الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: هاشم معروف الحسني
تاريخ التشيع

الشّيعةُ بينَ الأشاعرة والمعتَزلة

هَاشِم مَعروف الحَسني



الشّيعةُ بينَ الأشاعرة والمعتَزلة

هَاشِم مَعروف الحَسني

يَعرض الفِرَق الإسلامية السياسية والعقائدية مُنذ نشأتها وأسباب حدوثها، والفِرَق الشيعية ومعتقداتها، ويُثبت أنّ أكثر الفرَق المنسوبة إلى الشيعة لا وجود لها في تاريخ التشيّع ولا واقع لها.

ويَبحث في تاريخ المعتزلة والأشاعرة والمرجئة وغيرهم من الفِرَق والمذاهب وآراءهم ومعتقداتهم في أُصول الإسلام، ويُقارن بينها وبين آراء الشيعة الإمامية في هذه المواضيع، ويُعدّد فِرَق المعتزلة ويتعرّض لبعض آرائهم والفوارق بينهم.

يثبت بالأرقام أنّ الإمامية من الشيعة من أبرز الفِرَق الإسلامية في مختلف العلوم الدينيّة وغيرها، وأنّهم مستقلّون عن غيرهم استقلالاً كاملاً في جميع شؤونهم وحالاتهم، ويبحث عدداً من المواضيع التي تتّصل بموضوع الكتاب معتمداً على أوثق المصادر الشيعية والسُنّية.


بسم الله الرحمن الرحيم



بسم اللّهِ الرحمن الرحيم

( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) (1).

( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (2) .

( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (3) .

قرآنٌ كريم

____________________

(1) سورة الشورى: آية 13

(2) سورة آل عمران: آية 105

(3)  سورة الأنعام: آية 159.


مقدّمة

بسم اللّهِ الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم أنبيائه الذين اختارهم لرسالته، واصطفاهم على الناس أجمعين، وعلى آله الأئمّة الهُداة، الذين جاهدوا في الله حقّ جهاده، وتحمّلوا كلّ أنواع الأذى في سبيله، وارتحلوا عن هذه الدنيا من غير أنْ تعلَق بهم آثامها وتخدعهم بمظاهرها وطيّبات عيشها، والسلام على أصحاب رسول الله الطيّبين الذين اتبعوه بإحسان، وكانوا بأمره يعملون وعلى التابعين لرسول الله، ولأهل بيته في كلّ عصرٍ وزمان ورحمة الله وبركاته.

وبعد، لقد اضطرّتني الكتابة في تاريخ الفقه الجعفري إلى المراجعات الواسعة حول التشريع الإسلامي والفِرَق الإسلامية، وآثارها في مختلف النواحي العلمية، وكانت تستوقفني أشياءٌ وأُمور تثير تعجّبي من هذا الإنسان الذي يستهتر بالقيَم والفضائل، ويستهين بأقدَس الحقوق والواجبات في سبيل أغراضه وشهَواته، وإذا تحدّث عن القِيَم والفضائل


والدين، فإنّما يتحدّث ويدافع عنها بقلبه ولسانه حيث لا يجِد سبيلاً للوصول إلى أغراضه إلاّ عن طريقها.

لقد وجدت وأنا أتتبّع المصادر التي تبحث في التشريع والفِرَق والعقائد الإسلامية، أنّ جميع العناصر والأحزاب كانت تقف في اتجاهٍ معاكس للشيعة، وتألّبت عليهم منذ أقدَم العصور الإسلامية، وجرّدتهم من كلّ خصائصهم وميّزاتهم ليكونوا منسيّين خاملين، واستعمل معهم الحكّام حرب الإبادة في أكثر المواقف التي ثاروا فيها لإحقاق الحق، وإحياء العدل، وإنصاف المظلومين، ولمّا لم تُجْدِ جميع هذه المحاولات للقضاء على التشيّع لجأوا إلى الافتراء عليهم، فوضعوا بين أحاديثهم آلاف الأحاديث، ونسبوا إليهم بعض الآراء التي تتنافى مع نصوص القرآن والسنّة، وخلقوا فِرَقاً لا أصل لها ولا وجود إلاّ بين شفاههم وفي كتبهم نسبوها إلى التشيّع، وقالوا عنهم ما شاءت السياسة، وما شاء محترفوها، الذين لا يهمّهم إلاّ أنْ تُبنى عروشهم ولو على جماجم الأنبياء والأولياء والأبرياء.

وجاء الكتاب بعد ذلك فدوّنوا كلّ ما سمِعوه ووجدوه في كتب المتقدّمين بدون تمحيص ولا تحقيق، ولكنّ قافلة التشيّع لم تُثنِ عزيمتها تلك الأراجيف، ولم تقف تلك الصعاب في طريق الركب الشيعي الزاحف نحو المجد والخلود الدائمَين.

إنّهم بالرغم مِن جميع تلك المحاولات لم يستطيعوا إخماد ذلك الضوء الذي يستمدّ من نور النبوّة ووحي القرآن قوّته ومبادئه وتعاليمه مباشرة.

لقد انتشرت المذاهب الإسلامية في القرن الثاني وما بعده في الأُصول والفروع، وأصبح لكلّ عالم مذهب له أنصار وأتباع، يدافعون عنه ويناضلون من أجل بقائه وانتشاره، وتعدّدت الفِرَق، وتباينت الآراء في أكثر الأصول الإسلامية، فتراشقوا بالتكفير والتفسيق، وشتّى أنواع التُّهَم، وقال المحدّثون والفقهاء عن المعتزلة ما شاءوا، وفي هذا الجوّ المزدحم بالخلافات والمتناقضات، اتّسع المجال للمشكّكين في العقائد الإسلامية أنْ يَظهروا بما عندهم من الشُّبَه والشكوك، وتيسّر للدسّاسين أنْ يبثّوا سمومهم وأباطيلهم لتشويه العقيدة الإسلامية وإبرازها بغير وجهها الصحيح بلا خوفٍ ولا وجَل من الحكّام وغيرهم؛ لأنّ الحكّام يهمّهم أكثر مِن أيّ شيء كان، أنْ ينصرف الناس بكلّ فئاتهم لمثل هذه الأمور، عن تصرّفاتهم وأعمالهم المنافية للإسلام ومبادئه، في هذا الجوّ الذي راجت


فيه الشُبَه وظهَرت فيه انحرافات المعتزلة في تفكيرهم عن المخطّط الإسلامي في أُصول الدين.

واستبد الجمود بالمحدّثين والفقهاء حتى عزَلوا العقل عن الدين، وجرّدوه عن جميع صلاحيّاته التي أقرّت له بها الأديان قبل أيّ شيء، ونتَج من إفراط المعتزلة في تحكيم العقل، وغلو الفقهاء والمحدّثين في الجمود على حرفية النصوص، خلاف بين الفريقين أُريقت فيه الدماء واستُبيحت الأعراض والأموال.

لقد عاش أئمّة الشيعة وأتباعهم الإماميّة في هذه العصور المزدحمة بالخلافات العقائدية، ورافقوا جميع الأدوار التي مرّت بها هذه الفِرَق، وكانت مدارسهم ومجالسهم تعجّ بالطلاب والعلماء من مختلف العواصم الإسلامية، ولا سيّما البصرة والكوفة وبغداد، مقرّ الفِرَق والأحزاب والمذاهب، ولم يكن يعنيهم من أُمور الدنيا وشؤون السلطان شيءٌ، فاتّجهوا بكلّ ما آتاهم الله من عِلم وحكمة وبيان لحماية العقيدة والدفاع عن الدين، وردّ كيد الغزاة وشُبَه المشكّكين وانحرافات الفرق، ووقفوا موقفاً مستقلاًّ عن غيرهم، يستوحون آراءهم ومبادئهم من الكتاب والسُنّة والعقل، وألّف أصحابهم وتلاميذهم مئات الكتب في مختلف المواضيع التي كانت موضع عناية العلماء والمفكّرين.

وفيها اشتدّت الخصومة بين الفِرق وتعدّدت المذاهب، وبالرغم من أنّ الحكّام كانوا من ألدّ أخصامهم، وقرّبوا المعتزلة أوّلاً منهم، وأخيراً تبنَّوا آراء الأشاعرة، وأقرّوا من مذاهب المسلمين الفقهيّة أربعاً، وتجاهلوا المذهب الجعفري يوم ذاك وهو أوسع انتشاراً، وأكثر إنتاجاً من جميع المذاهب الإسلامية الأُخرى، كما أقرّوا مذهب الأشعري في الأُصول، وتجاهلوا آراء الشيعة فيها، ومؤلّفاتهم الواسعة في مختلف العلوم، بالرغم من كلّ ذلك فقد تجاهلهم الذين كتبوا في التشريع الإسلامي من الشيعة، وتحدّثوا عنهم بصورة خاطفة، كما تحدّثوا عن الخوارج والفِرَق الأُخرى التي مرّت في التاريخ، وماتَت في مهدها، وكان ذلك من أقوى الأسباب التي دعتني للكتابة في تاريخ الفقه الجعفري.

وقد وفّقني الله سبحانه لوضع كتابين في هذا الموضوع صدر أحدهما في العام الماضي، والثاني قبل ثلاثة أشهر تقريباً، وقد نفدت أكثر نسخهما، وأرجو أنْ أوفّق لإخراج الكتاب الثالث الذي لا يزال في مرحلة التصميم، أمّا فيما يتعلّق بالمباحث الكلامية وأُصول العقائد، فلم يستطع كتّاب السُنّة


أنْ يتجاهلوا رأي الأئمّة من أهل البيت ولا رأي الإمامية في هذه المواضيع، ولا تزال آثارهم وكتبهم، وعلى الأخص الكتب التي ألّفها الإمامية في القرن الثالث وما بعده، حيث اتسع المجال للإمامية أكثر من أيّ وقت مضى، فكانت مجالس المفيد والمرتضى والطوسي وغيرهم من علماء الإمامية المنتشرين في العواصم الإسلامية تعجّ بالمناظرات بينهم وبين المعتزلة؛ الذين تحرّروا من الجمود وتقليد المحدّثين، وبين الأشاعرة الذين تبنّت السلطات الحاكمة آراءهم وفرضتها على الناس بحدّ السيوف، لا تزال تلك الآثار والكتب بين أيديهم، فلم يستطيعوا أنْ يتجاهلوهم في هذه الناحية كما تجاهلوهم في عالم التشريع، ولا استطاعوا أنْ يعترفوا بأنّهم مستقلّون عن غيرهم في آرائهم وتفكيرهم؛ لأنّ النزعات الموروثة والأحقاد الكامنة من مئات السنين تأبى لهم الاعتراف بالواقع والاستسلام له، فقالوا:

إنّ الشيعة في عقائدهم وأُصولهم أتباع للمعتزلة وعيال عليهم في هذه المواضيع، وجاء المتأخّرون من كتاب العرب والمستشرقين الأجانب يجترون هذه المقالة بدون تمحيص وتحقيق، وكأنّها من الضروريات التي لا تقبل التشكيك، لقد سرّت هذه المقالة فيما بينهم مع أنْ كتب الإمامية في هذه المواضيع منتشرة في جميع المكاتب العامّة والخاصّة، وهي تعبّر عن آرائهم بكلّ صراحة ووضوح، تلك الآراء التي يخالفون فيها المعتزلة أكثر من جميع الفِرَق.

وقد يلتقون معهم أحياناً كما يلتقون مع الأشاعرة والمُرجِئة في بعض المسائل، هذا بالإضافة إلى أنّ الإمامية أسبق الفِرَق الإسلامية، وتاريخهم يتّصل بتاريخ الإسلام منذ فجره الأوّل، وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الذي إليه يرجع التشيع قد تكلّم في التوحيد والصفات والعدل والقدر وغير ذلك من المواضيع الكلامية والفلسفية، قبل مولد الاعتزال بعشرات السنين.

قال السيّد المرتضى: إنّ أصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجميع من جاء بعده من المتكلّمين قد اعتمدوا عليه وشرحوا أقواله وآراءه، وروي عن الأئمّة من أبنائه في ذلك ما لا يحصى (1)

____________________

(1) انظر الجزء الأول من الأمالي للسيّد المرتضى ص 102، وانظر المجلّد الرابع من شرح النهج ص 522 قال: وجملة الأمر أنّ مذهب أصحابنا في العدل والتوحيد مأخوذ عن أمير المؤمنين، ومضى يقول: وهذا الموضع مِن المواضع التي صرّح فيها بمذهب أصحابنا بعينه.


وذكر هذه الحقيقة ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة، وأضاف إلى ذلك أنّ واصل بن عطاء الزعيم الأول للمعتزلة المؤسّس لمذهب الاعتزال، تلمذ على أبي هاشم، وأبو هاشم كان تلميذاً لأبيه محمّد بن الحنفية، ومحمّد تلمذ على أبيه عليّ (عليه السلام) (1) ، ومع ذلك فأكثر المؤلّفين في الفِرَق والعقائد يدّعون أنّ الإمامية قد قلّدوا المعتزلة في عقائدهم، ولم يكوّنوا لأنفسهم رأياً مستقلاًّ فيها.

ويؤكّد ابن المرتضى في كتابه (المنيّة والأمل) أنّ الأئمّة من أهل البيت كالحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد الباقر (عليهم السلام)، كانوا على رأي المعتزلة في أُصول العقائد، ويميل إلى هذا الرأي الشيخ محمّد أبو زهرة في كتابه (الإمام زيد) صفحة 40، وقد ذكرنا أنّ الأئمّة من أهل البيت قد أخذوا عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) هذه المواضيع، وذلك قبل أنْ يولد واصل بن عطاء بخمسين عاماً، وقبل أنْ يكون للمعتزلة ومبادئهم وجود في دنيا المسلمين.

ومهما كان الحال فإنّ الذي دعاني لتأليف هذا الكتاب هو تلك الحملات المركّزة ضدّ الإمامية، والافتراءات السافرة، والفِرَق المنسوبة إلى التشيّع، وغير ذلك ممّا أُلصق بهم زوراً وبهتاناً، وكان من أقوى هذه الدواعي في نفسي، ما شاع بين الكتّاب والمؤلّفين في تاريخ الفرَق والمذاهب الإسلامية من أنّ الإمامية تبَع للمعتزلة في أُصول الإسلام، ومقلّدة لهم في ذلك.

وقد استعرضت فيه الفرَق المنسوبة إلى الشيعة وتاريخ مولدها ومعتقداتها، وآراء الفرَق الثلاث الإمامية والمعتزلة الأشاعرة، وعرضْتُها عرضاً موجزاً تارة، ومسهباً أُخرى حسَب المناسبات وبقصد المقارنة بين آراء هذه الفِرَق الثلاث، واشتمل على عدد من المواضيع الأُخرى التي تتّصل بموضوعه، معتمداً على أوثق المصادر السنّية والشيعيّة، وبعد التتبّع الواسع أحسب أنّي استطعت بتوفيق الله أنْ أُثبت أنّ

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج ص 128، لقد أوردنا هذه المقالة عن ابن أبي الحديد؛ لتأييد ما قُلناه من أنّ الإمامية أسبق من غيرهم في هذه المواضيع، وإنْ كنا لا نقرّ ما يقوله ابن أبي الحديد من أنّ المعتزلة أخذوا مذهبهم عنه (عليه السلام)، لا نقرّ ذلك على إطلاقه؛ لأنّ آراء المعتزلة في أُصول العقائد لا تلتقي مع آراء الإماميّة إلاّ في بعض المسائل كما يبدو ذلك للمتتبّع في فصول هذا الكتاب.


الإمامية مستقلّون في تفكيرهم وآرائهم استقلالاً كاملاً في جميع الأدوار والمراحل التي مرّوا بها، ولا يعتمدون على غير كتاب الله وسنّة نبيّه وعقولهم فيما يعتقدون به ويعملون من أُصولٍ وفروع، ويبدو ذلك للقارئ، بعد قراءة هذا الكتاب واستقصاء مواضيعه استقصاءً كاملاً.

وأرجو أنْ أكون قد وفِّقت لإثبات هذه الحقيقة، ومنه سبحانه استمدّ العون والهِداية والعصمة في القول والعمَل، إنّه أكرمُ مسؤول.

المؤلّف


تمهيد

لقد كان أوّل شيء قام به النبيّ (صلّى عليه وآله وسلّم) في السنين الأولى من بعثته، هو تأسيس المبادئ الثلاثة التالية:

1 - توجيه الناس إلى إله واحد أحد، وبطلان عبادة الأصنام التي اتخذوها أرباباً من دون الله.

2 - إنّه عبد الله ورسوله إلى الناس أجمعين، أرسله لينقذ الناس من الجهالة والعمى، ويُمهّد لهم الطريق الذي يضمن لهم الخير والسعادة في الدنيا، والفوز بالنعيم الدائم في الآخرة.

3 - الإيمان بحياة ثانية بعد هذه الحياة؛ لينال كل إنسان جزاء أعماله: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) .

هذه المبادئ الثلاثة هي الأساس الذي بُني عليه صرح الإسلام، وتركّزت عليها جميع أُصوله وفروعه، وبقي النبيّ (صلّى عليه وآله وسلّم) في مكّة بعد أنْ حمل أعباء الرسالة ثلاثة عشَر عاماً، يدعو الناس إلى هذه الأُصول الثلاثة بكلّ ما أُوتي من حكمة ومنطق وبيان وخلق كريم، والقرآن يوحى إليه داعياً لتلك الأُصول بالأساليب التي تألفها طباعهم، وتلتذّ ببيانها الساحر نفوسهم، وقلّما تخلو سورة من سور القرآن عن تأكيد هذه المبادئ بالأساليب المختلفة التي اقتضتها حكمته تعالى، ومع كلّ ذلك فلَم يجد من مشركي قومه إقبالاً


على دعوته، وإصغاء لنصائحه وتعاليمه، وبالرغم من أنّهم قابلوه بكلّ أنواع الأذى، وتآمروا على حياته مرّاتٍ عديدة، فلم تلن عزيمته، ولم يتردّد لحظة في المضيّ برسالته إلى النهاية، حتى ولو وضعوا الشمس في يمينه والقمر بشماله ثمناً لتركها.

ولمّا هاجر إلى المدينة وجَد فيها بيئةً صالحة لقبول تلك المبادئ وقُلوباً رأت الله يتجلّى في وحي القرآن وتعاليم محمّد وخُلقه وحكمته، فآمَن به أكثر أهل المدينة، وتقبّلوا دعوته بدون تردّد أو تشكيك فاطمأنّ إليهم واطمأنّوا إليه، ومضى يتابع مهمّته بلهفة وإخلاص حتى ملأت القلوب والعقول، فأصبحت عقيدة العرب أجمعين، أُولئك الذين كانوا بالأمس القريب من ألدّ أعدائها، وأشرس خصومها.

ومع أنّ الآيات التي تعرّضت لتلك المبادئ الثلاثة لم تكن متّفقة من حيث تصويرها لله سُبحانه، ففي الآية من سورة الشورى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وفي سورة الإخلاص لم يلِد ولم يولد وفي آيةٍ أُخرى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وفي غيرها الله نور السموات والأرض مثَل نوره كمشكاة فيها مصباح، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تؤكّد أنّه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته وليس كسائر المحسوسات التي تدركها الحواس، بينما نجد بعض الآيات التي تعرّضت له سُبحانه قد وصفته بما يوهم أنه شبيه بمخلوقاته.

قال سبحانه: ( الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) ، وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) ، إلى غير ذلك ممّا يوهم التشبيه والتجسيم، ولكن بالرغم من تلك الآيات التي يتراءى منها لأوّل نظرة عدَم التوافق في ظواهرها، لم يكن للتردّد أو التشكيك في ذلك أثر بينهم، ولا للنزاع الذي حدَث بين المسلمين في القرن الثاني الهجري في صفاته وتحديد ذاته، وخلق الأفعال وغير ذلك من النزاعات التي شاعت بينهم، ومزّقت شملهم وأصبحوا فِرَقاً وأحزاباً لا يتعارفون، كل ذلك لم يكن في حياة الرسول؛ ذلك لأنّهم تقبّلوا ما جاء به القرآن أصلاً كان أو حكماً، وفهموا بفطرتهم السليمة منها المعنى المقصود، ولم يقابلوا بين آيةٍ وآية لمجرّد ذلك الاختلاف اللفظي الذي اقتضته مصلحة البيان والمناسبات الأُخرى، وكان (عليه السلام) حريصاً على أنْ يرجعوا إليه في كلّ ما يعترضهم من الشُبَه والشكوك، ويدعوهم إلى ترك الجدَل والنزاع في هذه المواضيع، وقد جاء في بعض المرويّات عنه أنّه خرَج على أصحابه في بعض الأيّام فوجدهم


يتنازعون في القدَر، والفريقان يحتجّان بآيات من الكتاب فأغضبه جدالهما، ثمّ قال لهم: (أبهذا أُمرتم؟! إنّما هلَك مَن كان قبلكم بهذا، لقد ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وقد نزل مصدّقاً بعضه بعضاً، انظروا ما أمرتكم به فافعلوه، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه).

لقد كان حريصاً على أنْ يباعد بينهم وبين الجدَل الديني، والنزاع العقائدي؛ لأنّ هذا النوع من الجدَل يفرّق كلمتهم، ويضعف قوّتهم ولا يزيدهم إلاّ حيرة وضلالاً، فالإسلام دين عملي واقعي ليس فيه آراء فلسفية شائكة ولا نظريات علمية معقّدة تبعث الشبه والشكوك في العقول، إنّه ينظّم علاقة الإنسان بربّه كما يرشد الإنسان إلى الواجب عليه نحو نفسه وأُسرته، ويحدّد علاقة الإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه.

إنّ الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد وجه عنايته إلى إصلاح النفوس ونزع بذور الأحقاد والنفاق منها إصلاحاً عمليّاً على أساس المبادئ التي وضعها له القرآن، فاطمأنت لها قلوبهم وتهذّبت نفوسهم، وبهذا التماسك والترابط الذي أوجده محمّد (صلّى الله عليه وآله) بين أتباعه وأصحابه، استطاعوا أنْ ينشروا الدعوة الإسلامية ويرفعوا لِواء الإسلام عالياً في عواصم الدوَل الكبرى، التي كانت تسيطر على أكبر مجموعة من العالم، أمّا الجدَل الديني، والنزاع العقائدي فلّم يتّجهوا إليه في تلك الفترة من تاريخهم، ولم ينقل عنهم التاريخ في ذلك سِوى بعض الأفكار العابرة التي كانت تعترض بعضهم أحياناً.

وجاء في خطط المقريزي المجلّد الرابع: إنّ مَن أمعَن النظر ووقَف على آثار السلَف، على أنّه لم يرد قط من طريقٍ صحيح أو سقيم، عن أحد من الصحابة على اختلاف طبَقاتهم وكثرة عددهم، أنّهم سألوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن معنى شيءٍ ممّا وصَف الربُّ به نفسه في القرآن وعلى لسان محمّد (صلّى الله عليه وآله)، بل كلّهم فهموا معنى ذلك، وسكتوا عن الكلام فيه، ولا فرّق أحدٌ بين كونها صفة ذات أو صفة فِعل، وإنّما أثبتوا له ما أثبته لنفسه بلا جِدال أو نزاع.

وجاء عصر الصحابة بعد عصره، وبالرغم من اتساع رقعة الإسلام وتجدد الحوادث، واتصال العرب بغيرهم من الأُمَم التي خضعت لسلطان الإسلام، بالرغم من ذلك كلّه فقد ساروا على الطريقة التي رسَمَها لهم الرسول، فلَم يتعرّضوا لشيءٍ من العقائد، ولا تنازعوا في أمرٍ من الأُمور التي نهى عن النزاع فيها، ورجعوا إلى الكتاب وأحاديث الرسول لمعرفة أحكام الحوادث، وأضاف بعضهم إليها القياس فيما لا نصّ فيه من كتابٍ


أو سنّة، ولَم تظهر بوادر هذا النوع من الصراع الفكري في العقائد بين المسلمين إلاّ بعد انتهاء عصر الصحابة، واتسع مع الزمن تدريجياً حتى بلَغ أقصى حدوده في العصر العبّاسي، فتباينت الآراء واختلفت المذاهب، وأصبحوا أحزاباً وفِرَقاً يتراشقون بالتكفير والتفسيق.

ويعزو ذلك بعضُ الكتّاب إلى أفراد ليسوا من عرَب الجزيرة، دخلوا في الإسلام وفي أذهانهم صور عمّا كان يدور حول أديانهم ومعتقداتهم مِن نِزاع وجدَل حول بعض المعتقدات، فسرَت بعضُ تلك المخلّفات إلى المسلمين؛ ونتيجةً لذلك كانت تُثار بعض الشُبُهات أحياناً، فمِن ذلك ما جاء في شرح النهج: إنّ شيخاً سأل عليّاً (عليه السلام) بعد أنْ رجَع من صِفّين: أكان مسيرنا بقضاء الله وقدره؟ فقال عليّ (عليه السلام): (والذي فلَق الحبّة وبرأ النسمة ما هبطنا وادياً ولا علَونا جبَلاً إلاّ بقضاء الله وقدره).

ومُذ سمِع السائل بذلك قال: عند الله احتسب عنائي، ما ليَ من الأجر شيء، ولمّا شرح له الإمام القضاء والقدَر اللذين لا يُمكن للإنسان أنْ يتهرّب منهما ارتاحت نفسه، وقام من مجلسه مستبشراً مطمئناً بحُسن الجزاء، وجاء في بعض الروايات: إنّ عمر بن الخطّاب أُتي بسارقٍ فقال له: لِمَ سرقت؟ قال: قضى الله علَيّ بذلك، فقطَع يده وضربه أسواطاً؛ لأنّه كذَب على الله، فمِن هذين المثالين وغيرهما ندرك أنّ بعض المسلمين قد تفتّحت لهم أبواب جديدة للتفكير في هذه الأُمور، ولكن هذه الأفكار لم تتجاوز أفراداً منهم كانت هذه الانتباهات تبدو منهم أحياناً، ثمّ تكمن في نفوسهم؛ لأنّها لم تجِد أعواناً ولا تجاوباً من أحد، لانصراف المسلمين إلى ما اعتادوا عليه من التسليم والانقياد لكلّ ما جاء به القرآن والرسول.

ومن ناحيةٍ أُخرى لقد انصرفوا في عصر الخلفاء الأربعة بكلّ فئاتهم إلى العمل في الفتوحات، وتوسيع رقعة الدولة، وألّفوا هذه الحياة ولا سيّما بعد أنْ درّت عليهم الخيرات وفتحت في وجوههم أبواباً من ملاذّ الحياة ومُتَع الدنيا، فالمسلمون كلّهم جنودٌ في الدولة، والحروب لم تخمد نارها بينهم وبين الدولتين المجاروتين للجزيرة العربية، مقرّ الدولة الناشئة نحواً من عشرِ سنَوات تقريباً، حتى إذا ما تمّ لهم بسط نفوذهم على البلدان التي كانت تخضَع للفُرس والرومان، اتجهوا إلى غيرها، فلَم تتّسع حياتهم للتفكير في مسائل الدين، ولا للنزاع والجدَل في المسائل التي أصبحت بعد عصرهم موضع عناية العلماء، وقادة الفكر الإسلامي، وعلى أساسها قد تعدّدت الفِرَق الاعتقادية وتباينت فيها آراء العلماء، وأصبحوا فِرَقاً وأحزاباً، ألحّت عليهم الخصومات والخلافات إلى


حدّ الإسراف والغلوّ في كثير من آرائهم ومعتقداتهم، كما سنُبيّن ذلك في الفصول الآتية، ومجمل القول أنّ عصر الصحابة كان أشبه بعصر الرسول من حيث انصراف المسلمين إلى الناحية العملية فيما يعود إلى الدين، ولم تقَع أيُّ خصومةٍ بينهم في هذه النواحي، وإذا رأينا أفراداً تعلّلوا بالقدَر تهرباً من مسؤوليّات المعاصي أو تكلّموا به، فلا يعني ذلك أنّ البحث في القدر والاختيار كان شائعاً بينهم في تِلك الفترة من تاريخهم، وإنّما هي أفكار كانت تعبر في أذهان فريقٍ من الناس وتموت في مهدها، أو تبقى كامنة في نفوسهم.

أمّا حالة المسلمين في العصر الأموي، فمّما لا شكّ فيه أنّها قد تغيّرت عن عصر الرسول والخلفاء من بعده، فلقد كثُر فيه العلماء وانتشروا في البلاد الإسلامية شرقها وغربها، وتفرّغوا لدراسة الدين عن طريق الحديث والقرآن ليتعرّفوا على أحكام الحوادث التي تجدّدت بسبب اتساع الإسلام واتصالهم بالأُمم التي خضعت للدولة الفاتحة، تلك الأُمم التي كانت تتميّز بخصائصها وأديانها وعاداتها ممّا اضطر المسلمين والعلماء إلى التوسّع في البحث ودراسة القرآن والحديث واللغة؛ ليستعينوا بذلك على معرفة أحكام الجزئيّات التي اقتضتها طبيعة الزمن، لا سيّما وأنّ الكثير منها لا يشبه ما كان في عصر الرسول.

ومِن تلك الدراسة الواسعة للقرآن والحديث انتقل العلماء إلى مرحلة جديدة لم تكن شائعة في العصرَين اللذين سبَقا هذا العصر، واستطاعوا حلّ جملةٍ من المشاكل التي كانوا يبحثون عن أحكامها.

كما استعانوا بالقياس فيما استعصى عليهم حكمه من نصوص الكتاب، بعد الفحص عن أوجه الشبه بين الحوادث المتجدّدة والتي لم تكن على عهد الرسول، وأصبح القياس دليلاً على التشريع عند بعض الفقهاء بالإضافة إلى كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم، وممّا لا شكّ فيه أنّ تعمّقهم في دراسة القرآن والحديث كان لها أكبر الأثر في النزاع العقائدي الذي بدَأ في العصر الأموي، واتّسع حتى بلَغ ذروته في العصر العبّاسي، ويبدو ذلك عندما نلاحظ أنّ الخوارج والمُرجِئة والمعتزلة، والأشاعرة وأتباعهم على ما بينهم مِن تباعد في الرأي بلَغ حدّ الإسراف في بعض المسائل، كانوا يحتجّون لآرائهم ومعتقداتهم بالقرآن والحديث، وما ذاك إلاّ؛ لأنّهم وجدوا فيهما ما يصلح أنْ يكون سنَداً لأكثر تلك المباحث التي اختلفت فيها آراء تلك الفِرَق، فالقائلون بأنّ الله يرى بالأبصار، وأنّه جسمٌ كبقيّة الأجسام مثلاً، اعتمدوا على ظواهر بعض الآيات التي يؤدّي الجمود على ظاهرها إلى


هذه النتيجة، كما وأنّ القائلين بأنّ الأفعال من صنع الله، والقائلين بأنّها من صنع الإنسان قد اعتمدوا على بعض الآيات، واتّخذ منها كلُّ واحدٍ من الفريقين مؤيّداً لرأيه؛ ولذا فإنّ المُجبّرة يحتجّون بقوله تعالى: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ، وبقوله: ( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ، وبقوله: ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) ، وبقوله: ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ ) .

كما وأنّ القدرية قد احتجّوا قبل كلِّ شيء بقوله تعالى: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) ، وبقوله: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ) ، وبالآيات الكثيرة التي أسندت الأفعال إلى الإنسان مباشرةً، مثل قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ، وقوله: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) ، وقوله: ( وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) .

كما وانّ الأحاديث التي وصلَت إلى المسلمين في ذلك العصر لَم تخلُ من التلميح إلى هذه المواضيع، فلقد جاء عن جابر أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا يؤمن عبدٌ حتّى يؤمِن بالقدَر خيره وشرّه، وحتى يعلَم أنّ ما أصابه لم يكُن ليُخطِئه، وما أخطأه لم يكُن ليصيبه)، فدراسة القرآن والحديث لابدّ وأنْ تنتهي بالمسلمين إلى إثارة هذه المواضيع، واختلاف الآراء فيها؛ لأنّ الآيات لم تكن على نسَقٍ واحد في التعبير عن الواقع، وإنّما يختلف التعبير عنه حسب الموارد والمناسبات بالنسبة للمعنى الواحد؛ ولذا جاء في الحديث: (إنّ القرآن يُصدّق بعضه بعضاً).

ومجمل القول إنّ المسلمين الذين عاصروا الرسول والخلفاء الأربعة مِن بعده، آمنوا بكلّ ما جاء به الرسول ونصّ عليه القرآن، واتّجهوا وجهةً عملية أكثر منها علمية، ولم يكُن للجدَل والنزاع بينهم وجود في شيءٍ من صفات الله سبحانه، ولا في اختيار الإنسان وعدمه، ولا من المسائل التي شغلَت تفكيرهم وبدّلَت اتجاههم وعقليّتهم في القرن الثاني من الهجرة؛ ومَرَدّ ذلك إلى الأسباب التالية:

الأول: إنّ المسلمين كانوا يرجعون إلى الرسول في جميع أُمورهم،


وقد حدّد لهم النواحي العملية فاتّجهوا إلى العمل وصدّقوا بكلّ ما أخبرهم به، وقد أحسّوا منه رغبةً إلى الانصراف عن التفكير والبحث في هذه المواضيع، وفي جملة من المناسبات قال لهم: (ما أمرتكم به فافعلوه، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، وكان في جملة ما نهاهم عنه الجدَل والنزاع في ذات الله وصفاته، وأفعال الإنسان وغيرها من المسائل التي انصرفوا بكلّ قواهم في العصر العبّاسي إلى النزاع فيها.

الثاني: إنّ المسلمين بمختلف طبقاتهم قد انصرفوا إلى تأسيس الدولة الإسلامية، ومُنذ أنْ هاجر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من مكّة وقد شغلتهم الحروب والفتوحات عن دراسة القرآن، والتفكير في كلّ شيء عدا ما يرجع إلى تشريع الأحكام، ومعرفة أحكام الحوادث التي تجدّدت بعد التطوّر الذي طرأ على حياتهم بسبب اتساع الإسلام إلى خارج بلاد العرب؛ وبسبب المغانم التي كانت تدرّها عليهم الحروب والفتوحات، وقد جنّدوا كلّ إمكانيّاتهم للقضاء على الدولتين الكبيرتين الواقعتين على مقربة من مقرّ دولتهم الفتيّة الناشئة، وكانت المصلحة تحتّم عليهم المبادرة إلى غزوها؛ لأنّ الدعوة الإسلامية لا ينتظم أمرها ما دام الفُرس والرومان العدوّان القويّان، على مقربةٍ من حدودها، وفي مثل هذه الظروف التي أحاطت بالمسلمين في عصر الصحابة، يتحتّم عليهم الانصراف عن كّل شيءٍ إلاّ عن درء تلك الأخطار الجسيمة التي كانت تحيط بهم.

أمّا بعد أنْ اطمأنّوا على مصيرهم وانتهوا من الفتوحات واحتاجوا إلى دراسة واسعة للقرآن والحديث، واتّجهوا إلى العلم وأسّسوا المدارس في مختلف البلدان والعواصم، اتجهت الأفكار إلى هذه المسائل بجانب غيرها من المسائل الفقهية والعلمية من مختلف المواضيع، واختلفت فيها الآراء كما اختلفت في مسائل الحلال والحرام، وأحكام الحوادث.

الثالث: إنّ العرب الفاتحين قد اتصلوا بغيرهم من الأُمَم التي غزاها الإسلام وخضعت لسلطانه، وأكثر أولئك من الديانات التي كانت منتشرة هنا وهناك قبل الإسلام، وهؤلاء وإنْ دخلوا في الإسلام وخضعوا لأنظمته ومبادئه، إلاّ أنّ ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم في الآراء والمعتقدات لا يُمكن أنْ يزول من أذهانهم بتلك السرعة الخاطفة، ولابدّ وأنْ يقارنوا بين عقيدتهم الجديدة وبين ما استقرّ في أذهانهم من عقائد آبائهم وأجدادهم، وأنْ يُحاكموا بين ما دخلوا فيه مكرهين أو طائعين وبين الأديان التي خرجوا منها، ومعلوم أنّ النزاع في الصفات وحرّية الإرادة والجنّة والنار وغير ذلك لم يكُن من


مبتكرات المسلمين، وقد تكلّم به فلاسفة اليونان والفرس والنصارى واليهود وغيرهم من الأُمم الأُخرى، وقد شاع بين المؤرّخين أنّ أوّل مَن تكلّم بالقدر في الإسلام رجلٌ نصراني أسلَم ثمّ رجَع عن الإسلام، وعنه أخذ معبد الجهني، وغيلان الدمشقي (1) وهذا مّما يؤيّد أنّ شيوع البحث في المسائل التي اختلفت فيها الآراء وتعددت المذاهب كان منشأه اختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى، هذا بالإضافة إلى أنّ الذين دخلوا في الإسلام من تلك الأُمم لم يكونوا نمطاً واحداً من حيث إيمانهم بالدين الجديد واطمئنانهم لأُصوله، ففيهم من أظهَر الإسلام وأبطن النفاق والكفر، وهؤلاء كانوا يعملون بالخفاء لتشوبه تعاليمه وطمس أضوائه، فدسّوا في أحاديث الرسول طائفةً من الروايات في الأُصول والفروع، وروّجوا تلك المقالات التي كانت في أذهانهم بين المسلمين فتلقّاها المسلمون بالقبول، ولاسيّما بعد أنْ وجدوا في الكتاب والسنّة ما يُمكن أنْ يكون سنَداً لها.

أمّا في عصر الرسول والخلفاء الأربعة، فلم توجد هذه المفارقات، ولم يتهيّأ للمنافقين أنْ يبثّوا سمومهم، لقُرب عهد الصحابة من نبيّهم (صلّى الله عليه وآله)؛ ولذا فإنْ مرويّات كعب الأحبار وأبي هريرة وأشباههما من الدسّاسين لم تجِد رواجاً إلاّ بعد أنْ انقرض عصر الصحابة الأوّل، وقد روى جماعة من المحدّثين أنّ عمر بن الخطّاب ضرَب أبا هريرة في درّته؛ لأنّه أكثر في الرواية عن الرسول، وتجنّب حديثه جماعة من أعلام الصحابة، وكان كعب الأحبار أسوأ حالاً منه، على أنّ هناك سبباً آخر لا يقلّ خطورةً عمّا ذكرناه؛ وهو ترجمة الكتب الفارسيّة واليونانيّة إلى العربيّة في أوائل القرن الثاني الهجري.

وفي العصر العبّاسي انتشرت الفلسفة اليونانية بين العرب، واختلط المسلمون بغيرهم اختلاطاً واسعاً، وأخذ كلُّ فريقٍ يُعبّر عن نِحْلته وعقيدته من غير حرَج، فانتشر الإلحاد والشكّ بين المسلمين والنزاع بينهم وبين الطوائف الأُخرى، فأمَر المهدي العبّاسي عُلماء الكلام بتأليف الكُتب في الردّ على المُلحدين الذين كانوا يُجادلون بما أخذوه عن اليونانيّين والسريان، والزرادشتية، فاضطرّ المسلمون إلى دراسة كتب الفلسفة؛ ليعرفوا عنها ما ينفعهم في ردودهم ومناظراتهم لأهل تلك الديانات، التي كانت تُحاول وضع الشكوك في الأُصول الإسلامية، وازدادت ترجمة الكتب شيئاً فشيئاً، كما اتسع الجدال والنزاع

____________________

(1) انظر فجر الإسلام لأحمد أمين ص 285.


بين المسلمين وغيرهم وبين المسلمين أنفسهم، وفي عصر المأمون أنشأ داراً للتأليف والترجمة والمناظرة سمّاها (دار الحكمة) (1) .

وعلى كلّ حال فلقد استفاد المسلمون وغيرهم من النظام الإسلامي الذي يسمَح لغير المسلمين بالإقامة معهم في بلدٍ واحد إذا خضعوا لنظام الحُكم الإسلامي، وكان السرْيان من أهمّ العوامل التي ساعدت المسلمين على التعرّف على الفلسفة اليونانية، بعد أنْ نقلها السرْيان إلى لُغتهم، وانتشرت بواسطتهم في سوريا والعراق، وأنشأوا فيهما مدارس لنشرها وتدريسها، ولمّا فتح المسلمون هذه البلاد كانت تلك المدارس قائمةً بها والفلسفة اليونانية منتشرة فيها، فوجد المسلمون ضرورةً ملحّة لتعلّمها، ولم يكن لديهم مِن سبيل إلاّ استخدام السريان لهذه الغاية، فعلّموها أبناء المسلمين بعد أنْ أفتاهم يعقوب الرهاوي بجواز ذلك.

ثمّ نقلوها من السريانية واليونانية إلى العربية، والذي أخذه المسلمون العرَب من السريان هو الفلسفة اليونانية التي امتزجت بشروح الكتّاب المتأخّرين من رجال الأفلاطونية الحديثة، وهذا النوع من الفلسفة كان مزيجاً من الفلسفة والدين، وأوّل مَن مزج الفلسفة اليونانية بالدين هو (فيلوت) اليهودي، الذي وجِد في أواخر القرن الأوّل قبل الميلاد، وقد رأى هو وجماعة من الفلاسفة اليونانيّين بعد أنْ اختلطوا بعلماء الدين اليهود، أنْ يوفّقوا بين معتقداتهم الفلسفية والقضايا الدينية، وكان من نتيجة ذلك أنْ خرَج بشرحٍ كبير عن الإله والعالَم وعلاقة الله سُبحانه بهذا العالم، وعن الملائكة والجنّ وغير ذلك، وقد شرَح هذه المواضيع شروحاً فلسفية وفّق فيها بين الدين والعلم (2) .

وخلاصة البحث أنّ اختلاط المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الذين لم يدخلوا في الدين الإسلامي، هذا الاختلاط قد نتج منه إثارة الشكوك حول العقائد الإسلامية وانتشار الإلحاد في البلاد الإسلامية، ممّا اضطرّ المسلمين إلى دراسة الفلسفة اليونانية بواسطة السريان من المسيحيّين المنتشرين في العراق وسوريا، تلك الفلسفة التي كانت مزيجاً من المعتقدات الفلسفية والقضايا الدينية التي تبحث عن الإله والعالم، وعلاقته بمخلوقاته وغير ذلك من المواضيع الدينية الأُخرى، فكان ذلك عاملاً قويّاً لانتشار

____________________

(1) انظر الفِرق الإسلامية لعلي الفارابي ص 136.

(2) المصدر نفسه ص 138 و139.


الإلحاد والتشكيك في بعض المواضيع الإسلامية التي لم يَعرِف المسلمون خلافاً بها قبل هذا التاريخ، وفي وسط هذا الجوّ المزدحم بالآراء والأفكار الغريبة عن الإسلام والمسلمين، انتشر عِلم الكلام انتشاراً واسعاً بين العلماء لحماية العقيدة الإسلامية من غزو أعداء الإسلام، الذين حاولوا تشكيك المسلمين بأُصوله ومبادئه، ولكنّ المتكلّمين من المسلمين الذين أرادوا حماية العقيدة الإسلامية - على حدّ زعمهم وزعم الكتّاب المتأخّرين (1) - قد تأثّروا بغيرهم وشذّوا في تفكيرهم وآرائهم عن منهج القرآن والرسول؛ ونتَج عن ذلك تعدّد الفِرَق واختلاف الآراء اختلافاً باعَد بينهم إلى أبعد الحدود، وفرّقَهم شِيَعاً وأحزاباً لا يتعارفون.

وفي ذلك الجوّ العلمي المزدحم بالآراء والأفكار المتضاربة، وقف أئمّة الشيعة وتلامذتهم موقفهم الذي اعتادوا أنْ يقِفوه في وجه أعداء الدين، يُناظرون المُشكّكين ويَدحضون آراء الملاحدة والزنادقة، كما ناظروا الفِرَق الإسلاميّة الذين تخطّوا في آرائهم وتفكيرهم النهج الإسلامي الصحيح، والأُصول التي وضعها القرآن والرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسنعرض في الفصول الآتية آراء الفِرَق الإسلامية في العقائد ومدى تأثّرها بالفكر الأجنبي والفلسفة اليونانية التي انتشرت بينهم في تلك الفترة من تاريخهم، ومع أنّ الإمامية قد نبغ منهم الكثيرون في عِلم الكلام، وكانوا في طليعة من أخذ من السريان الفلسفة الأفلاطونية الحديثة كما ذكرنا، وعاشوا في وسط ذلك المعترك العلمي، مع ذلك كلّه فلم يتخطّوا في آرائهم في الأُصول وبقيّة المعتقدات الإسلامية، منهج القرآن وتعاليم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسيجد القارئ في الفصول الآتية ما يؤكّد هذه الحقيقة..

____________________

(1) المصدر السابق ص 138 و139.


الفَصل الأول: الفِرَق الإسلامية الأُولى

وأسباب حدوثها وتاريخ التشيّع ومعناه

ولا بدّ لنا بعد هذا التمهيد - وقبل الدخول في موضوع الكتاب - من عرضٍ لتاريخ بعض الفِرق الإسلامية، التي حدَثت في عهدٍ مبكّر من تاريخ الإسلام، ذلك العهد الذي انقسم المسلمون فيه إلى شيعة وغيرهم، ومِن هاتين الفرقتين تشعّبت الفِرَق الإسلامية التي أنهاها بعضهم إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، وقد روى المحدّثون عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) حديثاً يؤيّد هذا الإحصاء جاء فيه: (ستفترق أُمتي من بعدي إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت أُمّة موسى وعيسى (عليهما السلام) (1) وكما ذكرنا أنّ الانقسام الأُوّل

____________________

(1) إنّ الذين وضعوا هذا الحديث، وضعوه ليثبتوا أنّ تلك الفِرَق لم تخرج عن الإسلام على ما بينها مِن تباعد وتضارب في الآراء والمعتقدات، في حين أنّ أكثر تلك الفِرَق قد خرجت عن الإسلام في كثير من آرائها ومعتقداتها، كالقرامطة والإسماعيلية السبعية والغُلاة وغيرهم، كما يبدو ذلك ممّا سنعرضه من آراء تلك الفِرَق في الفصول الآتية من هذا الكتاب.


بين المسلمين كان مصدراً للانقسامات التي تلَت في العصور المتأخّرة، وإلى هذين الفريقين ترجع سائر الفِرق والمذاهب الإسلامية السياسية وغيرها، وسنتحدّث عن بعض هذه الفرق تمهيداً لموضوع الكتاب، ولعلاقة بعضها بالتشيّع.

ويدّعي أكثر الكتاب من السنّة والمستشرقين: أنّ تاريخ التشيّع يرجع إلى عهد متأخّر عن وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهم بين قائلٍ برجوعه إلى العصر الأموي الأوّل، وأنّه كان نتيجةً للاضطهاد والتنكيل الذي لحِق أنصار عليّ وبَنيه (عليهم السلام) من الأمويّين، وبين قائلٍ برجوعه إلى العصر الذي بدأ المسلمون فيه يُحاسبون عثمان وأنصاره على تصرّفاتهم وسوء إدارتهم، وقد أسرف جماعة إسرافاً حاقداً على الشيعة فأرجعوه إلى عناصر أجنبية كانت تعمل في الخفاء لتحطيم الإسلام عن هذا الطريق.

وجاء في كتاب النظُم الإسلامية للمستشرق الفرنسي (غودفروا) : أنّ الحزبين الكبيرين الخوارج والشيعة تكوّنا بعد الانشقاق الذي حصَل بعد معركة صِفّين لأسبابٍ سياسية.

وقال جماعة منهم: أنّ عبد الله بن سبَأ لعِب دوراً بارزاً في تكوين فكرة التشيّع، وسنتعرّض لإبطال هذه المزاعم في المحلّ المناسب، ولقد ذكرنا أنّ انقسام المسلمين إلى فرقتين كان في الأيّام الأُولى بعد وفاة الرسول فرقة تمسّكت بحقِّ عليّ في الخلافة، وأُخرى أسرعت إلى اختيار خلف للرسول يتولّى إدارة شؤون المسلمين، وتمّ الاختيار لأبي بكر خليفة للرسول (صلى الله عليه وآله) من بعده، والواقع أنْ التشيع بما هو فِرقة في مقابل جماعة المسلمين لم يكن قبل وفاة الرسول، ولكن المبدأ الذي يرتكز عليه التشيع، وهو نصّ النبيّ على استخلاف عليّ (عليه السلام) من بعده، كان بعد ولادة الإسلام وقبل أنْ يهاجر الرسول من مكّة إلى المدينة بأكثر من ثمانية أعوام تقريباً، وذلك حينما أُوحي إليه: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) .

وجاء في جملة مِن الروايات أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جمَع عشيرته والأقربين مِن آله بعد أنْ هيّأ لهم طعاماً، ثمّ دعاهم لمؤازرته والإيمان بدعوته المباركة، وكانوا نحواً من ثلاثين رجلاً، وكان في جملة ما قاله لهم: (أيّكم يؤازرني على هذا الأمر وهو وارثي ووصيّي، يقضي دَيني ويُنجز عِداتي، وخليفتي فيكم من بعدي)، فكرّرها فيهم ثلاثاً أو أربعاً فلم يتقدّم منهم احد غير عليّ (عليه السلام)، كما أورَد ذلك أحمد بن حنبل في مسنده، والثعالبي في تفسيره، وأضاف الثعالبي أنّ النبيّ كرّرها ثلاث مرّات وفي كلّ مرّة يسكت القوم إلاّ عليّاً (عليه السلام)، ولمّا يئس النبيّ من جوابهم قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعليّ: (أنت أخي ووصيّي ووارثي وخليفتي من


بعدي) (1) فكان هذا الموقف البذرة الأُولى للتشيّع، وما زال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طوال حياته يتعاهد تلك البذرة، ويُغذّيها بأقواله وأفعاله حتى نمَت وتركّزت في نفوس جماعة من المسلمين عُرفوا بالتشيّع لعليّ وموالاته حتى في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وفي السنة الأخيرة من حياته بعد رجوعه من مكّة المكرّمة، وقبل أنْ يتفرّق عنه المسلمون في محلٍّ يُدعى بالغدير لم يجد الرسول بُدّاً من التنصيص عليه بوصفه واسمه، بعد أنْ نزلت عليه الآية الكريمة: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

فاستوقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تلك الحشود، التي تمثّل مختلف البلاد والطبَقات وتقدر بمِئة ألف أو تزيد وصنع له أصحابه منبراً، ثمّ استدعى عليّاً (عليه السلام) إليه وقبض على ذراعه ونصّ عليه بتلك الصيغة المروية في كتب الحديث بمختلف الأسانيد، وفي جملةٍ منها أنّه بعد أنْ اعترفوا له بأنّه أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، قال: (مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه)، فجعل له الولاية التي جعلها له الله والتي اعترف له بها المسلمون، هذا بالإضافة إلى الروايات الكثيرة التي رواها الثقات من السنّة والشيعة، وكلّها تؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من حديث الغدير المتواتر، على أنّ الحديث المذكور لو تنزّلنا وقلنا: بأنّه لم يشتمل على ذكر الاستخلاف، إلاّ أنّ الملابسات التي أحاطت به والاستدراج الذي اشتمل عليه، واهتمام الرسول بعليّ وحده دون أهل بيته، كلّ ذلك ممّا يؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من نصوص الحديث.

وفي بعض النصوص التاريخية أنّ المسلمين، بعد أنْ استمعوا لهذا البيان، لم يرتابوا في أنّه قد نصَّ على استخلافه بتلك الصيغة التي تؤدّي معنى أوسع ممّا تؤدّيه الكلمات المتعارفة في مثل المقام؛ ونتيجة لتلك النصوص التي تكرّرت منه (صلّى الله عليه وآله) في جملة من المناسبات، وذلك البيان العام الذي ألقاه في الغدير وتلك الحظوة التي كانت له عند الرسول، نتيجة لذلك كلّه، كان الرأي العام الإسلامي بعد وفاة الرسول متّجهاً نحو عليّ (عليه السلام) ولم يكن التسابق الذي حصل بين المهاجرين والأنصار

____________________

(1) انظر كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 101، وتاريخ الطبري وتاريخ أبي الفداء وكتابنا سيرة المصطفى وتاريخ اليعقوبي وأنساب الأشراف وغيرها من مجاميع الحديث والتاريخ.


عليها بمجّرد أنْ أعلن نبأ وفاته، إلاّ لسدّ الباب في وجه الأكثرية التي لا تعدِل بعليّ (عليه السلام) أحداً من الناس؛ ولذا أُصيب الجمهور بما يشبه الدهشة لهذا التسابق والتزاحم بين الأنصار من جهة، وبين بعض المهاجرين من جهة أُخرى، والنبيّ لا يزال بين أهله مسجّى على فراش الموت، وعليّ وبنو هاشم وجماعة من إجلاّء الصحابة منصرفون عن دنيا الناس إلى تجهيزه لمقرّه الأخير، وقد تمّت البيعة لأبي بكر بتلك السرعة الخاطفة بدون تمهيد علَني مُسبَق كما يدّعي جماعة من المؤرّخين، ولكنّ الذي انتهت إليه بعد الدراسة أنّها كانت نتيجةً لمؤامرةٍ سابقة على وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) (1)، وبدون مشورةٍ لأحدٍ من كبار الصحابة الذين لا يجوز تجاهلهم في أبسط الأُمور، فضلاً عن مثل هذا الأمر الذي يجب أنْ تتوفّر في الشخص المختار له أفضل الصفات وأكمل المواهب؛ لأنّه يمثّل الرسول ويحمي القرآن وينفّذ الأحكام كما أنزلها الله في كتابه وعلى نبيّه، ويرعى مصالح الأُمّة بكلّ إخلاصٍ وتجرّد.

بهذا الأُسلوب المرتجل الذي لم يكن نتيجةً لتمحيص الآراء، ولا لاستفتاء شعبي اشتركت فيه جميع الفئات والطبقات تمّت بيعة أبي بكر بعد وفاة الرسول، ولو فرض أنّ الرسول ترك اختيار الخليفة من بعده إلى المسلمين كما يدعون، لقد كان من اللازم التريّث بينما ينتهون من مواراة الرسول في قبره واختيار رأي الأكثرية من المسلمين، ولكنّهم أرادوا استغلال موقف عليّ وبني هاشم المفجوعين؛ مخافة أنْ تفوت من أيديهم عندما ينتهي عليّ (عليه السلام) ومَن معه من بني هاشم وثقات الصحابة، الذين ألْهَتهم تلك الفاجعة عن كلّ شيء.

ونظراً لأنّها لم تقم على أُسس ديمقراطية صحيحة، ولم تكن مستوحاة من المصلحة العُليا التي لابدّ من مراعاتها في الحاكم الجديد؛ نظراً لذلك قال عمر بن الخطّاب عنها بعد أنْ انتهت إليه الخلافة: (كانت بيعة أبي بكر فلْتة وقى الله المسلمين شرّها)، ومع أنّها كانت بهذا الشكل المفاجئ فقد رافقتها موجة من الإرهاب والتضليل، كان لهما أثرهما البالغ على الجماهير، فبينا عمر بن الخطّاب يقف في جموع المحتشدين ينادي إنّ محمّداً لم يمُت، وسيرجع كما رجَع موسى إلى قومه بعد أنْ غاب عنهم أربعين يوماً، وسيقطع أيدي قوم وأرجلهم نراه بعد ساعة هو وجماعة يسوقون الناس بالقوّة إلى سقيفة بني ساعدة لإتمام البيعة لأبي بكر،

____________________

(1) انظر كتابنا سيرة المصطفى ج 2.


وفي ذلك يقول الأُستاذ عليّ عبد الرزّاق، في كتابه الخلافة وأُصول الحكم: (وإذا رأيت كيف تمّت البيعة لأبي بكر تبيّن لك أنّها كانت بيعة سياسية ملكيّة، عليها كلّ طوابع الدولة الجديدة المُحدثة، وأنّها قامت كما تقوم الحكومات الجديدة على أساس القوّة والسيف) (1) ، ومهما كان الحال فقد تسارع إلى بيعة أبي بكر جماعة، وتخلّف عنها عدد كبير من المسلمين بينهم بنو هاشم وجماعة من أعيان الصحابة، منهم سلمان الفارسي وعمّار بن ياسر، والزبير بن العوّام، وخزيمة بن ثابت وحذيفة بن اليمان وغيرهم، فقد آثروا التريّث بينما ينجلي موقف عليّ (عليه السلام) صاحب الحقّ الشرعي من هذه المفاجأة التي لم تكن بالحُسبان، وحينما انتهى من تجهيز النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى مقرّة الأخير لم يستسلم لسطوة الحاكم الجديد، ولم ترهبه الجماهير المحتشدة به، فوقَف يناضل ويدافع عن حقّه السليب، بالرغم ممّا تركته الأحزان في نفسه من الآثار العميقة التي تحمّل مرارتها هو وزوجته السيّدة فاطمة (عليها السلام).

ووقف إلى جانبه جماعة من أعيان الصحابة، ولكنّه بعد أنْ رأى أنّ المضي في موقفه السلبي قد يؤدّي إلى نتائج يجني ثمارها أعداء الإسلام، ولا سيّما والردّة بعد وفاة الرسول وبعد المفاجأة التي أدّت إلى تعيين أبي بكر خليفة للرسول (صلّى الله عليه وآله) قد اتسعت بين عرب البادية، واجتاحت تباشيرها المدن والقرى، وأوشكت أنْ تستعصي بضراوتها على المسلمين، ووجَد جماعة من الأعراب ومِن سكان المدن الذين خضعوا لسلطان الإسلام خوفاً من سطواته، منفَساً لهم باتّساع حركة الردّة بين بعض القبائل العربية من سكان البادية.

بعد أنْ وجد جميع ذلك ورأى أنّ موقفه السلبي من بيعة أبي بكر ربّما يؤدّي إلى نزاع مسلّح يستغلّه المرتدّون والمنافقون، الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والنفاق، بعد أنْ وضع في حسابه جميع هذه التطوّرات التي قد تحدث، آثر عند ذلك أنْ يكون مع جماعة المسلمين يداً واحدة حرصاً على المصلحة العليا، مصلحة الإسلام، ومضى هو وأتباعه إلى مقرّ الحكومة الجديد، مسجد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأعلن للمسلمين بأنّه منذ نشأته وهو جندي مخلص في خدمة الإسلام، ولا يزال مخلصاً وفيّاً مضحّياً في سبيل الإسلام ومبادئه؛ وبذلك يكون قد ضرَب المثل الأعلى في التضحية والوفاء للمبدأ، الذي ناضل من أجله أكثر من عشرين عاماً، ومع أنّ المصلحة العُليا قد فرضت عليه مسايرة الأوضاع الحاضرة والتغاضي عن حقّه

____________________

(1) انظر معالم الفلسفة للشيخ محمّد جواد مغنية ص 200.


السليب، فقد بقيَ طوال حياته هو والصحابة المؤمنون بحقّه يثيرون في الأذهان نصوص الرسول على الخلافة من بعده، وتناقلها المحدّثون جيلاً بعد جيل، وأثبتها السنّة والشيعة في كتبهم منذ عصر التدوين الأوّل، ولا يزال علماء الشيعة والمحدّثون منهم يجادلون عن عقيدتهم في الإمامة بتلك المرويّات المتواترة، وجاء في غاية المرام للسيّد هاشم البحراني: (إنّ حديث الغدير قد رواه أهل السنّة بمِئة وثمانين طريقاً)، وهكذا غيره من النصوص التي تمسّك بها الشيعة على إمامة عليّ واستخلافه، وألّف الشيعة مئات الكتب في الإمامة استعرضوا فيها النصوص من الكتاب والسنّة وأوضحوها على واقعها، وأبطلوا جميع الافتراءات التي وضعها الوضّاعون حول الإمامة ونصوصها، وألّف أحد أعلام الشيعة المعاصرين كتاباً أسماه الغدير خرَج منه إلى هذا التاريخ اثنا عشَر مجلّداً ضخماً حول الإمامة ونصوصها، ولا يزال المؤلّف يُتابع الكتابة في هذا الموضوع (1) .

ومهما كان الحال فالتشيّع بمعناه المعروف عند الفقهاء والمتكلّمين والمحدّثين، والذي تتميز به هذه الفِرقة عن فِرق المسلمين، وُلد في حياة الرسول نتيجة لتلك النصوص التي أوردها المحدّثون في كتبهم، وثبت عليه جماعة في الفترة الأولى من تاريخ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).

ولولا مراعاة عليّ (عليه السلام) للأوضاع والظروف التي أحاطت الإسلام في تلك الفترة من تاريخه؛ لحدثت تطوّرات في تاريخ الإسلام لا نستطيع أنْ نقدّر مدى أثرها السيّئ على جهود الرسول والوصيّ والمخلصين من الصحابة الكرام، ولكنّه أدرك جميع ذلك، وأحصى ما سيجرّه تصلّبه في موقفه من الغنائم على المرتدّين والمنافقين الذين اضمروا للإسلام الخراب والدمار، ومع أنّ الأحداث الطارئة فرضت عليه أنْ يتساهل ويتسامح، ولكن فكرة استخلافه لم تنته عند هذا الحد، وما كان هذا التسامح ليحدّ من نشاطها، بل أخذت طريقها في النفوس والقلوب، وتضاعف عدد المتشيّعين له على مرور الأيّام، ورجع الكثير من المسلمين إلى الماضي القريب واحتشدت في أذهانهم صور عن مواقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، تلك المواقف التي كان يصرّح فيها باستخلاف عليّ من بعده تارة، ويلمح فيها أخرى فالتفّوا حول عليّ (عليه السلام) وأصبحوا من الدعاة الأوفياء له في جميع المراحل التي مرّ بها، وما زال التشيع ينمو وينتشر

____________________

(1) هو الشيخ عبد الحسين الأميني.


بين المسلمين في الأقطار المختلفة يدخلها مع الإسلام جنباً إلى جنب، واستحكم أمره في السنين التي استولى فيها على الحكم، فشاعت بين المسلمين أحاديث استخلافه، ووجد الناس من سيرته وزهده وحكمته ما أكد لهم صحّة تلك المرويّات، وأنّه هو المختار لقيادة الأُمّة وحماية القرآن ونشر تعاليمه ومبادئه.

والذي أردناه من هذا العرض الموجز لتاريخ التشيّع، أنّ التشيّع في الإسلام كان جزءاً من الدعوة التي دعا إليها القرآن وبلّغه الرسول إلى الأُمّة في جملة ما بلّغه من تشريعات وأنظمة، وهو بمفهومه الشائع بين المسلمين في هذا العصر وقبله كانت بذرته الأُولى في عصر الرسول وبعد وفاته، والذين تابعوه منذ اللحظة الأُولى عند صدور البلاغ الأول من الرسول (صلّى الله عليه وآله) كانوا يؤمنون بأنّه منصوص عليه من الله وحده، ولم يكن الرسول إلاّ مبلّغاً عن ربّه هذا الأمر كغيره من التكاليف والتشريعات.

أمّا ما ذهب إليه أكثر الكتّاب العرب والمستشرقين من أنّ التشيّع حدَث بعد مقتل عثمان، كما يذهب إلى ذلك الشيخ محمّد أبو زهرة (1) أو بعد واقعة صِفّين كما يدّعي آخرون (2)، كما ذهبت فئة منهم إلى أنّه حدَث بعد انتشار الموالي الذين دخلوا الإسلام من الفُرس وغيرهم، وفئة أُخرى تدّعي أنّ القول بالوصاية أوّل مَن أحدثه عبد الله بن سبأ اليهودي (3) إلى غير ذلك من الآراء الشاذّة التي تردّدت على السنّة الكتاب العرب والأجانب، كلّها لا تمتّ إلى الواقع بأيّ صلة وتنفيها النصوص الإسلامية، وكتب التاريخ، ولابدّ لنا من وقفة مع الأُستاذ (البير نصر) أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية، قال في كتابه أهمّ الفِرَق الإسلامية حول عقيدة الشيعة في الخلافة: (إنّ هذه الفكرة التي تجعل من الإمامة حقّاً إلهيّاً ليست من خصائص التفكير البدوي، حتى ولا من خصائص عرب

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية ص 48 وقد جاء فيها: لقد انتهى عصر الخليفة الثالث بوجود الشيعة والخوارج، وفي الصفحة نفسها بعد أنْ استعرض الإحداث التي أطاحت بعرش عثمان، قال: (وفي ظِل هذه الفتن نبت المذهب الشيعي).

(2) ومن هؤلاء غودفروا المستشرق الفرنسي.

(3) ومن هؤلاء أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام ص 269، ومنهم الدكتور البير نصر نادر أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية.


الجزيرة، حيث تسود بينهم روح المساواة. إنّ هذه الفكرة دخلت عليهم من جهة الفُرس الذين كانوا ينظرون إلى ملوكهم بعين الاحترام الزائد، ويعتبرونهم أسمى من باقي البشر؛ وهذا ما يعلّل لنا لماذا تستعمل اللغة الفارسية في الأوساط الشيعية في العراق، لا سيّما الأوساط العلمية مثل النجف وكربلاء والكاظمية).

لقد تابع الدكتور غيره من المستشرقين في هذه النظرية، ولم يعتمد على النصوص الإسلامية ولا على الوقائع التي رافقت تاريخ المسلمين قبل الفتح العربي لبلاد الفُرس، ولو رجع إلى ذلك لوجد أنّ فكرة الوصاية قد رافقت تاريخ الإسلام، وقد آمن بها جماعة من المسلمين من نصوص الرسول التي كان يتلوها على المسلمين بين حين وآخر، ولأجل تلك النصوص وقَف جماعة من المسلمين إلى جانبه بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وذلك قبل اتّصال الفُرس بالعرب بعشرين عاماً تقريباً، وقبل إسلام ابن سبأ الذي يَنسب الكتاب إليه أنّه لعب دوراً هامّاً في هذه الناحية، وكان من أعظم العناصر الأجنبية عناء في ذلك.

ومِن المؤسف أنْ يكتب الدكتور أُستاذ الفلسفة عن الشيعة ما يُبرّئهم منه الواقع والتاريخ وتُدرّس آراؤه وكتبه في الجامعات اللبنانية، مع أنّه يعيش معهم في بلدٍ واحد، ذلك البلد الذي يعيش فيه الشيعة مع غيرهم من الطوائف الأخرى، ويشكلّون أكثر من ثلُث سكّانه، ومن السهل عليه أنْ يتّصل بعلماء الشيعة وكتبهم المنتشرة في أكثر المكاتب وعلى الأخص فيما يرجع لهذه المواضيع، ولو فعل ذلك لسلِم من هذه الأخطاء، ولكنّه شاء أنْ يكون مقلّداً لغيره فأرسل أحكامه بدون تمحيص وتحقيق، وجعل من آثار هذه الحقيقة على حدّ زعمه انتشار اللغة الفارسية في بلاد الشيعة من العراق، ولا سيّما الأوساط العلمية كالنجف وكربلاء والكاظمية، وظنّ أنّه قد اهتدى إلى حقيقة ضاعَت على غيره من الباحثين، مع أنّه لا يزال بعيداً عن الواقع في تعليل هذه الظاهرة التي يدّعيها في الأوساط الشيعية؛ لأنّ بلاد العراق أكثر سكّانها من العرَب، والعربية هي اللغة الشائعة في أكثر المدن والقرى وفي جميع الأوساط العلمية وغيرها، وأكثر المواطنين لا يحسنون غيرها، أمّا المدن الثلاث النجف وكربلاء والكاظمية، هذه المدن يهاجر إليها الشيعة من مختلف البلاد للدراسة والزيارة على اختلاف أصنافهم، وهؤلاء في شؤونهم الخاصّة يتكلّمون بلغاتهم المختلفة، أمّا لغة الدرس وكتب الدراسة وغير ذلك من الشؤون العامّة فهي اللغة


العربية، ولا أثَر لغيرها في جميع الشؤون، ولكنّ الدكتور بعد أنْ عزا فكرة التشيّع إلى الفُرس وتخطّى التاريخ الإسلامي الصحيح الذي ينصّ على أنّ التشيّع نشأ في بلاد العرب، ومِن العرب أنفسهم، قبل أنْ يعرف العرب الفُرس بأكثر من عشرين عاماً، بعد هذه النسبة جعل من آثارها انتشار اللغة الفارسية بين شيعة العراق وعلى الأخص الأوساط العلمية، فأضاف إلى خطئه الأوّل خطيئة أُخرى لا مبرّر لها، وقد اشتمل كتابه (نصوص ودروس في أهم الفِرق الإسلامية) على بعض الآراء السطحية والأخطاء التاريخية، وربّما نتعرّض لبيانها حسب المناسبات في الفصول الآتية.

ومهما كان الحال لقد كانت مشكلة الخلافة الإسلامية أُولى المشاكل التي اصطدم بها الركْب الإسلامي، وعلى حسابها انقسم المسلمون إلى فئتين: فئةٌ وقفت إلى جانب عليّ (عليه السلام) معتمدة على النصوص التي وردت في القرآن والسنّة، والفئة الثانية رأت أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فارق الدنيا وترَك للمسلمين حقّ اختيار الحاكم الذي يرونه صالحاً لهم، وقد وقَفت هذه الفئة من النصوص موقفاً سلبيّاً في واقع الأمر، فأنكروا بعضها وتأوّلوا البعض الآخر حيث لم يتمكّنوا من إنكاره.

واختار المسلمون أبا بكر، وهو بدوره قد اختار لها عمر بن الخطّاب من بعده، وانتهت بعده لعثمان بن عفّان بعد أنْ رفَض عليّ العروض التي عرَضها عليه أحد الستّة (عبد الرحمان بن عوف)، وآثر العمل باجتهاده فيما لا نصّ عليه من كتابٍ أو سنّة، على انتهاج سيرة الشيخين أبي بكر وعمر والتقيّد بآرائهما.

لقد انتهت لعثمان بعد أنْ تقبّل العروض بلهْفة ورحابة صدر، مؤثراً سيرة الشيخين وكلّ ما يفرض عليه على رأيه واجتهاده في سبيل الوصول إلى الخلافة مهما كلّفه ذلك من ثمن، هاتان الفئتان هما مصدر الفِرق الإسلامية والنزاع القائم بين المسلمين طيلة هذه القرون المتوالية، وقد اتخذ بعد الفترة الأُولى من تاريخه طابعاً سياسياً أدّى إلى النزاع المسلّح أُريقت فيه دماء المسلمين، وتطوّر البحث بينهم في الخلافة وظهرت فيه أطوار من الجدَل مبنية على التسلسل المنطقي وعلم الكلام، الذي يمتّ بأوثَق الأسباب إلى الفلسفة وقواعدها، ومع أنّ الخلافات التي ظهرت في الإمامة لم تبقَ على بساطتها الأُولى، وتطوّرت بشكلٍ علمي لم تخرج بجوهرها عن النزاع الذي نشأ فيها منذ اليوم الأوّل لوفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتعود في النهاية إلى أنّ الخلافة، هل يجب أنْ تكون بنصٍّ من الله يقوم الرسول


بتنفيذه؟ أم تكون باختيار الأُمّة؟ وهل يستمد الخليفة سلطته من الله سبحانه، أم يستمدّها من المؤمنين؟ إلى غير ذلك من النواحي التي برزت في أبحاثهم ومناظراتهم.

الفصلُ الثّاني: الخوارج

يعرض هذا الفصل الأسباب التي أدّت إلى حركة الخوارج والفِرَق التي تشعبت عنهم والأُمم، ومعتقداتهم والآثار التي أحدثتها ثورتهم على الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين.

لقد ذكرنا في الفصل السابق أنّ انقسام المسلمين قد ظهر منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الخلافة الإسلامية، وأنّ الحزب المعارض لعليّ ومن معه من بني هاشم والمسلمين قد بايعوا أبا بكر خليفة لرسول الله، وبعد جدالٍ دام بضعة أشهر رأى عليّ (عليه السلام)، أنّ مصلحة الإسلام تقضي عليه بأنْ يكون مع المسلمين يداً واحدة؛ لدفع الأخطار التي أحدقت بالإسلام، فبايع هو ومَن معه مع الاحتفاظ بحقّه الشرعي، واستمرّ أمر المسلمين على هاتين الفرقتين لم يحدث بينهما نزاع مسلّح إلاّ في عهد عثمان (الخليفة الثالث) أدّى إلى


الإطاحة بعرشه؛ لأنّه حابى أقاربه وبني أبيه وولّى على المسلمين سُفهاء قومه، مّما أوجب نقمة المسلمين عليه في المدينة وخارجها، واشتركت السيّدة عائشة وطلحة والزبير مع الوفود التي زحَفت إلى المدينة من مختلف البلاد الإسلامية لتشكو إليه ما تقاسيه الأُمّة من جور ولاته واستخفافهم بالمقدّسات الإسلامية وشعائر الدين، وخروجهم عن المخطّط الإسلامي الذي ألفوه واعتادوا عليه، من سيرة الرسول والخليفتين من بعده، ولم يكن لعليّ (عليه السلام) صلة بهذا النزاع ولا حاول أنْ يجني من ورائه أيّ مكسب، وتؤكّد النصوص التاريخية أنّه قد حاول التوفيق بين الثائرين وبين الخليفة أكثر من مرّة، ولكنّ حاشية الخليفة كانت تحول بينه وبين ذلك، بالإضافة إلى تحريض السيّدة عائشة وطلحة والزبير الثوّارَ على المضيِّ في الثورة إلى النهاية.

ولمّا انتهت الثورة بقتل عثمان واختيار عليّ (عليه السلام) من بعده أُصيبت السيّدة عائشة بصدمةٍ عاتية؛ لأنّها كانت تقدّر أنّ قريبها طلحة سيتولّى أُمور المسلمين بعد الخليفة الراحل، بالإضافة إلى ما كانت تكنّه لعليّ (عليه السلام) في نفسها مِن عداءٍ قديم، يرجع إلى عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فعملت مع رفيقَيها طلحة والزبير والأمويّين الذين كانوا السبَب المباشر لكلّ ما حدَث على الثورة في وجه الحكومة الجديدة، وباشرت قيادة أنصارها إلى المعركة بنفسها، واستطاع معاوية أنْ يغري أهل الشام ويقودهم إلى النزاع المسلّح مع عليّ (عليه السلام)، بعد أنْ علِم أنّ عليّاً لا يقرّه بحال من الأحوال على عمله، ولا يمكن أنْ يستعين به في حكومته فأعلن عصيانه للخليفة الشرعي وخرَج عليه بمَن معه من أهل الشام، فكانت معركة صِفّين التي كادت أنْ تنتهي بالقضاء على معاوية وأتباعه لولا مكيدة ابن العاص التي سهّلت له الخروج من تلك الأزمة ويسّرت له أنْ يصبح ملكاً على المسلمين يتحكّم فيهم بما توحيه له شهَواته.

وانتهت المعركة باختيار حكَمَين أحدهما يُمثّل أهل الشام والآخر يمثّل الجهة الثانية التي يقودها عليّ (عليه السلام)، ونتَجَ من هذا التحكيم الذي فرضه أهل العراق على عليّ فشَل المؤتمرين، وخروج جماعة من جيشه عن طاعته ناقمين على التحكيم الذي فرضوه عليه بالأمس القريب، ووصفوه بالكفر؛ لأنّه حكّم الرجال في دين الله على حدِّ زعمهم، وقد ظهرت بوادر هذه الفرقة في صفّين بعد الاتّفاق على التحكيم، فقد خرَج من صفوف أصحاب عليّ (عليه السلام) رجلٌ يدعى يزيد بن عاصم المحاربي، فحمل على أصحاب عليّ وقتل رجلاً، كما حمَل على أصحاب معاوية وقتل منهم أيضاً وتبرّأ من الفريقين واستقرّت فكرة


الخروج في أذهان جماعة من أهل الكوفة، ولم يتمكّنوا من تنفيذها إلاّ بعد رجوعهم من صفّين، وبعد الفشل الذي انتهى إليه المؤتمرون، وبلغ عدد الذين انفصلوا عن جيش عليّ (عليه السلام) اثني عشر ألف جندي ممّن كانوا معه في صفّين، والتجأوا إلى قرية في قرب الكوفة تسمّى حروراء فغلَب عليهم اسم (الحرورية) ، وتولّى قيادتهم عبد الله بن الكوّاء وشبث بن ربعي، وبعد أنْ جرت بينهم وبين عليّ مناظرات كثيرة حول التحكيم، وموقف الحكَمين رجَع ابن الكوّاء عن فكرته والتحق بالكوفة مع ألف رجل منهم، واستمرّ الباقون على فكرتهم الأُولى، وقد تداولوا الرأي حول المكان الذي يتّخذونه مقرّاً لهم فاقترح بعضهم المدائن، وآخرون اختاروا البصرة مقرّاً لثورتهم، وأخيراً اتفقوا على النهروان.

ويرى الدينوري أنّهم كانوا أربعة آلاف فارس بقيادة عبد الله بن وهَب الراسبي (1) بينما يرى الاسفرائيني أنّهم كانوا ضعفَي هذا العدد (2)، وفي طريقهم إلى النهروان التقوا بالصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت ومعه زوجته، فقالوا له: حدّثنا حديثاً سمعته من رسول الله، فقال: حدّثني أبي أنّ رسول الله قال: (ستكون بعدي فتنة، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والواقف فيها خيرٌ من السائر، والماشي خيرٌ مِن العادي، ومَن أمكنه أنْ يكون مقتولاً فيها خيرٌ له من أنْ يكون قاتلاً) .

ثمّ قالوا له: ما تقول في أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما خيراً كما أثنى على عثمان في السنين الستّة من خلافته، ولمّا سألوه عن التحكيم أجاب: أنّ عليّاً أعلم بكتاب الله منكم وأشدّ توقّياً على دينه وأنفذ بصيرة، فقالوا له: إنّك تتبع الرجال على أسمائهم وجرّوه على شاطئ النهر، فاستجار بكتاب الله وكان معلّقاً برقبته، فقالوا: إنّ الذي تستجير به يأمرنا بقتلك فذبحوه، ثمّ جاؤوا إلى زوجته فبقروا بطنها واستخرجوا منها حملها، وبعد قتله ساوموا نصرانياً على نخلةٍ ليأكلوا ثمرَها فبذلها لهم بدون ثمَن، فرفضوا أنْ يأخذوها إلاّ بثمنها، فقال لهم: ما أعجب ما أرى منكم! تقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منّا نخلة إلاّ بثمنها (3)؟ !

ولمّا بلغ عليّاً عدوانهم على الآمنين وفسادهم في الأرض توجّه إليهم في

____________________

(1) انظر الأخبار الطوال للدينوري ص 223.

(2) انظر التبصير في الدين ص 28.

(3) الكامل للمبرد ج 2 ص 143.


أربعة آلاف محارب من جيشه، وقبل أنْ يقاتلهم سألَهم عن أسباب خروجهم فأجابوه: لقد قاتلنا معك في البصرة طلحة والزبير وعائشة، فأبحت لنا أموالهم ولم تبِح نساءهم وذراريهم، فقال: (لقد أبحتُ لكم من أموالهم ما كان في المعركة من سلاحٍ ودواب، عِوَضاً عمّا أخذوه من بيت مال المسلمين في البصرة، أمّا نساؤهم وذراريهم فلا ذنبَ لهم لأعاقبهم عليه، ولم يخرجوا مِن حكم المسلمين في ثورتهم لكي نعاملهم معاملة الكفّار والمشركين، ولو أبحت لكم النساء فمَن منكم يأخذ عائشة في سهمه؟)، وأخيراً وبعد أنّ سدّ عليهم جميع الأبواب التي كانوا يرونها مبرّرة لثورتهم قالوا: لم محوت الإمارة عن نفسك في كتاب الصلح بينك وبين معاوية؟ فقال (عليه السلام): (لقد اقتديت برسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث محا الرسالة عن نفسه حين كتَب كتاب الصلح بينه وبين سهيل بن عمرو، وقد أنكر عليه سهيل يومذاك أنْ يضيف لنفسه صفة الرسالة، وقال له: لو كنّا نعلم أنّك رسول الله لما خالفناك، فقال لي رسول الله: امحها فمحوتها وكتبت: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، وقد قال لي يوم: إنّك ستبتلى بمثلها).

فرجع منهم إلى طاعته جماعة، وبقيَ منهم أربعة آلاف رجل، وقبل أنْ يقاتلهم استنطقهم عن جريمتهم مع العبد الصالح عبد الله بن خباب وزوجته فأجابوه بلسان واحد: كلّنا قتلناه ولو ظفرنا بك لقتلناك أيضاً، فتوجّه إلى أصحابه وأخبرهم عن مصير هذه الفئة الباغية وعن عدد القتلى منهم، ثمّ حمل عليهم هو ومَن معه فلَم يَسلَم منهم سوى تسعة لاذوا بالفرار من المعركة، وتفرّقوا في البلدان، فذهب منهم اثنان إلى سجستان، واثنان إلى اليمَن، والباقون تفرّقوا بين عمان الأنبار والجزيرة، وواصلوا الدعوة إلى مبدئهم في هذه الأقطار فالتفّ حولهم جماعة كثيرون، ولا تزال بقاياهم إلى اليوم في هذه الأقطار كما جاء في رواية الإسفرايني (1) واستعادوا نشاطهم في عهد الأمويّين فكانت لهم جولات واسعة ومواقف ضارية، أقلقت الحكّام الأمويّين وشغلت جانباً كبيراً من عنايتهم وتفكيرهم.

ويؤكّد بعض الكتّاب أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يستأصل جماعة الخوارج في معركة النهروان وغيرها، وأنّ جماعة منهم ممّن لم يشتركوا في معركة

____________________

(1) انظر التبصير في الدين الفصل الذي تحدّث به عن الخوارج.


النهروان قد انتشروا في الكوفة وخارجها؛ لترويج فكرتهم وتحريض الناس ضدّ حكومة عليّ (عليه السلام)، وعلى الأخص بعد الفشل الذريع الذي حلّ بهم في تلك المعركة، وقد حاولوا تجديد الثورة فزاروا قتلاهم في النهروان، وتعاهدوا على الأخذ بثأرهم، وتوالت حركاتهم وتحرّكاتهم في مختلف الجهات: في الأنبار والمدائن وسواد الكوفة، وخرَج الخريت بن راشد أحد زعمائهم في الكوفة ومعه ثلاثمِئة فقتَلوا عامل عليّ (عليه السلام) في عمان.

