّ مُمارسة العمل الجنسي، فهو غير مُمكن عقلاً أيضاً، فكيف يُمكن للإنسان مهما بلغَ من قوّته الجسديّة أن يفعل ذلك بليلة واحدة، سواء كان ذلك من الناحية الجسميّة أم من الناحية الزمنيّة؟!

فلو قسّمنا حصّة كلّ امرأة عشرة دقائق، لاستغرق ذلك أكثر من تسعة عشر ساعة.


وبالإجمال، فإنّ ذلك غير مُمكن، أو مُحال عقلاً.

6 - أخرج الشَيخان بإسنادِهما إلى أبي هُريرَة، أنّه قال: (أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلام)، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ الْمَوْتُ) (457) .

وهذا الحديث مُخالِف للعَقل من عدّة جهات.

فمن جهةٍ يُصوِّر موسى (عليه السلام) إنسان يكره الموت كُرهاً شديداً، ويعتدي على الآخرين بغير ذَنب، وأنّ الله يُبارك هذا التَعدّي، ويُثيب موسى بَدلَ أن يُعاقبه، بأن يُطيل عمرَه.

ويصوِّر موسى بأنّه لا يعرف أنّ الموت سُنّة من سُننِ الحياة، وأنّ الموت هو نهاية الإنسان مهما امتدَّت وطالتْ، فيسأل ربّ العالَمين، وماذا بعد هذا التأجيل؟

ويُصوِّر مَلك الموت مَخلوق مادّي ضعيف تُفقَأ عَينه، وهو مُخالِف لسُننِ الحياة.

فإنّ الملائكة مَخلوقات نوريّة، لا تُرى بالعَين.

وقد ذكر النَوَوي عن بعض العُلماء توجيهات ضعيفة لهذا الحديث، فقال: (إنّه لا يمتنع أن يكون موسى فَقَأ عين مَلك الموت بإذن الله، امتحاناً للمَلطوم، أو أنّ الضربَ على نحوِ المَجاز لا الحقيقة، يعني ناظَرَه فغَلبَه، أو أنّ موسى لا يعلم أنّ المَلَك هو مَلَك الموت) (458) .

وفيه: أمّا الأوّل: إنّ الله لا يُمكن أن يأمر بالمُنكر، ومن دون سَببٍ شرعي لذلك، وإلاّ لَجوّزنا القبيح على الله، ثُمّ إنّه لا دليل على ذلك.

وأمّا الثاني: فهو بَعيد عن الظاهر، وفي تَكمِلة الحديث ما يُفنِّد هذا الرأي، لقوله (‏صلّى الله عليه وآله): (فرَدَّ الله عَينَه) .

أمّا بالنسبة إلى الثالث: وهو أنّ موسى لا يعلم حقيقة أنّ الشخص الّذي يُريد قَبْض


روحه هو مَلَك الموت، فمع أنّه لا دليل عليه من الحديث، فإنّ موسى بعد أن رجع إليه المَلَك عَرَفه.

وعلى كلّ حال، فالتَمسّك بمثل هذه الأحاديث الضعيفة، المُخالِفة للقواعد العَقليّة والتشبث بتأويلها مهما كان بعيداً ومُتكلّفاً غير صحيح.

7 - رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (أنّه كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قَطرَة بولٍ قَرضُوا لُحومَهم بالمَقاريض، وقد وَسَّعَ الله (عزّ وجلّ) عليكم ما بين السماء والأرض، وجعل لكم الماء طهوراً، فانظروا كيف تكونون) (459) .

واستثنى العلاّمة المَجلسي - الأب - مَخرَج البول من هذا الحُكم. (460) .

وقال الفيض: (لعلّ قَرْض بني إسرائيل لُحومَهم إنّما كان من بولٍ يُصيب أبدانهم من خارج، لا أنّ استنجاءهم من البول كان بقَرضِ لُحومِهم، فإنّه يُؤدِّي إلى انقراضِ أعضاءهم في مُدِّةٍ يَسيرة، وكأنّ أبدانهم كانت كأعْقابِنا، لم تَدُم بقَرْضٍ يَسير، أو لم يكن الدم نَجِساً في شَرعِهم، أو مَعفوّاً عنه) (461) .

وقد وجّه بعض الأعلام فقال: (إنّ الرواية مَنقولة بالمَعنى، وأصل الخَبَرِ في تفسير القُمّي - ذيل قوله تعالى: ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) - هكذا: إنّ الرجُلَ من بني إسرائيل، إذا أصاب شيء من بدنه البول قطعوه، والضمير المُفرَد راجِع إلى الرجل، والجمع إلى بني إسرائيل، يعني تركوا مُعاشَرته واعتزلوا عنه، أو يَمنعوه أن يدخل الكنيسة.

ثُمّ قال: وقال أُستاذنا الشعراني: (لم أرَ إلى الآن وجهاً لتوجيه الخبر تَطمئنّ إليه النفس غير ما ذكرناه، أو رَدّه لِعدم الاعتماد على خبر الواحد) (462) .

وكيف كان، فسواء كان الخبر له توجيه مَعقول، أم لا، فالنَقد مُتوجِّه إلى فَهْمِ بعض


الأعلام لمَعنى الحديث، فالرواية بالمَعنى المُتقدِّم مُخالِفة للعقل قطعاً؛ لأنّه تكليف بما لا يُطاق.

8 - أخرج ابن مَاجة في سُنَنه عن ابن الدَيلَمي، عن زيد بن ثابت، قال: (سمعتُ رسول الله يقول: لو أنّ الله عَذّبَ أهل سماواته وأهل أرضه، لعذَّبهم وهو غير ظالِم لَهم، ولو رَحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم...) (463) .

وهذا الحديث من الأحاديث الّتي تُخالِف العقول، فكيف يُمكن مُعاقبة البَري‏ء بدون ذنب؟!

فإذا كان العقل السليم يُنكر هذا أشدّ النكران، ويعتبره من الأمور القبيحة، فكيف بسيِّد العُقلاء؟!

(إنّ الوجدان خير شاهِد على قُبح تعذيب البَري‏ء من أيّ فاعِلٍ صَدَر، سواء كان الفاعل هو الواجب أم المُمكِن، فلو لم يتمكَّن العَقل من دَركِ هذا المِقدار من التحسين والتقبيح، فلا يصحّ له القضاء في أيّ أمرٍ يَمتُّ إليه بصِلَة) (464) .



الباب الثاني / الفصل الخامس:

عَرْضُ الحَديثِ على العِلْمِ القَطْعِي

المَبحث الأوّل: العِلم في اللُغة والاصطِلاحِ.

المَبحث الثاني: تَقسيمُ العُلومِ.

المَبحث الثالث: العُلوم التَجريبيَّة بين الظَنّ واليَقِين.

المَبحث الرابع: تَعارُض العِلم والدِّين.

المَبحث الخامس: مَنزِلة العِلم في الكتابِ والسُنّة.

المَبحث السادس: أدلّةُ القاعِدة.

المَبحث السابع: الأحاديثُ الّتي تُخالِف العِلم القَطعي.

الفصل الخامس: عَرْضُ الحَديثِ على العِلْمِ القَطْعِي

المَبحث الأوّل: العِلم في اللُغة والاصْطلاحِ

العِلم في اللُغة واضح لا يحتاج إلى تعريف، أمّا بالنسبة إلى المَعنى الاصطلاحي، فهناك تعاريف كثيرة للعِلم، منها:

1 - هو جُملة من المَعارف المُرتَّبة في نَسَقٍ، بحيث تَرتبِط هذه الوقائع والقوانين بعلاقات مَحدودة فيما بينها، بشرط أن يَستَدعِي بعضها بعضاً (465).

2 - فرع من المَعرفة النَسقيّة المُنظّمَة، خاصّةً تلك المَعرفة الّتي تَتَّبِع الوسائِل الفَنيّة والمبادئ‏ داخل المَنهج العِلمي (466) .

3 - العِلم هو: الإدراك مُطلَقاً، تَصوّراً كان أو تَصديقاً، يَقيناً أو غير يَقين (467) .

4 - العِلم هو: إدراك الكُلّي مفهوماً كان أو حكماً، وإدراك المَراتب تصوّراً أو تصديقاً، وإدراك المسائل عن دليل (468) .

5 - العِلم هو: حضور صورة الشي‏ء عند العَقل (469) .


المَبحث الثاني: تَقسيمُ العُلوم

تُوجَد تقسيمات كثيرة للعُلوم، فقد تُصنَّف على أساس مَنهج البحث، أو على غير ذلك، والآن نذكر عدَّة تقسيمات لهذه العلوم:

أ - تقسيم العلوم إلى نَظَريّة وعَمليّة:

هناك مَن قام بتقسيم العلوم إلى قِسمين، نَظَريّة وعَمليّة، والعلوم النظرية إلى ثلاثة أقسام:

1 - العِلم الإلهي (الفلسفة الأُولى).

2 - العِلم الرياضي (العِلم الوسط).

3 - العِلم الطبيعي (العِلم الأدنى).

أمّا العلوم العمليّة، فتَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام:

1 - عِلم تدبير المَنزل.

2 - عِلم الأخلاق.

3 - العِلم بتدبير المُشارَكة - الّتي للإنسان - مع الناس كافّة (وهذا عِلم أصله العلوم الشرعيّة، وتُكمّله العلوم السياسيّة) (470) .

ب - تَقسِيم العُلوم إلى ثلاثةِ أقسام (471) :

1 - العلوم الطبيعيّة: وهي العلوم الّتي يكون موضوعها الطَبيعة، والّتي تَستخدِم المَنهج التجريبي في البحث، كالفيزياء، الكيمياء، و...

2 - العلوم الاجتماعيّة: وهي العلوم الّتي تَهْتّمّ بالإنسان، من حيث هو فَرْد ومن حيث هو عُضو في جماعة، كالعلوم اللُغويّة والتَشريعيّة والأخلاقيّة و...

3 - العلوم الرياضيّة: وهي العلوم الّتي يكون مَوضوعها العَدَد والتابِع.


والمقصود من العلوم هُنا - في هذه الدراسة -، هي العلوم التجريبيّة، الّتي تستخدم المَنهج التجريبي في البحث (472).

المَبحث الثالث: العلوم التجريبيّة بين الظَنِّ واليَقين

بسَببِ اعتماد العلوم التجريبيّة على مَنهجِ الاستقراء (473) في تحصيل المَعرفة، وأنّ الاستقراء مهما تَعَدَّدَت مُفرداته لا يُمكن أن يكون تامّاًٍ؛ لأنّه يقوم على أساس تجميع الشواهِد والقرائِن لتأييد أحدى الظواهر أو دَحْضِها، وهذا التَجميع مهما بلغَ من القوَّة والكَثرة، لا يَبلغ درجة اليَقين.

فكيف يُمكن حلّ مُشكلة الطَفرَة من الخاصِّ إلى العامِّ (474) ، ومن الاحتمال إلى اليَقين؟

هناك ثلاثة مَذاهب في إفادَةِ الاستقراء اليقين، أو الاحتمال، هي:

1 - المَذهب العَقلي:

وهي المَدرسة الّتي يُمثّلها أرسطو وتلامذته، والّتي تُؤمِن بوجود قضايا أوّلية، بَديهيّة، يَقينيّة.

وقد أرجع المَذهب العقلي القضيّةَ الاستقرائية (التَجريبيَّة) إلى قَضِيَّتَين بُرهانِيَّتَين:

صُغرَى: من مجموعة القضايا المُجرَّبة المَحسوسَة، وهي بَديهيَّة.

وكُبرى:


(التكرار لا يكون دائماً)، وهي قاعدة عقليّة بَديهيّة - حَسب رأيهم -.

فيكون ناتِج هاتَين القضيّتين يَقِينيّ أيضاً (475).

ولهذا فقد اعتقد المَذهب العَقلي بأنّ القضيّة التجريبيّة يُمكن أن تُورِث اليَقين، فيما إذا كانت القضيّة الأُولى صحيحة (تَكرّر القضيّة المَحسوسَة)، وأنّ المَعرفة التجريبيّة هي مَعرفة واقعيّة تَكشِف عن واقع موضوعي.

2 - المَذهب التَجْريبي (476):

وهو المَذهب الّذي يُنكِر وجود مَعرفة قَبليّة بَديهيّة، ويردّ جميع المَعارف البشريّة إلى التجربة والاستقراء، وهو يُؤمِن بأنّ التعميم الاستقرائي يحتاج إلى افتراضِ قضايا، ومُصادَرات لا يُمكن إثباتها عن طريق المَذهب العقلي؛ ولهذا فلا يُمكن للدليل الاستقرائي أن يُؤدِّي إلى اليقين، بل يُؤدِّي إلى تَنمِية احتمالها (477) .

وهناك مَن يَعتقد بأنّ العِلم هو مجموعة من الفَرضيَّات المُقتَرنة، لتَوصيف ظاهرة من الظواهر، وأنّه لا يُمكن أن نَجزم بصِدْقِ أيّ نَظَريّة، ولو خَرجَتْ من تجارب دقيقة بمُوفّقيّة تامّة، ولكن يُمكن استخدامها مُؤقّتاً إلى أن تحلّ بَدَلها نَظَريّة أفضل (478) ، وأنّ القضايا عندهم تَنقسم إلى قِسمين:

أ - قضايا لا تَقبَل الإبطال ولا الاستثناء مُطلَقاً: كالقضيّة الّتي تقول بأنّ جميع نقاط الدائِرة تَبتَعد عن المَركز بمَسافات مُتساوية.

ب - القضيّة الّتي تَقبَل الإبطال: كالقضيّة الّتي تقول بأنّ الجِسم الثَقيل يَسقط إلى الأسفلِ بخطٍ مُستقيم، فإنّه وإنْ كانت صادِقة؛ لأنّه لا يُوجَد هناك تَناقضاً منطقيّاً عندنا، بأنّ الجسم الثقيل لا يَسقط إلى الأسفل وإنّما يَتَحرَّك إلى الأعلى (479) .


هذا وأنّ جميع قضايا العلوم هي من النوع الثاني، قال أحدُ الباحثين: (وفي مَجال العلوم الطبيعيّة، لا سبيل لنا للحديث عن حقيقةٍ مُطلَقة، بل هناك فروض أمكن تحقيقها تجريبيّاً) (480) .

3 - المَذهب الذاتي للمَعرِفة:

وهو مَنهج مُستقِل في تفسير الاستقراء، أبدَعَه الشهيد الصدر، يختلف عن المَذهب العَقلي والتَجريبي، فَسَّرَ فيه المَعرفة الاستقرائيّة على أساس قِيَمِ الاحتمال، وتَوَلّد المَعرفة ذاتياًّ إلى أن تَصِل إلى مُستوى اليَقين؛ وذلك بتَراكُم القِيَمِ الاحتماليّة لقَضيّة ما، حتّى يَصِل احتمال نقيضها قريباً من الصفر.

قال الشهيد الصدر: (وأنا أعتقد أنّ كُلّ مَعرفة ثانويّة يحصل عليها العقلُ على أساس التَوالِد الذاتيّ (481) ، تَمرّ بمَرحلَتَين، إذ تبدأ أوّلاً مَرحلة التَوالد المَوضوعي (482)، وفي هذه المَرحلة تبدأ المَعرفة احتماليّة، وينمو الاحتمال باستمرار، ويسير نحو الاحتمال في هذه المَرحلة بطريقة التوالد الموضوعي، الّتي تَعجز عن تصعيد المَعرفة إلى درجة اليَقين، وحينئذٍ تبدأ مَرحلة التَوالد الذاتيّ، لكي تُنجِز ذلك وتَرتفع بالمَعرفة إلى مُستوى اليقين) (483) .

وهنا أنقذَ السيّد الشهيد المَعرفة البشريّة التجريبيّة من التَشكيك في قِيمتِها، وأنّها يُمكن أن تُورِث اليَقين والاطمئنان؛ بتَقريرٍ يَختلف عن تقريرِ المَذهب العقلي.

وهذا ما نذهب إليه في تفسير المَعرفة التَجريبيّة، وحتّى لو سَلَّمنا بالنَظريّات الأُخرى في تفسير العلم، فإنّ من المُؤكَّد أنّ هناك أشياء واقعيّة يقينيّة، لا يستطيع أصحاب النَظريّات التَشكيكيّة أن تَتَجاهله، مثل: حركة الأرض حول الشمس، وكُرَوِيّتها، وبعض الحقائق في الطبِّ والفيزياء و...؛ لأنّ هذه الحقائِق لا تخرج عن كونِها


مُشاهَدات حِسِّيّة مُتطوِّرة، وهذا ما نَقصده من العِلم هنا، وليس النَظَريّات الّتي لم تَتَأكّد صحّتها بعد.

خَطَواتُ تَكوين القانون العِلمي:

يَمرُّ القانون العلمي بعدَّة خَطوات، قبل أن يتحوَّل إلى حقيقة علميّة مُعتَرَف بها:

1 - المُلاحَظة وتجميع المَعلومات:

يقوم العُلماء بتجميعِ معلومات تفصيليّة عن الظاهِرة المُراد دراستها، والمُلاحظة هي أحد الوسائل المُستخدَمة في جَمْعِ المعلومات، فإنَّ بعض الاكتشافات كانتْ نتيجة لمُلاحظات عاديّة حول بعض الأحداث.

2 - تَكوِين النَظَريَّات:

تَعتَمد النَظريّات العلميّة على تفسيرِ وتعليلِ هذه المَجموعة من المَعلومات، وشرح علاقة الأحداث المُختلِفة بعضها مع البعض الآخر، والتنبُّؤ بنتائج اختبارات وأحداث مُستَقبَليَّة.

3 - إجراءُ التَجارب والبَرْهَنَة العلميَّة:

إنّ إجراء الاختبارات والتجارب، هي السبيل للتَأكّد من صحّة الأفكار الجديدة وصِدق فاعليَّتها، وإقناع الناس بصحّة إحدى النظريّات.

كما قد يُصمِّم العُلماء أيضاً تجارب؛ لتِبيان أيٍّ من النظريَّتين المُتنافِستَين أفضل لتفسير ظاهرة طبيعيّة مُعيَّنة (484) .

وهنا يَتبيَّن أنّ النظريّة العلميّة ما هي إلاّ تفسير لظاهرة من الظواهر، قد يكون صحيحاً وقد يكون غير صحيح، وأنّ مقدار صحّة هذا التفسير يَتَوقّف على إجراء التجارب والاختبارات لإثبات صحّته، وكُلّما زادت هذه الاختبارات، واستطاعتْ النظريّة أن تَتَنبّأ ببعض الظواهر مُستقبَلاً، كُلّما زادَ حظّها من


الاقتراب من الحقيقة العلميّة.

وهكذا يَتَبَيَّن أنّ هناك فرقاً كبيراً بين النظريّة والحقيقة العلميّة.

فالحقيقة العلميّة تَتَحدَّث عن واقعٍ مَلمُوس، والنظريّة هي تحليل لظواهِر، وتفسير للمعلومات المُستَحصلَة عن طريق المُلاحظة، وهذا ما يُفسِّر لنا تَغيِير النظريّات بين الحين والآخر؛ لأنّها لم تَستطِع أن تُفسِّر الواقِع تفسيراً صحيحاً، فقد ظلّتْ نظريّة التَطوّر للعالم الانجليزي داروين (1882 - 1809 م) مَوضِع نقدٍ وتَحوير، وإضافة وهَدَف، مع كُلِّ تقدّم علمي.

المَبحث الرابع: تعارض العِلم مع الدِّين

قبل أن نبدأ ببحث تعارض العِلم والدِّين، ومن ضِمنه الروايات الصادِرة عن المعصومين (‏عليهم السلام)، لابُدَّ من تناول علاقة الدِّين - ومنها الروايات - مع العِلم، والّتي يُمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:

1 - القضايا الّتي توافِق العِلم القطعي.

2 - القضايا الّتي تُخالِف العِلم القطعي.

3 - القضايا الّتي لا يُمكن للعِلم أن يُثبِتَها أو يَنفِيها؛ وذلك لأنّها خارجة عن مَنهَج العِلم في البَحث.

فكما قُلنا سابقاً: إنّ طريقة العلوم الطبيعيّة هي التجربة والمُلاحَظة، ومثل هذه القضايا - تفاصيل الجنّة والنار، ووجود المَلائِكة والجِنِّ - لا يُمكِن أنْ تُثبَت أو تُنفى من خلال هذا المَنهج.

فمَجموعة القضايا الأُولى والثالثة خارجة عن تناول هذه الدراسة، ولم يَبقَ حينئذٍ إلاّ القضايا الّتي تُخالِف العِلم القطعي.

والتعارض لا يكون واقعيّاً - فيما إذا كان الحديث مَقطوع الصدور والدلالة - مع العلم القطعي أبداً؛ لأنّنا نعتقد أنّ المَعصوم لا ينطقُ عن الهوى، وما يأتي به إنّما يكون من الله (سبحانه وتعالى) خالِق الكون والحياة، فلا يُمكن حينئذٍ أنْ يقعَ تعارض بين العالَم التشريعي والعالَم التكويني؛ لأنّ صاحب الشريعة هو خالِق الكون وواضِع قوانينه.


وعلى كُلِّ حال، فإنّ المقياس في رَدِّ الأحاديث هي العلوم القطعيّة، وليستْ النظريّات الظنيّة الّتي تَتَغيَّر بين الآوِنة والأُخرى، فلا يُمكِن الحُكم على الأحاديث الّتي تُخالِف نظريّة التَطوّر بالردِّ مثلاً - فيما إذا وُجِدتْ أحاديث -؛ لأنّ هذه النظريّة ليستْ من قطعيّات العلوم، بل هي فَرَضِيّة لم تصل إلى حدِّ القانون، وقد تَعَرَّضتْ إلى الكثير من التَحوير والتبديل بمرور الزمن، وما زالتْ، لأنّ البناء الّذي يجب أن نبني عليه، يجب أن يكون مُحكَمَاً وقويَّاً، وخصوصاً إذا كان حديثاً صادِراً عن المعصوم.

المَبحث الخامس: مَنزِلة العِلم في الكتاب والسُنَّة

لا يُوجَد دين من الأديان، حثَّ ورَغَّبَ في طلب العِلم واكتسابه كالدِّين الإسلامي، فقد وردتْ كلمة العِلم ومُشتَقَّاتها في القرآن الكريم ما يُقارب أربعمئة مرَّة (485) ؛ وذلك لِما له من أهمِّيّة كبيرة في تحصيل السعادة الدنيويّة والأخرويّة، والمُتَتَبِّع لآيات القرآن يجد أنّه لا يقصر العلم على نوعٍ خاصٍّ، وإن كانت بعض العلوم أشرف وأعلى مَرتبة من علوم أُخرى، تبعاً للنتائج المُترتِّبة عليها.

ويُمكن تصنيف الآيات القرآنية الّتي تناولت موضوع العِلم إلى عدَّة أقسام:

1 - الآيات الّتي تُعطي قيمة كبيرة للعلم والاتِّصاف به، قال تعالى: ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (486) .

2 - الآيات الّتي تُشير إلى أدوات تحصيل العلوم: ( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (487) .

3 - الآيات الّتي تدعو إلى التَفَكّر في آيات الله في الكون، واتّخاذها وسيلة من أجل زيادة الإيمان، قال تعالى: ( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ... ) (488) ، وقال تعالى: ( أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا... ) (489) .

4 - الآيات الّتي تُبيِّن أسرار عالَم الطبيعة في علم الفَلَكِ (490) ، وعلم الأرضِ (491) ، وعلم


الأحياء (492) .

والغرض من ذلك هو الحثّ على تحصِيله والاستفادة منه.

بالإضافة إلى الروايات الكثيرة الوارِدة عن المعصومين (‏عليهم السلام)، الّتي تَحثّ على طلب العلم واعتباره من الفرائِض (493) ، وتفضيل العلم على العبادة (494) ، وأنّ طالب العلم يستغفر له كُلّ شي‏ء (495) ، وتقسيم أنواع العلوم (496) ، والمَنع من بعضها (497) .

مّما يكشف مَنزلة العِلم في الإسلام، وقيمته والحثّ عليه، وكما قُلنا إنّ ذلك لا يختصّ بالعلوم الدِّينيّة، بل كلّ علم يُؤدِّي إلى فائدة دينيّة أو دنيويّة، ومنها العلوم الطبيعيّة.

المَبحث السادس: الاستدلال على هذه القاعِدة

يُمكن الاستدلال على هذه القاعِدة على أساس تقديم القَطع على الظنِّ؛ لأنّ القطعَ حُجّة من أيّ طريق كان.

وكما قُلنا سابقاً، فإنّ المُراد من العلم هنا هو العلم القطعي، وليس النظريّات الّتي لم يَتَأكّد صحّتها بعد، مع الأخذ بنَظرِ الاعتبار بعض القضايا المُسلَّمة، منها:

1 - عَدم تناقض القوانين الكونيّة مع التعاليم الشَرعيّة:

وذلك لأنّ الله هو خالِق الكون ومُنزِّل الشريعة، فلا يُمكن أن يحدث تعارضاً بين الاثنين فيما إذا كانا قَطعِيَّين، وقد أشرنا إلى هذه المَسألة فيما سبق.

2 - عِصمة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والأئمّة (عليهم السلام):

فإذا ما تَحدَّث النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) عن أمرٍ من الأمور التشريعيّة أو التكوينيّة، فإنّه لا يُمكن أن يُخالِف الحقيقة العلميّة أبداً؛ لأنّه إنّما ينطق عن لِسان الوَحي ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (498) .

أمّا بالنسبة إلى الأئمّة (عليهم السلام)، فما وردَ من أدلّة على عِصمَتهم (499) .


وطبقاً لهاتين المُسلَّمتين، فإذا ما ورد حديث يُخالِف العلم القطعي، فهذا يعني عدم صدوره من المعصوم.

ولم يختلف علماء المسلمين في المسألة الأُولى، وإنّما حدث الاختلاف في المسألة الثانية وذلك؛ لأنّ الاعتقاد بعصمة الأنبياء أو عدم عصمتهم، وإمكانيّة تَعبُّدهم بالاجتهاد أو المَنْع من ذلك، له مَدخليّة في الموقف من الروايات المُخالِفة للعلوم القطعيّة.

وكذلك بالنسبة إلى تقسيم السُنّة إلى تشريعيّة وغير تشريعيّة - كما يعتقد بعض الأصوليّين -؛ لأنّ الحُكم على بعض أنواع السُنّة بأنّها ليست وارِدة في مجال التشريع، وأنّها غير معصومة من الخَطأ، ولم تصدر من مَعين الوحي، يختلف عن موقف الّذي يُنْكِر هذا التقسيم ويعتقد بأنّ السُنّة كلّها تشريع.

وفيما يلي نُشير إلى هذين البحثين، بما لَهنّ من ارتباط بموضوع البحث:

أ - اجتهاد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فيما لا نصّ فيه:

اختلف الأصوليّون في جواز أو عدم جواز الاجتهاد من الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى أربعة آراء:

1 - المَنع من الاجتهاد مُطلَقاً، سواء كان في أمور الدِّين أم أمور الدنيا.

2 - جواز الاجتهاد مُطلَقاً، في أمور الدِّين والدنيا.

3 - جواز ذلك في الأمور الدنيويّة، كالأمور الحربيّة، دون الأحكام الشرعيّة.

4 - التوقّف؛ لتعارض الأدلّة (500) .

ثُمّ اختلفوا في جواز الخطأ من الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فأصحاب الرأي الأوّل اتّفقوا على عدم جواز الخطأ؛ إذ لا اجتهاد.

والطائفة الأُخرى انقسمتْ بدورها إلى قِسمين، فالمُصَوِّبَة يمنعون من جواز الخطأ عليهم، والمُخَطِّئَة منهم مَن قالوا بجواز الخطأ على الأنبياء، ومنهم مَن منع ذلك (501) .

فإذا ما ورد حديث من الأحاديث مُخالفاً للعلم القَطعي، مُخالَفةً من جميع الجِهات، ولا يُمكن تأويله تأويلاً قريباً يَتَّفِق مع أساليب اللغة، فهذا يعني عدم صدوره من المعصوم، على رأي الّذين يعتقدون بعصمة الأنبياء (عليهم السلام).


أمّا على الرأي الآخر، فلا يعتبرون هذه الأحاديث غير صادِرة من المعصوم قطعاً؛ لجواز أن يخطأ الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الأمور الدُنيويّة. (إنّ إنكار النبي (صلّى الله عليه وآله) في بعض الأمور الدُنيويّة المَبنيَّة على التجارب للتشريع، كتلقيح النخل فامتنعوا عنه فأشَاصَ (خَرَجَ ثمره شِيْصاً، أي رَديئاً أو يابِساً)، فراجعوه في ذلك فأخبرهم: أنّه قال ما قال عن ظنّ ورأي لا عن تشريع، وقال لهم: (أنتم أعلم بأمور دُنياكم...) ) (502) .

ب - تقسيم السُنّة إلى تشريعيّة وغير تشريعيّة:

وهو من البحوث المُهمّة، ومثار جدل بين الكُتّاب والمُحدِّثين، فهناك من قام بتقسيم السُنّة إلى أقسام مُتعدِّدة، منها:

1 - ما صدرَ منه (صلّى الله عليه وآله) بحسب الطبيعة البشريّة، كالأكل، والشرب...

2 - ما صدرَ منه بحسب خِبْرته وتجاربه في الحياة، مثل شؤون التجارة والزراعة، والمسائل المُتعلّقة بالتدبيرات الحربيّة.

3 - ما صدر منه على وجه التبليغ عن الله تعالى.

وإنّ القِسمين الأوّلين ليسا من التشريع؛ لأنّ مَرجع الأُولى إلى الطبيعة البشريّة والجِبْلة الإنسانيّة، والثانية إلى التجارب الحياتيّة والخِبرة الشخصيّة (503) .

وهناك مَن استغربَ هذا التقسيم، واعتبر السُنّة النبويّة كلّها تشريع، بلا فرق بين ما تقتضيه الطبيعة البشريّة، أو ما كان صادِراً عن طريق الخبرة والتجارب، أو ما صدر منه على وجه التبليغ؛ لأنّه ما من واقعة إلاّ ولَها حُكم في الشريعة الإسلاميّة، بلا فرق بين هذه الأقسام الثلاثة.

ثُمّ ما ورد من أدلّة العِصمة الشامِلة لكلّ هذه الموارد (504) .

فعلى الرأي الأوّل، فإنّ كثيراً من أقوال النبي (صلّى الله عليه وآله) تخرج عن دائرة التشريع؛ لأنّها


سوف تكون خاضِعة للتجارب والخبرة الشخصيّة، ولم تصدر من الوحي، وبالتالي فلا يُمكن الجزم بعدم مُخالَفتها للعلم القطعي، وإن كانت صادرة عن الرسول؛ لأنّها - والحال هذه - لم تخرج من مِشكاة الوَحي.

أمّا على الرأي الثاني، فلا يُمكن تصوّر الخطأ في مثل هذه الأخبار؛ لأنّها كلّها صادِرة من مَعين الوحي، وكلّها حقّ، فإذا ما وردَ حديث يُخالِف العلم القطعي مُخالَفةً من جميع الوجوه، فهذا يعني عدم صحّة هذا الخبر، أو أنّه مُؤوَّل.

نُبْذَة عن الأخبارِ الطبِّيَّة:

وعلى أساس المَباني السابقة، اختلفت المواقف من الأخبار الواردة في كتب الفريقين في الطِبِّ، والتداوي بالأعشاب وبعض العَقاقِير المُستخدَمة في العِلاج، فهناك مَن اعتبر هذه الأخبار وَصْفَة علاجيّة صادرة عن الوَحي، مُفيدة لكلّ زمان ومكان.

قال الشيخ المُفيد: (الطِبّ صحيح، والعلم به ثابِت وطريقه الوَحي، وإنّما أخذه العلماء به عن الأنبياء (عليهم السلام)، وذلك أنّه لا طريق إلى عِلم حقيقة الداء إلاّ بالسَمعِ، ولا سبيل إلى معرفة الدواء إلاّ بالتوفيق) (505) .

ومنهم مَن اعتبر هذه الأخبار صادِرة عن المعصومين‏ (عليهم السلام) من باب الخِبرة. قال ابن خلدون: (وإنّما هو أمر كان عاديّاً، ووقعَ في ذكرِ أحوال النبي (صلّى الله عليه وآله)، من نوع ذكر أحواله الّتي هي عادَة وجِبْلة، لا من جهة أنّ ذلك مَشروع) (506) .

وصَنّف الشيخ الصدوق الأخبار الطبِّيَّة إلى عدّة أقسام، فقال: (إنّ اعتقادنا في الأخبار الطبيّة على وجوه:

1 - ما قيل على هواء مكّة والمدينة، فلا يجوز استعماله في سائر الأهوية.


2 - ما أخذ بنَظَرِ الاعتبار طَبْع السائِل، فلا يُمكن تسريَته على غيرِه.

3 - ما دَلَّسَه المُخالِفون في الكُتبِ لتشويه المَذهب.

4 - ما وقعَ فيه سهو من ناقِله.

5 - ما حُفِظ بعضه ونُسِي بعضه) (507) .

وعلى أساس هذا الرأي، لا يُمكن اعتبار هذه الأخبار وَصفة طبِّيّة تصلح لجميع الأمْكِنة والأزمِنة.

النتائج:

1 - المَقصود بالعلوم هنا هو: العلوم القطعيّة الثابِتة، وليست النظريّات غير الثابتة الّتي تَتَعرَّض إلى التبديل والتحوير بمُرور الزمن.

2 - لقد عرضنا ثلاث نظريّات حول ظنِّيَّة أو قطعيّة العلوم التجريبيّة، واخترنا النظريّة الّتي طرحها الشهيد الصدر حول قطعيّة العلوم التجريبيّة وغيرها، عن طريق حِساب الاحتمالات، والّتي تُسمّى (المَذهب الذاتي في المَعرفة).

3 - إنّ الحُكم على الحديث بصدوره عن المَعصوم، أو بعدم صدوره لمُخالفته العلوم القطعيّة، يعتمد على بعض المَباني المُختلَف فيها بين الفَريقَين، كعصمة الأنبياء (عليهم السلام)، واجتهاد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وجواز الخطأ عليه إذا ما اجتهد، وتقسيم السُنّة إلى تشريعيّة وغير تشريعيّة.

4 - إنّ الحديث القطعي الصدور لا يُمكن أن يُعارِض العلوم القطعيّة.

المَبحث السابع: الروايات المُخالِفة للعلوم القطعيّة

مَنشأ تَكوِّن الوَلد:

1 - عن عبد الله بن سِنان، عن أبي عبد الله‏ (عليه السلام)، قال: (ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدِيَّة، مثل اليَدَين والعَينَين، قال، قلتُ: رَجلٌ فُقِئتْ عَينه؟ قال: نصف الدِيَّة،


قُلتُ: فرَجل قُطعَتْ يَده؟ قال: فيه نصف الدِيَّة، قلتُ: فرَجل ذهبتْ إحدى بَيضَتَيه؟ قال: إنْ كانت اليَسار، ففيها ثلثا الدِيّة، قلت: ولِمَ؟ أليس قلتَ: ما كان في الجَسدِ منه اثنان ففيه نصف الدِيَّة؟! فقال: لأنّ الوَلد من البيضةِ اليُسرى) (508) .

2 - عن محمّد بن هارون، عن أبي يحيى الواسِطي، مرفوعاً إلى أبي عبد الله (‏عليه السلام)، قال: (الولد يكون من البَيضة اليُسرى، فإذا قُطعَتْ ففيها ثلثا الدِيَّة، وفي اليُمنى ثلث الدِيَّة) (509) .

وقد أفتى الشيخ الطوسي بذلك، استناداً على هذه الروايات، قال: (وفي الخِصْيَتَين الدِيَّة بلا خِلاف، وفي اليُسرَى ثلثا الدِيَّة وفي اليُمنى ثلثها، وبه قال سَعيد بن المُسيّب. قال: لأنّ النسلَ منهما، كما رواه أصحابنا) (510) .

وقد وصفَ الشهيد الثاني الرواية الأُولى بأنّها (حَسنة)، ثُمّ استنكر هذا المَعنى فقال: (وتُخلَق الولد منها لم يثبت، وخَبَرهُ مُرسَل، وقد أنكرهُ بعض الأطبّاء) (511) .

وقد علَّق بعض الشُرّاح على هذه الأخبار، فقال: (والطِبُّ الحديث يُنكِر ذلك، وقد راجعنا الحذّاق من الأطبّاء في هذا الموضوع فأنكروا ذلك، وصرَّحوا بتساويهما في جميع الوَظائف، حتّى في كمِّيّة المَنِي وكيفيَّته) (512).

لَبن الغُلام والجارِيَة:

روى السَكوني عن جعفر الصادق، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: (لَبَن الجارِية وبولها يُغسَل من الثوب قبل أنْ تُطعَم؛ لأنّ لَبنها يخرج من مثانة أُمّها، ولَبن الغُلام لا يُغسَل منه الثوب، ولا من بوله قبل أن يُطعَم؛ لأنّ لَبَن الغُلام يخرج من العَضدين والمَنكَبَين) (513) .

وهذه الرواية تُخالِف العِلم من زاويتين:


1 - مَنشأ تكوّن اللَبن.

2 - اختلاف المَنشأ حسب جنس الجنين.

وقبل الحُكم على هذه الرواية، لابُدَّ من معرفة التفسير العِلمي لتَكوّن اللَبن، فنقول: إنّ منشأ اللَبن في جميع أنواع الثَديَّات يَمرّ بعمليّة واحدة دقيقة ومُعقَّدة، في داخل الثَدي الّذي يحتوي على آلاف الخلايا الّتي تُشكِّل مَصنعاً في غاية الدِقَّة، ويُمكن تلخيص هذه العمليّة الحَيَويّة بالخطوات التالية:

1 - يَتَرشّح الماء الموجود بالدَمِ بنِسبٍ مُتساوية لكمِّيَّة اللَبن، حسب الشفرة الوراثيّة الموجودة في خلايا الثَدي.

2 - تقوم خلايا الضَرعِ بانتقاءٍ فَسيْولوجِي للعناصِر الموجودة بالدَمِ.

3 - تُصنِّع خلايا الضَرعِ موادّ غير موجودة بالدَمِ، إلى أن يَتَشَكَّل اللَبن في شَكله النهائي، بالصورة المعروفة (514) .

وهذه المعلومات ليست فرضيّات قابِلة للخطأ والاشتباه، بل هي حقائق علميّة يَتَّفق عليها جميع العلماء والأطباء.

ولذلك علَّق السيّد الخوئي على هذه الرواية، فقال: (إنّ الرواية لا يُحتَمَل صحّتها ومُطابَقتها للواقِع أبداً؛ للقَطع بعَدمِ اختلاف اللَبن في الجارية والغلام من حيث المَحلّ، بأنْ يخرج لَبن الجارية من مَوضع، ويخرج لَبن الغلام من موضع آخر؛ لأنّ الطبيعة تقتضي خروج اللَبن من موضع مُعيَّن في النساء، بلا فرق في ذلك بين كون الوَلد ذَكراً أو أُنثى) (515) .