وفي الكامل لابن الأثير أنّه قد اجتمع على الخريت علوج من الأهواز انضمّ إليهم اللصوص والموالي وبعض النصارى وجماعة من العرَب فكسروا الخراج وأخرجوا عامل عليّ (عليه السلام) في تلك البلاد، ويعلّل بعض المستشرقين تحمّس الموالي لفكرة الخوارج، بأنّهم نادوا بمساواة العرَب والموالي في جميع الحقوق حتى في تولّي الخلافة (1)، ومع أنّهم تجمّعوا من مختلف المناطق والجهات، وحاولوا أكثر من مرّة الانتقام لقتلاهم وتوسيع حركتهم الثورية ضدّ الحكم القائم يوم ذاك، وحاولوا إغراء الموالي وبعض المسيحيّين المقيمين في البلاد التي خضعت للإسلام بسقوط الجزية عن المسيحيّين، وجواز استخلاف غير العربي على المسلمين، بالرغم من كلّ ذلك استطاع عليّ (عليه السلام) القضاء على فلولهم الثائرة هنا وهناك بعد الهزيمة الكبرى التي ألمّت بهم في النهروان.

وبعد أنْ فشلت جميع محاولاتهم التي قاموا بها للسيطرة على الحكم ولتعديل النظام الذي كان متّبعاً في اختيار الحاكم، بعد فشلهم في جميع مواقفهم الثورية وغيرها اتجهوا إلى اغتيال عليّ ومعاوية وابن العاص، وانتدبوا لكلّ واحد من الثلاثة رجلاً منهم فنجحوا في اغتيال عليّ (عليه السلام)، وفشَل الآخران في اغتيال معاوية وعمرو بن العاص.

ومهما كان الحال فلقد كانت الفكرة المسيطرة على تصرّفات الخوارج في أوّل أمرهم سياسية خالصة، فأوّل أمر نادوا به هو تخطئة عليّ في قبول التحكيم، ثمّ تخطّوا هذه الفكرة إلى تكفيره وتكفير عثمان في السنين الأخيرة من خلافته، وطلحة والزبير وعائشة، بينما لم يذهَب أحد منهم - على اختلاف فِرَقهم وتباين آرائهم في بعض المسائل - إلى تكفير أبي بكر وعمر، والتهجّم عليهما، ولقد علّلوا تكفير عليّ (عليه السلام) بأمرين أوّلهما: أنّه حكّم في دين الله.

____________________

(1) انظر العراق في ظلّ العهد الأموي للدكتور عليّ الخرطبولي ص 60 و61، وانظر النظم الإسلامية للمستشرق غودفروا، كما نقل عنه الخرطبولي.


الثاني: أنّه قد خلَع نفسه من إمارة المؤمنين في وثيقة الهدنة التي كتبها بينه وبين معاوية لإيقاف القتال، أمّا عثمان فيعلّلون كفره بأنّه قد حابى أقاربه وولاّهم على رقاب المؤمنين، مع علمه بسوء تصرّفاتهم واستخفافهم بالإسلام ومبادئه، وعلى ما بينهم من اختلاف في الآراء فقد اتّفقوا على تكفير عليّ والحكَمَين وعثمان وطلحة والزبير وعائشة، كما اتفقوا على أنّ خلافة أبي بكر وعمر خلافة شرعيّة تعبّر عن رأي الأُمّة ورغبة المجموع، ومِن هنا يمكن أنْ نقول: أنْ المصدر الصحيح الذي تستمدّ منه السلطة الحاكمة نفوذها وقوّتها وشرعيّة تصرّفاتها هو الشعب وحده عندهم؛ لأنّهم اعتمدوا في شرعية خلافة أبي بكر وعمر على رضا الشعب ورغبته الأكيدة بها، ولكنّهم قد أضافوا إلى رضا الشعب ورغبته شرطاً آخر وهو الحكم بالحق والعدل، فلو اختار الشعب حاكماً وأجمع على اختياره، ولكنّه انحرف عن الحق والعدالة وجَب عزله ومحاربته.

ومِن هنا ذهبوا إلى تكفير عليّ وعثمان، ومع أنّ خلافتهما كانت برأي الشعب وإرادته، وقد أضافوا إلى المبدأ الذي لابدّ منه في الحكم أمراً آخر، فادّعوا أنّ الخلافة لا تنحصر في القرشيّين ويصلح لها كلّ مسلم حرّاً كان أو عبداً، فالعبد الحبشي وغيره سَواءٌ في ذلك، ولم يعترفوا بالأحاديث المرويّة عن الرسول التي تنص على انحصار الخلافة في القرشيّين، واعتبروها من وضع القرشيين أنفسهم لفرض احتكار السلطة فيما بينهم.

ويُمكن للباحث أنْ يجد لهم مبرّراً في هذا المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الحاكم من جهة أنّ الإسلام لم يفرّق بين لون ولون ولا بين العرب وغيرهم، وجعل مقياس التفاضل الأعمال الصالحات، فالعبد الحبشي بنظر الإسلام أفضل من العربي القرشي إذا كان مخلصاً في إيمانه، عاملاً بما افترضه الإسلام ولو كان العربي منحدراً من أفضل القبائل العربية، وأشرفها حسباً ونسباً، وقد اعتبر جماعة من الكتّاب هذه الفكرة خروجاً على المبدأ الذي اعتمد عليه القرشيّون في اختيار الحاكم، وأيّدوه بما جاء عن الرسول من انحصار الخلافة في القرشيّين، مع أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي وضَع نواة هذه الفكرة التي نادى بها الخوارج؛ ذلك أنّه في الأيّام الأخيرة من حياته وهو يستعرض من يصلح للخلافة من بعده قال: لو كان سالم مولى حذيفة حيّاً ما عدَوته، قال ذلك: وفي المسلمين عليّ بن أبي


طالب (عليه السلام) وغيره من أعيان المسلمين (1) ، فقد سبَق إلى هذه الفكرة الخوارج بأكثر من عشرين عاماً ولكن الخوارج قد جعلوها موضع التنفيذ، فاختاروا عبد الله بن وهَب الراسبي أحد زعمائهم وجعلوه أميراً عليهم وجاهدوا معه؛ لتحقيق أهدافهم التي كانوا ينادون بها، وأضافوا إلى المبدأين السابقين مبادئ أُخرى، منها أنّ المختار للخلافة لا حقَّ له بالتنازل عنها مهما كانت الظروف فالحقّ للأُمّة وحدها في عزله أو قتله إذا انحرف أو غيّر وبدّل، وعلى أساس هذا المبدأ كفّروا عليّاً (عليه السلام)؛ لأنّه تنازل عن إمارة المؤمنين على حدِّ زعمهم في الوثيقة التي كتبت بينه وبين معاوية، لإيقاف القتال حينما اتفق الطرفان على مبدأ التحكيم.

ومنها أنّ الخلافة ليست من الضروريّات التي لابدّ منها، فإذا لم تتوفّر الشروط اللازمة في الأشخاص يمكن الاستغناء عنها؛ لأنّ حاجة الناس بعضهم إلى بعض متساوية وعلاقتهم متشابكة، وذلك ممّا يمنعهم عن الظلم ويصدّهم عن الجور وعدم الإنصاف (2) ، لقد تبلورت فكرة الخوارج واتّضحت أهدافهم بعد أنْ مضى على بدء ثورتهم شطر من الزمن، أمّا في بداية أمرهم فلم تكن لهم أهداف منظمة.

ولم تنبثق حركتهم الثورية الأُولى عن الأهداف التي برزت في العصر الأموي، ولم تذكر المراجع التاريخية شيئاً قبل خروجهم على عليّ (عليه السلام) بعد فشَل الحكمَين في التوصّل إلى حلٍّ مُرضٍ لدى الطرفين، وليس ببعيد أنْ تكون فكرة انحصار الخلافة في القرشيّين التي كان يؤمن بها القسم الأكبر من المسلمين، والتي من شأنها ملكيّتهم لها يتوارثونها جيلاً بعد جيل، هذه الفكرة كانت تحزّ في نفوس الكثيرين من العرب، ولا سيّما وقد وصلت إلى غلمان الأمويّين وفسّاقهم، وهؤلاء لم تكن لهم في النفوس تلك القداسة، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ قادة الثورة ينتمون إلى قبائل عربية لها مِن ماضيها وحاضرها ما يدعوهم إلى الطموح إليها وانتزاعها من أيدي الأمويّين، ولا أقلّ من التخلّص من سيطرة القرشيّين واستعلائهم على الناس.

والذي يؤيّد ذلك ما أورده العبادي في كتابه (صور من التاريخ الإسلامي) قال: أنّ الخوارج كانوا عرباً من قبائل تميم وحنيفة وربيعة

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد مجلّد 1 ص 64.

(2) انظر العراق في ظلّ الحكم الأموي ص 63 وما بعدها.


الذين كان لهم في الجاهلية شأنٌ كبير بين العرَب، وقد اعتنقوا الإسلام لإعجابهم بمبادئه الديمقراطية، وأبلوا في الفتوح بلاءً عظيماً، وطمعوا في مجدٍ جديد يضيفونه إلى مجدهم التليد، ولكنّهم غلبوا على أمرهم، واستأثرت ارستقراطية مكّة والمدينة فأعادوا حركة الردّة ولكن في صورة إسلامية، وبدأ هذا في موقفهم من التحكيم؛ ويؤيّد ذلك أنّهم على اختلاف فِرقهم مجمعون على أنّ الخلافة ليست حقّاً للقرشيّين وحدهم، وإنّما هي حقٌّ للأفضل من جميع المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، وقد هيّأ لهم هذا المبدأ الأنصار والأتباع من الموالي وغيرهم ممّن انضموا إليهم في حركاتهم في وجه الأمويّين والعبّاسيّين، هذا بالإضافة إلى أنّ أكثرهم كانوا من عرب البادية الذين دخلوا في الإسلام على فقرهم وسذاجة تفكيرهم.

ومع أنّ الإسلام قد احتل جانباً من نفوسهم وقلوبهم، إلاّ أنّهم لم يتجرّدوا من النزعات القبلية وظلّت معهم تسيطر عليهم وتسيرهم أحياناً من حيث لا يشعرون، وهم بحكم طبيعتهم لم يتعوّدوا الخضوع للسلطان ولم يألفوا الحكم المفروض عليهم أنْ يعيشوا في ظلّه خاضعين لأنظمته وقوانينه؛ ولذا فإنّهم لا يرون وجود الحاكم من الضرورات الملحّة كما ذكرنا سابقاً؛ لأنّ تشابك الناس بالمصالح والأغراض يحتّم عليهم التناصف والتحابب، فالحاكم عندهم ليس من الضرورات التي لابدّ منها.

وهذه النظرية مستمدّة من طبيعتهم؛ لأنّهم لم يعتادوا الخضوع للحاكم، وعلى الأخص تلك الحكومات التي تعاقبت في العصر الأموي والتي كانت تنظر إلى سائر الفئات والأجناس نظرة احتقار وازدراء، ويتمثّل ذلك فيما جاء عن بعض ملوكهم (ألا وأنّ السواد بستانٌ لقريش)، فهذه الكلمة تعبّر عن مدى استغلال الأمويّين إلى جميع العناصر والألوان واستئثارهم بخيرات الأرض، وتسخيرهم للطبَقات الكادحة لمصالحهم وأهوائهم.

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء الكتّاب القدامى والمحدّثين في تعليل ظهور الخوارج وصمودهم في وجه الشدائد والضربات القاسية وعلى الأخص في العصر الأموي، فبعضهم يؤكّد ما ذكرناه، بينما يرى آخرون أنّ مردّ ذلك هو تشدّدهم في الدين الناتج عن جهلهم في المبادئ الإسلامية، فقد فسّروا الدين حسب أفهامهم واجتهاداتهم معتمدين على تفكيرهم الساذج، واعتبروا أنفسهم أنّهم المسلمون دون سِواهم، وأوجبوا جهاد مَن خالفهم حتى يعودوا إلى حظيرة الدين ويعملوا بفروعه، بالإضافة إلى


إيمانهم بأُصوله وبجانب آرائهم السياسية التي بدأت تظهر وتتبلور كلّما اتسعت حركتهم وامتد نفوذهم، بجانب ذلك، ظهَرت لهم آراء في الدين تناولوا فيها الأصول والفروع، ولكنّها سطحية ساذجة لم يعتمدوا فيها على البحث والدراسة لنصوص الكتاب والسنّة، ولا على آراء الصحابة والعلماء الذين عاصروهم؛ لذا فإنّ المتتبّع في آرائهم وفتاويهم يراهم يتخطّون الأُصول التي اتبعها القرآن والرسول، والأساليب التي اتّبعها المسلمون في مقام التشريع واستنباط الأحكام، ويبدو ذلك واضحاً من آرائهم في بعض الأصول والفروع كما أوردها كتاب الفرق والمذاهب الإسلامية وإلى القرّاء أمثلة من آرائهم وتشريعاتهم:

لقد اتّفقوا بجميع فِرَقهم على تكفير مرتكب الكبيرة من الذنوب، وأنّ فاعلها يخلد في النار، ولم يُنسب الخلاف لأحدٍ منهم إلاّ للنجدات، أتباع نجدة بن عامر الحنفي (1)، وكان يرى أنّ الدين أمران: معرفة الله ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله جملة، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وما سِوى ذلك فالناس معذورون فيه بجهالتهم حتى تقوم عليهم الحجّة، وأضافوا إلى ذلك: أنّ مَن خاف العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام فهو كافر، ومَن تثاقل عن الهجرة إليهم فهو منافق، واستحلّوا دماء وأموال المقيمين في دار التقيّة وهم الذين لم يهاجروا إليهم تقية، وحرّموا أموال وأعراض موافقيهم ولو كانوا ممّن وجَب إقامة الحدِّ عليهم لجناية أو سرقة، كما ادعوا بأنّ الإصرار على الذنب كبيراً كان أو صغيراً يُوجب الشرك، ومَن زنى وفعل جميع المنكرات والكبائر غير مصرٍّ عليها لا يخرج عن الإسلام، بينما يرى الأزارقة أنّ كلّ كبيرة توجب الكفر، وأنّ جميع مخالفيهم كفّار، ولا حدّ على مَن قذَف المحصنين من الرجال، وأنّ أطفال المشركين يدخلون النار مع آبائهم (2)، ويذهب العطوية المنتسبون

____________________

(1) خرج نجدة مع جماعته من اليمامة قاصداً الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، فاستقبلهم جماعة من أتباع نافع وأخبروا نجدة بما أحدثه من أعمال لا ترضيهم وأنّهم برِئوا منه، فبايعوا نجدة عليهم وقد أرسل ابنه مع جماعة منهم إلى القطيف فقتَل جماعة من رجالهم واستباح أموالهم ونساءهم، انظر مقالات الإسلاميّين لابن الحسَن الأشعري ج 1 ص 162.

(2) انظر المصدر السابق ص 165.


إلى عطية بن الأسود الحنفي أتباع عبد الكريم بن عجرد أنّ الأطفال قبل بلوغهم تجب البراءة منهم، فإذا بلغ الصبيّ دُعيَ إلى الإسلام فإنْ أجاب إليه ووصفه كان مسلماً، ومِن هؤلاء من قال بالقدَر بمعنى التفويض وليس لله في أعمال عباده رأي أو تصرّف، فهم الخالقون لأفعالهم والكفر والإيمان باستطاعتهم وحدهم، بينما يرى بعض العجاردة من أتباع عبد الكريم بن عجرد: أنّ الأعمال مخلوقة لله ولا مشيئة للعبد فيها، والقائل بذلك هم الشعيبية نسبة لرجل يدعى شعيب، وقد تخاصم هو وميمون، في مال كان لميمون عليه، فقال له شعيب: أعطيكه إنْ شاء الله، فردّ عليه ميمون على مذهبه في القدر لقد شاء الله أنْ تعطيني إيّاه، فقال له شعيب: لو شاء الله لم أقدر إلاّ أنْ أعطيكه.

وقد نسب كتاب الفرق والمذاهب إلى الميمونية والعجاردة أنّهم يجيزون نكاح بنات البنين وبنات البنات، وبنات بنات الأخوة والأخوات، ويدّعون أنّ الله لم يُحرّم البنات وبنات الأخوة والأخوات، كما يدّعون بأنّ سورة يوسف ليسَت من القرآن.

ومَن فِرَق الخوارج الأباظية ولهؤلاء آراء يُخالفون غيرهم بها، كما يتّفقون مع غيرهم من فِرَق الخوارج في بعض الآراء، ومِن فروعهم الحفصية أتباع حفص بن أبي المقدام أحد قادتهم، وذهبوا إلى أنّه بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمَن عرَف الله وكفَر بما سِواه من الرسل والجنّة والنار وعمل جميع المنكرات يكون كافراً ولا يُعَد مشركاً، وهؤلاء قد ذهبوا إلى أنّ عليّاً (عليه السلام) هو الحيران الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ) ، والذين دعوه إلى الهدى هم أهل النهروان، وأنّ الله قد أنزل فيه قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ، وأنزل في قاتله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) .

وقد ادعى أحد الأباظيّين وهو يزيد بن أنيسة أنّ الله سيبعث رسولاً من العجَم وينزل عليه كتاباً من السماء يكتب في السماء، وينزل جملةً واحدة، وأضاف أنّ أهل الكتاب إذا شهدوا لمحمّد بالنبوّة نتولاّهم ويجوز وصفهم بالإيمان وإنْ لم يدخلوا دين الإسلام (1)، ويتّفق الأباظية بجميع

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميّين ص 170 و171.


فِرَقهم على أنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في جهنّم، وفاعلها كافر لأنعم الله وليس مشركاً، وجوّز الضحاكيّة منهم أنْ تتزوّج المرأة المسلمة من كفّار قومهم في دار التقية، كما يجوز للرجل المسلم أنْ يتزوّج الكافرة من قومه في دار التقية، أمّا إذا كان حكمهم جائراً فلا يستحلّون ذلك، بينما قال جماعة منهم: إنّ المرأة المتزوّجة من كفّار قومنا لا نعطيها صفة الإسلام، ولا تجب الصلاة عليها إنْ ماتت، أمّا مخالفيهم فقد حكَم جماعة منهم بكفرهم وتوقّف آخرون فلَم يحكموا عليهم بكفر أو إيمان، وجميع المسلمين الذين لم يؤيّدوا حركتهم مخالفون في دار الكفر، ومن فِرق الخوارج ا لبيهسية أصحاب أبي بيهس هيجم بن جابر ولهم آراء شاذّة في الأُصول والفروع منها أنّ الشراب حلال في أصله ولم يأتِ فيه شيء من التحريم لا في قليله ولا في كثيره، ومنها أنّ الناس مشركون بجهلِ الدين وارتكاب الذنوب، ويجب على الله أنْ يظهر أحكامه في العصاة كما أظهرها في الشرك، ولو جاز إخفاءها لجاز في الشرك أيضاً.

ومنها أنّ الإمام إذا كفَر كفرت الرعية الغائب والشاهد حكمهم حكم الإمام، ومَن فعل شيئاً من المحرّمات التي توعّد الله عباده عليها وهو لا يعلم بحرمته كان كافراً.

ومِن فِرقهم الشبيبية أتباع شبيب بن يزيد (1)، وهؤلاء قد جوّزوا إمامة المرأة واستخلافها ولهم آراء أُخرى أكثر شذوذاً ممّا أوردناه (2).

ولهم فِرق أُخرى وآراء في الأُصول والفروع تدور حول مرتكب الذنب، وأحكام المخالفين لهم، ويبدو بعد التتبّع لآرائهم أنّ التكفير هو أوّل الصفات التي تجري على ألسنتهم، فكأنّ المقياس للدين هو آراؤهم ومتابعتهم على ضلالهم وجهلهم وقد كفّر بعضهم بعضاً لأقلّ مناسبة وأبسطها، وانقسموا على أنفسهم حتى في ساحات القتال مع أخصامهم الأمويّين، وقد عرف فيهم الحكّام والقوّاد الذين تولّوا قتالهم هذه الحالة، فاستغلّوها لتفريق كلمتهم وإضعافهم، فقد جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المجلّد الأوّل: إنّ الأزارقة كان من بينهم حدّاد يصنع لهم نِصالاً

____________________

(1) أحد القواد الذين قادوا حركة الخوارج في عهد عبد الملك بن مروان، وقد اشترك في جملة مِن المعارك هو وزوجته.

(2) انظر ص 179 و180 و181 من مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري ج 1.


مسمومة يرمون بها أصحاب المهلّب بن أبي صفرة، فشكا أصحاب المهلّب إليه أمر الحدّاد، فقال: أنا أكفيكم أمره، فوجّه إليه كتاباً فيه ألف دينار مع رجلٍ من أصحابه وأمره بإلقاء الكتاب والدنانير في معسكر الخوارج، وكتب فيه: أمّا بعد فإنّ نصالك قد وصلَت إلينا وقد وجّهت لك ألف دينار فاقبضها وزدنا من نِصالك، فأصاب الكتاب أحد الخوارج وسلّمه إلى قطري الذي كان يقود الخوارج في حربهم مع المهلّب، ولمّا قرأ الكتاب استدعى الحدّاد فقال له: ما هذا الكتاب والدنانير قال: لا أعلم بها، فأمر بقتله فجاءه أحد القوّاد ويُدعى عبد ربّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة، فقال له: قتلتَ رجلاً على غير ثقةٍ وبيّنة، قال قطري: ما حال الألف دينار؟ قال: يجوز أنْ يكون أمرها كذباً ويجوز أنْ يكون حقّاً.

فقال له قطري: إنّ قتل رجلٍ فيه صلاح غير منكَر، وللإمام أنْ يحكُم بما يراه صالحاً وليس للرعية أنْ تعترض عليه، وكان من نتيجة ذلك أنْ تنكّر له عبد ربّه الصغير مع جماعة من الخوارج ونقموا عليه تسرّعه في هذا الأمر، ولمّا بلغ المهلّب خلافهم احتال لأنْ يزيده احتداماً فدسّ إليهم رجلاً نصرانيّاً وأمره أنْ يسجُد لقطري عندما يراه وأوصاه أنْ يقول له: إنّما سجدتُ لك لا لله، ولمّا فعل النصراني ما أوصاه به المهلّب أنكر عليه الخوارج ذلك وقالوا له: لقد عبدك النصراني من دون الله، وتلا عليه بعضهم الآية: ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) .

فقال قطري: لقد عبد النصارى عيسى بن مريم من دون الله فما ضرّ عيسى ذلك شيئاً، وأدّى الخلاف بينهم إلى قتْل النصراني، وتابَع المهلّب دسائسه بينهم بعد أنْ رأى أنّ ذلك أجدى عليه من السيف فوجّه إليهم رجُلاً يسألهم عن رجُلين خرجا مهاجرَين إليهم، فمات أحدهما في الطريق ووصل إليهم الثاني ولكنّه لم يكن كما يريدون، فأجاب فريق منهم أنْ الميّت من أهل الجنّة والذي بقيَ حيّاً كافر، وقال فريقٌ آخر: أنّهما معاً كافران واحتدم الخلاف بينهم شهراً كاملاً (1) ، ويجد المتتبّع في تاريخهم أمثال هذه الخلافات التي كانت تنشب بينهم لأبسط الأُمور، واستغلّ أخصامهم هذه الميزة التي برزت في حياتهم، فعملوا على إضعافهم وهزيمتهم من هذا الطريق، وبالفعل قد تمّ لهم ذلك وتوالت هزائمهم؛ بسبب ما كان يحدث بينهم من خلاف ونزاع وهم في ساحات القتال، مع

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد ج (1) ص 401.


أنّهم من أصبر الناس على الشدائد وأقواهم شكيمة في القتال وأصلبهم في دعوتهم التي نادوا بها، في عشرات السنين، وبجانب هذه الميزة التي برزت في تاريخهم يبدو أنّهم كانوا يحرصون على أنْ تكون لحركتهم الثورية الصبغة الدينيّة، فيحكمون على مخالفيهم في الرأي بالكفر ويقتلون ويُفسدون باسم الدين، ويُجادلون عن آرائهم ومعتقداتهم بظواهر بعض الآيات التي لم يصيبوا فيها إلاّ الجانب السطحي، ولم يُفكّروا فيها التفكير الذي يصيب المرمى والمقصد ويرشدهم إلى الحق من جميع جوانبه؛ لذلك فإنّهم لم يتوفّقوا في جميع مناظراتهم بالرغم من عنادهم وثباتهم على عقيدتهم، وطلاقة ألسنتهم واختيارهم لأفصح العبارات وأقواها تأثيراً على خصومهم، وقد أورد في شرح النهج بعض الآيات التي استدلّوا بها على تكفير أهل الذنوب من غير فرق بين ذنبٍ وآخر، حتى الخطأ في الرأي إذا أدى إلى مخالفة الواقع (1) .

ولذا فإنّ عليّاً (عليه السلام) في مناظراته معهم لم يحتجّ عليهم بالكتاب ولا بالحديث؛ لأنّهما يحتملان التأويل ومن الصعب رجوعهم إلى الصواب وهم يجدون من ظواهر بعض الآيات ما يؤيّد آراءهم، فاحتجّ عليهم بعمل الرسول مِن مرتكبي الكبائر، وأورَد لهم من الشواهد المتعدّدة ما يدلّ بصراحة لا تقبَل التأويل والتفسير، أنّه لم يعاملهم معاملة الكفّار والمشركين؛ لأنّه رجَم الزاني المحصَن وورّثه أهله، وقتَل القاتل وأجرى عليه أحكام المسلمين، وقطَع يد السارق وأعطاه حقّه من الفيء، ولم يمنعهم من حقوقهم التي جعلها الله لعامّة المسلمين، وكانت سيرة الرسول على ذلك طيلة حياته، ومضى عليها الخلفاء مِن بعده ولم يستطع الخوارج وغيرهم إنكار ذلك من سيرة الرسول والخلفاء من بعده.

ولقد أوضح لهم بهذا الأُسلوب من البيان أنّ الكفر لا يُحكم به على أحد، إلاّ إذا أنكر الوحدانيّة، أو الرسالة، أو أصلاً من أُصول الإسلام، أو ضرورياً من ضروريّات الدين، حيث يؤدّي إنكار ذلك الضروري إلى تكذيب الكتاب أو الرسول فيما أخبرا به، وفاعل الكبيرة، ما لَم يكن منكِراً لأحدِ هذه الأُمور يبقى على حكم الإسلام، فلقد جاء عنه أنّه قال لهم: (فإنْ أبَيتم أنْ تزعموا إلاّ أنّي أخطأت وضلَلت فلِم تضلّلون عامّة أُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) بضلالي وتأخذونهم بخطئي وتكفّرونهم بذنوبي: سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البُرء والسقْم، وتخلطون

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 106.


من أذنب بمَن لم يذنب، وقد علمتم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجَم الزاني المحصَن ثمّ  صلّى عليه وورّثه أهله، وقتل القاتل وورّث ميراثه أهله، وقطَع يد السارق وجلَد الزاني غير المحصن وأعطاهما نصيبهما مِن الفيء وانكحهما المسلمات، فأخذهم رسول الله بذنوبهم وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله) (1) ، وهكذا كان غيره ممّن ناظرهم في الإسلام ينحو هذا المنحى العملي الذي لا يقبل التأويل والتشكيك، ولكنّهم تمسّكوا بنصوص القرآن ونظروها نظرة جانبية تعكس تفكيرهم واتجاههم، فلم يستجيبوا لهذا الأُسلوب البياني الذي يعكس الواقع الإسلامي، كما توحيه نصوص القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، لقد كفروا جميع المسلمين؛ لأنّهم لم ينسجموا معهم، واستدلّوا على تكفير أهل الذنوب بظواهر بعض الآيات.

منها قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) .

فاعتبَروا الكفر الوارد في الآية مترتّباً على ترك الحجّ باعتباره معصيةً لله سبحانه، وبقياس غيره عليه ينتج أنّ كلَّ كبيرة يكون فاعلها كافراً، ويبدو من ذلك أنّهم يُفسّرون القرآن بما يوافق آراءهم في الدين، ويحاولون التوفيق بين مبادئهم وبين الدين بهذا الفهم الخاطئ، فالآية الكريمة قد تناولت أوّلاً تشريع الحجّ على المسلمين من غير نظر فيها إلى الناحية العملية التي بسببها يتصف الإنسان بالطاعة والعصيان، ثمّ تعرّضت لحال مَن أنكر هذا التشريع ووصفته بالكفر والجحود، فالكفر الوارد في الآية معناه عدَم الإيمان بهذا التشريع الإلهي، وممّا لا ريب فيه أنّ عدَم الإيمان بذلك كفر عند جميع المسلمين.

ومنها قوله تعالى: ( إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) .

فقد استفادوا من هذه الآية أنّ اليأس باعتباره معصيةً لله سُبحانه بكون صاحبه كافراً، ولازم ذلك أنْ تكون صفة الكفر ثابتة لكلّ مَن يترك واجباً أو يفعل محرّماً، مع أنّ الآية ليس فيها أكثر من وصف اليائس من رحمة الله بالكفر، وإنّما وصف بذلك؛ لأنّه إمّا مكذّب للآيات التي تنصُّ

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج ص 306.


على عفو الله وكرمه ولطفه بعباده، وإمّا مسرفٌ في المعاصي إلى حدٍّ حالت الذنوب بينه وبين الله، وأظلمت نفسه وانقطعت بينه وبين ربّه جميع الوسائل، أمّا المعصية بمجرّدها ما لم تستتبع أحد الأمرين فلا يلزمها اليائس، بل الغالب على العصاة أنّهم يرجون عفوَ الله ورضوانه ويؤمنون بالله وبما جاءت به رسله.

ومنها قوله تعالى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .

وقد فهموا منها أنّ المرتكب للذنوب قد حكَم على نفسه بغير ما أنزل الله فيكون كافراً بنصّ الآية.

وهذه الآية كغيرها من الآيات التي لا تؤيّد مُدّعاهم؛ لأنّها نزَلَت في اليهود الذين حكموا بغير ما أنزل الله وحرفوا شرائعه وبدّلوا أحكامه، وقد وصفهم الله سبحانه بأنّهم سمّاعون للكذِب أكّالون للسُحت.

ومنها قوله تعالى: ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) .

وقد ادّعوا إنّ فاعل الكبيرة أسود الوجه عند الله فيكون كافراً بنصّ الآية، مع العلم بأنّ الآية واردة فيمَن كفَر بعد إيمانه، كما يبدو من قوله تعالى: ( أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) ، ولا سيّما بعد ملاحظة جملة من الآيات التي تنصّ على أنّ المعصية بمجرّدها لا تُوجِب خروج الإنسان عن الإسلام (1) ، ولكن الخوارج حاولوا أنْ تكون لآرائهم التي امتازوا بها الصبغة الدينيّة فأوّلوا القرآن على حسب أفهامهم ليستخدموا الدين لصالحهم، ولكنّهم أُصيبوا بالفشَل في جميع حالاتهم وابتعدوا عن الإسلام والقرآن وعن المسلمين أيضاً، بالرغم من ثباتهم في جميع مواقفهم وصمودهم في وجه الشدائد، ويمكن تلخيص الأسباب التي أدّت إلى فشلهم بالأُمور التالية:

الأوّل: أنّ مبدأ التكفير لأقلّ مناسبة هو المبدأ الذي تركّزت عليه جميع تحرّكاتهم واجتمعت عليه جميع فرقهم، بالرغم ممّا كان بينهم من خلاف في أكثر الآراء، فقد أجمعوا على تكفير عليّ (عليه السلام) وطلحة والزبير وجميع المسلمين، لأسبابٍ لم يقرّها الإسلام ولا مصدر لها من كتابٍ أو سنّة، فأراقوا الدماء ونهبوا الأموال واستحلّوا الإعراض باسم الدين

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج لابن أبي الحديد ص 307.


والإسلام، وقد احتجّ عليهم عليّ (عليه السلام) بسيرة الرسول مع المسلمين، فأصرّوا على عنادهم وضلالهم ومضوا في طريقهم يفسدون في الأرض ويقتلون الآمنين، ووقَف المسلمون منهم موقفاً سلبيّاً في جميع المراحل التي مرّوا بها، بالرغم من النقمة الشديدة والفجوة التي كانت بين الحكّام وبين المسلمين في العصر الأموي، وعلى ما بين الحكّام والمسلمين من بعد، فالمسلمون فضّلوا البقاء تحت سلطان الأمويّين على مساندة الخوارج والثورة معهم.

الثاني: إنّهم على شدّتهم وصبرهم على الشدائد لم يكن لهم قيادة تفرض وجودها عليهم، ولم يخضعوا لأُمرائهم الذين تزعّموا حركاتهم وحروبهم، ففي أكثر مواقفهم كانت تنشب المعارك والخلافات بينهم لأبسط الأسباب، وكان ذلك من جملة العوامل التي تساعد الحكام على هزيمتهم، وقد ذكرنا سابقاً أنّ المهلّب بن أبي صفرة قد شغلهم بالخلافات واستغلّ هذه الظاهرة فيهم في المعارك التي نشبت بينهم وبينه.

الثالث: إنّهم مع إسرافهم في أحكامهم على المسلمين واستحلالهم لإراقة الدماء واستباحة الأعراض، ظهرت لهم بعض الاجتهادات المنافية لأُصول الإسلام، والتي يمكن تفسيرها بأنّها كانت محاولة لهدم الإسلام من أساسه، وعلى أساسها يسوغ وصفهم بالارتداد عن الدين، فقد ادعى أحد قادتهم وهو يزيد بن أنيسه أنّ الله سيبعث نبيّاً من العجَم بكتاب ينسخ شريعة محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، كما جوّز ميمون العجردي أحد أُمرائهم نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الإخوة والأخوات، وادّعى آخرون منهم أنّ سورة يوسف ليست من القرآن، إلى غير ذلك من الآراء التي كانت تختصّ بها كلّ فِرقة من فرقهم، مما جعل المسلمين يقفون منهم موقف الحذر والحيطة، ويرون انتصارهم خطراً على الإسلام ومبادئه.

لذا فإنّ معاركهم مع الحكّام لم تتّخذ طابعاً شعبيّاً تمثّل إرادة الأُمّة ورغباتها في الإصلاح وتطبيق العدالة والقانون، بل كانت ذات لونٍ واحد من بدايتها حينما خرجوا على عليّ (عليه السلام) إلى نهايتها، حينما خمد صوتهم وخلدوا إلى الهدوء والسكينة في الشطر الأول من عهد العباسيّين.

ولو قدر لبقيّة الحركات الثورية التي ظهرت في العصرين الأموي والعبّاسي، البقاء الطويل والامتداد الذي امتازت به ثورة الخوارج، لو قدر لها ذلك لكان من ثمارها استئصال الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، التي فرضها الإسلام على كلّ حاكمٍ يتولّى قيادة الأُمّة، فالحركات الثوريّة التي قام بها العلويّون في


العصرين الأموي والعبّاسي كانت تهدف لتحرير الشعوب من ظلم الحاكمين، الذين قامت عروشهم على دماء الأبرياء واضطهاد الصُلحاء، وتسخير جميع الطبقات الكادحة لشهَواتهم وتثبيت عروشهم؛ ولذا فإنّها لم تُحرم في الغالب من تأييد العلماء ورجال الدين ومساندتهم لها حتى بالأموال، كما كان الحال من موقف أبي حنيفة مع ثورة زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فالقائمون على توجيه تلك الانتفاضات التي كانت تحدث بين حينٍ وآخر من العلويّين وغيرهم في وجه الأمويّين والعبّاسيين، لم يتّخذوا هدفاً وغاية سوى تطبيق العدالة، وتعديل الانحراف الذي ظهر في سياسة الحكّام وجميع تصرّفاتهم، نعم يمكن أنْ يكونوا في حركاتهم لم يراعوا الظروف المناسبة، ولم يعدّوا العدّة الكافية؛ ولذا لم يحالفهم النجاح في أكثر حركاتهم في وجه الحكّام.

أمّا الخوارج فلو كانوا يطلبون العدالة وجدوها عند عليّ (عليه السلام)؛ لأنّه كان مثاليّاً في سيرته وسياسته ومواساته لأضعف أفراد الأُمّة، ولم يستطع حتى أعداؤه الألدّاء أنْ يتّهموه بالانحراف عن جادّة القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ومع كلّ ذلك فقد افتتحوا ثورتهم بخروجهم عليه وأعلنوا كفره واستحلّوا قتاله، وأخيراً تمّكنوا من اغتياله وهو ساجد لربّه.

ومجمل القول لقد وقف الخوارج في ناحية ووقف المسلمون كلّهم في ناحية، واختطّوا لأنفسهم طريقاً خالفوا فيه جميع المسلمين، فلقد حاولوا تطبيق جميع تصرفاتهم على الدين من الزاوية التي يفهمونها، وهي زاوية استيلائهم على الحكم وانتزاعه من أيدي القرشيّين، واستدلّوا بالآيات على صحّة تصرّفاتهم ونظريّاتهم حسب أفهماهم الخاطئة التي حاولوا فرضها على القرآن وعلى الدين فرضاً، فلَم تنسجم تصرّفاتهم مع آرائهم وأقوالهم.

فبينما نراهم يكفرون مرتكب الذنب الواحد نجدهم يقتلون عبد الله بن خباب الصحابي الجليل، ويبقرون بطن زوجته الحامل فيستخرجون منها حمْلها ويذبحونه على صدرها، ونجدهم أيضاً يجيزون نكاح بنات الإخوة والأخوات وبنات الأولاد، وفي نفس الوقت الذي قتلوا فيه عبد الله بن خباب وزوجته، يأبون أنْ يأكلوا من رُطَب قدّمه لهم بعض الذميّين تجنّباً للحرام وخوفاً من الله سُبحانه.

فالباحث في تاريخهم من جميع نواحيه يجدهم يتخطّون الواقع والمنطق والدين والعلم في جميع تصرّفاتهم وآرائهم؛ ولذلك كانوا منبوذين من جميع فِرَق المسلمين على اختلاف نزَعاتهم ومذاهبهم، ولم يستطيعوا في جميع حالاتهم ومواقفهم المتعدّدة في وجه


الحكّام الأمويّين أنْ يربحوا عطف الشعوب، ولا أنْ يحقّقوا شيئاً من آمالهم وأمانيهم ومنيت حركاتهم بالفشَل بعد جهاد استمرّ عشرات الأعوام والسنين، ولو أنّهم بعد أنْ وصل الحكم إلى أيدٍ ملوّثة بالظلم والفساد وغير أمينة على أحقَر الأشياء فضلاً عن مقدّرات أُمّة بكاملها، لو أنّهم في هذه الحالة طالبوا بإصلاح الفاسد وتحقيق العدالة، والسير على المخطّط الذي وضعه الإسلام للحاكمين لعادت ثوراتهم على الإسلام والمسلمين بالخير والسعادة والازدهار، ولا سيّما بعد أنْ واصلوا كفاحهم الطويل، وصبَروا في أكثر معاركهم، وضحّوا بكلّ ما يملكون لتحقيق ما كانوا يهدفون إليه.


الفصل الثالث: (في الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة)

في هذا الفصل عرضٌ موجز للفِرق المنسوبة إلى الشيعة ومعتقداتها، وتاريخ ظهورها وأسباب انقراضها، ومقدار صِلتها بالشيعة الإمامية.

لقد كان ظهور الخوارج في الإسلام بدايةً لانقسامٍ جديد في صفوف المسلمين وتعدّد الفِرق الإسلامية، على حين أنّهم في تلك الفترة من تاريخهم لم يكن لهم ميزة تخصّهم من حيث المعتقدات في الفروع والأُصول، ولم يُظهروا فكرةً تُميّزهم عن غيرهم من المسلمين، سِوى النقمة على الحكّام الذين تولّوا قيادة المسلمين بعد انتهاء معركة صِفّين.

وعلى مرور الزمن وبعد اتساع حركتهم الثورية وانتشارها في أنحاء مختلفة من بلاد المسلمين ظهرت لهم بعض الآراء في الأُصول الإسلامية، كما ظهَرت لهم بعض التشريعات في الفروع، وبذلك قد أصبحوا فرقةً من الفرق الإسلامية غلَب عليهم اسم الخوارج، مع أنّهم في واقع الأمر فرقة من الجمهور يلتقون مع السنّة في الخلافة الإسلامية وبعض الأُصول الأخرى وأكثر الفروع، ولا يلتقون مع الشيعة الإمامية بشيء؛ لأنّهم بجميع فرقهم يتّفقون على كفر


عليّ (عليه السلام) وأتباعه، بينما يقرّون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان ويرون رأي السنّة في الصحابة الأقدمين.

وقد ذكرنا أنّه لم يكن قبل ظهور الخوارج إلاّ فئتان من المسلمين: فئةٌ تدّعي أنّ النبيّ قد انتقل إلى ربّه ولم يستخلف أحداً من بعده، وترك للأُمّة حقّ اختيار الحاكم الذي تراه صالحاً لإدارة شؤونها، وقد اختارت أبا بكر، وهو بدوره قد عيّن من بعده عمر بن الخطّاب، وهكذا إلى أنْ انتهى الأمر إلى عليّ (عليه السلام)، والفئة الثانية وهُم الشيعة المتمسّكون بحرفية النصوص التي صدرت عن الرسول في مختلف المناسبات، على أنّ عليّاً هو الخليفة المختار من الله سبحانه، وقد أثبتها الشيعة والسنّة في كتبهم منذ عصور التدوين والتأليف الأولى، ولكن السنّة قد تأوّلوها تمشّياً مع المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الخليفة بعد الرسول.

وقد أثبتنا في الفصل الأوّل من فصول هذا الكتاب أنّ التشيّع بمعناه المعروف بين الفقهاء والمتكلّمين، في العصور المتأخّرة عن عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولِد في حياة الرسول، وآمَن به جماعة من الصحابة، وبعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقفوا إلى جانب عليّ ولم يُبايعوا لأبي بكر إلاّ بعد أنْ بايع عليّ (عليه السلام)، ولكنّ فكرة التشيّع بقيت حيّة في الأذهان تنمو وتنتشر كلّما انطلق المسلمون في تفكيرهم، وكلّما أمعنوا في دراسة القرآن والحديث، ومشت مع الإسلام جنباً إلى جنب، واتّسع مفهوم التشيّع في العصور المتأخّرة عن عصر الخلفاء الأربعة، بمعنى أوسع ممّا كان عليه بعد وفاة الرسول، وأصبح التديّن بإمامة الأئمّة الاثني عشر جزءاً من معناه؛ تمشّياً مع النصوص التي وصلت إليهم عن النبيّ والأئمّة من ولده (عليهم السلام).

وجاء في بعضها ما يؤكّد إمامة الاثني عشَر واحداً بعد واحد بأسمائهم وأوصافهم، وجاء في جملةٍ منها: أنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة، وفي حديث مشهور بين الرواة والمحدّثين: (إنّ الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، ولم يحدث انقسام في صفوف الشيعة في الإمامة إلاّ بعد مقتل الحسين (عليه السلام)، حيث بدأت الفرَق الشيعيّة تظهر بين صفوف الشيعة على حدّ زعم المؤلّفين القدامى في الفِرق الإسلامية، ومنذ أنْ انتقلت الإمامة لعليّ بن الحسين الملقّب بزين العابدين.

ويتّسع اسم الشيعة عند الذين كتبوا في الفرق الإسلاميّة والمذاهب، وعند الكتّاب العرب والمستشرقين لكلّ مبتدع في الدين، أو مشعوذ حاول إغراء بعض المغفّلين فتظاهر بولاء أهل البيت وصحبتهم؛ ليتوصّل إلى أهدافه عن هذا الطريق، فمن أنكر الكتاب والرسالة وجميع ما جاءت به الأديان، فهو


شيعي عند الكتّاب وأهل السنّة ما دام يدّعي أنّه محبٌّ لأهل البيت، مع العلم بأنّ آراء أهل البيت وعقيدة أهل البيت وشيعتهم لا انحراف فيها ولا التواء عن جادّة القرآن وتعاليم الرسول، وقد جاهدوا في سبيل مبادئ القرآن وتعاليم الإسلام طيلة حياتهم وقُتلوا وشُرّدوا في هذا السبيل، ولم تلاقِ أُمّةٌ من الأُمم ما لاقاه الشيعة وأئمّتهم من الحكّام، لا لشيء إلاّ لأنّهم لم يتخلّوا عن مبادئهم طرفة عين، ومع ذلك فكل مبتدعٍ في الدين أو مفترٍ عليه مهما كانت بدعته وافتراءاته، لا يخرج عن التشيّع؛ لأنّه كان يدّعي ولاء أهل البيت وينظر إليهم بعين الاحترام والتقديس، ولأجل ذلك فقد عدّوا أكثر الفِرَق الضالّة من الشيعة.

ومِن تلك الفرق السبائيّة المنسوبون لعبد الله بن سَبأ الذي أظهر الغلوّ في عليّ (عليه السلام)، وقد نفاه عليّ إلى المدائن بعد أنْ استتابه ووضَعه تحت الرقابة الشديدة، ولكن المؤلّفين في الفرَق يدّعون بأنّه رجع إلى مقالته الأُولى بعد وفاة عليّ (عليه السلام)، على أنّ جماعة من الباحثين المحدثين قد أثبتوا بما لا يقبَل الريب أنّ عبد الله بن سبأ شخصيّة وهميّة لا وجود لها في التاريخ، والبيانية الذين ادّعوا أخيراً إلوهيّة (بيان بن سمعان) (1).

والمُغيريّة أتباع المُغيرة بن سعيد العجلي، وقد ادعى النبوّة لنفسه بعد أنْ تظاهر في ولائه لأهل البيت ودسّ في أحاديثهم آلاف الروايات، ولمّا بلغ أمره الإمام الصادق (عليه السلام) لعنه وحذّر الشيعة مِن آرائه ومرويّاته.

والمنصوريّة أتباع منصور العجلي، وقد ادعى أنّ الإمام محمّداً الباقر أوصى إليه بالإمامة بعد أنْ رُفِع إلى السماء، وأنّه هو المعني بالآية من سورة الطور: ( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) ، وأتباعه ينكرون الجنّة والنار، ويدّعون أنّ الجنّة نعيم أهل الدنيا، والنار هي المِحَن والمصائب التي يلاقيها الإنسان في حياته، وقد تولّى قتل أبي منصور العجلي يوسف بن عمر الثقفي، كما جاء في التبصير في الدين

____________________

(1) وقد ظهر بيان بن سمعان بالعراق في المِئة الثانية هجريّة، وادّعى حلول جزء من الإله في عليّ (عليه السلام) ثمّ في محمّد بن الحنفية، ومنه انتقل إلى ولده أبي هاشم، وأخيراً ادّعاها لنفسه، وكانت نهايته على يد خالد بن عبد الله القسري عامل هشام بن الحكَم على الكوفة، انظر التعليق على كتاب التبصير في الدين للشيخ محمّد زاهد بن الحسن الكوثري ص 35.


للإسفراييني (1).

والجناحيّة أتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار المعروف بذي الجناحين، والمنسوب إليهم أنّ روح الإله تحلّ في الأنبياء وتنتقل إلى الأئمّة واحداً بعد واحد، وإنكار المعاد والجنّة والنار، واستحلال الزنا والخمر واللواط وجميع المحرّمات وترك الواجبات، ويدّعون أنّ هذه الأُمور ترمز إلى أهل البيت، وأنّ صاحبهم عبد الله بن معاوية لا يزال حيّاً في جبَل من جبال أصفهان (2) وجاء في فِرَق الشيعة للنوبختي: أنّ الذي دسّ بين صفوف أصحاب عبد الله الغلوّ والتناسخ، وزيّن لهم ترك الواجبات وفعل المحرّمات هو عبد الله بن الحارث، من أصحاب عبد الله بن معاوية وأُسند ذلك إلى جابر بن جابر بن عبد الله الأنصاري، وجابر بن يزيد الجعفي وهما من أصحاب الأئمّة ورواة أحاديثهم (3).

الخطابيّة أتباع أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الملقّب (بالأجدع)، وادّعى هؤلاء أنّ الأئمّة كانوا آلهة، وأنّ أولاد الحسَن والحُسين أنبياء الله وأحبّاءه، وأخيراً ادّعى أبو الخطّاب الإلوهيّة لنفسه، ولمّا بلغت أقواله الإمام الصادق (عليه السلام)، لعنه مع جماعة من المشَعوذين منهم المغيرة بن سعيد، وبشّار الأشعري، وحمزة البربري، والسري وغيرهم، وأمَر أصحابه بلعنهم والبراءة منهم، وأباح دماءهم وأموالهم (4) .

وقد أورد الشهرستاني في الملل والنحل، والنوبختي في الفرق، والأشعري في كتابه مقالات الإسلاميّين، والأسفرائيني في التبصير أقوالاً وآراءً لهؤلاء، كلّها صريحة في كفرهم وضلالهم، وكان الإمام الصادق حريصاً على التشهير بهم وبيان كفرهم وضلالهم؛ لئلاّ ينخدع بهم احد من البسطاء والمغفّلين.

الغرابية وهم القائلون بأنّ الله قد أرسل جبرئيل لعليّ (عليه السلام)، ولكنّه جاء إلى محمّد؛ لأنّه يشبهه كما يشبه الغراب الغراب، ومِن هؤلاء مَن يدّعي أنّ الله قد فوّض أمر تدبير الخلق لمحمّد (صلّى الله عليه وآله)، ومحمّد فوّض ذلك لعليّ (عليه السلام)، ويُنسب إليهم أنّهم يقولون: بأنّ عليّاً بعث محمّداً ليدعو الناس

____________________

(1) انظر ص 100 من التبصير وص 38 من فرق النوبختي.

(2) انظر التبصير في الدين لأبي المظفّر الأسفرائيني ص 110.

(3) انظر ص 35 من فرق الشيعة للنوبختي.

(4) انظر ص 43 من فرق الشيعة وص 111 من التبصير.


إلى إلوهيّته فدعا لغيره.

النميريّة أتباع محمّد بن نصير النميري الذي ادّعى أنّ أبا الحسَن عليّاً الهادي (عليه السلام) قد بعثه نبيّاً، وأظهر القول بالتناسخ وإباحة المحرّمات، وادّعى الربوبيّة لأبي الحسَن العسكري (عليه السلام).

السبعية القائلون بأنّ الإمامة قد انتقلت من إسماعيل بن جعفر الصادق إلى ولده محمّد بن إسماعيل وأنّ أولي العزم سبعة منهم محمّد بن إسماعيل، وجنّة آدم هي إباحة المحرّمات، وأنّ شريعة محمّد بن عبد الله قد نُسِخت، واحتجّوا على ذلك بما جاء عن جعفر بن محمّد: (لو قام قائمنا علم القرآن جديداً) ، وهؤلاء هم الأصل للقرامطة (أتباع حمدان قرمط) (1).

لقد أوردنا هذه الأمثلة من الفِرَق التي يدّعي الكتاب أنّها فرق شيعيّة ويُحمّلون الشيعة أوزارهم وتبعاتهم، مع أنّه لو صحّ وجود هذه الفرق في التاريخ فالآراء والأقوال المنسوبة إليهم تدلّ بصدقٍ وصراحة تامّين، على أنّهم بعيدون عن الإسلام فضلاً عن التشيّع، ولو صحّ أنّهم كانوا في عداد الشيعة فذاك؛ لكي يتستّروا بالتشيّع لترويج آرائهم ومفترياتهم على الإسلام.

على أنّ هناك أمراً لابدّ من النظر إليه بعين الاعتبار، وهو أنّ حكّام الأمويّين والعبّاسيّين كانوا يبذلون كلّ ما في وسْعهم للتشويه على الأئمّة من أهل البيت، وإضعاف مركزهم في نفوس المسلمين، فدسّوا بين صفوفهم جماعة للتشويش عليهم ونشر البِدَع والخرافات بين معتقداتهم وآرائهم في الأُصول والفروع، وقد لعِب الحكّام دوراً بارزاً في هذه الناحية بقصد التشنيع عليهم، بعد أنْ فشلت جميع المحاولات التي بذلوها للحدّ من نشاطهم.

ومهما كان مصدر هذه الفرق التي يدّعي الكتّاب وجودها في التاريخ، وسَواء كان لها وجود بين المسلمين أم لم يكن، فقد نظَر إليها الكتاب نظرة أوّلية مجرّدة عن البحث والتحقيق، واعتبروها من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدَل والنقاش وأضافوها إلى الشيعة الإمامية، واتخذوا من وجودها

____________________

(1) انظر الفرق للنوبختي، ومقالات الإسلاميّين للأشعري، والمِلل والنحِل للشهرستاني، وغيرهم من كُتُب الفرق الإسلامية.


الموهوم وسيلة للتشنيع على أهل البيت وشيعتهم بدافع التعصّب الطائفي الموروث، مع العلم بأنّ الذين افترضوا وجودها في التاريخ لا ينكرون بأنّ هذه الفرق لم تتخطّ العصر الذي وجُدت فيه وماتت في مهدها، ومع ذلك فالكتّاب في هذا العصر لا يزالون يجترون تلك المخلّفات التي كانت من أبرز آثار الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين، ويتاجرون بها لإشباع شهَواتهم وشهَوات أسيادهم أعداء الإسلام، وموقف الشيعة منهم، في هذا العصر وقبله وفي جميع العصور والمراحل التي مرّوا بها، صريحٌ لا عِوَج فيه ولا التواء ولا محاباة لأحدٍ من الناس، فلقد كفّروهم منذ أنْ سمِعوا بوجودهم في التاريخ. ولا يزالون في كلّ مناسبة يُعلنون في الصحف والكتب، ومِن على المنابر عقائدهم وأُصول دينهم ومذهبهم، وينادون بتكفير كل مَن يُخالف الأُصول الإسلامية، التي اتفق عليها جمهور المسلمين المستوحاة من كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله)، ولا سيّما مَن يجعل خصائص الخالق للمخلوقين، وتواترت عن أئمّتهم النصوص بتكفير أصحاب هذه المقالات، والبراءة منهم ولعنهم على المنابر وفي جميع المناسبات.

وعسى أنْ يأتي اليوم الذي يلتقي فيه المسلمون بقلوبهم وعقولهم تاركين الأحقاد، والحزازات والمتاجرة بالتهم المفتعلة التي خلقتها السياسة والعناصر التي اندسّت بين صفوف المسلمين لتشتيت كلمتهم وطمس تعاليمهم، تلك التعاليم التي ملكَت القلوب والعقول، ودفعت بالمسلمين أشواطاً بعيدة إلى الإمام في أقلّ من نصف قرن من الزمن، هذا وفي الفصول الآتية التي وضعناها للمقارنة بين آراء الشيعة الإمامية في الأصول الإسلامية، وآراء غيرهم فيها كالمعتزلة والمرجئة والأشاعرة الذين يمثلون الجمهور الأكبر من المسلمين في جميع العصور، ومن هذه الفصول يتبيّن للقارئ أنّ الإمامية من أحرص المسلمين على تنزيه الله سُبحانه عن صفات المخلوقين، والإقرار له بما يليق بوحدانيته وقدرته، ومن أشدّها تحمّساً وإيماناً بنصوص القرآن الكريم، وأقساهم على المنحرفين عن نهج الإسلام الصحيح، وتعاليمه وأحكامه.

ولابدّ لنا ونحن نتحدّث عن الفرق الشيعيّة كما يُصوّرها كتّاب المذاهب والمعتقدات، أنّ نتحدّث حسب الإمكان عن بعض الفِرق الشيعية باعتبارها مصدراً لغيرها من الفِرق، التي يدّعيها مؤلّفو المذاهب والفِرق الإسلامية.

الكيسانيّة

أوّل هذه الفِرق الكيسانيّة، وهُم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفيّة، الولد الأكبر لعليّ (عليه السلام)، بعد أخويه الحسَن والحسين (عليهما السلام) ويظهر من بعض


المؤلّفين في الفِرَق أنّهم بين مَن يقول بإمامته بعد أبيه، وأنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) حاربا يزيد ومعاوية بإذنه، وبين مَن يقول بأنّه الإمام الشرعي بعدهما (1).

والمنسوب إلى الكيسانية أنّهم قد أضافوا إلى القول بإمامته أنّه المهدي المنتظر، الذي لم يمُت ولنْ يموت، وسيرجع إلى الناس فيملأ الأرض عدلاً بعد ما مُلئت جوراً، وأسرَف بعضهم إسرافاً يوجب الكفر والخروج عن الإسلام، فادّعى له الإلوهية وأنّه بعث حمزة البربري نبيّاً إلى الناس، كما ادعى جماعة من المنتسبين إليه بأنّه اختفى عن الناس في جبال رضوى، ويتغذّى من ألبان الغزلان التي تغدو وتروح في تلك الجبال، وقد أوكل الله أمر حراسته إلى السباع إلى أوان خروجه، ومن هؤلاء السيّد إسماعيل الحميَري وإليه يُنسب الشعر التالي:

يا شعب رضوى ما لِمَن بك لا يُرى

حـتى  مـتى تـخفى وأنتَ قريبُ

يـا  ابـن الوصيّ ويا سميّ محمّدٍ

وكَـنـيِّه  نـفسي عـليك تـذوبُ

لـو  غـاب عنّا عُمر نوح أيقنَتْ

مـنّا الـنفوسُ بـأنّه سـيؤوبُ

ويُنسب إليه أيضاً:

وما ذاق ابنُ خولة طعمَ موتٍ

ولا  ضمّت له أرضٌ عِظاما

وأنّ  لـه بـه لَمقيلَ صدْق

وأنـديـة تـحدّثه كـراما

وادّعى قومٌ من القائلين بإمامته أنّ الإمامة قد انتقلت بعد موته إلى ولد أبي هاشم عبد الله بن محمّد، وغالى فيه قومٌ كما غالوا في أبيه من قبل، فادعوا بقاءه حيّاً متخفيّاً عن الناس، وأنّه المهديّ الذي عَناه الرسول في أحاديث المهدي المرويّة عنه، بينما ذهب آخرون إلى وفاته وانتقال الإمامة إلى أخيه عليّ بن محمّد بن الحنفية، إلى غير ذلك من الأقوال التي ينسبها كتّاب الفِرَق إلى الكيسانية.

ومع أنّا نشك في أصل وجود هذه الفِرق؛ لأنّ محمّد بن الحنفية كان أتقى وأبَرّ من أنْ يدّعي الإمامة لنفسه، أو يسمح لأحدٍ يدين بإمامته، وقد سمِع من أبيه النصّ على الأئمّة

____________________

(1) انظر فرق الشيعة للنوبختي ص 23.


بأسمائهم وأوصافهم، مع أنّا نشكُّ في أصل وجودها، فقد قيل في وجه تسميتهم بالكيسانية: أنّ أوّل من قال بإمامة محمّد بن الحنفيّة المختار بن عبيدة الثقفي، وكان يلقّب بكيسان، وجاء عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين، وهو طفلٌ صغير يمسَح على رأسه بيده ويقول له: (يا كَيس)؛ فغلب عليه هذا الاسم، وكان من أمره أنّه دخل الكوفة مناصراً لمسلم بن عقيل حينما دخلها مُوفَداً من قِبَل الحسين (عليه السلام)، فقبض عليه ابن زياد وأدخله السجن، وبعد قتل الحسين (عليه السلام) حاول قتله مراراً فتشفّع به عبد الله بن عمر زوج أُخته إلى يزيد بن معاوية، فكتب إلى ابن زياد وأمره بإخلاء سبيله.

فالتحق بالحجاز وفيها عبد الله بن الزبير، قد تطلّعت نفسه إلى الخلافة بعد قتل الحسين، واستغلّ نقمة الشعوب الإسلامية على بني أُميّة بعدما ارتكبوا تلك الجريمة المنكرة مع الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، فبايع المختار لابن الزبير على أنْ تكون له ولاية الكوفة إنْ تمّ له الأمر، وبعد موت يزيد بن معاوية رجَع المختار إلى الكوفة وادّعى أنّه موفَد إليها من قِبَل ابن الحنفيّة الوصيّ الشرعي إلى الحسين (عليه السلام) ووليّ دمه، وأنّه استوزره وأوكل إليه أمر الطلب بثأر الحسين (عليه السلام). فوجد في الكوفة، ولا سيّما في الأوساط الشيعية، تقبّلاً لدعوته وتحمّساً في سبيلها، فبايعوه على الطلب بدم الحسين.

والتفّوا حوله، فمضى يتتبّعهم واحداً بعد واحد حتى قتَل أكثر مَن أخرجهم ابن زياد لحرب الحسين (عليه السلام)، فازداد الشيعة تمسّكاً به والتفافاً حوله وانقياداً لأوامره، ونسَب إليه المؤرّخون أنّه كان يدّعي أنّ الملائكة تأتيه بالأخبار والأوامر من محمّد بن الحنفيّة، وممّا حملهم على أنْ يصدّقوه على حدّ زعم المحدّثين أنّه قد عوّد بعض طيور الحمام في خلَواته على أنْ تلتقط الحبّ من أُذنيه، ولمّا اعتادت على ذلك كانت تأتيه إلى مجلسه العام وتحوم حول أُذنيه كما عوّدها في خلواته، فيدّعي أنّها الملائكة في صورة حمام أبيض تأتيه بالأخبار والأوامر من ابن الحنفيّة كما ذكرنا، وقد نسبوا إليه غير ذلك من أساليب الخداع والشعوذة، وقيل في سبب تسميتهم بذلك: أنّ المختار لُقّب بكيسان؛ لأنّ قائد جيشه أبا عمرة اسمه كيسان، وكان شديداً على قتَلَة الحسين (عليه السلام)، وفي نفس الوقت يدّعي إمامة محمّد بن الحنفيّة وأنّ المختار وصيّه، وأضافوا إلى ذلك أنّه


يذهب إلى أنّ جبرائيل يأتي المختار بالأخبار من عند الله عزّ وجل (1).

ويروي أبو المظفر الأسفرائيني في كتابه التبصير في الدين: أنّ السبائيّة خدَعوا المختار وحملوه على دعوى النبوّة، وخلال معاركه مع مصعب بن الزبير أسَر جماعة من جُند مصعب، منهم سراقة بن مرداس البارقي، فلمّا أُدخل على المختار قال له: لم تهزمنا بجندك ولا أسرنا قومك ولكن الملائكة الذين جاؤوا لنصرك ونصر جندك هم الذين أسرونا وهزمونا، ثمّ طلب منه العفو وأقسم عليه بالملائكة الذين كانوا في جُنده فعفا عنه وأطلق سبيله، ولمّا رجع إلى مصعب أرسل إليه بالأبيات التالية:

ألا  أبـلِغ أبـا إسحق أنّي

رأيتُ البلَق دهماً مصمتاتِ

أُري عـينَيَّ مـا لم ترْأَياه

كـلانا  عـالمٌ بـالتُّرّهات

كفرتُ بوحيِكم وجعلتُ نَذراً

عـليّ  قتالكُم حتى المَماتِ

ونسبوا إليه القول بالبَداء وعلّلوا ذلك؛ بأنّه كان يُخبر أصحابه بأُمور يدّعي أنّها من وحي السماء، فإذا لم تقَع يقول لهم: (لقد بدا لربّكم وعدَل عمّا أخبرني به)، ثمّ يتلو عليهم قوله: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (2) ، ويَنسب لهم الشيخ محمّد أبو زهرة في كتاب المذاهب الإسلامية القول بالتناسخ، وهو خروج الروح من جسَد وحلولها في جسَدٍ آخر، وأنّها تعذّب بانتقالها من حيوان إلى حيوان أدنى، ونعيمها بانتقالها من أسفل إلى أعلى، وفكرة الحلول والتناسخ لم تُعرَف إلاّ عن الحربيّة وهي الفرقة الحادية عشرة كما أحصاها أبو الحسن الأشعري، وهُم أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب.

وقد ادعى هؤلاء أنّ أبا هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة قد نصّ على إمامة عبد الله بن حرْب من بعده، وتحوّلت روح أبي هاشم إليه بعد وفاته، ولمّا أظهر هذه المقالة تفرّق عنه أتباعه، وقالوا بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر صاحب فكرة التناسخ

____________________

(1) انظر النوبختي ص 23 والكشّي ص 85.

(2) انظر التبصير في الدين ص 37 والمذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 70، والعراق في ظلّ العهد الأموي ص 148.


والحلول، واستحلال المحرّمات التي نصّ على تحريمها الكتاب والسنّة (1).

ومهما كان الحال فالذين كتبوا في الفرق الإسلامية متّفقون على أنّ هذه الفِرقة مصدرها المختار الثقفي، وهو الذي روّجها ودعا إليها وتستّر من ورائها؛ لإغراء الشيعة ليكونوا في جانبه، ولا سيّما بعد أنْ كانوا يُشكّلون القسم الأكبر من سكّان الكوفة، وقد تتبّع قتَلَة الحسين (عليه السلام) لهذه الغاية، ولكنّ المصادر الشيعيّة لا تقف منه هذا الموقف الذي وقفه المؤرّخون من أهل السنّة، وأيّدهم فيه أكثر كتّاب الفِرق.

ولا يستبعد الباحثون من الشيعة أن تكون تلك الحملات عليه كانت من وحي الأمويين والزبيريين؛ لأنّه وقف في وجه الفريقين، والسياسة وحدها كانت توجّه التاريخ لمصلحتها وأغراضها، وقد سخّر الأمويّون جماعة لوضع الأحاديث في أخصامهم بقصد التشنيع عليهم وتصويرهم بأبشع الصور، على أنّ العصر الذي وجد فيه المختار الثقفي كان خالياً من أمثال هذه المقالات، ولم تكن معروفة عند أحد من المسلمين العرب والأجانب، وقد عاش في الكوفة مهد التشيّع وبين معاصريه وأتباعه جماعة كانوا على صلة دائمة بالأئمّة، وفيهم مَن أدرك عليّاً (عليه السلام) وتخرّج من مدرسته، ولم تغِب عنهم آراؤه في الدين وأُصوله.

وقد بقيَ خمْس سنوات يكرّرها عليهم من على منبر الكوفة ولم تمضِ على وفاته أكثر من ثلاثين عاماً، فكيف والحالة هذه يقف المختار بينهم وأكثرهم من الشيعة ويدّعي النبوّة والوحي، وغير ذلك ممّا نُسِب إليه من الضَلال والكفر المبين، ولا ينكر عليه أحد من تلك الحشود الملتفّة حوله، وأكثرهم يَدين بولاء أهل البيت وفيهم الكثيرون ممّن عاصروا عليّاً، وظلّوا على صلة دائمة بالأئمّة من ولده؟!

وكلّ ذلك ممّا يُوجب التشكيك بتلك المرويّات في كتب التاريخ والفِرق، هذا بالإضافة إلى أنّ المرويّات عن الأئمّة الذين عاصروه تؤكّد براءته من كلّ ما يُنسب إليه، فقد جاء في رواية عبد الله بن شريك قال: (دخلنا على أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر يوم النحر، وهو متّكئ وقد أرسل في طلب الخلاف، فقعدتُ بين يديه إذ دخل عليه شيخٌ من أهل الكوفة، فتناول يده ليُقبّلها

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميّين للأشعري ج 1 ص 94 و95، والتبصير في الدين وغيرهما من كتب الفِرَق في طيّ أحاديثهم عن عبد الله بن معاوية.


فمنعه من ذلك، ثمّ قال له: (مَن أنت؟)، قال: أنا أبو الحكَم بن المختار بن أبي عُبيدة الثقفي - وكان متباعداً من أبي جعفر (عليه السلام) - فمدّ يده إليه حتى كاد يقعده في حِجره بعد أنْ منعه يده، ثمّ قال: أصلحك الله، إنّ الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك، قال: (وأيّ شيءٍ يقولون؟)، قال: يقولون: إنّه كذّاب، ولا تأمرني بشيءٍ إلاّ قَبِلتُه، قال: (سُبحان الله، أخبرني أبي والله أنّ مهْر أُمّي كان ممّا بعث به المختار، أوَلم يبنِ دُورنا، وقتل قاتلينا وطلب بدمائنا؟ فرحمه الله، وأخبرني والله أبي، أنّه كان ليمرّ عند فاطمة بنت عليّ يُمهّد لها الفراش ويُثني لها الوسائد)، ومنها أصاب الحديث: (رحِم الله أباك رحِم الله أباك، ما ترَك لنا حقّاً عند أحد إلاّ طلبه، قتل قَتَلَتَنا وطلَب بدمائنا).

وجاء في رواية عمر بن عليّ بن الحسين: إنّ عليّ بن الحسين (عليه السلام) لمّا أُتيَ برأس عُبيد الله بن زياد ورأس عُمَر بن سعد خرّ ساجداً وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى الله المختار خيراً .

وفي رواية ابن أبي عمر عن هشام المثنّى، عن سديد أنّ أبا جعفر (عليه السلام) قال: (لا تسبّوا المختار فإنّه قتَل قَتَلَتَنا، وطلَب بثأرنا، وزوّج أراملنا، وقسّم فينا المال على العسرة) (1) .

وممّا لا نشكّ فيه أنّ المختار لو كان كما يُنسب إليه لم يخفَ حاله على الإمام زين العابدين وولده الإمام أبي جعفر محمّد الباقر (عليه السلام)؛ لأنّهما كانا على اتّصال دائمٍ بأهل الكوفة مقرّ قيادة المختار، ومنهما كان الشيعة يستمدّون أحكام دينهم، والإمام زين العابدين حينما ظهَر المختار كان يُراقب الحالة بالكوفة ويستقصي أخبارها، ولا سيّما بعد أنْ اشتعلت ثورة المختار؛ لأنّها كانت للانتقام مِن قَتَلَة أبيه وأعدائه وبدافع الثأر لِما لحِقَهم من قتلٍ وتشريد.

ولا يُمكن والحالة هذه أنْ تخفى عليه حالة المختار وشعوذاته المزعومة، ولو كان كما يصوّره كتّاب الفرق وبعض المؤّرخين يكون خارجاً عن الإسلام ومُنكراً لأُصوله وضروريّاته، ومَن كانت هذه حاله لا يُمكن أنْ يترحّم عليه الإمام ويدعو له بالخير ويثني عليه في مجالسه، ولم يُحدّث التاريخ عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم كانوا يُحابون أحداً من أعداء الدين لمصلحة تخصّهم، أو لعملٍ يحقّق لهم مغنماً بعيداً عن أهداف الدين وأغراضه، ومِن الجائز القريب أنْ يكون المختار قد تجاهر وأعلن بأنّ

____________________

(1) انظر أخبار الرجال لمحمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي ص 83 و84.


محمّد بن الحنفيّة قد أمره بقتال الذين حاربوا الحسين (عليه السلام) وقتلوه، ليتمكّن من حشد الشيعة تحت لوائه؛ لأنّهم العدد الأكبر في الكوفة، وكلّهم يعلمون ما لمحمّد بن الحنفية من علوّ المنزلة في الدين والعلم، وقد سمعوا من أبيه ما يؤكّد لهم فضله وعلوّ شأنه، والمختار في ذلك الظرف من أحوج الناس إلى الأنصار والأتباع لتنفيذ خطّته، ولا سيّما وقد ظهر ابن الزبير في الحِجاز وانتشر دعاته في البلاد ودخلوا الكوفة عاصمة المختار، وهي من أطوَع العواصم العربيّة لكلِّ ثائرٍ وعلى الأخص الشيعة الذين كانوا يتواثبون مع كلّ ثائر؛ للتخلّص من الأمويّين وأنصارهم قَتَلَة الحسين، ويؤيّد ذلك ما رواه المسعودي في مروج الذهب، أنّ المختار بعد أنْ يئس من عليّ بن الحسين (عليه السلام) كتب إلى محمّد بن الحنفيّة يطلب تأييده في نهضته، ويعرض عليه أنْ يأخذ له البيعة من الناس في الكوفة، فأشار عليه عبد الله بن العبّاس أنْ لا يتجاهر في عيب المختار والتشنيع عليه، وذكر له ما يضمره ابن الزبير من العِداء والكيد لأهل البيت، ورجّح له البقاء على صداقة المختار؛ ليكون عوناً لهم على ابن الزبير فيما لو حاول الكيد والإساءة لهم.

واستطاع المختار أنْ ينفّذ خطّته بعد أنْ التفّ حوله الشيعة والقسم الأكبر من سكّان الكوفة، ولمّا ظهَر ابن الزبير واستتبّ له الأمر في الحِجاز تمنّع ابن الحنفيّة والهاشميّون من مبايعته، فألحّ في خصومته لهم وحصرَهم في بعض شِعاب مكّة، وجمع كميّات من الحطب ليحرقهم إنْ هم أصرّوا على عدم بيعته، وكان المختار قد علِم بما يلقونه من ابن الزبير، فجهّز جيشاً من أربعة آلاف فارس بقيادة أبي عبد الله الجدلي، وأمرهم بالإسراع قبل أنْ يفوت الأوان فلَم يشعر ابن الزبير إلاّ والغزاة يسيطرون على الموقف في مكّة، فلم يجِد ابن الزبير ملجأً له غير الكعبة فالتجأ إليها.

ولمّا تمّ للغزاة إنقاذ الهاشميّين من الحصار المضروب عليهم في شِعاب مكّة، أرادوا الفتك بابن الزبير وجماعته ولكنّ محمّد بن الحنفية لم يأذَن لهم في قتال أحد وخرَج من مكّة إلى بلدٍ يقال لها (أيله)، فأقام به منعزلاً عن الناس حتّى قُتِل ابن الزبير (1) ، وهذه الحوادث تُعطي الباحث صورة عن الأوضاع السياسيّة في ذلك العصر وعن موقف الطامعين في الحكم من الهاشميّين، فكلٌّ يحاول أنْ يربح تأييدهم،

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من مروج الذهب للمسعودي ص 98 و99 و100.


فابن الزبير يهدّدهم بأبشَع الجرائم إذا لم يقفوا إلى جانبه، والمختار الثقفي يعلن من على منبر الكوفة أنّهم يؤيّدون حركته الثوريّة، واستغلّ سكوت ابن الحنفيّة عنه في إشاعة ذلك بين جماهير الشيعة، ورأى ابن الحنفيّة نفسه مضطرّاً لأنْ يلتزم السكوت تجاه تلك الشائعات التي روّجها المختار؛ لأنّ حركته تهدِف إلى الانتقام من قَتَلَة الحسين (عليه السلام) في الكوفة، وهذه الأُمنية الغالية عند العلويّين الذين تحمّلوا مرارة تلك الفاجعة الأليمة، التي بقيت تحزّ في نفوسهم وحرمتهم لذّة الحياة زمناً طويلاً.

ومجمل القول إنّ محمّد بن الحنفيّة الذي تنتمي إليه هذه الفرقة لم يدّعِ الإمامة لنفسه، ولم يُحدّث عنه التاريخ بأنّه نازع أحداً فيها، وكل ما في الأمر أنّه لم يُجاهر في عِداء المختار، ولم يتظاهر في خصومته لأسبابٍ سياسيّة أشارت إليها رواية المسعودي التي أوردناها سابقاً، أمّا المختار فمِن الجائز أنْ يكون قد انتحل لنفسه بعض الصفات لتدعيم مركزه في الكوفة كما يدّعي كتاب الفرق.

ولكن ما ورد عن الإمامين زين العابدين وولده محمّد الباقر (عليه السلام)، من الثناء والترحّم عليه يُبعِد عنه تلك التُهَم الباطلة التي لا تتّفق مع الإسلام؛ لأنّ الأئمّة من أهل البيت قد أعلنوا رأيهم بصراحة تامّة في الفرق الإسلامية التي انحرفت في تفكيرها عن أُصول الإسلام وفروعه، أمّا ما أورده المسعودي في مروج الذهب من أنّه كتب إلى الإمام زين العابدين، يعرض عليه أخذ البيعة له من الناس في الكوفة وخارجها، وأنّ الإمام رفَض ذلك رفضاً باتّاً وتنكّر للمختار ودعوته، وأشار على عمّه محمّد بن الحنفية أنْ لا يُهادنه في تلك العروض ولا يفسَح له المجال في الدعوة إليه (1) ، هذه الرواية على تقدير صحّتها لا تدلّ على أنّه كان مُشعْوِذاً كما يدّعي المؤرّخون وكتّاب الفِرَق.

ومن الجائز القريب أنْ يكون رفض الإمام لعروض المختار؛ لعلمه أنّ أهل الكوفة لا يوثَق بهم في قولٍ أو عمل، والإمام نفسه قد وقَف على حقيقة أحوالهم ورأى بعينه تخاذلهم عن جدّه الأعظم عليّ (عليه السلام)، وعن عمّه الحسَن ووقوفهم إلى جانب بني أُميّة في كربلاء، هذا بالإضافة إلى أنّ الأمويّين لم ينتهِ أمرهم، وقد وقفوا يراقبون الأحداث ويعدّون العدّة للوثبة على العراق والانتقام من كلّ معارضٍ لهم، وابن الزبير العدوّ الثاني

____________________

(1) انظر المصدر السابق ص 98.


للهاشميّين قد أطلّ رأسه من الحِجاز وبثّ دعاته في البلاد وهو لا يقلّ خطَراً عن الأمويّين، هذه الظروف والملابسات هي التي فرضت على الإمام (عليه السلام) أنْ يقف هذا الموقف السلبي من دعوة المختار، وهو موقف تفرضه المصلحة وتقتضيه الحكمة، وليس من قصدنا أنْ ندافع عن المختار أو أنْ نتلمس له الأعذار، ولا التشكيك بأصلِ وجود فرقة في التاريخ تُعرف بالكيسانيّة، وإنّما الذي أردناه أنْ نُبرّر موقف محمّد بن الحنفيّة من هذه الفرقة، وأنّها لم تكن في عصره، وإذا صحّ وجودها فتكون حادثة بعد وفاته، وموقف الشيعة منهم إنْ كانوا كما تصفهم كتب الفِرَق والمقالات أنّهم ضالّون مضلّون، قد خرجوا عن الإسلام وأُصوله وضلّوا سَواء السبيل.

الزيدية

الفرقة الثانية من فِرَق الشيعة الزيدية، وهم القائلون بإمامة زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، وقد نشأت هذه الفرقة في العصر الذي نبَغ فيه زيد بن عليّ، وأصبَح من أعلام المسلمين وقادتهم المتطلّعين إلى الإصلاح، ولعِب قادتها دوراً بارزاً في تاريخ الحكومات الإسلامية في مختلف الأقطار.

ولا تزال هذه الفرقة تعيش من بين عشرات الفرق الإسلامية التي ظهرت في مطلع القرن الثاني، وهي الفرقة الأُولى من سكّان اليمَن في العصر الحاضر، والمبدأ الأوّل الذي قامت على أساسه هذه الفرقة، هو اختصاص الإمامة بمَن قام بالسيف من أولاد عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمّد (عليهم السلام)، ولهم أُصول أُخرى وتشريعات في الفقه الإسلامي، سنشير إليها في أثناء حديثنا عن الزيديّين والمراحل التي مرّوا بها، وقد تحدّثنا عن فقههم في كتابنا (المبادئ العامّة للفقه الجعفري).

وكان السبب في خروج زيد بن عليّ (عليه السلام) على الحكّام الأمويّين؛ ما كان يُعانيه المسلمون من ظلم الأمويّين واستهتارهم بالمقدّسات الإسلامية، ولحِق الشيعة النصيب الأكبر من تلك السياسة الجائرة، سياسة البطش والقتل والإرهاب والتنكيل بالصُلحاء والعلماء، ولمّا جاء دور هشام بن عبد الملك أحسّ شيعة العراق بالفرَج بواسطة خالد القسري، الذي ولاّه هشام بن عبد الملك على العراق وانتهج فيها سياسة الرِفق واللين، ولكن يوسف بن عمر الثقفي لم يكن واثقاً من


سياسة خالد القسري، وعلى الأخص مع أهل البيت والهاشميّين، فكتب إلى هشام بن عبد الملك: (إنّ أهل هذا البيت من بني هاشم كانوا قد هلَكوا جوعاً، حتى كانت همّة أحدهم قوت عياله، ولمّا جاء خالد أعطاهم الأموال فقووا بها حتى تاقت نفوسهم إلى طلب الخلافة).

فاستجاب هشام إلى عميلة يوسف الثقفي، وبادر إلى عزل خالد عن ولاية العراق وسلّمها ليوسف بن عمر الثقفي، فعمل كلّ ما في وسعه لاضطهاد الشيعة، ولم يدَع أحداً معروفاً بموالاة الهاشميّين إلاّ ألقاه في سجنه بواسط (1) ، فتضاعفت نقمة الشيعة على الأمويّين.

وفي هذا الجوّ المظلم المحفوف بالمكاره عاش زيد بن عليّ ولحقه ما لحِق غيره من الامتهان والتعسّف والجور، وكان هدفاً لعدوانهم في جميع الحالات، ولمّا أحسّ بأنّه غير متروك وأنّهم يحاولون الوقيعة به مهما كلّفهم ذلك من ثمن، آثر أنْ يموت تحت ظلال الأسنّة على الحياة المحفوفة بالأخطار والذلّ والمكاره، وفي هذا الجوّ الذي كان يعيش به زيد بن عليّ كتب يوسف بن عمر الثقفي إلى هشام بن عبد الملك:

بأنّ خالداً القسري الحاكم السابق للعراق قد أودَع زيداً ستمِئة ألف درهم وأنكرها زيد عليه، وبالفعل أرسل هشام يطلب زيداً من حاكم المدينة، فلبّى زيد طلبه، ولمّا دخَل على هشام بن عبد الملك أنكر أنْ يكون له علم بما ادعاه يوسف الثقفي حاكم العراق، فرغب إليه هشام أنْ يذهب إلى العراق لمقابلته، فامتنَع زيد من ذلك وعلِم أنّها مؤامرة بين الوالي والخليفة للتنكيل به.

وأصرّ هشام بن عبد الملك على رأيه، ودار بينهما جدال طويل كان من جملته أنّ هشاماً قال له: بلغني أنّك تحدّث نفسك بالخلافة وأنت ابن أمَة، فأجابه زيد بجرأته المعروفة وصراحته في الحق وعدم مبالاته بالظالمين مهما كانت النتيجة: ويلك أيضعني مكان أُمّي؟ وقد كانت أمّ إسماعيل أمَة، فجعل الله منها العرَب وجعَل من العرَب رسول الله، ثمّ اتجه إليه زيد ونصحه بتقوى الله والرفق بعباده، فشقّ على هشام أنْ يسمع من خصمه السياسي ذلك، فانتهره قائلاً بلهجة المتجبّر الحاكم بأمره: ومثلك يا زيد، يأمرني بتقوى الله؟ فقال زيد: إنّه لا يكبر أحد فوق أنْ يوصى بتقوى الله، ولا يصغر دون أنْ يوصي بها، ثمّ خرج

____________________

(1) انظر العراق في ظلّ العهد الأموي ص 114 و115.


من مجلسه متوجّهاً إلى العراق وأقسم أنْ لا يلقى هشاماً إلاّ في كتيبةٍ حمراء، وطبيعي أنْ لا يخفى أمره في الكوفة، فطالبه الوالي يوسف بن عمر بالمال الذي ادعاه إليه وأساء معاملته، ولولا أنّ هشاماً أمره بالكفّ عنه لَما تركه حيّاً، وقد حاول أنْ يرجع إلى المدينة، فاستغاث به أهل الكوفة وأعطوه العهود والمواثيق أنْ يقاتلوا بني أُميّة معه، والتفّوا حوله، وبايعه منهم كما في رواية المقريزي أربعون ألفاً، وفي رواية الروض النضير المجلّد الأوّل ص 75 أنّ الذين بايعوه بلغوا ثمانين ألفاً.

وجاء في شرح النهج وعيون الأخبار لابن قتيبة: أنّ هشاماً كان يحاول إذلال زيد وامتهانه حينما وفَد عليه إلى الشام شاكياً سوء معاملة حاكم المدينة، فمنعه من الدخول عليه أيّاماً، ولمّا أذِن له بالدخول أشار إلى جلسائه أنْ لا يفسحوا له في مجلسه، وقال له: ما فعل أخوك البقرة؟ يعني بذلك الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، فأجابه: لقد سمّاه رسول الله الباقر، وأنتَ تُسمّيه البقرة لشدّ ما اختلفتما! والله لتخالفه في الآخرة كما خالفته في الدنيا، فترِد النار ويرِد الجنّة، فأمر هشام بإخراجه من منزله فخرَج وهو يقول: لنْ يَكره قومٌ حَرّ السيوف إلاّ ذلّوا، وتمثّل بقول القائل:

شـرّده  الـخوف وأزرى به

كـذاك مَن يكره حرّ الجِلادِ

منخرقَ  الكفّين يشكو الجوَى

تـنكيه إطـرافُ مـرٍّ حِداد

قـد  كان في الموت له راحةٌ

والموتُ حتمٌ في رقابِ العبادِ

إنْ يُـحـدث الله لـه دولـةً

يـتركُ آثار العدى كالرماد

ومضى إلى الكوفة فاجتمع إليه أهلها وأغروه بالنصرة والتضحية معه مهما كانت النتيجة، وكان ممّن بايعه جماعة من الفقهاء منهم أبو حنيفة، وتعاهده بالمال وحثّ الناس على الخروج معه، وجاء عنه أنّه قال: إنّ خروجه يُضاهي خروج جدّه يوم بدر (1).

وكانت بيعة الناس لزيد كما يُصوّرها الطبَري، الدعوة إلى كتاب الله وسنّة رسوله، وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين وقسمة الفيء بين المسلمين بالسويّة وردّ المظالم، فمَن وافقه على ذلك أخذ

____________________

(1) انظر مناقب أبي حنيفة ج 1 ص 255.


يده وقال له: عليك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله، لتفيَنّ ببيعتي ولتقاتلنّ عدوّي ولتنصحنّ لي في السرّ والعلانية، فإذا قالوا: نعم، مسَح يدَه على أيديهم (1).

وتؤكّد النصوص التاريخية أنّ يوسف بن عمر الثقفي مثّل دور ابن عمّه الحجّاج مع أهل البيت وشيعتهم، ويبدو ذلك من كتابه الذي أرسله إلى هشام بشأن السياسة التي اتّبعها خالد القسري في الكوفة، وهذا ما حدا بهشام بن عبد الملك أنْ يعزل خالداً ويولّي يوسف بن عمر مكانه، ولم يخرج زيد على الأمويّين إلاّ بعد أنْ أحسّ بالمؤامرة التي تبنّاها الوالي للوقيعة به.

وقد جاء عنه أنّه قال لهشام، عندما ألحّ عليه بالاجتماع بيوسف بن عمر: والله لئن بعثتني إليه لا اجتمع أنا وأنتَ حيّيَن أبداً، وأخيراً رأى نفسه بين أمرين: إمّا أنْ يعيش ذليلاً مختبئاً بين عشائر الكوفة ينتظر غدر الولاة به ساعةً بعد ساعة، وبين أنْ يخرج على أُولئك الحكّام مُعلناً رأيه بهم مهما كلّفه ذلك من ثمن، فاختار الموت في سبيل الحق على الحياة ذليلاً مع الظالمين، وقال كلمته المشهورة: (ما أحبّ امرؤ الحياة إلاّ ذل) .

وتؤكّد النصوص الواردة عن الأئمّة من أهل البيت (عليه السلام)، أنّه لم يدّع الإمامة لنفسه، وأنّ كل ما كان يهمّه التخلّص من الظلم والطغيان، فقد أورد الكشّي عن فُضيل الرسان أنّه قال: دخلت على أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) بعد أنْ قُتِل عمّه زيد بن عليّ (عليه السلام)، فقال لي: (يا فُضيل، قُتِل عمّي زيد بن عليّ؟!)، قلت، نعم جُعلت فداك، فقال: (رحمه الله، أما إنّه كان مؤمناً وكان عارفاً عالماً صدوقاً ولو ظفَر لوفى، أما إنّه لو ملَك لعرف كيف يضعها).

وفي كثير من المرويّات أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا بلغه ما جرى على عمّه زيد بكى واسترجع وقال: (رحم الله عمّي زيداً، إنّه كان نِعم العم لديننا ودُنيانا، وقد مضى شهيداً كالذين استشهدوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليّ والحسين (عليهما السلام)).

وفي رواية العيص بن القاسم عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال

____________________

(1) انظر تاريخ الطبري ج 8 ص 297.


لأصحابه: (لا تقولوا خرَج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً صدوقاً لم يَدْعُكم إلى نفسه، وإنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) ولو ظفَر لوفى بما دعاكم إليه).

وجاء عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه قال للمأمون: (يا أمير المؤمنين، لا تقِس أخي زيداً إلى زيد بن عليّ بن الحسين، فإنّه من علماء آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) غضب لله عزّ وجل فجاهد أعداء الله حتى قُتِل في سبيله)، فقال المأمون: يا أبا الحسن، أليس قد جاء فيمَن ادّعى الإمامة لنفسه ما جاء؟ قال الرضا (عليه السلام): (إنّ زيداً لم يدّع ما ليس له بحق، إنّه كان أتقى لله من ذلك، إنّه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، وهو ممّن خُوطِب بهذه الآية: ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) ).

وقد أكّد ولده يحيى ذلك في حديث جرى بينه وبين بعض الشيعة، وجاء فيه: إنّ أبي أعقَل من أنْ يدّعي ما ليس له بحق، إنّما قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد - وعنى بذلك ابن عمه جعفراً (عليه السلام) ـ.

وقد ترجمه علماء الشيعة في كتبهم، المتقدّمون منهم والمتأخّرون، ووصفوه بالصلاح والورَع والعِلم ونفَوا عنه ما قيل من أمر ادعاء الإمامة، واتفقوا على أنّه كان يدعو إلى الرضا من آل محمّد، ويعني بذلك ابن أخيه الإمام الصادق، فقد قال فيه عليّ بن محمّد الخزار في كتابه كفاية الأثر: كان زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) معروفاً بالصلاح والستر، مشهوراً عند الخاص والعام بذلك، وكان خروجه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يُخالف ابن أخيه جعفراً الصادق في الإمامة، وإنّما جاء الخلاف من بعض الشيعة حيث توهّموا أنّ الإمامة لمن خرَج بسيفه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أمّا من جلَس في بيته وأغلَق عليه بابه فلا يكون إماماً للناس.

ومنهم المفيد في الإرشاد، والمرتضى والنسّابه أبو الحسن العمري في كتابه (المجدي)، والشيخ عبد اللطيف بن عليّ بن أبي جامع العاملي في رجاله، والشيخ محمّد ابن الشيخ حسَن صاحب المعالم في شرح الاستبصار، والمجلسي في مرآة العقول، والميرزا عبد الله المعروف بالأفندي في كتابه رياض العلماء، والشيخ البهائي في رسالته التي أثبت فيها وجود محمّد بن الحسن (عليه السلام)، والسيّد علي خان في كتابه شرح الصحيفة، والشيخ عبد النبي الكاظمي في كتابه تكملة الرجال، والشيخ محمّد حسن الحِر صاحب الوسائل في رجال الوسائل في ترجمة زيد بن عليّ (عليه السلام)، والميرزا حسين النوري في مستدرك الوسائل وغير هؤلاء من العلماء الذين وصفوه


بصفات الصدّيقين الأبرار، ونزّهوه عمّا نُسِب إليه من ادعاء الإمامة (1).

ويميل جماعة من الكتّاب المتقدمين والمتأخرين إلى أنّه ادعاها لنفسه، معتمدين على دعاة المذهب الذي حدث بعض وفاته بنصف قرن تقريباً، وقد نسبوا إليه أنّه يرى أنّ الخلافة لا تكون بالوراثة وأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نص على الخليفة من بعده بالوصف لا بالاسم، ولا يكون الإمام إلاّ بعد أنْ يخرج داعياً لنفسه، وقد جاء عن زيد بن عليّ من المؤهّلات ما جعله في القمّة، حيث توفّرت فيه جميع العناصر والصفات التي جعلته متعيّناً للإمامة، وأضافوا إلى ذلك أنّ البيعة التي أخذها من أهل الكوفة تدلّ على أنّه قد اعتمد نفسه إماماً؛ لأنّها اشتملت على الدعوة إلى كتاب الله وإنصاف المظلومين وقسمة الفيء، وردّ المظالم وغير ذلك ممّا هو مِن وظائف الإمام الشرعي، وانتهى بعض الكتّاب من ذلك إلى أنّ زيداً قد ادّعى الإمامة، وليس في المصادر التاريخيّة ما ينقض هذه الأدلّة (2).

وقد أوردنا من أقوال أئمّة الشيعة الذين عاصروه ما ينقض تلك الأدلّة التي اعتمدها القائلون بأنّه كان طالباً للإمامة، وإذا أضفنا إلى ذلك ما تؤكّده النصوص التاريخيّة من سوء معاملة الحكّام له ومطاردته في الحِجاز والعراق، وما لقيه الشيعة والعلويّون من يوسف بن عمر الثقفي، من الظلم والتنكيل بهم يتبيّن لنا أنّ ثورته كانت للتخلّص من تلك الحكومات التي أماتت السُنَن، وأحيَت البِدَع ويسّرت للناس ارتكاب الجرائم والمُنكرات، وفي بعض المرويّات عنه قال: شهدت هشاماً ورسول الله يُسبُّ في مجلسه فلَم ينكِر ذلك ولم يُغيّر، فوالله لو لم يكن إلاّ أنا وآخر لخرجتُ عليه (3) .

وقد ذكرنا صيغة البيعة التي أخذها من الذين أغروه بطاعتهم، وليس فيها ما يُشير إلى أنّه كان يطلب الخلافة لنفسه، والذي يُستفاد منها أنّه كان يُحاول انتزاع السلطة من تلك الأيدي الخائنة الملوّثة بدماء الأبرياء والصلحاء، وأدلّ شيء على ذلك، ما جاء في حديث ولده يحيى مع المتوكّل بن هارون قال: (إنّ أبي لم يكن بإمام ولكنّه من السادة الكرام وزهّادهم، وأنّه أعقَل من أنْ يدّعي ما ليس له بحق، لقد دعا الناس إلى الرضا من آل محمّد

____________________

(1) انظر زيد الشهيد للسيّد عبد الرزّاق المقرّم طبع النجف.

(2) انظر الإمام زيد للأُستاذ الشيخ محمّد أبي زهرة ص 67 وما بعدها.

(3) انظر سفينة البحار للشيخ عبّاس القمّي ج 1 ص 577.


وعنى بذلك ابن عمّي جعفراً).

ومهما كان الحال فمّما لا شكّ فيه أنّ جماعة من الشيعة والفقهاء قالوا بإمامته، وكانوا يرَون رأيه في الثورة على الأمويّين، أمّا أنّه ادعى الإمامة وثار من أجلها فليس فيما بأيدينا من الأدلّة ما يؤكّد ذلك، ولكنّ المؤهّلات التي اجتمعت فيه خلقت له أنصاراً جعلوه من مصاف الأئمّة الهُداة من أهل البيت، فلقد قال فيه ابن أبي ليلى، أحد الفقهاء البارزين في عصره: لو علِمْتُ أنّ الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه؛ لأنّه إمام حق، وقال فيه أبو حنيفة: شاهدت زيد بن عليّ فما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أعلم ولا أسرع جواباً ولا أبيَن قولاً، لقد كان منقطع النظير.

وقال فيه عبد الله بن الحسن بن الحسن أحد الشيوخ لأبي حنيفة، وهو ينصح ولده الحسَن بن زيد في عدَم الخروج على الحكّام: إنّه قد توالى لك آباء وأنّ أدنى آبائك زيد بن عليّ الذي لم يكن فينا ولا في غيرنا مثله، وكان سفيان الثوري أحد المشاهير في العِلم والحديث إذا ذُكِر زيداً بكى على ما فقده العِلم والفضل والتقى بفقْده، ويدّعي الشيخ أبو زهرة أنّ القرّاء والفقهاء والمحدّثين والصُلحاء كلّهم كانوا يرَون رأي زيد في الثورة على الأمويّين (1).

والقائلون بإمامة زيد يدّعون أنّ الإمامة قد انتقلت منه إلى ولده يحيى بن زيد؛ لأنّه خرَج بالسيف وكان زاهداً متعبّداً عالماً بالحلال والحرام، وقد جاهد مع أبيه في الكوفة، فلمّا قُتِل خرَج منها متخفّياً مع جماعة إلى كربلاء ومنها إلى المدائن ثمّ إلى الريّ من بلاد إيران، وتنقّل فيها من بلدٍ إلى بلد متخفّياً حتى انتهى إلى بلَخ فنزل على الجريش بن عبد الرحمان الشيباني، وبقي معه إلى أنْ تولّى الخلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فكتب يوسف بن عمر الثقفي إلى نصر بن سيار الوالي على خراسان أنْ يقبض على يحيى ويرسله إليه، فكتب نصر إلى حاكم بلَخ أنْ يأخذ الجريش بن عبد الرحمان أسيراً حتى يسلّمه يحيى، فتمنّع الجريش من تسليم يحيى فألقاه الحاكم في سجنه وضربه ستمِئة سوط وهدّده بالقتل.

وأخيراً تمّ له القبض على يحيى بواسطة أحد أبناء الجريش، فأرسله حاكم بلَخ

____________________

(1) انظر الإمام زيد لأبي زهرة ص 71 و72.


إلى نصر بن سيار فألقاه في سجنه مقيّداً بالحديد، ثمّ أطلقه بعد أنْ استشار الوليد بن يزيد في أمره، فأتي له بحدّاد ليفك القيد من رجْليه، وبلَغ الشيعة أنّ القيد كان في رجلَي يحيى فتنافسوا على شرائه حتى بلَغ عشرين ألف درهم، وأخيراً تقاسموه بينهم قِطعاً صغيرة للتبرّك به، ومضى يحيى يتنقّل في البلاد، وكان كلّما بلغ أمره الناس انضمّ إليه جماعة وتابعوه حتى بلَغ مَن معه نحواً من سبعمِئة تقريباً، فأمر نصر بن سيار عاملي طوس وسرخس باغتيال يحيى وجماعته، فدارت بينهم وبينه معارك انتهت بهزيمة العاملَين ومَن معهما، ولمّا بلغ يحيى الجوزجان دارت بينه وبين نصر بن سيار معركة دامية انتهت بقتل يحيى بعد أنْ أُصيب بنشابة في جبهته.

وقد خرَج من أولاد زيد الشهيد عيسى بن زيد، وكان له من العمر حينما قُتِل والده أحد عشر عاماً، ولمّا شبّ وترعرع ساهم في ثورة محمّد بن عبد الله المحض، وبعد قتله اشترك في المعارك مع إبراهيم بن عبد الله التي دارت بينه وبين العبّاسيين، وأوصى له إبراهيم بالأمر من بعده.

وأخيراً اختفى بين أهل الكوفة وعاش عمراً طويلاً متخفّياً عن الناس؛ لئلاّ يقَع أسيراً في يد المهدي العبّاسي (1) وجاء في الملل والنحل للشهرستاني: أنّ أمر الزيدية لم ينتظم بعد مقتل زيد وولَده يحيى ومحمّد بن عبد الله وأخيه إبراهيم، إلى أنْ ظهر ناصر الأطروش في بلاد الديلَم والجبل سنة 301هـ فدعا أهل تلك البلاد إلى الإسلام، فدخلوا فيه على مذهب الزيدية، واستمرّ أمر الزيدية في تلك البلاد يخرج الواحد منهم بعد الآخر (2).

ويدّعي الأُستاذ أبو زهرة، أنّ زيد بن عليّ كان يذهب إلى أنّ الخلافة بالاختيار لا بالنص، وعلى أساس ذلك، يجوز أنْ يتولاّها المفضول مع وجود الفاضل، واعتمد في ذلك على ما رواه عنه الشهرستاني (3) أنّه قال: كان عليّ (عليه السلام) أفضل الصحابة، إلاّ أنّ الخلافة فُوّضت إلى أبي بكر

____________________

(1) انظر زيد الشهيد للسيّد عبد الرزاق المقرّم.

(2) انظر الملل والنحل الجزء الأول ص 254، وناصر الأطروش هو الحسن بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن عمر بن عليّ بن الحسين وكان يلقب بالناصر، واستولى أخيراً على طبرستان.

(3) انظر الشهرستاني ج 1 ص 209.


لمصلحة رأوها، وقاعدة دينيّة راعوها من تسكين ثائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامّة؛ لأنّ عهد الحروب التي جرت كان قريباً، وسيف أمير المؤمنين لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كلّ الميل، ولا تنقاد له الرقاب كلّ الانقياد، واستطرد زيد بن عليّ يعدّد الأسباب التي أوجبت تقدّم أبي بكر على عليّ (عليه السلام) كما جاء في رواية الشهرستاني.

ومِن هذه الرواية قد استنتج أبو زهرة جواز ولاية المفضول، مع وجود الأفضل كما استنتج منها عدم عصمة الأئمّة، وعلّل للنتيجة الأُولى؛ بأنّ زيداً مع اعترافه بأنّ عليّاً (عليه السلام) أفضل من غيره يعتقد بأنّ خلافة الذين تقدّموه كانت حقّاً وطاعتهم واجبة. وعلّل للنتيجة الثانية؛ بأنّه إذا فرضنا أنّ إمامة الأفضل ليست واجبة، وأنّ الخلافة لا تكون بالوصاية من النبيّ، لا يُمكن مع هذين الفرضين أنْ نقول بعصمة الإمام؛ لأنّ فرض عصمة الأئمّة من الخطأ أساسه أنْ يكون توليتهم من النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، والنبيّ ما كان يتصرّف إلاّ بوحيٍ يوحى إليه، وما كان من المعقول أنْ يختار النبيّ لهم بأمر من ربّه إماماً يجري عليه الخطأ في أحكامه.

هاتان النتيجتان، لقد انتهى إليهما الأُستاذ أبو زهرة من حديث زيد بن عليّ بشأن الخلافة التي وصلت إلى أبي بكر، ويبدو أنّه يُحاول أنْ ينتزع لزيد رأياً يُخالف الإمامية، ولو بطريق الاستنتاج والاستنباط؛ لأنّه افترض أنّ زيداً كان يُخالف ما يتردّد في مجالس الشيعة واجتماعاتهم، في العراق وغيرها فيما يتعلّق بالخلافة كما جاء في صفحة 187، فلَم يجد ما يؤيّد افتراضه صراحة فتعلّق بهذه الرواية، مع أنّها لا تعبّر عن رأي زيد بن عليّ، ولم يكن في حديثه بصددِ وضع أصلٍ عام يتعلّق باختيار الخليفة يعبّر عن رأيه في هذا الموضوع، بل كان حاكياً ومُعبّراً عن الوضع الإسلامي من حيث الخلافة، وكيف وصلت إلى أبي بكر وتخطّت عليّاً (عليه السلام)، وما أحبّ أنْ يكون مهاجماً للمسلمين الأوّلين في اختيارهم لأبي بكر وتركهم لجدّه الأكبر (عليه السلام) فذكر لهم هذه المبرّرات، وليس فيها ما يشير من قريب أو بعيد، على أنّه يعتقد ذلك، أو يرى أنّ النبيّ لم ينصّ على جدّه بالخلافة.

لقد استدلّ أبو زهرة بهذه الرواية عن زيد؛ لأنّها تقبل التمويه، وترَك ما هو أصرَح منها في التعبير عن رأي زيد الصحيح، في أنّ الخلافة حقّ لهم، وأنّ الأوّلين قد استأثروا بها ودفعوهم عنها، فقد جاء في رواية ابن الأثير وابن كثير، أنّ أتباع زيد سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر، فقال: (غفر


الله لهما، ما سمعت أحداً من أهلي تبرّأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلاّ خيراً) فقالوا: (فلِمَ تطالب إذن بدم أهل البيت؟).

فقال: (إنّ أشدّ ما أقول فيمَن ذكرتم: إنّا كنّا أحقّ الناس بهذا الأمر، ولكنّ القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا كفراً).

قالوا: فلِمَ تقاتل هؤلاء إذن؟

قال: إنّ هؤلاء ليسوا كأُولئك، إنّ هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وأنّي أدعو إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وإحياء السنن وإماتة البدَع، فإنّ تسمعوا يكن خيراً لي ولكم، وإنْ تأبوا فلست عليكم بوكيل (1).

هذه الرواية تنصّ بصراحة لا تقبل التأويل والجدَل على أنّ زيداً كان يرى أنّ القوم قد اغتصبوهم حقّهم، واستأثروا به عليهم، وهي لا تتّفق مع الشائع عنه على السنّة بعض الكتاب، إنّه كان يرى إنّ الخلافة بالاختيار لا بالنص، وإذا كانت بالاختيار عنده على حدّ زعم الشيخ أبي زهرة وأمثاله، فكيف كان أحقّ بها من جميع الناس، كما جاء في كلامه؟ وكيف يتحقّق الاستئثار الذي وصفهم فيه؟ وهذه الكلمات من زيد كما تدلّ على أنّ الخلافة حقٌّ من حقوقهم المغتصبة، كذلك تدل على انه لم يدع الناس لإمامته؛ لأنّه دعاهم إلى إحياء السُنَن وإماتة البِدَع، والعمل بالكتاب والسنّة كما هو صريح كلامه.

أمّا الرأي المنسوب إليه في العصمة، فليس له نص يمكن الاعتماد عليه في ذلك، وكلّ ما في الأمر أنّ العصمة - على حدّ تعبير بعض الكتّاب - متفرّعة على مبدأ الوصاية، وأنّ اختيار الحاكم يعود إلى النبيّ أو الله سبحانه.

وحيث انه لا يقول بذلك، فلابدّ وأنْ يذهب إلى عدم اشتراط العصمة فيمَن يخلف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ونحن قد بينّا أنّ زيداً (رضي الله عنه) لم يُخالف الأئمّة من أهل بيته ولم يدّعيها لنفسه، والذي استفدناه من كلماته حول هذا الموضوع تكاد تكون صريحة في أنّه لم يكون لنفسه رأياً يُخالف مذهبهم فيها.

وأغرب من ذلك أنّ بعض الكتّاب قد ذهبوا إلى أنّ زيداً تلمذ على

____________________

(1) انظر الإمام زيد لأبي زهرة ص 58.


واصل بن عطاء، وأنّه كان معتزليّاً في أُصول الإسلام، وذلك بنتيجة تأثّره بأُستاذه واصل بن عطاء وقد اعتمدوا في ذلك على بعض كتّاب الفِرَق القدامى أمثال الشهرستاني وغيره، فلقد قال في الملل والنحل: إنّه كان يتلمذ لواصل بن عطاء، ويقتبس العِلم ممّن يجوّز الخطأ على جدّه أمير المؤمنين، في قتال الناكثين والقاسطين، ومَن يتكلّم في القدر على غير مذهب أهل البيت (1) .

وقد شاع هذا الرأي بين جماعة من الكتّاب اعتماداً على أمثال هذه المرويّات، ومن ذلك انتهوا إلى أنّه يرى رأي المعتزلة من أنّ الخلافة تكون للمفضول، وهي بالاختيار لا بالنص، ومن حيث إنّه كان من دعاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أحد الأُصول عند المعتزلة وصَفوه بالاعتزال.

وقد تعرّض لهذه المسألة الشيخ أبو زهرة ورجّح بأنّ زيداً من حيث تقارب سنّه مع واصل بن عطاء، ومِن حيث كفاءاته التي عُرف بها، يتعيّن أنْ يكون لقاؤه مع واصل بن عطاء لقاء مذاكرة لا لقاء تلمذة كما يدّعون، ويميل بالنتيجة إلى رواية ابن المرتضى في المنية والأمل، التي تنصّ على أنّ الأئمّة من أهل البيت كالحسن والحسين وابن الحنفية، والإمامَين زين العابدين وولده الباقر كانوا من المعتزلة في أُصولهم، وقد بينّا أنّ آراء زيد في الإمامة لا تلتقي مع رأي المعتزلة، ولا يمكن أنْ يكون تلميذاً لواصل، وهو يرى فِسق أحد الشخصين لا بعينه، عليّ ومعاوية، ولا يجيز شهادة عليّ (عليه السلام) على باقة بقل كما جاء عنه، أمّا بخصوص نسبة الاعتزال إلى الأئمّة (عليهم السلام)، فعندما نُقارن بين آراء المعتزلة في الأُصول وآراء الإمامية فيها، يتبيّن الخطأ الفاحش الذي ارتكبه بعض الكتّاب في هذه المسألة أمّا جهلاً منهم بأُصول الشيعة، أو بدافع النزعات الموروثة.

وعلى أيّ الأحوال فلقد قال بإمامة زيد بن عليّ جماعة من الشيعة بعد وفاته، ويقرّر الشهرستاني وغيره أنّ فِرَق الزيدية ثلاثة: جارودية، و سليمانية ، وبترية ، ويضيف إليهم الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين ثلاث فرق أُخرى: نعيمية، أتباع نعيم بن اليمان، و يعقوبية نسبةً لرجل اسمه

____________________

(1) انظر المجلّد الأوّل من الملل للشهرستاني ص 25.


يعقوب، وفرقة ثالثة لم ينسبها إلى أحد، ويدّعي أنّ هذه الفِرَق الثلاث تتولّى أبا بكر وعمر، وتنكر رجعة الأموات، وتتبرّأ ممّن دان بها، ويذهب النوبختي في كتابه (فِرَق الشيعة) إلى أنّ فرق الزيدية تشعّبت من الجارودية، وعليه تكون الفرق الرئيسية للزيدية ثلاثة، والمضاعفات الموجودة في كتُب الفرق مصدرها الاختلاف في بعض المسائل بالنسبة لكلّ واحدة من هذه الفرق الثلاث.

ويدّعي الجارودية أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) نص على عليّ (عليه السلام) بالوصف لا بالاسم، وقد ضلّ الناس وكفروا؛ لأنّهم لم يقتدوا به بعد الرسول، ومِن بعده انتقلت إلى ولديه الحسَن والحُسَين (عليهما السلام) الواحد بعد الآخر، ومن بعدهما إلى أولادهما لِمَن يخرج منهم داعياً إلى الله سبحانه، إذا كان عالماً فاضلاً، ويدّعي بعض الجارودية أنّ محمّد بن عبد الله بن الحسن لا يزال حيّاً، وسيخرج لإحقاق الحق (1).

كما يدّعي بعضهم أنّ محمّد بن القاسم صاحب الطالقان حيٌّ لم يمت، ولابدّ وأنْ يخرج لإحياء الحق وإماتة الباطل، وقد خرج في أيّام المعتصم العبّاسي في بلاد الطالقان، فتغلّب عليه عبد الله بن طاهر وأرسله إلى المعتصم فحبسه في سامراء، وبقيَ في حبسه إلى سنة 219هـ، وأخيراً استطاع أنْ يخرج من الحبس بواسطة جماعة من الشيعة، كانوا يتولّون حراسته، ولم يظهر له أثر بعد ذلك، وفي بعض المرويّات أنّه مات مسموماً (2) .

وذهب بعضهم أنّ يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن عليّ لا يزال حيّاً، وسيخرج بعد ذلك، وكان قد قَبض عليه عبد الله بن طاهر، فسلّمه المتوكّل إلى عمر بن الفرج الرخجي فأغلظ له في الكلام، فردّ عليه يحيى بالمثل فشكاه إلى المتوكّل، وبعد أنْ ضربه بالسياط حبسه في دار الفتح

____________________

(1) هو محمّد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكيّة المقتول في المدينة سنة 145هـ بواسطة عيسى بن موسى الهاشمي، وفي هذه السنة قُتِل أخوه إبراهيم أيضاً، وهما ولدا عبد الله بن الحسَن ومن أئمّة الزيدية.

(2) محمّد بن القاسم بن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين، وأُمّه صفية بنت موسى بن عمر بن عليّ بن الحسين ويُكنّى بأبي جعفر، والعامّة تلقبه بالصوفي؛ لأنّ الغالب على لبسه الصوف، وكان معروفاً بالفقه والعلم والزهد.


ابن خاقان، ولمّا أطلقه من حبسه مضى إلى الكوفة ودعا الناس إلى الرضا من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأظهر بين الناس العدل وحسن السيرة، فندب عبد الله بن طاهر لقتاله ابن عمّه الحسين بن إسماعيل، وضمّ إليه قُوّاد الجيش، وبعد قتالٍ عنيف بين الطرفين قُتِل يحيى، وذلك سنة 288هـ في عهد المستعين بالله (1).

ويدّعي السليمانية ، أتباع سليمان بن جرير الزيدي أنّ الإمامة بعد رسول الله كانت لمن يختاره المسلمون، ولا يشترط في الاختيار الإجماع، فلو اختار رجلان صالحان شخصاً يكون إماماً، ولو كان في المسلمين من هو أفضل منه وأزهد، وبذلك يصحّحون إمامة أبي بكر وعمر.

ويُنسب إلى زعيم هذه الفرقة، سليمان بن جرير  أنّ خلافة أبي بكر وعمر كانت خطأ، وأنّ الأُمّة قد تركت الأصلح باختيارهما، ويكفّر عثمان بن عفّان، ويقول: إنّ عليّاً لا يضلّ، ولا تقوم عليه شهادةٌ عادلة بضلال.

ويدّعي البترية أتباع الحسين بن صالح بن حي (2) (وأصحاب كثير النواء) وإليه تُنتسب هذه الفرقة؛ لأنّه كان يُلقّب بالأبتر، وهؤلاء يزعمون أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله وأحقهّم بالإمامة، ولكنّه تركها لغيره، ولولا ذلك لم تصحّ خلافة مَن تقدّمه، ويتوقّفون في عثمان وقتلته، ولا يرَون لعليّ إمامة على الناس إلاّ بعد أنْ بويع بالخلافة.

أمّا الفرق الثلاث التي أضافها الأشعري إلى فرق الزيدية فليست فِرَقاً مستقلّة، وإنّما هي من فروع الفِرَق الثلاث المتقدّمة كما بينّا، وللزيدية آراء في أُصول الإسلام يتّفقون في بعضها مع الإمامية ويختلفون عنهم في البعض الآخر، وعندما نُقارن بين آراء الإمامية وآراء المعتزلة والأشاعرة، لابدّ وأنْ نشير إليها.

والذي رجّحناه في أوائل هذا البحث أنّ زيداً لم يثبت له رأي يخالف فيه الإمامية، ولا سيّما فيما يتعلّق بفكرة الخلافة، والخلاف المنسوب إلى الزيدية فيها وفي غيرها، قد حدَث بعد ثورة زيد بن عليّ، وبعد أنْ أصبح

____________________

(1) انظر الجزء الأول من مقالات الإسلاميين ص 135 والهامش من نفس الصفحة.

(2) كان الحسن بن صالح من كبار الزيدية وعلمائهم المعروفين بالفقه والكلام، ومن المؤلّفين في التوحيد والإمامة، وله في الفقه كتابه المسمّى بالجامع، توفّي سنة 168هـ.


الزيديّون فرقة مستقلّة من الناحيتين السياسية والعقائدية.

وعلى كلّ حال فإذا استثنينا الزيدية الذين انحرفوا عن مبدأ الإمامية كما يدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب، نجد الأكثرية المطلقة تدين بإمامة محمّد الباقر وولده الإمام الصادق بعد عليّ بن الحسين (عليه السلام)، ولم يُخالف في إمامتهما سوى بعض الأفراد الذين اندسّوا في صفوف الشيعة لغاية التشويش والتشويه لمبادئ أهل البيت كالخطابية والمغيرية وغيرهما. وكما ذكرنا أنّ الأئمّة (عليه السلام) قد تبرّأوا منهم ومن كلّ مَن تابعهم وشايعهم وحذّروا المسلمين من أمثال هذه الدسائس والمقالات الفاسدة.

أمّا بعد وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) فقد ظهرت بين صفوف الشيعة بعض المخالفات والانحرافات عن مبدأ التشيّع الذي تعنيه كلمة الإمامية لأسباب كثيرة؛ كان من أهمّها أنّ الإمام الشرعي موسى بن جعفر كان تحت الرقابة الشديدة من الحكّام، ممّا دعاه لأن يتستّر حتى عن كثير من شيعته، وعندما ظهر أمره واتّسع صيته لم يجدوا سبيلاً لمكافحة التشيّع إلاّ بإلقاء القبض عليه، فقضى شطراً من حياته في السجون، وبها كانت نهاية حياته العاطرة بالفضائل والمفاخر.

لذلك ولغيره من الأسباب ظهرت بوادر الانحراف بين الشيعة (1)، فادّعى ا لناووسية ، أتباع عجلان بن ناووس: أنّ الصادق لم يمُت وسيظهر لإحياء الحق وإماتة البِدَع والأهواء، ورووا عنه أنّه قال: (إذا رأيتم رأسي (يدهده) عليكم من الجبل فلا تصدّقوا بوفاتي، فإنّي صاحبكم صاحب السيف).

وادّعى آخرون أنّ الإمامة بعد الصادق (عليه السلام) لولده عبد الله المعروف بالأفطح شقيق إسماعيل، ورووا عن الصادق لتأييد دعوتهم أنّه قال: الإمامة في أكبر أولاد الإمام، كما رووا عنه: أنّ الإمام بعدي من يجلس مجلسي، ولا يُغسّل الإمام إلاّ الإمام، وهذه الصفات كانت لعبد الله على حدّ زعمهم، وأضافوا إلى ذلك أنّ الإمام الصادق قد وضَع مع بعض أصحابه مالاً، وأمره أنْ يدفعه إلى من يطلبه منه، ويتّخذه إماماً، ولم يطلبه أحد سوى عبد الله..

____________________

(1) انظر كتابنا عقيدة الشيعة الإمامية في حديثنا عن أسباب تعدّد الفرق الشيعية.


بهذه النصوص استدلّ بعض الشيعة على إمامة عبد الله الأفطح، وهي على تقدير صحّتها وصدورها منه (عليه السلام) المقصود منها تشويش الحكّام وصرف أنظارهم عن الإمام الشرعي موسى بن جعفر (عليه السلام)؛ لأنّهم كانوا يحرصون على معرفة المنصوب إماماً بعد الصادق، وكتب المنصور إلى عامله في المدينة يستعلم منه عن الموصى إليه بعد الإمام الصادق، وكان الإمام (عليه السلام) قد أحسّ بسوء نواياهم على خليفته الشرعي، فكتب وصيّته وجعلها لأربعة منهم، محمّد بن سليمان والي المدينة، وأبو جعفر المنصور، وحميدة أمّ الإمام موسى بن جعفر، فكتب إليه الوالي بذلك فقال المنصور: أمّا هؤلاء فلا سبيل إلى قتلهم (1).

وادعى آخرون من الشيعة أنّ الإمامة من بعده لولده محمّد بن جعفر، وأنّ جدّه الإمام الباقر قد نصّ عليه بالإمامة، ورووا في ذلك أنّه قال لولده الإمام الصادق: (إذا ولد لك ولد فسمّه باسمي فهو الإمام من بعدك) وأصحاب هذه المقالة هم الشمطية أتباع يحيى بن شميط، كما يدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب.

وذهب جماعة إلى أنّ الإمامة بعد الصادق لولده إسماعيل بالنصّ عليه من أبيه، وهؤلاء بين مَن قال بوفاته في حياة أبيه، ويكون النص عليه سبباً لرجوع الإمامة إلى أولاده، وأوّلهم محمّد بن إسماعيل، ويُنسب هذا القول إلى المباركية نسبة للمبارك مولى إسماعيل، وبين مَن قال ببقاء إسماعيل حيّاً بعد أبيه، وقد أظهَر والده موته وكتب محضراً بذلك وأشهد حاكم المدينة محمّد بن سليمان خوفاً عليه من العبّاسيّين، وهم بين مَن وقف على محمّد بن إسماعيل ولم يتجاوزه لغيره، وبين من تعدّى عنه، وجعل الإمامة في سبعة سبعة، بين مستورٍ وظاهر، أوّلهم محمّد بن إسماعيل، ثمّ ولده جعفر المصدّق، ثمّ ولده محمّد الحبيب، ثمّ عبد الله المهدي الذي ظهَر في شمالي إفريقيا، ومِن ولده تكونت الدولة الفاطمية (2).

ويؤكّد كتّاب الفِرَق أنّ القائلين بإمامة إسماعيل بين مَن ذهب إلى وفاته في حياة أبيه، وبين قائلٍ ببقائه حيّاً بعد أبيه، وأنّ الإمامة قد انتقلت منه لولده إسماعيل، ولم يذكر بعض الكتّاب المحدّثين سوى القول الأوّل مع

____________________

(1) انظر كتابنا عقيدة الشيعة الإمامية.

(2) انظر المجلّد الأوّل من الملل والنحل للشهرستاني ص 276 وما بعدها.


أنّه مخالف لِما هو الشائع في كُتب القدامى عن الفِرَق والتي ظهرت في القرن الثاني الهجري.

ومن المؤكّد أنّ الإسماعيلية قد تشعّبوا إلى طوائف متعدّدة، لكلّ طائفة آراء وأقوال تخصّها في الأصول والفروع، وبعضها بلغ به الشذوذ إلى الخروج عن الإسلام، ومن هؤلاء السبعية القائلين بأنّ الإمامة تدور على سبعة سبعة، كأيّام الأُسبوع والسموات السبع والأرضين السبع، والأفلاك السبع.

والسبعة الأُوَل يبتدئون بعليّ (عليه السلام) وينتهون بإسماعيل بن جعفر، والدور الثاني يبتدئ من محمّد بن إسماعيل، وهم الأئمّة المستورون الذين يسيرون في البلاد سرّاً ويظهرون الدعاة جهراً؛ لأنّ الأرض لا تخلو من إمامٍ حيّ قائم، أمّا ظاهرٌ مكشوف، وأمّا باطنٌ مستور، والإمام السابع ينسخ شرائع مَن تقدّمه (1) وهذا المذهب نشأ في العراق حيث كانت مقرّاً للشيعة، ولكنّه لم يُصادف رواجاً في بداية أمره ووجد من الشيعة أنفسهم حرباً لا هوادة فيها عليه، وعلى كلّ منحرف عن التشيّع الصحيح لأهل البيت (عليه السلام)، فانتقل دعاته إلى بلاد فارس وخراسان وغيرهما من الأقطار الأُخرى، فتأثّر دعاته بعقائد أهلها وفلسفتهم، وانحرف بعض دعاته في تفكيرهم.

ونظراً لاتّصال دعاته بأصحاب الديانات التي كانت تعيش في تلك المناطق ظهَر فيهم الانحراف الديني، ومن خصائصهم السرّية في عقائدهم، فإنّهم يشتركون فيها على ما بينهم من اختلاف في الأُصول والفروع، حتى المعتدلين منهم، وهم المنتشرون في الباكستان، والمعروفون (بالبهرة) فإنّهم يتستّرون في عقائدهم عن جميع المسلمين مع أنّهم معتدلون بالقياس إلى غيرهم من فِرَق الإسماعيليّة (2).

ومن الإسماعيليّة الفِرقة المعروفة بالقرامطة، ويدّعون أنّ إسماعيل توفّي في حياة والده الإمام الصادق (عليه السلام)، وقبل وفاته نصّ على إمامة ولده محمّد بن إسماعيل، فكان هو الإمام من بعده، وأصحاب هذه المقالة يسمَّون المباركية نسبة لرجلٍ اسمه المبارك مولى إسماعيل بن جعفر،

____________________

(1) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 332 من المجلّد الأول.

(2) انظر المذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 90 و91.


ويسمّون أيضاً بالقرامطة نسبة إلى حمدان بن الأشعث الملقّب بقرمط (1) الخارج سنة 264هـ، وفي بعض المرويّات أنّه لقب بقرمط؛ لأنّه كان أحمر اللون، والقرمط هو الآجر، وفي لغة الروم (كرمت) وبعد تعريبه أطلق عليه قرمط.

وفي بعض كتب الفِرَق أنّ الذي وضع نواة مذهب القرامطة هو عبد الله بن ميمون القداح، وكان يهودي الأصل من وِلد الشلملع في مدينةٍ ببلاد الشام تسمّى (سلمية) كما تسمّى (بليدا) من توابع حمص، وكان من أحبار اليهود تعلّم الفلسفة، وعرف الكثير من مذاهب الأمم، ثمّ تولّى عبد الله القداح خدمة الإسماعيلية، واضمر الكيد للإسلام، وتستّر بالتشيّع، واندسّ في صفوف المتشيّعين يبثّ فيهم سمومه، فأغرى جماعة من الجهّال والمغفّلين بما أظهره من الأساليب والشعوذات، وحينما التقى بقرمط اتفقا على خطّة واحدة، فاستقلّ عبد الله القداح بالكوفة وتوجّه قرمط الملقب (بالبقار) لجهة بغداد.

ويدّعي جماعة من المؤرّخين بن عبيد الله الذي تنتسب إليه الدولة العبيدية المعروفة بالدولة الفاطميّة، هو من أولاد ميمون القداح، وقيل: إنّ اسمه سعيد بن الحسن بن أحمد بن محمّد بن عبد الله بن ميمون القداح، وكان قد خرَج إلى مصر متنكّراً، ومنها إلى المغرب فادعى أنّه علوي فاطمي النسب، وسمّى نفسه بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، وتمّ له تأسيس الدولة المعروفة بدولة العُبَيديّين، وهي الدولة الفاطمية.

ولأجل ما قيل حولهم حامت الشكوك في صحّة انتسابهم للعلويّين، ولمّا ظهر أمرهم، وتمّ لهم تأسيس دولتهم في المغرب وامتدّت إلى مصر، واتخذها المعزّ لدين الله الفاطمي عاصمةً لهم بعد استيلاء جوهر قائده

____________________

(1) انظر الفصول المختارة من العيون والمحاسن للشيخ المفيد ص 99.

ومحمّد بن إسماعيل هو أوّل الأئمّة المستورين كما تدّعي بعض فرق الإسماعيليّة، قد استأذن من عمّه الإمام موسى بن جعفر في الخروج إلى العراق، فأذن له ودفع إليه ثلاث صرر فيها أربعمِئة وخمسون ديناراً، وأعطاه زيادة عليها ألف وخمسمِئة درهم، ولمّا دخل على الرشيد قال: خليفتان في الأرض أنت وموسى بن جعفر، فدفع له الرشيد ثمناً لهذه الوشاية مِئة ألف درهم، فلمّا قبضها ودخل منزله أصابته علّة فمات في ليلته، انظر ص 279 من الملل والنحل ج1.


عليها، جمع القادر بالله الخليفة العبّاسي العلماء، وفيهم القاضي أبو محمّد بن الأكناني، ووضعوا سجلاًّ في نسَبهم الذي ينتهي إلى ميمون القداح، وقد وقّعه جماعة من العلماء منهم أبو حامد الإسفراييني، وأبو عبد الله الصيمري، وأبو الحسين القدوري، وأبو الفضل النسوي، والشريفان المرتضى والرضي كما جاء في كتاب كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة.

وفي التعليقة على الكتاب المذكور أنّ المعز العُبيدي، على حدّ زعم مؤلّف الكتاب المذكور لمّا تمّ له الاستيلاء على مصر بواسطة قائده جوهر، اجتمع به جماعة من الأشراف فقال له أحدهم: (إلى مَن ينتسب له مولانا؟) فقال له المعزّ: سنعقد مجلساً ونجمعكم فيه لنسرد عليكم نسَبنا، فلمّا استقرّ المعز بالقصر جمع الناس في مجلسٍ عام وجلَس لهم، ثمّ قال: هل بقيَ من رؤسائكم أحد؟ قالوا: لم يبقَ معتبر، فسلّ عند ذلك نصف سيفه وقال: هذا نسبي! ثمّ نثَر عليهم ذهباً كثيراً، وقال هذا حسَبي، فقالوا جميعاً: سمعنا وأطعنا (1).

وهذه الرواية على تقدير صحّتها لا تدلّ على أنّهم أدعياء في انتسابهم لأهل البيت (عليه السلام)؛ وإنّما تدلّ على أنّ المعزّ لدين الله يعلم جيداً بأنّ الأنساب والأحساب ليست من دعائم الملك، والناس لا يخضعون إلاّ لأمرين: القوّة والمال، وبهما قامت عروش الأمويين والعبّاسيّين؛ لذلك كان جوابه هذا تعبيراً صادقاً عن الأوضاع التي اعتاد الناس عليها وألفوها منذ مئات السنين والأعوام، وهل يغنيه نسبه العالي عن السيف والمال، وجميع الملوك والحكّام من قبله لم يجدوا سلاحاً أمضى منهما لإخضاع الناس لهم وتشييد عروشهم.

ويؤكّد أكثر المؤرّخين أنّ الفاطميين ينتسبون إلى عُبيد الله بن محمّد الملقّب بالمهدي بن محمّد بن جعفر بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام)، وكان الذي وطّد الأُمور له في المغرب، ودعا الناس إلى مذهب

____________________

(1) انظر صفحة 198 و199 من كتاب كشف أسرار الباطنية الملحق بكتاب التبصير في الدين، وجاء في الكتاب المذكور أنّ عبيد الله هو أوّل أولاد ميمون القداح، وقد لُقّب بالمهدي بعد أنّ تمّ له الاستيلاء على المغرب بواسطة أبي عبد الله الشيعي، ومنها امتدّ سلطانهم إلى مصر.


الإسماعيلية هو أبو عبد الله الشيعي، الذي اعتنق مذهب الإسماعيلية بعد أنْ كانا اثني عشرياً على مذهب الإمامية.

ولكن مصطفى غالب في كتابه تاريخ الدعوة الإسماعيلية يرى أنّ الذي استولى على بلاد المغرب، وشكّل دولة فيها هو الإمام محمّد المهدي، ومنه انتقلت إلى ولده القائم بأمر الله، ومنه انتقلت لولده الإمام المنصور والد المعزّ لدين الله الذي استولى على مصر، وتوطّدت له الأُمور فيها، وقد جاء في الكتاب المذكور عن المقريزي أنّ العبّاسيّين بعد أنْ ضعفت دولتهم وتداعى ملكهم وأصابهم الانقراض والتفكّك، وعجزوا عن مقاومة الفاطميين الذين احتلوا بلاد المغرب ومصر والشام والحرمين واليمَن، التجأوا إلى الطعن في نسبهم، ليسوّدوا صحائفهم وليجبروا الناس على كراهيّتهم، وأنّ القضاة الذين سجّلوا شهادة الطعن عليهم في بغداد كانوا من ألدّ أعداء الفاطميّين، ومِن أخلص شيعة بني العبّاس ولم يُعرف عنهم التجرّد والنزاهة والصدق، بل اشتهروا بكراهيّتهم وبُغضهم ونقمتهم على آل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

كما أورد ابن الأثير ما يؤيّد صحّة انتسابهم إلى الفاطميّين، قال: يا ليت شعري ما الذي حمل أبو عبد الله الشيعي وأعوانه الذين قاموا في إظهار هذه الدعوة ليخرجوا الأمر من أنفسهم ويسلّموه إلى وَلدٍ يهودي؟! واستطرد ابن الأثير يقول: فهل يسامح نفسه بهذا الأمر من يعتقده ديناً يُثاب عليه؟

وأنّ كتاب المعتضد إلى عماله حجّة كافية على صحّة نسب الخلفاء الفاطميّين (1).

وقال عبد الرحمان بن خلدون في مقدّمته: ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرّخين في العُبيديّين، خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم، والطعن في نسبهم لإسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يعتمدون في ذلك على أحاديثٍ لفّقت للمستضعفين مِن خلفاء بني العبّاس تزلّفاً إليهم، ومضى يسرد الأدلّة على صحّة نسبهم، وقال أخيراً: والذين سجّلوا نفيَهم عن أهل البيت من الأعيان

____________________

(1) انظر صفحة 106 و107 من تاريخ الدعوة الإسماعيلية لمصطفى غالب المطبوع بدار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر بدمشق.


والعلماء في أيّام الخليفة العبّاسي القادر إنّما حكموا بذلك على السماع من الناس شيعة بني العبّاس (1).

وقد ذكر الاختلاف في نسبهم أبو الفداء في تاريخه، ورجّح صحّة انتسابهم إلى العلويّين وأيّد ذلك بأبيات الشريف الرضي التي تؤكّد انتسابهم إلى أهل البيت:

ما مقامي على الهَوان وعندي

مـقول صـارم وأنف حمي

ألبس  الذلّ في ديار الأعادي

وبـمصر الـخليفة الـعلَوي

مـن أبوه أبي ومولاه مولاي

إذا ضـامني الـبعيد القصي

لـفّ  عِرقي بعِرقه سيّد النا

س جـميعاً محمّد وعليّ (2)

وهذه الأبيات من السيّد الرضي تنص على أنّه لم يتردّد في صحّة نسبهم، وإذا صحّ أنّه قد وقّع المحضر الذي حكم فيه جماعة من العلماء بعدم انتسابهم إلى الفاطميّين كما أورد ذلك ابن خلدون وغيره، فلابدّ وأنْ يكون ذلك خوفاً من القادر العبّاسي، على أنّ الذي أورده ابن أبي الحديد في شرح النهج، أنّه امتنع عن توقيعه، وأنّ القادر شكاه إلى والده، وقال لوالده بعد محاورة جرت بينهما: إنّي أخاف من جواسيس الفاطميّين، فقال له أبوه: أتخاف ممّن بينك وبينه تلك المسافات البعيدة ولا تخاف ممّن أنت وإيّاه في بلدٍ واحد؟!

ومهما كان الحال فلا شكّ في أنّ الذين أثاروا هذه الشبه حول انتسابهم إلى الفاطميّين هم الحكّام العبّاسيون بعد أنْ عجزوا من مقاومتهم، وانتشر دعاتهم في أنحاء المملكة الإسلامية، ودعا لهم الخطباء على المنابر في بغداد عاصمة العبّاسيّين وغيرها، فلم يجدوا وسيلة لمحاربتهم إلاّ بهذا الأُسلوب الفاشل، فنسبوهم إلى ميمون القداح، وبالغ بعض أعوانهم، فادّعى أنّ المهدي أوّل ملوكهم اسمه سعيد، وذلك أنّ الحسين بن محمّد بن أحمد بن عبد الله القداح وفد على بلدة تسمى (سلمية) فجرى بحضرته حديث النساء، فوصفوا له امرأة رجل يهودي مات عنها زوجها، فتزوّجها الحسين، وكان لها ولد من اليهودي اسمه سعيد فأحبّه الحسين، ومات ولم يكن له ولد، فعهد إليه وعرفه أسرار الدعوة الباطنية، وأعطاه الأموال، فدعا له الدعاة، واتّصل بعبد الله الشيعي الذي مهّد له الأُمور في

____________________

(1) انظر مقدّمة ابن خلدون ص 21.

(2) انظر المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الجزء الثالث ص 81 طبع بيروت.


المغرب وسمّي بعبيد الله المهدي وتمّ له الاستيلاء على بلاد المغرب وجهاتها.

ومن الذين تولّوا الدعوة إلى مذهب القرامطة أبو سعيد الجنابي، وقد ملك البحرين واليمامة والإحساء، وادعى فيها أنّه المهدي القائم بدين الله، وهو الذي دخل مكّة المكرّمة في موسم الحجّ سنة 317هـ فقتل الحُجّاج واقتلع الحجَر الأسود وحمله إلى الإحساء، ويُنسب إليه أنّه أنشَد الأبيات التالية:

ولـو  كـان هذا البيت لله ربّنا

لصبّ علينا النار من فوقنا صبا

لأنّـا حـججنا حـجّة جاهلية

مـجلّلة لم تبقَ شرقاً ولا غربا

وأنّـا تـركنا بين زمزم والصفا

جـنائز لا تـبقي سِوى ربّها ربا

وقد قتل من الحاجّ ثلاثة عشَر ألفاً.

ومنهم الحسن بن مهران المعروف بالمقنّع، وكان حكيماً فيلسوفاً خرَج فيما وراء النهر وقد صنع قمراً (بالطلسم) يطلع في السنة أربعين ليلة.

ومنهم عليّ بن فضل الجدثي، مِن ذرّية بني جدث، وأصله من جيشان قرية من قُرى اليمَن، وكان شيعيّاً اثني عشرياً فخرج إلى الحج، وبعد زيارة قبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) توجّه إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه السلام)، ولمّا وصل كربلاء بكى على القبر بكاءً شديداً، وصادف أنّ ميمون القداح وولده عبيد الله عند قبر الحسين (عليه السلام) فاحتالا عليه بما عندهما من أسباب الخداع وأساليب الإغراء فاطمأنّ إليهما. وأخيراً أرسله القداح إلى اليمَن داعياً لولده عبيد الله، وذلك في أواخر القرن الثالث الهجري، وبعد أن تمّ له الاستيلاء على بعض أجزاء اليمَن استقل بنفسه، وترَك ميمون القداح وولده عبيد الله، واستباح جميع المحرمات، واستحلّ جميع ما فرضه الله في كتابه وعلى لسان نبيّه (صلّى الله عليه وآله) وادعى لنفسه النبوّة، وأنكر القيامة والبعث والجنّة والنار، وقد وصَف بعضهم شعرائهم المبدأ الذي اتّخذه عليّ بن فضل بالأبيات التالية:

لـكلّ نـبيٍّ مـضى شرعة

وهـذي شرائع هذا النبيّ

فقد حطّ عنّا فروض الصلاة

وحـطّ  الـصيام ولـم يتعب

إذا  الناس صلّوا فلا تنهضي

وصاموا النهار كُلّي واشربي


ولا تطلبي السعي عند الصفا

ولا زورة الـقبر فـي يثرب

ولا  تمنعي نفسك المعرّسين

مـن الأقربين ومن أجنبي

فـكيف  تحلّين لهذا الغريب

وصـرت مـحرّمة للأب

ألـيس  الـغراس لمن ربّه

ورواه فـي الزمن المُجدب

وما  الخمر إلاّ كماء السماء

حـلال تقدّست من مذهب

وهذه الأبيات تصوّر المبدأ الذي اعتمده القرامطة في دعوتهم، وإذا صحّ ذلك عنهم، فمَن الجائز القريب أنّهم من العناصر الأجنبية عن الإسلام التي اندسّت في بداية أمرها بين صفوف المسلمين بقصد التخريب وإبعاد الناس عن دينهم وقد استولى قادة القرامطة على معظم أجزاء اليمن ومنها قد انطلقوا إلى غيرها، ولم يتقلّص ظلّهم من اليَمَن إلاّ في النصف الأخير من القرن الخامس الهجري، وبقيَ فيها بعض القبائل على مذهب الإسماعيلية، ومنهم قبيلة يام التي تتّصل بعقيدتها بالإسماعيلية (البهرة) الموجودين في الهند والباكستان، وهؤلاء معتدلون نسبياً بالنسبة إلى بقية طوائف الإسماعيلية (1).

وقد خلط المؤرّخون وكتّاب الفِرَق في تحديد الزمان الذي ظهَر فيه مذهب القرامطة، والأشخاص الذين تولّوا الدعوة إليه، فالشهرستاني يقرّر أنّ أصل دعوتهم ظهور ميمون القداح في الكوفة سنة 176هـ، وأنّه ذهب إلى أنّ الفرائض رموز وإشارات وأمر بالاعتصام بالغائب المفقود، وأباحوا جميع الملذّات والمنكرات، إلى غير ذلك ممّا ينسب إليهم، بينما يظهر من كتاب كشف أسرار الباطنية والقرامطة، تأليف محمّد بن مالك اليماني احد الفقهاء السنيّين المتوفّى في النصف من القرن الخامس الهجري، أنّ عبد الله بن ميمون القداح قد التقى بقرمط حمدان بن الأشعث الذي خرج سنة 264هـ واتّفق وإياه على خطّة واحدة ومذهب واحد، واستقلّ كلّ واحد منهما بجهة يدعو الناس إلى المذهب الذي اتفقوا عليه.

____________________

(1) انظر كشف إسرار الباطنية وأخبار القرامطة، تأليف محمّد بن مالك اليماني المتوفّى في القرن الخامس الهجري، وانظر الفرق للشهرستاني ص 333 وما بعدها، وانظر التبصير في الدين ص 123 وما بعدها، وأكثر ما كتبناه عنهم لخصّناه من كشف أسرار الباطنية للفقيه اليماني.


وفي تاريخ أبي الفداء: (إنّ القرامطة أوّل ظهورهم بسواد الكوفة، وكان شيخهم الأوّل قد تسمّى باسم الفرج بن عثمان، وادعى أنّه يحمل كتاباً منزلاً من عند الله (1) وليس فيما أورده أبو الفداء عن أخبارهم ما يشير إلى ميمون القداح وولده عبد الله، ولا أُريد أن أستقصي أخبارهم ولا يعنيني تحقيق واقع حالهم، ولكن الذي يلفت النظر فيما كتبه بعض كتاب الفِرق، أنّهم يحاولون إلصاقهم بالشيعة؛ ولذلك يجعلون عبد الله بن ميمون القداح ووالده من أبطال دعوتهم، مع أنّ عبد الله بن ميمون قد عاصر الإمامين الباقر والصادق وروى عنهما وكان من الثقات، وله كتب منها كتاب مبعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وكتاب في صفة الجنّة والنار، وقد ذكره الطوسي في كتابه فهرست أسماء المصنّفين، كما ذكره كل من النجاشي والكشّي، وفي منهج المقال للميرزا محمّد، أنّ أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) قال له يا ابن ميمون: (كم انتم بمكّة؟) قال: نحن أربعة، قال: (إنّكم نور الله في ظلمات الأرض).

وجاء في بعض كتب الرجال أنّه كان يرى رأي الزيدية في وجوب الخروج بالسيف، وذلك لم يثبت عنه، وأكثر المؤلّفين في الرجال وصفوه بالوثاقة والاستقامة في دينه وعقيدته (2) ومن ذلك تبيّن أنّ عبد الله بن ميمون القداح، ووالده ميمون كانا من شيعة أهل البيت ورواة أحاديثهم، ولم يرد في عبد الله ما يشير إلى الطعن عليه في شيءٍ ممّا وصفه به الشهرستاني والفقيه اليماني محمّد بن مالك في كتابه أسرار الباطنية، وأخبار القرامطة، هذا بالإضافة إلى أنّ العصر الذي ادعى فيه الشهرستاني ظهور عبد الله القداح بفكرة القرامطة، لا يتّفق مع العصر الذي ذكره مؤلّف أسرار الباطنية، فقد ذكر الأوّل أنّ عبد الله ظهر بهذه الفكرة سنة 176هـ، بينما ذكر الثاني أنّ قرمط التقى بميمون القداح وولده عبد الله سنة 274هـ، وكلاهما يخالفان ما هو متّفق عليه عند المؤلّفين في الرجال من الشيعة الإمامية، فقد اتفقوا على أنّ عبد الله ووالده كانا في عصرَي الإمامين الباقر

____________________

(1) انظر الجزء الثالث من تاريخ أبي الفداء طبع بيروت ص 70.

(2) انظر منهج المقال للمرزا محمّد ص 212 والكشّي ص 160، ولم يذكر عنه سِوى الحديث الذي جاء فيه أنّ الإمام الباقر قال له: (أنتم نور الله في ظلمات الأرض).


والصادق، ومن الثابت أنّ الإمام الصادق توفّي سنة 148هـ كما في تاريخ أبي الفداء وغيره، والباقر توفّي سنة 111هـ وقيل أكثر من ذلك، فالعصر الذي وجد فيه عبد الله القداح ووالده لا يتّفق مع العصر الذي ادّعاه الشهرستاني، ولا مع العصر الذي ظهر فيه القرامطة، ولكن المتتبّع في التاريخ يرى فيه من التجنّي على الحقائق والكذب والافتراء ما يجعله في شكٍّ بأكثر مدوّناته، وعلى الأخص فيما يعود إلى مدوّنات المؤرّخين عن الشيعة وفِرقهم ورجالهم.

وقد أورد كتاب الفِرق القدامى والمحدّثين فرقاً أُخرى، ودونوها في كتبهم على حساب الشيعة بدافع التشويش والتشويه لمعالم التشيع ومبادئه، كالناووسية و الشمطية و الزرارية و الهشامية و الحسينية، أتباع الحسين بن أبي منصور الذين زعموا - كما يدّعي كتّاب الفِرَق - أنّ أبا جعفر الباقر أوصى إلى أبي منصور، والواقفة الذين وقفوا على موسى بن جعفر، وقد لقّبهم يونس بن عبد الرحمان بالممطورة ، و البشيرية ، أصحاب محمّد بن بشير الذي ادعى غيبة الإمام موسى بن جعفر، وأنّه استخلفه حال غيبته، وهو أحد الكذَبة على أهل البيت (عليهم السلام) كما جاء في رجال الكشّي، إلى غير ذلك من الفرق التي عدّها المؤلّفون من فِرَق الشيعة، وهؤلاء لم يكن لهم مذهب خاص بهم يمتازون به عن سائر المسلمين.

والخلاف المنسوب لهم في تعيين الإمام الشرعي كان منشؤه قسوة الحكّام على الأئمّة ومطاردتهم ممّا أدّى إلى تكتّم الأئمّة وتستّرهم في دعوتهم، وكان من آثار ذلك أنّ البعض من الشيعة وقعوا في حيرة من أمرهم ورجعوا إلى غير الإمام الشرعي، حتى إذا تبيّن لهم الحال واشتهر أمر الإمام المنصوب رجعوا إليه، كما وأنّ بعض المُندسّين في صفوف الشيعة من المشعوذين وعملاء الحكّام، الذين كانوا يروّجون التشكيك في الأئمّة، قد استغلوا تكتّم الإمام في الإعلان عن نفسه؛ لإغراء السذّج والبسطاء ليستطيعوا ترويج أباطيلهم ودسائسهم.

هذا بالإضافة إلى أنّ تلك الفِرَق التي يدعونها لم يظهر لها أثر في التاريخ، ولم يكن ما ينسب إليهم على تقدير صحّته سِوى أفكار عابرة لم تتخطّ دعاتها والعاملين على خلقها وإشاعتها؛ ويؤيّد ذلك ما جاء في الفصول المختارة من العيون والمحاسن للشيخ المفيد: أنّ الفِرَق التي تنسب إلى الشيعة لم يكن لها وجود في القرن الرابع الهجري، ولا وجود في هذا القرن إلاّ للإمامية القائلين بإمامة محمّد بن الحسن الإمام الثاني عشر، ومنهم العلماء والفقهاء والمتكلّمون والعبّاد الصالحون والأُدباء والشعراء، وهم وجه الشيعة المعتمد عليهم في المذهب، وسِواهم من الفِرَق


المزعومة ليس في هذا العصر أحد منهم، وإنّما الموجود عنهم بعض الحكايات والأراجيف التي لا تثبت وجودهم.

وهذا الكلام من المفيد رحمه الله، كما يدل على عدم وجود تلك الفِرَق في القرن الرابع الهجري، كذلك يشير إلى أنّه في ريبٍ من أصل وجود الفِرَق التي يدعيها المؤلّفون في المذاهب الإسلامية، مع أنّ الزمان الذي وجد فيه لم يكن بعيداً عن العصر الذي يدعي الكتاب وجودهم فيه، ومن المستبعد أنْ توجد فرقة يكون لها خصائصها وميّزاتها ولا يبقى لها أثر بتلك السرعة وتخفى حتى على الباحثين أمثال الشيخ المفيد، ولا سيّما وأنّ فِرقاً من هذا النوع لو وجدت في التاريخ ستجد من يناصرها ويسهل لها أسباب البقاء والانتشار، فالحكّام كانوا يرحبّون بكلّ ما من شأنه تشتيت أمر الشيعة وتفريقهم عن الأئمّة الشرعيّين من أهل البيت، والتاريخ مليء بالشواهد على ذلك.

ونحن لا ننكر أنّ الشيعة لم يكونوا كلّهم نمطاً واحداً في إيمانهم وتفكيرهم، وأنّ الظروف التي كانت تحيط بهم كانت تفرض عليهم التردّد والحيرة والرجوع لغير الإمام الشرعي أحياناً، ولكن سرعان ما تنجلّي لهم الحقائق وينكشف الواقع بعد الفحص والاختبار، وقد استغلّ أخصام الشيعة هذا النوع من التردّد والالتباس الذي طرأ على بعض الشيعة، فأضافوا إليهم عشرات الفرق، التي تتخطى في بعض آرائها أصول الإسلام وفروعه، وحملوا الشيعة أوزارها منذ اليوم الأوّل من تاريخها.

ولا أُغالي إذا قلت أنّ الباحث في تاريخ الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة، وفي الآراء والمعتقدات التي أضيفت إليها، لا يرتاب في أنّ أيادي قرية كانت تسير التاريخ لصالحها، وتعمل لمحاربة التشيّع عن طريق التشويش عليه وتشويه معالمه، تلك الأفكار التي نسبوها إلى بعض المتشيّعين، لقد رأى الحكّام الأمويّون والعبّاسيون، أنّ فكرة الخلافة عند الشيعة، تعني أن جميع الحكومات التي لا تخضع لمبدأ الوصاية لا تتصف بالشرعية، فحاربوا هذه الفكرة بشتى الأساليب.

وفي النهاية استطاعوا أنّ يفرضوا على التاريخ شخصاً اسمه عبد الله ابن سبأ، قد انتحلّ الإسلام وأسَرّ اليهودية المتغلّفة في أعماق نفسه، للدسّ في تعاليم الإسلام والكيد له، فأسّس فرقة وقادها لقتل عثمان، واخترع فكرة الوصاية التي تدين بها الإمامية، وأخيراً ادّعى الإلوهية لعليّ (عليه السلام)


وأصبح الركيزة التي يعتمد عليها كلّ من جاء من بعده من المخرّبين والهدامين لصرح الإسلام، واستمدّ من تعاليمه كلّ خارج على النظام الإسلامي الذي جاء به القرآن والرسول على حدّ زعمهم، مع أنّ الباحث المجرّد لا يجد من الشواهد ما يكفي للتسليم بوجود شخصٍ في التاريخ من هذا النوع، ولكن المؤرّخين القدامى والكتّاب المتأخّرين عنهم لم يرتابوا، كما يظهر من كتبهم في وجود هذه الشخصية المفتعلة، وكل مَن كتب في تاريخ الفِرَق الإسلامية وأتى على ذكر التشيّع يدّعي بأنّ فكرة الوصاية لعليّ من مخترعات عبد الله بن سبأ، كما أحدَث الرجعة والاشتراكية التي كان ينادي بها أبو ذر الغفاري على حدّ زعمهم، وهو من يهود صنعاء اليمن تظاهر بالإسلام في عصر عثمان وأبطن السوء والكيد، وبثّ سمومه في البُلدان التي تجوّل بها، ولعِب دوراً بارزاً في الثورة على عثمان والدعاية لعليّ (عليه السلام)، ويرجّح ذلك أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام وغيره من الكتّاب العرب والمستشرقين الأجانب (1).

وجاء في المقريزي: (وأحدث ابن سبأ القول بوصيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ بالإمامة من بعده، فهو وصي رسول الله وخليفته على أُمّته بالنص، وأحدَث القول برجعة عليّ بعد موته إلى الدنيا، وبرجعة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله)، وزعم أنّ عليّاً لم يُقتل وأنّه حيٌّ وفيه الجزء الإلهي وسيجيء في السحاب، وأضاف إلى ذلك: ومِن ابن سبأ جميع أصناف الغلاة من الرافضة، وقالوا بالوقْف: يعنون بذلك أنّ الإمامة موقوفة على أُناس معيّنين، وعنه أخذوا القول بغيبة الإمام ورجعته بعد الموت إلى الدنيا كما يعتقده الإمامية في صاحب السرداب، وهو صاحب القول بالتناسخ، وأنّ الجزء الإلهي قد حلّ بالأئمّة بعد عليّ (عليه السلام)، وبذلك استحقّوا الإمامة بطريق الوجوب كما استحقّ آدم سجود الملائكة واستطرد يقول: وبسبب أتباعه وأنصاره المنتشرين في البلدان والأمصار؛ كثُر الشيعة وما زال عددهم يكثر وأمرهم يقوى).

وقد أسرف بعض كتّاب السنّة إسرافاً بلَغ بهم أقصى حدود المكابرة والجحود للحقائق التاريخية الثابتة، فجعلوا مصدر التشبيه والتجسيم في الإسلام الشيعة عن طريق تلك الشخصية المفتعلة، قال عليّ الغرابي في

____________________

(1) انظر فجر الإسلام ص 313.


كتابه تأريخ الفِرَق: إنّ السلف المحدّثين من السنّة لم يجيزوا لأنفسهم أنْ يتأوّلوا الآيات التي توهِم بظاهرها التجسيم، مثل قوله سُبحانه: ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) و ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) و ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) وأمثال ذلك، والتزموا بظواهرها خلافاً للمعتزلة، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل وداود الظاهري ويحيى بن معين وغيرهم من المحدّثين والفقهاء.

واعتبر موقفهم هذا موقف التسليم والانقياد؛ لأنّ التصرّف بظواهر هذه الآيات لا يخرج عن كونه تأويلاً لا يفيد إلاّ الظن، وهو لا يغني عن الحق شيئاً، وأضاف إلى ذلك أنّه لا يصحّ لنا أنْ نسمّي هؤلاء مشبهة، وإنّما اللائق بهم أنّهم أصحاب التسليم، وأمّا المشبّهة فهم الشيعة منهم اليونسية ، أتباع يونس بن عبد الرحمان (1) ، وأضاف الغرابي أنّ أصل فكرة التشبيه يهودية، وأنّ أوّل المشبهة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي قام بتلك الفتنة في عهد عثمان، وقد يكون ذلك هو السبب في أنّ المشبهة كانوا من الشيعة، ولقد تقبّل الشيعة فكرة التشبيه والحلول وكلّ الصفات المنافية للإلوهية؛ لأنّها تساعدهم على تأييد فكرتهم في الإمامة، كما جاء ذلك في كتابه الفرق الإسلامية صفحة 297 و302.

وفي هذه الأمثلة من ادعاءات أهل السنّة أكبر شاهد على أنّ حملاتهم على الشيعة، وإلصاق هذه التهم بهم كانت بقصد التشويش عليهم وصرف الأنظار عن مبدأ التشيّع لأهل البيت (عليه السلام).

لقد ذهب علماء السنّة القدامى والمحدّثون منهم إلى التشبيه والتجسيم والحلول وغير ذلك، وجاء المؤلّفون والكتّاب المتقدّمون والمتأخّرون فرموا الشيعة بذلك، ووجدوا من شخصية ابن سبأ المفتعلة منفساً لهم في

____________________

(1) يونس بن عبد الرحمان، من أعلام الإمامية المعروفين بالاستقامة وسلامة العقيدة واتّصاله الأكيد بأئمّة الشيعة الذين بنوا صرح العقيدة الإسلامية ودافعوا عنها هجمات الملاحدة، وافتراءات المعتزلة والمحدّثين من أهل السنّة، وقد وصفه الأئمّة من أهل البيت بصفات تدّل على أنّه كان عميقاً في تفكيره متبحّراً في مختلف العلوم، وقد تجرّد لمناظرة خصومهم من المحدّثين والمعتزلة؛ ولذلك اتهموه بالتجسيم، ونسَب إليه الشهرستاني أنّه يقول: إنّ حمَلَة العرش يحملون الله تعالى كما تحمل رِجْلا الكركي الدقيقتان جسمه الكبير، كما أورد ذلك الغرابي في كتابه الفِرق والشهرستاني في المِلل والنِحل وغيره.


التهجّم على الشيعة والافتراء عليهم، ومن السهل على من يخلق الأشخاص أنْ يضع حولهم كلّ شيء، وأنْ يبني القصور على الهواء، أو على سطح الماء.

لقد اعترف عليّ الغرابي المدرّس بكلّية الشريعة في مكّة المكرّمة أنْ المحدّثين من السنّة لم يتأوّلوا الآيات التي تنصّ على أنّ لله وجهاً وعيناً ويداً، وغير ذلك من الأعضاء، والتي لا يلزمها كونه جسماً مشابهاً لمخلوقاته، وإذا لم يلتزموا بتأويلها لابدّ لهم من الالتزام بمعناها المطابقي، ومع ذلك لا ينسب إليهم التجسيم ولا التشبيه ونسبه إلى الشيعة وعدّه من مخترعاتهم بواسطة عبد الله بن سبأ، مع العلم بأنّ الشيعة الإمامية لم يتعدّوا الحدود التي وضعها لهم أئمّتهم حول العقيدة الإسلامية، وقد تطوّعوا لحمايتها من تخريب الدسّاسين وافتراءات المعتزلة والمحدّثين أسلاف الأشاعرة.

وفي الفصول الآتية التي سنعرض فيها آراء الفِرَق في أُصول الإسلام تبدو عقيدة الشيعة في التوحيد والعدل والنبوّة وغير ذلك من الأُصول على واقعها، لا تتعدّى حدود ما أنزل الله سُبحانه في كتابه وعلى لسان نبيّه (صلّى الله عليه وآله) تتمثّل بها قدسيّة الذات العَلية على حقيقتها، أمّا الأراجيف والافتراءات والتشويهات فلا تغيّر الواقع، وإنْ كانت تعكس وجه التاريخ المسخّر لإرادة الحكّام وضمائر الحاقدين والمأجورين.

والذي يؤيّد أنّ عبد الله بن سبأ شخصية وهميّة لا واقع لها، أنّ المصدر الوحيد الذي تنتهي إليه قصّته هو ابن جرير الطبري المؤرّخ الشهير، وكلّ من جاء بعده اعتمد عليه في هذه الأُسطورة وأرسلها إرسال المسلّمات التاريخية التي لا تقبل التشكيك والتأويل على حدّ زعمهم، والطبري وغيره ممّن أورد حديث السبائية يرويه عن سيف بن عمر التميمي المتوفّى سنة 170هـ، وهو كوفيّ الأصل ومن سكّان بغداد كما جاء في ترجمته، وقد اشتهر بالكذِب ووضْع الأحاديث واتُّهم بالزندقة، وقد أورد السيّد مرتضى العسكري في كتابه عبد الله بن سبأ، عن أكثر المحدّثين والذين كتبوا في تراجم الرجال ما يؤكّد عدم وثاقة سيف بن عمر المذكور، وعدم جواز الاعتماد على مرويّاته.

ويبدو ممّا أورده العسكري عن المحدّثين وعلماء الرجال أنّ سيف بن عمر صاحب أُسطورة السبائية كان أمره واضحاً عند المحدّثين، ولذا لم يرد عن أحدٍ ما يُشعر بقبول مرويّاته، وممّا يؤكّد أنّه من الأساطير التي لا واقع لها، أنّ جميع الذين تعرّضوا لأحداثه تنتهي رواياتهم عنه إلى سيف


المذكور، وبينه وبين العصر الذي يدّعون ظهور السبائية فيه ما يقرب من مِئة وأربعين عاماً، وبين هذين الزمانين تخلّلت أحداث يدّعي كتّاب الفِرَق والمؤرّخون أنّ لآراء عبد الله بن سبأ وأقواله التي أدخلها في مطلع فجر الدولة الإسلامية أثراً في نموها وانتشارها. وظهور شخص من هذا النوع له تلك الفعاليات والآثار التي يدعيها الكتاب والمؤرخون لا يمكن أن يكون منسيّاً ومجهولاً لدى المسلمين من تاريخ ظهوره إلى عصر سيف بن عمر راوي الأُسطورة، في زمن يبلغ نحواً من قرن ونصف تقريباً.

والمسلمون في تلك الفترة لم يتجاهلوا أقلّ الأحداث أثراً، واتجهوا إلى تدوين الحوادث والتأليف ولا سيّما ما يتعلّق منها بالشؤون الإسلامية منذ النصف الثاني من القرن الأوّل، وأحداث السبائية المزعومة كانت من أبرز الحوادث التي وقعَت في تاريخ المسلمين ولا تزال آثارها إلى اليوم على حدّ زعم بعض المؤرّخين والكتّاب؛ لأنّهم لعبوا دوراً بارزاً في إثارة الرأي العام على الخليفة عثمان، وأثاروا بين المسلمين فكرة الوصاية والرجعة، ونادوا بإلوهيّة عليّ (عليه السلام) في عصره، ولم يتراجعوا عنها حتى بعد أنْ قتَل منهم أُناساً وأحرق آخرين، ومع كلّ ذلك فقد أهمله المسلمون والمحدّثون، ولم يتنبّه له إلاّ سيف بن عمر بعد أكثر من قرن من الزمن مرّ على تاريخ وجوده المزعوم، فدوّن تلك الحقائق التاريخيّة التي خفيت على جميع مَن تقدّمه، وظهرت له وحده وأخذها عنه المؤرّخون، وتحدّث عنها الكتّاب وكأنّها عندهم من الحقائق التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها (1).

ومهما كان الحال ففي كتاب عبد الله بن سبأ للسيّد مرتضى العسكري ما يدلّ بصراحة ووضوح تامّين؛ على أنّ الرجل الذي يصوّره التاريخ بطلاً من أبطال الشعوذة والكيد للإسلام ودعامة للتشيّع لعليّ (عليه السلام)، أسطورة من أساطير التاريخ التي وضعت للدسّ على التشيّع وتوهينه، ولو تغاضينا عن كلّ ذلك وافترضنا وجود هذه الفِرَق، وتجاهلنا كلّ ما قيل أو يُمكن أنْ يقال حول نشأة هذه الفِرَق وما يُنسَب إليها من أقوالٍ وآراء، وافترضنا أنّ ما يسمّونهم بالفِرَق من الأُمور الثابتة، ولكلّ فِرقة أنصار وأتباع، ولها آراء ومذاهب في الدين وأُصوله في مقابل غيرها وافترضنا

____________________

(1) انظر عبد الله بن سبأ للسيّد مرتضى العسكري طبع مصر ص 27 وما بعدها.


بالإضافة إلى كلّ ذلك أنّها عاشت زمناً طويلاً، واستطاعت أنْ تفرض وجودها بما لها من خصائص وميّزات تخصّها، ولكنّا نقول: بعد أنْ كانت متميّزة عن الفِرَق التي تسير في معتقداتها على المخطّط الإسلامي، واختصّت ببعض المعتقدات الشاذّة التي لا تتّفق مع تعاليم الإسلام، بعد أنْ تميّزت عن غيرها وأحيطت بتلك الملابسات الخاصة، فما هو المسوّغ لعدّها في الفِرَق الشيعية وإلقاء تبعاتها على التشيّع لأهل البيت، كما تردّد ذلك على ألسنة الكتّاب منذ أقدم العصور في تاريخها حتى اليوم؟!.

إنّ أكثر الفِرَق كما ذكرنا سابقاً أكثر من مرّة، حسب الإحصاء الموجود في كتب الفرق والتراجم، لا يسوغ إعطاءها وصف الإسلام، فضلاً عن التشيّع الذي لا يشذّ في أُصوله وفروعه عن القرآن ونصوص الرسول (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّ التشيّع لا يعني مجرّد الحبّ والولاء لعليّ وبنيه، بل لابدّ مع ذلك من الإيمان بالكتّاب والنبوّة وبكلّ ما جاء به النبيّ من أُصول وفروع، فالمنكر لنبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) أو لبعض ما فرضه الله في كتابه من ضروريّات الدين، وحتى المشكّك بشيء من ذلك خارج عن الإسلام والتشيّع فضلاً عمّن يدعي الإلوهية لأحدٍ من الناس، أو يعطي صفات الخالق وخصائصه لبعض مخلوقاته.