وقتُ تَكَوّن جِنس الجَنين:

عن ابن مسعود، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (إنّ النُطْفَة تكون في الرَحمِ أربعين يوماً على حاله لا تَتَغيَّر، فإذا ما مضتْ له أربعون، صارتْ عُلقة ثُمّ مُضغَة ثُمّ عِظاماً كذلك، فإذا أراد أن يَسوِّي خلقه، بعث الله إليه المَلَك، فيقول المَلَك الّذي يَليه: أي ربّ، أذكر أم أُنثى؟


أشَقيٌ أم سعيد؟ أقصيرٌ أم طويل؟ أناقصٌ أم زائد... أصحيح أم سقيم؟ قال: فيُكتَب ذلك كلّه) (516) .

وقبل الحُكم على هذا الحديث، لا بُدّ من معرفة رأي الطبِّ في هذه المَسألة، عِلماً أنّ معرفة جنس الجنين لم يُعرَف إلاّ في النصف الثاني من القرن الماضي، وأنّ الرَجُل هو المَسؤول عن نوع جِنس الجنين، وأنّ الجنين يتحدّد جنسه في اللَحظة الّتي يحصل فيه التَخصيب، فإذا كان الحيوان المَنَوِي الّذي نجحَ في تلقيحِ البُويضَة يحمل الكروموسوم ( Y ) (صفات الذكورة) كانت النتيجة ذكراً، وإنْ كان الحيوان المَنَوِي يحمل الكروموسوم ( X ) (صفات الأنوثة) كانت النتيجة أُنثى) (517) .

وهناك حديث آخر ذكر هذه المراحل دون تحديد جِنس الذَكر والأُنثى.

فعَن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أنّه قال: (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ...) (518) .

ولتحقيق المَسألة نقول: إنْ كان رأي العلم في هذا الأمر قطعيّاً، لا يَتَطَرَّق إليه الشكّ، فتكون مثل هذه الأحاديث مُخالِفة للعِلم القطعي، ويجب ردّها إن لم يكن هناك لها تأويل مقبول.

أضْلاع الرَجُل والمَرأة:

رُوي عن الإمام علي (عليه السلام): (أنّه كان يُورِث الخُنثَى، فيَعدّ أضلاعه، فإنْ كانتْ أضلاعه ناقِصة عن أضلاع النساء بضِلْع وَرَثَ مِيراث الرجال؛ لأنّ الرجلَ تَنقص أضلاعه عن أضلاع النساء بضِلْع؛ لأنّ حوّاء خُلِقَتْ من ضِلع آدم القُصْوَى اليُسْرى، فنقصَ من أضلاعه ضِلع واحد) (519) .


وهذا الأمر مُخالِف للعلم والتجربة والحسّ، خصوصاً بعد أن تَطَوَّر عِلم التَشريح تَطوُّراً كبيراً، فالأطبِّاء الجرّاحون يوميّاً يُشرِّحون آلاف الجُثَث في شتّى أنحاء العالم، ولم نسمع يوماً من الأيّام أنّ عدد أضلاع الرجال أقلّ من عدد أضلاع النساء (520) .

لا عدوى:

أخرجَ ابن ماجة، عن يحيى بن أبي حيّة، عن أبيه، عن ابن عُمَر، قال: قال رسول الله (‏صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْبَعِيرَ يَكُونُ بِهِ الْجَرَبُ فَيُجْرِبُ الإِبِلَ كُلَّهَا، قَالَ: ذَلِكُمْ الْقَدَرُ، فَمَنْ أَجْرَبَ الأَوَّلَ؟!) (521) .

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث، قال: (إنّ أعرابيّاً أتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، إنّي أُصيب الشاة والبقرة والناقة بالثَمَنِ اليسير وبها جَرَب، فأكره شراءها مَخافة أن يعدي ذلك الجَرب إبلي وغنمي، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا أعرابي، فمَن أعدَى الأوّل؟! (522) ثُمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ولا هَامَة...) (523) .

والحديث بهذا المَعنى مُخالِف للعلوم الطبيّة القطعيّة في العدوى، وسَرَيان المَرَضِ من الشخص المَريض إلى الصحيح، وهي مَسألة مَحسوسة حتّى عند الأعراب، إلاّ إذا كان هناك تأويلاً مَعقولاً لهذه الأحاديث.

ثُمّ إنّه قد وردتْ أحاديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مُخالِفة لهذه الأحاديث، منها: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: (إذا سَمعتُم بالطاعون بأرضٍ فلا تَهبطوا، وإذا كان بأرضٍ وأنتم بها فلا تفرّوا منها) (524)، وهي صريحة في انتقال العَدوى، وسَرَيان المَرض.


سَبَبُ الحَيْضِ عند النِساءِ:

أخرج عبد الرزّاق - صاحب المصنّف - عن ابن مسعود، بإسنادٍ صحيح، قال: (كان الرجال في بني إسرائيل يُصلِّون جميعاً، فكانت المرأة تَتَشَرّف للرجال، فألقى الله عليهنّ الحيض ومُنِعن المساجد)، وروى مثله عن عائشة (525) .

وهذا مُخالِف لما ثَبتَ من أنّ الحيض يرتبط بطبيعة المرأة وخصائصها، ولا علاقة له بهذه الحادثة أو غيرها من الحوادث.

وقد وردَ هذا المعنى في حديث آخر عن النبي‏ (صلّى الله عليه وآله)، أنّه قال: (هذا شَي‏ء كَتَبَه الله على بناتِ آدم) (526) .

الحَملُ وَقْت الحَيض:

عن عذافر الصَيرفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (تَرى هؤلاء المُشَوّهين خَلْقهم؟ قال، قلتُ: نعم، قال: هؤلاء الّذين آباؤهم يأتون نساءهم في الطَمْثِ) (527).

وفي حديث آخر عن الصادق‏ (عليه السلام) أنّه قال: (لا يبغضنا إلاّ من خبثتْ ولادته، أو حملتْ به أُمّه في حيضِها) (528) .

وهذا المعنى كثير في الروايات، فإن أمكن تأويله فهو، وإلاّ فإنّه مُخالِف لرأي الطبِّ الحديث.

وقبل التعليق على هذا الحديث، لابُدّ من معرفة رأي الطبِّ في كيفيّة بدء الدَورَة الشهريّة والتفسير العلمي لعمليّة الطَمْثِ، وارتباط كلّ ذلك بعمليّة الحمل والولادة، فنقول:

في اليوم الخامس من مرحلة النقاء من الدورة الطَمْثيّة يبدأ غشاء الرَحم بالتَضخّم تدريجيّاً، حتّى يصل إلى أعلى مراحل النمو في اليوم (15 - 14) من الدورة الطَمْثيّة، وذلك استعداداً لاستقبال البُوَيضة خلال هذه الفترة.

وسبب هذا التَضخّم هو هرمون خاصّ (هرمون الحمل)، وإذا لم يحدث التلقيح خلال هذه الفترة، فإنّ هذا الهرمون


يقلّ تَدريجيّاً إلى أن ينقطع، مّما يُسبِّب انقباض الأوعية الدَموية المُغذِّية لغِشاء الرَحم انقباضاً شديداً، فتُمنَع عنه التغذية، فيَضعف الغِشاء، ثُم يَتَفتَّت تدريجيّاً ويخرج منها الدَم المُحتَقِن، وذلك في اليوم الثامن والعشرين من الدَورة الشَهريّة.

وإنّ بدأ الدورة الشهريّة هو في الحقيقة اليأس من حصول الحَمْل؛ ولذلك فلا يُمكن أن يُؤدّي الجُماع في الحَيضِ إلى الوظيفة المَطلوبة، ولا يُمكن انتظار الولد من وطءِ الحيض مُطلقاً (529) .

وقد علّقَ أحد المُختصِّين في هذا المَجال فقال: ليس صحيحاً أنّ الولد يكون أحْوَلاً نتيجة لوطء الحيض، فوطء الحائِض لا يُؤدّي إلى الولد كما أسلفنا (530) ؛ ولهذا فلا يُمكن أن تكون هذه الرواية صحيحة والحال هذه (531) ، مع الأخذ بنظر الاعتبار المَعاني السابقة.

الذُباب وشفاء الأمراض:

روى أبو هُريرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنّه قال: (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً) (532).

وقد كان هذا الحديث وما زال هدفاً لسِهام نقّاد الحديث، فقد نقلَ ابن قُتَيبَة قول بعض المُتكلّمين في نقد هذا الحديث، فقال: (وقالوا كيف يكون في شي واحد سَمّ


وشفاء، وكيف يعلم بمَوضع الشفاء ويُؤخّره؟!) (533) .

أمّا نحن فنقول: إنّه لا يُوجَد مانِع من وجود سمّ وشفاء في آن واحد من الناحية النظريّة، بل الأمر الثابت علميّاً عند الأطبّاء إلى درجة تصل إلى القطع، بأنّ الذُباب هو العامل الرئيسي لنقل الأمراض والعَدْوى، ولم نسمع من أحدِهم أنّه قال بأنّ في إحدى جناحيه شفاء، مع تَقدّم العلم واكتشاف المَجاهِر الالكترونيّة الدقيقة.

ولا داعي للنقاش والتأويل في صحّة الحديث، ما دمنا نعتقد أنّ الحديث ليس وحياً قطعي الصدور والدلالة.

الأرضُ على ظَهْرِ حوت:

4 - عن أبّان بن تَغلبْ، قال: (سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأرض، على أيّ شي‏ء هي؟ قال: هي على حوت، قلتُ: فالحوت على أيّ شي‏ء هو؟ قال: على الماء، قلتُ: فالماء على أيّ شي‏ء هو؟ قال: على صَخرة، قلتُ: فعَلى أيّ شي‏ء الصخرة؟ قال: على قَرْنِ ثورٍ أمْلَس، قلتُ: فعلى أيّ شي‏ء الثور؟ قال: على الثَرى، قلتُ: فعلى أيّ شي‏ء الثَرى؟ فقال: هيهات، عند ذلك ضَلَّ عِلم العُلماء) (534) .

وأحسب أنّ هذا لا يحتاج إلى تعليق، فالرواية مُخالِفة لبديهيّات العِلم التَجريبي القطعي، فلا الأرض على ظهر حوت، ولا الحوت على قَرن ثور، بل هي كُرة مُعلَّقة بالفضاء الخارجي، وقد تحقَّق ذلك بالتصوير الحيّ، فإنكار هذا الأمر يعني إنكاراً للواقع البَديهي.

ولهذا فقد علَّق أحد العلماء على مثل هذه الأحاديث فقال: (إنّ أساطين علمائنا كالشيخ المُفيد والسيّد المرتضى ومَن عاصرهم أو تأخَّر عنهم، كانوا إذا مرّوا بهذه الأخبار وأمثالها مّما تُخالِف الوجدان، وتُصادِم بديهة العقول، ولا يدعمها حُجّة لا بُرهان، بل هي أقرب إلى الخُرافة منها إلى حقيقة الواقع... قالوا: هذا خبرٌ واحد، لا يفيدنا علماً ولا عملاً) (535) .


الباب الثاني / الفصل السادس:

الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام المعصوم (‏عليه السلام)

المَبحث الأوّل: المَعصوم في بلاغتِه وفصاحَتِه.

المَبحث الثاني: المَعصوم في خُلُقِه وسِيرَتِه.

المَبحث الثالث: مَصاديق الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام المعصوم.

المَبحث الأوّل: المَعصوم في بلاغَته وفَصاحَته

كان النبي (صلّى الله عليه وآله) مُتميِّزاً في كلّ شي‏ء، ومنها صفة الفصاحة والبلاغة التي عُرف بها المُجتمع الجاهلي في ذلك الوقت.

وهي من أشدّ الصفات الّتي يحتاجها النبي (صلّى الله عليه وآله) في نشر رسالته، حتّى قال موسى (عليه السلام) - عندما أُرسل إلى فرعون -: ( وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ... ) (536).

فقد نشأ (صلّى الله عليه وآله) في أفصح بيت في قريش - وهو بيت سَعد بن بكر - وقد ورد عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (أُعطيتُ جوامِع الكَلِم، واختُصرَ لي الكلام اختصاراً) (537) ، وقال أيضاً: (أنا أعْرَبكم، أنا من قريش، ولِساني لِسان سَعد بن بكر) (538).

ويظهر ذلك جليّاً عند تَتَبّع كلامه وما أُثرَ عنه من جوامع الكَلِم، وقد وصفَ أحد الأُدباء كلامه‏ (صلّى الله عليه وآله) بأنّه (لم يسبقه إليه عربي، ولا شاركه أعْجَمِي، ولم يُدَّعَ لأحدٍ ولا ادّعاه أحد، مّما صار مُستعملاً ومثلاً سائراً) (539) .

وقد وصفَه أيضاً فقال: (وهو الكلام الّذي قلَّ عَدَد حروفه، وكثرتْ مَعانيه، وجلَّ عن الصُنعة، ونُزّه عن التَكلّف، واستعمل المَبسوط في مَوضِع البَسط، والمقصور في مَوضع القَصر، وهَجرَ الغريب الوَحشي،


ورَغبَ عن الهَجين السُوقِي، فلم ينطق إلاّ عن ميراث الحكمة، ولم يتكلّم بكلامٍ إلاّ وقد حُفَّ بالعِصمة... لم تسقط له كلمة، ولا زلَّت به قَدم، ولا بارَتْ له حُجّة، ولا أفحمه خَطيب) (540) .

وهذا الكلام يجري في حقِّ الأئمّة (عليهم السلام) أيضاً، ويكفي أن أنقل شهادَتين من كِبار العُلماء والأُدباء على فصاحة وبلاغة أمير المؤمنين (عليه السلام):

قال ابن أبي الحديد في وَصفِ كلام الإمام علي (عليه السلام): (كان أمير المؤمنين مَشرَع الفصاحة ومَورِدها، ومَنشأ البلاغة ومَولدها، ومنه (عليه السلام) ظهر مَكنونها، وعنه أُخذتْ قوانينها، وعلى أمثلته حذا كلّ قائِل خطيب، وبكلامه استعان كلّ واعِظ بليغ، ومع ذلك فقد سَبَقَ وقصَّروا، وتقدَّم وتأخّروا...) (541) .

وقال آخر في وصفِ نهج البلاغة: (تَصَفّحتُ بعض صفحاته في مواضع مُختلفات، فكان يُخيَّل لي في مَقام أنّ حروباً شبَّتْ وغارات شُنَّتْ، أو أنّ للبلاغة دَولة، وللفصاحة صَولَة، وأنّ جَحافِل الخطابة، وكتائِب الذواقة في عقود النظام وصنوف الانتظام... وليس في أهل هذه اللُغة إلاّ قائِل بأنّ كلام الإمام علي هو أشرف الكلام وأبلغه بعد كلام الله تعالى وكلام نبيّه، وأغزَره مادّة وأرفعه أسلوباً) (542) .

وليس بعد هاتَين الشهادتَين شهادة، ولا دليل أوضح من هذه الأدلّة.

المَبحث الثاني: المعصوم في خُلُقِه وسِيرَتِه

لا يستطيع الإنسان مهما بلغَ من القوّة في البيان، أن يصف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في خُلُقه وسِيرته إلاّ بالاعتراف بالعَجزِ عن ذلك، وقد وصفه الله (سُبحانه وتعالى) فقال: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (543) ، وعندما سُئلت إحدى زوجاته عن خُلُقه (صلّى الله عليه وآله)، قالت: كان خُلُقه


القرآن (544) .

فقد جمع مَكارم الأخلاق في جميعِ أموره الفرديّة والاجتماعيّة، في تعامله مع الناس ومع أهلِه، في شجاعته وتواضعه، في كرمه وصبره، وقد وصفَه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: (كان أجود الناس كَفّاً، وأجرأهم صدراً، وأصدق الناس لَهْجَة، وأوفاهم ذِمّة، وأليَنَهم عَريْكة، وأكرَمهم عِشْرة، مَن رآه بَديهة هابَه، ومَن خالَطَه مَعرِفة أحبَّه، لم أرَ مثله قبله، ولا بعده مثله) (545) .

وقد أمر الله (سُبحانه وتعالى) باتّباعه، فقال: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ ) (546) .

وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) يصِف نفسه ومَنزلته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فيقول: (وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ، يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، ويُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ء ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَلا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ.

وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ (صلّى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلاقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ، فَأَرَاهُ وَلا يَرَاهُ غَيْرِي، ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ) (547) .

وكفى بذلك شاهِداً على عَظمة أخلاق النبي (صلّى الله عليه وآله)، والأئمّة (عليهم السلام) من بعده، وهل هناك أعظم شهادة من شهادة الله وأمير المؤمنين (عليه السلام)؟!.

وعلى أساس هاتين المُقدِّمتين، فكلّ حديث لا يُشبه كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، سواء كان من حيث الفصاحة والبلاغة، أم من حيث سَماجة المَعنى ورَداءته، فلا يُعتَبر مَقبولاً؛ لمُخالَفته هذه المَباني.


وقد بحث علماء الحديث هذا الأمر تحت عنوان (الرَكَاكَة) وهي الرَداءة، واعتبروا الرَكاكة مِقياساً للتَعرّف على الحديث الموضوع، وقَسّموا الرَكاكة إلى قِسمين: رِكَّة لفظيّة ورِكَّة مَعنويّة، والأُولى ترجع إلى مُخالَفة الحديث لبَلاغة وفصاحة المعصوم، أمّا الثانية فترجع إلى سَماجَة المَعنى ورَداءته، واشترطوا في الرِكّة اللفظيّة أن يكون الحديث منقول باللفظ لا بالمعنى.

قال ابن حَجر: (المَدار في الرِكّة على رِكّة المعنى؛ لأنّ هذا الدِّين كلّه مَحاسن، والرِكّة ترجع إلى الرداءة... أمّا رِكّة اللفظ فلا تدلّ على ذلك، لاحتمال أن يكون الراوي رواه بالمَعنى، فغَيَّرَ ألفاظه) (548) .

وهناك مِصداق آخر من مصاديق الأحاديث الّتي لا تُشبِه حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو الحديث المُشتَمِل على ألفاظ ومصطلحات مُستحدَثة، لم توجد في زمن المعصوم.

ولهذا تكون أنواع الأحاديث الّتي لا تُشبِه أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هي:

1 - رِكّة اللفظ، فيما إذا كان الحديث مَنقولاً باللفظ.

2 - احتواؤه على مُجازَفات ومُبالَغات في الثواب والعقاب.

3 - سَماجَة المَعنى ورَداءته.

4 - احتواؤه على مُصطلحات مُستحدَثة، لم توجد في زمن المعصوم.

والآن نبحث كلاًّ من هذه المصاديق على حِدَة، مع ذكر بعض النَماذِج.

ولا بُدَّ من الإشارة إلى أنّ جميع هذه المصاديق هي من الأحاديث الرَكِيكَة المعنى؛ ولكنّنا صنّفناها على هذا الأساس لغَلبَة بعض الصفات على بعض.

فمثلاً احتواء الحديث على مُجازَفات ومُبالَغات في الثواب والعقاب، هي أحاديث رَكيكة المَعنى، ولكن لأنّ الصِفة البارِزة فيها هي المُبالغة، ولذلك فقد أفردناها ببحثٍ مُستقل.


المبحث الثالث: مَصاديق الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام المعصوم.

1 - الإفراط بالوَعيد الشَديد على الأمْرِ الصَغيرِ، أو بالعَكس:

مَن استقرأ آيات القرآن الكريم والسُنّة النبويّة يُلاحظ: أنّ الشارع المُقدَّس لا ينظر إلى جميع الأعمال والأحكام بنَظرةٍ واحدة، فلكلّ عمل وزن في ميزان الشارع، فهناك الواجبات والمُستحبَّات والكبائر والصغائر، فلا يُقدّم المُهمّ على الأهمّ ولا الكبير على الصغير، وقد استخرج الفقهاء بعض القواعد الفقهيّة على أساس هذه النَظْرَة.

وقد أشارت إلى هذا المعنى الآية الكريمة: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (549) .