وممّا يؤسف له أنّ الأستاذ الجليل الشيخ محمّد أبا زهرة، في مواضع متعدّدة من كتابه، المذاهب الإسلامية يستغلّ أبسط المناسبات؛ لوصمة التشيّع بمعتقدات بعض الفِرَق الضالّة التي تستّرت بولاء أهل البيت وتقديسهم، لتنفُذ مِن وراء ذلك إلى الأغراض التي كانت تعمل من أجلها، ففي حديثه عن الاثني عشريّة قال: هذه الطائفة التي تحمل اسم الشيعة الإمامية، يدخل في عمومها أكثر مذاهب الشيعة القائمة الآن في العالم الإسلامي، في إيران والعراق وما وراءها من باكستان وغيرها من البلاد الإسلامية، ويدخل في عمومها طوائف أُخرى لم تنحرف اعتقاداتها إلى درجة تخالف نصّاً من نصوص القرآن، أو أيّ أمرٍ عُلِم من الدين بالضرورة، وطوائف أُخرى أخفت اعتقاداتها وأعمالها لا تدخل في الإسلام على انحراف شديد (1) .

والأُستاذ أبو زهرة كغيره من الكتّاب يرى أنّ اسم الإمامية يتّسع

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 79.


لجميع الفِرَق، حتى التي أخفت اعتقاداتها، مع العلم بأنّا لو تساهلنا في تسمية هذه الفِرَق بالشيعة لا يُمكن صدق الإمامية عليهم، ولا سيّما الفِرَق التي أخفت اعتقاداتها وقالت بالتناسخ والحلول وإباحة المحرّمات، وغير ذلك ممّا ينسب إلى الإسماعيلية وغيرهم؛ لأنّ كلمة الإمامية لا تعني غير الاثني عشرية الذين ينتهون بالإمامة إلى محمّد بن الحسن الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، ولا تشمل غيرهم حتى الزيدية المعتدلين بالقياس إلى غيرهم، وكُتُب الشيعة القديمة والحديثة تنصّ على أنّ الإماميّة هُم الذين يؤمنون بحقّ عليّ وأبنائه بالخلافة بالنصّ عليهم بالوصف والاسم، أمّا غيرهم فيمكن وصفهم بالتشيّع بالمعنى اللغوي لهذا الوصف، إنْ كانوا يرون أنّ عليّاً وحده صاحب الحقّ، ولم يشذّوا في اعتقاداتهم عن أُصول الإسلام وضرورياته.

ومع أنّ أكثر الكتّاب يقرّون بأنّ هذه الفِرَق تستّرت بحبّ أهل البيت، وينتهون في دراساتهم إلى ضَلالها وعَدائها السافر للإسلام، ومع ذلك يرَون أنّ اسم التشيّع يتّسع لها، ويؤكّدون أنّه نقطة الانطلاق لكلّ بِدعة وخرافة، ولكلّ مَن يحاول هدْم الإسلام وتشويه معالمه، مع أنّ التديّن بالإمامة عند الشيعة لا ينفع صاحبه شيئاً، ولا يجعله مسلماً إلاّ إذا آمن بالله ورسوله وكتابه واليوم الآخر وجميع ما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعمل بها، كما تؤكّد ذلك بعض المرويّات الصحيحة عن الأئمّة الأطهار، هذا بالإضافة إلى أنّ المتتبّع لكتب أهل السنّة يجد فيها بعض الأقوال والآراء التي لا تقل في بشاعتها وشذوذها عن أقوال الفِرَق المزعومة، التي ينسبها الكتّاب إلى التشيّع والإمامية.

وعلى سبيل المثال: لقد أضافوا إلى فِرَق الشيعة فرقة أسمَوها الغرابية؛ لأنّ شخصاً ادعى أنّ النبوة كانت لعليّ، وقد اخطأ الوحي في نزوله على محمّد (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّ عليّاً كان يشبهه كما يشبه الغراب الغراب (1)، وقد جاء عن بعض السنّة ما هو أسوأ من هذه المقالة، وأكثر غلوّاً في الخليفتين أبي بكر وعمر، ومع ذلك فلَم يعدّوا أصحاب تلك المقالات فِرَقاً من فِرَق السنّة، ولم يحكموا بتجريحهم، فقد رووا أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (لو لم أُبعث فيكم لبُعث عمر بن الخطّاب)، وفي رواية أُخرى أنّه قال: (ما أبطأ عليّ جبرائيل إلاّ ظننت أنّه قد بُعث إلى عمر)،

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 65 وغيره من كتب الفِرَق.


وأنّه قال: (ما احتبس عنّي الوحي ثلاثاً إلاّ ظننت أنّه نزل على عمر) (1)، وهذه الرواية تدلّ على أنّ عمر بن الخطّاب كان صالحاً للنبوّة بمنزلة الرسول، كما تدلّ على أنّ الرسول كان على شكِّ من نبوّته؛ لأنّه يترقّب العدول عنه إلى عمر بن الخطّاب كلّما تأخّر عنه الوحي بين حينٍ وآخر، وجاء عنهم أيضاً أنّ النبيّ قال: نزل عليّ جبرائيل فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يُقرئك السلام ويقول لك: أقرئ على أبي بكر منّي السلام، وقل له: ربّك يُقرئك السلام ويقول: أنا راضٍ عنك، فهل أنت راضٍ عنّي؟

ورووا أيضاً أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان راكباً وأبو بكر يمشي، فأوحى الله إليه ألا تستحي أنت راكب وأبو بكر يمشي؟! (2)

إنّ هاتين الروايتين تدلاّن على أنّ أبا بكر أعظم شأناً من النبيّ؛ لأنّ الله سبحانه قد وبّخه ووصفه بعدم الحياء، لأجل أنّ أبا بكر كان يمشي بين يديه وهو راكب، ولأنّ الله سبحانه قد طلب رضاه عنه، وليس في أقوال الغلاة المحسوبين على الشيعة ما هو أقبح من ذلك، وليس للغرابية المزعومة مقالة غير ما نسب إليها، وهي ليست بأسوأ من هذه المقالات، إنْ لم تكن أقلّ منها قُبحاً، وكما لا نشكّ في أنّ أصحاب تلك المقالات ليسوا من الشيعة، لا نشكّ في أنّ الذين ذهبوا في الخليفتين إلى هذا الحدّ من الغلوّ هُم من شُذّاذ أهل السنّة ولا يعبّرون عن رأي جمهورهم في هذه المقالات، والذي أردناه من إيراد هذه الأمثلة أنّ المؤلّفين في الفِرَق لو كانوا مجرّدين لكان عليهم بمقتضى منطقهم أنْ يعدّوا أصحاب هذه المقالات من فِرَق السنّة؛ لأنّها أدلّ على الغلوّ من مقالات المغالين في عليّ (عليه السلام).

____________________

(1) انظر كتاب التعجب للشيخ أبي الفتح الكراكجي المتوفّى في القرن الرابع الهجري ص 63.

(2) المصدر السابق ص 58.


الفصل الرابع: في المذاهب الاعتقادية

لقد انتهينا بنهاية الفصل السابق من عرضٍ لبعض الآراء والمذاهب التي حدَثت في العهد المبكّر من تاريخ المسلمين من الناحية السياسية، باعتبار أنّ تلك الفِرَق كانت إبّان نشأتها لا تتعدّى موضوع الحاكم الذي يتولّى مركز الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وكيفية اختياره، والشروط التي لابدّ من توفّرها فيه، ولكنّها بعد أنْ تمكّنت وامتدّ بها الزمن تخطّت هذه الناحية إلى بعض المواضيع الدينية الأُخرى، وأصبحت فِرَقاً مستقلّة بذاتها من الناحيتين السياسية والدينية، وعرضنا وجهة نظر الشيعة في الخلافة الإسلامية، والخوارج وأسباب انحرافهم، وبعض الفِرَق التي تستّرت بحبّ أهل البيت، وأخيراً انحرفت عن مبدئهم وعن الإسلام من أساسه، إلى غير ذلك من المواضيع التي تحدّثنا في هذا الفصل عنها حسب المناسبات.

وبجانب هذه الفِرَق حدّثت مذاهب أُخرى لم تكن في عهد الصحابة الأوّلين الذين آمنوا بالإسلام وسرى في نفوسهم وقلوبهم بكلّ بساطة وبدون


أي تعقيد أو تشكيك، وقد أشَرنا في الفصل السابق إلى أنّ التغيّر الذي طرَأ على تفكير المسلمين كان ممّا لابدّ منه، بملاحظة الظروف والملابسات التي أحاطت بهم، ولا سيّما بعد أنْ اتصلوا بغيرهم مِن الأُمم التي كانت تختلف أشدّ الاختلاف في عقائدها وعاداتها وحضارتها، وهؤلاء وإنْ دخلوا في الإسلام، ولكنّ الكثيرين منهم لم تتوفّر لهم جميع أسباب القناعة بالدين الجديد إلاّ بعد التفكير الطويل والبحث الواسع، والمحاكمة بين ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم وبين ما دخلوا فيه بسبب اتساع سيطرة الدولة الفاتحة، وليس من السهل أنْ تحتل تعاليم الإسلام وعقائده نفوسهم وقلوبهم بتلك السرعة الخاطفة.

ولو افترضنا أنّهم آمنوا به بتلك السرعة، واحتلّ نفوسهم منذ أنْ سمعوا به، ولكن ما كان يثار حول معتقداتهم من الشُبَه لا يزال في أذهانهم ويتّسع الدين الجديد لتلك الشُبه وغيرها، فالنزاع في حرّية الإرادة وعدمها، وفي الصفات والجنّة والنار وغير ذلك من المواضيع التي كانت مسرحاً للجدَل والنزاع والخصومات، ولم تكن من مبتكرات العصور الإسلامية.

وعلى سبيل المثال نرى أنّ الجهم بن صفوان الذي تنتسب إليه الجهمية ، يدّعي أنّ الجنّة والنار تفنيان ويفنى من فيهما، وهذا الأمر كان موضع جدل بين الكنائس النصرانية، وذهب القائمون على الكنيسة اليونانيّة إلى إنكار أبدية عذاب القبر.

ويدّعي بعض المستشرقين أنّ فرقة المعتزلة نشأت من النصرانية؛ لأنّ آباء الكنائس كانوا يتجادلون في حرّية الإرادة، وأنّ الإنسان مجبور أو مختار، كما كانوا يتجادلون في صفات الله، وهذه الأفكار قد تسرّبت إلى المعتزلة عن طريقهم بعد فتح المسلمين للشام واختلاطهم بغيرهم من الأُمم الأُخرى.

وكان يحيى الدمشقي من أكثر المسيحيّين اتصالاً بالمسلمين، ومن أشدّهم تعصّباً لنصرانيّته، وبلغ به الحال أنّه ألّف كتاباً للنصارى يفترض فيه الاعتراضات ويجيب عليها، وكان هو وأبوه يعملان في قصور الأمويّين وقد تكلّم في القدر، وقال: أنّ الله مصدر الخير، والخير يصدر عنه كما يصدر النور عن الشمس، ومنه ومن غيره تكلّم المعتزلة في القدر وفي الصفات، كما يدّعي جماعة من الكتاب (1).

____________________

(1) انظر ضحى الإسلام، المجلّد الأوّل ص 344.


والإنصاف أنّ هذه الدعوى على إطلاقها بعيدة عن الواقع، وكل ما في الأمر أنّ الفكر الإسلامي قد تأثّر بتلك الأفكار الأجنبية بسبب اتصال المسلمين العرب بغيرهم من الأُمَم التي دخلت وحملت معها عقائدها، وما كان يُثار حولها من الشُبه والشكوك، ولابدّ وأنْ يؤثّر هذا الاحتكاك والاتّصال بين الطرفين وأنْ يُساهم في إثارة الشكوك والشبهات، ويبعث على البحث والتفكير والمحاكمة بين تلك العقائد والمذاهب المتباينة.

أمّا أنّ المسلمين قد أخذوا عنهم الجدل، والنزاع في القدر والجبر والاختيار والصفات، وتبنّوا آراءهم في هذه المواضيع، فليس لدينا من الأدلّة ما يكفي لإثبات هذا الأمر؛ لأنّ فكرة الجبر والاختيار، وتغاير الصفات واتحادها مع الذات، وبقاء الجنّة والنار أو فناءهما، هذه المواضيع قد ألمح لها القرآن الذي نزَل بلغة العرَب قبل نصف قرن تقريباً من اتصال العرب بالعناصر الأجنبية، فالقائل بالجبر قد اعتمد على بعض الآيات التي تُوهم ذلك، كما وأنّ القائل بالاختيار قد اعتمد على بعضها الآخر، وهكذا الحال في الصفات وبقية المواضيع الأُخرى التي كانت مسرحاً للنزاع والتخاصم بين المسلمين في ذلك العصر الذي انتشرت فيه هذه المباحث.

ومجمل القول إنّ الفكر الإسلامي قد تأثّر بالفلسفة الأجنبية، والكتب التي حملت إلى المسلمين كثيراً من الأفكار والآراء الغريبة عن معتقدات المسلمين، وأصبح علماء الكلام والمذاهب الدينيّة ينظرون إلى القرآن، وإلى المعتقدات من خلال فلسفتهم وما وصل إليهم من آثار الأُمم الأُخرى وفلسفتها، وتلك المناهج نفسها استخدموها في فهم الدين، وتوضيح مشكلاته، وأصبحوا يدرسون الدين كما يدرسون الحساب والهندسة والهيئة وسائر العلوم العقلية، فنتج من ذلك أنْ تعقّدت نظرتهم إلى التعاليم الإسلامية، وبرَز ذلك الاختلاف بين العلماء الذي تمثّله فِرَق متباينة في مناهجها وأساليبها، بينما نرى القرآن نفسه يستدل على كلّ شيء، ولكنّه يتحرّى أقرب الطرق إلى الأذهان وأقلّها تعقيداً فيستدلّ بالمحسوسات تارة، وبالنظائر أُخرى، وبالآثار والنتائج المترتّبة على أسبابها ومؤثّراتها، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الأُسلوب من الاستدلال أسرع إلى التصديق بالنتائج، وأقوى أثراً في النفس من الاستدلال بالأشكال المنطقية، والطُرق التي اتّبعها العلماء بعد ذلك للتوصل إلى النتائج، تلك الطرق التي فتحت


أبواب الاحتمالات، وأضافت إلى تلك الشُبه شُبهاً أُخرى بقيت مسرحاً للجدَل والتخاصم قروناً وأعواماً.

ومهما كان الحال فقد حدَث انقسام آخر بين المسلمين في العقائد، بالإضافة إلى الانقسامات الأُولى التي كانت في بداية أمرها سياسيّة خالصة، واتّسعت بينهم الخصومة من حيث الرأي والمنهج، واختصّ فريقٌ بوصف الاعتزال وآخر بالإرجاء، وفريق ثالث بالأشاعرة؛ لأنّهم اتبعوا نهج الأشعري، الذي ناصر المحدّثين، وتحامل على الكثير من آراء المعتزلة ومعتقداتهم، وأصبح لكلّ فريق من هذه الأصناف مذهب تدين به الملايين من الناس.

وتعصّبت كلُّ فرقة لمعتقداتها تعصّباً بلغ أشدّه بين الأتباع والأنصار، أدّى إلى التفسيق والتكفير، ولا سيّما بين المعتزلة والأشاعرة وأتباعهم من المحدّثين والفقهاء، وعلى الأخص بعد أنْ وجد الطرفان مَنفساً لهم من الحكّام العبّاسيّين الذين تبنّوا بعض آرائهم ونظرياتهم، وتولّوا بأنفسهم فرضها على الجماهير وعلى العلماء أيضاً بالقوّة، ولقيَ العلماء من ذلك عنتاً وجوراً لمجرّد أنّهم لم يقتنعوا بصحّة تلك الآراء، وكان لتلك القسوة أثرها السيّئ في نفوس المحدّثين وأتباعهم، وهُم الأكثرية من الجماهير، ولذا فإنّهم حينما وجدوا منفساً لهم بسبب مناصرة بعض الحكّام لهم في الشطر الأخير من عصر المتوكّل العبّاسي، أعادوا نفس المسرحية التي مثّلها المعتزلة معهم بأقبح أشكالها، فقتلوا وشرّدوا وأحرقوا المكاتب، ومَلأوا السجون والمعتقلات منهم، واستمرّ ذلك أكثر من قرنين تقريباً.

فالصراع بين المعتزلة والمحدّثين أوّلاً، وبينهم وبين الأشاعرة أخيراً، كان في بدايته صراعاً فكرياً قائماً على أُسس علمية خالصة، ثمّ انتقل إلى الشارع وأصبح بين الأنصار والأتباع الذين تديّنوا بتلك الأفكار والآراء، وبينما كان بين المعتزلة من جهة، وبين المحدّثين وأتباعهم الأشاعرة من جهة أُخرى، وإذا به ينتقل إلى المحدّثين الأشاعرة ويستحكم العداء بينهما ويبلغ أشدّه، وعلى الأخص بعد أنْ تبيّن للمحدّثين أنّ الأشاعرة لم يقفوا من الحديث موقفهم، وأفسحوا للعقل أنْ يتصرّف في ظواهر الكتاب والحديث، وأنْ يكون حكَماً عند تعارض النصوص أو إجمالها، وأخيراً وإنْ لم يكن لهذه الفِرَق وجود في العصور المتأخّرة بالنحو الذي كان في تلك الفترة من تاريخها، إلاّ أنّ آراء تلك الفِرَق وآثارها لا تزال باقية، ومنها قد استمدّ أكثر أهل السنّة عقيدتهم.

وفي وسط هذا الصراع بين المعتزلة والأشاعرة والمحدّثين كان الشيعة


وأئمّتهم (عليهم السلام) يجادلون ويُناضلون عن الدين تلك الشبه التي غزته من الداخل والخارج، فتكلّموا في القدر والجبْر والاختيار والصفات، والجنّة والنار، وفي جميع تلك البحوث العقليّة التي أثارها العلماء والملاحدة في ذلك العصر، وسلكوا طريقاً وسطاً في مناظراتهم وبيان مقاصدهم، فلَم يعتمدوا على الحديث وحده كما فعل المحدّثون، ولا على العقل وحده كما فعل المعتزلة، بل اعتمدوا على العقل فيما لا نصّ فيه، أمّا مع وجود النصوص الصريحة، فهي وحدها المرجع الذي يستمدّون منه أُصولهم وفروعهم.

وقبل أنْ نتحدّث عن آراء هذه الفِرَق، ونُقارن بينها وبين آراء الإمامية، لابدّ لنا من عرضٍ موجز لتاريخ نشأة هذه المذاهب وبعض خصائصها، كما تحدثنا عن التشيّع والخوارج وبعض الفرق المنسوبة إلى الشيعة، وأسباب ظهورها، والجهات التي تخصّ كلّ واحدة منها في الفصول السابقة.

المُرجِئة

لقد غلب لفظ المرجئة على فئةٍ من الناس وقفوا من الخوارج والمعتزلة موقفاً وسَطاً، فقال الخوارج: إنّ العُصاة كفّار، وقال المعتزلة: إنّهم مخلّدون في النار، وقال غيرهما: إنّهم مؤمنون ولم يحكموا عليهم بالعذاب، ولفظ الإرجاء يُستعمل في معنيَين:

الأوّل: التأخير، ومن ذلك قولهم أرجأت الأمر أي أخّرته، وبهذا المعنى ورد في الآية ( أرجِه وأخاه وابعث في المدائن حاشِرين ) .

المعنى الثاني: إعطاء الرجاء، والفِرقة التي شاع تسميتها بالمرجئة يُمكن أنْ يكون تسميتها بهذا الاسم بلحاظ المعنى الأوّل؛ حيث إنّها لم تقل بمقالة الخوارج الذين حكموا بكفر العُصاة، ولا بمقالة المعتزلة القائلين بأنا لا نحكم عليهم بالكفر ولا بالإيمان، ومع ذلك فهُم مخلّدون في النار، بل قالوا: بأنّهم مؤمنون؛ لأنّ الإيمان عقد القلب، والعمل ليس جزءاً منه ولا


شرطاً في تحقّقه، فارتكاب المعاصي لا يسلب العبد صفة الإيمان، فيكون وصفهم بالإرجاء والحال هذه؛ من حيث إنّهم لا يحكمون على العُصاة باستحقاق العقوبة ويتركونه إلى الله.

ويُمكن أنْ تكون تسميتهم بذلك بلحاظ المعنى الثاني؛ لأنّ المعروف عنهم أنّهم يقولون لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، ولازم ذلك إعطاء الرجاء للعُصاة ما دامت المعاصي لا تسلبهم صفة الإيمان، والناس عندهم فريقان: فريق في الجنّة وفريق في السعير، وهم الكفّار لا غير؛ أو لأنّهم يؤخّرون الحكم على مرتكبي الكبائر ولا يحكمون عليهم في الدنيا باستحقاق العقاب (1)، كما يقتضيه المعنى الأوّل للأرجاء.

ويرجّح الدكتور أحمد أمين في فجر الإسلام أنّ الإرجاء بمعنى الإمهال والتأخير، وأنّ هذا الاسم أصبح علَماً على الذين يرجئون أمر الفريقين الذين سفكوا الدماء، إلى يوم القيامة فلا يقضون بحكم على هؤلاء ولا على هؤلاء (2)، والذي يؤيّد هذا المعنى منها هو أنّ كلمة المرجئة لم تعرف قبل العصر الأموي، ولم تستعمل إلاّ بعد أنْ علِم من حال الخوارج أنّهم يكفرون العُصاة سَواء كانوا من الحكّام أم من غيرهم، وفي مقابل هؤلاء ذهب المعتزلة إلى أنّهم مخلّدون بذنوبهم، ووقف المرجئة في مقابل الفئتين الخوارج والمعتزلة، ولم يحكموا عليهم بالكفر ولا بالعقاب في الدنيا وتركوه إلى اليوم الآخر.

وفي التعليقة على مقالات الإسلاميين للأشعري أنّ المرجئة الذين يسمون بهذا الاسم يجزمون بأنّه لا عقاب على مرتكب الكبيرة؛ لأنّه لا يضر مع الإيمان ذنب (3) .

وفي ذلك دلالة على أنّ الإرجاء قد أطلق على فئة من الناس كانت تخالف الخوارج والمعتزلة في حكم مرتكب الكبيرة، وإنْ كان له أكثر من معنى بحسب اللغة.

ومهما كان المراد من هذه الكلمة فالذين خالفوا المعتزلة والخوارج في

____________________

(1) انظر التعليقة على هامش مقالات الإسلاميين للأشعري ص 197.

(2) انظر فجر الإسلام ص 279 الطبعة السادسة.

(3) انظر التعليقة على مقالات الإسلاميّين ص 203.


حكم العُصاة كان لهم شأن في النزاع القائم بين علماء المسلمين في العصرين الأموي والعبّاسي، وأنّهم وصفوا بالأرجاء لأنّهم خالفوا الفريقين المعتزلة والخوارج، وجميع المسلمين إذا صحّ إنّهم يدعون أنّ الإيمان لا تضرّ معه المعاصي، كما لا تنفع مع الكفر الطاعات، وأصبحوا في مقابل غيرهم من المسلمين على اختلاف نزعاتهم وعقائدهم.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الإرجاء بأي معنى أريد منه قد ظهر في القرن الأوّل الهجري، أمّا تحديد الزمان الذي ظهَر فيه فقد اختلفت آراء الكتّاب فيه، فذهب بعضهم إلى أنّه ظهر في عصر الصحابة حينما اختلف المسلمون في عهد عثمان بن عفّان؛ واحتجّوا لذلك بما رواه أبو بكرة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (ستكون بعدي فتنة، القاعد فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي إليها، ألا فإذا نزلتْ فمَن كان له إبل فليلحق بإبِله، ومَن كان له غنَم فليلحق بغنمه، ومَن كانت له أرض فليلحق بأرضه).

فقال له رجلٌ: يا رسول الله، من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: (يعمد إلى سيفه فيدقّ على حدّه بحجَر، ثمّ لينجُ إنْ استطاع النجاة) ، وعملاً بهذا الحديث وقَف جماعة من المسلمين موقفاً حياديّاً من النزاع الذي نشب بين عثمان وخصومه، وبين عليّ (عليه السلام) والخارجين عليه، ولم يحكموا على الجميع بخيرٍ أو شر، فكان هذا الموقف منهم البذرة الأُولى لفكرة الإرجاء (1)، ولمّا اشتدّ النزاع بين الخوارج والمعتزلة في حكْم مرتكب الكبيرة وحكْم الحكّام الأمويّين، وقف جماعة في مقابل الفريقين، وقالوا: إنّ الجميع مؤمنون، وأمرهم في الآخرة يعود إلى الله، إنْ شاء عذبهم وإنْ شاء عفا عنهم.

والإنصاف أنّ موقف الذين اعتزلوا النزاع القائم بين عثمان وجمهور المسلمين، والنزاع الذي أحدَثه الخارجون على خلافة عليّ (عليه السلام) لا ينطبق على الإرجاء بكِلا معنيَيه؛ لأنّ المسلمين كلّهم قد اتفقوا على أنّ عثمان قد أخطأ في سياسته، وتخطّى الحدود التي وضعها الإسلام للحاكم، ولم يتوقّفوا في الحكم عليه بالخطأ والانحراف والخروج عن الخطّ الذي وضعه الإسلام للحاكمين ولسائر الناس ولم يقفوا من هذا النزاع موقفاً حيادياً، بل تركوا الأمر إلى الثوار، كما وأنّ الذين اعتزلوا عليّاً في مواقفه مع أخصامه

____________________

(1) انظر فجر الإسلام ص 280 والمذاهب الإسلامية ص 200.


في البصرة وصِفّين والنهروان لم يشتبه عليهم الحال، ولا سيّما وأنّ عليّاً (عليه السلام) هو القائم على أُمور المسلمين، ولكنّ موقفهم منه كان لمرض في نفوسهم، ولأنّهم يعلمون جيّداً أنّ عليّاً سيساوي بينهم وبين سائر الناس ولا يفضّل أولاد إسماعيل على أولاد إسحاق، ولا يُحابي أحداً في دين الله ويؤيّد ذلك ما أورده جماعة من المؤرّخين من أقوال المتخلّفين وآرائهم في معاوية وعثمان.

وكان طلحة والزبير وعائشة من أشدّ الناس على عثمان وأكثرهم تحريضاً عليه، وجاء عن السيّدة عائشة أنّها كانت تقول: أيّها الناس هذا جلباب رسول الله لم يبْلَ، وقد أبلى عثمان سنّته، ولما استنصرها مروان لتدفع عنه الثائرين أجابت: لعلّك ترى أنّي في شكٍّ من صاحبك، أما والله لوددت أنّه مقطّع في غريزة من غرائزي وأنّي أطيق حمله فأطرحه في البحر (1).

وكانت تعبّر عن رأي أكثر المسلمين في موقفها من عثمان، والأحداث التي أدّت إلى قتله؛ لأنّ النقمة عليه كانت عامّة حتى من الذين ناصروه على الوصول إلى الحكم كعبد الرحمان بن عوف وأمثاله، ولا سيّما بعد أنْ فسَح المجال لبني أُميّة وولاّهم جميع المراكز الحسّاسة في الدولة.

ولو فرضنا أنّ الفئة التي اعتزلت القتال الذي نشب بين عليّ من جهة، وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية من جهة ثانية، لو افترضنا أنّ الرشد لم يتّضح لها في أيّ الجانبين، وأنّ تلك الفئة قد اعتزلت القتال لهذه الغاية، لا حسَداً ولا كرهاً لعليّ (عليه السلام) ولا تهرّباً من عدله، فهو لا يتّفق مع الإرجاء بجميع معانيه، سَواء فسّرناه بعدم الحكم على العُصاة باستحقاق العقاب وتركهم إلى الله يصنع بهم ما يشاء، أم فسّرناه بإعطاء الرجاء الذي يتّفق مع قولهم لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة؛ لأنّ المتخلّفين لم يتّضح لهم عصيان أحد الفريقين على حدّ زعمهم.

ومهما كان الحال فما لا شكّ فيه أنّ المرجئة قد ظهروا في أواسط العصر الأموي، وأبدوا نشاطاً في إشاعة هذه الفكرة في الأوساط الإسلامية، وناصرهم الحكّام الأمويّون على إشاعتها وانتشارها؛ لأنّها تثبت إيمانهم وهم في أمسّ الحاجة إلى هذه الصفة، ولا سيّما في تلك الظروف التي كان الخوارج ينادون بكفر الأمويّين وجميع الصحابة، والمعتزلة يرَون أنّ الإسلام

____________________

(1) انظر تاريخ اليعقوبي ص 152 طبع النجف.


عقيدةٌ وعمل بالفرائض وبكلّ ما جاء به الإسلام، فمن لم يعمل يستحق الخلود في جهنّم، ولو كان معتقداً بكلّ أركان الإسلام.

فالأمويّون إمّا كفّار كما يدّعي الخوارج، أو مخلّدون في جهنّم كما يدّعي المعتزلة، أمّا عند المرجئة فهم مؤمنون لم يخرجوا عن الإيمان بالرغم من إسرافهم في المنكرات والمعاصي، بل ذهب بعضهم إلى أنّ الإيمان لا يعتبر فيه أكثر من الاعتقاد بالله ورسوله، وإنْ أعلن الكفر بلسانه وعبَدَ الأوثان، ولازَم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام، وأضافوا إلى ذلك أنّه في هذه الحالة يكون من أولياء الله ومن أهل الجنّة (1).

ومن الطبيعي أنْ تجد هذه الفكرة أنصاراً ومؤيّدين من الحكّام؛ لأنّهم لا يجدون فرقة من فِرَق الإسلام تمنحهم هذه الصفات التي تضعهم في صفوف القدّيسين، وتؤكّد لهم شرعيّة مُلكهم وتسلّطهم على رِقاب المسلمين مهما أسرفوا في المعاصي واستهتروا بتعاليم الإسلام ومقدّساته، ومِن الغريب الذي تدعمه الشواهد الكثيرة أنْ يكون الحكّام أنفسهم هم أبطال هذه الفكرة في العصر الذي احتدم فيه الصراع الفكري في العقائد، وشاعت فيه آراء الخوارج والمعتزلة في العُصاة ومرتكبي الكبائر، ومن السهل عليهم شراء الأنصار والدعاة لها من العلماء وغيرهم في ذلك العصر الذي ظهر فيه من يحكم عليهم بالكفر والخلود في نار جهنّم.

أمّا الزمان الذي حدثت فيه هذه الفكرة على التحقيق، فليس في المصادر التي تبحث عن الفرق وتاريخها ما يؤكّد زمان نشأتها على الدقّة ويؤيّد ذلك ما جاء عن بعض المستشرقين: أنّ البحث عن المرجئة وبدء تكوينها وتاريخها محاط بشيء من الغموض، والسبب في ذلك يرجع إلى أنّ الدولة العبّاسية قضت عليهم وأفنت أصحاب هذه المقالة؛ لأنّهم كانوا يناصرون الأمويّين (2) وهذا الرأي لا تؤيّده الأدلّة؛ لأنّ القائلين بالإرجاء قد ابتدعوا هذه المقالة لمصلحة الحاكمين، وحكّام الدولة العبّاسية كانوا في أمسّ الحاجة لمن يضعهم في صفوف المؤمنين؛ لأنّهم مثّلوا أقبح الأدوار التي مثّلها حكّام الأمويّين.

وجاء في التعليقة على كتاب التبصير في الدين، أنّ أوّل من سمّى أهل السنّة والجماعة بالمرجِئة هو نافع بن الأزرق الخارجي، أحد زعماء

____________________

(1) انظر فجر الإسلام ص 271 عن ابن حزم مجلّد 4 ص 204.

(2) المصدر نفسه ص 281.


الخوارج في العصر الأموي، عندما شاع بينهم أنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به النبيّ تفصيلاً وإجمالاً، ولا يحتمل الزيادة والنقصان؛ لأنّ الجزم الذي ينعقد القلب عليه إنْ نقَص أصبح جهلاً أو شكّاً أو وهماً، وبذلك يخرج عن حقيقة الإيمان، أمّا العمل فهو خارج عن حقيقته.

وهذا النوع من الإرجاء قد نُسِب إلى أبي حنيفة كما في التعليقة على مقالات الإسلاميّين للأشعري، وقد خالفه بعض الفقهاء والمحدّثين واعتبروا الإيمان مؤلّفاً من ثلاثة أركان: تصديقٌ بالجنان، وإقرارٌ باللسان، وعمَلٌ بالأركان (1)، وقد تبيّن ممّا جاء في التعليقة على التبصير في الدين أنّ اسم المُرجئة لم يكن قبل العصر الأموي، وأنّ أوّل مَن وصَف الجمهور به هو نافع بن الأزرق الخارجي المعاصر لأبي حنيفة، ومعلومٌ أنّ الخوارج يكفّرون في الغالب جميع مخالفيهم، فضلاً عن مرتكبي الكبائر.

والجمهور لا يقولون بمقالة الخوارج ولا بمقالة المعتزلة، وإنّما يذهبون إلى أنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول، ولا يحكمون على مرتكب الكبيرة بالعقاب ويتركونه إلى الله، إنْ شاء عذّبه وإنْ شاء عفا عنه، فيكون الإرجاء المنسوب إليهم وسَطاً بين رأي المعتزلة والخوارج، وهذا بخلاف الإرجاء عند مَن يقول بأنّ الإيمان لا تضرّ معه المعاصي، كما لا تنفع مع الكفر الطاعات، فإنّ الإرجاء بهذا المعنى يُقابل رأي المعتزلة والخوارج وجميع الفِرَق الإسلامية.

وقد أنهى أبو الحسن الأشعري المُرجئة إلى اثنتي عشرة فرقة، وكلّها تتّفق على أنّ الإيمان اعتقادٌ ويقين والعمَل خارج عن حقيقته، ولم يُخالف في ذلك إلاّ الكرامية ، أتباع محمّد بن كرام، فقد ذهبوا إلى أنّ الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب، ورتّبوا على ذلك أنّ المنافقين الذين كانوا على عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع أنّهم لم يؤمنوا بقلوبهم كانوا مؤمنين حقيقةً، كما وأنّ الكفر هو الجحود والإنكار باللسان (1).

وفي كتاب التبصير للأسفراييني: أنّ القائلين بالإرجاء قد افترقوا إلى

____________________

(1) انظر التعليقة على التبصير في الدين للأسفراييني ص 91، والتعليقة على مقالات الإسلاميّين ص 203.

(2) انظر مقالات الإسلاميين ص 205.


خمس فِرق، وعدّ منهم اليونسية أتباع يونس بن عون، القائلين أنّ الإيمان بالقلب واللسان، وحقيقته معرفة الله سُبحانه ومحبّته، والتصديق برسله وكتبه.

والغسانية أتباع غسّان المُرجئي القائل بأنّ الإيمان هو الإقرار بالله والمحبّة له، ولكنّه يَقبل الزيادة والنقصان.

والثنويّة أتباع أبي معاذ القائل بأنّ الإيمان ما وقاك من الكفر.

والثوبانية أصحاب أبي ثوبان المرجئي، وهؤلاء قد أضافوا إلى الإقرار بالله ورُسله، الواجبات العقلية، واعتبروا كلّ ما يراه العقل صحيحاً من أركان الإيمان.

والمريسيّة أتباع بشير المريسي الذي أضاف إلى أقوال مَن ذكرناهم القول بخلْق القرآن، ويبدو من ذلك أنّ المرجئة متّفقون على أنّ العمل ليس من أركان الإيمان، وأنّهم بذلك يحاولون تحديد معنى الإيمان في مقابل الخوارج الذين وقفوا في جانب والمسلمون بأجمعهم في جانب آخر، وكفّروا كلّ من يُخالفهم فضلاً عن مرتكبي الكبائر، كما وقفوا في مقابل المعتزلة الذين اعتبروا العمل من أركان الإيمان واثبتوا للعُصاة الخلود في جهنّم وبعد أنْ ظهر رأيهم في مقابل الخوارج الذين احتكروا الإيمان لأنفسهم، والمعتزلة الذين أضافوا إلى التصديق العمل بالأركان، وأصبح من جملة الآراء المنتشرة في ذلك العصر بعد ذلك تطوّر كغيره من الآراء التي تبرز في بدايتها كفكرة، ثمّ تتّسع كلّما اتسع البحث فيها وطال بها الزمن، ولا سيّما والفكرة من أساسها تخدم مصلحة الحكّام كما ذكرنا.

ولابدّ وأنْ يساعدوا على انتشارها وتداولها وتحويرها لصالحهم؛ ولذلك فقد أدعى بعضهم أنّ الإنسان مهما فعل من الذنوب وارتكب من المنكرات لا يعذّب في النار ما دام مؤمناً بالله ورسله بقلبه ولسانه، وأسرف آخرون، فذهبوا إلى أنّه إقرار باللسان، ولو لم يكن معتقداً بما يقول (1).

وجاء في فجر الإسلام: وقد اشتهر من شعراء بني أُمية بالقول بالإرجاء ثابت بن قطنة ، وكان من أصحاب يزيد بن المهلّب وأعوانه، وله قصيدة توضّح مذهبه في الإرجاء، ويستفاد منها أنّه لا يحكم على أحد بالكفر مهما ارتكب من الذنوب، وأنّ المسلمين إذا اختلفوا وكفّرت كلّ

____________________

(1) وهؤلاء هم الكرامية كما ذكرنا.


طائفة منهم الأُخرى تركناهم إلى الله يحكم عليهم يوم القيامة بما يستحقّون، وإلى ذلك يشير بقوله:

ولا أرى أنّ ذنـبـاً بـالغاً أحـداً

بالناس شِركاً إذا ما وحّدوا الصمدا

يـجزي عـليّاً وعـثماناً بسعيهما

ولـستُ أدري بـحقٍّ أيـة وردا

الله  يـعلم مـاذا يـحضران بـه

وكـلّ عـبدٍ سـيلقى الله منفردا

والإرجاء الذي يدين به صاحب هذه الأبيات هو الإرجاء الذي يقول به جمهور الفقهاء، وهو من أقرب المرجئة إلى الواقع؛ لأنّه لا ينفي العذاب عن العُصاة، ولا يقطع بعقوبتهم، ويترك الحكم عليها إلى الله وحده (1) .

ومجمل القول إنّ الإرجاء الذي شاع القول به في العصرين الأموي والعبّاسي، وأصبح مذهباً لفريق من الناس في مقابل غيرهم من أصحاب المذاهب، لا يقول به الإمامية؛ لأنّ المرجئة لا يحكمون على العُصاة بأيّ حكم من الأحكام، وبعضهم يدّعي بأنّهم مؤمنون منعّمون في الجنّة، والإمامية مجمعون على أنّهم فسّاق معذّبون بذنوبهم، وجاء عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: صنفان من أُمتي ليس لهم في الآخرة نصيب المرجئة والقدرية (2).

وجاء عن زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) أنّه قال: لعن الله المرجئة؛ لأنّهم أطمعوا الفُسّاد في عفو الله.

____________________

(1) انظر الإمام الصادق لأبي زهرة ص 143.

(2) انظر كنز الفوائد للكراجكي المتوفّى في القرن الرابع ص 51.


المعتزلة

لقد بدأ بين المعتزلة والمحدّثين في مطلع القرن الثاني الهجري، وبلغ الصراع أشدّه بعد أن وجد المعتزلة من يناصرهم ويتبنّى بعض آرائهم من الحكّام العبّاسيين، وكما ذكرنا أنّ النزعة العقلية هي التي كانت تسيطر على بحوث المعتزلة، حتى في قضايا الدين، بينما تمسّك المحدّثون بحرفيّة النصوص، سَواء في ذلك القرآنية والنبوية، والطرفان أسرفا في تعصّبهما لهاتين النزعتين وجرّهما هذا التعصّب إلى الأخطاء الكثيرة التي ظهرت في آرائهم في التوحيد والصفات والجبر والاختيار، وغير ذلك من المباحث التي كانت مسرحاً للجدَل والنزاع بين الفريقين، وترك الطرفان مجموعة من المؤلّفات حول معتقداتهم في الأُصول الإسلامية وغيرها، وكتب عنهم مؤلّفو الفِرَق والكتّاب عشرات الكتب.

ويبدو من تلك المؤلّفات التي صدرت حول المعتزلة وآرائهم ومعتقداتهم، أنّ السبب في وصف أصحاب تلك الأفكار بالاعتزال لا يعدو واحداً من أُمورٍ ثلاثة:

الأوّل: أنّ واصل بن عطاء الغزال كان يتبنّى رأي معبد الجهني وغيلان الدمشقي في أفعال الإنسان، وأنّه هو وحده الذي يصنع أفعاله بدون أنْ يكون لله أيُّ أثر في ذلك، وهما أوّل من أظهَر القول بالقدر بمعنى الاختيار المطلق في مقابل الجهمية أتباع الجهم بن صفوان الذين قالوا بالقدر المرادف للجبر، وهم الجبرية الخالصة، وقد أضمر واصل هذه العقيدة وأخفاها عن رفقائه، وحتى عن أُستاذه الحسن البصري، بينما يرى الجمهور الأكبر من المسلمين أنّ أفعال الإنسان مخلوقة لله سبحانه، فيكون وصفه بالاعتزال؛ لأنّه اعتزل رأي الجمهور الأكبر من المسلمين، وتبنّى رأي معبد الجهني وغيلان الدمشقي.

الثاني: إنّ هذا الوصف غلب عليهم لأنّهم اعتزلوا قول الخوارج والمرجئة والفقهاء في مرتكب الكبيرة، حيث إنّ الخوارج يرونه كافراً، والمرجئة يرونه مؤمناً مستحقّاً للنعيم، والفقهاء يرونه منافقاً، ولمّا سُئل الحسن البصري عن رأيه في أصحاب الكبائر في الوقت الذي كان الخوارج ينادون بكفرهم، والمرجئة ينادون بإيمانهم، وقف واصل بن عطاء في مجلس أُستاذه وأجاب السائل بأنّهم بين المنزلتين، الإيمان والكفر، ويستحقّون الخلود في جهنّم، فطرده الحسن البصري من مجلسه، فاعتزله واصل وجلس في ناحية من نواحي المسجد، وانضمّ إليه جماعة منهم صِهْره عمرو بن عبيد وغيره (1) .

____________________

(1) انظر التبصير في الدين ص 64 وفجر الإسلام ص 298.


الثالث: إنّهم أنّما وصفوا بالاعتزال؛ لأنّهم عزلوا مرتكب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين كما يظهر ذلك من المسعودي في مروج الذهب.

ويرى بعض المؤرّخين أنّ وصف الاعتزال كان أسبَق من تاريخ واصل بن عطاء، وأنّه وصف لجماعة من المسلمين قد لزموا منازلهم عندما صالح الحسن بن عليّ (عليه السلام) معاوية واعتزلوا الفريقين الحسن ومعاوية.

ويرى بعض المستشرقين أنّ جماعة من المسلمين كانوا أتقياء للغاية أعرضوا عن ملاذّ الحياة وزهدوا في الدنيا فسمّاهم الناس معتزلة بهذا الاعتبار.

ومن الجائز القريب أنّ يكون هذا الوصف أصبح علَماً على الفرقة المعروفة بمبادئها ومناهجها في وقتٍ متأخّر عن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وذلك بعد أنْ اشتهرت في آرائها ومواقفها في مقابل العلماء والمحدّثين الذين تمسّكوا بظواهر النصوص، ولم يعتمدوا على العقل في شيءٍ من أُمور دينهم، بينما اعتمد هؤلاء على العقل وحده، وتأوّلوا الأحاديث المخالفة له، ويكون وصفهم بالاعتزال؛ لأنّهم اعتزلوا طريقة العلماء والمحدّثين، واعتمدوا على العقل وحده في أبحاثهم ومناظراتهم، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الوصف قد أطلق على جماعة من المسلمين قد اعتزلوا الفريقين عليّاً (عليه السلام) ومعاوية.

ووردت في كتاب قيس بن سعد بن عبادة، وكان والياً لعليّ (عليه السلام) على مصر، قال في كتاب أرسله إلى عليّ (عليه السلام): (إنّ قِبَلي قوماً معتزلين، وقد سألوني أنْ أكفّ عنهم)، كما وردَت في كلام غيره لمناسبات مختلفة، ولكن ذلك لا يثبت تسمية هؤلاء بالمعتزلة، وأنّ هذا الاسم قد أطلق على الذين اعتزلوا قيساً في مصر، أو الحسن ومعاوية بعد الصلح، وأصبح علَماً عليهم، ولا يُستفاد من وصفهم بالاعتزال أكثر من أنّهم لم يُساهموا في القتال الذي وقع بين الفريقين في تلك الفترة من تاريخ المسلمين، وذلك لا يعني أنّ الفرقة التي غلَب عليها هذا الاسم كانت قبل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهما من مؤسّسي مبادئ المعتزلة.

وأخيراً فالرأي الشائع بين المؤرّخين وكتّاب الفِرَق، أنّ واصل بن عطاء قد اعتزل مجلس أُستاذه الحسن البصري بعد أنْ كان أحد تلامذته المختصّين به، واتّخذ مركزاً مستقلاًّ للبحث والجدل والمناظرة ووزّع دعاته وأنصاره في البلاد، فأرسل عبد الله بن الحارث إلى المغرب، وحفص بن


سالم إلى خراسان لمناظرة الجهم بن صفوان، وألّف كتاباً فيه ألف مسألة للردّ على المانوية ، وانصرف أتباعه عمرو بن عبيد وأشباهه إلى الدعوة لمبادئهم (1) هذا الرأي تؤيّده أكثر المصادر التاريخية، بالإضافة إلى أنّه أكثر شيوعاً وانتشاراً بين كتّاب الفِرَق والمذاهب من المتقدّمين، وأصبح بعد ذلك علَماً لكلّ من يرى رأي واصل وأتباعه في المبادئ الخمسة التي لابدّ منها في صدق الاعتزال كما سيأتي في المباحث الآتية.

وممّا يؤيّد ذلك ما جاء في أوائل المقالات للشيخ المفيد حول هذا الموضوع - قال: (وأمّا المعتزلة وما وسِمَت به من اسم الاعتزال، فهو لقبٌ حدَث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين، وما أحدَثه واصل بن عطاء من المذهب في ذلك هو وصاحبه عمرو بن عبيد ومن وافقهما على التديّن بذلك، وأدّى بهم الإصرار على رأيهم إلى اعتزال الحسَن البصري وأصحابه، وتحيّزهم إلى مجلسهم الذي اختصوا به، فسمّاهم الناس عند ذلك معتزلة؛ لاعتزالهم مجلس أُستاذهم بعد أنْ كانوا من أهله ولم يكن قبل ذلك يُعرف الاعتزال ولا كان علَماً على فريق من الناس) (2).

ـ وكان على صلةٍ أكيدة بهم، وله مناظرات كثيرة معهم كما يبدو ذلك من كتابه العيون والمحاسن، ويؤكّد ذلك ابن خلكان في كتابه وفيّات الأعيان عن السمعاني المتوفّى سنة 562هـ، ونشوان بن سعيد في كتابه شرح رسالة الحور العين، فقد ذهبا في كتابيهما، الأنساب وشرح الرسالة، إلى أنّ المعتزلة إنّما غلَب عليهم هذا الاسم؛ لقولهم بالمنزلة بين المنزلتين بالنسبة لمرتكب الكبيرة، في مقابل الخوارج القائلين بكفره، والمرجئة القائلين بإيمانه؛ لإقراره بالله ورسوله وكتابه، وبما جاء به الرسول من عند الله (3) .

____________________

(1) انظر أبا حنيفة للشيخ محمّد أبي زهرة ص 156، وفجر الإسلام لأحمد أمين ص 300.

(2) انظر أوائل المقالات للشيخ المفيد محمّد بن النعمان المتوفّى سنة 413 ص 5 و6، وقد عاصر المفيد جماعة من عظمائهم كأبي القاسم البلخي، والقاضي عبد الجبّار الرازي، وأبي سعيد الإصطخري وأبي الحسين البصري وغيرهم.

(3) انظر المصدر السابق ص 5 من التعليقة على الكتاب المذكور، والمواقف للقاضي عبد الرحمان بن أحمد الإيجي، وأضاف إلى ذلك أنّهم لا يصفون الفاسق بالإيمان؛ لأنّه مدح والفاسق لا يستحقّ المدح، ولا بالكفر لأنّه مُقرٌّ بالشهادتين.


وجميع فِرق المعتزلة، البالغة اثنتي عشرة فرقة، كما أنهاها الأُستاذ أبو زهرة في كتابه أبي حنيفة، والشهرستاني في الملل والنحل، وغيرهما متّفقون على خمسة مبادئ: التوحيد، والعدل، والوعيد والوعد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الأُصول الخمسة هي الأركان التي لابدّ منها في وصفهم بالاعتزال، ولا يستحقّ أحد هذا الوصف إذا لم يلتزم بها، وكل من يتحيّف طريقها، ويسلك غير سبيلها لا يتحمّلون إثمه ولا تلقى عليهم تبعته.

وإنْ كانوا قد اتفقوا على بعض المسائل الأُخرى، إلاّ أنّ اتفاقهم على غير الأركان الخمسة لا أثر له في وصفهم بالاعتزال، كما وأنّ الخلاف الواقع بين شيوخهم في كثير من المسائل الكلامية والفلسفية لا يسلبهم صفة الاعتزال، وقد بدأ المعتزلة نشاطهم في مطلع القرن الثاني حينما ظهر واصل بن عطاء بآرائه التي تفرّد بها عن أَساتذته الفقهاء، وأسّس مدرسة الاعتزال التي كانت تضمّ جماعة من المفكّرين كعمرو بن عبيد وأمثاله.

ثمّ بدأت تنشط وتنتشر بمبادئها ومناهجها بمناصرة الحكّام العبّاسيّين إلى أوائل القرن الرابع الهجري سنة 331هـ في السنة التي توفّي فيها الجبائي الزعيم الأخير لتلك المدرسة، وفي خلال هذه المدّة بلغ عدد المتزعّمين من المعتزلة عشرين شيخاً، وإلى كلّ واحد أتباع ومؤيّدون لأفكاره ونظرياته، كما أنهاهم الأسفرائيني في كتابه التبصير في الدين، وبموت الجبائي وظهور الأشعري خفَت صوت المعتزلة بعد أنْ كان عالياً، وبدأ الضعف يسري فيهم، ولا سيّما بعد أنْ لقي الأشعري من الحكّام ما يشجّعه على المضي في الطريق الذي اختطّه لنفسه بعد أنْ لازمهم زمناً طويلاً، وتلقّى عنهم أكثر معلوماته.

ومع ذلك فلَم ينته الاعتزال بالرغم من مساندة الحكّام للمحدّثين، ولكنّه بقي محدوداً في نطاق الفرق التي أنهاها الأسفرائيني إلى عشرين فرقة، وحول آراء هذه الفِرَق كانت تنشط المناظرات والمجادلات أحياناً، وربّما كانت تنتهي بالتكفير والتفسيق من كِلا الفريقين.

ولعب الأشاعرة دوراً بارزاً في الصراع الذي حدَث بين المعتزلة والمحدّثين أدّى إلى حرق كتبهم، وتشريدهم في البلاد، شرقها وغربها، وأصبَح المسلمون ينظرون إلى مذهب المعتزلة بعين الريبة والحذر، ومهما كان الحال، ففِرَق الاعتزال التي أحصاها بعض المؤلّفين في المذاهب


الإسلامية ليس بينها من يُخالف في الأُصول الخمسة التي لابدّ منها لكلّ من يوصف بالاعتزال، وإنْ بلغ الخلاف أقصى حدوده في كثير من المسائل والنظريات، ولكنّ خلافهم في تلك المسائل، لمّا لم يُمِسّ الأُصول الخمسة التي يقوم عليها مذهب الاعتزال لم يخرجوا عن الاعتزال بسببه.

كما وأنّ اتفاقهم على بعض المسائل والنظريات: مثل قولهم أنّ الحيوانات والحشرات خالقة لأفعال نفسها، وأنّ الله لم يرد المعاصي كالزنا واللواط والكفر وغير ذلك، وأنّ العقل يدرك الحسن والقبيح، وأنّ ما يراه حسناً لابدّ وأنْ يلتزم به الشارع، وما يراه قبيحاً لابدّ وأنْ ينهى عنه، ويجب فعل الحسن وترك القبيح، حتى إذا لم يرد النص الشرعي عليهما، إلى غير ذلك ممّا أورده مؤلّف التبصير في الدين، من المسائل التي اتفقوا عليها واعتبرها مؤلّف الكتاب المذكور من فضائحهم وعيوبهم (1).

هذا التوافق بينهم في الرأي على تلك المسائل، كما يدّعي كتاب الفرق والمذاهب لا أثر له في صحّة تسميتهم بهذا الاسم. وكما ذكرنا فلقد أجمع المؤلفون في الفرق الإسلامية أنّ المعتزلة لم يكونوا فرقة واحدة، وأنّ فرقهم تتراوح بين الاثنتي عشرة فرقة وبين العشرين على اختلاف المؤلّفين في إحصائهم.

وأوّل هذه الفِرَق الواصلية أتباع واصل بن عطاء الغزال تلميذ الحسن البصري، وأوّل مَن لُقّب بهذا اللقب على أشهر الروايات كما ذكرنا، كان مولده بالمدينة سنة ثمانين من الهجرة، وقد نشأ في أحضان مواليه الهاشميّين كما جاء في بعض الروايات (2)، ويظهر ممّا رواه المؤرّخون أنّه كان واسع العلم قويّ الحجّة محيطاً بمذاهب العصر الذي عاش فيه، وكان مع ذلك لا يتكلّم إلاّ بمقدار الحاجة، حتى أتُّهم بالخرس من طول صمته، كما اتهمه أخصامه بالكفر والزندقة، وبقيَت صِلاته طيّبة بأُستاذه الحسَن البصري، إلى أنْ خالفه في مرتكِب الكبيرة، فانقطع بينهما حبل المودّة،

____________________

(1) انظر التبصير في الدين ص 61 وما بعدها.

(2) وقيل: إنّه مولى لبني ضبّة كما قيل: إنّه كان من موالي بني مخزوم، ويُكنّى بأبي حنيفة وقد نسبه إسحق بن سويد إلى الخوارج وفي ذلك يقول:

برئت من الخوارج لست منهم          من الغزال منهم وابن باب


وبعد حوارٍ طويل بينه وبين رفيقه عمرو بن عبيد اعتنق عمرو بن عبيد مذهبه، وقال: (ما بيني وبين الحقّ من عداوة) (1).

وشاع في عصره النزاع في مسألة الجبر والاختيار، فذهب إلى القول بأنّ الإنسان هو الذي يصنع أفعاله مختاراً بدون أنْ يكون لله رأيٌ في ذلك، فقال الناس فيه: (إنه مع كفره قدري)، وشاع في عصره (كلّ كافر قدري) وقد أخذ القول بالقدر عن معبد الجهني، وغيلان الدمشقي كما يرى ذلك بعضُ المؤلّفين في الفِرَق والمعتقدات (2).

على أنّ واصلاً قد تفرّد عن غيره من شيوخ المعتزلة بأُمور، منها أنّه أحدَث قولاً ثالثاً بالنسبة للفريقين المتخاصمين في الفترة الأولى من تاريخ الإسلام، فقال: (إنّ أحدهما لا بعينه فاسق لا تُقبَل شهادته في شيءٍ، حتى ولو كان الشاهد عليّاً وبنيه (عليه السلام)).

وجاء عنه أنّه قال لو شهدوا بأجمعهم على باقة بَقْل لم أقبَل شهادتهم (3)، ولعلّ الذين ألصقوا في أفكار الخوارج قد اعتمدوا على هذه المقالة وأمثالها من آرائه، التي تبدو وكأنّها أقرب إلى آرائهم منها إلى سائر الِفرََََََََََق الإسلامية، وإنْ لم يلتقِ معهم التقاءً كلّياً في أكثر آرائه ومعتقداته؛ لأنّ المسلمين الذين لم يوالوا عليّاً كانوا على قولَين في النزاع الذي حدَث بينه وبين طلحة والزبير ومعاوية، فالخوارج حكموا عليه بالكفر لأنّه حكّم الرجال في دين الله - على حدّ زعمهم - وبقيّة المسلمين بين من يقول بأنّ جميع أفعاله تفرضها المصلحة وتمليها مصلحة الإسلام العُليا، وبين من يقول بأنّه مجتهد في الدين، والمجتهد معذور في كلّ أفعاله حتى ولو كان مخطئاً، أمّا التكفير والتفسيق فلَم يذهب إليه إلاّ الخوارج والواصلية.

الفرقة الثانية: العمرية ، أتباع عمرو بن عبيد (4)، وكما ذكرنا فقد كان

____________________

(1) انظر تاريخ الفِرََََََق الإسلامية لعليّ الغرابي ص75 وما بعدها، وانظر الفَرْق بين الفِرَق لعبد القاهر البغدادي ص98.

(2) انظر المواقف، المجلّد الرابع ص 379 لعبد الرحمان بن أحمد الايجي.

(3) وُلد هو وواصل بن عطاء في سنة واحدة، وكان والده عبيد نسّاجاً في بداية أمره، ثمّ أصبح من شرَطَة الحجّاج الثقفي وبطانته، ولسوء سمعة أبيه في البصرة كان الناس يقولون بعد أنْ نبَغ ولده عمرو: خير الناس ابن شرّ الناس، يعنون بذلك عمرواً ووالده.


قويّ الجدَل بارعاً فيه؛ لأنّ العصر الذي وجِد فيه عصر جدلٍ ونقاش، وانتصارٍ لرأي، وإبطالٍ لآخر، في هذا الوسط الفكري المتضارب بشتّى النزعات والأهواء والآراء المتباينة، نشأ أبو الهذيل أحد أعلام الطبقة الثانية من طبقات المعتزلة، واستمع إلى علماء عصره، وعرَف ما بينهم من خلافات في مختلف النواحي والجهات، ووقف على آرائهم في مختلف المسائل، حتى أصبح من البارعين في مختلف العلوم، واختاره المأمون رئيساً لمجلس مناظراته، وحكى عنه ابن خلكان أنّ صالح بن عبد القدّوس (1) مات وله ولد فحزَن عليه واشتدّ جزعه.

فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك وجهاً! إذا كان الإنسان عندك كالزرع، فقال له صالح: إنّي لأجزع عليه لأنّي قد ألّفت كتاباً اسمه كتاب الشكوك ولم يقرأه، وهو كتاب يشكّ كلُّ من قرأه فيما كان حتّى يتوهّم أنّه لم يكن، وفيما لم يكن حتّى يتوهّم أنّه قد كان، فقال أبو الهذيل: فشُكّ أنتَ في موت ابنك، واعمل على أنّه لم يمُت وإنْ كان قد مات، وشُكّ في قراءته لكتاب الشكوك وإنْ كان لم يقرأه (2) ، وممّا اختصّ به من بين شيوخ المعتزلة أنّه كان يذهب إلى أنّ مقدورات الله سبحانه لابدّ وأنْ تنتهي بحيث يصبح عاجزاً عن كلّ شيء، وعندها لم يستطع أنْ يزيد في نعيم أهل الجنّة ولا في عذاب أهل النار، وينقطع عذاب أهل النار، ولم يبقَ لأهل الجنّة قدرة على أنْ يتنعّموا بنعيم الجنّة.

وذهب إلى أنّ أهل الآخرة مضطرّون إلى ما يكون منهم، وأهل النار يتكلّمون بدون إرادة واختيار، وليس لأحدٍ في الآخرة قدرة على اكتساب فعلٍ أو قول، وليس في الأرض دهري ولا زنديق إلاّ وهو مطيع لله في أشياء كثيرة، وإنْ عصاه من جهة كفره، واستدلّ على ذلك بأنّ كلّ أمرٍ من أوامر الله سُبحانه في مقابله نهي، فلو كان مَن لا يعرفه قد فعل جميع أوامره، وجَب أنْ يكون تاركاً لجميع زواجره، وأنْ يكون قد ترك الطاعات فعلاً لجميع المعاصي.

____________________

(1) كان صالح بن عبد القدّوس على مذهب الثنوية القائلين بتعدّد الآلهة، وقد صلّى يوماً الصلاة التي يُصلّيها المسلمون فقيل له ما هذه الصلاة ومذهبك معروف؟ قال: أُصلّيها؛ لأنّها سُنّة أهل البلد. انظر الأمالي للسيّد المرتضى ج(1) ص100.

(2) انظر الفرق لعليّ الغرابي ص 155.


تتلمذ على الحسن البصري هو وواصل بن عطاء، ولازمه زمناً طويلاً، ولمّا انفرد واصل عن أُستاذه، واستقلّ في زاوية من زوايا المسجد مع جماعة كانوا يرون رأيه انضمّ إليه عمرو بن عبيد، بعد محاورة جرت بينهما بالنسبة لمرتكب الكبيرة، وقال: (ما بيني وبين الحق عداوة)، واتّفق هو وواصل على أُصول الاعتزال الخمسة، ويحكى عنه أنّه كان متصلّباً في اعتناق مذهب القدرية، فقد ادعى أنْ لا سيطرة على الإنسان في أفعاله، والإنسان وحده مستقل هو الذي يصنع ويفعل.

وخالف زميله في الحكم على عليّ (عليه السلام) وطلحة والزبير ومعاوية، وذهب إلى أنّ كل واحد منهم فاسق بعينه ظالم للآخر، بينما كان واصل بن عطاء يدّعي أنّ أحد الفريقين لا بعينه ظالم للآخر، والحقّ في جانب أحدهما، ولكنّهما قد اتفقا على تفسيق معاوية ومن معه (1) ويُنسب إليه أنّه قال: إنّ الآية ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) ليست هكذا في اللوح المحفوظ؛ لهذا، ولأنّه كان مغالياً في القدر على مذهب معبد الجهني وغيلان الدمشقي لم يكن موثوقاً عند المحدّثين، ومتّهماً بوضع الحديث على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وتؤكّد المصادر التاريخية أنّه لم يقبل صلة من المنصور العبّاسي، ولا باشر له عملاً، مع أنّه ألحّ عليه بذلك وأهدى إليه الأموال والنفائس، وله مع ذلك مع المنصور مجالس كان يعظه بها ويوجه إليه الانتقادات اللاذعة، وجاء عنه أنّه مرّ على سارق قد أمر الحاكم بقطع يده، فقال: لا إله إلاّ الله، سارق السِر يقطعه سارق العلانية.

ومجمل القول أنّ عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء كانا على اتفاق في أكثر المبادئ التي دعا إليها واصل، ولم يختلفا إلا في تصلّب عمرو في الحكم على عليّ (عليه السلام) وطلحة والزبير، وفي مغالاته في مذهب القدرية الراجع إلى التفويض المطلق.

الفرقة الثالثة: الهذيلية ، أتباع محمّد بن الهذيل المعروف بالعلاّف (2) المولود في البصرة سنة 135هـ، ولم يرتحل عنها قبل سنة 204هـ بعد أنْ استدعاه المأمون لبغداد، وسمّي بالعلاّف؛ لأنّ داره في البصرة في محلّة العلاّفين، وكان

____________________

(1) انظر المصدر السابق نفس الصفحة، والتبصير في الدين.

(2) لقد عاش أبو الهذيل مِئة سنة، وتوفّي سنة 227هـ، كما في رواية المسعودي في مروج الذهب.


قد ذهب إلى أنّ الله سُبحانه لا يقدِر أنْ يعطي عباده القدرة على الإحياء والإماتة، وغيرهما من الأعراض التي لا يعرفون كيفيتها، كالألوان والطعوم وأمثال ذلك، واستدلّ على ذلك بأنّ ذلك يؤدّي إلى عبث الإنسان في الأرض؛ لأنّ الإنسان إذا قدر على الإحياء والإماتة كان إلهاً، وشريك الباري محال، وقدرة الله كما أنّها لا تتعلّق بالمحال، لا تتعلّق بما يؤدّي إلى المحال.

ومِن آرائه أنّ الله لا يقدر على ما أقدر عليه عباده ولا يوصف بالقدرة على الصلاة والصيام وغيرهما من موضوعات التكاليف؛ لأنّها أعمال جسميّة، وهو منزّه عن كلّ ما هو من لوازم الجسم (1) وقد نسَب إليه الراوندي في كتابه فضائح المعتزلة آراء أُخرى، وقد أوردها كتاب الفِرَق في مؤلّفاتهم، ويدّعي الشهرستاني أنّه انفرد عن أُستاذه واصل بن عطاء (2) بعشرِ قواعد، وعدّ منها هو وغيره ما ذكرناه، وقد برأه ابن الخيّاط المعتزلي في كتابه الانتصار من جميع هذه المقالات المنسوبة إليه (3).

النظامية: أتباع إبراهيم بن سيّار النظام المتوفّى سنة 221هـ وله من العمر خمس وثلاثون سنة كما جاء في ترجمته، وكان من مشاهير العلماء البارعين في علم الكلام والفلسفة بقسمَيهما، وقد حفظ القرآن والإنجيل والتوراة، بالإضافة إلى ما كان يحفظه من أشعار العرب وتاريخ الأُمم وفتاوى الفقهاء المتقدّمين عليه والمعاصرين له، واختلفت آراء الكتّاب والمؤرّخين فيه وتناقضت.. فبينما نرى جماعة يصفونه بالكفرِ والإلحاد ويذهبون إلى أنّه مات وهو سكران، وآخر ما تكلّم به:

اشرب على طرَبٍ وقل لمهدّد

هوّن عليك يكون ما هو كائن

____________________

(1) انظر المقالات الإسلامية لعليّ الغرابي ص 164 و174، والملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 69، والتبصير في الدين ص 66.

(2) الظاهر أنّ واصل بن عطاء ليس من أساتذته؛ لأنّه ولد سنة 135هـ، وتوفّي واصل سنة 131هـ.

(3) انظر الانتصار لابن الخيّاط ص 71 و73 وما بعدهما.


وينسبون إليه أنّه كان ينشد:

ما زلت آخذ روح الزق في لطف

واستبيح دماً من غير مجروح

حتى انثنيتُ ولي روحانِ في جسدي

والزق مطرح جسم بلا روح

بينما نرى جماعة يصفونه بهذه الصفات وبأقبَح منها (1) ، نرى آخرين يصفونه بالإيمان والاستقامة في دينه، والدفاع عن الدين وردّ كيد الملاحدة (2).

ومهما كان فقد نُسِب إليه أنّه كان يقول إنّ القرآن لا إعجاز في نَظمه، وينكر جميع المعجزات التي رواها المحدّثون عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وكان يتأوّل صفات الله سُبحانه تأويلاً سلبياً، فعلْمُ الله عنده معناه نفي الجهل عنه، وقدرته هي عدم عجزه، وهكذا الحال في بقيّة الصفات، وله آراء أُخرى خالَف فيها أسلافه المعتزلة كانت من جملة المآخذ عليه عند متأخّري المعتزلة، حتى ألّف بعضهم كتاباً في تكفيره (3).

وفي كتاب التبصير في الدين، أنّه كان يصاحب ملاحدة الفلاسفة، وعنهم أخذ القول بأنّ أجزاء الجزء لا تتناهى، ولزمه على هذا القول قِدَم العالَم، كما نُسِب إليه أنّه يذهب إلى أنّ الله سُبحانه خلَق الناس والحيوان وجميع الكائنات على اختلاف أنواعها في وقتٍ واحد، ولم يتقدّم خلقٌ آدم على خلق ولده، ولا خلق الأُمّهات خلق أولادهن، والتقدّم والتأخّر إنّما هو في ظهورها من أماكنها دون خلْقها واختراعها، ومحال عنده أنْ يزيد في الخلْق شيئاً، أو ينقص منه شيئاً، ويدّعي النظّام أنّ القرآن غير القراءة المتعارفة، فهو لا يوجَد في مكانين، ولا يزال في المكان الذي خلق فيه (4).

____________________

(1) ومن هؤلاء عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفّى سنة 276هـ.

(2) انظر الفِرَق الإسلامية لعليّ الغرابي ص 190 و191 تجد طائفة من الآراء المتناقضة فيه من الناحية الدينية.

(3) نفس المصدر، والملل والنحل للشهرستاني، والتبصير في الدين، ومقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري.

(4) انظر الانتصار لأبي الحسين الخياط المعتزلي ص 44، وإذا صحّ عنه ذلك يكون من القائلين بنظرية الكمون وأنّ العالم مخلوق دفعةً واحدة، والتقدّم والتأخّر في الظهور لا في الخلق، وأضاف إلى ذلك في المواقف المجلّد الرابع ص 380: أنّ الله لا يقدر أنْ يزيد أو ينقص من ثواب أهل الجنّة وعقاب أهل النار، ولا يقدر على الشرور والقبائح.


الأسوارية: أتباع عليّ الأسواري من تلامذة أبي الهذيل والنظّام؛ ولذا فإنّه يتبنّى آراءهما، وأضاف إليها أنّ الأشياء التي يعلم الله بعدَم وجودها ليست مقدورة له، وهي مقدورةٌ للإنسان؛ لأنّ قدرة الإنسان تتعلّق بالوجود والعدم، فإذا اتصف بالقدرة على أحدهما لابدّ وأنْ يتّصف بالقدرة على الطرف الآخر (1) .

المعمرية: أتباع معمر بن عباد، وقد تفرّد عن شيوخ المعتزلة بأُمور منها: أنّ الإنسان ليس الصورة التي نشاهدها، وإنّما هو شيء في هذه الصورة، عالمٌ قادرٌ مختارٌ يدبّر، بلا حركة ولا سكون، ولا تدركه الحواس ولم يخلق غير الأجسام، أمّا الأعراض فهي من مخترعات الأجسام تقتضيها طبيعتها كما تقتضي النار الإحراق، والله سبحانه لا يوصف بالقِدَم؛ لأنّ وصفه بالقِدَم يدلّ على التقادم الزماني وهو ليس بزماني، كما وأنّه لا يعلم نفسه، وإلاّ اتحد العالِم والمعلوم (2).

الجعفرية: أتباع جعفر بن بشير المتوفّى سنة 234هـ، وجعفر بن حرب المتوفّى سنة 236هـ، وقد ذهبا إلى أنّ الله لا يقدر على ظلم الأطفال والمجانين، ولا يوصف بأنّه متكلّم، وأضافوا إلى ذلك أنّ فسّاق المسلمين أشرّ من اليهود والمجوس، وأنّ الإجماع الذي تمّ بين المسلمين على حدّ شارب الخمر ليس حجّة شرعية؛ لعدَم ورود النص بذلك (3).

الإسكافية: أتباع محمّد بن عبد الله الإسكافي، وقد وافق الجعفرية فيما ذهبوا إليه (4).

البِشرية: أتباع بِشر بن المعتمر، وقد ذهَب إلى أنّ الإنسان يخلق اللون والطعم والرائحة والسمع والبصر على سبيل التولّد، وأنّ الله قادر

____________________

(1) انظر التبصير ص 70، والمواقف ص 381.

(2) المواقف ص 383 والتبصير ص 70، وفرق الشهرستاني ص 90.

(3) انظر التبصير في الدين ص 73، والمواقف ج 4 ص 381.

(4) انظر المصدر السابق ص 74، والمواقف ص 381.


على تعذيب الأطفال ولو عذّبهم كان ظالماً لهم، وحيث لا يستحسن منه ذلك يجب أنْ نقول لو عذّبهم كانوا بالغين عاقلين مستحقّين العذاب والعقاب، وأنّ الله إذا غفر ذنبَ عبدٍ من عباده، ثمّ ارتكب العبد ذنباً استحقّ العقاب على الذنب الأوّل (1).

المزدارية: أتباع عيسى بن صبيح المزدار من أعاظم معتزلة بغداد وزهّادهم، وقد سمّي راهب المعتزلة، وقد ذهب إلى أنّ الله يقدر على الظلم والكذِب، ولو فعل كان إلهاً ظالماً كاذباً، وأنّ الناس قادرون على الإتيان بمثل القرآن وأحسَن منه نظماً، وكفّر مَن عاشر السلطان، ومَن قال بخلق الأفعال، وحكَم بعدم التوارث بينه وبين أقربائه (2).

الهشامية: أتباع هشام بن عمر الغوطي من معتزلة القرن الثاني المعاصرين للمأمون العبّاسي، وكان لا يجيز لأحدٍ من المسلمين أنْ يقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، بالرغم من وجود الآيات التي تنصّ على ذلك، كما في الآية 173 من سورة آل عمران، والآية 9 من سورة المزمّل، مدّعياً عدم جواز إطلاق الوكيل عليه تعالى (3)، وذهب أيضاً إلى أنّ الله سُبحانه لم يؤلّف بين قلوب المؤمنين ولم يضل الكافرين، وأنّ الجنّة والنار ليستا بمخلوقتين، وأنّ من قال: بأنّهما مخلوقتان، كافر لعدَم الفائدة من خلقهما قبل الحشر، إلى غير ذلك من الآراء الشاذّة التي أوردها الشهرستاني والايجي وأبو حامد الإسفراييني (4).

الحابطية: أتباع أحمد بن حابط، وهو من تلامذة النظام، وقد نسب إليه الشهرستاني القول بالتناسخ، وادّعى مؤلّف المواقف أنّ القائلين بالتناسخ من المعتزلة هم الحدثية أتباع الفضل بن الحدثي، أحد تلامذة النظام، ونسب إلى الحابطية القول بأنّ للعالم إلهين: أحدهما قديم وهو الله، والثاني محدث وهو السيّد المسيح؛ واستدلّوا على ذلك بالآية، ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) ، وأضاف في المواقف أنهم يذهبون إلى أنّ

____________________

(1) المصدر السابق نفس الصفحة والتبصير ص 71.

(2) انظر المصدرين السابقين.

(3) وهذا جهل منه بالمعنى المراد من الوكيل، إذ ليس المراد منها هو الوكالة بالمعنى المتعارف، بل المراد منها الكافي أو الحافظ.

(4) انظر التبصير في الدين ص 72 والمواقف وغيرهما من كتب الفِرَق والمذاهب.


الله أبدَع الحيوانات عقلاء بالغين في غير هذه الدار، وخلَق فيهم معرفته وأسبَغ عليهم نعمته، ثمّ ابتلاهم وكلّفهم شكر نعمته، فمَن عصاه في الجميع أخرجه إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض دون البعض أخرجه إلى هذه الدنيا وكساه هذا الجسد بأشكاله المختلفة، ولا يزال الحيوان في هذه الدنيا في صورة بعد صورة ما دامت معه ذنوبه (1) .

الثمامية: أتباع ثمامة بن الأشرس النميري (2) وقد ذهب إلى أنّ اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة يصبحون في الآخرة تراباً لا يدخلون الجنّة ولا النار، وكذا البهائم والأطفال، وأضاف إلى ذلك أنّ مَن لا يعلم خالقه من الكفّار معذور، وأنّ الأفعال المتولّدة لا فاعل لها؛ لعدَم إمكان إسنادها إلى فاعلي السبب، لاستلزام ذلك إسناد الفعل إلى الميّت، كما إذا رمى إنسان سهماً ومات قبل وصوله للغرض، فيلزم من إسناده إلى الرامي إسناد الفعل إلى الميّت، وإسناده إلى الله لا يصح؛ للزوم صدور القبيح منه (3).

ويبدو من الآراء التي نسبها المؤلّفون في المذاهب إليه أنّه كان متأثّراً بتعاليم ملاحدة الفلاسفة ومستهتراً في دينه، وروى عنه ابن قتيبة في كتابه (مختلف الحديث): أنّه رأى يوماً جماعة يتسابقون إلى صلاة الجمعة، فأقبل على عبدٍ كان معه، وقال له: انظر إلى هؤلاء الحمير ما فعل فيهم هذا العربي! وروى عنه الجاحظ أنّ المأمون قد رآه سكران يتمرّغ في الوحل فقال له: أنت ثمامة؟ فقال: أي والله، فقال له: ألا تستحي؟ قال: لا والله، فقال له: عليك لعنة الله، فأجابه تترى ثمّ تترى (4).

الخياطية: أتباع عبد الرحيم بن محمّد المعروف بأبي الحسين

____________________

(1) انظر ما كتبه عنهم الشهرستاني ص 583، ومؤلف المواقف ص 382.

(2) المتوفى سنة 213هـ.

(3) وقد علّق مؤلّف التبصير والشهرستاني وغيرهما على هذه النظرية بأنّها تؤدّي إلى نفي الصانع؛ إذ لو جاز وقوع فعل بلا فاعل، لجاز ذلك في جميع الأفعال.

(4) انظر المواقف ج 4 ص 383، والتبصير ص 75، والشهرستاني المجلّد الأوّل.


الخيّاط المتوفّى سنة 290هـ من تلامذة جعفر بن مبشر، وهو من القائلين بالقدر بمعنى أنّ الإنسان خالقٌ لأفعاله، وأنّ المعدوم جسم يتّصف بالأعراض حالة العدم، ولازم هذا القول أنْ تكون الأجسام قديمة؛ وذلك يؤدّي إلى تعدّد القديم، وله آراء أُخرى يُخالف بها مَن تقدّمه مِن المعتزلة (1).

الجاحظية: أتباع عمرو بن بحر الجاحظ المتوفّى سنة 256هـ، عاصر المعتصم العبّاسي والمتوكّل، وله مؤلّفات كثيرة من جملتها طبائع الحيوان، يدّعي فيه أنّ المعارف كلّها من لوازم الطبيعة، ومَن عرف شيئاً عرفه بطبعه لا بتعليم، ولم يخلق الله له علماً به، وقد ذهب إلى أنّ الله لا يدخل العُصاة النار، بل هي تجذبهم إليها، وأنّ القرآن جسد ينقلب تارةً رجُلاً وأُخرى امرأة، وله شهرة واسعة في العلم والأدب والفلسفة ومؤلّفاته الكثيرة في مختلف المواضيع أكبر شاهد على سِعة علمه وتبحّره في مختلف العلوم (2) .

الجبائية: أتباع محمّد بن عبد الوهاب الجبائي المتوفّى سنة 303هـ، وهو الزعيم الأوّل للطبقة الثالثة من طبقات المعتزلة حسب تصنيف بعض المؤلّفين في المذاهب الإسلامية، وقد عُرِف بالذكاء منذ كان صغيراً، واشتهر بالذكاء وقوّة الإقناع عندما اكتملت رجولته، ونبَغ في عِلم الكلام حتى بلغ ما أملاه على تلامذته مِئة وخمسين ألف ورَقة، ومن أشهرهم وأكثرهم اتصالاً به عليّ بن إسماعيل الأشعري، فقَد لازمه أربعين سنة، وتفّهم آراء المعتزلة وعقائدهم وأصبَح من أعلامهم المتبحّرين، وبعد أنْ لمّع وانتشر صيته انفصل عنهم وتراجع عن مذهب الاعتزال، وألّف في الردّ عليهم، وذلك عندما اتسعت آفاقه، ولم يعد باستطاعة أُستاذه أنْ يدفع الشُبه التي كان يوردها عليه.

وقد ذكروا في ترجمته بعض المناظرات التي كانت تجري بينهما وأدّت إلى انفراد الأشعري عنه، وسنذكر بعضها في ترجمة الأشعري، وكان من جملتها أنّ رجلاً دخَل على الجبائي وقال له: هل يجوز أنْ يسمّى الله عاقلاً؟ فقال الجبائي: لا! لأنّ العقل مشتقٌّ من العقال،

____________________

(1) انظر المصادر السابقة ص 383 من المواقف وص 78 من التبصير في الدين وغيرهما.

(2) انظر المواقف وغيره من كتب الفِرَق.


وهو المانع والمنع في حقّه سبحانه محال، فقال له أبو الحسن الأشعري: فعلى قياسك لا يسمّى الله حكيماً؛ لأنّ هذا الاسم مشتقٌّ من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، فإذا كان اللفظ مشتقّاً من المنع، والمنع على الله محال، لزِمَك أنْ تمنع إطلاق اسم حكيم عليه سبحانه وتعالى.

فقال له الجبائي: لم منعت أنت أنْ يسمّى الله سبحانه عاقلاً، وأجزت أنْ يسمّى حكيماً؟

فقال الأشعري: لأنّ طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي، فأطلقت عليه حكيماً متابعةً للشرع، ولم أطلق عليه عاقلاً؛ لأنّ الشرع قد منَع من ذلك (1).

ويؤكّد كتّاب الفِرَق أنّ الاختلاف الذي كان يقَع بين التلميذ وأُستاذه في تلك المناظرات هو الذي أدّى إلى انفراد التلميذ عن أُستاذه، بعد أنْ كان يؤمن بأقوال المعتزلة وآرائهم أشدّ الإيمان ويدافع عنها بإخلاصٍ وتجرّد، ولكن المتتبّع لتاريخ كبار المعتزلة الذين ترأسوا فكرة الاعتزال منذ أنْ ظهر واصل بن عطاء الزعيم الأوّل، حتى جاء الجبائي في القرن الثالث، يجد بينهم اختلافاً كبيراً في أكثر المسائل الكلامية والفلسفية.

وقد جاء عن الجبائي نفسه أنّه قال: ليس بيني وبين أبي الهذيل العلاّف خلاف إلاّ في أربعين مسألة، فمجرّد الاختلاف في الرأي في بعض المسائل التي كان يجري بين الأُستاذ وتلميذه لا يؤدّي إلى محاربة الاعتزال، بالشكل الذي انتهى إليه بين الأشاعرة والمعتزلة، هذا بالإضافة إلى أنّ المعتزلة أنفسهم يقرّرون أنّ الخلاف مهما بلغ واشتدّ لا يوجب الخروج عن الاعتزال ما دامت أركان الاعتزال الخمسة محفوظة بين الطرفين، لذلك فليس من المُستبعد أنْ يكون الأشعري منذ بدأ دراسة الاعتزال، واتّصل بشيوخ المعتزلة حتى المرحلة الأخيرة، لم يكن يؤمن بنظريّاتهم ولا بمناهجهم التي سلكوها في مقام البحث والاستدلال، وإنّما اتصل بهم وتعمّق في دراسة آرائهم ومناهجهم التي سلكوها في مقام البحث والاستدلال والمناظرة؛ لغرض الردّ عليها والانتصار للمُحدّثين الذين كانوا هدفاً لنقمة المعتزلة وأعوانهم، نعم، الشيء الذي

____________________

(1) انظر الفرق لعليّ الغرابي.


لا يُمكن تجاهله أنّ الأشعري قد تأثّر بأُسلوبهم في مقام البحث والاستدلال، فكان أُسلوبه مزيجاً من العقل والحديث، فلَم يعتمد على العقل وحده ولا على الحديث وحده، وإنْ كانت هذه الطريقة قد أوجبَت نقمة المحدّثين عليه وعلى أتباعه فيما بعد كما سنشير إلى ذلك في المباحث الآتية.

ومهما كان الحال فقد تفرّد في بعض النظريّات عن شيوخ المعتزلة، وخالفهم في بعض أقوالهم في الصفات وغيرها كما يدّعي كتاب الفِرَق والمذاهب، وجاء ولده من بعد، أبو هاشم عبد السلام بن محمّد الجبائي، فاختصّ ببعض الآراء والنظريّات وخالف والده في تِسعٍ وعشرين مسألة، كما جاء في التعليقة على التبصير في الدين للشيخ محمّد زاهد الكوثري (1).

ومن آرائه أنّ مَن تاب عن ذنبٍ مع إصراره على ذنبٍ آخر لم تُقبل توبته، حتى أنّ يهودياً لو تاب عن كفره ولكنّه منع حبّةً مثلاً عن مستحقٍّ لم تصحّ توبته من اليهودية، وأنّ التوبة عن الذنب بعد العجز عنه لا تقبل، فمَن كذّب ثمّ قُطِع لسانه وتاب بعد ذلك لا تقبل توبته، ويَنسِب إليه أبو مظفّر في التبصير أنّ الوقوف بعرفة، والسعي، والطواف ليس واجباً، وأنّه كان يكفّر المعتزلة ويكفّرونه ويتبرّأ من أبيه (2) إلى غير ذلك من الآراء المنسوبة إليه، وإليه يُنسب القول بالأحوال.

والتزم بذلك في مقابل المعتزلة المنكرين لصفات الله الذاتية محتجّين لذلك، بأنّ الالتزام بوجود صفات غير الذات يؤدّي إلى تعدّد القديم، فجاء أبو هاشم الجبائي وسمّاها أحوالاً لا معدومة ولا موجودة، ولا معلومة ولا مجهولة، لا تُعرف إلاّ مع الذات ولا تُدرك إلاّ معها ولا تتحقّق إلا بتحقّقها، فليس لها وجود خارجي كوجود الذات وليست معدومة؛ لأنّ الله سبحانه أثبتها لنفسه، فمعنى أنّها لا موجودة ولا معدومة هي أنّها ثابتة (3) وليس من قصدنا تحقيق هذه الآراء، ولا بيان كلّ ما تفرّدت به تلك الفِرَق، ولم نضع هذا الكتاب لهذه الغاية، وإنّما الذي أردناه من العرض الموجز لشيوخ المعتزلة وبعض آرائهم التمهيد للغاية التي وضعنا هذا الكتاب من أجلها.

____________________

(1) انظر ص 80 من الكتاب المذكور.

(2) انظر المصدر المذكور ص 82.

(3) انظر الفرق لعلي الغرابي ص 259 و260.


ومجمل القول أنّ هذه الحفنة القليلة من آراء المعتزلة التي عرضناها في هذه الصفحات، تمثّل النزعة العقلية التي طغت على تفكير المعتزلة، فاعتمدوا على العقل وحده في جميع أبحاثهم شرعية كانت أم غيرها، وحاولوا عن طريقه حلّ جميع المشاكل حلاًّ منطقياً مقنعاً، وأقّروا للعقل بالسلطنة المطلقة، واعتبروا الشرع موضّحاً ومتمّماً لشريعة العقل، فإذا بدا تناقض بين ما جاء به الوحي، وبين ما حكَم به العقل، لابدّ من تأويل الوحي بما يوافق حكم العقل، فشريعة العقل عندهم في منتهى القداسة، لا يُمكن أنْ تمسّ بحال من الأحوال، وقد يلجأ العقل أحياناً إلى الوحي ليستمدّ منه ما يعجز عن إدراكه. ومِن أمثلة ذلك مقدار النعيم والعقاب، أمّا أصل الثواب والعقاب على الأفعال فهما من مختصّات العقل وحده ولو لم يأت بها الوحي من الله سبحانه، ولكن مقدار الاستحقاق يتوقّف على الشرع.

قال الجبائي وابنه أبو هاشم: (بمقتضى العقل والحكمة يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي، إلاّ أنّ التأقيت والتخليد فيه يعرف بالسمع)، ومن ذلك يبدو أنّ المعتزلة قد أفرطوا في تحكيم العقل إفراطاً حملهم على القول بأنّ الوحي وظيفته توضيح شريعة العقل، وأنّ باستطاعة جميع الناس أنْ يدركوا بعقولهم الصفات الذاتية الثابتة للأفعال عندما تنضج عقولهم وتتّسع مداركهم، وهي وحدها المقياس الوحيد لتحديد ما في الأفعال من صفات حسنة أو قبيحة، وعندما يعجز العقل أحياناً عن إدراك بعض الحقائق، يلتجئ إلى الوحي ليستمدّ منه النور الذي يرشده إلى ذاتيات الأفعال، فهو إما مؤكّد لشريعة العقل، أو شارح وكاشف لمّا لم يستطع العقل تحديده والإحاطة بواقعه، وإذا بدا ما يوهم الخلاف بين الحكمين، لابدّ من تأويل النصوص الشرعية بما يتّفق مع حكم العقل.

ومن ذلك الآيات التي يلزم من الأخذ بظاهرها التجسيم، ومشابهة الإله لسائر مخلوقاته، وغير ذلك من الآيات التي اعتمد عليها الجهمية والمحدّثون فيما يتعلّق بأفعال الإنسان، وكونه حرّاً مستقلاًّ فيما يفعل، أو مسيّراً لا يملك من أُموره شيئاً، هذا الإفراط في تحكيم العقل كان حدَثاً جديداً في تاريخ الإسلام بنظر المحدّثين الذين اعتادوا أنْ يبحثوا الدين وغيره من المشاكل عن طريق النصوص منذ مطلع فجر الإسلام، ولا سيّما وقد رأوا من المعتزلة بعض الانحرافات في آرائهم تتخطّى الأُصول الإسلامية، كما أوردنا قسماً منها عن الواصلية، والنظامية، والبشرية وغيرهم من


الأقطاب المؤسّسين لمذهب الاعتزال.

لذلك اتسعت المسافة بين الطرفين، وتراشقوا بالتفكير والخروج عن الدين، وأعلنوا حرباً بينهما لا هوادة فيها، وادعى كلٌّ منهما أنّه الحامي للإسلام والذائد عنه كيد المخرّبين والمعتدين، وتضاعفت نقمة المحدّثين عليهم عندما وقف الحكّام العبّاسيّون بجانبهم، وحاولوا فرض آرائهم ونظرّياتهم على الناس بالسيف، ولا سيّما مسألة خلق القرآن التي جرت المحنة والبلاء على فريق من كبار العلماء، وبلغت المحنة أشدّها في عهد المعتصم والواثق اللذين تبنّيا وصيّة المأمون بمناصرة المعتزلة والتنكيل بخصومهم.

وبقي سلطان الاعتزال ينتشر، حتى جاء المتوكّل العبّاسي فخفّف من حدّته، وأفسح المجال للمحدّثين أنْ يُعبّروا عن آرائهم حسب اجتهادهم، ورفع منزلتهم بين الناس ولا سيّما في الشطر الأخير من حكمه، ومن مجموع ذلك تبيّن أنّ المعتزلة منذ نشأتهم لم يصادفوا مقاومة من الحكّام الذين عاصروهم، فالأمويّون وإنْ لم يقفوا بجانبهم، كما فعَل بعض الحكّام العبّاسيّين، ولكنّهم لم يتدخّلوا في أُمورهم، وأفسحوا لهم ولغيرهم المجال للبحث والخصومات المذهبية، والمناظرات في مختلف العلوم والمعتقدات، وقدّروا أنّ انفتاح هذا الباب في وجه العلماء، وانصرافهم إلى هذه النواحي يشغل القسم الأكبر من أوقاتهم وتفكيرهم، ويصرفهم عن الشؤون السياسية، وسوء الإدارة إلى البحث والتفكير والخصومات في العقائد والآراء.

والعبّاسيّون في السنين الأُولى من عهدهم التي تنتهي بانتهاء خلافة الرشيد، كانوا مع المعتزلة أشبه بأسلافهم الأمويّين، وانصرفوا عن جميع الأحزاب والفرق إلى التنكيل بالعلويّين ومطاردتهم، وإذا قرّبوا أحداً من العلماء أو تظاهروا بتعظيمهم كما كان يفعل المنصور والرشيد أحياناً، فذاك ليستروا سوء تصرّفاتهم بهذه المظاهر.

ولمّا جاء دور المأمون تبنّى بنفسه آراء المعتزلة، وقرّبهم من مجالسه، وجعل منهم الحجّاب والوزراء، وعقَد لهم المجالس للمناظرة بينهم وبين الفقهاء والمحدّثين بصورة خاصّة (1)، وقد أكسبتهم هذه المعاملة عطف

____________________

(1) يؤكّد جماعة من الكتّاب العرب والمستشرقين ومنهم المستشرق الفرنسي غودفروا في كتابه (النظم الإسلامية) إنّ مذهب المعتزلة قد ساد بصفته مذهباً رسميّاً لا بصفته مذهباً عقليّاً حرّاً.


الناس، ووجّهت إليهم أنظار الجماهير، ولذلك عندما تخلّى عنهم الحكّام اتجهت إليهم الأنظار، وأصبح الإمام أحمد بن حنبل من الأعاظم بنظر الجماهير، واستغل المحدّثون وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، انحراف الحكّام عن المعتزلة، فنشطوا في نشر آرائهم، وقاموا بتمثيل الدور الذي مثّله المعتزلة وأنصارهم مع الفقهاء والمحدّثين من قبل.

على أنّ الذي تؤكّده المصادر التاريخية، أنّ المحدّثين قد صمدوا في وجه تلك الأحداث، وأعلنوا رأيهم في المعتزلة بكلّ صراحة وبدون مواربة، فلقد عدّهم أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة من الزنادقة، كما أفتى مالك، والشافعي بعدم قبول شهادتهم، وكان محمّد بن الحسن الشيباني لا يجيز الصلاة معهم (1).

وفي كتاب التبصير لأبي المظفر الإسفراييني ما يشير إلى أنّ جميع الفقهاء والمحدّثين من عهد التابعين إلى نهاية القرن الرابع، وقد وقفوا في اتجاهٍ معاكس للمعتزلة بالرغم من مساندة الحكّام لهم.

فإنّه بعد أنْ أورد اعتقادات أهل السنّة والجماعة التي تخالف المعتزلة، بعد أنْ أوردها قال: (واعلم أنّ جميع ما ذكرناه من اعتقادات السنّة لا خلاف في شيء منه بين الشافعي، وأبي حنيفة، وجميع أهل الرأي والحديث، مثل مالك الأوزاعي وداود الظاهري، والزهري،والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة (2)، ويحيى بن معين (3)، وإسحق بن راهويه (4)، ومحمّد بن اسحق الحنظلي (5)) .

واستطرد يُعدّد الفقهاء الذين رافقوا عصر المعتزلة في القرنين الثاني والثالث، في الحجاز والعراق والشام وخراسان، وما وراء النهر، ومَن تَقدّمهم من الصحابة والتابعين، وأيّد دعواه بمؤلّفات أبي حنيفة

____________________

(1) المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 227.

(2) المتوفّى سنة 198.

(3) المتوفّى سنة 233.

(4) المتوفّى سنة 238.

(5) المتوفّى سنة 242.


والشافعي وغيرهما من المؤلّفين، حتى في عصر المحنة على حدّ تعبير بعض الكتاب، تلك المؤلّفات التي تعبر عن آراء المحدّثين والفقهاء في المعتزلة، وأهل الأهواء والبِدَع على حد تعبير الاسفراييني (1) .

ومع أنّ تلك الخصومات المذهبية التي استمرت قروناً من الزمن قد أضرّت بالمسلمين وأدخلت على العقيدة الإسلامية بعض التشويشات والآراء المستوردة من أصحاب الديانات القديمة كاليهودية والنصرانية وغيرهما، وبسبب ذلك أُحيطت العقيدة بشيءٍ من التعقيد والغموض، ومع ذلك فلا يسعنا أنْ نتجاهل المكاسب التي استفادها المسلمون من هذا الصراع العقائدي ومِن تحكيم العقل والمنطق في تعليل الحوادث وإرجاع الأُمور إلى أسبابها الواقعية، هذا الأُسلوب الجديد الذي أفاد الفكر الإسلامي قوّةً ومرونة على الجدَل والنقاش، فاستطاع أنْ يصمد في وجه أُولئك الغزاة المحاربين للإسلام عن طريق الدسّ في تعاليمه، وتشويش عقائده وتحويرها عن واقعها.

ومهما كان الحال فقد أسرف أنصار المعتزلة في سرد الغنائم والمكاسب التي أضافوها إلى المعتزلة، كما أسرفوا في التشنيع على المحدّثين والفقهاء الذين اتبعوا طريقة إسلافهم في فهم الدين، وتحديد أُصوله وأركانه، كما وقف المحدّثون والفقهاء والأشاعرة منهم نفس الموقف، فقد بالغوا في التشويش عليهم، وأضافوا إليهم من الأفكار والآراء التي لا تدخل في حسابهم، ولا هي من تعاليمهم وحاولوا بشتّى الأساليب أنْ يظهروا بمظهر الحماة للدين والعقيدة، بحيث لولاهم لم يبقَ للإسلام رسم أو وصف.

والواقع الذي لا يُمكن تجاهله أنّ لكلّ من الطرفين حسناته وسيّئاته، فكلاهما قد أفسَد وأدخل على الدين من البِدَع والخرافات ما يشوه وجهه ويسيء الى تعاليمه ومبادئه، كما أصلح من ناحية أُخرى أفادت الفكر وأكسبته قوّة ومرونة في وجه الغزاة والمخرّبين، وتهيّأ لكلا الطرفين بواسطة هذا الصراع الفكري نشر الثقافة الإسلامية، وتأليف الموسوعات العلمية والدينية الغنية بالفكر والعطاء الجزيل الواسع.

ومن المؤسف أنّ الباحثين في تأريخ الفِرَق والمتتبّعين لآثارها من ناقدين ومؤيّدين قد تجاهلوا أئمّة الشيعة، وتلاميذهم الذين رافقوا تلك

____________________

(1) انظر التبصير في الدين ص 165 و166.


التطورات الفكرية في القرنين الثاني والثالث، مع أنّهم عاشوا في ذلك الجو العلمي المزدحم بالآراء والأفكار المتضاربة، وكانوا في الطليعة بين علماء ذلك العصر، كما يعترف بذلك حتى أخصامهم، وكانت مجالسهم، وبيوتهم مقصداً لكلّ عالم ومتعلم، ومع ذلك لم يتعرضوا لهم، ولم يذكروا شيئاً عن تلك المواقف التي وقفوها لحماية العقيدة من الخطر الذي أحدَق بها في تلك الفترة من تاريخ الإسلام.

مع أنّ الأئمّة من أهل البيت (عليه السلام) وشيعتهم قد انصرفوا عن كلّ شيء، إلاّ عن خدمة الدين، وحماية عقائده التي جاء بها الرسول (صلّى الله عليه وآله) ونصّ عليها القرآن الكريم من العابثين والمشوّشين، وكانت لهم ولشيعتهم وتلامذتهم أمثال هشام بن الحكّم، ومؤمن الطاق، ومحمّد بن مسلم، ويونس بن عبد الرحمان، وزرارة بن أعين، وأبان بن تغلب، ومحمّد بن عمر، والفضل بن شاذان وغيرهم من العشرات، جولات موفّقة في الدفاع عن العقائد الإسلامية، سلَكوا فيها طريقاً وسَطاً بين المعتزلة والمحدّثين وأنصارهم الأشاعرة، وقد أثبتت كتب الحديث ومؤلّفات الشيعة في عِلم الكلام آراء الإمامية في التوحيد والصفات والتجسيم، والقدر والاختيار، وغير ذلك ممّا يتعلّق بالنبوّة والإمامة والجنّة والنار، وجميع المباحث التي كانت محلاًّ للجدَل والمناظرات بين المسلمين وغيرهم، وبين المسلمين أنفسهم.

وسنعرض قسماً من تلك الآراء في الفصل الذي أعددناه للمقارنة بين آراء الإمامية وغيرهم من الفِرَق الإسلامية، ومنها يتبيّن أنّهم وحدهم الذين وضعوا أُصول العقيدة الإسلاميّة، والذائدون عنها كيد المعتدين، والمفترين  بأُسلوب منطقي يؤيّده العقل، ويتّفق مع الفطرة.

ومجمل القول أنّ الخصومات العقائدية لم تكن بين الأشاعرة وأتباعهم المحدّثين، وبين المعتزلة فحسب، بل كانت بين هاتين الفئتين وبين الإمامية أيضاً؛ لأنّهم يتخطّون في الغالب آراء الفريقين، غاية ما في الأمر أنّ حدّة الخصام بين الإمامية وغيرهم لم تبلغ الحدّ الذي وصلت إليه بين المعتزلة والمحدّثين وأنصارهم الأشاعرة، و الماتريدية أتباع ابي الحسن الماتريدي الذي يتّفق مع الأشعري في أكثر مناهجه.

وتؤكّد المصادر الموثوقة أنّ الخصومة بين الطرفين بقيَت إلى أوائل القرن الخامس الهجري، وكانت تشتدّ تارة، وتضعف أُخرى حتى جاء


دور القادر العبّاسي، فتدخل رسميّاً لإنهاء هذه المنازعات، ووضَع حدّاً لها بعد أنْ جمَع المحدّثين وأنصارهم من الأشاعرة، فوضعوا كتاباً أسموه (الاعتقاد القادري) يتضمّن ما يجب على المسلم الاعتقاد به من أُصول الدين، كالتوحيد، والصفات، وخلق القرآن وغير ذلك من المسائل التي كانت محلاًّ للخلاف بين الطرفين، ثمّ وقّعه الفقهاء بخطوطهم، وتعهّدت الدولة بنشره بين المسلمين، وحذّرت المخالفين بالعقوبات الصارمة.

وأصدر الخليفة القادر أوامره بعدَم الخوض في المباحث الكلامية وتدريسها، والمناظرات على مذهب الاعتزال (1) وبذلك تمّ القضاء على الاعتزال كمذهب له أنصاره وأتباعه، وأصبحت السيادة المطلقة لمذهب المحدّثين والأشاعرة في العقائد بتأثير السلطة الحاكمة يومذاك، وكان لهذا الانحياز أثره البالغ في انتشار مذهب الأشاعرة، والركود الذي طرأ على الاعتزال، ولولا ذلك لَما استطاع الأشاعرة وأتباعهم الوقوف في طريق المعتزلة، والحدّ من نشاطهم.

وقد أصبح التقليد في الأُصول مفروضاً على جميع المسلمين، وانتهى دور الاجتهاد وتحكيم العقل في أُصول العقائد، كما انتهى دورهما في المسائل الفرعية بعد أنْ أصدر المنتصر العبّاسي مرسوماً بحصر المذاهب الفقهية في الأربعة، التي لا تزال إلى اليوم مرجعاً لأهل السنّة يفتون الناس ويعملون بآراء أُولئك الذين مضى عليهم أكثر من ألف ومِئتي سنة تقريباً، ومن المعلوم أنّ تحمّس الحكّام للأشاعرة والمحدّثين لم يكن بدافع الحرص على الدين، وإنّما هو لإرضاء الجماهير التي كانت تؤيّد الحنابلة والأشاعرة، والتي انحازت إليهم بعد المحنة التي أنزلها بعض الحكّام بهم بواسطة المعتزلة كما ذكرنا في الفصول السابقة.

ومهما كان الحال فالتحجير على العقول، وتحديد صلاحيّاتها يعتبر إساءة إلى العلم وإلى الدين والأُمّة، ولولاها لَما نجحت دعوة الرُسل، ولا تقدّمت الأُمم في جميع نواحي الحياة.

____________________

(1) انظر مقدّمة مقالات الإسلاميين للأشعري بقلم محمّد محيي الدين عبد الحميد ص 27.


الأشاعرة

الأشاعرة إلى عليّ بن إسماعيل المعروف بأبي الحسن الأشعري، وهو الذي وضع أُصول هذا المذهب في سنة 300 تقريباً، بعد أنْ انفصل عن أُستاذه محمّد بن عبد الوهاب الجبائي، وناصَر المحدّثين في أكثر آرائهم في أُصول العقائد، وينسب المذهب إليه؛ لأنّه سلَك طريقاً وسَطاً بين المحدّثين الذين يعتمدون على النصوص، ولا يرون للعقل سُلطاناً في مقابلها ويعتمدون على ظواهر الآيات والأحاديث، وبين المعتزلة الذين اعتمدوا على العقل، واعتبروا الوحي مقرّراً لأحكام العقل، ولمّا جاء الأشعري لم يعتمد على العقل مستقلاًّ، ولا وقف مع النصوص والتزم بها وإنْ خالفت العقل، وحاول أنْ يجمع بين الأمرين.

وقد جاء في ترجمته أنّه ولد في البصرة سنة 260، وتوفّي سنة 333، وينتهي نسبه إلى أبي موسى الأشعري، وقد نشأ ببغداد وتوفّي بها، وأخفى أصحابه قبره خوفاً من أنْ تنبشه الحنابلة؛ لأنّهم حكموا بكفره وأباحوا دمه، وحينما توجّه لدراسة العِلم اتصل بالمعتزلة فلازم الجنائي وبقي معه حوالي أربعين سنة، كان مِن ألصق الناس به، وأشدّهم إيماناً بآرائه وإحصاءً لأقواله، وجرَت بينهما مناظرات في مختلف المواضيع، أدّت إلى انفصاله عنه، ووقوفه بجانب الأخصام الأشدّاء على المعتزلة، وقد سأله يوماً عن حقيقة الطاعة، فقال الجبائي: هي موافقة الإرادة، فقال له: هذا يوجب أنْ يكون الله مطيعاً لعبده إذا أعطاه مراده، فالتزم الجبائي بذلك.

وقال الشهرستاني في الملل والنحل: ومن غريب الاتّفاق أنّ أبا موسى الأشعري كان يقرّر رأي حفيده الأشعري في القدر، وقد جرَت بينه وبين عمرو بن العاص مناظرة في القدر، فقال عمرو بن العاص: لو أجد أحداً أُخاصم إليه ربّي، قال أبو موسى: أنا ذلك الشخص، قال عمرو بن العاص: يُقدّر عليّ شيئاً ثمّ يعذّبني عليه؟ قال: نعم! قال عمرو بن العاص: ولِمَ؟ قال: لأنّه لا يظلمك.

ويبدو أنّ أبا الحسن الأشعري بعد أنْ نضج وأحاط بآراء المعتزلة، ونظريّاتهم، كان يقف لأُستاذه موقف الخصم العنيد في أكثر الأحيان، ويروي كتّاب الفِرَق والمذاهب أنّ الخصومة بينهما بلغت أشدّها في مسألة


وجوب الأصلح على الله سبحانه، وكان لا يرى ذلك أبو الحسن الأشعري، فقال له: ما قولك في ثلاثة: مؤمن، وكافر، وصبي؟

قال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الدركات، والصبي من أهل النجاة.

قال الأشعري: فإنْ أراد الصبي أنْ يرقى إلى أهل الدرجات بعد موته صبياً، هل يمكن ذلك أمْ لا؟

قال الجبائي: لا يمكن ذلك؛ لأنّ المؤمن إنّما نال هذه الدرجات بالطاعة، وليس للطفل مثلها.

قال أبو الحسن الأشعري: للطفل أنْ يقول له: إنّ التقصير ليس منّي، فلو أحييتني كنت أعمَل الطاعات كعمل المؤمن.

فردّ عليه الجبائي: إنّ الله يقول له: كنتُ أعلم أنّك لو بقيت لعصيت، فراعيت مصلحتك، وأمَتك قبل أنْ تنتهي إلى سنّ التكليف.

فقال الأشعري: فللكافر إذن أنْ يقول له: لقد عَلِمت حالي كما علِمت حال الطفل، فهلاّ راعيت مصلحتي مثله، وأمَتني قبل سنّ التكليف؛ كي لا أقع في معصيتك التي نلتُ بها العقاب؟

وعندما وصل النزاع بينهما إلى هذا الحدّ رأى الجبائي نفسه عاجزاً فأعرض عنه (1).

وقد أورَد نظير هذه المحاورة بينهما الأسفراييني، في معرض النقض على المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح على الله سبحانه، ويؤكّد جماعة من كتّاب الفِرَق الإسلامية أنّ الأشعري بعد هذه المناظرات التي جرَت بينه وبين أُستاذه الجبائي، قد اعتكف في بيته مدّة طويلة انقطع فيها عن جميع الناس، وتفرّغ للمقارنة بين آراء المعتزلة، وآراء المُحدّثين والفقهاء، وبعد دراسة واسعة لآراء الفريقين ووقف على جوانب النقص فيها، كوّن لنفسه رأياً وخرج على الناس، ودعاهم إلى الاجتماع في مسجد البصرة، وبعد الصلاة وقَف خطيباً بتلك الجماهير المحتشدة، ثمّ قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أُعرّفه بنفسي، أنا عليّ بن إسماعيل بن إسحق الأشعري، كنت أقول بخلق القرآن، وأنّ

____________________

(1) انظر الفرق الإسلامية لعليّ الغرابي والمذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 286 وانظر تمهيداً لتاريخ الفلسفة لمصطفى عبد الرزّاق ص 292.


الله تعالى لا يُرى بالأبصار، وأنّ أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائبٌ مُقلِع عمّا كنتُ أقول، ومتصدّ للردّ على المعتزلة، ومُخرجٌ لفضائحهم، وقد تغيّبت عنكم هذه المدّة ونظرت في الأدلّة فتكافأت عندي، ولم يترجّح عندي شيءٌ على شيء، فاستهديت الله سبحانه وتعالى فأهداني إلى اعتقاد ما أودعته كتبي هذه وانخلعت من جميع ما كنت اعتقد، كما انخلعت من ثوبي هذا.

ثمّ انخلع من ثوبٍ كان عليه، وأبرز للناس ما كتبه في المدّة التي احتجب فيها عن الناس، وكان قد ألّف كتابه (الإبانة) الذي أورد فيه المذهب الذي اتخذه لنفسه، كما ألّف في الموضوع نفسه كتابين آخرين وهما الموجز والمقالات.

وممّا جاء في كتبه التي أبرزها للناس بالإضافة إلى ما تقدّم، أنّ ديانتنا التي ندين بها هي التمسّك بكتاب الله وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله) وما رُويَ عن الصحابة، والتابعين وأئمّة الحديث، واستطرد يقول: ونحن بذلك معتصمون ولِما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته متّبعون، ولِمَن خالف قوله مجانبون؛ لأنّه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمَع به بِدَع المُبتدعين، وزيغ الزائغين وشكّ الشاكّين (1).

ومن ذلك يتبيّن أنّ الأشعري بعد أنْ اعتكف في بيته خرَج على الناس مناصراً لآراء المحدّثين، وعلى الأخص أحمد بن حنبل الخصم العنيد لمذهب الاعتزال (2)، ومع ذلك فقد لقيَ من الحنابلة في حياته وبعد وفاته، عنَتاً وتحاملاً عليه وعلى أتباعه ومؤيّدي أفكاره وآرائه، وقد بلَغ بهم الحال أنّهم حاولوا أنْ يمنعوا الخطيب البغدادي المتوفّى سنة 463 من دخول المسجد الجامع ببغداد؛ لأنّه كان يرى رأي الأشعري في الأُصول الإسلامية، كما اضطهدوا أكابر الأشاعرة في ذلك القرن ونفوهم من بلادهم.

ووقع بينهم وبين الأشاعرة قتال في شوارع بغداد، كان منشأ تحاملهم

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 266 و269، ومقدّمة كتاب مقالات الإسلاميّين بقلم محمّد محيي الدين عبد الحميد ص 24.

(2) كما جاء في كتبه الإبانة والموجز، والمقالات وغيرها.


على رجلٍ من شيوخ الأشاعرة يُدعى القشيري، فاضطرّ إلى الخروج من بغداد وهجرها، وكانت اللعنات تنهال على أبي الحسن الأشعري، ونسبوا إليه بعض الآراء الشاذّة ليوجّهوا الرأي العام ضدّهم، ومن ذلك أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) كانت نبوّته في حال حياته، أمّا بعد وفاته فقد انتهت نبوّته (1).

ويعزو بعض الكتّاب والمترجمين هذا الصراع العنيف الذي حدَث بين الأشاعرة والمحدّثين الحنابلة إلى أنّ الأشعري وإنْ تجاهر أوّلاً بالدعوة لمذهبهم، وتأييده لآراء الإمام أحمد شيخ الحنابلة الأوّل وخطَب بذلك على منابر بغداد، إلاّ أنّ دراسته الطويلة على المعتزلة وانطباعاته بمناهجهم واتّباعه لطريقتهم نحواً من ثلاثين عاماً أو أكثر، هذه المدّة الطويلة قد أثّرت على تفكيره تأثيراً عميقاً وعلى جميع اتجاهاته، فلم يستطع أنْ يتحرّر منها، ولذا فإنّه في جميع أبحاثه لم يتعبّد بالحديث وحده، ولا بالعقل وحده، بل حاول أنْ يوفّق بينهما.

ويبدو ذلك واضحاً من آرائه في المسائل التي كانت محلاًّ للخلاف بين المعتزلة والمحدّثين، ومن أمثلة ذلك أفعال الإنسان، فالمعتزلة قد ذهبوا إلى أنّ الإنسان موجدٌ لأفعاله، قال الغزالي في كتابه الأربعين:: إنّ المعتزلة أثبتوا لأنفسهم الاختيار الكلّي، ونسبوا إليه العجز في ضمن ذلك).

والمُحدّثون يدّعون أنّ الأفعال مخلوقة لله سُبحانه، ولا أثر للعبد في ذلك، أمّا الأشعري فقد ذهب إلى أنّ الله قد خلَق الاختيار في العبد بنحو الكسب، والفعل المخلوق لله سبحانه مقارن لاختيار العبد، من غير أنْ يكون للعبد قدرة مؤثّرة في ذلك الاختيار، ولا في مقارنة الفعل له.

فهو مع قوله بأنّ أفعال الإنسان من صنع الله سبحانه يقول بالكسب بهذا النحو ليصحّح الثواب والعقاب، فقد وافق المحدّثين الذين التزموا بظاهر بعض النصوص القرآنية، وخالفهم في القول بخلق الاختيار، وإنْ لم يكن مؤثّراً في إيجاد الأفعال.

ومن ذلك مسألة رؤية الله سبحانه، فالمحدّثون بما فيهم الحشوية

____________________

(1) المصدر السابق ص 26 والحضارة الإسلامية في القرن الرابع الجزء الأوّل ص 362 للمستشرق آدم (متز) ترجمة محمّد عبد الهادي.


والمشبّهة قد التزموا بظواهر النصوص التي تُوهم ذلك بدون تأويل أو تصرّف بشيءٍ منها، والمعتزلة تأوّلوها ولم يلتزموا بظاهرها، أمّا الأشعري مع أنّه يقول بها، ولكنّه ذهب إلى أنّها ليست كبقيّة المرئيات التي لابدّ لها من جهة ومكان ولا تكون إلاّ بالمقابلة، بل هي إدراك لا تقتضي تأثيراً في المُدرِك (1) .

وهكذا في أكثر المباحث حاول أنْ يوفّق بين العقل والنقل، هذا المسلك الذي سلكه الأشعري في أبحاثه وإنْ كان من حيث النتائج يلتقي مع المحدّثين، إلاّ أنّ اعتماده على العقل في التوصّل إلى هذه النتائج لم يُرضِ المحدّثين، وسبب له تلك الهجَمات العنيفة التي قام بها المحدّثون، وعلى الأخص الحنابلة، وجعلتهم يعتقدون بأنّ الأشعري لم يتحرّر من مذهب الاعتزال ولا تزال آثاره تسيطر على تفكيره، وتبرز في المنهج الذي اعتمده لإثبات آرائه التي أعلن عنها لأكثر من مناسبة، لذلك فقد لقي مذهب أبي الحسن الأشعري مقاومة من المحدّثين بالرغم من وقوفه بجانبهم ضدّ الاعتزال وأتباعه، وأصبح هدفاً لطعنات المعتزلة والمحدّثين معاً، وبالرغم من كلّ ذلك فقد ذاع وانتشر ولا سيّما بعد مساندة الحكّام له، ووقوفهم بجانبه.

وقد ذكرنا سابقاً أنّ الدولة تدخّلت رسمياً في ذلك وفرضت آراءه على الناس بالقوّة، وأصدر الخليفة القادر العبّاسي مرسوماً توعّد فيه المعتزلة بالعقوبات الصارمة إنْ أصرّوا على تدريسه مذهبهم أو ناظروا أحداً فيه، وقد لقّبه العلماء بإمام أهل السنّة والجماعة؛ لأنّه تولّى الدفاع عن الأُصول الإسلاميّة، وحامى عنها من غير أنْ يتخطّى آراء المحدّثين والفقهاء في أكثر مبادئه، وقد وجّه الأشعري بياناً إلى الناس يُحدّد فيه عقيدته، وما يجب الإيمان فيه، وجاء فيه أنّه يقرّ بالله ورسوله وبما رواه الثقات عنه، وأنّه واحدٌ أحدٌ لم يتّخذ صاحبةً ولا ولداً، وأنّ ما جاء به الرسول والكتاب من قيام الساعة، ووجود الجنّة والنار والبعث واقعٌ لا محالة، وأنّ الله قد استوى على عرشه، وأنّ له وجهاً ويداً وعيناً وسمعاً وبصراً، وأنّ كلامه قديمٌ غير مخلوق، وأنّ أحداً لم يستطع أنْ يفعل شيئاً

____________________

(1) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 135 و136.


قبل أنْ يفعله الله، وأعمال العباد كلّها مخلوقة ومقدورة له، وأنّه لو أصلح العباد لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، وكلّ شيء بقضاء الله وقدره سَواء كان خيراً أم شرّاً، وأنّ مَن قال بخلق القرآن كان كافراً، وأنّه يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون دون الكافرين، وأنّ الإيمان قولٌ وعمَل يزيد وينقص والإمامة بعد الرسول على الترتيب الذي جرَت عليه من بعده (1) .

لقد ظهر أبو الحسن الأشعري بأُسلوبٍ جديد حاول فيه أنْ يقرّب بين العقل والحديث، فأثار إعجاب الذين جاؤوا من بعده وتقديرهم، وتبنّى مذهبه وطريقته جماعة من الفقهاء؛ لأنّه لم يُخالف السلَف من المحدّثين في آرائهم، ولم يتّخذ لنفسه مذهباً يُخالف من سبقه منهم، وأصبح كلُّ من سلَك سبيله واتبع طريقته أشعرياً، حتى قيل: إنّ عقيدته اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنابلة والأحناف (2).

ومن مشاهير الفقهاء والمتكلّمين الذين تابعوه وتعصّبوا لآرائه أبو بكر محمّد بن الطيّب الباقلاّني وقال عنه ابن العماد الحنبلي: إنّه كان أُصولياً أشعرياً، ومجدّداً للدين على رأس المِئة الرابعة، وقد صنّف في الردّ على الفِرَق الضالّة، وأنّه كان ورِعاً لم تحفظ عنه زلّة ولا نقيصة، وكان يستدلّ على أنّ لله وجهاً ويداً بالآيات التي نصّت على ذلك، فهو من ناحية يقف مع الآيات المثبتة له الجوارح، ومن ناحية أُخرى يرى أنّ يده ووجهه لا يجب أنْ يكونا كجوارح مخلوقاته، وكان يدافع القائلين بأنّه في كل مكان، ويذهب بأنّه مستو على عرشه، ويحتجّ لذلك بأنّه لو كان في كلّ مكان، لزِم أنْ يكون في بطن الإنسان وفمه وجميع أجزاء بدنه، وأنْ يزيد بزيادة الأمكنة وينقص بنقصانها (3).

أمّا فيما يتعلّق بخلق الأفعال، فكان يقرّر أنّ الأفعال مخلوقة لله ولا شأن للعبد في ذلك وقد خلق الله فيه الاختيار، وهو وإنْ لم يكن مؤثّراً

____________________

(1) انظر ما ذكرناه عن عقيدة الأشعري في المجلّد الرابع من المواقف ص400، والملل والنحل ص132 وما بعدها، والتبصير في الدين في الفصل الذي عقده لاعتقادات أهل السنّة والجماعة ص135، والمذاهب الإسلامية ص171 و172.

(2) انظر تمهيد لتاريخ الفلسفة لمصطفى عبد الرزّاق ص 292.

(3) انظر المجلّد الثالث من شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ص 169 و170.


في إيجاد الفعل، إلاّ أنّه مؤثّر في حالات الفعل الخارجة عن حقيقته، ومثل لذلك بما لو ضرَب إنسانٌ يتيماً، فالضرب من فعل الله، أمّا كونه تأديباً أو إيذاءً فهو من آثار اختيار العبد، وبذلك يصح الثواب والعقاب، وتوفّي الباقلاّني سنة403 (1).

ومن الفقهاء المناصرين له إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني، الفقيه الشافعي الملقّب بضياء الدين، وكان على رأي الأشعري في أُصول العقائد، ومُتّبعاً لطريقته في الاعتماد على العقل والنقل، وجاء في رسالته النظامية أنّ البعض ذهبوا إلى تأويل آيات الكتاب، وذهب أئمّة السلَف إلى الكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب، والذي نرتضيه وندين به هو اتّباع سلَف الأئمّة؛ لأنّ إجماعهم حجّة متّبعة وعليه تستند الشريعة، وأضاف إلى ذلك، فحقّ على كلّ ذي دِين أنْ يعتقد تنزيه الباري عن صفات المُحدّثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب.

وقد وصفه ابن العماد الحنبلي بأنّه من المشاهير في مختلف العلوم، بارعاً في المذاهب والمناظرة، وتولّى أمر التدريس بعد والده، وهاجر إلى بغداد على أثر الفِتَن التي قامت بين الأشاعرة والمُبتَدِعة على حدِّ تعبير ابن العماد، وتولّى التدريس فيها وكانت وفاته سنة 478 (2).

وقد عدّ منهم الشيخ أبو زهرة الغزالي المتوفّى سنة 505، والبيضاوي المتوفّى سنة 701، وعدّ منهم مصطفى عبد الرزّاق أبا بكر محمّد بن الحسن بن فورك، والشيخ إبراهيم بن محمّد بن مهران الأسفراييني، وأبا الفتح الشهرستاني، وفخر الدين بن الحسين الرازي وغيرهم وأضاف إلى ذلك أنّ الأيّوبيّين هم الذين نشروا مذهب الأشعري في مصر وغيرها، من بلاد الإسلام (3).

وقد أورد مؤلّف طبقات الأشاعرة في كتابه (الطبقات) عدداً كبيراً ممّن ناصروا المحدّثين على المعتزلة، ولا يعنينا استقصاء أحوالهم ومدى موافقتهم للأشعري في آرائه ومخالفتهم له، لأنّ كتابنا قد وضعناه للمقارنة

____________________

(1) انظر المواقف الجزء الثامن ص 147 والمجلّد الأوّل من الملل والنحل ص 133.

(2) انظر المجلد الثالث من الشذرات ص 359.

(3) انظر تمهيد لتاريخ الفلسفة ص 292.


بين آراء الإمامية من جهة وآراء غيرهم من المعتزلة والأشاعرة من جهة أُخرى؛ لأنّا وجدنا جماعة من الكتّاب القدامى والمحدّثين، ومن المستشرقين الأجانب يخلطون أحياناً بين الإمامية والمعتزلة، من حيث وحدة العقيدة، ويُغالي بعضهم فيدّعي أنّ التشيّع كان عالة على المعتزلة، وأسرَف آخرون فعدوا جماعة ممّن ركّزوا العقيدة الشيعية ومحّصوها تمحيصاً دقيقاً من المعتزلة، وقد أصبحت كتبهم وآراؤهم في أُصول الإمامية هي الوجه الصحيح للمبادئ التي ينظر الشيعة من خلالها إلى آراء أهل البيت ومذاهبهم في الأُصول التي يجب على المسلم أنْ يؤمن بها.

ومن هؤلاء من عاش في القرن الثالث المتّصل بعصر الأئمّة (عليهم السلام)، ولم يكن بينهم وبين الذين رَوَوا عن الأئمّة بلا واسطة أكثر من واسطتين، هؤلاء مع أنّهم ينادون ويؤكّدون لأكثر من مناسبة واحدة، أنّ مذهب الإمامية مستقلٌّ بنفسه ومستوحى من تعاليم الأئمّة (عليهم السلام) وإرشاداتهم، ولم يكن في حال من الأحوال تابعاً لمذهبٍ آخر.

والشواهد الكثيرة تنصّ على أنّ غيره قد استمدّ منه واعتمد عليه، ومع ذلك كلّه فالكتّاب يُرسلون هذه الادّعاءات بدون أيّ شاهد أو دليل، ويعتبرون هؤلاء بأشخاصهم وأعيانهم من أعلام المعتزلة زوراً وبهتاناً.

لقد ذكرنا سابقاً أنّ الشيعة هم الفرقة الأُولى التي يتّصل تاريخها بتاريخ الإسلام، قبل أنْ تحدث هذه المذاهب بأكثر من قرنٍ ونيف تقريباً، وقد جاهدوا في سبيل تركيز العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين، وتكلّموا في التوحيد والصفات والقضاء والقدر، وغير ذلك ممّا يتّصل بالأُصول الإسلامية قبل أنْ يولد الاعتزال، وقبل أنْ يتكلّم بها أحد من المسلمين، وسنضع بين يدَي القرّاء أمثلة من آرائهم في المواضيع التي كانت موضع خلاف بين المعتزلة من جهة، والمحدّثين وأتباعهم الأشاعرة من جهة أُخرى، ومنها يتبيّن أنّهم لم يكونوا في جميع حالاتهم عيالاً على أحد، ولا تَبَعاً لغير أئمّتهم في الأُصول والفروع.

وأكبر شاهد على ذلك إنّهم يلتقون بالمرجئة أحياناً في بعض الآراء، كما يلتقون بالأشاعرة والمعتزلة أحياناً أُخرى، ويستقلّون استقلالاً كاملاً في بعض الآراء، ويتخطّون جميع الفِرَق والمذاهب حيناً آخر، وهذا ممّا يؤكّد استقلالهم في تفكيرهم وعدم تبعيتهم لأحد، كما هو الحال في المذاهب الأُخرى التي تلتقي في بعض الآراء، وتستقل كلُّ فرقة عن الأُخرى في بعضها الآخر.

ومجمل القول أنّ الخلاف العقائدي بين المسلمين الذي اشتدّ في القرن


الثاني، بعد أنْ برزت معالمه في الشطر الأخير من القرن الأوّل، هذا الخلاف تكوّنت منه الفِرَق الثلاث: المرجئة، والمعتزلة، والأشاعرة، أمّا الإمامية فتاريخهم يتّصل بتاريخ الإسلام ويرتبط به ارتباطاً وثيقاً منذ نشأته - كما ذكرنا في الفصل الأوّل من هذا الكتاب - ولا ترتكز فكرة الإمامية على شيءٍ من الخلافات العقائدية كغيرها من المذاهب، وإذا أثبت تاريخهم أنّهم كانوا أبرز مِن غيرهم في تلك الخصومات والجولات الفكرية؛ فذاك لأنّهم مارسوا الحياة الفكرية أكثر من غيرهم، وكانوا هدَفاً للهجَمات العنيفة التي كانت تستهدف القضاء عليهم، وتستبيح في سبيل هذه الغاية كلّ السبل، ممّا دعاهم إلى الوقوف في وجه تلك الهجَمات التي كانت توجّه إليهم من هنا وهناك بشتّى الأساليب.

هذا بالإضافة إلى أنّ الأئمّة من أهل البيت قد رافقوا جميع هذه التطوّرات الفكرّية التي برزت في تاريخ الفكر الإسلامي في تلك الفترة من تاريخهم، وبلا شكّ كان يهمّهم أكثر من أيّ فئة من الناس أنْ تبقى للعقيدة الإسلامية قداستها وسمّوها، فكانت حلقاتهم العلمية لا تخلو من مناظر ومستعلم ومدون، وأكثر ما كان يعنيهم أنْ يرتدّ أُولئك الغزاة بكيدهم خاسرين، وأنْ لا تتسرّب انحرافات المعتزلة وجمود المحدّثين والفقهاء، إلى أذهان المسلمين فتحتلّ قلوبهم وعقولهم وبالتالي تبرز المبادئ الإسلامية بصورة مشوهة يستغلّها أعداء الإسلام للدسّ والافتراء.

ومهما كان الحال، فقد أصبحت آراء تلك الفئات مذاهب لأهل السنّة، وإنْ كان الأشعري يمثّل رأي الجمهور الأعظم منهم، منذ أنْ فرضت الدولة العبّاسية آراءه في العقائد على المسلمين بقوّة السلطان، وفرضت الرقابة على المعتزلة في مناظراتهم ومجالسهم، وأصبح أكثر المسلمين على رأي الأشعري في عقائدهم، ولم يشذّ عنه سوى الحشويّة، وهم القائلون بأنّ الله سبحانه جسم من لحمٍ ودم، وله أعضاء وجوارح تجوّز عليه المصافحة والملامسة والمعانقة، وأثبتوا له كلّ ما هو للبشَر وأسرف بعضهم فقال: أعفوني عن الفرْج واللحية وسلوني عمّا شئتم (1)، وفي القرن الرابع الهجري ظهَر جماعة من الفقهاء والمحدّثين، غلَب عليهم اسم السلفيّين،

____________________

(1) انظر المواقف المجلّد الرابع ص 399.


وانتحلوا هذا الاسم لأنفسهم بحجّة أنّهم جاؤوا لإحياء آراء السلَف من الفقهاء والمحدّثين، وادعوا أنّهم يمثّلون مذهب الإمام أحمد بن حنبل شيخ الحنابلة، وقد بالغوا في الإنكار والتشنيع من آراء وأفكار.

وذهب هؤلاء إلى أنّ العقائد إنّما تؤخذ من الكتاب والسنّة، ولا سبيل للعقل في تأويل الآيات وتفسيرها، حتى ولو كانت منافية لأحكام العقل (1)، وهذان الفريقان وإنْ أعلنا الحرب على الأشعري بلا هوادة، إلاّ أنّهما يتّفقان معه من حيث النتائج، وكلاهما يتمسّك بظواهر الكتاب ولا يرى مسوّغاً لتأويلها، ويذهب إلى ما يقتضيه الظاهر منها، ولكنّ الأشعري يحاول التوفيق بين ظاهرها وأحكام العقل كما يبدو ذلك من معالجته لمسألة الجبر والاختيار، وجواز الرؤية على الله سُبحانه وثبوت الصفات له وغير ذلك من المسائل التي تباينت فيها آراء المعتزلة والفقهاء والمحدّثين.

أمّا السلفيّون والحشوية فيدّعون أنّ العقل لا مسرح له في هذه الميادين، وما عليه إلاّ التصديق والإذعان بكلّ ما جاء في الكتاب السنّة، وعلى أيّ الأحوال فالأمامية منذ نشأتهم مستقلّون عن غيرهم في تفكيرهم وإنتاجهم وآرائهم في الأُصول والفروع؛ لأنّهم رافقوا جميع المراحل التي مرّ بها المسلمون، والتطوّرات الفكرية التي فرضتها الظروف المحيطة بالإسلام منذ أقدم المراحل، وسنعرض آراء هذه الفِرَق الثلاثَ ونقارن بينها لإثبات هذه الحقيقة.

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية ص 215 و216.


الفصل الخامس: في المذاهب والمعتقدات

الأُصول التي تجمع المعتزلة

لقد أجمع كتّاب الفِرَق والمذاهب الإسلامية، أنّ أركان الاعتزال تتألّف من خمسة أجزاء: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّ من آمن بهذه الأُصول الخمسة كان معتزليّاً، مهما بلغ الخلاف بالرأي مع غيره من علمائهم ومفكّريهم، ومَن خالف في واحد من هذه الخمسة لا يكون منهم، ولا يتحمّلون إثمه، ولا تلحقهم تبعته على حدّ تعبير بعض الكتّاب (1).

____________________

(1) انظر الانتصار لابن الخياط المعتزلي المتوفّى سنة 290 والمواقف المجلّد الرابع وغيرهما من كُتب الفِرَق والمذاهب الإسلامية.


وقد ذكرنا سابقاً أنّ الإيجي في المواقف، والسيّد شريفاً، الإسفراييني وغيرهم، قد عدّوا من فِرَق المعتزلة عشرين فِرقة، وهذه الفِرَق بعد التتبّع لآرائها لا تتّفق في أكثر تلك الآراء المنسوبة إليها، ولكن هذا الخلاف البارز بين تِلك الفِرَق لم يمنَع من صدق الاعتزال على كلّ واحدة منها، لأنّها تتّفق على الأُصول الخمسة.

فالتوحيد وهو الأصل الأوّل عندهم وعند جميع المسلمين، وبدونه لا يكون الإنسان مسلماً ولو آمن بجميع الأُصول والفروع، لا يختلف في مفهومه عمّا يقول به جميع المسلمين، وفي مقالات الإسلاميّين للأشعري، أنّ التوحيد عند المعتزلة هو أنّه واحد أحد ليس كمثله شيء، سميعٌ بصير، ليس بجسمٍ ولا بشبح ولا جثّة ولا صورة ليس له لون أو طعم أو رائحة، وليس فيه حرارة ولا رطوبة أو يبوسة، لا عمق له ولا اجتماع أو افتراق، لا يتحرّك ولا يسكن، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، لا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه العُزلة ولا الحلول في الأماكن، ولا يُوصَف بشيءٍ من صِفات الخلْق الدالّة على حدوثهم، ولا تُحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار، ولا يشبه الخلْق بوجهٍ من الوجوه، شيء لا كالأشياء، عالمٌ قادرٌ حي، لا كالعلماء القادرين الإحياء، إلى غير ذلك من الصفات السلبية والوجودية التي أثبتوها لذاته سبحانه (1).

وتحديد التوحيد بهذه الأوصاف يتّفق مع التوحيد عند الإمامية، ويلتقون التقاء كلياً معهم، ولكن ذلك لا يعني أنّهم عيال على المعتزلة في ذلك؛ لأنّ مذهب الاعتزال، كانت بذرته في أواخر العصر الأموي، ولكنّه لم يصبح مذهباً له شأن ووجود إلاّ في العصر العبّاسي، ومعلوم أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قد طرَق هذا الموضوع وحدّد معنى التوحيد، بمثل ما جاء عن المعتزلة، قبل ظهور مذهب الاعتزال بأكثر من خمسين عاماً، وجاء أولاده من بعده الذين تخرجوا من مدرسته، ومن ذلك الفيض الإلهي الموروث لقّنوا أتباعهم وشيعتهم أنواع العلوم والمعارف، كما ورّثوه عن آبائهم، ومن وحي القرآن وسنّة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وإذا كان التوافق في الرأي والعقيدة يقتضي التبعية كما يدّعي الكتاب العرب، والأجانب، فمن اللازم أنّ يكون المتأخّر تبعاً للمتقدّم وعيالاً عليه، ويجد المتتبّع للآثار

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميين للأشعري ص 216.


المروية عن عليّ (عليه السلام) وأبنائه الأئمّة الهُداة، حقيقة التوحيد في كلماتهم كما أوردها الكتّاب والمؤلّفون في الفِرَق عن المعتزلة بدون تفاوت إلاّ في بعض النقاط التي سنُنبه عليها في المباحث الآتية:

فقد روى محمّد بن بابويه المعروف بالصدوق، في كتابه التوحيد، عن الهيثم بن عبد الله الرماني، عن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّ (عليه السلام)، أنّ عليّاً (عليه السلام) خطَب الناس في مسجد الكوفة، فقال: (الحمد لله الذي لا مِن شيءٍ كان، ولا مِن شيءٍ كوّن ما قد كان، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته، وبما وسَمَها من العجز على قدرته، وبما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه، لم يخلُ منه مكان فيُدرك بأنّيته، ولا له شبيه مثالٍ فيوصف بكيفيّته، ولم يغِب عن علمه شيءٌ فيعلم بحيثيّته، مباينٌ لجميع ما أحدث في الصفات، وممتنعٌ عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الذوات، لا تحويه الأماكن لعظمته، واحدٌ لا بعدد، ودائمٌ لا بأمَد، وقائم لا بعمَد، ليس بجنسٍ فتعادله الأجناس، ولا بشبحٍ فتضارعه الأشباح، ولا كالأشياء فتقَع عليه الصفات) (1).

وجاء في توحيد الصدوق أنّ رجلاً سأله في البصرة عن حقيقة التوحيد فقال: (إنّ القول بالوحدانية يصحّ على أربعة أوجه: اثنان منها لا تجوز عليه سبحانه، واثنان ثابتان له. فأمّا ما لا يجوز منها عليه، فقول القائل: واحد يلاحظ العدَد؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، ولذا كفَر من قال: إنّ الله ثالث ثلاثة، وكذا إطلاق الواحد عليه يلاحظ أنّه واحد من الناس، ويُراد بذلك النوع من الجنس، وهذا لا يجوز عليه سبحانه؛ لأنّه تشبيه، وجلّ ربنا عن ذلك وتعالى علوّاً كبيراً، وأمّا اللذان يجوَّزان عليه سبحانه فهما الواحد بمعنى نفي الشبيه له، وبمعنى أنّه لا ينقسم في وجودٍ ولا عقلٍ ولا وهمٍ، كذلك ربّنا عزّ وجل) (2).

وبهذا التحديد القصير لحقيقة التوحيد جمَع كل ما ذكره المعتزلة في

____________________

(1) انظر توحيد الصدوق ص 52 تجد الخطبة بكاملها حول صفات الله سبحانه وبيان حقيقة التوحيد كما يليق بذاته تعالى.

(2) انظر المصدر السابق ص 67.


معنى الوحدانية؛ لأنّ ما لا شبيه له في الأشياء، لا يكون جسماً، ولا يوصَف بصفات الأجسام، ولا يُحدّ بشيء من الأشياء، وليس له أبعاض وأجزاء، ولا يجري عليه زمان ولا تحيط به الحواس، إلى غير ذلك من الأوصاف التي أوردها المعتزلة لبيان حقيقة التوحيد، كما وأنّ ما لا ينقسم في وجودٍ أو عقلٍ أو وهم، لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، ولا يكون محلاًّ للأعراض والحوادث، لأنّ انقسام الشيء ولو في عالم الذهن لا يُمكن أنْ يكون إلاّ باعتبار أجزائه، وعوارضه، وإذا لم يصحّ فيه الانقسام، لابدّ وأنْ يكون مجرّداً عن جميع الحالات والكيفيّات.

وجاء عنه أنّه قال: (إنّ الله ليس بشبح فيرى، ولا بجسمٍ فيجرى، ولا بذي غايةٍ فيتناهى، ولا بمحدِث فيبصر، ولا بمستتر فيكشف، كلمّ موسى تكليماً بلا جوارح وأدوات، ومَن زعَم أنّ إله الخلق محدود فقد جهل الخالق المعبود) (1) .

وجاء عن الفتح بن يزيد الجرجاني أنّه سأل الإمام الرضا (عليه السلام): هل يعلم الله الشيء الذي لم يكن أنْ لو كان كيف يكون؟ فقال: (أمّا سمعت إليه يقول: ( لو كان فيهما آلهةً إلاّ الله لفسدتا ) ، وقوله: ( وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ، وقال، عن أهل النار: ( أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا ) ، وقال: ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) ، فقد أثبت سبحانه لنفسه أنّه يعلم الشيء الذي لم يكن لو كان كيف يكون) (2).

وقد أورد الإمام (عليه السلام) هذه الآيات التي أثبتت له العِلم بما لم يكن، إلزاماً للقائلين بأنّ العلم لا يتعلّق بالمعدوم حيث شاع القول بذلك في عصره على أحد زعماء المعتزلة (3).

وأورد الصدوق في كتابه التوحيد جملة أُخرى من الأحاديث عن الأئمّة (عليهم السلام)، في تحديد معنى التوحيد تتضمّن تنزيه الله سبحانه عمّا أثبته له المشبّهة والمحدّثون من أهل السنّة، كما أورد السيّد الرضي في نهج البلاغة مجموعة من خطَب أمير المؤمنين (عليه السلام) حول هذا المعنى، وهو

____________________

(1) نفس المصدر ص 61.

(2) نفس المصدر ص 48.

(3) وتنسب هذه المقالة إلى الجهم بن صفوان أوّل المتكلّمين في القدر، وإلى هشام بن محمّد الغوطي أحد زعماء المعتزلة في عصر الإمام الرضا (عليه السلام).


أوّل مَن تطرّق لهذه المواضيع من المسلمين وذلك قبل وجود المعتزلة بعشرات السنين.

أمّا التوحيد عند الأشاعرة الذين يمثّلون رأي المحدّثين والفقهاء، وعامّة أهل السنّة، فقد قال أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميّين) في وصفه: (إنّ الله واحدٌ أحد لم يتّخذ صاحبةً ولا ولداً، وهو على عرشه كما تنصّ الآية: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ، وأنّ له يدَين بلا كيف لقوله: ( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) ، ولقوله: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ، وله عينان، لقوله: ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) ، وله وجه لقوله: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ ) ، وأنّ أسماء الله لا يُقال أنّها غير الله كما يدّعي المعتزلة والخوارج، وله علم لقوله: ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) ، ولقوله: ( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ ) ، وأثبتوا له القوّة لقوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) .

وأضافوا إلى ذلك أنّ سيّئات العباد يخلقها الله، وجميع الأعمال مخلوقةٌ له سبحانه، ولا يقدر العباد أنْ يخلقوا منها شيئاً، وأنّه يقدر أنْ يصلح الكافرين ويلطف بهم ليكونوا مؤمنين، ولكنّه أراد أنْ لا يصلحهم ولا يلطف بهم، وأرادهم كافرين، وأنّ الله يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة تمامه، يراه المؤمنون دون الكافرين؛ لأنّهم عنه محجوبون، وأنّه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل مِن مستقر (1).

وقد أورد الأسفراييني في كتابه التبصير عن معتقدات أهل السنّة (2) والجماعة ما هو قريب من ذلك، والأشاعرة كغيرهم من المذاهب الإسلامية، يثبتون له بعض الصفات وينفون عنه غيرها، ولكنّهم يختلفون اختلافاً واقعياً في كيفية اتصافه بتلك الصفات، ومع أنّهم ينفون عنه الجسمية والمكان والحلول يثبتون له ما لا ينفكّ عن هذه الأُمور، ويبدو ممّا ذكرناه من مجمل عقيدة الأشاعرة وأتباعهم المحدّثين أنْ بين رأيهم في حقيقة التوحيد من جهة، ورأي الإمامية والمعتزلة من جهة أُخرى تفاوتاً موجباً لتغايره بلحاظ كل من الرأيين.

____________________

(1) انظر مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري ص 330 وما بعدها إلى صفحة 333.

(2) انظر التبصير في الدين ص 149 وما بعدها.


وقد اتفقت الفِرَق الثلاث على أنّ صفاته منها ما هو ذاتي ثابت لذاته: كالعلم والقدرة والحياة، والإرادة والسميع، والبصير، ومنها ما هو إضافي يثبت لذاته بعد وجود المنشأ لانتزاعها: كالرازق، والخالق، والمالك، والمميت، وغير ذلك ممّا تتّصف به الذات بعد وجود منشأ لانتزاعها؛ لأنّ صدق الخالق والمالك والرازق والمُميت عليه سبحانه، إنّما صحّ باعتبار وجود المخلوق والمملوك، والإماتة، ولا شكّ بحدوث هذه الصفات تبَعاً لمنشأ انتزاعها أمّا الصفات الذاتية، فالأشاعرة وبعض المعتزلة يدّعون أنّها قديمة مغايرة لذاته، فهو عالمٌ بعلم، وقادرٌ بقدرة، وسميعٌ بسمع وهكذا الحال في بقية الصفات، وأمّا الإمامية فقد اتفقوا على أنّ صفاته ليست أُموراً زائدة على ذاته، وإلاّ لزِم تعدد القديم، أو حدوث الصفات ولا يُمكن الالتزام بكلٍّ منهما (1).

ولقد قسّم المتكلّمون الصفات إلى قسمين سلبية وثبوتية، فالسلبية هي نفي ما لا يليق بذاته عنه، ككونه جسماً آو جوهراً وعرضاً وغير ذلك، والثبوتية، فهي التي تليق بذاته كالعلم والقدرة والسمع والبصر والمُحيي والرازق وغيرها من الصفات التي أثبتها له المتكلّمون والفلاسفة الإسلاميّون.

وقد اتفق الإمامية والمعتزلة على عدم كونه جسماً؛ لأنّ كونه جسماً يلزمه أنْ يكون متحيّزاً، وأنْ يكون جوهراً لو كان متحيّزاً، وإذا كان جوهراً، فإمّا أنْ لا ينقسم أصلاً أو ينقسم، وكلاهما لا يجوز عليه سبحانه.

أمّا الأوّل: فلأنّ الجوهر الذي لا ينقسم هو الجزء الذي لا يتجزّأ، والجزء الذي لا يتجزّأ أصغر الأشياء، وتعالى الله عن ذلك.

وأمّا الثاني: فلو انقسم كان جسماً مركّباً، والتركيب الخارجي يتنافى مع الوجوب الذاتي، هذا بالإضافة إلى أنّه لو كان متحيّزاً، لكان مساوياً لسائر المتحيّزات في الماهية، واللازم من ذلك، إمّا القِدَم أو الحدوث؛ لأنّ المتماثلات لابدّ من توافقها في الأحكام (2).

____________________

(1) انظر المواقف للإيجي ص 45 وما بعدها من الجزء الثامن.

(2) انظر المواقف للإيجي الجزء الثامن من المجلّد الرابع ص 20 و21 وما بعدهما تجد عرضاً وافياً لبقية الأدلّة على نفي الجسمية ولوازمها من التحيّز وخلافه.


ولم يخالف بذلك سوى المشبّهة، وهم الحنابلة والكرامية، فقد ذهبوا إلى إنّه متحيّز بجهة العلو، ويظهر من الأشعري أنّ عقيدة أهل السنّة بأجمعهم على ذلك (1)، وعلى أيّ الأحوال فالمشبّهة من الحنابلة والمحدّثين، يدّعون أنّه متحيّز كبقية الأجسام بنحوٍ يصحّ الإشارة إليه، وهو مماس للصفحة العليا من العرش على حد تعبيرهم، ويجوز عليه التحوّل من مكانٍ إلى آخر، وأنّ العرش يئط من تحته أطيط الرحل الجديد تحت الركب الثقيل، ويزيد عن العرش من كلّ جهة أربعة أصابع وأضافوا إلى ذلك أنّ المؤمنين المخلصين يعانقونه في الآخرة.

وادعى بعض الحشوية من المحدّثين أنّه جسمٌ مركّب من لحمٍ ودم، وقال آخرون: إنّه نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، ويبلغ طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، وقال آخرون: أنّه شيخٌ أشمط الرأس واللحية، إلى غير ذلك من الانحرافات والخرافات التي لا يقرّها العقل ولا المنطق، ولا مصدر لها من كتاب أو سنّة، وليس في القرآن سِوى بعض الآيات التي قد يتراءى لأوّل نظرة فيها أنّه جسم كبقية الأجسام، ولكنّها محاطة بآيات أُخرى، ونصوص من السنّة، وقرائن في تلك الآيات الموهمة لكونه جسماً، تؤكّد أنّ المعنى الموهوم من ظاهرها غير مراد منها.

وقال بعضهم، في تفسير قوله تعالى ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) : إنه يقعد معه على سريره، وادعى معاذ العنبري - أحد الحشوية من السنّة - أنّ الله على صورة إنسان، وله كلّ ما للإنسان حتى الفرج، وأضاف بعضهم انّه رأى صورة آدم فخلق نفسه على مثالها، وأنّه يضحك حتى تبدو نواجذه، وفي رجليه نعلان من ذهب في روضةٍ خضراء تحمله الملائكة، وأنّ الملائكة مخلوقة من زغَب ذراعيه.

وجاء عن داود الظاهري أنّ الملائكة عادته حينما اشتكى من وجَع في عينيه، وينزل إلى السماء الدنيا في النصف من شعبان في كلّ عام، وفي الآخرة لا يعرفه الناس إلاّ بعد أنْ يظهر لهم العلامة التي امتاز بها في ساقه، فإذا كشف لهم عن ساقه سجدوا له، ورووا أنّ فاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله) تأتي يوم القيامة وعليها قميص الحسين (عليه السلام) لتخاصم يزيد بن معاوية إلى الله؛ لأنّه قتل ولدها الحسين، وسبى عياله وأطفاله، فإذا رآها الله

____________________

(1) انظر ص 323 من مقالات الإسلاميّين في الفصل الذي عقده لبيان عقيدة أهل السنّة.


سبحانه دعا يزيد بن معاوية إليه وادخله تحت قوائم عرشه، كي لا تظفر به فاطمة (عليه السلام)، فيدخل يزيد ويختبئ منها، ثمّ تتظلّم فاطمة وتبكي، فيخرج الله سبحانه لها قدمه، وبها جرح من سهم نمرود، على حدّ زعمهم، فيقول لها: انظري إلى جرح قدمي، هذا من آثار سهم نمرود وقد عفوت عنه.

وفي شرح النهج لابن أبي الحديد إنّهم رووا في الصحاح أنّ آدم مخلوق على صورته تعالى، وأنّ النار عندما تتغيّظ وتزفر لا تسكن حتى يضع رجله فيها، ويُنسب إلى حمّاد بن أبي سلَمة الأُستاذ الأوّل لأبي حنيفة وأحد فقهاء الرأي، إنّ الله ينزل ليلة عرَفة من السماء إلى الأرض على جملٍ أحمر في هودجٍ من ذهب (1) .

والقول بالتجسيم لازم لكلّ من يلتزم بظواهر الآيات كالحنابلة وأتباعهم، أمّا الأشاعرة فمع أنّهم يلتزمون بظواهر الآيات بدون تصرّف فيها، فقد التزموا بأنّ لله وجهاً ويدين وعيناً، ولكنّهم اعتبروها أوصافاً قائمة بذاته تهرّباً من التجسيم الذي يدّعيه بعض الحنابة والحشوية تمشّياً مع العقل الذي يرى التجسيم منافياً للوحدانية (2).

وجاء عن عليّ (عليه السلام) حول المشبّهة والمُجسّمة: (كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم، وأشهد أنّ مَن ساواك بشيء مِن خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافرٌ بما نزلت به محكمات آياتك، ونطقت به شواهد حُجج بيّناتك) (3).

وقد بالغ الكتّاب والمؤلّفون في الفِرَق والمذاهب في نسبة التجسيم إلى هشام بن الحكم، ونسبوا إليه بعض المقالات المنافية لأُصول الاسلام، والتي لا يقرّها العقل، ولا تنسجم مع سيرة هشام وعلمه وصلته بالأئمّة من أهل البيت (عليه السلام)، فقد جاء في التبصير للأسفراييني، أنّه كان يقيس

____________________

(1) انظر ما ذكرنا من أقوال المجسّمة وأدلّتهم الجزء الثامن من المواقف ص 26، وشرح النهج لابن أبي الحديد طبع مصر ج 1 ص 294 و295 وما بعدها.

(2) انظر شرح النهج 296.

(3) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 2 ص 144.


معبوده على الناس، وأنّه سبعة أشبار بشبره وأنّه يتلألأ نوراً، وحكى عنه أبو الهذيل العلاّف أحد زعماء المعتزلة وقد سأله: أيّهما أكبر معبوده أم جبل أبي قبيس؟ فقال: إنّ الجبل لا يرقى عليه تعالى، وحكى عنه أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميّين، أنّه قال: إنّ الله جسمٌ محدودٌ عريضٌ عميق طويل، طوله مثل عرضه وعمقه مثل طوله، وأنّه ذو لونٍ وطعمٍ ورائحة ومجسة إلى غير ذلك من المقالات التي ينسبها إليه كتّاب الفِرَق وغيرهم، وقد وصفه المعتزلة بالخروج عن الاسلام، وهاجمه الجبائي وغيره منهم، وقال فيه بعضهم:

ما بال مَن ينتحل الاسلام

متّخذاً إمامه هشاما (1)

ويبدو من ذلك أنّ الحملات العنيفة التي واجهها هشام، من أخصامه المعتزلة والمحدّثين والفقهاء من السنّة كانت بدافع التشنيع عليه؛ لأنّه كان يُخاصم الفريقين ويناظرهم ولا يثبتون له في جميع مواقفهم معه، كما تؤكّد ذلك المرويّات في ترجمته، وليس في كلماته ما يشير إلى التجسيم المنسوب إليه، وكلّ ما ورد عنه أنّه قال: إنّ الله جسم لا كالأجسام، قال ذلك على سبيل المعارضة والجدَل لأخصامه المعتزلة القائلين بأنّه شيء لا كالأشياء، وهذا النوع من الجدَل لا يدلّ على أنّه اتخذه رأياً له، ولا مذهباً يدين به كما يدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب.

ولو افترضنا أنّه كان يدين بذلك، فليس في هذا الرأي ما يوجب الكفر والإلحاد كما وصفه بذلك النظّام والجبائي وغيرهما من المعتزلة والمحدّثين، وليس في كلماته ما يشير إلى حديث الأشبار السبعة من قريب أو بعيد التي نسبها إليه الجاحظ والنظّام، هذا بالإضافة إلى أنّ هشام بن الحكم كان من تلامذة الأئمّة من أهل البيت (عليه السلام) الذين أعلنوا حرباً لا هوادة فيها على المجسّمة وأصحاب المقالات التي لا تتّفق مع قداسة الخالق وتنزيهه عن صفات مخلوقاته، وكان على صلةٍ أكيدة بهم، ومفضّلاً على الأجلّة من شيوخ أصحابهم.

وقال فيه الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تزال مؤيّداً بروح القدس يا

____________________

(1) انظر التبصير في الدين ص 106 ومقالات الإسلاميّين ج 1 ص 257 والشافي للسيّد المرتضى ص 11.


هشام، ما نصرتنا بلسانك)، وجاء عنه أيضاً أنّه دخل على الإمام الصادق وكان شابّاً قبل أنْ يختطّ عارضاه بالشعر، وفي مجلسه أجلاّء الشيوخ من شيعته وتلاميذه، فوسّع له في مجلسه، وأدناه منه ثمّ قال: (هذا ناصرنا بقلبه ويده ولسانه)، وقال فيه مّرة أُخرى: (هشام بن الحكم رائد حقّنا، والمؤيّد لصِدقنا، والدافع لباطل أعدائنا، مَن تبعه وتبِع أمره تبعنا، ومَن خالفه وألحَد فيه فقد خالفنا وألحد فينا)، إلى غير ذلك من المرويّات الكثيرة في فضله وسلامة عقيدته، والتي تؤكّد بصراحة أنّه كان يُطبّق مبدأ الأئمّة من أهل البيت وتعاليمهم في أقواله وأفعاله وآرائه.

وكيف تصحّ في حقّه تلك التهم والمقالات الفاسدة المنافية لأُصول الإسلام ونصوص القرآن، مع تعظيم الأئمّة له، وتقديرهم لجهوده وجهاده؟ إنّ نسبة هذه المقالات إلى هشام بن الحكَم وجوازها عليه لا ينفكّ عن جوازها على الأئمّة أنفسهم الذين رفعوا شأنه، وفضّلوه على الأجلّة من أصحابهم.

وممّا يؤكّد عدم صحّة تلك المرويّات عنه أنّها لم ترِد عن غير أعداء الشيعة وأعدائه بصورة خاصة؛ لأنّه وقف لهم ولغيرهم من الملحدين وأهل البِدَع والمنحرفين بالمرصاد، وله مواقف حاسمة مع عمرو بن عبيد أحد زعماء المعتزلة، وإبراهيم بن سيار النظّام وغيرهما في الإمامة وغيرها من الأصول الإسلاميّة، وجاء فيما رواه أبو عمر الكشّي في رجاله، أنّ إبراهيم النظام كان ينكر بقاء أهل الجنّة إلى الأبد، مدّعياً أنّ البقاء الأبدي لا يكون لغير الله، وقد جرى حوار بينه وبين هشام بن الحكَم حول هذا الموضوع، قال فيه هشام: إنّ بقاء الله لا يحتاج إلى سبب وعلّة، وبقاؤهم لا يكون إلاّ بسبب، هو إرادة الله ومشيئته، فلا يلزم من بقائهم مشاركتهم لله سبحانه.

ولمّا أصرّ النظّام على أنّهم بعد استيفاء نصيبهم من النعيم يجمدون على الحالة التي كانوا عليها، قال هشام: أوَلَيس في الجنّة كلّ ما تشتهي الأنفس؟ ومِن الجائز أنْ يشتهوا البقاء فيها إلى الأبد، قال النظّام: نعم ولكنّهم لا يلهمون إلى ذلك، وإنْ سألوه أعطاهم ما يريدون.

قال هشام: فلو أنّ رجلاً من أهل الجنّة نظر إلى ثمرة من ثمارها، فتدلّت إليه الشجرة ليقطف منها تلك الثمرة، ثمّ حانت منه لفتة أُخرى، فنظر إلى ثمرةٍ أُخرى منها فمدّ يده ليأخذها فأدركه الجمود الذي تدّعيه،


ويداه معلقتان بشجرتين فارتفعت الأشجار يصبح والحالة هذه مصلوباً، أَفبلغك أنّ في الجنّة مصلوباً؟ قال النظّام: إنّ ذلك محال، فقال هشام: إنّ ما أتيت به أمحل منه يا جاهل.

ومهما كان الحال، فالخصومة الشديدة التي كانت بينه وبين أصحاب المقالات والآراء المخالفة لأُصول الاسلام، ولا سيّما خصومته لأقطاب المعتزلة كعمرو بن عبيد، والنظّام والجاحظ وأمثالهم، هذه الخصومة هي التي دفَعت أعداءه إلى الكذِب والتشويش عليه، ولو افترضنا أنّه كان من القائلين بالتجسيم، وأنّه كان دَيصانياً في بداية أمره، ثمّ أصبح جهمياً، وأخيراً أصبح إمامياً متحمّساً لفكرة الإمامية، ولو افترضنا أنّه كان ديصانياً وجهمياً قبل تشيّعه لأهل البيت (عليه السلام)، فلابدّ وأنْ يكون قد رجَع عن القول بالتجسيم بعد المرحلة الأخيرة التي استقرّ عليها، كما يبدو ذلك من سيرته، ومعاملة الأئمّة الهداة (عليه السلام) له.

وجاء في بعض المرويّات أنّ الإمام جعفر بن محمّد (عليه السلام) قد منعه من الدخول عليه؛ لأنّه يقول بالتجسيم، واعتذر عن ذلك بأنّه لم يعلم بأنّه يتخطى رأي إمامه بذلك، أمّا بعد أنْ علم بذلك، فهو تائب إلى الله (1)، على أنّ ذلك كلّه مجرّد افتراض، والرواية المذكورة لا تؤيّدها الدراسة لتاريخ هشام بن الحكم وتتبّع آثاره، والذي تؤيّده الشواهد المتعدّدة أنّ هشاماً منذ نشأته لم ينحرف عن التشيّع، وقضى مدّة حياته صلباً في تشيعه، وخصماً عنيداً لكلّ مَن يُحاول التشويش عليه من أيّ فرقةٍ كان.

والرواية الحاكية لخصومته مع عمرو بن عبيد في البصرة حول الإمامة، تنصّ على أنّه كان يوم ذاك في مطلع شبابه، لم يختط عارضاه بالشعر كما جاء فيها، وقد جاء في الشافي للسيّد المرتضى، أنّ الإمام الصادق كان يرفعه على شيوخ أصحابه مع حداثة سنّه، وأنّه وهو في ريعان شبابه كان يُدافع ويناضل عن التشيّع وأُصوله (2).

ومن ذلك نستفيد أنّه لم يعتنق غير التشيّع مذهباً، ولم يتبنّ غير أُصوله وفروعه، وكيف يجوز في حقّه أنْ يكون ديصانياً تارة، وجهمياً أُخرى، مع كونه خصماً عنيداً لأعداء التشيّع قبل أنْ يختطّ عارضاه

____________________

(1) انظر هشام بن الحكم للشيخ عبد الله نعمة.

(2) انظر الشافي للسيّد المرتضى ص 12 و13.


بالشعر أي في مطلع شبابه وهذا السنّ لا يُساعد عادة على استعراض المذاهب ودراستها والتنقّل من مذهب إلى مذهب، على أنّ هذه النسبة جاءته مِن قِبل أخصامه المعتزلة الذين كانوا يرونه من أنكد أخصامهم الأقوياء، ونسَج المتأخّرون منهم على منوالهم، وما زال الكتّاب يلصقون به وبغيره من أعلام الشيعة، كلّ ما يُسيء إلى سمعتهم ويُوهن من أُمورهم، ويجترون أقوال المتقدّمين بدون تحقيق أو تمحيص.

وجاء في تاريخ الفِرَق الإسلامية أنّ أصل التشبيه يرجع إلى طائفتين: طائفة الروافض من الشيعة، وطائفة الحشوية من المحدّثين، ويمثّل الطائفة الأُولى هشام بن الحكم (1)، وقد ذكرنا أنّ مصدر إلصاق هذه التهمة به هو الكلمة المنسوبة إليه وهي، (إنّه جسمٌ لا كالأجسام)، وهي على تقدير صدورها منه صورة ثانية عن مقالة المعتزلة، (إنّه شيءٌ لا كالأشياء)، والمقصود منها أنّه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، ولا تدلّ على أكثر من ذلك، ومع ذلك فقد استباحوا إلصاق هذه المقالات الباطلة به، ولم ينسبوا إلى الأشعري والمحدّثين القول بالتشبيه والتجسيم، مع أنّ كلماتهم أدلّ على التجسيم المطلق من هذه الكلمة.

قال أبو الحسن الأشعري، في شرح معتقدات أهل السنّة: (إنّ الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، وأنّه ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ وله يدان وعينان ووجه وغير ذلك من الأعضاء، وعقّب ذلك بقوله: وبكلّ ما ذكرنا من قولِهم نقول وإليه نذهب (2)، وذكر في التبصير نحواً من ذلك، واستدلّ على رؤية الله سُبحانه بأنّ ما لا تصحّ رؤيته لم يتقرّر وجوده، هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً عن الحنابلة الذين أنزلوه إلى مستوى البشر، ومع ذلك فالشيعة عند عليّ الغرابي، هُم المشبّهة والمجسّمة بزعامة هشام بن الحكَم.

أمّا القائلون بأنّ له يداً وعيناً ووجهاً وأنّه يُرى بالأبصار، وينزل إلى السماء الدنيا وغير ذلك ما هو ثابت عن أهل السنّة الأشاعرة وغيرهم،

____________________

(1) انظر تاريخ الفِرَق الإسلامية لعلي الغرابي.

(2) انظر صفحة320 وما بعدها إلى ص325 الجزء الأول من مقالات الإسلاميّين، وانظر التبصير في الدين ص138.


هؤلاء هم الموحّدون الحقيقيّون عند الغرابي وغيره من كتّاب السنّة.

ومن صفاته السلبية، أنّه ليس بجوهر ولا عرض؛ إذ لو كان جوهراً لكان متحيّزاً، والتحيز يلزمه التجسيم وكونه محتاجاً إلى غيره، هذا بالإضافة إلى أنّ الجوهر وجوده غير ماهيته، والواجب متّحد وجوداً وماهية، ولو كان عرضاً احتاج إلى محل يعرض عليه؛ لأنّ الأعراض إنّما تتقوّم بغيرها.

ومنها أنّه ليس زمانياً بمعنى أنّ وجوده لا يحتاج إلى الزمان، ولو كان زمانياً لزِم كون الزمان قديماً، وكونه مفتقراً إلى غيره كما هو الحال في كلّ زماني، مضافاً إلى أنّ الزمان يتجدّد، والحال في المتجدّد لابدّ وأنْ يكون متجدّداً، وتعالى الله عن ذلك، وليس معنى كونه قديماً هو التقدّم الزماني، كما وأنّ بقاءه لا يعني وجوده في زمانين أو أكثر، وإلاّ لزِم كونه زمانياً.

ومنها أنّه لا يتّحد بغيره لامتناع صيرورة الشيئين شيئاً واحداً، وينسب القول بذلك إلى الصوفية؛ لأنّهم يدّعون بأنّه متّحد بأبدان العارفين، وأنّه نفس الوجود، وكلّ موجود هو الله على حدّ زعمهم.

ومنها أنّه لا يحلّ بغيره؛ لأنّ الحال مفتقر إلى المحل، وكلّ مفتقر إلى غيره ممكن، مضافاً إلى أنّ الحلول يستدعي التبعية، والغني بذاته لا يكون تابعاً لغيره، ولو افترضنا ذلك لزِم كون المحل قديماً فيتعدّد القديم، والقول بالحلول منسوبٌ إلى المتصوّفة القائلين بأنّ الله يحل في أبدان العارفين، وأنّ الإنسان متى وصل إلى أعلى مراتب المعرفة فقد اتحد مع الإله، فتسقط عنه جميع التكاليف.

وفكرة الحلول والاتحاد لازمة لقول النصارى في المسيح، لأنّه تعالى إمّا حالٌّ في المسيح أو متّحدٌ معه، أو أنّ صفته قد حلّت فيه، وعلى جميع التقادير إمّا أنْ يكون الحلول ببدن المسيح أو بنفسه، وقد بيّنا أنّ الاتّحاد محال عقلاً مع فرض الاثنينية، والحلول يؤدّي إلى النتائج التي ذكرناها (1).

ومنها أنّه لا يتّصف بشيء من الأعراض المحسوسة بالحسّ الظاهر أو الباطن كالطعم واللون والرائحة والألم، والحقد، والحزن، والخوف وغير ذلك؛ لأنّ هذه كلّها من توابع المزاج والأجسام المركّبة من عناصر

____________________

(1) انظر المواقف جزء 8 ص 29 و30 وكشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 17.