فمع أهمّيّة السِقاية - وهي: إيصال الماء إلى الآخرين في الحجّ -، وكذلك عِمارة المَسجد الحرام أو سِدانته ورعايته، ولكنّهما لا يَعْدِلان الإيمان بالله (سُبحانه وتعالى) والجهاد في سبيله، فالأعمال الصالحة وإن كانت مقبولة عند الله (سُبحانه وتعالى)، ولكنّها ليستْ بدرجة واحدة عنده (سُبحانه وتعالى): ( لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى... ) (550) .

ولهذا، فإذا ما وجدنا بعض الروايات الّتي تُحاول أن تُصادر هذه الحقيقة، بالمُبالغة في الثواب على بعض الأعمال وتقديم المُستحبَّات على الواجبات، فلا يُمكن القبول بها على أساس هذه الحقيقة واعتبار هذا الحديث من الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّ هذه القاعدة - كما قُلنا - مُستخرَجة ومُستنبَطة من مجموع الكتاب والسُنّة.

وفيما يلي بعض الأحاديث الّتي نعتقد أنّها تُخالِف هذه الحقيقة:

أ - نسيان سورة من أعظم الذنوب:

أخرجَ أبو داود (551) والترمذي عن المُطّلِب بن عبد الله بن حَنطَب، عن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ


الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا) (552) .

وهذا الحديث مُخالِف لهذا المقياس، فلا يمكن أن يكون أحد الأمور المُستحبّة من أعظم الذنوب، وكيف يكون أعظم من القَتل والزنا والخيانة و... الّتي ورد النهي عنها في القرآن؟!

وقد علَّق السُبحاني على هذه الرواية فقال: (فعَلى ضوء هذا الحديث، يكون نسيان آية من آيات القرآن أعظم من أكل الربا والسعي للفساد في الأرض، والزنا بالمَحارم في الأماكن المُتبرّكة، وقتل النفس المُحتَرمة، ونهب الأموال) (553) .

ب - عن أُبيّ بن كعب، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (مَن قرأ سورة الجُمعة أُعطِي عشر حسنات بعدَدِ مَن أتى الجُمعة، وبعدَدِ مَن لَم يأتِها في أمصار المسلمين) (554) .

ج - وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أنّه قال: (مَن سمع سورة يس عدلتْ له عشرين ديناراً في سبيل الله، ومَن قرأها عدلتْ له عشرين حجَّة، ومَن كتبها وشربها أدخلتْ جوفه ألف يقين وألف نور وألف بركة وألف رحمة وألف رزق، ونزعتْ منه كلّ غلِّ وداء) (555) .

وهذه الأحاديث مُخالِفة للمِقياس المذكور أيضاً.

2 - سَماجَة المَعنى:

أ - روى أبو سعيد الخدري، عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، قال: (أوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا علي، إذا أُدخلتْ العروس في بيتِك فاخلع خُفّها حين تجلس...

يا علي، لا تجامِع امرأتك في أوّل شهر ووسطه وآخره، فإن الجنون والجذام والخَبَل


يُسرِع إليها وإلى ولدها.

يا علي، لا تُجامِع امرأتك بعد الظهر، فإنّه إن قضى بينكما ولد في ذلك الوقت يكون أحولاً، والشيطان يفرح بالحَوَل في الإنسان.

يا علي، لا تتكلّم عند الجماع، فإنّه إن قضى بينكما ولد لا يُؤمَن أن يكون أخرس.

يا علي لا تُجامِع امرأتك من قيام، فإنّ ذلك من فعل الحَمير، وإن قضى بينكما ولد كان بوّالاً في الفراش، كالحمير تبول في كلّ مكان...) (556) . إلى كثير من الفقرات.

وهذه الوَصيّة إضافة إلى أنّها تُخالِف الحقائق المَحسوسة والعلميّة، فهي سَمِجَة المعنى، ولا يُمكن أن تصدر من المعصوم.

يظهر ذلك لمَن استقرأ وتتبَّع كلامه (صلّى الله عليه وآله).

قال الشهيد الثاني في هذه الوَصيّة: (... مع أنّ الاستناد في الأحكام إلى مثل هذه الروايات الواهية لا يخلو من إشكال، لولا سهولة الخَطْبِ في الكراهة، وعلى هذه الوصيّة تفوح رائحة الوَضعِ، وقد صرّح به بعض النقّاد) (557) .

ب - روى عمرو بن خليف، أبو صالح الخناري، عن ابن عبّاس، قال: قال النبي‏ (صلّى الله عليه وآله): (أُدخلتُ الجنّة فرأيتُ فيها ذئباً، فقُلت: أذئبٌ في الجنّة؟! قال: إنّي أكلتُ ابن شرطي) .

قال ابن عبّاس: وهذا إنّما أكل ابنه، فلو أكَلَه رُفِع في عليّين.

وقد علّق الأميني على هذه الرواية فقال: (ليت ابن عبّاس يُفصِح عن أنّه لو كان أكل مدير الشرطة، أين كان يُرفَع) (558) .

ج - ورُوي عن علي (عليه السلام) عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، أنّه قال: (مَن أدرك منكم زماناً يَطلِب فيه الحَاكَة العِلم فليَهرب، قيل: أليسوا من إخواننا؟ قال: هُم الّذين بالوا في الكعبة، وسرقوا غزل مريم وعمامة يحيى وسمكة عائشة من التنور) (559) .


وهذا الحديث لا يَستحقّ أن يُتأمّل فيه، فهو بعيد عن هَديِ الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وركيك المعنى.

قال في الميزان: (هذا الإسناد ظُلمات، ينبغي أن يُغمَز ابن السمّاك بروايته، وإن كان صادقاً فهو من أسْمَج الكذب متناً) (560) .

وينبغي أن نذكر أنّ هذا المقياس (سَماجَة المَعنى ورَداءته) مُستخلَص من استقراء مُجمَل كلام المعصوم وعُلوِّ معانيه، ومُقارَنتها مع هذه المعاني الرَكيكَة الساقِطة.

فأين خُطب نهج البلاغة وخُطب النبي (صلّى الله عليه وآله) في الحديبيّة وغيرها من هذه؟

فأين الثَرى من الثُريّا، وأين النور من الظلام؟

3 - الأحاديث المُخالِفة للفَصاحة والبلاغة، أو احتواؤها على مُصطلحات مُستَحدَثة:

كما ذكرنا سابقاً، بأنّ هذا المقياس يُشترط فيه أن يكون الحديث منقولاً باللفظ لا بالمعنى.

أمّا بالنسبة إلى اشتمال الحديث على ألفاظ ومُصطلحات حادِثة بعد زمن المعصوم، فيرجع في حقيقته إلى مُخالَفة هذا الأمر مع البلاغة والفصاحة؛ وذلك لأنّ المعصوم (عليه السلام) لا يُمكن أن يتحدَّث مع الناس بما لا يَفهمون ولا يعرفون، فإذا ما وجدنا حديثاً يشتمل على كلام ومُصطَلَح غير مَألوف في ذلك الزمان، فهذا يعني عدم صدور ذلك عن المعصوم، تماماً كما هو الحال لو اشتمل الحديث على اصطلاحات فنيّة وعلميّة مُعاصِرة.

ولابُدّ من التأكّد من عدم وجود الاصطلاح المَذكور في زمن المعصوم، وإلاّ فلا يُمكن ردّ الحديث لمُجرّد الشكّ في ذلك، وفيما يلي نماذج من هَذين المقياسين:

أ - أخرج عبد بن حميد، عن ابن عبّاس، قال، قال: رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (يكون في آخر الزمان قوم يُنبَزون الرافضة، يرفضون الإسلام ويلفظونه، اقتلوهم فإنّهم مُشرِكون) (561) .


ومن المَعلوم أنّ مُصطَلح الرافِضة لم يكن موجوداً في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله)، وإنّما نشأ بعد وفاته، عند اشتداد الخلافات الكلاميّة والفقهيّة.

وحتّى لو تَنَزَّلنا وقُلنا بصحّة هذا الحديث، فكيف يُمكن تطبيق هذا الحديث على الشيعة، كما فَهمه البعض؟

وعلى كلّ حال، فإنّ مَن تتبّع كلام العرب في صدر الإسلام وفي زمن النبي (صلّى الله عليه وآله)، لا يجد لهذا المُصطلَح أثر، وإنّما هو اصطلاح مُستحدَث كما قُلنا.

ب - رُوي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال لأبي بكر وعُمَر: (طابَ حَمّامكُما) (562) .

قال المُصنّف: لا أصل، له والحمّام لا تعرِفه العرب إلاّ بعد موته (صلّى الله عليه وآله).

ج - عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (مَن أسمك فليُتمِر) (563) .

قال ابن حَجر: (باطل، وهذا الحديث مُخالِف للُّغة، فلا وجود لصيغة (أسْمَكَ) من (سَمَك)، بمعنى أكل اللحم في اللغة العربيّة) (564) .

قال القاوقجي: (ومَعنى هذا الكلام: مَن أكلَ السمكَ فليَأكل التَمر بعده، يَتَحلّى به.

هذا وفعل (السَمك) لا وجود له في كتب اللغة...) (565) .

هـ - أخرج الطَبري بروايات مُتعدِّدة عن أبي العالية، قال: (قالت قريش لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّما جُلَساؤك عبد بني فلان، ومولى بني فلان، فلو ذكرتَ آلهتنا بشي‏ء جالسناك، فإنّه يأتيك أشراف العرب، فإن رأوا جلساؤك أشراف قومك، كان أرغب لهم فيك، قال: فألقى الشيطان في أُمنِيَّتِه، فنزلت هذه الآية: ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ) .

قال: فأجرى الشيطان على لِسانه: تلك الغَرانيق العُلى، وشفاعتهنّ تُرجى، مثلهنَّ لا يُنسى، قال: فسجد النبي (‏صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين قرأها، وسجد معه المسلون


والمشركون، فلمّا علم الّذي أُجري على لسانه، كَبُر ذلك عليه، فأنزل الله: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) (566) ) .

وهذا الحديث بالإضافة إلى مُخالَفته للقرآن في الكثير من الآيات وسِياقها، فإنّه مُخالِف للبلاغة النبويّة، وعدم شيوع هذا الاصطلاح في زمن العرب،كما صرَّح بذلك بعض العلماء: (إنّ العرب لم يَرِد في نَظمِها ولا في خطبها، ولا نُقِل عن أحد بطريق صحيح أنّها وَصفت آلهتها بالغَرانِِيق، وليس من مَعاني الكلمة ما يُلائم صفة الآلهة والأصنام، حتّى يُطلَق عليها في القرآن) (567) .

و - رُوي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) بروايات مُتعدِّدة، أنّه قال: (إنّما أصحابي مثل النجوم، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم) (568) .

ومثل هذه الأحاديث، إضافة إلى أنّها تواجه إشكالات مُتعدِّدة ذكرها المُحدِّثون، فهي تُخالِف البلاغة والفصاحة، خصوصاً إذا ما نُسبتْ إلى سيّد البلغاء والفصحاء.

قال ابن حزم في التعليق على هذا الحديث من هذه الناحية: (إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يقول الباطل، وتَشبيه المُشبِّه للمُصيبين بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر؛ لأنّه مَن أراد جِهة مَطلع الجَدي فأمَّ جِهة مَطلع السَرطان، لم يَهتَد، بل قد ضَلَّ ضلالاً بعيداً، وأخطأ خطأً فاحشاً، وليس كلّ النجوم يُهتدى بها في كلّ طريق، فبَطلَ التشبيه المذكور، ووضحَ كَذب ذلك الحديث وسقوطه، وضوحاً ضروريّاً) (569) .

وقد ذكر بعض العلماء مصاديق أُخرى داخلة تحت عنوان (الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منها:

أن يكون الحديث بأقوال الأطبّاء أشبه.

أو أن يكون الحديث أشبه بمتون الفقه.

والأوّل لا يُمكن أن يُشكِّل قاعدة كليّة ومِعياراً نقيس عليه


الأحاديث؛ لأنّه لا يمتنع أن يتحدَّث المعصوم بأحاديث تتناول الصحّة العامّة وإرشادات طبيّة، وإن اختلف العلماء في تفسير هذه الأحاديث، هل هي صادرة عن المعصوم باعتبارها حُكماً مَولَوِيّاً أو إرشاديّاً.

أمّا بالنسبة إلى الثاني، فيُمكن القبول به، بشرط أن تُستَقصَى جميع الجوانب المُرتبِطة بأسلوب المعصوم (عليه السلام) في البَيان، وتُدرَس دراسةً جيّدة في ضوء الأحاديث الصحيحة؛ لأنّه لكلّ شخص أسلوبه التعبيري الخاصّ في البيان.

فكما رَدَدنا الأحاديث الّتي تشتمل على اصطلاحات مُتأخّرة عن زمن المعصوم، فيُمكن أن يُردّ الحديث المُخالِف لأسلوب المعصوم في البيان، فيما إذا حصل الاطمئنان إلى ذلك الأسلوب.


المصادر:

5 ) لسان العرب، ابن منظور، ج 14 / مادّة نقد.

6) المُعجم الوسيط، مجموعة من الباحثين، مادّة نقد.

7) دراسات في منهج النَقْدِ عن المُحدِّثين، محمّد علي العُمَري، ص 11.

8) جهود المُحدِّثين في نَقدِ مَتنِ الحديث، محمّد طاهر الجوابي، ص 94.

9) أُصول الحديث وأحكامه، جعفر السُبحاني، ص 78.

10) العدّة في أُصول الفقه، الطوسي، ج 1 / ص 145.

11) أُصول الحديث (علومه ومُصطلَحه)، محمّد عجاج الخطيب، ص 7.

12) علوم الحديث ومصطلحه، صُبحي الصالح، ص 105.

13) أُصول الحديث (علومه ومصطلحه)، محمّد عجاج الخطيب، ص 8.

14) علوم الحديث ومصطلحه، صُبحي الصالح، ص 106.

15) علم الحديث ودراية الحديث، كاظم مدير شانه چى، ص 8.

16) الذريعة إلى تصانيف الشيعة، آقا بزرگ الطهراني، ج 8 / ص 54.

17) شرح البداية في علم الدراية، زين الدِّين العاملي، ص 45.

18) الوجيزة في الدراية، محمّد بهاء الدِّين العاملي، ص 5.

19) أُصول الحديث وأحكامه، السُبحاني، ص 15.

20) مقباس الهداية، عبد الله المامَقاني، ج 1، ص 315 - 314؛ أُصول الحديث، السُبحاني، ص 95.

21) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 315.

22) المَصدر المتقدّم، ص 220.

23) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 398؛ الدراية في علم مصطلح الحديث، الشهيد الثاني، ص 69.

24) أُصول الحديث (علومه ومصطلحه)، محمّد عجاج الخطيب، ص 261 - 260.

25) مقباس الهداية، المامَقاني، ج 2 / ص 33 - 32.

26) الجَرْحُ والتَعديل، محمّد طاهر الجوابي، ص 249.

27) مقباس الهداية، المامَقاني، ج 2 / ص 40 - 39.

28) جهود المُحدِّثين، محمّد طاهر الجوابي، ص 178.

29) المَصدر المتقدّم، ص 183.

30) الذريعة إلى تصانيف الشيعة، أقا بزرگ الطهراني، ج 8 / ص 54.

31) مقدّمة ابن الصلاح، ص 195.


32) أصول الحديث (علومه ومصطلحه)، محمّد عجاج الخطيب، ص 283.

33) مُنتَقى الجُمان في الأحاديث الصِحاح والحِسان، ج 1 / ص 13 - 3.

34) الحدائق الناظِرة، يوسف البحراني، ج 1 / ص 20، المقدّمة الثانية.

35) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 20 / ص 96 / الفائدة التاسعة.

36) حديث ودراية، ص 57 - 56.

37) المَصدر المتقدّم.

38) مُعجَم رجال الحديث، السيّد الخوئي، ج 1 / ص 22.

39) المَصدر المتقدّم، ص 20.

40) مصباح الأُصول، السيّد الخوئي: ج 2 / ص 202 - 203.

41) اختيار معرفة الرجال، الكشّي، ص 401 و 224.

42) الحديث الصحيح، عبد الكريم إسماعيل، ص 226.

43) المَصدر المتقدّم.

44) حديث ودراية، ص 62 - 58.

45) تنقيح المَقال، المامَقاني، ج 1 / ص 174.

46) لم يتّفِق نُقّاد الحديث في القرنَين الثاني والثالث الهجري على ضوابِط مُحدّدة في نقدِ الحديث، فهناك شروط وضوابِط عند أحمد بن حَنْبَل تختلف عن شروط البُخاري، وشروط مُسلم تختلف عن شروط البُخاري.

وعلى كلّ حال، فما ذكرناه هنا هو رأي الجمهور منهم، وما استقرّ به العمل الآن.

47) أضواء على السُنّة المحمّدية، محمود أبو ريّة، ص 299.

48) المَصدر المتقدّم.

49) مقدّمة ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمان الشهرزوري (ابن الصلاح)، ص 16 - 15.

50) الحديث الصحيح، عبد الكريم إسماعيل، ص 154؛ منتهى الدراية، المامَقاني، ج 1 / ص 367.

51) مقدّمة ابن الصلاح، ابن الصلاح، ص 71 و 72.

52) أُصول الحديث، محمّد عجاج الخطيب، ص 347.

53) منهج نَقْد المَتن، ص 190.

54) الفتوحات المكّيَّة، ابن عربي، ج 1 / ص 150.

55) المَصدر المتقدّم، ص 280.

56) أحكام القرآن، ابن العربي، ج 2 / ص 3.

57) أنظر: منهج البحث التاريخي، الدكتور حسن عثمان، ص 119؛ منهج النَقد عند المُحدِّثين، الدكتور محمّد مصطفى الأعظمي، ص 94؛ التاريخ - تاريخه وتفسيره وكتابته، د. عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، ص 304 - 298.


58) أُصول علم الرجال، الداوري، ص 278 و 283.

59) المَصدر المتقدّم.

60) علم الحديث ودراية الحديث، كاظم مدير شانه چي، ص 138 و 139.

61) كيف نتعامل مع السُنّة النبويّة، يوسف القرضاوي، ص 179 و 180.

62) الإحكام في أُصول الأحكام، ج 1 / ص 126.

63) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد، عثمان بن علي حسن، ج 1 / ص 122 - 121.

64) سلسلة مؤلّفات الشيخ المُفيد، ج 4 / ص 122.

65) رسائل الشريف المُرتضى، ج 1 / ص 410 - 409.

66) الحديث والمُحدِّثون، محمّد أبو زهو، ص 127.

67) أضواء على السُنّة المحمّدية، ص 88.

68) الكافي، الكُليني، ج 2 / ص 87 / باب مَن بَلَغَه ثواب من الله على عمل.

69) الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، ص 134.

70) الموضوعات في الآثار والأخبار، هاشم معروف الحسني، ص 170.

71) صحيح الكافي، محمّد باقر البهبودي، ج 1 / المقدّمة.

72) نهاية الدراية، الكاظمي، ص 285.

73) الدراية، زين الدِّين العاملي، ص 29؛ تدريب الراوي، السيوطي، ج 1 / ص 162.

74) مقباس الهداية، عبد الله المامَقاني، ج 1 / ص 196.

75) تدريب الراوي، السيوطي، ج 1 / ص 162.

76) المَصدر المتقدّم.

77) كيف نتعامل مع السنة، القرضاوي، ص 78.

78) بحار الأنوار، المجلسي، ج 25 / ص 270.

79) المَصدر المتقدّم.

80) الموضوعات، ابن الجوزي، ج 1 / ص 187.

81) تاريخ حديث شيعة، مجيد معارف، ص 203؛ الموضوعات في الحديث والأخبار، هاشم معروف الحسني، ص 200 وما بعدها.

82) ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ج2 / ص243.