مختلفة، وأجزاء متباينة لكلّ واحد منها آثار وخواص تخصّه، وقد أثبتنا أنّه تعالى ليس بجسمٍ لتكون له هذه الآثار والخصائص الثابتة للأجسام.

الصفات الوجودية

لقد ذكرنا سابقاً أنّ المتكلّمين قسّموا الصفات إلى قسمين ثبوتية وسلبية، وقد ذكرنا قسماً من الصفات السلبية، أمّا الصفات الوجودية فهي إمّا راجعة للذات ابتداءً وبلا توسّط شيءٍ آخر، وأمّا أنْ تكون صفة للذات باعتبار الأفعال الصادرة عنها، قال الشيخ المفيد: (صفات الله على ضربين، أحدهما منسوبٌ إلى الذات، فيقال عنها أنّها صفاتٌ للذات، وثانيهما منسوبٌ إلى الأفعال فتكون صفة لها، والمراد من صفات الذات هو كونها مستحقّة لها استحقاقاً لازماً، لا لشيء سِواها، ومعنى صفات الأفعال، هو أنّها تجب بوجود الفعل ولا تجب قبل وجوده.

فصفات الذات له تعالى، هي وصْفَه بأنّه حيٌّ عالمٌ قادر، ألا ترى أنّه لم يَزل مستحقّاً لهذه الصفات ولا يزال، ووصْفُنا له بصفات الأفعال معناه أنّه قبل صدور الفعل لا يصحّ وصفه سبحانه بتلك الصفة، فقبل خلقه الخلْق لا يُوصف بأنّه خالق، وقبل إماتته الخلق لا يقال عنه مميت، إلى غير ذلك مّن الصفات التي لا يصحّ حملها على الذات إلاّ بعد وقوع الفعل منه سبحانه.

وأضاف إلى ذلك أنّ صفات الذات لا يوصف صاحبها بأضدادها، ولا يخلو منها، أمّا صفات الأفعال فيوصف مستحقّها بضدّها كما يصحّ خلوّه عنها، فلا يوصف بالموت ولا بالعجز ولا بالجهل، كما لا يوصف بخلوّه عن الحياة والعلم والقدرة؛ لأنّ هذه الصفات ثابتة لذاته تعالى، ويصحّ أنْ يقال فيه أنّه غير خالق اليوم ولا رازق لزيد، ولا محيي للميّت الفلاني،  ولا مُبدِئ لشيء في هذه الحالة) (1).

____________________

(1) انظر تصحيح اعتقادات الصدوق للشيخ المفيد ص 11.


والمتحصّل من ذلك أنّ نسبة الصفات إليه تعالى ليست على نهجٍ واحد؛ لأنّ منها ما يُنسب إلى ذاته ابتداءً ولا توسّط لشيء، ومنها ما ينسب لذاته بلحاظ ما يصدر عنه من الأفعال، والظاهر أنّ القسم الثاني من الصفات ليس داخلاً في النزاع القائم بين الأشاعرة وغيرهم، في أنّ صفاته عين ذاته أم غيرها؟ لأنّ هذه الصفات إنّما تجري عليه سبحانه بلحاظ ما يصدر عنه، فهي تابعة لمنشأ انتزاعها، كما وأنّ القسم الأوّل من الصفات لا إشكال في أنّه الموضوع للنزاع القائم بين الطرفين الأشاعرة وغيرهم، وقبل الإشارة إلى وجهة نظر الفريقين في هذه المسألة، لابدّ من البحث في الصفات وبيان المراد منها مع الإشارة إلى رأي الفلاسفة والمتكلّمين منها على ضوء ما جاء في كلماتهم حول هذه المواضيع.

القُدرة

وقد عدّوا من جملة صفات الذات القدرة، ومعناها عند المتكلّمين، أنّه لا شيء من الفعل والترك ضروري بالنسبة إليه سبحانه؛ لأنّه قد أوجد هذا الكون بنظامه حسب مشيئته، ولو لم يشأ لم يكن، وقال الفلاسفة: إنّ القدرة بهذا المعنى نقصان لا يليق بذاته سبحانه، وإيجاده للكون هو من لوازم ذاته، فيمتنع خلوّه منه، فالقدرة لازمة له كلزوم العلم وسائر الصفات الكمالية، فكما يستحيل انفكاكها عنه، يستحيل انفكاك القدرة عنه، وفي جواب ذلك قال المتكلّمون: أنّه لو لم تكن القدرة بمعنى إنْ شاء فعل وإنْ شاء ترَك بحيث لم يكن الفعل والترك ضروريّين، يلزم أحد أُمور أربعة، إمّا نفي الحادث، أو عدَم استناده إلى المؤثّر، أو التسلسل، أو تخلّف الأثر عن المؤثّر.

بيان الملازمة، أنّه لو كان موجباً بذاته، إمّا أنْ لا يوجد حادث أو يوجد، فإنْ لم يوجد لزِم نفي الحادث، وهو مُخالف للضرورة والوجدان، وإنْ وجِد حادث، فإمّا أنْ لا يستند الحادث الموجود إلى مؤثّر موجد، أو


يستند، فإنْ لم يستند الى مؤثّر، لزِم عدم استناد الحادث إلى مؤثّر، وإنْ استند الحادث الموجود إلى مؤثّر، فإمّا أنْ يكون المؤثّر قديماً أو حادثاً، فإنْ لم يكن قديماً ولا منتهياً إلى القديم، لابدّ له من مؤثّر، وذلك المؤثّر إذا لم يكن قديماً أو منتهياً إلى القديم، لابدّ له من مؤثّر آخر، فيلزم التسلسل، وإنْ كان المؤثّر منتهياً إلى القديم لزِم تخلّف الأثر عن المؤثّر؛ لأنّا قد فرضناه حادثاً منتهياً إلى القديم الموجب بذاته، ولازم ذلك كون الأثر مقارناً للموجب، ولو كان مقارناً خرَج عن كونه حادثاً، ولزم تعدد القديم، وهو خلاف المفروض (1).

والقدرة الثابتة لذاته تعالى تشمل جميع الأشياء، حسنة كانت أم قبيحة، لأنّ المقتضى للقدرة على جميع الممكنات، هو ذاته، ونسبتها إلى جميع الممكنات متساوية، وإذا ثبتت على بعضها ثبتت على البعض الآخر، ولم يُخالف بذلك إلاّ الفلاسفة وبعض المعتزلة. أما الفلاسفة، فقالوا: إنّ الله واحد والواحد لا يصدر عنه أكثر من واحد، فلا يقدر على جميع الممكنات، ولذا التزموا بأنّ الله أوجد العقل الأوّل، وبقية المُمكنات تصدر عنه بالوسائط.

وذهب المجوس إلى أنّ الله لا يقدر إلاّ على الخير، أمّا الشرّ فليس من مقدوره، وإنّما هو من فعل الشيطان، كما ذهب النظام وأتباعه من المعتزلة إلى أنّ الله لا يقدر على القبيح، لأنّه مع العلم بقبحه يكون فعله سفَهاً، وإنْ كان جاهلاً بقبحه يكون ناقصاً، وتعالى الله عن ذلك.

وذهب أبو القاسم البلخي وجماعة منهم إلى أنْ الله لا يقدر على ما أقدر عليه عباده؛ لأنّه أمّا أنْ يكون طاعة مشتملة على المصلحة أو معصية فيه المفسدة، أو مجرّداً عنهما، والجميع لا يجوز عليه تعالى لأن أفعاله لا تكون لهذه الاعتبارات (2) .

وذهب الجبائيان إلى أنّ الله لا يقدر على عين فعل العبد؛ لأنّه لو أراد الله فعلاً من أفعال العبد، وأراد العبد عدمه فإنّ وقعا اجتمع النقيضان، وإنْ لم يقعا، ارتفع النقيضان، وإنْ وقع أحدهما لا يكون الثاني مقدوراً.

____________________

(1) انظر المواقف ج 8 ص 50 وشرح التجريد للعلامة الحلّي.

(2) انظر مقالات الإسلاميّين ص 251، المواقف ص 63.


والجواب، إمّا عن شبهة المجوس، فإنّ القدرة على الشرّ، لا تستلزم فعله، لوجود الصارف عنه أحياناً.

وأمّا عن دعوى النظام وأتباعه، فعلى مبدأ الأشاعرة المنكرين للقبح والحُسن الذاتيّين، لا يلزم أيّ محذور من قدرته على القبيح؛ لأنّ تعلّق القدرة به يكشف عن عدم قبحه، وأمّا على مبدأ الإمامية، فالمراد من قدرته على الحسن والقبيح، أنّه يدعو إلى الحسن بدون أنْ يكون له صارف عنه، أمّا القبيح فمع أنّه داخل تحت قدرته كغيره من الممكنات لا داعي له إلى فعله، بالإضافة إلى وجود الصارف عنه، وعدم صدوره عنه لا يدلّ على نفي القدرة عنه، فهو مقدور باعتبار ذاته، وممتنع عليه عرَضاً لوجود الصارف عنه.

وأمّا عن دعوى البلخي، فالطاعة والعبث وغيرهما من الاعتبارات إنّما تَعرِض للأفعال الصادرة من العبد، ولا تؤثّر في ذاتيّة الفعل، فكونه طاعة أو معصية وصْفان يعرضان للفعل من حيث قصد الفاعل، والدواعي القائمة بنفسه وما يُرافق الفعل من آثار سيّئة أو طيّبة، وبالنسبة إليه تعالى لا تجري فيه جميع هذه الاعتبارات.

وأمّا عن دعوى الجبائيّين وأتباعهما، فلو تعلّقت إرادة الله سُبحانه بالفعل لا يمكن أنْ تؤثّر إرادة العبد المتعلّقة بالترك؛ لأنّها أقوى منها، وهذا لا يمنع من كون الترك مقدوراً للعبد في هذه الحالة ذاتاً، وإنْ امتنع في حقّه عرَضاً لوجود المزاحم الأقوى منها تأثيراً.

العلم

ومنها أنّه عالمٌ بالكون وما فيه، من غير فَرقٍ بين الكلّيات والجزئيّات، والأعدام الممكنة والممتنعة، والجواهر والأعراض، وكلّ ما كان وما يكون في الخارج أو الذهن، ويؤيّد هذه الدعوى على عمومها ما جاء في الآية من سورة الأنبياء: ( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) والآية من سورة الإنعام:


( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) .

وممّا يدل على ذلك أنّه أوجد الموجودات على أكمل الوجوه، وأتقن صنعها، وغير العالم يستحيل أنْ يصدر منه الفعل المتقن مرّة بعد أُخرى، هذا بالإضافة إلى أنّ كلّ شيءٍ سِواه ممكن، والممكن لابدّ في وجوده من علّة تقتضي إيجاده، وذاته تعالى هي العلّة في إيجاد جميع الموجودات والممكنات، وهو عالم بذاته، والعلم بالعلّة يستتبع العلم بالمعلول الصادر عنها من غير فَرقٍ بين أقسام الممكنات وأنواعها، وقد ادعى بعض المتكلّمين، أنّ الله لا يعلم ذاته؛ لأنّ العلم إضافة بين العالم والمعلوم، ولابدّ من المغايرة بينهما، فلو قلنا بأنّه يعلم ذاته يلزم مغايرة علمه لذاته.

والجواب عن هذه الدعوى، إنّ المغايرة بين العلم والمعلوم يكفي فيها أنْ تكون اعتبارية، وهي موجودة في المقام، فذاته من حيث إنّها عالمة، مغايرة لها من حيث إنّها معلومة، ويكفي هذا النوع من المغايرة بالنسبة إليه سبحانه.

وادّعى آخرون بأنّ الله لا يعلم الجزئيات ولا الشيء قبل وجوده، أمّا أنّه لا يعلم الجزئيات فلأنّها تتغيّر وتتبدّل وإذا تغيّر المعلوم وتبدّل لابدّ من تغيّر العلم، وقد ثبت أنّ علمه عين ذاته فيلزم الذات تغيّرها، وأمّا عدم علمه بالأشياء قبل وجودها، فلأنّه لو تعلّق بها العلم، كان وجودها واجباً فيلزم انقلاب الممكن واجباً، إذ لو لم توجد لزم انقلاب علمه جهلاً.

والجواب عن الدعوى الأُولى، إنّ العلم بالجزئيات لا يتغيّر حتى ولو تغيّر الجزئي المعلوم؛ لأنّ المتغيّر هو الإضافة المتعلّقة بالمعلوم، فزيد إذا وجد ينسب وجوده إلى علم الله وإذا انعدم تنتفي نسبة وجوده إلى علمه، أمّا العلم فهو على حاله لم يتغيّر ولم يتبدّل، فالتغير في الإضافات، لا في الذات ولا في الصفات الحقيقية الثابتة للذات، وهذا نظير قولنا: زيد يقدر على عمرو فلو مات عمرو لا تنتفي قدرة زيد عليه، ولكنّ هذه الإضافة الخاصّة قد انتفت بموت عمرو؛ ولأنّها أمرٌ اعتباري لا وجود له خارجاً.

والجواب عن الدعوى الثانية، بأنّ تعلّق علمه بالمتجدّدات لا يُخرجها عن كونها ممكنة ذاتاً؛ لأنّ علمه تعلّق بها على هذه الصفة، فإذا وجب وجودها بعد ذلك لوجود سببه، لا تخرج عن إمكانها الذاتي؛ لأنّ وجوبها


لحصول سببه، وكلّ ممكن قد يُصبح واجباً بالعرض ولا مانع من اجتماعهما (1) .

____________________

(1) شرح التجريد للعلاّمة الحلّي ص176 والمواقف ص71 وما بعدها ومعالم الفلسفة للشيخ محمّد جواد مغنية ص139.


الحياة والإرادة

ومنها أنّه حيّ مُريد لأنّه عالمٌ قادر، وكلّ عالمٍ قادر لابدّ وأنْ يكون حيّاً، وليست الحياة بالنسبة إليه كالحياة بالنسبة لغيره، فحياة غيره هي عبارة عن اعتدال المزاج والحركة والحس، وغير ذلك من المقوّمات أمّا بالنسبة إليه سُبحانه، فعند الإمامية القائلين بوحدة الذات والصفات عبارة عن معنى سلبي، أي لا يستحيل عليه أنْ يعلم ويقدر؛ لأنّ ثبوت الصفة فرع عن عدم استحالتها، وعند الأشاعرة وبعض المعتزلة القائلين بتغاير الصفات مع الذات، أنّها صفة توجب صحّة العلم الكامل والقدرة الشاملة، إذ لولا اختصاصه بصفة توجب صحّة العلم والقدرة، لكان اختصاصه بصحّة العلم والقدرة ترجيحاً بدون مرجح (2).

وأمّا كونه مريداً فقد اتّفق الجميع على ذلك بدليل أنّه سبحانه أوجد بعض الممكنات دون بعض، مع أنّ قدرته تعمّ جميع الممكنات وعلمه محيطٌ بجميع الكائنات، ولا سبب لذلك إلاّ تعلّق إرادته ببعضها دون البعض الآخر، وقد اختلفوا في معنى إرادته سبحانه، فأبو الحسين الصالحي والنظّام والجاحظ والعلاّف، وأبو القاسم البلخي وغيرهم، ذهبوا إلى أنّها عبارة عن علمه بما في الفعل من المصالح والمنافع، وتسمّى عندهم (بالداعي إلى إيجاد الفعل).

وقال النجّار: إنّها معنىً سلبي، بمعنى أنّه غير مستكره ولا مغلوب.

____________________

(2) انظر شرح التجريد ص 177 والمواقف ص 81.


وقال الكعبي: إنّ إرادته بالنسبة لأفعال نفسه علمه بالمصلحة، ولأفعال غيره أمَره بها. وقال الحكماء: إنّها العلم بالنظام على الوجه الأكمل، ويسمّونها (العناية)، وقال ابن سينا: (العناية هي إحاطة علم الأوّل تعالى بالكل، وبما يجب أنْ يكون عليه الكل، حتى يكون على أحسن النظام).

وقال الأشاعرة والحنابلة والجبائيان من رؤساء المعتزلة، إنّها صفة زائدة على العِلم، وفي شرح التجريد أنّها عبارة عن الداعي إلى الفعل، وليست أمراً زائداً على الذات كما يدّعي الأشاعرة؛ للزوم تعدّد القدماء وليست أمراً حادثاً في ذاته، كما يدّعي الكراميّة، أو لا في محل كما يدّعي أبو علي وأبو هاشم من المعتزلة، إذ لو كانت حادثة في ذاته أو لا في محل لزِم التسلسل، لاحتياج الحادث إلى موجد بإرادة، والكلام بعينه يجري في الإرادة الثانية (1).

وقال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: أنّ إرادته لأفعاله هي نفس أفعاله، وإرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال، وبذلك جاءت الآثار عن أئمة الهدى مَن آل محمّد (عليه السلام) وهو مذهب الإمامية إلا من شذّ منهم (2).

ومن صفاته تعالى، أنّه سميعٌ بصير، قال الإيجي في المواقف، والعلاّمة الحلّي في شرح التجريد ما حاصله أنّ ذلك ممّا علم بالضرورة من دين محمّد (صلّى الله عليه وآله)، واتّفق عليه جميع المسلمين، ودلّ عليه القرآن الكريم واستدل جماعة على ثبوت هذين الوصفين له، بأنّه قد ثبت اتصافه بالحياة وكل حيّ لابدّ وأن يتّصف بالسمع والبصر، إذ لو لم يتّصف بهما لاتّصف بضدّهما، واتّصافه بضدّهما نقصٌ لا يجوز عليه سبحانه، والمراد منهما علمه بالمسموعات، والمبصرات؛ لأنّ السمع والبصر الثابتان له، لو كانا بآلة تشبه الآلات الموجودة لدى سائر مخلوقاته، لزم كونه جسماً مركباً من أجزاء متباينة، لكلّ جزء منها وظيفة تختصّ به، وذلك ممتنع بالنسبة إليه تعالى كما ذكرنا سابقاً، فلابدّ وأنْ يكون المراد منهما غير السمع والبصر

____________________

(1) انظر شرح التجريد ص 177 والمواقف ص 81.

(2) انظر أوائل المقالات للشيخ المفيد ص 19.


الثابتين لغيره من المخلوقات (1).

قال الشيخ المفيد: إنّ استحقاق القديم سُبحانه لهذه الصفات كلّها من جهة السمع دون القياس ودلائل العقول، وأنّ المعنى في جميعها العلم، فالمراد من كونه سميعاً وبصيراً، علمه بالمسموعات والمبصرات وأضاف قائلاً: ولست أعلم من متكلّمي الإمامية خلافاً في هذا الباب وهو مذهب البغداديين من المعتزلة، وقد خالف فيه المشبهة من أصحاب الصفات، والبصريّون من أصحاب الاعتزال (2)، وهو مذهب الفلاسفة والكعبي، وأبي الحسين البصري.

وذهب الأشاعرة وجمهور المعتزلة إنّهما صفتان زائدتان على العلم (3) .

____________________

(1) انظر المواقف ص 88 الجزء الثامن، فإنّه بعد أنْ أورد هذا الاستدلال أبطله، وانتهى أخيراً إلى القول بأنّ العمدة في إثبات هذين الوصفين له تعالى ظواهر الآيات الدالّة على ذلك.

(2) انظر أوائل المقالات ص 21.

(3) انظر المواقف ص 89، والظاهر أنّهم يعتمدون على ظواهر النصوص في ذلك وعبارة المواقف تنصّ على أنّ الأكثرية الغالبة من المعتزلة متّفقون مع الأشاعرة في هذه المسألة.


التكلّم

ومن صفاته الثبوتية التكلّم، ولم يُخالف بذلك أحد من المسلمين، ويكفي في إثبات هذه الصفة له بالإضافة إلى النصوص الكثيرة، الكتب المنزلة على أنبيائه كالتوراة والإنجيل والقرآن، ولا خلاف من أحد من المسلمين في ذلك، وإنّما النزاع بينهم في أنّ كلامه حادث أو قديم، وقد برز هذا النزاع بين المعتزلة والمحدّثين منذ أنْ ظهر الاعتزال، ونشَط كلّ من الفريقين لتأييد مذهبه في هذه المسألة، وتراشقوا بالسباب والتفسيق والتُهَم المفتعلة، ولا سيّما بعد أنْ وجَد المعتزلة من يناصرهم ويتبنّى


آراءهم من الحكّام العبّاسيّين، كالمأمون والمعتصم والواثق، وهؤلاء الذين حاولوا فرض آرائهم على المسلمين بالقوّة، وأرغموا الفقهاء والمحدّثين على القول بها.

وكما ذكرنا أنّ زعماء المعتزلة كانوا على خلاف في أكثر المسائل والمناهج التي اتبعوها مع العلماء والمحدّثين، ولم يبلغ النزاع أشدّه بين هاتين الفئتين إلاّ بعد أنْ ظهر المعتزلة بفكرة خلق القرآن، فكانت هذه الفكرة من أبرز المسائل التي تضاربت فيها آراؤهم، مع أنّ خلافهم في بعض المسائل ربّما يكون له مساس في الدين أكثر من هذه المسألة، كمسألة خلق الأفعال، ورؤية الله وانتهاء نعيم الآخرة وخلق الجنّة والنار وغير ذلك ممّا اختلفت فيه آراؤهم، وتباينت فيه مذاهبهم، فمسألة خلق الأفعال مثلاً مع أنّها أكثر تعقيداً من غيرها من المسائل الكلامية وصلتها بالدين أوثق من بقيّة المسائل النظرية، ولها أثرها على حياة الإنسان في جميع أفعاله وتصرّفاته، ومع ذلك فلم ينته الخلاف فيها بين الفريقين إلى الحدّ الذي انتهى أليه في خلق القرآن، ولعلّ مردّ ذلك إلى أنّ الخلاف بينهما قبل أنْ يلقى تأييداً من الحكّام، كان لا يتجاوز حدود الجدل، واستعمال الأدلة المنطقية، التي كانت تبرز في مناهج المعتزلة ومناظراتهم وحلقات التدريس.

وقد تأصّل العِداء بينهم وبين غيرهم من العلماء، وأصبح اسم المعتزلة عند المحدّثين والفقهاء تعبيراً آخر عن الإلحاد والزندقة والتمرّد على نصوص الوحي، كما أصبح اسم المحدّثين والفقهاء يمثّل الجمود والتقليد الأعمى للسلَف، وحينما وجَد المعتزلة أنّ المأمون العبّاسي متّجه إليهم ومقتنع بمناهجهم ونزعاتهم الفكرية، استغلّوه لصالحهم، ووجدوا من فكرة خلْق القرآن، ما يُساعدهم على التنكيل بأخصامهم الذين رموهم بالزندقة والإلحاد، واستطاعوا إقناعه بأنّ القول بعدَم خلق القرآن يُضاهي قول النصارى في المسيح، ويؤدّي إلى القول بتعدّد القدماء، وقد مهّد لهم الأُمور أحد فقهائهم أحمد بن أبي دؤاد ، وكان من المقرّبين إليه، وأوثقهم في نفسه، فكتب إلى الولاة في العواصم الإسلامية أنْ يختبروا الفقهاء والمحدّثين في مسألة خلق القرآن، وفرَض عليهم أنْ يعاقبوا كلّ مَن لا يرى رأي المعتزلة في هذه المسألة.

وجاء المعتصم والواثق من بعده فطبّقا سيرته وسياسته مع أخصام المعتزلة، وبلغت المحنة أشدّها على المحدّثين، وبقيَ أحمد بن حنبل ثمانية


عشَر شهراً بين أيدي الجلاّدين يسومونه سوء العذاب، فلَم يتراجع عن رأيه، ولمّا جاء المتوكّل العبّاسي وأظهر مناصرته له ولأتباعه وأقصى أخصامهم المعتزلة، أحسّ الفقهاء بالفرج وتبدّل الموقف، وكادت المحنة أنْ تحيط بأُولئك الذين كانوا بالأمس القريب يفرضون آراءهم بقوّة السلطان، ومن ذلك يبدو أنّ مسألة خلق القرآن قد استغلّها المعتزلة للتنكيل بأخصامهم الذين رموهم بالزندقة والإلحاد، وكانت من أبرز المسائل في تاريخ المعتزلة والمحدّثين لأنّ النزاع فيها لم يقِف عند حدود الاستدلال والمناظرات العلمية، كما هو الحال في غيرها من المسائل التي تباينت فيها آراء الفريقين، بل تخطّى هذه الحدود إلى الحبس والتشريد والقتل.

ووجد الحكّام السبيل ممهّداً للانتقام من كلّ معارضٍ لسياستهم ومنكرٍ لتصرّفاتهم، وتستّروا بهذه المسألة لتحقيق أغراضهم، وقد أحدَث هذا النوع من التدخّل ضجّةً في الأوساط العلمية والشعبية، كانت لمصلحة الفقهاء والمحدّثين، وعاد على المعتزلة بالفشل والخسران، فقد حصل الفقهاء والمحدّثون بسبب موقف الحكّام منهم هذا الموقف العِدائي على عطف جميع الطبقات الشعبية، وازدادت الثقة بهم؛ لأنّهم أظهروا تصلّباً في دينهم، وتحمّلوا المشاقّ في الدفاع عن عقيدتهم بالرغم من تصلّب الحكّام في مناصرة أخصامهم المعتزلة.

ومهما كان الحال، فالمحدّثون والعلماء وأتباعهم الأشاعرة يدّعون أنّ الكلام صفة لله سبحانه، وكلّ صفاته قديمة قائمة بذاته، ويعبّرون عن تلك الصفة بالكلام النفسي، أمّا الأصوات والحروف والكلمات الموجودة في الكتب السماوية، فليست كلاماً على وجه الحقيقة، وإنّما هي معبّرة عن كلامه وحاكية له، وقد تختلف بالأزمنة والأمكنة واللغات وغير ذلك، والكلام الحقيقي لا يختلف ولا يتغيّر، وكما تدلّ عليه الألفاظ تدلّ عليه الإشارة والكناية، وهو مغاير لتلك الدلالات بجميع أنواعها، كما وأنّه صفة ثالثة غير العلم والإرادة قائمٌ بذاته، أمّا الألفاظ والعبارات والحروف الحاكية لكلامه فقد خلقها في الأنبياء والملائكة، وفي الشجرة التي كلّم موسى بواسطتها، وغير ذلك من الوسائط، ولم يُخالف بذلك أحد من أهل السنّة سِوى الحنابلة، فقد ادعوا بأنّ كلامه هو الحروف والأصوات، وهي قائمة بذاته وقديمة بقِدَمه، حتى أنّ جِلد المصحف وغلافه قديمان فضلاً عن ألفاظه


وعباراته وحروفه (1) .

أمّا المعتزلة فقد ذهبوا إلى أنّ كلام الله هو الألفاظ والحروف الموجودة في التوراة والإنجيل والقرآن، وقد خلقه في أذهان الأنبياء والملائكة المبلّغين، وفي الشجرة التي كلّمت موسى كما خلَق سائر الكائنات والموجودات، ولا شيء غير ما في هذه الكتب يصحّ أنْ نُسمّيه كلاماً، كما يدّعي الأشاعرة وأتباعهم، فتكون صفة التكلّم بالنسبة إليه تعالى إضافية كالخالق والرازق وغيرهما من الصفات الإضافية التي يوصَف بها بعد وجود منشئها.

واستدلّوا على ذلك بالأدلّة العقلية والنقلية.

أمّا العقل فلأنّه لو كان قديماً لزِم وجود الأمر والخبر في الأزَل، ولا مأمور ولا سامع في تلك المرتبة، فيكون الأمر والخبَر سفَهاً، وهو منزّه عن ذلك.

الثاني: لو كان كلامه قديماً كالعلم والقدرة لتساوت نسبته إلى جميع الأشياء، كما هو الحال فيهما، حيث إنّ تعلّقهما بالأشياء لذاتهما، ولمّا كان الحُسْن والقُبح عند الأشاعرة بالشرع لا بالعقل، يلزَم تعلّق أمره ونهيه بالأفعال كلّها، فيكون كلّ فعل مأموراً به ومنهيّاً عنه؛ لأنّ أوامره ونواهيه من جملة كلامه وهما قديمان كما يزعم الأشاعرة وأتباعهم، والقديم تستوي نسبته إلى جميع ما يتعلّق به، ولا يحتاج تعلّقه بالأشياء إلى سبب، وإلاّ لكان حادثاً (2).

وأمّا الأدلّة النقلية فهي الآيات التي تنصّ على أنّه محدَث، كقوله تعالى: ( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ) وقوله: ( وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ ) وقوله: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ، وكلمة (كن) عبارة عن جملة كلامه المتأخّر عن إرادته، وقوله: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ) وإذ من ظروف الزمان، والواقع في هذا الظرف لابّد وأنْ يكون زمانيّاً حادثاً، إلى غير ذلك من الآيات التي استدلّ بها المعتزلة على أنّ كلامه مخلوقٌ وحادثٌ كغيره من الكائنات والمخلوقات (3).

ويلتقي الإمامية مع المعتزلة في هذه المسألة من حيث إنّ كلامه كسائر

____________________

(1) انظر المواقف ص 92 من المجلّد الرابع الجزء الثامن.

(2) المواقف ص 96.

(3) انظر المصدر السابق ص 98.


المُحدَثات التي أوجدها الله سبحانه، قال العلاّمة الحلّي: لا شكّ أنّ الله تعالى متكلّم على معنى أنّه أوجد حروفاً وأصواتاً مسموعة قائمة بالأجسام، كما كلم موسى من الشجرة، فأوجد فيها الأصوات والحروف، وقد خالف الأشاعرة عقولهم وعقول سائر البشر، واثبتوا له تعالى كلاماً لا يفهمونه هم ولا غيرهم، وأضاف قائلاً: والعقل والسمع يتطابقان على أنّ كلامه محدَث ليس بأزَلي؛ لأنّه مركب من الحروف والأصوات، ويمتنع اجتماع حرفين دفعة واحدة، فلابدّ وأنْ يكون أحدهما سابقاً على الآخر، والمسبوق حادث بالضرورة، والسابق على الحادث بزمان متناه حادث بالضرورة أيضاً (1).

وفي المرويّات عن أئمّة الشيعة ما يؤكّد أنّهم كانوا لا يستسيغون البحث والجدَل في هذا الموضوع؛ لأنّ التشدّد في هذه المسألة وأمثالها ليس من الدين، والخصومة فيها لم تكن لإحقاق الحق، وإزاحة الشكوك، وهب أنْ الإنسان اعتقد بمقالة الأشعري وأتباعه والتزم بالكلام النفسي، وبنى على أنّ الألفاظ والحروف المنزلة على الأنبياء معبّرة عنه على حدّ زعم أصحاب هذا الرأي، فهل تستساغ تلك الضجّة التي أثارها المعتزلة؟ وأودَت بحياة جماعة من الفريقين، واتّسمت بطابع الانتقام، بعد أنْ كانت معركة فكرية كغيرها من المعارك التي كانت قائمة بين العُلماء والباحثين من الفلاسفة وغيرهم، والذي يستفاد من النصوص أنّه لا يجوز تخطّي الأوصاف التي وردت في القرآن، ولم يرد في القرآن ما يشير إلى استعمال هذا الوصف، لذلك فقد أنكر الأئمّة (عليه السلامة) على المعتزلة الذين وصفوا بهذه الصفة، كما أنكروا على الأشاعرة وأتباعهم الذين جعلوه قديماً مغايراً لمّا جاء به الوحي.

فقد جاء في رواية الحسَن بن خالد: قال: قلت للإمام عليّ بن موسى (عليه السلام): ما تقول في القرآن أخالقٌ هو أم مخلوق؟ قال (عليه السلام): (ليس بخالقٍ ولا مخلوق، ولكنّه كلام الله)، وجاء عن عليّ الهادي (عليه السلام) أنّه قال: (نحن نرى أنّ الجدَل في القرآن بِدْعة، اشترك فيها السائل والمُجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلّف المُجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ الله، وما سِواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين)، وقال الإمام الصادق (عليه السلام): القرآن محدَث غير

____________________

(1) انظر كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 18 و19.


مخلوق، وغير أزلي مع الله سُبحانه (1) .

ومجمَل القول أنّ موقف الإمامية من هذه المسألة المستمدّ من أئمّتهم (عليه السلام)، بعيد عن المغالاة والتشدّد البارزين في آراء الفريقين، وإنْ كان يلتقي مع المعتزلة من حيث إنّه مُحدَث كغيره من الكائنات، ويخالفونهم في إطلاق هذا الوصف عليه؛ لأنّه لم يوصف به في القرآن ولا في السنّة، بالإضافة إلى أنّ هذه الصفة أيّ كلمة مخلوق كما تؤدّي معنى المُحدَث، كذلك تؤدّي معنى الاختلاق، كما جاء في بعض النصوص (2)، فعدَم استعمالها أليَق بذاته تعالى.

____________________

(1) انظر توحيد الصدوق ص 228 وما بعدها.

(2) انظر أوائل المقالات للشيخ المُفيد ص 19.


صفاته عين ذاته

بعد أنْ ثبت أنّ لله صفات ذاتية وقَع النزاع بين الأشاعرة والمحدّثين من جهة وبين الإمامية وجماعة من المعتزلة من جهةٍ ثانية، في أنّ تِلك الصفات التي تجري عليه سُبحانه، هل هي صفات واقعيّة مغايرة لذاته تعالى؟ أو أنّها عين ذاته، بمعنى أنّه ليس وراء ذاته شيء يُسمّى العلم، والقدرة، والسمع، والبصر والحياة وغيرها، ويرجع هذا القول إلى أنّه عالمٌ وسميع، وقادرٌ وبصير، وحيٌّ بذاته لا بشيء زائد عنها يقتضي ثبوت هذا الوصف.

كما يرجع القول الأوّل إلى أنّه قادرٌ بقدرةٍ زائدة على ذاته، وعالمٌ بعِلم، وبصير ببصَر، وهكذا بقية الصفات، فالأشاعرة وأتباعهم يدّعون أنّ صفاته قديمة وزائدة على ذاته، فهو عالمٌ بعلمٍ مغايرٍ لذاته، ومُريدٌ بإرادة وحيّ بحياة، واستدلّوا على ذلك بأُمور أهمّها: أنّ هذه الصفات لو كانت عين ذاته، ومتّحدة معها مفهوماً، لم يكن لحملها على الذات فائدة، ولزِم من حملها عليها حمل الشيء على نفسه.


الثاني: إنّ هذه الصفات لو كانت عين ذاته، لزِم كون المعنى المتحصّل من جميعها واحداً، مع أنّ معانيها مختلفة وجداناً.

الثالث: قياس الغائب على الحاضر، ولا شكّ في أنّ صدق العالِم على الحاضر وهو الإنسان مثلاً بواسطة علمه، وصدق السميع والبصير عليه بواسطة بصره وسمعه، فكذلك بالنسبة إليه تعالى (1) .

والجواب عن الأوّل والثاني: إنّ نسبة هذه الصفات مع بعضها ومع الذات القدسيّة، إنْ لوحظَت من حيث مفهوم كلّ واحدة من هذه الصفات ومفهوم ذاته تعالى، فالتغاير موجود من هذه الجهة؛ لأنّ مفهوم كلّ واحدة منها مغاير لمفهوم الصفة الأُخرى ولذاته تعالى، ويكفي في صحّة حمل كلّ واحدة منها على الذات، ومغايرة كلّ واحدة للأُخرى هذا المقدار من المغايرة، وإنْ لوحظ من حيث الواقع والحقيقة، فالجميع شيء واحد، ولكن هذا النحو من المغايرة الحقيقية ليس شرطاً في صحّة الوصف وصدقه على الذات.

والجواب عن الثالث: إنّ قياس شيء على شيء إنّما يصحّ عند القياسيّين لوجود علّة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، والله سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يشترك مع مخلوقاته في شيء ليصحّ قياسه عليها، هذا بالإضافة إلى أنّ المقتضى لثبوت هذه الصفات في الشاهد مغاير لثبوتها في الغائب (2).

واستدلّ الإمامية ومن وافقهم من المعتزلة بما حاصله، أنّ الصفات لو كانت غير الذات لا تخلو، إمّا أنْ تكون قديمة أو حادثة، فلو كانت قديمة لزِم تعدّد القديم، وهو أسوَأ من قول النصارى الذين أثبتوا ثلاثة قدماء: الأب، والابن، وروح القدس، وأصحاب هذا القول يلزمهم أكثر من ذلك (3)، ولو كانت حادثة يلزم خلوّ الذات عن هذه الصفات ولو آناً

____________________

(1) انظر المواقف الجزء الثامن ص 47 و48.

(2) انظر المصدر السابق.

(3) انظر كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 21 فقد نقل عن فخر الدين الرازي، أنّ النصارى كفروا لأنّهم اثبتوا ثلاثة، وأصحابنا، ويعني بهم الأشاعرة اثبتوا تسعة وتسعين.


ما، ويلزم افتقار ذاته إلى العلم ليصحّ وصفه بالعالم، وافتقارها إلى القدرة ليصحّ وصفه بالقادر وهكذا بقيّة الصفات، فيكون ناقصاً بذاته وكاملاً بغيره، ولا يُمكن لأحدٍ أنْ يلتزم بذلك (1) .

وقد خالف عبد السلام الجبائي المكنّى بأبي هاشم، الإمامية والأشاعرة، وادّعى أنّ ثبوت صفاته تعالى لذاته لا بواسطة صفة أُخرى غير الذات، كما يدّعي الأشاعرة وأتباعهم، ولا هي عين الذات كما يدّعي الإمامية وبعض المعتزلة، فقال: إنّ الله سبحانه لا يوصف بالعالِم لوجود صفة العلم، كما يدعي الأشاعرة، ولا بذاته كما يدّعي الفريق الآخر، وإنّما يوصف بذلك لوجود صفة قائمة بالذات حقيقة مغايرة لها، وتلك الصفة تسمّى حالاً، وأضاف إلى ذلك أنّها لا معلومة ولا مجهولة، ولا موجودة ولا معلومة.

وقد وافقه على هذه المقالة أبو بكر الباقلاّني، وأبو المعالي الجويني، ومن أجل ذلك سمّاهم المتكلّمون أصحاب الأحوال، وجاء في أوائل المقالات للمفيد، أنّ أبا هاشم قد فارق سائر أهل التوحيد بهذه المقالة، وقال السيّد المرتضى تلميذ المفيد: سمعت الشيخ المفيد يقول: ثلاثة أشياء لا تعقل، وقد اجتهد المتكلّمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكلّ حيلة فلَم يظفروا منهم إلاّ بعبارات تناقض مفهوم الكلام: اتحاد النصرانية، وكسب النجارية وأحوال البهشمية (2) .

ومهما كان الحال، فمذهب الإمامية أنّ صفاته عين ذاته، وليس وراءها شيء آخر يُسمّى حالاً كما يدّعي الجبائي، ولا صفة أُخرى قائمة بالذات بنحوٍ تكون الصفات متعلّقة بها كما يدّعي الأشاعرة، والمحدّثون، وفي شرح التجريد للعلاّمة الحلّي: (إنّ الله يستحيل أنْ يتّصف بصفةٍ زائدة على ذاته بأيّ نحوٍ كانت؛ لأنّ وجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن كلّ شيء، فلا يفتقر في كونه قادراً إلى صفة القدرة، ولا في كونه عالماً

____________________

(1) انظر المواقف ص 48 حيث أشار إلى دليل الإمامية والمعتزلة وأجاب عنهما.

(2) انظر ص 18 من أوائل المقالات، وص 19 من التعليقة على الكتاب المذكور والمراد باتحاد النصرانية كون الأب والابن والروح القدس شيئاً واحداً، وأحوال البهشمية، هو الحال القائل به الجبائي وأتباعه، والنجارية هُم أتباع الحسين بن محمّد النجار من متكلّمي المُجبّرة، وكان يدّعي أنّ الأعمال مخلوقة لله وكون الفعل طاعة أو معصية حقيقتان واقعتان بقدرة العبد.


إلى صفة العلم، ولا إلى غير ذلك من المعاني والأحوال).

وجاء عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) كما في رواية الحسين بن خالد قال: سمعت الرضا يقول: (لم يزل الله سبحانه عليماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً)، قلت: يا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إنّ قوماً يقولون إنّه عالمٌ بعلم، وقادرٌ بقدرة، وحيٌّ بحياة، وقديمٌ بقِدَم، وسميعٌ بسمع، فقال (عليه السلام): (من قال بذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهةً أُخرى، وليس من ولايتنا على شيء)، ثمّ قال: (لم يزَل الله سُبحانه عليماً قادراً حيّاً سميعاً بصيراً لذاته، تعالى عمّا يقول المشركون والمشبّهون علوّاً كبيراً).

وقد أورد الصدوق في كتابه التوحيد، طائفة من المرويّات عن الأئمّة حول هذا الموضوع، وكلّها تنصّ على اتحاد صفاته مع ذاته فالتغاير الذي لابدّ منه بين الصفة والموصوف بالنسبة إليه تعالى، يكون اعتبارياً لا غير، وإلى ذلك يرجع ما جاء في بعض النصوص الصريحة في نفي الصفات عنه، ومن أمثلة ذلك، المروي عن عليّ (عليه السلام) في بيان حقيقة التوحيد، قال (عليه السلام): (وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه بشهادةِ كلّ صفةٍ أنّها غير الموصوف، فمَن وصَف الله فقَد قرَنه، ومَن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله)، إلى كثير من كلامه في نهج البلاغة الذي يؤكّد هذا المعنى.

ولابدّ وأنْ يكون نفي الصفات عنه بلحاظ الواقع والحقيقة؛ لأنّ وصفه بهذا اللحاظ يستدعي تلك اللوازم التي ذكرها (عليه السلام)، أمّا وصفه بتلك الصفات بلحاظ التغاير الاعتباري، فلا محذور فيه، وأنْ كانت الصفة عين الموصوف واقعاً وحقيقة كما جاء في جملة من النصوص (1).

____________________

(1) انظر توحيد الصدوق ص 130 وما بعدها.


الرؤية

اتفق الإمامية على أنّ الله سُبحانه لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنّ ما لا يكون جسماً ولا حالاً في الجسم، ولا واقعاً في جهة أو مكان أو حيّز، ولا يكون مقابلاً لا يُمكن رؤيته، وقد نصّت على ذلك الآيات، والروايات عن أئمّة أهل البيت (عليه السلام).

قال سُبحانه: ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) ، وفي آيةٍ أُخرى مخاطباً لموسى بن عمران: ( لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) ، وهذه الآية لا تدل على نفي الرؤية فحسب، بل تدلّ على استحالتها بالنسبة إليه سبحانه؛ لأنّه قد ربطها باستقرار الجبل في مكانه، واستقراره في حال كونه متزلزلاً من المحالات، وإلاّ لزِم أنْ يكون ساكناً ومتحرّكاً في حالة واحدة، فهو أشبه بقوله تعالى: ( وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) ، وإذا امتنعت رؤيته على أنبيائه، كانت بالنسبة إلى غيرهم أولى بالامتناع (1).

وجاء في آيةٍ أُخرى: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) وروى صفوان بن يحيى، قال: سألني أبو قرّة أنْ أدخله على الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك فأذِن لي، فقال أبو قرّة: إنّا روينا أنّ الله سبحانه قسّم الرؤية والكلام بين اثنين، فجعل الكلام لموسى، والرؤية لمحمّد (صلّى الله عليه وآله)، فقال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): (فمَن المبلّغ عن الله ألي الثقلين الجنّ والإنس: ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) ، ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ، و ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) أليس محمّداً؟) قال: بلى!

قال: (فكيف يجيء رجلٌ إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، ويدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول لهم: لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء؟! ثمّ يقول لهم: أنا رأيته بعيني، وأحطت به عِلماً، وهو على صورة البشر، أما يستحون، ما قدرت الزنادقة

____________________

(1) وقد جاء في تفسيرها عن الرضا (عليه السلام): أنّ بني إسرائيل بعد أنْ ألحّوا على موسى ليريهم ربّه، أوحى الله إليه أنْ يسأله ذلك، ولمّا طلب من ربّه هذا الأمر أوحى إليه: (إنّك لنْ تراني ولكن انظر إلى الجبل فإنْ استقرّ مكانه فسوف تراني، فلمّا تجلّى ربّه للجبل) بآياته (جعله دكاً وخر موسى صعقاً، فلمّا أفاق، قال: تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين) بأنّك لا تُرى.


أن ترميه بهذا!).

قال أبو قرّة: إنّه قال: (ولقد رآه نزلة أُخرى).

قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): (إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على أنّه لم يرَه، حيث قال: ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، أي ما كذَب فؤاد محمّد، وما رأت عيناه، ثمّ أخبر بما رأى، وقال: ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، وآيات الله غير الله، وقد قال: ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ، وإذا رأته الأبصار فقد أحاطت بهِ علماً) (1).

ويتّفق المعتزلة مع الإمامية في هذه المسألة، وهي من جملة المسائل التي خالفوا فيها المحدّثين والأشاعرة، أمّا غيرهم من أهل السنّة فقد ذهبوا إلى إمكانها في الدنيا ووقوعها في الآخرة (2)، واستدلّوا بأنّا نرى الأعراض، والألوان والجواهر، ولا سبب لذلك إلاّ وجود هذه الأشياء، وهذا السبب بعينه موجود بالنسبة إليه تعالى.

والجواب عن ذلك، أنّ وجود الله سبحانه ليس كوجود غيره، إذ وجوده نفس حقيقته ونفس ذاته، ولا يلزم من كون الوجود في بعض الماهيّات علّة لشيء، أنْ يكون الوجود في غيرها علّة لذلك الشيء لمجرّد اشتراكهما في أصلِ الوجود، على أنّ وجود الواجب ليس كوجود غيره من المُمكنات، بل هو نحوٌ آخر من أنحاء الوجود متميّز عن غيره من بقيّة الموجودات.

هذا بالإضافة إلى أنّ هذا الدليل غير مطّرد بالنسبة إلى غير الواجب أيضاً، فإنّ كثيراً من الصفات النفسانية كالعلم والشجاعة والكرم وغيرها، مع أنّها موجودة ولكنّها لا ترى، فليس كلّ موجود يُرى كما يدّعي الأشاعرة وأتباعهم، ثمّ إنّ مجرّد الوجود ليس سبباً تامّاً للرؤية؛ لأنّه يتوقّف عن حصول الشرط وهو مقابلة الرائي للمرئي، ويستحيل ذلك بالنسبة إليه تعالى؛ لأنّه ليس جسماً ولا في جهة من الجهات، ولا يشبه الموجودات في جميع حالاته.

واستدلّوا أيضاً ببعض الآيات الموهمة لذلك، منها أنّ موسى طلب

____________________

(1) توحيد الصدوق باب الرؤية.

(2) أمّا الأشاعرة فقد ذهبوا إلى جواز رؤيته تعالى، وقال الآمدي: اجتمعت الأئمّة من أصحابنا على أنّ رؤيته في الدنيا والآخرة جائزة عقلاً، واختلفوا في جوازهما سمعاً فأثبته بعضهم ونفاه آخرون، انظر المواقف ص 115.


من ربّه أنْ يراه، ولو كانت ممتنعة، لكان طلبه لغواً، واللغو لا يجوز على الأنبياء، كما استدلّوا بقوله تعالى: ( وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) ، واستقرار الجبل ليس محالاً على حدِّ زعمهم، فكذا الرؤية؛ لأنّها معلقة عليه.

وقد ذكرنا سابقاً أنّ هذه الآية تدلّ على استحالة الرؤية، لا على إمكانها؛ لأنّ استقرار الجبل في حال تزلزله من المحالات التي لا يقرّها العقل، والمعلّق على المحال، محال مثله (1)، ومنها ما ورَد في وصف أهل الجنّة، قال: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ، والنظَر المقرون بالله يفيد معنى الرؤية، كما في قول القائل:

نظرت إلى مَن أحسن الله وجهه

فيا نظرة كادت على وامقٍ تقضي

والجواب عن ذلك، إنّ النظر إلى الشيء لا يستلزم رؤيته، كما يُمكن أنْ تكون بمعنى منتظرة، أو على حذفِ شيءٍ من الكلام، فيكون المعنى إلى ثواب ربّها ناظرة، وقد أكّد الأشاعرة وقوع الرؤية في الآخرة للمؤمنين، أمّا الكفّار فلا يرونه على حدّ زعمهم؛ لأنّهم عن ربّهم محجوبون كما تنصّ على ذلك الآية، أمّا غيرهم من أهل السنّة فقالوا بجوازها ووقوعها في الدنيا والآخرة، ويتأكّد هذا القول عند القائلين بأنّه جسمٌ مؤلّف كما تتألّف منه سائر الأجسام، وقد اتخذ لنفسه مكاناً خاّّّّّّصّاً، ويضحك حتى تبدو نواجذه، كما أوردنا ذلك في أوائل هذا الفصل (2).

____________________

(1) وهذا الجواب لا يكفي لردّ المجوّزين للرؤية؛ لأنّ استقرار الجبل إنّما يكون محالاً في حال تحرّكه أمّا في زمانها فليس مُالاً لإمكان تبدّل الحركة بالاستقرار، فالجواب الذي ذكره الإمام الرضا عنها هو المتعيّن في المقام.

(2) انظر ص 117 من المواقف وما بعدها، وشرح التجريد ص 183 ومقالات الإسلاميّين ص 321 وكشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 11.


الجبر والاختيار، أو القضاء والقدر

لقد شاع إطلاق لفظ القدرية بين المؤلّفين في الفِرَق الإسلامية، وبين الكتّاب والباحثين على القائلين بأنّ الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، بإرادته واختياره، وليس لله سبحانه مشيئة في ذلك، كما شاع إطلاقها على القائلين بأنّ الأفعال مخلوقة لله ومقدرة على الإنسان سَواء كانت خيراً أم شرّاً، وبذلك يكون لفظ القدر من الألفاظ المستعملة في معنيَين متضادّين، وهو بمعناه الأوّل يُرادف الاختيار وبمعناه الثاني يُرادف الجبر.

وكانت هذه المسألة ولا تزال من أعقد المسائل الكلامية التي شاع النزاع فيها في القرن الأوّل الإسلامي بين العلماء والمتكلّمين، وبقيَت موضع عناية الباحثين والمفكّرين طوال هذه القرون، وبالرغم من توجّه الأفكار إليها بالبحث وإعطائها تلك الأهميّة، بالرغم من ذلك، فلَم يلتقِ العلماء الباحثون فيها على رأيٍ واحد، ولا استطاعوا أنْ يتّفقوا على الحلول التي تزيح الشُبَه والشكوك حول أفعال الإنسان، وتحديد المسؤوليّة المترتبة عليها.

ويؤكّد أكثر الكتّاب أنّ الذين أثاروا موضوع الجبر والاختيار في العهد المبكّر من تاريخ الإسلام، وسهّلوا طريق انتشاره بين المسلمين كانوا ينتمون إلى بعض الديانات التي سبقت الإسلام، وأنّ هؤلاء كانوا يُحاولون الدسّ بين المسلمين وخلْق الشُبه في أذهانهم، وشاعت فكرة الجبريّين ووجدت منفذاً إلى العقول والأفكار، وتحمّس للدفاع عنها عددٌ كبير من المفكّرين والباحثين وبخاصّة القضاة والحكّام وهؤلاء يرحبّون بها؛ لأنّها تضَع مسؤولية تصرّفاتهم وجورهم على الخالق، وتسهّل لهم ممارسة الشهوات والملذّات.

مع أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد نهى عن الخوض في أمثال هذه المواضيع التي لا تزيد الباحث إلاّ حيرةً وضلالاً، وحدّد لهم الإيمان بقوله، كما جاء عنه: (الإيمان أنْ تؤمن بالله واليوم الآخر وملائكته ورُسُله، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه)، ومع ذلك، فقد ظهرت بوادر التفكير في موضوع القضاء والقدر بعد وفاته، عندما توالت الفِتَن، واختلط المسلمون بغيرهم من الأُمَم ذات الديانات القديمة، الذين دخلوا في الإسلام، وفي أذهانهم بعض الآراء والمعتقدات التي لا تزال تحتلّ تفكيرهم وتسيطر على عقولهم.

ففي عصر عليّ (عليه السلام) وبعد رجوعه من صفّين، قام إليه شيخ من


أنصاره، فقال له: أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء الله وقدره أم لا؟

فقال له الإمام (عليه السلام): (والذي فلَق الحبّة وبرَأ النسمة، ما وطئنا موطئاً، ولا هبَطنا وادياً، إلاّ بقضاء الله وقدره).

فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي، ما أرى لي من الأجر شيئاً!

ثمّ أنّ الإمام أوضح له المراد من القدر، فقال: (أيّها الشيخ، لقد عظّم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي منصرفكم وانتم منصرفون، ولم تكونوا في شيءٍ من أحوالكم مُكرَهين ولا مضطرّين).

فقال الشيخ: كيف القضاء والقدر ساقانا؟ فقال: (ويحك لعلّك ظننت قضاءً لازماً، وقدَراً حتماً، لو كان ذلك لبطَل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، ولم تأتِ لائمةٌ مِن الله لمذنبٍ، ولا مَحْمَدةٌ لمُحسِن، ولم يكن المُحسِن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذمّ من المُحسِن، تلك مقالةُ عبّاد الأوثان، وجنود الشيطان، وشهود الزور، أهل العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الأُمّة ومجوسها).

وأضاف الإمام (عليه السلام) يقول: (إنّ الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً وكلّف تيسيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطَع كارهاً، ولَم يُرسِل الرُسل إلى خلقه عبَثاً، والقضاء والقدَر هما الأمر من الله والحكم، وأمر الله لا يوجب إلجاء العبد وسلْب اختياره، فالله سبحانه يأمر ويحكم وللعبد حرّيته وإرادته في الإطاعة والعصيان).

والذي يُستفاد من هذه الرواية أنّ القضاء والقدر هما الأوامر والنواهي المتعلّقة بالأفعال وهما لا يوجبان سلْب اختيار المكلّف وإرادته، ويظهر من بعض المرويّات أنّ القضاء والقدر هما علم الله الأزلي، بما يختاره الإنسان من خيرٍ أو شر، قبل ورود الأوامر والنواهي المتعلّقة بالأفعال، وقد جاء عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) في ذلك أنّ الله قدّر المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة (1).

وقد ورد القضاء في الكتاب بمعنى العلم، قال سبحانه: ( إِلاّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ) وبمعنى الإعلام، لقوله: ( وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ

____________________

(1) انظر توحيد الصدوق ص 377.


الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ ) وبمعنى الحكم لقوله: ( وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) ، وبمعنى الحكم لقوله: ( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ) ، وبمعنى الأمر لقوله: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ ) وبمعنى الخلق والفعل، والإتمام وغير ذلك من المعاني المختلفة التي استعمل فيها لفظ القضاء في الكتاب الكريم.

ومهما كان الحال فقد خاض المسلمون في مسألة اختيار الإنسان وعدمه وتشعّبت فيها آراؤهم، واختلفت مناهجهم في البحث فيها، لذلك فإنّ أقوالهم وآراءهم في هذه المسألة بعد الإحصاء والتتبّع فيها لا تنتهي بالباحث إلى حلٍّ يتناسب مع حكمة الخالق ولطفه بعباده.

وقد ذكرنا أنّ لفظ القدرية كما يُطلق على القائلين بالاختيار، كذلك يُطلق على الجبريّة الخالصة، وهؤلاء يلتقون مع الأشاعرة والفقهاء من أهل السنّة، كما يلتقي القائلون باختيار العبد مع المعتزلة، وجاء في شذرات الذهب، أنّ أصحاب واصل بن عطاء قالوا بنفي القدرة عن الله سبحانه، وإسنادها إلى العباد (1).

وقد ذكر المؤلّفون في الفِرَق والاعتقادات أنّ أوّل من تكلّم في القدَر رجلٌ من أهل العراق كان نصرانياً دخل الإسلام ورجع عنه، ومنه أخذ معبَد الجهني وغيلان الدمشقي، فتولّى معبد الجهني نشر فكرة القدر بمعنى الاختيار في العراق، وتولّى نشرها في الشام غيلان الدمشقي، واستمرّ معبد في نشر هذه الفكرة زمناً طويلاً، وأخيراً انضمّ إلى عبد الرحمان بن الأشعث في ثورته على الأمويّين، فلمّا انهزم ابن الأشعث كان معبد الجهني من جملة الأسرى، فقتله الحجّاج بن يوسف الثقفي، وقيل: إنّ الذي تولّى قتله صلْباً عبد الملك بن مروان.

وأمّا غيلان الدمشقي فقد تولّى نشر فكرة الاختيار والدعاية لها بالشام، وقد جرت بينه وبين عمر بن عبد العزيز مناظرة حولها، واستطاع أنْ يقنعه بفساد هذه الفكرة، فوعده غيلان بالرجوع عنها، وكان من نتيجة ذلك أنْ ولاّه عمر بن عبد العزيز بيع ما في خزائن الأمويّين من التُحَف والذخائر فتولّى له ذلك، وأكثر من السباب والشتائم للأمويّين الماضين، فأضمرها له هشام بن عبد الملك، فلمّا تولّى الخلافة استدعاه هو والفقيه

____________________

(1) انظر المجلّد الأوّل من شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ص 183.


الأوزاعي ليتناظرا في القدر، ولمّا أفحمه الأوزاعي، أمر هشام بن عبد الملك بقتله فقتلوه بعد أنْ قطعوا يديه ورجليه.

وجاء في رواية ابن نباتة أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا بلغه قوله استدعاه، وقال له: ما تقول؟

- قال: أقول ما قال الله.

- قال: وما قال الله؟

- قال: إنّ الله يقول: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) ، ومضى يقرأ حتى انتهى إلى قوله: ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) .

- قال له عمر: اقرأ، فلمّا بلغ قوله: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ ) ، قال له يا ابن الأتانة، تأخذ بالفرْع وتدَع الأصل؟

وجاء في الانتصار لعبد الرحيم الخيّاط المعتزلي، أنّ هشام بن الحكَم قال لغيلان: ويحَك يا غيلان، لقد أكثر الناس فيك فنازعنا بأمرك، فإنْ كان حقّاً اتبعناك وإنْ كان باطلاً نزَعت عنه، فاستدعى هشام ميمون بن مهران ليكلّمه، فقال له غيلان: أشاء الله أنْ يُعصى؟ فأجابه ميمون: أفعُصيَ كارهاً؟ فسكَت غيلان، فقطَع هشام بن الحكّم يديه ورجليه (1) .

أمّا القائلون بالقدر بمعناه المعروف عند الجهميّة والأشاعرة وجمهور أهل السنّة، فهم الجبريّة، فقد جاء عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيهم أنّهم مجوس هذه الأُمّة وقد جاءه رجلٌ فقال له: رأيت أهل فارس ينكحون بناتهم وأخواتهم، فإنْ قيل لهم لِمَ تفعلون ذلك؟ قالوا: قضاء الله وقدره، فقال (صلّى الله عليه وآله): (سيكون في أُمّتي مَن يقول بمثل هذه المقالة  وأُولئك مجوس هذه الأُمّة).

ويدّعي أكثر المؤلّفين في الفِرَق، أنّ أوّل مَن دعا إلى هذه الفكرة من المسلمين الجعد بن درهم مولى بني الحكَم، وكان من سكّان الشام ويتّصل بجماعة من اليهود، ومنهم أخذ فكرة الجبر، وقد لازم الأمويّين وتولّى لهم تربية أولادهم، ومنه أخذها الجهم بن صفوان، حينما التقى معه في الكوفة، ولأنّه كان من دعاة هذه الفكرة والعاملين على إشاعتها كان مقرّباً من قصور الخُلفاء ومحاطاً بعنايتهم؛ لأنّ فكرة الجبر تخلق لهم المبرّرات

____________________

(1) انظر الانتصار لابن الخيّاط ص 139.


لتصرّفاتهم، وانهماكهم في الملذّات والشهَوات.

وروى ابن قُتيبة، أنّ عطاء بن يَسار كان قاضياً للأمويّين، ويرى رأي معبد الجهني، فدخل على الحسن البصري، وقال له: يا أبا سعيد، إنّ هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم، ويقولون إنّما تجري أعمالنا على قضاء الله وقدره، فقال له الحسن البصري: كذِب أعداء الله، ولقد راج هذا المذهب وانتشر بين جماهير المسلمين، وليس ببعيد أنّ يكون للحكّام أثر في رواجه وانتشاره، ولقد تولّى نشره الجهم بن صفوان في العراق وخراسان، وكان كاتباً لشريح بن الحارث، وخرَج معه على نصر بن سيار، وأخيراً قتله مسلم بن أحوَز المازني في أُخريات أيّام بني أُمّية، ومِن بعده انتقل أتباعه إلى نهاوند، واتخذوها مقرّاً لهم، واستمرّ هذا المذهب في تلك البلاد إلى أنْ ظهَر أبو منصور الماتريدي في أوائل القرن الرابع، فتغلّب أبو منصور عليهم، ونشر مذهبه في تلك البلاد (1).

والذي أراه أنّ الجهم بن صفوان، وإنْ كان من دعاة هذه الفكرة ومِن العاملين على إشاعتها في تلك الفترة من تاريخ الاسلام، ولكنّ ذلك لا يعني أنّها لم تختلج أذهان المسلمين الأوّلين؛ لأنّ القرآن المرجع الأوّل لهم، وقد تعرّض لهذا الموضوع في كثير من المناسبات، وموقفه منها لم يكن واضحاً تمام الوضوح، ففي بعض آياته ما يُشعِر بالجبر، كما يشعر بعضها بالاختيار أيضاً، ولذا فإنّ كلاًّ من الفريقين يؤيّد مذهبه بالآيات القرآنيّة، هذا بالإضافة إلى أنّ جماعة من المسلمين في عصر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والصحابة قد اعترضتهم شبهة الجبر والاختيار، ورجعوا إلى الرسول للوقوف على واقع الحال، وحينما سأله بعضهم عن مقالة الفُرس الذين ينكحون بناتهم وأخواتهم، قال (صلّى الله عليه وآله): (سيكون في أُمّتي من يقول بذلك، وأُولئك هم مجوس هذه الأُمّة).

وقد ذكرنا حديث الشيخ مع عليّ (عليه السلام) بعد رجوعه من صفّين، كما جاء عن ابن عبّاس، أنّه خاطب جبرية أهل الشام، قائلاً: (أمّا بعد أتأمرون الناس بالتقوى وبكم ضلّ المتّقون، وتنهون عن المعاصي وبكم ظهَر العاصون؟! يا أبناء سلَف المنافقين، وأعوان الظالمين، وخزّان مساجد الفاسقين! هل

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلاميّة لأبي زهرة ص 175 والملل والنحل ص 113 من المجلّد الأوّل.


منكم إلاّ مفترٍ على الله ليجعل إجرامه عليه سبحانه، وينسبها علانيةً إليه؟!)، إلى غير ذلك من الآثار التي تؤيّد أنّ فكرة الجبر ليست من مخترعات صفوان الجهمي، ولا مِن مختصّاته، بل كانت تعترض أذهان المسلمين من قبله، ولكن مثيري هذه الشُبَه لم يجدوا مَن يناصرهم لإشاعتها، ولا إقبالاً عليها من أحد، ولا اختلفت فيها الآراء كما كانت تختلف في كثير من المسائل الفرعية، ولعلّ مردّ ذلك للأسباب التالية:

الأوّل: إنّ المسلمين كانوا يتقيّدون بحرفيّة النصوص الإسلامية، من غير نظرٍ إلى العِلل والأسباب، وانصرفوا عن التفكير بغير الكتاب والحديث.

الثاني: إنّهم اتجهوا بكلّ إمكانياتهم المادّية والفكرية إلى الفتوحات وتوسيع رقعة الإسلام، وقد شغلتهم الحروب والغزَوات عن جميع الشؤون التي لا تتّصل بهذا الأمر، كما ذكرنا ذلك سابقاً.

الثالث: إنّ الرسول نفسه كان ينهى عن البحث والخوض في هذه المواضيع وقد حدّد لهم الإيمان، وفرض عليهم أنْ يؤمنوا بالقدَر خيره وشرّه، بدون زيادةٍ أو تعليل؛ لأنّ البحث عن القدر وماهيته وحقيقته لا يزيد الباحث إلاّ حيرةً وضلالاً.

وجاء عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال لرجلٍ سأله عن القدر: (إنّ القدر بحرٌ عميق فلا تلِجه، وطريقٌ مظلم فلا تسلكه، وسرُّ الله في الأرض فلا تكلّفه) (1) .

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء العلماء والباحثين في هذه المسألة أشدّ الاختلاف، وتعصّب كلُّ فريقٍ لرأيه فيها حتى أصبح يرى آراء غيره ضلالاً وجحوداً، فالجبرية الخالصة والقدرية، يتقابلان تقابلاً كلّياً فيها؛ لأنّ أُولئك يرون الإنسان كريشة في مهبّ الريح، لا يملك شيئاً من أفعاله وتصرّفاته، وهؤلاء يرون أنّ الله قد ترَك العبد وشأنه، فلَم يتدخّل بشيء من أُموره، ونسب إليهم نفي العلم الأزلي والإرادة الأزلية عنه، أمّا الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري، الذي جاء لإحياء رأي المحدّثين والفقهاء من أهل السنّة كما يدّعي، هؤلاء يذهبون إلى أنّ أعمال العباد مخلوقة لله، ومقدورة له، لقوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) ،

____________________

(1) انظر توحيد الصدوق ص 374.


ومع أنّ الفعل مخلوق لله ومقدور له، وللعبد قدرة على الفعل مقارنةً لقدرة الله الخالق للأفعال، ولكن تلك القدرة لا تؤثّر في إيجاد الفعل، ولا في نسبته إليه، وهو بهذه القدرة المقارنة يستحقّ الثواب والعقاب، وقد سمّاه كسباً، واشتهرت نسبة الكسب إليه (1).

أمّا المعتزلة فرأيهم في هذه المسألة لا يعدو رأي القدرية، وقد ذكرنا سابقاً أنّ واصل بن عطاء كان يَرى رأي معبد الجهني في القدر، وكان يتستّر به ونُسِب إليه الاعتزال؛ لأنّه اعتزل رأي جمهور الفقهاء في هذه المسألة كما ذكر ذلك بعض كتّاب الفِرَق والمؤلّفين (2).

أمّا الماتريدية ، أتباع محمّد بن محمود المعروف بأبي منصور الماتريدي الحنَفي، الذي نشَر فقه الأحناف فيما وراء النهر بسمرقند وجهاتها، فقد عاصَر الأشعري وكلاهما كان خصماً للمعتزلة، غير أنّ الأشعري عاش في البصرة موطن الاعتزال وعاش هو فيما وراء النهر، ولكلّ واحدٍ منهما منهجٌ خاص في الردّ عليهم وتفنيد آرائهم ونظرياتهم، مع الاحتفاظ بالنصوص الإسلامية والتقيّد بها.

إلاّ أنّ الماتريدي ينطلق أحياناً مع العقل ويرى له صلاحيّة واسعة في بعض المواضيع أكثر من الأشعري، ففي مسألة الحُسن والقبح العقليّين يتّفق هو والمعتزلة في أنّ للأشياء حُسناً ذاتياً وقُبحاً ذاتياً، إلاّ أنّ المعتزلة يدّعون أنّ ما يقرّر العقل حُسنه يكون واجباً بحكم العقل والشرع، وما يدرك العقل قُبحه يكون محرّماً، بينما الماتريدي يرى أنّ لا تكليف إلاّ بعد الشرع؛ لأنّ العقل ليس له صلاحية الاستقلال، أمّا الأشعري فيلتقي مع المحدّثين والفقهاء في هذه المسألة إلتقاءً كلّياً، ويرى خلوّ الأشياء عن الحسن والقبح الذاتيّين، أمّا في مسألة الجبر والاختيار فهو مع الأشعري والمحدّثين من ناحية أنّ الأفعال من صنع الله وحده، ولكنّه يلتجئ إلى نوعٍ آخر من الكسب الذي يدّعيه الأشعري لتصحيح الثواب والعقاب.

وهنا يقرّر الماتريدي أنّ لا شيء في هذا الوجود إلاّ وهو مخلوق لله سبحانه، وأنّ إثبات الخلق لغيره شِركٌ صريح، والثواب والعقاب تابع لاختيار العبد بمقتضى الحكمة والعدالة، ومع أنّ الأفعال مخلوقة لله

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 275، والملل والنحل للشهرستاني ص 132.

(2) التبصير في الدين ص 64 وفجر الإسلام ص 298، وشذرات الذهب ج 1 ص 183.


سبحانه، فقد أوجد للعبد قدرة على اختيار الفعل المخلوق له، وبهذه القدرة يستطيع أنْ يكسب الفعل المخلوق فيه ويستطيع أنْ لا يكسبه، فيكون مختاراً في هذا الكسب، ويستحقّ بسببها الثواب والعقاب، أمّا القدرة عند الأشعري فلا أثر لها في وجود الفعل، وإنّما تكون مقارنة لوجوده، ولذا قيل في مقام الردّ عليه، أنّ هذا لا يخرج الإنسان عن كونه مجبوراً في أفعاله، ووجود قدرة من هذا النوع عاطلة عن العمل لا يُصحّح الثواب ولا العقاب على الأفعال (1).

ومهما كان الحال فقد استدلّ القائلون بأنّ الأفعال مخلوقة لله بأمور، منها أنّ فعل العبد مقدور لله؛ لأنّ قدرته تشمل الكائنات كلّها، وما كان مقدوراً لله لابدّ وأنْ يقع بقدرة الله وحده، وإنْ وقع بقدرة العبد لزِم تعطيل قدرته تعالى، وإنْ وقَع بهما معاً، لزِم اجتماع قدرتين مؤثّرتين على مقدورٍ واحد.

والجواب أنّ مجرّد كون الفعل مقدوراً له سبحانه لا يستلزم كونه من أفعاله، إذ ليس كلّ مقدور له يجب أنْ يكون من فعله.

الثاني: لو كان العبد موجداً لأفعاله باختياره واستقلاله، لوجَب أنْ يعلم تفاصيلها، بيان ذلك أنّ الأفعال المتفاوتة كيفية وكمّية إذا صدرت من الفاعل لابدّ وأنْ تكون مقصودة له؛ لأنّ وقوع ذلك الفعل دون غيره لابدّ وأنْ يكون بالقصد إليه بخصوصه، واختياره دون غيره يتوقّف على العلم به، فصدور الأفعال يتوقّف على العلم بها مع أنّ النائم قد تصدر منه بعض الأفعال بدون أنْ يشعر بها ويدرك كمّية ذلك الفعل وكيفيّته، وكذلك قد تصدر بعض الحركات الجزئية من الإنسان من دون تصوّرٍ لها، ومن ذلك يتبيّن أنّ الفاعل هو الله لتخلّف العلم بالفعل عن الفعل بالنسبة إلى الإنسان.

والجواب أنّ إيجاد الفعل لا يستلزم العلم به، فإنّ الفاعل قد يصدر عنه الفعل بمقتضى طبيعته، كالإحراق الصادر عن النار بمقتضى طبيعتها، من غير أنْ توصف بالعلم وعدمه، والذي لابدّ من العلم معه هو إيجاد الفعل مع القصد إليه، ويكفي فيه العلم الإجمالي الحاصل بين

____________________

(1) انظر المواقف المجلّد الرابع ص 146، والمذاهب الإسلامية ص 302، وشرح التجريد ص 189.


الابتداء بالفعل والانتهاء منه، بالنسبة إلى حركاته الجزئية التي يتكوّن منها الفعل (1).

الثالث: إنّ الإنسان لو كان موجِداً لأفعاله بقدرته واختياره لابدّ وأنْ يكون متمكّناً من فعلها وتركها، وترجيح فعلها على تركها، لابدّ وأنْ يكون لمرجّح وذلك المرجّح يجب أنْ لا يكون من العبد؛ لأنّه لو كان منه احتاج إلى مرجّح أيضاً، وهكذا فيلزم التسلسل، فلابدّ وأنْ يكون المرجّح من الله وإذا كان منه كان واجب الصدور؛ لأنّه إذا لم يجب منه الفعل مع انتهاء المرجّح إلى الله سبحانه، جاز إيجاد الفعل وعدمه فإذا أوجده الإنسان في وقتٍ دون آخر، لزِم أنْ يكون له مرجّح، اقتضى وجوده في ذلك الوقت دون غيره، فيلزم أنْ لا يكون المرجّح الأوّل تاماً ومقتضياً لوجود الفعل، وذلك يقتضي عدم كونه مرجّحاً.

والجواب أنّ الأفعال بلحاظ قدرة العبد لا تتّصف بغير الإمكان، فإذا وجِدت جميع الدواعي للفعل يكون واجباً، وهذا لا يُوجب خروج الفعل عن كونه مقدوراً؛ لأنّ كلّ قادر لابدّ من صدور الفعل عنه عند صدور دواعيه، ويجري ذلك بالنسبة إليه تعالى، ولو قلنا أنّ وجود الداعي يجعل الفعل واجباً، يلزم أنْ تكون أفعاله غير اختيارية، وقد تخلّص الأشاعرة عن هذا النقض بأنّ ترجيح الفعل على الترك لا يحتاج إلى مرجّح آخر، بل يكون بمجرّد اختيار أحد طرفَي المقدور، الذي يلازم عدَم وجود الداعي إلى الطرف الآخر، وهذا الجواب بعينه يجري في أفعال الإنسان أيضاً (2).

الرابع: لو كان الإنسان قادراً على أفعاله وموجداً لها، لزِم اجتماع قادرين على مقدورٍ واحد؛ لأنّ الله قادر على كلّ شيء، فلو كان العبد قادراً أيضاً، اجتمعت القدرتان فلو أراد العبد إيجاد فعل وأراد الله عدمه، فلو وقع مرادهما اجتمع النقيضان، وإنْ وقَع أحدهما لزِم الترجيح بدون مرجّح.

والجواب: إنّا نلتزم في مثل ذلك بوقوع مراد الله؛ لأنّ قدرته أقوى

____________________

(1) انظر المواقف ص 148 وشرح التجريد ص 190.

(2) المصدر السابق ص 190 وص 151 وما بعدها من المواقف.


من قدرة العبد، ولا نحتاج إلى فرضِ مرجّحٍ آخر في مثل ذلك.

ومن جملة أدلّتهم أنّه لو كان الإنسان موجِداً للإيمان، لكانت بعض أفعال العباد خيراً من فعل الله تعالى؛ لأنّه أوجد القِرَدَة والخنازير، والإيمان خيرٌ منهما.

والجواب: إنّ الإيمان إنّما كان خيراً باعتبار ما يترتّب عليه من الثواب والمدح لا باعتبار ذاته، والمدْح والثواب من فعل الله سبحانه (1).

واستدلّ المعتزلة على أنّ الأعمال من فعل العباد بأنّه إذا لم يكن الإنسان موجِداً لأفعاله، لا يصحّ التكليف بالأمر والنهي، ولا التأديب الذي وعَدَت به الشرائع والأديان ولا المدح والذم، ويلزم أنْ لا يبقى فرقٌ بين مَن أحسن ومَن أساء؛ لعدم صدور الأفعال الحسَنَة والسيّئة من العباد، ويلزم أنْ يكون الله ظالماً لعباده لأنّه خلق فيهم المعاصي وعذّبهم عليها، كما احتجّوا ببعض الآيات الكريمة الدالّة على أنّ الإنسان خالقٌ لأفعاله، ويدلّ بعضها دلالة صريحة على صدور الفعل منه مباشرة.

قال سبحانه: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) ، ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ، ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ ) ، ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) ، كما يدلّ بعضها الآخر على أنّ المطيع سيُلاقي نتيجةَ أعماله الطيّبة والعاصي يُعاقَب بمعصيته.

قال سبحانه: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، ( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ، ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) .

وفي قسم منها ما يؤكّد أنّ الإنسان يفعل باختياره من غير أنْ يكون مسيّراً لإرادة قاهرة له على العمل، قال تعالى: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) ، ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

وتنصّ جملة أُخرى من الآيات على اعتراف الإنسان بمعاصيه وصدورها منه بمحض اختياره، ولو كانت من فعل الله، لكان للعصاة الحجّة البالغة على الله، إذا أراد أنْ يحاسبهم على سيّئات أعمالهم، قال سبحانه: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) ، وفي آية

____________________

(1) انظر المصدرين السابقين.


أُخرى: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) ، إلى غير ذلك من النصوص القرآنية التي تُفيد بمنطوقها ولوازمها أنّ الإنسان وحده يصنع أعماله، ويقدر على خلقها وإبداعها.

وكما ذكرنا سابقاً أنّ أصحاب هذه المقالات قد وجدوا في النصوص الإسلامية ما يؤيّد آراءهم ومذاهبهم في أُصول العقائد، ولذلك فإنّهم أوّل ما يعتمدون عليها في إثبات مذاهبهم وآرائهم لإعطاء نظريّاتهم وفلسفتهم الصبغة الدينية.

وقد أضاف الأشاعرة والجهمية إلى أدلّتهم السابقة أدلّة أُخرى من الكتّاب تؤيّد مذهبهم في أفعال العباد، منها قوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) وقوله: ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجاً ) ، وقوله: ( يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) ، وأمثال هذه الآيات التي لو نظرنا إليها مجرّدةً عن القرائن والملابسات المحيطة بها، لم تكن بعيدة عن هذه الفكرة، ولكن بعد التثبّت في معانيها وملاحظة سياقها ومواردها يتكشّف المراد منها ويبتعد عمّا ذهبوا إليه، هذا بالإضافة إلى أنّ الآيات التي تعارض هذا الرأي أكثر وأصرح في الدلالة على اختيار الإنسان في جميع أعماله وتصرّفاته، ولو تغاضينا عن كلّ ذلك، وافترضنا تُساوي الآيات القرآنية من حيث الدلالة على المذهبين عدداً ودلالة، فلابدّ من تأويل الطائفة التي تؤيّد بظاهرها رأي الأشاعرة؛ لأنّ تلك الطائفة تتّفق مع العقل والوجدان الحاكمَين بأنّ الإنسان هو الفاعل لإعماله.

والبرهان مهما بلَغ في قوّته ونتائجه لا يُمكن أنْ يقوى على الوجدان أو يتغلّب عليه، والإنسان يرى ويعلم من نفسه أنّه إذا أراد أمراً وانتفت الموانع عن وجوده يتحقّق منه باختياره وإرادته، ولا يرى نفسه مسيراً على عمل من أعماله.

ومُجمَل القول أنّ أصحاب هذا الرأي لم يخالفوا الوجدان وحُكم العقل فحسب، بل جوّزوا على الله الظلم والجور على عباده، مع أنّه لعن الظالمين وتوعّد الجائرين والعابثين بالعذاب والعقاب، وأيّ ظلم أفحش وأفظع من أنْ يعذّب عباده على عمل يصدر منه مباشرة أو تسبيباً، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلو افترضنا صراحة الآيات فيما ذهبوا إليه، لابدّ مِن تأويلها بما يتناسب مع عدالة الله سبحانه ولطفه بعباده، ومع حُكم العقل الذي لا يقرّ الظلم من العباد فضلاً عن الله تعالى، كما وأنّ


الآيات التي استدلّ بها المعتزلة ليست صريحة في القول الذي ذهبوا إليه؛ لأنّهم يرون رأي معبد الجهمي وغيلان الدمشقي، وهما من القائلين بأنّ للإنسان الاختيار المطلق في أفعاله وأعماله (1)، لأنّها لا تدلّ على أكثر من أنّ الإنسان هو الفاعل وعنه تصدّر جميع أعماله، أمّا التفويض الكلّي المقابل للجبر فليس فيها ما يشير إلى ذلك، وقد ذكرنا أنّ القول بالجبر ليس بأسوأ حالاً من هذا القول؛ لأنّه يؤدّي إلى تعدّد الشركاء وعزل الله عن سلطانه.

أمّا الإمامية، وهم أسبَق الفرق الإسلامية السياسية والعقائدية، فقد وقفوا موقفاً وسَطاً بين المعتزلة والأشاعرة، فلَم يذهبوا إلى رأي الأشاعرة ولا إلى رأي المعتزلة وأتباعهم القدرية، فقالوا: إنّ الإنسان موجد لأفعاله، ولكن بالقدرة التي أودعها الله فيه، وبتلك القدرة بعد وجود الدواعي للفعل وانتفاء الموانع عنه يصدر الفعل من الفاعل، ويُنسب إليه مباشرةً كما يُنسب الإحراق إلى النار، في حين أنّها لا تؤثّر الإحراق إلاّ بعد اتصالها بالجسم وانتفاء الموانع عن تأثيرها فيه.

ولا يكون مجبوراً في هذه الحالة؛ لأنّ قدرته لم تتعلّق بطرفِ الوجود فقط أو بالطرف الآخر، بل هي بالنسبة إلى الطرفين متساوية، كما لا يصحّ نسبة الفعل إلى الله تعالى لمجرّد أنّه أوجد في الإنسان القدرة على فعل الشيء وتركه؛ لأنّ القدرة على فعل الشيء وتركه ليست سبباً تامّاً لإيجاد الفعل أو لتركه، وإنّما هي من قبيل المُعِد أو قابلية المحل الذي يتوقّف عليه تأثير العلّة كما ذكرنا بالنسبة إلى مُحرِقيّة النار.

فمَن دفع إلى شخصٍ مالاً ومكّنه من التصرّف فيه لا يكون هو الفاعل للحرام، فيما إذا استعمله ذلك الشخص في المحرّمات، ليكون ملجأ على فعله، ولا يصحّ نسبة الفعل إلى مَن دفع المال؛ لأنّ تمكينه إيّاه من التصرّف ليس سبباً تامّاً في إيجاد الفعل ليكون منسوباً إليه، بل هو أشبه بالشرائط التي تقتضيها طبيعة العلّة المؤثّرة والتي لا تمنع من نسبة الفعل إلى تلك العلّة.