83) نقد المَنقول، محمّد بن أبي بكر أيّوب الزرعي، ص106.

84) الموضوعات، ابن الجوزي، ج1 / ص342.

85) اللُؤلؤ المرصوع، القاوقجي، ج1 / ص67.

86) المَصدر المتقدّم.


87) نقد المنقول، ج1 / ص95.

88) الإسراء: 79.

89) اسْتَدّ وانْسَدَّ بنفس المَعنى.

90) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، الملاّ علي القاري، ص89.

91) الموضوعات، ابن الجوزي، ج1 / مقدّمة المؤلّف.

92) المَصدر المتقدّم، ج1 / مقدّمة المؤلّف.

93) المَصدر المتقدّم، ج1 / مقدّمة المؤلّف.

94) الميزان، الذهبي، ج2 / ص644، ترجمة: عبد الكريم بن أبى العوجاء.

95) تنزيه الشريعة المرفوعة، ابن عراق، ج1 / ص146.

96) المَصدر المتقدّم، ص134.

97) كشف الخفاء ومُزيل الالتباس، العجلوني، ج2 / ص421.

98) تأويل مُختلف الحديث، ص21.

99) الموضوعات، ابن الجوزي، ج1 / ص16.

100) تنزيه الشريعة، ابن عراق، ج1 / ص50.

101) انظر: تنزيه الشريعة، ابن عراق، ج2 / ص33 - 31.

102) المَصدر المتقدّم، ج1 / ص136.

103) المَصدر المتقدّم، ص 348؛ تنزيه الشريعة، ج2 / ص47.

104) تأويل مختلف الحديث، ص 41.

105) صحيح البُخاري، البخاري، كتاب بدء الخَلْق / باب ذكر الملائكة / رقم الحديث: 3234.

106) قَفَّ شَعْري: قامَ من الفَزَع.

107) المَصدر المتقدّم، كتاب تفسير القرآن / تفسير سورة النجم / الحديث رقم: 4855.

108) صحيح البُخاري، البخاري، كتاب الجنائز / باب قول النبي (ص): يُعذّب الميّت ببكاء أهله عليه... / الحديث: 129.

109) المَصدر المتقدّم، الحديث: 1288.

110) المَصدر المتقدّم.

111) الجامع الصحيح، مُسلم، كتاب الجنائز / باب الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه / رقم الحديث: 27 / ج 5 / ص 488.

112) المُستدرَك، الحاكم، كتاب العتق / ج 2 / ص 583 / باب ولد الزنا شرّ الثلاثة / رقم: 2908.

113) المَصدر المتقدّم.


114) المَصدر المتقدّم، رقم: 2910.

115) المُستدرَك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري / كتاب العِتق / باب ولد الزنا شرّ الثلاثة / رقم: 2910.

116) مُسند أحمد، ج 6 / ص 240.

117) الإجابة، الزَركشي، ص 145 (نقلاً عن منهج نقد المتن، الأدلبي، ص 128).

118) صحيح البُخاري، البُخاري، ج 1 / ص 106 / باب مَن تطيّب ثُمّ اغتسل / رقم الحديث: 270.

119) صحيح مُسلم، ج 4 - 3 / ص 265 - 264 / كتاب الصلاة / باب قَدْر ما يَستر المُصلِّي.

120) سُنَن أبي داود، ج 1 / ص 187 / كتاب الصلاة / باب ما يقطع الصلاة / رقم: 703.

121) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 189 / كتاب الصلاة / باب مَن قال إنّ المرأة لا تقطع الصلاة / رقم: 712.

122) صحيح مُسلم بشَرح النَوَوي، ج 10 - 9 / ص 476 / كتاب الصلاة / باب الاعتراض بين يدي المُصلِّي.

123) صحيح البُخاري، كتاب بدء الخلق / باب خَمْس من الفواسق يُقتَلن في الحرم.

124) صحيح البُخاري، ج 7 / ص 44 / كتاب قتل الحيّات / باب تحريم قتل الهرّة.

125) مُسند أحمد، ج 2 / ص 519.

126) الإجابة لإيراد ما استدركتْه عائشة على الصحابة، الزركشي، ص 122 - 121 (نقلاً عن منهج نقد المتن، الأدلبي، ص 116).

127) صحيح مُسلم بشَرح النَووي، ج 10 - 9 / ص 353 / كتاب الطلاق / باب المُطلّقة ثلاثاً لا نَفَقة لها.

128) سُنَن أبي داود، ج 2 / ص 288 / كتاب الطلاق / باب مَن أنكرَ على فاطمة.

129) سُنَن النسائي، ج 1 / ص 105 / كتاب الطهارة / باب الوضوء مّما غيّرت النار.

130) المَصدر المتقدّم، ص 106.

131) بحار الأنوار، المجلسي، ج 25 / ص 287 / باب نفي الغلو في النبي والأئمّة / الحديث: 42.

132) المَصدر المتقدّم، ج 25 / ص 296 / باب نفي الغلو في النبي والأئمّة (عليهم السلام) / رقم: 56.

133) بحار الأنوار، ج 2 / ص 233 / كتاب العلم / باب من أخلاق الأطهار / حديث 15.

134) تهذيب الأحكام، الطوسي، ج 10 / ص 295.

135) الكافي، الكُليني، ج 7 / ص 330 / الحديث 1.

136) سُنَن أبي داود، كتاب النكاح / ج 2 / ص 237 / باب فيمَن تزوّج ولم يُسمِّ صداقاً، حديث: 2114.


137) السُنَن الكُبرى، البيهقي، ج 11 / ص 31 / كتاب الصداق / باب مَن قال لا صداق لها.

138) المَصدر المتقدّم.

139) سورة الأحزاب، الآية: 49.

140) الكافي، الكُليني، ج 6 / كتاب الطلاق / باب المُتوفّى عنها زوجها ولم يدخل بها، وما لها من الصداق والعداة.

141) مُستدرَك الوسائل، النوري، ج 4 / ص 17 / رقم: 4063؛ أمالي الشيخ المُفيد، ص 340 / الحديث رقم: 6.

142) جامع البيان، الطبري، ج 4 / ص 224؛ تفسير البرهان، البحراني، ج 4 / ص 154.

143) بحار الأنوار، المَجلسي، ج 11 / ص 116 / رقم الحديث: 46.

144) الكافي، ج 3 / ص 398 / كتاب الصلاة / باب اللباس الّذي تُكرَه الصلاة فيه، وما لا تكره.

145) بحار الأنوار، المجلسي، ج 72 / ص 40 / كتاب الإيمان والكفر / رقم الحديث: 37.

146) الرجل الّذي يُحبّ اللحم، والبيت الّذي يكثر فيه اللحم / القاموس.

147) الكافي، ج 6 / ص 308 / كتاب الأطعمة / باب فضل اللحم / ج 5.

148) التوحيد، الصدوق، ص 183 / باب نفي المكان والزمان والحركة عن الله / رقم الحديث: 18.

149) المَصدر المتقدّم، ص 176 / باب نفي المكان والزمان والحركة عنه / رقم: 7.

150) الكافي، ج 1 / ص 96 - 95 / بابٌ في إبطال الرؤية / ج 2.

151) جامع البيان، الطَبري، ج 12 / ص 152 - 150 / فقد رُوي مثل هذه الأخبار موقوفة وبعضها مرفوعة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

152) نور الثَقلين، ج 4 / ص 446 - 445.

153) مُسند الإمام الهادي، العطاردي، ص 200.

154) المَصدر المتقدّم، ص 201 - 200.

155) المَصدر المتقدّم.

156) مقدّمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم، ص 252.

157) الكفاية في علم الدراية، ص 432.

158) المُستصفى، الغزالي، ج 1 / ص 267.

159) نقد وبررس روشهاى تشخيص حديث موضوع، (رسالة دكتوراه)، ص 55.

160) المنار المُنيف في الصحيح والضعيف، ابن القيّم، ص 47.

161) المَصدر المتقدّم، ص 47 فما بعدها.


162) الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث، أحمد محمّد شاكر، ص 237.

163) العدّة في الأصول، ج 1، ص 145.

164) مُستدرَكات مقباس الهداية، عبد الله المامَقاني، ج 6 / ص 28 / مُستدرَك رقم: 145.

165) الأخبار الدَخيلة، العلاّمة التُستَري، ج 3 / ص 316 - 314 - 313 / ج 1 / ص 110 / و ج 2 / ص 252 - 250 / و....

166) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 116 / و 148 - 147 / و....

167) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 235 / 102 - 101.

168) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 128 و 148 و 236.

169) المَصدر المتقدّم، ج 4 / ص 307 / و ج 1 / ص 250.

170) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 100 / و ج 3 / ص 312.

171) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 99 / و ج 2 / ص 305.

172) المَصدر المتقدّم، ج 4 / ص 314 - 313 / و ج 1 / ص 235 - 237.

173) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 108.

174) قام الدكتور علي نصيري باستخراج هذه الضوابِط في مَقال له بعنوان (معيارهاى نقد محتواى حديث از نظر علاّمه طباطبائى) / انظر: مرزبان وحى و خرد، ص554.

175) الميزان في تفسير القرآن، ج 17 / ص 372.

176) المَصدر المتقدّم، ج 2 / ص 439 / و ج 3 / ص 185 / و ج 15 / ص 369 / و....

177) المَصدر المتقدّم، ج 9 / ص 366 / و ج 11 / ص 42 / و....

178) المَصدر المتقدّم، ج 11 / ص 380 / وج 18 / ص 71 / و....

179) المَصدر المتقدّم، ج 8 / ص 260 / و ج 18 / ص 158 / و....

180) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 331.

181) المَصدر المتقدّم، ج 14 / ص 379 / وج 13 / ص 24 / و ج 20 / ص 70.

182) الحديث بين الرواية والدراية، ص 6.

183) إنّ أكثر الضوابط الّتي ذكرها العلماء يُمكن إرجاعها إلى هذه المعايير السبعة؛ لأنّ البقيّة إمّا أن تكون ضابِطة مُختصّة بأحد المذاهب ولا يَتّفق عليها جميع العلماء، أو أنّها ترجع إلى ما ذكرناه بطريقة من الطُرق.

184) سورة آل عمران، الآية: 164.

185) نهج البلاغة، خطبة: 147.

186) بحار الأنوار، المجلسي، ج 92 / ص 27.

187) نهج البلاغة، رقم الخطبة: 198.

188) سورة المائدة، الآية: 50.


189) الموافقات، الشاطبي، ج 4 / ص 8.

190) إرشاد الفحول، الشوكاني، ص 102 و 151.

191) الموافقات، ج 4 / ص 8.

192) الرسالة، الشافعي، ص 94.

193) أُصول الفقه الإسلامي، وَهبة الزحيلي، ج 1 / ص 461؛ الأُصول العامّة للفقه المقارن، محمّد تقي الحكيم، ص 233 - 231؛ حُجيّة السُنّة، عبد الغني عبد الخالق، ص 496.

194) كشف الأسرار، عبد العزيز البُخاري، ج 1 / ص 294.

195) أُصول السَرخسي، ج 1 / ص 365.

196) أُصول الفقه، محمّد الخضري، ص 187.

197) علم أُصول الفقه في ثوبه الجديد، محمّد جواد مَغْنِية، ص 190.

198) سلسلة مُؤلّفات الشيخ المُفيد، ج 9 / ص 38.

199) العدّة، الطوسي، ج 1 / ص 344.

200) الأنعام، الآية: 121.

201) الاجتهاد بالرأي، خليفة بابكر، ص 311 - 310.

202) آل عمران، الآية: 97.

203) المَصدر المتقدّم.

204) سورة الأنعام، الآية: 45.

205) توثيق السُنّة، رفعت فوزي، ص 286.

206) العدّة، الطوسي، ج 1 / ص 346.

207) استنباط الأحكام من النصوص، أحمد الحُصري، ص 246.

208) المَصدر المتقدّم، ص 519.

209) إعلام المَوقعين، ابن القيم الجوزيه، ج 2 / ص 220.

210) العدّة في أُصول الفقه، الطوسي، ج 2 / ص 528.

211) النور، الآية: 2.

212) الاجتهاد بالرأي، خليفة بابكر، ص 307 - 306.

213) المَصدر المتقدّم.

214) فرائد الأُصول، الشيخ الأنصاري، ج 1 / ص 162.

215) العيّاشي، ج 1 / ص 20.

216) رجال الكشّي، ج 2 / ص 490 / رقم: 4001.

217) رجال الكشّي، ج 2 / ص 401 - 489؛ بحار الأنوار، ج 3 / ص 250.


218) فرائد الأصول، ج 1 / ص 162.

219) المَصدر المتقدّم.

220) بحوث في علم الأُصول، السيّد الصدر، ج 7 / ص 315 فما بعدها.

221) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 27 / كتاب القضاء / باب وجوه الجَمع بين الأحاديث المُختلفة / حديث: 14.

222) المَصدر المتقدّم، ص 111 / رقم الحديث: 15.

223) المَصدر المتقدّم، ص 124 / رقم: 48.

224) بحوث في علم الأُصول، السيّد الصدر، ج 7 / ص 319.

225) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 27 / الباب التاسع من أبواب صفات القاضي.

226) مباحث الأُصول، تقريرات السيّد الشهيد (بقلم السيّد كاظم الحائري) / ج 2 / القسم الثاني / ص 243.

227) بحوث في علم الأُصول، ج 7 / ص 334.

228) المَصدر المتقدّم، ج 7 / ص 334.

229) الكفاية في علم الرواية، ص 471 / باب في وجوب طرح المُنكَر والمُستحيل عن الأحاديث؛ سُنَن الدارقطني، ج 2 / ص 112 / رقم: 4427.

230) سُنَن الدارقطني، ج 2 / ص 134 / رقم الحديث: 4430.

231) مَجمع الزوائد، الهيثمي، ج 1 / ص 170.

232) الإحكام في أُصول الأحكام، ابن حزم، ج 2 / ص 77 - 76؛ عن كتاب إرشاد الفحول، الشوكاني، ص 147.

233) اختلاف الحديث، الشافعي، ص 33.

234) الرسالة، الشافعي، ص 225 - 224.

235) المَصدر المتقدّم، ص 163 / الفقرة التاسعة والعشرون.

236) دفاع عن السُنّة، محمّد بن محمّد أبو شهبة، ص 17.

237) حُجيّة السُنّة، عبد الغني عبد الخالق، ص 474.

238) كشف الأسرار، ج 3 / ص 730 / عن توثيق السُنّة / ص 302.

239) الحشر، الآية: 7.

240) النساء، الآية: 80.

241) أُصول السَرخسي، ج 1 / ص 365 - 364.


242) رغم أنّ الظاهريّة أشدّ الفرق تمسّكاً بظواهر الألفاظ، مع ذلك فقد استخدموا التأويل في بعض الموارد، كما جاء في تفسير معنى بعض الأحاديث منها:

الحديث الوارد عن رسول الله (ص) بأنّ(سَيْحان وجَيْحان، والنيل والفرات، من أنهار الجَنّة).

وكما في الحديث عن الرسول (ص)(ما بين بيتي ومِنبري روضة من رياض الجَنّة) .

243) ظاهرة التأويل وصِلتها باللُغة، أحمد عبد الغفّار، ص 97 - 96.

244) أنظر: التفسير والمُفسّرون، الذَهبي، ج 1 / ص 13؛ در آمدى بر تفسير علمى قرآن، محمّد علي رضائى، ص 44.

245) قضيّة التأويل في القرآن بين الغُلاة والمُعتَدِلين، إبراهيم بن حسن، ج 1 / ص 135.

246) الوجيز في أُصول الفقه، محمّد حسن هيتو، ص 342؛ روشهاى تأويل قرآن، محمّد كاظم شاكر، ص 292.

247) قضيّة التأويل في القرآن، إبراهيم بن حسن بن سالم، ج 1 / ص 138.

248) تفسير العيّاشي، ج 1 / ص 11.

249) الميزان، ج 3 / ص 78.

250) المَصدر المتقدّم، ج 1 / ص 45.

251) جامع البيان، الطبري، ج 8 / ص 108.

252) الميزان، ج 11 / ص 327.

253) الأنبياء، الآية: 7.

254) التفسير والمُفسّرون، محمّد هادي معرفة، ج 1 / ص 470؛ كرّاس دَرْسي للأُستاذ (آية الله معرفة) بعنوان: (آيات مُشكِل).

255) كيف نتعامل مع القرآن، القرضاوي، ص 294، نقلاً عن كتاب (فضائِح الباطنيّة، أبو حامد الغزالي، ص 14.

256) الرحمن، الآية: 31.

257) البُرهان في تفسير القرآن، البحراني، ج 4 / ص 267.

258) الرحمن، الآية: 14.

259) الرحمن، الآية: 33.

260) الرحمن، الآية: 32 - 31.

261) البقرة، الآية: 26.

262) بحار الأنوار، المجلسي، ج 24 / ص 393.

263) بحار الأنوار، المجلسي، ج 43 / ص 313 / باب فضائلهما ومناقبهما - الحسن والحسين -.

264) جامع البيان، الطبري، ج 1 / ص 456؛ الدُرّ المَنثور، السيوطي، ج 1 / ص 190.


265) الأنبياء، الآية: 20 - 19.

266) الأنبياء، الآية: 27.

267) بحار الأنوار، ج 59 / ص 323 / رقم الحديث: 4.

268) الميزان، ج 1 / ص 238.

269) نهج البلاغة، الخطبة الأُولى.

270) سُنَن أبي داود، ج 2 / ص 230، كتاب السُنّة / باب في ذَرارِي المُشركين / رقم: 4717.

271) مَجمَع الزوائد ومنبَع الفوائد، الهيثمي، ج 1 / ص 119 - 118؛ وجامع المسانيد والسُنَن، السيوطي، ج 5 / ص 494 / رقم: 3799.

272) التكوير، الآية: 9 - 8.

273) صحيح مُسلم بشَرح النَوَوي، ج 2 / ص 79 / كتاب الإيمان / رقم: 347.

274) الإسراء، الآية: 15.

275) طه، الآية: 124.

276) المائدة، الآية: 19.

277) عِلَل الشرائع، الصدوق، ص 564.

278) الفردوس الأعلى، محمّد حسين كاشف الغطاء، ص 51.

279) سُنَن أبي داود، ج 2 / ص 232 / رقم: 4726.

280) الشورى، الآية: 11.

281) سُنَن ابن ماجة، ج 1 / ص 484 / كتاب الجنائز / باب ما جاء في الصلاة على ابن رسول الله، وذكر وفاته / رقم: 1511.

282) الأحزاب، الآية: 40.

283) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 14 / ص 130 / كتاب النكاح / رقم الحديث: 1.

284) المَصدر المتقدّم، رقم الحديث: 2.

285) غُرَر الحِكم، ص 408 / رقم الحديث: 9366.

286) الكافي، الكُليني، ج 5 / ص 517 / كتاب النكاح / بابٌ في تَركِ طاعتهنّ، رقم: 2.

287) المَصدر المتقدّم.

288) المَصدر المتقدّم، رقم الحديث: 6.

289) البقرة، الآية: 233.

290) القصص، الآية: 26.

291) القصص، الآية: 12.

292) القصص، الآية: 9.


293) النمل، الآية: 32.

294) النمل، الآية: 35.

295) النمل، الآية: 44.

296) الكافي، الكُليني، ج 5 / ص 507 / كتاب النكاح / باب حقّ الزوج على المرأة / حديث: 1.

297) البقرة، الآية: 228.

298) الكافي، الكُليني، ج 5 / ص 158 / باب مَن تُكْرَه مُعامَلته ومُخالَطته.

299) المَصدر المتقدّم.

300) بحوث في علم الأُصول، تقريرات بحث السيّد الشهيد الصدر، بقلم آية الله السيّد محمود الشاهرودي، ج 7 / ص 334.

301) لسان العرب، ابن منظور، ج 6 / ص 399 / مادّة سُنَّ.

302) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، ج 2 / ص 409.

303) التحقيق في كلمات القرآن، حسن المصطفوي، مادّة سَنَّ.

304) أُصول الحديث وأحكامه، جعفر السُبحاني، ص 19.

305) أضواء على السُنّة المحمّدية، أبو ريّة، ص 42.

306) الكافي، الكُليني، ج 2 / ص 95.

307) المَقنعة، المُفيد، كتاب النكاح / ص 509.

308) المصدر المتقدّم، ص 315.

309) المصدر المتقدّم، ص 577.

310) الكافي، ج 1 / ص 71 / باب الأخذ بالسُنّة وشواهد الكتاب / رقم: 12.

311) الأحزاب، الآية: 33.

312) نُقل هذا الحديث في الصِحاح والمَسانِد برواياتٍ مُتعدّدة وبطُرقٍ مُختلفة.

أنظر: الجامع‏ الصحيح، الترمذي، ج 5 / ص 663 - 662 / كتاب المناقب / مناقب أهل البيت / رقم: 3788 - 3786؛ كنز العُمّال، المتّقي الهندي، ج 1 / ص 172 / باب الاعتصام بالكتاب والسُنّة، رقم: 872 - 871 - 870 و...

313) لا بمعنى الاستقلال بالتشريع، بل بمعنى حُجيّة فَهمِهم للكتاب، وأنّهم الواسطة الأمينة الواعية لنقل وفَهْم السُنّة.

314) الكافي، الكُليني، ج 1 / ص 69 / كتاب العلم / باب الأخذ بالسُنّة وشواهد الكتاب.

315) بحار الأنوار، المجلسي، ج 2 / ص 225 / رقم الحديث: 2.

316) المصدر المتقدّم، ص 244 / رقم: 51.

317) الكافي، ج 1 / ص 69.


318) بحار الأنوار، ج 2 / ص 244 / رقم: 62.

319) الكفاية، ص 471.

320) الكافي، ج 1 / ص 70 / باب الأخذ بالسُنّة وشواهد الكتاب / الحديث: 7.

321) المصدر المتقدّم، ص 71 / رقم: 11.

322) سلسلة مؤلّفات الشيخ المُفيد، ج 2: ص177.

323) الميزان، ج 1 / ص 293.

324) مقباس الهداية، المامَقاني، ج 1 / ص 127.

325) نهج البلاغة، الشيخ محمّد عبده، الخطبة: 316.

326) مقباس الهداية، المامَقاني، ج 2 / ص 128.

327) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 5 / ص 209 - 208 / كتاب الصلاة / أبواب صلاة الاستخارة.

328) بحار الأنوار، المجلسي، ج 91 / ص 240 / كتاب الصلاة / باب الاستخارة بالبنادق.

329) المقنعة، المُفيد، ص 219.

330) صحيح البُخاري، البُخاري، ج 1 / ص 361 / كتاب الصلاة / باب ما جاء في المقطوع مثنى مثنى؛ سُنَن الترمذي، ج 2 / ص 346 - 345 / كتاب الصلاة / باب ما جاء في صلاة الاستخارة.

331) بحار الأنوار، المجلسي، ج 91 / ص 384 / كتاب الصلاة / باب الاستخارة بالدعاء.

332) ذكرى الشيعة، الشهيد الأوّل، ج 2 / ص 265.

333) السرائر، ابن إدريس الحلّي، ج 1 / ص 314 - 313.

334) الميزان، الطباطبائي، ج 19 / ص 72.

335) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 8 / ص 257.

336) المصدر المتقدّم.

337) المحاسن، أحمد البرقي، ج 2 / ص 85 - 84.

338) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 8 / ص 262.

339) المصدر المتقدّم.

340) الجامع الصحيح، ج 4 / ص 160 / باب ما جاء في الطِيَرة / رقم: 1614؛ سُنَن أبي داود / ج 4 / ص 17 / كتاب الطِبّ / باب في الطِيَرة.

341) نهج البلاغة، الخطبة: 77.

342) الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، ج19 / ص75 -74.

343) المصدر المتقدّم، ج 19 / ص 75 - 74.

344) الاستبصار، الطوسي، ج 1 / ص 604 / كتاب الطهارة / أبواب الأغسال المَفروضات والمَسنُونات / الحديث رقم: 5.


345) المصدر المتقدّم.

346) تهذيب الأحكام، الطوسي، ج 7 / ص 315 / باب فيما يَحرم من النكاح من الرضاع / رقم: 18.

347) المصدر المتقدّم، ص 318.

348) المصدر المتقدّم، ص 318.

349) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الهيثمي، ج 5 / ص 163.

350) المصدر المتقدّم.

351) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء، جَمْع وترتيب: أحمد بن عبد الرزّاق الدرويش.

352) المسند الجامع، جَمْع وترتيب: بشّار عوّاد وآخرين، ج 7 / ص 519 / رقم: 5414.

353) مجمع الزوائد، الهيثمي، ج 5 / ص 163.

354) الوسائل، ج 1 / ص 404 / رقم: 2.

355) الكافي، ج 6 / ص 398 / باب شُرْب الخَمر / ج 10.

356) كتاب البيع، ج 5 / ص 255.

357) التاريخ والمُؤرّخون العرب، عبد العزيز سالم، ص 19.

358) آل عمران، الآية: 67.

359) تفسير الأمثل، مكارم الشيرازي، ج 2 / ص 367.

360) آل عمران، الآية: 65.

361) تاريخ الرُسل والملوك، الطبري، ص 13.

362) تاريخ ابن خلدون، ج 1 (المُقدّمة) / ص 6.

363) المصدر المتقدّم، ص 13.

364) منهج البحث التاريخي، حسن عثمان، ص 21.

365) المَدخل إلى علم التاريخ، عبد الرحمان الشيخ، ص 33.

366) هذا من الناحية النظريّة، أمّا من الناحية العمليّة والتطبيقيّة فإنّ المُؤرّخين نقلوا كثيراً من الوثائق ذات الدرجة الأُولى، والّتي ضاعتْ أُصولها... ولذلك الحُكم عليها يَعتمِد على مدى ثِقتنا بالمُؤلّف.

367) البحار، المجلسي، ج 43 / ص 138.

368) المصدر المتقدّم.

369) المصدر المتقدّم، ص 137.

370) يُقال: قَبِلَتْ المَرأة قِبَالة، كانت قابِلة، وهي المرأة الّتي تأخذ الوَلد عند الولادة.

371) المنتظم، ابن الجوزي، ج 2 / ص 131 - 130 / ذكر الحوادث في السَنة الخامسة من النبوّة.

372) الصحيح من السِيرة، جعفر مرتضى العاملي، ج 3 / ص 122.

373) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حَجر، ج 1 / ص 593.


374) المنتظم، ابن الجوزي، ج 2 / ص 295 و 262 و 148.

375) آل أبي طالب، مُحسن الأمين، ج 1 / ص 290.

376) البُرهان، البحراني، ج 3 / ص 382.

377) مَجمع البيان، الطبرسي، ج 5 / ص 3.

378) الميزان، الطباطبائي، ج 9 / ص 216 - 215.

379) صحيح مُسلم، كتاب فضائل الصحابة / باب فضائل فاطمة بنت النبي / رقم: 2449.

380) صحيح البُخاري، البُخاري، كتاب فَرْض الخُمس / باب ما ذُكِر من دِرع النبي / رقم: 3110.

381) تَهذيب التَهذيب، ج 10 / ص 138.

382) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حَجر، ج 2 / ص 70 / رقم: 3212؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 2 / ص 167 / رقم: 963؛ المنتظم، ابن الجوزي، ج 2 / ص 330 / في أحداث السَنة الخامِسة.

383) الشعراء، الآية: 214.

384) الدُرّ المنثور، ج 6 / ص 327.

385) الكامِل في التاريخ، ابن الأثير، ج 1 / ص 486.

386) المصدر المتقدّم، ص 487؛ المُنتظم، ابن الجوزي، ج 2 / ص 124.

387) الإصابة، ابن حجر، ج 8 / ص 405.

388) راجِع جامع البيان، الطبري، ج 12 / ص 119.

389) الإصابة، ابن حجر، ص 231.

390) صحيح مُسلم بشرح النَوَوي، ج 1 / ص 118.

391) صحيح مُسلم بشرح النَوَوي، ج 1 / ص 118.

392) الكافي، الكُليني، ج 5 / ص 46 - 45 / كتاب الجهاد، ح: 3.

393) الإرشاد، المُفيد، ج 2 / ص 158.

394) المصدر المتقدّم، ص 179.

395) ميزان الاعتدال، الذَهبي، ج 3 / ص 391.

396) تقريب التَهذيب، ابن حجر، ص 157.

397) الكافي، ج 6 / ص 46 / الهامش.

398) الموضوعات، ابن الجوزي، ج 1 / ص 308.

399) الموضوعات، ابن الجوزي، ج 1 / ص 310.

400) الإصابة، ابن حجر، ج 8 / ص 263.

401) بحار الأنوار، المجلسي، ج 43 / ص 8.


402) المصدر المتقدّم، ص 9.

403) الصَحيح من السِيرة، جعفر مرتضى العاملي، ج 3 / ص 8.

404) لسان العرب، ابن منظور، ج 9 / مادّة عقل.

405) موسوعة مُصطلحات الفلسفة عند العرب، جيرار جهامي، ص 466 - 465.

406) إحياء علوم الدِّين، الغزالي، ج 1 / ص 86 - 85.

407) بحار الأنوار، ج 1 / ص 101 - 99 / كتاب العقل والجهل.

408) العقل النَظري: هو إدراك ما يكون واقعاً من غير أن يقتضي جَرْياً عمليّاً، أو إدراك ما من شأنه أن يُعلَم.

409) العقل العَملي: هو إدراك ما من شأنه أن يعُمَل، أو هو إدراك الحُسن والقُبح في الأعمال الّتي تقتضي جرياً عمليّاً.

410) مُقدّمة ابن خلدون، ص365 - 364.

411) رسالة حول رؤية الله، جعفر سُبحاني، ص 25.

412) الرسائل (فرائد الأصول)، ص 10.

413) المُستصفَى، ج 2 / ص 126.

414) دَرْء التَعارض بين العَقل والنَقل، ص 61

415) الحُكم الشرعي بين النَقل والعَقل، الصادق الغرياني، ص 290.

416) يَعتقد الجَهْميّة بإمكان وجواز التكليف بما لا يُطاق، أمّا الأشاعرة، فلَم يتّفقوا على هذه المسألة، حيث أطلقَ بعضهم جواز التكليف بما لا يُطاق، وفَصّلَ بعضهم فيه.

417) شرح الأُصول الخَمسة، القاضي عبد الجبّار، ص 776.

418) الموافقات، الشاطبي، ج 4 / ص 294.

419) المُعجَم المُفهرس لألفاظ القرآن، مادّة عقل.

420) البقرة، الآية: 242.

421) البقرة، الآية: 269.

422) النساء، الآية: 82.

423) الأنفال، الآية: 22.

424) الطور، الآية: 36 - 35.

425) الأنبياء، الآية: 22.

426) المؤمنون، الآية: 91.

427) المؤمنون، الآية: 115.

428) آل عمران الآية: 138 - 137.

429) الجاثِية، الآية: 13.


430) بحار الأنوار، المجلسي، ج 1 / كتاب العقل والجهل / ص 105 / ح: 1.

431) المصدر المتقدّم، ص 106.

432) بحار الأنوار، ج 85 / ص 134.

433) نهج البلاغة، الخطبة الأُولى / ص 33.

434) بحار الأنوار، ج 1 / ص 131.

435) المصدر المتقدّم، ص 137.

436) بحار الأنوار، ج 14 / ص 298.

437) تصنيف غُرَر الحِكم، الآمدي، ج 1 / ص 53.

438) المصدر المتقدّم، ص 61.

439) كَشف الأسرار، البزودي، ج 3 / ص 8 / (نقلاً عن كتاب الحُكْم الشرعي بين النقل والعقل) / ص 265 - 264.

440) تصحيح الاعتقاد، ص 149.

441) الحديث النبوي بين الرواية والدِراية، جعفر سُبحاني، ص 61.

442) منهج نَقد المَتن، الأدلبي، ص 304.

443) الحُكم الشرعي بين النقل والعقل، الصادق الغرياني، ص 260.

444) السُنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي، السباعي، ص 55.

445) منطق المُظفّر، ص 289 - 282.

446) بحوث في عِلم الأصول، السيّد الشهيد، تقريرات السيّد الهاشمي، ج 4 / ص 131.

447) أُصول الكافي، الكُليني، ج 1 / ص 79 / ح: 4.

448) رسائل السيّد المرتضى، ج 1 / ص 410.

449) التوحيد، الصدوق، ص 222 / باب القُدْرة.

450) الأنوار النعمانيّة، الجزائري، ج 4 / ص 51.

451) صحيح البُخاري، ج 4 / ص 191 - 190.

452) أبو هُريرة، عبد الحسين شرف الدِّين، ص 84.

453) شرح صحيح مُسلم، ج 18 - 17 / ص 324 / كتاب الزُهد والرَقائق / بابٌ في الفأر وأنّه مسخ / رقم: 61.

454) شرح صحيح مُسلم، النوَوي، ج18 / ص334.

455) أبو هُريرة، ص 161.


456) صحيح البُخاري، كتاب الجهاد / بابُ مَن طلب الولد للجهاد / رقم: 2819.

457) البُخاري، كتاب الجنائز / باب 68 / مَن أحبّ الدَفن في الأرض المُقدّسة أو نحوها / رقم: 1339.

458) صحيح مُسلم بشرح النَوَوي، ج 15 / ص 138 / كتاب الفضائل / باب فضائل موسى.

459) مَن لا يَحْضَره الفقيه، الصدوق، ج 1 / ص 9 / باب في المياه وطهارتها ونجاستها / ح: 13؛ التهذيب، الطوسي، ج 1 / ص 356 / باب في صِفة الوضوء المُوجبة للطهارة / ح: 37.

460) روضة المُتّقين، محمّد تقي المجلسي، ج 1 / ص 54.

461) الوافي، الفَيض الكاشاني، ج6 / ص16.

462) مُنتقى الجمان، الحسن بن الشهيد الثاني، ج1 / ص74.

463) سُنَن ابن ماجة، ج 1 / ص 30 / ح: 77.

464) الحديث النبوي بين الرواية والدِراية، جعفر سُبحاني، ص 218.

465) في فلسفة العلوم، إبراهيم مصطفى، ص 23.

466) المصدر المتقدّم، ص 20.

467) المُعجَم الشامل لمُصطلحات الفلسفة، عبد المنعم، ص 548.

468) المصدر المتقدّم.

469) منطق المُظفّر، ص 14.

470) نصوص ومُصطلحات فلسفيّة، فاروق عبد المعطي، ص 495 - 490.

471) أنظر: في فلسفة العلوم، إبراهيم مصطفى إبراهيم، ص 72 و 101 و 168.

472) لم نذكر العلوم الإنسانيّة هنا؛ لعَدمِ الاتّفاق بين العلماء على إفادتها اليقين، كالعلوم التجريبيّة فهي ظنيّة في أغلب قضاياها؛ لأنّ موضوعها الإنسان الّذي لا يُمكن التنبؤ بسُلوكه - هكذا قالوا -؛ ولأنّها تحتاج إلى دراسة واسعة، ولكن يُمكن اعتبار العلوم الأدبيّة واللسانيّة مِقياساً جيّداً في هذا المجال كما أشرنا إلى ذلك في الفصل السادس.

473) الاستقراء هو: كلّ استدلال تجي‏ء النتيجة فيه أكبر من المُقدّمات الّتي ساهَمتْ في تكوين ذلك الاستدلال.

474) أي: كيف يُمكن الانتقال من التجارب المُشاهَدة إلى القانون العامّ؟

فإذا قُلنا مثلاً: إنّ هذه القِطعة من الحديد تَتَمدّد بالحرارة، وتلك تتمدّد بالحرارة أيضاً، إلى عدد غير مُحدّد من هذه المُفردات، فكيف يُمكن الانتقال إلى القانون العامّ ونقول: إنّ كلّ حديد يتمدّد بالحرارة؟

لأنّ هذا الاستقراء مهما تعدّد لا يكون إلاّ ناقِصاً ولا يفيد إلاّ درجة من الاحتمال والترجيح، وبهذا يكون العلم كلّه احتماليّاً.

475) الأُسُس المنطقيّة للاستقراء، الشهيد الصدر، ص 31.

476) هناك اتّجاهات مُتعدّدة داخل المذهب التجريبي في تفسير الدليل الاستقرائي ودرجة الوثوق به.


477) الأُسُس المنطقيّة للاستقراء، الشهيد الصدر، ص 83.

478) ترجع هذه النظريّة إلى العالم (بوبر - ت 1994 م).

أنظر: چيستى علم، ترجمة: سعيد زيبا كلام، ص 51.

479) المصدر المتقدّم، ص 53.

480) في فلسفة العلوم، إبراهيم مصطفى، ص 167.

481) التَوالِد الذاتي: هو حصول معرفة جديدة دون وجود أيّ تلازم بين موضوعَي المَعرفتَين السابقتَين.

482) التَوالِد الموضوعي: هو حصول معرفة جديدة عن طريق التلازُم بين قضيّة أو مجموعة من القضايا وقضيّة أُخرى.

483) الأُسُس المنطقيّة للاستقراء، الشهيد الصدر، ص 130.

484) الموسوعة العلميّة الشاملة، ص 15.

485) المُعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، محمود روحاني، ج 3 / مادّة علم.

486) الزمر، الآية: 9.

487) النحل، الآية: 78.

488) آل عمران، الآية: 191.

489) سورة ق، الآية: 6.

490) الرعد، الآية: 2.

491) الأنبياء، الآية: 30.

492) المؤمنون، الآية: 14 - 12.

493) ميزان الحِكمة، ج 6 / ص 463.

494) المصدر المتقدّم، ص458.

495) المصدر المتقدّم، ص 468.

496) المصدر المتقدّم، ص 532.

497) المصدر المتقدّم، ص 530.

498) النجم، الآية: 4.

499) أشرنا إلى هذه الأدلّة في الفصل الثاني.

500) الإحكام في أُصول الأحكام، الآمدي، ج 4 / ص 398.

501) حُجيّة السُنّة، عبد الخالق عبد الغني، ص 216.

502) تفسير المنار، رشيد رضا، ج 9 / ص 255.

503) الأُصول العامّة للفقه المقارن، محمّد تقي الحكيم، ص 230 - 229.

504) المصدر المتقدّم.


505) سلسلة مُؤلّفات الشيخ المُفيد، ج 5 / ص 144.

506) تاريخ ابن خلدون، ج 1 / المُقدّمة / ص 651.

507) سلسلة مُؤلّفات الشيخ المُفيد، ج 5 / ص 115.

508) وسائل الشيعة، ج 19 / ص 214 - 213 / كتاب الدِيّات، أبواب ديّات الأعضاء / الحديث: 1.

509) مَن لا يحْضَره الفقيه، ج 3 / ص 113 / الحديث: 386.

510) الخِلاف، ج 5 / ص 259.

511) اللُمعة الدِمشقيّة، ج 2 / ص 436.

512) شرح اللُمعة، محمّد كلنتر، ج 10 / ص 237 / الهامش.

513) المَعارف الطِبيّة في ضوء الكتاب والسُنّة، أحمد شوقي، ص 48.

514) المصدر المتقدّم.

515) التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج 3 / ص 83.

516) تُحفة المودود بأحكام المولود، ابن قيم الجوزية، ص 208.

517) إعجاز آيات القرآن، محمّد فياض، ص 79؛ المعارف الطبّيَّة في ضوء الكتاب والسُنّة، ص 59.