ولو كلّف الله عباده بدون أنْ يخلق فيهم القدرة على الفعل وعدمه،

____________________

(1) كما يدّعي بعض كتّاب الفِرَق ومنهم الأسفراييني في التبصير، وعليّ الغرابي في كتابه الفِرَق.


لزِم التكليف بغير المقدور وهو قبيح عقلاً وشرعاً وبذلك لا يكون الإنسان مجبوراً في أفعاله، كما يدّعي الجهمية وأتباعهم الأشاعرة القائلون بأنّ نسبة الأفعال إلى الإنسان أشبه ما تكون بنسبة الجريان إلى النهر، في قولنا جرى النهر. وغير ذلك من القضايا التي ينسب فيها الفعل إلى غير فاعله تجوّزاً.

وقد ذكرنا سابقاً أنّ الكسب الذي ادعاه الأشاعرة لتصحيح التكليف والثواب والعقاب لا ينفع في المقام، ما دامت القدرة التي يدّعيها الأشعري غير مؤثّرة في إيجاد الفعل كما ذكرنا (1) كما لا يكون مختاراً بالمعنى الذي ذهب إليه القدرية الخالصة، كمعبد الجهمي وأتباعه المعتزلة، كما يدّعي مؤلّف التبصير في الدين صفحة 61 من كتابه التبصير في الدين، حيث ادعى إجماع المعتزلة على أنّ الله لا يقدر على شيء من أفعالهم.

ومجمل القول أنّ مذهب الإمامية في هذه المسألة مستقلٌّ بنفسه عن جميع المذاهب فيها، فالجهمية والأشاعرة ينسبون الأفعال إلى الله من غير أنْ يكون للإنسان أيُّ أثرٍ في إيجادها، والقدرية لم يجعلوا لله أثَراً في أفعال الإنسان، ونفوا عنه العلم الأزَلي والإرادة الأزَلية المتعلّقين بالأفعال.

والذي نقله جماعة من المؤلّفين عن المعتزلة إنّهم يذهبون إلى أنّ الأفعال تصدر عن العباد بالقدرة المتعلّقة بالأفعال، بعد تعلّق إرادته بالفعل، فإنْ كان طاعة كان الله مريداً له بمعنى أنّه طلب من عباده اتباعه على وجه الاختيار، وليست إرادته تعالى موجبة لوقوع أحد طرَفَي المقدور؛ لأنّه بناءً على ذلك يكون العبد ملجأ على فعله، وإنْ كان فعل العبد معصية لم يكن مريداً له بكلا معنيَيّ الإرادة المتقدّمتين،؛ لأنّه على الأوّل يكون الفعل واجباً،

____________________

(1) لقد جوّز الأشاعرة التكليف بغير المقدور، حيث ذهبوا إلى أنّ القدرة على الفعل لا تتقدّم عليه، بل توجد معه بنحو المقارنة، ويلزمهم على ذلك تعلّق التكليف بغير المقدور، كما يلزمهم الاستغناء عن القدرة في هذا الحال؛ لأنّ الحاجة إلى القدرة هي لإخراج الفعل من حيّز العَدَم إلى حيّز الوجود، ولابدّ منها قبل وجوده، أمّا حال وجوده فإنّه يصبح واجباً فلا يبقى للقدرة تأثير في إيجاده، وهذا القول قد أورده عنهم العلاّمة في كشف الحقّ ونهج الصدْق ص 68 و69 كما أورده الكراجكي في كتابه كنز الفوائد ص 43.


وعلى الثاني يلزم تعلّق طلبه بالمعصية (1).

ولهم آراء أُخرى حول هذا الموضوع قد تعرّض في المواقف لها كما تعرّض لها غيره من المؤلّفين في كُتب الكلام (2). ونحن لا يعنينا استقصاء جميع الآراء ولا تحقيق الصحيح منها، وإنّما الذي يهمّنا المقارنة بين آراء هذه الفِرَق من حيث مجموعها وبين رأي الإمامية، وإذا كانت نسبة الأفعال إلى العباد عند المعتزلة بهذا النحو، فيلتقون مع الإمامية في هذه المسألة إلى حدٍّ ما، ومهما كان الحال فسَواء قالوا بمقالة القدرية أم بغيرها، فالأمامية يقولون بأنّ الأفعال من صنع الإنسان بعد أنْ أقدره الله على فعلها وتركها، والخير والشر واقعان باختيار الإنسان، لأنّه يقدر على وجودهما وتركهما، والقدرة التي وهبها الله للإنسان لم تتعلّق بأحد الطرفين، كما وأنّ إرادة الله ليس معناها ترجيح أحدهما على الآخر، وإنّما هي بالنسبة إلى الخير لا تتعدّى تعلّق الطلب به، وبالنسبة إلى الشر طلب تركه.

وسلام الله على أمير المؤمنين (عليه السلام) القائل في جواب من سأله عن التوحيد والعدل: (التوحيد أنْ لا تتوهّمه والعدل أنْ لا تتّهمه)، فالقائل بأنّه خالقٌ للأفعال، فقد اتهمه بالظلم، والقائل بأنّه يكلّف العباد ما لا يطيقون فقد نسَب إليه القبيح، والقائل بأنّه لا يقدر على أعمال عباده، وأنّ كلّ أعمالهم بإرادتهم ولا شأن له فيها قد اتهمه بالعجز.

وروى سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال في جواب مَن سأله عن الجبْر والتفويض: (ألا أعطيكم في ذلك أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلاّ كسرتموه؟ إنّ الله عزّ وجل لم يُطَع بالإكراه، ولم يُعصَ بغَلَبَة، ولم يَهمِل العباد في ملكه، فهو المالك لِما ملّكهم والقادر على ما أقدرهم عليه، فإنْ ائتمر العباد بطاعته، لم

____________________

(1) انظر كشف الفوائد للعلامة الحلّي في شرح قواعد العقائد لنصير الدين الطوسي ص 44.

(2) ومن جملتها ما ذهب إليه أبو بكر الباقلاني الأشعري، وهو أنّ ذات الأفعال تقَع بقدرة الله وتكون من فعله، أمّا صفات الأفعال فهي بقدرة العبد، فضرب اليتيم يقع بقدرة الله وهو الموجَِد له، وكونه تأديباً ليكون طاعة يستحقّ الثواب عليه، أو إيذاء يستحقّ عليه العقاب من فعل العبد، وبذلك يصح الثواب والعقاب.


يكن عنها صاداً، ولا منها مانعاً، وإنْ ائتمروا بمعصيته فشاء أنْ يحول بينهم وبين ذلك فعل، وأنْ لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه).

وهذه الرواية تنصّ على أنّه سبحانه هو الذي أقدر عباده على أفعالهم، كما تنصّ على أنّهم في أفعالهم مختارون، ولم يحلّ الله بينهم وبين معاصيهم مع قدرته على ذلك كي لا يكونوا ملجئين في أفعالهم.

وجاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): (لا جبرَ ولا تفويض ولكن أمرٌ بين الأمرين) وقال الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في شرح هذه الكلمة (القائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك، والمراد من (الأمر بين الأمرين) ، هو وجود السبيل إلى إتيان ما أُمِروا وترك ما نُهوا عنه، والإرادة والمشيئة من الله في ذلك: بالنسبة إلى الطاعات الأمر بها والرضا لها، وبالنسبة إلى المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها، وما مِن فعلٍ يفعله العباد من خيرٍ أو شرٍّ إلاّ ولله فيه قضاء، والقضاء هو الحُكم عليهم بما يستحقّونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة (1).

والمراد من وجود السبيل الذي ورد في كلام الإمام (عليه السلام)، هو إيجاد القدرة في الإنسان على وجود الفعل وعدمه، وبذلك يصحّ الثواب والعقاب وتندَفع جميع الشُبَه الواردة حول هذه المسألة.

____________________

(1) انظر الاحتجاج للطبرسي ص 225.


الحُسن والقُبح العقليّان

اتفق الأشاعرة والمحدّثون والفقهاء من السنّة على أنّ القبيح هو المنهي عنه شرعاً، والحُسن الذي لم يرد عنه نهي من الشارع، سَواء ورَد به أمرٌ إلزامي أم لم يرد، فتدخل فيه حتى المباحات، أمّا الإمامية ومَن وافقهم من المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أنّ الأشياء منها ما هو حسِن لذاته،


وإنْ لم يرد به أمرٌ شرعي ومنها ما هو قبيحٌ لذاته، ويستحقّ فاعله اللوم والذم وإنْ لم يرِد به نهيٌ من الشارع، وقبل بيان أدلّة الطرفين لابدّ من بيان المراد من الحُسن والقُبح اللذين ادعاهما الإمامية وأتباعهم، وأنكرهما الأشاعرة وعموم أهل السنّة، وقد ذكروا للحُسن والقُبح معاني ثلاثة:

الأوّل: صفتا الكمال والنقص، فحسن الشيء كماله وقبحه نقصانه.

الثاني: الموافقة لغرض الآمر وعدمها، فإذا وافق مطلوب الآمر كان حسناً وإلا كان قبيحاً.

الثالث : ما يترتّب على الشيء من مَدْحٍ وذم.

أمّا الحُسن والقبح بالمعنى الأوّل والثاني فليسا محلاًّ للخلاف بين جميع الفِرَق، وكلّهم متّفقون على أنّ العقل يحكم بالحُسن والقبح بهذين الاعتبارين، وأمّا المعنى الثالث للحسن والقبح فهو الذي ادعاه الإمامية وأتباعهم وأنكره الأشاعرة وغيرهم من فقهاء أهل السنّة ومحدّثيهم، فالإمامية والمعتزلة يدّعون أنّ في بعض الأفعال حُسناً ذاتياً أمَر بها الشارع أو لَم يأمر، وفي بعضها قبحاً ذاتياً يستحقّ فاعلها اللوم والذم نهى عنها الشارع أو لم يَنه، ومثّلوا للحسن الذاتي بالصدق والإحسان، وللقبح الذاتي بالكذِب والظلم وغيرهما ممّا يراه العُقلاء قبيحاً حتى ولو لم ترِد به الشرائع والأديان، ولو كان الحسن والقبح موقوفين على أوامر الشارع ونواهيه، لَما حكم بحسن الصدق والإحسان وقبح الكذب والظلم مَن ينكر الشرائع والأديان.

هذا بالإضافة إلى أنّه يلزم أنْ لا يقبح من الله شيء حتى إظهار المعجزة على أيدي الكذابين، وذلك يؤدّي إلى عدَم معرفة الأنبياء، ولجاز على الله أنْ يأمر بالكفر وتكذيب الأنبياء وغير ذلك، لدوران القبح والحسن مدار الأمر والنهي الشرعيّين، فإذا أمَر بهذه الأشياء كان أمره مقتضياً لحسنها، وإذا نهى عن الصدق وردّ الوديعة والإحسان إلى اليتيم كانت هذه الأُمور قبيحة، إلى غير ذلك من اللوازم الفاسدة التي لا يمكن للأشاعرة الالتزام بها.

ثمّ إنّ المعتزلة القائلين بالحسن والقبح في الأفعال: بين من يقول بأنّهما ذاتيان وهم المتقدّمون منهم، وبين مَن يقول بثبوتهما في الأشياء لوجود صفة في الأفعال تقتضي حسنها أو قبحها، وهم المتأخّرون من المعتزلة، ويدّعي الجبائي - أحد أعلامهم المتأخّرين - أنّ حُسن الأشياء وقُبحِها بالوجوه والاعتبارات، فضرْب اليتيم بذاته لا يتّصف بأيّ صفة منهما ولكنّه يكون


حُسناً إذا وقَع بقصد تأديب اليتيم، وقبيحاً إذا وقع بقصد الإساءة إليه، واحتجّ الأشاعرة وأتباعهم على إنكارهما بأنّ الإنسان ليس مختاراً في أفعاله، والفعل إذا لم يكن اختيارياً لا يوصف بالحسن والقبح، وبأنّهما لو كانا ذاتيّين للأفعال يلزم أنْ لا يتغيّر الفعل بالوجوه والاعتبارات؛ لأنْ ما بالذات لا يتغّير مع أنّ القبيح قد يصبح حسناً والحسن قد يصبح قبيحاً، فالكذب يحسن إذا منع عن قتل نبي أو ولي مثلاً، بل قد يجِب أحياناً لبعض الأغراض والمصالح العامّة التي اهتمّ بها الشارع وأولاها المزيد من عنايته، ومن ذلك يتبيّن أنّهما ليسا ذاتيّين في الأفعال.

والجواب أنّ القائلين بالحسن والقبح الذاتيّين، إنّما يقولان بهما بلحاظ ذوات الأفعال مع قطع النظر عن العناوين الأُخرى الطارئة التي تبدّل وجه الشيء وتشتمل على مصلحة أقوى من المفسدة القائمة بذاته، وتختلف الأشياء في ذلك اختلافاً بيناً، فبعضها يكون علّة للقبح بحيث لا يختلف مهما اختلفت عناوينه واعتباراته كالظلم، فإنّه أينما وجِد وكيفما اتفق حصوله لا يمكن أنْ يكون حسناً، وبعض الأشياء ليست بذاته علّة للقبح والحسن، وإنّما تكون بذواتها مقتضية له كالكذب مثلاً، فإنّ ذات الكذِب مع قطع النظر عن جميع العناوين مقتضية للقبح، كما وأنّ الصدق مقتضٍ للحسن، ولا ينافي ذلك أنْ يطرأ عليهما عنوانٌ آخر يمنَع عن تأثير ذلك المقتضى في الجهة التي يقتضيها، وليس ذلك إلاّ لأنّ اقتضاءهما للحسن والقبح، ليس كاقتضاء العلّة لمعلولها (1) .

وللأشاعرة أدلّة أُخرى موجودة في كتب الكلام، وكلّها مغالطة لا ترتكز على المنطق الصحيح، ولا يؤيّدها الدليل والبرهان، فإنكار الحسن والقبح في الأفعال إنكارٌ للضروريات ومغالطة سافرة للوجدان، فإنّ الصدق والكذِب والظلم والإحسان إلى الضعفاء والأيتام وأشباه ذلك لا يرتاب العقل بحسن بعضها وقبح البعض الآخر، وبمدح المحسن وذمّ المسيء، سَواء ورد الشرع بذلك أو لم يرد، كما وأنّ العقل لا مجال له في كثير من الأُمور التي شرّعها الإسلام، كوجوب الوفاء بالعقود وأكل الميتة، والصلاة والصيام، وغير ذلك من الواجبات والمحرّمات الشرعية، فإنّ العقل في هذه وأمثالها لا

____________________

(1) انظر كفاية الشيخ كاظم الخراساني في أُصول الفقه الجعفري، ووسائل الشيخ الأنصاري.


يحكم بحسن ولا بقبح، بل يكون مقلّداً للشرع فيها.

ويدّعي الأشاعرة وأتباعهم أنّ استقباح الظلم والكذب، واستحسان مكارم الأخلاق وأطايب الصفات، وإنْ كان بحكم العقل، إلاّ أنّ المنشأ في ذلك هو التديّن بالشرائع التي كانت تحرِص على التديّن بهذه المبادئ وانتشارها بين الناس، أو لما يترتّب عليها من الأغراض عند العقلاء، ولا دليل على استقباحها واستحسانها لذاتها مجرّدة عن هذه الاعتبارات (1).

وقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ الإمامية لم يتّفقوا مع المعتزلة في هذه المسألة اتفاقاً كلّياً؛ لأنّ المعتزلة بين موافق للإمامية، وبين من يقول بهما ولكن بالوجوه والاعتبارات كالجبائي وأتباعه، كما وأنّ بعضهم يلتزم بالحسن والقبح قبل ورود الشرع لصفة في الأفعال تقتضيهما، ومردّ ذلك إلى عدَم كونهما ذاتيّين في الأفعال.

____________________

(1) انظر المستصفى للغزالي ص 36.


وجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه

اللطف: هو ما يكون المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعات وأبعَد عن فعل المعاصي، على نحوٍ لا يبلِغ حدّ الإلجاء من الله سُبحانه، وهو بهذا المعنى لابدّ منه عند الإمامية؛ لأنّه لا يفعل بعباده إلاّ الأصلح والأنفع لهم، ولا يدّخر عنهم شيئاً ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، وقد أنكره الأشاعرة وقالوا: إنّ كلّ ما يفعله بعباده أو يأمرهم به يكون حسناً منه، أمّا المعتزلة فقد أوجبه أكثرهم؛ لأنّه من مقتضيات العدل الواجب في حقّه تعالى، فترك اللطف المقرّب من طاعته، والأصلح لهم يتنافى مع كونه عادلاً، ويلتقي معهم الإمامية في أصلِ وجوبه، ولكنّه عند المعتزلة من موجبات عدله ولو فعل بعباده خلافه كان ظالماً لهم، أمّا عند الإمامية فلأنّه متّصف بالجود والكرم، ومِن لوازم هذَين الوصفين أنْ لا يمنع عن عباده صلاحاً ولا نفعاً، وأضاف


الكراجكي المتوفّى في أوائل القرن الخامس الهجري فرْقاً آخر بين الإمامية ومتأخّري المعتزلة، فقال: إنّه عند المعتزلة إنّما يجب من جهة العدل، والعدل لا يقتضي أكثر من وجوب الصلاح والنافع عليه تعالى لعباده، أمّا الأصلح والأنفع فلا يجبان عليه، وعند الإمامية لا يتمّ اللطف إلاّ بالأصلح والأنفع، وإذا لم يفعل بهم لم يكن جواداً ولا كريماً (1).

وقد أنكر أصل وجوبه بشر بن المعتمر - أحد أقطاب المعتزلة - واستدلّ القائلون بوجوبه بأنّ اللطف يسهّل لهم إطاعة الأوامر والنواهي؛ لأنّ الغاية من التكليف إيجاد المأمور به وترك المنهي عنه، وإذا لم يسهّل الآمر لعباده أسباب الامتثال كان ناقضاً لغرضه، وكان كمَن دعا إنساناً إلى أمرٍ وهو يعلم بأنّه لا يطيعه فيه.

واللطف المقرّب من الطاعة مرّة يكون من فعل الآمر وأُخرى يكون من فعل المكلّف، وثالثة يكون خارجاً عنهما: أمّا ما كان من فعل الله سبحانه، فيجب على الله بمقتضى جوده وكرمه أنْ يبذله لهم؛ تسهيلاً لإطاعة أوامره واجتناب نواهيه، ليكون المكلّف أقرب إلى الطاعة مع تساوي قدرته لها ولعدمها، وأمّا ما يكون من فعل المكلّف فالله سبحانه من حيث إنّه عالمٌ بما تتوقّف عليه الإطاعة، وامتثاله أوامره وتحصيل أغراضه، لابدّ وأنْ يُكلّفهم تحصيل ذلك الشيء ويُعلمهم به؛ لأنّ امتثال أوامره وتحصيل أغراضه لا يكون بدونه، فيكون إعلامهم به أو إيجابه عليهم من المقدّمات التي تسهّل لهم الإطاعة، وتحصيل أغراضه ومقاصده.

وأمّا الذي لا يكون من فعل الآمر ولا من فعل المكلّف المأمور، فلا يجب عليه؛ لأنّه ليس من فعله ولا من فعل المكلّف ليلزمه به، ولا هو داخل تحت قدرته ليتعلّق به التكليف، وفي مثل ذلك يكون التكليف بالمأمور به مشروطاً بحصول ذلك الشيء، فيما إذا كان الغرض من التكليف لا يحصل بدونه (2) ، ويكون أشبه بالمقدّمات الوجوبيّة التي لا يجب تحصيلها كما هو مقرّر في محلّه.

واستدلّ الأشاعرة على عدَم وجوب اللطف على الله بأنّه لو قلنا بوجوبه،

____________________

(1) انظر كنز الفوائد للكراجكي ص 52.

(2) انظر أوائل المقالات للمفيد ص 26 وشرح التجريد للعلامة الحلي ص 202 وما بعدها والمواقف المجلد الرابع الجزء الثامن ص 196.


للزم أنْ يكون في كلّ عصر نبيّ، وفي كلّ بلدٍ معصوم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لأنّ اللطف عند القائلين به هو المقرّب من الطاعة، ومن أظهر مصاديقه الأنبياء والأولياء، مع أنّ القائلين بوجوبه لا يلتزمون بذلك.

وقد أجاب القائلون باللطف عن ذلك بأنّ الأنبياء الذين أرسلهم الله لهداية البشر وإنقاذهم من الضلالة، قد أرشدوا إلى الطاعات ونهوا عن المنكرات، ووعدوا المطيعين بالنعيم الدائم، والعاصين بالعذاب الأليم، وتركوا من النصائح والتعاليم ما هو كفيل لأنْ يقرّبهم من طاعته، وامتثال أحكامه والقائلون باللطف لا يدّعون بأنّ عليه أنْ يوفّر لهم جميع أنواع المقرّبات من الطاعة والمرغّبات فيها.

على أنّ هذا النقض لا يتوجّه على الإمامية؛ لأنّهم يدّعون أنّ الإمام موجود في كلّ عصر وزمان، ووجوده بين الناس وأنّ لم يكن معروفاً بشخصه من جملة أقسام اللطف المقرّب منه سبحانه، هذا بالإضافة إلى أنّهم يرون أنّ الحكّام في كلّ عصر لابدّ وأنّ تتوفّر فيهم صفات الحاكم العادل العالم بالإحكام، ولا شكّ بأنّ هذه الصفات لو توفّرت بالحكّام لسهّلت على الناس فعل الطاعات، وأبعدتهم عن المعاصي والمنكرات.

وقال الأشاعرة: إنّ الكفّار حينما كُلّفوا بالإيمان، إمّا أنْ يُكلّفوا به مع وجود اللطف أو مع عدمه، ولا مجال لدعوى أنّهم قد كُلّفوا بالإيمان مع وجود اللطف؛ لأنّهم لو كلّفوا به مع وجود اللطف لحصل منهم الإيمان حتماً، فلابدّ وأنْ يكون تكليفهم في حال عدمه، وعدم اللطف منه سبحانه في ظرف تكليفهم، إمّا لأنّه غير قادر عليه ولازم ذلك نسبة العجز إليه سبحانه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلابدّ وأنْ يكون مع فرض قدرته عليه، ولازم ذلك إخلاله بالواجب عليه بناءً على وجوب اللطف عليه سبحانه كما يزعم القائلون بذلك؛ لأنّا قد فرضنا كونه قادراً عليه، ومع ذلك كلّف الكفّار بالإيمان بدون أنْ يوجد اللطف المقرّب لهم من طاعته.

والجواب: إنّ الله سبحانه حينما كلّف الكفّار بالإيمان لم يكلّفهم به إلاّ بعد أنْ سهّل لهم طريق الطاعة، ووعَدَهم بالثواب الجزيل والعطاء الكريم وأوجَد لهم المقرِّبات من طاعته، وما يبعدهم عن معصيته، وهذا المقدار من التسهيل للطاعة هو اللطف الواجب عليه سبحانه، وقد بينّا أنّ معنى اللطف هو المقرّب من الطاعة، والمرجِّح لوجود المكلّف به على عدَمِِِه على نحوٍ يُصبح المكلّف أقرب إلى الطاعة منه إلى المعصية، وهذا المعنى متحقّق منه سبحانه.


أمّا حصول المكلّف به فليس داخلاً في مفهوم اللطف، ولا شرطاً فيه؛ لأنّه بهذا الشرط يكون العبدُ ملجأ على فعله، وقد ذكرنا أنّ اللطف لا يسلب اختيار الإنسان (1)، وقد جرَت محاورة حول وجوب اللطف والأصلح على الله بين الجبائي وتلميذه أبي الحسن الأشعري، ويدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب أنّ لهذه المحاورة أثراً في انفصال التلميذ عن أُستاذه، وإعلانه الحرب عليه وعلى أسلافه من شيوخ المعتزلة.

ومُجملها أنّ الأشعري سأل أُستاذه، عن إخوة ثلاثة عاش أحدهم مطيعاً والآخر عاصياً، والثالث مات صغيراً.

فقال الجبائي: المطيع في الجنّة، والعاصي في النار، والصغير لا له ولا عليه.

فقال الأشعري: لو قال الثالث لربّه: لو أبقيتني لأكبر فأطيعك وأدخل الجنّة.

قال الجبائي: يُقال له لو كبرت اخترت المعصية ودخلت النار بسببها.

قال الأشعري: لو قال له الثاني: لِمَ لَم تمتني صغيراً كي لا أعصيك، فأستحقّ النار.

فوقف الجبائي عن جوابه، وقد أبدينا رأينا سابقاً حول الأسباب التي دعت الأشعري إلى التراجع عن مذهب الاعتزال بعد تلك الدراسة الطويلة التي استمرت نحواً من أربعين عاماً في أثناء حديثنا عن الأشاعرة ومناهجهم، وذكرنا أنّ الاختلاف في الرأي أحياناً لا يؤدّي إلى هذا البُعد الشاسع بين التلميذ وأُستاذه، ولا يوجب تأسيس جبهتين متقابلتين بهذا النحو من التقابل الذي كان بينهما.

____________________

(1) انظر شرح التجريد ص 202، والمواقف ص 196 من المجلّد الرابع الجزء الثامن.


النبوّة

اتفق المسلمون والفلاسفة وغيرهم من أهل الأديان على وجوب بعثة الرسُل على الله سبحانه عقلاً ونقلاً، ولم يُخالف في وجوبها عقلاً سِوى الأشاعرة وأتباعهم؛ لأنّ العقل وحده لا يكفي لإدراك كلّ ما هو حسن وقبيح واقعاً، وقد بينّا أنّ القائلين بالحسن والقبح العقليّين لم يثبتوا للعقل الإحاطة بكلّ شيء، وانّ كثيراً من الأشياء لم يدرك من أمرها شيئاً إلاّ بعد أنْ كشف الشارع بواسطة التكليف، عن حسنها أو قبحها، وقد دلّت النصوص القرآنية على أنّه سبحانه لا يُعذّب أحداً إلاّ بعد إتمام الحجّة عليه، بإرسال الرسل وتسهيل أسباب الطاعة، قال سبحانه:

( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) ، والرسول لُطفٌ من الله سبحانه، أمّا لأنّه من مقتضيات عدله أو لأنّه من آثار كرَمِه وجوده كما يدّعي الإمامية، وممّا لا شكّ فيه أنّ الرسول الذي يبلّغ عن الله، ويبيّن للناس ما يترتّب على الطاعات من الجزاء، وعلى المعاصي من العقاب من أظهر مصاديق اللطف الواجب على الله سبحانه، هذا بالإضافة إلى أنّ التكاليف السمعية ألطاف في الواجبات العقلية؛ لأنّها تقرّب الإنسان من امتثال أحكام العقل، ولا سيّما إذا واظب الإنسان على امتثال الواجبات السمعية، ولا تتمّ الواجبات السمعية إلاّ بالرسُل، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به يكون واجباً.

أمّا الأشاعرة وأتباعهم القائلون بأنّ العقل لا يُدرك حُسناً ولا قبحاً، ولا يستقل في أحكامه، فينحصر وجوبها عندهم بطريق النقل، ومهما كان الحال فلَم يخالف في وجوبها سوى البراهمة وقالوا: إنّ الرسول إنْ جاء بما يوافق العقل، لم يكن له فائدة، وإنْ خالفه فيجب طرحه والأخذ بحكم العقل، وقد وافقهم على ذلك الصابئة، والقائلون بالتناسخ (1)، وجواب هؤلاء، أنّ العقل وإنْ كان يُدرك حسن بعض الأفعال وقبح بعضها، ولكنّه يجهل كثيراً من أحكام العبادات والمعاملات، والميراث والأحوال الشخصية، وغير ذلك ممّا شرّعه الإسلام، ولا يُمكن معرفة تلك الأحكام إلاّ بواسطة الرسُل، وادّعى بعض المعتزلة بأنّ البعثة إنّما تجب على الله سبحانه إذا عُلِم من حال البشر أنّهم يؤمنون بالرسول المرسَل، و‘نْ علم أنّهم لا يؤمنون به لا تجب عليه، وتكون مستحسنة منه لإتمام الحجّة؛ كي لا يقول أحدٌ: ( لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ) .

____________________

(1) وذهب بعض البراهمة إلى نبوّة آدم لا غير، وأضاف بعضهم إليه إبراهيم، كما يدّعي الصابئة نبوّة إدريس وشيث لا غير.


وقال أبو هاشم الجبائي: لا تجِب إلاّ إذا أراد تشريع أُمور لا يستقلّ بها العقل، أمّا والده الجبائي فقد أوجبها حتى ولو لم يأت الرسول إلاّ بما حكم به العقل، وقال: إنّه يكفي من فوائدها أنْ تؤكّد أحكام العقل (1) وبعض المنكرين للنبوّات قالوا: إنّها لا تكون إلاّ بالمعجزة، وهي مستحيلة عادةً، وادعى آخرون بأنّ المعجزة وإنْ لم تكن مستحيلة، لكنّها لا تدلّ على صدق مدعيها، وبالغ آخرون فقالوا بأنّها حجّة على مَن شاهدها لأنّها تفيده العلم، أمّا الغائبون فلا تفيدهم العلم، ولو تواترت فالتواتر لا يفيد إلاّ الظن، والظن لا يكفي في العقليات، إلى غير ذلك من المذاهب والآراء الفاسدة، ولا يعنينا أنْ نستقصي كل ما قيل حول هذا الموضوع (2).

____________________

(1) وقال جماعة من المعتزلة: إنّها لا تجب على الله دائماً، وإنّما تجب عندما تقتضيها المصلحة.

(2) انظر المواقف ص 230 وما بعدها، وشرح التجريد ص 117، ومعالم الفلسفة ص 160 وما بعدها.


الإمامة

من المعلوم أنّ النزاع في الإمامة بين المسلمين كان ولا يزال من أبرَز ما حدَث في تاريخ الإسلام، ونتَج عنه انحراف فئات من المسلمين عن الطريق القويم منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فانقسموا بسبب نزاعهم في الإمامة إلى طوائف وأحزاب، وقامت بينهم المعارك والحروب أُريقت فيها الدماء، واستُبيحت الأعراض وتبدلّت المفاهيم، واختلفت القِيَم، وما زال المسلمون يُعانون من آثار هذا الانحراف، المتاعب والانقسامات التي تجاوزت أبعد الحدود، وتخطّت مسألة الإمامة إلى غيرها من المسائل المتعلّقة بأُصول الدين وفروعه، وأصبح من المتعسّر تقريباً على أيٍّ كان إصلاح ما حدث، وسدّ تلك الفجوة العميقة التي حدَثت نتيجة لذلك الصراع الذي دام طوال هذه


القرون، ما دام كلّ فريق يحرص بكلّ ما أُوتي من قوّة وتفكير لتأييد مذهبه وانتشاره.

ولابدّ لنا من الإشارة إلى آراء الفِرَق الإسلامية الكبرى في الإمامة، وصِلة كلّ واحدٍ منها بالآخر، فالإمام والخليفة لفظتان تعبّران عن معنىً واحد، وهو الرياسة العامّة في أُمور الدين والدنيا نيابة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وسمّي القائم بهذه المهمّات إماماً؛ لأنّ الناس يسيرون وراءه فيما يُشرّع لهم ويرشدهم إليه، وسُمّيَ بالخليفة، كما كان الشائع في عصر الراشدين وما بعده؛ لأنّه يخلف الرسول في إدارة شؤون الأُمّة وقيادتها.

وكما كان تعيين الخليفة بعد الرسول موضعَ جدَلٍ وخلاف أدّى إلى انقسامهم وتمزيق وحدتهم، كذلك حصلت بينهم أنواع أُخرى من الجدَل والنزاع، وتطوّر بعد ذلك إلى النزاع في وجوب نصب الإمام على الله سبحانه وعدمه، فأنكره جماعة وأثبته آخرون، والقائلون بوجوبه بين مَن يقول بوجوبه على الله سبحانه عقلاً، وبين من يقول بوجوبه على الأُمّة بحكم العقل.

أمّا الأشاعرة ومعهم المحدّثون والجبائيّان من المعتزلة (1) فقد قالوا بعدم وجوبه بالنصّ الشرعي على الأُمّة، والباقون من المعتزلة أوجبوه عقلاً، على الأُمّة أيضاً، وذهب الإمامية إلى وجوبه على الله بحكم العقل، ولم يُعارض في أصل وجوب نصب الإمام سِوى العجاردة من الخوارج، ومعهم حاتم الأصم أحد شيوخ المعتزلة (2)، وادعى هؤلاء بأنّ الواجب على الأُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحق وإماتة الباطل، ومع قيام الأُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد.

أمّا إذا اختلفت الأُمّة ولم تتعاون على نشرِ العدل وإحقاق الحق، فيجب عليها تعيين مَن يقوم بهذه المهمّات، وبالتالي فإنّ الإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً، أمّا بقيّة الخوارج فهم كغيرهم من المسلمين، يرونَها من الضرورات التي لابدّ منها لحفظ النظام وإحقاق الحق، ولكنّها لا تجب على غير الأُمّة، ويتعيّن بإجماع أهل الحلّ والعقد على شخصٍ منهم، كما فعل المسلمون الأوّلون في تعيين أبي بكر وعمر على حدّ تعبيرهم.

____________________

(1) وهما الجبائي وولده أبو هاشم.

(2) المتوفّى سنة 237.


ومجمل القول أنّ الأشاعرة ومعهم المحدّثون والجبائيّان يرَون وجوب نصب الإمام على الأُمّة، والباقون من المعتزلة: بين مَن يقول بوجوب نصبه على الأُمّة بالنص على ذلك من الله وهُم معتزلة البصرة، وبين مَن يقول بوجوبها على الأُمّة بحكم العقل، وهم البغداديّون من المعتزلة، أمّا الإمامية فكلّهم متّفقون على وجوبها من طريق العقل والشرع، وأنّ اختياره يعود إلى الله وحده؛ لأنّ وجود الإمام لطف من الله، يُقرّبهم من الطاعات، ويصدّهم عن المعاصي والمنكرات، واللطف واجب عليه سبحانه بحكم العقل، وقد عين النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لهم الإمام من بعده بأمرٍ من ربّه، ونصّ عليه بوصفه واسمه، كما تؤكّده النصوص الإسلامية السنّية والشيعية.

وقال المُنكرون لوجوب نصب الإمام على الله سبحانه، بأنّ الإمام وإنْ كان وجوده مُقرّباً من الطاعة ومُبعّداً عن المعاصي، ولكن ذلك لا يكفي في وجوبه عليه سبحانه، لجواز أنْ يكون في نصبه مَفسدة خافية على العباد، وما لم يحصل العلم بانتفائها لا يكفي مجرّد كونه مقرّباً في وجوب نصبه إماماً.

وأُجيبوا بأنّ الإمام إذا كان مُقرّباً من الطاعات لا يكون في نصبه أيّ نوع من أنواع المفاسد، ومجرّد احتمال المفسدة لا يمنع من وجوب تعيين الإمام، هذا بالإضافة إلى أنّ أصحاب هذا الرأي يذهبون إلى وجوب نصبه على الله سبحانه، ولا تخفى عليه المصالح والمفاسد، ولا يُمكن أنْ يُعيّن للناس إماماً مع هذا الفرض.

ومن جملة الشُبَه التي أبداها الأشاعرة حول هذا الموضوع، أنّ الإمام إنّما يكون لطفاً إذا كان متصرّفاً بالأمر والنهي، وكانت أُمور الناس بيده وليس لأئمّتكم هذا الشأن، فما تدعونه لطفاً لا تقولون بوجوبه، وما تقولون بوجوبه ليس لطفاً، ولا سيّما بالنسبة لقولكم في الإمام الغائب، فإنّ وجوده متخفّياً عن الناس لا يتّصل بهم ولا يرونه ليس فيه فائدةٌ لأحدٍ منهم، وهل يمكن أنْ يكون مجرّد وجوده، مع أنّه لا يقوم بأيّ عمَل مقرّباً من الله ومبعّداً عن المعاصي؟

وأجاب الإمامية بأنّ القائلين بوجوب نصب الإمام على الله سبحانه يدّعون بأنّ وجود الإمام الذي اختاره الله مقرّب من الطاعات، واللطف حاصلٌ بمجرّد وجوده؛ لأنّه مستعدٌّ للقيام بجميع مسؤوليّاته على أكمل الوجوه وأتمّها، وعلى الأمّة أنْ ترجع إليه فإذا لم ترجِع تكون هي المسؤولة عن تقصيرها، وليس معنى اللطف إلاّ تسهيل أسباب الطاعة على


العباد، وهذا الأمر يحصل بنصب الإمام، فلو رجعوا إليه واستمعوا لنصائحه وإرشاداته، لم يقَعوا في المعاصي والمنكرات، ولكنّهم قد فوّتوا على أنفسهم بإرادتهم واختيارهم فكانوا من الهالكين.

وعلى كلّ حال لقد تفرّد الإمامية في وجوب نصب الإمام بوصفه واسمه، واحتجّوا بقاعدة اللطف وغيرها من الأدلّة، ومع أنّ المعتزلة يقولون بوجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه، ولكنّهم لم يلتزموا بها في المقام، مع العلم بأنّه المورد من جزئياتها، والظاهر أنّ الذي يمنعهم عن الالتزام بها في المقام، هو أنّهم لو قالوا بها في هذه المسألة لزِمَهم أنْ يقولوا بعدم صحّة خلافة المتقدّمين على عليّ (عليه السلام)؛ لأنّ قاعدة اللطف تقتضي أنْ يكون الخليفة منصوصاً عليه من الله سبحانه، وهذه المسألة من أبرَز المسائل التي كانت محلاًّ للجدَل والخصومة بينهم وبين الإمامية، ولا سيّما مع هشام بن الحكَم أحد أعلام الإمامية المعروف بقوّة الحجّة وشدّة الخصومة، وله معهم مواقف حاسمة فيها.

فلقد جاء في كتب الحديث أنّه التقى بعمرو بن عبيد الزعيم الثاني للمعتزلة بعد واصل بن عطاء، وهو يخطب في مسجد البصرة حول الإمامة وآراء المذاهب فيها، ونظراً لأنّ خصومته تنحصر - تقريباً - مع الشيعة في هذه المسألة، فقد هاجمهم وحاول تفنيد آرائهم وأدلّتهم التي يعتمدون عليها في الإمامة، وكان هشام بن الحكَم قد حضر مجلسه يومذاك، فقام إليه وتخطّى تلك الحشود الملتفّة به، وهو شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، فسأله عن فوائد الحواسّ الخمس واحدة واحدة وعمرو بن عبيد يجيبه عنها، ثمّ سأله عن فائدة القلب، فقال له: إنّ الله خلقه ليميّز الإنسان به ما يَرِد على بقيّة الجوارح؛ لأنّها قد تشكّ في أشياء ولم تدرك غايتها، وعندما تشتبه في شيء تعرضه عليه فيرشدها إلى خيره أو شرّه.

ولمّا انتهى بينهما الحديث إلى هذا الحد قال له هشام: إنّ الله لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً يكشف لها الحق، وينفي عنها الشك، ويترك هذا الخلق في حيرتهم وضلالهم واختلافهم، بدون إمام يُبيّن لهم ما يختلفون فيه؟! فلَم يستطع عمرو بن عبيد أنْ يردّ عليه بشيء، ولمّا عرفه أدناه من مجلسه، ولم يعد إلى الكلام حتى انصرف عنه.

ومن المعلوم أنّه في مثل هذه المحاورة لم يتخطّ قاعدة اللطف، وإنْ لم ترد باسمها على لسانه؛ لأنّه افترض الإمام بالنسبة إلى الأُمّة كالقلب بالنسبة إلى الإنسان، يرشد الناس إلى الحق والطاعات كما يُرشد القلب الجوارح ويردّها عن حيرتها.


ولا شكّ، بأنّ هذا النحو من الاستدلال الذي استعمله هشام بن الحكَم مع خصمه المعتزلي قد أخذه عن الأئمّة (عليهم السلام)، فقد جاء عن الإمام جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه قال له: (لقد نطَق على لسانك روحُ القدس يا هشام)، وبالفعل فإنّ هشاماً في هذه المحاورة كان موفّقاً للغاية، فقد سدّ على خصمه جميع المنافذ، وألزمه بمقالته من حيث لا يشعر.

ومجمل القول أنّ جميع الفِرَق الإسلامية قد خالفت في هذه المسألة، حتى الزيدية، كما يدّعيه بعض الكتّاب في الفِرَق والمذاهب.

وفي أوائل المقالات للمفيد قال: اتفق أهل الإمامة على أنّه لابدّ في كلّ زمان من إمام موجود يحتجّ به الله على عباده المكلّفين، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وجوّزوا خلوّ الأزمان الكثيرة من الإمام، وشاركهم الخوارج والزيدية، والمرجئة والعامّة المنتسبون إلى الحديث (1) .

____________________

(1) لقد اعتمدتُ في هذا البحث على المواقف ص 346 و347، وشرح النهج وشرح التجريد ص 227 وأوائل المقالات ص 8 بالإضافة إلى بعض المصادر الأُخرى


العصمة

لقد تفرّد الإمامية عن غيرهم من الفِرَق الإسلاميّة في وجوب عصمة الأنبياء والأئمّة جميعهم من الذنوب صغيرها وكبيرها، والسهو والنسيان والخطأ وغير ذلك ممّا يحدث من سائر الناس، قبل بعثة الأنبياء وبعدها، سَواء في ذلك الأحكام وغيرها.

وأكثر المسلمين أثبتوها للأنبياء، ولكنّهم لم يلتزموا بها لهم في جميع الحالات، وعن جميع الذنوب، فالمعتزلة جوّزوا عليهم الصغائر من الذنوب سهواً وتأويلاً، أمّا الأشاعرة فقد جوّزوا عليهم الكبائر والصغائر سهواً إلاّ الكفر والكذب، ووافقهم على ذلك الحشويّة من المحدّثين؛ لأنّ جواز الكذب عليهم يؤدّي إلى إبطال رسالتهم، وإنْ كان المنسوب إلى القاضي أبي


بكر الباقلاّني جوازه سهواً ونسياناً؛ لأنّ ذلك لا يستلزم جواز كذبهم فيما يخبرون به في حال التفاتهم وتذكرهم.

أمّا الكفر فقد أجمعوا على عصمتهم عنه قبل البعثة وبعدها، ولم يقل بجوازه عليهم سوى الأزارقة من الخوارج، وقد جاء عنهم، أنّه يجوّز على الله أنْ يبعث نبيّاً، يعلم بأنّه سيكفّر بعد بعثته، أمّا بقيّة الذنوب، فما كان منها من الكبائر، فقد منع صدورها منهم الجمهور الأعظم من المسلمين، بما فيهم المعتزلة والأشاعرة، إلاّ أنّ المعتزلة منعوا صدورها منهم بحكم العقل لقاعدة اللطف والأصلح، وغيرهم منع صدورها منهم للنص والإجماع، أمّا صدورها منهم نسياناً، فقد أجازوه عليهم كما أجازوا صدور الصغائر منهم عمداً وسهواً.

والمنسوب إلى الجبائي أنّه أجازها عليهم سهواً لا عمداً، هذا كلّه بعد النبوّة، أمّا قبلها فقد جوز عليهم الأشاعرة وجماعة من المعتزلة الكبائر والصغائر عمداً وسهواً (1) .

وقد استدلّ القائلون بأنّهم معصومون عن الكبائر والصغائر عمداً بالأدلة الكثيرة التي استدلّ بها القائلون بعصمتهم المطلقة، ومجملها أنّه لو صدرت منهم الذنوب لحَرُم اتباعهم فيما يفعلون، مع أنّ الإجماع والنصوص يدلاّن على وجوب متابعتهم في أقوالهم وأفعالهم، ولابدّ من عصمتهم وإلاّ لم تجِز متابعتهم.

ولأنّهم لو أذنبوا لكانوا من جملة الفاسقين الذين لا تُقبل شهادتهم، ومَن لا تقبل شهادته في أُمور الدنيا، لم تقبل في أُمور الدين، ولأنّه لو صدرت منهم المعاصي لكان من اللازم إرشادهم وإرجاعهم إلى الحق، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك قد يؤدّي إلى إيذائهم واستعمال الشدّة معهم حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا بالإضافة إلى أنّه لو وقعت منهم المعاصي لكانوا من مستحقّي النار؛ لقوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ) ، وكانوا ممّن تعنيهم الآية الكريمة: ( لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ، وأيضاً لو صدرت منهم المعاصي،

____________________

(1) انظر المواقف ج 4 ص 265.


لكانوا من الظالمين لأنفسهم، من حيث مخالفتهم للأوامر والنواهي، والظالم لا يصلح للنبوّة، لقوله تعالى: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، مع أنّ الظالم من أتباع الشيطان وعملائه، والشيطان لا سبيل له على المؤمنين.

قال سبحانه: ( لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) .

إلى غير ذلك من الأدلّة الكثيرة التي استدلّوا بها على عصمة الأنبياء من الكبائر عمداً وسهواً في حال النبوّة، وعن الصغيرة عمداً، وقد أورد الرازي هذه الأدلّة في الأربعين وغيره مِن كتبه، كما أوردها غيره من القائلين بالعصمة المطلقة في جميع الحالات، كما وأنّ القائلين بجواز الكبائر عليهم سهواً في حال نبوّتهم، وجواز الصغائر عليهم عمداً وسهواً في تلك الحالة، قد استدلّوا ببعض الآيات القرآنية التي تدلّ بظاهرها على صدور الذنب من الأنبياء في حال نبوّتهم، كما ورد بالنسبة لآدم، ويوسف وموسى وغيرهم من الأنبياء الذين قصّ الله أحوالهم ببعض الآيات التي تُوهم صدور الذنب منهم (1).

أمّا الشيعة الإمامية فكما ذكرنا، فقد وقفوا من هذه المسألة موقفاً يتناسب مع شرف النبوّة وقداستها، فنزّهوا الأنبياء في جميع أحوالهم عن جميع المعاصي قبل النبوّة وبعدها، واستدلّوا على ذلك - بالإضافة إلى الأدلّة المتقدّمة - بأنّ جواز المعصية عليهم يتنافى مع الغاية التي أُرسلوا من أجلها؛ لأنّ الله سبحانه إنّما أَرسل الرسل لعباده ليعملوا برسالاتهم، ويسيروا على نهجها وهديها قال سُبحانه: ( لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ) ، وإذا جاز على الأنبياء أنّ يخالفوا ما يأمرون به وينهون عنه، لم يحصل الوثوق بأقوالهم ما دامت لا توافق أفعالهم.

ولو جاز عليهم السهو والخطأ في أقوالهم وأفعالهم، لم يعد ما يمنع من وقوعهما منهم في التبليغ عن الله سبحانه.

وإذا جاز عليهم الكذِب في أقوالهم وأخبارهم ضعُفت ثقتهم ومكانتهم من النفوس، فلا تحصل الغاية التي من أجلها أَرسل الله أنبياءه ورُسله.

كما استدلّوا بالإضافة إلى ما تقدّم، بأنّ النبيّ لو فعَل المعاصي تجب

____________________

(1) انظر المواقف ج 4 ص 264 إلى ص 280 حيث أورد جميع الآراء في هذه المسألة وأدلّتها.


إطاعته ومتابعته، لقوله تعالى: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) ، ولقوله: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ) ، ومن حيث إنّه بفعله أصبح عاصياً تحرم متابعته في ذلك الفعل، ولازم ذلك اجتماع الوجوب والحرمة في حقّ المكلّفين، وأيضاً لزِم أنْ يكون أسوأ حالاً من سائر أفراد البشر؛ لأنّه أكثر معرفة لله منهم وأكثرهم عِلماً بأحكامه، والله سبحانه يعاقب الناس ويحاسبهم على حسب عقولهم ومعرفتهم، ولذا فقد ضاعف الله سبحانه العقاب للعاصيات من نساء النبيّ، قال سبحانه: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ) .

ومجمل القول أنّ الذي ذهب إليه الشيعة، هو الذي يتناسب مع مقام النبوّة وعظمتها، ويجب أنْ يكون القائم بهذه المهمّة مثالاً للفضيلة بكلّ أنواعها ليسرع الناس إلى تصديقه والعمل بأوامره ونواهيه، وكيف يجوز على الله سبحانه أنْ يُرسل إلى الناس مَن يأمرهم ولا يأتمر وينهاهم ولا ينتهي؟! مع أنّه قد وبّخ مَن كان بهذه الصفة، قال:

( لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) (1).

قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: إنّ جميع الأنبياء معصومون عن الكبائر قبل النبوّة وبعدها، وممّا يستخفّ فاعله من الصغائر كلّها (2) وأمّا ما كان من صغير لا يستخفّ فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوّة وعلى غيرِ عمد، وممتنع منهم بعدها، وأضاف إلى ذلك أنّ هذا هو مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها تُخالف في ذلك (3)، وهذه العبارة مِن الشيخ المفيد تؤكّد أنّ المعتزلة لا يلتقون مع الإمامية في مسألة العصمة، وكان على صلة بهم، وله معهم مواقف كثيرة حول الأُصول الإسلاميّة، وقلّما يخلو مجلسه من المناظرات معهم وقد جمع السيّد المرتضى كتاباً أكثره في المناظرات التي كانت تجري بين المفيد وخصومه، وأكثرهم من المعتزلة يوم ذاك، وإنْ كان الذي نقله عنهم مؤلّف المواقف، أنّهم لا يجيزون على

____________________

(1) انظر كشف الحق ونهج الصدق ص 81 و82 وشرح التجريد للعلاّمة ص 217.

(2) وقد مثّلوا لذلك بسرقة الأشياء الحقيرة، كلقمة من الطعام، أو الأكل في السوق وغير ذلك ممّا يُعَد فاعله خسيساً وضيعاً عند الناس، وعلّلوا استثناء هذا النوع من الصغائر، بأنّه يوجب الاستخفاف به.

(3) انظر أوائل المقالات ص 30.


الأنبياء الكبائر عمداً، وأنّ ذلك ممتنع منهم عقلاً؛ لأنّه يوجب سقوط هيبتهم من القلوب وانحطاطهم من أعيُن الناس (1).

وعلى كلّ حال فالذي يدّعيه الإمامية في هذه المسألة، هو الذي يتناسب مع مقام النبوّة والرسالة، كما ذكرنا، ويُساعد على تحقيق الأغراض التي بُعِثوا من أجلها؛ لأنّه مكلّف بإصلاح النفوس وتطهيرها من الرذائل، ووضع الحلول الصالحة لمشاكل المجتمع، وإذا كان طاهر النفس صدوقاً أميناً يصدّق أقواله بأفعاله، تسرع النفوس إلى تلبيته والقلوب إلى محبّته، ويكون لأقواله من الآثار ما لا يكون لأقوال العشرات مجتمعين من سائر الناس.

أمّا عصمة الأئمّة فهي من مختصّات الإمامية، ولابدّ من القول بها بعد أنْ قالوا بأنّ نصب الإمام واجب على الله من باب اللطف، كما يجب عليه إرسال الرسُل؛ لأنّه منفّذٌ لما جاء به الرسول وحافظٌ للشرع، وقائمٌ بمهام الرسول كلّها، فلو جاز عليه الخطأ والكذِب لا يحصل الغرض من إمامته، ولأنّ الله جعله إماماً ليهدي الناس إلى الحق، ويصلح أخطاءهم، فلو كان كغيره وجَب على الله أنْ يجعل عليه إماماً يرشده إلى الحق والهدى، وهكذا الكلام بالنسبة إلى الإمام الثاني ولابدّ وأنْ ينتهي الحال إلى إمامٍ لا يجوز عليه الخطأ، وأيضاً لو وقع منه الخطأ لوجَب الإنكار عليه وإرجاعه إلى الحق من باب الأمر بالمعروف، ولَما جاز الاعتماد على أقواله مع أنّه سبحانه قد أمر بإطاعته كما ينصّ على ذلك قوله:

( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، ولا تجب إطاعته إلاّ إذا كانت أقواله وأفعاله موافقة لأوامر الله ورسوله.

وممّا يدلّ على عصمة الإمام قوله تعالى لإبراهيم: ( إنّي جاعلك للناس إماماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، والإمامة عهدٌ من الله فلا يستحقّها الظالم بنصّ الآية، وغير المعصوم ظالم لنفسه ولغيره، والظالم كما يصدق على المتلبّس فعلاً بالمعصية، يصدق على من تلبّس بها في الماضي كما هو الثابت في مباحث المشتق من أُصول الفقه الجعفري، وقد استفاد المتكلّمون الشيعة من هذه الآية مبدأ عاماً في الحاكم الذي يحقّ له أنْ يتولّى أُمور الأُمّة، وهو ليس ببعيد عمّا هو ثابت في القوانين الحديثة،

____________________

(1) انظر المواقف ص 264.


حيث إنّهم يعتبرون كلّ من يرتكب جريمة، أو يعمل عملاً مُشيناً ساقطاً عن الحقوق المدنية كتولّي مناصب الدولة، وغيرهما من الشؤون العامّة (1).

والمراد من العصمة التي يدّعيها الشيعة الإمامية للأئمّة، هي عدَم صدور الكبائر والصغائر منهم عمداً وسهواً، بلا فرْق بين المُشينة وغيرها.

قال المفيد في أوائل المقالات: إنّ الأئمّة معصومون كعصمة الأنبياء، ولا تجوز عليهم صغيرةٌ إلاّ ما قدّمْتُ ذكر جوازه على الأنبياء، ولا يحدث لهم سهوٌ في شيءٍ من الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا المذهب سائر الإمامية إلاّ من شذّ منهم (2)، ولا يدخل في مفهوم العصمة سلبُ القدرة على المعاصي، ولا كون المعصوم مُلجأ على فعل الطاعات، فإنّ ذلك يستدعي بطلان الثواب والعقاب.

قال صاحب كتاب الياقوت - من قدماء الإمامية ـ: (العصمة لطفٌ يمتنع مَن يختصّ بها من فعل المعصية، لا على وجه القهر بنحوٍ لا تكون له قدرة عليها، بل يكون امتناعه عنها لعدَم الداعي إليها (3)) .

وليس المراد من عدَم الداعي هو انتفاء القابلية، فإنّ ذلك مرجعه إلى الإلجاء وإنّما المراد منه، أنّ القوّة الخيّرة في الأنبياء والأولياء هي التي تسيطر على شهَوات النفس وأهوائها، مع كونها مقدورةً له.

ولقد بالغ مَن فسّرها باستحالة صدور الذنب؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى الإلجاء، وعدَم استحقاقه للمدح والثواب على أفعاله؛ لأنّها لم تصدر عن إرادة واختيار، هذا بالإضافة إلى أنّها لو كانت بهذا المعنى لم يبقَ لتعلّق النهي بالمحرّمات أثر؛ لأنّ الأفعال المنهي عنها لا تدخل تحت قدرة المعصوم

____________________

(1) انظر شرح التجريد ص 227، وكشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة ص 85.

(2) وقد أشار بقوله (إلاّ من شذّ منهم)، إلى الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه القمّي، حيث جوّز عليهم السهو والنسيان حتى في الأحكام، كما جوّزه على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) اعتماداً على ما ورد في أحاديث السنّة من سهو النبيّ في الصلاة، وقد روى عنه أبو هريرة أنّه صلّى بالناس العصر ركعتين، وانصرف إلى ناحيةٍ في المسجد، وتبعه الناس وفيهم أبو بكر وعمر، وظنّوا أنّ الصلاة قد قصرت، فلم يجرأ أحد على سؤاله غير رجلٍ يدعى ذا اليدين، فلمّا سأله تذكّر النبيّ ورجَع فأتمّ صلاته من حيث سلّم.

(3) انظر أوائل المقالات للمفيد.


بناءً على هذا التفسير.

هذا بالإضافة إلى أنّ الصفات التي منها ينطلق الإنسان إلى المعاصي كالرضا والغضب والشهوة وغير ذلك موجودة في الأئمّة والأنبياء، كما هي في سائر الناس، وجاء في الآية الكريمة: ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) ، ولكن تلك الصفات تسيطر على غيرهم من الناس وتسوقهم إلى معصية الله سبحانه، أمّا الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام)، فمع أنّهم يحبّون ويكرهون ويرضون ويغضبون، ولكن في حدود أوامر الله ونواهيه، فحبّهم للدنيا ومظاهرها وشهَواتها مغلوبٌ دائماً لرضا الله المسيطر على نفوسهم وقلوبهم، الذي حبّب إليهم الإيمان والطاعات، وأبعدهم عن الفسوق والنفاق.

وجاء عن محمّد بن أبي عُمير - أحد تلامذة الأئمّة المقرّبين منهم - أنّه قال: ما سمِعت ولا استفدت من هشام بن الحكم، على طول صحبتي له، أحسن من كلامه في صفة عصمة الإمام، فلقد سألته يوماً من الأيّام عن الإمام أهو معصوم أم لا؟ قال: نعم، قلت له: فما هي العصمة وبماذا تُعرف؟ قال: إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجُه لا خامس لها: الحرْص والحسَد والغضَب والشهوة، وكلّها منتفية عنه، فلا يجوز أنْ يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت يده فعلى ماذا يحرص؟ ولا يجوز أنْ يكون حسوداً؛ لأنّ الإنسان إنّما يحسد مَن هو فوقه وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟!

ولا يجوز أنْ يغضب لشيء من أُمور الدنيا، إلاّ أنْ يكون غضبه لله عزّ وجل، فإنّ الله قد فرَض عليه إقامة الحدود، وأنّ لا تأخذه في الله لومةُ لائم، ولا رأفة في دنياه حتى يُقيم حدود الله عزّ وجل، ولا يجوز أنْ يتّبع الشهَوات ويُؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الله عزّ وجل حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدنيا، فهو ينظر إليها كما ننظر إلى الدنيا، فهل رأيت أحداً ترَك وجهاً حسَناً لوجهٍ قبيح، وطعاماً طيّباً لطعامٍ مُر، وثوباً ليّناً لثوبٍ خشِن، ونعمةً باقية لِدُنيا زائلة (1)؟ !

وهُشام بن الحكَم بهذا التحديد لمفهوم العصمة قرّر أنّها لا تكون إلاّ إذا استطاع الإمام أنْ يتغلّب على هذه الأُصول الأربعة، التي تتفرّع عنها جميع المفاسد، ومنها ينطلق الإنسان إلى المعاصي والمنكرات، وليس في كلامه ما يُشير إلى أنّ هذه الأربعة ليست مقدورة له، بل كل ما يدلّ عليه هذا

____________________

(1) انظر هشام بن الحكم للشيخ عبد الله نعمة ص 202.


الكلام إنّ الدواعي التي تثير الحسَد والغضب والشهوة والحرص إلى الوقوع في الرذيلة، لا وجود لها عند الإمام (عليه السلام) بمعنى أنّها مغلوبةٌ لقوةِ الخير الموجودة فيه.

ومجمل القول أنّ العصمة ليس لها مفهوم يتخطّى إمكانيّات الإنسان، بنحوٍ يكون هذا المخلوق البشَري إنساناً آخر له طبيعة غير طبائع الناس. إنّ المعصوم في رأي هشام بن الحكَم ورأي جميع الشيعة إنسانٌ يغضب ويرضى ويحزن ويفرَح ويتلذّذ ويتألّم ويحبّ ويكره إلى غير ذلك من صفات الإنسان، وهذه الحالات وإنْ كانت من شأنها أنْ تسيطر على الإنسان، وتسوقه إلى المعاصي والمنكرات واتباع الشهوات والملذّات، إلاّ أنّها في الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) تكون مغلوبة للقوة الخيّرة التي تصرفهم إلى الطاعات وتسيطر على الدواعي التي تحرّك إلى المعصية بنحوٍ تصبح تلك الدواعي معدومةَ التأثير وكأنّها لم تكن.

وقد ذهب الإمامية إلى أنّ الإمام لابدّ وأنْ يكون أفضل الناس وأكملهم؛ لأنّ ترجيحه على غيره وتعيينه إماماً من بين سائر الناس لابدّ وأنْ يكون لأمرٍ لا يوجد في غيره، وإلاّ كان ترجيحه بلا مُرجّح.

ولأنّ تقديم المفضول على الفاضل لا يقرّه العقل؛ لأنّ الأفضل أعرَف بالواقع وأهدى إلى الحق، ومحلّ للثقة والاطمئنان مِِن جميع الطبَقات قال سبحانه: ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) .

وهذا الشرط من مختصّات الإمامية، فالأشاعرة والمحدّثون من أهل السنّة وأكثر المعتزلة، وإنْ ذهبوا إلى أنّ المتقدّم من الخلفاء الأربعة أفضل من المتأخّر اعتماداً على بعض المرويّات عندهم (1) إلاّ أنّهم لا يعتبرون الأفضلية شرطاً في الخلافة؛ لأنّ أمر الإمام عندهم يرجع إلى الأُمّة وحدها وليس لله أمرٌ أو نهي في ذلك، فهي التي تقرّر مصيرها وتختار مَن تراه.

____________________

(1) فلقد رووا أنّ الرسول (صلّى اّلله عليه وآله) قال: ما ينبغي لقومٍ فيهم أبو بكر أنْ يتقدّم عليه غيره، وأنّه قال: ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيّين والرُسُل على رجلٍ أفضل من أبي بكر، وأنّ الآية الكريمة ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ) نزَلَت في أبي بكر.

كما رووا في عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان أحاديث تنصّ على أفضليّتهما على سائر الخلق.


وأمّا المعتزلة، فقد ذهَب المتقدّمون منهم كعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وإبراهيم بن سيار المعروف بالنظّام، وعمرو بن بحر الجاحظ، وثمامة بن أشرس، وهشام بن عمر الغوطي، ويوسف بن عبد الله الشحّام، وغيرهم من معتزلة البصرة إلى أنّ أبا بكر أفضل من غيره، وقد ذكرنا سابقاً أنّ عمرو بن عبيد كان يدّعي أنّ عليّاً قد فسَق بسبب القتال الذي دار بينه وبين أهل البصرة وأهل الشام، بينما كان يرى زميله واصل بن عطاء فسق أحد اثنين عليّ ومعاوية، ولا يجيز لهما شهادةً على باقة بقل، أمّا الباقون من المعتزلة وهُم معتزلة بغداد، فقد ادعى ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّهم يقولون بأفضليّة عليّ (عليه السلام) عن أبي بكر وعثمان وأنّ الأفضلية ليست من شروط الخلافة (1).

ويؤكّد الشيخ أبو زهرة أنّ الزيدية وعلى رأسهم الإمام زيد بن عليّ يرون هذا الرأي، وينكرون النصّ على عليّ (عليه السلام) (2) وقد ذكرنا سابقاً في حديثنا عن الزيدية، أنّ المنسوب إلى زيد بن عليّ لا تؤيّده النصوص التاريخية، وقد نصّ المسعودي في مروج الذهب، وأبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميّين أنّ الجارودية أتباع زياد بن المنذر الجارود، وهم الفرقة الأُولى من الزيدية الذين عاصروا زيداً، هؤلاء كانوا يذهبون إلى النص على عليّ (عليه السلام) وقد نصّ هو على إمامة ولَدَيه الحسن والحسين (عليهما السلام)، والناس قد ضلّوا بعدولهم عنه (3).

وزياد بن المنذر كان من المعاصرين لزيد بن عليّ، ولم يكن بعيداً عنه وعلى تقدير أنّه كان من القائلين بإمامته، فلابدّ وأنْ يكون قد استوحى شروط الإمامة ووظائف الإمام منه، ومن المستبعد أنْ يُخالف رأيه في إمامة جدّه عليّ (عليه السلام).

وقد أثبتنا سابقاً أنّ زيداً لم يخرج في مبادئه وآرائه عن المخطّط الذي رأسه آباؤه لشيعتهم وأتباعهم، ولم يكن في ثورته على الأمويّين داعياً لنفسه، ولا مخالفاً للأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام).

ومن مجموع ما تقدّم يتبيّن أنّ المسلمين على اختلاف فِرَقهم ومذاهبهم متّفقون على أنّه لابدّ للمسلمين من إمام يقوم مقام الرسول (صلّى الله عليه وآله) في تنظيم

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد المجلّد الأوّل ص 13.

(2) انظر الإمام زيد ص 188 و189.

(3) انظر مقالات الإسلاميّين ج 1 ص 133، ومروج الذهب للمسعودي.


أُمورهم وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، وغير ذلك من المصالح التي لابدّ من رعايتها، ولم يُخالف بذلك سوى العجاردة من الخوارج، ومحلّ الخلاف بينهم في أنّ نصبه واجب على الله كما يدّعي الإمامية، أو على الأُمة بحكم العقل كما يدّعي القسم الأكبر من المعتزلة، أو بطريق النقل كما يدّعي الأشاعرة وبعض المعتزلة، كما تبيّن أنّ الإمامية يُخالفون جميع الفِرَق في مسألتي العصمة والأفضلية، واعتبروهما وصفين لازِمَين للإمام، أمّا أهل السنّة فقد ذهبوا إلى أنّ الإمام لا يكون إماماً شرعياً إلاّ بشروطٍ أربعة:

الأوّل: أنْ يكون قرشيّاً، واحتجّوا لذلك ببعض المرويّات عن الرسول في فضل قريش، واختصاصهم بهذا الأمر، فلقد رووا عنه أنّه قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقيَ فيهم اثنان، وروى معاوية بن أبي سفيان عنه أنّه قال: إنّ هذا الأمر في قريش لا يُعاديهم أحد إلاّ أكبّه الله على وجهه، وقد خالف في ذلك الخوارج وجماعة من المعتزلة، وجوّزوا إمامة المَوالي والعبيد، كما ذكرنا سابقاً.

وعلى كلّ حال فالنصوص التي أوردها المحدّثون والأشاعرة لانحصار الخلافة في القرشيّين ليست واردة في مقام الجعل، ولا يُستفاد منها تأسيسَ أصلٍ عام لتكون مرجعاً في هذه المسألة، وكلّ ما يُستفاد منها الأخبار عمّا سيقع في المستقبل، فلا تصلح دليلاً على أنّها حقٌّ من حقوقهم، ولا محلّ لهذا الشرط عند الإمامية؛ لأنّها من الحقوق المجعولة لعليّ ووُلْده على مذهبهم، كما لا محلّ له عند الزيدية، لاختصاصها بولد فاطمة (عليها السلام) كما هو المنسوب إليهم، ولأنّها بالنصّ من الله عند الشيعة، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

الشرط الثاني: البيعة العامّة التي تشمل الموجّهين من أهل الرأي والعلماء، والجنود والجمهور الأعظم من المسلمين، ولابدّ فيها من الرضا والاختيار، فلا تنعقد مع الإكراه والإجبار، وهي معاهدة قائمة بين الشعب والحاكم المختار، فعلى الشعب أنْ يسمع ويطيع، وعلى الحاكم أنْ يقيم الحدود والفرائض ويسير على النهج المستفاد من الكتاب والسنّة، وهؤلاء يدّعون بأنّ الصحابة والبقيّة من المسلمين قد تسابقوا إلى بيعة أبي بكر، ولم يتخلّف أحد من أولي الرأي والصحابة عنه (1)، مع أنّ الحوادث التي رافقت بيعة أبي بكر تؤكّد أنّ المتخلّفين عنه كانوا من أبرز صحابة الرسول، وأقربهم إليه، وقد تصلّبوا في موقفهم بالرغم من موجة الإرهاب التي رافقت

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 132 والمواقف ص 350.


استخلافه في بداية الأمر، كما ذكرنا في الفصل الأول من هذا الكتاب.

وجاء في المواقف أنّ إجماع أهل الحلّ والعقد، لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، فيكفي فيها الواحد والاثنان، ويجب أتّباع الإمام على أهل الإسلام، وذلك لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين قد اكتفوا بذلك، فقد عقدها أبو بكر لعمر، وعبد الرحمان بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع مَن في المدينة (1).

الشرط الثالث: الشورى، والمراد بها أنْ يكون اختياره نتيجةً للتشاور وتمحيص الآراء بنحوٍ لا تستقل بتعيينه فِئة دون أُخرى ولا فرد أو أفراد مخصوصون، وقد ادعوا أنّ استخلاف أبي بكر وعمر وعثمان كان نتيجةً لتداول المسلمين فيما بينهم، واتّفاقهم على هؤلاء الأشخاص (2)، مع أنّه من الثابت تاريخيّاً أنّ أبا بكر عيّن عمر بن الخطّاب في حياته، وفرضه على المسلمين فرضاً، واعترضه جماعة فلَم يتراجع، كما وأنّ عمر بن الخطّاب جعل أمرها لواحد من ستّة أشخاص، ولم يترك لهم الاختيار المطلق، بل وضَع لهم القيود والشروط التي تنتهي بها إلى الشخص الذي أراده، وقد وقع الأمر كذلك، حينما رفض عليّ (عليه السلام) التقيّد برأي الشيخين أبي بكر وعمر.

الشرط الرابع: أنْ يكون الخليفة عادلاً لا يندفع مع أهوائه، ولا يؤثّر أحداً على آخر لهوى في نفسه، يعامل الناس بالعدل ولو كانوا من أعدائه، ويطبّق القانون على الجميع بدون محاباةٍ لأحد، ومع أنّهم يعتبرون هذا الشرط في الحاكم، فقد ذهبوا إلى أنّه لو خرَج على القانون الإسلامي فلا يجوز الخروج عليه، ولو كان ظالماً فاسقاً، وأنّ طاعته أولى من الخروج عليه، وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز الخروج على الأُمراء بالسيف وأنْ جاروا، وإلى ذلك ذهب مالك في موطئه، والشافعي في كتبه، وقد رووا عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (مَن ولّي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصيته، ولا ينزعنّ يداً عن طاعة) ، وأنّه قال: (أفضل الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين) .

أمّا الإمامية وبعض المعتزلة والخوارج، فإنّهم يرَون جهاده إذا خرَج

____________________

(1) انظر ص 353 من الكتاب المذكور.

(2) انظر المذاهب الإسلامية، ص 153 والمواقف ص 353.


على المبادئ الإسلامية واجباً، ولا يجوز السكوت عليه إذا أمكَن مقاومته ولو أدّى إلى إراقة الدماء، وعند الإمامية أنّ جهاد الظالمين من أفضل الطاعات وأكثرها ثواباً وأجراً، ومرويّاتهم عن الأئمّة تؤكّد وجوب جهادهم ومقاومتهم، وهذا المبدأ من الضرورات عند الشيعة كما وأنّ القرآن الكريم لم يجعل للظالمين سلطاناً على أحدٍ من الناس، قال تعالى: ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ) .

وفي الآية من سورة التوبة: ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ) .

ومجمل القول أنّ الأشاعرة والمُحدّثين والفقهاء وفريقاً من المعتزلة مع أنّهم يشترطون عدالة الحاكم، يقولون بأنّ ولايتهِ ماضية حتى ولو كان فاسقاً ظالماً جائراً، فلا يجوز الخروج عليه ولو توفّرت القوّة الكافية لإراحة العباد منه، ولا فَرْقَ عندهم بين الخليفة المختار، وبين مَن استولى على الأُمور بالقوّة والغلَبة أمثال يزيد بن معاوية وغيره من الحكّام الجائرين، والخارجين في سيرتهم على المبادئ الإسلامية، ونصوص القرآن؛ لأنّ الخروج عليه يؤدّي إلى الفتنة وإراقة الدماء، ولأنّ الصبر عليه أولى من الدخول في فتنةٍ جديدة، ولو ترتّب على بقائه إراقة الدماء وانتهاك الحُرُمات.

الجنّة والنار

لقد اتفق الأشاعرة والمحدّثون وعبد السلام الجبائي، وبشر بن المعتمر وأبو الحسين البصري، على أنّ الجنّة والنار مخلوقتان، واستدلّوا على ذلك بالآيات الكريمة التي تنصّ على وجودهما، ومن ذلك الآيات التي تنصّ على أنّ آدم وحوّاء قد سكنا الجنّة وأكلا من ثمارها، قال تعالى: ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ


الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) .

وذهب أكثر المعتزلة إلى أنّهما سيُخلقان يوم يَحشر الله الناس للجزاء، لعدَم الفائدة من خلقهما قبل ذلك اليوم، كما استدلّوا أيضاً بقوله تعالى:

( أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ) ، والجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ) ، حيث إنّ مفاد الأوّل أنّ مأكولها دائم، والثانية تفيد أنّ لا شيء يسلم من الفناء، فلو قلنا بأنّهما مخلوقتان لزِم تناقض الآيتين، فلابدّ وأنْ نلتزم بعدم وجودهما فعلاً، وأنّهما سيوجدان في يوم الجزاء.

وأجاب الأشاعرة عن هذه الشبهة، إنّ دوام أُكلها لا يُراد منه دوام الشيء بعينه، ليحصل التعارض بين الآيتين المذكورتين؛ لأنّ الشيء الشخصي إذا أكلته النار لا يتّصف بالبقاء، وإنّما يُراد به الدوام النوعي، أي كلّما أكلت شيئاً يحل محلّه شيء آخر، وبهذا الاعتبار يستمر أُكلها، ويتحقّق المراد من الآية الثانية.

واستدلّوا أيضاً بقوله تعالى: ( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) ، وكون السموات والأرض عرضاً لها لا يتصوّر إلاّ بعد فناء العالم بأسره، وإلاّ لزِم تداخل الأجسام بعضها ببعض؛ لأنّ وجودَ جرمٍ في جرمٍ بمقداره، يقتضي كون الجُرمين واحداً أو وجود الخلاء بينهما.

والجواب أنّ الآية في مقام التشبيه، والمراد أنّ عرضها كعرض السموات والأرض، بدليل ورود هذا التشبيه في بعض الآيات الأخرى، وليس المراد أنّ السموات والأرض عرضاً لها بنحو تكون الجنّة خالية فيهما، ويلزم بناء على ذلك أنّ تكون المخلوقات الموجودة فيهما، يلزم أنْ تكون في الجنّة بناء على وجودها فيهما.

أمّا الإمامية فقد اجمعوا على خلقهما، قال العلاّمة في شرح التجريد: وقد دلّ السمع على أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن وجميع المعارضات متأوّلة، والنصوص التي تصرّح بوجودهما تبلغ حدّ التواتر.

وجاء في أوائل المقالات، أنّ الإجماع قائم على أنّهما مخلوقتان، بالإضافة إلى الأخبار الكثيرة، وقد خالَف في ذلك الخوارج والمعتزلة وبعض الزيدية، واستطرد يقول: إنّ المتأخّرين من المعتزلة كأبي هاشم يدّعون أنّ خلقهما عبَث قبل المحشر، والله لا يعبث في فعله (1) .

____________________

(1) انظر شرح التجريد ص 270 وأوائل المقالات ص 103، والمواقف ص 301.


وقد دلّت النصوص من القرآن والحديث على وجودهما، فمِن النصوص القرآنية قوله تعالى: ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) ، وفي كثير من الآيات ورَد التعبير عنهما بصيغة الماضي التي تدلّ على وجودهما كقوله: ( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) ، وقوله في آيةٍ أُخرى: ( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) ، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تؤكّد وجودهما.

وجاء في رواية عبد السلام بن صالح الهِرَوِي، المعروف بأبي الصلْت، أنّ رسول الله قد دخل الجنّة ورأى النار حينما عرَج إلى السماء، قال أبو الصلْت: فقلت للإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): أهُما اليوم مخلوقتان؟ قال: (نعم، وأنّ رسول الله قد دخل الجنّة ورأى النار). قال: فقلت له: إنّ قوماً يقولون إنّهما مقدّرتان وغير مخلوقتين. فقال (عليه السلام): (ما أُولئك منّا ولا نحن منهم، من أنكَر خلق الجنّة والنار فقد كذّب النبيّ وكذّبنا، وليس مِن ولايتنا على شيء، ويُخلّد في نار جهنّم) (1) .

____________________

(1) انظر الاحتجاج للطبرسي ص 222.


الشفاعة

لقد ورَد ذكر الشفاعة في بعض آيات الكتاب الكريم، ووَرَدت جملة من الأحاديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) مؤكِّدة لِما جاء في القرآن، ولأجل ذلك فقد ذهب الإمامية إلى أنّ النبيّ والأئمّة يشفعون، يوم يقوم الناس للحساب، لبعض المؤمنين ممّن ارتكبوا بعض المخالفات، وقد دلّت النصوص على أنّ الله يقبل شفاعتهم، منها ما جاء عن الرسول أنّه قال: (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي)، وجاء عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ قوله تعالى: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يدلّ على الشفاعة وذلك أنّ أهل النار لو لم يرَوا يوم القيامة


شافعين يشفعون لبعض من استحقّوا العقاب، فيشفعون ويخرجون بشفاعتهم من النار، أو يُعفَون منها بعد الاستحقاق لما عظمت حسراتهم، ولا صدر عنهم هذا المقال، ولكنّهم لمّا رأوا شافعاً يشفع فيُشفّع، وصديقاً حميماً يشفع لصديقه عظمت حسراتهم عند ذلك، فقالوا: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) (1).

وجاء في أوائل المقالات للشيخ المفيد: اتفقت الإمامية أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمّته، وأنّ أمير المؤمنين يشفَع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأنّ أئمّة آل محمّد (عليه السلام) يشفعون كذلك ويُنجّي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين، ووافقهم على ذلك المرجئة وجماعة من المحدّثين.

وجاء عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (إنّي أشفع يوم القيامة فأُشفّع، ويشفع عليّ فيُشفّع، وأنّ أدنى المؤمنين شفاعة يوم القيامة يشفع في أربعين من إخوانه)، وأجمعت المعتزلة على خلافهم، وزعَمت أنّ شفاعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للمطيعين دون العاصين، وأنّه لا يشفع في مستحقّ العقاب من الخلق أجمعين (2).

وقال في المواقف: إنّ المسلمين قد اتّفقوا على الشفاعة، ولكنّهم قد اختلفوا في المشفوع له، فالمحدّثون والأشاعرة والإمامية، ذهبوا إلى أنّها لأهل الكبائر من المسلمين، أمّا المعتزلة فقد ذهبوا إلى أنّها لزيادة ثواب المؤمنين المستحقّين للجنّة، واستدلّوا على أنّها ليست ماحية للذنوب عن العُصاة بقوله تعالى: ( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) وبقوله: ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) وبقوله: ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) ، إلى غيره ذلك من الآيات الظاهرة في أنّ الإنسان لا ينفعه إلاّ عمله وإطاعته لله سبحانه.

وجاء عن أبي الحسن الخيّاط - أحد أعلام المعتزلة - أنّه كان يحتجّ على القائلين بالشفاعة بقوله تعالى: ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ

____________________

(1) انظر الفصول المختارة من كتاب العيون والمحاسن للمفيد ص 52.

(2) انظر أوائل المقالات ص 51 و 53.


مَنْ فِي النَّارِ ) ، قال: إّن الآية تنصّ على أنّ من استحقّ العذاب لا يُمكن للرسول أنْ ينقذه من جهنّم، وقال المفيد في جوابه: إنّ القائلين بالشفاعة لا يدّعون بأنّ الرسول هو المُنقذ للمستحقّين النار، وإنّما الذي يدّعونه أنّ الله سبحانه ينقذهم منها إكراماً لنبيّه والطيّبين من أهل بيته (عليهم السلام).

هذا بالإضافة إلى أنّ مَن حقّت عليهم كلمة العذاب هُم الكفّار، وليس في المسلمين مَن يدّعي أنّ الرسول وغيره يشفعون لهم (1)، وأمّا بقية الآيات التي استدلّ بها المعتزلة على إبطال الشفاعة، فقد أجاب القائلون بالشفاعة عنها، بأنّها مختصّة بالكفّار كما تدلّ على ذلك أكثر التفاسير، ولابدّ من حملها على ذلك، بعد ملاحظة النصوص الكثيرة التي تؤكّد أنّ النبيّ والأئمّة يشفعون للمذنبين من المؤمنين.

وقال في شرح التجريد: إنّ قوله تعالى: ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) لا يدلّ على نفي الشفاعة؛ لأنّ نفي المُطاع لا يستلزم نفي المُجاب؛ وذلك لأنّ المراد من الشفاعة غنّ النبيّ مثلاً يرجو الله في العفو عن بعض المذنبين فيُجاب إلى ذلك، ولا يكون بذلك مطاعاً، والآية لا تدلّ على أكثر مِن أنّ الظالم ليس له شفيعٌ مطاع، والقائلون بالشفاعة لا يدّعون ذلك (2).

هذا بالإضافة إلى أنّ قوله تعالى: ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى ) ، يقرّ مبدأ الشفاعة لِمَن ارتضاه الله، وأهل الذنوب لا يخرجون عن الإيمان بذنوبهم، ولا سيّما إذا ندموا على فعلها، وقد جاء عن محمّد بن أبي عُمير أنّ الإمام موسى بن جعفر قال: (حدّثني أبي عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: سمِعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي)، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل، ثمّ قال: مَن سرّته حسنة وساءته سيّئة فهو مؤمن، ومَن لم يندَم على ذنبٍ ارتكبه فليس بمؤمن ولم تجِب له الشفاعة) (3).

على أنّه لو كان المراد منها زيادة الثواب كما يدّعيه المعتزلة، لزِم أنْ يكون جميع المؤمنين شُفَعاء للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّهم يطلبون له من الله ذلك.

____________________

(1) انظر الفصول المختارة ص 50.

(2) انظر شرح التجريد ص 263، والمواقف ص 213.

(3) انظر توحيد الصدوق ص 419.


ومهما كان الحال فالآيات التي تنفي الشفاعة لابدّ وأنْ يراد منها نفيها عن الكفّار والجاحدين، وليس لدينا من النصوص ما يمنع ثبوتها بالمعنيّين، زيادة الثواب ودفع المضار، أمّا انحصارها في زيادة المنافع كمّا يدعيه المعتزلة فليس في النصوص ما يؤيّده.