518) الجامع الصحيح، البُخاري، ج 2 / ص 424 / كتاب بدء الخلق / رقم: 3208.

519) وسائل الشيعة، العاملي، ج 26 / ص 288 / كتاب الفرائِض والمواريث، أبواب ميراث الخُنثى / ح: 33017.

520) سُئلَ بعض المُفتين عن معنى خَلْقِ المرأة من ضِلعٍ أعوج، فقال: معناه أنّ المرأة لا تخلو من اعوجاجٍ في أخلاقها كالضِلع، فمَن أراد كمالها لم يستطع ذلك إلاّ بطلاقها، فالمَشروع الصَبر والتغاضي عن بعض الاعوجاج!

راجع: فتاوى اللُجنة الدائمة، عبد العزيز بن باز وآخرين، ج 4 / ص 320.

521) سُنَن ابن ماجة، ج 1 / ص 34 / رقم: 86.

522) يعني أنّ الفاعل هو الله (سُبحانه وتعالى).

523) الفصول المُهمّة، العاملي، ج 3 / ص 282 / الباب 16 / الحديث رقم: 1.

524) سُنَن ابن داود، رقم: 3921.

525) فتح الباري، ابن حجر، ج 1 / ص 527 / كتاب الحيض / باب كيف بدأ الحيض.

526) البُخاري، ج 1 / ص 112 / كتاب الحيض.

527) الكافي، ج 5 / ص 539 / باب ما يحلّ للرجل من امرأته وهي حائض / الحديث: 5.

528) مَن لا يحْضَره الفقيه، ج 1 / ص 96 / باب غُسْل الحيض والنفاس / رقم الحديث: 203.


529) خَلْقُ الإنسان بين الطِبّ والقرآن، محمّد علي البار، ص 104 - 103؛ القرآن والطِبّ الحديث، صادق عبد الرضا، ص 130 - 129؛ الموسوعة العلميّة الشاملة، ص 368.

530) المصدر المتقدّم.

531) ذكرَ لي أحد الأطباء المُتخصّصين في هذا المجال أنّ الحَمْل لا يُمكن أن يحدث في حالة الطَمث، إلاّ في حالات نادرة جدّاً تصل إلى نسبة الواحد إلى المليون، وذلك فيما إذا حدثَ هناك بيضة في جدار الرَحم صدفة، وحصل التخصيب في ذلك الوقت.

أمّا التشويه، فلا علاقة له من قريب ولا من بعيد بالجُماع في وقت الحيض، وإنّما يحدث نتيجة لعوامل وراثيّة، أو قد يحدث لتناول بعض العقاقير أثناء فترة الحَمل.

532) صحيح ‏البُخاري، ج 2 / ص 448 / كتاب بَدْء الخَلق / باب إذا وقع الذُباب في إناءِ أحدكم... / رقم: 3320.

533) تأويل مُختلَف الحديث، ص237.

534) الكافي (الروضة)، الكُليني، ج 8 / ص 75.

535) الأرض والتُربة الحسينيّة، محمّد حسين آل كاشف الغطاء، ص 65.

536) القصص، الآية: 34.

537) ميزان الحِكمة، الرَي شهري، ج 9 / ص 623.

538) المصدر المتقدّم.

539) البيان والتَبيين، الجاحِظ، ج 2 / ص 15.

540) المصدر المتقدّم، ص 18 - 17.

541) شرح ابن أبي الحديد، ج 1 / ص 148.

542) شَرح نهج البلاغة، محمّد عبده / المُقدّمة.

543) القلم، الآية: 4.

544) ميزان الحكمة، ج 1 / ص 651.

545) مكارم الأخلاق، الطبرسي، ص 18؛ بحار الأنوار، ج 16 / ص 194 / الباب الثامن / ح: 33.

546) الأعراف، الآية: 157.

547) نهج البلاغة، صُبحي الصالح، ص 300 / الخطبة: 192.

548) الباعث الحثيث - شرح اختصار علوم الحديث، أحمد محمّد شاكر، ج 1 / ص 250.

549) التوبة، الآية: 19.

550) الحديد، الآية: 10.

551) سُنَن أبي داود، ج 1 / ص 126 / ح: 461.

552) سُنَن الترمذي، ج 5 / ص 128 / ح: 2916.


553) الحديث بين الرواية والدراية، ص 640.

554) مَجمع البيان، الطبرسي، ج 10 - 9 / ص 427.

555) الموضوعات، ابن الجوزي، ج 1 / ص 178.

556) مكارم الأخلاق، الطبرسي، ص 211 - 209.

557) مَسالِك الإفهام في شرح شرائع الإسلام، ج 1 / ص 435.

558) الغدير في الكتاب والسُنّة، الأميني، ج 5 / ص 249.

559) كَشف الخفاء ومُزيل الالتباس، العجلوني، ج 2 / ص 284 / رقم: 2340.

560) المصدر المتقدّم.

561) المسند الجامع، ج 9 / ص 596 / رقم: 1176؛ الحديث النبوي بين الرواية والدراية، السُبحاني، ص 478.

562) اللُؤلؤ المَرصُوع، القارقجي، ص 114 / رقم: 315.

563) المصدر المتقدّم، ص 114 / رقم: 315.

564) المَصنوع في معرفة الحديث الموضوع، علي القاري، ص 177 / رقم: 320.

565) المصدر المتقدّم، ص 177 / رقم: 320.

566) جامع البيان، الطبرسي، ج 10 / ص 187؛ الدُرّ المنثور، ج 6 / ص 67؛ الكشّاف، الزَمخشري، ج 3 / ص 165 - 164.

567) دائرة المعارف الإسلاميّة، ج 2 / ص 268 / مادّة أُصول.

568) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ج 1 / ص 149 / رقم: 61.

569) المصدر المتقدّم، ص 152.


المَصادر

المصادر العربيّة:

58 - آل أبي طالب، مُحسن الأمين، بيروت - دار الهادي، ط 1 - 1422 هـ، 2002 م.

59 - أبو هُريرة، عبد الحسين شرف الدِّين العاملي، بيروت - دار الزهراء، ط 6 - 1995 م - 1415 هـ.

60 - الإحكام في أُصول الأحكام، أبو محمّد علي بن محمّد بن حَزم (456 - 384 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة.

61 - أحكام القرآن، أبو بكر محمّد بن عبد الله - المعروف بابن العربي (543 - 468 هـ)، بيروت - دار الفكر.

62 - إحياء علوم الدِّين، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي (ت 505 هـ)، مؤسّسة التاريخ العربي.

63 - الاجتهاد بالرأي في مدرسة الحجاز، خليفة بابكر الحسن، القاهرة - مكتبة الزهراء، ط 1 - 1418 هـ، 1997 م.

64 - الأخبار الدَخِيلَة، محمّد تَقِي التُستَري، تعليق: علي أكبر الغفّاري، طهران - مكتبة الصَدوق، 1390 هـ.

65 - اختلاف الحديث، أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ)، تحقيق: محمّد أحمد عبد العزيز، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1989 م - 1406 هـ.

66 - اختيار مَعرفة الرجال (رجال الكشّي)، تحقيق: مهدي الرجائي، قم - مؤسّسة آل البيت‏ (عليهم السلام)، 1404 هـ.

67 - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحَقّ من علم الأُصول، محمّد بن علي الشوكاني، التحقيق: محمّد صُبحي بن حسن الحلاّق، بيروت - دار ابن كثير، ط 1 - 1421 هـ - 2000 م.

68 - الإرشاد في معرفة حُجَج الله على العباد، أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النُعمان - المعروف بالشيخ المُفيد (413 - 336 هـ)، قم - مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، ط 1 - 1413 هـ.

69 - الأرض والتُربة الحُسينيّة، محمّد الحسين آل كاشف الغطاء، طهران - دار المَعرفة والهُدى، 1399 هـ.

70 - استنباط الأحكام من النصوص، أحمد الحُصَري، بيروت - دار الجيل، ط 2 - 1997 م - 1417 هـ.

71 - أسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن علي بن أبي الكرم - المعروف بابن الأثير، دار الفكر، ط 1.

72 - الأُسس المَنطقيّة للاستقراء، محمّد باقر الصدر، بيروت - دار التعارف، ط 5 - 1406 هـ - 1986 م.

73 - الإصابة في معرفة الصحابة، أحمد بن علي بن حَجَر العَسقلاني (ت 852 هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي معوّض، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1415 هـ - 1995 م.


74 - أُصول الحديث (علومه ومُصطلَحه)، محمّد عجاج الخطيب، بيروت - دار الفكر، 1409 هـ - 1989 م.

75 - أُصول الحديث وأحكامه، جعفر سُبحاني، قم - مؤسّسة الإمام الصادق (ع)، ط 5 - 1420 هـ.

76 - أُصول السَرخسي، أبو بكر بن أحمد السَرخسي (ت 490 هـ)، تحقيق: أبو الوَفاء الأفغاني، بيروت - دار المعرفة.

77 - الأُصول العامّة للفقه المُقارن، محمّد تقي الحكيم، قم - مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، ط 2 - 1979 م.

78 - أُصول علم الرجال بين النَظريّة والتطبيق، تقريرات الشيخ مُسلم الداوري، جمع وتحقيق: محمّد علي صالح المُعلّم، قم - 1416 هـ، ط 5.

79 - أُصول الفِقه، محمّد الخضري، بيروت - دار الفكر، 1988 م - 1409 هـ.

80 - أُصول الفقه، محمّد جواد مَغْنِية، بيروت - دار التيّار الجديد، ط 3 - 1408 هـ - 1988 م.

81 - أُصول الفقه الإسلامي، وَهبة الزحيلي، طهران - دار إحسان، 1417 هـ - 1997 م.

82 - أضواء على السُنّة المُحمّديّة، محمود أبو ريّة، قم - مؤسّسة أنصاريّان، 1416 هـ - 1995 م.

83 - إعجاز آيات القرآن، محمّد فيّاض، القاهرة - دار الشروق، ط 1 - 1420 هـ - 1999 م.

84 - أعلام المَوقِعين، أبو عبد الله محمّد بن أبي بكر - المعروف بابن قيم الجوزيّة (ت 751 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة، 1417 هـ - 1996 م.

85 - الأمثل في تفسير القرآن العظيم، ناصر مكارم الشيرازي، بيروت - دار إحياء التراث العربي، ط 1 - 1423 هـ - 2002 م.

86 - الأنوار النعمانيّة، نعمة الله الجزائري (ت 1112 هـ)، بيروت - الأعلمي.

87 - الباعِث الحَثيث في شرح اختصار علوم الحديث، عماد الدِّين أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدِمشقي (774 - 701 هـ)، الرياض - مكتبة المعارف، ط 1 - 1417 هـ - 1996 م.

88 - بحار الأنوار الجامعة لدُرَر الأئمّة الأطهار، محمّد باقر المَجلسي، بيروت - مؤسّسة الوفاء، ط 2 - 1983 م - 1403 هـ.

89 - البداية والنهاية، أبو الفداء ابن كثير الدِمشقي، تحقيق: أحمد أبن ملحم وآخرين، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1405 هـ - 1985 م.

90 - البُرهان في تفسير القرآن، هاشم البحراني، بيروت - مؤسّسة الأعلمي، ط 1 - 1419 هـ - 1999 م.

91 - بحوث في علم الأُصول، تقريرات السيّد محمّد باقر الصدر / بقلم محمود الهاشمي، مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي - قم، ط 3 - 1417 هـ - 1996 م.


92 - البيان والتَبيِين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحِظ (255 - 150 هـ)، تحقيق: عبد السلام محمّد هارون، دار الفكر.

93 - البَيع، روح الله الخميني، قم - مؤسسة اسماعيليّان، ط 4 -1410 هـ.

94 - تاريخ ابن خلدون، عبد الرحمان بن خلدون (808 - 732 هـ)، بيروت - دار الفكر، ط 3 - 1417 هـ - 1996 م.

95 - التاريخ / تاريخه وتفسيره وكتابته، عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، الخرطوم - الدار السودانيّة للكُتب، 1420 هـ - 1999 م.

96 - تاريخ الرُسل والملوك (تاريخ الطَبري)، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري (ت 310 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 2.

97 - التاريخ والمُؤرّخون العرب، عبد العزيز سالم، الإسكندريّة - مؤسّسة شباب الجامعة، 1999 م.

98 - تصنيف غُرر الحِكم ودُرَر الكَلِم، عبد الواحد محمّد الواحدي، قم - مكتب الإعلام الإسلامي، ط 1.

99 - تدريب الراوي في شرح تقريب النَوَوي، جلال الدِّين عبد الرحمان السيوطي (ت 911 هـ)، شَرَحَ ألفاظه وعلَّق عليه: صلاح بن محمّد عويضة، دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1417 هـ - 1996 م.

100 - تأويل مُختلف الحديث، أبو محمّد عبد الله بن مُسلم بن قُتيبة (376 - 213 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة.

101 - تُحفة المودود بأحكام المولود، شمس الدِّين أبو عبد الله الدمشقي - المعروف بابن قيم الجوزيّة، بيروت - دار البشائر الإسلاميّة، ط 1 - 1409 هـ - 1989 م.

102 - التحقيق في كلمات القرآن، حسن المُصطفوي، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ط 1 - 1368 ش.

103 - تفصيل وسائل الشيعة إلى مسائل الشريعة، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت 1104 هـ)، مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، ط 2 - 1414 هـ.

104 - التفسير والمُفسِّرون، محمّد حسين الذَهبي، بيروت - شركة دار الأرْقَم بن أبي الأرْقَم.

105 - التفسير والمُفسِّرون في ثوبه القشيب، محمّد هادي معرفة، مشهد - الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة، ط 1 - 1419 هـ.

106 - تفسير العيّاشي، محمّد بن مسعود السَمرْقَندي، طهران - المكتبة العلميّة الإسلاميّة.

107 - تقريب التهذيب، شهاب الدِّين أحمد بن علي - الشهير بابن حَجر، تحقيق: خليل مأمون شيما، بيروت - دار المعرفة، ط 2 - 1417 هـ - 1997 م.

108 - التَنقيح في شرح العُروة الوثقى، تقريرات السيّد أبو القاسم الخوئي / بقلم علي التبريزي الغروي، قم - مؤسّسة أنصاريّان، ط 4 - 1417 هـ - 1996 م،

109 - تنقيح المَقال، عبد الله المَامَقاني، النجف - المطبعة المُرتَضويّة، 1352 هـ، الطبعة الحَجَريّة.


110 - تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ)، بيروت - دار صعب / دار التعارف، 1401 هـ - 1981 م.

111 - تَهذيب التَهذيب، شهاب الدِّين أبو الفضل أحمد بن علي بن حَجر العسقلاني (ت 852 هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1415 هـ - 1994 م.

112 - توثيق السُنّة في القرن الثاني الهجري - أُسسه واتّجاهاته، رفعت فوزي عبد المُطّلب، مصر - مكتبة الخانجي، 1981 م - 1400 هـ.

113 - التوحيد، أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه القُمّي (ت 381 هـ)، قم - منشورات جماعة المُدرّسين.

114 - جامع البيان من تأويل القرآن، أبو جعفر محمّد بن جرير الطَبري (ت 310 هـ)، دار الفكر، 1408 هـ - 1988 م.

115 - الجرح والتعديل، أبو محمّد عبد الرحمان بن أبي حاتم الرازي (ت 327 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1.

116 - الجرح والتعديل بين المُتشدِّدين والمُتساهِلين، محمّد طاهر الجوابي، الدار العربيّة للكتاب، 1997.

117 - جهود المُحدِّثين في نَقد الحديث النبوي الشريف، محمّد طاهر الجوابي، تونس - مؤسّسة عبد الكريم بن عبد الله.

118 - حُجيّة السُنّة، عبد الغني عبد الخالق، دار العداوي، 1406 هـ.

119 - الحدائِق الناضِرة، يوسف البحراني (ت 1186 هـ)، النجف - دار الكتب الإسلاميّة، 1376 هـ، 1957 م.

120 - الحديث بين الرواية والدراية، جعفر السُبحاني، قم - مؤسّسة الإمام الصادق‏ (عليه السلام)، ط 1 - 1419 هـ.

121 - الحديث الصحيح ومنهج علماء الحديث في التصحيح، عبد الكريم إسماعيل صباح، الرياض - شركة الرياض للنشر، ط 1 - 1419 هـ - 1998 م.

122 - الحديث والمُحدِّثون، محمّد بن محمّد أبو زهرة، بيروت - دار الكتاب العربي، 1404 هـ - 1984 م.

123 - الحُكم الشرعي بين العَقل والنَقل، الصادق عبد الرحمان الغرياني، بيروت - دار الغرب الإسلامي، 1989 م.

124 - خَلْق الإنسان بين الطبّ والقرآن، محمّد علي البار، الرياض - الدار السعوديّة، ط 4 - 1403 هـ - 1983 م.

125 - الخِلاف، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1407 هـ.

126 - دائرة المعارف الإسلاميّة، ترجمة محمّد ثابت القندي، طهران - شركة انتشارات جهان، 1966 م.

127 - دراسات في مَنهج النَقد، محمّد علي العُمري.

128 - الدراية في عِلم مُصطلَح الحديث، زين الدِّين العاملي، قم - منشورات مكتبة المُفيد.


129 - دَرْء تعارض العَقل والنَقل، إعداد ودراسة: محمّد السيّد الجلنيد، القاهرة - مركز الأهرام، ط 1 - 1409 هـ - 1988 م.

130 - الدُر المَنثور في التفسير بالمَأثور، عبد الرحمان جلال الدِّين السُيوطي، بيروت - 1414 هـ - 1993 م.

131 - الدلالة العقليّة في القرآن ومكانتها في تقرير مسائل العقيدة، الأردن - دار النفائس، 1420 هـ - 2000 م.

132 - دفاع عن السُنّة وردّ شُبَه المُستَشرِقين والكُتَّاب المُعاصرين، محمّد بن محمّد أبو شهبة، السعودية - دار اللواء، ط 2 - 1407 هـ - 1987 م.

133 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة، أغا بزرگ الطهراني، مؤسّسة إسماعيليّان، ط 3 - 1408 هـ.

134 - ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، محمّد بن جمال الدِّين مكّي العاملي (786 - 734 هـ)، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت (‏عليهم السلام) لإحياء التراث، ط 1 - 1419 هـ.

135 - الرسالة، محمّد بن إدريس الشافعي (204 - 150 هـ)، تحقيق: أحمد محمّد شاكر، بيروت - دار الكتب العلميّة.

136 - رسالة حول رؤية الله، جعفر سُبحاني، مؤسّسة الإمام الصادق، ط 1 - 1424 هـ.

137 - رسائل السيّد المُرتضى، أبو القاسم علي بن الحسين - المُلقّب بعَلَمِ الهُدى، إعداد: السيّد مهدي الرجائي، نشر دار القرآن الكريم 1405 هـ.

138 - الروضة البَهيّة في شرح اللُمعة الدمشقيَّة، زين الدِّين الجَبعي العاملي (965 - 911 هـ)، مكتب الإعلام الإسلامي، ط 9 - 1416 هـ.

139 - روضة المُتّقين، محمّد تقي المَجلسي، بنياد فرهنگي إسلامي.

140 - السرائِر الحاوي لتحرير الفتاوي، أبو جعفر محمّد بن منصور بن إدريس الحلّي (598 هـ) قم - مؤسسة النشر الإسلامي، 1410 هـ.

141 - سلسلة الأحاديث الضَعيفة والموضوعة وأثرها السَيّء في الأُمّة، ناصر الألباني، الرياض - مكتبة التعارف، ط 5 - 1992 م - 1412 هـ.

142 - سِلسلة مؤلّفات الشيخ المُفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري (413 - 336 هـ)، بيروت - دار المُفيد، ط 2 - 1414 هـ - 1993 م.

143 - السُنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى السباعي، بيروت - دار الورّاق، ط 1 - 1421 هـ 2000 م.

144 - سُنَن ابن مَاجة، أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (270 - 207 هـ) دار الفِكر، 1415 هـ - 1995 م.


145 - سُنَن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السَجسْتاني (275 - 202 هـ)، بيروت - دار إحياء التراث العربي.

146 - سُنَن الدراقطني، علي بن عُمَر الدارقطني (ت 385 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1417 هـ - 1996 م.

147 - السُنَن الكُبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين البَيهقي (ت 458 هـ)، بيروت - دار الفكر للنشر، ط 1 - 1416 هـ - 1996 م.

148 - سُنَن النسائي بشرح الحافظ جلال الدِّين السيوطي، ضَبْط وتوثِيق: صِدْقي جميل العَطّار، بيروت - دار الفكر، ط 1 - 1930 م - 1348 هـ.

149 - شرح الأُصول الخمسة، القاضي عبد الجبّار بن أحمد، بيروت - دار إحياء التراث العربي، 1422 هـ - 2001 م.

150 - شرح البداية في علم الدِراية، زين الدِّين علي بن أحمد العاملي (ت 965 هـ)، تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البَقّال، طهران، ط 1 - 1402 هـ - 1982 م.

151 - شرح نهج البلاغة، عِزّ الدِّين أبو حامد بن هبة الله بن أبي الحديد (ت 580 هـ)، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، بيروت - دار إحياء التراث العربي، ط 2 - 1385 هـ - 1965 م.

152 - فتاوى اللُجنة الدائِمة، عبد العزيز بن باز وآخرون، الرياض - مكتبة العبيكان، ط 2 - 1414 هـ.

153 - شرح نهج البلاغة، محمّد عبده.

154 - صحيح البُخاري، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل البُخاري (256 - 194 هـ)، بيروت - دار إحياء التراث العربي، ط 1 - 1400 هـ.

155 - صحيح الكافي، محمّد باقر البَهبودي، بيروت، ط 1 - 1401 هـ - 1981 م.

156 - صحيح مُسلِم بشَرح النَوَوي، يحيى بن النَوَوي الشافعي (676 - 631 هـ)، بيروت - دار القلم، ط 1 - 1407 هـ - 1987 م.

157 - الصحيح من سِيرة النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، جعفر العاملي، بيروت - دار السِيرة.

158 - ظاهِرة التأويل وصِلتها باللُغة، أحمد عبد الغفّار، دار المعرفة الجامعيّة، 1998 م.

159 - العدَّة في أُصول الفقه، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق: محمّد رضا الأنصاري، ط 1 - 1417 هـ.

160 - عِلل الشرائع، أبو جعفر محمّد بن علي بن بابَوَيه القُمّي (381 هـ)، قم - مكتبة الداوري.

161 - علوم الحديث ومُصطلَحه، صُبحي الصالح، قم - منشورات الشريف الرضي، ط 5 - 1984 م.

162 - الغدير في الكتاب والسُنّة والأدب، عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، بيروت - دار الكتاب العربي، ط 5 - 1403 هـ - 1983 م.


163 - فتح الباري في شرح صحيح البُخاري، أحمد بن علي بن حَجر العَسقلاني، تصحيح: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 2 - 1418 هـ - 1997 م.

164 - الفتوحات المَكّيَّة في الأسرار المالكيّة والملكيّة، مُحيي الدِّين بن علي - المعروف بابن عربي (ت 638 هـ) دار إحياء التراث العربي، ط 1 - 1418 هـ - 1998 م.

165 - فرائد الأصول (الرسائل)، مرتضى الأنصاري (1281 - 1314 هـ)، دار الاعتصام.

166 - الفردوس الأعلى، محمّد حسين كاشف الغطاء، تعليق: محمّد علي القاضي، قم - منشورات مكتبة فيروز آبادي، ط 3 - 1402 هـ - 1982 م.

167 - الفصول المُهمّة، عبد الحسين شرف الدِّين العاملي، تحقيق: حسين الراضي، مؤسّسة البَلاغ، ط 1 - 1423 هـ - 2003 م.

168 - في فلسفة العلوم، إبراهيم مصطفى إبراهيم، الإسكندريّة - دار الوفاء، ط 1.

169 - القرآن والطِبّ الحديث، صادق عبد الرضا علي، بيروت - دار المُؤرِّخ العربي، ط 1 - 1411 هـ - 1991 م.

170 - قضيّة التأويل في القرآن الكريم بين الغُلاة والمُعتَدلِين، إبراهيم بن حسن بن سالم، بيروت - ط 1 - 1413 هـ - 1993 م.

171 - الكافي، أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكُليني الرازي (ت 329 هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، طهران - دار الكتب الإسلاميّة، ط 3 - 1388 هـ.

172 - الكامِل في التاريخ، عِزّ الدِّين علي بن أبي الكرم الشيباني - المعروف بابن الأثير (ت 630 هـ)، بيروت - مؤسسة التاريخ العربي، ط 4 - 1414 هـ - 1994 م.

173 - الكشّاف عن حقائق غوامِض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم جار الله محمود الزَمخشري (ت 538 هـ)، بيروت - دار الكتاب العربي.

174 - كَشْف الخَفاء ومُزيل الإلباس عن ما اشتهر من الأحاديث على ألْسِنة الناس، إسماعيل بن العجلوني (ت 1162 هـ)، مؤسّسة الرسالة، ط 6 - 1416 هـ - 1996 م.

175 - الكفاية في علم الرواية، أبو بكر أحمد بن علي - المعروف بالخطيب البغدادي، تحقيق: أحمد عُمَر هاشم، بيروت - دار الكتاب العربي، ط 2 - 1406 هـ - 1986 م.

176 - كيف نتعامل مع السُنّة النبويّة، يوسف القرضاوي، طهران - نشر دار إحسان.

177 - كيف نتعامل مع القرآن، يوسف القرضاوي، بيروت - مؤسّسة الرسالة، ط 1 - 2001 م - 1423 هـ.

178 - لسان العرب، ابن منظور (ت 711 هـ)، بيروت - دار إحياء التراث العربي، ط 1 - 1988 م - 1408 هـ.


179 - اللُؤلؤ الموضوع في ما لا أصل له أو بأصله موضوع، أبو المَحاسن محمّد خليل القاوقجي الطرابُلسي، تحقيق: فوّاز أحمد زَمرلي، دار البشائر الإسلاميّة، ط 1 - 1415 هـ - 1994 م.

180 - مباحث الأُصول، تقريرات بحث الشهيد محمّد باقر الصدر - بقلم السيّد كاظم الحائري، قم - مكتب الإعلام الإسلامي، ط 1 - 1407 هـ.

181 - مَسالِك الإفهام في شرح شرائع الإسلام، زين الدِّين بن علي العاملي الجبعي (ت 966 هـ)، الطبعة الحَجَريّة.

182 - المُستدرَك على الصَحيحين، أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ)، بيروت - دار المعرفة، ط 1 - 1418 هـ - 1998 م.

183 - المُستصفى من علم الأصول، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي، قم - منشورات دار الذخائر، ط 2 - 1989 م.

184 - مَجمَع البيان في تفسير القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطَبرسي، طهران - منشورات ناصر خسرو، ط 2.

185 - مَجمَع الزوائد ومَنبع الفوائِد، نور الدِّين علي بن أبي بكر الهَيثمي (ت 807 هـ)، بيروت - دار الكتاب العربي، ط 3 - 1402 هـ - 1982 م.

186 - المحاسن، أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت 274 هـ)، تحقيق: مهدي الرجائي، قم - المَجمَع العالمي لأهل البيت (‏عليهم السلام)، ط 2 - 1416 هـ.

187 - المَدخل إلى علم التاريخ، عبد الرحمان الشيخ، الحجاز - المكتب العربي للمَعارف.

188 - مُسنَد أحمد بن حَنبَل، أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني (ت 241 هـ)، دار الفكر.

189 - مُسنَد الإمام الهادي، جَمْع وترتيب عزيز الله العطاردي، بيروت - دار الصَفوة، ط 2 - 1413 هـ - 1993 م.

190 - المسند الجامع، تحقيق وترتيب: بَشّار عوّاد وآخرين، بيروت - دار الجيل، ط 1 - 1413 هـ - 1993 م.

191 - مصباح الأُصول، تقريرات آية الله السيّد الخوئي بقلم محمّد سرور الواعظ الحسيني، قم - مكتبة الداوري، ط 5 - 1417 هـ.

192 - المَصنوع في مَعرفة الموضوع (الموضوعات الصُغرى)، علي القاري الهَروي (ت 1014 هـ)، تحقيق: عبد الفتّاح أبو رغدة، حلب - مكتب المطبوعات الإسلاميّة، 1414 هـ - 1994 م.

193 - المعارف الطِبّيّة في ضوء القرآن والسُنّة، أحمد شوقي إبراهيم، القاهرة - دار الفكر العربي، ط 1 - 1423 هـ - 2002 م.

194 - المُعجَم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، محمود روحاني، مشهد - منشورات الآستانة الرضويّة، ط 2 - 1414 هـ - 1994 م.


195 - مُعجَم رجال الحديث وتفصيل طَبقات الرواة، السيّد أبو القاسم الخوئي، قم - مدينة العِلم، ط 5.

196 - المُعجَم المُفهرَس لألفاظ القرآن، محمّد فؤاد عبد الباقي، بيروت - دار إحياء التراث العربي.

197 - المُعجَم الوسيط، إبراهيم مصطفى وآخرون، استانبول - دار الدعوة، ط 4.

198 - مِقباس الهداية، عبد الله المامَقاني (ت 1351 هـ)، تحقيق: محمّد رضا المامَقاني، قم - مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التُراث، ط 1 - 1411 هـ.

199 - مُقدّمة ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمان الشهرَورزي (ت 643 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1416 هـ - 1995 م.

200 - مكارم الأخلاق، أبو نصر الحسن بن الفضل الطَبرسي، بيروت - مؤسّسة الأعلمي، ط 1 - 1392 هـ - 1972 م.

201 - المَنار (تفسير القرآن الحكيم)، محمّد رشيد رضا، منشورات الكتب العلميّة، ط 1 - 1420 هـ - 1999 م.

202 - المَنار المُنيف في الصحيح والضعيف، شمس الدِّين محمّد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ)، تحقيق: أحمد عبد الشافي.

203 - المُنتَظم في تاريخ الملوك والأُمَم، جمال الدِّين أبو الفرج الجوزي (ت 597 هـ)، تحقيق: سهيل زَكار، بيروت - دار الفكر، 1420 هـ - 2000 م.

204 - المنطق، محمّد رضا المظفر، بيروت - دار التعارف، 1400 هـ - 1980 م.

205 - مُنتقى الجُمان في الأحاديث الصِحاح والحِسان، جمال الدِّين الحسن بن زين الدِّين (ت 1011 هـ)، تعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1406 هـ.

206 - منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السُنّة والجماعة، عثمان بن علي حسن، مكتبة الرُشد، ط 3 - 1415 هـ - 1995 م.

207 - منهج البحث التاريخي، حسن عثمان، دار التعارف، ط 4.

208 - منهج النَقد عند المُحدِّثين / نشأته وتاريخه، محمد مصطفى الأعظمي، المملكة العربيّة السعوديّة - مكتبة الكوثر، ط 3 - 1410 هـ - 1990 م.

209 - منهج نَقد المَتن عند علماء الحديث النبوي، صلاح الدِّين ابن أحمد الأدلبي، بيروت - دار الآفاق الجديدة، ط 1 - 1403 هـ - 1983 م.

210 - المُوافَقات في أُصول الشريعة، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت 790 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة.

211 - الموسوعة العلميّة الشامِلة، أحمد شفيق الخطيب / يوسف سليمان خير الله، مكتبة لبنان، ط 1 - 1998 م.

212 - موسوعة مُصطلَحات الفلسفة عند العرب، جيرار جهامي، مكتبة لبنان، ط 1 - 1998 م.


213 - الموضوعات، أبو الفَرَج عبد الرحمان بن علي الجوزي (ت 597 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1995 م - 1415هـ.

214 - الموضوعات في الآثار والأخبار، هاشم معروف الحسني.

215 - الميزان في تفسير القرآن، محمّد حسين الطباطبائي، بيروت - مؤسّسة الأعلمي، ط 2 - 1393 هـ - 1973 م.

216 - ميزان الاعتدال في نَقد الرجال، شمس الدِّين محمّد بن أحمد الذهبي (ت 748 هـ)، تحقيق: علي محمّد معوّض، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1416 هـ - 1995 م.

217 - ميزان الحكمة، محمّدي الري شهري، قُم - مكتب الإعلام الإسلامي، 1403 هـ.

218 - نصوص ومُصطلحات فلسفيّة، عبد المُنعم الحَفني، القاهرة - مكتبة مدبولي، ط 3 - 2000 م.

219 - نهاية الدراية، حسن الصدر (ت 1354 هـ)، تحقيق: ماجد الغرباوي، نشر مَشْعَر.

220 - النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدِّين أبو السعادات محمّد بن الأثير الجزري (ت 606 هـ)، بيروت - دار الكتب العلميّة، ط 1 - 1418 هـ - 1997 م.

221 - الوافي، المُحدِّث محمّد حسين - المشهور بالفيض الكاشاني، أصفهان - منشورات مكتبة أمير المؤمنين (ع)، ط 2 - 1412 هـ.

222 - الوجيزة في الدراية، محمّد بهاء الدِّين العاملي (ت 1030 هـ)، قم - منشورات المكتبة الإسلاميّة الكُبرى، 1396 هـ.

223 - الوجيز في أصول التشريع الإسلامي، محمّد حسن هيتو، لبنان - مؤسّسة الرسالة، ط 1 - 1421 هـ - 2000 م.

224 - نهج البلاغة، صُبحي الصالح، قم - مركز البحوث الإسلاميّة، 1395 هـ.

225 - نور الثَقلَين، عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي، قم - مؤسّسة إسماعيليّان، ط 4.

المصادر الفارسيّة:

48 - پژوهشي در تاريخ حديث شيعه، مجيد معارف، طهران - مؤسّسه فرهنگى وهنرى ضريح، ط 1 - 1374 ش.

49 - چيستي علم، آلن أف / جالمرز، ترجمة: سعيد زيبا كلام، طهران - منشورات علمى وفرهنگى، ط 1 - 1378 ش.

50 - حديث وداريه (2)، منشورات المركز العالمي للعلوم الإسلاميّة.

51 - در آمدى بر تفسير علمى قرآن، محمّد علي رضائي الأصفهاني، منشورات أُسوه، ط 1 - 1375 ش.

52 - روشهاى تأويل قرآن (معناشناسى وروش‏شناسى تأويل در سه حوزه روائى / باطنى وأصولى)، محمّد كاظم شاكر، قم - دفتر تبليغات حوزه علميّه، 1376 ش.


53 - علم الحديث ودراية الحديث، كاظم مدير شانه چي، قم - دفتر تبليغات إسلامى، ط 3 - 1377 ش.

54 - مرزبان وحى وخرد، جَمْع من المُحقّقين، قم - دفتر تبليغات إسلامى، 2002 م.

55 - نقد وبرّرسى روشهاى تشخيص حديث موضوع، (رسالة دكتوراه في مؤسّسة دار الحديث).

المَجلاّت:

56 - آينه پژوهش، السَنة العاشرة، العدد: 59.


الفهرس

المقدّمة 1

البابُ الأوّل: المباحث التمهيديّة 15

تمهيد .17

المَبحث الأوّل: النقد في اللُغة والاصطلاح .17

المبحث الثاني: أنواع النقد .19

المبحث الثالث: صحّة الحديث من حيث السَنَد والمَتْن .20

المَبحث الرابع: علاقة نَقد المُحتوى بعلوم الحديث الأُخرى .21

المَبحث الخامس: مَناهِج العُلماء والمُحدِّثين في نَقْدِ الحديث ..27

المبحث السادس: أسبابُ النَقْدِ .36

الباب الأوّل / الفصل الثاني .47

الفصل الثاني .47

المَبحث الأوّل: تاريخ نقد المتن عند الصحابة وأهل البيت (عليهم السلام). 47

المبحث الثاني: نَقْد المَتنِ عند أهل البيت (ع) 54

الباب الثاني: المَبانِي المُشتَرَكة في نَقْدِ مَتْنِ الحَديث ..61

الباب الثاني / الفصل الأوّل: 61

تمهيد .63

الفَصل الأوّل: عَرْضُ الحَدِيثِ عَلى القُرآن .71

المبحث الأوّل: أهمّيَّة القُرآن .71

المَبحث الثاني: مَرتبة السُنّة من القرآن .72

المَبحث الثالث: علاقة السُنّة بالكتاب ..73

المَبحث الرابع: أحاديث العَرْضِ على الكتابِ عند الشِيعَة 78

المَبحث الخامِس: التَأوِيل .86

المَبحث السادس: الروايات الّتي تُخالِف القُرآن .92


الباب الثاني / الفصل الثاني: عَرْضُ الحَديثِ على السُنَّة 101

المَبحث الأوّل: 101

المبحث الثاني: معنى السُنّة عند الفريقَين .103

المبحث الثالث: أدلّة القاعدة 104

المبحث الرابع: حُدود القاعِدة 106

المَبحث الخامس: الروايات المُخالِفة للسُنّة 109

الباب الثاني / الفصل الثالث : عَرْضُ الحَدِيثِ على التاريخِ عَرْضُ الحَدِيثِ على التاريخِ .117

المبحث الأوّل: مفهوم التاريخ ودليليّته 117

المبحث الثاني: التاريخ بين الظنِّ واليَقين .118

المبحث الثالث: الروايات الّتي تُخالِف التاريخ .121

الفصل الرابع: عَرْضُ الحَديث على العَقل .129

الباب الثاني / الفصل الرابع: عَرْضُ الحَديثِ على العَقْلِ .129

المبحث الأوّل: 129

المَبحث الثاني: تَقْسيم القضايا من حيث إدراك العَقل لها 131

المبحث الثالث: علاقة العَقْلِ مع العلوم النَظريَّة 132

المبحث الرابع: الحُسْنُ والقُبح العَقليَّين .133

المبحث الخامس: أسباب التَعارض بين العَقل والنَقل .134

المبحث السادس: الدليل على القاعدة 135

المَبحث السابع: الأحاديث المُخالِفة لِهذه القاعِدة 141

الباب الثاني / الفصل الخامس: عَرْضُ الحَديثِ على العِلْمِ القَطْعِي .149

الفصل الخامس: عَرْضُ الحَديثِ على العِلْمِ القَطْعِي .149

المَبحث الأوّل: العِلم في اللُغة والاصْطلاحِ .149

المَبحث الثاني: تَقسيمُ العُلوم 150

المَبحث الثالث: العلوم التجريبيّة بين الظَنِّ واليَقين .151

المَبحث الرابع: تعارض العِلم مع الدِّين .155

المَبحث الخامس: مَنزِلة العِلم في الكتاب والسُنَّة 156


المَبحث السادس: الاستدلال على هذه القاعِدة 157

المَبحث السابع: الروايات المُخالِفة للعلوم القطعيّة 161

الباب الثاني / الفصل السادس: الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام المعصوم (‏عليه السلام) 169

المَبحث الأوّل: المَعصوم في بلاغَته وفَصاحَته 169

المَبحث الثاني: المعصوم في خُلُقِه وسِيرَتِه 170

المبحث الثالث: مَصاديق الأحاديث الّتي لا تُشبِه كلام المعصوم. 173

المصادر: 180

المصادر 202

المصادر العربيّة: 202

المصادر الفارسيّة: 211

المَجلاّت: 212


مباني نقد متن الحديث

مباني نقد متن الحديث

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: قاسم البيضاني
تصنيف: علم الدراية
الصفحات: 215