الإحباط

الإحباط في عرف الفقهاء المتكلّمين أنْ يكون أحد العملين مسقطاً وماحياً لآثار العمل السابق، فكما يسقط الثواب بالمعاصي، كذلك يسقط العقاب بما يفعله الإنسان من الطاعات والخيرات، وبعبارة أوجز: الإحباط هو أنْ يكون المتأخّر ماحياً للمتقدّم من خيرٍ أو شر، وهذه المسألة من المسائل التي اختلفت فيها آراء الفِرَق الإسلامية، فالمعتزلة يدّعون أنْ الإنسان إذا عبَد الله طول حياته، وفعل معصيةً من المعاصي التي تُسمّى كبيرة في عُرف الفقهاء تبطِل جميع أعماله السابقة (1) وقد وافقهم على ذلك الخوارج، وبلَغ بهم الإسراف إلى حدٍّ أنّهم يحكمون بكفر العُصاة وجميع مخالفيهم، وعلى هذا الأساس كانوا ينادون بكُفر عليّ إمام المسلمين (عليه السلام)؛ لأنّه ارتكب معصيةً في التحكيم بعد الحروب الدامية التي وقَعت بينه وبين معاوية بن أبي سُفيان على حدِّ زعمهم.

وذهب عبد السلام الجبائي، من متأخّري المعتزلة، إلى أنّ الطاعات السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي، وتبقى المعاصي على حالها، فمن أطاع عشرين مرّة، وعصى عشر مرّات يسقط من طاعاته بمقدار معاصيه، وتبقى معاصيه على حالها، ولو زادت معاصيه على طاعاته تذهب طاعاته بكاملها وتبقى معاصيه.

ومن ذلك يتبيّن أنّ الإحباط عنده يختصّ بطرفٍ واحد، فالمعاصي

____________________

(1) انظر ص 309.


تحبط (1) الطاعات، أمّا الطاعات مهما بلَغت من الكثرة فلا تحبِط من المعاصي شيئاً، أمّا ابنه أبو هاشم فقد ذهب إلى أنّ الإحباط يكون من الطرفين، فكما تحبِط الطاعات المعاصي كذلك تحبط المعاصي الطاعات، فمَن أطاع عشراً وعصى عشرين، تذهب طاعاته بما يُقابلها من المعاصي، ولا يبقى له سوى الزائد من معاصيه، وهذا هو المراد من الموازنة المنسوبة إليه في كُتب الكلام.

أمّا الأشاعرة فقد أنكروا الإحباط؛ لأنّهم يدّعون أنّه لا يجب على الله ثواب المطيعين ولا عقاب العاصين، وله أنْ يُعذّب المطيع ويعاقب العاصي، فالطاعات لا تستوجب الثواب كما لا تستوجب المعاصي العقاب، وبناءً على ذلك يبقى مجال للبحث في هذه المسألة عندهم.

وأمّا المُرجِئة فقد وافقوا المعتزلة على مبدأ الإحباط، ولكن الإيمان بالله عندهم يحبط جميع المعاصي مهما بلغت، وجميع المعاصي لا تحبط الإيمان، وذلك عمَلاً بالمبدأ العام الذي ترتكز عليه فكرة الإرجاء، (لا تضرّ مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة).

أمّا الإمامية فقد أنكروا الإحباط، لقوله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ، هذا بالإضافة إلى أنّ الإحباط يؤدّي إلى عدم الوفاء بالوعد والوعيد لأنّه تعالى قد وعد المطيعين بالثواب وتوعّد العاصين بالعقاب، ولازم الإحباط عدَم الثواب على الطاعات، وهو يتنافى مع ما ذهب إليه المعتزلة من وجوب الوفاء بالوعد، على أنّه يلزم من القول به نسبة الظلم إلى الله؛ لأنّ من أساء وأطاع، وكانت معاصيه أكثر من طاعاته يصبح بمنزلة مَن لم يُطِع في حياته كلّها، كما وإنْ كانت طاعاته أكثر يصبح بمنزلة مَن لَم يعصِ الله أبداً، ومع التساوي يصبح بمنزلة مَن لم يفعل شيئاً.

أمّا الآيات التي استدلّ بها المعتزلة على الإحباط مثل قوله تعالى: ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) ، وقوله: ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) ، هذه الآيات وغيرها ممّا استدلّ بها أنصار هذا القول لا تدلّ على الإحباط الذي يدّعيه المعتزلة؛ لأنّها واردة

____________________

(1) نفس المصدر ص 310.


بالنسبة للمرتدّين والمشركين بالله سبحانه، ولا نزاع من أحد في أنّ الجحود والشرك يحبطان جميع الأعمال الصالحات، وقال نصير الدين محمّد بن الحسن الطوسي: الإحباط باطل لأنّه يستلزم الظلم، ولقوله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ، وإلى ذلك ذهب العلاّمة في شرح التجريد، والشيخ المفيد في أوائل المقالات (1).

ويؤيد ذلك قوله تعالى: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) ، ومقتضى هذه الآية أنّ جميع الأعمال التي يعملها الإنسان خيراً كانت أم شرّاً يجدها يوم القيامة بكاملها، ولا يذهب منها شيء لا بالطاعات ولا بالمعاصي.

أمّا الذي ادعاه الجبائي فمَع أنّه من أسوأ أنواع الظلم، مخالف لنصّ الآية، قال تعالى: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) ، وقال في آيةٍ أُخرى: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ) ، ومن هاتين الآيتين يتبيّن أنّ السيّئة لا يُمكن أنْ تتغلّب على الحسنة؛ لأنّ الله يضاعفها له ويُبقي السيّئة على حالها.

كما وأنّ ما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي لا دليل عليه من كتاب أو سنّة، ولا يؤيده العقل والمنطق؛ لأنّ الإنسان إذا كانت طاعاته خمساً مثلاً، ومعاصيه عشراً، فعند أبي هاشم تسقط من معاصيه خمس في مقابل طاعاته، مع أنّه ليس إسقاط واحدة من الخمسَتَين بأَولى من إسقاط الخمسة الثانية، وحينئذٍ فأمّا أنْ تسقطا معاً وهو خلاف مذهبه؛ لأنّه يُصرّح ببقاء الخمسة الزائدة، وأمّا أنْ لا يسقط شيء منهما فلا يتحقّق الإحباط.

على أنّه بناء على الموازنة التي يدعيها، لو كانت الطاعات بعدد المعاصي، فلازمه القول بسقوطهما معاً وعليه فإنْ سقَط أحدهما قبل الآخر، لم يسقط المتأخّر بالمتقدّم عليه؛ لأنّه بعد سقوطه لا يبقى له تأثير في إسقاط الآخر وإنْ تقارن سقوطهما لزِم وجودهما معاً قبل سقوطهما، مع أنّ وجود كلٍّ منهما ينفي وجود الآخر ويُمانعه (2) .

وعلى كلّ حال فالإمامية يُخالفون جميع الفِرَق في هذه المسألة حتى

____________________

(1) انظر التجريد للطوسي وشرحه للعلاّمة ص 260 وأوائل المقالات ص 57.

(2) انظر المواقف ص 310 وشرح التجريد ص 261.


الأشاعرة القائلين بعدَم الإحباط؛ لأنّهم إنّما قالوا بذلك بعد أنْ بنوا على أنّ الإنسان لا يستحقّ على أعماله شيئاً، سَواء كانت خيراً أم شرّاً، ولله أنْ يُعاقب المُحسن ويُثيب العُصاة المتمرّدين عليه، فالإحباط الذي يدعيه المعتزلة والمرجئة لا مورد له عند الأشاعرة؛ لأنّه يتفرّع على الثواب والعقاب المرتّبين على الأفعال، والإنسان لا يستحقّ على أفعاله شيئاً على حدّ زعمهم، فإنْ أثابه فبفضله وإنْ عاقبه فبعدله.

الإيمان

يتّصل الخلاف في حقيقة الإيمان بتاريخ مولد الاعتزال، وذلك حينما اشتدّت حمَلات الخوارج على الحكّام الأمويّين وعلى جميع من لَم يؤازرهم في حروبهم مع الحكّام، وكان شعارهم تكفير العُصاة وجميع المخالفين لهم، وزعموا أنْ لا واسطة بين الكفر والإسلام، فمَن اقّر ولم يعمل بما جاء به الإسلام كان كافراً، وفي مقابل هذا التصرّف والغلوّ ظهَر القول بالإرجاء، الذي يرجع في حقيقته إلى أنّ الإيمان تصديق بالقلب وإقرارٌ باللسان، ولا تضرّ معه المعاصي مهما بلغت، وقد عد منهم الشهرستاني في الملل والنحل أصنافاً أربعة، وكلّها تتّفق على أنّ المعاصي لا تسلب العبد صفة الإيمان، ولا تدخله النار، فالعمل ليس شرطاً في الإيمان ولا جزءاً من حقيقته عند جميع المرجئة على اختلاف أقسامهم وفِرَقهم (1).

وعلى كلّ حال لقد كان لحدوث هذه الآراء في الإسلام مَنفسٌ للحكّام المستهترين في الدين، والذين كانوا هدَفاً للهجَمات المتوالية من الخوارج، بل وحتى من الفقهاء والمحدّثين الذين كانوا ينعتونهم بالفِسق والزندقة، فلمّا ظهَر المرجئة بآرائهم، وجَد الحكّام فيها سلاحاً لصدّ تلك الهجَمات العنيفة من جانب الخوارج وغيرهم؛ لأنّهم كفّار - بزعم الخوارج - مستحقّون

____________________

(1) انظر الفصل الذي تحدّث به الشهرستاني عنهم مِن صفحة 222 إلى صفحة 234.


للعقاب على رأي الفقهاء وغيرهم، بينما ينعتهم المُرجئة بالإيمان، ويُمنّونهم السلامة من العقاب، وكما ذكرنا سابقاً لابدّ وأنْ يكون للحكّام رأيٌ في إشاعة هذه الأفكار وترويجها؛ لأنّها تخدم مصالحهم وشهَواتهم، وتعطيهم صفة الإيمان في وقتٍ هم من أحوج الناس إليها، ولا سيّما بعد أنْ نادى الخوارج بكفرهم، والقسم الأكبر من العلماء بفسقهم ونفاقهم، ويؤيّد ذلك أنهم أدخلوا جماعة منهم في مناصب الدولة وقرّبوهم من قصورهم ومجالسهم.

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء الفِرَق الإسلامية في حقيقة الإيمان أشدّ الاختلاف، فالأشاعرة والفقهاء يرَون أنّه عبارة عن تصديق الرسول بما جاء به جملةً وتفصيلاً، وأضاف المحدّثون إلى ذلك العمل بالأركان، وعند الجهميّة وجماعة من الفقهاء أنّه عبارة عن معرفة الله والرسول، ولازم هذا القول أنْ يكون من عُرف الله ورسوله ولَم ينطِق بالشهادتين مؤمناً، وعند الخوارج أنّ الإيمان هو العمل بما جاء به الرسول سَواء في ذلك الواجبات والمستحبّات، أمّا المعتزلة فأكثرهم أنّه تصديق وإقرار وعمل، فلا يوصف المسلم بالإيمان إلاّ إذا اجتمعت فيه هذه الخصال، ولذا فإنّهم لا يعدّون العاصي مؤمناً؛ لأنّ الإيمان تصديقٌ وعمل، كما لا يعدّونه كافراً لإقراره بالشهادتين، ولكونه مصدّقاً لِما جاء به الرسول من عند الله، وإذا مات كان من المخلّدين في النار، ولا يسمّى مسلماً إلاّ بقصد تمييزه عن الذمّيّين والمشركين لا مَدحاً ولا تكريماً (1) .

وقد عدّ المؤرّخون وكتّاب الفِرَق أبا حنيفة من المرجئة؛ لأنّه يرى أنّ الإيمان إقرارٌ باللسان وتصديق بالجنان ومنهما معاً يتكوّن الإيمان، كما يرى تلازم الإسلام مع الإيمان.

وجاء في مناظرةٍ جرَت بينه وبين الجهم بن صفوان - كما أوردها الحلّي في مناقب أبي حنيفة - إنّ مَن مات عارفاً بالله وصفاته، وأنّه واحدٌ لا شريك له ولم يقرّ بلسانه، مات كافراً من أهل النار، ولا يكون المؤمن مؤمناً حتى ينطق بما عرفه وآمن به.

وجاء عنه أنّه قسّم الإيمان إلى أقسام ثلاثة:

أحدها: أنْ يُصدّق بقلبه ويقرُّ بلسانه، وبذلك يصبح مؤمناً عند

____________________

(1) انظر أبا حنيفة للشيخ محمّد أبي زهرة ص 147 عن ابن أبي الحديد في شرح النهج.


الله وعند الناس.

الثاني: أنْ يصدّق بقلبه ولا يقرّ بلسانه تقيّةً أو خوفاً فيكون مؤمناً عند الله وحده، ولا يكون مؤمناً عند الناس.

الثالث: أنْ يقرّ بلسانه ولا يصدّق بقلبه، فيكون مؤمناً عند الناس، وكافراً عند الله.

ومن ذلك يتبيّن أنّ الإيمان الكامل الذي يصحّ وصف الإنسان به، لابدّ فيه من الإقرار باللسان عنده، أمّا العمل بالطاعات فليس شرطاً في صدق الإيمان، وعلى أساس ذلك فقد ذهب إلى أنّ الإيمان لا ينقص ولا يزيد، ولا مجال لوصفه بأحد هذين الوصفين، ولكن التفاوت بفعل الطاعات وترك المحرّمات، وبذلك يحصل التفاوت والتفاضل بين الناس، أمّا مِن حيث الإيمان فلا مزيّةً لأحدٍ على آخر (1)، ومهما كان الحال فقد استدلّ الأشاعرة على أنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله) ببعض الآيات الدالّة على ذلك منها قوله تعالى:

( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ) وبقوله: ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) وقوله: ( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، وغير ذلك من الآيات التي تنصّ على أنّ الإيمان ينبع من القلب وحده، كما استدلّوا أيضاً ببعض الآيات التي ورد العمل فيها معطوفاً على الإيمان، محتجّين بذلك بأنّ العطف يقتضي المغايرة، وأضافوا إلى ذلك أنّ بعض الآيات تؤكّد أنّ الإقرار باللسان لا يجدي في صدق الإيمان، قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، وقال في آيةٍ أُخرى: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (2) ، أمّا القائلون بكفاية الإقرار باللسان في صِدْق الإيمان، فقد استدلّوا بما تواتر عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) حيث أنّه كان يكتفي بالإقرار بالشهادتين في ترتيب أحكام الإيمان والإسلام بمجرّد ذلك، وبدون تفحّص عمّا وراء الإقرار باللسان (3).

____________________

(1) انظر أبا حنيفة لأبي زهرة ص 171 وما بعدها.

(2) ولا يخفى أنّ الآيات التي استدلّ بها الأشاعرة، لا تدلّ على أكثر من اعتبار التصديق في الإيمان، ولا دلالة فيها على أنّ الإقرار باللسان ليس معتبراً فيه.

(3) القائلون بذلك هم الكرامية.


وجواب هؤلاء ما جاء في الآية الكريمة: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ، فقد نصّت على عدَم كفاية الإقرار باللسان في صحّة وصف المسلم بالإيمان.

أمّا المعتزلة الذين قالوا بأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمل، فقد استدلّوا بالآيات التي تنصّ على أنّ الدين هو فِعْل الواجبات وترك المحرّمات، قال تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) ، والإسلام هو الإيمان ولو كان غيره لم يكن مقبولاً؛ لقوله تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، فالإيمان المغاير للإسلام غير مقبولٍ عند الله.

كما استدلّوا على ذلك أيضاً ببعض الأحاديث مثل قولهِ (صلّى الله عليه وآله): (لا يزني الزاني وهو مؤمن)، وغير ذلك ممّا يدل أنّ المعصية تتنافى مع الإيمان، وأضافوا إلى ذلك أنّ الإيمان لو كان هو التصديق وحده، لزِم أنْ لا يصدِق على النائم والساهي، لعدَم كونه مصدّقاً في هذه الحالة (1).

أمّا الإمامية فقد ذهبوا إلى أنّ الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله، وبالنبوّة وكلّ ما جاء به النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأضافوا إلى ذلك التصديق بإمامة الاثني عشر، والمنسوب إلى المحقّق الطوسي المعروف بخاجا نصير المِلّة والدين، أنّ الإيمان عبارة عن التصديق بهذه الأُمور مع الإقرار باللسان، قال ولا يكفي الأوّل، لقوله تعالى: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ، حيث إنّه أثبت للكفّار التصديق القلبي مع جحودهم بها بألسنتهم، ولا يكفي الثاني لقوله تعالى: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) ، ولقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، ففي الآيتين أثبت لهم التصديق باللسان، ونفى عنهم الإيمان (2).

وكلامه في قواعد العقائد ينصّ على أنّه عبارة عن التصديق بالقلب، قال: إنّ أُصول العقائد عند الشيعة ثلاثة: التصديق بوحدانيّة الله تعالى

____________________

(1) انظر المواقف ج 4 ص 222 وما بعدها.

(2) انظر حقائق الإيمان للشهيد الثاني زين الدين العاملي ص 123، وعبارته في التجريد الذي شرحه العلاّمة تنصّ على ذلك ص 270.


في ذاته، والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوة الأنبياء، والتصديق بإمامة الأئمّة المعصومين من بعد الأنبياء (عليه السلام)، ولم يعتبر الإقرار شرطاً فيه، لقوله تعالى: ( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ) ، ولقوله: ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ، فمِن هاتين الآيتين يُستفاد أنّ محلّه القلب بدون شيءٍ آخر، نعم يكون الإقرار باللسان كاشفاً عنه في الغالب، والعمَل بالطاعات من ثمراته ولوازمه، وليس ببعيد أنْ يكون اعتبار الإقرار شرطاً فيه، عند القائلين بذلك من الإماميّة باعتبار أنّه كاشف عنه في الغالب، لا من جهة أنّه داخل في حقيقته، ولا سيما بملاحظة بأنّ المعتقد بوجود الله ووحدانيّته ورسله، إذا مات قبل أنْ ينطق بالشهادتين، أو منعه مانع عن النطق بهما، لا يلتزمون بأنّه يموت كافراً (1).

وكما ذكرنا يُمكن أنّ يكون الإقرار شرطاً في تحقّق الإيمان ظاهراً، ويكون كاشفاً عن واقع حاله، والحكم عليه بالإيمان ظاهراً موقوف على الإقرار بما اعتقده واطمأنّ به؛ لأنّ التعبير عمّا في النفس لا يكون في الغالب إلاّ بالكلام، ومهما كان الحال فالذي ذهب إليه أكثر الإمامية من المتقدّمين منهم والمتأخّرين أنّه عبارة عن التصديق بالقلب، وليس الإقرار باللسان جزءاً من حقيقته، وكلّهم متّفقون على أنّ العمل بالطاعات وترك المحرّمات ليسا من أركانه، ولا يتوقّف عليهما.

وقد أورد الشهيد الثاني بعض الآيات والأحاديث المؤيدة لذلك، وفي بعض الآيات وردت الأعمال معطوفةً على الإيمان، والعطف مقتضٍ للمغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وأضاف إلى الآيات والأحاديث الإجماع أيضاً، قال: إنّ الأُمّة أجمعت على أنّ الإيمان شرطٌ لسائر العبادات والأعمال المقرِّبة من الله سبحانه، ولو كان العمل بالطاعات من أركان الإيمان، لزِم أنْ يكون الشيء شرطاً لنفسه (2) .

وجاء في بعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام) في تحديد الإيمان، انّه تصديقٌ وإقرارٌ وعمل، فمِن ذلك ما رواه حمّاد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعيَن إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن الإيمان، ما هو؟ فكتب إليّ مع عبد الملك بن أعيَن: (الإيمان هو الإقرارُ باللسان،

____________________

(1) انظر ص 103 و126 من حقائق الإيمان.

(2) انظر الكتاب المذكور ص 113 و114.


وعقد القلب، وعملٌ بالأركان، والإيمان بعضه من بعض).

وجاء في رواية محمّد بن مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الإيمان، فقال: (شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وإقرارٌ بما جاء مِن عند الله وما استقرّ في القلوب من التصديق بذلك)، فقلت له: أليس الشهادة عملاً؟ قال: (بلى)، قلت: العمل من الإيمان؟ قال: (نعم، لا يكون الإيمان إلاّ بعمل، والعمل منه).

وجاء في روايةٍ أُخرى عن عجلان بن أبي صالح، أنّه الشهادتان والإقرار بما جاء من عند الله، والصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت وولاية وليّنا، والدخول مع الصادقين (1) هذه الروايات بالإضافة إلى ضعف سندها لا تدلّ على أنّ العمل داخلٌ في حقيقة الإيمان، ومِن الغريب أنّها في مقام تحديد الإيمان الكامل الموجب للنعيم الدائم، ويؤيّده أنّه ذكر سائر الواجبات وأضاف إليها الدخول مع الصادقين وعداوة عدوّهم، ولا شكّ بأنّ القيام بجميع هذه الأعمال، والالتزام بها يكشف عن أعلى مراتب الإيمان بالله، والتصديق بما جاءت به رسله وكتبه.

وكما وقَع الخلاف بين الفِرَق الإسلامية في حقيقة الإيمان، وقَع الخلاف بينهم في أنّ الإيمان والإسلام متّحدان أو متغايران، وقد نَسب الشيخ المفيد إلى الإمامية أنّهم يقولون بأنّ الإسلام مغاير للإيمان بنحوِ العموم والخصوص المطلق.

قال في أوائل المقالات: (واتّفقت الإمامية أنّ الإسلام غير الإيمان، وأنّ كلّ مؤمنٍ مسلم، وليس كلّ مسلمٍ مؤمناً، وأنّ الفَرْق بين هذين المعنيَين في الدين كما كان في اللسان، ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أنّ كلّ مسلمٍ مؤمن، وأنّه لا فَرْق بين الإسلام والإيمان في الدين) (2).

ويلزمهم على هذا أنّ يكون المُقصّر في أداء الواجبات والطاعات خارجاً عن الإسلام والإيمان؛ لأنّهم اعتبروا في حقيقة الإيمان فعل الواجبات وترك المحرّمات، وإذا كانا متّحدين لزِم أنْ يكون المقصّر خارجاً عنهما، ولا يلتزم بذلك أحد من المسلمين، حتى المعتزلة أنفسهم، فإنّهم لا يمنعون من وصف

____________________

(1) نفس المصدر ص 122.

(2) انظر أوائل المقالات للمفيد ص 15.


العُصاة بالإسلام.

وقد وافقهم على ذلك المحقّق الطوسي المعروف بخاجا نصير الدين، فقد نقل عنه الشهيد الثاني في رسالته المسمّاة (حقائق الإيمان) أنّ الإسلام والإيمان متّحدان حقيقةً، ولكنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد رتّب أحكام الإسلام على من يقرّ بالشهادتين بمجرّد إقراره بهما ما لَم يعلم كذِب المقِر، تسهيلاً على الناس ودفعا للحرَج، واستدلّ على ذلك بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يكتفي بهما في ترتيب أحكام الإسلام.

وأيّد اتحادهما حقيقة بقوله تعالى: ( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .

والاستدلال بهذه الآية إنّما يصحّ بناءً على أنّ غير بمعنى الاستثناء المتّصل المفرّغ، وعليه يكون حاصل الكلام (فما وجدنا فيها من بيوت المؤمنين إلاّ بيتاً من المسلمين)، ومِن المعلوم أنّه لم يكن فيها يومذاك إلاّ بيتِ النبيّ لوط، وهُم الذين أخرجهم منها قبل إنزال العقوبة على تلك المدينة، ولابدّ وأنْ يكون المستثنى المتّصل من جنس المستثنى منه ومن مصاديقه، ولازم ذلك اتّحاد المؤمن والمسلم، إذ لا يُمكن في المقام فرض عموم المستثنى، كما وأنّه لم يقل أحد بأنّ الإيمان أعمّ من الإسلام (1).

وقد رجّح الشهيد الثاني اتحادهما، ولكنّ الظاهر من بعض الآيات ومن معاملة النبيّ لِمَن أقرّ بالشهادتين معاملة المسلم، أنّ الإسلام أوسَع واعمّ من الإيمان، وقد جاء عنه أنّه قال: (أُمرت أنْ أُقاتل الناس حتى ينطقوا بكلمة الشهادة، فإذا نطقوا بها كففت عنهم) ، هذا بالإضافة إلى أنّ الإسلام والإيمان من الأُمور الاعتبارية الراجعة إلى من بيده الاعتبار، وقد أطلق مَن بيده الاعتبار لفظ الإسلام على من اقرّ بالشهادتين، وظاهر هذا الإطلاق انّه كان على سبيل الحقيقة، ولم يثبت انّه أطلقه عليهم تجوزاً باعتبار ترتيب

____________________

(1) انظر حقائق الإيمان ص 139، ولا يخفى أنّ الاستثناء الوارد في هذه الآية لا يدلّ على اتحادهما ويكفي في صحّته تصادق المستثنى والمستثنى منه على هذا الفرد، ولا ينافي ذلك كون الإسلام أعمّ من الإيمان.


أحكام الإسلام لا غير، أمّا الإيمان فحيث لم يتساهل في وصفهم به، ونفاه عن بعض من لم يكن مستقرّاً في قلوبهم، لذلك كان لابدّ فيه من التصديق بما جاء به الإسلام جملة وتفصيلاً.

مرتكب الكبيرة

لقد كان اتصال العرب بغيرهم من الأُمم التي غزاها الإسلام، وخضعت لسلطانه وأنظمته، هذا الاتصال كان بداية لحياة جديدة، وتطوّر شمل جميع مرافق الحياة، سَواء في ذلك الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وظهرت آثار هذا التحوّل في حياة المسلمين وتفكيرهم وجميع اتجاهاتهم في العصر الأموي الأوّل، فكان هذا الدور بداية لنهضة واسعة تمّ تكاملها، وأينعت ثمارها بعد استقرار الأُمور في يد العبّاسيّين.

ويبدو ذلك واضحاً عندما نلاحظ ذلك النشاط الفكري الذي قطع أشواطاً بعيدة في أقلّ من ربع قرن من الزمن، فأنتج الفكر العربي الإسلامي في مختلف العلوم الإسلامية، وتخطّاها إلى بقيّة العلوم التي لم يَعرِف عنها العرب قليلاً ولا كثيراً قبل تلك الفترة من تاريخهم.

وكان الصراع العقائدي بين الفِرَق والمذاهب الإسلامية، يحتلّ القسم الأكبر من تفكيرهم، ولعِب المعتزلة دوراً بارزاً في هذا الميدان، وأصبحوا بنظر الكتّاب والمؤلّفين الزعماء الأقوياء لتلك الحلقات العلمية الواسعة الأطراف.

وعلى كلّ حال فقد ذكرنا سابقاً أنّ طلائع مذهب الاعتزال قد أطلت في العصر الأموي بواسطة واصل بن عطاء الزعيم الأوّل من زعمائهم، كما يدّعي أكثر الكتّاب، وكان من روّاد مجالس الفقهاء في البصرة، كما كان التلميذ المقرّب من الحسن البصري شيخ البصرة وصاحب الحلقة الشهيرة، التي كانت تجري فيها مختلف البحوث العلمية والفكرية.

وفي ذلك العصر كان الخوارج يعلنون تكفير العُصاة والحكّام الأمويّين، ولمّا شاعت مقالتهم بين الناس وأصبحت موضع جدَلٍ بين العلماء والفقهاء،


لم يكن لهم غنىً عن الرجوع إلى الحسن البصري، فجرى فيها البحث في مجلسه، وكثرت فيها الآراء والأقوال، فقال الحسن البصري: هو منافق لأنه أظهر الإيمان وأبطن الكفر، ووقف واصل بن عطاء في مجلس شيخه وادعى بأنّه في منزلةٍ بين المنزلتين، فلا يصحّ وصفه بالإيمان؛ لأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمَل، ولا بالكفر؛ لأنّه مقرٌّ بالشهادتين، ويقوم ببعض الطاعات.

ولمّا احتدم النزاع بينه وبين أُستاذه في هذه المسألة اعتزل مجلس أُستاذه، واستقلّ في زاويةٍ من زوايا المسجد، هو وأتباعه ومعه صهره عمرو بن عبيد - أحد أقطاب المعتزلة في عصره - فقال الحسن البصري: لقد اعتزَلَنا واصل، فأصبح هذا الوصف عَلَماً على كلّ مَن يرى رأيه في هذه المسألة، كما يدّعي أكثر كتّاب الفِرَق والمذاهب، وفي ذلك يقول واصل بن عطاء:

إنّ الإيمان عبارة عن خصال إذا اجتمعت في الإنسان يكون مؤمناً، وصاحب الكبيرة لم يستكمل تلك الخصال، فلا يسوغ وصفه بالإيمان، كما لا يصحّ وصفه بالكفر؛ لأنّه مصدّقٌ بالله ورسوله، ويصحّ أنْ نسمّيه مسلماً يتميّز عن الذمّيّين الذين لا يقرّون بالشهادتين، وأضاف إلى ذلك أنّ مرتكب الكبيرة يُخلّد في جهنّم، ووافقه على ذلك جميع المعتزلة، وقد أدعى أبو زهرة أنّ المعتزلة يذهبون إلى أنّ مرتكب الكبيرة يُعذّب في جهنّم بمقدار جرمه ونسب القول بالخلود في جهنّم إلى واصل بن عطاء وحده (1)، وهذا الرأي مخالفٌ لنصوصهم ولإجماع كتّاب الفِرَق والمؤرّخين.

وقد خالَف المعتزلة في ذلك المرجئة وجميع أهل السنّة، والإمامية، وقد ذكرنا أنّ غلاة المرجئة يدّعون بأنّه لا تنفع مع الكفر طاعة، كما لا تضرّ مع الإيمان معصية مهما كان نوعها، أمّا المحدّثون والفقهاء والأشاعرة فقد قالوا بأنّ مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان لمجرّد ذلك، وتبقى له صفة الإيمان؛ لأنّه تصديقٌ بالله ووحدانيّته ورسله وكتبه.

ومهما كان الحال فقد استدلّ المعتزلة لإثبات مذهبهم، بأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمَل، فإذا لم يعمَل يختل ركن من أركان الإيمان فلا يكون مؤمناً، كما لا يكون كافراً في ظاهر الحال، لإجماع الصحابة والتابعين،

____________________

(1) انظر الإمام الصادق ص 150.


والفقهاء في جميع العصور على معاملته معاملة المسلمين، وقد ذكرنا أنّه من اللازم أنّه يكون كافراً بمقتضى تحديدهم للإيمان، ولكنّهم توسّعوا في وصفه بالمسلم تمشّياً مع السيرة المستمرّة بين المسلمين في ترتيب آثار الإسلام عليه (1) وقد ذكرنا سابقاً رأي الخوارج في هذه المسألة في أثناء حديثنا عنهم (2).

أمّا الإمامية فقد ذهبوا في هذه المسألة إلى أنّ مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان بالمعصية مهما كان نوعها؛ لأنّه لا يُعتبر في الإيمان أكثر من التصديق بالقلب عند أكثر الإمامية، وقد ذكرنا أنّ بعضهم أضاف إليه الإقرار باللسان (3)، فالعُصاة إذا لم يبلغ بهم الحال إلى الجحود والتشكيك لا يخرجون عن الإيمان، وبذلك يلتقي الإمامية مع الأشاعرة ومع المعتدلين من المرجئة، وهم مرجئة أهل السنّة - كما ذكرنا ـ، أمّا القائلون بأنّ الإيمان لا تضرّ معه معصية، فهؤلاء فرقة مستقلّة بنفسها؛ لأنّ الإيمان وحده عندهم يغفر الذنوب جميعاً، كما يمحق الكفر جميع الطاعات والأعمال الصالحات (4).

وأسوأ منهم حالاً بعض متطرّفي المرجئة القائلون بأنّ الإيمان هو المعرفة، فمَن كان عارفاً بالله ورسله وبما جاءوا به، لو أعلن الكفر بلسانه، وعبَد الأوثان أو اعتنق اليهودية والنصرانية في دار الإسلام، ومات على ذلك كان كامل الإيمان، وقد تبرّأ الشيعة وأئمّتهم من هؤلاء وغيرهم ممّن استهانوا بمبادئ الإسلام، وسهّلوا للعُصاة أتباع الشهوات والأهواء، ولعنوهم في النوادي والمجتمعات، وأوضحوا للناس آراءهم ومعتقداتهم بدافع الحرص على مبادئ الإسلام، والغيرة على الأحكام التي فرضها الله على الناس، وحذّرهم من مخالفتها، وتوعّدهم بالعقاب الأليم إذا انحرفوا عنها، وجاء عن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) اللهمّ إنّي أبرأ إليك من المرجئة الذين أطمعوا الفسّاق في عفو الله.

ومهما كان الحال فالفِرَق الثلاث: الإمامية والمعتزلة والأشاعرة،

____________________

(1) انظر المواقف ص 336 وما بعدها وشرح التجريد ص 270.

(2) راجع الفصل الذي وضعناه للبحث عن الفرق الإسلامية.

(3) القائل بذلك هو الطوسي في تجريده ومعه جماعة من المتقدّمين والمتأخرّين.

(4) انظر شرح التجريد، والإمام الصادق لأبي زهرة ص 143 وما بعدها.


متّفقون على أنّ مرتكب الكبيرة مستحقٌّ للعقاب إذا لم يتب من معصيته، ولكن المعتزلة يدّعون بأنّه من المخلّدين في جهنّم، والإمامية والأشاعرة يرون أنّ الخلود في جهنّم لا يكون إلاّ للكافرين بالله؛ لأنّ العدل الإلهي يقضي بأنّ لا يضيع على الإنسان شيءٌ من أعماله، وقد جاء في بعض الآيات أنّ الله لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً، وأنّه لا يضيع عملَ عاملٍ من ذكر وأنثى، وقال تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) ، ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) ، هذا بالإضافة إلى أنّ ما يدعيه المعتزلة يؤدّي إلى نسبة أسوأ أنواع الظلم إلى الله سبحانه؛ لأنّه على حسب زعمهم يلزم أنْ يخلّد في جهنّم مَن عبَد الله مخلصاً عشرات السنين لمجرّد أنّه ارتكب كبيرةً في آخر حياته، وهذا من الظلم الفاحش الذي لا يقرّه العقل، ولا يتّفق مع النصوص القرآنية والنبوية (1).

واستدلّ المعتزلة على استحقاق مرتكبي الكبيرة للعقاب الدائم، بالإضافة إلى مبدأ الإحباط الذي بنوا عليه، بأنّ استحقاقهم العقاب الدائم مضرّةٌ خالصة، واستحقاقهم الثواب منفعةٌ خالصة دائمة، والجمع بين الاستحقاقين محال عقلاً، كالجمع بين الثواب والعقاب، ولابدّ من انتفاء أحدهما، وقد فرضنا أنّه يستحقّ العقاب على فعلِ الكبيرة، وإذا وجِد أحد الأمرين المتنافِيَين لابدّ من انتفاء الثاني.

وأُجيبوا على ذلك، بأنّ هذا النوع من الاستدلال من المغالطات التي لا ترتكز على أساسٍ صحيح؛ لأنّ القائلين بأنّ مرتكب الكبيرة لا يُخلّد في جهنّم، يدّعون الترتيب الخارجي بين الاستحقاقين بمعنى أنّه يُعذّب أوّلاً بمقدار جرمه، ثمّ ينتقل إلى النعيم مكافأةً له على أعماله الصالحات، والمنافاة التي يدّعيها الخصم إنّما تلزم لو قيّدنا الاستحقاق بالدوام، ولا موجب لهذا التقييد، على أنّ هذا الدليل على تقدير سلامته، لا يُلزم الأشاعرة بشيء؛ لأنّهم يدّعون بأنّ الإنسان لا يستحقّ شيئاً على أعماله، ولله أنْ يُعاقب المطيع ويثيب العُصاة (2).

____________________

(1) انظر الفصول المختارة من كتاب العيون والمحاسن للمفيد ص 132 وشرح التجريد ص 261.

(2) انظر المواقف ج 4 ص 304.


واستدلّ المعتزلة أيضاً بقوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا ) ، وبقوله: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) ، ولكنّ الإنصاف أنّ هذه الآيات ليست نصّاً فيما يدّعيه المعتزلة، فإنّ الخلود الوارد فيها يمكن أنْ يُراد منه طول المكث في جهنّم، كما يُمكن أنْ يكون لخصوصيّةٍ في قتلِ المؤمن ومعصية الله والرسول، تلك الخصوصية تكشف عن كُفر هذا النوع من العُصاة، وعلى أيّ الأحوال لابدّ من تأويل هذه الآيات بما يتناسب مع عدل الله سبحانه ولطفه بعباده.

الوعد والوعيد

هذه المسألة من المسائل الخَمس التي يُبنى عليها مذهب الاعتزال، قال أبو الحسن الخيّاط في كتابه الانتصار: وليس أحدٌ يستحقّ اسم الاعتزال حتى يجمع الأُصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنزاع في وجوبها عليه سُبحانه وعدمه لا يجري على مذهب الأشاعرة؛ لأنّهم يدّعون أنّ الإنسان لا يستحقّ على الله شيئاً، ولا يقبح من الله شيء أيضاً، ومع أنّه قد وعد المطيعين بالثواب تفضّلاً منه، وتوعّد العُصاة بالعقاب لا يجب عليه شيء ممّا وعده أو توعّد به، وله أنْ يُعذّب المطيع ويثيب العُصاة، وإنّما يصحّ النزاع فيها عند القائلين باستحقاق المطيعين والعاصين للثواب والعقاب.

وقد ذهب المعتزلة إلى وجوب الوفاء عليه تعالى بوعده ووعيده، فيجب عليه تعذيب العُصاة، وإعطاء المطيعين ما وعدهم به، واستدلّوا على ذلك، بأنّه سبحانه قد توعّد بالعقاب على المعاصي، وأخبرهم بنوع العقاب الذي يستحقّونه، فلو قلنا بعدَم وجوب الوفاء عليه لزِم الخُلف والكذِب فيما أخبر به وكلاهما قبيح عليه تعالى، وأيضاً لو علم الناس بأنّ الله سيعفو عنهم، وأنّ العقاب الذي وعد به قد لا يحصل، تضعف من


نفوسهم دوافع الامتثال، فإنّ الكثير من الناس لولا خوفهم من العقاب، واعتقادهم بوقوعه لا يطيعون حُكماً، ولا ينتهون عن معصيةٍ ينهى عنها الله.

وأُجيبوا على ذلك بأنّ عدَم الوفاء بما توعّد به لا يُعدّ خلفاً منه بنظر الناس، بل يرونه مستحسناً؛ لأنّه من باب العفو والإحسان اللذين هما من حقوقه ومِن صفاته الثابتة لذاته تعالى، وقد أخبر عن نفسه بأنّه الغفور الرحيم وأنّه لا يغفر أنْ يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لِمَن يشاء من عباده ، ولو افترضنا أنّ ذلك يُعد خلفاً، لو افترضنا ذلك، فليس كلّ خلف قبيحاً؛ لأنّ هذا النوع من الخلف مستحسن عند العقلاء والناس أجمعين، إلاّ عند المعتزلة (1) .

وقال الإمامية: يجب على الله أنْ يفي بما وعَد ولا يجب عليه الوفاء بما توعّد به؛ لأنّ وجوب الوفاء بالوعد من العدل والإنصاف الواجبين عليه تعالى، هذا بالإضافة إلى أنّ التكاليف إنّما شُرّعت لمنفعة العباد، ويجب عليه إيصال النفع لهم، على أنّ عدَم الوفاء مستقبَح بنظر الناس والعقلاء، ولا يجب عليه أنْ يفي بما توعّد به؛ لأنّ العقاب حقٌّ له سبحانه، وله أنْ يسقطه باعتباره حقّاً مملوكاً له، وقد دلّت النصوص المرويّة عن أئمّة الشيعة على ذلك، فقد جاء في بعض المرويّات عنهم أنّ أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ رسول الله قال: مَن وعده الله ثواباً على عملٍ فهو منجزه له، ومَن أوعده على عملٍ عقاباً، فهو فيه بالخيار).

وقال إبراهيم بن العبّاس: كنّا في مجلس الإمام الرضا (عليه السلام) نتذاكر فيما يدّعيه المعتزلة في الكبائر، وأنّها لا تغفر لهم، فقال الإمام الرضا: (قال أبو عبد الله الصادق: لقد نزَل القرآن بخلافِ قول المعتزلة، قال سُبحانه: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) ).

وجاء عن محمّد بن عمر أنّ الإمام موسى بن جعفر قال: (لا يخلّد في النار إلاّ أهل الكفر والجحود، وأهل الشرك والضلال) (2).

____________________

(1) انظر الفصول المختارة من العيون والمحاسن، والمواقف ص 304.

(2) انظر كتاب التوحيد للصدوق محمّد بن بابويه القمّي ص 217 و218.


البَداء

لقد شاع بين الكتّاب والباحثين في العقائد على اختلاف فِرَقهم، أنّ البَداء من مختصّات الشيعة، وأنّه من عقائدهم التي يؤمنون بها، وأوّل من قال به المختار الثقفي على حدّ زعمهم، وجاء في التعليقة على الملل والنحل للشهرستاني، أنّ الكيسانية، قد نسبوا البَداء إلى الله حينما بعث مصعب بن الزبير جيشاً مجهّزاً إلى غزو المختار، فأرسل إليه المختار جيشاً بقيادة أحمد بن شميط مؤَلّفاً من ثلاثة آلاف مقاتل، وقال لهم: قد أُوحي إليّ أنّ الظفر سيكون لكم، ولمّا انهزم ابن شميط، بعد المعارك التي دارت بينه وبين مصعب بن الزبير، قال له المختار: إنّ ربّي قد وعَدَني النصر، ثمّ بدا له، وتلا عليه قوله تعالى: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) .

وكان في بعض الأحيان يخبر أصحابه بأُمور ينسبها إلى الله يستغل بذلك المغفّلين والبسطاء من أتباعه، فإذا انكشف لهم خلاف ما أخبر به، قال لهم: بدا لربّكم (1)، ويبدو مِن رواية الشهرستاني وغيره من المؤلّفين في الفِرَق، أنّ المختار أوّل من قال بالبَداء ونسبه إلى الله ليخدع العوام والسذَّج من أتباعه، وقد راجت مقالته هذه بين الشيعة وأصبحت من عقائدهم، وقال بها الإمامية ونسبوها إلى أئمّتهم (عليهم السلام)، وعدّها المؤلّفون وأهل السنّة وصمةً على التشيّع، ولا سيّما بعد أنْ فهموا منه تبدّل إرادة الله سبحانه وتجدّد علمه بالأصلح والأحسن.

ووجدوا من الشيعة من يقول به، عمَلاً ببعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام)، وقبل أنْ نبيّن المعنى المراد من البّداء الوارد في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) والذي يقول به الشيعة، لابدّ من بيان المعنى الذي يتحمّله هذا اللفظ، لقد وردت هذه الكلمة في القرآن والحديث، قال تعالى: ( وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) ، وقال: ( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) ، وهو في الآيتين بمعنى الظهور والإبانة، وقد يطلق ويراد منه تغير الإرادة وتبدّل العزَم تبعاً لتغير العلم، وهذا هو البَداء المنسوب إلى الإمامية على حدّ زعم أهل السنّة وبعض الكتّاب، وهو الذي أحدثه المختار الثقفي كما جاء في مرويّاتهم.

____________________

(1) انظر الملل والنحل ج 1 ص 238 والتبصير في الدين ص 37.


وقد يطلق ويراد منه تعليق أمرٍ على آخر، ولازم ذلك عدم حصول المشروط إذا لم يحصل الشرط، وقد ورد في جملة من المرويّات عن الأئمّة، أنّ مَن وصّل رحِمه مدّ الله في حياته، وضاعف له الرزق، ومعنى ذلك أنّ الله جعل لصلة الأرحام هذه الآثار، فإذا أوجَد الإنسان هذا الأمر ترتّب عليه أثره وإنْ لم يحصل الأثر المجعول لِعَدم حصول شرطه، أمّا البَداء بمعنى تغير إرادته وتبدّل عزمه الناشئين عن تجدّد علمه، فلَم يَقُل به أحد من الشيعة ويرَونه ضلالاً وفساداً في العقيدة.

وأمّا البَداء بالمعنيَين الآخرين، فهو الذي يقولون به، ولا يلزم منه أيّ محذور بالنسبة إليه تعالى؛ لأنّ ظهور أمرٍ للإنسان كان خافياً عليه، أو تعليقَ أمرٍ على حصول شرطه كما ذكرنا بالنسبة إلى صلة الأرحام مثلاً، هذا النحو من البَداء المصطلح عليه عندهم، لا يلزم منه تبدّل في الإرادة، ولا تجدّد في معلوماته تعالى: والنصوص التي وردت عن الأئمّة حول البَداء، ليس فيها ما يمنع من إرادة هذا المعنى منه.

قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: الذي أقوله في البَداء هو ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماتة بعد الإحياء، والزيادة في الآجال والأرزاق بسبب بعض الأعمال، والذي جوّز إطلاق لفظ البَداء على ذلك بعض الآيات والنصوص الواردة عن الأئمّة (عليهم السلام).

وقال الشيخ أبو جعفر الصدوق: فالمعنى في قول الإمامية بدا لله في كذا أي ظهر منه، وهو خاص فيما يظهر مِن الفعل الذي كان وقوعه مستبعداً بنظر الإنسان.

ومجمل القول أنّ البَداء بمعنى أنّ الله يقدر ويعلم ثمّ ينسخ ما قدّر وما علِم بأمرٍ آخر، هذا النوع من البَداء لم يقُل به الشيعة؛ لأنّه مستلزم لتغيّر علمه وتبدّل إرادته وعدَم إحاطته بما كان وسيكون، وجاء في الحديث عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل يكون اليوم شيءٌ لم يكن في عِلم الله بالأمس؟ قال: (لا، مَن قال هذا أخزاه الله)، قلت أرأيت ما كان، أرأيت ما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟ قال: (بلى، قبل أنْ يخلق الله الخلْق).

وأمّا البَداء بالمعنيَين الآخرين فهو الذي يقولون به، كما تبيَّن ذلك من


كلام الصدوق والمفيد، وقال في كنز الفوائد (1) : إنّ المراد من البَداء أنْ يظهر للناس خلاف ما توهّموه، وينكشف لهم غير ما كانوا يعتقدون من دوام الأمر واستمراره، وسُمّيَ بداءً لمشابهته لِمَن يأمر بالشيء أو يجزم به، ثمّ ينهى عنه في وقته.

وله مناظرة حوله مع أحد أعلام المعتزلة، أكّد له فيها أنّ البَداء الذي يقول به الشيعة لا يختلف عمّا يقول به غيرهم، إلاّ بالاسم، ولا يعنون به تبدّل إرادة الله وتغيّر علمه، فهو نظير ما لو أمَر السيّد عبده بعملٍ من الإعمال، فأظهر العبد استعداده للقيام بذلك العمل وإنجازه، وقبل أنْ يُباشر نهاه عن القيام به، فقد بدا للعبد غير ما كان يعتقد حيث إنّه اعتقد دوام إرادة السيّد وبقاءها، فلمّا نهاه عنه ظهَر له خلاف ما كان يعتقد، مع أنّ الآمر يعلم بإطاعته له وإقدامه على العمل، ولكنّه إنّما أمره به ليظهر للناس انقياده لأوامره.

ومِن أمثلة ذلك ما حكَاه الله سبحانه في كتابه الكريم عن إبراهيم وولده إسماعيل، حيث أوحى إليه في نومه أنْ يذبح ولده إسماعيل، ولمّا تهيّأ لذبحه وأظهر ولده رضاه واستعداده لتنفيذ أمر الله فيه، نهاه الله عن ذبحه، فقد بدا لإبراهيم بعد النهي غير ما كان يعتقده، وإرادة الله سُبحانه لم تتعلّق بالذبح وإنّما تعلّقت بمقدّماته من القصد، والقيام بكلّ ما يتوقّف عليه الذبح كأخذ السكّين ووضعها في العنق وغير ذلك، وقد أطلق على هذا النوع من العمل ذبحاً تجوّزاً وتوسّعاً في الكلام (2) .

وفي مرويّات الشيعة عن أئمّتهم (عليهم السلام)، إنّه لابدّ من الإقرار لله بالبَداء فقد روى ابن أبي عمير عن مرازم بن حكيم أنّه قال: سمِعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: (ما تنبّأ نبيٌّ قط حتى يقرّ لله عزّ وجل بخمس: بالبَداء، والمشيئة، والسجود، والعبودية، والطاعة)، وقال الريّان بن الصلت: سمِعت الرضا (عليه السلام) يقول: (ما بَعث الله نبيّاً إلاّ بتحريم الخمر والإقرار له بالبَداء).

وجاء في رواية محمّد بن مسلم في تفسير البَداء، أنّه تعالى يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، وروى زرارة بن أعيَن عن الباقر (عليه السلام)، أنّ الإقرار

____________________

(1) محمّد بن عليّ الكراجكي المتوفّى سنة 449 ص 103 و104 و105 والكراجكي هذا هو أحد أعلام الإمامية في القرن الرابع والخامس الهجري، وكان من تلاميذ الشيخ المفيد.

(2) المصدر السابق ص 105.


لله بالبَداء من أفضل أنواع الطاعات ؛ وذلك لأنّ الإقرار له بالبداء اعترافٌ له بالقدرة على كلّ شيء: الإحياء بعد الإماتة، والإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والزيادة في الآجال والأرزاق عند حصول أسبابها: فقد جاء في الحديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله): (لا يردّ القدَر إلاّ الدعاء، وأنّ الرجل ليُحرَم الرزق بخطيئة يعملها، ولا يزيد في العمر إلاّ البِر)، وإنّما يكون ذلك بعلم الله سبحانه وقضائه، فقد قضى أنّ العبد إذا أحسن لأرحامه يزداد عمره ويتّسع رزقه، ولا يلزم من ذلك تبدّل في إرادته ولا تغيّر في علمه، فكلّ ما يجري وما يكون قد أحاط به علمه، وسبَق فيه قضاؤه.

وقد روى العيّاشي عن ابن سنان أنّ أبا عبد الله الصادق قال: (إنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء وعنده أُمّ الكتاب)، ثمّ قال: (فكلّ أمرٍ يريده الله فهو في علمه قبل أنْ يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له عن جهل).

وفي بعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام) إنّ القضاء الحتمي المعبّر عنه باللوح المحفوظ، وبالعلم المخزون لا يُمكن أنْ يقع فيه البَداء، والذي يقَع فيه البَداء هو القضاء الموقوف على أنْ لا تتعلّق إرادة الله بخلافه، ومن المعلوم أنّ إرادة الله إنّما تتعلّق بخلافه باعتبار حصول بعض الأعمال، أو حصول شرط يقتضي محو ذلك الشيء وإثبات خلافه، فالبَداء في التكوينات كالنسخ في الشرعيّات لا يلزم منه محذور بالنسبة إليه تعالى، بل هو إقرارٌ له بالقدرة المطلقة على حدوث الأشياء وبقائها، وفي نفس الوقت لا يوجب انقطاع أمَل العبد بتوفيقه للطاعات وإبعاده عن المعاصي والمنكرات (1) .

____________________

(1) انظر البيان في تفسير القرآن للمرجع الأعلى للطائفة الشيعية السيّد أبي القاسم الخوئي ص 272.


الرجعة

لقد شذّت فئات من المنتسبين للتشيّع عن أُصوله ومبادئه وأفرطوا في آرائهم ونظريّاتهم في أُصول التشيّع، فغالى بعضهم في تعظيم الأئمّة من أهل البيت، وأرجفَ آخرون عليهم، فدسّوا في مبادئهم وتعاليمهم أُموراً ليست من أُصول التشيّع ولا مِن فروعه للتوصّل إلى أغراضهم وأهدافهم، التي لم يجدوا سبيلاً للوصول إليها، إلاّ عن طريق التشيّع والانتساب لأهل البيت، ووجَد أعداء أهل البيت وشيعتهم مجالاً لهم في طعن التشيّع، فاستغلّوا غلوّ المغالين في عليّ وبنيه، وأراجيف أُولئك المفترين على أهل البيت، وسذاجة أُولئك الضعفاء، الذين تتلقّف عقولهم كلّ ما يسمعون بدون تمحيص أو تحقيق.

لقد استعمل أعداء أهل البيت كلّ ما في وسعهم لإضعاف التشيّع وتشويه وجهه الصحيح، فوضعوا حوله مجموعة من الأكاذيب والافتراءات بالإضافة إلى مقالات بعض الفِرَق التي انتسبت إليه، وبقيَت تلك الافتراءات تتلاقفها الأجيال جيلاً بعد جيل، وتعيدها إلى الأذهان فِئات من الحاقدين والمستغلّين، عِلماً بأنّ التشيّع بريء مِن تلك الأباطيل، وبعيد عن تِلك الفِرَق المزعومة بُعد الحقِّ عن الباطل، والضلال عن الرشد.

لقد ماتت تلك الفِرَق في العصر الذي ولدت فيه، ولكنّ الكتّاب الموتورين ما زالوا يُحمّلون الشيعة أوزارهم، ويلصقون بهم هذَيانهم، ويتّخذون من تلك الأقوال والآراء وسيلة للطعن عليهم، مع العِلم بأنّ إحياء هذه المفتريات يثير الضغائن، ولا يخدم إلاّ أعداء الإسلام وأعوانهم.

لو أردنا أنْ نسلك طريقهم، ونحمّل أهل السنّة أوزار الفئات الشاذّة منهم، لوجدنا متّسعاً من القول ومنفذاً فسيحا يسهل لنا أنْ نلصق بهم مذاهب الفِرَق التي تفرّعت منهم، وآراء الأفراد الذين شذّوا في تفكيرهم وأدخلوا على العقيدة الإسلامية أبشع ممّا أدخله الغلاة، وبعض الفِرَق المنسوبة إلى التشيّع، فالحشويّون من السنّة وهم أكثر المحدّثين منهم، يدعون بأنّ لله جسماً كأجسام مخلوقاته، وأضاف بعضهم إلى ذلك بأنّه شكّا من وجع في عينيه، وأفرط آخرون منهم فقالوا: إنّ أهل الجنّة لا يعرفونه إلاّ إذا كشف لهم عن ساقه، وأنّ النمرود أصابه بسهم في رِجله ولا يزال أثره باقياً فيها.

وقال بعضهم: إنّه ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء هذه الدنيا، ويراه الناس فيها إلى غير ذلك من الهذَيان والكفر المبين، وقد نسب إليه الأشاعرة الجور والظلم كما نسبوا إليه الجهل بالجزئيّات، ويجد المتتبّع


فيما أوردناه في المباحث السابقة مجموعة كبيرة من الآراء والمعتقدات التي تتنافى مع أهل التوحيد، فضلاً عن العقائد المستوحاة من كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله)، ومع ذلك فلا نجيز لأنفسنا أنْ نحمّل أهل السنّة أوزار تلك الآراء والمعتقدات ما داموا لا يؤمنون بها.

والشيعة مع أنّهم ينكرون أكثر الفِرَق المنسوبة إلى التشيّع، لو افترضوا وجودها في ظروف خاصة، فهم يتبرّأون منها ومن معتقداتها وآرائها، ومنذ الزمان الذي وجدت فيه وهم يعلنون وينادون بإلحادها، ولكن بدون جدوى وبدون إصغاء وإنصاف، فكلّ مَن كتَب عن تاريخ الإسلام، وعن الفِرَق الإسلامية لابدّ وأنْ يصوّر التشيّع بأقبح الصور، وأبعدها عن الإسلام الصحيح.

وإليك بعض الأمثلة من أُولئك الكتّاب: فالشيخ محمّد أبو زهرة مع أنّه من شيوخ أهل السنّة المعتدلين نسبياً، لقد تحدّث عن البَداء المنسوب إلى الشيعة، ونقل آراء الكبار من علمائهم فيه، تلك الآراء التي لا تتنافى مع آراء غيرهم إلاّ بالاسم على حدّ تعبيره، ومع ذلك فقد نسب إليهم أنّهم يقولون في تفسير البَداء: أنّ الله يقدر ويعلم، ثمّ ينسخ ما قدّر وما علم، وأنّ إرادته وعلمه يتغيران ويتبدلان، وأضاف إلى ذلك أنّهم يفرّقون بين إرادته وعلمه، فهي تنجيزية حادثة تتغيّر وتتبدّل، بخلاف علمه فإنه أزَلي قديم لا يتغيّر ولا يتبدلّ (1)، مع أنّ هذا القول لم يقل به أحد من الإمامية، ولا هو موجود في كتبهم.

وإليك مثلاً آخر، قال أحمد أمين في فجر الإسلام: والحقّ أنّ التشيّع كان مأوى لكلّ مَن أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقدٍ، ومنَ كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية وزرادشتية وهندية، ومَن كان يريد استغلال بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتّخذون حبّ أهل البيت ستاراً يخفون وراءه كلّ ما شاءت أهواؤهم، فاليهودية ظهَرَت في التشيّع بالقول بالرجعة، وقال الشيعة: إنّ النار محرّمة على الشيعيّ إلاّ قليلاً، كما قالت اليهود لنْ تمسّنا النار إلاّ أيّاماً معدودات، ومضى يسرد آراء الشيعة كما يُريد أنْ يفهمها لا كما هي عند الشيعة، ويقارن بينها وبين آراء الأُمَم الأُخرى (2) ويحدّد موارد الالتقاء بينهما.

____________________

(1) انظر ص 237 من كتابه الإمام الصادق.

(2) انظر فجر الإسلام ص 276.


أنّ حديث الرجعة الذي يراه السنّة وغيرهم وصمة على الإمامية، ومستورداً من اليهودية، إذا كانوا يعنون به ما يعتقده الإمامية في الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري، فالنصوص الشيعية تؤكّد بقاءه حيّاً موجوداً بين الناس في دنياهم الفسيحة الواسعة، وسيظهر في زمنٍ لا يعلمه إلاّ الله، فيحكم الناس بالحقِّ والعدل كما حكَم جدّه الرسول الأمين (صلّى الله عليه وآله)، وعقيدة المهدي المنتظر ليست من مختصّات الإمامية كما يبدو للمتتبّع في المذاهب والمعتقدات.

أمّا رجعة الأموات قبل المحشر فليست من عقائدهم، ولا من ضروريّات مذهبهم، مع العلم بوجود بعض المرويّات عن الأئمّة فيها، ولكن الكثير منهم يدّعون بأنّها من الموضوعات بين أحاديث أهل البيت، وأكثر الذين قالوا بصدورها عن الأئمّة (عليهم السلام)، التزموا بتأويلها وحملها على أقرب الاحتمالات التي لا تتنافى مع العقل، بعد أنْ أعرضوا عن ظواهرها، ولو تغاضينا عن كلّ ذلك وقلنا بأنّها من مختصّات الشيعة، أو الإمامية كما يدّعي بعض الكتّاب كأحمد أمين وأمثاله، ولكنّها ليست من مخترعاتهم، ولا هي مستوردة من اليهودية كما يدّعون؛ لأنّ حديث رجعة الأموات قد ردّده عمر بن الخطّاب في اليوم الذي توفّي به الرسول (صلّى الله عليه وآله) وذلك قبل وجود الكيسانية بستّين عاماً، وقبل اتصال الإمامية باليهود وغيرهم من الأمم الأخرى.

وقد سرَت مقالته بين آلاف المسلمين، وظلّوا يتلاقفونها جيلاً بعد جيل، فلقد روى جماعة من المؤرّخين أنّ عمر بن الخطّاب والمغيرة بن شعبة دخلا على الرسول (صلّى الله عليه وآله) حين وفاته، فقال المغيرة لعمر بن الخطّاب: (إنّ محمّداً قد مات)، فقال له: كذبت ما مات ولنْ يموت حتى يفني المنافقين، ثمّ أخذ يهدّد ويتوعّد كلّ مَن ادعى وفاة النبيّ ومضى يقول: إنّ رجالاً مِن المنافقين يزعمون أنّ رسول الله قد توفّي، وأنّه ما مات ولكنّه ذهَب إلى ربّه، كما ذهب موسى بن عمران، فلقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثمّ رجع، والله ليرجعنّ رسول الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم، ومَن قال أنّه قد مات علَوت رأسه بسيفي هذا.

وبقيَ ساعات من النهار يربد ويرعد، ويقول: لقد غاب وسيرجع إلى قومه، كما رجَع موسى بن عمران، هذا والعبّاس بن عبد المطّلب عمّ الرسول وجماعة من المسلمين يؤكّدون له موته، كما ماتَ غيره من الرُسل والأنبياء، وتلا عليه عمر بن قيس بن زائدة بن الأصم قول الله تعالى:


( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ، ومع كلّ هذه المحاولات لإقناعه، فقد استمرّ في تهديده للقائلين بوفاته، وتوعّدهم بالانتقام بعد رجعته وعندما حضَر أبو بكر أقنعه بوفاة الرسول بمجرّد أنْ قرأ عليه قوله تعالى: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (1).

ومِن ذلك يتبيّن أنّ حديث الرجعة المنسوب إلى الشيعة قال به عمر بن الخطّاب قبل الكيسانية والإمامية، وسَواء كانت مقالته هذه عن نيّةٍ حسنة، أم كانت لإغراضٍ سياسية، كما تؤيّد ذلك الحوادث والملابسات التي اقترنت بمقالته، فالرجعة من مبتكراته، وقد سرَت بين المسلمين جيلاً بعد جيل، ومنه وحده أخذها الكيسانية إذا صحّ أنّهم يقولون بها، ومع أنّ حديث الرجعة قد رواه أكثر المحدّثين عن الخليفة الثاني ولا يجهله أحد من الكتاب والمؤرّخين في الفِرَق الإسلامية، فقد جعلوه من مختصات الشيعة، ومن آرائهم المستوردة من اليهودية.

ومجمل القول أنّ الرجعة ليست من معتقدات الإمامية، ولا من الضروريّات عندهم، والنصوص التي تعرّضت لها، لو صحّت عن الأئمّة (عليهم السلام) لابدّ من تأويلها برجوع سلطان الأئمّة ومبادئهم بظهور محمّد بن الحسَن الإمام الثاني عشر(عليه السلام).

____________________

(1) انظر عبد الله بن سبأ للسيّد مرتضى العسكري ص 42 عن طبقات ابن سعد، ومسند أحمد وأنساب الأشراف، وكنز العمّال، وتاريخ الذهبي واليعقوبي وأبي الفداء وابن شحنة، وسيرة ابن دحلان، وغير ذلك من المصادر الموثوقة عند أهل السنّة، التي أوردت حديث رجعة النبيّ إلى الدنيا كما ادعاها له عمر بن الخطّاب، وتناقلها الرواة في مختلف العصور، وانظر أيضاً شرح النهج لابن أبي الحديد ص 128 و 129.


الخلاصة

من مجموع ما تقدّم في فصول هذا الكتاب لا أحسب أنّ القارئ المجرّد إذا استقصى مواضيعه استقصاءً كاملاً، وتتبّع آراء الفِرَق والمذاهب الإسلامية وقارن بينها، لا أحسب أنّه يبقى في شكٍّ من أمرِ أُولئك المأجورين الحاقدين على الشيعة وأئمّتهم، الذين شوّهوا الحقائق وسخّروا الأقلام لمصالحهم وشهَواتهم، وجرّدوا الشيعة حتى من أبرز خصائصهم ومميّزاتهم.

لقد قال بعضهم أنّ الإمامية عيال على المعتزلة في أُصول العقائد، ومقلّدون لهم فيها، وقال آخرون: إنّهم منهم في الأُصول، وأرسلوا هذه الأحكام وكأنّها من الضروريّات التي لا تقبل الجدَل ولا تحوم حولها الشُبهات، مع أنّ هذا الادّعاء ليس له ما يؤيّده مِن قريبٍ أو بعيد؛ لأنّ الإمامية منذ أقدم عصورهم كانوا ولا يزالون في طليعة الباحثين والمفكّرين والمؤلّفين، وفي العصر الذي شاع فيه الاعتزال بتأييد الحكّام ومساندتهم، في هذا العصر نبَغ من تلامذة الأئمّة في عِلمَي الحكمة والفلسفة المئات، وكانوا من ألدّ أخصام المعتزلة كما تنصّ على ذلك أوثق المصادر السنّية والشيعيّة، وقد أخذوا عن أئمّتهم (عليهم السلام) واعتمدوا على آرائهم في هذه المواضيع التي عُرِفت عنهم قبل مولد الاعتزال بعشرات السنين.

على أنّا لو أعرضنا عن كلّ ذلك، وعن انحرافات المعتزلة وشذوذهم،


كما تدلّ عليه آراؤهم، لو أعرضنا عن ذلك ورجعنا إلى الأُصول الخمسة التي هي الأساس لمذهَب الاعتزال والتي بدونها لا يستحقّ أحدٌ هذا الوصف، لو رجعنا إلى ذلك وحده وأعرضنا عن كلّ ما قيل عنهم وما نُسِب إليهم، وقارنّا بين آراء الإمامية في التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو قارنّا بين آراء الإمامية وآرائهم فيها لا نجد أصلاً من هذه الأُصول يلتقي فيه الطرفان التقاءً كلّياً، حتى في الأصل الخامس منها الذي نصّ عليه القرآن وأكّدته السنّة.

فقال الإماميّة: إنّهما أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالنصّ عليهما من الله سبحانه، كما ينصّ على ذلك قوله تعالى: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) .

وقول الرسول (صلّى الله عليه وآله): (لتأمرُنّ بالمعروف، ولتنهُنّ عن المنكر أو ليسلّطنّ الله شراركَم على خياركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم).

وقال المعتزلة بوجوبهما بحكم العقل لا غير، وذهب الجبائي إلى وجوبهما مطلقاً فيما يدرك العقل حسنه وقبحه، وقال ولده أبو هاشم: إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنْ ترتّب عليهما دفعُ ضررٍ عن الآمر والناهي - ولا يندفع عنهما إلاّ بالأمر - وجَبَا، وإلاّ فلا (1) .

وأمّا الأُصول الأربعة الباقية، فالتوحيد هو الأصل الأوّل عند المسلمين وفي جميع الشرائع والأديان، وقد وضَع له المعتزلة حدوداً تلتقي بظاهرها مع رأي الإمامية فيه، ولكنّهم ذهبوا في بعض مقالاتهم إلى ما ينافي حقيقة التوحيد، ومن ذلك ما جاء عنهم، أنّ الأشياء كانت قبل حدوثها أشياء، والجواهر كانت في حال عدمها جواهر، وكذا الإعراض أيضاً، فالسواد مثلاً كان قبل وجوده سواداً، والحرَكة قبل وجودها حركة، وجميع الأعراض قبل وجودها أعراضاً، وأضافوا إلى ذلك أنّ جميع الأشياء في حال عدمها

____________________

(1) انظر المواقف للإيجي المجلّد الرابع ص 275، وشرح التجريد للعلاّمة الحلّي ص 271 وقال في شرح التجريد بأنّهما لو وجَبا عقلاً لزِم أحد الأمرين، أمّا خلاف الواقع، أو الإخلال بحكمته تعالى، والثاني بقسميه باطل؛ لأنّهما لو وجَبَا عقلاً لوجبا على الله تعالى، ولو وجَبا عليه فإمّا أنْ يكون فاعلاً لهما أو غير فاعل، فإنْ كان فاعلاً لهما لزِم وقوع المعروف وانتفاء المنكر، وهو خلاف الواقع، وإنْ كان غير فاعلٍ لهما، كان مخلاًّ بواجبه، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.


ذوات كما هي في حال وجودها بلا فرْق بين الجواهر والأعراض، ولم تكن الأشياء أشياء، ولا الأعراض أعراضاً، ولا الجواهر جواهر بصنعِ صانعٍ وفعل فاعل، بل هما أعراض وجواهر؛ لأنّهما كذلك قبل وجودهما لا بصنع صانع، ولا بفعل فاعل، والصانع قد صنَع لها صفة الوجود لا غير.

وردّ عليهم الإمامية بأنّ الأشياء والأعراض والجواهر، إذا لم تكن أشياءً به ولا ذواتاً بفعله ولا جواهر وأعراضاً بصنعته، وأنّه لم يصنع إلاّ صفة الوجود كما تدّعون، فهل تلك الصفة التي صنعها الصانع نفس الجوهر والعرض أم أنّها شيءٌ آخر؟ فإذا كانت الصفة جوهراً وعرَضاً يكون الجوهر والعرض من فعله، وهو خلاف ما ذهبتم إليه، وإنْ قلتم: إنّها غيرهما، فهل هي شيءٌ أم ليست بشيء؟ فإنْ قلتم: إنّها شيء. يلزمكم أنْ تقولوا: إنّها في حال عدمها شيء، أنّكم ادعيتم إنّ الأشياء قبل وجودها أشياء كما ذكرنا، وإنْ قلتم: إنّها ليست بشيء. فقد نفيتم أنْ يكون الله قد فعل شيئاً، وهو الإلحاد بعينه.

وقد جاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (لعَن الله المعتزلة، أرادت أنْ توحّد فألحَدَت، ورامت أنْ ترفع التشبيه فأثبَتَت) (1).

أمّا العدل فلقد قالوا بأنّه من أُصولهم وفسّروه بأنّ الإنسان هو الذي يصنَع أفعاله بنفسه كما يدّعي القدرية، وقد ذكرنا أنّ القدر بهذا المعنى يُرادف التفويض، وقد تبنّى هذا الرأي وأصل بن عطاء وأكثر المعتزلة (2) وهؤلاء قد عزَلوا الله عن سلطانه، والقدر بمعنى التفويض يقابل الجبر الذي ذهب إليه الجهم بن صفوان ووافقه عليه المحدّثون والفقهاء والأشاعرة (3).

أمّا الإمامية، فالعدل من أركان الإيمان عندهم، بل ومن أُصول الإسلام، ولكنّهم يقولون بأنّ العبد موجدٌ لأفعاله، إلاّ أنّ مبادئ الفعل

____________________

(1) انظر كنز الفوائد لأبي الفتح محّمد بن عليّ الكراجكي ص 51، والظاهر أنّ الإمام يريد بقوله: (ورامت أنْ ترفع التشبيه فأثبتت)، أنّهم يقولون بأنّه شيءٌ لا كالأشياء، فأثبتوا له الشيئيّة وبذلك يصبح شبيهاً بالأشياء، وإنْ لم يشبهها إلاّ بالشيئية.

(2) قال الغزالي في أربعينه: إنّ المعتزلة أثبتوا لأنفسهم الاختيار الكلّي ونسبوا إلى الله العجز في ضِمن ذلك، فعلوا ذلك تحرّزاً من نسبة الظلم إلى الله فوقعوا في أقبح منه.

(3) انظر المجلّد الأوّل من الملل والنحل ص 252.


من الإدراك والشوق، والقدرة على إيجاده في الخارج وغير ذلك ممّا لابدّ منه من المقدّمات التي يتوقّف عليها وجود الفعل، هذه المقدّمات من صنع الله سبحانه، والعبد قادر على إيجاد الفعل وتركه، إلاّ أنّ قدرته وجميع مباديه مخلوقة لله سبحانه فالفعل يستند إلى العبد كما يستند الإحراق إلى النار، مع أنّ النار لم تؤثّر الإحراق إلاّ بعد وجود بقيّة المقدّمات، وهذا هو المراد من الوسَط الذي عناه الإمام بقوله: (لا جبرَ ولا تفويض ولكن أمر بين بين).

أمّا الوعد والوعيد، فقد ذكرنا سابقاً أنّ الخلاف بين المعتزلة والإمامية في الوعيد، وأنّ المعتزلة قالوا بوجوب الوفاء به، وقال الإمامية بعدم وجوبه، وقال الإمام الرضا (عليه السلام) في ذلك: (لقد نزَل القرآن بخلاف قولِ المعتزلة في هذه المسألة، قال تعالى: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) ) .

وأمّا مرتكب الكبيرة فقد ذكرنا أنّ الإمامية يرَونه مؤمناً فاسقاً مستحقّاً للعقاب بمقدار جرمه، والمعتزلة يقولون بأنّه بين الإيمان والكفر، ويخلّد في نار جهنّم، هذا بالإضافة إلى بقيّة المسائل التي كانت محلاًّ لاختلاف آراء الفِرَق الإسلامية، كالصفات والحُسن والقُبح العقليّين، ووجوب اللطف والأصلح على الله وعصمة الأنبياء، والإمامة وخلق الجنّة والنار والإحباط والشفاعة وغير ذلك من المباحث الكلامية، هذه المسائل لا يجد الباحث مسألةً منها يتّفق عليها الفريقان اتفاقاً كلّياً.

وإذا أضفنا إلى ذلك بعض الآراء التي نسبها إليهم ابن الراوندي في كتابه (فضائح المعتزلة) ، وغيره من كتّاب الفِرَق وأوردنا قِسماً منها في الفصول السابقة، يتبيّن للقارئ أنّ المسافة بين المعتزلة والإمامية أبعد منها بينهم وبين سائر الفِرَق، وربّما يلتقون مع الأشاعرة والمُرجئة أكثر ممّا يلتقون معهم.

والذي تؤكّده المصادر الشيعية أنّ الخصومة كانت بين علماء الإمامية وبين المعتزلة على أشدّها، وعلى الأخص في القرن الثالث والرابع الذي برَزت فيه معتقدات الإمامية، وانتشرت مؤلّفاتهم في مختلف المواضيع، ذلك العصر الذي تفرّغ فيه العلماء لتصفية الحديث من الموضوعات التي دسّها الحاقدون على أهل البيت بين أحاديثهم في الأصول والفروع، وكانت مجالس المفيد والمرتضى لا تخلو من مُناظرٍ، أو سائلٍ مستعلم فيما يتعلّق بمعتقدات الإمامية، وإذا رجعنا إلى مؤلّفاتهما نجد قسماً كبيراً منها في نقضِ آراء المعتزلة، فلقد ألّف الشيخ المفيد المتوفّى سنة 413 كتاباً في الردّ على الجاحظ المعتزلي، وكتاباً آخر في نقض فضائل المعتزلة، وله كتاب الفصول المختارة من العيون والمحاسن أكثر فيه من


الردّ على المعتزلة ونقض آرائهم، وله كتاب في الوعيد يُبطِل فيه ما يدّعيه المعتزلة من وجوب الوفاء على الله بالوعيد، وله كُتب أُخرى في الردِّ على جعفر بن حرْب والنظّام والجبائي وغيرهم من أعلام المعتزلة (1).

وجاء في كتابه (الفصول المختارة من العيون والمحاسن): وقول جميع المعتزلة في الوعيد يلزمه نسبة الجور والظلم لله تعالى وتكذيب أخباره، لأنّهم يزعمون أنّ من أطاع الله عزّ وجل ألف سنة ثمّ فارق دنياه ومات مسوّفاً للتوبة، لم يثبه على شيء من طاعاته، وأبطل جميع أعماله، وخلّده بذنبه في نار جهنّم، لا يخرجه منها برحمةٍ منه، ولا بشفاعةِ مخلوق.

وأضاف إلى ذلك، أنّ أبا هاشم الجبائي يدّعي، أنّ الله يخلّد في عذابه مَن لم يترك شيئاً من طاعاته، ولا ارتكب شيئاً من خلافه، ولا فعل قبيحاً نهاه عنه لمجرّد أنّه في وقتٍ من الأوقات لم يفعل ما وجب عليه، ولا خرَج عن الواجب باختياره، ولا بفعلٍ يضادّه، والله سبحانه يقول: ( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ) ، ويقول: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) ويقول: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) ، ويقول: ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) ، ومضى يعدّد المخالفات التي قال بها المعتزلة، وعدّ منها إنكارهم للشفاعة، ولِعذاب القبر، وخلق الجنّة والنار، والمعراج، وانشقاق القمر، وإعجاز القرآن، ووصفهم الأنبياء بالمعاصي، والسهو والنسيان، وغير ذلك من الآراء التي يُخالفون فيها جميع المسلمين على حدّ تعبيره (2) .

وقد ألّف السيّد المرتضى في الردّ على المعتزلة وخالفهم في أكثر آرائهم ومذاهبهم، ولو لم يكن له إلاّ كتابه الشافي في الردّ على كتاب المغني لعبد الجبّار المعتزلي أحد البارزين من أعلامهم لكفى، وقد تصدّى فيه لنقض آراء المعتزلة، ودحض عقائدهم وإبطال مزاعمهم، بأُسلوبٍ قويّ وحجّةٍ متينةٍ غنية بالفكر والبيان، وهو من خيرة مؤلّفات الإمامية في هذا الموضوع، وإذا أضفنا إلى ذلك ما ألّفه المعاصرون للأئمّة (عليهم السلام) في الردّ على المعتزلة، وفي المواضيع التي كانت مسرحاً للخلاف بين المعتزلة وغيرهم، وما ألّفه المتأخّرون عن المفيد والمرتضى في مختلف تلك المواضيع، نجد الإمامية أبعد

____________________

(1) انظر نهج المقال في تحقيق أحوال الرجال للميرزا محمّد ص 317.

(2) انظر ص 132 من الكتاب المذكور.


الفِرَق عن الاعتزال، ولكن الكتّاب قد اعتادوا الافتراء على الشيعة حتى أصبح ذلك وكأنّه من السنن المتّبعة يأخذها المتأخّر عن المتقدّم كآية منزلة أو سنّة محكمة.

لقد قال أهل السنّة من المتقدّمين الذين عاصروا المعتزلة والإمامية: إنّ الإمامية أتباع المعتزلة في أُصول العقائد ومقلّدة لهم فيها، ذلك بعد أنْ وجدوا الإمامية في ذلك العصر من أبرز المسلمين في مختلف العلوم الإسلامية وغيرها؛ لأنّهم أخذوا عن أهل البيت الذين خرَج العِلم من بيتهم إلى الناس، فما اسطاعوا أنْ يعترفوا لهم بهذه الميزة، وشقّ عليهم أنْ تكون هذه القيادة الفكرية، فألحقوهم بالمعتزلة.

وجاءت الطبقة الثانية من كتّاب السنّة تجترِ هذه المقالة كما هي في كُتب أسلافهم وعلى ألسنة رواتهم، مِن غير أنْ يُمحّصوا الحقَّ من الباطل والهُدى مِن الضلال.

وجاء دور المتأخّرين كأحمد أمين وأمثاله من العرَب والمستشرقين فأخذوها عنهم، حتى أصبح ذلك شائعاً بين أكثر المؤلّفين، وقلّدوهم فيها بعض كتّاب الشيعة المعاصرين من الإمامية تزلّفاً إليهم، وبقصد توجيه الأنظار إلى كتابه (أدَب المرتضى) (1)، فنسب إلى السيّد المرتضى الاعتزال في أُصول العقائد، وأكّد لأكثر من مناسبة أنّه من أعلام المعتزلة في أُصوله (2)، وأضاف إلى ذلك التشيّع منحى من مناحي الاعتزال، من غير أنْ يذكر دليلاً أو مؤيّداً لهذه الادعاءات سِوى افتراءات بعض الكتاب الذين لا يكتبون عن الشيعة إلاّ بقصد التشويش عليهم وطمس أضوائهم.

والسيّد المرتضى الذي يلصق به المؤلّف تهمة الاعتزال هو من أعيان الطبقة الأولى الذين وضعوا أصول التشيع والإسلام كما جاء بها القرآن وأكدتها السنّة النبويّة وأحاديث أهل البيت (عليه السلام)، ولذلك فهو عند الشيعة من المراجع الأولى في أُصول التشيّع.

وما أردناه في هذا الكتاب من آراء الإمامية والمعتزلة ومقالاتهم في

____________________

(1) هو الدكتور عبد الرزّاق محيي الدين، وكان من طلاّب جامعة النجف الدينية، ونعرفه جيداً يوم كان طالباً يحاول أنْ يظهر بمظهر المتجدّد في تفكيره وينتقد بعض العادات والتقاليد.

(2) انظر ص 46 من كتابه وغيرها من الصفحات.


الأُصول الإسلامية يكفي للردّ عليه وعلى أمثاله من الكتّاب العرَب والأجانب المسلمين وغيرهم، وأنّي حينما أنسب رأياً إلى الإمامية أو إلى غيرهم من الفِرَق الأُخرى، لا أقصد أنّ تِلك الفِرْقة قد أجمعت على ذلك الرأي، بل اعتمد في نسبة الرأي إليها على أقوال علمائها الكبار المؤسّسين لها، وخروج بعض الأفراد على هذا الرأي لا يمنَع من نسبته إليها، كما وأنّي حينما أنسب رأياً إلى الإمامية اعتمد على أقوال الأئمّة (عليهم السلام) والعُلماء الكتّاب كالمفيد والمرتضى والطوسي والعلاّمة الحلّي وأمثالهم ممّن أصبحت أقوالهم وآراؤهم مرجِعاً لِمَن جاء بعدهم، نظراً لأمانتهم ووثاقتهم، وباب الاجتهاد مفتوح لكلّ عالم في غير الضروريّات، من غير فَرقٍ بين الأُصول والفروع، ورائدي في عملي هذا إحقاق الحقّ، وخدَمة الدين، وأسأله سبحانه أنْ يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأنْ يتقبله منّي.

والصلاة والسلام على محمّد وأهل بيته الطاهرين وأصحابه الطيّبين.


الفهرس

مقدّمة 7

تمهيد .13

الفَصل الأول: الفِرَق الإسلامية الأُولى .23

وأسباب حدوثها وتاريخ التشيّع ومعناه 23

الفصلُ الثّاني: الخوارج .32

الفصل الثالث: (في الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة) 50

الكيسانيّة 55

الزيدية 63

الفصل الرابع: في المذاهب الاعتقادية 95

المُرجِئة 99

المعتزلة 107

الأشاعرة 129

الفصل الخامس: في المذاهب والمعتقدات ..139

الأُصول التي تجمع المعتزلة 139

الصفات الوجودية 152

القُدرة 153

العلم .155

الحياة والإرادة 158

التكلّم .161

صفاته عين ذاته 167

الرؤية 171

الجبر والاختيار، أو القضاء والقدر 174

الحُسن والقُبح العقليّان .189


وجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه 193

النبوّة 197

الإمامة 199

العصمة 204

الجنّة والنار 215

الشفاعة 218

الإحباط .221

الإيمان .224

مرتكب الكبيرة 231

الوعد والوعيد .235

البَداء 237

الرجعة 241

الخلاصة 245